الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب المساقاة، الأول - السيد الخوئي

كتاب المساقاة، الأول

السيد الخوئي


[ 1 ]

منشورات مدرسة دار العلم (14) مباني العروة الوثقى تقريرا لبحث اية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي دام ظله العالي كتاب المساقاة محمد تقى الخوئي دام ظله كتاب المساقاة محمد تقي الخوئي

[ 2 ]

الطبعة الاولى عام الطبع: 1409 ه‍ - ق

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعترته الطيبين الطاهرين وبعد فقد لا حظت شطرا وافرا مما كتبه ولدى وقرة عينى العزيز السيد محمد تقى حفظه الله وبلغه مناه تقريرا لابحاثي الفقهية فوجدته حسن الاسلوب وجميل التعبير وسطا بين الايجاز والاطناب كافيا ووافيا بالمراد دانى اسأل المولى جل شأنه أن يبلغ به مقصده ويتم له مرامه وان يجعله علماء من اعلام الدين وحافظا لشريعة سيد المرسلين فانه ولى التوفيق ابو القاسم الموسوي الخوئي 5 جمادى الاولى 1404

[ 7 ]

مباني العروة الوثقى

[ 9 ]

كتاب المساقاة

[ 11 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المساقاة وهي معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها، ولا اشكال في مشروعيتها في الجملة، ويدل عليه مضافا إلى العمومات (1)، خبر يعقوب بن شعيب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن الرجل يعطي الرجل أرضه، وفيها رمان أو نخل أو فاكهة، ويقول: أسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما اخرج، قال: (ع) لا بأس " (1) وجملة من اخبار خيبر، منها: صحيح الحلبي قال: ] (1) قد عرفت غير مرة أن العمومات والاطلاقات لا تشمل المعاملات التي تتضمن تمليك المعدوم، فانه أمر غير جائز ولذا لا نعهد فقيها يلتزم بصحة ذلك في غير المضاربة والمزارعة والمساقاة. ومن هنا: فلا مجال للتمسك بها، ولابد في الحكم بالصحة من التمسك بالدليل الخاص. (2) الرواية صحيحة السند وواضحة الدلالة.


(1) الوسائل: ج 13 باب 9 من أبواب احكام المزارعة والمساقاة، ح 2.

[ 12 ]

[ (أخبرني أبو عبد الله (ع) أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى خيبرا بالنصف أرضها ونخلها، فلما أدركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة.... " " 1 " هذا مع أنها من المعاملات العقلائية ولم يرد نهي عنها (1) ولا غرر فيها حتى يشملها النهي عن الغرر. ويشترط فيها أمور: (الاول): الايجاب والقبول (2) ويكفي فيها كل لفظ دال على المعنى المذكور (3) ماضيا كان أو مضارعا أو أمرا، بل الجملة الاسمية مع قصد الانشاء بأي لغة كانت، ويكفي القبول الفعلي بعد الايجاب القولي، كما انه يكفي المعاطاة (4). ] (1) ظهر الجواب عن ذلك فيما تقدم، فان كل معاملة لا تكون من التجارة عن تراض تكون منهيا عنها بمقتضى قوله تعالى " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل إلا ان تكون تجارة عن تراض "، ولما لم تكن هذه المعاملة منها لما عرفته من تضمنها لتمليك المعدوم كانت محكومة بالفساد لا محالة. (2) على ما يقتضيه كونها من العقود. فانها متقومة بالايجاب والقبول والمعاهدة من الطرفين. (3) إذ ليس الانشاء إلا ابراز الاعتبار النفساني بمبرز في الخارج فيكفي كل ما قام بهذا الدور ما لم يرد الدليل على اعتبار لفظ معين بخصوصه. (4) وهو بناءا على ما اخترناه من كون صحة المعاطاة على القاعدة


(1) الوسائل: ج 13 باب 10 من أبواب بيع الثمار، ح 2.

[ 13 ]

واضح، وأما بناء على خلاف ذلك فالقول بصحتها في المقام يحتاج إلى الدليل الخاص. ومن هنا فقد استشكل فيها بعضهم من جهة أنها ليست كسائر المعاملات، فانها تختلف عنها بلحاظ غرريتها واحتمال عدم تحقق الحاصل فيها بالمرة أو قلته. وقد اجيب عنه في بعض الكلمات بكفاية العمومات والاطلاقات للحكم بصحتها في الفرض، فانها شاملة لها على حد شمولها لسائر المعاملات. الا انه مردود بما عرفته غير مرة من ان العمومات والاطلاقات لا تشمل مثل هذه المعاملة المتضمنة لتمليك المعدوم بالمرة، وعليه فلا يمكن التمسك بها لاثبات مشروعيتها فضلا عن القول بعدم اعتبار اللفظ فيها. ومن هنا: فلابد من ملاحظة مقدار دلالة النصوص الخاصة الواردة في المقام على المدعى. فنقول: اما صحيحة يعقوب بن شعيب فلا اطلاق فيها ليشمل العقد المعاطاتي حيث ان المفروض فيها انشاء العقد باللفظ، فالتعدي عنه إلى الفعل يحتاج إلى الدليل. نعم حيث ان اللفظ وهو قوله: " اسق هذا من الماء واعمره... " وارد في كلام السائل دون الامام (ع)، فمن القريب جدا دعوى ان المنصرف العرفي من ذكره والمتفاهم منه كونه لمحض انه اسهل طريقة لابراز ما في نفسه من الاعتبار والمعاهدة مع الطرف الآخر خاصة من دون ان يكون فيه اي خصوصية تلزمه، والا للزم الاقتصار في مقام الانشاء على هذا اللفظ الوارد خاصة كما هو الحال في الطلاق بل وعدم كفاية ترجمته أيضا وهو مما لا يقول به أحد.

[ 14 ]

[ (الثاني): البلوغ والعقل والاختيار (1). (الثالث): عدم الحجر لسفه أو فلس (2). ] والحاصل: ان المتفاهم العرفي من صحيحة يعقوب بن شعيب كون ذكر اللفظ المعين، مبرزا من المبرزات من دون ان تكون له خصوصية ملزمة. ومن هنا: تكون هذه الصحيحة مطلقة من هذه الجهة. ولو تنزلنا عن ذلك وقلنا بعدم دلالة صحيحة يعقوب بن شعيب على المدعى فالروايات المعتبرة الواردة في اعطاء النبي صلى الله عليه وآله لارض خيبر كافية في اثباتها، حيث لم يذكر في جملة منها لفظ مطلقا، وانما المذكور فيها انه صلى الله عليه وآله اعطاهم أرض خيبر. وهو كاف في اثبات المدعى. هذا كله مضافا إلى امكان الاستدلال عليه بالاولوية القطعية، فانه إذا جاز إنشاء المعاملات المبنية على الضبط والدقة بالفعل، جاز إنشاء المعاملات المبنية على التسامح به بطريق أولى. (1) وهي شروط المتعاوضين في جميع العقود بقول مطلق، سواء في ذلك البيع والاجارة والمزارعة والمساقاة وغيرها. وقد عرفت ادلتها في كتاب البيع فان الصبي لا يجوز أمره حتى يحتلم والمجنون بحكم البهائم والمكره غير ملزم بشئ. (2) لما تقدم، غير انه كان على الماتن (قده) التنبيه على اختلاف نحو شرطية هذا عما تقدم عليه، فان الشروط الاول مشتركة بين المالك والعامل حيث تعتبر فيهما معا، في حين أن هذا مختص بالمالك خاصة دون العامل فان المفلس والسفيه انما هو ممنوعان من التصرف

[ 15 ]

[ (الرابع): كون الاصل مملوكة عينا ومنفعته، أو منفعة فقط أو كونه نافذ التصرف فيها لولاية أو وكالة أو تولية (1). (الخامس): كونها معينة عندهما معلومة لديهما (2). (السادس): كونها ثابتة مغروسة، فلا تصح في الودي (3) اي الفسيل قبل الغرس (السابع): تعيين المدة بالاشهر والسنين (4) وكونها ] في مالهما خاصة، دون الكسب وتحصيل المال، إذ لا حجر عليهما من هذه الجهة. (1) إذ لولاها كان العقد فضوليا محكوما بالبطلان. (2) لا لاستلزام عدمها الغرر حتى يقال انها معاملة مبنية عليه وعلى الجهالة، وانما لعدم الدليل على صحتها في هذه الصورة، فان عمدة الدليل على صحة المساقاة منحصرة - وكما عرفت - في صحيحة يعقوب بن شعيب واخبار اعطاء رسول الله صلى الله عليه وآله لارض خيبر، وحيث ان موردها جميعا معلومية الارض لدى الطرفين، فلا يبقى دليل على صحتها مع عدم المعلومية حتى ولو لم نلتزم بنفي الغرر في جميع الموارد والتزمنا باختصاص دليله بالبيع كما هو الصحيح. (3) وهو ينافي ما سيأتي منه (قده) في المسألة السادسة من الالتزام بصحتها للعمومات وان لم تكن من المساقاة المصطلحة. وكيف كان: فما ذكره في المقام هو الصحيح، فان العمومات والاطلاقات غير شاملة لما يتضمن تمليك المعدوم بالفعل على ما تقدم غير مرة. (4) لما تقدم، ولان ما لا تعين له في الواقع لا يمكن الالزام أو

[ 16 ]

[ بمقدار يبلغ فيه الثمر غالبا (1). نعم لا يبعد جوازها في العام الواحد إلى بلوغ الثمر من غير ذكر الاشهر، لانه معلوم بحسب التخمين. ويكفي ذلك في رفع الغرر (2) مع انه الظاهر من رواية يعقوب بن شعيب المتقدمة (3). (الثامن): أن يكون قبل ظهور الثمر أو بعده وقبل البلوغ (4) بحيث كان يحتاج بعد إلى سقي أو عمل آخر، ] الالتزام به، فانه غير قابل له كما هو واضح. نعم لا يبعد الحكم بصحة العقد إذا انشأ على نحو الدوام، ولعله هو الظاهر من اخبار خيبر حيث لم يرد في شئ منها تحديد فترة كون الارض بيدهم، بل وفي بعض روايات العامة انه صلى الله عليه وآله جعل لنفسه الخيار وانه متى اراد أن يخرجهم من الارض كان له ذلك فانه كالصريح في التأبيد وعدم التحديد بمدة معينة، والحاصل: انه لا يبعد شمول النصوص لمثل هذا العقد وإن كان غير معين عند الطرفين، إذ يكفي فيه كونه معينا في الواقع. ولعل هذا هو المتعارف في العقود الخارجية في المزارعة والمساقاة معا، فان ارباب الاراضي والبساتين يعطون اراضيهم وبساتينهم إلى الفلاحين ليزرعوها ويسقوها من غير تحديد للمعاملة بحد معين. (1) وإلا حكم ببطلان العقد للغويته نظرا للعلم بعدم تحققه في الخارج. (2) على انه لا دليل على استلزامه للبطلان في غير البيع. (3) حيث لم يذكر فيها تحديد المدة بحد معين. (4) على ما يقتضيه اطلاق صحيحة يعقوب بن شعيب، فان مقتضاه عدم الفرق بين ظهور الثمر وعدمه.

[ 17 ]

[ وأما إذا لم يكن كذلك ففي صحتها إشكال (1) وان كان محتاجا إلى حفظ أو قطوف أو نحو ذلك. (التاسع) أن يكون الحصة معينة مشاعة (1)، فلا تصح مع عدم تعينها إذا لم يكن هناك انصراف، كما لا تصح إذا لم تكن مشاعة بان يجعل لاحدهما مقدارا معينا والبقية للاخر. نعم لا يبعد جواز أن يجعل لاحدهما اشجارا معلومة وللاخر (2)، بل وكذا لو اشترط اختصاص ] (1) ولعل وجه احتمال الصحة هو التمسك بالعمومات والاطلاقات والا فالروايات الواردة في المقام لا تشمل مثله حيث ان جميعها واردة في مورد حاجة الزرع والثمر للسقي والعمارة فلا تشمل الحفظ والقطوف. وسيأتي التعرض إلى المسألة ثانيا انشاء الله. (1) لعدم الدليل على صحتها من دونهما، فان الدليل - على ما عرفت - منحصر في صحيحة يعقوب بن شعيب واخبار خيبر، وهي باجمعها واردة في مورد وجود القيدين، على انه مع عدم التعيين لا يكون العقد قابلا للالزام به من الطرفين فيحكم ببطلانه من هذه الجهة أيضا. (2) تعرض (قده) لنظير هذا الفرع في المزارعة أيضا، وقد صرح فيه بالبطلان لعدم الاشاعة. ومن هنا: فيرد عليه (قده) عدم وضوح الفرق بين المقامين مع تصريحه باعتبار الاشاعة أيضا، فانه ان صح التمسك بالعمومات والاطلاقات فهو غير مختص بالمقام، وان لم يصح - كما هو الصحيح - وجب الحكم بالفساد في المقامين. وكيف كان: فالصحيح هو الحكم بالبطلان في المقام وفي المزارعة

[ 18 ]

[ احدهما بأشجار معلومة (1) والاشتراك في البقية، أو اشترط لاحدهما مقدار معين مع الاشتراك في البقية إذا علم كون الثمر أزيد من المقدار وانه تبقى بقية. (العاشر): تعيين ما على المالك من الامور وما على العامل من الاعمال (2) إذا لم يكن هناك انصراف. (مسألة 1): لا اشكال في صحة المساقاة قبل ظهور الثمر (3)، كما لا خلاف في عدم صحتها بعد البلوغ والادراك بحيث لا يحتاج إلى عمل غير الحفظ والاقتطاف (4) واختلفوا ] معا، لعدم الدليل على الصحة. (1) التزم (قده) بذلك في المزارعة أيضا، لكنك قد عرفت هناك ان دليل الصحة انما يقتضي صحتها فيما إذا كان النتاج باجمعه مشتركا بينهما، فلا يشمل صورة اختصاص احدهما ببعضه وكان الباقي مشتركا بينهما، والاطلاقات والعمومات لا تنفع في تصحيحها. والامر في المقام كذلك أيضا، فان النصوص باجمعها واردة في فرض اشاعة الحاصل باجمعه بينهما وكونه مشتركا كذلك، ومن هنا فلا تشمل ما نحن فيه. (2) على ما تقدم بيان الوجه فيه في المزارعة، حيث لا يمكن الزام كل من الطرفين بشئ، فيحكم ببطلان العقد لا محالة. (3) فانها القدر المتيقن من المساقاة الصحيحة. (4) نسبته (قده) إلى عدم الخلاف ينافي ما تقدم منه في الشرط الثامن من الاستشكال في صحتها.

[ 19 ]

[ في صحتها إذا كان بعد الظهور قبل البلوغ (1)، والاقوى (2) - كما اشرنا إليه - صحتها، سواء كان العمل مما يوجب الاستزادة أولا، خصوصا إذا كان في جملتها بعض الاشجار التي بعد لم يظهر ثمرها (3). (مسألة 2): الاقوى جواز المساقاة على الاشجار التي لا ثمر لها وانما ينتفع بورقتها (4)، ] وكيف كان: فالصحيح هو الحكم بالبطلان، لقصور نصوص صحة المساقاة عن شمول مثلها، فان جميعها واردة في فرض احتياج الاصول إلى العمل فيها. (1) بحيث يكون الثمر محتاجا للعمل ولو بلحاظ كونه موجبا لجودته. (2) لاطلاق صحيحة يعقوب بن شعيب، فان مقتضى ترك استفصاله (ع) هو عدم الفرق بين كون احتياجه للعمل بعد ظهور الثمر أو قبله على ما تقدم. (3) فتكون محتاجة للعمل قبل ظهور الثمر وبذلك فيكون المورد من مصاديق القسم الاول المتيقن صحته. (4) تمسكا بالعمومات والاطلاقات حيث ان مقتضاها عدم الفرق في الصحة بين ماله ثمر وما لا ينتفع إلا بورقه. الا إنك قد عرفت غير مرة، أنها لا تشمل مثل هذه المعاملات لتضمنها لتمليك المعدوم بالفعل، فلابد من الرجوع إلى الادلة الخاصة وهي قاصرة الشمول للمقام، فان صحيحة يعقوب بن شعيب واردة في الاشجار المثمرة فلا تشمل الاشجار التي ينتفع بورقها فضلا عن الزرع المثمر أو غير المثمر. وفى اخبار خيبر انه صلى الله عليه وآله اعطاهم

[ 20 ]

[ كالتوت والحناء ونحوهما. (مسألة 3): لا يجوز عندهم المساقاة على اصول غير ثابتة كالبطيخ والباذنجان والقطن وقصب السكر ونحوها وان تعددت اللقطات فيها كالاولين، ولكن لا يبعد الجواز للعمومات (1) وان لم يكن من المساقاة المصطلحة، بل لا يبعد الجواز في مطلق الزرع كذلك، فان مقتضى العمومات الصحة بعد كونه من المعاملات العقلائية، ولا يكون من الغررية عندهم غاية الامر أنها ليست من المساقاة المصطلحة (2) (مسألة 4): لا بأس بالمعاملة على أشجار لا تحتاج إلى السقي لاستغنائها بماء السماء أو لمص أصولها من رطوبات الارض وان احتاجت إلى اعمال أخر، ولا يضر عدم صدق المساقاة حينئذ، فان هذه اللفظة لم ترد في خبر من الاخبار (3) وانما هي اصطلاح العلماء وهذا التعبير منهم ] ارض خيبر وفيها النخيل والاشجار، فلا تشمل غيرها. (1) قد عرفت الحال فيه في المسألة السابقة فلا نعيد. (2) ظهر الحال فيه مما تقدم. (3) وفيه: انها وردت في صحيحة يعقوب بن شعيب التي ذكرها الماتن (قده) في صدر الكتاب فانه ورد فيها " ويقول: إسق هذا من الماء واعمره... " فما أفاده (قده) يعد غريبا منه. الا ان ذلك لا ينافي القول بالجواز في المقام، فان المتفاهم العرفي

[ 21 ]

[ مبني على الغالب ولذا قلنا بالصحة إذا كانت المعاملة بعد ظهور الثمر واستغنائها من السقي، وان ضويق نقول بصحتها وان لم تكن من المساقاة المصطلحة (1). (مسألة 5): يجوز المساقاة على فسلان مغروسة وان ] من هذه الكلمة مقدمة لتحصيل المطلوب، فالمعاملة في الحقيقة انما هي لاجل العمران وتهيئة مقدمات حصول الثمر وليس السقي الا كمقدمة من تلك المقدمات والا فلا خصوصية له بذاته، ولذا لا يحكم بالبطلان فيما إذا كانت محتاجة إلى السقي قبل المعاملة ثم ارتفع الاحتياج بعدها لكثرة المطر ونحوها. ومما يشهد لما ذكرناه الاطمئنان بعدم احتياج جميع بساتين النخيل في خيبر إلى السقي، فان النخل وبفضل عمق عروقه في الارض يكون مستغنيا عن السقي غالبا. والحاصل. ان ورود لفظ السقي في النصوص لا يوجب الحكم بالبطلان في المقام، فان الصحيح هو القول بالصحة فان اللفظ محمول على كونه من مقدمات العمارة وحصول الثمر من دون ان تكون له خصوصية تحتم وجوده. (1) وقد تقدم الكلام فيها غير مرة، وقد عرفت انه لو لم يكن الدليل الخاص على صحة المعاملة في الموارد الخاصة لما أمكن اثبات صحتها بالعمومات، ولذا لا يقول احد من الاصحاب بصحتها في غير هذه الموارد تمسكا بالعمومات كما لو كان له قطيعا من الغنم فاعطاه إلى غيره ليرعاه، ويقوم بواجباته من العلف وغيره على أن له النصف من حاصلها من الحليب والاولاد.

[ 22 ]

[ لم تكن مثمرة الا بعد سنتين (1)، بشرط تعيين مدة تصير مثمرة فيها (2) ولو خمس سنين أو أزيد. (مسألة 6): قد مر أنه لا تصح المساقاة على ودي غير مغروس، لكن الظاهر جواز ادخاله في المعاملة على الاشجار المغروسة، بأن يشترط (3) على العامل غرسه في البستان المشتمل على النخيل والاشجار ودخوله في المعاملة بعد أن يصير مثمرا، بل مقتضى العمومات (4) صحة المعاملة على الفسلان الغير المغروسة إلى مدة تصير مثمرة وان لم تكن من المساقاة المصطلحة. (مسألة 7): المساقاة لازمة (5) لا تبطل الا بالتقايل ] (1) على ما يقتضيه اطلاق صحيحة يعقوب بن شعيب حيث لم يفرض فيها كون الثمر نفس سنة العقد، بل وكذا اخبار خيبر حيث لا يحتمل عادة ان تكون بساتينه وباجمعها مثمرة في سنة الاعطاء فانها لا تخلو من الفسلان وهي لا تثمر الا بعد مرور سنتين. (2) على ما تقدم بيانه في الشرط السابع. (3) تقدم غير مرة ان دليل نفوذ الشرط لا يدل على لزوم الوفاء به فيما إذا كان سائغا في نفسه ومع غض النظر عن الاشتراط، والا فالشروط غير مشرعة. وعليه: فحيث ان تمليك المعدوم أمر غير مشروع في نفسه فلا يمكن تصحيحه بالاشتراط. (4) تقدم الكلام فيها فراجع. (5) ويقتضيه مضافا إلى ادلة لزوم الوفاء بالعقد، اطلاقات دليل

[ 23 ]

[ أو الفسخ بخيار الشرط أو تخلف بعض الشروط أو بعروض مانع عام موجب للبطلان أو نحو ذلك. (مسألة 8): لا تبطل بموت أحد الطرفين (1)، فمع موت المالك ينتقل الامر إلى وارثه (2)، ومع موت العامل يقوم مقامه وارثه. لكن لا يجبر على العمل (3) فان اختار العمل بنفسه أو بالاستئجار فله، والا فيستأجر الحاكم من تركته (4) من يباشره إلى بلوغ الثمر، ثم يقسم بينه وبين المالك (5). نعم لو كانت المساقاة مقيدة بمباشرة العامل تبطل بموته (6). ولو اشتراط عليه (7) المباشرة ] صحته - على ما تقدم منا بيانه غير مرة -. (1) على ما يقتضيه كون العقد لازما، فان مقتضاه بقاء العقد على حاله وقيام وارث الميت منهما مقامه. (2) فان البستان انما ينتقل إلى ورثته متعلقا لحق الغير، فيكون حالهم في ذلك حال المورث فلهم مطالبة العامل بالعمل وما تعهد به. (3) إذ المنتقل إلى الورثة انما هو ما للميت خاصة دون ما عليه. (4) لان العامل انما مات مطلوبا للغير بحقه، فإذا لم يقم الوارث بفكه يبقى الحق متعلقا بتركته لا محالة. (5) على ما يقتضيه قانون المساقاة، فان الحاصل انما يكون مشتركا بين مالك البستان والعامل فإذا مات احدهما قام وارثه مقامه، وليس للاجير الا الاجرة المسماة، (6) لعدم امكان الوفاء بها من قبل الوارث. (7) بالتصريح أو نصب القرينة والا فظاهر الاشتراط في هذه

[ 24 ]

[ لا بنحو التقييد فالمالك مخير بين الفسخ - لتخلف الشرط - واسقاط حق الشرط والرضا باستئجار من يباشر (1). (مسألة 9): ذكروا أن مع اطلاق عقد المساقاة جملة من الاعمال على العامل وجملة منها على المالك، وضابط الاولى ما يتكرر كل سنة، وضابط الثانية ما لا يتكرر نوعا وان عرض له التكرر في بعض الاحوال. فمن الاول اصلاح الارض بالحفر فيما يحتاج إليه، وما يتوقف عليه من الالات وتنقية الانهار والسقي ومقدماته كالدلو والرشا واصلاح طريق الماء واستقائه إذا كان السقي من بئر أو نحوه وإزالة الحشيش المضرة وتهذيب جرائد النخل والكرم والتلقيح واللقاط والتشميس واصلاح موضعه وحفظ الثمرة إلى وقت القسمة. ومن الثاني حفر الابار والانهار وبناء الحائط والدولاب والدالية ونحو ذلك مما لا يتكرر نوعا. واختلفوا في بعض الامور أنه على المالك أو العامل مثل البقر الذي يدير الدولاب والكش للتلقيح وبناء الثلم ووضع الشوك على الجدران وغير ذلك. ولا دليل على شئ من الضابطين (2). فالاقوى أنه ان كان هناك انصراف في ] الموارد كونه على نحو التقييد. (1) على ما يقتضيه قانون الخيار عند تخلف الشرط. (2) لانهما وان ذكرا في كلمات الاصحاب الا انه لم يدل عليهما

[ 25 ]

[ كون شئ على العامل أو المالك فهو المتبع (1)، والا فلابد من ذكر ما يكون على كل منهما رفعا للغرر، ومع الاطلاق وعدم الغرر يكون عليهما معا، لان المال مشترك بينهما، فيكون ما يتوقف عليه تحصيله عليهما (2). (مسألة 10): لو اشترطا كون جميع الاعمال على المالك فلا خلاف بينهم في البطلان، لانه خلاف وضع ] ولا خبر ضعيف. (1) لكونه بمنزلة التعيين. (2) تبع (قده) في ذلك صاحب الجواهر (قده)، والمراد به ان العقد لما كان لازما وجب الوفاء به على كل منهما بحيث لا بد لهما من الالتزام به وانهاءه. فإذا كان متوقفا على شئ نسبته اليهما على حد سواء، وجب عليهما تحصيله تحقيقا للوفاء بالعقد وانهاءه. ومن هنا فلا يرد عليه ما في بعض الكلمات من ان الالزام ليس من آثار الشركة ولذا لا يجب على الشركاء في دار فعل ما يقتضي بقاءها من تعمير ونحوه. فان هذا ليس من باب الشركة وانما هو من باب لزوم العقد ووجوب الوفاء به. نعم يرد عليه انه فرع اللزوم ووجوب الوفاء بالعقد وهو أول الكلام فانه انما هو فيما التزما به خاصة دون غيره، فلا يشمل ما نحن فيه، فان المالك قد فعل ما التزم به بتسليم الارض والاشجار للعامل ليعمل فيها، وكذا العامل فعل ما عليه بالسقي والرعاية واما الباقي كتهيئة المقدمات ونحوها فلم نلتزم كل منهما بشئ منها، ومن هنا فلا وجه لالتزامهما بها واجبارهما عليها. فالصحيح في المقام هو الحكم بالبطلان مع عدم التعيين لعدم امكان الزام كل منهما بها، كما التزم به الماتن (قده) في نظر المقام من المزارعة.

[ 26 ]

[ المساقاة (1). نعم لو أبقى العامل شيئا من العمل عليه واشترط كون الباقي على المالك فان كان يوجب زيادة الثمرة فلا اشكال في صحته (2)، وان قيل بالمنع من جواز جعل العمل على المالك ولو بعضا منه، والا - كما في الحفظ ونحوه - ففي صحته قولان أقواهما الاول (3). وكذا الكلام (4) إذ كان إيقاع عقد المساقاة بعد بلوغ الثمر وعدم بقاء عمل الا مثل الحفظ ونحوه، وان كان الظاهر في هذه الصورة عدم الخلاف في بطلانه، كما مر. ] (1) فانه إذا قام المالك بعمران بستانه كان جعله لبعض الحاصل للعامل من الوعد بالنتيجة خاصة، فيحكم ببطلانه لكونه من تمليك المعدوم، ولا يكون ذلك من تخلف الوعد، لانه ليس من الوعد بالفعل كي يكون عدمه موجبا لتخلف الوعد. (2) فانه لا دليل على اعتبار كون تمام العمل على العامل، وانما العبرة بصدق العمران وتربية الاشجار - إذ قد عرفت انه لا خصوصية للسقي بما هو - ولو بنحو الموجبة الجزئية، فانه إذا صدق ذلك كان العقد مشمولا لصحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة ويؤكد ذلك الحكم بصحة العقد جزما فيما إذا أوقعه المالك بعد قيامه بعمل بعض ماله دخل في تربية الاشجار مع بقاء الحاجة إليه بعد ذلك أيضا، فانه مشمول لصحيحة يعقوب بن شعيب جزما وبلا خلاف، وإذا صح ذلك في طول الزمان وبنحو الترتيب صح في عرض الزمان أيضا. (3) بل الثاني، لما عرفته فيما سبق من عدم شمول الدليل الخاص لمثله، والعمومات والاطلاقات قاصرة عن اثبات الصحة فيما يتضمن

[ 27 ]

[ (مسألة 11): إذا خالف العامل فترك ما اشترط عليه من بعض الاعمال، فان لم يفت وقته فللمالك اجباره على العمل (1) وان لم يمكن فله الفسخ (2). وإن فات وقته فله الفسخ بخيار تخلف الشرط (3). وهل له أن لا يفسخ ويطالبه بأجرة العمل بالنسبة إلى حصته (4) بمعنى أن يكون مخيرا بين الفسخ وبين المطالبة بالاجرة؟ وجهان بل قولان: أقواهما ذلك (5). ] (1) لانه حق له بموجب الشرط والعامل ملزم به. (2) بل مع التمكن من الاجبار أيضا، إذ لا موجب لتقييد حق الفسخ بصورة تعذر الاجبار، وذلك لما تقدم منا غير مرة من أن مرجع اشتراط العمل وحقيقته انما هو إلى تعليق الشارط التزامه بالعقد على التزام المشروط عليه بالعمل المشروط ومعنى ذلك جعل الخيار لنفسه عند عدم تحقق العمل في الخارج، ومن هنا فله الفسخ سواء تمكن من اجبار العامل على العمل أم لم يتمكن، ولا وجه لتقييده بعدم التمكن منه فانهما في عرض واحد. (3) لانتفاء موضوع الاجبار، فينحصر حقه في الفسخ خاصة. (4) تخصيصه (قده) لمطالبته بالاجرة بما يقابل حصته، ناشئ من اختصاص محل كلامه (قده) بالعمل المتعلق بالمساقاة، وإلا فلو كان العمل اجنبيا عنها كما لو اشترط فيها خياطة ثوبه - مثلا - فله المطالبة بتمام القيمة بناءا على ثبوت اصل الحكم. (5) بل اقواهما عدمه، وقد ظهر وجهه مما تقدم فانه لابد للملكية

[ 28 ]

[ (ودعوى): ان الشرط لا يفيد تمليك العمل المشروط لمن له على وجه يكون من امواله، بل أقصاه التزام من عليه الشرط بالعمل واجباره عليه والتسلط على الخيار بعدم الوفاء به. (مدفوعة): بالمنع من عدم افادته التمليك وكونه قيدا في المعاملة لا جزءا من العوض يقابل بالمال، لا ينافي افادته لملكية من له الشرط إذا كان عملا من الاعمال على من عليه. والمسألة سيالة في سائر العقود، فلو شرط في عقد البيع على المشتري - مثلا - خياطة ثوب في وقت معين وفات الوقت فللبايع الفسخ أو المطالبة باجرة الخياطة وهكذا. (مسألة 12): لو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه معه صح (1)، أما لو شرط أن يكون تمام العمل ] من سبب فانها لا تحصل من دونه اطلاقا، وحيث لا سبب لها في المقام فلا يمكن الالتزام بها، فان الاشتراط في الاعمال - كما عرفت - ليس الا تعليق الالتزام بالالتزام وتخلفه لا يوجب غير الخيار. والحاصل: ان الملكية لما لم تكن طرفا للعقد ولم تنشأ من قبلهما بل ولم يلتزما به، لانهما لم يجعلا الا العمل في البستان في قبال الحصة من النماء، فلا وجه للالتزام بها. والمسألة سيالة في جميع العقود. (1) فانه فعل سائغ في نفسه، فلا مانع من أخذه شرطا في العقد

[ 29 ]

[ على غلام المالك فهو كما لو شرط ان يكون تمام العمل على المالك، وقد مر عدم الخلاف في بطلانه، لمنافاته لمقتضى وضع المساقاة (1) ولو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه في البستان الخاص بالعامل فلا ينبغي الاشكال في صحته، وان كان ربما يقال بالبطلان، بدعوى: أن عمل الغلام في قبال عمل العامل فكأنه صار مساقيا بلا عمل منه ولا يخفى ما فيها (2) ولو شرطا أن يعمل غلام المالك للعامل تمام عمل المساقاة، بان يكون عمله له بحيث يكون كأنه هو العامل - ففي صحته وجهان لا يبعد الاول (3)، لان الغلام حينئذ كأنه نايب عنه في العمل باذن المالك، ] وقد تقدم الجواز في اشتراطه على المالك نفسه. (1) فان العامل حينئذ لم يلتزم بشئ على الاطلاق، فان الاشجار من المالك والعمل من الغلام، ومن هنا فلا يصدق عليه المساقاة. (2) فان عمل الغلام في بستانه الخاص اجنبي عن المساقاة بالنسبة إلى هذا البستان المتعلق للعقد بين المالك والعامل، إذ الحصة من الثمرة انما جعلت في قبال العمل في هذا البستان دون غيره، فالواجب في تحقق العقد والحكم بصحته كون العمل فيه بما يوجب عمارته على العامل ولو على نحو الموجبة الجزئية، وأما البستان الآخر فهو اجنبي عنه بالمرأة. (3) بل هو بعيد جدا والصحيح هو القول بالبطلان لعدم الدليل على الصحة بعد عدم التزام العامل بشئ مطلقا.

[ 30 ]

[ وان كان لا يخلو عن اشكال مع ذلك: ولازم القول بالصحة الصحة في صورة اشترط تمام العمل على المالك بعنوان النيابة عن العامل. (مسألة 13): لا يشترط ان يكون العامل في المساقاة مباشرا للعمل بنفسه (1)، فيجوز له أن يستأجر في بعض اعمالها أو في تمامها ويكون عليه الاجرة، ويجوز أن يشترط كون أجرة بعض الاعمال على المالك، والقول بالمنع لا وجه له (2)، وكذا يجوز أن يشترط كون الاجرة عليهما معا ] وبعبارة اخرى: ان العقد لما كان متقوما بصدور الالتزام من الطرفين، فان فرض تحقق التزام العامل بالعمل فلابد من الحكم بالصحة وان قام المالك بعد ذلك بالعمل بنفسه أو بغلامه رأفة بحال العامل أو لغير ذلك من الاسباب، أما إذا لم يتحقق الالتزام من العامل من الاول، كما هو الحال في المقام فانه وبالاشتراط يسقط حق المالك في الزامه به ويجعل ذلك على العامل، فلا محيص عن الحكم بالبطلان، لكونه خارجا عن مدلول دليل الصحة. (1) إذ لا يجب عليه الا ايجاد العمل في البستان وتحقيق الرعاية للاشجار بما يؤدى إلى ظهور الثمر أو زيادتها، وأما مباشرته لذلك بنفسه فلا دليل على اعتبارها، ما لم تكن قد أخذت شرطا في ضمن العقد. (2) الظاهر ابتناء القول بالجواز والمنع في المقام على القول بجواز اشتراط كون بعض الاعمال على المالك وعدمه، فعلى الاول يتعين القول بالجواز في المقام أيضا وعلى الثاني فالصحيح هو المنع من جواز

[ 31 ]

[ في ذمتهما (1) أو الاداء من الثمر (2)، وأما لو شرط على المالك أن يكون أجرة تمام الاعمال عليه أو في الثمر ففي صحته وجهان: (أحدهما): الجواز، لان التصدي لاستعمال الاجرة نوع من العمل، وقد تدعو الحاجة إلى من يباشر ذلك لمعرفته بالاحاد من الناس وأمانتهم ] هذا الاشتراط. لكنك قد عرفت فيما تقدم أن الصحيح هو الاول وعليه فيتعين القول بجواز هذا الاشتراط في المقام، (1) بلا اشكال فيه بناءا على عدم لزوم كون جميع الاعمال على العامل. (2) وكأنه لمعلومية مقدار الاجرة فيما إذا كانت معينة، الا أن الصحيح هو القول بالبطلان حتى بناءا على القول بجواز كون الاجرة مجهولة، وذلك لان الاجارة - وكما تقدم بيانها في محله - انما تتضمن التمليك من الطرفين، فالاجير انما يملك عمله للمستأجر في حين ان المستأجر يملكه الاجرة، فهي في الحقيقة مبادلة بينهما ومن هنا فلابد في المالين من كونهما قابلين للتمليك بالفعل وحيث أن الثمرة غير موجودة بالفعل فلا يجوز تمليكها لامتناع تمليك المعدوم ما لم يقم عليه دليل خاص. ولذا لم يستشكل احد في بطلان مثل هذه الاجارة في غير المساقاة كما لو آجره لخياطة ثوب بازاء مقدار معين من حاصل ارضه التي لم تزرع بالفعل أو التي زرعت ولم تنتج. ومن هنا يظهر الحال فيما ذكره (قده) في فرض كون الاجرة

[ 32 ]

[ وعدمها، والمالك ليس له معرفة بذلك. (الثاني): المنع لانه خلاف وضع المساقاة والاقوى الاول (1) هذا ولو شرطا كون الاجرة حصة مشاعة من الثمر بطل للجهل بمقدار مال الاجارة (2)، فهي باطلة. (مسألة 14): إذا شرطا انفراد أحدهما بالثمر بطل ] حصة مشاعة من الثمرة، فانه لا حاجة لتوجيه البطلان فيه بجهالة مقدار مال الاجارة، فان هذا العقد محكوم بالبطلان وان قلنا بصحة الاجارة مع جهالة الاجرة وذلك لتضمن الاجارة التمليك الفعلي وهو لا يتعلق بالامر المعدوم. والحاصل: ان الصحيح هو القول بالبطلان في كلا الفرضين - كون الاجرة مقدارا معينا من الثمر وكونها حصة مشاعة منه - سواء صحت الاجارة مع جهالة الاجرة أم بطلت. نعم لو رجع الاشتراط هذا إلى اداء الاجرة الثابتة في الذمة من الثمر، حكم بصحته من جهة ان الاجرة أمر ثابت في الذمة بالفعل فلا يكون العقد متضمنا لتمليك المعدوم. (1) بل الثاني، إذ ليس قيام العامل بمطلق العمل موجبا للحكم بصحة المساقاة وانما العبرة فيها - على ما عرفت - بالعمل الذى له دخل في تربية البستان بمعنى ظهور ثمره أو زيادته. والحاصل: ان الادلة الخاصة قاصرة الشمول للمقام، والعمومات والاطلاقات لا تشمل ما يتضمن تمليك المعدوم. (2) بل لما عرفته من اشتمالها على تمليك المعدوم.

[ 33 ]

[ العقد (1) وكان جميعه للمالك (2)، وحينئذ فان شرط انفراد العامل به استحق اجرة المثل لعلمه (3) وان شرطا انفراد المالك به لم يستحق العامل شيئا لانه حينئذ متبرع بعمله (4). (مسألة 15): إذا اشتمل البستان على انواع كالنخل والكرم والرمان ونحوها من انواع الفواكه فالظاهر عدم اعتبار العلم بمقدار كل واحد (5). فيجوز المساقاة عليها ] (1) لعدم الدليل على صحته بعد عدم شمول الادلة الخاصة والعامة له. (2) لتبعية الثمر للاشجار في الملك. (3) لانه لم يقدم على العمل مجانا وانما اقدم عليه لقاء أخذه للحاصل وحيث انه لم يسلم له لبطلان العقد واستيفاء المالك لمنافعه وعمله الصادر عنه بأمره يضمن له المالك أجرة المثل لا محالة. والحاصل: أن أمر الغير بالعمل لا على نحو المجانية موجب للضمان. (4) وتوهم: انه انما عمل تخيلا منه لزوم ذلك عليه من باب وجوب الوفاء بالعقد فهو غير قاصد للتبرع بعمله. مدفوع: بان الموجب للضمان ينحصر في العقد الصحيح ووقوع العمل عن أمر الغير لا بقصد التبرع، وحيث ان كليهما مفقود في المقام اما الاول فهو المفروض، واما الثاني فلكون امره بالعمل على نحو المجانية، فلا موجب للقول بالضمان. (5) بلا اشكال فيه، وتقتضيه صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة فان مقتضى اطلاق قوله: " وفيها رمان أو نخل أو فاكهة " عدم الفرق بين كون اشجار ذلك البستان من سنخ واحد وكونه مشتملا

[ 34 ]

[ بالنصف أو الثلث أو نحوهما وان لم يعلم عدد كل نوع، الا إذا كان الجهل بها موجبا للغرر (1). ] على اصناف متعددة. (1) وفيه مضافا إلى ما تقدم من عدم الدليل على اعتبار نفي الغرر في المعاملات مطلقا، فان الدليل عليه انما يختص بالبيع ولا مجال للتعدي عنه إلى غيره، أن عقد المساقاة مبني على الغرر من هذه الجهة - اعني مقدار الثمر - إذ لا علم لكل من الطرفين بمقدار الثمر في تلك السنة، وهل انه سيكون كثيرا أو قليلا؟ فهذا الجهل معفو عنه جزما. وهكذا الحال بالنسبة إلى عدد الاشجار، إذ لا يعتبر في عقد المساقاة حتى مع اتحاد سنخ الاشجار فضلا عن اختلافه العلم بعددها فان العقد مبني على الجهالة من هذه الناحية. على انه لا مجال لتصور الغرر من هذه الجهة، فان عمل العامل لما كان يقابله الحصة من الثمر، لم يمكن تصور فوات شئ منه اطلاقا فانه مضمون على كل تقدير لانه تابع له في القلة والكثرة، فان كثرت الاشجار وكثر عمل العامل كثر ما يكون له من الحاصل، وان قلت الاشجار وقل عمله قل حاصله أيضا. ومن هنا: فلا وجه لاعتبار عدم الغرر هنا، فانه لا يتصور فيه اصلا وعلى تقديره فهو معفو عنه لابتناء العقد عليه. بل عقد المساقاة على هذا البستان انما هو في الحقيقة كالعقد على مجموع بساتين يختص كل منها بسنخ معين، الذي لم يشك احد في صحته. فان ما نحن فيه من قبيله غاية الامر أنه يختلف عنه كون البساتين

[ 35 ]

[ (مسألة 16): يجوز أن يفرد كل نوع بحصة مخالفة للحصة من النوع الاخر، كأن يجعل النخل بالنصف والكرم بالثلث والرمان بالربع مثلا وهكذا (1) واشترط بعضهم في هذه الصورة العلم بمقدار كل نوع، ولكن الفرق بين هذه الصورة وصورة اتحاد الحصة في الجميع غير واضح (2) ] في الثاني معزولة مفروزة في حين ان الاشجار فيما نحن فيه مختلطة وغير مفروزة، الا انه لا يؤثر شيئا بعد ان كان مثل هذا العقد منحلا في الحقيقة إلى عقود متعددة ومستقلة. (1) لما تقدم من انحلال هذا العقد المركب إلى عقود متعددة في الحقيقة وحينئذ فلا يبقى محذور في الحكم بالصحة. (2) يمكن التفريق بين الصورتين يكون حصة العامل في فرض اتحادهما في الجميع معلومة فانه وعلى كل تقدير يأخذ النسبة المجعولة له من الحاصل من غير زيادة أو نقصان، وهذا بخلاف ما نحن فيه، فان حصته وبالقياس إلى المجموع تبقى مجهولة لاحتمال زيادة الصنف وقلته، فانه إذا جعل له النصف من الرمان والثلث من التمر - مثلا - فكان الحاصل من الرمان ماءة رطل ومن التمر تسعون، كان له خمسون رطلا من الرمان وثلاثون من التمر وهذا يعني انه قد أخذ بالنتيجة ما يعادل ثماني حصص إلى تسع عشرة حصة من مجموع حاصل البستان، وأما لو انعكس الامر فكان حاصل الرمان تسعين وحاصل التمر ماءة رطل، فله من الرمان خمسة واربعون رطلا ومن التمر ثلاثة وثلاثون وثلث، وهذا يعني أن حصته في النتيجة لم تكن الا سبعة وثمانية اعشار وثلث العشر من أصل تسع عشرة حصة،

[ 36 ]

[ والاقوى الصحة (1) مع عدم الغرر (2) في الموضعين، والبطلان معه فيهما. (مسألة 17): لو ساقاه بالنصف - مثلا - ان سقى بالناضح وبالثلث ان سقي بالسيح ففي صحته قولان، ] وهكذا فان المشروط فيه أقل الجزئين قد يكون اكثر الجنسين فينقص الحصة وقد يكون اقلهما فتزيد، وبذلك فيحصل الغرر والجهالة فيحكم ببطلان العقد. الا إنك خبير بان هذا المقدار من الفرق لا يكفي في الحكم بالبطلان في المقام، بعد ما عرفته من ان هذه المساقاة وان كانت واحدة بحسب الانشاء الا انها منحلة في الحقيقة إلى عقود متعددة ومساقاة على كل صنف مستقلا، نظير ما ذكرناه في كتاب البيع من ضم مبيع إلى غيره، فانه لا عبرة بتعدد المبيع وانما العبرة بواقع الاعتبار والتمليك ولذا يلتزم فيما لو باع ماله ومال غيره بصحة البيع بالنسبة إلى ماله وتوقفه على الاجازة بالنسبة إلى مال الغير، في حين انه لو كانت العبرة بالانشاء لوجب القول ببطلان العقد بالنسبة إلى المالين معا على تقدير عدم اجازة الآخر. فما نحن فيه من هذا القبيل فان هذا العقد الواحد عبارة في الحقيقة عن عقود متعددة جمعها انشاء واحد فقط، وحيث ان الحصة في كل عقد من تلك العقود معلومة فلا وجه للحكم بالبطلان، واحتمال زيادة المجموع ونقصانه لا يضر بعد ذلك. (1) لما تقدم. (2) بل ومعه أيضا، لما تقدم في المسألة السابقة حرفا بحرف.

[ 37 ]

[ أقواهما الصحة (1)، لعدم إضرار مثل هذه الجهالة، لعدم ايجابها الغرر مع أن بناءها على تحمله. خصوصا على القول بصحة مثله في الاجارة (2)، كما إذا قال: إن خطت روميا فبدرهمين وإن خطت فارسيا فبدرهم. (مسألة 18): يجوز أن يشترط أحدهما على الاخر شيئا من ذهب أو فضة أو غيرهما (3) مضافا إلى الحصة من الفائدة، والمشهور كراهة اشتراط المالك على العامل شيئا من ذهب أو فضة، ومستندهم في الكراهة غير واضح كما أنه لم يتضح إختصاص الكراهة بهذه الصورة أو جريانها بالعكس أيضا، وكذا اختصاصها بالذهب والفضة أو جريانها في مطلق الضميمة، والامر سهل. (مسألة 19): في صورة اشتراط شئ من الذهب ] (1) بل العدم، فان المساقاة وإن لم تكن تتضمن التمليك والتملك إلا أنها تتضمن الالتزام والالزام، والامر المردد لا يصلح ان يكون متعلقا للالتزام الفعلي الذي يترتب عليه الامر بالوفاء به. والحاصل: ان الامر المردد لا يمكن فيه الالزام والالتزام والحكم بوجوب الوفاء به. (2) وقد تقدم هناك ان الصحيح هو البطلان، لان الاجارة تمليك فلابد وان يكون متعلقه معلوما والمردد غير معلوم. (3) لكونه سائغا في نفسه، فيلزم باشتراطه في ضمن عقد لازم بمقتضى ادلة لزومه.

[ 38 ]

[ والفضة أو غيرهما على أحدهما إذ تلف بعض الثمرة هل ينقص منها شئ أو لا؟ وجهان: أقواهما العدم (1) فليس قرارهما مشروطا بالسلامة، نعم لو تلفت الثمرة بجميعها أو لم تخرج أصلا ففي سقوط الضميمة وعدمه أقوال، ثالثها الفرق بين ما إذا كانت للمالك على العامل فتسقط وبين العكس ] (1) والحق في هذه المسألة هو الالتزام بتفصيل لا يرجع إلى شئ مما افاده (قده). وحاصله: انه قد يفرض الكلام في فرض عدم خروج الثمرة وقد يفرض في صورة تلفها بعد الحصول والتحقق. وعلى كلا التقديرين فقد يفرض الكلام في جميع المثرة بان لم يحصل شئ أصلا أو يحصل ويتلف جميعه، وقد يفرض في بعضه. أما في فرض عدم خروج الثمرة بالمرة فالمتعين هو الحكم ببطلان المساقاة، لانها معاوضة بين الطرفين - على ما يستفاد من النصوص ويأتي بيانه - فإذا لم تخرج الثمرة بالمرة كشف ذلك عن بطلانها من الاول، وبذلك فيكون الشرط في ضمنه شرطا في ضمن عقد فاسد فلا يؤثر شيئا. ومما يؤكد ذلك انه لو انكشف الحال قبل العمل أو في الاثناء لم يجب على العامل الاستمرار في السقي والاتمام - على ما سيأتي منه (قده) أيضا في المسألة الحادية والعشرين - فانه لا وجه لذلك غير انكشاف بطلان المعاملة. إلا إن هذا لا ينافي القول بعدم استحقاق العامل لاجرة المثل عندئذ، إذ لا ملازمة بين بطلان العقد واستحقاق العامل لاجرة المثل

[ 39 ]

لانه إنما أقدم على العمل على أساس ان لا يضمن المالك له شيئا سوى الحصة من الثمرة على تقدير ظهورها. ومن هنا صح ان يقال انه متبرع من جميع الجهات غير الحصة على تقدير ظهور الثمرة وأما في فرض عدم خروج بعض الثمرة ونقصانها عن المتعارف - وهي الصورة التي لم يتعرض لها الماتن (قده). فقد يفرض كون النقصان قليلا جدا إلى حد لا يعتنى به عند العقلاء كما لو فرض عدم إثمار شجرة واحدة فقط من مجموع البستان الذى يحتوي على ماءة شجرة فما فوق، فانه مما لا يبعد ان يقال انه متعارف في كل بستان، وحينئذ فحيث انه مما يتسامح فيه فهو في حكم العدم، وعليه فيحكم بصحة المساقاة ووجوب الوفاء بالشرط كاملا. وقد يفرض كونه معتدا به كربع الاشجار أو ثلثها، وحينئذ فيتعين الحكم ببطلان المساقاة بالقياس إلى التي لم تثمر لانها منحلة إلى عقود متعددة بعدد الاشجار الموجودة في البستان، فان ثمرة كل شجرة، منها انما هي للمالك والعامل معا بأزاء ما قدمه العامل من خدمات لها. هذا بالنسبة إلى أصل العقد وأما الشرط فهل يحكم بوجوب الوفاء به بتمامه أو يقال بسقوط ما يقابل الجزء الذي حكم بفساده من العقد فيكون مشمولا للتبعيض أيضا أو يقال بسقوطه بقول مطلق؟ أوجه أقواها الاخير، لان الشرط انما لوحظ بأزاء مجموع ما وقع عليه العقد لا بلحاظ كل جزء جزء منه، فهو ليس الا إلتزاما واحدا بازاء هذه المعاملة على تقدير صحتها، فإذا لم تصح ولو في بعضها حكم ببطلانه لعدم تحقق موضوع الالتزام وما كان معلقا عليه. ومما يؤكد ذلك عدم قابلية بعض الشروط للتبعيض والانحلال

[ 40 ]

[ فلا تسقط (1)، رابعها الفرق بين صورة عدم الخروج ] كشرط الصوم يوما أو الصلاة ركعتين عن أبيه وما شاكلهما من الامور البسيطة أو المركبة الارتباطية، فانه أفهل يمكن أن يقال بتبعض الشرط فيه أيضا؟، فان ملاحظة مساواة هذا النحو من الشرط مع ما يكون متعلقة قابلا للتفكيك بلحاظ كونهما على حد سواء مما يؤكد ما إلتزمنا به من سقوط الشرط بقول مطلق. والحاصل: ان حال الشرط في المقام هو الحال عند عدم خروج الثمر بالمرة، فانه يحكم بسقوطه، لكون التزامه مقيدا بصحة العقد، فإذا لم يصح ولو بعضا لم يثبت شئ من الالتزام. هذا كله بالنسبة إلى صورة عدم خروج الثمر بكلا فرضيه. وأما صورة تلف الثمرة بعد حصولها وتحققها في الخارج، فلا وجه للحكم ببطلان العقد في كلا فرضي هذه الصورة، فان الملك قد حصل، والتلف انما عرض على ملكهما معا، ومعه فلا وجه لسقوط شئ من الشروط. نعم لو كان الشرط مقيدا بسلامة تمام الثمر وعدم تلفه ولو بعضا لم يجب الوفاء بالشرط عند تلف بعضه لعدم تحقق المعلق عليه. والحاصل: ان نفوذ الشرط في المقام تابع لكيفية الجعل من حيث الاطلاق والتقييد، فان كان الاشتراط معلقا على سلامة الجميع سقط بتلف البعض وإلا وجب الوفاء به باجمعه لعدم الموجب لسقوطه. (1) أما الاول فلان المفروض ذهاب عمل العامل سدى حيث لم يحصل بأزاءه على شئ، فإذا غرم مضافا إلى ذلك شيئا كان ذلك من الاكل بالباطل، وأما الثاني فلان الشرط عليه قد وجب بالعقد

[ 41 ]

[ أصلا فتسقط وصورة التلف فلا (1). والاقوى عدم السقوط مطلقا (2) لكونه شرطا في عقد لازم فيجب الوفاء به. (ودعوى): أن عدم الخروج أو التلف كاشف عن عدم صحة المعاملة من الاول لعدم ما يكون مقابلا للعمل، أما في صورة كون الضميمة للمالك فواضح، أما مع كونها للعامل، فلان الفائدة ركن في المساقاة، فمع عدمها لا يكون شئ في مقابل العمل، والضميمة المشروطة لا تكفي في العوضية فتكون المعاملة باطلة من الاول، ومعه لا يبقى وجوب الوفاء بالشرط. (مدفوعة) مضافا إلى عدم تماميته بالنسبة إلى صورة التلف (3) لحصول العوض بظهور ] فلا وجه لسقوطه، وفيه: ما عرفته من تبعية بقاء الشرط لكيفية جعله من دون فرق بين كونه على المالك أو العامل. (1) لانكشاف بطلان العقد على الاول فلا يجب الوفاء به بخلاف الثاني حيث عرض التلف على الثمرة بعد حصول الملك وتحقق موضوع الشرط. وفيه: ما عرفته من التفصيل في الصورتين معا. (2) بل الاقوى ما عرفته من الوجه الخامس - على ما تقدم بيانه - (3) وهو غير وارد على ما إخترناه نظرا لالتزامنا بعدم البطلان مع التلف المتأخر.

