الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب المساقاة، الأول - السيد الخوئي

كتاب المساقاة، الأول

السيد الخوئي


[ 1 ]

محمد علي التوحيدي مصباح الفقاهة من تقرير بحث الاستاذ الاكبر آية الله العظمى الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دامت افاضاته لمؤلفه الميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي الجزء الاول المطبعة الحيدرية النجف 1374 ه‍ 1954 م‍

[ 2 ]

الطبعة الثانية مطبعة سيد الشهداء (ع) - قم

[ 3 ]

كلمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا إلى حقائق الايمان، وأنار قلوبنا بأنوار العلم والعرفان، والصلوات الزاكيات على سيدنا ونبينا محمد الصادع بالدين الحنيف، والشرع المنيف، وعلى آله الاطهار الدعاة إلى الله والناشرين لاحكام الله، (وبعد) فلما كان كتاب المكاسب الذي هو من مصنفات الشيخ الاعظم الصناع الفذ والعلم الفرد المحقق المؤسس شيخ مشائخنا الانصاري قدس الله روحه من أعظم الكتب الفقهية شأنا وأكثرها مادة وأمتنها استدلالا وأجزلها عبارة كان هو المعول عليه في الدراسة الخارجية عند البحث عن المعاملات وقد جمع قدس الله روحه وأكرم مثواه بين دفتي كتابه زبدة أفكار العلماء المتقدمين وخلاصة أنظارهم الدقيقة وأضاف إليها من فكرته الوقادة وقريحته النقادة تحقيقات أنيقة وتأملات رشيقة وبذلك كان الكتاب صحيفة ناصعة تمثل سداد الرأي ونتاج المجهود الفكري في مراتبه الراقية وعلماؤنا الاعلام قدس الله أسرارهم قد أبدوا اهتماما خاصا بهذا الكتاب وعنوا به عناية فائقة وتعرضوا إليه وأوسعوه دراسة وشرحا وتعليقا حسب اختلاف أذواقهم في الشرح والتعليق وبذلك تكونت مجموعة نفيسة من الشروح لا يستغني عنها الباحث ولا يتجاوزها المراجع المتأمل إلى ان القت العلوم الدينية زعامتها وأسندت رئاستها إلى سيدنا واستاذنا علم الاعلام آية الله الملك العلام فقيه العصر وفريد الدهر البحر اللجي واسطة قلادة الفضل والتحقيق محو دائرة الفهم والتدقيق إمام أئمة الاصول وزعيم أساتذة المعقول والمنقول المبين لاحكام الدين والمناضل عن شريعة جده سيد المرسلين قدوة العلماء الراسخين اسوة الفقهاء العاملين المولى الاعظم والحبر المعظم مولانا وملاذنا الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي النجفي ادام الله أيام افاضاته ومتع الله المسلمين بطول بقائه وهو أدامه الله قد تعرض إلى الكتاب أثناء الدراسة الخارجية في الحوزة المقدسة العلوية وأوسعه تهذيبا وتنقيحا وكشف النقاب عن غوامضه وأبان الموارد المعضلة منه وأخذ بتلك المسائل والآراء التي قيلت أو يمكن أن يقال فصهرها في بوتقة خياله الواسع وفكره الجامع وأفرغها في قوالب رصينة وشيدها على اسس متينة وكان النتاج درة لماعة على مفرق التشريع الاسلامي والفقه الجعفري وكنت ممن

[ 4 ]

وفقه الله للاستفادة من محضره الشريف والارتواء من منهله العذب فجمعت في هذا المختصر ما استفدته من تلك الابحاث ثم عرضت ذلك على السيد الاستاذ دام ظله فراجعه مراجعة كاملة وكرر النظر في أبحاثه وفصوله وها أنا ذا اقدم كتابي هذا مصباح الفقاهة إلى أرباب العلم والفضيلة آملا ان يقع ذلك منهم موقع القبول وجعلت عملي هذا خالصا لوجهه الكريم سائلا منه أن يجعل ذلك ذخرا ليوم لا ينفع مال ولا بنون. وقد كان المؤلفون القدماء كثيرا يقولون ان اسواق العلوم كاسدة وتجارتها غير مربحة وان الناس قد رغبت عنها إلى ملاذ الدنيا وشهواتها وقصرت بأنظارها إلى الحطام العاجل والعرض الزائل وانهم قد استأثروا الكسل على الجد والنوم على السهر والراحة على العمل وان الدنيا قد ادبرت عن ورثة الرسالة واصحاب الامانة وأمثال هذه الكلمات صارت عنوانا لفواتح الكتب ومستهلات الخطب والرسائل واما نحن فلنا أن نفتخر بحمد الله وافضاله على هذا العهد الزاهي الذي ازدهرت فيه أنوار العلوم واشرقت فيه شموس المعارف واصبحت الامم من كل حدب وصوب يتجهون إلى هذه المدينة المقدسة مدينة سيد العلماء على الاطلاق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وازدحمت المدارس بطلابها وضاقت بهم أرجاؤها نحمده تعالى على هذه الموهبة الجليلة والنعمة الجسيمة ونسأله أن يوفقنا لخدمات الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين وأن يجعلنا من المشمولين لقوله عز من قائل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) وتمت كلمة ربك صدقا وعلا لا مبدل لكماته وهو السميع العليم. محمد علي التوحيدي

[ 5 ]

(فيما يرجع إلى رواية تحق العقول) (قوله ره: وروى في ئل " 1 " أقول) المذكور في تحف العقول " 2 " والبحار " 3 " يشتمل على زيادات وقد أسقطها المصنف وربما يخل بالمقصود وما في حاشية العلامة الطباطبائي " ره " من انه لا يتغير بها المعنى المراد فيظهر لك ما فيه مما سيأتي (بحث وتحقيق) اعلم ان هذه الرواية وان كانت حاوية للضوابط الكلية والقواعد الكبروية الراجعة إلى اعاشة عالم البشرية من حيث تدينهم بالاحكام الشرعية إلا انه لا يمكن تصدير الكتاب بها لاجل أخذها مدركا للابحاث الآنية ودليلا لاحكام التجارة جزئيها وكليها بل لا بد في كل مسألة من ملاحظة مداركها بالخصوص فان كان فيها ما يدل على المنع أخذ به وإلا فالعمومات الدالة على صحة المعاملات محكمة (الوجوه الدالة على عدم جواز التمسك بها) وإنما لم يجز التمسك بهذه الرواية لوجوه " الاول " قصورها من ناحية السند وعدم استيفائها لشروط حجية اخبار الاحاد فان راويها أبو محمد. الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي وإن كان رجلا وجيها فاضلا جليل القدر رفيع الشأن وكان كتابه مشتملا على الدرر اليواقيت. من مواعظ أهل البيت " ع " وقد اعتمد عليه جملة من الاصحاب " 4 " إلا انه إلا انه لم يذكرها مسندة بل


(1) راجع ج 2 ئل باب 2 جوار التكسب بالمباحات من أبواب ما يكتسب به (2) ص 80 (3) ج 23 المكاسب المحرمة ص 14. (4) ج 3 ئل خاتمة الكتاب في الفائدة الرابعة عد. كتاب تحف العقول من جملة الكتب المعتبرة، وفي ج 1 رجال المامقاني ص 293 الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي قال في روضات الجنات انه فاضل فقيه ومتبحر نبيه ومترفع وجيه له كتاب تحف العقول عن آل الرسول معتمد عليه عند الاصحاب. وقال المحدث القمي في الفوائد الرضوية ص 109 أبو محمد شيخ فاضل محدث عالم عامل فقيه جليل ثم نقل عن صاحب التكملة عن الحسين بن علي بن الصادق البحراني انه من قدماء الاصحاب حتى ان شيخنا المفيد ينقل عنه وهو كتاب لم يسمح الدهر بمثله، وهكذا المحدث الطهراني في ج 3 ذريعة ص 400. وقال المجلسي في البحار ج 1 ص 12: كتاب تحف العقول عثرنا منه على كتاب عتيق ان نظمه يدل على رفعة شأن مؤلفه وأكثره في المواعظ ومن الاصول المعلومة التي لا تحتاج إلى سند. وقال السيد حسن الصدر في تأسيس الشيعة ص 413 شيخنا الاقدم وإمامنا الاعظم له كتاب تحف العقول في الحكم والمواعظ عن آل الرسول كتاب جليل لم يصنف مثله وكان هذا الشيخ جليل القدر عظيم المنزلة. وفي حقه يقول الشيخ العالم الرباني الشيخ حسين بن علي بن الصادق البحراني في رسالته في الاخلاق

[ 6 ]

أرسلها عن الصادق " ع " فلا تكون مشمولة لادلة حجية خبر الواحد لاختصاصها بالخبر الموثوق بصدوره ودعوى قيام القرينة على اعتبار رواتها المحذوفين جزافية لان القرينة على اعتبارهم ان كانت هي نقله عنهم فذلك ممنوع لكون النقل أعم من الاعتبار فالالتزام بالاعم لا يدل على الالتزام بالاخص وان كانت شيئا آخر غير النقل فلم يصل الينا ما يدل على اعتبارهم ولو سلمنا ذلك فانه لا يفيدنا بوجه بل حتى مع تصريحه باعتبارهم عنده لان ثبوت الاعتبار له لا يدل على ثبوته لنا ما لم يذكر سببه من التوثيق لنلاحظه حتى يوجب ثبوته عندنا فلعله يعتمد على غير خبر الثقة أيضا. وهم ودفع وربما يتوهم انجبار ضعفها بعمل المشهور إلا انه مدفوع لكونه فاسدا كبرى وصغرى اما الوجه في منع الكبرى فلعدم كون الشهرة في نفسها حجة فكيف تكون موجبة لحجية الخبر وجابرة لضعف سنده وإنما الشهرة بالنسبة إلى الخبر كوضع الحجر في جنب الانسان فلا بد من ملاحظة نفس الخبر فان كان جامعا لشرائط الحجية عمل به وإلا فان ضم غير حجة إلى مثله لا ينتتج الحجية. (لا يقال) إذا عمل المشهور بخبر كشف ذلك عن احتفافه بقرائن توجب الوثوق قد اطلعوا عليها ولم تصل الينا فيكون الخبر موثوقا به كما ان اعراضهم عن الخبر الصحيح يوجب وهنه وسقوطه عن الاعتبار ومن هنا اشتهر في الالسن ان الخبر كلما ازداد صحة ازداد باعراض المشهور عنه وهنا. (فانه يقال) مضافا إلى كون ذلك دعوى بلا برهان ورجما بالغيب وعملا بالظن الذي لا يغني من الحق شيئا ان المناط في حجية خبر الواحد هي وثاقة الراوي ويدل على ذلك الموثقة " 1 " التي ارجع الامام " ع " السائل فيها إلى العمري وابنه حيث علل هذا الحكم فيها


كتاب تحف العقول للفاضل النبيل الخ إلى غير ذلك من كلمات الاعلام في اعتبار تحف العقول ووثاقة مؤلفه. (1) عن الحميري عن أحمد بن اسحاق عن ابي الحسن " ع " قال سألته وقلت من اعامل وعمن آخذ وقول من اقبل فقال العمري ثقتى فما ادى اليك عني فعني يؤدي وما قال لك عني فعني يقول فاسمع له فانه الثقة المأمون. وقال سألت ابا محمد " ع " عن مثل ذلك فقال العمري وابنه ثقتان المأمونان موثقتان، راجع ج 3 ئل باب 11 وجوب الرجوع في القضاء إلى الروات من كتاب القضاء:

[ 7 ]

بأنهما ثقتان ويدل عليه ايضا الروايات المتواترة " 1 " التي ارجع فيها إلى أشخاص موثقين فان من المعلوم انه لا خصوصية لهولاء الروات إلا من حيث كونهم موثقين اذن فالمناط هي الوثاقة في الراوي وعلى هذا فان كان عمل المشهور راجعا إلى توثيق روات الخبر وشهادتهم بذلك فبها وإلا فلا يوجب انجبار ضعفه ومن هنا يعلم انه بعد ثبوت صحة الخبر لا يضره إعراض المشهور عنه إلا ان يرجع إلى تضعيف رواته، وبالجملة ان الملاك في حجية أخبار الآحاد هو وثاقة رواتها والمناط في عدم حجيتها عدم وثاقتهم ولاجل ذلك نهى " 2 " عن الرجوع إلى من لا وثاقة له وتفضيل الكلام في الاصول، واما الوجه في منع الصغرى فهو عدم ثبوت عمل المتقدمين بها واما عمل المتأخرين فهو على تقدير ثبوته غير جابر لضعفها مضافا لاى ان استنادهم إليها في فتياهم ممنوع جدا كما سيأتي فان المظنون بل الموثوق به هو اعتمادهم في الفتيا على غيرها وإنما ذكروها في بعض الموارد تأييدا للملرام لا نأسيا للكلام. (لا يقال) ان شرائط الحجية وان كانت غير موجودة فيها إلا ان موافقتها في المضمون مع الروايات الاخرى الصحيحة أو الموثقة توجب حجيتها على ان آثار الصدق منها ظاهرة. (فانه يقال) إذا لم تستوف الرواية شرائط الحجية فمجرد موافقتها مع الحجة في المضمون لا تجعلها حجة، واما قوله ان آثار الصدق منها ظاهرة فلا تدري ماذا يريد هذا القائل من هذه الآثار أهي غموض الرواية واضطرابها أم تكرار جملها وألفاظها أم كثرة ضمائرها وتعقيدها أم اشتمالها على أحكام لم يفت بها أحد من الاصحاب ومن أهل السنة كحرمة بيع جلود السباع والانتفاع بها وامساكها وجميع التقلب والتصرف فيها مع ان الروايات المعتبرة إنما تمنع عن الصلاة فيها فقط لا عن مطلق الانتفاع بها كموثقة سماعة " 3 " وغيرها وكحرمة الانتفاع بالميتة ولو كانت طاهرة وسيأتي خلاف ذلك في بيع الميتة وكحرمة التصرف والامساك فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد وسيظهر لك خلاف ذلك من المباحث الآتية ومما ذكرنا ظهر عدم انجبارها بالاجماع المنقول على تقدير حجيته (الوجه الثاني) ان فتاوى أكثر الفقهاء ان لم يكن كلهم لا تطابق بعض جمل الرواية فكيف ينجبر


(1) راجع الباب المذكور من ئل. (2) راجع أبواب القضاء من ج 3 ئل (3) عن سماعة قال سألته عن لحوم السباع وجلودها فقال (ع) واما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه. موثقة. راجع ج 1 ئل باب 5 جواز لبس جلد ما لا يؤكل لحمه مع الذكاة من لباس المصلي وج 5 الوافي باب 52 ص 67 والفقيه ص 53 وج 1 التهذيب باب ما يجوز الصلاة فيه ص 194 ولا يخفى عليك انه قد وقع الاشتباه في رقم صحيفة التهذيب بين هذا الباب وباب فضل المساجد.

[ 8 ]

ضعفها بالشهرة الفتوائية بينهم فان مقتضى بعض فقراتها حرمة بيع النجس مطلقا مع انه لم يلتزم به إلا النادر من الفهقاء بل في بعض فقراتها حرمة امساكه والتقلب فيه ولم يفت بهذا احد فيما نعلم مضافا إلى ان ظاهر الرواية هو حرمة بيع الامور المذكورة تحريما تكليفيا ويدل على ذلك من الرواية قوله " ع " (فهو حرام بيعه وشرائه وامساكه وملكه وهبته وعاريته والتقلب فيه) فان الامساك والتقلب يشمل جميع أنواع التصرف حتى الخارجي منه ولا معنى لحرمته وضعا والفقهاء رضوان الله عليهم لم يلتزموا في أكثر المذكورات بذلك وإنما ذهبوا إلى الحرمة الوضعية واستفادوا ذلك من النهي في أبواب المعاملات نظير النهي عن البيع الغرري فان معناه الارشاد إلى بطلان ذلك البيع كما يأتي في محله ان شاء الله، نعم لو توجه النهي بذات المعاملة مع ارادة ما يظهر منه من المولوية لتوجه الالتزام بالحرمة التكليفية كالنهي عن بيع الخمر وسيأتي (الوجه الثالث) ان التقسيم المذكور فيها لا يرجع إلى امر محصل وذلك يكشف عن اضطرابها فان تربيع اقسام المعاملة المعاشية بجعل كل واحد من الولايات والصناعات قسما مستقلا من تلك الاقسام في قبال التجارات والاجارات لا يسلم على التكرار، اما الولاية فهي على قسمين لانها اما عامة ثبتت من الله كالنبوة والامامة أو خاصة ثبتت من قبل الولات العامة اما الولاية العامة فهي خارجة عن حدود الرواية فان التقسيم فيها باعتبار المعاملة المعاشية فالولاية العامة خارجة عنها تخصصا وإنما هي من المناصب الالهية التي جعلت للعصمة الطاهرة واما الولاية الخاصة فمن حيث جواز ارتزاق الولاة من بيت المال تدخل تحت الاجارة المذكورة في الرواية فلا تكون الولاية في مقابل الاجارة قسما آخر فان المراد من الاجارة فيها ليس هي الاجارة المصطلحة بين الفقهاء ويدل على ذلك ادخال الجعالة تحتها وعدم ذكرها في الرواية استقلالا، واما الصناعات فان كان المقصود منها الصناعات المصطلحة من البناية والخياطة والنجارة ونحوها فمن الواضح انها ليست قسما من المعاملات المشرعة للاعاشة وإنما هي موضوع من الموضوعات وان كان النظر فيها إلى الطواري والعوارض من حيث ان من يتصف بها اما ان يوجر نفسه للغير لاجل ما عنده من الصناعة واما ان يجعل ما يحصله منها ثمنا أو مثمنا في البيع فعلى الاول تدخل تحت الاجارة وعلى الثاني تحت التجارة فلا تكون وجها آخر في قبالهما إلا ان يراد منها نفس الحرفة والصنعة مع تعميم المقسم إلى كل ما يكون وسيلة إلى المعاش فحينئذ يشملها المقسم لكونها من أعظم الوسائل إلى التعيش، وفيه انه بناء عليه لا يكون التقسيم المذكور في الرواية حاصرا لخروج كثير من وسائل الاعاشة عن المقسم كالحيازات والنتاجات والاصطياد واحياء الموات واجراء القنوات والضيافات وأخذ الخمس والزكاة والصدقات وقد رد هذا الاشكال بأن الحصر في الرواية اضافي ولكن هذا الرد

[ 9 ]

فاسد فانه ناشئ من الاغترار بما اشتهر في ألسنة الادباء من حسبان الحصر الاضافي قسما آخر يقابل الحصر الحقيقي مع ان الحصر لا يكون إلا حقيقيا بل الالتزام بالحصر في مورد مع الالتزام بكونه اضافيا لا حقيقيا التزام بالمتناقضين كما هو واضح للناقد البصير. نعم قد يكون الحصر في حصة خاصة كما يقال: زيد أعلم من في النجف، وقد يكون غير مقيد بحصة خاصة فيسمى الاول اضافيا والثاني حقيقيا وهذا غير ما توهم (وتوهم بعضهم) ان التقسيم فيها باعتبار المعاملات وحينئذ فلا يوجب حصرها في الاربع حصر كل طرق المعاش إليه ولكن هذا التوهم مما لا يصغى إليه بعد القطع بأن المعاملات المنقسمة إلى الاقسام المذكورة ليست هي المعاملات المصطلحة كما عرفت. نعم لا يبعد ان يقال ان التقسيم في الرواية بحسب المعاملات المعاشية المعروفة كما يدل على ذلك صدرها (1) وقد أسقطه المصنف تبعا لصاحب الوسائل وقد تحصيل من مطاوي بعض ما ذكرنا عدم جواز الاستناد إلى شيئ من روايات تحف العقول في شيئ من الاحكام الشرعية ومع ذلك لا ينقفني تعجبي من الشيخ حسين البحراني " ره " كيف رضى القول بأنه كتاب لم يسمح الدهر بمثله مع ان الكتب المعتمدة للشيعة نصب عينيه. تذييل لا يخفى عليك ان المناسب تقسيم معائش العباد إلى قسمين التجارة بالمعنى الاعم والعمل فان الاعاشة العقلائية لا تخلو منهما، واما مثل التسؤل ونحوه فليس من الطرق العقلائية للاعاشة (كشف حقيقة ولطف قريحة) لا يخفى عليك ان الاضافات الموجودة بين المال ومالكه المسماة بالاضافات المالكية تكون على أنحاء لانها في دار تقررها اما اضافة ذاتية تكوينية واما اضافة عرضية أي متكونة بواسطة الامور الخارجية. اما الاولى فكالاضافات الموجودة بين الاشخاص وأعمالهم وأنفسهم وذممهم فان أعمال كل شخص ونفسه وذمته مملوكة له ملكية ذاتية وله واجدية لها فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ودون مرتبة الواجدية الحقيقية التي لمكون الموجودات ثم انه ليس المراد من الذاتي هنا الذاتي في باب البرهان وهو المنتزع من مقام الذات المسمى بخارج المحمول ولا الذاتي في باب الكليات الخمس بل المقصود منه هنا ما لا يحتاج في تقرره وظهوره في صفحة الوجود إلى شيئ آخر وراء نفسه من الاعتبارات الملكية ولا إلى اعدام موجود ولا إلى


(1) فقال " ع ": قد يكون في هؤلاء الاجناس الاربعة حلال من جهة حرام من جهة وهذه الاجناس مسميات معروفات الجهات فأول هذه الجهات الاربعة، الخبر.

[ 10 ]

ايجاد معدوم ولا إلى ضم ضميمة وإنما شأنها شأن الذاتيات التي لا تحتاج الا إلى علة في الوجود ثمان معنى الملكية هنا ليس إلا القدرة والسلطنة بمعنى ان كل أحد مسلط على عمله ونفسه وما في ذمته بأن يؤجر نفسه للغير أو يبيع ما في ذمته ويأتي لذلك زيادة توضيح في أول البيع ان شاء الله، ومن هنا يندفع ما ربما يتوهم من ان عمل الانسان لا يعد من الاموال ووجه الاندفاع انه ليس من الاموال بالاضافة الاعتبارية لا بالاضافة التكوينية. واما الاضافة العرضية فهي اما أن تكون اضافة أولية واما ان تكون اضافة ثانوية والاولية اما اصلية استقلالية أو تبعية غيرية فالاولية الاصلية كالاضافة المالية الحاصلة بالعمل أو بالحيازة أو بهما معا فالاول كالاعمال التي يعملها الانسان فيحصل منها المال والثاني كحيازة المباحات والثالث كمن يجوز اشجارا فيجعلها سريرا فان الصورة السريرية توجب تحقق اضافة مالية اخرى في المادة الخشبية وراء المالية المتقومة بالخشبة فتلك المالية القائمة في السرير حاصلة من العمل والحيازة معا فاطلاق الاولية عليها باعتبار عدم سبق اضافة ذلك المال إلى الغير والاصلية باعتبار عدم تبعها للغير. واما الاضافة الاولية التبعية فهي ما تكون بين المالك وبين نتاج أمواله كالنتاج التي تنتج الحيوانات المملوكة والبيوض التي تبيضها الطيور المملوكة والثمار التي تثمرها الاشجار المملوكة إلى غير ذلك فانها تضاف إلى مالك الاصول اضافة اولية تبعية اما اطلاق التبعية فلكونها تابعة لما تحصل منه واما اطلاق الاولية فلعدم سبق اضافة إليها. واما الاضافة الثانوية فالمراد بها ما قابل الاضافة الاولية وان كانت طارئة على الاموال مرارا عديدة فهي نظير المعقولات الثانوية في مقابلتها للمعقولات الاولية، وهي على قسمين لانها تارة تكون قهرية واخرى اختيارية. (اما الاولى) فكالاضافة التي تحصل بسبب الارض أو الوقف بناء على كونه من الايقاعات كما اخترناه في محله ووجه كونها قهرية هو حصول المالكية في هذه الموارد للوارث والموقوف عليه والموصى له بالقهر لا بالفعل الاختياري. (واما الثانية) فكالاضافة الحاصلة من المعاملات ومنها ما يحصل من المكاسب التي نحن بصدد بحثها وتأسيسها اصولها ومبانيها بعون الله وحسن توفيقه، وغير خفي على الناقد ان ما ذكرناه من تلك الاضافات على أقسامها من البديهيات التي لا تحتاج إلى المقدمات النظرية الخفية (قوله عليه السلام: كذلك المشتري أقول) هو اسم فاعل مقابل البايع وليس باسم مفعول ليكون المراد منه المبيع كما توهم. (قوله عليه السلام: فيجعل ذلك الشيئ أقول) يمكن ان يراد منه الحمل اي يحمل

[ 11 ]

أو الاخذ أي يأخذ أو الوصف اي يوصف في مقام الايجار وليس بمعناه المعروف ليكون الشيئ مفعولا أولا وقوله " ع ": حلالا أقول) ليس منصوبا على الحالية ولا مجرورا لكونه وصفا لقوله ع (في عمل) كما تخيل بل إنما هو مرفوع للخبرية فان اصل النسخة هكذا (فهذه وجوه من وجوه الاجارات حلال). (قوله " ع ": أو سوقة أقول) في المجمع السوقة بالضم الرعية ومن دون الملك ومنه الحديث: ما من ملك ولا سوقة يصل إلى الحج إلا بمشقة. (قوله " ع ": أو عمل التصاوير أقول) في تحف العقول (أو حمل التصاوير) وعلى هذا فعطف الخنازير والميتة والدم في الرواية على التصاوير لا يحتاج إلى عناية. (قوله " ع ": اجارة نفسه فيه أوله اقول) المراد من الاول هو الايجار لنفس الشيئ بأن يؤجر نفسه لصنع الخمر كايجار نفسه في هدم المساجد، ومن الثاني الايجار للمقدمات، وليس المراد من الاول ايجار نفسه في المصنوع كحمل الخمر ومن الثاني ايجار نفسه لصنعه، ولا ان المراد من الاول المباشرية ومن الثاني التسبيبية، ولا ان المراد من الاول الايجار للمقدمات ومن الثاني الايجار لنفس المحرم، فان كل ذلك خلاف الظاهر من الرواية ومن هنا ظهر المقصود من قوله " ع " (أو شيئ منه أوله) غاية الامر ان المراد منهما جزء العمل وجزء المقدمات والضمائر الاربعة كلها ترجع إلى الامر المنهي عنه. (قوله " ع ": وينحيها أقول) في المجمع نحى الشيئ أزاله ونح هذا عني اي أزله وأبعده عني (قوله " ره ": وحكاه غير واحد أقول) ليس في كتاب السيد من رواية تحف العقول عين ولا اثر ولم تذكر حتى بمضمونها فيه. (نعم) ذكرت (1) فيه معائش الخلق على خمسة أوجه (وجه الامارة ووجه العمارة


(1) في ج 2 ئل باب 2 وجوب الخمس في غنائم دار الحرب، من أبواب ما يجب فيه الخمس، عن علي بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن تفسير النعماني عن علي " ع " قال: واما ما جاء في القرآن من ذكر معائش الخلق واسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه وجه الامارة ووجه العمارة ووجه الاجارة ووجه التجارة ووجه الصدقات. وفي ج 19 بحار الانوار ص 106 عن تفسير النعماني قال فاما ما جاء في القرآن من ذكر معائش الخلق واسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه وجه الاشارة، إلى ان قال " ع ": واما وجه الاشارة فقوله تعالى: واعلموا إنما غنمتم من شيئ فان لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين. إلى ان قال " ع ": واما وجه العمارة

[ 12 ]

ووجه الاجارة ووجه التجارة ووجه الصدقات) إلا ان ذلك غير مربوط بما في تحف العقول سنخا وحكما ولعل هذه الجملة صدرت من المصنف اما من سهو القلم أو من جهة الاعتماد على ما في ئل فانه قال بعد نقل رواية تحف العقول (ورواه المرتضى في كتاب المحكم والمتشابه) ولا يخفى ان كتاب المحكم والمتشابه هذا هو بعينه تفسير النعماني المعروف. (قوله " ره ": وفي الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا " ع " أقول) تحقيق الكلام هنا يقع في جهتين الاولى في صحة نسبة هذا الكتاب إلى الرضا " ع " وعدم صحتها والثانية في دلالة


فقوله هو الذي أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فأعلمنا سبحانه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سببا لمعايشهم بما يخرج من الارض من الحب والثمرات وما شاكل ذلك مما جعله الله تعالى معايش للخلق، واما وجه التجارة فقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل، الآية. فعرفهم سبحانه كيف يشترون المتاع في السفر والحضر وكيف يتجرون إذ كان ذلك من اسباب المعائش. واما وجه الاجارة فقوله عزوجل: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون. فأخبر سبحانه ان الاجارة أحد معائش الخلق وجعل ذلك قواما لعائش الخلق وهو الرجل يستأجر الرجل في صنعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته وأملاكه، إلى ان قال: واما وجه الصدقات إنما هي لاقوام ليس لهم في الامارة نصيب ولا في العمارة حظ ولا في التجارة أمان ولا في الاجارة معرفة وقدرة ففرض الله تعالى في أموال الاغنياء، الخبر. والظاهر من قوله " ع ": (إنما هي لاقوام ليس لهم في الامارة نصيب) ان لفظ الاشارة في مطلع التقسم غلط من النساخ وان الامارة هي النسخة الصحيحة كما في ئل وفي سفينة البحار في مادة حمد، محمد بن ابراهيم بن جعفر أبو عبد الله الكاتب النعماني صاحب كتاب الغيبة يروي عن الشيخ الكليني وغيره جش محمد بن ابراهيم بن جعفر أبو عبد الله الكاتب النعماني المعروف بابن زينب شيخ من اصحابنا عظيم القدر شريف المنزلة صحيح العقيدة كثير الحديث قدم بغداد وخرج إلى الشام ومات بها له كتب منها كتاب الغيبة الخ، وهكذا في رجال المامقاني، وفي ج 4 الذريعة ص 318 تلميذ الكليني وشريك الصفواني، وفي ج 3 المستدرك في الفائدة الثانية ص 365 ان الكتاب في غاية الاعتبار وصاحبه شيخ اصحابنا الابرار، ومع ذلك كله لا يمكن الاعتماد على ما اشتمل عليه تفسير النعماني لان أحمد بن يوسف وحسن بن علي بن ابي حمزة وأباه الذين من جملة رواته من الضعفاء.

[ 13 ]

هذه الرواية على مقصد المصنف وعدم دلالتها (اما الجهة الاولى) فقد تمسك القائلون باعتباره بوجوه كثيرة ولكنها تؤل إلى وجهين: (الاول) وهو عمدة ما تمسك به المثبتون ان ظهوره وان كان في زمن المجلسي الاول ولكن الذي أخبر بالكتاب ورواه المجلسي هو الثقة الفاضل والمحدث الكامل القاضي السيد أمير حسين طاب ثراه (1) فانه أول من اطلع عليه واستنسخه وقد استنسخه المجلسي من نسخته وهو ثقة فيصدق في قوله لشمول أدلة الخبر الواحد لخبره هذا. (وفيه) ان اخباره هذا اما أن يكون مستندا إلى القرائن التي أوجبت حصول العلم العادي له من الخطوط الموجودة فيه للامام " ع " والاجازات المدونة فيه للاعلام على ما نقله المحدث المتبحر النوري في المستدرك (2) عن المجلسي الاول. واما ان يكون مستندا إلى اخبار ثقتين عدلين من أهل قم للسيد المذكور بكون الكتاب للرضا " ع " كما في المستدرك (3) ايضا حيث قال: ان السيد الثقة الفاضل القاضي أمير حسين أخبر بأن هذا الكتاب له " ع " وأخبره بذلك ايضا ثقتان عدلان من أهل قم وهذا خبر صحيح داخل في عموم ما دل على حجية خبر العدل. اما الطريق الاول فضعفه بين لان حصول العلم للسيد الامجد والسند الاوحد من تلك القرائن على صحة النسبة لديه لا يوجب حصول العلم لنا باعتباره وعلمه بذلك لا يفيد غيره بوجه ومن الغرائب أن يتمسك لحجية خبره هذا بعموم ادلة أخبار الآحاد فان هذه العمومات لا تشمل الاخبار الحدسية ولو كان المخبر بهامن الثقات وأغرب منه أن يقال ان المتيقن من الاخبار الحدسية الخارجة عن هذه العمومات هي ما لا تعتمد على مبادئ محسوسة يلزم من العلم بها العلم بمضمون الخبر واما لو اعتمد على مبادئ محسوسة يلزم من العلم بها العلم بصدق الخبر كما في الشجاعة والسخاوة والعدالة بناء على تفسيرها بمعنى الملكة فلا يظن بأحد أن يتوقف في عموم ادلة خبر العدل لها واخبار السيد باعتبار الفقه الرضوي من قبيل الثاني لا الاول ووجه الغرابة في هذا القول ان الاخبار بالامور الحدسية بواسطة اسبابها الحسية إنما يكون مشمولا لادلة الحجية إذا كان بين الاسباب ومسبباتها ملازمة عادية بحيث يلزم من العلم بها العلم بالمسببات كما في الامثلة المذكورة واما إذا انتفت الملازمة العادية فأدلة حجية الخبر لا تشمله كما حقق ذلك في علم الاصول وهذا الشرط مفقود في موضوع البحث فان


(1) وهو غير السيد حسين ابن بنت المحقق الكركي كما اشار إليه في ج 3 المستدرك ص 354 ناقلا عن الرياض الذي استاذ هذه الصناعة وما ذهب إليه صاحب الفصول والعلامة الطباطبائي من اتحادهما خطأ فاحش. (2) راجع ج 3 ص 337. (3) راجع ج 3 ص 339

[ 14 ]

الامور التي استند إليها السيد في اخباره قابلة للمنع فانه كيف يعلم احد ان الخطوط في النسخة للامام " ع " وان الاجازات للاعلام إلا من طريق الحدس الشخصي إذن فان الامور المذكورة حدسية لا حسية، وايضا فلا ملازمة بينها وبين العلم بالنتيجة. (فان قلت) كيف يصح انكار ما يدل على صدق نسبة الكتاب للامام " ع " مع ان فيه عبارات تنطق بكونه له " ع " مثلما قال في أول الكتاب يقول عبد الله علي بن موسى الرضا وفي بعض كلماته نحن معاشر أهل البيت وأمرني أبي وجدنا أمير المؤمنين " ع " وأروي عن أبي العالم، إلى غير ذلك من العبائر التي لا ينبغي صدورها إلا عن الحجج (ع) وقد ذكر المحدث النوري جملة منها في المستدرك (1) هذا مضافا إلى القرائن التي اعتمد عليها السيد المذكور (قلت) أولا ان احتمال الكذب لا دافع له مع الجهل بمؤلفه وانفتاح باب الجعل والفرية من المشمرين عن ساق الجد للكذب على العترة الطاهرة. أفنسيت الاخبار المجعولة في أمر الولاية كيف قامت وان لكل واحد من الائمة عليهم السلام من يدس عليه من الكذابين. ومن هذا ظهر فساد توهم الصدق في نسبة الكتاب من جهة موافقة تاريخه لزمان الرضا عليه السلام، وثانيا لنفرض ان الكتاب ليس من مجعولات الوضاعين فهل يصح أن نتمسك بقوله: نحن معاشر اهل البيت، أوجدنا أمير المؤمنين، لتصحيح كون الكتاب للامام عليه السلام أليس احتمال كون مؤلفه رجلا علويا بمكان من الامكان (واما الطريق الثاني) أعني استناد اخبار السيد بصدق الكتاب إلى اخبار ثقتين بذلك من أهل قم. (ففيه) أولا انه محض اشتباه من المحدث المتبحر النوري فانه مع نقله كلام المجلسي الاول بطوله الذي هو الاصل في السماع عن السيد غفل عنه وسلك مسلكا آخر فقد قال المجلسي الاول كما في المستدرك (2) ثم حكى اي السيد عن شيخين فاضلين صالحين ثقتين انهما قالا: ان هذه النسخة قد أتى بها من قم إلى مكة المشرفة وعليها خطوط العلماء واجازاتهم وخط الامام عليه السلام في عدة مواضع قال: والقاضي أمير حسين قد أخذ من تلك النسخة وأتى بها إلى بلدنا وانى استنسخت نسخة من كتابه. وهذا الكلام كما ترى يعلن بمخالفته لما أفاده النوري. وثانيا فننقل الكلام إلى اخبار هذين العدلين فان غاية ما يحصل لنا من اخبارهما كون الفقه الرضوي من جملة الاخبار المرسلة فيتوجه عليه ما قدمناه في رواية تحف العقول. ومما يوهن حجية خبر أمير حسين بصدق الكتاب مع كونه ثقة قول المجلسي الاول بعد


(1) راجع ج 3 ص 343. (2) راجع ج ص 337.

[ 15 ]

كلامه المتقدم والعمدة في الاعتماد على هذا الكتاب مطابقة فتاوى علي بن بابويه في رسالته وفتاوى ولده الصدوق لما فيه من دون تغيير أو تغيير يسير في بعض المواضع ومن هذا الكتاب تبين عذر قدماء الاصحاب فيما افتوا به. ووجه الوهن انه لو كان اخبار السيد بذلك جامعا لشرائط الحجية في الخبر الواحد فلا وجه لقول المجلسي الاول: ان العمدة في اثباته هي مطابقته لفتوى الصدوقين، وبالجملة لم يتحصل لنا من الوجه المذكور ما يوجب اعتبار الكتاب. (الامر الثاني) مما تمسك به المثبتون لنسبة الكتاب موافقته لرسالة علي بن بابويه إلى ولده الصدوق وهي الكتاب المعروف بشرايع الصدوق وقد استند إلى هذا الوجه بعض الاصحاب وعرفت ان المجلسي الاول من هؤلاء فقد جعل العمدة في تصحيح الكتاب موافقته لفتوى الصدوقين فلا بد من ان يكون الكتاب موجودا في زمان الصدوق ومعتمدا عليه عنده ولذا نقل عنه وان لم يسم به. (وفيه) ان هذا لا يوجب اعتبار الكتاب لاحتمال اخذ مؤلفه ذلك من الرسالة المذكورة بل هذا هو الظاهر إذ من المستبعد جدا بل من المستحيل عادة ان يسند علي بن بابويه كتاب الرضا عليه السلام إلى نفسه من دون ان يشير هو أو ابنه الصدوق الذي كتب لاجله هذه الرسالة إلى ان هذا الكتاب من تأليف الرضا وهل يرضى احد ان ينسب مثل هذه السرقة إلى الصدوقين فلا بد وان يكون الامر بالعكس بأن يكون هذا الكتاب مأخوذا من رسالة علي بن بابويه. (وربما قيل (1) ان فقه الرضا عليه السلام هذا هو الذي كتبه الرضا لاحمد بن السكين الذي كان مقربا عنده وهو بخطه " ع " موجود في الطائف بمكة المعظمة في جملة كتب السيد علي خان وعليه اجازات العلماء وخطوطهم وهذه النسخة بالخط الكوفى وتاريخها عام مائتين من الهجرة وبعد ان نقل المحدث النوري هذا الوجه عن الرياض قال ما حاصله: ومن هنا يتضح ان من عدم الاطلاع ومن قلة الخبرة ان يقال ظهور الكتاب إنما كان في زمن امير حسين اما قبل ذلك الزمان فلم يكن منه عين ولا اثر. (أقول) نحن لا ندعي انه لم يكن للرضا " ع " كتاب وآثار حتى ينقض علينا بما كتبه لاحمد بن سكين بن نقول انه لا مدرك لنا لاثبات ان هذا الكتاب الذي عندنا كان له عليه السلام وانه هو الذي كان موجودا في مكتبة السيد علي خان خصوصا مع ملاحظة ان ظهوره كان من قم كما عرفت ومن هنا يعلم ان نقد النوري للقول بظهوره في زمن امير حسين


(1) ملخص ما نقله النوري في ج 3 المستدرك ص 340 عن كتاب رياض العلماء.

[ 16 ]

ناشئ من عدم التأمل. ثم انه مع الغض عن جميع ما ذكرناه فان في الكتاب قرائن قطعية تدل على عدم كونه لمثل مولانا الرضا " ع " بل هو رسالة عملية ذكرت فيها الفتاوى والروايات بعنوان الافتاء كما يظهر لمن يلاحظه كيف واكثر رواياته اما بعنوان روي وراوي ونحوهما، واما نقل عن الرواة خصوصا في آخر الكتاب فانه ينقل فيه كثيرا عن ابن ابي عمير وزرارة والحلبي وصفوان ومحمد بن مسلم ومنصور وغيرهم. على ان فيه عبارات يقبح صدورها عن الامام " ع " نظير قوله جعلني الله من السوء فداك وقوله في باب القدر (1) صف لي منزلتين فان هذا القول ظاهر في جهل القائل وهو مستحيل في حق الامام " ع " إلى غير ذلك وقد نقل جملة منها في المستدرك (2) مع انه ذكر فيه (3) من الاحكام المتناقضة وما يخالف مذهب الشيعة بكثير وحملها على التقية بديهي الفساد لما ورد في هذا الكتاب ايضا مما يخالفها بل تكذيبهم والازراء عليهم كما في المتعة (4) والالتزام بالتفصيل (5) بأن بعض الكتاب املاء منه " ع " وبعضه الآخر لاحمد بن محمد بن عيسى الاشعري وان موارد التقية في الكتاب إنما هي فيما سمع منه عليه السلام تكلف في تكلف وقول بلا علم هذا كله ما يرجع إلى نفس الكتاب، وقد اجاد صاحب الفصول في بعض ما افاده (6) هنا فليراجع إذن فقد حق القول انه لو انيطت الاحكام الشرعية بمثل هذه المدارك


(1) ص 48. (2) ج 3 ص 350. (3) في باب اللباس وما لا يجوز فيه الصلاة ص 17 قال: يجوز الصلاة في سنجاب وسنور وفنك، وفي باب اللباس وما يكره فيه الصلاة ص 42 قال: جلد الميتة دباغته طهارته وقد يجوز الصلاة فيما لم تنبته الارض ولم يحل أكله مثل السنجاب والفنك والسنور، وفي باب المواقيت ص 4 قال: وان غسلت قدميك ونسيت المسح عليهما فان ذلك يجزيك لانك قد أتيت بأكثر ما عليك وقد ذكر الله الجميع في القرآن. (4) وفي باب المتعة ص 67 محمد بن ابي عمير عن ابن اذينه عن زرارة قال: جاء عبد الله بن عمير الي ابي جعفر " ع " فقال: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: احلها الله في كتابه وعلى لسان نبيه فهي حلال إلى يوم القيامة، فقال: يا ابا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرمها امير المؤمنين عمر فقال وان كان فعل فقال اني اعيدك ان تحل شيئا قد حرمه عمر فقال فأنت على قول صاحبك وانا على قول رسول الله صلى الله عليه وآله فهلم الاعنك ان القول ما قال رسول الله فان الباطل ما قال صاحبك قال فأقبل عليه عبد الله بن عمير فقال يسرك ان نساؤك وبناتك واخوانك وبنات عمك يفعلن فأعرض عنه أبو جعفر " ع " وعن مقالته حين ذكر نسائه وبنات عمه. (5) راجع ج 3 المستدرك ص 353. (6) راجع الفصول فصل

[ 17 ]

فبين ايدينا البخاري ومسند احمد وصحيح مسلموعلى هذا فعلى الفقه السلام. واما توهم انجبار رواياته بالشهرة إذا قامت على وفقها فقد عرفت ما فيه في رواية تحف العقول (وربما يتخيل) اعتبار الكتاب لاجل عمل جملة من الاكابر عليه كالمجلسيين وغيرهما ولكنه فاسد لانهم قد استندوا في عملهم هذا بما ذكر من الوجوه التي عرفت جوابها بما لا مزيد عليه. (واما الجهة الثانية) فمع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه والالتزام باعتبار الكتاب لا يمكن الاستناد بهذه الرواية (1) التي نقلها العلامة الانصاري " ره " في شيئ من المباحث وذلك لوجوه (الاول) عدم وجدان فتوى من فتاوى اعاظم الاصحاب على طبقها فان الرواية صريحة بحرمة استعمال ما نهى عنه مما فيه الفساد بجميع الاستعمالات حتى الامساك مع انه لم يفت به أحد فيما نعلم وكيف يتفوه فقيه أو متفقه بحرمة امساك الدم والميتة ولحوم السباع كما ان ذلك مقتضى الرواية إذن فلا يمكن الفتوى على طبقها. (الثاني) ان مقتضى قوله (فحرام ضار للجسم وفساد للنفس) ان الضابطة في تحريم هذه الامور المذكورة في الرواية هو أضرارها للجسم كما ان المناط في جوازها عدم اضرارها له مع ان جلها ليس بضار للجسم كالملابس والمناكح وأكثر المشارب والمآكل ان لم يكن كلها كذلك وعلى فرض تسليم ذلك ذلك فلا نسلم انضباط القاعدة فانه لا شبهة ان كثيرا من هذه الاستعمالات للاشياء المحرمة لا تكون مضرة قطعا كوضع اليد عليها مثلا أو الاكل منها قليلا أو شد اليد بجلد الميتة وشعر الخنزير وإنما المضر هي مرتبة خاصة من الاستعمال بحسب الاشخاص والازمان والامكنة والكمية فلو كان ذلك موجبا لحرمة جميع الاستعمالات بجميع


انه لا يكفي عندنا في حجية الرواية مجرد وجودها في الكتب الاربعة في فصول حجية اخبار الآحاد ص 312. (1) اعلم يرحمك الله ان كل مأمور به مما هو من (وفي البحار مما هن " أو " هون) على العباد وقوام لهم في امورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون فهذا كله حلال بيعه وشرائه وهبته وعاريته وكل أمر يكون فيه الفساد مما قد نهى عنه من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وامساكه لوجه الفساد مثل الميتة والدم ولحم الخنزير والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر وما أشبه ذلك فحرام ضار للجسم وفساد للنفس. ضعيفة كما عرفت. راجع فقه الرضا عليه السلام باب التجارة ص 34 وج 23 البحار ص 16 وج 2 المستدرك باب تحريم التكسب، مما يكتسب به ص 425.

[ 18 ]

مراتبها فتكون نظير قول النبي " ص " (1): " فما اسكر كثيره فقليله حرام) للزم من ذلك القول بحرمة جميع ما خلق الله في الارض من المباحات فان كل واحد من هذه المباحات لا بد وأن يكون مضرا في الجملة ولو باستعمال الشيئ الكثير منه. على ان الاحكام الشرعية بناء على مسلك العدلية تدور مدار ملاكاتها الواقعية من المصالح والمفاسد واما المنافع والمضار فهي خارجة عن حدودها، نعم ربما يكون الضرر أو النفع موضوعا للاحكام إلا ان ذلك غير مربوط بباب ملاكات الاحكام. (الثالث) ان ظاهر الرواية هو حرمة بيع الامور المذكورة تحريما تكليفيا كما تقدم نظير ذلك في رواية تحف العقول وكلامنا في الحرمة الوضعية. (قوله وعن دائم الاسلام أقول) أقصى ما قيل أو يمكن ان يقال في وجه اعتبار هذا الكتاب ان صاحبه أبا حنيفة النعمان حيث كان رجلا إماميا اثنى عشريا جليلا فاضلا فقيها ومن جملة النوابغ في عصره بل كان فريدا في دهره كما يظهر من كتابه كانت رواياته مشمولة لادلة حجية خبر العدل الامامي. (والذي) ينبغي ان يقال انه لا شبهة في علو مكانة ابي حنيفة النعمان صاحب كتاب دعائم الاسلام وغيره من الكتاب الكثيرة ونبوغه في العلم والفضل والفقه والحديث على ما نطقت به التواريخ وكتب الرجال وكتابه هذا كما لا شبهة في كونه إماميا في الجملة فانه كان مالكي الاصل فتبصر وصار شيعيا إماميا كما اتفقت عليه كلمات أكثر المترجمين الذين تعرضوا لترجمته وتاريخه كالبحار (2) وتنقيح المقال للمامقاني (3) وسفينة البحار (4)


(1) راجع ج 11 الوافي باب 156 ان كل مسكر حرام ص 82. (2) ج 1 ص 15 قال: قد كان اكثر اهل عصرنا يتوهمون انه تأليف الصدوق وقد ظهر لنا انه تأليف ابي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر في أيام الدولة الاسماعيلية. (3) ج 3 ص 273. (4) مادة حنف: أبو حنيفة الشيعة هو القاضي نعمان بن محمد بن منصور قاضى مصر كان مالكيا أولا ثم اهتدى وصار إماميا وصنف على طريق الشيعة كتبا منها كتاب دعائم الاسلام وفي كتاب دائرة المعارف: أبو حنيفة المغربي هو النعمان بن ابي عبد الله محمد بن منصور ابن أحمد بن حيوان احد الائمة الفضلاء المشار إليهم ذكره الامام المسيحي في تاريخه فقال كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل على مالا مزيد عليه. وله عدة مصنفات منها كتاب اختلاف اصول المذهب. وغيره وكان مالكي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الامامية.

[ 19 ]

والمستدرك (1) وتأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر (2) وغيرها وقد نقلوا عن ائمة التاريخ والرجال كونه إماميا وعلى هذا فلا يصغى إلى قول ابن شهر اشوب في المعالم انه لم يكن إماميا على ما في تنقيح المقال. إلا أن الذي يقتضيه الانصاف إنا لم نجد بعد الفحص والبحث من يصرح بكونه ثقة ولا اثنى عشريا وإن كان المحدث النوري قد أتعب نفسه في اثباتهما وبالغ في اعتبار الكتاب ومع هذا الجهد والمبالغة لم يأتي بشيئ تركن إليه النفس ويطمئن به القلب ولعل كلام السيد في الروضات (3) ينظر إلى ما ذكرناه حيث قال: ولكن الظاهر عندي انه لم يكن من الامامية الحقة وحينئذ فكيف يمكن اثبات حجية رواياته بأدلة حجية خبر العدل. وعلى تقدير تسليم وثاقته وكونه إماميا اثنى عشريا فلا يخرج بذلك ما احتواه كتابه عن سلك الاخبار المرسلة فتسقط حجيته للارسال. وأما توهم انجباره بالشهرة أو بموافقة اكثر رواياته لروايات الكتب المعتبرة فقد تقدم جوابهما في ذيل رواية تحف العقول. (فان قلت) إذا سلمنا وثاقة أبي حنيفة النعمان فلا مناص عن الالتزام بحجية كتابه لانه قال في أوله: نقتصر فيه على الثابت الصحيح مما رويناه عن الائمة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله فيكون كلامه هذا توثيقا اجماليا لما اسقطه من الرواة. (قلت) نعم ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن والحق فيه ما ذكره المجلسي في البحار (4) ان رواياته إنما تصلح للتأكيد والتأييد فقط. (ازاحة شبهة) وقد التجأ المحدث النوري (5) في تنزيه أبي حنيفة النعمان عن اتهامه


وقال ابن زولاق: كان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانية عالما بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس مع عقل وانصاف وألف لاهل البيت من الكتب آلاف اوراق بأحسن تأليف وأفصح سجع وعمل في المناقب والمثالث كتابا حسنا وله رد على المخالفين له رد على أبي حنيفة ومالك والشافعي وعلي بن سريج وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لاهل البيت " ع " وله القصيدة الفقهية لقبها بالمنتخبة وكان ملازما صحبة المعز العلوي توفي سنة 363. وكان اولاده من الافاضل منهم أبو الحسن علي بن النعمان وأبو عبد الله محمد بن النعمان. (1) ج 3. خاتمة الكتاب في الفائدة الثانية ص 313. (2) ص 382. (3) ص 727. (4) ج 1 ص 15. (5) ج 3 المستدرك ص 215

[ 20 ]

بمذهب الاسماعيلية واثبات كونه ثقة اثنى عشريا إلى بيان نبذة من عقائد الاسماعيلية الفاسدة كقولهم بأن محمد بن اسماعيل حي لم يمت ويبعث برسالة وشرع جديد ينسخ به شريعة محمد وانه من اولي العزم وأولوا العزم عندهم سبع لان السماوات سبع والارضين سبع وبدن الانسان سبع والائمة سبع وقلبهم محمد بن اسماعيل إلى غير ذلك من الخرافات التي تنزه عنها النعمان وكتابه ثم انه صرح في كتابه بكفر الباطنية وأثبت إمامة الائمة الطاهرة وكونهم مفترضي الطاعة ولم يصرح باسماعيل ولا بابنه محمد ومع ذلك كله فكيف يرضى المنصف بعده من من الاسماعيلية، انتهى ملخص كلامه. (وفيه) ان تنزه النعمان من تلك الاقاويل الكاذبة والعقائد الفاسدة وتصريحه بكفر الباطنية لا يستلزم عدم كونه من الاسماعيلية لان الباطنية قسم منهم وليس كل اسماعيلي من الباطنية وان عدم ذكره اسماعيل وابنه في عداد الائمة لا يكشف عن عدم عقيدته بامامتهما مع ان عقائد الاسماعيليين لم تصل الينا بحقيقتها حتى نلاحظها مع ما ذكره النعمان ليتضح لنا انه منهم أو ليس منهم ولقد صادفت زعيما من زعمائهم في الحضرة الشريفة فسألته عن ولي الامر والحجة المنتظر " ع " هل هو حي أو ميت فقال هو لا حي ولا ميت بل يولد من امرأة قرشية لا تحيض فيعلم من ذلك انهم لا يرون ما تذهب إليه الباطنية في محمد بن اسماعيل. (كشف حقيقة) لا ينقضي تعجبي من المحدث المتبحر النوري حيث قال في المستدرك (1) ما ملخصه: ان الكتاب المذكور لم يخالف في فرع غالبا إلا ومعه موافق معروف من الشيعة الا في انكار المتعة فليس له موافق عليه، ثم حمل انكاره هذا على التقية وجعل القرينة على ذلك ما ذكره في باب الطلاق من عدم وقوع التحليل بالمتعة للمطلقة ثلاثا وما ذكره في باب الحد في الزنا من ان الاحصان لا يتحقق بالمتعة فان المتعة لو لم تكن جائزة عنده لكان ذكره في البابين بلا وجه وتكون من قبيل ذكر الزنا فيهما ولا معنى لان يقول أحد ان الزنا لا يتحقق به التحليل والاحصان. (ووجه العجب) أولا ان الكتاب يشتمل على فروع كثيرة تخالف مذهب الشيعة الاثنى عشرية ولم يوافقه عليها أحد من علماء الشيعة وقد ذكرنا في الحاشية (2) انموذجا من هذه المخالفات لتكون حجة على منكرها.


(1) ج 3 ص 318. (2) منها ما ذكره في المتعة وانها ليست بمشروعة، منها ما ذكره في ضمن ما يسجد عليه المصلي قال: وعن جعفر بن محمد " ع " انه رخص في الصلاة على ثياب الصوف وكلما يجوز لباسه والصلاة فيه يجوز السجود عليه فإذا جاز لباس الثوب الصوف والصلاة فيه فلذلك

[ 21 ]

(وثانيا) ان نقل روايتين في الكتاب يظهر منها جواز المتعة لا يدل على التزامه بالجواز ونسبة ذلك إليه محتاجة إلى علم الغيب بأنه كان حين ما نقلهما ملتفتا إلى ما يستفاد منهما من مشروعية المتعة فان من المحتمل القريب ان يكون نظره في الروايتين مقصورا على نفي التحليل والاحصان بالمتعة كنفيهما بالشبهة مع عدم التفاته إلى جهة اخرى لانه ليس بمعصوم لا يمكن في حقه مثل هذا الاحتمال. (أما) ان المتعة بناء على عدم جوازها كالزنا فيكون ذكرها في البابين من قبيل ذكر الزنا ولا معنى له. (فيدفعه) ان ذكر المتعة يكون من قبيل ذكر الشبهة في البابين ولا خفاء فيه ولا معنى للتهويل به. تذييل لا يخفى عليك انا لو قطعنا النظر عن جميع ما ذكرناه في عدم اعتبار الكتاب فالرواية التي


مما يسجد عليه ومنها ما قال في الوضوء انه من بدأ بالمياسير من أعضاء الوضوء جهلا أو نسيانا وصلى لم تفسد صلاته. ومنها ما في نواقض الوضوء عن جعفر بن محمد " ع " ان الذي ينقض الوضوء إلى أن قال المذي وقال بعد اسطر ورأوا ان كلما خرج من مخرج الغائط ومن مخرج البول عما قدمنا ذكره أو من دود أو حبات أو حب القرع ذلك كله حدث يجب منه الوضوء وينقض الوضوء ومنها ما قال في المسح من بدأ بما أخره الله من الاعضاء نسيانا أو جهلا وصلى لم تفسد صلاته. ومنها ما قال في صفات الوضوء ثم أمروا بمسح الرأس مقبلا ومدبرا يبدأ من وسط رأسه فيمر يديه جميعا على ما أقبل من الشعر إلى منطقة من الجبهة ثم يمار يديه من وسط الرأس إلى آخر الشعر من القفا ويمسح مع ذلك الاذنين ظاهرهما وباطنهما. ومنها ما قال في هذا الباب ومن غسل رجليه تنظفا ومبالغة في الوضوء ولابتغاء الفضل وخلل أصابعه فقد أحسن. ومنها ما قال في الوضوء التجديدي ما غسل من أعضاء الوضوء أو ترك لا شيئ عليه وقد روينا عن علي بن الحسين " ع " انه سئل عن المسح على الخفين فسكت حتى مر بموضع فيه ماء والسائل معه فنزل وتوضأ ومسح على الخفين وعلى عمامته وقال هذا وضوء من لم يحدث إلى غير ذلك مما يخالف مذهب الشيعة وليس المقام مناسبا لذكره أجمع ومن أراد الاطلاع عليه فليراجع إلى دعائم الاسلام.

[ 22 ]

ذكرها المصنف (1) هنا لا يمكن الاستناد إليها بالخصوص لان قوله فيها (وما كان محرما أصله منهي عنه لم يجز بيعه) يقتضي حرمة بيع الاشياء التي تعلق بها التحريم من جهة ما مع انه ليس بحرام قطعا على ان الظاهر منه هي الحرمة التكليفية مع انها منتفية جزما في كثير من الموارد التي نهى عن بيعها وشرائها وإنما المراد من الحرمة في تلك الموارد هي الحرمة الوضعية ليس إلا فلا تكون الرواية معمولة بها. (قوله وفي النبوي المشهور أقول) توضيح الكلام في صحة الحديث وسقمه يقع في مقامين الاول في سنده والثاني في دلالته، أما الاول فالكلام فيه من جهتين الاولى في حجيته عند العامة والثانية في حجيته عند الخاصة. اما الكلام في الجهة الاولى فان هذا النبوي لم يذكر في اصول حديثهم إلا في قضية الشحوم المحرمة على اليهود التي نقلت بطرق متعددة كلها عن ابن عباس إلا في روايتين احداهما عن جابر والثانية عن عمر وقد ذكر في ذيل بعض الروايات (2) التي عن ابن عباس قوله " ص (: (ان الله إذا حرم على قوم أكل شيئ حرم عليهم ثمنه) مع اضافة لفظ (أكل) وعلى هذا فيكون غير النبوي المشهور. (نعم) ورد في مسند أحمد (3) باسناده عن ابن عباس في بعض روايات تلك القضية (ان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه) باسقاط لفظ (أكل) إلا ان اصول حديثهم كلها مطبقة على ذكره حتى ابن حنبل نفسه نقل ذلك في موضع آخر من كتابه عن


(1) عن دعائم الاسلام عن ابي عبد الله " ع " انه قال: الحلال من البيوع كلما هو حلال من المأكول والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس وصلاح ومباح لهم الانتفاع به وما كان محرما اصله منهي عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه. راجع ج 2 المستدرك باب 2 جواز التكسب بالمباحات مما يكتسب به ص 426. (2) عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله " ص " جالسا عند الركن فرفع بصره إلى السماء فضحك وقال: لعن الله اليهود ثلاثا ان الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ان الله إذا حرم على قوم أكل شيئ حرم عليهم ثمنه، راجع ج 6 السنن الكبرى لابي بكر أحمد بن الحسين بن علي الشافعي البيهقي ص 13 وج 1 مسند أحمد ص 247، وص 293 وج 2 المستدرك باب 6 جواز بيع الزيت النجس، مما يكتسب به ص 427، وج 2 سنن أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني باب في ثمن الخمر والميتة ص 103. (3) عن ابن عباس ان النبي " ص " قال: لعن الله اليهود حرم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها وان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه، راجع ج 1 ص 322.

[ 23 ]

ابن عباس كما أشرنا إلى مصدره في الحاشية، نعم قد أورده الفقهاء من العامة (1) والخاصة (2) في كتبهم الاستدلالية كثيرا مع اسقاط كلمة أكل تأييدا لمرامهم. وحاصل ما ذكرناه ان اتحاد القضية في جميع رواياتها واطباق اصول حديثهم على ذكر لفظ الاكل واتصال السند فيما يشتمل عليه وفيما لا يشتمل عليه إلى ابن عباس وموافقة أحمد على ذكر لفظ أكل في مورد آخر كلها شواهد صدق على اشتباه أحمد وان النبوي مشتمل على كلمة أكل. (واما الجهة الثانية) فالنبوي وإن اشتهرت روايته في السنة أصحابنا في كتبهم قديما وحديثا متضمنة لكلمة أكل تارة وبدونها اخرى إلا ان كلهم مشتركون في نقله مرسلا والعذر فيه انهم أخذوه من كتب العامة لعدم وجوده في اصولهم. وحيث أثبتنا في الجهة الاولى ان الصحيح عندهم هو ما اشتمل على كلمة أكل كان اللازم علينا ملاحظة ما ثبت عندهم وإذن فلم يبق لنا وثوق بكون النبوي المشهور رواية فكيف بانجبار ضعفه بعمل المشهور. (واما المقام الثاني) فبعدما عرفت ان الثابت عند العامة والخاصة اشتمال الرواية على كلمة أكل كان عمومه متروكا عند الفريقين فان كثيرا من الامور يحرم أكله ولا يحرم بيعه ومن هنا قال في جوهر النقى حاشية البيهقي في ذيل الحديث المشتمل على كلمة " أكل ": قلت عموم هذا الحديث متروك اتفاقا بجواز بيع الآدمي والحمار والسنور ونحوها.


(1) راجع حياة الحيوان للدميري مادة الحمام ذيل الحكم قال: واما بيع ذرق الحمام وسرجين البهائم المأكولة وغيرها فباطل وثمنه حرام هذا مذهبنا إلى ان قال واحتج اصحابنا بحديث ابن عباس ان الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه وهو حديث صحيح رواه أبو داود باسناد صحيح وهو عام إلا ما خرج بدليل كالحمار، أقول المذكور في ج 2 سنن أبي داود السجستاني ص 103 مشتمل على كلمة أكل فلاحظ، وج 5 شرح فتح القدير ص 187 استدل به على حرمة بيع الخمر، وغيرهما من كتبهم الاستدلالية. (2) راجع ج 23 البحار ص 17 نسبه إلى خط الشيخ محمد بن علي الجبعي، وج 1 الخلاف للشيخ الطوسي بيع السرجين ص 225 استدل به على حرمة بيع السرجين النجس، وج 2 الخلاف الاطعمة ص 212 استدل به على حرمة بيع الدهن المتنجس وج 2 المستند ص 331 استدل به على حرمة بيع الخمر، والغنية أول البيع، وغيرها من الكتب من غير اصول الحديث ثم ان هذه الروايات كلها ضعيفة السند اما ما في كتب العامة فواضح، واما ما في كتب الخاصة فللارسال.

[ 24 ]

(تبيين) لو فرضنا ثبوت النبوي على النحو المعروف لم يجز العمل به ايضا للارسال وعدم انجباره بالشهرة وغيرها وذلك لان تحريم الشيئ الذي يستلزم تحريم ثمنه اما ان يراد به تحريم جميع منافع ذلك الشيئ واما تحريم منافعه الظاهرة واما تحريم منافعه النادرة ولو من بعض الجهات فعلى الاحتمالين الاولين فالمعنى وإن كان وجيها وموافقا لمذهب الشيعة لقولهم بأن ما يحرم جميع منافعه أو منافعه الظاهرة يحرم بيعه إلا ان اثبات اعتمادهم في فتياهم بذلك على النبوي مشكل وذلك للوثوق بأن مستندهم في تلك الفتيا ليس هو النبوي بل هو ما سيأتي في البيع من اعتبار المالية في العوضين لان مالية الاشياء إنما هي باعتبار المنافع الموجودة فيها الموجبة لرغبة العقلاء وتنافسهم فيهنا فما يكون عديما لجميع المنافع أو للمنافع الظاهرة لا تكون له مالية وإذن فليس هنا شهرة فتوائية مستندة إلى النبوي لتوجب انجباره لانه بناء على انجبار ضعف الخبر بعمل الاصحاب إنما يكون فيما انحصر الدليل لفتياهم بذلك الخبر الضعيف ولم يكن في البين ما يصلح لاستنادهم إليه. (واما على الثالث) فالحرمة لا توجب فساد البيع عند المشهور ليحتمل انجبار النبوي بفتياهم " فتحصل " انه لا يكون شيئ من الروايات العامة التي ذكرها المصنف دليلا في المسائل الآتية بل لا بد في كل مسألة من ملاحظة مداركها فان كان فيها ما يدل على المنع اخذ به وإلا فالعمومات الدالة على صحة العقود كقوله تعالى احل الله البيع واوفوا بالعقود وتجارة عن تراض محكمة كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في اول الكتاب. بطلان المعاملة على الاعمال المحرمة " تمهيد " لا يخفى عليك ان محل كلامنا في المسائل الآتية انما هو في الاعيان المحرمة من الخمر والخنزير والميتة ونحوها. واما الاعمال المحرمة كالزنا والنميمة والكذب والغيبة فيكفي في فساد المعاملة عليها الادلة الدالة على تحريمها لان مقتضى وجوب الوفاء بالعقود هو وجوب الوفاء بالعقد الواقع على الاعمال المحرمة ومقتضى ادلة تحريم تلك الاعمال هو وجوب صرف النفس عنها وايقاف الحركة نحوها فاجتماعهما في مرحلة الامتثال من المستحيلات العقلية وعلى أقل التقادير فان ادلة صحة العقود ووجوب الوفاء بها مختصة بحكم العرف بما إذا كان العمل سائغا في نفسه فلا وجه لرفع اليد بها عن دليل حرمة العمل في نفسه. وبما ذكرنا يظهر ان الوجه في فساد المعاملة على الاعمال المحرمة هو استحالة الجمع بين وجوب الوفاء بهذه المعاملة وبين حرمة هذه الاعمال أو الحكومة العرفية المذكورة.

[ 25 ]

وربما يظهر من كلام شيخنا الاستاذ (1) في حكم الاجرة على الواجبات ان الوجه في ذلك هو عدم كون الاعمال المحرمة من الاموال أو عدم امكان تسليمها شرعا حيث قال الاول ان يكون العمل الذي يأخذ الاجير أو العامل بازائه الاجرة والجعل ملكا له بأن لا يكون مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعي عليه، وبملاحظة ما تقدم يظهر لك ما فيه فانك قد عرفت ان صحة المعاملة عليها ووجوب الوفاء بها لا يجتمعان مع الحرمة النفسية سواء اعتبرنا المالية أو القدرة على التسليم في صحة العقد أم لم نعتبر شيئا من ذلك. تقسيم المكاسب إلى الثلاثة أو الخمسة (قوله قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب أقول) المكاسب جمع مكسب وهو مفعل من الكسب اما مصدر ميمي بمعنى الكسب أو التكسب أو اسم مكان من الكسب (قوله مما ندب إليه الشرع أقول) اي امر به بالامر الاستحبابي وقد أشار بذلك إلى الاخبار الواردة في استحباب الرعي (2) والزرع (3). (قوله فتأمل أقول) لعله اشارة إلى ان وجوب الصناعات ليس بعنوان التكسب بل


(1) ج 1 منية الطالب ص 15. (2) عن العيون. محمد بن عطية قال سمعت أبا عبد الله " ع " يقول: ان الله عزوجل أحب لانبيائه من الاعمال الحرث والرعي لئلا يكرهوا شيئا من قطر السماء. راجع ج 5 البحار ص 18 وج 23 باب 10 استحباب الزرع ص 19. عن العيون. عقبة عن أبي عبد الله " ع " قال: ما بعث الله نبيا قط حتى يسترعيه الغنم ويعلمه بذلك رعية الناس. راجع ج 5 البحار ص 18. وفي الحديث انه (ص) قال: ما من نبي إلا وقد رعى الغنم قيل وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا. راجع ج 14 البحار ص 683. (3) كا. محمد بن عطية قال: سمعت أبا عبد الله " ع " يقول: ان الله عزوجل اختار لانبيائه الحرث والزرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء. مرسلة. كا ويب. سهل بن زياد رفعه قال: قال أبو عبد الله " ع ": ان الله جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والزرع والضرع لئلا يكرهوا شيئا من قطر السماء. ضعيفة لسهل ومرفوعة. كا. سيابة عن أبي عبد الله " ع " قال سأله رجل فقال له جعلت فداك اسمع قوما يقولون ان الزراعة مكروهة فقال له ازرعوا واغرسوا فلا والله ما عمل الناس عملا أحب ولا أطيب منه والله ليزرعن الزرع وليغرسن النخل بعد خروج الدجال. مجهولة لسيابة. كا. يزيد بن هارون الواسطي قال: سمعت أبا عبد الله " ع " يقول: الزارعون كنوز

[ 26 ]

لكون تركها يؤدي إلى اختلال النظام كما سنبينه. " أقول " ملخص كلامه ان الفقهاء رضوان الله عليهم كالمحقق في الشرايع وغيره في كتبهم قسموا المكاسب إلى محرم كبيع الخمر ومكروه كبيع الاكفان ومباح كبيع الاشياء المباحة وأهملوا ذكر الواجب والمستحب بناء على عدم وجودهما في المعاملات مع انه يمكن التمثيل للمستحب بمثل الزرع والرعي وللواجب بالصناعات الواجبة كفاية إذا وجد أكثر من واحد ممن يقوم بها أو عينا إذا لم يوجد غير واحد. (وفيه) ان الامثلة المذكورة لا تدل على شيئ من مراده، اما الزراعة فاستحبابها إنما هو من جهة ايكال الامر إلى الله وانتظار الفرج منه كما في رواية العياشي (1). واما الرعاية فاستحبابها لما فيها من استكمال النفس وتحصيل الاخلاق الحسنة وتمرين الطبع على ادارة شؤن الرعية وازالة الاوصاف الرذيلة من السبعية والبهيمية فان من صرف برهة من الزمان في تربية الحيوان صار قابلا لادارة الانسان ومن هنا كان الانبياء قبل بعثتهم رعاة للاغنام كما في رواية عقبة المتقدمة (ما بعث الله نبيا قط حتى يسترعيه الغنم ويعلمه بذلك رعية الناس) وفي النبوي المتقدم (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم قيل وأنت يا رسول الله قال وأنا () وعلى كل حال فالزراعة والرعي مستحبان في أنفسهما بما انها فعلان صادران من


الانام يزرعون طيبا اخرجه الله عزوجل وهم يوم القيامة احسن الناس مقاما واقربهم منزلة يدعون المباركين. مجهولة ليزيد بن هارون. راجع ج 1 كاباب 125 فضل الزراعة ص 403 وج 2 ئل باب 3 استحباب الزرع. من المساقات. وج 10 الوافي باب 23 فضل الزراعة ص 22 وج 2 التهذيب آخر التجارة ص 182. يب. يزيد بن هارون الواسطي قال: سألت جعفر بن محمد " ع " عن الفلاحين فقال: هم الزارعون كنوز الله في ارضه وما في الاعمال شيئ أحب إلى الله من الزراعة وما بعث الله نبيا إلا زراعا إلا ادريس " ع " فانه كان خياطا. مجهولة ليزيد بن هارون. راجع ج 2 ئل باب 10 استحباب الغرس والزرع. من مقدمات التجارة. والباب 23 المتقدم من الوافي ثم مان الاخبار في فضل الزرع والغرس كثيرة من الخاصة كالروايات المذكورة وغيرها في الابواب المزبورة وغيرها، ومن العامة وقد أخرجها البيهقي في ج 6 من السنن الكبرى ص 137، والبخاري في ج 3 من صحيحه باب فضل الزرع ص 135. (1) عن الحسين بن ظريف عن محمد عن ابي عبد الله " ع " في قول الله وعلى الله فليتوكل المتوكلون قال الزارعون، مهملة لحسين بن ظريف، راجع ج 2 ئل باب 10 استحباب الزرع، من مقدمات التجارة.

[ 27 ]

المكلف لا يعنوان التكسب بهما كما هو محل الكلام فلا يصلحان مثلا لما نحن فيه. (واما) الصناعات بجميع أقسامها فهي من الامور المباحة ولا تتصف بحسب أنفسها بالاستحباب فضلا عن الوجوب فلا يكون التكسب بها إلا مباحا، نعم إنما يطرء عليها الوجوب إذا كان تركها يوجب اخلالا بالنظام وحينئذ يكون التصدي لها واجبا كفائيا أو عينيا وهذا غير كونها واجبة بعنوان التكسب. (زالة شبهة) قد يقال ان وجوب الصناعات من جهة اداء تركها ان اختلال النظام يقتضي أن يكون التكسب بها مجانيا ولكن هذا يفضي إلى الاخلال بالنظام أيضا ومقتضى الجمع بين الامرين أن يلتزم بوجوبها مع الاجرة وعلى ذلك فتكون مثالا لما نحن فيه. (ولكن يرد عليه) أولا ان هذا ليس إلا التزاما بوجوبها لاجل حفظ النظام وعليه فلا يكون التكسب بعنوانه واجبا. (وثانيا) ان الواجب من الصناعات إنما هو الطبيعة المطلقة العارية عن لحاظ المجانية وغيرها وما يخل بالنظام إنما هو ايجاب العمل مجانا لا ما هو الجامع بينه وبين غيره ولا ملازمة بين عدم وجوب الصناعات مجانا وبين وجوب الجامع غير المقيد بحصة خاصة من الطبيعة ومن هنا نقول يجب الاقدام عليها عينا أو كفاية من حيث هي صناعة يختل بتركها النظام سواء كانت عليها اجرة أم لا. (والتحقيق) ان التقسيم ان كان باعتبار نفس التكسب فلا محيص عن تثليث الاقسام كما تقدم وإن كان بلحاظ فعل المكلف والعناوين الثانوية الطارئة عليه فلا مانع من التخميس ولا يخفى عليك انه إذا كان التقسيم بحسب فعل المكلف لا يختص المثال بالصناعات بل يصح التمثيل بما وجب بالنذر أو اليمين أو العهد وبالكسب لقضاء الدين أو الانفاق على العيال ونحو ذلك. (لا يقال) إذا ملك الكافر عبدا مسلما وجب بيعه عليه ويكون بيعه هذا من قبيل الاكتساب بالواجب. (فانه يقال) الواجب هنا في الحقيقة هو ازالة ملكية الكافر للمسلم وبيع العبد المسلم إنما وجب لذلك ويدلنا على ذلك انه لو زال ملكه بغير البيع كالعتق والهبة أو بالقهر كموت الكافر لا يجب البيع.

[ 28 ]

معنى حرمة الاكتساب تكليفا (قوله: ومعنى حرمة الاكتساب. أقول) الحرمة المتعلقة بالمعاملة اما ان تكون واضعية واما أن تكون تكليفية وبينهما عموم من وجه، فالبيع وقت الندى لصلاة الجمعة حرام تكليفا والبيع الغرري حرام وضعا وبيع الخمر حرام وضعا وتكليفا وكلام المصنف هنا مسوق لبيان خصوص الحرمة التكليفية في البيع. (إذا عرفت هذا) فاعلم ان حرمة البيع تكليفا تتصور على وجوه. الاول ما افاده المحقق الايرواني في حاشيته وهو ان معنى حرمة الاكتساب هو انشاء النقل والانتقال بقصد ترتب أثر المعاملة أعني التسليم والتسلم للمبيع والثمن فلو خلا عن هذا القصد لم يتصف الانشاء الساذج بالحرمة. (وفيه) ان تقييد موضوع الحرمة بالتسليم والتسلم إنما يتم في الجملة لا في جميع البيوع المحرمة، وتحقيقه ان النواهي المتعلقة بالمعاملات على ثلاثة أقسام: الاول أن يكون النهي عنها بلحاظ انطباق عنوان محرم عليها كالنهي عن بيع السلاح لاعداء الدين عند حربهم مع المسلمين فان النهي عنه إنما هو لانطباق عنوان تقوية الكفر عليه ويدل على ذلك جواز بيع السلاح عليهم إذا لم يفض ذلك إلى تقويتهم على المسلمين ولهذا حرم نقل السلاح إليهم بغير البيع ايضا كاجارته عليهم وهبته لهم واعارته إياهم إذا لزم منه المحذور المذكور. ومن هنا يتضح ان بين عنوان بيع السلاح منهم وبين عنوان تقوية الكفر واعانته عموما من وجه إذ قد يباع السلاح عليهم ولا يلزم منه تقويتهم كبيعه منهم حال الصلح مثلا أو حال حربهم مع الكفار الآخرين أو مع المسلمين ولكن بشرط تأخير التسليم إلى ما بعد الحرب أو بدون الشرط المذكور ولكن يؤخر التسليم قهرا عليهم فان هذه الموارد لا يلزم من البيع فيها اعانة كفر على اسلام، وقد تحصل تقوية الكفر على الاسلام بغير البيع كاجارة السلاح عليهم أوهبته منهم، وقد يجتمعان وإذن فتعلق للنهي بتقوية الكفر على الاسلام لا يستلزم حرمة بيع السلاح لاعداء الدين إلا في مادة الاجتماع، نعم لو كان بين العنوانين تلازم خارجا لتوجه الالتزام بحرمة بيع السلاح منهم مطلقا ولكنك عرفت ان الامر على خلافه. (والثاني) أن يتوجه النهي إلى المعاملة من جهة تعلقها بشيئ مبغوض كالنهي عن بيع الخمر والخنزير والصليب والصنم وآلات القمار وغيرها من الآلات المحرمة فان النهي عن بيع تلك الامور إنما هو لمبغوضيتها لا بلحاظ عنوان طارئ على المعاملة كما في القسم الاول. (والثالث) أن يكون النهي عن المعاملة باعتبار ذاتها كالنهي عن البيع وقت النداء

[ 29 ]

لصلاة الجمعة والنهي عن بيع المصحف والمسلم من الكافر بناء على حرمة بيعهما منه فان النهي عن البيع في هذا القسم ليس بلحاظ العناوين الطارية عليه ولا بلحاظ مبغوضية متعلقة بل لاجل مبغوضية نفسه. إذا عرفت ما تلونا عليك ظهر لك ان تقييد موضوع حرمة البيع بالتسليم والتسلم المستلزم لتقيد أدلة تحريمه إنما يتم في القسم الاول فقط دون الثاني والثالث فلا بد فيهما من الاخذ باطلاق ادلة التحريم لعدم ثبوت ما يصلح لتقييدها، نعم لو كان دليلنا على التحريم هو عموم ما دل على حرمة الاعانة على الاثم أو الملازمة بين حرمة الشيئ وحرمة مقدمته لجاز تقييد موضوع حرمة البيع بالتسليم والتسلم فان الاعانة على الاثم والمقدمية إلى الحرام لا يتحققان إلا بالتسليم والتسلم. (الوجه الثاني) أن يراد من حرمة البيع حرمة ايجاده بقصد ترتب امضاء العرف والشرع عليه بحيث لا يكفي مجرد صدوره من البايع خاليا عن ذلك القصد. (وفيه) انه لا وجه لتقييد موضوع حرمة البيع بذلك أيضا لما مر من اطلاق ادلة تحريم البيع مع عدم وجود ما يصلح لتقييدها ومن هنا لو باع أحد شيئا من الاعيان المحرمة كالخمر مثلا مع علمه بكونه منهيا عنه فقد ارتكب فعلا محرما وإن كان غافلا عن قصد ترتب امضاء الشرع والعرف عليه فانه لا دليل على دخالة قصد امضائهما في حرمة بيع الخمر. (الوجه الثالث) ما أفاده العلامة الانصاري وحاصل كلامه ان المراد من حرمة البيع حرمة النقل والانتقال مقيدة بقصد ترتب الاثر المحرم عليه كبيع الخمر للشرب وآلات القمار للعب والصليب والصنم للتعبد بهما. (وفيه) ان تقييد ما دل على تحريم البيع بالقصد المذكور تقييد بلا موجب له إذ البيع كغيره من الافعال إذا حكم الشارع بحرمته وجب التمسك باطلاق دليله حتى يثبت له المقيد، نعم لو كان الدليل على حرمة البيع هو ما تقدمت الاشارة إليه من الملازمة بين حرمة الشيئ وحرمة مقدمته أو عموم ما دل على تحريم الاعانة على الاثم لتم ما ذكره في الجملة لكن الكلام أعم من ذلك. (واما) ما في المتن من دعوى انصراف الادلة إلى صورة قصد ترتب الآثار المحرمة فهي دعوى جزافية، ونظيرها أن يدعى انصراف ادلة تحريم الزنا مثلا إلى ذات البعل والالتزام بمثل هذه الانصرافات يستدعي تأسيس فقه جديد، نعم دخالة قصد ترتب الاثر المحرم أو المحلل في حرمة البيع وحليته في مثل بيع الصليب والصنم وجه كما سيأتي في النوع الثاني مما يحرم التكسب به.

[ 30 ]

(لا يقال) انه لا مناص عن تقييد حرمة البيع بقصد ترتب الاثر المحرم عليه فان من الجائز قطعا اعطاء الدرهم للخمار وأخذ خمره للاهراق مثلا. (فانه يقال) ان ذلك وإن كان جائزا إلا انه لا يرتبط بأصل المعاملة بل هو من أنحاء النهي عن المنكر وقطع مادة الفساد. والذي يقتضيه النظر الدقيق ان ما يكون موضوعا لحلية البيع بعينه يكون موضوعا لحرمته، بيان ذلك ان البيع ليس عبارة عن الانشاء الساذج سواء كان الانشاء بمعنى ايجاد المعنى باللفظ كما هو المعروف بين الاصوليين أم كان بمعنى اظهار ما في النفس من الاعتبار كما هو المختار عندنا وإلا لزم تحقق البيع بلفظ بعت خاليا عن القصد، ولا ان البيع عبارة عن مجرد الاعتبار النفساني من دون أن يكون له مظهر وإلا لزم صدق البايع على من اعتبر ملكية ماله لشخص آخر في مقابل الثمن وان لم يظهرها بمظهر كما يلزم حصول ملكية ذلك المال للمشتري بذاك الاعتبار الساذج الخالي من المبرز، بل حقيقة البيع عبارة عن المجموع المركب من ذلك الاعتبار النفساني مع اظهاره بمبرز خارجي سواء تعلق به الامضاء من الشرع والعرف أم لم يتعلق بل سواء كان في العالم شرع وعرف أم لم يكن، وإذن فذلك المعنى هو الذي يكون موضوعا لحرمة البيع وهو الذي يكون موضوعا لحليته وهكذا الكلام في سائر المعاملات كما حققناه في الاصول وسيأتي التعرض له في أول البيع ان شاء الله. (قوله: فهو متفرع على فساد البيع. أقول) بعد أن أثبتنا ان موضوع الحلية والحرمة في المعاملات شيئ واحد وان ترتب الاثر على المعاملة من النقل والانتقال أو غير ذلك خارج عن حقيقتها، وبعد أن أوضحنا عند التكلم في الروايات العامة المتقدمة ان الحرمة التكليفية لا تستلزم الحرمة الوضعية ظهر لك بطلان ما ذهب إليه المشهور من ان حرمة المعاملة تستلزم فسادها، كما ظهر بطلان ما نسب إلى أبي حنيفة من ان حرمة المعاملة تستلزم صحتها، وانه لا بد في اثبات صحتها وفسادها من التماس دليل آخر غير ما دل على الحرمة التكليفية وقد أوضحناه في الاصول، وتترتب على ذلك ثمرات مهمة في المباحث الآتية. (قوله: اما لو قصد الاثر المحلل. أقول) قد بينا ان البيع المحرم لا يخرج بقصد الاثر المحلل عن الحرمة المتعلقة به بعنوان البيع، وان قصد الاثر المحرم لا يكون مأخوذا في موضوع تحريم البيع فلا مجال لدعوى انه لو قصد الاثر المحلل فلا دليل على تحريم العاملة، نعم لو قصد حليته شرعا مع كونه محرما لتوجه عليه التحريم من جهة التشريع ايضا كما ان الامر كذلك في سائر المحرمات المعلومة إذا أتى بها بعنوان الاباحة.

[ 31 ]

معنى حرمة الاكتساب وضعا لا يخفى عليك ان معنى الحرمة الوضعية في العقود عبارة عن فساد المعاملة وبطلانها بحيث لا يترتب عليها أثر من الآثار، وان الفاسد والباطل عندنا وعند غير الحنفية بمعنى واحد وهو ما اختل في تلك المعاملة شيئ من الشروط التي اعتبرها الشارع ركنا لها بحيث يلزم من انتفائها انتفاء المشروط في نظر الشارع. واما عند الحنفية (1) فان الباطل والفاسد في البيع مختلفان فلكل واحد منهما معنى يغاير معنى الآخر، فالباطل هو ما اختل ركنه أو محله وركن العقد هو الايجاب والقبول كما تقدم، فإذا اختل ذلك الركن كأن صدر من مجنون أو صبي لا يعقل كان البيع باطلا غير منعقد، وكذلك إذا اختل المحل وهو المبيع كأن كان ميتة أو دما أو خنزيرا فان البيع يكون باطلا. واما الفاسد فهو ما اختل فيه غير الركن والمحل كما إذا وقع خلل في الثمن بأن كان خمرا، فإذا اشترى سلعة يصح بيعها وجعل ثمنها خمرا انعقد البيع فاسدا ينفذ بقبض المبيع، ولكن على المشتري أن يدفع قيمته غير الخمر، وكذلك إذا وقع الخلل فيه من جهة كونه غير مقدور التسليم كما إذا باع شيئا مغصوبا منه لا يقدر على تسليمه، أو وقع الخلل فيه من جهة اشتراط شرط لا يقتضيه العقد كما سيأتي، فان البيع في كل هذه الاحوال يكون فاسدا لا باطلا، ويعبرون عن الباطل بما لم يكن مشروعا باصله ووصفه، ويريدون بأصله ركنه ومحله كما عرفت، ويريدون بوصفه ما كان خارجا عن الركن والمحل، وحكم البيع الفاسد انه يفيد الملك بالقبض بخلاف البيع الباطل فانه لا يفيد الملك اصلا. وقال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير (2): وأيضا فانه مأخوذ في مفهومه الفاسد أو لازم له انه مشروع باصله لا وصفه، وفي الباطل غير مشروع بأصله فبينهما تباين فان المشروع بأصله وغير المشروع بأصله متباينان فكيف يتصادقان. إلا ان امثال تلك الاقاويل لا تبتني على اساس صحيح من العقل والشرع والعرف واللغة.


(1) راجع ج 2 الفقه على المذاهب الاربعة ص 224. (2) راجع ج 5 ص 185.

[ 32 ]

جواز المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه (قوله: ويحرم المعاوضة على أبوال " 1 " ما لا يؤكل لحمه. أقول) في كلام العلامة الانصاري هنا وفي المسائل الآتية خلط بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية فقد جعل هنا كلا من النجاسة والحرمة وعدم جواز الانتفاع بها دليلا عليهما مع ان الاولين دليلان على الحرمة التكليفية والثالث دليل على الحرمة الوضعية. (قوله: فيما عدا بعض أفراده كبول الابل الجلالة. أقول) قال المحقق الايرواني: لعل هذا استثناء من صدر الكلام أعني قوله يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللحم بتوهم شمول الاجماع المنقول على جواز بيع بول الابل له. (وفيه) أولا ان المصنف لم يستثن بول الابل الجلالة فيما يأتي من أبوال ما لا يؤكل لحمه لا في حرمة شربه ولا في نجاسته، وثانيا ان الفارق بين بول الابل الجلالة وبين أبوال ما لا يؤكل لحمه ليس إلا كون الاول نجسا بالعرض وكون الثانية نجسة بالذات ومجرد هذا لا يكون فارقا بينهما حتى يصح الاستثناء، والظاهر انه استثناء من قوله (وعدم الانتفاع به) أي ليس لا بوال ما لا يؤكل لحمه نفع ظاهر إلا بول الابل الجلالة فانه كبول الابل غير الجلالة لها منفعة ظاهرة. تنقيح وتهذيب قد اتفقت كلمات الاصحاب على حرمة بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه بل في بعضها دعوى الاجماع بقسميه على ذلك، وفي المراسم (2) حكم بحرمة بيع الابوال مطلقا إلا بول الابل، وفي الغنية (3) منع عن بيع كل نجس لا يمكن تطهيره، وفي نهاية الشيخ (4) م وجميع النجاسات محرم التصرف فيها والتكسب بها على اختلاف أجناسها من سائر أنواع العذرة والابوال


(1) وفي ج 7 تاج العروس مادة بول ص 237: البول معروف ج أبوال وقد بال يبول والاسم البيلة بالكسر كالركبة والجلسة، ومن المجاز الولد، قال المفضل: بال الرجل يبول بولا شريفا فاخرا إذا ولد له ولد يشبه في شكله وصورته ونسانه وآساله وأعسانه وأعساله وتجاليده، والبولة بهاء بنت الرجل والبوال كغرباب داء يكثر منه البول يقال أخذه بوال إذا جعل البول يعتريه كثيرا والبولة كهمزة الكثيرة يقال رجل بولة. (2) أول المكاسب. (3) أوائل البيع. (4) باب المكاسب المحظورة.

[ 33 ]

وغيرهما، وفي المبسوط (1): فاما نجس العين فلا يجوز بيعه كالبول، وفي التذكرة (2): الاجماع على عدم صحة بيع نجس العين مطلقا، وفي المستند (3): تحريم بيع الابوال مما لا يؤكل لحمه شرعا موضع وفاق، وفي الجواهر (4): ادعى قيام الاجماع المحصل على الحرمة وان نقل الاجماع بين الاصحاب مستفيض عليها، وعلى هذا الضوء المذاهب الاربعة، وفي الفقه على المذاهب الاربعة (5): ومن البيوع الباطلة بيع النجس، وفي شرح فتح القدير (6) إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرما فالبيع فاسد. ثم انه قد استدل المصنف على حرمة بيع ابوال مالا يؤكل لحمه وضعا وتكليفا بالاجماع والحرمة والنجاسة وعدم جواز الانتفاع بها، وجميعها لا يصلح لاثبات الحرمة التكليفية ولا الوضعية. اما الاجماع وان نقله غير واحد من أعاظم الاصحاب إلا ان اثبات الاجماع التعبدي هنا مشكل جدا للاطمينان بل العلم بأن مستند المجمعين إنما هو الروايات العامة المتقدمة، والروايات الخاصة المذكورة في بيع الاعيان النجسة، والحكم بحرمة الانتفاع بها، مضافا إلى ان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه غير حجة. اما الحرمة فان اراد منها حرمة الاكل والشرب فالكبرى ممنوعة لعدم الدليل على ان كلما يحرم أكله أو شربه يحرم بيعه، ولو فرضنا وجود دليل على ذلك فلا بد من تخصيص اكثر افراده فان كثيرا من الاشياء يحرم اكلها ويجوز بيعها وذلك مستهجن يوجب سقوط الدليل على الحجية، وان اراد منها حرمة الانتفاع بها بجميع منافعها أو بالمنافع الظاهرة فهو وان استلزم حرمة البيع كما تقدم في النبوي المشهور ولكن الصغرى ممنوعة لعدم الدليل على تحريم جميع المنافع أو المنافع الظاهرة لتلك الابوال وسيأتي تفصيلها. واما النجاسة فان رواية تحف العقول وان دلت على حرمة بيع النجس لقوله " ع " فيها (أو شيئ من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لان ذلك كله منهي عن اكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام) إلا ان ذلك فيما تكون منافعه كلها محرمة كما هو مقتضى التعليل المذكور فيها، واما إذا كان للنجس منفعة محللة فلا دليل على حرمة بيعه وابوال ما لا يؤكل لحمه مما له منفعة محللة ومتقضى ذلك جواز بيعها، اللهم إلا ان يقال ان كل نجس يحرم الانتفاع به بجميع منافعه فإذا كان كذلك حرم بيعه


(1) فصل في حكم ما يصح بيعه وما لا يصح. (2) ج 1 شرائط العوضين. (3) ج 2 ص 334. (4) ج متاجر اوائل المكاسب المحرمة. (5) ج 2 ص 231 (6) ج 5 ص 186.

[ 34 ]

وشرائه ولكنه دعوى بلا دليل، هذا مضافا إلى ضعف سندها وعدم انجبارها بعمل الاصحاب كما عرفت. على انه لو سلمنا دلالة الحرمة والنجاسة على حرمة البيع لدلتا على الحرمة التكليفية دون الوضعية كما تقدم في أول المسألة. ومما ذكرنا ظهر أن المشهور لم يستندوا في فتياهم بحرمة بيع النجس إلى رواية تحف العقول، ولا إلى غيرها من الروايات العامة المتقدمة كرواية فقه الرضا " ع " الدالة على ان كلما يكون محرما من بجهة يحرم بيعه، ولو كان مستندهم ذلك لم يكن الحكم بحرمة البيع مختصا بالنجس بل كان يعم سائر المحرمات ولو كانت من الاعيان الطاهرة كأبوال مما لا يؤكل لحمه بناء على حرمة شربها. وأما عدم جواز الانتفاع بها فربما قيل بأنه يستلزم فساد البيع وإن لم يقم دليل على حرمة ذلك البيع تكليفا لان حرمة الانتفاع بها يستلزم نفي ماليتها التي لا بد منها في تحقق البيع وفيه أولا انه لا دليل على اعتبار المالية في البيع وإنما المناط صدق عنوان المعاوضة عليه وأما ما عن المصباح من انه مبادلة مال بمال فلا يكون دليلا على ذلك لعدم حجية قوله. وثانيا إذا سلمنا اعتبار المالية في البيع فلا نسلم أن أبوال ما لا يؤكل لحمه ليست بمال في جميع الازمنة والامكنة كيف وأن الانتفاع بها باستخراج الادوية أو الغازات أو استعمالها في العمارة عند قلة الماء ممكن جدا فتكون مالا باعتبار تلك المنافع الظاهرة، ومثلها أكثر المباحات التي تختلف ماليتها بحسب الازمنة والامكنة كالماء والخطب ونحوهما، ومن هنا يعلم ان الشرب ليس من منافعها حتى يلزم من حرمته سقوط ماليتها، اللهم إلا ان يقال ان الشارع قد ألغى ماليتها بتحريم جميع منافعها، ولكنه أول الكلام. وثالثا إذا سلمنا اعتبار المالية في البيع فيكفي أن يكون المبيع مالا بنظر المبايعين إذا كان عقلائيا ولا يجب كونه ما لا في نظر العقلاء أجمع. ورابعا لو سلمنا عدم كون الابوال المذكورة مالا حتى في نظر المتبايعين فان غاية ما يلزم كون المعاملة عليها سفهية ولا دليل على بطلانها بعد شمول ادلة صحة البيع لها، والفاسد شرعا إنما هو معاملة السفيه لا المعاملة السفهائية، والدليل على الفساد فيها ان السفيه محجور شرعا عن المعاملات، هذا كله مضافا إلى صحة المعاملة عليها بمقتضى أية التجارة وإن لم يصدق عليها البيع، وقد اتضح مما قدمناه جواز بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه وضعا وتكليفا كما تضح جواز بيع أبوال ما يؤكل لحمه مطلقا بل الجواز هنا بالاولوية ابلا كان أو غيرها جلالا كان أو غيره قلنا بجواز شربه اختيارا أو لم نقل لان جواز الشرب لا يعد من منافع

[ 35 ]

البول ليكون مالا باعتباره ويدور الحكم بجواز البيع مداره. وهم ودفع قد استدل المحقق الايرواني " ره " على فساد المعاملة عليها بقوله تعالى (1): " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " على ان يراد من الباطل ما يعم الباطل العرفي والشرعي، ومراد المستدل أن أخذ المال عوضا عن أبوال ما لا يؤكل لحمه أكل للمال بالباطل. (وفيه) ان دخول باء السببية على الباطل ومقابلته في الآية للتجارة عن تراض ولا ريب ان المراد بالتجارة هي الاسباب قرينتان على كون الآية ناظرة إلى فصل الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الباطلة كما نبه عليه المستدل في اول البيع وغيره، وعلى ذلك فيكون الغرض من الباطل الاسباب الباطلة فلا يكون لها تعلق بما لا مالية له من العوضين كما يرومه المستدل، كما أن المراد من الاكل فيها ليس هو الازدراد على ما هو معناه الحقيقي بل هو كناية عن تملك مال الغير من غير استحقاق وإن كان ذلك المال من غير المأكولات كالدار ونحوها، وقد تعارف استعماله بذلك في القرآن وفي كلمات الفصحاء بل وفي غير العربية أيضا. وعلى هذا فان كان الاستثناء متصلا كما هو الظاهر والموافق للقواعد العربية، فيكون مفاد الآية نفى تملك أموال الغير بالاسباب الباطلة من القمار والغصب والغزو وبيع المنابذة والحصاة والتقسيم بالازلام والاقداح، إلا بسبب يكون تجارة عن تراض فتفيد حصر الاسباب الصحيحة للمعاملات بالتجارة عن تراض، وإن كان الاستثناء منقطعا فظهور الآية البدوي وإن كان هو بيان القاعدة الكلية لكل واحد من أكل المال بالباطل والتجارة عن تراض ولا تعرض لها للحصر، وتظهر ثمرة ذلك فيما لا يعد في العرف من الاسباب الباطلة ولا من التجارة عن تراض فيكون مهملا، إلا أنه تعالى حيث كان بصدد بيان الاسباب المشروعة للمعاملات وتميز صحيحها عن فاسدها وكان الاهمال مما يخل بالمقصود فلا محالة يستفاد الحصر من الآية بالقرينة المقامية، وتكون النتيجة أن الآية مسوقة لبيان حصر الاسباب الصحيحة بالتجارة تراض سواء كان الاستثناء متصلا أم منقطعا، ومما يدل على كون الآية راجعة إلى اسباب المعاملات تطبيقها، في بعض الروايات (2) على القمار.


(1) راجع سورة النساء آية 33. (2) أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: قال أبو عبد الله " ع " في قول

[ 36 ]

(قوله: كبول الابل الجلالة. أقول) بعدما عرفت جواز الانتفاع بالابوال مطلقا وجواز بيعها كذلك فلا وجه لهذا الاستثناء. (قوله: إن قلنا بجواز شربها اختيارا كما عليه جماعة. أقول) قد ظهر مما تقدم ان جواز الشرب أو حرمته ليسا مناطين في جواز بيعها وحرمته لعدم كون الشرب من المنافع


الهل عزوجل: " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل " قال ذلك القمار. موثقة. العياشي في تفسيره عن اسباط بن سالم قال: كنت عند أبي عبد الله " ع " فجاء رجل فقال أخبرني عن قول الله عزوجل " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " قال: يعنى بذلك القمار، الحديث. وعن محمد بن علي عن أبي عبد الله " ع " (سأل عن الآية) قال: نهي عن القمار وكانت قريش يقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم الله عن ذلك، راجع ج 2 ئل باب 63 تحريم كسب القمار، مما يكتسب به. " فائدة " اعلم ان صاحب التفسير أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السامي السمرقندي المعروف بالعياشي، وإن كان ثقة صدوقا عينا من عيون هذه الطائفة وكبيرها ولكن لم يثبت لنا اعتبار التفسير للارسال، وفي ج 3 ئل خاتمة الكتاب في الفائدة الرابعة، كتاب تفسير القرآن لمحمد بن مسعود العياشي وقد وصل الينا النصف الاول منه، غير ان بعض النساخ حذف الاسانيد واقتصر على راو واحد. وفي ج 1 البحار ص 12 كتاب تفسير تفسير العياشي روى عنه الطبرسي وغيره، ورأينا منه نسختين قديمتين وعد في كتب الرجال من كتبه، لكن بعض الناسخين حذف أسانيده للاختصار وذكر في أوله عذرا هو اشنع من جرمه. وفي ج 3 رجال المقاماني عد الشيخ " ره " الرجل في رجاله ممن لم يروعنهم " ع " بقوله: محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السمرقندي يكنى أبا النضر أكثر أهل المشرق علما وأدبا وفضلا وفهما ونبلا في زمانه، صنف أكثر من مائتي مصنف ذكرناها في الفهرست، وكان له مجلس للخاصي ومجلس للعامي. وقال النجاشي: أبو النضر المعروف بالعياشي ثقة صدوق عين من عيون هذه الطائفة، وكان يروي عن الضعفاء كثيرا، وكان في أول أمره عامي المذهب وسمع حديث العامة فأكثر ثم تبصر وعاد الينا، وأنفق على العلم والحديت تركة ابيه سائرها وكانت ثلثمائة الف دينار وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قار أو معلق مملوة من الناس.

[ 37 ]

الظاهرة ليدور الحكم عليه وجودا وعدما، إذن فلا فرق بين أبوال ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. استطراد قد وقع الخلاف بين أعاظم الاصحاب في جواز شرب أبوال ما يؤكل لحمه حال الاختيار وعدم جوازه، وذهب جمع كثير إلى الجواز، وجماعة اخرى إلى الحرمة وهو الحق، لمفهوم موثقة عمار (1) فانه يدل على حرمة شربها لغير التداوي، كما تدل على ذلك أيضا عدة روايات اخرى من الخاصة (2) والعامة (3).


(1) يب. عمار بن موسى عن ابي عبد الله " ع " قال سئل عن بول البقر يشربه الرجل قال: إن كان محتاجا إليه يتداوى به يشربه وكذلك أبوال الابل والغنم، موثقة. (2) كا. بعض أصحابنا عن موسى بن عبد الله قال: سمعت اشياخنا يقولون ألبان اللقاح شفاء من كل داء وعاهة ولصاحب البطن أبوالها، مرسلة. وفي القاموس مادة لقح اللقاح ككتاب الابل واللقوح كصبور واحدته. ئل. المفضل بن عمر عن ابي عبد الله " ع " انه شكى إليه الربو الشديد فقال اشرب له أبوال اللقاح فشربت ذلك فمسح الله دائي، موثقة. الربو التهيج وتوارد النفس الذي يعرض للمسرع في مشيه. ئل. سماعة قال سألت أبا عبد الله " ع " عن شرب الرجل أبوال الابل والبقر والغنم ينعت له من الوجع هل يجوز له أن يشرب قال نعم لا باس به، ضعيفة لاحمد بن فضل. راجع ج 3 ئل باب 59 جواز شرب أبوال الابل من الاطعمة المباحة، وج 2 كا باب 87 من الاطعمة ص 175، وج 1 التهذيب ص 81، وج 11 الوافي باب 169 ص 92 وباب 68 ص 49. دعائم الاسلام. روينا عن ابي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين " ع " قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله قوم من بني ضبة مرضى فأخرجهم إلى ابل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها يتداوون بذلك، الخبر. ضعيفة للارسال. راجع ج 3 المستدرك لب 23 من الاشربة المباحة ص 133. (3) في ج 10 السنن الكبرى للبيهقي ص 4 عن أنس ان النبي صلى الله عليه وآله أمر العرنيين أن يشربوا ألبان الابل وأبوالها، وعن أنس ان رهطا من عرينة أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا انا اجتوينا المدينة وعظمت بطوننا وارتهست اعضادنا فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله ان يلحقوا برا

[ 38 ]

نعم هناك روايتان (1) احداهما رواية قرب الاسناد تدل على جواز شرب أبوال ماكول اللحم على وجه الاطلاق والثانية رواية الجعفري تدل على جواز شرب بول الابل مطلقا وانه خير من لبنه. (وفيه) مضافا إلى ضعف سنديهما، انه لا بد من تقييدهما بمفهوم موثقة عمار المتقدمة، وحينئذ فيختص جواز شربها بالتداوي فقط، على أن رواية الجعفري ليست بصدد بيان الجواز التكليفي بل هي مسوقة إلى بيان الوجهة الطبية وان ابوال الابل مما يتداوى بها الناس ويدل على ذلك قوله " ع " في ذيل الرواية " ويجعل الله الشفاء في ألبانها ". دفع توهم قد استدل بعض الاعاظم (2) على حرمة شربها بقوله تعالى (3): " ويحرم عليهم الخبائث " حيث قال: وعندي ان هذا القول هو الاقوى وفي آية تحريم الخبائث غنى وكفاية بعد القطع بكون البول مطلقا من الخبائث. (وفيه) ان المقصود من الخبائث كل ما فيه مفسدة وردائة ولو كان من الافعال المذمومة


الابل فيشربوا من ألبانها وأبوالها فلحقوا براعي الابل فشربوا من أبوالها والبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم ثم قتلوا الراعي وساقوا الابل، الحديث، ورواه البخاري في الصحيح ج 1 باب الابوال ص 67 بأدنى تفاوت. وفي القاموس مادة جوى اجتواه كرهه وارض جوية غير موافقة، وفيه ارتهس الوادي امتلا. وفي ج 1 مسند أحمد ص 293 عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان في أبوال الابل والبانها شفاء للذربة بطونهم، وفي القاموس الذربة محركة فساد المعدة. (1) قرب الاسناد. ان النبي صلى الله عليه وآله قال: لا بأس ببول ما أكل لحمه. ضعيفة لابي البختري وهب بن وهب. كا ويب. الجعفري قال: سمعت أبا الحسن موسى " ع " يقول: أبوال الابل خير من ألبانها ويجعل الله الشفاء في البانها. مجهولة لبكر بن صالح. راجع ج 3 ئل باب 59 جواز شرب بول الابل من الاطعمة المباحة، وج 2 كا باب 87 من الاطعمة ص 175، وج 11 الوافي باب 68 ص 49 وباب 169 ص 92، وج 2 التهذيب ص 307. (2) المامقاني في حاشيته على المتن. (3) سورة الاعراف آية 156.

[ 39 ]

المعبر عنه في الفارسية بلفظ " پليد " ويدل على زلك اطلاق الخبيث على العمل القبيح في قوله تعالى (1): " ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث " ويساعده العرف واللغة (2) وإذن فالآية ناظرة إلى تحريم كل ما فيه مفسدة ولو من الاعمال القبيحة فلا تعم شرب الابوال الطاهرة ونحوها مما تتنفر عنها الطبايع. (قوله: لا يوجب قياسه على الادوية. أقول) هذا الكلام بظاهره مما لا يترقب صدوره من المصنف، وذلك لان التداوي بها لبعض الاوجاع يجعلها مصداقا لعنوان الادوية، فكما


(1) سورة الانبياء آية 72. (2) في المجمع. الخبيث ضد الطيب، وقيل الخبيث خلاف طيب الفعل من فجور ونحوه، والخبائث الافعال المذمومة والخصال الردية، وفي الحديث لا تعودوا الخبيث من أنفسكم وفي حديث أهل البيت لا يبغضنا إلا من خبثت ولادته اي لم تطب، وخبث الرجل بالمرأة من باب قتل زنى بها، وفي ج 1 تفسير التبيان ص 758 الخبائث يعني القبائح، وفي ج 2 ص 291 ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث، يعنى انهم كانوا يأتون الذكران في ادبارهم، ويتضارطون في أنديتهم " مجالسهم " وهي قرية سدوم على ما روى. وفي مفردات الراغب مادة خبث: المخبث والخبيث ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أو معقولا واصله الردى وذلك يتناول في الاعتقاد والكذب في المقال والقبيح في الفعال " ويطلق على " ما لا يوافق النفس من المحظورات، واتيان الرجال، والاعمال الفاسدة والنفوس الخبيثة، والحرام، والافعال الردية، والكفر والكذب والنميمة. وفي ج 1 تاج العروس مادة خبث ص 617 الخبيث ضد الطيب، الخابث وهو الردي من كل شئ، ومن المجاز الخبث بالضم الزنا وقد خبث بها ككرم اي فجر، وفي الحديث إذا كثر الخبث كان كذا وكذا أراد الفسق والفجور، ومنه حديث سعد بن عبادة انه أتى النبي صلى الله عليه وآله برجل مخدج سقيم وجد مع امرأة يخبث بها اي يزني، وفي حديث أنس ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا أراد الخلاء قال أعوذ بالله من الخبث والخائث اراد بالخبث الشر والخبائث الشياطين. وقال ابن الاثير في تفسير الحديث: الخبث بضم الباء جمع الخبيث والخبائث جمع الخبيثة اي ذكور الاشياطين واناثها، وقيل هو الخبث بسكون الباء وهو خلاف طيب الفعل من فجور وغيره والخبائث يريد بها الافعال المذمومة والخصال الردية، والخبيث نعت كل شيئ فاسد يقال هو خبيث الطعم خبيث اللون خبيث الفعل والحرام السحت يسمى خبيثا مثل الزنا والمال الحرام والدم وما أشبهها مما حرم الله تعالى.

[ 40 ]

يجوز بيعها حتى إذا كانت نجسة، فكذلك يجوز بيع الابوال مطلقا لكونها مصداقا للادوية وانطباق الكلي على أفراده غير مربوط بالقياس، وتوضيح ذلك ان مالية الاشياء تدور على رغبات الناس بلحاظ حاجاتهم إليها على حسب الحالات والازمنة والامكنة، ولا شبهة ان المرض من الحالات التي لاجلها يحتاج الانسان إلى الادوية والعقاقير طاهرة كانت ام نجسة ولاجل ذلك يجلبها الناس من أقاصي البلاد، فإذا كانت الابوال عند العرف من الادوية ويعد من الاموال في غير حال المرض كانت كسائر الادوية التي يحتاج إليها الناس في حال المرض ولا مجال لتفريقها عنها. اللهم إلا أن يكون مراد المصنف سقوط مالية الابوال لكثرتها. (وفيه) مضافا إلى كونه خلاف الظاهر من كلامه، والى منع كثرتها في جميع البلاد ان الكثرة لا توجب سقوط ماليتها بعد امكان الانتفاع بها في بعض الامكنة وإلا لزم سلب المالية عن أكثر المباحات، نعم لا يبعد الالتزام بسقوط ماليتها إذا لم ينتفع بها في محلها ولم يمكن نقلها إلى محل ينتفع بها فيه. ومما ذكرنا علم ان التداوي بالابوال من المنافع الظاهرة لها فلا وجه لعدها فيما لا نفع فيه كما لا وجه للنقض على ذلك بأنه لو كان التداوي بها موجبا لصحة بيعها لجاز بيع كل شيئ من المحرمات لقوله " ع " (1): " ليس شيئ مما حرمه الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه " وذلك لما بينا من ان المرض من الاحوال المتعارفة للانسان فلا يقاس بالاضطرار الذي لا يتفق في العمر إلا نادرا. ومن هنا يتضح الفرق بين الابوال وبين الميتة ولحوم السباع وغيرهما من المحرمات التي يحتاج إليها الانسان عند الاضطرار، ولذلك فلا يتجر احد بلحوم السباع ونحوها لاحتمال الحاجة إليها وهذا بخلاف الادوية فان بيعها وشرائها من التجارات المهمة. (قوله: ولو عند الضرورة المسوغة للشرب. أقول) لا تعرض في شيئ من الروايات العامة وغيرها لتعليق جواز بيع الابوال الطاهرة غير بول الابل على جواز شربها. (قوله: ولا ينتقص ايضا بالادوية المحرمة. اقول) قوله: لاجل الاضرار تعليل للحرمة، وحاصل النقض ان الابوال الطاهرة تكون بحكم الادوية، فكما ان الادوية محرمة الاستعمال في غير حلل المرض لاضرارها بالنفس ومع ذلك يجوز بيعها واستعمالها عند المرض


(1) عن سماعة عن ابي عبد الله " ع " قال. مرسلة. راجع ج 3 ئل باب 12 جواز الحلف باليمين الكاذبة من كتاب اليمين، وج 2 المستدرك باب 24 وجوب التقية في كل ضرورة من الامر بالمعروف ص 374، وج 1 البحار ص 154.

[ 41 ]

في حال المرض لاجل تبدل عنوان الاضرار بعنوان النفع، وهذا بخلاف الابوال فان حليتها ليست إلا لاجل الضرورة فالنقض في غير محله. ولكن الانصاف أن ما أفاده المصنف نقضا وجوابا غير تام، أما الجواب فلانا لا نجد فرقا بين الابوال وسائر الادوية، وإذا كان الاحتياج إلى الادوية موجبا لتبدل عنوان الضرر إلى النفع فليكن الاحتياج إلى الابوال في حال المرض كذلك، مع أن الامر ليس كذلك فان من الواضح جدا ان الاحتياج إلى الادوية والعقاقير حال المرض ليس من قبيل تبدل موضوع الضرر بموضوع النفع كانتقال موضوع التمام إلى موضوع القصر، وإنما هو كالاحتياج إلى سائر الاشياء بحسب الطبع. وأما النقض ففيه (أولا) انه لا يجوز أن تعلل حرمة الادوية في غير حال المرض بالاضرار، لانه من العناوين الثانوية فلا يمكن أن يكون علة لثبوت الحرمة للشئ بعنوانه الاولي، ولو صح ذلك لم يوجد شئ يكون حلالا بعنوانه الاولي إلا نادرا، وذلك لانه لا بد من عروض عنوان الضرر عليه في مرتبة من مراتب استعماله فيكون حراما. و (ثانيا) ان عنوان الاضرار ليس مما تكون الحرمة ثابتة عليه بالذات، أو بعنوان غير منفك لانه ليس أمرا مضبوطا بل يختلف بالاضافة إلى الاشخاص والازمنة والامكنة والمقدار، وربما يكون الشئ مضرا بالاضافة إلى شخص حار المزاج دون غيره، وبالنسبة إلى منطقة دون منطقة، أو بمقدار خاص دون الاقل منه، بل لو كان عنوان الاضرار موجبا لحرمة البيع لما جاز بيع شئ من المشروبات والمأكولات، إذ ما من شئ إلا وهو مضر للمزاج أزيد من حده، نعم لو دل دليل على أن ما أضر كثيره فقليله حرام كما ورد (1) في الخمر (فما اسكر كثيره فقليله حرام) لتوجه ما ذكره من النقض، وقد تمسك بعض العامة بذلك عند بحثنا معه في حرمة شرب التتن، وأجبنا عنه بأنه لو صح ما اضر كثيره فقليله حرام للزم الالتزام بحرمة جميع المباحات فان من الواضح أنه ما من شئ في العالم إلا وتكون مرتبة خاصة منه مضرة للمزاج. (حرمة بيع شحوم ما لا يؤكل لحمه) (قوله: ولا ينافيه النبوي (2) لعن الله اليهود. اقول) وجه التنافي هو توهم الملازمة


(1) قد تقدم في ص 18. (2) جابر بن عبد الله انه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول عام الفتح وهو بمكة ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة

[ 42 ]

بين حرمة الاكل وحرمة البيع، وأجاب عنه المصنف بأن الظاهر أن الشحوم كانت محرمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا. (وفيه) أنه لا منشأ لهذا الظهور لا من الرواية ولا من غيرها بل الظاهر منها حرمة أكلها فقط، كما هو المستفاد من الآية (1) أيضا فان الظاهر من تحريم الشحوم فيها تحريم أكلها لكونه منفعة ظاهرة لها، إلا انك عرفت (2) في البحث عن النبوي المشهور أن حرمة الاكل لا يستلزم حرمة البيع وضعا وتكليفا باتفاق من الشيعة ومن العامة. (قوله: والجواب عنه مع ضعفه. أقول) قال المحقق الايرواني ظاهر النبوي ما حرم أكله من المأكولات أعني ما يقصد للاكل دون ما حرم أكله مطلقا ليخالف غرض المصنف ويلزم تخصيص الاكثر حتى يضطر إلى تضعيفه سندا ودلالة. (وفيه) مضافا إلى كونه حملا تبرعيا انه يلزم تخصيص الاكثر أيضا لجواز بيع المأكولات والمشروبات المحرمة إذا كانت لها منافع محللة، ثم ان الظاهر من ذيل كلامه استظهار ضعف الرواية من عبارة المصنف من غير جهة تخصيص الاكثر، إلا انه ناشئ من غلط النسخة ومن زيادة كلمة مع قبل كلمة ضعفه. (لا يقال) ان الملاك في حرمة بيع الشحوم هو حرمة أكلها فيحرم بيعها لكونه إعانة على الاثم. (فانه يقال) لو سلمنا حرمة الاعانة على الاثم لكان الظاهر من الرواية هو بيع اليهود شحومهم من غيرهم، ولم يعلم حرمته على غير اليهود، بل الظاهر من الآية المباركة اختصاص التحريم بهم، مع انه لو قطع النظر عن هذا الظهور لكان تقييد الرواية بما إذا كان البيع للاكل بلا موجب.


فانها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله قاتل الله اليهود ان الله لما حرم عليهم شحومها جملوه أي أذابوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه. راجع ج 6 سنن البيهقي ص 12، وج 2 سبل السلام ص 316، وج 3 البخاري باب لا يذاب شحم الميتة ص 107، وباب بيع الميتة ص 110، وتقدم ايضا بعض روايات الشحوم في ص 22. (1) في سورة الانعام آية 147 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما. (2) ص 23.

[ 43 ]

جواز بيع العذرة (قوله: يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان على المشهور. اقول) المعروف بين الفقهاء رضوان الله عليهم حرمة بيع العذرة النجسة من كل حيوان، بل في التذكرة (1) لا يجوز بيع سرجين النجس اجماعا منا، وفي الجواهر ادعى الاجماع بقسميه على حرمة بيع ارواث مالا يؤكل لحمه، وفي النهاية (2) جعل بيع العذرة من المكاسب المحظورة، وفي الغنية (3) منع عن بيع سرقين ما لا يؤكل لحمه، وفي المراسم (4) حكم بحرمة بيع العذرة، وفي المستند (5) انه موضع وفاق، وعلى هذا اتفاق المذاهب الاربعة (6) ثم ان تحقيق هذه المسألة في ضمن مقامين الاول من حيث القواعد والاجماعات والروايات العامة، والثاني من حيث الروايات الخاصة الواردة في خصوص هذه المسألة. أما المقام الاول فقد ظهر من المسألة السابقة وما قبلها انه لا يجوز الاستدلال بشئ من تلك الامور على حرمة البيع وفساده. وأما المقام الثاني فالروايات الواردة هنا على ثلث طوائف الاولى (7) ما يدل على حرمة بيع العذرة وكون ثمنها سحتا، الثانية (8) ما يدل على جواز بيعها وهي رواية ابن مضارب


(1) ج 1 ص 3 من البيع. (2) باب المكاسب المحظورة. (3) ص 2 من البيع. (4) ص 1 من المكاسب. (5) ج 2 ص 334. (6) في ج 2 فقه المذاهب الاربعة ص 231 عن المالكية لا يصح بيع زبل ما لا يؤكل لحمه سواء كان أكله محرما كالخيل والبغال والحمير أو مكروها كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهرفان فضلات هذه الحيوانات ونحوها لا يصح بيعها. وعن الحنابلة لا يصح بيع النجس كالزبل النجس، وكذلك عند الشافعية، وفي ص 232 عن الحنفية لا ينعقد بيع العذرة فإذا باعها كان البيع باطلا إلا إذا خلطها بالتراب فانه يجوز بيعها إذا كانت لها مالية، ويصح بيع الزبل يسمى سرجين وكذا بيع البعر. (7) يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله " ع " قال: ثمن العذرة من السحت، مجهولة لعلي بن مسكين أو سكن. راجع ج 2 ئل باب 69 حكم بيع عذرة الانسان مما يكتسب به، وج 2 التهذيب ص 112، وج 2 الاستبصار ص 33، وج 10 الوافى باب 43 من المكاسب ص 42، دعائم الاسلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن بيع العذرة وقال هي ميتة، مرسلة، راجع ج 2 المستدرك ص 427. (8) محمد بن مضارب عن ابي عبد الله " ع " قال لا بأس ببيع العذرة، حسنة لابن

[ 44 ]

الثالثة (1) ما يدل على جواز بيعها وحرمته معا وهي رواية سماعة. وللجمع بينها وجوه للاعلام، الاول ما ذكره شيخ الطائفة (ره) من حمل رواية المنع على عذرة الانسان، ورواية الجواز على عذرة البهائم مما يؤكل لحمه، واستشهد على ذلك رواية سماعة، قال في التهذيب بعد ما نقل رواية الجواز انه ولا ينافى ذلك ما رواه يعقوب ابن شعيب، لان هذا الخبر محمول على عذرة الانسان، والاول محمول على عذرة البهاتم من الابل والبقر والغنم، ولا تنافى بين الخبرين، والذي يكشف عما ذكرناه رواية سماعة، وفي المبسوط (2) فلا يجوز بيع العذرة والسرجين مما لا يؤكل لحمه، وفي الخلاف (3) فالسرجين النجس محرم بالاجماع فوجب ان يكون بيعه محرما. إذا عرفت مسلكه من كتبه الثلاثة فلا تغتر باطلاق كلامه في الاستبصار، حيث حمل رواية الجواز على عذرة غير الآدميين، ورواية المنع على عذرة الناس، ثم استشهد عليه برواية سماعة فان مراده من غير الآدميين إنما هو ما يؤكل لحمه فقط فلا يعم غير المأكول. (وفيه) أولا انه ثبت في محله أن كون الدليل نصا في مدلوله غير كون بعض افراده متيقنا في الارادة من الخارج على تقدير صدور الحكم، فما هو الموجب لرفع اليد عن الحكم هو الاول دون الثاني، ففي مثل الامر (4) بغسل الثوب من بول الخفاش الصريح في المحبوبية والظاهر في الوجوب، وما ورد (5) من ان بول الخفاش لا باس به،؟ في جواز


مضارب. راجع ج 1 كا باب 103 من المعيشة ص 393، والابواب المذكورة من التهذيب وئل والاستبصار والوافى. (1) سماعة قال سال رجل ابا عبد الله " ع " وأنا حاضر قال اني رجل أبيع العذرة فما تقول قال حرام بيعها وثمنها وقال لا بأس ببيع العذرة. موثقة. راجع الابواب المذكورة من التهذيب وئل والاستبصار والوافى. (2) فصل في حكم ما يصح بيعه وما لا يصح. (3) ج 1 ص 225. (4) داود الرقي قال سألت أبا عبد الله " ع " عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده فقال اغسل ثوبك. مجهولة ليحيى بن عمر. راجع ج 1 ئل باب 10 حكم بول الخفاش من أبواب النجاسات، وج 1 التهذيب باب تطهير الثياب ص 75. (5) غياث عن جعفر عن أبيه قال لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف، موثقة راجع البابين المذكورين من يب وئل. في ج 4 تاج العروس ص 308، الخفاش كرمان الوطواط الذي يطير بالليل، سمي به لصغر عينيه خلقة، وضعف بصره بالنهار، ومن الخواص أن دماغه ان مسح بالاخمصين

[ 45 ]

الترك، والظاهر الاباحة الخاصة، برفع اليد عن ظهور كل منهما بصريح الآخر فيثبت الاستحباب، وأما في أمثال المقام حيث لا صراحة للدليل في شئ، فلا موجب للجمع المذكور فانه تبرعي محض وخارج عن صناعة الجمع الدلالي العرفي فلا يوجب رفع التعارض بوجه، إذن فلا بد إما من طرحهما وإما الرجوع إلى المرجحات السندية، أو الخارجية من موافقة الكتاب أو مخالفة العامة. وبعبارة اخرى أن الجمع العرفي بين الدليلين بطرح ظهور كل منهما بنص الآخر إنما يجري فيما كانت لكل منهما قرينية لرفع اليد عن ظهور الآخر، كالجمع بين الامر والترخيص، بحمل الاول على الاستحباب والثاني على الكراهة، وهذا بخلاف ما إذا ورد النفي والاثبات على مورد واحد كما فيما نحن فيه، فانه من أوضح موارد المتعارضين. (وثانيا) سلمنا ذلك إلا أن اطلاق العذرة على مدفوعات ما يؤكل لحمه ممنوع جدا، وإنما يطلق عليها لفظ الارواث أو السرقين وهذا واضح لمن كان له انس بالعرف واللغة (1) (وثالثا) سلمنا جواز الاطلاق وصحته إلا ان أخذ المتيقن من الدليلين المتنافيين لا يعد


هيج الباه اي شبق النكاح، وان احرق واكتحل به قلع البياض من العين وأحد البصر، ودمه ان طلى به على عانات المراهقين منع نبات الشعر، ومرارته ان مسح بها فرج المنهكه وهي التي عسر ولادها ولدت في ساعتها ج خفافيش، والاخفش الذي يغمض إذا نظر وفي حياة الحيوان للدميري، الخفاش له اربعة اسماء خفاش وخشاف وخطاف ووطواط وليس من الطير في شئ، فانه ذو اذنين واسنان وخصيتين ومنقار، ويحيض ويطهر، ويضحك كما يضحك الانسان، ويبول كما تبول ذوات الاربع، ويرضع ولده، ومن الخواص إن طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه مرارا حتى يتهرى ويصفى ذلك الدهن عنه ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم والارتعاش والتورم في الجسد والربو فانه ينفعه ذلك ويبرئه وهو عجيب مجرب، وان ذبح في بيت وأخذ قلبه وأحرق فيه لم يدخله حيات ولا عقارب، وم نتف إبطه وطلاه بدمه مع لبن أجزاء متساوية لم ينبت فيه شعر، وان صب من مرق الخفاش وقعد فيه صاحب الفالج انحل ما به. (1) في المنجد العذرة الغائط، وفي المجمع العذرة وزان كلمة الخرؤ ولم يسمع التخفيف وقد تكرر ذكرها في الحديث، وسمى فناء الدار عذرة لمكان القاء العذرة هناك. وكذلك في نهاية ابن الاثير، وفي ج 3 تاج العروس ص 388 والعاذر هو الغائط الذي هو السلح والرجيع، والعذرة بكسر الذال المعجمة ومنه حديث ابن عمر أنه كره السلت الذي يزرع بالعذرة يريد غائط الانسان الذي يلقيه، وفناء الدار.

[ 46 ]

من الجموع العرفية، لعدم ابتنائه على اساس صحيح، بل لو جاز أحذ المتيقن من الدليل لانسد باب حجية الطواهر ولم يجز التمسك بها، إذ ما من دليل إلا وله متيقن في إرادة المتكلم إلا أن يقال بتخصيص ذلك بصورة التعارض وهو كما ترى. (ورابعا) سلمنا ذلك ايضا إلا أن أخذ المتيقن من دليلي الجواز والمنع لا ينحصر بما ذكر، بل يجوز أخذه منهما بوجه آخر أوجه منه، بأن تحمل رواية الجواز على فرض كون العذرة المبيعة يسيرة، ورواية المنع على فرض كونها كثيرة، أو تحمل رواية الجواز على بلاد تعارف فيها بيع العذرة لاجل التسميد ونحوه، ورواية المنع على بلاد لم يتعارف فيها بيعها أو غير ذلك. (الثاني) أن تحمل رواية الجواز على بلاد ينتفع بها، ورواية المنع على بلاد لا ينتفع بها، وقد حكى المصنف هذا الوجه من المجلسي ثم استبعده. (وفيه) مضافا إلى كونه جمعا تبرعيا ان امكان الانتفاع بها في مكان يكفي في صحة بيعها على وجه الاطلاق، على أنك عرفت في بيع الابوال ان غاية ما يلزم هو كون المعاملة على أمثال تلك الخبائث سفهية، ولم يقم دليل على بطلانها وصرف العمومات عنها، مع ان الظاهر من قول السائل في رواية سماعة (اني رجل ابيع العذرة) هو كونه بياع العذرة وأخذه ذلك شغلا لنفسه، وإنما سئل عن حكمه الشرعي، وهذا كالصريح في كون بيع العذرة متعارفا في ذلك الزمان، ثم ان هذا الوجه وان نسبه المصنف إلى المجلسي ولكن لم نجده في كتبه، بل الموجود في مرآة العقول (1) نفى البعد عن حمل رواية الجواز على الكراهة. (الثالث) ما احتمله السبزواري (2) من حمل رواية المنع على الكراهة، ورواية الجواز على الترخيص المطلق، وقد استبعده المصنف أيضا، ولعل الوجه فيه هو أن استعمال لفظ السحت في الكراهة غير جار على المنهج الصحيح، فان السحت في اللغة (3) عبارة عن الحرام


(1) ج 3 باب جامع ما يحل الشرا والبيع ص 411. (2) راجع الكفاية المقصد الثاني من التجارة. (3) في المجمع السحت كل مال لا يحل كسبه، وفي القاموس السحت الحرام وما خبث من المكاسب، وفي المصباح السحت مال حرام لا يحل أكله ولا كسبه، وفي ج 1 لسان العرب ص 346 السحت كل حرام قبيح الذكر، وقيل هو ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار، وقبيح الذكر كثمن الكلب والخمر والخنزير، والجمع أسحات، والسحت الحرام الذي لا يحل كسبه لانه يسحت البركة اي يذهبها، واسحتت تجارته خبثت وحرمت وأسحت اكتسب السحت.

[ 47 ]

إذن فرواية المنع آبية عن الحمل عليها. (وفيه) أولا ان لفظ السحت قد استعمل في الكراهة في عدة من الروايات (1) فانه اطلق فيها على ثمن جلود السباع، وكسب الحجام، واجرة المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن، وقبول الهدية مع قضاء الحاجة، ومن الواضح جدا انه ليس شئ منها بحرام قطعا، وإنما هي مكروهة فقط، وقد نص بصحة ذلك الاستعمال غير واحد من أهل اللغة (2) بل الروايات (3) الكثيرة تصرح بجواز بيع جلود السباع وأخذ الاجرة للحجام


(1) الجعفريات. عن علي " ع " من السحت ثمن جلود السباع. موثقة. راجع ج 2 المستدرك ص 426، دعائم الاسلام. من السحت ثمن جلود السباع. مرسلة. راجع ج 23 البحار ص 20، وج 2 المستدرك ص 436. كا. سماعة قال قال أبو عبد الله " ع " السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجام إذا شارط ضعيفة لمحمد بن أحمد الجاموراني، ومثلها رواية اخرى لسماعة إلا أنه ليست فيها جملة شرطيه ولكنها موثقة، راجع ج 1 كا ص 363، وج 2 التهذيب ص 106، وج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة مما يكتسب به، وج 10 الوافى ص 42. الجعفريات. عن علي " ع " من السحت كسب الحجام. موثقة. راجع ج 2 المستدرك ص 427. العيون. عن علي " ع " في قوله تعالى أكالون للسحت قال هو الرجل يقضي لاخيه الحاجة ثم يقبل هديته راجع ج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة مما يكتسب به. وقد تعرض صاحب ئل لاسانيد الرواية في ج 1 ئل باب 54 اسباغ الوضوء من أبوابه ولكن أكثرها من المجاهيل. فقه الرضا. عن ابن عباس في قوله تعالى أكالون للسحت قال اجرة المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن. راجع ج 2 المستدرك ص 435. (2) في نهاية ابن الاثير السحت كما يطلق على الحرام يطلق على المكروه وفي ج 1 لسان العرب ص 346 السحت يرد في الكلام على المكروه مرة، وعلى الحرام اخرى، ويستدل عليه بالقرائن. (3) منها الروايات المجوزة لبيع جلود النمر والسباع كما سيأتي التعرض لها في بيع المسوخ ومنها موثقة زرارة قال سألت أبا جعفر عن كسب الحجام فقال مكروه له أن يشارط ولا باس عليك ان تشارطه وتماسكه وإنما يكره له ولا بأس عليك، راجع ج 1 كاص 360، وج 2 التهذيب ص 107، وج 10 الوافي ص 31، وج 2 ئل باب 36 كراهة

[ 48 ]

وتعليم القرآن حتى مع الاشتراط، والجمع العرفي يقتضي حمل المانعة على الكراهة، وعليها فتاوى الاصحاب واجماعهم، بل فتاوى اكثر العامة (1) إذن فلا وجه للتهويل على السبزواري بأن كلمة السحت غير مستعملة في الكراهة الاصطلاحية. (وثانيا) لو سلمنا حجية قول اللغوي فغاية ما يترتب عليه ان حمل لفظ السحت على


كسب الحجام مما يكتسب به، لا يخفى ان ظهور الرواية في الكراهة الاصطلاحية مما لا ينكر وان كانت هي في الاخبار أعم منها ومن الحرمة. ومنها رواية حنان بن سدير وفيها ان النبي صلى الله عليه وآله قد احتجم وأعطى الاجر ولو كان حراما ما اعطاه. ضعيفة لسهل. وقريب منها رواية جابر عن ابي جعفر " ع ". وهي ايضا ضعيفة لعمرو بن شمر. راجع الابواب المذكورة من الكتب المزبورة. وفي ج 3 البخاري باب خراج الحجام من الاجارات ص 122، وج 9 سنن البيهقي ص 338 عن ابن عباس قال احتجم النبي صلى الله عليه وآله وأعطى الحجام أجره ولو علم كراهية لم يعطه. ومنها رواية قرب الاسناد ان رسول الله صلى الله عليه وآله احتجم وسط رأسه حجمه أو طيبة وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله صاعا من تمر. ضعيفة لحسين بن علوان. راجع ج 23 البحار ص 18 وج 2 ئل الباب 36 المتقدم وج 3 صحيح البخاري ص 122، وج 9 سنن البيهقي ص 337. ومنها رواية الفضل بن أبي قرة قال قلت لابي عبد الله " ع " إن هؤلاء يقولون ان كسب المعلم سحت فقال كذبوا أعداء الله إنما أرادوا أن لا يعلموا القرآن ولو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلم مباحا. ضعيفة للفضل. راجع ج 2 التهذيب ص 110، وج 1 كا ص 362، وج 10 الوافي ص 37، وج 2 ئل باب 57 كراهة أخذ الاجرة على تعليم القرآن مما يكتسب به، ثم انه أخرج البيهقي في ج 6 السنن الكبرى ص 124 أحاديث تدل على جواز أخذ المعلم الاجرة للتعليم، وأحاديث اخرى تدل على كراهة أخذها لتعليم القرآن. (1) في ج 2 فقه المذاهب ص 232 عن الحنابلة يصح بيع سباع البهائم، وعند الحنفية يصح بيع الاسد والفيل وسائر الحيوانات سوى الخنزير، وفي ج 3 فقه المذاهب ص 173 كره أجر الحجام إذا اشترط، وفي ص 195 عن الحنابلة كراهة اجرة الحجام، وفي ص 171 المتأخرين من الحنفية أجازوا اخذ الاجرة على تعليم القرآن، وفي ص 182 عن المالكية يجوز اخذ الاجرة على تعليم القرآن إذا عرف المعلم المتعلم، وفي ص 188 عن الشافعية تصح الاجارة على تعليم القرآن.

[ 49 ]

المكروه خلاف الظاهر، ولا بأس به إذا اقتضاه الجمع بين الدليلين. (لا يقال) وان صح اطلاق كلمه السحت على الكراهة كصحة اطلاقها على الحرام، إلا ان نسبته إلى الثمن صريحة في الحرمة، فانه لا معنى لكراهة الثمن. (فانه يقال) ان عناية تعلق الكراهة بالثمن لا تزيد على عناية تعلق الحرمة به، فارادة الثاني من كلمة السحت دون الاول مع صحة استعمالها فيهما تحتاج إلى قرينة معينة، ومن هنا ذكر في لسان العرب السحت يرد في الكلام على المكروه مرة، وعلى الحرام اخرى، ويستدل عليه بالقرائن، غاية الامر انه إذا تعلقت الحرمة بالثمن فيستفاد من ذلك الحرمة الوضعية أعني بها فساد البيع زائدا على حرمة التصرف في الثمن، بخلاف تعلق الكراهة به، فانه متمحض في الدلالة على الحكم التكليفي كما في ثمن جلود السباع ونحوه. (الرابع) أن تحمل رواية الجواز على الجواز التكليفي لظهور كلمة لا باس في ذلك، ورواية المنع على الحرمة الوضعية، فتصير النتيجة ان بيع العذة فاسد وغير حرام. (وفيه) مضافا إلى كونه جمعا تبرعيا ان استعمال لا بأس في الجواز التكليفي ومقابله في البأس الوضعي من الغرابة بمكان كاد أن يلحق بالاغلاط ولم نسمع إلى الآن نظير ذلك الاستعمال، بل هما متمحضان لبيان الحكم الوضعي وان كان يستفاد منهما الحكم التكليفي أحيانا بالالتزام، ومن هنا ترون ان الفقهاء رضوان الله عليهم يتمسكون بالامر بشئ وبالنهي عن شئ في الصلاة لاثبات الجزئية والمانعية فيها، على أن قوله " ع " في رواية سماعة (حرام بيعها وثمنها) ظاهر في الحرمة التكليفية لو لم يكن نصا فيها فلا وجه لرفع اليد عنها وحملها على الحرمة الوضعية. (الخامس) ما اختاره العلامة المامقاني " ره " وقال الاقرب عندي حمل قوله " ع " لا بأس ببيع العذرة على الاستفهام الانكاري. ولعل هذا مراد المحدث الكاشاني حيث قال ولا يبعد أن يكون اللفظتان مختلفتين في هيئة التلفظ والمعنى وان كانتا واحدة في الصورة. (وفيه) مضافا إلى كونه محتاجا إلى علم الغيب، انه خلاف الظاهر من الرواية فلا يجوز المصير إليه بمجرد الاحتمال. والتحقيق انه لا يجوز العمل بروايات المنع لوجهين، الاول عدم استيفائها شرائط الحجية بنفسها، أما رواية ابن شعيب فلضعف سندها، لا للارسال كما زعمه صاحب الجواهر، اغترارا بارسال العلامة في المنتهى، بل لجهالة علي بن مسكين أو سكن، وكذا رواية دعائم الاسلام، وتوهم انجبارهما بعمل المشهور توهم فاسد، فانه مضافا إلى فساد الكبرى، ان الحكم غير مختص بالعذرة، بل شامل لغيرها من النجاسات، وأما رواية سماعة فهي وإن كانت

[ 50 ]

موثقة، إلا انه لا يجوز الاعتماد عليها، اما لاجمالها لمعارضة صدرها مع ذيلها إن كانت رواية واحدة، وإما للتعارض والتساقط لو كانت روايتين، ولكن يدل على التعدد من الرواية امور: الاول اقتران كلمة قال فيها بالواو، والثاني وضع المظهر فيها موضع المضمر، فانها لو كانت رواية واحدة لكان للامام " ع " أن يقول ولا باس ببيعها بدل قوله (لا بأس ببيع العذرة) الثالث انها لو كانت رواية واحدة لكانت مجملة كما عرفت، إذن فلزم للسائل أن يسال عن بيع العذرة ثانيا فينكشف من تلك القرائن تعددها وان سماعة لما نقل رواية المنع الحقها برواية الجواز تفهيما للمعارضة وعلى هذا فيحكم بالتساقط. (إن قلت) ان السائل لما فهم مقصوده من القرائن الحالية أو المقالية وإن لم تصل الينا ترك التعرض للسؤال، فلا يلزم من ذلك تعدد الرواية. (قلت) احتمال انه فهم المراد من القرائن وإن كان موجودا إلا أن اصالة عدم القرينة التي من الاصول المسلمة عند العقلاء تدفع ذلك الاحتمال، ثم لو صحت رواية ابن مضارب كما هي كذلك وان رماها المجلسي (1) بضعف السند لوجب الاخذ بها، وإلا فالمرجع في الجواز التكليفي هي اصالة الاباحة، وفي الجواز الوضعي هي العمومات من أوفوا بالعقود، وأحل الله البيع، وتجارة عن تراض. (والوجه الثاني) انك بعدما عرفت تعدد رواية سماعة وكونها روايتين فتنحصر الروايات هنا في طائفتين، المانعة عن بيع العذرة، والمجوزة لبيعها، وعلى هذا فان أمكن الجمع بينهما باحدى الوجوه المتقدمة فنأخذ بهما، وإلا فلا بد من الرجوع إلى المرجحات الخارجية لتساوي روايتي سماعة من حيث المرجحات السندية، ولما كان القول بحرمة بيع العذرة مذهب العامة بأجمعهم فنأخذ بالطائفة المجوزة لبيعها، ومن هنا ظهر ما في كلام المصنف حيث استبعد حمل الطائفة المانعة عن بيعها على التقية، والعجب من الفاضل المامقاني " ره " فانه وجه كلام المصنف وقال ان مجرد كونه مذهب اكثر العامة لا يفيد مع كون فتوى معاصر الامام الذي صدر منه الحكم هو الجواز كما فيما نحن فيه حيث ان الجواز فتوى أبي حنيفة المعاصر لمن صدر منه أخبار المنع وهو الصادق " ع " فخبر الجواز أولى بالحمل على التقية، ووجه العجب ان أبا حنيفة قد أفتى بحرمة بيع العذرة كما عرفت. وأعجب من ذلك ما نسبه إليه العلامة في التذكرة (2) من تجويز بيع السرجين النجس لان أهل الامصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير، فانه " ره " مع اطلاعه على مذهب العامة


(1) ج 3 مرآة العقول باب 103 جامع فيما يحل الشراء من المكاسب ص 411. (2) ص 3 من البيع.

[ 51 ]

وآرائهم كيف خفى عليه مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، نعم لا ينكر تجويز ابي حنيفة (1) بيع العذرة إذا اختلطت بالتراب، وبيع الزبل الذي يسمى بالسرجين، وبيع البعر للانتفاع به وجعله وقودا. (قوله: فرواية الجواز لا يجوز الاخذ بها من وجوه لا تخفى. أقول) الوجوه المشار إليها في كلامه هي الاجماعات المنقولة، والشهرة الفتوائية، والروايات العامة المتقدمة، وضعف سند ما يدل على الجواز، إلا أنها مخدوشة بأجمعها، ولا يصلح شئ منها لترجيح ما يدل على المنع أما الاجماعات المنقولة فليست بتعبدية، بل مدركها هي الوجوه المتقدمة، ولو كانت تعبدية لكانت حجة مستقلة، وضمها إلى رواية المنع لا يزيد اعتبارها بل هي بنفسها لو كانت حجة لوجب الاخذ بها، وإلا فضم الاجماعات إليها لا يوجب حجيتها. وأما الشهرة الفتوائية فهي وإن كانت مسلمة، إلا أن ابتنائها على رواية المنع ممنوع جدا، فان تلك الشهرة غير مختصة ببيع العذرة، بل هي جارية في مطلق النجاسات، ولو سلمنا ابتنائها عليها لا توجب انجبار ضعف سند الرواية، على أن ما يوجب ترجيح احدى الروايتين على الاخرى عند المعارضة هي الشهرة في الرواية دون الشهرة الفتواتية. وأما الروايات العامة فقد تقدم الكلام فيها، على أن النجاسة لم تذكر في شئ منها إلا في رواية تحف العقول، والذي يستفاد منها ليس إلا حرمة الانتفاع بالنجس مطلقا، وهي وإن كانت مانعة عن البيع، إلا انه لم يقل بها أحد، وأما مانعية النجاسة من حيث هي نجاسة فلا يستفاد من تلك الروايات، ولا من غيرها، نعم لا شبهة في حرمة الانتفاعات المتوقفة على الطهارة، ومن هنا يظهر الجواب عمن ذهب الحرمة الانتفاع بالعذرة في التسميد ونحوه، وتمسك في ذلك بقوله " ع " في رواية تحف العقول (أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد) بدعوى ان التسميد ونحوه من التصرفات فيها من وجوه الفساد، بل قد ورد في بعض الروايات (2) جواز طرح العذرة في المزارع. واما تخيل ضعف رواية الجواز من ناحية السند، ففيه أولا انه محض اشتباه قد نشأ من خلط ابن مضارب بابن مصادف وتوهم ان الاول غير موجود في كتب الرجال فاسد فانه مضافا إلى كونه مذكورا فيها ومنصوصا بحسنه، انه قد اتفقت اصول الحديث على نقل


(1) ج 2 فقه المذاهب الاربعة ص 232. (2) قرب الاسناد. عن علي " ع " انه كان لا يرى بأسا أن يطرح في المزارع العذرة. ضعيفة لابي البختري وهب بن وهب. راجع ج 3 ئل باب 28 انه لا بأس بطرح العذرة في المزارع من الاطعمة المحرمة.

[ 52 ]

رواية الجواز عنه، ولم يحتمل فيها نقلها عن ابن مصادف. وثانيا ان اختصار الكليني بنقل رواية الجواز فقط دون غيرها يشير إلى اعتبارها كما هي كذلك لكون رواتها بين ثقاة وحسان. جواز بيع الارواث (قوله: الاقوى جواز بيع الارواث الطاهرة. أقول) المشهور بين أصحابنا جواز بيع الارواث الطاهرة، وفي المستند (1) يجوز الاكتساب بها مطلقا وفاقا للاكثر بل عن السيد الاجماع عليه لطهارتها وعظم الانتفاع بها فيشملها الاصل والعمومات، وفي الخلاف (2) سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه دليلنا على جواز ذلك انه طاهر عندنا ومن منع منه فانما منع لنجاسته ويدل على ذلك بيع أهل الامصار في جميع الاعصار لزروعهم وثمارهم ولم نجد احدا أكره ذلك ولا خلاف فيه فوجب أن يكون جائزا، نعم حكم في النهاية (3) بحرمة بيع العذرة والابوال إلا بول الابل خاصة فانه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة وفي المراسم (4) حكم بحرمة التكسب بالعذرة والبول إلا بول الابل خاصة، وكذلك ذهبت الشافعية (5) إلى نجاسة فضلة مأكول اللحم بلا تفصيل بين الطيور وغيرها، مع ذهابهم (6) إلى عدم صحة بيع كل نجس إلا إذا كان مخلوطا بشئ طاهر لا يمكن فصله منه. والظاهر انه لا فرق بين العذرة والارواث في جواز البيع وعدمه من جهة مدرك الحكم إلا نجاسة الاولى وطهارة الثانية، فان الاخبار الخاصة الواردة في حرمة بيع العذرة لم تتم كما عرفت، والاخبار العامة المتقدمة انما تدل على حرمة بيع ما يكون منهيا عن أكله فتكون شاملة للارواث والعذرة كلتيهما، وحيث عرفت انه لا يصلح شئ من ذلك لاثبات حرمة بيع العذرة فتعرف عدم جريانه في الارواث أيضا، وأما ما في رواية تحف العقول من قوله " ع ": (أو شئ من وجوه النجس) فلا تدل على مانعية النجاسة عن البيع، لما عرفت في بيع الابوال أن مقتضى التعليل المذكور فيها هو كون منافع النجس بأجمعها محرمة، وأما إذا كانت له منفعة محللة فلا تدل الرواية على حرمة بيعه، إذن فلا وجه لما التزم به شيخنا الانصاري من التفريق بين العذرة والارواث. وأما دعوى الاجماع على التفريق بينهما فهي دعوى جزافية للاطمينان بأن مدرك المجمعين


(1) ج 2 ص 334. (2) ج 1 ص 225. (3) باب المكاسب المحظورة. (4) باب المكاسب. (5) ج 1 فقه المذاهب ص 12. (6) ج 2 فقه المذاهب ص 232.

[ 53 ]

تلك الوجوه المذكورة لمنع بيع العذرة دون الارواث، وإلا فالاجماع التعبدي الكاشف عن رأي الحجة معلوم العدم، وقيام السيرة على جواز الانتفاع والمعاوضة لا يختص بالارواث بل يعم العذرة أيضا، كشمول العمومات لهما، وما في الجواهر من الاستدلال على جواز بيع الارواث فقط بخبر ابن مضارب، وبذيل رواية سماعة، بعدما حملهما عليها فاسد لما عرفت من انه لا يصح اطلاق العذرة على الارواث بوجه، وان الارواث في اللغة (1) لا تطلق إلا على رجيع ذي الحافر. وقد يتوهم تحريم بيعها لآية تحريم الخبائث بدعوى ان عموم التحريم المستفاد من الجمع المحلى باللام يشمل البيع ايضا. (وفيه) أولا ما أجاب به المصنف من أن المراد من تحريم الخبائث هو تحريم أكلها، لا مطلق الانتفاعات بها. وثانيا انه قد تقدم في بيع الابوال ان الخبيث عبارة عن مطلق ما فيه نقص ودنائة ولو كان من قبيل الافعال ويرادف في الفارسية بلفظ (پليد) فمثل الزنا والافتراء والغيبة والنميمة وغيرها من الافعال المحرمة التي عبر عنها في قوله تعالى (2) بالفواحش، من الخبائث ايضا، إذن فليس المراد من تحريم الخبائث في الآية إلا بيان الكبرى الكلية من تحريم ما فيه مفسدة، وأما تشخيص الصغرى وبيان ان في هذا مفسدة أو في ذاك فخارج عن حدود الآية، وإلا فيلزم التمسك بالعام في الشبهات المصداقية وهو لا يجوز كما نقح في الاصول، وان ابيت إلا عن اختصاصها بما يكون الطبع متنفرا عنه، فندفعه بعدم الملازمة بين تحريم الاكل وحرمة البيع، كما سبق في بيع الابوال وغيره، إلا إذا كان الاكل من المنافع الظاهرة جواز بيع الدم نجسا كان أم طاهرا (قوله: يحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف. أقول) المشهور بين اصحابنا شهرة عظيمة حرمة بيع الدم النجس كما في النهاية (3) والمراسم (4) والمبسوط (5) وفي التذكرة (6)


(1) في ج 1 تاج العروس مادة رأث ص 626 الروثة واحدة الروث والارواث وقد رأث الفرس وغيره، وفي المثل أحشك وتروثني، قال ابن سيده الروث رجيع ذي الحافر وفي التهذيب يقال لكل ذي حافر قد رأث يروث روثا. وفي المجمع رأث الفرس يروث روثا من باب قال والخارج روث، ومنه الحديث نهى عن الروث يعني رجيع ذات الحافر. (2) سورة الاعراف آية 31: قل إنما حرم ربي الفواحش. (3) المكاسب المحظورة. (4) أول المكاسب. (5) في فصل ما يصح بيعه وما لا يصح (6) ج 1 ص 3 من البيع.

[ 54 ]

يشترط في المعقود عليه الطهارة الاصلية ولو باع نجس العين لم يصح اجماعا. وعلى هذا المنهج ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير (1) وعن المالكية (2) لا يصح بيع النجس، وعن الحنابلة لا يصح بيع النجس كالدم، وعن الشافعية لا يصح بيع كل نجس، وعن الحنفية لا يصح بيع الدم، وفي أخبارهم (3) أيضا شهادة على ذلك إذا عرفت ذلك فاعلم ان المصنف قد فصل بين الدم النجس فحكم بحرمة المعاوضة عليه للاجماع والاخبار السابقة اي الروايات العامة، وبين الدم الطاهر فقد قوى جواز المعاوضة عليه إذا فرضت له منفعة محللة كالصبغ ونحوه، لكونه من الاعيان التي يجوز الانتفاع بها منفعة محللة. (وفيه) انه بعد اشتراكهما في حرمة الاكل، وجواز الانتفاع بهما منفعة محللة كالصبغ والتسميد ونحوهما، فلا وجه للتفكيك بينهما، وأما النجاسة فقد عرفت مرارا انه لا موضوعية لها، فلا تكون فارقة بين الدم الطاهر والنجس، وأما الاخبار السابقة فمضافا إلى ضعف سندها انها شاملة لهما، فلو تمت لدلت على حرمة بيعهما معا وإلا فلا، على ان المستفاد من رواية تحف العقول هو تحريم مطلق منافع النجس، وحينئذ فان وقفنا على ظاهرها فلازمه الافتاء بما لم يفت به أحد، وان اقتصرنا على خصوص تحريم البيع فلا دليل عليه. وأما الاجماع فهو لا يختص بالمقام، وإنما هو الذي ادعى قيامه على حرمة مطلق بيع النجس، ومدركه هي الوجوه المذكورة لحرمة بيعه من الروايات العامة وغيرها، وإلا فليس هنا إجماع تعبدي ليكشف عن رأي المعصوم، إذن فلا دليل على حرمة بيع الدم سواء كان نجسا أم طاهرا لا وضعا ولا تكليفا. وهم وإزالة وقد استدل على حرمة بيع الدم مطلقا بمرفوعة ابي يحيى الواسطي (4) فان فيها نهى


(1) ج 5 ص 186. (2) راجع ج 2 فقه المذاهب ص 231 وص 232. (3) عون بن ابي جحيفة قال ان رسول الله " ص " نهى عن ثمن الدم. راجع ج 6 سنن البيهقي ص 6 وج 3 صحيح البخاري باب موكل الربا ص 78. (4) الواسطي رفعه قال مر أمير المؤمنين " ع " بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة نهاهم عن بيع الدم والغدد وآذان الفواد والطحال والنخاع والخصى والقضيب فقال له بعض القصابين يا أمير المؤمنين ما الكبد والطحال إلا سواء فقال له كذبت يالكع ايتوني بثورين من ماء أنبئك بخلاف ما بينهما فأتى بكبد وطحال وتورين من ماء

[ 55 ]

علي " ع " عن بيع سبعة منها الدم، فتدل على ذلك وضعا وتكليفا بعد ملاحظة انجبارها بالشهرة، بل بعدم الخلاف بين الاصحاب. (وفيه) أولا انها ضعيفة السند، وغير منجبرة بعمل المشهور صغرى وكبرى، والوجه في ذلك هو ما تقدم (1) ولا انها منجبرة بعدم الخلاف وإن ذكره المامقاني " ره " فانه على تقدير عدم كونه حجة فضمها لغير الحجة لا يفيد اعتبارها فلا يجوز الاستدلال بها على حرمة بيع الامور المذكورة فيها. نعم إذا قلنا بشمول ادلة التسامح في السنن للمكروهات لا بأس من الالتزام بكراهة بيعها. (وثانيا) ان الظاهر من الدم المذكور في المرفوعة هو الدم النجس الذي تقذفه الذبيحة المسمى المسفوح لكثرته ومرسومية أكله في زمن الجاهلية، دون الطاهر المتخلف فيها الذي يباع بتبع اللحوم كثيرا، فانه من القلة بمكان لم يكن مورد الرغبة لاهل الجاهلية لينجر ذلك إلى أن يمر علي " ع " بالقصابين وينهاهم عن بيعه، ولعله لذلك لم يذكر الله تعالى في القرآن (2) إلا الدم المسفوح، إذن فالرواية لا تشمل الدم الطاهر فلا تدل على حرمة بيعه مطلقا لكونها أخص من المدعى. ولكن يمكن أن يقال ان تعارف أكل الدم النجس وغلبته في الخارج لا يوجب اختصاص المنع المذكور في الرواية، بل يعم الدم الطاهر أيضا، ويدل على ذلك من الرواية ذكر الطحال فيها، فان الامام عليه السلام بين كونه من الدم، وفي رواية (3)


فقال " ع " شقوا الطحال من وسطه وشقوا الكبد من وسطه ثم أمر " ع " فمر سافى الماء جميعا فابيضت الكبد ولم ينقص شئ منه ولم يبيض الطحال وخرج ما فيه كله وصار دما كله حتى بقى جلد الطحال وعرقه فقال له هذا خلاف ما بينهما هذا لحم وهذا دم. مرفوعة. راجع ج 2 كا باب 7 من الاطعمة ص 153، وج 2 التهذيب باب الذبائح ص 300، وج 11 الوافي باب 15 من المطاعم ص 20، وج 3 ئل باب 30 ما يحرم من الذبيحة من الاطعمة المحرمة، أقول: النخاع مثلثة الخيط الابيض في جوف الفقار ينحدر من الدماغ ويتشعب منه شعب في الجسم كما في القاموس، والخصى كمدي جمع خصية كمدية، الغدد كغرف جمع غدة كغرفة لحم أسود يستصحب الشحم، اللكع بضم اللام وفتح الكاف اللثيم والاحمق، والتور إناء يشرب فيه، ومرس الشئ في الماء انقاعه وتليينه باليد. (1) ص 6. (2) سورة الانعام آية 146 أو دما مسفوحا. (3) ابن مرار عنهم " ع " قال: لا يؤكل مما يكون في الابل إلى أن قال الطحال

[ 56 ]

اخرى لانه دم إلا أنه مع ذلك لا نسلم دلالة المرفوعة على أزيد من حرمة بيعه للاكل فقط تكليفا، أو وضعا أيضا، كما نبه على ذلك العلامة الانصاري " ره " وقال فالظاهر إرادة حرمة البيع للاكل ولا شك في تحريمه لما سيجئ من أن قصد المنفعة المحرمة في المبيع موجب لحرمة البيع بل بطلانه، واما حرمة بيعه لغير الاكل فلا دلالة عليه من الرواية لا وضعا ولا تكليفا، والشاهد لذلك انه لا ريب في جواز بيع الامور المذكورة فيها لغير الاكل كاطعام الحيوان ونحوه. تذكرة ربما يتوهم ان بيع الدم لما كان اعانة على الاثم فيكون محرما لذلك وفيه مضافا إلى ما سيأتي من عدم الدليل على حرمتها، ان النسبة بينها وبين بيع الدم هو العموم من وجه، فانه قد يشتريه الانسان لغير الاكل كالصبغ والتسميد ونحوهما، فلا يلزم منه إعانة على الاثم بوجه، وعلى تقدير كونه اعانة على الاثم فالنهي إنما تعلق بعنوان خارج عن البيع فلا يدل على الفساد. تذكرة اخرى قد استدل العلامة المامقاني على حرمة بيعه بما دل من الكتاب (1) والسنة (2) على تحريم الدم بضميمة قوله " ع " ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. (وفيه) مضافا إلى ما تقدم في النبوي، ان المراد من تحريم الدم في الكتاب والسنة إنما هو تحريم أكله وقد عرفت مرارا انه لا ملازمة بينه وبين حرمة الثمن. (قوله: الرابعة لا اشكال في حرمة بيع المني. أقول) قبل التعرض لبيان جهات المسألة وأحكامها لا بد وأن يعلم ان المني إنما يطلق على ما خرج من المخرج واريق كما ذكره بعض


لانه دم، مجهولة لاسماعيل بن مرار. راجع المصادر المذكورة عند ذكر رواية الواسطي (1) سورة البقرة آية 169 إنما حرم عليكم الميتة والدم. وسورة المائدة آية 5 حرمت عليكم الميتة والدم. (2) راجع ج 11 الوافي ص 20، وج 3 ئل باب 30 ما يحرم من الذبيحة من الاطعمة المحرمة، وج 2 كا ص 153، وج 2 التهذيب ص 300.

[ 57 ]

أهل اللغة (1) في وجه تسميته، وهذا بخلاف عسيب الفحل فان له معان عديدة، والذي يناسب منها المقام أربعة، الطروقة، وماء الفحل في الاصلاب، واجرة الضراب، واعطاه الكراء على الضراب، فان اريد منه المعنيين الاخيرين فيكون ذلك بنفسه موردا للنهي في الروايات الناهية عنه، وان اريد المعنيين الاولين فيكون الذي في الحديث بتقدير المضاف، فالتقدير في نهى رسول الله وص، عن عسيب الفحل انه نهى عن بيعه أو عن كرائه، وقد نص على ذلك كثير من اللغويين (2) ولكن الغرض في ما نحن فيه هو الكسب كما اشير إليه في النبوي الآتي ولعل الوجه في افراد المصنف وبعض آخر عسيب الفحل عن المني هو الفرق المذكور بينهما.


(1) وفي المصباح المني معروف، وامنى الرجل إمناء أراق منيه. وفي المجمع قوله تعالى من نطفة إذا تمنى قيل أي تدفق في الرحم يقال أمنى الرجل يمني إذا أنزل المني، ومنى كالى موضع بمكة فقيل سمي به لما يمنى من الدماء اي يراق. وفي ج 10 تاج العروس ص 348 استمنى طلب خروجه واستدعاه. (2) في ج 1 تاج العروس ص 380 العسب ضراب الفحل وطرقه، أو العسب ماؤه اي الفحل فرسا كان أو بعيرا، أو نسله يقال قطع الله عسبه أي ماؤه ونسله، والعسب الولد، والعسب إعطاء الكراء على الضراب، وهو أيضا اسم للكراء الذي يؤخذ على ضرب الفحل، والعل كضرب يقال عسب الفحل الناقة يعسبها عسبا إذا طرقها، وعسب الفحل يعسبه إذا أكراه، وهو منهي عنه في الحديث، أو ان الذي في الحديث بحذف المضاف تقديره نهى عن كراء عسب الفحل، وإنما نهى عنه للجهالة. وفي المجمع عسيب الفحل اجرة ضرابه، ومنه نهى عن عسيب الفحل، وعسيب الفحل ماؤه فرسا كان أو بعيرا أو غيرهما، ولم ينه عنه وإنما أراد النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه للجهالة. وعن الجمهرة نهى عن عسب الفحل اي لا يؤخذ لضرابه كراء. وعن نهاية ابن الاثير نهى عن عسب الفحل عسب الفحل ماؤه، وعسبه أيضا ضرابه، وإنما اراد النهي عن الكراء. وعن فائق الزمخشري النبي ص نهى عن عسب الفحل أي عن كراء قرعه، والعسب القرع، والفرق بينه وبين الملاقيح ان المراد بها النطفة بعد استقرارها في الرحم، والعسب الماء قبل استقرارها. وعن المصباح عسب الفحل الناقة عسبا من باب ضرب طرقها، وعسبت الرجل عسبا أعطيته الكراء على الضراب، ونهى عن عسب الفحل وهو على حذف مضاف والاصل عن كراء عسب الفحل.

[ 58 ]

ثم ان تحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في ثلاث جهات: الاولى في بيع المني إذا وقع في خارج الرحم، والثانية في بيعه بعد وقوعه فيه ويسمى بالملاقيح، والثالثة في بيع ماء الفحول في اصلابها ويسمى بعسيب الفحل. أما الجهة الاولى فحكم المصنف بحرمة بيعه لنجاسته، وعدم الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم، وكذلك يحرم بيعه عند كل من يرى النجاسة مانعة عن البيع، ومنهم المالكية والحنابلة (1) غير الشافعية فانهم وإن ذهبوا إلى مانعية النجاسة عن البيع إلا انهم يرون طهارة المني في بعض الصور (2) أما النجاسة فظهر ما في مانعيتها عن البيع من المسائل المتقدمة، واما عدم الانتفاع به فمانعيته عنه تتوقف على أمرين: الاول إثبات حرمة الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم، والثاني اعتبار المالية في البيع، فبانتفاء أحدهما يثبت جواز بيعه، وحيث عرفت وستعرف عدم اعتبار المالية فيه فيحكم بجواز بيعه في هذه الصورة، على انه لو تم ذلك لمنع عن بيعه وضعا فقط كما هو واضح. واما الجهة الثانية ففي التذكرة (3) لا نعرف خلافا بين العلماء في فساد بيع الملاقيح للجهالة وعدم القدرة على التسليم. ولكن التحقيق أن يقال انه ان قلنا بتبعية النماء للحيوان كما هو الحق فبمجرد وقوع المني في الرحم يصير ملكا لمالك الحيوان بالتبعية لكونه جزء منه، كما كان قبل ذلك جزء من الفحل وملكا لمالكه بالتبع، وعلى هذا فلا يجوز بيعه لا من صاحب الانثى، ولا من غيره، وان قلنا بعدم الجزئية والتبعية، بل بكونه كالبذر المغروس في أرض الغير، فالظاهر جواز بيعه مطلقا سواء كان من صاحب الانثى أو من غيره حتى بناء على اعتبار المالية في العوضين، لكونه مالا في هذه الصورة فتجوز المعاوضة عليه، وأما منع جواز بيعه حينئذ لنجاسته كما في المتن فمن العجائب كيف فانها منتفية قطعا إذا خرج من الباطن إلى الباطن، على انها لو كانت مانعة لمنعت عن بيعه لاجل المنافع التي تتوقف على عدمها لا مطلقا على انك عرفت عدم مانعيتها عن البيع، وستعرف اعتراف المصنف بذلك في بيع الميتة فانه قال


(1) ج 3 فقه المذاهب ص 331 وص 232. (2) الشافعية قالوا بطهارة مني الآدمي حيا وميتا إن خرج بعد استكمال السن تسع سنين ولو خرج على صورة الدم إذا كان خروجه على هذه الحالة من طريقه المعتاد وإلا فنجس وقيس عليه مني خرج من حي غير آدمي لانه أصل للحيوان الطاهر إلا مني الكلب راجع ج 1 فقه المذاهب ص 13. (3) ج 1 ص 7 من البيع.

[ 59 ]

فمجرد النجاسة لا تصلح علة لمنع البيع لولا الاجماع على حرمة بيع الميتة. واما الجهالة وعدم القدرة على التسليم فلا تكونان مانعتين عن بيع الملاقيح، لانها لا تختلف قيمتها باختلاف الكم والكيف، وأن تسليم كل شئ بحسب حاله وهو في المني وقوعه في الرحم فهو حاصل على الفرض، وبعبارة اخرى ان الجهالة وعدم القدرة على التسليم إنما تمنعان عن البيع لاجل الغرر المنهي عنه في البيع كما يأتي في البيع الغرري، ففي بيع الملاقيح ليس غرر لا من ناحية الجهالة ولا من ناحية عدم القدرة على التسليم. ولكن الذي يسهل الخطب ان السيرة القطعية من العقلاء والمتشرعة قائمة ا على تبعية النتاج للامهات في الحيوانات، وقد أمضاها الشارع فلا يمكن التخطي عنها، كما ان الولد للفراش في الانسان بالنص والاجماع القطعيين، ومن هنا يعاملون مع نتاج الحيوانات معاملة الملك حتى مع العلم بأن اللقاح حصل من فحل شخص آخر، وإلا فكان اللازم عليهم اما رد النتاج إلى صاحب الفحل ان كان معلوما أو المعاملة معه معاملة مجهول المالك ان كان المالك مجهولا وهذا شئ لا يتفوه به ذومسكة، واما دعوى الاجماع التعبدي على البطلان فدعوى جزافية بعد العلم ولا أقل من الاحتمال بكونه مستندا إلى الوجوه المذكورة لبطلان بيع الملاقيح وقياس ذلك بالبذر المغروس في أرض الغير باطل بعد قيام الدليل على الفرق. وأما الجهة الثالثة فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في حرمة بيع عسيب الفحل قال في التذكرة بعد كلامه المتقدم في الجهة الثانية يحرم بيع عسب الفحل وهو نطفته لانه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور عليه ولا نعلم فيه خلافا. وقال في الخلاف (1) إجارة الفحل للضراب مكروه وليس بمحظور وعقد الاجارة عليه غير فاسد، ثم ادعى الاجماع على الكراهة. وفي المستند (2) حكم بكراهة اجرة الضراب وحمل عليها الاخبار الناهية عنها للاجماع وهكذا وقع الخلاف في ذلك بين العامة (3).


(1) ج 1 ص 222. (2) ج 2 ص 330. (3) في ج 1 الخلاف ص 222 قال مالك يجوز ولم يكرهه، وقال أبو حنيفة والشافعي ان الاجارة فاسدة، والاجرة محظورة. وفي ج 3 فقه المذاهب ص 169 عن الحنفية وأما الاعيان التي لا يصح استئجارها باتفاق فمنها نزو الذكور من الحيوانات على اناثها، فلا يحل لاحد أن يؤجر ثوره ليحبل بقرة غيره ولا يؤجر حماره ليحبل حمارة الغير وهكذا، لان إحبال الحيوان غير مقدور عليه فلا يصح

[ 60 ]

ثم ان تحقيق هذه الجهة يقع في مقامين: الاول من حيث القواعد والثاني بحسب الروايات أما الاول فقد استدل على بطلان المعاملة على عسيب الفحل بالبيع أو بالاجارة بوجوه الاول بجهالته. وفيه انه لم يرد نص ولا انعقد اجماع على اعتبار العلم بعوضي المعاملة ليلزم من جهالتهما بطلانها بل إنما نعتبر ذلك فيها من جهة الغرر المرتفع بالعلم بالطروقة والاجتماع فان الغرض من المعاملة على عسيب الفحل هو ذلك. الثاني بعدم القدرة على التسليم بعدوى ان إحبال الحيوان غير مقدور عليه فلا تصح الاجارة عليه لان ذلك ليس في وسعه والموجود في أصلاب الفحول ايضا غير مقدور على تسليمه فلا يصح بيعه. وفيه ان اعتبار ذلك في المعاملة أيضا من جهة الغرر فحيث كان النظر في ذلك إلى الطروقة والاجتماع فيرتفع الغرر عنها فان تسليم كل شئ بحسبه كما عرفت في الجهة الثانية والثالث بعدم كون ما في اصلاب الفحول مالا لكونه ماء مهينا لا قيمة له فيكون العقد عليه باطلا، وفيه مضافا إلى عدم اعتبار المالية في عوضي المعاملة. ان قوامها إنما هو باعتبار العقلاء ورغبتهم، فلا شبهة في ترتب الغرض المهم على ما في أصلاب الفحول، على انه لو تم شئ من تلك الوجوه لدل على الحرمة الوضعية دون التكليفية، وأما توهم مانعية النجاسة عنها هنا لتكون دليلا على الحرمة التكليفية فمما لا يصغى إليه، فانه مع تسليم مانعيتها عن المعاملة فلا دليل على نجاسة ما في الاصلاب. وأما المقام الثاني فالروايات الواردة هنا على طائفتين: الاولى (1) تدل على حرمة بيع


تأجيره. وفي ص 194 عن الحنابلة ومن الاشياء التي لا تصح إجارتها ذكور الحيوانات التي تستأجر لاحبال انثاها، فلا يحل استئجار ثور ليحبل بقرة، ولا جملا ليحبل ناقة وهكذا، لان المقصود من ذلك إنما هو منيه وهو محرم لا قيمة له فلا يصح الاستئجار عليه. وفي ج 2 سبل السلام للصنعاني ص 329 وعن ابن عمر قال نهى رسول الله ص عن عسب الفحل وفيه وفيما قبله دليل على تحريم استئجار الفحل للضراب والاجرة حرام، وذهبت جماعة من السلف إلى انه يجوز ذلك إلا نه يستأجره للضراب مدة معلومة أو تكون الضرابات معلومة، وحملوا النهي على التنزيه وهو خلاف أصله. وفي ج 15 المبسوط لمحمد الشيباني ص 83 والمراد بعسب التيس أخذ المال على الضراب وهو إنزاء الفحول على الاناث وذلك حرام. وفي ج 16 ص 41 وإذا استأجر فحلا لينزيه لم يجز. (1) في حديث ان رسول الله ص نهى عن خصال تسعة عن عسيب الدابة يعني كسب الفحل. وعن خاتم الذهب وعن لبوس ثياب القسي وهي ثياب ينسج بالشام. ضعيفة لابي

[ 61 ]

عسيب الدابة وإكرائها على الضراب، وان ثمن ذلك سحت، ويدل عليه بعض الروايات من طرق العامة أيضا (1). الثانية (2) تدل على جواز إكراء التيوس ونفي البأس عن اخذ اجورها، فمقتضى الجمع بينهما هو حمل الطائفة الاولى المانعة على الكراهة، ولا يمنع عن ذلك إطلاق السحت على ثمن عسيب الفحل في رواية الجعفريات، فانك قد عرفت في بيع العذرة إطلاقه على الكراهة الاصطلاحية في مواضيع شتى لا يقال ان النبوي ورواية الجعفريات بنفسهما ظاهرتان في الكراهة المصطلحة لاشتمالهما على ما ليس بمحرم قطعا، فانه ذكر المنع في الجعفريات عن بيع جلود السباع وأجر القاري مع أنهما ليسا بمحرمين جزما، وفي النبوي نهى عن لبس ثياب ينسج بالشام مع عدم ثبوت حرمته، على أن النبوي كمرسلة الصدوق ودعائم الاسلام والمنقول من طرق العامة ضعيفة السند. فانه يقال أن ثبوت الترخيص في بعض الامور المذكورة فيهما بدليل خارجي لا يوجب ثبوته في غيره، كيف وقد ثبت في الشريعة المقدسة استحباب بعض الاغسال كغسل الجمعة الخطاب راشد المنقري وأبي عروبة. راجع ج 2 ئل باب 32 تحريم اجر الفاجرة مما يكتسب به، وج 23 البحار ص 14، الصدوق قال نهى رسول الله عن عسيب الفحل وهو أجر الضراب، مرسلة، راجع ج 2 ئل باب 39 كراهة اجرة فحل الضراب مما يكتسب به، وج 10 الوافى باب 31 ص 31 والفقيه ص 271، وفي ج 2 المستدرك ص 426 عن الجعفريات عن علي * ع * قال من السحت ثمن اللقاح وعسب الفحل وجلود السباع. موثقة. وفي ج 2 المستدرك ص 427 دعائم الاسلام ان رسول الله ص نهى عن عسب الفحل. (1) ابن عمر قال نهى النبي ص عن عسب الفحل، راجع ج 3 صحيح البخاري باب عسب الفحل من الاجارات ص 123، وفي ج 2 سبل السلام ص 328 عن جابر قال نهانا رسول الله ص عن بيع ضراب الجمل، وفي ج 15 المبسوط للشيباني ص 83 عن أبي نعيم عن بعض أصحاب النبي ص ان رسول الهل نهى عن عسب التيس. وفي ج 6 السنن الكبرى للبيهقي ص 6 عن أبي هريرة نهى عن عسب الفحل. (2) حنان بن سدير قال دخلنا على أبي عبد الله * ع * ومعنا فرقد الحجام فقال له ان لي تيسا أكريه فما تقول في كسبه قال كل من كسبه فانه لك حلال. ضعيفة لسهل بن زياد. معاوية بن عمار عن أبي عبد الله * ع * في حديث قال قلت له أجر التيوس قال ان كانت العرب لتعاير به ولا بأس. موثقة. راجع ج 2 ئل باب 39 كراهة اجرة فحل الضراب مما يكتسب به، وج 10 الوافى ص 31، وج 1 كا ص 360 وج 2 التهذيب ص 107.

[ 62 ]

والعيدين وغيرهما مع انها ذكرت في جملة من الروايات (1) في عداد الاغسال الواجبة كغسل الجنابة والميت ومس الميت، نعم لم تثبت من تلك الروايات المانعة إلا وثاقة رواية الجعفريات على ان النهي عن بيع عسيب الفحل في النبوي لا يوجب حرمة المعاملة وضعا بل التكسب به حرام تكليفا، والشاهد على ذلك ان في الرواية نهي عما هو حرام بذاته مثل ثمن الكلب وما هو حرام بالعرض مثل خاتم الذهب فانه ليس بذاته من المحرمات بل لبسه والتختم به حرام ثم لا وجه لحمل الطائفة المانعة على التقية لما عرفت من كون المسألة محل الخلاف بين العامة أيضا جواز الانتفاع بالميتة وحرمة بيعها (قوله: يحرم المعاوضة على الميتة. أقول) تحرير هذه المسألة في مقامين وقد خلط المصنف بينهما، الاول في جواز الانتفاع بالميتة، والثاني في حرمة بيعها، وتقديم الاول للبحث عنه أولى من تقديم الثاني وإن عكسه المصنف. أما المقام الاول فان مقتضى الاصل الاولى هو جواز الانتفاع بالميتة إلا أن المشهور إنما هي حرمة الانتفاع بها ففي النهاية (2) بيع الميتة والتصرف فيها والتكسب بها حرام، وفي المراسم (3) التصرف في الميتة ببيع وغيره حرام، وفي الجواهر لا يجوز الانتفاع بشئ من الميتة مما تحله الحياة فضلا عن التكسب، وعليه فتاوى أكثر العامة (4). ثم ان المهم هنا صرف عنان الكلام إلى الروايات الخاصة الواردة في ذلك وهي على طائفتين الاولى تدل على حرمة الانتفاع بالميتة، والثانية على جواز الانتفاع بها. أما الطائفة الاولى فهي متظافرة، منها مكاتبة قاسم الصيقل (5) فانه سأل الامام " ع "


(1) عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله * ع * قال ان الغسل في اربعة عشر موطنا غسل الميت وغسل الجنب وغسل من غسل الميت وغسل الجمعة والعيدين الخبر. راجع ج 1 ئل باب 1 حصر أنواع الاغسال من أبواب الاغسال المسنونة. (2) في المكاسب المحظورة. (3) في أول المكاسب. (4) في ج 5 شرح فتح القدير ص 203 منع عن بيع جلود اللميتة قبل أن تدبغ لانها غير منتفع بها وتمسك في ذلك بقوله ص: لا اتنتفعوا من الميتة بأهاب. وفي ج 32 سبل السلام ص 317 نسب إلى الاكثر انه لا ينتفع من الميتة بشئ إلا بجلدها إذا دبغ ثم حكم بحرمة بيعها لتحريمها. (5) قال كتبت إلى الرضا * ع * اني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فيصيب

[ 63 ]

عن جواز جعل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة. فكتب " ع " فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس، فان مفهومها يدل على حرمة الانتفاع بجلود غير الذكي، وفيه مضافا إلى ضعف سندها، أن مناط المنع فيها عن عمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، ليس إلا من جهة إصابتها الثوب الذي يصلى فيه السائل، ومن هنا أمره الرضا (ع) بأن يتخذ ثوبا لصلاته، وأما اصل الانتفاع بها بعمل الاغماد منها فهو مسكوت عنه فيبقى تحت اصالة الاباحة، بل يمكن أن يقال أن الرواية تدل على جواز الانتفاع بالميتة، وذلك لان السؤال فيها إنما وقع عن أمرين: أحدهما عمل الاغماد من جلود الحمر الميتة، والثاني اصابتها الثوب فجوابه (ع) عن الثاني دون الاول ليس إلا تقريرا لجواز الانتفاع بالميتة، وإلا فكان سكوته عنه مع كونه في مقام البيان مخلا بالمقصود، ومن هنا يعلم الوجه في قول أبي جعفر الثاني * ع * (فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس) إذن فلا بد من جعلها من جملة ما يدل على جواز الانتفاع بها دون العكس. ومنها رواية الوشا (1) فانه * ع * قد منع فيها عن استصباح الاليات المبانة من الغنم الحي فانه يستلزم اصابتها اليد والثوب وهو حرام. (وفيه) انه لما لم يكن اصابة اليد والثوب للميتة، وسائر النجاسات، بل تلويث تمام البدن بهما، حراما قطعا، فلا بد إما من أخذ التحريم في قوله ع (وهو حرام) ارشادا إلى النجاسة كما في الحدائق، أو إلى المانعية عن الصلاة، أو إلى صورة المعاملة معها معاملة المذكي بل عدم تعرضه ع لحكم الانتفاع بها بالاستصباح المسئول عنه، وتصديه لبيان جاستها أو مانعيتها عن الصلاة أدل دليل على جواز الانتفاع بها دون العكس، سلمنا ذلك ولكن


ثيابي فاصلي فيها فكتب * ع * إلي اتخذ توبا لصلاتك فكتبت إلى أبى جعفر الثاني * ع * ألخ فكتب * ع * فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس. ضعيفة لقاسم ومعلى البصري. راجع ج 1 ئل باب 49 انه لا يستعمل من الجلود وباب 34 نجاسة الميتة من أبواب النجاسات وج 1 كا ص 113 وج 4 الوافى ص 32. (1) الحسن الوشا قال سألت أبا الحسن * ع * فقلت جعلت فداك ان أهل الجبل تثقل عندهم إليات الغنم فيقطعونها فقال حرام هي في الوافي هي ميت فقلت جعلت فداك فيستصبح بها فقال أما علمت انه يصيب اليد والثوب وهو حرام. ضعيفة لمعلى البصري. المراد بالحرام الاول هو الحرام الاسطلاحي. راجع ج 3 ئل باب 31 ان ما قطع من إليات الغنم من الاطعمة المحرمة، وج 2 كاص 154، وج 2 التهذيب ص 301، وج 11 الوافي ص 20.

[ 64 ]

لا بد من الاقتصار فيها على موردها أعني صورة اصابتها اليد والثوب، إلا أن يتمسك في غير موردها بعدم القول بالفصل. نعم وفي دلالة الروايات المروية عن الكاهلي (1) وعلي بن المغيرة (2) والجرجاني (3) وسماعة (4) وغيرها (5) على حرمة الانتفاع بالميتة غنى وكفاية، وقد ذكر ذلك في أحاديث أهل السنة (6) أيضا.


(1) سال رجل أبا عبد الله * ع * وكنت عنده يوما عن قطع إليات الغنم إلى أن قال * ع * إن في كتاب علي * ع * أن ما قطع منها ميت لا ينتفع به. ضعيفة لسهل بن زياد. راجع ج 3 ئل باب 30 ان ما قطع من الاعضاء من أبواب الذبائح، والفقيه ص 302، وج 2 يب ص 301، وج 2 كا ص 153، وج 11 الوافي ص 20. (2) قال قلت. لابي عبد الله * ع * جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ فقال لا. الخبر. موثقة. راجع ج 1 كاباب 60 اللباس من الصلاة ص 111، وج 1 ئل باب 61 عدم طهارة جلد الميتة من أبواب النجاسات، وج 3 ئل باب 33 تحريم استعمال جلد الميتة من الاطعمة المحرمة، وج 2 كا ص 155، وج 11 الوافى ص 19. (3) عن أبي الحسن * ع * قال كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا فكتب * ع * لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب. الخبر. ضعيفة لمختار بن محمد بن المختار، راجع ج 3 ئل باب 32 ما لا يحرم الانتفاع به من الميتة من الاطعمة المحرمة، وج 11 الوافى ص 19، وج 2 كا ص 155، وفي القاموس الاهاب ككتاب الجلد أو ما لم يدبغ ج آهبة، وفيه أيضا العصب محركة اطناب المفاصل وعصب اللحم كفرح كثر عصبه. (4) قال سألته عن جلود السباع أينتفع بها فقال إذا رميت وسميت فانتفع بلده وأما الميتة فلا. موثقة. راجع ج 2 التهذيب ص 302، وج 3 ئل الباب 33 المتقدم من الاطعمة المحرمة، وج 1 ئل باب 49 انه لا يستعمل من الجلود، من النجاسات، وج 11 الوافي ص 20 (5) في ج 3 المستدرك ص 77 عوالي اللئالي صح عنه ص انه قال لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب. مرسلة. وفي دعائم الاسلام عن علي * ع * قال سمعت رسول الله ص يقول لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عظم ولا عصب. (6) عن رسول الله ص ان لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب. وفي رواية اخرى، أن لا تستمتعوا، راجع ج 1 السنن الكبرى للبيهقي ص 14 وص 15 وأخرج أيضا أحاديث اخر تدل على جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدبغ وذلك لذهابهم إلى طهارتها به.

[ 65 ]

وأما الطائفة الثانية فهي ايضا كثيرة مستفيضة منها روايتي الصيقل والوشا المتقدمتين ومنها رواية أبي القاسم الصيقل وولده (1) وقد ظهر وجه الاستدلال بها من رواية الصيقل المتقدمة، على أن إصرار السائل في هذه الرواية على الجواب بقوله (ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها) ادل دليل على جواز الانتفاع بالميتة، فان سكوته * ع * عن حكم المسألة مع إصرار السائل على الجواب تقرير على ذلك بلا ارتياب. ومنها رواية البزنطي (2) التي تدل على جواز الاستصباح بما قطع من إليات الغنم. ومنها (3) ماعن علي بن الحسين * ع * فانه كان يلبس الفرو المجلوب من العراق وينزعه وقت الصلاة، ففعله هذا يدل على جواز الانتفاع بالميتة إلا فيما يكون مشروطا بالطهارة، والوجه في كون ذلك الفرو العراقي من جلود الميتة هو نزعه في الصلاة، إلا أن يقال ان


(1) قال كتبوا إلى الرجل " ع " جعلنا الله فداك انا قوم نعمل السيوف وليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها وإنما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمير الاهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها فيحل لنا عملها وشرائها وبيعها ومسها بأيدينا وثيابنا ونحن نصلي في ثيابنا ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها فكتب " ع " اجعلوا ثوبا للصلاة. مجهولة لابي القاسم الصيقل. راجع ج 2 التهذيب ص 113، وج 10 الوافى ص 42. (2) محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي صاحب الرضا " ع " قال سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من إلياتها وهي أحياء ايصلح له أن ينتفع بما قطع قال نعم يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها. موثقة. راجع ج 2 ئل باب 33 جواز بيع الزيت مما يكتسب به. (3) عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله " ع " عن الصلاة في الفراء فقال كان علي بن الحسن " ع " رجلا صردا لا تدفئه فراء الحجاز لان دباغتها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلهم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي تحته الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فقال ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته. ضعيفة لمحمد بن سليمان الديلمي. راجع ج 1 كاباب 60 اللباس من الصلاة ص 110 وج 1 التهذيب ص 193، وج 1 ئل باب 61 عدم طهارة جلد الميتة من أبواب النجاسات وج 5 الوافى ص 67، وفي القاموس صرد كفرح وجد البرد سريعا، وفيه أيضا الدفؤ بالكسر ويحرك نقيض حدة البرد وأدفأه ألبسه الدفاء، وفيه أيضا القرظ محركة ورق السلم واديم مقروظ دبغ به.

[ 66 ]

لبسه سلام الله عليه إنما كان في مورد الاخذ من يد المسلم ومعه يحكم بالتذكية وعدم كون الجلد من الميتة، إذن فلا مانع من الصلاة فيه فضلا عن لبسه في غيرها، فلا مناص من حمل فعله عليه السلام على الاحتياط من جهة عدم اقتران صلاته التي هي معراج المؤمن بلبس الميتة الواقعية، وعليه فلا تبقى للرواية دلالة على جواز الانتفاع بالميتة في نفسها، إلا أن يقال ان الاحتياط إنما يجري في حق من كان جاهلا بالاحكام الواقعية والموضوعات الخارجية وأما العالمين بالواقعيات بل بحقايق الاشياء، والامور الكائنة والعوالم الكونية، فلا يجري الاحتياط في حقهم كالائمة المعصومين عليهم السلام. على ان العمل بالاحتياط يقتضي أن لا يلبسه في غير حال الصلاة أيضا. فان الانتفاع بالميتة لو كان حراما فانما هو حرام واقعي تكليفي فلا يختص بحال الصلاة فقط، نعم ان ما يختص بالصلاة هي الحرمة الوضعية وأنها تبطل إذا وقعت في الميتة، إلا أن يتوهم أن عمدة غرضه " ع " من ذلك الاحتياط هو انحفاظ صلاته عن احتمال البطلان، واما الاحتياط في غير حال الصلاة فليس بمحط لنظره " ع " ولكنه مما لا يمكن التفوه به في حق الملتزم بالشرع من غير المعصومين فكيف ممن كان معدن العصمة، إلا أن الذي يسهل الخطب أن الرواية ضعيفة السند فلا تكون قابلة للبحث عن دلالتها على المطلوب وعدمها. ومنها رواية سماعة (1) فانها تدل على جواز الانتفاع بالكيمخت وهو جلد الميتة إذا كان مملوحا. إذا عرفت هاتين الطائفتين المانعة عن جواز الانتفاع بالميتة والمجوزة له فتعرف وقوع المعارضة بينهما، وبما ان هذه الروايات المجوزة لذلك صريحة في جواز الانتفاع بها في غير ما اشترطت فيه التذكية، فنرفع اليد بها عن ظهور تلك الروايات المانعة، فتقيد بغير ذلك وبصورة الانتفاع بها مثل المذكى، أو تحمل الطائفة المانعة على الكراهة كما هو مقتضى الجمع العرفي بين الدليلين المتنافيين، ويدل على الوجه الاول من الطائفة المرخصة خبر أبي القاسم الصيقل، فان فيه قرر الامام " ع " جواز الانتفاع بجلود الميتة في غير الصلاة حيث أمر السائل باتخاذ الثوب لصلاته، وأما دعوى اختصاص موارد الطائفة المجوزة بالجلود والاليات فهي دعوى جزافية لعدم القول بالفصل في أجزاء الميتة قطعا. (تلويح) قد توهم بعضهم حملها على التقية لتخيل ذهاب العامة إلى جواز الانتفاع بها.


(1) قال سألته عن جلد الميتة المملوح وهو الكيمخت فرخص فيه الخبر. موثقة. راجع ج 3 ئل باب 33 تحريم استعمال جلد الميتة من الاطعمة المحرمة، وج 11 الوافى ص 20. وج 2 التهذيب ص 302.