[ 42 ]

[ الثمر وملكيتها وان تلف بعد ذلك، بأنا نمنع (1) كون المساقاة معاوضة بين حصة من الفائدة والعمل بل حقيقتها تسليط من المالك للعامل على الاصول للاستمناء له وللمالك ويكفيه احتمال الثمر وكونها في معرض ذلك. ولذا لا يستحق العامل اجرة عمله (2) إذا لم يخرج أو خرج وتلف ] (1) وهو في غير محله جدا، فانه مناف لما أفاده (قده) في تعريف المساقاة حيث فسرها بأنها " معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها " فانها ظاهرة في كون الحصة عوضا عن العمل في الاصل. بل ويتنافى مع ما هو المرتكز في الاذهان من كون العمل في مقابل الحصة وهي في مقابل العمل بحيث يكون عوضا ومعوضا وان لم يكن هناك تمليك وتملك ومبادلة مال بمال فعلا، الا إن ذلك لا يضر شيئا ولذا لو سئل العامل انه هل يعمل مجانا لاجاب بالنفي صريحا. ومما يدلنا على ذلك الاخبار الواردة في المقام فان ظاهر قوله في صحيحة يعقوب بن شعيب: " اسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرج " وقوله في صحيحة الحلبي الواردة في اعطاء النبي صلى الله عليه وآله لخيبر: " أعطى خيبرا بالنصف " هو المعاوضة، فانكارها بعد ذلك يكون من انكار الامر الواضح. ومما يدلنا على ذلك، حكمهم بعدم لزوم الاتمام على العامل فيما إذا ظهر ذلك قبل العمل أو في الاثناء. (2) ظهر الحال فيه مما تقدم، وان عدم استحقاق العامل حينئذ شيئا انما هو لاقدامه على التبرع من غير جهة الحاصل بحيث اقدم على

[ 43 ]

[ بآفة سماوية أو أرضية في غير صورة ضم الضميمة بدعوى الكشف عن بطلانها من الاول واحترام عمل المسلم، فهي نظير المضاربة حيث انها أيضا تسليط على الدرهم أو الدينار للاسترباح له وللعامل، وكونها جايزة دون المساقاة لا يكفي في الفرق. كما ان ما ذكره في الجواهر من الفرق بينهما بأن في المساقاة يقصد المعاوضة بخلاف المضاربة التي يراد منها الحصة من الربح الذي قد يحصل وقد لا يحصل، وأما المساقاة فيعتبر فيها الطمأنينة بحصول الثمرة ولا يكفي الاحتمال، مجرد دعوى لا بينة لها. و (دعوى): أن من المعلوم أنه لو علم من أول الامر عدم خروج الثمر لا يصح المساقاة، ولازمه البطلان إذا لم يعلم ذلك ثم انكشف بعد ذلك (1)، (مدفوعة): بان الوجه في عدم الصحة كون المعاملة سفهية (2) مع العلم ] الفعل على ان لا يضمن المالك له شيئا سوى الحصة من الحاصل على تقديره. (1) لان الحكم بالصحة حينئذ انما كان حكما ظاهريا فقط فيرتفع بانكشاف الواقع. (2) ليس الوجه في البطلان ما ذكره (قده) إذ لا دليل على بطلان المعاملة السفهية، فان الدليل على البطلان انما يختص بمعاملة السفيه، فلا مجال لتعميمه للمعاملة السفهية الصادرة من العاقل.

[ 44 ]

[ بعدم الخروج من الاول بخلاف المفروض، فالاقوى ما ذكرنا من الصحة (1) ولزوم الوفاء بالشرط - وهو تسليم الضميمة - وان لم يخرج شئ أو تلف بالآفة. نعم لو تبين عدم قابلية الاصول للثمر - أما ليبسها أو لطول عمرها أو نحو ذلك - كشف عن بطلان المعاملة من الاول (2) ومعه يمكن استحقاق العامل للاجرة إذا كان جاهلا بالحال (3). (مسألة 20): لو جعل المالك للعامل مع الحصة من الفائدة ملك حصة من الاصول مشاعا أو مفروزا ففي صحته مطلقا، أو عدمها كذلك، أو التفصيل بين أن يكون ] بل الوجه في البطلان مضافا إلى ما تقدم من كون المساقاة من العقود المعاوضية. عدم تحقق القصد الجدي إلى المعاملة بعد العلم بعدم تحقق ما جعل للعامل بأزاء عمله. (1) بل الاقوى ما ذكرناه من التفصيل - على ما عرفت بيانه -. (2) فانه يعتبر في المساقاة قابلية الشجر للثمر، إذ بدونها يكون العقد لغوا محضا. (3) ظهر الحال فيه مما تقدم، فانه لا موجب للضمان بعد أن كان العقد مبنيا على عدم ضمان المالك لشئ بأزاء عمله غير الحصة من الثمر على تقدير حصوله. نعم لو كان المالك عالما بالحال وقلنا بقاعدة الغرور صح الرجوع عليه، الا انك قد عرفت غير مرة عدم تمامية هذه القاعدة. إذن: فلا موجب للقول بضمان المالك للعامل أجرة المثل في الفرض.

[ 45 ]

[ ذلك بنحو الشرط فيصح أو على وجه الجزئية فلا، أقوال والاقوى الاول (1). ] (1) بل الاخير، فانه لو كان الجعل على نحو الشرطية صح بلا اشكال فيه لرجوعه في الحقيقة إلى وقوع عقد المساقاة على غير تلكم الشجرات المستثناة، ومعه فلا وجه للقول بعدم الجواز، بل يصح العقد ويلزم الجعل بمقتضى قولهم (ع): " المؤمنون عند شروطهم " كما هو الحال في سائر أمواله، بل هو نظير مساقاته على بستان بشرط ان يكون بستانه الآخر بتمامه للعامل، فانه صحيح جزما لان اشتراط الملكية في ضمن العقد لا يقتضي الفساد. وهذا بخلاف مالو كان الجعل على نحو الجزئية، فانه لا محيص عن القول بالفساد لمنافاته لوضع المساقاة، فان العقد قائم على اشتراكهما في الثمر بعد اختصاص الاصول بأحدهما وكون العمل - ولو على نحو الموجبة الجزئية - من الآخر، فلا يصح فيما إذا كانت الاصول والعمل بتمامه من احدهما، كما هو الحال فيما نحن فيه، فان العامل لما كان مالكا للمقدار المجعول له بالشرط كان عمله فيه من عمل المالك في ملكه وهو موجب للبطلان. ولذا لا نعهد من يحكم بصحة العقد فيما لو اشترط المالك على العامل اشتراكه في بستانه المختص به وليس ذلك الا لان عمله في ذلك البستان انما هو لنفسه فلا يصح بعد فرض كون الاصل له أيضا. وبعبارة اخرى: انه لابد في المساقاة من كون الاصول من احدهما والعمل ولو بعضا من الآخر، فلو كانا معا من واحد لم يصح العقد

[ 46 ]

[ للعمومات (1)، ودعوى: أن ذلك على خلاف وضع المساقاة، كما ترى (2)، كدعوى: أن مقتضاها أن يكون العمل في ملك المالك (3)، إذ هو أول الدعوى. والقول بأنه لا يعقل أن يشترط عليه العمل في ملك نفسه. ففيه: أنه لا مانع منه إذا كان للشارط فيه غرض أو فائدة، كما في المقام حيث ان تلك الاصول وان لم يكن للمالك الشارط ] ولا يحصل الاشتراك في الحاصل، ولذا لم يصح اشتراط تمام العمل على المالك. والحاصل: انه مع تعدد مالك الاشجار، لا يصح اشتراط كون ثمر الجميع مشتركا بينهم، فان العمومات غير شاملة لمثل هذا العقد - على ما عرفته غير مرة - والادلة الخاصة واردة في غير هذا المورد. فالصحيح في المقام هو التفصيل بين ما إذا كان الجعل على نحو الشرطية المحضة بان تجعل ملكية تلكم الاشجار المعينة للعامل من دون أن تكون داخلة في عقد المساقاة بحيث يكون العقد واقعا على غيرها فيحكم بالصحة، وبين مالو كان على نحو الجزئية، بأن تكون هذه الاشجار المجعول ملكيتها للعامل داخلة في العقد أيضا بأن تكون الاصول للعامل والثمار مشتركا بينهما فيحكم ببطلانه. (1) وقد عرفت ما فيها. (2) عرفت ان هذه الدعوى في محلها ولا شئ فيها. (3) على ما تقدم بيانها، حيث قد عرفت انه لا يصح كون الاصول والعمل معا من احدهما.

[ 47 ]

[ الا أن عمل العامل فيها ينفعه في حصول حصته من نمائها. ودعوى: أنه إذا كانت تلك الاصول للعامل بمقتضى الشرط فاللازم تبعية نمائها لها. مدفوعة: بمنعها بعد أن كان المشروط له الاصل فقط في عرض تملك حصة من نماء الجميع. نعم لو اشترط كونها له على وجه يكون نماءها له بتمامه كان كذلك، لكن عليه تكون تلك الاصول بمنزلة المستثنى من العمل، فيكون العمل فيما عداها مما هو للمالك بأزاء الحصة من نماءه مع نفس تلك الاصول. (مسألة 21): إذا تبين في أثناء المدة عدم خروج الثمر أصلا هل يجب على العامل اتمام السقي؟ قولان، أقواهما العدم (1). (مسألة 22): يجوز ان يستأجر المالك أجيرا للعامل مع تعينه نوعا ومقدارا بحصة من الثمرة أو بتمامها بعد ] (1) على ما تقدم بيانه في المسألة التاسعة عشرة، فان عقد المساقاة مبني على المعاوضة بين عمل العامل والحصه مما يخرج من الثمر، فإذا على بعدمه انكشف عدم العوض ومعه فيحكم بالبطلان. إلا أن ما أفاده الماتن (قده) هنا لا ينسجم مع ما ذكره هناك من وجوب الوفاء به لعدم بناء العقد على خروج الثمر. فهو (قده) بعد بناءه على وجوب الوفاء هناك مطالب بالدليل على عدم وجوب الاتمام هنا.

[ 48 ]

[ الظهور وبدو الصلاح (1)، بل وكذا قبل البدو (2)، بل قبل الظهور أيضا إذا كان مع الضميمة الموجودة أو عامين (3) وأما قبل الظهور عاما فالظاهر عدم جوازه، لا لعدم معقولية تمليك ما ليس بموجود (4). لانا نمنع عدم ] (1) فانه حينئذ مال موجود بالفعل فيصح جعله عوضا لعمل محترم. (2) لما تقدم، سواء اشترط عليه البقاء حتى يدرك أم لا، فانه وبوضعه الحالي أمر موجود بالفعل فتصح المعاوضة عليه. (3) تقدم التعرض لهذه المسألة في كتاب الاجارة، وقد عرفت ان الصحيح هو القول بالمنع، لعدم الدليل على صحة هذه المعاملة في مقام الاثبات، فان الاجارة تبديل للمنفعة أو العمل من جهة والاجرة من جهة أخرى، فلا تصح مع كون الاجرة معدومة والمستأجر غير مالك لها بالفعل. والحاصل: ان الاجارة انما تتضمن التمليك، وهو لا يتعلق إلا بالموجود في الخارج أو في الذمة - لانه بحكم الموجود الخارجي - وأما ما لا وجود له بالفعل فلا يصح تعلق الملكية به. ولذا لا يذهب احد إلى صحة اجارة شخص على عمل بازاء ما سيرته من أبيه عند موته. ومما ذكرناه يظهر انه لا مجال لاثبات حكم البيع لما نحن فيه والقول بالصحة مع الضميمة، فانه قياس محض ولا مجال لقبوله. (4) فانه امر معقول في نفسه، فان التمليك امر اعتباري وهو سهل المؤنة فيصح تعلقه بالمعدوم كما يصح ان يكون المالك غير شاعر

[ 49 ]

[ المعقولية بعد اعتبار العقلاء وجوده المستقبلى، ولذا يصح مع الضميمة أو عامين، حيث انهم اتفقوا عليه في بيع الثمار، وصرح به جماعة ههنا. بل لظهور اتفاقهم على عدم الجواز، كما هو كذلك في بيع الثمار. ووجه المنع هناك خصوص الاخبار الدالة عليه، وظاهرها أن وجه المنع الغرر، لا عدم معقولية تعلق الملكية بالمعدوم، ولولا ظهور الاجماع في المقام لقلنا بالجواز (1) مع الاطمئنان بالخروج بعد ذلك، كما يجوز بيع ما في الذمة مع عدم كون العين موجودا فعلا عند ذيها، بل وان لم يكن في الخارج أصلا، والحاصل: أن الوجود الاعتباري يكفي في صحة تعلق الملكية، فكأن العين موجودة في عهدة الشجر كما أنها موجودة في عهدة الشخص. ] أو كلي كملكية المسجد لاثاثه والسادة للخمس والفقراء للزكاة - على القول بملكيتهم لها -. بل الوقوع خير دليل على الامكان، حيث يصح بيع الثمار مع الضميمة، الا ان الاشكال - وكما عرفت - ليس من هذه الجهة وانما هو من حيث مقام الاثبات، إذ لا دليل على صحة هذه المعاملة. (1) قد عرفت ان وجه المنع انما هو عدم الدليل على صحة هذه المعاملة ومن هنا فلا وجه للالتزام بصحتها حتى مع عدم تمامية الاجماع وانتفاء الغرر.

[ 50 ]

[ (مسألة 23): كل موضع بطل فيه عقد المساقاة يكون الثمر للمالك (1) وللعامل اجرة المثل لعمله (2)، الا إذا كان عالما بالبطلان ومع ذلك أقدم على العمل (3) أو كان الفساد لاجل اشتراط كون جميع الفائدة للمالك (4)، ] (1) لتبعيته للشجر في الملك. (2) لانه عمل محترم صدر عن أمر الغير به مجانا، حيث انه انما أتى به بأزاء الحصة من الثمر، فإذا لم يسلم له ذلك العوض لاستيفاء المالك للثمر بأكمله نظرا لفساد العقد، فلا بد للمالك من تدارك عوضه بدفع اجرة مثل عمله له كي لا يذهب سدى. نعم لا بد من تقييد اطلاق الحكم بما إذا لم تكن الاجرة اكثر من الحصة المجعولة له، وإلا فليس له الا الاقل لاقدامه على الغاء احترام ماله بالنسبة إلى الزائد عن ذلك المقدار. (3) قد عرفت غير مرة ان العلم بالبطلان لا يعني بالضرورة الاقدام على المجانية فالفساد انما هو بلحاظ الحكم الشرعي لا بلحاظ بناء المتعاقدين، فان عدم امضاء الشارع له شئ وإقدام العامل على العمل مجانا شئ آخر. إذن فالصحيح هو القول بالضمان سواء علم العامل بالبطلان أم جهل به، فان المالك قد استوفى عملا محترما صادرا عن أمره لا بقصد التبرع، فيكون ضامنا له لا محالة بعد ان لم يسلم له - العامل - المسمى في العقد. (4) فانه وبذلك يدخل في كبرى: " ما لا يضمن بصحيحه

[ 51 ]

[ حيث أنه بمنزلة المتبرع في هاتين الصورتين، فلا يستحق أجرة المثل على الاقوى وان كان عمله بعنوان المساقاة. ] لا يضمن بفاسده، وليس الوجه فيه الا ان عمل العامل في هذه الصورة لم يكن مضمونا على المالك باعتبار ان الامر به انما كان على نحو التبرع والمجانية. هذا وقد ناقش فيه صاحب الجواهر (قده) بدعوى ان العامل إنما قام بالفعل اعتقادا منه للزوم العقد عليه ووجوب الوفاء به معه فلا يكون رضاه بالعمل رضى منه به مجانا. وفيه: ان مجرد اعتقاده بذلك لا يوجب ثبوت العوض على المالك، فان الملاك انما هو بصدور الفعل عن امره لا مجانا، وحيث انه غير متحقق في المقام فلا موجب لثبوت الضمان عليه، ولذا لم يلتزم أحد بالضمان فيما لو تخيل العامل الاجارة فقام بالفعل بذلك الاعتقاد. والحاصل: انه لا وجه لاثبات الضمان في المقام بعد أن كان العقد على تقدير صحته يقتضى عدمه. وكذا الحال فيما لو كان الفساد من جهة عدم خروج الثمر - على ما اخترناه، وان ذهب الماتن (قده) إلى صحته - فانه مشمول لقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. والوجه فيه ما ذكرناه من ان الضمان انما يكون لامرين العقد الصحيح، والامر بالعمل لا على نحو المجانية والتبرع، ولا شئ منهما متحقق في المقام فان المفروض فساد العقد، والمالك لم يضمن للعامل وراء الحصة مما اخرجه الله من الارض شيئا، بحيث كان

[ 52 ]

[ (مسألة 24): يجوز اشتراط مساقاة في عقد مساقاة كأن يقول: ساقيتك على هذا البستان بالنصف على أن أساقيك على هذا الاخر بالثلث. والقول بعدم الصحة لانه كالبيعين في بيع المنهي عنه (1) ضعيف لمنع كونه من هذا القبيل (2)، فان المنهي عنه البيع حالا بكذا ومؤجلا بكذا، أو البيع على تقدير كذا بكذا، وعلى تقدير آخر بكذا (3)، والمقام نظير أن يقول: بعتك داري بكذا على أن أبيعك بستاني بكذا، ولا مانع منه، لانه شرط مشروع في ضمن العقد. ] العامل متبرعا بعمله من غير هذه الناحية، فلا وجه للقول بالضمان. (1) روى الصدوق (قده) عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق (ع) عن آبائه (ع) في مناهي النبي صلى الله عليه وآله: قال: " ونهى عن بيعين في بيع " (1) وروى الشيخ (قده) انه " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع " (2). (2) وعلى تقدير تسليم كونه من هذا القبيل فالتعدي عن البيع إلى المساقاة واثبات حكمه فيها ليس الا قياسا محضا. (3) ويحتمل ان يكون المراد به البيع إلى اجلين مختلفين، بان يبعه الكتاب مؤجلا إلى ستة أشهر بخمسة دنانير، وإلى سنة بعشرة.


(1) الوسائل: ج 12 باب 12 من أبواب عقد البيع، ح 12 (2) التهذيب: ج 7 ص 230.

[ 53 ]

[ (مسألة 25): يجوز تعدد العامل (1)، كأن يساقي اثنين بالنصف له والنصف لهما، مع تعيين عمل كل منهما بينهم أو فيما بينهما (2)، وتعيين حصة كل منهما (3). وكذا يجوز تعدد المالك واتحاد العامل، كما إذا كان البستان مشتركا بين اثنين فقالا لواحد: ساقيناك على هذا البستان بكذا، وحينئذ فان كانت الحصة المعينة للعامل منهما سواء - كالنصف أو الثلث مثلا - صح وان لم يعلم العامل كيفية شركتهما (4) وأنها بالنصف أو غيره، وان لم يكن سواء - كان يكون في حصة أحدهما بالنصف وفي حصة الاخر بالثلث مثلا - فلابد من علمه بمقدار حصة كل منهما، ] (1) بلا إشكال فيه ولا خلاف. (2) إذ المعتبر في صحة المساقاة انما هو تعيين حصتهما في قبال حصة المالك، بحيث يكون نصيب كل من العامل والمالك معلوما، واما معرفة المالك بحصة كل منهما فيما بينهما فهي أمر غير معتبر جزما، فانه لا علاقة للمالك بكيفية قسمة العاملين للحصة المشتركة بينهما بعد معلومية حصتهما في قبال حصته. (3) فيما بينهما. (4) إذ لا دخل لكيفية شركتهما في الحصة المجعولة له، فانه وعلى كل تقدير يأخذ الحصة المجعولة له من الجميع، فلا يكون جهله هذا موجبا لجهالة حصته كما هو واضح.

[ 54 ]

[ لرفع الغرر والجهالة في مقدار حصته من الثمر (1). (مسألة 26): إذا ترك العامل العمل بعد اجراء العقد ابتداءا أو في الاثناء فالظاهر أن المالك مخير بين الفسخ أو الرجوع ] (1) وقد استشكل فيه بعضهم بانه ان تم اجماع على البطلان مع الجهل فهو والا فالقول به مشكل لعدم الدليل على قدح الغرر في المقام وفيه: ان الظاهر في المقام هو البطلان سواء أقلنا باختصاص نفي الغرر بالبيع - كما هو الصحيح - أم قلنا بعمومه للمقام أيضا. وذلك لما أشار إليه الماتن (قده) من استلزامه الجهل بمقدار الحصة، فانه لا بد في المساقاة - على ما يستفاد من صحيحة يعقوب بن شعيب واخبار خيبر - من معلومية حصة كل من المالك والعامل من الثمر، ولذا لو ساقاه على ان يكون له في مقدار من البستان النصف وفي مقدار آخر منه الثلث من غير تعيين لما حكم ببطلانه جزما. وحيث ان هذا الشرط غير متوفر في المقام، لانه إذا ساقى احدهما على النصف والآخر على الربع وكان مجموع النتاج ماءة وعشرين رطلا، اختلف مقدار حقه من المجموع باختلاف مقدار نصيب كل منهما، فإذا كان نصيب صاحبه الاول من البستان الثلثين ونصيب الثاني الثلث كان له من المجموع خمسون رطلا، وإذا انعكس الامر كان له أربعون رطلا، فلابد من الحكم بالبطلان. والحاصل: ان مساقاة المالكين المتعددين مع اختلاف مقدار الحصة المجعولة للعامل وجهل نصيب كل منهما في البستان، لما كان موجبا لجهالة ما يحصل للعامل محكومة بالفساد.

[ 55 ]

[ إلى الحاكم الشرعي (1) فيجبره على العمل، وان لم يمكن أستأجر من ماله من يعمل عنه أو بأجرة مؤجلة إلى وقت الثمر فيؤديها منه، أو يستقرض عليه ويستأجر من يعمل عنه، وان تعذر الرجوع إلى الحاكم أو تعسر فيقوم بالامور المذكورة عدول المؤمنين (2) بل لا يبعد جواز اجباره نفسه (3) ] (1) لانه ولي الممتنع، فان وظيفة الولاة وان كانت في الاصل اجراء الاحكام الصادرة من القضاة، الا ان استقرار نظام المعاش وحفظه يقتضي قيامه في عصر الغيبة مقام القاضي فيما هو شأنه، حفظا لحق المظلوم واقامة للنظام والقانون، ولكي لا يلزم من تركه الهرج في الاجتماع. وبعبارة اخرى: ان نظام المعاش يقتضي وجود ولي يأخذ بحق المظلوم من الظالم ويقيم العدل في الاجتماع، وعليه فان كان الولي الحقيقي موجودا فالامر إليه، له التصدي له بالمباشرة أو بنائبه الخاص ولا حق لاحد في الاعتراض عليه. والا فالامر للحاكم الشرعي لانه القدر المتيقن في ذلك، ومع عدم امكانه فالامر للعدول من المؤمنين حيث انهم يقومون مقام الحاكم الشرعي حيث يتعسر أو يتعذر الرجوع إليه، لكونهم القدر المتيقن منه بعد المفروغية عن لابدية أخذ حق المظلوم واقامة نظام العدل في الاجتماع والمنع من الهرج والفوضى. (2) لما تقدم. (3) كما يقتضيه لزوم العقد وكونه مالكا لحق الالزام.

[ 56 ]

[ أو المقاصة من ماله (1) أو استئجار المالك عنه (2) ثم الرجوع عليه أو نحو ذلك. وقد يقال بعدم جواز الفسخ الا بعد تعذر الاجبار (3) وأن اللازم كون الاجبار من الحاكم مع امكانه (4)، وهو أحوط وان كان الاقوى ] (1) وفيه: انها انما تختص بالاموال، فلا وجه لاثباتها في المقام ونحوه من موارد ثبوت الحق خاصة، حيث لا يملك المالك على العامل مالا شخصيا أو كليا في الذمة، وانما يملك عليه حتى الالزام خاصة. الحاصل. انه لا دليل على ثبوت المقاصة في موارد الحقوق. (2) فيه إشكال بل منع، إذ لا دليل على ولاية المظلوم على خصمه فان الاستئجار تصرف عن الغير ونفوذه عليه من دون رضاه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود. إذن: فالصحيح هو انحصار حقه في الفرض في الفسخ أو اجباره بنفسه أو مراجعة الحاكم الشرعي ومع عدم امكانه فعدول المؤمنين. (3) تعرضوا لهذا الشرط في باب الخيارات، وقد عرفت في محله انه لا موجب للقول بالترتب والطولية، فان مقتضى دليل الفسخ ثبوته حتى مع التمكن من اجبار الممتنع، إذ لا معنى لجعل الشرط الا تعليق الالتزام بالعقد على وجوده. (4) ولا دليل عليه، فان لمن له الحق المطالبة به وأخذه من الممتنع ان أمكنه ذلك كما ان له رفعه إلى الحاكم الشرعي والاستعانة به في استرداده بلا فرق في ذلك بين الحقوق والاموال الشخصية والكلية.

[ 57 ]

[ التخيير بين الامور المذكورة (1). هذا إذا لم يكن مقيدا بالمباشرة والا فيكون مخيرا بين الفسخ والاجبار (2) ولا يجوز الاستيجار عنه للعمل (3). نعم لو كان اعتبار المباشرة بنحو الشرط (4) لا القيد يمكن اسقاط حق الشرط (5) والاستيجار عنه ايضا. (مسألة 27): إذا تبرع عن العامل متبرع بالعمل جاز إذا لم يشترط المباشرة (6)، بل لو أتى به من غير ] (1) لما عرفته من عدم الدليل على الطولية والترتيب. (2) على ما يقتضيه تخلف العامل عنه من جهة وكونه ملزما عليه من جهة اخرى. (3) لامتناع صدور متعلق العقد - اعني العمل المقيد كونه من العامل - من غيره. (4) بالتصريح أو أقامة القرينة، والا فقد عرفت ان المتفاهم العرفي من الاشتراط في هذه المقامات هو التقييد. (5) فيكون حال العقد حينئذ حال القسم الاول اعني الاطلاق وعدم اشتراط شئ، والا فحاله حال القسم الثاني اعني التقييد. والحاصل: ان امر هذا القسم يدور بين القسمين الاولين الاطلاق والتقييد، فهو إما أن يكون بالنتيجة من الاول أو الثاني. (6) إذ الواجب عليه حينئذ انما هو تحقيق العمل في الخارج وهو كما بحصل بفعله يحصل بفعل الغير نيابة عنه مجانا أو بعوض.

[ 58 ]

[ قصد التبرع عنه ايضا كفى (1) بل ولو قصد التبرع عن المالك كان كذلك ايضا (2)، وان كان لا يخلو من اشكال فلا يسقط حقه من الحاصل، وكذا لو أرتفعت الحاجة إلى بعض الاعمال، كما إذا حصل السقي بالامطار ولم يحتج إلى النزح من الابار، خصوصا إذا كانت العادة كذلك وربما يستشكل بأنه نظير الاستئجار لقلع الضرس إذا انقلع بنفسه فأن الاجير لا يستحق الاجرة لعدم صدور العمل المستأجر عليه منه، فاللازم في المقام أيضا عدم استحقاق ما يقابل ذلك العمل. ويجاب بأن وضع المساقاة وكذا المزارعة على ذلك، فان المراد حصول الزرع والثمرة، فمع احتياج ذلك إلى العمل فعله العامل، وان استغنى عنه بفعل الله أو بفعل الغير سقط واستحق حصته، بخلاف ] (1) فيه إشكال بل منع فيما إذا صدر جميع العمل من المتبرع، فانه حينئذ لا وجه لاستحقاقه شيئا من الحصة. نعم لو بقي عليه بعض العمل استحق الحصة إذ لا يجب عليه القيام بجميع الاعمال وانما الواجب عليه قيامه بما تحتاجه الارض. والحاصل: ان حال هذا الفرض هو حال ارتفاع الحاجة بنفسها ومن غير قيام أحد بها، - الآتي - حيث اختار (قده) فيه ما ذكرناه هنا، فأنه لا فرق بينهما بالمرة. (2) فيه اشكال يظهر مما تقدم.

[ 59 ]

[ الاجارة، فان المراد منها مقابلة العوض بالعمل منه أو عنه. ولا بأس بهذا الفرق فيما هو المتعارف سقوطه أحيانا - كالاستقاء بالمطر - مع بقاء ساير الاعمال، وأما لو كان على خلافه - كما إذا لم يكن عليه الا السقي واستغنى عنه بالمطر أو نحوه كلية - فاستحقاقه للحصة مع عدم صدور عمل منه أصلا مشكل (1). (مسألة 28): إذا فسخ المالك العقد بعد امتناع العامل عن اتمام العمل يكون الثمر له (2) وعليه أجرة المثل (3) للعامل بمقدار ما عمل، هذا إذا كان قبل ظهور الثمر، ] (1) بل ممنوع كما عرفت. (2) على ما يقتضيه الفسخ - كما ستعرف بيانه -. (3) فيه اشكال بل منع، تقدم وجهه غير مرة، فان سبب الضمان ينحصر في العقد الصحيح واستيفاء العمل الصادر عن امره لا مجانا، وحيث ان كليهما منتف في المقام، فان العقد قد ارتفع بالفسخ والامر انما كان متعلقا بالمقدمة الموصلة. فلا موجب للقول بالضمان. وبعبارة اخرى: ان الضمان من جهة العقد منتف لانتفاء العقد بالفسخ، والضمان من جهة الامر غير ثابت بلحاظ عدم مطابقة المأتي به للمأمور به، إذ الامر انما كان متعلقا بالعمل المستمر إلى حين حصول النتاج وهو لم يتحقق في الخارج وما تحقق في الخارج من العمل الناقص لم يكن متعلقا للامر.

[ 60 ]

[ وأن كان بعده يكون للعامل حصته (1) وعليه الاجرة للمالك (2) إلى زمان البلوغ إن رضي بالبقاء والا فله ] (1) الظاهر أنه لا فرق في كون الثمرة بتمامها للمالك بين فرض الفسخ قبل ظهور الثمر وفرضه بعده، وذلك لان تأثير الفسخ وان كان من حينه الا انه لما كان يتعقل بالعقد من الاول بحيث يفرض وكأن لم يكن، كان مقتضاه رجوع كل من العوضين في العقود المعاوضية إلى صاحبه، وكأن لم يكن قد انتقل عنه إلى غيره بالمرة، وحيث ان الحصة من الثمر انما جعلت في عقد المساقاة بازاء عمل العامل وعوضا عنه، كان مقتضى الفسخ رجوعها إلى المالك حتى ولو كان الفسخ بعد ظهور الثمر وادراكه. ومما يؤيد ذلك انه لو فسخ العقد بعد ادراك الثمر بسبب تخلف العامل عن شرط اشترط عليه أو غير ذلك لم يكن يعط إليه الحصة المقررة من الثمر جزما والا لكان الفسخ لغوا محضا. والحاصل: انه ليس معنى الفسخ بقاء العقد على حاله بالنسبة إلى تمليك الحصة للعامل، والا لكان الفسخ لغوا واضحا، وانما معناه فرض العقد كأن لم يكن، ورفع اليد عنه من أول الامر. (2) ظهر مما تقدم وجه النظر فيه، فان الحصة وبعد الفسخ لا تبقى على ملك العامل كي يستحق المالك عليه أجرة مثل ارضه، فانها وبأكملها تعود حينئذ ملكا للمالك وعلى للعامل الاجرة لكون عمل العامل صادرا عن إذنه لا مجانا. فانه - وفي هذا الفرض - قد أتى بالفعل المأمور به، وحيث انه لم تسلم له الحصة المجعولة نتيجة

[ 61 ]

[ الاجبار على القطع بقدر حصته، الا إذا لم يكن له قيمة أصلا فيحتمل أن يكون للمالك كما قبل الظهور (1). (مسألة 29): قد عرفت أنه يجوز للمالك مع ترك العامل العمل أن لا يفسخ ويستأجر عنه ويرجع عليه أما مطلقا - كما لا يبعد - (2) أو بعد تعذر الرجوع إلى الحاكم لكن يظهر من بعضهم اشتراط جواز الرجوع عليه بالاشهاد على الاستيجار عنه، فلو لم يشهد ليس له الرجوع عليه حتى بينه وبين الله، وفيه ما لا يخفى (3) فالاقوى أن الاشهاد للاثبات ظاهرا، والا فلا يكون شرطا للاستحقاق، فمع العلم به أو ثبوته شرعا يستحق الرجوع وان لم يكن أشهد على الاستيجار. نعم لو اختلفا في مقدار الاجرة فالقول ] لفسخ العقد، يضمن له المالك أجرة مثل عمله. (1) بل هو كذلك حتى بعد الظهور كما عرفت. (2) قد مر الاشكال فيه وقد عرفت انه مما لا دليل عليه. (3) فانه مقطوع البطلان حيث لا يحتمل مدخلية الاشهاد في ثبوت الولاية بناءا على القول بها، ولولا هذه الجهة لكان مقتضى القاعدة القول باعتباره، فانه يكفي في اثباته مجرد الشك والاحتمال، إذ لا دليل لفظي على ثبوت الولاية كي يتمسك به في نفي الاعتبار. وكيف كان: فالامر فيه سهل بعدما عرفت من عدم الدليل على ثبوت الولاية للخصم بنفسه.

[ 62 ]

[ قول العامل في نفي الزيادة وقد يقال (1) بتقديم قول المالك لانه أمين وفيه ما لا يخفى. واما لو اختلفا في أنه تبرع عنه أو قصد الرجوع عليه، فالظاهر تقديم قول المالك، لاحترام ماله وعمله الا إذا ثبت التبرع، وان كان لا يخلو عن إشكال بل يظهر من بعضهم تقديم قول العامل. (مسألة 30): لو تبين بالبينة أو غيرها (2) أن ] (1) التشكيك في هذا الفرع والذي يليه انما يتجه بناءا على ما اخترناه من عدم ثبوت الولاية للخصم نفسه، فانه حينئذ يكون مجال للبحث في تقديم قول المالك في زيادة الاجرة وعدم التبرع أو العامل في النقصان والتبرع. وأما بناءا على ما اختاره الماتن (قده) من ثبوت الولاية له عند تعذر الرجوع إلى الحاكم، فلا مجال لهذا من اساسه إذ لا وجه للتشكيك في تقديم قول الولي، فانه مقدم على دعوى الخصم جزما للسيرة العقلائية القطعية التي يعبر عنها في كلمات الاصحاب بقاعدة: " من ملك شيئا ملك الاقرار به ". والحاصل: ان حال الخصم على هذا التقدير يكون هو حال الحاكم عند وجوده، ولا أظن أن أحدا يمكنه زعم تقديم قول الخصم على الحاكم لاصالة عدم الزيادة أو اصالة عدم الضمان. (2) مما تكون حجيته مطلقة أيضا وغير مختصة باحد الطرفين كحصول القطع أو الشياع المفيد للعم، والا فلو كانت حجيته مختصة

[ 63 ]

[ الاصول كانت مغصوبة فان أجاز المغصوب منه المعاملة صحت المساقاة (1) ] باحدهما كاقرار المساقي حيث لا يكون حجة الا عليه، فلا وجه للحكم بفساد العقد عند عدم امضاء المالك - بحسب اقرار المساقي - له، فان الاقرار انما ينفذ في حق المقر خاصة دون العامل الجاهل بالحال. ومن هنا فلا مبرر لانتزاع الحصة المجعولة له في العقد المحكوم بالصحة ظاهرا بالقياس إليه منه، نعم يثبت ذلك بالقياس إلى المقر لاعترافه ببطلان العقد لوقوعه على ملك الغير وعدم استحقاقه لها. وعليه للمقر له قيمة ما أخذه العامل من الحصة، لاعترافه بكونه هو المتلف له بجعله للعامل في المعاملة المحكومة بالصحة ظاهرا. نظير مالو وهب شيئا بالهبة اللازمة لشخص ثم اعترف بكونه غصبا، فانه لا يلزم الموهوب له رده. وانما على المقران يغرم للمقر له قيمته. ومن هذا القبيل أيضا مالو أقر بالمال لاحد ثم أقر به لثان ثم لثالث وهكذا، حيث يجب عليه دفع عينه إلى الاول ويغرم لكل من الباقين قيمته لاعترافه باتلاف المال العائد له. ولعل مراد الماتن (قده) من كلمة " أو غيرها " غير البينة من الحجج المطلقة والا فالاشكال مستحكم. (1) بينه وبين العامل، لان اجازته لها بمنزلة مباشرته للعقد بنفسه، بناءا على ما حققناه في محله من كون صحة العقد الفضولي عند اجازة من له الامر على القاعدة نظرا لانتساب الامور الاعتبارية التي يكون

[ 64 ]

[ والا بطلت (1)، وكان تمام الثمر للمالك المغصوب منه (2) ويستحق العامل أجرة المثل على الغاصب (3) إذا كان جاهلا بالحال (4) الا إذا كان مدعيا عدم الغصبية وأنها ] قوامها بالاعتبار إلى الموكل على حد انتسابها إليه عند مباشرته لها بنفسه فانه وفي التقديرين يكون حقيقيا وخاليا عن التسامح والعناية. فانتساب هذا العقد للمالك كما يحصل بالاذن السابق منه فيه، يحصل بابرازه للرضا به وامضاءه للفعل الصادر من غيره، فليس حال هذا الامور الخارجية الحقيقية حيث لا يصح اسنادها - في غير القبض - إلى الموكل إلا بالعناية والمجاز. والحاصل: أن امضاء المال للالتزام الصادر من الغاصب يجعل ذلك الالتزام السابق مستندا إليه حقيقة وكأنه قد باشر بنفسه من الاول. (1) على ما تقتضيه القاعدة، حيث وقع العقد على أصول الغير من غير رضاه. (2) لقانون تبعية الثمر للاصول. (3) لان عمله انما صدر عن أمره لا بقصد المجانية والتبرع فلا يذهب سدى. (4) إذ لو كان عالما بالحال لكان فعله وتصرفه في الارض والاصول محرما لوقوعه في ملك الغير مع علمه به، ومعه فلا يستحق عليه الاجرة لانه لا يكون - حينئذ - محترما. ومن هنا يظهر انه لا مجال لقياس المقام بما ذكرناه في غير مورد من انه لا فرق في الضمان بين علم العامل بالفساد وجهله به لان العلم

[ 65 ]

[ كانت للمساقي، إذ حينئذ ليس له الرجوع عليه، لاعترافه بصحة المعاملة وأن المدعي أخذ الثمرة منه ظلما. هذا إذا كانت الثمرة باقية. واما لو اقتسماها وتلفت عندهما، فالاقوى ان للمالك الرجوع بعوضها على كل من الغاصب والعامل بتمامه (1) وله الرجوع على كل منهما بمقدار ] به لا يلازم التبرع وقصد المجانية، فان ذلك فيما إذا لم يكن العلم موجبا لتنجز حرمة الفعل في حقه - كما هو الحال في المقام - والا فلا وجه لاثبات الضمان والاجرة للفعل الحرام. والحاصل: ان استحقاق العامل لاجرة مثل عمله انما يختص بفرض جهله بالحال وغصبية الاصول، إذ يكون عمله عندئذ مباحا محترما ومعه فله المطالبة بعوضه من الآمر به لا مجانا، ولا ينافيه الحكم ببطلان العقد إذ لا ملازمة بينهما، فهو نظير ما لو استأجر لحمل صندوق فحلمه ثم بان كونه خمرا، فان الحكم بفساد تلك الاجارة لا يوجب الحكم بذهاب عمله هدرا غاية الامر أنه يستحق أجرة المثل بدلا عن الاجرة المسماة في العقد. (1) الظاهر انه لا وجه لرجوع المالك على العامل بعوض تمام الثمر مطلقا، فانه لا يقاس المقام بباب تعاقب الايدي حيث حكمنا بجواز رجوع المالك على كل منهم وقلنا انه لا مانع من تعدد الضمانات على المال الواحد نظير الواجب الكفائي. وذلك: لعدم ثبوت يد العامل وسلطنته على اتمام الثمر كي يكون ضامنا له، فان هذا العنوان لا يصدق على مثل تصرف العامل في جميع

[ 66 ]

الثمر بسقي اصولها ونحو ذلك وإن كان فعله - مع علمه بالحال - محرما. وبعبارة أخرى: ان دليل الضمان في امثال المقام منحصر ببناء العقلاء، إذ قد عرفت غير مرة ان قاعدة على اليد لا يجوز الاعتماد عليها لعدم ثبوت كونها رواية فضلا عن دلالتها، وحيث انه - بناء العقلاء - غير ثابت فيما نحن فيه لتوقفه على تحقق عنوان السلطنة وكون المال تحت تصرفه، وهو مفقود لعدم صدق ذلك بسبب ما للعامل من التصرفات، فلا وجه لاثبات ضمان تمام المال عليه. فشأن تصرف العامل في غير حصته شأن الاجير الذي يقوم بكنس الدار المغصوبة، فانه افهل يحتمل القول بضمانه للدار في فرض علمه بالحال فضلا عن الجهل به؟ كلا، وليس ذلك إلا لعدم صدق عنوان السلطنة وكون المال تحت تصرفه ويده بمثل هذا التصرف وإن كان حراما. إذن: فالصحيح عن عدم جواز رجوع المالك على العامل بتمام الثمر في فرض علمه بالحال فضلا عن الجهل به، فانه لا فرق بين الصورتين من هذه الناحية. وقد ذكر الاصحاب نظير هذا في باب الضمان فيما إذا اشترك غير واحد في السرقة، بحيث صدرت السرقة الواحدة منهم جميعا وعلى نحو الاشتراك، حيث حكموا بان ليس للمالك الرجوع على كل منهم إلا فيما يقابل جريمته، فليس له مطالبة احدهم بتمام المتاع. ومن الواضح انه ليس ذلك إلا لعدم استقلال كل واحد منهم في السلطنة على المال وجعله تحت يده وتصرفه. نعم ما أفاده الماتن - قده - يتم بالقياس إلى الغاصب، حيث

[ 67 ]

[ حصته (1) فعلى الاخير لا إشكال (2). وإن رجع على أحدهما بتمامه رجع على الاخر بمقدار حصته (3)، الا إذا اعترف بصحة العقد وبطلان دعوى المدعي للغصبية لانه حينئذ معترف بأنه غرمه ظلما، وقيل: ان المالك مخير بين الرجوع على كل منهما بمقدار حصته وبين الرجوع على الغاصب بالجميع (4) فيرجع هو على العامل بمقدار حصته، وليس له الرجوع على العامل بتمامه، الا إذا كان عالما بالحال (5). ولا وجه له بعد ثبوت يده على الثمر بل العين أيضا. فالاقوى ما ذكرناه (6)، لان يد ] يجوز للمالك الرجوع عليه بتمام الثمر لثبوت يده عليه بتبع ثبوتها على الاصل فيصح الرجوع عليه به وإن لم يكن الثمر قد تلف عنده، فانه لا أثر لذلك بعد ثبوت سلطنته التامة عليه ووقوعه بتمامه تحت يده. (1) لسلطنته عليه ووقوعه تحت يده فيكون ضامنا له ببناء العقلاء. (2) حيث يتحمل كل منهما ما غرمه للمالك ولا يرجع به على صاحبه لعدم المبرر له. (3) لما تقدم. (4) وقد تقدم وجه الحكم في كلا الشقين. (5) عرفت فيما تقدم انه لا وجه للتفصيل بين صورتي علمه بالحال وجهله به فان الحكم فيهما واحد. (6) بل عرفته منا.

[ 68 ]

[ كل منهما يد ضمان وقرار الضمان على من تلف في يده العين ولو كان تلف الثمرة بتمامها في يد احدهما كان قرار الضمان عليه. هذا ويحتمل (1) في أصل المسألة كون قرار الضمان ] (1) الا انه لا اساس له بالمرة حتى على تقدير تسليم قاعدة الغرور. ذلك: فلان حال المقام حال سائر العقود الفاسدة من جهة الغصب، حيث لا غرور بقول مطلق، فانه انما يكون إذا كان تسلم العامل للحصة من الثمر بعنوان المجانية، فان معه إذا غرم للمالك شئ جاز له الرجوع به على الغاصب جزما، لما ذكرنا غير مرة من بناء العقلاء على معاملة مؤدي بدل التألف معاملة المالك له بقاءا، فله أن يرجع عليه ليطالبه بعوض ماله، وليس للغاصب الاعتذار بكونه هو المتلف له، لانه إنما أقدم على اعطاءه له مجانا ومن غير ضمان، فهو نظير من يغصب الشاة ثم يطعمها لمالكها حيث لا يوجب ذلك سقوط الضمان. وأين هذا من المقام حيث لم يكن تسلمه للحصة بعنوان المجانية، بل الغاصب انما جعلعها له وسلمها إليه لتكون عوضا وبدلا عن عمله في الاصل، فإذا حكم بضمان بدلها للمالك لم يكن مغرورا من قبل الغاصب لرجوعه عليه باجرة مثل عمله، فهو نظير رجوع المالك على المشتري من الغاصب بعوض المبيع التالف، إذ لا يرجع المشتري على البايع إلا بضمان واحد هو ما دفعه إليه بعنوان المسمى. من دون ان يكون له الرجوع بما غرمه للمالك أيضا بدعوى كونه مغرورا من قبله.

[ 69 ]

[ على الغاصب مع جهل العامل، لانه مغرور من قبله ولا ينافيه ضمانه لاجرة عمله، فانه محترم، وبعد فساد المعاملة لا يكون الحصة عوضا عنه، فيستحقها، واتلافه الحصة إذا كان بغرور من الغاصب لا يوجب ضمانه له. (مسألة 31): لا يجوز للعامل في المساقاة أن يساقي غيره مع اشتراط المباشرة (1) أو مع النهي عنه (2). وأما مع عدم الامرين ففي جوازه مطلقا - كما في الاجارة والمزارعة - وان كان لا يجوز تسليم الاصول إلى العامل الثاني الا باذن المالك (3)، أو لا يجوز مطلقا وان أذن المالك، أو لا يجوز الا مع إذنه، أو لا يجوز قبل ظهور الثمرة ويجوز بعده (4) اقوال، ] (1) لمنافاته للشرط الواجب عليه الوفاء به لكونه مأخوذا في ضمن عقد لازم. (2) لانه يدل بالدلالة الالتزامية على إعتبار المباشرة فيكون بمنزلة الشرط. (3) على اشكال فيه تقدم في الاجارة والمزارعة ويأتي بيانه قريبا. (4) الظاهر عدم كون هذا التفصيل قولا في المسألة، إذ الذي ينبغي أن يكون محلا للكلام هو خصوص فرض ما قبل ظهور الثمر وأما بعده فلما كان العامل مالكا للحصة منها بالفعل - على ما سيأتي منه - قده - أيضا - فله ان يتصرف فيها وينقلها بأي ناقل شاء

[ 70 ]

[ أقواها الاول (1) ولا دليل على القول بالمنع مطلقا أو ] وبأزاء اي عوض اختار، فان العمومات والاطلاقات غير قاصرة الشمول لمثله. (1) نظرا لان دليل صحة المساقاة يقتضي ثبوت حق للعامل في التصرف في ذلك البستان بأزاء الحصة المعينة من الثمر، ومعه فنقله إلى الغير لا يحتاج إلى الدليل الخاص لكفاية العمومات والاطلاقات في اثبات جوازه، فان الناس مسلطون على اموالهم. نعم لو كان الشك في صحة المساقاة من اساسها لكان اثباتها محتاجا إلى الدليل الخاص، لعدم وفاء العمومات والاطلاقات بها لما عرفته مرارا من عدم شمولها لما يتضمن تمليك المعدوم. الا أن المقام ليس من هذا القبيل فان صحة العقد ثابتة وحق العامل في البستان أمر لا يقبل الانكار، فلم يبق الا نقل هذا الحق كلا أو بعضا إلى الغير، وإثباته لا يحتاج إلى الدليل الخاص. والحاصل: ان اصل ثبوت الحق للعامل يحتاج إلى الدليل الخاص حيث لا يمكن اثباته للعمومات والاطلاقات، وأما بعد ثبوته فجواز نقله إلى الغير يكون على القاعدة ولا يحتاج إلى الدليل الخاص. ثم ان مقتضى ما ذكرناه هو الالتزام بجواز تسليم الاصول إلى العامل الثاني مطلقا أيضا ومن غير توقف على إذن المالك في ذلك - على ما تقدم بيانه في باب الاجارة والمزارعة أيضا - فانه لما لم تكن المباشرة شرطا في المساقاة وكان يجوز للعامل الاول أن يشرك غيره في العمل والتصرف، جاز له تسليم الارض إلى غيره أيضا ويكون ذلك مقتضى اطلاق العقد.

[ 71 ]

[ في الجملة بعد شمول العمومات (1) من قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) و (تجارة عن تراض). وكونها على خلاف الاصل (2) فاللازم الاقتصار على القدر المعلوم (3) ممنوع بعد شمولها (4). ودعوى: أنه يعتبر فيها كون الاصل مملوكا للمساقي أو كان وكيلا من المالك، أو وليا عليه، كما ترى، إذ هو أول الدعوى (5). (مسألة 32): خراج السلطان في الاراضي الخراجية على المالك (6) لانه انما يؤخذ على الارض التي هي للمسلمين ] (1) في شمولها لمثل المقام مالا يخفى. (2) لاشتمالها لتمليك المعدوم وهو غير جائز. (3) وهو ما إذا كان المالك هو طرف المعاملة مع العامل. (4) بل لما تقدم من أن المقام من نقل الحق الثابت للعامل لا من اثبات الحق له كي يحتاج إلى الدليل الخاص. ثم ان من دليل البطلان هذا يظهر عدم تمامية التفصيل بين صورتي إذن المالك في ذلك وعدمه، إذ لا أثر لاذن المالك في المعاملة التي لم يقم دليل على صحتها. (5) حيث يكفي في الصحة كونه ذا حق فيها بحيث يجوز له ذلك التصرف. (6) لا بمعنى انه ان أخذ من العامل قهرا كان له الرجوع به على المالك فانه مما لا دليل عليه، وانما هو بمعنى أنه إذا أخذه من المالك

[ 72 ]

[ لا الغرس الذى هو للمالك، وإن أخذ على الغرس فبملاحظة الارض، ومع قطع النظر عن ذلك أيضا كذلك فهو على المالك مطلقا (1) الا إذا اشترط كونه على العامل (2) أو عليهما بشرط العلم بمقداره. (مسألة 33): مقتضى عقد المساقاة ملكية العامل للحصة من الثمر من حين ظهوره، والظاهر عدم الخلاف فيه (3) الا من بعض العامة حيث قال بعدم ملكية له الا بالقسمة قياسا على عامل القراض، حيث انه لا يملك الربح الا بعد الانضاض. وهو ممنوع عليه حتى في المقيس عليه (4) ] لم يكن له الرجوع به كلا أو بضعا على العامل. (1) لاقتضاء عقد المساقاة له حيث لا يكون على العامل الا العمل بما فيه مستزاد الثمرة وأما الارض والاصول فهما بشئونهما من واجبات المساقي. (2) فيجب عليه الوفاء من باب لزوم الشرط لا اقتضاء العقد بنفسه له. (3) وتدل عليه قبل كل شئ صحيحة يعقوب بن شعيب - المتقدمة في اول الكتاب - حيث ان المذكور فيها عنوان ما أخرج، ومن الواضح انه صادق على الثمرة قبل الادراك، فانها مما اخرجته الارض فيكون للعامل منها الحصة المعينة المجعولة له. (4) لما عرفته في المضاربة من اشتراك العامل مع المالك في الربح وملكيته للحصة منه بمجرد ظهوره ومن غير توقف على الانضاض فضلا عن القسمة.

[ 73 ]

[ نعم لو اشترطا ذلك في ضمن العقد لا يبعد صحته (1). ويتفرع على ما ذكرنا فروع: (منها) ما إذا مات العامل بعد الظهور قبل القسمة مع اشتراط مباشرته للعمل فان المعاملة تبطل من حينه والحصة تنتقل إلى وارثه على ما ذكرنا (2). ] نعم تكون هذه الملكية قبل القسمة متزلزلة نظرا لكون الارباح وقاية لرأس المال حيث تجبر به الخسارة الطارءة. إذن: فالحكم غير ثابت في المضاربة، وعلى تقدير ثبوته فيها فاثباته في المقام قياس محض ولا نقول به. (1) بل هي بعيدة جدا، لما عرفته غير مرة من أن دليل الشرط ليس مشرعا، فانه لا يقتضي الا لزوم الوفاء بما ثبت جوازه ومشروعيته في نفسه وقبل أخذه شرطا في ضمن العقد. فما لم يكن كذلك لا مجال لاثبات صحته بالشرط. وحيث ان المقام من قبيل الثاني باعتبار ان الملكية بعد الادراك أو القسمة من تمليك المعدوم وهو غير سائغ في نفسه، فلا وجه لاثبات صحته بالشرط. فالصحيح هو القول بالبطلان لقصور ادلة الشروط عن اثبات صحته بعد عدم شمول ادلة المساقاة لمثله، نظرا لكونها على خلاف القاعدة فلا يمكن التعدي عن موردها - الاشتراك من حين ظهور الثمر - إلى غيره. (2) وفيه: انه لا وجه لجعل الحصة للورثة بعد الحكم ببطلان

[ 74 ]

[ (ومنها): ما إذا افسخ أحدهما بخيار الشرط أو الاشتراط بعد الظهور (1) وقبل القسمة أو تقايلا. ] العقد، فالصحيح هو الحكم ببطلان العقد من اصله لامتناع تحقق متعلقه حيث لا يمكن الاتيان بالاعمال الباقية من العامل، وعليه فيكون الثمر بأجمعه لمالك ومن دون ان ينتقل منه شئ إلى الميت أو ورثته لان الحصة انما جعلت له بازاء مجموع عمله وتمامه، وحيث انه لا يمكنه الوفاء به فلا يستحق شيئا منها. والحاصل: ان ملكية العامل للحصة وان كانت من حين الظهور الا انها مشروطة بشرط متأخر هو انهاء العامل للعمل حتى يبلغ ويدرك، ومن هنا فإذا امتنع تحقق هذا الشرط في الخارج كان لازمه الحكم ببطلان العقد من الاول وانتقال الثمر بأكمله إلى المالك ومن دون ان يكون للعامل منه شئ. نعم لما كان عمل العامل هذا عملا محترما صادرا عن امر الغير لا بقصد المجانية، ثم لم يسلم له العوض المجعول له للحكم ببطلان العقد، كان له اجرة المثل عليه سواء أقلنا بملكيته للحصة من حين الظهور أو بعد الادراك. إذن: فلا وجه لجعل ما ذكره (قده) ثمرة للنزاع، فان المعاملة باطلة على التقديرين والثمرة باكملها يكون للمالك من دون ان يكون شئ منها لورثة العامل. (1) فساد الثمرة في هذا الفرع أوضح منه في سابقه، لانه وان كان ذلك بعد بلوغ الثمرة وادراكها الا ان نتيجة الفسخ انما هي فرض

[ 75 ]

[ (ومنها): ما إذا حصل مانع عن اتمام العمل بعد الظهور (1). (ومنها): ما إذا خرجت الاصول عن القابلية لادراك الثمر ليبس أو فقد الماء أو نحو ذلك بعد الظهور، فان الثمر في هذه الصورة مشترك بين المالك والعامل وان لم يكن بالغا (2). ] العقد كأن لم يكن ورجوع كل من العوضين إلى مالكه، فيكون الثمر بأجمعه للمالك على كلا القولين. وللعامل اجرة مثل عمله لما تقدم. (1) يظهر الحال فيه مما تقدم في الفرع الاول، فان حال العجز عن الاتمام مع اشتراط المباشرة عليه هو حال الموت مع الشرط، فيحكم ببطلان العقد من الاول ويكون الثمر بتمامه للمالك وللعامل اجرة مثل عمله. (2) هذا فيما إذا صدق عليه عنوان الثمر - كما هو الظاهر من كلامه (قده) كالحصرم بالسنبة إلى العنب، فانه ثمر موجود قابل للانتفاع به والاستفادة منه وان لم يكن قد بلغ الحد المقصود وأدرك، فانه حينئذ يصح جعله ثمرة للقولين، فانه على الاول يكون مشتركا بينهما في حين يختص به المالك على الثاني وهو واضح. وأما إذا كان ذلك قبل صدق عنوان الثمر عليه فالظاهر اتحاد النتيجة على القولين، فان الموجود وباكمله يكون للمالك ومن دون أن يكون للعامل شئ، لان مبدأ الاشتراك انما هو من حين ظهور الثمر، فمع انتفاءه لا يكون للعامل شئ، وبذلك ينكشف بطلان

[ 76 ]

[ (ومنها): في مسألة الزكاة فانها تجب على العامل أيضا إذا بلغت حصته النصاب، كما هو المشهور، لتحقق سبب الوجوب، وهو الملكية له حين الانعقاد أو بدو الصلاح على ما ذكرنا، بخلافه إذا قلنا بالتوقف على القسمة (1): نعم خالف في وجوب الزكاة عليه ابن زهرة هنا وفي المزارعة، بدعوى: أن ما يأخذه كالاجرة، ولا يخفى ما فيه من الضعف، لان الحصة قد ملكت بعقد المعاوضة أو ما يشبه المعاوضة، لا بطريق الاجرة (2). مع أن مطلق الاجرة لا تمنع من وجوب الزكاة، بل إذا تعلق المالك بها بعد الوجوب وأما إذا كانت مملوكة قبله فتجب زكاتها كما في المقام وكما لو جعل مال الاجارة لعمل زرعا قبل ظهور ثمره فانه يجب على المؤجر زكاته إذا بلغ النصاب، فهو نظير ما إذا اشترى زرعا قبل ] المساقاة من الاول لابتنائها على إمكان خروج الثمر - على ما مر - فتبطل بامتناعه. (1) حيث تكون على المالك خاصة، لتحقق سبب الوجود بالقياس إليه فقط دون العامل لانه انما ملكه بعد الانعقاد وبدو الصلاح. (2) فان المالك لا يملك عمل العامل بالعقد كي تكون الحصة المجعولة له أجرة له - وانما المساقاة - على ما تقدم بيانها - معاملة مستقلة تجعل لكل من الطرفين حق الزام الآخر بما تعهد به.

[ 77 ]

[ ظهور الثمر. هذا وربما يقال بعدم وجوب الزكاة على العامل في المقام، ويعلل بوجهين آخرين: (أحدهما): أنها انما تجب بعد اخراج المؤن، والفرض كون العمل في مقابل الحصة فهي من المؤن، وهو كما ترى (1)، والا لزم احتساب أجرة عمل المالك والزارع لنفسه أيضا، فلا نسلم أنها حيث كانت في قبال العمل تعد من المؤن. ] (1) حيث قد عرفت في مسألة استثناء المؤن في باب الزكاة، انه وان كان هو المشهور والمعروف بينهم، الا انه لا دليل عليه بالمرة، فان الدليل على الاستثناء، انما يختص بالخمس فلا وجه لاثبات الحكم في الزكاة أيضا، وعليه فمقتضى اطلاقات وجوب العشر أو نصفه في الحاصل وجوب الزكاة في الجميع. على اننا لو قلنا بالاستثناء تنزلا، فالتعبير بالمؤنة لا يعم العمل الذي يقوم به الانسان في سبيل تحصيل الثمر، فانها ليست الا الاموال الخارجية التي يبذلها الانسان في سبيل تحصيله، كما هو الحال في الخمس أيضا، حيث يتعلق الخمس بالفاضل عن مؤنة سنة العامل مما جمعه من أجور عمله من دون استثناء شئ بعنوان عمله وهكذا. وعليه: فحيث ان العامل في المقام لم يصرف شيئا من أمواله

[ 78 ]

[ (الثاني): أنه يشترط في وجوب الزكاة التمكن من التصرف، وفي المقام وان حصلت الملكية للعامل بمجرد الظهور، الا انه لا يستحق التسلم الا بعد تمام العمل. وفيه: مع فرض تسليم عدم التمكن من التصرف أن اشتراطه مختص بما يعتبر في زكاته الحول - كالنقدين والانعام - لا في الغلات (1)، ففيها وان لم يتمكن من ] الخاصة في سبيل تحصيل الزرع، وانما صرف العمل خاصة، فلا وجه لاستثناء شئ له بعنوان المؤنة. (1) تقدم الكلام في هذا الفرع في كتاب الزكاة مفصلا وقد عرفت هناك ان الصحيح اعتبار التمكن من التصرف بقول مطلق ومن غير اختصاص له بالنقدين والانعام، فان مجرد ملكية العين لا يوجب تعلق الزكاة بها حتى ولو لم يمكن المالك التصرف فيها وان كانت من الغلات. ومن هنا فالصحيح في الجواب ان يقال: ان عدم التمكن من التصرف الذي يكون مانعا من تعلق الزكاة بالعين لا يعم العجز الناشئ من الحكم التكليفي، فان المراد به انما هو العجز الخارجي الناشئ من خروج المال عن تحت سلطانه بالغصب أو السرقة أو ما شاكلهما، وأما العجز الناشئ من الحكم التكليفي ولو من جهة النذر ونحوه، فلا يوجب انتفاء الزكاة عن العين، والا لما وجبت الزكاة على المالك أيضا لعدم جواز تصرفه في المال المشترك، بل وعدم وجوبها في مطلق المال المشترك باعتبار ان كلا من الشركاء يكون ممنوعا من التصرف

[ 79 ]

[ التصرف حال التعلق يجب اخراج زكاتها بعد التمكن على الاقوى، كما بين في محله. ولا يخفى أن لازم كلام هذا القائل عدم وجوب زكاة هذه الحصة على المالك أيضا (1) - كما اعترف به - فلا يجب على العامل، لما ذكر، ولا يجب على المالك لخروجها عن ملكه. (مسألة 34): إذا إختلفا في صدور العقد وعدمه فالقول قول منكره (2)، وكذا لو اختلفا في اشتراط شئ على أحدهما وعدمه (3) ولو اختلفا في صحة العقد وعدمها قدم قول مدعي الصحة (4) ولو اختلفا في قدر ] في المال المشترك من دون إذن سائر الشركاء، وهو مقطوع البطلان ولا يمكن الالتزام به. (1) بل وفي حصته أيضا، بل وفي مطلق المال المشترك وان لم يكن الاشتراك من جهة المساقاة، حيث لا يجوز لاحد من الشركاء التصرف في المال المشترك قبل اذن سائر الشركاء - كما تقدم -. (2) فان الزام الغير بشئ - جواز التصرف في بستانه أو العمل في الاصول - يحتاج إلى الاثبات والا فالاصل عدمه. (3) لما تقدم، فانه امر زائد على العقد، فالزامه به يحتاج إلى الاثبات، كما هو الحال في سائر العقود. (4) لاصالة الصحة المستفادة من السيرة العملية القطعية.

[ 80 ]

[ حصة العامل قدم قول المالك المنكر للزيادة (1) وكذا لو اختلفا في المدة (2). ولو اختلفا في قدر الحاصل قدم قول العامل (3) وكذا لو ادعى المالك عليه سرقة أو اتلافا أو خيانة (4). وكذا لو ادعي عليه أن التلف كان بتفريطه إذا كان أمينا له كما هو الظاهر. ولا يشترط في سماع دعوى المالك تعيين مقدار ما يدعيه عليه، بناءا على ما هو الاقوى من سماع الدعوى المجهولة (5) خلافا للعلامة في التذكرة في المقام. ] (1) لقانون تبعية النماء للاصل في المكلية، فان مقتضاه كون جميع النماء للمالك وانما خرجنا عنه في خصوص القدر المتيقن لثبوت الجعل بالنسبة إليه في العقد الصحيح، فيبقى الباقي على ملك المالك بمقتضى القاعدة. (2) فان الزام مدعي الاقل بالفترة الزائدة يحتاج إلى الاثبات. (3) لم يظهر لنا ثمرة هذ النزاع كي يقال بتقديم قول العامل أو المالك، فان مجرد النزاع في قدر الحاصل بوحده لا أثر له ما لم يرجع إلى الدعوى الاتية من الاتهام بالاتلاف أو السرقة أو الخيانة أو التلف مع التفريط أو الاستيلاء عليه من غير إذن المالك ولو اشتباها وإلا فأصل النزاع لا يجدي شيئا بعد ان كان الاشتراك في اصل الثمار لا بدلها. (4) للاصل. (5) لاطلاقات أدلة القضاء بالبينات والايمان وأن على المدعي

[ 81 ]

[ (مسألة 35): إذا ثبت الخيانة من العامل بالبينة أو غيرها، هل له رفع يد العامل على الثمرة أو لا؟ قولان: أقواهما العدم (1)، لانه مسلط على ماله، وحيث ان المالك أيضا مسلط على حصته فله أن يستأجر أمينا يضمه ] البينة واليمين على من أنكر، فان مقتضاها عدم اختصاص ذلك بكون الدعوى محدودة المقدار: بل تسمع حتى ولو ادعى السرقة على الاطلاق ومن غير تحديد للكمية المسروقة. (1) بل أقواهما الجواز، وذلك لان في عقد المساقاة خصوصية تمتاز بها عن سائر موارد الشركة، إلا وهي تصرف العامل في البستان والملك الخاص للمالك زائدا عن تصرفه في الاصول والثمر، وهذا التصرف انما كان العامل مأذونا فيه ما دام كان يقوم به لحفظ الثمرة وتربيتها مجردا عن الخيانة والتعدي فإذا تغيرت الحالة وثبت خيانة العامل كان للمالك رفع اليد عن إذنه في هذا التصرف ومعه فلا يجوز للعامل الدخول إلى البستان. وبعبارة أخرى: ان العامل انما هو مأذون في حصة خاصة من الدخول والتصرف في البستان وهي ما يكون لصالح الثمر من الحفظ والتربية مجردا عن الخيانة، فان هذه الحصة من التصرف هي التي التزم المالك بها، فإذا تجاوز العامل ذلك الحدود وقام بخيانة المالك كان له رفع يده عن إذنه ومنعه من التصرف فيه، ومجرد سلطنة العامل على الثمرة لا يقتضي لزوم الاذن على المالك للعامل في التصرف في ماله الخاص به - اعني البستان -.

[ 82 ]

[ مع العامل، والاجرة عليه لان ذلك لمصحلته. ومع عدم كفايته في حفظ حصته جاز رفع يد العامل (1) واستيجار ] (1) وكأنه لدليل نفي الضرر الحاكم على قاعدة السلطنة، فان سلطنة العامل على ماله إذا كانت موجبة لتضرر شريكه - المالك - كان مقتضى حكومة لا ضرر على قاعدة السلطنة ثبوت الحق للشريك في منعه منه ورفع يده عن المال. فليس للشريك ان يضر بشريكه وان كان مسلطا على ماله، فان ذلك لا يعني جواز الاضرار بالشريك على ما يستفاد ذلك من قضية سمرة بن جندب مع الانصاري حيث كان له عذق في بستانه فكان يدخل ويخرج من غير استئذان مما كان يسبب ازعاجا للانصاري وعائلته فشكى عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأمر الرجل بالالتزام بما لا يوجب تضرر الانصاري، لكنه لما امتنع عن امتثاله أمر صلى الله عليه وآله الانصاري بقلع الشجرة والقاءها (1). وهذا التوجيه تام ومتين، الا ان مقتضاه عدم اختصاص الحكم بصورة عدم كفاية ضم الامين إلى العامل في حفظ الحصة، وثبوته حتى مع التمكن من الاستئجار لان الاستئجار من أجل منع صاحبه من الخيانة حكم ضروري أيضا فلا وجه لالزام المالك به. ومن هنا: فلا يبعد الحكم بجواز رفع المالك ليد العامل عن الحصه سواء تمكن من استئجار من يضمه إلى العامل ام لم يتمكن. وحينئذ فيلزم المالك بحفظ المال المشترك حذرا من التلف.


(1) الوسائل: ج 17 ب 12 من أبواب كتاب احياء الموات، ح 1.

[ 83 ]

[ من يحفظ الكل والاجرة على المالك أيضا (1). (مسألة 36): قالوا المغارسة باطلة (2) وهي أن يدفع أرضا إلى غيره ليغرس فيها على أن يكون المغروس بينهما سواء اشترط كون حصة من الارض أيضا للعامل أو لا. ووجه البطلان الاصل بعد كون ذلك على خلاف القاعدة. بل ادعى جماعة الاجماع عليه. نعم حكي عن الاردبيلي وصاحب الكفاية الاشكال فيه، لامكان استفادة الصحة من العمومات. وهو في محله (3) ان لم يتحقق ] (1) لما تقدم. (2) وهو الصحيح - على ما ستعرف بيان الوجه فيه. (3) بل الصحيح هو القول بالفساد، لعدم امكان التمسك بالعمومات في المقام من جهات: - الاولى: ان ظاهر العمومات والاطلاقات اتحاد زمان الانشاء والمنشأ بحيث يكون الاثر فعليا ومتحققا مقارنا للانشاء في زمانه ولذا قلنا بعدم صحة بيع داره في غير الآن أو اطلاق زوجته كذلك. وحيث ان هذا الشرط غير متوفر في المقام إذ المغارسة - على ما هو ظاهر تعريف الماتن - قده - وغيره لها - انما تقتضي استقلال مالك الفسلان بملكيتها قبل غرسها وكون شركتهما في المغروس، وهو من انشاء ملكية الامر المتأخر حيث يكون الانشاء فعليا في حين ان المنشأ - الملكية - انما يكون بعد الغرس، فلا تشمله العمومات ولا يمكن الحكم بحصتها،

[ 84 ]

وبعبارة اخرى: ان ظاهر العمومات اعبتار اتصال المنشأ وما يحكم بانتقاله بموجب العقد بالانشاء والعقد نفسه، وحيث ان هذا مفقود في المغارسة باعتبار انها مستلزمة للتفكيك بين الانشاء والمنشأ فلا تشمله العمومات. ولا يقاس ذلك بباب الاجارة حيث لا خلاف في صحة اجارة الدار أو غيرها في الشهر القادم أو السنة القادمة من الآن. فانه توهم فاسد، إذ لا إنفكاك بين الانشاء والمنشأ والعقد والملكية فانهما متحدان زمانا غاية الامر ان الملك - بالفتح - بالعقد هي المنفعة المتأخرة، ولا ضير في ذلك بعد ان كانت المنافع بأجمعها - الموجودة بالفعل واللاحقة - مملوكة للمالك. الثانية: جهالة فترة الملكية، حيث لا حد للعمل الذي التزم به الغارس بالنسبة إلى الاشجار فانه غير موقت بوقت معين، ومن هنا فان كان مبهما فلا مجال للحكم بصحة مالا واقع له وإن كان موقتا ببقاء الاشجار حكم ببطلانها لمجهولية تلك الفترة، ودعوى: ان الجهالة في غير البيع لا يقتضي البطلان لعدم الدليل عليه. مدفوعة: بأن ذلك انما هو فيما لا دخل له في مالية الشئ وإلا فلا يصح العقد معها. الثالثة: مجهولية المنفعة التي يسلمها المالك للغارس بالتمليك أو الاذن فيها إذا كان عوض عمله منحصرا في انتفاعه بالارض، بحيث لم يكن قد اشترط له الحصة من الارض. فان هذه المنفعة مجهولة لعدم تحديدها بحد معين، ومعه فلا مجال

[ 85 ]

[ الاجماع ثم على البطلان يكون الغرس لصاحبه (1) فان كان من مالك الارض فعليه أجرة عمل الغارس (2) إن كان جاهلا بالبطلان (3)، وان كان للعامل فعليه اجرة ] للحكم بصحتها. والحاصل: ان الحكم بصحة المغارسة يحتاج إلى الدليل الخاص وحيث انه مفقود فالاصل هو الفساد. ثم ان الحكم بالصحة - على تقدير تسلميه - انما يتم فيما إذا كانت الاشجار معلومة من حيث الكم والجنس، وإلا فلا مجال للحكم بها، إذ لا موقع للحكم بصحة مالا واقع له أصلا. (1) لعدم الموجب لانتقاله عنه إلى غيره، فان السبب المتصور انما هو العقد والمفروض الحكم ببطلانه وعدم تأثيره شيئا. (2) لصدور عمله المحترم عن أمره لا بقصد المجانية، وحيث لم يسلم له العوض المسمى تثبت له أجرة المثل لئلا يذهب عمله المضمون هدرا. (3) بل ومع العلم به أيضا. لما عرفته في غير موضع من ان العلم بالفساد لا يلازم تبرع العامل بالعمل، فانه انما يقدم على القيام بالعمل مضمونا على المالك حتى مع علمه بعدم امضاء الشارع لذلك العوض. نعم حيث حكم على العقد بالبطلان لا يستحق العامل العوض المسمى والضمان المعين في العقد وانما ينتقل حقه إلى بدل عمله وأجرة مثله.

[ 86 ]

[ الارض للمالك (1) مع جهله به (2)، وله الابقاء بالاجرة (3) أو الامر بقلع الغرس (4)، أو قلعه بنفسه (5)، وعليه أرش نقصانه إن نقص من جهة القلع (6) ويظهر من ] (1) لاستيفاءه لمنافها وتصرفه فيها مضمونا عليه. (2) تظهر الحال فيه مما تقدم في نظيره. (3) أو مجانا مع التراضي، فان الملك لهما - فالارض للمالك والغرس للعامل - فالحق لا يعدوهما. (4) لسلطنته على ارضه، فله مطالبته بتخلية ملكه عن مال لا يعود إليه. (5) فان جواز تخليته لملكه عن مال الغير من حقوق المالكية المملوكة له. فله مباشرتها بنفسه وليس للغارس منعه عنها، كما هو الحال في غير الاشجار من الاموال. ثم هل يكون هذا الحق في طول أمره للعامل بالتخلية وامتناعه عنها أو في عرضه بحيث يكون له مباشرتها ابتداء وقبل مراجعة العامل؟ الظاهر هو الثاني: فانه مسلط على ماله، وليس للغارس حق في الابقاء كي يتوهم منافاة التخلية لسلطنته على الاشجار، فهو نظير ما يذكرونه فيما إذا دخل مال الغير في ملكه بغير إذنه كما لو دخل بعض القطيع إلى داره، فانه يجوز له اخراجه ابتداءا وقبل مراجعة مالكه وأمره بذلك، ولا يعد ذلك منافيا لسلطنة صاحبه عليه بعد ان لم يكن لصاحبه حق وسلطان في ابقاءه في ذلك المكان. (6) هذا إذا لم يباشر العامل القلع بنفسه، وإلا فلا وجه للضمان

[ 87 ]

[ جماعة أن عليه تفاوت ما بين قيمته قائما ومقلوعا. ولا دليل عليه بعد كون المالك مستحقا للقلع (1). ويمكن حمل كلام بعضهم على ما ذكرنا من أرش النقص الحاصل بسبب القلع إذا حصل، بأن انكسر - مثلا - بحيث لا يمكن غرسه في مكان آخر. ولكن كلمات الاخرين لا تقبل هذا الحمل، بل هي صريحة في ضمان التفاوت بين القائم والمقلوع، حيث قالوا: مع ملاحظة أوصافه الحالية من كونه في معرض الابقاء مع الاجرة أو القلع. ومن الغريب ما عن المسالك من ملاحظة كون قلعه مشروطا بالارش لا مطلقا، فان استحقاقه للارش من اوصافه وحالاته، ] فان العيب انما حصل بفعله هو فلا يكون مضمونا على غيره وان كان ذلك نتيجة لمطالبته إياه وأمره به، فانه حق له فليس لاحد منعه منه، وكذا الحال فيما إذا امتنع العامل عن تخلية أرضه فرفع أمره إلى الحاكم ليجبره عليه فأمره الحاكم بالتخلية، فانه - أيضا - لا يستتبع الضمان نظرا لان الحاكم ولي الممتنع فيكون حال الفعل الصادر منه عن أمره حال مباشرة العامل للقلع بنفسه. (1) وبعبارة أخرى: انه لا وجه لملاحظة قيمة الغرس قائما بعد ان لم يكن بقاء الشجرة في الارض وكونها فيها من حقوق الغارس ولذا لم يجب شئ فيها إذا لم تتعيب الشجرة بالقلع بحيث كانت قابلة للغرس في مكان آخر.

[ 88 ]

[ فينبغي أن يلاحظ أيضا في مقام التقويم. مع أنه مستلزم للدور (1)، كما اعترف به. ثم انه ان قلنا بالبطلان يمكن تصحيح المعاملة بادخالها تحت عنوان الاجارة أو المصالحة أو نحوهما مع مراعاة شرائطهما (2)، كأن تكون الاصول مشتركة بينهما إما بشرائها بالشركة أو بتمليك أحدهما للاخر نصفا منها - مثلا - إذا كانت من احدهما فيصالح صاحبه الارض مع العامل بنصف منفعة أرضه - مثلا - أو بنصف عينها على أن يشتغل بغرسها وسيقه إلى زمان كذا أو يستأجره للغرس والسقي إلى زمان كذا بنصف منفعة الارض مثلا. (مسألة 37): إذا صدر من شخصين مغارسة ولم يعلم كيفيتها وانها على الوجه الصحيح أو الباطل - بناءا على البطلان - يحمل فعلهما على الصحة (3) إذا ماتا أو اختلفا في الصحة والفساد. ] (1) لاخذه - قده - الارش والتفاوت في موضوع وجوب الارش لاعتباره ارش ما بين الشجرة قائمة والشجرة مقلوعة مع الارش. (2) من معلومية المدة والمنفعة إلى غير ذلك مما هو دخيل في صحة المعاملة. (3) تمسكا بأصالة الصحة في العقود والايقاعات. إلا إنك قد عرفت غير مرة ان أصالة الصحة هذه لم تثبت بدليل

[ 89 ]

لفظي كي يتمسك باطلاقه عند الشك، وإنما هي قد ثبتت بالسيرة العملية القطعية المتصلة بعهد المعصومين (ع) من غير خلاف فيها بين الفقهاء والمتشرعة، حيث لا يعتنى أحد باحتمال فساد العقد من جهة احتمال فقده لبعض الشروط أو احتفافه ببعض الموانع. وعلى هذا الاساس فلابد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو ما إذا كان عنوان العقد معلوما ومحرزا في الخارج وكان الشك في وقوعه صحيحا أو فاسدا وأما مع الجهل بأصل العنوان وعدم احرازه كما لو دار أمر العقد الواقع في الخارج بين النكاح الصحيح والوقف الباطل أو البيع الصحيح والمساقاة الباطلة فلا مجال للتمسك باصالة الصحة لاثبات الصحيح منهما حيث يقال ان الواقع في الخارج هو النكاح دون الوقف أو البيع دون المساقاة ومن ثم ترتيب آثار ذلك العقد عليه وحيث ان مقامنا من قبيل الثاني باعتبار ان أمر العقد يدور بين عنوانين احدهما صحيح والآخر فاسد لانه إما هي اجارة أو صلح صحيحين أو مغارسة فاسدة فلا مجال للتمسك باصالة الصحة لاثبات العنوان الصحيح من العنوانين وكونه هو الواقع في الخارج ليترتب عليه آثاره. فانه لم تثبت سيرة عملية على ذلك في الخارج بل المحرز بالوجدان خلافه. والحمد لله رب العالمين

[ 90 ]

[ تذنيب: في الكافي عن أبي عبد الله (ع): (من أراد أن يلقح النخل إذا كان لا يجود عملها ولا يتبعل بالنخل فيأخذ حيتانا صغارا يابسة فيدقها بين الدقين ثم يذر في كل طلعة منها قليلا ويصر الباقي في صرة نظيفة ثم يجعله في قلب النخل ينفع باذن الله تعالى) (1). وعن الصدوق في كتاب العلل بسنده عن عيسى بن جعفر العلوي عن آبائه (ع): " ان النبي صلى الله عليه وآله قال: مر أخي عيسى بمدينة فإذا في ثمارها الدود فسألوا إليه ما بهم، فقال (ع): دواء هذا معكم وليس تعلمون، أنتم قوم إذا غرستم الاشجار صببتم التراب، وليس هكذا يجب، بل ينبغي أن تصبوا الماء في أصول الشجر ثم تصبوا التراب، كي لا يقع الدود، فأستأنفوا كما وصف فأذهب عنهم ذلك " (2). ]


(1) الوسائل: ج 13 باب 6 من أبواب المزارعة والمساقاة ح 1. (2) الوسائل: ج 13 باب 2 من أبواب المزارعة والمساقاة ح، 1.

[ 91 ]

[ وفي خبر عن أحدهما (ع): قال: تقول إذا غرست أو زرعت: ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها) (1). وفي خبر آخر (إذا غرست غرسا أو نبتا فأقرأ على كل عود أو حبة: سبحان الباعث الوارث، فانه لا يكاد يخطئ انشاء الله (2). ]


(1) الوسائل: ج 13 باب 5 من أبواب المزارعة والمساقاة، ح 5. (2) الوسائل: ج 13 باب 5 من أبواب المزارعة والمساقاة، ح 4.

[ 92 ]

.......

[ 93 ]

كتاب الضمان

[ 94 ]

.........

[ 95 ]

[ كتاب الضمان وهو من الضمن (1)، لانه موجب لتضمن ذمة الضامن للمال الذي على المضمون عنه للمضمون له، فالنون فيه اصلية كما يشهد له سائر تصرفاته من الماضي والمستقبل وغيرهما. وما قيل (2) من احتمال كونه من الضم، فيكون النون زائدة، واضح الفساد، إذ - مع منافاته لساير مشتقاته - (3) لازمه كون الميم مشددة وله اطلاقان: اطلاق بالمعنى ] بلا خلاف فيه عندنا، على ما هو صريح عبارات الاصحاب في المقام. الا أن التعبير بكون الضمان مشتقا منه كالتعبير بكونه مشتقا من الضمان، لا يخلو عن مسامحة واضحة، فانهما معا مصدران على حد واحد فيقال ضمن يضمن ضمانا وضمنا، وليس احدهما أصلا ومبدءا للآخر. (2) ذهب إليه اكثر العامة حيث التزموا بانه عبارة عن ضم ذمة إلى ذمة. (3) حيث تبقى النون ولا تحذف ولو كانت زائدة للزم حذفها كما هو الحال في المشتقات مما تكون النون فيها زائدة كالنزوان والجريان والجولان.

[ 96 ]

[ الاعم الشامل للحوالة والكفاية أيضا، فيكون بمعنى التعهد بالمال أو النفس. واطلاق بالمعنى الاخص، وهو التعهد بالمال عينا أو منفعة أو عملا، وهو المقصود من هذا الفصل. ويشترط فيه أمور: أحدها: الايجاب (1)، ويكفي فيه كل لفظ دال، بل يكفي الفعل الدال (2) - ولو بضميمة القرائن - على التعهد والالتزام بما على غيره من المال. الثاني: القبول من المضمون له (3). ويكفي فيه أيضا كل ما دل على ذلك من قول أو فعل وعلى هذا فيكون من العقود المفتقرة إلى الايجاب والقبول. كذا ذكروه. ولكن لا يبعد (4) ] (1) لعدم تحقق مفهوم الضمان وصدقه في الخارج قبل التزام الضامن بذلك وتعهده في نفسه مع الابراز في الخارج. وبعبارة اخرى: انه بدون الايجاب لا يصدق عنوان الضمان ولا يصح أن يضاف إلى الفاعل فيقال انه ضمنه. (2) لما عرفته غير مرة من أنه لا يعتبر في الانشاء والايجاب غير ابراز الاعتبار النفساني بما يصلح أن يكون مبرزا له سواء في ذلك اللفظ وغيره ما لم يقم الدليل الخاص على اعتبار اللفظ فيه كالطلاق ونحوه. (3) ليصح معه صدق العقد. (4) بل هو بعيد جدا، لعدم الدليل على كفاية الرضا الباطني

[ 97 ]

المجرد عن المبرز له في الخارج في انتقال الدين من ذمة شخص إلى ذمة غيره، فان الانتقال يحتاج إلى العقد بين الضامن والمضمون له على حد العقد الواقع على المال الخارجي، حتى يستند ذلك إلى المالك المضمون له، إذ ليس الضامن وليا عنه كي يقوم به قهرا عليه. وحيث ان من الواضح عدم صدق العقد على الرضا الباطني المجرد فلا تشمله عمومات الوفاء به، وعليه فلا بد في القول بكفايته في المقام من لدليل الخاص، وحيث انه مفقود. فالمتعين هو القول باعتبار المبرز للرضا الباطني. وأما دعوى دلالة صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (ع): " في رجل يموت وعليه دين فيضمن ضامن للغرماء، فقال: إذا رضي به الغرماء فقد برأت ذمة الميت: (1) على كفاية الرضا المجرد. مدفوعه: بان كلمة الرضا في هذه الصحيحة وبفضل الفهم العرفي من قوله: " فيضمنه ضامن للغرماء " مستعملة في الرضا العقدي المبرز في الخارج - كما يشهد له اضافته للغرماء - لا طيب النفس المجرد عن الاظهار. وبعبارة أخرى: ان الرضا يستعمل في معنيين مجرد طيب النفس وطيب النفس المبرز في الخارج وهو ما يعبر عنه بالرضا العقدي أو المعاملي، فان كان متعلق الرضا أمرا خارجيا كجواز الدخول في


(1) الوسائل: ج 13 باب 2 من أبواب كتاب الضمان، ح 1.

[ 98 ]

[ دعوى عدم اشتراط القبول على حد سائر العقود اللازمة بل يكفي رضى المضمون له سابقا أو لاحقا، كما عن الايضاح والاردبيلي، حيث قالا: يكفي فيه الرضا ولا يعتبر القبول العقدي، بل عن القواعد: وفى اشتراط قبوله احتمال (1)، ويمكن استظهاره من قضية الميت المديون الذي امتنع النبي صلى الله عليه وآله أن يصلي عليه حتى ] ملك الغير أو التصرف في ماله فالظاهر منه وبحسب ملاحظة مناسبة الحكم والموضوع ارادة المعنى الاول بمعنى اعتبار طيب النفس وان لم يظهره في الخارج. وان كان متعلقه من الامور العقدية الاعتبارية المتعلقة بأموال النفس وحقوقهم فالظاهر منه ارادة المعنى الثاني، إذ لابد له من اظهاره حتى يستند العقد إليه. ثم لو فرضنا ان كلمة الرضا ليست ظاهرة فيما ذكرناه، يكفينا كونها مجملة من هذه الناحية، حيث لابد معه من الحكم بالفساد في موارد خلو الرضا عن المبرز له في الخارج استنادا إلى القاعدة، نظرا لعدم الدليل على صحة المعاملة، فان عنوان العقد غير صادق عليه فانه ليس من ضم الالتزام بالالتزام. (1) ظهر الحال في هذا القول مما تقدم، فان اعتبار القبول أمر متعين ولا يكفي فيه الرضا الباطني المجرد - كما عرفت - فضلا عن

[ 99 ]

[ ضمنه علي (ع) (1) وعلى هذا فلا يعتبر فيه ما يعتبر في العقود من الترتيب والموالاة وساير ما يعتبر في قبولها. ] القول بعدم اعتباره بالمرة. ويدل عليه مضافا إلى دلالة النص السابق، ان نقل مال الغير من ذمة إلى أخرى تصرف في سلطانه فلا يجوز من دون إذنه كما هو الحال في تبديل عين ماله الخارجية بعين اخرى أو نقلها من مكان إلى مكان آخر. (1) ذكرها الشيخ - قده - في الخلاف تارة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) واخرى عن أبى قتادة (1) الا انه أورد على الاستدلال بالروايتين بضعف السند. لكن الظاهر انه في غير محله فان سند هاتين الروايتين وإن كان ضعيفا الا أن أصل القضية مما ثبت تحققه في الخارج وذلك لما رواه معاوية بن وهب في الصحيح عن أبى عبد الله (ع) من غير ذكر فيها لامير المؤمنين (ع) وأبي قتادة (2). إذن: فالصحيح في الجواب أن يقال: ان هذه الروايات انما تتضمن قضية شخصية في واقعة، فلا يمكن جعلها دليلا على عدم اعتبار القبول في الضمان، ولعل الدائن في تلك القضية كان حاضرا


(1) الوسائل: ج 13 باب 3 من أبواب كتاب الضمان، ح 2 و 3. (2) الوسائل: ج 13 باب 2 من أبواب كتاب الضمان، ح 2.

[ 100 ]

[ واما رضى المضمون عنه فليس معتبرا فيه (1)، إذ يصح الضمان التبرعي، فيكون بمنزلة وفاء دين الغير تبرعا حيث لا يعتبر رضاه. وهذا واضح فيما لم يستلزم الوفاء أو الضمان ] ورضى بذلك. على ان الضمان المذكور فيها أجنبي عن الضمان المبحوث عنه في المقام، فان الكلام إنما هو في الضمان بمعنى نقل ما في ذمة شخص إلى ذمة غيره على نحو تبرأ ذمة الاول، وهذا المعنى غير ثابت في هذه النصوص إذ لم يرد في شئ منها براءة ذمة الميت، فيكشف ذلك عن ان الضمان هنا إنما هو بمعنى التعهد بالاداء ليطمئن الرسول صلى الله عليه وآله بعدم بقاء ذمة الميت مشغولة وعدم ذهاب حق الدائن هدرا وإستعماله في هذا المعنى كثير ومتعارف فالصديق يضمن لصديقه القيام بما يشغل باله ويمنعه من السفر أو القيام بأمر أهم، وليس ذلك إلا بمعنى تعهده المجرد به. (1) فانه اجنبي عن المال بالمرة ولا سلطنة له عليه، ومن هنا فكما يجوز للمالك أن يبيع ماله هذا إلى غيره من غير إذنه، يجوز له ان ينقله إلى ذمة اخرى بغير رضاه أيضا. وبعبارة أخرى: ان ذمة المضمون عنه ليست إلا ظرفا ووعاءا للمال هذا وإلا فلا سلطنة له عليه مطلقا وإنما امره بيده مالكه فله نقله إلى أي ذمة شاء.

[ 101 ]

[ عنه ضررا عليه أو حرجا (1) من حيث كون تبرع هذا الشخص لوفاء دينه منافيا لشأنه، كما إذا تبرع وضيع دينا عن شريف غني قادر على وفاء دينه فعلا. الثالث: كون الضامن بالغا عاقلا، فلا يصح ضمان الصبي (2) ] (1) وربما يعلل ذلك - كما في بعض الكلمات - بنفي الضرر في الشريعة المقدسة فانه مانع عن الحكم بصحة الضمان في المقام. وفيه ما لا يخفى: إذ لا مهانة ولا ضرر على الشريف في الحكم بسقوط ما في ذمته بوفاء الوضيع لدينه أو ضمانه له، وانما هما في تصدي الوضيع لذلك ومباشرته، ومن هنا فيكون فعله من مصاديق الاضرار بالشريف والقاءه في المهانة فيكون محرما تكليفا، الا أن من الواضح ان الاحكام التكليفية لا تلازم الاحكام الوضعية فثبوت الحرمة في المقام لا يعني عدم نفوذ الضمان أو الابراء. والحاصل: ان الحكم في المقام تكليفي محض، باعتبار ان فعل الوضيع من صغريات عنوان الاضرار بالغير وهو محكوم بالحرمة، وحيث انه غير ملازم للفساد فلا وجه لاستثناء هذه الصورة من الحكم بعدم اعتبار رضى المضمون عنه في نفوذ الضمان. (2) كما هو الحال في سائر المعاملات، فانه لا يجوز امره حتى يحتلم - على ما جاء في النصوص - فلا يكون فعله موضوعا لحكم من

[ 102 ]

[ وإن كان مراهقا (1) بل وان اذن الولي على اشكال (2) ولا ضمان المجنون (3) الا إذا كان ادواريا في دور إفاقته (4) وكذا يعتبر كون المضمون له بالغا عاقلا (5). وأما ] الاحكام الشرعية، (1) لاطلاق الادلة. (2) والاقوى الجواز، فانه إذا صح ذلك للولي بالمباشرة فيما إذا اقتضت مصلحة الطفل له، صح له ذلك بالتسبيب أيضا. وبعبارة أخرى: انه ليس حال الصبي كالمجنون من حيث سلب عبارته، فان عبارة الصبي غير مسلوبة ولذا يجوز له القيام بالبيع أو النكاح أو غيرهما من العقود والايقاعات بالوكالة عن الغير، بل غاية ما هناك انه لا يجوز أمره بمعنى عدم نفوذ عقده بالاضافة إليه بحيث يستقل به ويكون الامر أمره، وهذا لا ينافي نفوذه بالاضافة إلى الولي بحيث يكون كأنه هو الذي قام بالعقد وان كان المباشر له هو الصبي. (3) لرفع القلم عنه وقصور عبارته، فلا يترتب عليها اثر شرعي. (4) لكونه حينئذ عاقلا كسائر العقلاء، فلا موجب للمنع عن نفوذ أمره. (5) لما تقدم في الضامن حرفيا.

[ 103 ]

[ المضمون عنه فلا يعتبر فيه ذلك (1)، فيصح كونه صغيرا مجنونا، نعم لا ينفع إذنهما في جواز الرجوع بالعوض (2). الرابع: كونه مختارا (3) فلا يصح ضمان المكره (4). الخامس: عدم كونه محجورا لسفه (5) الا باذن الولي ] (1) لما عرفت من كونه اجنبيا عنه، فلا يعتبر وجوده في الخارج - كما دلت عليه صحيحة ابن سنان المتقدمة الواردة في الضمان عن الميت - فضلا عن رضاه. (2) لان الامر انما يوجب الضمان على الآمر فيما إذا كان صادرا ممن له اهلية ذلك الفعل، فإذا لم يكن متصفا بذلك لم يكن أمره موجبا للضمان. وبعبارة أخرى: انه لما كان أمر الصبي والمجنون بمنزلة العدم كان الضمان عنهما ضمانا تبرعيا حتى في فرض امرهما به، ومعه فلا يثبت للضامن جواز الرجوع بالمال عليهما. (3) فانه لا عبرة بفعل المكره. فانه بمنزلة العدم وكأنه لم يكن ويدل عليه مضافا إلى حديث الرفع، النصوص الواردة في الموارد الخاصة كالطلاق ونحوه. (4) وكذلك الحال في المضمون له، لما تقدم في الضامن حرفا بحرف. (5) لكونه محجورا عليه فلا يصح ضمانه من غير إذن الولي

[ 104 ]

[ وكذا المضمون له (1) ولا بأس بكون الضامن مفلسا (2) فان ضمانه نظير اقتراضه، فلا يشارك المضمون له مع الغرماء. واما المضمون له فيشترط عدم كونه مفلسا (3) ولا بأس بكون المضمون عنه (4) سفيها أو مفلسا، لكن لا ينفع إذنه في جواز الرجوع عليه (5). ] (1) لكون قبوله بانتقال ماله من ذمة إلى أخرى تصرف وهو ممنوع منه بمقتضى ادلة الحجر. (2) فان الحجر انما يختص بأمواله دون ذمته، فلا بأس بتصرفاته العائدة إليها، غاية الامر ان المضمون له لا يشترك مع الغرماء في الضرب في أمواله الموجودة بالفعل فانه تختص بما عداه من الغرماء لتعلق حقهم بها قبل الضمان، فيكون حال ضمانه هذا حال القرض الجديد. (3) لكونه ممنوعا من التصرف في أمواله بنقل أو ابراء أو غيرهما من الاسباب، وحيث ان دينه هذا من جملة أمواله فلا يجوز له التصرف فيه بنقله من ذمة إلى أخرى. (4) لما عرفته من كونه أجنبيا عن العقد بالمرة، فان المال للغير وأمره بيده فله ان يتصرف فيه كيفما يشاء، وذمة المضمون عنه ليست الا وعاءا لهذا المال فلا سلطنة له عليه. (5) ظاهر العبارة انه ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه

[ 105 ]

السفيه أو المفلس، وهو مما لا يمكن المساعدة عليه باطلاقه فانه انما يتم بالنسبة إلى السفيه، وأما المفلس فلا وجه للقول بعدم جواز الرجوع عليه بعد ان كان الضمان بأمره وطلبه. وذلك لانه وبضمانه هذا يملك ماكان للدائن الاول - المضمون له - في المال الموجود بالفعل والمحكوم عليه بالحجر، لانه يقابل الدين فينتقل إلى ملك من ملك الدين وانتقل إليه، وبعبارة اخرى: ان أمر المضمون عنه بالضمان لا يعد تصرفا في ماله وتعلق به حق الغرماء، لانه لا يوجب إلا المبادلة بين تمام دين المضمون عنه ونصيبه من المال الموجود، فان الدين ينتقل إلى ذمة الضامن وبأزاء ذلك يكون له نصيب الدائن الاول من المال المحجور عليه، لكونه عوضا عنه نعم بالنسبة إلى المقدار الزائد عن نصيب المضمون له في المال الموجود لا مجال لمشاركة الضامن للغرماء في نصيبهم فانه مختص بهم قبل الضمان، فيكون حاله في ذلك حال الدين الجديد حيث قد عرفت انه يثبت في الذمة. والحاصل: ان الضمير في قول الماتن (قده) " لكن لا ينفع إذنه في جواز الرجوع عليه ". إذا كان راجعا إلى السفيه والمفلس معا، فهو مما لا يمكن المساعدة عليه لعدم ثبوت ذلك بالنسبة إلى الثاني. وان كان راجعا إلى خصوص

[ 106 ]

[ السادس: أن لا يكون الضامن مملوكا غير مأذون من قبل مولاه على المشهور، لقوله تعالى: (لا يقدر على شئ) (1). ولكن لا يبعد صحة ضمانه وكونه في ذمته يتبع به بعد العتق، كما عن التذكرة والمختلف، ونفي ] السفيه - كما يحتمل ارادته واقعا وان كان بعيدا عن ظاهر العبارة جدا - فالامر كما أفاده (قده). نعم لو كان المراد من العبارة نفي جواز الرجوع على المفلس فيما إذا ضمنه بامره في غير الدين نذي حجر عليه لاجله، بمعنى ان يكون الضمان لدين جديد متأخر عن الحجر، فهو صحيح ولا ريب فيه، الا انه لا بد من تقييد اطلاقه بامواله التي وقع الحجر عليها والا فالمال ثابت في ذمته وللضمان الرجوع عليه به في غير تلك الاموال. وكيف كان: ففي خصوص تقدير امر المفلس غيره بضمان دين خارج عما اقتضى الحجر، يصح القول بعدم ثبوت حق الرجوع للضامن عليه في الجملة. (1) بدعوى ان اطلاقها وخصوصا بملاحظة استشهاد الامام علي (عليه السلام) بها في صحيحة زرارة على نفي قدرته على الطلاق (1) شامل لجميع العقود والايقاعات الصاد رة منه.


(1) الوسائل: ج 15 باب 45 من أبواب مقدمات الطلاق ح 1.

[ 107 ]

[ القدرة منصرف عما لا ينافي حق المولى (1). ودعوى. ان المملوك لا ذمة له، كما ترى، ولذا لا اشكال في ضمانه لمتلفاته هذا، وأما إذا أذن له مولاه فلا اشكال في صحة ] (1) مراده (قده) من هذه الدعوى، أن تصرفات العبد تكون على نحوين، فانها قد تكون في نفسه بما هو عبد ومتصف بالمملوكية للغير، وقد تكون في نفسه لا بما هو كذلك بل بما هو انسان من الناس. فالنحو الاول من التصرفات محكوم بالبطلان وعدم النفوذ لكونه تصرفا في سلطان المولى، فتشمله الآية الكريمة، فانها لا تختص بتصرفه في الاموال - كما توهمه بعضهم - بل نعم حتى تصرفاته في نفسه بوصف كونه عبدا مملوكا للغير. ومن هذا القبيل الطلاق، فانه انما يصدر منه بعنوان كونه مملوكا للمولى وعبدا له، فلا يصح حتى ولو كان التصرف عائدا إلى نفسه. واما النحو الثاني، فحيث انه لا يعد تصرفا في سلطان المولى، لانه انما يقوم به بما هو انسان فلا وجه للحكم بعدم نفوذه. ومن هذا القبيل الضمان، فان العبد انما يقوم به بما هو انسان له ذمة واجنبي عن المولى بالمرة، حيث يثبت المال في ذمته يتبع به بعد العتق، ومعه فلا تشمله الآية الكريمة.

[ 108 ]

[ ضمانه (1). وحينئذ فان عين كونه في ذمته نفسه، أو في ذمة المملوك يتبع به بعد عتقه أو في كسبه، فهو المتبع (2) ان اطلق الاذن ففي كونه في ذمة المولى، أو في كسب المملوك، أو في ذمته يتبع به بعد عتقه أو كونه متعلقا برقبته، وجوه وأقوال أوجهها الاول، لانفهامه عرفا (3) كما في اذنه في الاستدانة لنفقته أو لامر آخر، وكما في إذنه في التزويج حيث أن المهر والنفقة على مولاه ودعوى: الفرق بين الضمان والاستدانة، بأن الاستدانة موجبة لملكيته وحيث أنه لا قابلية له لذلك يستفاد منه كونه على مولاه، بخلاف الضمان حيث انه لا ملكية فيه. مدفوعة: بمنع ] (1) بلا اشكال فيه ولا خلاف، إذ العبد ليس كالمجنون قاصر العبارة، بل حاله في ذلك حال العقلاء من الاحرار، غاية الامر ان تصرفه غير نافذ لاحتفانه بمانع عبوديته ومملوكيته للغير، فيصح مع إذن المولى له في ذلك. (2) اما الاول فواضح، واما الاخيران فلرجوع التعيين إلى تقييد إذنه له في الضمان بذلك. (3) وليس المراد به أن الاذن بمنزلة التوكيل فيكون الضامن في الحقيقة هو الامر واما العبد فلا يقوم الا بدور الانشاء، حتى يشكل عليه بما في الجواهر من كونه خلفا وخروجا عن محل الكلام، إذ

[ 109 ]

الكلام انما هو في ضمان العبد باذن المولى بتوكيل العبد فيه، فان فيه لا ينبغي الاشكال في ثبوته في الذمة كما هو الحال في جميع موارد الوكالة فان العوض والبدل انما يثبت على الموكل دون الوكيل. وانما المراد به - كما هو ظاهر العبارة - ضمان العبد باذن مولاه بحيث يكون العبد هو الضامن بالاصالة، ومع ذلك يقال بثبوت المال في ذمة المولى. وكيف كان: فالامر كما ذكره (قده) وذلك لان العبد قد يضمن لشخصه بما هو شخص وانسان ومع قطع النظر عن كونه عبدا مملوكا للغير، وقد يضمن الغير بوصف كونه مملوكا للغير وعبدا له. ففي الاول - بناءا على صحته كما اخترناها - لا مجال للقول بثبوته في ذمة المولى، بل المتعين هو القول بثبوته في ذمة العبد يتبع به بعد العتق والحرية، إذ قبله يكون هو وما في يده مملوكا للغير فلا يصح مطالبته بشئ ما دام هو كذلك. وفي الثاني يتعين القول بكونه في ذمة المولى وانه هو المطالب به وكأنه هو الضامن له - ما لم تكن هناك قرينة على الخلاف -. الا ان ضمانه هذا انما يكون في طول ضمان العبد نفسه لا في عرضه فان العبد يملك ومن هنا فهو المطالب أولا بما ضمنه، لكن ضمانه هذا لما كان بوصف كونه عبدا للغير وكان المولى يملك العبد وما يملكه كان هو المطالب به في طول مطالبة العبد به. نظير استدانة العبد

[ 110 ]

[ عدم قابلية للملكية (1). وعلى فرضه أيضا لا يكون فارقا بعد الانفهام العرفي (2). السابع: التنجيز (3)، فلو علق الضمان على شرط كأن ] لنفسه باذن المولى، بانه يكون في ذمة المولى ويكون هو المطالب به في طول مطالبة العبد به. والحاصل: ان العبد لما كان مدينا بوصف كونه مملوكا للغير كان المولى هو المطالب بدينه لانه يملكه ويملك ما في يده. إذن فالصحيح في المقام هو القول بضمان المولى لما ضمنه عبده باذنه بوصف كونه عبدا ومملوكا له، ما لم يقيد المولى إذنه بكونه في ذمته يتبع به بعد العتق على ما يقتضيه الفهم العرفي. (1) حيث قد عرفت ان الصحيح انه يملك وان مالكية المولى لتلك الاموال انما هي في طول ملكيته - العبد - لها أولا. (2) لما عرفته من أن مقتضاه ضمان المولى لما ضمنه عبده باذنه بوصف عبوديته له. (3) التنجيز في الاصطلاح يقابل أمرين على سبيل منع الخلو، فتارة يستعمل بمعنى الفعلية في قبال التعليق وتأخر زمان المنشأ عن زمان الانشاء بحيث يكون الانشاء فعليا في حين لا يحصل المنشأ الا عند تحقق المعلق عليه في ظرفه وان كان امرا معلوم الحصول عندئذ كالتعليق على طلوع الشمس في يوم غد، بحيث لا يكون ضامنا بالفعل

[ 111 ]

[ يقول أنا ضامن لما على فلان إن أذن لي أبي، أو ضامن ان لم يف المديون إلى زمان كذا، أو ان لم يف أصلا بطل على المشهور، لكن لا دليل عليه بعد صدق الضمان وشمول العمومات العامة الا دعوى الاجماع في كلي العقود على أن اللازم ترتب الاثر عند إنشاء العقد من غير تأخير ] وانما ينتقل المال من ذمة المدين إلى ذمته عند تحقق المعلق عليه وبذلك يكون هذا العقد في الحقيقة من إنشاء الضمان المتأخر على نحو الشرط المقارن. واخرى يستعمل فيما يقابل تعليق العقد الفعلي على أمر آخر معلوم الحصول أو مجهوله. وقد يجتمع الامران معا فيكون المنشأ متأخرا عن الانشاء زمانا كما يكون المعلق عليه أمرا مشكوك الحصول. وكيف كان: فالذي لا ينبغي الاشكال فيه هو عدم البطلان في فرض تعليق العقد الفعلي على أمر معلوم الحصول والتحقق لدى الطرفين بالفعل، لانه في الحقيقة ليس من التعليق، فانه منجز وانما الانشاء صيغ بصورة تشبه التعليق. وأما القسمان الآخران - تعليق المنشأ على أمر متأخر وتعليق العقد الفعلي على أمر مجهول - فسيظهر حالهما مما سيأتي،

[ 112 ]

[ أو دعوى منافاة التعليق للانشاء (1) وفي الثاني ما لا يخفى (2) ] (1) فانه عندهم بمعنى الايجاد وهو متحد مع الوجود حقيقة وان اختلفا اعتبارا، ومن هنا فلا يمكن فرض الايجاد بالفعل مع فرض عدم الوجود كذلك بان يكون معلقا على أمر سيتحقق في المستقبل. (2) فان الانشاء - وعلى ما حققناه مفصلا في المباحث الاصولية - ليس من الايجاد في شئ وان ذهب إليه غير واحد من الاصحاب وعلى تقدير تسليمه فليس التعليق هنا في الايجاد ونفس الانشاء وانما هو في الامر الاعتباري - اعني المعتبر - فانه قد يفرض مطلقا وقد يفرض مقيدا. فان الاعتبار والانشاء كما يتعلقان بالامر المطلق يتعلقان بالامر المقيد فقد ينشأ الانسان الملكية المطلقة وقد ينشأ الملكية المقيدة، فهما من هذه الناحية اشبه شئ بالواجب المطلق والواجب المشروط، ولا يلزم من ذلك اي انفكاك بين الانشاء والمنشأ والاعتبار والمعتبر فان الملكية المقيدة موجودة بالفعل بالاعتبار كما هو الحال في الوصية والتدبير. بل يمكن القول بذلك في الوجود الحقيقي أيضا، إذ يصح تعلق اللحاظ والتصور بالامر الاستقبالي كقيام زيد في يوم غد ونحوه، فان قيامه كذلك موجود بالفعل بالوجود الذهني، والحال ان الوجود الذهني نوع من الوجود الحقيقي. والحاصل: ان التعليق في المقام ليس في نفس الانشاء والاعتبار

[ 113 ]

[ وفي الاول منع تحققه في المقام (1) وربما يقال: لا يجوز تعليق الضمان، ولكن يجوز تعليق الوفاء على شرط مع كون الضمان مطلقا. وفيه: ان تعليق الوفاء عين تعليق الضمان ولا يعقل التفكيك (2). نعم في المثال الثاني يمكن ] وانما هو في المنشأ والمعتبر، ولا مانع منه فان كلا منهما موجود بالفعل وليس المفقود الا فعلية الملكية. (1) في قبال المقام الاول اعني تعليق العقد على الامر المتأخر وان علم حصوله، فانه لا يبعد القول بتحققه فيه. بل ولو لم يتم ذلك فالحكم بالصحة فيه مشكل أيضا نظرا لعدم شمول العمومات له لما عرفته من ظهورها في اعتبار كون الوفاء من حين العقد وعدم انفكاك المعتبر عن حين الاعتبار، ولا يبعد دعوى كون بناء العقلاء على ذلك أيضا - في غير الوصية والتدبير - حيث لم يعهد صدور مثله منهم بان يجري عقد النكاح مع المرأة الآن على أن تكون هي زوجة له من غد وهكذا. وأما في المقام - اعني التعليق على أمر فعلي مشكوك الحصول ككونه هاشميا ونحوه - فلم يتم اجماع على ايجابه لفساد العقد ولا سيما في الضمان حيث لا يتضمن اي نوع من التمليك والتملك. (2) لان الوفاء إذا كان مقيدا بشئ كان مرجعه إلى عدم الضمان عند عدم ذلك التقدير، إذ لا معنى لعدم الوفاء إلا عدم الضمان،

[ 114 ]

[ أن يقال: بامكان تحقق الضمان منجزا مع كون الوفاء معلقا على عدم وفاء المضمون له (1)، لانه يصدق أنه ضمن الدين على نحو الضمان في الاعيان المضمونة، إذ حقيقته قضية تعليقية، الا ان يقال: بالفرق بين الضمان العقدي والضمان اليدى. ] وإلا فلا معنى لكون الضمان مطلقا مع تعليق الوفاء على أمر غير متحقق. نعم لا بأس بالتعليق على أمر معدوم التحقق بعد ذلك، فانه خارج عن محل الكلام لا يتم في خصوص المثال الثاني اعني تعليق الضمان على عدم وفاء المدين، فانه لابد من القول فيه بالبطلان حتى بناءا على القول بصحة التعليق في الضمان، وذلك لان مرجع التعليق على عدم الوفاء بقاء الدين في ذمة المدين إلا حين الاداء وهو ينافي مذهبنا في الضمان وكونه نقل ذمة إلى اخرى وانما ينسجم مع مذهب العامة من كونه ضم ذمة إلى أخرى. (1) ولعل مراده - قده - من كلامه هذا يرجع إلى ارادة معنى آخر غير المعنى المصطلح من الضمان - اعني نقل ما في ذمة إلى أخرى -. وقد يكون هذا المعنى هو التعهد بالمال وكون مسؤوليته عليه من دون انتقاله - بالفعل - إلى ذمته، كما هو الحال في موارد ضمان العارية مع الشرط أو كون العين المستعارة ذهبا أو فضة، فان ضمانها

[ 115 ]