[ 67 ]

وفيه انك عرفت في أول المسألة تصريح بعضهم بذهاب أكثرهم إلى حرمة الانتفاع بالميتة حتى بجلودها قبل الدبغ، وقد ورد ذلك في أخبارهم أيضا كما عرفت عند التعرض للطائفة المانعة، ومن هنا منعوا عن بيع الميتة وجلودها قبل الدبغ وأيضا عللوا (1) جرمة بيع الميتة بانعدام ركن البيع فيه الذي هو مبادلة مال بمال بدعوى أنها لا تعد مالا عند من له دين سماوي فلو كان الانتفاع بها جائزا عندهم لما تفوهوا بذلك التعليل العليل لدوران مالية الاشياء وجودا وعدما مدار جواز الانتفاع بها وحرمته. (تلويح آخر) قال المحقق الايرواني " ره " وأحسن جمع بينها وبين الطائفة المانعة عن الانتفاع حمل المانعة على صورة التلويث. وفيه أنك قد عرفت عند التكلم في رواية الوشا ان تلويث اليد بل تلويث جميع البدن بالنجاسات ليس من المحرمات، إذن فلا وجه لحمل الطائفة المانعة على صورة التلويث، وأما ما تخيله بعضهم من تخصيص المجوزة بالاجزاء التي لا تحلها الحياة كالصوف والقرن والا نفحة والناب والحافر وغيرها من كل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وحمل المانعة على غيرها، فهو تخيل فاسد وذلك لان صدق الميتة ممنوع جدا، على أن هذا الجمع مناف لصراحة ما يدل على جواز الانتفاع بهاكما عرفت. حرمة بيع الميتة وأما المقام الثاني فالمشهور بل المجمع عليه بين الخاصة والعامة هي حرمة بيع الميتة وضعا وتكليفا قال في المستند (2) حرمة بيعها وشرائها والتكسب بها إجماعي وكذلك في التذكرة (3) بل في رهن الخلاف (4) أنها لا تملك، وقد تقدم في المقام الاول تحريم بيعها، من النهاية، والمراسم، والجواهر: وشرح فتح القدير، وسبل السلام، وفي الفقه على المذاهب (5) المالكية قالوا: لا يصح بيع النجس كعظم الميتة وجلدها ولو دبغ لانه لا يطهر بالدبغ. والحنابلة قالوا: لا يصح بيع الميتة ولا بيع شئ منها، وكذلك عند الشافعية، والحنفية. والذي استدل أو يمكن الاستدلال به على هذا الرأي وجوه، الاول قيام الاجماع على ذلك كما سمعته عن بعضهم، وفيه لو سلمنا قيام الاجماع المحصل في المقام أو حجية المنقول منه فلا نسلم كونه تعبديا محضا وكاشفا عن رأي الحجة " ع " أو عن دليل معتبر، للاحتمال بل الاطمينان بأن مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة لعدم جواز بيعها وبيع كل نجس


(1) راجع ج 5 شرح فتح القدير ص 186. (2) ج 2 ص 333. (3) ج 1 ص 3 من البيع. (4) ج 1 ص 233. (5) ج 2 ص 231.

[ 68 ]

كما عرفت في المسائل المتقدمة. الثاني دعوى حرمة الانتفاع بها فانها تستلزم سلب المالية عنها المعتبرة في العوضين بالاجماع إذن فتدخل المعاملة عليها تحت عموم النهي عن أكل المال بالباطل، وفيه انه بعدما أثبتنا في المقام الاول جواز الانتفاع بها، وعرفت في بيع الابوال وستعرف في أول البيع عدم اعتبار المالية في العوضين، وكفاية الاغراض الشخصية العقلائية في صدق المالية على تقدير اعتبارها لكون تلك الاغراض موجبة لخروج المعاملة من السفهائية، مع عدم الدليل على بطلانها، فلا وجه لهذا التوهم، وأما عموم آية النهي عن أكل المال بالباطل فغير شامل لشرائط العوضين لكونها ناظرة إلى بيان اسباب التجارة كما تقدم في بيع الابوال. الثالث انه قامت الضرورة من المسلمين على نجاسة ميتة ماله نفس سائلة، وبيع النجس محظور، وفيه أنها وإن ذكرت في رواية تحف العقول، ولكن مضافا إلى ما تقدم فيها من الوهن، أنها لا تدل إلا على حرمة بيع الميتة النجسة والمدعى أعم من ذلك، وقد اعترف المصنف هنا بعدم مانعية النجاسة عن البيع على خلاف ما تكرر منه سابقا من جعلها مانعة عنه وقال (فمجرد النجاسة لا تصلح علة لمنع البيع لولا الاجماع على حرمة بيع الميتة). الرابع الروايات العامة المتقدمة، وفيه أنها وإن كانت تدل على حرمة بيعها، ولكنها لمكان ضعف اسانيدها لا تفي بالمقصود كما عرفت. الخامس الروايات الخاصة الواردة في المسألة منها رواية البزنطي المذكورة في المقام الاول فان الامام " ع " وان رخص فيها الانتفاع بالميتة، ولكنه " ع " منع فيها أيضا عن بيعها بقوله (ولا يبيعها). ومنها روايات السكوني (1) والصدوق (2) والجعفريات (3) فان جميعها تدل على أن ثمن الميتة من السحت فيكون بيعها فاسدا.


علي بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله " ع " قال السحت ثمن الميتة الخبر. ضعيفة للنوفلي، راجع ج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة مما يكتسب به وج 23 البحار ص 14، وج 1 كاباب 42 السحت ص 343، وج 2 التهذيب ص 110 (2) قال " ع " ثمن الميتة سحت. مرسلة. وباسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه " ع " في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي " ع " قال يا علي من السحت ثمن الميتة. قال المحدث النوري في خاتمه ج 3 المستدرك ص 592 رجال سند هذه الوصية مجاهيل لا طريق إلى الحكم بصحتها واعتبارها من جهته، راجع ج 2 ئل الباب 32 المذكور. (3) عن علي " ع " قال من السحت ثمن الميتة الحديث. موثقة. راجع ج 2 المستدرك

[ 69 ]

ومنها رواية علي بن جعفر (1) حيث سال أخاه " ع " عن بيع جلود ميتة الماشية ولبسها و (قال " ع " لا ولو لبسها فلا يصل فيها) فان الظاهر ان المنع فيها راجع إلى البيع واللبس، ولكنه " ع " بين المانعية عن الصلاة زائدا على المنع في نفسه، وقد ورد النهي عن بيع الميتة في بعض روايات العامة (2) أيضا. وفيه ان هذه الروايات وإن كانت ظاهرة في المنع عن بيعها، ولكنها معارضة مع ما هو صريح في الجواز كمكاتبة الصيقل المتقدمة فان فيها قرر الامام اسئلتهم عن جواز بيع الميتة من جلود الحمير والبغال وشرائها ومسها فلولا جوازها لكان تقريره " ع " لتلك الاسئلة وسكوته عن بيان حكمها إغراء بالجهل وتأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وبضميمة عدم القول بالفصل بين مورد المكاتبة وغيره يتم المطلوب، ويؤيد ذلك فعل علي بن الحسين " ع " حيث كان يبعث إلى العراق ويجلب الفرو منهم فان الظاهر انه " ع " كان يأخذ ذلك منهم بالشراء، إلا أن يقال أن مقتضى السوق ويد المسلم هي التذكية، وكيف كان فلا بد في رفع المعارضة بينهما إما من طرح المانعة لموافقتها مع العامة لاتفاقهم على بطلان بيع الميتة كما عرفت في أول المسألة، وإما من حملها على الكراهة برفع اليد عن ظهورها بما هو صريح في الجواز أو على صورة البيع ليعامل معها المذكى إذا بيعت بغير إعلام، وإن أبيت عن هذه المحامل كلها فلا بد من الحكم إما بالتخيير فنختار ما يدل على الجواز، واما بالتساقط فيرجع إلى العمومات والاطلاقات ويحكم بصحة بيعها. (لا يقال) ان تقرير الامام " ع " أسئلتهم عن الامور المذكورة وإن كان لا ينكر إلا أنه لاجل إضطرارهم إلى جعل أغماد السيوف من جلود الميتة من الحمير والبغال مع عدم وجود معيشة لهم من غير ذلك العمل كما يصرح بذلك ما في سؤالهم (لا يجوز في أعمالنا غيرها) ولا ريب أن الضرورات تبيح المحظورات، إذن فلا دلالة في المكاتبة على جواز بيعها في غير حال الاضطرار. ص 426، ثم الظاهر ان هذه الروايات الاربع كلها روايات واحدة مروية عن علي عليه السلام بطرق متعددة. (1) قال سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها يصلح له بيع جلودها ودباغها ولبسها قال لا ولو لبسها فلا يصل فيها. مجهولة لعبد الله بن الحسن. راجع ج 2 ئل الباب 32 المتقدم. (2) في ج 6 سنن البيهقي ص 12 وج 3 البخاري باب بيع الميتة عن جابر سمع رسول الله يقول عام الفتح وهو بمكة ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة. الحديث.

[ 70 ]

(فانه يقال) لا منشأ لهذا الكلام إلا توهم إرجاع ضمير غيرها في قول السائل (لا يجوز في أعمالنا غيرها) إلى جلود الميتة ولكنه فاسد، إذ لا خصوصية لها حتى لا يمكن جعل الاغماد من غيرها، بل مرجع الضمير إنما هي جلود الحمير والبغال سواء كانت من الميتة أم من الذكى ويدل على ذلك قوله " ع " في رواية القاسم الصيقل (فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس) إذ لو كانت لجلود الحمر الميتة ع خصوصية في جعل الاغماد منها لكان هذا الجواب لغوا. نقد ودفع قد اشكل المصنف على الرواية بوجهين: الاول أن الجواب لا ظهور فيه في الجواز إلا من حيث التقرير الغير الظاهر في الرضا خصوصا في المكاتبات المحتملة للتقية. وفيه أولا أن التقية في المكاتبات وإن كانت كثيرة لكونها معرضا لها من جهة البقاء، ولكنها في خصوص هذه الرواية غير محتملة لورودها على غير جهة التقية لذهاب أهل السنة بأجمعهم إلى بطلان بيع الميتة كما عرفت، وأعجب من ذلك تشكيكه في كاشفية التقرير عن الرضا وفي كونه من الحجج الشرعية، مع أنه كسائر الامارات مشمول لادلة الحجية. وثانيا ان فعلية التقية إنما هي بفعلية موضوعها، وأما مجرد الاحتمال فغير قابل لان يكون موضوعا لها وسببا لرفع اليد عن الادلة الشرعية، نعم إذا صارت فعلية وجب رفع اليد عما يخالفها مكاتبة كان أم غيرها. الثاني ان مورد السؤال فمنها عمل السيوف وبيعها وشرائها لا خصوص الغلاف مستقلا ولا في ضمن السيف على أن يكون جزء من الثمن في مقابل عين الجلد فغاية ما يدل عليه جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله غمدا للسيف وهو لا ينافي عدم جواز معاوضته بالمال، وقد تبعه بعض وقال لكن مع احتمال كون المبيع هو السيف والغلاف تابع له بنحو الشرط. وفيه ان هذا من الغرائب، فان منشأ ذلك حسبان أن الضمائر في قول السائل (فيحل لنا عملها وشرائها وبيعها ومسها بأيدينا) إلى السيوف. ولكنه فاسد فانه لا وجه لان يشتري السياف سيوفا من غيره، كما لا وجه لسؤاله عن مسها وإصراره بالجواب عن كلما سأله، بل هذه الضمائر إنما ترجع إلى جلود الحمر والبغال ميتة كانت أم غيرها، كما يظهر ذلك لمن يلاحظ الرواية، مع أن من المستبعد جدا بل من المستحيل عادة أن يجدوا جلود الميتة من الحمير والبغال بمقدار يكون وافيا بشغلهم بلا شرائها من الغير، على أن مقتضى ذلك هي حرمة بيع الغلاف مستقلا مع انه فاسد إذ ربما تكون قيمة الغلاف أكثر من السيف فكيف يحكم بالتبعية

[ 71 ]

دائما، نعم تبعية مثل الجل والمسامير للفرس والجدران في بيع الفرس والدار من الوضوح بمكان وربما ترمي الرواية بالتقية لذهاب العامة إلى جواز بيع جلود الميتة بعد الدبغ لطهارتها به (1) وأما قبل الدبغ فلا تصلح للاغماد، وفيه أولا ان أمره " ع " بأن يجعلوا ثوبا لصلاتهم على خلاف التقية، وثانيا لو كانت الرواية موردا للتقية لكان الاليق أن يجاب بحرمة البيع والشراء ويدفع محذور التقية عند الابتلاء بها بارادة حرمة بيعها قبل الدبغ، فان فيه بيان الحكم الواقعي مع ملاحظة التقية، وثالثا ان الرواية خالية عن كون البيع أو الشراء بعد الدبغ لتحمل عليها، ومجرد عدم صلاحية الجلود للغلاف قبل الدبغ لا يوجب تقييدها لامكان دبغها عند جعلها غمدا، إذن فالرواية أيضا على خلاف التقية، وأما توهم أن الاخبار المانعة تشتمل على كلمة السحت التي تأبى عن حملها على الكراهة فهو توهم فاسد لما مر في بيع العذرة من أن إطلاق السحت على المكروه في الروايات واللغة كثير جدا. هذا كله مع قصر النظر على المكاتبة، ولكنها ضعيفة السند فلا تقاوم الروايات المانعة لان فيها رواية الجعفريات وهي موثقة، إذن فلا مناص من الحكم بحرمة بيع الميتة وأجزائها التي تحلها الحياة، إلا أن يتمسك في تجويز بيعها بحسنة الحلبي وصحيحته الواردتين في بيع الميتة المختلطة بالمذكى ممن يستحلها، فانهما بعد إلغاء خصوصيتي الاختلاط والمستحل تدلان على جواز بيعها مطلقا، إلا ان الجزم بذلك مشكل جدا فلا مناص من اختصاص جواز البيع بالمستحل كما سيأتي. حكم بيع المذكى المختلط بالميتة (قوله: انه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة كذلك لا يجوز بيعها منضمة إلى المذكى. أقول) تارة تمتاز الميتة من المذكى واخرى لا تمتاز، أما الصورة الاولى فلا اشكال في جواز البيع وصحته بالنسبة إلى غير الميتة، سواء كانت ممتازة عند المتبايعين أم عند المشتري فقط لعدم ترتب الاثر على علم البايع وجهله، وأما بالنسبة إلى الميتة فيجري فيها جميع ما تقدم في بيعها منفردة لان انضمام الميتة إلى المذكى لا يغير حكمها، نعم بناء على حرمة بيعها يكون المقام من مصاديق بيع ما يجوز وما لا يجوز فيسقط الثمن بالنسبة اليهما ويحكم بالصحة فيما يجوز وبالفساد


(1) في ج 1 سنن البيهقي ص 17 ابن عباس عن النبي " ص " في جلد الميتة قال ان دباغه قد ذهب بخبثه أو رجسه أو نجسه، وفي رواية اخرى دباغها طهورها، وفي ص 16 في أحاديث كثيرة فدبغوه فانتفعوا به. أي بجلد الميتة.

[ 72 ]

فيما لا يجوز، ولا خيار للمشتري بالنسبة إلى ما يجوز لاجل تبعض الصفقة لعلمه بالحال كما هو المفروض. وأما الصورة الثانية فهي محل الكلام ومورد النقض والابرام، وتحقيقها في مقامين: الاول من حيث القواعد العامة. والثاني من حيث الروايات الخاصة الواردة في خصوص ذلك. أما المقام الاول فان كان المدرك في حرمة بيع الميتة منفردة هي النصوص والاجماعات فلا شبهة في أنهما لا تشملان صورة الاختلاط لانه لا يصدق بيع الميتة على ذلك مع قصد المذكى حتى مع تسليمها إلى المشتري لكونه مقدمة لاقباض المبيع، وعلى هذا فلا وجه لما ذهب إليه المصنف من المنع على الاطلاق بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، نعم لا يجوز أن ينتفع بهما فيما كان مشروطا بالطهارة والتذكية وإن كان المدرك في المنع هي حرمة الانتفاع بالميتة لكونها في نظر الشارع مسلوب المالية نظير الخمر والخنزير وقلنا بتنجيز العلم الاجمالي، فغاية ما يترتب عليه هو عدم جواز بيعهما من شخص واحد للعلم الاجمالي بوجود ما لا يجوز الانتفاع به فيهما فان العلم الاجمالي يوجب وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، إذن فيجري هنا ما جرى في الميتة المعلومة تفصيلا من الاحكام التكليفية والوضعية، وأما بيعهما من شخصين فلا باس فيه لان حرمة الانتفاع لم تثبت إلا على الميتة المعلومة اما اجمالا أو تفصيلا على سبيل منع الخلو وإذا انتفى أحد العلمين انتفت حرمة الانتفاع أيضا فلم يبق في البين إلا الاحتمال فيندفع بالاصل، فان هذا نظير انعدام أحد المشتبهين أو خروجه عن محل الابتلاء الموجب لسقوط العلم الاجمالي عن التأثير. (قوله: فأكل المال بازائه أكل المال بالباطل. أقول) قد عرفت ما فيه في بيع الابوال (قوله: وجوز بعضهم البيع بقصد بيع المذكى. اقول) قد عرفت أن هذا هو الصحيح بناء على أن المانع عن بيع الميتة هو الاجماع أو النص، فيبيعهما بقصد المذكى ثم يسلمهما إلى المشتري فينتفع بهما في غير ما يشترط فيه التذكية، نعم لو كان المانع هي حرمة الانتفاع فيجري فيه ما ذكرناه. (قوله: وجواز ارتكاب أحدهما. أقول) لا دخل للقول بجواز ارتكاب أحدهما في جواز البيع بقصد المذكى، فانه بناء على هذا المنهج يجوز بيع أحدهما معينا أيضا لو كان المانع عن البيع عدم جواز انتفاع المشتري إذ المفروض حينئذ جواز انتفاع كل شخص بما يشتريه، نعم بناء على كون المانع من بيع الميتة هو النص أو الاجماع لا يصح البيع إلا بقصد المذكى كما عرفت.

[ 73 ]

(قوله: لكن لا ينبغي القول به في المقام. أقول) قد منع المصنف عن جواز بيع احد المختلطين حتى مع القول بأنه يجوز إرتكاب احد المشتبهين وعدم تنجيز العلم الاجمالي، وذلك لاصالة عدم التذكية الجارية في اللحوم، فانها اصل موضوعي حاكم في سائر الاصول من اصالتي الحل والطهارة، وفيه ان اصالة عدم التذكية لا تثبت الميتة التي هي أمر وجودي إلا على القول بالاصول المثبتة، لا يقال ان الميتة عبارة عما لم تلحقه الذكاة كما في القاموس، إذن فلا شبهة في ثبوتها بالاصل بلا أن يلزم منه المحذور المذكور، فانه يقال ان الاصل المذكور وإن كان متكفلا لاثبات ذلك العنوان إلا أنه أمر يغاير الميتة ويلازمها وليس متحدا معها، لانها في عرف الشرع واللغة (1) إما عبارة عما مات حتف أنفه، وإما عبارة عما فارقته الروح بغير ذكاء شرعية وعلى هيئة غير مشروعة إما في الفاعل أو في المفعول، فلا يثبت شئ منهما باصالة عدم التذكية إلا على القول بحجية الاصل المثبت فالمحذور في محله، وأما ما في القاموس فأمر لم تثبت صحته، وكذلك ما عن أبي عمرو من أنها ما لم تدرك تذكيته. وأما المقام الثاني فالروايات الواردة هنا على طائفتين أما الطائفة الاولى (2) فتدل على حرمة بيع المذكى المختلط بالميتة، وحرمة الانتفاع بهما، بل يرمى بهما إلى الكلاب. وفيه أولا ان الرمي بهما إلى الكلاب كناية عن حرمة الانتفاع بهما على نحو الانتفاع بالمذكى، كما حملنا على ذلك قوله " ع " في رواية الوشا المتقدمة (أما علمت أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام). لا فلا مناص من الالتزام بالوجوب النفسي للرمي، وهو بديهي البطلان، إذ عمدة ما يكون؟ النظر ومورد الرغبة من الميتة هو جلدها وليس هذا مما تأكله الكلاب، وهذا نظير؟ في بيع الدراهم المغشوشة من أمره " ع " بكسر درهم من طبقتين طبقة من نحاس و؟ من فضة فان المراد بذلك ليس إلا إعدام الهيئة الدرهمية لئلا يعامل عليها معاملة الدراهم؟ وإلا فكسر الدرهم الغشوش ليس من الواجبات النفسية كالصوم والصلاة، ومن القبيل


(1) في ج 1 تاج العروس ص 587 عن ابي عمرو والميتة ما لم تدرك تذكيته، وقال النوي في تهذيب الاسماء واللغات قال أهل اللغة والفقهاء الميتة ما فارقته الروح بغير ذكاة، وفي المصباح المراد بالميتة في عرف الشرع ما مات حتف أنفه أو قتل على هيئة غير مشروعة إما في الفاعل أو في المفعول. وفي مفردات الراغب والميتة من الحيوان ما زال روحه بغير تذكية. (2) الجعفريات عن علي " ع " انه سئل عن شاة مسلوخة واخرى مذبوحة عن عمى على الراعي أو على صاحبها فلا يدري الذكية من الميتة قال يرمى بهما جميعا إلى الكلاب. موثقة. راجع ج 2 المستدرك ص 427.

[ 74 ]

أيضا أمره " ع " باراقة الانائين المشتبهين، وباراقة المرق المتنجس كما سيأتي في الانتفاع بالمتنجس وثانيا ان حرمة الانتفاع بهما بحسب أنفسهما لا ينافي جواز بيعهما ممن هو في حكم الكلب أو أضل سبيلا، ويؤيده ما ورد في بعض الروايات (1) من إطعام المرق المتنجس أهل الذمة أو الكلاب فانه " ع " قد جعل سبيلهما واحدا، وأما غير الذمي فهو مثله بل أولى. وثالثا لو أغمضنا عن جميع ما ذكرناه فغاية ما يستفاد من الرواية ليس إلا حرمة الانتفاع بكلا المختلطين لوجود الميتة فيهما فتكون مما تدل على حرمة الانتفاع بهما وقد تقدم الكلام في ذلك وأما الطائفة الثانية (2) فهي تدل على جواز بيع المذكى المختلط بالميتة ممن يستحلها، وبهما نرفع اليد عن ظاهر رواية الجعفريات لو سلم لها ظهور في حرمة البيع على الاطلاق، بل يمكن أن يقال أن تخصيص الحكم بالمستحل ليس إلا لعدم رغبة غيره اليهما فيكونان مسلوبي المالية خصوصا إذا لم يكن المراد بالمستحل إلا مستحل الاكل فقط كما هو الظاهر دون مستحل البيع وان كان يحرم أكله، واما إذا وجد من يرغب اليهما وينتفع بهما في غير ما اعتبرت فيه التذكية والطهارة كمن يشتريهما لينتفع بهما في مثل التسميد أو سد الساقية، أو يصرفهما في أكل السباع والطيور، أو كان المشتري ممن لا يبالي بأكل الميتة كفساق المسلمين، فيجوز بيعهما من غير المستحل أيضا، إلا أن الزم بذلك مشكل جدا فلا مناص من تخصيص جواز البيع بالمستحل، نعم لا يبعد القول بجواز بيع الميتة منفردة ومع التميز من المستحل أيضا، ضرورة أن الاختلاط والاشتباه لا دخل له في الجواز، وعليه فيخصص بهاتين الروايتين ما دل على حرمة بيع الميتة على الاطلاق.


(1) زكريا بن آدم قال سالت أبا الحسن " ع " عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير قال يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلاب الحديث مهملة للحسن المبارك. راجع ج 1 ئل باب 38 نجاسة الخمر من النجاسة، وج 2 التهذيب ص 312، وج 11 الوافي ص 92. (2) الحلبي قال سمعت ابا عبد الله " ع " يقول إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه. موثقة. وعنه عن ابي عبد الله " ع " انه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة ثم ان الميتة والذكي اختلطا كيف يصنع قال يبيعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه فانه لا بأس به. حسنة لابراهيم بن هاشم. راجع ج 2 ئل باب 34 حكم بيع المذكى المختلط بالميت مما يكتسب به، وج 11 الوافى ص 17، وج 2 كا باب 12 من الاطعمة ص 155، وج 2 التهذيب الذبائح ص 294.

[ 75 ]

(قوله: وعن العلامة " 1 " حمل الخبرين على جواز استنقاذ مال المستحل للميتة بذلك برضاه، أقول) يرد عليه أولا ان النسبة بين الكافر المستحل وبين ما يجوز استنقاذ ماله عموم من وجه، فانه قد يكون المستحل ممن لا يجوز استنقاذ ماله إلا بالاسباب الشرعية كالذمي، وقد يكون غير المسنحل ممن يجوز استنقاذ ماله. وثانيا انه لم يكن في مكان صدور تلك الاخبار وزمانه كافر حربي يجوز استنقاذ ماله فانها إنما صدرت من الصادق " ع " في الكوفة فكانت هي ونواحيها في ذلك الوقت خالية عن الحربيين لدخول غير المسلمين فيها بأجمعهم تحت الذمة والامان. (قوله: ويمكن حملهما على صورة قصد البايع المسلم أجزائها التي لا تحلها الحياة. أقول) الظاهر أن هذا الرأي إنما نشأ من عدم ملاحظة الروايتين، فانه مضافا إلى إطلاقهما وعدم وجود ما يصلح لتقييدهما، ان الحسنة إنما اشتملت على اختلاط المذكى بالميتة من الغنم والبقر فبديهي انه ليس في البقر من الاجزاء التي لا تحلها الحياة شئ ليمكن الانتفاع به حتى يتوهم حمل الروايتين على ذلك. (قوله: والرواية شاذة. أقول) لا يضر شذوذها بحجيتها بعد فرض صحتها والاجماع المحصل على حرمة التصرف في الميتة غير ثابت، والمنقول منه مع تصريح جماعة من الفقهاء بالجواز غير حجة، وأما دعوى معارضتها بما دل على المنع فقد عرفت الحال فيها. (قوله: يرجع إلى عموم ما دل على المنع عن الانتفاع بالميتة. أقول) قد تقدم حمل الروايات المانعة على صورة الانتفاع بها كالمذكى بقرينة الروايات المجوزة أو على الكراهة. ازاحة وهم ربما يتخيل الغافل انه بناء على تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالاصول كما هو الحق والمشهور يكون بيع المذكى المختلط بالميتة اعانة على الاثم فهي محرمة، وفيه مضافا إلى منع كون المقام من صغريات الاعانة على الاثم، ومنع قيام الدليل على حرمتها لو كان منها وإنما هو كبيع العنب والتمر وعصيرهما ممن يعلم انه يجعلها خمرا الذي لا شبهة في جوازه كما سيأتي انه لا ريب في جواز مثل هذا النحو من الاعانة على الاثم، وإلا فلم يجز سقي الكافر أيضا لتنجس الماء بمجرد مباشرته إياه ببشرته فيحرم عليه شربه فيكون سقيه إعانة عليه، مع انه لم يقل أحد بحرمته من جهة الاعانة على الاثم، كيف وقد ورد (2) جواز ابراد الكبد


(1) في ج 4 المختلف ص 131. (2) ضريس عن أبي جعفر " ع " قال ان الله يحب إبراد الكبد الحرى، ومن

[ 76 ]

الحرى، وجواز تصدق غير النسك والزكاة على أهل الذمة، وجواز سقي النصراني، وأيضا مقتضى ذلك التوهم تحريم بيع المأكولات والمشروبات من الكفار، ولا يلزم من تكليف الكفار بالاجتناب عن المأكولات والمشروبات لتنجسها بالمباشرة تكليف بما لا يطاق فان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. خلاف بداهة عن أول الشهيدين في الدروس احتمال الرجوع في المقام إلى ما ورد (1) في اللحم الغير المعلوم كونه ذكيا أو ميتا، من أنه يطرح على النار فكلما انقبض فهو ذكي وكلما انبسط فهو ميت. وفيه مضافا إلى ضعف السند فيه، ان ذلك على خلاف البداهة من الوجدان، فان من المقطوع انه لا تأثير لانقباض اللحم ولا لانبساطه إذا طرح على النار في وقوع الذكاة عليه وعدم وقوعها، إذن فرد علمه إلى اهله طريق الاحتياط وسبيل النجاة، وان ادعى الشهيد (ره) قيام الشهرة القريبة من الاجماع على العمل به في مورده. جواز بيع ميتة ما ليس له دم سائل (قوله: الثاني ان الميتة من غير ذي النفس السائلة يجوز المعاوضة عليها. أقول) المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة بل الاجماع على جواز المعاوضة على ميتة غير ذي النفس السائلة سقى كبدا حرى من بهيمة أو غيرها اظله الله يوم لا ظل إلا ظله. موثقة. في القاموس مادة حر الحران العطشان والانثى الحرى مثل عطشى، مسمع عن أبي عبد الله " ع " افضل الصدقة إبراد كبد حرى. ضعيفة لعبد الله. وفي رواية اخرى أمر " ع " بسقي نصراني من قبيلة الفراسين عند ضعفه من العطش. راجع ج 1 كاباب 41 سقى الماء من الزكاة ص 178 اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه ان عليا " ع " كان يقول ولا تصدقوا بشئ من نسككم إلا على المسلمين وتصدقوا بما سواه غير الزكاة على أهل الذمة. موثقة، راجع ج 2 ئل باب 20 استحباب الصدقة من أبواب الصدقات. (1) اسماعيل بن عمر عن شعيب عن ابي عبد الله (ع) في رجل دخل قرية فاصاب بها لحما لم يدر اذكي هو أم ميت قال يطرحه على النار فكلما انقبض فهو ذكي وكلما انبسط فهو ميت. ضعيفة لاسماعيل. راجع ج 11 الوافى باب 11 من المطاعم ص 17، وج 2 كا باب 13 من الاطعمة ص 155، وج 2 التهذيب الذبائح ص 294، وج 3 ئل باب 36 ان اللحم إذا لم يعلم كونه ميتة من الاطعمة المحرمة، وفي هذا الباب من ئل محمد بن علي بن الحسين قال قال الصادق (ع) وإذا وجدت لحما ولم تعلم اذكي هو أم ميتة فألق قطعة منه على النار فان انقبض فهو ذكي وإن استرخى على النار فهو ميتة. مرسلة.

[ 77 ]

وقد ذهب إلى ذلك أكثر العامة وان كان قد يظهر من بعضهم الآخر خلافه (1) وما ذهب إليه المشهور هو الوجيه، فان المقتضى لجواز بيعها أعني الانتفاع بها بالمنافع المحللة موجود خصوصا في بعضه اقسامها كالسمك فان دهنه من المنافع المهمة المقصودة للعقلاء، والمانع عنه مفقود لعدم ما يصلح للمانعية عن المعاوضة على الميتة الظاهرة وضعا وتكليفا، إذن فلا مانع من التمسك بالعمومات لاثبات صحتها، بل يمكن التمسك بها حتى مع الشك في وجود المنافع فيها لما عرفته مرارا وستعرفه من عدم اعتبار المالية في المعاوضات، وتوهم ان بيعها ممن يعلم البايع انه يأكلها إعانة على الاثم فيكون حراما، توهم فاسد فانها كبيع التمر والعنب والعصير من يجعلها خمرا وسيأتي جوازه وورود الاخبار عليه وان صدق عليه عنوان الاعانة على الاثم، وأما الروايات الخاصة التي تدل على حرمة بيع الميتة فلا ريب في ظهورها بل صراحة بعضها في الميتة النجسة، وأما الروايات العامة المتقدمة فمضافا إلى ما تقدم فيها، أن الشهرة بل الاجماع على خلافها هنا، فلا يكون ضعفها منجبرا بعمل الاصحاب. حرمة التكسب بالكلب الهراش (قوله: يحرم التكسب بالكلب الهراش والخنزير البريين إجماعا. أقول وجه التقييد بالبريين هو أن المشهور والمختار عنده طهارة البحريين منهما، واستدل على ذلك في كتاب الطهارة في مسألة نجاسة الكلب بصحيحة ابن الحجاج (2) بل الظاهر أنهما من اقسام السمك الغير المأكول فيكونان خارجين عما نحن فيه تخصصا، ثم ان تحرير البحث هنا يقع في جهتين: الجهة الاولى في بيع الكلب الهراش (3) الظاهر بل المجمع عليه بين اصحابنا حرمة


(1) في ج 1 فقه المذاهب ص 10 الشافعية قالوا بنجاسة ميتة مالا نفس له سائلة إلا ميتة الجراد، وفي ج 2 ص 232 ان كل نجس لا يصح بيعه، فلا يصح بيعها عندهم، وأما غير الشافعية ففي ج 1 ص 10 ذهبوا إلى طهارة ميتة الحيوان الذي ليس له دم سائل يسيل عند جرحه، وقيدوا في ج 2 ص 231 الميتة التي لا يصح بيعها بالنجاسة فيصح بيعها عندهم (2) قال سال ابا عبد الله ع رجل وأنا عنده عن جلود الخز فقال ليس لها بأس فقال الرجل جعلت فداك انها في بلادي وإنما هي كلاب تخرج من الماء فقال أبو عبد الله " ع " إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء فقال الرجل لا قال لا بأس. موثقة. راجع ج 2 كاباب 11 لبس الخز من التجمل ص 205، وج 11 الوافي باب 176 الملابس ص 98، وج 1 ئل باب 10 جواز لبس جلد الخز من لباس المصلي. (3) في القاموس هرش كفرح ساء خلقه والتهريش التحريش بين الكلاب والافساد بين الناس

[ 78 ]

بيعه وكون ثمنه سحتا، قال في التذكرة (1) الكلب ان كان عقورا حرم بيعه عند علمائنا، بل عند أكثر العامة (2) لا يصح بيع الكلب مطلقا ولو كان كلب صيد. وتدل على حرمة بيعه الروايات المتظافرة (3) إلا أن أكثرها ضعيفة السند، وجملة منها وإن كانت مطلقة تشمل جميع أقسام الكلاب ولكنها مقيدة بالاخبار الآتية في جواز بيع كلب الصيد التي هي صريحة في جواز بيع الصيود منها، وعلى هذا المنوال روايات العامة (4) على كثرتها، وعليه فدعوى الاجماع التعبدي على حرمة بيعه في غير محله، لانه إن كان المراد بالحرمة هي الحرمة الوضعية فهي وإن كانت مسلمة ولكن المدرك لها ليس إلا تلك الاخبار المتكثرة فيحكم بفساد بيعها لاجلها لا للاجماع التعبدي وان كان المراد بها هي الحرمة التكليفية، ففيه ان الظاهر هو انحصار معقد الاجماع بالحرمة الوضعية، بل يكفينا الشك في


(1) ج 1 ص 3 من البيع. (2) في ج 2 فقه المذاهب ص 231 عن المالكية لا يصح بيع الكلب مع كونه طاهرا سواء كان كلب صيد أو حراسة أو غيرهما، وعن الحنابلة لا يصح بيعه مطلقا، وكذلك عن الشافعية، واما عن الحنفية ويصح بيع كلب الصيد والحراسة، وفي ص 4 عن بعض المالكية يكره أكل الكلب. (3) كاويب. السكوني عن أبي عبد الله " ع " قال السحت ثمن الميتة وثمن الكلب. ضعيفة للنوفلي كاويب. الحسن الوشا عن الرضا " ع " في حديث قال وثمن الكلب سحت ضعيفة لسهل بن زياد. يب. جراح المدايني قال قال أبو عبد الله " ع " ونهى عن ثمن الكلب. ضعيفة لقاسم بن سليمان. وفي وصية النبي " ص " لعلي " ع " من السحت ثمن الكلب. مجهولة. الجعفريات. عن علي " ع " من السحت ثمن الكلب. موثقة. دعائم الاسلام عن رسول الله " ص " انه نهى عن ثمن الكلب العقور. مرسلة. إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الابواب المتفرقة من الكتب العديدة، راجع ج 1 كاباب 37 كسب المغنية ص 361 وباب 42 السحت ص 363، وج 2 التهذيب المكاسب ص 107 و ص 110 وباب الغرر والمجازفة ص 155، وج 10 الوافي باب 43 ص 42، وج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة وباب 42 تحريم بيع الكلاب مما يكتسب به، وج 2 المستدرك ص 430. (4) وفي ج 3 البخاري آخر البيوع ص 110 ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ثمن الكلب وفي ج 6 سنن البيهقي ص 6 عن أبي هريرة نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد.

[ 79 ]

ذلك لكونه دليلا لبيا لا يؤخذ منه إلا المقدار المتيقن. حرمة التكسب بالخنزير والجهة الثانية في بيع الخنزير المشهور بل المجمع عليه بين الخاصة والعامة (1) هو عدم جواز بيعه، قال في التذكرة (2) ولو باع نجس العين كالخنزير لم يصح إجماعا. ثم ان الروايات الواردة في هذه المسألة على طائفتين: الاولى ما دل على حرمة بيعه وضعا وتكليفا، منها قوله " ع " في رواية قرب الاسناد (3) في نصرانيين باع أحدهما الخنزير إلى أجل ثم اسلما (إنما له الثمن فلا بأس أن يأخذه) فان مفهومه أن غير أخذ الثمن لا يجوز له بعد الاسلام، وعليه فيستفاد من الرواية أمران: الاول حرمة بيع الخنزير بعد الاسلام وإلا لكان الحصر فيها لغوا، والثاني صحة المعاملة عليه قبل الاسلام وإلا لكان أخذ ثمنه بعد الاسلام حراما وأكلا للمال بالباطل. ومنها روايتي الجعفريات ودعائم الاسلام (4) حيث جعل الامام " ع " ثمن الخنزير فيهما من السحت. ومنها جملة من الروايات (5) الدالة على حرمة بيعه بل في بعضها نهى عن إمساكه.


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 231 حكى عن المذاهب الاربعة إجماعهم على بطلان بيع الخنزير. وفي ج 5 شرح فتح القدير ص 186 بيع الخنزير فاسد. (2) ج 1 ص 3 من البيع. (3) علي بن جعفر عن أخيه قال سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمرا أو خنزيرا إلى أجل فأسلما قبل أن يقبضا الثمن هل يحل له ثمنه بعد الاسلام قال إنما له الثمن فلا بأس أن يأخذه. مجهولة لعبد الله بن الحسن. ورواه علي بن جعفر في كتابه إذن فهي موثقة. راجع ج 2 ئل باب 90 أن الذمي باع خمرا فأسلم مما يكتسب به، وج 23 البحار ص 20 ب. (4) راجع ج 2 المستدرك باب 5 مما يكتسب به ص 426. (5) معاوية بن سعيد عن الرضا " ع " قال سألته عن نصراني أسلم وعنده خمر وخنازير وعليه دين هل يبيع خمره وخنازيره فيقضي دينه فقال لا. ضعيفة لمعاوية. ومثلها رواية أبي عمير عن الرضا " ع " إلا أنها مرسلة. اسماعيل بن مرار عن يونس في مجوسي باع خمرا أو خنازير إلى أجل مسمى ثم أسلم قبل أن يحل المال قال له دراهمه وقال إن اسلم رجل وله خمر وخنازير ثم مات وهي في ملكة وعليه دين قال يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خمره وخنازيره ويقضي دينه وليس له أن يبيعه وهو حي ولا يمسكه مجهولة لاسماعيل. راجع ج 2 ئل باب 86 تحريم بيع

[ 80 ]

وقد ذكر ذلك في أحاديث أهل السنة أيضا (1). والثانية (2) ما دل على صحة بيع الخنزير وضعا، بدعوى أنها صريحة في جواز استيفاء الدين من ثمن الخنزير، فلازم ذلك هو نفوذ بيعه وضعا وان كان للبايع حراما تكليفا وإلا فيلزم استيفاء الدين من مال الغير فهو حرام لكونه أكلا للمال بالباطل. ومن هنا يظهر الوجه في دلالة قوله ع في رواية محمد بن مسلم (أما للمقتضى فحلال وأما للبايع فحرام) على صحة بيع الخنزير وضعا وحرمته تكليفا. وجمع بينهما في الوسائل بحمل المجوزة على فرض كون البايع ذميا، واستشهد عليه بموثقة منصور (3) لدلالتها على جواز خصوص بيع الذمي الخنزير، فتكون مقيدة لما يدل على جواز بيعه مطلقا.


الخنزير مما يكتسب به، وج 1 كاباب 107 بيع العصير من المعيشة ص 394 وص 395 وج 10 الوافى باب 39 بيع الخمر ص 38، وج 2 التهذيب باب المجازفة ص 155. (1) جابر عن رسول الله ص ان الله حرم بيع الخنزير. وأبو هريرة عن رسول الله ص ان الله حرم الخنزير وثمنه. راجع ج 6 سنن البيهقي ص 12، وج 3 البخاري باب بيع الميتة ص 110. (2) كان محمد بن مسلم عن أبي جعفر ع في رجل كانت له على رجل دراهم فباع خمرا أو خنازير وهو ينظر فقضاه فقال لا بأس به أما للمقتضى فحلال واما للبائع فحرام. حسنة لابراهيم بن هاشم، وفي ج 2 يب في القرض ص 62 عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام مثله بطرق صحيحة. كا. زرارة عن ابي عبد الله في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمرا وخنزيرا ثم يقضى عنها قال لا باس أو قال خذها. حسنة لابراهيم. يب. الخثعمي قال سالت أبا عبد الله ع في الرجل يكون لنا عليه الدين فيبيع الخمر والخنازير فيقضينا فقال لا بأس به ليس عليك من ذلك شئ. مجهولة لقاسم بن محمد. يب. عن أبي بصير قال سالت أبا عبد الله ع عن الرجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمرا وخنازير يأخذ تمنه قال لا بأس به. ضعيفة لعبد الله بن بحر. راجع ج 1 كا باب 107 بيع العصير من المعيشة ص 394، وج 2 ئل باب 89 أن الذمي إذا باع خمرا مما يكتسب به، وباب 28 استيفاء الدين من الذمي من أبواب الدين، وج 2 التهذيب بيع الخمر ص 155، وج 10 الوافي باب 39 بيع الخمر ص 38. (3) قال قلت لابي عبد الله ع لي على رجل ذمي دراهم فيبيع الخمر والخنزير وأنا

[ 81 ]

وفيه ان حمل المطلق على المقيد وان كان من المسلمات، إلا أنه فيما كان بينهما تناف وتعاند نظير أعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة، ولو لم يكن بينهما تناف كما في المقام فلا وجه لذلك الحمل والصحيح أن يقال ان الظاهر من خبر منصور، ومن قوله " ع " في رواية قرب الاسناد (إنما له الثمن فلا بأس ان ليأخذه) ومن رواية عمار بن موسى (1) هو جواز بيع الذمي الخنزير قبل الاسلام، فيقيد بها ما يدل على حرمة بيعه مطلقا، إذن فتنقلب النسبة وتصير المانعة أخص من المجوزة ومقيدة لها وعليه فلا يجوز لغير الذمي بيع الخنزير، وقد اتضح مما ذكرناه حكم بيع الخمر ايضا لانها مذكورة في الاخبار المتقدمة مع الخنزير. ثم انه استدل غير واحد من الاعاظم على حرمة بيعه بالاخبار العامة المذكور في أول الكتاب، وقد عرفت ما فيها من ضعف السند والدلالة، ثم لا ينقضي العجب من المصنف حيث اقتصر في الاستدلال على حرمة بيع الخنزير بالاجماع فقط ولم يتعرض للروايات وهو أعرف بالحال. (قوله: وكذلك أجزائهما. أقول) ظاهر النصوص والاجماعات إنما تمنعان عن بيع الكلب والخنزير بوصفهما العنواني وبصورتهما النوعية التي بها شيئية الاشياء في دار تحققها وصقع تكونها، وبما أن الاحكام الشرعية إنما تترتب على الموضوعات العرفية فلا مانع من شمول المنع للميتة منهما، لصدق عنوان الكلب والخنزير عليها ولو بالمسامحة العرفية، إذن فتكون المعاملة عليها أيضا حراما، وأما أجزائهما فلا شبهة في أنه لا يصدق عليها عنوان الكلب والخنزير لا بالدقة العقليه ولا بالمسامحة العرفية، وعليه فان كانت مما تحله الحياة شملتها ادلة حرمة بيع الميتة لصدقها عليها وان جاز الانتفاع بها في غير ما هو مشروط بالطهارة والتذكية، وإن كانت مما لا تحله الحياة كالشعر ونحوه فحرمة البيع والانتفاع هنا متوقفة على مانعية النجاسة عنهما، إذ من الواضح جدا ان نجاسة الكلب والخنزير لا تختض بما تحله الحياة فقط، وحيث علمت أنها لا تصلح للمانعية عن البيع ولا عن الانتفاع، فلا مانع عن بيعها للعمومات ولا عن الانتفاع بها بالمنافع المحللة لاصالة الاباحة، ومن هنا افتى بعضهم بجواز بيع شعر الخنزير والانتفاع به في غير ما هو مشروط بالطهارة، وان منع عن بيعه بعض


حاضر فيحل لي اخذها فقال إنما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك. موثقة. راجع الابواب المتقدمة من ئل وكاو الوافي. (1) عن ابي عبد الله " ع " أنه سئل عن رجلين نصرانيين باع أحدهما من صاحبه خمرا أو خنازير ثم أسلما قبل أن يقبض الدراهم قال لا بأس. موثقة. راجع ج 10 الوافي ص 39 وج 2 التهذيب الاطعمة المحرمة ص 311.

[ 82 ]

فقهاء العامة (1) لانه نجس العين فلا يجوز بيعه إهانة له، نعم بناء على طهارة الخنزير كما ذهب إليه المالك (2) يجوز بيع شعره لعدم نجاسته المانعة عنه. على أنه ورد في جملة من الاحاديث (3) جواز الانتفاع بشعر الخنزير في غير ما هو مشروط بالطهارة، وعلى هذا فهو من الاموال عند الشارع أيضا. حرمة التكسب بالخمر وكل مسكر مايع (قوله: يحرم التكسب بالخمر وكل مسكر مايع والفقاع إجماعا نصا وفتوى. أقول) قد قامت للضرورة من المسلمين (4) وأطبقت الروايات من الفريقين على حرمة بيع الخمر وكل


(1) ج 5 شرح فتح القدير ص 202. (2) في ج 1 فقه المذاهب ص 11 المالكية المالكية قالوا كل حي طاهر العين ولو كلبا أو خنزيرا ومعه نقل في ج 2 فقه المذاهب ص 231 عن المالكية حرمة بيع النجس ومثله بالخمر والخنزير (3) يب. زرارة عن أبي جعفر " ع " قال قلت له ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير قال إذا فرغ فليغسل يده. موثقة. يب. برد الاسكاف قال سألت أبا عبد الله " ع " عن شعر الخنزير يعمل به فقال خذ منه فاغسله (فاغله) بالماء حتى يذهب ثلث الماء ويبقى ثلثاه ثم اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة فان جمد فلا تعمل به وإن لم يجمد فليس له دسم فاعمل به واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة. ضعيفة لبرد. في القاموس الفخارة كجبانة الجرة ج الفخار. برد الاسكاف قال قلت لابي عبد الله " ع " إني رجل خزاز ولا يستقيم عملنا إلا بشعر الخنزير نخزز به قال خذ منه وبره فاجعلها في فخارة ثم اوقد تحتها حتى يذهب دسمها ثم اعمل به ضعيفة لبرد. راجع ج 2 التهذيب المكاسب ص 114، وج 2 ئل باب 87 العمل بشعر الخنزير مما يكتسب به. (4) أما عند الخاصة فواضح، وأما عند العامة ففي ج 2 فقه المذاهب ص 6 وص 7 الخمر ما خامر العقل أي خالطه فأسكره وغيبه، فكل ما غيب العقل من الخمر والنبيذ وغيرهما من أقسام المسكرات فهو حرام، سواء كان مأخوذا من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير، بل ولو من اللبن والطعام أو غير ذلك. وفي ج 1 ص 15 ومن الاعيان النجسة المسكر المايع، سواء كان مأخوذا من عصير العنب أو كان نقيع زبيب أو نقيع تمر أو غير ذلك، لان الله تعالى قد سمى الخمر رجسا والرجس في العرف النجس، أما كون كل مسكر مايع خمرا فلما رواه مسلم من قوله " ع "

[ 83 ]

مسكر مايع مما يصدق عليه عنوان الخمر من النبيذ والفقاع وغيرهما، أما الخمر فشربها من أعظم الكبائر وأشد الجرائم في نظر الشارع المقدس، لما فيه من المضار الدينية والخلقية كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، وفي ج 2 ص 231 نقل اتفاق المذاهب الاربعة على حرمة بيع الخمر وان كل نجس لا يصح بيعه. إذن فكل مسكر مايع وإن اخذ من اللبن لا يصح بيعه عند العامة كما لا يجوز شربه. نعم في ج 3 تاج العروس ص 187 والخمر ما اسكر من عصير العنب خاصة وهو مذهب أبي حنيفة. وفي ج 1 التذكرة ص 3 من البيع الفقاع عندنا نجس إجماعا فلا يجوز بيعه ولا شرائه لانه كالخمر على ما تقدم خلافا للجمور كافة. وقد علمت ان ظاهر كلماتهم على خلاف ما نسبه العلامة " ره " إليهم. (روايات الخاصة) كا. محمد بن مسلم عن ابي عبد الله " ع " في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه قال لا يصلح ثمنه ثم قال ان رجلا من ثقيف أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله راويتين من خمر فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وآله فاهريقتا وقال انالذي حرم شربها حرم ثمنها. حسنة لابراهيم بن هاشم. كا. زيد بن علي عن آبائه " ع " قال لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر وعاصرها. الحديث. ضعيفة لحسين بن علوان. يب. الجراح المدايني قال قال أبو عبد الله " ع " من أكل السحت ثمن الخمر. ضعيفة لقاسم بن سليمان. إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة. راجع ج 1 كا باب 107 بيع العصير من المعيشة ص 394، وج 2 كا باب شارب الخمر ص 190، وج 2 التهذيب باب الغرر ص 155 وج 10 الوافي باب 39 بيع الخمر ص 38، وج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة وباب 84 تحريم بيع الخمر مما يكتسب به، وج 2 المستدرك ص 452، وج 16 البحار باب 86 حرمة شرب الخمر وج 23 ص 14. (روايات العامة) في ج 3 البخاري باب تحريم التجارة في الخمر آخر البيوع ص 108 عن عائشة قال النبي صلى الله عليه وآله حرمت التجارة في الخمر، وفي ج 6 سنن البيهقي ص 12 عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال ان الله حرم الخمر وثمنها، وفي رواية اخرى السحت ثمن الخمر، وفي ج 8 ص 286 عن ابن عباس قال بلغ عمر ان رجلا باع خمرا قال قاتل الله فلانا باع الخمر. الحديث. وفي ص 287 عن ثابت بن يزيد قال لقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر فقال ان رسول الله قال ان الله لعن الخمر وعاصرها. الحديث. إلى غير ذلك من رواياتهم المتظافرة.

[ 84 ]

والبدنية والاجتماعية، ويدل على حرمة جميع شؤنها الخبر المشهور بين الخاصة والعامة من أن رسول الله ص " لعن الخر وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومشتريها وساقيها وآكل ثمنها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه ". وأما النبيذ المسكر فيدل على حرمة بيعه كلما دل على حرمة بيع الخمر وضعا وتكليفا لكونه خمرا واقعا، لقوله ع (1) " فما فعل الخمر فهو خمر " ولقوله ع " فما كان عافيته عاقبة الخمر فهو خمر " فمن البديهي أن النبيذ يفعل ما تفعله الخمر ويسكر كاسكار الخمر، إذن فيكون ذلك مثلها في جميع الاحكام، ومن هنا ورد في بعض الروايات (2) " شه شه تلك الخمرة المنتنة " أي النبيذ المسكر، على أنه جعل الامام ع من أقسام السحت ثمن ثمن النبيذ المسكر في رواية عمار الآتية، وهذه الرواية وان لم يكن فيها دلالة على حرمة البيع تكليفا لظهورها في الحكم الوضعي فقط إلا ان في غيرها كفاية، فانه بعدما صدقت الخمر عليه حقيقة فيترتب عليه جميع أحكامها التي منها حرمة البيع، وهكذا الفقاع لكونه خمرا مجهولا استصغرها الناس وقد نزل ذلك منزلة الخمر في عدة من الروايات (3) بل في بعضها ما يدل على


(1) علي بن يقطين عن ابي ابراهيم قال ان الله لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها فما فعل فعل الخمر فهو خمر. ضعيفه لسهل بن زياد. عنه عن ابي الحسن الماضي ع قال ان الله لم يحرم الخمر لاسمها ولكنه حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر. موثقة. راجع ج 2 كا باب حرمة الخمر لفعلها ص 194 وج 2 التهذيب الاشربة ص 310، وج 11 الوافي باب 157 حرمة الخمر لفعلها ص 84 وج 3 ئل باب 19 ما فعل فعل الخمر من الاشربة المحرمة. (2) الكلبي النسابة قال سألت أبا عبد الله ع عن النبيذ فقال حلال قلت إنا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك فقال ع شه شه كلمة تقبيح تلك الخمرة المنتنة الحديث ضعيفة لمعلى بن محمد البصري وسهل بن زياد، راجع ج 2 كا باب النبيذ ص 195، وج 11 الوافى باب 160 النبيذ ص 86، وج 1 ئل باب 2 النبيذ من الماء المضاف، وج 1 التهذيب باب المياه ص 62. (3) كا. الجعفري قال سألت أبا الحسن الرضا ع عن الفقاع فقال هو خمر مجهول فلا تشربه يا سليمان لو كان الدار لي أو الحكم لقتلت بايعه ولجلدت شاربه. ضعيفة لسهل ومحمد ابن اسماعيل الرازي. كا. الحسين القلانسي قال كتبت إلى أبي الحسن الماضي ع أسأله عن الفقاع فقال لا تقربه فانه من الخمر. ضعيفة لمحمد بن سنان والقلانسي. كا. الوشا قال كتبت إليه

[ 85 ]

مبغوضية بيعه كقوله ع: لو أن الدار داري لقتلت بايعه. تذكرة هل تختص حرمة البيع بالمايعات المسكرة كما يظهر من المصنف أم تعم جميع المسكرات ولو كانت من الجوامد خلاف، ربما يقال بالثاني لوجوه: الاول ان المستفاد من كلام بعض اللغويين (1) هو أن الخمر ما يخامر العقل ويخالطه فتشمل المسكرات الجامدة ايضا. وفيه انه لا نسلم اعتبار قول اللغوي خصوصا في مثل المقام من جهة العلم بعدم صحة صدق الخمر على الجامد، على أن الظاهر من كلام تاج العروس (2) هو ذلك أيضا فانه ذكر الخلاف في اختصاص الخمر بما اسكر من عصير العنب خاصة وفي عمومه المسكر من عصير كل شئ، وأما المسكر الجامد فخارج عن محل الخلاف. الثاني ان الظاهر من التنزيل في قوله " ص " (3) " كل مسكر خمر " ترتب جميع آثار الخمر أو آثارها الظاهرة عليه التي منها حرمة البيع.


يعني الرضا ع أسأله عن الفقاع قال فكتب حرام وهو خمر ومن شربه كان بمنزلة شارب الخمر قال وقال أبو الحسن الاخير ع لو أن الدار داري لقتلت بايعه ولجلدت شاربه وحده حد شارب الخمر وهي خمرة استصغرها الناس. موثقة. راجع ج 2 كا باب الفقاع ص 197، وج 2 التهذيب الاشربة ص 313، وج 11 الوافي باب 162 الفقاع ص 88، وج 3 ئل باب 27 تحريم الفقاع من الاشربة المحرمة. (1) في ج 3 تاج العروس ص 187 واختلف في وجه تسمية الخمر فقيل لانها تخمر العقل وتستره، أو لانها تخامر العقل أي تخالطه كما في الحديث، وفي المصباح الخمر اسم لكل مسكر خامر العقل. وفي مفردات الراغب والخمر سميت لكونها خامرة لمقر العقل وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر. (2) في ج 3 تاج العروس ص 187 والخمر ما اسكر من عصير العنب خاصة أو عام أي ما اسكر من عصير كل شئ والعموم اصح. (3) ضعيفة لعبد الرحمن بن زيد وأبيه وأحمد بن الحسن الميثمي وعطا بن يسار، راجع ج 2 كاباب تحريم كل مسكر من الاشربة ص 193، وج 2 التهذيب الاشربة ص 310، وج 11 الوافي باب 156 حرمة كل مسكر من المشارب ص 82، وج 3 ئل باب 15 تحريم كل مسكر من الاشربة المحرمة.

[ 86 ]

وفيه أن الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بعمل المشهور وان قلنا بالانجبار في موارد عمل المشهور فان مقتضى العمل بعموم التنزيل الحكم بنجاسة المسكر الجامد، مع أنه لم يقل به أحد وأما التزام الفقهاء رضوان الله عليهم باجراء جميع أحكام الخمر على كل مسكر مايع فهو ليس لاجل الاخذ بعموم التنزيل بل للروايات الخاصة كما عرفت. الثالث رواية عمار بن مروان (1) فانها تدل على ان ثمن المسكر من السحت إلا أنها ظاهرة في الحكم الوضعي. وفيه ان الاستدلال بها متوقف على أن تكون الرواية كما نقله التهذيب المطبوع وبعض نسخ الوسائل بأن يكون لفظ المسكر معطوفا على النبيذ، وأما إذا كان وصفا له باسقاط الواو بينهما كما في غير نسخة التهذيب وبعض نسخ الوسائل فهي لا محالة تسقط عن الدلالة، إذا عرفت ذلك فاعلم انه وإن كان لفظ المسكر معطوفا على النبيذ في رواية التهذيب إلا أنها مذكورة في الوافي والكافي بدون العطف بل بالتوصيف، فترجيحهما على نسخة التهذيب من الوضوح بمكان ولو مع دوران الامر بين الزيادة والنقيصة، ويؤيد ذلك ما في رواية الخصال على ما في الوسائل من جعل لفظ المسكر وصفا للنبيذ. تبصرة لا يخفى عليك أنه لا يبعد اختصاص الروايات بما كان المطلوب منه الشرب والاسكار، وأما لو كان الغرض منه شئ آخر ولم يكن معدا للاسكار عند العرف ولو كان من أعلى مراتب المسكرات كالمايع المتخذ من الخشب أو غيره المسمى بلفظ (الكل) لاجل المصالح النوعية والاغراض العقلائية، فلا يحرم بيعه لانصراف ادلة حرمة بيع الخمر عنه وضعا وتكليفا كانصراف أدلة عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه عن الانسان. (قوله: وفي بعض الاخبار يكون لي على الرجل دراهم. أقول) قد ورد في جملة من


(1) كا. قال سالت أبا جعفر " ع " عن الغلول قال كل شئ غل من الامام فهو سحت والسحت أنواع كثيرة منها ثمن النبيذ المسكر. ضعيفة لسهل بن زياد. يب. عنه " ع " والسحت أنواع كثيرة منها ثمن النبيذ والمسكر. حسنة لابراهيم بن هاشم. راجع ج 1 كاباب 42 السحت ص 363، وج 2 التهذيب المكاسب ص 110، وج 10 الوافي باب 43 السحت ص 32 وج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة مما يكتسب به (2) في ج 2 ئل الباب 32 المذكور وفي ج 23 البحار ص 14.

[ 87 ]

الروايات جواز تخليل الخمر بمعالجتها بالملح ونحوه، وعليه تحمل رواية ابن ابي عمير (1) الظاهرة في جواز أخذ الخمر من الغريم لاستيفاء الدين منه وافسادها بعد الاخذ، ويؤيد ذلك الحمل تفسير علي بن حديد الافساد فيها بالتخليل. (قوله: والمراد به إما أخذ الخمر مجانا. أقول) حمل الرواية بنحو المانعة الخلو إما على أخذ مجانا ثم تخليلها، أو أخذها وتخليلها لصاحبها ثم أخذ الخل وفاء عن الدراهم، لا يستقيم، أما الوجه الاول فلان أخذها مجانا ثم تخليلها لا يوجب سقوط الدين عن الغريم وهي صريحة في حصول الوفاء بمجرد الاخذ، وأما الوجه الثاني فهو خلاف ظاهر الرواية فان الموجود فيها ليس إلا كون استيفاء الدين بالخمر نفسها، على أن المالك لم يعط الخل وفاء عن الدراهم وإنما اعطى الخمر لذلك فقط، إذن فيحتاج أخذ الخل كذلك إلى إذن جديد من المالك، والرواية صريحة في خلافه. لا يتوهم ان الرواية ظاهرة في جواز اشتراء الخمر بقصد التخليل فنرفع اليد بها عن ظهور ما يدل على حرمة بيعها مطلقا وضعا وتكليفا، وعليه فتختص حرمة بيع الخمر بغير هذه الصورة، فان هذا التوهم فاسد لكونها أجنبية عن قضية البيع والشراء وإنما هي راجعة إلى جواز أخذ الخمر من المديون مسلما كان أو كافرا وفاء عن الدين إذا كان الاخذ بقصد التخليل والافساد، نعم لو التزمنا بما التزم به المصنف فيما تقدم من أن (منى حرمة الاكتساب حرمة النقل والانتقال بقصد ترتب الاثر) وأن (ظاهر ادلة تحريم بيع مثل الخمر منصرف إلى ما لو أراد ترتيب الآثار المحرمة أما لو قصد الاثر المحلل فلا دليل على تحريم المعاملة) لتوجه القول بجواز بيع الخمر وشرائها بقصد التخليل ولكنك عرفت ما فيه من الوهن. تنبيه قد تقدم في بيع الخنزير ظهور رواية منصور وغيرها في صحة بيع الذمي خمره وخنازيره


(1) ابن ابي عمير وعلي بن حديد عن جميل قال قلت لابي عبد الله " ع " يكون لي على الرجل الدراهم فيعطني بها خمرا فقال خذها ثم افسدها قال علي (ابن حديد) واجعلها خلا موثقة. راجع ج 2 التهذيب الاشربة ص 311، وج 11 الوافي باب 165 الخمر يجعل خلا ص 91، وج 3 ئل باب 31 عدم تحريم الخل من الاشربة المحرمة، وفي الوافي بعدما نقل الرواية قال زاد علي بن حديد في حديثه قوله واجعلها خلا وربما يوجد في بعض النسخ " نسخة التهذيب " لفظة عليه السلام وكأنه من غلط الناسخ وذهاب وهمه إلى أمير المؤمنين " ع " ثم لا يخفى ان نسبة التفسير إلى ابن أبي عمير كما في المتن ناشئ من سهو القلم.

[ 88 ]

من ذمي آخر، فيقيد بها ما يدل على حرمة بيع الخمر وكون ثمنها سحتا، وعليه فتنقلب النسبة ويكون ما يدل على المنع أخص مما يدل على الجواز مطلقا كروايتي محمد بن مسلم وزرارة المتقدمتين في ذلك البحث، إذن فنحمل المطلق على المقيد فتصير النتيجة أنه يجوز للذمي أن يبيع خمره من ذمي آخر. جواز بيع المتنجس (قوله: يحرم المعاوضة على الاعيان المتنجسة الغير القابلة للطهارة. أقول) المشهور بين الخاصة والعامة (1) حرمة المعاوضة على الاعيان المتنجسة الغير القابلة للتطهير، قال في التذكرة (2) ما عرضت له النجاسة ان قبل التطهير صح بيعه ويجب إعلام المشتري بحاله، وان لم يقبله كان كنجس العين. وقال في المبسوط (3) ما حاصله ان كان المتنجس جامدا وكانت النجاسة العارضة رقيقة وغير مانعة عن النظر إليه جاز بيعه وإلا فلا يجوز، وان كان مايعا فان قبل التطهير صح بيعه وإلا فلا يصح. بل في بعض الحواشي ان هذا الحكم مما لا خلاف فيه بل هو مما قام عليه الاجماع ولا اشكال في كونه مجمعا عليه. ثم ان محصل كلام المصنف ان المتنجس إذا توقف الانتفاع به بالمنافع المهحللة على الطهارة نظير المايعات المتنجسة المعدة للشرب والمأكولات المتنجسة المعدة للاكل، فان بيعه لا يجوز للاخبار العامة المتقدمة، لظهورها في أن حرمة الشئ تستلزم حرمة بيعه وثمنه ومن هذا القبيل المتنجس، وان لم يتوقف الانتفاع به على الطهارة أو كان قابلا للتطهير مع توقف الانتفاع به عليها فان بيعه يجوز، نعم لا يجوز الاستدلال بقوله " ع " في رواية تحف العقول (أو شئ يكون فيه وجه من وجوه النجس) على حرمة بيعه، لان الظاهر من وجوه النجس العنوانات النجسة فان وجه الشئ إنما هو عنوانه فلا يشمل الاعيان المتنجسة فان النجاسة فيها ليست إلا أمرا عرضيا فلا تكون وجها وعنوانا لها.


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 231 عن المالكية لا يصح بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره على المشهور، أما الذي يمكن تطهيره فانه يجوز بيعه مع الاعلام بالنجاسة وإلا فللمشتري حق الخيار. وعن الحنابلة لا يصح بيع الدهن المتنجس أما النجس الذي يمكن تطهيره فان بيعه يصح. وعن الاحنفية يصح بيع المتنجس والانتفاع به في غير الاكل. (2) ج 1 ص 3 من البيع. (3) في حكم ما يصح بيعه وما لا يصح.

[ 89 ]

وفيه مضافا إلى ما تقدم في تلك الروايات من ضعف السند والدلالة وعدم انجبارهما بشئ انه إن كان المراد بالحرمة فيها هي الا حرمة الذاتية فلا تشمل المتنجس، بداهه أنها مختصة بالاعيالن النجسة، إذن فيكون المتنجس خارجا عنها بالتخصص، وإن كان بالمراد بها ما يعم الحرمة الذاتية والحرمة العرضية فيلزم على المصنف أن لا يفرق حينئذ بينما يقبل التطهير وما لا يقبله، فان موضوع حرمة البيع على هذا التقدير ما يتصف بالنجاسة سواء كانت ذاتية أم عرضية، فامكان التطهير لا يؤثر في زوال الحرمة الفعلية عن موضوعها الفعلي، ومع الاغضاء غما ذكرناه لا دلالة فيها على حرمة بيع المتنجس لانه ان كان المراد بالحرمة فيها حرمة جميع منافع الشئ أو منافعه الظاهرة فلا نشمل المتنجس، ضرورة جواز الانتفاع به في غير ما يتوقف على الطهارة كاطعامه الصبي لو قلنا بجوازه أو البهائم أو ينتفع به في غير ذلك من الانتفاعات المحللة، وإن كان المراد بها حرمة الاكل والشرب فقط فانها لا تستلزم حرمة البيع لما عرفت مرارا من أنه لا ملازمة بين حرمة الاكل والشرب وبين حرمة البيع فان كثيرا من الاشياء يحرم أكلها وشربها ومع ذلك يجوز بيعها، وأما دعوى الاجماع التعبدي على ذلك فجزافية فان مدرك المجمعين هي الوجوه المذكورة على حرمة بيع المتنجس. جواز بيع السباع والمسوخ الا القرد (قوله: قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها. أقول) أما المسوخ فالمشهور بين أصحابنا وبين العامة (1) حرمة بيعها، بل في المبسوط (2) ادعى الاجماع عليها وعلى حرمة الانتفاع بها، وفي الخلاف (3) دليلنا على حرمة بيعها إجماع الفرقة وقوله صلى الله عليه وآله: ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وهي محرمة الاكل فيحرم ثمنها، وعن بعض فقهائنا انه لا يجوز بيعها لنجاستها، فالمتحصل من كلماتهم انه لا يجوز بيع المسوخ، لحرمة لحمها، وعدم وجود النفع فيها، ونجاستها وقيام الاجماع على حرمة التكسب بها، والكل ضعيف، أما الحرمة فلا ملازمة بينها وبين حرمة البيع كما تقدم، وأما النجاسة فايضا كذلك لو سلمنا نجاسة جميع افراد المسوخ، وأما عدم النفع فيها ففيه مضافا إلى عدم اعتبار المالية في العوضين وكفاية


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 232 عن الحنابلة يجوز بيع سباع البهائم كالفيل والسبع ونحوهما، وكك عن الحنفية، وفي ج 1 الخلاف للشيخ ص 225 عن الشافعية كلما ينتفع به يجوز بيعه مثل القرد والفيل وغير ذلك. (2) في التجارة في حكم ما يصح بيعه وما لا يصح. (3) ج 1 ص 225.

[ 90 ]

الاغراض الشخصية في خروجها عن السفهية، أنه لا شبهة في جواز الانتفاع بها منفعة محللة أما الاجماع فنمنع كونه تعبديا وكاشفا عن رأي الحجة " ع " بل هو كسائر الاجماعات المنقولة في المسائل المتقدمة في استناده إلى المدارك المعلومة، ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات (1) من جواز بيع عظام الفيل. (نعم) ورد النهي (2) عن بيع القرد وكون ثمنه سحتا، فان ثبت عدم الفصل فهو وإلا فلا بد من الحكم بعدم الجواز في خصوص القرد. وأما السباع فلا شبهة في جواز بيعها لجواز الانتفاع بها بالاصطياد ونحوه وكذلك الانتفاع بجلودها على ما ورد في جملة من الروايات (3) بل في حديث (4) جواز بيع الفهود وفي آخر (5) جواز بيع الهر وفي ثالث (6) جواز بيع جلود النمر وفي رواية علي بن جعفر (7) جواز بيع جلود السباع والانتفاع بها مطلقا.


(1) عبد الحميد بن سعيد قال سالت ابا ابراهيم " ع " عن عظام الفيل يحل بيعه أو شرائه الذي يجعل منه الامشاط فقال لا بأس قد كان لابي منه مشط أو أمشاط. مجهولة لعبد الحميد راجع ج 1 كاباب 103 من المعيشه ص 393، وج 2 التهذيب ص 112، وج 10 الوافي باب 43 من المكاسب ص 41، وج 2 ئل باب 66 جواز بيع عظام الفيل مما يكتسب به. (2) مسمع عن ابي عبد الله " ع " قال ان رسول الهل صلى الله عليه وآله نهى عن القرد أن تشترى أو تباع. ضعيفة لسهل ومحمد بن الحسن بن شمون. راجع الابواب المتقدمة من الكتب المذكورة، وفي ج 2 المستدرك ص 426 عن الجعفريات من السحت ثمن القرد. موثقة. (3) منها موثقة سماعة المتقدمة في ص 7. (4) عيص بن القااسم قال سألت أبا عبد الله " ع " عن الفهود وسباع الطير هل يلتمس التجارة فيها قال نعم. موثقة. راجع الابواب المزبورة من كاويب والوافي وئل. (5) في موثقة عبد الرحمن لا بأس بثمن الهر. وسنذكرها في بيع كلاب الصيد. (6) أبو مخلد السراج قال كنت عند ابي عبد الله " ع " (فدخله رجلان) فقال أحدهما اني رجل سراج أبيع جلود النمر فقال مدبوغة هي قال نعم قال ليس به بأس. ضعيفة لابي مخلد راجع ج 2 ئل باب 47 مما يكتسب به، والابواب المذكورة من يب وكا والوافي. (7) علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال سألته عن جلود السباع وبيعها وركوبها أيصلح ذلك قال لا بأس ما لم يسجد عليها. موثقة. راجع ج 2 ئل باب 67 جواز بيع جلد غير مأگول اللحم مما يكتسب به.

[ 91 ]

وبهذا نحمل ما يدل (1) على حرمة بيع جلود السباع على الكراهة، نعم ذكر في بعض روايات العامة (2) انه لا يجوز بيع السنور ومن هنا وقع الخلاف بينهم في ذلك. جواز بيع العبد الكافر (قوله: يجوز بيع المملوك الكافر أصليا كان أم مرتدا مليا. أقول) إن الممالك من الكفار على أقسام ثلاث، فان كفرهم إما اصلي أو عرضي، وعلى الثاني فاما أن يعرضهم الكفر بارتدادهم عن الملة وإما أن يعرضهم ذلك بارتدادهم عن الفطرة، أما الكافر الاصلي والمرتد الملي فيجوز بيعهما بلا اشكال بل في المتن (بلا خلاف ظاهر بل ادعى عليه الاجماع وليس ببعيد) ولا يتوجه الاشكال على هذا الرأي من ناحية الاخبار العامة المتقدمة لما عرفت من وهنها، ولا من ناحية النجاسة فان الكافر وإن كان من الاعيان النجسة ويشمله قوله " ع " في رواية تحف العقول (أو شئ من وجوه النجس) إلا أن جميع منافعه غير متوقفة على الطهارة بل يجوز الانتفاع به في غير ما اعتبرت فيه الطهارة، والرواية لضعف سندها لا تصلح للمانعية، وتوهم قيام الاجماع على عدم الجواز، إنما هو توهم فاسد، إذ مع كثرة المخالف ودعوى انعقاد الاجماع على الجواز لا يبقى مجال لهذا التخيل، بل من القريب جدا أن يكون مدرك توهم الاجماع تلك الاخبار العامة، إذن فتكون المعاوضة على المملوك الكافر الاصلي والمرتد الملي مشمولة للعمومات وهذا مضافا إلى ما يظهر من جملة من الروايات (3) جواز بيع المملوك الكافر


(1) في ج 2 المستدرك ص 426 عن الجعفريات من السحت ثمن جلود السباع. موثقة. وفي ص 436 عن دعائم الاسلام عن علي " ع " قال من السحت ثمن جلود السباع. مرسلة. (2) راجع ج 6 سنن البيهقي ص 10 وفي ج 2 فقه المذاهب ص 232 عن الحنابلة وهل يصح بيع الهر خلاف والمختار انه لا يجوز. (3) ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن " ع " في شراء الروميات قال اشترهن وبعن موثقة. اسماعيل بن الفضل قال سألت أبا عبد الله " ع " عن شراء مملوكي أهل الذمة إذا أقروا لهم بذلك فقال إذا اقروا لهم بذلك فاشتر وانكح. مرسلة. رفاعة النحاس قال قلت لابي الحسن الرضا " ع " إن الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجواري والغلمان فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار فما ترى في شرائهم ونحن نعلم انهم قد سرقوا وإنما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم فقال لا باس إنما أخرجوهم من الشرك إلى الاسلام. ضعيفة لسهل بن زياد. الصقالبة بالسين والصاد جيل من الناس حمر الالوان كانوا بين بلغر وقسطنطنية. زكريا بن آدم

[ 92 ]

وأما المرتد الفطري ففي التذكرة (1) المرتد إن كان عن فطرة ففي صحة بيعه نظر ينشأ من تضاد الحكمين ومن بقاء الملك فان كسبه لمولاه. ومراده ان الحكم بالقتل والحكم بوجوب الوفاء بالعقد متضادان. والتحقيق إن ما يظهر من مطاوي كلمات الاصحاب تصريحا أو تلويحا في منشأ الاشكال هنا وجهان، الاول من جهة نجاسته، والثاني من جهة عدم صدق المال عليه أما الوجه الاول فهو يظهر من بعض الاساطين في شرحه على القواعد حيث بنى جواز بيع المرتد على قبول توبته بل بنى جواز بيع مطلق الكافر على قبوله للطهر بالاسلام. وفيه مضافا إلى منع مانعية النجاسة عن البيع، انه لو كان جواز بيعه مبنيا على زوال نجاسته بالتوبة لما كان فرق بين اقسام الكفار في ذلك، سواء كان كفرهم أصليا أم عرضيا وسواء كان عروضة بالارتداد عن الملة أم عن الفطرة، وسواء تقبل توبتهم أم لم تقبل، وذلك لما عرفت في بيع المتنجس ان فعلية الحكم إنما هي بفعلية موضوعه، فإذا قلنا بمانعية النجاسة عن البيع كانت مانعة عنه بوجودها الفعلي سواء كانت قابلة للزوال أم لا كيف فانه بعد صيرورة الموضوع فعليا من جميع الجهات فتلك القابلية لا تؤثر في انفكاك الحكم عنه على أن لمكان طهره بالتوبة لا يستلزم تحقق الطهارة لاحتمال أن لا يتوب ولا يخرج الامكان الاستقبالي من القابلية إلى الفعلية. إذن فلا تمنع النجاسة عن بيع العبد إذا ارتد عن الفطرة. وأما الوجه الثاني فربما يقال بأن النجاسة وإن لم تكن مانعة عن البيع إلا أن العبد بارتداده عن الفطرة يخرج عن المالية لوجوب قتله وإن تاب، إذن فيكون في معرض التلف، وكذلك المرتد الملي إذا لم يتب، ومن هنا استشكل غير واحد من أعاظم الاصحاب في رهن الفطري بدعوى أن الغرض من الرهانة هي الوثاقة فهي منتفية فيه. وفيه ان عدم سقوط القتل عنه لا يخرجه عن حدود المالية، فان الانتفاع به بالعتق بمكان من الامكان، ولذا لو قتله غير الحاكم بدون إذنه لضمنه، كيف فانه من هذه الجهة ليس إلا كالمملوك المريض المشرف على الموت، فهل يتوهم أحد سقوطه بذلك عن المالية بحيث لا يوجب


قال سالت الرضا " ع " عن قوم من العدو إلى أن قال وسألته عن سبي الديلم يسرق بعضهم من بعض ويغيرون المسلمون عليهم بلا إمام أيحل شرائهم قال إذا اقروا بالعبودية فلا بأس بشرائهم. مجهولة لمحمد بن سهل. راجع ج 1 كا باب 93 من المعيشة ص 388، وج 2 التهذيب بيع الحيوان ص 137، وج 10 الوافي باب 40 الوافي باب 40 بيع الرقيق ص 39، وج 2 ئل باب 1 جواز الشراء من رقيق أهل الذمة وباب 2 من بيع الحيوان. (1) ص 4 من البيع.

[ 93 ]

إتلافه الضمان، ومع الغمض عن جميع المذكورات ان هذا الوجه إنما يصلح للمانعية إذا حصل الجزم بالقتل لبسط يد الحاكم الشرعي عليه وعلى إجراء الحدود لا مطلقا، إذن فيكون الدليل اخص من المدعى. جواز بيع كلب الصيد (قوله: يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش في الجملة بلا خلاف ظاهر. أقول) حيث لم يكن غير كلب الهراش من أقسام الكلاب على اطلاقه مما قام الاجماع على جواز بيعه، فجعل المصنف الجواز المقيد بالاجمال موردا لعدم الخلاف. فانك ستعرف وقوع الخلاف في بيع كلب الماشية والحائط والزرع. ثم ان تحقيق هذه المسألة في ضمن جهات الجهة الاولى الظاهر أنه لا خلاف بين الامامية في جواز بيع كلب الصيد الذي اتصف بملكة الاصطياد، ويطلق عليه الصيود بالحمل الشايع ففى الخلاف (1) دليلنا اجماع الفرقة، بل دعوى الاجماع المحصل عليه فضلا عن الاجماع المنقول غير جزافية، إلا ما نسب إلى ابن ابي عقيل من المنع عن بيع الكلب على اطلاقه استنادا إلى العمومات، وما يظهر من النهاية (2) من قصر جواز التكسب به على السلوقي والماشية والزرع، إلا أنك قد عرفت في بيع الكلب الهراش أن المطلقات وإن كانت متظافرة ولكنها قيدت بالروايات الخاصة التي تدل على جواز بيع الصيود من الكلاب سلوقيا كان أم غير سلوقي وسنذكرها في الجهة الثانية، نعم عن أكثر العامة انه لا يجوز بيع الكلب ولو كان كلب صيد كما تقدم. وقد ورد النص (3) من طرقهم عن النبي صلى الله عليه وآله على خلافه. وربما يتوهم تخصيص روايات الجواز بالسلوقي بدعوى انه هو المنساق منها لانصراف كلب الصيد إليه لكثرة وقوع الاصطياد به في الخارج أو أنه لا يتبادر ولا ينساق غيره من تلك الروايات، فيبقى غير السلوقي تحت مطلقات المنع عن التكسب بالكلاب. وفيه مضافا إلى كون الروايات خالية عن ذكر السلوقي، وكثرة الاصطياد بغيره وان كان اقل بالنسبة إليه، وان المراد بالسلوقي هو مطلق كلب الصيد وان كان من غير جنسه كما صرح به غير واحد من الاعاظم، أنه يرد عليه ما في المتن من (عدم الغلبة المعتد بها على فرض تسليم


(1) ج 1 ص 224. (2) أول المكاسب. (3) في ج 6 سنن البيهقي ص 6 عن جابر نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد.

[ 94 ]

كون مجرد غلبة الوجود من دون غلبة الاستعمال منشأ للانصراف) وعليه فلا مجال لتخصيص جواز البيع بالسلوقي فقط. ثم أجاب عنه المصنف ثانيا وقال (مع أنه لا يصح في مثل قوله ثمن الكلب الذي لا يصيد أو ليس بكلب الصيد لان مرجع التقييد إلى ارادة ما يصح عنه سلب صفة الاصطياد وحاصل كلامه ان الكلب وان كان طبيعة واحدة تعم جميع افراد الكلاب وتصدق عليها صدق الكلبي على جزئياته والطبيعي على أفراده، إلا أن لحاظ تلك الطبيعة عند جلعها موردا للحكم مع وصف الاصطياد تارة وبدونه اخرى، يستلزم انقسامها إلى قسمين متضادين وعلى هذا فيتقابل كلب الصيد وكلب الهراش تقابل التضاد كما هو الشأن في كل ماهية ملحوظة مع الاوصاف الخارجية المشخصة تارة وبدونها اخرى، إذن فلا يصغى إلى دعوى الانصراف بوجه لاستلزامه اتحاد المتضادين ووحدة المتقابلين فهو محال. وفيه ان كلامه هذا إنما يصح في أمثال قوله " ع " في رواية محمد بن مسلم (ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت) فان ظاهر التوصيف ان وصف الاصطياد قد أخذ قيدا للموضوع إلا انه لا يتم في قوله " ع " في مرسلة الفقيه (ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت فان من القريب جدا أن لا يصدق كلب الصيد ولو بحسب نوعه على غير السلوقي، ولكن المرسلة ضعيفة السند، ثم ان السلوق قرية في ناحية اليمن نسبت إليها كلاب الصيد إما لاجل أخذ أصلها منها أو لكون كلابها صيودا. الجهة الثانية انك قد عرفت ان مورد الروايات ومعقد الاجماعات إنما هو الكلب المتصف بملكة الاصطياد وصار صيودا بالفعل، وحيث ان تلك الملكة التي هي مناط صحة بيع الكلاب وملاكها لم تصر فعلية في الجر والقابل للتعليم من السلوقي والكبير الغير المعلم منه فيشكل الحكم بجواز بيعها. وربما يقال في وجه الصحة فيهما، بأن الاخبار الواردة في بيع على ثلاث طوائف اما الطائفة الاولى فتدل على حرمة بيع الكلاب على وجه الاطلاق كالمطلقات وقد تقدمت جملة منها في بيع الكلب الهراش وسمعت أن اكثرها ضعيفة السند. وأما الطائفة الثانية (1) فتدل على جواز بيع ما كان صيودا بالفعل ومتصفا بملكة


(1) كاويب. أبو عبد الله العامري قال سألت أبا عبد الله " ع " عن ثمن الكلب الذي لا يصيد فقال سحت فأما الصيود فلا بأس. مجهولة لقاسم بن وليد. يب. محمد بن مسلم عن ابي عبد الله " ع " قال ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت ثم قال ولا بأس بثمن الهر. موثقة.

[ 95 ]

الاصطياد سواء كان سلوقيا أم غير سلوقي. وأما الطائفة الثالثة (1) فتدل على جواز بيع كلب الصيد كمرسلة الصدوق وغيرها، والمحتمل في الطائفة الاخيرة منها ثلاثة: الاول ان يكون المراد بكلب الصيد ما كان صيودا بالفعل وكلب صيد بشخصه وواجدا لملكة الاصطياد بنفسه، فيكون الغرض من المركب هي اضافة الشخص إلى وصفه، وحينئذ فترجع هذه الطائفة إلى الطائفة الثانية ويجري فيها الاشكال المتقدم ايضا من دعوى انصرافها إلى السلوقى مع جوابها، وعليه فنقيد بها وبالطائفة الثانية الطائفة الاولى، فتصير النتيجة ان غير الصيود من الكلاب لا يجوز بيعه. الثاني ان يراد به نوع كلب الصيد وان لم يتصف بعض افراده بملكة الاصطياد، وعليه فتختص هذه الطائفة الاخيرة بالسلوقى فقط، فتكون النسبة بينها وبين الطائفة الثانية هو العموم من وجه، إذ قد يكون الكلب صيودا ولا يكون من أفراد الكلاب السلوقية وقد يكون من أفرادها ولا يكون صيودا بالفعل كالغير المعلم من السلوقى، وقد يجتمعان وحينئذ فيجوز تخصيص العمومات بكل من الطائفة الثانية والثالثة بناء على ما نقحناه في الاصول من جواز تخصيص العام بالخاصين بينهما عموم من وجه، كما إذا ورد اكرم العلماء ثم ورد لا تكرم الفساق منهم ولا تكرم النحويين منهم، فانه جاز تخصيص اكرم


يب. ليث قال سالت أبا عبد الله " ع " عن الكلب الصيود يباع فقال نعم ويؤكل ثمنه. موثقة. يب. عن ابي بصير عن ابي عبد الله " ع " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت. ضعيفة لقاسم بن محمد، راجع ج 1 كاباب 42 السحت ص 363، وج 2 التهذيب باب المكاسب ص 107 وبيع الخمر ص 155 وكتاب الصيد ص 302، وج 10 الوافي باب 39 بيع الخمر ص 39 وباب 43 أنواع السحت ص 41، وج 2 ئل باب 42 تحريم بيع الكلاب مما يكتسب به. (1) يب. أبو بصير قال سألت أبا عبد الله " ع " عن ثمن كلب الصيد قال لا باس بثمنه والآخر لا يحل ثمنه. ضعيفة لقاسم بن محمد. الصدوق قال قال " ع " وثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت. مرسلة. راجع ج 2 يب ص 107، وج 10 الوافي ص 52، وج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة وباب 42 تحريم بيع الكلاب مما يكتسب به، وفي دعائم الاسلام عن علي " ع " انه قال لا بأس بثمن كلب الصيد. وفي فقه الرضا وثمن الكلب سحت إلا كلب الصيد. راجع ج 2 المستدرك ص 430.

[ 96 ]

العلماء بكلا الخاصين وان كانت النسبة بينهما هو العموم من وجه، وعليه فيجوز بيع الصيود من غير السلوقى وبيع غير الصيود من السلوقى. الثالث أن يراد به ما يكون بينه وبين الصيد نسبة وعلاقة، بدعوى كفاية أدنى الملابسة في صحة الاضافة كما هو الظاهر والموافق للاستعمالات الدائرة بين المحاورين، ضرورة ان جملة كلب الصيد في اللغة العربية لم توضع لمعنى خاص بل اطلقت على حصة من الكلاب بوجه من المناسبة وبعلاقة الملابسة، كيف فانها ترادف في اللغة الفارسية بلفط (سك شكاري) ولا يعتبرون في صحة ذلك الاطلاق أزيد من تلك المناسبة الاجمالية، وعليه فالنسبة بينها وبين الطائفة الثانية هو العموم المطلق فانه على هذا يصح اطلاق كلب الصيد على الصيود مطلقا سلوقيا كان أم غيره وعلى السلوقى كذلك صيودا كان أم غيره، وعلى ذلك أيضا فيجوز تخصيص العمومات بهما بناء على جواز تخصيص العام بالخاصين بينهما عموم مطلق كما هو الظاهر على ما حققناه في محله. وأظهر المحتملات الثلاث هو الاحتمال الاخير لما عرفت من كفاية ادنى الملابسة في صحة الاضافة، ثم الثاني لكثرة إضافة الموصوف إلى وصف نوعه وبهذا صح جعله موضوعا للاحكام الشرعية، وأما الاحتمال الاول فغير سديد جزما فان من المستبعد جدا اعتبار الانصاف الفعلي في صحة اضافة الموصوف إلى الصفة وأن لا يكتفي فيها بأدنى المناسبة، هذا غاية ما يمكن ان يقال في جواز بيع السلوقى على الاطلاق: ولكنه فاسد إذ العمل بما ذكرناه على كلا الاحتمالين إنما يجوز فيما إذا لم يكن كل من الخاصين مقيدا بقيد به، يوافق العام ويسانخه، وإلا فينفي ذلك القيد بمفهومه أو منطوقه ما اختص به الخاص الآخر من مادة الافتراق، فيكونان من أفراد الدليلين المتعارضين فيسقطان للتعارض. وفي المقام ان الظاهر من قوله " ع " في الطائفة الثانية (ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت) (وأما الصيود فلا بأس) هو ان غير الصيود من الكلاب يحرم بيعه وان كان سلوقيا، فيشارك العام بمقتضى اشتماله القيد العدمي، كما ان الظاهر من قولهم عليهم السلام في الطائفة الثالثة (ولا بأس بثمن كلب الصيد والآخر لا يحل ثمنه) هو انه كلما كان كلب صيد بنوعه جاز بيعه صيودا كان أم لم يكن، وأما غير كلب الصيد فلا يجوز بيعه وإن كان صيودا، فيتعارضان في الصغير والكبير غير المعلمين من السلوقى على الاحتمال الثالث من دعوى العموم المطلق بين الخاصين، وفي الصيود من غير السلوقى أيضا على الاحتمال الثاني من دعوى العموم من وجه بينهما، فصارت النتيجة على الاحتمال الثالث ان غير الصيود من

[ 97 ]

الكلاب لا يجوز بيعه وإن كان سلوقيا، وعلى الثاني فالصيود من غير السلوقي ايضا لا يجوز بيعه هذا كله مع الاغضاء عن سند الطائفة الثالثة، وإلا فهي لا تقاوم الطائفة الثانية لضعف سندها، وعدم انجبارها بعمل المشهور، وحينئذ فينحصر المخصص تلك العمومات في الطائفة الثانية، فترتفع الغائلة من اصلها. حرمة بيع الكلب الحراسة قوله: (الثالث كلب الماشية). اقول: هذه هي الجهة الثالثة من الكلام، الظاهر انه لا شبهة في حرمة بيع الكلاب الثلاثة: اي كلب الماشية، وكلب الحائط، وكلب الزرع، ويسمى كل واحد منها بالكلب الحارس، وهذا هو المشهور بين القدماء، وقد دلت عليه العمومات المتقدمة، كما ان المشهور بين الشيخ (ره) ومن تأخر عنه الجواز. وقد استدل عليه بوجوه: الوجه الاول، دعوى الاجماع عليه كما يظهر من العلامة في التذكرة على ما حكاه المصنف (ره) قال: (يجوز بيع هذه الكلاب عندنا) ولكنا لم نجد ذلك في التذكرة. نعم ذكر الشيخ (ره) في الخلاف (1): ان (بيع هذه الكلاب يجوز عندنا وما يصح بيعه يصح إجارته بلا خلاف). والمحكي عن حواشي الشهيد: (ان احدا لم يفرق بين الكلاب الاربعة). وظاهر هذه العبارة عدم وجود القول بالفرق بين الكلاب الاربعة في جواز البيع وعدمه. وفيه ان ذلك معارض بدعوى الاجماع على حرمة بيعها، على ان دعواه في مثل هذه المسألة المختلف فيها من الصعب المستصعب خصوصا مع عدم كونه إجماعا تعبديا كاشفا عن رأى الحجة لاحتمال ان المجمعين قد استندوا إلى المدارك المعلومة المذكورة في المقام. ولا ينقضي العجب من الشهيد (ره) كيف يدعي: ان احدا لم يفرق بين الكلاب الاربعة في حرمة البيع وجوازه، مع كثرة الاختلاف في المسألة!. إلا أن يكون نظره الشريف في ذلك إلى العامة، فقد عرفت في بيع كلب الهراش: ان طائفة منهم كالحنابلة والشافعية وبعض فرق المالكية ذهبوا إلى ان بيع الكلاب مطلقا لا يصح حتى كلب الصيد وطائفة اخرى منهم كالحنفية وبعض آخر من المالكية ذهبوا إلى صحة بيعها مطلقا حتى كلب الحراسة. أو يكون نظره إلى جواز الانتفاع بها مطلقا وعدم جوازه كذلك، فان الفقهاء رضوان الله عليهم لم يفرقوا في ذلك بين الكلاب الاربعة. الوجه الثاني: ان ثبوت الدية على قاتلها في الشريعة المقدسة يدل على جوز المعاوضة عليها والى هذا اشار العلامة في المختلف (2) وقال: (ولان لها ديات منصوصة، فتجوز المعاوضة


(1) ج 1 كتاب الاجارة ص 276. (2) ج 2 ص 163.

[ 98 ]

عليها). وقدرت هذه الدية في كلب الماشية بكبش، أو بعشرين درهما، وفي كلب الحائط بعشرين درهما، وفي كلب الزرع بقفيز من طعام. وفيه ان ثبوت الدية لها في الشريعة لا يدل على ملكيتها فضلا عن جواز المعاوضة عليها فقد ثبتت الدية في الحر مع انه غير مملوك قطعا، بل لا يبعد ان يكون ثبوت الدية كاشفا عن عدم الملك مع فرض كون الشئ محترما، وإلا لكان الثابت نقص القيمة، أو تخيير المالك بينه وبين الدية كما في العبد والامة. الوجه الثالث: انه لا شبهة في جواز إجارتها لحفظ الماشية والحائط والزرع اتفاقا كما في المتن، فيجوز بيعها لوجود الملازمة بينهما، والى هذا الدليل اشار العلامة ايضا في المختلف (1) وقال: (ولانه يجوز إجارتها فيجوز بيعها) وفيه انه لا ملازمة شرعية بين صحة الاجارة وصحة البيع، فان إجارة الحر وأم الولد جائزة بالاتفاق ولا يجوز بيعهما، كمالا ملازمة بين صحة البيع وصحة الاجارة، فان بيع الشعير والحنطة وعصير الفواكه وسائر المأكولات والمشروبات جائز اتفاقا، ولا تصح إجارتها فان من شرائط الاجارة ان العين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، والامور المذكورة ليست كذلك. وبعبارة اخرى ان جواز بيع الكلاب وعدمه من الاحكام الشرعية وهي امور توقيفية فلا محيص عن اتباع ادلتها، فان كان فيها ما يدل على جواز بيعها اخذ به، وإلا فالعمومات الدالة على المنع متبعة. الوجه الرابع: ما ذكره العلامة ايضا في المختلف (2) من انه (إذا جاز بيع كلب الصيد جاز بيع باقي الكلاب الاربعة، والاول ثابت اجماعا فكذا الثاني، بيان الشرطية: ان المقتضي للجواز هناك كون المبيع مما ينتفع به، وثبوت الحاجة إلى المعاوضة، وهذان المعنيان ثابتان في صورة النزاع، فيثبت الحكم عملا بالمقتضي السالم عن المعارض إذ الاصل انتفائه). وزاد عليه بعض اصحابنا: ان ما يترتب على الكلاب الثلاثة من المنافع اكثر مما يترتب على كلب الصيد، فإذا جاز بيعه كان بيع تلك الكلاب الثلاثة اولى بالجواز. وفيه انه قياس واضح، فقد نهينا عن العمل به في الشريعة المقدسة، بالادلة القاطعة، وعليه فلا وجه لرفع اليد عن العمومات الا في الكلب الصيود. الوجه الخامس: ان الحكم بجواز بيعها هو مقتضى الجمع بين الروايات، لانا إذا لاحظنا للعمومات الدالة على المنع، مع قوله (ع) في رواية تحف العقول: (وكل شئ يكون لهم


(1) الموضع المتقدم. (2) الموضع المتقدم.

[ 99 ]

فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله وهبته وعاريته) وجدنا ان النسبة بينهما هي العموم من وجه، فان العمومات تقتضي حرمه بيع الكلاب كلها، وإنما خرج منها بيع كلب الصيود فقط للروايات الخاصة، وهذه الفقرة من رواية تحف العقول تقتضي صحة بيع كلما كان فيه جهة صلاح، فتشمل بيع كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع ايضا، لجواز الانتفاع بها في الحراسة، وبعد سقوطهما للمعارضة يرجع في اثبات الجواز التكليفي إلى اصالة الاباحة، وفي إثبات الجواز الوضعي إلى عمومات صحة البيع والتجارة عن تراض. وفيه اولا: انا لو اغمضنا عما تقدم في رواية تحف العقول. فانها لا تقاوم العمومات المذكورة في خصوص المقام، لان كثرة الخلاف هنا مانعة عن انجبار ضعفها بعمل المشهور. وثانيا: انه لا مناص من ترجيح العمومات عليها، إذ قد بينا ف ي علم الاصول: ان من جملة المرجحات عند معارضة الدليلين بالعموم من وجه ان يلزم من العمل بأحدهما إلغاء الآخر من اصله، وإسقاط ما ذكر فيه من العنوان عن الموضوعية، وحينئذ فلا بد من العمل بالآخر الذي لا يلزم منه المحذور المذكور، وفي المقام لو عملنا برواية تحف العقول. للزم من ذلك إلغاء العمومات على كثرتها، ولسقط عنوان الكلب المذكور فيها عن الموضوعية لخروج الكلب الصيود منها بالروايات الخاصة كما عرفت، ولو خرجت الكلاب الثلاثة منها بالرواية المذكورة لما بقى تحتها إلا الكلب الهراش فقط، ويكفي في المنع عن بيعه عدم وجود النفع فيه، فلا يحتاج إلى تلك العمومات المتظافرة، ويلزم المحذور المذكور، واما إذا عملنا بالعمومات، ورفعنا اليد عن الرواية فان المحذور لا يتوجه اصلا، لان ما فيه جهة صلاح من الاشياء لا ينحصر في الكلاب الثلاثة. ونظير ذلك المعارضة بين ما ورد (1) من الامر بغسل الثوب من ابواب ما لا يؤكل لحمه وما ورد (2) من نفي البأس عن بول الطير وخرئه، فانا لو قدمنا الخبر. الاول، وحكمنا


(1) عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله " ع ": اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه. حسنة لابراهيم بن هاشم. راجع ج 1 ئل باب 8 نجاسة البول من ابواب النجاسات وج 1 التهذيب باب تطهير الثياب ص 75، وج 1 كاباب 37 ابوال الدواب ص 18، وج 4 الوافى باب التطهير من فضلات الحيوانات ص 30. (2) أبو بصير عن ابي عبد الله " ع " قال: كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرئه. حسنة لابراهيم بن هاشم. راجع ج 1 ئل باب 10 حكم ذرق الدجاج من النجاسات، والابواب المذكورة من كاويب والوافي.

[ 100 ]

بسببه بنجاسة خرء الطيور التي لا يؤكل لحمها لكان ذكر الطير في الخبر الثاني لغوا محضا، إذ لا يبقى تحته إلا ما يؤكل لحمه من الطيور، ويكفي في طهارة ذرقها ما يدل (1) على طهارة بول مأكول اللحم، وهذا بخلاف العكس، فانا إذا عملنا بالخبر الثاني لم يلزم المحذور لكثرة افراد غير المأكول من غير جنس الطيور. ومن هذا القبيل ايضا معارضة ما يدل (2) على انفعال الماء القليل بملاقاته النجاسة لما يدل (3) على عدم انفعال الجاري بذلك، فان العمل بالطائفة الاولى، والحكم بانفعال الجاري بملاقاته النجاسة إذا كان قليلا يوجب كون ذكر الجاري في الطائفة الثانية لغوا، إذ لا يبقى فيها إلا الكر، وكفي في عدم انفعاله بملاقاته النجاسة ما يدل (4) على عدم انفعال الكر بذلك على الاطلاق، ولو انعكس الامر لم يلزم المحذور لكثرة افراد القليل من غير الجاري. الوجه السادس: ما في المتن من حكاية رواية ذلك عن الشيخ في المبسوط، قال: (إنه روى ذلك يعني جواز البيع في كلب الماشية والحائط المنجبر قصور سنده ودلالته لكون المنقول مضمون الرواية، لا معناها، ولا ترجمتها باشتهاره بين المتأخرين). وفيه أن الشهرة بين المتأخرين لا تجبر ضعف الرواية، بل ولم يعلم استنادهم إليها في فتياهم بالجواز، فلعلهم استندوا في ذلك إلى الوجوه المذكورة، كما يظهر ذلك ممن يلاحظ كلماتهم على أنه لم يثبت لنا كون المحكي عن الشيخ رواية فضلا عن انجباره هنا بالاشتهار، وتوضيح ذلك: ان ناقل الرواية تارة ينقلها بألفاظها الصادرة عن المنقول عنه، واخرى بترجمتها بلغة اخرى غير لغة المروي عنه، وثالثة بمعناها، كما هو المتعارف بين الروات، خصوصا في الاحاديث الطوال التي يعسر حفظ ألفاظها عادة، ورابعة بمضمونها، كما هو المرسوم بين الفقهاء في مرحلة الافتاء.


(1) حريز وزرارة انهما قالا: لا تغسل ثوبك من بول شئ يؤكل لحمه. حسنة لابراهيم ابن هاشم. راجع ج 1 كاباب 37 أبوال الدواب ص 28. وج 4 الوافي باب التطهير من فضلات الحيوانات ص 30 وج 1 ئل باب 9 طهارة البول من كل ما يؤكل لحمه من أبواب النجاسات (2) راجع ج 1 ئل باب 8 نجاسة ما نقص عن الكر من أبواب ماء المطلق. (3) راجع ج 1 باب 5 عدم نجاسة الماء الجاري من أبواب ماء المطلق. (4) محمد بن مسلم عن ابي عبد الله " ع " وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب؟ قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ. مجهولة لمحمد بن اسماعيل النيسابوري. راجع ج 1 كاباب الماء الذي لا ينجسه شئ ص 2، وج 1 التهذيب باب المياه ص 117، وباب الاحداث ص 12.

[ 101 ]

أما غير القسم الاخير فلا شبهة في شمول ادلة اعتبار الخبر له، كما هو واضح، وأما القسم الاخير فلا تشمله تلك الادلة قطعا، لانحصارها في الاخبار الحسية، ورأي الفقيه من الامور الحدسية، فلا يكون حجة لغيره ولغير مقلديه، كما حقق في علم الاصول. وإذا عرفت ذلك اتضح لك ان المحكي عن الشيخ (ره) لا يكون مشمولا لادلة اعتبار الخبر لان ظاهره أنه (ره) فهم باجتهاده جواز البيع من الروايات، وأشار إليه بلفظ الاشارة بداهة أن الامام " ع " لم يبين الحكم على النحو المذكور في العبارة، وبلفظ الاشارة ابتداء من دون أن يكون مسبوقا أو ملحوقا بكلام آخر يدل عليه، وعليه فلم يثبت كون المحكي رواية حتى ينجبر ضعفها بعمل المشهور، وتكون حجة لنا في مقام الفتوى، نعم لو كانت الرواية باصلها واصلة الينا، وقلنا بانجبار ضعف الخبر بشئ لكان لهذه الدعوى مجال واسع هذا كله على تقدير أن يكون المنقول في المتن هو عين عبارة الشيخ (ره). ولكنها ليست كك، فانه قال في تجارة المبسوط (1): (وروي ان كلب الماشية والحائط كذلك) وعلى هذا فهي رواية مرسلة، وقابلة للانجبار. ومع ذلك لا يجوز الاستناد إليها ايضا، لما عرفت في البحث عن رواية تحف العقول من منع انجبار ضعف الرواية بشئ صغرى وكبرى. على أن من البعيد جدا بل من المستحيل عادة أن تكون هناك رواية، ولم يظفر عليها غير الشيخ من علماء الحديث، أو وصلوا إليها ولكنهم لم يوردوها في اصولهم المعدة للرواية، حتى هو (ره) في تهذيبيه. والمظنون أن الشيخ (ره) اطلع عليها في كتب العامة، وأوردها في كتابه للمناسبة إلا أن أحاديثهم عن النبي صلى الله عليه وآله في النهي عن بيع الكلاب خالية أيضا عن استثناء كلب الماشية وكلب الحائط. لا يقال: إن عدم اشتهار المرسلة بين القدماء لا يمنع انجبار ضعفها بعمل المشهور من المتأخرين، فان ظهورها إنما كان من زمان الشيخ (ره)، فيكون هذا عذرا لعدم عمل القدماء بها، وإنما يضر ذلك فيما إذا كانت الرواية بمرأى منهم ومسمع، ثم لم يعملوا بها لاعراضهم عنها. فانه يقال: إن ضعف الرواية إنما ينجبر بالشهرة إذا عمل بها المشهور مع نقلهم إياها في كتبهم من دون أن يستندوا في ذلك إلى نقل شخص واحد، وأما إذا انتهى سند الناقلين إلى شخص واحد فنسبتها إلى النقلة وغيرهم سيان، فمثل هذه الشهرة لا توجب الانجبار.


(1) راجع فصل حكم ما يصح بيعه وما لا يصح. وج 2 ئل باب 42 تحريم بيع الكلاب مما يكتسب به.

[ 102 ]

ضرورة عدم اختصاص النقلة بقرينة زائدة ليمتازوا بها على غيرهم. وإذن فنسبة المرسلة إلى العاملين والناقلين كنسبتها الينا، لان مستندهم أجمع هو نقل الشيخ (ره) فقط، فلا يكون عملهم هذا جابرا لوهنها. ويضاف إلى ذلك ما قد عرفته مرارا من فساد البناء والمبنى، وأن الشهرة لا تجبر ضعف الرواية صغرى وكبرى. تذييل المستفاد من أخبار الباب إنما هو حرمة بيع كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع وأما المعاملات الاخرى غير البيع فلا باس في إيقاعها عليها، كاجارتها، وهبتها، والصلح عليها بناء على عدم جريان أحكام البيع عليه إذا كانت نتيجته المبادلة بين المالين، فان المذكور في تلك الاخبار هي حرمة ثمن غير الصيود من الكلاب، ولا يطلق الثمن على ما يؤخذ بدلا بغير عنوان البيع من المعاملات. ثم لا يخفى: ان اقتناء تلك الكلاب ولو في غير أوان الاصطياد والحراسة مما لا إشكال فيه لانها من الاموال ولو باعتبار الانتفاع بها في وقت الاصطياد والحراسة، وحرمة بيع هذه الكلاب لا يضر بجواز اقتنائها، إذ لا ملازمة بين حرمة بيع شئ وحرمة اقتنائه والانتفاع به كيف وإن الانتفاع بها أكثر من الانتفاع بالكلب الصيود، خصوصا لاهل البادية، وأصحاب الماشية والبساطين والزروع ونحوها، ولم يستشكل أحد في جواز ذلك فيما نعلم، بل ورد في أخبار الفريقين (1) جواز اقتناء الكلاب الاربعة، إلا أن تلحق بالكلب الهراش.


(1) في ج 2 المستدرك باب 35 كراهة اتخاذ الكلب من أبواب الدواب عن غوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع فقد انتقص من أجره كل يوم قيراط. مرسلة. أبو الفتوح في تفسير قوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح) الآية، رخص النبي صلى الله عليه وآله في اقتناء كلب الصيد وكل كلب فيه منفعة مثل كلب الماشية وكلب الحائط والزرع رخصهم في اقتنائه ونهى عن اقتناء ما ليس فيه نفع، الخبر. مرسلة. وفي ج 6 سنن البيهقي ص 9 عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من اقتنى كلبا إلا كلب ضاري لصيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان. وفي رواية اخرى قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال: إن لابي هريرة زرعا. أقول: في هذا الحديث إشارة إجمالية إلى مكانة ابي هريرة في

[ 103 ]

وقد يقال: بجواز بيع كلب الماشية لقول علي " ع " في رواية قبس (1): (لا خير في الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية). فان جواز البيع من الخير الثابت فيه. وفيه أن غاية ما يستفاد من الرواية هو جواز اقتنائه للانتفاع به في حراسة الماشية واتصافه بالمالية بهذا الاعتبار، وأما جواز بيعه فلا يستفاد منها، لانك قد عرفت عدم الملازمة بين كون الشئ مالا، وبين جواز بيعه، وإذن فالرواية من جملة ما يدل على جواز اقتناء كلب الماشية. ومن هنا اتضح: أنه لا وجه لقياس ما يحرم بيعه من الكلاب الثلاثة بالخمر لاثبات عدم المالية فيها، لا وجه لذلك لان الشارع قد ألغى مالية الخمر، بخلاف الكلاب الثلاثة، فان ماليتها محفوظة في نظر الشارع وإن حرم بيعها. جواز بيع العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه قوله: (الاقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي إذا غلى، ولم يذهب ثلثاه). أقول: الغليان عبارة عن القلب، كما في رواية الحماد (2)، قال: (قلت: أي شي الغليان؟ قال: القلب). والمراد به حصول النشيش فيه بحيث يصير أعلاه اسفله، ثم ان العصير إذا غلى بنفسه حكم بنجاسته بمجرد ظهور النشيش فيه عند بعض القدماء، وقد شيد أركان هذا القول البطل البحاثة شيخ الشريعة (ره) في رسالته العصيرية، وتبعه جملة ممن تأخر عنه وعلى هذا فلا تحصل الطهارة والحلية فيه إلا بصيرورته خلا. ويمكن تأييد هذا القول برواية الكلبي النسابة المتقدمة في بيع النبيذ (قال: سالت ابا عبد الله " ع " عن النبيذ؟ فقال: حلال، قلت: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك فقال " ع ": شه شه تلك الخمرة المبتنة): وقد كنا نجزم بذلك القول في سالف الايام، ثم عدلنا عنه، وتحقيق الحق في محله.


وضع الاحاديث الكاذبة، حسب اقتضاء اغراضه الفاسدة وآرائه الكاسدة. (1) محمد بن قيس عن أبي جعفر " ع " قال: قال: أمير المؤمنين " ع ": لا خير في الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية. صحيحة. راجع ج 2 كاباب 12 الكلاب ص 233، وج 11 الوافى باب 212 الكلب ص 117، وج 2 ئل باب 43 كراهة اتخاذ الكلب من أحكام الدواب. (2) عن أبي عبد الله " ع " قال: سألت عن شرب العصير؟ قال: تشرب ما لم خل فإذا غلى فلا تشربه، قلت: أي شئ الغليان؟ قال: القلب. راجع ج 3 ئل باب 2 أن العصير لا يحرم شربه من أبواب الاشربة المحرمة.

[ 104 ]

وان كان غليانه بالنار فهو محل الكلام في المقام، ومورد النقض والابرام من جهة طهارته وعدمها، وجواز شربه وبيعه وعدمهما، وفصل بعضهم بين العصير العنبي والتمري وحكم بنجاسة الاول وطهارة الثاني، وتحقيق ذلك وتفصيله في كتاب الطهارة، ووجهة الكلام هنا في خصوص البيع فقط، والظاهر جوازه. ولنمهد لبيان ذلك مقدمة، وهي أنه لا إشكال في ان العصير العنبي سواء غلى أم لم يغل من الاموال المهمة في نظر الشارع والعرف، وعليه فلو أتلفه أحد ضمن قيمته لمالكه، كما لو أغلاه الغاصب، فانه يضمنه بنقصان قيمته إذا كان الغليان موجبا للنقص، كأن اخذ للتداوي في غير أوان العنب، فانه لا قصور في شمول دليل اليد لذلك مع قيام السيرة القطعية عليه وإن كان غليانه لا يوجب نقصان قيمته، أو كان سببا لزيادتها فلا وجه للضمان، كان أخذ للدبس ونحوه فغصبه الغاصب فأغلاه، والوجه في ذلك هو أن الغاصب وإن أحدث في العصير المغصوب وصفا جديدا، إلا أن تصرفه هذا لم يحدث عيبا في العصير ليكون موجبا للضمان، بل صار وسيلة لازدياد القيمة. ومن هنا ظهر لك ضعف قول المتن: (لو غصب عصيرا فأغلاه حتى حرم ونجس لم يكن في حكم التالف، بل وجب عليه رده، ووجب عليه غرامة الثلثين، واجرة العمل فيه حتى يذهب الثلثان) فقد عرفت عدم صحة ذلك على إطلاقه. إذا علمت ذلك وقع الكلام في ناحيتين، الناحية الاولى: في جواز بيع العصير العنبي وعدمه بحسب القواعد، والناحية الثانية: في جواز بيعه وعدم جوازه بحسب الروايات أما الناحية الاولى: فقد يقال: بحرمة بيعه إذا غلى من جهة النجاسة، والحرمة، وانتفاء المالية، ولا يرجع شئ من هذه التعليلات إلى معنى محصل، أما النجاسة فانها لم تذكر إلا في رواية تحف العقول، والمراد بها النجاسات الذاتية، فلا تشمل المتنجسات، لان نجاستها عرضية، ولو سلمنا شمولها للمتنجسات فالنهي عن بيعها ليس إلا من جهة عرائها عن المنفعة المحللة، ولا شبهة في أن العصير العنبي المغلي ليس كذلك، لوجود المنافع المحللة فيه بعد ذهاب ثلثيه، على أن مانعية النجاسة عن البيع ممنوعة كما تقدم. وأما الحرمة فقد يقال: إن الروايات العامة المتقدمة دلت على وجود الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة بيعه، إلا أنه فاسد، فقد تقدم أنها ضعيفة السند، وأشرنا ايضا إلى عدم الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة بيعه، على أن المراد بالحرمة فيها ما يعرض على الشئ بعنوانه الذاتي الاولي، فلا تشمل الاشياء المحرمة بواسطة عروض أمر خارجي، وإلا للزم القول بحرمة بيع الاشياء المباحة إذا عرضتها النجاسة أو غيرها مما يوجب حرمتها العرضية

[ 105 ]

وأما انتفاء المالية ففيه أن العصير العنبي المغلي من الاموال الخطيرة في نظر الشارع والعرف ولذا لو أتلفه أحد لضمنه كما عرفته. على أنا لظاهران المالية لا تعتبر في صحة المعاوضة على الشئ وأما الناحية الثانية: فقد استدل على حرمة بيعه بروايات: منها قوله " ع " في رواية محمد ابن الهيثم (1): إنه (إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه). فان البيع من جملة الخير المنفي فلا يجوز. وفيه أولا: انها رواية مرسلة، فلا تصلح للاستناد إليها في الاحكام الشرعية. وثانيا: انها بعيدة عن حرمة البيع لظهور السؤال في حرمة الشرب فقط، فلا تشمل البيع. ومنها قوله " ع " في رواية أبي كهمس (2): (وإن غلى فلا يحل بيعه) فان ظاهرها نفي الحلية المطلقة تكليفية كانت أم وضعية، فتدل على حرمة بيع العصير إذا غلى ولم يذهب ثلثاه وفيه أولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: ان ظهورها في غليان العصير بنفسه لا بالنار، فتكون غريبة عما نحن فيه، وراجعة إلى القسم الاول من العصير، وقد عرفت من بعض القدماء ومن شيخ الشريعة أن الطهارة والحلية فيه لا تحصلان إلا بصيرورته خلا، على ان الظاهر من الحلية فيها بقرينة الصدر والذيل هي التكليفية فقط دون الوضعية وحدها، أو ما هو


(1) عن رجل عن ابي عبد الله " ع " قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته فيشربه صاحبه؟ فقال: إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. مرسلة. راجع ج 2 كاباب العصير ص 197. وج 2 التهذيب باب الاشربة ص 312 وج 11 الوافي باب 161 العصير ص 87. وج 3 ئل باب 3 تحريم العصير من الاشربة المحرمة (2) قال: سال رجل ابا عبد الله " ع " عن العصير فقال: لي كرم أنا أعصره كل سنة وأجعله في الدنان وأبيعه قبل ان يغلي؟ قال: لا بأس به وإن غعلى فلا يحل بيعه ثم قال: هو ذا نحن نبيع ثمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا. مجهولة لابي كهمس. راجع ج 2 التهذيب بيع الخمر ص 155. وج 1 كاباب 107 بيع العصير ص 395. وج 10 الوافى باب 39 بيع العصير ص 39. وج 2 ئل باب 88 جواز بيع العصير ممن يعمل خمرا مما يكتسب به. في ج 3 رجال المامقانى في فصل الكنى ص 32: كهمس بالكاف المفتوحة، والهاء الساكنة والميم المفتوحة والسين المهملة من اسماء الاسد قاله الليث. والرجل القبيح الوجه عن ابن خاويه. والناقة الكوماء، وهي العظيمة السنام عن ابن عباد، نص على ذلك كله في التاج، وفي الصحاح ان الكهمس القصير، وابوحي من العرب، وابو كهمس كنية الهيثم بن عبد الله، وظاهر النقد كونهما رجلين، والظاهر الاتحاد، وهو كنية قاسم بن عبيد ايضا انتهى أقول: في ج 2 التهذيب كتاب الطلاق ص 219 أبى كهمس اسمه هيثم بن عبيد.

[ 106 ]

أعم منها ومن التكليفية، إذن فالرواية ناظرة إلى حرمة بيع العصير للشرب، فان إشراب النجس أو المتنجس للمسلم حرام، وأما حرمة بيعه للدبس ونحوه فلا يستفاد منها. ثم لا يخفى: أن قوله " ع " في ذيل الرواية: (هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا). إنما هو لدفع وسوسة السائل من تجويز الامام " ع " بيع العصير قبل الغليان، وإن كان المشتري ممن يصنعه خمرا، وسيأتي في مبحث بيع العنب ممن يجعله خمرا تعليل الامام " ع " جواز البيع بقوله: (بعته حلالا فجعله حراما فأبعده الله) وقد تكرر ذلك في جملة من الروايات ومنها ما في رواية ابي بصير (1) من قوله " ع ": (إذا بعته قبل ان يكون خمرا وهو حلال فلا بأس). فان منطوقها يدل على جواز بيع العصير قبل صيرورته خمرا، ومفهومها يدل على عدم جواز البيع بعد حرمة العصير بالغليان. وفيه أولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: ان راويها ابا بصير مشترك بين اثنين، وكلاهما كوفى، ومن اهل الثقة، ومن المقطوع به ان بيع العصير العنبي لم يتعارف في الكوفة في زماننا هذا مع نقل العنب إليها من الخارج فضلا عن زمان الراوي الذي كان العنب فيه قليلا جدا، وعليه فالمسؤول عنه هو حكم العصير التمري الذي ذهب المشهور إلى حليته حتى بعد الغليان ما لم يصر خمرا، فلا يستفاد من الرواية إلا حرمة بيع الخمر وجواز بيع العصير التمري قبل كونه خمرا، فتكون غريبة عن محل الكلام، وإن أبيت عن ذلك فلا إشكال انها غير مختصة بالعصير العنبي، فغاية الامر أن تكون الرواية شاملة لكلا العصيرين، إلا أنه لا بد من التخصيص بالتمري، لان ظاهر قوله " ع ": (وهو حلال) هو أن العصير قبل كونه خمرا حلال ولو كان مغليا، ومن الواضح ان هذا يختص بالتمري دون العنبي. قوله: (والظاهر أنه اراد بيع العصير للشرب من غير التثليث). أقول: قد حكى المصنف عن المحقق الثاني في حاشية الارشاد: انه (لو تنجس العصير ونحوه فهل يجوز بيعه على من يستحله فيه اشكال؟) ثم ذكر المحقق الثاني: (ان الاقوى العدم، لعموم ولا تعاونوا على الاثم والعدوان). وقد استظهر المصنف من كلامه هذا: أنه اراد بيع العصير للشرب من غير التثليث، إلا أن الذي يظهر لنا منه: انه اراد من العصير مطلق المعتصرات كعصير الفواكه وغيره، ويدل على ان هذا هو المراد من كلامه وجهان: الوجه الاول: عطف كلمة (نحوه) على


(1) قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن ثمن العصير قبل ان يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا؟ قال: إذا بعته قبل أن يكون خمرا وهو حلال فلا بأس. ضعيفة لقاسم بن محمد راجع المصادر المزبورة من الكتب المتقدمة.

[ 107 ]

العصير، فان الظاهر أن المراد منها مطلق المايعات المضافة، فلا بد وأن يكون المراد من العصير مطلق المعتصرات، إذ لا خصوصية للعصير العنبي في المقام. والوجه الثاني: تقييده جواز البيع بمن يستحل، إذ لو كان مراده خصوص العصير العنبي فقط لكان ذلك التقييد لغوا، لجواز بيعه من غير المستحل ايضا، فقد عرفت حليته وطهارته وجواز الانتفاع به على وجه الاطلاق بعد ذهاب ثلثيه. ويؤيد ذلك ما استدل به المحقق الثاني على حرمة البيع من حرمة الاعانة على الاثم. فان العصير العنبي وإن كان يتنجس ويحرم بمجرد الغليان، إلا أنه يطهر ويحل بذهاب ثلثيه، فلا يكون بيعه من غير المستحل إعانة على الاثم، ويستكشف من ذلك أن غرضه من العصير هو ما ذكرناه. جواز المعاوضة على الدهن المتنجس قوله: (يجوز المعاوضة على الدهن المتنجس). أقول: المعروف بين الاصحاب هو جواز المعاوضة على الدهن المتنجس، لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة، بل في الخلاف (1) دعوى الاجماع على ذلك، قال: (يجوز بيع بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء، وقال أبو حنيفة (2): يجوز بيعه مطلقا، وقال مالك والشافعي: لا يجوز بيعه بحال، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم). وعن الا حنابلة ايضا لا يجوز، إلا ان الظاهر من أخبار العامة (3) جواز ذلك، لاطباقها على جواز الانتفاع به. بل في بعضها (4) ذكر


(1) ج 1 كتاب البيوع ص 225. (2) في ج 2 فقه المذاهب ص 232 عن الحنفية يجوز ان يبيع دهنا متنجسا ليستعمله في الدبغ والاستضاءة به في غير المسجد، وفي ص 231 عن المالكية لا يصح بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كسمن وقعت فيه نجاسة على المشهور، وذهب بعضهم إلى الجواز. وعن الحنابلة الدهن الذي سقطت فيه نجاسة فانه لا يحل بيعه. وفي هامش ج 6 سنن البيهقي ص 13 في قواعد ابن الرشد اختلفوا في الزيت النجس ونحوه بعد اتفاقهم على تحريم أكله فمنعه مالك والشافعي، وجوزه أبو حنيفة وابن وهب إذا بين، وفي نوادر الفقهاء اجمع الصحابة على جواز بيع زيت ونحوه تنجس بموت شئ فيه إذا بين ذلك. (3) راجع ج 9 سنن البيهقي ص 354. (4) في هامش ج 6 سنن البيهقي ص 13 عن ابن عمران قال: سألت القاسم وسالما عن الزيت تموت فيه الفارة أفنبيعه؟ قال: نعم.

[ 108 ]

جواز البيع صريحا. قوله: (وجعل هذا من المستثنى عن بيع الاعيان النجسة). أقول: حاصل كلامه ان مسألة المعاوضة على الدهن للاستصباح إنما يمكن جعلها من المستثنى من حرمة بيع الاعيان النجسة إذا قلنا بحرمة الانتفاع بالمتنجس إلا ما خرج بالدليل، أو قلنا بحرمة بيع المتنجس وإن جاز الانتفاع به منفعة محللة مقصودة، وإلا فيكون الاستثناء منقطعا، لعدم دخول بيع الدهن المتنجس ولا غيره من المتنجسات القابلة للانتفاع بها في المستثنى منه، وقد تقدم أن المنع عن بيع النجس فضلا عن المتنجس ليس إلا من حيث حرمة المنفعة المقصودة، فإذا فرض حلها فلا مانع من البيع. وفيه أولا: أنه قد تقدم مرارا عديدة ان النجاسة بما هي نجاسة لا تمنع عن البيع إلا إذا استلزمت حرمة الانتفاع بالنجس من جميع الجهات وقد اعترف المصنف هنا وفي مسألة بيع الميتة الحكم الاول، وقد تقدم أيضا أن النجاسة لا تمنع عن الانتفاع بالنجس لو كان له نفع محلل، بل وستعرف أن مقتضى الاصل إنما هو جواز الانتفاع بالاعيان النجسة فضلا عن المتنجسات، وإذن فلا مناص عن كون الاستثناء منقطعا لا متصلا. وثانيا: أنا لا نعرف وجها لابتناء كون الاستثناء متصلا على حرمة الانتفاع بالمتنجس، إذ العنوان في المستثنى والمستثنى منه إنما هو حرمة بيع النجس، أو المتنجس من حيث هما كذلك ولم يقيد بحرمة الانتفاع بهما، نعم يجوز تعليل جواز البيع، أو حرمته بجواز الانتفاع بهما أو حرمته، وعليه فتكون حرمة الانتفاع بهما من علل التشريع لحرمة بيعهما، ومن قبيل الواسطة في الثبوت لذلك، وقد ظهر مما ذكرناه: أن القاعدة الاولية تقتضي جواز بيع الدهن المتنجس بلا احتياج إلى الروايات، كما أنها تقتضي حرمة بيعه، وعدم جواز الانتفاع به لو قلنا بمانعية النجاسة عن البيع، وعدم جواز الانتفاع بالمتنجس. وثالثا: أن جعل المصنف المعاوضة على الاعيان المتنجسة من جملة المسائل الثمانية وان كان يقتضي اتصال الاستثناء وشمول المستثنى منه للنجس والمتنجس كليهما، إلا أن تخصيصه الكلام في عنوان هذه المسائل الثمانية بالاكتساب بالاعيان النجسة عدا ما استثنى يقتضي انقطاع الاستثناء، سواء قلنا بجواز الانتفاع بالمتنجس أم لم نقل، وعليه فذكر مسألة المعاوضة على الاعيان المتنجسة في عداد المعاوضة على الاعيان النجسة من باب الاستطراد.

[ 109 ]

تأسيس لا يخفى أن الروايات الواردة في بيع الدهن المتنجس على طوائف، الاولى (1): ما دل على جواز بيعه مقيدا بإعلام المشتري. الثانية (2): ما دل على جواز البيع من غير تقييد بالاعلام كرواية الجعفريات الدالة على جواز بيع الدهن المتنجس لجعله صابونا. الثالثة (3): ما دل على


(1) ابن وهب عن ابي عبد الله " ع " في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به. موثقة للحسن بن محمد بن سماعة. أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن الفارة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه؟ فقال: إن كان جامدا فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بقى وإن كان ذائبا فاسرج به وأعلمهم إذا بعته. مجهولة للحسن بن رباط. راجع ج 2 ئل باب 33 جواز بيع زيت النجس مما يكتسب به. وج 2 التهذيب باب الغرر ص 153. وج 10 الوافي باب 43 جامع فيما يحل بيعه وشراؤه ص 42. قرب الاسناد باسناده عن اسماعيل بن عبد الخالق عن ابي عبد الله " ع " قال: ساله سعيد الاعرج السمان وأنا حاضر عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفارة فتموت كيف يصنع به؟ قال أما الزيت فلا تبعه إلا لمن تبين له فيبتاع للسراج، الخبر. ضعيفة لمحمد بن خالد. راجع الباب 33 المتقدم من ج 2 ئل. (2) الجعفريات باسناده عن علي " ع " أنه سئل عن الزيت يقع فيه شئ له دم فيموت؟ قال: الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابونا وعن الراوندي مثله. راجع ج 2 المستدرك ص 427 أقول: قد أشرنا مرارا عديدة إلى وثاقة كتاب الاشعثيات المسمى بالجعفريات، ولكن تبين أخيرا لسيدنا الاستاذ ادام الهل ايام إفاضاته: أن الوجوه التي استند إليها القائلون باعتبار الكتاب لا تخرجه عن الجهالة، فان من جملة رواته موسى بن اسماعيل، وهو مجهول الحال في كتب الرجال، ومهما بالغ المحدث النوري في اعتباره وتوثيق رواته، إلا أن ما افاده لا يرجع إلى معنى محصل تركن إليه النفس، ويطمئن به القلب. (3) قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن حب دهن ماتت فيه فارة؟ قال: لا تدهن به ولا تبعه من مسلم. مجهولة لعبد الله بن الحسن. راجع ج 2 ئل باب 34 بيع الذكي المختلط بالميت مما يكتسب به. الجعفريات عن علي " ع " قال: وإن كان شيئا مات في الادام وفيه الدم في العسل أو في زيت أو في السمن إن كان ذائبا فلا يؤكمل يسرج به ولا يباع. مجهولة لموسى بن اسماعيل

[ 110 ]

عدم جواز بيعه مطلقا، ومقتضى القاعدة تخصيص الطائفة الثالثة الدالة على عدم الجواز بما دل على جواز البيع مع الاعلام، وبعد التخصيص تنقلب نسبتها إلى الطائفة الثانية الدالة على جواز البيع مطلقا، فتكون مقيدة لها لا محالة، فيحكم بجواز بيعه مع الاعلام دون عدمه، وعلى هذا فيجب الاعلام بالنجاسة مقدمة لذلك. ولا يخفى أن وجوب الاعلام على ما يظهر من ديله إنما هو لاجل أن لا يقع المشتري في محذور النجاسة، إذ قد يستعمل الدهن المتنجس فيما هو مشروط بالطهارة لجهله بالحال، وعليه فلو باع المتنجس الذي ليس من شأنه ان يستعمل فيما يشترط بالطهارة كاللحاف والفرش فلا يجب الاعلام فيه. قوله: (منها الصحيح عن معاوية بن وهب). أقول: لا دلالة في الرواية على جواز البيع ولا على عدمه، بل هي دالة على جواز إسراج الزيت المتنجس. قوله: (ومنها الصحيح عن سعيد الاعرج). اقول: الرواية للحلبي، وهي ايضا دالة على الاسراج، فلا إشعار فيها بحكم البيع بوجه. قوله: (وزاد في المحكي عن التهذيب). أقول: بعد ما نقل الشيخ (ره) رواية ابن وهب المشار إليها الدالة على جواز إسراج الزيت المتنجس قال: " وقال: في بيع ذلك الزيت تبيعه وتبينه لمن اشتراه ليستصبح به) فأشار به إلى رواية اخرى لابن وهب، وهي الرواية المتقدمة الدالة على جواز بيع ذلك الزيت مع الاعلام، إذن فلا وجه لجعل هذه العبارة رواية كما صنعه المصنف، وإنما هي من كلام الشيخ (ره). عدم اشتراط الاستصباح في صحة بيع الدهن المتنجس قوله: (إذا عرفت هذا فالاشكال يقع في مواضع: الاول). اقول: ما قيل أو يمكن ان يقال في حكم بيع الدهن المتنجس وجوه بل اقوال، الاول: جواز بيعه عى أن يشترط على المشتري الاستصباح، كما استظهره المصنف من عبارة السرائر الثاني: جوازه مع قصد المتبايعين الاستصباح وإن لم يستصبح به بالفعل، كما استظهره المصفف من الخلاف. الثالث جواز بيعه بشرط أن لا يقصد المتبايعان في جواز بيعه المنافع المحرمة وإن كانت نادرة سواء


راجع ج 1 المستدرك ص 29، وج 2 ص 427. دعائم الاسلام عنهم " ع " إذا وقعت (الدابة) فيه (الادام) فماتت لم يؤكل ولم يبع ولم يشتر. ضعيفة راجع ج 2 المستدرك ص 427.

[ 111 ]

قصدا مع ذلك المنافع المحللة أم لا. الرابع: صحة بيعه مع قصد المنفعة المحللة إلا إذا كانت شايعة، فلا يعتبر في صحة البيع ذلك القصد. الخامس: جواز بيعه على وجه الاطلاق من غير اعتبار شئ من القيود المذكورة. السادس: اشتراط تحقق الاستصباح به خارجا في جواز بيعه، كما استظهره المحقق الايرواني من عبارتي الخلاف ولا سرائر، وجعلهما اجنبيتان عما ذكره المصنف (ره). وقد اختار في المتن الوجه الرابع في مطلع كلامه، وقال: يمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح، واختار الوجه الثالث في آخر كلامه، وقال نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرمة، والذي تقتضيه القواعد مع الاغماض عن الروايات هو الوجه الخامس. ولنبدأ بذكر ما اختاره المصنف، وذكر ما يرد عليه من الاشكال، وسيظهر من ذلك وجه القول المختار، فنقول: ملخص كلامه: أن مالية الاشياء عند العرف والشرع إنما هي باعتبار منافعها المحللة الظاهرة المقصودة منها لا باعتبار مطلق الفوائد ولو كانت غير ملحوظة في ماليتها، أو كانت نادرة الحصول، ولا باعتبار المنافع الملحوظة إذا كانت محرمة، وعليه فإذا فرض أن الشئ لم تكن له فائدة محللة ملحوظة في ماليته فلا يجوز بيعه، لا مطلقا لانصراف الاطلاق إلى كون الثمن بازاء المنافع المقصودة منه، والمفروض حرمتها، فيكون أكلا للمال بالباطل. ولا مع قصد الفائدة المحللة النادرة، فان قصدها لا يوجب المالية مع حرمة منفعته الظاهرة، نعم لو دل نص خارجي على جواز بيعه كما فيما نحن فيه لوجب حمله على ما إذا قصد المتبايعان المنفعة النادرة، فانها وإن لم توجب المالية بحسب نفسها، ولكن توجبها بحكم الشارع، فلا يكون اكلا للمال بالباطل، كما أن حكمه قد يوجب سلب المالية في بعض الاحيان كما في الخمر والخنزير، فيكون أكل المال في مقابلهما أكلا له بالباطل، وهكذا لو لم تقصد المنفعة النادرة في الصورة المتقدمة، فان المال في هذه الصورة يقع في مقابل المنفعة الظاهرة المحرمة. وفيه أن جميع الادهان ولو كانت من العطور مشتركة في أن الاطلاء والاستصباح بها أو جعلها صابونا من منافعها المحللة الظاهرة، وأنها دخيلة في مالية الدهن، غاية الامر ان تفوق بعض منافعها كالاكل فيما قصد منه أكله، والشم فيما قصد منه شمه أوجب لها زيادة في المالية، وأوجب إلحاق المنافع الاخر المغفول عنها بالمنافع النادرة وإن كانت في نفسها من المنافع الظاهرة، لان اختلاف المرتبة في المنفعة بمجرده لا يجعل المرتبة النازلة من المنافع نادرة في حد ذاتها وإن خفيت في نظر أهل العرف، وعليه فالمرتفع من منافع الدهن إذا تنجس إنما هو خصوص إباحة اكله، واما ما سواها من المنافع فهو باق على حاله.

[ 112 ]

وعلى الجملة انتفاء بعض المنافع الظاهرة المعروفة عن الاشياء، كذهاب رائحة الادهان العطرية، وعروض حرمة الاكل لما قصد منه اكله من الادهان لا يوجب انتفاء ماليتها بالكلية، بل هي موجودة فيها باعتبار منافعها الاخر الظاهرة وإن كانت غير معروفة. ومن هنا يتوجه الحكم بالضمان إذا غصبها غاصب أو اتلفها متلف، للسيرة القطعية العقلائية، ولدليل اليد، وإذن فلا وجه لجعل الاستصباح من المنافع النادرة للدهن، بل هو كغيره من المنافع الظاهرة، فان اعتبر قصدها في صحة البيع اعتبر مطلقا، وان لم يعتبر ذلك لم يعتبر مطلقا. وأما المنافع النادرة للشئ فانها لا توجب ماليته، فكيف يقال: باعتبار قصدها في صحة بيعه، ولا نظن ان احدا يلتزم بمالية الكوز المصنوع من الطين المتنجس بلحاظ الانتفاع بخزفه في البناء! على انه لا دليل على اعتبار أصل القصد وجودا وعدما في صحة البيع. قوله: (نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرمة). اقول: أشار به إلى الوجه الثالث. ويرد عليه: أن مالية الاشياء قائمة بها بما لها من المنافع حسب رغبات العقلاء، إذ الرغبة فيها لا تكون إلا لاجل منافعها، فالمنافع المترتبة عليها من قبيل الجهات التعليلية: بمعنى أن رغبة العقلاء فيها ليس إلا لاجل منافعها الموجودة فيها، وحينئذ فبذل المال إنما هو بأزاء نفس العين فقط، وعلة ذلك البذل هي المنافع، وعليه فلو قصد البايع المنفعة المحرمة لم يلزم منه بطلان البيع، فقد عرفت ان مالية الاشياء قائمة بذواتها، وأن المنافع المترتبة عليها من قبيل العلل والدواعي، فحرمة بعض المنافع لا توجب حرمة المعاملة على الاشياء إذا كانت حلالا بلحاظ المنافع الاخر، ومثال ذلك صحة بيع العنب ممن يجعله خمرا، وسيأتي البحث فيه وبعبارة واضحة الثمن إنما يقع بازاء العين دون المنافع، غاية الامر ان ترتب المنفعة عليها غاية للشراء وداع إليه، فحرمة المنفعة المشروطة عليه لا توجب بطلان البيع ما لم يكن الثمن بازائها، ومما يدلنا على ذلك أنه إذا استوفى المشتري منافع المال الاخرى غير هذه التي اشترطت عليه في البيع، أو التي انصرف إليها الاطلاق لم يبطل البيع، ولا يكون هذا التصرف منه بغير استحقاق، ومما ذكرناه تجلى: ان أكل الثمن في مقابله ليس أكلا للمال بالباطل كما في المتن فانه مضافا إلى ما تقدم من كون الآية أجنبية عن شرائط العوضين، وإنما هي ناظرة إلى حصر المعاملات الصحيحة بالتجارة عن تراض، وناهية عن الاسباب الباطلة لها. ان اشتراط المنفعة المحرمة لا يوجب كون الثمن بازائها، لكي يكون أكل المال في مقابلها أكلا له بالباطل إذ الشروط لا تقابل بالثمن. وسيأتي ذلك في مبحث الشروط ان شاء الله. قوله: (وإلا فسد العقد بفساد الشارط). أقول: يرد عليه ان العقد لا يفسد باشتراط

[ 113 ]

الشرط الفاسد فيه، وقد اختاره المصنف في باب الشروط، والوجه فيه أن الالتزام الشرطي أمر آخر وراء الالتزام العقدي، فلا يستلزم فساده فساد العقد، وعليه فلا وجه للالتزام ببطلان العقد في المقام باشتراط المنفعة المحرمة فيه، لانه من صغريات الكبرى المذكورة. قوله: (بل يمكن القول بالبطلان بمجرد القصد وإن لم يشترط في متن العقد). أقول: يرد عليه ما ذكرناه سابقا من أن بذل المال إنما هو بإزاء نفس العين، والمنافع المترتبة عليها من قبيل الجهات التعليلية، ثم لنسلم أنا قد التزمنا ببطلان العقد باشتراط المنفعة المحرمة، فلا مجال للالتزام بالبطلان بمجرد القصد بعدما لم يكن مذكورا في العقد، إذ لا عبرة بالقصد الساذج إذا لم يكن شرطا في ضمن العقد، وقد انجلى مما حققناه بطلان سائر الوجوه والاقوال بأجمعها. هذا كله بحسب ما تقتضيه القواعد. وأما بحسب الروايات فقد يقال: بلزوم قصد الاستصباح في بيع ذلك الدهن. لقول الصادق " ع " في رواية ابن وهب: (بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به). ولقوله " ع " في رواية اسماعيل بن عبد الخالق: (أما الزيت فلا تبعه إلا لمن تبين له فيبتاع للسراج). فانهما ظاهرتان في تقييد جواز البيع بقصد الاستصباح، بل بالغ بعضهم وقال: إن الرواية الثانية صريحة في ذلك بدعوى حصر جواز البيع فيها بصورة الشراء للاسراج فقط. وفيه أولا: أن الرواية الثانية ضعيفة السند كما تقدم. وثانيا: أن الظهور البدوي في الروايتين وإن كان ذلك، ولكن الذي يظهر بعد التأمل في مدلولهما هو أن الاستصباح والاسراج من فوائد التبيين ومتفرعاته، وقد أخذ غاية لذلك لكي لا يقع المشتري في محذور النجاسة باستعماله الدهن المتنجس فيما هو مشروط بالطهارة كالاكل ونحوه، إذن فلا دلالة في الروايتين على أن اعتبار قصد الاستصباح من شرائط البيع. وثالثا: أن التوهم المذكور مبني على جعل الامر بالبيان في الروايتين للارشاد إلى الاستصباح بالدهن، وليس كذلك، لان الاوامر والنواهي إنما تحمل على الارشاد إذا اكتنفت بالقرائن الصارفة عن ظهور الامر في الوجوب، وعن ظهور النهي في التحريم، سواء أكانت القرائن حالية أم مقالية، وسواء أكانت عامة أم خاصة، كالاوامر والنواهي المتعلقة بأجزاء الصلاة وشرائطها، وكالاوامر والنواهي الواردة في أبواب المعاملات، كقوله تعالى: (أوفوا بالعقود)، وكالنهي عن بيع ما ليس عندك، والنهي عن بيع الغرز، وسيأتي البحث عنها في مواضعها، وأما فيما نحن فيه فلا قرينة توجب رفع اليد عن ظهور الامر بالبيان في الوجوب النفسي، وحمله على الارشاد. قوله: (كما يومئ إلى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية وبيعها). أقول: وجه

[ 114 ]

الايماء دلالتها على بطلان بيع الجارية المغنية إذا كان لاجل الغناء، فتكون مؤيدة لما ذكره من كون قصد المنفعة المحرمة موجبا لبطلان البيع وإن لم يشترط في ضمن العقد، وسيأتي الكلام في تلك الروايات. وقوله: (في رواية الاعرج المتقدمة). أقول: ليست الرواية للاعرج، وليس متنها هو الذي ذكره المصنف (ره)، وقد عرفت ذلك في أول المسألة. وجوب الاعلام بنجاسة الدهن عند البيع قوله: (الثاني: أن ظاهر بعض الاخبار وجوب الاعلام). اقول: قد وقع الخلاف بين الفقهاء في وجوب إعلام المشتري بنجاسة الدهن وعدم وجوبه، وعلى الاول فهل يجب مطلقا، أو فيما إذا كان المشتري بصدد الاستعمال للدهن فيما هو مشروط بالطهار؟ وعلى التقديرين فهل الوجوب المذكور نفسي، أم شرطي بمعنى اعتبار اشتراطه في صحة البيع؟ وجوه: المصرح به في كلامهم هو الوجوب مطلقا، وقد تقدم في عنوان المسألة نقل صاحب الحاشية على سنن البيهقي عن بعض العامة دعوى الاجماع على ذلك، واستشهد على ذلك أيضا بما نقله من الرواية (1). ثم لا يخفى أن موضوع البحث في الاشكال السابق يرجع إلى اشتراط البيع بالاستصباح أو بقصده، وأما هنا فموضوع البحث متمحض في بيان وجوب الاعلام وعدم وجوبه مطلقا أو في الجملة نفسيا أو شرطيا، إذن فالنسبة بينهما هي العموم من وجه، لانه قد يكون البيع للاستصباح مع جهل المشتري بالنجاسة، وقد يبيعه لغرض آخر غير الاستصباح مع الاعلام بها، وقد يجتمعان بأن يبيعه للاستصباح مع الاعلام بها، وعليه فدعوى اتحاد الشرطين مجازفة قوله: " والذي ينبغي أن يقال: إنه لا إشكال في وجوب الاعلام) أقول: ظاهر كلامه أنا إذا اعتبرنا الشرط السابق في بيع الدهن المتنجس فلا مناص لنا عن القول بوجوب الاعلام بنجاسته، لتوقف قصد الاستصباح أو اشتراطه على العلم بها، وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر. وفيه أن كلا من الامرين مستقل بنفسه لا يرتبط بالآخر، نعم قد يجتمعان، لما عرفته من النسبة المذكورة. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه ربما يقال: بان الاعلام بنجاسة الدهن واجب شرطي للبيع، لقوله " ع " في رواية ابي بصير: (وأعلمهم إذا بعته). وفيه أن ظهور الرواية في ذلك


(1) في هامش ج 6 سنن البيهقي عن أبي عمران قال: سالت القاسم وسالما عن الزيت تموت فيه الفارة أفنبيعه؟ قالا: نعم ثم كلوا ثمنه وبينوا لمن يشتريه.

[ 115 ]

وإن كان لا ينكر، ولكن يجب رفع اليد عنه، لقوله " ع " في رواية اسماعيل: (أما الزيت فلا تبعه إلا لمن تبين له). وقوله " ع " في رواية ابن وهب: (بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به). إذ الامر بالبيان فيهما ظاهر في الوجوب النفسي، ولا يجوز المصير إلى إرادة الوجوب الشرطي منه إلا بالقرينة، وهي هنا منتفية، وهكذا الحال في مطلق الاوامر. على انا وإن قلنا بظهور الامر بالبيان في الوجوب الشرطي ابتداء، فان رواية ابن وهب ظاهرة في الوجوب النفسي لوجهين: الاول ان الظاهر من قوله " ع " فيها: (بعه وبينه لمن اشتراه). ان الاعلام بالنجاسة إنما هو بعد وقوع البيع وتحققه كما يقتضيه التعبير بالماضي بقوله " ع " (لمن اشتراه). ومن الواضح جدا ان البيان بعد البيع لا يكون من شرائطه إلا بنحو الشرط المتأخر، وهو في نفسه وإن كان جائزا كما حقق في علم الاصول، ولكن لم يقل به احد في المقام، وعليه فلا محيص عن إرادة الوجوب النفسي من الامر بالبيان في الرواية، إذ ليس فيها احتمال ثالث. الثاني: أن الاستصباح قد جعل فيها غاية للبيان وفائدة له، وليس هذا إلا لبيان منفعة ذلك الدهن ومورد صرفه، لئلا يستعمل فيما هو مشروط بالطهارة، وإلا فلا ملازمة بينهما بوجه من الوجوه الشرعية والعقلية والعادية، وهذا المعنى كما ترى لا يناسب إلا الوجوب النفسي، ويختص وجوب الاعلام بصورة التسليم، فلا يجب مع عدمه، أو مع العلم بأن المشتري لا ينتفع به في غير الاستصباح ونحوه مما هو غير مشروط بالطهارة، فتحصل أن بيع الدهن المتنجس مشروط بالاعلام، فيكون من صغريات ما ورد في الحديث (1): أن شرط الله قبل شركم، فلا يجوز البيع بدون الاعلام. حرمة تغرير الجاهل والقائه في الحرام الوافعى قوله: (ويشير إلى هذه القاعدة كثير من الاخبار). اقول: لما كان بيع الدهن المتنجس من المسلم قد يوجب إلقاءا له في الحرام الواقعي حكم بحرمته في الشريعة المقدسة، فانه يستفاد من مذاق الشارع حرمة إلقاء الغير في الحرام الواقعي. ويدل على صدق هذه الكبرى الكلية مضافا إلى ما ذكرناه من وجوب الاعلام ما ورد


(1) في ج 2 التهذيب باب الطلاق ص 208. محمد بن قيس عن أبي جعفر " ع " قال: قضى علي " ع " في رجل تزوج امرأة وشرط لها إن هو تزوج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق فقضى في ذلك: أن شرط الله قبل شرطكم فان شاء وفي لها بالشرط وإن شاء أمسكها واتخذ عليها ونكح عليها. موثقة لعلي بن الحسن الفضال.

[ 116 ]

في الاخبار الكثيرة في مواضع شتى الدالة على حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرمات. منها ما دل (1) على حرمة الافتاء بغير علم، ولحوق وزر العامل به للمفتي، فان ثبوت ذلك عليه، واستحقاق العقوبة الالهية والمهلكة الابدية إنما هو لوجهين: أحدهما: افتراؤه على الله فهو بالضرورة من المحرمات الذاتية والمبغوضات الالهية، وقد توافق العقل والنقل على حرمته. وثانيهما. التغرير والتسبيب وإلقاء المسلم في الحرام الواقعي، وهو ايضا حرام في الشريعة المقدسة. ومنها ما دل (2) على ثبوت أوزار المأمومين وإثمهم على الامام في تقصير نشأ من تقصير الامام، فيدل على حرمة تغرير الجاهل بالحكم وإلقائه في الحرام الواقعي.


(1) أبو عبيدة الحذاء عن أبي جعفر " ع " قال: من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل؟! صحيحة. راجع ج 1 اصول الكافي بهامش مرآة العقول ص 18، وج 3 ئل باب 4 عدم جواز القضاء والافتاء بغير علم من كتاب القضاء. وج 1 الوافي باب النهي عن القول بغير علم ص 48. وج 2 التهذيب في اوائل القضاء ص 69. وفي ج 10 البيهقي ص 116 عن أبي هريرة عن رسول الله (ص): من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في جهنم ومن أفتى بغير علم كان اثمه على من أفتاه. أقول: قد تواترت الروايات من الفريقين على ذلك، ولكن خالفها أهل السنة في اصولهم وفروعهم. (2) كتاب الغارات باسناده عن كتاب علي " ع ": كتب أمير المؤمنين " ع " إلى محمد بن أبي بكر انظر يا محمد صلاتك تصليها لوقتها فانه ليس من إمام يصلي يقوم فيكون في صلاته نقص إلا كانت عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم قال المجلسي (ره) في رواية ابن أبي الحديد: وانظر يا محمد صلاتك كيف تصليها فانما أنت إمام ينبغي لك أن تتمها وأن تخففها وأن تصليها لوقتها فانه ليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم شيئا. وزاد في تحف العقول هكذا: ثم انظر صلاتك كيف هي فانك إمام وليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلا كان عليه أوزارهم ولا ينقص من صلاتهم شئ ولا يتمها إلا كان له مثل اجورهم ولا ينقص من اجورهم شئ. مجهولة لابراهيم بن حسن وعباية وغيرهما. راجع ج 18 البحار ص 63 وج 2 شرح النهج لابن ابي الحديد ص 27. وتحف العقول ص 41 ويظهر ذلك من

[ 117 ]

ومنها الروايات (1) المتضمنة لكراهة إطعام الاطعمة والاشربة المحرمة للبهيمة، فقد استشعر منها المصنف حرمة ذلك بالنسبة إلى المكلف، فتكون مؤيدة للمدعى. وفيه أنا إذا قلنا بالتعدي عن مورد الروايات لثبتت الكراهة أو الكراهة المغلظة في ذلك بالنسبة إلى المكلف بالاولوية القطعية، وأما الحرمة فلا. ومنها ما دل (2) على ضمان الامام صلاة المأمومين إذا صلى بهم جنبا أو على غير طهر.، ومعنى الضمان هنا هو الحكم بوجوب الاعادة على الامام دون المأمومين، وتحمله كل وزر يحدث على المأمومين من جهة النقص إذا كان عالما. ومنها ما دل (3) على حرمة سقي الخمر للصبي والكفار، وأن على الساقي كوزر من شربها،


جملة من روايات العامة. منها ما عن رسول الله صلى الله عليه وآله من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم ومن نقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم. راجع ج 3 سنن البيهقي ص 127 (1) كاويب. غياث عن ابي عبد الله " ع " قال: ان امير المؤمنين " ع " كره ان تسقى الدواب الخمر. موثقة لغياث بن ابراهيم. يب: أبو بصير عن ابي عبد الله " ع " قال: سألته عن البهيمة البقرة وغيرها تسقي أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك؟ قال: نعم يكره ذلك. ضعيفة للحسن بن علي بن أبي حمزة. راجع ج 2 التهذيب الاشربة ص 310 وج 3 ئل باب 10 أنه لا يجوز سقي الخمر الصبي من الاشربة المحرمة. وج 2 كاباب نوادر ص 200. وج 11 الوافي ص 92. وفي ج 3 المستدرك ص 138 دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى ان تسقي الاطفال والبهائم وقال صلى الله عليه وآله: الاثم على من سقاها. ضعيفة (2) معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله " ع ": أيضمن الامام صلاة الفريضة فان هؤلاء يزعمون أنه يضمن؟ فقال: لا يضمن اي شئ ضمن إلا أن يصلي بهم جنبا أو على غير طهر!. صحيحة راجع ج 1 التهذيب أحكام الجماعة ص 200 وج 1 ئل باب 35 أنه إذا تبين كون الامام على غير طهارة من ابواب صلاة الجماعة وج 5 الوافي ص 187. (3) في عقاب الاعمال باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث: ومن سقاها اي الخمر يهوديا أو نصرانيا أو صابيا أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها. مجهولة لجهالة كثير من رواتها كموسى بن عمران ويزيد بن عمر وغيرهما. وفي الخصال باسناده عن علي " ع " في حديث الاربعمائة قال: من سقى صبيا مسكرا وهو لا يعقل حبسه الله عزوجل في طينة خبال ضعيفة لقاسم بن يحيى. ومثله في ج 8 سنن البيهقي ص 288. وفيه قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: صديد أهل النار. راجع ج 3 ئل باب 10 أنه لا يجوز سقي الخمر الصبي من الاشربة المحرمة. وفي ج 3 المستدرك

[ 118 ]

وإذا كان التسبيب والتغرير بالاضافة إلى الصبي والكفار حراما فهو أولى بالحرمة في غير الصبي والكفار. ومنها الاخبار الآمرة باهراق المايعات المتنجسة، وسيأتي التعرض لها في حكم الانتفاع بالمتنجس. ومنها الاخبار الدالة على حرمة ارتكاب المحرمات، فانه لا فرق في إيجاد المحرم بين الايجاد بالمباشرة أو بالتسبيب. ويؤيد ما ذكرناه ما ورد (1) في جراز بيع العجين المتنجس من مستحل الميتة دون غيره. وما ورد من الاخبار الدالة على حرمة بيع المذكى المختلط بالميتة، وانه يرمى بهما إلى الكلاب، وقد تقدم ذكرها في مبحث بيع الميتة، وما يدل على جواز إطعام المرق المتنجس لاهل الذمة أو الكلاب، وقد تقدم ذلك ايضا في المبحث المذكور. قوله: (ويؤيده ان أكل الحرام وشربه من القيح ولو في حق الجاهل). اقول: توضيح كلامه: ان الاحكام الواقعية كما حقق في محله ليست مقيدة بعلم المكلفين، وإلا لزم التصويب المستحيل أو الباطل، فالاحكام الواقعية وملاكاتها شاملة لحالتي العلم والجهل، ثم إن غرض الشارع من بعث المكلفين نحوها وتكليفهم بها ليس إلا امتثالها بالاتيان بالواجبات وترك المحرمات، حتى لا يوجد ما هو مبغوض للشارع، ولا يترك ما هو مطلوب. ونتيجة المقدمتين ان المكلف الملتفت كما يحرم عليه مخالفة التكاليف الالزامية من ارتكاب المحرمات وترك الواجبات، فكذلك يحرم عليه التسبيب إلى مخالفتها بالقاء الجاهل في الحرام الواقعي، لان مناط الحرمة في ذلك إنما هو تفويت غرض المولى بايجاد المفسدة وترك المصلحة الملزمتين، وهذا المناط موجود في كلتا الصورتين، فالادلة الاولية كما تقتضي حرمة


ص 138 جامع الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في حديث في الخمر: ألا ومن سقاها غيره يهوديا أو نصرانيا أو إمرأة أو صبيا أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها (1) في ج 11 الوافي باب 16 اختلاط ما يؤكل بغيره. ابن محبوب عن محمد بن الحسين عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا قال: وما أحسبه إلا حفص بن البختري قال: قيل لابي عبد الله " ع " في العجين يعجن من الماء النجس: كيف يصنع به؟ قال: يباع ممن يستحل الميتة. صحيحة لو كان المراد ببعض اصحابنا هو حفص بن البختري كما هو الظاهر، وإلا فهي مرسلة. ثم إن صاحب الوسائل قد أخرجها في ج 1 ئل باب 11 حكم العجين بالماء النجس من الاسآر. وج 2 ئل باب 34 بيع الذكي المختلط بالميت مما يكتسب به. ولكن المذكور في الموضع الثاني على ما هو الموجود في نسخة عين الدولة لا يخلو عن الاشتباه من حيث المتن والسند.

[ 119 ]

مخالفة التكاليف الالزامية بالمباشرة، فكذلك تقتضي حرمة مخالفتها بالتسبيب. وبعبارة اخرى قد ذكرنا في علم الاصول في الكلام على حديث الرفع: ان المرفوع عن المكلفين عند جهلهم بالتكاليف الواقعية ليس إلا خصوص الالزام الظاهري والعقاب الذي تستلزمه مخالفة الواقع، وأما الاحكام الواقعية وملاكاتها فهي باقية على حالها، وعليه فتغرير الجاهل بالاحكام الواقعية وإن لم يوجب مخالفة المغرور التكاليف الالزامية، إلا انه يوجب تفويت غرض الشارع فهو حرام، ومثال ذلك في العرف ان المولى إذا نهى عبيده عن الدخول عليه في وقت خاص عينه لفراغه، فان نهيه هذا يشمل المباشرة والتسبيب، ولذلك لو سبب أحد العبيد لدخول أحد على مولاه في ذلك الوقت لصح عقابه، كما يصح عقابه لو دخل هو بنفسه لاتحاد الملاك في كلتا الصورتين بحكم الضرورة والبديهة، ومما ذكرناه ظهر لك ان في تعبير المصنف تسامحا واضحا، فانه أتى بلفظ القبيح بدل لفظ الحرمة، ومن الضروري ان القبح يرتفع عند الجهل بالتكليف، ولا يلزمه ارتفاع الحرمة، اللهم إلا إذا اراد بالقبيح الحرمة، ولكنه لا يرفع التسامح. ثم إن الوجوه المتقدمة إنما تقتضي حرمة تغرير الجاهل بالاحكام الواقعية فيما إذا كان المغرور في معرض الارتكاب للحرام، وإلا فلا موضوع للاغراء، ويترتب على ذلك تقييد وجوب الاعلام في بيع الدهن المتنجس بذلك ايضا، فانه إنما يجب فيما إذا كان المشتري في معرض الانتفاع به فيما هو مشروط بالطهارة، وإلا فلا دليل على وجوبه. قوله: (بل قد يقال: بوجوب الاعلام وإن لم يكن منه تسبيب). اقول: قد عرفت بما لا مزيد عليه حرمة إلقاء الجاهل في الحرام الواقعي، وأما لو ارتكبه الجاهل بنفسه من دون تغرير ولا تسبيب من الغير، فهل يجب على العالم بالواقع إعلامه بالحال؟ فيه وجهان: فعن العلامة (ره) في أجوبة المسائل المهنائية التصريح بوجوب الاعلام، حيث سأله السيد المهنا عمن رأى في ثوب المصلي نجاسة؟ فأجاب بأنه يجب الاعلام لوجوب النهي عن المنكر. ولكن يرد عليه أن ادلة وجوب النهي عن المنكر مختصة بما إذا كان صدور الفعل من الفاعل منكرا، وفي المقام ليس كذلك، لانا قد فرضنا جهل الفاعل بالواقع. وقد يقال: بعدم الوجوب في غير موارد التسبيب، لرواية ابن بكير (1) فانها صريحة


(1) عن ابي عبد الله " ع " عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه فقال: لا يعلمه، قلت: فان أعلمه؟ قال: يعيد. موثقة لعبد الله بن بكير الفطحي. راجع ج 1 ئل باب 47 انه لا يجب إعلام الغير بالنجاسة من أبواب النجاسات. ولا يخفى ان ذيل الرواية محمول على الاعلام قبل الصلاة جمعا بينها وبين ما دل على عدم وجوب الاعادة فيما إذا كان بعد الصلاة

[ 120 ]

في عدم وجوب الاعلام بنجاسة ثوب المصلي. وفيه ان الرواية أجنبية عما نحن فيه، لان عدم وجوب الاعلام بالنجاسة إنما هو لان الطهارة الخبيثة ليست من الشرائط الواقعية للصلاة، وإنما هي من الشرائط العلمية، لان تنبيه الجاهل وإعلامه ليس بواجب على العالم، ويرشدك إلى ذلك ان الرواية مختصة بصورة الجهل، ولا تشمل صورة النسيان. نعم يمكن الاستدلال عليه على وجه الاطلاق بخبرين آخرين، الاول: خبر محمد بن مسلم (1) فان الامام " ع " نهى فيه عن الاعلام بالدم في ثوب المصلي، و (قل: لا يؤذنه حتى ينصرف) من صلاته. ولا يرد عليه الاشكال المتقدم في رواية ابن بكير، فقد عرفت أن مورد السؤال فيها مختص بصورة الجهل بالواقع فقط، وهذا بخلاف مورد السؤال في هذه الرواية فانه مطلق يشمل صورتي الجهل والنسيان، ومن الواضح ان الطهارة الخبيثة في صورة النسيان من الشرائط الواقعية للصلاة. الثاني خبر عبد الله بن سنان (2) فانه صريح في عدم وجوب الاعلام في صورة الجهل في غير الصلاة ايضا، وفي هذا الخبر كفاية وإن لم يسلم الخبر السابق من الاشكال المذكور ومع الاغضاء عما ذكرناه فالمرجع في المقام هو اصالة البراءة، إذ ليس هنا ما يدل على وجوب الاعلام، لنخرج به عن حكم الاصل. ثم ان هذا كله إذا لم يكن ما يرتكبه الجاهل من الامور التي اهتم الشارع بحفظها من كل احد كالدماء والفروج والاحكام الكلية الالهية، كما إذا اعتقد الجاهل ان زيدا مهدور الدم شرعا، فتصدى لقتله وهو محترم الدم في الواقع أو اعتقد ان امرأة يجوز له نكاحها فأراد التزويج بها، وكانت في الواقع محرمة عليه، أو غير ذلك من الموارد، فانه يجب على الملتفت إعلام الجاهل في امثال ذلك، لكي لا يقع في المحذور، بل تجب مدافعته لو شرع في العمل وان كان فعله من غير شعور والتفات، واما في غير تلك الموارد فلا دليل عليه، بل ربما لا يحسن لكونه ايذاء للمؤمن. قوله: (والحاصل: ان هنا امورا اربعة). اقول: ملخص كلامه: ان إلقاء الغير في الحرام الواقعي على اربعة اقسام، الاول: ان يكون فعل احد الشخصين علة تامة لصدور


(1) عن احدهما " ع " قال: سألت عن الرجل يرى في ثوب اخيه دما وهو يصلي؟ قال لا يؤذنه حتى ينصرف. صحيحة. راجع ج 1 كا ص 113. وج 1 ئل الاب 47 المتقدم، (2) عن ابي عبد الله " ع " قال: اغتسل ابى من الجنابة فقيل له: قد ابقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء فقال له: ما كان عليك لو سكت ثم مسح اللمعة بيده. صحيحة. راجع ج 1 كا ص 15 والباب 47 من ج 1 ئل.

[ 121 ]

الحرام من الآخر، كاكراه الغير على الحرام، وهذا مما لا إشكال في حرمته على المكره بالكسر، وثبوت وزر الحرام عليه، الثاني: ان يكون فعل احدهما سببا لصدور الحرام من الآخر، كإطعام الشئ المحرم للجاهل بحرمته وهذا ايضا مما لا إشكال في حرمته، فان استناد الفعل إلى السبب أولى من استناده إلى المباشر، فتكون نسبة الحرام إلى السبب أولى، كما يستقر الضمان ايضا على السبب دون المباشر في موارد الاتلاف. ومن هذا القبيل ما نحن فيه أعني بيع الدهن المتنجس ممن لا يعلم بنجاسته من دون بيان. الثالث: ان يكون فعل أحدهما شرطا لصدور الحرام من الآخر، وهذا على وجهين: لان عمل الشخص الاول تارة يكون من قبيل ايجاد الداعي للثاني على المعصية، سواء كان باثارة الرغبة إلى الحرام في نفس الفاعل بالتحريض والتوصيف ونحوهما، أو بايجاد العناد في قلبه، كسب آلهة الكفار الموجب لالقائهم في سب الحق عنادا، واخرى يكون من قبيل إيجاد مقدمة من مقدمات الحرام غير إيجاد الداعي كبيع العنب ممن يعلم أنه يجعله خمرا. الرابع: أن يكون من قبيل رفع المانع، وهو ايضا على وجهين: لان حرمة العمل الصادر منم الفاعل إما أن تكون فعلية على أي تقدير، كسكوت الشخص عن المنع من المنكر، ولا إشكال في حرمة السكوت إذا اجتمعت شرائط النهي عن المنكر، وإما أن تكون غير فعلية على تقدير وجود المانع، كسكوت الملتفت إلى الحرام عن منع الجاهل الذي يريد أن يرتكبه، فان الجاهل ما لم يلتفت إلى الحرام لا يكون ارتكابه محمرا ليجتمع سكوت الملتفت عن المنع مع الحرمة الفعلية، كما فيما نحن فيه، وهذا الاخير إن كان من الامور المهمة في نظر الشارع حرم السكوت، ووجب رفع الحرام، وإلا ففيه إشكال. اقول: هذا التقسيم الذي افاده المصنف (ره) لا يرجع إلى محصل، مضافا إلى جريه في إطلاق العلة والمعلول على غير ما هو المصطلح فيهما، والمناسب في المقام تقسيم إلقاء الغير في الحرام الواقعي على نحو يمكن تطبيقه على القواعد، واستفادة حكمه من الروايات. فنقول: إن الكلام قد يقع في بيان الاحكام الواقعية، وقد يقع في إضافة فعل أحد الشخصين إلى الشخص الآخر من حيث العلية أو السببية أو الداعوية، أما الاول فقد يكون الكلام في الاحكام الكلية الالهية، وقد يكون في الاحكام الجزئية المترتبة على الموضوعات الشخصية. أما الاحكام الكلية الالهية فلا ريب في وجوب إعلام الجاهل بها، لوجوب تبليغ الاحكام الشرعية على الناس جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة، وقد دلت عليه آية النفر (1)


(1) سورة التوبة آية 123 قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر

[ 122 ]

والروايات (1) الواردة في بذل العلم وتعليمه وتعلمه. وأما الاحكام الجزئية المترتبة على الموضوعات الشخصية فان لم نقل بوجود الدليل على نفي وجوب الاعلام كالرواية المتقدمة الدالة على صحة الصلاة في الثوب النجس جهلا، وأنه لا يجب على المعير إعلام المستعير بالنجاسة فلا ريب في عدم الدليل على وجوبه، وعلى هذا فلو رأى أحد نجاسة في طعام الغير فانه لا يجب عليه إعلامه، كما أنه لا يجب تنبيه المصلي إذا صلى بالطهارة الترابية مع الغفلة عن وجود الماء عنده، إلا إذا كان ما ارتكبه الجاهل من الامور المهمة، فانه يجب إعلام الجاهل بها كما عرفت. وأما الثاني: (أعني إضافة فعل أحد الشخصين إلى الشخص الآخر) فقد يكون فعل أحد الشخصين سببا لوقوع الآخر في الحرام، واخرى لا يكون كذلك، أما الاول: فلا شبهة في حرمته، كإكراه الغير على الحرام، وقد جعله المصنف من قبيل العلة والمعلول، والدليل على حرمته هي الادلة الاولية الدالة على حرمة المحرمات، فان العرف لا يفرق في ايجاد مبغوض المولى بين المباشرة والتسبيب. وأما الثاني: فان كان الفعل داعيا إلى ايجاد الحرام كان حراما، فانه نحو من إيقاع الغير في الحرام، ومثاله تقديم الطعام المتنجس أو النجس أو المحرم من غير جهة النجاسة إلى الجاهل ليأكله، أو توصيف الخمر باوصاف مشوقة ليشربها، ومن هذا القبيل بيع الدهن المتنجس من دون إعلام بالنجاسة، وسب آلهة المشركين الموجب للجرأة على سب الاله الحق، وسب آباء الناس الموجب لسب ابيه، وقد جعل المصنف بعض هذه الامثلة من قبيل السبب، وبعضها من قبيل الشرط، وبعضها من قبيل الداعي، ولكنه لم يجر في جعله هذا على المنهج الصحيح وقد أشير إلى حرمة التسبيب إلى الحرام في بعض الآيات (2) والروايات (3)


من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (1) راجع ج 1 اصول الكافي بهامش مرآت العقول. وج 1 الوافي ص 47. (2) سورة الانعام آية 108 قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم). وفي ج 2 مجمع البيان طبع صيدا ص 347. قال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله فانهم قوم جهلة. (3) في ج 2 اصول الكافي بهامش مرآت العقول باب السباب ص 350. وباب السفه ص 310. وج 3 الوافي باب السفه ص 159. وج 2 ئل باب 158 تحريم سب المؤمن من أحكام العشرة. ابن حجاج البجلي عن ابي الحسن موسى " ع " في رجلين يتسابان؟ فقال: البادي منهما أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم. صحيحة. وفي حسنة

[ 123 ]

وإن لم يكن الفعل داعيا إلى الحرام فاما أن يكون مقدمة له، وإما أن لا يكون كذلك اما الاول: فكاعطاء العصا لمن اراد ضرب اليتيم، فان إعطاءه وإن كان مقدمة للحرام، إلا أنه ليس بداع إليه، والحكم بحرمته يتوقف على أمرين، الاول: كونه إعانة على الاثم، والثاني: ثبوت حرمة الاعانة على الاثم في الشريعة المقدسة، وسيأتي الكلام على ذلك في مبحث بيع العنب ممن يجعله خمرا. وأما الثاني: فكمن ارتكب المحرمات وهو بمرأى من الناس، فان رؤيتهم له عند الارتكاب ليست مقدمة لفعل الحرام، نعم لا بأس بادخاله تحت عنوان النهي عن المنكر فيجب النهي عنه إذا اجتمعت شرائطه. لا يخفى أن في كلام المصنف تهافتا واضحا، حيث جعل ما نحن فيه تارة من القسم الثاني، واخرى من القسم الرابع، ويمكن توجيهه بوجهين، الاول: ان يراد بالفرض الذي ادخله في القسم الثاني هو فرض الدهن المتنجس، فان إعطائه للغير لا يخلو عن التسبيب إلى الحرام الذي سيق هذا القسم لبيان حكمه، وأن يراد بالفرض الذي جعله من القسم الرابع هو فرض الثوب المتنجس، كما تقدم في مسألة السيد المهنا عن العلامة عمن رأى في ثوب المصلي نجاسة، فان القسم الرابع لم يفرض فيه كون فعل شخص سببا لصدور الحرام من الشخص الآخر، بل المفروض فيه كونه من قبيل عدم المانع كسكوت العالم عن إعلام الجاهل، ولا شبهة في مناسبة الثوب المتنجس لذلك. الوجه الثاني: أن يراد من كلامه الدهن المتنجس في كلا الموردين مع الالتزام فيهما باختلاف الجهتين، بأن يكون الملحوظ في القسم الثاني كونه تسبيبا لايقاع الجاهل في الحرام، والملحوظ في إلحاقه بالقسم الرابع هو الحرمة النفسية مع قطع النظر عن التسبيب. قوله: (ثم إن بعضهم استدل على وجوب الاعلام بأن النجاسة عيب خفي فيجب إظهارها). اقول: أشكل عليه المصنف (ره) بوجهين، الاول: (ان وجوب الاعلام على القول به ليس مختصا بالمعاوضات، بل يشمل مثل الاباحة والهبة من المجانيات). والثاني: (أن كون النجاسة عيبا ليس إلا لكونه منكرا واقعيا وقبيحا، فان ثبت ذلك حرم الالقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة وجوب إظهار العيب، وإلا لم يكن عيبا فتأمل). أقول: إن ما افاده أولا وإن كان وجيها، إلا أن الثاني غير وجيه، فان النجاسة


اخرى باختلاف في صدر السند. قال " ع ": ما لم يتعد المظلوم. أبو بصير عن ابي جعفر " ع " قال: إن رجلا من بني تميم أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أوصني فكان مما أوصاه أن قال: لا تسبوا الناس فتكسبوا العداوة منهم بينهم لهم صحيحة.

[ 124 ]

لا ينكر كونها عيبا في الاعيان النجسة والمتنجسة. سواء كانت من القبائح الواقعية أم لم تكن بل ربما يوجب جهل المشتري بها تضرره، كما إذا اشترى الدهن المتنجس مع جهله بنجاسته ومزجه بدهنه الطاهر، ثم إطلع عليها، ولعله لذلك أمر بالتأمل. والذي يسهل الخطب أنه لا دليل على وجوب إظهار العيب الخفي في المعاملات، وإنما الحرام هو غش المؤمن فيها، كما سيأتي في البحث عن حرمة الغش، وعليه فالعيب الخفي إن استلزم الغش في المعاملات وجب رفع الغش، وإلا فلا دليل على وجوبه، ومن المعلوم أن رفع الغش هنا لا ينحصر باظهار العيب الخفي، بل يحصل بالتبري عن العيوب، أو باشتراط صرفه فيما هو مشروط بالطهارة، ومن هنا يعلم أنه لا وجه لتوهم: أن النجاسة عيب خفي وجب إظهارها حتى لا يكون غشا للمسلم. ثم إن وجوب الاعلام بالنجاسة فيما إذا كان المشتري مسلما مباليا في أمر الطهارة والنجاسة وأما إذا كانكافرا أو مسلما غير مبال في الدين فلا يجب الاعلام، لكونه لغوا، وإن كان الجميع مكلفين بالفروع كتكليفهم بالاصول. جواز استصباح الدهن المتنجس تحت الظلال قوله: (الثالث: المشهور بين الاصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء). أقول: المشهور بين الاصحاب هو جواز الاستضاءة بالدهن المتنجس على وجه الاطلاق، وذهب بعضهم إلى جواز الاسراج به تحت السماء، وذهب المشهور من العامة (1) إلى جواز الاستصباح به في غير المسجد ففي اطعمة السرائر: وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه في كتاب الاطعمة: روى اصحابنا أنه يستصبح به تحت السماء دون السقف، وهذا يدل على أن دخانه نجس غير أن عندي أن هذا مكروه، إلى ان قال: وأما ما يقطع بنجاسته فقال قوم: دخانه نجس، وهو الذي دل عليه الخبر الذي قدمناه من رواية اصحابنا. وقال آخرون وهو الاقوى: إنه ليس بنجس، وقال ابن ادريس بعده: ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال لاجل التعبد. ثم قال: ولا يجوز الادهان به ولا استعماله في شئ من الاشياء سوى الاستصباح به تحت السماء، ثم قال: ما ذهب أحد من أصحابنا إلى ان الاستصباح به تحت الظلال مكروه، بل محظور بغير خلاف بينهم، وقول شيخنا أبي جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه إلا ما ذكره هنا، فالاخذ بقوله وقول اصحابنا أولى من الاخذ بقوله المتفرد من أقوال أصحابنا.


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 231 وص 232.

[ 125 ]

أقول: إن الروايات وإن استفاضت من الفريقين على جواز إسراج الدهن المتنجس إلا أنها خالية عن ذكر الاستصباح به تحت السماء فقط، وستأتي الاشارة إلى هذه الروايات المستفيضة في البحث عن جواز الانتفاع بالمتنجس. نعم استدل على ذلك بوجوه: الاول دعوى غير واحد من أعاظم الاصحاب الاجماع عليه. وفيه ان دعواه في المقام مجازفة لمخالفة جملة من الاعاظم كالشيخ والعلامة وغيرهما، على أن الاجماع التعبدي هنا ممنوع لاحتمال استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة في المسألة. الثاني: الشهرة الفتوائية. وفيه أنها وإن كانت مسلمة إلا أنها ليست بحجة. الثالث: مرسلة الشيخ المتقدمة، المنجبر ضعفها بعمل المشهور، وهي صريحة في كون الاسراج به تحت السماء. وفيه أن من المظنون أنها صدرت من سهو القلم، فان أصحاب الحديث لم ينقلوها في اصولهم حتى الشيخ بنفسه في تهذيبيه، وظاهر قوله (ره): (روى أصحابنا: أنه يستصبح به تحت السماء) يقتضي كون الرواية مشهورة في المقام، فلا وثوق بوجود الرواية المذكورة نعم لو كانت العبارة انه (روى: أنه يستصبح به تحت السماء) كانت حينئذ رواية مرسلة. وإذا سلمنا كون العبارة المذكورة رواية مرسلة، فان العمل بها لا يجوز للارسال، وتوهم انجبارها بعمل المشهور بها ممنوع صغرى وكبرى، كما هو واضح، خصوصا مع مخالفة الشيخ (ره)، فانه حملها على الكراهة، ومخالفة العلامة (ره)، فانه أعرض عنها، وجعل العلة في تحريم الاسراج به تحت الظلال هي حرمة تنجيس السقف، قال في المختلف (1): (نعم لو كان صعود بعض الاجزاء الدهنية الحرارة موجبا لتنجس السقف فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، وإلا فيجوز مطلقا). الرابع: ما نقلناه عن العلامة من أن الاستصباح به تحت الظلال يوجب تنجيس السقف لتصاعد بعض الاجزاء الدهنية قبل إحالة النار إياه إلى أن تلاقي السقف، فهو حرام. ولكن ليرد عليه اولا: أن دخان النجس كرماده ليس بنجس للاستحالة، ومجرد احتمال صعود الاجزاء الدهنية إلى السقف قبل الاستحالة لا يمنع عن الاسراج به تحت الظلال لكونه مشكوكا. وثانيا: أن الدليل أخص من المدعى، لان الدخان قد لا يؤثر في السقف، إما لعلوه، أو لقلة الزمان، أو لخروجه من الاطراف، أو لعدم وجود دخان فيه. وثالثا: إذا سلمنا جميع ذلك فلا دليل على حرمة تنجيس السقف، نعم لا يجوز تنجيسه في


(1) ج 4 كتاب الاطعمة ص 133.

[ 126 ]

المساجد والمشاهد، وعليه فلا وجه للمنع عن الاستصباح به تحت السقف من جهة حرمة تنجيسه قوله: (لكن الاخبار المتقدمة على كثرتها). أقول: محصل كلامه: أن المطلقات حيث كانت متظافرة، وواردة في مقام البيان فهي آبية عن التقييد، ولو سلمنا جواز تقييدها إلا انه ليس في المقام ما يوجب التقييد عدا مرسلة الشيخ، وهي غير صالحة لذلك، لان تقييد المطلقات بها يتوقف على ورودها للتعبد، أو لحرمة تنجيس السقف، كما فهمها الشيخ، وكلا الوجهين بعيد، فلا بد من حمل المرسلة على الارشاد إلى عدم تنجس السقف بالدخان. وفيه ان غاية ما يترتب على كون المطلقات متظافرة أن تكون مقطوعة الصدور لا مقطوعة الدلالة، وإذن فلا مانع عن التقييد، إذ هي لا تزيد على مطلقات الكتاب القابلة للتقييد حتى بالاخبار الآحاد، وأوهن من ذلك دعوى إبائها عن التقييد من جهة ورودها في مقام البيان فان ورودها في مقام البيان مقوم لحجيتها، ومن الواضح انمرتبة التقييد متأخرة عن مرتبة الحجية في المطلق، ونسبة حجيته إلى التقييد كنسبة الموضوع إلى الحكم، ولا يكون الموضوع مانعا عن ترتب الحكم عليه. وأما ما ذكره من أن المرسلة غير صالحة لتقييد المطلقات ففيه أنه بناء على جواز العمل بها وانجبار ضعفها بعمل المشهور لا مانع من حملها على التعبد المحض فتصلح حينئذ لتقييد المطلقات، ومجرد الاستبعاد لا يكون مانعا عن ذلك، وإنما الاشكال في اصل وجود المرسلة كما تقدم. وأما التقييد المطلقات بهامن جهة ان المرسلة تدل على حرمة تنجيس السقف فبعيد غايته. قوله: (لكن لو سلم الانجبار). أقول: قد اشار به إلى انها غير منجبرة بشئ، كما أشرنا إليه، لان الشهرة إنما تجبر الخبر الضعيف إذا علم استنادها إليه، ومن المحتمل أن تكون فتوى المشهور بعدم جواز الاسراج به تحت السقف مستندة إلى ما ذهب إليه العلامة من حرمة تنجيس السقف، لا إلى المرسلة المذكورة. قوله: (ولو رجع إلى أصالة البراءة حينئذ لم يكن إلا بعيدا عن الاحتياط وجرأة على مخالفة المشهور). اقول: لا يكون البعد عن الاحتياط مانعا عن الرجوع إلى البراءة في شئ من الموارد، وأما الجراة على خلاف المشهور فلا محذور فيها لان الشهرة ليست بحجة.

[ 127 ]

جواز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح قوله: (هل يجوز الانتفاع بهذا الدهن في غير الاستصباح؟). أقول: حاصل كلامه: أنه حيث إن جواز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح لم ترد فيه إلا رواية ضعيفة في جعله صابونا، فلا بد من الرجوع فيه إلى القواعد. ثم قرب الجواز. وعن الحنفية (1) التصريح بذلك. وقد يتوهم عدم جواز استعماله في غير الاستصباح مطلقا استنادا إلى رواية قرب الاسناد (2) الدالة على عدم جواز التدهن به. ولكن الرواية ضعيفة السند. لا يقال: إن هذه الرواية لا يجوز العمل بها وإن كانت صحيحة، لانها غير معمول بها بين الاصحاب، لفتواهم بجواز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح أيضا. فانه يقال قد ذكرنا في علم الاصول: أن إعراض المشهور عن الرواية الصحيحة لا يوجب الوهن فيها وقد أشرنا إليه في الكلام على رواية تحف العقول. لا يقال: إن هذه الرواية مجملة لا تفي باثبات المقصود فانه يحتمل أن يكون قوله " ع ": (لا تدهن به) من باب الافتعال بالتشديد، فيكون دالا على عدم جواز تنجيس البدن، أو من باب الافعال، فلا يمكن الاستناد إليها في عدم جواز الاستعمال مطلقا. فانه يقال: إن ظاهر الرواية هو النهي عن طلي البدن بالدهن المتنجس، ومن الواضح أن الادهان من الافعال بمعنى الخدعة، وأن الذي بمعنى الطلي هو من باب الافتعال. والذي ينبغي أن يقال: إن جواز الانتفاع بهذا الدهن في غير الموارد المنصوصة وعدم جوازه مبني على تحقيق الاصل في الانتفاع بالمتنجس، فهل الاصل يقتضي جواز ذلك أو حرمته حتى يخرج الخارج بالدليل؟ فذهب جمع من الاصحاب إلى الثاني، وقال جمع من المتأخرين: بالاول، وهو الاقوى، وهو مقتضى اصالة البراءة الثابتة بالادلة المستفيضة، ويدل على هذا الاصل على إباحة ما لم يرد فيه نهي وحليته، ومن البيت ان الانتفاع بالمتنجس في


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 232 عن الحنفية فيجوز أن يبيع دهنا متنجسا ليستعمله في الدبغ ودهن عدد الآلات (الماكينات) ونحوها. (2) في ج 2 ئل باب 34 حكم بيع الذكي المختلط بالميت مما يكتسب به. علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر " ع " قال: سألته عن حب دهن ماتت فيه فارة؟ قال: لا تدهن به ولا تبعه من مسلم. مجهولة لعبدالله بن الحسن.

[ 128 ]

غير ما هو مشروط بالطهارة من صغريات ذلك. قوله: (وقاعدة حل الانتفاع بما في الارض). اقول: لا وجه لهذه القاعدة إلا قوله تعالى (1) هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا. ولكن الآية ليست بدالة على جواز الانتفاع بجميع ما في الارض ليكون الانتفاع بالمتنجس منصغرياته، بل هي إما ناظرة إلى بيان أن الغاية القصوى من خلق الاجرام الارضية وما فيها ليس إلا خلق البشر وتربيته وتكريمه، وأما غير البشر فقد خلقه الله تعالى تبعا لخلق الانسان ومقدمة له، ومن البديهي أن هذا المعنى لا ينافى تحليل بعض المنافع عليه دون بعض. وإما ناظرة إلى أن خلق تلك الاجرام وتكوينها على الهيئات الخاصة والاشكال المختلفة والانواع المتشتتة من الجبال والادوية والاشجار والحيوانات على انواعها، وانحاء المخلوقات من النامي وغيره، لبيان طرق الاستدلال على وجود الصانع وتوحيد ذاته وصفاته وفعاله وعلى اتقان فعله وعلو صنعه وكمال قدرته وسعة علمه، إذن فتكون اللام للانتفاع، فانه اي منفعة اعظم من تكميل البشر، ولعل هذا هو المقصود من قوله " ع " في دعاء الصباح: (يا من دل على ذاته بذاته). الاصل جواز الانتفاع بالمتنجس قوله: (ولا حاكم عليها سوى ما يتخيل) اقول: قد استدل على حرمة الانتفاع بمطلق المتنجس بجملة من الآيات والروايات. اما الآيات فمنها قوله تعالى (2): (يا ايها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه). فان المتنجس رجس فيجب الاجتناب عنه. وفيه ان الرجس وإن اطلق على الاعيان النجسة كثيرا، كما اطلق على الكلب في صحيحة البقباق (3) إلا ان الآية لا ترتبط بالمدعى لوجوه، الاول: ان الظاهر من الرجس


(1) سورة البقرة آية 19. وفي ج 1 مجمع البيان ط صيدا المعنى: أن الارض وجميع ما فيها نعم من الله تعالى مخلوقة لكم إما دينية فتسدلون بها على معرفته، وإما دنياوية فتنتفون بها بضروب النفع عاجلا. (2) سورة المائدة آية 92. (3) الفضل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن فضل الهرة والشاة إلى ان قال: فلم اترك شيئا إلا سألت عنه؟ فقال: لا باس به، حتى انتهيت إلى الكلب فقال:

[ 129 ]

هي الاشياء التي يحكم عليها بالنجاسة بعناوينها الاولية، فيختص بالاعيان النجسة، ولا يشمل الاعيان المتنجسة، لان النجاسة فيها من الامور العرضية. الثاني: أن الرجس في الآية لا يراد منه القذارة الظاهرية لكي ينازع في اختصاصه بالاعيان النجسة، أو شموله الاعيان المتنجسة ايضا. بل المراد منه القذارة المعنوية: أي الخمسة الموجودة في الامور المذكورة في الآية، سواء كانت قذرة بالقذارة الحسية أيضا أم لم تكن، والذي يدل على ذلك من الآية إطلاق الرجس على الميسر والانصاب والازلام، فان من البديهي أن قذارة هذه الاشياء ليست ظاهرية ولا شبهة في صحة إطلاق الرجس في اللغة (1) على ما يشمل القذارة الباطنية أيضا، وعليه فالآية إنما تدل على وجوب الاجتناب عن كل قذر بالقذارة الباطنية التي يعبر عنها في لغة الفرس بلفظ (بليد) فتكون المتنجسات خارجة عنها جزما. الثالث: أن جعل المذكورات في الآية من عمل الشيطان، إما من جهة كون الافعال المتعلقة بالخمر والانصاب والازلام رجسا من عمل الشيطان، كما يشير إليه قوله تعالى (2): (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله). فان الرجس قد يطلق على مطلق القبائح والمعاصي، وقد عرفت ذلك في الهامش من القاموس وغيره. وإما من جهة كون تلك الامور نفسها من عمل الشيطان، فعلى الاول تكون الآية دالة


رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء، الخبر. صحيحة. راجع ج 1 التهذيب باب المياه ص 64. وج 4 الوافى باب اسآر الحيوانات ص 13. وج 1 ئل باب 1 سؤر الكلب من أبواب الاسآر. (1) في ج 2 مجمع البيان ط صيدا ص 239: رجس أي خبيث. وفي مفردات الراغب: الرجس الشئ القذر. يقال: رجل رجس ورجال أرجاس، والرجس على أربعة أوجه: لما من حيث الطبع، وإما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع، وإما من كل ذلك. وفي القاموس: الرجس بالكسر القذر، والمأثم، وكل ما استقذر من العمل، والعمل المؤدي إلى العذاب. وفي المنجد: رجس رجاسة عمل عملا قبيحا. (2) سورة المائدة آية 93. وفي ج 2 مجمع البيان ص 240: والمعنى يريد الشيطان إيقاع العداوة بينكم بالاغواء المزين لكم ذلك حتى إذا سكرتم زالت عقولكم، وأقدمتم على القبائح على ما يمنعه منه عقولكم. قال قتادة: إن الرجل كان يقامر في ماله وأهله، فيقمر، ويبقى حزينا سليبا، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء.