[ الثامن: كون الدين الذى يضمنه ثابتا في ذمة المضمون عنه، سواء كان مستقرا كالقرض والعوضين في البيع الذى لا خيار فيه، أو متزلزلا كأحد العوضين في البيع الخياري كما إذا ] ليس بالمعنى المصطلح جزما، إذ لا ينتقل شئ بالعارية إلى ذمة المستعير، فان العين لا تقبل الانتقال إلى الذمة وهو غير مشغول الذمة ببدلها قبل تلفها، فليس ضمانها الا بمعنى كون مسؤوليتها في عهدته بحيث يكون هو المتعهد بردها ولو مثلا أو قيمة عند تلفها. ونتيجة ذلك الزام المستعير بردها عينا أو مثلا أو قيمة. وبهذا المعنى يستعمل الضمان في موارد كثيرة كقولهم: على اليد ما أخذت حتى تؤدى، وان الغاصب ضامن، فانه لا يراد به إلا التعهد وكونه هو المسؤول عن المال، وإلا فهو غير مشغول الذمة ببدله فعلا. وكيف كان. فإذا صح مثل هذا الضمان في الاعيان الخارجية كموارد اليد والعارية، فليكن ثابتا في الامور الثابتة في الذمة أيضا، فانه لا يبعد دعوى كونه متعارفا كثيرا في الخارج، فان أصحاب الجاه والشأن يضمون المجاهيل من الناس من دون أن يقصد بذلك انتقال المال بالفعل إلى ذممهم، وإنما يراد به تعهدهم به عند تخلف المضمون عنه عن أداءه. والحاصل: ان الضمان في المقام غير مستعمل في معناه المصطلح،

[ 116 ]

[ ضمن الثمن الكلي للبايع أو المبيع الكلي للمشتري أو البيع الشخصي قبل القبض (1)، وكالمهر قبل الدخول ونحو ذلك، فلو قال أقرض فلانا كذا وأنا ضامن، أو بعه ] وعليه فلا مجال للايراد عليه بانه يتضمن التعليق الباطل أو انه من ضم ذمة إلى اخرى لا من نقل ما في ذمة إلى ذمة اخرى. وانما هو متسعمل في التعهد والمسئولية عن المال، وهو أمر متعارف عند العقلاء، فتشمل العمومات والاطلاقات، فانه عقد يجب الوفاء به. (1) الظاهر ان ذكره من سهو قلمه الشريف. فانه لا محل له في مورد الكلام عن اعتبار الثبوت في الدين المضمون، لانه أجنبي عنه بالمرة. وكيف كان: فان كان المراد من ضمانه هو الضمان بالمعنى المصطلح - وان كان احتماله بعيدا جدا - بمعنى جعل الشئ في عهدته عند تلفه وانتقاله من ذمة البايع إلى ذمة الضامن، فهو باطل جزما نظرا إلى ان التلف قبل القبض يوجب انفساخ العقد ورجوع المال إلى ملك مالكه البايع آنا ما كي يكون خسرانه عليه، ومع فلا يبقى موضوع للضمان. وان كان المراد به تعهد الضامن بتسليم العين عند احتمال امتناع البايع عنه، لا تعهد تداركه عند تلفه، فيجب عليه تسليم العين عند الامكان، والا فيلزم ببدلها فهو صحيح ولا بأس به، حيث قد

[ 117 ]

[ نسيئة وأنا ضامن، لم يصح على المشهور (1). بل عن التذكرة الاجماع. قال: (لو قال لغيره مهما اعطيت فلانا فهو علي لم يصح اجماعا). ولكن ما ذكروه من الشرط ينافي جملة من الفروع الاتية. ويمكن أن يقال (2) بالصحة ] عرفت في المسألة السابقة ان مثل هذا الضمان من المرتكزات العرفية وواقع كثيرا في الاعيان الشخصية الخارجية والديون. والحاصل: ان اصل الحكم في المقام صحيح وفي محله، الا ان ذكره في المقام من سهو القلم لان الكلام في اعتبار الثبوت في الدين عند ضمانه. (1) على اشكال ستعرفه. (2) الا انه لا يتم بناءا على مذهبنا في الضمان وانه نقل ذمة إلى أخرى، فانه إذا لم تكن الذمة الاولى مشغولة بشئ لم يكن لنقله إلى ذمة أخرى معنى محصل، ومعه كيف يمكن التمسك بالاطلاقات لاثبات صحته. نعم لا يبعد تفرع هذا الشرط - اعني ثبوت الدين في الذمة بالفعل - على الشرط السابق - اعني التنجيز -، فانه لو لم نقل باعتبار التنجيز - كما احتملناه - امكن التمسك بالاطلاقات والحكم بصحة الضمان في المقام وبمعناه المصطلح على نحو الضمان المتأخر بان يكون الانشاء فعليا والانتقال بعد الدين والاعطاء، فالضامن في الحقيقة انما ينشأ الانتقال

[ 118 ]

[ إذا حصل المقتضي للثبوت وان لم يثبت فعلا، بل مطلقا لصدق الضمان وشمول العمومات العامة، وان لم يكن من الضمان المصطلح عندهم (1)، بل يمكن منع عدم كونه منه أيضا. التاسع: أن لا تكون ذمة الضامن مشغولة للمضمون عنه بمثل الدين الذى عليه، على ما يظهر من كلماتهم في بيان الضمان بالمعنى الاعم، حيث قالوا: إنه بمعنى التعهد بمال أو نفس، فالثاني الكفالة والاول ان كان ممن عليه للمضمون عنه مال فهو الحوالة، وان لم يكن فضمان بالمعنى الاخص. ولكن لا دليل على هذا الشرط (2)، ] إلى ذمته بعد الدين من الآن. والحاصل: انه ان تم اجماع على اعتبار التنجيز في الضمان، فلا محيص عن الحكم بالبطلان في المقام، والا فلا بأس بالتمسك بالاطلاقات واثبات صحة الضمان بمعناه المصطلح. وحيث ان الماتن (قده) ممن يعتبر التنجيز فلا وجه لتمسكه بالاطلاقات في المقام. (1) بان يكون بمعنى التعهد بالدين المتأخر على حد التعهد بالاعيان الخارجية. (2) فان الحوالة والضمان يختلفان في الطرفين المقومين لهما، حيث أن الاول يتقوم بالمحيل ولا محال فترأ ذمة الاول بمجرد الحوالة على

[ 119 ]

[ فإذا ضمن للمضمون عنه بمثل ماله عليه يكون ضمانا فان كان بأذنه يتهاتران بعد اداء مال الضمان (1)، والا فيبقى الذي للمضمون عنه عليه، وتفرغ ذمته مما عليه بضمان الضامن تبرعا، وليس من الحوالة، لان المضمون عنه على التقديرين لم يحل مديونه على الضامن حتى تكون حوالة، ومع الاغماض عن ذلك غاية ما يكون أنه يكون داخلا في كلا العنوانين، فيترتب عليه ما يختص بكل منهما مضافا إلى ما يكون مشتركا. ] مشغول ذمة له من غير دخل لرضا المحال عليه في ذلك، في حين أن الضمان يتقوم برضى الضامن والمضمون عنه هو الاجنبي عن العقد حيث تفرغ ذمته عن الدين بالضمان سواء أرضي به أم لم يرض. والحاصل: ان مع اختلاف طرفي العقد المقومين له في الموردين - الضمان والحوالة - لا مجال للقول باتحادهما ودخول أحد العنوانين في الآخر خصوصا إذا كان الضمان تبرعيا ولم يكن عن رضى المضمون عنه. إذن: فمجرد اشتغال ذمة الضامن للمضمون عنه بمثل الدين الذي ضمنه لا يعنى دخول العقد في عنوان الحوالة. (1) هذا إذا كان الدينان - ما في ذمته للمضمون عنه وما كان للمضمون له على المضمون عنه - حالين معا أو مؤجلين مع وحدة الاجل فيهما وإلا فلا مجال للتهاتر لعدم تساوي الدينين ومن هنا فلو كان

[ 120 ]

[ العاشر: امتياز الدين والمضمون له والمضمون عنه عند الضامن على وجه يصح معه القصد إلى الضمان. ويكفي التميز الواقعي وان لم يعلمه الضامن (1). فالمضر هو الابهام والترديد، فلا يصح ضمان أحد الدينين، ولو لشخص واحد على شخص واحد على وجه الترديد مع فرض تحقق الدينين، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو لواحد، ولا ضمان دين لاحد الشخصين ولو على واحد ولو قال: ضمنت الدين الذي على فلان، ولم يعلم انه لزيد أو لعمرو، أو الدين الذي لفلان، ولم يعلم أنه على ] ما عليه للمضمون عنه مؤجلا وقد ضمن ما على المضمون عنه حالا بأمره كان له الرجوع عليه بما ضمنه بالفعل وتبقى ذمته مشغولة بالدين إلى الاجل المعين. (1) وهو انما يتم فيما إذا لم يستلزم فقدان شرط آخر. ومنه يظهر الاشكال في بعض الصور الآتية، مما حكم فيها الماتن - قده - بالصحة نظير الجهل بالمضمون له وانه زيد أو عمرو، أو ضمان ما للناس عليه، فانه انما يصح مع انحصار المضمون له في اشخاص وقبولهم للضمان وإن لم يميز المضمون له بشخصه وإلا فالحكم بالصحة مشكل جدا نظرا لاعتبار رضى المضمون له بالعقد جزما فانه طرف من طرفي العقد في الضمان فلا يصح من دون رضاه.

[ 121 ]

[ زيد أو على عمرو صح (1) لانه متعين واقعا. وكذا لو قال: ضمنت لك على الناس، أو قال: ضمنت عنك كلما كان عليك لكل من كان من الناس. ومن الغريب ما عن بعضهم من اعتبار العلم بالمضمون عنه والمضمون له بالوصف والنسب، أو العلم باسمهما ونسبهما: مع أنه لا دليل عليه أصلا، ولم يعتبر ذلك في البيع الذى هو أضيق دائرة من سائر العقود. (مسألة 1): لا يشترط في صحة الضمان العلم بمقدار الدين، ولا بجنسه، ويمكن ان يستدل عليه مضافا إلى العمومات العامة (2)، وقوله صلى الله عليه وآله: (الزعيم غارم) (3) ] إذن فما ذكره - قده - من كفاية التعين الواقعي إنما يتم مع احراز سائر الشروط المعتبرة في الضمان. (1) على اشكال تقدم بيانه. (2) بل عمومات ادلة الضمان، حيث لم يعتبر في شئ منها كون الدين معلوما، ومن هنا فمقتضاها الصحة حتى مع الجهل بالدين. وهذا الدليل هو العمدة في الحكم والا فسائر الادلة لا تخلو عن المناقشة، كما ستعرفها. (3) الرواية نبوية لم تثبت عن طرقنا، بل في معتبرة الحسن بن خالد تكذيب ذلك، فقد ورد في روايته عن أبى الحسن (ع) أنه قال

[ 122 ]

[ بضمان علي بن الحسين (ع) لدين عبد الله بن الحسن، وضمانه لدين محمد بن أسامة (1)، لكن الصحة مخصوصة بما إذا كان له واقع معين، وأما إذا لم يكن كذلك ] له: (جعلت فداك قول الناس الضامن غارم، قال: فقال: ليس على الضامن غرم، الغرم على من أكل المال) (1). ومن هنا: فلا مجال للاعتماد عليها والاستدلال بها. (1) اما الاول فقد رواه الصدوق في التهذيب مرسلا حيث قال (قدس سره): (روي أنه احتضر عبد الله بن الحسن فاجتمع إليه غرمائه فطالبوه بدين لهم فقال لهم: ما عندي ما اعطيكم، ولكن أرضوا بمن شئتم من أخى وبني عمي علي بن الحسين أو عبد الله بن جعفر. فقال الغرماء: أما عبد الله بن جعفر فملى مطول، وأما علي ابن الحسين فرجل لا مال له صدوق وهو أحبهما الينا، فأرسل إليه فأخبره الخبر، فقال (ع): أضمن لكم المال إلى غلة، ولم يكن له غلة، فقال القوم: قد رضينا فضمنه، فلما أتت الغلة أتاح الله له المال فأداه) (2). وأما الثاني: فقد رواه فضيل وعبيد عن ابى عبد الله (ع) قال: (لما حضر محمد بن أسامة الموت دخل عليه بنو هاشم فقال لهم:


(1) الوسائل: ج 13 باب 1 من أبواب احكام الضمان، ح 1. (2) الوسائل: ج 13 باب 55 من أبواب احكام الضمان، ح 1.

[ 123 ]

- كقولك - ضمنت شيئا من دينك - فلا يصح (1) ولعله مراد من قال: إن الصحة انما هي فيما إذا كان يمكن العلم به بعد ذلك، فلا يرد عليه ما يقال: من عدم الاشكال في الصحة مع فرض تعينه واقعا، وإن لم يمكن العلم به فيأخذ بالقدر المعلوم. هذا وخالف بعضهم فاشتراط العلم ] قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم، وعلي دين، فأحب أن تقضوه عني، فقال على بن الحسين (ع): ثلث دينك علي ثم سكت وسكتوا، فقال علي بن الحسين (ع): علي دينك كله، ثم قال علي بن الحسين (ع): اما انه لم يمنعني أن أضمنه أولا، الا كراهة أن يقولوا سبقنا (1). الا أن الارسال في الرواية الاولى، ووقوع عبيد الله الدهقان المردد بين عبيدالله بن احمد الدهقان المجهول وعبيدالله بن عبد الله الدهقان الذي ضعفه النجاشي صريحا، يمنعان من الاعتماد عليهما والتمسك بهما في مقام الاستدلال. على انهما لا يتضمنان الا بيان قضية في واقعة فلا اطلاق لهما كي يتمسك به في مقام نفي الشرط المشكوك، ولعله (ع) كان يعلم بمقدار الدين الذي عليهما. (1) بلا خلاف فيه بين الاصحاب، إذ يستحيل فراغ ذمة المضمون


(1) الوسائل: ج 13 باب 2 من أبواب احكام الضمان، ح 1.

[ 124 ]

[ به، لنفي الغرر والضرر. ورد بعدم العموم في الاول لاختصاصه بالبيع، أو مطلق المعاوضات (1) وبالاقدام في الثاني (2) ويمكن الفرق بين الضمان التبرعي والاذني ] عنه واشتغال ذمة الضامن بالنسبة إلى ما لا تعين له واقعا. (1) حيث الحقها الفقهاء بالبيع، فلا يشمل الضمان ونحوه مما لا يتضمن المعاوضة. على انه لا غرر في المقام بالمرة، فان الضامن سيأخذ بمقدار ما يدفعه إلى الدائن من المدين قل أو كثر ومن غير ان ينقص منه شئ على الاطلاق، حاله حال القرض حيث يصح اقراض ما في الكيس حتى مع الجهل بمقدراه اتفاقا ومن غير ان يشمله دليل نفي الغرر إذ لا خطر على الدائن في المقام بعد ثبوت معادل ما يأخذه في ذمة المدين. والحاصل انه لا اثر للعلم أو الجهل بالمقدار في الحكم بالبطلان وتحقق الغرر، فان الخطر انما يتصور في مثل البيع مما يختلف فيه العوضان ويكون مبناه على المغابنة بمعنى الاسترباح ودفع الاقل بأزاء أخذ الاكثر، حيث يحتمل فيه الخسارة، ولا يتصور في مثل المقام حيث يستوفي الضامن بمقدار ما يدفعه إلى المضمون له. (2) فان دليل لا ضرر انما ينظر إلى ارتفاع الاحكام الالزامية به فلا دلالة فيه على عدم جواز القاء النفس في الضرر، ولذا لم يستشكل

[ 125 ]

[ فيعتبر في الثاني دون الاول، إذ ضمان على بن الحسين (ع) كان تبرعيا (1) واختصاص نفى الغرر بالمعاوضات ممنوع بل يجري في مثل المقام الشبيه بالمعاوضات (2)، إذا كان بالاذن مع قصد الرجوع على الاذن. وهذا التفصيل لا يخلو عن قرب. (مسألة 2): إذا تحقق الضمان الجامع لشرائط الصحة انتقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وتبرأ ] أحد في صحة الهبة ونحوها باعتبار استلزامها للضرر. والحاصل: ان دليل لا ضرر بنفسه قاصر عن مشمول الضمان قل أو كثر، فانه لا يدل الا على نفي الزام الشارع بالحكم الضرري. (1) قد عرفت الاشكال فيه فيما تقدم. (2) فيه اشكال ظهر مما تقدم، فانه لا عموم لدليل نفي الغرر، على انه لا غرر في المقام اطلاقا حيث انه سيأخذ من المضمون عنه بمقدار ما يؤديه للمضمون له. والحاصل: انه لا فرق في عدم عموم الدليلين - نفى الضرر ونفي الغرر - للضمان بين كونه تبرعيا أو إذنيا فانهما وعلى كلا التقديرين غير شاملين له. وعليه فالقول بالجواز مطلقا هو الاقرب.

[ 126 ]

[ ذمة المضمون عنه، بالاجماع والنصوص (1)، خلافا للجمهور حيث أن الضمان عندهم ضم إلى ذمة. وظاهر كلمات الاصحاب عدم صحة ما ذكروه حتى مع التصريح به على هذا النحو. ويمكن الحكم بصحته حينئذ للعمومات (2). ] (1) كصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): (في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء، فقال: إذا رضى به الغرماء فقد برأت ذمة الميت). (2) لم يظهر مراده - قده - من العمومات في القمام، فان أدلة الضمان وبأجمعها واردة في نقل الدين من ذمة إلى أخرى، وليس فيها ما يقتضي صحته حتى على نحو ضم ذمة إلى أخرى كي يتمسك به في المقام. والعمومات العامة غير شاملة له أيضا، فان اشتغال ذمة شخص - الضامن - بالنسبة إلى غيره مجانا وبلا عوض غير داخل في عنوان التجارة ولا يشمله الامر بالوفاء بالعقود، إذ العقد ربط لالتزام الطرفين المتعاقدين فلا يصدق على ما يكون الالتزام فيه من طرف واحد خاصة، ولو صح ذلك للزم القول بصحته في غير موارد الدين كموارد الالتزام الابتدائي، والحال انه باطل ولم يقل بصحته


(1) الوسائل: ج 13 باب 2 من أبواب كتاب الضمان، ح 1،

[ 127 ]

[ (مسألة 3): إذا أبرأ المضمون له ذمة الضامن برئت ذمته وذمة المضمون عنه (1) وان أبرأ ذمة المضمون عنه ] أحد على الاطلاق، فان اشتغال الذمة ليس أمرا اختياريا للمكلف بحيث يكون له ذلك كيفما شاء وانما هو متوقف على اسبابه الخاصة من تجارة أو استيلاء أو اتلاف أو الشرط في ضمن العقد - بناءا على انه يوجب الملكية - فلا يحصل من دونها. والحاصل: ان اثبات اشتغال الذمة يحتاج إلى الدليل وهو مفقود في غير الدين حيث اقتضت ادلة الضمان الصحة فيها. نعم لا بأس بتصحييح هذا الضمان بالمعنى الذي سبق منا بيانه في الشرط السابع، اعني التعهد بالوفاء به على تقدير عدم وفاء المديون نظير التعهد بالاعيان الخارجية، فانه لا بأس به حيث لم يكن بمعنى اشتغال الذمة. (1) أما الاول فواضح، وأما الثاني فالابراء فيه انما هو بمعنى عدم جواز رجوع الضامن عليه ومطالبته بما انتقل إلى ذمته نتيجة للضمان، وذلك لانه من مختصات الاداء عن أمره فلا يثبت مع فقد أحد الشرطين. وما ذكرناه في معنى براءة ذمة المضمون عنه هو المتعين في التفسير وإلا فذمة المضمون عنه بالقياس إلى المضمون له - الدائن - بريئة حتى قبل الابراء - على ما يقتضيه مذهبنا في الضمان -.

[ 128 ]

[ لم يؤثر شيئا، فلا تبرء ذمة الضامن، لعدم المحل للابراء بعد برائته بالضمان، الا إذا استفيد منه الابراء من الدين الذي كان عليه، بحيث يفهم منه عرفا ابراء ذمة الضامن وأما في ضمان بمعنى ضم ذمة إلى ذمة فان ابرء ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن أيضا، وان أبرء ذمة الضامن فلا تبرء ذمة المضمون عنه كذا قالوا، ويمكن ان يقال: ببراءة ذمتها على التقديرين (1) ] وبعبارة اخرى: لابد من حمل عبارة الماتن - قده - على الضمان الاذني حيث يصح معه التعبير ببراءة الذمتين نتيحة لابراء المضمون له لذمة الضامن، أما ذمة الضامن فللابراء وأما ذمة المضمون عنه فلعدم اداء الضامن شيثا ومعه فلا يثبت له - الضامن - حق الرجوع عليه - المضمون عنه - وبهذا المعنى صح التعبير ببراءة ذمته، والا - بان كان الضمان تبرعيا - فحيث لا اثر لابراء المضمون له لذمة الضامن في براءة ذمة المضمون عنه، فانها بريئة وغير مشغولة لاحد بنفس الضمان، سواء في ذلك قبل الابراء وبعده وفلا يصح التعبير ببراءة الذمتين نتيجة لابراء المضمون له لذمة الضامن، فانه لا يؤثر إلا في براءة ذمة الضامن فحسب وأما ذمة المضمون عنه فهي بريئة قبل ذلك. (1) وهو الصحيح، أما مع ابراء الضامن فلان الابراء لا يعني

[ 129 ]

[ (مسألة 4): الضمان لازم من طرف الضامن والمضمون له (1)، فلا يجوز للضامن فسخه حتى لو كان باذن المضمون ] رفع اليد عن الضم والضمان خاصة كي يقال بان معه يبقى الدين على حاله ويكون المضمون عنه مدينا بعد الابراء كقبله، فان هذا المعنى غير مراد جزما، إذ الضمان من العقود اللازمة وهي لا تقبل الرفع حتى مع رضا الطرفين، على انه ينافي مفهوم الابراء فانه مساوق لاسقاط الدين - على ما ستعرف -. وإنما الابراء بمعنى رفع اليد من الدين من اساسه - على ما يساعد عليه ظاهر اللفظ - ومعه فلا مجال للقول ببقاء ذمة المضمون عنه مشغولة فان الدين ليس الا دينا واحدا فلا يقبل البقاء والسقوط في آن واحد بالقياس إلى الذمتين. وبعبارة أخرى: إن ابراء إحدى الذمتين من الدين الثابت فيهما على نحو الضم إنما هو بمنزلة استيفاءه منها - كما هو واضح - ولذا يذكر في باب المهور ان الزوجة إذا أبرأت ذمة زوجها من المهر فطلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف المهر، فلا وجه للتفكيك بين الذمتين بالقياس إليه والقول بثبوته في ذمة دون أخرى. وأما مع ابراء المضمون عنه، فلان مرجعه إلى إسقاط الدين وافراغ ذمته منه ومعه فلا يبقى مجال لضم ذمة أخرى إليها فيه. (1) فان إرجاع الدين إلى ذمة المضمون عنه ثانيا وفراغ ذمة

[ 130 ]

[ عنه، وتبين اعساره (1) وكذا لا يجوز للمضمون له فسخه والرجوع على المضمون عنه، لكن بشرط ملاءة الضامن حين الضمان أو علم المضمون له باعساره (2)، بخلاف ما لو كان معسرا حين الضمان وكان جاهلا باعساره ففي هذه الصورة يجوز له الفسخ على المشهور، بل الظاهر عدم الخلاف فيه، ويستفاد من بعض الاخبار أيضا (3) ] الضامن بعد الحكم بصحة الضمان وإنتقال الدين إلى ذمة الضامن وفراغ ذمة المضمون عنه بالمرة، يحتاج إلى الدليل وهو مفقود ومقتضى أصالة اللزوم - المستفادة من اطلاقات أدلة صحة العقود والعمومات بقاء الحكم الاول على حاله. (1) فضلا عما لو كان ضمانا تبرعيا ومن غير إذن المضمون عنه. (2) لعين ما تقدم في سابقه. (3) وهو موثقة الحسن بن الجهم قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن رجل مات وله علي دين وخلف ولدا رجالا ونساءا وصبيانا، فجاء رجل منهم فقال: أنت في حل مما لابي عليك من حصتي، وأنت في حل مما لاخوتي وأخواتى وأنا ضامن لرضاهم عنك. قال: يكون في سعة من ذلك وحل. قلت: فان لم يعطهم؟ قال: كان لك في عنقه. قلت: فان رجع الورثة علي فقالوا: اعطنا حقنا؟ فقال: لهم ذلك في الحكم الظاهر، فأما بينك وبين الله فأنت منها

[ 131 ]

في حل إذا كان الذي حلك يضمن لك عنهم رضاهم فيحمل لما ضمن لك. قلت: فما تقول في الصبي لامه ان تحلل؟ قال: نعم إذا كان لها ما ترضيه أو تعطيه، قلت فان لم يكن لها؟ قال: فلا. قلت: فقد سمعتك تقول: انه يجوز تحليلها، فقال: إنما اعني بذلك إذا كان لها... الحديث " (1). وهي وان كانت معتبرة سندا إلا انها اجنبية من حيث الدلالة عن المدعى فانها واردة في تحليل بعض الورثة لصحته من الدين بالفعل مع الالتزام بتحصيل رضى سائر الوراث أيضا، وأين ذلك من الضمان الذي هو محل الكلام؟. وبعبارة اخرى: ان مورد المعتبرة هو التحليل وهو عقد قائم بين المدين وشخص آخر، في حين ان مود كلامنا هو الضمان الذي هو عقد قائم بين الدائن وشخص آخر، فلا مجال لاثبات الحكم الثابت في أحدهما للآخر. على أن هذه المعتبرة لو تمت من حيث الدلالة في المقام فمن الواضح أن مقتضاها بطلان الضمان مع عدم الملاءة لا ثبوت الخيار، وهو مما لا يقول به أحد. على أنه لابد من رد علم هذه المعتبرة إلى أهلها حتى موردها - التحليل - لانها تضمنت صحة التحليل من الاجنبي وحصول فراغ


(1) الوسائل: ج 13 باب 4 من أبواب أحكام الضمان، ح 1.

[ 132 ]

الذمة واقعا به وهو أمر لا يمكن الالتزام به إذ التحليل من الاجنبي لا يعدو كونه تحليلا فضوليا يتوقف على إجازة من له الامر واقعا. إذن فلا مجال للتمسك بالمعتبرة في المقام على كل تقدير، فانها لو تمت دلالة وأمكن العمل بها في موردها فاثبات حكمها في المقام لا يعدو القياس. هذا وقد استدل صاحب الجواهر (قده) على المدعى بما دل على اعتبار الملاءة في المحال عليه، بدعوى ان الحوالة أخت الضمان فيثبت فيه ما ثبت فيها. وهو - كما تراه - قياس محض، فان الحكم بالخيار عند اعسار المحال عليه حين الحوالة مع جهل المحال انما ثبت بالنص الخاص فالتعدي عنها إلى غيرها لمجرد اشتراكهما في جهة لا يخرج عن حد القياس. على أن بينهما فرقا واضحا، فان الحوالة معاملة قائمة بين الدائن والمدين في حين ان الضمان معاملة بين الدائن وشخص ثالث، فالحوالة معاملة معاوضية بخلاف الضمان، فان الدائن - في الحوالة على مشغول الذمة - مشتر ما لعمرو - مثلا - في ذمة بكر بماله في ذمة المدين. بل وكذا لو كانت الحوالة على برئ الذمة فانها معاوضة وتبديل لذلك المبلغ في ذمة المحال عليه بماله في ذمة المدين، غاية الامر أن المحال عليه لما كان برئ الذمة بالنسبة إلى المحيل كان العقد فضوليا ومتوقفا على اجازته.

[ 133 ]

[ والمدار - كما أشرنا إليه - في الاعسار واليسار على حال الضمان، فلو كان موسرا ثم أعسر لا يجوز له الفسخ (1) ] ومن هنا: فحيث ان العشرة - مثلا - في ذمة المعسر لا تساوي من حيث المالية بنظر العقلاء العشرة في ذمة الموسر - كما هو واضح - والمعاملات مبنية على التساوي في المالية بحيث يكون ذلك من الشرط الضمني، كان تخلفه موجبا لثبوت الخيار على القاعدة - على ما تقدم بيانه مفصلا في مبحث خيار الغبن -. وأن هذا من الضمان الذي لا يعد من المعاوضات بالمرة، لانه ليس إلا إشتغال ذمة بلا عوض ومجانا سواء في ذلك ما كان اذنيا أو تبرعيا لانهما لا يختلفان إلا من حيث جواز الرجوع على المدين الاول وعدمه. والحاصل: التعدي من الحوالة إلى الضمان قياس مع الفارق وان اشتركا في جهة من الجهات. وعلى ضوء ما تقدم يظهر انه لا دليل يمكن الاعتماد عليه في القول بالخيار في المقام. ومن هنا فان تم إجماع على ذلك فهو، وإلا - كما هو الصحيح إذ غاية الامر عدم وجدان الخلاف - فللمناقشة فيه مجال واسع ومقتضى أصالة اللزوم عدمة. (1) لعدم شمول دليل الخيار - بناءا على تماميته - للاعسار المتأخر

[ 134 ]

[ كما انه لو كان معسرا ثم أيسر يبقى الخيار (1) والظاهر عدم الفرق في ثبوت الخيار مع الجهل بالاعسار بين كون المضمون عنه أيضا معسرا أو لا (2). وهل يلحق بالاعسار تبين كونه مماطلا مع يساره في ثبوت الخيار أولا؟ وجهان (3). ] فان الاجماع غير ثابت فيه ومعتبرة الحسن بن الجهم ناظرة إلى حال الضمان والحكم في الحوالة مختص بالاعسار حينها أيضا. (1) وهو انما يتم فيما إذا كان مستند الخيار في المقام هو معتبرة الحسن بن الجهم، فانه لا بأس بالتمسك باطلاقها - بعد تسليم دلالتها - لاثبات الخيار في الفرض أيضا. وأما إذا كان المستند هو الاجماع فالحكم بثبوت الخيار في المقام مشكل جدا نظرا لكون القدر المتيقن منه هو المعسر المستمر. (2) لكونه اجنبيا عن العقد. (3) من اختصاص ادلة الخيار من الاجماع والنص وما ذكره صاحب الجواهر (قده) بالاعسار فيكون التعدي عنه محتاجا إلى الدليل وهو مفقود، ومقتضى اصالة اللزوم العدم. ومن التمسك بقاعدة نفي الضرر، فان الحكم بلزوم هذا العقد ضروري على الدائن فينفي بالقاعدة - على ما مر تفصيله في خيار الغبن -. والاقوى هو الاول، لما عرفته غير مرة من اختصاص دليل

[ 135 ]

[ (مسألة 5): يجوز اشتراط الخيار في الضمان (1) ] لا ضرر بنفي الاحكام الضررية من الاحكام المجعولة في الشريعة المقدسة، وعدم شموله للضرر الحاصل من فعل المكلف نفسه، كما أنه لا يتكفل جبر الضرر الحاصل كذلك. وحيث أن مقامنا من هذا القبيل لان المضمون عنه انما وقع في الضرر نتيجة لفعل نفسه اعني رفع يده عن (ذمته؟) الثابت في ذمة المدين في قبال اشتغال ذمة الضامن به، فلا يلزم الشارع المقدس تداركه بجعل الخيار له، فان دليل نفي الضرر قاصر الشمول عن مثل هذه الموارد. على أن دليل نفي الضرر لو شمل المقام لكان لازمه الحكم ببطلان الضمان من رأس لا الحكم بصحته مع ثبوت الخيار. وتمام الكلام فيه موكول إلى محله. إذن. فالاظهر في المقام هو عدم الخيار حتى ولو قلنا بثبوته على تقدير ظهور اعساره فضلا عن انكاره - كما هو المختار -. (1) على إشكال فيه بل منع، فان الضمان لا يقاس بسائر العقود والفرق بينهما ظاهر. فان نتيجة العقد إذا كانت راجعة إلى طرفيه خاصة كان لهما رفع اليد عنه بعد ثبوته ولزومه ومن غير حاجة للخيار وهو المعبر عنه في الاصطلاح بالتقايل، الا في بعض العقود الذي ثبت فيه عدمه بالنص

[ 136 ]

[ للضامن والمضمون له، لعموم ادلة الشروط (1) والظاهر ] الخاص كالنكاح حيث لا يرفع إلا بالطلاق أو احد موجبات الفسخ. وإذا جاز لهما ذلك بالنتيجة جاز لهما جعل هذا الحق في ضمن العقد من الاول وهو المعبر عنه في الاصطلاح بشرط الخيار. وليس ذلك كله الا لكون العقد عقدهما والحق لا يعدوهما فلهما ان يتصرفا كيفما شاءا ما لم يرد منه منع من الشارع المقدس. وهذا بخلاف ما إذا كانت نتيجة العقد ترتبط بشخص ثالث بحيث يكون الحق يعدوهما إليه، فانه لا يكون لهما ذلك لعدم الولاية لهما على الثالث. وحيث ان مقامنا من هذا القبيل فان عقد الضمان وان كان قائما بين الضامن والمضمون له الا ان الحق فيه يعدوهما إلى المضمون عنه حيث تبرأ ذمته عن الدين، فلا يصح اشتراط الخيار فيه إذ لا موجب لاشتغال ذمة المضمون عنه ثانيا وبعد الفراغ لمجرد رضى أحد الطرفين أو هما معا به، فانه أمر يحتاج إلى الدليل وهو مفقود. والحاصل: ان باب الضمان لا يقاس بباقي المعاملات التي ترجع نتيجتها إلى المتعاملين نفسهما، فان اشتغال ذمة المضمون عنه ثانيا يحتاج إلى الدليل وهو مفقود. (1) وفيه: ان أدلة الشروط لا تفي باثبات صحة جعل الخيار في المقام، نظرا لما تقدم مرارا من انها ليست بمشرعة ولا تفيد إلا

[ 137 ]

[ جواز اشتراط شئ لكل منهما (1) كما إذا قال الضامن: (أنا الضمان بشرط أن تخيط لي ثوبا)، أو قال المضمون له: (أقبل الضامن بشرط ان تعمل لي كذا). ومع التخلف يثبت للشارط خيار تخلف الشرط (2). (مسألة 6): إذا تبين كون الضامن مملوكا وضمن من غير إذن مولاه أو بأذنه وقلنا إنه يتبع بما ضمن بعد ] لزوم ما هو ساثغ في نفسه ومع قطع النظر عن الاشتراط، وحيث ان جعل الخيار في المقام ليس من هذا القبيل باعتبار ان اشتغال ذمة المضمون عنه ثانيا يحتاج إلى الدليل ولا يتم باتفاق المتعاقدين عليه، فلا يمكن اثباته بالاشتراط والتمسك بعموم ادلة الشروط. (1) لعموم ادلة الشروط بعد ان كان الشرط سائغا في نفسه بحيث كان للمشروط عليه فعله ابتداءا ومن غير اشتراط. (2) بل الظاهر ان هذا الاشتراط لا يوجب إلا الحكم التكليفي المحض مع جواز الزامه به نظير الاشتراط في ضمن عقد النكاح. وذلك لما عرفته من أن ثبوت حق الفسخ في المقام بمعنى اشتغال ذمة الغير ثانيا وبعد فراغها وبراءتها أمر خارج عن صلاحية المتعاقدين ويحتاج إلى الدليل الخاص وهو مفقود وادلة الوفاء بالشرط لا تنهض لاثباته.

[ 138 ]

[ العتق، لا يبعد ثبوت الخيار للمضمون له (1). (مسألة 7): يجوز ضمان الدين الحال حالا (2) ومؤجلا (3) وكذا ضمان المؤجل حالا ومؤجلا بمثل ذلك الاجل أو أزيد أو أنقص (4) والقول بعدم صحة الضمان الا مؤجلا (5) ] (1) بل هو بعيد ويظهر وجهه مما تقدم في المسألة السابقة، إذ الالتزام باشتغال ذمة الغير بالدين ثانيا بعد فراغها منه جزما على خلاف الاصل ويحتاج إلى الدليل الخاص وهو مفقود. (2) بلا اشكال فيه، ويقتضيه ما دل على كون الضمان نقل الدين من ذمة إلى أخرى. (3) اتفاقا حيث لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد من أصحابنا، بل وقد حكي في كلماتهم الاجماع عليه. (4) لما ستعرفه من أن الضمان انما يتعلق بنفس الدين، وأما الحلول والتأجيل وقصر المدة وطولها فهي تثبت بالاشتراط. (5) قال الشيخ (قده) في النهاية: " ولا يصح ضمان مال ولا نفس الا بأجل " (1) كما نسب ذلك في بعض الكلمات إلى غيره أيضا.


(1) كتاب النهاية ص 315.

[ 139 ]

[ وأنه يعتبر فيه لاجل كالسلم، ضعيف (1)، كالقول بعدم صحة ضمان الدين المؤجل حالا (2) أو بالنقص ودعوى ] (1) لعدم الدليل عليه بل لاقتضاء أدلة الضمان خلافه - على ما تقدم - (2) واستدل عليه باستلزامه زيادة الفرع على أصله. وفيه: ان الضمان وان كان فرع الدين، الا ان متعلقه هو نفس الدين دون الاجل، فانه امر خارج عنه ويثبت بالاشتراط في ضمنه. وبعبارة أخرى. ان الضمان متعلق بعين ما اشتغلت به الذمة ومن غير زيادة أو نقيصة، فان التقديم والتأخير امران خارجان عنه كلية على انه لو صح ما ذكر لزم منه صحته في عكسه أيضا والقول بالبطلان في ضمان الدين الحال مؤجلا، نظرا لنقصان المؤجل عن الحال في حين ان مقتضى ادلة الضمان انتقال مثل ما في ذمة المضون عنه إلى ذمة الضامن ومن غير زيادة أو نقيصة. والحال ان هذا مما لا يمكن ان يلتزم به، وليس ذلك الا لكون التقديم والتأخير خارجين عن حقيقته. ثم ان مما ذكرنا يظهر بطلان ما ذكره فخر المحققين واستحسنه العلامة (قده) في المختلف من كونه ضمان ما لا يجب نظرا لزيادة مالية الدين الحال عن مالية الدين المؤجل، وحيث ان هذه الزيادة غير واجبة على المديون ولا ثابتة في ذمته كان ضمانها من ضمان ما لم يجب. ووجه البطلان ان الضمان انما تعلق بنفس الدين من غير زيادة فيه

[ 140 ]

[ أنه من ضمان ما لم يجب، كما ترى (1). (مسألة 8): إذا ضمن الدين الحال موجلا باذن المضمون عنه فالاجل للضامن لا للدين، فلو أسقط الضامن أجله وأدى الدين قبل الاجل يجوز له الرجوع على المضمون عنه (2) لان الذي عليه كان حالا ولم يصر مؤجلا بتأجيل ] أو نقيصة، والحلول والتأجيل انما يثبتان بالاشتراط في ضمنه. ومنه يظهر جواز اختلاف الاجلين من حيث الزيادة والنقيصة. إذن: فالصحيح هو ما ذهب إليه الماتن (قده) وفاقا للمشهور من جواز ضمان الدين المؤجل حالا. (1) لما تقدم من الوجه في بطلانها. (2) لاداء دينه بأذنه، والضمان وان كان مؤجلا الا أن الاجل حق للضامن لا له، إذ المفروض كون دينه حالا وهو وان سقط بالضمان الا أن أمره وإذنه فيه أوجب الضمان فيصح الرجوع عليه على تقدير الاداء متى ما حصل. والحاصل: ان الاجل انما هو بالنسبة إلى الضمان لا الدين فانه حال ولا ملازمة بينهما من هذه الجهة. نعم لو كان إذنه في الضمان مقيدا بكون الاداء في وقت كذا - حيث لا مانع من تقييده أو تعليقه - كان اداء الضامن له قبل ذلك الوقت تبرعا محضا فليس له الرجوع عليه بعد الاجل فضلا عما قبله

[ 141 ]

[ الضمان. وكذا إذا مات قبل انقضاء أجله وحل ما عليه وأخذ من تركته يجوز لوارثه الرجوع على المضمون عنه واحتمال صيرورة أصل الدين مؤجلا حتى بالنسبة إلى المضمون عنه ضعيف (1). (مسألة 9): إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن كذلك، فمات وحل ما عليه وأخذ من تركته ليس لوارثه الرجوع على المضمون عنه الا بعد حلول أجل اصل الدين، لان الحلول على الضامن بموته لا يستلزم الحلول (2) على المضمون عنه وكذا لو أسقط أجله وأدى الدين قبل الاجل ] إذ المقيد عدم بانعدام قيده. الا ان هذا خارج عن محل الكلام. (1) وهو مشكل جدا، إذ لا وجه لجواز امره بذلك الاداء، فان المفروض انه انما امر الضامن بأداء دينه المؤجل في حينه، فما لم يكن الاداء كذلك - سواء أكان ذلك بفعل الضامن نفسه أم غيره - لم يكن للمؤدي الرجوع عليه. لانهما في الواقع عقدان مستقلان فلا وجه لاثبات الاجل المأخوذ في احدهما في الآخر. (2) لما عرفته من اختلاف العقدين حقيقة وعدم الملازمة بينهما في الاجل والحلول.

[ 142 ]

[ لا يجوز له الرجوع على المضمون عنه الا بعد انقضاء الاجل (1). (مسألة 10): إذا ضمن الدين المؤجل حالا بأذن المضمون عنه فان فهم من إذنه رضاه بالرجوع عليه يجوز للضامن ذلك، والا فلا يجوز الا بعد انقضاء الاجل (2) الاذن في الضمان أعم من كونه حالا. (مسألة 11): إذا ضمن الدين المؤجل بأقل من أجله وأداه ليس له الرجوع على المضمون عنه إلا بعد انقضاء أجله (3). وإذا ضمنه بأزيد من أجله فأسقط الزائد وأداه جاز له الرجوع عليه، على ما مر من أن أجل الضمان ] (1) إذ لا وجه لجواز رجوعه عليه بعد عدم تعلق أمره بذلك الاداء بالمرة، فانه انما امره بأداء دينه المؤجل في حينه فما لم يكن الاداء كذلك لم يكن له الرجوع عليه. وبعبارة أخرى: ان اصل الاداء وان كان بامر من المضمون عنه الا ان خصوصية التقديم لما لم تكن بامره لم يكن للضامن الرجوع عليه قبل الاجل فالحلول زيادة من الضامن لم يلتزم به المضمون عنه. (2) لكون الحلول حينئذ زيادة من الضامن نفسه، فلا يلزم به المضمون عنه. (3) لما تقدم.

[ 143 ]

[ لا يوجب صيرورة أصل الدين مؤجلا. وكذا إذا مات بعد انقضاء أجل الدين قبل إنقضاء الزائد فاخذ من تركته فانه يرجع على المضمون عنه (1). (مسألة 12): إذا ضمن بغير إذن المضمون عنه برئت ذمته، ولم يكن له الرجوع عليه وان كان اداؤة باذنه أو أمره (2) الا أن يأذن له في الاداء عنه تبرعا منه في وفاء دينه، كأن يقول: (أذ ما ضمنت عني وأرجع به علي) على اشكال (3) في هذه الصورة أيضا من حيث ان مرجعه حينئذ إلى الوعد الذي لا يلزم الوفاء به، وإذا ] (1) لما عرفته من كون الاجل للضمان دون الدين، فلا يجوز للمضمون عنه تأخير دفعه بعد أداء الضامن له عند حلول أجله وان بقي من أجل الضمان ما بقي. (2) لكونه أمرا له بما اشتغلت ذمته - الضامن - به، نظير أمر الغير بأداء الدين الثابت عليه - المأمور - في نفسه، فانه لا يوجب الضمان قطعا لكونه أمرا بما هو واجب عليه في نفسه ومع قطع النظر عن الامر. (3) الظاهر أنه لا وجه للاستشكال في المقام وليس مرجع الامر هذا إلى الوعد، وانما مرجعه إلى انابة المضمون عنه الضامن في أداء الضمان عنه تبرعا وكأنه هو الذي باشر ذلك بنفسه، فانه موجب

[ 144 ]

[ ضمن باذنه فله الرجوع عليه بعد الاداء (1) وان لم يكن باذنه لانه بمجرد الاذن في الضمان اشتغلت ذمته من غير توقف على شئ، نعم لو إذن له في الضمان تبرعا فضمن ليس له الرجوع عليه، لان الاذن على هذا الوجه كلا إذن. (مسألة 13): ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه في صورة الاذن الا بعد اداء مال الضمان (2) على المشهور بل الظاهر عدم الخلاف فيه وانما يرجع عليه بمقدار ما أدى، فليس له المطالبة قبله، اما لان ذمة الضامن وان اشتغلت حين الضمان بمجرده الا ان ذمة المضمون عنه ] للضمان ورجوع النائب على الآمر بلا خلاف. وبعبارة أخرى: ان حال الضامن في المقام هو حال الاجنبي الثالث الذي يؤمر بأداء ما على زيد من الديون نيابة عن الآمر، فانه لا فرق بين الضامن وغيره من هذا الناحية وهما على سواء فيها فكما ان أمر الاجنبي بذلك يوجب الضمان وجواز رجوع المأمور بعد الاداء إلى الآمر فكذا الحال في الضامن أيضا لوحدة الملاك وهو الامر باتلاف مال محترم بالنيابة عنه وكأنه هو المباشر له. (1) بلا اشكال فيه ولا خلاف، وتدل عليه الروايات الكثيرة الواردة في المقام. (2) لما تقدم.

[ 145 ]

[ لا تشتغل الا بعد الاداء وبمقداره، واما لانها تشتغل حين الضمان لكن بشرط الاداء، فالاداء على هذا كاشف عن الاشتغال من حينه، واما لانها وان اشتغلت بمجرد الضمان الا أن جواز المطالبة مشروط بالاداء. وظاهرهم هو الوجه الاول. وعلى اي حال لا خلاف في أصل الحكم وان كان مقتضى القاعدة جواز المطالبة واشتغال ذمته من حين الضمان (1) في قبال اشتغال ذمة الضامن سواء أدى أم لم يؤد. فالحكم المذكور على خلاف القاعدة ثبت ] (1) بل مقتضى القاعدة هو الاول، إذ لا بد في اشتغال ذمة الغير من سبب له من عقد أو اتلاف أو تلف في بعض الموارد - وإلا فالضمان من غير سبب وموجب لا يمكن تصحيحه بوجه - ومن هنا فحيث ان الامر بالضمان واقدام الضامن عليه، لا يعني إلا براءة ذمة المدين من الدين واشتغال ذمة الضامن به، فلا وجه للقول باقتضاءه بنفسه للضمان واشتغال ذمة المضمون عنه تجاه الضامن إذ لا ملازمة بينهما بالمرة. ودعوى استلزام ذلك لتضرر الضامن فيشمله حديث لا ضرر. واضحة الفساد لما عرفت من قصور هذا الدليل عن شمول موارد الاقدام على الضرر - كما نحن فيه -. بل الضمان انما يثبت في موارد اداء الضامن للدين بالسيرة العقلائية

[ 146 ]

[ بالاجماع وخصوص الخبر: (عن رجل ضمن ضمانا ثم صالح عليه، قال: ليس له الا الذي صالح عليه (1) بدعوى الاستفادة منه أن ليس للضامن الا ما خسر. ويتفرع على ما ذكروه: ان المضمون له لو أبرء ذمة ] القطعية فان مقتضاها - حتى مع الاغماص عن النصوص - لزوم جبران الآمر للخسارة والنقص الواردين على مال الضامن المستندين إلى أمره، فان هذه الناحية هي العمدة في الدليل على اشتغال ذمة المضمون عنه للضامن في المقام. هذا مضافا إلى كون هذا المطلب هو المستفاد من النصوص الواردة في المقام على ما ستعرف بيانه. (1) وهو موثق عمر بن يزيد قال: " سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل ضمن عن رجل ضمانا ثم صالح عليه، قال: ليس له الا الذي صالح عليه " (1). ونحوه موثقة ابن بكير (2). حيث ان السمتفاد من قوله (ع) (ليس له الا ما صالحه عليه) كون المصالحة واداءه للاقل هي السبب في الضمان واشتغال ذمة المضمون عنه له، وهو ما يعني براءة ذمته قبل المصالحة والاداء كما هو واضح


(1) الوسائل: ج 13 باب 6 من أبواب احكام الضمان، ح 1، (2) الوسائل: ج 13 باب 6 من ابواب احكام الضمان، ح 2.

[ 147 ]

الضامن عن تمام الدين ليس له الرجوع على المضمون عنه أصلا (1) وان أبرأه من البعض ليس له الرجوع بمقداره وكذا لو صالح معه بالاقل - كما هو مورد الخبر - وكذا لو ضمن عن الضامن ضامن تبرعا فأدى، فانه حيث لم يخسر بشئ لم يرجع على المضمون عنه وان كان باذنه (2). وكذا لو وفاه عنه غيره تبرعا. (مسألة 14): لو حسب المضمون له على الضامن ما عليه خمسا أو زكاة أو صدقة، فالظاهر أن له الرجوع على المضمون عنه (3)، ولا يكون في حكم الابراء. ] والا لكان الحكم اسقاطا لما ثبت في ذمة الغير وهو ما يأباه ظاهر النص. حيث لم يخسر الضامن نتيجة لضمانه شيئا، فلا يكون له الرجوع عليه. (2) لما عرفته من ان العبرة انما هي بأداءه وخسارته لا بأصل الضمان. (3) إذ المستحق يملك ما في ذمته أولا بالاحتساب ثم يسقط الدين بحيث يكون السقوط متفرعا على الملكية، وبذلك فيكون التلف من ماله والخسارة عليه لانه الذي أداه بماله الذي ملكه خمسا أو زكاة أو صدقة، فيصح له الرجوع عليه.

[ 148 ]

[ وكذا لو أخذه منه ثم رده عليه هبة (1). وأما لو وهبه ما في ذمته فهل هو كالابراء أو لا؟ وجهان (2). ولو مات المضمون له فورثه الضامن لم يسقط جواز الرجوع به على المضمون عنه (3). ] (1) بلا اشكال فيه، إذ الضامن قد خسر الدين بأدائه للمضمون له. فيكون له الرجوع على المضمون عنه على طبق القاعدة وملكيته للمال ثانيا ملكية جديدة وفائدة أجنبية من الخسارة السابقة فلا وجه لمنعها من الرجوع عليه. (2) أقواهما الثاني، إذ لا مانع من ملكية الانسان لما في ذمته هبة كما لا مانع من ملكيته لما فيها بالاجارة أو الارث. والقبض المعتبر في الهبة متحقق أيضا لكونه مسلطا على ذلك المال باعتبار انه في ذمته لا في ذمة الغير. ومن هنا فيعتبر هذا في الحقيقة تمليكا له لا ابراءا لذمته، وعليه فيصح له الرجوع على المضمون عنه لان الخسارة قد وقعت في ماله والسقوط كان بعد تملكه لذلك المال. نعم لو بنينا على عدم صحة الهبة في الذمة وان الانسان لا يملك ما في ذمة نفسه، تعين الحكم بعدم جواز رجوعه عليه، لانحصار القضية - حينئذ - في الابراء المحض. (3) لكونها خسارة واردة عليه بسب الضمان، لان انتقال ما في

[ 149 ]

[ (مسألة 15): لو باعه أو صالحه المضمون له بما يساوي أقل من الدين، أو وفاه الضامن بما يساوي أقل منه، فقد صرح بعضهم بأنه لا يرجع على المضمون عنه الا بمقدار ما يساوي. وهو مشكل بعد كون الحكم على خلاف القاعدة (1) وكون القدر المسلم غير هذه الصور، ] ذمته إليه بمنزلة الاداء فيرجع به عليه. بل وكذا لو كانت ملكيته له بعقد كما لو استأجره المضمون له على عمل بما في ذمته من المال أو كان الضامن إمرأة فتزوجها المضمون له جاعلا ما في ذمته صداقا لها، فان له الرجوع عليه جزما، لثبوت ملكية الضامن لذلك المال الثابت في ذمته في مرحلة سابقة على سقوط الدين وحصول البراءة، فانه يملكه أولا بالعقد ثم يسقط عنه الدين قهرا. وبهذا يصدق عليه أنه خسر ذلك المال لخسارته لمقداره في قبال عمله الذي أداه أو صداقها في النكاح. والحاصل: أنه يصح للضامن الرجوع على المضمون عنه كلما صحت نسبة الخسران الناشئ من الضمان إليه بحيث يكون واردا على ماله ومأخوذا منه بلا فرق في ذلك بين الصور جمعاء. (1) وفيه: ما عرفته في محله من كون الحكم على القاعدة حيث لا موجب لاثبات الضمان قبل الاداء، فان الامر انما يوجبه بشرط

[ 150 ]

[ وظاهر خبر الصلح الرضا من الدين باقل منه (1)، لا ما إذا صالحه بما يساوي أقل منه. وأما لو باعه أو صالحه أو وفاه الضامن بما يساوي أزيد فلا إشكال في عدم جواز الرجوع بالزيادة (2). (مسألة 16): إذا دفع المضمون عنه إلى الضامن مقدار ما ضمن قبل أدائه، فان كان ذلك بعنوان، الامانة ليحتسب بعد الاداء عما عليه، فلا اشكال ويكون في يده ] الوفاء خارجا باعتبار ان الخسارة تكون عليه - حينئذ - بالسيرة القطعية. (1) وفيه: انه لا وجه له، فان النص مطلق ومقتضى قوله " صالح عليه " عدم الفرق كون ما صالح به من جنس الدين كي يستلزم الاسقاط والرضا من الدين بأقل منه، وبين كونه من غير جنسه فيكون وفاءا له. نعم النص مختص بالصلح ولا يعم البيع الا أنه لا ينبغي الشك في عدم الخصوصية له وكون العبرة بما يخسره الضامن للمضمون له نتيجة للضمان. إذن: فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من كون رجوع الضامن على المضمون عنه - في المقام - بمقدار ما يسوى لا مقدار الدين. (2) لان أمر المضمون بالضمان لا يوجب الا ضمانه عند أداء المأمور له بمقدار ما أمر به، وأما الزائد عنه فلما لم يكن عن أمره

[ 151 ]

[ امانة، لا يضمن لو تلف الا بالتعدي أو التفريط (1). وان كان بعنوان وفاء ما عليه، فان قلنا باشتغال ذمته حين الضمان وان لم يجب عليه دفعه الا بعد أداء الضامن، أو قلنا باشتغاله حينه بشرط الاداء بعد ذلك على وجه الكشف فهو صحيح ويحتسب وفاءا، لكن بشرط حصول الاداء من الضامن على التقدير الثاني، وان قلنا: انه لا تشتغل ذمته الا بالاداء وحينه - كما هو ظاهر المشهور - (2) فيشكل صحته وفاءا، لان المفروض عدم اشتغال ذمته بعد فيكون في يده كالمقبوض بالعقد الفاسد (3)، وبعد الاداء ] كان الضامن متبرعا به ومعه فلا يصح له الرجوع عليه (1) على ما تقتضيه قواعد الامانة. (2) وتقتضيه القواعد - على ما عرفت -. (3) كما هو الحال فيما لو دفع إلى غيره مالا بتوهم كونه مدينا له، فانه لا يعد وفاءا لعدم مصادفته لاشتغال الذمة، بل يبقى المال على ملك مالكه الاول - الدافع - ويكون في يد الثاني من قبيل المقبوض بالعقد الفاسد، فيكون تصرفه فيه موجبا للضمان نظرا لكونه تصرفا في مال الغير بغير حق، كما هو الحال في سائر موارد المقبوض بالعقد الفاسد.

[ 152 ]

[ ليس له الاحتساب الا باذن جديد أو العلم ببقاء الرضا به (1). ] (1) ظاهر تقييده (قده) للحكم بالعلم ببقاء الرضا به، عدم كفاية الاستصحاب في مورد الشك. وهو الصحيح إذ لا مجرى للاستصحاب في المقام، لتبدل الموضوع فان ما كان متيقنا في السابق - الاذن في احتسابه في ذلك الوقت - لا أثر له بالفعل لفوات ظرفه، وما له أثر بالفعل - الاذن في الاحتساب بعد الاداء - لم يكن ثابتا في زمان كي يستصحب إلى حالة الشك، فهو نظير إذن زيد لعمرو في سكنى دار لم يكن يملكه حين الاجازة ثم ملكه، فانه لا مجال للقول بكفايته لسكناه بالفعل لاستصحاب بقاءه، فان ماكان ثابتا في السابق لا أثر له بالمرة لكونه في غير محله، وما ينفع بالفعل لم يكن ثابتا في زمان كي يستصحب بقاءه. وبعبارة أخرى: ان الاعراض والافعال تختلف عن الجوهر في تعددها وتغايرها بحسب الازمنة، فالقيام في هذا اليوم والقيام في اليوم السابق فردان من القيام مختلفان بخلاف وجود زيد في هذا اليوم ووجوده في اليوم السابق فانهما ليسا بوجودين مختلفين وانما هما وجود واحد لشخص واحد. ومن هنا: فلا مجال لاجراء الاستصحاب في الاول واثبات الفعل الثابت في الزمان السابق يقينا في الزمان المشكوك، بخلاف الثاني حيث لا مانع من التمسك بالاستصحاب لاثباته في الزمان المشكوك.

[ 153 ]

[ (مسألة 17): لو قال الضامن للمضمون عنه: (ادفع عني إلى المضمون له ما علي من مال الضمان) فدفع برئت ذمتها معا، أما الضامن: فلانه قد أدى دينه، وأما المضمون عنه: فلان المفروض ان الضامن لم يخسر. كذا قد يقال: والاوجه أن يقال: ان الضامن حيث أمر المضمون عنه بأداء دينه فقد اشتغلت ذمته بالاداء (1). والمفروض أن ذمة المضمون عنه أيضا مشغولة له، حيث أنه أذن له في الضمان. فالاداء المفروض موجب لاشتغال ذمة الضامن من حيث كونه بأمره، ولاشتغال ذمة المضمون عنه حيث ان الضمان باذنه، وقد وفي الضامن (2). فيتهاتران، أو يتقاصان (3) واشكال صاحب الجواهر في اشتغال ذمة ] وحيث ان الاحتساب من الافعال، يكون متعددا بحسب الزمان لا محالة فالاحتساب في هذا الزمان غير الاحتساب في الزمان السابق ومغاير له فلا يمكن احرازه في الزمان المشكوك بالاستصحاب. (1) لان الامر بالدفع لا على وجه المجانية موجب للضمان بالسيرة العقلائية القطعية - على ما عرفته غير مرة مفصلا -. (2) بدفع المضمون له للدين بأمره، فانه يجعل الاداء مستندا إليه وكأنه هو الذي باشره بنفسه. (3) التعبير بالتقاص من سهو القلم أو غلط النساخ جزما. إذ

[ 154 ]

لا موضوع له في المقام بالمرة لاختصاصه بمورد ظلم من عليه الحق وهو غير متصور في المقام لحصول التهاتر القهري بين الدينين وفراغ الذمتين معا بالنتيجة. وحمله عليه بان يقال أن المراد به هو التهاتر القهري وقد جئ به تأكيدا انما يتم فيما إذا كان العطف بالواو - كما هو الحال في عبارة المسالك - فلا يمكن القول به فيما نحن فيه حيث كان العطف ب‍ " أو ". وكيف كان: فما أفاده (قده) إنما يتم في فرض تماثل الدينين من جميع الجهات، بان يكونا معا حالين أو مؤجلين إلى أجل متحد فلو فرض اختلافهما من بعض النواحي بان كان احدهما حالا والآخر مؤجلا أو كانا مؤجلين واختلف أجلهما لم يكن للتهاتر موضوع أصلا كما هو الحال في غير الضمان أيضا، فان المتلف لمال مدينه بالدين المؤجل يخسر بدل التالف حالا وينتظر بدينه إلى أجله - كما هو أوضح من أن يخفى -. وعليه ففيما نحن فيه إنما يصح القول بالتهاتر في صورة تماثل الدينين خاصة، فلو اختلفا ولو من حيث الحلول والتأجيل أو مقدار الاجل بان كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن كذلك ثم أسقط الاجل وأمر المضمون عنه بالادا حالا، فلا مجال للتهاتر بل يرجع المضمون عنه على الضامن بما أداه بأمره، في حبن ينتظر الضامن في الرجوع عليه

[ 155 ]

[ الضامن بالقول المزبور (1) في غير محله (2). (مسألة 18): إذا دفع المضمون عنه إلى المضمون له من غير إذن الضامن برئا معا (3). كما لو دفعه أجنبي عنه. ] حلول الاجل، كما هو الحال فيما لو باشر الضامن الاداء بنفسه - على ما تقدم في المسألة العاشرة -. (1) قال في الجواهر ردا على التزام المسالك بالتهاتر القهري. ما هذا لفظه: " وفيه: ان اداء دين الضامن المأذون بمال المضمون عنه باذن الضامن لا يقتضي اشتغال ذمة الضامن بمثله، إذ ليس هو قد صار بذلك قرضا عليه مع عدم قصده، وعدم توقف وفاء الدين على كونه مملوكا للمديون، كما أنه لا يستحق رجوعا على المضمون عنه لعدم حصول الاداء منه فلا تقاص حينئذ، لعدم ثبوت المالين في ذمة كل منهما فتأمل " (1). (2) لعدم توقف ذلك على عنوان القرض كي يرد عليه انه غير مقصود، فان الامر بالاتلاف لا على نحو المجانية موجب لضمان الآمر بالسيرة العقلائية القطعية فيثبت اشتغال ذمة كل منهما تجاه الآخر، فيحصل التهاتر قهرا. (3) أما الضامن فلاداء الدين من قبل غيره، واما المضمون عنه


(1) كتاب الجواهر ج 26 ص 155.

[ 156 ]

[ (مسألة 19): إذا ضمن تبرعا فضمن عنه ضامن باذنه وأدى ليس له الرجوع على المضمون عنه (1)، بل على الضامن (2). بل وكذا لو ضمن بالاذن فضمن عنه ضامن باذنه (3)، فانه بالاداء يرجع على الضامن، ويرجع هو على المضمون عنه الاول (4). (مسألة 20): يجوز أن يضمن الدين بأقل منه برضا المضمون له (5). وكذا يجوز أن يضمنه باكثر منه (6). ] فبراءة ذمته انما هي بمعنى عدم رجوع الضامن عليه بالمال، والا فذمته بريئة بنفس الضمان - على ما عرفته في أول الكتاب -. (1) الاول حيث لم يكن ضمانه عن أمره وإذنه. (2) لكونه ضمانه باذنه فيرجع عليه بعد الاداء لاقتضاء الامر لذلك. (3) حيث لم يكن ضمان هذا - الضامن الثاني - بأذنه، وان كان ضمان الضامن الاول باذنه، فلا يكون له حق الرجوع عليه. (4) على ما تقتضيه قاعدة الضمان بالاذن فان كلا منهما يرجع على خصوص الذي أمره بذلك. (5) بلا إشكال فيه، ومرجعه إلى اسقاط المضمون له للزائد، وكأنه قد رضى ببراءة ذمة المدين عن ذلك المال في قبال اشتغال ذمة الضامن بالاقل. (6) للمناقشة في صحته مجال واسع، بل الظاهر عدم صحته، فان

[ 157 ]

الضمان - على ما تقدم في أول الكتاب - ليس الا نقل الدين من ذمة إلى ذمة اخرى، وهو لا يقتضى إلا إشتغال ذمة الضامن بما اشتغلت به ذمة المضمون عنه، فيبقى الاشتغال الزائد بلا موجب يقتضيه، فلا يصح بعنوان الضمان. ودعوى: رجوعه إلى اشتراط الزيادة للمضمون عنه، بان يكون قبوله للضمان مشروطا بتحمله للزيادة. مدفوعة: بان ثبوتها ان كان على نحو شرط النتيجة، ففيه: انه بلا موجب حيث ان اشتراط الاشتغال بلا سبب من بيع أو نحوه لا يوجب الاشتغال بما اشترط. وان كان على نحو شرط الفعل بان يلزمه دفع مقدار زائد على الدين في مقام الاداء، ففيه: أنه ان صح فلا يوجب اشتغال ذمته بأكثر من الدين، فان اشتراط الفعل لا يوجب الا الحكم التكليفي ولزوم الوفاء به، ومن الواضح أنه أجنبي عن اشتغال ذمته بالمشروط بالفعل. على أنه غير صحيح في نفسه، باعتبار ان مرجعه إلى اشتراط الزيادة في الدين وهو ربا محرم، إذ لا فرق في اشتراط الزيادة بين كونه بازاء بقاء الدين في ذمة المدين وبين كونه بازاء نقله إلى ذمة أخرى فان الكل ربا محرم. إذن: فالصحيح عدم صحة هذا الضمان بقول مطلق سواء أكانت

[ 158 ]

[ وفي الصورة الاولى لا يرجع على المضمون عنه مع أذنه في الضمان الا بذلك الاقل (1) كما أن في الثانية لا يرجع عليه الا بمقدار الدين (2)، الا إذا أذن المضمون عنه في الضمان بالزيادة (3). (مسألة 21): يجوز الضمان بغير جنس الدين (4) ] الزيادة مأخوذة على نحو الاشتراط أم على نحو اقتضاء الضمان بنفسه لها. (1) إذ الزائد عنه قد سقط باسقاط المضمون له ولم يخسره الضامن فلا وجه لرجوعه به عليه. (2) لخروجه عن مورد إذنه. (3) لاقتضاء الامر ذلك بالسيرة العقلائية القطعية - على ما تقدم بيانه غير مرة -. (4) على إشكال تقدم في الضمان بالزيادة، إذ لا موجب لاشتغال ذمة الضامن بغير ما اشتغلت ذمة المضمون عنه. والحاصل: انه لا فرق في الزيادة الممنوعة في الضمان بين كونها في مقدار المال أو خصوصية من خصوصياته، فان اثبات كل منهما في ذمة الضامن من اثبات أمر زائد عما شتغلت به ذمة المضمون عنه، ومن هنا فلا تشمله أدلة الضمان ولا يكون بعنوانه، وحيث لا طريق غيره لاثباته فلا محيص عن الالتزام ببطلانه.

[ 159 ]

[ كما يجوز الوفاء بغير الجنس (1)، وليس له ان يرجع على المضمون عنه الا بالجنس الذي عليه (2) الا برضاه. (مسألة 22): يجوز الضمان بشرط الرهانة، فيرهن بعد الضمان (3) ] (1) بلا اشكال فيه على ما تقتضيه الادلة والقواعد. (2) والظاهر ان الوفاء من غير جنس الدين إن كان بامر المضمون عنه، كان للضامن الرجوع عليه بما أداه لاقتضاء الامر لذلك بالسيرة العقلائية - كما عرفت -. وان لم يكن بأمره فليس له الرجوع عليه بغير جنس الدين فان الخصوصية هذه - الجنس - انما كان عن تبرع الضامن محضا ولم تكن متعلقة لامر المضمون عنه في وقت فانه لم يأمر الا بأداء أصل الدين. نعم لو كان ثمن ما أداه من الجنس بدلا عن الدين أقل منه لم يكن له الرجوع إلا بمقدار ما صالحه عليه واداه، وليس له أخذ التفاوت، فانه لم يخسره كي يكون له الرجوع به عليه. (3) ظاهر كلامه (قده) فرض صحة ذك أمرا مفروغا عنه، لكنه لا يخلو عن اشكال بل منع. فان مرجعه ان كان إلى تعليق الضمان بالشرط المتأخر - الرهان - فهو باطل جزما، إذ التعليق مبطل لجميع العقود الا ما خرج بالدليل

[ 160 ]

كالوصية والتدبير. وان كان مرجعه إلى تعليق التزامه بالضمان على ذلك الفعل بحيث يكون التزامه به منوطا ومشروطا بتحقق الفعل خارجا والذي يرجع إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير التخلف كما هو الغالب والمتعارف في موارد أخذ الافعال شرطا في العقود، فهو باطل أيضا لما تقدم في المسألة الخامسة من هذا الكتاب من عدم قابلية عقد الضمان لجعل الخيار فيه نظرا إلى تجاوز الحق فيه لطرفيه. فان الامر لا يتعلق بالضامن والمضمون له خاصة كي يقررا ما شاءا، وإنما هو متعلق بالمضمون عنه أيضا حيث يستلزم الضمان براءة ذمة، فان اشتغالها ثانيا لمجرد رضا أحد الطرفين أو هما معا به أمر يحتاج إلى الدليل وهو مفقود. نعم لو رجع هذا الاشتراط إلى مجرد الحكم التكليفي المحض ووجوب الوفاء على المشروط عليه وجواز الزامه به - كما هو الحال في الاشتراط في ضمن عقد النكاح - بحيث يكون رضا المشروط له بالعقد معلقا على التزام المشروط عليه بالشرط ولكن من غير ثبوت خيار له على تقدير التخلف، فلا بأس به. ولا يرد عليه انه من تعليق اصل العقد، فانه لا يقتضي البطلان مادام ان التعليق انما هو على أمر حاصل بالفعل - الالتزام -. الا انه خلاف المتعارف والشائع في العقود جدا، فلا يمكن حمل

[ 161 ]

[ بل الظاهر جواز اشتراط كون الملك الفلاني رهنا بنحو شرط النتيجة في ضمن عقد الضمان (1). ] الاشتراط عليه إلا بالاحراز ولو من جهة نصب القرينة عليه أو التصريح به: (1) بلا اشكال في صحة، لما عرفته مرارا من أنه كلما كان للمكلف انشاءه مستقلا وايجاده بالفعل من غير اعتبار سبب خاص فيه، كان له انشاءه بالشرط في ضمن عقد آخر، إذ لا يعتبر في الانشاء إلا الاعتبار النفساني المقرون بالمبرز خارجا كيف ما كان ومن غير تقييد بكونه انشاءا مستقلا أو شرطا في ضمن عقد من العقود. وهو متحقق في المقام، فانه لا يعتبر في عقد الرهن انشاءه بالصيغة واللفظ فضلا عن اعتبار صيغة خاصة فيه، بل يكفي في تحققه مجرد اعتباره في النفس مع ابرازه بمبرز ما ولو كان هو الشرط في ضمن العقد. نعم هذا لا يجري في العقود التي يعتبر في انشائها لفظا مخصوص كالنكاح والطلاق ونحوهما، فلا يصح انشاؤها باشتراطها في ضمن عقد آخر على نحو شرط النتيجة. ثم ان كلام الماتن (قده) وان كان مختصا باشتراط المضمون له الرهانة على الضامن بحيث لم يكن يقبل بضمانه إلا بها - كما يظهر ذلك من قوله (قده): " فيرهن بعد الضمان " - إلا أن الظاهر

[ 162 ]

[ (مسألة 23): إذا كان على الدين الذي على المضمون عنه رهن فهل ينفك بالضمان أو لا؟ يظهر من المسالك والجواهر انفكاكه (1)، لانه بمنزلة الوفاء. لكنه لا يخلو عن اشكال. هذا مع الاطلاق، وأما مع اشتراط البقاء ] عدم اختصاص الحكم به وجريان الكلام بعينه في اشتراط الضامن الرهانة على المضمون عنه بحيث لا يقبل بضمان دينه إلا بعدها، فيجري فيه ما تقدم في الفرض الاول من التفصيل بين شرط الفعل وشرط النتيجة. (1) وهو الصحيح: لتعدد الدين في المقام، فان ما في ذمة الضامن من الدين ليس هو ما كان في ذمة المضمون عنه قبل الضمان، بل هما فردان متغايران غاية الامر ان احدهما يقوم مقام الآخر بمعنى سقوط دين المضمون عنه وانعدامه بازاء حدوث الدين الجديد في ذمة الضامن. والتعبير بانتقال الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن تعبير مسامحي جزما فان الموجود في ذمته بالفعل ليس هو الدين الاول والذي كان ثابتا في ذمة المضمون عنه بحيث يكون قد انتقل من مكان إلى آخر، وإنما هو فرد جديد وجد بعد انعدام الاول وسقوطه. وحيث ان الرهن انما كان بازاء الاول والمفروض ارتفاعه وسقوطه فلا محيص عن القول بانفكاكه وارتفاعه أيضا لانتفاء موضوعه.

[ 163 ]

[ أو عدمه فهو المتبع (1). (مسألة 24): يجوز اشتراط الضمان في مال معين على وجه التقييد (2) ] ولعل إلى هذا يشير صاحب الجواهر (قده) بقوله: " لان الضمان أداء " فانه اداء بلحاظ انتفاء الدين الاول وارتفاعه فلاحظ. (1) لعموم ادلة الوفاء بالشرط. (2) لم يظهر معنى متحصل للتقييد في المقام، لانه ان رجع إلى نفس الضمان واشتغال الذمة بهذا المال بخصوصه ودون غيره، بحيث يجعل الضامن اشتغال ذمته مشروطا ومنوطا بهذا المال. ففيه: انه لا معنى لتقييد ما في الذمة بالامر الخارجي، فانهما أمران متغايران لا يصلح كل منهما مقيدا للآخر. وان رجع إلى تعليق الضمان بالاداء من هذا المال المعين، أو بجعل المضمون له قبوله للضمان معلقا على ذلك، فهو وان كان ممكنا في حد ذاته ومعقولا في نفسه، الا أنه باطل جزما لرجوعه إلى تعليق الضمان به وهو مبطل اجماعا. وبعبارة اخرى: ان تقييد شئ بشئ انما يصح فيما كان من قبيل تقييد الكليات بالافراد أو الحالات، فلا يصح في الامور الاجنبية المتباينة فانه لا معنى للتقييد فيها إلا التعليق في الايجاب أو القبول وهو مبطل في حد نفسه.

[ 164 ]

[ أو على نحو الشرائط في العقود من كونه من باب الالتزام في الالتزام (1) وحينئذ يجب على الضامن الوفاء من ذلك المال (2) بمعنى صرفه فيه وعلى الاول: إذا تلف ذلك المال يبطل الضمان (3) ويرجع المضمون له على المضمون عنه. كما أنه إذا نقص يبقى الناقص في عهدته. وعلى الثاني: لا يبطل بل يوجب الخيار (4) لمن له ] وان رجع إلى تقييد ما ينتقل إلى ذمته - المضمون - بحيث يجعله مقيدا بذلك الشئ، فهو كسابقه فان ما في الذمة أجنبي عن الاداء الذي هو فعل خارجي فلا يمكن تقييده به. والحاصل: ان التقييد لما كان في قبال الاطلاق باعتبار انه عبارة عن جعل المطلوب حصة خاصة منه، فلا يصح الا في مورد يصح فيه الاطلاق، وحيث ان اطلاق ما في الذمة بالقياس إلى الفعل الخارجي غير متصور لكونه اجنبيا عنه فلا يمكن تقييده به. (1) بان يكون التزامه بالاداء من المال المعين في ضمن التزامه بالضمان المطلق. (2) لعموم ادلة وجوب الوفاء بالشرط. (3) بل قد عرفت بطلانه حتى مع بقاء المال لعدم رجوع التقييد في مثل المقام إلى معنى محصل. (4) الا انه على خلاف المرتكزات العرفية في مثل هذه الموارد

[ 165 ]

[ الشرط من الضامن أو المضمون له أو هما. ومع النقصان يجب على الضامن الاتمام (1) مع عدم الفسخ وأما جعل الضمان في مال معين من غير اشتغال ذمة الضامن، بان يكون الدين في عهدة ذلك المال، فلا يصح (2). ] فانها انما تساعد على رجوع الشرط هذا إلى التزام الطرف المقابل به وجواز الزامه على تقدير تخلفه عنه - كما هو الحال في الشرط في عقد النكاح - من غير ان يرجع إلى جعل الخيار في شئ. على ان جعل الخيار غير متصور في الضمان، لما عرفته من عدم قابليته له نظرا لتجاوز الحق فيه لطرفيه. إذن: فالصحيح ان تلف المال المعين على تقدير الاشتراط كما لا يوجب بطلان العقد لا يوجب ثبوت الخيار لمن الشرط له، وانما غاية ما هناك وجوب الوفاء عليه بالشرط واداء الضمان من ذاك المال المعين مادام موجودا فإذا تلف اداه من غيره لتعذر الاداء من المعين. (1) لانه ضامن لجميع الدين على نحو الاطلاق. غاية الامر انه كان متعهدا بأداءه من المال المعين فإذا تلف بعضه رجع فيه بخصوصه إلى غيره لتعذر اداء ذلك المقدار من المال المعين. (2) لاستلزامه انتفاء حق المضمون له بالمرة وفراغ ذمتي الضامن والمضمون عنه معا قبل اداء الدين وهو غير معقول، لاننا إذا فرضنا فراغ ذمة المضمون عنه بأصل الضمان، وذمة الضامن لعدم اشتغالها

[ 166 ]

[ (مسألة 25): إذا أذن المولى لمملوكه في الضمان في كسبه، فان قلنا ان الضامن هو المولى - للانفهمام العرفي (1) أو لقرائن خارجية - يكون من اشتراط الضمان في مال معين وهو الكسب الذي للمولى، وحينئذ فإذا مات العبد تبقى ذمة المولى مشغولة ان كان على نحو الشرط في ضمن العقود ويبطل ان كان على وجه التقييد (2) وان انعتق يبقى ] بشئ نظرا لكون الضمان في نفس العين، وهي ما لم تؤد باقية على ملك مالكها، لزم منه انتفاء دين المضمون عنه لخلو الذمتين والعين الخارجية عنه، وهو أمر لا محصل له ولا يمكن فرضه في الخارج. والحاصل: انه لابد في الضمان من فرض اشتغال ذمة أحد بالدين قبله وبعده، فلا يصح فرضه فيما كان لازمه براءة الذمتين معا. (1) نظير أمره له بالاستدانة، حيث يفهم العرف منه كونه هو المستدين وكأنه هو المباشر له. (2) لثبوته في ذمته من بادئ الامر، وتعذر الشرط لا يوجب السقوط. فيجب عليه اداءه من سائر امواله كما هو واضح. (3) تقدم الكلام فيه في المسألة السابقة، وقد عرفت ان التقييد في مثل هذه الموارد لا يرجع إلى معنى محصل الا التعليق المبطل للعقد في حد نفسه، ومن هنا فلابد من حمله على الاشتراط لا محالة.

[ 167 ]

[ وجوب الكسب عليه (1). وان قلنا ان الضامن هو المملوك، وأن مرجعه إلى رفع الحجر عنه بالنسبة إلى الضمان، فإذا مات لا يجب على المولى شئ (2)، وتبقى ذمة المملوك مشغولة يمكن تفريغه بالزكاة ونحوها. وان انعتق يبقى الوجوب عليه (3). ] (1) عملا بمقتضى الشرط - كذا قيل -، الا أنه مشكل جدا والظاهر ان حال العتق حال الموت، فكما ينقطع سلطان المولى عن العبد ومنافعه بالموت فكذلك ينقطع بالعتق، فما يكسبه العبد بعد ذلك انما هو له وملكه ولا سلطان لمولاه عليه. ومن هنا فلا وجه لالزامه باداء دين مولاه السابق من ممتلكاته الخاصة. بل الظاهر كون المولى هو المطالب بالدين فلا بد له من اداءه من ماله، وجواز أداءه من كسب العبد انما كان ثابتا له باعتبار ملكيته له ولمنافعه، فإذا انتفى ذلك بالعتق والتحرر فلا مجال للحكم ببقاءه أيضا فانه لا يكون الا من اداء الدين بمال الغير. (2) لكون المولى أجنبيا عنه فلا يلزم به، كما هو الحال في سائر ديون العبد وضماناته غير العقدية. (3) فيجب عليه الاكتساب والخروج عن عهدة المال عملا بالشرط وتفريغا لذمته.

[ 168 ]

[ (مسألة 26): إذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد (1) فاما ان يكون على التعاقب، أو دفعة. فعلى الاول: الضامن من رضي المضمون له بضمانه (2) ولو اطلق الرضا بها كان الضامن هو السابق. ويحتمل قويا (3) كونه كما إذا ضمنا دفعة، خصوصا بناءا على اعتبار القبول من المضمون له، فان الاثر حاصل بالقبول نقلا لا كشفا. ] (1) الظاهر كون مفروض الكلام في ضمان الاثنين أو الازيد لواحد على نحو الاستقلال، لا ضمان المجموع - كما لا يبعد دعوى كونه هو المتعارف في الخارج - والا فلا ينبغي الاشكال في صحته لرجوعه إلى ضمان بعض الدين من قبل كل منهما وهو صحيح جزما، فيتعين تقسيط المال عليهم بالنسبة وعدم جواز رجوع المضمون له على أحدهم بتمامه. (2) لاعتبار رضاه في تحقق الضمان جزما وان لم نقل باعتبار قبوله. (3) بل هو المتعين، فان الضمان انما يتم برضاه أو قبوله، فقبله لا ضمان وعند تحققه يكون نسبته اليهما على حد سواء، فيجري فيه ما يجئ في ضمانهما دفعة والحاصل: ان حال هذه الاجازة حال اجازة المالك للعقدين الفضولين الواقعين على ماله على التعاقب، حيث يحكم ببطلانهما معا ومن غير ان يكون لسبق ايجاب احدهما على الآخر أثر، فان الاثر انما هو لسبق العقد على غيره لا سبق ايجابه على ايجاب غيره،

[ 169 ]

[ وعلى الثاني: ان رضي باحدهما دون الاخر فهو الضامن (1) وان رضي بهما معا ففي بطلانه - كما عن المختلف وجامع المقاصد واختاره صاحب الجواهر - أو التقسيط بينهما بالنصف أو بينهم بالثلث - ان كانوا ثلاثة - وهكذا. أو ضمان كل منهما، فللمضمون له مطالبة من شاء - كما في تعاقب الايدي - وجوه أقواها: الاخير (2). وعليه: إذا أبرء ] من غير فرق في ذلك بين القول بالنقل - كما هو الصحيح في المقام - أو الكشف - كما هو الصحيح في باب الاجازة - بناءا على ما اخترناه من الكشف الحكمي، فان الحكم انما يكون من الآن. نعم بناءا على القول بالكشف الحقيقي وجعل القبول معرفا محضا يمكن القول بصحة السابق خاصة، الا أنه احتمال غير وارد على ما عرفته في محله. (1) لتمامية الضمان بالنسبة إليه دون صاحبه. (2) بل الاول، إذ الثاني لا وجه له بالمرة. فان الضمان انما تعلق بتمام المال فلا وجه للحكم بصحة كل منهما في مقدار والبطلان في مقدار آخر، فانه ليس الا التفكيك في مدلول كل عقد بلا مبرر. وأما الاخير فهو وان كان معقولا في حد نفسه وممكنا بحسب مقام الثبوت، فانه وكما يمكن تصوره في الاحكام التكليفية - الواجب الكفائي - يمكن تصوره في الاحكام الوضعية أيضا، الا ان الكلام في الدليل عليه في مقام الاثبات، فانه لا دليل عليه بالمرة.

[ 170 ]

وقياسه على ضمان الاعيان والمنافع باطل، فان متعلق الضمان في باب تعاقب الايدي لما كان هو العين كانت مسئوليتها وبفضل عموم على اليد على من يأخذها وتصل إليه، فهي في عهدة كل من يأخذها ويكون مسئولا عنها، على ما ذكرناه في معنى ضمان الاعيان -، ومن هنا فان امكن ردها وجب والا تعين رد بدلها مثلا أو قيمة. ونسبة هذا المعنى إلى جميع الايادي سواء، فانه وبمقتضى عموم على اليد، ثابت على الاخير على حد ثبوته على الاول، فإذا أدى أحدهم بدلها ملك العين التالفة بالسيرة العقلائية. ومن هنا يكون له الرجوع على من تأخر عنه دون من تقدم عليه لانها انتقلت منه إليه فلا معنى لرجوعه عليه ببدلها أيضا، وأين هذا من ضمان ما في الذمة، حيث لا دليل على انتقال المال الواحد إلى ذمتين معا بحيث يكون ماله الواحد ثابتا في كل من الذمتين أو الذمم على نحو الاستقلال بان يكون له الرجوع اليهما معا ومطالبة كل واحد منهما بتمام ماله في عرض مطالبته للآخر. وبعبارة اخرى: لا دليل على تضاعف دين المضمون له وثبوته في كل من الذمتين، بل ان ثبوته في كل منهما ملازم لبراءة ذمة الآخر. واما ثبوته في ذمتهما على نحو البدل، نظير الواجب الكفائي، فلم يدل على صحته دليل فان الضمان على البدل كالوجوب على البدل انما يتصور على نحوين لا ثالث لهما - على ما ذكرناه مفصلا في مبحث

[ 171 ]

الواجب الكفائي من المباحث الاصولية -. الاول: ان يكون المخاطب والمكلف به هو الجامع، فان الواجب لما كان من الامور الاعتبارية صح توجيهه إلى الجامع كما يصح تعلقه به كما هو الحال في موارد الواجبات التخييرية. الثاني: ان يكون الخطاب متوجها إلى كل واحد منهما على نحو الواجب المشروط، بحيث يكون كل واحد منهما مخاطبا به على تقدير عدم اتيان الغير به. فيرجع الوجوب الكفائي إلى الوجوب المشروط. وهذان المعنيان كما يمكن تصورهما في الاحكام التكليفية يمكن تصورهما في الاحكام الوضعية أيضا، فيكون المخاطب بالضمان هو الجامع أو كل منهما على تقدير عدم اداء الآخر. الا أن الكلام في اثباته بالدليل، والظاهر عدم امكان اثابت شئ منهما، اما الاول: فواضح، فان الضمان انما صدر من كل منهما بشخصه فلا وجه لاثباته للجامع. فالذي صدر منه الضمان - الفرد - لم نقل بضمانه على الفرض، والذي نقول بضمانه لم يصدر منه ضمان، فلا وجه للالتزام به. وأما الثاني: فالامر فيه كسابقه، فان المنشأ من قبل كل من الضامنين انما هو الضمان المطلق دون المقيد بعدم اداء غيره، فحمله عليه امضاء لما لم ينشأه نظير ما ذكرناه في كتاب الاجارة فيما إذا آجر من يجب الحج عليه نفسه للحج نيابة عن غيره، حيث حكمنا

[ 172 ]

[ المضمون له واحدا منهما برئ دون الاخر (1) الا إذا علم أرادته إبراء أصل الدين لا خصوص ذمة ذلك الواحد. ] فيه ببطلان الاجارة، باعتبار انه وان امكن تصور ذلك صحيحا على نحو الترتب الا أنه خلاف ما أنشأه المنشأ، فيكون من مصاديق ما أنشأ لم يمض شرعا وما يمكن امضاءه لم ينشأ. على اننا لو فرضنا التصريح بالثاني - اعني الضمان على تقدير عدم اداء الآخر، لم ينفع ذلك، لاستلزامه التعليق المبطل للعقود. إذن: فلا دليل على صحة الضمان البدلي بجميع تقاديره. فان غاية ادلة الضمان اثبات صحة انتقال الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن واما انتقاله من ذمته إلى ذمة ما ومن غير تعيين فلم يدل على صحته دليل. والحاصل: ان القول بانتقال الدين والواحد إلى الذمتين معا وجمعا غير ممكن، واليهما على البدل وان كان ممكنا إلا انه لا دليل عليه. ومن هنا: فيتعين القول الاول والحكم بالبطلان فيهما معا كما ذهب إليه غير واحد من الاصحاب. (1) وهو يناقض ما تقدم منه (قده) في المسألة الثالثة من الحكم ببراءه الذمتين على تقدير القول بان الضمان ضم ذمة إلى ذمة. وكيف كان: فبراءة الذمتين معا بابراء احداهما هو الصحيح لما عرفته في تلك المسألة من رجوع الابراء إلى اسقاط الدين ورفع اليد

[ 173 ]

[ (مسألة 27): إذا كان له على رجلين مال، فضمن كل منهما ما على الاخر باذنه، فان رضي المضمون له بهما صح (1)، وحينئذ فان كان الدينان متماثلين جنسا وقدرا تحول ما على كل منهما إلى ذمة الاخر. ويظهر الثمر في الاعسار واليسار (2) وفي كون أحدهما عليه رهن دون الاخر، بناءا على افتكاك الرهن بالضمان. وان كانا مختلفين قدرا أو جنسا أو تعجيلا وتأجيلا أو في مقدار الاجل فالثمر ظاهر. وان رضي المضمون له باحدهما دون الاخر كان الجميع عليه (3) وحينئذ فان أدى الجميع رجع على الاخر بما أدى، حيث ان المفروض كونه مأذونا منه. ] عنه اساسا لا خصوص الضم فقط فراجع. (1) لتمامية الضمان في كل من الجانبين. (2) بناءا على ما ذهب إليه المشهور واختاره هو (قده) من ثبوت الخيار للمضمون له عند ظهور اعسار الضامن حين الضمان، فانه - وعلى هذا التقدير - لو ظهر اعسار أحد الضامنين، كان للمضمون له فسخ ضمانه خاصة بذلك يثبت المال بتمامه في ذمة صاحبه. إلا إنك قد عرفت في محله عدم تمامية هذا القول. (3) اما دين نفسه فلعدم صحة ضمانه من قبل صاحبه نظرا لعدم قبول المضمون له به، وأما دين صاحبه فلصحة ضمانه له.

[ 174 ]

[ وان أدى البعض، فان قصد كونه مما عليه أصلا أو مما عليه ضمانا فهو المتبع (1) ويقبل قوله ان ادعى ذلك (2) وأن اطلق ولم يقصد أحدهما فالظاهر التقسيط. ويحتمل القرعة. ويحتمل كونه مخيرا في التعيين بعد ذلك والاظهر الاول (3). ] (1) فان المال ماله والولاية فيه له، فله ان يعين اي الدينين شاء. (2) للسيرة العقلائية القطعية على قبول قول من له الولاية على شئ فيه، والمعروفة اختصارا في كلماتهم بقاعدة: " من ملك شيئا ملك الاقرار به ". نعم لو كذبه المضمون عنه إنتهى الامر إلى الترافع لا محالة. (3) بل هناك احتمال رابع هو أظهر الكل، وحاصله: احتسابه عما في ذمته بالاصالة خاصة وعدم رجوعه بشئ، منه على المضمون عنه. والوجه فيه: ان اشتغال الذمة بواجبين متماثلين، سواء في ذلك الواجبات التكليفية والوضعية - يكون على انحاء: - فقد يفرض عدم وجود الخصوصية لهما معا، بان يكون المطلوب من المكلف هو فردان من الطبيعي من غير تقييد بهذا أو ذاك أو تمايز بينهما، نظير من فاته يومان من رمضان أو صلاتان متماثلان من يومين أو كان عليه دينان لشخص واحد، بأن يكون قد استقرض منه مرتين.

[ 175 ]

حيث لا مايز بين الواجبين في هذه الموارد بحسب الواقع وعلم الله، بل الواجب عليه هو فردان من طبيعي ذلك الواجب من غير تحديد باحدهما دون الآخر. وقد يفرض وجود الخصوصية لاحدهما دون الآخر كما لو كان عليه صيام يومين يوم عما فاته في السنة السابقة ويوم عما فاته من السنة التى هو فيها، حيث ان الاول لا خصوصية له في حين أن من خصوصية الثاني وجوب الفدية عند عدم الاتيان به إلى رمضان القادم. وكذا الحال في دينين بازاء احدهما رهانة، حيث يكون من خصوصية ما بأزائه رهانة افتكاك الرهانة باداءه في حين لا خصوصية في أداء صاحبه. وقد يفرض وجود الخصوصية لهما معا، بان يكون المطلوب منه هو الفردين الممتازين احدهما احدهما عن الآخر. كما لو كان عليه صيام يومين يوم عن الكفارة والآخر قضاء أو كان كل منهما نيابة عن شخص معين. وعليه: فإذا أتى المكلف بأحد الواجبين الثابتين في ذمته من غير تعيين له وقصد إليه بحسب الواقع: - فان كان من قبيل الاول، سقط الواحد لا بعينه وبقي الآخر لا بعينه، إذ لا خصوصية تميز أحدهما عن صاحبه، والجامع قابل للانطباق على كل منهما، فيسقط احدهما لا محالة ويبقى الآخر، فلو كان قد صام يوما من اليومين أو ادى احد الدينين سقط يوما وبقيت

[ 176 ]

ذمته مشغولة بيوم آخر، وكذا الدين، وان كان من قبيل الثاني: تعين الاحتساب عما لا خصوصية فيه وبقاء الذمة مشغولة بذي الخصوصية، نظرا إلى ان الاحتساب من الاول لا يحتاج إلا إلى قصد أصل الطبيعي وهو حاصل، بخلاف الثاني حيث يحتاج الاحتساب عنه إلى قصد الخصوصية وهو مفقود. وبعبارة أخرى: ان الاحتساب عن ذي الخصوصية لا يكون الا مع قصده بعينه فانه من الامور القصدية وما لم يقصد لم يسقط امره ولم يتحقق امتثاله، بخلاف صاحبه حيث لا يتوقف احتسابه عنه على قصد زائد عن قصد اصل الطبيعي. فالجامع ينطبق على ما لا خصوصية فيه من الواجبين قهرا لكفاية القصد إلى أصل الطبيعي فيه، ولا ينطبق على ما فيه الخصوصية لعدم قصدها. وان كان من قبيل الثالث اختلف الحال فيه بالنظر إلى ما يقبل التقسيط وما لا يقبله. ففى الاول يتعين التقسيط كما لو ضمن لشخص دينين له على رجلين، فأدى مقدارا منه. فانه يحسب منهما لا محالة وان لم يكن قد قصد احدى الخصوصتين حين الاداء، فان دفعه عما في ذمته من قصد المجموع قهرا، لانه لم يدفعه تبرعا ومجانا. فليس هذا في الحقيقة من عدم قصد الخصوصية، بل هو من قصد الخصوصيتين

[ 177 ]

[ وكذا الحال في نظائر المسألة (1) كما إذا كان عليه دين ] معا، فيحسب عليهما لا محالة. وفي الثاني يتعين الحكم بالبطلان لعدم امكان الاحتساب عليهما بالنسبة وبطلان الترجيح بلا مرجح، كما لو كان عليه صوم يومين عن شخصين فصام يوما واحدا من غير تعيين للمنوب عنه، فانه لا محيص عن الحكم ببطلانه لعدم قابليته للتقسيط بينهما. إذا عرفت ذلك كله فحيث ان ما نحن فيه - اداء الضامن المديون لبعض المجموع من غير تعيين - من قبيل القسم الثاني - أعني وجود الخصوصية في احدهما خاصة - باعتبار ان ثبوت الرجوع على المضمون عنه من خصوصيات الاداء عنه، تعين الحكم فيه بالاحتساب عن نفسه وجعله بتمامه وفاءا عن دينه لعدم احتياجه إلا إلى اصل قصد الطبيعي. بخلاف الاداء عن الغير حيث يتوقف على قصد الخصوصية والحاصل: ان الجامع منطبق على دينه الاصلي انطباقا قهريا فيكون ما أداه وفاءا عنه وتبقى ذمته مشغولة بالدين الضماني. لان انطباقه عليه يحتاج إلى القصد وهو مفقود. ومن هنا يظهر انه لا وجه في المقام للقول بالتقسيط أو القرعة أو الرجوع في التعيين إليه، لانتفاء موضوعها بعد تعين الاحتساب عليه قهرا. (1) ظهر الحال فيها مما تقدم، فان ما ذكرناه من القاعدة سيالة فيها اجمع.

[ 178 ]

[ وعليه رهن ودين آخر لا رهن عليه فأدى مقدار أحدهما أو كان أحدهما من باب القرض والاخر ثمن المبيع، وهكذا. فان الظاهر في الجميع التقسيط. وكذا الحال إذا أبرأ المضمون له مقدار احد الدينين مع عدم قصد كونه من مال الضمان أو من الدين الاصلي. ويقبل قوله إذا أدعى التعيين في القصد (1) لانه لا يعلم الا من قبله. (مسألة 28): لا يشترط علم الضامن حين الضمان بثبوت الدين على المضمون عنه (2) كما لا يشترط العلم بمقداره (3) فلو إدعى رجل على آخر دينا فقال: " علي ] (1) بالسيرة العقلائية القطعية - على ما تقدم -. (2) على ما هو المعروف والمشهور بين الاصحاب. وقد نسب الخلاف فيه إلى بعض بدعوى استلزامه الغرر المنفي. الا إنك قد عرفت في المسألة الاولى من هذا الكتاب الاشكال منافي عموم دليل القاعدة لغير البيع، وفي صدق الغرر في المقام فراجع. هذا مضافا إلى رجوع الشك في المقدار إلى الشك في أصل الوجود بالنسبة إلى الزائد، فإذا صح الضمان في الاول صح في الثاني أيضا، ولا وجه للتفكيك بينهما. (3) لعمومات ادلة الضمان، على ما تقدم بيانه في المسألة الاولى من الكتاب.

[ 179 ]

[ ما عليه " صح. وحينئذ فان ثبت بالبينة يجب عليه أداؤه سواء كانت سابقة أو لاحقة (1)، وكذا إن ثبت بالاقرار السابق على الضمان، أو باليمين المردودة (2) كذلك (3) وأما إذا أقر المضمون عنه بعد الضمان أو ثبت باليمين المردودة فلا يكون حجة على الضامن إذا أنكره (4) ويلزم عنه بأداءه في الظاهر (5) ولو اختلف الضامن والمضمون ] (1) لعدم اختصاص حجية البينة بما يكون قبل الضمان. (2) من المضمون عنه - المنكر - على المضمون له - المدعي -. (3) اي قبل الضمان. (4) اما الاول: فلاختصاص حجيته بالمقر دون غيره فما يكون عليه يلزم باقراره، واما ما يكون له أو على غيره فلا اثر لاقراره وما نحن فيه من هذا القبيل حيث ان اقراره انما هو في حق الغير فلا وجه للقول بنفوذه. وأما الثاني: فلاختصاص اثره وحجيته بمن رد اليمين على الحالف فهو الملزم بمقتضى اليمين دون غيره. (5) اي يلزم المضمون عنه اداء المال إلى المضمون له عن الضامن ظاهرا. وقد أورد عليه في بعض الكلمات بما حاصله نفي المقتضي لهذا اللزوم، باعتبار ان اقراره هذا كالعدم للقطع بفراغ ذمته وعدم

[ 180 ]

[ له في ثبوت الدين أو في مقداره، فأقر الضامن أو رد اليمين على المضمون له فحلف، ليس له الرجوع على ] اشتغالها بشئ لانه ان كان كاذبا في اقراره فالامر واضح فانه برئ الذمة قبل الضمان وبعده، وان كان صادقا فقد برئت ذمته بانتقال ما فيها إلى ذمة الضامن بحكم الضمان. ومن هنا فمطالبة المضون له بالمال وأخذه منه ليس الا من أخذ ما يعلم بعدم استحقاقه له. وفيه: انه يمكن تقريب ما أفاده الماتن (قده) بأحد وجهين: - الاول: ان اقراره لما كان حجة في ثبوت الدين عليه أولا لزمه أداءه، نظرا إلى ان الضمان وان اقتضى نقله إلى ذمة الضامن الا أنه لما لم يكن اثبات الدين في حال سابق على الضمان بدليل معتبر ومن ثم لم يكن الضامن ملزما بأداءه، كان لازم سقوطه من المضمون عنه أيضا ذهاب مال المسلم هدرا وهو أمر لا يمكن المصير إليه فان ماله كدمه لا يذهب هدرا. ومن هنا فلابد للمضمون عنه المعترف بثبوت الدين عليه أولا الخروج عن عهدته وحيث لم يكن بدفعه عن نفسه مباشرة لاعتراف المضمون له ببراءة ذمته فلابد له من دفعه وفاءا عن الضامن، حيث به يصل المال إلى صاحبه. الثاني: الالتزام بفساد الضمان، فيبقى الدين على حاله ثابتا في

[ 181 ]

[ المضمون عنه إذا كان منكرا (1) وان كان أصل الضمان باذنه. ولابد في البينة المثبتة للدين أن تشهد بثبوته حين الضمان، فلو شهدت بالدين اللاحق أو اطلقت ولم يعلم ] ذمة المدين الاول ومن هنا فيجب عليه الاداء وفاءا. وذلك: لا لاجل توقف صحة الضمان على العلم بالدين، فأنه أمر غير صحيح، بل لاناطة صحة الضمان بثبوت الدين شرعا كاناطتها بثبوته الواقعي - وهو غير قادح لكونه تعليقا على ما يتقوم به - فانه ليس الا أخذه في العهدة وهو انما يكون فيما إذا ثبت وجوده شرعا، فما لم يثبت ذلك لم يكن المعلق عليه الضمان حاصلا فيحكم بفساده. وهذا الاحتمال وان كان هو الاوجه، الا ان من غير الخفي كون الاول هو الاوفق بعبارته (قده). (1) لعدم نفوذ اقرار الضامن أو يمينه المردودة على خصمه في المضمون عنه. ثم ان اختلاف الضامن والمضمون له في أصل ثبوت الدين وانكار المضمون عنه لذلك بعد ثبوته باقرار الضامن أو اليمين المردودة مع فرض كون الضمان بأمر الضممون عنه انما يتصور في موارد الاذن في الضمان على نحو كلي بان يقول المضمون عنه للضامن: " اضمن عني ديوني " فانه حينئذ يمكن فرض انكار المضمون عنه لدين معين مع كون أصل الضمان عن إذنه، وإلا فلو كان الاذن شخصيا بأن

[ 182 ]

[ سبقه على الضمان أو لحقه لم يجب على الضامن أداءه (1). (مسألة 29): لو قال الضامن: (علي ما تشهد به البينة) وجب عليه أداء ما شهدت بثبوته حين التكلم بهذا الكلام، لانها طريق إلى الواقع وكاشف عن كون الدين ثابتا حينه. فما في الشرائع من الحكم بعدم الصحة لا وجه له، ولا للتعليل الذي ذكره بقوله: (لانه لا يعلم ثبوته في الذمة) (2). الا ان يكون مراده في صورة اطلاق ] أذن له في ضمان الدين المعين لم يكن لهذا البحث مجال إذ لا يمكن الجمع بين الاعترف باصل الدين الناشئ من إذنه في ضمانه شخصيا مع إنكاره لاصله، والحاصل: إن إذنه - المضمون عنه - في ضمان الدين المعين الشخصي اعتراف منه به وبثبوته عليه، ومعه فلا مجال لانكاره له بعد ذلك. (1) إذ لا بد في جواز الرجوع عليه والزامه بما ضمنه من ثبوت الدين في ذمة المضمون عنه شرعا حال الضمان لينتقل به منها إلى ذمة الضامن. (2) حيث قد عرفت في المسألة السابقة عدم اعتبار علم الضامن بثبوت الدين حين الضمان. فلا بأس في الضمان على تقدير الثبوت، ولا يقدح التعليق فيه لكونه تعليقا على الموضوع والعنصر المقوم للمفهوم.

[ 183 ]

[ البينة المحتمل للثبوت بعد الضمان (1) واما ما في الجواهر من أن مراده بيان عدم صحة ضمان ما يثبت بالبينة من حيث كونه كذلك (2)، لانه من ضمان ما لم يجب حيث لم يجعل العنوان ضمان ما في ذمته لتكون البينة طريقا (3) بل جعل العنوان ما يثبت بها، والفرض وقوعه قبل ثبوته بها. فهو - كما ترى - لا وجه له (4). ] (1) بمعنى إنشاء الضمان المتأخر من الآن، فانه باطل جزما. الا انه إحتمال بعيد جدا عن ظاهر عبارته (قده) وخارج عن محل الكلام. (2) بمعنى تعلق الضمان بالدين المقيد بقيام البينة عليه، فانه من ضمان ما لم يجب، باعتبار انه غير موجود حين الضمان وإنما يحدث عند قيام البينة عليه. (3) اي لم يجعل المضمون هو الدين الواقعي على اطلاقه مع جعل البينة كاشفة له، كي يقال انه كان ثابتا وموجودا حين الضمان، وانما جعل المضمون هو الدين المقيد بقيام البينة عليه وهو لا يعقل وجوده قبل قيام البينة عليه. (4) أما أولا: فلعدم انطباق ما ذكره (قده) على ما علل به المحقق (قده) الفساد في الشرائع، فانه (قده) انما علله بعدم العلم باشتغال ذمة المضمون عنه بالدين، في حين ان مقتضى كلام

[ 184 ]

صاحب الجواهر (قده) كون اشتغال ذمة الضمون عنه بالدين حين الضمان معلوم العدم، لانه مقيد بقيام البينة وهو غير موجود حين الضمان. وبعبارة أخرى: ان تعليل صاحب الجواهر (قده) البطلان بكونه من ضمان ما لم يجب اجنبي عن عبارة المحقق (قده) فلا مجال لحملها عليه. وثانيا: ان تعليل البطلان بكونه من ضمان ما لم يجب، غير صحيح في نفسه ومع قطع النظر عن انطباقه على عبارة المحقق (قده) وعدمه. وذلك: لعدم قابلية الدين الثابت في الذمة للتقييد بقيام البينة عليه وعدمه، فان الدين الثابت في الذمة فرد واحد للدين قد تقوم عليه البينة وقد لا تقوم، وليس احدهما مغايرا للآخر كي يقال بان ما قامت عليه البينه لم يكن موجودا حين الضمان وما كان موجودا حينه لم يتعلق به الضمان. وبعبارة اخرى: ان قيام البينة على الدين لا يجعل الفرد الواحد فردين مختلفين ومتغايرين، بل هو فرد واحد يشتمل على الوصف تارة ويفقده أخرى. فيكون هذا الضمان من ضمان الدين على تقدير ثبوته، فيحكم بصحته للونه من التعليق على أمر مقوم له، ولا وجه لان يقال بانه

[ 185 ]

[ (مسألة 30): يجوز الدور في الضمان (1)، بان يضمن عن الضامن ضامن آخر، ويضمن عنه المضمون عنه الاصيل. وما عن المبسوط من استلزامه صيرورة الفرع اصلا وبالعكس (2)، ولعدم الفائدة، لرجوع الدين كما كان. مدفوع: بان الأول غير صالح للمانعية (3)، ] غير موجود حين الضمان. (1) إذ لا فرق في صحة الضمان - بحسب أدلته - بين دين وآخر سواء أكان ذلك من جهة الشراء أو القرض أو الاتلاف أو الضمان أو غيرها من الاسباب، فان ادلة الضمان شاملة للكل على حد سواء. (2) فان المدين الاول - الاصل - ينقلب فرعا في الضمان الثاني حيث يتلقى الدين من الضامن الاول، في حين أن الفرع في الاول - الضامن - يصبح أصلا لانتقال الدين منه إلى الضامن الجديد - المضمون عنه الاول -. (3) فانه كلام صوري لا محصل له، فان انقلاب الفرع أصلا وبالعكس لا يتصور في معاملة واحدة فانهما من المتضادين وهما لا يجتمعان في شخص واحد في آن واحد وبالقياس إلى معاملة واحدة وتصورهما في معاملتين وان كان أمرا ممكنا بأن يكون الاصل في المعاملة الاولى فرعا في الثانيه، إلا انه لا محذور فيه بالمرة، فيجوز لمن باع داره من زيد ثم باعه زيد من عمرو ان يشتريه منه اجماعا

[ 186 ]

[ بل الثاني أيضا كذلك (1). مع أن القاعدة تظهر في الاعسار واليسار (2)، وفي الحلول والتأجيل، والاذن وعدمه. وكذا يجوز التسلسل بلا إشكال (3). (مسألة 31): إذا كان المديون فقيرا يجوز أن يضمن عنه بالوفاء من طرف الخمس أو الزكاة أو المظالم أو نحوها من الوجوه التي تنطبق عليه (4)، إذا كانت ذمته مشغولة ] والحال انه موجب لاتصافه بالبايع والمشتري بلحاظ معاملتين. (1) فانه كيف يمكن نفي الفائدة في الثاني مع استلزامه لاشتغال ذمة المضمون عنه الاول بالدين بعد ان كانت بريئة منه؟ فان ما يملكه المضمون له ينتقل إلى ذمته ويكون هو الملزم به. فهو نظير ما لو اشترى داره ثانيا أو وهبه الموهوب له العين الموهوبة، وهل يصح ان يقال ببطلانهما لعدم الفائدة فيهما؟! (2) بناءا على ما اختاره الماتن (قده) وفاقا للمشهور من ثبوت الخيار للمضمون له عند ظهور اعسار الضامن حين العقد. وأما بناءا على ما اخترناه من عدم ثبوت الخيار، فلا مجال لهذه الثمرة. (3) لما تقدم في الدور بعينه، فان مقتضى أدلة الضمان صحة ضمان كل دين مع قطع النظر عن منشأه وسببه. (4) وفيه مالا يخفى، لانه (قده) ان اراد به كون الضمان

[ 187 ]

[ بها فعلا، بل وان لم تشتغل فعلا، على اشكال. ] على ما في ذمته من الحقوق الشرعية، بان يكون الشخص برئ الذمة ويكون المال هو المدين والمتعهد به. فقد عرفت فساده في كتاب الزكاة عند ما جوز الماتن (قده) الاقتراض للزكاة للصرف في الامور الخيرية اللازمة فتكون هي المدينة ويؤدي دينها بعد ذلك مما يحصل منها. حيث ذكرنا انه مما لا يمكن تصوره وتعقله، فان الدين والمدين أمران متغايران لا يمكن اتحادهما. فمعنى الاستدانة لها كونها هي المدينة والمكلفة بالاداء بحيث يجب عليها الوفاء مما تملكه، ومن الواضح ان هذا لا ينسجم مع كون الاداء من نفسها. وبعبارة أخرى: ان الحكم باشتغال الحقوق الشرعية بالدين لا يتلائم مع الحكم بكون الاداء منها، فان مقتضى الاول كون الاداء من غيرها في حين ان مقتضى الثاني كونها غير مدينة هي بنفسها، إذ لا يعقل اتحاد الدين والمدين. وعلى هذا الاساس كان التزامنا في تلك المسألة بلا بدية استدانة الحاكم لنفسه لكن لا بما هو هو وانما بما هو حاكم وولي وصرفه في الامور اللازمة ومن ثم تأدية دينه هذا من الزكاة. ومن هنا فلا يكون هو بما هو هو مشغول الذمة بشئ، ولذا لا يخرج شئ من ذلك من تركته، بل يكون المقام والمنصب هو

[ 188 ]

[ (مسألة 32): إذا كان الدين الذي على المديون زكاة أو خمسا جاز أن يضمن عنه ضامن للحاكم الشرعي (1) ] المتعهد بالدين. على اننا لو تعقلنا الاستدانة للزكاة وقلنا بكونها أمرا ممكنا، فلا دليل على ثبوت الولاية لغير الحاكم في ذلك. وعليه فلا وجه لما ذكره (قده) من جوازه لمن عليه الحق، فان غاية دليله ثبوت الولاية له في اخراجها واداءها خاصة، وأما جعلها هي المدينة بحيث يكون الضمان في عهدتها فلا دليل على ثبوت الولاية له فيه. وتفصيل الكلام قد تقدم في محله من المباحث الزكاة فراجع. وان اراد به كون المكلف هو المتعهد بالدين بحيث يجعل نفسه هو مشغول الذمة به، لكن على ان يؤديه من الزكاة. ففيه: انه لا يجوز له بالمرة، فانها انما تصرف في اداء دين الغارم الفقير، فلا موجب لاداء دينه منها مع كونه غنيا موسرا، وان كان المضمون عنه فقيرا، فان الدين بالفعل دينه لا دين المضمون عنه. وبالجملة: فما أفاده (قده) من جواز الضمان عن الفقير بالوفاء من الحقوق الشرعية، مما لا اساس له ولا يمكن المساعدة عليه. (1) إذ لا يعتبر في المضمون له كونه مالكا للمال، بل يكفي فيه كون

[ 189 ]

أمره بيده بحيث يكون نقله منوطا برضاه سواء أكان مالكا أو وكيلا أو وليا. وحيث ان الحاكم الشرعي ولي على الحقوق الشرعية، كفى قبوله في صحة الضمان ونقل الدين من ذمة إلى أخرى. إلا ان هذا الذي أفاده (قده) لا يتم على اطلاقه إلا في بعض الموارد، فانه إذا لم يكن الحق الثابت في ذمة المدين أمرا عباديا متوقفا على قصد القربة - كما هو الحال في الكفارات والمظالم - تم ما ذكره (قده) على اطلاقه، حيث يصح ضمان الغير له برضى الحاكم الشرعي مطلقا. وأما إذا كان الحق أمرا عباديا متوقفا على قصد القربة - كالزكاة والخمس - فلا يتم ما ذكره (قده) على اطلاقه، بل لا بد من التفصيل فيه بين الضمان التبرعي والاذني، والحكم بالبطلان في الاول والصحة في الثاني. وذلك لما ذكرناه في مبحثي الخمس والزكاة من أن أداء دين الغير وان لم يكن يتوقف على رضى المدين، فيصح أداء الغير ويكون مسقطا له لعدم الدليل على اعتبار كون المؤدى هو المدين. إلا أن هذا الكلام لا يتم في الخمس والزكاة وما يشبههما من الحقوق الشرعية باعتبار كونهما من الامور العبادية، فلا بد في ادائهما من استناد الفعل إلى من وجب عليه الحق مع قصده للقربة، ومن

[ 190 ]

[ بل ولآحاد الفقراء على اشكال (1). (مسألة 33): إذا ضمن في مرض موته، فان كان باذن المضمون عنه فلا إشكال في خروجه من الاصل، ] هنا فلا يصح التبرع بهما من الغير. نعم تعتبر فيهما المباشرة، فيجوز الاعطاء مع التسبيب والتوكيل فيأمر به قاصدا فيه القربة، كي يحصل المقومان معا - الاستناد إليه مع قصد القربة -. وعليه: ففيما نحن فيه - حيث يكون الدين أمرا عباديا - لا يصح الضمان التبرعي ولا يكون دفعه - الضامن - للمال مسقطا للواجب في ذمة المديون، إذ لا يكفي فيه مجرد الاداء الخارجي، بل المعتبر هو الاداء المقرون بالاستناد إليه مع قصد القربة، وهو أمر غير متحقق. نعم لو أمر بالضمان قاصدا القربة به صح وبرأت ذمته باداء الضامن لاستناد الفعل إليه. والحاصل: ان الصحيح هو التفصيل في المقام بين الديون الشرعية غير العبادية، فيصح ضمانها باذن الحاكم الشرعي مطلقا والديون الشرعية العبادية حيث يصح الاذني منه دون التبرعي. (1) واضح، حيث لم يظهر لجوازه وجه أصلا، فان آحاد الفقراء أجانب عن المال بالمرة، وليس لهم وكالة أو ولاية عليه فضلا

[ 191 ]

[ لانه ليس من التبرعات، بل هو نظير القرض والبيع بثمن المثل نسيئة (1). وان لم يكن باذنه، فالاقوى خروجه من الاصل كسائر المنجزات (2). نعم على القول بالثلث يخرج منه. (مسألة 34): إذا كان ما على المديون يعتبر فيه مباشرته لا يصح ضمانه (3) كما إذا كان عليه خياطة ثوب ] عن ان يكونوا مالكين له، ولذا لا تجب اجابتهم عند طلبهم له. ومعه فكيف يمكن الحكم بصحة الضمان وانتقال المال من ذمة المدين إلى ذمة غيره، بلا فرق في ذالك بين الديون العبادية وغيرها. (1) وغيرهما من التصرفات المنجزة غير المبنية على التسامح والنقيصة حيث تخرج من الاصل جزما، لكونه مالكا له وله التصرف فيه كيف شاء. (2) على ما حققناه مفصلا في محله، (3) فانه يعتبر في الضمان قابلية انتقال الدين الثابت في ذمة المديون إلى ذمة أخرى، إذ بدونها لا يتحقق مفهوم الضمان بالمعنى المبحوث عنه في المقام، وحيث ان العمل المقيد بالمباشرة غير قابل للانتقال إلى ذمة أخرى وصدوره من غير من اشترطت المباشرة عليه، باعتبار ان العمل القائم بشخص الاجير مغاير للعمل الصادر من غيره فلا يصح ضمانه.