[ 130 ]

على وجوب الاجتناب عن كل عمل قبيح يصدق عليه أنه رجس، وأما ما لم يحرز قبحه فلا تشمله الآية، وعلى الثاني يكون موضوع الحكم فيها كل عين من الاعيان صدق عليها أنها من عمل الشيطان، وعليه فكل عين محرمة صدق هذا العنوان عليها تكون مشمولة للآية ومن الواضح أن الخمر من عمل الشيطان باعتبار صنعها، أو بلحاظ أن اصل تعليمها كان من الشيطان، وكذلك النصب بلحاظ جعلها صليبا، والازلام بلحاظ التقسيم، كالحظ والنصيب في الزمن الحاضر المعبر عنه في لغة الفارس بكلمة (بليط آزمائش بخت) وأما مالا يصدق عليه ذلك وإن كان من الاعيان النجسة كالكلب والخنزير فضلا عن المتنجسات فلا تشمله الآية الرابع: إذا سلمنا شمول الآية للنجاسات والمتنجسات فلا دلالة فيها على حرمة الانتفاع بالمتنجس، فان الاجتناب عن الشئ إنما يكون باجتناب ما يناسب ذلك الشئ، فالاجتناب عن الخمر عبارة عن ترك شربها إذا لم يدل دليل آخر على حرمة الانتفاع بها مطلقا، والاجتناب عن النجاسات والمتنجسات عبارة عن ترك استعمالها فيما يناسبها، ومن القمار عن ترك اللعب، ومن الامهات والبنات والاخوات والخالات وبقية المحارم عبارة عن ترك تزويجهن، كما أن الاجتناب عن المسجد هو ترك العبادة فيه، والاجتناب عن العالم ترك السؤال عنه، والاجتناب عن التاجر ترك المعاملة معه، والاجتناب عن أهل الفسوق ترك معاشرتهم وهكذا وعلى الجملة نسبة الاجتناب إلى ما يجب الاجتناب عنه تختلف باختلاف الموارد، وليست في جميعها على نسق واحد، وعليه فلا دلالة في الآية على حرمة الانتفاع بالمتنجس مطلقا، بل الامر في ذلك موقوف على ورود دليل خاص يدل على وجوب الاجتناب مطلقا. قوله: (مع أنه لوعم التنجس لزم أن يخرج عنه أكثر الافراد). اقول: لا يلزم من خروج المتنجسات كلها من الآية تخصيص الاكثر فضلا عما إذا كان الخارج بعضها، فان الخارج منها عنوان واحد ينطبق على جميع أفراد المتنجس انطباق الكلي على أفراده نعم لو كان الخارج من عموم الآية كل فرد فرد من افراده للزم المحذور المذكور. ومنها قوله تعالى (1): (والرجز فاهجر). بناء على شمول الرجز للاعيان النجسة والمتنجسة، وقد ظهر الجواب عنها من كلامنا على الآية السابقة، ثم إن نسبة الهجر إلى الاعيان الخارجية لا تصح إلا بالعناية والمجاز، بخلاف نسبته إلى الاعمال، فانها على نحو الحقيقة، وعليه فالمراد من الآية خصوص الهجر عن الاعمال القبيحة والافعال المحرمة، ولا تشمل الاعيان المحرمة. ويحتمل أن يراد من الرجز العذاب، كما في قوله تعالى (2): (وأنزلنا على الذين ظلموا


(1) سورة المدثر، آية: 5. (2) سورة البقرة، آية: 56.

[ 131 ]

رجزا من السماء) وقد صرح بذلك بعض أهل اللغة، كصاحب القاموس وغيره، وعلى هذا فالمراد من هجر العذاب هجر موجباته، كما اريد من المسارعة إلى المغفرة، ومن الاستباق إلى الخيرات المسارعة والاستباق إلى اسبابهما في آيتهما (1). ومنها قوله تعالى (2):، (ويحرم عليهم الخبائث). بناء على صدق الخبائث على المتنجسات وحيث إن التحريم في الآية لم يقيد بجهة خاصة فهي تدل على عموم تحريم الانتفاع بالمتنجسات. وأجاب عنها المصنف بأن المراد من التحريم خصوص حرمة الاكل بقرينة مقابلته بحلية الطيبات. وفيه أن مقتضى الاطلاق هو حرمة الانتفاع بالخبائث مطلقا، فتدل على حرمة الانتفاع بالمتنجس كذلك. والحق أن يقال: إن متعلق التحريم في الآية إنما هو العمل الخبيث والفعل القبيح، فالمتنجس خارج عن مدلولها لانه من الاعيان. لا يقال: إذا اريد من الخبيث العمل القبيح وجب الالتزام بالتقدير، وهو خلاف الظاهر من الآية. فانه يقال: إنما يلزم ذلك إذا لم يكن الخبيث بنفسه بمعنى العمل القبيح، وقد أثبتنا في مبحث بيع الابوال (3) صحة إطلاقه عليه بدون عناية، وخصوصا بقرينة قوله تعالى: (ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث). فان المراد من الخبائث فيها اللواط. وأما الاخبار فهي كثيرة: منها ما تقدم من رواية تحف العقول، حيث علل النهي فيها عن بيع وجوه النجس بأن (ذلك كله محرم أكله وشربه وإمساكه وجميع التقلب في ذلك حرام ومحرم). فان الظاهر منها أن جميع الانتفاعات من المتنجس حرام، لكونه من وجوه النجس. وفيه أولا: ما تقدم في أول الكتاب من ضعف سند الرواية، وعدم انجباره بشئ. وثانيا: أن الظاهر من وجوه النجس هي الاعيان النجسة، فان وجه الشئ هو عنوانه الاولى، فلا تشمل المتنجسات، لانها ليست نجسة بعناوينها الاولية. ومنها رواية السكوني (4) الآمرة باهراق المرق المتنجس بموت الفارة فيه فتدل على حرمة


(1) سورة آل عمران، آية: 127 (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم). سورة البقرة آية: 143 (فاستبقوا الخيرات). (2) سورة الاعراف، آية: 156. (3) ص 39. (4) عن جعفر عن ابيه إن عليا " ع " سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فارة؟ قال: يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل. ضعيفة للنوفلي. راجع ج 2 كا باب 14 من الاطعمة

[ 132 ]

الانتفاع به، إذ لولا ذلك لجاز الانتفاع به باطعامه الصبي ونحوه وبضميمة عدم القول بالفصل يتم المطلوب. وأجاب عنها المصنف بأن الامر بالاهراق كناية عن خصوص حرمة الاكل. وفيه ان الظاهر من الامر بالاهراق هو عدم جواز الانتفاع بالمرق مطلقا، إلا أنها لا تدل على المدعى لخصوصية المورد، فان المرق غير قابل للانتفاع به إلا في إطعام الصبي ونحوه بناء على ما هو الظاهر من جواز ذلك، ومن الواضح أن ذلك إنما يكون عادة إذا كان المرق قليلا، لا بمقدار القدر ونحوه. ومنها الاخبار (1) الدالة على ان الفارة إذا ماتت في السمن الجامد ونحوه وجب أن تطرح الفارة وما يليها من السمن، لانه لو جاز الانتفاع بالمتنجس لما امر الامام " ع " بطرحه، لامكان الانتفاع به في غير ما هو مشروط بالطهارة، كتدهين السفن (2) والاجرب (3) ونحوهما، فتدل على المدعى بضميمة عدم القول باالفصل بين أفراد المتنجسات وقد أجاب عنها المصنف بأن الطرح كناية عن حرمة الاكل فقط، فان الانتفاع بالاستصباح به جائز إجماعا. ولكن يرد عليه ما تقدم من ظهور الامر بالطرح في حرمة الانتفاع به مطلقا، وأما الاستصباح به فانما خرج بالنصوص الخاصة كما عرفت.


ص 155. وج 2 التهذيب الاطعمة 304. وج 11 الوافى ص 22. وج 1 ئل باب 5 نجاسة المضاف بملاقات النجاسة من أبواب الماء المضاف. (1) زرارة عن ابي جعفر " ع " قال: إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فيه فان كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقي، الخبر. حسنة لابراهيم بن هاشم. راجع ج 2 كا باب 14 من الاطعمة ص 155. وج 2 التهذيب الاطعمة ص 303. وج 11 الوافى ص 22 وج 1 ئل باب 5 نجاسة المضاف بملاقات النجاسة من أبواب الماء المضاف. وج 3 ئل باب 42 أن الفارة الخ من الاطعمة المحرمة. وج 2 ئل باب 33 جواز بيع الزيت النجس مما يكتسب به. علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن الفارة والكلب إذا أكلا من الجبن وشبهه ايحل أكله؟ قال: يطرح منه ما أكل ويحل الباقي. مجهولة لعبد الله بن الحسن راجع الباب 42 المذكور من ج 3 ئل. إلى غير ذلك من الاخبار المزبورة في المواضع المتقدمة من ج 2 ئل. والوافي. وج 2 التهذيب. وج 3 المستدرك باب 31 ص 77. وج 1 ص 29. وج 2 ص 427. وج 9 سنن البيهقي ص 354. (2) السفن محركة جلد خشن يجعل على قوائم السيوف. (3) في المنجد: الجرب وهو داء يحدث في الجلد بثورا صغارا لها حكة شديدة.

[ 133 ]

والصحيح في الجواب ما أشرنا إليه من أن الامر بطرح ما تلي الفارة من السمن للارشاد إلى عدم إمكان الانتفاع به بالاستصباح ونحوه لقلته، فتكون الرواية غريبة عن المقام. ومن هنا ظهر ما في رواية زكريا بن آدم (1) التي تدل على إهراق المرق المتنجس، فان الامر بالهراقة فيها إرشاد إلى ما ذكرناه من قلة نفعه، مضافا إلى أنها ضعيفة السند. ومنها قوله " ع " في روايتي سماعة وعمار (2) الواردتين في الانائين المشتبهين: (يهريقما جميعا ويتيمم) فان امره " ع " بهراقة الانائين مع لمكان الانتفاع بهما في غير ما هو مشروط بالطهارة ظاهر في حرمة الانتفاع بالماء المتنجس، وبضميمة عدم القول بالفصل بين افراد المتنجسات يتم المطلوب. وفيه أن خصوصية المورد تقتضي كون الامر بالاهراق إرشادا إلى مانعية النجاسة عن الوضوء، ثم إذا سلمنا كون الامر فيهما للمولوية التكليفية فمن المحتمل القريب أن يكون الغرض من الامر هو تتميم موضوع جواز التيمم، لان جوازه في الشريعة المقدسة مقيد بفقدان الماء، وقبل إراقة الانائين لا يتحقق عنوان الفقدان لوجود الماء الطاهر عنده وإن لم يعرفه بعينه، ولذلك افتى بعض الفقهاء بعدم جواز التيمم قبل إهراق الانائين. ومنها الاخبار الواردة (3) في إهراق الماء المتنجس، فانه لولا حرمة الانتفاع به في


(1) قال: سألت أبا الحسن " ع " عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير؟ قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب. مهملة للحسن المبارك وضعيفة لمحمد بن موسى. راجع ج 2 كا باب المسكر يقطر منه في الطعام من الاشربة ص 197. وج 2 التهذيب الاطعمة ص 312. وج 11 الوافى ص 92. وج 1 ئل باب 38 نجاسة الخمر من أبواب النجاسات. (2) قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في احدهما قذر ولا يدري أيهما وليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال: يهريقهما جميعا ويتيمم. ضعيفة لعثمان بن عيسى ومثلها رواية عمار الساباطي عن ابي عبد الله " ع " ولكنها موثقة لاجله ولمصدق بن صدقة. راجع ج 1 كاص 4. وج 1 التهذيب باب المياه ص 65 وباب تطهير الثياب ص 71. وج 4 الوافى ص 11 وج 1 ئل باب 8 نجاسة ما نقص عن الكر بملاقات النجاسة من ابواب الماء المطلق. (3) أبو بصير عن ابي عبد الله " ع " قال: سألته عن الجنب يجعل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه؟ قال: إن كانت يده قذرة فأهرقه، الحديث. صحيحة. في القاموس: التور إناء يشرب فيه. راجع المصادر المتقدمة من ج 1. وج 1 ئل. وج 4 الوافى

[ 134 ]

غير ما هو مشروط بالطهارة لم يؤمر بذلك، وفيه أولا: ما عرفت من أن خصوصية المورد تقتضي ذلك، لقلة نفعه في العادة. وثانيا: أن الامر بالهراقة في تلك الاخبار إرشاد إلى عدم جواز التوضي من ذلك الماء للنجاسة المشتبهة، ولا يجوز التعدي من موردها إلى غيره من الاستعمالات إلا إذا كان مشروطا بالطهارة، وإذن فلا دلالة فيها على المطلوب أيضا. ومنها الاخبار المستفيضة عند الخاصة (1) والعامة (2) الواردة في استصباح الدهن المتنجس، فانها ظاهرة في ان الانتفاع به منحصر في الاسراج، فانه لو جاز الانتفاع به في غيره أيضا لتعرض له الامام " ع " فيها أو في غيرها. وفيه ان وجه التخصيص أن النفع الظاهر للدهن هو الاكل والاسراج فقط، فإذا حرم أكله للتنجس اختص الانتفاع به بالاسراج، فلذا لم يتعرض الامام " ع " لغير الاستصباح، وإذن فلا دلالة فيها أيضا على المدعى. على أنه قد ورد في بعض الروايات جواز الانتفاع به بغير الاستصباح، كقوله " ع " في رواية قرب الاسناد (3): (ولكن ينتفع به كسراج ونحوه). وكقول علي " ع " المروي


وفي موثقة سماعة: فان ادخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فاهرق ذلك الماء. وفي موثقة اخرى له: وإن كان اصاب " المني " يده فادخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله. راجع الباب 8 المتقدم من ج 1 ئل. وج 1 كا باب 8 من المياه ص 5. وج 4 الوافى باب ما يستحب التنزه عنه في رفع الحدث من المياه ص 11 و 12 وفي صحيحة البقباق المتقدمة في ص 128 عن سؤر الكلب قال " ع ": واصبب ذلك الماء. (1) راجع ج 2 كا باب 14 من الاطعمة ص 155، وج 2 التهذيب كتاب الصيد ص 303. وج 2 ئل باب 33 جواز بيع الزيت مما يكتسب به. وج 2 المستدرك ص 427. وج 3 ئل باب 31 أن ما قطع من اليات الغنم. وباب 42 أن الفارة إذا ماتت في السمن من الاطعمة المحرمة. وج 3 المستدرك ص 77 وج 1 ئل باب 5 نجاسة المضاف بملاقات النجاسة من أبواب النجاسات. وج 1 السمتدرك ص 29. وج 11 الوافي ص 22 (2) في ج 9 سنن البيهقي ص 354 سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الفارة تقع في السمن أو الزيت؟ قال: استصبحوا به ولا تأكلوه، وغير ذلك من الاحاديث. (3) باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه إلى أن قال: وسألت عن فارة أو كلب شربا في زيت أو سمن؟ قال: إن كان جرة أو نحوها فلا تأكله ولكن ينتفع به كسراج ونحوه مجهولة لعبدالله بن الحسن راجع ج 3 ئل باب 45 أن الفارة إذا وقعت في مايع من الاطعمة المحرمة

[ 135 ]

عنه بطرق شتى (1): (الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابونا). فان الظاهر أنه لا خصوصية للمورد فيهما، ونتيجة التعدي عنه هو جواز الانتفاع بكل متنجس بجميع الانتفاعات المحللة. بل ورد في أحاديث العامة (2) جواز الانتفاع به مطلقا من غير تقييد بنوع خاص من المنافع وقد يخطر بالبال أن الامر في الروايات بخصوص الاستصباح دون غيره إنما هو فيما لا يتمكن الانسان من الانتفاع به بغير الاستصباح ولو في الوجوه النادرة من المنافع، وإلا فلا خصوصية للتقييد بالاستصباح، كما لا خصوصية للتقييد بجعله صابونا، ولذا جوز الامام " ع " أن ينتفع به بغيرهما ايضا في رواية قرب الاسناد كما عرفت، ولكنها ضعيفة السند وقد يقال: بانعقاد الاجماع على حرمة الانتفاع بالمتنجس مطلقا، فيكون مقتضى الاصل هو حرمة الانتفاع به في المقام. إلا أن ذلك ممنوع، فان الاجماع المنقول ممنوع الحجية، وقد حققناه في علم الاصول. على أن دعوى الاجماع في المسألة موهونة بكثرة المخالفية فيها


(1) الجعفريات عن علي " ع " سئل عن الزيت يقع فيه شئ له دم فيموت؟ قال: الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابونا. مجهولة لموسى بن اسماعيل. ومثلها في دعائم الاسلام ونوادر الراوندي. راجع ج 2 المستدرك ص 427. قال المحدث النوري نور الله مرقده في ج 3 المستدرك في الفائدة الثانية من الخاتمة ص 324: كتاب النوادر هو تأليف السيد الامام الكبير ضياء الدين ابي الرضا فضل الله بن علي الراوندي الكاشاني حفيد الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام، ووصفه العلامة في إجازة بني زهرة: بالسيد الامام، وفي فهرست الشيخ منتجب الدين: علامة زمانه جمع مع علو النسب كمال الفضل والحسب وكان استاذ أئمة عصره، قال أبو سعد السمعاني في كتاب الانساب: إنه من المشائخ واليه تنتهي كثيرا اسانيد الاجازات وهو تلميذ الشيخ ابي علي بن شيخ الطائفة، وله تصانيف تشهد بفضله وأدبه وجمعه بين مورث المجد ومكتسبه ومنه انتشرت الادعية الجليلة المعروفة بادعية السر، انتهى ملخص كلامه. أقول: لا شبهة في علو شأنه ورفعة منزلته ومكانة علمه وثبوت وثاقته، وقد صرح بذلك غير واحد من المترجمين، ولكن لم يظهر لنا اعتبار كتابه هذا، لان في سنده من لم تثبت وثاقته كعبد الواحد بن اسماعيل، ومن هو مجهول الحال كمحمد بن الحسن التميمي البكري. (2) في ج 9 سنن البيهقي ص 354 في جملة من الاحاديث سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الفارة تقع في السمن؟ فقال: اطرحوها وما حولها إن كان جامدا، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله فان كان مائعا؟ قال: فانتفعوا به ولا تأكلوه.

[ 136 ]

وأما الاجماع المحصل على ذلك فهو ممنوع التحقق ايضا. ويضاف إلى ما ذكرناه كله أنه لا ظهور لعبارات الفقهاء المحتوية لنقله في ذلك المدعى، قال في الغنية (1) بعد أن اشترط في البيع أن يكون مما ينتفع به منفعة محللة: (وقيدنا بكونها " المنفعة " مباحة تحفظا من المنافع المحرمة، ويدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره إلا ما أخرجه الدليل من بيع الكلب المعلم للصيد، والزيت النجس للاستصباح به تحت السماء، وهو إجماع الطائفة). وهذه العبارة وإن كانت صريحة في نقل الاجماع، إلا أن الظاهر رجوعه إلى مطلع كلامه: أعني حرمة بيع النجس، فلا دلالة فيها على حرمة الانتفاع بالمتنجس، ويحتمل قريبا أن يرجع إلى آخر كلامه: أعني استثناء الكلب المعلم للصيد، والزيت المتنجس للاستصباح من حرمة البيع. وقال الشيخ في الخلاف (2): (إذا ماتت الفارة في سمن أو زيت أو شيرج أو بزرنجس كله، وجاز الاستصباح به، ولا يجوز أكله، ولا الانتفاع به لغير الاستصباح). ثم ذكر المخالفين في المسألة من العامة وغيرهم إلى أن قال: (دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم). وفيه أن محط كلامه إنما هو الدهن المتنجس فقط، فلو صح ما ادعاه من الاجماع لدل على حرمة الانتفاع به خاصة، لكونه هو المتيقن من مورد الاجماع، فلا يشمل سائر المتنجسات وقد أجاب المصنف عما ادعاه الشيخ من الاجماع بأن (معقده ما وقع الخلاف فيه بينه وبين منم ذكر من المخالفين، إذ فرق بين دعوى الاجماع على محل التزاع بعد تحريره وبين دعواه ابتداء على الاحكام المذكورات في عنوان المسألة، فان الثاني يشمل الاحكام كلها، والاول لا يشمل إلا الحكم الواقع مورد الخلاف، لانه الظاهر من قوله دليلنا إجماع الفرقة) وفيه أن ما افاده وإن كان صحيحا بحسب الكبرى، إلا أنه خلاف ما يظهر من كلام الشيخ (ره)، فان ظاهره دعوى الاجماع على جميع الاحكام المذكورة. فالصحيح في الجواب هو ما ذكرناه. على أنا لو سلمنا قيام الاجماع على ذلك فلا نسلم كونه لجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم " ع ". إذ من المحتمل القريب جدا، بل المظنون عادة أن مدركه هو الوجوه المذكورة في المقام لحرمة الانتفاع بمطلق المتنجس. قوله: (أن بل الصبغ والحناء). أقول: الصبغ والحناء ليسا من محل النزاع هنا في شي ء، ولم يتقدم لهما ذكر سابق، فلا نرى وجها صحيحا لذكرهما.


(1) ص 2 من البيع. (2) ج 2 ص 212.

[ 137 ]

قوله: (ومراده بالنص ما ورد من المنع عن الاستصباح بالدهن المتنجس تحت السقف). أقول: قد عرفت عدم ورود النص بذلك. قوله: (والذي أظن وإن كان الظن لا يغني لغيري شيئا). اقول: بل لا يغنيه أيضا، لعدم كونه من الظنون المعتبرة، اللهم إلا أن يكون مراده من ذلك هو الظن الاطميناني، فيكون حجة له، لا لغيره. قوله: (والرواية إشارة إلى ما عن الراوندي في كتاب النوادر). أقول: قد عرفت: أنها رواية واحدة نقلت بطرق ثلاثة، ولم يقع السؤال عن الشحم في شئ منها، فما نقل في المتن ناشئ عن سهو القلم. قوله: (ثم لو قلنا بجواز البيع في الدهن)، أقول: كما يصح الانتفاع بالمتنجس على وجه الاطلاق، فكذلك يصح بيعه للعمومات المقتضية لذلك من قوله تعالى: (أوفوا بالعقود، وأحل الله البيع، وتجارة عن تراض) وعليه فلا نحتاج في ذلك إلى التمسك بقوله " ع " في رواية تحف العقول: (وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله) كما تمسك به المصنف هنا. قوله: (وهذا هو الذي يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجيس)، أقول: إذا سلمنا جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية، وأغمضنا عن معارضته دائما بأصالة عدم الجعل كما نقحناه في الاصول، فلا نسلم جريانه في المقام، لان محل الكلام هو الجواز الوضعي بمعنى نفوذ البيع على تقدير وجوده، وعليه فاستصحاب الجواز بعد التنجس يكون من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول به. قوله: (وأما قوله تعالى: فاجتنبوه، وقوله تعالى: والرجز فاهجر). أقول: قد يتوهم أن ايراد المصنف (ره) الآيات المذكورة هنا لا يخلو من الاشتباه وسهو القلم، لانه قد استدل بها فيما مضى على حرمة الانتفاع بالمتنجس، وكلامنا هنا مختص بجواز البيع فقط، ولكنه توهم فاسد، فان ذكر الآيات هنا ليس إلا لدفع توهم الاستدلال بها على بطلان بيع المتنجس والقرينة على ذلك قوله (ره) في مقام الجواب عنه: (فقد عرفت أنها لا تدل على حرمة الانتفاع بالمتنجس فضلا عن حرمة البيع). قوله: (وأما مثل بيع الصابون المتنجس فلا يندفع الاشكال عنه). أقول: وجه عدم الاندفاع هو أن الثوب المغسول بالصابون المتنجس وإن كان يقبل الطهارة بالغسل، إلا انه ليس معنى ذلك أن الصابون رجع إلى حالة يقبل معها الطهارة، فان الاجزاء الصابونية تنفصل عن الثوب بالغسل وإن كانت في غاية النجاسة والخباثة.

[ 138 ]

الاصل جواز الانتفاع بالاعيان النجسة قوله: " بقي الكلام في حكم نجس العين). اقول: الظاهر ان الاصل جواز الانتفاع بالاعيان النجسة ايضا إلا ما خرج بالدليل كما اختاره بعض الاعاظم وإن ذهب المشهور إلى حرمة الانتفاع بها، بل ادعى عليه الاجماع. قال في اول المكاسب من المراسم: التصرف في الميتة ولحم الخنزير وشحمه والدم والعذرة والابوال ببيع وغيره حرام. وفي المكاسب المحظورة من النهاية. جميع النجاسات محرم التصرف فيها. وفي فصل ما يصح بيعه وما لا يصح من المبسوط، نجس العين لا يجوز بيعه ولا إجارته ولا الانتفاع به ولا اقتناؤه بحال إجماعا إلا الكلب فان فيه خلافا، وعلى هذا النهج مذاهب فقهاء العامة (1). وكيف كان فقد استدل على عدم الجواز بوجوه، منها الآيات المتقدمة من قوله تعالى (فاجتنبوه) وقوله تعالى: (والرجز فاهجر)، وقد عرفت الجواب عن ذلك آنفا. ومنها قوله تعالى (2): (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير). فان عموم التحريم فيها يقتضي حرمة الانتفاع بما ذكر فيها، وبعدم القول بالفصل بين بين افراد النجس يتم المطلوب وفيه ان تحريم أي شئ إنما هو بحسب ما يناسبه من التصرفات، فما يناسب الميتة والدم ولحم الخنزير إنما هو تحريم الاكل، لا جميع التصرفات، كما أن المناسب لتحريم الام والبنت


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 231 عن الحنابلة لا يصح الانتفاع بالدهن النجس في أي شئ من الاشياء، وفي ص 232 عن الحنفية لا يحل الانتفاع بدهن الميتة لانه جزء منها وقد حرمها الشرع فلا تكون مالا، وفي ج 5 شرح فتح القدير ص 203 حكم بحرمة الانتفاع بالميتة ثم جعل بطلان البيع دائرا مدار حرمة الانتفاع وهي عدم المالية، وفي ج 2 فقه المذاهب في الموضع المتقدم نقل اتفاق المذاهب على حرمة بيع النجس، فقد عرفت من شرح فتح القدير الملازمة بين بطلان البيع وحرمة الانتفاع. وفي ج 5 شرح فتح القدير نقل عن محمد انه لو وقع شعر الخنزير في ماء قليل لا يفسده لان حل الانتفاع به دليل طهارته، وفي ج 2 فقه المذاهب ص 167 عن الحنفية لا ينعقد بيع كل مالا يباح الانتفاع به شرعا، وفي ج 8 شرح فتح القدير ص 157 نقل عن بعضهم حرمة الانتفاع بالنجس، ونقضه بجواز الانتفاع بالسرقين، فانه مع القول بنجاسته يجوز بيعه والانتفاع به بخلاف العذرة. (2) سورة المائدة، آية: 3.

[ 139 ]

في قوله تعالى (1): (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم) إنما هو تحريم النكاح فقط دون النظر والتكلم. ومنها ما أشار إليه المصنف بقوله: (ويدل عليه ايضا كلما دل من الاخبار والاجماع على عدم جواز بيع نجس العين بناء على أن المنع من بيعه لا يكون إلا مع حرمة الانتفاع به) ولكنا لم نجد فيما تقدم، ولا فيما يأتي ما دل من الاخبار على عدم جواز بيع النجس بعنوانه فضلا عن كون المنع عن البيع من جهة عدم جواز الانتفاع به. نعم تقدم في مبحث بيع الميتة ما دل على حرمة الانتفاع بالميتة، إلا أنك عرفت هناك معارضتها بما دل على جواز الانتفاع بها، وأن الترجيح للروايات المجوزة، على أنا إذا أخذنا بالروايات المانعة فهي أخص من المدعى، لانها مختصة بالميتة، وموضوع كلامنا أعم منها ومن سائر النجاسات. نعم رواية تحف العقول صريحة في المدعى، فان دلالة قوله " ع " فيها: (أو شئ من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لان ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام)، صريحة لا تكاد تنكر ولا وجه لحملها على الامساك والتقلب لاجل الاكل والشرب كما في المتن، إلا أن الرواية لا يجوز الاعتماد عليها لضعف سندها وعدم انجباره بعمل المشهور بها. منها قوله " ع " (2) في دعائم الاسلام: (وما كان محرما اصله منهيا عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه) بدعوى أن حرمة البيع في الرواية قد علقت على حرمة الشئ من اصله، فلا بد وأن يكون الانتفاع به محرما مطلقا، إذ لو جاز الانتفاع به لجاز بيعه للملازمة بينهما. وفيه مضافا إلى ضعف السند فيها، أن المراد بالحرمة في الرواية حرمة التصرفات المناسبة لذلك الشئ المحرم، لا حرمة جميع التصرفات، وعليه فلا يستفاد منها حرمة جميع الانتفاعات على أنا لو سلمنا دلالتها على حرمة جميع التصرفات فغاية ما يستفاد منها: أن كلما لا يجوز الانتفاع به بوجه فلا يجوز بيعه، لا أن كل ما لا يجوز بيعه فلا يجوز الانتفاع به، كما هو المدعى ومما ذكرناه تجلى ما في النبوي المشهور المجعول: (إن الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه) وبالجملة: أنا لم نجد آية ولا رواية تدل على حرمة الانتفاع بنجس العين مطلقا إلا في موارد خاصة كالخمر. ومنها الاجماع المدعى على حرمة الانتفاع بها، وتقريره بوجهين، الاول: دعوى الاجماع على حرمة بيعها، وبما أن حرمة البيع تستلزم حرمة الانتفاع للملازمة بينهما (وقد عرفت


(1) سورة النساء، آية: 23. (2) قد تقدم في ص 22.

[ 140 ]

ذلك في الحاشية عن بعض العامة) فيكون الثاني ايضا موردا للاجماع. وفيه منع الملازمة بين الحرمتين، لجوار كون النهي عن بيعه تعبدا محضا، وعليه فإذا قام الاجماع على حرمة البيع فلا يمكن أن يستدل به على حرمة الانتفاع إلا بالحدس الظني، ومن الواضح أن الظن لا يغني من الحق شيئا، بل اللازم أن يقتصر من الاجماع على مورده المتيقن من دون ان يتعدى إلى غره. الثاني: دعوى الاجماع على حرمة الانتفاع بها ابتداء كما هو الظاهر من فخر الدين والفاضل المقداد. وفيه ان دعواه في مثل هذه المسألة مع ذهاب الاكثر إلى جواز الانتفاع بها من الامور الصعبة، ولو سلمت هذه الدعوى فلا يمكن إثبات كونه إجماعا تعبديا، لامكان استناد المجمعين في ذلك إلى الوجوه المذكورة. قوله: (لجابر لرواية تحف العقول). اقول: قد تقدم في أول الكتاب عدم انجبار ضعف الرواية بشئ من الشهرة والاجماع وغيرهما. قوله: (مع احتمال أن يراد من جميع التقلب جميع أنواع التعاطي لا الاستعمالات). أقول: إذا فرضنا اعتبار الرواية فلا مناص من القول بحرمة التصرف في الاعيان النجسة على وجه الاطلاق ولو بالامساك، ولا وجه لتقييدها بخصوص التعاطي، كما لا وجه لقييد النهي عن الامساك بالامساك على وجه محرم. قوله: (نعم يمكن أن يقال: أن مثل هذه الاستعمالات). اقول: توضيحه أن النهي عن الانتفاع بشئ ينصرف إلى النهي عن الانتفاع به في منافعه الظاهرة لان المنفعة النادرة لا تعد من المنافع عرفا، فهي خارجة عن حدود النهي وإن كان الاطلاق في نفسه شاملا لها، لا يقال: إن النهي عن الانتفاع بشئ يدل على تحريم جميع منافعه، لان النهي عن الطبيعة يقتضي الانزجار عن جميع افرادها، ولذلك كان دالا على العموم. فانه يقال: إن الدلالة على العموم إنما تسلم بمقدار ما ينصرف إليه اللفظ فقط، ونظير ذلك العمومات الناهية عن الصلاة في أجزاء مالا يؤكل لحمه، فانه ينصرف إلى غير الانسان، فلا ينعقد للعموم ظهور إلا به. ولا يخفى: أن القول بحرمة الانتفاع بالنجس مطلقا لا يقتضي حرمة اقتنائه وإن كان الاقتناء لغير الغرض العقلائي، ومن هنا ورد في جملة من الاحاديث (1) جواز اقتناء الخمر،


(1) راجع ج 2 كا باب الخمر يجعل خلا ص 199، وج 2 التهذيب باب الاشربة ص 311، وج 11 الوافي باب 165 ص 91، وج 3 ئل باب 31 عدم تحريم الخل من الاشربة المحرمة.

[ 141 ]

بل أخذها للتخليل، مع انها من الخبائث الشديدة، وورد أيضا جواز اقتناء بعض الكلاب وقد تقدم ذلك في البحث عن بيعها (1). قوله: (والعذرة للتسميد). أقول: التسميد في اللغة (2) ما يصلح به الزرع. قوله: (كما يدل عليه وقوع السؤال في بعض الروايات (3) عن الجص). اقول: قال المحدث القاساني في كتاب الوافي: (لعل المراد بالماء الماء الممزوج بالجص، أو بالماء ماء المطر الذي يصيب ارض المسجد المجصص بذلك الجص، وكأنه كان بلا سقف، فان السنة فيه ذلك. والمراد بالنار ما يحصل من الوقود التي يستحيل بها أجزاء العذرة والعظام المختلطة بالجص رمادا، فانها تطهر بالاستحالة، والغرض أنه قد ورد على ذلك الجص امران مطهران: هما النار والماء، فلم يبق ريب في طهارته، فلا يرد السؤال بأن النار إذا طهرته أولا فكيف يحكم بتطهير الماء له ثانيا! إذ لا يلزم من ورود المطهر الثاني تأثيره في التطهير). وقال في الوسائل: تطهير النار للنجاسة باحالتها رمادا أو دخانا، وتطهير الماء: أعني ما يجبل به الجص يراد به حصول النظافة وزوال النفرة. أقول: يمكن ان يراد من الماء ماء المطر الذي يصيب الموضع المجصص بذلك الجص المتنجس لكون المسجد مكشوفا وبلا سقف كما احتمله القاساني، وأن يراد من النار الشمس فان الشمس إذا جففت شيئا طهرته. ويمكن أن يراد من التطهير التنظيف مجازا كما احتمله في المستند (4) مطلقا، وصاحب الوسائل في خصوص الماء، ومع الاغماض عما ذكرناه فالرواية مجملة يرد علمها إلى أهلها، فان الثابت في الشريعة أن النار إنما تطهر من النجاسات ما احالته رمادا، وهذا الشرط غير


(1) ص 102. (2) عن المصباح: السماد وزان السلام ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين، سمدت الارض تسميدا اصلحها بالسماد. وفي القاموس: وسمد الارض تسميدا جعل فيها السماد، اي السرجين برماد. وفي مجمع البحرين: والسماد كسلام ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين وتسميد الارض هو أن يجعل فيها السماد. (3) الحسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن " ع " عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إلي بخطه: إن الماء والنار قد طهراه. صحيحة. راجع ج 1 كاباب ما يسجد عليه ص 91، وج 1 التهذيب باب ما يسجد عليه ص 222، وج 4 الوفاي ص 36، وج 1 ئل باب 81 طهارة ما أحالته النار من أبواب النجاسات (4) راجع ج 1 ص 57.

[ 142 ]

حاصل في الجص. وأن الماء القليل إنما يطهر الموضع المغسول إذا ورد عليه ثم انفصلت غسالته عنه، وكلا الامرين منتف هنا، إلا أن يقال، بعدم انفعال الماء القليل بامتزاجه الجص، وعدم اشتراط انفصال الغسالة في التطهير به كما اشار إليه المحدث القاساني في كلامه المتقدم، قال: (لعل المراد بالماء الماء الممزوج بالجص) وكلا الامرين مخدوش، وتفصيل الكلام في محله. وكيف كان فالمستفاد من الرواية أمران، أحدهما: اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه وثانيهما: جواز السجود على الجص ولو كان مطبوخا. قوله: (ثم إن منفعة النجس المحللة للاصل أو للنص قد يجعلها مالا عرفا إلا أنه منع الشرع عن بيعه كجلد الميتة). أقول: قد ظهر مما ذكرناه أنه لا ملازمة بين حرمة بيع الاعيان النجسة وبين حرمة الانتفاع بها وسقوطها عن المالية، بل لا بد من ملاحظة دليل الحرمة، هل يوجد فيه ما يدل على إلغاء المالية من قبل الشارع كما في الخمر والخنزير؟ فان كان فيه ما يدل على ذلك أخذ به وحكم بعدم ترتب آثار المالية عليها من الارث والضمان وغيرهما، وإلا فلا يصح أن يحكم بحرمة الانتفاع بها لمجرد حرمة بيعها، كيف وقد علمت جواز الانتفاع بالميتة والعذرة وشعر الخنزير وكلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع وغيرها من أنواع النجاسات مع ذهاب الاكثر إلى حرمة بيعها!. وعلى ذلك يجب ان تترتب عليها جميع آثار المالية، فإذا أتلفها أحد ضمنها لمالكها، وإذا مات مالكها انتقلت إلى وارثه، ولا يجوز للغير أن يزاحم الورثة في تصرفاتهم، وكذلك تجوز إعارتها وإجارتها وهبتها ولو هبة معوضة، لان حقيقة الهبة متقومة بالمجانية، واشتراط العوض فيها أمر زائد على حقيقتها، وفائدته جواز فسخ الواهب إياها إذا لم يف له المتهب بالشرط. لا يقال: إن الشئ إذا حرم بيعه حرمت سائر المعاملات عليه بطريق الاولوية القطعية. فانه يقال: ان الاحكام الشرعية توقيفية محضة، فلا يجوز التعدي عن مورد ثبت فيه التعبد إلى غيره إلا بدليل، والموجود في ادلة النهي عن بيع الاعيان النجسة في غير ما الغى الشارع ماليته إنما هو حرمة ثمنها، فلا تشمل العوض في سائر المعاملات، لعدم إطلاق الثمن عليه إلا في الصلح بناء على كونه بيعا ومن قبيل المبادلة بين المالين. قال المحقق الايرواني: (إن المالية لا تدور مدار المنفعة، فان الجواهر النفيسة ومنها النقود أموال، ولا فائدة فيها، وفي الماء على الشط أهم المنافع، ولا يعد مالا، والتراب ينتفع به أهم الانتفاع من اصطناع آجر أو خرف أو إناء وليس بمال).

[ 143 ]

وفيه أنه لا شبهة في دوران المالية الشرعية مدار المنفعة المحللة، ودوران المالية العرفية مدار مطلق المنافع وإن كانت محرمة، ولكن الانتفاع بالاشياء ليس على نسق واحد، بل يختلف باختلاف ذي النفع، فنفع الجواهر والنقود بيعها وشرائها، وجعلها أثمانا للامتعة والعروض، وأما عدم كون الماء على الشط والتراب في البر من الاموال مع الانتفاع بها أهم الانتفاع فلكون الناس في الانتفاع بهما شرعا سواء، ولذا لو اختصا بشخص واحد كبعض اقسام التراب فان الناس يبذلون بازائهما المال المهم. وعلى الاجمال مالية الاشياء إنما هي باعتبار منافعها فعديم المنفعة ليس من الاموال. حقيقة حق الاختصاص ومنشأ ثبوته قوله: (والظاهر ثبوت حق الاختصاص في هذه الامور). أقول: قد قامت السيرة القطعية الشرعية والعقلائية على ثبوت حق الاختصاص والاولوية للملاك في أموالهم التي سقطت عن المالية للعوارض والطوارئ كالماء على الشط، والحيوان المملوك إذا مات، والاراضي المملوكة إذا جعلها الجائر بين الناس شرعا سواء، كالطوق والشوارع المغصوبة، بديهة عدم جواز مزاحمة الاجانب عن تصرف الملاك في أمثال تلك الموارد ما لم يثبت الاعراض وهذا مما لا ريب فيه. وإنما الكلام في منشأ ذلك الحق، وقد استدل عليه بوجوه، الاول: أن حق الاختصاص سلطنة ثابتة في الاموال وهي غير الملكية، فإذا زالت الملكية بقي الحق على حاله، لان كل واحد منهما ناشئ عن سبب خاص به. وفيه أن ذلك وإن كان ممكنا في مقام الثبوت، إلا أنه ممنوع في مقام الاثبات لعدم الدليل عليه. الثاني: أن حق الاختصاص مرتبة ضعيفة من الملكية، فإذا زالت الملكية بحدها الاقوى بقيت منها المرتبة الضعيفة التي نسميها بحق الاختصاص لعدم الملازمة بينهما في الارتفاع، ويتضح ذلك بملاحظة الالوان والكيفيات الخارجية. وفيه ان الملكية الحقيقية من أية مقولة كانت، جدة أو إضافة ليست قابلة للشدة والضعف حتى تعتبر بحدها الضعيف تارة، وبحدها القوي تارة اخرى، بل هي أمر بسيط فإذا زالت زالت باصلها. ولو سلمنا كون الملكية الحقيقية ذات مراتب لم يجر ذلك في الاعتبارية فان اعتبار كل مرتبة منها مغاير لاعتبار المرتبة الاخرى، وإذا زال اعتبار المرتبة القوية لم يبق بعده اعتبار

[ 144 ]

آخر للمرتبة الضعيفة، وعليه فلا يبقى هناك شئ آخر لكي يسمى بالحق. وهذا لا ينافى ما هو المعروف من أن الحق في نفسه مرتبة ضعيفة من الملك. فان معنى هذا الكلام: أن الملك والحق كليهما من مقولة السلطنة، وأن الملك سلطنة قوية، والحق سلطنة ضعيفة، وهو أمر آخر غير اختلاف حقيقة الملك بالشدة والضعف، والكمال والنقص نظير الالوان كما توهم. ونظير ما نحن فيه تسمية الرجحان الضعيف في باب بالاوامر بالاستحباب والرجحان الشديد بالوجوب، وهو أمر وراء كون الاستحباب مرتبة ضعيفة من الوجوب. الثالث: قد ثبت في الشريعة المقدسة أنه لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال غيره إلا بطيب نفسه، وقد دلت على ذلك السيرة القطعية وجملة من الاخبار (1) فإذا زالت الملكية، وشككنا في زوال ذلك الحكم كان مقتضى الاستصحاب الحكم ببقائه. وفيه مضافا إلى عدم جريان الاستصحاب في الاحكام، لمعارضته دائما بأصالة عدم الجعل كما نقحناه في علم الاصول. أن موضوع الحكم محرمة التصرف هو مال الغير فإذا سقط


(1) في الاحتجاج ص 267 عن أبي الحسين محمد بن جعفر الاسدي قال: كان فيما ورد علي من الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائل إلى صاحب الزمان إلى أن قال " ع ": وأما ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لنا حيتنا هل يجوز القيام بعمارتها واداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتسابا للاجر وتقربا اليكم؟ فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه فكيف يحل ذلك في مالنا! من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه ومن أكل من أموالنا شيئا فانما يأكل في بطنه نارا وسيصلى سعيرا. وفي ج 1 ئل باب 3 حكم ما لو طاب نفس المالك بالصلاة في ارضه من مكان المصلي. سماعة عن ابي عبد الله " ع " في حديث إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه، موثقة لزرعة وسماعة الواقفيين. وعن تحف العقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال في خطبة حجة الوداع: أيها الناس إنما المؤمنون اخوة ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، مرسلة. وفي ج 1 المستدرك ص 222 عن عوالي اللئالي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المسلم أخو المسلم لا يحل ماله إلا عن طيب نفسه، مرسلة. وعنه صلى الله عليه وآله قال: لا يحلبن احدكم ماشية اخيه إلا باذنه، مرسلة.

[ 145 ]

الشئ عن المالية سقطت عنه حرمة التصرف حتى إذا كان باقيا على صفة المملوكية. إذ لا دليل على حرمة التصرف في ملك الغير، فكيف إذا زالت عنه الملكية ايضا! الرابع: دعوى الاجماع على ذلك. وفيه أن دعوى الاجماع التعبدي في المسألة بعيدة جدا، فان من الممكن استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة. الخامس: دلالة المرسلة المعروفة بين الفقهاء " من حاز ملك " وقوله " ص ": (1) (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به). على وجود ذلك الحق في الاشياء التي سقطت عنها المالية. وفيه أن حديث الحيازة وإن اشتهر في ألسنة الفقهاء وكتبهم الاستدلالية، ولكنا لم نجده في اصول الحديث من الخاصة والعامة. الظاهر انه قاعدة فقهية متصيدة من الروايات الواردة في الابواب المختلفة، كإحياء الموات والتحجير وغيرهما كسائر القواعد الفقهية المضروبة لبيان الاحكام الجزئية. ولو سلمنا كون ذلك رواية، أو كان بناء الفقهاء على الاستدلال بالقاعدة فلا دلالة فيها على ثبوت حق الاختصاص بعد زوال الملكية، فان الظاهر منها ليس إلا ثبوت مالكية المحيز للمحاز، وأما الزائد عن ذلك فلا دلالة لها عليه. على أنها ضعيفة السند، وغير منجبرة بشئ، فان الشهرة إنما تكون جابرة لضعف سند الرواية إذا علم استناد المشهور إلى الرواية الضعيفة، ولا ريب ان استناد اكثرهم هنا اوكلهم إلى غيرها، وإنما ذكروها للتأييد والتأكيد. ويضاف إلى ذلك: ان جبر الرواية الضعيفة بالشهرة ضعيف المبنى، وقد اشرنا إليه في اول الكتاب. وأما حديث السبق ففيه أولا: انه ضعيف السند، وغير منجبر بشئ صغرى وكبرى، وثانيا: ان ما نحن فيه خارج عن حدود هذا الحديث، فان مورده الموارد المشتركة بين المسلمين بأن يكون لكل واحد منهم حق الانتفاع بها، كالاوقاف العامة من المساجد والمشاهد والمدارس والرباط وغيرها، فإذا سبق إليها احد من الموقوف عليهم واشغلها الجهة التي انعقد عليها الوقف حرمت على غيره مزاحمته وممانعته في ذلك. ولو عممناه إلى موارد الحيازة فانما يدل على ثبوت الحق الجديد للمحيز في المحاز، ولا يدل على بقاء العلقة


(1) في ج 6 سنن البيهقي ص 142 اسمر بن مضرس قال: اتيت النبي صلى الله عليه وآله فبايعته فقال: من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له قال: فخرج الناس يتعادون يتخاطون. وفي أول إحياء الموات من المبسوط لشيخ الطائفة، وفي ج 3 المستدرك باب إحياء الموات ص 149: روى عنه صلى الله عليه وآله قال: من سبق إلى مالا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به.

[ 146 ]

بين المالك وملكه بعد زوال الملكية. ومن جميع ما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقق الايرواني من الموهن، حيث قال: (والظاهر ثبوت حق الاختصاص: اما في الحيازة فلعموم دليل من سبق إلى ما لم يسبقه احد " مسلم " فهو أولى به " أحق به " واما فيما إذا كان اصله ملكا للشخص فلاستصحاب بقاء العلقة). فقد علمت ان المورد ليس مما يجري فيه الاستصحاب. وان الحديث لا يدل على المدعى. قوله: (ثم انه يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع). أقول: محصل كلامه انه يشترط في الاختصاص قصد الحائز الانتفاع بالمحاز، فلو خلت حيازته عن ذلك القصد لم يثبت له حق الاختصاص في المحاز، وجاز لغيره مع العلم بذلك ان يزاحمه في التصرفات ولا فرق في ذلك بين الاوقاف العامة والمباحات الاصلية، وعليه فيشكل الامر فيما يتعارف في اكثر البلاد من جمع العذرة وبيعها لتسميد البساطين والزروع، فان الظاهر بل المقطوع به انه ليس للشخص قصد الانتفاع بفضلاته، ولم يحرزها للانتفاع بها، فيكون اخذ المال بإزائها اخذا محرما. ولكن التحقيق ان يقال: ان المحاز قد يكون من الامكنة المشتركة كالاوقاف العامة، وقد يكون من المباحات الاصلية، اما الاول فلا ريب في ان اختصاص الحائز به مشروط بقصد الانتفاع على حسب ما أوقفه أهله وإلا فلا يثبت له الاختصاص لكونه على خلاف مقصود الواقف، ومن هنا لم يجز بيعه، ولا هبته، ولا اجارته، ولا استملاكه. على انا لو قلنا: بعدم الاشتراط بذلك لجاز إشغال المساجد ومعابد المسلمنى بنحو من الحيازة ولو بإلقاء السجادة ووضع التربة ثم بيعها من المصلين، ومن البديهي ان هذا على خلاف وجهة الوقف، نعم لو اكتفينا في ثبوت الاختصاص بمجرد قصد الحيازة، ولم تشترط فيه قصد الانتفاع، وقلنا بأن حق الاختصاص بما تجوز المعاوضة عليه لارتفع الاشكال وأما الثاني: كالاحتطاب والاصطياد فالظاهر أن الاختصاص به غير مشروط بشئ، بل يكفي فيه مجرد الحيازة الخارجية لعدم الدليل على التقييد، ومن هنا ذهب جمع من الاصحاب ومن العامة إلى عدم الاشتراط. ويظهر ذلك لمن يلاحظ الموارد المناسبة لما نحن فيه قال الشيخ في الخلاف (1): (الارضون الموات للامام خاصة لا يملكها احد بالاحياء إلا أن يأذن له الامام. وقال الشافعي: من أحياها ملكها أذن له الامام أو لم يأذن. وقال أبو حنيفة: لا يملك إلا بإذن، وهو قول مالك. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم). ولو كان لتقييد الاختصاص بقصد الانتفاع وجه لكان ذلك موردا للخلاف كالتقييد باذن الامام


(1) راجع ج 2 ص 2.

[ 147 ]

ويؤيده عموم عموم رواية: (من سبق إلى مالا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به) وقاعدة الحيازة المتقدمتين، بل يمكن استفادة الاطلاق من الاخبار المتظافرة الواردة في إحياء الموات من الاراضي، كصحيحة محمد بن مسلم: (أيما قوم أحيوا شيئا من الارض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم)، وكحسنة زرارة لابراهيم بن هاشم عن ابي جعفر " ع ": (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من أحيا مواتا فهو له). وغير ذلك من الروايات من طرق الشيعة (1) ومن طرق العامة (2). حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة قوله: (النوع الثاني مما يحرم التكسب به ما يحرم لتحريم ما يقصد به وهو على أقسام: الاول: ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلا الحرام وهي امور، منها هياكل العبادة المبتدعة). أقول: المشهور بل المجمع عليه بين الشيعة والسنة (3) هو تحريم بيع هياكل (4) العبادة المبتدعة، وفي المتن (بلا خلاف ظاهر بل الظاهر الاجماع عليه).


(1) راجع ج 1 كاص 409، وج 2 التهذيب ص 158، وج 10 الوفاي ص 131، وج 3 ئل إحياء الموات ص 149، وج 3 المستدرك إحياء الموات ص 149. (2) في ج 6 سنن البيهقي ص 141، وج 3 البخاري باب من أحيا ارضا مواتا ص 140 عن عائشة إنه قال: من عمر أرضا ليست لاحد فهو أحق بها. وغيرها من أحاديثهم. (3) في ج 2 سبل السصلام ص 317 وأما علة تحريم بيع الاصنام فقيل: لانها لا منفعة فيها مباحة، وقيل: إن كانت بحيث إذا كسرت انتفع باكسارها جاز بيعها. والاولى أن يقال: لا يجوز بيعها وهي أصنام للنهي، ويجوز بيع كسرها، إذ هي ليست باصنام، ولا وجه لمنع بيع الاكسار اصلا. أقول: قد اشار بالنهي إلى رواية جابر بن عبد الله حيث ذكر النهي فيها عن بيع الاصنام راجع ج 6 سنن البيهقي ص 12، وج 3 البخاري ص 110. (4) في المسالك الاصل في الهيكل أنه بيت للصنم كما نص عليه الجوهري وغيره، وأما اطلاقه على نفس الصنم فلعله من باب المجاز إطلاقا لاسم المحل على الحال. وفي ج 8 تاج العروس ص 170: الهيكل الضخم من كل شئ، والهيكل بيت للنصارى فيه صنم على صورة مريم عليها السلام فيما يزعمون مشى النصارى حول بيت الهيكل زاد في المحكم فيه صورة مريم وعيسى عليهما السلام، وربما يسمى ديرهم هيكلا، والهيكل البناء المشرف قيل: هذا هو الاصل ثم سمي به بيوت الاصنام مجازا.

[ 148 ]

وقد استدل على ذلك أولا: بما في رواية تحف العقول من قوله " ع ": (فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه) وقوله " ع " فيها: (إنما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجئ منها الفساد محضا نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكل ملهو به والصلبان والاصنام) وقوله " ع " ايضا فيها: (أو عمل التصاوير والاصنام). وفيه أولا: ان رواية تحف العقول ضعيفة السند فلا يمكن الاستناد إليها في الاحكام الشرعية، وقد تقدم ذلك في أول الكتاب. وثانيا: أن النهي فيها ظاهر في الحرمة التكليفية فلا دلالة فيها على الحرمة الوضعية، وهذا ايضا تقدم في أول الكتاب. وثانيا: بأن أكل المال بازائها أكل له بالباطل، لآية التجارة عن تراض، وفيه أنك عرفت مرارا عديدة: أن الآية ليست عن شرائط العوضين في شئ، وإنما هي راجعة إلى بيان اسباب المعاملات، وستعرف ذلك ايضا فيما يأتي. وثالثا: بقوله تعالى (1): (واجتنبوا الرجس من الاوثان) وبقوله تعالى (2): (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) وبقوله تعالى (3) (والرجز فاهجر). بناء على أن بيع هياكل العبادة والاكتساب بها مناف للاجتناب المطلق، كما أن المراد من الانصاب هي الاوثان والاصنام) (4) والمراد من الرجز الرجس، ومن الهجر الاجتناب. ورابعا: بالنبوي المشهور المجعول (إن الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه). وبقوله " ع " في دعائم الاسلام (5): (نهي عن بيع الاصنام).


(1) سورة الحج، آية: 32. (2) سورة المائدة، آية 90. (3) سورة المدثر، آية: 5. (4) في ج 1 تاج العروس ص 486: الانصاب وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها، ويذبح لغير الله تعالى، قاله ابن سيده. وامدها نصب كعنق وأعناق، أو نصب بالضم كقفل وأقفال، قال تعالى: والانصاب، وقوله: وما ذبح على النصب. الانصاب الاوثان، وقال القتيبي. النصب صنم أو حجر وكانت الجاهلية تنصبه تذبح عنده فيحمر بالدم وفي مفردات الراغب: والنصيب الحجارة تنصب على الشئ، وجمعه نصائب ونصب، وكان للعرب حجارة تعبدها، وتذبح عليها. وفي حديث أبي الجارود في تفسير الآية: وأما الانصاب الاوثان التي يعبدها المشركون وسيأتي التعرض لهذا الحديث في البحث عن بيع آلات القمار. (5) راجع ج 2 المستدرك ص 427.

[ 149 ]

وفيه مضافا إلى ضعف السند فيهما، وعدم ثبوت النبوي على النحو المعروف أن الظاهر من النهي في رواية الدعائم هي الحرمة التكليفية، والمراد إثبات ما هو أعم منها ومن الحرمة الوضعية. وخامسا: بأنه قد ورد المنع (1) عن بيع الخشب ممن يجعله صليبا أو صنما فإذا حرم بيع الخشب لذلك فان بيع الصليب والصنم أولى بالتحريم، وهذا هو الوجه الوجيه، ويؤيده قيام السيرة القطعية المتصلة إلى زمان المعصوم " ع " على حرمة بيع هياكل العبادة، ويؤيده أيضا وجوب اتلافها حسما لمادة الفساد كما اتلف النبي صلى الله عليه وآله وعلي " ع " أصنام مكة (2) فانه لو جاز بيعها لما جاز إتلافها.


(1) ابن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله " ع " أسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبنانا؟ قال: لا. حسنة لابراهيم بن هاشم. وعن عمرو بن حريث قال: سألت ابا عبد الله " ع " عن التوت ابيعه يصنع به الصليب والصنم؟ قال: لا. صحيحة. وفي بعض النسخ: عمرو بن حريز، وعليه فالرواية ضعيفة ولكن المشهور هو الاول. لا يخفى: أنه ذكر في بعض نسخ ئل أبان بن عيسى في سند الرواية بدل أبان عن عيسى فهو من سهو القلم. راجع ج 1 كاص 393، وج 2 التهذيب ص 112، وج 10 الوافي ص 41، وج 2 ئل باب 70 تحريم بيع الخشب ليعمل صليبا مما يكتسب به. (2) في ج 6 سنن البيهقي ص 101 عن ابن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وآله مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود يده ويقول: جاء الحق وما يبدئ الباطل (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). ورواه البخاري ومسلم. وفي ج 9 البحار ص 278، عن ابي هريرة قال: قال لي جابر بن عبد الله: دخلنا مع النبي مكة وفي البيت وحوله ثلاثمائة وستون صنما فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله فالقيت كلها لوجوهها وكان على البيت صنم طويل يقال له هبل فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي وقال له: يا علي تركب علي أو أركب عليك لالقي هبل عن ظهر الكعبة؟ قلت: يا رسول الله بل تركبني، فلما جلس على ظهري لم أستطع حمله لثقل الرسالة، قلت: يا رسول الله بل اركبك، فضحك ونزل وطأطأ لي ظهره واستويت عليه فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أردت أن أمسك السماء لمسكتها بيدي فألقيت هبل عن ظهر الكعبة، فأنزل الله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل). وعن أحمد بن حنبل وأبي بكر الخطيب في كتابيهما ما يقرب من ذلك. وعن أحمد بن حنبل وابي يعلى الموصلي في مسنديهما وأبي بكر الخطيب في تاريخه. ومحمد بن الصباح

[ 150 ]

بحث وتتميم إن كيفيات الاشياء وأوصافها محسوسة كانت أم غير محسوسة وإن كانت بحسب الدقة الفلسفية من مقولة الاعراض، إلا أنها في نظر العرف المبني على المسامحة والمساهلة، منقسمة إلى قسمين، الاول: أن يكون النظر إلى الاشياء أنفسها بالاصالة، وإلى أوصافها بالتبع، لفنائها في المعروض واندكاكها فيه، ومثال ذلك الاعراض التي هي من لوازم الوجود كالالوان، ومن هذا القبيل أيضا الليرات العثمانية التي الغيت عن الرواج، والذهب والفضة غير المسكوكين. الثاني: أن يكون النظر فيها إلى الهيئة والصورة والاصال، وإلى المادة والهيولى بالتبع، لكون الاوصاف معدودة من الصور النوعية في نظر العرف، وذلك كالاشكال التي يكون عليها مدار التسمية والعنوان في الخارج، كما في الكاس والكوز ونحوهما من أن موادها من جنس واحد، ومن هذا القبيل الفرش والثوب ونحوهما. أما القسم الاول: فالمالية فيها من ناحية المواد، لان أوصافها خارجة عن حدود الرغبات التي هي من علل ثبوت المالية في المرغوب فيه. وأما القسم الثاني: فالمالية فيها لخصوص الهيئات، لخروج موادها عن حريم المالية وحدودها، لكونها إما مرغوبا عنها كالنقود الرائجة المضروبة من القراطيس، أو مغفولا عنها في قبال الهيئة للتبعية والاندكاك، ومن هنا اتضح ان المالية إنما تقوم بمواد الاشياء، إما للرغبة فيها انفسها، وإما للميل إلى هيئاتها، وإما للاشتياق اليهما معا، ولا تضر بذلك استحالة عراء المادة عن هيئة ما كما لا يخفى. وقد اتضح: ان المراد بالصورة النوعية هنا هي العرفية دون العقلية المبحوث عنها في طبيعيات الفلسفة، وان بينهما عموما من وجه، إذ قد يكون الوصف من الصور النوعية العرفية مع كونه في نظر العقل من الاعراض، كالرجولة والانوثة، فانهما وإن كانا عرضين للانسان، إلا أنهما في نظر العرف من الصور النوعية، فالعبد والامة نوعان في نظر العرف وإن كانا بالنظر الدقيق صنفين من طبيعة واحدة. وقد ينعكس الامر، فيكون ما هو من الصور النوعية في نظر العقل من الاعراض في نظر العرف، وذلك كالثوبين المنسوج احدهما من الحرير والآخر من الفنتاز، فانهما عند العقل ماهيتان متبائنتان، وفي نظر العرف


الزعفراني في الفضائل. والخطيب الخارزمي في اربعينه في تفسير قوله تعالى: (ورفعناه مكانا عليا) أنه في صعود علي " ع " على ظهر النبي صلى الله عليه وآله لقلع الصنم.

[ 151 ]

حقيقة واحدة لا تعدد فيها، وقد يجتمعان كالفراشين المنسوجين بنسج واحد ومن نجنس واحد، والكأسين المصوغين بصياغة واحدة، ومن فلز واحد. وإذا عرفت ما تلوناه عليك نقول: الملحوظ استقلالا في بيع الصليب والصنم إن كانت هي الهيئات العارية عن المواد إما لعدم مالية المواد المصنوع من الخزف، أو لكونها مغفولا عنها فلا شبهة في حرمة بيعها وضعا وتكليفا، لوقوع البيع في معرض الاضلال ولتمحض المبيع في جهة الفساد، وانحطاطه عن المالية لحرمة الانتفاع بهما بالهيئة الوثنية، ولذا وجب إتلافها. وان كان الملحوظ في بيعهما هي المواد مجردة عن الصورة الوثنية إلا باللحاظ التبعي غير المقصود فلا إشكال في صحة بيعهما، لآية التجارة وسائر العمومات، لان البيع والمبيع لم يتصفا بجهة من الجهات المبغوضية المنهي عنها. وإن كان المقصود من البيع هي المواد والهيئة معا كما إذا كانا مصنوعين من الجواهر النفيسة أو الاشياء الثمينة فلا إشكال في حرمة البيع وضعا وتكليفا كالصورة الاولى، لعموم ادلة المنع عن البيع لهذا الغرض ايضا. لا يقال: إذا كان كل من الهيئة والمادة ملحوظا في البيع كان المورد من صغريات بيع ما يملك وما لا يملك، كبيع الخل مع الخمر، وبيع الشاة مع الخنزير في صفة واحدة، وحكم ذلك أن يقسط الثمن عليهما، وسيأتي، ويثبت للمشتري خيار تخلف الشرط لفوات الانضمام، وعلى ذلك فلا وجه للحكم بالبطلان. فانه يقال: إن الانحلال والتقسيط وإن كانا بحسب الكبرى موافقين للتحقيق، إلا ان الاشكال في صحة الصغرى، لان الهيئة الوثنية في الصليب والصنم كالصورة النوعية للمادة في نظر العرف، فلا تكونان في الخارج إلا شثيئا واحدا، فلا موضع هنا للانحلال والتقسيط، كما لا موضع لهما في المادة والصورة العقليتين عند التخلف بأن يحكم بالصحة في المادة السيالة المسماة بالهيولى الاولى، لانها محفوظة في جميع الاشياء وإن تبادلت عليها الصور وبالبطلان في الهيئة، لان المقصود منها غير واقع، والواقع منها غير مقصود، ويتبع ذلك تقسيط الثمن عليها بالنسبة. ووجه الفساد ان المادة والهيئة ليستا من الاجزاء الخارجية لكي تنحل المعاملة الواحدة إلى معاملات متكثرة حسب تكثر أجزاء المبيع، فالمعاملة عليهما واحدة لاتحاد متعلقها خارجا والكثرة إنما هي تحليلية عقلية، ولازم ذلك ان المعاملة إذا بطلت في جزء بطلت في الجميع فلا منشأ للانحلال والتقسيط، ولا فرق في ذلك بين ان تكون الصورة عقلية أو عرفية.

[ 152 ]

لا يقال: ان بيع المادة مع قصد الصورة الوثنية وان كان موجبا للبطلان إلا أن اشتراط إعدام الهيئة وفنائها بوجب صحة البيع وترتب الاثر عليه، لجواز الانتفاع بأجزائها بعد الكسر، لانها ليست بأصنام. فانه يقال: إذا تحقق موضوع الحرمة وترتب عليه الحكم لم يؤثر هذا الاشتراط في الجواز، لان الشئ لا ينقلب عما هو عليه. ثم لا يخفى: أنه لو اتصف شئ من آلات الصنايع كالمكائن ونحوها بصورة الوثنية لكان داخلا في الاعيان ذات المنافع المحللة والمحرمة، وسيأتي الكلام عليها، ولو قلنا: بجواز بيعها باعتبار منافعها المحللة فانما هو فيما إذا أوجبت هذه المنافع ماليتها مع قطع النظر عن المنافع الاخرى المحرمة وعن لحاظ الجهة الوثنية، وإلا فلا وجه لتوهم جواز البيع. قوله: (لو أتلف الغاصب لهذه الامور ضمن موادها). اقول: قد عرفت أنه يجب إعدام الصورة الوثنية، وعليه فان كانت لابعاضها المكسورة قيمة كما إذا كانت مصوغة من الذهب أو الفضة فلا يجوز اتلافها بموادها، بل يجب إتلافها بهيئتها فقط، ولو اتلفت بموادها ضمنها المتلف لمالكها، إلا أن يتوقف إتلاف الهيئة على إتلاف المادة. وان لم تكن لرضاضها قيمة فلا مانع من إتلاف المادة ايضا مع الهيئة. لا يقال: إن توقف إتلاف الهيئة على إتلاف المادة لا ينافي ضمان المادة إذا كانت لها قيمة، كما أن جواز أكل طعام الغير بدون إذنه في المجاعة والمخمضة لا ينافي ضمان ذلك الطعام. فانه يقال: الفرق واضح بين المقامين، إذ الباعث إلى أكل طعام الغير في المخمصة إنما هو الاضطرار الموجب لاذن الشارع في ذلك، وأما هياكل العبادة فان الباعث إلى إتلافها ليس إلا خصوص أمر الشارع بالاتلاف فلا يستتبع ضمانا. حرمة بيع آلات القمار قوله: (ومنها القمار). أقول: قد اتفقت كلمات الاصحاب على حرمة بيع آلات القمار، بل في المستند (1) دعوى الاجماع عليها محققا بعد أن نفى عنها الخلاف أولا. ثم إن مورد البحث هنا سواء كان من حيث حرمة البيع أم من حيث وجوب الاتلاف ما يكون معدا للمقامرة والمراهنة كالنرد والشطرنح. ونحوهما مما يعد آلة قمار بالحمل الشايع، وإلا فلا وجه لحرمة بيعه وإن انفقت المقامرة به في بعض الاحيان، كالجوز والبيض ونحوهما، كما لا يجوز إتلافه، لكونه تصرفا في مال الغير بغير إذن منه، ولا من الشارع،


(1) ج 2 ص 335.

[ 153 ]

نعم يجب نهي المقامرين بذلك عن المقامرة إذا اجتمعت فيه شرائط النهي عن المنكر. ويظهر حكم هذه المسألة مما أسسناه في المسألة السابقة من الضابطة الكلية في حرمة بيع ما قصدت منه الجهة المحرمة، فلا يحتاج إلى التكرار. على أن حرمة البيع هنا قد دلت عليها جملة من الاخبار (1) منها رواية ابي الجارود الدالة على حرمة بيع آلات القمار، وحرمة الانتفاع بها. ومنها قوله " ع " في رواية ابي بصير: (بيع الشطرنج حرام وأكل ثمنه سحت) ومنها ما في حديث المناهي: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع النرد). ومورد الخبرين الاخيرين وإن كان خصوص بعض الآلات، ولكن يتم المقصود بعدم القول بالفصل بين آلات القمار


(1) في ج 2 ئل باب 130 تحريم اللعب بالشطرنج مما يكتسب به. وفي ج 16 البحار باب حرمة بيع الشطرنج، وج 23 كتاب السبق. عن علي بن ابراهيم في تفسيره عن ابي الجارود عن ابي جعفر " ع " في قول الله عزوجل: (إنما الخمر والميسر) وأما الخمر فكل مسكر من الشراب، إلى أن قال: وأما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر وأما الانصاب فالاوثان التي كانت تعبدها المشركون وأما الازلام فالاقداح التي كانت نستقسم بها المشركون من العرب في الجاهلية كل هذا بيعه وشراؤه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم وهو رجس من عمل الشيطان وقرن الله الخمر والميسر مع الاوثان. ضعيفة لابي الجارود وهو زياد بن منذر يكنى بأبي النجم ايضا. وفي ج 1 رجال المامقاني ص 459 في رواية ابي بصير عن الصادق " ع " إنه من الكذابين والمكذبين والكفار ثم لعن عليهم، وهو زيدي المذهب، وكان أعمى القلب والبصر، ويسمى سرحون وهو من أسماء الشيطان. وفي ج 2 ئل باب 131 تحريم الحضور عند اللاعب بالشطرنج وتالييه من أبواب ما يكتسب به. محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي عن أبي بصير عن أبي عبد الله " ع " قال: بيع الشطرنج حرام وأكل ثمنه سحت واتخاذها كفر واللعب بها شرك والسلام على اللاهي بها معصية وكبيرة موبقة. صحيحة. وعن الصدوق باسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام في المناهي قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع النرد. وفي ج 16 البحار باب حرمة بيع الشطرنج. اضاف إليه الشطرنج. وفي ج 3 المستدرك في الفائدة الخامسة من الخاتمة في شرح مشيخة الفقيه ص 607 فالخبر ضعيف على المشهور لجهالة بعض رواته ولكن تلوح من متنه آثار الصدق وليس فيه من آثار الوضع علامة والله العالم.

[ 154 ]

المعدة لذلك. ثم أنه قد ورد في جملة من أحاديث العامة (1) الامر بكسر النرد وإحراقها. فتدل على حرمة بيعها، لان ما لا يجوز الانتفاع به لا يجوز بيعه عندهم. وقد تقدم ذلك في البحث عن جواز الانتفاع بالنجس، وسيأتي التعرض له في المسألة الآتية. قوله: (وفي المسالك إنه لو كان لمكسورها قيمة). أقول: قال في التذكرة (2): (. أسقط الشارع منفعته لانفع له فيحرم بيعه، كآلات الملاهي وهياكل العبادة المبتدعة، كالصليب والصنم، وآلات القمار، كالنرد والشطرنج إن كان رضاضها لا يعد مالا، وبه قال الشافعي، وإن عد مالا فالاقوى عندي الجواز مع زوال الصفة المحرمة). وذكر المصنف: (إن اراد بزوال الصفة زوال الهيئة فلا ينبغي الاشكال في الجوز، ولا ينبغي جعله محلا للخلاف بين العلامة والاكثر). وفي حاشية السيد: (لعله اراد بزوال الصفة عدم مقامرة الناس به وتركهم له بحيث خرج عن كونه آلة القمار وان كانت الهيئة باقية). ويرد على التوجيهين: أن ظاهر عبارة العلامة أن الحرمة الفعلية لبيع الامور المذكورة تدور مدار عدم صدق المالية على اكسارها، وتوجيهها بما ذكره المصنف أو بما ذكره السيد رحمهما الله بعيد عن مساق كلامه جدا، نعم يحتمل وقوع التحريف في كلامه بالتقديم والتأخير: بأن تكون العبارة (وإن عد مالا مع زوال الصفة المحرمة فالاقوى عندي الجواز) فيكون ملخص كلامه جواز البيع إذا كانت المادة من الاموال. أو يوجه بتقدير المضاف بين كلمة مع وكلمة زوال: بأن يكون التقدير (فالاقوى عندي الجواز مع اشتراط زوال الصفة المحرمة). وكيف كان فهو أعرف بمرامه، ولا ندري ما الذي فهم منه المسالك حتى استحسنه. قوله: (ثم إن المراد بالقمار مطلق المراهنة بعوض). أقول: في مجمع البحرين: اصل القمار الرهن على اللعب بشئ، وربما اطلق على اللعب بالخاتم والجوز، وسيأتي التعرض لحقيقة القمار والميسر والازلام، والتعرض لبيان أن المحرم هو مطلق المراهنة والمغالبة أو المغالبة مع العوض في مسألة حرمة القمار. حرمة بيع آلات الملاهي قوله: (ومنها آلات اللهو على اختلاف أصنافها). أقول: اتفق فقهائنا بل الفقهاء


(1) راجع ج 10 سنن البيهقي ص 216. (2) ج 1 ص 4 من البيع.

[ 155 ]

كافة ظاهرا (1) على حرمة بيع آلات الملاهي وضعا وتكليفا، بل في المستند (2) دعوى الاجماع على ذلك محققا. وقد يستدل على ذلك بالروايات العامة المتقدمة في اول الكتاب ولكنه فاسد لما فيها من ضعف السند والدلالة، وظهورها في الحرمة التكليفية كما عرفت. والذي ينبغي ان يقال: ان الروايات (3) قد تواترت من طرقنا ومن طرق العامة على حرمة الانتفاع بآلة اللهو في الملاهي والمعازف، وأن الاشتغال بها والاستماع إليها من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة، وأن ضربها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة، ويتسلط عليه شيطان ينزع منه الحياء، وأنه من عمل قوم لوط، وفي سنن البيهقي: يخسف الله بهم الارض ويجعل منهم القردة والخنازير، بل من الوظائف اللازمة كسرها وإتلافها حسما لمادة الفساد، وليس في ذلك ضمان بالضرورة، وفي بعض أحاديث العامة (4) ان رجلا كسر طنبورا لرجل فرفعه إلى شريح فلم يضمنه. إذن فالمسألة من صغريات الضابطة الكلية التي ذكرناها في البحث عن حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة، وعليه فالحق هو حرمة بيع آلات اللهو وضعا وتكليفا، على أنه ورد في الحديث (5) ما يدل على حرمة بيع نلات الملاهي وشرائها وحرمة ثمنها والتجارة فيها.


(1) في ج 5 شرح فتح القدير: إذا كان احد العوضين أو كلاهما محرما فالبيع فاسد. وفي ج 2 فقه المذاهب ص 166 عن الشافعية: ان من شرائط المعقود عليه ان يكون منتفعا به شرعا. وفي ص 167 عن الحنفية: لا ينعقد بيع كل ما لا يباح الانتفاع به شرعا. وفي ص 168 عن المالكية: من شرائط المعقود عليه ان يكون منتفعا به شرعا فلا يصح بيع آلة اللهو. وفي ج 3 فقه المذاهب ص 175: تحرم إجارة آلات الطرب وثمنها. أقول: لا شبهة في ظهور كلمات هؤلاء، بل صراحة بعضها في حرمة بيع آلات الملاهي فان الانتفاع بها حرام في الشريعة المقدسة بالاتفاق، ولا ينافى ذلك لما سيأتي في البحث عن حرمة الغناء من ذهاب العامة إلى جواز الغناء في نفسه. (2) في ج 2 المستدرك ص 335. (3) سنتعرض لهذه الاخبار المنقولة من الفريقين في البحث عن حرمة الغناء. (4) راجع ج 6 سنن البيهقي ص 101. (5) في ج 2 المستدرك ص 458 الشيخ أبو الفتوح في تفسيره عن ابي امامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: ان الله بعثني هدى ورحمة للعالمين، وأمرني أن أمحو المزامير والمعازف والاوتار والاوثان وامور الجاهلية، إلى أن قال: إن آلات المزامير شراؤها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام مرسلة.

[ 156 ]

ولكنه ضعيف السند. لا يخفى: أن موضوع الحرمة هنا هي آلة اللهو، وقد حقق في محله أن المضاف إليه خارج عن حدود المضاف، فلا يعد جزء له، إلا أنه داخل فيه بنحو الاشتراط والتقييد، وحيث إن معرفة الحكم فرع معرفة الموضوع بقيوده وشؤونه فلا بد هنا من العلم بحقيقة اللهو، وسيأتي التعرض له في محله، ومن أوضح مصاديقه ما هو مرسوم اليوم من تغني اهل الفسوق ولهوهم بالراديوات وغيرها من آلات الملاهي. حكم بيع آنية الذهب والفضه قوله: (ومنها أواني الذهب والفضة). اقول: مفهوم الاناء أمر معلوم لكونه من المفاهيم العرفية، وهو ما يكون معدا للاكل والشرب، جمعه آنية وأوان، والظرف أعم منه، ومجمل القول هنا أن النهي عن آية الذهب والفضة إن كان مختصا بالاكل أو الشرب فيها، وكانت محرمة الاستعمال في خصوصهما، كما اتفق عليه الفقهاء كافة (1) واستفاضت الروايات بينهم من الفريقين (2) فلا شبهة في جواز بيعها لسائر الجهات المحللة، ومنها اقتناؤها لانحاء الاستعمالات وأقسام التنزينات غير الاكل والشرب فيها، وهكذا الحكم لو كان المستفاد من الروايات هو حرمة استعمالها على وجه الاطلاق، كما ادعى عليه الاجماع ايضا، وذكر النهي عنه في بعض الاحاديث (3) إذ لا يعم ذلك مثل التزين لعدم صدق الاستعمال عليه، فيجوز بيعها لذلك. وإن كان المستفاد حرمة جميع منافعها وجميع أنحاء التقلب والتصرف فيها حتى التزين


(1) قال صابح الجواهر في أواخر كتاب الطهارة لا يجوز الاكل والشرب في آنية من ذهب أو فضة إجماعا منا. وعلى هذا النهج كثير من الاصحاب وفي ج 2 فقه المذاهب ص 16: فيحرم اتخاذ الآنية من الذهب والفضة فلا يحل لرجل أو امرأة أن يأكل أو يشرب فيها، وكذلك لا يحل الطيب منها أو الادهان أو غير ذلك، وكما يحرم استعمالها يحرم اقتناؤها بدون استعمال. وغير ذلك من كلمات العامة (2) راجع ج 2 كاص 187، وج 2 التهذيب ص 305، وج 11 الوافى ص 75 وج 1 ئل باب 65 عدم جواز استعمال اواني الذهب والفضة من أبواب النجاسات، وج 1 المستدرك ص 166، وج 14 البحار ص 923 إلى ص 925، وج 1 سنن البيهقي ص 27 (3) في ج 1 المستدرك ص 166 عن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن استعمال أواني الذهب والفضة. مرسلة.

[ 157 ]

بها فلا ريب في حرمة المعاوضة عليها مطلقا، لكونها مما يجئ منها الفساد محضا، وتكون من صغريات الكبرى المتقدمة في البحث عن حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة. وقد استدل على هذا الاحتمال الاخير بقوله " ع " (1): (آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون). وفيه مضافا إلى ضعف السند في الرواية، أنها ناظرة إلى الجهة الاخلاقية فلا تكون مدركا في الاحكام الفرعية، وتفصيل الكلام في كتاب الطهارة. حكم بيع الدراهم المغشوشة قوله: (ومنها الدراهم الخارجة المعمولة لاجل غش الناس). اقول: لا شبهة في حرمة غش المؤمن في البيع والشراء وضعا وتكليفا، وسنذكر ذلك عند التعرض لحرمة الغش، وإنما الكلام هنا يقع في ناحيتين: الاولى جواز الانتفاع بها في التزين وفي دفعه إلى العشار في المكوس والكمارك، وإلى الظالم، وعدم جوازه. الثاني جواز المعاوضة عليها وعدم جوازها أما الناحية الاولى فقد استدل على الحرمة بروايات، منها ما في رواية الجعفي (2) من الامر بكسر الدرهم المغشوش، فانه لا يحل بيعه ولا انفاقه. وفيه أن الامر فيها ليس تكليفيا ليجب كسره، ويحرم تركه، بل هو إرشاد إلى عدم صحة المعاوضة عليها، وعدم جواز اداء الحقوق الواجبة منها، ويدل على ذلك من الرواية تعليل الامام " ع " الامر بالكسر بأنه لا يحل بيعه ولا إنفاقه، إذ من البديهي أن الصد عن


(1) في الباب 65 المذكور من ئل من طريقي الكافي والمحاسن عن موسى بن بكر عن ابي الحسن " ع " قال: آنية الذهب والفضة الخ. ولكن ما في الكافي ضعيف لسهل وما في المحاسن ضعيف لعبد الله بن المغيرة. (2) في ج 2 التهذيب باب بيع الواحد بالاثنين ص 148، وج 10 الوافي باب 101 انفاق الدراهم ص 88، وج 2 ئل باب 10 جواز انفاق المغشوشة من أبواب الصرف عن الفضل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد الله " ع " فالقى بين يديه دراهم فالقى إلي درهما منها فقال: أيش هذا؟ فقلت: ستوق، فقال: وما الستوق؟ فقلت: طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة، فقال: اكسرها فانه لا يحل بيع هذا ولا انفاقه. ضعيفة لعلي بن الحسن الصيرفي. قال في الوافي: الستوق بالضم والفتح معا، وتشديد التاء، وتستوق بضم التاء الزيف البهرج الملبس بالفضة طبقتين فضة. الصواب طبقة من فضة، وكأنه مما صحفه النساخ، وحمل منع انفاقه في التهذيبين على ما إذا لم يبين أنه كذلك، فيظن الآخذ أنه جيد.

[ 158 ]

عن بيعه وإنفاقه في الخارج لا ينحصر في الكسر بل يحصل بغيره أيضا. ومنها ما في رواية موسى بن بكر (1) من أن الامام " ع " قطع الدينار المغشوش بنصفين وأمره بالقائه في البالوعة حتى لا يباع ما فيه غش، إذ لو جاز الانتفاع به في وجه لما قطعه بنصفين. وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند، وغير منجبرة بشئ. وثانيا: أن فعله " ع " وإن كان حجة كسائر الامارات الشرعية كما حقق في محله، إلا أن ذلك فيما تكون وجهة الفعل معلومة، وعليه فلا يستفاد من الرواية أكثر من الجواز الشرعي، ويكون مؤداها الارشاد إلى عدم نفوذ المعاملة عليه، لوجدو الغش فيه، والشاهد على ذلك من الرواية قوله " ع ": (حتى لا يباع شئ فيه غش). بل الظاهر أنه كان غشا محضا، وإلا لما أمر الامام " ع " بالقائه في البالوعة، لكون هذا الفعل من أعلى مراتب الاسراف والتبذير. ومن هنا ظهر ما في رواية دعائم الاسلام (2) من حكمه " ع " بقطع الدرهم المغشوش. وأما الناحية الثانية فتوضيح الكلام فيها أن للدراهم المغشوشة حالتين، الاولى: أن تكون رائجة بين الناس حتى مع العلم بالغش، كالدراهم الرائجة في زماننا. والثانية: أن لا تكون رائجة بينهم. أما الصورة الاولى فلا شبهة في جواز المعاوضة على الدراهم المذكورة، لان الغرض الاصيل منها أعني الرواج غير تابع لخلوص المواد ونقائها من الغش، بل هو تابع لاعتبار سلطان الوقت لها، وجريان القانون الحكومي عليه من غير فرق بين اغتشاش المادة وخلوصها نعم إذا سقطت عن الاعتبار فلا تجوز المعاوضة عليها من دون إعلام. وأما الصورة الثانية فان المعاوضة قد تقع على الدرهم الكلي ثم يدفع البايع الدرهم المغشوش عند الاقباض، وقد تقع على شخص الدرهم الخارجي المغشوش، فعلى الاول لا وجه للبطلان أيضا، ولا خيار للمشتري، بل يجبر البايع على التبديل، فان حصل التبديل فيها،


(1) في ج 1 كاباب 61 الغش من المعيشة ص 374، وج 2 التهذيب ص 122، وج 10 الوافى ص 63، وج 2 ئل باب 115 تحريم الغش بما يخفى مما يكتسب به، عن موسى ابن بكر قال: كنا عند ابي الحسن " ع " فإذا دنانير مصبوبة بين يديه فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثم قطعه بنصفين ثم قال لي: ألقه في البالوعة حتى لا يباع شئ فيه غش. ضعيفة للارسال وللحسن بن علي بن ابي عثمان. (2) في ج 2 المستدرك ص 481، دعائم الاسلام عن أبي عبد الله " ع " قال في الستوق وهو المطبق عليه الفضة وداخل نحاس: يقطع ولا يحل أن ينفق مرسلة.

[ 159 ]

وإلا كان للمشتري الخيار. وعلى الثاني فقد يكون المتعاملان كلاهما عالمين بالغش، وقد يكونان جاهلين به، وقد يكونان مختلفين، أما الصورة الاولى فلا ريب في إباحة البيع تكليفا ونفوذه وضعا للعمومات ودعوى أن الغش مانع عن صحة البيع للاخبار المتظافرة الآتية في البحث عن حرمة للغش دعوى جزافية، ضرورة خروج هذه الصورة عن موردها خروجا تخصيصا، إذ الغش إنما يتقوم بعلم الغار وجهل المغرور، وقد فرضنا علم المتبايعين بالحال، والتمسك لذلك بروايتي الجعفي وموسى بن بكر المتقدمتين بدعوى ظهورهما في حرمة بيع الدراهم والدنانير المغشوشة توهم فاسد، فان الروايتين وإن كانتا ظاهرتين في ذلك، ولكن يجب حملهما على الكراهة لصراحة ما دل من الروايات (1) على جواز البيع مع علم المتبايعين بالحال. وأما الصورة الثانية فالتحقيق فيها أن الكلام تارة يقع في الحرمة التكليفية، وأخرى في الحرمة الوضعية، أما الحرمه التكليفية فمنفية جزما، لفقد موضوعها (وهو الغش) مع جهل المتبايعين. وأما الحرمة الوضعية بمعنى عدم نفوذ البيع فتوضيح الحال فيها يتوقف على مقدمة قد أوضحناها في البحث عن بيع هياكل العبادة، وتعرض المصنف لها في خيار تخلف الشرط، ولا بأس هنا بالاشارة إليها إجمالا، وملخصها: ان القيود في المبيع سواء كانت من قبيل الاوصاف أو الشروط إما صور نوعية عرفية، أو جهات كمالية. فان كانت من القبيل الاول فلا ريب في بطلان البيع مع التخلف، كما إذا اشترى جارية على أنها شابة جميلة فظهرت عبدا شائبا كريه الوجه، أو اشترى صندوقا فظهر أنه طبل. ووجه البطلان أن ما جرى عليه العقد غير واقع، وما هو واقع لم يجر عليه العقد، فان ما تعلقت به المعاملة وإن اتحد في الحققة مع ما تسلمه المشتري، إلا انهما في نظر العرف


(1) في ج 2 التهذيب ص 148، وج 10 الوافي باب 101 انفلق الدراهم المحمول عليها ص 87 وص 88، وج 2 ئل باب 10 جواز انفاق الدراهم المغشوش مما يكتسب به عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله " ع ": الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها؟ قال: إذا بين ذلك فلا بأس. صحيحة. التهذيب عن ابن ابي عمير عن عبد الرحمن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله " ع ": اشتري الشئ بالدراهم فاعطي الناقص الحبة والحبتين؟ قال: لا حتى تبينه، الحديث. قال المحدث النوري في خاتمة المستدرك ص 742 عند التعرض لمشيخة التهذيب: (وإلى محمد بن ابي عمير ثلاث طرق حسنات فهي المشيخة وست) وعليه فالرواية المذكورة حسنة.

[ 160 ]

متبائنان، ولا يتقسط الثمن على المادة والهيئة، لتبطل المعاملة فيما قابل الهيئة، وتنفذ فيما قابل المادة، كما يتجزأ فيما إذا باع ما يملك وما لا يملك صفقة واحدة، كالشاة مع الخنزير، وذلك لما عرفت من فساد الانحلال والتقسيط فيما إذا كانت الكثرة تحليلية عقلية. وإن كانت من القبيل الثاني فلا وجه للبطلان، بل يثبت خيار تخلف الشرط، كما إذا باع عبدا على أنه كاتب فبان أنه غير كاتب أو باع كبشا فظهر أنه نعجة، والوجه في ذلك هو أن الفائت ليس إلا من الاوصاف الكمالية، فلا يوجب تخلفه إلا الخيار. ففي المقام إذا باع درهما على أنه مسكوك بسكة السلطان فبان أنه مسكوك بسكة التاجر بطل البيع، لكون الاختلاف بينهما من الاختلاف في الصور النوعية. وأما لو باع درهما على أنه طازج فبان أنه عتيق فان البيع صحيح، وإنما يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط. ومن هنا ظهر ما في كلام المصنف من الوهن حيث أثبت خيار التدليس مع تفاوت السكة، ووجه الوهن هو أن الملحوظ إن كان هي المادة المجردة فلا بطلان ولا خيار، وإن كان هي مع الهيئة أو الهيئة المحضة فلا مناص عن البطلان، نعم لو كان الملحوظ هي المادة المجردة، وكان التفاوت بكثرة الخليط وقلته لثبت خيار العيب، إلا أنه غير مفروض المصنف. وأما الصورة الثالثة فتارة يفرض علم البايع بالغش دون المشتري واخرى بالعكس، أما الاولى فهو من أوضح مصاديق الغش في المعاملة، ويجري فيه جميع ما ذكرناه في الصورة الثانية، وأما الثاني فلا مانع من نفوذ البيع فيه وضعا وإباحته تكليفا للعمومات وتوهم أن الغش مانع عن النفوذ مندفع بما ذكرناه من تقومه بعلم البايع وجهل المشتري، والمفروض عكسه. قوله: (وهذا بخلاف ما تقدم من الآلات). اقول: اراد بذلك إبداء الفرق بين بيع آلات اللهو والقمار وبيع الدراهم المغشوشة، بدعوى استحالة صحته في الآلات، لان المادة والهيئة اجزاء تحليلية عقلية فلا تقابل المادة بجزء من الثمن والهيئة بجزء آخر منه، ليحكم بصحة البيع في المادة وبفساده في الهيئة، بل إذا بطل في جزء بطل في الجميع وإذا صح في جزء صح في الجميع، والتقسيط إنما يكون في الاجزاء الخارجية كتقسيط الثمن على الخل والخمر إذا بيعا صفقة واحدة، وهذا بخلاف الدراهم المغشوشة لنفوذ المعاملة فيها مع الخيار إلا إذا وقع عنوان المعاوضة على الدراهم المنصرف إطلاقه إلى المسكوك بسكة السلطان فان البيع حينئذ يبطل إذا بان الخلاف. وفيه أن التزامه بالانحلال والتقسيط في الاجزاء الخارجية إذا ظهر الخلاف، وعدم التزامه بهما في آلات اللهو والقمار وسائر ما كان التعدد فيه بالتحليل العقلي متين ومن الوضوح

[ 161 ]

بمكان، إلا أن الحال في الدراهم أيضا كذلك، فإذا كان الاختلاف من جهة السكة لا يمكن التصحيح من جهة المادة والابطال من جهة الهيئة، وأما الصورة الاخرى التي يصح البيع فيها مع الخيار أو مع عدمه فلا جامع بينها وبين آلات القمار ليحتاج إلى إبداء الفارق بينهما، ومن المحتمل أن هذه العبارة قد حررها النساخ في غير موضعها اشتباها والله العالم. قوله: (وهذا الكلام مطرد في كل قيد فاسد). اقول: الشروط سواء كانت صحيحة أم فاسدة لا تقابل بجزء من الثمن كما سيأتي بيان ذلك في بابها، وعليه فتخلفها لا يوجب إلا الخيار حتى على مسلك المصنف، ودعوى الخصوصية في المورد جزافية. حكم بيع العنب على أن يعمل خمرا قوله: (القسم الثاني ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة). أقول: أراد به تقسيم ما يقصد من بيعه الحرام إلى ثلاثة أقسام، وبيان حكم كل منها على حدة، ومنشأ القسمة هو أن المنفعة المحرمة التي يقصدها بالمتعاملان إما أن تكون تمام الموضوع في المعاوضة بحيث يرجع مفادها إلى بذل المال بازاء تلك المنفعة المحرمة لا غير، كالمعاوضة على العنب بشرط التخمير فقط، وعلى الخشب بشرط صنعه صنما فحسب، وإما أن تكون بنحو الداعي إلى المعاوضة من دون اشتراط فيها كالمعاملة على العنب ليجعله خمرا من غير اشتراط لذلك في المعاوضة، وإما أن تكون جزء الموضوع بحيث يرجع مفاد المعاوضة إلى ضم الغاية المحرمة للغاية المحللة، وبذل المال بإزائهما، كبيع الجارية المغنية إذا لوحظ بعض الثمن بإزاء صفة الغناء، فهنا مسائل ثلاث. ثم إن الوجوه المذكورة جارية في الاجارة أيضا، بل هي تزيد على البيع بوجه رابع، وهو أن يؤجر نفسه لفعل الحرام كالزنا والنميمية والغيبة والقتل والافتراء، ومن هذا القبيل إجارة الجارية المغنية للتغني. قوله: (الاولى بيع العنب على أن يعمل خمرا والخشب على أن يعمل صنما). أقول: ادعى في المستند (1) وفي متاجر الجواهر وغيرهما عدم الخلاف بل الاجماع على حرمة الاجارة والبيع، بل كل معاملة وتكسب للمحرم سواء اشترطاه في العقد ام حصل اتفاق المتبايعين عليه، كاجارة المساكن والحمولات للخمر وركوب الظلمة وإسكانهم للظلم، وبيع العنب والتمر وغيرهما مما يتخذ منه المسكر ليعمل خمرا أو الخشب ليعمل صنما أو بربطا، وإلى هذا القول ذهب بعض أهل الخلاف (2) بل هو ظاهر جميعهم، لنصهم على حرمة الاجارة للامور


(1) راجع ج 2 ص 336. (2) في ج 3 فقه المذاهب ص 176 المالكية قالوا: بحرمة بيع الدكان ليباع فيه الخمر

[ 162 ]

المحرمة، وسيأتي، ولا فرق في ذلك بين الاجارة وسائر المعاملات. وكيف كان فالكلام يقع في ناحيتين: الاولى في جواز بيع المباح على أن يجعل حراما وعدم جوازه. والثانيه: في بيان اقسام ما يقصد من إجارته الحرام وذكر أحكامه. أما الناحية الاولى فالذي يمكن الاستدلال به على حرمة البيع وجوه، الوجه الاول: ان بيع الاشياء المباحة على أن تصرف في الحرام كبيع العنب للتخمير، وبيع الخشب لجعله صنما أو آلة لهو إعانة على الاثم، بل في المستند (1) إنه معاونة على الاثم المحرم كتابا وسنة وإجماعا. وفيه أولا: أن الكبرى ممنوعة إلا في موارد خاصة، كما سيأتي. وثانيا: أنك علمت في بعض المباحث أن بين عنوان البيع وعنوان الاعانة على الاثم عموما من وجه، لتقوم مفهوم الاعانة بالاقباض والتسليط الخارجي على العين ولو بغير عنوان البيع، مع العلم بصرفها في الحرام وإن كان ينطبق عنوان الاعانة على البيع في بعض الاحيان، وعليه فلا تستلزم حرمة الاعانة على الاثم حرمة البيع في جميع المواراد. وثالثا: أن حرمة المعاوضة لو سلمت لا تدل على فساد المعاملة وضعا، لانها حرمة تكليفية محضة. ورابعا: لو قلنا: بدلالة النهي التكليفي على فساد المعاملة فان ذلك فيما إذا كانت المعاملة بعنوانها الاولي موردا للنهي، كبيع الخمر، لا بعنوانها العرضي كما في المقام. وهذا لا ينافي ما سلكناه في بعض المباحث، وأشرنا إليه فيما سبق منم كون النواهي في باب المعاملات إرشادا إلى الفساد كالنهي عن البيع الغرري، كما أنها في أبواب الصلاة إرشاد إلى المانعية، فان ذلك فيما لم تقصد المولوية التكليفية من النهي كالنهي عن بيع الخمر. وخامسا: أن تخلف الشروط الصحيحة إنما يوجب الخيار للمشترط، لان الشروط لا تقابل بجزء من الثمن، وقد حققناه في محله، والتزم به المصنف في باب الشروط، ومن الواضح ان الشروط الفاسدة لا تزيد على الصحيحة في ذلك، فلا يسري فساد الشرط إلى العقد ودعوى امتياز المورد عن بقية الشروط الفاسدة موهونة جدا. ولو سلمنا أن للشروط حصة من الثمن فيقسط عليها وعلى المشروط فانما هو في الشروط التي تجعل على البائع، كأن يشترط المشتري عليه في ضمن العقد خياطة ثوبه أو بناية داره أو نجارة بابه ونحوها مما يوجب زيادة الثمن. وأما الشروط التي تجعل على المشتري: كأن


ونحوها مما يفسد العقل أو يتخذ بيوتا للدعارة أو محلا للفسق أو نحو ذلك. (1) راجع ج 2 ص 336.

[ 163 ]

يشترط البائع عليه صرف المبيع في جهة خاصة سواء أكانت محرمة أم محللة فلا تقابل بشئ من الثمن. وإذن فاشتراط البائع على المشتري صرف المبيع في الحرام لا يوجب فساد البيع حتى على القول بالتقسيط. الوجه الثاني: أن ذلك أكل للمال بالباطل فهو حرام لآية التجارة. وفيه أولا: ما عرفته مرارا وستعرفه من أن الآية الشريفة مسوقة لبيان الضابطة الكلية في الاسباب الصحيحة والاسباب الفاسدة للمعاملات، وأن شرائط العوضين خارجة عن حدودها. وثانيا: ما عرفته مرارا أيضا من أن الشروط لا تقابل بجزء من الثمن ليلزم من فسادها أكل المال بالباطل، وإنما هي مجرد التزامات لا يترتب على مخالفتها إلا الخيار. الوجه الثالث: دعوى الاجماع على الحرمة. وفيه مضافا إلى عدم حجية الاجماع المنقول. أن دعوى الاجماع التعبدي في المقام موهونة جدا، لامكان استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة في المسألة. الوجه الرابع: ما ذكره في المستند (1) من كونه بنفسه فعلا محرما لما بينا في موضعه: ان فعل المباح بقصد التوصل به إلى الحرام محرم. وفيه أنا لو قلنا: بحرمة مقدمة الحرام فانما ذلك في المقدمات التي لا يمكن التفكيك بينها وبين ذي المقدمة بحيث لا يتمكن المكلف بعد إيجاد المقدمة عن ترك ذي المقدمة، فيعاقب على ذلك. ومن الضروري أن بيع المباح بقصد التوصل به إلى الحرام أو بشرط صرفه فيه ليس علة لايجاده، وإنما هو من الدواعي والتخلف فيها ليس بعزيز. الرابع: ما توهم من شمول ادلة النهي على المنكر للمقام، بدعوى أنه إذا وجب النهي عن المنكر لرفعه فان النهي عنه لدفعه أولى بالوجوب. وفيه أنا لو استفدنا من الادلة وجوب النهي عن المنكر لدفعه لامكن الالتزام بوجوب النهي عنه لرفعه بالفحوى، وأما العكس فلا. ولو أغمضنا عن ذلك فهو إنما يتم إذا علم البائع بأن المشرتي يصرف المبيع في الحرام على حسب الاشتراط، وإلا فلا مقتضى للوجوب، على أن مقتضاه إنما هو مجرد التكليف، والنهي التكليفي في المعاملات لا يقتضي الفساد. قوله: (خبر جابر). اقول: لا وجه لذكره في المقام إلا من جهة اتحاد حكم البيع والاجارة فيما نحن فيه، وإلا فهو أجنبي عن البيع، وصريح في حرمة الاجارة للغاية المحرمة كما سيأتي.


(1) راجع ج 2 ص 336.

[ 164 ]

حكم ما يقصد من اجارته احرام وأما الناحية فقد علمت أن ما يقصد من إجارته الحرام يكون على اربعة اقسام الاول: أن يكون متعلق الاجارة من الامور المحرمة، كأن يؤجر نفسه للعمل الحرام، وهذا لا شبهة في حرمته من حيث الوضع والتكليف، بل لا نعرف فيه خلافا من الشيعة والسنة (1) إلا ما يظهر مما نسب إلى ابي حنيفة في بعض الفروع (2) وقد عرفت في معنى حرمة البيع أن نفس ادلة المحرمات كافية في حرمة هذا القسم من الاجارة، إذ هي تقتضي الانزجار عنها، ومقتضى العمومات هو وجوب الوفاء بالعقد، وهما لا يجتمعان، ولعل المقصود من خبر جابر الآتي هو هذا القسم ايضا. الثاني: أن يشترط المؤجر على المستأجر أن ينتفع بالعين المستأجرة بالمنافع المحرمة من دون أن يكون اصل الايجار للحرام، كاستئجار الثياب والحلي والامتعة والخيام والسيارات وسائر الحمولة بشرط الانتفاع بها بالجهات المحرمة، المشهور بيننا وبين العامة (3) عدم جواز


(1) في ج 16 المبسوط للسرخسي ص 38: ولا تجوز الاجارة على شيئ من الغناء والنوح والمزامير والطبل وشئ من اللهو، لانه معصية والاستئجار على المعاصي باطل، فان بعقد الاجارة يستحق تسليم المعقود عليه شرعا، ولا يجوز ان يستحق على المرء فعل به يكون عاصيا شرعا. وفي ج 3 فقه المذاهب ص 175 المالكية قالوا: من جملة الاجارات الممتنعة الاجارة على تعليم الغناء فانها لا تصح، وكلما لا يباح لا يصح تأجيره، ومن ذلك اجرة آلات الطرب. وفي ص 169: لا يصح الاستئجار على المعاصي مثل الغناء والوح والملاهي كاستئجار بعض الفارغين من الشبان ليقوموا بأناشيد سخيفة ويتبادلون في مجلسهم الخمور والمحرمات، فان استئجارها كبيرة لا يحل لمسلم أن يفعلها. وفي ج 7 الهداية ص 180: ولا يجوز الاستئجار على الغناء والنوح وكذا سائر الملاهي لانه استئجار على المعصية والمعصية لا تستحق بالعقد. (3) في ج 2 أحكام القرآن للجصاص ص 178 في تسمية الله المهر اجرا دليل على صحة قول ابي حنيفة فيمن استأجر امرأة فزنا بها انه لا حد عليه لان الله تعالى قد سمي المهر أجرا فهو كمن قال: أمهرك كذا، وقد روى نحوه عن عمر بن الخطاب ومثل هذا يكون نكاحا فاسدا لانه بغير شهود. (3) في ج 16 المبسوط للسرخسي ص 38: إذا استأجر الذمي من المسلم بيتا ليبيع

[ 165 ]

ذلك، إلا ان الظاهر ان المسألة من صغريات الشرط الفاسد، وبما أنك علمت إجمالا وستعلم تفصيلا ان فساد الشرط لا يستلزم فساد العقد ولا يسري إليه، فلا موجب لفساد الاجارة من ناحية الشرط المذكور. وقد يستدل على الفساد برواية جابر (1) حيث حكم الامام " ع " فيها بحرمة الاجرة في رجل آجر بيته فيباع فيه الخمر. وفيه مضافا إلى ضعف السند فيها. أولا: أنها أجنبية عن اشتراط الانتفاع بالعين المستأجرة في الحرام، إذ لا داعي للمسلم ان يؤاجر بيته ويشترط على المستأجر أن ينتفع منها بالمنافع المحرمة، بل موردها فرض العلم بالانتفاع المحرم من غير شرط. وثانيا: انها محمولة على الكراهة لمعارضتها بحسنة ابن اذينة (2) الدالة على جواز إيجار الحمولة لحمل الخمر والخنازير. وجمع المصنف بينهما بأن رواية ابن اذينة محمولة على ما إذا اتفق الحمل من غير أن يؤخذ ركنا أو شرطا في العقد، بتقريب ان خبر جابر نص فيما نحن فيه وظاهر في هذا، وأن حسنة ابن اذينة بالعكس، فيطرح ظاهر كل منهما بنص الآخر. وفيه أنه قد تقدم في البحث عن بيع العذرة ان المتيقن الخارج عن مقام التخاطب من


فيه الخمر لم يجز، لانه معصية فلا ينعقد العقد عليه ولا أجر له، وعند ابي حنيفة والشافعي يجوز هذا العقد، لعدم ورود العقد على بيع الخمر، بل على منفعة البيت فله ان يبيع فيه شيئا آخر. وفي ج 3 فقه المذاهب ص 176: إجارة الدكان ليباع فيه الخمر ونحوها مما يفسد العقل أو يضر بالبدن فانها لا تصح، أو كذلك إجارة المنازل للدعارة والفسق. وفي ج 8 شرح فتح القدير ص 129 وقد صرح محمد في الجامع الصغير بأنه لا باس عند ابي حنيفة ان تؤاجر بيتك ليتخذ فيه بيت نار أو كنيسة أو بيعه أو يباع الخمر فيه بالسواد (1) عن جابر " وفي التهذيب صابر بدل جابر " قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال: حرام أجره. مجهولة لجابر وعلى نسخة التهذيب حسنة فان صابر من الحسان. راجع ج 1 كا ص 393. وج 2 التهذيب ص 111. وج 10 الوافى ص 29. وج 2 ئل باب 68 تحريم إجارة المساكن للمحرمات مما يكتسب به. (2) ابن اذينة قال: كتبت إلى ابي عبد الله " ع " اسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابته ممن يحمل عليها أو فيها الخمر والخنازير؟ قال: لا بأس. حسنة لابراهيم بن هاشم. راجع المصادر المتقدمة في رواية جابر.

[ 166 ]

الدليلين لا يصحح الجمع الدلالي بينهما ما لم يساعده شاهد من النقل والاعتبار، وإنما هو تبرعي محض. ومن هنا اندفع ما في التهذيب من انه (إنما حرم اجارة البيت لمن يبيع الخمر لان بيع الخمر حرام وأجاز إجارة السفينة يحمل فيها الخمر، لان حملها ليس بحرام، لانه يجوز ان يحمل ليجعل خلا، وعلى هذا لا تنافى بين الخبرين). على أنه ذكر في الحسنة جواز حمل الخمر والخنازير، وما ذكره من التوجيه في حمل الخمر لا يجري في حمل الخنازير. وقد يتوهم عدم نفوذ الاجارة وضعا وحرمتها تكليفا لرواية دعائم الاسلام (1) الظاهر. فيهما، ولكنه توهم فاسد لان هذه الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ فلا تفي لاثبات المقصود. على انها معارضة بالحسنة المذكورة، فتحمل على الكراهة. ثم انه فحوى ما ذكرناه ظهر حكم القسم الثالث والرابع، أعني صورة العلم بترتب الحرام على الاجارة من غير ان يجعل شرطا في العقد أو داعيا إليها، وصورة ان يكون ترتب الحرام داعيا لانشاء المعاملة. ويتضح ذلك وضوحا من المسألة الثانية والرابعة. قوله: (بل الاظهر فساده وإن لم نقل بافساد الشرط الفاسد). اقول: قد سمت كون المسألة من صغريات الشرط الفاسد، ودعوى الخصوصية فيها وامتيازها عن سائر الشروط الفاسدة مجازفة. قوله: (مع ان الجزء أقبل للتفكيك بينه وبين الجزء الآخر من الشرط والمشروط). اقول: جواز الانحلال والتقسيط في الاجزاء الخارجية وإن كان صحيحا كما اشرنا إليه، وسيأتي تفصيله في بيع ما يملك وما لا يملك، إلا انه غير صحيح في الاجزاء التحليلية العقلية فان الانحلال في ذلك باطل جزما، ومن ذلك يظهر ان بطلان بيع الآلات اللهوية لا يستلزم بطلان البيع فيما إذا كان الشرط؟؟؟؟ في باب الشرط إنما جعل بازاء نفس المال فقط، وليس للشرط حصة من الثمن، ليقاس ببيع الآلات المحرمة. حكم بيع الجارية المغنية قوله: (المسألة الثانية يحرم المعاوضة على الجارية المغنية). أقول: محصل كلامه: ان الصفات سواء كانت محللة أم محرمة قد تكون داعية إلى المعاوضة، ولا دخل لها في المعاوضة


(1) في ج 2 المستدرك ص 436 عن ابي عبد الله " ع " إنه قال: من اكترى دابته أو سفينته فحمل عليها المكتري خمرا أو خنازير أو ما يحرم لم يكن على صاحب الدابة شئ وإن تعاقدا على حمل ذلك فالعقد فاسد والكرى على ذلك حرام. مرسلة.

[ 167 ]

بأكثر من ذلك، وقد تكون دخيلة في ازدياد الثمن فيها، وقد تكون أجنبية عنها أصلا، أما الاول والثالث فلا ريب في صحة المعاوضة فيهما، لان المفروض ان الصفة المحرمة لم توجب زيادة في الثمن، وكذا الثاني لو كانت الصفة الموجبة لازدياد الثمن هي الصفة المحللة، وأما لو كان الموجب للزيادة هي الصفة المحرمة فلا شبهة في فساد المعاوضة حينئذ، كملاحظة صفة التغني في بيع الجارية المغنية، والمهارة في القمار والسرقة واللهو في بيع العبد، ووجه الفساد أن بذل شئ من الثمن بملاحظة الصفة المحرمة أكل للمال بالباطل، وأما التفكيك بين القيد والمقيد فيحكم بصحة العقد في المقيد وبطلانه في القيد بما قابله من الثمن فتوهم فاسد، لان القيد أمر معنوي لا يوزع عليه شئ من المال. أقول: تحقيق المسألة في جهتين، الاولى: من حيث القواعد، والثانية: من حيث الروايات. أما الجهة الاولى: فالقاعدة تقتضي صحة المعاوضة في جميع الوجوه المذكورة، لوجهين، الوجه الاول: ان بعض الاعمال كالخياطة ونحوها وإن صح أن تقع عليه المعاوضة وأن يقابل بالمال إذا لوحظ على نحو الاستقلال، إلا أنه إذا لوحظ وصفا في ضمن المعاوضة فانه لا يقابل بشئ من الثمن، وإن كان بذل المال بملاحظة وجودها. وعليه فحرمة الصفة لا تستلزم حرمة المعاوضة في الموصوف، وإنما هي كالشروط الفاسدة لا توجب إلا الخيار. الوجه الثاني: لو سلمنا ان الاوصاف تقابل بجزء من الثمن فان ذلك لا يستلزم بطلان المعاملة، إذ الحرام إنما هي الافعال الخارجية من التغني والقمار والزنا دون القدرة عليها التي هي خارجة عن اختيار البشر. على أنه قد ورد في الآيات والاحاديث (1): ان قدرة الانسان على المحرمات قد توجب كونه أعلى منزلة من الملائكة، فان الانسان يحتوي على القوة القدسية التي تبعث إلى الطاعة، والقوة الشهوية التي تبعث إلى المعصية، فإذا ترك مقتضى الثانية وانبعث بمقتضى الاولى فقد حصل على أرقي مراتب العبودية. وهذا بخلاف الملك، فانه لاختصاصه بالقوة الروحية والملكة القدسية الباعثة إلى الطاعة والرادعة عن المعصية، ولعرائه عن القوة الاخرى الشهوية لا يعصي الله، فيكون الانسان الكامل افضل من الملك، وتفصيل الكلام في محله. وأما الجهة الثانية فقد استفاضت الروايات من الشيعة (2)


(1) راجع ج 14 البحار ص 366 356. (2) الوشا قال: سئل أبو الحسن الرضا " ع " عن شراء المغنية؟ فقال: قد تكون للرجل الجارية تلهيه وما ثمنها إلا ثمن كلب وثمن الكلب سحت والسحت في النار. ضعيفة لسهل ابن زياد وغيره.

[ 168 ]

والسنة (1) على حرمة بيع الجوار المغنيات، وكون ثمنهن سحتا كثمن الكلب، وأكثر هذه الروايات وإن كان ضعيف السند، ولكن في المعتبر منها غنى وكفاية. وقد يتوهم وقوع المعارضة بينها وبين ما دل على جواز البيع والشراء للتذكير بالجنة


محمد الطاهري عن ابي عبد الله " ع " قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات؟ فقال: شراؤهن وبيعهن حرام وتعلمهن كفر واستماعهن نفاق، ضعيفة للطاهري وسهل وغيرهما. أبو البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيات أن نبيعهن ونحمل ثمنهن إلى ابي الحسن " ع "، قال ابراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة الف درهم وحملت الثمن إليه فقلت: إن مولى لك يقال له: اسحاق بن عمر قد أوصى عند موته ببيع جوار له مغنيات وحمل الثمن اليك وقد بعتهن وهذا الثمن ثلثمائة الف درهم فقال: لا حاجة لي فيه إن هذا سحت وتعليمهن كفر والاستماع منهن نفاق وثمنهن سحت. مرسلة راجع ج 1 كاص 361. وج 2 التهذيب ص 117 وص 118. وج 10 الوافي ص 33. وج 2 ئل باب 44 تحريم بيع المغنية مما يكتسب به. وفي الباب 44 المذكور من ج 2 ئل. وج 16 البحار باب 99 الغناء عن قرب الاسناد عن ابي البلاد قال: قلت لابي الحسن الاول " ع " جعلت فداك إن رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن اربعة عشر الف دينار وقد جعل لك ثلثها فقال: لا حاجة لي فيها إن ثمن الكلب والمغنية سحت. صحيحة. وفي هذا الباب 44 من اسحاق بن يعقوب في التوقيعات إلى ان قال " ع ": وثمن المغنية حرام. مجهولة لمحمد بن عصام الكليني. وفي ج 2 المستدرك ص 341 عن قطب الراوندي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: لا يحل بيع المغنيات وشراؤهن وثمنهن حرام. مرسلة. وعن عوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع المغنيات وشرائهن والتجارة فيهن وأكل ثمنهن. مرسلة. (1) في ج 6 سنن البيهقي ص 14 عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تبتاعوا المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام وفي مثل هذا الحديث نزلت (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) الآية. وفي ج 10 ص 225 عن مجاهد في تفسير الآية هو اشتراؤه المغني والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليه والى مثله من الباطل.

[ 169 ]

وطلب الرزق كروايتي الدينوري والصدوق (1). وفيه أولا: أنهما ضعيفتا السند وغير منجبرتين بشئ. وثانيا: أن رواية الصدوق خارجة عن محل الكلام اصلا، فان المفروض فيها شراء الجارية التي لها صوت، ومورد البحث هنا بيع الجارية المغنية وبينهما بون بعيد، وأما رواية الدينوري فهي راجعة إلى البيع والشراء لطلب الرزق وتحصيله فقط لا سوى ذلك، فلا يكون حراما، على أن المحرم إنما هو التغني الخارجي، وأما مجرد القدرة عليه فليس بحرام جزما. ثم الظاهر من الاخبار المانعة هو أن الحرام إنما هو بيع الجواري المغنية المعدة للتلهي والتغني كالمطربات اللاتي يتخذن الرقص حرفة لهن، ويدخلن على الرجال، إذ من الواضح جدا ان القدرة على التغني كالقدرة على بقية المحرمات ليست بمبغوضة ما لم يصدر الحرام في الخارج كما عرفت. على أن نفعها لا ينحصر بالتغني لجواز الانتفاع بها بالخدمة وغيرها. ومع الاغضاء عن جميع ذلك أن بيعها بقصد الجهة المحرمة لا يكون سببا لوقوع الحرام، لبقاء المشتري بعد على اختياره في أن ينتفع بها بالمنافع المحرمة إن شاء أو بالمنافع المحللة، وعليه فلا موجب لحرمة البيع إلا من جهة الاعانة على الاثم، وهي بنفسها لا تصلح للمانعية قال السيد (ره) في حاشيته على المتن: (ويمكن الاستدلال بقوله " ع " في حديث تحف العقول أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد خصوصا بقرينة تمثيله بالبيع بالرباء وذلك لان المبيع في بيع الرباء ليس مما لا يجوز بيعه، بل الوجه في المنع هو خصوصية قصد الرباء، ففي المقام ايضا الجارية من حيث هي ليست مما لا يجوز بيعها، لكن لو قصد بها الغناء يصدق أن في بيعها وجه الفساد). وفيه مضافا إلى وهن الحديث من حيث السند، أنه لا مورد للقياس، لان البيع الربوي


(1) في ج 2 التهذيب ص 115. وج 10 الوافى ص 35. وج 2 ئل باب 44 تحريم بيع المغنية مما يكتسب به. عن عبد الله بن الحسن الدينوري قال: قلت لابي الحسن " ع ": جعلت فداك فاشتري المغنية أو الجارية تحسن أن تغني أريد بها الرزق لا سوى ذلك قال: اشتر وبيع. مجهولة للدينوري. أقول: في رجال المامقاني إنه لم أقف فيه إلا على رواية الشيخ في باب المكاسب من التهذيب عن البرقي عن أبي الحسن " ع ". وفي الباب 44 المذكور من ئل عن الصدوق قال: سال رجل علي بن الحسين " ع " عن شراء جارية لها صوت فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء فأما الغناء فمحظور. مرسلة.

[ 170 ]

حرام لذاته، وبيع الجارية لو كان حراما فانما هو حرام لاجل قصد التغني، فالحرمة عرضية والقياس مع الفارق. حرمة كسب المغنية لا بأس بالاشارة إلى حكم كسب المغنية وإن لم يتعرض له المصنف. فنقول: إنه ورد في جملة من الروايات (1) عدم جواز كسب المغنية، وأنها ملعونة، وملعون من أكل من كسبها، فيدل ذلك على حرمة كسبها وضعا وتكليفا، على أنه يكفي في الحرمة جعلهن الافعال المحرمة موردا للتكسب، كالتغني والدخول على الرجال وغيرهما، لما علمت سابقا، من أن ادلة صحة العقود، ووجوب الوفاء بها مختصة بما إذا كان العمل سائغا في نفسه، فلا وجه لرفع اليد بها عن دليل حرمة في نفسه، نعم لودعين لزف العرائس، ولم يفعلن شيئا من الافعال المحرمة فلا بأس بكسبهن، وقد ورد ذلك في رواية ابي بصير، وذكرناها في الهامش. ومن جميع ما ذكرناه ظهر حكم الرجل المغني ايضا. حكم بيع العنب ممن يجعله خمرا قوله: (المسألة الثالثة يحرم بيع العنب ممن يعمله خمرا بقصد أن يعمله الخ). اقول:


(1) أبو بصير قال: سالت أبا عبد الله " ع " عن كسب المغنيات؟ فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام والتي تدعى إلى الاعراس ليس به بأس وهو قول الله عزوجل: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله). ضعيفة لعلي بن ابي حمزة بن سالم البطائني. وعنه عن ابي عبد الله " ع " قال: المغنية التي تزف العرائس لا باس بكسبها. مجهولة لحكم الحناط. وعنه قال: قال أبو عبد الله " ع ": أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس وليست بالتي يدخل عليها الرجال. صحيحة. النصر بن قابوس قال: سمعت ابا عبد الله " ع " يقول: المغنية ملعونة ملعون من أكل كسبها حسنة لاسحاق بن ابراهيم. راجع ج 1 كا ص 361. وج 2 التهذيب ص 108. وج 10 الوافى ص 33. وج 2 ئل باب 43 تحريم كسب المغنية مما يكتسب به. وفي ج 2 المستدرك ص 430 عن فقه الرضا: كسب المغنية حرام. ضعيفة. وكك عن المقنع مرسلا.

[ 171 ]

قد وقع الخلاف بين الفقهاء في جواز بيع الاشياء المباحة ممن يعلم البائع انه يصرفه في الحرام وعدم جوازه، ففي المختلف (1): (إذا كان البائع يعلم ان المشتري يعمل الخشب صنما أو شيئا من الملاهي حرم بيعه وإن لم يشترط في العقد ذلك، لنا أنه قد اشتمل على نوع مفسدة، فيكون محرما، لانه إعانة على المنكر). ونقل عن ابن ادريس جواز ذلك، لان الوزر على من يجعله كذلك، لا على البائع، وفصل المصنف (ره) بين ما لم يقصد منه الحرام فحكم بجواز بيعه، وبينما يقصد منه الحرام فحكم بحرمته، لكونه إعانة على الاثم، فتكون محرمة بلا خلاف. وقد وقع الخلاف في ذلك بين العامة ايضا (2). أما ما ذكره المصنف (ره) من التفصيل فيرد عليه أولا: أن مفهوم الاعانة على الاثم والعدوان كمفهوم الاعانة على البر والتقوى أمر واقعي لا يتبدل بالقصد، ولا يختلف بالوجوه والاعتبار. وثانيا: لا دليل على حرمة الاعانة على الاثم ما لم يكن التسبيب والتسبب في البين كما سيأتي. وثالثا: أنا إذا سلمنا حرمة البيع مع قصد الغاية المحرمة لصدق الاعانة على الاثم عليه فلا بد من الالتزام بحرمة البيع مع العلم يترتب الحرام ايضا، لصدق الاعانة على الاثم عليه ايضا. وإن قلنا بالجواز في الثاني من جهة الاخبار المجوزة فلا بد من القول بالجواز في الاول ايضا، لعدم اختصاص الجواز الذي دلت عليه الاخبار بفرض عدم القصد. ورابعا: أنا لم نستوضح الفرق بين القسمين، فان القصد بمعنى الارادة والاختيار يستحيل ان يتعلق بالغاية المحرمة في محل الكلام، لانها من فعل المشتري، إذ هو الذي يجعل العنب خمرا والخشب صنما، فلا معنى لفرض تعلق القصد بالغاية المحرمة، وأما القصد بمعنى


(1) ج 1 ص 165. (2) في ج 5 سنن البيهقي ص 327 افتى بكراهة بيع العصير ممن يعصر الخمر والسيف ممن يعصي الله عزوجل، وفي ج 24 المبسوط للسرخسي ص 26 ولا باس ببيع العصير ممن يجعله خمرا، لان العصير مشروب طاهر حلال فيجوز بيعه وأكل ثمنه، ولا فساد في قصد البائع، إنما الفساد في قصد المشتري، ولا تزر وازرة وزر اخرى، وكره ذلك أبو يوسف ومحمد استحسانا، لكونه إعانة على المعصية، وذلك حرام. وفي ج 8 شرح فتح القدير ص 127 ولا باس ببيع العصير ممن يعلم انه يتخذه خمرا، لان المعصية لا تقام بعينه بل بعد تغييره، وفي ج 2 فقه المذاهب ص 52 عن الحنابلة كلما افضى إلى محرم فهو حرام.

[ 172 ]

العلم والالتفات فهو مفروض الوجود في القسمين فلا وجه للتفصيل بينهما، نعم يمكن ان يكون الداعي إلى بيع البائع هو ترتب الغاية المحرمة تارة، وغير ذلك تارة اخرى، مع العلم بترتبها في الخارج، ولكن هذا لا يكون سببا في اختلاف صدق الاعانة عليهما، لان دعوة الحرام إلى الفعل ليست شرطا في صدق الاعانة على الاثم، وهو واضح، إذن فلا وجه للتفصيل المذكور في كلام المصنف. ثم إن تحقيق هذه المسألة يقع تارة من حيث الروايات، واخرى من حيث القواعد، أما الصورة الاولى فالكلام فيها من جهتين، الاولى: في الحرمة الوضعية، والثانية: في الحرمة التكليفية. أما الجهة الاولى: فربما يقال بفساد المعاوضة مع العلم بصرف المبيع أو الانتفاع بالعين المستأجرة في الجهة المحرمة. لخبر جابر المتقدم (عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال حرام اجرته). فانه لا وجه لحرمة الاجرة إذا كانت المعاملة صحيحة، وبعدم القول بالفصل بين الاجارة والبيع يتم المقصود. وفيه مضافا إلى ضعف السند فيه، واختصاصه بالاجارة، انه لا بد من حمله على الكراهة لمعارضته بحسنة ابن اذينة المتقدمة التي دلت على جواز إجارة الحمولة لحمل الخمر والخنازير. وأما الجهة الثانية فقد يقال: بحرمة البيع تكليفا، لما دل من الاخبار على حرمة بيع الخشب ممن يتخذه صلبانا، وقد تقدم ذكرها في البحث عن بيع آلة اللهو، وبعدم القول بالفصل بين موردها وغيره يتم المطلوب. ولكن يعارضها ما ورد من الاخبار المتظافرة (1) الدالة على جواز بيع العنب والتمر وعصيرهما ممن يجعلها خمرا، بدعويعدم الخصوصية في مواردها، لعدم القول بالفصل بين


(1) أبو بصير قال: سألت ابا عبد الله " ع " عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا؟ قال: إذا بعته قبل ان يكون خمرا فهو حلال فلا بأس. ضعيفة لقاسم بن محمد الجوهري. محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن بيع عصير العنب ممن يجعله حراما؟ فقال: لا بأس به تبيعه حلالا فيجعله حراما أبعده الله واسحقه. صحيحة. ابن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن رجل له كرم أيبيع العنب والتمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا؟ فقال: إنما باعه حلالا في الا بان الذي يحل شربه أو اكله فلا باس ببيعه. حسنة لابراهيم بن هاشم. في القاموس: السكر محركة الخمر ونبيذ يتخذ من التمر، وفيه ايضا: إبان الشئ

[ 173 ]

هذه الموارد وبين غيرها، إذ لو قيل: بالجواز قيل به مطلقا، وإلا فلا. وقد يوجه ما ذكر في روايتي رفاعة وابي كهمس المذكورتين في الحاشية من بيعهم " ع " تمرهم ممن يجعله خمرا: بأن يراد من لفظ الخمر فيهما العصير المغلي، ولم يذهب ثلثاه فان


بالكسر والتشديد: حينه أو اوله. رفاعة قال: سئل أبو عبد الله " ع " وانا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره. فقال: حلال السنا نبيع تمرنا ممر يجعله شرابا خبيثا؟ صحيحة. يزيد بن خليفة الحارثي عن ابي عبد الله " ع " قال: ساله رجل وانا حاضر قال: إن لي الكرم؟ قال: تبيعه عنبا، قال: فانه يشتريه من يجعله خمرا؟ قال: بعه إذن عصيرا، قال: إنه يشتريه مني عصيرا فيجعله خمرا في قربتي (وفي الوافى قريتي بدل قربتي) قال: بعته حلالا فجعله حراما فابعده الله، ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تذرن ثمنه عليه حتى يصيره خمرا فتكون تأخذ ثمن الخمر. ضعيفة ليزيد المذور. كا بسند ضعيف لسهل، والتهذيب بسند صحيح عن ابي بصير قال: سألت أبا الحسن " ع " عن بيع العصير فيصير خمرا قبل أن يقبض الثمن؟ قال: فقال: لو باع ثمرته ممن يعلم انه يجعله حراما لم يكن بذلك باس فاما إذا كان عصيرا فلا يباع إلا بالنقد. وفي رواية ابي كهمس المتقدمة في البحث عن بيع العصير عن أبي عبد الله " ع " هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يصنعه خمرا. مجهولة لابي كهمس. أبو المعزى قال: سال يعقوب الاحمر أبا عبد الله " ع " وأنا حاضر فقال: أصلحك الله إنه كان لي أخ وهلك وترك في حجري يتيما ولي أخ يلي ضيعة لنا وهو يبيع العصير ممن يصنعه خمرا، إلى أن قال " ع " وأما بيع العصير ممن يصنعه خمرا فليس به باس خذ نصيب اليتيم منه. صحيحة. أقول: أبو المعزى هو حميد بن المثنى العجلي الكوفي الثقة، والمعزى بكسر الميم وسكون العين وفتح الزاء المعجمة بمعنى المعز وهو خلاف الضأن، وقد وقع الخلاف في كتابته أنه بالمد كحمراء، أو بالقصر كحبلى، فذهب إلى كل فريق، ولكن الظاهر من كتب اللغة هو الثاني. والى غير ذلك من الروايات. راجع ج 1 كا ص 394، وج 2 التهذيب ص 155 وص 178، وج 10 الوافى ص 38، وج 2 ئل باب 88 جواز بيع العصير ممن يعمل خمرا مما يكتسب به. وفي ج 2 المستدرك ص 452 عن دعائم الاسلام عن أبي عبد الله " ع " جوز بيع العصير ونحوه ممن يصنعه خمرا.

[ 174 ]

ظاهر غير واحدة من الروايات ان شربه كان متعارفا في زمان الصادق " ع ". إذ من المستبعد جدا انهم عليهم السلام يبيعون تمرهم في كل سنة ممن يصنعه خمرا. وفيه ان استعمال الخمر في العصير المغلي مجازا وان صح إلا أنه لا يمكن الالتزام به مع عراء الكلام عن القرينة المجوزة. على أن هذا الحمل إنما يصح على القول بنجاسة عصير التمر أو بحرمته بعد غليانه، ولم يثبت شئ منهما، بل الظاهر طهارت ه وإباحته ما لم يكن مسكرا وعليه فلا مجوز لاطلاق لفظ الخمر أو الشراب الخبيث عليه. قال المصنف: (فالاولى حمل الاخبار المانعة على الكراهة لشهادة غير واحد من الاخبار على الكراهة، كما أفتى به جماعة ويشهد له رواية رفاعة (1) عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا قال: بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب إلي ولا أرى به بالاول بأسا). وفيه اولا: انه معارض بما في بعض الروايات من بيعهم عليهم السلام تمرهم ممن يجعله شرابا خبيثا على ما اشرنا إليه، لبعد صدور الفعل المكروه منهم " ع " دفعة واحدة فضلا عن الدفعات، وبما في بعض روايات الباب من تعليل جواز البيع بأنه قد وقع على العنب الحلال وإنما المشتري جعله حراما أبعده الله وأسحقه، فلا تزر وازرة وزر ارخى، وقد ذكرنا الروايات في الحاشية. وثانيا: أن كون بيع العصير ممن يجعله خلا أحب إلى الامام " ع " لا يدل على كراهة بيعه ممن يجعله خمرا، خصوصا مع تصريحه " ع " فيها بالجواز بقوله: (ولا أرى بالاول بأسا) نعم لو كان لفظ الرواية: إني لا أحب بيعه ممن يجعله خمرا، لكان دالا على كراهة البيع. ثم إنه لم نجد رواية تدل على الكراهة غير رواية الحلبي التي نسبها المصنف إلى رفاعة وقد عرفت عدم دلالتها على ذلك وإذن فلا وجه لقول المصنف: (لشهادة غير واحد من الاخبار على الكراهة). قال السيد في حاشيته ما ملخصه: أنه يمكن الجمع بحمل الاخبار المجوزة على صورة العلم بأن ذلك عمل المشتري وإن لم يعلم بصرف هذا المبيع الخاص في المحرم، وحمل الاخبار المانعة على صورة العلم بصرفه في الحرام. ويمكن الجمع ايضا بحمل المانعة على العلم بقصد المشتري صرفه في الحرام، وحمل المجوزة على العلم بالتخميز مع عدم العلم بأن قصده ذلك. ويرد على الوجهين: أنهما من الجموع التبرعية، فلا شاهد لهما.


(1) نسبه الرواية إلى رفاعة من سهو القلم، بل هي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله " ع " راجع ج 2 التهذيب ص 155، وج 2 ئل باب 88 جواز بيع العصير ممن يعمل خمرا مما يكتسب به. وج 10 الوافي ص 39.

[ 175 ]

وفي المتن (وقد يجمع بينها وبين الاخبار المجوزة بحمل المانعة على صورة اشتراط جعل الخشب صليبا أو صنما أو تواطئهما عليه). وفيه مضافا إلى إطلاق الروايات المانعة، وعدم تقيدها بصورة الاشتراط، وإطلاق الروايات المجوزة، وعدم تقيدها بصورة عدم الاشتراط. أنه يرد عليه أولا: ما في المتن من أنه لا داعي للمسلم إلى هذا النحو من البيع ثم سؤاله عن حكمه. وثانيا: أن ذكر جواز بيع الخشب ممن يجعله برابط، وعدم جواز بيعه ممن يجعله صلبانا في روايتي ابن اذينه والمنقع (1) لا يلائم هذا الجمع ضرورة أن حمل رواية واحدة على جهتين متنافيتين من غير تقييد شبيه بالجمع بينهما، فان السؤال إن كان عن جواز البيع مع اشتراط الصرف في جهة الحرام فلا يلائمه الجواب بجواز البيع فيما جعله برابط، وإن كان السؤال عن الجواز مع عدم الاشتراط فلا يلائمه الجواب بعدم الجواز فيما جعله أصناما أو صلبانا والذي ينبغي أن يقال: إنه إذا تم عدم الفصل بين موارد الروايات المجوزة والمانعة كان من قبيل تعارض الدليلين، فيؤخذ بالطائفة المجوزة، لموافقتها لعمومات الكتاب، كقوله تعالى: (أوفوا بالعقود)، (وأحل الله البيع)، (وتجارة عن تراض). وإن لم يثبت عدم الفصل بين مواردها كما احتمله المصنف وجب ان يقتصر بكل طائفة على موردها ولا تصل النوبة إلى التعارض بينهما، والعمل بقواعده، وهذا هو الظاهر من الروايات، وتشهد له ايضا رواية ابن اذينة المفصلة بين الاصنام والبرابط. ويقربه: أن شرب الخمر وصنعها، أو صنع البرابط وضربها وإن كانت من المعاصي الكبيرة والجرائم الموبقة، إلا أنها ليست كالشرك بالله العظيم، لان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك، وعليه فيمكن اختلاف مقدمة الحرام من حيث الجواز وعدمه باختلاف ذي المقدمة من حيث الشدة والضعف. ودعوى الاجماع على عدم الفصل دعوى جزافية، لذهاب صاحبي الوسائل والمستدرك في عناوين الابواب من كتابيهما إلى التفصيل مضافا إلى عدم حجية الاجماع المنقول في نفسه. هذا كله بحسب الروايات، وحاصل جميع ما ذكرناه: أنه ليس في الروايات ما يدل على


(1) ابن اذينة قال: كتبت إلى ابي عبد الله " ع " اسأله عن رجل له حشب فباعه ممن يتخذ منه برابط؟ فقال " ع ": لا باس به، وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا؟ فقال: لا، أقول قد ذكرنا مصدرها في ص 149. وفي ج 2 المستدرك ص 436 عن المقنع: ولا بأس ببيع الخشب ممن يتخذه برابط ولا يجوز بيعه لمن يتخذه صلبانا، مرسلة.

[ 176 ]

حرمة بيع المباح ممن يجعله حراما. وأما الصورة الثانية (أعني التكلم في حكم المسألة من حيث القواعد) فالكلام فيها من نواحي شتى، الاولى: في تحقيق مفهوم الاعانة وبيان ما يعتبر فيه، الثانية: في حكم الاعانة على الاثم، الثالثة: أنه على القول بحرمة الاعانة على الاثم فهل هي كحرمة الظلم لا تختلف بالوجوه والاعتبار، ولا تقبل التخصيص والتقييد، أو هي كحرمة الكذب التي تختلف بذلك وعليه فتصف بالاحكام الخمسة. حقيقة الاعانة ومفهومها ما حقيقة الاعانة ومفهومها؟ الظاهر أن مفهوم الاعانة كسائر المفاهيم التي لا يمكن تحديدها إلا بنحو التقريب. فمفهوم الماء مثلا مع كونه من أوضح المفاهيم ربما يشك في صدقه على بعض المصاديق على ما اعترف به المصنف في أول كتاب الطهارة. وقد وقع الخلاف في بيان حقيقة الاعانة على وجوه، الاول: ما استظهره المصنف من الاكثر، وهو أنه يكفي في تحققها مجرد إيجاد مقدمة من مقدمات فعل الغير وإن لم يكن عن قصد، والثاني: ما أشار إليه في مطلع كلامه من أن الاعانة هي فعل بعض مقدمات فعل الغير بقصد حصوله منه، لا مطلقا، ثم نسبه إلى المحقق الثاني وصاحب الكفاية، والثالث: ما نسبه إلى بعض معاصريه، من أنه يعتبر في تحقق مفهومها وراء القصد المذكور وقوع الفعل المعان عليه في الخارج، والرابع: ما نسبه إلى المحقق الاردبيلي من تعليقه صدق الاعانة على القصد أو الصدق العرفي، بداهة أن الاعانة قد تصدق عرفا في موارد عدم وجود القصد مثل ان يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم فيعطيه اياها، أو يطلب القلم لكتابة ظلم فيعطيه إياه، ونحو ذلك مما يعد معونة عرفا، الخامس: الفرق بين الاعانة في المقدمات القريبة فتحرم، وبين المقدمات البعيدة فلا تحرم، السادس: عدم اعتبار شئ في صدق الاعانة الا وقوع المعان عليه في الخارج. وأوجهها هو الوجه الاخير، وتحقيق ذلك ببيان امرين: الاول في بيان عدم اعتبار العلم والقصد في مفهوم الاعانة، والثاني في بيان اعتبار وقوع المعان عليه في صدقها. أما الامر الاول: فان صحة استعمال كلمة الاعانة وما اقتطع منها في فعل غير القاصد بل وغير الشاعر بلا عناية وعلاقة تقتضي عدم اعتبار القصد والارادة في صدقها لغة، كقوله " ع " في دعاء أبي حمزة الثمالي: (وأعانني عليها شقوتي) وقوله تعالى (1): (واستعينوا


(1) سورة البقرة، آية: 42.

[ 177 ]

بالصبر والصلوة). وفي بعض الروايات (1) أن المراد بالصبر هو الصوم. وفي أحاديث الفريقين (2): (من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه). ومن البديهي أن آكل الطين لم يقصد موته بذلك، بل يرى أن حياته فيه. وفي رواية أبي بصير (3): (فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد). ومن المعلوم ان المعين على ذلك بالورع والاجتهاد لا بقصد الاعانة عليه في جميع الاحيان، وكذلك ما في بعض الاحاديث (4) من قوله " ع ": (من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة). وكذلك قوله صلى الله عليه وآله (5): (من تبسم على وجه مبدع فقد أعان على هدم الاسلام). وفي رواية ابي هاشم الجعفري (6): (ورزقك


(1) في ج 2 ئل باب 2 استحباب الصوم عند نزول الشدة من أبواب الصوم عن سليمان عن أبي عبد الله " ع " في قول الله: (واستعينوا بالصبر) قال: الصبر الصيام. وفي رواية اخرى يعني الصيام. (2) في ج 2 كا ص 156، وج 2 التهذيب ص 304، وج 11 الوافى ص 23، وج 3 ئل باب 29 تحريم اكل الطين من الاطعمة المحرمة، عن السكوني عن أبي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه، ضعيفة للنوفلي وفي رواية اخرى فان أكلته ومت كنت قد أعنت على نفسك، ضعيفة لسهل. وفي ج 10 سنن البيهقي ص 11 عن ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من انهمك في أكل الطين فقد أعان على نفسه، وفي حديث آخر: من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه. (3) في ج 1 ئل باب 20 تأكد استحباب الجد في العبادة من مقدمات العبادة، عن ابي بصير عن ابي عبد الله " ع " إن أباه قال لجماعة من الشيعة: والله اني لاحب ريحكم وأرواحكم فأعينوا على ذلك بورع واجتهاد، وفي رواية ابن يعفور عن ابي عبد الله " ع " فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد. وفي ج 3 الوافى باب تذاكرة الاخوان ص 116 في رواية ميسر عن أبي جعفر " ع " فأعينوا بورع واجتهاد. (4) في ج 2 ئل باب 163 تحريم المعونة على قتل المؤمن من العشرة، وج 3 ئل باب 2 تحريم الاشتراك في القتل المحرم من القصاص، وج 8 سنن البيهقي ص 22: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله وبين عينيه مكتوب: آيس من رحمة الله. (5) راجع ج 2 المستدرك ص 389. (6) راجع ج 3 الوافى باب تذاكرة الاخوان ص 116.

[ 178 ]

العافية فأعانتك على الطاعة)، وفي الصحيفة الكاملة السجادية في دعائه عليه السلام في طلب الحوائج (واجعل ذلك عونا لي) وأيضا يقال: الصوم عون للفقير، والثوب عون للانسان، وسرت في الماء وأعانني الماء والريح على السير، وأعانني العصا على المشي، وكتبت باستعانة القلم، إلى غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة الصحيحة، ودعوى كونها مجازات جزافية لعدم القرينة عليها. ونتيجة جميع ذلك أنه لا يعتبر في تحقق مفهوم الاعانة علم المعين بها، ولا اعتبار الداعي إلى تحققها، لبديهة صدق الاعانة على الاثم على إعطاء العصا لمن يريد ضرب اليتيم وان لم يعلم بذلك، أو علم ولم يكن إعطاؤه بداعي وقوع الحرام كما لا يخفى. ويدل على ما ذكرناه ما تقدمت الاشارة إليه من ان القصد سواء كان بمعنى الارادة والاختيار أم بمعنى الالتفات لا يعتبر في مفهوم الاعانة. وعلى الجملة لا نعرف وجها صحيحا لاعتبار القصد بأي معنى كان في صدق الاعانة، ومن هنا لا نظن أن أحدا ينكر تحقق الاعانة باعطاء السيف أو العصا لمن يريد الظلم أو القتل ولو كان المعطي غير ملتفت إلى ضمير مريد الظلم أو القتل، أو كان غافلا عنه. نعم لو نسب ذلك إلى الفاعل المختار انصرف إلى صورة العلم والالتفات. وأما الامر الثاني فالذي يوافقه الاعتبار ويساعد عليه الاستعمال هو تقييد مفهوم الاعانة بحسب الوضع بوقوع المعان عليه في الخارج، ومنع صدقها بدونه. ومن هنا لو أراد شخص قتل غيره بزعم أنه مصون الدم، وهيأ له ثالث جميع مقدمات القتل، ثم أعرض عنه مريد القتل، أو قتله ثم بان أنه مهدور الدم فانه لا يقال: إن الثالث أعان على الاثم بتهيئة مقدمات القتل، كما لا تصدق الاعانة على التقوى إذا لم يتحقق المعان عليه في الخارج، كما إذا رأى شبحا يغرق فتوهم أنه شخص مؤمن فأنقذه إعانة منه له على التقوى فبان أنه خشبة وقد يمنع من اعتبار وقوع المعان عليه في الخارج في مفهوم الاعانة وصدقها، بدعوى أنه لو أراد رجلان التهجم على بيضة الاسلام أو على قتل النفوس المحترمة فهيأ لهما آخران جميع مقدمات القتال فمضى احدهما وندم الآخر، فانه لا شبهة في استحقاق كل من المهيئين الذم واللوم من جهة الاعانة على الاثم وإن تحقق الفعل المعان عليه في أحدهما ولم يتحقق في الآخر، فلو كان ذلك شرطا في صدق الاعانة لم يتوجه الذم إلا على الاول. وفيه ان الصادر من النادم ليس إلا التجري، وهو على تقدير الالتزام بقبحه واستحقاق العقاب عليه لا يصدق عليه الاثم لتكون الاعانة عليه إعانة على الاثم. وأما إذا قلنا بعدم استحقاق العقاب عليه فان الامر أوضح، مع أنه لا مضائقة في صحة ذم معينة، بل في صحة

[ 179 ]

عقابه ايضا بناء على حرمة الاعانة على الاثم وصحة العقاب على التجري، فان المعين حينئذ يرى نفسه عاصيا لتخيله أنه معين على الاثم فهو متجر في فعله، والمفروض أن التجري يوجب استحقاق العقاب. وقد تجلى من جميع ما ذكرناه ما في بقية الوجوه والاقوال المتقدمة من الوهن والخلل. كما اتضح ضعف ما أورده المصنف على بعض معاصريه من أن (حقيقة الاعانة على الشئ هو الفعل بقصد حصول ذلك الشئ سواء حصل في الخارج أم لا، ومن اشتغل ببعض مقدمات الحرام الصادر من الغير بقصد التوصل إليه فهو داخل في الاعانة على الاثم. ثم لا يخفى: أن عنوان الاعانة كما يتوقف على تحقق الفعل المعان عليه في الخارج فكذلك يتوقف على تحقق المعين والمعان: بأن يكونا مفروض الوجود مع قطع النظر عن تحقق الاعانة في الخارج ليقع فعل المعين في سلسلة مقدمات فعل المعان، فيكون عنوان الاعانة بهذا الاعتبار من الامور الاضافيه، وعليه فايجاد موضوع الاعانة كتوليد المعين مثلا خراج عن حدودها، وإلا لحرم التناكح والتناسل. للعلم العادي بأن في نسل الانسان في نظام الوجود من يرتكب المعاصي، وتصدر منه القبائح. وأما مسير الحاج ومتاجرة التاجر مع العلم بأخذ المكوس والكمارك، وهكذا عدم التحفظ على المال مع العلم بحصول السرقة فكلها داخل في عنوان الاعانة، فانه لا وجه لجعل امثالها من قبيل الموضوع للاعانة وخروجها عن عنوانها، كما زعمه شيخنا الاستاذ والمحقق الايرواني، كما لا وجه لما ذهب إليه المصنف (ره) من إخراجها عن عنوان الاعانة من حيث إن التاجر والحاج غير قاصدين لتحقق المعان عليه، لما عرفت من عدم اعتبار القصد في صدقها. وقد ظهر من مطاوي جميع ما ذكرناه: ان المدار في عنوان الاعانة هو الصدق العرفي، وعليه فلا يفرق في ذلك بين المقدمات القريبة والمقدمات البعيدة، ولذلك صح إطلاق المعين على من تسبب في قضاء حوائج الغير ولو بوسائط بعيدة. حكم الاعانة على الاثم ما حكم الاعانة على الاثم؟ الظاهر جواز ذلك لانه مقتضى الاصل الاولي، ولا دليل يثبت حرمة الاعانة على الاثم وإن ذهب المشهور وبعض العامة (1) إلى الحرمة، وعليه


(1) في ج 24 المبسوط للسرخسي ص 26 عن ابي يوسف ومحمد إن بيع العصير والعنب ممن يتخذه خمرا إعانة على المعصية وتمكين منها وذلك حرام وإذا امتنع البائع من البيع

[ 180 ]

فالحكم هو جواز الاعانة عليه إلا ما خرج بالدليل، كاعانة الظاالمين وإعانة أعوانهم وتهيئة مقدمات ظلمهم، لاستفاضة الروايات على حرمة إعانتهم وتقويتهم وتعظيم شوكتهم ولو بمدة قلم أو بكتابة رقعة أو بجباية خراج ونحوها، وستأتي هذه الروايات في البحث عن معونة الظالمين، بل الحرمة في هذا النحو من الاعانة مما استقل به العقل، وقامت عليه ضرورة العقلاء، بل قال في العروة في مسألة 29 من صلاة المسافر: إنه لو كانت تبعية التابع إعانة للجائر في جوره وجب عليه التمام وإن كان سفر الجائر طاعة فان التابع حينئذ يتم مع أن المتبوع يقصر. قوله: (بعموم النهي عن التعاون على الاثم والعدوان). أقول: استدلوا على حرمة الاعانة على الاثم بوجوه، الوجه الاول: قوله تعالى (1): (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان). فان ظاهرها حرمة المعاونة على الاثم والعدوان مطلقا. وفيه أن التعاون عبارة عن اجتماع عدة من الاشخاص لايجاد أمر من الخير أو الشر ليكون صادرا من جميعهم، كنهب الاموال وقتل النفوس وبناء المساجد والقناطر. وهذا بخلاف الاعانة فانها من الافعال، وهي عبارة عن تهيئة مقدمات فعل الغير مع استقلال ذلك الغير في فعله، وعليه فالنهي عن المعاونة على الاثم لا يستلزم النهي عن الاعانة على الاثم فلو عصى أحد فأعانه الآخر فانه لا يصدق عليه التعاون بوجه، فان باب التفاعل يقتضي صدور المادة من كلا الضخصين، ومن الظاهر عدم تحقق ذلك في محل الكلام. نعم قد عرفت فيما سبق حرمة التسبيب إلى الحرام وجعل الداعي إليه، لكن حرمة ذلك لا تستلزم الحرمة في المقام. الوجه الثاني: ادعاء الاجماع على ذلك. وفيه أنها دعوى جزافية، لاحتمال كون مدرك المجمعين هي الوجوه المذكورة في المسألة، فلا يكون إجماعا تعبديا. مضافا إلى عدم حجية الاجماع المنقول في نفسه. الوجه الثالث: أن ترك الاعانة على الاثم دفع للمنكر، ودفع المنكر واجب كرفعه، واليه أشار المحقق الاردبيلي في محكي كلامه، حيث استدل على حرمة بيع العنب في المسألة


يتعذر على المشتري اتخاذ الخمر فكان في البيع منه تهيج الفتنة وفي الامتناع تسكينها. وفي ج 2 فقه المذاهب ص 52 عن الحنابلة كلما افضى إلى محرم فهو حرام. وفي ج 8 الهداية ص 127 ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة لانه تسبيب إلى المعصية (1) سورة المائدة، آية: 3.

[ 181 ]

بأدلة النهي عن المنكر، واستشهد له المصنف برواية أبي حمزة (1) عن أبي عبد الله " ع " من أنه لولا أن بني أمية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفئ ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبوا حقنا). وفيه أولا: أن الاستدلال بدفع المنكر هنا إنما يتجه إذا علم المعين بانحصار دفع الاثم بتركه الاعانة عليه، وأما مع الجهل بالحال، أو العلم بوقوع الاثم باعانة الغير عليه فلا يتحقق مفهوم الدفع. وثانيا: أن دفع المنكر إنما يجب إذا كان المنكر مما اهتم الشارع بعدم وقوعه، كقتل النفوس المحترمة، وهتك الاعراض المحترمة، ونهب الاموال المحترمة، وهدم أساس الدين وكسر شوكة المسلمين، وترويج بدع المضلين ونحو ذلك، فان دفع المنكر في هذه الامثلة ونحوها واجب بضرورة العقل واتفاق المسلمين، وقد ورد الاهتمام به في بعض الاحاديث (2) وأما في غير ما يهتم الشارع بعدمه من الامور فلا دليل على وجوب دفع المنكر، وعلى كلا الوجهين فالدليل أخص من المدعى. وأما النهي عن المنكر فانه وإن كان سبيل الانبياء ومنهاج الصلحاء وفريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتحل المكاسب وترد المظالم، إلا أنه لا يدل على وجوب دفع المنكر، فان معنى دفع المنكر هو تعجيز فاعله عن الاتيان به وإيجاده في الخارج سواء ارتدع عنه باختياره أم لم يرتد، والنهي عن المنكر ليس إلا ردع الفاعل وزجره عنه على مراتبه المقررة في الشريعة المقدسة. وعلى الاجمال: إنه لا وجه لقياس دفع المنكر على رفعه. وأما رواية أبي حمزة فمضافا إلى ضعف السند فيها أنها أجنبية عن رفع المنكر فضلا عن دفعه، لاختصاصها بحرمة إعانة الظلمة. قال المحقق الايرواني: (الرفع هنا ليس إلا الدفع فمن شرع بشرب الخمر فبالنسبة إلى جرعه شرب لا معنى للنهي عنه وبالنسبة إلى ما لم يشرب كان النهي دفعا عنه).


(1) هذه الرواية ضعيفة لابراهيم بن اسحاق الاحمري. راجع ج 2 ئل باب 76 وجوب رد المظالم إلى أهلها مما يكتسب به. (2) في ج 2 التهذيب ص 451. وج 3 ئل باب 17 حكم من أمسك رجلا فقتله آخر من أبواب القصاص. عن السكوني عن ابي عبد الله " ع " إن ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين " ع " واحد منهم أمسك رجلا وأقبل الآخر فقتله والآخر يراهم فقضى في الرؤية " وفي بعض النسخ الربيئة " أن تسمل عيناه وفي الذي امسك أن يسجن حتى يموت كما أمسكه وقضى في الذي قتل أن يقتل. ضعيفة للنوفلي.

[ 182 ]

وفيه أن مرجع الرفع وإن كان إلى الدفع بالتحليل والتدقيق إلا أن الاحكام الشرعية وموضوعاتها لا تبتني على التدقيقات العقلية، ولا شبهة في صدق رفع المنكر في العرف والشرع على منع العاصي عن إتمام المعصية التي ارتكبها بخلاف الدفع. قوله: (وتوهم أن البيع حرام على كل أحد فلا يسوغ لهذا الشخص فعله معتذرا بأنه لو تركه لفعله غيره). اقول: محصل الاشكال ما ذكره المحقق الايرواني: من أن النهي عن الطبيعة ينحل إلى نواهي متعددة حسب تعدد أفراد تلك الطبيعة على سبيل العموم الاستغراقي فكان كل فرد تحت نهي مستقل، وعلى هذا فترك بيع فرد من العنب دفع لتخمير هذا الفرد وإن علم أن عنبا آخر يباع ويخمر لو لم يبع هو هذا، فإذا تراكمت التروك بترك هذا للبيع وترك ذاك له وهكذا حصل ترك التخمير رأسا، وكان كل ترك مقدمة لترك فرد من الحرام، لا أن مجموع التروك يكون مقدمة لترك حرام واحد. وفيه أن النهي إنما ينحل إلى أفراد الطبيعة، لان معنى النهي عن الشئ عبارة عن الزجر عنه، لما فيه من المفسدة الالزامية، فإذا توجه النهي إلى طبيعة ما وكان كل واحد من أفرادها مشتملا على المفسدة الالزامية فلا محالة ينحل ذلك النهي إلى نواهي عديدة حسب تعدد الافراد، وأما في مثل المقام فان منشأ النهي فيه هو أن لا يتحقق الاثم في الخارج، فالغرض منه إنما هو الوصول إلى ذلك، فإذا علم صدور الاثم في الخارج ولو مع ترك الاعانة من شخص خاص فلا موجب لحرمتها، وهذا كما إذا نهى المولى عبيده عن الدخول عليه في ساعة عينها لفراغه، فان غرضه يفوت إذا دخل عليه واحد منهم، فترتفع المبغوضية عن دخول غيره. ويدلنا على ذلك ما في الروايات المتقدمة من تجويزهم عليهم السلام بيع العنب والتمر وعصيرهما ممن يصنعها خمرا، إذلو لم تدل تلك الروايات على عدم حرمة الاعانة على الاثم مطلقا فلا أقل من دلالتها على عدم الحرمة فيما إذا علم المعين تحقق الحرام في الخارج على كل حال. إذن فما نحن فيه من قبيل رفع الحجر الثقيل الذي لا يرفعه إلا جماعة من الناس، فان الوجوب يرتفع عن الجماعة بمخالفة شخص واحد منهم، وهكذا ما نحن فيه، لان عدم تحقق المعصية من مشتري العنب يتوقف على ترك كل أرباب العنب للبيع، لان ترك المجموع سبب واحد لترك المعصية، كما ان بيع اي واحد منهم على البدل شرط لتحقق المعصية من المشتري.

[ 183 ]

تتميم وفيه تأسيس قد عرفت فيما تقدم: أن جواز الاعانة على الاثم هو مقتضى الاصل لعدم الدليل على التحريم، ويمكن الاستدلال عليه مضافا إلى ذلك بامور: الاول: انه لو لم تجز الاعانة على الاثم لما جاز سقي الكافر، لكونه إعانة على الاثم، لتنجس الماء بمباشرته إياه، فيحرم عليه شربه، لكن السقي جائز، لقوله " ع ": (إن الله يحب إيراد الكبد الحرا). على ما تقدم تفصيله في البحث عن بيع الميتة المختلطة مع المذكى (1) فتجوز الاعانة على الاثم. والاعتذار عن ذلك بعدم قدرتهم على شرب الماء الطاهر في حال الكفر اعتذار غير موجه، إذ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. الثاني: أنك علمت سابقا استفاضة الروايات على جواز بيع العنب والتمر وعصيرهما ممن يجعلها خمرا، وجواز بيع الخشب ممن يجعله برابط، ومن الواضح جدا كون هذا البيع إعانة على الاثم، ومن أنكره بلسانه، أو هو مكابر لوجدانه، وبعدم القول بالفصل يثبت الجواز في غير موارد الروايات. على ان في بعضها إشعارا إلى كلية الحكم، وعدم اختصاصه بالامور المذكورة فيها، كقول الصادق " ع " في رواية أبي بصير: (إذا بعته قبل أن يكون خمرا فهو حلال فلا بأس به). وفي رواية الحلبي عن بيع العصير ممن يجعله حراما (فقال: لا بأس به تبيعه حلالا فيجعله حراما أبعده الله وأسحقه). وفي رواية ابن اذينة عن بيع العنب والتمر ممن يعلم أنه يجعله خمرا (فقال: إنما باعه حلالا في الا بان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه). فان الظاهر من هذه الروايات أن المناط في صحة البيع هي حلية المبيع للبائع حين البيع وإن كان بيعه هذا إعانة على المحرم، ومثل هذه الروايات غيرها ايضا. الثالث: قيام السيرة القطعية عليا لجواز، ضرورة جواز المعاملة مع الكفار وغير المبالين في أمر الدين من المسلمين ببيع الطعام منهم ولو كان متنجسا؟ وإعارة الاواني إياهم للطبخ وغيره، مع أنه إعانة على أكل الطعام المتنجس بمباشرتهم إياه، ووجوب تمكين الزوجة للزوج وإن علمت بعدم اغتساله عن الجنابة، فيكون التمكين إعانة على الاثم، وأيضا قلعت السيرة القطعية على جواز تجارة التاجر ومسير الحاج والزوار وإعطائهم الضريبة المعينة للظلمة، مع أنه من أظهر مصاديق الاعانة على الاثم. وأيضا قضت الضرورة بجواز إجارة الدواب والسفن والسيارات والطيارات من


(1) ص 75.

[ 184 ]

المسافرين، مع العلم إجمالا بأن فيهم من يقصد في ركوبه معصية. وأيضا قامت السيرة القطعية على جواز عقد الاندية والمجالس لتبليغ الاحكام، وإقامة شعائر الافراح والاحزان بل على وجوبها في بعض الاحيان إذا توقف عليها إحياء الدين وتعظيم الشعائر، مع العلم بوقوع بعض المعاصي فيها من الغيبة والاستهزاء والكذب والافتراء ونظر كل من الرجال والنساء إلى من لا يجوز النظر إليه وغيرها من المعاصي. قوله: (ثم إنه يمكن التفصيل في شروط الحرام المعان عليها بين ما ينحصر فائدته ومنفعته عرفا في المشروط المحرم). اقول: قد ظهر مما ذكرناه أن الميزان في حرمة المقدمة هو كونها سببا لوقوع ذي المقدمة، وإلا فلا وجه للتحريم وان انحصرت فائدته في الحرام. قوله: (وإنما الثابت من العقلاء والعقل القاضي بوجوب اللطف وجوب رد من هم بها) أقول: إن كان المنكر مثل قتل النفس ونحوه مما يهتم الشارع بعدم تحققه فلا ريب في وجوب رفعه، بل دفعه شرعا وعقلا كما تقدم، وأما في غير الموارد التي يهتم الشارع بعدم تحققها فلا وجه لدعوى الوجوب العقلي فيها وان ادعاه المشهور مطلقا، لمنع استقلال العقل بذلك في جميع الموارد، ولذا ذهب جمع من المحققين (1) إلى الوجوب الشرعي. حرمة الاعانة على الاثم كحرمة الكذب تقبل التخصيص إن حرمة الاعانة على الاثم على فرض ثبوتها هل تقبل التخصيص والتقييد أم لا؟ قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنحرمة ذلك على فرض ثبوتها إنما هي كحرمة الكذب تقبل التخصيص والتقييد، وتختلف بالوجوه والاعتبار، وليست هي كحرمة الظلم التي لا تختلف بذلك قال شيخنا الاستاذ: (لا إشكال في عدم إمكان تخصيصها بعد تحقق موضوعها، لان هذه من العناوين الغير القابلة للتخصيص، فانها كنفس المعصية وكالظلم، فانه كما لا يمكن أن يكون معصية خاصة مباحة فكذلك لا يمكن أن تكون الاعانة على المعصية مباحة، فما عن الحدائق بعدما حكى عن الاردبيلي (ره) من القول بالحرمة في مسألتنا من جهة كونها إعانة على الاثم من أنه جيد في حد ذاته لو سلم من المعارضة بأخبار الجواز لا وجه له لانه لو كان بيع العنب ممن يعلم بأنه يعمله خمرا داخلا في عنوان الاعانة فلا يمكن أن يدل دليل


(1) قال الحكيم الطوسى (ره) في آخر التجريد: الامر بالمعروف واجب، وكذا النهي عن المنكر، وبالمندوب مندوب سمعا، وإلا لزم ما هو خلاف الواقع، والاخلال بحكمته تعالى. وتبعه في هذا الرأي شراح التجريد كالعلامة والقوشجي وغيرهما.

[ 185 ]

على جوازه فمع ورود الدليل على الجواز نستكشف بأنه ليس داخلا في هذا العنوان). ولكن الوجوه المتقدمة الدالة على الجواز حجة عليه، ومن هنا لو أكره الجائر أحدا على الاعانة على الاثم أو اضطر إليها فانه لا شبهة حينئذ في جوازها، ولو كانت حرمتها كحرمة الظلم لا تختلف بالوجوه والاعتبار، ولا تقبل التخصيص والتقييد لما كانت جائزة في صورتي الاكراه والاضطرار ايضا. قوله: (وقد تلخص مما ذكرنا أن فعل ما هو من قبيل الشرط لتحقق المعصية من الغير من دون قصد توصل الغير به إلى المعصية غير محرم) أقول: بعدما علمت أنه لا دليل على حرمة الاعانة على الاثم، ولا على اعتبار القصد في مفهوم الاعانة، ولا في حكمها فلا وجه لما ذهب إليه المصنف وأتعب به نفسه من التطويل والتقسيم. ثم على القول: بحرمة الاعانة على الاثم فلا وجه للحكم بحرمة البيع في شئ من الشقوق التي ذكرها المصنف، إذ الاعانة على الاثم إنما تتحقق بالتسليم والتسلم في الخارج، ومن الواضح أن بينهما وبين البيع عموما من وجه. قوله: (وإن علم أو ظن عدم قيام الغير سقط عنه وجوب الترك). أقول: إذا كان البيع على تقدير ترك الآخرين محرما فلا إشكال في ارتفاع الحرمة عند العلم ببيع غيره، وأما مع الشك فيه فلا مانع من استصحاب تركه. والحكم بحرمة البيع، وأما الظن ببيع الغير فما لم تثبت حجيته لا يغني من الحق شيئا. قوله: (ثم كل مورد حكم فيه بحرمة البيع من هذه الموارد الخمسة فالظاهر عدم فساد البيع). اقول: توضيح كلامه: أنه لا ملازمة بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية في المعاملات، فالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة مثلا صحيح وإن كان محرما بالاتفاق. ولو سلمنا الملازمة بينهما فلا نسلمها فيما إذا تعلق النهي بعنوان عرضي ينطبق على البيع، كتعلقه بعنوان الاعانة في بيع العنب ممن يعلم أنه يجعله خمرا، إذ بين عنوان الاعانة على الاثم وبين البيع عموم من وجه. وعلى القول بالفساد مطلقا أو في الجملة فلا يفرق في ذلك بين علم المتبايعين بالحال وبين علم أحدهما مع جهل الآخر، فان حقيقة البيع عبارة عن المبادلة بين العوض والمعوض في جهة الاضافة، فإذا بطل من أحد الطرفين بطل من الطرف الآخر ايضا، إذ لا يعقل التبعيض من حيث الصحة والفساد في بيع واحد، كما هو واضح.

[ 186 ]

حرمة بيع السلاح من أعداء الدين قوله: (القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا بمعنى أن من شأنه أن يقصد منه الحرام). أقول: هذا العنوان يعم جميع الاشياء ولو كانت مباحة، إذ ما من شئ إلا وله شأنية الانتفاع به بالمنافع المحرمة، فلا يصح أن يجعل عنوانا للبحث، ولا بد من تخصيصه بالموارد المنصوصة، ولذا خصه الفقهاء ببيع السلاح من أعداء الدين. ثم إن تحقيق هذه المسألة يقع في ناحيتين، الناحية الاولى: في حرمة بيعه وجوازه الجملة أو مطلقا، والاقوال في ذلك وإن كانت كثيرة قد أنهاها السيد في حاشيته إلى ثمان إلا أن الاظهر منها هي حرمة بيعه من الكفار مطلقا ومن المخالفين عند محاربتهم مع الشيعة الناجية. وذهب بعض العامة (1) إلى حرمة بيعه في حال الفتنة. وفصل المصنف (ره) بين حالتي الحرب والصلح، فذهب إلى الحرمة في الاولى، والى الجواز في الثانية، وملخص كلامه: أن الروايات الواردة في المقام على طوائف، الاولى (2)


(1) في ج 8 هداية ص 127: ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة ممن يعرف أنه من أهل الفتنة لانه تسبيب إلى المعصية. وفي ج 4 هداية وشرح فتح القدير ص 297: ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ولا يجهز إليهم لان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب وحمله إليهم، ولان فيه تقويتهم على قتال المسلمين فيمنع من ذلك، وكذا الكراع لما بينا وكذلك الحديد لانه أصل السلاح، وكذا بعد الموادعة. وفي ج 5 سنن البيهقي ص 327 عن عمران بن حصين قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع السلاح في الفتنة. (2) في ج 1 كاص 359. وج 2 التهذيب ص 107. وج 10 الوافى ص 29. وج 2 ئل باب 35 تحريم بيع السلاح لاعداء الدين مما يكتسب به. عن الحضرمي قال: دخلنا على أبي عبد الله " ع " فقال له حكم السراج: ما ترى فيما يحمل إلى الشام من السروج وأداتها؟ فقال: لا باس أنتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول الله إنكم في هدنة فإذا كانت المبائنة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السروج والسلاح. ضعيفة للحضرمي. وعن هند السراج قال: قلت لابي جعفر " ع ": اصلحك الله اني كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعه منهم فلما أن عرفني الله هذا الامر ضقت بذلك وقلت: لا أحمل إلى أعداء الله؟ فقال لي: احمل إليهم فان الله عزوجل يدفع بهم عدونا وعدوكم يعني الروم وبعهم فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا

[ 187 ]

ما دل على جواز بيعه من أعداء الدين في حال الهدنة الثانية (1) ما دل على جواز بيعه منهم مطلقا، الثالثة (2) ما دل على حرمة بيعه منهم كذلك. ويمكن الجمع بينهما بحمل الطائفة المانعة على صورة قيام الحرب بينهم وبين المسلمين، وحمل الطائفة المجوزة على صورة الهدنة في مقابل المبائنة والمنازعة، وشاهد الجمع الطائفة الاولى المفصلة بين الحالتين " الهدنة والمنازعة ". وعن الشهيد في حواشيه انه لا يجوز مطلقا، لان فيه تقوية الكافر على المسلم، فلا يجوز


فهو مشرك مجهولة لابي سارة. أقول: قد كثر من الرواة خطاب الائمة عليهم السلام بكلمة أصلحك الله، والمراد بذلك هو مطالبة إصلاح الشؤون الدنيوية، للا الامور الاخروية، وتغيير حال الجور والظلم إلى حال العدل والانصاف لكي يلزم منه جهل القائل بمقامهم، وإلا لم يقدر أحد على خطاب سلاطين الجور بذلك مع أنه كان مرسوما في الزمن السابق. وعن السراد عن ابي عبد الله " ع " قال: قلت له: اني ابيع السلاح، قال: لا تبعه في فتنة. أقول: ان كان المراد بالسراد هو ابن محبوب المعروف فهو لا يروي عن الصادق " ع " بلا واسطة، وان كان المراد منه غيره فلا بد وأن يبحث في حاله، هذا على نسخة الكافي والتهذيب، وفي الاستبصار عن السراد عن رجل، وعليه فلا شبهة في ضعف الرواية، وفي الوسائل " نسخة عين الدولة " عن السراج وهو غلط جزما لاتفاق جميع النسخ على خلافه (1) في ج 2 التهذيب ص 114. وج 10 الوافى ص 29. وج 2 ئل باب 35 تحريم بيع السلاح لاعداء الدين مما يكتسب به. عن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه اني رجل صيقل اشتري السيوف وأبيعها من السلطان أجائز لي بيعها؟ فكتب " ع ". لا بأس به مجهولة لابي القاسم. (2) في ج 23 البحار ص 18. والباب 35 المتقدم من ج 2 ئل. عن علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر " ع " قال: سألته عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة؟ قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس. صحيحة. وعن الصدوق فيما أوصى به النبي صلى الله عليه وآله يا علي كفر بالله العظيم من هذه الامة عشرة: (1) القتال (2) والساحر، (3) والديوث، (4) وناكح المرأة حراما في دبرها، (5) وناكح البهيمة، (6) ومن نكح ذات محرم منه، (7) والساعي في الفتنة، (8) وبائع السلاح من اهل الحرب، (9) ومانع الزكاة، (10) ومن وجد سعة فمات ولم يحج. مجهولة لحماد بن عمرو وأنس بن محمد وأبيه.

[ 188 ]

على كل حال، ويرد عليه أولا: أنه لا يمكن المساعدة على دليله، لان بيع السلاح عليهم قد لا يوجب تقويتهم على المسلمين، لامكان كونه في حال الصلح، أو عند حربهم مع الكفار الآخرين، أو كان مشروطا بأن لا يسلمه إياهم إلا بعد الحرب. وثانيا: أن رأيه هذا شبه اجتهاد في مقابل النص، فانه أخذ بظهور المطلقات الدالة على المنع، وترك العمل بالمقيد الذي هو نص في مفهومه، وهو وإن لم يكن اجتهادا في مقابل النص، ولكنه شبيه بذلك. انتهى حاصل كلام المصنف. ولكن الظاهر أن ما ذهب إليه الشهيد (ره) وجيه جدا، ولا يرد عليه شئ مما ذكره المصنف لوجوه، الاول: أن ما جعله وجها للجمع بين المطلقات لا يصلح لذلك، فان مورده هم الجائرون من سلاطين الاسلام، كما دل عليه السؤال في روايتي الحضرمي وهند السراج عن حمل السلاح إلى اهل الشام، " وقد ذكرناهما في الهامش " إذ لا شبهة في إسلامهم في ذلك الزمان وإن كانوا مخالفين، فتكون الطائفة الاولى المفصلة بين الهدنة وقيام الحرب مختصة بغير الكفار من المخالفين فلا يجوز بيعه منهم عند قيام الحرب بينهم وبين الشيعة، وأما في غير تلك الحالة فلا شبهة في جوازه خصوصا عند حربهم مع الكفار، لان الله يدفع بهم أعداءه، وأما المطلقات فأجنبية عن الطائفة المفصلة لاختصاصها بالمحاربين من الكفار والمشركين الثاني: أنه لا وجه لرد كلامهم الشهيد تارة برمية إلى شبه الاجتهاد في مقابل النص، واخرى بتضعيف دليله، أما الاول فلانه لا مناص هنا من العمل بالمطلقات لما عرفت من عدم صلاحية الطائفة المفصلة للتقييد، فلا يكون ترك العمل بها والاخذ بالمطلقات شبه اجتهاد في مقابل النص، وأما الثاني فلان تقوية شخص الكافر بالسقي ونحوه وإن كان جائزا، إلا أن تقويته لجهة كفره غير جائزة قطعا، ومن الواضح أن تمكين المشركين والمحاربين من السلاح يوجب تقويتهم على المسلمين، بل ربما يستقل العقل بقبح ذلك، لان تقويتهم تؤدى إلى قتل النفوس المحترمة. ثم إن هذا كله لو تقارن البيع مع التسليم والتسلم الخارجي، وإلا فلا شبهة في جوازه، لما عرفت من أن بين البيع وعنوان الاعانة عموما من وجه، فلا يلزم من البيع المجرد تقوية الكافر على الاسلام. الثالث: أنه قد أمر في الآية الشريفة (1) بجمع الاسلحة وغيرها، للاستعداد والتهيئة إلى إرهاب الكفار وقتالهم. فبيعها منهم ولو في حال الهدنة نقض للغرض، فلا يجوز.


(1) سورة الانفال، آية 62، قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم).

[ 189 ]

وأما ما دل على الجواز فانه لضعف سنده لا يقاوم الروايات المانعة، ويضاف إليه أنه ظاهر في سلاطين الجور من أهل الخلاف. ثم إن السيد (ره) في حاشيته احتمل دخول هذا القسم الذي هو مورد بحثنا تحت الاعانة على الاثم بناء على عدم اعتبار القصد فيها، وكون المدار فيها هو الصدق العرفي، لحصول الصدق في المقام، وحينئذ فيتعدى إلى كل ما كان كذلك، ويؤيده قوله " ع ": يستعينون به علينا. وفيه ان الاعانة على الاثم وإن لم يعتبر في مفهومها القصد، إلا انك قد عرفت أنها ليست محرمة في نفسها وعلى القول بحرمتها فبينها وبين ما نحن فيه عموم من وجه كما هو واضح، وأما قوله " ع " في رواية هند السراج المتقدمة في الهامش: (فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك). فخرج عن حدود الاعانة على الاثم. وإنما يدل على حرمة إعانة الظلمة، ولا سيما إذا كانت على المعصومين عليهم السلام الموجبة لزوال حقوقهم. قوله: (بل يكفي مظنة ذلك بحسب غلبة ذلك مع قيام الحرب). أقول: قد علمت أن الروايات المانعة تقتضي حرمة بيع السلاح من أعداء الدين ولو مع العلم بعدم صرفه في محاربة المسلمين، أو عدم حصول التقوي لهم بالبيع، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنف من تقييد حرمة البيع بوجود المظنة بصرف السلاح في الحرب لغلبة ذلك عند قيامها بحيث يصدق حصول التقوى لهم بالبيع. الناحية الثانية: الظاهر شمول التحريم لمطلق آلة الحرب وحديدتها سواء كانت مما يدافع به في الحرب أم مما يقاتل، وذلك لوجوه: الاول: أن السلاح في اللغة (1) اسم لمطلق ما يكن. فيشمل مثل: المجن (2) والدرع


(1) في ج 2 تاج العروس ص 165: السلاح بالكسر والسلح كعنب والسلحان بالضم آلة الحرب. وفي المصباح: ما يقاتل به في الحرب ويدافع، أو حديدتها، أي ما كان من الحديد، كذا خصه بعضهم، يذكر ويؤنث، والتذكير أعلى، لانه يجمع على اسلحة، وهو جمع المذكر، مثل حمار وأحمرة، ورداء وأردية، والسلاح القوس بلا وتر، والعصا تسمى سلاحا. وفي مجمع البحرين قوله تعالى (خذوا اسلحتكم) هي جمع سلاح بالكسر وهو ما يقاتل به في الحرب ويدافع، والتذكير فيه أغلب من التأنيث، ويجمع في التذكير على أسلحة، وعلى التأنيث سلاحات. (2) في القاموس: المجن والمجنة بكسرهما الترس، والجنة بالضم كل ما وقى.

[ 190 ]

والمغفر (1) وسائر ما يكن به (2) في الحرب. الثاني: أنه تعالى أمر في الآية المتقدمة بالتهيئة والاستعداد إلى قتال الكفار وإرهابهم، فبيع السلاح منهم ولو بمثل المغفر والدرع نقض لغرضه تعالى. الثالث: أن تمكين الكفار من مطلق ما يكن به في الحرب تقوية لهم فهو محرمة عقلا وشرعا كما علمت. الرابع: أنه يحرم حمل السروج وأداتها إلى أهل الشام، وبيعها منهم والاعانة لهم عند قيام الحرب بينهم وبين الشيعة، لروايتي الحضرمي وهند السراج، فبيعها من الكفار أولى بالتحريم ولكن هذا الوجه يختص بحال الحرب، على أن كلتا الروايتين ضعيفة السند. وهم ودفع قد يتوهم أن المراد بالسروج المذكورة في رواية الحضرمي هي السيوف السريجية، فلا تكون لها دلالة ولو بالفحوى على حرمة بيع ما يكن من اعداء الدين. ولكن هذا التوهم فاسد، فانه مضافا إلى ان الظاهر من كون السائل سراجا أن سؤاله متصل بصنعته (وهي عمل السروج ونقلها) فلا ربط له بالسيوف وبيعها، أن حمل السروج بالواو على السيوف السريجية لا تساعده القواعد اللغوية، لان السريجي يجمع على سريجيات، لا على سروج، وإنما السروج جمع سرج. على أنه لا يساعده صدر الرواية، لاشتماله على كلمة الاداة وليست للسيف أدوات بخلاف السرج، وحملها على أدوات السيف من الغمد ونحوه بعيد جدا. قوله: (بمقتضى أن التفصيل قاطع للشركة). أقول: قد يقال: بجواز بيع ما يكن من الكفار لصحيحة محمد بن قيس (3) عن بيع السلاح من فئتين تلتقيان من أهل الباطل؟ فقال: بعهما ما يكنهما.


(1) في القاموس: المغفر كمنبر زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة، أو حلق يتقنع بها المتسلح. (2) في ج 9 تاج العروس ص 323: الكن بالكسر وقاء كل شئ وستره، وكن أمره عنه أخفاه، وقال بعضهم: أكن الشئ ستره، وفي التنزيل العزيز: (أو أكننتم في انفسكم) اي اخفيتم. (3) في ج 1 كا ص 359. وج 2 التهذيب ص 107. وج 10 الوافي ص 29. وج 2 ئل باب 35 تحريم بيع السلاح لاعداء الدين مما يكتسب به. قال: سألت

[ 191 ]

وفيه ما ذكره المصنف من عدم دلالتها على المطلوب، وتوضيح ذلك: أن الامام " ع " فصل بين السلاح وبين ما يكن، فلا بد وأن يكون بيع السلاح حراما بعدما جوز الامام بيع الثاني، لان التفصيل قاطع للشركة في الحكم، وإلا لكان التفصيل لغوا، وعليه فترفع اليد عن ظهور الصحيحة، وتحمل على فريقين محقوني الدماء من أهل الخلاف، إذ لو كان كلاهما أو احدهما مهدور الدم لم يكن وجه لمنع بيع السلاح منهم، وحينئذ فيجب ان يباع منهما ما يكن ليتحفظ كل منهما عن صاحبه، ويتترس به عنه، بل لو لم يشتروا وجب إعطاؤهم إياه مجانا، فان اضمحلالهم يوجب اضمحلال وجهة الاسلام في الجملة، ولذا سكت علي " ع " عن مطالبة حقه من الطغاة خوفا من انهدام حوزة الاسلام، ومن هنا أفتى بعض الاعاظم في سالف الايام بوجوب الجهاد مع الكفار حفظا للدولة العثمانية. قوله: (ثم إن مقتضى الاقتصار على مورد النص عدم التعدي إلى غير أعداء الدين كقطاع الطريق). أقول: بيع السلاح من السرقة وقطاع الطريق ونحوهم خارج عن حريم بحثنا، وإنما هي من صغريات المسألة المتقدمة، فان قلنا بحرمة الاعانة على الاثم فلا يجوز بيعه منهم، وإلا جار كما هو الظاهر. قوله: (إلا أن المستفاد من رواية تحف العقول إناطة الحكم بتقوى الباطل ووهن الحق). أقول: لم يذكر. ذلك في رواية تحف العقول بل المذكور فيها هي حرمة وهن الحق وتقوية الكفر، وعليه فلا يمكن التمسك بها على حرمة بيع السلاح من قطاع الطريق ونحوهم، نعم يجوز الاستدلال على ذلك بقوله " ع " فيها: (أو شئ فيه وجه من وجوه الفساد). إلا انك علمت في اول الكتاب ان الرواية ضعيفة السند. قوله: (ثم النهي في هذه الاخبار لا يدل على الفساد). أقول: لا شبهة في ان الحرمة الوضعية متقومة بكون النهي إرشاديا إلى الفساد، ولا نظر له إلى مبغوضية المتعلق، كما ان قوام الحرمة التكليفية بكون النهي مولويا تكليفيا ناظرا إلى مبغوضية متعلقه، ولا نظر له إلى فساده، وعدم تأثيره، فهما لا يجتمعان في استعمال واحد. وايضا النهي من حيث هو تحريم بحت لا يقتضي الفساد لا شرعا. ولا عرفا، ولا عقلا، سواء تعلق بذات المعاملة، أو بوصفها، أو بأمر خارج منطبق عليها، إذن فلا ملازمة بين الحرمة الوضعية والحرمة التكليفية على ما عرفت مرارا عديدة.


ابا عبد الله " ع " عن الفئتين تلتقيان من اهل الباطل أبيعهما السلاح؟ فقال: بعهما ما يكنهما الدرع والخفين ونحو هذا. صحيحة. في القاموس: الفئة كجعة الطائفة اصلها فئ كقيع ج فئون وفئان.

[ 192 ]

وعليه فان كان المراد بالنهي المتوجه إلى المعاملة هو النهي التكليفي المولوي كما هو الظاهر منه بحسب الوضع واللغة لدل على خصوص الحرمة التكليفية، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، إذ ليس الغرض منه إلا بيان مبغوضية البيع. وان لم ترد منه المولوية التكليفية كان إرشادا إلى الفساد، كالنهي المتوجه إلى سائر المعاملات، أو إلى المانعية، كالنهي المتوجه إلى اجزاء الصلاة. إذا عرفت ذلك فنقول: ان النهي عن بيع السلاح من أعداء الدين ليس إلا لاجل مبغوضية ذات البيع في نظر الشارع، فيحرم تكليفا فقط، ولا يكون دالا على الفساد، ويتضح ذلك جليا لو كان النهي عنه لاجل حرمة تقوية الكفر، لعدم تعلق النهي به، بل بأمر خارج يتحد معه. جواز بيع ما لا نفع فيه قوله: (النوع الثالث مما يحرم الاكتساب به مالا منفعة فيه محللة معتدا بها عند العقلاء). أفول: البحث في هذا النوع ليس على نسق البحث في الانواع السابقة لنمحضه هنا لبيان الحرمة الوضعية بخلافه في المسألة السابقة فان البحث فان البحث فيها فيها كان ناظرا إلى الحرمة التكليفية ومن ذلك يعلم انه لا وجه لهذا البحث هنا إلا استطرادا فان المناسب لهذا ذكره في شرائط العوضين والعجب من المصنف (ره) حيث حيث ذكر عدم جواز بيع المصحف من الكافر في شروط الصحة، مع انه اولى بالذكر هنا، لامكان دعوى كونه حراما تكليفا!. ثم ان ما لا نفع فيه تارة يكون لقلته كحبة من الشعير والحنطة وغيرهما، فان هذه الامور وان كانت تعد عند العرف والشرع من الاموال، بل منمهماتها، إلا ان قلتها اخرجتها عن حدودها، وحدود امكان الانتفاع بها. واخرى يكون لخسته وردائته، كحشرات الارض من العقارب والحيات والخنافس والجعلان والضفاد ع والديدان، وكبعض اقسام الطيور من بغائها (1) والنسر والغربان والرخم (2) ونحوها. تحقيق وتكميل قد تطابقت كلمات الاصحاب على فساد المعاملة على ما لا نفع فيه نفعا يعتد به. قال


(1) في القاموس: البغاث مثلثة طائر اغبر ج كغزلان وشرار الطيور. (2) في القاموس: الرخم طائر من الجوارح الكبيرة الجثة الوحشية الطباع، الواحدة رخمة ج رخم.

[ 193 ]

الشيخ في المبسوط (1): (وإن كان مما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف مثل الاسد والذئب وسائر الحشرات). وفي التذكرة (2) منع عن بيع تلك الامور لخستها، وعدم التفات نظر الشرع إلى مثلها في التقويم، ولا يثبت لاحد الملكية عليها، ولا اعتبار بما يورد في الخواص من منافعها، فانها مع ذلك لا نعد مالا، وكذا عند الشافعي. وفي الجواهر ادعى الاجماع محصلا ومنقولا على حرمة بيع ما لا ينتفع به نفعا مجوزا للتكسب به على وجه يرفع السفه عن ذلك. وعلى هذا المنهج فقهاء العامة أيضا (3) وان جوز بعضهم بيع الحشرات والهوام إذا كانت مما ينتفع بها. إذا عرفت ذلك فنقول: المتحصل من كلمات الفقهاء لفساد بيع مالا نفع فيه وجوه: الوجه الاول: أن حقيقة البيع كما عن المصباح عبارة عن مبادلة مال بمال، فلا يصح بيع ما ليس بمال. وفيه أولا: انه لا يعتبر في مفهوم البيع وصدقه لغة وعرفا عنوان المبادلة بين المالين، ومن هنا ذكر في القاموس: أن كل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه، ومن الواضح جدا عدم تحقق الاشتراء بدون البيع، للملازمة بينهما، ولذا قال الراغب الاصفهاني الشراء والبيع يتلازمان، بل كثر في الكتاب (4) العزيز استعمال البيع والشراء في غير المبادلة المالية. وأما ما عن المصباح فمضافا إلى عدم حجية قوله. أنه كسائر التعاريف ليس تعريفا حقيقيا، بل لمجرد شرح الاسم، فلا يبحث فيه طردا وعكسا نقضا وإبراما. وثانيا: أنه لو ثبت ذلك فغاية ما يلزم منه أنه لا يمكن تصحيح البيع بالعمومات الدالة


(1) في فصل ما يصح بيعه وما لا يصح من فصول البيع. (2) ج 1 ص 4 من البيع. (3) في ج 2 فقه المذاهب ص 232: يصح بيع الحشرات والهوام كالحيات والعقارب إذا كان ينتفع بها. وعن الحنابلة لا يصح بيع الحشرات. وفي ص 237: فإذا لم يكن من شأنه الانتفاع به كحبة من الحنطة فلا يجوز بيعه. (4) في مفردات الراغب: شريت بمعنى بعت أكثر. وأتبعت بمعنى اشتريت أكثر. قال الله تعالى: وشروه بثمن بخس، اي باعوه، وكذلك قوله: يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. ويجوز الشراء والاشتراء في كل ما يحصل به شئ، نحو: ان الذين يشترون بعهد الله، لا يشترون بآية الله، اشتروا الحياة الدنيا، اشتروا الضلالة إن الله اشترى من المؤمنين، ومن الناس من يشري نفسه ابتغعاء مرضاة الله. فمعنى يشري يبيع.

[ 194 ]

على صحة البيع، وهو لا يمنع عن التمسك بالعمومات الدالة على صحة العقد والتجارة عن تراض، بداهة صدقها على تبديل ما لا نفع فيه بمثله، أو بمال هو مال. الوجه الثاني: ما عن الايضاح من أن المعاملة على ما ليس له نفع محلل أكل للمال بالباطل فتكون فاسدة. وفيه ما سمعته مرارا من أن الآية أجنبية عن بيان شرائط العوضين، بل هي ناظرة إلى تمييز الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الفاسدة لها، وعليه فلا يكون الاكل في محل الكلام من أكل المال بالباطل بعد كون سببه تجارة عن تراض. الوجه الثالث: أن بيع مالا نفع فيه من المعاملات السفهية فهي فاسدة. وفيه أنه ممنوع صغرى وكبرى، أما الوجه في منع الصغرى فهو أن المعاملة إنما تكون سفهية إذا انتفت عنها الاغراض النوعية والشخصية كلتيهما، وليس المقام كذلك، إذ ربما تتعلق الاغراض الشخصية باشتراء مالا نفع فيه من الحشرات وغيرها، وهي كافية في خروج المعاملة عن السفهية، وأما الوجه في منع الكبرى فلانه لا دليل على فساد المعاملة السفهية، بعد أن شملتها العمومات كما أشرنا إلى ذلك مرارا، نعم قام الدليل على فساد معاملة السفيه، لكونه محجورا عن التصرف، والمعاملة السفهية غير معاملة السفيه. الوجه الرابع: ما استدل به المصنف (ره) من قوله " ع " في رواية تحف العقول: (وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك كله حلال بيعه وشراؤه). إذ لا يراد منه مجرد المنفعة وإلا لعم الاشياء كلها. وقوله " ع " في آخرها. (إنما حرم الله الصناعة التي يجئ منها الفساد محضا نظير كذا وكذا). إلى آخر ما ذكره، فان كثيرا من الامثلة المذكورة هناك لها منافع محللة، فالاشربة المحرمة مثلا كثيرا ما ينتفع بها في معالجة الدواب بل الامراض، فجعلها مما يجئ منه الفساد محضا باعتبار عدم الاعتناء بهذه المصالح لندرتها. وفيه أن هاتين القطعتين من الرواية إنما سيقتا لبيان حكم الاشياء التي تمحضت للصلاح أو الفساد، أو تساوت فيها الجهتان، أو غلبت احدايهما على الاخرى، فيحكم بصحة بيعها أو فساده حسب ما اقتضته تلك الجهة التعليلية المكنونة فيها، وأما الاشياء التي لها نفع محلل نادر فخارجة عن حدود الرواية، إذ ليس فيها تعرض لذلك بوجه، لا من حيث صحة البيع ولا من حيث فساده، وعليه فلا مانع من صحة المعاملة عليها للعمومات. على أنها لو تمت فانما تدل على فساد بيع ما لا نفع فيه لخسته، لكونه مما يجئ منه الفساد محضا، ولا تشمل مالا نفع فيه لقلته كحبة من الحنطة، إذ ليست فيه جهة فساد اصلا. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه فهي مختصة بالحرمة التكليفية على ما تقدم في اول الكتاب

[ 195 ]

فلا تشمل الحرمة الوضعية، ويضاف إلى ما ذكرناه كله أنها ضعيفة السند فلا يصح الاستدلال بها. الوجه الخامس: دعوى غير واحد من الاعاظم الاجماع على ذلك. وفيه ان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه ليس بحجة، على أنا لا نطمئن بوجود الاجماع التعبدي الكاشف عن الحجة المعتبرة، لاحتمال استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة في المسألة. وربما يؤيد القول بالجواز بصحيحة محمد بن مسلم (1) الصريحة في جواز بيع الهر، مع انه مما لا نفع فيه، بل كثيرا ما يضر الناس، وفي التذكرة (2): لا باس ببيع الهر عند علمائنا وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي (3) واسحاق واصحاب الرأي. والعجب من المصنف حيث منع عن بيع القرد لكون المصلحة المقصودة منه: أعني حفظ المتاع نادرة بخلاف الهرة، لورود غير واحد من الروايات على جواز بيعها، ووجه العجب أن منافع القرد المحللة ليست بنادرة، بل هي من مهمات المنافع! وإنما الوجه في المنع عن بيع القرد هو الروايات التي تقدمت في بيع المسوخ. قوله: (ولو فرض الشك في صدق المال على مثل هذه الاشياء المستلزم للشك في صدق البيع). أقول: العلم بعدم صدق المال على شئ لا يمنع عن وقوع البيع عليه فضلا عن الشك في صدقه عليه، وإذن فلا وجه لرفع اليد عن عموم ما دل على صحة البيع والتمسك بعمومات التجارة والصلح والعود والهبة المعوضة وغيرها كما صنعه المصنف. قوله: (لان ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها أو سائر منافعها المتعارفة). أقول:


(1) قد تقدمت الرواية في ص 94. وفي ج 2 المستدرك ص 430 عن دعائم الاسلام عن علي " ع " إنه راى رجلا يحمل هرة فقال: ما تصنع؟؟ قال: ابيعها فلا حاجة لي بها، قال: تصدق بثمنها. مرسلة. (2) ج 1 ص 3 من البيع. (3) في ج 2 فقه المذاهب ص 232 عن الحنفية: يصح بيع الحيوانات بأجمعها سوى الخنزير. وعن الحنابلة انه هل يصح بيع الهر خلاف والمختار انه لا يجوز. اقول: الظاهر ان القائلين بحرمة بيع الهر قد استندوا إلى جملة من الاحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله، وقد اخرجها البيهقي في ج 6 من سننه ص 11: منها ما عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن ثمن الكلب والسنور. ومنها ما عن عبد الرزاق باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن ثمن الهر. ومنها ما عن جابر ايضا: نهى رسول الله عن أكل الهر وأكل ثمنه.