[ 192 ]

[ مباشرة وكما إذا اشترط اداء الدين من مال معين للمديون (1) ] وبعبارة أخرى: إن الذي يقبل الانتقال من ذمة المدين إلى ذمة أخرى - وهو طبيعي العمل - غير ثابت في ذمة المدين كي ينقل إلى ذمة غيره بالضمان، وما هو ثابت في ذمة المدين - وهو العمل المقيد بالمباشرة غير قابل للانتقال إلى ذمة الغير وصدوره منه. (1) فانه غير قابل للانتقال إلى ذمة الغير، إذ لا يعقل اشتغال ذمة شخص بالاداء من مال غيره، فان اشتغال ذمة المكلف انما يقتضي كون الاداء من ماله، فاعتبار الاداء من غيره مناف لاشتغال ذمته به. نعم لو رجع قبول الضممون له للضمان إلى اسقاط شرطه، بحيث وافق على انتقال أصل الدين إلى ذمة الضامن مجردا عن الشرط، فلا بأس بالالتزام بصحته. والحاصل: ان ضمان الدين المقيد بكون اداءه من مال معين للمديون، انما لا يصح فيما إذا أصر المضمون له - صاحب الشرط - على بقاء شرطه وعدم رفع اليد عنه، فانه حينئذ يحكم ببطلانه لعدم قابليته للانتقال إلى ذمة الغير، وأما إذا وافق على اسقاط شرطه وانتقال الدين مجردا عنه فلا مانع من الالتزام بصحته وان كان أصل الدين مقيدا بالاداء من مال معين.

[ 193 ]

[ وكذا لا يجوز ضمان الكلي في المعين (1)، كما إذا باع صاعا من صبرة معينة، فانه لا يجوز الضمان عنه والاداء من غيرها مع بقاء تلك الصبرة موجودة. (مسألة 35): يصح ضمان النفقة الماضية للزوجة، لانه دين على الزوج (2)، وكذا نفقة اليوم الحاضر لها ] (1) فان المبيع عين خارجية - وان كانت كلية من حيث جواز تطبيق البايع له على أي جزء من الصبرة شاء - فلا يقبل الانتقال إلى عين أخرى فضلا عن الذمة. وبعبارة أخرى: ان المبيع لما كان موجودا خارجيا - وان لم يكن شخصيا حيث انه كلي لكنه مقيد بالموجود في ضمن الصبرة المعينة - لم يصح ضمانه لعدم ثبوت شئ في الذمة كي يقبل النقل إلى غيرها. (2) تنقسم النفقات إلى قسمين: - نفقة الزوجة ونفقة الاقارب. والمعروف والمشهور في الاولى بل لا يبعد دعوى الاجماع عليه كونها على نحو التمليك، بخلاف الثانية حيث ان وجوبها حكم تكليفي محض لا يترتب على مخالفته غير العصيان والاثم. ويدل على الحكم في الاولى مضافا إلى ما سيظهر من بعض النصوص

[ 194 ]

قوله: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " (1) فان الرزق عبارة عما يرتزق به واسم للعين الخارجية مما يؤكل أو يشرب والكسوة اسم لما يلبس، فيكون معنى الآية الكريمة ان على الرجل الطعام والشراب واللباس بالمعروف. وقد ذكرنا في مبحث النفقات من كتاب النكاح ان متعلق " عليك أو عليه " أو غيرهما مما يدل على الالزام، إذا كان عينا خارجيا، كان معناه التمليك، فيقال: عليه الدينار أو الدرهم وما شاكل ذلك. وهذا بخلاف ما لو كان متعلقه الفعل كالصلاة والصيام، فان ظاهره الالزام به ووجوبه عليه تكليفا محضا لا غير. وحيث ان الآية الكريمة من قبيل الاول باعتبار انها اثبتت نفس الاعيان الخارجية على الرجل، كان ظاهرها ثبوت تلك الاعيان في ذمته وهو ما يعني ملكية الزوجة لها عليه. وتقدير الفعل في الآية الكريمة بدعوى كون المراد: عليه اعطاء الرزق والكسوة، خلاف الظاهر ولا شاهد يعضده. واحتمال كون الرزق والكسوة مصدرين - كما جاء في بعض الكلمات - بعيد غايته، فان الاول من الافعال المتعدية ومصدره الرزق - بفتح الراء - وأوضح منه فسادا الثاني فانه اسم للعين وليس بمصدر جزما، فان مصدره الكسو،


(1) سورة البقرة آية 233.

[ 195 ]

إذن: فما ذهب إليه المشهور، بل لا يبعد دعوى عدم الخلاف فيه من ملكية الزوجة لنفقتها هو الصحيح. هذا كله في الزوجة. وأما الاقارب فلا دليل على ملكيتهم لنفقتهم بالمرة، حيث لم يرد في شئ من نصوصها ما يستفاد منه ذلك، بل الامر بالعكس من ذلك حيث ان ظاهر نصوصها كون الانفاق عليهم حكما تكليفيا محضا. وعليه فلو عصى المكلف ولم ينفق عليهم لم يكن عليه غير الاثم وأما اشتغال ذمته بها لهم حتى لو مات أخرجت من تركته كسائر الديون الذي عليه فلا. نعم ليس هذا الحكم التكليفي كسائر الاحكام التكليفية بالمعنى الاخص وهو ما يصطلح عليه في كلماتهم بالحكم، وإنما هو من الحقوق حيث يقبل الاسقاط كما هو الحال في سائر موارد الحقوق. ومن هنا فلو امتنع من يجب عليه الانفاق منه جاز لواجب النفقة رفع أمره إلى الحاكم وله إجباره عليه فان امتنع جاز له الاخذ من ماله والانفاق على من تجب نفقته على الممتنع، لكونه ولي الممتنع. إذا عرفت ذلك كله، ظهر الوجه في صحة ضمان النفقة الماضية للزوجة فانها دين حقيقة ثابت في ذمة الزوج بالفعل، فلا مانع من نقله بالضمان إلى ذمة غيره. كما ظهر الوجه في عدم جواز ضمان النفقة الماضية للاقارب، إذ

[ 196 ]

[ إذا كانت ممكنة في صبيحته، لوجوبها عليه حينئذ (1) وان لم تكن مستقرة لاحتمال نشوزها في أثناء النهار، بناءا على سقوطها بذلك. وأما النفقة المستقبلة فلا يجوز ضمانها عندهم، لانه من ضمان ما لم يجب (2) ولكن لا يبعد صحته (3) لكفاية وجود المقتضي وهو الزوجية، وأما ] الانفاق عليهم ليس إلا حكما تكليفيا محضا فلا يترتب على عصيانه ثبوته دينا في ذمته. (1) بناءا على ما هو المعروف والمشهور بينهم من ملكية الزوجة لنفقتها في أول النهار، فانه حينئذ يصح ضمانها لثبوتها في ذمته بالفعل. وكذا بناءا على القول بملكيتها لنفقة كل وقت في حينه بحيث تملك نفقة الصبح صباحا ونفقة الظهر عنده والعشاء ليلا، فانه يصح ضمانها في حينها لثبوتها في ذمة الرجل عند ذلك. (2) وحيث لا تملك الزوجة شيئا بالفعل في ذمة زوجها، فهو غير مدين إليها بالفعل كي يصح الضمان ونقل ذلك الدين إلى ذمة غيره. (3) بل هو بعيد جدا، بل لم يظهر وجه لاحتمال الصحة في المقام بالمرة، فان الضمان - ما عرفته - نقل الدين من ذمة إلى أخرى فما لم يكن الدين ثابتا بالفعل فلا موضوع لنقله. وبعبارة أخرى: ان الضامن إن انشأ اشتغال ذمته بالدين فعلا فهو غير صحيح لعدم ثبوته في ذمة المضمون عنه كي ينقل إلى ذمته، وان

[ 197 ]

[ نفقة الاقارب فلا يجوز ضمانها بالنسبة إلى مامضي، لعدم كونها دينا على من كانت عليه (1). الا إذا اذن للقريب أن يستقرض وينفق على نفسه (2)، أو اذن له الحاكم في ذلك (3)، إذ حينئذ يكون دينا عليه وأما بالنسبة إلى ما سيأتي فمن ضمان ما لم يجب مضافا إلى ان وجوب الانفاق حكم تكليفي ولا تكون النفقة في ذمته. ولكن مع ذلك لا يخلو عن اشكال (4). ] انشأ اشتغالها به عند اشتغال ذمة الزوج به فهو من التعليق الباطل. وكيف كان: فمجرد وجود المقتضى للدين لا يصح ضمانه ما لم يكن هو ثابتا بالفعل في الذمة. وهذا قد تقدم الكلام فيه في الشرط الثامن من شروط الضمان عند احتماله (قده) للصحة في موارد وجود المقتضي خاصة فراجع. (1) على ما تقدم بيانه في أول المسألة. (2) حيث يثبت الدين عليه بالاستقراض عن أمره، فيصح ضمانه من هذه الجهة لا من باب كون نفقة الاقارب قابلة للضمان. (3) لكونه ولي الممتنع - كما عرفت - فيثبت الدين عليه ويصح ضمانه بهذا الملاك وإلا فأصل وجوب الانفاق لا يخرج عن كونه وجوبا تكليفيا محضا. (4) إلا أنه ضعيف وموهون جدا، فان وجوب الانفاق عليهم

[ 198 ]

[ (مسألة 36): الاقوى جواز ضمان مال الكتابة، سواء كانت مشروطة أو مطلقة، لانه دين في ذمة العبد (1)، وان لم يكن مستقرا لامكان تعجيز نفسه. والقول بعدم الجواز مطلقا (2)، أو في خصوص المشروطة (3) معللا بانه ليس بلازم ولا يؤول إلى اللزوم. ضعيف كتعليله (4) ] ليس وجوبا تمليكيا، على انه على تقدير تسليمه من ضمان ما لم يجب. (1) فيصح نقله إلى ذمة غيره بالضمان، وبذلك ينعتق العبد لانه اداء نظير ابراء المولى له. (2) على ما نسبه المحقق (قده) في الشرايع إلى الشيخ (قده) في المبسوط. (3) على ما نسبه الشهيد (قده) في المسالك إليه. (4) أما التعليل ففيه: منعه صغرى وكبرى، فان المكاتبة بقسميها لازمة من الطرفين فيجب على العبد الكسب ولا يجوز له تعجيز نفسه. نعم لو عجز انتقاما أو عصى فعجز نفسه، رجع رقا كما كان إلا انه أجنبي عن القول بجوازه له ابتداءا كما هو واضح. على انه لا دليل على اعتبار اللزوم في الدين الثابت بالفعل، بل يصح ضمان الدين الجائز قطعا كما هو الحال في موارد ضمان البيع الخياري كبيع الحيوان وبيع الخيار. وأما التعليل الثاني، فغاية ما يقال في تقريبه: أن الضمان وان كان

[ 199 ]

[ وربما يعلل: بان لازم ضمانه لزوم، مع أنه بالنسبة إلى المضمون عنه غير لازم، فيكون في الفرع لازما مع انه في الاصل غير لازم. وهو أيضا كما ترى (1). ] يصح في العقد الجائز، إلا أنه إنما يختص بما يؤول إلى اللزوم نظير بيع الخيار ونحوه مما يرتجى لزومه في زمان، فلا يصح فيما لا يرتجى لزومه أصلا كالمكاتبة المشروطة - بناءا على جوازها - فانها لا تؤول إلى اللزوم أبدا، فانها ما لم يؤد الدين جائزة وعند اداءه ينعتق العبد وينتفي الموضوع من اساسه. الا أنه لا يرجع إلى محصل ولا دليل عليه بالمرة، بل مقتضى عمومات الضمان بعد ثبوت اصل الدين صحته. (1) إذ قد عرفت أن الصحيح لزوم الاصل أيضا، وعلى تقدير تسليم جوازه فلا دليل على اعتبار عدم زيادة الفرع على الاصل، بل الثابت خلافه فانه يصح ضمان الموسر لدين المعسر ويجوز مطالبته به جزما وإن لم يكن يجوز مطالبة المضمون عنه به لاعساره. والحاصل: ان كل حكم تابع لموضوعه سعة وضيقا، وليس عدم زيادة الفرع على أصله قاعدة ثابتة يجوز التعويل عليها في تخصيص عمومات الاحكام واطلاقاتها. بل ذكر في الجواهر أن الصحة هنا أولى منها في العقود الجائزة كبيع الخيار ونحوه، حيث لا مجال - فيما نحن فيه - لاعمال الخيار

[ 200 ]

[ (مسألة 37): اختلفوا في جواز ضمان مال الجعالة قبل الاتيان بالعمل، وكذا مال السبق والرماية، فقيل بعدم الجواز، لعدم ثبوته في الذمة قبل العمل، والاقوى وفاقا لجماعة - الجواز (1)، لا لدعوى ثبوته في الذمة من الاول وسقوطه إذا لم يعمل، ولا لثبوته من الاول بشرط مجئ العمل في المستقبل، إذ الظاهر ان الثبوت انما هو بالعمل، بل لقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم " 1 ") (2). ] بعد الضمان، نظير الانعتاق العبد به مباشرة، واعمال الخيار فرع عبوديته، بخلاف الحال في العقود الجائزة حيث يجوز له اعمال خياره حتى بعد الضمان فيرتفع العقد ويبطل الضمان. (1) بل الاقوى هو التفصيل بين الجعالة من جهة والسبق والرماية من جهة اخرى على ما سيأتي تفصيله. (2) وفيه: ان الآية الكريمة أجنبية عن محل الكلام، إذ الكلام انما هو في الضمان بالمعنى المصطلح أعنى نقل المال الثابت في ذمة شخص إلى ذمة غيره والمستلزم لتغاير الضامن والمضمون عنه - الجاعل في الفرض في حين ان ظاهر الآية الكريمة اتحاد الضامن والجاعل، ومن هنا فلابد من حمل الضمان فيها على تأكيد الجعل وإلتزامه


(1) سورة يوسف آية 72.

[ 201 ]

[ ولكفاية المقتضي للثبوت في صحة الضمان (1) ومنع اعتبار الثبوت الفعلي كما اشرنا إليه سابقا. ] به، فتكون خارجة عن المعنى المبحوث عنه كما هو واضح. ثم لو تنزلنا وسلمنا دلالتها على المدعى في الضمان، فالتعدي عن موردها إلى غيره مما يكون مشابها له لا يخرج عن حد القياس الباطل. (1) تقدم الكلام فيه غير مرة، وقد عرفت انه مما لا يمكن المساعدة عليه، فانه وبعد الاعتراف بعدم اشتغال ذمة الجاعل والعاقد بشئ بالفعل، كيف يمكن الالتزام بصحة الضمان بالمعنى المصطلح اعني نقل الدين من ذمة إلى غيرها، فانه ليس إلا من السالبة بانتفاء الموضوع. ودعوى عدم الدليل على بطلان ضمان ما لم يجب حيث لم يرد فيه نص ولم يثبت عليه الاجماع - على ما سيأتي منه (قده) في المسألة الآتية -. واضحة الاندفاع، فان بطلانه - الضمان - من القضايا التي قياساتها معها، ولا حاجة في اثباته إلى النص أو التمسك بالاجماع، فانه وبعد تسليم ان الضمان نقل للدين من ذمة إلى أخرى، والاعتراف بعدم ثبوت شئ في ذمة الجاعل والعاقد بالفعل، فلا موضوع له بالمرة كي يكون إثبات بطلانه محتاجا إلى النص أو الاجماع. نعم بناءا على عدم اشتراط التنجيز في الضمان، لا بأس بالالتزام بصحة ضمانها على وجه التعليق، إلا أنه واضح الفساد كما لا يخفى.

[ 202 ]

[ (مسألة 38): اختلفوا في جواز ضمان الاعيان المضمونة - كالغصب والمقبوض بالعقد الفاسد ونحوهما - ] وكيف كان: فالصحيح هو التفصيل بين ضمان مال الجعالة وضمان مال السبق والرماية، والالتزام في الاول بالصحة وفي الثاني بالبطلان. وذلك لرجوع ضمان مال الجعالة قبل العمل إلى أمر الضامن للعامل بالعمل المحترم لا مجانا بل مع الاجرة المسماة - الجعل -، لكن على تقدير عدم وصول حقه إليه من الجاعل - المضمون عنه -. وهذا ليس من الضمان المصطلح كي يرد عليه بانه من ضمان ما لم يجب نظرا لفراغ ذمة المضمون عنه بالفعل وإنما هو من التعهد بالجعل في طول تعهد الجاعل به، فان أمره به يوجب الضمان الا أن التزامه به انما هو عند عدم وصول حق المجعول له بعد العمل إليه، ولا بأس بالالتزام بصحته لبناء العقلاء وشمول عمومات الامر بالوفاء بالعقود له. الا أن هذا انما يختص بضمان مال الجعالة بالمعنى الذي ذكرناه، حيث انه من العقود المتعارفة التي عليها بناء العقلاء، ولا يتم في مال السبق والرماية فانهما وبحد ذاتهما من أظهر مصاديق القمار، أكل المال بالباطل - كما هو ظاهر - وانما صحا بالدليل الخاص لبعض الاعتبارات الملزمة، ومن هنا يجب الاقتصار في الحكم على مقدار دلالة الدليل عليه خاصة والحكم فيما زاد عنه بالبطلان.

[ 203 ]

[ على قولين، ذهب إلى كل منهما جماعة والاقوى الجواز (1) ] وحيث أن دليل صحتهما إنما تضمن صحتهما بالقياس إلى طرفي العقد صح أكل أحدهما لمال الآخر - وان كان بحسب القاعدة الاولية هو البطلان - ويبقى الاجنبي - الضامن - الذي لا يعود العقد بالنفع عليه على كل تقدير ولا يرتبط به في شئ، على القاعدة المقتضية للبطلان. والحاصل: ان ثبوت الضمان بالامر فرع صحة العمل المأمور به وأباحته وحيث لا دليل عليها بالقياس إليه وان كان صحيحا بالقياس إلى طرفي العقد - يتعين الرجوع إلى قاعدته الاولية المقتضية للبطلان من حيث كون العمل قمارا وأكل المال بأزاءه أكلا للمال بالباطل. (1) بل الاقوى هو التفصيل، فان المنشأ من قبل الضامن: تارة: يكون هو الضمان المصطلح اعني التزامه لصاحب المال باشتغال ذمته من الآن بالبدل فيما إذا تلفت العين بعد ذلك واشتغلت ذمة المضمون عنه - الغاصب أو القابض بالعقد الفاسد - به. واخرى يكون اشتغال ذمته به على نحو الواجب المشروط، اعني انشاء الضمان المتأخر والمعلق على التلف من الآن. وثالثة: يكون بمعنى كون المال في عهدته، وكونه هو المسؤول عن رده ما دام موجودا ورد بدله مثلا أو قيمة عند تلفه، كما هو الحال في الغاصب نفسه، فان ضمانه ليس بمعنى وجوب رد بدله عليه بالفعل، إذ العين ما دامت موجودة لا وجه لاشتغال ذمته بالبدل

[ 204 ]

[ سواء كان المراد ضمانها بمعنى التزام ردها عينا ومثلها ] بل هو بمعنى كونه مسؤولا عن العين وكون العين في عهدته بحيث يجب عليه ردها ما دامت موجودة ورد بدلها عند تلفها. والاول باطل جزما، لكونه من ضمان ما لم يجب، وقد عرفت في المسألة السابقة أن بطلانه لا يحتاج إلى دليل خاص من نص أو اجماع، فانه من القضايا التي قياساتها معها. إذ لو لم تكن ذمة المضمون عنه مشغولة بشئ بالفعل، كما هو مفروض الكلام - فأي شئ هو ينتقل بالضمان من ذمته إلى ذمة غيره؟. والثاني وإن كان ممكنا في نفسه، إلا أنه محكوم بالبطلان قطعا، للاجماع على اشتراط التنجيز في الضمان وعدم صحة التعليق فيه. والثالث وإن كان خارجا عن الضمان بالمعنى المصطلح المبحوث عنه في المقام، إذ لم تشتغل ذمة أحد بالمال كي ينتقل إلى ذمة غيره، إلا أنه لا مانع من الالتزام بصحته لعمومات الامر بالوفاء بالعقود، بل وجريان السيرة العقلائية عليه خارجا. وعليه: فيحكم على هذا النحو من الضمان بالصحة واللزوم، ومقتضاه ثبوت حق المطالبة للمضمون له من الضامن بالعين ما دامت موجودة وبالبدل إذا تلفت. ثم أن هذا الضمان ليس من الضمان على مذهب العامة، فانه ليس من ضم ذمة إلى ذمة أخرى، إذ لا اشتغال للذمة اللاولى فضلا عن

[ 205 ]

[ أو قيمتها على فرض التلف أو كان المراد ضمانها بمعنى التزام مثلها أو قيمتها إذا تلفت وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وآله: (الزعيم غارم " 1 ") (1) ] الثانية كي تضم إليها، وإنما هو من ضم ضمان إلى ضمان آخر. وان اختلفت سببهما، فضمان الغاصب والقابض بالعقد الفاسد فعلي في حين ان ضمان الضامن عقدي. وهو - ضم ضمان إلى ضمان - لا محذور فيه بالمرة، بل هو ثابت بالاجماع في غير مورد من الفقه كالايادي المتعاقبة على المغصوب أو المقبوض بالعقد الفاسد. والذي يتحصل مما ذكرناه ان الحق في المقام هو التفصيل بين ارادة الضمان بالمعنى المبحوث عنه وبين ارادة التعهد وتحمل المسؤولية فان الاول باطل لدورانه بين ضمان ما لم يجب الباطل على القاعدة، والتعليق الموجب للبطلان في حد نفسه، والثاني محكوم بالصحة للعمومات والسيرة. (1) وفيه: ان الرواية نبوية لم تثبت من طرقنا، بل في معتبرة الحسين بن خالد قال: (قلت لابي الحسن (ع): جعلت فداك قول الناس: الضامن غارم، قال: فقال: ليس على الضامن من


(1) مستدرك الوسائل: باب 1 من أبواب كتاب الضمان، ح 2.

[ 206 ]

[ والعمومات العامة (1) ] غرم، الغرم على من أكل المال) (1). تكذيبه. على ان مدلول النبوية بحسب تفسير المعتبرة لها أجنبي عن محل الكلام فان ظاهرها ان الناس كانوا يتخيلون إستقرار الخسارة في الضمان على الضامن نفسه، فانكر ذلك الامام (ع) وحكم باستقرارها على المضمون عنه، واين هذا عن محل الكلام؟ على أننا لو تنزلنا عن جميع ذلك، فلا دلالة للنبوية على موارد صحة الضمان أو عدمها، فانها - لو صحت - إنما تدل على استقرار الغرم على الضامن عند صحة الضمان وتحققه. ولا تتكفل بيان صحة الضمان في الاعيان الخارجية المضمونة. وعلى هذا فهي نظير قولنا مشتري الحيوان بالخيار إلى ثلاثة أيام، حيث لا يدل إلا على ثبوت الخيار عن صحة البيع، وأما تعيين موارد الصحة وانه هل يحكم بصحة البيع عند الشك فيه لجهة من الجهات، فهو اجنبي عنه بالمرة. (1) يظهر الحال فيها مما ذكرناه من التفصيل. فان التمسك بها لاثبات صحة الضمان انما يصح بناءا على ارادة المعنى الذى ذكرناه من الضمان، وإلا فهو بالمعنى الاول غير معقول وبالثاني باطل جزما، ومعه فلا مجال للتمسك بالعمومات.


(1) الوسائل: ج 13 باب 1 من أبواب الضمان، ح 1.

[ 207 ]

[ مثل قوله تعالى: (أوفوا بالعقود " 1 "). ودعوى: أنه على التقدير الاول يكون من ضمان العين بمعنى الالتزام بردها مع ان الضمان نقل الحق من ذمة إلى أخرى. وأيضا لا اشكال في أن الغاصب أيضا مكلف بالرد، فيكون من ضم ذمة إلى أخرى، وليس من مذهبنا، وعلى الثاني يكون من ضمان ما لم يجب، كما أنه على الاول أيضا كذلك بالنسبة إلى رد المثل أو القيمة عند التلف. مدفوعة: بانه لامانع منه بعد شمول العمومات، غاية الامر انه ليس من الضمان المصطلح. وكونه من ضمان ما لم يجب، لا يضر بعد ثبوت المقتضي (1)، ولا دليل على عدم صحة ضمان ما لم يجب من نص أو اجماع (2) ] (1) تقدم الكلام في غير مرة وقد عرفت ان ثبوت المقتضي لا يصحح الضمان بعد أن كان عبارة عن نقل الدين من ذمة إلى أخرى فانه ما لم يكن الدين ثابتا لا يعقل نقله إلى ذمة أخرى. (2) ظهر الحال فيه في المسألة السابقة، فان بطلانه من الوضوح إلى حد لا يحتاج إلى الدليل، فانه أمر غير معقول في نفسه إذ النقل من ذمة إلى غيرها متوقف على الثبوت في الاولى وإلا فلا مجال لتصور الضمان كي يحكم بصحته.


(1) المائدة: 1.

[ 208 ]

[ - وان اشتهر بين الالسن - بل في جملة من الموارد حكموا بصحته، وفي جملة منها اختلفوا فيه فلا اجماع. واما ضمان الاعيان غير المضمونة - كمال المضاربة والرهن والوديعة قبل تحقق سبب ضمانها من تعد أو تفريط - فلا خلاف بينهم في عدم صحته. والاقوى بمقتضى العمومات صحته أيضا (1). (مسألة 39): يجوز عندهم بلا خلاف بينهم ضمان درك الثمن للمشتري إذا ظهر كون المبيع مستحقا للغير، أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحته إذا كان ذلك بعد قبض الثمن - كما قيد به الاكثر - أو مطلقا ] (1) بل الاقوى هو التفصيل المتقدم في الاعيان المضمونة، فيقال بالصحة فيما إذا كان المراد من ضمانها تحمل مسؤوليتها والتعهد بها. والحاصل: أنه لا فرق في الحكم بالصحة أو الفساد بين يد الضامن وغيرها، فان كان هو بمعنى اشتغال ذمة الضامن بالبدل بالفعلى أو عند تلف العين حكمنا ببطلانه في الموردين لعدم صحة ضمان ما لم يجب والضمان التعليقي، وان كان بمعنى تحمل المسؤولية خاصة قلنا بصحته لبناء العقلاء، وشمول أدلة لزوم الوفاء بالعقد له. وعليه: فيكون الضامن مسؤولا عن رد العين ان أمكن، والبدل - مثلا أو قيمة - عند تلفها.

[ 209 ]

[ - كما اطلق آخر - وهو الاقوى (1). قيل: وهذا مستثنى من عدم ضمان الاعيان (2). هذا وأما لو كان البيع صحيحا وحصل الفسخ بالخيار أو التقايل أو تلف المبيع قبل ] (1) لما عرفته في المسألة السابقة من كون صحة هذا الضمان - بالمعنى الذي ذكرناه - على القاعدة، وعدم توقفه على وجود ضامن سابق للمال. بل لا يبعد دعوى كون الحكم بصحة الضمان قبل القبض أولى منه بعده، فان ضمانه قبل القبض يستلزم - وبالطبع - أمره للمضمون له - البايع أو المشترى - بالاقباض، إذ ان ضمانه لعهدة الثمن أو المثمن ليس إلا أمر مالكه بدفعه إلى صاحبه، مع التزامه وتعهده - الضامن - بتدارك ما بأزائه عند ظهور كونه مستحقا للغير. وهذا بخلاف الضمان بعد القبض، فانه لما لم يكن الاقباض عن أمره، يكون الحكم بصحة تعهده أخفى منه في الاول. (2) وفيه: أن الضمان ان كان بالمعنى المصطلح فهو غير قابل للحكم بصحته مطلقا لدورانه بين ضمان ما لم يجب - الذي عرفت عدم معقوليته - والضمان المعلق - الذي عرفت بطلانه بالاجماع، بلا فرق فيه بين المقام وغيره. وان كان بالمعنى الذي ذكرناه فصحته على القاعدة مطلقا أيضا، ولا وجه لجعل هذا الفرد مستثنى مما سبق. والحاصل: انه لا وجه للاستثناء في المقام على التقديرين، فانه

[ 210 ]

[ القبض، فعلى المشهور لم يلزم الضامن فيرجع على البائع لعدم ثبوت الحق وقت الضمان (1)، فيكون من ضمان ] ان صح ضمان الاعيان الخارجية - بحمله على المعنى الذي ذكرناه - فالصحة هنا على القاعدة أيضا، وإلا فالضمان في المقام أيضا محكوم بالبطلان إذ لا يختلف فيما لا يعقل أو المجمع على بطلانه بين المقام وغيره. (1) إذ الثمن قد إنتقل من ملك المشتري إلى ملك البايع جزما، كما إنتقل المثمن من ملك البايع إلى ملك المشتري قطعا، فانقطعت علاقة كل منهما عما كان يملكه قبل العقد وأصبح ملكا لصاحبه ظاهرا وواقعا، غاية الامر انه يمكن أن يعود إلى ملكه ثانيا بالفسخ في حينه ومعه فلا معنى لضمانه، لانه بمعنى اشتغال ذمته به بالفعل غير معقول وبمعنى اشتغال ذمته به في ظرف الفسخ من التعليق الباطل، بلا فرق فيه بين اقباضه للثمن وعدمه. نعم لو كان البيع واقباض الثمن والمثمن عن أمر الضامن ملتزما بتدارك ما يترتب عليه من الضرر والمفسدة عند تحقق الفسخ ورجوع كل من المالين إلى مالكه الاول، لم يبعد الحكم بصحته في المقام، فانه لما كان الاقباض عن أمره، كانت الاضرار المتوجهة إلى البايع أو المشتري - المضمون له - متوجهة إلى الآمر الضامن، فانه داخل فيما جرت عليه السيرة العقلائية ومشمول لعمومات الوفاء بالعقود.

[ 211 ]

[ ما لم يجب. بل لو صرح بالضمان إذا حصل الفسخ لم يصح بمقتضى التعليل المذكور. نعم في الفسخ بالعيب السابق أو اللاحق اختلفوا في أنه هل يدخل في العهدة ويصح الضمان أو لا؟ فالمشهور على العدم (1) وعن بعضهم: دخوله، ولازمه الصحة مع التصريح (2) ودعوى: أنه من ضمان ما لم يجب. مدفوعة: بكفاية وجود السبب (3). هذا بالنسبة إلى ضمان عهدة الثمن إذا حصل الفسخ، واما بالنسبة إلى مطالبة الارش، فقال بعض من منع من ذلك بجوازها، لان الاستحقاق له ثابت عند العقد (4)، فلا يكون من ضمان ما لم يجب وقد عرفت أن الاقوى صحة الاول أيضا، وأن تحقق السبب ] (1) لدورانه بين التعليق وضمان ما لم يحب الباطلين اللهم إلا أن يراد به الضمان بالمعنى الذي ذكرناه فيحكم بصحته لما تقدم. (2) قد ظهر الحال فيه مما سبق (3) لكنك قد عرفت ضعفه وعدم معقوليته مما ذكرناه في المسائل السابقة. (4) وفيه: أنه لا ينبغي الشك في بطلان هذا الضمان، حتى بناءا على القول بصحته في الاعيان الخارجية - كما هو المختار -.

[ 212 ]

والوجه فيه: ما عرفته في ضمن المسائل السابقة من ان الضمان انما يصح في موردين لا ثالث لهما. الاول: ضمان الدين الثابت في الذمة بالفعل، فانه القدر المتيقن من صحة الضمان، وهو الضمان بالمعنى المصطلح الذي عليه تسالم الاصحاب. الثاني: ضمان الاعيان الشخصية بالمعنى الذي ذكرناه. والفرق بينهما يمكن في كون الاول متضمنا لاشتغال ذمة الضامن بالدين بالفعل، في حين أن الثاني لا يعني إلا كون العين في عهدته ومسؤوليتها عليه. وكيف كان: فحيث لا دليل على صحة الضمان في غير هذين الموردين اعني ماكان دينا ثابتا بالفعل أو عينا خارجيا - فلا وجه للحكم بالصحة في ضمان الارش، فانه خارج عنهما معا، وذلك لما ذكرناه في مباحث خيار العيب مفصلا وتطرقنا إليه في كتاب الاجارة أيضا، من أن ثبوت الارش في موارد العيب ليس حكما على القاعدة ويقتضيه نفس العقد، فان وصف الصحة لا يقابل بالمال بتاتا، فليس المبيع مركبا من اصل المثمن ووصف الصحة، كي يقال باقتضاء القاعدة لبقاء ما قابله على ملك المشتري نظرا لتخلف هذا الجزء وبطلان العقد بالنسبة إليه، بل الثمن واقع بتمامه بأزاء أصل المبيع فقط وإنما هو - وصف الصحة - يوجب زيادة مقداره لا غير.

[ 213 ]

ولذا لا يحكم عند تخلفه ببطلان العقد بالنسبة إليه، والحال ان المبيع لو كان مركبا منه ومن ذات السلعة للزم القول ببطلان العقد بالنسبة إليه ووجوب ارجاع البايع لما قابله من الثمن بعينه إلى المشترى سواء طالب بذلك أم لم يطالب، وهو باطل جزما ولا يقول به أحد من الاصحاب، فانه يجوز دفع الارش من غير الثمن حتى مع وجود عينه، كما لا يجب على ورثة البايع لو مات قبل ظهور العيب اخراج الارش من تركته. بل الارش إنما ثبت بالنصوص الخاصة - على خلاف القاعدة - في البيع خاصة. وعليه فان أمكن - بعد الفسخ - رد العين بنفسها سالمة فهو، وان لم يمكن - لمانع عقلي أو شرعي - إنتقل الامر إلى مطالبته بالارش فان طالبه به لزم البايع دفعه من أي مال شاء - حتى مع وجود عين الثمن، وإن لم يطالبه فلا شئ عليه، وليس بمشغول الذمة له بشئ. وعليه ففي المقام حيث لا يكون متعلق الضمان دينا فعليا ثابتا في ذمة البايع عند الضمان ولا عينا خارجيا، فلا محيص عن رجوع ضمانه إلى ضمان ما لم يجب الغير المعقول لامتناع انتقال المعدوم إلى ذمة الغير، أو الضمان على نحو الواجب المشروط الباطل اجماعا لاعتبار التنجيز فيه.

[ 214 ]

[ حال العقد كاف (1). مع امكان دعوى: أن الارش أيضا لا يثبت الا بعد اختياره ومطالبته (2)، فالصحة فيه أيضا (3) من جهة كفاية تحقق السبب ومما ذكرنا ظهر حال ضمان درك المبيع للبائع (4). (مسألة 40): إذا ضمن عهدة الثمن فظهر بعض المبيع مستحقا، فالاقوى اختصاص ضمان الضامن بذلك البعض (5). وفي البعض الاخر يتخير المشتري بين الامضاء والفسخ لتبعيض الصفقة، فيرجع على البايع بما قابله. ] والحاصل: ان المتعين في المقام هو الحكم بالبطلان. وان قلنا بصحة ضمان الاعيان الخارجية - بالتقريب المتقدم - فان الارش خارج عنه وعن الدين الثابت بالفعل في ذمة المضمون عنه. (1) لكنك قد عرفت عدم معقوليته وامتناعه. (2) بل هو المتعين - على ما عرفت توضيحه فيما تقدم -. (3) وقد عرفت اشكاله، وان الاقوى بل المتعين هو الحكم بالبطلان. (4) فان حاله حال ضمان درك الثمن للمشتري حرفا بحرف، فيبطل ضمانه بالمعنى المصطلح، ويصح - على القاعدة - بالمعنى الذي ذكرناه. (5) إذ ان ضمان الكل ينحل إلى ضمان كل جزء جزء، وحيث قد ظهر استحقاق البعض خاصة ثم الضمان فيه دون الباقي.

[ 215 ]

[ وعن الشيخ: جواز الرجوع على الضامن بالجميع، ولا وجه له (1). (مسألة 41): الاقوى (2) - وفاقا للشهيدين - صحة ] (1) إذ المفروض ضمانه لخصوص درك الثمن لا الثمن بجميع عوارضه وطوارئه، ومن هنا فيختص الضمان بالنصف الذي ظهر مستحقا للغير لشمول ضمان درك الثمن له، ولا يعم النصف الآخر الذي رجع البايع بفسخ المشتري للعقد بخيار تبعض الصفقة، فانه خارج عن ضمان درك درك الثمن. نعم لو كان الضامن ضامنا للثمن بجيمع عوارضه وطوارئه بحيث كان ضمانه عاما للفسخ بالخيار في المقام أيضا، صح القول بجواز الرجوع عليه بالجميع، إلا أنه خارج عن محل الكلام، اعني ضمان درك الثمن خاصة (2) بل الاقوى ما ذهب إليه المشهور. والوجه فيه ما عرفته في المسائل السابقة من عدم معقوليته إذا أنشأ على نحو الفعلية بأن انشأ الضامن اشتغال ذمته بالفعل بما ستشتغل به ذمة البايع بعد ذلك، فان المعدوم غير قابل للانتقال إلى ذمة الغير وثبوته فيها، وبطلانه من القضايا التي قياساتها معها. نعم لو انشأ على نحو الواجب المشروط والضمان المتأخر، فهو وان كان معقولا في حد ذاته إلا انه باطل بلا خلاف للتعليق المجمع

[ 216 ]

على بطلانه. ثم بناءا على ما اخترناه من بطلان الضمان على البايع، فهل يصح ضمانه لا من قبل البايع، بان يتعهد الآمر تحمل الخسارة بنفسه ومن غير رجوع على البايع بها؟. الاقوى فيه البطلان، حيث لم يثبت بناء من العقلاء على الضمان الامري فيما يرجع إلى المأمور به وحده، فان الغرس والبناء وما شاكلهما من المضمون له فيما يعتقده أرضه، عمل متمحض له ولا يرتبط بغيره في شئ. ومن هنا فان الامر به أمر بما يرجع إليه ويخصه، نظير أمره بالتجارة لنفسه مع التعهد بتحمل الخسارة عنه، ولم يثبت فيه بناء من العقلاء على الضمان. والحاصل: ان الضمان عن البايع محكوم بالفساد لدورانه بين أمر غير معقول وأمر قام الاجماع على بطلانه، والضمان عن نفسه من جهة أمره بفعل ربما يترتب عليه الضرر غير ثابت. ثم ان الكلام في هذه المسألة انما يتم في فرض كون البايع غارا للمشتري والقول بثبوت قاعدة الغرور، وأما لو لم يكن البايع غارا له بان كان معتقدا لملكيته للارض، أو قلنا بعدم ثبوت قاعدة الغرور على نحو الكلية - كما هو المختار - فلا ضمان على البايع بلا خلاف ولا اشكال فيه. فان المشتري يتحمل حينئذ الخسارة بنفسه لكونه هو

[ 217 ]

[ ضمان ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس في الارض المشتراة إذا ظهر كونها مستحقة للغير وقلع البناء والغرس، فيضمن الارش، وهو تفاوت ما بين المقلوع والثابت عن البايع. خلافا للمشهور، لانه من ضمان ما لم يجب. وقد عرفت ضعفه هذا ولو ضمنه البايع قيل: لا يصح أيضا كالاجنبي وثبوته بحكم الشرع لا يقتضي صحة عقد الضمان المشروط بتحقق الحق حال الضمان. وقيل: بالصحة (1)، لانه لازم بنفس العقد، فلا مانع من ضمانه، لما مر من كفاية تحقق السبب، فيكون حينئذ للضمان سببان: نفس العقد والضمان بعقده، وتظهر الثمرة فيما إذا اسقط المشتري عنه حق الضمان الثابت بالعقد، فانه يبقي الضمان العقدي ] الذي أوقع نفسه في الضرر بالتصرف في الارض معتقدا ملكيته لها. (1) إلا أنه لا يمكن توجيهه بوجه، فان الضمان لما كان نقل ما في ذمة إلى غيرها كان ذلك متوقفا على تعدد الذمم لا محالة، وحيث أنه مفقود في المقام، فتصوره غير معقول، فانه من أين ينتقل الدين وإلى أين؟. نعم تعدد أسباب الضمان الواحد أمر معقول في حد ذاته. إلا أنه غير ممكن في خصوص المقام لعدم معقولية ضمان المدين لنفسه عن نفسه، كما هو الحال في سائر موارد الدين.

[ 218 ]

[ كما إذا كان لشخص خياران بسببين فأسقط أحدهما. وقد يورد عليه بأنه لا معنى لضمان شخص عن نفسه، والمقام من هذا القبيل. ويمكن ان يقال: لا مانع منه مع تعدد الجهة (1). وأما إذا اشترط ضمانه فلا بأس به، ويكون مؤكدا لما هو لازم العقد (2). (مسألة 42): لو قال عند خوف غرق السفينة: (الق متاعك في البحر وعلي ضمانه) صح بلا خلاف بينهم ] (1) إلا إنك قد عرفت عدم معقوليته، فان تعدد الجهة لا يوجب تغابر الذمتين ونقل الدين من احداهما إلى الاخرى. (2) وفيه: ان الشرط ان كان على نحو شرط النتيجة، بمعنى اشتغال ذمة الضامن بالفعل بما تشتغل به ذمة البايع في وقته، فهو باطل لعدم معقوليته - على ما عرفت -. وان كان على نحو شرط الفعل، بمعنى اشتراط المشتري على البايع أداء مقدار الخسارة، فهو وإن كان صحيحا إلا أنه غير مؤكد لما هو لازم العقد، فان الثابت بالشرط هو التكليف المحض، في حين أن الثابت نفس العقد هو الوضع واشتغال الذمة. والحاصل: ان الامر في المقام يدور بين عدم الصحة وعدم التأكيد فاما لا صحة وإما لا تأكيد، فالجمع بينهما مما لا يمكن المساعدة عليه.

[ 219 ]

[ بل الظاهر الاجماع عليه (1) وهو الدليل عندهم. وأما إذا لم يكن لخوف الغرق، بل لمصلحة أخرى من خفة السفينة أو نحوها، فلا يصح عندهم. ومقتضى العمومات صحته أيضا (2). ] (1) بل الظاهر اتفاق المسلمين عليه، حيث لم يظهر الخلاف فيه الا من أبي ثور خاصة. (2) بل الظاهر انه لا حاجة للتمسك بالعمومات كي يورد عليه بالمناقشة في صدق العقد على هذا الضمان، باعتبار انه ليس فيه إلا أمر من الآمر وعمل من المأمور وهما لا يشكلان العقد كما هو الحال في جميع موارد الامر بشئ وامتثال المأمور له. فان السيرة العقلائية القطعية مستقرة على الضمان في موارد الامر باعطاء أو إتلاف الاموال المحترمة لغرض عقلائي يخرجه عن كونه فعل حرام، إذا لم يكن لكلامه ظهور في المجانية أو يقصد المالك به التبرع كما هو الحال في الامر بالاعمال المحترمة حرفا بحرف، إذ لا فرق فيه بين الامر بالعمل واعطاء مال أو إتلافه، فان كلا من ذلك موجب للضمان عند امتثال الامر من قبل المأمور ببناء العقلاء والسيرة القطعية ما لم يكن هناك ظهور لكلام الآمر - لقرينة أو انصراف أو غيرهما - في المجانية، أو يقصد العامل أو المالك التبرع به. وما ذكرناه لا يختص بمورد السفينة، بل يجري حرفيا في جميع

[ 220 ]

موارد الامر بالاتلاف لغرض عقلائي، فانه موجب للضمان جزما مع قطع النظر عن متعلقه. ومن هنا يظهر عدم اختصاص الحكم بالضمان بصورة تصريح الآمر بضمانه له، فانه ثابت في فرض اقتصاره على الامر بالفاء المتاع أيضا إذ الامر - على النحو الذي ذكرناه - كاف بوحده لاثبات الضمان.

[ 221 ]

تتمة

[ 223 ]

[ قد علم من تضاعيف المسائل المتقدمة - الاتفاقية أو الخلافية: - أن ما ذكروه في أول الفصل من تعريف الضمان وأنه نقل الحق الثابت من ذمة إلى أخرى، وأنه لا يصح في غير الدين، ولا في غير الثابت حين الضمان، لاوجه له، وأنه أعم من ذلك حسب ما فصل (1). (مسألة 1): لو اختلف المضمون له والمضمون عنه في اصل الضمان (2)، فادعى انه ضمنه ضامن وانكره المضمون له، فالقول قوله (3) وكذا لو ادعى أنه ضمن ] (1) حيث قد عرفت التفصيل بين الضمان المصطلح وغيره، واعتبار ما ذكره (قده) في الاول دون الثاني، فانه يصح في الاعيان الخارجية وموارد عدم ثبوت الحق حيث الضمان مما قامت السيرة العقلائية عليه كدرك الثمن أو المثمن. (2) لا يخفى ما في التعبير باختلاف المضمون له والمضمون عنه في أصل الضمان من المسامحة، إذ مع إنكار الاول من أساسه كيف يصح التعبير عنه بالمضمون له. وحق العبارة أن يقال: " لو اختلف الدائن والمدين في أصل الضمان ". (3) بلا إشكال فيه ولا خلاف، فانه لابد للمدين من اثبات براءة ذمته من الدين، وإلا فهو ملزم بالخروج عن عهدته.

[ 224 ]

[ تمام ديونه وانكره المضمون له، لاصالة بقاء ما كان عليه (1) ولو اختلفا في اعسار الضامن حين العقد ويساره (2) فادعى المضمون له اعساره، فالقول قول المضمون عنه (3) ] (1) خرجنا عنها بالنسبة إلى ما يعترف به المضمون له - القدر المتيقن -، لفراغ ذمته منه جزما، ولا بد له بالنسبة إلى الزائد - ما يدعيه هو - من اثبات البراءة، وإلا فهو ملزم بالخروج من عهدته - كما عرفت -. (2) بناءا على ما ذهب إليه المشهور من ثبوت الخيار للمضمون له عند ظهور اعساره حيث العقد، وأما بناءا على ما اخترناه من عدم الدليل على الخيار حينئذ. فلا أثر لهذا الاختلاف بالمرة، فان المضمون عنه برئ الذمة من الدين السابق على التقديرين - اليسار والاعسار، والضامن هو الملزم به. (3) الكلام في هذا الفرع تارة يفرض مع سبق يسار الضامن، واخرى مع سبق إعساره، وثالثة مع تضاد الامرين بان يعلم بيساره في بعض شهر الضمان واعساره في بعضه الآخر مع الجهل بالمتقدم والمتأخر. أما الصورة الاولى: فالامر كما أفاده (قده) من تقديم قول المضمون عنه، كما هو واضح، فان دعوى المضمون له للاعسار مقدمة لاثبات الخيار محتاجة إلى الدليل، وإلا فمقتضى الاستصحاب

[ 225 ]

هو إثبات اليسار حين الضمان. أما الصورة الثانية: فالظاهر تقديم قول المضمون له، والزام المضمون عنه باثبات اليسار، فان استصحاب العسر إلى زمان الضمان يثبت موضوع الخيار للمضمون له. والحاصل: ان الاصل في هذه الصورة يقتضي الجواز، فيكون الاثبات على مدعي اللزوم لا محالة. ومن هنا: فلا يمكن المساعدة على اطلاق كلام الماتن (قده) من تقديم قول المضمون عنه، الشامل لهذه الصورة أيضا. ولعل هذه خارجة عن محط نظره وغير مرادة له (قده). وأما الصورة الثالثة: فلا مجال فيها للتمسك باستصحاب العسر واليسر معا، سواء لما ذكره صاحب الكفاية (قده) من عدم وجود المقتضي لعدم اتصال زمان اليقين بزمان الشك، أو لما اخترناه من وجود المانع. فان النتيجة في المقام واحدة، وان اختلف المبنيان في غيره - على ما حققناه مفصلا في المباحث الاصولية: وعليه: فهل يقدم قول المضمون له أو المضمون عنه أو يكون المقام من التداعي؟. ظاهر اطلاق كلامه (قده) هو الثاني، وعلى المضمون له الاثبات. وقد أورد عليه في بعض الكلمات بانه لا موجب لجعل المضمون له مدعيا والزامه بالاثبات، والمضمون عنه منكرا وقبول قوله،

[ 226 ]

بعد ان كان قول كل منهما مخالفا للاصل. لكن الظاهر ان ما ذكره الماتن (قده) هو الصحيح. والوجه فيه ما ذكرناه في مباحث القضاء من أن الروايات الواردة في أبواب القضاء وحل الخصومات، لم تتعرض - على كثرتها - لتحديد المدعي والمنكر على الاطلاق، وهل المدعي من خالف قوله الاصل أو الظاهر، والمنكر من وافق قوله للاصل أو الظاهر أم لا؟ وإنما ذلك مذكور في كلمات الاصحاب (قدس الله اسرارهم) خاصة. وهو ان كان صحيحا بحسب الغالب، إلا انه لا دليل على ثبوته على نحو الكبرى الكلية. ومن هنا فلا محيص عن الرجوع إلى العرف لتحديد المفهومين، ومن الواضح أن مقتضاه كون من يطالب غيره بشئ ويلزمه به ويكون مطالبا لدى العقلاء بالاثبات مدعيا، وخصمه الذي لا يطالب بشئ منكرا. نعم يستثنى من ذلك ما إذا اعترف الخصم بأصل الحق وادعى وفاءه، كما إذا اعترف بالاستقراض مدعيا أداءه وفراغ ذمته، فانه حينئذ وان كان الدائن هو المطالب غيره بالمال والملزم له به، إلا أنه يعتبر منكرا وعلى خصمه اثبات الاداء، وذلك لاعترافه بأصل الدين، فانه يوجب انقلاب المدعي - لولا الاعتراف - منكرا، والمنكر - لولاه - مدعيا.

[ 227 ]

والحاصل: انه لا أثر لموافقة الاصل أو الظاهر أو مخالفته لهما في تحديد المدعي والمنكر، إذ لا دليل على شئ مما ذكره الاصحاب في كلماتهم في المقام، وإنما العبرة بما ذكرناه من الرجوع إلى العرف وتحديد المدعي والمنكر على ضوء الفهم العرفي. وعليه ففي المقام وان كان قول كل منهما مخالفا للاصل الموضوعي إلا أن ذلك لا يمنع من كون المضمون له هو المدعي، باعتبار انه الذي يطالب خصمه - المضمون عنه - بالمال نتيجة للفسخ بالخيار بعد اعترافه ببراءة ذمته وفراغها منه بالضمان، ويكون هو الملزم بالاثبات لدى العقلاء. وبعبارة اخرى: ان اشتغال ذمة المضمون عنه ثانيا - نتيجة للفسخ من قبل المضمون له - بالمال ورجوع الدين إليها من ذمة الضامن لما كان محتاجا لدى العقلاء إلى الاثبات كان المضمون له هو المدعي لا محالة، فان امكنه الاثبات فهو وإلا فالقول قول المضمون عنه. إذن: فالصحيح ان المقام من موارد المدعي والمنكر، لاختصاص المطالبة والالزام بأحد الطرفين دون الآخر، وليس من موارد التداعي كما توهمه بعضهم. والذي يتحصل من جميع ما تقدم. أن ما أفاده الماتن (قده) من تقديم قول المضمون عنه، عند اختلافه مع المضمون له في يسار الضامن حين الضمان واعساره - بناء على القول بثبوت الخيار له عند

[ 228 ]

[ وكذا لو اختلفا في اشتراط الخيار للمضمون له وعدمه (1) فان القول قول المضمون عنه (2). وكذا لو اختلفا في صحة الضمان وعدمها (3). (مسألة 2): لو اختلف الضامن والمضمون له في اصل الضمان، أو في ثبوت الدين وعدمه، أو في مقداره أو في مقدار ما ضمن أو في اشتراط تعجيله، أو تنقيص اجله إذا كان مؤجلا أو في اشتراط شئ عليه زائدا على اصل الدين، فالقول قول الضامن (4)، ولو اختلفا في اشتراط تأجيله مع كونه ] ظهور اعساره - انما يتم في الصورتين الاولى والثالثة خاصة، وأما في الصورة الثانية فالظاهر تقديم قول المضمون له لثبوت موضوع الخيار بالاستصحاب. (1) بناءا على صحة هذا الاشتراط - كما اختاره الماتن (قده) وجماعة - وإلا - كما اخترناه - فالشرط باطل من اساسه ولا أثر لهذا النزاع. (2) لكونه منكرا، باعتبار ان خصمه - المضمون له - هو الذي يطالبه بشئ ويلزمه الاثبات عند العقلاء. (3) لاصالة الصحة بعد احراز اصل وقوع العقد. (4) كما هو واضح، فان المضمون له مدع فعليه الاثبات، وإلا فمقتضى اصالة عدم الضمان أو الدين أو الزائد عما يعترف به

[ 229 ]

[ حالا، أو زيادة اجله مع كونه مؤجلا، أو وفاء أو براء المضمون له عن جميعه أو بعضه، أو تقييده بكونه من مال معين (1) والمفروض تلفه، أو اشتراط خيار الفسخ للضامن (2) أو اشتراط شئ على المضمون له، أو اشتراط كون الضمان بما يساوي الاقل من الدين، قدم قول المضمون له (3). (مسألة 3): لو اختلف الضامن والمضمون عنه في الاذن وعدمه، أو في وفاء الضامن حتى يجوز له الرجوع ] الضامن من الدين أو الضمان، أو تعجيله أو تنقيص الاجل أو الامر الزائد على أصل الدين، تقديم قول الضامن المنكر. نعم للمضمون له تحليفه على ذلك، على ما تقتضيه قواعد القضاء. (1) بناءا على مختاره (قده) من بطلان الضمان - حينئذ - وانتقال الدين إلى ذمة الضامن. لكنك قد عرفت في المسألة الرابعة والعشرين انه لا معنى متحصل للتقييد في المقام بالمرة، وان مرجعه إلى الاشتراط لا محالة. (2) بناءا على ما إختاره (قده) من صحة اشتراط الخيار في الضمان لكنك قد عرفت منا الاشكال فيه. (3) كل ذلك لكون الضامن مدعيا في قوله فعليه الاثبات، وإلا فمقتضى اصالة عدم كل ذلك لزوم الخروج عن عهدة الدين الثابت في ذمته بأصل الضمان.

[ 230 ]

[ وعدمه، أو في مقدار الدين الذي ضمن وانكر المضمون عنه الزيادة أو في اشتراط شئ على المضمون عنه (1) أو اشتراط الخيار للضامن (2)، قدم قول المضمون عنه (3) ولو اختلفا في اصل الضمان أو في مقدار الدين الذي ضمنه وانكر الضامن الزيادة، فالقول قول الضامن (4). ] (1) عند أمره بالضمان وقبوله له، فان الشرط سائغ في نفسه، والضمان فعل محترم، فيصح للضامن عند أمر المضمون عنه بالضمان وقبوله له اشتراط شئ مباح عليه بأزاءه. ومنه يظهر فساد ما قيل من أن المضمون عنه ليس طرفا في عقد الضمان، كي يصح الاشتراط عليه فيه. فان الاشتراط انما هو عند أمره له بالضمان وقبوله لذلك، وليس في عقد الضمان كما توهم. (2) بناءا على صحة هذا الاشتراط - كما اختاره الماتن (قده). (3) لكونه منكرا لما يدعيه الضامن، فان اشتغال ذمته بالدين ثانيا بعد فراغها منه قطعا يحتاج إلى الاثبات، والا فمقتضى اصالة عدمه تقديم قوله في كل ذلك. (4) فان اشتغال ذمته بأصل الدين أو الزيادة عما يعترف به، يحتاج إلى الدليل، والاصل يقتضي عدمه.

[ 231 ]

[ (مسألة 4): إذا انكر الضامن الضمان فأستوفي الحق منه بالبينة ليس له الرجوع على المضمون عنه المنكر للاذن أو الدين (1)، لاعترافه بكونه أخذ منه ظلما. نعم لو كان مدعيا مع ذلك للاذن في الاداء بلا ضمان، ولم يكن منكرا لاصل الدين، وفرض كون المضمون عنه أيضا معترفا بالدين والاذن في الضمان (2) جاز له الرجوع عليه، إذ ] (1) مقتضى تقييده (قده) للحكم بعدم رجوع الضامن على المضمون عنه بفرض انكاره للاذن أو الدين، اختصاصه به وعدم ثبوته عند اعتراف المضمون عنه بالاذن أو الدين. غير أن من الظاهر عدم الفرق بين الفرضين، فان مجرد ثبوت الدين أو الاذن في الضمان لا يكفي في جواز رجوع الضامن عليه، إذ يعتبر فيه مضافا إلى الاذن تحقق الضمان والاداء بعد ذلك خارجا، فما لم يتحقق أحد هذه الامور لا يكون للضامن الرجوع على المضمون عنه، ومن هنا فحيث ان الضامن في المقام منكر لاصل الضمان وتحققه في الخارج أو الدين، فكيف يجوز له الرجوع على المضمون عنه مع القطع بأذنه له فيه فضلا عن اعترافه به. (2) ظهر الحال فيه مما تقدم، فانه لا فرق بين فرضي الانكار والاعتراف من حيث عدم جواز الرجوع عليه، فانه ليس من آثار الاذن المجرد، وانما هو من آثاره منضما إلى تحقق الضمان والاداء في

[ 232 ]

[ لا منافاة بين انكار الضمان وادعاء الاذن في الاداء، فاستحقاقه الرجوع معلوم (1) غاية الامر أنه يقول إن ذلك للاذن في الاداء والمضمون عنه يقول إنه للاذن في الضمان، فهو كما (2) ] الخارج، وحيث ان المأخوذ منه منكر لتحقق الضمان فلا وجه لرجوعه به عليه. (1) قد عرفت مما تقدم أن الامر في المقام ليس كذلك، فان اصل الاستحقاق ليس معلوما عل كل تقدير، فان المضمون عنه انما يكون مشغول الذمة للمأخوذ منه فيما لو كان قد أذن له في الاداء فانه حينئذ يجوز له الرجوع عليه لخسارته للمال وان كان ذلك بسبب مقدمة كاذبة - اعني ادعاء الضمان عليه - فان ذلك لا يضر شيئا بعد ما كان أصل وجوب الاداء ثابتا عليه. وأما لو كان قد أذن له في الضمان، فاشتغال ذمته له غير ثابت بل الثابت عدمه، لان جواز الرجوع - وكما عرفت - ليس من آثار اصل الضمان وانما هو من آثار تحققه في الخارج وانتقال الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمته ومن ثم اداءه خارجا، وحيث ان المفروض عدمه بحسب اعتراف الضامن نفسه، فلا وجه لرجوعه عليه بدعوى أن اصل الاستحقاق واشتغال ذمة المضمون عنه معلوم. (2) قياس ما نحن فيه على المثال من القياس مع الفارق، فان أصل الاستحقاق واشتغال الذمة فيه معلوم وان كان سببه مجهولا،

[ 233 ]

[ لو ادعى على شخص أنه يطلب منه عشر قرانات قرضا، والمدعي ينكر القرض ويقول: إنه يطلبه من باب ثمن المبيع، فأصل الطلب معلوم. ولو لم يعترف المضمون عنه بالضمان أو الاذن فيه وثبت عليه ذلك بالبينة فكذلك يجوز له الرجوع عليه مقاصة عما أخذ منه (1) وهل يجوز للشاهدين ] واين هذا مما نحن فيه حيث عرفت عدم ثبوت أصل الاستحقاق. (1) في العبارة تشويش ظاهر، ولعل فيه سقطا، فانها لا ترجع إلى محصل، إذ لا أثر لثبوت الاذن في الضمان شرعا بالمرة، فانه إنما يترتب على تحققه هو في الخارج وتحقق الاداء بعده - على ما تقدم -. نعم لو كان من أخذ منه المال معترفا بثبوت الدين في ذمة المضمون عنه كان له الرجوع عليه باذن الحاكم الشرعي والاخذ منه مقاصة. وذلك لان الآخذ لما أخذ المال من الضامن قهرا عليه وظلما. كان ذلك المال ثابتا في ذمته للمأخوذ منه فهو مدين له به، ولما كانت ذمة المضمون عنه مشغولة للاخذ بعد نظرا لعدم انتقال ما بذمته إلى ذمة غيره، كان للمأخوذ منه الاخذ منه تقاصا وأخذ ما يملكه الآخذ بدلا عما أخذه منه ظلما. ولكن لما كان مال الآخذ في ذمة المضمون عنه كليا، احتاج التقاص منه إلى إذن الحاكم الشرعي.

[ 234 ]

[ على الاذن في الضمان حينئذ ان يشهدا بالاذن من غير بيان كونه الاذن في الضمان أو كونه الاذن في الاداء؟ الظاهر ذلك (1)، وإن كان لا يخلو عن اشكال. وكذا في نظائره (2). ] بلا فرق في ذلك بين اعتراف المأخوذ منه بالضمان وعدمه، أو اعتراف المضمون عنه بالاذن وعدمه، فانه من هاتين الجهتين سيان. (1) بل الظاهر عدمه، وذلك لما عرفته من اختلاف أثر الاذنين شرعا بل اختلافهما من حيث أصل وجود الاثر وعدمه. إذ لا أثر للاذن في الضمان ما لم يتحقق هو ومن بعده الاداء في الخارج، بخلاف الآذن في الاداء حيث يكفي في جواز رجوع المأذون عليه مجرد تحقق الاداء خارجا. والحاصل: ان خصوصية الاذن في مجرد الاداء أو الاذن في الضمان لما كانت دخيلة في ترتب الاثر - اعني جواز رجوع المأذون له على الآذن بعد الاداء - لم يكن للشاهدين اطلاق الشهادة بالاذن والسكوت عنها. (2) مما لا تكون للخصوصية دخل في ترتب الاثر عليه، كما هو الحال في المثال المذكور في المتن، فان الدين ثابت على كل حال وذمة المدين مشغولة بالمال المعين للدائن من غير أثر لخصوصية القرض أو الشراء. فانه لا أثر لهما كما أنه لا أثر لسائر الخصوصيات من الزمان والمكان. ولكن أين هذا من محل الكلام ونظائره مما يختلف الاثر فيه باختلاف

[ 235 ]

[ كما إذا ادعى شخص على آخر أنه يطلب قرضا وبينته تشهد بأنه يطلبه من باب ثمن المبيع لا القرض، فيجوز لهما أن يشهدا بأصل الطلب من غير بيان أنه للقرض أو لثمن البيع على اشكال. (مسألة 5): إذا ادعى الضامن الوفاء وانكر المضمون له وحلف ليس له الرجوع على المضمون عنه إذا لم يصدقه في ذلك (1)، وإن صدقه جاز له الرجوع إذا كان باذنه (2) وتقبل شهادته له بالاداء (3) إذا لم يكن هناك مانع من تهمة (4) أو غيرها مما يمنع من قبول الشهادة. ] الخصوصيات، فان تنظير أحدهما بالآخر ليس إلا من القياس مع الفارق. (1) لما عرفته من توقف رجوعه عليه على تحقق الوفاء خارجا، وحيث انه غير متحقق، بل المتحقق - بحسب القواعد الشرعية - عدمه، فلا موجب لجواز رجوعه عليه. (2) أخذا له باعترافه واقراره، فانه بتصديقه له في الاداء يعترف بتحقق موجب الرجوع عليه، وان لم يثبت الاداء بالنسبة إلى المضمون له، إذ لا منافاة بين الامرين. (3) على ما تقتضيه قواعد الشهادة. (4) ذكر هذا الاستثناء في جملة من النصوص المعتبرة وغيرها وقد ذكره غير واحد من الاصحاب أيضا كالمحقق (قده) في

[ 236 ]

الشرايع وغيره. إلا أن الكلام في المراد منه، إذ الذي يعتبر في باب الشهادة جزما ان لا يكون الشاهد طرفا في الدعوى بحيث تكون شهادته راجعة إلى نفسه بجلب نفع أو دفع ضرر، كما لو ادعى الوصي المفوض في صرف الثلث على غيره دينا للميت، فانه لا تقبل شهادته عليه لاستلزامهما دخول ثلث المبلغ المدعى تحت تصرفه، أو شهد المضمون عنه للضامن بالاداء بعد ظهور اعسار الضامن من حيث الضمان - بناءا على مذهب المشهور من ثبوت الخيار حينئذ للمضمون له - فان شهادته هذه لما كانت تدفع عن نفسه ضرر ابطال العقد ورجوع الدين ثانيا إلى ذمته، لم تكن مسموعة. ومن هنا: فان أريد بالتهمة ما يقابل الوثوق بدينه وأمانته، فاشتراط عدمها ليس إلا تعبيرا آخر عن شرطية العدالة في الشاهد، وليس هو أمرا زائدا عليها وفي قبالها. وان أريد من اشتراط عدمها اعتبار ان لا تكون الشهادة لدوافع القرابة أو الصداقة أو نحوهما. فهو غير معتبر جزما حيث تصح شهادة الاقرباء بعضهم لبعض وان كان هناك احتمال كون الصلة دخيلة فيها. فانه لا أثر له بعد فرض توفر سائر الشروط. إذن: فالمتعين حمل هذه الكلمة في لسان النصوص على المعنى الاول ومن هنا فلا وجه لجعل عدمها في قبال سائر الشروط المعتبرة في

[ 237 ]

[ (مسألة 6): لو أذن المديون لغيره في وفاء دينه بلا ضمان فوفى جاز له الرجوع عليه (1) ولو ادعى الوفاء وانكر الاذن قبل قول المأذون، لانه أمين من قبله (2). ] الشاهد والتي منها العدالة. (1) لما ذكرناه في غير موضع من قيام السيرة العقلائية القطعية الممضاة شرعا على ثبوت الضمان بالامر باتلاف مال محترم على نحو مباح أو القيام بعمل محترم. نعم لابد من تقييد ذلك بعدم ظهور الامر في الاستدعاء المجاني كما هو الحال في طلب الفقير ممن عليه الحق الشرعي من الخمس أو الزكاة أداء دينه، أو طلب مرجع الحقوق منه ذلك، بل الامر كذلك بالنسبة إلى طلب الولد من أبيه ذلك، فانه ظاهر في الاداء المجاني لكون لاب متكفلا بشؤون إبنه، بل وكذا الحال في طلب سائر أفراد العائلة منه ذلك. كما ينبغي تقييده بعدم قصد المأمور التبرع في عمله، إذ معه لا يجوز له الرجوع عليه حتى وان لم يكن لكلام الآمر ظهور في المجانية باعتبار انه هو الذي فد اتلف ماله بداع من نفسه ومن غير قصد امتثال الامر. (2) فهو في ذلك بمنزلة الوكيل، ومرجع العمل فعلا وتركا إليه، فيسمع قوله ما لم يثبت خلافه، على ما تقتضيه السيرة القطعية.

[ 238 ]

[ ولو قيد الاداء بالاشهاد وادعى الاشهاد وغيبة الشاهدين قبل قوله أيضا (1) ولو علم عدم اشهاده ليس له الرجوع (2) نعم لو علم أنه وفاه ولكن لم يشهد يحتمل جواز الرجوع عليه (3)، لان الغرض من الاشهاد العلم بحصول الوفاء والمفروض تحققه. (تم كتاب الضمان) ] (1) لما تقدم، إذ لا فرق في تصديقه بين كون المأمور به هو الاداء المطلق أو المقيد بالاشهاد أو غيره، فان قوله حجة فيما يرجع أمره إليه ما لم يثبت خلافه. (2) لعدم تحقق ما يتوقف عليه جواز الرجوع. (3) الا انه بعيد غايته، بل هو ممنوع، فان الاشهاد لما كان قيدا للمأمور به - كما هو المفروض - لم يكن الاداء المطلق بمأمور به لا محالة ومن غير تأثير لما هو الداعي له على هذا التقييد، ومعه فكيف يجوز له الرجوع عليه. والله ولي التوفيق

[ 239 ]

كتاب الحوالة

[ 241 ]

[ كتاب الحوالة وهي عندهم تحويل المال من ذمة إلى ذمة. والاولى أن يقال: إنها احالة المديون داينه إلى غيره، أو احالة المديون دينه من ذمته إلى ذمة غيره. وعلى هذا فلا ينتقض فيه طرده بالضمان، فانه وأن كان تحويلا من الضامن للدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمته، الا أنه ليس فيه الاحالة المذكورة (1) خصوصا إذا لم يكن بسؤال من المضمون عنه ويشترط فيها مضافا إلى البلوغ والعقل والاختيار (2) ] (1) فان الفرق بينهما واضح، فان المعاملة هنا إنما هي بين الدائن والمدين حيث أن الثاني ينقل ما في ذمته إلى ذمة غيره، بخلاف الضمان حيث تكون المعاملة بين الدائن والاجنبي ويستلزم نقل ما في ذمة الغير إلى ذمته. (2) وهذه هي الشروط العامة المعتبرة في جميع العقود وقد تقدم بيان ادلتها في مورده. غير أن من غير الخفي ان هذه الشروط انما تعتبر فيمن يكون طرفا للعقد خاصة ولا تعتبر في الاجنبي عنه. ومن هنا فحيث ان الحوالة عقد قائم بين المحيل والمحتال - الدائن

[ 242 ]

والمدين - فقط، وأما المحال عليه - في فرض اشتغال ذمته - أجبني عنها بالمرة، فلا وجه لاعتبار هذه الشرائط فيه - فانه لا مانع من الحوالة على الصغير والمجنون ومن لم يرض بها، إذ لمن يملك المال في ذممهم ان يملكه لغيره وينقله إليه كيف ما يشاء ببيع أو صلح أو حوالة أو غيرها ومن دون أن يكون لمن عليه الحق أي اعتراض في ذلك، فانه لا يعتبر رضاه به جزما باعتبار كونه اجنبيا عن المعاملة وعلى تقدير احتمال اعتباره - وان كان بعيدا جدا - فهو أمر خارجي لا محالة وليس من الرضا المعاملي في شئ كي يعتبر في صاحبه الشروط المذكورة. نعم لو كانت الحوالة على البرئ وجب توفر الشروط المذكورة - غير الفلس - في المحال عليه أيضا، نظرا لكونها غير ملزمة بالنسبة إليه، إذ المفروض ان المحيل لا يستحق عليه شيئا، ومن هنا فلابد في صحتها من رضاه وقبوله لانتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمته. وحيث انه لا عبرة برضى فاقد هذه الشروط. فان رضى الصغير كالعدم وعمده كالخطأ، ولا أثر لقبول المجنون والمكره، وليس للسفيه إشغال ذمته بشئ من دون إذن وليه، اعتبر في صحتها توفر الشروط لا محالة. نعم لا يعتبر فيه عدم الحجر للفلس، باعتبار اختصاص دليل الحجر عليه بالتصرف في أمواله الخارجية خاصة، وعدم شموله لاشغال

[ 243 ]

[ وعدم السفه (1) ] ذمته بشئ، فان الدليل قاصر الشمول لمثله، ولذا يصح اجارته لنفسه بل واستقراضه أيضا. فليس هو كالسفيه، حيث يكون ممنوعا من التصرف في ذمته واشغالها فضلا عن أمواله الخارجية. نعم لا يشارك الدائن الجديد الغرماء السابقين في امواله، فانها وبحكم حجر الحاكم عليها تختص بالغرماء حين الحجر دون غيرهم، بلا فرق في ذلك بين كون سبب الدين اختياريا - كالاستقراض - أو قهريا - كالاتلاف -. والحاصل: ان اطلاق الحكم باعتبار هذه الشروط في المحال عليه مما لا يمكن المساعدة عليه، فانه ان كان مشغول الذمة للمحيل لم يعتبر فيه أي شرط على الاطلاق، وان كان برئ الذمة بالنسبة إليه اعتبر فيه البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر عليه للسفه خاصة. (1) اما بالنسبة إلى المحال عليه فقد عرفت الحال فيه. واما بالنسبة إلى المحيل نفسه، فالظاهر انه كاعتبار عدم الحجر عليه لفلس لا وجه له فيما إذا كانت الحوالة على برئ الذمة. اما عدم اعتبار عدم السفه فيه، فلان السفيه انما هو ممنوع من التصرف في امواله واشغال ذمته بشئ، ومن الواضح خروج المعاملة الموجبة لاسقاط ما ثبت في ذمته، واشغال ذمة الغير به، عنهما معا، فلا

[ 244 ]

[ في الثلاثة من المحيل (1) والمحتال (2) ] تشمله دليل المنع. واما عدم اعتبار عدم الفلس فيه. فلاختصاص الحجر عليه بالتصرف في ماله خاصة وحيث ان المفروض براءة ذمة المحال عليه بالنسبة إليه وعدم ملكه الشئ في ذمته، فلا تكون الحوالة عليه تصرفا في ماله فانها ليست الا اشغالا لذمة الغير بما ثبت في ذمته هو. نعم لازم ذلك جواز الرجوع عليه بعد الاداء، الا أن ذلك لا يضر شيئا بعد ما عرفته من عدم مشاركته للغرماء في الاموال الموجودة حاله في ذلك حال الدين الجديد. والحاصل: ان اعتبار هذه الشرائط بأكملها في المحيل انما يتم في الحوالة على مشغول الذمة، إذ ليس للصغير ولا المجنون ولا المكره ولا المحجور عليه لسفه أو فلس التصرف في أمواله الموجودة بالفعل ومنها دينه الثابت في ذمة المحال عليه. وأما لو كانت الحوالة على البرئ، فلا يعتبر فيه سوى البلوغ والعقل والاختيار إذ لا أثر لعقد الصغير والمجنون والمكره، دون عدم الحجر عليه لسفه أو فلس. (1) على تفصيل عرفته. (2) بلا إشكال فيه، إذ الحوالة نقل لدينه وماله الثابت في ذمة المحيل، وهو تصرف فيه جزما فتتوقف صحته على رضاه ويعتبر فيه

[ 245 ]

[ والمحال عليه (1) وعدم الحجر بالسفه (2) في المحتال (3) والمحال عليه (4)، بل والمحيل الا إذا كانت الحوالة على البرئ فانه لا بأس به (5) فانه نظير الاقتراض منه - أمور -: (أحدهما): الايجاب والقبول، على ما هو المشهور بينهم عدوها من العقود اللازمة. فالايجاب من المحيل والقبول من المحتال. وأما المحال عليه فليس من اركان العقد وإن اعتبرنا رضاه مطلقا أو إذا كان بريئا، فان مجرد اشتراط الرضا لا يدل على كونه طرفا وركنا للمعاملة ] توفر الشروط بأجمعها إذ لا أثر لرضى الصغير والمجنون والمكره وغير الرشيد والمفلس بالنسبة إلى ماله الموجود بالفعل. (1) على اشكال قد عرفت تفصيله. (2) ذكر السفه من سهو القلم أو غلط النساخ جزما، والصحيح الفلس - كما هو اوضح من أن يخفى -. (3) لما تقدم. (4) على إشكال بل منع - كما عرفته -، فانه لا يعتبر فيه عدم الحجر للفلس مطلقا سواء أكان مشغول الذمة للمحيل أم لم يكن. (5) لما عرفته من اختصاص الحجر عليه بالتصرف في ماله، والحوالة على البرئ خارجة عنه.

[ 246 ]

[ ويحتمل أن يقال: يعتبر قبوله أيضا (1)، فيكون العقد مركبا من الايجاب والقبولين. وعلى ما ذكروه يشترط فيها ما يشترط في العقود اللازمة من الموالاة بين الايجاب والقبول ونحوها، فلا تصح مع غيبة المحتال أو المحال عليه أو كليهما، ] (1) الا انه بعيد جدا، فانه لا دليل، بل لا وجه له بالمرة، فانه خارج عن المعاقدة بالكلية، فان العقد انما هو بين المحيل والمحتال خاصة ولا دور للمحال عليه فيه أصلا. فانه إذا كان مشغول الذمة للمحيل بالجنس الذي أحال غيره عليه، فالامر واضح، فان أمر المال بيد مالكه - المحيل - وله نقله كيف ما يشاء وبأي سبب يختاره من بيع أو صلح أو هبة أو غيرها من دون أن يكون لمن اشتغلت ذمته به حق في الاعتراض عليه. ومن هنا: فلا يعتبر رضاه فضلا عن قبوله. واما إذا كان برئ الذمة بالنسبة إليه أو كانت الحوالة بغير جنس الدين، فيعتبر رضاه لا محالة، إذ ليس للمحيل سلطنة على اشغال ذمة المحال عليه بأصل المال أو الجنس الخاص بعد فرض فراغها منه. الا أن اعتبار رضاه هذا ليس على حد جعله طرفا للمعاقدة والايجاب والقبول، بل غايته اعتباره في صحة العقد بمعنى عدم صحته بدونه كما هو الحال في العقد الفضولي، ومن الواضح أنه لا يستلزم كونه طرفا للعقد واحتياج الايجاب الواحد إلى قبولين.

[ 247 ]

[ بأن أوقع الحوالة بالكتابة (1). ولكن الذي يقوى عندي كونها من الايقاع (2) ] ومنه يظهر ما في كلام صاحب الجواهر (قده) من عدم وجدان القائل بتركب العقد من ايجاب وقبولين، وان كان هو مقتضى ما تسمعه من دليلهم. إذ لم يظهر له وجه، فان الدليل انما اقتضى توقف اشتغال ذمة المحال عليه باصل المال أو الجنس المخصوص على رضاه وعدم صحته من دونه واما كونه طرفا للعقد فلم يدل عليه دليل على الاطلاق. والحاصل: انه لا دليل على اعتبار القبول من المحال عليه وجعله طرفا للعقد إذ غاية دلالته اعتبار رضاه وهو لا يقتضي كونه طرفا فيه. ومن هنا: فلا يعتبر في رضاه ما يشترط في الايجاب والقبول من الموالاة ونحوها. (1) على اشكال ستعرفه. (2) وفيه مالا يخفى من فساد مبناه، فان النقل من ذمة إلى أخرى ليس وفاءا للدين على الاطلاق، وانما هو تبديل لمكان الدين وظرفه لا أكثر إذ المحيل ينتقل ما في ذمته للمحتال إلى ذمة المحال عليه. ومنه يظهر الحال فيما ذكره (قده) من عد الوفاء بغير الجنس من الايقاع، فانه فساد قطعا، لرجوعه إلى تبديل المال الثابت في ذمته بالمال الجديد، والمعاوضة بين المالين، وهو من العقود جزما.

[ 248 ]

[ غاية الامر اعتبار الرضا من المحتال أو منه ومن المحال عليه ومجرد هذا لا يصيره عقدا، وذلك لانها نوع من وفاء الدين، وان كانت توجب انتقال الدين من ذمته إلى ذمة المحال عليه، فهذا النقل والانتقال نوع من الوفاء. وهو لا يكون عقدا وان احتاج إلى الرضا من الاخر، كما في الوفاء بغير الجنس، فانه يعتبر فيه رضا الداين ومع ذلك ايقاع، ومن ذلك يظهر أن الضمان أيضا من الايقاع، فانه نوع من الوفاء وعلى هذا فلا يعتبر فيها شئ مما يعتبر في العقود اللازمة، ويتحققان بالكتابة ونحوها (1). بل ] كما يظهر الحال في عده (قده) للضمان والوكالة من الايقاع أيضا. إذن: فالصحيح في المقام هو ما ذهب إليه المشهور من كون الحوالة عقدا بين المحيل والمحتال، لكونها تبديلا لما في ذمته للمحتال بماله في ذمة المحال عليه. (1) إلا أن تحققهما بها ونحوها لازم أعم لكونهما ايقاعا، فانهما يصحان بها حتى مع كونهما عقدا، وذلك لتحقق ابراز الاعتبار النفساني بها. بل يمكن الالتزام بصحتهما بها مع عدم الموالاة أيضا إذ لا دليل على اعتبارها ولا سيما فيما هو متعارف خارجا من الحوالة بالرسائل، فانه لو كان التزام المحيل باقيا إلى حين وصول الرسالة إلى المحتال

[ 249 ]

[ يمكن دعوى أن الوكالة أيضا كذلك (1) - كما ان الجعالة كذلك - وان كان يعتبر فيها الرضا من الطرف الاخر. الا ترى أنه لا فرق (2) بين أن يقول: (أنت مأذون في بيع داري) أو قال: (أنت وكيل)، مع أن الاول من الايقاع قطعا. ] وقبوله الحوالة، تحقق العقد وانضمام التزام إلى التزام لدى العرف والعقلاء وحكم بصحته لا محالة. إذن: فلا يمكن جعل تحققهما بالكتابة ونحوها من آثار كونهما من الايقاعات لما عرفته من كون ذلك لازما أعم لكونهما من الايقاعات وكونها من العقود. (1) الا انها بعيدة غاية البعد، فان الوكالة اعطاء سلطنة للغير وأقامته مقام نفسه ولابد فيها من القبول. ومن هنا فهي من العقود قطعا. (2) بل الفرق بينهما ظاهر، فأن الاذن ترخيص محض ممن بيده الامر في متعلقه من الامور التكوينية كالاكل أو الاعتبارية كالبيع، بخلاف الوكالة فانها سلطنة اعتبارية يمنحها الموكل إلى غيره ولابد من قبوله كما ولابد من تعلقها بالامور الاعتبارية إذ لا معنى للتوكيل في الامور التكوينية كالاكل والركوب وما شاكلهما. نعم يستثنى من ذلك القبض حيث يصح فيه التوكيل فيكون قبض الوكيل قبضا للموكل، وقد تعرضنا إليه في بعض المباحث السابقة أيضا.

[ 250 ]

ثم أن الوكالة تفترق عن الاذن في جملة أمور: - منها: إرتفاع الوكالة بفسخ الوكيل، فانه عقد جائز ويصح للوكيل فسخه، فإذا فعل ذلك أصبح أجنبيا عن متعلقها، ويكون تصرفه فيه تصرفا فضوليا لا يترتب عليه أثر بالنسبة إلى الموكل. بخلاف الاذن حيث أنه غير قابل للرفع من قبل المأذون لعدم توقفه على قبوله. ومن هنا فلو أذن له في شئ ورفض المأذون ذلك ثم بدا له القيام به كان له ذلك لكونه مأذونا فيه بعد لبقاء الاذن وعدم ارتفاعه بالرفض. ثم أن الماتن (قده) وان لم يلتزم بهذا الفرق بين الوكالة والاذن عند تعرضه إليه في كتاب الوكالة من ملحقات العروة حيث اختار (قده) عدم بطلان الوكالة بعزل الوكيل نفسه معللا ذلك بأنها من الايقاعات لا العقود، الا أنه يكفينا في الاشكال عليه عدم انسجام ذلك مع التزامه (قده) باعتبار رضا الوكيل، إذ ان لازم كونها ايقاعا والحكم بعدم انعزال الوكيل بعزل نفسه، الالتزام بعدم اعتبار رضاه في صحة الوكالة. فالجمع بين الحكمين في غير محله ولا يمكن المساعدة عليه. ومنها: ان الوكالة قد تكون لازمة بالعرض بحيث لا يكون للموكل رفع اليد عن توكيله، كما إذا اخذت شرطا في ضمن عقد لازم حيث

[ 251 ]

[ (الثاني): التنجيز فلا تصح مع التعليق على شرط أو وصف - كما هو ظاهر المشهور -. ولكن الاقوى عدم اعتباره (1) - كما مال إليه بعض متأخري المتأخرين -. ] تكون لازمة بتبع العقد باعتبار أنه أنما يكون لازما بجميع شئونه وتوابعه ومنها الوكالة، بخلاف الاذن حيث لا يمكن فرضه لازما وغير قابل للرفع حتى ولو أخذ في ضمن عقد لازم، فانه أمر تكويني يرتفع برفعه من قبل الآذن وجدانا، غاية الامر ثبوت الخيار للمأذون في العقد الذي أخذ شرطا في ضمنه نظرا لتخلف الشرط. ومنها: نفوذ تصرف الوكيل حتى مع ظهور عزله عن الوكالة حين صدوره منه ما لم يبلغه الخبر - على ما دل عليه النص الصحيح - بخلاف تصرف المأذون بغير سلطنة اعتبارية بالوكالة، حيث لا يكون تصرفه نافذا فيما لو ثبت رجوع الآذن عن اذنه حين التصرف. إلى غير ذلك من الفروق. إذن: فالقول بعدم الفرق بينهما مجازفة لا يمكن المساعدة عليها بوجه. (1) تقدم الكلام منا في اعتبار التنجيز غير مرة في مباحث المكاسب وغيرها، وقد عرفت فقدان الدليل اللفظي على اعتباره، وانه انما ثبت بالاجماع عليه خاصة. ومن هنا فلابد في الحكم باعتباره من تتبع موارد ثبوته، ففي كل مورد تم الاجماع على اعتباره فهو، والا فلا موجب للالتزام باعتباره

[ 252 ]

[ (الثالث): الرضا من المحيل والمحتال بلا اشكال (1) وما عن بعضهم من عدم اعتبار رضا المحيل فيما لو تبرع المحال عليه بالوفاء، بان قال للمحتال: (احلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي)، وحينئذ فيشترط رضا المحتال والمحال عليه دون المحيل. لا وجه له، إذ المفروض لا يكون من الحوالة بل هو من الضمان (2). وكذا من المحال عليه إذا كان برئيا، أو كانت الحوالة بغير جنس ] حتى ولو كان ذلك مشهورا، إذ لا حجية للشهرة ولذا التزمنا بصحة الوكالة المعلقة مستشهدين على عدم تحقق الاجماع على اعتبار التنجيز فيها بتصريح المحقق القمي (قده) في جامع شتاته به. وحيث أن الحوالة أيضا كذلك، إذ لم يتم الاجماع على اعتباره فيها، كما يشهد له عدم تعرض جملة ممن ذكروه شرطا في باقي العقود له إلى اعتباره فيها، فلا موجب لاعتباره. ويكفينا في ذلك الشك في تحقق الاجماع. (1) نظرا لكون الحوالة عقدا يقتضي انتقال الدين الثابت للمحتال في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فيتوقف على رضا طرفيه لا محالة. (2) فان الحوالة - وكما عرفتها - عقد بين الدائن والمدين، في حين ان هذا عقد بين الدائن والاجنبي فكيون ضمانا وان عبر عنه بالحوالة.

[ 253 ]

[ ما عليه (1). وأما إذا كانت بمثل ما عليه ففيه خلاف (2) ] (1) إذ لا سلطنة للمحيل على اشغال ذمة المحال عليه بأصل المال أو الجنس الخاص بعد ان كانت بريئة منه. (2) نسب إلى المشهور القول باعتباره، بل عن الاردبيلي (قده) دعوى عدم الخلاف فيه، بل احتمل بعضهم كونه طرفا للعقد - كما تقدم -. لكنه - لو تم ما نسب إلى المشهور - لا وجه له، فان المال ملك للمحيل وله نقله إلى من شاء وبأي سبب يختاره من بيع أو صلح أو هبة أو حوالة أو غيرها ومن غير أن يكون لمن عليه الحق الاعتراض عليه، فأنه اجنبي عن المال وعليه أداء إلى مالكه. نعم قد يعلل ذلك باختلاف الناس في الاقتضاء من حيث السهولة والصعوبة وحيث انه مما يؤثر مباشرة على المحال عليه فلابد من اعتبار رضاه بنقل المال من ملك المحيل إلى ملك المحتال. الا أنه واضح الاندفاع، إذ لا يعتبر في صحة النقل تساوي الطرفين في الاقتضاء ولذا لم يذهب إليه أحد في بيع الدين على الاطلاق، فانه يصح سواء أرضي المدين أم لم يرض به، سواء أكان المشتري سهلا في الاقتضاء أم صعبا. على أنه لو تم ما ذكر لكان لازمه تخصيص الحكم باعتبار رضا المحال عليه بما لو كان المحتال شديد المطالبة وصعبا في الاقتضاء، كما

[ 254 ]

[ ولا يبعد التفصيل (1) بين أن يحول عليه بماله عليه، بأن يقول: (أعطه من الحق الذي لي عليك) فلا يعتبر رضاه، فانه بمنزلة الوكيل في وفاء دينه (2) وان كان ] هو واضح. (1) بل هو بعيد جدا، بل لم يظهر له وجه محصل، فانه لو أحاله عليه مقيدا بكونها غير ما يطلبه، كما لو صرح بكونها اجنبية عما له في ذمته، فلا إشكال في بقاء ذمة المحال عليه مشغولة بما كان للمحيل عليه أولا، فانه من الحوالة على البرئ جزما وخارج عن محل الكلام إذ المفروض الحوالة على المدين بوصف كونه مدينا وهذه حوالة على المدين مقيدا بعدم هذا الوصف. وأما لو أحاله عليه بمثل ما عليه من الحق لكن من غير تقييد بكونها من الحق الذي له عليه أو عدمه، فلا ينبغي الاشكال أيضا في انطباقه على الفرد الذي له عليه قهرا وانتقال ملكية المال إلى المحتال وبذلك فيكون حالها حال الحوالة المقيدة بكونها من الحق الذي عليه. (2) التعليل بكون المحال عليه بمنزلة الوكيل، بعد غريبا منه (قده) ولعله من سهو قلمه الشريف، إذ المحال عليه - بعد تمامية الحوالة - انما يفي الدين عن نفسه، لاشتغال ذمته به للمحتال بعد براءة ذمة المحيل بالحوالة. وهو لا ينسجم مع كونه وكيلا فيه، فان الوكيل انما يؤدي عن

[ 255 ]

[ بنحو اشتغال ذمته للمحتال وبراءة ذمة المحيل بمجرد الحوالة، بخلاف ما إذا وكله (1) فان ذمة المحيل مشغولة إلى حين الاداء. وبين أن يحوله عليه من غير نظر إلى الحق الذي له عليه على نحو الحوالة على البرئ، فيعتبر رضاه، لان شغل ذمته بغير رضاه على خلاف القاعدة (2) وقد يعلل باختلاف الناس في الاقتضاء فلابد من رضاه. ولا يخفى ضعفه، كيف، والا لزم عدم جواز بيع دينه على غيره مع أنه لا اشكال فيه (3). (الرابع): أن يكون المال المحال به ثابتا في ذمة المحيل ] غيره. في حين ان المحال عليه إنما يفي عن نفسه - كما هو واضح -. على أنه لو كان وكيلا للزم اعتبار رضاه مطلقا حتى بناءا على مختاره (قده) من كون الوكالة من الايقاعات، وهذا يتنافي مع تصريحه (قده) بعدم اعتبار رضاه في هذه الصورة. (1) إذا كان المراد من هذه الصورة - الاولى - التوكيل في الاداء فلا ينبغي الاشكال في عدم فراغ ذمة المحال عليه من الدين، إلا أنه خارج عن محل الكلام فان الحوالة باب والوكالة باب آخر، ولا يجوز الخلط بينهما. (2) لكنك قد عرفت الاشكال فيه وأن الانطباق حينئذ قهري. (3) مضافا إلى ما ذكرناه من لزوم تخصيص الاعتبار بفرض

[ 256 ]

[ سواء كان مستقرا أو متزلزلا (1)، فلا تصح في غير الثابت سواء وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل ومال السبق والرماية قبل حصول السبق، أو لم يوجد سببه أيضا كالحوالة بما يستقرضه هذا هو المشهور. ولكن لا يبعد كفاية حصول السبب كما ذكرنا في الضمان (2) ] صعوبة المحتال في الاقتضاء. (1) لتوقف صدق الحوالة ونقل الدين من ذمة إلى أخرى عليه، إذ المعدوم لا يقبل الانتقال إلى وعاء آخر. (2) وقد تقدم الاشكال عليه هناك مفصلا حيث قد عرفت ان بطلان ضمان ما لم يجب من القضايا التي قياساتها معها، إذ الضمان الفعلي بمعنى إشتغال ذمة الضامن قبل اشتغال ذمة المضمون عنه أمر غير معقول، فان المعدوم لا يعقل إنتقاله إلى ذمة الغير وانقلابه موجودا، فما لا ثبوت له في ذمة المضمون عنه لا يمكن نقله إلى ذمة الضامن ليثبت فيها بالفعل. والضمان على نحو الواجب المشروط بمعنى انشاء انتقال المال من ذمته إلى ذمة الضامن في ظرفه وبعد ثبوته، وان كان أمرا معقولا في حد ذاته، إلا انه باطل لعدم تعارفه بين العقلاء مضافا إلى عدم شمول أدلة الصحة له نظرا لظهورها في ترتب الاثر على العقد بالفعل ومن حين الانشاء، فلا تشمل العقود المقتضية لترتب الاثر عليها بعد

[ 257 ]

[ بل لا يبعد الصحة (1) فيما إذا قال: (اقرضني كذا وخذ عوضه من زيد) فرضي ورضي زيد أيضا، لصدق الحوالة وشمول العمومات، فتفرغ ذمة المحيل وتشتغل ذمة المحال بعد العمل وبعد الاقراض. (الخامس): أن يكون المال المحال به معلوما جنسا وقدرا للمحيل والمحتال، فلا تصح الحوالة بالمجهول على ] مرور فترة من وقوعها الا ما خرج بالدليل كالوصية. وهذا الذي تقدم في الضمان يجري بعينه وحرفيا في الحوالة أيضا فان الحوالة الفعلية بمعنى انتقال الدين بالفعل من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه أمر غير معقول لاستحالة انتقال المعدوم والحوالة على نحو الواجب المشروط وان كان أمرا معقولا الا إنها محكومة بالبطلان لعدم شمول ادلة الصحة لها. إذن: فما ذكره (قده) من كفاية حصول السبب للدين في صحة الحوالة قبل ثبوته في الذمة بعيد غايته ولا يمكن المساعدة عليه بوجه. والصحيح ما ذهب إليه المشهور من اعتبار ثبوته بالفعل في صحتها من غير فرق بين كونه مستقرا أو متزلزلا. (1) بل هي بعيدة غاية البعد لما عرفته في سابقه، فانه من أظهر مصاديق ضمان ما لم يجب المحكوم بعدم المعقولية على تقدير والبطلان على تقدير آخر.

[ 258 ]

[ المشهور للغرر. ويمكن أن يقال بصحته إذا كان آئلا إلى العلم (1) كما إذا كان ثابتا في دفتره، على حد ما مر في الضمان من صحته مع الجهل بالدين، بل لا يبعد الجواز مع عدم أوله إلى العلم بعد إمكان الاخذ بالقدر المتيقن (2) بل وكذا لو قال: (كلما شهدت به البينة وثبت خذه من فلان) (3). نعم لو كان مبهما كما إذا قال: (أحد الدينين الذين لك علي خذه من فلان) بطل (4)، وكذا لو قال: (خذ شيئا من دينك من فلان). هذا ولو أحال الدينين ] (1) إذ لا دليل على اعتبار نفي الغرر مطلقا وفي جميع الموارد، فان الثابت اعتباره في خصوص البيع وقد الحق به الاصحاب الاجارة وما شاكلها من العقود. على أنه لا غرر في المقام فان الحوالة ليست الا تبديلا لمكان الدين ونقله من ذمة المحيل على واقعه إلى ذمة المحال عليه، وهو لا يستلزم خطرا على أحد طرفي العقد، فان المحتال سيأخذ ما كان له بحسب الواقع على المحيل وينقص ذلك من دين المحيل على المحال عليه. (2) لما تقدم. (3) لما تقدم أيضا. (4) إذ المردد والمبهم مما لا واقع له حتى في علم الله تبارك وتعالى

[ 259 ]

[ على نحو الواجب التخييري أمكن الحكم بصحته (1) لعدم الابهام فيه حينئذ. ] وما هو كذلك لا يقبل النقل من ذمته إلى ذمة غيره، إذ الثابت في الذمة أمر معين غير مردد. (1) فيما إذا تساوى الدينان كما وكيفا، كما لو كان المحيل مدينا لزيد بعشرة دنانير عن ثمن مبيع إشتراه منه وبعشرة أخرى عن دين استقرضه منه فأحاله على عمرو بعشرة دنانير خاصة، فانها محكومة بالصحة جزما حيث لا خصوصية في الدين من حيث سببه وأنه بسبب القرض أو الشراء فتكون الحوالة متعلقة بالجامع قهرا. وبعبارة أخرى: ان الحوالة في هذا الفرض متعلقة بالمعين دون المردد، فانها أحالة للمحتال، على المحال عليه بنصف ماله عليه - المحيل -. وأما إذا إختلف الدينان فالفرض عين فرض الدين مبهما ومجهولا وليس هو شيئا آخر في قباله، فانه مبهم ومردد ولا واقع له حتى في علم الله عزوجل، ومعه فلا وجه للحكم بصحتهما. والحاصل: ان استثناء الحوالة على نحو الواجب التخييري مع الحكم ببطلان الحوالة بالدين المبهم في غير محله ولا يمكن المساعدة عليه، فانها مع تساوي الدينين خارجة تخصصا لكونها حوالة بالمعين وان جهل سببه، ومع عدم التساوي عين الحوالة بالمجهول بحسب الواقع.

[ 260 ]

[ (السادس): تساوي المالين - أي المحال به والمحال عليه - جنسا ونوعا ووصفا، على ما ذكره جماعة، خلافا لاخرين. وهذا العنوان وان كان عاما الا أن مرادهم - بقرينة التعليل بقولهم: تفصيا من التسلط على المحال عليه بما لم تشتغل ذمته به، إذ لا يجب عليه أن يدفع الامثل ماعيله - فيما كانت الحوالة على مشغول الذمة بغير ما هو مشغول الذمة به، كأن يحيل من له عليه دراهم على من له عليه دنانير، بأن يدفع بدل الدنانير دراهم، فلا يشمل ما إذا أحال من له عليه الدراهم على البرئ بأن يدفع الدنانير (1) أو على مشغول الذمة بالدنانير بأن يدفع الدراهم (2) ولعله لانه وفاء بغير الجنس برضا الدائن. فمحل الخلاف ما إذا أحال على من عليه جنس بغير ذلك الجنس. والوجه في عدم الصحة: ما أشير إليه من أنه ] (1) فانها محكومة بالصحة قطعا بعد رضى كل من المحتال والمحال عليه بها، فانها ترجع إلى مبادلة بين الدائن - المحتال - والمدين - المحيل أولا بتبديل ما في ذمته للمحال، بالجنس الجديد ثم احالته به على المحال عليه البرئ، فيحكم بصحتها لعدم شمول دليل المنع لها، إذ لا منافاة فيها للسلطنة المحتال أو المحال عليه بالمرة كما هو واضح. (2) فترجع إلى المعاوضة بين المحيل والمحال عليه بتبديل ما للاول

[ 261 ]

[ لا يجب عليه أن يدفع إلا مثل ما عليه. وأيضا الحكم على خلاف القاعدة. ولا إطلاق في خصوص الباب، ولا سيرة كاشفة، والعمومات منصرفة إلى العقود المتعارف. ووجه الصحة: أن غاية ما يكون أنه مثل الوفاء بغير الجنس ولا بأس به. وهذا هو الاقوى (1). ثم لا يخفى أن الاشكال إنما هو فيما إذا قال: (إعط مما لي عليك من الدنانير دراهم) بأن أحال عليه بالدراهم من الدنانير التي عليه. وأما إذا أحال عليه بالدراهم من غير نظر إلى ما عليه من الدنانير فلا ينبغي الاشكال فيه، إذ هو نظير إحالة من له الدراهم على البرئ، بأن يدفع الدنانير، وحينئذ فتفرغ ذمة المحيل من الدراهم، وتشتغل ذمة المحال عليه بها، وتبقى ] على الثاني بالجنس الجديد الذي للمحتال على المحيل أولا ثم أحالة المحتال بذلك عليه فتكون الحوالة بالجنس الذي له عليه لا محالة. (1) فيما إذا رضي المحال عليه بها، إذ انها ترجع حينئذ إلى معاملة معاوضية بين المحيل والمحال عليه بتبديل ماله عليه بالجنس الجديد ثم أحالة المحتال عليه. وهي محكومة بالصحة جزما، الا إنها ليست من الوفاء بغير الجنس كما ذكره (قده) فانه وبعد ثبوت الجنس الجديد بالمعاملة الجديدة

[ 262 ]

[ ذمة المحال عليه مشغولة بالدنانير، وتشتغل ذمة المحيل له بالدراهم، فيتحاسبان بعد ذلك ولعل الخلاف أيضا مختص بالصورة الاولى، لا ما يشمل هذه الصورة أيضا (1) وعلى هذا فيختص الخلاف بصورة واحدة وهي ما إذا كانت الحوالة على مشغول الذمة بأن يدفع من طرف ما عليه من الحق بغير جنسه، كأن يدفع من الدنانير التي عليه دراهم. (مسألة 1): لا فرق في المال المحال به بين أن يكون عينا في الذمة أو المنفعة أو عملا لا يعتبر فيه المباشرة (2) ] في ذمة المحال عليه بدلا عن الذي كان ثابتا عليه، تكون الحوالة به حوالة بالجنس لا محالة. وأما لو لم يرض المحال عليه بها، فلا مقتضى للحكم بصحتها، إذ لا موجب لالتزام المدين بغير ما هو مشغول الذمة به. إذن فالصحيح هو التفصيل بين رضا المحال عليه بها فتصح، وعدمه فيحكم ببطلانها. (1) فانها معاملة مستقلة عن الدين الثابت في ذمة المحال عليه، فتكون من قبيل الحوالة على البرئ تصح مع رضى المحال عليه بها. (2) للقواعد العامة المقتضية للصحة مضافا إلى اطلاق جملة من نصوص الباب حيث لم يرد في شئ منها تقييد المحال به بكونه عينا في الذمة، فان الاجير لما كان مدينا بالعمل أو المنفعة للمستأجر كان

[ 263 ]

[ ولو مثل الصلاة والصوم والحج والزيارة والقراءة (1)، سواء أكانت على البرئ أو على مشغول الذمة بمثلها (2) وأيضا لا فرق بين أن يكون مثليا كالطعام أو قيميا كالعبد والثوب (3) والقول بعدم الصحة في القيمي للجهالة، ضعيف، والجهالة مرتفعة بالوصف الرافع لها (4). ] له نقله إلى ذمة الغير بالحوالة وجعل ذمة الغير هي مشغولة به. (1) فان جميع ذلك وان لم يكن مذكورا في النصوص، إلا أنه يكفينا في الحكم بصحتها كونها على القاعدة فتشملها العمومات. (2) غاية الامر اعتبار رضى المحال عليه في الاول كما عرفت. (3) لما تقدم من العمومات واقتضاء بعض الادلة الخاصة له. (4) إذ لا ملازمة بين الجهالة في القيميات وبين الابهام الموجب للبطلان، فانه يمكن رفع الابهام بتعيين المحال به القيمي بالاوصاف. ولو لا ذلك لما أمكن تصحيح بيعه أيضا فان مالا تعين له في الواقع لا يقبل جعله عوضا أو معوضا ونقله إلى الغير، وإنما صح ذلك لارتفاع الابهام بذكر المواصفات المميزة له عن غيره. ومن هنا: فإذا صح بيعه واشتغلت ذمة البايع به صح نقله إلى ذمة الغير بالحوالة لنفس الملاك فيكون المحال عليه كأنه هو البائع في اشتغال ذمته به للمحتال. نعم لو كانت الجهالة موجبة للابهام المطق بحيث لا يكون للمحال

[ 264 ]

[ (مسألة 2): إذا تحققت الحوالة برئت ذمة المحيل (1) وان لم يبرءه المحتال (2). والقول بالتوقف على ابرائه، ضعيف (3). والخبر (4) الدال على تقييد عدم الرجوع ] به تعيين حتى في الواقع وعلم الله تبارك وتعالى، تعين الحكم ببطلانها لا محالة لعدم شمول ادلة الامضاء له وعدم معقولية الحكم باشتغال الذمة بما لا تعين له في الواقع. (1) لان مقتضاها نقل الدين عن ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه - كما عرفت في معنى الحوالة - وهو يعني فراغ ذمة المحيل منه واشتغال ذمة المحال عليه به، ومعه فاثبات اشتغال الذمة للمحيل ثانيا بعد فراغها من الدين يحتاج إلى الدليل لعدم السلطنة للمحتال عليه وهو مفقود. (2) إذ لا حاجة إليه بعد تحقق البراءة من دونه، فاعتباره لا يرجع الا إلى تحصيل الحاصل. (3) لما تقدم. (4) وهي معتبرة زرارة عن أحدهما (ع) (في الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل آخر فيقول له الذي احتال: برئت مما لي عليك، فقال: إذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه وان لم يبرأه فله أن يرجع على الذى أحاله) (1).


(1) الوسائل: ج 13 باب 11 من أبواب الضمان، ح 2.

[ 265 ]

[ على المحيل بالابراء من المحتال، المراد منه القبول، لا أعتبارها بعده أيضا. وتشتغل ذمة المحال عليه للمحتال فينتقل الدين إلى ذمته وتبرأ ذمة المحال عليه للمحيل ان كانت الحوالة بالمثل بقدر المال المحال به، وتشتغل ذمة المحيل للمحال عليه إن كانت على برئ أو كانت بغير المثل، ويتحاسبان بعد ذلك. ] وهى معتبرة سندا وواضحة دلالة، الا أنها معارضة بما دل على عدم الاعتبار، ففي صحيحة أبي أيوب أنه سأل أبا عبد الله (ع): (عن الرجل يحيل الرجل بالمال أيرجع عليه؟ قال: لا يرجع عليه أبدا الا أن يكون قد أفلس قبل ذلك) (1). ونحوها صحيحة منصور بن حازم (2). وفي رواية عقبة بن جعفر عن أبي الحسن (ع) قال: (سألته عن الرجل يحيل الرجل بالمال على الصيرفي ثم يتغير حال الصيرفي أيرجع على صاحبه إذا إحتال ورضى؟ قال لا) (3). والعمدة في المعارضة هي الصحيحتان الاوليان - وإلا فالرواية الاخيرة لا تعدو كونها مؤيدة لضعف سندها - حيث دلتا على انحصار


(1) الوسائل: ج 13 باب 11 من أبواب الضمان، ح 1. (2) الوسائل: ج 13 باب 11 من أبواب الضمان، ح 3. (3) الوسائل: ج 13 باب 11 من أبواب الضمان، ح 4.