[ 196 ]

هذا ينافي ما تقدم منه في بيع الابوال من حمل النبوي على كون الشحوم محرمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات. قوله: (ومنه يظهر ان الاقوى جواز بيع السباع بناء على وقوع التذكية عليها). اقول: يجوز بيع جلود السباع والانتفاع بها على وجه الاطلاق لجملة من الاخبار التي ذكرناها في بيع المسوخ والسباع، وعليه فلا وجه لدعوى ان النص إنما ورد ببعضها فقط، فيجب تقييد جواز البيع به كما في المتن. ثم ان السباع مما يقبل التذكية كما هو المشهور، بل عن السرائر الاجماع عليه. وتدل عليه موثقة سماعة التي تقدمت في مبحث جواز الانتفاع بالميتة، عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال " ع ": (إذا رميت وسميت فانتفع بجلده). إلا أنه لا وجه لتعليق جواز بيعها على قبول التذكية إلا على القول بحرمة الانتفاع بالميتة، وإلا فلا مانع من بيعها في حال الحياة للانتفاع بجلودها بعد الموت قوله: (ولو غصبه غاصب كان عليه مثله إن كان مثليا). اقول الدليل على الضمان إنما هو السيرة القطعية من العقلاء والمتشرعة، وعليه فلا بد وأن يخرج من عهدة الضمان إما برد عينه أو مثله، ومع فقدهما لا يمكن الخروج منها باداء القيمة، بل اصبح الغاصب مشغول الذمة لصاحب العين إلى يوم القيامة مثل المفلس، إذ الانتقال إلى القيمة إنما هو فيما إذا كان التالف من الاموال، فلا ينتقل إليها إذا لم يكن التالف مالا. وربما يتمسك للقول بالضمان بقاعدة ضمان اليد، لشمولها لمطلق المأخوذ بالغصب سواء كان من الاموال أو من غيرها. وفيه ان القاعدة وإن ذكرت في بعض الاحاديث (1) واستند إليها المشهور في موارد الضمان. ولكنها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ كما سيأتي التعرض لها في المقبوض بالعقد الفاسد.


(1) في ج 2 مستدرك الوسائل ص 504. وج 5 كنز العمال للمتقي الهندي ص 252 وج 5 مسند احمد ص 8. وج 3 سنن ابي داود السجستاني ص 296. وج 6 سنن البيهقي ص 90. وج 5 نيل الاوتار للشوكاني ص 252. عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: على اليد ما اخذت حتى تؤدي الحديث. في ج 1 شرح النهج لابن ابي الحديد ص 363: ان سمرة هو الذي كان يحرض الناس لحرب الحسين " ع "، وكان نائبا عن ابن زياد في البصرة عند مجيئه إلى الكوفة، وهو صاحب النخلة في بستان الانصاري ومن المنحرفين عن امير المومنين " ع.

[ 197 ]

وقد يتمسك للضمان بقاعدة الاتلاف (من أتلف مال الغير فهو له ضامن) ولكنه واضح الفساد لاختصاص موردها بالاموال، فلا تشمل غيرها. نعم لو انفصلت كلمة الماعن اللام واريد من الاول الموصول ومن الثاني حرف الجر بحيث تكون العبارة هكذا: (من اتلف ما للغير الخ) لشملت هذه القاعدة صورة الاتلاف وغيره، إلا انه بعيد جدا. على ان القاعدة المذكورة متصيدة وليست بمتن رواية. وكيف كان فموردها خصوص الاتلاف، فلا تدل على الضمان عند عدمه، فلا دليل على الضمان إلا السيرة كما عرفت. قوله: (خلافا للتذكرة فلم يوجب شيئا كغير المثلي). اقول: ضعفه بعضهم بأن اللازم حينئذ عدم الغرامة فيما لو غصب صبرة تدريجا. ويرد عليه ان نظر العلامة (ره) ليس إلا عدم الضمان مطلقا، بل فيما إذا لم يكن المغصوب مقدارا يصدق عليه عنوان المال، ومن البديهي ان كل حبة من الصبرة وإن لم تكن مالا بشرط لا ومجردة عن الانضمام إلى حبة اخرى، إلا انها إذا انضمت إلى غيرها من الحبات صارت مالا، فتشملها ادلة الضمان. (فرع) لو حاز مالا نفع له كالحشرات لثبت له الاختصاص به، فيكون أولى به من غيره، فليس لاحد أن يزاحمه في تصرفاته فيه للسيرة القطعية. على ان اخذ المحاز من المحيز قهرا عليه ظلم، فهو حرام عقلا وشرعا. وأما حديث (من سبق إلى ما لم يسبق إليه احد من المسلمين فهو أحق به) فقد تقدم انه ضعيف السند، وغير منجبر بشيئ. حكم تدليس الماشطة قوله: (النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه). أقول: قد جرت عادة الاصحاب بالبحث عن جملة من الاعمال المحرمة في مقدمة أبحاث التجار، وتبعهم المصنف بذكر أكثرها في مسائل شتى بترتيب حروف اوائل عنواناتها، ونحن أيضا نقتفي إثرهم. ثم إن قد علمت في البحث عن معنى حرمة البيع تكليفا انه يكفي في عدم جواز المعاملة على الاعمال المحرمة ما دل على حرمتها من الادلة الاولية، إذ مقتضى ادلة صحة العقود لزوم الوفاء بها، ومقتضى ادلة المحرمات حرمة الاتيان بها، وهما لا يجتمعان. وعليه فلا موجب للبحث في كل مسألة من المسائل الآتية عن صحة المعاملة عليها وفسادها، بل في جهات اخرى، وأما ما في حاشية السيد من عدم جواز اخذ الاجرة على العمل المحرم لقوله " ع ": إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، فان المراد من الثمن مطلق العوض، فهو فاسد، فانه مضافا

[ 198 ]

إلى ضعف سند هذا الحديث، أنا نمنع صدق الثمن على مطلق العوض. قوله: (المسألة الاولى: تدليس الماشطة المرأة التي يراد تزويجها أو الامة التي يراد بيعها حرام). أقول: الماشية والمشاطة التي تحسن المشط، وتتخذ ذلك حرفة لنفسها. والظاهر انه لا خلاف في حرمة تدليسها إذا اظهرت في المرأة التي يراد تزويجها، أو الامة التي يراد بيعها ما ليس فيهما من المحاسن، بل ادعى عليه الاجماع كما في الرياض وغيره، قال في تجارة المقنع: (ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت ما تعطى ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها). وفي المكاسب المحظورة من النهاية: (كسب المواشط حلال إذا لم يغششن ولا يدلسن في عملهن فيصلن شعر النساء بشعر غيرهن من الناس ويوشمن الخدود ويستعملن ما لا يجوز في شريعة الاسلام) وفي فتاوى العامة (1) انه لا يجوز وصل شعر الانسان بشعر المرأة. وتحقيق هذه المسألة في ثلاث جهات، الجهة الاولى: في تدليس الماشطة. الظاهر انه لا دليل على حرمة التدليس والغش من حيث هما تدليس وغش إلا في بيع أو شراء أو تزويج للروايات الخاصة التي سنتعرض لها في البحث عن حرمة الغش، بل ربما يكونان مطلوبين للعقلاء، كتزيين الدور والالبسة والامتعة، لاظهار العظمة والشوكة وحفظ الكيان وإرائة أنها جديدة، نعم لو قلنا بحرمة الاعانة على الاثم لكان تزيين المرأة التي في معرض التزويج أو الامتعة التي في معرض البيع حراما، لكونه مقدمة للغش المحرم. وقد اجاد المحقق الايرواني حيث قال: (إن الماشطة لا ينطبق على فعلها غش ولا تدليس وإنما الغش يكون بفعل من يعرض المغشوش والمدلس فيه على البيع، نعم الماشطة اعدت المرأة لان يغش بها، وحالها كحال الحائك الذي بفعله تعد العامة لان يدلس بلبسها، وكفعل صانع السبحة لان يدلس بالتسبيح بها رياء، واما نفس التمشيط فلا دليل يدل على المنع عنه بقول مطلق، بل الاخبار رخصت فيه). الجهة الثانية: في تمشيط الماشطة. الظاهر انه لا دليل على المنع عنه بقول مطلق وإن


(1) في ج 5 شرح فتح القدير ص 204 منع عن وصل شعر الانسان بشعر المرأة لحديث لعن الله الواصلة والمستوصلة، وفي ج 2 فقه المذاهب ص 240 عن الحنفية: ومن البيوع الباطلة بيع شعر الانسان، لانه لا يجوز لحديث لعن الله الخ، وقد رخص في الشعر المأخوذ من الوبر ليزيد في ضفائر النساء. وفي ج 2 سنن البيهقي ص 426 في عدة من الاحاديث لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الواصلة والمستوصلة.

[ 199 ]

ورد النهي عن خصوص وصل الشعر بالشعر، بل يتجلى من الاخبار (1) الكثيرة جوازه


(1) في ج 1 كا ص 361، وج 2 التهذيب ص 108، وج 10 الوافي ص 32، وج 2 ئل باب 47: انه لا باس بكسب الماشطة مما يكتسب به. عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله " ع " في حديث ام حبيب الخافضة قال: وكانت لام حبيب اخت يقال لها: ام عطية، وكانت مقنية يعني ماشطة فلما انصرفت ام حبيب إلى اختها فاخبرتها بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبلت ام عطية إلى النبي صلى الله عليه وآله فاخبرته بما قالت لها اختها فقال لها: ادني مني يا ام عطية إذا أنت قنيت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة فان الخرقة تذهب بماء الوجه " وفي نسخة اخرى: تشرب ماء الوجه " صحيحة. اقول: تقيين الجواري تزيينها. وعن الصحاح: اقتان الرجل إذا حسن، واقتان الروضة أخذت زخرفها، ومنه قيل للماشطة: مقنية، وقد قينت العروس تقيينا زينها. وعن ابن ابي عمير عن رجل عن ابي عبد الله " ع " قال: دخلت ماشطة على رسول الله فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه؟ فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنا أعمله إلا أن تنهاني عنه فأنتهي عنه، فقال: افعلي فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرقة فانه يذهب بماء الوجه ولا تصلي الشعر بالشعر. ضعيفة لابن أشيم ومرسلة. وزاد في المتن: واما شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة. وهو من سهو القلم. وعن سعد الاسكاف قال: سئل أبو جعفر " ع " عن القرامل التي تضعها النساء في رؤسهن تصلنه بشعورهن؟ فقال لا باس على المرأة بما تزينت به لزوجها قال: فقلت بلغنا ان رسول الله لعن الواصلة والموصولة؟ فقال ليس هنالك انما لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الواصلة التي تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال فتلك الواصلة والموصولة. صعيفة لسعد المذكور أقول: القرمل كزبرج ما تشد المرأة في شعرها من شعر أو صوف أو ابريسم، ويقال له في لغة الفرس " گيسوبند " وفي لغة الترك " صاج باغي ". وعن القاسم بن محمد بن علي " ع " قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك وقد دخلها ضيق؟ قال: لا بأس ولكن لا تصل الشعر بالشعر. ضعيفة لقاسم المذكور. وفي ج 3 ئل باب 1012 جواز وصل شعر المرأة بصوف عن الاحتجاج عن عمار الساباطي قال: قلت لابي عبد الله " ع ": إن الناس يرون ان رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الواصلة والموصولة قال فقال: نعم، قلت: التي تتمشط وتجعل في الشعر القرامل؟ قال: فقال لي: ليس بهذا بأس قلت: فما الواصلة والموصولة؟ قال: الفاجرة والقوادة. مرسلة.

[ 200 ]

مطلقا سواء اشترت فيه الاجرة أم لم تشترط، بل في رواية قاسم بن محمد صرح بجواز تعيش الماشطة بالتمشيط إذا لم تصل الشعر بالشعر. وقد يقال: بتقييدها بمفهوم مرسلة الفقيه وفقه الرضا (1) فانهما تدلان على جواز كسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى، إذ مفهومهما يدل على حرمة كسبها مع انتفاء القيدين أو احدهما، فتقيد به المطلقات، وعليه فالنتيجة انه لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط الاجرة وقبلت ما تعطى، والا فيحرم كسبها. وفيه اولا: انهما ضعيفتا السند، فلا يجوز الاستدلال بهما على الحرمة. نعم لا بأس بالاستدلال بهما على الكراهة بناء على شمول اخبار من بلغ للمكروهات. وما ذكره المصنف من ان (المراد بقوله " ع ": إذا قبلت ما تعطى البناء على ذلك حين العمل وإلا فلا يلحق العمل بعد وقوعه ما يوجب كراهته). بين الخلل، فانه لا موجب لهذا التوجيه بعد إمكان الشرط المتأخر ووقوعه. فلا غرو في تأثير عدم القبول بعد العمل في كراهة ذلك العمل، كتأثير الاغسال الليلية في صحة الصوم على القول به. وثانيا: ما ذكره المصنف (ره)، وملخص كلامه: ان الوجه في اولوية قبول ما تعطى وعدم مطالبتها بالزيادة إنما هو احد امرين على سبيل منع الخلو: الاول: ان ما يعطى للماشطة والحجام والختان والحلاق وأمثالهم لا ينقص غالبا عن اجرة مثل عملهم، إلا أنهم لكثرة حرصهم ودناءة طباعهم يتوقعون الزيادة، خصوصا من اولي المروة والثروة، بل لو منعوا عما يطلبونه بادروا إلى السب وهتك العرض، ولذا امروا في الشريعة المقدسة بالقناعة بما يعطون وترك المطالبة بالزائد عنه. الثاني: ان المشارطة والمماكسة في مثل تلك الامور لا تناسب المحترمين من ذوي المجد والفخامة، كما ان المسامحة فيها ربما توجب المطالبة بأضعاف اجرة المثل، فلذلك امر الشارع اصحاب هذه الاعمال بترك المشارطة والرضا بما يعطى لهم، وهذا كله لا ينافى في جواز المطالبة بالزائد، والامتناع عن قبول ما يعطى إذا اتفق كونه اقل من اجرة المثل، إذ لا يجوز الاعطاء اقل من ذلك لاحترام عملهم.


(1) في ج 2 ئل باب 47 انه لا بأس بكسب الماشطة مما يكتسب به عن الصدوق قال: قال " ع ": لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها واما شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة. مرسلة. وفي ج 2 المستدرك ص 431 عن فقه الرضا " ع " ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت ما تعطى ولا تصل شعر المرأة بغير شعرها واما شعر المعز فلا بأس. ضعيفة.

[ 201 ]

قوله: (أو لان الاولى في حق العامل قصد التبرع). أقول: المرسلة إنما دلت على عدم المشارطة المستلزمة لعدم تحقق الاجارة المعتبر فيها تعيين الاجرة، وهذا لا يستلزم قصد التبرع، لجواز أن يكون إيجاد العمل بأمر الآمر، فيكون امره هذا موجبا للضمان باجرة المثل، كما هو متعارف في السوق كثيرا. قوله: " فلا ينافى ذلك ما ورد ". اقول: إن تم ما ذكره المصنف من حمل المرسلة على ان الاولى بالعامل ان يقصد التبرع كانت المرسلة خارجة عن حدود الاجارة موضوعا. وإن لم يتم ذلك فلا بد وان يلتزم بتخصيص ما دل (1) على اعتبار تعيين الاجرة قبل العمل بواسطة المرسلة إذا كانت حجة، وإلا فيرد علمها إلى أهلها. الجهة الثالثة: قد ورد في بعض الاخبار (2) لعن الماشطة على خصال اربع: الوصل،


(1) في صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري إن الرضا " ع " أقبل على غلمانه يضربهم بالسوط لعدم مقاطعتهم على أجرة الاجير قبل العمل. مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله " ع " قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يستعملن أجيرا حتى يعلمه ما أجره. ضعيفة لمسعدة. راجع ج 1 كاباب 147 من المعيشة ص 412. وج 2 التهذيب ص 175. وج 10 الوافي ص 128. وج 2 ئل باب 3 كراهة استعمال الاجير قبل تعيين أجرته من الاجارات. (2) في ج 2 ئل باب 47 أنه لا بأس بكسب الماشطة مما يكتسب به عن معان الاخبار باسناده عن علي بن غراب عن جعفر بن محمد عن آبائه " ع " قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله النامصة والمتنمصة والواشرة والموتشرته والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. ضعيفة لعلي بن غراب وغيره من رجال الحديث. قال الصدوق: قال علي بن غراب: النامصة التي تنتف الشعر، والمنتمصة التي يفعل ذلك بها، والواشمه التي تشم وشما في يد المرأة، وفي شئ من بدنها: وهو ان تعزر بدنها، أو ظهر كفيها، أو شيئا من بدنها بإبرة حتى تؤثر فيه ثم تحشوه بالكحل أو بالنورة فتخضر، والمستوشمة التي يفعل ذلك بها. والواشرة التي تشر أسنان المرأة وتفلجها وتحددها والموتشرة التي يفعل ذلك بها، والواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، والمستوصلة التي يفعل ذلك بها. وقد ورد اللعن أيضا من طرق العامة على الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والموتشرة، والنامصة والمنتمصة. راجع ج 2 سنن البيهقي ص 426. وج 7 ص 312.

[ 202 ]

والنمص، والوشم، والوشر. أما الوصل فان كان المراد به ما هو المذكور في روايتي سعد الاسكاف والاحتجاج المتقدمتين في الحاشية من تفسير الواصلة بالفاجرة والقوادة فحرمته من ضروريات الاسلام، وسيأتي التعرض لذلك في البحث عن حرمة القيادة. وإن كان المراد به ما في تفسير علي بن غراب من أن (الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها). فقد يقال بحرمته ايضا لظهور اللعن فيها. ولكن يرد عليه أولا: انه لا حجية في تفسير ابن غراب، لعدم كونه من المعصوم، مع ورود الرد عليه في روايتي سعد الاسكاف والاحتجاج، وتفسير الواصلة والموصولة فيها بمعنى آخر، ويحتمل قريبا أنه أخذ هذا التفسير من العامة فان مضمونه مذكور في سنن البيهقي (1). وثانيا: لو سلمنا اعتباره فانه لا بد وأن يحمل على الكراهة، كما هو مقتضى الجمع بين الروايات، وتوضيح ذلك أن الروايات الواردة في وصل الشعر بشعر امرأة على ثلاث طوائف الاولى: ما دل على الجواز مطلقا كرواية سعد الاسكاف المتقدمة (عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصلته بشعورهن؟ فقال: لا باس على المرأة بما تزينت به لزوجها) وكرواية الاحتجاج (2). الثانية: ما دل على التفصيل بين شعر المرأة وشعر غيرها، وجوز الوصل في الثاني دون الاول، كقوله " ع " في مرسلة الفقيه المتقدمة: (لا باس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها وأما شعر المعر فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة) الثالثة: ما تظهر منه الخزمة في مطلق وصل الشعر بالشعر كجملة من الروايات المتقدمة من الفريقين، وكروايتي عبد الله بن الحسن (3)


(1) ج 7 ص 312. (2) في ج 3 ئل باب 101 جواز وصل شعر المرأة بصوف من مقدمات النكاح، عن أبي بصير قال: سألته عن قصة النواصي تريد المراة الزينة لزوجها وعن الخف والقرامل والصوف وما اشبه ذلك؟ قال: لا بأس بذلك كله. مرسلة. (3) قال: سألته عن القرامل؟ قال: وما القرامل؟ قلت: صوف تجعله النساء في رؤوسهن فقال: إن كان صوفا فلا بأس به وإن كان شعرا فلا خير فيه من الواصلة والموصولة. مجهولة ليحيى بن مهران و عبد الله بن الحسن. راجع ج 2 التهذيب ص 109 وج 10 الوافي ص 32. وج 12 ص 126. وج 2 ئل باب 47 أنه لا باس بكسب الماشطة مما يكتسب به.

[ 203 ]

وثابت بن ابي سعيد (1) وهاتان الروايتان تدلان ايضا على جواز وصل الصوف بالشعر. ومقتضى الجمع بينهما أن يلتزم بجواز وصل شعر بشعر المرأة بلا كراهة، وبجواز وصل شعر المرأة بشعر امرأة اخرى مع الكراهة، فان ما دل على المنع مطلقا يقيد بما دل على جواز الوصل بشعر المعز، وما دل على حرمة وصل شعر المرأة بشعر امرأة اخرى يحمل على الكراهة، لما دل على جواز تزين المرأة لزوجها مطلقا، فان رواية سعد الاسكاف وان كانت بصراحتها تدفع توهم السائل من حيث الموضوع وهو إرادة وصل الشعر بالشعر من الواصلة والموصولة، ولكنها ظاهرة أيضا في جواز وصل الشعر بالشعر مطلقا، إذ لو لم يكن جائزا لكان على الامام " ع " أن يدفع توهم السائل من حيث الحكم، فيقول له مثلا: إن وصل شعر المرأة بشعر امرأة اخرى حرام، على أن روايتي عبد الله بن الحسن وثابت غير ظاهرتين في الحرمة كما هو واضح لمن يلاحظهما. بقي هنا امران، الاول: أن رواية سعد مختصة بزينة المرأة لزوجها. فلا تدل على جواز الوصل مطلقا. وفيه أنها وإن كانت واردة في ذلك إلا أن من المقطوع به أن جواز تزين المرأة لزوجها لا سوغ التزيين بالمحرم كما تقدم، فيعلم من ذلك أن وصل الشعر بالشعر ولو بشعر امرأة كان من الامور السائغة في نفسها. الثاني: ان رواية سعد مطلقة تدل على جواز وصل الشعر بالشعر مطلقا ولو كان شعر امرأة اخرى، فتقيد بما اشتمل على النهي عن وصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها. وفيه ان رواية سعد وإن كانت مطلقة ولكن السؤال فيها كان عن خصوص وصل الشعر بالشعر، فلو كان في بعض افراده فرد محرم لوجب على الامام " ع " أن يتعرض لبيان حرمته في مقام الجواب، فيعلم من ذلك أنه ليس بحرام، هذا كله مع صحة الروايات، ولكنها جميعا ضعيفة السند، وإذن فمقتضى الاصل هو الجواز مطلقا. وربما يقال: إن لعن الواصلة في النبوي صريح في الحرمة، فلا يجوز حمله على الكراهة،


(1) قال: سئل أبو عبد الله " ع " عن النساء يجعلن في رؤوسهن القرامل؟ قال: يصلح الصوف وما كان من شعر امرأة لنفسها وكره للمرأة ان تجعل القرامل من شعر غيرها فان وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضر. مجهولة لثابت. وعن الاحتجاج مثله مرسلا ومضمرا. راجع ج 2 كاص 64. وج 12 الوافى ص 126. وج 3 ئل باب 101 جواز وصل شعر المرأة بصوف من مقدمات النكاح.

[ 204 ]

وفيه مضافا إلى ضعف سنده، واستعمال اللعن في الامور المكروهة في بعض الاحاديث (1) أن اللعن ليس بصريح في الحرمة حتى لا يجوز حمله الكراهة، وإنما هو دعاء بالابعاد المطلق الشامل للكراهة أيضا، نظير الرجحان المطلق الشامل للوجوب والاستحباب كليهما، غاية الامر أن يدعى كونه ظاهرا في التحريم، لكنه لا بد من رفع اليد عن ظهوره وحمله على الكراهة إذا تعارض بما يدل على الجواز كما عرفت. ومن هنا ظهر جواز بقية الامور المذكورة في النبوي كالنمص والوشم والوشر وإن كانت مكروهة، بل ربما يشكل الحكم بالكراهة ايضا، لضعف الرواية إلا أن يتمسك في ذلك بقاعدة التسامح في أدلة السنن بناء على شمولها للمكروهات أيضا. بل ورد جواز النمص: أعني حف الشعر من الوجه في الخبر (2) ومن جميع ما ذكرناه ظهر الجواب ايضا عن رواية عبد الله بن سنان (3) المشتملة على اللعن على الواشمة والموتشمة.


(1) عن الصدوق باسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه " ع " في وصية النبي (ص) لعلي " ع " قال: يا علي لعن الله ثلاثة: آكل زاده وحده، وراكب الفلاة وحده، والنائم في بيت وحده. راجع ج 3 ئل باب 101 تأكد كراهة أكل الانسان زاده وحده من أحكام المائدة، وج 17 البحار ص 15. وفي الاحتجاج ص 267. وج 1 ئل باب 21 تأكد استحباب تأخير العشاء من مواقيت الصلاة. عن الكليني رفعه عن الزهري في التوقيع: ملعون ملعون من أخر العشاء لى أن تشتبك النجوم ملعون معلون من أخر الغداة إلى ان تنقضي النجوم. وفي ج 2 ئل باب 41 تحريم التظاهر بالمنكرات من الامر بالمعروف عن كنز الفوائد: ملعون ملعون من وهب الله له مالا فلم يتصدق منه شئ أما سمعت ان النبي صلى الله عليه وآله قال صدقة درهم افضل من صلاة عشر ليال. (2) في ج 2 ئل باب 47 أنه لا بأس لكسب الماشطة مما يكتسب به قرب الاسناد باسناده عن علي بن جعفر إنه سال أخاه موسى بن جعفر " ع " عن المرأة التي تحف الشعر من وجهها؟ قال: لا بأس. مجهولة لعبدالله بن الحسن. وفي ج 3 ئل باب 101 جواز وصل شعر المرأة بصوف من مقدمات النكاح عن علي بن جعفر مثلها، ولكنه صحيح. (3) في ج 2 كاص 76. وج 12 الوافى ص 126. وج 3 ئل باب 136 حكم عمل الواشمة من مقدمات النكاح. عن ابي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الواشمة والموتشمة والناجش والمنجوش ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله. ضعيفة لمحمد بن سنان.

[ 205 ]

وقد يتوهم أنه ثبت بالاخبار المستفيضة المذكورة في أبواب النكاح، وبالسيرة القطعية جواز تزين المرأة لزوجها، بل كونه من الامور المستحبة. ومقتضى ما دل على حرمة الوصل والنمص والوشم والوشر هو عدم جواز التزين بها سواء كان ذلك للزوج أو لغيره فيتعارضان فيما كان التزين بالامور المذكورة للزوج، ويتساقطان، فيرجع إلى الاصول العملية وفيه أنه لو تم ما دل على حرمة الامور المزورة فالنسبة بينه وبين ما دل على جواز التزين هو العموم المطلق، فيحكم بجواز التزين مطلقا إلا بالاشياء المذكورة. بيان ذلك: ان المذكور في الروايات وإن كان هو جواز تزين الزوجة لزوجها فقط، ولكنا نقطع بعدم مدخلية الزوجية في الحكم بحيث لولاها لكان التزين للنساء حراما، بل هو أمر مشروع للنساء كلها، كما عليه السيرة القطعية، إذن فلا بد من تخصيص الحكم بما دل على حرمة الامور المذكورة في النبوي. قوله: (خصوصا مع صرف الامام للنبوي الوارد في الواصلة عن ظاهره). أقول: صرف النبوي عن ظاهره بالتصرف في معنى الواصلة والمستوصلة بارادة القيادة من الواصلة يقتضي حرمة الوصل والنمص والوشم والوشر المذكورة في النبوي، لاتحاد السياق، دون الكراهة. نعم لو كان معنى اللعن في الرواية هو مطلق الابعاد الذي يجتمع مع الكراهة لصار مؤيدا لحمل ما عدا الوصل على الكراهة. قوله: (نعم يشكل الامر في وشم الاطفال من حيث إنه إيذاء لهم بغير مصلحه). أقول: لا شبهة أن الوشم لا يلازم الايذاء دائما، بل بينهما عموم من وجه، فانه قد يتحقق الايذاء حيث يتحقق الوشم كما هو الكثير، وقد يتحقق الوشم حيث لا يتحقق الايذاء، لاجل استعمال بعض المخدرات المعروفة في اليوم، وقد يجتمعان. وعلى تقدير الملازمة بينهما فالسيرة القطعية قائمة على جواز الايذاء إذا كان لمصلحة التزين، كما في ثقب الآذان والآناف قوله: (ثم إن التدليس بما ذكرنا إنما يحصل بمجرد رغبة الخاطب أو المشتري). أقول: التدليس في اللغة (1) عبارة عن تلبيس الامر على الغير، أو كتمان عيب السلعة عن المشتري وإخفائه عليه باظهار كمال ليس فيها، وأما ما يوجب رغبة المشتري والخاطب فليس بتدليس ما لم يستلزم كتمام عيب، أو إظهار ما ليس فيه من الكمال، وإلا لحرم تزيين السلعة، لكون ذلك سببا لرغبة المشتري، ولحرم ايضا لبس المرأة الثياب الحمر


(1) في القاموس: التدليس كتمان عيب السلعة عن المشتري. وفي المنجد: دلس البائع كتم عيب ما يبيعه عن المشتري.

[ 206 ]

والحضر الموجبة لظهور بياض البدن وصفائه، بداهة كونه سببا لرغبة الخاطبين، ولا نظن أن يلتزم بذلك فقيه أو متفقة. تزيين الرجل بما يحرم عليه قوله: (المسألة الثانية تزيين الرجل بما يحرم عليه من لبس الحرير والذهب حرام)، أقول: اتفق فقهائنا وفقهاء العامة (1) واستفاضت الاخبار من طرقنا (2) ومن طرق السنة (3) على حرمة لبس الرجل الحرير والذهب إلا في موارد خاصة، ولكن الاخبار خالية عن حرمة تزين الرجل بهما، فعقد المسألة بهذا العنوان كما صنعه المصنف (ره) فيه مسامحة ولصحة، نعم ورد في بعض الاحاديث (4): (لا تختم بالذهب فانه زينتك في الآخرة) وفي بعضها الآخر (5): (جعل الله الذهب في الدنيا زينة النساء فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه). ولكن مضافا إلى ضعف السند فيهما، انهما لا تدلان على حرمة تزين الرجل بالذهب حتى يشمل النهي غير صورة اللبس ايضا، بل تفريعه " ع " في الرواية الثانية حرمة لبس الذهب على كونه زينة النساء في الدنيا لا يخلو عن الاشعار بجواز تزين الرجل بالذهب ما لم يصدق عليه عنوان اللبس.


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 10 الشافعية قالوا: يحرم على الرجال لباس الحرير، فلا يجوز للرجال أن يجلسوا على الحرير ولا أن يستندوا إليه من غير حائل، ويحرم ستر الجدران به في أيام الفرح والزينة إلا لعذر، والحنابلة قالوا: بحرمة استعمال الحرير مطلقا ولو كان بطانة لغيره، ومثل الرجل الخنثى وكذلك الصبي والمجنون فيحرم للباسهما الحرير. وفي ص 10 الحنفية قالوا: يحرم على الرجال لبس الحرير إلا لضرورة. وفي ص 13 المالكية قالوا: يحرم على الذكور البالغين لبس الحرير وفي الصغار خلاف. وفي ص 14 يحرم على الرجل والمرأة استعمال الذهب والفضة. (2) راجع ج 2 كاباب 13 لبس الحرير ص 206. وباب 23 الخواتيم من التجمل ص 210 وج 11 الوافى باب 186 الخواتيم ص 103. وباب 171 أجناس اللباس من التمل ص 98 وج 1 ئل 11 عدم جواز صلاة الرجل في الحرير وباب 30 عدم جواز لبس الرجل الذهب من لباس المصلي. (3) راجع ج 2 سنن البيهقي ص 422 وص 424. (4) (ضعيفة لغالب بن عثمان. راجع ابواب الخواتيم المتقدمة من كا والوافى وئل. (5) مرسلة. راجع ج 3 ئل باب 30 عدم جواز لبس الرجل الذهب من لباس المصلي

[ 207 ]

وقد يقال: ان عنوان التزين بالذهب والفضة وإن لم يذكر في الاخبار، إلا ان لبس الحرير والذهب يلازم التزين بهما، فالنهي عن لبسهما يلازم النهي عن التزين بهما. وفيه أنها دعوى جزافية، لمنع الملازمة، بل بين العنوانين عموم من وجه، فان ما تزين قد يصدق حيث لا يصدق اللبسن، كما إذا جعلت ازرار الثوب من الذهب، أو من الحرير، وكما إذا خيط بهما الثوب، كما تتعارف خياطة الفراء بالحرير والديباج، وكما إذا صاغ الانسان اسنانه من الذهب، وقد يصدق اللبس ولا يصدق التزين، كلبس الحرير والذهب تحت سائر الالبسة، وتختم الرجل بالذهب للتجربة والامتحان، وقد يجتمع العنوانان، وتفصيل الكلام في البحث عن لباس المصلي في كتاب الصلاة. ومن هنا ظهر انه لا وجه لما ذهب إليه في العروة في المسألة 22 من مسائل لباس المصلي قال: (نعم إذا كان زنجير الساعة من الذهب وعلقه على رقبته أو وضعه في جيبه لكن علق راس الزنجير يحرم لانه تزين بالذهب ولا تصلح الصلاة فيه ايضا). تشبه الرجل بالمرأة وتشبه المرأة بالرجل هل يجوز تشبه الرجل بالمرأة وبالعكس أولا: بأن يلبس الرجل ما يختص بالنساء من الالبسة، وتلبس المرأة ما يختص بالرجل منها، كالمنطقة والعمامة ونحوهما، ولا ريب ان ذلك يختلف باختلاف العادات؟. فنقول: إنه ورد النهي عن التشبه في الاخبار المتظافرة (1) ولعن الله ورسوله المتشبهين


(1) في ج 2 ئل باب 115 تحريم تشبه الرجال بالنساء مما يكتذب به ص 562 عن جابر عن أبي جعفر " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، الحديث. ضعيفة لعمرو بن شمر. وفي ج 3 المستدرك ص 455 عن الطبرسي في مجمع البيان عن ابي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: اربع لعنهم الله من فوق عرشه وأمنت عليه الملائكة، الرجل يتشبه بالنساء وقد خلقه الله ذكرا، والمرأة تتشبه بالرجال وقد خلقها الله انثى مرسلة. وفي ج 1 المستدرك ص 208 عن الصدوق عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر. محمد علي الباقر " ع " يقول: لا يجوز للمرأة ان تتشبه بالرجال. ضعيفة لجعفر بن محمد ابن عمارة ولا؟. وعن المفيد عن عروة بن عبيد الله بن بشير الجعفي قال: دخلت على فاطمة بنت علي بن ابي طالب وهي عجوزة كبيرة وفي عنقها خرز وفي يدها مسكال فقالت: يكره للنساء

[ 208 ]

من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، ولكن هذه الاخبار كلها ضعيفة السند، فلا تصلح دليلا للقول بالحرمة. ومع الاغضاء عن ذلك فلا دلالة فيها على حرمة التشبه في اللباس، لان التشبه فيها إما أن يراد به مطلق التشبه أو التشبه في الطبيعة، كتأنث الرجل وتذكر المرأة، أو التشبه الجامع بين التشبه في الطبيعة والتشبه في اللباس. أما الاول فبديهي البطلان، فان لازمه حرمة اشتغال الرجل بأعمال المرأة، كالغزل وغسل الثوب وتنظيف البيت والكنس ونحوها من الامور التي تعملها المرأة في العادة، وحرمة اشتغال المرأة بشغل الرجل، كالاحتطاب والاصطياد والسقي والزرع والحصد ونحوها، مع انه لم يلتزم به احد، بل ولا يمكن الالتزام به. واما الثالث فلا يمكن أخذه كذلك، إذ لا جامع بين التشبه في اللباس والتشبه في الطبيعة فلا يكون امرا مضبوطا، فيتعين الثاني، ويكون المراد من تشبه كل منهما بالآخر هو تأنث الرجل باللواط، وتذكر المرأة بالسحق، وهو الظاهر من لفظ التشبه في المقام. ويؤيد ما ذكرناه تطبيق الامام " ع " النبوي على المخنثين والمساحقات في جملة روايات من الخاصة (1).


أن يتشبهن بالرجال، الخبر. مجهول لعروة والغيره. عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد " ع ": إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى النساء ان يكن متعطلات من الحلي ان يتشبهن بالرجال ولعن من فعل ذلك منهن. مرسلة. وعن فقه الرضا " ع ": قد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله سبعة: المتشبه من النساء بالرجل والرجال بالنساء. ضعيفة. (1) في ج 2 ئل باب 115 تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال مما يكتسب به ص 562. وج 3 ئل باب 18 تحريم اللواط على المفعول به من أبواب النكاح المحرم ص 42 عن الصدوق في العلل عن زيد بن علي عن آبائه عن علي " ع " إنه رأى رجلا به تأنث في مسجد رسول الله " ص " فقال: اخرج من مسجد رسول الله يا لعنة رسول الله ثم قال علي " ع ": سمعت رسول الله يقول: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. ضعيفة لحسين بن علوان. وفي حديث آخر: اخرجوهم من بيوتكم فانهم أقذر شئ. مرسلة. وفي ج 8 سنن البيهقي ص 224 عن ابن عباس: أخرجوهم من بيوتكم. وبهذا الاسناد عن علي " ع " قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا في المسجد حتى

[ 209 ]

وطرق العامة (1) ولكنها ضعيفة السند. وقد اتضح مما تلوناه بطلان ما ادعاه المحقق الايرواني من (أن إطلاق التشبه يشمل التشبه في كل شئ، ودعوى انصرافه إلى التشبه فيما هو من مقتضيات طبع صاحبه، لا ما هو مختص به بالجعل كاللباس في حيز المنع، بل كون المساحقة من تشبه الانثى بالذكر ممنوع، بل التخنث أيضا ليس تشبها بالانثى). وكذلك ما في حاشية السيد من: (عدم اختصاص النبوي بالتشبه في التأنث والتذكر، لامكان شموله للتشبه في اللباس ايضا). والعجب من المحقق الايرواني حيث قال في توجيه رواية العلل: (لعل الرجل الذي أخرجه علي " ع " من المسجد كان متزينا بزينة النساء كما هو الشايع في شبان عصرنا وكان هو المراد من التأنث، لا التخنث)! وهو أعرف بمقاله.


اتاه رجل به تأنيث فسلم عليه فرد عليه ثم أكب رسول الله إلى الارض يسترجع ثم قال: مثل هؤلاء في امتي! انه لم يكن مثل هؤلاء في امة إلا عذبت قبل الساعة. ضعيفة للحسين بن علوان. وفي ج 2 المستدرك ص 455 عن الجعفريات عن ابي هريرة قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله مخنثين الرجال المتشبهين بالنساء والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال، الحديث. ضعيف لابي هريرة وغيره. وفي ج 2 كاباب 187 من أمكن من نفسه من أبواب النكاح ص 72. وج 3 ئل باب 24 تحريم السحق من النكاح المحرم ص 43. وج 9 الوافي باب من أمكن من نفسه من الحدود عن أبي خديجة عن أبي عبد الله " ع " قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، قال: وهم المخنثون واللاتي ينكحن بعضهن بعضا. مجهولة لابي خديجة وغيره. وقال في ئل بعد نقل الرواية: (ورواه البرقي في المحاسن) وعليه فلا بأس بالعمل بها. وفي ج 2 كاباب 189 السحق من النكاح ص 73. وج 9 الوافي باب السحق من الحدود ص 38. والباب 24 المذكور من ج 3 ئل ص 44. عن أبي عبد الله في الراكبة والمركوبة قال: وفيهن قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعن الله المتشبهات بالرجال من النساء والمتشبهين من الرجال بالنساء. مجهولة للحسين بن زياد ويعقوب بن جعفر. (1) في ج 8 سنن البيهقي ص 224 عن أبي هريرة أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحنا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع.

[ 210 ]

ثم إنه قد ورد في بعض الاحاديث (1) النهي عن التشبه في اللباس، كرواية سماعة في الرجل يجر ثيابه (قال: إني لاكره أن يتشبه بالنساء). وفي رواية اخرى: كان رسول الله ينهى المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها. فانه يستفاد منهما تحريم التشبه في اللباس. وفيه أنه لبس المراد من التشبه في الروايتين مجرد لبس كل من الرجل والمرأة لباس الآخر، وإلا لحرم لبس أحدذ الزوجين لباس الآخر لبعض الدواعي كبرد ونحوه، بل الظاهر من التشبه في اللباس المذكور في الروايتين هو أن يتزيا كل من الرجل والمرأة بزي الآخر، كالمطربات اللاتي أخذن زي الرجال، والمطربين الذين أخذوا زي النساء، ومن البديهي أنه من المحرمات في الشريعة، بل من أخبث الخبائث وأشد الجرائم وأكبر الكبائر. على ان المراد في الرواية الاولى هي الكراهة، إذ من المقطوع به أن جر الثوب ليس من المحرمات في الشريعة المقدسة. وقد تجلى مما ذكرناه أنه لا شك في جواز لبس الرجل لباس المرأة لاظهار الحزن، وتجسم قضية الطف، وإقامة التعزية لسيد شباب أهل الجنة عليه السلام، وتوهم حرمته لاخبار النهي عن التشبه ناشئ من الوساوس الشيطانية، فانك قد عرفت عدم دلالتها على حرمة التشبه. وقد علم مما تقدم أيضا أنه لا وجه لاعتبار القصد في مفهوم التشبه وصدقه، بل المناط في صدقه وقوع وجه الشبه في الخارج مع العلم والالتفات، كاعتبار وقوع المعان عليه في صدق الاعانة، على أنه قد أطلق التشبه في الاخبار، على جر الثوب والتخنث والمساحقة مع أنه لا يصدر شئ منها بقصد التشبه، ودعوى أن التشبه من التفعل الذي لا يتحقق إلا بالقصد دعوى جزافية، لصدقه بدون القصد كثيرا. قوله: (وفيها خصوصا الاولى بقرينة المورد ظهور في الكراهة). أقول: قد علم مما ذكرناه أنه لا وجه لحمل ما ورد في التشبه في اللباس على الكراهة، بدعوى ظهوره فيها، إذ لا نعرف منشأ لهذه الدعوى إلا قوله " ع " في رواية سماعة في رجل يجر ثيابه: (إني لاكره أن يتشبه بالنساء) ومن الواضح جدا أن الكراهة المذكورة في الروايات أعم من


(1) في ج 1 ئل باب 13 عدم جواز تشبه النساء بالرجال من أحكام الملابس ص 280 عن الحسن الطبرسي في مكارم الاخلاق عن سماعة عن ابي عبد الله وأبي الحسن " ع " في الرجل يجر ثيابه؟ قال: إني لاكره أن يتشبه بالنساء. مرسلة. وعن ابي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء وينهى المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها. مرسلة.

[ 211 ]

الكراهة الاصطلاحية. على أن رواية الصادق " ع " عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه (كان يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء وينهى المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها). كالصريحة في الحرمة، لعدم إطلاق الزجر في موارد الكراهة الاصطلاحية. قوله: (ثم الخنثى يجب عليها ترك الزينتين الخ). أقول: اختلفوا في الخنثى هل هو من صنف الرجال، أو من صنف الاناث، أو هو طبيعة ثالثة تقابل كلا من الصنفين على أقوال؟ قد ذكرت في محلها، وما ذكره المصنف (ره) من أنه (يجب عليها ترك الزينتين المختصتين بكل من الرجل والمرأة) مبني على كونه داخلا تحت احد العنوانين " الذكر والاثنى) وإلا فأصالة البراءة بالنسبة إلى التكاليف المختصة بهما محكمة. قوله: (ويشكل بناء على كون مدرك الحكم حرمة التشبه بأن الظاهر عن التشبه صورة علم المتشبه)، أقول: لا إشكال في اعتبار العلم بصدور الفعل في تحقق عنوان التشبه، إلا أنه لا يختص بالعلم التفصيلي، بل يكفي في ذلك العلم الاجمالي أيضا، فهو موجود في الخنثى التشبيب بالمرأة الاجنبية قوله: (المسألة الثالثة: التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة وهي كما في جامع المقاصد ذكر محاسنها وإظهار حبها بالشعر حرام) أقول: لا شبهة في حرمة ذكر الاجنبيات والتشبيب بها، كحرمة ذكر الغلمان والتشبيب بهم بالشعر وغيره إذا كان التشبيب لتمني الحرام وترجي الوصول إلى المعاصي والفواحش، كالزنا واللواظ ونحوهما، فان ذلك هتك لاحكام الشارع، وجرأة على معصيته، ومن هنا حرم طلب الحرام من الله بالدعاء، ولا يفرق في ذلك بين كون المذكورة مؤمنة أو كافرة، وعلى كل حال فحرمة ذلك ليس من جهة التشبيب. وأما التشبيب بالمعنى الذي ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد مع القيود التي اعتبرها المصنف ففي حرمته خلاف، فذهب جمع من الاكابر إلى الحرمة، وذهب بعض آخر إلى الجواز، وذهب جمع من العامة إلى حرمة مطلق التشبيب (1).


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 42. بعد أن حكم بإباحة الغناء قال: فلا يحل التغني بالالفاظ التي تشمل على وصف امرأة معينة باقية على قيد الحياة، لان ذلك يهيج الشهوة إليها ويبعث على الافتتان بها. ومثلها في ذلك الغلام الامرد. وفي ص 43 عن الغزالي: لا أعلم أحدا من علماء الحجاز كره السماع إلا ما كان في

[ 212 ]

وقد استدل القائلون بالحرمة بوجوه، الوجه الاول: أن التشبيب هتك للمشبب بها وإهانة لها، فيكون حراما. وفيه أولا: لو سلمنا كون التشبيب هتكا لها فان ذلك لا يختص بالشعر كما لا يختص بالمؤمنة المعروفة المحترمة، فانه لا فرق في حرمة الهتك بين أفراد الناس من المحرم وغير المحرم، والزوجة وغير الزوجة، والمخطوبة وغير المخطوبة، فان حمتك جميعها حرام عقلا وشرعا، وأيضا لا فرق في الشعر بين الانشاء والانشاد. وثانيا: أن النسبة بين عنواني الاهانة والتشبيب هي العموم من وجه، فان الشاعر أو غيره قد يذكر محاسن امرأة أجنبية في حال الخلوة بحيث لا يطلع عليه أحد ليلزم منه الهتك، أو يكون التوصيف وإظهار محاسنها وذكر جمالها مطلوبا، سواء كان ذلك بالنظم أم بغيره، كما إذا سأل سائل عن بنات احد الاعاظم والملوك ليخطب منهن واحدة، فهل يتوهم احد ان توصيفها بالجمال والكمال والادب والاخلاق حرام؟ وكثيرا ما يتحقق عنوان الهتك من دون تحقق التشبيب، وقد يجتمعان، وعليه فلا ملازمة بينهما دائما. وثالثا: أن كلامنا في المقام في حرمة التشبيب بعنوانه الاولي، فاثبات حرمته لعنوان آخر عرضي كعنوان الهتك أو الاهانة أو غيرهما خروج عن محل الكلام. الوجه الثاني: أنه إيذاء للمشبب بها، وهو حرام. وفيه أنه لا دليل على حرمة فعل يترتب عليه اذى الغير قهرا إذا كان الفعل سائغا في نفسه، ولم يقصد العامل اذية الغير من فعله. وإلا لزم القول بحرمة كل فعل يترتب عليه اذى الغير وإن كان الفعل في نفسه مباحا أو مستحبا أو واجبا، كتأذي بعض الناس من اشتغال بعض آخر بالتجارة والتعليم والتعلم والعبادة ونحوها، وكثيرا ما يتأذي بعض التجار باستيراد البعض الآخر مال التجارة، ويتأذي الجار بعلو جدار جاره أو من كثرة أمواله، مع أن أحدا لا يتفوه بحرمة ذلك. على أن النسبة بين التشبيب والايذاء أيضا عموم من وجه، إذ قد يتحقق التشبيب ولا يتحقق الايذاء كالتشبيب بالمتبرجات، وقد يتحقق الايذاء حيث لا يتحقق التشبيب، وهو واضح، وقد يجتمعان.


الاوصاف. وعن الحنفية: التغني المحرم ما كان مشتملا على الفاظ لا تحل كوصف الغلمان. والمرأة المعينة التي على قيد الحياة.

[ 213 ]

ما استدل به على حرمة التشبيب والجواب عنه قوله: (ويمكن أن يستدل عليه بما سيجئ). أقول: بعد أن اشكل المصنف على الوجوه المتقدمة، واعترف بعدم نهوضها لاثبات حرمة التشبيب أخذ بالاستدلال عيه بوجوه اضعف من الوجوه الماضية: الوجه الاول: أن التشبيب من اللهو والباطل، فيكون حراما، لما سيأتي من دلالة جملة من الايات والروايات على حرمتهما. وفيه أن هذه الدعوى ممنوعة صغرى وكبرى: أما الوجه في منع الصغرى فلانه لا دليل على كون التشبيب من اللهو والباطل، إذ قد يشتمل الكلام الذي يشبب به على المطالب الراقية والمدائح العالية المطلوبة للعقلاء خصوصا إذا كان شعرا كما هو مورد البحث. وأما الوجه في منع الكبرى فلعدم العمل بها مطلقا، لان اللهو والباطل لو كان على إطلاقهما من المحرمات لزم القول بحرمة كل ما في العالم، فان كل ما اشغل عن ذكر الله وذكر الرسول وذكر القيامة وذكر النار والجنة والحور والقصور لهو وباطل، وقد نطق بذلك القرآن الكريم ايضا في آيات عديدة (1) وسيأتي من المصنف الاعتراف بعدم حرمة اللهو إلا على نحو الموجبة الجزئية. الوجه الثاني: أنه ورد النهي في الكتاب العزيز (2) عن الفحشاء والمنكر، ومنهما التشبيب فيكون حراما. وفيه أنا نمنع كون التشبيب من الفحشاء والمنكر، على أن هذا الوجه، مع الوجه السابق، وسائر الوجوه الآتية لو دلت على الحرمة لدلت عليها مطلقا، سواء أكان بالشعر أم بغيره وسواء أكان التشبيب بانثى أم بذكر، وسواء أكانت الانثى مؤمنة أم غير مؤمنة، فلا وجه لتخصيص الحرمة بالشعر.


(1) كقوله تعالى في سورة الانعام، آية: 32 (وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو). وقوله تعالى في سورة العنكبوت، آية: 64 (وما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب). وقوله في سورة، آية: 38 (إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو). وفي سورة الحديد، آية 19 (اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو). (2) في سورة النحل، آية: 92 قوله تعالى: (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي). وغيرها من الآيات.

[ 214 ]

ويضاف إلى ذلك ان النسبة بين التشبيب وبين تلك العناوين المحرمة هي العموم من وجه فلا تدل حرمتها على حرمة التشبيب دائما، مع ان الكلام في التشبيب بعنوانه الاولي، فحرمته بعنوان اللهو أو الفحشاء أو غيرهما من العناوين المحرمة خارج عن حدود البحث ومحل النزاع. الوجه الثالث: انه مناف للعفاف الذي اعتبر في العدالة بمقتضى بعض الروايات (1) وحيث إن العفاف واجب، فيحرم الاخلال به. وفيه انا نمنع اعتبار اي عفاف في العدالة، وإنما المعتبر فيها العفاف عن المحرمات، وكون التشبيب منها اول الكلام. الوجه الرابع: الاخبار الدالة على حرمة ما يثير الشهوة إلى غير الحليلة حتى بالاسباب البعيدة وهي كثيرة قد ذكرت في مواضع شتى: منها ما دل (2) على النهي عن النظر إلى الاجنبية لانه سهم مسموم من سهام ابليس: والنكتة في إطلاق لفظ السهم على النظر هي تأثيره في قلب الناظر وإيمانه، كتأثير السهم الخارجي في الغرض، ومن هنا اطلق عليه زنا العين كما في رواية أبي جميلة ووجه دلالة هذه الاخبار على حرمة التشبيب هو ان النظر إلى


(1) في ج 3 ئل باب 41 ما يعتبر في الشاهد من العدالة من الشهادات ص 416. عن ابي يعفور قال: قلت لابي عبد الله: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان، الخبر. صحيح. (2) في ج 2 كا باب 191 النوادر من النكاح ص 76. وج 12 الوافى باب 135 العفة من النكاح ص 127. وج 3 ئل باب 104 تحريم النظر إلى النساء من مقدمات النكاح ص 24 عن عقبة بن خالد عن ابي عبد الله " ع " قال: سمعته يقول: النظر سهم من سهام ابليس مسموم وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة. ضعيفة لعقبة. وعن ابن أبي نجران عمن ذكره عن أبي عبد الله " ع ". ويزيد بن حماد وغيره عن أبي جميلة عن ابي جعفر وأبي عبد الله " ع " قالا: ما من أحد إلا وهو يصيب حظا من الزنا فزنا العين النظر. الخبر. السند الاول مرسل. والثاني ضعيف لابي جميلة. راجع المصادر المزبورة في خبر عقبة. وفي البابين المذكورين من الوافى وئل عن الفقيه عن عقبة بن خالد قال: قال أبو عبد الله " ع ": النظر سهم من سهام ابليس مسموم من تركها لله لا لغيره اعقبه الله ايمانا يجد طعمه. ضعيفة لعقبة. وعن الكاهلي قال: قال أبو عبد الله " ع ": النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة

[ 215 ]

الاجنبيات إذا كان سهما مسموما مؤثرا في هدم الايمان وقلعه عن قلوب الناظرين، فالتشبيب أولى بالتحريم، فان تأثير الكلام اشد من تأثير النظر. وفيه انك قد عرفت عدم الملازمة بين التشبيب وبين سائر العناوين المحرمة، وكذلك في المقام، إذ قد يكون التشبيب مهيجا للقوة الشهوية. فلا يكون حراما كالتشبيب بالزوجة، وقد يكون التشبيب غير مهيج للشهوة كما إذا شبب باحدى محارمه، وقد يجتمعان فلا ملازمة بينهما. ومنها الاخبار الدالة على المنع عن الخلوة بالاجنبية، وهي كثيرة (1) منها قوله " ع " في


وكفى بها لصاحبها فتنة. وفي الباب 135 المذكور من الوافي عن بعض اصحابنا قال: قال أبو عبد الله (ع) إياكم والنظر فانه سهم من سهام إبليس. مرسلة. وفي ج 2 المستدرك ص 554 عن مصباح الشريعة قال الصادق " ع ": إياكم والنظر إلى المحذورات فانه بذر الشهوات. مرسلة. وعن القطب الراوندي عن النبي (ص) النظر إلى محاسن النساء سهم من سهام ابليس. مرسلة. إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على حرمة النظر إلى الاجنبية. وعلى هذا المنهج أحاديث العامة. راجع ج 7 سنن البيهقي ص 89. (1) في ج 2 كاباب 158 التستر من النكاح ص 64. وج 12 الوافى باب 134 مالا ينبغي للنساء من النكاح ص 126. وج 3 ئل باب 99 عدم جواز خلوة الرجل مع المرأة الاجنبية من مقدمات النكاح ص 23. عن مسمع عن ابي عبد الله " ع " قال: فيما اخذ رسول الله صلى الله عليه وآله من البيعة على النساء ان لا يحتبين ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء. ضعيفة لسهل ومحمد بن الحسن بن شمون. قال في الوافى: الاحباء الجمع بين الظهر والساقين بعمامة ونحوها. وفي الباب 99 المزبور من ج 3 ئل عن موسى بن ابراهيم عن موسى بن جعفر " ع " عن آبائه " ع " عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امرأة ليست له بمحرم. ضعيفة لموسى بن ابراهيم. وعن الحسن الطبرسي في مكارم الاخلاق عن الصادق " ع " قال: اخذ رسول الله على النساء ان لا ينحن ولا يخمشن ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء مرسلة. خمش الوجه خدشه ولطمه وضربه وقطع عضوا منه. وفي ج 2 ئل باب 31 ان من استأجر بيتا له باب إلى بيت آخر فيه أجنبية من الاجارات

[ 216 ]

رواية مسمع في قضية اخذ الرسول ص البيعة على النساء: ولا يقعدن مع الرجال في الخلاة، وهكذا في رواية مكارم الاخلاق، ومنها ما في رواية موسى بن ابراهيم من قوله ع: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امرأة ليست له بمحرم، ومنها قوله (ع) في رواية محمد بن الطيار: فان الرجل والمرأة إذا خليا في بيت كان ثالثهما


ص 650. والفقيه ص 287. وج 12 الوافي باب 137 النوادر من النكاح. عن محمد ابن الطيار حيث استأجر دارا وفيها باب إلى بيت امرأة اجنبية فسأل ذلك عن ابي عبد الله فقال: تحول منه فان الرجل والمرأة إذا خليا في بيت كان ثالثهما الشيطان. مرسلة. وفي ج 2 المستدرك ص 553. عن الجعفريات عن علي " ع " قال: ثلاثة من حفظهن كان معصوما من الشيطان الرجيم ومن كل بلية من لم يخل بامرأة لا يملك منها شيئا الخ. مجهولة لموسى بن اسماعيل. وعن دعائم الاسلام عن علي " ع " انه قال: لا يخلو بامرأة رجل فما من رجل خلا بامرأة إلا كان الشيطان ثالثها. مرسلة. وعنه " ع " انه قال: اخذ رسول الله صلى الله عليه وآله البيعة على النساء ان لا ينحن ولا يخمشن ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء. مرسلة. وعن الصدوق في الخصال عن ابي جعفر " ع " قال: لما دعا نوح ربه على قومه اتاه ابليس فقال: يا نوح إن لك عندي يدا اريد ان اكافيك عليها، إلى ان قال: اذكرني إذا كنت مع امرأة خاليا وليس معكما احد ضعيفة لعمرو بن شمر. وعن القطب الراوندي روي ان إبليس قال: لا اغيب عن العبد في ثلاث مواضع: إذا هم بصدقة وإذا خلا بامراة وعند الموت مرسلة وعنه مرسلا قال إبليس لموسى: لا تخلون بامراة غير محرم. وعن المفيد في اماليه باسناده عن رسول صلى الله عليه وآله قال إبليس لموسى بن عمران: اوصيك بثلاث خصال: يا موسى لا تخل بامرأة ولا تخل بك فانه لا يخلو رجل بامرأة ولا تخلو به إلا كنت صاحبه من دون اصحابي. مجهولة لسعدان بن مسلم. وعن الشيخ ابى الفتوح في تفسيره عن رسول الله انه قال: لا يخلون رجل بامرأة فان ثالثهما الشيطان. مرسلة. وفي ص 386 باب 36 تحريم مجالسة اهل المعاصي من الامر بالمعروف عن الشيخ المفيد عن رسول الله: اربعة مفسدة للقلوب: الخلوة بالنساء والاستماع منهن والاخذ برأيهن. مجهولة لجهالة اكثر رواتها.

[ 217 ]

الشيطان. إلى غير ذلك من الروايات التي دلت على حرمة الخلوة مع الاجنبية، ففي بعضها: لا يخلون رجل بامرأة فان ثالثهما الشيطان، وفي بعضها: إن الشيطان لا يغيب عن الانسان في موضع خلو الرجل مع امرأة اجنبية. وعلى هذا النهج احاديث العامة (1) فيستفاد من جميعها حرمة خلو الرجل مع امرأة أجنبية. لان الشيطان لا يغيب عنه في هذه الحالة، فيهيج قوته الشهوية ليلقيه إلى المهلكة والمضلة، وبما ان التشبيب بالمرأة الاجنبية يهيج الشهوة ازيد مما تهيجه الخلوة بها فيكون اولى بالتحريم. وفيه أنه لا دلالة في شئ من تلك الاخبار على حرمة الخلوة مع الاجنبية فضلا عن دلالتها على حرمة التشبيب، أما روايتا مسمع ومكارم الاخلاق فالمستفاد منهما حرمة قعود الرجل مع المرأة في بيت الخلاء، فقد كان من المتعارف في زمان الجاهلية أنهم يهيئون مكانا لقضاء الحاجة، ويسمونه بيت الخلاء، ويقعد فيه الرجال والنساء والصبيان ولا يستتر بعضهم عن بعض، كبعض أهل البادية في الزمن الحاضر، ولما بعث نبي الرحمة نهى عن ذلك، وأخذ البيعة على النساء أن لا يقعدن مع الجرال في الخلاء، على أن الخلوة مع الاجنبية إذا كانت محرمة فلا تختص بحالة القعود، بل هي محرمة مطلقا وإن كانت بغير قعود. ويؤيد ما ذكرناه من المعنى أن النهي في الروايتين قد تعلق بقعود الرجال مع النساء في الخلاء مطلقا وإن كن من المحارم، ومن الواضح أنه لا مانع من خلوة الرجل مع محارمه، وإن لم يكن للروايتين ظهور فيما ادعيناه، فلا ظهور لهما في حرمة الخلوة أيضا، ولا أقل من الشك، فتسقطان عن الحجية. على ان من جملة ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله البيعة به على النساء أن لا يزنين، ولعل أخذ البيعة عليهن أن لا يقعدن مع الرجال في الخلاء من جهة عدم تحقق الزنا، فان حالة الخلوة مظنة الوقوع على الزنا، وعليه فلا موضوعية لعنوان الخلوة بوجه، والغرض المهم هو النهي عن الزنا، وإنما تعلق بالخلوة لكونها من المقدمات القريبة له. ويدل على ما ذكرناه أيضا ما ورد في جملة من الروايات من تعليل النهي عن الخلوة بأن الثالث هو الشيطان، فان الظاهر منها هو أنه لو خلا الرجل مع المرأة الاجنبية فان الشيطان يكاد أو يوقعهما في البغي والزنا، ومن هنا ظهر أنه لا يجوز الاستدلال أيضا بهذه الروايات المشتملة على التعليل المذكور. وقد ذكرنا جميع هذه الروايات في الحاشية. وأما رواية موسى بن ابراهيم فهي خارجة عما نحن فيه، فانها دلت على حرمة نوم الرجل في موضع يسمع نفس الامرأة الاجنبية، ولا ملازمة بين سماع النفس والخلوة دائما، بل


(1) راجع ج 7 سنن البيهقي ص 90.

[ 218 ]

بينهما عموم من وجه، كما أن النهي عن نوم الرجل مع المرأة تحت لحاف واحد كما في بعض الاحاديث (1) لا يدل على حرمة عنوان الخلوة. ويمكن ان يكون نهي الرجل عن النوم في مكان يسمع نفس الامرأة الاجنبية من جهة كونسماع نفس المرأة من المقدمات القريبة للزنا، كما أن النهي عن النوم تحت لحاف واحد كذلك، فان سماع النفس في الاشخاص العادية لا يكون إلا مع نومهم في محل واحد، ومن القريب جدا أن هذا يوجب الزنا كثيرا. بل يمكن أن يقال: إنه لو ورد نص صريح في النهي عن الخلوة مع الاجنبية فلا موضوعية لها ايضا، وإنما نهى عنها لكونها من المقدمات القريبة للزنا، فان أهمية حفظ الاعراض في نظر الشارع المقدس تقتضي النهي عن الزنا، وعن كل ما يؤدي إليه عرفا. وأما الروايات المشتملة على أن إبليس لا يغيب عن الانسان في مواضع منها موضع خلوة الرجل مع امرأة أجنبية، فان المستفاد منها أن الشيطان يقظان في تلك المواضع يجر الناس إلى الحرام، فلا دلالة فيها على المدعى. وعلى الجملة فلا دليل على حرمة الخلوة بما هي خلوة، وإنما النهي عنها للمقدمية فقط. ويضاف إلى جميع ما ذكرناه ان الروايات الواردة في النهي عن الخلوة بالاجنبية كلها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ. ولو سلمنا وجود الدليل على ذلك فانه لا ملازمة بين حرمة الخلوة وحرمة التشبيب ولو بالفحوى، إذ لا طريق لنا إلى العلم بأن ملاك الحرمة في الخلوة هو إثارة القوة الشهوية حتى يقاس عليها كل ما يوجب تهيجها. ومن هنا علم أنه لا وجه لقياس التشبيب على شئ يوجب تهيج القوة الشهوية قوله: (وكراهة جلوس الرجل في مكان المرأة حتى يبرد المكان). أقول: استدل المصنف على حرمة التشبيب بفحوى امور مكروهة: منها ما ورد (2) في كراهة الجلوس في


(1) راجع ج 3 ئل باب 13 تحريم خلوة الرجل بالمرأة تحت لحاف واحد من أبواب النكاح المحرم ص 41. وج 2 كاباب 5 ما يوجب الجلد من الحدود ص 287. وج 9 الوافى باب المجردين وجدا في لحاف واحد من الحدود ص 47. (2) في ج 2 كاباب 191 النوادر من النكاح ص 78. وج 12 الوافى باب 137 النوادر من النكاح ص 129. والفقيه باب النوادر من النكاح ص 330. وج 3 ئل باب 144 كراهة الجلوس في مجلس المرأة من مقدمات النكاح ص 32. عن السكوني عن أبي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا جلست المرأة مجلسا فقامت عنه فلا

[ 219 ]

مجلس المرأة حتى يبرد المكان، ومنها ما ورد (1) في رجحان تستر المرأة عن نساء أهل الذمة ومنها ما ورد (2) في التستر عن الصبي المميز إلى غير ذلك من الموارد التي نهى الشارع عنها تنزيها، لكونها موجبة لتهيج الشهوة. فتدل بالفحوى على حرمة التشبيب، لكونه اقوى في إثارة الشهوة. ولكنا لا نعرف وجها صحيحا لهذا الاستدلال، إذ لا معنى لاثبات الحرمة لموضوع لثبوت الكراهة لموضوع آخر حتى بناء على العمل بالقياس. على أنا لا نعلم أن مناط الكراهة في تلك الامور هو تهيج الشهوة حتى يلتزم بالحرمة فيما إذا كان التهيج أشد وأقوى، وقد تقدم نظير ذلك من المصنف في البحث عن حرمة إلقاء الغير في الحرام الواقعي (3)، حيث استدل على الحرمة بكراهة إطعام النجس للبهيمة. على أن رجحان التستر عن نساء أهل الذمة إنما هو لئلا يطلعن رجالهن على محاسن نساء المسلمين، ورجحان التستر عن الصبي المميز إنما هو لكونه مميزا في نفسه، كما يظهر من الرواية الدالة على ذلك. قوله: (والنهي في الكتاب العزيز). أقول: قد ورد النهي في الكتاب الشريف (4) عن خضوع النساء بالقول لئلا يطمع الذي في قلبه مرض. وعن ان يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن (5). إلا أنه لا دلالة في شئ من ذلك على حرمة التشبيب، كما لا دلالة عليها في حرمة التعريض بالخطبة لذات البعل ولذات العدة الرجعية، والتعريض هو الاتيان بلفظ يحتمل الرغبة في النكاح مع كونه ظاهرا في النكاح، كأن يقول: رب راغب فيك، وحريص عليك،


يجلس في مجلسها رجل حتى يبرد. ضعيفة للنوفلي. (1) في ج 2 كاباب 158 التستر من النكاح ص 64. وج 12 الوافى باب 123 تسترهن ص 121. وج 3 ئل باب 98 عدم جواز انكشاف المرأة بين يدي اليهودية من مقدمات النكاح ص 23. عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله " ع " قال: لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية فانهن يصفن ذلك لازواجهن. صحيحة. (2) في ج 3 ئل باب 129 أنه يجوز للرجل أن يعالج الاجنبية من مقدمات النكاح ص 30. عن السكوني عن أبي عبد الله " ع " قال: سئل أمير المؤمنين " ع " عن الصبي يحجم المرأة؟ قال: إذا كان يحسن يصف فلا. ضعيفة للنوفلي. (3) ص 117. (4) سورة الاحزاب، آية 32. (5) سورة النور، آية: 31.

[ 220 ]

أو اني راغب فيك، أو أنت علي كريمة، أو عزيزة، أو إن الله لسائق اليك خيرا، أو رزقا، أو نحو ذلك. قوله: (سواء علم السامع إجمالا بقصد معينة أم لا ففيه إشكال). أقول: إذا ثبتت حرمة التشبيب وحرمة سماعه فلا يحرم سماعه إذا كان المشبب بها امرأة غير معينة، لعدم علم السامع بها حتى يترتب عليه ما تقدم من الامور. قوله: (وفيه إشكال من جهة اختلاف الوجوه المتقدمة للتحريم). أقول: قد عرفت عدم دلالة شئ من الوجوه المتقدمة على حرمة التشبيب. ولو سلم ذلك فلا دلالة فيها على حرمة التشبيب بامرأة مبهمه أو خيالية إلا إذا كان مرجعه إلى تمني الحرام. وقد عرفت أنه خارج عما نحن فيه. قوله: (أما التشبيب بالغلام فهو محرم على كل حال). أقول: التشبيب بالغلام إن كان داخلا في عنوان تمني الحرام فلا ريب في رحمته، لكونه جرأة على حرمات المولى كما تقدم وإلا فلا وجه لحرمته فضلا عن كونه حراما على كل حال. بل ربما يكون التشبيب به مطوبا. ولذا يجوز مدح الابطال والشجعان، ومدح الشبان بتشبيههم بالقمر والنجوز، ولا شبهة في صدق التشبيب عليه لغة (1) وعرفا. قوله: (لانه فحش محض). أقول: لا شبهة في حرمة الفحش والسب كما سيأتي، إلا أنه لا يرتبط ذلك بالتشبيب بعنوانه الاولي الذي هو محل الكلام في المقام. حرمة التصوير قوله: (المسألة الرابعة تصوير صور ذوات الارواح حرام إذا كانت الصورة مجسمة بلا خلاف). أقول: لا خلاف بين الشيعة والسنة (2) في حرمة التصوير في الجملة.


(1) في اقرب الموارد: تشبيب الشاعر بفلانة قال فيها: النسيب ووصف محاسنها. (2) في ج 2 فقه المذاهب ص 40 عن المالكية: إنما يحرم التصوير بشروط اربعة: أحدها: ان تكون الصورة لحيوان. ثانيها: ان تكون مجسدة وقيدها بعضهم بكونها من مادة تبقى وإلا فلا تحرم، وفي غير المجسدة خلاف، فذهب بعضه إلى الاباحة مطلقا، وبعضهم يرى إباحتها إذا كانت على الثياب والبسط. ثالثها: أن تكون كاملة الاعضاء. رابعها: أن يكون لها ظل. وعن الشافعية: يجوز تصوير غير الحيوان. وأما الحيوان فانه لا يحل تصويره. وبعد التصوير إن كانت الصورة مجسدة فلا يحل التفرج عليها إلا إذا كانت ناقصة

[ 221 ]

ففي المستند (1) ادعى الاجماع على حرمة عمل الصور لذوات الارواح إذا كانت الصورة مجسمة، وذكر الخلاف في غير هذا القسم. وفي المختلف (2): (مسألة: قال ابن براج: يحرم التماثيل المجسمة وغير المجسمة، وقال ابن إدريس: وسائر التماثيل والصور ذوات الارواح مجسمة كانت أو غيرها. وأبو الصلاح قال: يحرم التماثيل وأطلق). وعن المحقق الثاني إنه قسم التصوير إلى اربعة أقسام، وقال: احدها محرم إجماعا، وهو عمل الصور المجسمة لذوات الارواح، وباقي الاقسام مختلف فيها. فالمتحصل من كلمات الاصحاب أن الاقوال في حرمة التصوير اربعة، الاول: أن التصوير حرام إذا كانت الصورة مجسمة لذي روح، وهذا مما لا خلاف في حرمته بين الاصحاب، بل ادعى عليه الاجماع. الثاني: أن تصوير ذوات الارواح حرام سواء كانت الصورة مجسمة أم غير مجسمة، وقد اختاره المصنف وفاقا لما ذهب إليه الحلي والقاضي وغيرهما من الاصحاب. الثالث: حرمة التصاوير مطلقا إذا كانت مجسمة. الرابع: القول بحرمتها على وجه الاطلاق سواء كانت مجسمة أم غيرها، وسواء كانت لذوات الارواح أم غيرها، والقولان الاخيران وإن كانا ايضا مورد الخلاف بين الفقهاء كما اشار إليه النراقي والمحقق الثاني، إلا أنا لم نجد قائلا بهما عدا ما يستفاد من ظاهر بعض العبائر. وكيف كان فالمهم في المقام هو التكلم في مدرك الاقوال، فنقول: الظاهر من بعض المطلقات المنقولة من طرق الشيعة (3)


وغير المجسدة لا يحل التفرج عليها إذا كالن مرفوعا على الجدار. ويجوز التفرج على خيال الظل " السينا " ويستثنى من المذكورات لعب البنات. وعن الحنابلة يجوز تصوير غير الحيوان، واما تصوير الحيوان فانه لا يحل إلا إذا كان موضوعا على ثوب يفرش. وعن الحنفية: تصوير غير الحيوان جائز، أما تصوير الحيوان فانه لا يحل إلا إذا كان على بساط مفروش أو كانت الصورة ناقصة. (1) ج 1 ص 337. (2) ج 2 ص 163. (3) في ج 2 المستدرك ص 457 عن محمد بن مسلم عن علي " ع " قال: إياكم وعمل الصور الخ. ضعيفة لقاسم بن يحيى.

[ 222 ]

ومن طرق العامة (1) حرمة التصاوير مطلقا ولو كانت لغير ذوات الارواح. ولم تكن مجسمة، كقول علي " ع ": (إياكم وعمل الصور فانكم تسألون عنها يوم القيامة) وكالنبوي


وعن الحضرمي عن أبي عبد الله " ع " جعل من أكل السحت تصوير التماثيل. ضعيفة لعبدالله بن طلحة. ولان كتاب الحضرمي لم يثبت اعتباره. وعن القطب الراوندي: من صور التماثيل فقد ضاد الله. مرسلة. وعن الشهيد في المنية عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: أشد الناس عذابا يوم القيامة مصور يصور التماثيل. مرسلة. وفي ج 2 كا ص 226. وج 11 الوافى ص 107. وج 1 ئل باب 3 عدم جواز نقش البيوت بالتماثيل من أحكام المساكن ص 317. عن ابي بصير عن ابي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني جبرئيل وقال: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام وينهى عن تزويق البيوت، قال أبو بصير: فقلت: وما تزويق البيوت؟ فقال: تصاوير التماثيل، ضعيفة لقاسم بن محمد الجوهري، وعلي بن ابي حمزة. التزويق التزيين والتحسين. وفي ج 1 التهذيب باب دفن الميت ص 130. وج 13 الوافى باب 95 وظائف القبر ص 83. وج 1 ئل الباب 3 المذكور عن الاصبغ بن نباتة قال: قال امير المؤمنين " ع ": من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام. ضعيفة لابي جارود. إلى غير ذلك من المطلقات. قال في التهذيب وحاصله. انه اختلف اصحابنا في رواية هذا الخبر وتأويله على وجوه: فقال محمد بن الحسن الصفار: من جدد بالجيم، لا غير، فمعناه: انه لا يجوز تجديد القبر بعد الاندراس وإن جاز تعميره أولا. وقال سعد بن عبد الله: من حدد قبرا بالحاء غير المعجمة يعني به من سنم قبرا. وقال احمد البرقي: إنما هو من جدث قبرا بالجيم والثناء، ولم يفسر ما معناه. إلا انه يمكن ان يراد منه جعل القبر (الذي دفن فيه الميت) قبرا لانسان آخر لان الجدث هو القبر. وقال محمد بن علي بن الحسين: إن معنى التجديد هو ما اختاره سعد ابن عبد الله في معنى التحديد، إلا أن جميع المعاني المذكورة داخل في معنى الحديث. وقال شيخنا محمد بن محمد بن النعمان (ره) يقول: إن الخبر بالخاء والدالين، وذلك مأخوذ من الخد بمعنى الشق، يقال: خدت الارض خدا: اي شققتها. وفي الوافى عن الفقيه: (والذي أقوله في قوله " ع ": من مثل مثالا، إنه يعني من أبدع بدعة ودعا إليها، أو وضع دينا فقد خرج عن الاسلام). (1) راجع ج 7 سنن البيهقي ص 268.

[ 223 ]

المذكور في سنن البيهقي (إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون). ولكن لا بد من تقييد هذه المطلقات بما دل (1) على جواز التصوير لغير ذوات الارواح وعليه فتحمل المطلقات على تصوير ذوات الارواح، ويحكم بجواز التصوير لغيرها سواء كانت الصورة مجسمة أم غير مجسمة، وهو الموافق للاصل والاطلاقات والعمومات من الآيات والروايات الواردة في طلب الرزق وجواز الاكتساب بأي كيفية كان إلا ما خرج بالدليل. ويضاف إلى ما ذكرناه أن المطلقات المذكورة بأجمعها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ. على ان مقتضى السيرة القطعية المستمرة إلى زمان المعصوم " ع " جواز التصوير لغير ذوات الارواح، ولم نر ولم نسمع من أنكر جواز تصوير الاشجار والفواكه والجبال والبحار والشطوط والحدائق، بل السيرة المذكورة ثابتة في تعلم بعض الاشياء، خصوصا في بعض العلوم الرياضية حيث يعملون الصور لتسهيل التفهيم. ويؤيد ما ذكرناه ما ورد في بعض الاحاديث (2) من ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا (ع)


(1) في ج 2 كا باب 67 تزويق البيوت من أبواب التجمل ص 226، وج 11 الوافى باب 196 تزويق البيوت من التجمل ص 107. وج 2 ئل باب 122 تحريم عمل الصور المجسمة مما يكتسب به ص 564. وج 1 ئل باب 3 عدم جواز نقش البيوت بالتماثيل من احكام المساكن ص 317. عن ابي العباس البقباق عن ابي عبد الله " ع " في قول الله عزوجل: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل؟ فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه. موثقة لابان بن عثمان. وفي الباب 122 المزبور من ج 2 ئل عن زرارة عن ابي جعفر " ع " قال: لا بأس بتماثيل الشجر، صحيحة. وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن تماثيل الشجر والشمس والقمر؟ فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان. صحيحة. أقول: يحتمل قريبا ان يكون السؤال في هذه الرواية عن اقتناء الصور وإبقائها. وسيأتي التعرض لذلك. وفي أحاديث العامة ايضا ما يدل على جواز التصوير لغير ذوات الارواح. راجع ج 7 سنن البيهقي ص 270. (2) في ج 2 كاص 226، والباب 3 المتقدم من ج 1 ئل. وج 11 الوافى ص 108 وج 14 البحار ص 717: عن عبد الله بن ميمون الاسود القداح عن ابي عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع): بعثني رسول الله في هدم القبور وكسر الصور، ضعيفة لسهل. وعن السكوني عن ابي عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع): بعثني رسول الله إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرا إلا سويته ولا كلبا إلا قتلته، ضعيفة للنوفلي

[ 224 ]

في هدم القبور وكسر الصور، وايضا قال له: لا تدع صورة إلا محوتها. فانه ليس من المعهود ان عليا (ع) كسر الصور التي لغير ذوات الارواح، وان رسول الله صلى الله عليه وآله امره ايضا على ذلك. ويضاف إلى ما ذكرناه ان الصورة في اللغة (1) وإن كانت مساوقة للشكل وشاملة لصور ذوات الارواح وغيرها، إلا ان المراد بها في المقام صور ذوات الارواح فقط، لما ورد في جملة من الروايات التي سنذكرها: ان من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة ان ينفخ فيها وليس بنافخ. ومن الواضح ان الامر بالنفخ ولو كان تعجيزا إنما يمكن إذا كان المورد قابلا لذلك، ولا شبهة ان نفس الاشجار والاحجار والبحار والشطوط ونحوها غير قابلة للنفخ فضلا عن صورها، فان عدم القدرة على النفخ فيها ليس من جهة عجز الفاعل فقط، بل لعدم قابلية المورد. واما القول الثاني أعني حرمة تصوير الصور لذي الروح سواء كانت الصورة مجسمة أم غير مجسمة فتدل عليه الاخبار المستفيضة من الفريقين (2) التي تقدمت الاشارة إليها،


(1) في اقرب الموارد: شكل الشئ صوره. وفيه ايضا: صوره تصويرا جعل له صورة وشكلا. وهكذا في المنجد وغيره. (2) في ج 2 كا ص 226. وج 11 الوفاى ص 108 والباب 3 المزبور من ج 1 ئل ص 317: عن ابن ابي عمير عن رجل عن ابي عبد الله (ع) قال: من مثل تمثالا كلف يوم القيامة ان ينفخ فيه الروح. مرسلة. وعن الحسين بن المنذر قال: قال أبو عبد الله (ع): ثلاثة معذبون يوم القيامة، إلى ان قال: ورجل صور تماثيل يكلف ان ينفخ فيها وليس بنافخ. ضعيفة للحسين. وفي الباب 3 المذكور من ج 1 ئل عن سعد عن ابي جعفر (ع): ان الذين يؤذون الله ورسوله، هم المصورون ويكلفون يوم القيامة ان ينفخوا فيها الروح. ضعيفة لسعد وابى جميلة المفضل بن صالح الاسدي. وفي ج 2 ئل باب 122 تحريم عمل الصور مما يكتسب به ص 564 في حديث المناهي قال نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن التصاوير وقال: من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة ان ينفخ فيها وليس بنافخ إلى ان قال: ونهى ان ينقش شئ من الحيوان على الخاتم. ضعيفة لشعيب بن واقد. وعن الخصال عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من صورة صورة عذب

[ 225 ]

فانه قد ذكر فيها أن من صور صورة يعذب يوم القيامة، ويكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ، وفي بعضها (1): (أحيوا ما خلقتم). ولكنها مع كثرتها ضعيفة السند. وغير منجبرة بشئ، فلا تكون صالحة للاستناد إليها في الحكم الشرعي. ويضاف إلى ما ذكرناه ما تقدم في الحاشية من الروايات الدالة على حرمة خصوص التصوير لذوات الارواح، كصحيحة البقباق عن ابي عبد الله " ع ": (في قول الله يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل؟ فقال: والله ماهي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه). فان ذكر الرجال والنساء فيها من باب المثال، ويدل على ذلك من الرواية قوله " ع " (ولكنها الشجر وشبهه). وغيرها من الروايات المعتبرة. ما استدل به على اختصاص الحرمة بالصور المجسمة وقد يقال: إن التحريم مختص بالصور المجسمة لوجوه قد اشار إلى جملة منها في متاجر الجواهر: الوجه الاول: أن الاخبار المشتملة على نفخ الروح ظاهرة في ذلك، فان الظاهر منها أن الصورة التي صنعها المصور جامعة لجميع ما يحتاج إليه الحيوان سوى الروح، وهذا إنما يكون في الصورة إذا كانت مجسمة، وواجدة للجثة والهيكل، ومشتملة على الابعاد الثلاثة، إذ يستحيل الامر بنفخ الروح في النقوش الخالية عن الجسم، فان الامر بالنفخ لا يكون إلا في محل قابل له، والصور المنقوشة على الالواح والاوراق ونحوهما غير قابلة لذلك، لاستحالة انقلاب العرض إلى الجواهر. ودعوى إرادة تجسيم النقش مقدمة للنفخ ثم النفخ فيه خلاف الظاهر من الروايات. وأجاب عنه المصنف بوجهين، الاول: (أن النفخ يمكن تصوره في النقش بملاحظة


وكلف ان ينفخ فيها وليس بفاعل. مجهولة لعكرمة وغيره. وفي رواية اخرى عن ابي عبد الله " ع ": من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ فيها، مجهولة لمحمد بن مروان الكلبي. وعلى هذا النهج أحدايث العامة. راجع ج 7 سنن البيهقي ص 269. (1) راجع ج 2 المستدرك ص 457. وج 7 سنن البيهقي ص 268.

[ 226 ]

محله، بل بدونها، كما في أمر الامام " ع " (1) الاسد المنقوش على البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة). وفيه ان هذا خلاف ظواهر الاخبار، فان الظاهر منها ان التكليف إنما هو بإحياء نفس الصور دون محلها، وأما أمر الامام " ع " الاسد المنقوش على البساط بأخذ الساحر فسيأتي الجواب عنه. الثاني: أن النفخ إنما هو (بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصبغ، والحاصل: أن مثل هذا لا يعد قرينة عرفا على تخصيص الصورة بالمجسمة). وهذا الجواب متين، وبيان ذلك: أنه إذا كان المقصود من النفخ هو النفخ في النقوش الخالية عن الجسم التي هي ليست إلا أعراضا صرفة، فانه لا مناص عن الاشكال المذكور، وهو واضح. وإذا كان المقصود من النفخ فيها بملاحظة لون النقش، وأجزاء الصبغ اللطيفة فهو متين، إذ النفخ حينئذ إنما هو في الاجزاء الصغار، ولا ريب في قابليتها للنفخ لتكون حيوانا، ولا يلزم منه انقلاب العرض إلى الجوهر، بل هو من قبيل تبدل جوهر بجوهر آخر، وعليه فلا يتوجه الاشكال المذكور على شمول الروايات المتقدمة (أعني الاخبار المشتملة على نفخ الروح) لصور ذي الروح مطلقا وإن كانت غير مجسمة، ولكن قد عرفت أنها ضعيفة السند. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه ففي ما دل على حرمة تصوير الصور لذوات الارواح مطلقا غنى وكفاية كما عرفت. ويضاف إلى ذلك كله ما تقدم من المطلقات التي دلت على حرمة التصوير، فان الخارج عنها ليس إلا تصوير الصور لغير ذي الروح، فيبقى الباقي تحتها. ولكن قد عرفت أن تلك المطلقات ضعيفة السند. ومن هنا يعلم أنه لا استحالة في صيرورة الصورة الاسدية المنقوشة على البساط اسدا


(1) في ج 11 البحار ص 243 عن علي بن يقطين قال: استدعى الرشيد رجلا يبطل به أمر أبي الحسن موسى بن جعفر " ع " ويقطعه ويخجله في المجلس فانتدب له رجل معزم فلما أحضرت المائدة عمل ناموسا على الخبز فكان كلما رام خادم ابي الحسن " ع " تناول رغيفا من الخبز طار من بين يديه واستقر هارون الفرح والضحك لذلك فلم يلبث أبو الحسن أن رفع راسه إلى اسد مصور على بعض الستور فقال: يا اسد الله خذ عدو الله فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع فافترست ذلك المعزم فخر هارون وندماؤه على وجوههم مغشيا عليهم وطارت عقولهم خوفا من هول ما رأوه، الخبر.

[ 227 ]

حقيقيا وحيوانا مفترسا بأمر الامام " ع "، غاية الامر أنه من الامور الخارقة للعادة، لكونه إعجازا منه " ع "، وقد حققنا في مبحث الاعجاز من مقدمة التفسير أن الاعجاز لا بد وأن يكون خارجا عن النواميس الطبيعية، وخارقا للعادة. وتوضيح ذلك ان الخلق والايجاد على قسمين، الاول: أن يكون بحسب المقدمات الاعدادية والنواميس الطبيعية، فانه تعالى وإن كان قادر على خلق العوالم بمجرد الارادة التكوينية، إلا أن حكمته قد جرت على أن يخلقها بالسير الطبيعي، وطي المراتب المختلفة بلبس الصور وخلعها حتى تصل إلى المقصد الاقصى والغاية القصوى. مثلا إذا تعلقت المشية الالهية بخلق الانسان بحسب المقدمات الاعدادية والسير الطبيعي جعل الله مواده الاصلية في كمون الاغذية فيأكلها البشر فتحللها القوى المكنونة فيه إلى أن تصل إلى حد المنوية، ثم يستقر المني في الرحم، فيكون دما ثم علقة ثم مضغة ثم لحما ثم عظما ثم انسانا، وهذا هو الخلق بالنواميس الطبيعية. وكذلك الحال في سائر المخلوقات. الثاني: أن يكون الخلق غير جار على النواميس الطبيعية، بل امرا دفعيا وخارقا للعادة، وتكون المقدمات الطبيعية كلها مطوية فيه، كجعل الحبوب أشجارا وزروعا، والاحجار لؤلؤا ويواقيتا دفعة واحدة، ويسمى ذلك بالاعجاز، وهذا من المواهب الالهية التي خض الله بها أنبياءه ورسله صلى الله عليه وآله والائمة الطاهرين " ع ". وصيرورة الصورة الاسدية حيوانا مفترسا بأمر الامام " ع " من القبيل الثاني. الوجه الثاني: ما ذكره في متاجر الجواهر، وهو أن (في بعض النصوص التي تقدمت في كتاب الصلاة من أنه لا باس إذا غير رؤوسها (1) وفي آخر (2) قطعت وفي ثالث (3)


(1) في ج 1 ئل باب 4 جواز إبقاء التماثيل التي تغير من أحكام المساكن ص 318. وج 11 الوافي ص 108. وج 2 كاص 226. عن زرارة عن أبي جعفر " ع " قال: لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤوسها منها وترك ما سوى ذلك. حسنة لابراهيم بن هاشم. (2) في ج 1 ئل باب 32 كراهة استقبال المصلي التماثيل من مكان المصلي ص 300. وج 2 كاص 226. وج 5 الوفاي ص 73. عن علي بن جعفر عن ابي الحسن " ع " قال: سألت عن الدار والحجرة فيها التماثيل أيصلي فيها؟ فقال: لا تصل وفيها شئ يستقبلك إلا أن لا تجد بدا فتقطع رؤوسها وللا فلا تصل فيها. صحيحة. (3) في الباب 32 المزبور من ج 1 ئل ص 300: عن علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر " ع " قال: سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير وتماثيل يصلي فيه؟ فقال:

[ 228 ]

كسرت نوع إشعار بالتجسم). وفيه أولا: أنه لا إشعار في شئ من هذه الروايات بكون الصور المنهى عنها مجسمة إلا في رواية قرب الاسناد (تكسر رؤوس التماثيل وتلطخ رؤوس التصاوير) وهي ضعيفة السند، والوجه في عدم إشعار غيرها بذلك هو أن قطع الراس أو تغييره كما يصدق في الصور المجسمة، فكذلك يصدق في غيرها. وثانيا: أن الكلام في المقام في عمل الصورة، وهو لا يرتبط بالصلاة في بيت فيه تماثيل، بل الصلاة فيه كالصلاة في الموارد المكروهة. الوجه الثالث: ما في الجواهر أيضا من أنه (يظهر من مقابلة النقش للصورة في خبر المناهي ذلك أيضا) اي كون الصور المحرمة مجسمة. وفيه أولا: ان خبر المناهي ضعيف السند ومجهول الراوي، كما عرفت مرارا. وثانيا: ما ذكره السيد في حاشيته: وهو أن ما اشتمل على كلمة النقش (خبر آخر عن النبي " ص " نقله الامام " ع "، فلا مقابلة في كلام النبي، والامام اراد ان ينقل اللفظ الصادر عنه " ع "). فروع مهمة تصوير الملك والجن الاول: هل يلحق الجن والملك بالحيوان فيحرم تصويرهما أولا؟ ففيه قولان، وقد يقال بالثاني، كما في الجواهر، وحكاه عن بعض الاساطين في شرحه على القواعد. والوجه فيه ان المطلقات المتقدمة وان اقتضت حرمة التصوير مطلقا إلا أنك قد عرفت أنها مقيدة بالروايات المعتبرة كصحيحة محمد بن مسلم: (لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان) وغيرها، وقد عرفت ذلك آنفا، وعليه فنفي الباس عن تصوير غير الحيوان يقتضي اندراج الملك والجن تحت الحكم بالجواز، فان من الواضح انهما ليسا من جنس الحيوان. وفيه ان المراد من الحيوان هنا ما هو المعروف في مصطلح اهل المعقول من كونه جسما حساسا متحركا بالارادة، ومن البديهي ان هذا المفهوم يصدق على كل مادة ذات رو. ح سواء كانت من عالم العناصر ام من عالم آخر هو فوقه، وعليه فلا قصور في شمول صحيحة محمد بن مسلم للملك والجن والشيطان، فيحكم بحرمة تصويرهم.


تكسر رؤوس التماثيل وتلطخ رؤوس التصاوير ويصلي فيه ولا باس مجهولة لعبدالله ابن الحسن.

[ 229 ]

ودعوى أن الملك من عالم المجردات فليس له مادة، كما اشتهر في ألسنة الفلاسفة، دعوى جزافية، فانه مع الخدشة في أدلة القول بعالم المجردات ما سوى الله كما حقق في محله. انه مخالف لظاهر الشرع. ومن هنا حكم المجلسي (ره) في اعتقاداته بكفر من أنكر جسمية الملك. وتفصيل الكلام في محله. وإن ابيت إلا إرادة المفهوم العرفي من الحيوان فاللازم هو القول بانصرافه عن الانسان ايضا، كانصرافه عن الملك والجن، ولذا قلنا: إن العمومات الدالة على حرمة الصلاة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه منصرفة عن الانسان قطعا، مع أنه لم يقل احد هنا بالانصراف، فتحصل انه لا يجوز تصوير الملك والجن. وفي حاشية السيد (ره) ما ملخصه: ان كلا من صحيحة ابن مسلم، وما في خبر تحف العقول (وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني) مشتمل على عقدين عقد ترخيصي وعقد تحريمي، فلا يكونان من الاعم والاخص المطلقين، لوجود التعارض بين منطوق الصحيحة وبين مفهوم الخبر بالعموم من وجه في الملك والجن، فان مقتضى الصحيحة هو جواز تصويرهما، ومقتضى مفهوم رواية تحف العقول هو حرمة تصويرهما، وحيث إن الترجيح بحسب الدلالة غير موجود، والمرجح السندي مع الصحيحة، فلا بد من ترجيح ما هو أقوى من حيث السند. وفيه اولا: ان خبر تحف العقول ضعيف السند، ومضطرب الدلالة، فلا يجوز العمل به في نفسه فضلا عما إذا كان معارضا لخبر صحيح، وقد تقدم ذلك. وثانيا: أنا سلمنا جواز العمل به، ولكنا قد حققنا في باب التعادل والترجيح من الاصول ان اقوائية السند لا تكون مرجحة في التعارض بالعموم من وجه، بل لا بد من الرجوع إلى المرجحات الاخر، وحيث لا ترجيح لكل منهما على الآخر، فيحكم بالتساقط ويرجع إلى المطلقات الدالة على حرمة التصوير مطلقا، وعليه فيحرم تصوير الملك والجن لهذه المطلقات، إلا أنك قد عرفت آنفا ان المطلقات بأجمعها ضعيفة السند، فلا تكون مرجعا في المقام، فلا بد وأن يرجع إلى البراءة. وسيأتي ان صحيحة محمد بن مسلم غريبة عن حرمة التصوير. اللهم إلا ان يقال: إن المتعارف من تصوير الملك والجن ما يكون بشكل احد الحيوانات فيحرم من هذه الجهة، ولكن يرد عليه أن من يصور صورة الملك والجن إنما يقصد صورتهما لا صورة الحيوان، ولا بما هو أعم منهما ومن الحيوان، إلا ان يكونا معدودين من افراد الحيوان كما عرفت. نعم ما يمكن استفادة الحرمة من صحيحة البقباق المتقدمة، بدعوى أن الظاهر من قوله " ع "

[ 230 ]

فيها: " والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه) هو المقابلة بين ذي الروح وغيره من حيث جواز التصوير وعدمه، وذكر الامور المذكورة فيها إنما هو من باب المثال والله العالم. ان حرمة التصوير غير مقيده بكون الصورة معجبة الفرع الثاني: ما ذكره المصنف وحاصله: انا إذا عممنا الحكم لغير الحيوان مطلقا أو مع التجسيم فالظاهر ان المراد به ما كان مخلوقا لله سبحانه على هيئة خاصة معجبة للناظر، وإلا فلا وجه للحرمة، وعلى هذا فلا يحرم تصوير الصور لما هو من صنع البشر وإن كان على هيئة معجبة كالسيوف والابنية والقصور والسيارات والطيارات والدبابات وغيرها. وكذلك لا يحرم تصوير الصور لما هو مخلوق لله ولكن لا بهيئة معجبة كالخشب والقصب والشطوط والبحار والادوية والعرصات ونحوها. ومن هنا ظهر الاشكال فيما حكاه المصنف عن كاشف اللثام في مسألة كراهة الصلاة في الثوب المشتمل على التماثيل من أنه (لو عمت الكراهة لتماثيل ذي الروح وغيرها كرهت الثياب ذوات الاعلام لشبه الاعلام بالاخشاب والقصبات ونحوها، ولا ثياب المحشوة لشبه طرائقها المخيطة بها، بل الثياب قاطبة لشبه خيوطها الاخشاب ونحوها). وفيه أولا: ان ما دل على حرمة التصوير لم يقيد بكون الصورة أو ذي الصورة معجبة فلا وجه لجعل الاعجاب شرطا في حرمة التصوير. وثانيا: ما ذكره المحقق الايرواني من أن (الاعجاب الحاصل عند مشاهدة الصورة إنما هو من نفس الصورة لكشفها عن كمال مهارة النقاش ولو كانت صورة نمل أو دود، ولذا لا يحصل ذلك الاعجاب من مشاهدة ذي الصورة). وأما ما حكاه عن كاشف اللثام فيرد عليه أولا: أن مورد البحث هنا إنما هو الشبه الخاص بحيث يقال في العرف: إن هذا صورة ذاك، ومن البديهي أن مجرد كون الاعلام والطرائق والخيوط في الثياب على هيئة الاخشاب والقصب لا يحقق الشبه المذكور، وإلا فلا محيص عن الاشكال حتى بناء على اختصاص الحكم بذوات الارواح لشبه أعلام الثياب وطرائقها المخيط بالحيات والديدان ونحوهما. وثانيا: أنه يعتبر في حرمة التصوير قصد الحكاية كما سيأتي في الفرع الآتي، فصانع الثوب لم يقصد شباهته بشئ من ذوات الارواح وغيرها، بل غرضه نسج الثوب فقط،

[ 231 ]

وعليه فلا باس بشباهته بشئ من الحيوانات وغيرها شباهة اتفاقية. نعم إذا قلنا بتعميم الحكم لغير الحيوان مطلقا أو في الجملة فلا مناص من الالتزام بانصراف الادلة عما هو مصنوع للعباد بديهة أن إيجاد نفس ذي الصورة جائز فايجاد صورته اولى بالجواز. اعتبار قصد الحكاية في حرمة التصوير الفرع الثالث: ما ذكره المصنف بقوله: (هذا كله مع قصد الحكاية والتمثيل، فلو دعت الحاجة إلى عمل شئ يكون شبيها بشئ من خلق الله ولو كان حيوانا من غير قصد الحكاية فلا بأس قطعا). وتوضيح كلامه: أنه لا شبهة في اعتبار قصد حكاية ذي الصورة في حرمة التصوير، لان المذكور في الروايات النهي عن التصوير والتمثيل، ولا يصدق ذلك إذا حصل التشابه بالمصادفة والاتفاق من غير قصد للحكاية، وهذا نظير اعتبار قصد الحكاية في صحة استعمال الالفاظ في معانيها، وبدون ذلك ليس هناك استعمال. وعليه فإذا احتاج احد إلى عمل شئ من المكائن أو آلاتها أو غيرهما من الاشياء اللازمة على صورة حيوان فلا يكون ذلك حراما، لعدم صدق التصوير عليه بوجه. والمثال الواضح لذلك الطائرات المصنوعة في زماننا، فانها شبيهة بالطيور ومع ذلك لم يفعل صانعها فعلا محرما، ولا يتوهم أحد حتى الصبيان ان صانع الطائرة يصور صورة الطير، بل إنما غرضه صنع شئ آخر للمصلحة العامة، وكونه على هيئة الطير إنما هو اتفاقي. ومن هنا لا وجه لما توهمه كاشف اللثام على ما عرفت من أنه (لو عمت الكراهة لتماثيل ذي الروح وغيره كرهت الثياب ذوات الاعلام لشبه الاعلام بالاخشاب). فان النساج لم يقصد الحكاية في فعله. وتوهم بعضهم ان مراد المصنف من كلامه في هذا الفرع هو ان يكون الداعي إلى التصوير هو الاكتساب دون التمثيل بأن يكون غرض المصور نظر الناس إلى الصور والتماثيل وإعطاء شئ بازاء ذلك. وفيه انه من العجائب، لكونه غريبا عن كلام المصنف، على أنه من أوضح افراد التصوير المحرم فكيف يحمل كلام المصنف عليه!.

[ 232 ]

اعتبار الصدق العرفي في حرمة التصوير الفرع الرابع: ما ذكره المصنف أيضا، وهو (ان المرجع في الصورة إلى العرف، فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الاعضاء). وتوضيح ذلك: أنه يعتبر في تحقق الصورة في الخارج الصدق العرفي، فان الادلة المتقدمة التي دلت على حرمة التصوير إنما تقتضي حرمة الصورة العرفية التامة الاعضاء والجوارح بحيث يصدق عليها انها مثال بالحمل الشايع وعليه فإذا صور احد نصف حيوان من رأسه إلى وسطه أو بعض أجزائه فان قدر الباقي موجودا فهو حرام، كما إذا صور انسانا جالسا لا يتبين نصف بدنه، أو كان بعض اجزائه ظاهرا وبعضه مقدرا بأن صور انسانا وراء جدار أو فرس أو يسبح في الماء وراسه ظاهر وإن قصد النصل فقط فلا يكون حراما، فان الحيوان لا يصدق على بعض اجزائه كرجله ويده ورأسه. نعم إذا صدق الحيوان على هذا النصف كان تصويره حراما، وعلى هذا فإذا صور صورة حيوان متفرق الاجزاء فلا يكون ذلك حراما، فإذا ركبها كان حراما لصدق التصوير على التركيب، وإذا كان الغرض تصوير بعض الاجزاء فقط ثم بدى له الاكمال حرم الاتمام فقط، فانه مع قطع النظر عن الاتمام ليس تصويرا لذي روح ومما ذكرناه ظهر بطلان قول المحقق الايرواني: (إن من المحتمل قريبا حرمة كل جزء جزء أو حرمة ما يعم الجزء والكل، فنقش كل جزء حرام مستقل إذا لم ينضم إليه نقش بقية الاجزاء، وإلا كان الكل مصداقا واحدا للحرام) إلى ان قال: (ويحتمل ان يكون كل فاعلا للحرام، كما إذا اجتمع جمع على قتل واحد. فان الهيئة تحصل بفعل الجميع، فلولا نقش السابق للاجزاء السابقة لم تتحصل الهيئة بفعل اللاحق). على أن المقام لا يقاس باجتماع جمع على قتل واحد، فان الاعانة على القتل حرام بالروايات المستفيضة بل المتواترة، بخلاف ما نحن فيه، فان التصوير المحرم إنما يتحقق بفعل اللاحق، وتحصل الهيئة المحرمة بذلك. غاية الامر ان نقش السابق للاجزاء السابقة يكون إعانة على الاثم، وهي ليست بحرام كما عرفت فيما سبق.

[ 233 ]

جواز اخذ العكس المتعارف الفرع الخامس: الظاهر من الادلة المتقدمة الناهية عن التصوير والتمثيل هو النهي عن ايجاد الصورة، كما أن النهي عن سائر الافعال المحرمة نهي عن ايجادها في الخارج، وعليه فلا يفرق في حرمة التصوير بين أن يكون باليد أو بالطبع أو بالصياغة أو بالنسج، سواء اكان ذلك امرا دفعيا كما إذا كان بالآلة الطابعة أم تدريجيا. وعلى هذا المنهج فلا يحرم أخذ العكس المتعارف في زماننا، لعدم كونه إيجادا للصورة المحرمة، وإنما هو اخذ للظل، وإبقاء له بواسطة الدواء، فان الانسان إذا وقف في مقابل المكينة العكاسة كان حائلا بينها وبين النور، فيقع ظله على المكينة، ويثبت فيها لاجل الدواء فيكون صورة لذي ظل، واين هذا من التصوير المحرم؟. وهذا من قبيل وضع شئ من الادوية على الجدران أو الاجسام الصيقلية لتثبت فيها الاظلال والصور المرتسمة، فهل يتوهم احد حرمته من جهة حرمة التصوير، وإلا لزمه القول بحرمة النظر إلى المرأة، إذ لا يفرق في حرمة التصوير بين بقاء الصورة مدة قليلة أو مدة مديدة!. وقد اشتهر انطباع صور الاشياء في شجرة الجوز في بعض الاحيان، ولا نحتمل أن يتفوه احد بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الوقت، بدعوى كونه تصويرا محرما. وعلى الاجمال لا نتصور حرمة اخذ العكس المتعارف، لا من جهة الوقوف في مقابل المكينة العكاسة، ولا من جهة ع ابقاء الظل فيها كما هو واضح. الفرع السادس: قد عرفت آنفا أن المناط في حرمة التصوير قصد الحكاية والصدق العرفي، وعليه فيحرم تصوير الصورة للحيوانات مطلقا سواء ما كان منها فردا لنوع من الحيوانات الموجودة، وما لم يكن كذلك كالعنقاء ونحوه من الحيوانات الخيالية، وذلك لاطلاق الادلة. الفرع السابع: إذا صورة صورة مشتركة بين الحيوان وغيره لم يكن ذلك حراما إلا إذا قصد الحكاية عن الحيوان، ثم إذا اشترك اشخاص عديدة في صنعة صورة محرمة، فان قصد كل واحد منهم التصوير المحرم فهو حرام، وإلا فلا يحرم غير تركيب الاجزاء المتشتتة الفرع الثامن: قد عرفت في البحث عن حرمة تغرير الجاهل: أن القاء الغير في الحرام الوقاعي حرام، وعليه فلا فرق في حرمة التصوير بين المباشرة والتسبيب. بل قد عرفت في المبحث المذكور: أن نفس الادلة الاولية تقتضي عدم الفرق بين المباشرة والتسبيب في

[ 234 ]

إيجاد المحرمات، وعلى هذا فلا نحتاج في استفادة التعميم إلى القرينة وملاحظة المناط كما في حاشية السيد (ره). ما استدل به على حرمة اقتناء الصور المحرمة والجواب عنه قوله: (بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور). أقول: هل يجوز اقتناء الصورة المحرمة أولا؟ ففيه قولان: فالمحكي عن شرح الارشاد للمحقق الاردبيلي، وعن جامع المقاصد للمحقق الثاني هو الجواز، إلا أن المعروف بين القدماء حرمة بيع التماثيل وابتياعها والتكسب بها. بل حرمة اقتنائها. وقد استدل على حرمة اقتنائها بوجوه، الوجه الاول: ان الوجود والايجاد في الحقيقة شئ واحد وإنما يختلفان بالاعتبار، فان الصادر من الفاعل بالنسبة إليه إيجاد، وبالنسبة إلى القابل وجود، فإذا حرم الايجاد حرم الوجود. وفيه أن حرمة الايجاد وإن كان ملازما لحرمة الوجود إلا أن الكلام هنا ليس في الوجود الاولي الذي هو عين الايجاد أو لازمه، بل في الوجود في الآن الثاني الذي هو عبارة عن البقاء، ومن البديهي انه لا ملازمة بين الحدوث والبقاء، لا حكما، ولا موضوعا، وعليه فما يدل على حرمة الايجاد لا يدل على حرمة الوجود بقاء، سواء كان صدوره من الفاعل عصيانا ام نسيانا ام غفلة إلا إذا قامت قرينة على ذلك، كدلالة حرمة تنجيس المسجد على وجوب إزالة النجاسة عنه. بل ربما يجب إبقاء النتيجة وإن كان الفعل حراما، كما إذا كتب القرآن على ورق مغصوب، أو بحبر مغصوب، أو كتبه العبد بدون إذن مولاه، أو بنى مسجدا بدون إذنه أو تولد احد من الزنا، فان في ذلك كله يجب حفظ النتيجة وإن كانت المقدمة محرمة. وعلى الجملة ما هو متحد مع الايجاد ليس موردا للبحث، وما هو مورد للبحث لا دليل على اتحاده مع الايجاد. لا يقال: إن النهي عن الايجاد كاشف عن مبغوضية الوجود المستمر في عمود الزمان، كما ان النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر حدوثا يكشف عن حرمة ملكيته له بقاء. فانه يقال: إن النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر إن تم فهو يدل على وجوب إزالة علاقة الكافر عنه كما سيأتي بيان ذلك في محله، ولا يفرق في ذلك بين الحدوث والبقاء، بخلاف ما نحن فيه، إذ قد عرفت: أن مجرد وجود الدليل على حرمة الايجاد لا يدل على

[ 235 ]

حرمة الابقاء إلا إذا كان محفوفا بالقرائن المذكورة. على أنا إذا سلمنا الملازمة بين مبغوضية الايجاد وبين مبغوضية الوجود فانما يتم بالنسبة إلى الفاعل فقط فيجب عليه إتلافه دون غيره، مع ان المدعى وجوب إتلافه على كل احد فالدليل أخص منه. الوجه الثاني: أن صنعة التصاوير لذوات الارواح من المحرمات الشرعية، وقد دل عليه قوله " ع " في رواية تحف العقول: (وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني) وكل صنعة يجئ منها الفساد محضا من دون أن يكون فيها وجه من وجوه الصلاح فهي محرمة، وقد دل على ذلك ما في رواية تحف العقول من الحصر: (إنما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجئ منها الفساد محضا ولا يكون منه وفيه شئ من وجوه الصلاح) وكل ما يجئ منه الفساد محضا يحرم جميع التقلب فيه، ومنه الاقتناء والبيع، وقد دل عليه قوله " ع " فيها: (وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها). وقوله " ع " فيها ايضا: (فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه، إلى ان قال: فهو حرام محرم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلب فيه). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند فلا يجوز الاستناد إليها في شئ من المسائل الشرعية كما عرفته في اول الكتاب. وثانيا: قد عرفت انه لا ملازمة بين حرمة عمل شئ وبين حرمة بيعه واقتنائه والتصرف فيه والتكسب به، ومن هنا نقول بحرمة الزنا، ولا نقول بحرمة تربية اولاد الزنا، بل يجب حفظهم لكونهم محقوني الدماء. وثالثا: لا نسلم أن عمل التصاوير مما يجئ منه الفساد محضا، فانه كثيرا ما نترتب عليه المنافع المحللة من التعليم والتعلم وحفظ صور بعض الاعاظم ونحو ذلك من المنافع المباحة. الوجه الثالث: قوله صلى الله عليه وآله في الخبر المتقدم: (لا تدع صورة إلا محوتها). وفيه أولا: أنه ضعيفة السند. ثانيا: ما ذكره المحقق الايرواني من انه (وارد في موضوع شخصي فلعل تصاوير المدينة كانت اصناما وكلابها موذيات وقبورها مسنمات). الوجه الرابع: ما دل (1) على عدم صلاحية اللعب بالتماثيل. وفيه أولا: انه ضعيف السند. وثانيا: ان عدم الصلاحية أعم من الحرمة، فلا يدل


(1) في ج 1 ئل باب 3 عدم جواز نقش البيوت بالتماثيل من احكام المساكن ص 318 عن مثنى رفعه قال: التماثيل لا يصلح ان يلعب بها. مرسلة. ومرفوعة. ومجهولة للمثنى. وفي ج 2 ئل باب 122 تحريم عمل الصور المجسمة مما يكتسب به ص 565: عن

[ 236 ]

عليها. وثالثا: لو سلمنا دلالته على حرمة اللعب بها فلا ملازمة بين حرمته وحرمة اقتنائها، فان حرمة اللعب اعم من حرمة الاقتناء. ورابعا: انه غريب عما نحن فيه، إذ من المحتمل القريب ان يراد من التماثيل في هذه الطائفة من الرواية الشطرنج والوجه في صحة إطلاق التماثيل عليه هو ان القطع التي يلعب بها في الشطرنج على ستة اصناف، وكل صنف على صورة، كالشاة والفرزان (1) والفيل والفرس والرخ (2) والبيذق (3) وقد صور هذه القطع في كتاب المنجد فراجع. ويؤيد ما ذكرناه من إرادة الشطرنج من التماثيل انا لا نتصور معنى لحرمة اللعب بالتصاوير المتعارفة كما هو واضح، وعليه فما دل على حرمة اللعب بها إنما هو من ادلة حرمة اللعب بالشطرنج، ولا أقل من الاحتمال، فلا يبقى له ظهور في إرادة الصور المتعارفة. الوجه الخامس: صحيحة البقباق المتقدمة عند الاستدلال على حرمة التصوير (عن ابي عبد الله " ع " في قول الله تعالى (4): يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل؟ فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه). بدعوى ان ظاهر الرواية ان الامام " ع " انكر ان شاء سليمان " ع " هذا الصنف من التماثيل، فتكون دالة على مبغضوية وجود التماثيل، وحرمة اقتنائها. وفيه ان الظاهر من الرواية رجوع الانكار إلى كون التصاوير المعمولة لسيمان " ع " تصاوير الرجال والنساء، فلا تدل الرواية على مبغوضية العمل فضلا عن مبغوضية المعمول والوجه فيه هو ان عمل تصاوير الرجال والنساء؟ من الامور اللاهية غير اللائقة بمنصب الاعاظم والمراجع من العلماء والروحانيين فضلا عن مقام النبوة، فان النبي صلى الله عليه وآله لا بد وان يكون راغبا عن الدنيا وزخرفها، واما عمل الصور وجمعها فمن لعب الصبيان وشغل المجانين والسفهاء، فلا يليق بمنصب النبوة، بخلاف تصاوير الشجر وشبهه، فانها


علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر " ع " قال: سألته عن التماثيل هل يصلح ان يلعب بها؟ قال: لا. مجهولة لعبد الله بن الحسن. (1) الفرزان بضم الفاء وسكون الراء المهملة الملكة في لعب الشطرنج ج فرازين بفتح الفاء، والكلمة من الدخيل. (2) الرخ بضم الراء المهملة والخاء المعجمة طائر وهمي كبير، الواحدة رخة قطعة من قطع الشطرنج ج رخاخ ورخخة بكسر الراء. (3) البيذق بفت ح الباء وسكون الياء الماشي راجلا ومنه بيذق الشطرن ج بياذق. (4) سورة سبأ، آية: 12.

[ 237 ]

غير منافية لذلك وقد يقال: ان الصانعين للتماثيل هم الجن، وإنما يتم الاستدلال بالرواية على حرمة اقتناء الصور إذا قلنا بحرمة التصوير على الجن كحرمته على الانس، وهو اول الكلام. وفيه ان الكلام ليس في عمل الصور، بل في اقتنائها، ومن الواضح انه يعود إلى سليمان. الوجه السادس: حسنة زرارة المتقدمة في الحاشية (لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤوسها منها وترك ما سوى ذلك). فانها بمفهومها دالة على ثبوت البأس إذا لم يغير الرأس. وفيه ما ذكره المصنف من حمل البأس فيها على الكراهة للصلاة. وعليه فتدل الرواية على جواز اقتناء الصور مع قطع النظر عن الصلاة. ويؤيده ما في رواية قرب الاسناد (1) من انه (ليس فيما لا يعلم شئ فإذا علم فلينزع الستر وليكسر رؤوس التماثيل). فان الظاهر ان الامر بكسر رؤوس التصاوير لاجل كون البيت معدا للصلاة. ومع الاغضاء عما ذكرناه وتسليم ان البأس ظاهر في المنع فالرواية معارضة بما دل على جواز الاقتناء كما سيأتي. ويضاف إلى جميع ذلك انها ضعيفة السند ومجهولة الراوي. الوجه السابع: ما دل (2) على كراهة علي " ع " وجود الصور في البيوت، فانه بضميمة ما دل (3) على ان عليا " ع " لم يكن يكره الحلال يدل على حرمة اقتناء الصور في البيوت. وفيه ان المراد من الحلال الذي كان علي " ع " لا يكرهه المباح المتساوي طرفاه، لا ما يقابل الحرمة، لانعليا " ع " كان يكره المكروه ايضا. ومن هنا يظهر ان الكراهة المذكورة في الرواية الاولى اعم من الحرمة والكراهة المصطلحة. وإذن فلا دلالة فيها ايضا على حرمة اقتناء الصور.


(1) مجهولة لعبد الله بن الحسن. راجع ج 1 ئل باب 44 كراهة الصلاة في التماثيل من لباس المصلي ص 274. (2) في ج 1 ئل باب 3 عدم جواز نقش البيوت بالتماثيل من احكام الساكن ص 318 عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر عن ابيه ان عيا كان يكره الصورة في البيوت. مجهولة لحاتم (3) في ج 1 كا ص 382 باب 80 المعاوضة في الطعام من المعيشة. وج 2 التهذيب باب بيع الواحد بالاثنين ص 144. وج 10 الوافى باب 91 المعاوضة في الطعام ص 79. وج 2 ئل باب 15 عدم جواز التفاضل في الجنس الربوي من احكام الربا ص 601 في صحيحة ابي بصير " ولم يكن على يكره الحلال ".

[ 238 ]

الوجه الثامن: رواية الحلبي (1) فقد أمر الامام " ع " فيها بتغيير راس الصورة وجعلها كهيئة الشجر، فتدل على حرمة إبقاء الصورة من غير تغيير فيها. وفيه ان أمر الامام " ع " بتغيير الصورة في الطنفسة التي اهديت إليه ليس إلا كفعله بنفسه، ومن الواضح ان فعل فعل الامام " ع " لا يدل على الوجوب، ولا يقاس ذلك بسائر الاوامر الصادرة منه " ع " الدالة على الوجوب، وقد تقدم نظير ذلك في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة من أمره " ع " بكسر الدرهم المغشوش، وإلقائه في البالوعة، على ان الرواية مرسلة، فلا يجوز الاستناد إليها. الوجه التاسع: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (عن تماثيل الشجر والشمس والقمر؟ فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان). فانها ظاهرة في حرمة اقتناء الصور المحرمة، فان التماثيل جمع تمثال بالفتح، ويجمع على تمثالات. وعليه فالسؤال عن التماثيل إنما هو سؤال عن الصور الموجودة في الخارج، فلا بد وأن يحمل على الامور المناسبة لها من البيع والشراء والاقتناء والتزين ونحوها، لا على نفس عمل الصور، كما ان السؤال عن بقية الاشياء الخارجية من المأكولات والمشروبات والمركوبات والمنكوحات ونحوها سؤال عن الافعال المناسبة لها، والطارئة عليها بعد كونها موجودة في الخارج. وإذن فالصحيحة دالة على حرمة اقتناء الصور المحرمة وبيعها وشرائها والتزين بها، كما هو واضح. قال المحقق الايرواني: (والجواب أما عن الصحيحة فبعد تسليم السؤال فيها عن حكم الاقتناء وكون اقتنائها من منافعها. أن غاية ما يستفاد منها ثبوت البأس، وهو أعم من التحريم). وفيه أن كلمة البأس ظاهرة في المنع ما لم يثبت الترخيص من القرائن الحالية أو المقالية، كما أن مقابلها: أعني كلمة لا بأس ظاهر في الجواز المطلق. فالانصاف أنها ظاهرة في التحريم، إلا أنها معارضة بما دل (2) على جواز اقتناء الصور


(1) في 1 ئل باب 4 عدم جواز إبقاء التماثيل من أحكام المساكن ص 318: عن الطبرسي في مكارم الاخلاق عن الحلبي عن ابي عبد الله " ع " قال: وقد اهديت إلي طنفسة من الشام عليها تماثيل طائر فأمرت به فغير رأسه فجعل كهيئة الشجر. مرسلة. الطنفسة بالمثلثة في الطاء والفاء البساط والحصير والثوب ج طنافس، والكلمة من الدخيل. (2) عن الحلبي قال: قال أبو عبد الله " ع ": ربما قمت فأصلي وبين يدي الوسادة وفيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوبا. صحيحة. وعن محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر " ع ": اصلى والتماثيل قدامي وأنا أنظر إليها؟

[ 239 ]

فلا بد من حملها على الكراهة، كغيرها من الاخبار المتقدمة لو سلمت دلالتها على الحرمة،


قال: لا اطرح عليها ثوبا لا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق راسك وإن كانت في القبلة فألق عليها ثوبا وصل. صحيحة. وأخرجها في ج 1 كاص 109 بتفاوت يسير. راجع ج 1 التهذيب باب ما تجوز الصلاة فيه ص 200. وج 5 الوافي باب 58 مالا ينبغي الصلاة عنده ص 73. وج 1 ئل باب 32 كراهه استقبال المصلي التماثيل من مكان المصلي ص 30. وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر " ع " قال: لا بأس أن تصلي على كل التماثيل إذا جعلتها تحتك. صحيحة. وعنه قال: سألت أبا جعفر " ع " عن الرجل يصلي وفي ثوبه دراهم فيها تماثيل؟ فقال لا باس بذلك. صحيحة. وعن حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن الدراهم السود فيها التماثيل أيصلي الرجل وهي معه؟ فقال: لا باس بذلك إذا كانت مواراة. صحيحة. وأخرجها في ج 1 كاباب 60 اللباس الذي تكره فيه الصلاة ص 112. ولكن لم يذكر كلمة " بذلك " وتدل على ذلك رواية ليث المرادي، ولكنها ضعيفة السند لمحمد بن سنان. راجع ج 1 التهذيب باب ما تجوز الصلاة فيه من اللباس والمكان ص 240. وج 5 الوافي ص 23. وج 1 ئل باب 44 كراهة الصلاة في التماثيل من لباس المصلي ص 274. وفي هذه المصادر من يب والوافي وئل، وفي ج 1 كاص 109 عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله " ع " سألته عن التمثال تكون في البساط فتقع عينك عليه وأنت تصلي؟ قال: إن كان بعين واحدة فلا بأس وإن كان له عينان فلا. مرسلة. أقول: قد اشتهر بين الاصحاب قديما وحديثا أن مرسلات ابن أبي عمير من الامارات المعتبرة التي يجب العمل بها كسائر الامارات المعتبرة. ولكن يرد عليه أولا: أنا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان أن في مسندات ابن ابي عمير رجال ضعفاء، كما يتضح ذلك جليا لمن يلاحظ اصول الحديث وكتب الرجال، فنستكشف من ذلك أن مرسلاته أيضا على هذا النهج. ودعوى انه لم يرسل إلا عن الثقة دعوى جزافية. إذ لم يثبت لنا ذلك من العقل والنقل. وثانيا: لو سلمنا أنه لم يرسل إلا عن الثقة، ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا، لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن، ولعلنا نعتبر شيئا في

[ 240 ]

بل الظاهر من بعضها ان النهي عن اقتناء الصور في البيوت إنما هو من جهة كراهة الصلاة إليها، وعليه فلا يكره الاقتناء في غير بيوت الصلاة. وقد ذكر المصنف هنا جملة من الروايات (1) ولكنها ضعيفة السند. ثم ان مقتضى العمومات الدالة على حلية البيع ونفوذه هو جواز بيع الصور وان كان عملها حراما، لعدم الدليل على حرمة بيعها وضعا وتكليفا، بل الظاهر من بعض الاحاديث الدالة على جواز ابقاء الصور هو جواز بيعها، فان المذكور فيها جواز اقتناء الثياب والبسط والوسائد التي فيها الصور، ومن الواضح جدا انها تبتاع من السوق غالبا، وقد ذكرنا جملة منها في الحاشية، والمتحصل من جميع ما ذكرناه: أن المحرم هو خصوص تصوير الصور لذوات الارواح فقط، وأما اقتناؤها وتزيين البيوت بها وبيعها وشراؤها فلا إشكال في جوازها. قوله: (ويؤيد الكراهة الجمع بين اقتناء الصورة والتماثيل في البيت). اقول: قد عرفت


رواة الحديث لم يعتبره ابن ابي عمير في هؤلاء. ولا يقاس ذلك بتوثيق النجاشي وأمثاله، وهو واضح. وفي ج 1 ئل باب 4 جواز إبقاء التماثيل من احكام المساكن ص 318: عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر " ع " قال: قال له رجل: رحمك الله ما هذه التماثيل التي أراها في بيوتكم؟ فقال: هذا للنساء أو بيوت النساء. صحيحة. وفي رواية جعفر بن بشير: كانت لعلي بن الحسين (ع) وسائد وأنماط فيها تماثيل يجلس عليها. مرسلة. إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الابواب المزبورة وغيرها. (1) قوله: (ورواية ابي بصير قال: سألت ابا عبد الله " ع " عن الوسادة؟). أقول: ضعيفة لعثمان بن عيسى. راجع ج 2 كاص 226. وج 11 الوافي باب 197 الفرش ص 108. وج 1 ئل باب 4 جواز إبقاه التماثيل من أحكام المساكن ص 318. قوله: (ورواية اخرى لابي بصير قال: قلت لابي عبد الله " ع ": إنا نبسط عند الوسائد). أقول: ضعيفة لعلي بن أبي حمزة البطائني. راجع ج 11 الوافي ص 109. قوله: (ورواية علي بن جعفر عن أخيه عن الخاتم الخ. وقوله: وعنه عن اخيه " ع " عن البيت الخ. وقوله: وعن قرب الاسناد عن علي بن جعفر الخ). اقول: كلها مجهولة لعبدالله بن الحسن. راجع ج 1 ئل باب 44 كراهة الصلاة في التماثيل من لباس المصلي ص 274.

[ 241 ]

أنه لا دليل على حرمة اقتناء الصور المحرمة، وأن مقتضى الجمع بين ما دل على جواز الاقتناء وبين ما دل على الحرمة هو حمل الثاني على الكراهة. ويؤيد ذلك ايضا الاخبار المستفيضة (1) المصرحة بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو كلب أو إناء يبال فيه، وفي بعض احاديث العامة (2): لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل. وفي بعض أحاديثنا (3) إضافة الجنب إلى الامور المذكورة. ووجه التأييد ان وجود الجنب والكلب والاناء الذي يبال فيه في البيوت ليس من الامور المحرمة في الشريعة المقدسة، بل هو مكروه، واتحاد السياق يقتضي كون اقتناء الصور فيها أيضا مكروها. ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه من جواز اقتناء الصورة وبيعها وشرائها بين كونها مجسمة وغير مجسمة، لاتحاد الادلة نفيا وإثباتا كما عرفت.


(1) في ج 2 كاص 226، وج 1 التهذيب آخر باب اللباس والمكان من الصلاة ص 243. وج 11 الوافي ص 107. وج 1 ئل باب 33 كراهة الصلاة في بيت فيه كلب من مكان المصلي ص 300 عن ابن مروان عن ابي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل أتاني فقال: إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تمثال جسد ولا إناء يبال فيه. مجهولة لابن مروان. وفي رواية عمرو بن خالد إنا لا ندخل بيتا فيه صورة انسان. مرسلة. ورواها في ج 1 كا ص 109 بطريق آخر ضعيف لمعلى بن محمد. ورواها في الموضع المتقدم من ئل عن المحاسن بطريق معتبر. وفي ج 2 كاص 227. وج 11 الوافي ص 108. وج 1 ئل باب 4 جواز إبقاء التماثيل التي توطأ من أحكام المساكن ص 318 عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال جبرئيل: إنا لا ندخل بيتا فيه تمثال لا يوطأ، الحديث مختصر. ضعيف لعمرو بن شمر و عبد الله بن يحيى وأبيه. وغير ذلك من الروايات الكثيرة. (2) راجع ج 7 ص 268. (3) في ج 1 ئل باب 33 كراهة الصلاة في بيت فيه كلب من مكان المصلي ص 300 عن المحاسن عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث: إن جبرئيل " ع " قال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا جنب ولا تمثال يوطأ. ضعيفة لعمرو بن شمر و عبد الله بن يحيى وأبيه، الظاهر أن النسخة الصحيحة: ولا تمثال لا يوطأ.

[ 242 ]

حرمة التطفيف والبخس قوله: (الخامسة التطفيف حرام). أقول: التطفيف (1) مثل التقليل وزنا ومعنى، والمراد به هنا أن يجعل الانسان نفسه كيالا أو وزانا، فيقلل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه على وجه الخيانة. والبخس (2) نقص الشئ عن الحد الذي يوجبه الحق على سبيل الظلم. وكيف كان فلا إشكال في حرمتها عند المسلمين قاطبة. وتدل على ذلك الادلة الاربعة. أما الكتاب فقوله تعالى (3): (ويل للمطففين). وقوله تعالى (4): (ولا تبخسوا الناس اشياءهم). وقوله تعالى (5): (ولا تنقصوا المكيال والميزان). وأما السنة فقد ورد النهي عن البخس والتطفيف في جملة من الروايات (6) وأما الاجماع فانه وإن كان


(1) في ج 2 تفسير التبيان للشيخ الطوسي ص 760: المطفف المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن، والتطفيف التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن وفي مفردات الراغب: طفف الكيل قلل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه. وعن المصباح: طففه فهو مطفف إذا كال أو وزن ولم يوف. (2) في مفردات الراغب: البخس نقص الشئ على سبيل الظلم. وفي القاموس: البخس النقص والظلم. وفي المنجد: بخسه بخسا نقصه وظلمه. (3) سورة المطففين، آية: 2. في ج 2 تفسير التبيان ص 760. وج 6 سنن البيهقي ص 32 عن ابن عباس: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله (ويل للمطففين) فأحسنوا الكيل بعد ذلك. (4) راجع سورة الاعراف، آية: 83. وسورة هود، آية 86. وسورة الشعراء آية: 180. (5) سورة هود، آية: 85. (6) في ج 1 كاص 371. وج 2 التهذيب ص 120. وج 10 الوافي ص 59. وج 2 ئل باب 1 استحباب التفقه من آداب التجارة ص 574: عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت امير المؤمنين " ع " يقول على المنبر: يا معشر التجار الفقه ثم المتجر ثلاثا إلى أن قال: التاجر فاجر والفاجر في النار إلا من أخذ الحق وأعطى الحق. ضعيفة لابي جارود وعثمان بن عيسى. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المزبورة. وج 2 المستدرك باب 3 ما يستحب للتاجر من آداب التجارة ص 463.

[ 243 ]

قائما على حرمة التطفيف والبخس، إلا أنه ليس إجماعا تعبديا، بل من المحتمل القريب أن يكون مدركه الكتاب والسنة، وأما العقل فلان تنقيص حق الناس وعدم الوفاء به ظلم، وقد استقل العقل بحرمته. ومما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقق الايرواني من الوهن حيث قال: (الظاهر بل المقطوع به أن التطفيف بنفسه ليس عنوانا من العناوين المحرمة: أعني الكيل بالمكيال الناقص وكذا البخس في الميزان مع وفاء الحق كاملا). ووجه الوهن أن التطفيف قد أخذ فيه عدم الوفاء بالحق، والبخس هو نقص الشئ على سبيل الظلم، وهما بنفسهما من المحرمات الشرعية والعقلية. على أنه قد ثبت الذم في الآية الشريفة على نفس عنوان التطفيف، فان الويل كلمة موضوعة للوعيد والتهديد، وتقال لمن وقع في هلاك وعقاب، وكذلك نهى في الآيات المتعددة عن البخس كما عرفت آنفا. وظاهر ذلك كون التطفيف والبخس بنفسهما من المحرمات الالهية


وفي ج 2 ئل باب 45 تعيين الكبائر من جهاد النفس ص 464: عن عيون الاخبار عن الرضا " ع " فانه " ع " جعل البخس في المكيال والميزان من الكبائر. أقول: في خاتمة الوسائل ص 5129: ومن ذلك طريقه إلى الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون، وقد رواه في عيون الاخبار بالسند الاول والثاني جميعا ورواه أيضا عن حمزة بن محمد العلوي. أقول: أما الطريق الاول فهو مجهول لعبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري وعلي ابن قتيبة النيسابوري. وأما الثاني فهو مجهول للحاكم ابي محمد جعفر بن نعيم. وأما الثالث فهو مجهول لحمزة بن محمد العلوي. وفي ج 2 المستدرك باب 39 تحريم التظاهر بالمنكرات من الامر بالمعروف ص 392: عن ابي القاسم الكوفي في كتاب الاخلاق عن ابي جعفر " ع " محمد بن علي " ع " قال: إذا ظهر الزناء في امتي كثر موت الفجأة فيهم وإذا طففت المكيال أخذهم بالسنين والنقص. مرسلة وفي ج 2 ئل باب 41 تحريم التظاهر بالمنكرات من الامر بالمعروف ص 511: كاباسناده عن ابي جعفر " ع " قال: وجدنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا ظهر الزناء من بعدي كثر موت الفجأة وإذا طفف الميزان والمكيال أخذهم الله بالسنين والنقص. حسنة لابراهيم بن هاشم. وفي رواية حمران عن ابي عبد الله " ع " في حديث طويل عد جملة من الاوصاف المحرمة إلى ان قال: ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان. حسنة لابراهيم بن هاشم وحمران

[ 244 ]

قوله: (ثم إن البخس في العدد والذرع يلحق به حكما وإن خرج عن موضوعه). أقول: قد عرفت أن التطفيف والبخس مطلق التقليل والنقص على سبيل الخيانة والظلم في إيفاء الحق واستيفائه. وعليه فذكر الكيل والوزن في الآية وغيرها إنما هو من جهة الغلبة، فلا وجه لاخراج النقص في العدد والذرع عن البخس والتطفيف موضوعا، وإلحاقهما بهما حكما. صحة المعاملة المطفف فيها وفسادها قوله: (ولو وازن الريوي بجنسه فطفف في أحدهما فان جرت المعاوضة الخ). اقول قد عرفت أنه لا إشكال في حرمة التطفيف تكليفا، فاجارة نفسه عليه كإجارة نفسه على سائر الافعال المحرمة محرمة وضعا وتكليفا، كما عرفت مرارا. وأما الكلام في صحة المعاملة المطفف فيها وفسادها فنقول: إن المعاملة قد تقع على الكلي في الذمة، وقد تقع على الكلي في المعين الخارجي، وقد تقع على الشخص المعين الموجود في الخارج المشار إليه بالاشارة الحسية. أما على الصورتين الاولتين فلا إشكال في صحة المعاملة وعدم فسادها بالتطفيف الخارجي فان المعاملة قد انعقدت صحيحة، ولكن البائع، أو من يباشر الاقباض والتسليم طفف في الكيل والوزن، أو في الذرع والعدد، وهو لا يوجب فسادها، بل يكون الدافع مشغول الذمة بما نقص عن الحق، ولا يفرق في ذلك بين كون المعاملة ربوية أو غير ربوية كما هو واضح. وعلى الجملة: إن هاتين الصورتين خارجتان عما نحن فيه. وأما على الصورة الثالثة فربما يقال: ببطلان المعاملة إذا وقعت على المتاع الخارجي بما أنه مقدار بمقدار كذا فظهر عدم انطباق العنوان الملحوظ في البيع على المشار إليه الخارجي ووجه البطلان ان ما هو معنون بعنوان كذا غير موجود في الخارج. وما هو موجود في الخارج غير معنون بذلك العنوان، وتوهم إلغاء الاشارة أو الوصف فاسد، فان اللازم هو الاخذ بكليهما، لتعلق قصد المتبايعين بهما. وفيه أنه لا وجه للبطلان إذا تخلف العنوان، فانه ليس من العناوين المقومة، بل هو إما أن يكون مأخوذا على نحو الشرطية، أو على نحو الجزئية كما سيجئ. ولا يقاس ذلك بتخلف العناوين التي تعد من الصور النوعية عند العرف، كما إذا باع صندوقا فظهر أنه طبل، أو باع ذهبا فظهر أنه مذهب، أو باع بغلا فظهر أنه حمار فان البطلان في أمثالها ليس

[ 245 ]

من انفكاك العنوان عن الاشارة، بل من جهة عدم وجود المبيع اصلا، وقد تقدم ذلك في البحث عن بيع هياكل العبادة وعن بيع الدراهم المغشوشة. وربما يقال: إن المورد من صغريات تعارض الاشارة والعنوان، وتقديم احدهما على الآخر يختلف بحسب اختلاف الموارد. وفيه ان الكبرى وإن كانت مذكورة في كتب الشيعة والسنة (1) إلا أنها لا تنطبق على ما نحن فيه، فان البيع من الامور القصدية، فلا معنى لتردد المتبايعين فيما قصداه. نعم قد يقع التردد منهما في مقام الاثبات من جهة اشتباه ما هو المقصود بالذات. والذي ينبغي أن يقال: إن الصور المتصورة في المقام ثلاث، الاولى: أن يكون إنشاء البيع معلقا على كون المبيع متصفا بصفة خاصة، بأن يقول: بعتك هذا المتاع الخارجي على أن يكون منا فظهر الخلاف، وهذا لا إشكال في بطلانه، لا من جهة التطفيف، ولا من جهة تخلف الوصف، بل لقيام الاجماع على بطلان التعليق في الانشاء. الثانية: أن ينشأ البيع منجزا على المتاع الخارجي بشرط كونه كذا مقدار ثم ظهر الخلاف، وهذا لا إشكال في صحته، فان تخلف الاوصاف غير المقومة للصورة النوعية لا يوجب بطلان المعاملة، غاية الامر أنه يوجب الخيار للمشتري. الثالثة: أن يكون مقصود البائع من قوله: بعتك هذا المتاع الخارجي بدينارين على أن يكون كذا مقدار بيع الموجود الخارجي فقط، وكان غرضه من الاشتراط الاشارة إلى تعيين مقدار العوضين، ووقوع كل منهما في مقابل الآخر بحيث يقسط الثمن على أجزاء المثمن، وعليه فإذا ظهر الخلاف صح البيع في المقدار الموجود وبطل في غيره، نظير بيع ما يملك وما لا يملك، كالخنزير مع الشاة والخمر مع الخل. والظاهر هي الصورة الاخيرة، فان مقصود البايع من الاشتراط المذكور ليس إلا بيان مقدار المبيع فقط، من غير تعليق في الانشاء، ولا اعتبار شرط في المعاملة كما هو واضح، هذا كله إذا لم يكن البيع ربويا. وأما إذا كان ربويا، فان كان من قبيل الصورة الاولى بطل البيع للتعليق، مع قطع النظر


(1) في ج 2 شرح فتح القدير في المهر ص 464: إن الاشارة والتسمية إذا اجتمعا والمشار إليه من خلاف جنس المسمى فالعبرة للتسمية، لانها تعرف الماهية والاشارة تعرف الصورة، فكان اعتبار التسمية أولى، لان المعاني أحق بالاعتبار، وإن كان المشار إليه من جنس المسمى إلا أنهما اختلفا وصفا فالعتبرة للاشارة، لان المسمى موجود في المشار إليه ذاتا والوصف يتبعه، إلى أن قال: والشأن في التخريج على هذا الاصل.

[ 246 ]

عن التخلف، وكون المعاملة ربوية، وإن كان من قبيل الصورة الثانية بطل البيع، لكونه ربويا، مع قطع النظر عن تخلف الشرط. وإن كان من قبيل الصورة الثالثة قسط الثمن على الاجزاء، وصح البيع في المقدار الموجود، وبطل في غيره. التنجيم اصول الاسلام اربعة قوله: (السادسة: التنجيم (1) حرام، وهو كما في جامع المقاصد الاخبار عن أحكام النجوم). أقول: تحقيق المرام يبتني على مقدمتين: المقدمة الاولى في بيان أمرين: الامر الاول: أن اصول الاسلام اربعة: الاول: الايمان بالله، والاقرار بوجوده، وكونه صانعا للعالم، وبجميع ما يحدث فيه من غرائب الصنع، وآثار الرحمة، وعجائب الخلق، واختلاف الموجودات من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والجبال والبحار والاشجار والاثمار، واختلاف الليل والنهار، فمن أنكر ذلك كان كافرا، كالدهرية القائلين: بكون الامور كلها تحت سلطان الدهر بلا احتياج إلى الصانع، وكفره ثابت بالضرورة من المسلمين، بل ومن جميع المليين، وقد دلت الآيات الكثيرة على أن من لم يؤمن بالله وأنكره فهو كافر. الثاني: الاقرار بتوحيده تعالى، ويقابله الشرك، والقول: بأن للعالم أكثر من صانع واحد، كما يقوله الثنوية وغيرهم، وكفر منكر التوحيد ثابت بكثير من الآيات كقوله تعالى (2): (إنما المشركون نجس) والروايات. الثالث: الايمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله والاعتراف بكونه نبيا مرسلا: (لا ينطبق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ومن أنكر ذلك كاليهود والنصارى وأشباههم كان كافرا بحكم الضرورة من المسلمين، وقد دلت عليه جملة من الآيات والروايات. وأما الاقرار بالانبياء السابقين فهو داخل في الاقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله، فانكاره يوجب الكفر من جهة تكذيب النبي صلى الله عليه وآله. الرابع: الايمان بالمعاد الجسماني، والاقرار بيوم القيامة والحشر والنشر، وجمع العظام البالية، وإرجاع الارواح فيها، فمن أنكر المعاد أو أنكر كونه جسمانيا فهو كافر بالضرورة ولا بد وأن يعلم أن الاقرار بهذه الامور الاربعة له موضوعية في التلبس بحلية الاسلام، وإنكار اي واحد منها في حد نفسه موجب للكفر، سواء أكان مستندا إلى العناد واللجاج


(1) نجم من التفعيل رعى النجوم وراقبها ليعلم منها أحوال العالم. (2) سورة التوبة، آية: 28.

[ 247 ]

أم كان مستندا إلى الغفلة وعدم الالتفات الناشئ عن التقصير أو القصور، وقد دلت الآيات الكثيرة ايضا على كفر منكر المعاد. الامر الثاني: أنه يجب على العباد الاعتراف بفرائض الله وسنن رسوله صلى الله عليه وآله، وبما جاء به النبي صلى الله عليه وآله، فمن تركها جاحدا وهو عالم بأن إنكاره هذا يستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وآله فهو كافر، وإلا فلا ملازمة بين الانكار وبين الكفر، ومن هنا لا يحكم بكفر المخالفين في الظاهر مع إنكارهم الولاية. وقد دلت الآيات وروايات الفريقين على اعتبار الامور المذكورة في الاسلام، وحقن الدماء، وحفظ الاموال، ففي موثقة سماعة (1): (الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس). وفي رواية داود بن كثير الرقي (2): (إن الله تعالى فرض فرائض موجبات على العباد فمن ترك فريضة من الموجبات وجحدها كان كافرا). ومن طرق العامة (3) عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم). المقدمة الثانية: أنه لا إشكال في اختلاف الاجرام العلوية والكيفيات الخاصة الحاصلة بين الفلكيات بعضها مع بعض، وتأثيرها في الاوضاع الارضية والاجسام العنصرية، كتاثير قرب الشمس من خط الاستواء وبعدها عنه في اختلاف الفصول، وكزيادة الرطوبة في الابدان بزيادة نور القمر ونقصانها بنقصانه، وزيادة أدمغة الحيوانات والبانها بزيادة نوره ونقصانها بنقصانه، وزيادة البقول والثمار نموا ونضجا إحمرارا واخضرارا عند زيادة نور القمر، بل ذكر المحقق البهائي في الحديقة الحلالية ان المزاولين لها يسمعون صوتا من القناء والقرع والبطيخ عند تمدده وقت زيادة النور، وكزيادة المياه في البحار والشطوط والينابيع في كل يوم من النصف الاول من الشهر ونقصانها يوما فيوما في النصف الاخير منه، إلى غير ذلك من الآثار الواضحة التي يجوز الاعتقاد بها، والاخبار عنها، من دون أن يترتب عليه محذور شرعا. وأيضا لا إشكال في جواز النظر إلى اوضاع الكواكب وسيرها، وملاحظة اقتران بعضها مع بعض، والاذعان بها والاخبار عنها، كالاخبار عن سير الكواكب حركة سريعة من المشرق إلى المغرب في يوم وليلة التي بها يتحقق طلوعها وغروبها، ويتحقق الليل


(1) راجع ج 3 الوافى ص 18. (2) راجع ج 3 الوافى ص 40. (3) راجع ج 8 سنن البيهقي ص 202.

[ 248 ]

والنهار، كما حقق في الهيئة القديمة، وكالاخبار عن الخسوف والكسوف، وعن ممازجات الكواكب ومقارناتها، واختفائها واحتراقها، ونحوها من الامور الواضحة المقررة في علم معرفة التقويم وعلم الهيئة، فان الاخبار عنها نظير الاخبار عن طلوع الشمس في أول اليوم وعن غروبها في آخره مبني على التجربة والامتحان والحساب الصحيح الذي لا يتخلف غالبا، ومن الواضح جدا أنه لا يرتبط شئ منها بما نحن فيه، بل هي خارجة عن علم النجوم. نعم إذا استند المخبر عن تلك الامور إلى الظنون غير المعتبرة عقلا، وكان كلامه ظاهرا في الاخبار الجزمي كان الاخبار حراما من جهة الكذب، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنف من تجويز الاخبار عن سير الكواكب مع الاستناد إلى الامارات الظنية. إذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول: قد اختلفت الاقوال في جواز تعلم النجوم وتعليمها والنظر فيها مع عدم اعتقاد تأثيرها اصلا وعدم جوازه. وتنقيح المسألة وتهذيبها يقع في امور: الاول: قال جمع من الفلاسفة: إن للافلاك نفوسا ترتسم فيها صورة المقدرات، ويقال لها: لوح المحو والاثبات، وإن الافلاك متحركة على الاستدارة والدوام حرمة إرادية اختيارية للشبه بعالم العقول، والوصول إلى المقصد الاقصى، وإنها مؤثرة في ما يحدث في عالم العناصر من الموت والمرض والصحة والفقر والغنى، وإن نظام الكل بشخصيته هو الانسان الكبير، والعقول والنفوس بمنزلة القوى العاقلة والعاملة التي هي مبادي الادراكان والتحريكات والفنوس المطنبعة بمنزلة الروح الحيواني. وعلى الجملة التزموا بأن الموجودات الممكنة برمتها مفوضة إلى النفوس الفلكية، والعقول الطولية، وأن الله تعالى بعد خلقه العقل الاول منعزل عن التصرف في مخلوقه. وفيه أنه على خلاف ضرورة الدين، وإجماع المسلمين، والاعتقاد به كفر وزندقة، لكونه إنكارا للصانع، فان الادلة العقلية والسمعية من الآيات والروايات مطبقة على إثبات الصانع، وإثبات القدرة المطلقة له تعالى، وأن أزمة المخلوقات كلها في قبضة قدرته، يفعل فيها ما يشاء، ولا يسئل عما يفعل وهم يسألون. إلا أن يكون مراد الفلاسفة أن الفياض على الاطلاق في جميع الحالات هو الباري تعالى ولكن إفاضة الوجود بواسطة النفوس الفلكية، وهي طرق لوصول الفيض، وليست مؤثرة في عالم العناصر ليلزم منه إنكار الصانع. ويظهر هذا من كلام جماعة منهم. على أن الظاهر من الآيات والروايات ان حرمة الافلاك إنما هي حركة قمرية،

[ 249 ]

وبمباشرة الملائكة، فالاعتقاد على خلافه مخالف للشرع، وتكذيب للنبي الصادق صلى الله عليه وآله في إخباره، فيكون كفرا، وإرادة النفوس الفلكية من الملائكة من تأويلات الملاحدة، كما صرح به المجلسي (ره) في اعتقاداته. ثم إن الاعتقاد بالامور المذكورة إنما يوجب الكفر إذا علم المعتقد بالملازمة بينها وبين إنكار الصانع، أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله، وإلا فلا محذور فيه، كما عرفت في المقدمة الثانية. الامر الثاني: أن يلتزم بتأثير الاوضاع الفلكية والكيفيات الكوكبية بنفسها في حوادث العوالم السفلية، كتوسعة الرزق وانوثة الولد ورجولته وصحة المزاج وسقمه وازدياد الاموال ونقصانها وغيرها من الخيرات والشرور، سواء قلنا بالنفوس الفلكية أم لم نقل. وهو على وجهين، الاول: أن يكون ذلك علة تامة لحدوث الحوادث. والثاني: أن يكون شريكا للعلة في الامور المذكورة. وكلا الوجهين باطل، لانه إنكار للصانع، أو لتوحيده جل وعلا، والظاهر أنه لا خلاف في ذلك بين الشيعة والسنة (!) بل قامت الضرورة بين المسلمين على كفر من اعتقد بذلك. قال العلامة المجلسي في مرآة العقول: (إن القول باستقلال النجوم في تأثيرها كفر وخلاف لضرورة الدين، وأن القول بالتأثير الناقص إما كفر أو فسق). وقال المحقق البهائي في الحديقة الهلالية: إن الالتزام بأن (تلك الاجرام هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو انها شريكة في التأثير فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده وعلم النجوم المبتني على هذا كفر. إلى غير ذلك من كلمات الاعاظم الصريحة فيما ذكرناه.


(1) عن ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة: إن المعلوم ضرورة من الدين إبطال حكم النجوم، وتحريم الاعتقاد بها، والزجر عن تصديق المنجمين. وفي ج 3 سنن البيهقي ص 358 في حديث زيد الجهني قال الشافعي: واما من قال: مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى ان أمطره نوء كذا فذلك كفر. وفي الموضع المزبور عن الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله: أصبح من عبادي مؤمن وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب. ورواه العلامة (ره) مرسلا في ج 1 التذكرة في صلاة الاستسقاء. ورواه صاحب الوسائل ايضا مرسلا في ج 2 ئل باب 14 تحريم العمل بعلم النجوم من آداب السفر ص 181. في لسان العرب مادة نوأ، قال أبو عبيد الانواء ثمانية وعشرون نجما معروفة

[ 250 ]

الامر الثالث: أن يلتزم بكون اوضاع الكواكب من التقارن والتباعد والاتصال والتربيع والاختفاء وغيرها من الحالات علامة على حوادث عالم العناصر التي تحدث بقدرة الله وإرادته: بأن يجعل الوضع الفلاني علامة رجولة الولد، والوضع الفلاني علامة انوثته وهكذا، كما أن سرعة حركة النبض علامة على الحمى، واختلاج بعض الاعضاء علامة على بعض الحوادث المستقبلة، ونصب العلم علامة على التعزية والرثاء. وهذا الوجه قد اختاره السيد بن طاووس في محكي كلامه في رسالته النجومية، ووافقه عليه جمع من الاعاظم، كالمحقق البهائي في الحديقة الهلالية، والسيد الجزائري في شرح الصحيفة السجادية (1). والمحدث النوري في المستدرك (2) وغيرهم، وحملوا عليه ما روى من صحة علم النجوم وجواز تعلمه. الامر الرابع: أن يلتزم بأن الله تعالى قد أودع في طبائع أوضاع الكواكب خصوصيات تقتضي حدوث بعض الحوادث من غير أن يكون لها استقلال في التأثير ولو بنحو الشركة، وتلك الخصوصيات كالحرارة والبرودة المقتضيتين للاحراق والتبريد. وهذان الوجهان وإن لم يكن الاعتقاد بهما موجبا للكفر بأنفسهما، إلا أنهما باطلان لوجوه الاول: أنه لا طريق لنا إلى كشف هذا المعنى في مقام الاثبات وإن كان ممكنا في مقام الثبوت. الثاني: أن ذلك مناف لاطلاق الروايات (3) الدالة على حرمة العمل بعلم النجوم وجعلها


المطالع في ازمنة السنة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لا بد من ان يكون عند ذلك مطر أو رياح، فينسبون كل غيث عند ذلك إلى ذلك النجم فيقولون مطرنا بنوء الثريا الخ وإنما سمى نوءا لانه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق: اي نهض وطلع. (1) ص 181. (2) ج 2 ص 433. (3) في ج 2 ئل باب 14 تحريم العمل بعلم النجوم من آداب السفر ص 181. وج 4 مرآة العقول ص 410 عن عبد الله بن عوف بن الاحمر قال: لما اراد امير المؤمنين " ع " المسير إلى النهروان أتاه منجم فقال له: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار فقال " ع ": ولم ذاك؟ قال: لانك إن سرت في هذه الساعة اصابك وأصاب اصحابك أذى وضر شديد وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت وظهرت وأصبت كلما طلبت، فقال له امير المؤمنين " ع ": تدري ما في بطن هذه الدابة أذكر أم انثى؟ قال: ان حسبت علمت، قال له امير المؤمنين " ع ": من صدقك على هذا القول

[ 251 ]

علامة على الحوادث، وظاهر جملة من


كذب بالقرآن إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ما كان محمد صلى الله عليه وآله يدعي ما ادعيت أتزعم أنك تهتدي إلى الساعة التي من سار فيها حاق به الضر؟ من صدق بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة بالله في ذلك الوجه واحوج إلى الرغبة اليك في دفع المكروه عنه وينبغي له ان يوليك الحمد دون ربه فمن آمن لك بهذا فقد اتخذك من دون الله ندا وضدا، ثم قال " ع ": اللهم لا طير إلا طيرك ولا ضير إلا ضيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك بل نكذبك ونخالفك ونسير ونسير في السعة التي نهيت عنها. ضعيفة لعبدالله ابن عوف وعمر بن سعد ومحمد بن علي القرشي وغيرهم، ولكن آثار الصدق منها ظاهرة. وقريب منه ما نقله السيد في نهج البلاغة مرسلا: أعني الخطبة 76 من خطبه " ع " قوله: حاق به الضر، اي احاط به. وفي الباب المزبور من ج 2 ئل عن معان الاخبار عن الكابلي قال: سمعت زين العابدين إلى ان قال: والذنوب التي تظلم الهواء السحر والكهانة والايمان بالنجوم. ضعيفة لاحمد ابن يحيى بن زكريا وبكر بن عبد الله بن حبيب وغيرهما. وفي ج 4 مرآة العقول ص 414. وج 14 الوفاى ص 132. وج 2 ئل باب 14 تحريم العمل بعلم النجوم من آداب السفر ص 181: عن عبد الملك بن أعين قال: قلت لابي عبد الله " ع ": انى قد ابتليت بهذا العلم فاريد الحاجة فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت الطالع الشر جلست ولم أذهب فيها وإذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة؟ فقال لي: تقضي؟ قلت: نعم، قال: احرق كتبك. حسنة لعبد الملك. وفي ج 2 ئل باب 52 عدم جواز تعلم النجوم مما يكتسب به ص 544. وج 2 المستدرك باب 11 من آداب السفر ص 23. وج 4 مرآة العقول ص 411. والاحتجاج للطبرسي ص 191 في حديث احتجاج الصادق " ع " على الزنديق، قال: فما تقول في علم النجوم؟ قال " ع ": هو علم قلت منافعه وكثرت مضراته لانه لا يدفع به المقدور ولا يتقى به المحذور إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء وان أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله وان حدث به سوء لم يمكنه صرفه والمنجم يضاد الله في علمه بزعمه أن يرد قضاء الله عن خلقه. مرسلة. وفي الباب المذكور من ئل عن المحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة والشهيدان قالوا: من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله. مرسلة.

[ 252 ]

الروايات (1) ان لعلم النجوم حقيقة واقعية، ولكن لا يحيط بها غير علام الغيوب، ومن


(1) في ج 4 مرآة العقول ص 410 عن قيس بن سعد قال: كنت كثيرا أسائر امير المؤمنين " ع " إذا سار إلى وجه من الوجوه فلما قصد النهروان وصرنا بالمدائن وكنت يومئذ مسائرا له إذ خرج إليه قوم من اهل المدائن، إلى ان قال: وكان فيمن تلقاه دهقان وكانت الفرس تحكم برأيه في النجوم فجرى بينه وبين علي " ع " بعض الاسؤلة فقال الدهقان لا أدري، ثم قال علي " ع ": لو علمت ذلك لعلمت انك تحصي عقود القصب في هذه الاجمة ومضى أمير المؤمنين فهزم اهل النهروان وان فقتلهم وعاد بالغنيمة والظفر، فقال الدهقان: ليس هذا العلم بما في ايدي اهل زماننا هذا علم مادته من السماء. ضعيفة لابي جارود زياد بن المنذر وفي الاحتجاج ص 193. والموضع المذكور من مرآة العقول عن أبان بن تغلب قال: كنت عند ابي عبد الله " ع " إذ دخل عليه رجل من أهل اليمن، إلى أن قال " ع ": ما صناعتك يا سعد؟ فقال: جعلت فداك أنا من أهل بيت ننظر بالنجوم لا يقال: إن باليمن أحدا أعلم بالنجوم منا، إلى ان ذكر أبو عبد الله " ع " امورا فقال له اليماني: ما ظننت أن أحدا يعلم هذا وما يدري ما كنهه. مرسلة. وفي ج 4 كابهامش مرآة العقول. وج 14 الوفاي ص 131. ج 2 ئل باب 52 عدم جواز تعلم النجوم مما يكتسب به ص 543 عن هشام الخفاف قال: قال لي أبو عبد الله كيف بصرك بالنجوم؟ قال: قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني، إلى أن قال " ع ": إن أصل الحساب حق ولكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم. مجهولة لحماد الازدي وفي ج 4 كابهامش مرآة العقول ص 334. وج 14 الوافي ص 130. وج 2 ئل باب 52 عدم جواز تعلم النجوم مما يكتسب به ص 543: عن عبد الرحمن بن سيابة عن ابي عبد الله " ع " بعد أن جوز النظر إلى النجوم قال: انكم تنظرون في شئ منها كثيره لا يدرك وقليله لا ينتفع به. ضعيفة لعبد الرحمن بن سيابة. ومجهولة للحسن بن اسباط. وفي ج 14 الوفاي ص 132. وج 4 كابهامش مرآة العقول ص 396: عن سليمان ابن خالد قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن الحر والبرد مما يكونان؟ فأجاب الامام " ع " بما حاصله: أن المريخ كوكب حار وزحل كوكب بارد فكلما ارتفع المريخ درجة انحط زحل درجة فلذلك يشتد الحر في الصيف وإذا انعكس الامر اشتد البرد كما في الشتاء وشدة البرد في الصيف احيانا مستندة إلى القمر وشدة الحر في الشتاء أحيانا مستندة إلى الشمس. حسنة لابراهيم بن هاشم. إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الابواب المتقدمة وغيرها وأكثرها مذكورة في ج 4 مرآة العقول 414408.

[ 253 ]

ارتضاه لغيبه، فلا يجوز لغيره أن يجعلها علامة على الحوادث. ومن هنا قال الشهيد في محكي قواعده: (وأما ما يقال: من أن استناد الافعال إليها كاستناد الاحراق اليالنار، وغيرها من العاديات، إلى أن قال: فهذا لا يكفر معتقده، ولكنه مخطئ أيضا). الثالث: أن ذلك مناف للاخبار المتواترة والواردة في الحث على الدعاء والصدقات وسائر وجوه البر، والدالة على أنها ترد القضاء الذي نزل من السماء، وأبرم إبراما، وأنها ترد البلاء المبرم، ومن الواضح جدا أن الالتزام بالوجهين المذكورين إنكار لذلك، وهو مستلزم للكفر من حيث إنه تكذيب النبي صلى الله عليه وآله، ولا يفرق في ذلك بين كون الالتزام بأن أوضاع الكواكب مجرد علامة على الحوادث، أو مؤثرة فيها ولو بغير شعور واختيار نظير الحرارة والبرودة. لا يقال: قد ورد في بعض الاحاديث (1) أنه يكره التزويج في بعض الايام والساعات لنحوستها كمحاق الشهر، وعند كون القمر في برج العقرب، فيستفاد من ذلك ان سير الكواكب وأوضاعها علامة على بعض الحوادث. فان ذلك لا ينافي ما قدمناه بعد أن كان المبين له هو الشارع على ألسنة امنائه، وقد عرفت دلالة بعض الاخبار على ان لعلم النجوم حقيقة، ولكن لا يعلم بها غير علام الغيوب، ومن ارتضاه لغيبه. على ان ذلك اجنبي عما نحن فيه، فانكراهة التزويج في تلك الاوقات ككراهة الصلاة في المواضع المكروهة، وكراهة الجماع في الاوقات المخصوصة، فلا دلالة في ذلك على المطلوب الامر الخامس: هل يجوز تعلم علم النجوم في حد ذاته من غير إذعان بتأثير الكواكب أم لا؟ نسب الشهيد في محكي الدروس القول بالحرمة إلى بعض الاصحاب، ولكن الظاهر


(1) في ج 2 التهذيب باب من الزيادات في فقه النكاح ص 242. وج 3 ئل باب 54 كراهة التزويج والقمر في العقرب من مقدمات النكاح ص 15: عن محمد بن حمران عن ابي عبد الله " ع ": من تزويج امرأة والقمر في العقرب لم ير الحسنى. وعن الصدوق روى أنه يكره التزويج في محاق الشهر. وفي ج 2 ئل باب 11 كراهة السفر والقمر في برج العقرب من آداب السفر ص 181 عن الكليني والصدوق والمحاسن عن ابي عبد الله " ع " قال: من سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى.

[ 254 ]

من بعض الاحاديث (1) هو الجواز إذا كان ذلك لمجرد معرفة سير الكواكب واوضاعها الخاصة وفاقا لجمع من الاعاظم رضوان الله عليهم. وأما ما يوهم حرمة تعلم النجوم من احاديث الشيعة (2) والسنة (3) فمحمول على غير هذه الصورة والله العالم. حفظ كنب الضلال قوله: (السابعة حفظ كتب الضلال حرام في الجملة بلا خلاف). أقول: قال الشيخ في غنائم المبسوط: إذا وجد في المغنم كتب نظر فيها إلى ان قال: وإن كانت كتبا لا يحل إمساكه كالكفر والزندقة وما اشبه ذلك لا يجوز بيعه. ثم حكم بوجوب تمزيقها وإتلافها، وحكم بكون التوراة والانجيل من هذا القبيل، لوقوع التحريف فيهما. ونحوه العلامة في غنائم التذكرة. ثم إن المراد بكتب الضلال كل ما وضع لغرض الاضلال وإغواء الناس، وأوجب الضلالة والغواية في الاعتقادات أو الفروع. فيشمل كتب الفحش والهجو والسخرية، وكتب القصص والحكايات والجرائد المشتملة على الضلالة، وبعض كتب الحكمة والعرفان والسحر والكهانة ونحوها مما يوجب الاضلال. وقد استدل على حرمة الحفظ بوجوه: الاول: حكم العقل بوجوب قلع مادة الفساد. وفيه ان مدرك حكمه إن كان هو حسن العدل وقبح الظلم بدعوى أن قلع مادة الفساد حسن، وحفظها ظلم وهتك للشارع فيرد عليه أنه لا دليل على وجوب دفع الظلم في جميع الموارد، وإلا لوجب على الله وعلى الانبياء والاوصياء الممانعة عن الظلم تكوينا، مع انه تعالى هو الذي أقدر الانسان على فعل الخير والشر، وهداه السبيل إما شاكرا، وإما كفورا.


(1) في ج 4 مرآة العقول ص 414: عن ابن ابي عمير إنه قال: كنت أنظر في النجوم وأعرفها وأعرف الطالع فيدخلني من ذلك شئ فشكوت ذلك إلى أبي الحسن موسى بن جعفر " ع " فقال: إذا وقع في نفسك شئ فتصدق على أول مسكين ثم إمض فان الله يدفع عنك. حسنة لابراهيم بن هاشم. وقد تقدم في رواية عبد الملك بن أعين. ورواية عبد الرحمن بن سيابة ما يدل على ذلك. (2) راجع المصادر المذكورة وج 14 البحار ص 156 145. (3) راجع ج 8 سنن البيهقي ص 138.

[ 255 ]

وإن كان مدرك حكمه وجوب الاطاعة وحرمة المعصية، لامره تعالى بقلع مادة الفساد فلا دليل على ذلك إلا في موارد خاصة، كما في كسر الاصنام والصلبان وسائر هياكل العبادة. وأما التمسك برواية تحف العقول في استفادة كلية الحكم فسيأتي الكلام فيه. نعم إذا كان الفساد موجبا لوهن الحق وسد بابه، وإحياء الباطل وتشييد كلمته وجب دفعه، لاهمية حفظ الشريعة المقدسة، ولكنه ايضا وجوب شرعي في مورد خاص، فلا يرتبط بحكم العقل بقلع مادة الفساد. الوجه الثاني: قوله تعالى (1): (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله). فقد قيل (2) في تفسير الآية: أن يشتري كتابا فيه لهو الحديث، فتشمل حفظ كتب الضلال ايضا. وفيه اولا: ان المذموم في ظاهر الآية هو اشتراء لهو الحديث للاضلال، ومن الواضح ان هذا المعنى أجنبي عن حفظ كتب الضلال، لعدم العلم بترتب الغاية المحرمة عليه، غاية الامر احتمال ترتب الاضلال على الحفظ. وثانيا: أنا إذا سلمنا ذلك فالمستفاد من الآية حرمة اشتراء كتب الضلال، ولا دلالة فيها على حرمة إبقائها وحفظها بعد الشراء، كما ان التصوير حرام، وأما اقتناؤه فليس بحرام، والزناء حرام وتربية اولاد الزناء ليس بحرام. وقد تقدم ذلك في البحث عن جواز اقتناء الصور المحرمة. وثالثا: أنه قيل (3): إن الآية قد نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، فانه كان يشتري كتبا فيها احاديث الفرس من حديث رستم واسفنديار، وكان يلهي الناس بذلك، ويظرف به ليصدهم عن سماع القرآن وتدبر ما فيه. نظير الجرائد المعروفة في هذا الزمان فانها مشتملة على الامور اللاهية التي تصد الناس عن الحق. ورابعا: ما ذكره المحقق الايرواني من ان المراد من الاشتراء هو التعطي، وهو كناية عن التحدث به، وهذا داخل في الاضلال عن سبيل الله بسبب التحدث بلهو الحديث ولا إشكال في حرمة الاضلال، وذلك غير ما نحن فيه من إعدام ما يوجب الاضلال.


(1) سورة لقمان، آيه: 5. (2) في ج 2 تفسير التبيان ص 429: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث): أي يستبدل لهو الحديث، قيل في معناه قولان: احدهما: ان يشتري كتابا فيه لهو الحديث. الثاني: انه يشتري لهو الحديث عن الحديث. (3) راجع الموضع المزبور من التبيان.

[ 256 ]

الوجه الثالث: قوله تعالى (1): (واجتنبوا قول الزور). وفيه ان قول الزور قد فسر بالكذب (2). وسيأتي في مبحث حرمة الغناء تفسير قول الزور بالغناء في جملة من الروايات، ولا منافات بين التفسيرين، فان كلا منهما لبيان المصداق، وقد ذكرنا في مبحث التفسير ان القرآن لا يختص بطائفة، ولا بمصداق وإلا لنفد بنفاد تلك الطائفة وانعدم ذلك المصداق، بل القرآن يجري مجرى الشمس والقمر، كما في عدة من الروايات، وقد ذكرنا جملة منها في مقدمات التفسير، وجمعها في مشكاة الانوار المعروف بمقدمة تفسير البرهان، وكيف كان فالآية غريبة عما نحن فيه. لا يقال: إن الآية تدل على إعدام كتب الضلال، لكونها من أظهر مصاديق الكذب بل هي كذب على الله ورسوله. فانه يقال: غاية ما يستفاد من الآية وجبو الاجتناب عن التكلم بالكذب، وأما إعداه فلا، وإلا لوجب إعدام جميع ما فيه كذب كأكثر التواريخ ونحوها، ولم يلتزم به احد من المحصلين فضلا عن الفقهاء. الوجه الرابع: ان جملة من فقرات رواية تحف العقول تدل على حرمة حفظ كتب الضلال: منها قوله " ع ": (إنما حرم الله الصناعة التي يجئ منها الفساد محضا) بدعوى أن مفهوم الحصر يقتضي حرمة الصناعة المحرمة بجميع منافعها، ومنها الحفظ. وفيه ان حرمة الصناعة لا تلازم حرمة إبقاء المصنوع كما تقدم في مبحث إبقاء الصور المحرمة، فغاية ما تدل عليه الرواية ان تأليف كتب الضلال أو استنساخها من المحرمات، لصدق الصناعة عليهما، ولا تدل على حرمة الابقاء. ومنها قوله " ع ": (وما يكون منه وفيه الفساد محضا إلى قوله " ع " وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها). وفيه ان صدق التقلب على الحفظ ممنوع خصوصا إذا كان غرض الحافظ عدم وقوع كتب الضلال في أيدي الناس لتوجب اضلالهم. ومنها قوله " ع ": (أو يقوى به الكفر والشرك في جميع وجوه المعاصي أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرم بيعه وشراؤه وامساكه). وفيه وفيه أن الكبرى وان كانت مسلمة، ولكن للمناقشة في الصغرى مجالا واسعا، لمنع كون الحفظ تقوية للكفر واهانة للحق، كما هو واضح، الا ان يكون بهذا الداعي.


(1) سورة الحج، آية: 30. (2) في ج 2 تفسير التبيان ص 304: (واجتنبوا قول الزور): يعني الكذب، وروى اصحابنا انه يدخل فيه الغناء وسائر الاقوال الملهية.

[ 257 ]

ويضاف إلى جميع ما ذكرناه من الاجوبة أنها ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ كما تقدم، فلا تصلح أن تكون مستندا لشئ من الاحكام الشرعية. الوجه الخامس: حسنة عبد الملك بن أعين التي تقدمت في مبحث التنجيم، حيث سأل عن ابتلائه بالنجوم (فقال لي: تقضي؟ قلت: نعم، قال: أحرق كتبك). وفيه أن مقتضى التفصيل فيها القاطع للشركة هو جواز الحفظ مع عدم الحكم. الوجه السادس: الاجماع، وفيه أولا: أنا لا نسلم تحققه على المطلوب، ولذا قال في الحدائق، ما حاصله: أنه لا دليل على حفظ كتب الضلال. وأما الوجوه التي أقاموها على حرمته فهي تخمينية اعتبارية لا يجوز الاعتماد عليها في الاحكام الشرعية. وثانيا: لو سلمنا تحققه على المطلوب فليس إجماعا تعبديا، لاحتمال استناده إلى الوجوه المذكورة في المسألة. ولو سلمنا جميع ذلك فالمتيقن من الاجماع ما يترتب عليه الاضلال خارجا، ولا ريب أن حرمة إضلال الناس عن الحق من الضروريات بين المسلمين، فلا يحتاج في إثباتها إلى الاجماع. ثم لو سلمنا حرمة حفظ كتب الضلال فانه لا باس بحفظها لردها، أو إظهار ما فيها من العقائد الخرافية والقصص المضحكة والاحكام الواهية، ومما ذكرناه ظهر حكم المعاملة عليها وضعا وتكليفا، وكذلك ظهر حكم كتب المخالفين المدونة في الفقه والعقائد والاخبار وغيرها. حرمة حلق اللحية ولا بأس بالتعرض لحرمة حلق اللحية إجابة لالتماس بعض الافاضل. فنقول: المشهور بل المجمع عليه بين الشيعة والسنة (1) هو حرمة حلق اللحية، وقد استدل عليها بوجوه:


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 45: الحنفية قالوا: يحرم حلق لحية الرجل ويسن الا تزيد في طولها على القبضة. المالكية قالوا: يحرم حلق اللحية. وفي ص 46 الحنابلة قالوا يحرم حلق اللحية. وفي ص 44 الشافعية قالوا: أما اللحية فانه يكره حلقها والمبالغة في قصها وفي ج 1 سنن البيهقي ص 52 باب سنة المضمضة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله عشر من الفطرة قص الشوارب وإعفاء اللحية، الحديث. وفي ص 149: عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: اعفوا اللحى واحفوا الشوارب وفي ص 150 عنه صلى الله عليه وآله: جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس. وفي ج 7 سنن البيهقي ص 311 عن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن نتف الشيب وقال: إنه من نور الاسلام. وعنه صلى الله عليه وآله: لا ننزعوا الشيب، الحديث.

[ 258 ]

الوجه الاول: قوله تعالى (1) في التحدث عن قول الشيطان: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله). بدعوى ان حلق اللحية من تغيير الخلقة، وكل ما يكون تغييرا لها فهو حرام. وفيه أنه إن كان المراد بالتغيير في الآية المباركة تغييرا خاصا فلا شبهة في حرمته على إجماله، ولكن لا دليل على كون المراد به ما يعم حلق اللحية، وإن كان المراد به مطلق التغيير فالكبرى ممنوعة، ضرورة عدم الدليل على حرمة تغيير الخلقة على وجه الاطلاق، وإلا لزم القول بحرمة التصرف في مصنوعاته تعالى حتى بمثل جري الانهار وغرس الاشجار وحفر الآبار وقطع الاخشاب وقلم الاظفار وغيرها من التغييرات في مخلوقاته سبحانه. والظاهر ان المراد به تغيير دين الله الذي فطر الناس عليها وفاقا للشيخ الطوسي (ره) في تفسيره (2). ويدل عليه قوله تعالى (3): (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم). وقد نقل الشيخ (ره) في تفسير الآية اقوالا شتى، وليس منها ما يعم حلق اللحية. الوجه الثاني: ما في جملة من الروايات (4) من الامر باعفاء اللحى وحف الشوارب، والنهي عن التشبه باليهود والمجوس.


(1) سورة النساء، آية: 118. (2) في ج 1 تفسير التبيان ص 471 وقوله تعالى: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله). اختلفوا في معناه، فعن ابن عباس فليغيرن دين الله، وروى ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. وقال مجاهد: كذب عكرمة في قوله: إنه الاخصاء، وإنما هو تغيير دين الله الذي فطر الناس عليه في قوله: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. وقال قوم: هو الوشم. وقال عبد الله: لعن الله الواشمات والموتشمات والمتفلجات المتغيرات خلق الله. وأقوى الاقوال قول من قال: فليغيرن خلق الله، بمعنى دين الله، بدلالة قوله: فطرة الله، الآية. ويدخل في ذلك جميع ما قاله المفسرون، لانه إذا كان ذلك خلاف الدين فالآية تتناوله، انتهى كلامه بأدنى تفاوت. (3) سورة الروم، آية: 29. (4) في ج 1 ئل باب 67 عدم جواز حلق اللحية من آداب الحمام ص 80. وج 4 الوافى باب جز اللحية ص 99: عن الصدوق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حفوا الشوارب وأعفوا اللحى ولا تتشبهوا باليهود. مرسلة. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم وأما

[ 259 ]

وفيه أولا: أنها ضعيفة السند. وثانيا: أنها لا تدل على الوجوب، فان من الواضح جدا أن إعفاء اللحى ليس واجبا، بل الزائد عن القبضة الواحدة مذموم. نعم غاية الامر أنه يستفاد منها الاستحباب. أقول: الظاهر ان الامر بالاعفاء عقيب الاحفاء ثم النهي عن التشبه باليهود ما ذكره المحدث القاساني " ره " بعد نقل الحديث من أن (اليهود لا يأخذون من لحاهم، بل يطيلونها، فذكر الاعفاء عقيب الاحفاء ثم النهي عن التشبه باليهود دليل على أن المراد بالاعفاء أن لا يستأصل ويؤخذ ويؤخذ منها من دون استقصاء، بل مع توفير وإبقاء بحيث لا يتجاوز القبضة فتستحق النار). وعلى هذا فلا دلالة في ذلك على حرمة حلق اللحية، لان المأمور به حينئذ هو الاعفاء وإبقاء اللحية بما لا يزيد على القبضة، وهو ليس بواجب قطعا. وأما النهي عن التشبه بالمجوس عقيب الاعفاء والاحفاء فالمراد به أن لا تحلق اللحية، وتترك الشوارب، كما يصنعون (قال رسول الله: إن المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم وأما نحن نجز الشوارب ونعفي اللحى وهي الفطرة). وعليه فلا يدل هذا النهي على حرمة حلق اللحية وترك الشوارب معا، فان نفي التشبه يحصل بفعل اي منهما. وأما ما يقال: من أن الروايات لا تدل على وجوب الاعفاء: لاشتمالها على قص الشوارب، وهو مستحب اتفاقا. ففيه ان ظهور الامر في الوجوب إنما ترفع اليد عنه بمقدار ما ثبت فيه الترخيص، وقد حققنا ذلك في موضعه. الوجه الثالث: رواية الجعفريات (1) الدالة على أن حلق اللحية من المثلة، ومن مثل فعليه لعنة الله. وفيه أولا: أنها مجهولة السند. وثانيا: أن المثلة هو التنكيل بالغير بقصد هتكه وإهانته


نحن نجز الشوارب ونعفي اللحى وهي الفطرة. مرسلة. في الباب المزبور من ئل عن معاني الاخبار باسناده عن علي بن غراب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول صلى الله عليه وآله: حفوا الشوارب وأعفوا اللحى ولا تشبهوا بالمجوس. ضعيفة للحسين بن ابراهيم وموسى بن عمران النخعي والحسين بن يزيد وعلي ابن غراب. (1) في ج 1 المستدرك ص 59 عن علي " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلق اللحية من المثلة ومن مثل فعليه لعنة الله. مجهولة لموسى بن اسماعيل.

[ 260 ]

بحيث تظهر آثار فعل الفاعل بالمنكل به، وعليه فتكون الرواية دالة على حرمة هتك الغير بازالة لحيته، لكون ذلك مثلة والمثلة محرمة، فلا ترتبط بحلق اللحية بالاختيار، سواء أكان ذلك بمباشرة نفسه أم بمباشرة غيره. وثالثا: أن اللعن كما يجتمع مع الحرمة فكذلك يجتمع مع الكراهة أيضا، فترجيح أحدهما على الآخر يحتاج إلى القرينة المعينة. ويدل على هذا ورود اللعن على فعل المكروه في موارد عديدة، وقد تقدمت في مسألة الوصل والنمص (1) ومن تلك الموارد ما في وصية النبي " ص " لعلي " ع " (قال: يا علي لعن الله ثلاثة: آكل زاده وحده وراكب الفلاة وحده والنائم في بيت وحده). ومن ذلك يظهر بطلان الفرق بين اللعن المطلق وبين كون اللعن من الله أو من رسوله بتوهم أن الاول يجتمع مع الكراهة، لكونه ظاهرا في البعد المطلق، بخلاف الثاني، فانه يختص بالحرمة، لكونه ظاهرا في نشاء الحرمة. اللهم إلا أن يقال: إن الرواية المذكورة ضعيفة السند، ولم نجد في غيرها ورود اللعن من الله على فعل المكروه، وعليه فلا بأس في ظهور ذلك في الحرمة. الوجه الرابع: ما دل (2) على عدم جواز السلوك مسلك أعداء الدين. ومن شعارهم حلق اللحية. وفيه أولا: أنه ضعيف السند. وثانيا: أن السلوك مسلك أعداء الدين عبارة عن اتخاذ سيرتهم شعارا وزيا، وهذا لا يتحقق بمجرد الاتصاف بوصف من أوصافهم. الوجه الخامس: قوله ص (3) لرسولي كسرى (ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: امرنا بهذا ربنا يعنيان كسرى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لكن ربي امرني باعفاء لحيتي وقص شواربي). وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ما تقدم من أن المأمور به إنما هو الاعفاء وهو ليس بواجب قطعا.


(1) ص 204. (2) في ج 1 ئل باب 19 كراهة لبس السواد من لباس المصلي ص 266: عن الفقيه باسناده عن الصادق " ع " إنه قال: أوحى الله إلى نبي من أنبيائه: قل للمؤمنين لا تلبسوا لباس أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي ولا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما كما هم أعدائي. ضعيفة للنوفلي. (3) راجع ج 1 المستدرك ص 59.

[ 261 ]

الوجه السادس: قوله " ع " (1): (أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا). وفيه ان الرواية وإن كانت ظاهرة في الحرمة، إلا أنها ضعيفة السند. الوجه السابع: وهو العمدة صحيحة البزنطي (2) الدالة على حرمة حق اللحية وأخذها ولو بالنتف ونحوه. وتدل على ذلك أيضا السيرة القطعية بين المتدينين المتصلة إلى زمان النبي صلى الله عليه وآله، فانهم ملتزمون بحفظ اللحية، ويذمون حالقها، بل يعاملونه معاملة الفساق في الامور التي تعتبر فيها العدالة. ويؤيد ما ذكرناه دعوى الاجماع عليه، كما في كلمات جملة من الاعلام، وعدم نقلهم الخلاف في المقام من الشيعة والسنة، كما هو كذلك والله العالم.


(1) في ج 1 كابهامش مرآة العقول باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الامامة ص 254. وج 2 الوافي ص 33. وج 1 ئل باب 56 عدم جواز حلق اللحية من آداب الحمام ص 80 عن حبابة الوالبية قالت: رأيت أمير المؤمنين " ع " في شرطة الخميس ومعه درة لها سبابتان يضرب بها بياعي الجري والمارماهي والزمار ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني اسرائيل وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن أحنف فقال: يا أمير المؤمنين وما جند بني مروان؟ قال فقال له: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا الخ. مجهولة لمحمد بن اسماعيل و عبد الله بن أيوب و عبد الله بن هاشم وغيرهم. قال في مرآة العقول: الوالبية نسبة إلى والبة موضع بالبادية من اليمن. وفي النهاية: الشرطة أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة. والخميس ومنهم من يشدد ولعله تصحيف الجيش سمى به لانه مقسوم بخمسة اقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب. وقيل: لانه تخمس فيه الغنائم، انتهى. والدرة بكسر الدال وتشديد الراء السوط. والسبابة بالتخفيف رأس السوط. والجري بكسر الجيم وتشديد الراء والياء نوع من السمك لا فلوس له، وكذا المارماهي بفتح الراء، وكذا الزمار بكسر الزاء وتشديد الميم. والمسوخ بضم الميم والسين جمع المسخ بالفتح وإنما سموا بالمسوخ، لكونها على خلقتها، وليست من أولادها، لانهم ماتوا بعد ثلاثة أيام كما ورد في الخبر. وجند بني مروان قوم كانوا في الامم السالفة. انتهى كلام المجلسي. (2) في ج 1 ئل باب 52 استحباب تخفيف اللحية من آداب الحمام ص 80 عن محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي صاحب الرضا " ع " قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته؟ قال: أما من عارضيه فلا باس وأما من مقدمها فلا. صحيحة. ورواها علي بن جعفر في كتابه، إلا أنه قال في آخرها: فلا يأخذ.

[ 262 ]

وموضوع حرمة حلق اللحية هو إعدامها، وعليه فلا يفرق في ذلك بين الحلق والنتف وغيرهما مما يوجب إزالة الشعر عن اللحية. أما مقدار اللحية في جانب الفلة فلم يرد في تحديده نص خاص، فالمدار في ذلك هو الصدق العرفي، وعلى هذا فإذا أخذت بمثل المكينة والمقراض أو غيرهما بحيث لم تصدق اللحية على الباقي كان حراما. موضوع الرشوة وحقيقتها قوله: (الثامنة الرشوة حرام). أقول: لم نجد نصا من طرق الخاصة ومن طرق العامة يحقق موضوع الرشوة، ويبين حقيقتها، غير أنه ورد في بعض الروايات أنها تكون في الاحكام، ولكنها لم توضح أن الرشوة هل هي بذل المال على مطلق الحكم، أو على الحكم بالباطل؟ بل لا يفهم منها الاختصاص بالاحكام، وإلا لما صح إطلاقها في غيرها. ووكيف كان فلا بد في تحقيق مفهومها من الرجوع إلى العرف واللغة وكلمات الاصحاب. ففي المستند (1) أن مقتضى كلام الاكثر والمتفاهم في العرف أن الرشوة عامة لكل ما يدفع من المال للحاكم، سواء أكان لحق أم كان لباطل، وحكى ذلك عن تصريح والده، ثم قال وهو الظاهر من القاموس والكنز ومجمع البحرين. ويدل عليه استعمالها فيما أعطى للحق في الصحيح عن رجل يرشو الرجل على أن يتحول عن منزله فيسكنه غيره؟ قال: لا بأس فان الاصل في الاستعمال إذا لم يعلم الاستعمال في غيره الحقيقة، كما حقق في موضعه. انتهى ملخص كلامه، وسنذكر الرواية في البحث عن حكم الرشوة في غير الاحكام. وعن حاشية الارشاد ان الرشوة ما يبذله المتحاكمان. وفي كلمات جماعة ان الرشوة ما يبذله المحق ليحكم له بحق بحيث لو لم يبذله لابطل حقه، ولحكم عليه بالباطل، إلى غير ذلك من كلمات الاصحاب بمضامين مختلفة. والمتحصل من كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم، ومن اهل العرف واللغة (2) مع ضم


(1) ج 2 ص 516. (2) في مجمع البحرين: رشا، في الحديث لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الراشي والمرتشي والرايش: يعني المعطي للرشوة والآخذ لها والساعي بينهما يزيد لهذا وينقص لهذا وهو الرايش. والرشوة بالكسر ما يعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد وقل ما تستعمل إلا فيما يتوصل به إلى إبطال حق أو تمشية باطل. وكذلك ما عن المصباح. وفي القاموس: الرشوة مثلثة الجعل ج رشى " بالفتح "

[ 263 ]

بعضها إلى بعض أن الرشوة ما يعطيه أحد الشخصين للآخر لاحقاق حق أو تمشية باطل أو للتملق، أو الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، أو في عمل لا يقابل بالاجرة والجعل عند العرف والعقلاء وإن كان محطا لغرضهم وموردا لنظرهم. بل يفعلون ذلك العمل للتعاون والتعاضد فيما بينهم، كاحقاق الحق، وإبطال الباطل، وترك الظلم والايذاء أو دفعهما، وتسليم الاوقاف من المدراس والمساجد والمعابد ونحوها إلى غيره، كأن يرشو الرجل على أن يتحوله عن منزله فيسكنه غيره، أو يتحوله عن مكان في المساجد فيجلس فيه غيره، إلى غير ذلك من الموارد التي لم يتعارف اخذ الاجرة عليها. نعم ما ذكره في القاموس من تفسير الرشوة بمطلق الجعل محمول على التفسير بالاعم، كما هو شأن اللغوي احيانا، وإلا لشمل الجعل في مثل قول القائل: من رد عبدي فله الف درهم، مع انه لا يقول به احد. حرمة الرشوة ماحكم الرشوة؟ الظاهر بل الواقع لا خلاف بين الشيعة والسنة (1) في الجملة للآخذ والمعطي، بل عن جامع المقاصد أجمع أهل الاسلام على تحريم الرشا في الحكم، سواء أكان الحكم لحق أم لباطل، وسواء أكان للباذل ام عليه. وفي تجارة المسالك على تحريمه اجماع المسلمين. وتدل على حرمتها في الجملة الروايات المتظافرة " وسنذكرها في الحاشية ". وقوله تعالى (2): (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى حكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم).


ورشى " بالكسر ". وفي المنجد: الرشوة مثلثة ما يعطى لابطال حق أو إحقاق باطل. وفي أقرب الموارد: رشاه مراشاة صانعه، والرشوة مثلثة ما يعطى لابطال حق أو إحقاق باطل، وما يعطى للتملق. وعن النهاية: الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، فالراشي الذي يعطي ما يعينه، فاما ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه. (1) في ج 10 سنن البيهقي ص 139: عن عبد الله بن عمر قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الراشي والمرتشي. وفي حديث آخر عن السحت فقال: الرشا. وفي ج 5 شرح فتح القدير ص 467: يحرم قبول الهدية عند الخصوصة. (2) سورة البقرة، آية: 184.

[ 264 ]

ووجه الدلالة انه تعالى نهى عن الادلاء بالمال إلى الحكام لابطال الحق وإقامة الباطل حتى يأكلوا بذلك فريقا من اموال الناس بالاثم والعدوان، وهذا هو معنى الرشوة، وإذا حرم الاعطاء حرم الاخذ ايضا، للملازمة بينهما. لا يقال: إن الآية إنما نزلت في خصوص اموال اليتامى والوديعة والمال المتنازع فيه، وقد نهى الله تعالى فيها عن إعطاء مقدار من تلك الاموال للقضاة والحكام لاكل البقية بالاثم والعدوان، وعلى هذا فهي أجنبية عن الرشوة. فانه يقال: نعم قد فسرت الآية الشريفة بكل واحدة من الامور المذكورة (1) إلا أن هذه التفاسير من قبيل بيان المصداق، والقرآن لا يختص بطائفة، ولا بمصداق، بل يجري كجري الشمس والقمر، كما دلت عليه جملة من الروايات، وقد ذكرناها في مقدمة التفسير على أن في مجمع البحرين عن الصحاح إن قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام) يعني الرشوة وقد يتوهم ان الآية ليست لها تعرض لحكم الرشوة، فان قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام) ظاهر في ان المحرم هو الادلاء بأموال الناس إلى الحكام ليستعين بهؤلاء على أكل فريق آخر من أموال الناس بالاثم، وم المعلوم ان الرشوة هي ما يعطيها الراشي من مال نفسه لابطال حق أو إحقاق باطل. وفيه أولا: ان الرشوة في العرف واللغة أعم من ذلك، كما تقدم، فلا وجه للتخصيص بقسم خاص. وثانيا: انه لا ظهور في الآية المباركة في كون المدفوع إلى الحكام مال الغير، بل هي أعم من ذلك، أو ظاهرة في كون المدفوع مال المعطي. ومجمل القول ان حرمة الرشوة في الجملة من ضروريات الدين، ومما قام عليه إجماع المسلمين، فلا حاجة إلى الاستدلال عليها. ثم ان تفصيل الكلام في احكام الرشوة ان القاضي قد يأخذ الرشوة من شخص ليحكم له بالباطل مع العلم ببطلان الحكم، وقد يأخذها ليحكم للباذل مع جهله، سواء طابق حكمه الواقع أم لم يطابق، وقد يأخذها ليحكم له بالحق مع العلم والهدى من الله تعالى. اما الصورتان الاوليان فلا شبهة في حرمتهما، فان الحكم بالباطل، والافتاء والقضاء مع الجهل بالمطابقة للواقع محرمان بضرورة الدين وإجماع المسلمين، بل هما من الجرائم


(1) في ج 1 تفسير التبيان ص 208 قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام). وقيل في معناه قولان، احدهما: قال ابن عباس والحسن وقتادة: إنه الوديعة وما تقوم به بينة. الثاني: قال الجبائي في مال اليتيم الذي في يد الاوصياء. وفي مجمع البحرين عن الصحاح (وتدلوا بها إلى الحكام): يعني الرشوة.

[ 265 ]

الموبقة والكبائر المهلكة. ويدل على حرمتهما أيضا العقل والكتاب (1) والسنة (2). وعلى هذا فمقتضى القاعدة حرمة الرشوة في كلتا الصورتين لما عرفت في أوائل الكتاب من حرمة المعاملة على الاعمال المحرمة وضعا وتكليفا، على أن الروايات من الشيعه (3)


(1) في سورة المائدة، آية: 48، قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون). وفي سورة الانعام آية: 116 قوله تعالى (إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون). وفي سورة يونس، آية: 37. وسورة النجم، آية: 29 قوله تعالى (إن الظن لا يغني من الحق شيئا). وفي سورة يونس أيضا آية: 60 قوله تعالى (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون). وفي سورة بني اسرائيل آية: 39 قوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم). (2) راجع ج 3 ئل باب 6 عدم جواز القضاء بالرأي من أبواب صفات القاضي، و ج 2 كاص 357. وج 9 الوافى باب خطر الحكومة ص 132. وج 1 الوافى باب النهي عن القول بغغير علم ص 48. وج 3 المستدرك باب 6 عدم جواز القضاء بالرأي من صفات القاضي ص 175. وج 10 سنن البيهقي ص 116. (3) في ج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة مما يكتسب به ص 538: عن الصدوق في وصية النبي صلى الله عليه وآله قال: يا علي من السحت ثمن الميتة والرشوة في الحكم. اقول: رجال سند هذه الوصية مجاهيل لا طريق إلى الحكم بصحتها واعتبارها من جهته. وعن الخصال باسناده عن عمار بن مروان قال: قال أبو عبد الله " ع ": وأما الرشا يا عمار في الاحكام فان ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله صلى الله عليه وآله. صحيحة. وعن الطبرسي في مجمع البيان عن النبي صلى الله عليه وآله: إن السحت هو الرشوة في الحكم وعن ابي عبد الله إلى أن قال: فأما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله. مرسلة. وفي الباب 32 المذكور من ئل، وج 1 كاباب 42 السحت من المعيشة ص 343. وج 10 الوافى ص 42 عن أبي عبد الله " ع ": فأما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم جل اسمه وبرسوله. ضعيفة لسهل. ورواها الشيخ في ج 2 التهذيب ص 110 بسنده؟ وفي ج 2 التهذيب ص 69. وج 2 كاباب 5 من القضاء ص 358. وج 3 ئل باب 8 تحريم الرشوة في الحكم من آداب القضاء ص 396: عن سماعة عن أبي عبد الله " ع " قال: الرضا في الحكم هو الكفر بالله. موثقة؟ وسماعة.

[ 266 ]

والسنة (1) قد اطبقت على حرمة الرشاء في الحكم. وأما الصورة الثالثة فمقتضى القاعدة فيها جواز أخذ المال على القضاء والافتاء، فان عمل المسلم محترم فلا يذهب هدرا، وأما الآية المتقدمة فلا تشمل المقام، لاختصاصها بالحكم بالباطل كما عرفت. نعم الحرمة فيها هي مقتضى إطلاق الروايات المتقدمة الدالة على ذلك، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع، فان القضاء من المناصب الالهية التي جعلها الله للرسول، فلا ينبغي لمن يتفضل عليه الله بهذا المنصب الرفيع أن يأخذ عليه الاجرة. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه ففي الروايات الدالة على حرمة أخذ الاجرة على القضاء غنى وكفاية " وسنتعرض لهذه الروايات في البحث عن حكم أخذ الاجرة على القضاء " إذ الظاهر من الاجرة فيها الجعل المأخوذ للقضاء دون الاجر المقرر من قبل السلطان ولو كان جائزا، فانه لا شبهة في جواز أخذه إذا كان الدخول فيه بوجه محلل كعلي بن يقطين والنجاشي وأمثالهما. لا يقال: إن الرشوة في اللغة ما يؤخذ لابطال حق أو إحقاق باطل، فلا تصدق على ما يؤخذ للقضاء بما يحق. فانه يقال: إن مفهوم الرشوة أعم من ذلك كما عرفت، فلا وجه للحصر، وتقييد المطلقات. على أن الامور التي يكون وضعها على المجانية فان أخذ الاجرة عليها بعد رشوة في نظر العرف، ومن هذا القبيل القضاوة والافتاء. نعم لو فرضنا قصور الادلة المتقدمة عن إثبات الحرمة كان مقتضى اصالة الحل هو الاباحة، بل وهو مقتضى عمومات صحة المعاملات، كأوفوا بالعقود، وتجارة عن تراض، وأحل الله البيع، وغيرها. قوله: (وظاهر رواية حمزة بن حمران). أقول: ربما يقول بجواز أخذ الاجرة على القضاوة الحقة، لقوله " ع " في رواية حمزة بن حمران (2) عن المستأكلين بعلمهم: إنما


إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدمة. وج 2 السمتدرك باب 5 تحريم اجر الفاجرة مما يكتسب به ص 426. وج 23 البحار ص 17. وغير ذلك من المواضع. (1) في ج 10 سنن البيهقي ص 139 في جملة من الاحاديث: إن الرشا في الحكم هو الكفر. (2) في ج 3 ئل باب 11 وجوب الرجوع في القضاء إلى رواة الحديث من أبواب صفات القاضي ص 385. وج 1 الوافى باب المستأكل بعلمه ص 52: عن معاني

[ 267 ]

ذلك الذي يفتي الناس بغير علم، ولا هدى من الله ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا، فان الظاهر منها حصر الاستيكال المذموم فيما كان لاجل الحكم بالباطل، أو مع عدم معرفة الحق، فيجوز الاستيكال مع العلم بالحق. وقد يدعى كون الحصر إضافيا بالنسبة إلى الفرد الذي ذكره السائل، فلا يدل إلا على عدم الذم على هذا الفرد المخصوص دون سائر الافراد التي لا تدخل في الحصر إلا أن هذه الدعوى خلاف الظاهر. وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند. وثانيا: أنها مسوقة لدفع توهم السائل أن من تحمل علوم الائمة وبثها في شيعتهم ووصل إليه منهم البر والاحسان بغير مطالبة كان من المستأكلين بعلمه. فأجاب الامام " ع " بأن هذا ليس من الاستيكال المذموم، وإنما المستأكلون الذين يفتون بغير علم لابطال الحقوق. وعلى هذا فمفهوم الحصر هو العقد السلبي المذكور في الرواية صريحا وليس فيها تعرض لاخذ الاجرة على الحكم بالحق، لا مفهوما ولا منطوقا. وأما ما ذكره أخيرا من كون الحصر ليس إضافيا فهو متين، ولكن لا من جهة كونه خلاف الظاهر، بل من جهة أنه لا معنى للحصر الاضافي في قبال الحصر الحقيقي، غاية الامر أن دائرة الحصر تختلف سعة وضيقا، وقد تقدم ذلك في أول الكتاب (1). وقال العلامة في المختلف (2): (إن تعين القضاء عليه إما بتعيين الامام " ع " أو بعقد غيره، أو بكونه الافضل، وكان متمكنا لم يجز الاجر عليه. وإن لم يتعين أو كان محتاجا فالاقرب الكراهة. لنا الاصل الاباحة على التقدير الثاني، ولانه فعل لا يجب عليه فجاز أخذ الاجر عليه. أما مع التعيين فلانه يؤدي واجبا، فلا يجوز أخذ الاجرة عليه كغيره من العبادات الواجبة). وفيه أنه لا وجه لذكر هذا التفصيل في المقام، فان حرمة الاجرة على القضاء لكونه واجبا عينيا أو كفائيا من صغريات البحث عن أخذ الاجرة على الواجب الذي سيأتي الكلام فيه. وكلامنا هنا في حكم اخذ الرشوة على القضاء من حيث هي رشوة، لا منجهات


الاخبار عن ابن حمران قال: سمعت أبا عبد الله " ع " يقول: من استأكل بعلمه افتقر، قلت إن في شيعتك قوما يتحملون علومكم ويبثونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البر والصلة والاكرام؟ فقال: ليس أولئك بمستأكلين إنما ذلك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا. ضعيفة لمحمد بن سنان وتميم بن بهلول وأبيه. (1) (ص 9. (2) ج 2 ص 164.

[ 268 ]

اخر، وعليه فمقتضى الاطلاقات الدالة على حرمة اخذ الاجرة على الحكم هو عدم الفرق بين صورتي الاحتياج إلى اخذ الاجرة والانحصار وبين عدمهما، كما هو واضح. ومن هنا ظهر انه لا وجه لقول المصنف: (وأما اعتبار الحاجة فلظهور اختصاص ادلة المنع بصورة الاستغناء). ثم الظاهر انه لا يجوز أخذ الاجرة والرشوة على تبليغ الاحكام الشرعية وتعليم المسائل الدينية، فقد عرفت فيما تقدم: أن منصب القضاوة والافتاء والتبليغ يقتضي المجانية. ويدل على الحرمة ايضا ما في رواية يوسف بن جابر (1) من أنه لعن رسول الله صلى الله عليه وآله * رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة. ولكن الرواية ضعيفة السند، والعمدة في المقام التمسك بالاطلاقات المتقدمة الناهية عن أخذ الرشوة على الحكم. جواز ارتزاق القاضى من بيت المال قوله: (وأما الارتزاق من بيت المال فلا إشكال في جوازه للقاضى). أقول: الفرق بين الاجرة والارتزاق ان الاجرة تفتقر إلى تقدير العمل والعوض وضبط المدة. وأما الارتزاق من بيت المال فمنوط بنظر الحاكم من غير ان يقدر بقدر خاص. ولا إشكال في جواز ارتزاق القاضي من بيت المال في الجملة كما هو المشهور. لان بيت المال معد لمصالح المسلمين والقضاء من مهماتها. ولما كتبه على أمير المؤمنين " ع " إلى مالك الاشتر في عهد طويل (2) فقد ذكر " ع " فيه صفات القاضي ثم قال: (وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس). والعهد وإن نقل مرسلا إلا أن آثار الصدق منه لائحة، كما لا يخفى للناظر إليه. ويدل على ذلك ايضا بعض الفقرات من مرسلة الحماد (3) الطويلة.


(1) قال: قال أبو جعفر " ع ": لعن رسول الهل صلى الله عليه وآله رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة. مجهولة لعبد الرحمن ويوسف بن جابر. راجع ج 3 ئل باب 8 تحريم الرشوة في الحكم من آداب القضاء ص 396. وج 2 التهذيب ص 70. (2) راجع ج 3 نهج البلاغة في العهد 53 الذي كتبه للاشتر النخعي. وج 3 ئل باب 8 تحريم الرشوة في الحكم من آداب القاضي. وج 2 المستدرك ص 447. (3) في ج 1 كاكتاب الخمس ص 424. وج 6 الوافى باب 34 جملة الغنائم ص 39 وج 3 ئل باب 8 تحرمي الرشا في الحكم من آداب القضاء ص 396: عن حماد عن بعض

[ 269 ]

ثم إن القاضي قد يكون جامعا لشرائط القضاوة على النحو المقرر في الشريعة، ومنصوبا من قبل الامام " ع " خاصا أو عاما. وقد يكون جامعا لشرائط القضاء، ولكنه كان منصوبا من قبل سلطان الجور، ولم يكن له غرض في قبولها إلا التوادد والتحبب إلى فقراء الشيعة وقضاء حوائجهم وإنفاذ أمورهم وإنقاذهم من المهلكة والشدة، وقد لا يكون جامعا للشرائط سواء كان منصوبا من قبل الجائر أم لا. اما الاولان فلا شبهة في جواز ارتزاقهم من بيت المال، لما عرفت من انه معد لمصالح المسلمين والقضاء من مهماتها، ولا مجال في هاتين الصورتين للبحث عن خصوصيات المسألة من انه يجوز مطلقا أو مع الاحتياج وعدم التعيين، لان الفرض ان القاضي اعرف بموارد مصرف بيت المال، وعدالته المفروضة تمنعه عن الحيف. وأما الثالث فيحرم ارتزاقه من بيت المال، لعدم قابليته لمنصب القضاوة، كخلفاء الجور، فلا يكون من موارد المصرف لبيت المال. وقد يستدل على حرمة ارتزاق القاضي بحسنة عبد الله بن سنان (1): (عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق؟ فقال: ذلك السحت). وفيه ان الرواية محمولة على الصورة الثالثة من عدم كونه قابلا للقضاوة، لانه إذا كان جامعا للشرائط لا يحرم ارتزاقه من بيت المال أو من جوائز السلطان، وهو واضح، ويمكن حملها على كون الرزق اجرة على القضاء، فقد عرفت: ان اخذ الاجرة على القضاء حرام. جواز أخذ القاضي للهدية قوله: (واما الهدية فهي ما يبذله على وجه الهبة) أقول: قد عرفت حكم الرشوة والاجرة على الحكم والقضاء، واما الهدية ففي حرمتها خلاف: وهي كما عن المصباح


اصحابنا عن العبد الصالح إلى ان قال: فيكون بعد ذلك ارزاق اعوانه على دين الله وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الاسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير. مرسلة. (1) راجع ج 2 كاباب 5 اخذ الاجرة على الحكم من القضاء ص 358. وج 9 الوافى باب اخذ الرشوة من القضاء ص 135. وج 3 ئل باب 8 تحريم الرشوة في الحكم من آداب القضاء ص 396.

[ 270 ]

العطية على سبيل الملاطفة. ثم إنها قد تكون للملاطفة والتودد فقط بحيث لا مساس لها للدواعي الاخرى. وقد تكون على وجه الهبة لتورث المودة التي توجب الحكم له حقا كان أم باطلا، إذا علم المبذول له ان ذلك من قصد الباذل وإن لم يقصد هو إلا الحكم بالحق. وقد تكون لاجل الحكم للباذل ولو باطلا، ولكن المبذول له لم يكن ملتفتا إلى ذلك وإلا لكان رشوة محرمة وقد تكون متأخرة عن الفعل المحرم ولكنها بداعي المجازاة وأداء الشكر. ومقتضى القاعدة جواز اخذها للقاضي في جميع الصورة وإن حرم الدفع على المعطي إذا كان غرضه الحكم له. وقد استدل على حرمة الاخذ بوجوه، الاول: قوله " ع " في رواية الاصبغ (1): (وان اخذ هدية كان غلولا). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: أنها واردة في هدايا الولاة دون القضاة، فتكون أجنبية عن المقام، وبما ان الهدية إلى الولاة جائزة فلا بد من حمل الرواية على غير ذلك من الوجوه الممكنة: الاول: ان تحمل على الكراهة، لان لهداء الهدية إلى الوالي قد يجب إليه اخذ الرشوة المحرمة. الثاني: ان تحمل على ظاهرها، ولكن يقيد الاعطاء بكونه لدفع الظلم، أو إنقاذ الحق أو لاجل ان يظلم غيره، فانها في هذه الصور كلها محرمة على الوالي، وفي الصورة الاخيرة محرمة على المعطي ايضا. الثالث: ان تحمل على كون ولا يتهم من قبل السلطان مشروطة بعدم اخذ شئ من الرعية، لانهم يرتزقون منه. وعلى الجملة لا يمكن الاستدلال بها على المطلوب. الوجه الثاني: ما ورد (2) من ان هدايا العمال ان الامراء غلول أو سحت. وفيه اولا: انه ضعيف السند. وثانيا: انه أجنبي عما نحن فيه لوروده في هدايا العمال


(1) في ج 2 ئل باب 32 تحريم اجر الفاجرة مما يكتسب به ص 538 عن امير المؤمنين عليه السلام: أيما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه وإن اخذ هدية كان غلولا وإن اخذ الاجرة فهو مشرك. ضعيفة لابي الجارود وسعد الاسكاف. (2) في ج 10 سنن البيهقي ص 138 عن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله هدايا الامراء غلول. وفي آداب القاضي من المبسوط للطوسي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: هدية العمال غلول. وفي بعضها: هدية العمال سحت. مرسلة.

[ 271 ]

وهم غير القضاة، ووجه كونها محرمة قد علم من الوجوه المتقدمة. وثالثا: انه يمكن ان يراد من إضافة الهدايا إلى العمال إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول: بمعنى أن الهدايا التي تصل إلى الرعية من عمال سلاطين الجور غلول، فتكون الرواية راجعة إلى جوائز السلطان وعماله، وسنتكلم عليها. وهذا الوجه الاخير وإن كان في نفسه جيدا، إلا أنه إنما يتم فيما إذا علم كون الهدية من الاموال المحرمة، وإلا فلا وجه لكونها غلولا. على أنه بعيد عن ظاهر الرواية. الوجه الثالث: ما استدل به في المستند (1) على حرمة أخذ القاضي للهدية من أن النبي زجر عمال الصدقة عن أخدهم الهدايا. وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند، لكونها منقولة من طرق العامة. وثانيا: أنها وردت في عمال الصدقة فلا ترتبط بما نحن فيه، ولعل حرمتها عليهم من جهة الوجوه التي ذكرناها في حرمتها على الولاة. الوجه الرابع: ما تقدم فيما سبق (2): (عن الرضا عن آبائه عن علي " ع " في قوله تعالى (3): أكالون للسحت؟ قال: هو الرجل يقضي لاخيه الحاجة ثم يقبل هديته). وفيه أولا: أن الرواية مجهولة. موثانيا: أنها وردت في خصوص الهدية بعد قضاء حاجة المؤمن، ولم يقل أحد بحرمتها هناك، لما دل على جواز قبول الهدية من المؤمن، بل من الكافر، ولما دل على استحباب الاهداء إلى المسلم، وإذن فلا بد من حمل الرواية على الكراهة، ورجحان التجنب عن قبول الهدايا من أهل الحاجة إليه لئلا يقع يوما في الرشوة الوجه الخامس: أن المناط في حرمة الرشوة للقاضي هو صرفه عن الحكم بالحق إلى الحكم بالباطل، وهو موجود في الهدية أيضا، فتكون محرمة. وفيه أن غاية ما يحصل من تنقيح المناط هو الظن بذلك، والظن لا يغني من الحق شيئا.


(1) عن أبي حميد الانصاري ثم الساعدي انه أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وآله استعمل عاملا على الصدقة فجاء به العامل حين فرغ من عمله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الذي لكم وهذا الذي أهدى إلى إلى أن قام فصعد المنبر ثم قال: أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول: هذا من عملكم وهذا الذي أهدى لي فهلا قعد في بيت أبيه وامه فنظر هل يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يقبل أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه. نبوي ضعيف. راجع ج 2 المستند ص 526. والمبسوط للشيخ الطوسي آداب القاضي. وج 10 سنن البيهقي لابي بكر الشافعي ص 138. (2) ص 48. (3) سورة المائدة، آية: 46.

[ 272 ]

الرشوة في غير الاحكام قوله: (وهل يحرم الرشوة في غير الحكم). أقول: الرشوة في غير الاحكام قد تكون لاتمام أمر محرم، وقد تكون لاصلاح أمر مباح، وقد تكون لانهاء أمر مشترك الجهة بين المحلل والمحرم. أما الاول فلا شبهة في حرمته من غير احتياج إلى أدة ل حرمة الرشوة، لماعرفت من حرمة أخذ المال على عمل محرم. وأما الثاني فلا شبهة في جوازه، لعدم الدليل على الحرمة مع كون العمل سائغا في نفسه وصالحا لان يقابل بالمال وإن كان كثيرون يفعلونه للتعاضد والتعاون، ولا يأخذون عليه مالا واما الثالث: فان قصدت به الجهة المحرمة فهو حرام، وإن قصدت به الجهة المحللة فهو حلال، وإن بذل المال على إصلاح أمره حلالا أم حراما فقد استظهر المصنف حرمته، لوجهين، الوجه الاول: أنه أكل للمال بالباطل، فيكون حراما. وفيه أن أخذ المال على الجهة المشتركة بين المحلل والمحرم ليس من أكل المال بالباطل، فان أكل المال إنما يكون باطلا إذا كان بالاسباب التي علم بطلانها في الشريعة، كالقمار والغزو ونحوهما، ولم يعلم بطلان أخذ المال على العمل المشترك بين الحلال والحرام، فلا يكون من مصاديق أكل المال بالباطل. الوجه الثاني: إطلاق فحوى ما تقدم في هدية الولاة والعمال. وفيه أولا: أن الروايات المتقدمة في هدية الولاة والعمال ضعيفة السيد. وقد عرفت ذلك آنفا. وثانيا: أن حرمة الهدية لهما إنما تقتضي حرمة إعطاء الرشوة لهما، ولا دلالة لهما على حرمة الرشوة على غيرهما من الناس. وقد يقال: بحرمة الرشوة مطلقا حتى في غير الاحكام، لاطلاق بعض الروايات المتقدمة في الحاشية من طرق الخاصة، ومن طرق العامة. وفيه أولا: أنها ضعيفة السند، وقد عرفت ذلك آنفا. وثانيا: أنها منصرفة إلى الرشا في الحكم كما في المتن. وثالثا: أنها مقيدة بما دل (1) على جواز الرشوة لامر مباح


(1) عن حكم بن حكيم السير في قال: سمعت أبا عبد الله " ع " وسأله حفص الاعور فقال: إن السلطان يشترون منا القرب والاداري فيوكلون الوكيل حتى يستوفيه؟ ونرشوه حتى لا يظلمنا؟ فقال: لا بأس ما تصلح به مالك، ثم سكت ساعة ثم قال: أرأيت

[ 273 ]

وللتحويل (1) عن المنزل المشترك، كالاوقاف العامة. وقد يتوهم أن موضوع الرشوة مختص بالاحكام، لما ورد في جملة من الروايات الماضية من أن الرشا في الحكم حرام، أو كفر، أو سحت. وفيه أولا: أن المستفاد منها ليس إلا حرمة الرشوة في الحكم، لاختصاص موضوعها به، وهو واضح. بل قد يدعى أنها مشعرة بعموم مفهوم الرشوة لغير الاحكام وإلا للزم إلغاء التقييد في قوله " ع ": (وأما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم). وثانيا: أن مفهوم الرشوة في اللغة غير مختص بما يؤخذ في الحكم، بل هو أعم من ذلك من الشوة في الحكم المعاملة المحاباتية مع القاضي قوله: (ومما يعد من الرشوة أو يلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة). أقول: الكلام في المعاملة المشتملة على المحاباة بعينه هو الكلام فيما تقدم من الرشوة، فإذا باع من القاضي ما يساوي عشرة دراهم بدرهم كان الناقص من الرشا المحرم، وإن كان غرضه من ذلك تعظيم القاضي أو التودد المحض أو التقرب إلى الله فلا وجه للحرمة. ثم إن في حكم بذل العين له بذل المنافع كسكنى الدار وركوب المراكب ونحوهما من المنافع كما لا يخفى. وأما ما يرجع إلى الاقوال كمدح القاضي والثناء عليه فلا يعد رشوة فضلا عن كونه محرما لذلك. نعم لو كان ذلك إعانة على الظلم كان حراما من هذه الجهة. قوله: (وفي فساد المعاملة المحابى فيها وجه قوي). أقول: لا وجه لفساد المعاملة المشتملة


إذا انت رشوته يأخذ أقل من الشرط؟ قال: نعم، قال: فسدت رشوتك. ضعيفة لاسماعيل بن أبي سماك. راجع ج 10 الوافي باب 11 إصلاح المال ص 17. وج 2 ئل باب 37 أنه يجوز للبائع أن يرشو وكيل المشتري من أحكام العقود ص 595. أقول: القرب بكسر القاف جمع القربة وهي ما يستقي فيه الماء. الاداوي جمع الاداوة وهي إناء صغيبر من جلد، وتسمى المطهرة. ثم إنه نقل المصنف الرواية عن أبي الحسن " ع " وذكر الاداوة بدل الاداوي، وكلاهما من سهو القلم، ولعله تبع في ذلك لصاحب الوسائل (1) في ج 2 ئل باب 114 جواز اخذ الجعل على معالجة الدواء مما يكتسب به ص 562 والموضع المزبور من الوافي عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن الرجل يرشو الرشوة على أن يتحوله عن منزله فيسكنه؟ قال: لا بأس. صحيحة.

[ 274 ]

على المحاباة المحرمة إلا إذا كان الحكم للمحابي شرطا فيها، وقلنا: بأن الشرط الفاسد مفسد للعقد، فيحكم بالبطلان. (فائدة) الظاهر من الاخبار المتقدمة أن منزلة الرشوة منزلة الرباء، فكما أن الرباء حرام على كل من المعطي والآخذ والساعي بينهما، فكذلك الرشوة، فانها محرمة على الراشي والمرتشي والرائش اي الساعي بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لذك. نعم لا بأس باعطائها إذا كان الراشي محقا في دعواء، ولا يمكن له الوصول إلى حقه إلا بالرشوة، كما استحسنه في المستند (1) (لمعارضة إلاطلاقات تحريمها مع ادلة نفي الضرر، فيرجع إلى الاصل لو لم يرجح الثاني) بل يتعين ترجيحه لحكومة ادلة نفي الضرر على أدلة الاحكام بعناوينها الاولية كما هو واضح. حكم الرشوة وضعا قوله: (ثم إن كلما حكم بحرمة أخذه وجب على الآخذ رده ورد بدله مع التلف). أقول: قد ذكرنا أن الباذل قد يعطي الرشوة للقاضي أو غيره ليحكم له على خصمه، وقد يحابيه في معاملة ليحكم له في الخصومات والدعاوي، وقد يرسل إليه هدية بداع الحكم له أما الاول فلا شبهة في ضمان القابض المال الذي أخذه من الدافع بعنوان الرشوة، كما لا شبهة في الحرمة عليهما تكليفا، فيجب على الآخذ رد المال أو رد بدله من المثل أو القيمة مع التلف. قال في الجواهر: (لا خلاف ولا إشكال في بقاء الرشوة على ملك المال، كما هو مقتضى قوله " ع ": إنها سحت، وغيره من النصوص الدالة على ذلك إلى أن قال: فإذا أخذ ما لم ينتقل إليه من مال غيره كان ضامنا). ووجه الضمان ان الرشوة في هذه الصورة إنما وقعت في مقابل الحكم، فتكون في الحقيقة إجارة فاسدة، أو شبيهة بها، فيحكم بالضمان، لكونها من صغريات كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وهذه القاعدة وإن لم يرد عليها نص بالخصوص، ولكنها متصيدة من الاخبار الواردة في موارد الضمان، فتكون حجة، وسيأتي ذكرها في محلها. ومن هنا ظهر بطلان القول بعدم الضمان إذا علم الدافع بالحرمة، لكون التسليط حينئذ مجانيا.


(1) ج 2 ص 526.

[ 275 ]

وأما الثاني فهو كالاول من حيث الحرمة التكليفية، ولكن لا وجه للضمان لما نقص من القيمة، فان غاية الامر أن المعاملة كانت مشروطة بالشرط الفاسد، وقد عرفت إجمالا، وستعرف تفصيلا: أن الشروط مطلقا لا تقابل بجزء من الثمن، وأن الفاسد منها لا يوجب فساد المعاملة، وإنما يثبت الخيار فقط للمشروط له. وأما الثالث فالظاهر أنه لا ضمان فيه أيضا، لان الدافع لم يقصد المقابلة بين الحكم والمال المبذول للقاضي، وإنما أعطاه مجانا ليحكم له، فيكون مرجعه إلى هبة مجانية فاسدة، لان الداعي ليس قابلا للعوضية، ولا مؤثرا في الحكم الشرعي وضعا، ولا تكليفا. وعليه فيكون المورد من صغريات الضابطة الكلية (كل عقد لا يضمن بصحيحة لا يضنم بفاسده). وقد يقال: بالضمان لقاعدة الضمان باليد. وفيه أن عموم على اليد مختص بغير اليد المتفرعة على التسليط المجاني، ولذا لا يضمن بالهبة الفاسدة في غير هذا المقام. قوله: (وفي كلام بعض المعاصرين ان احتمال عدم الضمان في الرشوة مطلقا غير بعيد) أقول: علله القائل في محكي كلامه بوجهين: الاول أن المالك قد سلطه عليها تسليطا مجانيا فلا موجب للضمان. والثاني: أنها تشبه المعاوضة، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده أما الاول فيرد عليه أن التسليط في المقام ليس بمجاني، بل هو في مقابل الحكم للباذل كما عرفت. وأما الثاني فيرد عليه أن عملهم هذا إما إجارة فاسدة أو شبيهة بها، وعلى أي حال يكون موجبا للضمان، لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. اختلاف الدافع والقابض قوله: (فروع في اختلاف الدافع والقابض). أقول: ذكر المصنف هنا فروعا ثلاثة وتعرض لحكمها. وتحقيق الكلام في مسألة المترافعين في الدفع والقبض، وبيان الضابطة الكلية فيها أن الفروض المتصورة فيها اربع كلها تنطبق على المقام غير الصورة الرابعة. ولعل المصنف لذلك أهملها. الصورة الاولى ان يتوافق المترافعان على فساد الاخذ والاعطاء ولكن الدافع يدعى كون المدفوع رشوة على سبيل الاجارة والجعالة، فتكون موجبة للضمان، لان الاجارة الصحيحة توجب الضمان، فكذلك الاجارة الفاسدة، والقابض يدعي أنه على سبيل الهدية إلا أنها فاسدة، فلا تكون موجبة للضمان، لان الهبة الصحيحة لا ضمان فيها، فكذا الهبة الفاسدة

[ 276 ]

وقد رجح المصنف القول الاول (لان عموم خبر على اليد يقضي بالضمان إلا مع تسليط المالك مجانا والاصل عد تحققه، وهذا حاكم على اصالة عدم سبب الضمان فافهم). وفيه أن موضوع قاعدة الضمان باليد إنما هو التسليط غير المجاني، والتسليط هنا محرز بالوجدان، وعدم كونه مجانيا محرز بالاصل (فيلتئم الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل، ويترتب عليه الحكم، ولا يلزم المحذور المذكور. نعم يرد عليه أن خبر على اليد ضعيف السند، وغير منجبر بشي ء، فلا يجوز الاستناد إليه، وقد عرفته فيما سبق (1) ويأتي التعرض له في أحكام الضمان. والتحقيق أنه ثبت في الشريعة المقدسة عدم جواز التصرف في مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه، وقد تقدمت الاشارة إليه فيما سبق (2). وثبت فيها أيضا أن وضع اليد على مال الغير بدون رضى مالكه موجب للضمان، للسيرة القطعية، ومن الواضح جدا أن وضع اليد على مال الغير في المقام محرز بالوجدان، فإذا ضممنا إليه أصالة عدم رضى المالك بالتصرف المجاني تألف الموضوع من الوجدان والاصل، وحكم بالضمان، ولا يلزم شئ من المحاذير، وليس المراد من الاصل المذكور استصحاب العدم الازلي ليرد عليه ما أوردوه في علم الاصول بل المراد به استصحاب العدم المحمولي، وهو واضح، وإن قلنا بحجية الاول أيضا. الصورة الثانية: أن يتسالم المترافعان على شئ واحد، ولكن القابض يدعي صحته على وجه لا يمكن معه الرجوع، ويدعي الباذل فساده، كما إذا ادعى الباذل كون المبذول هدية على سبيل الرشوة، وادعى القابض كونها هبة صحيحة لازمة. وهذا النزاع إنما يكون له اثر فيما إذا كانت الدعوى قبل تلف العين، مع عدم كون الهبة لذي رحم أو على وجه قربي، فانه يترتب على النزاع ح استرجاع العين من الموهوب له وأما إذا كان النزاع بعد التلف فلا أثر له بوجه، فانه لا ضمان للهبة بعد التلف، سواء أكانت فاسدة أم صحيحة، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنف (ره) من قوله: (ولاضالة الضمان في اليد إذا كانت الدعوى بعد التلف). وقد يقال هنا: بالضمان، لعموم قاعدة على اليد، لان وضع القابض يده على مال الدافع محرز بالوجدان، وعدم كونه بالهبة الصحيحة الناقلة محرز بالاصل فيلتئم الموضوع منهما، ويترتب عليه الحكم بالضمان، ولا يعارض ذلك الاصل بأصالة عدم الهبة الفاسدة. لانها لا أثر لها. والتحقيق هو القول بعدم الضمان، لان أصالة الصحة في العقود تتقدم على جميع الاصول


(1) ص 196. (2) ص 144.

[ 277 ]

الموضوعية، وعليه اتفاق كافة العلماء، وبناء العقلاء. لا يقال: الدافع إنما يدعي ما لا يعلم إلا من قبله فيقدم قوله في دعواه، لانه أعرف بضميره، فانه يقال: لا دليل على ثبوت هذه القاعدة في غير الموارد الخاصة، كإخبار المرأة عن الحمل أو الحيض أو الطهر، فلا يجوز التعدي إلى غيرها. الصورة الثالثة: أن يكون مصب الدعوى أمرا مختلفا، كما إذا ادعى الباذل أنها رشوة محرمة أو اجرة على الحرام، وادعى القابض كونها هبة صحيحة. والظاهر هنا تقديم قول الدافع، لاصالة عدم تحقق الهبة الصحيحة الناقلة، فانها أمر وجودي وموضوع للاثر، فالاصل عدمها. ولا تعارضها أصالة عدم تحقق الرشوة المحرمة أو الاجارة الفاسدة لانهما لا أثر لهما، وإنما الاثر مترتب على عدم تحقق السبب الناقل، سواء تحقق معه شئ من الاسباب الفاسدة أم لم يتحقق. وربما يقال: بتقديم أصالة الصحة على الاصول الموضوعية، لحكومتها عليها في باب المعاملات على حذو ما تقدم. وفيه أن مدرك أصالة الصحة هو الاجماع وبناء العقلاء كما عرفت، وهما من الادلة اللبية فلا بد من الاخذ بالقدر المتيقن، وهو ما كان مصب الدعوى أمرا واحدا معلوما للمترافعين وكان الاختلاف في الخصوصيات، وقد فرضنا أن المقام ليس كذلك. الصورة الرابعة: ان يدعي كل منهما عنوانا صحيحا غير ما يدعيه الآخر، كأن يدعي الباذل كونه بيعا ليتحقق فيه الضمان، ويدعي القابض كونه هبة مجانية لكي لا يتحقق فيه الضمان، فان اقام احدهما بينة أو حلف مع نكول الآخر حكم له، وإلا وجب التحالف، وينفسخ العقد، وعليه فيجب على القابض رد العين مع البقاء، أو بدلها مع التلف، وهذه الصورة لا تنطبق على ما نحن فيه. حرمة سب المؤمن قوله: (التاسعة سب المؤمن حرام في الجملة بالادلة الاربعة). أقول: قد استقل العقل بحرمة سب المؤمن في الجملة، لكونه ظلما وإيذاء، وعلى ذلك إجماع المسلمين من غير نكير وقد تعرض الغزالي لذلك في إحياء العلوم (1).


(1) ج 3 ص 111110. ولا ينقضي العجب من الغزالي حيث جوز لعن الروافض كتجويزه لعن اليهود والمجوس والخوارج ومنع عن لعن يزيد!.

[ 278 ]

وقد استفاضت الروايات من طرقنا (1) ومن طرق العامة (2) على حرمته.


(1) في ج 2 كابهامش مرآة العقول باب السباب ص 350. وباب السفه ص 310 وج 3 الوافى باب السفه ص 159. وج 2 ئل باب باب 158 تحريم سب المؤمن من احكام العشرة ص 240: عن ابن الحجاج البجلي عن ابي الحسن موسى " ع " في رجلين يتسابان؟ فقال: البادي منهما أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم. صحيحة. وفي رواية اخرى باختلاف في صدر السند: ما لم يتعد المظلوم. حسنة لابراهيم بن هاشم أبو بصير عن ابي جعفر " ع " قال: إن رجلا من بني تميم أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أوصني فكان مما اوصاه ان قال: لا تسبوا الناس فتكسبوا العداوة منهم بينهم لهم صحيحة. وفي رواية جابر عن ابي جعفر " ع " فاياكم والطعن على المؤمنين. ضعيفة لعمرو بن شمر السكوني عن ابي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة. ضعيفة للنوفلي. أبو بصير عن ابي جعفر " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه. موثقة لعبد الله بن بكير. أبو حمزة الثمالي قال: سمعت ابا جعفر " ع " يقول: إن اللعنة إذا خرجت من في صاحبها ترددت بينهما فان وجدت مساغا وإلا رجعت على صاحبها. موثقة للحسن بن علي ابن فضال. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المذكورة. وفي ج 2 ئل باب 159 تحريم الطعن على المؤمن وباب 160 تحريم لعن المؤمن من احكام العشرة ص 240. وباب 70 تحريم الفحش. وباب 71 تحريم البذاء من جهاد النفس ص 476. وج 2 المستدرك باب الفحش. وباب 71 تحريم البذاء من جهاد النفس ص 476. وج 2 المستدرك باب 138 تحريم سب المؤمن من العشرة ص 109، وباب 71 تحريم الفحش من جهاد النفس ص 339. وج 3 الوفاى باب البذاء ص 160. وج 2 كابهامش مرآة العقول باب البذاء ص 312. وغير ذلك من الموارد. (2) في ج 10 سنن البيهقي باب شهادة اهل العصبية ص 235: عن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يتعد المظلوم. وفي رواية عياض بن حمار عن رسول الله صلى الله عليه وآله: المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان الخ. وفي رواية اخرى جعل الشتم من الكبائر. وفي ص 209: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. وغير ذلك من احاديث العامة.

[ 279 ]

نعم المراد هنا من المؤمن في رواياتنا غير ما هو المراد في روايات العامة، ومن هنا منعوا عن سب أبي حنيفة (1) وأشباهه، ويدل على الحرمة أيضا قوله تعالى (2): (واجتنبوا قول الزور) فان سب المؤمن من أوضح مصاديق قول الزور، ولا ينافي ذلك ما ورد من تطبيق الآية على الكذب كما سيأتي. قوله: (ورواية ابن الحجاج عن ابي الحسن في الرجلين يتسابان قال: البادي منهما اظلم ووزره على صاحبه ما لم يعتذر إلى المظلوم. وفي مرجع الضمائر اغتشاش، ويمكن الخطأ من الراوي). أقول: محصول كلامه: ان الظاهر وقوع الاغتشاش في مرجع الضمائر في الرواية بحسب المعنى، فانه إذا رجع الضميران المجرور في قوله " ع ": (ووزره على صاحبه) إلى الراد لزم كون الوزرين كليهما على البادي، وليس على الراد شئ، ويمكن ان يكون لفظ الرواية (مثل وزره على صاحبه) فتكون دالة على ان البادي يستحق وزرين: احدهما للمباشرة. والثاني للتسبيب من غير أن يخفف عن الراد شئ، ولكن الراوي أخطأ فحذف كلمة مثل. وعليه فشأن الرواية شأن ما عن ابي جعفر " ع " (قال أيما عبد من عباد الله سن سنة هدى كان له مثل أجر من عمل بذلك من غير أن ينقص من اجورهم شئ وأيما عبد من عباد الله سن سنة ضلال كان عليه مثل وزر من فعل ذلك من غير أن ينقص من اوزارهم شئ). وغير ذلك من الروايات المستفيضة (3) الواردة بهذا المضمون. ولكن ما افاده المصنف على خلاف الظاهر من الرواية، فان الظاهر منها الضمير المضاف إليه في كلمة (وزره) يرجع إلى السب المستفاد من قوله " ع ": (يتسابان)، نظير قوله تعالى (4): (اعدوا هو اقرب للتقوى) فالمعنى ان وزر كل سب على فاعله، ولا يرتفع عنه إلا بالاعتذار من المسبوب، لهتك كل من المتسابين صاحبه وظلمه إياه، وعلى هذا فلا اغتشاش في الضمائر. ولكن الذي يسهل الخطب انا لم نجد الرواية على النحو الذي نقله المصنف، بل هي مروية هكذا: (ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم. وفي رواية اخرى:


(1) في ج 6 شرح فتح القدير ص 40 في عداد من لا تقبل شهادته قال: ولا من يظهر سب السلف كالصحابة والتابعين ومنهم أبو حنيفة وكذا العلماء. (2) سورة الحج آية: 31. (3) راجع ج 2 ئل باب 16 إقامة السنن الحسنة من الامر بالمعروف ص 496. (4) سورة المائدة آية: 11.

[ 280 ]

(ما لم يتعد المظلوم) أي ما لم يتجاوز عن الاعتداء بالمثل. وقد ذكرناهما في الحاشية آنفا. اما الاولى فتدل على ان البادي منهما يستحق وزرين: احدهما بالاصالة والآخر بالتسبيب وإلقاء غيره في الحرام الواقعي، وقد عرفت في البحث عن حرمة تغرير الجاهل ان التسبيب إلى الحرام حرام حرام بالادلة الاولية، مع قطع النظر عن الروايات الخاصة. واما الثانية فتدل على جواز الاعتداء بالمثل، وكون وزر الاعتداء على البادي من دون ان يكون للمظلوم شئ من الوزر ما لم يتجاوز وإذا تجاوز كان هو البادي في القدر الزائد وقد ذهب إلى ذلك جمع من الاكابر، قال العلامة المجلسي (1): إن إثم سباب المتسابين على البادي، اما إثم ابتدائه فلان السب حرام وفسق، لحديث: سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر، واما إثم سب الراد فلان البادي هو الحامل له على الرد إلى ان قال: لكن الصادر عنه هو سب يترتب عليه الاثم، إلا ان الشرع اسقط عنه المؤاخذة، وجعلها على البادي، للعلة المتقدمة، وإنما اسقطها عنه ما لم يتعد، فان تعدى كان هو البادي في القدر الزائد. وعن المحقق الاردبيلي في آيات الاحكام بعد ذكر جملة من الآيات الظاهرة في الاعتداء بالمثل قال: فيها دلالة على جواز القصاص في النفس والطرف والجروح، بل جواز التعويض مطلقا حتى ضرب المضروب وشتم المشتوم بمثل فعلهما إلى أن قال وتدل على عدم التجاوز عما فعل به وتحريم الظلم والتعدي. ومن هنا ظهر أن هذا الرأي لا بعد فيه خلافا لما استظهرناه في الدورة السابقة. وقد وقع التصريح بذلك في جملة من أحاديث العامة، وتقدم بعضها في الهامش. قوله: (ثم إن المرجع في السب إلى العرف). أقول: الظاهر من العرف واللغة (2) اعتبار الاهانة والتعبير في مفهوم السب، وكونه تنقيصا وإزرءا على المسبوب، وأنه متحد مع الشتم، وعلى هذا فيدخل فيه كلما يوجب إهانة المسبوب وهتكه كالقذف والتوصيف بالوضيع واللاشئ والحمار والكلب والخنزير والكفار والمرتد والابرص والاجذام والاعور وغير ذلك من الالفاظ الموجبة للنقص والاهانة، وعليه فلا يتحقق مفهومه إلا بقصد الهتك


(1) راجع ج 2 مرآة العقول ص 311. (2) في لسان العرب: سب اي عير بالبخل، والسب الشتم، والسبة العار. ويقال: صار هذا الامر سبة عليهم بالضم اي عارا يسب به. وعن المصباح: السبة العار. وفي مفردات الراغب: السب الشتم الوجيع، والسبابة سميت للاشارة بها عند السب وتسميتها بذلك كتسميتها بالمسبحة لتحريكها بالتسبيح.

[ 281 ]

واما مواجهة المسبوب فلا تعتبر فيه. قوله: (فالنسبة بينه وبين الغيبة عموم من وجه). اقول: ذكر المصنف في البحث عن مستثنيات الغيبة ما هذا نص عبارته: (نعم لو تأذى من ذمه بذلك دون ظهوره لم يقدح في الجواز ولذا جاز سبه بما لا يكون كذبا وهذا هو الفارق بين السب والغيبة حيث إن مناط الاول المذمة والتنقيص فيجوز ومناط الثاني إظهار عيوبه فلا يجوز إلا بمقدار الرخصة) والتحقيق ان النسبة بينهما هي العموم من وجه، فانه قد يتحقق السب ولا يتصف بعنوان الغيبة، كأن يخاطب المسبوب بصفة مشهورة مع قصد الاهانة والاذلال، فان ذلك ليس إظهارا لما ستره الله، وقد تتحقق الغيبة حيث لا يتحقق السب، كأن يتكلم بكلام يظهر به ما ستره الله من غير قصد للتنقيص والاهانة، وقد يجتمعان، ويتعدد العقاب في مورد الاجتماع، لكون كل من العنوانين موضوعا للعقاب، فلا وجه للتداخل، ولعل هذا مراد المصنف هنا وفي مبحث الغيبة. وقال المحقق الايرواني: ان النسبة بين السب والغيبة (هو التبائن فان السب هو ما كان بقصد الانشاء واما الغيبة فجملة خبرية). وفيه انه لا دليل على هذه التفرقة فان كلا منهما يتحقق بكل من الانشاء والاخبار. قوله: (ثم إنه يستثنى من المؤمن المتظاهر بالفسق). اقول: يجوز سب المتجاهر بالفسق بالمعصية التي تجاهر فيها، لزوال احترامه بالتظاهر بالمنكرات، كما في بعض الاحاديث، وسيأتي ذكره في البحث عن مستثنيات الغية، واما المعاصي التي ارتكبها العاصي ولكن لم يتجاهر فيها فلا يجوز السب بها، واما السب بما ليس في المسبوب فافتراء عليه فيحرم من جهتين. قوله: (ويستثنى منه المبدع ايضا). أقول: قد دلت الروايات المتظافرة (1) على جواز سب المبدع في الدين ووجوب البراءة منه واتهامه، ولكن الظاهر أنه لا وجه لجعله من


(1) في ج 2 ئل باب 39 وجوب البراءة من أهل البدع من الامر بالمعروف ص 510 وج 1 الوافى باب البدع ص 56. وج 2 كابهامش مرآة العقول ص 366: عن داود ابن سرحان عن ابي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الاسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لهم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة. صحيحة، وغير ذلك من الروايات المذكورة فلا الابواب المزبورة. والوقيعة: الغيبة.

[ 282 ]

المستثنيات باستقلاله، فانه إن كان المراد به المبدع في الاحكام الشرعية فهو متجاهر بالفسق، وإن كان المراد به المبدع في العقائد والاصول الدينية فهو كافر بالله العظيم، فيكون خارجا عن المقام موضوعا، لعدم كونه متصفا بالايمان. قوله: (ويمكن ان يستثنى من ذلك ما إذا لم تأثر المسبوب عرفا). أقول: مقتضى الاطلاقات المتقدمة ان سب المؤمن حرام مطلقا سواء تأثر أم لم يتأثر، نعم إذا لم يوجب إهانة المسبوب في نظر العرف كان خارجا عن عنوان السب موضوعا، لما عرفت من اعتبار الاهانة والاستنقاص في مفهوم السب. وعليه فلا وجه لاستثناء بعض الامثلة عن مورد البحث كسب الوالد ولده، وسب المعلم متعلمه، وسب المولى عبده، لانه إن كان موجبا لاهانتهم فلا مجوز للاستثناء وإن لم يكن موجبا لذلك فهو خارج عن السب موضوعا. وقد ظهر ايضا فساد ما يقال: من أن السب في الامثلة المذكورة فخر للمسبوب وتأديب له فلا يحرم. ووجه الفساد أن مفهوم السب ينافي مفهوم الفخر والتاديب، فلا يجتمعان في مورد واحد، واضعف من جميع ذلك دعوى السيرة على الجواز في الموارد المزبورة، فانا لو سلمنا تحقق السيرة من المتدينين فانما هي في غير موارد الهتك والظلم، فلا تكون إلا على جواز التأديب دون السب. قوله: (وأما الوالد فيمكن استفادة الجواز في حقه مما ورد من مثل قولهم " ع " أنت ومالك لابيك). أقول: قد وردت هذه الجملة المباركة في الروايات المتظافرة (1) الصحيحة وغيرها، ولكنها راجعة إلى الجهات الاخلاقية الناشئة من الجهات التكوينية، فان الولد بحسب التكوين من المواهب الالهية للوالد فلا يناسبه ان يعارض أباه في تصرفاته. ويؤيد ذلك المعنى ما في رواية محمد بن سنان الضعيف، من تعليل حلية مال الولد لابيه بأن الولد موهب للوالد في قوله تعالى (2): (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) وعليه فليس لفظ اللام في قوله " ع ": (أنت ومالك لابيك) إلا للاختصاص فقط الناشئ من المحبة الجبلية والعطوفة الغريزية المنافية للايذاء والاذلال ولو بالسب والشتم. نعم لو دلت هذه الروايات على الملكية حقيقة كانت أم تنزيلية، أو على الولاية المطلقة والسلطنة التامة كان لكلام المصنف وجه. ولكن كلا الاحتمالين بديهي البطلان. أما الاول فلانه لو تم لجاز للاب أن يتصرف


(1) راجع ج 2 ئل باب 107 حكم الاخذ من مال الولد والاب مما يكتسب به ص 559 (2) سورة الشورى آية: 49.

[ 283 ]

في ما يرجع إلى أولاده، ويتصرف في شؤونهم تصرف الموالي في عبيدهم وامورهم مع أنه لم يلتزم به أحد. على أنه مخالف للروايات (1) المعتبرة الصريحة في أن للاب أن يستقرض من مال ابنه، ويقوم جاريته بقيمة عادلة، ويتصرف فيها بالملك، فان من الواضح أنه لو كان الابن وماله للاب لما احتاج في جواز التصرف في ماله وجاريته إلى الاستقراض والتقويم. وأما الثاني فأيضا فاسد، لان مورد بعضها الولد الكبير، ومن المقطوع به أنهلا ولاية للاب عليه، ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه فهي معارضة بما دل على حرمة سب المؤمن بالعموم من وجه، ففي مورد التعارض يرجع إلى عمومات ما دل على حرمة الظلم، وهو واضح حرمة السحر قوله: (العاشرة السحر حرام في الجملة بلا خلاف). اقول: لا خلاف في حرمة السحر في الجملة، بل هي من ضروريات الدين، ومما قام عليه إجماع المسلمين، وقد استفاضت بها الروايات من طرقنا (2).


(1) راجع ج 2 ئل باب 107 وباب 108 مما يكتسب به ص 106. (2) في ج 2 ئل باب 14 تحريم العمل بعلم النجوم من آداب السفر إلى الحج ص 181 وج 4 مرآة العقول ص 410 في نهج البلاغة: المنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار. مرسلة. وفي ج 2 ئل باب 52 عدم جواز تعلم النجوم مما يكتسب به ص 544. وج 4 مراة العقول ص 412 عن الصدوق في رواية نضر: والساحر ملعون. ضعيفة للحسن بن علي الكوفي واسحاق بن ابراهيم. وقال: قال " ع ": المنجم كالكاهن. إلى آخر ما تقدم من النهج. مرسلة. وفي ج 2 كاباب 62 حد الساحر ص 311. وج 3 ئل باب 1 أن حد الساحر القتل من أبواب بقية الحدود ص 460. وج 9 الوافى باب حد الساحر ص 69. وج 2 التهذيب باب من الزيادات في الحدود ص 430: عن السكوني عن ابي عبد الله " ع " قال رسول الله صلى الله عليه وآله ساحر المسلمين يقتل وساحر الكافر لا يقتل، قيل يا رسول الله ولم لا يقتل ساحر الكفار؟ فقال: لان الكفر أعظم من السحر ولان السحر والشرك مقرونان. ضعيفة للنوفلي. (وفي ج 2 المستدرك ص 434، وج 3 المستدرك ص 248 عن الجعفريات مثله بتفاوت يسير. مجهول لموسى بن اسماعيل).

[ 284 ]

ومن طرق العامة (1) وهذا لا شبهة فيه، وإنما الكلام في تحقيق موضوع السحر وبيان حقيقته. وقد اختلفت كلمات أهل اللغة (2) في ذلك، فذكر بعضهم أنه الخدعة والتمويه،


وعن زيد الشحام عن ابي عبد الله " ع " قال: الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه. مجهولة لحبيب بن الحسن وبشار. وفي رواية اخرى قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الساحر فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا عليه فقد حل دمه. ضعيفة للحسين بن علوان العامي. وعن إسحاق بن عمار: إن عليا " ع " كان يقول: من تعلم من السحر شيئا كان آخر عهده بربه وحده القتل إلا أن يتوب. حسنة لابراهيم بن هاشم. في ج 2 ئل باب 53 تحريم تعلم السحر مما يكتسب به ص 544 عن قرب الاسناد مثله. ضعيفة لابي البختري. وعن الخصال: ثلاثة لا يدخلون الجنة، وعد منهم مد من السحر. مجهولة لجهالة أكثر رواتها وفي قصة هارون وماروت ما يدل على حرمة السحر وكفر الساحر ولكنها ضعيفة السند وفي كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 262. وفي ج 3 الوافى باب الكبائر ص 175. وج 2 ئل باب 45 من جهاد النفس ص 463 في صحيحة عبد العظيم الحسيني عد السحر من الكبائر. وفي ج 2 المستدرك ص 434 عن الجعفريات عن علي " ع " إنه قال: من السحت ثمن الميتة إلى أن قال وأجر الساحر. مجهولة لموسى بن اسماعيل. وفي ج 3 ص 248 عن الجعفريات: إن ابن أعصم سحر النبي صلى الله عليه وآله فقتله. مجهولة لموسى بن اسماعيل. وغير ذلك من الروايات الكثيرة الصريحة في حرمة السحر وقد ذكرت هذه الاخبار الكثيرة في المصادر المزبورة وغيرها. (1) في ج 8 سنن البيهقي ص 135 عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد. وفي رواية اخرى كتب عمر: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وفي ثالثة: حد الساحر ضربة بالسيف. وغيرها من الاحاديث من طرق العامة. (2) في لسان العرب: ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى يظن ان الامر كما يرى وليس الاصل على ما يرى. والسحر الاخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر. قال الازهري: وأصل السحر صرف الشئ عن حقيقته إلى غيرها، فكأن الساحر لما أرى

[ 285 ]

وقال بعضهم: إنه إظهار الباطل بصورة الحق. وقيل: هو الاخذة في العين. وفي القاموس: إنه ما لطف مأخذه ودق. وقال بعضهم: إنه صرف الشئ عن وجهه إلى غير حقيقته بالاسباب الخفية على سبيل الخدعة والتمويه، إلى غير ذلك من التعاريف. وقدع الخلاف بين الاصحاب في ذلك ايضا، فعن العلامة في القواعد إنه كلام يتكلم به، أو يكتبه أو رقية، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة. وعن المنتهى إنه زاد أو عقد، وفي المسالك إنه زاد أو أقسام وعزائم يحدث بسببها ضرر على الغير، وعن الدروس إنه زاد الدخنة والتصوير والنفث وتصفية النفس إلى غير ذلك من كلماتهم. والتحقيق ان المتبادر عند أهل العرف من كلمة السحر والظاهر من استقراء موارد استعمالها وما اشتق منها عند اهل اللسان، والمتصيد من مجموع كلمات اللغويين في تحديد معناها أن السحر هو صرف الشئ عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه، بحيث إن الساحر يلبس الباطل لباس الحق ويظهره بصورة الواقع فيري الناس الهياكل الغريبة والاشكال المعجبة المخوفة.


الباطل في صورة الحق خيل الشئ على غير حقيقته، فقد سحر الشئ عن وجهه أي صرفه. وقال الفراء في قوله تعالى: (فأنى تسحرون) معناه: فأنى تصرفون. وقال يونس: تقول العرب للرجل: ما سحرك عن وجه كذا وكذا؟ أي صرفك. وفي أقرب الموارد: سحره سحرا عمل له السحر وخدعه. وسحر فلانا عن الامور صرفه. ويقال: سحرت الفضة إذا طليتها بالذهب. وقيل: السحر والتمويه يجريان مجرى واحدا. وفي مجمع البحرين: فأنى تسحرون، اي فكيف تخدعون عن توحيده ويموه لكم. ويسمى السحر سحرا لانه صرف جهته. وفي مفردات الراغب: نحن قوم مسحورون، أي مصروفون عن معرفتنا بالسحر. وفي المنجد: سحره خدعه. وسحره عن كذا صرفه وأبعده. وسحر الفضة طلاها بالذهب. وعن الطبرسي عن صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشياطين. ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى تظن ان الامر كما ترى وليس الامر كما ترى فالسحر عمل خفي لخفاء سببه يصور الشئ بخلاف صورته ويقلبه عن جنسه في الظاهر ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة، ألا ترى إلى قول الله تعالى (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى).

[ 286 ]

والوجه في ذلك ان السحر عمل خفي يحصل بالاسباب الخفية، ويصور الشئ على خلاف صورته الواقعية، ويصرفه عن وجهه بالخدعة والتمويه، ويقلبه من جنسه في الظاهر، لا في الحقيقة، بحيث إن الساحر يسحر الناظرين حتى يتخيلوا انه يتصرف في الامور التكوينية، ويغيرها عن حقيقتها إلى حقيقة اخرى، فيريهم البر بحرا عجاجا تجري فيه السفن وتتلاطم فيه الامواج، من غير ان يلتفتوا إلى كونه خدعة وتمويها، وإظهارا للباطل بصورة الحق وقصة السحرة مع موسى " ع " مذكورة في القرآن (1) حين القوا (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى). لا يقال: قد تكون للسحر حقيقة واقعية كالتصرف في عقل المسحور أو بدنه، أو ما يرجع إليه، وعليه فلا يتم تعريفه المذكور. فانه يقال: ليست للسحر حقيقة واقعية، ولكن قد يترتب عليه أمر واقعي، فقد يظهر الساحر للمسحور شيئا مهولا، فيخاف هذا ويصبح مجنونا، أو يريه بحرا وفيه سفينة جارية، فيحاول المسحور ان يركبها فيقع من شاهق ويموت، فان الجنون والموت وإن كانا من الامور الواقعية، إلا انهما ترتبا على الامر التخيلي الذي هو السحر، ويقرب ما ذكرناه ما عن صاحب العين من أنه (يقلب الشئ من جنسه في الظاهر، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة). وقد اشير إلى ما ذكرناه في خبر الاحتجاج (2) حيث سئل الامام عليه السلام عن الساحر أيقلب الواقع إلى واقع آخر؟ فقال " ع ": هو اضعف من ذلك. وعلى ما ذكرناه من المعنى قد استعملت كلمة السحر في مواضع شتى من الكتاب العزيز (3) وأطلق المشركون صفة الساحر على النبي الصادق المصدق، فقد زعموا أن محمدا صلى الله عليه وآله يظهر الباطل بصورة الحق بكلمات فصيحة وخطب بليغة حتى يسحر بها أعين الناظرين وقلوبهم،


(1) سورة طه آية: 69. (2) في الاحتجاج ص 185 وج 4 البحار ص 130 في احتجاج الصادق " ع " على الزنديق قال لع: أفيقدر الساحر أن يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك؟ قال " ع ": هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغير خلق الله إن من أبطل ما ركبه الله وصوره وغيره فهو شريك الله في خلقه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة الحديث. مرسل. (3) في مفردات الراغب نحن قوم مسحورون، اي مصروفون. وفي لسان العرب فأنى تسحرون اي تصرفون. وفي مجمع البحرين: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، اي مصروفا عن الحق. وغير ذلك من الموارد.

[ 287 ]

ومن هنا أيضا اطلق السحر على البيان الجيد (1) بلحاظ المدح والذم، فانه يصرف حواس الحاضرين وآذان السامعين إلى المتكلم. وبهذا الاعتبار أيضا اطلق السحر على تمويه الفضة بالذهب. وعلى الجملة إن الناظر إلى كلمات أهل اللغة وموارد الاستعمال يقطع بأن السحر ليست له حقيقة واقعية، وإنما هو ما ذكرناه، ومن جميع ما تقدم ظهر ما هو المراد من الاخبار المتظافرة الدالة على حرمة السحر وقد ذكرنا بعضها في الهامش. وأما ما ذكره في القاموس من أن السحر ما لطف مأخذه ودق فانه وإن انطبق على ما ذكرناه، لان صرف الشئ عن وجهه على سبيل التمويه له مأخذ دقيق جدا، إلا أنه تعريف بالاعم، فان الامور التي يلطف مأخذها وهي ليست من السحر في شئ كثيرة جدا، كالقوى الكهربائية، والراديوات، والطائرات، وبعض اقسام ادوات الحرب، وغير ذلك مما لا يعرفه اكثر الناس، خصوصا الصناعات المستحدثة. وقد ظهر مما ذكرناه الفرق بين السحر وبين المعجزة والشعوذة، فانك قد عرفت في البحث عن حرمة التصوير (2) إجمالا أن الاعجاز أمر حقيقي له واقعية، إلا أنه غير جار على السير الطبيعي، بل هو أمر دفعي خارق للعادة، واما المقدمات الطبيعية فكلها مطوية فيه، كجعل الحبوب اشجارا وزروعا، والاحجار لؤلؤا ويواقيت دفعة واحدة، ومنه صيرورة عضا موسى " ع " ثعبانا، وصيرورة الاسد المنقوش على البساط حيوانا مفترسا بأمر الامام عليه السلام في مجلس الخليفة، وقد تقدم ذلك في المبحث المذكور، واما السحر فقد عرفت انه ليست لها حقيقة واقعية اصلا.


(1) في لسان العرب: السحر البيان في فطنة، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ان قال: إن من البيان لسحرا. قال أبو عبيدة: كان المعنى انه يبلغ من ثنائه انه يمدح الانسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر فكأنه قد سحر السامعين بذلك. وفي ج 14 البحار ص 251 ذكر الحديث ثم قال ما حاصله: وسمى النبي صلى الله عليه وآله بعض البيان سحرا لوجهين: الاول: انه لدقته ولطفه يستميل القلوب إلى المتكلم. والثاني: أن المتقدر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا وتقبيح ما يكون حسنا، فذلك يشبه السحر من هذا الوجه. (2) ص 227.

[ 288 ]

وأما الشعوذة فسيأتي انها عبارة عن الخفة في اليد والسرعة في الحركة المعبر عنها في لغة الفارس بكلمة (تردستي وتند كاري) فان المشعوذ الحاذق يفعل الامور العادية، والافعال المتعارفة بتمام السرعة، بحيث يشغل اذهان الناظرين بأشياء، ويأخذ حواسهم إليها، ثم يعمل شيئا آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة فيظهر لهم غير ما انتظروه، ويتعجبون منه ولكن الصادر منه أمر واقعي، كأخذ الاشياء من موضع ووضعها في موضع آخر بالسرعة التامة حتى يتخيل الناظر إليها انها انتقلت بنفسها، فالنقل والانتقال امر حقيقي، ولكن الناظر لا يلتفت إلى الناقل، وهذا بخلاف السحر، فانه أمر خيالي محض كما عرفت التنبيه عليه ومن هنا اتضح الفرق بين الشعوذة والمعجزة ايضا. واما ما ذكره الاصحاب من بيان حقيقه السحر واسبابه واقسامه فكلها تقريبية، فان انطبق على ما ذكرناه فهو، وإلا فيرد إلى قائله، وهو اعرف بمقاله. أقسام السحر ولا بأس بالتعرض لما ذكره الاصحاب من اقسام السحر ليعلم هل انها مشمولة لما دل على حرمة السحر أم لا؟ وقد تكلم عليها العلامة المجلسي في البحار (1) واطال الكلام فيها موضوعا وحكما، نقضا وإبراما. وحاصل كلامه في تحقيق اقسام السحر: انه على انواع شتى، النوع الاول: سخر الكذابين (أو الكدانيين) الذين كانوا من قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب، ويزعمون كونها مدبرة للعالم السفلي، ومبادي لصدور الخيرات والشرور، وقد بعث الله ابراهيم " ع " مبطلا لمقالتهم وهدم اساس مذهبهم، وهم على فرق ثلاث: فان منهم من يزعم ان الكواكب هي الواجبة الخالقة للعالم، ومنهم من يزعم انها قديمة لقدم العلة المؤثرة فيها، ومنهم من يزعم انها حادثة مخلوقة، ولكنها فعالة مختارة فوض خالقها أمر العالم إليها. والساحر من هذه الفرق الثلاثة من يعرف القوى العالية الفعالة: بسائطها ومركباتها، ويعرف ما يليق بالعالم السفلي وحوادثه، ويعرف معدات هذه الحوادث ليعدها، وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية، فيكون متمكنا من استحداث ما يخرق العادة. انتهى ملخص كلام المجلسي في النوع الاول. أقول: قد عرفت ان السحر هو صرف الشئ عن وجهه على سبيل الخديعة والتمويه


(1) راجع ج 14 ص 251.

[ 289 ]

من دون ان يكون له واقعية، فاستحداث الامور الخارقة للعادة ليس من السحر، ولو تمكن احد من إحداث الامور الغريبة بواسطة القوة النفسانية الحاصلة بالرياضة، أو بصرف المقدمات فلا يقال له: إنه ساحر، بل لا دليل على حرمته، فان هذا شعار أهل الكرامة. نعم لا شبهة في كفر الفرق المذكورة، كما اعترف به المجلسي (ره) حتى الفرقة الثالثة القائلة: بتفويض أمر العالم إلى الكواكب، فان قولهم هذا مخالف لضرورة الدين، فان الله هو الذي يحيي ويميت، ويهب لمن يشاء ذكورا، ويهب لمن يشاء إناثا، ويصور في الارحام كيف يشاء. النوع الثاني: سحر أصحاب الاوهام والنفوس القوية، فقد ثبت بالوجوه العديدة امكان تسلط النفوس على جوارح الغير وأعضائه، فتسخره للقيام بحرمات وتادية أعمال على غير إرادة منه، ومن دون وساطة شئ آخر. وهذه النفوس قد تكون لرياضتها قوية صافية عن الكدورات البدنية، فتستغني في تأثيرها عن الاستعانة بأدوات من خارجها، وتصدر عنها الامور الغريبة الخارقة للعادة، وقد تكون ضعيفة وممزوجة بأوساخ المواد، فتحتاج في إتمام تأثيرها إلى الاستعانة بأدوات سحرية اخرى، انتهى حاصل كلامه في النوع الثاني. أقول: لا شبهة أن بعض النفوس لصفائها بالرياضات تؤثر في الامور التكوينية، وتصرفها عن وجهها صرفا حقيقيا، كإيقاف الماشي عن المشي، والمياه الجارية عن الجريان، بل قيل إن هذا المعنى مكنون في الاسد بحسب الغريزة والطبيعة، فانه إذا نظر إلى حيوان أوقفه عن المشي والحركة، إلا أنه لا دليل على حرمته بعنوان الاولى ما لم يترتب عليه شئ من العناوين المحرمة، بل نمنع عن صدق السحر عليه، وإنما هو نحو من الكرامة إن كان بطريق حق، ومن الكفر أو الفسق إن كان بطريق الباطل. ولا نظن أن يتوهم احد أن تصفية النفس بالرياضات الحقة حتى تصير مؤثرة في الامور التكوينية من المحرمات، بل هو مطلوب في الشريعة المقدسة إذا كان بالاطاعة والتقوى، ومن المعروف المشهور أن سلمان رضى الله عنه قد وصل بمجاهداته وتقواه وعظيم طاعته لمولاه إلى حد أن انقادت الامور التكوينية لارادته والتزمت فرض طاعته. النوع الثالث: من السحر الاستعالنة بالارواح الارضية، واعلم ان القول بوجود الجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة. وأما أكابر الفلاسفة فانهم لم ينكروا القول بوجود الجن، ولكنهم سموها بالارواح الارضية. وهي بأنفسها مختلفة الاصناف، فان منها خيرة ومنها شريرة. وقد شاهد أهل الصنعة

[ 290 ]

والتجربة أن الاتصال بها يحصل بامور خفيفة وبأفعال سهلة لا مشقة في إيجادها، كالبرق والدخن والتجريد، وقد سموا هذا النوع بالعزائم وعمل تسخير الجن، انتهى حاصل كلام المجلسي في النوع الثالث. أقول: لا ريب في خروج هذا النوع أيضا من السحر موضوعا وحكما، تعليما وتعلما، بل لا دليل على حرمته في نفسه إلا إذا ترتب عليه عنوان محرم من إيذاء إنسان والاضرار به، أو كانت مقدماتها محرمة، فيحرم الاشتغال بها، وإلا فلا يحرم استخدام الجن، وكشف الغائبات بواسطتهم، بل لا دليل على حرمة إيذاهم. النوع الرابع: مما ذكره المجلسي (ره) من اقسام السحر: التخيلات والاخذ بالعيون، وهذا النوع يتضح بامور: الاول: وقوع الاغلاط في البصر كثيرا، فان الساكن قد يرى متحركا وبالعكس، كما أن راكب السفينة إذا نظر إلى البحر يرى السفينة ساكنة ويرى الماء متحركا، والقطرة النازلة من السماء ترى خطا مستقيما، والشعلة الجوالة ترى دائرة من النار، والاشياء الصغيرة ترى في الماء كبيرة، وغير ذلك من أغلاط البصر. الثاني: أن المحسوسات قد يختلط بعضها ببعض إذا كانت مدركة بسرعة النظر، لان القوة الباصرة إذا وقفت على محسوس وقوفا تاما في زمان معتد به ادركته على نحو لا يشتبه بغيره كثيرا، وأما إذا ادركته في زمان قليل، ثم أدركت محسوسا آخر وهكذا، فانه يختلط بعضه ببعض. الثالث: انه قد تشغل النفس بشئ فلا تشعر حينئذ بشئ وإن كان حاضرا عند الانسان كالوارد على السلطان، فانه قد يلقاه شخص فيتكلم معه، ولكن لا يلتفت إليه، والناظر في المرآة يرى القذارة في عينيه ولا يرى أكبر منها. إذا عرفت هذه الامور اتضح لك تصوير هذا النوع من السحر، فان المشعبذ الحاذق يشغل اذهان الناظرين بامور، ويأخذ بأبصارهم، ثم يعمل شيئا آخر بسرعة شديدة، وبحركة خفيفة، فيظهر لهم غير ما انتظروه، فيتعجبون منه. أقول: هذا النوع هو المعروف بالشعوذة، فلا يرتبط بالسحر، وسيأتي انه لا دليل على حرمتها، فانها ليست إلا الحركة السريعة في الاعضاء، فلا معنى لحرمتها في نفسها، إلا إذا اقترنت بعناوين محرمة. نعم أطلق عليها السحر في خبر الاحتجاج المتقدم في الحاشية، فانه قد ذكر الامام " ع " فيه: (ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفة) إلا انه على سبيل المجازية، فقد عرفت الفرق بين السحر والشعوذة، وعدم صدق كل منهما على الآخر

[ 291 ]

النوع الخامس: الاعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات على النسب الهندسية، كراقص يرقص، وكفارسين يقتتلان، وكراكب على فرسه وفي يده بوق كلما مضى ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد، ومن هذا القبيل الصور المصنوعة لاهل الروم والهند بحيث يراها الناظر إليها إنسانا على كيفيات مختلفة ضاحكة وباكية حتى يفرق فيها بين ضحك السرور وضحك الخجل وضحك الشامت، فهذه الوجوه كلها من لطائف التخابيل، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب. ومن ذلك أيضا تركيب صندوق الساعات، وعلم جر الاثقال والاجسام العظيمة بآلات خفيفة، وهذا النوع في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من السحر، فان لها أسبابا معلومة معينة، ومن اطلع عليها قدر على إيجادها، وحيث لم يصل إليها إلا الفرد النادر لصعوبتها عدها أهل الظاهر من السحر، انتهى ملخص كلامه. أقو: ل إن إيجاد الصنايع المعجبة وتركيب الامور الغريبة كما هو المعروف كثيرا في العصر الحاضر، كالطائرات والقطارات والسيارات وسائر أدوات النقل والآلات العجيبة المعدة للحرب ليس من المحرمات بعناوينها الاولية إلا إذا انطبقت عليه عناوين محرمة اخرى، وليس من مقولة السحر، كما اعترف به المجلسي، ولم يثبت كون سحر سحرة فرعون من هذا القبيل. النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الادوية مثل أن تجعل في الطعام بعض الادوية المبلدة، أو المزيلة للعقل، أو الدخن المسكر " البخور " أو عصارة البنج المجعول في الملبس، وهذا مما لا سبيل إلى لنكاره، فان أثر المقناطيس شاهد، انتهى ملخص كلام المجلسي. أقول: هذا النوع أيضا خارج عن السحر موضوعا وحكما، وإنما هي اسرار يكتشفها علم الكيمياء، وقد يستعان بها في علم الطب، ولو كانت الاستعانة بالادوية محرمة للزم القول بحرمة علم الطب، ولم يلتزم به أحد، بل وجوبه من الضروريات عند الملل وعقلاء العالم النوع السابع من السحر: تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر علم الكيمياء وعلم الليميا والاسم الاعظم، ويدعي أن الجن يطيعونه، فإذا كان السامع ضعيف العقل قليل التميز اعتقد بذلك وتعلق قلبه به، ويلزم ذلك أن يحصل فيه الرعب والخوف، ويفعل فيه الساحر ما يشاء، مع أن تلك الدعاوى ليس لها أصل، ومن جرب هذا المعنى وأهله علم أن لتعليق القلب أثرا عظيما من حيث الخوف والرجاء كليهما. وفيه أنه لا وجه لجعله من أقسام السحر، وإنما هو قسم من الكذب، إذا لم يكن له

[ 292 ]

واقع، على أن تعليق القلب لو كان سحرا لكانت الاستمالة بمطلقها سحرا محرما، سواء كانت بالامور الواقعية أم بغيرها. النوع الثامن: النميمة. وفيه أنها وإن كانت محرمة بالضرورة عند الفريقين، بل عند العقلاء، إلا أنها أجنبية عن السحر وعن مورد الاخبار الدالة على كفر الساحر ووجوب قتله، فان من البديهي أن النمام ليس بكافر ولا يجوز قتله. وعلى الجملة لم يتحصل لنا من الاقسام المذكورة ما يكون سحرا ومحرما بعنوانه، فانحصر السحر المحرم بما ذكرناه: أعني صرف الشئ عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه. وقد تقدم أن هذا هو المورد للاخبار الدالة على حرمة السحر. ثم إنه ورد في جملة من الروايات المتقدمة ما دل على كفر الساحر. وفي الروايات الاخرى المتقدمة في الحاشية أنه يقتل. أما الحكم بالكفر فلا يمكن أن يراد به الكفر المصطلح في الشريعة المقدسة. ضرورة عدم جريان احكام الكفر عليه، من قسمة الاموال، وبينونة زوجته والحكم بنجاسته، فيشمله ما دل على إسلام من أقر بالشهادتين والمعاد، على أنا لم نر ولم نسمع من يعامل الساحر معاملة الكافر حتى في زمن النبي صلى الله عليه وآله والائمة. ويؤيد ما ذكرناه ما سيأتي في البحث عن جواز دفع السحر بالسحر من قوله " ع " للساحر الذي أخذ السحر صناعة لنفسه: (حل ولا تعقد). فلو كان السحر موجبا للكفر لحكم أبو عبد الله بكفره، ولكن الرواية مجهولة. وكيف كان فما دل على كفر الساحر لا بد من حمله إما على مستحل السحر، وإما على من يعارض به القرآن والنبوة، ويدعي به الرسالة أو الامامة، أو يدعي ما لا يقدر عليه إلا الله، ويدل على الاخير ما في رواية العسكري " ع " في قصة هاروت وماروت من قوله عليه السلام: (فلا تكفر باستعمال هذا السحر وطلب الاضرار ودعاء الناس إلى ان يعتقدوا انك تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلا الله فان ذلك كفر). ولكن الرواية ضعيفة السند. وسنتعرض لها في البحث عن جواز دفع السحر بالسحر وأما الحكم بقتله فهو المشهور بين الاصحاب، بل في كلمات غير واحد منهم دعوى الاجماع عليه من دون فرق بين المستحل وغيره. وفي حدود الرياض: " يقتل الساحر إذا كان مسلما، ويعزر إذا كان كافرا، بلا خلاف فتوى ونصا، ثم قال: إن مقتضى إطلاق النص والفتوى بقتله عدم الفرق فيه بين كونه مستحلا أم لا، وبه صرح بعض الاصحاب، وحكى آخر من متأخر المتأخرين فولا بتقييده

[ 293 ]

بالاول، ووجهه غير واضح). أقول: قد ورد في الروايات العديدة المتقدمة في أول المسألة أن حد الساحر هو القتل، إلا أنها روايات ضعيفة، وغير منجبرة بالشهرة الفتوائية، فقد عرفت مرارا أنها لا تجبر ضعف الرواية. وعليه فان تم الاجماع والتسالم على ذلك أخذ به، وإلا فعمومات ما دل على حرمة قتل النفس محكمة. نعم إذا كان الساحر مستحلا للسحر، أو كان يعارض به بعض المناصب الالهية وجب قتله، إلا أن القتل لم يجب عليه بما أنه ساحر، بل بما أنه منكر لما هو من ضروريات الاسلام. قوله: (وبعضها قد ذكر فيما ذكره في الاحتجاج). أقول: قد ظهر مما تقدم أن إطلاق السحر على بعض الامور المذكورة في خبر الاحتجاج كالسرعة والخفة والنميمة إنما هو بنحو من العناية والمجاز، على أن الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بشئ. قوله: (وأما الاقسام الاربعة المتقدمة من الايضاح الخ). اقول: قال في محكي الايضاح: إن استحداث الخوارق إما بمجرد التأثيرات النفسانية: وهو السحر، أو بالاستعانة بالفلكيات فقط: وهو دعوة الكواكب، أو بتمزيج القوى السماوية بالقوى الارضية: وهي الطلسمات، أو على سبيل الاستعانة بالارواح الساذجة: وهي العزائم، ويدخل فيه النيرنجات، والكل حرام في شريعة الاسلام ومستحله كافر. وتبعه المصنف في ذلك، لوجهين: الاول شهادة المجلسي (ره) في البحار بدخولها في السحر عند اهل الشرع، فتشملها الاطلاقات. الثاني: دعوى فخر الدين في الايضاح كون حرمتها من ضروريات الدين، وهذا الوجه يوجب الاطمينان بالحكم، وباتفاق العلماء عليه في جميع الاعصار. اما الوجه الاول: فيرد عليه أولا انه لا حجية في شهادة المجلسي، لاستناده إلى اجتهاده وقد اعترف به المصنف ايضا فيما سيأتي، فقد قال: (لكن الظاهر استناد شهادتهم إلى الاجتهاد). وثانيا: أنا لم نجد في كلام المجلسي شهادة على كون الاقسام المذكورة من السحر عند عرف الشارع، فانه قال: (إن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل مخفي سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع). ثم ذكر الانواع المتقدمة، وأي شهادة في ذلك على مقصود المصنف. وثالثا: أنك قد عرفت خروج كثير من الاقسام المزبورة بل كلها عن حقيقة السحر،

[ 294 ]

بل يكفي الشك في منع شمول الاطلاقات لها، لعدم جواز التمسك بها عند الشك في الصدق. ورابعا: ما ذكره المصنف فيما سيأتي من معارضة شهادة المجلسي بما ذكره الفخر من إخراج علمي الخواص والحيل من السحر، وبما ذكره صاحب لك وغيره من تخصيصهم السحر بما يحدث ضررا، وبما ذكره العلامة من تخصيصه السحر بما يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله، وهذه الشهادات من هؤلاء الاعيان تكشف عن عدم العموم في لفظ السحر لجميع ما تقدم، وعن كون الاطلاق في جملة منها مجازا. ومن هنا ظهر الجواب عن الوجه الثاني ايضا. على أن الدعوى المذكورة لا توجب الاطمينان بالحكم إلا في المورد المتيقن، كالاضرار بالمسحور في عقله أو بدنه أو ماله أو ما يرجع إليه من شؤونه، وأما في غير الموارد المتيقنة فانه لا دليل لعى حرمة الاستعانة بالامور المتقدمة، بل ربما تكون مطلوبة لابطال سحر مدعي النبوة والامامة، ومع الشك فيه فأصالة البراءة محكمة. عدم اختصاص حرمة السحر بالمضر منه هل تختص حرمة السحر بالمضر منه أو تعم غير المضر ايضا؟ فيه خلاف. فالمحكي عن الشهيدين في الدروس ولك ان المعتبر في السحر الاضرار، وعن شارح النخبة ان ما كان من الطلسمات مشتملا على إضرار أو تمويه على المسلمين أو الاستهانة بشئ من حرمات الله فهو حرام، سواء عد من السحر أم لا، وعن جملة من الاكابر انه حرام مطلقا سواء أكان مضرا ام لا تمسكا بظاهر الاطلاقات المتقدمة، ومن هنا ظهر أنه لا وجه لتقييد السحر بما كان مؤثرا في بدن المسحور أو عقله أو قلبه من غير مباشرة كما عرفته عن العلامة في القواعد. وقد يستدل على اختصاص حرمة السحر بالمضر منه ببعض الروايات الواردة في قصة هاروت وماروت، وسيأتي ذكرها. وفيه أولا: أن هذه الروايات ضعيفة السند. وثانيا: أنه لا تنافى بينها وبين المطلقات الدالة على حرمة السحر مطلقا. قوله: (فمثل إحداث حب مفرط في الشخص يعد سحرا). أقول: الوجه فيه ما ورد

[ 295 ]

في بعض الاحاديث (1) من تشديد النبي صلى الله عليه وآله المرأة التي صنعت ذلك لزوجها، واستقباله إياها باللعن والتوبيخ، وحكمه عليها بعدم قبول التوبة. وفيه أولا: أنه ليس في الرواية ما يدل على كون المصنوع سحرا. وثانيا: أن العمل بها يقتضي حرمة إدخال الزوجة حبها في قلب الزوج وإن كان ذلك بالاخلاق الحسنة والافعال المرضية، مع انه مطلوب في الشريعة المقدسة، وقد أمر به في الاخبار المتظافرة، بل المتواترة المذكورة في ابواب مقدمات النكاح، وعليه فلا بد من حمل الرواية على كون المصنوع أمرا غير مشروع يوجب تكدر البحار والطين، واستحقاق المرأة باللعن وثالثا: ان الرواية مخالفة للقواعد، فانها مشتملة على عدم قبول التوبة من المرأة التي صنعت لزوجها شيئا يوجب المحبة والعطف، مع ان الثابت في الاسلام جواز توبة المرأة المرتدة، سواء أكانت فطرية أم ملية، ومن المقطوع به ان سحرها لا يزيد على الارتداد، ويضاف إلى جميع ما ذكرناه ان الرواية ضعيفة السند. جواز دفع ضرر السحر بالسحر قوله: (بقى الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر). أقول: وقد يستدل على الجواز بالروايات (2) الواردة في قصة هاروت وماروت وغيرها، فانها تدل على جواز


(1) في ج 3 ئل باب 143 انه يحرم على المرأة سحر زوجها من مقدمات النكاح ص 32 عن الصدوق باسناده عن اسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لامرأة سألته: ان لي زوجا وبه علي غلظة واني صنعت شيئا لاعطفه علي؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: اف لك كدرت البحار وكدرت الطين ولعنتك الملائكة الاخيار وملائكة السماوات والارض، قال: فصامت المرأة نهارها وقامت ليلها وحلقت راسها ولبست المسوح فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن ذلك لا يقبل منها. ضعيفة للنوفلي. وقريب منها ما في ج 2 المستدرك ص 433. مجهولة لموسى بن اسماعيل. اقول: المسح بكسر الميم البلاس يقعد عليه، والكساء من شعر، وما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفا وقهرا ج أمساح ومسوح. (2) في ج 2 التهذيب ص 109. وج 1 كاباب 33 الصناعات من المعيشة ص 360 وج 10 الوافى باب 30 الصناعات ص 30: علي عن ابيه قال: حدثني شيخ من اصحابنا قال: دخل عيسى بن سيفي " وفي نسخة كاشفقي " على ابي عبد الله " ع " وكان ساحرا

[ 296 ]

دفع ضرر السحر بالسحر. وفيه انها وإن كانت ظاهرة الدلالة على ذلك، ولكنها ضعيفة السند، فلا يمكن الاستناد إليها. نعم يمكن الاستدلال على الجواز بالآية الواردة في قصة هاروت وماروت (1) بتقريب أن السحر لو لم يكن جائز الاستعمال حتى في مقام دفع الضرر لم يجز تعليمه اصلا، فجواز التعليم يدل على جواز العمل به في الجملة، والقدر المتيقن منه هو صورة دفع ضرر الساحر، وكيف كان فلا ريب في انه قد يجب إذا توقفت عليه مصلحة ملزمة، كما إذا ادعى الساحر منصبا من المناصب الالهية، كالنبوة والامامة. التسخير ليس من السحر وقد يقال: بأن من السحر التسخيرات بأقسامها حتى تسخير الحيوانات، بدعوى أن تعاريف السحر صادقة عليها، حتى أن الشهيدين مع اخذهما الاضرار في تحريم السحر ذكروا ان استخدام الملائكة والجن من السحر، وعليه فتشملها الاطلاقات المتقدمة الدالة على حرمة السحر بجميع شؤونه. وفيه أنك قد عرفت خروج الاستعانة بالارواح الارضية واستخدام الجن من السحر موضوعا وحكما. وحينئذ فان انطبق على ذلك شئ من العناوين المحرمة حكم عليه بالحرمة لتلك الجهة المحرمة، لا لكونه سحرا، كما إذا اشتملت التسخيرات على المقدمات المحرمة،


يأتيه الناس ويأخذ على ذلك الاجر وسأله عن ذلك قال " ع ": حل ولا تعقد. مرسلة أقول: ظاهر الرواية أن الحل والعقد كليهما بالسحر فحمل الحل على ما كان بغير السحر من الادعية ونحوها بعيد عنها. وفي ج 4 البحار ص 130. والاحتجاج ص 185 في قصه الملكين ما يدل على جواز دفع ضرر السحر بالسحر، ولكن الرواية مرسلة. وفي ج 2 ئل باب 53 تحريم تعلم السحر مما يكتسب به ص 544 عن العيون في رواية العسكري " ع " ما يدل على ذلك. ولكنها مجهولة. وفي رواية جهم عن الرضا " ع " في حديث قال: وأما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به سحر السحرة ويبطلوا به كيدهم. الحديث. مجهول. (1) سورة البقرة آية: 96. قوله تعالى: (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر).

[ 297 ]

أو كان المسخر بالكسر لعمله ذلك عرضا للتضرر أو التلف أو الجنون، أو لارتكاب شئ آخر من الامور غير المشروعة، أو كان المسخر بالفتح مؤمنا من الانس أو ملكا، وكان التسخير ظلما عليهم، ومع انتفاء العناوين المحرمة فلا وجه للحرمة، كتسخير الكفار من الانس والجن وإن اشتمل ذلك على إيذائهم، وإلا لما جاز قتل الكفار، وأخذ الجزية منهم وهم صاغرون. وكذلك يجوز تسخير الحيوانات مطلقا، خصوصا الموذيات منها كالعقارب والحيات والسباع، وإلا لما جاز استخدام الحمولة، وقتل الموذيات منها، وقد أجاد المحقق الايرواني وقال: (فالامر في تسخير الحيوانات اوضح، فهل يمكن الالتزام بجواز تسخير الحيوانات بالقهر والغلبة والضرب، ومع لا يجو تسخيرها بما يوجب دخولها تحت الخدمة طوعا) الشعوذة قوله: (الحادية عشرة الشعبذة حرام بلا خلاف). أقول: الشعوذة (1) هي اللعبة المعروفة: أعني الخفة في الحركة المعبر عنها في لغة الفرس بكلمة (تردستي) وأما الذي يترتب على الشعوذة فهو أمر واقعي، فان المشعوذ يفعل ما يفعله سائر الناس من الامور العادية، إلا أنه يشغل أذهان الناظرين بسرعة حركته وخفة يده بحيث يتعجبون من أفعاله من غير أن تكون تلك الافعال الصادرة منه خيالية محضة كما في السحر أوغير جارية على السير الطبيعي كما في المعجزات، على ما عرفت من التفرقة بينها وبين السحر والمعجزة في المسألة السابقة. ويمكن أن تكون الشعوذة أعم من السحر، ويظهر ذلك من ملاحظة ماذ ذكره


(1) في لسان العرب: الشعوذة خفة في اليد وأخذ كالسحر يري الشئ بغير ما هو عليه اصله في رأي العين، والشعوذة السرعة، وقيل: هي الخفة في كل أمر. وعن المصباح: شعوذ الرجل شعوذة، ومنهم من يقول: شعبذه شعبذة، وهو بالذال المعجمة، وليس من كلام أهل الباديه، وهي لعب يرى الانسان ما ليس له حقيقة كالسحر وفي أقرب الموارد: الشعبذة كشعوذة زنة ومعنى. وفيه ايضا: الشعوذة وهي خفة في اليد وأخذ كالسحر يرى الشئ في رأي العين بغير ما عليه أصله. وفي المنجد: الشعبذة كشعوذة زنة ومعنى. وفيه أيضا: الشعوذة وهي خفة في اليد وأعمال كالسحر تري الشئ في العين بغير ما هو عليه. وفي مجمع البحرين: الشعبذة هي الحركة الخفيفة.

[ 298 ]

بعض اللغويين مع ملاحظة ما ذكرناه في معنى الشعوذة بحسب المتفاهم العرفي. ولكن الظاهر هو ما ذكرناه من المبائنة بينهما. وقد استدل المصنف (ره) على حرمة الشعوذة بامور: الاول: الاجماع. وفيه انه ليس هنا إجماع تعبدي، لاحتمال استناده إلى سائر الوجوه المذكورة في المسألة. الثاني: أنه من اللهو والباطل. وفيه أنه ممنوع صغرى وكبرى، أما الوجه في منع الصغرى فلانا لا نسلم كونها من اللهو والباطل إذا ترتب عليها غرض عقلائي. وأما الوجه في منع الكبرى فلانه لا دليل على حرمتهما على الاطلاق، بل الحرام منهما هو القسم الخاص. الثالث: قوله " ع " في خبر الاحتجاج: (ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفة). وفيه أولا: أنه ضعيف السند وغير منجبر بشئ وقد تقدم ذلك آنفا. وأما جبره بالاجماع المحكي، فان الاجماع إن كان حجة في نفسه لزم اتباعه لذلك، وإلا فان ضم غير الحجة إلى مثله لا يفيد الاعتبار. الرابع: صدق بعض تعاريف السحر على الشعوذة، فتكون مشمولة لما دل على حرمة السحر. وفيه أنك قد عرفت خروجها عن حدود السحر موضوعا، وعدم صدقه عليها. الغش حرام قوله: (الثانية عشرة الغش حرام بلا خلاف). أقول: لا شبهة في حرمة غش المسلم في الجملة بلا خلاف بين الشيعة وأهل السنة (1) لتواتر الروايات من طرقنا (2)


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 284 نهى عن الغش والتدليس ومدح السلعة بما ليس فيها وكتم ما بها من عيب ونحو ذلك. (2) في ج 1 كاص 374. وج 2 التهذيب ص 122. وج 10 الوافي ص 63. وج 2 ئل باب 115 تحريم الغش مما يكتسب به ص 562 عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ليس منا من غشنا. صحيحة. وبهذا الاسناد عن أبي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل يبيع التمر: يا فلان أما علمت أنه ليس من المسلمين من غشهم. صحيحة. وعن رجل عن ابي عبد الله " ع " قال: دخل عليه رجل يبيع الدقيق فقال: إياك والغش فان من غش غش في ماله فان لم يكن له مال غش في أهله. مرسلة.

[ 299 ]

ومن طرق العامة (1) بل هي من ضروريات مذهب المسلمين. والعجب من المحقق الايرواني حيث ألغى عنوان الغش عن الموضوعية والتزم بحرمته للعناوين الثانوية من الكذب وأكل اموال الناس بلا رضى منهم!. ولا ريب أن الروايات حجة عليه، لظهورها في حرمة الغش في نفسه، فإذا تحقق موضوعه في مورد ترتب عليه حكمه، كسائر القضايا الحقيقة، وسيأتي ان موضوع الغش أمر عرفي. فقد ظهر أنه لا وجه لما ارتكبه المحقق المذكور من السبر والتقسيم في نفي موضوعية الغش بدعوى أنه لا دليل على حرمة شوب اللبن بالماء ولا على حرمة عرض المشوب على البيع، ولا على حرمة مجرد الانشاء، فتعين أن يكون الغش المحرم أخذ قيمة غير المغشوش بازاء المغشوش


وعن السكوني عن أبي عبد الله " ع " قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أن يشاب اللبن بالماء للبيع. ضعيفة للنوفلي. وعن هشام بن الحكم قال: كنت ابيع السابري في الظلال فمر بي أبو الحسن موسى " ع " فقال لي: يا هشام إن البيع في الظلال غش والغش لا يحل. حسنة لابراهيم بن هاشم. أقول: السابري ثوب رقيق جيد. وفي الموضعين المتقدمين من الوافي وئل وفي كابهامش ج 4 مرآة العقول ص 319 في رواية زينب الطعارة الحولاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا بعت فاحسني ولا تغشي فانه أنقى لله وابقى للمال. حسنة للحسين بن زيد. وفي الباب المزبور من ئل في حديث المناهي عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال: ومن غش مسلما في شراء أو بيع فليس منا ويحشر يوم القيامة مع اليهود لانهم أغش الخلق للمسلمين. مجهولة لشعيب بن واقد. وفي ج 1 كاص 380. وج 2 التهذيب بيع المضمون ص 127. وج 10 الوافي ص 64. وج 2 ئل باب 9 جواز خلط المتاع الجيد بغيره من أحكام العيوب ص 597 عن الحلبي عن ابي عبد الله " ع " قال: سألته عن الرجل يكون عنده لونان من طعام واحد وسعرهما شتى وأحدهما خير من الآخر فيخلطهما جميعا ثم يبيعهما بسعر واحد؟ فقال: لا يصلح له أن يفعل ذلك يغش به المسلمين حتى يبينه. حسنة لابراهيم بن هاشم. إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدمة، وفي ج 2 المستدرك ص 455، وج 15 البحار العشرة ص 195. (1) راجع ج 5 سنن البيهقي ص 320.

[ 300 ]

موضوع الغش لا شك في أن الغش ليست له حقيقة شرعية، ولا متشرعية، بل المراد به ما جرى عليه العرف واللغة (1) من كونه بمعين الكدر والخديعة والخيانة، ويعبر عنه في لغة الفرس بكلمة (گول زدن) ولا يتحقق ذلك إلا بعلم الغاش وجهل المغشوش، فإذا كان كلاهما عالمين بالواقع، أو جاهلين به، أو كان الغاش جاهلا والمغشوش عالما انتفى مفهوم الغش. ثم إنه لا يعتبر في مفهوم الغش انحصار معرفته بالغاش، فان أكثر افراد الغش يعرفه نوع الناس بإمعان النظر، خصوصا من كان من أهل الفطانة والتجربة، ومن كان شغله الغش، فانه لا شبهة أن من الغش جعل الجيد من الحبوب على ظاهر الصبرة ورديه في باطنها وبيع الامتعة في الضلال، ومن الواضح ان نوع الناس يلتفتون إلى الغش في أمثال ذلك بتدقيق النظر، ولو اختص مفهوم الغش بما انحصر طريق معرفته بالغاش لم يبق له إلا مورد نادر. نعم قد تنحصر معرفته بالغاش كمزج اللبن بالماء، وخلط الدهن الجيد بالدهن الردي، ووضع الحرير ونحوه في مكان بارد ليكتسب ثقلا، وبيع الحيوان مسموما لا يبقي أزيد من يوم ويومين، وغير ذلك من الموارد التي لا يطلع على الغش إلا خصوص الغاش فقط، ولكن هذا لا يوجب اختصاص الغش بتلك الموارد، وعدم تحقق مفهومه في غيرها. وقد ظهر مما ذكرناه أن الغش لا يصدق لغة ولا عرفا على الخلط الظاهر الذي لا تحتاج معرفته إلى إمعان النظر، فإذا مزج الردي بالجيد مزجا يعرفه أي ناظر إليه من الناس بغير تدقيق النظر، وجعل الردي في ظاهر الصبرة والجيد في باطنها فان ذلك لا يكون غشا، ويدل على ذلك بعض الاحاديث (2).


(1) في لسان العرب: غشش نقيض النصح وهو مأخوذ من الغشش المشرب الكدر، أنشد ابن الاعرابي: " ومنهل تروى به غير غشش) أي غير كدر ولا قليل، قال: ومن هذا الغش في البياعات. وفي مجمع البحرين: المغشوش الغير الخالص. وفي المنجد: غشه أظهر له خلاف ما اضمره. وخدعه. الغش بالكسر اسم من الغش بالفتح الخيانة. المغشوش غير الخالص. (2) في ج 1 كاباب 77 من المعيشة ص 380. وج 10 الوافى ص 64. وج

[ 301 ]

تذييل إن ظاهر المطلقات المتقدمة هو حرمة الغش على وجه الاطلاق سواء أكان في المعاملة أم في غيرها، إلا أنه لا بد من صرفها إلى خصوص المعاملات في الجملة، بداهة أنه لا بأس بتزيين الدور والالبسة والامتعة لاراءة أنها جديدة، مع أنها عتيقة، وكذلك لا يأس بإطعام الطعام المغشوش وسقي اللبن الممزوج للضيف وغيره، وبذل الاموال المغشوشة للفقراء. بل يمكن دعوى عدم صدق الغش في هذه الموارد، أو في بعضها. نعم لو أخبر بموافقة الظاهر في ذلك للواقع كان حراما من جهة الكذب، سواء كان إخباره قوليا أم فعليا، وهو أجنبي عما نحن فيه. لا يعتبر في صدق الغش قصد مفهومه قوله: (ويمكن أن يمنع صدق الاخبار المذكورة إلا على ما قصد التلبيس). أقول: ظاهر المصنف أنه يعتبر في حقيقة الغش قصد مفهومه من التلبيس والخديعة. وأما ما يكون ملتبسا في نفسه فلا يجب عليه الاعلام به. وفيه أنه لا دليل على اعتبار القصد بمعنى الداعي في مفهوم الغش. بداهة كونه من الامور الواقعية، وهي لا تختلف باختلاف الدواعي كالامور القصديه، وإنما المعتبر فيه علم البائع بالخلط مع جهل المشتري إياه. وعليه فإذا اختلط الجيد بالردي أو امتزج اللبن بالماء بغير اختيار من المالك، ولا رضى وباعهما بدون التنبيه كان ذلك أيضا غشا محرما، لاطلاق الروايات، وعدم دلالة شئ منها على اعتبار القصد في تحقق الغش. ومما ذكرناه ظهر بطلان ما في الرياض من قوله: (ثم غش لا يقصده بل بقصد إصلاح المال لم يحرم للاصل واختصاص ما مر من النص بحكم التبادر بصورة القصد).


2 ئل باب 9 جواز خلط المتاع الجيد بغيره ص 590. وج 2 التهذيب بيع المضمون ص 127 عن محمد بن مسلم عن أحدهما " ع " إنه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض وبعضه أجود من بعض؟ قال: إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردي. صحيحة. ويظهر ذلك من بعض الروايات المتقدمة الدالة على حرمة الغش.

[ 302 ]

حكم المعاملة المشتملة على الغش من حيث الصحة أو الفساد قوله: (ثم إن في جامع المقاصد ذكر في الغش بما يخفى بعد تمثيله له بمزج اللبن بالماء وجهين في صحه المعاملة وفسادها). أقول: ضابط الصحة والفساد في المقام هو ما حققناه في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة وغيره، وإجماله: أن المبيع إما أن يكون كليا، ويكون الغش في الفرد المقبوض، كما إذا باع منا من الحنطة الجيدة، ودفع عنها حنطة مغشوشة فانه لا شبهة في صحة البيع في هذه الصورة، لعدم كون الغش في البيع، وإنما هو في تطبيق المبيع الكلي على الفرد الخارجي، فللمشتري تبديله بغيره. وإما أن يكون المبيع شخصيا، وهو على اقسام، لان الاوصاف المأخوذة في المبيع قد تكون من قبيل الصورة النوعية في نظر العرف، ولا شبهة في بطلان البيع في هذه الصورة إذا ظهر المبيع مغشوشا، كما إذا باع فلزا على أنه ذهب فبان مذهبا. ووجه البطلان أن ما وقع عليه العقد ليس بموجود، وما هو موجود لم يقع عليه العقد. وقد تكون الاوصاف المأخوذة فيه من قبيل وصف الكمال أو الصحة، كما إذا باع عبدا على أنه كاتب أو نجار أو بصير فبان أنه لا يحسن الكتابة والنجارة أو أنه أعمى، وحينئذ فان كان العقد معلقا على الوصف بحيث ينتفي البيع مع انتفاء الوصف فهو باطل، للتعليق المجمع على كونه مبطلا للعقد، وإن كان مشروطا بالوصف حكم بالصحة. وعليه فإذا كان التخلف في الاوصاف الكمالية ثبت خيار تخلف الشرط للمشتري. وإذا كان التخلف في وصف الصحة كان المشتري مخيرا بين الامور الثلاثة الفسخ، أو الامضاء بدون الارش، أو الامضاء معه. وقد يكون المبيع المجموع المركب من جزئين، أو من أجزاء، وهو على قسمين: أحدهما: أن يكون للهيئة الاجتماعية دخل في إزدياد الثمن، بأن كانت واسطة في زيادة مالية المبيع وإن لم يقابلها بنفسها جزء من الثمن، كما هو الشأن في عامة الاوصاف حتى ما كان من قبيل الصور النوعية. وعليه فلا شبهة في بطلان البيع في الجزء الفائت وكون المشتري مخيرا في الباقي بين الفسخ والامضاء. ومثاله أن يبيع دورة البحار، فيظهر ان احد الاجزاء التي وقع عليها البيع كتاب لغة، أو يبيع مصراعي الباب، فيبين أنه مصراع واحد، أو يبيع زوجي

[ 303 ]

الخف فيبين أنه فرد واحد، أو يبيع عدلي الغرارة اي الجوالق فيبين أنه عدل واحد. وغير ذلك من الامثلة. فانه لا شبهة في دخل الهيئة الاجتماعية في زيادة المالية في الامور المذكورة، فيترتب عليها الحكم المزبور. وثانيهما: ان لا يكون للهيئة الاجتماعية مساس في زيادة مالية المبيع اصلا، بل كان الانضمام كوضع الحجر في جنب الانسان، وعليه فلا شبهة في صحة البيع ولزومه بالنسبة إلى الجزء الموجود، من دون ان يثبت للمشتري خيار تخلف الوصف، كما إذا باع صبرة حنطة بدينارين على انها وزنتان فوجد نصفها ترابا، فيصح البيع في الوزنة الموجودة، ويبطل في الاخرى، فان مرجع ذلك إلى بيع كل وزنة من هذه الحنطة بدينار. ومن هنا ظهر ما في كلام المصنف من أن الغش (إن إن كان من قبيل التراب الكثير في الحنطة كان له حكم تبعض الصفقة ونقص الثمن بمقدار التراب الزائد). ومن جميع ما ذكرناه يظهر ضعف كلام الشهيد حيث قال في شرائط الاقتداء من الذكرى: (الثالث يشترط القصد إلى إمام معين) إلى ان قال: (ولو نوى الاقتداء بالحاضر على أنه زيد فبان عمروا ففي ترجيح الاشارة على الاسم، فيصح، أو بالعكس، فيبطل نظر، نظير ان يقول المطلق لزوجة اسمها عمرة: هذه هنا زينب طالق، ويشير البايع إلى حمار، فيقول: بعتك هذا الفرس). ومنشأ التردد في ذلك تغليب الاشارة أو الوصف ويضاف إلى ما ذكرناه انك قد عرفت في مبحث التطفيف: ان البيع من الامور القصدية فلا معنى لتردد المتبايعين فيما قصداه. وكذلك ظهر بطلان ما استدل به القائلون بالفساد مطلقا من أن العقد لم يتعلق بذات المبيع بأي عنوان اتفق، بل تعلق بالمبيع بعنوان انه غير مغشوش، فإذا ظهر الغش فقد ظهر ان ما هو المبيع غير موجود، وما هو موجود غير المبيع. ووجه البطلان انه إنما يتم فيما إذا كانت الاوصاف المختلفة من قبيل الصور النوعية لا مطلقا، وقد اوضحنا ذلك فيما تقدم. وقد يستدل على الفساد بوجوه أخر، قد اشار إليها المصنف: الاول: النهي الوارد عن بيع المغشوش، فانه يدل على فساده. وفيه انا لم نجد ما يدل على النهي عن بيع المغشوش في نفسه غير خبر موسى بن بكر، وخبر الجعفي، وسيجئ الكلام عليهما. الثاني: النهي عن الغش الوارد في الروايات الكثيرة، وقد تقدم ذكرها في الحاشية، ومن الواضح ان الغش متحد مع البيع، كما تدل عليه رواية هشام المتقدمة (أما علمت ان

[ 304 ]

البيع في الظلال غش). فيدل على الفساد. وفيه ان النهي إنما تعلق بالغش، وهو أمر خارج عن البيع، والنهي إذا تعلق بأمر خارج عن الشئ لا يدل على فساد ذلك الشئ، وقد حقق ذلك في محله. واما رواية هشام فهي لا تدل على ازيد من ذلك، خصوصا بعد ملاحظة قوله " ع " في ذيلها: (والغش لا يحل) فانه ظاهر في الحكم التكليفي فقط. الثالث: خبر موسى بن بكر عن ابي الحسن " ع " فانه (اخذ دينارا من الدنانير المصبوبة بين يديه فقطعها بنصفين ثم قال: ألقه في البالوعة حتى لا يباع شئ فيه غش). فان تعليله عليه السلام ذلك بأن لا يقع بيع على شئ فيه غش يدل على فساد هذه المعاملة. ونظير ذلك خبر الجعفي، وقد تقدم الكلام عليهما في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة (1) مع انهما ضعيفتا السند كما تقدم في المبحث المذكور. حرمة الغناء قوله: (الثالثة عشرة الغناء، لا خلاف في حرمته في الجملة). أقول: لا خلاف في حرمة العناء في الجملة بين الشيعة، واما العامة فقد التزموا (2) بحرمته لجهات خارجية، وإلا فهو بنفسه امر مباح عندهم. قال في المستند (3) بعد ان ذكر موضوع الغناء: (فلا خلاف في حرمة ما ذكرناه انه غناء قطعا، ولعل عدم الخلاف بل الاجماع عليه مستفيض، بل هو إجماع محقق قطعا، بل


(1) ص 157 وص 158. (2) في ج 2 فقه المذاهب ص 42: فالتغني من حيث كونه ترديد الصوت بالالحان مباح لا شئ فيه. ولكن قد يعرض له ما يجعله حراما أو مكروها. وعلى هذا المنهج تفصيل المذاهب الاربعة. ثم قال: فما عن ابي حنيفة من انه يكره الغناء ويجعل سماعه من الذنوب فهو محمول على النوع المحرم منه. وفي ص 43 نقل الغزالي في الاحياء عن الشافعي: لا اعلم احدا من علماء الحجاز كره السماع. وقد استدل الغزالي على الجواز برقص الحبشة والزنوج في المسجد النبوي يوم عيد واقرهم الرسول صلى الله عليه وآله. ثم ذكر ان حرمة الغناء من جهة المحرمات الخارجية. اقول قد تظافرت الاحاديث من طرقهم في حول الغناء إثباتا ونفيا. راجع ج 10 سنن البيهقي ص 230221. (3) ج 2 ص 340.

[ 305 ]

ضرورة دينية). وفي متاجر الرياض: (بل عليه إجماع العلماء، كما حكاه بعض الاجلاء، وهو الحجة) وغير ذلك من كلمات الاصحاب المشتملة على دعوى الاجماع والضرورة على حرمة الغناء. ويدل على حرمته وجوه، الوجه الاول: قيام الاجماع عليها محصلا ومنقولا. وفيه أن دعوى الاجماع على الحرمة في الجملة وإن لم تكن جزافية، بل في كلمات غير واحد من الاعلام دعوى الضرورة عليها، إلا أنه ليس إجماعا تعبديا، فان من المحتمل القريب استناد المجمعين إلى الآيات والروايات الدالة على حرمة الغناء. الوجه الثاني: جملة من الآيات الكريمة ولو بضميمة الروايات، منها قوله تعالى (1): (واجتنبوا قول الزور) ومنه الغناء، للروايات (2) الواردة في تطبيقه عليه، ولا فرق في هذه النتيجة بين كون الغن ءا نفسه من مقولة الكلام، أو هو كيفية مسموعة تقوم به، لاتحادهما في الخارج على كل حال، فلا وجه للخدشة في الروايات الواردة في تفسير الآية: بأن مقتضاها أن الغناء من مقولة الكلام، مع أنه كيفية تقوم به. ومنها قوله تعالى (3): (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) فقد ذكرت عدة من الروايات (4) أن الغناء من مصاديق لهو الحديث الذي حرمته الآية


(1) سورة الحج آية: 31. (2) في ج 2 كاباب الغناء ص 200. وج 10 الوافي باب 34 الغناء ص 33. وج 2 ئل باب 127 تحريم الغناء مما يكتسب به ص 565 عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله (واجتنبوا قول الزور)، قال: هو الغناء. ضعيفة لسهل. وفي الباب المزبور من ئل في رواية زيد الشحام عن ابي عبد الله " ع " قال: قول الزور الغناء، ضعيف لدرست بن منصور. وعن ابن ابي عمير مثله مرسلا. وعن عيون الاخبار قول الزور الغناء. ضعيف لمظفر العلوي. وعن تفسير علي بن ابراهيم مثله. حسنة لابراهيم بن هاشم. وفي ج 2 المستدرك ص 458 عن الصدوق مثله مرسلا. (3) سورة لقمان آية: 5. (4) في المصادر المتقدمة من كا والوافي وئل عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر " ع " قال الغناء مما وعد الله عليه النار وتلا هذه الآية. حسنة لابراهيم وعلي بن اسماعيل. وعن مهران بن محمد عن أبي عبد الله " ع " قال: سمعته يقول: الغناء مما قال الله: ومن الناس الآية. مجهولة لمهران.

[ 306 ]

الكريمة، بل نسبه الطبرسي (1) إلى أكثر المفسرين، ولفظ الاشتراء في الآية يجري على ضرب من المجاز، أو على بعض التعاريف التي يذكرها فريق من اللغويين، وقد تقدم ذلك فيما سبق (2)، فلا ضير في أن يتعلق بلهو الحديث وبالغناء كما ذكرته الروايات وإن لم يكونا من الاعيان. ومنها قوله تعالى (3): (والذينهم عن اللغو معرضون) بضميمة ما في تفسير القمي (4) من تطبيق الآية على الغناء. ومنها قوله تعالى (5): (والذين لا يشهدون الزور) فانه قد ورد في بعض الاحاديث (6) تفسير الزور في الآية بالغناء، ويؤيده ما تقدم من الروايات في قوله تعالى: (واجتنبوا قول الزور). والروايات المذكورة في تفسير الآيات المزبورة وإن كان أكثرها ضعيف السند إلا أن في المعتبر منها غنى وكفاية. وقد أورد في المستند على دلالة الآيات على حرمة الغناء بأن الروايات الواردة في تفسيرها بالغناء معارضة بما ورد في تفسيرها بغيره. وفيه أن الاحاديث المذكورة في تفسير القرآن كلها مسوقة لتنقيح الصغرى وبيان المصداق، فلا تدل على الانحصار بوجه حتى تقع المعارضة بينهما، وقد اشرنا إلى هذا


وعن الوشا قال: سمعت أبا الحسن " ع " يقول: سئل أبو عبد الله " ع " عن الغناء؟ فقال: هو قول الله: ومن الناس الآية. ضعيفة لسهل. وفي ج 10 سنن البيهقي ص 223 عن ابن مسعود قال: ومن الناس من يشترى الآية، قال: هو والله الغناء. وفي ج 2 المستدرك ص 457 أخرج جملة من الروايات في تطبيق الآية على الغناء، ولكنها ضعيفة السند. (1) ج 4 مجمع البيان ط صيدا ص 312. (2) ص 193. (3) سورة المؤمنين آية: 3. (4) ص 444 والذين هم عن اللغو معرضون، عن الغناء والملاهي. (5) سورة الفرقان آية: 72. (6) في المواضع المتقدمة من كاو الوافي وئل عن أبي الصباح عن ابي عبد الله " ع " في قول الله تعالى: والذين لا يشهدون الزور، قال: الغناء. صحيحة. وفي رواية اخرى عنه مثلها، ولكنها حسنة لابراهيم. وفي تفسير القمي ص 468 طبق الآية على الغناء.

[ 307 ]

فيما سبق مرارا، وتكلمنا عليه في البحث عن مقدمات التفسير مفصلا. الثالث: الروايات (1) الدالة على حرمة الغناء، وحرمة تعليمه وتعلمه، وحرمة التكسب به واستماعه. وأنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة. وأنه يورث الفقر والقساوة وينزع الحياء. وأنه رقية الزناء، ويرفع البركة، وينزل البلاء، كما نزل البلاء على المغنين من بني اسرائيل. وأنه مما وعد الله عليه النار وبئس المصير. وأنه غش النفاق وأن الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله. وأن استماع الغناء نفاق وتعلمه كفر. وأن صاحب الغناء يحشر من قبره أعمى وأخرس وأبكم. وأن من ضرب في بيته شيئا من الملاهي أربعين يوما فقد بآء بغضب من الله فان مات في أربعين مات فاجرا فاسقا مأواه النار وبئس المصير. وأن من أصغى إلى ناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان. وأن الغناء أخبث ما خلق الله وشر ما خلق الله وأنه يورث الفقر والنفاق. وأن من استمع إلى الغناء يذاب في اذنه الافك. وغير ذلك من المضامين المدهشة التي اشتملت عليها الاخبار المتواترة، والروايات الواردة في حرمة الغناء، وإن كان أكثرها ضعيف السند، ولكن في المعتبر منها غنى وكفاية. والعجب من المحقق الاردبيلي، حيث قال في محكي شرح الارشاد: ما رأيت رواية صحيحة صريحة في التحريم. وهو أعرف بمقاله. رأي المحدث القاسانى في حرمة الغناء والجواب عنه قال في الوافي (2) ما حاصله: الذي يظهر من مجموع الاخبار الواردة في الغناء هو اختصاص حرمته، وحرمة التكسب به، وحرمة تعليمه وتعلمه واستماعه بما كان متعارفا زمن بني امية وبني العباس، من دخول الرجال على النساء، وتكلمهن بالاباطيل، ولعبهن بالملاهي على أقسامها، واما غير ذلك فلا محذور فيه، وعليه فلا بأس بسماع الغناء بما يتضمن ذكر الجنة


(1) راجع ج 2 كاآخر أبواب الاشربة باب الغناء ص 200. وج 10 الوافى باب 34 ما جاء في الغناء ص 33. وج 2 ئل باب 127 تحريم الغناء، وباب 128 تحريم استعمال الملاهي، وباب 129 تحريم سماع الغناء مما يكتسب به ص 565 وص 566. وج 2 المستدرك ص 457 وص 458. وج 16 البحار. (2) ج 10 ص 33.

[ 308 ]

والنار، والتشويق إلى دار القرار، والترغيب إلى الله، والى عبادته وطاعته. ثم حمل على هذا كلام الشيخ في الاستبصار. وقد استشهد على رأيه هذا بوجوه: الاول: مرسلة الفقيه (سأل رجل علي بن الحسين " ع " عن شراء جارية لها صوت؟ فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة). الثاني: رواية أبي بصير (قال: قال أبو عبد الله " ع ": أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس وليست بالتي يدخل عليها الرجال). الثالث: الروايات (1) المشتملة على مدح الصوت الحسن. وعلى استحباب قراءة القرآن به وبألحان العرب، وأن لكل شئ حلية وحلية القرآن الصوت الحسن. وأن الامام علي ابن الحسين " ع " كان أحسن الناس صوتا بالقرآن. فان المستفاد من جميعها جواز الغناء في نفسه، بل استحبابه في خصوص القرآن، وأن حرمته إنما تكون للامور الخارجية التي قد تقارنه في الوجود. أقول: يرد عليه أمور، الاول: أن الظاهر من الروايات المتظافرة، بل المتواترة (من حيث المعنى) الناهية عن الغناء، وعن جميع ما يتعلق به هو تحريمه بنفسه مع قطع النظر عن اقترانه بسائر العناوين المحرمة، وقد عرفت جملة منها في الهامش، وعرفت مصادرها، فراجع. الثاني: أنه إذا كان تحريم الغناء إنما هو للعوارض المحرمة كان الاهتمام بالمنع عنه في هذه الروايات لغوا محضا، لورود النهي عن سائر المحرمات بأنفسها. الثالث: ان ما استشهد به على مقصده لا يفي بمراده، أما مرسلة الفقيه فمضافا إلى ضعف السند فيها انها اجنبية عن الغناء نفيا وإثباتا، كما تقدم في بيع الجارية المغنية (2). واما رواية ابي بصير فانها وإن كانت صحيحة إلا انها لا دلالة فيها على مقصد المحدث المذكور، فان غاية ما يستفاد منها ومن رواية اخرى لابي بصير (3) انه لا باس بأجر المغنية التي تدعى إلى العرائس، ولا يدخل عليها الرجال، اما الغناء في غير زف العرائس فلا تعرض في الروايتين لحكمه. واما الروايات الواردة في قراءة القرآن بصوت حسن فلا صلة لها بالمقام، إذ لا ملازمة بين حسن الصوت وبين الغناء، بل بينهما عموم من وجه، فيقع التعارض في مورد الاجتماع، وتحمل الطائفة المجوزة على التقية، لما عرفت من ذهاب العامة إلى جواز الغناء في نفسه. على ان هذه الروايات ضعيفة السند، وستأتي الاشارة إلى ذلك.


(1) سنشير إلى مصادرها في البحث عن مستثنيات الغناء. (2) ص 169. (3) قد تعرضنا لهاتين الروايتين في ص 170.

[ 309 ]

ويضاف إلى ذلك كله ان ما ذهب إليه المحدث المذكور مخالف للاجماع بل الضرورة من مذهب الشيعة وقد عرفت ذلك في أول المسألة. ثم إن هذا القول نسب إلى صاحب الكفاية، ولكنه بعيد، فان المتأخرين عنه نسبوا إليه استثناء الغناء في القرآن، ومن الواضح ان ذلك فرع الالتزام بحرمة الغناء. وقد يستدل على ما ذهب إليه القاساني برواية قرب الاسناد (1): (عن علي بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به) وهي وإن كانت مجهولة لعبدالله بن الحسن، ولكن رواها علي بن جعفر في كتابه، إلا أنه قال: ما لم يزمر به، وعليه فهي صحيحة. فتتدل على جواز الغناء في نفسه وحرمته إذا اقترن بالمعاصي الخارجية. وفيه ان الظاهر من قوله " ع ": ما لم يزمر به، ان الصوت بنفسه صوت مزماري، ولحن رقصي، كألحان اهل الفسوق، ويعبر عنها في الفارسية بكلمة (پسته وسرود ودوبيت وآوازه خواندن) لا أنه صوت يكون في المزمار، وإلا لقال ما لم يكن في المزمار أو بالنفخ في المزمار، وعليه فتدل الرواية على تحقق الغناء بالصوت المزماري، واللحن الرقصي لا مطلقا، وسيأتي، وعلى هذا يحمل قوله " ع ": ما لم يعص به، وفي رواية قرب الاسناد على تقدير صدورها من المعصوم. واما إطلاق الغناء على غير هذا القسم في هاتين الروايتين في قول السائل: (سألته عن الغناء)، وتقرير الامام " ع " صحة الاطلاق بالجواب عن حكمه بقوله: (لا بأس به)، فهو كاطلاق نوع اهل اللغة لفظ الغناء على المعنى الاعم. تحقيق موضوع الغناء قوله: (وإن اختلف فيه عبارات الفقهاء واللغويين). أقول: عرفوا الغناء بتعاريف مختلفة (2) إلا انها ليست تعاريف حقيقية، لعدم الاطراد والانعكاس، بل هي بين إفراط


(1) راجع ج 2 ئل باب 43 تحريم كسب المغنية مما يكتسب به ص 541. (2) في لسان العرب مادة غنا: كل من رفع صوته وولاه فصوته عند العرب غناء " وقال بعد ثلاث صفحات ": الغناء من الصوت ما طرب به. وفي مجمع البحرين: الغناء ككساء الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو ما يسمى في العرف غناء وإن لم يطرب، سواء كان في شعر أو قرآن أو غيرهما.

[ 310 ]

وتفريط، فقد عرفه في المصباح بأنه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، وعلى قوله هذا يخرج اكثر افراد الغناء مما لم يحتوي على القيدين المذكورين، فان من اظهر افراده الاألحان التي يستعملها أهل الفسوق، وهي لا توجب الطرب إلا أحيانا، ولذا التجأ الطريحي في المجمع وبعض آخر في غيره إلى توسعة التعريف المذكور بقولهم (أو ما يسمى في العرف غناء) نعم قد يحصل الطرب لحسن الصوت وإن لم يشتمل على ترجيع. وعرفه آخرون بأنه مجرد مد الصوت، أو رفعه، مع الترجيع أو بدونه، وبأنه تحسين الصوت فقط، أو ترجيعه كذلك، ويلزم من هذه التعاريف ان يدخل في الغناء ما ليس من افراده قطعا، كرفع الصوت لنداء أحد من البعيد، ورفع الصوت أو تحسينه لقراءة القرآن والمراثي والمدائح والخطب، بل التكلم العنيف، مع أن الشارع قد ندب إلى قراءة القرآن بصوت حسن، وبألحان العرب. بل في بعضها (كان علي بن الحسين " ع " أحسن الناس صوتا بالقرآن) وفي بعضها: إنه (كان يقرء القرآن فربما مر به المار فصعق من حسن صوته) وفي بعضها: (ورجع بالقرآن صوتك فان الله تعالى يحب الصوت الحسن يرجع به ترجيعا) وستأتي الاشارة إلى هذه الروايات، فان جميع هذه الافراد مما يصدق عليه الغناء على التفاسير المذكورة، وهي ليست منه قطعا. وأيضا ثبت في الشريعة المقدسة استحباب رفع الصوت بالاذان، ولم يتوهم احد أنه غناء


وفي المنجد: الغناء من الصوت ما طرب به. وعن الصحاح: الغناء من السماع، وعن المصباح إنه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب. وعن الشافعي: إنه تحسين الصوت وترقيقه. وفي ج 2 فقه المذاهب ص 42: إنه ترديد الصوت بالالحان. وفي ص 44 عن الحنابلة: إنه تحسين الصوت والترنم. وفي ج 2 المستند ص 340 اشار إلى جميع ما قيل في معنى الغناء، وقال: إن كلمات العلماء من اللغويين والادباء والفقهاء مختلفة في تفسير الغناء، فسره بعضهم بالصوت المطرب وآخر بالصوت المشتمل على الترجيع، و 3 بالصوت المشتمل على الترجيع والاطراب معا و 4 بالترجيع، و 5 بالتطريب، و 6 بالترجيع مع التطريب، و 7 برفع الصوت مع الترجيع و 8 بمد الصوت، و 9 بمده مع احد الوصفين أو كليهما، و 10 بتحسين الصوت، و 11 بمد الصوت ومولاته، 12 وهو الغزالي بالصوت الموزون المفهم المحرك للقلب.

[ 311 ]

وقد ورد (1) أنه (ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت) ومن الواضح جدا ان حسن الصوت لا يعلم إلا بالمد والرفع والترجيع. وقد دلت السيرة القطعية المتصلة إلى زمان المعصوم " ع " على جواز رفع الصوت بقراءة المراثي، بل ورد الحث على قراءة الرثا للائمة وأولادهم، ودلت الروايات على مدح بعض الراثين كدعبل وغيره، فلو كان مجرد رفع الصوت غناء لما جاز ذلك كله. وتوهم خروج جميع المذكورات بالتخصيص تكلف. والتحقيق ان المستفاد من مجموع الروايات بعد ضم بعضها إلى بعض هو ما ذكره المصنف من حيث الكبرى. وتوضيح ذلك: أن الغناء المحرم عبارة عن الصوت المرجع فيه على سبيل اللهو والباطل والاضلال عن الحق سواء تحقق في كلام باطل أم في كلام حق، وسماه في الصحاح بالسماع، ويعبر عنه في لغة الفرس بكلمة: (دوبيت وسرود وپسته وآوازه خواندن). ويصدق عليه في العرف أنه قول زور وصوت لهوي. فان اللهو المحرم قد يكون بآلة اللهو من غير صوت كضرب الاوتار. وقد يكون بالصوت المجرد، وقد يكون بالصوت في آلة اللهو كالنفخ في المزمار والقصب، وقد يكون بالحركات المجردة كالرقص، وقد يكون بغيرها من موجبات اللهو. وعلى هذا فكل صوت كان صوتا لهويا ومعدودا في الخارج من ألحان أهل الفسوق والمعاصي فهو غناء محرم، ومن أظهر مصاديقه الاغاني الشائعة بين الناس في الراديوات ونحوها، وما لم يدخل في المعيار المذكور فلا دليل على كونه غناء فضلا عن حرمته وإن صدق عليه بعض التعاريف المتقدمة. ثم إن الضابطة المذكورة إنما تتحقق بأحد امرين على سبيل مانعة الخلو، الاول: أن تكون الاصوات المتصفة بصفة الغناء مقترنة بكلام لا يعد عند العقلاء إلا باطلا، لعدم اشتماله على المعاني الصحيحة، بحيث يكون لكل واحد من اللحن وبطلان المادة مدخل في تحقق معنى السماع والغناء. ومثاله الالفاظ المصوغة على هيئة خاصة المشتملة على الاوزان والسجع والقافية، والمعاني المهيجة للشهوة الباطلة والعشق الحيواني من دون أن تشتمل على غرض عقلائي، بل قد لا تكون كلماتها متناسبة، كما تداول ذلك كثيرا بين شبان العصر وشاباته، وقد يقترن


(1) راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 532، وج 5 الوفاى ص 267. مرسلة وضعيفة لسهل، وموسى بن عمر الصيقل.

[ 312 ]

بالتصفيق، وضرب الاوتار وشرب الخمور، وهتك الناس، وغيرها من الامور المحرمة. وعليه فلو وجد اللحن المذكور في كلام له معنى صحيح عند العقلاء لما كان غناء. ومثاله قراءة القرآن والادعية والخطب والاشعار المشتملة على الحكم والمواعظ، ومدائح الانبياء والاوصياء واعاظم الدين ومصائبهم ورثائهم. نعم قد يتوهم صدق الغناء على رفع الصوت وترجيعه بالامور المذكورة لجملة من التعاريف المتقدمة، فيكون مشمولا لاطلاقات حرمة الغناء. ولكنك قد عرفت: أنها تعاريف لفظية، وإنما سيقت لمجرد شرح الاسم فقط وإن كان بلفظ اعم، فلا تكون مطردة، ولا منعكسة. وعليه فلا وجه لما ذكره بعضهم من عد المراثي من المستثنيات من حرمة الغناء، فانها خارجة عنه موضوعا كما عرفت. وإذا ثبت كونها غناء فلا دليل على الاستثناء الذي يدعيه هؤلاء القائلون، وسيأتى بيانه انشاء الله. الثاني: ان يكون الصوت بنفسه مصداقا للغناء وقول الزور واللهو المحرم، كألحان أهل الفسوق والكبائر التي لا تصلح إلا تصلح إلا للرقص والطرب، سواء تحققت بكلمات باطلة أم تحققت بكلمات مشتملة على المعاني الراقية، كالقرآن ونهج البلاغة والادعية. نعم وهي في هذه الامور المعظمة وما اشبهها أبغض، لكونها هتكا للدين، بل قد ينجر إلى الكفر والزندقة، ومن هنا نهى في بعض الاحاديث (1) عن قراءة القرآن بالحان أهل الفسوق والكبائر، أو بألحان أهل الكتابين كما في بعض الاحاديث (2). ويريدون بأهل الكتابين اليهود والنصارى. ومن هذا القبيل ما ذكر في غناء جواري الانصار (3): (جئناكم جئناكم حيونا حيونا


(1) كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 532. وج 5 الوافي ص 267. وج 1 ئل باب 24 تحريم الغناء في القرآن ص 373: عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر فانه سيجئ بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية. ضعيفة لابراهيم الاحمر. (2) راجع ج 1 المستدرك ص 295. (3) في ج 2 كاص 200. وج 10 الوافي ص 34. وج 2 ئل باب 127 تحريم الغناء مما يكتسب به ص 565: عن عبد الاعلى قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن الغناء وقلت: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله رخص في أن يقال جئناكم إلى أن قال " ع ": كذبوا، الحديث. مجهول لعبد الاعلى.

[ 313 ]

نحييكم)، ومنه ايضا الرجز (1) الذي يشبه ما جاء في غناء جواري الانصار، فان التكلم العادي بذلك ليس من المحرمات في الشريعة المقدسة، بل هو مطلوب، لكونه مصداقا للتحيئة والاكرام، وإنما يكون حراما إذا تكيف في الخارج بكيفية لهوية، وظهر في صورة السماع والغناء. وعلى الجملة لا ريب أن للصوت تأثيرا في النفوس، فان كان إيجاده للحزن والبكاء وذكر الجنة والنار بقراءة القرآن ونحوه لم يكن غناء ليحكم بحرمته، بل يكون القاري مأجورا عند الله، وإن كان ذلك للرقص والتلهي كان غناء وسماعا، ومشمولا للروايات المتواترة الدالة على حرمة الغناء والله العالم. مستثنيات حرمة الغناء منها رثاء الحسين الحسين عليه السلام منها رثاء الحسين وسائر المعصومين " ع "، قال المحقق الاردبيلي (ره) في محكي شرح الارشاد: (وقد استثنى مراثي الحسين " ع " ايضا، ودليله ايضا غير واضح) ثم قرب الجواز، لعدم الدليل على حرمة الغناء مطلقا، ثم قال: (ويؤيده ان البكاء والتفجع عليه عليه السلام مطلوب ومرغوب، وفيه ثواب عظيم، والغناء معين على ذلك، وأنه متعارف دائما في بلاد المسلمين في زمن المشائخ إلى زماننا هذا من غير نكير، وهو يدل على الجواز غالبا). ثم ايد رأيه هذا بما دل على جواز النياحة في الشريعة المقدسة، وبأن التحريم إنما هو للطرب، وليس في المراثى طرب، بل ليس فيها إلا الحزن. واستدل بعض متأخر المتأخرين على ذلك بعمومات ادلة البكاء والرثاء. أقول: قد عرفت آنفا ان المراثى خارجة عن الغناء موضوعا، فلا وجه لذكرها من مستثنيات حرمة الغناء، ولو سلمنا إطلاق الغناء عليها لشملتها إطلاقات حرمة الغناء المتقدمة ولا دليل على الاستثناء، ووجود السيرة على الرثاء وإقامة التعزية على المعصومين " ع "


والانكار في هذه الرواية إشارة إلى ما في ج 2 مصابيح السنة للبغوي باب إعلان النكاح والخطبة عن عائشة إن جارية من الانصار زوجت فقال النبي صلى الله عليه وآله: الا ارسلتم معها من يقول: (أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم). (1) في ج 2 فقه المذاهب ص 44: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا الحبة السمراء لم نحلل بواديكم.

[ 314 ]

في بلاد المسلمين وإن كان مسلما، ولكنها لا تدل على جواز الغناء فيها الذي ثبت تحريمه بالآيات والروايات. وأما ما دل على ثواب البكاء على الحسين " ع "، أو ما دل على جواز النوح على الميت، فلا يعارض بما دل على حرمة الغناء، وسيأتي. وأما ما ذكره الاردبيلي من أنه معين على البكاء فهو ممنوع، فان الغناء على ما حققنا من مفهومه لا يجتمع مع البكاء والتفجع. وأما ما ذكره من أن التحريم إنما هو للطرب، وليس في المراثى طرب فهو يدل على خروج الغناء عن المراثى موضوعا، لا حكما. جواز الحداء لسوق الابل ومنها الحداء لسوق الابل، وقد اشتهر فيه استثناء الغناء، ولكنه ممنوع، لعدم الدليل عليه، نعم ذكر في جملة من النبويات المنقولة من طرق العامة (1) جواز ذلك. ولكنها ضعيفة السند، وغير منجبرة بشئ. ولو سلمنا انجبارها فلا دلالة فيها على كون الحداء الذي جوزه النبي صلى الله عليه وآله غناء، فان القضية التي ذكرت فيها لم يعلم وقوعها بأي كيفية، نعم الظاهر خروجه من مفهوم الغناء موضوعا، وقد مال إليه صاحب الجواهر، قال: (بل ربما ادعى ان الحداء قسيم للغناء بشهادة العرف، وحينئذ يكون خارجا عن الموضوع، لا عن الحكم، فلا بأس به). جواز الغناء في زف العرائس ومنها غناء المغنية في زف العرائس، وقد استثناه جمع كثير من أعاظم الاصحاب، وهو كذلك، للروايات الدالة على الجواز، كصحيحة ابي بصير (قال: قال أبو عبد الله " ع " أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال). وغيرها من الروايات المتقدمة في البحث عن بيع الجارية المغنية (2). ثم ان هذا فيما لم يطرأ عليه عنوان آخر محرم، وإلا كان حراما، كالتكلم بالاباطيل والكذب وضرب الاوتار ودخول الرجال عليهن وغيرها من الامور المحرمة، وقد صرح


(1) راجع ج 10 سنن البيهقي ص 227 وص 228. (2) ص 169 وص 170.

[ 315 ]

بذلك المحقق الاردبيلي في محكي شرح الارشاد. لا يقال: إن الظاهر من قوله " ع ": (وليست بالتي يدخل عليها الرجال) أن الغناء إنما يكون حراما للمحرمات الخارجية، كما ذهب إليه المحدث القاسانى (ره). ولذا جوزه الامام " ع " في زفاف العرائس مع عدم اقترانه بها. فانه يقال: الظاهر من هذه الرواية، ومن قوله " ع " في رواية اخرى: (لا بأس بمن تدعى إلى العرائس أن الغناء على قسمين، أحدهما: ما يختلط فيه الرجال والنساء. والثاني: ما يختص بالنساء. أما الاول فهو حرام مطلقا. وأما الثاني فهو أيضا حرام إلا في زف العرائس. الغناء في قراءة القرآن ومنها الغناء في قراءة القرآن، وقد اشتهر بين المتأخرين نسبة استثناء الغناء في قراءة القرآن إلى صاحب الكفاية، قال في تجارة الكفاية: (إن غير واحد من الاخبار (1) يدل على جواز الغناء في القرآن، بل استحبابه، بناء على دلالة الروايات على استحباب حسن الصوت والتحزين والترجيع به، والظاهر ان شيئا منها لا يوجد بدون الغناء على ما استفيد من كلام أهل اللغة وغيرهم، على ما فصلنا في بعض رسائلنا). وفيه أن مفاد هذه الروايات خارج عن الغناء موضوعا كما عرفت، فلا دلالة في شئ منها على جواز الغناء في القرآن، بل بعضها صريح في النهي عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق والكبائر الذين يرجعون القرآن ترجيع الغاناء، وقد ذكرنا هذه الرواية في البحث عن موضوع الغناء. وعلى الجملة إن قراءة القرآن بالصوت الحسن وإن كان مطلوبا للشارع، ولكنها محدودة


(1) في كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 532. وج 5 الوافى ص 266. وج 1 ئل باب 24 تحريم الغناء في القرآن من أبواب قراءة القرآن ص 373 عن ابي بصير قال: قلت لابي جعفر " ع " إذا قرأت القرآ فرفعت به صوتي جائني الشيطان فقال: إنما ترائى بهذا أهلك والناس؟ قال: يا أبا محمد اقرأ قراءة ما بين القرائتين تسمع أهلك ورجع بالقرآن صوتك فان الله عزوجل يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا. ضعيفة لابي حمزة. إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المزبورة، وفي ج 1 المستدرك ص 295 ولكن كلها ضعيفة السند. نعم كثرتها توجب الاطمينان بصدور بعضها عن المعصوم.

[ 316 ]

بما إذا لم ننجز إلى الغناء، وإلا كانت محرمة. نعم لا شبهة في صدق الغناء عليه على تعاريف بعض أهل اللغة، ولكنك قد عرفت: أنها ليست بجامعة، ولا مانعة. ولقد أجاد صاحب الكفاية في الوجه الاول من الوجهين الذين جمع بهما بين الاخبار، قال: (أحدهما: تخصيص تلك الاخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن، وحمل ما يدل على ذم التغني بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعه الفساق). ثم أيده برواية عبد الله بن سنان الناهية عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق. وقد يقال: بجواز الغناء في القرآن، بدعوى أن أخبار الغناء معارضة بالاخبار الكثيرة المتواترة الدالة على فضل قراءة القرآن والادعية والاذكار بالعموم من وجه، وبعد التساقط في مورد الاجتماع يرجع إلى أصالة الاباحة، وقد ذكر المصنف هذا الوجه في خلال كلام صاحب الكفاية، ولكن ليس في تجارة الكفاية من ذلك عين ولا أثر، ولا لما نسبه إليه المصنف من جملة من العبارات، ولا تأييد مذهبه برواية علي بن جعفر. وقد اشكل عليه المصنف بما حاصله: أن ادلة الاحكام غير الالزامية لا نقاوم أدلة الاحكام الالزامية. والوجه في ذلك أن الفعل إنما يتصف بالحكم بغير الالزامي إذا خلا في طبعه عما يقتضي الوجوب أو الحرمة. ومثاله أن إجابة دعوة المؤمن وقضاء حاجته وإدخال السصرور في قلبه وكشف كربته من الامور المستحبة في نفسها، ولكن إذا استلزم امتثالها ترك واجب كالصوم والصلاة، أو إيجاد حرام كالزناء واللواط تخرج عن الاستحباب، وتكون محرمة. وفيه أن ما ذكره لا يرتبط بكلام المستدل، وتحقيق ذلك أن ملاحظة اجتماع الاحكام الالزامية مع الاحكام غير الالزامية يتصور على وجوه: الاول: أن تقع المزاحمة بين الطائفتين في مرحلة الامتثال من دون ان ترتبط إحداهما بالاخرى في مقام الجعل والانشاء، كالمزاحمة الواقعة بين الاتيان بالواجب وبين الاتيان بالامور المستحبة، فانه لا شبهة حينئذ في تقديم ادلة الاحكام الالزامية على غيرها وكونها معجزة عنه، كما ذكره المصنف. الثاني: ان يكون الموضوع فيهما واحدا من دون ان يكون بينهما تماس في مرحلتي الثبوت والاثبات، ولا يقع بينهما تزاحم وتعارض اصلا. كما إذا حكم الشارع بجواز شئ في نفسه وطبعه، وبحرمته بلحاظ ما يطرأ عليه من العناوين الثانوية. ومثال ذلك إباحة الشارع أكل لحم الضأن مثلا في حد نفسه، وحكمه بحرمته إذا كان الحيوان جلالا أو موطوءا، فانه لا تنافى بين الحكمين ثبوتا وإثباتا، إذ لا إطلاق لدليل

[ 317 ]

الحكم غير الالزامي حتى بالنسبة إلى العناوين الثانوية لتقع المعارضة بينهما. الثالث: أن يتحد موضوع الحكمين أيضا، ولكن يقيد الحكم غير الالزامي بعدم المخالفة للحكم الالزامي. مثاله ان قضاء حاجة المؤمن وإجابة دعوته وإدخال السرور في قلبه وتفريج غمه من الامور المرغوبة في الشريعة المقدسة. إلا أنها مقيدة بعدم ترك الواجب، وفعل الحرام، لما ورد (1) من أنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. فتقديم دليل الوجوب أو الحرمة في هذه الصورة على أدلة الامور المذكورة وإن كان مسلما إلا انه لدليل خارجي، لا لما ذكره المصنف. فهذه الصور الثلاثة كلها غريبة عن كلام المستدل. نعم لو صحت رواية عبد الله بن سنان المتقدمة التي دلت على استحباب قراءة القرآن بألحان العرب، وحرمة قراءته بألحان أهل الفسوق والكبائر لوجب تقييد ما دل على استحباب قراءة القرآن بصوت حسن بغير الغناء. ولكن الرواية ضعيفة السند. الرابع: أن يكون الحكم متحدا في مقام الثبوت. ولكن الادلة متعارضة في إثبات كونه إلزاميا أو غير إلزامي. الخامس: ان يكون الحكمان الالزامي وغير الالزامي في مرحلة جعلهما مطلقين، بحيث لا يرتبط احدهما بالآخر، ولكنهما قد يتصادقان على مورد في الخارج، ويتعارضان بالعموم من وجه، لا بنحو التبائن، وفي هاتين الصورتين لا وجه لدعوى أن ادلة الاحكام غير الالزامية لا تقاوم ادلة الاحكام الالزامية، بل لا بد من ملاحظة المرجحات في تقديم إحداهما على الاخرى، وقد حقق ذلك في محله. وما ذكره المستدل إنما هو من قبيل الصورة الرابعة، وعليه فلا وجه للحكم بالتساقط، والرجوع إلى اصالة الاباحة، بل يقدم ما دل على حرمة الغناء، لكونه مخالفا للعامة، ويترك ما دل على الجواز لموافقته لهم، ونتيجة ذلك أنه لا دليل على استثناء الغناء في القرآن والادعية والاذكار.


(1) راجع ج 2 ئل باب 11 تحريم اسخاط الخالق في مرضاة المخلوق حتى الوالدين ووجوب العكس من ابواب الامر بالمعروف ص 493. وج 2 المستدرك باب 10 تحريم إسخاط الخالق في مرضاة المخلوق ص 364.

[ 318 ]

تنبيه هل يجوز تعلم الغناء وتعليمه أولا؟ قد يكون ذلك بالتغني واستماعه. وقد يكون بالتوصيف والسؤال عن قواعده. أما الاول فلا شبهة في حرمته، فان التغني والاستماع إليه كلاهما حرام. وأما الثاني فقد ذكر تحريمه في بعض الروايات (1) ولكنها ضعيفة السند. فمقتضى الاصل هو الجواز، إلا أن يطرأ عليه عنوان محرم. حرمة الغيبة قوله: (الرابعة عشرة الغيبة حرام بالادلة الاربعة). أقول: لا إشكال في حرمة الغيبة في الجملة، للآية والروايات المتظافرة المتواترة من طرق الشيعة (2) ومن طرق العامة (2) وأكثر هذه الروايات وإن كان ضعيف السند، ولكن في المعتبر منها غنى وكفاية. على أنها متواترة معنى. بل حرمتها من ضروريات الدين، ومما قام عليه إجماع المسلمين. وقد حكم العقل بحرمتها ايضا، لكونها ظلما للمغتاب بالفتح وهتكا له. ويكفي في إثبات الحرمة قوله تعالى (4): (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب احدكم أن يأكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه). فانه تعالى بعد نهيه عن الغيبة صريحا أراد بيان كونها من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة. فشبه المغتاب بالكسر بآكل الميتة، إما لانه يأكل


(1) في ج 2 المستدرك باب 80 تحريم سماع الغناء مما يكتسب به ص 459 عن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد " ع " إنه قال: لا يحل بيع الغناء ولا شراؤه واستماعه نفاق وتعلمه كفر. مرسلة. (2) راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 350341. وج 3 الوافي باب الغيبة ص 163. وج 2 ئل باب 152 تحريم اغتياب المؤمن من العشرة ص 237. وج 2 المستدرك باب 132 تحريم الغتياب المؤمن من العشرة ص 107105. وج 15 البحار العشرة ص 177. (3) راجع ج 10 سنن البيهقي ص 247245. وج 3 إحياء العلوم للغزالي ص 124. (4) سورة الحجرات آيه: 12.

[ 319 ]

الجيف في الآخرة كما في بعض الروايات (1) أو لتشبيه بالسباع والكلاب، أو لكون حرمة الغيبة كحرمة أكل الميتة، بل أعظم، كما في رواية العسكري " ع " (2). وقد شبه عرض المؤمن باللحم، فانه ينتقص بالهتك، كما ينتقص اللحم بالاكل. وشبه الاغتياب بالاكل، لحصول الالتذاذ بهما، ووصف المؤمن بأنه أخ، فان المؤمنين إخوة، ومن طبيعة الاخوة أن يكون بينهم تحابب وتوادد. وشبه المغتاب (بالفتح) بالميت، لعدم حضوره في أكثر حالات الاغتياب. وصدر سبحانه وتعالى الجملة بالاستفهام الانكاري إشعارا للفاعل بأن هذا العمل يقبح أن يصدر من أحد، إذ كما لا يحب أحد أن يأكل لحم أخيه الميت، لاشمئزاز طبعه عنه، وشدة رأفته به. وكذلك لا بد وأن يشمئز عقله عن الغيبة، لكونها هتكا لعرض أخيه المؤمن. وقد استدل على حرمة الغيبة بآيات أخر، ولكن لا دلالة في شئ منها على ذلك إلا بالقرائن الخارجية، فلا يكون الاستدلال بها بالآيات، بل بتلك الامور الخارجية. منها قوله تعالى (3): (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول). وفيه أولا انه ليس في الآية ما يدل على أن الغيبة من الجهر بالسوء إلا بالقرائن الخارجية. وثانيا: لا يستفاد منها التحريم، فان عدم المحبوبية أعم منه ومن الكراهة المصطلحة. ومنها قوله تعالى (4): (ويل لكل همزة لمزة). وفيه أن الهمزة واللمزة بمعنى كثير الطعن على غيره بغير حق، سواء كان في الغياب أم في الحضور. وسواء كان باللسان أم بغيره، وسيأتي أن الغيبة عبارة عن إظهار ما ستره الله. وبين العنوانين عموم من وجه. ومنها قوله تعالى (5): (إن الذين يحبون ان تشيع الفاحشة ف ي الذين آمنوا لهم عذاب أليم). وفيه أن الآية تدل على أن حب شيوع الفاحشة من المحرمات. وقد أوعد الله


(1) في ج 2 المستدرك ص 107: عن القطب الراوندي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه نظر في النار ليلة الاسراء فإذا قوم يأكلون الجيف فقال: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحم الناس مرسلة. (2) في ج 2 المستدرك ص 105: عن الامام ابي محمد العسكري " ع " في تفسيره: اعلموا ان غيبتكم لاخيكم المؤمن من شيعة آل محمد " ع " أعظم في التحريم من الميتة قال الله: (ولا يغتب) الآية. أقول: لم يثبت لنا اعتبار هذا التفسير. (3) سورة النساء آية: 147. (4) سورة الهمزة آية: 1. (5) سورة النور آية: 18.

[ 320 ]

عليه النار، والغيبة إخبار عن الفاحشة والعيب المستور، وهما متبائنان. إلا أن يكون الاخبار عن العيوب المستورة بنفسه من الفواحش، كما هو مقتضى الروايات الدالة على حرمة الغيبة. بل في بعض الروايات (1) عنابي عبدالهل " ع " (قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله عزوجل: إن الذين يحبون، الآية). ويرد عليه أولا: أنه خروج عن الاستدلال بالآية إلى الرواية. وثانيا: أنه اخص من المدعى، فان الاية لا يندرج فيها إلا نشر الغيبة لا مطلقا ويضاف إلى ذلك ان الرواية ضعيفة السند. الغيبة من الذنوب الكبيرة قوله: (ثم ظاهر هذه الاخبار كون الغيبة من الكبائر). أقول: وجه الظهور ما ذكره في مبحث الكبائر من رسالته في العدالة، وأن عد المعصية كبيرة يثبت بامور: قال: (الثاني النص المعتبر على أنها مما أوجب الله عليها النار سواء أوعد في الكتاب، أو أخبر النبي ص أو الامام بأنه مما يوجب النار، لدلالة الصحاح المروية في الكافي وغيرها على أنها مما اوجب الله عليه النار). ومن الواضح ان الغيبة كذلك. وتوضيح المسالة على نحو الاجمال أنه اشتهر بين الفقهاء التفصيل بين الكبيرة والصغيرة حكما وموضوعا. واختلفت كلماتهم في تفسيرهما على نحو لا يمكن الجمع بينها. فقيل: إن الكبيرة كل ذنب توعد الله عليه بالعذاب في كتابه العزيز، بل ربما نسب هذا القول إلى المشهور. وقيل: إنها كل ذنب رتب الشارع المقدس عليه حدا، أو صرح فيه بالوعيد. وقيل: إنها كل معصية تؤذن بقلة اعتناء فاعلها بالدين. وقيل: كلما علمت حرمته بدليل. قاطع فهو من الكبائر. وقيل: كلما توعد عليه توعدا شديدا في الكتاب أو السنة فهو من الكبائر. إلى غير ذلك من التفاسير. ثم قالوا: إن الكبائر تنافى العدالة دون الصغائر. والتحقيق ما ذكرناه في مبحث العدالة من كتاب الصلاة من أن المعاصي كلها كبيرة


(1) مرسلة. ورواها الصدوق بطريق آخر. ولكنها مجهولة لمحمد بن حمران. وتوجد الرواية في كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 348. وفي ج 3 الوافى ص 163 وج 2 ئل باب 152 تحريم اغتياب المؤمن من العشرة ص 237.

[ 321 ]

وإن كان بعضها أكبر من بعضها الآخر، كالشرك بالله العظيم، فانه من أعظم المعاصي وقتل النفوس المحترمة، فانه اعظم من بقية الذنوب. وهكذا، وإنما اطلقت الكبيرة عليها بالتشكيك على اختلاف مراتبها شدة وضعفا. وعليه فلا وجه للنزاع في أن الغيبة من الكبائر أم من الصغائر. وقد اختار هذا الرأي جمع من الاصحاب، بل ظاهر ابن إدريس في كتاب الشهادة من السرائر دعوى الاجماع عليه، فانه بعد ما نقل كلام الشيخ في المبسوط الظاهر في ان الذنوب على قسمين: صغائر وكبائر قال: (وهذا القول لم يذهب إليه (ره) إلا في هذا الكتاب أعني المبسوط، ولا ذهب إليه احد من الاصحاب، لانه لا صغائر عندنا في المعاصي إلا بالاضافة إلى غيرها). ومن هنا يتضح ان الاخبار الواردة في عد الكبائر إنما هي مسوقة لبيان عظمها بين سائر الذنوب: لحصر المعاصي الكبيرة بالامور المذكورة، وعليه يحمل قوله تعالى (1): (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم). ومع الاغضاء عما ذكرناه فلا ثمرة للنزاع في الفرق بين الكبائر والصغائر، فان الذنوب كلها تضر بالعدالة وتنافيها، فان العدالة هي الاعتدال في الدين، والاستقامة على طريقة سيد المرسلين، وارتكاب أية معصية وإن كانت صغيرة يوجب الانحراف في الدين، والخروج عن الصراط المستقيم، لكون ذلك هتكا للمولى وجرأة عليه، كما ان الخروج عن الطرق التكوينية انحراف عنها. ولو سلمنا ان الصغائر لا تنافى العدالة إلا ان الغيبة من الكبائر، فان الكبيرة ليست لها حقيقة شرعية لنبحث فيها، بل المراد بها هو معناها اللغوي، وهو الذنب العظيم عند الشارع ويعرف عظمه تارة بالنص على كونه من الكبائر كالشرك والزناء وقتل النفس المحترمة وغيرها من الكبائر المنصوصة. واخرى بالتوعد عليه في الكتاب أو السنة المعتبرة. وثالثة بترتيب آثار الكبيرة عليه. ورابعة بالقياس إلى ما ثبت كونه من الكبائر الموبقة، كقوله تعالى (2): (والفتنة اشد من القتل). وقد ثبت في السنة المعتبرة التوعيد على الغيبة، فتكون من الكبائر. وتدل على ذلك ايضا الروايات الدالة على أن الخيانة من الكبائر، وبديهي ان الغيبة من اعظم الخيانات. ويدل على كون الغيبة من الخيانة قول النبي ص (3) في وصيته


(1) سورة النساء آية: 35 (2) سورة البقرة آية: 187. (3) ضعيفة لابي الفضل ورجاء بن يحيى ومحمد بن الحسن بن ميمون وغيرهم. راجع

[ 322 ]

لابي ذر: (يا ابا ذر المجالس بالامانة وإفشاء سر أخيك خيانة فاجتنب ذلك واجتنب مجلس العشرة). ولكنها ضعيفة السند. وقد يستدل ايضا على كون الغيبة كبيرة بالروايات (1) الدالة على أن الغيبة أشد من الزناء، وهو من الكبائر، فالغيبة أولى منه بأن تكون كبيرة. ولكن يرد عليه أولا: ان ما ورد بهذا المضمون كله ضعيف السند. وثانيا: أن هذه الروايات عللت ذلك بأن الغيبة لا نغفر حتى يغفرها صاحبها بخلاف بعض اقسام الزناء. ويؤيد ما ذكرناه ان كل واحد من الذنوب فيه جهة من المبغوضية لا نوجد في غيره من المعاصي، فلا عجب في كونه اشد من غيره في هذه الخصوصية وإن كان غيره اشد منه من جهات شتى، واختلافها في ذكل كاختلاف المعاصي في الآثار. نعم هذه الاخبار صالحة لتأييد ذلك. ويصلح لتاييده ايضا ما روي مرسلا (2): أن أربى الرباء عرض المؤمن، فيكون تناول عرضه بالغيبة كبيرة، فانه ثبت في الشريعة المقدسة أن الرباء من الذنوب الكبيرة. بل في جملة من الروايات (3) أنه اشد من ثلاثين أو سبعين زنية كلها بذات محرم.


مكارم الاخلاق ص 263. وج 14 الوافي ص 56. (1) في ج 14 الوفاي ص 56. ومكارم الاخلاق ص 263. وج 2 ئل باب 152 تحريم اغتياب المؤمن من العشرة ص 237. وج 2 المستدرك ص 105: عن رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيته لابي ذر قال: يا أبا ذر إياك والغيبة فان الغيبة اشد من الزناء، قلت: يا رسول الله ولم ذاك بابي أنت وامي؟ قال: لان الرجل يزنى فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها. ضعيفة لابي الفضل ورجاء وابن ميمون. وهذه الرواية وإن نقلها غير واحد من حملة الحديث مسندا ومرسلا، ولكن الظاهر أنها رواية واحدة مأخوذة من وصية النبي صلى الله عليه وآله لابي ذر (ره). وذكر الرواية الغزالي في ج 3 الاحياء ص 124. (2) في ج 2 المستدرك ص 106 عن الشيخ ورام عن أنس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر الرباء وعظم شأنه إلى أن قال: وأربى الرباء عرض الرجل المسلم. مرسلة. وذكره الغزالي في ج 3 الاحياء ص 125. وفي ج 10 سنن البيهقي ص 241 عن النقي صلى الله عليه وآله إنه قال: من أربى الرباء الاستطالة في عرض المسلم بغير حق. (3) راجع ج 2 ئل باب 1 تحرمي الرباء ص 597.

[ 323 ]

حرمة الغيبة مشروطة بالايمان قوله: (ثم إن ظاهر الاخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن). أقول: المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالائمة الاثنى عشر عليهم السلام: أولهم علي بن ابي طالب " ع "، وآخرهم القائم الحجة المنتظر عجل الله فرجه، وجعلنا من أعوانه وأنصاره ومن أنكر واحدا منهم جازت غيبته لوجوه: الوجه الاول: أنه ثبت في الروايات (1) والادعية والزيارات جواز لعن المخالفين، ووجوب البراءة منهم، وإكثار السب عليهم، واتهامهم، والوقيعة فيهم: أي غيبتهم، لانهم من أهل البدع والريب (2). بل لا شبهة في كفرهم، لان إنكار الولاية والائمة حتى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم، وبالعقائد الخرافية، كالجبر ونحوه يوجب الكفر والزندقة، وتدل عليه الاخبار (3) المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية، وكفر المعتقد بالعقائد المذكورة، وما يشبهها من الضلالات. ويدل عليه ايضا قوله " ع " في الزيارة الجامعة: (ومن جحدكم كافر). وقوله " ع " فيها أيضا: (ومن وحده قبل عنكم). فانه ينتج بعكس النقيض ان من لم يقبل عنكم لم يوحده، بل هو مشرك بالله العظيم. وفي بعض الاحاديث (4) الواردة في عدم وجوب قضاء الصلاة على المستبصر (إن الحال


(1) راجع ج 1 الوفاي باب البدع والرأي ص 56. وكابهامش ج 1 مرآة العقول باب البدع ص 38 وج 2 ئل باب 39 وجوب البراءة من أهل البدع من الامر بالمعروف ص 510. (2) مورد البحث هنا عنوان المخالفين. ومن الواضح ان ترتب الاحكام المذكورة عليه لا يرتبط بالاشخاص على ما ذكره الغزالي (في ج 3 إحياء العلوم ص 111 () فانه جوز لعن الروافض كتجويزه لعن اليهود والنصارى والخوارج والقدرية يزعم انه على الوصف الاعم. (3) راجع ج 3 ئل باب 6 جملة ما يثبت به الكفر والارتداد من أبواب المرتد ص 457 (4) راجع ج 1 ئل باب 31 عدم وجوب قضاء المخالف عبادته إذا استبصر من مقدمات العبادة ص 20.

[ 324 ]

التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة). وفي جملة من الروايات (1) الناصب لنا أهل اليت شر من اليهود والنصارى، وأهون من الكلب، وأنه تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وأن الناصب لنا أهل البيت لانجس منه. ومن البديهي أن جواز غيبتهم أهون من الامور المذكورة. بل قد عرفت جواز الوقيعة في أهل البدع والضلال، والوقيعة هي الغيبة. نعم قد ثبت حكم الاسلام على بعضهم في بعض الاحكام فقط تسهيلا للامر، وحقنا للدماء. الوجه الثاني: أن المخالفين بأجمعهم متجاهرون بالفسق. لبطلان عملهم رأسا، كما في الروايات المتظافرة (2). بل التزموا بما هو أعظم من الفسق، كما عرفت، وسيجئ أن المتجاهر بالفسق تجوز غيبته. الوجه الثالث: أن المستفاد من الآية والروايات هو تحريم غيبة الاخ المؤمن، ومن البديهي انه لا أخوة ولا عصمة بيننا وبين المخالفين. وهذا هو المراد ايضا من مطلقات اخبار الغيبة، لا من جهة حمل المطلق على المقيد، لعدم التنافي بينهما، بل لاجل مناسبة الحكم والموضوع. على ان الظاهر من الاخبار الواردة في تفسير الغيبة هو اختصاص حرمتها بالمؤمن فقط وسيأتي، فتكون هذه الروايات مقيدة للمطلقات. فافهم. وقد حكي عن المحقق الاردبيلي تحريم غيبة المخالفين. ولكنه لم يأت بشئ تركن إليه النفس. الوجه الرابع: قيام السيرة المستمرة بين عوام الشيعة وعلمائهم على غيبة المخالفين، بل سبهم ولعنهم في جميع الاعصار والامصار، بل في الجواهر أن جواز ذلك من الضروريات حرمة غيبة الصبي المميز قوله: (ثم الظاهر دخول الصبي المميز المتاثر بالغيبة لو سمعها). أقول: لم يشترط في حرمة الغيبة كون المغتاب بالفتح مكلفا، بل المستفاد من الروايات المتقدمة وغيرها ان المناط في حرمة الغيبة صدق المؤمن على المغتاب بالفتح، كما أن الظاهر من معنى الغيبة هي كشف


(1) راجع ج 1 ئل باب 11 كراهة الاغتسال بغسالة الحمام من أبواب الماء المضاف ص 30. (2) راجع ج 1 ئل باب 29 بطلان العبادة بدون ولاية الائمة من مقدمات العبادات ص 19.

[ 325 ]

أمر قد ستره الله، وسيأتي، ومن الضروري ان الصبي المميز ممن يصدق عليه عنوان المؤمن إذا أقر بما يعتبر في الايمان، بل قد يكون أكمل إيمانا من اكثر البالغين. وايضا لا شبهة ان الله قد ستر عيوب الناس حتى الصبيان المميزين، فذكرهم بالمساوي الموجودة فيهم كشف لما ستره الله عليهم. نعم لا باس بذكر الامور التي هي من مقتضيات الصباوة بحيث لا تعد من العيوب والمساوي، كاللعب بالجوز والكعاب والكرة ونحوها. أما الصبيان أو المجانين غير المميزين فلا شبهة في جواز اغتيابهم، لان الامور الصادرة منهم لا تعد عيبا حتى يكون ذكرها كشفا لما ستره الله عليهم. موضوع الغيبة قوله: (بقى الكلام في امور، الاول: الغيبة اسم مصدر لاغتاب). اقول: وقع الخلاف في تحديد مفهوم الغيبة، وبيان حقيقتها، فالمروي من الخاصة (1) والعامة (2)، والمعروف بيننا وبين السنة (3) وبعض أهل اللغة ان الغيبة ذكر الانسان بما يكرهه وهو حق. بل حكى المصنف عن بعض من قارب عصره ان الاماع والاخبار متطابقان على ان حقيقة الغيبة ذكر غيره بما يكرهه لو سمعه. ولكن هذا التعريف لا يرجع إلى معنى محصل، فان المراد من الموصول فيه إن كان هو الذكر بحيث يكون حاصله ان الغيبة ذكر غيره بذكر لا يرضى به لو سمعه دخل في التعريف ما ليس بغيبة قطعا إذا كره المقول فيه كذكره بفعل بعض المباحات. بل وبعض المستحبات من المواظبة على الادعية والاذكار، والقيام على النوافل والعبادات، والالتزام


(1) في محارم الاخلاق ص 263. وج 14 الوافى ص 56. وج 2 مرآة العقول ص 342. وج 2 ئل باب 152 تحريم اغتياب المؤمن من العشرة ص 238: عن ابي ذر في وصية النبي صلى الله عليه وآله له قال: قلت: يا رسول الله وما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره قلت: يا رسول الله فان كان فيه ذاك الذي يذكر به؟ قال: اعلم انك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. ضعيفة لابي الفضل وابن ميمون أو شمون ورجاء بن يحيى وغيرهم. (2) في ج 10 سنن البيهقي ص 247: عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله اعلم، قال: ذكرك اخاك بما يكره، الحديث. (3) راجع ج 3 إحياء العلوم للغزالي ص 126.

[ 326 ]

بالزيارات وإعطاء الصدقات، وعليه فالتعريف المذكور تعريف بالاعم. كما ان تعريف المصباح بقوله: (اغتابه إذا ذكره بما يكرهه من العيوب وهو حق والاسم الغيبة) يكون تعريفا بالاخص. وإن كان المراد من الموصول في التعريف الاوصاف المذمومة والافعال القيحة الصادرة من المقول فيه ويقربه التعريف المتقدم من المصباح خرج عن الغيبة ما لا يشك أحد كونه منها، كذكر الغير بالامور المحرمة التي ارتكبها عن رغبة وشهوة من غير ان يشمئز منها، ومن ذكرها، وعليه فلا يكون التعريف المذكور جامعا للافراد. والتحقيق ان يقال: إنه لم يرد نص صحيح في تحديد مفهوم الغيبة، ولا تعريف من اهل اللغة كي يكون جامعا للافراد ومانعا للاغيار، وعلى هذا فلا بد من اخذ المتيقن من مفهوم الغيبة وترتيب الحكم عليه: وهو ان تقول في اخيك ما ستره الله عليه، واما في المقدار الزائد فيرجع إلى الاصول العملية. وقد ذكر هذا في جملة من الروايات (1) وهي وإن كانت ضعيفة السند. ولكن مفهومها موافق للذوق السليم والفهم العرفي. ويؤيده ما في لسان العرب وغيره من ان الغيبة (ان تتكلم خلف إنسان مستور بسوء أو بما يغمه لو سمعه). بل ينطبق عليه جميع تعاريف الفقهاء واهل اللغة، لكونه المقدار المتيقن من مفهوم الغيبة، كما عرفت. وقد اشير إليه في بعض احاديث العامة (2). وتوضيح ما ذكرناه من المعنى ان ذكر الناس. والتعرض لاوصافهم لا يخلو عن صور ثلاث، الصورة الاولى: ذكر الانسان بما يوجب تعظيمه وترفيعه بين الناس، كأن


(1) عن عبد الرحمن بن سيابة عن الصادق " ع: الغيبة ان تقول في اخيك ما ستره الله عليه، واما الامر الظاهر فيه مثل الحدة والعجلة فلا، والبهتان ان تقول فيه ما ليس فيه. ضعيفة لعبد الرحمن. وعن داود بن سرحان قال: سألت ابا عبد الله " ع " عن الغيبة؟ قال: هو ان تقول لاخيك في دينه ما لم يفعل وتثبت عليه امرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد ضعيفة لمعلى بن محمد. راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 348 وص 349. وج 3 الوافى ص 163. وج 2 ئل باب 152 تحريم اغتياب المؤمن وباب 154 المواضع التي تجوز فيها الغيبة من العشرة ص 238. (2) في ج 10 سنن البيهقي ص 246: ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

[ 327 ]

يقول: إن فلانا عالم زاهد مجتهد، يصلي النوافل، ويعطي الفقراء، ويهتم بامور المسلمين وحوائجهم، ونحو ذلك من المدائح، ولا نظن ان يعد اجد هذه الصورة من الغيبة. نعم في لسان العرب وتاج العروس عن ابن الاعرابي (غاب إذا ذكر إنسانا بخير أو شر) إلا انه اجنبي عن المقام، فانه غير الاغتياب. والوجه في خروج هذه الصورة عن مفهوم الغيبة ان هذه المذكورات ليست من السوء، سواء كره ذكرها المقول فيه أملا. الصورة الثانية: ان يذكر إنسانا بشئ من صفاته العادية المتعارفة التي لا توصف بالمدح أو الذم. ولا ريب في عدم اندراج هذه الصورة ايضا تحت الغيبة، فان الامور العادية ليست مما سترها الله على المقول فيه، وذكرها لا يوجب نقصه وافتضاحه سواء أكان كارها لها أم لا. الصورة الثالثة: ان يذكر إنسانا بالاوصاف الذميمة والافعال القبيحة الموجودة فيه التي قد سترها الله عليه، وموضوع الغيبة هو هذه الصورة. وما ذكرناه من الصورة المذكورة يشمل ما لو نفى عن المقول فيه بعض الاوصاف. تنبيهات موضوع الغيبة ولا بد من التنبيه على امور: الاول: انه لا يفرق في صدق الغيبة بين ان يكون المقول نقصا في دين المقول فيه، أو بدنه، أو نسبه، أو اخلاقه، أو فعله، أو قوله، أو عشيرته. أو ثوبه، أو داره، أو دابته، أو خادمه، أو تعيشه، أو في اي شأن من شؤونه. إلا ان الظاهر من رواية داود بن سرحان المتقدمة في الحاشية ان الغيبة ذكر الانسان بما يكون نقصا في دينه فقط. وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند، وقد عرفت. وثانيا: أن رواية ابن سيابه المتقدمة في البحث عن معنى الغيبة صرحت بأن الغيبة قولك في اخيك ما ستره الله عليه، وهذا الاطلاق يشمل ما إذا كان المقول نقصا دينيا وغير ديني، وتوهم حمل المطلق على المقيد هنا فاسد، لعدم التنافى بينهما، على ان رواية ابن سيابة فصلت بين ذكر الامور المستورة والامور الظاهرة، وصرحت بخروج الثانية عن حدود الغيبة، ومن الواضح ان مقتضى التفصيل القاطع للشركة هو عموم مفهوم الغيبة بذكر مطلق العيوب غير الامور الظاهرة. ولكنك عرفت: ان هذه الرواية ايضا ضعيفة السند.

[ 328 ]

وقد يتوهم اعتبار قصد الانتقاص في موضوع الغيبة. ولكنه توهم فاسد، إذ لا دليل عليه، فان صدق عنوان العيب على المقول أمر عرفى لا يرتبط بالقصد، ولا يقاس هذا بالتعظيم والهتك المتقومين بالقصد. الثاني: ان ذكر احد بالاوصاف العادية أو نفيها عنه إنما لا يكون غيبة إذا لم يستلزم نقصا في الجهات المزبورة في التنبيه السابق، وإلا فلا شبهة في كونه غيبة، كنفي العدالة عنه، فانه يدل بالملازمة على ارتكابه المعاصي. وكقوله: إن فلانا يقرء علم النحو منذ ثلاثين سنة، فانه يدل بالملازمة على بلادة المقول فيه وبلاهته، أو مماطلته وبطالته. الثالث: ان مقتضى ما ذكرناه من التعريف (بل المتيقن من مفهوم الغيبة، ومورد الروايات الدالة على حرمة الغيبة) ان يكون المقول امرا قد ستره الله على المقول فيه واما ذكر الامور الظاهرة فليس من الغيبة. وقد ذكره الاصحاب في مستثنياتها، وسيأتي ذكره، وتدل على ذلك رواية ابن سيابة المتقدمة، ورواية الازرق (1)، إلا انهما ضعيفتا السند. نعم في إحياء العلوم (2) عن عائشة إنها (دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي انها قصيرة فقال " ص ": اغتبتها) فان الظاهر منها تحقق الغيبة بحكاية الامور الظاهرة. ولكنه ضعيف السند. نعم قد يكون ذكر الامور الظاهرة حراما، لانطباق شئ من العناوين المحرمة عليه، كالتعبير والهجاء والسب والهتك والظلم ونحوها، وعليه فيكون حراما من غير جهة الغيبة الرابع: قد تتحقق الغيبة بالتعريض والاشارة قولا، كأن يقول: الحمد لله الذي لم يبتليني بالسلطان وبالميل إلى الحكام، أو فعلا، كأن يحكي مشية الغائب، بل هو أشد من الذكر باللسان، لكونه اعظم في الانتقاص. أو كتابة، فقد قيل: ان القلم احد اللسانين فان المناط في تحقق الغيبة كشف ما ستره الله، ولا خصوصية للكاشف. الخامس: لا بد في صدق الغيبة من وجود احد يقصد بالتفهيم. فقد عرفت: انها إظهار ما ستره الله، وهو لا يتحقق بمجرد حديث النفس، فانه لا يزيد على الصور العلمية


(1) قال: قال لي أبو الحسن " ع ": من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته. مجهولة ليحيى الازرق. راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 349. وج 3 الوافى ص 163. وج 2 ئل باب 154 المواضع التي تجوز فيها الغيبة من العشرة ص 239 (2) راجع ج 3 باب الغيبة ص 127.

[ 329 ]

والملكات النفسانية. وم هنا علم عدم تحقق الغيبة ايضا بذكر الانسان بعيوب يعلمها المخاطب نعم قد يحرم ذلك من جهة اخرى. السادس: لا تتحقق الغيبة إلا بكون المغتاب (بالفتح) معلوما بالتفصيل عند المخاطبين، فلو كان مرددا عندهم بين اشخاص، سواء كانوا محصورين أم غير محصورين فذكره بالنقائص والمعائب المستورة لا يكون غيبة، فانه ليس كشفا لما ستره الله. ومثاله ان تقول: رأيت اليوم رجلا بخيلا، أو جاءني اليوم شارب الخمر أو تارك الحج أو عاق الوالدين، أو من يعيش معيشة ضنكا، فكل ذلك لا يكون من الغيبة في شئ، ولا يكون حراما إلا إذا انطبق عليه عنوان محرم آخر، ولا يفرق في ذلك بين ان يكون كل واحد من المحصورين كارها لذلك الذكر ام لا، لما عرفت من ان كراهة المقول فيه ليست شرطا في تحقق الغيبة. نعم لو عرفنا الغيبة بانها ذكر الغير بما يكرهه كما عليه المشهور كان ذلك من الغيبة، وشملته ادلة تحريمها. ولكنك قد عرفت ضعفه فيما سبق. ولا يخفى أن ما ذكرناه من اشتراط العلم التفصيلي بالمغتاب في مفهوم الغيبة إنما هو بالاضافة إلى الافراد. أما إذا كان المذكور نقصا للعنوان الكلي وكشفا لما ستره الله على النوع بحيث يكون المصداق المردد إنما ذكر من باب تطبيق الكلي على الفرد كان ذلك غيبة لجميع افراد الكلي الموجودة في الخارج، لانحلاله إليها كسائر القضايا الحقيقية، بل بالنسبة إلى الافراد الماضية ايضا، بل ربما يكون ذلك بالنسبة إلى بعض الافراد بهتانا. ومثاله أن يذكر إنسانا بالسوء المستور لكونه عجميا أو عربيا أو بقالا، أو لكونه من أهل البلد الفلاني أو من الصنف الفلاني وهكذا. السابع: قد عرفت أنه ليس في المسألة ما يعتمد عليه في تعريف الغيبة وتفسيرها إلا بعض الروايات الضعيفة. وعليه فكلما شككنا في تحقق موضوع الغيبة للشك في اعتبار قيد في المفهوم أو شرط في تحققه يرجع إلى اصالة العدم. الثامن: ان مقتضى ما ذكره المشهور من أن الغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه لو سمعه عدم صدق الغيبة مع حضور المغتاب (بالفتح)، بل هذا هو الظاهر من الآية، فان تشبيه المغتاب بالميتة إنما هو لعدم شعوره بما قيل فيه. وأما على ما ذكرناه في تعريف الغيبة فلا فرق في انطباقها بين حضور المغتاب وعدمه ما دام يصدق على القول أنه إظهار لما ستره الله. قوله: (نظير ما إذا نفى عنه الاجتهاد). أقول: نفي الاجتهاد ليس نقصا في حق أحد كما ذكره المصنف، ولكنه فيما إذا لم يستلزم تعريضا بغباوة المنفي عنه، لطول اشتغاله

[ 330 ]

بالتحصيل، وإلا فلا شبهة في كونه غيبة. قوله: (لعموم ما دل على حرمة إيذاء المؤمن). أقول: قد دلت الروايات المتواترة (1) على حرمة إيذاء المؤمن وإهانته وسبه، وعلى حرمة التنابز بالالقاب، وعلى حرمة تعيير المؤمن بصدور معصية منه فضلا عن غير المعصية، إلا أنها خارجة عن المقام كما ذكره المصنف، فان النسبة بين ما نحن فيه وبين المذكورات هي العموم من وجه. وقد أشرنا إلى ذلك في البحث عن حرمة سب المؤمن. دواعي الغيبة قوله: (ثم إن دواعي الغيبة كثيرة). اقول: الاسباب التي ذكروها باعثة للغيبة عشرة. وقد اشير إليها في ما روى عن الصادق " ع " في مصباح الشريعة (2) ولكن الرواية ضعيفة السند. وتكلم عليها الشهيد الثاني رضوان الله عليه في كشف الربية بما لا مزيد عليه ونذكر منها اثنين، فان لهما مأخذا دقيقا لا يلتفت إليه نوع الناس فيقعون في الغيبة، من حيث لا يشعرون. الاول: أن يرفع نفسه بتنقيص غيره، بأن يقول: فلان ضعيف الرأي وركيك الفهم، وما ذكره بديهي البطلان ونحوها من الكلمات المشعرة بالذم، وأكثر منيبتلي به هم المزاولون للبحث والتدريس والتاليف فيما إذا أخذهم الغرور والعجب. الثاني: أن يغتم لاجل ما يبتلي به أحد فيظهر غمه للناس، ويذكر سبب غمه، وهو شئ ستره الله على أخيه، فيقع في الغيبة من حيث إنه يقصد الاهتمام بشأنه، فان اغتمامه له رحمة، ولكن ذكره سبب ذلك عليه شر. وقد يتصنع ذلك بعض المنافقين، ويأخذه وسيلة لهتك اعراض الناس وكشف عوراتهم: بأن يظهر الاغتمام والتحسر لابتلاء شخص محترم، ثم يذكر فيه ما يوجب افتضاحه في الانظار وانحطاطه عن درجة الاعتبار. فيلقي نفسه في جهنم وبئس المصير، وبذلك يكون إداما لكلاب النار، كما في بعض الاحاديث (3) استعيذ بالله من الحق والحسد وغيظ القلوب.


(1) راجع ج 2 ئل أبواب العشرة من الحج. (2) راجع ج 2 المستدرك ص 105. (3) في ج 2 المستدرك ص 106 عن جامع الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله: كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة اجتنبوا الغيبة فانها إدام كلاب النار. مرسلة.

[ 331 ]

كفارة الغيبة قوله: (الثاني: في كفارة الغيبة الماحية لها). أقول: الذي قيل أو يمكن أن يقال في بيان كفارة الغيبة وجوه، الاول: الاستحلال من المغتاب (بالفتح). الثاني: الاستغفار له فقط. الثالث: كلا الامرين معا. الرابع: أحدهما على سبيل التخيير. الخامس: التفصيل بين وصول الغيبة إلى المغتاب فكفارتها الاستحلال منه، وبين عدم وصولها إليه فكفارتها الاستغفار له فقط. السادس: التفصيل بين إمكان الاستحلال منه، وبين عدمه لموت، أو بعد مكان، أو كون الاعتذار موجبا لاثارة الفتنة والاهانة، فعلى الاول يجب الاستحلال منه، وعلى الثاني يجب الاستغفار له. السابع: عدم وجوب شئ منهما في جميع الصور، بل الواجب على المغتاب (بالكسر) الاستغفار لنفسه والتوبة من ذنبه. اقول: قبل التكلم في الوجوه المذكورة لا بد وأن يعلم أنه إذا شك في وجوب شئ منها فان اصالة البراءة محكمة للشك في ثبوت التكليف المقتضي للامتثال. وقال المصنف (ره): إن (اصالة بقاء الحق الثابت للمغتاب بالفتح على المغتاب بالكسر يقتضي عدم الخروج منه إلا بالاستحلال خاصة). وفيه أنه لم يثبت هنا للمقول فيه حق حتى يستصحب بقاؤه، ويجب الخروج عن عهدته فان من حق المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه، وإذا اغتابه لم يحفظ حقه فلم يبق موضوع للاستصحاب، ولم يثبت بذلك حق آخر للمغتاب حتى يستصحب. وعليه فلا وجه لما أفاده المقق الايرواني من أن الاصل في المسألة هو الاحتياط، والاتيان بكل ما احتمل دخله في رفع العقاب من الاستحلال والتوبة والاستغفار للمغتاب (بالفتح) وغير ذلك. إذا عرفت ذلك فنقول: اما الاستحلال من المغتاب مطلقا فذهب إلى وجوبه جمع من الاصحاب. قال الشهيد في كشف الريبة: (اعلم ان الواجب على المغتاب ان يندم ويتوب على ما فعله ليخرج من حق الله سبحانه وتعالى ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج عن مظلمته) ويمكن الاستدلال على ذلك بأن الغيبة من حقوق الناس، وحقوق الناس لا ترتفع إلا باسقاط ذي الحق منهم. أما الوجه في الصغرى فلانها ظلم للمغتاب. ولما ورد في الاخبار الكثيرة من أن حق المؤمن على المومن أن لا يغتابه. وأما الوجه في الكبرى فهو جملة من الروايات: منها ما دل على ان الغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها. وقد تقدمت هذه الرواية في البحث انها صغيرة أو كبيرة. وفيه انها

[ 332 ]

وإن كانت واضحة الدلالة على المقصود. ولكنها ضعيفة السند. ومنها ما عن الكراجكي (1) عن علي " ع " في رواية قال فيها: إن للمؤمن على المؤمن ثلاثين حقا، وذكرها على التفصيل (ثم قال " ع ": سمعت رسول الله يقول: إن أحدكم ليدع من حقوق اخيه شيئا فيطالبه يوم القيامة فيقضى لها وعليه). وفيه أولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: انها لا تدل على وجوب الاستحلال، لاشتمالها على حقوق لا قائل بوجوب ادائها، كعيادة المريض، وحضور الميت، وقضاء الحاجة وغيرها ولم يتوهم احد ولا يتوهم ان من لم يعمل بالحقوق المذكورة في هذه الرواية وغيرها من الروايات المتواترة الواردة في حقوق الاخوان وجب عليه ان يستحل من ذي الحق مع التمكن، ومن وليه مع عدمه، نظير الحقوق المالية، وإنما هي حقوق اخلاقية ينبغي للانسان ان يراعيها، ويواظب عليها، لكونها مقومة لاجتماعهم، بل هي في الجملة من مقتضيات طبع البشر والعقلاء مع قطع النظر عن الشريعة. وعليه فالمراد من القضاء بموجبها يوم القيامة هو ما ذكره المصنف من (المعاملة معه معاملة من لم يراع حقوق المؤمن لا العقاب عليها). ومنها النبوي (2): (من كانت لاخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحلها). وفيه انه ضعيف السند. ولا باس بحمله على الاستحباب للتسامح في ادلة السنن. نعم قد ثبت بالادلة القطعية الضمان في الحقوق المالية فقط. ومنها ما عن عائشة (3) انها قالت لامرأة: (قالت لاخرى: إنها طويلة الذيل: قد اغتبتها فاستحلها). وفيه اولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ان ما ذكر فيها ليس من الغيبة، لانه من الامور الظاهرة. وثالثا: انه لا حجية في قول عائشة. ومنها ما دل (4) على ان من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل الله صلاته ولا صيامه اربعين يوما وليلة إلا ان يغفر له صاحبه. وفيه أولا: انه ضعيف السند. وثانيا: انه لا بد من حمل نظائر هذه الاخبار على


(1) ضعيفة للحسين بن محمد بن علي السيرافي البغدادي. راجع ج 2 ئل باب 222 حقوق المؤمن من العشرة ص 229. (2) راجع ج 2 سنن البيهقي ص 83. وكشف الريبة ص 87. وج 2 مرآة العقول ص 349. وج 3 إحياء العلوم ص 134. (3) راجع ج 3 إحياء العلوم ص 134. (4) كرواية جامع الاخبار. مرسلة. راجع ج 2 المستدرك ص 106.

[ 333 ]

الاحكام الاخلاقية، فانه لم يتفوه احد ببطلان عبادة المغتاب بالكسر، ووجوب القضاء عليهم بعد التوبة. ومنها ما دل " 1 " على انتقال الاعمال الصالحة باغتياب الناس المغتاب بالفتح، فإذا استحل منه رجعت إلى صاحبها. وفيه مضافا إلى كونه ضعيف السند. انه لا دلالة له على وجوب الاستحلال. وقد ذكر المصنف ان " في الدعاء التاسع والثلاثين من ادعية الصحيفة السجادية ودعاء يوم الاثنين من ملحقاتها ما يدل على هذا المعنى ايضا ". وفيه ا ما فيهما اجنبي عما نحن فيه، اما الاول فهو مسوق لطلب العفو والرحمة لذي الحق والمظلة في حال عدم التمكن من استحلاله، ولا تعرض فيه لوجوب الاستحلال منه اصلا. واما الثاني فيدل على طلب المغفرة له مع عدم التمكن من التحلل والرد من غير تعرض لوجبو الاستحلال، كما سيأتي. واما الاستغفار للمغتاب بالفتح فذهب إلى وجوبه غير واحد من الاصحاب، ويمكن الاستدلال عليه بامور: الاول: ما تقدم من دعاء السجاد " ع " في طلب العفو والرحمة لذوي الحقوق والمظلمة، وفيه أن الفعل الصادر من المعصوم " ع " لا يدل على الوجوب لكونه أعم منه ومن المستحب الثاني: رواية (حفص بن عمر " 2 " عن ابي عبد الله " ع " قال: سئل النبي ص ما كفارة الاغتياب؟ قال: تستغفر الله لمن اغتبته كلما ذكرته). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: ان مقتضى العمل بها هو وجوب الاستفغار للمغتاب بالفتح كلما ذكره، اوكل وقت ذكر الاغتياب، ومن الواضح ان هذا خلاف الضرورة، ولم يلتزم به فقيه فيما نعلم وان ذكره بعض اهل الاخلاق، وعليه فتحمل الرواية على الجهات الاخلاقية. نعم بناء على كون النسخة " كما ذكرته " بدل " كلما ذكرته " على ما ذكره المجلسي في مرآة العقول " 3 " لا يتوجه عليها الاشكال الثاني.


" 1 " كرواية جامع الاخبار. مرسلة. راجع ج 2 المستدرك ص 106. " 2 " مجهولة لحفص بن عمر، راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 348. وج 3 الوافى ص 164. وج 2 ئل باب 155 وجوب تكفير الاغتياب من العشرة ص 239. اقول: قد نسب المصنف هذه الرواية إلى السكوني، وهو من سهو القلم. " 3 " ج 2 ص 348

[ 334 ]

الثالث: ما في رواية السكوني (1) من قول الامام " ع ": (من ظلم أحدا ففاته فليستغفر الله له فانه كفارة له). بدعوى ان الضمير المنصوب في كلمة فاته يرجع إلى الظلم المفهوم من كلمة ظلم نظير قوله تعالى: (اعدلوا هو اقرب للتقوى). ومن الواضح ان الغيبة من الظلم، فيجب على من اغتاب أحدا أن يستغفر له. وفيه أولا: أن الرواية ضعية ف السند. وثانيا: أن الظاهر منها رجوع الضمير إلى المظلوم كما جزم به المجلسي (ره) في مرآة العقول (2)، فالمعنى أن من لم يدرك المظلوم ليطلب منه براءة الذمة، ويسترضيه عن المظلمة فليستغفر الله له، وعليه فتدل الرواية على وجوب طلب المغفرة للمظلوم مع عدم التمكن من الوصول إليه، لا مطلقا. ومما ذكرناه في الرواية الثانية والثالثة ظهر الجواب عن روايتي الجعفريات (3) ايضا. ومن جميع ما حققناه في عدم وجوب الاستحلال والاستغفار تكليفا ظهر الجواب عن القول بوجوب كلا الامرين تعيينا أو تخييرا. وعلم أيضا أنه لا وجه لما نقله المامقاني عن بعض مشائخه من العمل بطائفتي الاخبار الدالة احداهما على الاستغفار، والاخرى منهما على الاستحلال، فيلزم المغتاب (بالكسر) الجمع بينهما: بأن يستغفر للمقول فيه، ويستحل منه وأما التفصيل بين وصول الغيبة للمقول فيه وبين عدم وصولها إليه، فيجب الاستحلال منه في الصورة الاولى، ويجب الاستغفار له في الصورة الثانية، فقد ذهب إليه جمع من أعاظم الاصحاب كالشهيد الثاني والمجلسي وغيرهما. قال المحقق الطوسي في مبحث التوبة من التجريد: (ويجب الاعتذار عن المغتاب مع بلوغه) وتبعه العلامة والقوشجي في شرحهما على التجريد. ويدل على هذا التفصيل ما عن مصباح الشريعة (4) وهو قوله " ع ": (لن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه فان لم تبلغه ولم تلحقه فاستغفر الله له).


(1) ضعيفة للنوفلي. راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 320. وج 3 الوافي ص 162. وج 2 ئل باب 77 وجوب رد المظالم إلى أهلا من جهاد النفس ص 479. (2) ج 2 ص 320. (3) في ج 2 المستدرك ص 108 عن النبي صلى الله عليه وآله: من ظلم أحدا فغابه فليستغفر الله له كما ذكره فانه كفارة له. مجهولة لموسى بن اسماعيل. وفي ص 343 عن النبي صلى الله عليه وآله: من ظلم أحدا ففاته فليستغفر الله كلما ذكره فانه كفارة له. مجهولة لموسى. (4) مرسلة. راجع ج 2 المستدرك ص 105.

[ 335 ]

وفيه أولا: أنه ضعيف السند. وثانيا: أن الغيبة إن كانت من حقوق الناس وجب الاستحلال من المقول فيه سواء علم بذلك أم لا، وإلا بقى المغتاب (بالكسر) مشغول الذمة إلى الابد، ويكون شأن الغيبة في ذلك شأن الحقوق المالية، وإن لم تكن من حقوق الناس فلا وجه لوجوب الاستحلال من المقول فيه وإن بلغته الغيبة. وعلى كل حال فلا وجه للتفصيل المذكور ولا بد إما من حمل الرواية على الجهات الاخلاقية، أورد علمها إلى قائلها ومما ذكرناه ظهر ما في كلامي الشهيد في كشف الريبة والمجلسي في مرآة العقول (1) من الضعف حيث جعلا التفصيل المذكور وجه الجمع بين الروايات. وأما التفصيل بين إمكان الاستحلال وعدمه فالحقه الشهيد في كشل الريبة بالتفصيل المتقدم حكما، وقال: (وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة) ويمكن الاستدلال عليه بما في دعاء السجاد " ع " يوم الاثنين (2) من طلب العفو والمغفرة لذوي الحقوق والمظلمة مع عدم إمكان الخروج عنها. وفيه أولا: أن الادعية الواردة في أيام الاسبوع لم يثبت كونها من زين العابدين " ع " ولذا عدوها من الملحقات للحيفة المعروفة. وثانيا: أن فعل المعصوم وإن كان حجة كسائر الامارات المعتبرة، إلا أنه مجمل لا يدل الوجوب. كما عرفته آنفا. وأما الاكتفاء بالتوبة في محو تبعات الغيبة، كما يكتفي بها في محو تبعات سائر المعاصي فهو المتعين، لقيام الضرورة، ودلالة الآيات المتظافرة، والروايات المتواترة من الفريقين على ان التائب عن ذنبه كمن لا ذنب له. وفي إحياء العلوم (3) عن مجاهد: إن كفارة اكلك لحم أخيك ان تثني عليه وتدعو له بخير. وفيه أنه وإن كان حكما أخلاقيا، ولكن قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنه لا دليل عليه. وكذلك لا وجه لما حكاه عن عطا من أنه سئل (عن التوبة من الغيبة؟ قال: أن تمشي


(1) ج 2 ص 348. (2) قال " ع ": فأيما عبد من عبيدك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في نفسه أو في عرضه أو في ماله أو في أهله وولده أو غيبة اغتبته بها إلى أن قال: فقصرت يدي وضاق وسعي عن ردها إليه والتحلل منه فأسألك إلى أن قال: أن ترضيه عني بما شئت. (3) ج 3 ص 134.

[ 336 ]

إلى صاحبك فتقول له: كذبت فيما قلت وظلمتك وأسأت وإن شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت وهذا هو الاصح). على أن ما ذكره في طريق الاعتذار من أن يقول المغتاب (بالكسر) لصاحبه: (كذبت فيما قلت) كذب محرم، لما عرفت أن الغيبة كشف العيوب المستورة الموجودة في المقول فيه فلا يكون الاغتياب من الاكاذيب. قوله: (والانصاف أن الاخبار الواردة في هذا الباب كلها غير نقية السند). أقول: ربما قيل: إنه لا وجه لمناقشة المصنف في اعتبار الروايات، فانه قد اعترف بكونها مستفيضة على أنه (ره) جعل من ادلة وجوب الاستحلال الدعاء التاسع والثلاثين من الصحيفة، ومن البديهي ان الصحيفة وصلت الينا بسند معتبر عن الامام الرابع عليه وعلى آبائه ألف تحية وسلام وفيه أن مراد المصنف من الاخبار التي ناقش في اعتبارها غير الدعاء المزبور كما هو الظاهر، وإنما لم يلتزم بوجوب الاستحلال، لان الدعاء غير تام الدلالة عليه، وأما الاستفاضة فهي لا تنافى عدم الاعتبار، فان الخبر المستفيض قسم من الاخبار الآحاد كما حقق في محله، ولذا يجعلونه في مقابل المتواتر. مستثنيات الغيبة جواز غيبة المتجاهر بالفسق قوله: (الثالث: فيما استثنى من الغيبة وحكم بجوازها بالمعنى الاعم). أقول: ذكر المصنف تبعا لجامع المقاصد أن المستفاد من الاخبار أن الغيبة المحرمة هي ما كان الغرض منها انتقاص المؤمن وهتك عرضه، أو التفكه به، أو إضحاك الناس منه. وأما إذا كان الاغتياب لغرض صحيح راجع إلى المغتاب بالكسر أو الفتح، أو إلى ثالث بحيث يكون هذا الغرض الصحيح أعظم مصلحة من احترام المؤمن وجب العمل على طبق أقوى المصلحتين، وهذا كنصح المستشير والتظلم ونحوهما، وعليه فموارد الاستثناء لا ننحصر بعدد معين، بل المدار فيها وجود مصلحة أهم من مصلحة احترام المؤمن. وعلى هذا المنهج جميع موارد التزاحم في الوجبات والمحرمات، سواء كانت من حقوق الله أم من حقوق الناس. وأقول: مقتضى الادلة المتقدمة هو تحريم الغيبة بعنوانها الاولي، سواء انطبقت عليها سائر العناوين المحرمة أم لا. وعليه فلا وجه لجعل حرمة الغيبة تابعة لقصد هتك المؤمن،

[ 337 ]

أو التفكه به، أو انطباق غيرهما من العناوين المحرمة. نعم ما ذكره المصنف تبعا لجامع المقاصد في ضابطة ترجيح الاهم على المهم فهو في غاية المتانة والجودة على ما نقحناه في علم الاصول، ولا تحصى ثمراته في علم الفقه، إلا أنه لا وجه لذكر هذه الضابطة في المقام، فان الكلام هنا متمحض لبيان مستثنيات الغيبة بحسب التعبد بالادلة الخاصة، فلا مساس له بلحاظ المناط والعمل بطبق أقوى الملاكين، وكيف كان فقد عدوا من مستثنيات الغيبة امورا: الاول: المتجاهر بالفسق فانه يجوز اغتيابه بلا خلاف بين الشيعة والسنة (1) وتدل على جواز غيبته جملة من الروايات. منها رواية هارون بن جهم (2) عن الصادق (قال: إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة). وفيه أن الرواية وإن كانت ظاهرة الدلالة على المدعى. ولكنها ضعيفة السند. ومنها النبوي (3): (من القى جلباب الحياء فلا عيبة له). أقول: ليس المراد في الحديث من ألقى جلباب الحياء بينه وبين ربه حتى قام في صف المتمردين عليه، وإلا لدل الخبر على جواز اغتياب كل مذنب، لهتكهم الستر المرخى بينهم وبين ربهم. وليس المراد به ايضا من لا يبالي بارتكاب الامور العادية غير المناسبة لنوع الناس، كالاكل في السوق، والجلوس في المقاهي، والاعتياد على الاكل في الضيافة زائدا على المتعارف. بل المراد منه هو الفاسق المعلن بفسقه غير المبالي بالتمرد على الشارع والجرأة على مخالفته بالاقدام على القبائح والمعاصي علنا، فيدل على المقصود، إلا أنه ضعيف السند. ومنها الروايات (4) الدالة على أن الفاسق المعلن بفسقه لا غيبة له ولا حرمة، إلا أنها ضعيفة السند.


(1) راجع ج 3 إحياء العلوم ص 134. (2) ضعيفة لاحمد بن هارون. راجع ج 2 ئل باب 154 المواضع التي تجوز فيها الغيبة من العشرة ص 239. وج 15 البحار العشرة ص 187. (3) راجع ج 2 المستدرك ص 108. وج 10 سنن البيهقي ص 210. وج 3 إحياء العلوم ص 134. (4) في ج 2 ئل باب 154 المواضع التي تجوز فيها الغيبة من العشرة ص 239 عن قرب الاسناد قال " ع ": ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، والامام الجائر، والفاسق المعلن بالفسق. ضعيفة لابي البختري. ورواها الغزالي في ج 3 إحياء العلوم ص 134 عن الحسن.

[ 338 ]

ومنها ما روي عنه " ع " (1) بطرق عديدة: " من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته وكملت مروته وظهر عدله ووجبت اخوته ". فهذه الرواية دلت بمفهومها على ان من ارتكب الامور المذكورة فهو جائز الغيبة. ومن الواضح ان من ظلم الناس في معاملاتهم وكذبهم في حديثهم كان متجاهرا بالفسق ولكن الرواية بجميع طرقها ضعيفة السند. على أن الظاهر من هذه الرواية ومن صحيحة ابن ابي يعفور ورواية علقمة الآتيتين اعتبار العدالة في حرمة الغيبة، ولم يلتزم به أحد ومنها صحيحة ابن ابي يعفور (2) فقد دلت على أن حرمة التفتيش عن أحوال الناس مترتبة على الستر والعفاف منهم، ومقتضى ذلك أن حرمة التفتيش تنتفي إذا انتفت الامور المذكورة. وفيه ان التفتيش غير الغيبة، وحرمة احدهما لا تستلزم حرمة الآخر. نعم قد يجتمعان ثم لو سلمنا اتحادهما فان مقتضى ذلك اعتبار العدالة في حرمة الغيبة. ومنها ما في رواية علقمة (3) عن الصادق " ع " وهو قوله: " فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وإن كان


وفي ج 2 المستدرك ص 107: عن القطب عن النبي صلى الله عليه وآله: لا غيبة لثلاث: سلطان جائر، وفاسق معلن، وصاحب بدعة. مرسلة. وعن السيد فضل الله: اربعة ليس غيبتهم غيبة: الفاسق المعلن بفسقه. مرسلة. وفي ص 108 عن عوالي اللئالي عن النبي " ص " قال: لا غيبة لفاسق أو في فاسق، مرسلة (1) ضعيفة لعثمان بن عيسى. راجع ج 2 مرآة العقول ص 217. وج 3 الوافى باب صفة الاخ ص 104. وج 2 ئل باب 152 تحريم اغتياب المؤمن من العشرة ص 237 وفي ج 3 ئل باب 41 ما يعتبر في الشاهد من العدالة من أبواب الشهادات ص 417 نقل هذا الحديث عن الخصال والعيون. ولكن ما عن الخصال ضعيف لزيد بن محمد و عبد الله ابن أحمد الطائي وابيه. وأما ما عن العيون فرواه الصدوق عن الرضا " ع " بطرق ثلاثة وكلها مجهولة. وفي ج 3 المستدرك ص 314 رواه بطريقين مجهولين، لداود بن سليمان وأحمد بن عامر الطائى وغيرهما. وإذن فلا يجوز الاستناد بذلك الحديث والله العالم. (2) راجع ج 3 ئل باب 41 ما يعتبر في الشاهد من أبواب الشهادات ص 417. (3) ضعيفة لصالح بن عقبة وعلقمة. راجع ج 3 ئل باب 41 ما يعتبر في الشاهد من العدالة من الشهادات ص 417.

[ 339 ]

في نفسه مذنبا ومن اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية الله وداخل في ولاية الشيطان ". قال المصنف: " دل على ترتب حرمة الاغتياب وقبول الشهادة على كونه من أهل الستر وكونه من أهل العدالة على طريق اللف والنشر، أو على اشتراط الكل بكون الرجل غير مرئي منه المعصية ولا مشهودا عليه بها، ومقتضى المفهوم جواز الاغتياب مع عدم الشرط خرج منه غير المتجاهر ". وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: أن ظاهرها اعتبار العدالة في حرمة الغيبة، وهو بديهي البطلان، كما عرفت آنفا. وثالثا: أن ظاهر مفهومها هو ان غيبة الرجل جائزة لمن يشاهد صدور المعصية منه، أو إذا شهد عليه بها شاهدان، وعليه فتنحصر موارد الادلة الدالة على حرمة الغيبة بالعيوب البدنية والاخلاقية، فان المغتاب " بالكسر " لا بد له من العلم حين يغتاب، وإلا كان من البهتان، لا من الغيبة، وهذا خلاف صراحة غير واحد من الروايات الدالة على حرمتها، على أنه لم يلتزم به احد. نعم لو اريد من الخطاب في قوله " ع ": " فمن لم تره بعينك " العنوان الكلي والقضية الحقيقية وكان معناه أن صدور المعصية منه بمراى من الناس ومسمع منهم بحيث ير الناس ويرونه وهو يوقع المعصية لسلم عن هذا الاشكال. ومنها ما في رواية ابي ابن يعفور (1) المتقدمة من قوله " ع ": (وقال رسول الله " ص ": لا غيبة إلا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا ومن رغب عن جماعة المسلمين وجبت على المسلمين غيبته). فانه يدل على جواز غيبة من رغب عن الجماعة، بل على وجوبها. وفيه أولا: أن اصل الرواية وإن كانت صحيحة كما عرفت إلا أن هذه القطعة قد زيدت عليها في رواية الشيخ، وهي مشتملة على ضعف في السند. وثانيا: أنها مختصة بمن رغب عن الجماعة، فلا تعم غيره. وثالثا: أن ظاهر الرواية هو دوران الغيبة والعدالة إثباتا ونفيا مدار حضور الجماعة، والرغبة عنها. ويدل على هذا من الرواية ايضا قوله " ع " بعد القطعة المذكورة: (وسقطت بينهم عدالته ووجب هجرانه وإذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذره فان حضر جماعة المسلمين وإلا أحرق عليه بيته ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته بينهم). وحاصل ما تقدم: أنه لم يدل دليل معتبر على جواز غيبة المتجاهر بالفسق، ليكون مقيدا


(1) ضعيفة لمحمد بن موسى. راجع الباب المتقدم من ج 3 ئل. وج 9 الوافى باب عدالة الشاهد ص 149.

[ 340 ]

للاطلاقات الدالة على حرمة الغيبة مطلقا. نعم قد ذكرنا في معنى الغيبة أنها عبارة عن كشف ما ستره الله على العباد، وايدناه ببعض الروايات، فيكون المتجاهر بالفسق خارجا عن حدود الغيبة تخصصا وموضوعا، لانه قد كشف ستره بنفسه قبل أن يكشفه المغتاب (بالكسر). فروع الاول: هل يعتبر في جواز غيبة المتجاهر بالفسق قصد الغرض الصحيح من النهي عن المنكر وردعه عن المعاصي، أولا؟ مقتضى العمل بالاطلاقات المتقدمة الدالة على نفي الغيبة عن المتجاهر بالفسق هو الثاني، إذ لم تقيد بالقصد المذكور، كما أن ذلك ايضا مقتضى ما ذكرنا من خروج ذكر المتجاهر بالفسق عن تعريف الغيبة موضوعا. إذ لم يتقيد عنوان الغيبة بأكثر من كونها كشفا لما ستره الله. الثاني: هل تجوز غيبة المتجاهر في جميع ما ارتكبه من المعاصي وإن لم يتجاهر إلا في بعضها كما عن الحدائق، أولا تجوز إلا فيما تجاهر فيه كما عن الشهيد الثاني (ره)؟. وفصل المصنف بين المعاصي التي هي دون ما تجاهر فيه في القبح وبين غيرها، فيجوز اغتيابه في الاول، ولا يجوز اغتيابه في الثاني. ومثاله: من تجاهر باللواط جاز اغتيابه بالتعرض للاجنبيات، ومن تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بالسرقة. ومن تجاهر بكونه جلاد سلطان الجور يقتل الناس، ويمثل بهم، وينكل جاز اغتيابه بشرب الخمر والزناء واللواط. ومن تجاهر بنفس المعصية جاز اغتيابه في مقدماتها. ومن تجاهر بالمعاصي الكبيرة جاز اغتيابه بالتعرض لجميع القبائح. ولعل هذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وآله: (منالقى جلباب الحياء فلا غيبة له). لا من تجاهر بمعصية خاصة وعد مستورا في غيرها، كبعض عمال الظلمة. انتهى ملخص كلامه. اقول: أما القول بالتفصيل المذكور فلا دليل عليه بوجه، فان بعض الناس قد يتجاهر بالذنوب الكبيرة، كقتل النفوس المحترمة، وشرب الخمور، وأكل اموال الناس، ومع ذلك يتستر فيما هو دونها، كإيذاء الجار، والنظر إلى الاجنبيات، وترك العبادات الواجبة. نعم إذا تجاهر في معصية جاز اغتيابه بها وبلوازمها، فإذا تجاهر بشرب الخمر جاز اغتيابه بتهيئة مقدمات الشرب من الشراء والحمل، أو الصنع، فان الالتزام بالشئ التزام بلوازمه. ومن القى جلباب الحياء في معصية القى جلبابه في لوازمه أيضا. وعليه فيدور الامر بين

[ 341 ]

القول بالجواز مطلقا، وبين القول بعدم الجواز كك. وقد يقال: إن الظاهر هو جواز اغتياب المتجاهر مطلقا، كما عن الحدائق. بل استظهره من كلام جملة من الاعلام، بل ذكر المصنف تصريح بعض الاساطين بذلك. والوجه فيه هو إطلاق الروايات المتقدمة، فانه دال على جواز غيبة المتجاهر بالفسق حتى بذكر المعاصي التي لم يتجاهر فيها. فكأن تجاهره بمعصية واحدة اسقط احترامه في نظر الارع بحيث صار مهدور الحرمة. كما أن المرتد بارتداده يصبح مهدور الدم، ولكنك قد عرفت ضعف الروايات المذكورة، فلا يمكن التمسك باطلاقها. وعليه فالاقتصار على المقدار المتيقن يقتضي عدم جواز غيبة المتجاهر بغير ما تجاهر فيه وفي لوازمه. الثالث: ظهر من مطاوي ما ذكرناه انه يعتبر في صدق التجاهر بالفسق ان يكون المتجاهر به مما يوجب الفسق والخروج عن العدالة، فلو ارتكب احد الحرام الواقعي لشبهة حكمية أو موضوعية، فانه ليس بمذنب فضلا عن كونه متجاهرا بالفسق. اما الشبهة الحكمية فكما إذا شرب العصير التمري المغلي قبل ذهاب ثلثيه أو أكل لحم الارنب، لانه يعتقد إباحتهما بحسب اجتهاده أو اجتهاد من يقلده فانه يكون معذورا في هذا الارتكاب إذا تمت له أو لمقلده مقدمات الاجتهاد. واما الشبهة الموضوعية فكشرب الخمر باعتقاد انها ماء، وكوطي امرأة اجنبية باعتقاد انها زوجته، وكقتل المؤمن باعتقاد انه مهدور الدم. فانه ايضا معذور في هذه الاعمال إلا إذا كان مقصرا فيها. الرابع: قد عرفت: ان مقتضى العمل بالمطلقات هو جواز غيبة المتجاهر مطلقا بمجرد تجاهره بمعصية من المعاصي، فيكون التجاهر ولو في معصية واحدة علة تامة لجواز الغيبة، وعليه فلا يفرق في ذلك بين ان يكون معروفا بالتجاهر في الفسق بين جميع الناس، وفي جميع الامكنة والاصقاع، أو بين بعضهم وفي بعض البلاد والقرى. وعلى هذا فلا وجه لما استشكله المصنف م دعوى (ظهور روايات الرخصة فيمن لا يستنكف عن الاطلاع على عمله مطلقا، فرب متجاهر في بلد متستر في بلاد الغربة أو في طريق الحج والزيارة لئلا يقع عن عيون الناس). نعم لو تجاهر بذلك بين جماعة هم اصحاب سره ورفقائه في العمل فانه لا يعد متجاهرا بالفسق. ولكن قد عرفت ضعف المطلقات المذكورة، فلا يمكن الاستناد إليها في تجويز هتك عرض المؤمن وافتضاحه بين الناس، ولا تصلح لتقييد المطلقات الدالة على حرمة الغيبة. وإذن فلا تجوز غيبة المتجاهر إلا لمن تجاهر بالمعصية عنده، لا من جهة الروايات، بل لعدم

[ 342 ]

تحقق مفهوم الغيبة مع التجاهر، على ما ذكرناه في تفسيرها، والله العالم. ولقد أجاب المصنف حيث قال: (وبالجملة فحيث كان الاصل في المؤمن الاحترام على الاطلاق وجب الاقتصار على ما تيقن خروجه). قوله: (وهذا هو الفارق بين السب والغيبة). أقول: قد تقدم توضيح ذلك في البحث عن حرمة سباب المؤمن، وقلنا: إن النسبة بين الغيبة وسب المؤمن هي العموم من وجه. جواز تظلم المظلوم قوله: (الثاني: تظلم المظلوم وإظهار ما فعل به الظالم وإن كان متسترا به). أقول: ذكر الشيعة والسنة (1) من مستثنيات حرمة الغيبة تظلم المظلوم، وإظهار ما أصابه من الظالم وإن كان مسترا في ظلمه إياه. كما إذا ضربه أو شتمه أو اخذ ماله أو هجم على داره في مكان لا يراهما احد أو لا يراهما من يتظلم إليه، فانه يجوز للمظلوم ان يتظلم بها إلى الناس. ويدل عليه قوله تعالى (2): (لا يحب الله الهر بالسوء من القول إلا من ظلم). فقد ثبت من الخارج ان الغيبة من الجهر بالسوء، فانها إظهار ما ستره الله من العيوب الموجبة لهتك المقول فيه وإهانته، كما عرفت. وعيه فتنطنبق الآية على ما نحن فيه، وتكون النتيجة ان الله لا يحب الاغتياب إلا للمظلوم، فان له ان يتظلم إلى النسا بذكر مساوي الظالم وإن لم يرج ارتداعه عن ظلمه إياه. وأما الرواية (3) المفسرة للجهر بالسوء بأن المراد به الشتم فمضافا إلى ضعف السند فيها أن انطباقه على ذلك لا ينافى انطباقه على الغيبة ايضا، لما عرفت مرارا من ان الروايات الواردة في تفسير البرآن كلها لبيان المصداق وتنقيح الصغرى. وقيد الشهيد في كشف الريبة وجمع ممن تأخر عنه جواز الغيبة هنا بكونها عند من يرجو منه إزالة الظلم عنه اقتصارا في مخالفة الاصل الثابت بالعقل والنقل على المتيقن، إذ لا عموم في الآية ليتمسك به في إثبات الاباحة مطلقا. وما ورد في تفسير الآية من الاخبار


(1) راجع ج 3 إحياء العلوم للغزالي ص 133. (2) سورة النساء، آية: 148. (3) راجع ج 2 مجمع البيان ط صيدا ص 131.

[ 343 ]

لا ينهض للحجية، مع ان المروي عن الباقر " ع " في تفسيرها المحكي عن مجمع البيان: أنه لا يحب الشتم في الانتصار إلا من ظلم. وفيه أن الآية وإن لم تشتمل على شئ من الفاظ العموم وأدواته إلا ان قوله (إلا من ظلم) مطلق فبمقتضى مقدمات الحكمة فيه يفيد العموم. وعليه فيجوز للمظلوم اغتياب الظالم سواء احتمل ارتداعه أم لا. ويدل على الحكم المذكور ما في تفسير القمي (1) من الرخصة للمظلوم في معارضة الظالم وكذلك يدل عليه ما ورد (2) في تطبيق الآية على ذكر الضيف إساءة المضيف إياه، ولكن جميع ذلك ضعيف السند. ثم إن المراد من إساءة الضيافة هو هتك الضعيف وعدم القيام بما يليق بشأنه وبما تقتضيه وظائف الضيافة والمعاشرة المقررة في الشريعة المقدسة، ويسمى ذلك في لغة الفرس بكلمة (پزيرائى) وليس المراد بها ترك ما يشتهيه الضيف ويتمناه زائدا على المقدار المتعارف. وبعبارة اخرى حق الضيف على المضيف ان يكرمه ويحترمه بالحد الاوسط، فلا تجوز له مطالبته بالحد الاعلى، ولا يجوز للمضيف ان يعامل ضيفه بالحد الادنى، وإلا لجاز لاي منهما ان يذكر ما فعله الآخر معه من المساءة، لانه نوع من التظلم، فيكون مشمولا للآية من دون احتياج إلى الرواية، وحينئذ فيكون تطبيق الآية على إساءة الضيافة مؤيدة لما ذكرناه. وقد يستدل على الجواز هنا بامور غير ناهضة للدلالة على المقصود: الاول: قوله تعالى (3): (والذين إذا اصابهم البغي هم ينتصرون). وقوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل). بدعوى ان ذكر المظلوم ما فعله الظالم معه من السوء نحو من الانتصار فيكون مشمولا للآيتين. وفيه أن الآيتين اجنبيتان عما نحن فيه، بل هما راجعتان إلى جواز الاعتداء والانتقام


(1) ص 145. (2) في ج 2 مجمع البيان ص 131. وج 2 ئل باب 154 المواضع التي تجوز فيها الغيبة من العشرة ص 239 في قوله تعالى: لا يحب الله الخ عن ابي عبد الله " ع " انه الضيف ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فلا جناح عليه في أن يذكره بسوء ما فعله. مرسلة. (3) سورة الشورى، آية: 37.

[ 344 ]

بالمثل، نظير قوله تعالى (1): (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم). وقد ذهب إلى هذا جمع من الاكابر حتى صرح الاردبيلي في محكي كلامه بجواز اعتداء المضروب بالضرب والمشتوم بالشتم كما عرفته إجمالا في البحث عن حرمة السب. ويدل على ما ذكرناه من حمل الآيتين على الانتقام بالمثل قوله تعالى بينهما: (وجزاء سيئة سيئة مثلها). ودعوى أن الغيبة نحو من الاعتداء، دعوى جزافية، فانه لا إطلاق للآيتين بالنسبة إلى المجازات بالمحرمات، وإلا لجاز الاعتداء بالزناء ونحوه، ولم يلتزم به أحد، بل هو ضروري البطلان. الثاني ان في منع المظلوم من التظلم حرجا عظيما، بل ربما لا يتحمله إلا الاوحدي من الناس. وفيه أن هذا لا يتم في جميع الموارد، فان رب شخص يتحمل ما لا يحصى من المصائب الشديدة والنوائب العسرة حتى من الاشخاص الدنية بغير حرج ومشقة. على أن في شمول دليل الحرج للمقام إشكالا، بل منعا، لانه مناف للامتنان في حق المغتاب (بالفتح) وقد حققنا في معنى ادلة الحرج والضرر انها ادلة امتنانية، وإنما تجري إذا لم يلزم من جريانها خلاف الامتنان في حق الآخرين. الثالث: ان في تشريع الجواز مظنة ردع الظالم، وهي مصلحة خالية عن المفسدة، فتوجب الجواز، فان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد على مسلك العدلية. وفيه أن الاحكام الشرعية وإن كانت تابعة للملاكات الواقعية، إلا ان المصلحة المظنونة لا تقاوم المفسدة المقطوعة، لان الظن لا يغني من الحق شيئا، على انه ربما لار يرتدع الظالم باغتيابه، بل قد لا يرتدع بما هو اعظم من الاغتياب، على ان لازم هذا الوجه هو جواز اغتيابه حتى من غير المظلوم، فان الظن بالارتداع موجود فيهما، بل قد يكون ذكر غير المظلوم آكد في ردع الظالم. الرابع: ما في رواية قرب الاسناد المتقدمة في البحث عن جواز غيبة المتجاهر بالفسق وهو قوله " ع ": (ثلاثة ليس لهم حرمة صاحب هوى مبتدع والامام الجائر والفاسق المعلن بالفسق). بدعوى ان عدم احترام الامام الجائر إنما هو لجوره، لا لتجاهره بالفسق وإلا لم يكن قسيما للفاسق المعلن بفسقه. وفيه أولا: انها ضعيفة السند كما عرفته في المبحث المذكور. وثانيا: يمكن ان يراد من الامام الجائر من يتقمص بقميص الخلافة على غير استحقاق، وينتصب منصب الامامة بغير رضى من الله ورسوله. ويمكن ان يراد به مطلق القاعد الذي يجور على الناس


(1) سورة البقرة، آية: 190.

[ 345 ]

بظلمهم، سواء ادعى الخلافة مع ذلك أم لا، ويعبر عنه في لغة الفرس بلفظ (زمامدار) وعليه فيدخل فيه من يقضي بين الناس، أو يفتيهم على غير هدى من الله ورسوله. وعلى كل حال، فلا دلالة في توصيف الامام بالجور على عليته لجواز الغيبة، فان عطف الفاسق عليه من قبيل عطف العام على الخاص. على ان الرواية المذكورة مروية عن النبي بسند آخر (1) وهي تشتمل على توصيف الامام بالكذاب. على أنهذا الوجه لو دل على الجواز لم يختص بخصوص المظلوم. فان الامام الجائر يجوز اغتيابه لكل احد. فعموم العلة: أعني الجور يقتضي عموم الحكم. الخامس: قوله " ص " (2): (ولصاحب الحق مقال). وفيه أولا: أنه ضعيف السند وغير منجبر بشئ. وثانيا: أنه لا دليل إلا على ثبوت المقال لصاحب الحق من حيث الكبرى: أي في موارد ثبوت الحق له بالفعل. وأما إحراز الصغرى فلا بد وان يكون بادلة اخرى. ومعنى الحديث أن كل من ثبت له حق فعلي على أحد من الحقوق المالية والعرضية والبدنية وغيرها فله مقال في المطالبة به، والمرافعة عليه، وعلى هذا فلا تشمل المظلوم الذي اضيع حقه، وفات بالظلم عليه، إذ ليس له حق فعلي حتى يكون له مقال في المطالبة به، والمرافعة عليه. ويحتمل اختصاصه بالدين فقط، فيكون مساوقا لقوله " ص " (3): (لي الواجد بالدين


(1) مجهولة لموسى بن اسماعيل. راجع ج 2 المستدرك ص 107. (2) في ج 2 مرآة العقول ص 345. وج 6 سنن البيهقي باب ما جاء في التقاضي ص 52. وج 2 البخاري باب الوكالة في قضاء الدين ص 37: عن ابي هريرة إن أعرابيا تقاضى النبي صلى الله عليه وآله دينا كان له عليه فأغلظ له فهم به اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي: دعوه فان لصاحب الحق مقالا، ثم قال: اقضوه، فقالوا: لا نجد إلا سنا افضل من سنه، قال: اشتروه واعطوه فان خيركم احسنكم قضاء. وفي ج 3 إحياء العلوم ص 132 ذكر هذه الجملة: (إن لصاحب الحق مقالا). في مسوغات الغيبة، ولم يذكر المصدر. (3) ضعيفة لهارون. راجع ج 2 ئل باب 8 تحريم المماطلة بالدين من أبواب الدين ص 622. وفي ج 6 سنن البيهقي ص 51 روى هذه الجملة: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) في احاديث شتى. وفي ج 2 المستدرك ص 490 روى هذه الجملة: (لي الواجد يحل عقوبته) عن عوالي اللئالي مرسلا.

[ 346 ]

يحل عرضه وعقوبته ما لم يكن دينه فيما يكره الله عزوجل). عدم جواز الغية في ترك الاولى لا يجوز للمظلوم أن يغتاب الظالم بترك الاولى، لعدم الدليل عليه. وقد يستدل على الجواز بروايتين، الاولى: رواية حماد بن عثمان (1) الواردة في استقضاء الدين، فانها ظاهرة في جواز الشكوى من المدائن لتركه الاولى، لان الامهال في قضاء الدين من الامور المستحبة وفيه أولا: أنها ضعيفة السند. وثانيا: أن ظاهر الفرض في الرواية أن الدائن قد تعدى على المديون، فطلب منه اداء الدين مع عدم وجوب الاداء عليه لعسر أو لغيره، ولا شبهة ان ذلك ظلم تباح معه الغيبة. ويؤيد ذلك أن الامام " ع " لم يوجب على المديون اداء الدين، ولو كان واجدا، ولم يكن له عذر لكان أداء الدين واجبا عليه بلا ريب، لما ورد (أن لي الواجد يحل عرضه وعقوبته). وقد عرفت ذلك آنفا. هذا كله على النسخة المعروفة التي تبعها صاحب الوسائل والمصنف في النقل. وأما على نسختي الوافى والمستدرك، وما ذكره المجلسي (2) عن بعض النسخ القديمة. من تبديل الضاد المعجمة في استقضيت في الموضعين بالصاد المهملة فالرواية تكاد تكون نصا فيما ذكرناه فان معنى الاستقصاء في الحق البلوغ إلى الغاية في المطالبة. ومن الواضح ان ذلك قد يؤدي إلى الهتك والظلم، فيكون حراما. وعيه فتكون الرواية من جملة ما دل على جواز اغتياب


(1) في ج 1 كا ص 355. وج 10 الوافى ص 108. وج 2 ئل باب 16 أنه يكره لمن يتقاضي الدين الخ من أبواب الدين ص 623 عن حماد قال: دخل رجل على ابي عبد الله " ع " فشكى إليه رجلا من اصحابه فلم يلبث ان جاء المشكو فقال له أبو عبد الله ما لفلان يشكوك؟ فقال له: يشكوني إني استقصيت منه حقي، قال: فجلس أبو عبد الله مغضبا ثم قال: كأنك إذا استقصيت حقك لم تسئ أرأيت ما حكى الله عزوجل فقال: ويخافون سوء الحساب، أترى انهم خافوا الله ان يجور عليهم لا والله ما خافوا إلا الاستقصاء فسماه الله سوء الحساب فمن اسقصى فقد اساء. ضعيفة لمعلى بن محمد. ورواها في ج 2 التهذيب ص 62 بسند فيه جهالة لمحمد بن يحيى الصيرفي. وفي ج 2 المستدرك ص 492 عن العياشي مرسلا. (2) راجع ج 3 مرآة العقول باب 25 آداب قضاء الدين ص 389.

[ 347 ]

الظالم من قبل المظلوم بذكر اوصافه المحرمة كما تقدم. ومن تأمل الرواية، وتشديد الامام " ع " فيها على المشكو عليه، واستشهاده بالآية يطمئن بصحة نسخة الوافى. على أن المحدث القاساني دقيق في نقله. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه. وتسليم عدم ظهور الرواية فيما تقول فليس لها ظهور فيما ذكره المصنف ايضا، فتكون مجملة. الثانية مرسلة ثعلبة بن ميمون (1): (قال: كان عنده قوم يحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه وشكاه فقال له أبو عبد الله (ع): وأنى لك بأخيك كله واي الرجال المهذب) فان الظاهر من الجواب ان الشكوى إنما كانت من ترك الاولى الذي لا يليق بالاخ الكامل المهذب. وفيه أولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: ان جواب الامام (ع) ظاهر في ان الصنع الذي شكى منه الرجل أمر يصيب به جميع الناس، وليس يوجد من لا يصيب به إلا الاوحدي وعليه فيخرج هذا عن موضوع الغيبة، فقد عرفت انها كشف ما ستره الله. وقد يستدل على جواز الغيبة بترك الاولى بما ورد في ذكر الضيف مساوي ضيافة المضيف، فان ذلك ليس إلا من ترك الاولى. وفيه مضافا إلى ضعف السند فيه. انك قد عرفت: ان المراد من إساءة الضيافة في الرواية هو الهتك والظلم والاهانة، وإلا لما صح تطبيق الآية على الموارد. واما ما في حاشية الايرواني من دعوى ان ترك الاولى نوع من الظلم فلا وجه له. نصح المستشير قوله: (ويبقى من موارد الرخصة لمزاحمة الغرض الاهم صور تعرضوا لها، منها نصح المستشير). أقول: مستثنيات الغيبة التي ذكروها تندرج في واحد من ثلاثة عناوين: الاول: ما كان خارجا عنها موضوعا كذكر المتجاهر بالفسق إذا خصصنا الجواز


(1) عمن ذكره عن ابي عبد الله (ع) قال: كان عنده قوم يحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه وشكاه فقال له أبو عبد الله (ع): وأنى لك بأخيك كله واي الرجال المهذب، مرسلة. راجع ج 3 الوافى باب من تجب مصادقته ص 105، وج 2 ئل باب 56 الاغضاء عن الاخوان من العشرة ص 213.

[ 348 ]

بذكر ما تجاهر فيه من المعاصي، وقد تكلمنا عليه مفصلا. ومن هذا القبيل ذكر الاشخاص بالاوصاف الظاهرة كالاعمش والاحول والاعرج ونحوها، بل من المتعارف في كل زمان ذكر الناس بالاوصاف الواضحة. كما هو كذلك في كثير من الرواة. والوجه في ذلك هو ما تقدم في معنى الغيبة من كونها إظهارا لما ستره الله على المقول فيه، فذكر الامور الظاهرة ليس منها شئ. الثاني: ان تكون في الغيبة مصلحة تزاحم المفسدة في تركها، كما إذا توقف حفظ النفس المحترمة أو الاموال الخطيرة أو صيانة العرض عن الخيانة على الغيبة. ولا بد ح من ملاحظة قواعد التزاحم، والعمل على طبق اقوى الملاكين. وعليه فتتصف الغيبة بالاحكام الخمسة كما هو واضح. الثالث: ما كان خارجا عن الغيبة بالتخصص وهو على قسمين، الاول: أن يكون الخروج بدليل مختص بالغيبة كتظلم المظلوم، وقد تقدم الكلام فيه. الثاني: أن يكون الخروج بدليل عام جار في أبواب الفقه، ولا يختص بالغيبة فقط. كادلة نفي الحرج والضرر هذا كله بحسب الكبرى. واما بحسب الصغرى فقد ذكروا لها موارد عديدة، الاول: نصح المستشير، قال المصنف: (فان النصيحة واجبة للمستشير فان خيانته قد تكون اقوى مفسدة من الوقوع في المغتاب، وكذلك النصح من غير استشارة). وعليه فالنسبة بينه وبين الغيبة عموم من وجه، لان الغيبة قد تتحقق باظهار العيوب المستورة حيث لا يتحقق النصح، كما هو الكثير، وقد يتحقق النصح حيث لا تتحقق الغيبة، كما إذا لم يتوقف على ذكر أحد بالسوء وقد يجتمعان، كما إذا استشاره أحد في التزوج بامرأة معلومة، وهو يعلم أنها فاجرة ومتبرجة أو استشاره في مصاحبة رجل في السفر أو التجارة أو المجالسة، وهو يعلم أنه خائن وسئ الخلق وشارب الخمر ومرتكب الفجور وآكل أموال الناس بالظلم والعدوان، أو استشاره في التلمذة عند شخص وهو يعلم أنه سيئ العقيدة أو سيئ العمل، فان النصح في الموارد المذكورة يتوقف على الغيبة. وعلى هذا فان كان دليل وجوب النصح ودليل حرمة الغيبة من قبيل المتعارضين تساقطا معا في مادة الاجتماع. وكان المرجع إلى اصالة الاباحة. وإن كانا من قبيل تزاحم المقتضيين فلا بد في ترجيح أحدهما على الآخر من ملاحظة أقوى الملاكين. ولكن الظاهر أن ما نحن فيه من صغريات باب التزاحم، لا التعارض، فان الغيبة في موارد الاجتماع مأخوذة في مقدمات النصح. وأنه يتولد منها ويتوقف عليها، نظير توقف

[ 349 ]

إنقاذ الغريق والاتيان بالصلاة على التصرف في ملك غيره. وعليه فيتصف كل من النصح والغيبة بالاحكام الخمسة حسب اختلاف الموارد بقوة الملاك وضعفه على ما تقدمت الاشارة إليه، فان تساوى الملاكان كان النصح والغيبة مباحين، وإن زاد أحدهما على الآخر كان الزائد متصفا بالوجوب أو الاستحباب بقدر ما فيه من زيادة الملاك، وكان الناقص محرما أو مكروها بمقدار ما فيه من نقصه، هذا كله مع تسليم وجوب النصح. ولكن بعد التأمل في الاخبار الموهمة لوجوب النصح لم نجد فيها ما يدل على الوجوب، فانها على اربع طوائف: الاولى (1): ما دل على حرمة خيانة المؤمن لاخيه. ومن المعلوم أنها أجنبية عما نحن فيه. لعدم الملازمة بين الخيانة وترك النصيحة حتى مع الاستشارة، لامكان رده إلى غيره سواء كان ذلك الغير أعرف منه بحال المستشير ام لا، ومن الواضح أنه لو كان النصح واجبا لما جاز رده. الثانية: الاخبار (2) الدالة على وجوب نصح المؤمن ابتداء بدون سبق استشارة


(1) في ج 3 الوافي باب حقوق الاخوة ص 102. وج 2 ئل باب 122 وجوب اداء حق المؤمن من العشرة ص 228 في رواية أبي المأمون الحارثي عن ابي عبد الله من حق المؤم ن على المؤمن أن لا يخونه. مجهولة للحارثي. وفي الباب المزبور من ئل وج 3 الوافي باب التراحم ص 100: عن ابي المعزاء عن ابي عبد الله " ع " قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه. صحيحة. وفي الموضع المتقدم من ئل وج 3 الوافي باب اخوة المؤمنين ص 101: عن علي بن عقبة عن ابي عبد الله " ع " قال: إن المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله لا يخونه. صحيحة. وفي رواية الحارث عن ابي عبد الله " ع " المسلم أخو المسلم لا يخونه. ضعيفة. لسهل، ومجهولة للمثنى الحناط. إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المزبورة وج 2 المستدرك ص 92. (2) في ج 3 الوافي ص 99. وج 2 اصول الكافي بهامش مرآة العقول باب الاهتمام بامور المسلمين ص 166. وج 2 ئل باب 21 وجوب نصيحة المسلم من فعل المعروف ص 520 عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أنسك الناس نسكا أنصحهم حبا. ضعيفة للنوفلي. وفي ج 3 الوافي ص 121. وج 2 ئل باب 35 وجوب نصيحة المؤمن من فعل المعروف ص 526. وج 2 اصول الكافي بهامش مرآة العقول ص 190 باب نصيحة المؤمن عن عيسى عن أبي عبد الله " ع " قال: يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه. صحيحة

[ 350 ]

واستهداء، وهي وإن كانت كثيرة ومعتبرة، ولكنها راجعة إلى الجهات الاخلاقية، فتحمل على الاستحباب. والوجه في ذلك هو لزوم العسر الاكيد والحرج الشديد من القول: بوجوب النصح على وجه الاطلاق، وتقييده بمورد الابتلاء، أو بمن يفي بحقوق الاخوة من غير أن يضيع منها شيئا وإن كان يرفع العسر والحرج، ولكن قامت الضرورة على عدم وجوبه هنا ايضا. الثالثة: الاخبار الواردة في خصوص نصح المستشير، وقد ادعى غير واحد من المحدثين وغيرهم ظهورها في الوجوب. منها قوله " ع " (1): في رواية ابن عمر عن أبي عبد الله " ع " (قال: من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه الله عزوجل رأيه). ومنها قوله " ع " (2) في رواية النوفلي: (من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله لبه). وفيه أن التوعيد في هاتين الروايتين بالعقوبة الدنيوية من سلب اللب والرأي لا يدل على أزيد من الاستحباب ورجحان العمل، فان العقل من أعظم النعم الالهية، وقد من به سبحانه على عباده لهدايتهم، فصرفه إلى غير ما خلق لاجله يوجب الزوال وهومن النقمات الشديدة. كما ان صرفه إلى ما خلق لاجله يوجب المزية والاستكمال، ولا شبهة في رجحانه ومن هنا ظهر ان قوله " ع " في رواية عباية (3): (وانصح لمن استشارك). إرشاد إلى ما ذكرناه. فيكون محمولا على الاستحباب. على أن الروايات المذكورة كلها مجهولة الرواة. ويدل على عدم الوجوب ايضا ما اشرنا إليه سابقا من جواز إرجاع المستشير إلى


وعن ابن وهب عنه " ع " قال: يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب صحيحة. وغغير ذلك من الروايات المذكورة في المصدار المتقدمة. وفي ج 3 الوافي ص 164. وج 2 ئل باب 36 من فعل المعروف ص 526. وج 2 اصول الكافي بهامش مرآة العقول ص 353. وج 2 المستدرك باب 105 وجوب أداء حق المؤمن ص 92. وباب 34 وجوب نصيحة المؤمن وباب 35 تحريم ترك نصيحة المؤمن ص 412. (1) مجهولة للحسين بن حازم والحسين بن عمر. راجع ج 2 ئل باب 23 وجوب نصح المستشير من العشرة ص 208. (2) مجهولة لعبد الله بن سليمان النوفلي. راجع ج 2 المستدرك باب 22 وجوب نصح المستشير من العشرة ص 66. (3) مجهولة ليحيى ومالك وعباية. راجع الباب المذكور من المستدرك.

[ 351 ]

غيره، فانه ينافي وجوب النصح. الرابعة: الروايات (1) الآمرة باعانة المؤمن وكشف كربته وقضاء حاجته، ومن الواضح أن نصح المؤمن نوع منها، فيكون واجبا. وفيه أن جميع ما ورد في حقوق الاخوان محمول على الجهات الاخلاقية، فيحمل على الاستحباب، إلا ما ثبت وجوبه في الشريعة، كرد السلام ونحوه، ضرورة أنه لم يلتزم أحد فيها بالوجوب، بل قامت الضرورة على عدم الوجوب فتكون الضرورة قرينة على رفع اليد عن ظهورها في الوجوب. وحاصل جميع ما قدمناه: أنه لا دليل على وجوب النصح بعنوانه الاولي مطلقا، إلا إذا كان تركه موجبا لتلف النفس، وهتك العرض، وذهاب المال الخطير، فانه يجب ح لاهمية الامور المذكورة. جواز الاغتياب في مواضع الاستفتاء الثاني: الاستفتاء إذا توقف على ذكر الظالم بالخصوص بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان في حقي فكيف طريقي في الخلاص. والذي تقتضيه القاعدة هو الجواز إذا كان السؤال موردا للابتلاء مع عدم تمكن السائل منه بغير تسمية المغتاب. والوجه في ذلك هو قيام الادلة النقلية والعقلية وضرورة المذهب على وجوب تعلم الاحكام الشرعية التي تكون في معرض الابتلاء بها، وعليه فإذا توقف ذلك على ترك واجب أو ارتكاب حرام فان العمل ح يكون على طبق اقوى الملاكين، ومن الواضح أن التعلم أهم من ترك الغيبة. فان ترك التعلم ينجر إلى اضمحلال الدين واما بحسب الروايات فقد استدل على الجواز بروايتين. الاولى: شكاية هند (2) زوجة أبي سفيان إلى الرسول صلى الله عليه وآله حيث قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، ولم يزجرها النبي صلى الله عليه وآله عن قولها.


(1) راجع مصادقة الاخوان للصدوق. وج 3 الوافي الفصل الخامس أبواب ما يجب على المؤمن من الحقوق في المعاشرة. وج 2 ئل أبواب العشرة في السفر وغيره من كتاب الحج. (2) في ج 2 المستدرك باب 134 المواضع التي تجوز فيها الغيبة ص 108. وج 3 إحياء العلوم ص 133 عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لهند بنت عتبة امرأة ابي سفيان حين

[ 352 ]

وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند. وثانيا: أن القضية شخصية، فيحتمل أن يكون عدم الردع لفسق ابي سفيان ونفاقه، أو لمعروفيته بالبخل، حتى قيل: إنه كان مضرب المثل في البخل. على أن مورد الرواية من صغريات تظلم المظلوم، فقد عرفت جواز ذكر الظالم فيه، فلا تدل على جواز الغيبة في مورد الاستفتاء مطلقا. ومن هنا ظهر الجواب عما ورد (1) في قصة بيعة النساء من أن هند رمت زوجها أبا سفيان إلى أنه رجل ممسك، ولم يردعها الرسول صلى الله عليه وآله. الثانية صحيحة ابن سنان (2) المشتملة عل يذكر الرجل امه بأنها لا تدفع يد لامس، ولم يردعه رسول الله صلى الله عليه وآله، فتدل على جواز الغيبة عند الاستفتاء. وفيه أولا: أنه لم يظهر لنا من الرواية كون المرأة معروفة عند النبي صلى الله عليه وآله، وقد عرفت فيما سبق اعتبار العلم بالمغتاب (بالفتح) في تحقق الغيبة، وذكرها بعنوان الامومة لا يستلزم التعيين، ويتفق نظير ذلك كثيرا للمراجع والمجتهدين. وثانيا: ان المذكور في الرواية قضية شخصية، وخصوصياتها مجهولة لنا، فيحتمل ان تكون الام متجاهرة بالزناء كما هو الظاهر من قول ابنها: (إن امي لا تدفع يد لامس الخ) وعلى هذا فلا مجال لاستصحاب عدم التجاهر كما صنعه المصنف، على أنه لا يترتب عليه أثر الا على القول: بالاصل المثبت.


: قالت: إن ابا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني؟ فقال لها: خذي لك ولولدك بالمعروف. مرسلة. (1) راجع ج 5 مجمع البيان ط صيدا ص 276. (2) في الفقيه باب نوادر الحدود ص 374. وج 9 الوافي باب النوادر من الحدود ص 812. وج 3 ئل باب 48 جواز منع الامام عن الزناء من أبواب حد الزناء ص 436 عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله " ع " قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن أمي لا تدفع يد لامس، قال: فاحبسها، قال: قد فعلت، قال فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال: فقيدها فانك لا تبرها بشئ افضل من ان تمنعها من محارم الله عزوجل. صحيحة.

[ 353 ]

جواز الاغتياب لردع المقول فيه عن المنكر الثالث: قصد ردع المغتاب (بالفتح) عن المنكر الذي يفعله، وقد استدل المصنف على الجواز هنا بوجهين، الاول: انالغيبة هنا إحسان في حقه، فانها وإن اشتملت على هتكه وإهانته إلا أنه توجب انقاذه من المهلكة الابدية والعقوبة الاخروية. الثاني: ان عمومات النهي عن المنكر شاملة لذلك. أما الوجه الاول ففيه أولا: ان الدليل أخص من المدعى، إذ ربما لا يرتدع المقول فيه عن فعل المنكر. وثانيا: أن الغيبة محرمة على المغتاب بالكسر، ولا يجوز الاحسان بالامر المحرم، فانه إنما يتقبل الله من المتقين، وهل يتوهم احد جواز الاحسان بالمال المغصوب والمسروق إلا إذا كان أعمى البصيرة، كبعض المنحرفين عن الصراط المستقيم، ودعوى رضى المقول فيه حينئذ بالغيبة جزافية. فانها مضافا إلى بعدها، أن رضاه لا يرفع الحرمة التكليفية. وأما الوجه الثاني: ففيه انه لا يجوز ردع المنكر بالمنكر لانصراف ادلته عن ذلك، وإلا لجاز ردع الزناة بالزناء بأعراضهم، وردع السراق بسرقة أموالهم. نعم قد ثبت جواز دفع المنكر بالمنكر في موارد خاصة كما يتضح ذلك لمن يلاحظ أبواب النهي عن المنكر وأبواب الحدود، وقد تقدم في البحث عن حرمة السب جواز شتم المبدع والوقيعة فيه، والبهت عليه، بل وجوبها، كما يظهر من بعض الروايات المتقدمة في المبحث المذكور. هذا كله فيما إذا لم يكن ردع ذلك المنكر مطلوبا من كل أحد وإلا وجب ردعه على كل من اطلع عليه باي نحو اتفق، كمن تصدى لقتل النفوس المصونة، وهتك الاعراض المحترمة، واخذ الاموال الخطيرة، فان منعه واجب بما هو أعظم من الغيبة فضلا عنها، لان حفظ الامور المذكورة أه م في نظر الشارع من ترك الغيبة ونحوها، وقد تقدمت الاشارة إلى حكم مزاحمة ترك الغيبة بما هو أهم منه.

[ 354 ]

جواز الاغتياب لحسم مادة الفساد الرابع: قصد حسم مادة الفساد عن الناس كاغتياب المبدع في الدين الذي يخاف إضلاله للناس، وقوده إياهم إلى الطريقة الباطلة. ويدل على جواز الغيبة هنا امور: الاول: أن مصلحة دفع فتنته عن الناس أولى من الستر عليه، بل ربما يجب هتكه وحطه عن الانظار إذا لم يرتدع بالغيبة وحدها، فان حرمة الدين في نظر الشارع أهم من حرمة هذا المبدع في الدين. الثاني: قوله " ع " في صحيحة داود بن سرحان المتقدمة في البحث عن حرمة سب المؤمن (إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة الغيبة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام). الثالث: ما تقدم في البحث عن جواز غيبة المتجاهر بالفسق (ثلاثة ليس لهم حرمة صاحب هوى مبتدع). ولكنه ضعيف السند. جواز جرح الشهود الخامس: جرح الشهود، وقد اتفق الاصحاب على جواز جرحهم وإظهار فسقهم، بل إقامة البينة على ذلك صونا لاموال الناس وأعراضهم وأنفسهم، إذ لولا ذلك لبغى الفساق في الارض واظهروا فيها الفساد، فيدعى الواحد منهم على غيره حقا ماليا أو عرضيا أو بدنيا، أو يدعي زوجية امرأة اجنبية لنفسه، أو يدعي نسبا كاذبا ليرث من ميت، ثم يقيم الشهود على دعواه مناشباه الهمج الرعاع فيصيب من اموال الناس وأعراضهم ودمائهم ما يشاء. وأولى بالجواز من ذلك جرح الرواة الضعفاء، إذ يتوقف عليه حفظ الدين، وصيانة شريعة سيد المرسلين، وقد جرى عليه ديدن الاصحاب في جميع الامصار والاعصار ودونوا في ذلك كتبا مفصلة لتمييز الموثق منهم عن غيره، بل على هذا سيرة الائمة " ع " ويومئ إلى هذا قوله تعالى (1): (إن جائكم فاسق بنبأ فتبينوا) فان التبين عن حال


(1) سورة الحجرات، آية: 6.

[ 355 ]

الفاسق الحامل للخبر لا يخلو عن الجرح غالبا. ومن هنا يظهر حم الشهادة على الناس بالقتل والزناء والسرقة والقذف وشرب الخمر ونحوها لاقامة الحد عليهم، وقد ثبت جواز الشهادة، بل وجوبها بالكتاب والسنة المعتبرة، كما يظهر ذلك لمن يراجع أبواب الشهادات. جواز الاغتياب لدفع الضرر عن المقول فيه. السادس: جواز الاغتياب لدفع الضرر عن المغتاب (بالفتتح) كما إذا اراد احد ان يقتله أو يهتك عرضه، أو يأخذه امواله، أو يضره بما يرجع إليه فان غيبته جائزة لدفع الامور المذكورة عنه، فان حفظها اهم في الشريعة المقدسة من ستر ما فيه من العيوب، بل لو اطلع عليها المقول فيه لرضى بالاغتياب طوعا. وقد حمل المصنف على هذا ما ورد في ذم زرارة بن أعين (ره) من الاحاديث المذكورة في كتب الرجال، واستوضح ذلك من صحيحة الكشي (1) الصريحة في تنزيه زرارة وتقديسه عن المطاعن والمعائب، وان ذم الامام " ع " إياه في بعض الاحيان إنما هو كتعيب الخضر " ع " سفينة المساكين لئلا يأخذ الغاصب من ورائهم. بل تبقى صالحة لاهلها. وقد اورد الكشي (ره) في رجاله روايات عديدة مشتملة على اعتذار الامام " ع " عن قدح زرارة وذمه والتبري منه لكي يصان زرارة عن كيد الخائنين، ولا تصيبنه فتنة المعاندين ولكن الظاهر انه لا دلالة في شئ من الروايات المذكورة على مقصود المصنف من جواز الغيبة لدفع الضرر عن المقول فيه، فانك قد عرفت: ان الغيبة إظهارة ما ستره الله عليه ومن الواضح انه لم يكن في زرارة عيب ديني ليكون ذكره غيبة، وإنما ذمه الامام " ع " وتبرأ منه لحفظ دمه وشؤونه عن الاخطار، كما عرفت التصريح بذلك فيما اشرنا إليه من الاخبار المتقدمة. بل الظاهر منها ان قدح الامام " ع " فيه يدل على رفعة شأنه وعظم مقامه وجلالة مرتبته بحيث لا يرضى الامام " ع " ان تمسه أيدي الظالمين.


(1) راجع رجال الكشي ص 91. وقد ذكرها المصنف في المتن.

[ 356 ]

جواز الاغتياب بذكر الاوصاف الظاهرة السابع: أن يكون الانسان معروفا بوصف يدل على عيب، كالاعمش والاعرج والاشتر والاحول والاصم، فانه لا محذور في ذكر المقول فيه بالاوصاف المذكورة، وما يجري مجراها. فقد كثر بين الفقهاء وعلماء الرجال ذكر الرواة وحملة الاحاديث بالاوصاف الظاهرة المعربة عن العيوب، بل وعليه السيرة القطعية من حديث الايام وقديمها، بل وكان هذا مرسوما بين الائمة " ع " ايضا، كما يومئ إليه بعض الاحاديث (1) الواردة في توثيق بعض الرواة. وفي بعض الاحاديث (جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وقد تقدم ذلك في البحث عن حرمة الغش. والوجه في جواز ذلك ان ذكر الاوصاف الظاهرة خارج عن تعريف الغيبة كما تقدم، لانها ليست مما ستره الله، إلا إذا كان ذكرها بقصد التنقيص والتعيير، فانه حرام من غير جهة الاغتياب. الثامن: قال الشهيد في كشف الريبة: (قيل: إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجرى احدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز، لانه لا يؤثر عند السامع شيئا). ثم قال: الاولى تنزيه النفس عن ذلك بغير غرض صحيح خصوصا مع احتمال النسيان ولكن الظاهر خروج هذا القسم عن الغيبة موضوعا. وهو واضح. التاسع: رد من ادعى نسبا ليس له، وقد استدل عليه المصنف (بأن مصلحة حفظ الانساب اولى من مراعات حرمة المغتاب). أقول: أهمية حفظ الانساب ثابتة فيما إذا ترتب على النسب أثر شرعي من التوارث، والنظر إلى النساء ونحوهما، واما إذا لم يترتب عليه اثر شرعي، أو ترتب الاثر على دعوى النسب: كأن ادعاه لصيانة نفسه أو عرضه أو ماله من إصابة الظالم إياها فلا تجوز الغيبة برد هذه الدعوى. ومع الشك في مورد يرجع إلى المطلقات الدالة على حرمة الغيبة


(1) في ج 3 ئل باب 11 وجوب الرجوع في القضاء إلى رواة الحديث من ابواب صفات القاضي ص 386 عن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله " ع " يقول: أحب الناس الي أحياء وأمواتا اربعة. فذكر منهم الاحول.

[ 357 ]

على وجه الاطلاق، لان الشبهة وإن كانت مصداقية، إلا أن التخصيص من جهة المزاحمة فلا بد من الاقتصار على المتيقن. العاشر: القدح في مقالة باطلة، فان وجوب حفظ الحق وإضاعة الباطل أهم من احترام المقول فيه. وأما ما وقع من بعض المتجاهرين بالنسبة إلى الاعاظم أحياء كانوا أم امواتا من الجهر بالسوء كاطلاق الغبي والبله ونحوهما من الالفاظ القبيحة فلا شبهة في حرمته، لكونه من الفحش والشتم، كما تقدمت الاشارة إليه في البحث عن حرمة السب. قوله: (ثم إنهم ذكروا موارد للاستثناء لا حاجة إلى ذكرها). أقول: منها تفضيل بعض العلماء على بعضهم وإن استلزم انتقاص الآخر، ولا ريب في جوازه، لتوقف الغرض الاهم علهى، وقد جرى على هذا ديدن الاصحاب في جميع الازمان والاقطار، خصوصا في تعيين مراجع التقليد. ولكن هذه مرحلة كم زلت فيها الاقدام، عصمنا الله من الزلل. حرمة استماع الغيبة قال المصنف (ره): (يحرم استماع الغيبة بلا خلاف فقد ورد ان السامع للغيبة أحد المغتابين، والاخبار في حرمته كثيرة، إلا أن ما يدل على كونه من الكبائر كالرواية المذكورة ونحوها ضعيفة السند). أقول: الظاهر أنه لا خلاف بين الشيعة والسنة (1) في حرمة استماع الغيبة، ولكنا لم نجد دليلا صحيحا يدل عليها بحيث يكون استماع الغيبة من المحرمات فضلا عن كونه من الكبائر، إذ ما ورد في حرمته من طرق الخاصة (2) ومن طرق العامة (3) كله لا يخلو عن الارسال وضعف السند، فلا يكون قابلا للاستناد إليه.


(1) راجع ج 3 إحياء العلوم ص 126. (2) في ج 2 المستدرك ص 108 عن كتاب الروضة عن ابي عبد الله " ع " إنه قال: الغيبة كفر والمستمع لها والراضي بها مشرك. مرسلة. وعن الشيخ ابى الفتوح عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال: السامع للغيبة أحد المغتابين مرسلة وعن القطب الراوندي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: من سمع الغيبة ولم يغير كان كمن اغتاب. مرسلة. (3) في ج 3 إحياء العلوم ص 128 قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المستمع احد المغتابين. وغير ذلك من الاحاديث.

[ 358 ]

نعم قال في كتاب الاختصاص (1): (نظر أمير المؤمنين " ع " إلى رجل يغتاب رجلا عند الحسن ابنه " ع " فقال: يا بني نزه سمعك عن مثل هذا فانه نظر إلى أخبث ما في وعائه فافرغه في وعائك). فانه ربما يدعى كونه رواية مسندة، قد أرسلها صاحب الاختصاص للاختصار، فيدل ذلك على وثاقة رواتها المحذوفين عنده، إذ فرق بين كلمة روى عنه كذا وبين كلمة قال فلان كذا، فان القول الاول ظاهر في كون المنقول مرسلا دون الثاني، وعليه فهي رواية معتبرة تدل على حرمة استماع الغيبة. ولكن يرد عليه ان ثبوت الاعتبار عنده لا يستلزم ثبوته عندنا، إذ لعله يعتمد على ما لا نعتمده. وقد يستدل على الحرمة مطلقا بحديث المناهي (2)، فان رسول الله ص (نهى عن الغيبة والاستماع إليها ونهى عن النميمة والاستماع إليها). وفيه أولا: أنه ضعيف السند كما عرفته مرارا. وثانيا: ان صدره وإن كان ظاهرا في الحرمة مطلقا، إلا أن ذيله قرينة على حرمة الاستماع مع عدم الرد فقط، وهو قوله صلى الله عليه وآله (ومن تطوع على أخيه في غيبة سمعها فيهفي مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة فان هو لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة). وحملها على السماع القهري خلاف الظاهر منها. ععلى انه أمر نادر. وقد يجاب عن حديث المناهي بعدم ظهوره في الحرمة التكليفية، فان النهي فيه عن استماع الغيبة نهي تنزيهي، وإرشاد إلى الجهات الاخلاقية. ويدل عليه من الحديث ذكر الامور الاخلاقية فيه من آثار الغيبة ككونها موجبة لبطلان الوضوء (3) والصوم. وفيه ان ما ثبت كونه راجعا إلى الاخلاقيات ترفع اليد فيه عن ظهور النهي في الحرمة، وأما غيره فيؤخذ بظهوره لا محالة كما حقق في محله. ومع الاغضاء عن جميع ما ذكرناه وتسليم صحة الروايات المتقدمة الظاهرة في حرمة استماع الغيبة مطلقا، فلا بد من تقييدها بالروايات المتكثرة (4) الظاهرة في جواز استماعها


(1) راجع ج 2 المستدرك ص 108. (2) مجهولة لشعيب بن واقد. راجع ج 2 ئل باب 152 تحريم اغتياب المؤمن من العشرة ص 238. ومكارم الاخلاق ص 235. (3) راجع مكارم الاخلاق ص 238. (4) في ج 2 ئل باب 156 وجوب رد غيبة المؤمن من العشرة ص 239 في وصية

[ 359 ]

لردها عن المقول فيه، وتخصيصها بصورة السماع القهري قد تقدم الجواب عنه آنفا، وعليه فانما يحرم استماع الغيبة مع عدم الرد. وقد يقال: إن النسبة بين الاخبار الواردة في سماع الغيبة للرد وبين المطلقات المتقدمة الدالة على حرمة سماع الغيبة هي العموم من وجه. فان الطائفة الاولى أعم من الثانية من حيث شمولها للسماع القهري الاتفاقي، واخص منها من حيث اختصاصها بصورة الاستماع للرد فقط. والطائفة الثانية أعم من حيث شمولها للاستماع بغير داعي الرد، وأخص من حيث اختصاصها بالاستماع الاختياري، فيقع التعارض بينهما في مورد الاجتماع، ويؤخذ بالطائفة الاولى لكونها صحيحة السند دون الطائفة الثانية بناء على ان صحة السند من المرجحات، كما هو المشهور بين المتأخرين. ولكن يرد عليه ان مجرد صحة السند لا يكون من المرجحات في معارضة الدليلين (وقد حققناه في علم الاصول) وعليه فتسقطان للمعارضة، ويرجع إلى عمومات ما دل على رجحان إعانة المؤمن، وإلا فيرجع إلى البراءة. على انك قد عرفت: ان الطائفة الثانية ضعيفة السند، فلا تعارض الطائفة الاولى


النبي (ص) لعلي " ع ": يا علي من اغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ينصره خذله الله في الدنيا الآخرة، رجال سند هذه الوصية مجاهيل لا طريق إلى الحكم بصحتها، وعن ابي الورد عن أبي جعفر " ع " قال: من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله وأعانه في الدنيا والآخرة ومن لم ينصره ولم يعنه ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه إلا خفضه الله في الدنيا والآخرة. حسنة لابي الورد. وعن عقاب الاعمال عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال في خطبة له: ومن رد عن أخيه غيبة سمعها في مجلس رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة فان لم يرد عنه وأعجبه كان كوزر من اغتاب. ضعيفة لموسى بن عمران، والحسين بن يزيد النوفلي، وأبي هريرة وغيرهم. وفي الموضع المزبور من ئل. وج 14 الوافى ص 56. ومكارم الاخلاق ص 263 عن النبي صلى الله عليه وآله في وصية له قال: يا ابا ذر من ذب عن أخيه المؤمن الغيبة كان حقا على الله ان يعتقه من النار يا ابا ذر من اغتيب عنده أخوه المؤمن وهو يستطيع نصره فنصره نصره الله في الدنيا والآخرة فان خذله وهو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا والآخرة، ضعيفة لابي الفضل ورجاء وابن ميمون أو شمون. وغير ذلك من الروايات الدالة على وجوب رد الاغتياب المذكورة في الباب المزبورة من ئل وج 2 المستدرك ص 108. وج 15 البحار العشرة ص 189. وغيرها من المصادر.

[ 360 ]

فضلا عن وصول النوبة إلى الترجيح. وعلى ما ذكرناه من عدم الدليل الصحيح على حرمة استماع الغيبة فانما يلتزم بالجواز إذا لم يرض السامع بالغيبة، أو لم يكن سكوته إمضاء لها أو تشجيعا للمتكلم علهيا، أو تسبيبا للاغتياب من آخر، وإلا كان حراما من هذه الجهات. وقد ورد في احاديث عديدة (1) ان الراضي بفعل قوم كالداخل معهم. وتقدم في البحث عن بيع المتنجس حرمة التسبيب لوقوع الجاهل في الحرام الواقعي. بل تحرم مجالسته للاخبار المتظافرة الدالة على حرمة المجالسة مع اهل المعاصي (وسنشير إلى مصادرها) كما تحرم مجالسة من يكفر بآيات الله للآية (2). وقد يستدل على حرمة الاستماع بادلة حرمة الغيبة، بدعوى عدم تحققها إلا بالمستمع. وفيه ان حرمة الغيبة لا تلازم حرمة الاستماع وإن كان بينهما تلازم خارجا، فان التلازم في الخارج لا يستدعي التلازم في الحكم. وقد جاز سماع الغيبة للرد جزما. قوله: (والظاهر ان الرد غير النهي عن الغيبة). اقول: الغرض من رد الغيبة هو نصرة المغتاب وتنزيهه عن تلك الوقيعة وإن افاد النهي عن المنكر ايضا، وأما النهي عن الغيبة فهو من صغريات النهي عن المنكر، فيجري عليه حكمه سواء قلنا بوجوب رد الغيبة أم لا. ثم إن نصرة الغائب برد الغيبة عنه تختلف باختلاف المعائب، فان كان العيب راجعا إلى الامور الدنيوية فنصرته بأن يقول مثلا: العيب ليس إلا ما عابه الله من المعاصي. وإن كان راجعا إلى الامور الدينية وجهه بما يخرجه عن كونه معصية، وإذا لم يقبل التوجيه رده بأن المؤمن قد يبتلي بالذنوب، فانه ليس بمعصوم، وهكذا ينصره في ذكر سائر العيوب.


(1) راجع ج 9 الوافى باب حد الامر بالمعروف ص 31. وج 2 ئل باب 5 وجوب إنكار المنكر بالقلب من الامر بالمعروف ص 491. وج 2 المستدرك ص 361. وفي ج 3 شرح النهج لمحمد عبده ص 191 قال علي " ع ": الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كل داخل إثمان: إثم العمل به وإثم الرضا به. (2) سورة النساء آية: 140 قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزؤ بها فلا تقعدوا معهم) الآية.

[ 361 ]

حرمة الغيبة لا تلازم حرمة استماعها قوله: (ثم إن المحرم سماع الغيبة المحرمة دون ما علم حليتها). اقول: إذا سلمنا حرمة سماع الغيبة بالارادة والاختيار فهل هو حرام مطلقا حتى مع جواز الاغتياب كما في الموارد المتقدمة؟ أو أنه يحرم مع حرمة الاغتياب فقط؟ أو يفصل بين علم السامع بالحلية، فيلتزم بالجواز وبين جهله بها، فيلتزم بالحرمة؟ وظاهر المصنف جواز الاستماع ما لم يعلم السامع حرمة الغيبة، لانه قول غير منكر فلا يحرم الاصغاء إليه للاصل. وأما حديث السامع احد المغتابين فمع تسليم صحته يدل على أن السامع لغيبة كالمتكلم بتلك الغيبة في الحرمة والحلية، فيكون دليلا على الجواز هنا. إلا أن يقال: إن الحديث ينزل السامع للغيبة منزلة المتكلم بها. فإذا جاز للسامع التكلم بالغيبة جاز له سماعها، وإلا فلا، ولكنه خلاف الظاهر من الحديث. والتحقيق أن جواز الغيبة قد يكون حكما واقعيا، وقد يكون حكما ظاهريا. أما الجواز الواقعي فلا ملازمة فيه بين جواز الغيبة وجواز الاستماع إليها، لانه يتصور على أنحاء ثلاثة: الاول: أن يكون المقول فيه جائز الغيبة عند الناس من غير اختصاص بشخص دون شخص: بأن كان متجاهرا في الفسق ومتظاهرا في مخالفة المولى، فان مثل هذا تجوز غيبته واقعا لكل أحد إما مطلقا أو في خصوص ما تجاهر فيه من الذنوب على الخلاف المتقدم. بل قد عرفت خروجه عن موضوع الغيبة راسا، وعليه فالاستماع إليها أولى بالجواز. وكذلك الكلام في غيبة المبدع في الدين، والامام الجائر. الثاني: أن يكون جواز الغيبة الواقعي مختصا بالمغتاب (بالكسر) كالصبي المميز، والمكره على اغتياب الناس، وعليه فلا يجوز استماعها مطلقا لمن يحرم عليه الاغتياب، لعدم الملازمة بينهما، فان ارتفاع الحكم عن احدهما لا يستلزم ارتفاعه عن الآخر. وعلى الجملة جواز السماع يدور مدار الرد عن المغتاب (بالفتح) ومع عدمه كان حراما وإن لم يكن المغتاب (بالكسر) مكلفا. فتحصل: أن الاغتياب جائز والاستماع حرام، كما أنه قد يكون السماع جائزا والاستماع حراما. نظير ما إذا كان المغتاب (بالكسر) ممن لا يمكن رده، ولا الفرار عنه كالسلطان الجائر ونحوه، ولذا سكت الامام المجتبى " ع " عند سب أبيه.

[ 362 ]

ونظير ذلك ما إذا تصدى أحد لقتل شخص محقون الدم بزعم أنه كافر حربي، ونحن نعلم أنه محقون الدم، فانه يحرم علينا السكوت وإن جاز له القتل، ونظائره كثيرة في باب الرشوة وغيره. الثالث: أن تكون هنا ملازمة عرفية بين جواز الغيبة وجواز الاستماع إليها، كتظلم المظلوم، فان مناط جواز الغيبة هنا هو ظهور ظلامته، واشتهارها بين الناس. وهذا المعنى لا يتحقق في نظر العرف إلا بسماع التظلم منه، وكذلك الشأن في سماع الغيبة في موارد الاستفتاء. وعلى الجملة فجواز الغيبة واقعا لا يلازم جواز السماع ملازمة دائمية، بل النسبة بينهما عموم من وجه، فقد تحرم الغيبة دون الاستماع، كالمكره على السماع، وقد يحرم الاستماع دون الغيبة، كما إذا كان القائل معذورا في ذلك دون السامع، وقد يجتمعان. وأما الجواز الظاهري للغيبة فهل يلازم جواز استماعها أم لا، كما إذا احتمل السامع، أو صرح القائل بأن المقول فيه مستحق للغيبة. في كشف الريبة عند ذكر مستثنيات الغيبة إنه (إذا سمع احد مغتابا لآخر وهو لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة، ولا عدمه قيل: لا يجب نهي القائل، لامكان استحقاق المقول عنه، فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده، لان ردعه يستلزم انتهاك حرمته وهو أحد المحرمين). وأجاب الشهيد (ره) عن ذلك في الكتاب المذكور: بأن (الاولى التنبيه على ذلك إلى أن يتحقق المخرج منه، لعموم الادلة، وترك الاستفصال فيها، وهو دليل إرادة العموم، حذرا من الاغراء بالجهل، ولان ذلك لو تم لتمشى فيمن يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة إلى السامع، لاحتمال اطلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله، هدم قاعدة النهي عن الغيبة). ورده المصنف بأن في ذلك خلطا بين رد الغيبة والنهي عنها، والذي نفاه القائل بعدم وجوب النهي هو الثاني الذي هو من صغريان النهي عن المنكر دون الاول. وتحقيق مراد المصنف أن النسبة بين وجوب رد الغيبة ووجوب النهي عنها عموم من وجه، فانه قد يجب النهي عن الغيبة، لوجوب النهي عن المنكر حيث لا يجب ردها ولو من جهة كون المقول فيه جائز الغيبة عند السامع، مع كونه مستورا عند القائل، ومع ذلك يجب نهي القائل عنها من باب وجوب النهي عن المنكر، وقد يجب رد الغيبة حيث لا مورد للنهي عن المنكر، كما إذا كان المغتاب (بالكسر) صبيا، فان فعله ليس بمنكر لكي يجب النهي عنه، إلا أنه يجب على السامع حينئذ رد الغيبة حفظا لاحترام أخيه المؤمن. وقد

[ 363 ]

يجتمعان، كما إذا علم السامع بكون الاغتياب حراما، فانه من حيث كونه من المنكرات في الشريعة يجب النهي عنه، ومن حيث كونه هتكا للمؤمن وكشفا لعورته يجب رده. وإذا شك في استحقاق المقول فيه الغيبة وعدم استحقاقه حرم سماعها على القول بحرمته ووجب ردها على النحو الذي تقدم من توجيه فعل المقول فيه، على نحو يخرجه عن المعصية ومع هذا لا يجب نهي القائل، بل لا يجوز، لامكان استحقاق المقول فيه، فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده، فان ردعه يستلزم انتهاك حرمته، وهو حرام على أن إثبات وجوب الردع بادلة النهي عن المنكر تمسك بالعام في الشبهات المصداقية، وهو لا يجوز لا يقال: كما لا يجب نهي القائل عن الغيبة فكذلك لا يجب ردها، لاحتمال كون المقول فيه مستحقا للغيبة عند القائل، ومسلوب الاحترام في عقيدت، وعليه فاثبات وجوب الرد في الفرد المشكوك بالادلة الدالة على وجوب احترام المؤمن، ووجوب رد غيبته تمسك بالعام في الشبهة المصداقية. فانه يقال: أولا: انه لا شبهة في كون المقول فيه مؤمنا وجدانا، وعدم وجود المجوز لاغتيابه محرز بأصالة العدم، فان المقول فيه كان في زمان ولم يكن فيه ما يجوز غيبته، والاصل بقاؤه في تلك الحالة. وقد ذكرنا في محله أن عنوان المخصص إذا كان أمرا وجوديا، فانه ينفى بالاصل الموضوعي في مورد الشك، وينقح به موضوع التمسك بالعام، ولا يلزم منه التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وكذلك في المقام. إذا شككنا ان المقول فيه جائز الغيبة عند القائل أم لا نستصحب عدمه، وينقح به موضوع التمسك بعموم ما دل على حرمة استماع الغيبة على تقدير ثبوته، وبعموم ما دل على وجوب رد الغيبة. وثانيا: أن المتعارف من أفراد الغيبة هو أن السامع لا يعلم نوعا بحال المقول فيه، والظاهر من الروايات الدالة على وجوب رد الغيبة ان ذلك هو المراد، إذ لو حملناها على خصوص ما إذا علم السامع بكون المقول فيه غير جائز الغيبة كان ذلك حملالها على الورد النادر حرمة كون الانسان ذا لسانين قوله: (ثم إنه قد يتضاعف عقاب المغتاب إذا كان ممن يمدح المغتاب في حضوره). أقول: توضيح كلامه أنه إذا كان للانسان لسان مدح في الحضور، ولسان ذم في الغياب استحق بذلك عقابين: احدهما للاغتياب. والثاني: لكونه ذا لسانين، ويسمى هذا منافقا

[ 364 ]

ايضا. وإذا مدح المقول فيه في حضوره بما ليس فيه عوقب بثلاثة عقاب: للاغتياب، والكذب، والنفاق. ثم إن المحد في الحضور بالاوصاف المباحة وإن كان جائزا في نفسه، بل ربما يكون مطلوبا للعقلاء، ولكنه إذا كان مسبوقا بالذم أو ملحوقا به كان من الجرائم الموبقة والكبائر المهلكة. وقد ورد في الاخبار المستفيضة (1) أن ذا لسانين يجئ يوم القيامة وله لسانان من النار، فان لسانه المدح في الحضور وإن لم يكن لسانا من النار، إلا أنه إذا تعقبه أو تقدمه لسان الذم في الغياب صار كذلك. ثم إن النسبة بين المغتاب (بالكسر) وبين ذي اللسانين هي العموم من وجه، فانه قد توجد الغيبة ولا يوجد النفاق، وقد يوجد النفاق حيث لا توجد الغيبة، كأن يمدح المقول فيه حضورا، ويذمه بالسب والبهتان غيابا. وقد يجتمعان كما عرفت. قوله: (وقد يطلق الاغتياب على البهتان). أقول: قد عرفت: أن الغيبة هي أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، وأما البهتان فهو على ما تقدم في بعض أخبار الغيبة ذكرك أخاك بما ليس فيه، فهما متبائنان مفهوما ومصداقا. نعم بناء على مقالة المشهور من أن الغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه فيمكن اجتماعهما في بعض الموارد. وأما إطلاق الغيبة على البهتان في رواية علقمة (2) فبنحو من المسامحة والتجوز. على أنها ضعيفة السند. وأما كون عقاب التهمة أشد من الغيبة فلاشتمالها على الفرية والهتك معا حقوق الاخوان قوله: (خاتمة في بعض ما ورد من حقوق المسلم على أخيه). أقول: قد ورد في الروايات (3) المتظافرة، بل المتواترة أن للمسلم على اخيه حقوقا كثيرة، وفي رواية


(1) راجع ج 3 الوافي باب مخالفة السر والعلن ص 158. وج 2 ئل باب 143 تحريم كون الانسان ذا وجهين من العشرة ص 235. وج 2 المستدرك ص 102. (2) عن الصادق " ع " عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا ومن اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس المصير، الحديث. ضعيف لعلقمة بن محمد وصالح بن عقبة وغيرهما. راجع ج 2 ئل باب 152 تحريم اغتياب المؤمن من العشرة ص 238. (3) راجع مصادقة الاخوان للصدوق. وكابهامش ج 2 مرآة العقول باب

[ 365 ]

الكراجكي ان للمؤمن على أخيه ثلاثين حقا، وعدها واحدا بعد واحد، ثم قال " ع ": (سمعت رسول الله يقول: وإن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له وعليه). وقد عرفت في البحث عن كفارة الغيبة أنها ضعيفة السند. وفي صحيحة مرازم عن ابي عبد الله " ع " قال: (ما عبد الله بشئ أفضل من اداء حق المؤمن). وقد خص المصنف هذه الاخبار (بالاخ العارف بهذه الحقوق المؤدي لها بحسب اليسر. أما المؤمن المضيع لها فالظاهر عدم تأكد مراعات هذه الحقوق بالنسبة إليه، ولا يوجب إهمالها مطالبته يوم القيامة لتحقق المقاصة، فان التهاتر يقع في الحقوق كما يقع في الاموال) واستشهد المصنف (ره) على رأيه هذا بعدة روايات قاصرة الدلالة عليه. منها ما رواه الصدوق والكليني عن ابي جعفر " ع " (1)، وقد ذكر فيها إخوان الثقة وإخوان المكاشرة وقال في إخوان المكاشرة: (وأبذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان). وفيه أن هذه الرواية غريبة عما ذكره المصنف، فانها مسوقة لبيان وظيفة العمل بحقوق الاخوان على حسب مراتب الاخوة، فان منهم من هو في أرقي مراتب الاخوة في أداء


حق المؤمن على أخيه ص 171. وج 3 الوافي باب حقوق الاخوة ص 101 وباب صفة الاخ ص 103. وج 2 ئل باب 122 وجوب اداء حق المؤمن من العشرة ص 227. وج 15 البحار العشرة ص 61. وج 2 المستدرك ص 92. وغير ذلك من الابواب من الكتب المذكورة وغيرها. (1) في ج 3 الوافي باب صفة الاخ ص 104. ومصادقة الاخوان للصدوق ص 1 وج 2 ئل باب 3 كيفية المعاشرة من العشرة ص 204 عن ابي مريم الانصاري عن ابي جعفر عليه السلام قال: قام رجل بالبصرة إلى أمير المؤمنين " ع " فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الاخوان؟ فقال: الاخوان صنفان إخوان الثقة وإخوان المكاشرة فأما إخوان الثقة فهم الكف والجناح والاهل والمال فإذا كنت من أخيك على حد الثقة فأبذل له مالك وبدنك وصاف من صافاه وعاد من عاداه واكتم سره وعيبه واظهر منه الحسن واعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الاحمر وأما إخوان المكاشرة فانك تصيب لذتك منهم فلا تقطعن ذلك منهم ولا تطلبن ما وراء ذلك عن ضميرهم وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان صحيحة ورواها الصدوق في الاخوان مرسلا. وفي الخصال بسند فيه ضعف، لعبدالله بن أحمد الرازي وبكر بن صالح ومحمد بن حفص وغيرهم. الكشر: التبسم. كاشره: كشف له أنيابه

[ 366 ]

حقوقها حتى يطمئن به الانسان على عرضه وماله، وسائر شؤنه، وهذا الاخ كالكف والجناح، فيبذل له المال واليد، ويعادي من عاداه، ويصافي من صافاه، ومنهم إخوان الانس والفرح والمجالسة والمفاكهة، فلا يبذل لهم إلا ما يبذلون من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان، ولا يطمأن إليهم في الامور المذكورة. ومنها رواية عبيدالله الحلبي (1) فانها تدل على أن للصداقة حدودا، ولا يليق بها إلا من كانت فيه هذه الحدود. ووجه الاستدلال هو ما ذكره المصنف من أنه (إذا لم تكن الصداقة لم تكن الاخوة، فلا بأس بترك الحقوق المذكورة بالنسبة إليه). وفيه أن الصداقة المنفية عمن لا يفي بحدودها غير الاخوة الثابته بين المؤمنين بنص الآية (2) والروايات، ومن الواضح أن الحقوق المذكورة إنما ثبتت للاخوة المحضة، سواء أكانت معها صداقة أم لا. وعليه فنفي الصداقة في مورد لا يدل على نفي الاخوة، لان الصداقة فوق الاخوة، ونفي المرتبة الشديدة لا يدل على نفي المرتبة الضعيفة. على أن الرواية ضعيفة السند. ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بما في نهج البلاغة (3) من نفي الصداقة عمن لا يحفظ أخاه في ثلاث. مع أنه ضعيف للارسال. ومنها ما دل (4) على سلب الاخوة عمن لا يلبس المؤمن العاري، كروايتي الوصافي وابن ابي عمير.


(1) عن ابي عبداالله " ع " قال: لا تكون الصداقة إلا بحدودها فمن كانت فيه هذه الحدود أو شئ منها فانسبه إلى الصداقة ومن لم يكن فيه شئ منها فلا تنسبه إلى شئ من الصداقة: فأولها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة. والثانية: أن يرى زينك زينه وشينك شينه. والثالثة: أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال. والرابعة. أن لا يمنعك شيئا تناله مقدرته. والخامسة. والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال ان لا يسلمك عند النكبات. ضعيفة لعبيدالله الدهقان. الاسلام: الخذلان. راجع ج 3 الوافي باب من تجب مصادقته ص 104. وج 2 ئل باب 13 استحباب مصادقة من يحفظ صديقه من العشرة ص 205. (2) سورة الحجرات آية: 10، قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة). (3) في ج 3 شرح النهج لمحمد عبده ص 184 قال " ع ": لا يكون الصديق صديقا حتى يخظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته. مرسلة. (4) في مصادقة الاخوان للصدوق باب مواساة الاخوان ص 8. وج 2 ئل

[ 367 ]

وفيه أن المراد من سلب الاخوة في الروايتين كناية عن سلب الاخوة الكاملة. فقد تعارف بين المتحاورين نفي المحمول بلسان نفي الموضوع لاجل المبالغة في التعبير، كما يقال يا أشباه الرجال ولا رجال، ولا صلاة لجار المسجد إلا فيه، ولا شك لكثير الشك، ويقال لمن لا يعمل بعلمه: إنه ليس بعالم، إلى غير ذلك من الاطلاقات الفصيحة. وعليه فلا دلالة في الروايتين على نفي الاخوة حقيقة الذي هو مفاد ليست التامة. ويدل على ما ذكرناه أنه لو اريد من السلب نفي الاخوة حقيقة لزم القول بعدم وجوب مراعات سائر الحقوق الثابتة. من رد الاغتياب ونحوه، وهو بديهي البطلان. ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أن الروايتين ضعيفتا السند. ومنها رواية يونس بن ظبيان (1) الدالة على اختبار الاخوان باتيانهم بالصلاة في وقتها وبرهم في الاخوان، وإذا لم يحفظوهما فأعزبوا عنهم. وفيه أن ظاهر الرواية كونها راجعة إلى ترك العشرة والمجالسة مع من لا يهتم بالاتيان بالصلاة في أوقاتها، والاحسان للاخوان في اليسر والعسر، فان المجالسة مؤثرة كتأثير النار في الحطب، ولذا نهى (2) عن المجالسة مع العصاة والفساق.


باب 14 استحباب مواساة الاخوان من العشرة ص 205: عن علي بن عقبة عن الوصافي عن ابي جعفر " ع " قال: قال لي: يا أبا اسماعيل أرأيت من قبلكم إذا كان الرجل ليس له رداء وعند بعض إخوانه فضل رداء يطرح عليه حتى يصيب رداءا؟ قال: قلت لا، قال: فإذا كان ليس عنده إزار يوصل إليه بعض إخوانه فضل إزار حتى يصيب إزارا؟ قلت: لا، فضرب بيده على فخذه ثم قال: ما هؤلاء باخوة. مرسلة. وعن خلاد السندي رفعه قال: أبطا على رسول الله صلى الله عليه وآله رجل فقال: ما أبطأ بك؟ فقال: العرى يا رسول الله، فقال: أما كان لك جار له ثوبان يعيرك أحدهما؟ قال: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: ما هذا لك بأخ. مرفوعة، ومجهولة لخلاد. (1) في ج 3 الوافي باب من تجب مصادقته ص 105. وج 2 ئل باب 103 استحباب اختيار الاخوان من العشرة ص 220: عن المفضل بن عمر ويونس بن ظبيان، قالا: قال أبو عبد الله " ع ": اختبروا إخوانكم بخصلتين فان كانتا فيهم وإلا فأعزب ثم أعزب: المحافظة على الصلاة في مواقيتها والبر بالاخوان في العسر واليسر. مجهولة لعمر بن عبد العزيز أقول: العزوب بالعين المهملة والزاء: البعد والغيبة. (2) راجع ج 2 ئل باب 37 تحريم مجاورة أهل المعاصي، وباب 38 تحريم المجالسة لاهل المعاصي من الامر بالمعروف ص 58، وباب 17 تحريم مصاحبة الكذاب

[ 368 ]

وأمر (1) بمجالسة العلماء والصلحاء، وعليه فلا دلالة فيها على نفي الاخوة عمن لا يقوم بحقوق الاخوان. على ان الرواية مجهولة. وعلى الجملة فلا وجه لتقييد المطلقات الواردة في حقوق الاخوان بصورة قيامهم بذلك. ولا يخفى أن الميزان في تأدية حقوق الاخوة هو الميزان في الامتثال في بقية الاعمال المستحبة من أن الاتيان بجميعها تكليف بما لا يطاق، فتقع المزاحمة بينها في مرحلة الامتثال، فيؤتى الاهم فالاهم. حرمة القمار قوله: (الخامسة عشرة القمار حرام إجماعا). أقول: تحقيق الكلام في حرمة القمار يقع في جهتين، الاولى: في حرمة بيع الآلات المعدة للقمار وضعا وتكليفا، وقد تقدم الكلام فيه تفصيلا في النوع الثاني. الثانية في حرمة اللعب بها، وتنقيح اللام هنا في ضمن مسائل اربع، المسألة الاولى أنه لا خلاف بين الفقهاء من الشيعة والسنة (2) في حرمة اللعب بالآلات المعدة للقمار مع المراهنة، ومن هذا القبيل الحظ والنصيب المعروف في هذا الزمان المعبر عنه في الفارسية بلفظ (بليط آزمائش بخت) نظير اللعب بالاقداح في زمن الجاهلية " وسنتعرض لتفسير اللعب بالاقداح في الهامش " بل على حرمة القمار ضرورة مذهب الاسلام. وتدل عليها الآيات (3) المتظافرة والروايات المتواترة من طرقنا (4)


والفاسق من العشرة ص 206. (1) راجع ج 1 الوافي باب مجالسة العلماء ص 42 (2) في ج 2 فقه المذاهب ص 47 وكذلك نهت الشريعة نهيا شديدا عن الميسر (القمار) فحرمته بجميع أنواعه، وسدت في وجه المسلمين سبله ونوافذه، وحذرتهم من الدنو من اي ناحية من نواحيه. (3) منها قوله تعالى في سورة المائدة، آية: 92 (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون). (4) راجع ج 1 كاباب 40 القمرا من المعيشة ص 362. وج 2 كا كتاب الاشربة باب النرد ص 201. وج 2 التهذيب ص 111. وج 10 الوافى باب القمار ص 35. وج 2 ئل باب تحريم كسب القمار مما يكتسب به ص 546. وج 2 المستدرك ص 436 وص 459

[ 369 ]

ومن طرق السنة (1) وقد اشير إلى حكمة التحريم في قوله تعالى (2): (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون). فان أخذ مال الناس بغير تجارة ومشقة موجب لالقاء العداوة والبغضاء، والاشتغال بلعب القمار يصد عن ذكر الله، وعن امتثال الاحكام الالهية. حرمة اللعب بالآت المعدة للقمار بدون الرهن المسألة الثانية: في اللعب بالآلات المعدة للقمار بدون الرهن: بأن كان الغرض منه مجرد الانس والفرح، كما هو المرسوم كثيرا بين الامراء والسلاطين. وهذا ايضا لا إشكال في حرمته، بل في المستند (3) بلا خلاف فيها، وقد وقع الخلاف في ذلك بين العامة (4). وكيف كان فقد استدل المصنف على حرمته بوجهين: الاول: قوله " ع " في رواية تحف العقول: (إن ما يجئ منه الفساد محضا لا يجوز التقلب فيه من جميع وجوه الحركات). وفيه اولا: انها ضعيفة السند، وقد تقدم. وثانيا: أنها لا تدل إلا على صدق الكبرى من حرمة التقلب والتصرف في كل ما يجئ منه الفساد محضا، وأما إحراز الصغرى فلا بد


وفي ج 2 التهذيب الذبائح ص 303. وج 11 الوافى باب الاضطرار إلى الميتة ص 17. وج 3 ئل باب 27 تحرمي المنخنقة من الاطعمة المحرمة ص 260: في رواية عبد العظيم الحسني: (وأن تستقسموا بالازلام ذلكم فسق) يعني حرام. (1) راجع ج 10 سنن البيهقي ص 213. (2) سورة المائدة آية: 93. (3) ج 2 ص 337. (4) في ج 2 فقه المذاهب ص 51: عن المالكية يحرم اللعب بالنرد والشطرنج ولو بغير عوض. وفي ص 52 عن الشافعية يحل اللعب بالشطرنج والكرة وحمل الاثقال والمشابكة بالاصابع. وعن الحنفية تحل المسابقة بدون عوض في كل ما ذكر عند الشافعية إلا الشطرنج. وعن الحنابلة يكره اللعب بالشطرنج وكلما افضى إلى محرم فهو حرام. وفي ج 8 شرح فتح القدير ص 132 حكم بحرمة اللعب بالشطرنج ثم حكى عن بعض الناس إباحة ذلك لما فيه من تشحيذ الخواطر، وهو محكي عن الشافعي.

[ 370 ]

وأن يثبت من الخارج، ومن الواضح أن كون الآلات المعدة للقمار كذلك أول الكلام، إذ لو كان اللعب بها بدون مراهنة جائزا لم تكن كذلك، فلا يمكن إثبات الحرمة به، فانه دور ظاهر. الثاني: ما في رواية ابي الجارود (1) من تفسير الميسر بالنرد والشطرنج وبكل قمار إلى أن قال " ع ": (وكل هذا بيعه وشراؤه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم). فانها تشمل باطلاقها اللعب بالآلات المعدة للقمار بدون الرهن. وقد يقال: إن المراد بالقمار المذكور في الرواية هو المعنى المصدري " أعني العمل الخارجي "، وعليه فتكون الرواية منصرفة إلى اللعب بالآلات المذكورة مع الرهن، كما أن المطلقات منصرفة إليه ايضا، ولكنها دعوى جزافية، فان المراد من القمار فيها هو نفس الآلات. ويدل عليه من الرواية قوله " ع ": (بيعه وشراؤه) وقوله " ع ": (وأما الميسر فالنرد والشطرنج). وفيه أن الرواية وإن كانت صريحة الدلالة على المقصود، ولكنها ضعيفة السند. ثم إن المصنف (ره) ذكر جملة من الروايات للتأييد، وادعى عدم انصرافها إلى اللعب الخارجي: منها ما عن مجالس المفيد الثاني ولد الشيخ الطوسي " ره " (2) وهو قوله " ع ": (كلما الهى عن ذكر الله فهو من الميسر). وفيه أولا: أن هذه الرواية ضعيفة السند. وثانيا: أنها محمولة على الكراهة، فان كثيرا من الامور يلهي عن ذكر الله وليس بميسر، ولا بحرام، وإلا لزم الالتزام بحرمة كثير من الامور الدنيوية، لقوله تعالى (3): (إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو). بل قد أطلق اللهو على بعض الامور المستحبة في جملة من الروايات (4) كسباق الخيل،


(1) مرسلة. وضعيفة لابي الجارود. راجع ج 2 ئل باب 130 تحريم اللعب بالشطرنج مما يكتسب به ص 567. (3) ضعيفة لابن الصلت وغيره. راجع ج 2 ئل باب 128 تحريم استعمال الملاهي مما يكتسب به ص 566. (3) سورة محمد، آية: 38. (4) في ج 3 ئل باب 1 من كتاب السبق والرماية ص 660. وج 2 كاص 341 وج 9 الوافي ص 36: في حديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل اللهو باطل إلا في ثلاث: في تأديبه الفرس ورميه عن قوسه وملاعبته امرأته فانهن حق. مرفوعة. ورواها الشيخ بسند فيه ضعف لعبد الله بن عبد الرحمن. ورواها البيهقي الشافعي في ج 10

[ 371 ]

ومفاكهة الاخوان، وملاعبة الرجل أهله، ومتعة النساء، فانها من الاشياء المندوبة في الشريعة، ومع ذلك أطلق عليها اللهو، وتوهم أن الملاهي غير المحرمة خارجة عن الحديث توهم فاسد، فانه مستلزم لتخصيص الاكثر، وهو مستهجن. ومنها رواية الفضيل (1) عن النرد والشطرنج وغيرهما غا من آلات القمار التي يلعب بها (فقال " ع ": إذا ميز الله بين الحق والباطل في ايهما يكون؟ قلت: مع الباطل؟ قال " ع " فمالك والباطل). وفيه أولا: أنها ضعيفة السند. وثانيا: أنه لا ملازمة بين البطلان والحرمة. ومنها رواية زرارة (2) عن لعبة بعض اقسام القمار (فقال " ع ": أرأيتك إذا ميز الله الحق والباطل مع أيهما يكون؟ قال: قلت: مع الباطل؟ قال " ع ": فلا خير فيه). وفيه أن نفي الخير أعم من الحرمة والكراهة. ومنها رواية عبد الواحد بن المختار (3) إنه سأل الامام " ع " عن اللعب بالشطرنج؟ قال " ع ": (إن المؤمن لمشغول عن اللعب). فان إناطة الحكم باللعب تقتضي عدم اعتبار الرهن في حرمة اللعب بالآلات المزبورة. وفيه أن الرواية غريبة عما نحن فيه، فان الظاهر منها أخذ عنوان المؤمن موضوعا للاجتناب عن اللعب المطلق، وبما أنه لا دليل على حرمته على وجه الاطلاق حتى اللعب باليد والاصابع واللحية والسبحة ونحوها، فتكون الرواية إرشادا إلى بيان شأن المؤمن من أنه لا يناسبه الاشتغال بالامور اللاغية، فانها غير مفيدة له في دينه ودنياه. وقد استدل على حرمة القمار بدون الرهن بالمطلقات الناهية عن الميسر والقمار من الآيات والروايات (وقد اشرنا إلى مصادرها في هامش ما تقدم). وأجاب عنه المصنف بوجهين، الاول: ان المطلقات منصرفة إلى الفرد الغالب، وهو


من سننه الكبرى ص 14. وفي ج 15 البحار كتاب كفر ص 554: عن ابي جعفر عليه السلام قال: لهو المؤمن في ثلاثة اشياء التمتع بالنساء ومفاكهة الاخوان والصلاة بالليل (1) ضعيفة لسهل. راجع ج 2 كاص 201، وج 10 الوافى ص 36. وج 2 ئل باب 132 تحريم اللعب بالنرد مما يكتسب به ص 567. (2) موثقة لابن فضال وابن بكير. راجع ج 2 كاص 201. وج 10 الوافى ص 36. وج 2 ئل باب 130 تحريم اللعب بالشطرنج مما يكتسب به ص 567. (3) ضعيفة لسهل. ومجهولة لابن المختار وغيره. راجع ج 2 ئل باب 130 تحريم اللعب بالشطرنج مما يكتسب به ص 567.

[ 372 ]

اللعب بالآلات المذكورة مع الرهن. وفيه أولا: ان اللعب بآلات القمار من غير رهن كثير في نفسه لو لم يكن اكثر من اللعب بها مع المراهنة، أو مساويا له في الكثرة. وثانيا: ان مجرد غلبة الوجود في الخارج لا توجب الانصراف، نعم ان دعوى الانصراف إنما تصح إذا كان لها منشأ صحيح، كأن يكون الفرد النادر أو غير الغالب على نحو لا يراه العرف فردا للعمومات والمطلقات، كانصراف الحيوان عن الانسان في نظر العرف، مع انه من اكمل افراده، ولذا قلنا بانصراف الروايات المانعة عن الصلاة في غير المأكول عن الانسان. والوجه في ذلك ان العرف يرى الانسان مبائنا للحيوان حتى انه لو خوطب احد بالحيوان فان العرف يعد ذلك من السباب. الثني: ما اشار إليه بقوله: (وفي صدق القمار عليه نظر لما عرفت). وتوضيح ذلك ان المستفاد من كلمات اهل العرف واللغة (1) ان القمار وكك الميسر موضوع للعب باي شئ مع الرهان، ويعبر عنه في لغة الفارس بكلمة (برد وباخت) وعليه فاللعب بالآلات بدون الرهن خارج عن المطلقات موضوعا وتخصصا.


(1) في القاموس ولسان العرب: تقمره راهنه فغلبه، وفي مجمع البحرين: القمار بالكسر اللعب بالآلات المعدة له على اختلاف انواعها، وربما اطلق على اللعب بالخاتم والجوز، وأصل القمار الرهن على اللعب بشئ. وفي أقرب الموارد: قمر الرجل قمرا راهنه ولعب القمار، وفي المنجد قمر قمرا راهن ولعب في القمار. وفي القاموس وتاج العروس ولسان العرب واقرب الموارد وغيرها في مادة يسر: الميسر كمنزل ومجلس اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، وكانوا إذا ارادوا ان ييسروا اشتروا جزورا نسئة، ونحروه قبل ان ييسروا، وقسموه ثمانية وعشرين قسما، أو عشرة اقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من لهم ذوات الانصباء وغرم من خرج له الغفل، أو هو النرد، أو كل قمار. وفي مجمع البحرين مادة زلم: والمراد بها في المشهور ودلالة الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله هو أن الازلام القداح العشرة المعروفة فيما بينهم في الجاهلية، والقصة في ذلك: انه كان يجتمع العشرة من الرجال، فيشترون بعيرا، وينحرونه، ويقسمونه عشرة أجزاء، وكان لهم عشرة قداح لها اسماء، وهي الفذ، له سهم، والتوأم، وله سهمان، والرقيب، وله ثلاثة، والحلس (بكسر الحاء وسكون اللام)، وله اربعة، والنافس، وله خمسة، والمسبل (كمحسن)، وله ستة، والمعلى (بضم الميم وسكون العين وفتح اللام)، وله سبعة،

[ 373 ]

نعم في الجواهر (عن ظاهر الصحاح والمصباح والتكملة والذيل انه قد يطلق على اللعب بها مطلقا مع الرهن ودونه). والظاهر انه من باب المجاز، لعلاقة المشابهة والمشاكلة، ولا اقل من الشك في صدق مفهوم القمار عليه، ومن المعلوم انه مع الشك في الصدق لا يجوز التمسك بالمطلقات. وكذلك لا يجوز التمسك بقوله تعالى (1): " إنما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ". فان العداوة إنما تتحقق مع الرهان، لا بدونه. والتحقيق ان يستدل على الحرمة بالمطلقات (2) الكثيرة الناهية عن اللعب بالنرد والشطرنج وبكل ما يكون معدا للتقامر، فانه لا شبهة ان اللعب بالامور المذكورة يعم بما كان مع المراهنة أو بدونها. وقد ناقش المصنف في ذلك بانصراف المطلقات المذكورة إلى صورة اللعب بآلات القمار مع الرهن. وقد عرفت جوابه. والعجب منه (ره) أنه استبعد الانصراف في رواية ابي الربيع الشامي (3) الناهية عن الاقتراب من النرد والشطرنج، ثم التزم به في المطلقات المذكورة! مع أنهما من باب واحد، فان النهي عن الاقتراب من النرد والشطرنج كناية عن حرمة اللعب بهما. فشأن رواية ابي الربيع شأن المطلقات في الانصراف وعدمه، ولكن الرواية ضعيفة السند.


وثلاثة لا انصباء لها: وهي المنيح والسفيح والوغد. أقول: إن ما ذكره في المجمع من تقسيم البعير إلى العشرة لا يمكن تصديقه، ضرورة استحالة كونها مخرجا لتلك السهام، فان المخرج لها لا يكون اقل من ثمانية وعشرين، كما عرفته من القاموس وغيره. نعم تنقسم العشرة بغير القسمة المذكورة. (1) سورة المائدة آية: 91. (2) في ج 2 كاص 201. وج 10 الوافي ص 36. وج 2 ئل باب 63 تحريم كسب القمار ص 546، وباب 132 تحريم اللعب بالشطرنج بالنرد وباب 130 تحريم اللعب بالشطرنج ص 567 مما يكتسب به. وج 2 المستدرك ص 459. (3) عن ابي عبد الله " ع " قال: سئل عن الشطرنج والنرد؟ فقال: لا تقربوهما مجهولة لابي الربيع. راجع ج 2 ئل باب 130 تحريم اللعب بالشطرنج مما يكتسب به ص 567.

[ 374 ]

حرمة المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدة للقمار المسألة الثالثة: المراهنة من اللعب بغير الآلات المعدة للقمار، كالمراهنة على حمل الحجر الثقيل، وعلى المصارعة، ونطاح الكباش، وصراع البقر، ومهارشة الديكة ومضاربتها، والمراهنة على الطيور، وعلى الطفرة ونحو ذلك مما عدوها في باب السبق والرماية من غير الافراد التي نص على جوازها. والظاهر أنه لا خلاف في الجملة بين الشيعة وأكثر العامة (1) في حرمة المراهنة على اللعب مطلقا وإن كان بغير الآلات المعدة للقمار، نعم يظهر من الجواهر اختصاص الحرمة بما إذا كان اللعب بالآلات المعدة له، وأما مطلق الرهان والمغالبة بغيرها فلا حرمة فيه. نعم تفسد المعاملة عليه، ولا يملك الراهن الجعل، فيحرم عليه التصرف فيه. وذكر المصنف (ره) أن الظاهر إلحاقه بالقمار في الحرمة والفساد، بل صرح العلامة الطباطبائي (ره) في مصابيحه بعدم الخلاف في ذلك، ثم قال المصنف: (وهو ظاهر كل من نفى الخلاف في تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض، وجعل محلم الخلاف فيها بدون العوض). وتوضيح كلامه ان الخلاف في حكم المسابقة بدون الرهن في غير الموارد النصوصة لا معنى له إلا في الحرمة التكليفية، فان الحرمة الوضعية عبارة عن فساد المعاملة وعدم انتقال المال إلى غير مالكه، والمفروض أنه ليس هنا رهن ليقع الاختلاف في انتقاله إلى غير مالكه وعدم انتقاله، فتعين ان يكون الخلاف في هذه الصورة في الحرمة التكليفية فقط دون الحرمة الوضعية. وعليه فمقابلة مورد الوفاق أعني حرمة المسابقة مع الرهن في غير الموارد المنصوصة بمورد الخلاف تقتضي أن يكون مورد الوفاق هو خصوص الحرمة التكليفية، أو الاعم منها ومن الحرمة الوضعية. وأما تخصيص مورد الوفاق بخصوص الحرمة الوضعية كما عرفته من ظاهر الجواهر فلا يلائم كلماتهم.


(1) في ج 3 فقه المذاهب ص 51 لا تصح المسابقة بجعل (رهان) في غير الخيل والجمال والرمي إلا عن الشافعية، فانهم قالوا: تصح المسابقة بالرهان ايضا على البغال والحمير والفيلة ايضا

[ 375 ]

وكيف كان فقد استدل القائلون بالحرمة والفساد بوجوه: الاول: الاجماع. وفيه أن دعواه في المقام على الحرمة وإن لم تكن جزافية كما عرفت، ولكنا لا نطمئن بكونه إجماعا تعبديا، بل من المحتمل القريب استناده إلى سائر الوجوه المذكورة في المسألة. الثاني: صدق مفهوم القمار عليه بغير عناية وعلاقة، فقد عرفت ان الظاهر من أهل العرف واللغة أن القمار هو الرهن على اللعب بأي شئ كان. وتفسيره باللعب بالآلات المعدة للقمار دور ظاهر. ويدل على ما ذكرناه ترادف كلمة القمار في لغة الفرس لكلمة (برد وباخت) بأي نحو تحقق، ومن أوضح افراده في هذا الزمان الحظ والنصيب المعبر عن ذلك في الفارسية بلفظ (بليط آزائش بخت) وإذا صدق عليه مفهوم القمار شملته المطلقات الدالة على حرمة القمار والميسر والازلام، وحرمة ما اصيب به من الاموال، غاية الامر أن الموارد المنصوصة في باب السبق والرماية قد خرجت عن هذه المطلقات. الوجه الثالث: الروايات الكثيرة الظاهرة في حرمة الرهان على المسابقة في غير الموارد المنصوصة: منها ما دل (1) على نفار الملائكة عند الرهان ولعنها صابه ما خلا الحافر والخف والريش والنصل، ولكن جميعه ضعيف السند.


(1) في ج 1 كاص 341. وج 9 الوفاى ص 25. وج 2 ئل باب 2 استحباب الرمي من السبق والرماية ص 660: عن ابي بصير عن ابي عبد الله " ع " قال: ليس شئ تحضره الملائكة إلا الرهان وملاعبة الرجل اهله. مجهولة لسعدان بن مسلم. وفي ج 9 الوافى ص 25. وج 2 ئل باب 1 استحباب إجراء الخيل من السبق ص 660 عن الصدوق قال: قال الصادق " ع ": إن الملائكة لتنفر عند الرهان وتلعن صاحبه ما خلا الحافر والخف والريش والنصل. مرسلة. وفي ج 2 ئل باب 3 ما يجوز السبق من الرماية ص 660 في رواية العلا بن سيابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله إن الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما سوى ذلك فهو قمار. ضعيفة لابن سيابة. وفي ج 2 المستدرك ص 516 في رواية زيد النرسي تنفر الملائكة عند الرهان وإياكم والرهان الارهان الخف الخ. مجهولة للنرسى. بل ربما يناقش في انتساب الاصل المعروف إليه.

[ 376 ]

ومنها ماعن تفسير العياشي (1) من أن الميسر هو الثقل الخارج بين المتراهنين، فيدل على الحرمة وضعا وتكليفا، وعليه فلا وجه لحمله على الحرمة الوضعية فقط، كما صنعه المحقق الايرواني، ولكنه ضعيف السند. ومنها ما دل (2) على أن كل ما قومر به فهو من الميسر حتى اللعب بالجوز واللوز والكعاب، ومعنى المقامرة هو المراهنة على اللعب كما عرفته في الهامش آنفا. ومنها رواية اسحاق بن عمار (3) الصريحة في حرمة المقامرة بالجوز والبيض وحرمة أكلهما، فانها دلت على تحقق القمار باللعب بغير الآلات المعدة له. وتدل على هذا ايضا الرواية المشتملة على قي الامام " ع " البيض الذي قامر به الغارم " وسيأتي الكلام في هذه الرواية وبيان أنها ضعيفة السند ".


(1) في ج 2 ئل باب 132 تحريم اللعب بالنرد مما يكتسب به ص 567 عن تفسير العياشي عن ياسر الخادم عن الرضا " ع " قال: سألته عن الميسر؟ قال: الثقل من كل شئ قال: والثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم. مجهولة لياسر. على ان التفسير المزبور لم يثبت اعتباره عندنا. (2) في الباب المذكور من ج 2 ئل. وج 2 كاص 201. وج 10 الوافى ص 35 عن معمر بن خلاد عن ابي الحسن " ع " قال: النرد والشطرنج والاربعة عشر بمنزلة واحدة وكل ما قومر عليه فهو ميسر. صحيحة. وفي ج 1 كاباب 40 القمار من المعيشة ص 362. وج 10 الوافى ص 35. وج 2 التهذيب ص 111. وج 2 ئل باب 63 تحريم كسب القمار مما يكتسب به ص 547: عن جابر عن ابي جعفر " ع " قال: لما أنزل الله على رسوله إنما الخمر والميسر الخ قيل: يا رسول الله ما الميسر؟ قال: كلما تقومر به حتى الكعاب والجوز. ضعيفة لعمرو بن شمر، وفي ج 2 المستدرك ص 459 عن فقه الرضا " ع " ما يدل عل ذلك، ولكنه ضعيف. (3) في ج 1 كاباب 40 القمار من المعيشة ص 362. وج 10 الوافى ص 35. وج 2 التهذيب ص 111. وج 2 ئل باب 63 تحريم كسب القمار مما يكتسب به ص 547 عن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله " ع ": الصبيان يلعبون بالجوز والبيض ويقامرون؟ فقال: لا تأكل منه فانه حرام. أقول: من جملة رجال السند في هذه الرواية محمد بن أحمد النهدي، وقد رماه النجاشي بالاضطراب، وضعفه ابن الغضائري، ووثقه الكشي، وعلهى فلا بد من التوقف كما عليه العلامة.

[ 377 ]

والحاصل: ان الرهن على اللعب بغير الآلات المعدة للقمار حرام وضعا وتكليفا، فلا وجه لانكار الحرمة التكليفية، والالتزام بخصوص الفساد، كما صنعه صاحب الجواهر. وقد يستدل على ما ذهب إليه صاحب الجواهر بما في صحيحة محمد بن قيس (1) الواردة في مواكلة الشاة من أنه قال " ع ": (لا شئ في المواكلة من الطعام ما قل منه أو كثر ومنع غرامة فيه). بدعموى ان الامام " ع " لم يتعرض فيها لغير فساد المراهنة في الطعام، وأنه ليس لها اثر بترتب عليها، ولو كانت المراهنة المزبورة محرمة تكليفا لردع عنها ايضا. وأجاب المصنف عن ذلك بان (هذا وارد على تقدير القول بالبطلان وعدم التحريم، لان التصرف في هذا المال مع فساد المعاملة حرام أيضا فتأمل). وتوضيح كلامه: أن سكوت الامام " ع " عن بيان الحرمة في جهة لا يستلزم ثبوت الجواز فيها، وإلا لكانت الرواية دالة على جواز التصرف في مال الغير بناء على فساد هذه المعاملة، لان الامام " ع " قد سكت عن بيان حرمته ايضا. أقول: الظاهر أن الرواية أجنبية عن المقام، وإنما هي مسوقة لبيان حكم عقد المواكلة في الطعام، فان مالك الشاة قد أباحها لاشخاص معينين بشرط متأخر، وهو قوله: (إن أكلتموها فهي لكم). واشترط عليهم الضمان إذا تخلف الشرط المذكور، وقال: (وإن لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا). وقد حكم الامام " ع " بفساد هذه المعاملة، وعدم ترتب الاثر عليها بقوله: (لا شئ في المواكلة). وأنها ليست من المعاملات التي أمضاها الشارع كما امضى المزارعة والمضاربة والمساقات وغيرها. وعلى هذا فمفاد الرواية ينحل إلى قضيتين: إحداهما موجبة، وهي إباحة الشاة بشرط متأخر إباحة مالكية. والثانية سالبة، وهي عدم تحقق الاباحة المالكية مع تخلف الشرط المذكور. وحكم القضية الاولى هو الجواز وضعا وتكليفا من غير غرامة على الآكلين. وحكم القضية الثانية هو عدم الجواز وضعا، لا تكليفا. فتثبت عليه غرامة الاكل، لكونه مشمولا لعمومات ادلة الضمان، لا لانها معاملة خاصة توجب الضمان بنفسها. ويدل على ذلك من الرواية امران، أحدهما: قوله " ع ": (لا شئ في المواكلة).


(1) في ج 2 كاباب 19 نوادر القضاء ص 364. وج 2 التهذيب باب الزيادات من القضاء ص 88. وج 9 الوفاى اواخر القضاء 169. عن محمد بن قيس عن ابي جعفر " ع " قال: قضى امير المؤمنين " ع " في رجل أكل واصحاب له شاة فقال: إن أكلتموها فهي لم وإن لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا فقضى فيه ان ذلك باطل لا شئ في المواكلة من الطعام ما قل منه وما كثر ومنع غرامة فيه. صحيحة.

[ 378 ]

فان ظاهره ان الصادر بين مالك الشاة وأصحابه إنما هو عقد المواكلة في الشاة. وثانيهما: قول المالك: (إن أكلتموها فهي لكم، وإن لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا) فان ظاهره أنهذا القول من المالك صيغة لعقد المواكلة، وأن المتعاملين بها يحاولون إيجاد معاملة خاصة كسائر المعاملات المقررة في الشريعة المقدسة. وقد علم من الوجهين المذكورين: أن كلمة (آكل) في قول السائل: (في رجل آكل واصحاب له شاة). إنما هو فعل ماض من باب المفاعلة، وليس باسم فاعل من الثلاثي المجرد، ولا فعل ماض منه كما هو واضح. ونظير هذه المعاملة كثير الوقوع بين اهل العرف، فيقول أحدهم لصاحبه: إن أكلت كذا مقدارا من الثمرة أو إن سكنت في هذه الدار سنة واحدة فليس عليك شئ، وإلا فعليك كذا وكذا. قوله: (ثم إن حكم العوض من حيث الفساد حكم سائر المأخوذ بالمعاملات الفاسدة). أقول: حكم المأخوذ بالقمار وكذلك حكم المأخوذ بسائر المعاملات الفاسدة هو وجوب رد عينه مع البقاء، ورد بدله من المثل أو القيمة مع التلف، ويأتي الكلام انشاء الله على هذا في البحث عن المقبوض بالعقد الفاسد. قوله: (وما ورد (1) من قي الامام (ع) البيض الذي قامر به الغلام). اقول: لم يتوهم احد ولا موقع للتوهم ايضا ان القي من جهة رد البيض إلى المالك، فان آكل الحرام لا يجب عليه رد عينه ولو كان عالما عامدا فضلا عما إذا تناوله جاهلا، لان الطعام بعد المضغ يعد في العرف تالفا، خصوصا بعد وصوله إلى المعدة، أما بعد القي فانه يعد من القذارات العرفية، وإنما الوجه في ذلك هو تنزه الامام (ع) ان لا يصير الحرام الواقعي جزءا من بدنه، بل الظاهر من الرواية ان البيض قد اشتراه الغلام للامام (ع) ولكنه قامر به في الطريق، فلا موضوع هنا للضمان. ولو سلمنا ان الامام (ع) لم يكن مالكا للبيض فيمكن ان يقال: إن الاموال كلها للامام (ع)، لانه أولى بالناس من انفسهم، ويؤيده ما دل على ان الارض وما يخرج منها له (ع). وعلى هذين الوجهين فقي الامام البيض إنما هو لئلا يكون ما اصيب به


(1) في ج 1 كا باب 40 القمار من المعيشة ص 362. وج 10 الوفاى ص 35. وج 2 ئل باب 63 تحريم كسب القمار مما يكتسب به ص 546: عن عبد الحميد بن سعيد قال: بعث أبو الحسن (ع) غلاما يشتري له بيضا أو بيضتين فقامر بها فلما أتى به أكله فقال مولى له: إن فيه من القمار، قال: فدعا بطشت فتقيأ فقاءه. مجهولة لعبد الحميد. وضعيفة لسهل.

[ 379 ]

القمار جزءا من بدنه. وكيف كان فقد أورد المصنف على الرواية (بأن ما كان تأثيره كذلك يشكل أكل المعصوم له جهلا بناء على عدم إقدامه على المحرمات الواقعية الغير المتبدلة بالعلم، لا جهلا، ولا غفلة، لان ما دل على عدم جواز الغفلة عليه في ترك الواجب وفعل الحرام دل على عدم جواز الجهل عليه في ذلك). ويمكن أن يقال: إن الاعتراض على الرواية مبني على كون علم الائمة بالموضوعات حاضرا عندهم من غير توقف على الارادة، وقد دلت عليه جملة من الروايات، كما أن علمهم بالاحكام كذكل. وأما بناء على ان علمهم بالموضوعات تابع لارادتهم واختيارهم (كما دلت عليه جملة اخرى من الروايات) فلا يتوجه الاشكال على الرواية، لامكان صدور الفعل عنهم (ع) جهلا قبل الارادة. ولكن الذي يسهل الخطب ان البحث في علم الامام من المباحث الغامضة، والاولى رد علم ذلك إلى اهله، كما ذكره المصنف (ره). على ان الرواية المذكورة ضعيفة السند. حكم المسابقة بغير رهان في ما عدا الموارد المنصوصة قوله: (الرابعة المغالبة بغير عوض في غير ما نص على جواز المسابقة فيه). أقول: المشهور بين الاصحاب هو عدم جواز المسابقة بغير رهان في ما عدا الموارد المنصوصة، كالمصارعة، وحمل الاثقال، والجري على الاقدام، وكالمسابقة على السفن والبقر والكلاب والطيور، والمكث في الماء، وحفظ الاخبار والاشعار، ورمي البنادق، والوقوف على رجل واحدة وغيرها. وقد ذهب بعض الاصحاب وجمع من العامة (1) إلى الجواز. ويمكن الاستدلال على الحرمة بوجوه: الاول: دعوى الاجماع عليها، وقد ادعاه غير واحد من الاصحاب. وفيه أن من المحتمل القريب استناده إلى الوجوه الآتية، فليس هنا إجماع تعبدي، ومن هنا علله بعض الاعاظم من الاصحاب بعموم النهي عن المسابقة إلا في ثلاثة.


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 51 نقل عن المذاهب الاربعة جواز المسابقة بدون رهن

[ 380 ]

الثاني: ما ورد في جملة من الاحاديث (1) من نفي السبق إلا في خف أو حافر أو نصل بدعوى ان السبق بالسكون مصدر لكلمة سبقه إلى كذا اي تقدمه وخلفه وغلبه على كذا فيراد من نفيه نفي مشروعية المسابقة والمغالبة وإن لم يكن فيها رهان، فيكون مفاده كمفاد لا رهبانية ولا نجش في الاسلام. وفيه ان ذلك إنما يتم لو كان المذكور هو السبق بسكون الباء، ولم يثبت ذلك، بل في المسالك أن قراءة الفتح هي المشهور. والسبق بالفتح هو العوض الذي يتراهن عليه المتسابقون وعليه فلا تدل الرواية إلا على تحريم المراهنة فقط. بل قال المصنف: إنها (غير ظاهرة في في التحريم أيضا، لاحتمال إرادة فسادها. بل هو الاظهر، لان نفي العوض ظاهر في نفي استحقاقه، وإرادة نفي جواز العقد عليه في غاية البعد). ومع الاغضاء عن ثبوت قراءة الفتح، فالرواية مجملة، فلا يجوز التمسك بها إلا في الموارد المتيقنة على أنها ضعيفة السند. ثم إنه أورد المصنف على قراءة السكون بانه (على تقدير السكون فكما يحتمل نفي الجواز التكليفي فيحتمل نفي الصحة، لوروده مورد الغالب من اشتمال المسابقة على العوض). وفيه أولا: ان المسابقة بدون المراهنة كثيرة في نفسها. وثانيا: أن غلبة الوجود بمجردها لا توجب الانصراف. الثالث: ان مفهوم القمار صادق على مطلق المغالبة ولو بدون العوض، كما يدل عليه ما تقدم في بعض الروايات من تسمية اللعب بالشطرنج بدون المراهنة قمارا، وعيه فتشمله الاطلاقات الدالة على حرمة القمار. وفيه أنك قد عرفت فيما سبق آنفا: أن الرهان مأخوذ في مفهوم القمار، سواء كان اللعب بالآلات المعدة له أم لا، فالمسابقة بغير المراهنة خارجة عن القمار موضوعا. وإطلاق القمار عليها أحيانا لا يدل على الحقيقة، فانه أعم من الحقيقة والمجاز وحرمة اللعب بالنرد والشطرنج من جهة الادلة الخاصة، لا من جهة صدق مفهوم القمار عليه.


(1) في ج 1 كا ص 341. وج 9 الوافي ص 26. وج 2 ئل باب 3 من كتاب السبق ص 660: عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله " ع " قال: سمعته يقول: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل: يعني النضال. ضعيفة لمعلى بن محمد. وقد ذكرت هذه الرواية في جملة من أحاديث العامة. راجع ج 10 سنن البيهقي ص 16. وفي ج 2 المستدرك ص 517: عن دعائم الاسلام لا سبق إلا في ثلاث: في خف أو حافر أو نصل. مرسلة. وعن الشهيد الثاني إضافة الجناح.

[ 381 ]

ولو سلمنا ان إطلاق القمار على المسابقة الخالية عن العوض على سبيل الحقيقة فان السيرة القطعية قائمة على جوازها، كالسباحة والمصارعة والمكاتبة والمشاعرة وغيرها، خصوصا إذا كان الفعل أمرا قربيا، كبناء المساجد والقناطر والمدارس، فان في ذلك فليتنافس المتنافسون. الرابع: أنه قد علل تحريم اللعب بالنرد والشطرنج في بعض الاخبار المتقدمة في الهامش آنفا: بأنه من اللهو والباطل، وهو جار فيما نحن فيه أيضا، بل ورد من طرق الخاصة والعامة ان كل لهو المؤمن باطل إلا في ثلارث (وقد تقدم في الحاشية) وهو باطلاقه شامل للمقام، وقد تقدم ايضا أن (لكما الهى عن ذكر الله فهو من الميسر). ومن الواضح ان المسابقة وإن كانت بغير عوض تلهي عن ذكر الله. وفيه أنه لا دليل على حرمة مطلق اللهو كما عرفت، وستعرفه في البحث عن حرمة اللهو فان كثيرا من الامور لهو وهو ليس بحرام كاللعب بالاحجار والاشجار والسبحة واللحية وأزرار الثوب ونحوها. على أنه لا ملازمة بين ما نحن فيه وبين اللهو، فان النسبة بينهما هي العموم من وجه، إذ كثيرا ما تكون المسابقة للاغراض العقلائية من تربية البدن ومعالجته والتنزه والتفريح كما هو واضح. حرمة القيادة قوله: (السادسة عشرة القيادة حرام). أقول: وهي في اللغة السعي بين الشخصين لجمعهما على الوطي المحرم، وقد يعبر عنها بكلمة الدياثة، ولا شبهة في حرمتها وضعا وتكليفا بل ذلك من ضروريات الاسلام، وهي من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة. وفي مرسلة الشيخ الورام (1) عن النبي صلى الله عليه وآله عن جبرئيل قال: (اطلعت على النار فرأيت في جهنم واديا يغلي فقلت: يا مالك لمن هذا؟ فقال: لثلاثة: المحتكرين والمدمنين للخمر والقوادين). وقد تقدم في رواية سعد الاسكاف وغيرها (2) تفسير الواصلة والمستوصلة بذلك. وفي رواية ابن سنان (3) عن حد القواد؟ قال " ع " (يضرب ثلاثة ارباع حد الزاني


(1) راجع ج 2 ئل باب 27 تحريم الاحتكار من آداب التجارة ص 579. (2) ص 199. (3) راجع ج 3 ئل باب 5 من حد القيادة ص 438.

[ 382 ]

خمسة وسبعين سوطا وينفى من المصر الذي هو فيه). وفيه بعض الاحاديث (1): (لا يدخل النة عاق ولا منان ولا ديوث). وفي عيون الاخبار (2): (وأما التي كانت تحرق وجهها وبدنها وهي تجر امعاؤها فانها كانت قوادة). وقد ورد اللعن والتوعيد على القواد في بعض الاحاديث (3). حرمة اتيان القائف وترتيب الاثر على قوله قوله: (السابعة عشرة القيافة حرام في الجملة)، اقول: القيافة في اللغة (4) معرفة الآثار وشبه الرجل بأخيه وأبيه، والظاهر أنه لا شبهة في جواز تحصيل العلم أو الظن بانساب الاشخاص بعلم القيافة وبقول القافة، ولم يرد في الشريعة المقدسة ما يدل على حرمة ذلك. وما ورد في حرمة إتيان العراف والقائف لا مساس له بهذه الصورة، وإنما المراد منه حرمة العمل بقول القافة، وترتيب الاثر عليه كما سيأتي، ومع الشك في الحرمة والجواز في هذه الصورة يرجع إلى الاصول العملية. ثم إنه لا شبهة في حرمة الرجوع إلى القائف وترتيب الآثار على قوله، وفي الكفاية لا أعرف فيها الخلاف. وفي المنتهى الاجماع على ذلك. خلافا لاكثر العامة (5) فانهم جوزوا


(1) راجع ج 2 المستدرك باب 23 تحريم لتيان العراف مما يكتسب به ص 435. (2) راجع ج 3 ئل باب 117 جملة ما يحرم على النساء من مقدمات النكاح ص 27. (3) في ج 3 ئل باب 27 تحريم القيادة من النكاح المحرم ص 44: عن ابراهيم بن زياد الكرخي قال: سمعت أبا عبد الله " ع " يقول: لعن الله الواصلة والمستوصلة، يعني الزانية والقوادة. وعن عقاب الاعمال عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث قال: ومن قاد بين امرأة ورجل حرم الله عليه الجنة ومأواه جهنم وساءت مصيرا ولم يزل في سخط الله حتى يموت. (4) في ج 6 تاج العروس ص 228: والقائق من يعرف الآثار ج قافة. وقال ابن الاثير: القائف الذي يتبع الآثار، ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه. ومنه إن مجززا كان قائفا. (5) في ج 4 شرح صحيح مسلم ص 80: أثبت العمل بالقافة الشافعي، ونفاه أبو حنيفة، والمشهور عن مالك في الاماء دون الحرائر، وروى عنه ابن وهب إثباته في

[ 383 ]

العمل بقول القافة استنادا إلى جملة من الروايات الواردة من طرقهم " وسنشير إليها ". وتدل على حرمة العمل بقول القافة الآيات الدالة على حرمة العمل بغير علم، وعلى حرمة اتباع الظنون، وأنها لا تغني من الحق شيئا " وقد تقدمت هذه الآيات (1) " فان نفي النسب عن شخص أو إلحاقه به بالاستحسانات الحاصلة من ملاحظة أعضاء البدن على النحو الذي تقرر في علم القيافة لا يتفق والقواعد الشرعية، فانه هدم لاحكام الارث المترتبة على التوالد الشرعي، وايضا قد ثبت في الشريعة أن الولد للفراش، بل هو من القواعد المسلمة بين الفريقين، والعمل بالقيافة ينافيها في كثير من الموارد. ويضاف إلى ما ذكرناه ان النسب إذا لم تقم على ثبوته أمارة شرعية فان الاستصحاب يقتضي نفيه، ولا يجوز رفع اليد عنه إلا بالامارات المعتبرة شرعا، وليست القيافة منها. وأما ما ورد في أحاديث العامة (2) من العمل بقول القافة فلا يصلح أن يكون رافعا للاستصحاب، فانه مضافا إلى ضعف السند فيها أنه مناف لما ورد في المنع عن العمل بعلم


الحرائر. ولا خلاف عند القائلين بالقافة أنها إنما تكون فيما اشكل من الفراشين ثابتين كأمة يطؤها البائع والمشتري في طهر واحد قبل الاستبراء من وطئ البائع، فتأتي بولد أكثر من ستة اشهر من وطئ المشتري، وأقل من اقصى الا حمل من وطئ البائع. وإن ألحقه القائف بأحدهما لحق، وإلا ترك الولد حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه منهما وإن ألحقه القائف بهما فان مذهب عمر بن الخطاب ومالك والشافعي يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه. وقال أبو ثور: يكون ابنا لهما. وقال الماجشون ومحمد بن مسلمة المالكيان: يلحق بأكثرهما شبها. وفي هامش ج 10 سنن البيهقي ص 264. عن الثوري قال: إذا قال القافة الولد منهما لحق بهما وورثهما وورثاه. (1) في البحث عن حرمة الرشوة ص 265 (2) منها ما عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وآله دخل عليها وهو مسرور تبرق اسارير وجهه فقال ألم تسمعي ما قال مجزز المدلجي وراى اسامة وزيدا نائمين وقد خرجت اقدامهما فقال: لن هذه الاقدام بعضها من بعض. راجع ج 10 سنن البيهقي كتاب الدعوى والبينات ص 262. وج 4 البخاري آخر كتاب الفرائض. وج 1 مسلم آخر الرضاع ص 565. وج 2 سنن ابي داود كتاب الطلاق ص 280. وج 2 سنن النسائي كتاب اللعان ص 108. وج 8 جامع الترمذي مع شرح ابن العربي آخر باب الولاء والهبة والوصايا ص 290، اسارير: الخطوط

[ 384 ]

القيافة في بعض أحاديث الشيعة (1). وفي رواية الجعفريات (2) جعل من السحت أجر القافي وقد استشهد المصنف (ره) على حرمة العمل بقول القافة برواية زكريا بن يحيى (3) الواردة في قصة أبي الحسن الرضا " ع "، وإثبات بنوة ابنه الجواد " ع " وإمامته بالرجوع إلى القافة حيث زعموا ما كان فينا لمام قط حائل اللون. ولكن لم نجد في الرواية ما يستشهد به لذلك، بل الظاهر منها أن الشيعة أيضا كانوا يعتقدون بقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله بقول القافة، وأنالرضا " ع " لم ينكر عليهم ذلك. نعم يرد على الرواية وجوه، الاول: أنها ضعيفة السند. الثاني: أنها مخالفة لضرورة المذهب، فانها اشتملت على عرض أخوات الامام وعماته على القافة، وهو حرام لا يصدر من الامام " ع ". وتوهم ان ذلك من جهة الاضطرار وهو يبيح المحظورات توهم فاسد، إذ لم تتوقف معرفة بنوة الجواد للرضا " ع " على إحضاء النساء. الثالث: أن الجماعة الذين بغوا على الرضا " ع " لينفوا بنوة الجواد " ع " عنه لو كانوا معتقدين بامامة الرضا " ع " لما احتاجوا إلى القافة بعد إخباره بالبنوة.


التي تكون بالجبهة. وفي إرشاد الساري في شرح البخاري ص 446: مجزز بضم الميم وكسر الجيم والزاء الاولى المشددة وآخره زاء معجمة سمى بذلك لانه كان يجز ناصية الاسير في الجاهلية ويطلقه. وقال العسقلاني في ج 12 فتح الباري ص 44: لم ار من ذكر اسمه. (1) في ج 2 ئل باب 54 تحريم إتيان القافة مما يكتسب به ص 545: عن الخصال عن أبي بصير عن ابي عبد الله " ع " قال: قلت: فالقيافة؟ قال: ما أحب ان تأتيهم إلى أن قال " ع ": القيافة فضلة من النبوة ذهبت في الناس حين بعث النبي صلى الله عليه وآله. (2) راجع ج 2 المستدرك باب 23 تحريم إتيان القافة مما يكتسب به ص 434. (3) جاء إخوة الرضا " ع " إليه فقالوا له: (ما كان فينا إمام قط حائل اللون، فقال لهم الرضا " ع ": هو ابني، قالوا: فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد قضى بالقافة فبيننا وبينك القافة، قال: ابعثوا أنتم إليهم وأما أنا فلا ولا تعلموهم لما دعوتموم إلى أن قال: ثم جاؤا بأبي جعفر " ع " فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه، فقالوا: ليس ههنا اب ولكن هذا عم أبيه وهذا عمه وهذا عمه وهذه عمته وإن يكن له ههنا اب فهو صاحب البستان فان قدميه وقدميه واحدة، فلما رجع أبو الحسن " ع " قالوا: هذا أبوه). مجهولة لزكريا بن يحيى.

[ 385 ]

حرمة الكذب قوله: (الثامنة عشرة: الكذب حرام بضرورة العقول والاديان، ويدل عليه الادلة الاربعة). اقول: لا شبهة في حرمة الكذب، فانه من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب بل هو مفتاح الشرور، وراس الفجور، ومن اشد الجرائم، وأكبر الكبائر وحرمته من ضروريات مذهب الاسلام، بل جميع الاديان، وقد استدل عليها المصنف بالادلة الاربعة. أما الكتاب والسنة الواردة لدى الخاصة (1) والعامة (2) في ذلك فذكرهما مما لا يحصى. وأما الاجماع فمن المحتمل القريب، بل المقطوع به أنه مستند إلى الكتاب والسنة، فلا يكون هنا إجماع تعبدي، كما هو واضح. وأما العقل فانه لا يحكم بحرمة الكذب بعنوانه الاولي مع قطع النظر عن ترتب المفسدة والمضرة عليه، وكيف يحكم العقل بقبح الاخبار بالاخبار الكاذبة التي لا تترتب عليها مفسدة دنيوية أو أخروية. نعم إذا ترتب عليه شئ من تلك المفاسد كقتل النفوس المحترمة وهتك الاعراض المحترمة، ونهب الاموال، أو إيذاء الناس وظلمهم، ونحوها من العناوين المحرمة، فان ذلك محمر بضرورة العقل، ولكنه لا يختص بالكذب، بل يجري في كل ما استلزم شيئا من الامور المذكورة ولو كان صدقا. الكذب من الكبائر قوله: (أحدهما في أنه من الكبائر). أقول: قد عرفت في مبحث الغيبة تحقيق الحال في كون معصية كبيرة. وقد استدل المصنف على كون الكذب من الكبائر في الجملة بعدة من الروايات: منها روايتا الاعمش وعيون الاخبار (3) حيث جعل الامام " ع " الكذب من الكبائر


(1) راجع اصول الكافي بهامش ج 2 مرآة العقول ص 324. وج 3 الوافي ص 157. وج 2 ئل باب 138 تحريم الكذب من عشرة الحج ص 233. وج 2 المستدرك ص 100. (2) راجع ج 10 سنن البيهقي ص 195. وج 3 إحياء العلوم ص 93. (3) راجع ج 2 ئل باب 45 تعيين الكبائر من جهاد النفس ص 465.

[ 386 ]

في هاتين الروايتين. وفيه أنهما وإن كانتا ظاهرتين في المقصود، ولكنهما ضعيفة السند (1) ومنها قوله " ع " في رواية عثمان بن عيسى (2): (إن الله جعل للشر اقفالا وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب والكذب شر من الشراب). وفيه أولا: انها ضعيفة السند. وثانيا: أنها مخالفة للضرورة، إذ لا يلتزم فقيه، بل ولا متفقه بأن جميع افراد الكذب شر من شرب الخمر، فإذا دار الامر في مقام الاضطرار بين ارتكاب طبيعي الكذب ولو بأن يقول المكره (بالفتح): إن عمر فلان مائة سنة مع أنه ابن خمسين وبين شرب الخمر فلا يحتمل أحد ترجيح شرب الخمر على الكذب. ومما ذكرناه ظهر الجواب عما دل (3) على ان المؤمن إذا كذب بغير عذر كتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني مع أمه. ومن الواضح ان الزناء بالام من أكبر الكبائر، فكك الكذب، على أن هذه الرواية ايضا ضعيفه السند. ويضاف إلى ذلك ما ذكرناه في مبحث الغيبة، وهو ان كل واحد من الذنوب مشتمل غالبا على خصوصية لا توجد في غيره، وكونه أشد من غيره في هذه الخصوصية لا يستلزم كونه اشد منه في جميع الجهات. نعم قد يكون بعض افراد الكذب اشد من شرب الخمر والزناء، كالكذب على الله، وعلى رسوله، وكالكذب لقتل النفس المحترمة، ولاثارة الفتنة ونحوها، ولا مضايقة في جعله حينئذ من الكبائر. ومنها ما عن العسكري " ع " (4) فانه قال: (جعلت الخبائث كلها في بيت وجعل مفتاحها الكذب) بدعوى ان ما يكون مفتاحا للخبائث كلها لا بد وأن يكون كبيرة. وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند. وثانيا: لا ملازمة بين كون الشئ مفتاحا للخبائث وبين كونه معصية فضلا عن كونه من الكبائر، فانه قد يكون الشئ غير محرم، ومع ذلك يكون مفتاحا للحرام، كالشبهات ومقدمات الحرام، وعليه فشأن هذه الرواية شأن الروايات الآمرة بالاجتناب عن الشبهات، فهي غير دالة على حرمة الكذب فضلا عن


(1) أما رواية العيون فلما تقدم في ص 243. وأما رواية الاعمش فلاحمد بن يحيى ابن زكريا وغيره. (2) ضعيفة لعثمان بن عيسى. راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 325. وج 3 الوافي ص 157. و 2 ئل باب 138 تحريم الكذب من عشرة الحج ص 233. (3) مرسلة. راجع ج 2 المستدرك ص 100. (4) راجع راجع ج 3 من ج 15 البحار ص 43.

[ 387 ]

كونه من الكبائر. قوله: (ويمكن الاستدلال على كونه من الكبائر بقوله تعالى (1): " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله "). أقول: وجه الدلالة أنه تعالى جعل الكاذب غير مؤمن بايات الله كافرا بها. وفيه أن الآية وإن كانت ظاهرة الدلالة على كون الكذب المذكور فيها من الكبائر، ولكن الظاهر من ملاحظة الآية وما قبلها أن المراد بالكاذبين في الآية الشريفة هم الذين يفترون على الله وعلى رسوله في آيات الله، كاليهود والمشركين، لزعمهم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله كله من تلقاء نفسه ومفتريات شخصه، وقد رد الله كلامهم عليهم بقوله عز من قائل: (إنما يفتري الكذب). وعلى هذا فالكذابون المذكورون في الآية لم يؤمنوا بالله وبرسوله وبالمعاد من الاول، لا أن الكذب أوجب خروجهم عن الايمان لكي تدل الآية على مقصد المصنف. قوله: (كونه من الكبائر من غير فرق بين أن يترتب على الخبر الكذاب مفسدة وان لا يترتب عليه شئ اصلا). اقول: ذهب المصنف تبعا لظاهر الفاضلين والشهيد الثاني إلى ان الكذب مطلقا من الكبائر، سواء ترتبت عليه مفسدة أم لا، واستند في رأيه هذا إلى الاطلاقات المتقدمة التي استدل بها على كون الكذب من الكبائر، ثم ايده بقول النبي صلى الله عليه وآله في وصيته (2) لابي ذر رضوان الله عليه: (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له ويل له). بدعوى ان الاكاذيب المضحكة لا يترتب عليها الابقاء في المفسدة إلا نادرا. والوجه في جعلها من المؤيدات ما ذكره المصنف في مبحث الكبائر من رسالته في العدالة وهو أن من الموازين التي تعد به الخطيئة كبيرة ورود (النص المعتبرة على أنها مما أوجب الله عليها النار). ومن الواضح أن الوصية المذكورة ضعيفة السند. أقول: قد عرفت ان الاطلاقات المتقدمة لا تنهض لاثبات المطلوب، إما لضعف السند فيها، أو لضعف الدلالة، وكذلك الشأن في رواية ابي ذر فهي وإن كانت ظاهرة في المقصود، ولكن قد عرفت أنها ضعيفة السند. والتحقيق أنه لا دليل على جعل الكذب مطلقا من الكبائر، بل المذكور في رواية ابي


(1) سورة النمل، آية: 107. (2) راجع ج 2 ئل باب 140 تحريم الكذب في الصغير من عشرة الحج ص 234. وج 14 الوفاي ص 56. ضعيفة بابي الفضل ورجاء وابن ميمون اوشمون.

[ 388 ]

خديجة (1): (الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الاوصياء صلى الله عليه وآله من الكبائر) فان الظاهر منها أنها مسوقة للتحديد، وبيان ان الكذب الذي يعد كبيرة إنما هو الكذب الخاص، وعليه فتقيد بها المطلقات المتقدمة الظاهرة في كون الكذب بمطلقه من الكبائر بناء على صحتها من حيث السند والدلالة، ولكن رواية ابي خديجة المذكورة ضعيفة السند. وفي مرسلة الفقيه (2): (من قال علي ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار). فان الظاهر منها ان الكذب على الرسول من الكبائر بناء على تفسير الكبيرة بما أوعد الله عليه النار في الكتاب العزيز أو في السنة المعتبرة. وعليه فيدخل فيه الكذب على الله وعلى اوصيائه " ع " لملازمتهما للكذب على النبي صلى الله عليه وآله، ولكن الرواية ضعيفة السند. وفي بعض الاحاديث (3) أن شهادة الزور واليمين الغموس " الكاذبة التي يتعمدها صاحبها " من الكبائر. ومما يؤيد ان الكذب ليس مطلقا من الكبائر ما ورد في مرسلة سيف بن عميرة (4) من التحذير عن الكذب الصغير والكبير، فان انقسام الكذب إلى الصغير والكبير يدل على عدم كونه مطلقا من الكبائر إلا أن الرواية مرسلة. وفي رواية ابن الحجاج (5) ما يشعر بعدم كون الكذب مطلقا من الكبائر.


(1) ضعيفة بمحمد بن علي، راجع ج 3 الوافى ص 175، وج 2 ئل باب 45 تعيين الكبائر من جهاد النفس ص 464. وفي ج 3 الوفاى ص 157. وكابهامش ج 2 مرآة العقول ص 325. وج 2 ئل باب 139 تحريم الكذب على الله من عشرة الحج ص 233 بسند آخر عن ابي خديجة عن ابن عبد الله " ع " الكذب على الله وعلى رسوله من الكبائر. ضعيفة. (2) راجع المصدر المزبور من ج 2 ئل ص 234. (3) راجع الباب 45 المتقدم من ج 2 ئل ص 463. (4) راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 324. وج 3 الوافى ص 157. وج 2 ئل باب 140 تحريم الكذب في الصغير والكبير من عشرة الحج ص 234. (5) قال: قلت لابي عبد الله " ع ": الكذاب هو الذي يكذب في الشئ قال: لا من أحد إلا يكون ذلك منه ولكن المطبوع على الكذب. حسنة لابراهيم بن هاشم. راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 325. وج 2 ئل باب 138 تحريم الكذب منعرة الحج ص 233. أقول: المطبوع على الكذب الجبول عليه بحيث صار عادة له، ومن لا يكون

[ 389 ]

ولكن الذي يعظم الخطب ما تقدمت الاشارة إليه في مبحث الغيبة من أنه لا أثر لهذه المباحث، فان الذنوب كلها كبيرة وإن كان بعضها أكبر من بعض، ولذا اختلفت الاخبار في تعدادها. ولو سلمنا انقسامها إلى الصغيرة والكبيرة فان جميعها مضرة بالعدالة، فان العدالة هي الاستقامة والاعتدال، فاي ذنب ارتكبه المكلف فانه يوجب الخروج عنها. حرمة الكذب في الهزل والجد هل يحرم الكذب مطلقا وإن كان صادرا بعنوان الهزل، أو تختص حرمته بالكذب الجدي؟ فنقول: إن الكذب المسوق للهزل على قسمين: فانه قد يكون الهازل بكذبه مخبرا عن الواقع، ولكن بداع المزاح والهزل من دون أن يكون إخباره مطابقا للواقع، كأن يخبر أحدا بقدوم مسافر له أو حدوث حادث أو وصول حاجة ليغتر المخاطب بقوله، فيرتب عليه الاثر، فيضحك منه الناس، وهذا لا شبهة في كونه من الكذب، فانه عبارة عن الخبر غير الموافق للواقع، واختلاف الدواعي لا يخرجه عن واقعه وحقيقته، وإذن فيكون مشمولا لما دل على حرمة الكذب. وقد يكون الكلام بنفسه مصادقا للهزل، بحيث يقصد المتكلم إنشاء بعض المعاني بداعي الهزل المحض من غير ان يقصد الحكاية عن واقع ليكون إخبارا، ولا يستند إلى داع آخر من دواعي الانشاء. ومثاله أن ينشئ المتكلم وصفا لاحد من حضار مجلسه بداعي الهزل، كاطلاق البطل على الجبان والزكي على الابله والعالم على الجاهل، وهذا لا دليل على حرمته مع نصب القرينة عليه كما استقر به المصنف. والوجه في ذلك هو ان الصدق والكذب إنما يتصف بهما الخبر الذي يحكى عن المخبر به، وقد عرفت: ان الصادر عن الهازل في المقام ليس إلا الانشاء المحض، فيخرج عن حدود الخبر موضوعا. وقد يقال: بالحرمة هنا أيضا، لاطلاق جملة من الروايات: منها مرسلة سيف المتقدمة، فانها ظاهرة في وجوب الاتقاء عن صغير الكذب وكبيره في الجد والهزل على وجه الاطلاق وفيه مضافا إلى كونها ضعيفة السند، أن انشاء الهزل خارج عن الكذب موضوعا كما عرفت، فلا يشمله ما دل على حرمة الكذب. ومن هنا ظهر الجواب عن التمسك برواية


كذلك لا يصدق عليه الكذاب الذي من الصيغ المبالغة، وهو واضح.

[ 390 ]

ابي ذر المتقدمة من إثبات الويل لمطلق الكاذب، كما ظهر الجواب عن رواية الحارث الاعور (1) على أن كلمة (لا يصلح) فيها ظاهرة في الكراهة المصطلحة دون الحرمة، كما أن قوله " ع " في رواية الاصبغ (2): (لا يجد العبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده). لا يستفاد منه أزيد من الكراهة، فان المكروهات مانعة أيضا عن وجدان المؤمن طعم إيمانه وكذلك ظهر الجواب عن رواية الخصال (3). بيان حقيقة الوعد واقسامه قوله: (وكيف كان فالظاهر عدم دخول خلف الوعد في الكذب). أقول: لا بأس بتوضيح حقيقة الوعد، وبيان حكم الخلف فيه. أما حقيقة الوعد فانه يتحقق بأحد امور ثلاثة، الاول: أن يخبر المتكلم عن عزمه على الوفاء بشئ، كأن يقول لواحد: إني عازم على أن أعطيك درهما، أو أنى ملتزم بالمجئ إلى ضيافتك، أو على إعظامك وإكرامك، ولا شبهة في كون هذا من افراد الخبر، غاية الامر ان المخبر به من الافعال النفسانية أعني العزم على الفعل الخارجي نظير الاخبار عن سائر الامور النفسانية من العلم والظن والشك والوهم. وعليه فان كانحين الاخبار عازما فهو صادق وإلا فهو كاذب، فتشمله ادلة حرمة الكذب، ويكون خارجا عن المقام. الثاني: أن ينشئ المتكلم ما التزمه بنفس اصله التي تكلم بها بأن يقول: لك علي كذا درهما أو دينارا أو ثوبا، ونظيره صيغ النذر والعهد، كقولك لله علي ان افعل كذا، ولا ريب ان مثل هذه الجمل إنشائية محضة، فلا تتصف بالصدق، ولا بالكذب بالمعنى المتعارف، بل الصدق والكذب في ذلك بمعنى الوفاء بهذا الالتزام وعدم الوفاء به. الثالث ان يخبر المتكلم عن الوفاء بأمر مستقبل، كقوله: أجيئك غدا، أو اعطيك


(1) عن علي " ع " قال: لا يصلح الكذب جد وهزل. ضعيفة بأبي وكيع. راجع ج 2 ئل باب 140 تحريم الكذب في الصغير والكبير من عشرة الحج ص 234. (2) مجهولة لقاسم بن عروة. راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 325. وج 3 الوافى ص 157. والباب 140 المذكور من ج 2 ئل ص 234. (3) عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة وبيت في وسط الجنة وبيت في أعلى الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ولمن ترك الكذب وإن كان هازلا ولمن حسن خلقه. مجهولة. راجع ج 15 البحار كتاب الكفر ص 43.

[ 391 ]

درهما بعد ساعة، أو ادعوك إلى ضيافتي بعد شهر، وهذه جمل خبرية بالحمل الشايع ولكنها مخبرة عن امور مستقبلة، كسائر الجمل الخبرية الحاكية عن الحوادث الآتية، كالاخبار عن قدوم المسافر غدا، وعن نزول الضيف يوم الجمعة، وعن وقوع الحرب بين السلاطين بعد شهر. ولا شبهة في اتصاف هذا القسم من الوعد بالصدق والكذب، فانها عبارة عن موافقة الخبر للواقع وعد موافقته له من غير فرق بين انواع الخبر، وهو واضح. وأما حرمة الكذب هنا فان تنجزها يتوقف على عدم إحراز تحقق المخبر به في ظرفه، فيكون النهي عنه منجزا ح. وأما لو احرز حين الاخبار تحقق الوفاء بوعده في ظرفه، ولكن بداله، أو حصل له المانع من باب الاتفاق، واصبح مسلوب الاختيار عن الاتمام والانهاء لم تكن الحرمة منجزة وإن كان إخباره هذا في الواقع كذبا. وأما حكم المقام من حيث خلف الوعد فسيأتي التكلم عليه. ومن هنا اتضح ان النسبة بين حرمة الكذب وبين خلف الوعد هي العموم من وجه، فانه قد يتتحقق الكذب المحرم حيث لا مورد لخلف الوعد، وقد يوجد خلف الوعد حيث لا يوجد الكذب المحرم، وقد يجتمعان. وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ان الاخبار إذا كان عن الامور المستقبلة كان صدق الخبر وكذبه منوطين بتحقق المخبر به في ظرفه على نحو الشرط المتأخر وعدم تحققه فيه. وعليه فإذا كان عازما على الوفاء بوعده حين الاخبار فهل يجب عليه البقاء على عزمه هذا ما لم يطرأ عليه العجز صونا لكلامه عن الاتصاف بالكذب، أو لا يجب عليه ذلك؟ الظاهر هو الثاني، فانه لا دليل على وجوب إتمام العزم، وعلى حرمة العدول عنه لكي لا يتصف كلامه السابق بالكذب، ونظير ذلك الاخبار عن عزمه على إيجاد فعل في الخارج، كارادة السفر ونحوه، ولم يتوهم احد وجوب البقاء على عزمه السابق لئلا يتصف كلامه بالكذب على نحو الشرط المتأخر، واما الادلة الناهية عن الكذب فهي مختصة بالكذب العفلي، فلا تشمل غيره كما سيأتي.

[ 392 ]

خلف الوعف قد عرفت: ان حقيقة الوعد إنما تتحقق باحد امور ثلاثة. واما المراد من خلفه فهو نقض ما التزم به وترك ما وعده وعدم إنهائه وإتمامه. فهل هذا حرام أم لا؟ قد يقال بالحرمة بدعوى انه من افراد الكذب، فيكون مشمولا لعموم ما دل على حرمته. ولكنها دعوى جزافية، فان ما دل على حرمة الكذبة يختص بالكذب الفعلي الابتدائي، فلا يشمل الكذب في مرحلة البقاء، وإن شئت قلت: المحرم إنما هو إيجاد الكلام الكاذب لا إيجاد صفة الكذب في كلام سابق. ونظير ذلك ما حققناه في كتاب الصلاة في البحث عن معنى الزيادة في ي المكتوبة، وقلنا: إن المراد بها هو الزيادة الاتبدائية: اي الشئ الذي لا يطابق المأمور به حين صدوره من الفاعل، بحيث إذا وجد لم يوجد إلا بعنوان الزيادة. وعلهى فإذا أوجد المصلي شيئا في صلاته بعنوان الجزئية أو الشرطية، ثم بداله له ما أخرجه عن عنوانه الاولي، وألحقه بالزيادة لم يكن محكوما بحكم الزيادة في الفريضة، فلا تشمله قوله " ع " (1): (من زاد في صلاته فعليه الاعادة). وكذلك في المقام، فان ما دل على حرمة الكذب مختص بالكذب الابتدائي الفعلي المعنون بعنوان الكذب حين صدوره من المتكلم. اما إذا وجد كلام في الخارج، وهو غير متصف بالكذب، ولكن عرض له ما الحقه بالكذب بعد ذلك فلا يكون حراما، لانصراف ما دل على حرمة الكذب عنه وإن صدق عليه مفهوم الكذب حقيقة من حيث مخالفة المتكلم لوعده وعدم جريه على وفق عهده، ولذا يطلق عليه وعد كاذب ووعد مكذوب، كا يطلق على الوفاء به وعد صادق ووعد غير مكذوب. وقد استدل على حرمة مخالفة الوعد على وجه الاطلاق بالاخبار الكثير (2) الدالة


(1) راجع ج 1 ئل باب 19 بطلان الفريضة بالزيادة من الخلل ص 514. (2) في كابهامش ج 2 مرآة العقول باب خلف الوعد ص 354. وج 3 الوافى ص 157. وج 2 ئل باب 109 استحباب الصدق في الوعد من عشرة الحج ص 222: عن هشام بن سالم قال: سمعت ابا عبد الله " ع يقول: عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له فمن اخلف فبخلف الله بدأ ولمقته تعرض وذلك قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون الخ. حسنة لابراهيم بن هاشم. المقت الغضب

[ 393 ]

على وجوب الوفاء به. أقول: الروايات الواردة في هذا المقام كثيرة جدا، وكلها ظاهرة في ووب الوفاء بالوعد، وحرمة مخالفته، ولم نجد منها ما يكون ظاهرا في الاستحباب. ولكن خلف الوعد حيث كان يعم به البلوى لجميع الطبقات في جميع الازمان، فلو كان حراما لاشتهر بين الفقهاء كاشتهار سائر المحرمات بينهم، مع ما عرفت من كثرة الروايات في ذلك، وكونها بمرأى منهم ومسمع، ومع ذلك كله فقد أفتوا باستحباب الوفاء به وكراهة مخالفته حتى المحدثين منهم كصاحبي الوسائل والمستدرك وغيرهما مع جمودهم على ظهور الروايات، وذلك يدلنا على أنهم اطلعوا في هذه الروايات على قرينة الاستحباب، فأعرضوا عن ظاهرها. ولكنا قد حققنا في علم الاصول أن إعراض المشهور عن العمل بالرواية الصحيحة لا يوجب وهنها، كما أن عملهم بالرواية الضعيفة لا يوجب اعتبارها، إلا إذا رجع إعراضهم إلى تضعيف الرواية، ورجع عملهم إلى توثيقها. وإذن فلا وجه لرفع اليد عن ظهور الروايات المذكورة على كثرتها، وحملها على الاستحباب. ولكن الذي يسهل الخطب ان السيرة القطعية بين المتشرعة قائمة على جواز خلف الوعد، وعلى عدم معاملة من أخلف بوعده معاملة الفساق. ولم نعهد من أعاظم الاصحاب ان ينكروا على مخالفة الودع كانكارهم على مخالفة الواجب وارتكاب الحرام، فهذه السيرة القطعية تكون قرينة على حمل الاخبار المذكورة على استحباب الوفاء بالوعد، وكراهة مخالفته نعم الوفاء به والجري على طبقه من مهمات الجهات الاخلاقية، بل ربما توجب مخالفته سقوط الشخص عن الاعتبار في الانظار، لحكم العقل على مرجوحيته. ومع ذلك كله فرفع اليد عن ظهور الروايات، وحملها على الاستحباب يحتاج إلى الجرأة والاوفق بالاحتياط هو الوفاء بالوعد. وقد يستدل على الحرمة ايضا بقوله تعالى (1): (لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولون ما لا تفعلون). حيث قيل (2): (كبر ان تعدوا من انفسكم ما لا تفون


وعن شعيب العقرقوفي عن ابي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله (ص): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد. حسنة لابراهيم. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصدر المذكور من ئل وج 2 المستدرك ص 85 وص 92. وج 2 ئل باب 122 وجوب اداء حق المؤمن من عشرة الحج. (1) سورة الصف، آية: 2. (2) ج 5 مجمع البيان ط صيدا ص 278.

[ 394 ]

به مقتا عند الله). وقد استشهد الامام " ع " بهذه الآية ايضا على ذلك في بعض الروايات المتقدمة في الحاشية. وفيه أن الآية اجنبية عن حرمة مخالفة الوعد فانها راجعة إلى ذم القول بغير العمل وعليه فموردها احد الامرين على سبيل مانعة الخلو. الاول: ان يتكلم الانسان بالاقاويل الكاذبة بأن يخبر عن اشياء مع علمه بكذبها وعدم موافقتها للواقع ونفس الامر، فان هذا حرام بضرورة الاسلام كما تقدم. الثاني: موارد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر: بأن يأمر الناس بالمعروف، ويتركه هو، وينهاهم عن المنكر، ويرتكبه، وهذا هو الظاهر من الآية، ومن الطبرسي في تفسيرها (1). وعليه فشأن الآية شأن قوله تعالى (2): (أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم). وهذا ايضا حرام بالضرورة بل هو اقوى من الامر بالمنكر والنهي عن المعروف بالقول، لكونه ترويجا للباطل بالعمل، ومن البديهي ان تأثيره في الترويج اقوى من تأثير القول فيه واما الوعيد فمن حيث القاعدة يجري فيها ما جرى في الوعد إنشاء وإخبارا، واما من حيث الروايات فلا تشمله الاحاديث المتقدمة في الحاشية الظاهرة في الوجوب، بداهة انه لا يجب الوفاء بالوعيد قطعا، بل قد يحرم ذلك في بعض الموارد جزما. خروج المبالغة عن الكذب موضوعا قوله: (ثم إنه لا ينبغي الاشكال في ان المبالغة في الادعاء وإن بلغت ما بلغت ليست من الكذب). أقول: إذا كانت المبالغة بالزيادة على الواقع كانت كذبا حقيقة، كما إذا أعطى زيدا درهما فيقول: اعطيته عشرة دراهم، أو إذا زار الحسين (ع) أو بقية المشاهد المشرفة أو الكعبة المكرمة مرة واحدة فيقول: زرت عشرين مرة، ومن هذا القبيل تأدية المعين بلفظ واحد موضوع للكثرة والمبالغة، كاطلاق الضراب على الضارب، فانه إخبار عن الكثرة بالهيئة. نعم لو قامت قرينة خارجية على إرادة الواقع، وكون استعمال اللفظ فيه لاجل المبالغة فقط لما كان كذبا. ومثله ما هو متعارف بين المتجاورين من استعمال بعض الفصول من الاعداد في مقام


(1) ج 5 مجمع البيان ص 278. (2) سورة البقرة، آية: 41.

[ 395 ]

التكثير والاهتمام، كلفظ سبع أو سبعين أو ألف، فيقول المولى لعبده مثلا: لو اعتذرت مني ألف مرة لما قبلت عذرك، ومن ذلك قوله تعالى (1): (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم). كما ذكره الطبرسي (2) فان الغرض من الآية هو نفي الغفران رأسا. وتجوز المبالغة ايضا بالتشبيه والاستعارة، كتشبيه الرجل العالم بالبحر المواج، وتشبيه الوجه الحسن بفلقة القمر، وكالكناية عن الجود بكثرة الرماد، وهزال الفصيل، وجبن الكلب، واستعارة الاسد والسيف البتار للرجل الشجاع، ولا يعد شئ منها كذبا، وكيف والقرآن الكريم وخطب الائمة وكلمات الفصحاء مشحونة بذلك، بل ربما تكون هذه الخصوصيات وأمثالها موجبة لقوة الكلام، ووصوله إلى حد الاعجاز أو ما يقرب منه. والوجه في خروج المبالغة بأقسامها عن الكذب هو أن المتكلم إنما قصد الاخبار عن لب الواقع فقط، إلا أنه بالغ في كيفية الاداء، فتخرج عن الكذب موضوعا، نعم إذا انتفى ما هو ملاك المبالغة من وجه الشبه ونحوه كان الكلام كاذبا. خروج التورية عن الكذب قوله: (وأما التورية وهو ان يريد بلفظ معنى مطابقا للواقع). أقول: المعروف بين أهل اللغة وغيرهم أن الكذب نقيض الصدق فصدق الكلام بالمطابقة، وكذبه بعدم المطابقة وإنما الكلام في بيان معنى المطابق (بالكسر) وأنه عبارة عما يظهر من كلام المتكلم أو عبارة عن مراده منه وبيان المطابق (بالفتح): وأنه عبارة عن الواقع والنسبة الخارجية، أو عن اعتقاد المخبر، أو عن كليهما. فذهب المشهور إلى ان صدق الخبر مطابقته بظهوره للواقع، وكذبه عدم مطابقته للواقع بدعوى ان هيئة الجملة الخبرية إنما وضعت لتحقق النسبة في الخارج، سواء كانت النسبة ثبوتية أو سلبية، كما أن الفاظ اجزائها موضوعة للمعان التصورية من الموضوع والمحمول ومتعلقاتها، فمطابقة الخبر لتلك النسبة الخارجية الواقعية صدق، وعدمها كذب، فإذا قيل:


(1) سورة التوبة: آية 81. (2) في ج 3 مجمع البيان ط صيدا ص 55: الوجه في تعليق الاستغفار بسبعين مرة المبالغة، لا العدد المخصوص، والمراد بذلك نفي الغفران جملة. وقيل: إن العرب تبالغ بالسبعة والسبعين، ولهذا قيل للاسد: السبع، لانهم تأولوا فيه لقوته أنها ضوعفت له سبع مرات.

[ 396 ]

زيد قائم فان هذا القول يدل على تحقق النسبة الخبرية في الخارج أعني اتصاف زيد بالقيام، فان طابقها كان صادقا، وإن خالفها كان كاذبا. وفيه أولا: أنه قد لا تكون للنسبة خارجية أصلا كقولنا شريك الباري ممتنع، واجتماع النقيضين محال، والدور أو التسلسل باطل، وما سوى الله ممكن، إذ لا وجود للامتناع والامكان والبطلان في الخارج. إلا أن يقال: إن المراد بالخارج ما هو أعم منه ومن نفس الامر، ومن البين ان الامثلة المذكورة مطابقة للنسبة في نفس الامر، وتفسير الخارج بذلك ظاهر المحقق التفتازاني حيث قال في المطول بعد تفسيره الصدق بمطابقة الخبر للواقع، والكذب بعدم مطابقته للواقع: (وهاذ معنى مطابقة الكلام للواقع والخارج وما في نفس الامر). وثانيا: أن الالتزام المذكور لا يتفق مع تعريف القضية بأنها تحتمل الصدق والكذب، فان دلالة الجملة على وقوع النسبة في الخارج تقتضي الجزم بالوقوع، ومقتضى التعريف المذكور هو الشك في ذلك، وهما لا يجتمعان. وثالثا: لو كانت الجمل الخبرية بهيئاتها موضوعة للنسبة الخارجية لكانت دلالتها عليها قطعية. كما أن دلالة الالفاظ المفردة عل يمعانيها التصورية قطعية، فان الشك لا يتطرق إلى الدلالة بعد العلم بالموضوع له وإرادة اللافظ، مع أنه لا يحصل للمخاطب بعد سماع الجمل الدلالة بعد العلم بالموضوع له وإرادة اللافظ، مع أنه لا يحصل للمخاطب بعد سماع الجمل الخبرية غير احتمال وقوع النسبة في الخارج، وقد كان هذا الاحتمال حاصلا قبل سماعها. لا يقال: قد يحصل العلم بوقوع النسبة في الخارج من إخبار المتكلم لقوة الوثوق به، فانه يقال: ليس موضع بحثنا إذا اشتملت الجملة الخبرية على قرائن خارجية تدل على صدقها، بل مورد الكلام هو نفس الخبر العاري عن القرائن، على أنه لا يتم إلا مع الوثوق بالمتكلم، ومورد البحث أعم من ذلك. لا يقال: إن المخاطب يحصل له من سماع الخبر ما لم يحصل قبله من العلوم، فكيف يسوغ القول: بأن استماع الخبر لم يفده غير ما كان يعرفه أولا. فانه يقال: إن ما يحصل للمخاطب من المعاني التصورية وغيرها فيما سنذكره غير مقصود للقائل بوضع الجمل الخبرية للنسب الخارجية، وما هو مقصوده لا يحصل من ذلك. وعن النظام ومن تابعه: إن صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر، وكذبه عدمها وإن كان الاعتقاد خطأ، واستدل عليه بآية المنافقين (1) بدعوى ان الله سجل عليهم بأنهم


سورة المنافقين، آية: 1

[ 397 ]

لكاذبون في قولهم: إنك لرسول الله، لعدم اعتقادهم بالرسالة المحمدية وإن كان قولهم مطابقا للواقع. وأجابوا عنه بأن المنافقين لكاذبون في شهادتهم للرسالة، لعدم كونها عن خلوص الاعتقاد. وتوضيح ذلك يحتاج إلى مقدمتين: الاولى: ان الشهادة في العرف واللغة (1) بمعنى الحضور سواء كان حضورا خارجيا كقوله تعالى (2): (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). وكقول المسافر: شاهدت البلد الفلانية وأقمت فيها أم حضورا ذهنيا، كحضور الواقعة في ذهن الشاهد. الثانية: أن المخبر به قد يكون أمرا خارجيا، وقد يكون امرا اعتباريا، وقد يكون أمرا ذهنيا كالاخبار عن الصور النفسانية. فيتجلى من هاتين المقدمتين ان الاخبار عن الشهادة بالرسالة مبني على حضور المخبر به والمشهود به في صقع الذهن، لان الشهادة ليست من الاعيان الخارجية. وحيث إن المنافقين غير معتقدين بالرسالة، ولم يكن المخبر به وهو الاعتقاد بالنبوة موجودا في أذهانهم فرماهم الله إلى الكذب والفرية، فلا دلالة في الآية على مقصود النظام. ويضاف إلى ذلك انه لو اخبر احد عن قضية لم يعتقد بوقوعها في الخارج وهي واقعة فيه، فانه على مسلك النظام خبر كاذب، مع أنه صادق بالضرورة. وعن الجاحظ ان صدق الخبر مطابقته للواقع والاعتقاد معا، وكذبه عدم مطابقته لهما معا، وغير ذلك لا صدق ولا كذب، واستدل على رأيه هذا بقوله تعالى (3): (افترى على الله كذبا أم به جنة). فان الاخبار حال الجنة غير الكذب، لانهم جعلوه قسيما للافتراء وغير الصدق، لعدم مطابقته للواقع في عقيدتهم. وفيه أنا نرى بالعيان، ونشاهد بالوجدان وبحكم الضرورة انحصار الخبر بالصدق والكذب وعدم الواسطة بينهما. وأما الآية المذكورة فهي غريبة عن مقصود الجاحظ، لان الظاهر منها ان المشركين نسبوا اخبار النبي صلى الله عليه وآله إلى الافتراء الذي هو كذب خاص، أو إلى الاخبار حال الجنة الذي لا اثر له عند العقلاء. والتحقيق ان الجمل بأجمعها خبرية كانت أم انشائية قد وضعت بهيئاتها النوعية لابراز الصور الذهنية، واظهار الدعاوى النفسانية (ما شئت فعبر) فان الواضع (اي شخص كان) إنما تعهد (وتابعه بقية الناس) بأن متى اراد ان يبرز شيئا من دعاويه ومقاصده ان يتكلم


(1) في المنجد: شهد المجلس حضره. (2) سورة البقرة، آية: 181. (3) سورة سبأ، آية: 8.

[ 398 ]

بجملة مشتملة على هيئة خاصة تفي بمراده وأداء دعواه في مقام المحادثة والمحاورة، وهذه الجهة: أعني إبراز المقاصد النفسانية بمظهر إنما هي في مرحلة دلالة اللفظ على معناه الموضوع له، فيشترك فيها جميع الجمل خبرية كانت أم إنشائية، بل يشترك فيها جميع الالفاظ الموضوعة مفردة كانت أم مركبة. والوجه فيه ان دلالة اللفظ على معناه بحسب العلقة الوضعية أمر ضروري، فلا يعقل الانفكاك بينهما في مرحلة الاستعمال إلا بانسلاخ اللفظ عن معناه بالقرائن الخارجية. وهذه الدعاوي النفسانية على قسمين: الاول: ان تكون أمرا اعتباريا محضا وقائما بنفس المعتبر: بأن يعتبر في نفسه شيئا ثم يظهره في الخارج بمبرز من لفظ أو غيره من دون قصد للحكاية عن شئ، وهذا يسمى إنشاء، ولا يتصف بالصدق والكذب وجه، لانه شئ يقوم بالاعتبار الساذج كما عرفت. الثاني: ان تكون حاكية عن شئ آخر، سواء كانهذا المحكي من القضايا الخارجية كقيام زيد في الخارج أم من الاوصاف النفسانية كالعلم والشجاعة والسخاوة ونحوها، وهذه الحكاية إن طابقت للواقع المحكي اتصفت الدعاوي المذكورة بالصدق، وإلا فهي كاذبة وأما اتصاف الجمل الخبرية بهما فمن قبيل اتصاف الشئ بحال متعلقه، كرجل منيع جاره ومؤدب خدامه، ورحب فناؤه. فتحصل من جميع ما ذكرناه ان المراد من المطابق (بالكسر) هو مراد المتكلم: أي الدعاوي النفسانية، لا ظهور كلامه كما توهم، وان المراد من المطابق (بالفتح) هو الواقع ونفس الامر المحكي بالدعاوي النفسانية. وإذا عرفت ما تلوناه عليك فنقول: لا شبهة في خروج التورية عن الكذب موضوعا فانها في اللغة (1) بمعنى الستر، فكأن المتكلم وارى مراده عن المخاطب باظهار غيره، وخيل إليه انه اراد ظاهر كلامه، وقد عرفت آنفا ان الكذب هو مخالفة الدعاوي النفسانية للواقع، لا مخالفة ظاهر الكلام له، ويتفرع على هذا ان جواز التورية لا يختص بمورد الاضطرار ونحوه، لانها ليست من مستثنيات الكذب، بل هي خارجة عنه موضوعا، ومن هنا ذهب الاصحاب " فيما سيأتي من جواز الكذب عند الضرورة " إلى وجوب التورية مع التمكن منها، وعللوا ذلك بتمكن المتكلم مما يخرج به كلامه عن الكذب. ثم إن الكلام الذي يورى به قد يكون ظاهرا في بيان مراد المتكلم، ولكن المخاطب


(1) في مجمع البحرين: وريت الخبر بالتشديد تورية إذا سترته واظهرت غيره، حيث يكون للفظ معنيان احدهما اشيع من الآخر وتنطق به وتريد الخفى.

[ 399 ]

لغباوته وقصور فهمه لا يلتفت إليه، وهذا خارج عن التورية، بل هو كسائر الخطابات الصادرة من المتكلم في مقام المحادثة والمحاورة، ومن هذا القبيل ما نقل عن بعض الاجلة ان شخصا اقترح عليه ان يعطيه شيئا من الدراهم، وكان يراه غير مستحق لذلك، فالقى السبحة من يده وقال: والله إن يدي خالية، وتخيل السائل من كلامه انه غير متمكن من ذلك وقد يكون الكلام ظاهرا في غير ما اراده المتكلم، وهو مورد التورية، كما إذا اراد احد ان ينكر مقالته الصادرة منه فيقول: علم الله ما قلته، ويظهر كلمة الموصول على صورة اداة النفي، ويخيل إلى السامع انه ينكر كلامه. ومن هذا القبيل ما ذكره سلطان المحققين في حاشية المعالم في البحث عن المجمل. من (انه سئل احد العلماء عن علي " ع " وابي بكر أيهما خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: من بنته في بيته، ومنه قول عقيل " ع " امرني معاوية ان ألعن عليا الا فالعنوه). ومن هذا القبيل ايضا ما سئل بعض الشيعة عن عدد الخلفاء فقال: اربعة اربعة اربعة، وإنما قصد منها الامة الاثني عشر، وزعم السائل انه اراد الخلفاء الاربع. ومما يدل على جواز التورية، وخروجها عن الكذب امور: الاول: نقل ابن ادريس في آخر السرائر (1) من كتاب عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله " ع " (في الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية: قولي ليس هو ههنا؟ قال: لا بأس ليس بكذب). الثاني: روى سويد بن حنظلة (2): (قال: خرجنا ومعنا وابل بن حجر يريد النبي صلى الله عليه وآله فأخذه اعداء له فخرج القوم ان يحلفوا وحلفت بالله انه اخي فخلى عنه العدو فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فقال: صدقت المسلم اخو المسلم). وهي وإن كانت ظاهرة الدلالة على جواز التورية، وعدم كونها من الكذب، ولكنها ضعيفة السند. الثالث: ما ورد (3) من نفي الكذب عن قول ابراهيم " ع ": (بل فعله كبيرهم هذا).


(1) راجع ج 3 ئل باب 141 جواز الكذب في الاصلاح من عشرة الحج ص 234. (2) مرسلة. وضعيفة لسويد. راجع ج 2 الخلاف باب الحيل آخر الطلاق ص 98. والمبسوط باب الحيل آخر الطلاق. ولا يخفى انه وقع اشتباه عجيب في المبسوط حين الطبع! حيث وقعت قطعة من آخر الطلاق بعد ص 98 في آخر احكام المكاتب في ذيل ما لو جنى بعض عبيد المولى بعضا، ووقعت قطعة من احكام جناية العبد في آخر الطلاق، فراجع. (3) في كابهامش ج 2 مرآة العقول باب الكذب ص 326. وج 3 الوافى

[ 400 ]

مع أن كبيرهم لم يفعله، وعن قوله " ع ": (إنى سقيم) وما كان سقيما، وعن قول يوسف (أيتها العير إنكم لسارقون) وما كانوا سراقا، فيدل ذلك كله على كون الاقوال المذكورة من التورية، وأن التورية خارجة عن الكذب موضوعا. نعم يمكن أن يقال: إن نفي الكذب عن قول ابراهيم ويوسف " ع " إنما هو بلحاظ نفي الحكم، وأنهما قد ارتكبا الكذب لارادة الاصلاح. ويدل عليه قوله " ع " في رواية الصيقل: (إن ابراهيم إنما قال: بل فعله كبيرهم هذا، إرادة الاصلاح وقال يوسف إرادة الاصلاح). وقوله " ع " في رواية عطا: (لا كذب على مصلح، ثم تلا: أيتها العير الخ). وقد تقدمت الروايتان في الحاشية. ويؤيده ما في بعض احاديث العامة (1): (إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات: قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله في سارة: إنها اختي). ولكن الروايات المذكورة كلها ضعيفة السند، كما أن بقية الاحاديث التي اطلعت عليها في القصص المزبورة مشتملة على ضعف في السند ايضا وجهالة في الراوي، فلا يمكن الاستناد إليها بوجه.


ص 158. وج 2 ئل باب 141 جواز الكذب في الاصلاح من عشرة الحج ص 234 عن الحسن الصيقل قال: قلت لابي عبد الله " ع ": إنا قد روينا عن ابي جعفر " ع " في قول يوسف " ع ": أيتها العير إنكم لسارقون؟ قال: والله ما سرقوا وما كذب. وقال ابراهيم " ع ": بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون؟ فقال: والله ما فعلوا وما كذب إلى أن قال أبو عبد الله " ع: إن ابراهيم " ع " إنما قال: بل فعله كبيرهم هذا إرادة الاصلاح وقال يوسف " ع " إرادة الاصلاح. مجهولة للحسن الصيقل. وعنعطا عن ابي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كذب على مصلح، ثم تلا: أيتها العير الخ، ثم قال: والله ما سرقوا وما كذب. ثم تلا: بل فعله الخ، ثم قال: والله ما فعلوه وما كذب. مجهولة بمعمر بن عمرو وعطا. وفي الوافي في رواية ابي بصير عن ابي جعفر " ع " ولقد قال ابراهيم " ع ": إني سقيم وما كان سقيما وما كذب. ولقد قال ابراهيم " ع ": بل فعله كبيرهم هذا، وما فعله وما كذب. ولقد قال يوسف " ع ": أيتها العير إنكم لسارقون، والله ما كانوا سارقين وما كذب. ضعيفة لمعلى بن محمد. وغير ذلك من الروايات المذكورة في ج 2 المستدرك ص 102 وسيأتي في رواية الاحتجاج ما يدل على ذلك. (1) راجع ج 10 سنن البيهقي ص 198. وج 4 مجمع البيان ط صيدا ص 450.

[ 401 ]

رفع غشاوة قد يتوهم أنه لا محيص ان تكون أقوال ابراهيم ويوسف المذكورة كاذبة، غاية الامر أنها من الاكاذيب الجائزة، أما قول ابراهيم " ع ": (إني سقيم). وقول يوسف " ع ": (أيتها العير إنكم لسارقون). فصدق الكذب عليهما واضح. وأما قول ابراهيم " ع ": (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون). فلان الشرط فيه إما أن يرجع إلى السؤال المذكور فيه، وإما أن يرجع إلى الفعل، فان كان راجعا إلى السؤال انحلت الآية الكريمة إلى قضيتين: احداهما حملية: وهي قوله تعالى (بل فعله كبيرهم هذا) والثانية إنشائية مشروطة، وهي قوله تعالى (فأسألوهم إن كانوا ينطقون) أما القضية الاولى فهي كاذبة لكونها غير مطابقة للواقع. وأما القضية الثانية فهي إنشائية لا تتصف بالصدق والكذب. وإن كان راجعا إلى الفعل الذي نسبه إلى كبيرهم كانت الآية مسوقة لبيان قضية شرطية مقدمها قوله تعالى: (بل فعله كبيرهم هذا) وتاليها قوله تعالى: (كانوا ينطقون) فقد دخلت عليها اداة الشرط، وجعلتهما قضية واحدة شرطية، ومن البديهي انها ايضا كاذبة، فان الصدق والكذب في القضايا الشرطية يدوران مدار صحة الملازمة وفسادها، ولا شبهة أنها منتفية في المقام، بداهة أنه لا ملازمة بين نطق كبير الاصنام وبين صدور الفعل منه، بل الفعل قد صدر من ابراهيم على كل تقدير، سواء نطق كبيرهم ام لم ينطق. أقول: أما رمي قول ابراهيم: (بل فعله كبيرهم هذا) بالكذب فجوابه أنا قد حققنا في مبحث الواجب المشروط من علم الاصول ان الشروط في الواجبات المشروطة إما أن ترجع إلى الانشاء: أعني به إبراز الاعتبار النفساني. وإما أن ترجع إلى متعلق الوجوب: اي المادة المحضة كما في الواجب المعلق على ما نسب إلى المصنف في التقريرات. وإما ان ترجع إلى المنشأ، وهو ما اعتبره في النفس ثم أبرزه بالانشاء، فيكون مرجع القيد في قولنا: إن جاءك زيد فأكرمه هو وجوب الاكرام، فيصير مقيدا بمجئ زيد. أما الاول فهو محال، لان الانشاء من الامور التكوينية التي يدور أمرها بين الوجود والعدم، فإذا أوجده المتكلم استحال ان يتوقف وجوده على شئ آخر، لاستحالة انقلاب الشئ عما هو عليه. وأما الثاني فهو وإن كان ممكنا في مرحلة الثبوت، ولكنه خلاف ظاهر الادلة في مقام

[ 402 ]

الاثبات، ولا يمكن المصير إليه بدون دليل وقرينة، وإذن فيتعين الاحتمال الثالث. وهذا الكلام بعينه جار في القضايا المشروطة من الجمل الخبرية أيضا، فان إرجاع القيد فيها إلى نفس الاخبار: أي الالفاظ المظهرة للدعاوي النفسانية غير معقول، لتحققه بمجرد التكلم بالقضية الشرطية، ولا يعقل بعد ذلك أن تكون موقوفة على حصول قيد أو شرط. واما إرجاعه إلى متعلق الخبر وهو وإن كان سائغا في نفسه، ولكنه خلاف ظاهر القضايا الشرطية. وح فيتعين إرجاعه إلى المخبر به، وهو الدعاوي النفسانية، مثلا إذا قال أحد: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، فان معناه ان دعوى تحقق النهار مقيدة بطلوع الشمس، ومع عدم طلوعها فالدعوى منتفية. وعليه فتقدير الآية (بل فعله كبيرهم إن نطقوا فاسألوهم) فقد علقت الدعوى على نطق كبيرهم، ولما استحال نطقه انتفت الدعوى، فلا تكون كاذبة، ونظير ذلك قولك: فلان صادق فيما يقول إن لم يكن فوقنا سماء، وكقولك ايضا: لا أعتقد إلاها إن كان له شريك، ولا أعتقد خليفة للرسول صلى الله عليه وآله إن لم يكن منصوبا من الله. هذا فاغتنم. ويؤيد ما ذكرناه خبر الاحتجاج (1) عن الصادق " ع " إنه قال: (ما فعله كبيرهم وما كذب ابراهيم، قيل: وكيف ذلك؟ فقال: إنما قال ابراهيم: إن كانوا ينطقون، فان نطقوا فكبيرهم فعل وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا وما كذب ابراهيم). وقد ذكر المفسرون وجوها لتفسير الآية (2) فراجع. وأما رمي قول ابراهيم: (إنى سقيم) بالكذب فجوابه ان المراد به كونه سقيما في دينه اي مرتادا وطالبا في دينه. ويؤيده ما في خبر الاحتجاج المتقدم عن الصادق " ع " من قوله (ما كان ابراهيم سقيما وما كذب وإنما عنى سقيما في دينه: اي مرتادا). ومعنى المرتاد في اللغة هو الطلب والميل: اي إني طالب في ديني ومجد لتحصيل الاعتقاد بالمبدأ والمعاد، فقد خيل بذلك إلى عبدة الاصنام والنجوم انه مريض لا يقدر على التكلم، فتولوا عنه مدبرين، وأخروا المحاكمة إلى وقت آخر، وللعلماء فيه وجوه اخرى قد ذكرها المفسرون في تفاسيرهم. وأما رمي قول يوسف " ع ": (أيتها العير انكم لسارقون) بالكذب فقد ذكروا في الجواب عنه وجوها: اظهرها انالمؤذن لم يقل: أيتها العير انكم لسرقتم صواع الملك، بل قال: انكم لسارقون، ولعل مراده انكم سرقتم يوسف من ابيه، الا ترى انهم لما سألوا:


(1) مرسلة. ص 194. (2) راجع ج 4 مجمع البيان ط صيدا ص 53.

[ 403 ]

ماذا تفقدون؟ قالوا لهم: نفقد صواع الملك، ولم يقولوا: سرقتم ذلك. ويؤيده ما في خبر الاحتجاج المتقدم عن الصادق " ع " من قوله: (اتهم سرقوا يوسف من ابيه الا ترى الخ). مسوغات الكذب جواز الكذب لدفع الضرورة قوله: (فاعلم انه يسوغ لوجهين: أحدهما الضرورة إليه فيسوغ معها بالادلة الاربعة). أقول: لا شبهة في كون الكذب حراما في نفسه ومبغوضا بعينة، لظاهر الادلة المتقدمة المطبقة على حرمته. وعلى هذا فلا وجه لما زعمه الغزالي (1) من (ان الكذب ليس حراما بعينه، بل فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، فان اقل درجاته أن يعتقد المخبر الشئ على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا، وقد يتعلق به ضرر غيره). نعم الظاهر ان حرمة الكذب ليست ذاتية كحرمة الظلم، ولذا يختلف حكمه بالوجوه والاعتبارات، وعلى فإذا توقف الواجب على الكذب، وانحصرت به المقدمة وقعت المزاحمة بين حرمة الكذب وبين ذلك الواجب في مقام الامتثال، وجرت عليهما احكام المتزاحمين، مثلا إذا توقف إنجاء المؤمن ودفع الهلكة عنه على الكذب كان واجبا. وقد استدل المصنف على جواز الكذب في مورد الاضطرار بالادلة الاربعة: اما الاجتماع فهو وان كان محققا، ولكنه ليس إجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم، فان الظاهر ان المجمعين قد استندوا في فتياهم بالجواز إلى الكتاب والسنة، فلا وجه لجعلة دليلا مستقلا في المسألة، وقد مر نظير ذلك مرارا. وأما العقل فهو وان كان حاكما بجواز الكذب لدفع الضرورات في الجملة، كحفظ النفس المحترمة ونحوه، إلا انه لا يحكم بذلك في جميع الموارد، فلو توقف على الكذب حفظ مال يسير لا يضر ذهابه بالمالك فان العقل لا يحكم بجواز الكذب ح. واما الكتاب فقد ذكر المصنف منه آيتين: الاولى قوله تعالى (2): (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم). وتقرير الاستدلال ان الآية الشريفة تدل بالمطابقة على جواز


(1) راجع ج 3 إحياء العلوم بيان ما رخص فيه من الكذب ص 121. (2) سورة النحل، آية: 108.

[ 404 ]

التكلم بكلمة الكفر والارتداد عن الاسلام عند الاكراه والاضطرار بشرط ان يكون المتكلم معتقدا بالله ومطمئنا بالايمان، فتدل على جواز الكذب في غير ذلك للمكره بطريق أولى الثانية: قوله تعالى (1): (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة) اي لا يجوز للمؤمنين ان يتخذوا الكافرين اولياء لانفسهم يستعينون بهم، ويلتجؤن إليهم، ويظهرون المحبة والمودة لهم إلا أن يتقوا منهم تقاة، فانه ح يجوز إظهار مودتهم تقية منهم، فتدل هذه الآية ايضا على جواز الكذب في سائر موارد التقية بالاولى. ولكن لا دلالة في الآيتين على جواز الكذب في جميع موارد الاضطرار غير مورد الخوف والتقية. وأما الاخبار المجوزة للكذب في موارد الخوف والتقية فهي اكثر من ان تحصى، وقد استفاضت، بل تواترت على جواز الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن أخيه، وستأتي الاشارة إلى جملة منها. قوله (إنما الاشكال والخلاف في انه هل يجب ح التورية لمن يقدر عليها أم لا؟). اقول: قد وقع الخلاف بين الاعلام في ان جواز الكذب هل هو مقيد بعدم التمكن من التورية أم لا؟ فنسب المصنف القول الاول إلى ظاهر المشهور. ولكن العبارات التي نقلها عنهم إما غير ظاهرة في مقصوده، وإما ظاهرة في خلافه، اما الاول: فكالمحكي عن الغنية والسرائر ويع وعد واللمعة وشرحها وجامع المقاصد وغيرها من الكتب، فان مفروض الكلام فيها إنما هو اشتراط جواز الحلف الكاذب بعدم التمكن من التورية. وأما جواز مطلق الكذب فهو خارج عن مورد كلامهم، فانهم قالوا في مسألة جواز الحلف لدفع الظالم عن الوديعة: انه يجوز الحلف كاذبا إذا لم يحسن التورية، وإلا فيوري بما يخرجه عن الكذب. واما الثاني: فكالمحكي عن المقنعة حيث قال: (من كانت عنده امانة فطالبها ظالم فليجحد وإن استحلفه ظالم على ذلك فليحلف، ويوري في نفسه بما يخرجه عن الكذب إلى أن قال: فان لم يحسن التورية وكانت نيته حفظ الامانة أجزأته النية وكان مأجورا). اما ان هذه العبارة ظاهرة في خلاف مقصود المصنف فلان المذكور فيها امران: الاول: إذا طلب الظالم الوديعة من الودعي جاز له إنكارها مطلقا سواء تمكن من التورية ام لا.


(1) سورة آل عمران، آية: 27.

[ 405 ]

الثاني: إذا استحلف الظالم الودعي على إنكار الوديعة جاز له الحلف مع عدم التمكن من التورية. ولو كان نظر صاحب المقنعة إلى اعتبار التمكن من التورية في جواز مطلق الكذب لم يفصل بين الحلف وغيره. وعلى الاجمال فلا دلالة في شئ من هذه العبارات المنقولة عن الاصحاب على مقصود المصنف. ثم إن المصنف وجه ما نسبه إلى المشهور بوجهين، وسنتعرض لهما فيما بعد انشاء الله. قوله: (إلا ان مقتضى اطلاقات أدلة الترخيص في الحلف كاذبا لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو اخيه عدم اعتبار ذلك). اقول: بعد ما نسب المصنف القول المذكور إلى ظاهر المشهور، ووجه بوجهين آتيين حاول استفادة حكم المسألة من الاخبار وجعل اعتبار عدم التمكن من التورية في جواز الحلف كاذبا موافقا للاخبار وذكر جملة منها وترك جملة اخرى، وأحال بعضها إلى ما يأتي من جواز الكذب في الاصلاح، وهي بأجمعها (1) ظاهرة في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن اخيه على وجه الاطلاق، وليست مقيدة بعدم التمكن من التورية، وهي تدل بطريق الاولوية على جواز الكذب بغير حلف لدفع الضرر. وقد استحسن المصنف عدم اعتبار القيد المزبور، لان ايجاب التورية على القادر لا يخلو


(1) في ج 3 ئل باب 12 جواز الحلف باليمين الكاذبة من الايمان ص 220 عن اسماعيل عن ابي الحسن الرضا " ع " في حديث قال: سألته عن رجل احلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف؟ قال: لا جناح عليه، وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلفه لينجو به منه؟ قال: لا جناح عليه، وسألته هل يحلف الرجل على مال اخيه كما يحلف على ماله؟ قال: نعم. وعن السكوني عن رسول الله صلى الله عليه وآله: احلف بالله كاذبا ونج اخاك من القتل. ضعيفة للنوفلي. وعن الصدوق قال: وقال الصادق " ع ": اليمين على وجهين إلى ان قال: فأما الذي يوجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا ولم تلزمه الكفارة فهو ان يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره. وعن زرارة عن ابي جعفر " ع " قال: قلت له: انا نمر على هؤلاء القوم فيستحلفونا على اموالنا وقد ادينا زكاتها؟ فقال: يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤا. موثقة لابن بكير وفي ج 2 ئل باب 141 من عشرة الحج ص 236 في كتاب الاخوان عن الرضا (ع): وان الرجل يكذب على اخيه يريد به نفعه فيكون عند الله صادقا.

[ 406 ]

عن الالزام بالعسر والخرج (فلو قيل: بتوسعة الشارع على العباد بعدم ترتيب الآثار على الكذب فيما نحن فيه وإن قدر على التورية كان حسنا). ثم انه (ره) احتاط في المسألة، ورجع إلى ما نسبه إلى ظاهر المشهور، وجعله مطابقا للقاعدة، وقال: (إلا ان الاحتياط في خلافه، بل هو المطابق للقوادع لولا استبعاد التقييد في هذه المطلقات، لان النسبة بين هذه المطلقات وبين ما دل كالرواية الاخيرة وغيرها على اختصاص بالجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه مطلقا عموم من وجه، فيرجع إلى عمومات حرمة الكذب فتأمل). فمراده من التقييد ما ذكره قبيل هذا بقوله: (يصعب على الفقيه التزام تقييدها بصورة عدم القدرة على التورية). ومراده من المطلقات ما ذكره من الاخبار الواردة في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن أخيه، وما يأتي من الاخبار الواردة في جواز الكذب للاصلاح. وتوضيح مرامه: أنه إذا قطعنا النظر عن استبعاد التقييد في هذه المطلقات فان ما ذهب إليه المشهور هو الموافق للاحتياط، والمطابق للقواعد، لان النسبة بين المطلقات المزبورة وبين رواية سماعة (1) وما في معناها (2) هي العموم من وجه، فان بعض المطلقات ظاهرة في جواز الكذب لمجرد إرادة الاصلاح، وبعضها ظاهر في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن أخيه، سواه بلغ ذلك حد الاضطرار أم لا، ورواية سماعة وما يساويها في المضمون ظاهرة في اختصا جواز الحلف كاذبا بصورة الخوف والاضطرار والاكراه، فتدل بمفهومها على حرمته في غير الموارد المذكورة. وح فتقع المعارضة بين مفهوم رواية سماعة وبين مطلقات الحلف الكاذب في غير الموارد المذكورة، كما تقع المعارضة بينها وبين مطلقات الكذب لارادة الاصلاح في غير الموارد المذكورة أيضا. فيتساقطان في مورد الاجتماع، ويرجع إلى عمومات حرمة الكذب. ولا بعد في تقييد المطلقات، فانها واردة بلحاظ حال عامة الناس الذين لا يلتفتون إلى التورية ليقصدوها، ويلتجئوا إليها عند الخوف والتقية. وعليه فلا بأس بتقييدها بمن يتمكن من التورية.


(1) في ج 3 ئل باب 12 جواز الحلف باليمين الكاذبة من الايمان ص 220 عن سماعة عن أبي عبد الله " ع " قال: إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو أكره واضطر إليه وقال: ليس شئ مما حرم الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه مرسلة. (2) في المصدر المذكور في موثقة ابن بكير فقال " ع ": يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤا. وغير ذلك من الروايات.

[ 407 ]

وقد أورد المحقق الايرواني على المصنف بوجهين: الوجه الاول: أنهلا مفهوم لرواية سماعة، فانها ناظرة إلى جواز الكذب لاجل الاكراه والاضطرار. وأما جوازه في غير مورد الضرورة أو حرمته فيه فخارج عن الرواية. وفيه أن الظاهر من المحقق المذكور أنه إنما نفى المفهوم عن الرواية، لانه لم ينظر الا إلى ذيلها، وهو مسوق لضرب قاعدة كلية ليس لها مفهوم، ومن المعلوم ان المصنف إنما أثبت المفهوم للرواية نظرا إلى صدرها، ولا شبهة أنه قضية شرطية مشتملة على عقد شرطي ايجابي، وهو المنطوق، وعلى عقد شرطي سلبي وهو المفهوم. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا المعارضة المذكورة التي أبداها المصنف بين مفهوم رواية سماعة وبين المطلقات المزبورة، فانه لا وجه للرجوع إلى مطلقات حرمة الكذب، إذ النسبة بين الاطلاقين هي العموم من وجه، وبعد تعارضهما في مادة الاجتماع وتساقطهما فيها يرجع إلى أصالة الحل. وفيه أنه لم يظهر لنا مراده من هذا الاشكال، فان النسبة بين الاطلاقين هي العموم المطلق، لان ما دل على جواز الكذب أخص مما دل على حرمته، وإذن فلا مناص عن تقييد مطلقات حرمة الكذب بما دل على جوازه في موارد خاصة. والتحقيق أنه لا وجه لرفع اليد عن المطلقات الدالة على جواز الحلف كاذبا لانجاء النفس المحترمة من الهلكة، ولحفظ مال نفسه أو مال أخيه عن التلف، فقد ذكرنا في مبحث التعادل والترجيح من علم الاصول ان من المرجحات في الدليلين المتعارضين بالعموم من وجه ان يلزم من تقديم احدهما إلغاء العنوان المأخوذ في الدليل الآخر على سبيل الموضوعية بخلاف العكس، وقد مثلنا له في بعض المباحث السابقة (1) بأمثلة متعددة، وواضح أن ما نحن فيه من هذا القبيل، فان المطلقات المذكورة دلت على جواز الحلف كاذبا لانجاء النفس المحترمة، ولحفظ مال نفسه أو مال اخيه، وهي مشتركة مع رواية سماعة وما في معناها في تجويز الحلف كاذبا للاكراه والاضطرار، وإنما تمتاز المطلقات عن رواية سماعة وما يساويها في المضمون باشتمالها على جواز الحلف الكاذب في غير موارد الخوف والاضطرار أيضا. وعليه فلو قدمنا رواية سماعة وما في مضمونها على المطلقات المزبورة، وحكمنا لذلك بحرمة الحلف كاذبا في غير موارد الاكراه والاضطرار لكانت العناوين المأخوذة في تلك


(1) ص 99 وص 100.

[ 408 ]

المطلقات: أعني حفظ النفس والمال لنفسه أو لاخيه كلها لاغية. واما لو قدمنا المطلقات وحفظنا العناوين المذكورة فيها فانه لا يلزم منه إلا إلغاء المفهوم فقط عن رواية سماعة وما في معناها. ونتيجة ذلك أنه يجوز الحلف كاذبا لانجاء النفس المحترمة ولحفظ مال نفسه أو مال اخيه على وجه الاطلاق، فيقيد بها ما دل على حرمة الكذب على وجه الاطلاق. لا يقال: إن حرمة الكذب ذاتية، لاستقلال العقل بقبحه، فليست قابلة للتخصيص، وأما ارتكابه في موارد الضرورة فلان العقل يستقل بوجوب ارتكاب اقل القبيحين. فانه يقال: قد عرفت آنفا ان العقل لا يستقل بقبح الكذب في نفسه إلا إذا ترتبت عليه المفسدة، فلا تكون حرمته ذاتية لا تقبل التخصيص، فيكشف من تجويز الشارع الكذب في بعض الموارد أنه ليس بقبيح، لا أنه من باب حكم العقل بارتكاب اقل القبيحين. وقد وجه المصنف كلام المشهور بوجهين: الاول: ان الكذب حرام، ومع التمكن من التورية لا يحصل لااضطرار إليه، فيدخل تحت العمومات. الثاني: ان قبح الكذب عقلي، فلا يسوغ إلا مع عروض عنوانحسن عليه يغلب على قبحه، وهذا لا يتحقق إلا مع العجز عن التورية. ولكن قد ظهر اك مما قدمناه آنفا ضعف الوجهين المذكورين. وأما المطلقات الدالة على جواز الكذب للاصلاح فلا معارضة بينها وبين رواية سماعة وما في معناها، ووجه ذلك أن تلك المطلقات انما دلت على جواز الكذب للاصلاح، ورواية سماعة وما في مضمونها انما دلت على حرمة الحلف كاذبا في غير موارد الاكراه والاضطرار والخوف، فلا وجه لوقوع المعارضة بينهما كما يرومه المصنف. لا يقال: ان ما دل على جواز الحلف كاذبا لحفظ النفس والمال دل على جواز الكذب لهما بطريق الاولوية كما اشرنا إليه سابقا، وعليه فتقع المعارضة بينهما وبين رواية سماعة وما في مضمونها في مطلب الكذب ايضا. فانه يقال: لا منافاة بين جواز الكذب لحفظ النفس والمال وبين مفهوم رواية سماعة من تخصيص حرمة الحلف كاذبا بغير موارد الاكراه والاضطرار. قوله: (ثم ان أكثر الاصحاب مع تقييدهم جواز الكذب بعدم القدرة على التورية الخ) اقول: حاصل كلامه: أن أكثر الاصحاب قيدوا جواز الكذب بعدم التمكن من التورية ومع ذلك فقد اطلقوا القول بفساد ما اكره عليه من العقود والايقاعات، ولم يقيدوا ذلك بعدم القدرة على التورية، وصرح الشهيد الثاني (ره) في الروضة ولك في باب الطلاق

[ 409 ]

بعدم اعتبار العجز عنها، بل في كلام بعضهم دعوى الاتفاق عليه. وقد أورد المصنف على ذلك بأن المكره على البيع انما اكره على التلفظ بصيغة البيع، ولم يكره على حقيقته، فالاكراه على البيع الحقيقي يختص بغير القادر على التورية، كما ان الاضطرار على الكذب مختص بالعاجز عنها، وعليه فإذا أكره على البيع فلم يورمع قدرته على التورية فقد أوجد البيع بارادته واختياره، فيكون صحيحا. وأجاب عن هذا الايراد بوجود الفارق بين المقامين، وحاصله: أن ما أكره عليه في باب المعاملات إنما هو نفس المعاملة وواقعها، والاخبار الدالة على رفع ما استكره عليه كحديث الرفع ونحوه لم تقيد ذلك بعدم القدرة على التورية، فإذا أوجد المكره المعاملة فقد أوجد نفس ما أكره عليه، ويرتفع أثره بالاكراه. وهذا بخلاف الكذب، فانه لا يجوز إلا في مورد الاضطرار، ومن المعلوم ان الاضطرار لا يتحقق مع التمكن من التورية. وفيه أولا: أنه لا فارق بين الاكراه والاضطرار، لان الاكراه في اللغة حمل المكره على امر وإجباره عليه من غير رضى منه، ولا شبهة في أن هذا المعنى لا يتحقق إذا أمكن التفصي، كما هو الحال في الاضطرار. وثانيا: أنا لو لم نعتبر في مفهوم الاكراه ان لا يتمكن المكره من التفصي فان لازم ذلك جواز ارتكاب المحرمات إذا اكره عليها وإن ان قادرا على التخلص، كما إذا أكرهه أحد على شرب الخمر، وكان متمكنا من هراقتها على جيبه. وكما إذا أكرهه جائر على أخذ أموال الناس بالظلم والعدوان، وكان متمكنا من أن يدفع مال الظالم إليه، ويوهمه أنه إنما يعطيه من مال غيره، ولا شبهة في حرمة الارتكاب في أمثال هذه الصورة. هذا كله بناء على المشهور، كما نسبه المصنف إلى ظاهرهم من تقييد جواز الكذب بعدم القدرة على التورية والتحقيق أن يفصل بين الاحكام التكليفية وبين الاحكام الوضعية في باب المعاملات العقود منها والايقاعات. أما الاحكام التكليفية وجوبية كانت أم تحريمية فان تنجزها على المكلفين، ووصولها إلى مرتبة الفعلية لتبعثهم على الاطاعة والامتثال مشروطة بالقدرة العقلية والشرعية، واختلاف الدواعي في ترك الواجبات وارتكاب المحرمات لا يؤثر في تبديلها أو في رفعها بوجه. ومثال ذلك: أن شرب الخمر مع التمكن من تركه حرام وإن كان شربه بداعي رفع العطش أو غيره من الدواعي عدا الاسكار، كما ان المناط في رفع الاحكام التكليفية هو عدم القدرة على الامتثال ولو بالتورية ونحوها. مثلا إذا أكره الجائر أحدا على شرب الخمر ولم يتمكن المجبور من تركه بالتورية أو بطريق آخر، فان الحرمة ترتفع بحديث الرفع

[ 410 ]

ونحوه. وأما إذا تمكن من موافقة التكليف بالتورية، أو بجهة اخرى فلا موجب لسقوط الحرمة. نعم ظاهر جملة من الروايات الماضية، وجملة اخرى من الرويات الآتية هو جوار الكذب والحلف الكاذب في موارد خاصة على وجه الاطلاق حتى مع التمكن من التورية، وعليه فيمتاز حكم الكذب بذلك عن بقية الاحكام التكليفية. ومن هنا ظهر ضعف قول المصنف (إن الضرر المسوغ للكذب هو المسوغ لسائر المحرمات). وأما الاحكام الوضعية في المعاملات، كصحة العقود والايقاعات أو فسادهما فهي تدور من حيث الوجود والعدم مدار امرين: الاول: كون المتعاملين قادرين على المعاملة بالقدرة التي هي من الشرائط العامة المعتبرة في جميع الاحكام. الثاني: صدور إنشاء المعاملة عن الرضى وطيب النفس، لآية التجارة عن تراض والروايات الدالة على حرمة التصرف في مال غيره إلا بطيب النفس والرضى، فإذا انتفى احد الامرين فسدت المعاملة، ولم تترتب عليها الآثار. وعليه فلو أكره الظالم أحدا على بيع امواله فباعها بغير رضى وطيب نفس كان البيع فاسدا سواء تمكن المكره في دفع الاكراه من التورية أم لم يتمكن، وإذا باعها عن طيب نفس كان البيع صحيحا. وعلى الاجمال فالمناط في صحة المعاملات صدورها عن طيب النفس والرضى. تذييل لا شبهة في عدم ثبوت أحكام المكره على المضطر في باب المعاملات، ووجه ذلك أن حديث الرفع إنما ورد في مقام الامتنان على الامة. وعلى هذا فلو اضطر احد إلى بيع امواله لاداء دينه، أو لمعالجة مريضه، أو لغيرهما من حاجاته فان الحكم بفساد البيع ح مناف للامتنان، وأما الاكراه فليس كك. كما عرفت. قوله: (نعم يستحب تحمل الضرر المالي الذي لا يجحف). أقول: حاصل كلامه: أنه يستحب تحمل الضرر المالي الذي لا يجحف، والتجنب عن الكذب في موارد جوازه لحفظ المال، وحمل عليه قول امير المؤمنين " ع " في نهج البلاغة (1): (علامة الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك).


(1) راجع ج 2 ئل باب 141 جواز الكذب في الاصلاح من عشرة الحج ص 235.

[ 411 ]

وفيه أنه لا دليل على ثبوت هذا الاستحباب، فان الضرر المالي إن بلغ إلى مرتبة يعد في العرف ضررا جاز الكذب لدفعه، وإلا فهو حرام، لانصراف الادلة المجوزة عن ذلك، فلا دليل على وجوب الواسطة بينهما لكي تكون مستحبة، وأما قوله " ع " في نهج البلاغة فأجنبي عن الكذب الجائز الذي هو مورد كلامنا، بل هو راجع إلى الكذب المحرم وأن يتخذه الانسان وسيلة لانتفاعه، ومن الواضح جدا ان ترك ذلك من علائم الايمان. ويؤيد ما ذكرناه تقابل الصدق المضر مع الكذب النافع فيه، لان الظاهر من الكذب النافع هو ما يكون وسيلة لتحصيل المنافع، يوكون المراد من الصدق المضر ح عدم النفع، لكثرة إطلاق الضرر عليه في العرف. وعليه فشأن الحديث شأن ما ورد (1) من أنه (يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). نعم يمكن الاستدلال على الاستحباب بناء عل التسامح في ادلة السنن بقوله " ع " (2): (اجتنبوا الكذب وإن رأيتم فيه النجاة، فان فيه الهلكة). ولكن مفاد الحديث أعم مما ذكره المصنف. الاقوال الصادرة عن الائمة (ع) تقية لا خلاف بين المسلمين، بل بين عقلاء العالم في جواز الكذب لانجاء النفس المحترمة. قال الغزالي (3): (فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم فالكذب فيه واجب). وقد تقدمت (4) دلالة جملة من الآيات والروايات على هذا. بل هو من المستقلات العقلية، ومن الضروريات الدينية التي لا خلاف فيها بين المسلمين. وعلى ذلك فمن أنكره كان منكرا لاحدى ضروريات الدين، ولحقه حكم منكر الضروري من الكفر، ووجوب القتل، وبينونة الزوجة، وقسمة الاموال.


(1) راجع ج 1 كاباب 40 القمار من المعيشة ص 362. وج 10 الوافي باب القمار ص 36. وج 3 ئل باب تحريم الزناء من النكاح المحرم ص 39 و 40. وج 2 ئل باب 45 تعيين الكبائر من جهاد النفس ص 463 وص 464، وج 2 مرآة العقول ص 256 وص 260. (2) مرسلة. راجع ج 2 المستدرك باب 120 تحريم الكذب من عشرة الحج ص 100 (3) راجع ج 3 إحياء العلوم بيان ما رخص فيه من الكذب ص 121. (4) في البحث عن جواز الكذب لدفع الضرورة ص 403 وص 404 و 405.

[ 412 ]

وإذا عرفت ذلك فقد اتضح لك الحال في الاقوال الصادرة عن الائمة " ع " في مقام التقية، فانا لو حملناها على الكذب السائغ لحفظ انفسهم واصحابهم لم يكن بذلك بأس، مع أنه يمكن حملها على التورية أيضا كما سيأتي. وبذلك يتجلى لك افتضاح الناصبي المتعصب إمام المشككين، حيث لهج بما لم يلهج به البشر، وقال في خاتمة محصل الافكار حاكيا عن الزنديق سليمان بن جرير: إن أئمة الرافضة وضعوا القول بالتقية لئلا يظفر معها أحد عليهم، فانهم كلما (أرادوا شيئا تكلموا به فإذا قيل لهم هذا خطأ أو ظهر لهم بطلانه قالوا: إنما قلناه تقية). على أن التفوه بذلك افتراء على الائمة الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قال الله تعالى (1): (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون). قوله: (الاقوال الصادرة عن أئمتنا في مقام التقية). أقول: حاصل مراده ان ما صدر عن الائمة " ع " تقية في بيان الاحكام وإن جاز حمله على الكذب الجائز حفظا لانفسهم واصحابهم عن الهلاك. ولكن المناسب لكلامهم والاليق بشأنهم حمله على إرادة خلاف ظاهره من دون نصب قرينة على المراد الجدي، كأن يراد من قولهم (2): لا باس بالصلاة في ثوب اصابه خمر جواز الصلاة في الثوب المذكور مع تعذر غسله والاضطرار إلى لبسه. ويؤيده تصريحهم " ع " بارادة المحامل البعيدة في بعض المقامات، ففي رواية عمار عن أبي عبد الله " ع " (3): (فقال له رجل: ما تقول في النوافل؟ قال: فريضة، قال: ففزعنا وفزع الرجل فقال أبو عبد الله: إنما أعني صلاة الليل على رسول الله " ص "). وفيه أنك قد عرفت آنفا عدم استقلال العقل بقبح الكذب في جميع الموارد، وإنما هو تابع للدليل الشرعي، وعليه فمهما حرمه الشارع يكشف منه أنه قبيح، ومهما ورد الدليل على جوازه يكشف منه أنه ليس بقبيح. وحينئذ فالكذب الجائز والتورية سواء في الاباحة ولا ترجيح لحمل الاخبار الموافقة للتقية على الثاني. قوله: (ومن هنا يعلم أنه إذا دار الامر في بعض المواضع الخ). أقول: ملخص كلامه: أنه إذا ورد عن الائمة " ع " أمر وترددنا بين أن نحمله على الوجوب بداعي التقية


(1) سورة النحل، آية: 107. (2) راجع ج 1 ئل باب 38 نجاسة الخمر من أبواب النجاسات ص 200. (3) راجع ج 1 ئل باب 16 جواز ترك النوافل من أبواب أعداد الفرائض والنوافل ص 220. وج 5 الوافي ص 20.

[ 413 ]

أو على الاستحباب بداعي بيان الواقع تعين الحمل على الثاني: بأن يراد من الامر معناه المجازي أعني الاستحباب من دون نصب قرينة ظاهرة. ومثاله أن يرد أمر بالوضوء عقيب ما يعده العامة (1) حدثا وناقضا للوضوء، كالمذي والودي ومس الفرج الانثيين وغيرها من الامور التي يراها العامة أحداثا ناقضة للوضوء فانه يدور الامر ح بين حمله على الوجوب بداعي التقية وبين حمله على الاستحباب بداعي بيان الواقع، ومن المعلوم ان الحمل على الثاني أولى، إذ لم يثبت من مذهب الشيعة عدم استحباب الوضوء عقيب الامور المذكورة، ولكن ثبت عندهم أنها لا تنقض الوضوء جزما وعليه فتتأدى التقية بارادة المجاز وإخفاء القرينة. أقول: لله در المصنف حيث اشار بكلامه هذا إلى قاعدة كلية وضابطة شريفة، تتفرع عنها فروع كثيرة، ومن شأنها أن يبحث عنها في علم الاصول في فصل من فصول أبحاث الاوامر. وتحقيق الكلام فيها أن ما يدور أمره بين الحمل على التقية وبين الحمل على الاستحباب على ثلاثة أقسام، الاول: أن يكون ظهوره في بيان الحكم الوضعي المحض، كما إذا ورد عنهم " ع " أن الرعاف أو الحجامة مثلا من النواقض للوضوء، فانه لا ريب في حمل هذا القسم على التقية: بأن يكون المراد أنها ناقضة حقيقة للوضوء، ولكن صدور هذا الحكم بداعي التقية، لا بداعي الارادة الجدية. الثاني: ان يدل بظهوره على الحكم التكليفي المولوي المحض، كما إذا فرضنا ان قراءة الدعاء عند رؤية الهلال واجبة عند العامة ومستحبة عندنا ووردت رواية من أئمتنا " ع " ظاهرة في الوجوب، فان الامر حينئذ يدور بين حمل هذه الرواية على الوجوب بداعي التقية وبين حملها على الاستحباب بداعي الجد. غاية الامر ان الامام " ع " لم ينصب قرينة على مراده الجدي. وعلى هذا فبناء على مسلك المصنف من كون الامر حقيقة في الوجوب ومجازا في غيره يدور الامر بين حمله على التقية في بيان الحكم، ورفع اليد عن المراد الجدي: أعني الاستحباب أو حمله على الوجوب الخاص اعني الوجوب حال التقية، ورفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب المطلق بأن يكون المراد ان قراءة الدعاء عند رؤية الهلال واجبة حال التقية، أو حمله على الاستحباب ورفع اليد عن ظهور الكلام في الوجوب من دون نصب قرينة على ذلك، وحيث لا مرجح لاحد الامور الثلاثة بعينه، فيكون الكلام مجملا.


(1) راجع ج 1 سنن البيهقي جماع ابواب الحدث.

[ 414 ]

وأما بناء على ما حققناه في محله من أن الامر موضوع لواقع الطلب: أعني إظهار الاعتبار النفساني على ذمة المكلف، فما لم يثبت الترخيص من الخارج فان العقل يحكم بالوجوب وإذا ثبت الترخيص فيه من القرائن الخارجية حمل على الاستحباب، وعليه فلا مانع من حمل الامر بقراءة الدعاء عند رؤية الهلال على الاستحباب، للقطع الخارجي بعدم وجوبها عند رؤية الهلال، فيتعين الاستحباب، إذ ليس هنا احتمال آخر غيره لكي يلزم الاجمال. الثالث: أن يكون الكلام الصادر عن الامام " ع " ظاهرا في بيان الحكم التكليفي، إلا انه في الواقع بيان للحكم الوضعي الصرف، كما إذا ورد الامر بالوضوء عقيب المذي والودي ومس الفرج والانثيين أو غيرها من الامور التي يراها العامة احداثا ناقضة للوضوء فان الامر في هذه الموارد إرشاد إلى ناقضية الامور المذكورة للوضوء، كما ان الامر بالوضوء عقيب البول والنوم إرشاد إلى ذلك ايضا، وح فيدور الامر بين حمله على ظاهره من الناقضية بداعي التقية، لا الجد، وبين حمله على الاستحباب، فالظاهر هو الاول، فان حمله على الثاني يستلزم مخالفة الظاهر من جهتين: الاولى: حمل ما هو ظاهر في الارشاد إلى الناقضية على خلاف ظاهره من إرادة الحكم التكليفي. الثانية: حمل ما هو ظاهر في الوجوب على الاستحباب. وأما لو حملناه على التقية فلا يلزم منه إلا مخالفة الظاهر في جهة واحدة، وهي حمل الكلام على غير ظاهره من المراد الجدي. جواز الكذب لارادة الاصلاح قوله: (الثاني من مسوغات الكذب إرادة الاصلاح). أقول: لا شبهة في جواز الكذب للاصلاح بين المتخاصمين في الجملة عند الفريقين نصا (1) وفتوى، وتفصيل ذلك


(1) في كابهامش مرآة العقول ص 326. وج 3 الوافي ص 157. وج 2 ئل باب 141 جواز الكذب في الاصلاح من عشرة الحج ص 234: عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله " ع " قال: الكلام ثلاثة صدق وكذب وإصلاح بين الناس الحديث. مرسل. وعن عيسى بن حسان قال: سمعت أبا عبد الله " ع " يقول: كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاثة: رجل كايد في حربه فهو موضوع عنه أو رجل اصلح بين اثنين يلقي هذا بغير ما يلقي به هذا يريد بذلك الاصلاح فيما بينهما أو رجل وعد اهله شيئا وهو لا يريد ان يتم لهم. مجهولة بعيسى بن حسان.

[ 415 ]

ان النزاع والبغضاء بين المتخاصمين تارة يكون من كلا الطرفين: بأن يكون كل منهما حربا للآخر، وقاصدا لايقاع الضرر به، واخرى يكون الحقد والنفاق من طرف واحد، كأن وشى إليه نمام على اخيه كاذبا فحقد عليه، وكلا القسمين مشمولان لاطلاق ما دل على جواز الكذب في مورد الاصلاح. ويمكن الاستدلال على جواز الكذب للاصلاح بقوله تعالى (1): (إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم) اي اصلحوا بين المؤمنين إذا تخاصموا وتقاتلوا (واتقوا الله) في ترك العدل والاصلاح (لعلكم ترحمون) فان إطلاق الآية يشمل الاصلاح بالكذب ايضا وح فتكون الآية معارضة لعموم ما دل على حرمة الكذب بالعموم من وجه، وبعد تساقطهما في مادة الاجتماع: أعني الكذب للاصلاح يرجع إلى البراءة، أو إلى عموم المصلح ليس بكذاب، فانه ينفى الكذب عن المصالح على سبيل الحكومة. ولا فرق في جواز الكذب للاصلاح بين ان يكون المصلح احد المتخاصمين أو غيرهما، ويدل على تأكد الحكم في الاول بعض الاحاديث الواردة في حرمة هجران المؤمن فوق ثلاثة ايام. كقوله " ع " في رواية حمران (2): (ما من مؤمنين اهتجرا فوق ثلاث إلا برأت منهما في الثالثة قيل: هذا حال الظالم فما بال المظلوم؟ فقال: ما بال المظلوم لا يصير إلى الظالم فيقول: أنا الظالم حتى يصلحا). ومن الواضح جدا ان قول المظلوم: انا الظالم كذب، وقد ذمه الامام " ع " على تركه فيكون مستحبا مؤكدا. قوله: (ورد في أخبار كثيرة جواز الوعد الكاذب مع الزوجة، بل مطلق الاهل). اقول: إن كان الوعد على سبيل الانشاء فهو خارج عن الكذب موضوعا على ما عرفته سابقا. وإن كان على سبيل الاخبار، ولم يحرز المتكلم تحقق المخبر به في ظرفه فهو


وعن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله " ع " قال: المصلح ليس بكذاب. صحيحة. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المذكورة. وفي ج 2 المستدرك ص 101. وج 15 البحار كتاب الكفر ص 41. وفي ج 10 سنن البيهقي ص 197 ليس الكاذب من اصلح بين الناس فقال: خيرا أو نمى خيرا. وغير ذلك من احاديث العامة. (1) سورة الحجرات، آية: 10. (2) مجهولة بمحمد بن حمران. راجع ج 2 ئل باب 144 تحريم هجران المؤمن عشرة الحج ص 235.

[ 416 ]

كذب محرم على صورة الوعد، كما عرفت في البحث عن حكم خلف الوعد. ولكن ظاهر جملة من الروايات التي تقدم بعضها في البحث عن جواز الكذب للاصلاح هو جواز الوعد الكاذب للزوجة، بل لمطلق الاهل، وعليه فيقيد بها ما دل على حرمة الكذب، كما يقيد بها ايضا ما دل على وجوب الوفاء بالوعد لو قلنا به، والله العالم. إلا ان يقال بعدم صلاحية ذلك للتقييد، لضعف السند. حرمة الكهانة قوله: (التاسعة عشرة: الكهانة). اقول: ما هي الكهانة؟ وما حكم الرجوع إلى الكاهن؟ وما حكم الاخبار عن الامور المستقبلة؟. اما الكهانة فهي في اللغة (1) الاخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، وقيل هي عمل يوجب طاعة الجان للكاهن، ومن هنا قيل: إن الكاهن من كان له رأي من الجن يأتيه الاخبار. وهي قريبة من السحر أو اخص منه. والعراف (2) هو المنجم والكاهن، وقيل: العراف كالكاهن، إلا ان العراف يختص بمن يخبر عن الاحوال المستقبلة، والكاهن بمن يخبر عن الاحوال الماضية. وكيف كان فالكهانة على قسمين: الاول: ان يخبر الكاهن عن الحوادث المستقبلة لاتصاله بالشياطين القاعدين مقاعد


(1) في تاج العروس: كهن له قضى بالغيب، وفي التوشيح: الكهانة بالفتح، ويجوز الكسر ادعاء علم الغيب. قال ابن الاثير: الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الاسرار. فمنهم من يزعم ان له تابعا من الجن ورأيا يلقي إليه الاخبار. ومنهم من كان يزعم انه يعرف الامور بمقدمات واسباب يستدل بها على مواقعها. وهذا يخصونه باسم العراف الذي يدعي معرفة الشئ المسروق ومكان الضالة ونحوها. وفي مجمع البحرين: ان الكهانة كانت في العرب قبل البعث فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله حرست السماء وبطلت الكهانة. وعمل الكهانة قريب من السحر أو أخص منه. (2) في تاج العروس: العراف كشداد، قال ابن الاثير: العراف المنجم، أو الذي يدذعي علم الغيب. وفي مفردات الراغب: العراف كالكاهن إلا أن العراف يختص بمن يخبر بالاحوال المستقبلة والكاهن بمن يخبر عن الاحوال الماضية.

[ 417 ]

استراق السمع من السماء، فيطلعون على اسرارها، ثم يرجعون إلى أوليائهم لكي يؤدوها إليهم. الثاني: ان يخبر الكاهن عن الكائنات الارضية، والحوادث السفلية لاتصاله بطائفة من الجن والشياطين التي تلقي إليه الاخبار الراجعة إلى الحوادث الارضية فقط، لان الشياطين قد منعت عن الاطلاع إلى السماء وأخبارها بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله. وفي خبر الاحتجاج (1) اطلق لفظ الكاهن على كلا القسمين، أما إطلاقه على القسم الاول فهو صريح جملة من فقراته. وأما إطلاقه على القسم الثاني فقد وقع منه في فقرتين: الاولى: قوله " ع ": (لان ما يحدث في الارض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشياطين ويؤديه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والاطراف). الثانية: قوله " ع " بعدما ذكر ان الشياطين كانوا يسترقون أخبار السماء، ويقذفونها إلى الكاهن: (فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة واليوم إنما يؤدي الشيطان إلى كهانها أخبارا للناس مما يتحدثون به إلى أن قال: ما يحدث في البعد من الحوادث). فقد أطلق الكاهن في هاتين الفقرتين على المخبر عن الكائنات السفلية بواسطة الشياطن. ولا ينافيه قوله " ع ": (انقطعت الكهانة). فان المراد منها هو الكهانة الكاملة: أعني القسم الاول. وتدل على حرمة كلا القسمين مضافا إلى خبر الاحتجاج المتقدم جملة من الروايات من طرق الخاصة (2)


(1) ص 185 فيما احتج الصادق " ع " على الزنديق. مرسلة. (2) في ج 2 ئل باب 54 تحريم إتيان العراف مما يكتسب به ص 545 في حديث المناهي إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن إتيان العراف وقال: من أتاه وصدقه فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله. ضعيفة لشعيب بن واقد. وعن الخصال عن الصادق " ع " من تكهن أو تكهن له فقد برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله. ضعيفة لابي حمزة. وغير ذلك من الروايات المذكورة في ج 2 المستدرك ص 434. وفي ج 1 كاباب 42 السحت من المعيشة ص 363. وج 10 الوافي ص 42. وج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجرة مما يكتسب به ص 537: عن السكوني عن أبي عبد الله " ع جعل من السحت أجر الكاهن. ضعيفة للنوفلي. وفي ج 2 ئل باب 164 تحريم النميمة من عشرة الحج ص 241: عن المجالس عن الصادق " ع ": اربعة لا يدخلون الجنة: الكاهن الخ. ضعيفة بأبي سعيد هاشم.

[ 418 ]

ومن طرق العامة (1) وقد تقدم بعضها في البحث عن حرمة التنجيم والسحر. حرمة الرجوع إلى الكاهن وأما الرجوع إلى الكاهن، والعمل بقوله، وترتيب الاثر عليه في الامور الدينية، والاستناد إليه في إثبات أمر أو نفيه فلا شبهة في حرمته، بل لا خلاف فيها بين المسلمين، لكونه افتراء على الله، وعملا بالظن الذي لا يغني من الحق شيئا. وتدل على الحرمة ايضا جملة من روايات الفريقين الناهية عن إتيان الكاهن والعراف فان الاتيان إليهم كناية عن تصديقهم، والعمل بقولهم، كما في تاج العروس قال: (من أتى كاهنا أو عرافا الخ: اي صدقهم). وقد عرفت أن العراف يصدق عليه الكاهن. وفي رواية الخصال أن (من تكهن أو تكهن له فقد برئ من دين محمد " ص "): أي من جاء إلى الكاهن وأخذ منه الرأي فليس بمسلم " وقد تقدمت الاشارة إلى هذه الروايات في الحاشية ". حكم الاخبار عن الامور المستقبله وأما الاخبار عن الامور المستقبلة جزما فيقع البحث عن حكمه تارة من حيث القاعدة، واخرى من حيث الرواية. أما الاول فقد يكون المخبر عن الحوادث الآتية شاكا في وقوعها في مستقبل الزمان. وقد يكون جازما بذلك. أما الاول فلا شبهة في حرمته، لكونه من الكذب المحرم ومن القول بغير علم. وقد عرفت في البحث عن حكم خلف الوعد ان المخبر ما لم يكن جازما بوقوع المخبر به في الخارج فهو كاذب في إخباره. نعم لو صادف الواقع في هذه الحال كان حراما من جهة التجري. وأما الثاني فلا وجه لحرمته، فانه خارج عن الكذب وعن القول بغير علم موضوعا وحكما ولكن المصنف التزم بحرمته لامور: الاول: خبر الهيثم (2): (قال: قلت لابي عبد الله " ع ": إن عندنا بالجزيرة رجلا ربما


(1) راجع ج 8 سنن البيهقي باب ما جاء في النهي عن الكهانة ص 138. (2) صحيحة. راجع ج 2 ئل باب 54 تحريم اتيان العراف مما يكتسب به ص 545.

[ 419 ]

أخبر من يأتيه يسأله عن الشئ يسرق أو شبه ذلك فنسأله؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب) بدعوى أن الاخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرم مطلقا، سواء أكان بالكهانة أم بغيرها، لانه " ع " حصر المخبر بالشئ الغائب بالساحر والكاهن والكذاب، وجعل الكل حراما. وفيه أولا: أن الرواية بقرينة السؤال ظاهرة في الاخبار عن الامور الماضية من السرقة والضالة ونحوها، ولا اشكال في جواز الاخبار عن الامور الماضية إذا كان المخبر جازما بوقوعها، وإنما الكلام في الاخبار على سبيل الجزم عن الحوادث الآتية، فمورد الرواية أجنبي عن محل الكلام. وثانيا: لا دلالة في الرواية على انحصار المخبر عن الامور المغيبة بالكاهن والساحر والكذاب، بل الظاهر منها أن الاخبار المحرم منحصر بإخبار هذه الطوائف الثلاث. فالامام " ع " بين ضابطة حرمة الاخبار عن الغائبات، ونظيره ما إذا سئل أحد عن حرمة شرب العصير التمري؟ فأجاب بأن الحرام من المشروبات إنما هو الخمر والنبيذ والعصير العنبي إذا غلى، فان هذا الجواب لا يدل على حصر جميع المشروبات بالمحرم، وإنما يدل على حصر المشروبات المحرمة بالامور المذكورة. وإن فلا دلالة في الرواية على حرمة مطلق الاخبار عن الامور المستقبلة ولو من غير الكاهن والساحر والكذاب. وثالثا: أإن غاية ما تدل عليه الرواية ان تصديق المخبر في إخباره حرام، لانه غير حجة وأما حرمة إخبار المخبر فلا تدل الرواية على حرمته، كما هو الحال في إخبار الفاسق وغيره فيما لا يكون قوله حجة. الثاني: قوله " ع " في حديث المناهي المتقدم في الهامش: (إنه نهى عن إتيان العراف وقال: من أتاه وصدقه فقد برئ مما أنزل الله على محمد " ص "). بدعوى ان المخبر عن الغائبات في المستقبل كاهن ويختص باسم العراف. وفيه أولا: أنه ضعيف السند. وثانيا: أن اتيان العراف كناية عن العمل بقوله، وترتيب الاثر عليه، كما عرفته آنفا، فلا دلالة فيه على حرمة الاخبار عن الامور المستقبلة بأي نحو كان. الثالث: قوله " ع ": في بعض الاحاديث (1): (لئلا يقع في الارض سبب يشاكل الوحي الخ). فان الاخبار عن الغائبات والكائنات في مستقبل الزمان من الامور تشاكل الوحي


(1) مرسل. راجع الاحتجاج فيما احتج به الصادق " ع " على الزنديق ص 115

[ 420 ]

ومن المقطوع به أنه مبغوض للشارع. وفيه أن الممنوع في الرواية هو الاخبار عن السماء بوساطة الشياطين، فانهم كانوا يقعدون مقاعد استراق السمع من السماء، ويطلعون على مستقبل الامور، ويحملونها إلى الكهنة، ويبثونها فيهم، وقد منعوا عن ذلك بالشهاب الثاقب لئلا يقع في الارض ما يشاكل الوحي. واما مجرد الاخبار عن الامور الآتية بأي سبب كان فلا يرتبط بالكهانة. قوله: (فتبين من ذلك الخ). أقول: حاصل كلامه: ان المتحصل مما ذكرناه هو حرمة الاخبار عن الغائبات من غير نظر في بعض ما صح اعتباره، كنبذ من الرمل والجفر وفيه أن المناط في جواز الاخبار عن الغائبات في مستقبل الزمان إنما هو حصول الاطمئنان بوقوع المخبر به كما عرفت. وعليه فلا فرق بين الرمل والجفر وغيرهما من موجبات الاطمئنان. ثم إن ظاهر عبارة المصنف هو اعتبار بعض اقسام الرمل والجفر. ولكنه عجيب منه (ره)! إذ لم يقم دليل على اعتبارهما في الشريعة المقدسة غاية الامر انهما يفيدان الظن، وهو لا يغني من الحق شيئا. حرمة اللهو في الجملة قوله: (العشرون: اللهو حرام). أقول: لا خلاف بين المسلمين قاطبة في حرمة اللهو في الجملة، بل هي من ضروريات الاسلام، وإنما الكلام في حرمته على وجه الاطلاق. فظاهر جملة من الاصحاب، بل صريح بعضهم، وظاهر بعض العامة أن اللهو حرام مطلقا، فعن المحقق في المعتبر: (قال علمائنا: اللاهي بسفره كالمتنزه بصيده بطرا لا يترخص، لنا ان اللهو حرام، فالسفر له معصية). وقال العلامة (1): حرم الحلبي (الرمي عن قوس الجلاهق والاطلاق ليس بجيد، بل ينبغي التقييد بطلب اللهو والبطر). وفي كلمات غير واحد من الاصحاب إن من سفر المعصية طلب الصيد للهو والبطر. وفي الرياض (2) قد استدل على حرمة المسابقة في غير الموارد المنصوصة بما دل على حرمة مطلب اللهو.


(1) راجع ج 2 المختلف ص 164. (2) ج 2 ص 41.

[ 421 ]

وعن المالكية (1) (إن كان الغرض من المسابقة المغالبة والتلهي فيكون حراما). وقد استظهر المصنف من الاخبار الكثيرة حرمة اللهو على وجه الاطلاق، ثم قال: (ولكن الاشكال في معنى اللهو فان اريد به مطلق اللهو كما يظهر من الصحاح والقاموس فالظاهر ان القول بحرمته شاذ مخالف للمشهور والسيرة، فان اللعب هي الحركة لا لغرض عقلائي، ولا خلاف ظاهرا في عدم حرمته على الاطلاق، نعم لو خص اللهو بما يكون من بطر وفسر بشدة الفرح كان الاقوى تحريمه). ولكن الاخبار لا دلالة لها على حرمة اللهو على وجه الاطلاق فانها على أربع طوائف: الاولى (2): هي الروايات الدالة على وجوب الاتمام على المسافر إذا كان سفره للصيد اللهوي، فقد يقال: إن هذه الطائفة تدل بالالتزام على حرمة اللهو أيضا، إذ لا نعرف وجها لاتمام الصلاة هنا إلا كون السفر معصية للصيد اللهوي. ولكنه ضعيف، إذ غاية ما يستفاد من هذه الاخبار أن السفر للصيد اللهوي لا يوجب القصر، فلا دلالة فيها على كون السفر معصية، إذ لا ملازمة بين وجوب الاتمام في السفر وبين كونه معصية، بل هو أعم من ذلك. والى هذا ذهب المحقق البغدادي (ره). الثانية: ما دل على ان اللهو من الكبائر، كما في حديث شرائع الدين عن الاعمش (3) قال المصنف: (حيث عد في الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصد عن ذكر الله كالغناء وضرب الاوتار، فان الملاهي جمع الملهى مصدرا أو الملهي وصفا، لا الملهاة آلة، لانه لا يناسب التمثيل بالغناء). ولكن يرد عليه أولا: أن هذه الرواية ضعيفة السند. وثانيا: لا دلالة فيها على حرمة اللهو المطلق، بل الظاهر منها أن الحرام هو اللهو الذي يصد عن ذكر الله كالغناء وضرب الاوتار ونحوهما. وثالثا: ان الظاهر من اللغة ان الملاهي اسم الآلات، فالامر يدور بين رفع اليد عن


(1) راجع ج 2 فقه المذاهب ص 51. (2) راجع ج 5 الوافى باب من كان سفره باطلا ص 32. وج 1 ئل باب 9 من خرج إلى الصيد لللهو من صلاة المسافر ص 548. وج 1 التهذيب ابواب الزيادات صلاة المسافر ص 184. وج 1 المستدرك ص 502. (3) ضعيفة لبكر بن عبد الله بن حبيب. ومجهولة لاحمد بن يحيى بن زكريا القطان وغيره من رجال السند. راجع ج 2 ئل باب 45 تعيين الكبائر من جهاد النفس ص 405.

[ 422 ]

ظهوره وحملها على الفعل وبين رفع اليد عن ظهور الغناء وحمله على الغناء في آلة اللهو، ولا وجه لترجيح أحدهما على الآخر، فتكون الرواية مجملة. بل ربما يرجح رفع اليد عن ظهور الغناء، كما يدل عليه عطف ضرب الاوتار على الغناء. ثم إن رواية الاعمش لم يذكر فيها إلا عد الملاهي التي تصد عن ذكر الله من الكبائر. وأما زيادة كلمة الاشتغال قبل كلمة الملاهي فهي من سهو قلم المصنف (ره)، ولو كانت النسخة كما ذكره لما كان له حمل الملاهي على نفس الفعل، فان الاشتغال بالملاهي من اظهر مصاديق الغناء. الثالثة: الاخبار المستفيضة. بل المتواترة الدالة على حرمة استعمال الملاهي والمعازف، وفي رواية العيون (1): (الاشتغال بها من الكبائر). وفي رواية عنبسة: (استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع). وقد تقدمت الاشارة إلى جملة منها، والى مصادرها في مبحث حرمة الغناء. وفيه أن هذه الروايات انما هتدل على حرمة قسم خاص من اللهو: أعني الاشتغال بالملاهي والمعازف واستعمالها، ولا نزاع في ذلك، بل حرمة هذا القسم من ضروريات الدين، بحيث يعد منكرها خارجا عن زمرة المسلمين، وإنما الكلام في حرمة اللهو على وجه الاطلاق، وواضح أن هذه الاخبار لا تدل على ذلك. الرابعة: الاخبار الظاهرة ظهورا بدويا في حرمة اللهو مطلقا، كقوله " ع " في خبر العياشي: (كلما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر). وفي بعض روايات المسابقة (2): (كل لهو المؤمن باطل إلا في ثلاث). وفي رواية أبي عباد: إن السماع في حيز الباطل واللهو " وسنذكرها ". وفي رواية عبد الاعلى (3) في رد من زعم ان النبي صلى الله عليه وآله رخص في أن يقال: جئناكم جئناكم الخ: (كذبوا لن الله يقول: لو اردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا الخ). وفي جملة من روايات الغناء ايضا ما يدل على ان اللهو من الباطل فإذا ضممنا ذلك إلى ما يظهر من الادلة من حرمة الباطل كجملة من الروايات الدالة على حرمة الغناء (4) كانت النتيجة حرمة اللهو مطلقا. ويرد عليه ان الضرورة دلت على جواز اللهو في الجملة، وكونه من الامور المباحة، كاللعب بالسبحة أو اللحية أو الحبل أو الاحجار ونحوها، فلا يمكن العمل باطلاق هذه


(1) ضعيفة كما تقدم في ص 243. راجع المصدر المزبور من ج 2 ئل. (2) قد تقدما فقي ص 370. (3) قد تقدم في ص 312. (4) قد أشرنا إلى مصادرها في ص 307.

[ 423 ]

الروايات على تقدير صحتها، وقد اشرنا إليه في مبحث حرمة القمار (1) وعليه فلا بد من حملها على قسم خاص من اللهو أعني الغناء ونحوه، كما هو الظاهر، أو حملها عليه وصول الاشتغال بالامور اللاغية إلى مرتبة يصد فاعله عن ذكر الله، فانه ح يكون من المحرمات الالهية. والحاصل: أنه لا دليل على حرمة اللهو على وجه الاطلاق، ومما ذكرناه ظهر أيضا أنا لا نعرف وجها صحيحا لما ذكره المصنف (ره) من تقوية حرمة الفرح الشديد. اللعب واللغو قوله: (واعلم أن هنا عنوانين). أقول: قد فرق جمع من أهل الفروق بين اللهو واللعب، ولا يهمنا التعرض لذلك، وإنما المهم هو التعرض لحكمها، وقد عرفت: أنه لا دليل على حرمة مطلق اللهو، وأما اللعب فان كان متحدا في المفهوم مع اللهو فحكمه هو ذلك، وإن كانا مختلفين مفهوما فلا بد من ملاحظة الادلة الشرعية، فان كان فيها ما يدل على حرمة اللعب اخذ به، وإلا فيرجع إلى الاصول العملية. وأما اللغو فذكر المصنف (ره) أنه إن اريد به ما يرادف اللهو كما يظهر من بعض الاخبار (2) كان في حكمه. وإن اريد به مطلق الحركات اللاغية فالاقوى فيها الكراهة اقول: لا دليل على حرمة مطلق اللغو سواء قلنا بكونه مرادفا للهو والباطل كما هو الظاهر من أهل اللغة ام لا، لما عرفت من عدم الدليل على حرمة اللهو على وجه الاطلاق وأما ما ذكره من ظهور الروايات في مرادفة اللغو مع اللهو ففيه أن الروايات المذكورة ناظرة إلى اتحاد قسم خاص من اللغو مع قسم خاص من اللهو، وهو القسم المحرم، فلا دلالة فيها على اتحاد مفهومهما مطلقا. على انها ضعيفة السند.


(1) ص 370. (2) في ج 2 ئل باب 127 تحريم الغناء مما يكتسب به ص 565: في رواية محمد بن أبي عباد وكان مشتهرا بالسماع ويشرب النبيذ قال سألت الرضا (ع) عن السماع؟ فقال: لاهل الحجاز فيه رأي وهو في حيز الباطل واللهو أما سمعت الله يقول: وإذا مروا باللغو مروا كراما. ضعيفة بأبي عباد وغيره. ويقرب من ذلك ما في باب 129 تحريم سماع الغناء ص 566 عن أبي أيوب الخزاز. ضعيف لسهل.

[ 424 ]

وقد يقال: بحرمة اللغو على وجه الاطلاق لرواية الكابلي (1) فان الامام (ع) جعل فيها اللغو المضحك من جملة الذنوب التي تهتك العصم. وفيه أولا: أنها ضعيفة السند، ومجهولة الرواة. وثانيا: أن موضوع التحريم فيها هو اللغو الذي يكون موجبا لهتك عصم الناس وأعراضهم من الاستهزاء والسخرية والتعيير والهجاء ونحوها من العناوين المحرمة. على أنه لا دليل على حرمة إضحاك الناس وإدخال السرور في قلوبهم بالامور المباحة والجهات السائغة، بل هو من المستحبات الشرعية والاخلاق المرضية فضلا كونه موجبا لهتك العصم، وإثارة للعداوة والبغضاء. وقد ذكر ابن ابي الحديد في مقدمة شرح النهج في علي بن أبي طالب " ع ": (وأما سجاحة الاخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيا والتبسم فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه). وكان الاصل في هذا التعييب عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص. وقد ظهر مما ذكرناه أنه لا يمكن الاستدلال على حرمة اللغو مطلقا بوصية النبي صلى الله عليه وآله لابي ذر (2). ثم إن رواية الكابلي عدت شرب الخمر واللعب بالقمار من جملة الذنوب التي تهتك العصم أما الاول فلانه يجر إلى التعرض لاعراض الناس، بل نفوسهم، فان شارب الخمر في حال سكره كالمجنون الذي لا يبالي في أفعاله وحركاته. وأما اللعب بالقمار فلانه يورث العداوة بين الناس، حيث تؤخذ به أموالهم بغير عوض واستحقاق. وقد اشير إلى كلا الامرين في الآية (3).


(1) في ج 2 ئل باب 41 تحريم التظاهر بالمنكرات من الامر بالمعروف ص 511: عن زين العابدين " ع " الذنوب التي تهتك العصم شرب الخمر واللعب بالقمار وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح. مجهولة بأحمد بن الحسن القطان وأحمد بن يحيى. وضعيفة ببكر ابن عبد الله بن حبيب. (2) يا أبا ذر وأن الرجل يتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها فيهوي في جهنم ما بين السماء والارض. ضعيفة لما تقدم في ص 387. راجع ج 14 الوافي ص 56. (3) إنما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة الخ. وقد تقدمت في ص 369.

[ 425 ]

مدح من لا يستحق المدح قوله: (الحادية والعشرون: مدح من لا يستحق المدح أو يستحق الذم). اقول: حكى المصنف ان العلامة عد مدح من لا يستحق المدح أو يستحق الذم في عداد المكاسب المحرمة ثم وجه كلامه بوجوه: الاول: حكم العقل بقبح ذلك. الثاني: قوله تعالى (1): (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار). الثالث: ما رواه الصدوق عن النبي ص (2): (من عظم صاحب دنيا وأحبه لطمع في دنياه سخط الله عليه وكان في درجة مع قارون في التابوت الاسفل من النار). الرابع: ما في حديث المناهي (3) من قوله صلى الله عليه وآله: (من مدح سلطانا جائرا أو تحفف أو تضعضع له طمعا فيه كان قرينه في النار). ولكن الظاهر ان الوجوه المذكورة لا تدل على مقصود المصنف: أما العقل فانه لا يحكم بقبح مدح من لا يستحق المدح بعنوانه الاولي ما لم ينطبق عليه عنوان آخر مما يستقل العقل بقبحها، كتقوية الظالم، وإهانة المظلوم ونحوهما. واما الآية فهي تدل على حرمة الركون إلى الظالم والميل إليه، فلا ربط لها بالمقام. وسيأتي الاستدلال بها على حرمة معونة الظالمين. واما النبوي الذي رواه الصدوق فانه يدل على حرمة تعظيم صاحب المال وإجلاله طمعا في ماله، فهو بعيد عما نحن فيه. واما حديث المناهي ففيه أولا: انه ضعيف السند. وثانيا: انه دال على حرمة مدح السلطان الجائر، وحرمة تعظيمه طمعا في ماله، أو تحصيلا لرضاه.


(1) سورة هود، آية: 115. (2) راجع ج 2 ئل باب 71 تحريم معونة الظالمين مما يكتسب به ص 548. مجهولة بموسى بن عمران النخعي النوفلي، وعمه الحسين بن يزيد، ومبشر، وابى عائشة، ويزيد ابن عمر وغيرهم. (3) مجهولة لشعيب بن واقد. راجع ج 3 ئل باب 72 تحريم مدح الظالم ص 549. وج 3 الوافى ص 179. أقول: الحفف بالحاء المهملة: الضيق وقلة المعيشة، والحفوف: الاعتناء بالشئ ومدحه التضعضع: الخضوع.

[ 426 ]

وعلى الجملة إن الوجوه التي ذكرها المصنف لا تدل على حرمة مدح من لا يستحق المدح في نفسه، فان النسبة بينه وبين العناوين المحرمة المذكورة هي العموم من وجه، وعليه فلا وجه لجعل العنوان المذكور من المكاسب المحرمة، كما صنعه العلامة وتبعه غيره. ثم ان مدح من لا يستحق المدح قد يكون بالجملة الخبرية، وقد يكون بالجملة الانشائية أما الاول فهو كذب محرم إلا إذا قامت قرينة على إرادة المبالغة. واما الثاني فلا محذور فيه ما لم ينطبق عليه شئ من العناوين المحرمة المذكورة، أو كان المدح لمن وجبت البراءة منه، كالمبدء في الدين، وقد تقدم ذلك في مبحث الغيبة ومبحث حرمة سب المؤمن. لا يخفى ان حرمة مدح من لا يستحق المدح على وجه الاطلاق أو فيما انطبق عليه عنوان محرم إنما هي فيما إذا لم يلتجئ إلى المدح لدفع خوف أو ضرر بدنى أو مالي أو عرضي، وإلا فلا شبهة في الجواز. ويدل عليه قولهم (ع) (1) في عدة روايات: (إن شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم). وكك تدل عليه اخبار التقية، فانها تدل على جوازها في كل ضرورة وخوف. حرمة معونة الظالمين قوله: (الثانية والعشرون: معونة الظالمين في ظلمهم حرام بالادلة الاربعة، وهو من الكبائر). أقول: ما هو حكم معونة الظالمين؟ وما هو حكم اعوان الظلمة؟ وما هو حكم إعانتهم في غير جهة الظلم من الامور السائغة كالبناية والنجارة والخياطة ونحوها؟. اما معونة الظالمين في ظلمهم فاظاهر انها غير جائزة بلا خلاف بين المسلمين قاطبة، بل بين عقلاء العالم، بل التزم جمع كثير من الخاصة والعامة (2) بحرمة الاعانة على مطلق الحرام، وحرمة مقدماته.


(1) راجع اصول الكافي بهامش ج 2 مرآة العقول باب من يتقى شره ص 314. وج 14 الوافى وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي (ع) ص 46. وفي ج 10 سنن البيهقي ص 245: إن شر الناس منزلة يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه. (2) قد تقدم ذلك في ص 179. وفي ج 10 سنن البيهقي ص 234: نهى عن الاعانة على ظلم.

[ 427 ]

ويدل على حرمته العقل. والاجماع المستند إلى الوجوه المذكورة في المسألة. وقوله تعالى (1): (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار). فان الركون المحرم هوالمبل إليهم، فيدل على حرمة إعانتهم بطريق الاولوية. ان المراد من الركون المحرم هو الدخول معهم في ظلمهم. واما الاستدلال على حرمتها بقوله تعالى: (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان). كما في المستند وغيره فقد تقدم جوابه في البحث عن حكم الاعانة على الاثم، وقلنا: ان التعاون غير الاعانة، فان الاول من باب الافعال والثاني من باب التفاعل، فحرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر. وتدذل على حرمة معونة الظالمين ايضا الروايات (2) المستفيضة، بل المتواترة. واما دخول الانسان في اعوان الظلمة فلا شبهة ايضا في حرمته، ويدل عليها جميع ما دل على حرمة معونة الظالمين في ظلمهم، وغير ذلك من الاخبار الناهية عن الدخول في حزبهم وتسويد الاسم في ديوانهم. وقد اشرنا إلى مصادرها في الهامش.


(1) سورة هود، آية: 115. (2) في ج 1 كا ص 357. وج 10 الوافى ص 26. وج 2 ئل باب 71 تحريم معونة الظالمين مما يكتسب به ص 548: عن ابي بصير قال: سألت أبا جعفر (ع) عن اعمالهم؟ فقال لي: يا ابا محمد لا ولا مدة بقلم إن احدكم لا يصيب من دنياهم شيئا إلا اصابوا من دينه مثله. حسنة لابراهيم بن هاشم. وفي البابين المذكورين من الوافى وئل وج 2 التهذيب ص 100 عن ابن بنت الوليد: من سود اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيرا. مجهولة بابن بنت الوليد وفي الباب 71 المزبور من ئل، وباب 38 تحريم المجالسة لاهل المعاصي من الامر بالمعروف ص 509: عن الكافي عن ابي حمزة عن السجاد (ع) قال: إياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين احذروا فتنتهم وتباعدوا عن ساحتهم. صحيحة. وغير ذلك من الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المتقدمة، وفي ج 2 المستدرك ص 337 وباب 73 تحريم صحة الظالمين، وباب 74 تحريم الولاية من قبل الجائر مما يكتسب به ص 549. وفي الباب 71 المزبور من ج 2 ئل. وج 3 الوافى باب الظلم ص 162. واصول الكافي بهامش ج 2 مرآة العقول باب الظلم ص 319: عن طلحة عن ابي عبد الله (ع) قال: العالم بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم. ضعيفة بطلحة ومحمد بن سنان. وفى رواية ابن سنان عنه (ع): من أعان ظالما يظلمه سلط الله عليه من يظلمه. مجهولة لابن نهشل

[ 428 ]

حرمة اعانة الظالمين في غير جهة ظلمهم وأما إعانة الظالمين في غير جهة ظلمهم. بالامور السائغة، كالبناية والخبازة ونحوهما فلا بأس بها، سواء أكان ذلك مع الاجرة ام بدونها، بشرط ان لا يعد بذلك من اعوان الظلمة عرفا، وإلا كانت محرمة كما عرفت. وقد يستدل على حرمتها بروايات: منها رواية محمد بن عذافر عن أبيه (1) الظاهرة في حرمة المعاملة مع الظلمة. وفيه أولا: أن الرواية ضعيفة السند. وثانيا: أن قوله " ع ": (يا عذافر نبئت أنك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في اعوان الظلمة). ظاهر في أن عذافر كان يدأب على المعاملة مع الظلمة، بحيث الحقه بأعوانهم، وعليه فمورد الرواية أجنبي عن المقام. ومنها رواية ابن ابي يعفور (2) الظاهرة في ردع السائل عن إعانة الظالمين في الجهات السائغة وفيه أن الظاهر من قول السائل: (ربما اصاب الرجل منا الضيق والشدة فيدعى إلى البناء الخ). أن الرجل منهم تصيبه الشدة، فيلتجئ إلى الظالمين، ويتدرج به الامر حتى يكون من أعوان الظلمة، بحيث يكون ارتزاقه من قبلهم، ولذلك طبق الامام " ع " عليهم قوله: (إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد). فهذه الرواية ايضا خارجة عن مورد الكلام. على أنها ضعيفة السند. ومع الاغضاء عن ذلك فقوله " ع ": (ما أحب أني عقدت لهم عقدة الخ) لو لم يكن ظاهرا في الكراهة فلا ظهور له في الحرمة، فتكون الرواية مجملة. ومنها رواية العياشي (3) الدالة على ان السعي في حوائج الظالمين عديل الكفر. والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار. وفيه أولا: أنها ضعيفة السند. وثانيا: ان الظاهر من إضافة الحوائج إلى الظالمين ولو بمناسبة الحكم والموضوع كون السعي في حوائجهم المتعلقة بالظلم.


(1) ضعيفة بسهل. راجع ج 1 كاص 357. وج 10 الوافي ص 26. وج 2 ئل باب 71 تحريم معونة الظالمين مما يكتسب به ص 548. (2) مجهولة ببشير. راجع المصادر المتقدمة في الحاشية السابقة. (3) مرسلة. راجع ج 2 ئل باب 74 تحريم الولاية من قبل الجائر مما يكتسب به ص 550

[ 429 ]

ومن هنا ظهر الجواب عن رواية السكوني (1) عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دوات أو ربط كيسا أو مد لهم مدة فاحشروهم معهم). وكك ظهر الجواب عن رواية ابي حمزة عن علي بن الحسين " ع " قال: (إياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين). وقد تقدمت هذه الرواية في الحاشية. ومنها رواية الشيخ (2) عن ابن ابي عمير عن يونس بن يعقوب قال: قال لي أبو عبد الله " ع ": (لا تعنهم على بناء مسجد). وفيه ان المنع عن إعانتهم على بناء المسجد لهم نحو من تعظيم شوكتهم، فيكون كمسجد الضرار الذي ذكره الله في الكتاب (3) وتبعد الرواية عما نحن بصدده. ومنها رواية صفوان (4) الظاهرة في ردعه عن إكراء الجمال من هارون الرشيد. وفيه اولا: أنها ضعيفة السند. وثانيا: ان الرواية ادل على الجواز، فان الامام " ع " إنما ردعه عن محبة بقائهم، ويدل على هذا من الرواية قوله " ع ": (أتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم، قال: من أحب بقائهم فهو منهم ومن كان منهم كان وروده إلى النار). ومع الاغضاء عن جميع ذلك، وتسليم دلالة الروايات المذكورة على الحرمة فالسيرة القطعية قائمة على جواز إعانة الظاالمين بالامور المباحة في غير جهة ظلمهم، فتكون هذه السيرة قرينة لحمل الروايات على غير هذه الصورة. والحاصل: ان المحرم من العمل للظلمة على قسمين، الاول، إعانتهم على الظلم. والثاني: صيرورة الانسان من أعوانهم، بحيث يعد في العرف من المنسوبين إليهم، بأن يقال: هذا كاتب الظالم. وهذا معماره. وذاك خزانه. وقد عرفت حرمة كلا القسمين بالادلة المتقدمة. وأما غير ذلك فلا دليل على حرمته. ثم إن المراد من الظالم المبحوث عن حكم إعانته ليس هو مطلق العاصي الظالم لنفسه، بل المراد به هو الظالم للغير، كما هو ظاهر جملة من الروايات التي تقدم بعضها، بل هو صريح


(1) موثقة بالسكوني. راجع ج 2 ئل باب 71 تحريم معونة الظالمين مما يكتسب به ص 548. (2) طرقه إلى ابن ابي عمير ثلاث طرق حسنات في المشيخة والفهرست. راجع الباب 71 المزبور من ئل. وج 2 التهذيب ص 102. وج 10 الوافي ص 27. (3) سورة التوبة، آية: 108 قوله تعالى (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا). (4) مجهولة بمحمد بن اسماعيل الرازي. راجع الباب 71 المتقدم من ج 2 ئل.

[ 430 ]

جملة اخرى منها، وعليه فمورد الحرمة يختص بالثاني. على أنه قد تقدم في البحث عن حكم الاعانة على الاثم أنه لا دليل على حرمتها على وجه الاطلاق ما لم يكن في البين تسبيب، وقلنا في المبحث المذكور: إن الاعانة على الظلم حرام للادلة الخاصة، فلا ربط لها بمطلق الاعانة على الاثم. حرمة النجش قوله: (الثالثة والعشرون: النجش بالنون المفتوحة والجيم الساكنة أو المفتوحة حرام) أقول: الظاهر انه لا خلاف بين الشيعة والسنة (1) في حرمة النجش في الجملة، وقد فسروه بوجهين. كما يظهر من أهل اللغة (2): الاول: ان يزيد الرجل في البيع ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها. ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته وهذا هو المروي عن الاكثر. الثاني: أن تمدح سلعة غيرك وتروجها ليبيعها، أو تذمها لئلا تنفق عنه. وظاهر الوجهين هو تحقق النجش بهما، سواء أكان ذلك عن مواطاة مع البائع أم لا. أما الوجه الاول فان كان غرض الناجش غش المشتري وتغريره في المعاملة فان مقتضى القاعدة حينئذ هو حرمة الغش مع تحقق المعاملة في الخارج. فقد عرفت في البحث عن


(1) في ج 2 فقه المذاهب ص 273 من البيوع المنهى عنها نهيا لا يستلزم بطلانها بيع النجش، وهو حرام نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي ج 5 شرح فتح القدير ص 239: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن النجش. وفي ج 5 سنن البيهقي ص 343 وص 344 في جملة من الاحاديث نهى عن النجش والتناجش. (2) في تاج العروس: النجش ان تواطئ رجلا إذا أراد بيعا ان تمدحه. أو هو أن يريد الانسان أن يبيع بياعة فتساومه فيها بثمن كثير لينظر اليك ناظر فيقع فيها. وقال ابو عبيد: النجش في البيع ان يزيد الرجل ثمن السلعة، وهو لا يريد شراءها، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته. وقال ابن شميل: النجش ان تمدح سلعة غيرك ليبيعا. أو تذمها لئلا تنفق عنه. وقال الجوهري: النجش ان تزايد في المبيع ليقع غيرك، وليس من حاجتك. وقال ابراهيم الحربى: النجش ان تزيد في ثمن مبيع أو تمدحه فيرى ذلك غيرك فيغتر لك. والاصل فيه إثارة الصيد من مكان إلى مكان، أو البحث عن الشئ. وعن المصباح: نجش الرجل إذا زاد في سلعة اكثر من ثمنها، وليس قصده ان يشتريها بل ليغر غيره فيوقعه فيه.

[ 431 ]

حرمة الغش: أن غش المؤمن في المعاملة حرام، لاستفاضة الروايات عليه، وإن لم تقع المعاملة في الخارج أو وقعت فيه بغير غش وتغرير فلا دليل على حرمته إلا من حيث التجري وقد يقال بحرمة النجش بهذا المعنى، لكونه إضرارا للمشتري، وهو حرام. وفيه أولا: أن المشتري إنما اقدم على الضرر بارادته واختياره وإن كان الدافع له على الاقدام هو الناجش. وثانيا: ان الدليل اخص من المدعى، فان الناجش إنما يوقع المشتري في الضرر إذا كان الشراء بأزيد من القيمة السوقية، وأما إذا وقعت المعاملة على السلعة بأقل من القيمة السوقية أو بما يساويها فان النجش لا يوجب إضرارا للمشتري. إلا أن يمنع من صدق مفهوم النجش على ذلك كما يظهر من غير واحد من اهل اللغة كالمصباح وتاج العروس وغيرهما، وقد تقدمت كلماتهم في الهامش. وقد يستدل على حرمة النجش في هذه الصورة بقول النبي " ص " (1): (لعن الناجش والمنجوش له). وبقوله " ص ": (ولا تناجشوا (2). وفيه أولا: ان هذين النبويين ضعيفا السند. ودعوى انجبارهما بالاجماع المنقول كما في المتن دعوى غير صحيحة، فانه إن كان حجة وجب الاخذ به في نفسه، وإلا فان ضم غير الحجة إلى مثله لا يفيد الحجية. وثانيا: انهما مختصان بصورة مواطاة الناجش مع البائع على النجش، كما هو الظاهر من لعن المنجوش له في النبوي الاول، والنهي عن التناجش في النبوي الثاني، وكلامنا اعم من ذلك. واما الوجه الثاني (أأعني مدح السلعة لترغيب الناس فيها) فان كان المدح بما ليس فيها من الاوصاف كان حراما من جهة الكذب، وإن كان مدحه للسلعة بما فيها من الاوصاف ولكن بالغ في مدحها مع قيام القرينة على إرادة المبالغة فلا بأس به، فقد ذكرنا في مبحث حرمة الكذب: ان المبالغة جائزة في مقام المحاورة والمحادثة ما لم تجر إلى الكذب. واما الروايتان المتقدمتان فمضافا إلى ضعف السند فيهما كما عرفت، انهما راجعتان إلى الصورة الاول، إذ لا وجه لحرمة مدح السلعة إلا إذا انطبق عليه عنوان محرم من الكذب


(1) قد تقدم في البحث عن وصل شعر المرأة بشعر غيرها ص 204. (2) مجهولة لعلي بن عبد العزيز وغيره. راجع ج 2 ئل باب 49 الزيادة وقت النداء والنجش من آداب التجارة ص 583. وفي ج 2 المستدرك باب 35 من آداب التجارة ص 470 نهى عن النجش. مرسل.

[ 432 ]

أو الغش أو غيرهما من العناوين المحرمة. فيكون محرما من تلك الجهة، لا من جهة كونه مدحا للسلعة. والحاصل: انه لا دليل على حرمة النجش في نفسه، إلا إذا انطبق عليه عنوان آخر محرم فانه يكون حراما من هذه الجهة. حرمة النميمة قوله: (الرابعة والعشرون: النميمة (1) محرمة بالادلة الاربعة). أقول: لا خلاف بين المسلمين في حرمتها، بل هي من ضروريات الاسلام، وهي من الكبائر المهلكة، وقد تواترت الروايات من طرق الشيعة (2) ومن طرق العامة (3) على حرمتها، وعلى كونها من الكبائر، بل يدل على حرمتها جميع ما دل على حرمة الغيبة، وقد استقل العقل بحرمتها، لكونها قبيحة في نظره. واما الاجماع فهو بقسميه وإن كان منعقدا على حرمتها. ولكن الظاهر ان مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة في المسألة، وليس إجماعا تعبديا. وقد تقدم نظيره مرارا. وقد يستدل على حرمتها بجملة من الآيات: منها قوله تعالى (4): " ويقطعون ما أمر الله به ان يوصل ويفسدون في الارض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ". بدعوى ان النمام قاطع لما امر الله بصلته، ويفسد في الارض فسادا كبيرا، فتلحق له اللعنة وسوء الدار. وفيه ان الظاهر من الآية ولو بمناسبة الحكم والموضوع هو توجه الذم إلى الذين امروا


(1) فسروا النميمة في اللغة بأنها نقل الحديث من قوم إلى قوم على وجهة الافساد والشر بأن يقول: تكلم فلان فيك بكذا، وهي مأخوذة من نم الحديث، بمعنى السعي لايقاع الفتنة وإثارة الفساد. (2) في صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله " ع " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الا انبئكم بشراركم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الاحبة. راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 362. وج 3 الوافى ص 164. وج 2 ئل باب 164 تحريم النميمة من عشرة الحج ص 241. وج 2 المستدرك ص 111 (3) راجع ج 10 سنن البيهقي ص 246. (4) سورة الرعد، آية: 25.

[ 433 ]

بالصلة والتوادد فأعرضوا عن ذلك. ومن هنا قيل (1) إن معنى الآية: أنهم أمروا بصلة النبي والمؤمنين فقطعوهم. وقيل: أمروا بصلة الرحم والقرابة فقطعوها. وقيل: أمروا بالايمان بجميع الانبياء والكتب ففرقوا وقطعوا ذلك. وقيل: امروا ان يصلوا القول بالعمل ففرقوا بينهما. وقيل: معنى الآية أنهم أمروا بوصل كل من أمر الله بصلته من أوليائه والقطع والبراءة من أعدائه، وهو الاقوى لانه أعم، ويدخل فيه جميع المعاني، وعلى كل حال فالنمام لم يؤمر بالقاء الصلة والتوادد بين الناس لكي يحرم له قطع ذلك فالآية غربية عنه. وأما الاستدلال على الحرمة بقوله تعالى: (ويفسدون في الارض الخ). فانه وإن كان صحيحا في الجملة، كما إذا كانت النميمة بين العشائر والسلاطين، فانها كثيرا ما تترتب عليها مفسدة مهمة. ولكن الاستدلال بها أخص من المدعى، إذ لا تكون النميمة فسادا في الارض في جميع الموارد وان اوجبت العداوة والبغضاء غالبا. ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى (2): (والفتنة اشد من القتل). فان النميمة قد تجر إلى قتل النفوس المحترمة، وهتك الاعراض، ونهب الاموالا. ولكنها ليست كك في جميع الاحوال، بل المراد من الفتنة هو الشرك كما ذكره الطبرسي (3) وإنما سمى الشرك فتنة، لانه يؤدي إلى الهلاك، كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك ثم إن النسبة بين النميمة والغيبة هي العموم من وجه، ويشتد العقاب في مورد الاجتماع وقد تزاحم حرمة النميمة عنوان آخر مهم في نظر الشارع، فتجري فيها قواعد التزاحم المعروفة، فقد تصبح جائزة إذا كان المزاحم أهم منها، وقد يكون واجبة إذا كانت اهميته شديدة، ويتضح ذلك بملاحظة ما تقدم (4).


(1) راجع ج 1 مجمع البيان ط صيدا ص 70. (2) سورة البقرة، آية: 187. (3) راجع ج 1 مجمع البيان ص 286. (4) في نصح المستشير من مستثنيات الغيبة ص 348.

[ 434 ]

النياحة قوله: (الخامسة والعشرون: النوح بالباطل). أقول: اختلفت كلمات الاصحاب في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، الاول: القول بحرمة النوح مطلقا، وقد ذهب إليه جمع من الاصحاب، الثاني: القول بالكراهة مطلقا، وهو المحكي عن مفتاح الكرامة. الثالث القول بالتفصيل بين النوح بالباطل فيحرم والنوح بالحق فيجوز، وقد اختاره المصنف. ثم إنه اختلف أصحاب القول بالتفصيل فذهب بعضهم إلى جواز النوح بالحق من غير كراهة، وذهب بعضهم إلى جواز ذلك على كراهة، وذهب بعضهم إلى أن النوح بالحق إذا اشترطت فيه الاجرة كان مكروها وإلا فلا بأس به. والتحقيق أن الاخبار الواردة في مسألة النياحة على طوائف شتى، الاولى (1) ما دل على المنع من النياحة مطلقا، سواء كانت بالباطل أم بالحق. الثانية (2): ما دل على جوازها وجواز أخذ الاجرة عليها كك مطلقا. الثالثة (3):


(1) في ج 2 ئل باب 45 جواز كسب النائحة مما يكتسب به ص 542: عن الزعفراني عن ابي عبد الله " ع ": ومن اصيب بمصيبته فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها. ضعيفة بسلمة بن الخطاب. وفي رواية الخصال: إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران. مجهولة لسليمان بن جعفر البصري. وفي حديث المناهي: نهي عن النياحة. مجهولة لشعيب بن واقد. وفي ج 2 المستدرك ص 433: لعن رسول الله النائحة. مرسلة. وفي ج 10 سنن البيهقي ص 246 ما يدل على كفر النياحة على الميت. (2) كصحيحة يونس بن يعقوب عن ابي عبد الله " ع " قال: قال لي ابي: يا جعفر اوقف لي من مالي كذا وكذا للنوادب تندبني عشر سنين بمنى ايام منى. وكصحيحة الثمالي. وفي جملة من الروايات لا بأس بأجر النائحة. راجع ج 1 كا ص 360. وج 10 الوافي ص 31، وج 2 التهذيب ص 108. وج 2 ئل باب 45 جواز كسب النائحة مما يكتسب به ص 541. (3) في المصدرين المزبورين من الوافي وئل عن الفقيه قال: قال " ع " لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا. مرسل.

[ 435 ]

ما دل على جواز كسب النائحة إذا قالت صدقا وعدم جوازه إذا قالت كذبا. الرابعة (1): ما يدل بظاهره على الكراهة وهي روايتان: تضمنت إحداهما ان السائل سأل عن النياحة. والاخرى عن كسب النائحة، فكرههما الامام " ع "، على أنهما غير ظاهرتين في الكراهة المصطلحة، فكثيرا ما يراد بالكراهة في الاخبار التحريم، وح فتكون هاتان الروايتان من الطائفة الاولى الدالة على المنع مطلقا. ومقتضى الجمع بينها حمل الاخبار المانعة على النوح بالباطل، وحمل الاخبار المجوزة وما هو ظاهر في الكراهة على النوح بالصدق، وعليه فالنتيجة هي جواز النياحة بالصدق على كراهة محتملة. وبتقريب آخر ان قوله " ع ": (لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا). وما في معناه يدل بالالتزام على جواز نفس النوح بالحق، فيقيد به إطلاق الروايات المانعة. وبعد تقييدها تنقلب نسبتها إلى الروايات الدالة باطلاقها على الجواز، فتكون مخصصة لها، فيكون النوح بالباطل حراما، والنوح بالحق جائزا على الكراهة المحتملة، هذا ما يرجع إلى حكم النياحة وقد يقال: بأنها حينئذ معارضة بما دل على حرمة الكذب، وحرمة الغناء، وحرمة إسماع المرأة صوتها للاجانب، وحرمة النوح في آلات اللهو، والمعارضة بينها بنحو العموم من وجه. ولكنها دعوى جزافية، فان هذه الروايات تدل على جواز النوح بعنوانه الاولي، مع قطع النظر عن انطباق العناوين المحرمة عليه، فلا تكون معارضة لها يوجه. وأما كسب النائحة فما دل على جوازه مطلقا مقيد بمفهوم ما دل على جوازه إذا كان النياح بالحق. ولكن هذه الرواية الظاهرة في تقييد ما دل على جواز كسب النائحة مطلقا ضعيفة السند. نعم يكفي في التقييد ما تقدم مرارا من أن حرمة العمل بنفسه يكفي في حرمة الكسب، مع قطع النظر عن الادلة الخارجية. وقد يقال: بتقييد المطلقات بقوله " ع " في رواية حنان بن سدير (2): (لا تشارط وتقبل ما اعطيت). وعليه فالنتيجة أن كسب النائحة جائز إذا قالت حقا، ولم تشارط.


(1) في الابواب المذكورة من يب والوافي وئل عن سماعة قال: سألته عن كسب المغنية والنائحة؟ فكرهه. ضعيفة بعثمان بن عيسى. وفي الباب المزبور من ئل: عن علي بن جعفر عن أخيه " ع " قال: سألته عن النوح على الميت أيصلح؟ قال: يكره، صحيحة. (2) موثقة بحنان بن سدير. راجع المصادر المزبورة من كا ويب وئل والوافي.

[ 436 ]

وفيه أنه قد تقدم في البحث عن كسب الماشطة ان النهي عن الاشتراط في أمثال هذه الصنائع، والامر بقبول ما يعطى صاحبها إنما هو إرشاد إلى ان الاشتراط فيها لا يناسب شؤون نوع الناس، وأن المبذول لهؤلاء لا يقل عن أجرة المثل، وهذا لا ينافي جواز رد المبذول إذا كان اقل من أجرة المثل، وعلى هذا فلا دلالة فيها على التقييد. هذا كله مع الاغضاء عن أسانيد الروايات وصونها عن الطرح، وإلا فان جميعها ضعيف السند غير ما هو ظاهر في جواز النياح على وجه الاطلاق، وما هو ظاهر في الكراهة، وما هو ظاهر في جواز كسب النائحة إذا لم نشارط، كرواية حنان المتقدمة. وإذن فتبقى هذه الروايات سليمة عن المعارض. حرمة الولاية من قبل الجائر قوله: (السادسة والعشرون: الولاية من قبل الجائر، وهي صيرورته واليا على قوم منصوبا من قبله محرمة (). أقول: الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في حرمة الولاية من قبل الجائر في الجملة. وتدل عليه الاخبار المستفيضة، بل المتواترة (1) وقد تقدم بعضها في البحث عن حرمة معونة الظالمين، كقوله " ع ": (من سود اسمه في ديوان ولد سابع " مقلوب عباس " حشره الله يوم القيامة خنزيرا). وغير ذلك من الروايات. ويدل على الحرمة ايضا ما في رواية تحف العقول من قوله " ع ": (إن في ولاية الوالي الجائر دروس (2) الحق كله ولحياء الباطل كله وإظهار الظلم والجور والفساد وإبطال الكتب وقتل الانبياء وهدم المساجد وتبديل سنة الله وشرايعه فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة). وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند، كما تقدم الكلام عليها في أول الكتاب، إلا ان تلك التعليلات المذكورة فيها تعليلات صحيحة، فلا باس بالتمسك بها. ثم إن ظاهر جملة من الروايات كون الولاية من قبل الجائر بنفسها محرمة، وهي أخذ


(1) راجع ج 1 كاباب 30 عمل السلطان من المعيشة ص 357. وج 2 التهذيب ص 100. وج 10 الوافي ص 25. وج 2 ئل باب 74 تحريم الولاية من قبل الجائر مما يكتسب به ص 549. وج 2 المستدرك ص 438. (2) في نسخة تحف العقول ص 80: (دوس الحق): اي وطئه برجله.

[ 437 ]

المنصب منه، وتسويد الاسم في ديوانه وإن لم ينضم إليها القيام بمعصية عملية اخرى من الظلم وقتل النفوس المحترمة، وإصابة أموال الناس وأعراضهم، وغيرها من شؤون الولاية المحرمة، فاي وال من ولاة الجور ارتكب شيئا من تلك العناوين المحرمة يعاقب بعقابين: أحدهما من جهة الولاية المحرمة. وثانيهما: من جهة ما ارتكبه من المعاصي الخارجية. وعليه فالنسبة بين عنوان الولاية من قبل الجائر وبين تحقق هذه الاعمال المحرمة هي العموم من وجه، فقد يكون أحد واليا من قبل الجائر، ولكنه لا يعمل شيئا من الاعمال المحرمة وإن كانت الولاية من الجائر لا تنفك عن المعصية غالبا، وقد يرتكب غير الوالي شيئا من هذه المظالم الراجعة إلى شؤون الولاة تزلفا إليهم، وطلبا للمنزلة عندهم، وقد يجتمعان بأن يتصدى الوالي نفسه لاخذ الاموال وقتل النفوس، وارتكاب المظالم. ما استثنى من حرمة الولاية منها أخذها للقيام بمصالح العباد قوله: (ثم إنه يسوغ الولاية المذكورة أمران: أحدهما القيام بمصالح العباد بلا خلاف الخ). أقول: قد استثنى من الولاية المحرمة أمران، الاول: أن يتولاها للقيام بمصالح العباد. الثاني: أن يتولاها مكرها على قبولها والعمل بأعمالها. أما الامر الاول فقد استدل المصنف عليه بوجوه: الاول: (أن الولاية إن كانت محرمة لذاتها كان ارتكابها لاجل المصالح ودفع المفاسد التي هي أهم من مفسدة انسلاك الشخص في أعوان الظلمة بحسب الظاهر وان كانت لاستلزامها الظلم على الغير فالمفروض عدم تحققه هنا). وفيه إن كان المراد من المصالح حفظ النفوس والاعراض ونحوهما فالمدعى أعم من ذلك وإن كان المراد منها أن القيام بامور المسلمين، والاقدام على قضاء حوائجهم، وبذل الجهد في كشف كرباتهم من الامور المستحبة، والجهات المرغوب بها في نظر الشارع المقدس فلا شبهة أن مجرد ذلك لا يقاوم الجهة المحرمة، فان المفروض أن الولاية من قبل الجائر حرام في نفسها، وكيف ترتفع حرمتها لعروض بعض العناوين المستحبة عليها. على أنه (ره) قد اعترف آنفا بأن الولاية عن الجائر لا تنفك عن المعصية، وعليه فلا يجوز الاقدام على المعصية لرعاية الامور المستحبة. وقد اعترف أيضا في البحث عن جواز الغناء في قراءة القرآن بأن ادلة الاحكام الالزامية لا تزاحم بأدلة الاحكام الترخيصية، وقد

[ 438 ]

أوضحنا المراد في المبحث المذكور. الثاني: الاجماع. وفيه أنه وإن كان موجودا في المقام، ولكنه ليس بتعبدي. الثالث: وهو العمدة الاخبار (1) المتظافرة الظاهرة في جواز الولاية من الجائر للوصول إلى قضاء حوائج المؤمنين. وبعضها وإن كان ضعيف السند، ولكن في المعتبر منها غنى وكفاية، وبهذه الاخبار نقيد المطلقات الظاهرة في حرمة الولاية من قبل الجائر على وجه الاطلاق. لا يقال: إن الولاية عن الجائر محرمة لذاتها كالظلم ونحوه، فلا تقبل التخصيص بوجه ولا ترفع اليد عنها إلا في موارد الضرورة. فانه يقال: إن غاية ما يستفاد من الادلة هي كون الولاية بنفسها محرمة، وأما الحرمة الذاتية فلم يدل عليها دليل من العقل أو النقل، وإن ذهب إليه العلامة الطباطبائي في محكي الجواهر. وقد يستدل على جواز الولاية عن الجائر في الجملة بقوله تعالى (2) حاكيا عن يوسف " ع " (اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم). وفيه أولا: أنه لم يظهر لنا وجه الاستدلال بهذه الآية على المطلوب. وثانيا: أن يوسف " ع " كان مستحقا للسلطنة، وإنما طلب منه حقه، فلا يكون واليا من قبل الجائر.


(1) عن الفقيه عن علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن " ع ": إن لله مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه. صحيحة. وفي خبر آخر: اولئك عتقاء الله من النار. وغير ذلك من الروايات الكثيرة. راجع ج 10 الوافى باب 27 من المعيشة ص 28. وج 2 التهذيب ص 100 و 101. وج 2 ئل باب 75 جواز الولاية من قبل الجائر لنفع المؤمنين ص 550. وباب 74 تحريم الولاية من قبل الجائر إلا ما استثنى ص 549 مما يكتسب به. وج 1 كاباب 31 من المعيشة ص 358. وج 2 المستدرك ص 438. (2) سورة يوسف، آية: 55.

[ 439 ]

أقسام الولاية من قبل الجائر إذا جازت الولاية عن الجائر فهل تتصف بالكراهة والرجحان أم هي مباحة؟ فنقول: قد عرفت: أنه لا إشكال في جواز الولاية عن الجائر إذا كان الغرض منه الوصول إلى قضاء حوائج المؤمنين، فشأنها ح شأن الكذب للاصلاح على ما تقدم الكلام عليه، وإنما الكلام في اتصافها بالرجحان تارة، وبالمرجوحية اخرى. الذي ظهر لنا من الاخبار: أن الولاية الجائزة قد تكون مباحة، وقد تكون مكروهة وقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة. أما المباح فهو ما يظهر من بعض الروايات (1) المسوغة للولاية عن الجائر في بعض الاحوال، كما ذكره المصنف. وأما المكروه فيستفاد من رواية ابي نصر (2) الدالة على أن الوالي عن الجائر الذي يدفع الله به عن المؤمنين اقل حظا منهم يوم القيامة. فان الظاهر منها أن الولاية الجائزة عن الجائر مكروهة مطلقا. وأما المستحبة فتدل عليه جملة من الروايات، إذ الظاهر من رواية محمد بن اسماعيل (3)


(1) في ج 2 التهذيب ص 103. وج 10 الوافى ص 27. وج 2 ئل باب 77 جواز قبول الولاية من الجائر مع الضرورة ص 551: عن الحلبي قال: سئل أبو عبد الله " ع " عن رجل مسلم وهو في ديوان هؤلاء وهو يحب آل محمد " ع " ويخرج مع هؤلاء فيقتل تحت رايتهم؟ قال: يبعث الله على نيته. صحيحة. وفي غير واحد من الروايات ما يدل على إباحة الولاية عن الجائر مع المواساة والاحسان إلى الاخوان. (2) في ج 1 كاص 359. وج 2 التهذيب ص 112. وج 10 الوافى ص 28، وج 2 ئل باب 73 تحريم صحبة الظالمين مما يكتسب به ص 549: عن أبي نصر عن ابي عبد الله " ع " قال: سمعته يقول: ما من جبار إلا ومعه مؤمن يدفع الله به عن المؤمنين وهو اقلهم حظا في الآخرة. يعني أقل المؤمنين حظا لصحبة الجبار. مجهولة بمهران بن محمد ابن ابي نصر. وفي نسخة الوافى " عن مهران بن محمد عن ابي بصير " وهو من سهو القلم. (3) في ج 15 البحار كتاب العشرة ص 213 جش حكى بعض اصحابنا عن ابن الوليد قال: وفي رواية محمد بن اسماعيل بن بزيغ قال أبو الحسن الرضا " ع ": إن لله تعالى بأبواب الظالمين من نور الله أخذ له البرهان ومكن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه

[ 440 ]

وغيرها أن الولاية الجائزة عن الجائر مستحبة على وجه الاطلاق، فيقع التنافى بينها وبين ما تقدم من دليل الكراهة. وجمعهما المصنف (ره) بحمل رواية ابي نصر على (من تولى لهم لنظام معاشه قاصدا للاحسان في خلال ذلك إلى المؤمنين ودفع الضرر عنهم) وحمل ما هو ظاهر في الاستحباب على (من لم يقصد بدخوله إلا الاحسان إلى المؤمنين). إلا انه لم يذكر وجهه. والتحقيق أن رواية ابي نصر ظاهرة في مرجوحية الولاية الجائزة مطلقا، سواء كانت لنظام المعاش مع قصد الاحسان إلى المؤمنين، أم كانت لخصوص إصلاح شؤونهم، ورواية محمد بن اسماعيل ظاهرة في محبوبية الولاية عن الجائر إذا كانت لاجل إدخال السرور على المؤمنين من الشيعة، ويدل على ذلك من الرواية قوله " ع ": (فهنيئا لهم ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله، قال: قلت: بماذا جعلني الله فداك؟ قال: تكون معهم فتسرنا بادخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن معهم يا محمد). وعليه فتقيد هذه الرواية رواية أبي نصر وح فتختص الكراهة بما إذا قصد بالولاية عن الجائر حفظ معاشه، وكان قصد الاحسان إلى الشيعة ضمنا في خلال ذلك، وإذا فتنقلب النسبة، وتصبح رواية أبي نصر مقيدة لما هو ظاهر في رجحان الولاية الجائزة، سواء كانت لحفظ المعاش، أم لدفع الضرر عن المؤمنين من الشيعة، كروايتي المفضل وهشام ابن سالم (1) وتكون النتيجة ان الولاية من قبل الجائر إن كانت لحفظ المعاش مع قصد الاحسان إلى المؤمنين فهي مكروهة، وإن كانت للاحسان إليهم فقط فهي مستحبة هذا. ولكن رواية ابي نصر لضعف سندها قاصرة عن إثبات الكراهة، إلا على القول بشمول


ويصلح الله به امور المسلمين إليهم يلجأ المؤمن من الضرر واليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة اولئك المؤمنون حقا اولئك امناء الله في أرضه اولئك نور الله في رعيتهم يوم القيامة ويزهر نورهم لاهل السماوات كما تزهر الكواكب الدرية لاهل الارض اولئك من نورهم يوم القيامة تفئ منهم القيامة خلقوا والله للجنة وخلقت الجنة لهم الحديث. مرسل. (1) في ج 2 المستدرك باب 39 جواز الولاية من قبل الجائر مما يكتسب به ص 439 عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله " ع ": إن لله مع ولاة الجور أولياء يدفع بهم عن أوليائه أولئك هم المؤمنون حقا. مرسل. وعن المفضل قال: قال أبو عبد الله " ع ": ما من سلطان إلا ومعه من يدفع الله به عن المؤمنين اولئك اوفر حظا في الآخرة. مرسل. وغير ذلك من الاحاديث.

[ 441 ]

قاعدة التسامح لادلة الكراهة. وأما روايتا المفضل وهشام فانهما وإن كانتا ضعيفتي السند إلا أنهما لا تقصران عن إثبات الاستحباب على وجه الاطلاق، بناء على قاعدة التسامح في ادلة السنن المعروفة. وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ما في كلام المحقق الايرواني حيث حمل الروايات الدالة على أن في أبواب السلاطين والجائرين من يدفع الله بهم عن المؤمنين على غير الولاية (من وجوه البلد وأعيانه الذين يختلفون إليه لاجل قضاء حوائج الناس)!. وأعجب من ذلك دعواه ان العمال في الغالب لا يستطيعون التخطي عما نصبوا لاجله وفوض إليهم من شؤون الولاية!. ووجه العجب أنه لا شبهة في تمكنهم من الشفاعات واقتدارهم على المسامحة في المجازات وإطلاعهم على طريق الاغماض عن الخطيئات، ولا سيما من كان من ذوي المناصب العالية وأما الواجب من الولاية فهو لعى ما ذكره المصنف ما يتوقف عليه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبان، فان ما لا يتم الواجب إلا به واجب مع القدرة. ثم استظهر من كلمات جماعة عدم الوجوب في هذه الصورة ايضا، بل في الجواهر إنه لم يحك عن أحد التعبير بالوجوب إلا عن الحلي في سرائره. والذي يهمنا في المقام هو بيان مدرك الحكم بالوجوب، والكلام يقع فيه تارة من حيث القواعد، واخرى من حيث الروايات: أما الناحية الاولى ففي الجواهر يمكن ان يقال ولو بمعونة كلام الاصحاب بناء على حرمة الولاية في نفسها: (إنه تعارض ما دل على الامر بالمعروف وما دل على حرمة الولاية من الجائر ولو من وجه، فيجمع بينهما بالتخيير المقتضي للجواز رفعا لقيد المنع من الترك مما دل على الوجوب والمنع من الفعل مما دل على الحرمة). وفيه ان ملاك التعارض بين الدليلين هو ورود النفي والاثبات على مورد واحد بحيث يقتضي كل منهما نفي الآخر عن موضوعه. ومثاله ان يرد دليلان على موضوع واحد، فيحكم أحدهما بوجوبه والآخر بحرمته، وحيث إنه لا يقعل اجتماع الحكمين المتضادين في محل واحد، فيقع بينهما التعارض، ويرجع إلى قواعده. ومن المقطوع به ان الملاك المذكور ليس بموجود في المقام. والوجه فيه ان موضوع الوجوبهو الامر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وموضوع الحرمة هو الولاية من قبل الجائر، وكل من الموضوعين لا مساس له بالآخر بحسب طبعه الاولي، فلا شئ من افراد أحد الموضوعين فردا للآخر.

[ 442 ]

نعم المقام من قبيل توقف الواجب على مقدمة محرمة، وعليه فيقع التزاحم بين الحرمة المتعلقة بالمقدمة وبين الوجوب المتعلق بذي المقدمة، نظير الدخول إلى الارض المغصوبة لانقاذ الغريق، أو إنجاء الحريق، ويرجع إلى قواعد باب التزاحم المقررة في محله، وعلى هذا فقد تكون ناحية الوجوب أهم فيؤخذ بها، وقد تكون ناحية الحرمة أهم فيؤخذ بها وقد تكون إحدى الناحيتين بخصوصها محتمل الاهمية فيتعين الاخذ بها كذلك، وقد يتساويان في الملاك، فيتخير المكلف في اختيار اي منهما شاء، هذا ما تقتضيه القاعدة، إلا أن كشف أهمية الملاك والعلم بوصوله إلى حد الالزام في غاية الصعوبة. وأما الكلام في الناحية الثانية فقد دلت الآيات المتظافرة والروايات المتواترة من الفريقين على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكك دلت الروايات المستفيضة، بل المتواترة على أنه لا بأس بالولاية من قبل الجائر إذا كانت لاصلاح امور المؤمنين من الشيعة وقد تقدم بعضها، وبها قيدنا ما دل على حرمة الولاية عن الجائر مطلقا، ومن الواضح أن الامور الجائزة إذا وقعت مقدمة للواجب كانت واجبة شرعا، كما هو معروف بين الاصوليين، أو عقلا كما هو المختار، وعليه فلا مانع من اتصاف الولاية الجائزة بالوجوب المقدمي إذا توقف عليها الواجب، كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. على أنه إذا جازت الولاية عن الجائر لاصلاح امور المؤمنين جازت ايضا للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بالفحوى، أو لان ذلك من جملة إصلاح امورهم، وقد اشار المحقق الايرواني إلى هذا. وقد اتضح ان المقام من صغريات باب التزاحم دون التعارض، كما يظهر من صاحب الجواهر بعد كلامه المتقدم. ثم إن الظاهر من بعض الروايات ان الدخول في الولاية غير جائز ابتداءا، إلا أن الاحسان إلى المؤمنين يكون كفارة له. ومما يدل على ذلك قوله " ع " في مرسلة الصدوق (1) عن الصادق " ع " قال: (كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان). وقوله " ع " في رواية زياد بن ابي سلمة (2): (فان وليت شيئا من اعمالهم فأحسن إلى إخوانك تكون واحدة بواحدة). ولكن هذا الرأي على إطلاقه ممنوع، فان الظاهر من هاتين الروايتين ومن غير هما من


(1) راجع ج 2 ئل باب 75 جواز الولاية من قبل الجائر مما يكتسب به ص 550. (2) ضعيفة بزياد بن ابي سلمة، وصالح بن أبي حماد، ومجهولة بالحسين بن الحسن الهاشمي راجع المصدر المزبور من ئل. وج 1 كاباب 31 من المعيشة ص 358. وج 2 التهذيب ص 101. وج 10 الوافى باب 27 من المعيشة ص 27.

[ 443 ]

الاخبار هو اختصاص ذلك بما إذا كان الدخول في الولاية حراما ابتدءا ثم اصبح جائزا بعد ذلك، ثم تبدل قصده إلى إصلاح امور المؤمنين والاحسان إلى إخوانه في الدين، كيف وقد عرفت إطباق الروايات على استحباب الولاية عن الجائر لقضاء حوائج المؤمنين وإصلاح شؤونهم. على أن الروايتين ضعيفتا السند. ولا يخفى ان كلمات الاصحاب هنا في غاية الاختلاف، حيث ذهب بعضهم إلى الوجوب وبعضهم إلى الاستحباب، وبعضهم إلى مطلق الجواز. وقد جمع المصنف (ره) بين شتات آرائهم بأن من عبر بالجواز مع التمكن من الامر بالمعروف إنما اراد به الجواز بالمعنى الاعم، فلا ينافى الوجوب، ومن عبر بالاستحباب إنما اراد به الاستحباب التعييني، وهو لا ينافي الوجوب الكفائي، نظير قولهم: يستحب تولي القضاء لمن يثق بنفسه مع انه واجب كفائى أو كان مرادهم ما إذا لم يكن هنا معروف متروك أو منكر مفعول لتجب الولاية مقدمة للامر بالمعروف أو النهي عن المنكر. وعلى الجملة لا شبهة في وجوب الولاية عن الجائر إذا توقف عليها الامر بالمعروف أو النهي عن المنكر الواجبين. قبول الولاية من قبل الجائر مكرها وأما الامر الثاني وهو قبول الولاية من قبل الجائر مكرها فلا خلاف فيه، ولا شبهة في أن هذه المسألة من المسائل المهمة التي يبتلي بها اكثر الناس، ويتفرع عنها فروع كثيرة وهي من صغريات جواز مخالفة التكليف بالاكراه أو الاضطرار بحيث يشق على المكره أو المضطر ان يتحمل الضرر المتوعد به، سواء كان ماليا أم عرضيا ام نفسيا ام اعتباريا وسواء تعلق بنفسه ام بعشيرته الاقربين. وهذه الكبرى مما لا خلاف فيها بين الفريقين نصا وفتوى. ويدل على صدقها في الجملة قوله تعالى: (إلا ان تتقوا منهم تقاة). وقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان). وقد تقدم الكلام عليهما في البحث عن جواز الكذب لدفع الضرورة. أما الصغرى فتدل عليها جملة من الروايات الخاصة (1) الواردة في قبول الولاية عن الجائر مكرها.


(1) راجع ج 1 كاباب 30 عمل السلطان من المعيشة ص 357. وج 2 التهذيب ص 113. وج 10 الوافى ص 26. وج 2 ئل باب 77 جواز قبول الولاية من الجائر مع الخوف مما يكتسب به ص 551.

[ 444 ]

حكم الاضرار بالناس مع الاكراه قوله: (وينبغي التنبيه على امور: الاول). اقول: قد عرفت انه لا شبهة في أن الاكراه يسوغ الدخول في الولاية من قبل الجائر، وكذلك لا شبهة في جواز العمل للمكره بما يأمره الجائر من المحرمات ما عدا هراقة الدم، فان التقية لنما شرعت لتحقن بها الدماء فإذا بلغت الدم فلا تقية فيه، وإنما الاشكال في انه هل يجوز الاضرار بالناس إذا اكره على الاضرار بهم، كنهب اموالهم، وهتك أعراضهم، وإيقاع النقص في شؤونهم وعظائم امورهم، سواء كان الضرر الذي توعد به المكره أقل من الضرر الذي يوجهه إلى الغير أم اكثر، أو لابد من الاقدام على أقل الضررين وترجيحه على الآخر. ذكر المصنف (ره) انه قد يقال بالاول استنادا إلى أدلة الاكراه، ولان الضروريات تبيح المحظورات. وقد يقال بالثاني، إذ المستفاد من ادلة الاكراه ان تشريع ذلك إنما هو لدفع الضرر، وواضح انه لا يجوز لع أحد ان يدفع الضرر عن نفسه بالاضرار بغيره حتى فيما إذا كان ضرر الغير أقل فضلا عما إذا كان اعظم. والوجه في ذلك أن حديث رفع الاكراه والاضطرار مسوق للامتنان على الامة، ومن المعلوم ان دفع الضرر عن نفسه بالاضرار بغيره على خلاف الامتنان، فلا يكون مشمولا للحديث، ثم إنه (ره) اختار الوجه الاول، واستدل عليه بوجوه سنذكرها. وتحقيق المقام يقع في ثلاث نواحي، الناحية الاولى: ان يتوجه الضرر ابتداءا إلى أحد من غير ان يكون لفعل الآخر مدخل فيه، كتوجه السيل إلى داره أو بستانه، وكتوجه الظلمة أو السراق إلى نهب امواله أو هتك اعراضه، ولا شبهة في ان هذا القسم من الضرر لا يجوز دفعه بالاضرار بغيره تمسكا بأدلة نفي الاكراه والضرر والحرج، بداهة انها مسوقة للامتنان على جنس الامة، وبديهي ان دفع الضرر المتوه إلى أحد بالاضرار بغيره خلاف الامتنان على جنس الامة وبديهي ان دفع الضرر المتوجه إلى احد بالاضرار بغيره خلاف الامتنان على الامة، فلا يكون مشمولا للادلة المذكورة. على انه لو جاز لاحد ان يدفع الضرر عن نفسه ولو بالاضرار بالغير لجاز للآخر ذلك ايضا، لشمول الادلة لهما معا، فيقع التعارض في مضمونها، وح فالتمسك بها لدفع الضرر عن احد الطرفين بالاضرار بالآخر ترجيح بلا مرجح، وعليه فلا بد من رفع اليد عن إطلاقها في مورد الاجتماع، ويرجع فيه إلى ادلة حرمة التصرف في اموال الناس

[ 445 ]

نعم إذا كان الضرر المتوجه إلى الشخص مما يجب دفعه على حل احد، كقتل النفس المحترمة وما يشبهه، وامكن دفعه بالاضرار بالغير كان المقام حينئذ من صغريات باب التزاحم فيرجع إلى قواعده. الناحية الثانية: ان يتوجه الضرر ابتداء إلى الغير على عكس الصورة السابقة، وقد ظهر حكم ذلك من الناحية الاولى كما هو واضح. الناحية الثالثة: ان يتوجه الضرر إلى الغير ابتداء، والى المكره على تقدير مخالفته لما أمر به الجائر، وكان الضرر الذي توعده المكره (بالكسر) أمرا مباحا في نفسه، كما إذا أكرهه الظالم على نهب مال غيره وجلبه إليه، وإلا فيحمل أموال نفسه إليه، وفي هذه الصورة لا بد للمكره من تحمل الضرر بترك النهب، ومن الواحض أن دفع المكره أمواله للجائر مباح في في نفسه حتى في غير حال الاكراه، ونهب أموال الناس وجلبه إلى الجائر حرام في نفسه، ولا يجوز رفع اليد عن المباح بالاقدام على الحرام. وقد استدل المصنف (ره) على عدم وجوب تحمل الضرر بوجوه، الاول: أن دليل نفي الاكراه يعم جميع المحرمات حتى الاضرار بالغير ما لم يجر إلى إراقة الدم. الثاني: ان تحمل الضرر حرج عظيم، وهو مرفوع في الشريعة المقدسة. وجواب الوجهين يتضح مما قدمناه في الجهة الاولى. الثالث: الاخبار (1) * الدالة على ان التقية إنما جعلت لتحقن بها الدماء، فإذا بلغت الدم فلا تقية، فانظاهرها جواز التقية في غير الدماء بلغت ما بلغت. وفيه ان الظاهر من هذه الاخبار ان التقية إنما شرعت لحفظ بعض الجهات المهمة، كالنفوس وما اشبهها، فإذا أدت إلى اتلاف ما شرعت لاجله فلا تقية، لان ما يلزم من وجوده


(1) عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر " ع " قال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية. صحيحة. وعن الثمالي قال: قال أبو عبد الله " ع ": إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية. موثقة لابن فضال. راجع ج 3 الوافي باب التقية ص 124. وكابهامش مرآة العقول ص 197. وج 2 ئل باب 31 عدم جواز التقية في الدم من الامر بالمعروف ص 505. وج 15 البحار كتاب العشرة ص 225 وص 235. وفي ج 2 المستدرك ص 378: عن الصدوق في الهداية مرسلا والتقية في كل شئ حتى يبلغ الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية.

[ 446 ]

عدمه فهو محال، وليس مفاد الروايات المذكورة هو جواز التقية في غير تلف النفس لكي يترتب عليه جواز إضرار الغير لدفع الضرر عن نفسه. والغرض من تشريع التقية قد يكون حفظ النفس، وقد يكون حفظ العرض، وقد يكون حفظ المال ونحوه، وح فلا يشرع بها هتك الاعراض، ونهب الاموال، لانتهاء آمادها بالوصول إلى هذه المراتب. وبعبارة اخرى المستفاد من الروايات المذكورة أن الغرض من التقية هو حفظ الدماء وإن توقف ذلك على ارتكاب بعض المعاصي ما لم يصل إلى مرتبة قتل النفس. على أنه لو جازت التقية بنهب مال الغير وجلبه إلى الظالم لدفع الضرر عن نفسه لجاز للآخر ذلك ايضا، لشمول ادلة التقية لها معا، فيقع التعارض في مضمونها، وح فلا يجوز الاستناد إليها في دفع الضرر عن أحد الطرفين بايقاع النقص بالطرف الآخر، لانه ترجيح بلا مرجح، وعليه فنرفع اليد عن إطلاقها في مورد الاجتماع، ويرجع فيه إلى عموم حرمة التصرف في مال الغير وشؤونه. الرابع ما ذكره من الفرق بين الاكراه والاضطرار، حيث التزم بحرمة دفع الضرر عن نفسه بالاضرار بغيره في مورد الاضطرار دون الاكراه، وحاصل كلامه: أن الضرر في موارد الاضطرار قد توجه ابتداءا إلى الشخص نفسه، كما إذا توجه السيل إلى داره فلا يجوز له دفعه بالاضرار بغيره، لان دفع الضرر عن النفس بالاضرار بالغير قبيح، ولا يصح التمسك بعموم رفع ما اضطروا إليه، فان حديث الرفع قد ورد في مورد الامتنان، ولا شبهة ان صرف الضرر عن نفسه إلى غيره مناف له، فيختص الحديث بغير الاضرار بالغير من المحرمات. وأما في موارد الاكراه فان الضرر قد توجه إلى الغير ابتداء بحسب إلزام الظالم وإكراهه ومن المعلوم ان مباشرة المكره (بالفتح) لايقاع الضرر بالغير ليست مباشرة استقلالية ليترتب عليها الضمان، كما يترتب على بقية الافعال التوليدية، بل هي مباشرة تبعية، وفاعلها بمنزلة الآلة، فلا ينسب إليه الضرر، نمعم لو تحمل الضرر ولم يضر بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلى نفسه عرفا. ولكن الشارع لم يوجب هذا. ولكن ما أفاده المصنف غير تام صغرى وكبرى، أما عدم صحة الصغرى فلان الضرر في كلام الموردين إنما توجه إلى الشخص نفسه ابتداءا، فان الاكراه لا يسلب الاختيار عن المكره ليكون بمنزلة الآلة المحضة، بل الفعل يصدر منه بارادته واختياره، ويكون فعله كالجزء الاخير من العلة التامة لنهب مال الغير مثلا حتى أنه لو لم يأخذه ولم يجلبة إلى الظالم

[ 447 ]

لكان المال مصونا، وان توجه الضرر ح إلى نفسه فمباشرته للاضرار بالغير لدفع الضرر المتوعد به عن نفسه مباشرة اختيارية. فتترتب عليها الاحكام الوضعية والتكليفية. وبعبارة اخرى أن مرجع الاكراه إلى تخيير المكره بين نهب مال الغير وبين تحمل الضرر في نفسه على فرض المخالفة، وحيث كان الاول حراما وضعا وتكليفا فتعين عليه الثاني. نعم لو كان الضرر متوجها إلى الغير ابتداءا، ولم يكن له مساس بالواسطة اصلا فلا يجب عليه دفعه عن الغير بإضرار نفسه، ومن هنا ظهر الجواب عما ذكره المصنف اخيرا من ان الفارق بين المقامين هو ادلة الحرج. وأما عدم صحة الكبرى فلانه لا وجه للمنع عن وجوب دفع الضرر عن الغير بايقاعه بنفسه بل قد يجب ذلك فيما إذا أوعده الظالم بأمر مباح في نفسه وكان ما أكرهه عليه من إضرار الغير حراما، فانه ح يجب دفع الضرر عن غيره بالاضرار بنفسه كما عرفته آنفا، لانه بعد سقوط ادلة نفي الضرر والاكراه والحرج فأدلة حرمة التصرف في مال الغير بدون إذنه محكمة. الخامس: ما افاده المصنف أيضا من أن ادلة نفي الحرج كافية في الفرق بين المقامين، فان الضرر إذا توجه إلى المكلف ابتداءا، ولم يرخص الشارع في دفعه عن نفسه بتوجيهه إلى غيره فان هذا الحكم لا يكون حرجيا، أما إذا توجه الضرر إلى الغير ابتداءا فان إلزام الشارع بتحمل الضرر لدفعه عن الغير حرجي قطعا، فيرتفع بأدلة نفي الحرج. وفيه أنه ظهر جوابه مما ذكرناه من المناقشة في الصغرى، ووجه الظهور هو عدم الفارق بين توجه الضرر إلى الغير ابتداء ا وعدمه. الناحية الرابعة: أن يتوجه الضرر ابتداءا إلى الغير، والى المكره على تقدير مخالفته حكم الظالم، كما إذا أكرهه على أن يلجئ شخصا آخر إلى فعل محرم كالزناء، وإلا أجبره على ارتكابه بنفسه، وحينئذ فلا موضع لادلة نفي الاكراه والاضطرار والحرج والضرر بداهة أن الاضرار بأحد الطرفين مما لا بد منه جزما، فدفعه عن أحدهما بالاضرار بالآخر ترجيح بلا مرجح، وإذن فتقع المزاحمة، ويرجع إلى قواعد باب التزاحم. الناحية الخامسة: أن يتوجه الضرر إلى أحد شخصين ابتداءا، والى المكره على فرض مخالفته الظالم، ولكن فيما إذا كان الضرر المتوعد به أعظم مما يترتب على غيره، كما إذا أكرهه عى أن يأخذ له ألف دينار إما من زيد، وإما من عمرو، وإلا أجبره على إراقة دم محترم مثلا، وفي هذه الصورة يجب على المكره أن يدفع الضرر عن نفسه بالاضرار بأحد الشخصين، فان حفظ النفس المحترمة واجب على كل احد، ويدور الامر بين الاضرار

[ 448 ]

بأحد الشخصين، ويرجع في ذلك إلى قواعد باب التزاحم. جواز قبول الولاية من الجائر لدفع الضرر عن الغير قوله: (الثاني: أن الاكراه يتحقق بالتوعد بالضرر). أقول: الكراهة في اللغة هي ضد الحب والاكراه هو حمل الرجل على ما يكرهه، وهذا المعنى يتحقق بحمل الشخص على كل ما يكرهه بحيث يترتب على تركه ضرر عليه، أو على عشيرته، أو على الاجانب من المؤمنين، وإذا انتفى التوعد بما يكرهه انتفى الاكراه، وعليه فلا نعرف وجها صححيا لما ذكره المصنف من تخصيص الاكراه ببعض ما ذكرناه. قال: (إن الاكراه يتحقق بالتوعد بالضرر على ترك المكره عليه ضررا متعلقا بنفسه أو ماله أو عرضه، أو بأهله ممن يكون ضررا راجعا إلى تضرره وتألمه، وأما إذا لم يترتب على ترك المكره عليه إلا الضرر على بعض المؤمنين ممن يعد اجنبيا من المكره بالفتح فالظاهر أنه لا يعد ذلك إكراها عرفا، إذ لا خوف له يحمله على فعل ما امر به). نعم يختلف موضوع الكراهة باختلاف الاشخاص والحالات، فان بعض الاشخاص يكره مخالفة أي حكم من الاحكام الالهية في جميع الحالات، وبعضهم يكره ذلك في الجهر دون الخفاء، وبعضهم يكره مخالفة التكاليف المحرمة دون الواجبات، وبعضهم بالعكس. وبعضهم لا يكره شيئا من مخالفة التكاليف حتى قتل النفوس فضلا عن غيره. ثم إن الفارق بين الامرين ان الضرر المتوعد به متوجه إلى المكره (بالفتح) في الاول والى غيره من الاجانب في الثاني الذي أنكر المصنف (ره) تحقق مفهوم الاكراه فيه. وتحقيق الكلام هنا في جهات ثلاث، كلها مشتركة في عدم ترتب الضرر على المكره لو ترك ما اكره عليه، ولاية كانت أم غيرها. الجهة الاولى: ان يخشى من توجه الضرر إلى بعض المؤمنين، ويتوقف دفعه على قبول الولاية من الجائرين، والدخول في اعمالهم، والحشر في زمرتهم للتقية فقط، من دون أن يكون هناك إكراه على قبول الولاية، ولا ضرر يتوجه عليه لو لم يقبلها، ومن دون ان يتوقف دفع الضرر عن المؤمنين على ارتكاب أمر محرم. والظاهر أنه لا شبهة في جواز الولاية عن الجائر حينئذ تقية، فان التقية شرعت لحفظ المؤمنين عن المهالك والمضرات، بل تعد التقية في مواردها من جملة العبادات التي يترتب

[ 449 ]

عليها الثواب، ولا ريب أن تلك الغاية حاصلة في المقام، ومما يدل على جواز الولاية هنا لاجل التقية الروايات الكثيرة (1) الآمرة بالتقية صونا لنفوس المؤمنين وأعراضهم وأموالهم عن التلف، بل ورد في عدة من الروايات (2) جواز التقية بالتبري عن الائمة " ع " لسانا إذا كان القلب مطمئنا بالايمان، ومما يدل على ذلك ايضا تجويز الائمة " ع " في جملة من الاحاديث (3) لعلي بن يقطين وغيره ان تقبلوا الولاية عن الجائر تقية لاصلاح امور المؤمنين ودفع الضرر عنهم. ويضاف إلى ذلك كله ان ظاهر غير واحدة من الروايات مشروعية التقية لمطلق التوادد والتحبب وإن لم يترتب عليها دفع الضرر عن نفسه أو عن غيره، فيدل بطريق الاولوية على جواز الولاية عن الجائر تقية لدفع الضرر عن المؤمنين. قوله: (لكن لا يخفى انه لا يباح بهذا النحو من التقية الاضرار بالغير). أقول: الوجه فيه هو ما تقدم آنفا من كون الادلة الواردة في نفي الاكراه وشبهه واردة في مقام الامتنان على الامة بعمومها، فلا يصح التمسك بها لدفع الضرر عن أحد بتوجيه الضرر إلى غيره، لان ذلك على خلاف الامتنان في حق ذلك الغير، وليس الوجه فيه هو ما ذكره المصنف من عدم تحقق الاكراه إذا لم يتوجه الضرر على المكره، فقد عرفت ان مفهوم الاكراه اوسع من ذلك الجهة الثانية: ان يكون قبول الولاية من الجائر عاصما عن توجه الضرر إلى المؤمنين، وسببا لنجاح المكروبين منهم م ندون ان يلحق المكره ضرر لو لم يقبلها. ومثاله ما لو أكره الجائر على قبول الولاية من قبله، وأوعده على تركها بإضرار المؤمنين وهتكهم والتنكيل بهم وما أشبه ذلك، ولا شبهة هنا أيضا في جواز الولاية عن الجائر لدفع الضرر عن المؤمنين. وتدل على ذلك الروايات المتقدمة الدالة على جواز الولاية عن الجائر لاصلاح امور المؤمنين، بل دلالتها على الجواز هنا أولى من وجهين، الاول: وجود الاكراه. والثاني: القطع بتوجه الضرر على المومنين مع رد الولاية. الجهة الثالثة: ان يكره الظالم أحدا على ارتكاب شئ من المحرمات الالهية، سواء كانت هي الولاية أم غيرها من غير ان يترتب عليها في تركها ضرر اصلا، ولكن الظالم أوعده على ترك ذلك العمل باجبار غيره على معصية من حرمات الله، ومرجع ذلك في الحقيقة إلى دوران


(1) قد تقدمت الاشارة إلى مصادرها في ص 445. (2) راجع ج 2 ئل باب 29 جواز التقية في إظهار كلمة الكفر من الامر بالمعروف ص 504. (3) قد تقدمت الاشارة إليها والى مصادرها في ص 438.

[ 450 ]

الامر بين إقدام المكره (بالفتح) على معصية لا يتضرر بتركها، وبين إقدام شخص آخر عليها. ومثاله ما إذا أكرهه الجائر على شرب الخمر، وإلا أكره غيره عليه، والظاهر أنه لا ريب في حرمة ارتكاب المعصية في هذه الصورة فانه لا مجوز للاقدام عليها من الادلة العقلية والنقلية، إلا أن يترتب على ارتكاب المعصية حفظ ما هو أهم منها، كصيانة النفس عن التلف وما اشبه ذلك، وح يكون المقام من صغريات باب التزاحم فتجري فيه قواعده. قوله: (وكيف كان فهنا عنوانان: الاكراه ودفع الضرر المخوف الخ). أقول: توضيح كلامه: ان الشارع المقدس قد جعل الاكراه موضوعا لرفع كل محرم عدا إتلاف النفوس المحترمة كما تقدم، بخلاف دفع الضرر المخوف على نفسه أو على غيره من المؤمنين، فانه من صغريات باب التزاحم، ولكنك قد عرفت أن دليل الاكراه لا يسوغ دفع الضرر عن النفس بالاضرار بغيره، وعليه فكلا العنوانين من صغريات باب التزاحم، وعلى كل حال فتجوز الولاية عن الجائر في كلا المقامين لدفع الضرر عن نفسه وعن سائر المؤمنين. واما إحراز ملاكات الاحكام وكشف أهمية بعضها من بعض فيحتاج إلى الاطلاع على ابواب الفقه، والاحاطة بفروعه وأدلته، وقد تعرض الفقهاء رضوان الله عليهم لعدة من فروع المزاحمة في الموارد المناسبة، ولا يناسب المقام ذكره. حكم اعتبار العجز عن التفصى في الاكراه قوله: (الثالث: أنه قد ذكر بعض مشائخنا المعاصرين الخ). أقول: حاصل كلامه أن بعض المعاصرين استظهر من كلمات الاصحاب في اعتبار العجز عن التخلص ان لهم في ذلك أقوالا ثلاثة، ثالثها التفصيل بين الاكراه على الولاية فلا يعتبر فيه العجز عن التخلص وبين غيرها من المحرمات، فيعتبر فيه ذلك. ولعل منشأ الخلاف ما ذكره في لك في شرح قول المحقق: (إذا أكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخول، والعمل بما يأمره مع عدم القدرة على التفصي). وحاصل ما ذكره في لك: أنه يمكن أن يكون غرض المحقق هو تعدد الشرط المشروط بأن تكون الولاية عن الجائر بنفسها مشروطة بالاكراه فقط ويكون العمل بما يأمره الجائر بانفراده مشروطا بعدم قدرة المأمور على التفصي. ويرد عليه أنه لا وجه لاشتراط الولاية مطلقا بالاكراه، فان جواز قبولها لا يتوقف

[ 451 ]

على الاكراه إذا انفردت عن العمل بما يأمره الجائر، ولذا قد تكون مباحة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون واجبة، وأما العمل بما يأمر به الجائر فقد صرح الاصحاب في كتبهم أنه مشروط بالاكراه خاصة، ولا يشترط فيه الالجاء إليه بحيث لا يقدر على خلافه. ويمكن ان يكون المشروط في كلام المحقق أمرا وحدانيا مركبا من امرين (الولاية والعمل بما يأمره الجائر) ويكون مشروطا بشرطين: (الاكراه وعدم القدرة على التفصي) ويرد عليه أنه يكفي الاكراه بانفراده في امتثال أمر الجائر مع خوف الضرر حتى في فرض التمكن من التخلص، فلا وجه للشرط الثاني. وقد تجلى من ذلك أن مرجع ما ذكره في لك إلى ثلاثة محتملات، الاول: أن الولاية عن الجائر غير مشروطة بالاكراه، وإنما المشروط به هو العمل بما يأمره الجائر. الثاني: أن المجموع المركب من الامرين مشروط بالاكراه فقط دون العجز عن التخلص بحيث لا يقدر على خلافه. الثالث: التفصيل بين الولاية وبين العمل بما يأمره الجائر، فيقيد الاول بالاكراه والثانى بالالجاء إليه، والعجز عن التخلص، وكأن المتوهم جعل كل محتمل قولا برأسه. أقول: يرد على هذا المتوهم أولا: أن مجرد الاحتمال لا يستلزم وجود القائل به. وثانيا: أنا لا نعرف وجها صحيحا للقول بالتفصيل، فان الظاهر من كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم في باب الاكراه أنه لا خلاف بينهم في اعتبار العجز عن التفصي في ترتب أحكام الاكراه، أما إذا أمكن التفصي فلا تترتب تلك الاحكام، إلا إذا كان التفصي حرجيا، ولم يفرقوا في ذلك بين الولاية المحرمة، وبين العمل بما يأمره الجائر من الاعمال المحرمة المترتبة على الولاية، وبين بقية المحرمات، فان أدلة المحرمات محكمة، ولا نحتمل ان يجوز احد شرب الخمر بمجرد الاكراه حتى مع القدرة على التخلص، وكذلك لا خلاف بين الفقهاء ايضا في أنه لا يعتبر في باب الاكراه العجز عن التفصي إذا كان في التفصي ضرر كثير على المكره، كما انهم لم يشترطوا في ترتب الاحكام ان يلجأ إلى المكره عليه بحيث لا يقدر على خلافه كما صرح به في المسالك، فان مرجع ذلك إلى العجز العقلي، ولم يعتبره أحد في الاكراه جزما. نعم قد تترتب على المعصية التي اكره عليها مصلحة هي أهم منها، ولا يعتبر في هذه الصورة العجز عن التفصي. ومثاله ما إذا اكره الجائر احدا على معصية، وكان المجبور متمكنا من التخلص منها بخروجه عن المكان الذي يعصي الله فيه، إلا أن ارتكابه لتلك

[ 452 ]

المعصية مع الظالم يتيح له الدخول في أمر يترتب عليه حفظ الاسلام، أو النفس المحترمة. أو ما اشبه ذلك. ان جواز الولاية عن الجائر مع الضرر المالي رخصة لا عزيمة قوله: (الرابع: ان قبول الولاية مع الضرر المالي الذي لا يضر بالحال رخصة لا عزيمة) اقول: إذا أجبر الجائر احدا على الولاية من قبله، أو على عمل محرم، وكان المجبور متمكنا من التخلص ولو بتحمل الضرر المالي وإن بلغ ما بلغ جاز له ذلك. فان أدلة نفي الاكراه إنما هي مسوقة لرفع الالزام فقط عن مورد الاكراه، وليست ناظرة إلى بيان حكم المورد. وعليه فلا بد من تعيين حكمه من الرجوع إلى القواعد الاخر، فقد يكون المكره عليه من قبيل قتل النفس وما يشبهه، فيحرم الاقدام عليه، وقد يكون من قبيل الضرر المالي على نفسه فيجوز تحمله، لان الناس مسلطون على اموالهم (1). ومن هنا يعلم ان تقييد الضرر المالي بعدم إضراره بالحال كما في المتن لا يخلو عن مسامحة. وبعبارة اخرى: ان ادلة الاكراه لا تشمل المقام، وعليه فان كان المورد كقتل النفوس ونحوه مما اهتم الشارع بحفظه فيحرم الاقدام عليه، بل يجب دفعه، وإن كان من قبيل الضرر المالي فيجوز التحمل به لدليل السلطنة. لا يقال: إن بذل المال للجائر دفعا للولاية المحرمة إعانة على الاثم. فانه يقال: لا وجه له صغرى وكبرى، اما الاولى فلان ذلك من قبيل مسير الحاج والزوار وتجارة التجار مع إعطاء المكوس والكمارك والضرائب، ولا يصدق على شئ منها عنوان الاعانة على الاثم، واما الثانية فقد تقدم في البحث عن بيع العنب ممن يجعله خمرا انه لا دليل على حرمة الاعانة على الاثم. (1)


راجع ج 1 االبحار ص 154.

[ 453 ]

حرمة قتل المؤمن بالاكراه أو بالتقية. قوله: (الخامس: لا يباح بالاكراه قتل المؤمن ولو توعد على تركه بالقتل إجماعا). أقول: هل يشرع بالتقية أو بالاكراه قتل النفوس المحترمة أو لا؟ اما التقية فهي في اللغة اسم لا تقى يتقى بمعنى الخوف والتحذير والتجنب، والمراد بها هنا التحفظ عن ضرر الظالم بموافقته في فعل أو قول مخالف للحق. والظاهر أنه لا خلاف في جوازها لحفظ الجهات المهمة الشرعية، بل قد عرفت في مبحث الكذب عند البحث عن اقوال الائمة الصادرة تقية إجماع الفريقين وضرورة العقلاء وتظافر الآيات والروايات على جواز الكذب لانجاء النفس المحترمة. على انه ورد في بعض الاحاديث (1): (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية). فان الظاهر من ذلك انه إذا توقف حفظ النفس على ارتكاب أي محرم فانه يصبح مباحا مقدمة لصيانة النفس المحترمة عن التلف، إلا ان التقية إذا اقتضت إراقة دم محترم لحفظ دم آخر فانها لا تشرع ح، لما عرفت آنفا ان كلا من الشخصين مشمول للحديث، فترجيح احدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح. بل قد عرفت سابقا ان الغرض الاقصى من جعل التقية في الشريعة المقدسة إنما هو حفظ اموال المؤمنين واعراضهم ونفوسهم وما اشبه ذلك من شؤونهم، فإذا توقف حفظ شئ منها على إتلاف عديله من شخص آخر ارتفعت التقية ح لارتفاع الغاية منها. ومثاله ما إذا اقتضت التقية إتلاف مال شخص لحفظ مال شخص آخر فانه لا يجوز إتلافه تقية. والوجه فيه ان شمول اخبار التقية لهما على حد سواء، وإذن فترجيح احدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح كما عرفت، فيرجع في ذلك إلى الادلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير بدون إذنه، وهكذا الحال في جميع موارد التقية. غاية الامر ان ما دل على ان التقية إنما شرعت ليحقن به الدم ناظر إلى بيان المرتبة العليا من التقية، وليس فيه ظهور في اختصاص الحكم بهذه المرتبة فقط. ومن هنا ظهر ما في كلام المحقق الايرواني، حيث قال: (ويقرب عندي ان المراد من هذه الاحاديث أمر وجدانى يدركه العقل، وهو ان التقية لما شرعت لغاية حفظ النفس فإذا لم تكن هذه الغاية موجودة، بل كان الشخص مقتولا لا محالة اتقى أو لم يتق فلا تقية


(1) قد تقدمت الرواية في البحث عن الاضرار بالناس مع الاكراه عليه ص 445.

[ 454 ]

لانتفاء ما هو الغرض من تشريع التقية). ومع الاغضاء عما ذكرناه فان ما افاده إنما يلائم قوله " ع " في رواية محمد بن مسلم: (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية). فانه يمكن ان يتوهم منها ان الغاية من التقية هي حفظ الدم وإذا كان لا بد للظالم من إراقة الدم فلا موضوع للتقية. ولكن يبائنه قوله " ع " في رواية ابي حمزة الثمالي: (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية). فان ههذ الرواية ظاهرة، بل صريحة في ان التقية إذا توقفت على إراقة الدم فلا تقية، فتكون هذه الرواية قرينة لبيان المراد من الرواية الاولى ايضا. ثم إنه لا فرق بين افراد المؤمنين من حيث الصغر والكبر، ولا من حيث الرجولة ولانوثة، ولا من حيث العلم والجهل، ولا من حيث الحرية والعبودية، لاطلاق قوله " ع " (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بغلت التقية فلا تقية). وأما الاكراه وقد تقدم معناه في الامر الثاني فهو لا يسوغ قتل النفس المحترمة بلا خلاف بين الفريقين، والوجه فيه هو ما تقدم من أن الادلة الدالة على نفي الاكراه والضرر والحرج واردة في مقام الامتنان، ومن الواضح ان الاضرار بالغير مناف للامتنان، فلا يكون مشمولا لها، فتبقى الادلة الدالة على حرمة قتل النفس المحترمة سليمة عن المزاحم. نعم إذا اجبر الظالم أحدا على قتل أحد شخصين محقونى الدم، أو اضطر إليه نفسه، كما إذا وقع من شاهق، وكان لا بد له من الوقوع على راس احدهما، فلا بد حينئذ من الرجوع إلى قواعد التزاحم، ويتضح ذلك بلحاظ ما حققناه في دوران الامر بين انقاذ أحد الغريقين، فانه لم يستشكل أحد في وجوب المبادرة لانقاذ الاهم منهما وترك الآخر. وهذا نظير الاكراه على إيقاع الضرر المالي على أحد الشخصين، وقد تقدم الكلام فيه. لا يقال: قد نطق القرآن الكريم في آية محكمة (1) بالتكافؤ بين الدماء المحترمة، ومعه فأي معنى لملاحظة الاهم والمهم في ذلك، وقد ورد ذلك في الاخبار المستفيضة المذكورة في ابواب القصاص. فانه يقال: نعم ولكن مورد التكافؤ الذي دلت عليه الآية والروايات إنما هو القصاص فقط، فلا مساس له بما نحن فيه، ومن هنا اتضح حكم ما لو أكره الجائر أحدا إما على قتل نفسه وإما على قتل غيره. وقد انجلى الصبح، وانكشف الظلام، وظهر الفارق بين التقية والاكراه موضوعا وحكما، والله العالم بالحقائق والاسرار.


(1) سورة المائدة آية: 49 قوله تعالى (وكتبنا عليهتم فيها أن النفس بالنفس).

[ 455 ]

ان المستحق للقتل قصاصا محقون الدم بالنسبة إلى غير ولي الدم قوله: (وأما المستحق للقتل قصاصا فهو محقون الدم بالنسبة إلى غير ولي الدم). أقول: مستحق القتل قد يكون مهدور الدم لكل أحد، لكونه مسلوب الاحترام، كالنواصب الذين يظهرون العداوة والبغضاء لآل محمد (ص): وقد يكون مهدور الدم بالنسبة إلى جميع الناس، ولكن باجازة حاكم الشرع، كمن ثبت عليه الحد الشرعي الموجب للقتل، وقد يكون مهدور الدم لفريق معين، كمن قتل مؤمنا عن عمد واختيار. اما الاول فلا شبهة في خروجه عن حد النفوس المحترمة قطعا، لان الشارع المقدس سلب احترام دمه عند كل من اطلع على خبثه ورذالته، فيكون مهدور الدم لجميع الناس ولا يكون مشمولا لقوله " ع ": (فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية). وعليه فلو اقتضت التقية أو الاكراه قتل ناصبي فلا محذور في الاقدام عليه، لثبوت جوازه قبل التقية والاكراه فمعهما يكون أولى بالجواز، إلا أن تترتب الفتنة على قتله، فانه لا يجوز ح الاقدام على قتله، لوجوب سد ابواب الفتن. وأما الثاني فحكمه حكم بقية النفوس المحترمة، فلا يجوز قتله بدون إذن الحاكم الشرعي حتى مع التقية والاكراه، لكونه محقون الدم بالنسبة إلى غير الحاكم الشرعي، ومن هنا يعلم حكم الثالث ايضا. فان الكتاب العزيز (1) إنما أثبت السلطنة على دم القاتل لولي المقتول، فلا يسوغ لغيره الاقدام عليه في حال من الحالات، إلا مع الاذن الشرعي، وقد انجلى مما ذكرناه ما في كلام المحقق الايرواني، فانه (ره) استظهر من الروايات ان المراد من محقون الدم ما يكون محقونا بقول مطلق، ويرجع في غيره إلى عموم رفع ما استكرهوا عليه (2).


(1) سورة بني اسرائيل، آية: 35، قوله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ". (2) راجع ج 2 ئل باب 55 جملة مما عفى عنه من جهاد النفس ص 469.

[ 456 ]

حكم التقية والاكراه في قتل المخالفين قوله: (ومما ذكرنا ظهر سكوت الروايتين عن حكم دماء أهل الخلاف). أقول: قد اشرنا آنفا إلى أن الغرض الاقصى من التقية هو حفظ دماء الشيعة، وأن حدها بلوغ التقية إلى الدم، وحينئذ فما دل على عدم جريان التقية في الدماء المحترمة ساكت عن حكم التقية فيما إذا ادت إلى قتل غير الشيعة من اي فرق المسلمين، وعليه فحكم قتل المخالفين بالتقية أو بالاكراه حكم سائر المحرمات التي ترتفع حرمتها بهما. قوله: (بقي الكلام في أن الدم يشمل الجرح وقطع الاعضاء أو يختص بالقتل وجهان) أقول: إن الظاهر من قوله " ع ": (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم). وإن كان هو الدم الذي كان علة لبقاء الحياة، إلا أنه مع ذلك لا يمكن الحكم بجواز جرح الغير أو قطع اعضائه للتقية، فان دليل جواز التقية كدليل رفع المستكره عليه إنما ورد في مقام الامتنان فلا يشمل ما إذا كان شموله منافيا له، وعليه فيجري في موردها ما ذكرناه في مورد الاكراه فراجع. قوله: (فيما ينبغي للوالي العمل به في نفسه وفي رعيته). أقول: قد ورد في الروايات الكثيرة (1) حكم الوالي في نفسه، وحكمه مع رعيته، فلا بد وأن يلاحظها المتقمص بمنصب الولاية لكي لا يكون في عداد الظالمين، بل يتصدى لاعمال الولاية بالقسط والعدل حرمة هجاء المؤمن قوله: (السابعة والعشرون: هجاء المؤمن حرام بالادلة الاربعة). أقول: الهجو في اللغة عد معائب الشخص، والوقيعة فيه، وشتمه، ولا خلاف بين المسلمين في حرمة هجاء المؤمن، وإن اختلفت الشيعة مع غيرهم في ما يراد بكلمة المؤمن، بل في كلام بعض العامة (2) تعميم الحرمة إلى هجاء أهل الذمة أيضا.


(1) راجع ج 2 ئل باب 78 ما ينبغي للوالي العمل به في نفسه مما يكتسب به ص 552 وج 2 المستدرك باب 42 ما ينبغي للوالي العمل به نفسه مما يكتسب به ص 441. (2) في ج 2 فقه المذاهب ص 42 سطر 12: ولا يحل التغني بالالفاظ الدالة على هجاء الناس مسلمين كانوا أو ذميين.

[ 457 ]

وقد استدل المصنف على حرمته بالادلة الاربعة بدعوى أنه ينطبق عليه عنوان الهمز واللمز وأكل اللحم والتعيير وإزاعة الستر، وكل ذلك كبيرة موبقة، وجريمة مهلكة، بالكتاب والسنة والعقل والاجماع. وتحقيق المقام أن الهجو قد يكون بالجملة الانشائية، وقد يكون بالجملة الخبرية، أما الاول فلا شبهة في حرمته، لكونه من اللمز والهمز، والاهانة والهتك، وقد دلت الروايات (1) المتواترة على حرمة هتك المؤمن وإهانته، ونطق القرآن الكريم بحرمة الهمز واللمز (2). وأما الثاني فان كان الخبر مطابقا للواقع كهجو المؤمن بما فيه من المعائب كان حراما من جهة الغيبة والهتك والاهانة والتعيير والهمز، وإن كان الخبر مخالفا للواقع كان حراما ايضا من نواحي شتى، لكونه كذبا وبهتا، وإهانة وظلما، وهمزا ولمزا. ولا فارق في افراد المؤمن بين العادل والفاسق غير المعلن، وقد تقدم الكلام عليه في مبحث الغيبة، بل يمكن ان يقال بحرمة هجو الفاسق المعلن بفسقه، فقد تقدم في البحث عن مستثنيات الغيبة ان عمدة الدليل على جواز غيبة المتجاهر في الفسق خروج ذلك عن دائرة الغيبة موضوعا، فانها ان تقول في أخيك ما ستره الله عليه، وما ارتكبه الفاسق المتجاهر من المعائب والمعاصي ليس مما ستره الله عليه، ولكن لا قصور في شمول ما دل على حرمة الهجو لانتقاص المتجاهر، وذكره بما فيه من العيوب عدا ما دل على حرمته من حيث كونه غيبة. نعم يجوز هجو الفاسق المتجاهر في الفسق إذا ترتبت على هجوه مصلحة اهم من مصلحة احترامه، أو كان ممن لا يبالي بما قيل فيه، وبذلك يحمل ما ذكره المصنف من الخبر (محصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين). وأما هجو المخالين أو المبدعين في الدين فلا شبهة في جوازه، لانه قد تقدم في مبحث الغيبة (3) أن المراد بالمؤمن هو القائل بإمرة الائمة الاثنى عشر، وكونهم مفترضي الطاعة ومن الواضح أن ما دل على حرمة الهجو مختص بالمؤمن من الشيعة، فيخرج غيرهم عن حدود حرمة الهجو موضوعا، وقد تقدم في المبحث المذكور ما يرضيك في المقام، ويقنعك


(1) راجع ج 2 ئل ابواب عشرة الحج. وج 3 الوفاي الفصل الثاني أبواب ما يجب على المؤمن اجتنابه في المعاشرة. (2) سورة الهمزة آية: 1، قوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة). (3) في البحث عن اشتراط الايمان في حرمة الغيبة ص 323.

[ 458 ]

بتخصيص حرمة الهجو بما ذكرناه. وهل يجوز هجو المبدع في الدين أو المخالفين بما ليس فيهم من المعائب أو لا بد من الاقتصار فيه على ذكر العيوب الموجودة فيهم؟ هجوهم بذكر المعائب غير الموجودة فيهم من الاقاويل الكاذبة، وهي محرمة بالكتاب والسنة، وقد تقدم ذلك في مبحث حرمة الكذب، إلا أنه قد تقتضي المصلحة الملزمة جواز بهتهم والازراء عليهم، وذكرهم بما ليس فيهم افتضاحا لهم، والمصلحة في ذلك هي استبانة شؤونهم لضعفاء المؤمنين حتى لا يغتروا بآرائهم الخبيثة وأغراضهم المرجفة، وبذل يحمل قول " ع " (1): (وباهتوهم كي لا يطمعوا في الاسلام) وكل ذلك فيما إذا لم تترتب لعى هجوهم مفسدة وفتنة، وإلا فيحرم هجوهم حتى بالمعائب الموجودة فيهم. وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أن هجو المخالفين قد يكون مباحا، وقد يكون مستحبا وقد يكون واجبا، وقد يكون مكروها، وقد يكون حراما، وبهذا الاخير يحمل قوله " ع " في رواية أبي حمزة (2) عن قذف المخالفين: (الكف عنهم أجمل). حرمة الهجر قوله: (الثامنة والعشرون: الهجر). اقول: الهجر بالضم هو الفحش، والقبيح من القول، ولا خلاف بين المسلمين، بل بين العقلاء في مبغوضيته وحرمته، وقد ورد في الروايات المتواترة (3) أن البذاء والفحش على المؤمن حرام، وفي رواية سليم بن قيس: (إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذئ قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له). وفي


(1) قد تقدمت هذه الرواية في البحث عن حرمة سب المؤمن ص 281، وفي البحث عن جواز الاغتياب لحسم مادة الفساد ص 354. (2) في ج 1 كاكتاب الخمس باب أن الارض كلها للامام " ع " ص 427. وج 6 الوافي باب 39 تحليل الخمس للشيعة من أبواب الخمس ص 45. عن ابي حمزة عن أبي جعفر " ع " قال: قلت له: إن بعض اصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم؟ فقال لي: الكف عنهم أجمل، الحديث. مجهولة للحسن بن عبد الرحمن، وضعيفة لعلي بن العباس. (3) راجع ج 3 الوافي ص 160. وج 2 ئل باب 69 تحريم السفه، وباب 70 تحريم الفحش، وباب 71 تحريم البذاء من جهاد النفس ص 476. وج 2 المستدرك ص 339. وكابهامش ج 2 مرآة العقول ص 312 و 313 و 314.

[ 459 ]

صحيحة عبد الله بن سنان (ومن خاف الناس لسانه فهو في النار). وفي صحيحة أبي عبيدة (البذاء من الجفاء والجفاء في النار). وفي موثقة ابن فضال (من علامات شرك الشيطان الذي لا شك فيه أن يكون فحاشا لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه). وفي بعض الاحاديث: (من فحش على أخيه المسلم نزع الله منه بركة رزقه ووكله إلى نفسه وأفسد عليه معيشته). وفي أصول الكافي بسند صحيح عن ابي عبد الله " ع " قال: (كان في بني اسرائيل رجل فدعا الله أن يرزقه غلاما ثلاث سنين، فلما رأى أن الله لا يجيبه فقال: يا رب أبعيد أنا منك فلا تسمعني، أم قريب أنت مني فلا تجيبني؟ قال: فأتاه آت في منامه فقال: إنك تدعو الله منذ ثلاث سنين بلسان بذئ وقلب عات " الجبار المتجاوز عن حده في الاستكبار " غير تقي، ونية غير صادقة، فاقلع عن بذائك، وليتق الله قلبك، ولتحسن نيتك قال: ففعل الرجل ذلك، ثم دعا الله فولد له غلام). وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي " ع " قال: (يا علي أفضل الجهاد من اصبح لا يهم بظلم أحد، يا علي من خاف الناس لسانه فهو من أهل النار، يا علي شر الناس من أكرمه الناس اتقاء شره واذى فحشه، يا علي شر الناس من باع آخرته بدنياه وشر منه من باع آخرته بدنيا غيره). أخذ الاجرة على الواجبات قوله: (الخامس: مما يحرم التكسب به ما يجب على الانسان فعله عينا أو كفاية تعبدا أو توصلا على المشهور). أقول: اختلفت كلمات الاصحاب في هذه المسألة على أقوال: الاول: ما ذكره المصنف من المنع مطلقا. الثاني: ما حكاه المصنف عن المصابيح عن فخر المحققين من التفصيل بين التعبدي فلا يجوز، وبين التوصلي فيجوز. الثالث: ما نقله المصنف عن فخر المحققين في الايضاح من التفصيل بين الكفأئي التوصلي فيجوز وبين غيره فلا يجوز. الرابع: ما ذكره في متاجر الرياض من التفصيل بين الواجبات التي تجب على الاجير عينا أو كفاية وجوبا ذاتيا فلا يجوز، وبين الواجبات الكفائية التوصلية فيجوز كالصناعات الواجبة كفاية لانتظام المعاش. الخامس: ما نسب إلى السيد المرتضى من القول بالجواز في الكفائي كتجهيز الميت، وهذه النسبة موهونة بما ذكره المصنف من أن السيد مخالف في وجوب تجهيز الميت على غير الولي، لا في حرمة أخذ الاجرة على تقدير الوجوب عليه، فهو

[ 460 ]

مخالف في الموضوع، لا في الحكم. السادس: التفصيل بين ما كان الغرض الاهم منه الآخرة فلا يجوز، وبين ما كان الغرض الاهم منه الدنيا فيجوز، وقد ذهب إليه مفتاح الكراهة. السابع: ما حكاه في البلغة عن جده في المصابيح من التفصيل بين التعبدي منه والتوصلي فمنع في الاول مطلقا، وفصل في الثاني بين الكفائي منه والعيني، فجوز في الاول مطلقا، وفصل في الثاني بين ما كان وجوبه للضرورة أو لحفظ النظام، فجوز في الاول، ومنع في الثاني مطلقا، سواء كان الواجب ذاتيا أم غيريا. الثامن: ما يظهر من المصنف من التفصيل بين العيني التعييني والكفائي التعبدي، فلا يجوز وبين الكفائي التوصلي والتخييري، فيجوز، ويظهر منه التردد في التخييري التعبدي. التاسع: ما هو المختار عندنا من جواز أخذ الاجرة على الواجب مطلقا، وقد وقع الخلاف أيضا في هذه المسألة بين فقهاء العامة (1). ولا يخفى أن غير واحد من أرباب الاقوال المذكورة قد ادعى الاجماع على رأيه، ولكنه ليس من الاجماع التعبدي، فان من المحتمل القريب إن المجمعين قد استندوا في فتياهم بالحرمة إلى غير الاجماع من الوجوه المقررة في المسألة. على أنه يصعب على الفقيه دعوى الاجماع على نحو الموجبة الكلية، مع ما اطلعت عليه من الاختلافات والتفاصيل. نعم قد نقل الاجماع تلويحا أو تصريحا في بعض الموارد الجزئية، كالقضاء والشهادة وتعليم صيغة النكاح أو إلقائها على المتعاقدين.


(1) في ج 3 فقه المذاهب ص 169 عن الحنفية لا يصح الاستئجار على كل طاعة يختص بها المسلم، ولكن المتأخرين منهم جوزوا أخذ الاجرة على الاذان وتعليم القرآن والامامة والوعظ. وفي ص 176 عن المالكية لا يصح الاستئجار على طاعة مطلوبة من الاجير طلب عين إذا لم تقبل النيابة كالصلاة وإلا فيصح، وأما الاعمال المطلوبة كفاية فتجوز الاجارة عليها بلا خلاف. وفي ص 181: التزموا بجواز أخذ الاجرة على الامامة مع الاذان وفي ص 188 عن الشافعية لا تصح الاجارة على الطاعات، وقد استثنى منا الاجارة على بعض الامور المستحبة، كالامامة والتدريس والاذان وتعليم القرآن والفقه والحديث. وفي ص 195 عن الحنابلة: لا تصح الاجارة على فعل قربي كالصلاة والاذان وغيرهما، نعم يصح أخذ الجعل عليها بعنوان الجعالة.

[ 461 ]

مقدمة نافعة في بيان موضوع أخذ الاجرة على الواجب قبل التعرض لحكم المسألة، وبيان الحقيقة فيها نقدم امرا لبيان موضوعها، وإجماله أن موضوع البحث في المقام إنما هو جهة العبادة، وجهة الوجوب فقط، ومانعيتهما عن صحة الاجارة وعدمها بعد الفراغ عن سائر الجهات والحيثيات التي اعتبرها الشارع المقدس في عقد الاجارة كأن لا يكون العمل المستأجر عليه مما اعتبرت المجانية فيه عند الشارع. وهذا لا يختص بالواجب، بل يجري في المستحبات ايضا، كاستئجار المؤذن للاذان، واستئجار المعلم للتدريس، واستئجار الفقيه للافتاء، واستئجار القاري لقراءة القرآن، وقد يجري في المكروهات أيضا، كاستئجار فحل الضراب للطروقة. وهذه الامثلة مبنية على تعلق غرض الشارع بمجانية الامور المذكورة، وحرمة أخذ الاجرة عليها، أو كراهته. ثم إن بعضهم ذكر أن من شرائط الاجارة أن تكون منفعة العين المستأجرة عائدة إلى المستأجر، ورتب عليه بطلان إجارة المكلف لامتثال فرائضه من الصلاة والصوم والحج وغيرها، وبطلان الاجارة للاتيان بالمستحبات لنفسه، كالنوافل اليومية والليلية، وغير ذلك من الموارد التي يكون النفع فيها راجعا إلى الاجير أو إلى شخص آخر غير المستأجر. والوجه في ذلك أن حقيقة الاجارة هي تبديل منفعة معلومة بعوض معلوم، فلا بد من وصول المنفعة إلى المستأجر، لانه الدافع للعوض المعلوم، وإلا انتفت حقيقة الاجارة، إذ يعتبر في التبديل أن يقوم كل من العوض والمعوض مكان الآخر بحيث يدخل كل منهما في المكان الذي خرج منه الآخر، وسيأتي اعتبار ذلك أيضا في حقيقة البيع. وفي البلغة أن الاجارة بدون هذا الشرط سفهية، وأكل للمال بالباطل، ولذا لا تصح الاجارة على الافعال العبثية وإبداء الحركات اللاغية، كالذهاب إلى الامكنة الموحشة، ورفع الاحجار الثقيلة، انتهى ملخص كلامه. والتحقيق أن يقال: إن حقيقة الاجارة لا تقتضي إلا دخول العمل في ملك المستأجر قضاء لقانون المبادلة، وأما كون المنفعة راجعة إليه فلا موجب له. وأما حديث سفهية المعاملة فيرد عليه أولا: أنك قد عرفت مرارا، وستعرف في مبحث البيع إنشاء الله: أنه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية، وإنما الدليل على بطلان

[ 462 ]

معاملة السفيه، والدليل هو كونه محجور التصرف في أمواله. وثانيا: قد تقدم في البحث عن بيع الابوال وغيره، وسنعود عليه في مبحث البيع أن آية التجارة غريبة عن شرائط العوضين، بل هي راجعة إلى حصر أسباب المعاملة في الصحيح والباطل. هذا مع ان الدليل أخص من المدعى، فان المستأجر قد ينتفع بعود النفع إلى غيره، كما إذا استأجر شخصا على امتثال فرائض نفسه لكي يتعلم المستأجر منه أحكام فرائضه، أو كان المستأجر من الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وأراد باستئجار المكلفين على امتثال فرائضهم إظهار عظمة الاسلام وإخضاع المتمردين والعاصين. وعلى الجملة أن البحث هنا يتمحض لبيان أن صفة الوجوب أو صفة العبادية مانعة عن انعقاد الاجارة أم لا، بعد الانتهاء عن سائر النواحي التي اعتبرت في عقد الاجارة. ان صفة العبادة لا تنافى الاجارة مقتضى القاعدة جواز أخذ الاجرة على مطلق العبادات، سواء أكان الاخذ بعنوان الاجارة أم بعنوان الجعالة إذا تم سائر الشروط المعتبرة فيهما، ولا شبهة أن صفة العبادية لا تنافى الاجارة، والجعالة، وإذن فعمومات صحة المعاملات محكمة. وقد أورد على هذا الرأي بوجوه: الوجه الاول: ان العبادات لا بد وأن تؤتى بقصد القربة، وأخذ الاجرة عليها ينافى القربة والاخلاص. والوجه فيه أن عقد الاجارة يوجب انقثلاب داعي الاخلاص في العمل المستأجر عليه إلى داعي أخذ الاجرة، ومن الواضح أن قيد الاخلاص مأخوذ في العمل المستأجر عليه فيلزم من صحة الاجارة فسادها. وفيه أن هذا الوجه لا يرجع عند التحقيق إلى محصل، وتوضيح ذلك: أنه يدعى تارة أن العمل الخارجي إنما يؤتى به بداعي تملك الاجرة، وهو ينافى قصد الاخلاص واخرى يدعى أنه يؤتى به بداعي تسلم الاجرة خارجا. وثالثة: يدعى أنه يؤتى به بداعي استحقاق مطالبتها. أما الدعوى الاولى فهي واضحة البطلان ضرورة ان تملك الاجرة إنما يكون بنفس الايجار، لا بالعمل الخارجي، فالعمل أجنبي عنه بالمرة.

[ 463 ]

وأما الدعوى الثانية فهي ايضا كك ضرورة انه يتمكن الاجير من التسلم بغير العمل في بعض الموارد، وبالعمل الخالي من قصد القربة في جميعها، فلا يكون الداعي إلى العمل بما هو عبادي غير قصد القربة ولومن جهة خوفه من العذاب لاجل عدم تسليمه العمل إلى مالكه. وأما الدعوى الثالثة فهي وإن كانت صحيحة في بعض الموارد، وهو ما إذا امتنع المستأجر من التسليم قبل العمل، إلا ان الاتيان به لاجل ذلك (اي لاجل ان يستحق المطالبة شرعا) لا ينفك عن قصد القربة في العمل، وذلك من جهة تمكن المكلف من الاتيان به بغير قصد القربة وإلزامه المستأجر تسليم الاجرة، فاتيانه بالعمل لاجل الاستحقاق شرعا لا ينفك عن قصد القربة. وعلى الجملة بعدما كان الاجير متمكنا من المطالبة وتسليم الاجرة بغير العمل الصحيح فلا يكون داعيه إلى الاتيان بالعمل الصحيح غير قصد القربة، ولعله إلى ذلك نظر من أجاب عن الاشكال المزبور بأن دعوة أخذ الاجرة في طول دعوة الامر لغو من باب الداعي إلى الداعي. الوجه الثاني: أنه يعتبر في دواعي امتثال العبادات كونها جهات قريبة بحيث تنتهي سلسلة العلل والدواعي فيها بجميع حلقاتها إلى الله تعالى، ومتى كان فيها داعي غير قربى خرج العمل عن العبادية وعن تمحضه لله وإن لم يكن الداعي غير القربي في عرض الداعي الالهي. وفيه أنا قد حققنا في مبحث النية من كتاب الصلاة انه يشذ في العباد من يأتي بالعبادة بجميع مقدماتها ومقارناتها ومؤخراتها ودواعيها خالصة لوجه الله الكريم، وطلبا لرضاه، وكونه أهلا للعبادة والاطاعة، بل يقصد غالب الناس في عباداتهم الجهات الراجعة إليهم من المنافع الدنيوية والاخروية، ولا تنافى هذه الدواعي الراجعة إليهم عبادية العبادة، إلا إذا دل دليل على إبطال بعضها للعبادة كما في الرياء، فقد ورد في الاخبار المتظافرة (1) ان الرياء لا يدخل عملا إلا وافسده. وتوضيح الجواب إجمالا: ان الغاية القصوى من العبادة قد تكون هي الله فقط من دون أن يشوبها غرض آخر من الاغراض الدنيوية أو الجهات الاخروية، وضروري ان هذا النمط من الامتثال منحصر في الائمة الطاهرين " ع " والانبياء المرسلين صلى الله عليه وآله.


(1) راجع ج 1 ئل باب 12 بطلان العبادة بالرياء من مقدمة العبادة ص 11. وج 1 المستدرك ص 11.

[ 464 ]

فقد قال امير المؤمنين " ع " (1): (ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك). وقد تكون الغاية من العبادة هي الله، ولكن بداعي التملق والخضوع لحفظ الجهات الدنيوية، بأنيجعلها العبد وسيلة لازدياد النعمة والعزة، وسببا لارتفاع الشأن والمنزلة، وترسا لدفع النقمة والهلكة، وقد اشير إلى هذا في الكتاب بقوله تعالى (2): (لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد). وقد تكون الغاية من العبادة هي الله بداعي الخشية من غضبه والخوف من ناره التي اعدت للعاصين، وبداعي التعرض لرحمته الواسعة، والوصول إلى الحور والقصور والجنة التي عرضها كعرض السماوات والارض، وهذه المرتبة أرقي من المرتبة الثانية. وقد اشار ال هذا بقوله تعالى (3): (وادعوه خوفا وطمعا). وبقوله تعالى (4): " ويدعوننا رغبا ورهبا). وقد ورد في كثير من الادعية كدعاء ابي حمزة الثمالي وغيره تعليل الايمان بالله والعبادة له بالخوف والخشية والطمع، وهذا واضح لا غبار عليه. وقد تكون الغاية من العبادة هي التقرب إلى الله، وتحصيل رضاه من غير ان يقترن بها غرض آخر من الاغراض الدنيوية أو الاخروية، وهذه المرتبة ارقى من المرتبة الثانية والثالثة، وهي مختصة بالعارفين بالله والسالكين إليه، ولا يناله إلا القليل من الموحدين، كسلمان والمقداد وابي ذر وفريق من الاكابر. وقد اتضح مما ذكرنا ان الغرض من العبادة في هذه الدرجات الثلاث الاخيرة هو انتفاع العبد حتى في الدرجة الاخيرة: أعني المرتبة الرابعة، فان مآل تحصيل رضى الله والتقرب إليه هو صيرورة العبد محبوبا لدى الله لكي يجيب دعوته ويدفع شدته ويقضي حوائجه. وعلى هذه المناهج المذكورة في السير إلى الله والتوجه إلى رحمته وغفرانه والفوز بنعمه ورضوانه لا تخلو عبادة إلا وقد قصد العبد فيها ان يصل إليه نفع من المنافع حسب اختلافها باختلاف الاغراض وقد عرفتها. نعم الدرجة الاولى وهي عبادة الائمة خالية عن هذا القصد. ولكنها مختصة بهم عليهم السلام. وقد انجلى ان رجوع شئ من دواعي العبادة لغير الله لا ينافى الاخلاص فيها،


(1) راجع ج 2 مرآة العقول ص 101. وج 15 البحار كتاب الخلق ص 82. (2) سورة ابراهيم آية: 7. (3) سورة الاعراف آية: 54. (4) سورة الانبياء آية: 90.

[ 465 ]

والتقرب إلى الله بها. ويشير إلى ما ذكرناه ما رواه الكليني (1) عن أبي عبد الله " ع " (قال: العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزوجل خوفا فتلك عبادة العبيد. وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء. وقوم عبدوا الله حبا له فتلك عبادة الاحرار وهي أفضل العبادة). ومن هنا اتضح بطلان ما ذهب إليه بعضهم (2) من فساد العبادة المأتي بها لاجل الثواب ودفع العقاب. الوجه الثالث: أن دليل صحة الاجارة هو عموم أوفوا بالعقود، ويستحيل شموله للمقام لان الوفاء بالشئ عبارة عن إتمامه وإنهائه، فالوفاء بعقد الاجارة هو الاتيان بالعمل المستأجر عليه أداء لحق المستأجر، وواضح أن هذا لا يجتمع مع الاتيان به أداء لحق الله وامتثالا لامره، وإذن فلا بد من قصد أحد الامرين: إما الوفاء بالعقد. أو الامتثال لامر المولى وحيث لا يعقل اجتماعهما في محل واحد فلا بد من رفع اليد من الامر بالوفاء فتصبح الاجارة بلا دليل على الصحة. وفهى أولا: ان الوفاء بالعقد وإن كان عبارة عن إتمامه وإنهائه، إلا أن هذا المعنى لا يتوقف على عنوان خاص، بل يكفي فيه إيجاد متعلق العقد فقط في الخارج بأي نحو اتفق وعليه فلا مانع في كون العمل الواحد الذي تعلقت به الاجارة مصداقا لعنواني العبادة والعمل المستأجر عليه معا، نعم لو كان الظاهر من دليل وجوب الوفاء بالعقد هو إيجاد العمل المستأجر عليه في الخارج بداعي اختصاصه بالمستأجر من جميع الجهات لاستحال اجتماع قصد الوفاء بالعقد مع قصد التقرب إلى الله، ولكنه دعوى جزافية. وثانيا: ان الدليل صحة الاجارة لا ينحصر بآية الوفاء بالعقد لكي يلزم من عدم شمولها للمقام بقاؤه خاليا عن دليل الصحة، بل في آية التجارة عن تراض غنى وكفاية.


(1) حسنة لابراهيم بن هاشم. راجع كابهامش ج 2 مرآة العقول ص 100. وج 3 الوافي ص 71. وج 1 ئل باب 9 ما يجوز قصده من غايات النية من مقدمات العبادات ص 10. (2) في ج 15 البحار كتاب الخلق ص 82: عن الفخر الرازي في تفسيره الكبير إنه نقل اتفاق المتكلمين على أآ من عبد الله لاجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته، وأورده عند تفسير قوله تعالى (ادعو ربكم تضرعا وخفية). وعن المحقق البهائي: إنه ذهب كثير من العلماء الخاصة والعامة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب، وقالوا إن هذا مناف للاخلاص.

[ 466 ]

فان قيل: إن الامر الاجاري المتعلق بالفعل المستأجر عليه توصلي، والامر العبادي المتعلق به عبادي، وعليه فيلزم أن يكون فعل واحد مأمورا به بأمرين متخالفين وهو محال قلنا: إن الامر اللجاري المتعلق بالعبادة أيضا أمر عبادي، فان وجوب تسليم العمل المستأجر عليه إلى مالكه حكم كلي انحلالي من غير أن يكون له شأن من التعبدية أو التوصلية بل يتصف بهما بلحاظ وصف متعلقه، وعليه فان كان متعلق الامر الاجاري توصليا فهو توصلي، وإن كان تعبديا فهو تعبدي، وعلى هذا فإذا تعلقت الاجارة بعبادة كان الامر الناشئ منها عباديا ايضا، فاصبح موكدا للامر العبادي المتعلق بها في نفسها مع قطع النظر عن الايجار، كما ذهب إليه كاشف الغطاء وتلميذه صاحب الجواهر. وتوضيح ذلك: أنا قد ذكرنا في البحث عن التعبدي والتوصلي من علم الاصول أن قصد القربة مأخوذ في متعلق الامر الاول على ما قويناه، وفي متعلق الامر الثاني على ما اختاره شيخنا الاستاذ، وعلى كل حال فالامر قد تعلق بامتثال العمل بقصد القرية، ومن الواضح ان الامر الاجاري قد تعلق بهذا ايضا، إذ المفروض كون العمل المذكور موردا للاجارة فمتعلق الامرين شئ واحد، فلا محالة يندك احدهما في الآخر ويكون الوجوب مؤكدا كما في غير المقام. وقد اتضح مما ذكرناه انه لا وجه لما ذكره بعض مشائخنا المحققين من استحالة التأكد حتى في النذر ونحوه. وحاصل ما ذكره: ان الامر الصلاتى متعلق بذات العمل، والامر الاجاري أو النذري أو نحوهما متعلق بالعمل الواجب المقيد بقصد القرية والامتثال، ومن الواضح انه لا يعقل التأكد في ذلك (الذي معناه خروج الطلب في موضوعه عن مرتبة الضعف إلى مرتبة الشدة) لان الالتزام به يستلزم تعلق الامر بالوفاء بما هو غير وفاء بداهة انه لا يعقل ان يكون الامر الاجاري بمنزلة صل، بل هو بمنزلة صل عن قصد القربة فيكون توصليا دائما. وييدل على ما خترناه من صحة تعلق الاجارة بالعبادة امور: الاول: ان المؤجر كما عرفت إنما يملك الاجرة بعقد الاجارة من غير ان يتوقف ذلك على ايجاد العمل المستأجر عليه في الخارج، وإنما اشتغلت ذمة الاجير بايجاد متعلق الاجارة ولو كان الغرض في الاتيان بالعمل المستأجر عليه هو تملك الاجرة فقط لكان إيجاد العمل لاجل ذلك تحصيلا للحاصل. وعليه فالداعي إلى الاتيان بما اشتغلت به ذمة الاجير من العبادة ليس إلا أمر المولى والخوف الالهي، دون تملك الاجرة. ولا يفرق في ذلك بين مراقبة المستأجر على الاجير

[ 467 ]

للاتيان بالعمل وعدم مراقبته عليه، فان شأن العبادات ليس شأن الافعال الخارجية المحضة كالخبازة والبناية والنجارة ونحوها لكي يكون حضور المستأجر دخيلا في تحقق العمل واتقانه، بل العبادات مشروطة بالنية، وهي أمر قلبي لا يطلع عليها في افق النفس إلا علام الغيوب، أو من ارتضاه لغيبه. الثاني: انه لا شبهة في صحة تعلق النذر أو العهد أو اليمين بالنوافل، وصيرورتها لازمة بذلك، كما لا شبهة في صحة اشتراطها في العقود اللازمة وكونها واجبة بذلك، ولم يستشكل احد في كون هذه الاوامر الطارئة عليها منافية للاخلاص المعتبر فيها، وواضح انه لا فارق بين ذلك وبين ما نحن فيه. الرابع: قد ورد في الاخبار المستفيضة، بل المتواترة الترغيب إلى العبادات بذكر فوائدها ومثوباتها، والترهيب عن تركها بذكر مستتبعاتها من الهلكة والعقوبة، ويتجلي لك من هذه الاخبار انه لا بأس بامتثال العبادات لجلب المنافع المترتبة على فعلها ودفع المضرات المترتبة على تركها، ولا فرق في هذه الجهة بين المقام وبينها. ومن هذا القبيل ما وردت في الشريعة المقدسة عبادات من الادعية والنوافل لشتى الاغراض الدنيوية، كسعة الرزق، وقضاء الحوائج، وأداب الدين، وارتزاق الولد، ودفع الشرور، وعلاج المصاب، وغيرها من الجهات الدنيوية، ولم يتوهم احد منافاتها للاخلاص مع انها من المنافع الدنيوية. والظاهر انه لا فارق بينها وبين المقام. وقد اشكل عليه المصنف (ره) بأنه (فرق بين الغرض الدنيوي المطلوب من الخالق الذي يتقرب إليه بالعمل، وبين الغرض الحاصل من غيره، وهو استحقاق الاجرة، فان طلب الحاجة من الله سبحانه ولو كانت دنيوية محبوب عند الله، فلا يقدح في العبادة، بل ربما يؤكدها). وقد سجل هذا الاشكال غير واحد من الاعاظم كصاحب البلغة وغيره. وفيه ان غرض المكلف من الاتيان بالصلاة مثلا قد يكون سعة الرزق وغيرها بحيث لا يتوسط التقرب في البين اصلا، فلا شبهة في بطلان هذا النحو من العبادة من غير فرق بين ما نحن فيه، وبين العبادات ذات النائج الدنيوية كصلاة جعفر " ع " وغيرها. وقد تكون غاية المكلف غاية من العبادة والتقرب من الله بحيث يكون طالبا لها بعبادته وتقربه من المولى، فهذا لا ينافي العبادية، وما نحن فيه من هذا القبيل، وعليه فلا فارق بين المقامين. وقد يتوهم أن قصد التقرب إنما يتمشى في خصوص الاجارة، لانك قد عرفت أن الاجرة فيها تملك بمجرد العقد، وان امتثال العبادات المستأجر عليها يستند إلى أمر المولى

[ 468 ]

إلا ان ذلك لا يجري في الجعالة، إذ العامل فيها لا يستحق الجعل، ولا يملكه إلا باتمام العمل فيستند امتثال العبادة إلى داعي تحصيل الجعل وهو مناف للاخلاص فيها. وجوابه يظهر مما تقدم، فان تحصيل الجعل وإن كان داعيا إلى الامتثال، ولكن الداعي إلى الاتيان بالعبادة على وجهها الصحيح هو أمر الشارع، والخوف الالهي، إذ لولا ذلك فان العامل يمكنه ان يأتي بالعمل خاليا عن بعض الشرائط التي لا يطلع عليها غير علام الغيوب، ويخيل إلى الجاعل انه امتثله على وجه صحيح. وعلى الجملة لا نعرف وجها صحيحا لبطلان العبادات التي تنتهي بالآخرة إلى استحقاق الاجرة، ولا نرى فيها جهة مخالفة للاخلاص والتقرب. ان صفة الوجوب لا تنافي الاجارة قد انقسم الواجب إلى تخييري، وكفائي، وعيني، فان وقع احد القسمين الاولين موضوعا للاجارة أو الجعالة، وكان مصب الاجارة أو الجعالة هو مصب الوجوب كان المقام من صغريات أخذ الاجرة على الواجب، وسيتضح لك حكمه، وإن كان مصب الاجارة أو الجعالة هو خصوص الفرد بحيث يعين فرد من افراد التخييري أو شخص من اشخاص المكلفين للامتثال فانه لا شبهة في جواز اخذ الاجرة والجعل عليه، بل هو خارج عن موضوع أخذ الاجرة على الواجب. والوجه في ذلك أن ما تعلق به الوجوب في الواجبين التخييري والكفائي إنما هو الجامع أعني عنوان أحد الافراد في الاول، وعنوان أحد المكلفين في الثاني، ومن الواضح أن إيقاع الاجارة أو الجعالة على الاتيان بفرد خاص، أو على مباشرة شخص معين، وأخذ الاجرة أو الجعل على تلك الخصوصية ليس من قبيل أخذ الاجرة على الواجب، فان ما اخذت عليه الاجرة ليس بواجب، وما هو واجب لم تؤخذ عليه الاجرة. وبما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا انحصر الواجب الكفائي في شخص أوالوابج التخييري في نوع، فانهما وإن تعينا في ذلك النوع، أو على ذلك الشخص حينئذ، ولكن الواجب على المكلف هو طبيعي الدفن مثلا في الكفائي وطبيعي العتق مثلا في التخييري بحيث له أن يدفن الميت في أي مكان يريد، وله ان يعتق اي فرد من افراد الرقاب، فإذا وقعت الاجارة أو الجعالة على تعيين فرد خاص منهما صح ذلك، ولم يكن أخذ الاجرة عليه من قبيل أخذ الاجرة على الواجب.

[ 469 ]

ثم إنه لا فارق فيما ذكرناه بين كونهما تعبد بين، وكونهما توصليين، وقد اتضح من ذلك كله انه لا جدوى لتطويل الكلام في تحقيق الواجبين التخييري والكفائي، كما فعله بعض مشائخنا المحققين وغيره. وقد يقال: إن الخصوصيات الفردية وإن لم تكن واجبة بالاصالة على الفرض، إلا أنها واجبة بوجوب تبعي مقدمي، فيكون أخذ الاجرة عليها من قبيل أخذ الاجرة على الواجب وفيه أنا قد حققنا في علم الاصول ان وجوب المقدمة إنما هو وجوب عقلي، فلا يقاس بالوجوب الشرعي، ويضاف إلى ذلك ان مقدمية الفرد للكلي ليست من المقدمية المصطلحة كما هو واضح. وأما الواجب العيني فان كان مصب الاجارة أو الجعالة فيه الخصوصية الفردية صح ذلك بلا شبهة، وقد تقدم نظيره في الواجبين: التخييري والكفائي، وإن كان مصبهما مصب الوجوب فقد علمت اختلاف فقهائنا وفقهاء العامة في حكم أخذ الاجرة على الواجب فمقتضى القاعدة هو الجواز مطلقا، للعمومات الدالة على صحة العقود والمعاملات. ولكن اشكل عليه بوجوه: الاول: أن علم الحرفى حد ذاته ليس بمال، وإنما يقابل بالمال لاحترام عمل المسلم، ومع الوجوب يسقط عن الاحترام. ولكنك قد عرفت في أول الكتاب: أن أعمال كل شخص مملوكة له ملكية ذاتية تكوينية، وله واجدية له فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية، ودون مرتبة الواجدية الحقيقية لمكون الموجودات، وعليه فدعوى أن عمل الحر ليس بملك دعوى جزافية، ولا شبهة ان هذه الاعمال المضافة إلى الحر موضع لرغبات العقلاء ومنافساتهم، فتكون اموالا في نفسها، وتجوز مقابلتها بالمال، ومع الاغضاء عن ذلك فانها تكون أموالا بمجرد وقوع المعاملة عليها، وشأنها ح شأن الكلي، إذ الكلي قبل إضافته إلى شخص خاص لا يتصف بالمملوكية والمالية كلتيهما، وإذا اضيف إليه ولو حين قوله بعتك منا من الحنطة مثلا اتصف الكلي بالمالية والملكية، ومن هنا يجوز بيع الكلي في الذمة، ويحكم بضمان عمل الحر إذا فوته أحد بعد أن ملكه الغير بالاجارة وغيرها. الثاني: ما ذكره المصنف من أن عمل الحر وإن كان مالا، ولكن الانسان إذا تكلف بذلك العمل من قبل الشارع فقد زال احترامه، لان عامله مقهور على إيجاده، فيكون أخذ الاجرة عليه أكلا للمال بالباطل. وفيه أولا: أن آية النهي عن أكل المال بالباطل غريبة عن شرائط العوضين،

[ 470 ]

وقد تقدم بيان ذلك مرارا عديدة. وثانيا: أن المقهورية على الفعل من قبل الشارع وكونه واجبا بأمره لا تنافي المقهورية عليه من قبل الاجارة ايضا، فيكون لازم الامتثال من ناحيتين، وهذا نظير شرط امتثال الواجب في ضمن العقد، وتظهر الثمرة فيما إذا خالف الاجير عن أمر ربه، ولم يمتثل الواجب ولم يمكن إجباره على الامتثال من ناحية الامر بالمعروف، فانه يجوز للمستأجر أن يجبره على الامتثال ولو بمراجعة المحاكم المختصة. الثالث: ما أفاده شيخنا الاستاذ من أن الاجارة والجعالة قد اعتبر فيهما ان لا يكون العامل أو الاجير مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعي، بل لا بد من أن يكون الفعل أو الترك تحت سلطنته واختياره، وإلا فلا يكون مالا في نظر العرف. ولكنك قد عرفت في البحث عن معنى حرمة البيع: أنه لا تجوز المعاملة على الافعال المحرمة، كالكذب والغيبة والزناء وغيرها، فان الادلة الدالة على حرمتها لا تجتمع مع العمومات الدالة على صحة المعاملات ولزومها، فان مقتضى هذه العمومات نفوذ المعاملة الواقعة على الافعال المحرمة ولزومها، وادلة المحرمات تقتضي المنع عن إيجادها في الخارج، فهما متناقضان، ومع الاغضاء عن ذلك فهما لا يجتمعان في نظر العرف. وهذا المحذور لا يجري في الواجبات، فانه لا تنافي بينها وبين العمومات المذكورة، كما لا منافات بينها وبين الاوامر العبادية، وقد اوضحنا ذلك آنفا، وعليه فالتكاليف التحريمية وإن كانت تسلب القدرة الشرعية عن المكلف، ولكن التكاليف الوجوبية لا تنافيها، بل تساعدها وتضاعفها. وقد يتوهم أنه لا فارق في عدم القدرة على التسليم بين تعلق الاجارة بالمحرمات والواجبات فان المكلف في كليهما يكون عاجزا شرعا عن إيجاد متعلق التكليف، إذ القدرة لا بد وأن تكون متساوية النسبة إلى الطرفين: الفعل أو الترك. وفيه ان اعتبار القدرة على التسليم إن كان مدركه الاجماع فانه على فرض تحققه فان المتيقن منه إمكان وصول العمل المستأجر عليه إلى المستأجر، فلا يد على اشتراط كونه تحت اختيار الاجير فعلا وتركا، وإن كان مدركه اقتضاء العقد بداهة وجوب الوفاء بتسليم العمل فقد عرفت أن الوجوب لا ينافيه، بل يتأكد كل منهما بالآخر، وإن كان مدركه النبوي المشهور (نهى النبي عن بيع الغرر). ففيه أولا: أن الاستدلال به غير نام من حيث السند والدلالة، وسيأتي بيان ذلك في البحث عن بيع الغرر.

[ 471 ]

وثانيا: أنه لا غرر في المقام، لان العمل ممكن الوصول إلى المستأجر، ولا دليل على اعتبار القدرة على التسليم أزيد من ذلك. الرابع: ما نسب إلى شيخ المشائخ كاشف الغطاء في شرحه على القواعد من أن التنافي بين صفة الوجوب وأخذ العوض على الواجب ذاتي لان العمل الواجب مملوك لله، كالعمل المملوك للغير، فلا يصح أن يكون موردا للاجارة، لان تمليك المملوك ثانيا غير معقول، ولذا لا يجوز أخذ الاجرة على عمل خاص قد وقعت عليه الاجارة قبل ذلك. وفيه أنا لو سلمنا استحالة توارد الملكين على مملوك واحد فانما هي في الملكيتين العرضبتين بأن يكون شئ واحد مملوكا لاثنين في زمان واحد على نحو الاستقلال. ولا تجري هذه الاستحالة في الملكيتين الطوليتين: بأن تكون سلطنة أحد الشخصين في طول سلطنة الآخر، فان هذا لا محذور فيه، بل هو واقع في الشريعة المقدسة، كسلطنة الاولياء والاوصياء والوكلاء على التصرف في مال المولى عليهم والصغار والموكلين، فان ملكية هؤلاء في طول ملكية الملاك ومن هذا القبيل مالكية العبيد على أموالهم بناء على جواز تملك العبد فان مالكيتهم في طول مالكية مواليهم. وكذلك في المقام، فان مالكية المستأجر للعمل المستأجر عليه في طول مالكيته تعالى لها، بل مالكية الملاك لاموالهم في طول مالكيته تعالى لها، فانه تعالى مالك لجميع الموجودات ملكية تكوينية ايجادية، وهي المعبر عنها في اصطلاح الفلاسفة بالاضافة الاشراقية، وقد سلط الانسان على سائر الموجودات، وجعله مالكا لها، إما مالكية ذاتية كملك الشخص لاعماله وذمته، وإما مالكية اعتبارية، كمالكيته لامواله، ولعل إلى ما ذكرناه يرجع ما أفاده المصنف (ره) من أنه (ليس استحقاق الشارع للفعل وتملكه المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الآدمي وتملكه الذي ينافي تملك الغير واستحقاقه) الخامس: ما نسب إلى الشيخ الكبير أيضا وهو أن من لوازم الاجارة أن يملك المستأجر العمل المستأجر عليه، بحيث يكون له الابراء والاقالة والتأجيل، لدليل السلطنة وكل ذلك مناف لوجوب العمل المستأجر عليه. وفيه أنك قد عرفت من مطاوي ما ذكرناه: أن للواجب المستأجر عليه ناحيتين، احداهما: حيثية وجوبه من قبل الله بأمر مولوي تكليفي. وثانيتهما حيثية تعلق الامر الاجاري به، ومن المقطوع به أن عدم صحة الاقالة والابراء والتأجيل في الواجب إنما هو من ناحيته الاولى، ولا ينافي ذلك أن تجري فيه تلك الامور من ناحيته الثانية. السادس: ما ذكره شيخنا الاستاذ ثانيا من أن الاجارة أو الجعالة الواقعة على الواجب العيني من المعاملات السفهية، فتكون باطلة من هذه الجهة، فان من شرائط الاجارة أو الجعالة

[ 472 ]

ان يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر، وفي الواجب العيني ليس كذلك. ولكنك قد عرفت مرارا: انه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية، فتكون العمومات محكمة، على انه لا شبهة في إمكان الانتفاع بالواجب المستأجر عليه، وإذن فتخرج المعاملة عن السفهية، وقد تقدم بيان ذلك في المقدمة التي مهدناها للبحث عن اخذ الاجرة على الواجب السابع: ما احتمله بعض مشائخنا المحققين، ونسبه إلى استاذه في مبحث القضاء، وهو أن بذل العوض بازاء ماتعين فعله على الاجير لغو محض، فلا يكون مشمولا للعمومات الثامن: ما نسبه إلى بعض الاعلام من ان الايجاب ينبعث عن مصلحة تعود إلى المكلف واخذ الاجرة على ما يعود نفعه إليه أكل للمال بالباطل. وقد ظهر جواب هذين الوجهين من الاجوبة المتقدمة. وقد تجلى مما حققناه ان الاشكالات المذكورة لا ترجع إلى معنى محصل تركن إليه النفس. والعجب من هؤلاء الاعلام، فانهم ناقشوا في جواز اخذ الاجرة على الواجب، واضافوا إليه شبهة بعد شبهة ونقدا بعد نقد حتى تكونت منها أمواج متراكمة. يندهش منها الناقد البصير في نظرته الاولى! (فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض). وقد ظهر من جميع ما ذكرناه سقوط جميع الاقوال المتقدمة غير ما بنينا عليه من القول بالجواز على وجه الاطلاق. والله العالم. قوله: (ثم إن صلح ذلك الفعل المقابل بالاجرة لامتثال الايجاب المذكور أو إسقاطه به أو عنده سقط الوجوب مع استحقاق الاجرة، وإن لم يصلح استحق الاجرة وبقى الواجب في ذمته لو بقى وقته، وإلا عوقب على تركه). اقول: لا يخفى ما في هذه العبارة من القلق والاضطراب، وحاصل مرامه: ان الاتيان بالواجب المستأجر عليه قد يترتب عليه امتثال امر المولى واستحقاق الاجرة كلاهما، كما إذا استأجر احدا لتطهير المسجد فطهره بقصد امتثال امر المولى، فانه ح يستحق الاجرة، ويعد ممتثلا، وكذلك الحال في الواجبات التعبدية على مسلكنا، إذ قد عرفت ان اخذ الاجرة عليها لا ينافى جهة عبادتها وقد يكون الاتيان بالواجب المستأجر عليه موجبا لاستحقاق الاجرة وسقوط الوجوب بغير امتثال، كتطهير المسجد وإنقاذ الغريق والجهاد وغيرها من الواجبات التوصلية فان الاجير حين ما يأتي بها بغير داعي الامر يستحق الاجرة، ولا يكون عمله هذا امتثالا للواجب على الفرض، نعم يسقط عنه الواجب، لفرض كونه توصليا، كما انه يسقط عن بقية المكلفين إذا كان الواجب كفائيا. وقد يكون الاتيان بذلك العمل موجبا لاستحقاق الاجرة وسقوط الوجوب لا من

[ 473 ]

جهة الاتيان بالواجب، بل لارتفاع موضوع الوجوب، كما إذا أوجب الشارع عملا بعنوان المجانية فأتى به العبد مع الاجرة، وهذا كدفن الميت بناء على أنه واجب على المكلفين مجانا فلو اتى به لا مجانا لم يتحقق الواجب، فلا يكون مصداقا لواجب في الخارج، لان المفروض انه مقيد بالمجانية، وقد أتى به مع الاجرة، إلا ان الوجوب يسقط عند ذلك، لارتفاع موضوعه، ففي جميع هذه الصورة يتحقق سقوط الوجوب، واستحقاق الاجرة. وهناك صورة رابعة لا يسقط الوجوب بالاتيان بالعمل المستأجر عليه فيها وإن كان الآتي بالعمل مستحقا لاخذ الاجرة على عمله، لكونه محترما وهذا كالعبادات الواجبة على المكلفين عينا، فانه إذا أتى بها المكلف بازاء الاجرة وقلنا بمنافاتها لقصد القرية والاخلاص كما عليه المصنف وجمع آخر لم يمتثل الواجب وان كان يستحق الاجرة لاحترام عمله، وعيه فان بقى وقت الواجب وجبت عليه الاعادة وإلا عوقب على تركه إذا لم يدل دليل على تداركه بالقضاء. حقيقة النيابة على العبادات قد ذكرنا في مبحث التعبدي والتوصلي من علم الاصول أن الاصول اللفظية والعملية تقتضي عدم سقوط التكاليف العبادية عن كل مكلف باتيان غيره بها، فلا بد لكل مكلف أن يمتثل تكاليفه العبادية بالمباشرة. وعليه فنيابة الشخص عن غيره في امتثال عباداته مع التقرب والاخلاص تحتاج إلى الدليل وإن ثبت إمكانها في مقام الثبوت، ولا شبهة في وقوع النيابة في العبادات الواجبة والمستحبة بضرورة الفقه نصا وفتوى، ولا باس بالتعرض للبحث عن تصوير إمكانها في ذلك دفعا لما توهمه بعض الاجلة من استحالة التقرب من النائب وحصول القرب للمنوب عنه، نظرا إلى ان التقرب المعنوي كالتقرب الحسي المكاني لا يقبل النيابة. وقد ذكر غير واحد من الاعلام وجوها في تصوير النيابة عن الغير في امتثال وظائفة بقصد التقرب والاخلاص: الاول: ما ذكره المصنف وحاصله: أن الاجير يجعل نفسه بدلا عن الميت في الاتيان بتكاليفه متقربا بها إلى الله تعالى، فالمنوب عنه يتقرب إليه تعالى بفعل نائبة وتقربه، ولا شبهة أن هذا التنزيل في نفسه مستحب، وإنما يصير واجبا بالاجارة وجوبا توصليا من غير أن يعتبر فيه قصد القرية في ذاته، بل اعتباره فيه من جهة اعتباره في وظيفة المنوب عنه،

[ 474 ]

لان الاجير لا يخرج عن عهدة التكليف إلا بالاتيان بالعمل المستأجر عليه بقصد الاخلاص فالاجير يجعل نفسه نائبان عن الغير في امتثال وظائفه متقربا بها إلى الله، وإنما يأخذ الاجرة للنيابة فقط دون الاتيان بالعبادات، فان للنائب حين ما يأتي بالعمل فعلين: أحدهما قلبي من افعال الجوانح، وهو النيابة. وثانيهما خارجي من أفعال الجوارح، وهو العمل المنوب فيه كالصلاة مثلا، وإذا تعدد الفعل ذاتا ووجودا فانه لا باس بتعدد الغاية المترتبة عليهما، ولا تنافي بين أخذ الاجرة على النيابة وبين الاتيان بالعبادات متقربا بها إلى الله تعالى. وفيه أن أخذ الاجرة إما لتنزيل نفسه منزلة الميت ونيابته عنه في الاتيان بوظائفه، وإما للاتيان بالعمل في الخارج، فعلى الاول يلزم استحقاق الاجرة بمجرد النيابة القلبي، سواء أتى بالعمل في الخارج أم لا، وهو بديهي البطلان. وعلى الثاني فيعود المحذور، وهو أخذ الاجرة على الامر العبادي، فان الموجود في الخارج ليس إلا نفس العبادة. الثاني: ما ذكره المصنف في رسالة القضاء من أن (النية مشتملة على قيود منها كون الفعل خالصا لله سبحانه، ومنها كونه اداء وقضاء عن نفسه أو عن الغير باجرة أو بغيرها، وكل من هذه القيود غير مناف لقصد الاخلاص، والاجرة فيما نحن فيه إنما وقعت أولا وبالذات بازاء القيد الثاني، أعني النيابة عن زيد، بمعنى أنه مستأجر على النيابة عن زيد بالاتيان بهذه الفريضة المتقرب بها، وقيد القربة في محله على حاله، لا تعلق للاجارة إلا من حيث كونه قيدا للفعل المستأجر عليه، نعم لو اشترط في النيابة عن الغير التقرب زيادة على التقرب المشروط في صحة العبادة اتجه منافات الاجرة لذلك، إلا أنه ليس بشرط اجماعا). وفيه أولا: أن أخذ الاجرة في مقابل العمل المقيد بقصد القربة يستلزم وقوع الاجرة بازاء نفس العمل أيضا، وعليه فيعود المحذور المذكور. وثانيا: ما ذكره بعض مشائخنا المحققين من (أن الفعل القلبي والفعل الخارجي وإن كانا متغايرين ماهية ووجودا، ولكل منهما غاية خاصة، إلا أنه لا شك في أنه لولا الفعل القلبي بماله من الغاية وهي استحقاق الاجرة لم يصدر الفعل الخارجي بماله من الغاية، وهي القربة فالاخلاص الطولي غير محفوظ بمجرد تعدد الفعل مع ترتب الفعل الخارجي بغايته على الفعل القلبي بغايته). الثالث: ما ذكره شيخنا الاستاذ توجيها لكلام المصنف في المكاسب. وملخصه: أنه لا شبهة في عدم اعتبار المباشرة في فعل المنوب عنه، بل جاز للغير الاتيان بالفعل عنه نيابة، ويجوز التبرع عنه في ذلك من دون ان يعتبر قصد القربة في الامر التبرعي، بل اعتباره في فعل النائب لاجل اعتباره في المنوب فيه.

[ 475 ]

ثم إنه لا ريب في أن هذا الامر التبرعي يصبح واجبا إذا وقعت عليه الاجارة، وح لا يخرج النائب عن عهدته بامتثاله بقصد القربة والاخلاص، وواضح انه لا تنافي بين اعتبار التقرب فيه، وبين جواز أخذ الاجرة للنيابة، فان الاجرة إنما هي بازاء قصد النائب النيابة في عمله عن المنبو عنه، لا على نفس العمل بحيث إذا قصد النائب الاتيان بذات العمل المستأجر عليه للاجرة، أو قصد الاتيان به بداعي أمره سبحانه بازاء الاجرة كان عمله باطلا ولكن يرد عليه أولا: ما ذكرناه في جواب المصنف. وثانيا: أن الاوامر المتوجهة إلى شخص غريبة عن شخص آخر، وعليه فلا معنى لسقوطها عن المنوب عنه بامتثال النائب كما أنه لا معنى لاعتبار قصد التقرب في الامر المتوجه إلى النائب بلحاظ اعتباره في الامر المتوجه إلى الموب عنه. والتوجيه المذكور اشبه شئ بدعوى سقوط الامر بالصوم بامتثال الامر المتعلق بالصلاة، واشبه شئ ايضا بدعوى اعتبار قصد التقرب في الامر بغسل الثوب بلحاظ الامر العبادي المتعلق بالحج. وثالثا: أنا لو سلمنا صحة ذلك، ولكنه إنما يجري في النيابة عن الاحياء، فان الاوامر المتوجهة إلى الاموات في حياتهم قد انقطعت بالموت، فلا يبقى هنا أمر لكي يقصد النائب في امتثال العمل المنوب فيه، ويأتي به بقصد التقرب والاخلاص، وهذا لا ينافي اشتغال ذمة الميت بالعبادات الفائتة كما هو واضح. ورابعا: أنا لو أغمضنا عن ذلك ايضا، ولكنه إنما يتم مع توجه الامر إلى المنوب عنه مع أنا نرى بالعيان، ونشاهد بالوجدان صحة النيابة عنه حتى فيما لم يتوجه إليه أمر اصلا، كنيابة اشخاص غير محصورين عن الميت أو عن غيره في جهات مستحبة، كالطواف ونحوه، بداهة انتفاء الامر ح عن المنوب عنه، فان توجهه عليه مشروط بالقدرة، وواضح أن المنوب عنه لا يقدر على الاتيان بامور غير مصورة، وكك تجوز النيابة في الحج عمن لا يقدر عليه، مع أنه لا أمر حينئذ للمنوب عنه اصلا. والتحقيق ان الامر الاستحبابي (1) متوجه إلى جميع الناس للنيابة في العبادة عن الميت بل الحي في بعض الموارد، ولا شبهة ان هذا الامر الاستحبابي المتوجه إلى كل أحد أمر عبادي، فيعتبر فيه قصد التقرب والاخلاص، وقد يكون واجبا إذا تعلقت به الاجارة، وقد تقدم بيان ذلك آنفا، وعليه فالنائب عن الغير في امتثال عباداته إنما يتقرب إلى الله تعالى بالامر المتوجه إلى نفسه من دون أن يكون له مساس بالامر العبادي المتوجه إلى


(1) راجع ج 1 ئل باب 12 استحباب التطوع بجميع العبادات عن الميت من أبوا القضاء من كتاب الصلاة ص 520.

[ 476 ]

المنوب عنه، بل لا يعقل ان يقصد النائب تقرب المنوب عنه، ويمتثل أمره، أو يتقرب إلى الله بأمر المنوب عنه، ويمتثله، وعلى ما ذكرناه فمورد الاجارة هو الواجبات، أو العبادات المنوب فيها، وقد تقدم أن صفة الوجوب أو صفة العبادة لا تنافي في الاجارة. جواز أخذ الاجرة على المستحبات قوله: (وأما المستحب). أقول: العمل المستأجر عليه قد يكون حراما، وقد يكون واجبا، وقد يكون مكروها، وقد يكون مباحا، وقد يكون مستحبا. أما الحرام والواجب فقد تقدم الكلام عليهما، وأما المكروه والمباح فلم يستشكل احد في صحة الاجارة لهما. وأما المستحب فالمعروف بين الشيعة والسنة (1) هو جواز أخذ الاجرة عليه، بل هو مقتضى القاعدة الاولية، إذ لا نرى مانعا عن شمول العمومات الدالة على صحة المعاملات لذلك، فقد عرفت آنفا: أن صفة العبادية وكذا صفة الوجوب لا تنافى الاجارة أو الجعالة وكذلك صفة الاستحباب، فانها لا تنافيهما بطريق الاولوية. وعلى هذا فلا وجه لتطويل الكلام في تصوير النيابة في المستحبات، كما لا وجه للفرق فيها بين ما يتوقف ترتب الثواب على قصد التقرب والاخلاص، كالاتيان بالنوافل والزيارات وبين ما لا يتوقف ترتب الثواب على ذلك، كبناء المساجد والقناطر ونحوهما. من كان اجيرا لغيهر في الطواف لم يجز له أن يقصده لنفسه قوله: (فلو استؤجر لاطافة صبي أو مغمى عليه فلا يجوز الاحتساب في طواف نفسه). أقول: قد ذكر الاصحاب هنا وجوها، بل أقوالا: الاول: جواز الاحتساب


(1) في ج 3 فقه المذاهب ص 181 عن المالكية جوزوا أخذ الاجرة على بعض الامور المستحبة. وفي ص 188 عن الشافعية تصح الاجارة على كل مسنون كالاذان والاقامة وعلى ذكر الله كالتهاليل. وفي ص 195 عن الحنابلة لا تصح الاجارة على كل فعل قربي. وقد تقدم رأي الحنفية في الاجارة على الطاعة في ص 460.

[ 477 ]

مطلقا، وقد استظهره المصنف من الشرائع والقواعد على اشكال في الثاني. الثاني: عدم جواز الاحتساب مطلقا حتى في صورة التبرع، وقد حكاه بعض الاعاظم عن بعض الشافعية الثالث: عدم جواز الاحتساب عن نفسه فيما إذا استؤجر للاطافة بغيره، أو لحمله في الطواف، وقد نسبه المصنف إلى جماعة منهم الاسكافي. الرابع ما ذكره العلامة في المختلف من الفرق بين الاستئجار للطواف به، وبين الاستئجار لحمله في الطواف، فانه منع عن احتساب ذلك لنفسه في الاول دون الثاني. الخامس: ما ذكره في المسالك من انه إذا كان الحامل متبرعا أو حاملا بجعالة أو كان مستأجرا للحمل في طوافه امكن ان يحتسب كل منهما طوافه عن نفسه. وأما لو كان مستأجرا للحمل مطلقا لم يحتسب، لان الحركة المخصوصة قد صارت مستحقة عليه لغيره، فلا يجوز صرفها إلى نفسه. والتحقيق ان المؤجر قد يكون اجيرا عن الغير في الطواف ونائبا عنه في إيجاد العمل المعين في الخارج، وقد يكون أجيرا للاطافة به، وقد يكون اجيرا لحمله في الطواف. اما الصورة الاولى فانه لا يجوز للاجير ان يقصد الطواف لنفسه حين ما يأتي بالعمل المستأجر عليه، لان الاجارة تقتضي اختصاص العمل المستأجر عليه بالمستأجر، ولذا لو فوته احد يضمنه له، والامر بالطواف المتوجه إلى الاجير يقتضي الاتيان به عن نفسه وعدم إجزائه عن غيره، كما هو مقتضى القاعدة في جميع الاوامر المسوقة لبيان الاحكام التكليفية. وبعبارة اخرى ان المستأجر إنما يستحق الحركات المخصوصة على الاجير، لكونها مملوكة له، فلا يجوز للاجيران يحتسبها عن نفسه. ولعله إلى هذا اشار في المسالك في عبارته المتقدمة. واما إذا كان اجيرا لحمل غيره في الطواف أو للاطافة به فهل يجوز له ان يقصد الطواف لنفسه حين ما يحمل المستأجر للطواف أم لا؟ فقد يقال: بالثاني، لان الحركات المخصوصة الصادرة من الاجير مملوكة للمستأجر، فلا تقع عن الاجير، نظير الصورة السابقة. ولكن الظاهر هو الجواز تبعا لجم غفير من الاصحاب، وقد تقدم رأيهم. والوجه في ذلك أن ما يستحق به المستأجر على الاجير إنما هو الحمل فقط، ومن الواضح أنه حاصل على كل حال، لان شأن الاجير في هذه الصورة شأن الدابة التي يركبها العاجز عن المشي للطواف، وعليه فلا تنافي بين كون شخص اجيرا لحمل غيره في الطواف، وبين أن يقصد الطواف لنفسه في هذه الحالة. والذي يدلنا على ذلك أمران: الاول: أنه إذا لم يتصف الحامل في هذه الصورة بما

[ 478 ]

اعتبر في الطائف من الشرائط كالمشي على القهقري مثلا لم يضر بطواف المحمول إذا كان واجدا لشرائط الطواف، ومن المقطوع به أنه لو كان مصب الاجارة هو الطواف عن الغير بعنوان النيابة لما حصل العمل المستأجر عليه في الخارج. الثاني: أنه ورد في جملة من الاخبار (1) جواز حمل الغير في الطواف مع العجز عنه، فهي باطلاقها تدل على ما ذكرناه. على أنه لو كان مورد هذه الاخبار غير الاجارة فانها تدل ايضا على صحة ذلك، لانها ظاهرة في أن حمل غيره في الطواف لا ينافي قصد الحامل الطواف لنفسه، لكون كل منهما بعيدا عن الآخر. حرمة أخذ الاجرة على الاذان قوله: (لا يجوز اخذ الاجرة على أذان المكلف لصلاة نفسه). اقول: المعروف بين الاصحاب حرمة أخذ الاجرة على الاذان، بل في المستند حكى الاجماع عليها، وعلى هذا النهج بعض فهقاء العامة (2). والتحقيق ان مقتضى القاعدة هو جواز اخذ الاجرة على الواجبات وعلى المستحبات تعبدية كانت أم توصلية، لكونها من الاعمال المحترمة التي تقابل بالمال، فتكون المعاملة عليها مشمولة للعمومات، وأن صفة الوجوب أو صفة العبادية أو اقتران العمل العبادي بالدواعي غير القريبة لا تنافي التقرب والاخلاص إلا مع الدليل الخارجي، كامتثال العبادات بداعي الرياء، وقد عرفت ذلك كله آنفا.


(1) عن هيثم التميمي قال: قلت لابي عبد الله " ع ": رجل كانت معه صاحبته لا تستطيع القيام على رجلها فحملها زوجها في محمل فطاف بها طواف الفريضة بالبيت وبالصفا والمروة أيجزيه ذلك الطواف عن نفسه طوافه بها؟ قال: أيها الله إذا. حسنة لابراهيم ابن هاشم. قوله ايها الخ: معناه إي والله يكون ذا، فالهاء عوض عن واو القسم، كما ذكره جمع من النحاة. وعن حفص بن البختري عن أبي عبد الله " ع " في المرأة تطوف بالصبي وتسعى به هل يجزي ذلك عنها وعن الصبي؟ قال: نعم. حسنة لابراهيم. راجع ج 8 الوافي ص 135. وج 2 ئل باب 50 أن من حمل إنسانا فطاف به من أبواب الطواف ص 306. (2) قد تقدمت الاشارة إلى آرائهم في ص 460.

[ 479 ]

ومن هنا يتجلى لك جواز أخذ الاجرة على الاذان وعلى الامامة إذا كانا مما يرجع نفع من ذلك إلى الغير بحيث يصح لاجله الاستئجار، كالاعلام بدخول الوقت أو الاجتزاء به في الصلاة، والاقتداء بالامام. ولكن قد سمعت في مقدمة البحث عن أخذ الاجرة على الواجب ان مورد الكلام فيما إذا كان العمل المستأجر عليه حاوبا لشرائط الاستئجار مع قطع النظر عن كونه واجبا أو مستحبا وعن كونه تعبديا أو تصليا، وعليه فلو منع الشارع عن أخذ الاجرة على عمل خاص، وتعلق غرضه بكونه مجانيا فانه خارج عن حريم البحث، ولا يختص ذلك بالعبادات، ولا بالواجبات والمستحبات، ومن الواضح جدا أنه ثبت في الشريعة المقدسة (1) عن أهل بيت العصمة " ع " حرمة أخذ الاجرة على الاذان وعلى الامامة. قوله: (وعلى الاشبه كما في الروضة). أقو: ل هذا سهو من قلمه الشريف، فانه ذكر الشهيد (ره) في الروضة: (والاجرة على الاذان والاقامة على أشهر القولين).


(1) في ج 1 ئل باب 38 عدم جواز اخذ الاجرة على الاذان من أبواب الاذان ص 336: في رواية الكسوني قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي " ع ": ولا تتخذن مؤذنا يأخذ على أذانه أجزا. ضعيفة للنوفلي. وف ي ج 2 ئل باب 41 تحريم التظاهر بالمنكرات من الامر بالمعروف ص 512 في حسنة حمران بابن هاشم الواردة في فساد الدنيا واضمحلال الدين: ورأيت الاذان بالاجر والصلاة بالاجر. وفي باب 58 عدم جواز اخذ الاجرة على الاذان مما يكتسب به ص 545: عن زيد ابن علي عن ابيه عن آبائه عن علي " ع " إنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين والله إني أحبك لله، فقال له: لكني أبغضك لله! قال: ولم؟ قال: لانك تبغي في الاذان وتأخذ على تعليم القرآن أجرا. ضعيفة بعبد الله بن منبة، والحسين بن علوان. ورواها الصدوق مرسلا إلا انه قال: تبتغي في الاذان كسبا. وفي ج 3 ئل باب 32 من لا تقبل شهادته من أبواب الشهادات ص 415: عن محمد مسلم عن أبي جعفر " ع " قال: لا تصلي خلف من يبغي على الاذان والصلاة بالناس أجرا ولا تقبل شهادته. صحيحة. وفي ج 1 المستدرك باب 30 عدم جواز أخذ الاجرة على الاذان من أبواب الاذان ص 254 ما يدل على ذلك.

[ 480 ]

أخذ الاجرة على الشهادة قوله: (ثم إن من الواجبات التي يحرم أخذ الاجرة عليه عند المشهور تحمل الشهادة بناء على وجوبه). أقول: ذهب المشهور من فقهائنا وفقهاء العامة إلى وجوب الشهادة تحملا وأداء كما يظهر لمن يراجع إلى كلماتهم في مواردها. وهذا هو الظاهر من الكتاب الكريم (1) ومن الروايات المذكورة في أبواب الشهادات، وعليه فأخذ الاجرة على الشهادة من صغريات أخذ الاجرة على الواجب، وقد عرفت سابقا ذهاب المشهور إلى حرمة أخذها عليه. ولكن قد علمت فيما تقدم أن مقتضى القاعدة هو جواز أخذ الاجرة على الواجبات مطلقا ما لم يثبت منع من الخارج، ومن المعلوم أنا لم نجد في ادلة وجوب الشهادة ما يمنع عن ذلك. بل الظاهر من بعض الروايات (2) الواردة في قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا). أن المنفي في الآية هو ان يقول المدعو إلى الشهادة: لا أشهد على الواقعة، وواضح ان هذا لا ينافى جواز اخذ الاجرة على الشهادة. نعم لو امتنع المشهود له عن إعطاء الاجرة وجب على الشاهد ان يشهد بالواقعة مجانا. هذا كله إذا كان تحمل الشهادة أو ادائها واجبا عينيا. واما إذا كان كل منهما واجبا كفائيا فقد تقدم ان اخذ الاجرة على الواجب الكفائي مع عدم الانحصار خارج عن محل الكلام، فانه واجب على جميع المكلفين، لا على شخص واحد معين. ثم إنه لا يستفاد من أدلة وجوب الشهادة إلا كونها واجبة على نهج بقية الاحكام التكليفية الكفائية أو العينية من غير ان يستفاد منها كون التحمل أو الاداء حقا للمشهود له. ثم إنه قد يقال بحرمة اخذ الاجرة على مطلق التعليم أو على تعليم القرآن. ولكنه فاسد. فقد ثبت جواز ذلك في جملة من الاخبار (3) وفي بعضها وقع الازراء على القائلين بالحرمة


(1) سورة البقرة، آية: 282 قوله تعالى (ولا يأب الشهادء إذا ما دعوا) وفي آية 283 قوله تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه). (2) راجع ج 3 ئل باب 1 وجوب تحمل الشهادة من أبواب الشهادات ص 407. (3) في ج 2 ئل باب 57 كراهة الاجرة على تعليم القرآن مما يكتسب به ص 545. وج 1 كا باب 38 كسب المعلم من المعيشة ص 362. وج 10 الوافى ص 37

[ 481 ]

ورميهم إلى الكذب وعداوة الحق. نعم لا نضائق من القول بالكراهة لورود النهي عن ذلك في بعض الاخبار المحمول على الكراهة، وعلى هذا المنهج المشهور من العامة (1) على أن الروايات الواردة في حرمة كسب المعلم وجوازه ضعيفة السند، فيرجع إلى عمومات ما دل على جواز الكسب. ثم إنه لا يجوز أخذ الاجرة على القضاء للروايات الخاصة (2) وأن الظاهر من آية النفر (3) الآمرة بالتفقه في الدين، وإنذار القوم عند الرجوع إليهم أن الافتاء أمر مجاني في الشريعة المقدسة. فيحرم أخذ الاجرة عليه. ويؤيده قوله تعالى (4): (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى).


في رواية حسان المعلم عن أبي عبد الله " ع ": لا تأخذ على التعليم أجرا. ضعيفة بحسان وفضل بن كثير. وفي رواية الفضل عنه " ع " إن هؤلاء يقولون: إن كسب المعلم سحت؟ فقال: كذبوا أعداء الله الحديث. ضعيف بفضل. وقد تقدمت الرواية في ص 48. وفي المصدر المزبور من ئل عن الصدوق قال " ع ": من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظه يوم القيامة. مرسل. وفي ج 2 المستدرك ص 335. ما يدل على حرمة تعليم القرآن. ولكنه ضعيف السند. وقد أخرج البيهقي في ج 6 من سننه ص 124 أحاديث تدل على جواز اخذ المعلم الاجرة للتعليم. وأحاديث اخرى تدل على كراهة أخذها لتعليم القرآن. (1) قد تقدمت الاشارة إلى آرائهم في ص 48. (2) ف ي ج 2 ئل باب 32 تحريم أجر الفاجزة مما يكتسب به ص 538 في صحيحة عمار بن مروان جعل الامام " ع " من السحت اجور القضاة. وفي ج 2 المستدرك ص 436 وص 426 عن الجعفريات عن علي " ع " إنه جعل من السحت أجر القاضي. وفي حسنة ابن سنان بابن هاشم سئل أبو عبد الله " ع " عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق؟ فقال: ذلك السحت. وقد تقدمت الاشارة إلى مصادرها في ص 269. (3) سورة التوبة، آية: 123. (4) سورة الشورى، آية: 22.

[ 482 ]

الارتزاق من بيت المال قوله: (بقى الكلام في شئ الخ). أقول: حاصل كلامه أن معظم الاصحاب قد صرحوا بجواز الارتزاق من بيت المال لكل من يحرم عليه أخذ الاجرة على الاتيان بالواجبات كالقضاء والافتاء وتجهيز الميت، أو الاتيان بالمستحبات كالاذان ونحوه. والوجه في ذلك ان بيت المال معد لمصالح المسلمين، وهذه الموارد من جملتها، لعود النفع إليهم، فان اي شخص إذا أتى بأي شئ يرجع إلى الجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين كالامور المذكورة وغيرها جاز لولي الامر أن يدر عليه من بيت المال ما يرفع به حاجته. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المقدار المقرر لهم أقل من أجرة المثل أو مساويا لها أو أكثر منها، ولا بين أن يكون تعيين ذلك قبل قيام هؤلاء بالوظائف المقررة عليهم أو بعده، بل يجوز لولي المسلمين أن يقول لاحد منهم: اقض في البلد، أو أذن وأنا أكفيك مؤنتك من بيت المال، ولا يكون ذلك إجارة ولا جعالة. نعم يشترط في جواز الارتزاق من بيت المال ان يكون المتصدي للمناصب المذكورة والوظائف المقررة من ناحية الشرع محتاجا إليه بحيث لا يقدر على قوت نفسه وعياله ولو بالتكسب، وإلا فلا يجوز له الارتزاق من بيت المال، فانه تضييع لحقوق المسلمين. أقول: لو قلنا بحرمة أخذ الاجرة على الواجبات أو المستحبات فان الادلة الدالة على الحرمة مختصة بعنوان الاجرة والجعل فقط، فلا تشمل بقية العناوين المنطبقة على المتصدين لتلك الوظائف، كالارتزاق من بيت المال، فانه معد لمصالح المسلمين، فيجوز صرفه في أي جهة ترجع إليهم وتمس بهم، بل يجوز لهؤلاء المتصدين للجهات المزبورة ان يمتنعوا عن القيام بها بدون الارتزاق من بيت المال إذا كان العمل منم الامور المستحبة، وعليه فلا وجه لاعتبار الفقر والاحتياج في المرتزقة كما ذهب إليه جمع كثير من اعاظم الاصحاب. لا يقال: إذا صار القضاء وأمثاله من الواجبات العينية كانشأن ذلك شأن الواجبات العينية الثابتة على ذمم أشخاص المكلفين، كالصلاة والصوم والحج ونحوها، ومن الواضح جدا أنه لا يجوز الاتزاق من بيت المال بازائها. فانه يقال: إن القضاوة ونحوها وان كانت من الواجبات العينية فيما إذا انحصر القاضي بشخص واحد، ولكنها مما يقوم به نظام الدين، فتكون من الجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين، فقد عرفت: أن مصرف بيت المال إنما هو تلك المصالح، فلا يقاس القضاء وأمثاله

[ 483 ]

بالواجبات العينية ابتداء خصوصا إذا أراد القاضي أن ينتقل من بلده إلى بلد آخر، بل الامر كذلك في جميع الواجبات العينية إذا توقف على الاتيان بها ترويج الدين ومصلحة المسلمين بيع المصحف قوله: (خاتمة تشتمل على مسائل: الاولى صرح جماعة). أقول: ذهب المشهور من أكابر اصحابنا إلى حرمة بيع المصحف، وذهب جمع آخر كصاحب الجواهر وغيره إلى الجواز. والمراد بالمصحف الاوراق المشتملة على الخطوط، كبقية الكتب، دون الخط فقط، كما اختاره المصنف (ره) تبعا للدروس، فان الخط بما هو خط غير قابل للبيع، لكونه عرضا محضا تابعا لمعروضه، فلا يمكن انفكاكه عنه حتى يبحث فيه بأنه يقابل بالثمن أم لا. وعلى تقدير كونه من قبيل الجواهر، كالخطوط المخطوطة بالحبر ونحوه، فانه لا يقبل النقل والانتقال، وكيف كان فلا وجه للبحث عن جواز بيع الخط الخالي عن الاوراق وعدم جوازه. نعم شأن الخطوط بالنسبة إلى الاوراق شأن الصور النوعية العرفية التي يلزم من انتفائها انتفاء المبيع راسا كما سيأتي. وأما حسن الخط وجودته فذلك من قبيل الاوصاف الكمالية، فتوجب زيادة في الثمن ولا يلزم من انتفائها انتفاء المبيع لكلي يترتب عليه بطلان البيع، بل يثبت الخيار للمشروط له، إلا إذا كان الخط بمرتبة من الجودة صار مبائنا لسار الخطوط في نظر العرف، كخط المير المعروف، وح فتكون صفة الحسن ايضا من الصور النوعية العرفية، ويلزم من انتفائها انتفاء المبيع، فيحكم ببطلان البيع. ونظير ذلك ما إذا باع فراشا على أنه منسوج بنسج قاسان فبان أنه منسوج بنسج آخر فان الاول لجودة نساجته يعد في نظر العرف مبائنا للثاني، فيبطل البيع، لان ما جرى عليه العقد غير واقع، وما هو واقع غير ما جرى عليه العقد. وعلى الجملة متعلق البحث في بيع المصحف إما الاوراق المجردة عن الخطوط، أو العكس، أو هما معا، وحيث لا سبيل إلى الاول والثاني فيتعين الثالث. ثم إن الروايات الواردة في بيع المصحف على طائفتين: الاولى: ما دل (1) على حرمة بيعه، اي الاوراق المقيدة بالخطوط، وتدل هذه الطائفة


(1) كا. عن عبد الرحمن بن سليمان عن ابي عبد الله " ع " قال: سمعته يقول: إن

[ 484 ]

على جواز بيع غلافه وحديدته وحليته. الثانية. ما دل (1) على جواز بيعه فتقع المعارضة بينهما. وقد جمع المصنف بينهما بأن الطائفة المجوزة وان كانت ظاهرة في جواز البيع، ولكنها


المصاحف لن تشترى فإذا اشتريت فقل: إنما اشتري منك الورق وما فيه من الادم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا. مجهولة لعبد الرحمن. كا. عن سماعة عن ابي عبد الله " ع " قال: سألته عن بيع المصاحف وشراءها؟ قال: لا تشتر كتاب الله عزوجل ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين وقل: اشتريت منك هذا بكذا وكذا. ضعيفة لعثمان بن عيسى. ورواها الشيخ في يب بادنى تفاوت. يب. عن جراح المدائني عن ابي عبد الله " ع " في بيع المصاحف قال: لا تبع الكتاب ولا تشتره وبع الاديم والورق والحديد. ضعيفة لقاسم بن سليمان وجراح. يب، عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله " ع " يقول: لا تبيعوا المصاحف فان بيعها حرام، قلت: فما تقول في شرائها؟ قال: اشتر منه الدفتين والحديد والغلاف وإياك أن تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب فيكون عليك حراما وعلى من باعه حراما. ضعيفة لعبدالله الرازي وابن ابي حمزة البطائني. راجع ج 1 كاص 362. وج 10 الوافي ص 37 وج 2 التهذيب ص 110. وج 2 ئل باب 59 عدم جواز بيع المصاحف من أبواب ما يكتسب به ص 546. (1) كا. عن عنبسة الوراق قال: سألت أبا عبد الله فقلت: أنا رجل ابيع المصاحف فان نهيتني لم أبعها؟ فقال: ألست تشتري ورقا وتكتب فيه؟ قلت: بلى وأعالجها. قال: لا بأس به. مجهولة بعنبسة. كاويب. عن روح بن عبد الرحيم عن ابي عبد الله " ع " قال: سألته عن شراء المصاحف وبيعها؟ قال: إنما كان يوضع الورق عند المنبر وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف قال: فكان الرجل يأتي فيكتب من ذلك ثم انهم اشتروا بعد ذلك، قلت: فما ترى في ذلك؟ قال: أشتري أحب الي من أن أبيعه، قلت: فما ترى أن أعطي على كتابه أجرا؟ قال: لا باس ولكن كذلك كانوا يصنعون. ضعيفة بغالب ابن عثمان. يب. عن ابي بصير قال: سألت أبي عبد الله عن بيع المصاحف وشرائها؟ فقال (ع) إنما كان يوضع عند القامة والمنبر، إلى أن قال (ع): اشتريه أحب الي من أن ابيعه. صحيحة. راجع المصادر المتقدمة.

[ 485 ]

لم تتعرض لبيان كيفيته، فلا تعارض ما دل على حرمة بيعه المتضمن للبيان. واحتمل في الجواهر حمل الاخبار المجوزة (على إرادة شراء الورق قبل أن يكتب بها على أن يكتبها، فيكون العقد في الحقيقة متضمنا لمورد البيع ومورد الاجارة بقرينة قوله عليه السلام: وما عملته يدك بكذا، ضرورة عدم صلاحية العمل موردا للبيع، فلا بد من تنزيله على الاجارة). ويرد على الوجهين أن كلا من النفي والاثبات في الروايات الواردة في بيع المصاحف إنما ورد على مورد وادح، وعليه فلا ترتفع المعارضة بين الطائفتين بشئ من الوجهين، لانهما من الجمع التبرعي المحض ولا شاهد لهما من العقل والنقل. ويرد على خصوص ما في الجواهر أنه لا وجه لجعل العقد الواحد متضمنا لموردي الاجارة والبيع معا تمسكا برواية عبد الرحمن بن سليمان المذكورة في الحاشية، فانه مضافا إلى كونها ضعيفة السند. أنه لا دلالة فيها على مقصود صاحب الجواهر، إذ الظاهر من عمل اليد في قوله (ع (: (فقل إنما أشتري منك الورق وما فيه من الادم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا). هو الاثر الحاصل من العمل، لا نفس الفعل، فانه لا وجه لكون العمل بعد وقوعه متعلقا للاجارة. والتحقيق أن تحمل الطائفة المانعة من الروايات على الكراهة بدعوى أن الغاية القصوى من النهي عن بيع المصحف إنما هو التادب والاحترام لكلام الله عزوجل، فانه أجل من أن يجعل موردا للبيع، كسائر الكتب والامتعة، وارفع من أن يقابل بثمن بخس دراهم معدودة، إذ الدنيا وما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فكيف يمكن أن يقع جزء من ذلك ثمنا للقرآن الذي اشتمل على جميع ما في العالم ويدور عليه مدار الاسلام! ومن هنا تعارف من قديم الايام ان المسلمين يعاملون على المصاحف معاملة الهدايا، ويسمون ثمن القرآن هدية، وعليه فيحمل النهي الوارد عن بيعه على الكراهة، لارشاده إلى ما ذكرناه. ويدلنا على ذلك قوله (ع) في رواية روح بن عبد الرحيم: (اشتري أحب إلي من أن ابيعه). وقوله (ع) في صحيحة ابي بصير: (أشتريه أحب الي من أن ابيعه). وقد ذكرناهما في الهامش. فان كون الشراء أحب عند الامام من البيع يدل على كراهة البيع وكونه منافيا لعظمة القرآن، ولو كان النهي تكليفيا لم يفرق فيه بين البيع والشراء. ولو سلمنا دلالة الروايات المانعة على الحرمة، ولكنها ظاهرة في الحرمة التكليفية، فلا دلالة فيها على الحرمة الوضعية: أعني فساد البيع وعدم نفوذه، لعدم الملازمة بينهما وقد تقدم ذلك

[ 486 ]

مرارا. ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أن الطائفة المانعة كلها ضعيفة السند، وغير منجبرة بشئ، فلا يجوز الاستناد إليها. لا يقال: إن ما دل على جواز بيع الورق أيضا معارض بما دل على عدم جواز بيعه كرواية سماعة المتقدمة في الحاشية المصرحة بحرمة بيع الورق الذي فيه القرآن، فانه يرد عليه مضافا إلى ضعف السند في رواية سماعة أنها صريحة في المنع عن بيع الورق الذي فيه القرآن، لا الورق المجرد، فلا معارضة بينهما. ثم إذا قلنا بحرمة بيع المصحف أو بكراهته، للروايات المتقدمة فانه لا إشعار فيها بأن القرآن لا يملك، وأنه لا يقبل النقل والانتقال مطلقا، وعليه فمقتضى القاعدة أنه كسائر الاموال يجري عليه حكمها من أنحاء النقل والانتقال حتى الهبة المعوضة، لوقوع العوض في مقابل الهبة دون المصحف، إلا البيع فقط. ويدل على ما ذكرناه جريان السيرة القطعية على معاملة المصاحف معاملة بقية الاموال، وتدل على ذلك أيضا الروايات (1) الدالة على ان المصحف من الحبوة ينتقل إلى الولد الاكبر بموت الوالد، وإذا لم يكن للميت ولد أكبر ينتقل إلى سائر الورثة، فلو لم يكن المصحف مملوكا، أو لم يكن قابلا للانتقال لم تصح الاحكام المذكورة، ويدلعلى ما ذكرناه أيضا أنه لو اتلف أحد مصحف غيره، أو أحدث فيه نقصا ضمن ذلك لصاحبه. ومن الواضح أنه لو لم يكن مملوكا فانه لا وجه للحكم بالضمان. ومما تقدم يظهر ضعف ما قاله المحقق الايرواني: من أن (مورد الاخبار المانعة هو البيع ويمكن جعلها كناية عن مطلق النواقل الاختيارية، بل إشارة إلى عدم قبوله للنقل ولو بالاسباب الغير الاختيارية كالارث). ثم إنه على القول: بحرمة بيع المصحف، أو بكراهته فلا يجري ذلك في مبادلة مصحف بمصحف آخر، لانصراف أدلة المنع عن هذه الصورة كما ذكره السيد (ره)، لامكان منعه باطلاق الادلة، على أآه لا منشأ للانصراف المذكور. بل لما عرفت سابقا من أن المنع عن بيع القرآن إنما هو لعظمته، وأنه يفوت عن الانسان متاع ثمين بازاء ثمن بخس، فإذا كانت المبادلة بين المصحفين لم يجر ذلك المحذور موضوعا. ثم إنه لا ملازمة بين بيع المصحف، وبين أخذ الاجرة على كتابته، فلا يلزم من حرمة


(1) راجع ج 2 كا باب 12 ما يرث الكبير من الولد دون غيره ص 258. وج 13 الوافي باب 121 ما يختص به الكبير ص 114. وج 3 ئل باب 3 ما يحبى به الولد الذكر الاكبر من تركة أبيه دون غيره. من أبواب ميراث الابوين والاولاد ص 343.

[ 487 ]

الاول أو كراهته حرمة الثاني أو كراهته، بل مقتضى القاعدة هو الاباحة. وتدل عليه جملة من الروايات (1). معنى حرمة بيع المصحف وشرائه قوله: (بقى الكلام في المراد من حرمة البيع والشراء). أقول: حاصل كلامه: انه لا شبهة في أن القرآن يملك ولو بكتابته في الاوراق المملوكة، وعليه فاما أن تكون النقوش من الاعيان المملوكة أولا، وعلى الثاني فلا حاجة إلى النهي عن بيع الخط، إذ لم يقع بازائه جزء من الثمن ليكون ذلك بيعا، وعلى الاول فاما ان يبقى الخط في ملك البايع أو ينتقل إلى المشتري وعلى الاول فيلزم ان يكون المصحف مشتركا بين البايع والمشتري، وهو بديهي البطلان، ومخالف للاتفاق. وعلى الثاني فان انتقلت هذه النقوش إلى المشتري في مقابل جزء من الثمن فهو البيع المنهي عنه، وإن انتقلت إليه تبعا لغيره كسائر ما يدخل في المبيع قهرا من الاوصاف التي تتفاوت قيمته بوجودها وعدمها فهو خلاف مفروض المتبايعين والتحقيق ان نقوش القرآن وخطوطه من قبيل الصور النوعية العرفية، وهي مملوكة لمالك الاوراق ملكية تبعية، ودخيلة في مالية الورق كبقية الاوصاف التي هي من الصور النوعية في نظر العرف، وعليه فمورد الحرمة أو الكراهة هو بيع الورق الذي كتب فيه كلام الله. وتوضيح ذلك انك قد عرفت في بعض المباحث السابقة وستعرف إنشاء الله تعالى في مبحث الشروط ان كيفيات الاشياء وان كانت بحسب الدقة الفلسفية من مقولة الاعراض ولكنها تختلف في نظر اهل العرف، فقد يكون نظرهم إلى الاشياء انفسها بالاصالة والى اوصافها بالتبع، كالاوصاف التي هي من لوازم الوجود، وقد يكون نظرهم فيها إلى الهيئة بالاصالة والى المادة بالتبع، لكون الهيئة من الصور النوعية في نظرهم، كما في الكأس والكوز المصنوعين من الخزف، فانهما في نظر العرف نوعان متبائنان وإن كانا من مادة واحدة، وقد يكون نظرهم إلى كلتيهما كالفراش المنسوج من الصوف، فان الاعتبار في


(1) في ج 2 ئل باب 59 عدم جوا بيع المصحف مما يكتسب به ص 546: عن علي ابن جعفر قال: وسالته عن الرجل هل يصلح له ان يكتب المصحف بالاجر؟ قال: لا بأس صحيح. ورواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي صاحب الرضا (ع) وقريب منه خبر قرب الاسناد، وتقدم في رواية روح بن عبد الرحيم ما يدل على ذلك.

[ 488 ]

نظر اهل العرف بمادته وهيئته، فهو مبائن في نظرهم مع العباءة المنسوجة من الصوف، ومع الفراش المنسوج من القطن. اما القسم الاول فالمالية فيه من ناحية المواد لخروج اوصافها عن الرغبات، وأما القسم الثاني فالمالية فيه لخصوص الهيئات لكون المادة ملحوظة بالتبع، واما القسم الثالاث فالمالية فيه للهيئة والمادة معا، فان النظر فيه إلى كل منهما، وعليه فإذا تخلفت اوصاف المبيع فان كانت من الصور النوعية بطل البيع، كما إذا باع كوزا فبان كأسا، أو باع فراشا فظهر عباءة، ووجه البطلان هو ان الواقع غير مقصود والمقصود غير واقع، وان كانت من الاوصاف الكمالية فان كان لوجودها دخل في زيادة الثمن ثبت عند تخلفها الخيار، وإلا فلا يترتب عليه شئ، نعم لا يجوز للبايع تغير الهيئة، لكونه تصرفا في مال الغير بدون إذنه، وهو حرام، إلا إذا كانت الهيئة مبغوضة، كهياكل العبادة الباطلة. وإذا عرفت ذلك فنقول: إن النقوش في المصاحف سواء كانت من الاعراض الصرفة أم من الجواهر وإن لم تكن مالا، ولا مملوكة بنفسها، ولكنها دخيلة في مالية الاوراق، فان هذه النقوش في نظر اهل العرف من الصورة النوعية التي يدور عليها مدار التسمية، بحيث لو باع احد مجموع ما بين الدفتين على أنه مصحف فبان اوراقا خالية عن الخطوط، أو كتابا آخر بطل البيع، لعدم وجود المبيع في نظر العرف، فالمصحف وكتاب المفاتيح مثلا نوعان، والجواهر والبحار متبائنان، وقد ظهر من جميع ما ذكرناه ان مورد الحرمة أو الكراهة في بيع المصحف هو الورق المنقوش الذي يسمى مصحفا، ويؤيد ذلك ما في رواية سماعة من قوله (ع): (وإياك ان تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب). ثم إذا قلنا بحرمة بيع المصحف فيمكن توجيه المعاملات الواقعة عليه في الخارج بأحد وجهين، وهما اللذان يمكن استفادتهما من الروايات المانعة: الاول: ان يكون المبيع هو الجلد والغلاف والحديد والحلية، ولكن يشترط المشتري على البايع في ضمن العقد ان يملكه الاوراق التي كتب فيه القرآن مجانا، ولا يلزم التصريح بذلك الشرط، فانه بعد البناء على حرمة بيعه فالقرينة القطعية قائمة على اعتبار ذلك الشرط في العقد، بداهة ان غرض المشتري ليس هو شراء الاديم والحديد والغلاف فقط، وإلا لاشتري غيرها، بل غرضه تملك المصحف. الثاني: ان يكون المبيع بالاصالة هو الامور المذكورة، ولكن تنتقل الخطوط إلى المشتري تبعا وقهرا، فتكون مملوكة له ملكية تبعية، إذ لا يعقل انفكاك الصورة عن المادة لكي تبقى الهيئة في ملك البايع وتنتقل المادة إلى المشتري.

[ 489 ]

لا يقال: إذا كان المبيع هو الامور المذكورة لزم القول بصحة بيع المصحف ولزومه على وجه الاطلاق حتى إذا ظهر عيب في النقوش الموجودة في الاوراق. فانه يقال: لا بأس بالالتزام بذلك إلا إذا اشترط المشتري على البائع صحة الخطوط، فيثبت للمشتري حينئذ خيار تخلف الشرط. حكم بيع أبعاض المصحف إذا قلنا بحرمة بيع المصحف أو بكراهته فهل يختص الحكم بمجموع ما بين الدفتين، أو يسرى إلى الابعاض ايضا؟. ربما قيل بالثاني، لقوله " ع " في رواية سماعة المتقدمة: (وإياك أن تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب فيكون عليك حراما وعلى من باعه حراما) فان هذه الرواية ظاهرة في شمول الحكم لاى ورق كتب فيه القرآن، وعليه فيشمل الحكم لكتب التفسير، ولكل كتاب رقم فيه بعض الآيات للاستشهاد والاستدلال، ككتب الفقه واللغة والنحو وغيرها، أو ذكرت فيه لمناسبة الابواب، كبعض كتب الحديث. ولكن الذي يسهل الخطب ان السيرة القطعية قائمة على جواز بيع الكتب المزبورة وشرائها من غير نكير حتى من المتورعين في أفعالهم ومعاملاتهم. بل لم نر ولم نسمع من متفقه أنه افتى فيها بكراهة البيع فضلا عن الفقيه، وإذن فلا بأس بالالتزام بجواز بيع كل كتاب مشتمل على الآيات القرآنية، كالكتب المزبورة وغيرها، بل قد يقال: إنه إذا جاز بيع كتاب مشتمل على أبعاض القرآن جاز بيع أبعاض القرآن بنفسها، لاتحاد الملاك فيهما، بل يجوز بيع مجموع القرآن ح، فان دليل المنع: أعني به رواية سماعة لم يفرق فيه بين مجموع القرآن وأبعاضه، وحيث قامت السيرة القطعية على جواز البيع في الابعاض كان ذلك كاشفا عن جواز بيع المجموع، ويكون ذلك وجها آخر لحمل الاخبار المانعة على الكراهة. ولكن الذي يعظم الخطب أن السيرة دليل لي فيؤخذ منها بالمقدار المتيقن، فلو تمت الادلة المانعة عن بيع المصحف لم يجز الخروج عنها إلا بمقدار ما قامت عليه السيرة: أعني به الكتب المشتملة على الآيات القرآنية، ولا يمكن التعدي منها إلى الابعاض المأخوذة من المصحف فضلا عن التعدي إلى مجموع ما بين الدفتين والحكم بجواز بيعه.

[ 490 ]

بيع المصحف من الكافر قوله: (ثم إن المشهور بين مه ره ومن تأخر عنه عدم جواز بيع المصحف من الكافر على الوجه الذي يجوز بيعه من المسلم). اقول: تحقيق الكلام هنا يقع في ناحيتين: الاولى: جواز تملك الكافر للمصحف وعدم جوازه. الثانية: أنه بناء على جواز بيعه من المسلم فهل يجوز بيعه من الكافر أولا؟ وأما على القول بحرمة بيعه منه فيحرم بيعه من الكافر بالاولوية القطعية. أما الناحية الاولى فالظاهر هو الجواز للاصل، فان مقتضاه جواز تملك كل شخص لاي شئ إلا ما خرج بالدليل، ومن الواضح جدا أنا لم نجد ما يدل على حرمة تملك الكافر للمصحف، بل الظاهر مما ذكرناه آنفا هو جواز ذلك لاي أحد من الناس. ويلوح ذلك أيضا من كلام الشيخ (ره) في فصل ما يغنم وماا لا يغنم من المبسوط، ان ما يوجد في دار الحرب من المصاحف والكتب التي ليست بكتب الزندقة والكفر داخل في الغنيمة، ويجوز بيعها. إذ مع عدم تملك الكافر للمصاحف فلا وجه لدخولها في الغنيمة، بل تكون من قبيل مجهول المالك. وأما الوجوه المذكورة لحرمة بيع المصحف من الكافر فلا دلالة فيها على عدم تملكه إياه، كما سيأتي. وأما الناحية الثانية فقد استدل المصنف على حرمة بيع المصحف من الكافر بوجوه: الاول: فحوى ما دل على عدم تملك الكافر للمسلم. وفيه أولا: أنه لا دليل على ذلك، بل ما دل على وجوب بيعه يدل بالالتزام على تملكه إياه، إذ لا بيع إلا في ملك، وأيضا ذكر الفقهاء أنه لو اشترى الكافر أحد عموديه المسلم فانه ينعتق عليه، مع أنه لا عتق إلا في ملك، وسيأتي تفصيل ذلك في البحث عن شرائط العوضين. وثانيا: لو سلمنا ثبوت الحكم في العبد المسلم فلا نسلم قياس المصحف عليه، فانه مضافا إلى بطلان القياس في نفسه، أن في تملك الكافر للمسلم ذلا عليه، بخلاف تملكه للمصحف فانه ربما يزيد في احترامه، كما إذا جعله في مكتبة نظيفة للاطلاع على آياته وبراهينه، بل قد تترتب على ذلك هدايته إلى الاسلام. الثاني: النبوي (1) المعروف (الاسلام يعلو ولا يعلى عليه). بدعوى ان تملك الكافر


(1) راجع ج 3 ئل باب 1 ان الكافر لا يرث المسلم من كتاب الارث. ورواه في

[ 491 ]

للمصحف يوجب الاستعلاء على الاسلام، فلا يجوز. وفيه أولا: أن النبوي المذكور ضعيف السند. وثانيا: أنه مجمل فلا يجوز الاستدلال به على المطلوب، إذ يمكن أن يراد به أن الاسلام يغلب على بقية الاديان في العالم. ويمكن ان يراد به أن الاسلام أشرف من سائر المذاهب. ويمكن أن يراد به علو حجته وسمو برهانه، لان حقيقة الاسلام مستندة إلى الحجج الواضحة والبراهين اللائحة بحيث يفهمها كل عاقل مميز حتى الصبيان، ويتضح ذلك جليا لمن يلاحظ الآيات القرآنية، وكيفية استدلاله تعالى على المبدء والمعاد وغيرهما ببيان واضح يفهمه أي أحد، بلا احتياج إلى مقدمات بعيدة بخلاف سائر الاديان، فانها تبتني على خيالات واهية. وتوهمات باردة تشبه بأضغاث الاحلام الثالث: ان بيع المصحف من الكافر يوجب هتكه، لعدم مبالاته بهتك حرمات الله. وفيه أن بين هتك القرآن، وبين بيعه من الكافر عموما من وجه، فقد لا يوجب بيعه من الكافر هتكا له، كما إذا اشتراه وجعله في مكتبة نظيفة، واحترمه فوق ما يحترمه نوع المسلمين. وقد يتحقق الهتك حيث لا يتحقق بيعه من الكافر، كما إذا كان تحت يد مسلم لا يبالي بهتك حرمات الله، فيجعله في مكان لا يناسبه، ويعامله معاملة المجلات والقراطيس الباطلة، وقد يجتمعان، كما إذا اشتراه الكافر ونبذه وراء ظهره. على أن الهتك إنما يترتب على تسليط الكافر على المصحف خارجا، لا على مجرد بيعه منه، وعليه فإذا وكل مسلما في بيعه وشرائه والتصرف فيه والانتفاع به فانه لا يترتب عليه الهتك من ناحية تملك الكافر إياه. الرابع: أن بيع المصحف من الكافر يستلزم تنجسه، للعلم العادي بمس الكافر إياه بالرطوبة، فيكون حراما من هذه الجهة. وفيه أولا: ان بيعه منه لا يلازم تنجسه، فان بينهما عموما من وجه، كما هو واضح. وثانيا: ان ذلك من صغريات الاعانة على الاثم، وقد علمت في البحث عن بيع العنب ممن يجعله خمرا أنه لا دليل على حرمتها إلا في موارد خاصة. ويضاف إلى جميع ما ذكرناه ان المستفاد من الوجوه المذكورة هو حرمة البيع تكليفا، وقد تقدم مرارا أنه لا ملازمة بينها وبين الحرمة الوضعية. ثم إن الوجوه المذكورة لو تمت دلالتها على حرمة بيع المصحف من الكافر فانها تقتضي حرمة بيع الادعية والروايات منه ايضا، خصوصا إذا كانت مشتملة على اسماء الله وأسماء الانبياء والائمة.


كنز العمال ج 1 ص 17 عن الدار؟ والبيهقي والضياء عن عائذ بن عمر.

[ 492 ]

ثم إن المصنف (ره) ذكر: (أن ابعاض المصحف في حكم الكل إذا كان مستقلا، وأما المتفرقة في تضاعيف غير التفاسير من الكتب للاستشهاد بلفظه أو معناه فلا يبعد عدم اللحوق، لعدم تحقق الاهانة والعلو). ويرد عليه أن لازم ذلك جواز بيع المصحف منه تماما إذا كان جزء من كتاب آخر، والمفروض حرمته. جوائز السلطان جواز أخذ المال منه مع الشك في وجود الحرام في أمواله قوله: (الثانية: جوائز السلطان وعماله، بل مطلق المال المأخوذ منهم مجانا أو عوضا) أقول: إن مورد البحث هنا كل مال أخذ من أي شخص يأكل فريقا من أموال الناس بالظلم والعدوان، وتخصيص الكلام بجوائز السلطان وعماله إنما هو من جهة الغلبة، وعليه فيعم البحث المال المأخوذ منهم بعنوان المعاملة، والمال المأخوذ ممن يأخذ اموال الناس بالسرقة أو الغصب. ثم إن المال المأخوذ من الجائر لا يخلو من أربعة اقسام، لان الآخذ إما أن لا يعلم ولو إجمالا بوجود مال محرم في أموال الجائر أو هو يعلم بذلك، وعلى الثاني فاما ان لا يعلم بوجود الحرام في خصوص المال المأخوذ، أو هو يعلم بذلك، وعلى الثاني فاما أن يعلم بوجود الحرام فيه تفصيلا أو إجمالا، فهنا أربع صور: الصورة الاولى: ان يأخذ المال من الظالم مع الشك في وجود الحرام في أمواله، ولا شبهة في جواز ذلك، لعموم قاعدة اليد المتصيدة من الاخبار الكثيرة الواردة في موارد عديدة، وللروايات الخاصة (1) الواردة في خصوص المقام.


(1) يب. عن ابي ولاد قال: قلت لابي عبد الله " ع ": ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلا من أعمالهم وأنا أمر به فأنزل عليه فيضيفني ويحسن الي وربما أمر لي بالدراهم والكسوة وقد ضاق صدري من ذلك؟ فقال لي: كل وخذ منه فلك المهنا وعليه الوزر. صحيحة. يب. عن ابي المعزا قال: سأل رجل أبا عبد الله " ع " وأنا عنده فقال: اصلحك الله أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم أخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحج بها؟ قال: نعم صحيحة يب. عن يحيى بن أبي العلا عن أبي عبد الله " ع " عن أبيه " ع " إن الحسن

[ 493 ]

وقد استدل المصنف (ره) على ذلك مضافا إلى الروايات الخاصة بالاصل والاجماع، أما الاجماع فيحتمل قريبا أن يكون مستندة قاعدة اليد، والاخبار الخاصة الواردة في المقام، فلا يكون إجماعا تعبديا. وأما الاصل فان كان المراد به قاعدة اليد وإنما عبر عنها بالاصل للمساهلة والمسامحة فهو متين، لانها من القواعد المسلمة بين الفقهاء، فحال الجائر في هذه الصورة حال بقية الناس فان الاحتمال المذكور موجود حتى في أموال العدول من المسلمين، بل يمكن شمول قاعدة اليد للكفار أيضا، وإن أراد بالاصل غير قاعدة اليد فلا نعلم له وجها صحيحا. وقد يقال: إن المراد به اصالة الصحة، فان القاعدة تقتضي حمل فعل المسلم على الصحة، والمفروض أن الجائر من المسلمين، فيعامل معاملة بقية المسلمين. ولكن يرد عليه أنه لم يقم دليل لفظي على اعتبار اصالة الصحة، لكي يتمسك باطلاقه في كل مورد يشك فيه، ودليلها إنما هو السيرة، وهي من الادلة اللبية، فيؤخذ بالمقدار المتيقن منها، وهو نفس العقود والايقاعات. مع إحراز اهلية المتصرف للتصرف، وعليه فإذا شك في أن العقد الفلاني تحقق صحيحا أو فاسدا لخلل في إيجابه أو قبوله فانه يحمل على الصحة، وأما إذا شك فيه من جهة اخرى فلا دليل على حمل فعل المسلم على الصحة. ومن هنا لو اشار أحد إلى دار معينة وقال بعتك هذه الدار بكذا فانه لا يمكن الحكم بصحة هذه المعاملة اعتمادا على أصالة الصحة إذا انتفت قاعدة اليد، أو إذا قطعنا النظر عنها، ومن هنا أيضا لو شك في أن البائع اصيل أو فضولي فانه لا وجه لحمله على الاول بمقتضى أصالة الصحة. وقد يقال: إن المراد بالاصل هو اصالة الاباحة الثابتة بالادلة العقلية والنقلية. وفيه أن أصالة الاباحة إنما تجري في الاموال إذا لم تكن مسبوقة بيد اخرى كالمباحات الاصلية التي ملكها الجائر بالحيازة. وأما إذا كانت مسبوقة بيد اخرى فان اصالة الاباحة محكومة بأصل آخر، وهو عدم انتقال الاموال المذكورة إلى الجائر من مالكها السابق، فيحرم تناول تلك الاموال من الجائر، إذ ليس هنا أصل موضوعي يثبت مالكيته لما في يده إلا


والحسين " ع " كانا يقبلان جوائز معاوية مجهولة ليحيى. يب. عن محمد بن مسلم وزرارة قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها بأس. مضمرة. ومجهولة بعلي بن السندي. وغير ذلك من الروايات. راجع ج 2 التهذيب ص 102. وج 10 الوافي ص 27. وج 2 ئل باب 80 إن جوائز الظالم وطعامه حلال مما يكتسب به ص 553.

[ 494 ]

قاعدة اليد، والمفروض أنها لا تجري في المقام. وقد احتمل المصنف (ره) أنه لا يجوز أخذ الجوائز من الجائر إلا مع العلم باشتمال أمواله على مال حلال لكي يحتمل أن يكون المال المأخوذ من المال الحلال، وقد استند في ذلك إلى رواية الحميري (1). ويرد عليه أولا: أن الرواية مرسلة فلا يجوز الاستناد إليها. وثانيا: أنها غريبة عن محل البحث، فان مورد كلامنا هي الصورة الاولى، وهي ما إذا لم يعلم باشتمال أموال الجائر على مال محرم. ومفروض الرواية عكس ذلك. فتكون راجعة إلى الصورة الآتية. ولعل ذلك اشتباه من الناسخ فكتبها في غير موضعها، وقد وقع نظيره في كتب الشيخ والله العالم. جواز أخذ المال من الجائر مع العلم الاجمالي بوجود الحرام في أمواله الصورة الثانية: أن يعلم الآخذ إجمالا باشتمال أموال السلطان على الحرام، ولكن لا يعلم باشتمال الجائزة عليه، فيقع الكلام هنا في ناحيتين: الاولى: أن لا تكون الاصول والامارات معارضة في أطراف العلم الاجمالي، والثانية: أن تقع المعارضة بينهما في ذلك. أما الناحية الاولى فذكر المصنف ان التصرف في المال المأخوذ من السلطان الجائر في هذه الصورة جائز بأحد شرطين على سبيل مانعة الخلو، الاول: أن تكون الشبهة في اطراف العلم الاجمالي غير محصورة. والثاني: أن يكون أحد الاطراف خارجا عن محل الابتلاء وان كانت الشبهة محصورة، كما إذا دفع الجائر إلى أحد جارية، وعلم المدفوع إليه بأن احدى الجاريتين مغصوبة اما هذه الجارية وإما الجارية الاخرى التي اختص بها الجائر بحيث أصبحت أم ولد له ومن خواص نسائه، ومن الواضح أن أم ولد الجائر خارجة عن


(1) عن الحميري انه كتب إلى صاحب الزمان " ع " يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف مستحلا لما في يده ولا يرع عن أخذ ماله ربما نزلت في قرية وهو فيها أو أدخل منزله وقد حضر طعامه الخ الجواب إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل بره وإلا فلا. مرسلة. راجع كتاب الاحتجاج للطبرسي ص 270. وج 2 ئل باب 80 إن جوائز الظالم وطعامه حلال مما يكتسب به ص 554.

[ 495 ]

محل ابتلاء غيره فلا يكون العلم الاجمالي منجزا في أمثال ذلك. وقد استدل على هذا الرأي في فرائده بوجوه شتى، وأشار هنا إلى واحد منها. وحاصله: ان العلم الاجمالي إنما يوجب التنجيز إذا كان التكليف المتعلق بالواقع فعليا على كل تقدير من غير ان يكون مشروطا بالابتلاء في بعض الاطراف، وإلا فتون الشبهة بدوية بالنسبة إلى ما هو في معرض الابتلاء. ويرد عليه ما ذكرناه مفصلا في علم الاصول، وحاصله: أن كون الشبهة محصورة أوغير محصورة، أو خروج بعض اطرافها عن محل الابتلاء ليس مناطا في تنجيز العلم الاجمالي، لعدم الدليل عليه من العقل أو النقل، بل الحجر الاساسي في تنجيزه ان يكون ارتكاب كل فرد من اطراف الشبهة مقدورا للمكلف بالقدرة العقلية، وإلا فهولا يوجب التنجيز، لقبح التكليف بأمر غير مقدور للمكلف، وعليه فان كان جميع اطراف الشبهة هنا مقدورا للمكلف كان العلم الاجمالي منجزا للتكليف، وإلا فلا، سواء أكانت الشبهة محصورة أم غير محصورة، وسواء أكان بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء أم لا، وعلى هذا فلا وجه لتفصيل المصنف في المقام. والتحقيق أنه لا مانع من التصرف في هذه الصورة ايضا سواء كان اخذ المال من الجائر مجانا أم مع العوض، وذلك من جهة الاعتماد على قاعدة اليد، فان من المحتمل ان يكون الحرام منطبقا على ما بيد الجائر دون ما اعطاه للغير، ولا فرق فيما ذكرناه بين ما كان المناط في تنجيز العلم الاجمالي نفس العلم أو تعارض الاصول. والوجه في ذلك ان جريان قاعدة اليد في المال المأخوذ لا مانع عنه. وأمال المال الآخر الباقي تحت يد الجائر فهو غير مشمول للقاعدة للعلم بحرمة التصرف فيه على كل من تقديري كونه غصبا وعدمه، وسيجئ بيان ذلك قريبا، ومن هنا ظهر انه لو كان للجائر مركوبان، وان احدهما غصبا فأباح احدهما لشخص وأبقى الآخر في يده فانه جاز للمباح له ان يتصرف في ذلك، واما لو أباح احدهما وملكه الآخر ببيع ونحوه فانه يحرم عليه التصرف في كليهما.

[ 496 ]

ما استدل به على كراهة اخذ المال من الجائر مع العلم بوجود الحرام في امواله والجواب عنه قوله: (ثم إنه صرح جماعة بكراهة الاخذ). اقول: كره جماعة اخذ الجائزة من الجائر مع قيام الحجة على الجواز، واستدلوا عليه بوجوه: الاول: انه يحتمل أن يكون المأخوذ منه حراما واقعا، لكن قام الدليل على جواز تناوله ظاهرا، فيكون مكروها. وفيه انه لو كان الاحتمال موجبا لكراهة التصرف في المأخوذ من الجائر لوجب الالتزام بكراهة التصرف فيما اخذ من اي احد من الناس حتى المتورعين في امورهم، لوجود الاحتمال المذكور في اموالهم، مع انه لم يلتزم بها احد في غير جوائز السلطان. الوجه الثاني: الاخبار الكثيرة (1) الدالة على حس الاحتياط، كقوله " ع ": (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وقولهم " ع ": (فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات) وكقوله " ع ": (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) وكقول علي " ع " لكميل بن زياد: (أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت) وفي الحديث (إن لكل ملك حمى وحمى الله مارمه فمن رتع حول الحمى اوشك ان يقع فيه). وغير ذلك من الروايات. وفيه انه إن كان المراد بالريب أو الشبهة التي جعلت موضوعا للحكم في هذه الاخبار الريب في الحكم الظاهري بأن كانت واقعة خاصة مشتبهة في حكمها الظاهري فهو ممنوع في المقام، لارتفاعه بقاعدة اليد التي ثبت اعتبارها في الشريعة المقدسة، وان كان المراد به الريب في الحكم الواقعي فالاموال كلها إلا ما شذ وندور مشتبهة من حيث الحكم الواقعي حتى الاموال المشتبهة في ايدي عدول المؤمنين، لوجود احتمال الحرمة الواقعية في جميع ذلك، ولازم ذلك ان يحكم بكراهة التصرف في جميع الاموال غير ما اخذ من المباحات الاصلية، وعلى هذا فطريق التخلص من الكراهة ان يعامل بها معاملة مجهول المالك، كما كان ذلك دأب بعض الاعلام من السادة. نعم يختلف الاحتياط من حيث الشدة والضعف بحسب الموارد، فالاحتياط في اموال الجائرين اشد من الاحتياط في اموال بقية الناس. وعلى الجملة لا طريق لنا إلى إثبات


(1) راجع ج 3 ئل باب 12 وجوب التوقف والاحتياط من ابواب صفات القاضي ص 389 387.

[ 497 ]

الكراهة في جوائز السلطان، لانه إن كان المراد بالكراهة الكراهة الشرعية فالاخبار المذكورة غريبة عنها، وإن كان المراد بها الكراهة الارشادية الناشئة من حسن الاحتياط فلا اختصاص لها بالمقام. الوجه الثالث: أن أخذ المال منهم يوجب محبتهم، فان القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها. وقد نهى في الاخبار المتواترة عن موادتهم ومعاشرته، وقد اشرنا إليها في البحث عن حرمة معونة الظالمين. وفيه أنه لا شبهة في ورود النهي إما تحريميا كما في جملة من الاخبار أو تنزيهيا كما في جملة اخرى منها عن صحبة الظالمين وموادتهم ومجالستهم، ولكن بين ذلك وبين أخذ جوائزهم عموما من وجه، إذ قد يكون احد محبا للظلمة واعوانهم من دون ان يأخذ شيئا منهم، كالذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله حتى صاروا من اولياء الظلمة ومحبيهم، وقد يأخذ احد جوائزهم واموالهم، وهو لا يحبهم، بل ربما أوجب ذلك بغضهم وعدائهم، كما إذا كان أجيرا للظالم وأعطاه أقل من أجرة المثل. ودعوى كون الاجارة خارجة عن مورد البحث دعوى جزافية. فقد عرفت ان مورد البحث اعم من ان يكون الاخذ مجانا أو مع العوض. الوجه الرابع: قوله " ع " في رواية الفضل (1): (والله لولا انني ارى من ازوجه بها من عزاب بني ابي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها ابدا). فان هذه الرواية صريحة في ان الامام (ع) انما قبل هدية الرشد ليزوج بها العزاب من آل ابي طالب لئلا ينقطع نسله ولولا هذه الناحية المهمة لكان الرد أولى، فتدل على الكراهة ما لم تكن في الاخذ مصلحة راجحة. ولكن يرد عليه ان اشمئزاز الامام (ع) عن قبول هدية الرشيد ليس من جهة كونها من اموال الظلمة، بل لاستلزامها المنة، فان من أشق الاحوال ان يغصب احد حق غيره، ثم يهدذى إليه هدية بعنوان التفضل وإظهار العظمة. والوجه فيما ذكرناه ان ما اعطاه الرشيد للامام (ع) لا يخلو اما ان يكون من امواله الشخصية، أو من بيت المال، أو من مجهول المالك، أو من معروف المالك، فان كان من الاول فلا شبهة في جواز اخذه، وهو واضح، وكذلك إن كان من الثاني أو الثالث، فان ولاية بيت المال ومجهول المالك للامام (ع)، وإن كان من الرابع فللامام (ع)،


(1) مجهولة بمحمد بن الحسن المدني و عبد الله بن الفضل. راجع ج 2 ئل باب 80 إن جوائز الظالم وطعامه حلال مما يكتسب به ص 554.

[ 498 ]

أن يأخذه ويوصله إلى مالكه، وله ان لا يأخذه اصلا. اما ان يأخذه ويزوج به عزاب بني ابي طالب فذلك غير جائز. اللهم إلا أن يقال: إنه من جهة كون الامام (ع) أولى بالمؤمنين من انفسهم، ولكن هذا بعيد عن مراد الامام (ع) في الرواية. ما استدل به على رفع الكراهة عن جوائز السلطان والجواب عنه قوله: (ثم إنهم ذكروا ارتفاع الكراهة بأمور: منها إخبار المجيز). اقول: ذكر الفقهاء رضوان الله عليهم موارد لارتفاع الكراهة بناء على ثبوتها في جوائز الظالمين. منها إخبار الظالم بحلية الجائزة وكونها من امواله الشخصية، كأن يقول: هذه الجائزة من تجارتي أو م نزراعتي أو نحو ذلك مما يحل للآخذ التصرف فيه. ويرد عليه ان ارتفاع الكراهة بذلك بناء على ثبوتها وإن كان مشهورا بين الاصحاب، بل مما لا خلاف فيه على ما حكاه المصنف عن ظاهر الرياض تبعا لظاهر الحدائق، إلا أنا لم نجد له مستندا صحيحا، وقد اعترف بذلك صاحب المناهل. وقد يتوهم ان المستند في رفع الكراهة هنا ما دل على حجية قول ذي اليد، فيكون إخباره بذلك كسائر الامارات المعتبرة شرعا. وفيه أن إخباره بحلية ماله لا يزيد على يده، فكما أن إخباره يدل على الملكية الظاهرية فكذلك يده. واحتمال مخالفة الواقع متحقق في كليهما، وعليه فحسن الاحتياط يقتضي الاجتناب في كلا الموردين، ولكنه لا تثبت به الكراهة المصطلحة الناشئة من الحزازة في الفعل. الثاني: إخراج الخمس، نقل المصنف حكايته عن المنتهى والمحقق الاردبيلي، بل عن ظاهر الرياض عدم الخلاف فيه. وقد استدل على كونه رافعا للكراهة عن الجوائز بوجوه الوجه الاول: فتوى النهاية والسرائر باستحباب الخمس في الجوائز، بدعوى أن أخبار من بلغ تشمل ما كان بلوغه بفتوى الفقيه، بل ذكر المصنف أن فتوى النهاية والسرائر كالرواية وعليه فلا نحتاج إلى ذلك التعميم. وفيه أن استحباب الخمس فيها لا يلازم رفع الكراهة عن التصرف في البقية. الوجه الثاني: ما حكاه المصنف عن المنتهى من أن المال الذي اختلط بالحرام قطعا يطهر بالتخميس، فما احتمل وجود الحرام فيه يطهر به بالاولوية القطعية. ويرد عليه أولا: ما ذكره المصنف من أن إخراج الخمس من المال المختلط بالحرام بمنزلة

[ 499 ]

البدل عن الحرام الواقعي، فيكون ذلك نظير المصالحة في نظر الشارع فيرتفع به أثر الحرام اعني به وجوب الاجتناب. وأما المال الذي يحتمل ان يكون حراما كله وقذرا في ذاته فلا معنى لتطهره باخراج خمسه، فانه لو كان المال بمجموعه حراما في الواقع لم يصح ان يكون الخمس بدلا عنه لكي يكون ذلك بمنزلة المصالحة في نظر الشارع. وثانيا: ان مقتضى القياس هو وجوب الخمس فيما يشك في حرمته وحليته من الاموال لا استحبابه، فان اتحاد الملاك في الموردين يقتضي اتحاد الحكم فيهما، وعليه فتوهم وجوب الخمس في مورد واستحبابه في مورد آخر مع فرض وحدة الملاك فيهما شبيه بالمتناقضين. وثالثا: ان هذا الوجه قياس لا يفيد إلا الظن بالواقع، وهو لا يغني من الحق شيئا. ورابعا: لو سلمنا جميع ذلك فانما يدل على طهارة المال باخراج الخمس، ولا منافات بين ذلك، وبين كراهة التصرف في البافي. الوجه الثالث: الاخبار الدالة على وجوب الخمس في مطلق الجوائز، وحيث ان المشهور لم يلتزموا بوجوب الخمس فيها فتحمل تلك الاخبار على الاستحباب. وفيه أولا: أن اعراض المشهور عن الرواية المعتبرة لا يوجب رفع اليد عنها، وعليه فمقتضى العمل بتلك الروايات إنما هو وجوب الخمس في الجائزة، لا استحبابه. وثانيا: أن الظاهر من هذه الاخبار إنما هو وجوب الخمس في الهدايا، لكونها من الغنائم والفوائد والارباح التي تصل للانسان يوما فيوما. فشأنها شأن أرباح المكاسب التي يجب فيها الخمس بعد إخراج المؤنة ومضي السنة، ولازم ذلك ان نقول بوجوب الخمس أو باستحبابه في الجائزة بعنوانها، لا من حيث اندراجها في الارباح، فلا بد من الالتزام بثبوته فيها مرتين، ولم يلتزم بذلك فقيه. على أن إخراج الخمس عن الجوائز لا يرفع احتمال الحرمة عن الباقي إلا مع الالتزام بكون التخميس بمنزلة المصالحة في نظر الشارع، وقد عرفت جوابه آنفا. ويضاف إلى ما ذكرناه أنا لم نجد في الروايات ما يدل على وجوب الخمس في الجائزة بعنوانها حتى نحمله على الاستحباب، نعم ذكرت الجائزة والهدية في بعض الاحاديث (1)


(1) في ج 2 ئل باب 8 وجوب الخمس فيما يفضل عن مؤنة السنة من كتاب الخمس ص 61. في صحيحة علي بن مهزيار قال: كتب إليه أبو جعفر " ع " وقرأت انا كتابه إليه في طريق مكة إلى أن قال " ع: قال الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم) الآية، إلى أن قال (ع): والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر

[ 500 ]

ولكن لا على نحو الموضوعية، بل لكونهما من أفراد الغنائم والفوائد ومن الارباح الحاصلة يوما فيوما. ومن جميع ما ذكرناه ظهر الجواب عن الموثقة (1) الدالة على وجوب الخمس فيما حصل للانسان من خصوص عمل السلطان. الوجه الرابع: ما ذكره المصنف من (أن المستفاد مما تقدم من اعتذار الكاظم (ع) من قبول الجائزة بتزويج عزاب الطالبين لئلا ينقطع نسلهم، ومن غيره أن الكراهة ترتفع بكل مصلحة هي أهم في نظر الشارع من الاجتناب عن الشبهة). وقد تقدم ان الوجه في إنائه (ع) عن قبول هدية الرشيد لزوم المنة، وإلا فلا شبهة في جواز أخذ الامام عليه السلام إياها. ثم إنا لو سلمنا كراهة أخذ الجائزة من الجائر فلا رافع لها إلا معاملتها معاملة مجهول المالك، كما هو كك في جميع الاموال التي لم تثبت حليتها بالعلم الوجداني. وقد كان ذلك دأب بعض الاعاظم من السادة (ره). وأما الناحية الثانية وهي ما كانت الاصول معارضة في أطراف الشبهة فتفصيل الكلام فيها يقع تارة من حيث القواعد، واخرى من حيث الروايات، أما من حيث القواعد أن الجائر قد يحيز التصرف في شئ معين من أمواله أو يعطيه لاحد مجانا أو مع العوض، وقد يجيز التصرف في جميع أمواله على نحو العموم الاستيعابي، وقد يجيز التصرف في شئ منها على نحو العموم البدلي. أما القسم الاول فلا شبهة في إنحلال العلم الاجمالي فيه إلى شك بدوي وعلم تفصيلي، لان الآخذ يعلم تفصيلا بحرمة التصرف في بقية أموال الجائر، إما لكونها مغصوبة، أو لانه لم يجز التصرف فيها. وأما خصوص ما أخذه من الجائر فيجوز له التصرف فيه استنادا إلى يد الجائر التي هي أمارة الملكية، ولا تكون معارضة بيده في الطرف الآخر، لما عرفت


وفي الباب المذكور من ئل وفي ج 1 كاص 425. وج 6 الوافي ص 42 باب 36 ما فيه الخمس عن يزيد قال: كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها رايك ابقاك الله أن تمن على بيان ذلك لكي لا أكون مقيما على حرام لا صلاة لي ولا صوم؟ فكتب الفائدة مما يفيد اليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة. ضعيفة بيزيد. (1) في ج 2 ئل باب 10 وجوب الخمس في الحلال إذا اختلط بالحرام من أبواب الخمس ص 61. وج 10 الوافى ص 29 عن عمار عن ابي عبد الله (ع) انه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: لا إلا أن لا يقدر على شئ ولا يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة فان فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت. موثقة لعمار ومصدق وغيرهما

[ 501 ]

من حرمة التصرف فيه على كل تقدير، ومع الاغضاء عن الاستناد إلى قاعدة اليد فلا بد من التفصيل بين الاموال التي كانت مسبوقة بيد اخرى، وبين الاموال التي اخذت من المباحات الاصلية، فان اصالة عدم الانتقال في الاول حاكمة على اصالة الحل. وأما القسم الثاني فلا ريب في تنجيز العلم الاجمالي فيه، لتعارض الاصول وتساقطها في اطرافه، وكون التكليف منجزا على كل تقدير. كما إذا كان للجائر عشرون دينارا فأجاز لاحد ان يتصرف في جميعها، وكان المجاز يعلم ان احد هذه الدنانير حرام، فانه يحرم عليه التصرف في جميعها. وأما القسم الثالث فقد يتوهم فيه انحلال العلم الاجمالي إلى شك بدوي وعلم تفصيلي على التقريب المتقدم في القسم الاول ومثاله إذا أعطى الجائر كبسه لشخص، وقال له: خذ منه دينارا، وكان الآخذ يعلم إجمالا باشتمال الكيس على دينار محرم، فان اختياره دينارا خاصا إنما يعين متعلق إذن الجائر، فكأنه من الاول إنما أذن في التصرف في ذلك الدينار المعين، فيجري في هذا القسم جميع ما ذكرناه في القسم الاول. ولكن التحقيق انه لا فرق في تنجيز العلم الاجمالي بين القسم الثاني والثالث. والوجه في ذلك ما فصلناه في علم الاصول. ومجمله ان العلم الاجمالي بالتكليف الثابت بين الاطراف المعينة التي هي بأجمعها في معرض الابتلاء يقتضي الاجتناب عن الجميع، وعليه فالترخيص في ارتكاب ما يختاره المكلف ترخيص في مخالفة الحكم المنجز من غير وجود مؤمن في البين، وأصالة عدم كون ما يختاره المجاز حراما معارضة بأصالة عدم كون الباقي حراما، وإذن فيجب الاجتناب عن الجميع. وبعبارة اخرى ان المناط في تنجيز العلم الاجمالي إنما هو تعارض الاصول في اطرافه، سواء أكان المكلف مع ذلك متمكنا من ارتكابها على نحو العلوم الشمولي، أو على نحو العموم البدلي: بأن لا يتمكن من ارتكاب المجموع، كما إذا قال المولى لعبده: يحرم عليك السكنى في الدرا المعينة عند طلوع الفجر فاشتبه عليه متعلق التكليف بين دارين فانه يجب عليه الاجتناب من كلتا الدارين، مع أنه غير متمكن من السكنى فيهما معا عند طلوع الفجر، فان عدم تمكن المكلف من ارتكاب مجموع الاطراف لا يمنع عن تنجيز العلم الاجمالي إذا تمكن من ارتكابها على البدل. وقد يقال بانحلال العلم الاجمالي أيضا في هذا القسم لوجوه: الاول: قاعدة اليد. وفيه أن قاعدة اليد إنما توجب الانحلال إذا أجاز الجائر التصرف في مال معين كما تقدم في القسم الاول، وأما إذا أذن في التصرف في مال غير معين على نحو

[ 502 ]

العموم البدلي فان قاعدة اليد في أي فرد اختاره المجاز معارضة لها في الطرف الآخر، فلا توجب انحلال العلم الاجمالي. الثاني: قاعدة من ادعى شيئا ولم يعارضه أحد في دعواه يحكم بكون الشئ ملكا له. وفيه أن القاعدة المذكورة وإن وردت في بعض الاحاديث (1) ولكنها غريبة عن المقام للعلم بوجود الحرام فيما بيد الجائر. على ان الرواية واردة في قضية شخصية، فلا يمكن التعدي منها إلى غيرها، للجهل بخصوصياتها. الثالث: ان حمل فعل المسلم على الصحة يقتضي معاملة ما بيد الجائر معاملة الملكية. وفيه مضافا إلى ما أوردناه على الوجه الاول. أنه قد يراد من أصالة الصحة حمل فعل المسلم على الصحيح فيما إذا كان ذا وجهين (الحلال والحرام) ولا شبهة ان حمله على الوجه الحلال لا يوجب ترتب آثاره عليه، كما إذا تكلم المسلم بكلام احتملنا أنه سلام أو سباب فحمل فعله على الصحة يقتضي ان لا يكون سبابا، ولكن ذلك لا يثبت كونه سلاما فيجب رد جوابه، فإذا حملنا فعل الجائر على الصحة بهذا المعنى لم يفد ذلك شيئا ولم تترتب عليه آثار الصحة من الحكم بملكية المأخوذ، وجواز التصرف فيه. وقد يراد بها اصالة الصحة في العقود، ولا ريب أنها لا تثبت كون العوضين ملكا للمتبايعين، وإنما تثبت بها صحة العقود إذا شك فيها لامر يرجع إلى الصيغة، لعدم الدليل؟ أزيد من ذلك، فأصالة الصحة إما أن لا تكون جارية، أولا نثبت بها لوازمها. وأما منحيث الروايات فقد استدل على جواز التصرف في المأخوذ إذا علم إجمالا باشتمال پمال الجائر على الحرام بطوائف من الروايات، الاولى: الاخبار (2) الواردة في باب الرباء الدالة على وجوب رد الزائد عن رأس المال إلى مالكه إذا كان معلوما، وأما إذا كان المالك مجهولا فهو حلال للآخذ. وقد استدل بها السيد في حاشيته على جواز التصرف في الجائزة ولو مع العلم إجمالا باشتمالها على الحرام.


(1) عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله " ع " قال: قلت: عشرة كانوا لوسا وسطهم كيس فيه ألف درهم فسال بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا وقال واحد منهم: هو لي فلمن هو؟ قال: للذي ادعاه. مرسلة. راجع ج 3 ئل باب 16 أنه إذا كان جماعة جلوسا من أبواب كيفية الحكم ص 402. (3) راجع ج 2 ئل باب 5 حكم من أكل الرباء بجهالة ثم تاب من أبواب الرباء ص 598 وج 10 الوافى باب 55 الرباء ص 53. وج 1 كاباب 51 من المعيشة ص 369.

[ 503 ]

وفيه أن هذه الاخبار غريبة عما نحن فيه، لانها راجعة إلى حلية الرباء بعد التوبة، ودالة على عفو الله عن ذلك تسهيلا لمكلفين وترغيبا في التوبة. وعليه فالتوبة شرط متأخر لحلية الرباء مع الجهل بصاحبه. وقد ورد (1) في تفسير قوله تعالى (2): (فله ما سلف) ما يدل على العفو عن الرباء وضعا وتكليفا بعد التوبة. وح فشأن الرباء شأن الموارد التي أذن الشارع في التصرف في أموال الناس بدون إذنهم، كأكل طعام الغير في المجاعة، والتصرف في اللقطة بعد التعريف، وفي الاراضي المتسعة والانهار الكبار، وكالتصرف في الاراضي المغصوبة لانقاذ الغريق، إلى غير ذلك من الموارد. الطائفة الثانية: الاخبار (3) الدالة على حلية الاشياء ما لم تثبت حرمتها، فانها تدل باطلاقها على جواز التصرف فيما اخذ من الظالم ما لم تعلم حرمته تفصيلا. ولكن يرد عليها ان العمل باطلاقها يقتضي الحكم بجواز ارتكاب جميع الشبهات، سواء كانت مقرونة بالعلم الاجمالي أم لا، وسواء كانت الشبهة محصورة أم لا، ومن الضروري أن هذا مما لا يمكن الالتزام به، وعليه فلا بد من حمل تلك الاخبار على فرض كون الشبهة بدوية. وبعبارة اخرى ان تلك الاخبار منصرفة عن موارد العلم الاجمالي إذا كانت في معرض الابتلاء، فان شمولها لجميع الاطراف يستلزم المخالفة القطعية، ولاحدهما المعين ترجيح بلا مرجح، وعنوان أحدهما من غير تعيين ليس له مصداق غير الافراد الخارجية، والفرد المردد لا وجود له حتى في علم الله، على أن القائلين بجواز اخذ الجائزة من الجائر كالشهيدين والمحقق وغيرهم لم يقولوا بجواز المخالفة القطعية في اطراف العلم الاجمالي. قوله: (وقد تقرر حكومة قاعدة الاحتياط على ذلك). اقول: العجب من المصنف فانه قد أسس المباني الاصولية، وشيد اساس تقديم ادلة البراءة على أدلة الاحتياط، ومع ذلك التزم هنا بحكومة قاعدة الاحتياط على البراءة. قوله: (على أن اليد لا نؤثر فيه). أقول: الوجه في ذلك ما تقدم من أن جريان قاعدة اليد في بعض الاطراف معارض بجريانها في الطرف الآخر، للعلم بمخالفتها للواقع في أحد الطرفين.


(1) راجع البابين المتقدمين من الوافى وئل. (2) سورة البقرة، آية: 276. (3) راجع ج 3 ئل باب 35 حكم السمن والجبن وغيرهما من أبواب الاطعمة المحرمة ص 262. وج 2 باب 31 عدم جواز الانفاق من الحرام مما يكتب به ص 537.

[ 504 ]

قوله: (فهو على طرف النقيض مما تقدم عن لك). أقو: ل الوجه فيه أن القول بعدم وجوب الاحتياط يناقض القول بوجوبه، كما أن القول بخروج جوائز الظالم عن مورد الشبهة المحصورة تخصصا يناقض القول بخروجها عن ذلك تخصيصا. الطائفة الثالثة: الاخبار الدالة على جواز اخذ الجوائز من الجائر سواء كان الاخذ مع العوض أم بدونه، وقد تقدمت (1) جملة من هذه الروايات. وفيه أن المستدل بهذه الاخبار إما ان يدعى ظهورها في الحلية الواقعية، أو يدعى ظهورها في الحلية الظاهرية أما الدعوى الاولى فحاصلها ان الارع قد حكم بأن اخذ المال من الجائر يوجب حليته واقعا نظير تخميس المال المختلط بالحرام بناء على كونه مطهرا للمال المذكور واقعا وهذه الدعوى وإن كانت لا غرابة فيها في نفسها لان الشارع قد أباح التصرف في مال الغير بدون إذنه إباحة واقعية في موارد كثيرة، كأكل طعام الغير في المجاعة، والتصرف في ارضه لانجاء الغريق، وأكل المارة من ثمرته، وأكل اللقطة بعد التعريف المقرر في الشريعة، والتصرف في الاراضي المتسعة والانهار الكبار، وكالتصرف فيما يؤخذ ممن لا يعتقد الخمس، فان الائمة قد جعلوا شيعتهم في حل من ذلك واقعا ليطيب نسلهم ولكن لا يمكن الذهاب إلى ذلك في مقام الاثبات إلا فيما دل الدليل عليه كما في الموارد المذكورة. نعم يظهر ذلك من إطلاق جملة من الروايات، كقوله " ع " في رواية ابي ولاد المتقدمة (2): (فلك المهنا وعليه الوزر) وغير ذلك من الاخبار. ولكن العمل باطلاقها يقتضي إباحة اخذ الجائزة من الجائر حتى مع العلم التفصيلي باشتمالها على الحرام، ولم يتفوه به احد، وعليه فلا بد من رفع اليد عن إطلاقها وحمله على الشبهات البدوية، أو المقرونة بالعلم الاجمالي الذي لا يوجب التنجيز. ولنا أن نمنع دلالة تلك الروايات على جواز اخذ الجائزة من الجائر مطلقا، فان السؤال فيها من جهة ما هو مرتكز في أذهان الناس من أن الجائر لا يبالي بالحرام، وح فتكون امواله مشتبهة بالحرام، إذ ليست اموال الجائرين مقطوعة الحرمة ليكون ذلك احتمالا موهونا في حقهم. ويلوح هذا المعنى من بعض تلك الروايات، كصحيحة ابي ولاد التي تقدمت، بل الظاهر من بعضها تقييد الحكم بصورة الشك فقط، كرواية اسحاق بن عمار (3).


(1) في البحث عن اخذ المال من الجائر مع الشك في وجود الحرام في أمواله ص 492 (2) في ص 492. (3) قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم قال: يشتري منه ما لم

[ 505 ]

وأما الدعوى الثانية فحاصلها ان المال المأخوذ من الجائر على تقدير كونه حراما فهو باق على حرمته الواقعية، ولكنه حلال في الظاهر بترخيص الشارع، كبقية الاحكام الظاهرية. ويرد على ذلك أن تلك الاخبار لا يمكن شمولها لجميع الاطراف، فانه ترخيص في مخالفة حكم الشارع فهو حرام، ولبعضها دون بعض ترجيح بلا مرجح، وإذن فتخرج موارد العلم الاجمالي الذي يوجب التنجيز عن حدود تلك الاخبار تخصصا. فبما علم تفصيلا كون الجائزة محرمة الصورة الثالثة: وهي ما علم تفصيلا بكون الجائزة محرمة، وقد ظهر حكمها من الصورة السابقة، فلا نحتاج إلى الاعادة وإنما المهم هو التعرض للامور التي ذكرها المصنف في ذيل هذه الصورة. الامر الاول: ما هو حكم الجائزة إذا علم الآخذ تفصيلا بأنها مغصوبة؟ أقول: إن علم الآخذ بحرمة الجائزة تارة يكون قبل استقرارها في يده واخرى بعده. أما الجهة الاولى فيحرم عليه أخذها اختيارا بقصد التملك، للعلم بكونها مال الغير، وأنه يحرم التصرف في مال الغير بدون إذن صاحبه، بل يحرم التصرف حتى مع قصد إرضاء مالكه بعده، فان التصرف في مال الغير إنما يجوز إذا كان المالك راضيا به حال التصرف. وأما الرضاء المتأخر فلا يؤثر في مشروعية التصرف المتقدم، فيكون الآخذ ضامنا للمالك مع التلف، لان يده يد عدوان. نعم يجوز أخذه لايصاله إلى مالكه إذا كان معلوما، أو ليطبق عليه حكم مجهول المالك إذا كان الماالك مجهولا. هذا كله إذا لم يخش ضررا من الجائر لعدم أخذه، وإلا فلا شبهة في جوازه، للاخبار (1) الدالة على مشروعية التقية عند كل ضرورة. ثم إنه هل يجوز أخذ الجائزة عند التقية مطلقا، أم لا يجوز أخذها إلا بنية الرد إلى مالكها؟ ذهب المصنف إلى الثاني بدعوى أن أخذه بغير نية الرد تصرف في مال الغير بدون إذنه. وأما التقية فلا ريب أنها تتأدى بقصد الرد. وتوضيح مرامه: أن عدم المندوحة وإن لم يعتبر في التقية بالنسبة إلى اصل العمل، ولكن لا شبهة في اعتباره حال العمل، مثلا إذا اقتضت التقية أن يكفر في صلاته مع سعة


انه ظلم فيه احدا. موثقة باسحاق بن عمار. راجع ج 2 ئل باب 82 جواز الشراء من غلات الظالم مما يكتسب به ص 555. (1) قد تقدمت الاشارة إلى مصادرها في ص 445.

[ 506 ]

الوقت، وتمكن المكلف من الاتيان بها بغير تكفير في بيت مظلم لا يراه أحد لصحت صلاته لاطلاق الروايات الدالة على مشروعية التقية، فان موضوعها متحقق حين الاتيان بالعمل على وجه التقية. وأما إذا كانت له مندوحة حال العمل، فتمكن من إيقاعه على غير وجه التقية فلا شبهة في فساد عمله إذا أوقعه على وجه التقية، فإذا تمكن المصلي مثلا من السجود على الارض وعلى الفراش كليهما فلا ريب في وجوب السجود على الارض، وعدم كفاية السجود على الفراش، وكذلك إذا تمكن المتوضي من المسح على الرجل وعلى الخف كليهما، بأن كانت عنده فرقتان من العامة، فرقة تجوز المسح على الخف، وفرقة لا تجوزه عله، فانه لا ريب في وجوب المسح على الرجل، لوجود المندوحة. والوجه في ذلك أنه لا يكون مشمولا لاخبار التقية، لعدم تحقق موضوعها إذا وجدت المندوحة حال العمل. وأما الاكراه على أخذ الجائزة من الجائر فقد تقدم في البحث عن الاكراه على الولاية من الجائر أن الاكراه لا يتحقق مع وجود المندوحة، فإذا أكره الجائر شخصا على شرب أحد إنائين: أحدهما خل، والآخر خمر، فانه لا يجوز للمكره (بالفتح) أن يشرب الخمر بتوهم أنه مكره عليه، إذ الاكراه إنما هو على الجامع، لا على الفرد الخاص. ومن هنا ظهر حكم الاضطرار ايضا. وعلى هذا فإذا اقتضت التقية، أو الاكراه والاضطرار أخذ الجائزة من الجائر مع العلم التفصيلي بكونها مغصوبة جاز أخذها، بل وجب في بعض الاحيان، ولكن التقية وامثالها تتادى بأخذها بنية الرد إلى مالكها، فلا يسوغ أخذها بغير هذه النية. ثم إذا أخذت لا بنية مالرد ضمن الآخذ ما أخذه ووجب عليه عند التلف أداء مثلها أو قيمتها لمالكها، لان يده مشمولة لقاعدة اليد الحاكمة بضمان ما أخذت. وأما إذا كان الاخذ بنية الرد إلى المالك فهو لا يخلو عن إحدى ثلاث صور، لان الآخذ قد يكون عالما بعدم رضاء المالك بأخذ ماله من الجائر، وقد يكون عالما برضاه بذلك وقد يكون شاكا فيه، فعلى الاول لا يجوز أخذ المال من الجائر، فان دليل سلطنة الناس على أموالهم يقتضي كون زمام المال بيد مالكه، وليس لغيره أن يعارضه في سلطنته على ماله، مثلا إذا اطلق أحد عنان فرسه ليذهب إلى البيداء لغرض عقلائي، ولم يرض برده فانه لا يجوز لاحد أن يأخذه ويحفظه لمالكه بزعم أنه إحسان إليه، لانه تصرف في مال الغير بدون إذنه، فهو حرام. وعلى هذا فلو أخذه أحد وجب عليه ان يرده إلى صاحبه، لقاعدة ضمان اليد.

[ 507 ]

وعلى الثاني لا شبهة في جواز الاخذ بنية الرد إلى المالك، ولا يكون الاخذ حينئذ منافيا لسلطنته، ويكون المال المأخوذ أمانة مالكية، لا شرعية كما يظهر من المصنف. والوجه في ذلك ان أخذ المال من الجائر مع العلم برضاء المالك يكون شأنه شأن الوديعة المأخوذة من نفس المالك. ثم لا يخفى انه ليس لقصد الرد إلى المالك وعدمه موضوعية لعنواني الاحسان والظلم، كسائر الموارد التي يكون القصد موضوعا للحكم، وليس مأخوذا على نحو الطريقية كما هو واضح وعلى الثالث لا ريب في جواز الاخذ بنية الرد إلى صاحبه، لكونه عدلا وإحسانا. ويكون المأخوذ ح أمانة شرعية عند الآخذ، فلا يضمنه مع التلف بغير تفريط، لانه محسن، وما على المحسنين من سبيل، ولا يكون المورد مشمولا لقاعدة ضمان اليد، لا من جهة اعتبار التعدي في مفهوم الاخذ، كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ، لكون مفهوم الاخذ اوسع من ذلك، بل من جهة تخصيص القاعدة بالروايات الدالة على عدم الضمان في الامانة، نعم لو أخذه بغير قصد الرد إلى المالك فتلف عند الآخذ ضمن للمالك، لان الاخذ ح تعد على مال الغير، ومعارضة لسلطانه، فهو حرام وضعا وتكليفا. وقد يقال: بحرمة التصرف فيما أخذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوبا، سواء كان الاخذ بنية الرد إلى المالك ام لا، قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه). وقوله " ع ": (فلا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره بغير إذنه) (1). فان الاخذ تصرف في مال الغير مع عدم إحراز إذنه فيه، فهو حرام وظلم، لا عدل وإحسان. ونظير ذلك ما إذا اراد المالك بيع متاعه من شخص بخمسة دنانير، وأراد غيره بيع ذلك المتاع من شخص آخر بثمانية دنانير مع عدم رضى المالك فان ذلك لا يجوز بزعم انه إحسان إليه وهو ضعيف، أما الرواية الاولى فان الحلية والحرمة فيها حكمان لموضوع واحد، وسبب الاختلاف إنما هو إذن المالك وعدمه، ومن الواضح ان الموضوع المذكور إنما هو منافع المال التي تعود إلى المتصرف من الاكل والشرب والبيع والهبة ونحوها، فوضع اليد على مال الغير بنية الرد إلى المالك خارج عن حدود الرواية، فانه ليس من المنافع العائدة إلى الآخذ، بل هو من المنافع التي تعود إلى المالك، وليس للآخذ منها إلا العناء والكلفة. وأما الرواية الثانية فأنا نمنع صدق التصرف على مجرد الاخذ بنية الرد إلى المالك، إذ التصرف عبارة عن التقليب والتقلب، ولا نسلم صدقه على ذلك، وإذا سلمنا صدقه عليه


(1) قد تقدمت الروايتان في ص 144.

[ 508 ]

لغة، فانه منصرف عنه عرفا، فيكون المأخوذ أمانة شرعية عند الآخذ، فتترتب عليه أحكامها الوضعية والتكليفية. وعلى الجملة إن وضع اليد على مال الغير لحفظه وإيصاله إلى مالكه خارج عن الروايتين موضوعا وحكما، وهذا معنى يحكم به الوجدان وأهل العرف، ويؤيده ما في موثقة ابي بصير (1) من أن (حرمة مال المؤمن كحرمة دمه). نعم إذا منع المالك عن وضع اليد على ماله حتى بقصد الرد إليه كان ذلك حراما ايضا. كما أن دق أبوبا الناس جائز للسيرة القطعية فإذا منع المالك عنه كان حراما. وأما قياس المقام ببيع مال الغير بدون إذنه فواضح البطلان وأما الجهة الثانية: وهي ما إذا أخذ المال من الجائر ثم علم بعد ذلك بكونه مغصوبا فظاهر المصنف وصريح السيد في حاشيته أن هنا مسألتين، الاولى: هل الاخذ من الجائر بنية التملك مع الجهل يكون المأخوذ من أموال الغير موجبا للضمان أم لا. الثانية: إذا حكمنا بالضمان بذلك فهل يبقى هذا الحكم حتى إذا نوى الآخذ حفظ المال وإيصاله إلى مالكه بعد العلم بالحال، أم لا يبقى ذلك الحكم، بل يتغير بتغير العنوان. أما المسألة الاولى فالظاهر أن القول بالضمان هو المشهور بين الاصحاب، وظاهر المسالك عدم الضمان مع القبض جاهلا، قال: (لانه يد أمانة فيستصحب). إلا أنه لا يفهم وجها صحيحا لهذا الاستصحاب، إذ ليس ذلك مسبوقا بيد الامانة حتى نستصحبها. ويمكن توجيه كلامه بأحد وجهين، الاول: ان معنى الضمان عندنا عبارة عن انتقال القيمة أو المثل إلى ذمة الضامن، ومن الضروري أن هذا المعنى لا يتحقق إلا بالتلف، وحيث إن يد الآخذ كانت يد أمانة لا توجب الضمان، لكونه جاهلا بالحال، فإذا شك في تغير الحكم بعد حصول العلم كان مقتضى القاعدة هو الاستصحاب. وهذا التوجيه بديهي البطلان، ولا يناسب مقام الشهيد، بداهة ان الضمان يتحقق بالاستيلاء على مال الغير بدون سبب شرعي من غير فرق بين العلم والجهل. وبين كون المستولي كبيرا أو صغيرا، عاقلا أو مجنونا، نعم تنتقل العين إلى المثل أو القيمة حين التلف ولكن هذا الانتقال اجنبي عن اصل الضمان، ولم يثبت في المقام كون اليد يد امانة حتى تستصحب. الوجه الثاني: ان الشارع قد رخص في أخذ الجائزة عند الجهل بكونها مغصوبة، فتكون يد الآخذ يد أمانة شرعية، فإذا شك في ضمان العين بعد تلفها كان المرجع هو استصحاب يد الامانة.


(1) قد تقدم هذه الرواية في البحث عن حرمة سبب المؤمن ص 278.

[ 509 ]

ولكن يرد عليه أن ترخيص الشارع في ذلك ترخيص ظاهري في ظرف الجهل لا ترخيص واقعي، أما حكم الشارع بالضمان فهو حكم واقعي ثابت في حالتي العلم والجهل، ولا منافات بين الحكمين على ما حققناه في علم الاصول، وعليه فوضع اليد على مال الغير بنية التملك يوجب الضمان. فإذا انكشف الواقع فان كانت العين باقية فلا بد من ردها إلى مالكها، وإلا فلا بد من رد مثلها، أو قيمتها إليه. ويدل على ما ذكرناه حكمهم بالضمان في مسألة تعاقب الايدي على المال المغصوب مع الجهل بالحال، ولم يقل أحد فيها بعدم الضمان حتى صاحب المسالك (ره) وأما المسألة الثانية: وهي أنه إذا كان وضع اليد على المال موجبا للضمان فهل يرتفع هذا الحكم بنية الرد إلى المالك بعد العلم بالحال أم لا؟ فيه وجهان: الضمان: كما ذهب إليه المصنف (ره). وعدمه، كما ذهب إليه السيد في حاشيته. وقد استدل المصنف (ره) على الضمان بما حاصله: أن أخذ الجائزة من الجائر بنية التملك وإن كان جائزا بمقتضى الحكم الظاهري، إلا أنه يوجب الضمان واقعا، لقاعدة ضمان اليد، فإذا انكشف الخلاف وتبدل قصد الآخذ. وبنى على حفظ المال للمالك ورده إليه شككنا في ارتفاع الضمان الثابت بقاعدة ضمان اليد وعدمه، فنستصحب بقاءه. وأشكل عليه السيد بأن علة الضمان وإن كانت هي الاخذ العدواني، إلا أنها قد زالت بنية الرد إلى المالك في مسألتنا وأمثالها، لان اليد قد انقلبت من العدوان والخيانة إلى الاحسان والامانة، فيكون المال أمانة شرعية عند الآخذ، فلا يترتب عليه الضمان عند التلف، لان قاعدة ضمان اليد مخصصة بما دل على عدم الضمان في الامانة، وبأن الودعي محسن، وما على المحسنين من سبيل، وعليه فلا مجال لاستصحاب الضمان لعدم بقاء موضوعه والتحقيق هو ما ذكره المصنف (ره) من الضمان، وليس الوجه فيه هو الاستصحاب، لما بنينا عليه من عدم جريانه في الشبهات الحكمية، بل الوجه في ذلك ان وضع اليد على مال الغير بقصد التملك علة لحدوث الضمان وبقائه، سواء تبدلت بعد ذلك بيد الامانة أم لا، لان ضماناليد لا يرتفع إلا بحصول غايته، وهي الاداء، فما لم تتحقق الغاية لم يسقط الضمان. وعليه فكون اليد الفعلية الحادثة يد أمانة لا تزاحم اليد السابقة المقتضية للضمان بقاء، فان يد الامين لا تقتضي الضمان، لا أنها تقتضي عدم الضمان، ومن البديهي أن ما لا اقتضاء له لا يزاحم ماله الاقتضاء، ومجرد نية الرد إلى المالك لا يرفع الضمان الثابت باليد ابتداء، كما أن الاحكام الثابتة على الاشياء بعناوينها الاولية لا تنافي الاحكام الثابتة عليها بعناوينها الثانوية

[ 510 ]

رد المأخوذ من الجائر إلى أهله الامر الثاني: في رد ما أخذ من الجائر إلى أهله. وتحقيق الكلام هنا يقع في ناحيتين: الاولى: أن يكون المأخوذ من الجائر معلوم المالك. والثانية: أن يكون مجهول المالك. اما الناحية الاولى فلا شبهة في وجوب رد المأخوذ منه إلى مالكه المعلوم، لكونه أمانة في يد الآخذ، وقد دلت الآية (1) على وجوب رد الامانات إلى أهلها، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون علم الآخذ بالحال قبل وقوع المال في يده أو بعده وإنما الكلام في معنى الاداء فهل هو مجرد إعلام المالك بذلك والتخلية بينه وبين ماله، أم حمله إليه واقباضه منه. قد يستظهر الثاني من الآية، فان الظاهر من رد الامانات إلى أهلها هو الرد الحقيقي، اي حملها إليهم وإقباضها منهم ولكن المرتكز في أذهان عامة أهل العرف، والظاهر من ملاحظة موارد الامانات أن المراد بأداء الامانة إنما هو التخلية بينها وبين صاحبها، كما عليه اكثر الفقهاء. ويؤيد ما ذكرناه، بل يدل عليه أن المودع إذا طلب من الودعي حمل الوديعة إليه ذمه العقلاء، خصوصا إذا بعد موضع أحدهما عن الآخر، واحتاج النقل إلى المؤنة، بل ربما يستلزم الحمل الحرج والضرر، وهما منفيان في الشريعة المقدسة. فافهم. نعم لو نقلها الودعي من بلد الايداع إلى بلد آخر بغير داعي الحفظ، وبدون إذن المالك وجب عليه ردها إلى بلد الوديعة. وأما الناحية الثانية: أعني ما إذا كان المالك مجهولا فيقع الكلام فيها من جهات شتى الجهة الاولى: هل يجب الفحص عن المالك أم لا؟ قد يقال بعدم الوجوب، كما احتمله المصنف، فيجوز التصدق بمجهول المالك بغير فحص عن مالكه، استنادا إلى إطلاق جملة من الروايات (2).


(1) سورة النساء آية 61 قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (2) كاويب عن ابن ابي حمزة قال: كان لي صديق من كتاب بني امية فقال لي: استأذن لي على ابي عبد الله فاستأذنت له عليه فأذن له فلما أن دخل سلم وجلس ثم قال: جعلت فداك اني كنت في ديوان هؤلاء القوم فاصبت من دنياهم مالا كثيرا وأغمضت في مطالبه؟ (ثم قال) الفتى: جعلت فداك فهل لي مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل قال له: فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ومن

[ 511 ]

وجوب الفحص عن المالك وقد يقال بوجوب الفحص لوجهين: الوجه الاول: الاخبار الدالة على وجوب الفحص عن المالك، فان مقتضى القاعدة تقييد المطلقات بهذه الاخبار.


لم تعرف تصدقت له وانا اضمن لك على الله الجنة. الخبر ضعيف بابراهيم بن اسحاق، وعلي بن ابي حمزة البطائني. راجع ج 2 ئل باب 76 وجوب رد المظالم إلى أهلها مما يكتسب به ص 551. وج 10 الوافى ص 25. وج 1 كاباب 30 من المعيشة ص 357 كاويب. عن علي بن ميمون الصايغ قال: سألت أبا عبد الله " ع " عما يكنس من التراب فأبيعه فما اصنع به؟ قال: تصدق به فإما لك وإما لاهله الحديث. ضعيف لعلي الصايغ. يب. عنه قال: سألته عن تراب الصواغين وأنا نبيعه؟ قال: أما تستطيع أن تستحله من صاحبه؟ قال قلت: لا إذا أخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت: فبأي شئ نبيعه؟ قال: بطعام، قلت: فأى شئ أصنع به؟ قال: تصدق به إما لك وإما لاهله الخبر. ضعيف للصايغ المذكور، ومضمر. راجع ج 10 الوافى باب 97 بيع تراب الصياغة ص 85. وج 1 كاباب 116 الصرف ص 401، وج 2 ئل باب 15 استحباب بيع تراب الصياغة من احكام الصرف ص 607. وج 2 التهذيب ص 114. وفي ج 2 ئل باب 17 اشتراط كون المبيع طلقا من أبواب عقد البيع ص 572. عن ابي علي بن راشد قال: سألت أبا الحسن " ع " قلت: جعلت فداك اشتريت ارضا إلى جنب ضيعتي بألفي درهم فلما وفيت المال خبرت أن الارض وقف؟ فقال " ع ": لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في مالك وادفعها إلى من وقفت عليه، قلت: لا أعرف لها ربا، قال تصدق بغلتها. مهملة بمحمد بن جعفر الرزاز. وفي ج 2 ئل باب 84 تحريم بيع الخمر، مما يكتسب به ص 555. عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله " ع " في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه؟ قال: لا يصلح ثمنه إلى أن قال " ع ": إن افضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدق بثمنه. حسنة بابراهيم. وهكذا في رواية اخرى. وفي ج 2 المستدرك باب 78 وجوب رد المظالم إلى اهلها من جهاد النفس ص 343. ما يدل على ذلك

[ 512 ]

فمنها ما ورد (1) في إبداع اللص دراهم أو متاعا عند مسلم، فانه دل على أن الوديعة بمنزلة اللقطة، فيعرفها الودعي حولا، فان اصابا صاحبها ردها إليه، وإلا تصدق بها عنه ومنها ما دل (2) على وجوب الفحص عن الاجير لايصال حقه إليه. ومنها الاخبار (3) الواردة في وجوب تعريف اللقطة. ومنها ما دل (4) على وجوب الفحص عن رجل كان له على رجل حق ففقده الرجل المديون.


(1) في ج 3 ئل باب 18 ما يؤخذ من اللصوص يجب رده على صاحبه من اللقطة ص 333. وج 2 التهذيب ص 118. وعن حفص بن غياث قال: سألت ابا عبد الله " ع " عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا واللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: لا يرده فان أمكنه أن يرده على أصحابه فعل وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولا فان اصاب صاحبها ردها عليه وإلا تصدق بها فان جاء طالبها بعد ذلك خيره بين الاجر والغرم فان اختار الاجر فله الاجر فله الاجر وان اختار الغرم غرم له وكان الاجر له. ضعيفة بقاسم بن محمد وحفص بن غياث. (2) عن هشام بن سالم قال: سال حفص الاعور أبا عبد الله الله (ع) وأنا عنده جالس قال: إنه كان لابي اجير كانيقوم في رحاه وله عندنا دراهم وليس له وارث؟ فقال أبو عبد الله (ع): تطلب له وارثا فان وجدت له وارثا وإلا فهو كسبيل مالك ثم قال: ما عسى ان يصنع بها؟ ثم قال: توصي بها فان جاء لها طالب وإلا فهي كسبيل مالك. موثقة بابن سماعة وغيره. إلى غير ذلك من الروايات. راجع ج 2 كاباب 47 ميراث المفقود ص 279. وج 10 الوافى باب 53 المال المفقود صاحبه ص 51. وج 2 ئل باب 22 من كان عليه دين لغائب من أبواب الدين ص 625 وج 3 ئل باب 6 ميراث المعقود من أبواب ميراث الخنثى ص 366. (3) راجع ج 10 الوافى باب 51 اللقطة ص 47. وج 1 كاباب 49 اللقطة ص 367 وج 3 ئل باب 2 وجوب تعريف اللقطة من كتابها ص 330. وج 2 التهذيب ص 116. (4) في الباب 22 المذكور من ج 2 ئل. وج 10 الوافى ص 50 عن ابن وهب عن ابي عبد الله (ع) في رجل كان له على رجل حق ففقده ولا يدري أين يطلبه ولا يدري احي هو أم ميت ولا يعرف له وارثا ولا نسبا ولا ولدا؟ قال: اطلبه، قال: إن ذلك طال فأتصدق به؟ قال: اطلبه. صحيحة. وفي الوافى عن عن الفقيه وقد روى في هذا خبر آخر إن لم تجد له وارثا وعلم الله منك الجهد فتصدق بها مرسلة.

[ 513 ]

ومنها رواية يونس بن عبد الله (1): (قال: سئل أبو الحسن الرضا " ع " وأنا حاضر إلى ان قال: فقال: رفيق كان لنا بمكة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا فلما ان صرنا في الطريق اصبنا بعض متاعه معنا فأي شئ نصنع به؟ قال: تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة، قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: إذا كان كذا فبه وتصدق بثمنه، قال له: على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية). فان قوله (ع): (إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه) مترتب على اليأس من الوصول إلى المالك وبدل مفهومه على عدم جواز التصدق به قبل اليأس، وهذه الروايات وإن كانت خاصة بحسب الموارد، إلا ان الملاك فيها هو عدم إمكان إيصال المال إلى مالكه، فيتعدى منها إلى مطلق مجهول المالك. ولكن الظاهر أنها بعيدة عما نحن فيه، أما ما ورد في قضية إيداع اللص ففيه أولا: أنه ضعيف السند، ودعوى انجباره بعمل المشهور كما في الجواهر دعوى غير صحيحة، لما حققناه في علم الاصول، واشرنا إليه مرارا فيما تقدم من أن الشهرة الفتوائية لا تجبر ضعف الرواية. وثانيا: أنه وارد في قضية خاصة، فلا وجه للتعدي منها إلى غيرها. وأما ما ورد في تعريف اللقطة حولا، والتصدق بها بعده فهو مخصوص باللقطة، ولا يعم غيرها. وأما بقية الروايات فهي واردة في معلوم المالك الذي يتعذر الوصول إليه، ومورد بحثنا إنما هو مجهول المالك، وعلى الجملة لا نعرف وجها للتعدي عن مورد الروايات إلى غيره. ودعوى اتحاد الملاك بين مواردها وبين مجهول المالك وهو عدم الوصول إلى المالك دعوى جزافية، إذ لا طريق لنا إلى كشف ذلك. الوجه الثاني: أن الآية المتقدمة في أول المسألة تقتضي وجوب الفحص عن المالك مقدمة للرد الواجب، سواء أكانت الامانة مالكية، كالوديعة والعارية ونحوهما أم شرعية، كاللقطة ومجهول المالك، ومال السرقة والخيانة والغصب، والمال المأخوذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوبا، ولكنه مقيد بالتمكن العقلي من الاداء والفحص، لقبح التكليف بغير المقدور، وعليه فلا يجب الفحص مع عدم التمكن منه، والمطلقات المتقدمة ظاهرة في وجوب التصدق بمجهول المالك على وجه الاطلاق حتى مع التمكن من الفحص، وإذن فالنسبة بينهما هي العموم من وجه، فان الآية اعم من حيث المورد، لشمولها الامانات المالكية والشرعية، وأخص


(1) صحيح. وفي الوافي عن الكافي بسند صحيح مثله على اختلاف في بعض الفاظه راجع ج 3 ئل باب 7 جواز الصدقة باللقطة بعد التعريف من أبواب اللقطة ص 331. وج 10 الوافى باب 53 المال المفقود صاحبه ص 51. وج 2 التهذيب ص 118.

[ 514 ]

من حيث وجوب الفحص، لاختصاصها بصورة التمكن منه، والمطلقات المتقدمة أعم من جهة الفحص، لشمولها صورتي التمكن من الفحص وعدمه، وأخص من حيث المورد، لاختصاصها بمجهول المالك، فتقع المعارضة بينهما في مجهول المالك مع التمكن من الفحص، فمقتضى الآية هو وجوب الفحص عن المالك مع التمكن منه، ومقتضى الروايات هو جواز التصدق به قبل الفحص عنه، سواء تمكن منه أم لا، وقد حققنا في مبحث التعادل والترجيح من علم الاصول انه إذا تعارض الخبر مع الكتاب معارضة العموم من وجه الترفع اليد عن الخبر، ويؤخذ بعموم الكتاب أو باطلاقه، وعليه فلا بد من الاخذ باطلاق الآية والحكم بوجوب الفحص مع التمكن منه، ورفع اليد عن المطلقات الظاهرة في عدم وجوبه. ومع الاغضاء عما ذكرناه، والحكم بالتساقط يرجع إلى ما دل على حرمة التصرف مال الغير بدون إذنه. لا يجوز اعطاء مجهول المالك لمن يدعيه إلا بعد الثبوت شرعا الجهة الثانية: هل يجوز أو يجب إعطاء مجهول المالك لمن يدعيه بعد الفحص عن مالكه، واليأس من العلم به استنادا إلى ما دل على سماع قول المدعي إذا لم يعارضه احد في دعوه، أو لا يجوز إعطاؤه إلا مع التوصيف إلحاقا له باللقطة، أو يعتبر الثبوت الشرعي، لبطلان الوجهين المتقدمين، فانه بعد وضع اليد على مال لا يجوز دفعه إلا إلى مالكه الواقعي، أو إلى مالكه الشرعي، والوجهان المذكوران لا يفيدان ذلك. اما الوجه الاول: فيرده أن ترتيب الاثر على دعوى المدعي إذا كانت بلا معارض إنما هو فيما لم تثبت يدل على المال، أما إذا ثبتت على المال يد فلا تسمع دعوى أحد عليه إلا بالطرق الشرعية، ضرورة أن ذا اليد قد اشتغلت ذمته بالمال بمجرد وضع يده عليه، فلا يخرج من عهدته إلا بايصاله إلى مالكه، أو صرفه فيما قرره الشارع، وعلى هذا جرت السيرة القطعية، على انه لا دليل على هذه القاعدة إلا رواية منصور (1) وقد تقدم الاشكال فيها. وأما الوجه الثاني: فيرده ان التوصيف ليس له موضوعية لاعطاء اللقطة لمن يدعيها. بل هو لحصول الاطمئنان بصدق المدعي في دعواه. وأما الاكتفاء بالتوصيف أو بالدعوى المجردة وإن لم تقارن بالتوصيف فلا دليل عليه،


(1) قد تقدمت الرواية والجواب عن الاستدلال بها في ص 502.

[ 515 ]

وح فلا يترتب الاثر على توصيف المدعي إلا بعد حصول الاطمئنان بصدق دعواه. وأما حمل فعل المسلم على الصحة فغاية ما يفيده أن يعامل المدعي معاملة الكاذب، لا أن تترتب على دعواه وآثار الواقع. وأما الوجه الاخير الاخير فهو الموافق للتحقيق، لاشتغال ذمة ذي اليد بمجرد وضع يده على مال الغير، فلا تبرأ ذمته إلا بايصاله إلى مالكه الواقعي أو الشرعي، وقد عرفت ذلك كله آنفا مقدار الفحص عن المالك وكيفيته الجهة الثالثة: في مقدار الفحص عن المالك، وبيان كيفيته، أما مقدار الفحص فهل يكفي فيه طبيعي الفحص عن المالك، أم يجب ذلك بمقدار يقطع الواجد أو يطمئن بعدم إمكان الوصول إليه، أو يجب الفحص عنه سنة كاملة؟. أما الوجه الاول فهو وإن كان غير بعيد في نفسه، لكفاية الاتيان بصرف الوجود من الطبيعة في امتثال الامر، ولكنه بعيد عن المتفاهم العرفي والمرتكز الشرعي، على أن الامر قد ورد بتكرار الطلب عن المالك في رواية ابن وهب المتقدمة (1). واما تقدير الفحص بالسنة أو بالاقل فلا موجب له بعد وجود الاطلاقات الواردة في جواز التصدق بمجهول المالك أو وجوبه. على أن تقديره بزمان خاص دون غيره ترجيح بلا مرجح. نعم ورد تحديد التعريف بالسنة في جملة من روايات اللقطة وفي رواية حفص المتقدمة (2). إلا أنها غريبة عن مطلق مجهول المالك، أما روايات اللقطة فهي مختصة بها، فلا يجو التعدي منها إلى غيرها. وأما رواية حفص بن غياث ففيها أولا: أنها ضعيفة السند، وغير منجبرة بشئ كما تقدم. وثانيا: أنها واردة في خصوص إيداع اللص، فلا يتعدى إلى غيره. وإن سلمنا عدم اختصاصها بموردها فانه لا يجوز التعدي عنه إلا إلى خصوص إيداع الغاصب، أو إلى كل ما يؤخذ منه ولو بغير عنوان الوديعة، واما التعدي عن موردها إلى مطلق مجهول المالك فلا وجه له اصلا.


(1) ص 512. (2) ص 512.

[ 516 ]

تنبيه قد ذكرنا أنه ورد في جملة من روايات اللقطة وجوب التعريف بها سنة كاملة، وقد افيدت ههنا امور ثلاثة، الاول: ما ذكره السيد في حاشيته من أن تحديد الفحص بالسنة تحديد للمنتهى، بمعنى أنه لا يجب الفحص أكثر من سنة وإن لم يحصل الياس من وجدان المالك، وعليه فلو حصل اليأس من الاول، أو في أثناء التعريف لم يجب الفحص. الوجه الثاني: أن المناط في تعريف اللقطة إنما هو حصول اليأس عن الوصول إلى المالك. وأما التحديد بالسنة فمحمول على الغالب، لحصول اليأس عن الوصول إلى المالك بعد السنة غالبا. الوجه الثالث: ان التحديد بالسنة أمر تعبدي، فلا بد من العمل به سواء حصل اليأس عن الظفر بالمالك قبل مضي السنة أم بعده. أما الاول والثاني فلا وجه لهما، إذ لا مجوز لرفع اليد عن الرواية الظاهرة في اعتبار السنة في تعريف اللقطة. وإذن فيتعين الوجه الثالث، سواء حصل الاطمئنان باليأس عن الظفر بالمالك قبل مضى السنة أم بعده، فان الاطمئنان حجة عقلائية فيما إذا لم تقم أمارة شرعية على خلافه. وقد عرفت ان الشارع قد اعتبر السنة في وجوب الفحص عن مالك اللقطة. ثم إنه قد ذكر في بعض الروايات (1) ان اللقطة يعرف بها ثلاثة أيام، وظاهره المعارضة مع الروايات الدالة على اعتبار السنة، ولكن لا بد من حمله إما على صورة المأس عن المالك أو على جواز التصدق به مع الالتزام بالمال، ووجوب التعريف به إلى سنة، فإذا مضت السنة ولم يجد المالك سقط الضمان عنه. ويمكن ان يقال: إن تعريفها ثلاثة أيام مقدمة التصدق ووجوب التعريف إلى سنة كاملة مقدمة لجواز التملك. على ان ما دل على كفاية ثلاثة أيام في التعريف ضعيف السند.


(1) كرواية ابان بن تغلب. ولكنها ضعيفة السند بمحمد ابن موسى الهمداني، راجع ج 10 الوافي باب 51 اللقطة ص 49. وج 3 ئل باب 2 وجوب تعريف اللقطة سنة من ابواب اللقطة ص 330.

[ 517 ]

ان اجرة الفحص عن المالك هل هي على ذي اليد أو على المالك؟ الجهة الرابعة: إذا احتاج الفحص عن الملك إلى بذل اجرة فهل هي على من وضع يده على مجهول المالك، أو على المالك؟. قال المصنف: (لو احتاج الفحص إلى بذل كأجرة دلال صايح عليه فالظاهر عدم وجوبه على الواجد، بل يتولاه الحاكم ولاية عن صاحبه، ويخرج عن العين أجرة الدلال، ثم يتصدق بالباقي ان لم يوجد صاحبه، ويحتمل وجوبه عليه، لتوقف الواجب عليه). وتحقيق المسألة ان الاستيلاء على مجهول المالك قد يستند إلى اسباب غير شرعية: بأن يأخذ أحد اموال الناس بغير سبب شرعي، كالغصب والسرقة والخيانة ونحوها ثم يندم ولكن لا يقدر على إيصاله إلى ملاكه. وقد يستند إلى وجه شرعي، كأخذ المال من السارق، أو الجائر، أو الصبي الذي لا يعرف له ولي، وكأخذ المال المشرف على التلف، وكاللقطة ونحوها. فان أخذ المال في جميع هذه الموارد لحفظه لمالكه وإيصاله إليه جائر من جهة الحسبة. أما الصورة الاولى فلا شبهة في أن مؤنة الفحص على الغاصب، لوجوب رد المغصوب إلى مالكه وإن توقف ذلك على بذل الاجرة. ودعوى ان إيجاب أجرة الفحص على ذي اليد ضرر عليه، وهو منفي في الشريعة دعوى جزافية، لان حديث نفي الضرر إنما ورد في مقام الامتنان، ومن الضروري ان كون مؤنة الفحص على المالك على خلاف الامتنان فلا يكون مشمولا للحديث. وحيث ان الغاصب وضع يده على مال الغير بسوء اختياره على سبيل الظلم والعدوان فان الشارع يلزمه رغما لانفه برد المغصوب إلى مالكه حتى مع الاحتياج إلى بذل الاجرة. وقد ورد في بعض الروايات (1) أنه لو غصب أحد حجرا ووضعه في اساس البناء فانه يجب عليه رده إلى مالكه وإن توقف ذلك على هدم البناء وتضرر الغاصب ومن هنا اشتهر ان الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال. وأما الصورة الثانية وهي أن يستند الاستيلاء على مجهول المالك إلى سبب شرعي فالظاهر أن مؤنة الفحص على المالك، بمعنى ان الواحد يصرفها من كيسه عن المالك، فإذا


(1) في ج 3 ئل باب 1 وجوب رد المغصوب إلى مالكه من ابواب الغصب ص 325. عن نهج البلاغة قال امير المؤمنين " ع ": الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها. مرسلة

[ 518 ]

وجده أخذها منه، وإلا فمن المال الذي في يده. والوجه فيه ان يده يد أمانة وإحسان وما على المحسنين من سبيل. على ان كون اجرة الفحص على الواجد ضرر عليه، وهو منفي ولا يقاس ذلك بالصورة الاولى، فان اليد فيها كانت يد عدوان، لا بد أمانة وإحسان كما عرفت. لا يقال: إن الفحص عن المالك واجب على الواجد، ومن الواضح ان إعطاء الاجرة من مقدماته، فتحسب عليه. فانه يقال: الفحص واجب على الواجد، ومقدمته طبيعي بذل المال، سواء كان من كيسه، أم من كيس المالك. وإذن فلا يتعين البذل على الواجد إلا بدليل خاص، وهو منفي في المقام، وعليه فإذا بذل الواجد اجرة الفحص من كيسه رجع على المالك مع الامكان وإلا أخذها من المال الذي هو تحت يده، وإن امتنع الواجد من بذل اجرة الفحص رجع إلى الحاكم الشرعي، فيعطيها من بيت المال، أو من مجهول المالك. هذا مع ان دليل المقدمية المذكور لو تم فانما يتم فيما لو كان الفحص يتوقف دائما على بذل المال، مع انه ليس كذلك، بل هو أمر قد يكون، وقد لا يكون، وعليه فإذا توقف الفحص على بذل المال ارتفع وجوبه عن الواجد بدليل نفي الضرر، كسائر التكاليف الضررية التي ترتفع به. هذا كله إذا لم تقم قرينة على عدم رضاء المالك بأخذ ماله وحفظه له، وإلا فلا يجوز لاحد ان يضع يده عليه، ويحفظه لمالكه، لان الناس مسلطون على اموالهم. مصرف مجهول المالك الامر الثالث: ما هو مصرف مجهول المالك؟ فهل يتصدق به، أو يحفظه الواجد ما دام حيا لمالكه، ويوصي به بعد مماته، أو يتملكه، أو يعطيه للحاكم الشرعي، أو هو للامام " ع "؟ وجوه: الاول: ان يكون ذلك للامام، لقوله " ع " في رواية ابن ابي يزيد (1): (والله ماله صاحب غيري). وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند. وثانيا: أنها وردت في قضية شخصية، فلا تكون مستندا لكبري كلية، إذ من المحتمل ان يكون المال في تلك الواقعة مفقودا من


(1) راجع ج 10 الوافى باب 51 اللقطة ص 48. وج 3 ئل باب 7 جواز الصدقة باللقطة من أبوابها ص 331. وج 1 كاباب 49 اللقطة من المعيشة ص 367

[ 519 ]

الامام نفسه. فيكون حلفه " ع " في محله، لكون المال له واقعا. وأما أمره (ع) بتقسيم ذلك المال فلعله دفع للتهمة عن نفسه، أو إحسان منه إلى الفقراء. ويحتمل أن يكون حلفه على ان المال له، لعلمه بموت مالكه، وأنه لم يترك وارثا غير الامام، ويحتمل ان يكون المال المذكور من صفو دار الحرب الذي هو خاص للامام (ع)، ومن الواضح انه مع هذه الاحتمالات لا يبقى مجال للاستدلال بهذه الرواية على المقصود. الوجه الثاني: ان يكون مجهول المالك لمن وضع يده عليه، لقوله (ع) في صحيحة علي بن مهزيار (1) التي تبين موارد الخمس: (ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب). وقد استظهر هذا الرأي من الرواية المذكورة المحقق الهمداني، بل ذكر المحقق الايرواني أن (هذه الصحيحة صريحة في جواز تملك مجهول المالك بعد إخراج الخمس). وفيه أولا: ان هذه الرواية واردة في بيان موارد الخمس على نحو القضية الحقيقية، فيكون مفادها انه كلما تحقق شئ من تلك الموارد وجب فيه الخمس. وعليه فلا دلالة فيها على جواز تملك مجهول المالك لكي يتمسك باطلاقها، نعم لا ننكر دلالتها على وجوب اخراج الخمس فيما جاز فيه تملك مجهول المالك كباب اللقطة. فقد دلت الروايات الكثيرة المذكورة في ابواب اللقطة على أن واجدها مخير بين تملكها، وبين التصدق بها عن مالكها بعد ان يعرف بها سنة واحدة. ومن هذا القبيل ما ورد في بعض الروايات (2) من انه إذا وجد المشتري مالا في بطن حيوان اشتراه من شخص، فانه يرجع في ذلك المال إلى البايع، وإذا لم يدعه لنفسه تملكه المشتري، واعطى خمسه، وكذلك ما ورد في جملة من الاحاديث (3) من انه إذا وجد مالا في بطن سمك اشتراه من الصياد فانه يتملكه ويعطي خمسه من غير مراجعة إلى المالك. وثانيا: انا إذا لو سلمنا كون الرواية في مقام البيان من هذه الجهة ايضا فلا نسلم كونها صريحة في جواز تملك مجهول المالك بعد إخراج خمسه، وإنما هي مطلقة بالنسبة إليه، فتقيد بالروايات الدالة على لزوم التصدق بمجهول المالك. الوجه الثالث: انه يجوز للواجد ان يعمل في مجهول المالك، ويخرجه صدقه قليلا قليلا


(1) راجع ج 2 ئل باب 8 وجوب الخمس فيما يفضل عن مؤنة السنة من كتاب الخمس ص 61. (2) راجع ج 3 ئل باب 9 من أبواب اللقطة ص 331. وج 10 الوافى باب 51 اللقطة ص 48. وج 1 كاباب 49 اللقطة من المعيشة ص 367. (3) راجع ج 3 ئل باب 10 من وجد مالا في جوف سمكة من اللقطة ص 332.

[ 520 ]

حتى يخرج، ويدل عليه بعض الاحاديث (1). وفيه انه لا دلالة في هذه الرواية على جريان الحكم المذكور في مجهول المالك، فمن المحتمل ان صاحب المال قد مات، ولم يترك وارثا غير الامام، فانتقل ميراثه إليه، وأنه (ع) بما هو وارث ومالك اجاز لصاحب الخان ان يتصرف في ذلك المال، ويتصدق به قليلا قليلا حتى يخرج، واحتمال وجود وارث له غير الاب والام مدفوع بالاصل. وجريانه في الشبهات الموضوعية غير محتاج إلى فحص، وأما احتمال وجود الاب والام فلعله كان مقطوع العدم، لمضي مدة لا يحتمل بقاؤهما فيها، ولذا لم يأمر الامام (ع) بالفحص عنهما، ويؤيد ما ذكرناه قول السائل في هذه الرواية: (ولم أعرف له ورثة) فان ظاهر هذه العبارة انه تفحص عن الوارث، ولم يجده فافهم. ومع الاغضاء عما ذكرناه وتسليم دلالتها على المقصود فالنسبة بينها، وبين الروايات الدالة على التصدق بمجهول المالك هي العموم المطلق، فلا بد من تقييدها بهذه الروايات. لا يقال: إن هذه الرواية تنافي رواية الهيثم (2) صاحب الفندق الدالة على عدم جواز التصرف في مال مات عند صاحبه. فانه يقال: لا منافات بينهما، فان الظاهر من هذه الرواية أن صاحب الفندق لم يفحص عن ورثة الميت، وهذا بخلاف الرواية الاولى، فانك قد عرفت ظهورها في أن السائل تفحص عن الورثة، ولم يصل إليهم، فمورد كل من الخبرين غير مورد الآخر. والذي يسهل الخطب ان كلتا الروايتين مجهولة.


(1) كا. عن يونس عن نصر بن حبيب صاحب الخان قال: كتبت إلى عبد صالح " ع " قد وقعت عندي مائتا درهم واربعة دراهم وأنا صاحب فندق ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها وما اصنع بها فقد ضقت بها ذرعا؟ فكتب: اعمل فيها واخرجها صدقة قليلا قليلا حتى تخرج. مجهولة لنصر. راجع ج 2 كاباب 47 ميراث المفقود من الموارث ص 279. وج 10 الوافي باب 53 المال المفقود صاحبه ص 50. وج 3 ئل باب 6 حكم ميراث المفقود من ابواب ميراث الخنثى وما اشبهه ص 366. (2) في المصادر المذكورة عن الهيثم ابي روح صاحب الخان قال: كتبت إلى عبد صالح " ع ": اني أتقبل الفنادق فنزل عندي رجل فيموت فجأة لا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته فيبقى المال عندي كيف اصنع به ولمن ذلك المال؟ فكتب " ع ": اتركه على حاله. مجهولة بهيثم.

[ 521 ]

الوجه الرابع: انه يجب حفظ مجهول المالك لمالكه، والابصاء به عند الوفاة للروايات (1) الواردة في مستأجر فقد أجيره، ولم يقدر على إيصال حقه إليه. ويرد عليه أولا: ان هذه الروايات إنما وردت في معلوم المالك الذي لا يمكن الوصول إليه، فلا صلة لها بمجهول المالك. ودعوى ان الملاك بين الموردين واحد وهو تعذر ايصال المال إلى مالكه دعوى جزافية، فانه لا طريق لنا إلى كشف هذا الملاك كما عرفت. وثانيا: انها وردت في الحق الكلي الثابت في الذمة، وهو ليس في معرض التلف لكي يخاف عليه من بقائه، وكلامنا في العين الخارجية. وثالثا: أنها وردت في قضية شخصية، فلا يمكن التعدي عن موردها إلى غيرها. وإذن فلا دلالة فيها على وجوب حفظ مجهول المالك لصاحبه ولو بالايصاء به. نعم لا بأس بالالتزام بذلك قبل اليأس عن الوصول إلى المالك. لا يقال: إن التصرف في مال الغير حرام مطلقا، فيكون الامر بالتصدق بمجهول المالك قد وقع بعد الحظر، فلا يدل على الوجوب. وعليه فلا مانع من كون الواجد مخيرا بين التصدق به، وبين حفظه لصاحبه ولو بالايصاء به عند الموت. فانه يقال: الميزان في ورد الامر مورد توهم الحظر هو ان يتعلق الامر بعنوان تعلق به النهي، أو كان معرضا له كالصيد الذي نهى عنه في الاحرام، وأمر به بعد الاحلال وما نحن فيه ليس كذلك، فان النهي قد تعلق بالتصرف في اموال الناس بدون إذنهم، والامر قد تعلق بالتصدق بمجهول المالك بعد الفحص واليأس من الظفر بصاحبه، فلا يرتبط احد الامرين بالآخر. ولئن سلمنا ذلك في الروايات التي وقع السؤال فيها ابتداء عن الصدقة فهو لا يجري في رواية ابن ابي حمزة التي وردت في قصة الفتى الذي كان من كتاب بني امية، فانها صريحة في عدم ورود الامر بالتصدق في مقام توهم الحظر، إذ الفتى إنما طلب التخلص عما اشتغلت به ذمته من اموال الناس، فأجاب الامام (ع) بقوله: (فاخرج من جميع ماكتسبت من ديوانهم فمن عرفت منهم ردت عليه ماله ومن لم تعرف تصدقت به). ولكن قد عرفت انها ضعيفة السند. الوجه الخامس: وجوب التصدق بمجهول المالك، وهذا الوجه هو الموافق للتحقيق، وتدل عليه المطلقات المتقدمة، بل الروايات الخاصة الواردة في موارد عديدة التي تقدمت الاشارة إليها آنفا. لانها وإن وردت في المال المفقود صاحبه إلا انها تدل على ثبوت


(1) قد تقدمت الاشارة إلى مصادرها في ص 512.

[ 522 ]

التصدق بمجهول المالك بالاولوية القطعية. ولا بد من تقييدها باليأس عن الوصول إلى المالك فقد عرفت فيما سبق ان مقتضى الآية وجوب رد الامانة إلى اهلها مع التمكن منه. وأما صورة اليأس عن الظفر بالمالك فلا تكون مشمولة للآية، بل تبقى تحت الروايات المذكورة. الوجه السادس: وجوب دفعه إلى الحاكم، فانه ولي الغائب، وقد استقر به المصنف (ره) ولكن قد عرفت أن الروايات المتقدمة ظاهرة في أن من وضع يده على مجهول المالك ابتداء وجب عليه التصدق به، وإذا تصرف فيه تصرفا آخر ولو بدفعه إلى الحاكم ضمنه. ودعوى أن الحاكم ولي الغائب دعوى غير صحيحة، لان ولايته على الغائب إنما هي من جهة الحسبة، فلا بد من الاقتصار فيها على المورد المتيقن، وهو ما إذا لم يكن له ولي آخر غير الحاكم وقد عرفت ان الروايات المتقدمة قد اثبتت ولاية مجهول المالك لمن وضع يده عليه، فلا تصل النوبة أي غيره، كما أنه لا تثبت للحاكم ولاية على اليتيم مع وجود الحد له. لا يقال: يجب دفع مجهول المالك إلى الحاكم من حيث إن مصرفه الفقراء والمساكين، ومن الواضح ان الحاكم وليهم، أو من حيث إنه أعرف بموارده ممن وضع يده عليه. فانه يقال: أما الاحتمال الاول فلا دليل عليه خصوصا مع ما عرفت من دلالة الروايات هنا على ثبوت الولاية للواجد. وأما الاحتمال الثاني فان كان المراد أن الحاكم أعرف بمصرف مجهول المالك من حيث الشبهة الحكمية فهو مسلم، لان ذلك وظيفة العالم، إلا أن ذلك لا يدل على وجوب دفعه إليه، بل الواجب على العامي أن يسأل العالم عن حكم الواقعة، ويعمل على طبق ما افتى به. وإن كان المراد كونه أعرف من حيث الشبهة الموضوعية فهو ممنوع، إذ قد يكون الواجد أعرف به لكثرة معاشرته للفقراء، وإطلاعه على أحوالهم. وكما لا يجب دفع مجهول المالك إلى الحاكم، فكذلك لا يجب تحصيل الاجازة منه في إيصاله إلى موارده، لاطلاق الروايات المتقدمة. نعم الاولى اختيار احد الامرين، لوجود القائل بوجوبه. لكن لا بد وأن يكون الدفع إلى الحاكم بعنوان انه يوصله إلى موارده، وإلا ضمنهم الواجد كما عرفت. وقد يتوهم وجود الفرق بين الحق الكلي، فيجب إما دفعه إلى الحاكم، وإما تحصيل الاذن منه في التصدق به عن المالك، لان الكلي لا يتعين إلا باذن المالك أو وليه، وبين الحق الشخصي، فلا يجب فيه ذلك، لتعينه في نفسه. ولكنه توهم فاسد، لان مقتضى الاطلاقات المتقدمة هو عدم الفرق بينهما، وأن الولاية لمن عليه الحق على وجه الاطلاق.

[ 523 ]

قوله: (ثم إن حكم تعذر الايصال إلى المالك). أقول: المال الذي لا يمكن إيصاله إلى صاحبه قد يكون مجهول المالك من جميع الجهات، وهو مورد المطلقات المتقدمة (1)، وقد يكون معلوم المالك مع كونه مشتبها بين أفراد غير محصورين. وهو ايضا مورد روايات اخرى قد تقدمت (2) وحكم كلا القسمين قد تقدم مفصلا. وقد يكون المالك معلوما من جميع الجهات. ولكن يتعذر إيصال المال إليه لمانع خارجي، كأن يكون المالك في سجن، أو مكان بعيد يتعذر الوصول إليه. ويجري عليه حكم القسم الثاني، للروايات المتقدمة ايضا، لان المستفاد منها ان المناط في ذلك إنما هو تعذر إيصال المال إلى مالكه. قوله: (ثم إن مستحق هذه الصدقة هو الفقير). أقول: حكى عن صاحب الجواهر جواز التصدق بمجهول المالك على الفقراء وغيرهم عملا باطلاق الروايات المتقدمة. وبهذا المناط جوز إعطاء مال الامام " ع " للفقراء والاغنياء، بعدوى ان الامام وإن كان معلوما إلا أنه يتعذر إيصال ماله إليه، للعوارض الخارجية. وقد عرفت أن حكمه حكم مجهول المالك. وفيه أولا: ان المتبادر من مفهوم الصدقة وإطلاق الامر بها أنه لا يجوز إعطاؤها للاغنياء، كما ذهب إليه المصنف. وثانيا: أن قوله تعالى (3): (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) قد بين مصرف الصدقات ولم يجعل الغني من ذلك، فيكون خارجا عن حدود أخبار التصدق موضوعا. ثم إن وجوب التصدق بمجهول المالك إنما هو مع عدم التمكن من تحصيل رضى المالك بصرف ماله في مورد خاص، وإلا فلا تصل النوبة إلى التصدق به. وعليه فلا وجه لقياس مال الامام " ع " بمجهول المالك، لانا نقطع برضاء الامام باعطاء ماله لاهل العلم والجهات التي توجب ترويج الدين، ومع ذلك لا يمكن صرفه فيما نشك في رضاه. قوله: (وفي جواز إعطائها للهاشمي قولان). أقول: لا دليل على حرمة مطلق الصدقات على الهاشميين، وإنما تحرم عليهم الصدقة الخاصة، أعني زكاة المال والبدن، ولا يبعد أن تحرم عليهم ايضا الصدقات التي تعطى لدفع البلاء ورد القضاء، فان في ذلك مذلة ومهانة لا تناسب الذريه الطاهرة. ومن هنا كانت زينب الكبرى عليها السلام تأخذ الطعام من اطفال ابي عبد الله " ع " وترميه إلى أهل الكوفة وتقول: ويلكم يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام. وعليه فلا بأس بالتصدق بمجهول المالك على الهاشميين، لكونه خارجا عن


(1) ص 510. (2) ص 512. (3) سورة التوبة، آية: 60.

[ 524 ]

القسمين المذكورين. ويضاف إلى ما ذكرناه أن قوله " ع " في رواية ابن أبي يزيد المتقدمة (1) (قسم بين إخوانك). يقتضي عدم الفرق بين الهاشمي وغيره. وأما الصدقة التي تحرم على بني هاشم فهي الصدقة الخاصة، أعني بها الزكاة المفروضة. التصدق بمجهول المالك لا يوجب الضمان التصدق بمجهول المالك لا يوجب الضمان قوله: (ثم إن في الضمان لو ظهر المالك). أقول: هل يضمن مجهول المالك لصاحبه إذا ظهر بعد التصدق به أم لا؟ فيه وجوه، ثالثها: التفصيل بين ما إذا طلب المالك ماله من المتصدق فيضمن له، وبين ما إذا لم يطلبه فلا ضمان. ورابعها: التفصيل بين ما يكون المال مسبوقا باليد العادية، فيحكم بالضمان، وبين عدمه، فيحكم بعدمه. وقبل التعرض للوجوه المذكورة لا بأس بالاشارة إلى الفرق بين اللقطة ومجهول المالك. فنقول: الفارق بين مجهول المالك واللقطة جهات كثيرة، ونحن نشير هنا إلى جهتين منها: الاولى: أنه يجوز للملتقط ان يقصد حين الالتقاط تملك المال بعد انتهاء مدة الفحص عن المالك. وقد دلت الروايات الكثيرة المذكورة في أبواب اللقطة على أن آخذ اللقطة يعرفها سنة فان جاء لها طالب، وإلا فهي كسبيل ماله. ولا يجوز ذلك في مجهول المالك، فقد عرفت: أنه لا يجوز أخذه ابتداء إلا بنية الاحسان إلى اللمالك بحفظه له وإيصاله إليه، ثم يتصدق به عن مالكه بعد التعريف. ومن هنا يتجلى لك أنه لا يجوز أخذ المغصوب من الغاصب إلا بنية الرد إلى المالك. الثانية: أن اللاقط إذا تملك اللقطة بعد التعريف، أو تصدق بها عن مالكها ضمنها له مع المطالبة بها، للروايات الكثيرة المذكورة ايضا في أبواب اللقطة الدالة على ذلك. أما مجهول المالك فقد عرفت أن فيه وجوها شتى تقدمت الاشارة إليها. إذا عرفت فاعلم أن الكلام هنا يقع في مقامين، الاول: أن تكون اليد الموضوعة على مجهول المالك ابتداء يد أمانة. الثاني: أن تكون هذه اليد مسبوقة بالضمان، ثم تنقلب إلى يد أمانة وإحسان، كمن أخذه بنية التملك، ثم نوى بعد ذلك حفظه لمالكه، وكمن غصبه من المالك، ثم تاب، وعزم على إيصاله إليه، ولم يتمكن من ذلك، لفقد المالك، أو لكونه مجهولا بين اشخاص غير محصورين. اما المقام الاول فالظاهر هو عدم الضمان فيها، وليس ذلك من جهة ان الشارع قد أذن

[ 525 ]

في التصدق بمجهول المالك، وهو ينافي الحكم بالضمان، لان إذن الشارع في التصرف بمال الغير يرفع حرمته التكليفية، ولا ينافي ذلك ضمانه. بل من جهة أن دليل الضمان هو أحد الامور الثلاثة: إما قاعدة ضمان اليد، وإما قاعدة الاتلاف، وإما قيام دليل خاص عليه. اما الاولى فهي منتفية هنا قطعا، إذ المفروض أن اليد كانت يد أمانة وإحسان، وما على المحسنين من سبيل. وأما قاعدة الاتلاف فهي مردودة لوجوه عديدة، الاول: أنها ليست برواية لكي يتمسك بها وإنما هي قاعدة متصيدة من موارد شتى، فلا يمكن التمسك بها في غير الموارد المسلمة. الثانية: ان الاتلاف لنما يقتضي الضمان إذا لم يكن التصرف لنفع المالك، وإلا فلا يوجب الضمان، ومن هنا إذا اشرف أحد على الهلكة، وتوقف إنجاؤه منها على بذل مقدار من ماله فان ذلك يكون يكون واجبا من غير ضمان. الثالث: أن التصدق بمجهول المالك لو كان موجبا للضمان ببدله لكان البدل أيضا مجهول المالك ومشمولا لما دل على وجوب التصدق به وهكذا، فيلزم التسلسل، ومن الضروري أن ذلك مقطوع العدم. وأما الدليل الخاص فلم نجد في المقام ما يدل على الضمان إلا رواية حفص المتقدمة الواردة في إيداع اللص، فانها ظاهرة في أن التصدق بالوديعة التي هي بمنزلة اللقطة يوجب الضمان مع مطالبة المالك، إلا أنها ضعيفة السند، وواردة في قضية شخصية، فلا يمكن التعدي منها إلى غيرها، كما عرفته سابقا. والحاصل ان التصدق بمجهول المالك لا يوجب الضمان. على أن الاطلاقات الدالة على وجوب التصدق به بعد التعريف تقتضي عدم الضمان. ومع الشك في الاطلاق يرجع إلى البراءة. وأما المقام الثاني أعني ما إذا كانت يد الامانة مسبوقة بالضمان فقد يقال: إن اليد الموضوعة ابتداء على مجهول المالك حيث كانت يد ضمان، كما هو المفروض فتكون موجبة للضمان بقاء أيضا ما لم تؤد، لما ذكرناه سابقا من أن الشارع قد جعل ضمان اليد منوطا بالاداء فما لم تتحقق الغاية لم يسقط الضمان. وعرفت ايضا أننية الرد إلى المالك وإن كانت توجب صيرورة اليد يد أمانة، إلا ان هذه اليد لا توجب ضمانا، لا أنها لا تقتضي عدم الاضمان. وواضح أن ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء. ولكن يرد عليه أولا: ما عرفته آنفا من أن التصدق بمجهول المالك لو كان موجبا للضمان للزم منه التسلسل فيكون ذلك تخصيصا عقليا لقاعدة ضمان اليد. وثانيا: أن رواية

[ 526 ]

ابن ابي حمزة المتقدمة (1) كالصريحة في عدم الضمان، فان الفتى قد طلب المخرج عما أخذه من أموال الناس، فأجابه الامام " ع " بالتصدق بجميع ما تحت يده، وضمن له بذلك الجنة، ولو كان التصدق به موجبا للضمان لما جعله الامام مخرجا له عن ظلامته، وقد جعل الله التصدق بمجهول المالك وسيلة للتوبة وسببا لفراغ الذمة تسهيلا للامر على الغاصبين التائبين ولكن الرواية ضعيفة السند. ويدل على عدم الضمان ايضا إطلاق الروايات المتقدمة كرواية ابن ابي حمزة وغيرها الآمرة بالتصدق بمجهول المالك، ولا فرق في ذلك بين ما كان مجهول المالك عينا خارجية أو دينا ثابتا في الذمة، فان الدين وان كان كليا في الذمة، إلا انه يتشخص بالتصدق، وتبرأ به ذمة المديون. وتوهم ان نفوذ التصدق يتوقف على إذن المالك، توهم فاسد، لاطلاق تلك الروايات المتقدمة، ثم إنه لا يجوز للمالك أن يرجع على الفقير لو كانت العين باقية عنده، لان آخذ الصدقة هو الله، وما كان لله لا يرجع. وعلى الجملة لا يجري على مجهول المالك حكم اللقطة لعدم الدليل عليه، إلا في إيداع اللص وقد عرفت أن النص الوارد فيه ضعيف السند، ووارد في قضية شخصية. ومن جميع ما ذكرناه ظهر ضعف ما ذهب إليه المصنف من أن الاوجه هو الضمان مطلقا (إما تحكيما للاستصحاب حيث يعارض البراءة ولو بضميمة عدم القول بالفصل، وإما للمرسلة المتقدمة عن ئر) وهي ما روى من أنه بمنزلة اللقطة (وإما لاستفادة ذلك من خبر الوديعة). ووجه الضعف أنه لا موضوع للاصل بعد امر الشارع بالتصدق بمجهول المالك، وأنك قد عرفت أنه لا دليل على الضمان فيما كانت اليد مسبوقة به فضلا عن إثباته في مطلق مجهول المالك بعدم القول بالفصل. وأما استفادة حكم المسألة مما ورد في إيداع اللص فقد عرفت جوابه. وأما مرسلة السرائر فهي غير قابلة للاعتماد عليها. على أن من المظنون أنها بعينها رواية حفص الواردة في إيداع اللص. فيتوجه عليها ما وجهناه على الاستدلال بهذه الرواية قوله: (ثم الضمان هل يثبت بمجرد التصدق)، أقول: قد ظهر مما تقدم أن التصدق بمجهول المالك لا يوجب الضمان. فإذا أغمضنا النظر عن ذلك وقلنا بالضمان، أو ثبت ذلك بدليل خاص كما في اللقطة فهل يحكم بثبوته من حين الاخذ، اومن حين التصدق، أو من حين مطالبة المالك بماله وعدم رضاه بالتصدق؟ وجوه. والتحقيق أن يقال: إن الحكم بالضمان ان كان لقاعدة الضمان بالاتلاف فاللازم هو الحكم (1) في ص 510 الواردة في قصة الفتى الذي كان من كتاب بني امية.

[ 527 ]

بثبوته من حين التصدق، إلا أنك قد عرفت آنفا ان القاعدة لا تشمل المقام. وان كان مدرك الضمان هو ما ورد في اللقطة من أن المالك إذا جاء وطلب ماله فله الغرم، أو الرضا بالاجر فاللازم هو ثبوته من حين مطالبة المالك. وان كان مدرك الضمان هو قاعدة ضمان اليد فاللازم ثبوته من حين الاخذ إذا كانت اليد الموضوعة عليه يد ضمان. قوله: (ولو مات المالك). أقول: توضيح المقام أن الكلام قد يقع في موت المالك، وقد يقع في موت المتصدق. وعلى الاول فقد يكون موت المالك بعد التصدق، وقد يكون قبل التصدق، فإذا كان التصدق بعد موت المالك فإذا جاء الوارث، ولم يرض بالتصدق خيره المتصدق بين الغرم والاجر، لقوله (ع) في رواية حفص المتقدمة في البحث عن رد المأخوذ من الظالم إلى اهله: (فان جاء طالبها بعد ذلك خيره بين الاجر والغرم). وان كان التصدق قبل موت المالك فانه لا شئ للورثة إذ المالك لم يبق حيا بعد التصدق حتى يتخير بين الغرم والاجر، والورثة ليسوا بملاك حتى يجري فيهم هذا الحكم. لا يقال: إذا وجد المالك بعد التصدق كان مخيرا بين الغرم والاجر، فيكون هذا حقا من حقوقه، فإذا مات انتقل إلى الورثة، لان ما تركه الميت لوارثه. فانه يقال: لا دليل على ان كل حق يقبل النقل والانتقال أو الاسقاط، إلا في موارد خاصة، ومع الشك في ذلك فالاصل عدمه. وأما إذا مات المتصدق ثم وجد المالك فالظاهر من قوله (ع): (خيره بين الاجر والغرم). أنه لا شئ للمالك ح إذ لا وجود للمتصدق حتى يخير المالك بين الامرين. نعم يمكن ان يقال بخروج الغرامة من تركته، لان ضمان الصدقة من الحقوق المالية اللازمة عليه بفعله، ولا غرامة في ذلك فقد ثبت نظيره في الفقه كثيرا كما إذا رمى أحد رجلا بحجر ومات الرامي قبل وصول الحجر، ثم اصاب الحجر الرجل فقتله، فان دية المقتول تؤخذ من تركة القاتل، لاستناد القتل إليه. بل قد يملك الميت من جهة إيجاده سبب الملك قبل موته، كما إذا نصب شبكة، ووقع فيها السمك بعد موته، فانه يكون من تركته. قوله: (ولو دفعه إلى الحاكم فتصدق به بعد اليأس). اقول: ظاهر كلام المصنف أن دفع المال إلى الحاكم إن كان بعنوان كونه وكيل الغائب، أو وليه فلا ضمان على الدافع لان دفعه إلى الولي، أو الوكيل كدفعه إلى نفس الاصيل. وان كان دفعه إليه بعنوان أنه كبقية الناس فلا تبرأ ذمته بذلك. وتحقيق الكلام هنا يكون في جهتين، الاولى: هل للحاكم ولاية على الغائب ام لا؟. الثانية: إذا ثبت للحاكم ولاية على الغائب فهل يعتبر قصد هذا العنوان في دفع مال الغائب إليه

[ 528 ]

أم لا؟. أما الجهة الاول فهي ممنوعة صغرى وكبرى، أما الصغرى فلانه لم يحرز كون المالك غائبا، بل يحتمل كونه حاضرا عند الواجد. وان لم يعرفه بعينه. ويتفق كثيرا أن الملتقط يتفحص عن المالك، وهو ينادي يا صاحب المال، ويسمعه المالك، ولا يلتفت إلى كون اللقطة له. وأما الكبرى فلعدم الدليل اللفظي على ولاية الحاكم على الغائب لكي يتمسك باطلاقه، وإنما هي ثابتة بالحسبة، فلا بد من الاقتصار على المقدار المتيقن، وهو أخذ مال الغائب لحفظه وإيصاله إليه، ولا يجوز إتلافه ولو بالتصدق عنه. وان سلمنا ولاية الحاكم على الغائب مطلقا فانما هي فيما لم يكن للغائب ولي خاص، والظاهر من الروايات أن من وضع يده على اللقطة له الولاية على مالكها في التصدق بها. وأما الجهة الثانية فإذا سلمنا ثبوت ولاية الحاكم على الغائب فانه لا دليل على دخل قصد الولاية في دفع اللقطة إلى الحاكم، فان اعتبار القصد في ذلك كاعتبار قصد المالك في دفع ماله إليه، ولا نحتمل ان يلتزم بذلك أحد. ويتضح ما ذكرناه بمراجعة الوجدان، وبالنظر إلى سيرة العقلاء، فانهم لا يعتبرون القصد المذكور في دفع أموال الموكلين والمولى عليهم إليهم، أو إلى وكلائهم واوليائهم. ثم إنه إذا جاز دفع اللقطة إلى الحاكم كان الحاكم مكلفا بجميع أحكامها من وجوب الفحص وغيره. وإذا ظهر مالكها بعد التصدق أعطى بدلها من بيت المال. فقد ثبت في الشريعة أن ما أخطأت القضاة فهو من بيت المال، وما نحن فيه من صغرياته. فيما علم اجمالا اشتمال الجائزة على الحرام الصورة الرابعة: ما علم إجمالا اشتمال الجائزة على الحرام. قد ذكر المصنف هنا أن ما علم إجمالا اشتمال الجائزة على الحرام يقع على وجوه، لان الاشتباه إما أن يكون موجبا للشركة والاشاعة، كخلط الخل بالخل والسمن بالسمن والحنطة بالحنطة، وإما ان لا يكون موجبا لذلك، كما إذا اشترى فراشا وغصب فراشا آخر واشتبه احدهما بالآخر. وعلى الاول فإما ان يكون المالك ومقدار المال معلومين، ولما ان يكونا مجهولين، وإما ان يكونا مختلفين. فإذا كانا معلومين فلا شبهة في وجوب رد المال إلى صاحبه. وان كانا مجهولين فالمورد من صغريات المال الحلال المختلط بالحرام، فيجب فيه الخمس. وان كانا مختلفين فان كان القدر معلوما والمالك مجهولا فقد تقدم تفصيله في الصورة السابقة.

[ 529 ]

وان كان القدر مجهولا والمالك معلوما وجب التخلص عن اشتغال الذمة بالمصالحة مع المالك وعلى الثاني وهو مالا يوجب الاشتباه الشركة فلا بد من الرجوع إلى القرعة، لانها لكل أمر مشكل. أو يباع المأخوذ من الجائر، ويشترك في ثمنه. ثم ذكر ان تفصيل ذلك كله في كتاب الخمس. أقول: أقول: في كلامه نظر من وجهين، الاول: أنه لا وجه للرجوع إلى المصالحة مطلقا فيما إذا كان المالك معلوما والقدر مجهولا، لان المال المذكور قد يكون في يد أحد، وقد لا يكون كذلك. وعلى الاول فالمقدار الذي يعلم صاحبه يرد إليه، والمقدار الذي لا يعلم صاحبه فهو لذي اليد، لانها أمارة الملكية. وعلى الثاني فما هو معلوم المالك أيضا يرد إلى صاحبه، وفي المقدار المشتبه يرجع إلى القرعة. ويحتمل الحكم بالتصنيف للمصالحة القهرية ويستأنس حكم ذلك مما ورد (1) في الودعي. ولكن الظاهر ان الرواية غير نقية السند. الثاني: أن ظاهر كلام المصنف عدم جريان التقسيم المذكور في القسم الثاني أعني مالا يكون الاشتباه موجبا للشركة والاشاعة ولذا اكتفى فيه بالرجوع إلى القرعة، أو بيع المال المشتبه والاشتراك في ثمنه. ولكن الظاهر ان الاقسام المذكورة كلها جارية في القسم الثاني أيضا. وتقريبة ان المأخوذ من الجائر إذا كان مشتبها بالحرام مع عدم كونه موجبا للشركة فاما ان يكون المالك والقدر كلاهما معلومين، فلا بد من رد المال إلى صاحبه وإما أن يكون القدر معلوما والمالك مجهولا، وقد تقدم حكمه في الصورة الثالثة. وإما ان يكون القدر مجهولا والمالك معلوما، فيرجع إلى القرعة، أو يباع، ويشترك في ثمنه، كما ذكره المصنف. وإما أن يكون القدر والمالك كلاهما مجهولين، فيجب فيه الخمس على المشهور، وذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الخمس، وظاهر المصنف عدم وجوبه هنا. ولكنه مدفوع باطلاق ما دل (2) على وجوب الخمس في المال المختلط بالحرام على القول به، ودعوى اختصاصه بصورة الاشاعة لا شاهد له


(1) راجع ج 2 ئل باب 12 حكم من اودعه إنسان دينارين من الصلح ص 633 (2) راجع ج 2 ئل باب 1 وجوب الخمس في الحلال إذا اختلط بالحرام من الخمس ص 61.

[ 530 ]

فرع قال السيد (ره) في حاشيته: (مقتضى إطلاق أخبار الخمس عدم الفرق بين ما لو شك في كون الحرام بمقدار الخمس، أو أقل أو أكثر. وما لو علم بنقصانه عنه أو زيادته عليه مع عدم العلم بمقداره، وهو الاقوى وفاقا لسيد المناهل على ما نقل. وذهب بعضهم إلى الاختصاص بالصورة الاولى، وأنه لو علم النقص لا يجب إعطاء الخمس، ولو علم الزيادة لا يكفي، بل يجب دفع الازيد). ولكن الظاهر هو ما ذهب إليه ذلك البعض، لان مورد ما دل على ثبوت الخمس في المختلط بالحرام إنا هو ما لم يعلم كون الحرام زائدا على مقدار الخمس، أو ناقصا عنه، أما في صورة العلم بالنقصان فلان الظاهر من قوله " ع " في رواية الحسن بن زياد (1): (فان الله تعالى قد رضى من ذلك المال بالخمس). أن الرضا بالخمس للامتنان على العباد، والتسهيل عليهم، ومن الواضح أنه لا امتنان إلا مع احتمال زيادة الحرام على الخمس، ويضاف إلى ذلك أنه لا قائل بوجوب الخمس في هذه الصورة، ذكر ذلك المحقق الهمداني قدس سره. واما في صورة العلم بزيادة الحرام عنه فان الجزء الزائد كبقية المحرمات، فلا ترتفع الحرمة عنه، وإلا كان ذلك حيلة لاكل أموال الناس. ويضاف إلى ذلك عدم القول بالفصل بين صورتي العلم بالزيادة والعلم بالنقيصة، وحيث عرفت عدم وجوب الخمس مع العلم بالنقيصة فلا بد من القول بعدم وجوبه ايضا مع العلم بالزيادة. وعلى الجملة إن ظاهر الرواية وقوع المصالحة الشرعية بين الحرام والخمس، ولا يجري ذلك إلا مع احتمال كونه بمقدار الحرام. أخذ المال من الجائر ليس له بنفسه حكم من الاحكام الخمسة قوله: (واعلم ان اخد ما في يد الظالم ينقسم باعتبار نفس الاخذ إلى الاحكام الخمسة). أقول: حاصل كلامه: أن أخذ المال من الجائر ينقسم بلحاظ نفس الاخذ إلى الاحكام


(1) راجع ج 2 ئل باب 1 وجوب الخمس في الحلال إذا اختلط بالحرام من الخمس ص 61.

[ 531 ]

الخمسة، وبلحاظ نفس المال إلى المحرم والمكروه والواجب. فالمحرم ما علم أنه مال الغير مع عدم رضاه بأخذه. والمكروه هو المال المشتبه. والواجب هو ما يجب استنقاذه من يد الجائر من حقوق الناس، وحقوق السادة والفقراء ولو كان ذلك بعنوان المقاصة. أقول: الظاهر أن الاخذ بنفسه لا يتصف بشئ من الاحكام الخمسة حتى بالاباحة، بل شأنه شأن سائر الافعال التي لا تتصف بها إلا باعتبار العوارض والطواري، فان الاخذ قد يتصف بالحرمة، كأخذ مال الغير بدون إذنه، وقد يتصف بالوجوب، كأخذ حقوق الناس من الجائر، وقد يتصف بالكراهة، كأخذ المال المشتبه منه بناء على كراهته، كما ذهب إليه بعض الاصحاب، وقد تقدم ذلك في البحث عن كراهة أخذ الجائزة من الجائر مع عدم اشتمال امواله على الحرام وقد يتصف بالاستحباب، كأخذ المال منه مع عدم العلم بحرمته لزيارة المشاهد والتوسعة على العيال ونحو ذلك من الغايات المستحبة. وقد يتصف بالاباحة، كأخذ االمال منه لغير الدواعي المذكورة. وظيفة الجائر في نفسه بالنسبة إلى ما أخذه من اموال الناس قوله: (وكيف كان فالظاهر أنه لا اشكال في كون ما في ذمته من قيم المتلفات غصبا من جملة ديونه). قد فصلنا الكلام في حكم أخذ المال من الجائر، وأما وظيفته في نفسه فلا شبهة في اشتغال ذمته بما أتلفه من أموال الناس، لقاعدة الضمان بالاتلاف، فيجب عليه ان يخرج من عهدته. ولا شبهة ايضا في أن ما أخذه من الناس بالظلم يجب عليه رده إليهم لقاعدة ضمان اليد. هذا إذا كان الجائر حيا. وأما إذا مات كانت الاموال المذكورة من جملة ديونه، فتخرج من أصل التركة، لقوله تعالى (1): (من بعد وصية يوصي بها أو دين) وللروايات الواردة في هذه المسألة. وقد خالف في ذلك الشيخ الكبير كاشف الغطاء (ره)، فحكم بكونه من الثلث مع الايصاء به، ومنع كونه من الديوان. واستدل على رأيه هذا بعدم المقتضي، وبوجود المانع، أما الاول فبأن ذمة الظالم وإن اشتغلت بالحقوق، ووجب عليه الخروج من عهدتها إلا ان الدين الذي يخرج من اصل التركة منصرف إلى الديون المتعارفة، فلا يكون مورد البحث مشمولا للآية وما بمعناها.


(1) سورة النساء، آية: 12.

[ 532 ]

واما المانع فلان الآية الشريفة وإن دلت على إخراج ديون الميت من اصل التركة، وبها خصص ما دل على ما تركه الميت ينتقل إلى وارثه. ولكن السيرة القطعية قائمة على ان الضمانات الثابتة بقاعدة ضمان اليد لا تخرج من اصل التركة، بل تخرج من الثلث مع الايصاء به، وإلا بقى الميت مشغول الذمة به إلى يوم القيامة. وعليه فالآية قد خصصت بالسيرة. أقول: أما منع المقتضي فقد اشكل عليه المصنف بوجوه، الاول: (منع الانصراف، فإنا لا نجد بعد مراجعة العرف فرقا بين ما أتلفه هذا الظالم عدوانا، وبين ما أتلفه شخص آخر من غير الظلمة) فكما أن الاول يخرج من اصل التركة فكذا الثاني. وثانيا: أنه (لا إشكال في جريان احكام الدين عليه في حال حياته من جواز المقاصة من ماله كما هو المنصوص (1) وعدم تعلق الخمس والاستطاعة وغير ذلك). وثالثا: انه (لو تم الانصراف لزم إهمال الاحكام المنوطة بالدين وجودا من غير فرق بين حياته وموته). ودعوى إطلاق الغني عليه عرفا لا شاهد عليها لان أهل العرف ليسوا مشرعين لكي تكون إطلاقاتهم حجة شرعية. كما أنهم يرون القمار وبيع المنابذة والحصاة والمعاملة الربوية من المعاملات الصحيحة، وقد نهى الشارع عنها، وأزرى عليهم بها. وأما وجود المانع فاشكل عليه المصنف ايضا بأن السيرة المذكورة ناشئة (من قلة مبالات الناس، كما هو ديدنهم في أكثر السير التي استمروا عليها، ولذا لا يفرقون في ذلك بين الظلمة وغيرهم ممن علموا باشتغال ذممهم بحقوق الناس من جهة حق السادة والفقراء، أو من جهة العلم بفساد اكثر معاملاته). وغيرها من حقوق الناس. فلا يمكن رفع اليد عن القواعد المنصوصة المجمع عليها في الشريعة المقدسة بمثل هذه السير الواهية، بل سيرة المتدينين على عكس السيرة المذكورة فانهم لا يفرقون في الديون بين المظالم وغيرها ما يأخذه الجائر من الناس يجوز احتسابه من الزكاة قوله. (الثالثة: ما يأخذه السلطان المستحل لاخذ الخراج) أقول: الحقوق الشرعية الثابتة في أموال الناس، أو في ذممهم أربعة: الخمس والزكاة والخراج والمقاسمة. ولا بأس


(1) راجع ج 2 ئل باب 112 جواز استيفاء الدين من مال الغريم الممتنع مما يكتسب به ص 561 وج 2 التهذيب ص 105.

[ 533 ]

بجعل الاخيرين قسما واحدا، وإذن فهي ثلاثة. أما الخمس فقد اسقطه عمر بن الخطاب، وتبعه قومه. وذكر بعض المفسرين من العامة أن عمر قد اسقط الخمس في شريعة الاسلام وتبعه اصحابه، فصارت المسألة إجماعية، وعلى ذلك فلا جدوى في البحث عن الخمس لعدم اعتقاد الجائر به لكي يأخذه من الناس حتى نبحث في أحكامه، فيختص الكلام ببقية الحقوق ثم لا يخفى ان مورد تلك الحقوق الثلاثة هي الغلات الاربع، والانعام الثلاثة، وأراضي المسلمين. وأما الاراضي التي أحياها العامل فلا شئ عليه وإن كان المحيى من غير المسلمين على ما ذهب إليه بعض الاصحاب. ثم إن الكلام هنا يقع في ثلاث نواحي: الناحية الاولى: إذا أخذ الجائر الحقوق المذكورة من المسلمين فهل تبرء ذممهم عنها أم لا؟ مقتضى القاعدة الاولية هو العدم، فان الشارع قد حكم بثبوت تلك الحقوق في ذمم هؤلاء فلا تبرء عنها إلا بصرفها فيما عينه الشارع. وواضح أن الجائر خارج عنه. على أنها لا تتعين في خصوص ما بأخذه الجائر حتى تسقط عن ذممهم، إلا أن الظاهر من الروايات الآتية في الناحية الثالثة هو جواز اخذ الصدقات والمقاسمات من الجائر، بل الظاهر من السؤال في رواية الحذاء الآتية أن ذلك من المسلمات، فتدل تلك الروايات بالملازمة على أن الاموال التي يأخذها الجائر من الناس يجوز احتسابها من الصدقات والمقاسمات، وإلالكان على الآخذ أن يرده إلى صاحبه. فيدل ذلك على تنزيل يد الجائر في زمان الغيبة منزلة يد السلطان العادل ويضاف إلى ما ذكرناه ما في جملة من الروايات (1) من أن العشور التي تؤخذ من الرجل يجوز احتسابها من الزكاة، إلا إذا استطاع الرجل دفع الظالم، كما أشار إليه الامام " ع " في رواية عيص بقوله: (لا تعطوهم شيئا ما استطعتم). وأما ما ورد في صحيحة أبي أسامة زيد الشحام (2) من منع الاحتساب، لانهم قوم غصبوا ذلك فيمكن حمله على استحباب الاعادة، كما صنعه الشيخ في التهذيب.


(1) كا. عن يعقوب بن شعيب قال: سالت أبا عبد الله " ع " عن العشور التي تؤخذ من الرجل أيحتسب بها من زكاته قال: نعم ان شاء. صحيحة. كا. عن عيص بن قاسم عن أبي عبد الله " ع " في الزكاة قال: ما أخذوا منكم بنو أمية فاحتسبوا به ولا تعطوهم شيئا ما استطعتم فان المال لا يبقى على هذا أن يزكيه مرتين صحيحة وغير ذلك من الروايات راجع ج 1 كاص 153. وج 6 الوافي ص 21 وج 2 ئل باب 19 ما يأخذه السلطان على وجه الزكاة من أبواب المستحقين ص 33 (2) راجع البابين المزبورين من ج 2 ئل ص 33. وج 6 الوافي ص 21.

[ 534 ]

لا يجوز للجائر أخذ الصدقات والمقاسمات من الناس الناحية الثانية: هل يجوز للجائر أخذ الصدقة والخراج والمقاسمة من الناس أم لا؟ وعلى القول بالجواز فهل تبرء ذمته إذا أعطاها لغير أهلها أم لا؟ قد يقال: إن الولاية في زمان الغيبة وان كانت راجعة إلى السلطان العادل الذي وجبت على الناس طاعته، وحرمت عليهم معصيته، فإذا غصبها غاصب وتقمصها متقمص كان عاصيا وآثما، إلا ان هذه الولاية الجائرة تترتب عليها الاحكام الشرعية المترتبة على الولاية الحقة من حفظ حوزة الاسلام، وجمع الحقوق الثابتة في أموال الناس، وصرفها في محلها، وغير ذلك، لان موضوع تلك الاحكام هو مطلق السلطنة، سواء أكانت حقة أم باطلة، كما إذا وقف احد ارضا، وجعل توليتها لسلطان الوقت. وعلى الجملة إن المحرم إنما هو تصدي الجائر لمنصب السلطنة، لا الاحكام المترتبة عليها، فانها لا تحرم عليه بعد غصبه الخلافة وتقمصها، هذا غاية ما يمكن ان يقال في جواز تصدي الجائر للامور العامة. ولكن يرد عليه ان هذا الاحتمال وان كان ممكنا في مقام الثبوت إلا أنه لا دليل عليه، وعلى هذا فالجائر مشغول الذمة بما يأخذه من حقوق المسلمين ما لم يخرج من عهدتها. وذهب السيد في حاشيته إلى براءة ذمة الجائر لوجه آخر وحاصله: أن الائمة " ع " وهم الولاة الشرعيون قد أذنوا لشيعتهم في شراء الصدقة والخراج والمقاسمة من الجائر ويكون تصرفه في هذه الحقوق الثلاثة كتصرف الفضولي في مال الغير إذا انضم إليه إذن المالك، وح فيترتب عليه أمران، أحدهما: براءة ذمة الزارع بما دفع إلى الجائر من الحقوق المذكورة. وثانيهما: براءة ذمة الجائر من الضمان وإن ترتب عليه الاثم من جهة العصيان والعدوان، ونظير ذلك ما إذا غصب الغاصب مال غيره فوهبه لآخر، وأجازه المالك. ويرد عليه أولا: أن إذن الشارع في أخذ الحقوق المذكورة من الجائر إنما هو لتسهيل الامر على الشيعة لئلا يقعوا في المضيقة والشدة، فانهم يأخذون الاموال المذكورة من الجائر، وأن إذنه هذا وإن كان يدل بالالتزام على براءة ذمة الزارع وإلا لزم منه العسر والحرج المرفوعين في الشريعة، إلا أنه لا اشعار فيه ببراءة ذمة الجائر فضلا عن الدلالة عليها، وعلى هذا فتصديه لاخذ تلك الحقوق ظلم وعدوان، فتشمله قاعدة ضمان اليد

[ 535 ]

وتلحقه جميع تبعات الغصب وضعا وتكليفا. وأما تنظير المقام بهبة الغاصب وضعا وتكليفا. وأما تنظير المقام بهبة الغاصب المال المغصوب مع لحوق إجازة المالك فهو قياس مع الفارق، إذ المفروض أن الجائر لم يعط الحقوق المذكورة لاهلها حتى تبرء ذمته بل أعطاها لغيرهم إما مجانا، أو مع العوض، وعلى الاول فقد أتلف المال، فيكون ضامنا له وإن جاز للآخذ التصرف فيه، وعليه فالعوض يكون للآخذ، وينتقل المال إلى ذمة الجائر، وعلى الثاني فالمعاملة وإن صحت على الفرض، إلا أن ما يأخذه الجائر بدلا عن الصدقة يكون صدقة، ويضمنه الجائر لا محالة. ونظير ذلك أن الائمة قد اذنوا لشيعتهم في أخذ ما تعلق به الخمس أو الزكاة ممن لا يعطيهما أو لا يعتقد بهما مع ان ذلك يحرم على المعطي وضعا وتكليفا جواز أخذ الصدقات والمقاسمات من الجائر المستحل لذلك الناحية الثالثة: هل يجوز اخذ مال الصدقة والخراج والمقاسمة من الجائر المستحل لذلك أم لا يجوز؟ وعلى القول بالجواز فهل يملكها الآخذ أم لا؟. المشهور، بل المجمع عليه بين الاصحاب هو الاول. وعن المسالك انه اطبق عليه علمائنا، ولا نعلم فيه مخالفا. وعن المفاتيح انه لا خلاف فيه. وفي الرياض انه استفاض نقل الاجماع عليه. وقد خالف في ذلك الفاضل القطيفي. والمحقق الاردبيلي. ولكن التحقيق يقتضي الاول، لاطلاق الروايات الكثيرة الدالة على إباحة أخذ الجوائز من الجائر، وقد تقدمت الاشارة إليها في البحث عن جوائز السلطان. وتدل عليه ايضا الروايات الخاصة الواردة في خصوص المقام، منها رواية الحذاء (1) وهي تدل على المقصود بثلاث فقرات: الفقرة الاولى: ان السائل جعل جواز اخذ الصدقات من السلطان الجائر مفروغا عنه، وإنما سأل عما إذا اخذ الجائر من الناس اكثر من الحق الذي يجب عليهم. فقال الامام " ع ": (لا باس به حتى تعرف الحرام بعينه). وقد اورد عليه المحقق الاردبيلي في محكي كلامه (بأن قوله " ع ": لا بأس به حتى نعرف الحرام منه لا يدل إلا على جواز شراء ما كان حلالا، بل مشتبها، وعدم جواز


(1) صحيحة. راجع ج 2 ئل باب 81 جواز شراء ما يأخذه الظالم مما يكتسب به ص 554. وج 2 التهذيب ص 112.

[ 536 ]

ما كان معروفا أنه حرام بعينه، ولا تدل على جواز شراء الزكاة بعينها صريحا. نعم ظاهرها ذلك. لكن لا ينبغي الحمل عليه، لمنافاته العقل والنقل، ويمكن ان يكون سبب الاجمال منه التقية). ويرد عليه أولا: أن الرواية صريحة في المطلوب، فان الضمير في قوله " ع ": (لا بأس به) يرجع إلى شراء إبل الصدقة وغيرها، فلا وجه لانكار الاردبيلي صراحة هذه الفقرة في المقصود. وثانيا: ان حكم العقل بقبح التصرف في مال الغير بدون إذنه وان كان مما لا ريب فيه وكذا لا شبهة في دلالة جملة من الروايات (1) على حرمته، إلا ان إذن الشارع فيه احيانا يوجب ارتفاع القبح، وتخصيص العمومات، وعليه فجواز اخذ الصدقات من الجائر لا ينافى حكم العقل والنقل، لان اخذ الجائر هذه الحقوق من المسلمين وان كان على وجه الظلم والعدوان، إلا انالشارع أجاز لغير الجائر ان يأخذها منه، ومن هنا لم يتوهم احد ان إذن الشارع في التصرف في الاراضي المتسعة والانهار الكبار وغيرهما ينافى حكم العقل والنقل وثالثا: انه لا وجه لانكاره صراحة هذه الفقرة في المطلوب، ودعواه ظهورها فيه، ثم إنكاره الظهور ايضا، لمنافاته العقل والنقل. نعم له إنكار حجيتها من الاول سواء كانت صريحة في المطلوب أم ظاهرة فيه، كما هو كك في كل دليل ينافى العقل والنقل. ورابعا: انه لا وجه لاحتمال التقية في الرواية وجعلها سبب الاجمال فيها، لان مجرد معارضة الرواية لعموم آية أو رواية، أو إطلاقهما لا يسوغ حملها على التقية، بل يلتزم بالتخصيص أو التقييد. لا يقال: لا وجه لحمل لفظ السلطان الوارد في الرواية على السلطان الجائر، ولماذا لا يحمل على السلطان العادل، فتبعد الرواية عما نحن فيه. فانه يقال: ظاهر قول السائل: (وهو يعلم انهم يأخذون منهم اكثر من الحق الذي يجب عليهم) انه فرض الكلام في الجائر، لان العادل لا يعمل ذلك. ويضاف إلى ما ذكرناه انا لم نسمع بوجود السلطان العادل في زمان السائل وما يقاربه. الفقرة الثانية: ان السائل قد احتمل حرمة شراء الانسان صدقات نفسه من الجائر، فسأل الامام " ع " عنها، فقال " ع ": (إن كان قد اخذها وعزلها فلا بأس) فهذه الفقرة ايضا صريحة في المطلوب. وإنما قيد الامام " ع " جواز شراء الصدقات بالاخذ والعزل معا، ولم يكتف بالعزل فقط، لان الصدقات لا تتعين بأمر الجائر بالعزل، فإذا


(1) قد تقدم التعرض لها في ص 144

[ 537 ]

اشتراها قبل الاخذ والعزل فقد اشترى مال نفسه، وهو بديهي البطلان، فان البيع تبديل المالين في طرفي الاضافة، وهو غير معقول في شراء الانسان مال نفسه. وسنتعرض لذلك في اوائل البيع انشاء الله. وقد يقال: إن المراد من المصدق في قول السائل: (فما ترى في مصدق يجيئنا الخ). هو العامل من قبل السلطان العادل، ووجه السؤال هو احتمال ان لا يكون العامل وكيلا في بيعها، فتكون الرواية أجنبية عن المقام. ويرده أن الرواية واردة في الجائر، وقد تقدم ما يدل على ذلك. الفقرة الثالثة: أن السائل قد احتمل عدم كفاية الكيل السابق في الشراء، فسأل الامام " ع " عن ذلك فقال: (إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل). لان الكيل إنما اعتبر طريقا إلى تعيين مقدار المكيل بأي نحو اتفق، ولا دليل على اعتباره عند البيع. فهذه الفقرة أيضا صريحة في جواز شراء الصدقات من الجائر لا يقال: المراد من القاسم المذكور في السؤال هو المزارع أو وكيله، فلا مدخل للرواية فيما نحن فيه. فانه يقال: اتحاد السياق يقتضي أن يراد من القاسم عامل الصدقة، لا المزارع أو وكيله على أن الظاهر من إطلاق لفظ القاسم (الذي هو من المشتقات) هو من كانت القسمة حرفة له، ولا يطلق ذلك على المزارع للارض بقسمة حاصله. وقد يتوهم أن الرواية إنما تعرضت لحكم الصدقة فقط، فلا تشمل الخراج والمقاسمة. ولكن يرد عليه أولا: أن مقابلة القاسم بالمصدق في الرواية تدل على إرادة كل من المقاسمة المصطلحة والصدقات. وثانيا: ان إطلاق لفظ القاسم يشمل الخراج والمقاسمة الزكاتية، فلا وجه لصرفه إلى الثاني. وثالثا: يكفينا تعرض الرواية لخصوص الصدقات، فيثبت الحكم في غيرها بعدم القول بالفصل، لان كل من قال بجواز أخذ الصدقات من الجائر قال: بجواز اخذ الخراج والمقاسمة منه. ومنها رواية اسحاق بن عمار (1) قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم قال: (يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحدا). فان ظاهر الشراء من العامل هو شراء الحقوق المذكورة منه، فتدل هذه الرواية ايضا على المطلوب. واشكل عليها الفاضل القطيفي بأنالمراد من العامل هو عامل الظلمة، وقد عرفت فيما سبق أنه لا مانع من أخذ اموالهم ما لم يعلم أنها من الحرام، فتكون الرواية بعيدة عن المقام


(1) قد ذكرنا هذه الرواية في ص 504.

[ 538 ]

وفيه أن هذه الدعوى وان لم تكن بعيدة في نفسها، ولكن يدفعها اطلاق الرواية، وعدم تفصيل الامام " ع " بين المقامين. ومنها رواية اابي بكر الحضرمي (1) فانها ظاهرة في حل ما يعطيه الجائر للناس من بيت المال، سواء كان ذلك بعنوان البذل، أم الاجرة على عمل. وقد ذكر المحقق الكركي أن هذا الخبر نص في الباب. وقد تعجب منه الاردبيلي وقال: (أنا ما فهمت منه دلالة ما، وذلك لان غايتها ما ذكر ذلك، وقد يكون شئ من بيت المال، ويجوز أخذه وإعطاؤه للمستحقين، بأن يكون منذورا، أو وصية لهم، ويعطيهم ابن ابي شمال وغير ذلك). ولكن يرد عليه أنه إذا تحقق للرواية ظهور فان مجرد الاحتمال علي خلافه لا يسوغ رفع اليد عنه، وإلا لانسد باب الاجتهاد، فان كل ظاهر يحتمل خلافه، نعم لا يجوز الاستدلال بالرواية المذكورة على المقصود منجهة اخرى، وهي أن الامام " ع " قد علل التعريض على ابن ابي شمال بأنه لم يبعث إلى أبي بكر الحضرمي بعطائه حيث قال: (أما علم أن لك في بيت المال نصيبا). وظاهر هذا التعليل أن جواز الاخذ من جهة ثبوت الحق في بيت المال، فيجوز له الاخذ بمقدار حقه، إلا أنه لا دلالة فيها على جواز أخذ الحقوق الثلاثة من الجائر مطلقا، لكون الدليل أخص من المدعى. ومنها الاخبار (2) الواردة في جواز تقبل الاراضي الخراجية، وتقبل خراجها،


(1) قال: دخلت على ابي عبد الله (ع) وعنده اسماعيل ابنه فقال: ما يمنع ابن أبي شمال أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطي الناس؟ ثم قال لي: لم تركت عطاءك؟ قال: قلت مخافة على ديني، قال: ما منع ابن ابي شمال أن يبعث اليك بعطائك اما علم أن لك في بيت المال نصيبا. مجهولة لعبد الله بن محمد الحضرمي. في نسخة ئل سمال وفي يب سماك. راجع ج 10 الوافي ص 27. وج 2 ئل باب 80 جوائز الظالم حلال مما يكتسب به ص 554. وج 2 التهذيب ص 102. (2) راجع ج 10 الوفاي باب 165 قبالة الارضين ص 136 وباب 167 الرجل يتأجر الارض فيواجرها بأكثر مما استأجرها ص 140. وج 2 وج 2 ئل باب 71 حكم الشراء من ارض الخراج والجزية وباب 72 أحكام الارضين من الجهاد ص 438 وص 439. وج 1 كاباب 140 اشتراء ارض الخراج من السلطان ص 410. وباب 131 قبالة ارض أهل الذمة وجزية رؤوسهم ومن يتقبل الارض من السلطان ص 406. وباب 133 الرجل يستأجر الارض ص 407. وفي ج 10 الوافي باب 106 بيع الغرر والمجازفة ص 91. وج 2 ئل باب 12 أنه

[ 539 ]

وخراج الرجال والرؤوس من الجائر، فانها تدل بالملازمة على جواز شراء الخراج والمقاسمة والصدقة منه. وتوضيح الدلالة أن التقبل قد يتعلق بالارض، وقد يتعلق بالخراج. أما الاول فتشهد به جملة من الروايات. ولعل الوجه في تجويز الشارع ذلك أن لا تبقى الارض معطلة، ولا شبهة ان هذه الجهة لا ترتبط بما نحن فيه. وأما تقبل الخراج فتدل عليه جملة اخرى من الروايات. ولا ريب في دلالة هذه الجملة على المطلوب، إذ لا فارق بين شراء الحقوق المذكورة من الجائر، أو أخذها منه مجانا، وبين تقبلها، فان الغرض هو مطلق الاخذ، ولذا نوهنا في صدر المسألة بأن الاخذ اعم من أن يكون مع العوض أو بدونه. لا يجوز للجائر قطاع شخص خاص شيئا من الاراضي الخراجية وينبغي التنبيه على امور، الاول: هل يجوز للجائر إقطاع شخص شيئا من الاراضي الخراجية وتخصيصها بها أم لا؟ الظاهر هو الثاني، لدلالة