[ 266 ]

حق الرجوع على المحيل بفرض الافلاس - كما يظهر ذلك من قوله (ع) أبدا). فتتعارضان مع معتبرة زرارة الدالة صريحا على جواز الرجوع قبل الابراء. وعندئذ يكون التقدم معهما لرجحانهما عليها بموافقتهما للكتاب العزيز حيث أن مقتضى عمومات الوفاء بالعقود الحكم باللزوم وعدم جواز رجوع المحتال على المحيل ثانيا. على إننا لو غضضنا عن صحيحتي أبي أيوب ومنصور بن حازم، لم يكن مجال للعمل بمعتبرة زرارة في حد نفسها والقول باعتبار الابراء في تحقق براءة ذمة المحيل، فان هذه المعتبرة متضمنة لما لا يمكن الالتزام به ولابد من رد علمها إلى أهله. وذلك فلان الحوالة إما أن تكون في نفسها وقبل الابراء من المحتال صحيحة وموجبة لنقل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وإما ان تكون فاسدة غير مؤثرة في النقل والانتقال. فعلى الاول: فاعتبار الابراء من تحصيل الحاصل لتحقق البراءة بحسب الفرض قبله، فان الدين إذا انتقل عن ذمة المحيل برئت ذمته لا محالة والا لما كان الدين منتقلا. وعلى الثاني: فالابراء وان كان موجبا لبراءة ذمة المحيل حينئذ كما هو واضح لعدم تحققها قبله، إلا ان معه لا وجه لرجوع المحتال على المحال عليه، نظرا لعدم انتقال المال إلى ذمته وعدم اشتغالها به له. فالجمع بين الحكمين - جواز رجوع المحتال عليه بموجب الحوالة

[ 267 ]

واعتبار ابراءه في براءة ذمة المحيل - جمع بين المتنافيين ولا يمكن المساعدة عليه. وبعبارة أخرى: ان الابراء الذي هو بمعنى اسقاط المحتال للدين الثابت في ذمة المحيل إما ان يكون بعوض وبأزاء اشتغال ذمة المحال عليه به وإما أن يكون مجانا. فعلى الاول: فهو عين القبول وليس شيئا في قباله، فان قبول المحتال للحوالة انما يعني موافقته على ما انشأه المحيل من براءة ذمته واشتغال ذمة المحال عليه. ومما يساعد على ارادة هذا المعنى من الابراء انه لم تذكر في الرواية قبولا للمحتال بغير هذا العنوان - الابراء -. وعلى الثاني: فان كانت الحوالة هذه محكومة بالصحة وانتقال ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا موضوع للابراء المجاني لعدم اشتغال ذمة المحيل حينئذ بشئ. وان لم تكن كذلك فالابراء وان كان صحيحا وفي محله، الا أنه لا وجه لرجوع المحتال على المحال عليه لاخذ المال منه، إذ المفروض عدم انتقال المال إلى ذمته وعدم اشتغالها بشئ له. ومن هنا فاما ان يقال بسقوط المعتبرة أو تحمل على بعض المحامل وان كان بعيدا. ثم أن العبرة في رجوع المحتال على المحيل انما هو بافلاس المحال عليه

[ 268 ]

[ (مسألة 3): لا يجب على المحتال قبول الحوالة وان كانت على ملي (1). (مسألة 4): الحوالة لازمة (2)، فلا يجوز فسخها بالنسبة إلى كل من الثلاثة. نعم لو كانت على معسر مع ] حين الحوالة، وهذا وان لم يذكر في صحيحتي أبي أيوب ومنصور بن حازم بل ان ظاهرهما قد يوهم كون العبرة بافلاس المحيل نفسه، إلا انه لا محيص عن الحمل عليه لقيام القرينة على كون المراد ما ذكرناه وفهمه الاصحاب إذ لا دخل لافلاس المحيل حين الحوالة في جواز الرجوع عليه بل الامر على العكس تماما فان القول بعدم جواز الرجوع عليه حينئذ أولى منه فيه إذا كان غنيا. (1) بلا خلاف فيه: والوجه فيه واضح، إذ الحوالة معاملة معاوضية تقتضي تبديل مال المحتال الثابت في ذمة المحيل بمال غيره في ذمة المحال عليه، فان المحتال انما يرفع اليد عن ماله الاول بازاء اشتغال ذمة المحال عليه بمثله. ومن هنا فلا يلزم بقبولها فانه غير مجبور على اجراء المعاملة على ماله كما هو الحال في سائر المعاوضات. (2) على ما تقتضيه اصالة اللزوم وعمومات صحة العقد ذاته، مضافا إلى بعض النصوص المتقدمة حيث حكم (ع) بعدم جواز رجوع المحتال على المحيل بعد تمامية الحوالة.

[ 269 ]

[ جهل المحتال باعساره يجوز له الفسخ والرجوع على المحيل (1) والمراد من الاعسار أن يكون له ما يوفي دينه زائدا على مستثنيات الدين. وهو المراد من الفقر في كلام بعضهم ولا يعتبر فيه كونه محجورا (2). والمناط الاعسار والايسار حال الحوالة وتماميتها (3) ولا يعتبر الفور في جواز الفسخ (4). ] (1) على ما دلت عليه صحيحتا أبي أيوب ومنصور بن حازم المتقدمتان حيث قيد (ع) الحكم بعدم جواز رجوع المحتال على المحيل ثانيا بعدم ظهور الافلاس قبل ذلك. (2) لاطلاقات الادلة حيث أن مقتضاها كون العبرة في الحكم بنفس الافلاس مع قطع النظر عن الحجر عليه لذلك وعدمه. (3) لاطلاقات وعمومات أدلة اللزوم، بل وتقييده (ع) للافلاس في المعتبرتين السابقتين بقبل الحوالة، فاننا وان لم نرتض ثبوت المفهوم للوصف الا إننا ذكرنا في محله أن أخذ الوصف في الحكم يدل على عدم ثبوته للطبيعي، والا لكان ذكره لغوا محضا. وتؤيده رواية عقبة بن جعفر المتقدمة الصريحة في عدم جواز الرجوع في فرض تغير الحال بعد الحوالة. الا إنها ضعيفة السند بعقبة بن جعفر لكونه مجهول الحال ولم ترد له في مجموع الكتب الاربعة ولا رواية واحدة غير هذه. (4) خلافا لما ذهب إليه بعض بدعوى الاقتصار على القدر المتيقن

[ 270 ]

[ ومع إمكان الاقتراض والبناء عليه يسقط الخيار، للانصراف على إشكال (1). وكذا مع وجود المتبرع. ] في رفع اليد عن اطلاقات وعمومات لزوم الوفاء بالعقود من الكتاب والسنة. فان هذا لو تم - ولنا فيه كلام طويل ذكرناه في مباحث الخيارات - فهو انما يتم فيما لو لم يكن لدليل الخيار اطلاق، والا تقدم اطلاق دليل الخيار على عمومات اللزوم وإطلاقاته قطعا. وحيث أن المقام من قبيل الثاني، فان دليل الخيار فيه - أعني قوله (ع): الا أن يكون قد افلس قبل ذلك - مطلق وغير مقيد بزمان معين فلا وجه للرجوع إلى ادلة اللزوم والقول بفورية الخيار، (1) قوي جدا، ووجهه ظاهر، فان الانصراف انما يوجب رفع اليد عن الحكم في غير المنصرف إليه فيما إذا كان الكلام مجملا أوله ظهور عرفي في المنصرف إليه، والا - بان كان الكلام مطلقا وغير ظاهر في المنصرف إليه - فالتمسك بالانصراف لا يعدو الاستحسان العقلي المحض. وحيث أن الاطلاق في المقام ثابت فان مقتضي قوله (ع): (الا إذا كان قد افلس قبل ذلك) كون افلاس المحال عليه حين الحوالة موجبا لتخير المحتال سواء تمكن بعد ذلك أم لا، فالتمسك بالانصراف للحكم بعدم ثبوت الخيار عند التمكن من الاداء بوجه بعد الافلاس حين العقد من التمسك بالاستحسان لا الانصراف.

[ 271 ]

[ (مسألة 5): الاقوى جواز الحوالة على البرئ (1) ولا يكون داخلا في الضمان (2). ] (1) وتقتضيه مضافا إلى كونها من المعاملات المتعارفة بين العقلاء خارجا ولا سيما بين الاقرباء حيث يحيل الابن دائنه على أبيه أو أخيه ولم يرد ردع عنها من الشارع المقدس، إطلاقات وعمومات أدلة الصحة فانها عقد من العقود يقتضي تبديل ما في ذمة المحيل بما في ذمة المحال عليه. بما ويمكن دعوى شمول النصوص الواردة في الباب لها أيضا حيث لم يرد في جملة منها ذكر كون المحال عليه مدينا للمحيل. نعم يعتبر في صحتها رضى المحال عليه جزما لعدم سلطنة المحيل على اشغال ذمته - كما تقدم -. (2) وان توهمه المحقق (قده) في الشرايع، وذلك لافتراقهما في طرفي العقد فان الضمان عقد بين الدائن والاجنبي - المضمون له والمضمون عنه - في حين أن الحوالة عقد بين الدائن والمدين - المحيل والمحتال - وليس المحال عليه طرفا فيه وان اعتبر رضاه في بعض الصور. وتظهر الثمرة في جملة من الموارد منها ما لو كان المحيل فاقدا لاهلية العقد كما لو كان صغيرا أو مجنونا، فانها تبطل على مختارنا حيث تعتبر في المحيل أهليته للعقد في حين تصح على مختار المحقق

[ 272 ]

[ (مسألة 6): يجوز اشتراط خيار الفسخ لكل من الثلاثة (1). (مسألة 7): يجوز الدور في الحوالة (2) وكذا يجوز الترامي (3) بتعدد المحال واتحاد المحتال (4)، أو بتعدد ] (قده) حيث لا تعتبر في المضمون عنه اهليته له. (1) بلا خلاف فيه، فان عقد الحوالة وان كان لازما على ما تقتضيه أصالة اللزوم في العقود إلا ما خرج بالدليل، إلا أن اللزوم فيه حقي لا حكمي كما هو الحال في النكاح حيث ثبت عدم ارتفاعه إلا بالطلاق أو الموت أو الفسخ بأحد موجباته الخاصة. ومن هنا فلما كان للمتعاقدين رفع اليد عنها بعد ثبوتها كان لهما اشتراط ذلك في ضمن العقد، وإذا جاز ذلك جاز جعله لغيرهما أيضا فان الحق لا يعدوهما ولهما التصرف على ضوء ما يتفقان عليه. (2) لاطلاقات أدلتها، فانها غير قاصرة الشمول لحوالة المحال عليه المال ثانيا على المحيل، ولا خصوصية فيها للحوالة الاولى أو غيرها. (3) بلا إشكال فيه، لما تقدم. (4) بان يحيل المحال عليه الاول المحتال على غيره ويحيله ذلك الغير على غيره أيضا وهكذا، حيث يبقى المحتال هو المحتال الاول ويكون التعدد في المحال عليه خاصة.

[ 273 ]

[ المحتال واتحاد المحال عليه (1). (مسألة 8): لو تبرع أجنبي عن المحال عليه برئت ذمته (2). وكذا لو ضمن عنه ضامن (3) برضا المحتال (4) وكذا لو تبرع المحيل عنه (5)، (مسألة 9): لو احال عليه فقبل وأدى ثم طالب المحيل بما اداه، فأدعي أنه كان له عليه مال وأنكر المحال عليه، فالقول قوله مع عدم البينة (6) فيحلف على براءته ويطالب عوض ما أداه، لاصالة البراءة (7) من شغل ذمته للمحيل. ودعوى: أن الاصل أيضا عدم ] (1) بان يحيل المحتال غيره على المحال عليه ويحيل ذلك الغير - المحتال الثاني - غيره عليه وهكذا. فيكون التعدد في المحتال دون المحال عليه. (2) لما ثبت بالضرورة القطعية من جواز أداء دين الغير من غير توقف على رضاه. (3) لعموم أدلة الضمان له. (4) لما تقدم في كتاب الضمان من اعتبار رضا المضمون له. (5) لما تقدم من جواز اداء دين الغير، فانه لا خصوصية لكون المؤدي هو المحيل أو غيره. (6) على ما تقضيه قواعد القضاء. (7) بل لاستصحاب عدم شغل ذمته، فانه أصل موضوعي حاكم

[ 274 ]

[ اشتغال ذمة المحيل بهذا الاداء. مدفوعة: بان الشك في حصول اشتغال ذمته وعدمه مسبب عن الشك في اشتغال ذمة المحال عليه وعدمه (1) وبعد جريان اصالة براءة ذمته (2) يرتفع الشك. هذا على المختار من صحة الحوالة على البرئ، وأما على القول بعدم صحتها فيقدم قول المحيل، لان مرجع الخلاف إلى صحة الحوالة وعدمها، ومع اعتراف المحال عليه بالحوالة يقدم قول مدعي الصحة وهو المحيل. ودعوى: أن تقديم قول مدعي الصحة انما هو إذا كان النزاع بين المتعاقدين، وهما في الحوالة المحيل والمحتال، ] على اصالة البراءة قطعا، فان المحال عليه لم يكن في زمان مشغول الذمة للمحيل جزما، فإذا شككنا في اشتغال ذمته له بعد ذلك كان مقتضى الاستصحاب الحكم بعدم اشتغالها وبه يتحقق موضوع الضمان اعني اداءه لما لم يكن بثابت في ذمته بأمر من المحيل. (1) إذا لو كان المحال عليه مشغول الذمة للمحيل لكانت ذمة المحيل بريئة قطعا لحصول التهاتر بين ما في الذمتين قهرا، وهذا بخلاف ما لو كانت ذمته بريئة له فان اداء الحوالة من قبل المحال عليه موجب لاشتغال ذمة المحيل بمثله له. (2) بل الاستصحاب عدم شغل ذمته، فيثبت موضوع الضمان اعني اداءه لما لم يكن بثابت في ذمته بأمر من المحيل.

[ 275 ]

[ واما المحال عليه فليس طرفا وإن اعتبر رضاه في صحتها. مدفوعة: - أولا - بمنع عدم كونه طرفا، فان الحوالة مركبة من ايجاب وقبولين (1). - وثانيا - يكفي اعتبار رضاه في الصحة (2) في جعل اعترافه بتحقق المعاملة حجة عليه بالحمل على الصحة. نعم لو لم يعترف بالحوالة، بل ادعى انه أذن له في أداء دينه يقدم قوله لاصالة البراءة من شغل ذمته (3) فبأذنه في اداء دينه له مطالبة عوضه، ولم يتحقق هنا حوالة حتى تحمل على الصحة وإن تحقق بالنسبة إلى المحيل والمحتال لاعترافهما بها. ] (1) وفيه انه مناف لما ذكره (قده) في الشرط الاول صريحا من كون الحوالة ايقاعا لا عقدا. (2) وهو مناف أيضا لما تقدم في الشرط الثالث من عدم اعتبار رضا المحال عليه في صحة الحوالة، باعتبار كونه أجنبيا عن المال بالمرة وانما أمره بيد مالكه المحيل فله نقله كيفما شاء بالحوالة أو البيع أو غيرهما من الاسباب. (3) أقول: لا يخفى انه بناءا على جريان اصالة الصحة في امثال المقام فكما انه لا فرق بين كون دعوى الفساد من أحد المتعاقدين أو الاجنبي فانه يحمل العقد على الصحيح ويترتب عليه أثره حتى مع عدم

[ 276 ]

وجود الدعوى خارجا بالمرة، كما لو شك الاجنبي في صحته رأسا لا فرق بين اعتراف المحال عليه بالحولة وعدمه، إذ العبرة في جريانها انما هي بثبوت العقد لا اعتراف الخصم به. وعليه: فلو ثبتت الحوالة في مورد النزاع بالوجدان أو البينة الشرعية جرت أصالة الصحة - بناءا على تسليم جريانها في امثال المقام - سواء اعترف المحال عليه بالحوالة أم لم يعترف. الا أن الذي يهون الخطب أن أصالة الصحة غير جارية في امثال المقام أصلا، وذلك لما ذكرناه في مبحث اصالة الصحة من المباحث الاصولية أنها لما لم تكن ثابتة بدليل لفظي وانما الدليل عليها هي السيرة العقلائية القطعية المتصلة بزمان المعصوم (ع) من غير ردع حيث جرت عادتهم على الحكم بصحة العقد المشكوك صحته نظير قاعدة الفراغ الجارية في عمل الشخص نفسه، فانهما متحدتان من حيث المدلول تماما وانما الفارق بينهما اختصاص الاولى بعمل الغير والثانية بعمل الشخص نفسه، كان اللازم الاقتصار فيها على القدر المتيقن وهو خصوص فرض الشك في صحة العمل المستكمل لجميع الاركان والمقومات من جهة الشك في توفر بعض الشروط أو مزاحمة بعض الموانع الشرعية. فان هذا الفرض هو المورد المتيقن من بناء العقلاء على الصحة فيه، والا فلو كان الشك في صحة العمل ناشئا من الشك في تحقق أركان العقد ومقوماته فلم يثبت من العقلاء بناء على التمسك بهذا

[ 277 ]

الاصل فيه كما لو باع زيد دار عمرو بادعاء الوكالة عنه، فانه لا يمكن الحكم بصحته تمسكا بالاصل، للشك في سلطنته على البيع، بل لابد له من اثبات الوكالة والسلطنة على هذا التصرف في الحكم بالصحة. نعم لو كانت الدار تحت يده بحيث كان ذا يد بالنسبة إليها، حكمنا بصحة بيعه باعتبار حجية قول ذي اليد. وكذا الحال لو ادعى أحد المتعاقدين كون الثمن مما لا مالية له شرعا كالخمر، فانه لا يمكن اثبات صحة العقد والزام مدعي البطلان بما يقوله الآخر لاصالة الصحة، لانها لا تجري في موارد الشك في تحقق أركان العقد وما يتوقف عليه عنوانه. وحيث ان مقامنا من هذا القبيل، باعتبار أن الشك في صحة الحوالة انما هو من جهة الشك في سلطنة المحيل لاحالة الدين على غيره فلا يمكن التمسك باصالة الصحة والحكم ببراءة ذمة المحيل واشتغال ذمة المحال عليه له. والحاصل: ان اشتغال ذمة الغير - المحال عليه - لما كان من قوام الحوالة - بناءا على عدم صحة الحوالة على البرئ - فلا يمكن التمسك - في مورد الشك فيه - باصالة الصحة لاثبات صحة العقد واشتغال ذمة الغير بالمال. ثم ان هذا كله لا يعني المخالفة في أصل الحكم، فان ما ذكره الماتن (قده) من أخذ المحال عليه باعترافه صحيح ولا غبار عليه،

[ 278 ]

إلا ان ذلك لا لما أفاده من التمسك بأصالة الصحة، فانك قد عرفت عدم جريانها في أمثال المقام، بل لحجية الظهورات اللفظية في مداليلها الالتزامية، فان الاعتراف بالحوالة لما كان مدلولا لفظيا كان حجة في لازمه اعني اشتغال ذمته بالمال للمحيل. وتوضيحه: انا قد ذكرنا في مبحث الاصول المثبتة من الاستصحاب، أن المشهور بين الاصحاب وان كان هو التفصيل في حجية اللوازم بين الامارات والاصول بالالتزام في الاولى بالحجية دون الثانية، إلا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه واثباته بدليل، إذ أن حال الامارات حال الاصول في اقتصار حدود التعبد الشرعي بالنسبة إلى ثبوت نفس الموضوع دون لوازمه. ولذا لا يصح الاعتماد في دخول الوقت على تجاوز الشمس عن الجهة التي يظن كونها القبلة عند الجهل بها، والحال أن الظن حجة شرعية بالنسبة إليه بالقياس إلى تحديد نفس القبلة جزما. وبعبارة اخرى: ان الامارة كالاصل لا يترتب عليها الا إثبات الموضوع الذي قامت عليه وجرت فيه، وبذلك تثبت الصغرى لكبري الحكم الثابت لذلك العنوان. فلو شككنا في خمرية مايع وقامت الامارة على خمريته أو تمسكنا لاثباتها باستصحاب الحالة السابقة، تثبت بذلك الصغرى لكبري: (وكل خمر حرام) خاصة ومن غير تعرض لشئ من اللوازم على

[ 279 ]

كلا التقديرين. نعم يستثنى من ذلك ما لو كانت الامارة من قبيل الاخبار - سواء في ذلك اللفظ وغيره - كالبينة وقول ذي اليد بل مطلق الثقة - على القول بحجيته -، فانه يلتزم فيها بثبوت اللوازم وحجيتها بلا اشكال فيه. وذلك: لما ذكرناه في محله من عدم اختصاص دليل حجية البينة أو قول ذي اليد أو مطلق الثقة بالدلالات المطابقية، فانه كما يشمل المداليل المطابقية يشمل المداليل الالتزامية أيضا، فإذا أخبرت البينة عن جهة القبلة - مثلا - كان ذلك بعينه اخبارا عن دخول الوقت عند تجاوز الشمس عن تلك الجهة، إذ الاخبار عن الملزوم اخبار عن اللازم قهرا ولا محالة. ومن هنا فلو اعترف المحال عليه بالحوالة كان ذلك اعترافا منه باشتغال ذمته للمحيل لا محالة، إذ الظاهر الاعتراف بالحوالة الواقعية لا الصورية المحضة - كما هو الحال في سائر موارد الاعتراف - والمفروض انها لا تصح الا عن مشغول الذمة للمحيل. لكن اثبات المدعى بهذا الطريق انما يتم في الجملة لا مطلقا، فانه انما يصح فيما إذا كان المخبر ملتفتا إلى الملازمة، فانه حينئذ يصح أن يقال ان اخباره عن الملزوم إخبار عن اللازم بعينه. وأما إذا لم يكن المخبر ملتفتا إلى الملازمة أو كان معتقدا لعدمها لم يصح دعوى كون اخباره عن الملزوم اخبارا عن اللازم، فان

[ 280 ]

الاخبار من الامور القصدية فلا يتحقق مع الغفلة وعدم الالتفات إليه. ومما يدل على ما ذكرناه مضافا إلى وضوحه في نفسه، اتفاقهم على عدم الحكم على منكر ضروري من ضروريات الدين بالكفر إذا لم يكن المنكر عالما بكونه من الضروريات ان انكاره يستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وآله فضلا عما لو كان معتقدا لعدمه. إذن: فتقديم قول المحيل في المقام والزام المحال عليه باعترافه انما يتم فيما إذا كان المحال عليه ملتفتا إلى الملازمة بين الحوالة واشتغال ذمته بالمال، والا فلا وجه لجعل اعترافه بها اعترافا باشتغال ذمته: وكيف كان: فالصحيح في وجه حجية المثبتات في باب الالفاظ خاصة هو التمسك بحجية الظهورات في الدلالات الالتزامية على حد حجيتها في الدلالات المطابقية للسيرة العقلائية القطعية، فلو أخبرت البينة عن شرب زيد من الماء المعين مع عدم التفاتها إلى كفره أو اعتقادها إسلامه، كفى ذلك الاخبار في حكمنا بنجاسة ذلك الماء لعلمنا بكفره إذ البينة حجة في المدلول الالتزامي على حد حجيتها في المدلول المطابقي. وعلى هذا الاساس فيدخل المقام تحت حجية الظهورات اللفظية - الثابتة ببناء العقلاء - في المداليل المطابقية والالتزامية لا حجية الاخبار. وتفصيل الكلام في مبحث الاصل المثبت من المباحث الاصولية فراجع.

[ 281 ]

[ (مسألة 10): قد يستفاد من عنوان المسألة السابقة حيث قالوا: (لو أحال عليه فقبل وأدى) فجعلوا محل الخلاف ما إذا ان النزاع بعد الاداء، أن حال الحوالة حال الضمان في عدم جواز مطالبة العوض الا بعد الاداء فقبله وان حصل الوفاء بالنسبة إلى المحيل والمحتال، لكن ذمة المحيل لا تشتغل للمحال عليه البرئ الا بعد الاداء. والاقوى حصول الشغل بالنسبة إلى المحيل بمجرد قبول المحال عليه (1). ] (1) بل الاقوى ما ذهب إليه المشهور من توقف الشغل على الاداء وتفصيل الكلام في المقام: - ان الحوالة قد تكون على مشغول الذمة بمثل ما أحيل عليه، وقد تكون على البرئ. ففي الاول لا إشكال ولا خلاف في اشتغال ذمة المحال عليه للمحال وانتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه بمجرد الحوالة كما لا اشكال في براءة ذمة المحال عليه للمحيل بمجردها، فلا يكون له الرجوع بالمال عليه لانتقال ماكان له في ذمته إلى ملكية المحال. وبعبارة أخرى: ان الدين لما كان دينا واحدا غير متعدد، لم يمكن فرض المحال عليه مدينا للمحيل والمحال معا، بل هو مدين لاحدهما خاصة على النحو الذي ذكرناه اعني للمحيل قبل الحواله

[ 282 ]

[ إذ كما يحصل به الوفاء بالنسبة إلى دين المحيل بمجرده ] وللمحال بعدها. وفي الثاني فان رفض المحال عليه الحوالة أو قبلها ولكن قلنا بفساد الحوالة على البرئ، فلا ينبغي الاشكال في عدم اشتغال ذمة المحال عليه للمحال وعدم إشتغال ذمة المحيل له - المحال عليه -: وان قلنا بصحتها على البرئ - كما هو الصحيح - وقبل المحال عليه الحوالة فلا إشكال في إشتغال ذمة المحال عليه للمحال بمجرد قبوله للحوالة فيجوز له الرجوع عليه ومطالبته بها. وإنما الكلام في اشتغال ذمة المحيل حينئذ للمحال عليه وجواز رجوعه عليه بمجرد الحوالة وقبل الاداء. فالمشهور العدم، الا ان الماتن (قده) قد أختار جواز الرجوع عليه بدعوى ان إشتغال ذمة المحال عليه للمحال لا يكون مجانا بل لابد وان يقابله إشتغال ذمة المحيل له. لكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور، فان اشتغال الذمة يحتاج إلى الدليل ومجرد لزوم المجانية في اشتغال ذمة المحال عليه للمحال لا يصلح دليلا لاثبات إشتغال ذمة المحيل للمحال عليه، بعد ان لم يكن يترتب عليه أي ضرر أو نقص مالي بالنسبة إليه - المحال عليه - قبل الاداء في الخارج، إذ الضرر إنما يترتب على أداءه للمال حيث يستلزم ذلك نقصا في ماله مستندا إلى أمر المحيل، فيصح له الرجوع عليه لكونه

[ 283 ]

[ فكذا في حصوله بالنسبة إلى دين المحال عليه للمحيل إذا كان مديونا له، وحصول شغل ذمة المحيل له إذا كان برئيا (1) ومقتضى القاعدة في الضمان أيضا تحقق شغل المضمون ] من موجبات الضمان بالسيرة العقلائية القطعية على ما تقدم بيانه غير مرة. والحاصل: انه ما لم يؤد المحال عليه الحوالة خارجا لا يصح له الرجوع على المحيل ومطالبته بها نظرا لعدم تحقق الخسران والنقص المالي له وعدم الدليل على اقتضاء مجرد الامر الضمان، فان السيرة انما ثبتت في خصوص مالو أدى المأمور ما أمر به وتحمل الخسران نتيجة الامر. وبعبارة أخرى: أن اشتغال الذمة يحتاج إلى الدليل من نص أو سيرة أو معاوصة تقتضي ذلك، وحيث انه لا شئ منها موجود بالقياس إلى المحيل فلا وجه للحكم باشتغال ذمته. إذن: فالصحيح انحصار الضمان في فرض اداء المحال عليه للحوالة وعليه فيكون حال الحوالة حال الضمان في عدم جواز رجوع المأمور على الآمر إلا بعد الاداء بمقتضي القاعدة وان كان النص الوارد مختصا بالضمان. (1) بمعنى ان شغل ذمة المحال عليه للمحال لا يمكن أن يكون مجانا بل يقابله شغل ذمة المحيل للمحال عليه، كما أن حصول الوفاء بالنسبة إلى دين المحيل للمحال يقابله حصول الوفاء بالنسبة إلى دين

[ 284 ]

[ عنه للضامن بمجرد ضمانه (1)، الا أن الاجماع وخبر الصلح دلا على التوقف على الاداء فيه، وفي المقام لا اجماع ولا خبر، بل لم يتعرضوا لهذه المسألة. وعلى هذا فله الرجوع على المحيل ولو قبل الاداء (2) بل وكذا لو أبرأه المحتال أو وفاه بالاقل، أو صالحه بالاقل، فله عوض ما أحاله عليه بتمامه مطلقا إذا كان بريئا. (مسألة 11): إذا أحال السيد بدينه على مكاتبه بمال الكتابة المشروطة أو المطلقة صح (3)، سواء كان قبل حلول النجم أو بعده لثبوته في ذمته، والقول بعدم صحته قبل الحلول، لجواز تعجيز نفسه ضعيف، إذ غاية ما يكون ] المحال عليه للمحيل. (1) وقد عرفت في محله عدم الدليل عليه، لانحصاره في السيرة العقلائية وهي لا تقتضي الا الاشتغال بعد الاداء. (2) ظهر الحال فيه وفيما يتلوه من الفروع مما تقدم، فان الحال فيها هو الحال في الضمان حرفا بحرف. (3) على القاعدة، فان أمر الدين بيد الدائن والمدين فلهما ان يبدلاه برضاهما بالمال الثابت في ذمة العبد أو غيره مما تعود ملكيته إلى المدين.

[ 285 ]

[ كونه متزلزلا (1) فيكون كالحوالة على المشتري بالثمن في زمن الخيار. واحتمال عدم اشتغال ذمة العبد، لعدم ثبوت ذمة اختيارية له فيكون وجوب الاداء تكليفيا. كما ترى (2) ] (1) وهو غير قادح، إذ لا يعتبر في صحة الحوالة كون إشتغال ذمة المحال عليه للمحيل على نحو اللزوم، بل يكفي ثبوت أصل الاشتغال وان كان جائزا. هذا مضافا إلى عدم الدليل على جواز تعجيز العبد نفسه عن أداء مال الكتابة، بل الثابت عدمه، فان الكتابة من العقود اللازمة وكما لا يجوز للمولى رفع اليد عنها لا يجوز للعبد تعجيز نفسه بل يجب عليه السعي لتحصيل المال وأداء ما وجب عليه نتيجة العقد. (2) إذ لا مانع من إشتعال ذمة العبد على حد اشتغال ذمة الاحرار - كما هو الحال في اتلافاته وضماناته - غاية الامر أنه في غير الكتابة يتبع به بعد العتق، لعدم جواز مزاحمة حق المولى، وحيث ان هذا المانع مفقود في الكتابة فلا محذور في اشتغال ذمته للمولى بمجرد عقد الكتابة وللمحتال بالحوالة الصادرة من المولى، فيحكم بانتقال الدين الثابت في ذمة المولى إلى ذمة العبد. على أنه لو صحت هذه الدعوى لكان لازمها الحكم ببطلان الحوالة على العبد مطلقا ومن غير تفصيل بين حلول النجم وعدمه،

[ 286 ]

[ ثم ان العبد بقبول الحوالة يتحرر (1)، لحصول وفاء مال الكتابة بالحوالة (2) ولو لم يحصل الاداء منه (3)، فإذا اعتقه المولى قبل الاداء بطل عتقه (4). وما عن المسالك من عدم حصول الانعتاق قبل الاداء، لان الحوالة ليست ] إذ لا أثر للحول في قابلية ذمة العبد للاشتغال وعدمه، والحال ان القائل بهذا التفصيل - وهو الشيخ (قده) على ما نسب إليه - لم يلتزم بذلك في فرض الحول. (1) لا وجه لتقييد الحكم بقبول العبد للحوالة، فان قبوله وعدمه في ذلك سيان، إذ المفروض كون الحوالة على مشغول الذمة للمحيل وقد عرفت عدم اعتبار قبول المحال عليه عند ذلك، لانه ليس إلا وعاءا وظرفا لمال المحيل فلا يملك حق منع تصرف المالك في ماله. وكان الاولى ابدال كلمة (القبول) بكلمة (التحقق) فيقال: ثم ان العبد بتحقق الحوالة يتحرر (2) نظرا لاسلتزامها لفراغ ذمة المحال عليه العبد من دين المولى في قبال اشتغال ذمته بمثله للمحال. (3) فان براءة ذمة العبد انما تحققت بمجرد الحوالة واشتغال ذمته للمحيل. (4) لانعتاقه قبله بتحقق الحوالة وبراءة ذمة العبد من الدين بالنسبة للمولى.

[ 287 ]

[ في حكم الاداء، بل في حكم التوكيل وعلى هذا إذا اعتقه المولى صح وبطلت الكتابة، ولم يسقط عن المكاتب مال الحوالة، لانه صار لازما للمحتال، ولا يضمن السيد ما يغرمه من مال الحوالة. فيه نظر من وجوه (1) وكأن دعواه أن الحوالة ليست في حكم الاداء إنما هي بالنظر إلى ] (1) الاول: انه لو كانت الحوالة توكيلا لما كان وجه للالتزام ببراءة ذمة المحيل من دين المحتال، وانتقاله إلى ذمة المحال عليه، فان الوكالة لا تقتضي الا قيام الوكيل مقام الموكل في الاداء خاصة مع بقاء الموكل هو مشغول الذمة بالدين، والحال انه - رحمه الله - قد سلم براءة ذمة المولى - المحيل - بالتزامه باشتغال ذمة العبد - المحال عليه -. الثاني: انه لا وجه للحكم باشتغال ذمة العبد بالمال بعد الحكم بصحة العتق وبطلان الكتابة مع التزام كون الحوالة توكيلا، إذ التوكيل انما تعلق بالاداء من مال الكتابة والمفروض انتفاء موضوعه نظرا لبطلانها، ومعه فلا مبرر لبقاء اشتغال الذمة. الثالث: لو سلمنا اشتغال ذمة العبد للمحتال من ماله الخاص نظرا لانتفاء موضوع مال الكتابة، كان لازم ذلك الحكم بضمان السيد لما يغرمه وجواز رجوع العبد عليه بما أداه للمحتال، وذلك للسيرة العقلائية القطعية على ضمان الآمر لما يغرمه المأمور بسبب أمره، فان سبب خسران العبد للمال لما كان هو أمر المولى وحوالته عليه كان

[ 288 ]

[ ما مر (1) من دعوى توقف شغل ذمة المحيل للمحال عليه على الاداء - كما في الضمان - فهي وان كان كالاداء بالنسبة إلى المحيل والمحتال فبمجردها يحصل الوفاء وتبرأ ذمة المحيل لكن بالنسبة إلى المحال عليه والمحيل ليس كذلك. وفيه منع التوقف المذكور كما عرفت، فلا فرق بين المقامين في كون الحالة كالاداء فيتحقق بها الوفاء. (مسألة 12): لو باع السيد مكاتبه سلعة فأحاله بثمنها صح (2)، لان حاله حال الاحرار، ومن غير ] موجبا لرجوعه عليه به. (1) وفيه: أن كلا من المسألتين أجنبية عن الاخرى ولا ارتباط بينهما، فان النزاع السابق انما كان في الحوالة على البرئ دون مشغول الذمة، وإلا فقد عرفت عدم الخلاف في انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه بمجرد الحوالة وعدم جواز رجوع الاخير على الاول إذا كان مشغول الذمة له بمثل ما أحيل عليه، في حين أن محل نزاعنا في هذه المسألة مع الشهيد (قده) إنما هو في الحوالة على مشغول الذمة حيث أن العبد مشغول الذمة لمولاه بسبب الكتابة، فلا وجه لجعل احداهما مبنية على الاخرى. (2) بلا إشكال فيه، لتمامية أركان البيع والحوالة، فان العبد مرخص ومأذون في الاكتساب لتحصيل مال الكتابة سواء في ذلك

[ 289 ]

[ فرق بين سيده وغيره وما عن الشيخ من المنع ضعيف (1) ] مولاه وغيره، فإذا اشتري من المولى شيئا أصبح مشغول الذمة له بثمنه، ومعه يصح للمولى إحالة دائنه عليه لاستيفاء دينه منه. (1) لوضوح فساد ما استدل له على مدعاه من ان المكاتبة لما كانت من العقود الجائزة فإذا باع المولى من عبده شيئا وقلنا بصحته وبثبوت الثمن في ذمته، كان لازمه القول باشتغال ذمة العبد لسيده بعد فسخ المكاتبة، وهو محال لان العبد وما في يده لمولاه. ووجه الفساد ما عرفته من عدم الحذور في الالتزام باشتغال ذمة العبد سواء في ذلك للمولى وغيره، كما هو الحال فيما لو اتلف العبد مال مولاه، فانه موجب لضمانه واشتغال ذمته به غاية الامر انه يتبع به بعد العتق. على انك قد عرفت في المسألة السابقة انه لا اساس لكون المكاتبة من العقود الجائزة فانها عقد لازم ولا يجوز للعبد تعجيز نفسه. ولو تنزلنا عن ذلك كله فغاية ما يلزم منه الحكم بانفساخ البيع عند انفساخ المكاتبة لاستلزام بقاءه اشتغال ذمة العبد لمولاه وهو غير ممكن على الفرض، لا الحكم ببطلانه رأسا من الاول، فانه لا مبرر له بعدما كان العبد مرخصا في معاملاته. على ان كلامنا في المقام انما هو في صحة الحوالة وعدمها وهو يعني فرض صحة البيع أمرا مفروغا عنه، والا فالكلام في صحة البيع وعدمها

[ 290 ]

[ (مسألة 13): لو كان للمكاتب دين على اجنبي فأحال سيده عليه من مال الكتابة صح (1) فيجب عليه تسليمه السيد (2)، ويكون موجبا لانعتاقه، سواء أدى المحال عليه المال للسيد أم لا (3). (مسألة 14): لو اختلفا في أن الواقع منهما كانت حوالة أو وكالة، فمع عدم البينة يقدم قول منكر الحوالة سواء كان هو المحيل أو المحتال، وسواء كان ذلك قبل القبض من المحال عليه أو بعده، وذلك لاصالة بقاء اشتغال ذمة المحيل للمحتال وبقاء اشتغال ذمة المحال عليه للمحيل، وأصالة عدم ملكية المال المحال به للمحتال (4) ودعوى: أنه إذا كان بعد القبض يكون مقتضى اليد ملكية المحتال، فيكون المحيل المنكر للحوالة مدعيا، فيكون القول قول المحتال في هذه الصورة. ] انما يكون في كتاب البيع لا كتاب الحوالة. (1) على القاعدة، لما عرفت من أن أمر الدين بيد مالكه فله نقل ملكيته إلى المحتال برضاه، لان الحق لا يعدوهما. (2) لكونه المالك الجديد. (3) لحصول الوفاء وفراغ ذمة المحيل بالنسبة إلى المحتال بمجرد الحوالة. (4) وجمع الكل اصالة عدم تغير الواقع عما كان عليه، فان

[ 291 ]

[ مدفوعة: بان مثل هذه اليد لا يكون امارة على ملكية ذيها (1). فهو نظير ما إذا دفع شخص ماله إلى شخص وادعى انه دفعه امانة وقال الاخر: دفعتني هبة أو قرضا فانه لا يقدم قول ذي اليد. هذا كله إذا لم يعلم اللفظ الصادر منهما، واما إذا علم وكان ظاهرا في الحوالة أو في الوكالة فهو المتبع. ولو علم أنه قال: (احلتك على فلان) وقال (قبلت) ثم اختلفا في أنه حوالة أو وكالة، فربما يقال: إنه يقدم قول مدعي الحوالة، لان الظاهر من لفظ (أحلت) هو الحوالة المصطلحة، واستعماله في الوكالة مجاز فيحمل على الحوالة. وفيه: منع الظهور المذكور (2). ] مقتضى استصحاب بقاء ما كان على ما كان الحكم ببقاء اشتغال ذمة المحيل للمحتال وذمة المحال عليه للمحيل وعدم ملكية المال المحال به للمحتال ولازم ذلك كله عدم الحوالة لاقتضاءها براءة الذمتين وملكية المحتال للمال المحال به على عكس الوكالة. (1) لقصور ادلة حجية اليد واثباتها للملكية عن شمول موارد اعتراف ذي اليد بسبق الملك لغيره مدعيا الانتقال إليه، فانه لم يثبت كون مثل هذه اليد امارة على ملكية ذيها، بل الثابت عدمها، ومن هنا فيلزم ذا اليد الاثبات باعتبار كونه مدعيا. (2) وفيه ما لا يخفى، فان النقل مأخوذ في مفهوم الحوالة بجميع

[ 292 ]

[ نعم لفظ الحوالة ظاهر في الحوالة المصطلحة، وأما ما يشتق منها كلفظ: (أحلت) فظهوره فيها ممنوع. كما أن لفظ الوصية ظاهر في الوصية المصطلحة، وأما لفظ: (أوصيت) أو (أوصيك بكذا) فليس كذلك (1) فتقديم ] اشتقاقاته، لانها - وكما عرفت في أول الكتاب - مأخوذة من الاحالة والتحويل، وهما في اللغة بمعنى النقل من مكان إلى مكان أو حال إلى حال أو زمان إلى زمان كما هو الحال في تحويل السنة. فالنقل دخيل في المبدأ وجميع اشتقاقاته ومأخوذ في مفهومها، ومعه فلا يصح حمل بعض المشتقات على الوكالة التي هي خالية عن النقل بالمرة، وما عن الشهيد الثاني (قده) من دعوى تضمن الوكالة لنقل حق مطالبة الدين الثابت للدائن إلى الوكيل. واضح الفساد، إذ الوكالة لا تقتضي انتقال حق الموكل في المطالبة إلى الوكيل بحيث يمنع هو من المطالبة بدينه، فان غاية ما في الامر اعطاء الموكل حقا للوكيل في مقابل حقه نفسه بحيث يكون لكل منهما المطالبة بالدين. والحاصل: ان حق المطالبة لا ينتقل من الموكل إلى الوكيل، فانه باق له كما كان، ومعه يكون استعمال لفظ " أحلتك " فيها استعمالا مجازيا قطعا. فلا يصح حمله عليها. (1) لجواز استعماله في العهد والامر كما في قوله تعالى: " وأوصاني

[ 293 ]

[ قول مدعي الحوالة في الصورة المفروضة محل منع. (مسألة 15): إذا احال البائع من له عليه دين على المشتري بالثمن، أو أحال المشتري بالثمن على اجنبي برئ أو مديون للمشتري ثم بان بطلان البيع، بطلت الحوالة في الصورتين، لظهور عدم اشتعال ذمة المشتري للبائع واللازم اشتغال ذمة المحيل للمحتال (1) هذا في الصورة الثانية، وفي الصورة الاولى وان كان المشتري محالا عليه ويجوز الحوالة على البرئ، الا أن المفروض ارادة الحوالة عليه من حيث ثبوت الثمن في ذمته، فهي في الحقيقة حوالة على ما في ذمته لا عليه (2). ولا فرق بين أن يكون انكشاف البطلان قبل القبض أو بعده، فإذا كان بعد ] بالصلاة والزكاة ما دمت حيا " (1). (1) إذ بدونه لا يكون هناك دين كي ينقل بموجب الحوالة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. (2) وفيه مالا يخفى فان المحال عليه انما هو الشخص نفسه لا الدين الثابت في ذمته، إذ لا معنى لجعل الدين محالا عليه وملزما باداء دين المحتال. نعم الداعي والباعث إلى الحوالة على الشخص المعين اعتقاده كونه


(1) مريم: 31.

[ 294 ]

مدينا ومشغول الذمة له، ومن الواضح ان تخلف هذا الاعتقاد لا يوجب ظهور انتفاء المحال عليه بوجه، فانه كان ولا يزال موجودا، غاية الامر ان المقام يدخل في كبرى تخلف الداعي والخطأ في التطبيق وقد عرفت انه لا يقتضي البطلان. إذن: فالصحيح في وجه البطلان ان يقال: ان هذه الحوالة بعد ظهور عدم اشتغال ذمة المحال عليه للمحيل تكون من الحوالة على البرئ قهرا، فيتوقف صحتها على قبول المحال عليه ورضاه لا محالة إذ لا سلطنة للمحيل في اشغال ذمة المحال عليه البرئ للمحتال من غير رضاه. ومن هنا فحيث ان المفروض في المقام عدم رضاه فلا محيص عن الحكم ببطلانها، فان اداءه للمال المحال به انما كان لاجل اعتقاد كونه مدينا للمحيل وملزما بالاداء شرعا ولم يكن من جهة قبوله للحوالة بحد ذاتها. وبعبارة اخرى: ان قبوله متفرع على اعتقاده اشتغال ذمته فلا ينفع شيئا باعتبار ان المطلوب في الحوالة على البرئ القبول الذي يتفرع عليه اشتغال الذمة. والحاصل: ان المشتري لما لم يكن يقبل الحوالة بعنوانها ويرضى باشتغال ذمته وهو برئ، تعين الحكم بفسادها.

[ 295 ]

[ القبض يكون المقبوض باقيا على ذلك المشتري (1) فله الرجوع به ومع تلفه يرجع على المحتال في الصورة الاولى وعلى البائع في الثانية. (مسألة 16): إذا وقعت الحوالة بأحد الوجهين ثم انفسخ البيع بالاقالة أو بأحد الخيارات فالحوالة صحيحة، لوقوعها في حال اشتغل ذمة المشتري بالثمن، فيكون كما لو تصرف أحد المتبايعين في ما انتقل إليه ثم حصل الفسخ ] (1) وهو انما يتم فيما إذا لم تكن الحوالة على البرئ، والا فالمقبوض باق على ملكه يرجع به على البائع ان كانت العين موجودة، والا تخير في الرجوع على كل من البائع والمشتري. اما الاول: فلاخذه ماله على نحو التبرع والمجانية، فانه موجب للضمان بالسيرة العقلائية القطعية. واما الثاني: فلكون الاداء بأمر منه، وقد عرفت ضمان الآمر للخسارات المالية الواردة على المأمور بسبب أمره. ثم ان رجع البرئ على البائع وأخذ منه بدل ماله مثلا أو قيمة فليس له الرجوع على المشتري بما غرمه، وان رجع على المشتري به كان له الرجوع على البائع بما غرمه لاستقرار الضمان عليه نظرا لتلف المال عنده فلا يكون له مجانا. وتفصيل الكلام في مبحث تعاقب الايدي من المكاسب فراجع.

[ 296 ]

[ فان التصرف لا يبطل بفسخ البيع (1). ولا فرق بين أن يكون الفسخ قبل قبض مال الحوالة أو بعده (2)، فهي تبقى بحالها ويرجع البائع على المشتري (3) بالثمن. وما عن الشيخ وبعض آخر من الفرق بين الصورتين والحكم بالبطلان في الصورة الثانية - وهي ما إذا احال المشتري البايع بالثمن على اجنبي - لانها تتبع البيع في هذه الصورة حيث أنها بين المتبايعين بخلاف الصورة الاولى. ضعيف (4) ] (1) إذ الفسخ لا يقتضي رفع الآثار والبطلان من الاول، وانما يقتضي عدم ترتب الآثار من حينه. والحاصل: ان الفسخ لا يؤثر في صحة العقود السابقة عليه، فانها تبقى كما كانت لصدورها من اهلها ووقوعها في محلها، ومن هنا فينحصر حق مالك العين المنقولة - ثمنا كانت أم مثمنا - في الرجوع إلى البدل. (2) لحصول النقل والانتقال في الدين بمجرد تحقق الحوالة. (3) وهو من سهو القلم. والصحيح ويرجع المشتري على البايع. (4) فان الحوالة معاملة مستقلة عن المعاملة الاولى - البيع - تماما وان اتحد الطرفان فيهما، إذ العبرة انما هي بتعدد المعاملة واتحادها لا تعدد الطرفين في المعاملتين واتحادهما. والحاصل: انه لا موجب لبطلان المعاملة الثانية وانفساخها بانفساخ البيع فانها معاملة مستقلة عنه ولا علاقة لها به من حيث الفسخ.

[ 297 ]

[ والتبعية في الفسخ وعدمه ممنوعة (1) نعم هي تبع اللبيع حيث انها واقعة على الثمن، وبهذا المعنى لا فرق بين الصورتين. وربما يقال ببطلانها إن قلنا انها استيفاء، وتبقى ان قلنا انها اعتياض. والاقوى البقاء وإن قلنا إنها استيفاء، لانها معاملة مستقلة لازمة لا تنفسخ بانفساخ البيع، وليس حالها حال الوفاء بغير معاملة لازمة، كما إذا اشترى شيئا بدراهم مكسرة فدفع إلى البايع الصحاح أو دفع بدلها شيئا آخر وفاءا، حيث انه إدا انفسخ البيع يرجع إليه ما دفع من الصحاح أو الشئ الاخر، لا الدراهم المكسرة، فان الوفاء بهذا النحو ليس معاملة لازمة (2) ] نعم هي تابعة له من حيث أصل الوجود باعتبار انها واقعة على الثمن، فإذا تحقق صحت الحوالة ولزمت سواء فسخ بعد ذلك أم لم يفسخ، فانها سيان بالنسبة إليها. (1) فان حالها في ذلك حال سائر التصرفات الصادرة من أحد المتبايعين، حيث قد عرفت عدم تأثير الفسخ على شئ منها على الاطلاق. (2) فيه اشكال بل منع، فان الظاهر لزوم الوفاء مطلقا وعدم تبعيته للبيع في الانفساخ، فان سلب ملكية الدائن عما قبضه عوضا عن حقه برضا المدين ووفاء منه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود، وبعبارة اخرى: ان اداء المدين لدينه بغير ما ثبت في ذمته وصفا

[ 298 ]

[ بل يتبع البيع في الانفساخ، بخلاف ما نحن فيه، حيث أن الحوالة عقد لازم وان كان نوعا من الاستيفاء. (مسألة 17): إذا كان له عند وكيله أو امينه مال معين خارجي فأحال دائنه عليه ليدفع إليه بما عنده فقبل المحتال والمحال عليه (1) ] أو جنسا وقبض الدائن له برضاه واختياره موجب لملكيته - الدائن - له، ومن هنا فيكون تصرف المدين فيه بعد ذلك تصرفا في مال الغير بغير رضاه وأكلا للمال لا عن تراض، ولذا لم يلتزم أحد من الاصحاب قط بجواز رجوع المعطي فيما اعطاه قبل الفسخ ليبدله بمثله جنسا ووصفا فضلا عن غير المماثل له، فانه ليس الا لاحتياج سلب الملكية بعد ثبوتها إلى الدليل وهو مفقود. والحاصل: ان الوفاء معاملة لازمة مطلقا سواء في ذلك ما كان بنحو الحوالة أو غيرها، (1) أما المحتال فلا ينبغي الشك في اعتبار قبوله، إذ لا يلزمه القبول بالرجوع على غير المدين فان له رفض ذلك ومطالبة ماله من شخصه. وأما المحال عليه فلا وجه لاعتبار قبوله، فان المال لغيره وليس هو إلا أمينا عليه أو وكيلا فيه، فعليه امتثال طلب المالك اداءه إلى غيره على حد طلبه تسليمه إلى نفسه.

[ 299 ]

[ وجب عليه الدفع إليه (1)، وان لم يكن من الحوالة المصطلحة (2). وإذا لم يدفع له الرجوع على المحيل لبقاء شغل ذمته. ولو لم يتمكن من الاستيفاء منه ضمن الوكيل ] والحاصل: ان المحال عليه ليس مخيرا في الاداء وعدمه كي يعتبر قبوله بل يلزمه امتثال الامر وتسليم المال إلى مالكه أو من يقوم مقامه. ولعل الماتن (قده) انما أخذ هذا القيد مقدمة لما سيأتي منه من ضمان المحال عليه معللا ذلك بالغرور، لعدم تحقق الغرور بغير القبول جزما. (1) فان المال مال المحيل وأمره بيده وليس المحال عليه إلا وعاءا وظرفا له، فيجب عليه تسليمه إلى المحتال كما كان يجب عليه تسليمه إلى نفس المحيل لو كان يطلبه منه، فان اعطاءه له بمنزلة اعطاءه إليه، وليس له التخلف عن طلبه حتى بحجة تسليمه إلى المحيل نفسه. بل لو فعل ذلك لكان ضامنا للمال وخرج عن عنوان الامين إلى عنوان المتعدي والغاصب. (2) لعدم انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فان المحيل يبقى بنفسه مشغول الذمة للمحتال إلى حين وصول حقه منه مباشرة أو من وكيله أو أمينه.

[ 300 ]

[ المحال عليه (1) إذا كانت الخسارة الواردة عليه مستندا إليه للغرور. (تم كتاب الحوالة) ] (1) وفيه ما لا يخفى لمنع الغرور صغرى وكبرى. أما الاول: فلعدم صدقه فيما إذا كان المحال عليه بانيا على الاداء والدفع ثم بدا له ما يمنعه عنه، فانه لا يصدق عليه التغرير قطعا. وكذا لو كان المحال عليه عالما بالتزام المحيل بدفع المال وافراغ ذمته، فان امتناعه حينئذ لا يوجب صدق الغرور بعد اعتقاده وصول الحق إلى صاحبه. وأما الثاني: فلما عرفته غير مرة من عدم ايجاب مجرد الغرور للضمان، ولذا لم يلتزم أحد قط بضمان من رغب غيره في سلعة بدعوى زيادة قيمتها في المستقبل أو زيادة الرغبة عليها فظهر العكس وخسر المشتري. وبالجملة: فمجرد الغرور ليس من أسباب الضمان، على أن صدقه في بعض الموارد محل منع. وبهذا ينتهي كتاب الحوالة وبالفراغ منه يتم الفراغ من كتاب العروة الوثقى بتمامه وذلك على حسب منهج سيدنا الاستاذ الوالد - دام ظله - في الدرس. وإني إذ أحمد الله تبارك وتعالى على ما وفقني لحضوره من محاضرات وبالجملة: فمجرد الغرور ليس من أسباب الضمان، على أن صدقه في بعض الموارد محل منع. وبهذا ينتهي كتاب الحوالة وبالفراغ منه يتم الفراغ من كتاب العروة الوثقى بتمامه وذلك على حسب منهج سيدنا الاستاذ الوالد - دام ظله - في الدرس. وإني إذ أحمد الله تبارك وتعالى على ما وفقني لحضوره من محاضرات

[ 301 ]

سيدنا - دام ظله - وتحريرها، لاسئله أن يطيل في عمره الشريف منارا وملاذا للمسلمين. وكان الفراع منه في يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الاول سنة ألف وأربعمائة وخمسة من الهجرة النبوية الشريفة، وذلك بمدرسة دار العلم - العامرة حتى ظهور الحجة البالغة انشاء الله - جنب الروضة العلوية المقدسة على مشرفها آلاف التحية والثناء. وأنا الاقل: محمد تقي الخوئي وبالجملة: فمجرد الغرور ليس من أسباب الضمان، على أن صدقه في بعض الموارد محل منع. وبهذا ينتهي كتاب الحوالة وبالفراغ منه يتم الفراغ من كتاب العروة الوثقى بتمامه وذلك على حسب منهج سيدنا الاستاذ الوالد - دام ظله - في الدرس. وإني إذ أحمد الله تبارك وتعالى على ما وفقني لحضوره من محاضرات

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية