الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الخمس، الأول - السيد الخوئي

كتاب الخمس، الأول

السيد الخوئي


[ 1 ]

مستند العروة الوثقى كتاب الخمس محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله تأليف الشيخ مرتضى البروجردي.

[ 2 ]


[ 3 ]

كتاب الخمس.

[ 4 ]


[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد وعترته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين وبعد فقد لاحظت شيئا كثيرا من كتاب (مستند العروة) الذى كتبه وحرره جناب الفاضل العلامة حجة الاسلام قرة عينى العزيز الشيخ مرتضى نجل المرحوم آية الله الحاج الشيخ على محمد البروجردي قدس سره تقريرا لابحاثا الفقهية التى القيناها شرحا على كتاب العروة الوثقى فرأيته حسن التعبير وافيا كافيا وسطا بين الايجاز والاطناب فليشكر الله على ما اعطاه من الموهبة العظيمة والمقدرة العلمية واحمد الله تعالى ان اتعابى قد اثمرت بوجود رشاله من العلماء العظام وقد اجزت له في طبعه ونشره واسأل المولى جل شأنه ان يمد في توفيقه وان يجعله قروة للافاضل من اهل العلم والله هو الموفق والمسدد ابو القاسم الموسوي الخوئى 8 شعبان المعظم 1400.

[ 6 ]


[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين وبعد فهذه حصيلة ما استفدته من ابحاث سيدنا ومولانا استاد الفقهاء والمجتهدين زعيم الحوزة العلمية سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله العالي التي القاها شرحا على كتاب العروة الوثقى للسيد الطباطبائي اليزدي طاب ثراه. وكان من المقرر الاسترسال في طبع ما تبقى من كتابي الصلاة والصوم غير ان جمعا من اخواني الافاضل طلبوا مني تقديم كتاب الخمس حرصا منهم على استطلاع انظاره المقدسة. وقد حوت هذه المجموعة زيادة على ما افاده دام ظله في مجلس الدرس ما استفدته منه بعد المذاكرة معه خارج الدرس وقد لاحظها بتمامها كما لاحظ الشئ الكثير من بقية الاجزاء وامر بطبعها ونشرها. أسأل الله العلي القدير ان يمن علي بحسن القبول وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[ 8 ]


[ 9 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الخمس وهو من الفرائض (1) وقد جعلها الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وذريته عوضا عن الزكاة اكراما لهم ومن منع منه درهما أو اقل كان مندرجا في الظالمين لهم والغاصبين لحقهم، بل من كان مستحلا لذلك كان من الكافرين، ففي الخبر عن أبي بصير قال قلت لابي جعفر (ع): ما ايسر ما يدخل به العبد النار؟ قال (ع): من اكل من مال اليتيم درهما ونحن اليتيم، وعن الصادق (ع) ان الله لا إله إلا هو حيث حرم علينا الصدقة انزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال، وعن أبي جعفر (ع): لا يحل لاحد ان يشتري من الخمس شيئا حتى يصل الينا حقنا وعن أبي عبد الله (ع): لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئا أن يقول يا رب اشتريته بمالي حتى يأذن له أهل الخمس. ] (1) لا اشكال كما لا خلاف في وجوب الخمس في الشريعة الاسلامية وقد نطق به الكتاب العزيز والسنة المتواترة، بل قامت عليه الضرورة القطعية على حد يندرج منكره في سلك الكافرين، وقد اصفقت عليه علماء المسلمين قاطبة من الخاصة والعامة، وإن وقع الخلاف في بعض الخصوصيات من حيث المورد والمصرف.

[ 10 ]

[ (فصل) فيما يجب فيه الخمس وهو سبعة اشياء (الاول) الغنائم المأخوذة من الكفار من اهل الحرب (1) قهرا بالمقاتلة معهم بشرط أن يكون باذن الامام عليه السلام من غير فرق بين ما حواه العسكر وما لم يحوه، والمنقول وغيره (2) كالاراضي والاشجار ونحوها ] ومن ثم ادعى الخلفية الثاني نسخ وجوب الصرف في سهم ذوي القربى لما كان يرتأيه من لزوم الصرف فيما هو اهم واولى من المصالح العامة، كحفظ ثغور المسلمين وتحصيل السلاح والكراع ونحوها. وكيفما كان فاصل الحكم ولو في الجملة مما لا كلام فيه ولا ريب. قال الله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل... الآية (1) وفي غير واحد من النصوص ان الله تعالى قد جعل هذه الفريضة لمحمد صلى الله عليه وآله وذريته عوضا عن الزكاة اكراما لهم واجلالا عن اوساخ ما في ايدي الناس كما اشار إليها في المتن. (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال كما نطق به الكتاب والسنة. ومحل الكلام فعلا الغنائم المأخوذة منهم بالمقاتلة لا بغيرها من سرقة أو غيلة أو نحوهما، وأن يكون ذلك باذن الامام (ع) فلابد من مراعاة القيدين معا، إذ الفاقد للاول ملك لآخذه، وللثاني ملك للامام (ع) وسنتعرض لهما عند تعرض الماتن لهما مستقلا إن شاء الله تعالى. (2) لاطلاق الادلة بعد صدق الغنيمة على الجميع سواء أكان مما


(1) سورة الانفال الآية 42

[ 11 ]

حواه العسكر ام لا، وسواء أكان من المنقول أم من غير المنقول. ولا خلاف في الاول بل عليه الاجماع. وأما الثاني فهو المشهور بين الاصحاب، وقد صرح بالتعميم جماعة منهم، واطلق الآخرون. ولكن صاحب الحدائق (قدس سره) ناقش في هذا التعميم نظرا إلى عدم الدليل عليه سوى ظاهر اطلاق الآية المباركة، والا فالنصوص قاصرة عن افادة التعميم، بل ظاهرها الاختصاص بالاموال المنقولة كما تشهد به صحيحة ربعي (1) وغيرها الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله إذا اتاه المغنم اخذ صفوه وقسم الباقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثم يقسم أربعة اخماس بين المقاتلين، ونحوها مما دل على قسمة، الخمس اخماسا أو اسداسا واعطاء كل ذي حق حقه فان ظاهرها ان مورد الخمس هو المال الذي يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وآله ويقسم المختص - بطبيعة الحال - بما ينقل ويحول من غنيمة أو غيرها، وكيف يجري هذا في الاراضي والضياع والعقار ونحوها. على أن تلك الاراضي المفتوحة عنوة المعبر عنها بالاراضي الخراجية ملك لعامة المسلمين قاطبة من وجد منهم ومن سيوجد إلى يوم القيامة كما نطقت به النصوص المتظافرة، فلا تشملها ادلة التخميس. واورد عليه في الجواهر بان غاية ما يتحصل من صحيحة ربعي ونحوها قصورها عن افادة الاطلاق لا الدلالة على الاختصاص فيكفينا حينئذ ما اعترف به من اطلاق الآية المباركة، وأما نصوص الاراضي الخراجية فهي قابلة للتخصيص بادلة التخميس كما لا يخفى. اقول: الظاهر ان ما ذكره صاحب الحدائق في المقام هو الصحيح


(1) الوسائل باب 1 من ابواب قسمة الخمس الحديث 3.

[ 12 ]

فان صحيحة ربعي ونحوها وإن لم تدل على نفي الخمس عن غير المنقول كما افيد إلا ان الانصاف انها لا تخلو عن الاشعار، وان المال المحكوم بالتخميس هو الذي يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وآله ويقسمه بين المقاتلين بعد اخذ صفوه منه، وهذا الاشعار وإن لم يكن مما يركن إليه بحسب الصناعة، إلا أنه يؤثر في النفس بمثابة يخفف عن قوة ظهور الآية المباركة في الاطلاق المدعي لها كما لا يخفى. وبتقوى هذا الاشعار بعد ملاحظة الاخبار الواردة في الاراضي الخراجية من أنها من ملك لعامة المسلمين. وما افاده في الجواهر من انها لا تابى التقييد بما هنا من كون ذلك بعد الخمس (غير قابل للتصديق) ضرورة ان نصوص الخراج اخص من آية الغنيمة، فان النسبة بين الدليلين عموم وخصوص مطلق ولا شك ان اطلاق الخاص مقدم على عموم العام، فتلك النصوص لاجل كونها اخص تخصص الآية لا انها تخصص تلك النصوص كما لا يخفى. بل يمكن أن يقال بعدم اطلاق للآية المباركة بالاضافة إلى غير المنقول، فان الغنيمة هي الفائدة العائدة للغانم بما هو غانم، وعليه فتختص بما يقسم بين المقاتلين وهي الغنائم المنقولة. وأما الاراضي المحكوم عليها بانها ملك لعامة المسلمين فلا تعد غنيمة للغانم والمقاتل بما هو كذلك وان استفاد منها بما أنه فرد من آحاد المسلمين فلا تختص به، ولا مدخل لوصفه العنواني في الانتفاع بها لتتصف بكونها غنيمة له كما لا يخفى. فالاطلاق إذا ساقط من اصله، ومعه لا دليل على وجوب الخمس في غير المنقول. هذا ومع الغض عن ذلك وتسليم كون النسبة بين الدليلين عموما من وجه بدعوى ان الآية تعم المنقول وغيره وتختص بالخمس، كما أن

[ 13 ]

نصوص الخراج تختص بغير المنقول وتعم مقدار الخمس وغيره: أي تشمل جميع المال فغايته أنه يتعارض الدليلان حينئذ في مورد الاجتماع أعني الخمس من غير المنقول، فان مقتضى اطلاق الآية وجوبه، ومقتضى تلك النصوص عدمه فيتساقطان لعدم الترجيح، إذ عموم الكتاب إنما يتقدم على عموم السنة لدى المعارضة فيما إذا لم تكن قطعية كعموم الخبر الواحد أما السنة القطعية كما في المقام فهي تعادل قطعية الكتاب فإذا يرجع بعد تساقط الدليلين إلى أصالة البراءة عن الخمس، فتكون النتيجة أيضا هي ما ذكرناه من الاختصاص. فان قلت لو تساقط الدليلان فبما ذا يحكم بعدئذ بان مقدار الخمس ملك للمسلمين وقد سقط دليله بالمعارضة. قلت: ان الخمس ينتقل إلى مستحقه من المالك فإذا كان دليله معارضا وساقطا بها فالمال يبقى على ملك مالكه. والعمدة ما عرفت من انكار الاطلاق في الآية المباركة من اصله لما اشرنا إليه من أن الغنيمة في الآية المباركة وغيرها من ساير موارد اطلاقاتها في الاخبار هي الفائدة العائدة للغانم والربح الذي يستفيده بشخصه ويدخله في ملكه وقد حكم بأن خمس ما ملكه كذلك يكون للامام كما حكم بان مقدار الزكاة في العين الزكوية ملك لمصرف الزكاة بعد بلوغ النصاب أو حولان الحول فيما يعتبر فيه الحول. وان مقدار النصاب في الذهب مثلا بتمامه ملك لمالكه قبل الحولان وبمجرد أن حال الحول يخرج مقدار الزكاة عن ملكه ويدخل في ملك الفقير، وكذا في الغلات بعد صدق الاسم، ويراعى مثل ذلك في الخمس أيضا فيخرج مما يغتنمه الغانم ويربحه الرابح خمسه عن ملكه وهذا غير صادق بالاضافة إلى الاراضي الخراجية بعد ان لم تكن ملكا للقاتلين وغنيمة لهم بما هم

[ 14 ]

كذلك، بل لعامة المسلمين إلى يوم القيامة. نعم هي غنيمة بمعنى آخر اي يستفيد منها المقاتل بما أنه مسلم لكن الغنيمة بهذا المعنى لا خمس فيها لوجهين: اما اولا فلاختصاص ادلة الخمس بالغنائم الشخصية وما يكون ملكا لشخص الغانم لا ما هو ملك للعنوان الكلي كما في الاراضي الخراجية حيث انها لم تكن ملكا لاي فرد من آحاد المسلمين وانما ينتفع منها المسلم بازاء دفع الخراج من غير أن يملك رقبتها بل المالك هو العنوان الكلي العام، نظير الاوقاف العامة التي هي ملك لعناوين معينة. ومن ثم لم يلتزم أحد بوجوب تخميسها، وليس ذلك إلا لانتفاء الملك الشخصي والغنيمة الشخصية التي هي الموضوع لوجوب الخمس. والمشهور انما ذهبوا إلى التخميس في الاراضي الخراجية زعما منهم انها غنيمة للمقاتلين لا باعتبار كونها غنيمة لعامة المسلمين كما لا يخفى. وأما ثانيا فلاجل ان قولهم لا خمس إلا بعد المؤونة يكشف عن اختصاصه بمال تصرف المؤونة في سبيل تحصيله وهو كما ترى خاص بالملك الشخصي، إذ لا معنى لاخراج المؤونة فيما يكون المالك هو العنوان الكلي العام لعدم كونه ممن يصرف المؤونة في سبيل تحصيل الغنيمة كما هو ظاهر. فتحصل ان ما ذكره المشهور من التعميم لغير المنقول من الغنائم كالاراضي وانها تخمس أولا ثم تكون ملكا لعامة المسلمين لا يمكن المساعدة عليه لقصور النصوص عن افادة التعميم حسبما عرفت. والاستشهاد له برواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام. قال: كل شئ قوتل عليه على شهادة ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله

[ 15 ]

[ بعد اخراج المؤن التي انفقت على الغنيمة (1) بعد تحصيلها بحفظ وحمل ورعي ونحوها، منها ] فان لنا خمسه.. الخ (1) بدعوي ان لفظة (كل) من ادوات العموم فتعم المنقول وغير المنقول (في غير محله)، إذ مع تسليم تمامية الدلالة فالسند قاصر من اجل اشتماله على علي بن أبي حمزة الذي هو البطائني الكذاب فلا يمكن الاعتماد عليها. فما ذكره صاحب الحدائق (قدس) من الاختصاص بالمنقول وعدم ثبوت الخمس في غير المنقول هو الصحيح الحقيق بالقبول. (1): - كما هو مقتضى القاعدة من لزوم اخراج المصارف المتعلقة بالعين المشتركة من حفظ وحمل ورعي ونحوها من الاموال المصروفة في سبيلها من نفس العين، إذ التخصيص بالبعض تحميل لا دليل عليه، وربما تكون المؤونة اكثر من نفس الغنيمة، وقد صرح بالاخراج المزبور جماعة وإن انكره آخرون استنادا إلى اطلاق الآية المباركة الذي هو في حيز المنع بعد وضوح عدم النظر فيها إلى هذه الجهة لينعقد الاطلاق. هذا ويمكن الاستدلال لهذا الحكم أيضا بما دل على ان الخمس بعد المؤونة فانها وان اختصت بالمؤن السابقة ولا تعم ما بعد التحصيل إلا ان مؤنة الحفظ والحمل والرعي ونحوها مما يصرف في سبيل الغنيمة إلى أن تصل إلى يد الامام (ع) كما هو محل الكلام تعد من المؤن السابقة على تحصيل الغنيمة بنحو تكون قابلة للاستفادة والانتفاع، فان ذات


(1) الوسائل باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5.

[ 16 ]

[ وبعد اخراج ما جعله الامام من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح (1)، وبعد استثناء صفايا الغنيمة (2) كالجارية الورقة والمركب الفاره والسيف القاطع والدرع فانها للامام (ع) وكذا قطايع الملوك فانها ايضا له عليه السلام. ] الغنيمة وان تحققت بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب إلا ان الانتفاع منها والدخول في الملك الشخصي الذي به تكون غنيمة بالحمل الشايع منوط بالوصول إلى الامام (ع) وتقسيمه لها بين المقاتلين فصح القول - بهذه العناية - بان مصاريف الحفظ ونحوه تعد من المؤن السابقة على تحصيل الغنيمة فلاحظ. (1): - بتمليكه لشخص أو صرفه في جهة من الجهات العامة حسبما يراه من المصلحة، فان له الولاية المطلقة على ذلك، إذ هو ولي الامر واولى بالمؤمنين من انفسهم فيخرج بذلك عن الغنيمة التي هي موضوع قسمة الخمس وتكون هدية لمن منحها. فان قلنا بوجوب التخميس في مطلق الفائدة الشامل للهدية وجب خمسها لهذه الجهة لا لاجل الغنيمة وإلا فلا شئ عليه. (2): - الظاهر ان الحكم متسالم عليه، وكذا فيما سيذكره من قطايع الملوك المعبر عنها فعلا بخالصة الملوك، وقد ادعى عليه الاجماع، وتشهد به جملة من النصوص. منها موثقة أبي بصير - على ما هو الحق من وثاقة احمد بن هلال - عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن صفو المال، قال: الامام يأخذ الجارية الروقة والمركب الفارة والسيف القاطع والدرع قبل ان

[ 17 ]

[ واما إذا كان الغزو بغير اذن الامام (ع) فان كان في زمان الحضور وامكان الاستئذان منه فالغنيمة للامام (ع) (1) ] يقسم الغنيمة فهذا صفو المال. (1) وصحيحة ربعي عن أبي عبد الله (ع) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اتاه المغنم اخذ صفوه وكان ذلك له. (2) ومنها صحيحة داوود بن فرقد: قطائع الملوك كلها للامام وليس للناس فيها شئ. (3) ومنها موثقة سماعة: " كل ارض خربة أو شئ يكون للملوك فهو خالص للامام (ع) (4) وغيرها. (1): - الظاهر ان الحكم متسالم عليه بين الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع في غير واحد من الكلمات، وإنما الكلام في مستنده وقد استدل له بوجوه: أحدها الاجماع ولا يبعد تحققه بعدما عرفت من تسالم الاصحاب عليه. لولا أنه معلوم المدرك أو محتمله. الثاني مرسلة العباس الوارق عن رجل سماه عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام، وإذا غزوا بامر الامام فغنموا كان للامام الخمس (5).


(1) الوسائل باب - 1 من ابواب الانفال الحديث؟ 1. (2) الوسائل باب 1 من ابواب قسمة الخمس - الحديث 3. (3) الوسائل باب 1 من ابواب الانفال الحديث 6. (4) الوسائل باب - 1 من ابواب الانفال الحديث 8. (5) الوسائل باب 1 من ابواب الانفال الحديث 6.

[ 18 ]

وهي ضعيفة السند بالارسال مضافا إلى جهالة الحسن بن احمد بن يسار أو بشار، فان بنينا على انجبار ضعف السند بعمل المشهور اعتبرت الرواية حينئذ وصح الاستناد إليها وإلا فلا. وقد تقدم غير مرة في مطاوي هذا الشرح ان الاظهر الثاني لمنع الانجبار صغرى لجواز استناد المشهور إلى ما عرفت من تسالم الاصحاب لا إلى هذه الرواية، وكبرى إذ لا ينجبر ضعف السند بالشهرة، كما لا ينجبر بها ضعف الدلالة، فان العبرة في الحجية باحد أمرين: أما بالوثوق الشخصي بصدور الرواية، أو بكون الراوي موثقا ولا ثالث، ومجرد الاشتهار لا وزن له في سوق الاعتبار وتمام الكلام في محله. الثالث وهو العمدة صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله (ع): السرية يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الامام عليهم اخرج منها الخمس لله وللرسول وقسم بينهم أربعة اخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للامام يجعله حيث احب (1). وما في الوسائل من ذكر ثلاثة اخماس غلط والصحيح ما اثبتناه كما أشار إليه المعلق. وقد تضمنت التفصيل بين كون القتال مع الامير أي باذن الامام وعدمه. ولكن قد يناقش في دلالتها بظهورها في التفصيل بين القتال وعدمه لا بين الاذن وعدمه، كيف وهو مفروض في مورد السؤال، وإن السرية كانت ببعث من الامام (ع) فلابد وان يكون التفصيل في مورد السؤال، ونتيجته أن تلك السرية المأذونة إن غنموا مع القتال


(1) الوسائل باب 1 - من ابواب الانفال الحديث 3.

[ 19 ]

تخمس الغنيمة وإلا فكلها للامام، فهي تدل على تفصيل آخر أجنبي عما نحن بصدده. ويندفع بان مبنى الاستدلال هو مفهوم الشرطية الاولى بعد ملاحظة ان النكتة في تقييد القتال في الجملة الشرطية بكونه مع أمير أمره الامام - بعد وضوح أنه لا قتال إلا مع الامير وإلا كانت فوضى - هو التأكد بشأن هذا القيد - الذي مرجعه إلى الاذن - ودخله في الحكم وإلا كان ذكره مستدركا للاستغناء عنه بعد فرضه في السؤال. وعليه فيكون مرجع الجملة الشرطية إلى أن الامر إن كان كما ذكرت أيها السائل من كون القتال بامر من الامام وبعثه للسرية فالمال يخمس حينئذ فالشرط مركب من قيدين: تحقق القتال، وكونه باذن الامام، ومفهومه انتفاء المركب المتحقق بانتفاء احد القيدين من انتفاء القتال أو عدم كونه بالاذن. وعلى هذا فيكون المراد من الشرط في الشرطية الثانية عدم القتال الخاص المذكور في الشرطية الاولى، اعني ما كان عن الاذن، وانتفاؤه يكون تارة بانتفاء القتال رأسا، واخرى بعدم صدوره عن الاذن كما عرفت، وقد دلت بمقتضى الاطلاق على كون الغنيمة حينئذ بتمامها للامام، فقد دلت الصحيحة على التفصيل بين الاذن وعدمه ايضا بهذا التقريب. هذا ولكن سيدنا الاستاد دام ظله اقتصر في اثبات المطلوب على مفهوم الشرطية الاولى، وذكر ان الثانية بيان لبعض افراد المفهوم ولا مدخل لها في الاستدلال. واوضح المقام بان وجهة السؤال ترتكز على الاستفهام عن كيفية التقسيم بعد فرض كون السرية مبعوثة عن الامام، فتقييد القتال في الجواب بما يرجع إلى الاذن لابد وأن يكون لنكتة حذرا عن اللغوية،

[ 20 ]

وليس إلا التأكد عن وجود هذا القيد وان القتال المقيد بالاذن محكوم بالتقسيم بهذا النحو باخراج الخمس اولا ثم تقسيم الاربعة اخماس الباقية بين المقاتلين، ومفهومه انه لو لم يكن قتال أو لم يكن القتال مع الاذن فلا اخراج ولا تقسيم، وبطبيعة الحال يكون المال حينئذ بكامله وخالصه للامام (ع) فتأمل. وكيفما كان فاطالة البحث حول هذه المسألة قليلة الجدوى فانها راجعة إلى زمان الحضور والامام (ع) اعرف بوظيفته. ثم انه ربما تعارض صحيحة معاوية بن وهب بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل من اصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة، قال: يؤدي خمسا ويطيب له (1). حيث يظهر منها عدم اعتبار الاذن في التخميس، وقد حملها في الجواهر على ان ذلك تحليل منه عليه السلام بعد الخمس، وإن كانت الغنيمة كلها له بمقتضى عدم الاستيذان. ولكنه كما ترى لظهورها في أن ذلك حكم شرعي لا تحليل شخصي كما لا يخفى، فتكون المعارضة على حالها. والصحيح ان النظر في الصحيح غير معطوف إلى حيثية الاذن ولعلها كانت مفروغا عنه لما ثبت من امضائهم عليهم السلام ما كان يصدر من السلاطين وحكام الجور في عصرهم من الغزو والجهاد مع الكفار واذنهم العام في ذلك. وانما ترتكز وجهة السؤال على اساس أن المقاتل يكون في لوائهم أي لواء بني العباس - ومن البين ان حكام الجور لم تكن تخضع للخمس ولا تعتقد بهذه الفريضة فيسأل عن حكم الغنيمة التي يصيبها المقاتل


(1) الوسائل باب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 8.

[ 21 ]

[ وإن كان في زمن الغيبة فالاحوط اخراج خمسها من حيث الغنيمة (1) ] ويستلمها ممن لا يرى وجوب الخمس وانه ما هو موقفه تجاه هذه الفريضة. وهم عليهم السلام وإن اباحوها وحللوها لشيعتهم ليطيب منكحهم ومسكنهم كما نطق به غير واحد من الاخبار إلا انه عليه السلام في خصوص المقام وبنحو القضية الخارجية لم يسمح إلا باربعة اخماس الغنيمة لعلة هو عليه السلام ادرى بها. وكيفما كان فلا دلالة لها بوجه على عدم اعتبار الاذن لكي تتحقق المعارضة بينها وبين ما سبق فلاحظ. (1): - لاطلاق الغنيمة في الاية المباركة الشامل لزماني الحضور والغيبة، وليس بازائه إلا ما دل على اشتراط اذن الامام غير الصالح للتقييد، إذ هو اما الاجماع وهو دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقن منه وهو فرض الحضور والتمكن من الاستئذان، أو مرسل الوراق المتقدم وهو بعد تسليم الاطلاق والشمول لصورتي الغيبة والحضور غير قابل للاستناد لاجل الضعف غير المنجبر عندنا بالعمل كما تقدم. أو صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة وهي العمدة حيث تضمنت كما عرفت تقييد القتال بالاذن، إلا أن هذا القيد لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح وانما عولنا عليه حذرا عن اللغوية، ويكفى في الخروج عنها نكتة التاكد مما افترضه السائل وان لهذا القيد مدخلا في الحكم بالتخميس كما مر. واما ان هذا الدخل هل هو على سبيل الاطلاق أو في خصوص حال الحضور والتمكن من الاستيذان؟ فلا دلالة فيها على ذلك بوجه لو لم تكن ظاهرة في الثاني، كما هو مقتضى فرض بعث السرية من قبل الامام وتصديه (ع) لتأمير الامير، إذا فلا

[ 22 ]

[ خصوصا إذا كان للدعاء إلى الاسلام (1) فما يأخذه السلاطين في هذه الازمنة من الكفار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره يجب فيه الخمس على الاحوط وان كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الاسلام ومن الغنائم التي يجب فيها الخمس الفداء (2) الذي يوخذ من اهل الحرب بل الجزية المبذولة لتلك السرية بخلاف ساير افراد الجزية ومنها ايضا ما صولحوا عليه ] تدل الصحيحة على اشتراط الاذن حتى في زمن الغيبة ليتقيد بها اطلاق الآية المباركة بالاضافة إلى هذا الزمان. فتحصل ان اطلاقات الغنيمة في الكتاب والسنة القاضية بلزوم التخميس في كل غنيمة سواء أكان القتال في زمن الحضور أم الغيبة هي المحكم بعد سلامتها عما يصلح للتقييد من غير فرق بين ما إذا كان للدعاء إلى الاسلام أم لغيره بمقتضى الاطلاق. (1): - وجه التخصيص التنصيص عليه في رواية أبي بصير المتقدمة: (كل شئ قوتل عليه على شهادة ان لا إله الا الله... الخ) (1) اي على الدعوة إلى الاسلام إلا انها من اجل ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني كما مر لا تصلح إلا للتأييد، وان الحكم في هذا الفرض آكد من غير ان يتقيد بها اطلاقات الغنيمة في الكتاب والسنة حسبما عرفت. (2): - فان الغداء المأخوذ بدلا عن الاسير وكذا الجزية المبذولة في تلك السرية عن الرؤس وكذا ما صولحوا عليه كلها تعد من غنائم اهل الحرب الشاملة لما يؤخذ منهم بالغلبة أم بدونها فتكون مشمولة


(1) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 5.

[ 23 ]

[ وكذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم (1) إذا هجموا على المسلمين في امكنتهم ولو في زمن الغيبة فيجب اخراج الخمس من جميع ذلك قليلا كان أو كثيرا من غير ملاحظة خروج مؤنة السنة على ما ياتي في ارباح المكاسب وسائر الفوائد. (مسألة 1: -) إذا غار المسلمون على الكفار فاخذوا اموالهم فالاحوط بل الاقوى اخراج خمسها (2) من حيث كونها غنيمة ولو في زمن الغيبة فلا يلاحظ فيها مؤنة السنة وكذا إذا اخذوا بالسرقة والغيلة نعم لو اخذوا منهم بالربا أو بالدعوى الباطلة فالاقوى الحاقه بالفوائد المكتسبة فيعتبر فيه الزيادة عن مؤنة السنة وان كان الاحوط اخراج خمسة مطلقا. ] لاطلاق الاية المباركة بعد صدق الغنيمة عليها. (1): - لما عرفت أيضا من اطلاق الآية المباركة الشامل للغنائم المأخوذة منهم دفاعا كالمأخوذة هجوما وجهادا بعد صدق الغنيمة على الكل بمناط واحد، وعدم الدليل على التقييد بالثاني من غير فرق بين الدفاع في زمن الغيبة أو الحضور. ولا يعتبر هنا الاذن من الامام وإن اعتبرناه في الجهاد لقصور الدليل، فانه اما الاجماع ولا اطلاق له يشمل الدفاع، أو مرسل الوراق وموردها الغزو، أو صحيحة ابن وهب وموردها السرية وشئ منهما لا يشمل الدفاع كما هو ظاهر. (2): - إذ لا فرق بمقتضى اطلاق الآية وغيرها بين الغنائم المأخوذة منهم في قتال مبني على الدعاء إلى الاسلام وتوسعة اراضي

[ 24 ]

المسلمين، أو على مجرد اخذ الاموال والاستيلاء عليها كما تقدم. وأما المأخوذ منهم بالسرقة أو الغيلة والخدعة - في مورد يجوز ذلك - فلا اشكال في انه غنيمة يجب تخميسها، وانما الكلام في ان ذلك هل يعد من الغنيمة بالمعنى الاخص أي من غنائم دار الحرب، أو منها بالمعنى الاعم الشامل لمطلق الفائدة. وتظهر الثمرة بين الغنيمتين في ملاحظة المؤونة وعدمها، فعلى الاول يجب التخميس بمجرد حصولها. وأما على الثاني فيجوز التاخير إلى نهاية السنة، فان زادت على مؤونتها يخمس الزائد وإلا فلا شئ عليه، فتخرج مؤونة السنة على الثاني دون الاول. اختار الماتن الاول، ولكن الظاهر الثاني، فان المستفاد من الآية المباركة وكذا النصوص على كثرتها صحيحها وسقيمها التي لا يبعد بلوغ المجموع حد التواتر، اختصاص الحكم بالاغتنام الناتج من القتال. والمتحصل من الغلبة بالمقاتلة لا مطلق السيطرة على المال كيفما اتفق ليشمل مثل السرقة والخديعة. ويعضده ما في مكاتبة علي بن مهزيار من التمثيل لمطلق الفائدة - اي الغنيمة بالمعنى الاعم - بالمال المأخوذ من عدو يصطلم (1). فان من الظاهر عدم ارادة العدو الشخصي بداهة ان العداوة الشخصية لا تسوغ اخذ المال بل المبدئي العقائدي الذي من ابرز افراده الكافر الحربي باخذ المال منه غيلة أو سرقة الذي هو محل الكلام. وبعبارة اخرى مقتضى اطلاقات الادلة المتضمنة ان الخمس بعد المؤونة ان كل فائدة يستفيدها الغانم لا يجب خمسها إلا بعد اخراج


(1) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 5.

[ 25 ]

مؤونة السنة إلا ما ثبت خلافه بدليل خاص، وقد ثبت ذلك في جملة من الموارد مثل غنائم دار الحرب الحاصلة من القتال والمعدن والكنز ونحوها، ولم يثبت في المأخوذ من الكافر سرقة أو غيلة فالمتبع حينئذ هو الاطلاق المتقدم. إذا فهذا المأخوذ فائدة كساير الفوائد العائدة بالتكسب لا يجب تخميسها إلا بعد اخراج مؤونة السنة. واوضح حالا المأخوذ منهم بالمعاملة الربوية، فانا لو بنينا على جواز الربا معهم كما هو المشهور كانت هذه المعاملة كغيرها من ساير المعاملات التي تعد فوائدها من ارباح المكاسب والغنائم بالمعنى الاعم كما هو ظاهر. وإن قلنا بالحرمة كما هو الاظهر عملا باطلاق قوله تعالى: (وحرم الربا) السليم عما يصلح للتقييد نظرا إلى ان الرواية المقيدة المتضمنة لجواز الربا مع الكافر ضعيفة السند، ومن ثم استغرب السبزواري أنه كيف يرفع اليد عن اطلاق الاية برواية ضعيفة - فهذه المعاملة غير سايغة معهم من اصلها فلا يجوز ارتكابها. نعم بعد الارتكاب واخذ المال يجوز التصرف فيه ولا يجب الرد عملا بقاعدة الالزام حيث انهم يسوغون هذه المعاملة فيؤخذون بما النزموا به على انفسهم. وعليه فيعد ذلك فائدة عائدة بالتكسب كما في ساير المعاملات، فتكون لا محالة من الغنائم بالمعنى الاعم. بل يمكن ان يقال: إنه لا حاجة إلى التمسك بقاعدة الالزام بعد جواز استملاك مال الكافر حتى سرقة أو غيلة نعم يتجه في الكافر الذمي الذي هو خارج فعلا عن محل الكلام. اللهم إلا أن يستند إليها ليكون له معذر في نظر العقلاء دون الشرع. وأما المأخوذ بالدعوى الباطلة فهو في حكم المأخوذ بالسرقة أو الغلية

[ 26 ]

[ (مسألة: 2) يجوز اخذ مال الناصب اينما وجد (1) لكن الاحوط اخراج خمسه مطلقا (2) ] ولا وجه للتفكيك بينهما أبدا لوحدة المناط وهو اندراج الكل في الفائدة والمغنم من غير اشتماله على القتال. وقد عرفت انها من الغنائم بالمعنى الاعم، فيعتبر في وجوب تخميسها اخراج مؤونة السنة حسبما عرفت (1): - فلا احترام لماله كالكافر الحربي بل هو اشد منه وقد ورد ان الله تعالى لم يخلق خلقا انجس من الكلب، وان الناصب لنا اهل البيت انجس منه. ويدل على الحكم صريحا صحيح الحفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع الينا الخمس ونحوه صحيح معلي بن خنيس (على الاظهر) (1) المؤيدين بالمرسل عن اسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (ع): مال الناصب وكل شئ يملكه حلال إلا امرأته، فان نكاح اهل الشرك جائز، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تسبوا اهل الشرك فان لكل قوم نكاحا ولولا انا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم ورجل منكم خير من الف رجل منهم لامرناكم بالقتل لهم ولكن ذلك إلى الامام (2). (2): - لا اشكال في وجوب تخميسه في الجملة كما نطقت به الصحيحتان المتقدمتان آنفا، وانما الكلام في ان ذلك هل يجب ابتداء كما في غنائم دار الحرب أو بعد اخراج مؤونة السنة. ذكر الماتن (قدس) ان الاول احوط، والظاهر أنه الاقوى


(1) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 6، 7. (2) المسائل باب 26 من ابواب جهاد العدو الحديث: 2.

[ 27 ]

عملا باطلاق الصحيحتين، فان ما دل على أن الخمس بعد المؤونة ناظر إلى الفوائد العائدة بالاكتساب من الصناعات والتجارات، اما ما عدا ذلك كغنائم الحرب والمعدن، والمال المختلط بالحلال والحرام ونحوها، ومنها المأخوذ من الناصب، فالمتبع اطلاق دليل وجوب الخمس الثابت في مواردها المقتضى لوجود التخميس ابتداء من غير انتظار الزيادة على مؤونة السنة لعدم اندراجها تحت تلك الادلة كما لا يخفى. بل يكفينا مجرد الشك في ذلك والتردد في ان ما دل على ان الخمس بعد المؤونة هل يختص بالخمس بعنوان الفائدة وارباح المكاسب أو انه يعم مثل المقام، نظرا إلى أن الحكم الوضعي اعني تعلق الخمس بالمال وكون جزء من خمسة اجزائه ملكا للامام (ع) ثابت منذ التسلط عليه على اي حال من غير شبهة واشكال، غاية الامر قيام الدليل على جواز التاخير والتصرف في تمام المال إلى نهاية السنة تسهيلا وارفاقا منهم عليهم السلام، وانه لا خمس إلا في الفاضل على مؤونة السنة حيث قد ثبت هذا الترخيص في طائفة من تلك الاموال التي تعلق بها الخمس، فإذا شك في سعة هذا الدليل وضيقه وانه هل يشمل المال المأخوذ من الناصب أو لا كان المرجع أصالة عدم جواز التصرف في ملك الغير، اعني الخمس المتعلق بالامام عليه السلام، إذ التصرف يحتاج إلى الدليل بعد فرض كونه ملكا للغير كما عرفت. ومقتضى الاصل عدمه ونتيجته وجوب التخميس ابتداء من غير اخراج مؤونة السنة، فيكون الحكم التكليفي ايضا ثابتا كالوضعي.

[ 28 ]

[ وكذا الاحوط اخراج الخمس مما حواه العسكر من مال البغاة إذا كانوا من النصاب (1) ودخلوا في عنوانهم والا فيشكل حلية مالهم. ]


(1): - لا ينبغي الاشكال في حلية مال البغاة والخوارج وجواز التصرف فيه باتلاف ونحوه قبل نشوب القتال أو اثنائه قبل ان تضع الحرب أوزارها، فان الاذن في القتال اذن في مثل هذه التصرفات التي يتوقف القتال عليها من قتل فرس المقاتل الباغي، أو فتق درعه أو كسر سيفه ونحو ذلك. ومنه تعرف عدم الضمان بعد ان كان الاتلاف باذن من ولي الامر ومن ومن هو اولى بالتصرف. وقد امر مولانا امير المؤمنين عليه افضل الصلاة والسلام بعقر جمل عائشة فعقر من غير أن يخرج عن ضمانه. وأما بعد انتهاء القتال ووضع الحرب أوزارها فلا اشكال في الجواز أيضا إذا كان البغاة من النصاب لما تقدم من حلية مال الناصب وعدم احترامه وان لم يقاتل فضلا عما لو قاتل. وأما إذا لم يكن من النواصب وانما خرج وقاتل طلبا للرئاسة وحرصا على حطام الدنيا من غير أن يحمل بغض اهل البيت عليهم السلام وينصب العداوة لهم. فقد وقع الخلاف حينئذ بين الاصحاب في جواز التصرف في ماله، فذهب جماعة إلى الجواز وانه يقسم بين المقاتلين كما في الكافر الحربي بل ادعى الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة وأخبارهم عليه. ولكن الاجماع المدعى منه معارض بما عن السيد المرتضى وابن ادريس والعلامة من دعوى الاجماع على خلافه كما في الجواهر ج 21 ص 339

[ 29 ]

[ (مسألة 3:) يشترط في المغتنم أن لا يكون غصبا من مسلم ] فلا يعتمد عليه بوجه ولم يتضح مراده (قده) من الاخبار وغايته انها مرسلة). هذا وقد ذهب المحقق في جهاد الشرايع إلى جواز التصرف والقسمة بين المقاتلين استنادا إلى قيام سيرة علي عليه السلام على ذلك كما حكي ذلك عن جمع أيضا منهم العماني (1). ولكن سيرته غير ثابتة كما صرح به في الجواهر، بل عن الشيخ في المبسوط والشهيد في الدروس ان سيرته عليه السلام في اهل البصرة كانت على خلاف ذلك وانه عليه السلام امر برد اموالهم فاخذت حتى القدور. فدعوى السيرة معارضة بمثلها كالاجماع فلا يمكن الاعتماد على شئ منهما، بل لا يمكن الاعتماد حتى لو ثبتت السيرة على كل من الطرفين إذ لو ثبتت سيرته (ع) على التقسيم فيما انها قضية خارجية فمن الجائز أن يكون ذلك من اجل أن المقاتلين كانوا باجمعهم من النواصب وقد عرفت حلية مال الناصب وان لم يقاتل فضلا عن المقاتل. فلا دلالة في ذلك على جواز القسمة في غير الناصبي الذي هو محل الكلام. ولو ثبتت سيرته (ع) على الرد فهو اعم من حرمة التقسيم لجواز ابتنائه على المن. وعلى الجملة فالسيرة على اي من الطرفين ثبتت لا يمكن الاستدلال بها فضلا عن عدم ثبوتها كالاجماع، ولم يرد في المقام نص كما عرفت إذا فلا بد من العمل على مقتضى القواعد العامة وهي تقتضي عدم الجواز عملا باطلاقات احترام مال المسلم ما لم يثبت خلافه.


(1) الجواهر ج 21 ص 339.

[ 30 ]

[ أو ذمي أو معاهدة (1) أو نحوهم ممنن هو محترم المال والا فيجب رده إلى مالكه نعم لو كان مغصوبا من غيرهم من اهل الحرب لا باس باخذه واعطاء خمسه وان لم يكن الحرب فعلا مع المغصوب منهم وكذا إذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من اهل الحرب بعنوان الامانة من وديعة أو اجارة أو عارية أو نحوها. ] (1): - لا فرق في الغنيمة المأخوذة من دار الحرب بين ما إذا كانت ملكا للمحاربين انفسهم أو ملكا لمحارب آخر وان لم يكن من اهل الحرب فعلا سواء اغصبوه منه أم كان عندهم بعنوان الامانة من وديعة ونحوها لصدق الغنيمة على الكل فيشمله اطلاق الاية المباركة بعد تساوي الجميع في عدم احترام المال وهذا ظاهر، كما انه متسالم عليه بين الاصحاب. واما لو كان مغصوبا ممن هو محترم المال كالمسلم والذمي ونحوهما فالمشهور وجوب الرد إلى مالكه، بل لم ينسب الخلاف إلا إلى الشيخ في النهاية والقاضي في بعض كتبه فعزي اليهما أن الغنيمة حينئذ للمقاتلين وان الامام يغرم القيمة لاربابها من بيت المال. ويدل على المشهور مضافا إلى عمومات ادلة احترام المال المقتضية لوجوب الرد صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال: سأله رجل عن الترك يغزون المسلمين فيأخذون اولادهم فيسرقون منهم ايرد عليهم؟ قال: نعم والمسلم اخو المسلم، والمسلم احق بماله أينما وجده (1) ودلالتها ظاهرة بل صريحة في المطلوب كما انها صحيحة


(1) الوسائل باب 35 من ابواب جهاد العدو الحديث: 3.

[ 31 ]

السند. هذا ويستدل لمقالة الشيخ برواية اخرى لهشام عن بعض اصحاب أبي عبد الله (ع) عن أبي عبد الله (ع) في السبي يأخذ العدو من المسلمين في القتال من اولاد المسلمين أو من مماليكهم فيحوزونه ثم ان المسلمين بعد قاتلوهم فظفروا بهم وسبوهم واخذوا منهم ما اخذوا إلى أن قال: واما المماليك فانهم يقامون في سهام المسلمين فيباعون وتعطى مواليهم قيمة اثمانهم من بيت مال المسلمين (1). ولكنها ضعيفة السند بالارسال اولا، ولم يعمل بها المشهور ليدعي الانجبار على القول به، واخص من المدعي ثانيا فانها متعرضة لخصوص المماليك، اعني الاماء والعبيد دون ساير الاموال المغتنمة، فيحتاج إلى دعوى القطع بعدم الفرق أو عدم القول بالفصل، ومعارضة بصحيحته ثالثا حسبما عرفت. نعم يمكن الاستدلال له بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل لقيه العدو واصاب منه مالا أو متاعا ثم ان المسلمين اصابوا ذلك كيف يصنع بمتاع الرجل؟ فقال: إذا كان اصابوه قبل أن يحوزوا متاع الرجل رد عليه، وإن كانوا اصابوه بعدما حازوه فهو فئ للمسلمين فهو احق بالشفعة (2). بناء على تفسير الحيازة بالمقاتلة ليكون المعنى ان اصابة المال لو كانت بعد القتال فهو فئ للمسلمين، وإن كانت قبله رد إلى صاحبه. ولكن هذا التفسير غير ظاهر بل بعيد كما لا يخفى. ومن ثم فسر


(1) الوسائل باب 35 من ابواب جهاد العدو الحديث 1. (2) الوسائل باب 35 من ابواب جهاد العدو الحديث: 2.

[ 32 ]

الحيازة في الجواهر بالمقاسمة بعد ارجاع الضمير في قوله: (وإذا كانوا اصابوه) إلى الرجل، اي إذا اصابوا صاحب المال قبل التقسيم رد إليه، وان اصابوه بعد القسمة فهو فئ للمسلمين. ولكنه ايضا خلاف الظاهر. ولا يبعد أن يكون الاقرب من هذين الاحتمالين تفسير الحيازة بالاستيلاء على المال واغتنامه مع عود الضمير إلى الرجل ليكون المعنى انه إن عرف صاحب المال قبل أن يغتنم فهو له والا فللمسلمين، كما ربما يقرب هذا المعنى ما هو المشهور بل المتسالم عليه بينهم من أن مجهول المالك لو عرف صاحبه بعد الصرف فيما قرره الشرع من صدقة ونحوها لم يستحل شيئا. ومن ثم فرقوا بينه وبين اللقطة بانه لو تصدق بها ضمن على تقدير العثور على صاحبها، بخلاف التصدق بمجهول المالك فانه لا ضمان فيه بتاتا، فيكون الاغتنام في المقام - بعد كون المال المبحوث عنه من قبيل مجهول المالك - بمثابة التصدق في ساير الموارد، حيث انه باذن من صاحب الشرع فلا ضمان بعده وان عثر على مالكه. وكيفما كان فهذا الاحتمال وإن كان اقرب كما عرفت إلا انه بعد غير واضح فلا تخلو الصحيحة عن كونها مضطربة الدلالة فلا تصلح للاستدلال بعد تكافؤ الاحتمالات. على انا لو سلمنا التفسير الاول بل لو فرضنا صراحتها فيه فلا ينطبق مفادها على مقالة الشيخ من غرامة الامام قيمته من بيت المال لعدم التعرض فيها لهذه الغرامة بوجه، بل المذكور فيها انه احق بالشفعة، اي ان للمالك استرجاع المال من المقاتلين بالثمن كما في الشفيع. كما صرح بذلك في مرسلة جميل عن أبي عبد الله (ع) في رجل كان له عبد فادخل دار الشرك

[ 33 ]

ثم اخذ سبيا إلى دار الاسلام، قال: إن وقع عليه قبل القسمة فهو له، وإن جرى عليه التقسيم فهو احق بالثمن (1). هذا كله فيما لو عرف المالك قبل القسمة. وأما لو لم يعرف إلا ما بعد التقسيم فعن الشيخ في النهاية انها للمقاتلة أيضا نحو ما سبق، ولكن ذكر في الجواهر اني لم اجد له موافقا منا، وان حكي ذلك عن بعض العامة كابي حنيفة والثوري والاوزاعي ونحوهم، كما لم يظهر له مستند أيضا عدا صحيحة الحلبي المتقدمة بناء على تفسير الحيازة بالقسمة كما احتمله في الجواهر، المعتضدة بمرسلة جميل لكن عرفت ان شيئا منهما لا ينطبق على مقالة الشيخ بل مفادهما جواز استرداد المالك بعد دفع الثمن لا غرامة الامام قيمتها من بيت المال. فالاقوى ما عليه المشهور من استرداد المالك ماله حيثما وجده من غير فرق بين ما قيل القسمة وما بعدها عملا باطلاقات احترام المال حسبما عرفت. وتؤيد المشهور رواية طربال عن أبي جعفر (ع) قال: سئل عن رجل كان له جارية فاغار عليه المشركون فاخذوها منه، ثم ان المسلمين بعد غزوهم فاخذوها فيما غنموا منهم، فقال: إن كانت في الغنائم وأقام البينة ان المشركين اغاروا عليهم فاخذوها منه، ردت عليه، وان كانت قد اشتريت وخرجت من المغنم فأصابها ردت عليه برمتها واعطي الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه، قيل له: فان لم يصبها حتى تفرق الناس وقسموا جميع الغنائم فأصابها بعد؟ قال: يأخذها من الذي هي في يده إذا أقام البينة، ويرجع الذي هي في يده


(1) الوسائل باب 35 من ابواب جهاد العدو الحديث 4.

[ 34 ]

[ (مسألة 4): - لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين دينارا فيجب اخراج خمسه قليلا كان أو كثيرا على الاصح (1). (مسألة 5): - السلب من الغنيمة فيجب اخراج خمسه على السالب (2). ] إذا أقام البينة على أمير الجيش بالثمن (1) فانها توافق المشهور من حيث اخذ المالك ماله مجانا حيث وجده وان تضمنت رجوع المأخوذ منه بالثمن إلى امير الجيش أو إلى المغنم. (1): - كما هو المعروف والمشهور خلافا للمفيد في الغرية، حيث اعتبر النصاب، ولكن لم يعرف له موافق كما صرح به في الجواهر، كما انه لم يعلم له أي مستند حتى رواية ضعيفة. فالمتبع إذا اطلاقات الادلة من الكتاب والسنة القاضية بلزوم التخميس في مطلق الغنيمة من غير تحديد بحد. (2): - قد وقع الخلاف في حكم السلب وأنه هل يختص بالمقاتل السالب أو انه غنيمة كساير الغنائم يشترك فيها جميع المقاتلين بعد اخراج خمسه؟؟ والمعروف بين العامة هو الاول لما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله من أن من قتل قتيلا فله سلبه وسلاحه، ولكن الرواية لم تثبت من طرقنا ومن ثم كان المعروف بيننا هو الثاني فيجب تخميسه كساير الغنائم عملا بالاطلاقات. نعم لو ثبتت الرواية أو فرضنا أنه من الجعائل بحيث جعله


(1) الوسائل باب 35 من ابواب جهاد العدو الحديث 5.

[ 35 ]

الامام (ع) للسالب وخصه به لمصلحة حيث أنه ولي الامر ويجوز له ذلك كما تقدم لم يجب تخميسه حينئذ لاستثنائه بالجعل عن الغنائم كما سبق فينصرف دليل الخمس عن مثله. وبعبارة اخرى ظاهر ادلة الخمس انه إنما يجب في غنيمة تقسم أربعة اخماسها الباقية بين المقاتلين لا ما إذا كانت مختصة بمقاتل خاص، بل ظاهر ما دل على الاختصاص به أنه له بتمامه وكماله، ولاجله تنصرف عنه أدلة التخميس من حيث الغنيمة. نعم لا اشكال في وجوب خمسه من حيث الفائدة أي الغنيمة بالمعنى الاعم وهو امر آخر. ثم إنه قد ورد في صحيحة ابن سنان: أنه ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة (1). وهذا بظاهره غير قابل للتصديق، بل مقطوع العدم، ولا يمكن الاخذ به لمنافاته مع ما ثبت من الخارج بالنصوص القطعية من ثبوت الخمس في غير الغنائم أيضا كالمعادن، والغوص والكنز ونحوها مما ستعرف إن شاء الله، فلابد من العلاج، إما بارادة مطلق الفائدة من الغنيمة الشامل لجميع تلك الموارد أو يراد خصوص الخمس الواجب فرضا الثابت في ظاهر القرآن بناء على ان المراد بالغنيمة في الآية المباركة هي غنائم دار الحرب بقرينة الآيات السابقة واللاحقة الواردة في القتال مع الكفار، فلا ينافي وجوب غيرها بحسب السنة القطعية، فالخمس في الغنيمة فريضة إلهية ثبتت بحسب الجعل الاولي وفيما عداها سنة نبوية، وإن كان المبنى سقيما عندنا كما سيتضح لك في محله إن شاء الله تعالى.


(1) الوسائل باب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1.

[ 36 ]

[ (الثاني) المعادن (1) من الذهب والفضة والرصاص والصفر والحديد والياقوت والزبرجد والفيروزج والعقيق والزيبق والكبريت والنفط والقير والسبخ والزاج والزرنيخ والكحل والملح بل والجص والنورة وطين الغسل وحجر الرحى والمغرة وهي الطين الاحمر على الاحوط وان كان الاقوى عدم الخمس فيها من حيث المعدنية بل هي داخلة في ارباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مؤنة السنة والمدار على صدق كونه معدنا عرفا ] أو يراد وجه آخر (1) كما ذكر ذلك كله الشيخ وغيره، على أي حال فلابد من الحمل على احد المحامل بعد امتناع الاخذ بالظاهر حسبما عرفت. (1): - بلا خلاف فيه ولا اشكال بل اجماعا كما عن غير واحد وتشهد له جملة وافرة من النصوص بين معتبر وغيره دلت على تعلق الخمس بالمعدن من حيث هو وبعنوانه، لا بعنوان الفائدة لتلاحظ الزيادة على المؤونة. وقد اختلفت كلمات الفقهاء في تفسير المعدن كما تضارب فيه تعريف اللغويين، وقد اشتملت النصوص على ذكر جملة منها كالذهب والفضة ونحوهما. ولا ينبغي الاشكال في أن ما يتكون في جوف الارض ويستخرج


(1) في رسالة شيخنا الوالد طاب ثراه التي كتبها في الخمس ما لفظه: والاظهر في الجمع ان يقال ان الحصر المذكور قال للتخصيص فيخصص بما دل على ثبوته في غيره ألا ترى ما ورد في باب الصوم من انه لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب اربع خصال الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء مع عدم انحصار المفطر بالاربعة المذكورة.

[ 37 ]

منها ويعظم الانتفاع بها كالفلزات من الذهب والفضة والنحاس والرصاص، ونحوها من النفط والكبريت من مصاديق هذا العنوان عرفا. والظاهر عدم اختصاصه بما كان مستورا ومتكونا في جوف الارض، بل يشمل الظاهر المتكون فوقها كالملح، كما صرح به في صحيح ابن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الملاحة، قال: وما الملاحة؟ فقلت: ارض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا، فقال هذا المعدن فيه الخمس، فقلت: والكبريت والنفط يخرج من الارض؟ قال فقال: هذا واشباهه فيه الخمس (1). فهذا مصداق شرعي للمعدن بمقتضى هذه الصحيحة، سواء اصدق عليه المعدن عرفا أم لا. كما أن ما صدق عليه الاسم عرفا يلحقه حكمه وإن لم يكن مذكورا في النصوص كالقير إلا أن يكون مشمولا لقوله: (واشباهه) الوارد في ذيل هذه الصحيحة. كما أن الظاهر عدم اعتبار خروجه عن صدق مسمى الارض، فلا فرق فيما يستخرج بين كونه من غير جنس الارض كالذهب والفضة ونحوهما حيث انها ماهية اخرى مبائنة لها بحيث لو فرضنا أن قطعة من الكرة الارضية كانت ذهبا لا يصدق عليها عنوان الارض بتاتا، أو كانت من جنس الارض ومسماها كالعقيق والفيروزج والياقوت والزبرجد ونحوها من الاحجار الكريمة التي لا فرق بينها وبين غيرها من الحصى وسائر الاحجار في اتخاذ اصولها من التراب غايته أنه تغيرت صورتها بسبب الامطار واشراق الشمس وعلل اخرى فاصبحت ملونة شفافة واتصفت بكونها ثمينة كريمة تبذل الاموال الطائلة بازائها لعلة


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 4.

[ 38 ]

[ وإذا شك في الصدق (1) لم يلحقه حكمها فلا يجب خمسه من هذه الحيثية بل يدخل في ارباح المكاسب ويجب خمسه إذا زادت عن مؤونة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه ] لم نعرفها لحد الان، إذ رب حجر يكون أبدع وأجمل واشد صفاء ولا يعد كريما. وكيفما كان فهذه أيضا معادن وإن كانت من جنس الارض ولم تكن مغايرة لها، وقد حكى أن في بلاد الهند واديا من عقيق مع ضرورة صدق اسم الارض عليها. ومن ثم ذكرنا في محله جواز السجود عليها لصدق اسم الارض على هذه الاحجار وإن صدق اسم المعدن عليها أيضا، إذ المعتبر في المسجد أن يكون ارضا لا أن يكون معدنا. وكيفما كان فالعبرة بالصدق العرفي أو التعبد الشرعي، وقد ورد في صحيح زرارة: أن كل ما كان ركازا ففيه الخمس (1) الشامل لكل ما كان له ثبات وقرار ومرتكزا في مكان حتى مثل الملح ونحوه كما تقدم. فان تحقق ذلك واحرز الصدق فلا كلام. (1) إنما الكلام في موارد الشك كالجص والنورة وطين الرأس والطين الاحمر ونحوها. والمتعين حينئذ الرجوع إلى الاصول العملية، ومقتضاها أصالة عدم وجوب التخميس فعلا بعد الاخذ بعموم ما دل على أن كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس بعد المؤونة - أي مؤونة السنة -


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس حديث: 3.

[ 39 ]

[ ولا فرق في وجوب اخراج خمس المعدن بين ان يكون في ارض مباحة أو مملوكة (1) وبين ان يكون تحت الارض أو على ظهرها ولا بين أن يكون المخرج مسلما أو كافرا (2) ذميا بل ولو حربيا ولا بين أن يكون بالغا أو صبيا وعاقلا أو مجنونا (3) فيجب على وليهما اخراج الخمس ويجوز للحاكم الشرعي اجبار الكافر على دفع الخمس مما اخرجه وإن كان ] فان ما يشك في صدق اسم المعدن عليه مشمول لهذا العام لصدق الفائدة عليه بلا كلام، وقد خرج عن هذا العام بالمخصص المنفصل عناوين خاصة كالمعدن ونحوها حيث يجب تخميسها ابتداء من غير ملاحظة المؤونة، والمفروض الشك في سعة مفهوم المخصص بحيث يشمل هذا الفرد - المشكوك فيه - وضيقه، وقد تقرر في محله الاقتصار في المخصص المنفصل المجمل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن والرجوع فيما عداه إلى عموم العام الذي مقتضاه في المقام عدم وجوب التخميس إلا بعد اخراج المؤونة حسبما عرفت. (1): - لاطلاق الادلة الشامل لهما. وأما المغصوب فسيأتي الكلام عليه عند تعرض الماتن، كما أن مقتضى الاطلاق عدم الفرق أيضا بين أن يكون تحت الارض أم على ظهرها كالملح كما تقدم. (2): - بناء على تكليف الكافر بالفروع كالاصول كما هو المشهور وأما بناء على عدمه كما لعله الاظهر حسبما تقدم في كتاب الزكاة فلا. (3): - على المشهور من عدم سقوط الخمس عن الصغير والمجنون فيتصدى وليهما للاخراج ولكن تقدم في كتاب الزكاة أن الاظهر سقوطه عنهما، فان الخمس كالزكاة وإن كانا من قبيل الوضع وأن

[ 40 ]

[ لو اسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه ويشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما اخرجه عشرين دينارا (1) ] مقدارا معينا من المال ملك للغير إلا ان اطلاق حديث رفع القلم يشمل التكليف والوضع ولا موجب للتخصيص بالاول، بل مفاده أن الصبي والمجنون ممن رفع عنه قلم التشريع ولم يكتب عليهما في دفتر القانون شئ. وعلى الجملة لا يزيد المقام على ما تقدم في كتاب الزكاة بشئ لعدم ورود نص خاص فيه فيجري في الكافر والصغير والمجنون كلما اسلفناه هناك فلاحظ. (1): - كما اختاره الشيخ في النهاية وابن حمزة في الوسيلة وهو المشهور بين المتأخرين بل نسب إلى عامتهم تارة وقاطبتهم اخرى. وأما القدماء فالمشهور بينهم عكس ذلك، إذ لم ينسب اعتبار النصاب منهم إلا إلى الشيخ في النهاية وابن حمزة في الوسيلة كما سمعت، بل ان الشيخ بنفسه يدعي في كتاب الخلاف الاجماع على عدم اعتبار النصاب وعن أبي الصلاح الحلبي أن نصابه دينار واحد. وكيفما كان فالمتبع هو الدليل ولا شك أن مقتضى الاطلاقات في غير واحد من الروايات هو عدم الاعتبار، إلا أن صحيح البزنطي قد تضمن التقييد به، قال: سألت أبا الحسن (ع) عما اخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شئ؟ قال: ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا (1) وبه يقيد اطلاق النصوص كما هو مقتضى صناعة الاطلاق والتقييد. ولكن قد يناقش في الصحيح من وجوه:


(1) الوسائل باب 4 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث. 1.

[ 41 ]

أحدها أنه موهون باعراض قدماء الاصحاب فيسقط عن درجة الاعتبار. والجواب عنه واضح، فانه بعد تسليم كبرى الوهن بالاعراض فالصغرى ممنوعة، فان جمهور المتأخرين قد عملوا به كما أن الشيخ وابن حمزة من القدماء عملوا أيضا. نعم جماعة منهم بين اربعة اشخاص أو خمسة لم يعملوا، ولا ريب في عدم تحقق الاعراض بهذا المقدار كما لا يخفى. ثانيها أنه لا تعرض في الصحيح إلى الخمس بوجه لا سؤالا ولا جوابا، بل الظاهر من سياقه أنه ناظر إلى السؤال عن زكاة الذهب والفضة بعد الاخراج من معدنهما، وبما أنهما غير مسكونين حينئذ، ولا زكاة إلا في المسكوك. فجوابه عليه السلام بالوجوب بعد بلوغ النصاب محمول على التقية لموافقته لمذهب الشافعي. وفيه أولا: إن المعدن المذكور في السؤال مطلق يشمل عامة المعادن فتخصيصه بالذهب والفضة بلا موجب، بل عار عن كل شاهد. وثانيا: إن حمل كلمة (شئ) الواردة في السؤال على خصوص الزكاة أيضا بلا موجب بل هو يشمل كل ما افترضه الله في هذا المال الشامل للخمس، فقوله عليه السلام في الجواب: ليس فيه شئ، أي ليس فيه شئ من حق الله إلا أن يبلغ النصاب لا الزكاة بخصوصها، إذ لا قرينة عليها كما عرفت. وثالثا: ان الظاهر من قوله عليه السلام: (ما يكون في مثله الزكاة) ان موضوع البحث ومورد السؤال والجواب شئ آخر غير زكاة الذهب والفضة، ولذا جعله مماثلا لها، وإلا لكانت هذه الجملة ملغية وأصبحت مستدركة وكان الاحرى أن يقول: (حتى يبلغ عشرين دينارا) الذي هو اخصر واسلس، وليس ذلك الشئ إلا الخمس

[ 42 ]

كما لا يخفى. ويؤكده أنه لو اريد به الزكاة فلا وجه لتخصيص النصاب بعشرين دينارا إذ هو نصاب الذهب، وأما الفضة فمائتا درهم، فكان اللازم التعرض له أيضا وعطفه عليه، وهما وإن كان غالب المطابقة سيما في الازمنة السابقة التي كان فيها كل عشرة دراهم تسوي بدينار كما قيل، إلا انهما بالآخرة عنوانان بينهما عموم من وجه، وقد يفترقان فلا وجه لتخصيص أحدهما بالذكر دون الآخر. وهذا بخلاف ما لو اريد الخمس ضرورة أن التحديد ببلوغ ما في مثله الزكاة احالة على أمر مجمل لاختلاف المالية باختلاف مراتب النصب في الاعيان الزكوية، ومن ثم احتاج إلى التعيين وأنه عشرون دينارا نصاب الذهب ليرتفع به الاجمال المزبور. ويؤيده أن البزنطي بنفسه سأل الرضا عليه السلام في صحيحته الاخرى عن الكنز فاجابه عليه السلام بمثل الجواب المتقدم، أعني التحديد بما يجب في مثله الزكاة مصرحا بان فيه الخمس، قال: سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس (1). فيكشف ذلك عن أن السؤال في هذه الصحيحة أيضا ناظر إلى الخمس، ولعل مسبوقية ذهنه بحكم الكنز دعته إلى السؤال عن نظيره في المعادن. ويؤيده أيضا التصريح بالخمس في روايته الثالثة عن محمد بن علي ابن أبي عبد الله عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 2.

[ 43 ]

هل فيها زكاة؟ فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس (1). والمتحصل من جميع ما قدمناه أنه لا مجال للخدش في هذه الصحيحة لا بالاعراض ولا بالحمل على التقية، وهي ظاهرة في ارادة الخمس، فلا مناص إذا من رفع اليد عن المطلقات وتقييدها بها، وتكون النتيجة اعتبار النصاب في المعادن عشرين دينارا. نعم قد يعارضها روايته الاخرى المتضمنة لتحديد النصاب بدينار واحد المتقدمة آنفا التي استند إليها الحلبي كما تقدم. وفيه أولا أنها رواية شاذة وقد تفرد بالعمل بها الحلبي ولم يوافقه غيره، فلا تنهض للمقاومة مع تلك الرواية المشهورة بين الاصحاب. (وثانيا) انها ضعيفة السند بمحمد بن علي بن أبي عبد الله فانه مجهول، بل لم يرد عنه في مجموع الفقه إلا روايتان احدهما هذه التي يروي عنه البزنطي والاخرى ما يروى عنه علي بن اسباط. نعم بناء على المسلك المعروف من أن اصحاب الاجماع ومنهم البزنطي لا يرسلون ولا يروون إلا عن الثقة فالرجل محكوم بالوثاقة، إذ الرواية عنه حينئذ توثيق له، ولكن المبنى بمراحل عن الواقع كما اشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح مرارا إذا فالرواية ضعيفة ولا تصلح لمعارضة ما سبق، (بل يمكن) أن يقال إن الدلالة أيضا قاصرة وان الجواب ناظر إلى الغوص فقط دون المعدن كما اشار إليه في الوسائل، كما يكشف عنه تذكير الضمير في قوله: (قيمته) الراجع إلى ما يخرج من البحر دون المعادن، وإلا كان مقتضى القواعد تأنيثه كما لا يخفى. فكأنه عليه السلام اعرض عن بيان حكم المعادن لوجود من يتقى منه


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 5.

[ 44 ]

بحيث لو بين الواقع وأن فيهما النصاب عشرين دينارا لكان على خلاف التقية، ولو بين خلافه لكان كذبا، ومن ثم أعرض واقتصر على حكم الاول. وكيفما كان فهذه الرواية غير صالحة للاستناد إليها بوجه، فتبقى صحيحة البزنطي سليمة عن المعارض. ثالثها: إن ارادة الخمس من الصحيح يستلزم ارتكاب التقييد ببلوغ العشرين في صحيحة ابن مسلم المصرحة بوجوب الخمس في الملح المتخذ من الارض السبخة المالحه. (1) (وهو كما ترى) إذ قلما يتفق في مثله بلوغ النصاب المزبور، فليزم منه حمل المطلق على الفرد النادر، ولا سيما إذا اعتبرنا في الاخراج أن يكون دفعة واحدة، فان فرض كون الخارج بمقدار عشرين دينارا نادر جدا، فلا مناص من انكار النصاب في المعادن، وحمل الصحيح على ارادة الزكاة تقية كما سبق. وفيه أولا منع الندرة سيما في الامكنة التي يعز وجود الملح فيها وخصوصا فيمن اتخذ الملاحة مكسبا ومتجرا له يستعين للاستخراج بعمال خاصة، بل لعل الغالب في ذلك بلوغ ما يتخذ من معدنه حد النصاب سواء اتخذ من صفحة الجبل وهو الملح الحجري أم من سطح الارض، ولعل البلوغ في الاول اسرع. وكيفما كان فالندرة غير مسلمة، ولا أقل انها غير مطردة حسبما عرفت. وثانيا سلمنا ذلك ولكن المحذور إنما يتوجه لو كان الحكم في الصحيحة متعلقا بالملح بما هو ملح وليس كذلك بل علق عليه بما أنه معدن حيث قال عليه السلام: (هذا المعدن فيه الخمس). فموضوع


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس حديث: 4.

[ 45 ]

[ بعد استثناء مؤونة الاخراج (1) والتصفية ونحوهما فلا يجب إذا كان المخرج اقل منه وان كان الاحوط اخراجه إذا بلغ دينارا بل مطلقا ] الحكم هو المعدن والملح فرد من افراد الموضوع لا أنه بنفسه الموضوع، ولا شك أن العبرة في الندرة وعدمها ملاحظتها بالاضافة إلى نفس الموضوع والطبيعي الذي تعلق به الحكم فإذا لم يلزم من تقييده الحمل على الفرد النادر يرتكب التقييد وإن تضمن الندرة بالاضافة إلى بعض افراده، ومن المعلوم أن تقييد المعدن بما هو معدن ببلوغ النصاب لا ندرة فيه بوجه لكثرة افراد البالغ من هذه الطبيعة وإن قل وندر البالغ في خصوص فرد منه وهو الملح، فغاية ما هناك استلزام التقييد للندرة في بعض افراد الطبيعة ولا ضير فيه بوجه حسبما عرفت. (1): - يقع الكلام في مقامين: الاول: هل يجب التخميس في مجموع ما أخرجه المعدن أو في خصوص ما يبقى بعد استثناء المؤن المصروفة في سبيل الاخراج والتصفية ونحوهما، فلو كان الخارج ثلاثين دينارا والمؤن المصروفة عشرة فهل يخمس الثلاثون أو العشرون؟ الظاهر هو الثاني، بل لا ينبغي الاشكال فيه لمطابقته للقاعدة حتى وإن لم ترد في البين أية رواية خاصة ضرورة أن موضوع الخمس في جميع موارده وشتى اقسامه إنما هو الغنيمة والفائدة، وما يعود للغانم ويستفيده، دون ما لم يكن مغنما وربحا سواء أريد به المعنى الاخص أم الاعم كما اشير إليه في صحيحة ابن سنان من قوله عليه السلام: إنه لا خمس إلا في الغنائم خاصة على بعض محاملها كما تقدم في ص 35

[ 46 ]

ولا شك في عدم استحقاق اطلاق الفائدة وعدم صدق الغنيمة إلا بعد استثناء المؤونة المصروفة في سبيل تحصيلها. فمن اشترى صوفا بعشرين وبذل اجرة العامل خمسة لينسجه سجادا ثم باعه بمائة لا يقال إنه ربح مائة، بل لم يربح إلا خمسا وسبعين. وعليه ففي المثال المتقدم لم يستفد من المعدن إلا عشرين دينارا، ولا تعد تلك العشرة المصروفة فائدة وغنيمة بوجه. ولاجله لم يجب الخمس إلا في العشرين لا الاكثر، والظاهر ان الحكم متسالم عليه ولم يستشكل فيه احد، ولا ينبغي أن يستشكل فيه كما عرفت (هذا اولا) وثانيا ما ورد في جملة من النصوص من ان الخمس بعد المؤنة حيث ان الظاهر منها مؤنة تحصيل الخمس وما يصرف في سبيل الاسترباح لا مؤنة السنة كما لا يخفى هذا (مضافا) إلى صحيحة زرارة التي هي كالصريحة في ذلك قال (ع) فيه ".. ما عالجته بمالك ففيه ما اخرج الله سبحانه من حجارته مصفى الخمس (1) فانه صريح في اختصاص الخمس بالمصفى، وما يبقى بعد اخراج مصرف العلاج المبذول من ماله. كما نبه عليه المحقق الهمداني (2) وصاحب الحدائق (3). المقام الثاني: في أن النصاب الذي هو شرط في وجوب الخمس هل يلاحظ ابتداء اي في جميع ما اخرجه المعدن أو بعد استثناء المؤن فلا يجب الخمس إلا إذا كان الباقي بعد الاستثناء بالغا حد النصاب ولا عبرة بالبلوغ قبله، فلو كان الخارج من المعدن خمسا وعشرين


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 3. (2) مصباح الفقيه ص 114. (3) ج 12 ص 329.

[ 47 ]

والمؤونة عشرة لم يجب لكون الباقي وهي الخمسة عشرة دون النصاب وإن كان مجموع الخارج فوقه. فيه خلاف بين الاعلام والمشهور هو الثاني، بل عن بعض نفي الخلاف فيه. وعن جماعة منهم صاحب المدارك اختيار الاول وهو الصحيح اخذا باطلاق البلوغ في صحيح البزنطي. واستدل في الجواهر (1) للمشهور بعد اختياره باصالة البراءة عن وجوب الخمس، فان المتيقن منه ما كان بالغا حد النصاب بعد الاستثناء، وأما قبله فمشكوك يدفع بالاصل. وفيه ان ثبوت الخمس مقطوع به على كل تقدير ولو من باب مطلق الفائدة وارباح المكاسب كما لا يخفى، فلا معنى للرجوع إلى الاصل، إلا أن يريد قدس سره - وهو كذلك قطعا - ان تعلق الخمس بعنوان المعدن ليترتب عليه وجوب الاخراج فعلا ومن غير ملاحظة مؤونة السنة مشكوك فيكون مجرى الاصل فورية الوجوب وفعليته لا اصله. وهذا له وجه لولا الاطلاق في صحيح البزنطي المقتضى لوجوب الاخراج فعلا بعد بلوغ المجموع حد النصاب سواء أكان كذلك بعد استثناء المؤن أيضا أم لا. إذ من المعلوم عدم وصول النوبة إلى التمسك بالاصل العملي بعد وجود الاطلاق اللفظي. فتحصل أن الاقوى عدم استثناء المؤن هنا وان استثنيناها في المقام الاول، فمتى بلغ المجموع حد النصاب وجب الخمس فيما بقى بعد الاستثناء بلغ ما بلغ وإن كان الباقي دينارا واحدا أو اقل عملا باطلاق


(1) ج 16 ص 83.

[ 48 ]

[ ولا يعتبر في الاخراج ان يكون دفعة (1) فلو اخرج دفعات وكان المجموع نصابا وجب اخراج خمس المجموع ] البلوغ في صحيح البزنطي حسبما عرفت. ثم لا يخفى إن المدار في النصاب على ما يتبادر من النص إنما هو قيمة عشرين دينارا وقت الاخراج، لا القيمة القديمة في صدر الاسلام المعادلة لمأتي درهم كما قيل فان ظاهر الدليل ان لهذا العنوان اعني عشرين دينارا خصوصية وموضوعية في تشخيص النصاب فلا جرم يدور مدار القيمة الفعلية التي تختلف باختلاف الازمنة والامكنة، فالعبرة بملاحظة الدينار الذهبي المساوي للمثقال الشرعي الذي هو ثلاثة ارباع المثقال الصيرفي، أي المعادل لثمانية عشر حمصة، فالمالية الفعلية لهذا المقدار هو المدار في تقدير النصاب سواء أطابق المأتي درهم أم خالفها. فمتى بلغت مالية المخرج هذا الحد وجب الخمس بعنوان المعدن وإلا لم يجب بهذا العنوان وإن وجب بعنوان مطلق الفائدة مشروطا بعدم الصرف في مؤونة السنة وإلا فلا شئ عليه، كما هو الشأن في عامة ارباح المكاسب على ما سيأتي في محله إن شاء الله. (1): لا ريب في وجوب الخمس إذا بلغ المخرج النصاب باخراج واحد سواء أكانت الوحدة حقيقية أم حكمية، أي المشتمل على دفعات لا تضر بصدق الوحدة العرفية كما في اخراج النفط بالدلاء فان المجموع يعد عرفا اخراجا واحدا وان كان متعددا بحسب الدقة، وهذا ظاهر فانه القدر المتيقن من النص المتضمن لاعتبار النصاب. وإنما الكلام فيما لو تعدد الاخراج حتى عرفا لما بينهما من فاصل زماني بمقدار معتد به كما لو اخرج في هذا اليوم كمية دون النصاب

[ 49 ]

ثم اخرج في اليوم الآتي أو في الاسبوع أو الشهر الآتي كمية اخرى يبلغ المجموع منهما حد النصاب، فهل ينضم اللاحق إلى السابق ليشكل النصاب ويجب الخمس أو يلاحظ كل اخراج بحياله فلا يجب في شئ منهما؟ فيه خلاف بين الاعلام. وقد ذهب جمع وفيهم بعض المحققين إلى الانضمام اخذا باطلاق البلوغ الوارد في الصحيح. ولكن الاقوى تبعا لجمع آخرين عدم الانضمام نظرا إلى ان المنسبق من النص بحسب الفهم العرفي في امثال المقام كون الحكم انحلاليا ومجعولا على سبيل القضية الحقيقية فيلاحظ كل اخراج بانفراده واستقلاله بعد انعزاله عن الاخراج الآخر كما هو المفروض، فهو بنفسه موضوع مستقل بالاضافة إلى ملاحظة النصاب في مقابل الفرد الآخر من الاخراج نظير ما لو علق حكم على الشراء مثلا فقيل إنه متى اشتريت منا من الحنطة فتصدق بكذا، فاشترى نصف من ثم اشترى ثانيا نصف من آخر، فان شيئا من الشراءين غير مشمول للدليل لعدم صدق المن وان صدق على المجموع، وليس ذلك إلا لاجل لزوم ملاحظة كل فرد بحياله واستقلاله نظرا إلى الانحلال والتعدد وعدم الانضمام كما عرفت. والذي يكشف عن ذلك بوضوح أنه لو اخرج ما دون النصاب بانيا على الاكتفاء به فصرفه واتلفه من غير تخميسه لعدم وجوبه حينئذ على الفرض، ثم بدا له فاخرج الباقي فان هذا الاخراج الثانوي لا يحدث وجوبا بالاضافة إلى السابق التالف بلا اشكال، لظهور النص في عروض الوجوب مقارنا للاخراج، لا في آونة اخرى بعد ذلك كما لا يخفى. فإذا تم ذلك في صورة التلف تم في صورة وجوده أيضا لوحدة المناط وهو ظهور النص في المقارنة.

[ 50 ]

[ وان اخرج اقل من النصاب فاعرض (1) ثم عاد وبلغ المجموع نصابا فكذلك على الاحوط وإذا اشترك جماعة في الاخراج (2) ولم يبلغ حصة كل واحد منهم النصاب ولكن بلغ المجموع نصابا فالظاهر وجوب خمسه ] (1): - يظهر حكم ذلك مما قدمناه آنفا ولا خصوصية للاعراض. فان العود بعدما اعرض إن كان متصلا بسابقه بحيث عد عرفا متمما ومكملا له والمجموع عمل واحد نظير المسافر الذي يعرض اثناء السير عن السفر ثم يعود ويستمر بلا فصل معقد به - بناء على عدم قدحه - أو المصلي أو الخطيب الذي يعرضه الاعراض عن الاتمام ثم يعود إلى ما كان عليه مسترسلا حكم حينئذ بالانضمام ولوحظ النصاب في المجموع، وإن كان منفصلا عنه بمثابة يعد في نظر العرف عملا مستقلا واخراجا ثانيا مغايرا للاول لم يحكم حينئذ بالانضمام. وعلى الجملة لا أثر للاعراض والمدار على الصدق العرفي في تشخيص الوحدة والتعدد ونتيجة التفصيل حسبما عرفت. (2): - فهل يلاحظ النصاب في المجموع أو في حصة كل واحد منهم؟ نسب الثاني إلى المشهور ولكنه غير واضح، فان مقتضى اطلاق صحيح البزنطي أن العبرة بالاخراج لا بالمخرج وأن المدار ببلوغ ما اخرجه المعدن حد النصاب سواء أكان المخرج واحدا ام متعددا. وقياسه بباب الزكاة مع الفارق لاختلاف لسان الدليل، فان موضوع الحكم هناك النتاج الحاصل في ملك المالك فيلاحظ النصاب في ملكه الشخصي، وأما في المقام فالاعتبار بنفس الاخراج كما عرفت، من

[ 51 ]

[ وكذا لا يعتبر اتحاد جنس المخرج (1) فلو اشتمل المعدن على جنسين أو ازيد وبلغ قيمة المجموع نصابا وجب اخراجه نعم لو كان هناك معادن متعددة اعتبر في الخارج من كل منها بلوغ النصاب (2) دون المجموع وان كان الاحوط كفاية بلوغ المجموع خصوصا مع اتحاد جنس المخرج منها سيما مع تقاربها بل لا يخلو عن قوة مع الاتحاد والتقارب وكذا لا يعتبر استمرار التكون ودوامه فلو كان معدن فيه مقدار ما يبلغ النصاب فاخرجه ثم انقطع جرى عليه الحكم بعد صدق كونه معدنا. ] غير نظر إلى المخرج سواء أكان ما اخرج ملكا لشخص واحد أم لاشخاص عديدين على ما هو مقتضى اطلاق النص. (1): - اخذا باطلاق صحيح البزنطي الشامل لما إذا كان الخارج من جنس واحد أو جنسين كالذهب والفضة والحديد والنحاس ونحو ذلك، فان عنوان ما اخرج المعدن المذكور فيه صادق على التقديرين فيشملهما معا كما هو ظاهر من غير خلاف واشكال. (2): - سواء أكان الخارج من جنسين أم من جنس واحد لان ذلك هو مقتضى الانحلال وظهور القضية في كونها حقيقة كما سبق بعد فرض تعدد المعدن فلا بد وأن يلاحظ كل معدن بحياله من غير فرق بين صورتي التقارب والتباعد. نعم استثنى الماتن صورة واحدة وهي صورة الاتحاد والتقارب فذكر أن كفاية بلوغ المجموع هنا لا يخلو عن قوة (ولكنه) لا يتم على اطلاقه وإنما يتم فيما إذا اوجب ذلك صدق وحدة المعدن عرفا ولو

[ 52 ]

[ (مسألة 6) لو اخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية (1) فان علم بتساوي الاجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما اخرجه خمسا اجزأ والا فلا لاحتمال زيادة الجوهر فيما يبقى عنده. ] باعتبار وحدة المادة والانبعاث عن منبع مشترك قد تعددت طرق استخراجه كما في آبار النفط المتقاربة جدا. وأما بدون البلوغ هذا الحد بحيث كانت المعادن متعددة بحسب الصدق العرفي فكلا، لما عرفت من ظهور الحكم في الانحلال وكون القضية حقيقية المقتضية للحاظ كل معدن بحياله وانفراده، ولا أثر للاتحاد والتقارب في نفي ذلك ابدا كما لعله ظاهر لا يخفى. (1): - فصل (قدس سره) بين العلم بتساوي اجزاء التراب بحيث يقطع باشتمال خمس التراب على خمس الجوهر الموجود في المجموع أو الزيادة فيجري حينئذ، وبين صورة الشك واحتمال النقص فلا عملا بقاعدة الاشتغال للزوم احراز الخروج عن عهدة التكليف المعلوم. وقد ذكر مثل ذلك صاحب المدارك إلا انه اشكل عليه في الجواهر بظهور ذيل صحيحة زرارة المتقدمة أعني قوله عليه السلام: " ما عالجته بمالك ففيه ما اخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس " (1) في تعلق الخمس بعد التصفية وبعد ظهور الجوهر، فقبل التصفية لا وجوب، فكيف يجزي الاخراج قبل مجئ وقت الخطاب والايجاب قال (قدس سره): بل قد يدعي ظهور غيره في ذلك أيضا. ولكن ما ذكره قدس سره لا يمكن المساعدة عليه بوجه، فان لازم


(1) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 3.

[ 53 ]

ذلك أنه لو اخرج المعدن عن ملكه قبل التصفية بناقل من بيع أو هبة ونحوهما لم يجب الخمس حينئذ لا على البايع لاجل اخراجه عن ملكه قبل تعلق الخمس به لفرض عدم الوجوب قبل التصفية، ولا على المشتري بناء على اختصاص الوجوب بالمستفيد من المعدن ومن يملكه عن طريق الاخراج لا بسائر الاسباب فيكون هذا نحو تخلص وفرار عن اداء الخمس، ولا يظن أن يلتزم به الفقيه. وأما صحيحة زرارة فلا دلالة لها على ما استظهره قدس سره بوجه فانها مسوقة لتعيين مورد الخمس ومركزه وأنه خالص الجوهر ومصفاه أي بعد استثناء المؤن المصروفة في سبيل العلاج والاستخراج كما استظهرناه فيما سبق ولا نظر فيها بتاتا لتعيين وقت الوجوب وظرف الخطاب وأنه زمان التصفية أو حال الاخراج. وبعبارة اخرى التصفية المذكورة فيها قيد للواجب لا شرط للوجوب. وأما ساير الروايات فلم تتحقق دلالتها على ما ذكره، بل الظاهر من غير واحد منها أن ظرف التعلق هو حال الاخراج كما لا يخفى على من لاحظها. والذي يكشف عما استظهرناه من صحيح زرارة من أن المراد بالمصفى وضع مؤنة العلاج - تبعا للمحقق الهمداني وصاحب الحدائق - لا التصفية من الخلط من حجارة ونحوها كما قد يتوهم من اجل ذكر لفظ الحجارة، أن المعدن إنما يختلط بها في مثل الذهب ونحوه لا في مثل العقيق ونحوه من الاحجار الكريمة، فانه بنفسه حجر فلا يحتاج إلى التصفية وإن احتاج إلى التجلية،

[ 54 ]

[ (مسألة 7) إذا وجد مقدارا من المعدن مخرجا مطروحا في الصحراء (1) فان علم انه خرج من مثل السيل أو الريح أو نحوهما أو علم ان المخرج له حيوان أو انسان لم يخرج خمسه وجب عليه اخراج خمسه على الاحوط إذا بلغ النصاب بل الاحوط ذلك وان شك في ان الانسان المخرج له اخرج خمسه ام لا. ] (1): - لا يخفى إن ههنا جهتين من البحث لا ترتبط احداهما بالاخرى. (فتارة) يبحث عن أن المعدن هل يختص بما أخرج من باطن الارض أو يعم الاخراج من الظاهر كالملح؟ فيبحث عن متعلق الاخراج بعد التحفظ على اصل الاخراج، وقد تقدم البحث حول هذه الجهة سابقا، (واخرى) يبحث عن المال الخارج - أما من الباطن أو الظاهر - والمطروح على وجه الارض إما لزلزلة أو سيل أو هبوب ريح أو اخراج حيوان ونحو ذلك من اسباب الاخراج، وان الاستيلاء على مثل هذا المعدن المخرج الملقى على سطح الارض هل يستوجب التخميس أو لا؟ فاحدى الجهتين اجنبية عن الاخرى ولا وجه للخلط بينهما. وكيفما كان فالكلام هنا يقع في مقامين: احدهما ما إذا كان المتصدي لاخراج المطروح عن معدنه شئ غير الانسان من سيل أو ريح أو زلزلة أو حيوان ونحو ذلك. والمشهور وجوب اخراج الخمس على واجده، ولكن المحقق الاردبيلي ناقش في ذلك فتردد أو جزم بالعدم ومنشأ الخلاف التردد في أن الخمس الثابت بعنوان المعدن هل يختص بمن تملكه عن طريق الاستخراج عن مقره

[ 55 ]

الاصلي أو يعم مطلق التملك كيفما اتفق ولو بحيازته بعدما خرج عن مركزه ومستقره؟ وقد يقرب الثاني بان المعدن وإن كان في اللغة اسما لمنبت الجوهر كما مر إلا ان المراد به في الروايات الشئ المأخوذ من المعدن ولو بسبب غير اختياري، أعني ذات المخرج من غير مدخلية لخصوصية الاخراج ولكنه غير ظاهر فانه في الروايات أيضا كالعرف واللغة بمعنى منبت الجوهر إلا أن في اسناد الخمس إليه تجوزا فيراد به ما يخرج منه تسمية للحال باسم المحل بعد وضوح عدم تخميس نفس المنبت، فخصوصية الاخراج وافصال الحال عن محله ملحوظة في هذا الاطلاق لا محالة. ومن هنا ترى عدم صدق اسم المعدن على مثل الذهب بعدما اخرج وصرف في مصرفه فلا يقال إن هذا معدن وإنما هو شئ مأخوذ من المعدن. ويكشف عن ذلك التعبير بالركاز في صحيحة زرارة قال عليه السلام فيها: " كل ما كان ركازا ففيه الخمس " (1) فان المراد به ما كان مركوزا أي ثابتا ونابتا في الارض فلا يشمل المطروح المنفصل عنه. والوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح إلا أنه يدل لا محالة على عدم تعلق الحكم بالطبيعي الجامع وإلا لا صبح التقييد لغوا محضا. ومن ثم كان الظاهر من القيد أن يكون احترازيا فهو مشعر بالعلية وإن لم تكن منحصرة كما اوضحناه في الاصول. إذا فما ذكره المحقق الاردبيلي من المناقشة في ذلك نظرا إلى أن المتبادر من الادلة اختصاص الخمس بما استخرج من معدنه لا ما استولي عليه ولو بغير الاخراج هو الصحيح الحقيق بالقبول حسبما عرفت.


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 3.

[ 56 ]

المقام الثاني: ما إذا كان المباشر للاخراج هو الانسان، ويتصور هذا على وجوه: أحدها ان لا يكون ناويا لاستخراج المعدن وحيازته، بل حفر الارض لغاية اخرى من شق النهر أو الظفر على عين ماء أو تحصيل بئر ونحو ذلك، فاتفق مصادفة المعدن فاخذه وطرحه في الصحراء دون أن يستملكه ولاجله لم يجب عليه الخمس إذ هو فرع الاخراج والتملك، المنفى حسب الفرض، ومن ثم كان حكم هذه الصورة حكم ما تقدم في المقام الاول من ابتناء تعلق الخمس بالواجد على اعتبار الاخراج وعدمه، وقد عرفت أن الاظهر الاول فلا خمس عليه من حيث المعدن وإن وجب من باب مطلق الفائدة بشروطه، لكن هذه الصورة غير مرادة للماتن قطعا لقوله: (أو انسان لم يخرج خمسه) إذ هو فرع تعلق الخمس به والمفروض هنا عدمه كما عرفت فهو سالبة بانتفاء الموضوع. الثاني، ما لو اخرجه بقصد الحيازة فتملكه ثم طرحه وأعرض عنه من غير أن يخمسه إما قطعا أو احتمالا، وحكمه جواز حيازته واستملاكه وان لم نقل بخروجه عن ملك المالك الاول بالاعراض، من غير أن يجب الخمس على الواجد بعنوان المعدن سواء قلنا باعتبار الاخراج في تعلق هذا الوجوب - كما هو الاظهر على ما مر - أم لم نقل كما عليه المشهور، ضرورة اختصاص الخمس بهذا العنوان باول ملك طارئ على المعدن فهو وظيفة المالك الاول الذي يقع المعدن في يده ويتلقاه من منبته. وأما المالك الثاني ومن بعده الذي يتلقاه من المالك الاول لا من نفس المعدن فلا يجب الخمس عليه بعنوان المعدن بالضرورة لقصور الادلة عن الشمول له جزما.

[ 57 ]

نعم إنما يحق له استملاك اربعة اخماس المطروح، وأما خمسه فبما ان المالك الاول لم يؤده - بعد فرض تعلقه به - إما قطعا أو احتمالا ملحقا به بمقتضى الاستصحاب فيبتنى استملاكه على شمول اخبار التحليل للمقام وامثاله ممن يتلقى الملك ممن لم يخمسه وسيجئ البحث عنه في محله ان شاء الله. وبعبارة اخرى حكم المقام حكم من يشتري ملكا يعلم بأن البايع لم يؤد خمسه، فان قلنا بشمول اخبار الاباحة والتحليل لمثله لم يجب الخمس على المشتري وإلا وجب ولا يزيد المقام على ذلك بشئ ابدا. الثالث: ما لو قصد تملكه بالاخراج فطرحه في الصحراء من غير اعراض بل ذهب ليرجع فلم يرجع لمانع حال دونه، وهذا يلحقه حكم اللقطعة إن اتصف بالضياع وإلا فهو من قبيل مجهول المالك. وعلى التقديرين فلا يجوز استملاكه كما لا يجب تخميسه، بل يجرى عليه حكم احد البابين على النهج المقرر في محله. الرابع: - ما لو لم يحرز شئ من ذلك فلم يعلم أنه اخرجه بقصد التملك أم لا؟ وعلى الاول فهل خمسه أو لا وهل طرحه معرضا أو غير معرض؟ والظاهر أن هذا هو مراد الماتن حيث أنه الفرد الشايع الذايع وإلا فالوجوه السابقة فروض نادرة، إذ كيف وأنى لنا استعلام ضميره واحراز نيته من قصد الاخراج وعدمه، أو نية الاعراض وعدمها. (والاظهر) جريان حكم ما تقدم في المقام الاول عليه فانه مباح اصلي لم يعلم سبق يد حيازة عليه والاصل عدمه فيجوز استملاكه ما لم يثبت خلافه. وأما التخميس من حيث المعدن فيبتني على ما اسلفناك من اعتبار الاخراج وعدمه وقد عرفت أنه الاظهر، وعليه فلا خمس بعنوان المعدن وإن وجب بعنوان مطلق الفائدة فيما يفضل عن مؤونة

[ 58 ]

[ (مسألة 8) لو كان المعدن في ارض مملوكة (1) فهو لمالكها وإذا اخرجه غيره لم يملكه بل يكون المخرج لصاحب الارض وعليه الخمس من دون استثناء المؤنة لانه لم يصرف عليه مؤنة. ] السنة. نعم الاحوط استحبابا تخميسه بعنوان المعدن مع الشك في تخميس الانسان المخرج فضلا عن العلم بالعدم حسبما ذكره في المتن كما لا يخفى وجهه ولا ريب ان الاحتياط حسن على كل حال. (1): المخرج للمعدن قد يستخرجه من ملكه الشخصي، واخرى من ملك الغير المختص به، وثالثة مما هو ملك لعامة المسلمين كالاراضي المفتوحة عنوة العامرة حال الفتح، ورابعة مما هو ملك للامام (ع) كما في الاراضي الموات حال الفتح حيث ان موتان الارض لله ولرسوله. أما القسم الاول: فلا شك أنه ملك للمخرج وهو القدر المتيقن مما دل على تخميس المعدن الذي تكلمنا حوله لحد الآن. وأما القسم الثاني: فالمعروف بينهم أنه ملك لصاحب الارض وعليه خمسه من غير استثناء المؤنة التي صرفها المخرج لعدم الموجب لضمانها بعد أن لم يكن الاخراج باذنه كما هو المفروض. هكذا ذكره المشهور ومنهم الماتن بحيث ارسلوه ارسال المسلمات، ولكنه على اطلاقه مشكل بل ممنوع. فان الاراضي وإن كانت قابلة للتملك إما بسبب اختياري كالبيع والهبة ام غير اختياري كالارث، إلا أن الملكية المتعلقة بها على اختلاف مواردها تنتهي بالاخرة إلى سبب واحد هو الاصيل في عروض الملكية عليها وخروجها عن الاباحة الاصلية وهو قصد الحيازة الصادر من اول يد وقعت عليها والاحياء

[ 59 ]

الحاصل من محييها بمقتضى ما ثبت من أن من احيا ارضا فهي له. وهذا السبب هو الاصل وعلى ضوئه يتفرع ساير التملكات العارضة عليها يدا بعد يد. إلا أن من الواضح أن هذا السبب لا يستتبع الملكية ولا يؤثر في الخروج عن الاباحة الاصلية إلا في اطار مدلوله ومفاده: أي بمقدار ما يتعلق به الاحياء والحيازة، أعني ظواهر تلك الاراضي فانها المتصفة بالاحياء والمتعلقة للاستيلاء دون بواطنها وما في اجوافها من المعادن والركائز سيما إذا لم تعد من اجزاء الارض كالذهب والفضة والنفط والقير ونحوها، فهي إذا باقية على ما هي عليه ولم تدخل في ملك المحيي من اجل هذا السبب. نعم لا ينبغي التأمل في قيام السيرة العقلائية بل وكذا الشرعية - وإن انتهت إليها - على دخولها في ملك صاحب الارض بتبع ملكه للارض فتلحق الطبقة السافلة بالعالية والباطنة بمحتوياتها بالظاهرة في الملكية بقانون التبعية وان لم يتم هذا الالحاق من ناحية الاحياء حسبما عرفت ومن ثم لو باع ملكه فاستخرج المشتري منه معدنا ملكه وليس للبايع مطالبته بذلك لانه باعه الارض بتوابعها. ولكن السيرة لا إطلاق لها والمتيقن من موردها ما يعد عرفا من توابع الارض وملحقاتها كالسرداب والبئر وما يكون عمقه بهذه المقادير التي لا تتجاوز عن حدود الصدق العرفي فما يوجد أو يتكون ويستخرج من خلال ذلك فهو ملك لصاحب الارض بالتبعية كما ذكر. وأما الخارج عن نطاق هذا الصدق غير المعدود من التوابع كابار النفط العميقة جدا وربما تبلغ الفرسخ أو الفرسخين، أو الآبار العميقة المستحدثة اخيرا لاستخراج المياه من عروق الارض البالغة في

[ 60 ]

[ (مسألة 9) إذا كان المعدن في معمور الارض المفتوحة عنوة (1) ] العمق والبعد نحو ما ذكر أو اكثر فلا سيرة في مثله ولا تبعية، ومعه لا دليل على الحاق نفس الارض السافلة بالعالية في الملكية فضلا عن محتوياتها من المعادن ونحوها. نعم في خصوص المسجد الحرام ورد أن الكعبة من تخوم الارض إلى عنان السماء. ولكن الرواية ضعيفة السند. ومن ثم ذكرنا في محله لزوم استقبال عين الكعبة لجميع الاقطار لا ما يسامتها من شئ من الجانبين. وعلى الجملة لم يقم بناء من العقلاء على الحاق الفضاء المتصاعد أو المتنازل جدا غير المعدودين من توابع الارض عرفا بنفس الارض في الملكية بحيث يحتاج العبور عن اجوائها بواسطة الطائرات إلى الاستيذان من اربابها وملاكها، وقد عرفت قصور دليل الاحياء عن الشمول لها، فهي إذا تبقى على ما كانت عليه من الاباحة الاصلية. ونتيجة ذلك جواز حيازتها واستملاكها لكل من وضع اليد عليها وأنها ملكه وعليه خمسها، وإن كان المستخرج شخصا آخر غير صاحب الارض غايته أنه يكون آثما وعاصيا في الاستطراق والاستخراج من هذا المكان لو لم يكن باذن من صاحبه ومالكه لعدم جواز التصرف في ملك الغير بغير اذنه بل يكون ضامنا لو استلزم نقصا في الارض أو ضررا على المالك إلا أن العصيان والضمان شئ، واستملاك الكامن في بطن الارض الخارج عن حدود ملكية صاحبها الذي هو محل الكلام شئ آخر ولا تنافي بين الامرين كما هو ظاهر. (1) وأما القسم الثالث: - فالكلام فيه بالاضافة إلى ما هو

[ 61 ]

[ التي هي للمسلمين فاخرجه احد من المسلمين ملكه وعليه الخمس ] خارج عن حدود التبعية بحسب الصدق العرفي قد ظهر مما مر فلا نعيد. وأما بالنسبة إلى ما يعد من التوابع عرفا كما لو كان المعدن في عمق اربعة امتار أو خمسة، أو كانت الارض سبخة فكان المعدن أعني الملح فوق الارض وعلى وجهها فادلة الملكية للمسلمين قاصرة عن الشمول للباطن وإلا لبين ولو في رواية واحدة أن ما يستخرج من العامرة ملك للمسلمين. والعمدة السيرة العقلائية على الالحاق بالتبعية القائمة في القسم السابق وهي غير جارية هنا لاختصاصها بالاملاك الشخصية دون ما يكون ملكا لعامة المسلمين، أو ما يكون ملكا للامام كما في القسم الرابع، فان السيرة العقلائية أو الشرعية غير ثابتة في شئ من هذين الموردين. بل قد يدعى - وليس ببعيد - قيام السيرة على الخلاف وان بناء الشرع والعرف قد استقر على جواز استملاكها وحيازتها. وكيفما كان فلم يثبت ما يخرجها عما كانت عليه من الاباحة الاصلية بعد عدم شمول دليل الاحياء ولابناء العقلاء لمثل ذلك حسبما عرفت. فالمعادن الكامنة في اجوافها ملك لمخرجها لا لعامة المسلمين ولا للامام عليه السلام، وإلا لاشير إليه ولو في رواية واحد. بل يمكن أن يقال إن مدعي القطع بذلك غير مجازف، إذ لو كانت تلك المعادن الواقعة في ملك الغير لصاحب الارض والواقعة في الاراضي المفتوحة العامرة ملكا للمسلمين وفي الاراضي الميتة ملكا للامام عليه السلام فلازم ذلك حمل نصوص الخمس في المعدن على كثرتها

[ 62 ]

على خصوص من يخرج المعدن من ملكه الشخصي الذي هو اقل القليل فيلزم حمل تلك المطلقات على الفرد النادر جدا، فان من الضروري أن اكثر المتصدين لاستخراج المعادن إنما يستخرجونها من الصحاري والبراري والفلوات والمناطق الجبلية ونحوها التي هي إما ملك للمسلمين أو للامام (ع) لا من بيوتهم الشخصية أو أملاكهم الاختصاصية كما هو ظاهر جدا. ويؤكده عموم ما ورد من أن من سبق إلى ما لم يسبق إليه احد فهو احق به فانها وإن كانت نبوية إلا أن مضمونها مطابق لما عرفت من السيرة العقلائية. وكذا ما ورد من ان من استولى على شئ فهو له فان الرواية (1) المشتملة على نفس هذا التعبير وان كانت واردة في غير ما نحن فيه إلا ان مضمونها يستفاد من معتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام ان أمير المؤمنين عليه السلام قال في رجل ابصر طيرا فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل فاخذه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: للعين ما رأت ولليد ما اخذت وقد رواها في الوسائل في كتاب الصيد (2) عن الكليني والشيخ وفي كتاب اللقطة (3) عن الصدوق ففرق بين الموضعين في النسبة مع أنها رواية واحدة رواها المشايخ الثلاثة، ولعل هذا غفلة منه (قدس سره). وكيفما كان فالرواية معتبرة عندنا لان النوفلي الواقع في السند من رجال كامل الزيارات، كما أنها واضحة الدلالة على أن اليد أي الاستيلاء على


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ميراث الازواج الحديث 3. (2) الوسائل باب 38 من ابواب الصيد الحديث 1 ج 16 ص 279. (3) الوسائل باب 15 من ابواب اللقطة الحديث 2 ج 17 ص 366.

[ 63 ]

[ وان اخرجه غير المسلم ففى تملكه اشكال (1) واما إذا كان في الارض الموات حال الفتح فالظاهر ان الكافر ايضا يملكه وعليه الخمس ] ما لم يكن ملكا لاحد موجب للملكية. وعلى الجملة فحكم المعادن في هذه الاراضي حكم الاشجار والانهار والماء والكلاء الباقية على الاباحة الاصلية التي يشترك فيها الكل وخلقها الله تعالى للجميع، قال تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا (1) وان من احياها واستولى عليها فهي له وعليه خمسها بعدما عرفت من عدم ثبوت السيرة على التبعية في مثل هذه الاراضي التي لم تكن ملكا شخصيا لاحد وانما هي ملك للعنوان اي عامة المسلمين إلى يوم القيامة من غير ان تباع أو توهب أو تورث، فهي سنخ خاص من الملكية ومثله غير مشمول لقانون التبعية الثابتة ببناء العقلاء حسبما عرفت. (1): - المشهور عدم الفرق بين المسلم والذمي في جواز حيازة المعادن واستخراجها من الاراضي العامرة حال الفتح التي هي ملك للمسلمين، أو الارض الموات التي هي ملك للامام عليه السلام وأنه يملكها بعد أن يخمسها، ولكن المحكي عن الشيخ منع الذمي عن العمل في المعدن واستخراجه وإن ملك لو خالف واستخرج وكان عليه الخمس. واعترض عليه في المدارك بعدم الدليل على منع الذمي عن ذلك بعد العموم في ادلة الحيازة وشمولها له وللمسلم بمناط واحد، بل وقد أورد عليه بالتنافي بين الصدر والذيل لان موضوع كلامه إن كان


(1) البقرة الاية 29.

[ 64 ]

المعدن في الارض المملوكة صح المنع ولا وجه للملك، وإن كان في الارض المباحة صح الملك ولا وجه للمنع. أقول ينبغي التلكم في مقامين: أحدهما في أن الذمي هل يمنع عن استخراج المعدن في تلك الاراضي أولا؟ الثاني في أنه لو خالف فهل يملك ما استخرجه أولا؟ أما المقام الاول: فالظاهر المنع لانها إما ملك للامام (ع) أو للمسلمين وعلى التقديرين فلا يحق له التصرف من غير مراجعة الامام والاستيذان منه بما هو، أو بما هو ولي المسلمين. وقد فصل في المتن بين العامرة والموات فجوز الاستخراج في الثاني - وان كان التفصيل بحسب سياق العبارة ناظرا إلى الملكية - نظرا إلى عموم من احيا ارضا فهي له الشامل للمسلم والكافر فان مورده الموات حال الفتح لا العامرة التي هي ملك للمسلمين كما هو ظاهر. ولكنه كما ترى فان العموم ناظر إلى الاحياء وكلامنا في الاخراج الذي هو اعم من الاحياء بالضرورة، فلا يدل العموم على أن اخراج المعدن من حيث هو اخراج موجب للملكية وإن لم يتضمن الاحياء. نعم لو احيى الارض فملكها ثم استخرج المعدن كان له بمقتضى التبعية وهذا مطلب آخر اجنبي عما نحن بصدده من جواز استخراج المعدن بما هو كذلك. فالاقوى ما عرفت من منعه عن التصدي للاخراج لتوقفه على الاذن من الامام غير الثابت في حق الكافر. وأما المقام الثاني فالظاهر هو أنه يملك ما استخرجه وإن خالف وعصى أو لم يمنع، للسيرة القطعية القائمة على عدم الفرق في ملكية المعادن لمخرجها بين المسلم والكفار كعموم صحيحة السكوني المتقدمة

[ 65 ]

المتضمنة ان للعين ما رأت ولليد ما اخذت الدالة على مملكية الاسيتلاء على المباح كما مر فانها تشمل الكافر كالمسلم. وعلى الجملة فالسيرة على تملكه قائمة، والصحيحة عامة، والتبعية ليست بتامة إلا في خصوص الاملاك الشخصية دون ما هو ملك لعموم المسلمين أو للامام (ع) كما تقدم. فإذا ما ذكره الشيخ من التفصيل بين جواز التصرف وبين الملكية وأنه يمنع ولو خالف يملك هو الصحيح حسبما اتضح وجهه. لكن ما ذكرناه كله لحد الآن مبني على ما هو المشهور من كون المعادن باقية على ما هي عليه من الاباحة الاصلية وعدم كونها من الانفال التي هي ملك للامام عليه السلام بل هي لواجدها والناس فيها شرع سواء. إلا أن المحكي عن الكليني والمفيد والشيخ والديلمي والقاضي والقمي في تفسيره وبعض متأخري المتأخرين أنها من الانفال مطلقا من غير فرق بين ما كان منها في ارضه أو غيرها وبين الظاهرة والباطنة استنادا إلى جملة من الاخبار التي منها ما رواه العياشي في تفسيره عن أبي بصير " قلت: وما الانفال؟ قال: منها المعادن والآجام.. الخ: وعن داود بن فرقد. قلت: وما الانفال؟ قال: بطون الاودية ورؤوس الجبال والآجام والمعادن... الخ (1) ولكن هذا التفسير لاجل ضعف سنده غير قابل للتعويل وكأن المستنسخ (سامحه الله) روما للاختصار حذف الاسناد فكساها ثوب الارسال واسقطها بذلك عن درجة الاعتبار وليته لم يستنسخ.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب الانفال الحديث 28 و 32.

[ 66 ]

وكيفما كان فروايات هذا التفسير بالاضافة الينا في حكم المرسل فلا يعتمد عليها. والعمدة موثقة اسحاق بن عمار المروية عن تفسير علي بن ابراهيم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الانفال، فقال: هي القرى التي قد خربت وانجلى اهلها فهي لله وللرسول صلى الله عليه وآله وما كان للملوك فهو للامام، وما كان من الارض بخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وكل ارض لا رب لها والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى فماله من الانفال (1). فلو تمت دلالة هذه الموثقة وثبت أن المعادن من الانفال التي هي ملك للامام (ع) لم يصح تملكها من الكافر بل ولا من المسلم المخالف لاختصاص الترخيص في التصرف والاستملاك بالشيعة ومن هو من اهل الولاية. قال (ع): الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلا انا احللنا شيعتنا من ذلك (2). ونحوها غيرها. نعم ادعى المحقق الهمداني قيام السيرة القطعية على ذلك بالاضافة إلى المخالف فان تم - وعهدته عليه - وإلا فهو ملحق بالكافر في عدم الاذن والاشكال يعمهما. ولكن الظاهر أن الموثقة قاصرة الدلالة لابتنائها على عود الضمير في قوله: (والمعادن منها) إلى الانفال وهو غير ظاهر، ولعل الاقرب عوده إلى الارض التي هي الاقرب، بل يقوى هذا الاحتمال بناء على أن تكون النسخة (فيها) بدل (منها) كما ذكره الهمداني قدس سره.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب الانفال حديث: 20. (2) الوسائل باب 4 من ابواب الانفال الحديث: 7.

[ 67 ]

[ (مسألة 10) يجوز استيجار الغير لاخراج المعدن فيملكه المستاجر (1) وان قصد الاجير تملكه لم يملكه ]. بل قد يتعين ذلك على كلتا النسختين نظرا إلى ذكر الانفال في آخر الخبر، فلو كان المراد من مرجع الضمير هو الانفال لكان الاحرى ذكره صريحا هنا والاتيان بالضمير في آخر الخبر عكس ما هو الموجود فيها بان يقول هكذا: " والمعادن من الانفال ومن مات وليس له مولى فما له منها ". وعليه فتدل الموثقة على ان صنفا خاصا من المعادن يكون من الانفال وهي التي تكون من الارض أو في ارض لا رب لها. والمراد من الرب هو المربي والمحيي ومن يقوم بشؤون الارض وصلاحها، ومنه الربيب الذي يقوم زوج امه بتربيته وتكفل شؤونه وبقرينة المقابلة مع الارض الخربة التي لها مالك وهو الامام (ع) يراد من الارض التي لا رب لها، الارض التي ليس لها من يصلحها ويحييها وان كان لها مالك قد اعرض أو اهمل، فكأن الشارع لم يرض بمجرد تملك الارض وحيازتها بل يحث على اعمارها واحيائها، بل في بعض النصوص انها وقف لمن يحييها، وان كانت ضعيفة السند. والمتحصل مما ذكرناه أن غاية ما تدل عليه الموثقة أن قسما خاصا من المعادن وهي التي تكون في ارض لم يقم شخص بتربيتها واصلاحها كان لها مالك ام لا، تعد من الانفال فلا تتم مقالة الكليني ومن تبعه من أن المعادن باجمعها من الانفال، كما لم تتم مقالة المشهور أيضا من النفي المطلق، بل الاقرب اختيار الوسط بين الامرين حسبما عرفت. (1): - إذ هو نتيجة العمل الذي هو ملك له بعقد الايجار فكأنه

[ 68 ]

[ (مسألة 11) إذا كان المخرج عبدا كان ما اخرجه لمولاه وعليه الخمس. (مسألة 12) إذا عمل فيما اخرجه قبل اخراج خمسه عملا يوجب زيادة قيمته (1) كما إذا ضربه دراهم أو دنانير أو جعله حليا أو كان مثل الياقوت والعقيق فحكمه فصا مثلا اعتبر في اخراج خمس مادته فيقوم حينئذ سبيكة أو غير ] هو المتصدي للاستخراج والاجير بمثابة الآلة له، ولذا صح اسناد الاخراج إليه حقيقة فهو المالك وعليه الخمس. ومنه تعرف الحال في المسألة الآتية أعني ما لو كان المخرج عبدا لوحدة المناط فانه مملوك بشخصه كما أن الاجير بعمله، وعلى التقديرين فالنتيجة العائدة من الشخص أو العمل المملوكين مملوك لمالكهما بالتبعية كما هو ظاهر. (1): - كما لو كانت قيمة الذهب المستخرج دينارا وبعد صياغته وتغيير هيئته يقوم بدينارين، فهل اللازم دفع خمس الدينار الذي هو قيمة المادة أو الدينارين الذين هما قيمة المعدن الفعلي بمادته وهيئته؟ اختار (قده) الاول تبعا للجواهر وغيره، فيقوم المعدن سبيكة أو غير محكوك ثم يخمس وربما يعلل بأن مستحق الخمس إنما يملك خمس المادة فقط. وأما الصفة والهيئة فهي بتمامها ملك لعاملها فلا وجه لملاحظتها في التقويم ليلزم دفع خمسها. ويندفع بما أوضحناه مستقصى في بحث المكاسب من أن الهيئة من حيث هي لا مالية لها ولا يقسط الثمن عليها أبدا ولا شأن لها عدا انها توجب ازدياد مالية المادة المتلبسة بها لاوفرية رغبة العقلاء إليها

[ 69 ]

بالاضافة إلى المجردة، ولاجلها يبذل المال بازائها اكثر مما يبذل بازاء العاري عن تلك الصفة، من غير أن يكون لنفس تلك الهيئة حفظ من المالية. ومن ثم يلتزم ولا ينبغي أن يلتزم احد بجواز بيع المادة دون الهيئة أو العكس أو يقال بشركة شخصين في العين على أن تكون المادة لاحدهما والهيئة للشريك الآخر، فيفرض الفرش المنسوج بالشكل الخاص مادته لزيد وهيئته لعمرو، أو تكون نقوش الكتاب وخطوطه لزيد، واوراقه لعمرو، وهكذا غير الهيئة من ساير العوارض، كالالوان أو الكيفيات من البرودة والحرارة ونحوهما فان المايع البارد وإن كان في الصيف أغلى من الماء إلا أن نفس المادة أثمن، لا أن مقدارا من الثمن يدفع بازاء صفة البرودة. وعلى الجملة فلا ينبغي التأمل في عدم مقابلة الهيئة بشئ من المال وإلا لاستحق الغاصب قيمة ما احدثه في العين من الهيئة وهو مقطوع الفساد، بل يجب عليه رد المادة بهيئتها الفعلية وإن اوجبت زيادة المالية. وعليه فالتعليل بان الصفة بتمامها لعاملها في غير محله فانها ليست لاحد لا للعامل ولا لغيره لعدم ماليتها بوجه حسبما عرفت، فضلا عن أن تكون ملكا لاحد. بل الوجه فيما ذكره قدس سره من دفع خمس المادة فقط من دون ملاحظة الهيئة عدم المقتضى لملاحظتها إلا إذا بنينا على تعلق الخمس بنفس العين من حيث هي بحيث تكون العين الخارجية بخصوصياتها الشخصية مشتركة بين المالك ومستحق الخمس على سبيل الاشاعة. فيلزم حينئذ ملاحظة الصفات والهيئات كالمواد لدى التقويم وتخريج الخمس. وأما بناء على أن الخمس كالزكاة حق متعلق بمالية العين، وأما

[ 70 ]

[ محكوك مثلا ويخرج خمسه وكذا لو اتجر به فربح قبل ان يخرج خمسه ناويا الاخراج من مال آخر ثم اداه من مال آخر (1) واما إذا اتجر به من غير نية الاخراج من غيره فالظاهر ان الربح مشترك بينه وبين ارباب الخمس. ] الشخصية فهي للمالك من غير أن يشاركه فيها احد، فلا جرم تقوم مالية العين في زمان تعلق الخمس وحدوثه ويملك المستحق الخمس من هذه المالية ومن البين أن هذه المالية - أي مالية العين في زمان التعلق - التي هي متعلق الخمس لم تزدد ولم تتغير باحداث الهيئة من جعل السبيكة مسكوكا أو غير المحكوك محكوكا. نعم لو فرضنا الزيادة في تلك المالية من أجل ترقي القيمة السوقية وجب ملاحظتها، إذ اللازم الخروج عن عهدة الخمس من تلك المالية المتوقف فعلا على ملاحظة القيمة الفعلية بعد أن لم يؤد الخمس في وقته كما هو المفروض. وأما الزيادة الناشئة من قبل عمل المالك واحداثه الصفة فلا مقتضي لملاحظتها في مقام التقويم بوجه حسبما عرفت. وحيث ستعرف في محله انشاء الله تعالى ان المبني الاول هو الاصح فالاقوى لزوم اخراج خمس المجموع. (1): - فصل (قدس سره) بين نية الاخراج من مال آخر المتعقبة بالاداء وبين عدم النية فيكون الربح كله له على الاول ومشتركا بينه وبين ارباب الخمس على الثاني. (ولكنه) غير ظاهر إذ لا اثر للنية بمجردها في ذلك ولا للاداء الخارجي لعدم الدليل على شئ من ذلك بوجه، بل لا دليل على نقل الخمس من العين إلى الذمة بمجرد النية بعد أن لم تكن ولاية للمالك على ذلك.

[ 71 ]

[ (مسألة 13) إذا شك في بلوغ النصاب وعدمه فالاحوط الاختيار (1) ] والصحيح في المقام أن يقال إذا بنينا على صحة الشراء ممن لم يخمس العين استنادا إلى نصوص التحليل وشمولها للمقام - كما هو الاظهر على ما سيجئ في محله ان شاء الله - فلا اشكال في صحة البيع حينئذ غايته ان الخمس ينتقل من المثمن إلى الثمن، ولاجله يشترك الربح بتمامه بين المالك وارباب الخمس. وإن بنينا على عدم الصحة لقصور تلك النصوص عن الشمول للمقام فلا محالة يكون البيع بالاضافة إلى خمس المبيع فضوليا لعدم صدوره لا باذن من المالك ولا وليه، وحينئذ فلو أدى المالك الخمس من مال آخر فبطبيعة الحال يملك وقتئذ ذاك الخمس المبيع فضوليا، وبذلك يندرج المقام في كبرى من باع ثم ملك كما تقدم نظير ذلك في بيع العين الزكوية ثم اداء الزكاة من مال آخر. فان قلنا بصحته كما هو الاصح كان الربح بتمامه للمالك، وإلا توقفت الصحة على اجازة الحاكم الشرعي الذي هو ولي الخمس، فان اجاز صح وكان الربح مشتركا وإلا بطل البيع في مقدار الخمس فيسترد حينئذ مالية هذا المقدار التي هي متعلق الخمس، ويراعي في هذا الاسترداد الغبطة والمصلحة، وربما تقتضي المصلحة استرداد نفس العين لكونها في معرض ارتقاء القيمة السوقية. (1): - لوجوه مذكورة في محلها بالاضافة إلى المقام وامثاله مما يكون عدم الاختبار والرجوع إلى الاصل مظنة الوقوع في مخالفة الواقع كالشك في الاستطاعة، وفي البلوغ حد النصاب في زكاة المال وفي الخمس وامثالها.

[ 72 ]

منها اهتمام الشارع بادراك الواقع في هذه الموارد بمثابة لا يرضى بالوقوع في خلاف الواقع حتى في صورة الشك والجهل. ومنها العلم الاجمالي بالوقوع في مخالفة الواقع كثيرا أو ولو في الجملة، المانع عن الرجوع إلى الاصل. ومنها غير ذلك مما هو مذكور في محله. ولكن العلم الاجمالي بان جملة من الشاكين يقعون في مخالفة الواقع لا اثر له بالاضافة إلى نفس الشاك، ولا يمنع عن رجوعه إلى الاصل كما هو الحال في غير هذا المقام من ساير الموارد التي يرجع فيها إلى الاصل من اصالة الطهارة والحل ونحوها. فانا نعلم اجمالا بالضرورة بان جملة من المتمسكين بالاصل يقعون في خلاف الواقع جزما. نعم لو علم الشاك بنفسه اجمالا بمخالفة الاصل الذي يجريه فعلا أو بعد لدى الشك في بلوغ المعدن النصاب منع ذلك عن الرجوع إلى الاصل إذ لا فرق في تنجيزه بين الدفعي والتدريجي، وأما لو علم غيره أو علم هو بمخالفة اصله أو اصل غيره للواقع فلا اثر له في المنع عن الرجوع إلى الاصل كما هو ظاهر جدا. وأما الاهتمام المزبور فلو ثبت وتحقق فما احسنه وجها للمنع، ولكن كيف وانى لنا احراز ذلك، وعهدته على مدعيه. إذا فلا مانع من الرجوع إلى أصالة عدم بلوغ النصاب أما بالعدم النعتي، كما في استخراج الملح تدريجا حيث يقطع بان الاخراج في الوجبة السابقة لم يبلغ النصاب والان كما كان، أو الازلي كما في استخراج الذهب مثلا لو شك في الوجبة الاولى بلوغ النصاب، فان المرجع حبنئذ أصالة عدم البلوغ ازلا، وبنحو السالبة بانتفاء الموضوع فلاحظ.

[ 73 ]

[ الثالث الكنز (1) ] (1): - بلا خلاف ولا اشكال بل اجماعا كما عن غير واحد، وتشهد له جملة من الاخبار التي منها صحيحة الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الكنز كم فيه؟ فقال: الخمس (1). وصحيح ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله (ع) قال: (الخمس على خمسة اشياء على الكنوز والمعادن... الخ) (2). فان احمد بن زياد بن جعفر الهمداني هو شيخ الصدوق وقد وثقه صريحا فقال: ثقة فاضل دين وإن لم يتعرض له في كتب الرجال وما في الوسائل من ضبط (عن جعفر) غلط إما في هذه النسخة أو من صاحب الوسائل لو كان جميع نسخ الوسائل كذلك والصواب (ابن جعفر) كما اثبتناه (3) فان جعفر جد احمد لا انه راو آخر. وبالجملة لا ينبغي التأمل في صحة الرواية. وما رواه الصدوق باسناده عن عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس (4). وهذه واضحة الدلالة. وأما السند فعمار بن مروان مشترك بين اليشكري الثقة الذي هو معروف وله كتاب، والراوي عنه محمد بن سنان غالبا، والحسن بن محبوب


(1) الوسائل باب 5 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث. 1. (2) الوسائل الباب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 7. (3) واثبته في الخصال ايضا ص 137 طبع المكتبة العلمية (4) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 6.

[ 74 ]

احيانا وبين الكلبي الذي هو مجهول، كما أنه غير معروف ويروى عنه الحسن بن محبوب بواسطة أبي أيوب، وما في جامع الرواة من ضبط (كليني) بدل (كلبي) خطأ، والصواب ما ذكرناه. وقد حاول الاردبيلي إرجاع الثاني إلى الاول ولا وجه له بعد الامتياز من حيث الراوي والكتاب والشهرة، فهما شخصان والرجل مردد بين الثقة وغيره. إلا أنه لا ينبغي التأمل في أن المراد هو الاول لانصراف اللفظ عند الاطلاق إلى ما هو الاشهر الاعرف الذي له اصل أو كتاب دون الشاذ غير المعروف ولا سيما وان الراوي عنه هو الحسن بن محبوب بلا واسطة، مع أنه لا يروى عن الكلبي إلا بواسطة أبي أيوب كما سمعت. وعليه فالاظهر أن الرواية صحيحة السند وإن ناقشنا فيها في المعجم فلاحظ. وصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: كل ما كان ركازا ففيه الخمس (1). فان السؤال وإن كان عن المعادن إلا أن الحكم في الجواب معلق على عنوان عام وهو الركاز الشامل للمعادن وغيرها من الكنز ونحوه فانه بمعنى الشئ الثابت المرتكز فيعم الكل، بل قد يقال باختصاص الركاز على بعض تفاسيره بالكنز. وكيفما كان فوجوب الخمس في الكنوز مسلم نصا وفتوى ولا سترة عليه. وإنما الكلام يقع في جهات: نتعرض إليها حسب تعرض الماتن قدس سره.


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 3.

[ 75 ]

[ وهو المال المذخور (1) ] (1) الجهة الاولى: - هل يعتبر القصد في صدق الكنز بان يكون المال الذي عثر عليه مما كنزه انسان بقصد الادخال ليوم فاقته، أو يتناول المفهوم كل مال مستتر في الارض ولو لا عن قصد أو بقصد غير الادخار من حفظه موقتا ونحو ذلك. المشهور هو الثاني، ولكن الشهيد الثاني في المسالك والروضة اختار الاول، فخص الكنز بما إذا كان الادخار مقصودا للمالك وإلا فهو في حكم اللقطة، بل ربما ينسب هذا القول إلى كل من فسر الكنز بالمال المذخور تحت الارض، بدعوى أن القصد والارادة مشروب في مفهوم الادخار بحكم التبادر والانسباق. وكيفما كان فيما عليه المشهور هو الصحيح، إذ التقييد بالقصد لم نتحققه في مفهوم الكنز لا عرفا ولا لغة، بل لا يكاد يتأمل العرف في اطلاق الكنز على المال الذي عثر عليه في جوف الارض وإن لم يحرز قصد المالك لعدم القرينة على ذلك من كونه في وعاء ونحوه، بل حتى مع احراز عدم القصد، وان استتار المال كان بسبب الضياع ونحوه كما يكشف عنه بوضوح الكنز المستخرج من المدن التي انزل الله تعالى عليها العذاب وجعل عاليها سافلها وسافلها عاليها، فان الادخار غير مقصود حينئذ بالضرورة مع اطلاق اسم الكنز عليه قطعا. ولو تنازلنا وشككنا في تناول المفهوم لغير المقصود، أو احرزنا العدم فانما نسلمه في لفظ الكنز، وأما الركاز المجعول بعنوانه موضوعا للحكم في صحيحة زرارة المتقدمة فلا ينبغي التأمل في شموله لغير المقصود ضرورة أن من ابرز مصاديقه المعدن ولا قصد في مورده كما هو واضح.

[ 76 ]

[ في الارض أو الجبل أو الجدار أو الشجر والمدار الصدق العرفي (1) سواء كان من الذهب أو الفضة المسكوكين أو غير المسكوكين أو غيرهما من الجواهر (2) ] (1) الجهة الثانية: - هل يختص الكنز بالمال المذخور تحت الارض أو يشمل المستور فوقها من جبل أو شجر أو جدار ونحوها؟؟ ظاهر النقييد بالارض في كلمات جملة من الفقهاء واللغويين هو الاول بل قد صرح كاشف الغطاء - كما في الجواهر - بعدم الخمس في المدفون في غير الارض. ولكنه غير واضح لشمول المفهوم عرفا ولغة لكل ما كان مستورا عن الانظار، على نحو لا يمكن الوصول إليه عادة سواء أكان مدفونا في الارض أم الجبل أم بطن الشجر دون ورقه أم في بناء من جدران أو حيطان ونحوها مما يكون مخفيا ويتعذر العثور عليه غالبا ويكون محفوظا دائما لا تناله الايدي بحسب الجري العادي. نعم المخفي في مكان معين للحفظ الموقت كالصندوق أو وراء الكتب أو السرداب، أو تحت خشب، أو حطب، أو خلال اوراق الشجر ونحو ذلك مما يكون معرضا للعثور عليه ولو بعد حين لا يصدق عليه الكنز ولا الركاز بحسب الصدق العرفي فلا تشمله الادلة بل هي في حكم اللقطة. وأما ما عدا ذلك فيتناوله اللفظ وتشمله الاطلاقات ولا خصوصية للمكان كما مال إليه في الجواهر، بل لا ينبغي التأمل في ذلك، والعبرة بالصدق العرفي حسبما عرفت. (2) الجهة الثالثة: - في الجنس المخرج.

[ 77 ]

لا ينبغي التأمل في صدق الكنز على كل مال مذخور في الارض سواء أكان من الذهب والفضة ام غيرهما من الجواهر والاحجار الكريمة ونحوها من النفائس الثمينة، بل هو الظاهر من كل من فسره بالمال المذخور لصدق المال على جميع تلك الاجناس بمناط واحد. فما يظهر من بعض من التخصيص بالاولين بل ربما ينسب إلى ظاهر الاكثر لا يمكن المساعدة عليه بوجه، بل المستفاد من كلمات غير واحد من الفقهاء واللغوين المطابق للمرتكز العرفي هو الاول حسبما عرفت. نعم الظاهر اختصاص الخمس بعنوان الكنز بصنف خاص منه، أعني الذهب والفضة المسكوكين المعبر عنهما بالنقدين، فلا خمس في غيرهما بهذا العنوان وإن ثبت بعنوان مطلق الفائدة وذلك من اجل النص الخاص وهي صحيحة البزنطي الظاهرة في الاختصاص، وبها ترفع اليد عن الاطلاق الوارد في ساير الادلة التي منها صحيحة زرارة المتضمنة للركاز عملا بصناعة الاطلاق والتقييد. روى الصدوق في الصحيح عن البزنطي عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس (1). فان السؤال بقوله (عما... الخ) ظاهر في السؤال عن الجنس والماهية، لا عن المقدار والكمية. وعليه فالمماثلة ظاهرة في التماثل من حيث الجنس الذي هو المسؤل عنه لا في شئ آخر فانه خلاف المنسبق أو المنصرف من اطلاق المماثلة كما لا يخفى. وبما أن الجنس المستخرج من الكنز الذي يكون في الجنس المتسانخ والمماثل له الزكاة منحصر


(1) الوسائل باب 5 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 2.

[ 78 ]

في النقدين فطبعا يختص الخمس أيضا بهما. هذا ولكن صاحب الرياض اسند إلى الاصحاب انهم فهموا منها المماثلة في المقدار والمالية نظير صحيحته الاخرى الواردة في المعدن، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عما اخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شئ؟ قال: ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا (1). فان الجواب فيهما واحد، وهو اعتبار النصاب المقدر بعشرين دينارا في تلك الصحيحة. وأما في هذه فحيث لم يقدر فتحمل على أنه إن كان ذهبا فعشرون دينارا، وإن كان فضة فمأتا درهم، وإن كان غيرهما فاقل النصب الزكوية. ولكنه كما ترى فان الصحيحة الاولى ظاهرة في السؤال عن الجنس كما عرفت، فلا وجه للحمل على الكم، وأما الثانية فهي بالعكس من ذلك لمكان التعبير بقوله: من قليل أو كثير، وقوله حتى يبلغ فان ذلك يجعلها كالصريح في تعلق السؤال بالكم والمقدار، فبين السؤالين بون بعيد، ولا وجه لقياس احدهما بالآخر كما هو ظاهر جدا. أضف إلى ذلك ان هذه الصحيحة - الواردة في المعدن - لو حملت على الجنس ليراد به الذهب والفضة الذين يكون في مثلهما الزكاة يلزم منه الحمل على الفرد النادر جدا، ضرورة أن التصدي لاستخراج غيرهما من ساير المعادن كالملح والاحجار الكريمة ونحوها يمكن من شخص واحد. وأما استخراج الذهب والفضة من معدنهما فهو صعب مستعصب لا يمكن عادة أن يقوم به إلا جماعة كثيرون مجهزون بآلات الاستخراج، وفي الاغلب يكون المتصدي لها اعضاء الدول والحكومات


(1) الوسائل باب 4 من ابواب ما يجب فيه الخمس حديث: 1.

[ 79 ]

[ وسواء كان في بلاد الكفار الحربيين أو غيرهم أو في بلاد الاسلام (1) في الارض الموات أو الارض الخربة التي لم يكن لها مالك أو في ارض مملوكة له بالاحياء أو بالابتياع مع العلم بعدم كونه ملكا للبائعين وسواء كان عليه اثر الاسلام ام لا ففي جميع هذه يكون ملكا لواجده وعليه الخمس ] دون آحاد الناس العاديين. فهي إذا محمولة على الكم والمقدار وناظرة إلى النصاب حسبما عرفت بخلاف الاولى فانها ظاهرة في السؤال عن جنس المستخرج وماهيته لا مقداره وكميته، فان حمل المماثلة على التقدير في المالية بعيد عن سياقها غايته كما عرفت. فنحصل أن الاظهر اختصاص الخمس من الكنوز بما كان الخارج من النقدين الذين فيهما الزكاة دون غيرهما من الذهب والفضة غير المسكوكين فضلا عن غير الذهب والفضة. (1) الجهة الرابعة: - في المكان الذي يوجد فيه الكنز، لا اشكال كما لا خلاف في أن الكنز إذا وجد في دار الحرب أو في دار الاسلام ولم يكن عليه اثر الاسلام بان لم تكن السكة اسلامية مثلا فهو ملك لواجده وعليه خمسه، وقد ادعى عليه الاجماع في كلمات غير واحد. وانما الكلام فيما إذا وجد في دار الاسلام وكان عليه اثر الاسلام كما لو كانت سكة عباسية أو اموية ونحوهما، فهل يجرى عليه حكم الكنز من التملك والتخميس أو حكم اللقطة ليحتاج إلى التعريف؟ ومحل الكلام ما إذا وجد في الاماكن العامة كالمباحات الاصلية أو ما هو ملك للامام كالانفال، أو للمسلمين كالاراضي المفتوحة عنوة

[ 80 ]

- وقد تقدم سابقا أن ملكية المسلمين لها لا تستلزم ملكية ما في اجوافها من الكنوز والمعادن - ونحو ذلك من الآجام وبطون الاودية وغيرها مما لم يكن ملكا شخصيا لاحد. فقد ذهب جماعة منهم المحقق في الشرايع وغيره والعلامة إلى أنه داخل في عنوان اللقطة. وذهب جماعة آخرون ومنهم صاحب المدارك إلى أنه داخل في عنوان الكنز ويجرى عليه حكمه. واستدل القائلون بانه من اللقطة: تارة بأصالة عدم جواز تملكه من غير تعريف حيث ان الملكية امر حادث يحتاج ثبوته إلى دليل ومقتضى الاصل عدمه. واخرى بان كونه في دار الاسلام امارة كونه لمحترم المال من مسلم أو ذمي، حيث ان من في هذه الدار محكوم بحقن الدم والمال. فما لم يثبت انه فئ للمسلمين لا يجوز تملكه بل يجب الفحص عن مالكه. وثالثة: بموثقة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال: قضى علي (ع) في رجل وجد ورقا في خربة أن يعرفها فان وجد من يعرفها وإلا تمتع بها (1)، حيث دلت على عدم جواز استملاك الورق قبل تعريفها وقد حملوها على الكنز باعتبار ان الورق الموجود في الخربة إذا لم يكن كنزا مذخورا تحت الارض لا معرف له ليعرف إذ لا علامة له حينئذ فانه سكة من درهم أو دينار كغيره من المسكوكات فكيف يمكن تعريفه ومع التنزل فلا اقل من الاطلاق أي سواء كان الورق على وجه


(1) الوسائل باب 5 من ابواب اللقطة الحديث 5.

[ 81 ]

الخربة أم كنزا مذخورا تحت الارض. وعلى أي حال فلا يجوز استملاك ما وجد في دار الاسلام وعليه اثر الاسلام من غير تعريف. هذا وقد أورد غير واحد على الاصل المزبور بأن مقتضاه جواز التملك لا عدمه، إذ المحترم إنما هو مال المسلم ومن في حكمه كالذمي وغيره لا احترام له، فمع الشك في أنه لمسلم أو لغيره كان مقتضى الاصل عدم وضع المسلم يده على هذا المال فيجوز استملاكه بعد احراز عدم احترامه بمقتضى هذا الاصل. ومجرد كونه في بلاد الاسلام لا يكون امارة على أنه لمسلم. نعم غايته الظن وهو لا يغنى عن الحق، فلا يمنع عن اجراء الاصل المذكور. واورد على هذا الايراد ايضا بان مقتضى الاصل عدم جواز التصرف في مال اي احد ما لم يثبت جوازه، فان اخذ المال ظلم وتعد وهو قبيح، إلا ما ثبت بدليل مثل مال الكافر الحربي وليس ذلك منوطا بالاسلام، بل الكفر مانع لا ان الاسلام شرط، فإذا شككنا في مال انه لمسلم أو لحربي كان مقتضى الاصل عدم جواز التصرف فيه لا ان مقتضى الاصل جوازه إلا إذا ثبت انه لمسلم بل الامر بالعكس، فلا يجوز التصرف الا إذا ثبت انه لحربي أو بوجه آخر كحق المارة ونحو ذلك. والحاصل ان أصالة الاحترام من غير اناطة بالاسلام هي المعول

[ 82 ]

عليها في كافة الاموال بالسيرة العقلائية وحكومة العقل الفاضي بقبح الظلم كما عرفت، إلا إذا ثبت الغاؤه والاذن في التصرف فيه بدليل خاص كما ثبت في الكافر الحربي باذن من مالك الملوك الموجب لخروج ذلك عن عنوان الظلم. وقد ورد هذا المضمون في التوقيع الشريف وانه لا يجوز التصرف في مال أحد إلا باذنه، وإن كان سنده ضعيفا إلا انه مؤيد للمطلوب. وهذا الا يراد وجيه جدا. ومن هنا لا ينبغي الشك من احد حتى من صاحب المدارك في أنا إذا وجدنا شخصا مجهول الحال في بادية وشككنا في انه مسلم أو كافر حربي لا يجوز لنا اخذ ماله بأصالة عدم اسلامه، أو لو رأيناه قد وضع ماله في مكان معين أو ادخره فيه فانه لا يسوغ لنا استملاكه باجراء الاصل المزبور بالضرورة. وعلى الجملة فجواز التصرف في الاموال يتوقف على احراز الجواز اما باذن من المالك أو من مالك الملوك. فاصالة عدم وضع المسلم يده على هذا المال لا اساس لها بتاتا ولا يترتب عليها اي اثر حسبما عرفت. بل لابد من الفحص والتعريف، ولا يجري حكم الكنز. وأما الموثقة فقد اجيب عنها بعدم وضوح ورودها في الكنز بل الظاهر انها واردة في اللقطة غير الصادقة على الكنز بالضرورة، إذ اللقطة هي المال الضايع فلا ينطبق على الكنز الذي هو المال المدخر في مكان معين، وإن ذكر في كلام العلامة وغيره انه لقطة. وهذا الجواب ايضا يمكن منعه بما عرفت من أن الورق الموجود في الخربة بمناسبة الحكم والموضوع لابد وان يراد بها الكنز لعدم امكان التعريف لو لم يكن كنزا لتوقفه على علامة ولم يفرض وجودها في

[ 83 ]

الرواية بل ان المنسبق إلى الذهن من مثل قولنا وجدت في خربة ورقا هو الكنز ولا أقل من الشمول له بالاطلاق فحملها على اللقطة بعيد كما لا يخفى. فهذه الموثقة تدلنا أيضا على أن هذا المال حكمه حكم اللقطة ولابد من الفحص ولا يجري عليه حكم الكنز. هذا ومع ذلك كله فالظاهر أن ما ذكره صاحب المدارك ولعله المشهور بين المتأخرين من وجوب الخمس واجراء حكم الكنز عليه لا اللقطة ولا مجهول المالك هو الصحيح. والوجه فيه اما مع قطع النظر عن النص وهي الموثقة، فهو انه إن كانت قرينة على أنه لمحترم المال من مسلم أو ذمي أو احتملنا ذلك فمقتضى الاصل عدم جواز التصرف فيه كما ذكروه. واما إذا علمنا أنه ادخره انسان منذ عهد قديم وفي الازمنة السابقة البالغة مئات السنين كما هو الغالب في الكنوز حيث لا يحتمل عادة حياة مدخرها بل قد مات جزما مسلما كان ام كافرا وقد خرج الكنز عن ملكه قطعا. فحينئذ ان علمنا بان له وارثا محترم المال من مسلم أو ذمي قد انتقل الملك إليه نسلا بعد نسل إلى زماننا هذا وإن لم يعرف المالك الفعلي بشخصه كان مقتضى القاعدة حينئذ لزوم الفحص عنه، فانه وإن لم يدخل في عنوان اللقطة إلا أنه من مجهول المالك فلا يمكن تملكه واخراج خمسه. وأما إذا لم يحرز ذلك كما هو الغالب حيث لم يعلم ثبوت الوارث بالفعل إما لعدم ثبوته من اصله أو كان وقد انقرض فمقتضى القاعدة

[ 84 ]

حينئذ الانتقال إلى الامام لاصالة عدم وجود وارث محترم، فيدخل في موضوع من مات ولم يكن له وارث المحكوم بالدخول في ملك الامام. فالكنز في المقام حيث اصبح بلا مالك بمقتضى اصالة عدم الوارث فهو يتبع الارض المدفون فيها فئ للامام وقد اباحه عليه السلام للمسلمين كما هو الشأن في كل ارض لا رب لها فيملكه الواجد وعليه خمسه. ونظير ذلك ما نجده من اجزاء العمارات السابقة والابنية العتيقة الخربة البائد اهلها من خشب أو طابوق أو آجر ونحو ذلك، كما نشاهدها الآن في الكوفة وغيرها مما كان ملكا لبني العباس أو بني امية أو. لكافر محترم المال فان مقتضى الاصل جواز استملاكها والتصرف فيها لكونها من المباحات المنتقلة إلى الامام (ع) التي اباحها لشيعته. فإذا كان الكنز من هذا القبيل جاز تملكه ووجب خمسه حسبما عرفت. وأما بالنظر إلى النص فالموثقة وإن كانت ظاهرة فيما ذكروه بقرينة الفحص والتعريف إلا انه لابد من حملها على خربة لها مالك موجود بالفعل لم يعرض عنها فيجب الفحص والتعريف لكونه من مجهول المالك دون الخربة التي اعرض عنها مالكها، فان المال حينئذ لواجده بلا تعريف وعليه خمسه. والقرينة على هذا الحمل صحيحة محمد بن مسلم المشتملة على عين السؤال المذكور في الموثقة. قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق فقال: ان كانت معمورة فيها اهلها فهي لهم، وان كانت خربة قد جلى عنها اهلها فالذي وجد المال احق به (1) فهذه الصحيحة تقيد الموثقة وتدل على اختصاص التعريف بغير فرض الجلاء، وأما مع


(1) الوسائل باب: 5 من ابواب اللقطة الحديث: 1.

[ 85 ]

الجلاء والاعراض فالورق لواجده من غير تعريف فلا يدخل في اللقطة ولا في مجهول المالك، بل يدخل في الكنز فيملك ويخمس، كما لعله المشهور بين المتأخرين. وملخص الكلام ان مقتضى الاصل وان كان هو عدم جواز التصرف في ملك الغير من غير اذن من المالك أو من الشارع، إلا ان محل الكلام هو الكنز الذي لم يعرف له مالك موجود بالفعل لموت المدخر وعدم العلم بوجود الوارث، فيكون المرجع حينئذ اصالة عدم الوارث المحقق لكونه من الانفال وملكا للامام بتبع الارض وقد اباحه عليه السلام لشيعته فيكون ملكا لواجده وعليه خمسه، فلا يجرى عليه حكم اللقطة أو مجهول المالك هذا. مضافا إلى صحيحة محمد بن مسلم الصريحة في ذلك حسبما عرفت ولولا ما ذكرناه - من الاصل والصحيحة - لامكن المناقشة في القسم السابق أيضا إذ لم يكن حينئذ فرق بين هذا القسم اعني ما وجد في دار الاسلام وعليه اثر الاسلام، وبين القسم السابق، اي ما لم يكن عليه اثر الاسلام، فلم يجز استملاكه أيضا ولزم اجراء حكم اللقطة عليه ضرورة ان مجرد عدم الاشتمال على اثر الاسلام لا يكشف عن عدم كونه ملكا للمسلم لجواز استملاك المسلم سكة غير اسلامية فان بين الامرين عموما من وجه فكما ان السكة الاسلامية يمكن ان تكون لغير المسلم فكذا المسلم يمكن ان يملك سكة غير اسلامية فلم تصح التفرقة بين القسمين مع انهم ادعوا الاجماع على جواز الاستملاك في القسم السابق حسبما عرفت هذا ويمكن ان يستدل للمطلوب بالاطلاق في بعض نصوص الخمس في الكنز فان الموضوع في بعضها وان كان هو الكنز المملوك لواجده

[ 86 ]

من غير نظر إلى حصول الملك وعدمه فلم تكن إلا في مقام بيان وجوب الخمس بعد الفراغ عن كون الكنز مملوكا على الوجه المقرر شرعا كصحيح الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الكنز كم فيه؟ فقال الخمس (1). إلا ان بعضها الآخر كما يدل على وجوب الخمس يدل على ملكيته لواجده كصحيحة عمار بن مروان - وهو اليشكري الثقة - قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس (2). فان المستفاد من مثل ذلك بحسب الفهم العرفي ان واجد الكنز يملك الاربعة اخماس الباقية بعد اخراج الخمس كواجد المعدن والغوص والغنيمة ونحوها. ومقتضى اطلاق عدم الفرق في حصول الملك بين ما كان عليه اثر الاسلام وما لم يكن من غير توقف على التعريف. ونحوها صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الخمس على خمسة اشياء على الكنوز والمعادن... الخ (3) بالتقريب المتقدم. وهذه الرواية معتبرة فان احمد بن زياد بن جعفر الهمداني وان لم يوثق في كتب الرجال إلا انه شيخ الصدوق وقد وثقه صريحا، وما في الوسائل من ضبط (عن جعفر) بدل (بن جعفر) غلط والصحيح ما اثبتناه.


(1) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1. (2) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 6. (3) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 7.

[ 87 ]

[ ولو كان في ارض مبتاعة مع احتمال كونه لاحد البايعين عرفه المالك قبله فان لم يعرفه فالمالك قبله (1) وهكذا فان لم يعرفوه فهو للواجد وعليه الخمس ] والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الاقوى ان الكنز مطلقا ملك لواجده سواء أكان عليه اثر الاسلام وكان في بلد الاسلام ام لا، كما لعله المشهور بين المتأخرين حسبما مر. (1): - وفي حكم البيع ما لو انتقل بناقل آخر من هبة أو ارث ونحو ذلك، فقد ذكر المشهور أنه يرجع إلى من انتقل عنه فان عرفه فهو وإلا رجع إلى المالك قبله وهكذا، فان يئس يعامل معاملة مجهول المالك فيتصدق على الفقراء، ولا يدخل في عنوان الكنز فان له مالكا محترما وان كان مجهولا ولاجله يجب التصدق. واستدلوا عليه بقاعدة اليد بتقريب ان اليد التي كانت على هذا المال امارة الملك ومن ثم وجب الرجوع على ذي اليد فان عرفه وإلا سقطت يده عن الحجية باعترافه ان المال ليس له وتحيى عندئذ اليد السابقة إذ هي انما سقطت عن الا مارية لمكان اليد التي بعدها فإذا سقطت اللاحقة سلمت السابقة. وهذا الوجه كما ترى بل لعله واضح الفساد ضرورة ان اليد امارة الملكية من غير توقف على التعريف والسؤال، فلو كانت اليد حجة في المقام فاللازم الدفع إلى ذي اليد من غير اناطة على التعريف، اللهم إلا ان يعترف هو بالخلاف وينفيه عن نفسه، وإلا فما دام لم ينفه كان له من غير حاجة إلى الفحص والتحقيق، ولذا لو كان ميتا يدفع إلى وارثه، أو مجنونا يدفع إلى وليه من غير سؤال واستعلام، فلا يمكن

[ 88 ]

التمسك بقاعدة اليد لاثبات التعريف. ومن هنا ذكر جماعة أنه يعطى لمن انتقل عنه من غير سؤال وتعريف استنادا إلى قاعدة اليد وأنه تشير إليها صحيحة ابن مسلم المتقدمة عن الدار يوجب فيها الورق، فقال: ان كانت معمورة فيها اهلها فهي لهم. الخ، ومثلها صحيحته الاخرى (1). لكن مورد الصحيحتين اليد الفعلية واجنبي عن اليد الزائلة بالانتقال عنها ببيع ونحوه التي هي محل الكلام. فلا موقع للاستدلال بهما. وأما قاعدة اليد فهي أيضا لا مجال للاستدلال بها في المقام، ضرورة ان المتصف بالحجية وما هو امارة الملكية انما هو اليد الفعلية فتكون اليد القائمة على الارض يدا على ما فيها من الكنز بالتبع، وأما اليد السابقة الزائلة فعلا بالتمليك إلى شخص آخر فلا امارية لها بوجه، بل لعل العادة قاضية بالقطع بجهالة ذي اليد عما في الارض من الكنز، وإلا فكيف يمكن المشترى منه ولم يستخرجه لنفسه. وملخص الكلام أنه لا يمكن المساعدة على ما ذكروه من الدفع إلى المالك قبله فان عرفه وإلا فالمالك قبله وهكذا استنادا إلى قاعدة اليد. أما اولا فلان القاعدة لو تمت فهي حجة مطلقا بلا توقف على الدعوى من ذي اليد بل هي حجة حتى مع الشك وجهل ذي اليد بالملكية ولاجله يدفع إلى وارثه لو كان ميتا، فما هي الحاجة إذا إلى التعريف للمالك السابق وصدور الدعوى منه بل لا بد وان يدفع إليه ابتداء. وثانيا ان حجية اليد - سواء اكان المستند فيها السيرة العقلائية -


(1) الوسائل باب: 5 من ابواب اللقطة الحديث: 1 - 2.

[ 89 ]

وهي العمدة - ام بعض النصوص مثل ما دل على جواز الشهادة استنادا إلى اليد - خاصة باليد الفعلية فهي الكاشفة عن الملكية، وأما الزائلة فهي ساقطة عن درجة الاعتبار ولا امارية لها بوجه لخروجها عن مورد السيرة والاخبار بالضرورة، وقد يكشف عنه ذيل صحيحتي ابن مسلم المتقدمتين قال عليه السلام فيهما: " وان كانت خربة قد جلى عنها اهلها فالذي وجد المال احق به. الخ) (1) حيث دلت على سقوط اليد عن الملكية بالجلاء والاعراض، ولاجله كان الواجد احق به، فإذا سقطت بالاعراض فسقوطها بالانتقال ببايع ونحوه الذي هو محل الكلام بطريق اولى كما لا يخفى. وعليه فمقتضى القاعدة عدم الفرق بين المالك السابق وغيره، بل حكم الكنز في الارض المبتاعة حكمه في ارض الموات في أنه ان احتمل ان له مالكا محترما موجودا بالفعل كان من مجهول المالك ووجب التعريف فيراجع المالك السابق كما يراجع غيره فان ظهر وإلا تصدق عنه، وأما لو لم يحتمل وجود المالك الفعلي ولاسيما إذا كانت قرينة على ذلك مثل ما إذا كان الكنز عتيقا ونحو ذلك كما هو الغالب في الكنوز على ما مر جاز استملاكه فهو لواجده وعليه خمسه بمقتضى اطلاق النصوص الدالة على جواز تملك الكنز واداء خمسه. هذا ما تقتضيه القاعدة. وأما بالنظر إلى الروايات الواردة في المقام فقد استدل شيخنا الانصاري قدس سره للزوم مراجعة البايع بروايتين: احداهما ما رواه الكليني بسنده عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام اسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للاضاحي


(1) الوسائل باب: 5 من ابواب اللقطة الحديث: 1.

[ 90 ]

فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك؟ فوقع عليه السلام عرفها البايع فان لم يكن يعرفها فالشئ لك رزقك الله اياه، وروى الصدوق أيضا عنه مثله (1). ثانيتهما موثقة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال: يسأل عنها اهل المنزل لعلهم يعرفونها، قلت: فان لم يعرفوها قال: يتصدق بها (2). وهناك رواية ثالثة تقدمت وهي موثقة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قضى علي (ع) في رجل وجد ورقا في خربة ان يعرفها فان وجد من يعرفها وإلا تمتع بها (3). هذا والظاهر عدم صحة الاستدلال بشئ من الروايات الثلاثة للمقام. أما الاخيرة فقد تقدم لزوم حملها على الارض الخربة التي لم ينجل عنها اهلها بقرينة صحيحة ابن مسلم (4). فيكون الورق حينئذ من مجهول المالك، والحكم بلزوم التعريف عندئذ مطابق للقاعدة سواء أكان الورق تحت الارض أم فوقها، وان كان الظاهر هو الاول، إذ التعريف انما يكون في هذه الصورة وإلا فيبعد جدا ان يكون الورق ذا علامة يمكن التعريف بسببها.


(1) الوسائل باب: 9 من ابواب اللقطة الحديث: 1 - 2. (2) الوسائل باب 5 من ابواب اللقطة الحديث: 3. (3) الوسائل باب: 5 من ابواب اللقطة الحديث: 5. (4) الوسائل باب: 5 من ابواب اللقطة الحديث: 1.

[ 91 ]

وكيفما كان فهذا مال مجهول مالكه محكوم بلزوم التعريف لصاحب الخربة أو لغيره ممن يحتمل كونه له إذ لم يقيد التعريف في هذه الموثقة بالاول، ومن الجائز ان اجنبيا دخل الخربة ودفنه فيها. نعم ما تضمنته الموثقة من الاستملاك بعد التعريف مخالف للمطلقات الواردة في مجهول المالك فان الذي يملك بعد التعريف سنة إنما هو اللقطة مع الضمان، وأما مجهول المالك فلم يرد فيه التملك، فالحكم الوارد في المقام على خلاف القاعدة - طبعا - ولا بأس بالالتزام به في مورده بمقتضى هذه الموثقة كما ورد نظيره فيما يلقيه البحر إلى الخارج لدى غرق السفينة من أنه لواجده مع أنه من مجهول المالك بالضرورة المحكوم بلزوم التعريف ولكنه الغي هنا وحكم بالاستملاك ولعله باعتبار كونه بعد الغرق في حكم التالف، فمن الجائز ان يكون المقام من ذاك القبيل. وعلى اي حال فلا دلالة في هذه الموثقة على لزوم التعريف بالنسبة إلى البايع ثم البايع قبله. وهكذا، بل يعرف لكل احد من باب كونه مجهول المالك. ومن المعلوم ان الموثقة بصدد بيان الحكم الشرعي لا نقل قضية تاريخية فحسب. وأما الروايتان فكلتاهما اجنبيتان أيضا عن محل الكلام كالموثقة. أما الرواية الاولى فواضحة ضرورة ان ما يوجد في جوف الحيوان من الصرة المشتملة على الدرهم والدينار شئ حادث في بطنه قد ابتلعه قريبا قبل يوم أو يومين، فهو - طبعا - فرد من افراد مجهول المالك لابد فيه من التعريف، وبما ان البايع اقرب المحتملات فيراجع وبالتعبد الشرعي يسقط التعريف من غير البايع، كما أنه باذن الامام عليه السلام

[ 92 ]

الذي هو الولي العام يتملكه الواجد وبذلك يخصص ما دل على وجوب التصدق بمجهول المالك فانه حكم وارد في موضوع خاص نظير ما ورد فيما يلقيه البحر إلى الخارج من استملاكه وان كان من مصاديق مجهول المالك. وبالجملة مورد الرواية من المصاديق البارزة للمال المجهول مالكه المحكوم - بمقتضى القاعدة - بالتعريف ثم التصدق غير ان الامام (ع) اقتصر في التعريف على البايع تعبدا وبعده اذن في التصرف ولاية، واين هذا من الكنز الذي هو محل الكلام. فلا يمكن التعدي إليه بوجه. وأما الرواية الثانية فلظهورها في ان لتلك الدراهم مالكا محترما بالفعل مجهولا نظر إلى اقتضاء طبيعة الحال كون ذاك البيت من المنازل المعدة للايجار ولنزول الحجاج والزوار نظير بيوت الخدمة في الاعتاب المقدسة، فلاجله يظن ان تلك الدراهم تتعلق بحاج نزل قبل ذلك، وبما ان صاحب المسكن ادرى به واعرف فطبعا يرجع إليه مقدمة للاستعلام عن ذاك المالك المجهول فان عرفه والا فيتصدق به عن مالكه شأن كل مال مجهول مالكه. واين هذا من الكنز الذي هو محل الكلام سيما وان الدراهم انما حدثت في زمن المعصومين عليهم السلام ولم تكن موجودة في العهود البائدة ليصدق على دفينتها اسم الكنز بالمعنى الذي هو خل الكلام كما لا يخفى. فنحصل أنه لم يدل أي دليل على لزوم الرجوع إلى البايع الاخير فضلا عن البايع قبله في الكنز - المستخرج من الارض المشتراة - بالمعنى الذي هو محل البحث اي الذي لم يعلم له مالك بالفعل، بل يعلم بمقتضى القرائن أنه للسابقين المعدومين فعلا.

[ 93 ]

[ وان ادعاه المالك السابق فالسابق اعطاه بلا بينة (1) وان تنازع الملاك فيه يجرى عليه حكم التداعي ولو ادعاه المالك السابق ارثا وكان له شركاء نفوه دفعت إليه حصته وملك الواجد الباقي واعطى خمسه ] نعم هو احوط رعاية لما هو المشهور بين الفقهاء، بل ادعى بعضهم الاجماع عليه من لزوم الرجوع إليه فان لم يعرفه فالمالك قبله حسبما عرفت. (1): - تحصل مما تقدم ان ما يوجد تحت الارض ويكون من المال المذخور على ثلاثة اقسام: إذ تارة يكون من الكنوز القديمة التي تعد عرفا من المال الذي لا مالك له وهو المندرج في عنوان الكنز المصطلح المحكوم بانه ملك لواجده بعد التخميس بلا حاجة إلى التعريف وهذا ظاهر. واخرى يعلم عادة ان له مالكا موجودا بالفعل وهو معلوم، كما لو وجد في دار معمورة فيها اهلها فانه يعطى له بلا حاجة إلى التعريف أو الاثبات ببينة ونحوها بمقتضى صحيحة ابن مسلم المتقدمة. وثالثة يعلم ان له مالكا بالفعل ولكنه مجهول فانه يجرى عليه حكم مجهول المالك من لزوم الفحص ثم التصدق بعد اليأس. وحينئذ فقد يظفر بعد الفحص بمدع واحد واخرى بأكثر بحيث يتشكل منه التنازع والتداعي. ففي الاول يطالب بالبينة - لدى عدم نهوض قرينة قطعية أو ما في حكمها أنه له - ولا يعطى له بمجرد الدعوى إذ المال امانة شرعية في يد الواجد لابد له من التريث والتثبت لكي يوصله إلى صاحبه، فان

[ 94 ]

اقام البينة وإلا تصدق به على صاحبه هذا. ولو فرضنا أنه اقام بينة كانت نتيجتها اشتراك المال بينه وبين غيره كما لو شهدت البينة ان المال المدفون كان ملكا لوالده الميت وهو الآن ارث مشترك بينه وبين اخوته فحينئذ ان لم ينفه الشركاء سواء اكانوا شاكين ام مذعنين قسم المال بينهم عملا بقيام البينة الشرعية الناطقة بذلك حسب الفرض التي لا يقدح فيها جهل الآخرين بعد نهوض الحجة الشرعية كما هو ظاهر. وأما لو نفوه وانكروه سقطت البينة عن الحجية في هذا المقدار لتقدم الاقرار عليها فتعطى لذلك المدعي حصته ويتصدق بالباقي لكونه من مجهول المالك ولا نعرف وجها لما ذكره في المتن من أنه يتملكه الواجد بعد تخميسه لوضوح عدم اندراجه تحت عنوان الكنز ليجرى عليه حكمه بعد فرض ان له مالكا محترما بالفعل. فالتخميس فضلا عن التملك لا دليل عليه في المقام بل لا مناص من التصدق واجراء حكم المال المجهول مالكه عليه حسبما عرفت. وأما احتمال جريان حكم اللقطة عليه كما عن الجواهر فهو أيضا غير ظاهر، إذ اللقطة انما هي المال الضايع وليس هذا من الضايع في شئ بل من مجهول المالك. وأما في الثاني اعني صورة التداعي فان اقام احدهما البينة دون الآخر اعطي لذي البينة، ولو اقاما معا كلفا بالحلف فان حلفا أو نكلا قسم بينهما نصفين، وان حلف احدهما دون الآخر كان المال له وذلك للنص الخاص الدال عليه وان كان مقتضى القاعدة هو التساقط بعد تعارض البينتين.

[ 95 ]

وهو موثق غياث بن ابراهيم عن أبي عبد الله (ع). ان أمير المؤمنين عليه السلام اختصم إليه رجلان في دابة وكلاهما اقاما البينة أنه انتجها فقضى بها للذي في يده، وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين (1). ومقتضى الاطلاق وان كان هو عدم الفرق بين صورتي الحلف والنكول إلا انه يقيد بموثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع): ان رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين (ع) في دابة في ايديهما واقام كل واحد منهما البينة انها نتجت عنده فاحلفهما علي (ع) فحلف احدهما وأبى الآخر ان يحلف فقضى بها للحالف، فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما واقاما البينة، فقال: احلفهما، فايهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين.. الخ (2) حيث دلت على أنه مع حلف احدهما ونكول الآخر يعطى للحالف كما أنه يقسم بينهما مع حلفهما نعم لا تعرض فيهما لصورة نكولهما معا لكنها تستفاد من اطلاق الموثقة الاولى لدلالتها على ان المال إذا لم يكن في يد واحد منهما وقد اقاما البينة فانه يقسم نصفين من غير فرق بين ما إذا حلفا أم نكلا ام اختلفا خرج الاخير بمقتضى موثقة اسحاق وبقي الباقي. وعلى الجملة فبمقتضى هاتين الموثقتين يلتزم بالتفصيل المزبور وان كان مقتضى القاعدة هو التساقط حسبما عرفت.


(1) الوسائل باب: 12 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث: 3. (2) الوسائل باب 12 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث: 2.

[ 96 ]

[ ويشترط في وجوب الخمس فيه للنصاب وهو عشرون دينارا (1) (مسألة 14) لو وجد الكنز في ارض مستاجرة أو مستعارة (2) وجب تعريفهما وتعريف المالك ايضا فان نفياه كلاهما كان له وعليه الخمس وان ادعاه احدهما اعطى بلا بينة وان ادعاه كل منهما ففي تقديم قول المالك وجه لقوة يده والاوجه الاختلاف بحسب المقامات في قوة احدى اليدين ]. (1): - تقدم في صدر هذا المبحث ان المستفاد مما ورد في صحيح البزنطي من قوله عليه السلام: " ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس " اختصاص الخمس المجعول في الكنز بالذهب والفضة المسكوكين لان ذلك هو مقتضى المماثلة بعد كون الزكاة مختصة بهما ولا يراد المماثلة في المالية خاصة، وان اريد ذلك مما ورد في المعدن لقيام القرينة عليه ثمة سيما وان المعدن لا يكون من الذهب والفضة المسكوكين، ومن ثم عين فيها المقدار وأنه عشرون دينار كما في صحيحته الاخرى بخلاف الكنوز التي يكون الغالب فيها ذلك. فالمماثلة تستدعي اختصاص الخمس في الكنوز بالنقدين، كما انها تستدعي اعتبار النصاب أيضا قضاءا لاطلاق المماثلة الظاهرة في انها من جميع الجهات اي في الجنس والمقدار فيعتبر في تخميسه - كتزكيته - بلوغه عشرين دينارا ان كان من الذهب المسكوك، ومأتي درهم ان كان من الفضة المسكوكة. نعم مقتضى الاحتياط تعميم الخمس لمطلق الكنوز مع مراعاة النصاب المزبور المستفاد من المماثلة المذكورة فيعتر في تخميس ساير اقسام الكنوز أيضا بلوغ ماليتها مقدار عشرين دينارا أو مأتي درهم فلاحظ. (2): - قد تحصل مما اسلفناك ان كل ما كان كنزا بالمعنى المصطلح

[ 97 ]

عليه، اي الذي يظهر من القرائن أنه مدفون منذ عهد قديم ولم يعلم له مالك ولا وارث بالفعل ولم تقم عليه يد فعلية بحيث يعد خارجا من المال الذي لا صاحب له، جرى عليه حكمه من التخميس ثم التملك من غير فرق في موارده بين انواع الاراضي من كونها من المفتوحة عنوة أو الانفال أو الاراضي العامة أو الملك الخربة التي اعرض عنها صاحبها أو المشتراة منه بحيث انقطعت علاقته منها فلا يرجع إلى المالك السابق، وما يظهر من بعض النصوص من المراجعة موردها المال المجهول مالكه واجنبي عن محل الكلام حسبما عرفت مستقصى. ويترتب عليه ما ذكره (قدس سره) في هذه المسألة المنعقدة لحكم من وجد الكنز في ارض مستعارة أو مستأجرة فقد أفاد أنه يعرفه لكل من المالك ومن له المنفعة ملكا أو اباحة، باعتبار ان كلا منهما له اليد على الكنز ولو بتوسيط يده على الارض، فلو ادعاه احدهما فهو له، والا فلواجده وعليه الخمس، ولو ادعاه كل منهما لم يستبعد تقديم قول المالك لقوة يده. ثم ذكر ان الاوجه مراعاة اقوى اليدين التي تختلف حسب اختلاف المقامات، فقد تكون يد المالك كما لو كانت مدة الاجارة أو الاعارة قليلة جدا، وقد تكون يد المستأجر أو المستعير كما لو اشترى الارض ولم يسكنها وجرت عادته على الاجارة أو الاعارة سنين متمادية فان هذه اليد تكون حينئذ اقوى من يد المالك. اقول: مما ذكرناه آنفا يتضح لك حكم هذا الفرع فان الكنز الموجود في مثل هذه الارض التي تكون رقبتها لاحد ومنفعتها لآخر قد يكون محفوفا بقرائن وآثار تشهد بكونه من الكنوز القديمة التي هي

[ 98 ]

محل الكلام بين الاعلام ومحط نظر الفقهاء، ففي مثله لا موجب للرجوع لا إلى المالك ولا إلى المستأجر أو المستعير لعدم جريان يد أي منهما عليه بعد ان كان من المحتمل بل المظنون بل المطمأن به أنه لا اطلاع لواحد منهما على ما في جوف الارض ولم يدريا به بوجه، فلا يكون مثله مشمولا لليد. وبعبارة اخرى مجرد وجود شئ في ملك الانسان لا يحقق عنوان اليد التي هي بمعنى السيطرة والاستيلاء فلا يصدق عرفا على اي من المالك أو المستأجر أنه مستول على ما هو تحت الارض من غير اي اطلاع ومعرفة له بذلك، فقاعدة اليد لا مجال لجريانها في امثال هذه الموارد بتاتا، ولو كانت جارية لوجب الاعطاء بلا توقف على التعريف إذ لا حاجة إلى الادعاء من ذى اليد بعد ان كانت اليد امارة الملكية. وقد لا يكون كذلك وانما الموجود فيها من قبيل الورق المذكور في صحيحة ابن مسلم المتقدمة الذي هو بمعنى الدرهم المضروب والنقد الرائج في مقام المعاملة المعلوم عدم دخوله في عنوان الكنز بالمعنى المصطلح المبحوث عنه، وقد تضمنت الصحيحة أنه يراجع حينئذ صاحب الارض - ان كانت عامرة - بمناط ان العبرة باليد الفعلية الكاشفة عن الملكية ولا ريب ان الاعتبار حينئذ بمن يسكنها فعلا المنطبق على المستأجر أو المستعير فانه المستولي على هذه الارض وما فيها ويده هي اليد الفعلية عليها دون المالك الاجنبي عن ذلك، سواء اكان الورق على وجه الارض أم في غرفة أم مدخرا تحتها لغاية ما كالصيانة من السارق ونحوها وعلى الجملة بعد فرض خروج ذلك عن عنوان الكنز الذي يجب فيه الخمس فمقتضى قاعدة اليد كونه ملكا لمن هو مستول عليه وتحت

[ 99 ]

[ (مسألة 15) لو علم الواجد انه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول (1) ففي اجراء حكم الكنز أو حكم مجهول المالك عليه وجهان ولو علم انه كان ملكا لمسلم قديم فالظاهر جريان حكم الكنز عليه. ] يده وتصرفه عرفا فلو فرضنا أنه نفاه وانكره لم يكد يجدي في تملك الواجد بل يلزمه التعريف والفحص عن مالكه المجهول شأن كل مال مجهول مالكه فان عثر عليه وإلا تصدق عنه، وليس له ان يستملكه بعد ان يخمسه وان اجازه في المتن إذ التملك يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه. ودعوى أنه مطابق لمقتضى القاعدة نظرا إلى اصالة عدم جريان يد أي مسلم عليه (مدفوعة) بما تقدم من عدم اساس لهذا الاصل، بل ان مقتضى الاصل عدم جواز التصرف في أي مال كان إلا باذن من مالكه أو الولي العام، ومع عدم ثبوته لم يكن بد من ان يعامل معه معاملة مجهول المالك. (1): - أما إذا كان معلوما بنفسه أو وارثه فلا اشكال في لزوم الدفع إليه لعدم جواز التصرف في مال امرئ مسلم إلا باذنه. وأما إذا كان مجهولا فالظاهر لزوم اجراء حكم مجهول المالك عليه وان تردد فيه الماتن وذكر ان فيه وجهين، إذ لا ينبغي الشك في انصراف ادلة الكنز عن مثل ذلك مما علم ان له مالكا محترم المال مجهولا فلا يسوغ تملكه، كما لا يجب تخميسه بل لا محيص من التعريف ثم التصدق. نعم ما ذكره قدس سره اخيرا من اجراء حكم الكنز فيما لو علم أنه كان ملكا لمسلم قديم ولم يعلم له وارث بالفعل غير بعيد، ففيما

[ 100 ]

[ (مسألة 16) الكنوز المتعددة لكل واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب وعدمه (1) فلو لم يكن احادها بحد النصاب وبلغت بالضم لم يجب فيها الخمس نعم المال الواحد المدفون في مكان واحد في ظروف متعددة يضم بعضه إلى بعض فانه يعد كنزا واحدا وان تعدد جنسها. ] إذا كان الخازن مسلما محترم المال وهو الآن مجهول الحال حكم عليه بالانتقال إلى الامام بمقتضى اصالة عدم الوارث فيدخل عندئذ في الفئ كما في بعض النصوص المعتبرة ويجرى عليه حكم الكنز. (1): - لظهور قوله عليه السلام في صحيحة البزنطي المتقدمة: " ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس " في الانحلال ولحاظ كل كنز بحياله في مراعاة النصاب فلا دليل على الضم بعد فرض تعدد الكنوز وتغايرها خارجا. ودعوى تعلق الحكم بالجنس وطبيعي الكنز بعيدة عن الاذهان العرفية كما تقدم مثل ذلك في المعادن، فلا خمس ما لم يبلغ كنز حد النصاب وان بلغ المجموع ذلك. نعم مع فرض وحدة الكنز عرفا يتجه الضم وان تعددت الظروف فلو عثر في مكان واحد على ظروف اربعة في كل منها خمسة دنانير أو خمسون درهما وجب الخمس، وعلى القول بعدم الاختصاص بالنقدين لو كانت الاموال المتفرقة في الظروف المتعددة بالغة مجموعها حد النصاب وجب الخمس أيضا، إذ الكل كنز واحد عرفا وان اختلف الجنس والاعتبار في ملاحظة النصاب بوحدة الكنز لا بوحدة الظرف، فمع صدق الوحدة تضم وبدونها لا تضم حسبما عرفت.

[ 101 ]

[ (مسألة 17) في الكنز الواحد لا يعتبر الاخراج دفعة بمقدار النصاب (1) فلو كان مجموع الدفعات بقدر النصاب وجب الخمس وان لم يكن كل واحدة منها بقدره. (مسألة 18) إذا اشترى دابة ووجد في جوفها شيئا (2) فحاله حال الكنز الذي يجده في الارض المشتراة في تعريف البايع وفي اخراج الخمس ان لم يعرفه ولا يعتبر فيه بلوغ النصاب ] (1): - لا يخفى عدم خلو العبارة عن المسامحة الظاهرة بداهة ان تعلق الخمس بالكنز لا يناط بالاخراج ليبحث عن ان المخرج هل يعتبر بلوغه حد النصاب في دفعة واحدة أو أنه يكفي الدفعات كما كان هو الحال في المعدن على ما سبق، بل المناط هنا بالاستيلاء والتملك ووجدان الكنز سواء استخرجه ام ابقاه في مكانه - بعد حيازته - لكونه آمن واحفظ أو لغاية اخرى ما لم يكن معرضا عنه قبل الاستملاك. وبالجملة لا يقاس الكنز بالمعدن، فان الموضوع في الثانية الاخراج أما الاول فلا يعتبر الاخراج فيه اصلا لا دفعة واحدة ولا دفعات وانما الموضوع فيه الاستيلاء والحيازة بحيث يصدق معه وجدان الكنز، فمتى صدق وقد بلغ ما تملكه حد النصاب وجب فيه الخمس سواء اخرجه ام لا بدفعة ام دفعات. (2): - يقع الكلام تارة في وجوب الخمس، واخرى في وجوب التعريف. أما الخمس فهو المعروف بين الاصحاب كما ذكره المحقق في الشرايع وغيره الحاقا له بالكنز. ولكنه غير ظاهر لعدم وروده في شئ من النصوص المعتبرة أو

[ 102 ]

غيرها وعدم نهوض اي دليل عليه فان تم اجماع - ولا يتم قطعا - فهو وإلا فلا يجب فيه الخمس لا بعنوان الكنز ولا بعنوان الملحق به (1) اي في وجوب التخميس فعلا وانما يدخل تحت عنوان مطلق الفائدة وما يستفيده الرجل يوما فيوما. فان قلنا بوجوب الخمس فيه شريطة الزيادة على مؤونة السنة وعدم الصرف اثنائها كما هو الظاهر وجب، وان انكرنا ذلك وخصصناه بارباح المكاسب والتجارات كما قيل فلا، وسيجئ البحث حوله قريبا ان شاء الله تعالى. وأما التعريف فهو واجب بالنسبة إلى البايع بمقتضى صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري المتقدمة قال عليه السلام فيها: " عرفها البايع فان لم يكن يعرفها فالشئ لك رزقك الله تعالى إياه " (2). وظاهرها اختصاص التعريف بصورة احتمال كون الصرة له على ما تقتضيه العادة دون ما لم يحتمل وان ادعاها لو عرفت له بدعوى باطلة فلا يجب التعريف مع القطع بالعدم. كما ان ظاهرها اختصاص التعريف بالبايع فقط فلا يجب بالاضافة إلى شخص آخر كالبايع للبايع أو السابق عليه ونحو ذلك وان احتمل كونها له. كما ان مقتضاها أيضا ارتكاب التخصيص في ادلة مجهول المالك


(1) في رسالة شيخنا الوالد قدس سره ما لفظه: هذا خارج عن عنوان الكنز ولم يقم دليل على التنزيل ودعوى الاجماع كما ترى كالتمسك بعموم ما كان ركازا ففيه الخمس لمنعه خصوصا بعدما قدمناه من اختصاص الركاز بالخلقة الاصلية فالالحاق به عجيب واعجب منه الجمع بينه وبين نفي اعتبار النصاب لانه لو لم يكن كنزا فلا خمس ولو كان كنزا فيعتبر البلوغ حد النصاب. (2) الوسائل باب: 9 من ابواب اللقطة الحديث: 1.

[ 103 ]

الناطقة بالتصدق بعد التعريف فلا صدقة في خصوص المورد بل يتملكه الواجد حتى مع العلم بكونه لمالك مجهول محترم المال كما هو الغالب في مورد الصحيحة ضرورة ان الدابة لا تعيش سنين متمادية حتى يحتمل ان الصرة التي في جوفها لاشخاص سابقين انقرضوا هم ووراثهم بحيث انتقلت إلى الامام عليه السلام حتى يستملكها الواجد بالحيازة، وانما هي لمالك موجود بالفعل محترم عادة بمقتضى كون الدابة في بلاد المسلمين فمقتضى القاعدة لزوم التعريف ثم التصدق شأن كل مال محترم مجهول مالكه، إلا أنه في خصوص المقام يستملكه الواجد بمقتضى هذه الصحيحة تخصيصا في تلك الادلة. ولا يبعد ان يكون هذا التخصيص بمنزلة التخصيص بان يكون هذا المورد خارجا عن موضوع مجهول المالك ولو بمعونة النص الموجب لانصراف دليل المجهول عن مثله نظرا إلى ان الصرة بعدما اكلتها الدابة تعد عرفا بمثابة التالف سيما مع قضاء العادة بعدم استقرار الدابة في بلدة واحدة، بل تنتقل منها إلى اخرى للكراء ونحوها. فحال الصرة المأكولة حال السفينة المغروقة المستخرج ما فيها بالغوص في صدق التالف عرفا بحيث ان ما يجده الواجد فهو رزق رزقه الله لا انه مال لمالك مجهول، ولاجله عومل معه معاملة التلف. وعلى الجملة دعوى كون الموردين من باب واحد بحيث يكون هذا هو السر في الحكم المزبور اعني التملك بدلا عن التصدق غير بعيدة بعد ملاحظة النص الوارد في المقام، وإلا فمع الغض عنه جرى عليه حكم مجهول المالك بلا كلام. ومن جميع ما ذكرنا يظهر ان التعريف للبايع الذي دلت عليه

[ 104 ]

[ وكذا لو وجد في جوف السمكة المشتراة (1) مع احتمال كونه لبايعها وكذا الحكم في غير الدابة والسمكة من ساير الحيوانات. ] الصحيحة يختص بصورة احتمال كون الصرة له، أما مع القطع بالعدم وان علم انها لمالك آخر مجهول فهي للواجد من غير حاجة إلى التعريف ومن هذا القبيل ما لو صاد حيوان البر كالغزال ثم باعه للصياد فوجد المشتري في بطنه صرة فانه لا يجب التعريف حينئذ للبايع لعدم احتمال كونها له بل يتملكها وعليه خمسها بعنوان مطلق الفائدة لا بعنوان الكنز أو الملحق به حسبما عرفت. نعم يجري هنا ما سنذكره في السمكة فلاحظ. (1): - فان المعروف والمشهور أنه ملك للواجد من دون تعريف وعليه خمسه على ما صرح به المحقق وغيره. أما اخراج الخمس فقد عرفت عدم نهوض اي دليل عليه فان تم الاجماع المدعى - ولا يتم - وإلا فالظاهر عدم الوجوب. وأما التعريف فالمشهور سقوطه هنا، ونسب إلى العلامة الوجوب. والكلام يقع تارة فيما إذا وجد في جوف السمكة درة أو لؤلؤة أو مرجانا ونحو ذلك مما يتكون في البحر بحيث لا يحتمل ان يكون قبل ذلك ملكا لمالك، واخرى ما إذا كان ملكا لاحد قد سقط في البحر وابتلعته السمكة كخاتم أو سوار أو درهم أو دينار ونحو ذلك مما لا يحتمل تكونه في البحر. أما الموضوع الاول فوجوب التعريف مبني على ان يكون ما في الجوف ملكا للصائد باعتبار الحيازة التبعية، وأنه حينما صاد السمكة وحازها فقد ملكها وملك ما في جوفها بتبع الاستيلاء عليها. أما في

[ 105 ]

مقام البيع فقد باع السمكة خاصة ويبقى ما في بطنها على ملكه إلا ان يكون ناويا لبيع السمكة بما في جوفها لكي ينتقل المجموع عندئذ إلى المشتري، فلابد إذا من مراجعته والتعرف لديه. ويندفع اولا بمنع صدق الحيازة بالاضافة إلى ما في الجوف ولو بالتبع لتقومها بالقصد والالتفات وصدق الاستيلاء ليعتبره العرف مالكا باعتبار أنه سبق إلى ما لم يسبق إليه غيره المنفي في المقام، بعد فرض الجهل المطلق والغفلة عما في الجوف بالكلية، وكيف يراه العرف مستوليا وذايد على ما لم يطلع بتحققه ولم يعلم باصل وجوده. وثانيا على فرض تسليم الملكية بزعم كفاية الحيازة التبعية وان كانت مغفولا عنها فظاهر التصدي للبيع أنه ينقل السمكة إلى المشتري على الوجه الذي استملكها فيبيع ما صاده على النحو الذي حازه، فيلغي تمام سلطنته المتعلقة به ويعطيها إلى المشتري بازاء ما يفعله الآخر قضاء للتبادل بين المالين المتقوم به البيع، فالمشتري يملك السمكة كما كان الصائد مالكا لها، فكما أنه كان مالكا لما في جوفها بتبع الحيازة فكذلك المشتري بتبع البيع بمناط واحد. هذا ولكن الانصاف ان ما في الجوف لكونه مغفولا عنه لا يصلح لتعلق البيع المتقوم بالقصد به، مضافا إلى جهالته، فالعمدة انما هو الاشكال الاول. وكيفما كان فحال الجوهرة الموجودة في بطن السمكة حال سمكة اخرى موجودة في بطنها التي لا ينبغي الشك في عدم الرجوع بها إلى البايع وانها ملك للمشتري ورزق رزقه الله تعالى. أما لاعتبار القصد في الحيازة وحصول الملكية ولا قصد من الصائد بالاضافة إلى ما في

[ 106 ]

جوفها، أو لانه الغى سلطنته ونقل ملكية السمكة على ما كانت عليه إلى المشتري، وعلى التقديرين لا مقتضي للرجوع إلى البايع في كلا الموردين بمناط واحد. ولولا ذلك لزم التسليم والاعطاء إلى البايع ابتداء ومن غير حاجة إلى التعريف كما اشار إليه في الجواهر لانه ملكه ولم ينتقل إلى المشتري حسب الفرض فيدفع إليه وان لم يكن مدعيا مع ان الظاهر أنه لم يقل به احد فيما نعلم بل يتملكه الواجد من غير حاجة إلى التعريف لا بالاضافة إلى غير البايع كما دلت عليه صحيحة الحميري المتقدمة بالاولوية ولا بالاضافة إلى البايع لعدم الدليل عليه هنا حسبما عرفت من ان صيد السمك لا يستوجب ملكية الصائد لما في الجوف، وعلى تقدير التسليم فالملكية تبعية في الحيازة والبيع معا - على تأمل فيه كما عرفت - فلا موجب للرجوع والتعريف بتاتا. وأما الموضوع الثاني فالظاهر عدم وجوب الرجوع فيه أيضا لا إلى البايع ولا إلى غيره. أما الثاني فظاهر إذ لو لم يجب التعريف في الدابة بمقتضى الصحيحة المتقدمة ففي السمكة التي بلعت ما القي في البحر المعدود لدى العرف من المال التالف بالاولوية القطعية كما عرفت. وأما الاول فكذلك ضرورة عدم خصوصية للبايع تستوجب الرجوع إليه فان حاله بالنسبة إلى ما في جوف السمكة وحال غيره على حد سواء لعدم احتمال كونه له عادة الا باحتمال موهوم جدا بنسبة الواحد في ضمن الالوف بل الملايين الملغي عند العقلاء قطعا، فالملاك الذي من اجله يحكم بعدم وجوب التعريف لغير البايع موجود بعينه في البايع أيضا فلا مقتضى للرجوع إليه.

[ 107 ]

[ (مسألة 19) انما يعتبر النصاب في الكنز بعد اخراج مؤنة الاخراج (1). ] نعم لو لم تكن السمكة مصطادة من البحر ونحوه وإنما رباها مالكها في داره أو بستانه بالقاء البذر على ما هو المتعارف في بعض البلاد لم يبعد الحاقها حينئذ بالدابة في وجوب التعريف إلى البايع باعتبار أنه كان ذا يد بالنسبة إلى هذا المال، إذ لا فرق بينهما من هذه الجهة ولا تحتمل خصوصية للدابة. لكن هذا الفرض قليل جدا والاكثر إنما هو الفرض الاول. ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في غير الدابة والسمكة من ساير الحيوانات كالطيور ونحوها، فانه يجري فيها التفصيل المتقدم من أنه إن كان مما رباه في بيته مثلا بحيث يكون ذايد على ما في بطنه فحاله حال الدابة في لزوم مراجعة البايع بمقتضى اطلاق صحيحة الحميري المتقدمة على رواية الصدوق حيث يظهر منها بوضوح ان العبرة بمطلق المذبوح دابة كان أو غيرها للاضاحي أو لغيرها من غير خصوصية للدابة، وان كان مما يملكه بمثل الصيد (كالخضيريات) فلا حاجة إلى التعريف وهكذا الحال في مثل الدجاج والغزال ونحو ذلك فان العبرة في وجوب الرجوع إلى البايع احتمال كونه له احتمالا عقلائيا حسبما عرفت. (1): - فكل ما صرفه في سبيل تحصيل الكنز واستخراج الدفينة يطرح فان بلغ بعدئذ حد النصاب وإلا فلا خمس فيه. هذا ولكنك عرفت في مبحث المعدن ان هذا لا دليل عليه إذ لم ينهض ما يقتضي تقييد النصاب بما بعد اخراج المؤن، بل ظاهر

[ 108 ]

[ (مسألة 20) إذا اشترك جماعة في كنز فالظاهر كفاية بلوغ المجموع نصابا وان لم تكن حصة كل واحد بقدره (1) (الرابع) الغوص وهو اخراج الجواهر من البحر مثل اللؤلؤ والمرجان وغيرهما معدنيا كان أو نباتيا (2) ] الدليل وجوب الخمس في المعدن أو الكنز متى كان بالغا حد النصاب وان كان قد صرف مقدارا من المال في سبيل الاستخراج. نعم وجوب الخمس انما يكون في الباقي بعد اخراج المؤنة. فلو فرضنا ان ما وجده من الكنز كان بمقدار عشرين دينارا وقد صرف خمسة دنانير في سبيل الاستخراج فالخمس إنما يجب في الخمسة عشر دينارا الباقية لا في مجموع العشرين، وهذا امر آخر فالذي يكون بعد المؤنة انما هو الخمس لالحاظ النصاب. (1): - عملا باطلاق الدليل الظاهر في اعتبار النصاب في نفس الكنز لا في الحصة الواصلة إلى الواجد، فمتى بلغ وجب الخمس سواءا أكان الواجد واحدا ام اكثر فيجب الخمس حينئذ في حصة كل واحد. (2): - كاليسر المصنوع منه (السبح) الذي هو نبات ينبت في البحر والمرجان الذي هو مثل الشجر ينبت فيه، فالحكم يشمل كل نفيسة تتكون في البحر ويستخرج منه بالغوص من غير فرق بين انواعها. وهذا الحكم في الجملة موضع وفاق وان ناقش فيه صاحب المدارك زعما منه اختصاص الرواية الصحيحة بالعنبر واللؤلؤ الواردين في صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن العنبر وغوص

[ 109 ]

اللؤلؤ، فقال: عليه الخمس.. الخ (1) فيحتاج تعميم الحكم لغيرهما إلى دعوى عدم القول بالفصل لعدم ورود نص معتبر عنده - قدس سره - في غيرهما. وكأنه قدس سره لم يعتن ببقية الروايات الواردة في المقام جريا على مسلكه من اختصاص الاعتماد بالصحيح الاعلائي. وليس الامر كما ذكره قدس سره، بل قد وردت رواية صحيحة بعنوان ما يخرج من البحر وهي ما رواه الصدوق باسناده عن عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس (2). فانها وان عبر عنها بالخبر في عدة من الكتب المشعر بالضعف لكن الظاهر انها صحيحة السند لما عرفت فيما مر من ان عمار بن مروان وان كان مشتركا بين اليشكري الموثق جزما وبين الكلبي الذي ذكره الصدوق في المشيخة في بعض طرقه ولم يوثق إلا ان الاول الذي يروي عن الصادق عليه السلام معروف مشهور وله كتاب بخلاف الثاني، ولا شك ان اللفظ ينصرف لدى الاطلاق إلى من هو الاعرف الاشهر. فلا ينبغي التأمل في صحة الرواية. كما وردت صحيحة اخرى بعنوان الغوص لابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الخمس على خمسة اشياء على


(1) الوسائل باب 7 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1. (2) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 6.

[ 110 ]

الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة. ونسي ابن أبي عمير الخامس (1) فانا قد اشرنا غير مرة إلى ان مثل هذه الرواية لا تعتبر مرسلة، إذ التعبير ب‍ (غير واحد) كاشف بحسب الظهور العرفي عن ان المروي عنه جماعة معروفون مشهورون قد بلغ الامر من الوضوح حدا يستغنى عن ذكر احادهم كما في بعض روايات يونس عن غير واحد فلا يعد ذلك طعنا في السند. فهذه أيضا صحيحة قد رواها الصدوق عن احمد بن زياد بن جعفر الهمداني، فما في الوسائل من قوله عن جعفر غلط كما مر سابقا. وهناك روايات اخرى لا يخلو اسنادها عن الخدش وهي مؤيدة للمطلوب والعمدة هاتان الصحيحتان. ولاجل ان المأخوذ في احداهما عنوان الغوص وفي الاخرى ما يخرج من البحر، وبين العنوانين عموم من وجه لافتراق الاول بالغوص في غير البحار كالشطوط والانهار الكبار وافتراق الثاني بالاخذ من البحر بغير الغوص كما لو اخذه بآلة أو من وجه الماء. فمن ثم وقع الاشكال في تشخيص موضوع ما يجب فيه الخمس وان الاعتبار هل هو بصدق كلا العنوانين معا فيكون الموضوع ما يخرج من البحر بالغوص كما اختاره المحقق وجماعة منهم المحقق الهمداني قدس سره نظرا إلى صلاحية كل منهما لتقييد الآخر فيجمع بينهما عملا بصناعة الاطلاق والتقييد. أو بصدق كل واحد منهما فيكون كل منهما موضوعا مستقلا للحكم نظرا إلى عدم الموجب للتقييد بعد كونهما مثبتين وعدم التنافي في البين ليتصدى للعلاج


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 7.

[ 111 ]

أو لارجاع احدهما إلى الآخر. أو بصدق عنوان الغوص وارجاع الآخر إليه بدعوى ان التعبير بما يخرج من البحر جار مجرى الغالب باعتبار غلبة كون الغوص في البحر. أو بصدق عنوان الاخراج من البحر وارجاع الغوص إليه عكس ما مر استنادا إلى ان التعبير بالغوص غالبي إذ التصدي لاخراج الجواهر من البحر لا يكون غالبا إلا بالغوص وجوه بل اقوال: اظهرها ثانيها اخذا باطلاق كل من الصحيحين المزبورين الذين مفاد احدهما وجوب الخمس في كل ما اخرج بالغوص سواء أكان من البحر أم من غيره، ومفاد الاخر وجوبه في كل ما اخرج من البحر سواء أكان بالغوص أم بغيره بعد عدم التنافي بين الاطلاقين وان كان بينهما عموم من وجه لتوافقهما حكما. فلا موجب إذا لرفع اليد عنهما إذ الموجب اما التنافي ولا تنافي بعد التوافق في المدلول، أو دعوى انصراف المطلق إلى الفرد الغالب واختصاصه به نظرا إلى ان الغالب في الغوص ان يكون في البحر، كما ان الغالب في الاخراج من البحر ان يكون بالغوص. وتندفع بعدم المحذور في شمول المطلق للفرد النادر وانما الممنوع اختصاصه به لا شموله له. على ان الندرة غير مسلمة، فان الغوص في الانهار العظيمة لاستخراج ما اودعه الله فيها من الجواهر الكريمة امر شايع متعارف كاخراجها من البحر بالآلة هذا. ومع ذلك فقد ذكر المحقق الهمداني قدس سره وجها للتنافي حاصله ان المترائى من ظواهر النصوص والفتاوى انحصار ما يجب فيه الخمس في الخمسة، فلو كان كل من العنوانين المزبورين، موضوعا مستقلا

[ 112 ]

للحكم لاصبح الموجب ستة وهو مناف للحصر المذكور. فلا محيص إذا عن ارجاع احدهما إلى الآخر أما بارتكاب التقييد أو بوجه آخر وان كان الاشبه بالقواعد هو الاول، فيكون الموضوع ما اخرج من البحر بالغوص. ثم ذكر قدس سره أنه مع التنازل والغض وانتهاء النوبة إلى مرحلة الشك فالمرجع اصالة البراءة عن الوجوب في غير مجمع العنوانين المتيقن فيه التكليف. ويندفع بان صحيحة ابن أبي عمير التي عدت الغوص من الخمس وان كانت ظاهرة في الحصر كما ذكر إلا آنه لا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور نظرا إلى ان وجوب الخمس فيما يخرج من البحر بغير الغوص مقطوع به في الجملة، إما بعنوان ما يخرج من البحر لو كان بحياله عنوانا مستقلا وإلا فبعنوان الفوائد والارباح وتظهر الثمرة بينهما بالنسبة إلى استثناء مؤونة السنة كما لا يخفى. ومن المعلوم ان شيئا من العنوانين لم يكن من الخمسة، فالحصر غير حاصل لا محالة. وربما يحتمل كما في الوسائل دخول الفوائد في عنوان الغنيمة المعدودة من الخمسة. ولكنه كما ترى لا شاهد عليه بوجه، بل ان بعض الروايات شاهدة على ارادة خصوص غنائم دار الحرب، كيف ولو اريد منها مطلق الفائدة لدخل فيها ما جعل قسيما لها كالمعادن والكنوز والغوص فانها كلها فوائد. وأما ما ذكره قدس سره اخيرا من جريان اصالة البراءة: ففيه انه لا مجال لها بعدما عرفت من القطع بتعلق الخمس بما اخرج من

[ 113 ]

[ لا مثل السمك ونحوه من الحيوانات (1) ] البحر بالآلات، وكذا ما اخرج بالغوص من غير البحر، أما بعنوان نفسه أو بعنوان الفائدة، ولاجله يعلم بان خمس المال قد انتقل إلى اربابه بمجرد تملكه فيتوقف جواز التصرف على احراز الاذن، ولم يحرز ما لم يخمس فمقتضى الاصل عدم جواز التصرف فيه ووجوب اخراج خمسه بمجرد حيازته. وبعبارة اخرى اصل التعلق معلوم وانما الشك في كيفية التعلق وانه هل كان على نحو يجب التصدي لادائه فعلا أو أنه يجوز التاخير إلى نهاية السنة نظرا لاستثناء المؤنة. فالثبوت معلوم والشك انما هو في السقوط إذا صرف في المؤنة ومقتضى الاصل عدم السقوط، والنتيجة لزوم المعاملة معه معاملة ساير ما يخرج من البحر بالغوص. والمتحصل مما ذكرناه ان وجوب الخمس في كل من العنوانين هو الاوجه كما أنه الموافق للاصل ولمراعاة الاحتياط. (1): - فانه لا ينبغي الاستشكال في عدم وجوب الخمس فيها بعنوان ما يخرج من البحر ولا بعنوان الغوص لظهور موردهما في اخراج ما يتكون في البحر من المعدنيات والنباتات ولا يكادان يشملان مثل صيد الاسماك ونحوها من الحيوانات وان صدق عليه الاخراج صدقا لغويا لانصراف اللفظ عنه قطعا سيما مع ملاحظة اقترانه في النص مع اخراج المعادن التي هي اخراج ما يتكون في باطن الارض كانصراف الغوص إلى ما يتعارف اخراجه من الماء بالغوص، وليس السمك كذلك وانما يصاد من غير غوص. وعلى الجملة عنوان الغوص أو الاخراج من الماء يغاير عنوان

[ 114 ]

[ فيجب فيه الخمس بشرط ان يبلغ قيمته دينارا (1) فصاعدا ] صيد السمك عرفا كما لا يخفى. هذا مضافا إلى جريان السيرة القطعية على عدم اخراج الخمس من الاسماك، بحيث لو كان واجبا لشاع وذاع واصبح من الواضحات. (بقى شئ) وهو ان عنوان الاخراج من البحر هل يصدق على الاخذ من سطح الماء اولا؟ الظاهر عدم الصدق، فان البحر اسم للماء لا للقضاء كما في مثل الدار ونحوها، ومن الضروري ان الخروج فرع الدخول، فاخراج الشئ من البحر لا يكاد يصدق إلا إذا كان داخلا فيه فاخرج وصار خارجه، وهذا غير متحقق في الاخذ من وجه الماء وظاهره. واولى منه بعدم الصدق اخذ ما القاه البحر بنفسه إلى الساحل خارج الماء، ففي هذه الموارد لا يجب الخمس بعنوان ما اخرج من البحر وان وجب بعنوان الفائدة. (1): - على المشهور من اعتبار النصاب ومن تحديده بما بلغت قيمته دينارا واحدا شرعيا وعن الشيخ المفيد قدس سره تحديده بما بلغت قيمته عشرين دينارا، ولم يعلم له مستند ولا قائل غيره. أما المشهور فمستندهم ما رواه الكليني والشيخ بسندهما الصحيح عن البزنطي عن محمد بن علي بن أبي عبد الله عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ، والياقوت الزبرجد وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس (1) ورواها الصدوق مرسلا.


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث. 5.

[ 115 ]

[ فلا خمس فيما ينقص عن ذلك ولا فرق بين اتحاد النوع وعدمه (1) فلو بلغ قيمة المجموع دينارا وجب الخمس ولا بين الدفعة والدفعات فيضم بعضها إلى بعض (2) كما ان ] ولكن محمد بن علي المزبور مجهول لم يرد فيه توثيق ولا مدح قد روى عنه البزنطي وعلي بن اسباط، ولم يكن مشهورا بين الرواة، وليس في البين ما يوهم وثاقته عدا رواية البزنطي عنه بناء على ما قيل من أنه لا يروي إلا عن الثقة، كما نقل ذلك عن عدة الشيخ قدس سره لكن المبني سقيم كما مر مرارا. فلا اعتماد على الرواية لهذه العلة. وحينئذ فان تم الاجماع المدعى على اعتبار النصاب المزبور فهو، وإلا فالمتبع اطلاق ما دل على وجوب الخمس في الغوص وفيما اخرج من البحر الشامل لما إذا كانت القيمة اقل من الدينار. (1): - فان العبرة - كما تقدم في المعدن والكنز - ببلوغ ما اخرج بالغوص الواحد حد النصاب - بناء على اعتباره - سواء اكان ما اخرج شيئا واحدا أم اشياء مختلفة، فإذا بلغ قيمة المجموع دينارا وجب الخمس وان تعددت الحقيقة كما لو استخرج في غوص واحد لؤلؤة ومرجانا. (2): - تشكل المساعدة على ذلك لمنافاته مع ظهور الدليل في الانحلال وان كل فرد من افراد الغوص أو الاخراج موضوع مستقل للحكم بحياله في مقابل الآخر كما تقدم في المعدن والكنز، إذا لا موجب لضم ما اخرج في غوص إلى ما اخرج في غوص آخر، كما لا يضم ما اخرج من معدن إلى ما اخرج من معدن آخر كما مر. نعم لا يبعد ما ذكره قدس سره فيما إذا توالت الغوصات بحيث عد المجموع غوصة واحدة. واما مع الفصل الطويل كما لو غاص مرة

[ 116 ]

[ المدار على ما اخرج مطلقا وان اشترك فيه جماعة لا يبلغ نصيب كل منهم النصاب (1) ويعتبر بلوغ النصاب بعد اخراج المؤن كما مر في المعدن (2) والمخرج بالآلات من دون غوص في حكمه على الاحوط (3) وأما لو غاص وشده بآلة فاخرجه فلا اشكال في وجوبه فيه نعم لو خرج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء فاخذه من غير غوص لم يجب فيه من هذه الجهة بل يدخل في ارباح المكاسب فيعتبر فيه مؤونة السنة ولا يعتبر فيه النصاب. ] في اليوم الاول واخرى في اليوم الثاني فملاحظة الضم عندئذ في غاية الاشكال لعدم انسجامه مع استظهار الانحلال حسبما عرفت. (1): - عملا باطلاق الدليل الظاهر في ان الاعتبار بما اخرج في غوص واحد وان كان الغائص اثنين، فإذا اشترك اثنان أو اكثر فغاصا معا واخرجا شيئا واحدا في غوص واحد وجب فيه الخمس ان بلغ قيمة المجموع دينارا وان لم يبلغ قيمة حصة كل منهما كما تقدم ذلك من الكنز بخلاف ما إذا لم يكن هناك اشتراك فغاصا واخرج كل منهما شيئا لنفسه إذ لا يحتمل الصم حينئذ كما هو واضح. (2): - ولكنك عرفت ثمة أنه لا دليل عليه، وانما دل الدليل على ان ما يجب اخراجه هو خمس الباقي بعد استثناء المؤونة. (3): - تقدم ان المستظهر من نصوص الباب ان لعنوان الاخراج من البحر موضوعية في تعلق الخمس استقلالا كعنوان الغوص وهو متحقق فيما اخرج من البحر بالآلات من دون غوص كما لا يخفى، كما ان الامر كذلك فيما لو غاص في البحر وشد ما اخذه منه بحبل مثلا ثم خرج من البحر وجر الحبل بما معه فأخرجه إذ هو اخراج من

[ 117 ]

[ (مسألة 21) المتناول من الغواص لا يجرى عليه حكم الغوص إذا لم يكن غائصا واما إذا تناول منه وهو غائص ايضا فيجب عليه إذا لم ينو الغواص الحيازة والا فهو له ووجب عليه الخمس (1) (مسألة 22): إذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئا ففي وجوب الخمس عليه وجهان والاحوط اخراجه (2) ] البحر بلا اشكال. والظاهر انطباق عنوان الغوص عليه أيضا، إذ يصدق عرفا انه قد اخرج شيئا بالغوص لعدم مدخل للمباشرة وعدم توسط الآلة في هذا الصدق، بل تكفي الحيازة تحت الماء فيجب فيه الخمس وان خصصناه بعنوان الغوص ومنعنا عن ثبوته بعنوان الاخراج من البحر. كما تقدم أيضا أنه إذا خرج الشئ بنفسه إلى الساحل فاخذه أو كان على سطح الماء فجذبه من غير غوص لم يصدق عليه عنوان الاخراج من البحر الظاهر في الاخراج من مائة لا من فضائه كما لم يكن من الغوص وهو ظاهر. فعليه لا خمس فيه من هذه الجهة وان ثبت بعنوان الغنيمة والفائدة. (1): - قد اتضح مما مر ان الضابط في تعلق الخمس صدق التملك بالغوص، فمن غاص وحاز الشئ وتملكه وجب عليه الخمس. وعليه فالمتناول إذا لم يكن غائصا لا شئ عليه، بل وان غاص وتناوله من الغواص إذا كان الغواص قد نوى الحيازة وقصد التملك فان الخمس حينئذ إنما يجب على الغواص دون من تناوله منه. نعم إذا لم يكن هو ناويا للحيازة ونواها الغائص المتناول تملكه ووجب عليه خمسه لانه هو المتملك بالغوص، ولا شئ على الغائص الاول. (2): - لصدق التملك بالغوص الذي هو المناط في تعلق الخمس

[ 118 ]

[ (مسألة 23) إذا اخرج بالغوص حيوانا وكان في بطنه شئ من الجواهر فان كان معتادا وجب فيه الخمس (1) وان كان من باب الانفاق بان يكون بلع شيئا اتفاقا فالظاهر عدم وجوبه وان كان احوط. (مسألة 24): - الانهار العظيمة كدجلة والنيل والفرات حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما يخرج منها بالغوص إذا فرض تكون الجوهر فيها كالبحر (2). ] بعد ان استملك ما صادفه لدى اخذه وان لم يكن ناويا للحيازة في ابتداء الغوص وانما غاص لغاية اخرى من التنزه أو العثور على ما ضاع منه في البحر لعدم مدخل لذلك في وجوب الخمس بمقتضى اطلاق الادلة. (1): - كالصدف الذي يتكون في بطنه اللؤلؤ على ما قيل بخلاف السمكة التي ابتلعت الجوهرة من باب الاتفاق. والوجه في هذا التفصيل أنه إذا كان وجود الجوهرة في بطن الحيوان امرا معتادا متعارفا فالغوص لاجل العثور على تلك الجوهرة باخذ الحيوان لما كان امرا متعارفا شملته اطلاقات ادلة الغوص، وهذا بخلاف الامر الانفاقي فانه حيث لم يكن وجودها في جوف الحيوان واخراجه لداعي الوصول إليها جاريا مجرى العادة، فلا جرم لم يكن هذا من الغوص المتعارف، والاطلاق منصرف عن مثله بطبيعة الحال فيكون حاله حال العثور اتفاقا على جوهرة في جوف سمكة صادها أو اشتراها في عدم الاندراج تحت اطلاقات ادلة الغوص كما هو واضح (2): - قد اتضح حكم هذا الفرع مما سبق حيث عرفت ان اطلاق الغوص الشامل للغوص في غير البحار من الانهار العظيمة التي تتكون

[ 119 ]

[ (مسألة 25): - إذا غرق شئ في البحر واعرض مالكه عنه فاخرجه الغواص ملكه ولا يلحقه حكم الغوص على الاقوى (1) وان كان من مثل اللؤلؤ والمرجان لكن الاحوط اجراء حكمه عليه. ] فيها الجواهر ويتعارف الغوص فيها للعثور عليها لا موجب لتقييده بالبحر ما عدا احد امرين: أما غلبة الغوص في البحر أو النص الدال على وجوب الخمس فيما يخرج من البحر. وقد عرفت ان شيئا منهما لا يصلح للتقييد فلاحظ. (1): - أما الملكية فقد دلت عليها روايتان احداهما عن السكوني والاخرى عن الشعيري وكلاهما لقب لشخص واحد مسمى باسماعيل بن أبي زياد. فالاولى ما رواه الكليني باسناده عنه عن أبي عبد الله (ع) في حديث عن أمير المؤمنين (ع) قال: وإذا غرقت السفينة وما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لاهله وهم احق به، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم. والاخرى ما رواه الشيخ باسناده عنه قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن سفينة انكسرت في البحر فاخرج بعضها بالغوص واخرج البحر بعض ما غرق فيها، فقال: أما ما اخرجه البحر فهو لاهله الله اخرجه وأما ما اخرج بالغوص فهو لهم وهم احق به (1). والعمدة هي الاولى - لعدم وثاقة امية بن عمرو الواقع في سند الثانية - وقد قيد الحكم فيها بما إذا تركه صاحبه أي اعرض عنه


(1) الوسائل باب 11 من ابواب اللقطة الحديث: 1 - 2.

[ 120 ]

[ (مسألة 26) إذا فرض معدن مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لا يخرج منه إلا بالغوص فلا اشكال في تعلق الخمس به لكنه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص وجهان: والاظهر الثاني (1) ] ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين ما إذا كان الاعراض كراهة له أو قهرا عليه لعدم تمكنه من الوصول إليه وان لم يكن كارها، كما ان مقتضاه عدم الفرق أيضا بين ما إذا عرف صاحبه أو لم يعرف، ففي جميع ذلك يجوز للغائص اخراج المال وتملكه. وأما عدم الحاقه بالغوص في وجوب الخمس فلما تقدم من ان الظاهر من دليل الغوص اختصاصه بما تعارف اخراجه بالغوص مما يتكون في البحر لا ما وقع فيه من الخارج، وكذا الحال في عنوان ما يخرج من البحر لانصرافه إلى ما يخرج منه مما يتكون فيه. نعم هو من الفوائد فيلحقه حكمها. (1): - هل المعدن المتكون تحت الماء المتوقف اخراجه على الغوص يندرج في عنوان الغوص وحده، أو المعدن وحده، أو في كلا العنوانين. وتظهر الثمرة فيما إذا بلغ قيمته دينارا فصاعدا ولم يبلغ العشرين - بناء على اعتبار النصاب في الغوص - أو مطلقا ولو لم يبلغ الدينار بناء على عدم اعتباره فيه، أما إذا كان بالغا عشرين دينارا فلا ريب في تعلق الخمس به على اي تقدير. وربما يرجح الاول نظرا إلى ان الظاهر من المعدن المذكور في قبال الغوص في صحيحة ابن أبي عمير هو ما لا يتوقف اخراجه على الغوص فيختص بما يتكون في البر في قبال الغوص الذي هو اخراج ما يتكون

[ 121 ]

[ (مسألة 27) العنبر إذا خرج بالغوص جرى عليه حكمه (1) وان اخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له وجهان والاحوط اللحوق واحوط منه اخراج خمسه وان لم يبلغ النصاب ايضا. ] في البحر وان كان من المعدنيات كالعقيق والياقوت. وتؤيده رواية محمد بن علي بن أبي عبد الله المتقدمة حيث انها اعتبرت في وجوب الخمس فيما يخرج من البحر من اللؤلؤ وكذا الياقوت والزبرجد اللذين هما من سنخ المعادن بلوغ قيمته دينارا الذي هو نصاب الغوص. وهذا هو الصحيح، ومع الغض وتسليم فقد الترجيح والبناء على صدق كلا العنوانين على مثل ذلك فلا ينبغي التأمل في ان دليل المعدن بالنسبة إلى ما بلغ دينارا ولم يبلغ العشرين يكون من قبيل اللامقتضي لا من قبيل مقتضي العدم. وأما دليل الغوص فهو بالنسبة إليه من قبيل المقتضي لثبوت الخمس ومن الضروري ان مالا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء ولا ينافيه فالاول ينفي الحكم بعنوان المعدنية لا بكل عنوان، والثاني يثبته بعنوان الغوص ولا منافة بين الآمرين. ومعه فلا ينبغي الاشكال في وجوب الخمس في مثل ذلك بعنوان الغوص. (1): - أما وجوب الخمس فيه في الجملة فالظاهر أنه لا اشكال فيه ولا خلاف كما نطقت به صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العنبر وغوص اللؤلؤ فقال عليه السلام: عليه الخمس (1). وانما الكلام والاشكال في أنه هل هو عنوان مستقل في قبال الغوص والمعدن فيجب فيه الخمس مطلقا وان اخذ من وجه الماء أو من الساحل


(1) الوسائل باب 7 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1.

[ 122 ]

أو انه من الغوص فيلحقه حكمه، أو من المعدن فيجري عليه حكمه؟ فيه وجوه بل اقوال: نسب الاول إلى جماعة منهم صاحب المدارك قدس سره وكأن وجهه ان ظاهر الصحيحة المزبورة وجوب الخمس فيه مطلقا لاسيما بقرينة عطف اللؤلؤ مضافا إليه الغوص - عليه المشعر بان العنبر سواء اخذ بالغوص أم بغيره يجب فيه الخمس. وفيه ما لا يخفى فان الاطلاق المزبور لا ينافي تقييده بدليل اعتبار النصاب في الغوص - لو تم - ومقتضاه اختصاص وجوب تخميس العنبر المأخوذ غوصا بما إذا بلغ النصاب. وعن كاشف الغطاء اختيار الثاني استنادا إلى أنه مما يخرج منه البحر بالغوص. وفيه أنه لم يثبت اختصاصه بذلك بعدما قيل من أنه قد يؤخذ من وجه الماء أو من الساحل ومعلوم ان الحاق حكم الغوص به وان لم يؤخذ بالغوص مما لا وجه له. وعن المفيد قدس سره اختيار الثالث وأنه من المعادن، وقد ذكر في توجيه كونه منها أمران لا يمكن التعويل على شئ منهما. احدهما ما قيل من أنه نبع عين في البحر نظير عين الزاج والكبريت وقد مر ان المعدن إذا ظهر على وجه الارض بسيل أو زلزلة أو نحوهما فاخذ لحقه حكمه. ويدفعه ان هذا احد محتملاته، وهناك محتملات بل اقوال اخر في تفسير العنبر منها انه رجيع دواب بحرية، ومنها انه نبات في البحر ومنها انه سمكة بحرية، وغير ذلك فلا وثوق والحالة هذه بكونه من

[ 123 ]

المعادن ليلحقه حكمها. بل ان مقتضى اصالة العدم الازلي عدم كونه معدنا كما لا يخفى. ثانيهما ما ذكره المحقق الهمداني قدس سره من ان العنبر حيث ان له مكانا مخصوصا يتكون فيه ولا يوجد في غيره وهو البحر، فإذا يصدق على ذلك المكان أنه معدنه وأنه اخذ من معدنه توسعا. ولكنه كما ترى خلاف ما يفهم عرفا من اطلاق المعدن. ومن الواضح جدا ان مجرد كون البحر محلا لتكونه لا يستوجب صدق اسم المعدن عليه وإلا لكان السمك أيضا من المعادن لان البحر مكان خاص له، وهو معلوم البطلان هذا. ولو سلم كونه - اي العنبر - منها فالحاقه بها حكما مطلقا لا يكاد يتم لما عرفت من ان المعدن إذا اخرج بالغوص لحقه حكمه فيجب تخميسه إذا بلغ دينارا - على القول به في الغوص - لما تقدم سابقا من ان كونه غوصا مقتض للوجوب وكونه معدنا غير مقتضى له لا انه مقتض لعدمه. ومن الواضح ان اللامقتضي لا يزاحم المقتضى. ونسب إلى الاكثر ومنهم المحقق قدس سره في الشرايع التفصيل بين ما إذا اخرج بالغوص فيلحق به، وما إذا اخذ من وجه الماء أو الساحل فيلحق بالمعادن. وفيه ما عرفت من أنه لم يثبت كونه من المعادن فالحاقه بها إذا اخذ من وجه الماء أو الساحل غير ظاهر الوجه. ومن جميع ما ذكرنا يظهر لك ان الاقوى البناء على الحاقه بالغوص إذا اخذ به سواء عد من المعادن فيكون من غوص المعدن الذي عرفت الوجه في الحاقه حكما بالغوص، أم لم يعد منها. فعلى كل من التقديرين

[ 124 ]

[ الخامس المال الحلال المخلوط بالحرام (1) على وجه لا يتميز مع الجهل بصاحبه وبمقداره فيحل باخراج خمسه ومصرفه مصرف سائر اقسام الخمس على الاقوى ] إن اعتبر في الغوص نصاب اعتبر هنا أيضا، وإلا وجب فيه الخمس مطلقا ولو كان أقل من دينار. كما أن الاقوى البناء على عدم الحاقه لا بالغوص ولا بالمعدن إذا اخذ من ظاهر الماء أو الساحل، لعدم اندراجه في عنوان الغوص حينئذ وهو ظاهر، ولا في عنوان المعدن لعدم ثبوت كونه منه، ومقتضى اطلاق الصحيحة من غير مقيد وجوب الخمس حينئذ مطلقا. وعليه فلا محيص من الالتزام بانه عنوان مستقل في قبال الغوص والمعدن وغيرهما. وما ذكره المحقق الهمداني قدس سره من أن مقتضى تسالم الاصحاب ظاهرا على انحصار ما يجب فيه الخمس في السبعة عدم كون العنبر قسما مستقلا ثامنا فيتعين الحاقه باحد السبعة. يندفع بانه لم يثبت اجماع تعبدي على الانحصار المزبور، فلا مانع من جعل المقام عنوانا ثامنا إذا ساعده الدليل حسبما عرفت. (1): - على المشهور في وجوب الخمس فيه وفي ان مصرفه مصرف ساير اقسام الخمس. واختار بعضهم أن مصرفه الفقراء فيتصدق به عليهم، وذهب بعضهم إلى التخيير بين الامرين: اي بين الخمس المصطلح وبين الصدقة. والمتبع ما يستفاد من الروايات، وقد وردت عدة اخبار، منها

[ 125 ]

معتبرة عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس (1). ومنها ما رواه الصدوق في الخصال بسنده عن ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله (ع) قال: الخمس على خمسة اشياء على الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة ونسي ابن أبي عمير الخامس (2). ولكن الصدوق فسر ما نسيه ابن أبي عمير حيث ذيل الرواية بقوله - كما في المستند نقلا عن بعض مشايخه عنه -: " قال مصنف هذا الكتاب الذي نسيه مال يرثه الرجل وهو يعلم ان فيه من الحلال والحرام ولا يعرف اصحابه فيؤديه إليهم، ولا يعرف الحرام بجنسه فيخرج منه الخمس ". ولا يبعد تعويله في هذا التفسير على الرواية السابقة مع تقييدها بقيود من الجهل بالمقدار وبصاحب المال الذي لا محيص عن ارتكابه كما لا يخفى. نعم الموجود في الخصال - كما اشار إليه معلق الوسائل - الظن بذلك، ولكنه لا يعبأ به فانه لا ينبغي عن الحق شيئا. وكيفما كان فقد ناقش في المستند في ثبوت الخمس في المقام بمعناه المصطلح مدعيا: ان روايات الباب غير ناهضة باثباته، كما ناقش في رواية ابن مروان - التي رواها عن الخصال بسنده إلى ابن أبي عمير - باختلاف النسخ وأنه لم يجدها بشئ من الطريقين في الخصال، ومن ثم اختار الدفع بعنوان الصدقة.


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 6. (2) الوسائل الباب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 7.

[ 126 ]

ولكن الظاهر أنه قدس سره لم يعط الفحص حقه أو ان النسخة التي عنده كانت مغلوطة، وإلا فلا شبهة في وجودها في الخصال على اختلاف نسخها، وقد رواها عنه في الوسائل بسنده المتصل، وكذا في الحدائق فلا ينبغي الاستشكال فيه واحتمال الدس والزيادة في النسخ الموجودة التي روى عنها في الوسائل والحدائق، موهون جدا. كما لا ينبغي التأمل في أن الفهم العرفي قرينة على أن المراد بالمال المختلط بالحرام ما لا يعرف مقدار الخلط فقدر بالخمس تعبدا، وأما إذا علم أنه أقل أو أكثر وان دينارا واحدا من عشرة آلاف مثلا حرام أو حلال فهو خارج عن مدلول الرواية جزما فتختص بالمجهول مالا وصاحبا. وهناك روايات اخرى استدل بها على المطلوب. منها رواية الحسن بن زياد عن أبي عبد الله (ع) قال: إن رجلا أتى أمير المؤمنين (ع) فقال: يا أمير المؤمنين إني اصبت مالا لا اعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فان الله عزوجل قد رضي من ذلك المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يعلم (1). والظاهر ان مورد هذه الرواية المال المختلط بالحرام قبل الانتقال إليه بارث أو هبة ونحوهما من اسباب النقل، فكان مخلوطا عند المنتقل عنه، لا انه اختلط بعد ذلك، فموردها المال المنتقل من الغير لا مطلقا. على ان السند ضعيف بالحكم بن بهلول فانه مجهول.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1.

[ 127 ]

ومنها معتبرة عمار عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا، إلا أن لا يقدر على شئ ياكل ولا يشرب، ولا يقدر على حيلة فان فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى اهل البيت (1). ولكن الظاهر أن هذه الرواية خارجة عن محل الكلام، إذ لم يفرض فيها الاختلاط بالحرام بوجه لجواز أن يكون المال الواصل إليه من السلطان كله حلالا، وإن كان العمل له في نفسه حراما. وعليه فلا يبعد أن يكون المراد من الخمس هنا الخمس بعنوان الغنيمة والفائدة، وأنه إذا عمل له عملا فاستفاد فهو من مصاديق مطلق الفائدة، يسوغ التصرف فيها بعد دفع خمسها وإن لم يكن العمل في نفسه مشروعا كما عرفت. ومنها ما رواه الصدوق مرسلا قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (ع) فقال: يا أمير المؤمنين اصبت مالا اغمضت فيه أفلي توبة؟ قال: آتني خمسه فأتاه بخمسه، فقال: هو لك، إن الرجل إذا تاب تاب ماله معه (2) ولكنها مرسلة لا يعول عليها. ومنها ما رواه الكليني بسنده عن السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: اتى رجل أمير المؤمنين فقال: إني كسبت مالا اغمضت في مطالبه حلالا وحراما وقد اردت التوبة ولا ادري الحلال منه والحرام وقد اختلط علي فقال أمير المؤمنين (ع): تصدق بخمس مالك، فان الله قد رضي من الاشياء بالخمس، وساير المال لك حلال (3).


(1) الوسائل باب 10 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 2. (2) الوسائل باب 10 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 3. (3) الوسائل باب 10 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 4.

[ 128 ]

وهي معتبرة سندا دلت على لزوم اخراج الخمس، ولكن المذكور فيها عنوان الصدقة على خلاف المذكور في المعتبرة الاولى، اعني رواية عمار بن مروان. ومن ثم وقع الاشكال في أن مصرف هذا الخمس هل هو الفقراء كما هو ظاهر لفظ التصدق على ما يشير إليه قوله تعالى: (انما الصدقات للفقراء.. الخ) أو ان مصرفه مصرف ساير اقسام الخمس من المعادن والغنائم وغيرها كما هو مقتضى المعتبرة الاولى الظاهرة في اتحاد المصرف في الجميع، ومنهم من حكم بالتخيير بين المصرفين كما ستعرف. والظاهر ان ما ذهب إليه المشهور من اتحاد هذا المصرف مع ساير اقسام الخمس هو الصحيح. ووجهه ان معتبرة عمار بن مروان واضحة الدلالة على ذلك لقوة ظهورها بحسب الفهم العرفي، بل كادت تكون صريحة في ان المال المخلوط يصرف خمسه فيما يصرف فيه خمس الغنائم ونحوها المشار إليه بقوله تعالى: (فان لله خمسه وللرسول.. الخ). فقوة هذا الظهور مما لا ينبغي الاشكال فيها. وأما رواية السكوني فلو سلمنا أن لفظ (الصدقة) ظاهر في الانفاق على الفقراء، ولم نقل بانه موضوع للمعنى الجامع وهو كل عمل أو مال يتقرب به إلى الله تعالى الشامل للخمس المصطلح، بل قد ذكر شيخنا الانصاري على ما حكاه عنه المحقق الهمداني قدس سره ان لفظ الصدقة قد اطلق على الخمس في كثير من الاخبار على ما قيل، وإن لم تحضرنا من ذلك ولا رواية واحدة. وكيفما كان فلو سلمنا الظهور المزبور فلا ينبغي الشك في لزوم

[ 129 ]

رفع اليد عنه تجاه الرواية الاولى لاقوائية ظهورها بحيث كادت تلحقه بالصراحة كما عرفت. وبالجملة الامر دائر بين رفع اليد عن احد الظهورين، ولا ينبغي الريب في ان الاول أقوى، فتحمل الصدقة على المعنى اللغوي العام الشامل لمصرف الخمس أيضا. والذي يؤكده ذيل هذه الرواية حيث قال (ع): (فان الله قد رضي من الاشياء بالخمس) فانا لم نعهد موردا اوجب الله فيه الخمس ما عدا هذه الموارد المعهودة من الغنائم، والكنوز، والمعادن ونحوها، فكأنه عليه السلام اراد تطبيق كبرى الخمس على هذا المورد أيضا، فيكون المراد من الخمس هنا ذاك الخمس المقرر المجعول في الشريعة المقدسة الذي رضي الله به في موارده الخاصة، فهذا الذيل قرينة واضحة على استظهار ارادة الخمس المصطلح، ولا اقل من صلوحه للقرينية بحيث ينثلم معه ظهور لفظ الصدقة، ولاجله تصبح الرواية الاولى بلا معارض، فيكون الخمس هنا كالخمس في بقية الاقسام كما عليه المشهور، وإن كان كلام جماعة من القدماء خاليا عن ذلك ولاجله احتمل بعض المتأخرين انهم لم يلتزموا بذلك، ومنهم صاحب المدارك حيث انه قوى عدم الخمس والتزم بالصدقة، عملا بما دل على التصدق بمجهول المالك في عدة من الاخبار، ولكن الرواية الاولى السليمة عما يصلح للمعارضة صريحة فيما ذكرناه حسبما عرفت، فلا محيص عن الالتزام به وصرف الرواية الثانية أعني رواية السكوني عن ظاهرها. هذا وقد ذهب المحقق الهمداني قدس سره إلى التخيير بين الامرين عملا بكلتا الروايتين فله الصرف خمسا، كما له الدفع صدقة، وذكر

[ 130 ]

قدس سره ان هذا هو الاوجه في مقام الجمع إن لم يكن اجماع على خلافه. وملخص ما ذكره قدس سره ان تعلق الخمس بالمختلط ليس معناه ان خمس المال ملك فعلي للسادة بحيث ان الخلط بمجرد حصوله أوجب انتقال هذا الكسر من المال إليهم ابتداء ويشتركون فيه مع المالك بنحو من الشركة كما هو الحال في ساير اقسام الخمس من الغنائم، والمعادن، والكنوز ونحوها، فليس تعلق الخمس في المختلط كتعلقه في ساير الاقسام، بل الخمس هنا مطهر ويكون الباقي له بعد التخميس. وعليه فله التصدي للتطهير بنحو آخر بان يسلم المال باجمعه للفقير قاصدا به التصدق بجميع ما للغير في هذا المال واقعا، فينوي الصدقة في حصة المالك الواقعي ردا للمظالم، وبما ان الحصتين مجهولتان حسب الفرض فيقتسمان بعد ذلك بالتراضي أو القرعة أو نحو ذلك، وبهذه الكيفية يحصل التطهير وتبرء الذمة أيضا. وعلى هذا فليس الخمس واجبا تعيينيا - وكلمة العيني في كلامه قدس سره سهو من قلمه الشريف كما لا يخفى - بل التخلص من الضمان يتحقق بكل من الامرين حسبما عرفت. فهو إذا مخير بينه وبين الصدقة. واما رواية السكوني فهي أيضا غير ظاهرة في الوجوب التعييني، إذ هي في مقام دفع توهم الحظر من اجل تخيل عدم جواز التصرف في مال الغير حتى بنحو التصدق عن صاحبه، فغاية ما هناك انها ظاهرة في الجواز وانه يجوز الاكتفاء بالتصدق بمقدار الخمس من غير ان يتعين في ذلك بل يجوز التخلص بالتصدق بنحو آخر حسبما عرفت آنفا فبالنتيجة هو مخير بين الامرين. هذا ملخص كلامه قدس سره. ولكنه لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

[ 131 ]

اما ما ادعاه في رواية السكوني من ورود الامر فيها موقع توهم الحظر فليس الامر كذلك بحيث يمنع عن ظهور الامر في الوجوب، فان التصدق بمال الغير وان كان حراما لكن ليس كل محرم يمنع عن ظهور الامر المتعلق به في الوجوب فان السؤال هنا عن الوظيفة الفعلية في مقام تفريغ الذمة بعدما كان يعلم السائل بعدم جواز التصرف فبين الامام عليه السلام كيفية التفريغ وانه يتحقق بالتخميس الظاهر بحسب الفهم العرفي في انحصار الوظيفة وتعينها في ذلك، فالحمل على الجواز من اجل الورود موقع الحظر خلاف المتفاهم العرفي في امثال المقام جدا كما لا يخفى. واما ما ذكره قدس سره في الرواية الاولى - اعني معتبرة عمار ابن مروان - من جواز التصدي للتفريغ والتطهير بغير التخميس اعني التصدق فلا يمكن تصديقه بوجه. ضرورة ان التصدق بمال الغير والاجتزاء به في مقام التفريغ يحتاج إلى الدليل، ولولا قيام الدليل على ان مجهول المالك إذا لم يكن ايصاله إلى صاحبه يتصدق به عنه لم يكن اي وجه للصدقة، إذ كيف يكون التصدق ممن لا وكالة عنه ولا ولاية عليه مفرغا. وانما النزمنا بذلك من اجل الروايات الخاصة وهي وان وردت في موارد مخصوصة واموال متميزة كالمال الخارجي أو الديون ونحو ذلك الا انه لابد من الغاء الخصوصية بحسب الفهم العرفي، والالتزام بان التصدق لدى العجز عن معرفة المالك نحو ايصال للمال إليه فهو مجزئ في مقام التفريغ وان لم يكن المال متميزا. وكيفما كان فالالنزام بالتصدق والاكتفاء به في مقام التفريغ انما

[ 132 ]

كان من اجل تلك الروايات. وعليه فإذا فرضنا ورود رواية معتبرة دلت في مورد خاص - كالمقام - على وجوب التخميس فبطبيعة الحال تكون هذه الرواية مخصصة لتلك الاخبار ومقيدة لاطلاقها بمقتضى صناعة الاطلاق والتقييد. وقد عرفت أن معتبرة عمار دلتنا على ذلك صريحا وبعد ورودها كيف يسعنا الاخذ باطلاق نصوص الصدقة لولا رواية السكوني. (وبالجملة) مع قطع النظر عن رواية السكوني فرواية عمار مخصصة لروايات الصدقة فلا محالة يتعين التخميس، ومعه لا مجال للتصدق. وأما ما ذكره قدس سره من أن كيفية التعلق تختلف في المختلط عن غيره فقد ظهر فساده. ضرورة ظهور الرواية في انه في فرض الخلط والشك فولي الامر وهو الله تعالى قد قسم المال هكذا: بأن يكون خمسه للامام، والباقي للمالك كتقسيمه كذلك في ساير موارد الخمس، فالالتزام بالتفكيك خلاف الظاهر جزما. فما ذكره قدس سره بعيد جدا بل لابد من وجوب التخميس، ورفع اليد عن رواية السكوني حسبما عرفت فيما مر. والذي يهون الخطب من اول ما ذكرناه إلى هنا أن رواية السكوني انما تصلح للمعارضة مع رواية عمار لو كان متنها كما اثبتناه المطابق لما في الكافي كما ذكره في الوسائل، وكأن المشهور اقتصروا على هذه النسخة فذكروا ما ذكروا في كيفية الجمع. ولكن صاحب الوسائل ذكر بعد ذلك قوله: (ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب ورواه الصدوق باسناده عن السكوني، ورواه البرقي في المحاسن عن النوفلي، ورواه المفيد في المقنعة مرسلا

[ 133 ]

[ واما ان علم المقدار ولم يعلم المالك تصدق به عنه (1)، ] نحوه) فيظهر من ذلك انها رواية واحد لفظا ومعنى قد رويت بعدة طرق وان هؤلاء الباقين نقلوها كما في الكافي وليس كذلك، فان الصدوق قد رواها بسند معتبر بنحو آخر قال: (فقال علي (ع): اخرج خمس مالك فان الله عزوجل قد رضي من الانسان بالخمس وساير المال كله لك حلال) فذكر (اخرج) بدل تصدق كما ذكر (الانسان) بدل الاشياء فيتحد مضمونها حينئذ مع رواية عمار بلا تفاوت ابدا، فتخرج حينئذ عن المعارضة إلى المعاضدة وبما انها رواية واحدة كما عرفت والنسخة مختلفة فلم يعلم ان السكوني هل رواها كما في الكافي أو ما في الفقيه؟ وحيث لا ترجيح فتسقط عن درجة الاعتبار، وتبقى رواية عمار بلا معارض. بل يمكن القول بترجيح الثاني نظرا إلى ان الصدوق يرويها عن كتاب السكوني، فان لم يكن في هذا ترجيح فليس في رواية الكافي ترجيح قطعا فلم ينهض في البين ما يصلح للمعارضة مع رواية عمار. ومن الغريب ان الفقهاء كأنهم لم ينظروا إلى الفقيه واقتصروا على رواية الكافي فتكلموا في كيفية الجمع على اختلاف الانظار مع انها ساقطة حسبما عرفت. فتحصل ان الاقوى وجوب الخمس في المقام وعدم اختلاف مصرفه مع ساير الاقسام كما عليه المشهور. (1): - سواءا أكان اقل من الخمس أم أكثر، كما لو علم أن عشر المال أو ثلثه حرام.

[ 134 ]

وقد استظهر شيخنا الانصاري ان وجوب التصدق بكل ما يعلم من قليل أو كثير مورد اتفاق الاصحاب من غير خلاف. ولكن صاحب الحدائق نسب إلى بعضهم وجوب الخمس هنا ايضا والتصدق بالزائد إن كان المعلوم اكثر من الخمس، وهو قدس سره اختار الخمس من غير صدقة سواء أكان الحرام أقل من الخمس أم اكثر. بدعوى ان روايات التخميس مثل معتبرة عمار بن مروان تشمل ما إذا كان المعلوم اقل أو اكثر من الخمس وادعى ان جميع ما ورد في باب التصدق بمجهول المالك خاص بالمال المتميز، وأما المخلوط فلم يرد التصدق به ولا في رواية واحدة فتشمله اخبار التخميس. على ان قياس المخلوط بالمتميز قياس مع الفارق، فان المال المتميز المعلوم مالكه معين غير انه مجهول لا يمكن الايصال إليه فيتصدق به عنه فانه نحو إيصال إليه. وأما المخلوط فليس مالكه متميزا بل المال مشترك بينهما ومن المعلوم ان تقسيم المشترك وافراز حصة الغير يحتاج إلى اذن من المالك أو وليه. فالتقسيم على نحو تشخص حصة الغير فيما افرز ثم التصدق به من غير اذن ولا ولاية على التقسيم، يحتاج إلى دليل ولم يقم عليه أي دليل في المقام كما لا يخفى، فيرجع إذا إلى اخبار التخميس. فالذي يتحصل من كلامه قدس سره ان الاقوال في المسألة ثلاثة: التصدق مطلقا كما نسبه شيخنا الانصاري قدس سره إلى الاصحاب ولا شبهة ان هذا هو المشهور كما في عبارة المحقق الثاني قدس سره. والتخميس ثم التصدق بالباقي إن كان المعلوم اكثر.

[ 135 ]

والتخميس مطلقا أي سواء أكان المعلوم أقل أم اكثر، كما اختاره صاحب الحدائق بنفسه. أما التخميس والتصدق بالزائد فلا يمكن الالتزام به بوجه ولا نعرف القائل به، وإن حكاه في الحدائق عن بعضهم، لانه إن قلنا بشمول ادلة التخميس للمقام فهى واضحة الدلالة على حلية الباقي كما صرح به في رواية السكوني وهو الظاهر من رواية عمار كما لا يخفى. فلا حاجة إذا إلى التصدق، وان لم تشمل فلا موجب للتخميس ابدا فهذا القول ساقط جزما. فيدور الامر بين القولين الآخرين، أعني التصدق مطلقا، أو التخميس مطلقا. ولا يخفى ان ما ذكره في الحدائق من اختصاص نصوص التصدق بمجهول المالك بالمال المعين المتميز وعدم شمولها للمختلط لم يكن له أي اثر في المقام، فلا يفرق الحال بين كونها مختصة أم مطلقة، وإن كان ما ذكره من الاختصاص صحيحا في اكثر هذه الاخبار، فان اغلبها وردت في الدين أو الامانة التي تبقى عنده ويذهب المالك ولا يرجع، أو كان اجيرا قد مضى ولا يعرفه (1) أو وجد متاع شخص عنده قد ذهب إلى بلده ولا يعرفه كما هو مورد صحيحة يونس بن عبد الرحمن المتضمنة للامر ببيعه والتصدق بثمنه (2). نعم هناك رواية واحدة لا يبعد شمولها للمتميز وغيره وهي رواية علي بن أبي حمزة الواردة فيمن اصاب مالا كثيرا من بني امية قد


(1) الوسائل باب 6 من ابواب ميراث الخنثى وما اشبهه. (2) الوسائل باب: 7 من ابواب اللقطة الحديث: 2.

[ 136 ]

أغمض في مطالبه والآمرة بالخروج عن جميع ما كسب في ديوانهم بالرد إلى من عرف والتصدق عمن لم يعرف (1). فان من البعيد جدا أن يكون هذا الشخص عارفا باشخاص الاموال التي تكون لغيره، بل بطبيعة الحال يكون اكثرها نقودا مختلطة في امواله، ولو بين من يعرف مالكه ومن لا يعرف، فاعطى الامام (ع) له الولاية باعطاء من يعلم بمقدار ما يعلم والتصدق عمن لا يعرفه، ولكنها ضعيفة السند جدا لان في سندها ابراهيم بن اسحاق (النهاوندي) وهو ضعيف فلا يعتمد عليها. فالعبرة بغيرها وعمدتها صحيحة يونس وهي خاصة بالمتميز كما عرفت. إلا أن هذا الاختصاص أو التعميم لا اثر له في محل الكلام كما اسلفناك. لانا إذا بنينا على شمول ادلة التخميس لهذه الصورة - أعني صورة العلم بالمقدار - فلا يفرق في ذلك بين كون تلك النصوص مطلقة أم لا. أما على الثاني فواضح، وكذا على الاول، إذ غايته انها تقيد بهذه الادلة من روايتي عمار والسكوني ونحوهما فيلنزم بالتصدق في مجهول المالك مطلقا إلا في خصوص المقام فانه يخمس ويصرف الخمس في الصدقة أو في غيرها على الخلاف المتقدم. وإذا بنينا على عدم الشمول فلا دليل على التخميس حتى لو فرضنا اختصاص تلك النصوص بالمتميز ضرورة ان مجرد عدم شمولها للمخلوط لا يقتضي النخميس فيه بوجه فالعبرة في وجوب التخميس بشمول ادلته للمقام وعدمه، لا بالاطلاق أو الاختصاص في ادلة الصدقة كما لعله ظاهر جدا.


(1) الوسائل باب 47 من ابواب ما يكتسب به الحديث: 1.

[ 137 ]

وقد عرفت أن الاقوى عدم الشمول وأن تلك الادلة في حد انفسها قاصرة، إذ لا يكاد يحتمل وجوب التخميس على من يعلم بوجود دينارين محرمين في ضمن عشرة آلاف من دنانيره المحللة، كما لا يكاد يحتمل الاكتفاء بالتخميس لمن يعلم بوجود دينار أو دينارين محللين قد اختلطا في ضمن عشرة آلاف من الدنانير المغتصبة بحيث يحل له الباقي بعد اداء المجموع، ولاسيما إذا كان متعمدا في الخلط للتوصل إلى هذه الغاية، فان هذا لعله مقطوع البطلان بضرورة الفقه، ولم يكن مدلولا للرواية بوجه. بل الظاهر منها أن مقدار الحلال والحلام مشكوك من أول الامر فلا يدري الحلال من الحرام الظاهر في الجهل المطلق حتى من حيث المقدار. إذا فمعلوم المقدار غير مشمول لاخبار التخميس بوجه. فلابد من النظر حينئذ إلى اخبار التصدق، فان قلنا بانها عامة للمتميز وغيره نظرا إلى أن خصوصية التمييز لم تكن بنظر العرف دخيلة في الحكم بل هي مورد للسؤال وجب التصدق بها حينئذ عن صاحبه، فيستفاد من تلك الادلة من صحيحة يونس وغيرها ولاسيما ما ثبت في الدين أن الامام (ع) أعطى الولاية لمن بيده المال متميزا أم غير متميز بان يوصل ذلك إلى صاحبه ولو بقيمته، كما دل عليه قوله (ع) في صحيحة يونس: بعه وتصدق بثمنه على اهل الولاية، وفي رواية داوود بن أبي يزيد: فاقسمه في اخوانك (1). فانه كيف يقسم مال الغير لولا أن هذا اجازة من ولي الامر في ايصال المال إلى صاحبه ولو بالتصدق ببدله وهو الثمن.


(1) الوسائل باب: 7 من ابواب اللقطة الحديث: 2 و 1.

[ 138 ]

[ والاحوط ان يكون باذن المجتهد الجامع للشرائط (1) ] على انا لو قطعنا النظر عن ذلك وقلنا باختصاص تلك النصوص بالمتميز فيمكن تعيين المخلوط وتقسيمه بمراجعة الحاكم الشرعي من الامام أو نائبه ولا أقل من عدول المؤمنين، إذ لا يمنع عن التصرف بمجرد الاختلاط بالضرورة، فلو علم بوجود ثلاثمائة حراما أو حلالا في ضمن الالف فلا مناص له من الافراز والتعيين ولو بولاية عدول المؤمنين. على أنه مع الغض عن كل ذلك فما هي وظيفته تجاه هذه الاموال المختلطة. فانا إذا فرضنا ان اخبار التصدق خاصة بالمتميز، واخبار التخميس لم تشمل المقام فماذا نصنع بهذا المال؟ فان الامر دائر بين أن يبقى حتى يتلف، وبين أن يتملك أو أن يتصدق به، ولا ريب ان المتعين هو الاخير بعد ان لم يكن سبيل إلى الاتلاف ولا التملك. فلو فرضنا ان اخبار التصدق قاصرة لم يكن أيضا أي مناص من الالتزام به للقطع بعدم جواز غيره فانه نحو إيصال إلى المالك فما ذكره المشهور من التصدق هو الاوجه حسبما عرفت. (1): - فانه القدر المتيقن من جواز التصرف في ملك الغير بعد أن كان مقتضى الاصل عدم جواز التصرف فيه بغير اذنه. وأما نصوص التصدق فليست هي بصدد البيان من هذه الناحية لينعقد لها الاطلاق المستلزم لاعطاء الولاية لذي اليد، بل هي مسوقة لبيان كيفية التصرف فقط، وأنه يجب التصدق به على الوجه المقرر شرعا، أو يقال بان الامر بالتصدق بنفسه اذن من الامام (ع)، فهذه الروايات ليست لبيان الحكم الشرعي فحسب، بل بضميمة الاذن.

[ 139 ]

على أنه يظر من بعض الروايات اعتبار الاذن وهي رواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رجل: إني قد اصبت مالا واني قد خفت فيه على نفسي ولو اصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه، قال: فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: والله ان لو اصبته كنت تدفعه إليه، قال: اي والله، قال: فانا، والله ماله صاحب غيري، قال فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف فقال: فاذهب فاقسمه في اخوانك ولك الامن مما خفت منه، قال: فقسمته بين اخواني (1). والظاهر انها معتبرة من حيث السند فان موسى بن عمر الواقع في الطريق مردد بين موسى بن عمر بن بزيع، وموسى بن عمر بن يزيد والاول وثقه النجاشي وغيره صريحا، والثاني مذكور في اسناد كامل الزيارات بقرينة رواية سعد عنه في الكامل فانه الراوي عن ابن يزيد فيعلم من ذلك ان المراد بموسى بن عمر في الكامل هو ابن يزيد، فالرجل موثق على اي تقدير ولا ينبغي التشكيك في صحة السند. كما انها ظاهرة الدلالة على لزوم مراجعة الحاكم الشرعي. فان الظاهر من قوله (ع): (والله ماله صاحب غيري) انه يريد من الصاحب من يرجع إليه هذا المال وتكون له الولاية على التصرف، لا أنه عليه السلام كان مالكا شخصيا لذاك المال، ولذا لم يسأله عليه السلام عن نوعية المال ولم يستفسر عن خصوصيته وانه اي شئ كان. على انه لو كان له عليه السلام لاخذه ولم يأمر بالتقسيم مضافا إلى عدم استقامته مع قوله عليه السلام: ولك الامن مما خفت منه. إذ


(1) الوسائل باب: 7 من ابواب اللقطة الحديث: 1.

[ 140 ]

[ ولو انعكس بان علم المالك وجهل المقدار تراضيا بالصلح ونحوه (1) وان لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالاقل أو وجوب اعطاء الاكثر وجهان الاحوط الثاني والاقوى الاول إذا كان المال في يده. ] لو كان عليه السلام هو المالك حقيقة فقد وصل المال إلى صاحبه فاي خوف بعد هذا، فتأمين الامام عليه السلام اياه باعتبار أنه ولي الامر وصاحبه الشرعي دون الحقيقي. ولاجله يتحمل تبعة عدم الايصال إلى الاهل. وعلى الجملة فالظاهر من هذه الرواية ان امره عليه السلام بالتقسيم كان باعتبار الولاية على مجهول المالك لا باعتبار كونه مالا له حقيقة ولاسيما بقرينة عدم الاستفسار عن نوعية المال. وعليه فاعتبار الاذن من الحاكم الشرعي لو لم يكن اقوى فلا اقل من أنه احوط لعدم ثبوت الولاية للمالك كي يسوغ له التصدق من دن مراجعته بعدما كان مقتضى الاصل عدم جواز التصرف في مال الغير إلا باذن الولي، وقد عرفت أنه لم يوجد في الاخبار ما يكون له اطلاق من هذه الجهة. (1): - إذا كان المالك معلوما والمقدار مجهولا دائرا بين الاقل والاكثر وقد اختلط المالان احدهما بالآخر فهل يجوز الاقتصار على الاقل أو لابد من دفع الاكثر؟ أو انه يجب اعطاء الخمس وان احتمل الزيادة أو النقيصة عنه كما نسب ذلك إلى العلامة؟. اما الاخير فلم يظهر وجه لان دليل التخميس من روايتي عمار والسكوني ونحوهما انما ورد في المالك المجهول، فالتعدي منه إلى المعلوم

[ 141 ]

بحيث يلزم بالخمس وان كان الحرام اقل أو تفرغ ذمته بدفعه وان كان اكثر عار عن كل دليل كما لا يخفى. فيدور الامر حينئذ بين الوجهين الاولين. ومحل الكلام ما إذا لم يقع بينهما تصالح وتراض على مقدار معين ليرجع إلى الابراء ان كان اكثر، والاهداء ان كان اقل والا فلا اشكال فيه. فنقول تارة يفرض ان المال تحت يده واستيلائه، واخرى انه خارج عن يده اما تحت يد ثابت أو لم يكن تحت يد اصلا. فعلى الاول لا ينبغي الاشكال في سقوط اليد بالاضافة إلى كل واحد من الافراد بالمعارضة لكونه طرفا للعلم الاجمالي فلا يمكن التمسك في شئ منها بقاعدة اليد للتصرف الخارجي من لبس أو اكل ونحوهما أو الاعتباري من بيع أو هبة ونحو ذلك. وهل تجري قاعدة اليد في الفرد المشكوك فيه من غير تمييز؟ فيه كلام بين الاعلام قد تكلمنا حوله في بعض المباحث الاصولية. ففيما لو علم اجمالا بنجاسة احد الثوبين واحتمل نجاسة الثوب الآخر ايضا لوقوع قطرة بول في احدهما واحتمال الوقوع في الآخر ايضا فالواحد منهما لا بعينه معلوم النجاسة بالاجمال القابل للانطباق على كل واحد منهما لكونه طرفا للعلم الاجمالي فلا يجوز ترتيب آثار الطهارة على شئ منهما لسقوط الاصل من الطرفين بالمعارضة، وهل تجري اصالة الطهارة في الفرد الآخر غير المعلوم لدينا باعتبار ان احدهما لا بعينه نجس قطعا، واما الآخر فهو غير معلوم النجاسة فلا مانع من كونه مجرى للاصل. الظاهر هو الجريان إذ المعارضة تختص بالاشخاص فلا يجري الاصل

[ 142 ]

في خصوص كل واحد بعينه للتعارض، واما الواحد لا بعينه ونعني به الجامع الكلي المعري عن كل خصوصية، لا الفرد المردد أو العنوان المبهم الذي لا وجود له ولا ذات كما لا يخفى - فلا مانع من اجراء الاصل فيه بعد تمامية اركانه. ويترتب على ذلك جواز تكرار الصلاة في الثوبين المزبورين، إذ معه يقطع بوقوع الصلاة في ثوب محكوم بالطهارة بمقتضى الاصل. وهذا بخلاف ما لو منعنا عن جريان الاصل فيه - اي في الواحد لا بعينه - لعدم احراز طهارة ذاك الثوب حينئذ شرعا لا واقعا ولا ظاهرا بعد جواز نجاستهما معا كما هو المفروض، فلا تجوز الصلاة في شئ منهما. وعلى الجملة لا نرى اي مانع من التعبد بطهارة واحد منهما لا بعينه بمقتضى الاصل كما نعلم اجمالا بنجاسة الواحد منهما لا بعينه. ومن المعلوم ان الطهارة والنجاسة ونحوهما من الاحكام الوضعية والتكليفية امور اعتبارية ولا مانع من قيام الامر الاعتباري بالجامع بين الامرين بل يمكن ذلك حتى في بعض الصفات الحقيقة كالعلم فضلا عن الامور الاعتبارية وليس هذا من قبيل العرض بلا معروض، فان العلم يقوم بالعالم وعرض له لا للمعلوم فلا مانع من تعلقه بالجامع من دون ان يكون له تعين حتى في علم الله وفي صقع الواقع. فيعلم بنجاسة احد الانائين وفي علم الله كلاهما نجس فلم يكن هناك تعين للمعلوم الاجمالي حتى في علم الله. فإذا ثبت ذلك في الصفات الحقيقة ففي الاعتبارية بطريق اولى. ومن هذا القبيل بيع الكلي فان المملوك هو الكلي من دون لحاظ اي شخص من هذه الصبرة فالملكية قائمة به لا بالشخص حتى في

[ 143 ]

علم الله سبحانه. وعليه فلا مانع من ان يكون احد الثوبين في المثال المزبور محكوما بالطهارة بمقتضى الاصل وان كان لا بعينه. نعم لا بد وان يكون لهذا التعبد اثر عملي والا كان لغوا محضا، واثره في هذا المثال صحة الصلاة لو صلى في كل منهما متعاقبا فانه قد صلى حينئذ في الثوب الطاهر بحكم الشارع فلو انكشف نجاستهما معا يحكم بصحة الصلاة لانه قد صلى في ثوب محكوم بالطهارة في ظاهر الشرع كما لا يخفى. وهذه مسألة كبروية نقحناها في الاصول تنطبق على المقام واشباهه ففي المقام بما انا نعلم اجمالا بحرمة بعض ما في يده من الاموال فقاعدة اليد في كل منهما ساقطة بالمعارضة فلا يجوز التصرف في شئ منها لا الخارجي ولا الاعتباري من بيع ونحوه. وأما بالنسبة إلى الكلي اعني الزائد على المقدار المعلوم مما كان دائرا بين الاقل والاكثر كما لو كان مجموع ما عنده عشرة دنانير ويعلم ان بعضا منها حرام وهو مردد بين الاثنين والخمسة فقاعدة اليد بالنسبة إلى كل شخص شخص ساقطة لمكان العلم الاجمالي كما عرفت. واما بالنسبة إلى الجامع الزائد على الاثنين اعني الثمانية الباقية فيشك انه هل فيها حرام أو لا؟ ومقتضى قاعدة اليد ملكيته لها فتكون الثمانية من هذه الاموال له والاثنان لغيره من غير تمييز، (وتظهر الثمرة) في القسمة، فانهما ان تراضيا وتصالحا في مقام التقسيم فلا كلام كما تقدم والا فان قلنا بان الخلط في المقام موجب للشركة كما هو صريح كلام المحقق الهمداني قدس سره في القسم الثالث. اعني ما إذا كان القدر والمالك معلومين فيقسم حينئذ على نسبة كل من المالين. ففي المثال

[ 144 ]

المزبور يقسم عشرة اسهم. ثمانية لمن بيده المال وثنتان للشخص الآخر، فان طريقة التقسيم في العين المشتركة هي هذه فان رضي بها الآخر والا اجبر عليها على ما هو الميزان من ان لكل من الشريكين المطالبة بالقسمة. ولكن الاشتراك لم نعرف له وجها ظاهرا في المقام إذ الشركة انما تتحقق باحد امرين: اما بعقد الشركة كما لو كان لاحدهما مائة درهم وللاخر خمسون فتعاقدا على الاشتراك الموجب لان يكون كل درهم ثلثه لاحدهما وثلثاه للاخر والربح على طبق ما اتفقا عليه. وأما بالاختلاط خارجا ولو بغير اختيارهما إما بفعل ثالث أو لامر غير اختياري ولكنه يختص بما إذا عد المالان عرفا شيئا واحدا قد زادت كميته كاختلاط سمنه بسمن الآخر أو امتزاج مائه بماء الآخر ونحو ذلك مما لا يقبل التقسيم لعدم امتياز الاجزاء بعضها عن بعض، بحيث ان كل جزء من اجزائه حتى ما لا يتجزأ يكون في نظر العرف مشتركا بينهما. وأما إذا كانت الاموال والاجزاء ممتازة ومنحازة بعضها عن البعض الاخر خارجا كما في المقام فلا دليل حينئذ على ان مجرد الخلط وعدم المبز والتشخيص يستوجب الشركة، فإذا كانت الاموال عشرة دنانير وكان ديناران لغيره والباقي له ولو بقاعدة اليد فباي موجب يحكم بالشركة بحيث ان كل دينار اربعة اخماس منه له، وخمس لغيره لا دليل على ذلك اصلا. ولاسيما إذا فرض هذا في القيميات كما لو كانت عشر من الشياة

[ 145 ]

اثنتان منها مغصوبتان والباقي له إما جزما أو بقاعدة اليد فانه لا معنى للاشتراك هنا قطعا، بل هو من اختلاط المالين وعدم التمييز في البين. وحينئذ فان تراضيا فلا كلام والا فلا مناص في مقام التعيين من الرجوع إلى القرعة التي هي لكل امر مشكل فان كل واحد من هذه الدنانير أو الشياه مردد بين ان يكون له أو للاخر فتجعل عشر رقع يكتب في ثنتين اسم زيد وفي ثمانية اسم من بيده المال فمن ظهر باسمه يكون المال له فانها لكل امر مشكل وسهم الله لا يخطئ. وملخص الكلام في هذا القسم ان التخميس لا وجه له وان نسب إلى العلامة. وحينئذ فإذا كان الحرام دائرا بين الاقل والاكثر فهل يقتصر على الاقل؟ أو يجب تفريغ الذمة باداء الاكثر؟ ذهب إلى كل فريق. وقد عرفت ابتناء المسألة على كبرى اصولية وهي جواز الرجوع إلى الاصل في الواحد لا بعينه من اطراف العلم الاجمالي غير ما هو المعلوم بالاجمال. وقد عرفت انه الصحيح وانه يرجع في تشخيصه إلى القرعة حسبما عرفت بما لا مزيد عليه بعد الاقتصار فيه على الاقل. وهكذا الحال فيما إذا كان المالان من قبيل المتباينين دون الاقل والاكثر، كما لو كان شاة وحمار قد علم ان احدهما له والآخر لغيره فان المرجع في التشخيص هو القرعة ايضا لعين المناط المتقدم هذا كله فيما إذا كان المال تحت يده. ومنه يظهر حكم ما لو لم يكن تحت اليد فان المقدار المتيقن انه له أو لغيره يؤخذ به والمقدار المردد بينهما حيث لا سبيل لتشخيص مالكه فيرجع في تعيينه إلى القرعة التي هي لكل امر مشكل.

[ 146 ]

ولكن قد يحتمل التنصيف والتوزيع في المقام كما احتمله الماتن عند التعرض لنظير ذلك في بعض المسائل الآتية. بدعوى ان ادلة القرعة لا يمكن العمل بها ما لم يصافق عليها المشهور للزوم تأسيس فقه جديد من الاخذ باطلاقها كما لا يخفى. ففي كل مورد وردت فيه بالخصوص كالشاة الموطوءة المشتبهة في قطيعة من الغنم أو عمل بها المشهور يؤخذ بها والا فلا. وبما ان المقام فاقد لكلا الامرين فلا مناص من التنصيف بمقتضى قاعدة العدل والانصاف - التي جرت عليها السيرة العقلائية - في كل مال مردد بين شخصين من غير اي مرجح في البين، فان فيه ايصالا للمال إلى مالكه ولو في الجملة، فيعطى النصف لغير المالك مقدمة للعلم بوصول النصف الآخر إلى المالك، فيكون حال المقدمة العلمية حال المقدمة الوجودية فيما لو توقف الايصال على صرف مقدار من المال كأجرة العمل فانه لا ينبغي الاشكال في جوازه مقدمة للايصال فكذا فيما كان مقدمة للعلم بالايصال. نعم هذا في غير الغصب وامثاله والا فلا بد وان يكون الصرف من كيس الغاصب وكيفما كان فقد ادعي ان قانون الانصاف يقتضي التنصيف ولا مجال للقرعة وربما يؤيد ذلك بما ورد في الدرهم التالف عند الودعي المردد بين كونه لصاحب الدرهم أو الدرهمين من التنصيف بينهما (1) وبما ورد فيما لو تداعيا شخصان مالا واقام كل منهما البينة على انه له من انهما يحلفان فان حلفا أو نكلا قسم بينهما نصفين. فتؤيد


(1) الوسائل باب 11 من ابواب الصلح.

[ 147 ]

القاعدة بهذه الروايات.. ولكن للنظر فيها مجال واسع. اما اولا فلانا لو التزمنا بالقاعدة فانما تتجه في موارد لم يكن المكلف ضامنا كما في الودعي ونحوه من موارد الامانات الشرعية فليفرض جواز التنصيف حينئذ مقدمة للعلم بايصال النصف الآخر إلى صاحبه. واما في مثل المقام مما اختلط فيه الحلال بالحرام على وجه يتحقق الضمان بالاضافة إلى جميع المال بحيث يجب عليه الخروج عن عهدته بتمامه وكماله كما هو المفروض فما هو المسوغ لاتلاف احد النصفين وما هو رافع الضمان بالاضافة إليه بعد كون الذمة مشغولة به بالعلم التفصيلي فان الضمان يحتاج إلى مخرج اما وجداني أو تعبدي ولم يتحقق شئ منهما بالاضافة إلى ذلك النصف كما هو ظاهر. وأما ثانيا فلان القاعدة في نفسها غير تامة، إذ لم يثبت بناء ولا سيرة من العقلاء على ذلك حتى تكون ممضاة لدى الشارع اللهم الا إذا تصالحا وتراضيا على التقسيم على وجه التنصيف فانه امر آخر والا فجريان السيرة على ذلك بالتعبد من العقلاء أو الشارع استنادا إلى ما يسمى بقاعدة العدل والانصاف لا اساس له وان كان التعبير حسنا مستحسنا إذ لم يقم اي دليل على جواز ايصال مقدار من المال إلى غير مالكه مقدمة للعلم بوصول المقدار الآخر إلى المالك. نعم في المقدمة الوجودية ثبت ذلك حسبة، واما العلمية فكلا. فقياس احدى المقدمتين بالاخرى قياس مع الفارق الظاهر كما لا يخفى. وأما الروايات فهي واردة في موارد خاصة من التداعي أو الودعي ونحوهما. فالتعدي عن ذلك ودعوى ان كل مورد تردد المال بين

[ 148 ]

[ وان علم المالك والمقدار وجب دفعه إليه (1). (مسألة 28) لا فرق في وجوب اخراج الخمس وحلية ] شخصين يقسم نصفين مشكل جدا. وأما ما ذكر من ان ادلة القرعة لا يمكن العمل باطلاقها للزوم تأسيس فقه جديد فيتوقف الاخذ بها على عمل المشهور، فهو ايضا لا اساس له لاختصاص تلك الادلة بمورد لم يظهر حكمه لا الواقعي ولا الظاهري المعبر عنه في الاخبار بالمشكل، اي اشكل الامر على المكلف فلا يدري ماذا يصنع فيختص بالمجهول المطلق، وإلا فمع تبين الوظيفة الظاهرية، فضلا عن الواقعية لم يكن ثمة اي شبهة أو اشكال حتى يرجع إلى القرعة. فلا سبيل للرجوع إليها في موارد الاصول الشرعية أو العقلية فضلا عن الامارات كما لا مجال في موارد العلم الاجمالي بعد حكومة العقل بلزوم الاحتياط من اجل تعارض الاصول فتختص القرعة بمورد لا يجري فيه حتى الاصل، ولم يكن الحكم معلوما بوجه كما في امثال المقام مما تردد المال فيه بين شخصين حيث لا يمكن تعيين ذلك باي اصل من الاصول. فإذا لم تتم قاعدة العدل والانصاف كما عرفت لم يكن اي مناص من العمل بالقرعة من غير توقف على عمل المشهور، ولا يلزم منه تأسيس فقه جديد ابدا ولا ريب ان بعض رواياتها صحيحة سندا ودلالة فلا مانع من العمل بها. (1): - بلا خلاف فيه ولا اشكال بعد وضوح عدم شمول ادلة التخميس للمقام من اجل اختصاصها بصورة جهل المالك.

[ 149 ]

[ المال بعده بين أن يكون الاختلاط بالاشاعة أو بغيرها (1) كما إذا اشتبه الحرام بين افراد من جنسه أو من غير جنسه. (مسألة 29) لا فرق في كفاية اخراج الخمس في حلية البقية في صورة الجهل بالمقدار أو المالك بين ان يعلم اجمالا زيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس (2) وبين صورة عدم العلم ولو اجمالا ففي صورة العلم الاجمالي بزيادته عن الخمس ايضا يكفي اخراج الخمس فانه مطهر للمال تعبدا وان كان الاحوط مع اخراج الخمس المصالحة مع الحاكم الشرعي ايضا بما يرتفع به يقين الشغل واجراء حكم مجهول المالك عليه وكذا في صورة العلم الاجمالي بكونه انقص من الخمس ] (1): - لاطلاق النصوص الشامل لجميع انحاء الاختلاط سواء أكانت بنحو الاشاعة الموجبة للشركة في كل جزء جزء كما لو اشترى بعين اموال بعضها محلل وبعضها محرم فانه يوجب كون المثمن مشاعا بينهما ونحو ذلك من فروض الاشاعة. ام كان مجرد اختلاط بين الاعيان الخارجية مع بقاء كل عين على ملك مالكها الواقعي وان لم يكن متميزا كاختلاط الدراهم بالدنانير ونحوهما من ساير الاجناس المختلفة المختلط بعضها ببعض كالكتاب والصندوق والفراش ونحوها وهو يعلم ان بعضها له وبعضها لغيره بحيث اكتسب امورا اغمض عن مطالبها كما في النص، ولا يبعد ان هذا هو الغالب من موارد الاختلاط خارجا. وكيفما كان فلا ينبغي الشك في شمول اطلاق الروايات لجميع ذلك. (2): - كما لو علم ان ثلثي المال أو ثلاثة ارباعه حرام، أو علم

[ 150 ]

[ واحوط من ذلك المصالحة معه بعد اخراج الخمس بها يحصل معه اليقين بعدم الزيادة. (مسألة 30) إذا علم قدر المال ولم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور (1) ففي وجوب التخلص من الجميع ولو بارضائهم باي وجه كان أو وجوب اجراء حكم مجهول المالك عليه أو استخراج المالك بالقرعة أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسوية وجوه اقواها الاخير وكذا إذا لم يعلم قدر المال وعلم صاحبه في عدد محصور فانه بعد الاخذ بالاقل كما هو الاقوى أو الاكثر كما هو الاحوط يجرى فيه الوجوه المذكورة. ] ان الحرام لا يتجاوز العشر فحكم قدس سره حينئذ بكفاية التخميس حتى مع العلم بالزيادة، وذكر قدس سره انه مطهر تعبدا، ولكن عرفت الاشكال في ذلك فيما سبق وان النصوص وعمدتها روايتا عمار والسكوني منصرفة عن ذلك جزما، بل ذكر في الجواهر ان تطهير مال الغير وتحليله من غير رضاه مخالف للضرورة. وكيف يمكن الالتزام بان من يملك واحدا في المائة أو اثنين يستملك الكل بعد اخراج الخمس فلا مناص من الرجوع حينئذ إلى اخبار الصدقة، وقد تقدم ان التخميس والتصدق بالزائد ايضا لا وجه له فلاحظ. (1): - احتمل قدس سره في مفروض المسألة احتمالات اربعة: وجوب التخلص وارضاء من يحتمل ملكيته باي وجه كان ولو بدفع المال من كيسه لكل منهم تحصيلا للفراغ عن عهدة الضمان المعلوم بالاجمال. والتصدق من قبل المالك كما في مجهول المالك لدخوله فيه.

[ 151 ]

والتوزيع بينهم بالسوية استنادا إلى قاعدة العدل والانصاف. وقياسا للمقدمة العلمية على الوجودية كما تقدم. والقرعة اخذا باطلاق ادلتها. ويلحق بذلك ما لو كان المال مرددا بين الاقل والاكثر، فانه بناء على ما اخترناه من جواز الاكتفاء بالاقل، وكذا بناء على لزوم دفع الاكثر الذي هو احوط تجري فيه الوجوه المذكورة. واختار هو قدس سره التوزيع لما عرفت ولكنه ينافي ما تقدم منه في بحث ختام الزكاة من انه لو علم باشتغال ذمته بمال مردد بين الخمس والزكاة يجب الاحتياط بالخروج عن العهدة على وجه اليقين. وكيفما كان فما ذكره في المقام لا يمكن المساعدة عليه بوجه. اولا لعدم تمامية القاعدة المزبورة في نفسها إذ لم تثبت السيرة العقلائية ولا الشرعية والقياس المذكور مع الفارق، والروايات خاصة بمواردها فلا يمكن التعدي كما سبق كل ذلك مستقصى. وثانيا على تقدير التسليم فانما تتم فيما لا ضمان فيه كالدرهم المردد بين شخصين في مثال الودعي ونحوه دون مثل المقام مما استقر فيه الضمان على تمام المال، فان ضمان احد النصفين باق على حاله لعدم الموجب لسقوطه بعد عدم الوصول إلى مالكه وان كان ذلك مقدمة لاحراز وصول النصف الآخر إلى المالك. بل يجب ايصال تمام المال إلى مالكه في فرض استقرار الضمان حتى لو احتاج إلى مقدمة خارجية كأجرة الحمل فضلا عن المقدمة العلمية كما لا يخفى. فهذا الاحتمال ضعيف. ويتلوه في الضعف احتمال التصدق بعنوان مجهول المالك لاختصاص رواياته بالمجهول المطلق الذي لا يمكن ايصال المال إليه بوجه،

[ 152 ]

أو يعرفه ولا يمكن الايصال كما ورد فيمن وجد بضاعة شخص في متاعه في طريق مكة بعد الانفصال وعدم امكان الايصال من الامر بالتصدق عنه فلا تنطبق على مثل المقام مما يمكن فيه الايصال بعد فرض كون الشبهة محصورة ولو باالاحتياط. ومعه كيف يسوغ التصرف في مال الغير وبأي ولاية يتصدق به عنه. واما احتمال القرعة فان شملت رواياتها للمقام فلا بأس به ولكنها لا تشمل، لاختاص موضوعها بالامر المشكل، اي ما لم يتضح فيه التكليف الواقعي ولا الظاهري غير المنطبق على المقام، لانه بعد العلم بالضمان وتردد المالك بين محصور، فبمقتضى العلم الاجمالي يجب الخروج عن العهدة بارضاء المالك المعلوم في البين (وبعبارة اخرى) العلم الاجمالي بوجود المالك بين افراد محصورة يقتضي الاحتياط بالارضاء، ومع امكانه كيف يكون من الامر المشكل ليرجع فيه إلى القرعة. واما ما قيل من ان الاحتياط المزبور بارضاء الجميع يستلزم الضرر على من بيده المال، فلا يجب بمقتضى دليل نفي الضرر. ومعه يكون من الامر المشكل فتنتهي النوبة إلى القرعة. فيندفع بما ذكرناه في الاصول من ان حديث نفي الضرر انما يتكفل بنفي الضرر الناشئ من قبل الحكم بنفسه، فكل حكم كان تشريعه في مورد ضررا على المكلف فهو منفي في الشريعة المقدسة بالدليل الحاكم. واما إذا لم يكن الحكم بنفسه ضرريا وانما الضرر نشأ من احراز الامتثال كما في المقام فمثله غير مشمول للحديث بوجه. وبعبارة اخرى الواجب على المكلف الضامن هو اعطاء المال الحرام وتسليمه إلى مالكه، وهذا الحكم في نفسه لا ضرر فيه بوجه

[ 153 ]

[ (مسألة 31) إذا كان حق الغير في ذمته (1) لا في عين ماله فلا محل للخمس وحينئذ فان علم جنسه ومقداره ولم يعلم ] وانما يترتب الضرر على احراز الوصول إليه الناشئ من حكم العقل بوجوب الاحتياط من اجل تنجيز العلم الاجمالي واجنبي عن الحكم الشرعي. فمصدر الضرر هو الاحتياط لا جعل الحكم وتشريعه ليرتفع بالحديث ونظير ذلك ما لو كانت عنده اواني عديدة وفيها الدهن والعسل والزيت ونحوها من الاموال الثمينة وقد علم بنجاسة احدى تلك الاواني اجمالا فانه لا ريب في ان الاجتناب عن الجميع موجب للضرر ولكن هذا الضرر انما نشأ عن الاحتياط اللازم من اجل حكم العقل بتنجز العلم الاجمالي. واما الاجتناب عن نفس النجس الواقعي الموجود في البين فلا ضرر فيه، بل الموجب له ضم ساير الافراد، فما هو الحكم الشرعي لا ضرر فيه، وما فيه الضرر لم يكن حكما شرعيا. وعليه فقاعدة الضرر لا مجال لها في المقام ابدا. ومن جميع ما ذكرناه تعرف ان الصحيح انما هو الوجه الاول: اعني لزوم ارضاء من يحتمل ملكيته باي وجه كان ولو باعطاء كل واحد المقدار المعلوم. نعم لو بنينا على شمول قاعدة الضرر للمقام تعين الرجوع حينئذ إلى القرعة حيث ان حالها حال البينة ونحوها من الطرق الشرعية المعينة للواقع ولكن قد عرفت ما فيه. وكيفما كان فلا تعرف وجها لما ذكر من التوزيع أو التصدق، بل يدور الامر بين الاحتياط وهو الصحيح ان امكن، والا فالقرعة حسبما عرفت. (1): - قد عرفت حكم ما لو كان حق الغير في عين المال،

[ 154 ]

[ صاحبه اصلا أو علم في عدد غير محصول تصدق به عنه باذن الحاكم أو يدفعه إليه، وان كان في عدد محصور ففيه الوجوه المذكورة، والاقوى هنا ايضا الاخير، وان علم جنسه ولم يعلم مقداره بان تردد بين الاقل والاكثر اخذ بالاقل المتيقن ودفعه إلى مالكه إن كان معلوما بعينه وان كان في عدد محصور فحكمه كما ذكر وان كان معلوما في غير المحصور أو لم يكن علم اجمالي ايضا تصدق به عن المالك باذن الحاكم أو بدفعه إليه وان لم يعلم جنسه وكان قيميا فحكمه كصورة العلم بالجنس إذا يرجع إلى القيمة ويتردد فيها الاقل والاكثر، وان كان مثليا ففي وجوب الاحتياط وعدمه وجهان: ] واما إذا كان في الذمة فقد ذكر قدس سره انه لا محل للخمس نظرا إلى ان الموضوع للخمس في هذا القسم منه انما هو المال المخلوط ولا شبهة في ان الاختلاط من اوصاف الاعيان الخارجية، واما الذمة فهي لا تشتغل الا بنفس الحرام فقط ولا موقع فيها لاختلاط الحلال بالحرام بوجه ليتعلق بها التخميس. ولكن ما ذكره قدس سره يختص بما إذا كان الحرام ثابتا في الذمة ابتداء واما إذا كان ذلك بعد الاختلاط بان اتلف المخلوط فهل يجري عليه حكم الثبوت في الذمة ابتداء أو لا؟ فيه وجهان: اختار شيخنا الانصاري قدس سره الثاني وانه لا فرق في وجوب التخميس بين العين الخارجية وبين ما انتقل إلى الذمة بعد الاختلاط. وناقش فيه المحقق الهمداني قدس سره فاختار الاول وانكر الخمس في المقام.

[ 155 ]

وهذان الوجهان مبنيان على ان الخمس في هذا القسم هل هو كساير الاقسام والكل من سنخ واحد في انها ملك فعلي لارباب الخمس فالمال مشترك بين المالك والسادة بنسبة معينة اعني الخمس، أو انه في هذا القسم من سنخ آخر؟ ومناط تشريعه تفريغ الذمة وتطهير المال متى تصدى للتخميس خارجا بتعبد من صاحب الشريعة، والا فالحرام الواقعي ملك لمالكه ولا شركة الا بنسبة ذاك الحرام زاد على الخمس أم نقص، فلم يكن الخمس ملكا للسادة بمجرد الخلط كما كان كذلك في الغنيمة والكنز والمعدن ونحوها، بل يملكونه متى تصدى للتطهير والاداء خارجا. فعلى الثاني لا وجه للتخميس لانه لم يستقر في الذمة - قبل التصدي للاداء خارجا - الا نفس الحرام الواقعي قل أم كثر، ولم تكن الذمة مشغولة الا به والمفروض عدم الاداء فلا يجب عليه إلا الخروج عن واقع ما اشتغلت به الذمة. وهذا بخلاف الاول الذي استظهرناه واستظهره الشيخ الانصاري قدس سره من اتحاد السنخ في الجميع وان الشارع جعل الخمس لارباب الخمس في المال المخلوط بالولاية الشرعية إذ عليه يكون حال هذا المال حال ما لو اتلف الكنز أو المعدن ونحوهما مما تعلق به الخمس في الانتقال إلى الذمة واشتغالها به وكونه ضامنا له كما كان يجب في العين الخارجية. فما ذكره الماتن من الاختصاص بالعين وعدم الجريان في الدين وجيه، ولكنه في خصوص ما إذا كان ثابتا في الذمة ابتداء لا ما لو كان مختلطا فاتلف فانه يجب فيه الخمس حينئذ ايضا حسبما عرفت.

[ 156 ]

وكيفما كان ففيما إذا كان حق الغير دينا ثابتا في الذمة، فقد يعلم جنسه ومقداره، واخرى يعلم الجنس دون المقدار، وثالثة لم يعلم الجنس ايضا. أما في الصورة الاولى: فان علم صاحبه تفصيلا فلا اشكال وإلا فاما ان يعلم به اجمالا في شبهة محصورة كالمردد بين عدد معين أو غير محصورة، أو لم يعلم به اصلا لا تفصيلا ولا اجمالا، (ولا يخفى) وضوح الفرق بين الاخيرين ولذا عبر بتعبيرين، فان اطراف المعلوم بالاجمال قد يكون محصورا بحيث يمكن فيه الاحتياط وهذا ظاهر، واخرى غير محصور لا يمكن فيه ذلك كما لو علم بكونه مدينا لرجل من اهل البلد الكذائي أو العشيرة الفلانية الواسعة الاطراف والكثيرة الافراد كألف أو الفين مثلا، وثالثة يعلم باشتغال ذمته لاحد بأخذ المال منه سرقة أو غيلة مثلا ولا يعرفه بوجه فلا يدري انه من اي بلد أو من أية عشيرة فلا يعرف اسمه ولا عنوانه ولا ايا من خصوصياته بحيث لم يكن لاطراف الشبهة عدد، ومن الجائز تردده بين الآلاف أو الملائين ولا يمكن التعيين حتى في عدد غير محصور ومن ثم عبر قدس سره عنه بما لم يعلم صاحبه اصلا. وكيفما كان ففيما إذا كان العدد محصورا يجري ما تقدم من الوجوه الاربعة، اعني: التصدق، أو التوزبع؟، أو القرعة، أو الارضاء، ولا يزيد المقام على ما مر بشئ. غايته ان الموضوع هناك كان عينا خارجية، وهنا دين في الذمة فتجري فيه تلك الوجوه بمناط واحد. وأما إذا كان مرددا في عدد غير محصور أو لم يكن معلوما اصلا فمن الواضح عدم تأتي شئ من الوجوه المذكورة ما عدا التصدق

[ 157 ]

لعدم امكان الاحتياط بارضاء الكل، كما لا معنى للتوزيع أو القرعة فينتهي الامر إلى الصدقة. ويدل عليها مضافا إلى عدم الخلاف وان المالك إذا لم ينتفع من ماله فلينتفع من ثوابه، روايتان: الاولى صحيحة يونس الواردة فيمن اصاب متاع صاحبه في طريق مكة ولا يعرفه والآمرة ببيعه والتصدق بثمنه (1) فانه يستفاد منها بحسب الفهم العرفي ان المناط في التصدق عدم التمكن من الايصال سواءا أكان عينا خارجية أم دينا في الذمة، فان موردها وان كان هو الاول، الا ان هذه الخصوصية كساير الخصوصيات المذكورة في الرواية من كونه في طريق مكة ونحو ذلك ملغاة في نظر العرف كما لا يخفى. على انه يمكن ارجاع ما في الذمة إلى ما في الخارج بالتسليم إلى ولى الغائب، اعني الحاكم الشرعي الذي هو ولي من لا ولي له، أو إلى عدول المؤمنين. إذ لا ريب في جواز تفريغ الذمة بالاعطاء إليه، ثم بعد ان تعين وتشخص يتصدق به بصريح هذه الصحيحة. فيستدل بها على جواز التصدق باحد هذين النحوين. الثانية صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله عليه السلام: في رجل كان له على رجل حق ففقده ولا يدري اين يطلبه، ولا يدري أحي هو أم ميت، ولا يعرف له وارثا ولا نسبا ولا ولدا، قال: اطلب، قال: فان ذلك قد طال فاتصدق به؟ قال: اطلبه (2)


(1) الوسائل باب: 7 من ابواب اللقطة الحديث: 2. (2) الوسائل باب 6 من ابواب ميراث الخنثى وما اشبهه الحديث 2.

[ 158 ]

حيث يستأنس منها ان الوظيفة بعد اليأس انما هي الصدقة التي ذكرها السائل، وانما امر (ع) ثانيا بالفحص والطلب مقدمة لحصول اليأس. وأما الصورة الثانية: اعني ما ادا كان الجنس معلوما والمقدار مجهولا بان تردد بين الاقل والاكثر من غير فرق بين المثلي والقيمي فلا محاله يقتصر على المقدار المتيقن عملا باصالة البراءة عن ضمان الزائد، فيجري فيه حينئذ ما ذكرناه في الصورة السابقة. وأما الصورة الثالثة: اعني ما إذا كان الجنس ايضا مجهولا فقد يكون قيميا واخرى مثليا، ويلحق به المردد بينهما، أما القيمي كما لو علم انه غصب حيوانا مرددا بين الشاة والبقرة، فبما ان الضمان في القيميات تنتقل من العين التالفة إلى القيمة بمقتضى صحيحة ابي ولاد وغيرها فالذمة غير مشغولة بعد التلف الا بنفس القيمة، وحينئذ فان تساوت القيمتان فلا اشكال، وإلا فبما انها دائرة لا محالة بين الاقل والاكثر فليقتصر على المقدار المتيقن بعد دفع اشتغال الذمة بالقيمة الزائدة باصالة البراءة أو باصالة العدم. وبعدئذ يجري فيه ما تقدم في الصورة الاولى من الشقوق التي عرفتها فلاحظ. انما الكلام في المثلي الذي يكون الضمان فيه بنفس المثل حتى بعد التلف - لا بقيمته - كما لو تردد المغصوب مثلا بين الحنطة والشعير أو بين الدرهم والدينار. ويلحق به المردد بين المثلي والقيمي كما لو تردد المغصوب بين الحنطة والشاة. فانه لا يمكن الالتزام هنا بالانحلال بعد ان كانت الذمة مشغولة

[ 159 ]

بنفس المال وكون القيمة في احدهما اقل لا يستوجب ذلك كما هو ظاهر فالامر دائر بين المتباينين لا محالة. وعليه فما هي الوظيفة حينئذ؟ ربما يقال، بل قيل بالتوزيع عملا بقاعدة العدل والانصاف، فيعطى في المثال نصف من من الحنطة ونصف من من الشعير أو نصف من من الحنطة ونصف قيمة الشاة. ولكنه لا وجه له اصلا، إذ معه يعلم تفصيلا بعدم فراغ ذمته عن ضمان النصف الآخر اللهم الا ان يحصل التراضي بذلك وهو امر آخر وإلا فبدونه لابد من الخروج عن عهدة تمام المال غير المتحقق بالتوزيع المزبور على ان القاعدة لا اساس لها كما اسلفناك. إذا لا مناص من اداء احدهما الواقعي المردد بينهما ودفعه إلى مالكه بتمامه وكماله وهو يتحقق بتمكينه منهما معا فيسلمه كلا العينين وبذلك يخرج عن عهدة الضمان المعلوم في البين للقطع بايصال تمام المال إلى صاحبه، غايته ان ذاك المال الواصل مردد بين المالين فيعين عندئذ بالقرعة التي هي لكل امر مشكل، وحيث انتهى الامر إلى القرعة فله التصدي لها من اول الامر. وبعبارة اخرى اللازم بمقتضى العلم الاجمالي ايصال المال الواقعي المردد بينهما إلى صاحبه وهو ممكن ولو بان يسلمه كليهما فيجب، ولكن من الضروري عدم اقتضاء هذا العلم الاجمالي رفع يد المالك عن ملكه المشتبه بالآخر واعطائه له مجانا، بل غايته تمكين صاحب المال بين المالين وتسليم كلا العينين كما عرفت فاحدهما له والآخر للآخر، وبما انهما مرددان فيعينان بالقرعة.

[ 160 ]

[ (مسألة 32) الامر في اخراج هذا الخمس إلى المالك كما في ساير اقسام الخمس فيجوز له الاخراج والتعيين من غير توقف على اذن الحاكم (1) كما يجوز دفعه من مال آخر وان كان الحق في العين. (مسألة 33) لو تبين المالك بعد اخراج الخمس فالاقوى ضمانه (2) كما هو كذلك في التصدق عن المالك في مجهول المالك فعليه غرامته له حتى في النصف الذي دفعه إلى الحاكم بعنوان انه للامام (ع). ] فالنتيجة أنه ان حصل التراضي فهو وإلا فالقرعة. (1): - لما عرفت من اتحاد السنخ في الجميع وان تعلق الخمس في هذا القسم كتعلقه في ساير الاقسام وعليه فلا يحتاج الاخراج إلى اذن الحاكم لعين الدليل الذي سيأتي ان شاء الله تعالى. كما انه يجوز له الاداء من مال آخر كما هو الحال في ساير موارد الخمس. وسيتعرض الماتن لهذه المسألة في المسألة الخامسة والسبعين من هذا الفصل. وستعرف ان شاء الله تعالى ان عين ذاك الدليل يجري في المقام ايضا بمناط واحد. فان ظاهر قوله تعالى: " فان لله خمسه " وان كان تعلق الخمس بنفس العين الا انه يجوز الدفع من الخارج بدليل خارجي وسيتضح لك الحال ان شاء الله تعالى. (2): - لقاعدة الاتلاف المتحقق بالاخراج هنا وبالتصدق في مجهول المالك فانها تقتضي الضمان، ومجرد اذن الشارع بهما لا يستوجب السقوط غايته ان الاذن مقدمة للحكم التكليفي، وان جواز التصرف موقوف على اداء الخمس، واما انه لا يضمن فلا يستفاد من شئ من الروايات، فيبقى الضمان على طبق القاعدة كما عرفت. ولكنه كما ترى لا يمكن الالتزام به لا في المقام اعني الخمس،

[ 161 ]

ولا في باب الصدقة. اما الخمس فلظهور الادلة في عدم الضمان بعد الاداء للتصريح في رواية السكوني وغيرها بحلية بقية المال بعد التخميس وان الباقي له، وقد عرفت ظهور الدليل في اتحاد كيفية التعلق وان سنخ الخمس في الجميع بنسق واحد، فقد حكم الشارع بمقتضى ولايته بدفع خمس المال للسادة وان الاربعة اخماس الباقية ملك للمالك، فقد حصل اتلاف هذا المقدار بهذا النحو بامر من الولي، وإلا فمن المعلوم أنه لم يصل إلى مالكه الواقعي فانه مجهول على الفرض، وبعد حصول الاتلاف باذن الولي وامره وحكمه بحلية الباقي فاي ضمان بعد ذلك. نعم كان مال الغير موجودا ومخلوطا في هذا المال سابقا، أما فعلا وبعد ان حكم الشارع بان الخمس للامام وللسادة والباقي له فلا موجب لاي ضمان ابدا. واما التصدق بمجهول المالك فكذلك، إذ لم يرد في شئ من روايات الصدقة الحكم بالضمان ولا موجب له، فانها وان كانت اتلافا إلا ان هذا الاتلاف لا يستوجب الضمان بعد ان استند إلى اذن الولي الشرعي بالتصدق من قبل مالكه. وبالجملة لا ترى أي موجب للضمان بعد ان أمر الله تعالى بالاتلاف. نعم في باب اللقطة ورد الامر بالضمان وأنه لو تصدق بها بعد الفحص ثم ظهر المالك فان رضي بالصدقة فهو، وإن طالبه ضمن، إلا ان هذا الضمان ليس من الضمان المتعارف المتحقق بملاك الاتلاف الحاصل حين التصدق كيف وإلا لكان ضامنا حتى قبل ان يوجد صاحبه كما هو الحال في ساير موارد الاتلافات لمجهول المالك الموجبة للضمان قبل معرفة المالك وبعده، ولكن اللازم الاخراج من التركة ريثما يوجد صاحبه، فلابد من الايصاء بذلك وهو كما ترى.

[ 162 ]

بل ان هذا الضمان إنما يتحقق بمجرد مطالبة المالك بتعبد من الشارع فلا ضمان قبل المطالبة ولا اثر للاتلاف الحاصل بالتصدق بعد ان كان مستندا إلى اذن الولي كما عرفت، وإنما هناك ضمان معلق على طلبه غير مرتبط بالاتلاف السابق وأنه لو ظهر ورضي بالصدقة فهو، وان طالب فيضمن المتصدق بنفس المطالبة. وبالجملة فالضمان الثابت في اللقطة ضمان باختيار المالك وطلبه ويجب الخروج عن العهدة بعد المطالبة لا قبلها وقد ثبت ذلك بدليل خاص في مورد مخصوص وليس ذلك من الضمان بالاتلاف بوجه. فتحصل ان الاظهر أنه ليس هنا ضمان حتى لو وجد المالك وطالب بعد ان كان اخراج الخمس باذن الولي الشرعي حسبما عرفت. ثم ان سيدنا الاستاد دام ظله اعاد البحث حول عدم الضمان في الخمس بنطاق اوسع. فقال دام بقاه: إنه قد يفرض تبين المالك قبل اداء الخمس واخراجه واخرى بعده. أما في الفرض الاول فلا ينبغي الاشكال في الضمان وانقلاب الوظيفة عن اخراج الخمس إلى الخروج عن عهدة الضمان، فان الخمس وان ثبت بمجرد الاختلاط على حد ثبوته في ساير الاقسام كما عرفت من ان الوجوب في الجميع من سنخ واحد إلا ان التشريع لما كان بمناط التطهير فينصرف الدليل عن صورة ظهور المالك وتبينه. وبعبارة اخرى ظاهر الروايات ان يكون الوصف العنواني اعني عدم معرفة الحلال عن الحرام مع الجهل بمالكه باقيا إلى اوان الاخراج فلو ظهر المالك واتضح الضمان قبل التصدي لذلك فالنص منصرف عن مثله.

[ 163 ]

وبعبارة ثالثة المفروض في رواية السكوني ان السائل في مقام التوبة ويريد معالجة المشكلة الناشئة من خلط الحلال بالحرام وعدم معرفة المالك فالحكم بالتخميس علاج لهذه المشكلة. فإذا فرض رفع الاشكال وتبين الحال بظهور المالك فلا موضوع بعدئذ لهذا العلاج بعد وضوح لزوم الخروج عن عهدة ضمان المالك، وعليه فوجوب التخميس الثابت من لدن تحقق الخلط مراعى بعدم ظهور المالك وإلا فينكشف عدم الوجوب من الاول ولزوم الخروج عن عهدة الضمان الواقعي قل أم كثر حسبما عرفت. وأما في الفرض الثاني فالظاهر عدم الضمان لان الموجب له إما اليد أو الاتلاف المتحقق بالاخراج واداء الخمس وشئ منهما لا يتم. أما اليد فلانها لو اوجبت الضمان المطلق حتى بعد الاداء لم يفرق في ذلك بين صورتي تبين المالك وعدمه لوحدة المناط الموجب للضمان وهو اليد وعدم تأثير للتبين في ذلك بوجه، فيلزم الايصاء به والاخراج عن التركة لكونه دينا ثابتا في الذمة فلا يظن الالتزام به من فقيه، كيف وهو خلاف ظاهر رواية عمار وصريح رواية السكوني الناطقة بحلية بقية المال بعد التخميس، فان الحكم بالحلية في تمام الباقي لا يجتمع مع الضمان ابدا. ولو اريد به الضمان المعلق على المطالبة لا الضمان المطلق فهو وإن كان منوطا بالتبين إلا ان الضمان بهذا المعنى يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه في المقام بوجه، وإنما ثبت ذلك في خصوص اللقطة بالدليل الخاص حسبما عرفت ولا مقتضي للتعدي عن مورده. فالصحيح ان اليد وإن كانت موجبة للضمان إلا أنه ارتفع بحكم

[ 164 ]

[ (مسألة 34) لو علم بعد اخراج الخمس ان الحرام ازيد من الخمس أو اقل لا يسترد الزايد على مقدار الحرام في ] الشارع بالتخميس والتصدي له خارجا بامر من ولي الامر الثابتة له الولاية التشريعية والتكوينية فلا اثر بعد ذلك لصورتي تبين المالك وعدمه كما بيناه. وأما الضمان بقاعدة الاتلاف ففيه أولا منع الصغرى لجواز كون المدفوع خمسا من قسم المال الحلال، فلم يحرز اتلاف مال الغير بالاخراج وثانيا لو سلم العلم بكونه من الحرام أو من المخلوط فيجري فيه ما ذكرناه في ضمان اليد بعينه فلاحظ. ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في مجهول المالك وأنه لا ضمان في التصدق به وان ظهر المالك بعد ذلك لا بقاعدة اليد، ولا بقاعدة الاتلاف بعد ان كان التصدق المزبور الذي هو مصداق للاتلاف باذن من الولي الحقيقي والحاكم الشرعي الذي له الولاية المطلقة بمقتضى قوله عليه السلام: (والله ماله صاحب غيري). نعم في خصوص اللقطة قد ثبت الضمان على تقدير المطالبة بالدليل الخاص لا بقاعدة الاتلاف حسبما عرفت. وقد تحصل من جميع ما مر ان ما ذكره في المتن من الحكم بالضمان بعد تبين المالك غريب واغرب منه تخصيصه الضمان بالخمس فانه لا وجه له ابدا، إذ على تقدير القول بالضمان فانما يضمن ما كانت ذمته مشغولة للمالك الذي قد ينطبق على ما دفعه خمسا كلا أو بعضا وقد لا ينطبق، وأما ضمانه لنفس الخمس الذي اخرجه فلم يعرف له وجه بتاتا.

[ 165 ]

[ الصورة الثانية (1) وهل يجب عليه التصدق بما زاد على الخمس في الصورة الاولى اولا؟ وجهان (2) احوطهما الاول واقواهما الثاني. ] (1): - لاطلاقات الادلة الشاملة لصورة انكشاف الزيادة بعد وضوح عدم وقوع هذا الزائد عبثا بل بازاء جواز التصرف في الباقي حيث ان مقتضى العلم الاجمالي بوجود الحرام الاجتناب عن الكل حذرا من الوقوع في الحرام الواقعي، وبعد دفع الخمس المشتمل على تلك الزيادة يترتب عليه جواز الاقتحام في ساير المال بعد ان كان ممنوعا منه، فلم تذهب تلك الزيادة مجانا وبلا عوض، على انها قد دفعت بامر من الشارع الحاكم بوجوب تخميس المخلوط، فقد وقع الخمس المدفوع في ظرفه في محله، وبما أنه عبادة فلا جرم قصد به التقرب، ومثله لا يرد ولا يسترجع لما ثبت من قولهم عليهم السلام: ان ما كان لله لا يرجع. نعم من دفع خمسا بتخبل وجوبه يسترجعه مع بقاء العين لدى انكشاف الخلاف، وأما في المقام فالوجوب ثابت بامر واقعي لا خيالي، فلا يقاس احدهما بالآخر كما هو ظاهر. (2): - بل في المسألة وجوه: احدها وجوب التصدق في الجميع فيسترجع الخمس ثم يتصدق بتمام الحرام لاهل الصدقة. ولكنه كما ترى مخالف لظاهر الدليل القاضي بوجوب التخميس فكان المدفوع خمسا لا صدقة لترجع.

[ 166 ]

[ (مسألة 35) لو كان الحرام المجهول مالكه معينا فخلطه بالحلال ليحلله بالتخميس خوفا من احتمال زيادته على الخمس فهل يجزيه اخراج الخمس أو يبقى على حكم مجهول المالك وجهان (1) والاقوى الثاني لانه كمعلوم المالك حيث ان مالكه الفقراء قبل التخليط. ] على أنه لا دليل على حرمه التصدق على بني هاشم فيما عدا الزكاة الواجبة بقسميها فلا مقتضى للاسترجاع بوجه كما لا يخفى. فهذا الوجه ضعيف ويتلوه في الضعف الوجه الثاني الذي اختاره في المتن من الاجتزاء بالسابق وعدم معالجة الزائد. فان هذا أيضا بعيد عن سياق الروايات ولاسيما رواية السكوني التي هي العمدة كما مر، إذ الموضوع فيها من لا يدري الحلال من الحرام فالاجتزاء بالتخميس خاص بصورة الجهل بالمقدار ومراعى بعدم انكشاف الخلاف، وأما من تبين له الحال وعلم بالمقدار ووجود الحرام بعد التخميس أيضا فالنص منصرف عن مثله جزما لارتفاع الموضوع حينئذ وانقلابه بموضوع آخر. وعليه فالاظهر هو الوجه الثالث من ان الباقي - بعد التخميس - المعلوم وجود الحرام فيه موضوع جديد للمال المخلوط فيه الحلال بالحرام فيجري عليه حكمه من أنه ان علم مقداره ومالكه دفعه إليه وان علم مقداره ولم يعلم مالكه تصدق به بعنوان مجهول المالك وان لم يعلم مقداره ولا مالكه تعلق به خمس آخر، فان دفع الخمس وانكشف وجود الحرام في الباقي بعد التخميسين أيضا تشكل موضوع آخر للمخلوط وهكذا. (1): فقد يقال بالاجتزاء نظرا إلى عدم قصور النصوص عن

[ 167 ]

الشمول لمثل الفرض فان الغالب في موارد الاختلاط كونه بعد التمييز وتشخيص مقدار الحرام في ظرفه. أما مع معرفة المالك أو بدونها كالمال الربوي أو المشترى من السارق ونحو ذلك من الاموال التي يكتسبها الرجل ويغمض في مطالبها حلالا وحراما فاطلاق الروايات يقتضي جواز التخميس في المقام أيضا. ولكنه قدس سره اختار عدم الاجزاء وأنه يبقى على حكم مجهول المالك، وعلله بان تعين الحرام وتميزه قبل التخليط يجعله كمعلوم المالك نظرا إلى ان مالكه الفقراء ويجب التصدق به عليهم فهو كالمال المعلوم مالكه الاصلي في عدم المشمولية لنصوص المقام وانصرافها عنه. وهذا التعليل بظاهره عليل ضرورة ان الفقير لا يملك المال المجهول مالكه إلا بالقبض فقبله باق على ملك مالكه الواقعي الذي هو مجهول حسب الفرض. فقوله قدس سره: " ان مالكه الفقراء " غير وجيه بظاهره فلا وجه لاجراء حكم معلوم المالك عليه ليلتزم بالتصدق وعدم التخميس. اللهم إلا ان يقال - وهو الصحيح - بان مراده قدس سره بالمالك من يجب الصرف عليه والاعطاء إليه لا المالك الحقيقي نظير قوله عليه السلام: والله ماله صاحب غيري. ومن ثم شبهه قدس سره بمعلوم المالك حيث قال قدس سره: لانه كمعلوم المالك، ولم يجعله منه حقيقة، فهو يشابهه في معلومية المصرف. ومن الواضح ان نصوص التخميس منصرفة عن مثل هذا الخليط المعلوم حكمه الشرعي. وبعبارة اخرى ان رواية السكوني التي هي من عمدة روايات الباب ناظرة إلى من يريد التوبة ويروم التخلص عن مشكلة اختلاط الحرام

[ 168 ]

[ (مسألة 36) لو كان الحلال الذي في المختلط مما تعلق به الخمس وجب عليه بعد التخميس للتحليل خمس آخر للمال الحلال الذي فيه (1) ] بالحلال فلا يدري ما هي وظيفته تجاه الحرام الموجود في البين. وهذا كما ترى لا يعم الحرام المشخص قبل الاختلاط المعلوم مصرفه وان كان مجهولا مالكه وهو التصدق على الفقراء سيما إذا كان الاختلاط عمديا ولغاية سيئة وهي الفرار من احتمال الزيادة على الخمس كما هو المفروض في المقام، فان النص منصرف عن مثل هذا الفرض جزما. وعليه فيبقى على حكم مجهول المالك كما اختاره في المتن. (1): - قد يفرض ان الحلال الذي في المختلط مما لم يتعلق به الخمس في نفسه كما لو كان ارثا أو مالا مخمسا ونحو ذلك. وهذا هو الذي تكلمنا فيه لحد الان. وقد عرفت وجوب تخميسه لمكان الاختلاط. واخرى يفرض كونه موردا للخمس بنفسه ولو مع الغض عن الخلط، كما لو كان غنيمة أو كنزا أو معدنا أو من ارباح المكاسب وقد حال عليها الحول، فهل يكفي التخميس حينئذ مرة واحدة أو انه يحتاج إلى تخميس آخر للعنوان الآخر؟ قد يقال بالاول نظرا إلى اطلاق قوله عليه السلام في معتبرة السكوني: " وساير المال لك حلال ". ولكنه واضح الضعف ضرورة قصر النظر فيها على الحلية من ناحية الاختلاط بالحرام لا حتى من الجهات الاخرى، كما لعله اظهر من ان يخفى، إذا فاطلاق دليل التخميس بعنوان الغنائم أو الكنوز أو الارباح ونحوها محكم لا مناص من الاخذ به. فلا ينبغي التأمل في

[ 169 ]

لزوم التخميس مرتين عملا باطلاق الدليلين فيخمس مرة بعنوان الاختلاط ومرة اخرى بعنوان الارباح مثلا. وانما الكلام في المتقدم منهما والمتأخر. فقد ذكر الماتن قدس سره انه يخمس تمام المال اولا للتحليل من اجل الاختلاط بالحرام، ثم بعدئذ يخمس مرة اخرى للمال الحلال الذي فيه بعنوان الارباح مثلا. ولكنه غير ظاهر ضرورة ان الخمس بعنوان الاختلاط حسب ما يستفاد من الادلة خاص بالمال المخلوط فيه الحلال بالحرام، فموضوعه المال المؤلف من هذين الصنفين، فبعضه له وبعضه حرام لا يعرف صاحبه واما المشتمل على صنف ثالث بحيث لا يكون له ولا يكون من المال الحرام الذي لا يعرف صاحبه فهو غير مشمول لتلك الادلة. ومقامنا من هذا القبيل، إذ بعد كون حصته من هذا المجموع متعلقا للخمس كما هو المفروض، فهو يعلم ان مقدارا من هذا المال المختلط - اعني الخمس من حصته - لا له ولا من المال الحرام بل هو ملك للسادة والامام. وعليه فلابد من اخراجه واستثنائه اولا ليتمحض المال في كونه حلالا مخلوطا بالحرام ثم يخمس بعدئذ للتحليل وبعنوان الاختلاط. فالنتيجة ان التخميس بعنوان الارباح مثلا مقدم على التخميس من ناحية الاختلاط عكس ما ذكره في المتن. ولا شك ان بين الكيفيتين فرقا واضحا يستتبع ثمرة عملية. فمثلا إذا فرضنا ان مجموع المال خمسة وسبعون دينارا - كما ذكرناه في المنهاج - فعلى طريقة الماتن يخرج اولا خمس المجموع للتحليل فيبقى ستون ثم يخرج خمس الارباح فيبقى له ثمانية واربعون دينارا.

[ 170 ]

[ (مسألة 37) لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاص أو العام فهو كمعلوم المالك على الاقوى (1) فلا يجزيه اخراج الخمس حينئذ. ] واما على طريقتنا فيخرج خمس المتيقن (1) كونه من المال الحلال اولا فلنفرض انه خمسون فيخرج خمسه للارباح وهي عشرة فتبقى خمسة وستون ثم يخرج خمس هذا المجموع بعنوان الاختلاط وهو ثلاثة عشر فتبقى له من مجموع المال اثنان وخمسون دينارا فتختلف عن الطريقة الاولى باربعة دنانير. ولو فرضنا ان المتيقن من الحلال اقل فالقرق اكثر، فلو كان المتيقن خمسة وعشرين دينارا مثلا فيخرج خمسة خمسة دنانير ثم يخرج من السبعين الباقي اربعة عشر دينارا خمس التحليل فيبقى له من المجموع ستة وخمسون دينارا، فتختلف حينئذ عن الطريقة الاولى بمقدار ثمانية دنانير. وهكذا وقد عرفت ان هذه الطريقة هي المتعين بحسب الادلة لا ما ذكره الماتن وغيره فلاحظ. (1): - إذ لا فرق في المالك المعلوم الذي يجب ايصال المال إليه بين المالك الشخصي أو الكلي كما في هذه الموارد فلابد في اصلاح المال حينئذ من مراجعة الحاكم الشرعي الذي له الولاية على الكلى والتراضي


(1) يمكن ان يقال: ان قاعدة اليد تقتضي البناء على الاكثر، وقد اجاب دام ظله عن ذلك بما لفظه - " قاعدة اليد على تقدير جريانها في المقام فانما يترئب عليها الحكم بكون المقدار المشكوك فيه ملكا لذى اليد ولا يترتب عليها الحكم بكونه من الارباح ليتعلق به الخمس، على انها لا تجرى في موارد الاختلاط الموجب لاخراج الخمس والا لم تكن حاجة إليه كما لعله ظاهر.

[ 171 ]

[ (مسألة 38) إذا تصرف في المال المختلط قبل اخراج الخمس بالاتلاف لم يسقط (1) وان صار الحرام في ذمته فلا يجرى عليه حكم رد المظالم على الاقوى وحينئذ فان عرف قدر المال المختلط اشتغلت ذمته بمقدار خمسه وان لم يعرفه ففي وجوب دفع ما يتيقن معه بالبراءة أو جواز الاقتصار على ] معه بما يتفقان عليه ولا يجري اخراج الخمس لانصراف نصوص الاختلاط عن مثل الفرض، إذ الموضوع فيها الخلط بمال لا يعرف صاحبه الشخصي أو الكلي لا ما يعرف صاحبه كذلك كما لا يخفى. وعن كاشف الغطاء التفصيل بين الاوقاف فيكون كمعلوم المالك وبين الاختلاط بالاخماس أو الزكوات فكالمجهول المحكوم عليه بالتخميس وهو كما ترى غير ظاهر الوجه. فما ذكره في المتن من عدم اجزاء التخميس مطلقا هو الصحيح حسبما عرفت. (1): - تبتني المسألة على ان تعلق الخمس بالمال المخلوط هل هو كتعلقه بساير الاقسام والكل من سنخ واحد فمقدار الخمس ملك فعلي للسادة بمجرد الخلط بالولاية الشرعية، أو أنه من سنخ آخر شرع لتطهير المخلوط مع بقاء الحرام على ملك مالكه الواقعي فله تخليص العين الخارجية عن الحرام بالتخميس من غير ان يكون الخمس ملكا فعليا للسادة. فعلى الاول - وقد عرفت فيما مر أنه الاظهر - ينتقل الخمس إلى الذمة ولا موجب لسقوطه بالاتلاف لعدم دورانه مدار بقاء العين. وهذا بخلاف الثاني ضرورة ان تطهير المخلوط من اوصاف العين الخارجية ومع تلفها ينتقل الحرام بخالصه إلى الذمة فلا خلط بعدئذ ليحتاج إلى التطهير، بل الذمة مشغولة حينئذ بنفس الحرام الواقعي،

[ 172 ]

[ ما يرتفع به يقين الشغل وجهان الاحوط الاول والاقوى الثاني (1). (مسألة 39) إذا تصرف في المختلط قبل اخراج خمسه ضمنه كما إذا باعه مثلا (2) فيجوز لولي الخمس الرجوع عليه كما يجوز له الرجوع على من انتقل إليه ويجوز للحاكم ان يمضي معاملته فيأخذ مقدار الخمس من العوض إذا باعه بالمساوي قيمة أو بالزيادة واما إذا باعه باقل من قيمته فامضاؤه خلاف المصلحة نعم لو اقتضت المصلحة ذلك فلا بأس، ] فلابد من الخروج عن عهدة الضمان المتعلق بمال الغير، فلا جرم يجري عليه حكم رد المظالم لا الخمس. وحيث اسلفناك تقوية القول الاول لدى رد مقالة الهمداني الذي اختار الثاني فما قواه في المتن هو الاقوى. (1): - أما كون الاول احوط فظاهر لاحتمال اشتغال الذمة بالاكثر والاحتياط حسن على كل حال، وأما كون الثاني اقوى فلاصالة البراءة عن اشتغال الذمة بالزائد على المقدار المتيقن. (2): لما لم يكن المتصرف مالكا لمقدار الخمس فلا جرم يضمن هذا المقدار ويكون التصرف فيه بمثل البيع ونحوه فضوليا تنوط صحته باجازة ولي الامر اعني الحاكم الشرعي، فان اختار الرد جاز له الرجوع على كل من البايع والمشتري بعد كونه - أي المشتري - ضامنا أيضا بمقتضى اليد على ما هو المقرر في حكم تعاقب الايدي، وان كان للمشتري الرجوع إلى البايع لو كان جاهلا بالحال فيكون قرار الضمان عليه. وإن اختار الامضاء اخذ مقدار الخمس من العوض فيما لو باعه

[ 173 ]

[ السادس الارض التي اشتراها الذمي من المسلم (1) ] بالمساوي قيمة أو بالزيادة. وأما لو باع بالاقل كما لو باع ما يسوى دينارا بدرهم فيما ان الامضاء على خلاف المصلحة فليس له ذلك إلا إذا اقتضته المصلحة من ناحية اخرى فيجوز حينئذ. هذا وقد تقدم نظير الفرع في كتاب الزكاة فيما لو باع العين الزكوية قبل اخراج الزكاة وقلنا ان مقتضى القاعدة الاولية هو ذلك حسبما عرفت. ولكن في خصوص المقام يلتزم بصحة البيع فيما إذا كان المشتري مؤمنا اخذا بنصوص التحليل المتضمنة لامضاء المعاملات الواقعة على العين ممن لم يخمسها فينتقل الخمس من العين إلى عوضها، حيث انهم عليهم السلام اباحوا لشيعتهم ذلك حفظا للمناكح والمساكن والمتاجر عن الحرام فان الاباحة للمتاجر تستدعي صحة تلك المعاملات كما لا يخفى. وعليه فالاقوى صحة البيع ونحوه في المقام من غير حاجة إلى اجازة الحاكم الشرعي فينتقل الخمس من العين إلى العوض لو كان التصرف بمثل البيع مما له البدل، وإلى الذمة لو لم يكن كذلك كما في الهبة غير المعوضة، وتمام الكلام في محله ان شاء الله تعالى. (1): - على المشهور من زمن الشيخ ومن تأخر عنه بل عن الغنية دعوى الاجماع عليه نعم نسب إلى كثير من القدماء انكار هذا الخمس نظرا إلى خلو كلماتهم عن التعرض إليه لدى تعداد الاقسام. وكيفما كان فالمتبع هو الدليل والاصل في هذا الحكم صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ايما ذمي اشترى من مسلم ارضا فان عليه الخمس المؤيدة بمرسلة المفيد عن الصادق عليه السلام قال: الذمي إذا اشترى من المسلم الارض فعليه

[ 174 ]

فيها الخمس (1). ونوقش في الرواية باستضعاف السند - ولكنه كما ترى - لعدم اشتماله على من يغمز فيه ابدا بل في المدارك انها في اعلى مراتب الصحة وهو كذلك ولاجله استغرب تبعا للمنتقى النقاش في السند غير انه قدس سره ناقش تبعا له في الدلالة نظرا إلى خلوها عن ذكر متعلق الخمس ومصرفه فلا يدرى ان المراد خمس نفس الارض أو حاصلها، ومن الجائز ارادة الثاني كما نسب إلى بعض العامة - وهو مالك - من ان الذمي إذا اشترى ارضا من مسلم وكانت عشرية ضوعف عليه العشر واخذ منه الخمس فتكون الرواية على هذا جارية مجرى التقية. وربما يعضدها خلو بقية النصوص عن التعرض لهذا الخمس. ولكنه يندفع: - اولا - بعدم المقتضي للحمل على التقية بعد سلامتها عن المعارض، فلا موجب لرفع اليد عن أصالة الجد إذ ليس بازائها ما يدل على نفي الوجوب ليجمع بالحمل على التقية. وثانيا ان الرواية مروية عن ابي جعفر الباقر عليه السلام واشتهار مالك بالفتوى انما كان في عهد الصادق عليه السلام لا الباقر عليه السلام لكي يقتضي الاتقاء منه، بل لعله لم تكن له فتوى في زمنه فان مالك تولد سنة 96 اي بعد امامة الباقر بسنتين وتوفي سنة 179 وكان عمره 83 سنة وكانت امامة الباقر سنة 95 ووفاته سنة 114 فكان عمر مالك عند وفاة الباقر عليه السلام 20 سنة ولم يكن عندئذ صاحب فتوى فضلا عن اشتهارها. ثم إن هذه الرواية لم تصدر سنة


(1) الوسائل باب 9 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1 و 2.

[ 175 ]

وفاة الباقر فلعلها صدرت ولم يكن مالك بالغا فضلا عن كونه صاحب فتوى. وثالثا ان الارض المذكورة فيها مطلق تعم الزراعية وغيرها، كما ان الزراعية تعم الزكوية وغيرها فلا موجب للتخصيص بالعشرية لتحمل على التقية فالانصاف ظهور الصحيحة في تعلق الخمس بنفس الارض لا بحاصلها، وتعضدها المرسلة التي هي كالصريح في ذلك كما لا يخفى وان كانت لمكان الضعف لا تصلح إلا للتأييد. فالاقوى ثبوت هذا الخمس وفاقا للمشهور واخذا بالرواية القوية سندا ودلالة وجهة، السليمة عن المعارض حسبما عرفت. وأما خلو بقية النصوص عن التعرض لهذا الخمس ككلمات القدماء فلعل وجهه ان بقية الاقسام عامة لجميع البشر بناء على تكليف الكفار بالفروع كالاصول أو لخصوص المسلمين بناء على عدم تكليفهم بها، كما لعله الاظهر. وأما هذا القسم فهو مخصوص بالذمي ولا مساس له بالمسلمين بل ولا بغير الذمي من الكفار فهو حكم في مورد مخصوص ومثله لا يستحق التعرض في قبال ساير الاقسام وذكره في عدادها كما لا يخفى. ثم ان رواية الحذاء قد رويت بطرق ثلاث كما في الوسائل فرواها الشيخ باسناده عنه وكذا الصدوق باسناده عنه وكذلك المحقق في المعتبر عن الحسن بن محبوب. لكن الطريقين الاخيرين ضعيفان لجهالة طريق الصدوق إلى الحذاء في المشيخة كجهالة طريق المحقق إلى ابن محبوب. واما طريق الاول فهو في غاية الصحة كما عرفت فان احمد بن

[ 176 ]

[ سواء كانت ارض مزرع أو مسكن، أو دكان أو خان أو غيرها (1) فيجب فيها الخمس ] محمد الواقع في السند وان تردد بين ابن خالد وابن عيسى لكنه موثق على كل حال. على ان الظاهر انه الثاني لان الشيخ روى هذه الرواية بعينها في موضعين من التهذيب احدهما في كتاب الخمس (1) بعنوان احمد بن محمد. وثانيهما في باب الزيادات منه (2) بعنوان ابي جعفر الذي هو كنية احمد بن محمد بن عيسى كما صرح به في كثير من الروايات فتخرج الرواية بذلك عن الترديد وان كانت صحيحة على التقديرين كما عرفت، على انها لو لم تكن صحيحة فلا اقل من انها موثقة والمحقق في محله حجية الموثق كالصحيح، وقد عرفت قوة الدلالة وعدم الموجب للحمل على التقية فلا مناص من الاخذ بها. (1): - لاطلاق النص والفتوى بعد صدق الارض على الجميع بمناط واحد، ولكن المحكي عن جماعة كالفاضلين والمحقق الثاني وغيرهم التخصيص بارض الزراعة فلا تعم المشتملة على البناء والاشجار كالدور والبساتين والخانات ونحوها نظرا إلى ان الارض في هذه الموارد ملحوظة تبعا فلا نظر إليها في مقام الشراء بالذات، بل بتبع البنيان والاشجار ولاجله ينصرف النص عن شراء مثل هذه الاراضي ويكون المتبادر هي الارض الخالية الملحوظة بحيالها في مقام الشراء التي هي في مقابل الدار والدكان والخان ونحوها. إذ لا يقال حينئذ


(1) التهذيب ج 4 ص 123 تسلسل الحديث 355. (2) التهذيب ج 4 ص 139 تسلسل الحديث 393.

[ 177 ]

انه اشترى ارضا، بل يقال اشترى دارا أو دكانا أو حماما. ولعل هذا هو مراد من خصها بالزراعية: اي الارض الخالية غير المشغولة بالبناء أو الاشجار، وكأنه لذلك تأمل في شمول الحكم لها في الجواهر وان جعل التعميم اولى. ولكنه يندفع بمنع التبعية، فان الدار مثلا اسم لمجموع الارض والبنيان، وكذا الخان والدكان، كما ان البستان اسم لمجموع الارض والاشجار فكل منهما مقصود بالذات وملحوظ بحياله في مقام الشراء من غير تبعية، وانما تتجه دعواها في مثل البسامير والاسلاك والمصابيح ونحوها مما لم يكن منظورا، بل ولا ملتفتا إليه لدى التصدي لشراء الدار فكانت تابعة وخارجة عن المبيع، وأما الارض فهي جزء مقوم للمبيع ولذا يقسط عليها الثمن وتتبعض الصفقة فيما لو انكشف انها لغير البايع، ويثبت الخيار للمشتري فيصح البيع بالنسبة إلى البنيان مع خيار التبعض ويكون بالاضافة إلى رقبة الارض فضوليا منوطا باجازة مالكها، كما أنه قد تباع الارض دون البنيان أو بالعكس، وقد يكون احدهما ملكا لشخص والآخر ملكا لشخص آخر فيشتري المجموع منهما أو احدهما من واحد منهما. وبالجملة ليس المقام من موارد التبعية، إذ لم يكن المبيع البناء أو الاشجار لتكون الارض تابعة، بل كل منهما مستقل في البيع، غايته انهما بيعا معا ولهما اسم بسيط كالدار كما لو باع فرسا مع فرس أو كتابا مع كتاب فهو من باب الضميمة لا التبعية، ولذا يصح ان يقال عرفا إنه اشترى ارض هذه الدار وبناءها من غير اية عناية واوضح حالا ما لو اشترى ارض الدار فقط، أو ارض البستان فقط. فأن دعوى

[ 178 ]

[ ومصرفه مصرف غيره من الاقسام على الاصح (1) وفي وجوبه في المنتقلة إليه من المسلم بغير الشراء من المعاوضات اشكال (2) ] انصراف النص عن شراء مثل هذه الارض كما ترى، لضرورة صدق شراء الارض حينئذ من غير أية مسامحة أو عناية فيشملها النص. وكيفما كان فالاقوى عموم الحكم لمطلق الاراضي كائنة ما كانت كما في المتن اخذا باطلاق النص السالم عما يصلح للتقييد. (1): - فانه المتبادر من لفظ الخمس الوارد في النص بعد البناء على ظهوره في ارادة الخمس من رقبة الارض نفسها لا فيما يملك من حاصلها لكي يراد به مصرف الزكاة وان تردد فيه صاحب المدارك من اجل الخلو عن ذكر المتعلق والمصرف، ولكن عرفت أنه في غير محله لقوة الاستظهار المزبور. وعليه فيراد بالخمس الخمس المعهود الذي ينصرف إليه اللفظ عند الاطلاق، اعني ما يصرف للسادة والامام عليه السلام كما في خمس الغنائم ونحوها. (2): - هل يختص الحكم بالشراء أو يعم مطلق المعاوضة كالصلح؟ أو يعم مطلق الانتقال وان لم يكن معاوضة كالهبة؟؟ وجوه: اقواها الاخير. فان مقتضى الجمود على ظاهر النص وان كان هو الاول اقتصارا في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مقدار قيام الدليل الا ان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي الغاء خصوصية الشراء بحسب الفهم العرفي، وان الاعتبار بمطلق الانتقال من المسلم إلى الذمي كيفما اتفق وان التعبير بالشراء من اجل انه الفرد الغالب من اسباب النقل لندرة غيره كما لا يخفى.

[ 179 ]

[ وانما يتعلق الخمس برقبة الارض دون البناء والاشجار والنخيل إذا كانت فيه (1) ] فلا خصوصية له بوجه. ولا يكاد يفهم العرف فرقا بين ان يكون النقل بلفظ بعت واشتريت أو صالحت أو وهبت أو الشرط في ضمن العقد ونحو ذلك. فهو نظير منع المسلم عن بيع شئ من الذمي كما ورد من عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر، فان العرف لا يكاد يرتاب في ان الممنوع هو مطلق الانتقال وتمكينه من العين وان لم يكن بصورة البيع. وبعبارة اخرى قد يكون الحكم متعلقا بنفس العقد، ففي مثله لا يمكن التعدي إلى عقد آخر كما في قوله: نهى النبي عن بيع الغرر أو البيعان بالخيار، فلا يلحق الصلح مثلا بالبيع حينئذ، واخرى تشهد مناسبة الحكم والموضوع بعدم تعلق الحكم بنفس العقد بل الاعتبار بالخصوصية الكائنة في المنتقل عنه والمنتقل إليه كما في المقام، وان خصوصية اسلام البايع وكفر المشتري هي الباعثة على تشريع الخمس من غير خصوصية للبيع نفسه. ففي مثله لا يتامل العرف في التعدي إلى مطلق النوافل. ولعل السر في تشريعه هو التقليل من الانتقال المذكور خارجا كيلا يتسلط الكفار على اراضي المسلمين ولا تقوى كلمة الكفر وتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ففرض عليه الخمس لكي تقل رغبته في الشراء لتضرره في ذلك غالبا فانه بحسب النتيجة قد اشترى اربعة اخماس الارض بتمام قيمتها. (1): - لخروجها عن مفهوم الارض التي هي المتعلق للخمس لا ما يكون فيها، فلا مقتضي لعموم الحكم لها.

[ 180 ]

[ ويتخير الذمي بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها (1) ومع عدم دفع قيمتها يتخير ولي الخمس بين اخذه وبين اجازته (2)، ] (1): - لجواز دفع القيمة ممن عليه الحق خمسا أو زكاة كما تقدم في كتاب الزكاة ويأتي التعرض له في هذا الكتاب ايضا ان شاء الله تعالى. (2): - كما نص عليه غير واحد من الاصحاب من ان من آل إليه امر الخمس يتخير بين اخذ رقبة الارض وبين ارتفاعها من اجارة وحصة مزارعة ونحوها نظرا إلى عدم الملزم له باخذ العين فيشترك مع بقائها في النماء تبعا للاشتراك في العين ونتيجته جواز الايجار واستلام المنافع كجواز استلام نفس العين. ولكنه لا يخلو عن الاشكال إلا بالاضافة إلى النصف من الخمس الذي هو حق للامام عليه السلام حيث ان التصرف فيه منوط برضاه (ع) فمتى احرز نائبه وهو الحاكم الشرعي رضاه بالايجار لمصلحة يراها ساغ له ذلك. واما النصف الآخر الذي هو ملك للسادة فبما ان المالك هو الكلي فالمقدار الثابت من ولاية الحاكم الشرعي، ولايته على القبض عنهم والصرف عليهم، وأما الولاية على التصرف فيه بايجار ونحوه فيحتاج إلى دليل آخر يثبت له هذه الولاية زائدا على ولايته على القبض والصرف وليس لنا ذلك. إذا فتصديه للايجار مشكل. نعم يجوز له اخذ اجرة المثل للمدة المنصرمة قبل اداء الخمس إذ لم تذهب تلك المنافع هدرا على اربابها وهم السادة، سواء استوفاها الذمي ام لا لثبوت ضمان اليد على التقديرين والمفروض ولايته على

[ 181 ]

[ وليس له قلع الغرس والبناء بل عليه ابقاؤهما بالاجرة (1) وان اراد الذمي دفع القيمة وكانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوم مشغولة بها (2) مع الاجرة فيؤخذ منه خمسها ولا نصاب في هذا القسم من الخمس (3) ] الاخذ عنهم كما عرفت. فيفصل بين تصرفه وتصديه للايجار بأجرة المسمى وبين اخذه اجرة المثل حسبما اشار إليه سيدنا الاستاذ دام ظله في تعليقته الانيقة. (1): - إذ ليس له الحق إلا في نفس الارض فقط. وأما الغرس أو البناء فهما ملك للذمي بوصفهما العنواني ضرورة انه لم يشتر حطبا ولا آجرا، بل غرسا وبناء فلابد من المحافظة عليهما، ولاجله لا يسوغ القلع. نعم بما انه لا يملك الابقاء في مقدار الخمس من الارض مجانا لكونه ملكا لاربابه فلا جرم تجب عليه الاجرة، فليس لولي الخمس القلع، كما انه تجب الاجرة على الذمي رعاية لكلا الحقين وعملا بكلتا الوظيفتين. (2): - لانه اشترى الارض بهذه الصفة وتلقاها عن مالكها على هذه الحالة ولا يجب عليه إلا خمس ما اشترى وتلقى، فلابد وان تقوم مشغولة، وبما ان الاشتغال لم يكن مجانا كما عرفت بل له اجرة فلابد وأن تقوم كذلك اي مشغولة باشتغال يستوجب الاجرة ويؤخذ خمسها. (3): - من غير شائبة الاشكال لاطلاق النص، بل لا ينبغي التعرض له لعدم توهمه من احد فانه كالتنبيه على تعميم هذا الخمس لسائر الاوصاف والخصوصيات المعلوم عدم دخلها في الحكم.

[ 182 ]

[ ولا يعتبر فيه نية القربة حين الاخذ حتى من الحاكم بل ولا حين الدفع إلى السادة (1). (مسألة 40) لو كانت الارض من المفتوحة عنوة (2) وبيعت تبعا للآثار ثبت فيها الحكم لانها للمسلمين فإذا اشتراها الذمي وجب عليه الخمس وان قلنا بعدم دخول الارض في المبيع وان المبيع هو الآثار ويثبت في الارض حق الاختصاص ] (1): - لعدم الدليل على عبادية هذا النوع من الخمس لكي يحتاج إلى القربة غير الممكن صدورها من الكافر حتى يبحث عمن ينويها عنه من الحاكم أو غيره لافتراقه عن بقية الانواع في عدم كونه من قبيل الغنائم، وانما هي كضريبة مالية متعلقة بما يشتريه من المسلم نظير الضرائب الحكومية. على ان عبادية الخمس في ساير الانواع ايضا لم تثبت بدليل لفظي لكي يتمسك باطلاقه وانما استندنا فيها مضافا إلى الاجماع والارتكاز والسيرة القطعية بما تقدم في كتاب الزكاة من حديث المباني المتضمن ان مباني الاسلام خمسة وعد منها الزكاة - ومعلوم ان الخمس بدل الزكاة - حيث ان مبنى الاسلام لا يكون مجرد الامساك أو دفع شئ من الاموال ونحو ذلك بل لابد وأن يكون امرا عباديا كالصلاة، وهذا البيان كما ترى يخص المسلمين ولا يعم الخمس المأخوذ من الكافر الذمي. وعليه فلا تعتبر القربة لا منه ولا من الحاكم لا حين الاخذ ولا حين الدفع إلى السادة كما افاده في المتن. (2): - توضيح المقام انه لا اشكال في وجوب الخمس على

[ 183 ]

[ للمشتري واما إذا قلنا بدخولها فيه فواضح كما انه كذلك إذا باعها منه اهل الخمس بعد اخذ خمسها فانهم مالكون لرقبتها ويجوز لهم بيعها. ] الذمي فيما لو اشترى الارض المفتوحة عنوة من اهل الخمس من سهمهم الذي وصل إليهم كالسادة بناء على وجوب تخميس هذه الاراضي كما عليه المشهور على ما تقدم في صدر الكتاب، إذ البايع يبيع حينئذ حصته الشخصية من الارض التي هي ملك طلق له، فان السادة مالكون لرقبتها على هذا المبنى وقد اشار الماتن إلى ذلك في آخر هذه المسألة بقوله: كما انه كذلك... الخ. واما لو انكرنا المبنى - كما هو الاظهر على ما مر - أو كان المبيع من الاربعة اخماس الباقية فلا اشكال ايضا في وجوب الخمس عليه فيما لو كان البايع هو الامام أو الحاكم الشرعي لبعض المصالح العامة المقتضية لذلك، فان المبيع وان لم يكن حينئذ مالكا للبايع إلا أنه يملك أمر البيع ويحق له النقل حسب الفرض وهي ملك لعامة المسلمين فيصدق ان الذمي اشترى ارض المسلمين فيشمله اطلاق الدليل، أذ لم يعتبر فيه ان تكون ملكا شخصيا للمسلم. وأما لو كان البايع من احاد المسلمين فلا ينبغي الاشكال في وجوب الخمس أيضا فيما لو كانت الارض خربة وقد احياها المسلم بناء على ما هو الاظهر من صيرورتها بالاحياء ملكا طلقا شخصيا له عملا بعموم قوله عليه السلام: من احيا ارضا فهي له، وأنه يشمل حتى الارض المفتوحة عنوة. كما لا ينبغي الاشكال في وجوبه أيضا فيما لو احياها باحداث الاثار

[ 184 ]

[ (مسألة 41) لا فرق في ثبوت الخمس في الارض المشتراة بين ان تبقى على ملكية الذمي بعد شرائه إذا انتقلت منه بعد الشراء إلى مسلم آخر (1) كما لو باعها بعد الشراء أو مات وانتقلت إلى وارثه المسلم أو ردها إلى البايع باقالة أو غيرها فلا يسقط الخمس بذلك، ] وقلنا بمقالة المشهور من صيرورتها ملكا متزلزلا، أي موقتا محدودا يزول بزوال تلك الآثار، إذ هي فعلا ملك طلق له بشخصه ولا فرق في وجوب الخمس على الذمي بين ما كانت الارض المشتراة من المسلم ملكا دائميا له أم موقتا بمقتضى الاطلاق. وإنما الاشكال فيما لو بنينا على خروج الارض عن ملك المتصرف بتاتا وكونها باقية على ملك عامة المسلمين وليس لمن احياها ما عدا مجرد الانتفاع المسمى بحق الاختصاص المترتب عليه عدم جواز مزاحمته ما دام شاغلا للمحل نظير الحق الثابت في الاوقاف من ان من سبق إلى ما لم يسبق إليه غيره فهو احق به، فكأن المبيع مجرد الاثار من البنيان أو الاشجار دون رقبة الارض كما نص عليه في المتن فقد ذكر الماتن وجوب الخمس على المشتري الذمي على هذا القول أيضا. ولكنه مشكل جدا، بل ممنوع ضرورة انصراف الشراء المجعول موضوعا لتخميس الذمي إلى انتقال الارض إليه وصيرورتها ملكا له لا مجرد الانتفاع وحق الاختصاص، وبما أنه لا ملك ولا شراء فلا يكاد يشمله النص بوجه فلاحظ. (1): - لا يخفى ان موضوع البحث في هذه المسألة هو أن مجرد حدوث الملك بالشراء كاف في تعلق الخمس بالذمي أم أنه مشروط

[ 185 ]

بالبقاء فيسقط بالخروج عن ملكه بقاء بالنقل إلى مسلم آخر ببيع أو ارث ونحو ذلك، وقد اختار الاول وهو الحق من غير اشكال فيه عملا باطلاق النص فلا يسقط الخمس بانتقال الارض منه إلى مسلم آخر، بل هو ضامن له كما يضمنه المنتقل إليه أيضا بمقتضى قانون توارد الايدي وللحاكم الشرعي مراجعة أي منهما شاء لبطلان البيع بالاضافة إلى مقدار الخمس. نعم في خصوص ما لو كان المشتري من اهل الحق أي مسلما شيعيا يصح البيع أو الهبة ونحوهما من النوافل لصدور الاجازة من اهلها بمقتضى نصوص التحليل على ما سيجئ التعرض إليها في محله ان شاء الله تعالى، فينتقل الخمس الواجب على الذمي من العين إلى الثمن في مثل البيع، أو إلى الذمة في مثل الهبة، ولا شئ على الشيعي بوجه وهذا بحث آخر أجنبي عن محل الكلام ولا تنافي له بوجه مع ما نحن بصدده من كفاية مجرد الحدوث في تعلق الخمس بالذمي وعدم اناطته بالبقاء حسبما عرفت. وبالجملة هناك مسألتان لا تهافت بل ولا علاقة لاحدهما بالاخرى فتارة يبحث عن ان الخمس هل يسقط عن الذمي بخروج الارض عن ملكه وهل يتخلص عنه بالنقل إلى مسلم آخر؟ والجواب منفي عملا باطلاق النص المجعول فيه مجرد الشراء موضوعا للتخميس سواء أبقي في ملكه أم خرج. واخرى يبحث عن ان المنتقل إليه لو كان شيعيا فهل هو مكلف بالخمس أيضا كنفس الذمي كما هو كذلك قطعا فيما لو كان مسلما غير شيعي؟ والجواب أيضا منفي اخذا بنصوص التحليل الشامل للتجارات وان الشيعي لو تلقى المال ممن لا يعتقد الخمس أو يعتقد ولا يخمس ولو عصيانا لا خمس

[ 186 ]

[ بل الظاهر ثبوته ايضا لو كان للبايع خيار ففسخ بخياره (1). (مسألة 42) إذا اشترى الذمي الارض من المسلم وشرط عليه عدم الخمس لم يصح وكذا لو اشترط كون الخمس على البايع (2) لو شرط على البايع المسلم ان يعطي مقداره ] عليه وهذا لا ينافي عدم السقوط عن نفس الذمي فينتقل الخمس الواجب عليه إلى البدل أو إلى الذمة حسبما عرفت. ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في الاقالة وأنه لا فرق في عدم سقوط الخمس بالخروج عن الملك بين ان يكون الخروج بعقد جديد أو بحل العقد الاول والتقايل مع البايع اخذا باطلاق النص كما عرفت. نعم في خصوص ما إذا كان البايع شيعيا تصح الاقالة في تام العين ولا شئ عليه وينتقل الخمس إلى ذمة الذمي. (1): - اخذا باطلاق النص الشامل للشراء اللازم والمتزلزل. نعم قد يتأمل في ذلك كما هو الجواهر نظرا إلى انصراف النص إلى الاول، ولكنه بدوي لا يعبأ به، فان الذي ينصرف عنه الاطلاق هو الفرد الخفي الذي لا يشمله اللفظ بحسب الفهم العرفي بحيث يكون الشمول له بعيدا عن اذهان اهل المحاورة لدى اطلاق اللفظ كالانسان بالاضافة إلى عنوان ما لا يؤكل لحمه، فان العرف يرى ان الانسان آكل ولا يعدون لحمه من سنخ المأكول فينصرف عنه الحيوان عرفا وإن شمله لغة. وأما الشراء المتزلزل غير المستقر فهو شايع ذايع كاللازم المستقر فيشمله الاطلاق ولا وجه للانصراف عنه بتاتا. (2): - لكون الشرط في الموردين مخالفا للسنة ولا اثر للشرط

[ 187 ]

[ عنه فالظاهر جوازه. (مسألة 43) إذا اشتراها من مسلم ثم باعها منه أو من مسلم آخر ثم اشتراها ثانيا وجب عليه خمسان (1) خمس الاصل للشراء اولا وخمس اربعة اخماس للشراء ثانيا. ] المحلل للحرام أو المحرم للحلال. نعم هو نافذ في القسم الاخير، اعني اشتراط اداء البايع عن الذمي لعدم المانع فيه بعد عموم ادلة الشروط، فانه شرط عمل كشرط ان يؤدي دينه، ولكن لا يسقط عن الذمي بمجرد هذا الاشتراط إلا إذا وفى البايع بشرطه لكون التكليف متوجها إلى الذمي بنفسه. فلو لم يف يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط. فلو فسخ يدخل حينئذ في المسألة السابقة من عدم السقوط بالخروج عن الملك بالفسخ أو بغيره. (1): - فالخمس الاول للشراء الاول وهو متعلق بتمام العين، وبما ان الذمي لا يملك عندئذ إلا اربعة اخماسها والخمس الآخر ملك للسادة فالمبيع ثانيا ليس إلا هذا المقدار اعني الاربعة اخماس والزائد عليها فضولي لا يحق له بيعه، وعليه فما يشتريه ثانيا أيضا لا يكون إلا هذا المقدار ولاجله كان متعلق الخمس الثاني اربعة اخماس الارض لا تمامها. هكذا ذكره الماتن تبعا لجماعة منهم صاحب الجواهر، وهو وجيه فيما لو باعها الذمي من مسلم غير شيعي. وأما لو باعها من الشيعي فالاظهر حينئذ وجوب خمس الجميع ثانيا كالاول وذلك لما عرفت من شمول نصوص التحليل للمقام، فيملك الشيعي تمام العين لدى شرائه اياها من الذمي ويكون البيع صحيحا في الجميع وينتقل الخمس الواجب على الذمي إلى القيمة، وعليه

[ 188 ]

[ (مسألة 44) إذا اشترى الارض من المسلم ثم اسلم بعد الشراء لم يسقط عنه الخمس (1) ] فيكون شراء الذمي ثانيا متعلقا بتمام العين، ولاجله يجب تخميس الجميع كما اشرنا إليه في التعليق. (1): - لعدم الخروج بذلك عن موضوع دليل التخميس الظاهر في كونه كافرا حال شراء الارض من المسلم فيشمله الاطلاق. نعم قد يتوهم السقوط استنادا إلى حديث الجب، ولاجله لم يكد يطالب الكافر بالاخماس والزكوات بعدما اسلم. ولكنه كما ترى فان الحديث لم يثبت من طرقنا فلا يعول عليه كما مرت الاشارة إليه في كتاب الزكاة. نعم قامت السيرة القطعية على عدم مطالبة الذمي بعدما اسلم بالحقوق المالية كالاخماس والزكوات وغيرها من قضاء الصلوات ونحوها مما هو ثابت لعامة المسلمين اما لاجل عدم تكليفه بها حال الكفر كما لعله الاظهر، أو لانه وان كان مكلفا بالفروع كالاصول كما عليه المشهور الا ان عدم المطالبة هو مقتضى اتصافه بكونه في ذمة الاسلام، إذ معنى ذلك انه يعطي الجزية سنويا بشروط، وبازائها يكون حرا في دينه وباقيا على مذهبه من غير ان يطالب بشئ. وكيفما كان فهو غير مطالب بشئ من تلك الاحكام بلا كلام. واما الحكم الثابت له حال الكفر وبوصف كونه ذميا بحيث كان يطالب به حال كفره وقبل ان يسلم وهو خمس الارض التي اشتراها من المسلم فلا مقتضي لسقوطه بالاسلام اللاحق ابدا كما لا دليل عليه، ولم تقم سيرة على السقوط عنه بوجه كما لا يخفى.

[ 189 ]

[ نعم لو كانت المعاملة مما يتوقف الملك فيه على القبض فاسلم بعد العقد وقبل القبض سقط عنه لعدم تمامية ملكه في حال الكفر (1). (مسألة 45) لو تملك ذمي من مثله بعقد مشروط بالقبض فاسلم الناقل قبل القبض (2) ففي ثبوت الخمس وجهان اقواهما الثبوت. ] (1): - إذ لم يصدر منه آنذاك إلا مجرد الانشاء غير المحقق للشراء بعد كون فاقدا للشرط فلم يتحقق معه موضوع التخميس. وهذا نظير ما لو اشتري له من المسلم فضوليا فاسلم ثم اجاز الشراء حيث لم يصدر حال الكفر عدا العقد الانشائي الذي لا اثر له ما لم يقترن بالاجازة، فما وقع حال الكفر لم يتصف بعنوان الشراء، وما اتصف به لم يقع حال الكفر. وهذا من غير فرق بين كون الاجازة ناقلة ام كاشفة، إذ الشراء بنفسه فعلي على التقديرين، غايته ان متعلقه فعلي ايضا على الاول ومن السابق على الثاني، ولا ريب ان الاعتبار بنفس الشراء فانه المأخوذ موضوعا للتخميس على تقدير دون تقدير لا بمتعلقه فلاحظ. (2): - لا خصوصية لكون الناقل ذميا بل مناط البحث يعم مطلق الكافر ولو كان حربيا أو معاهدا، فالتخصيص به كأنه مبني على المثال. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في ثبوت الخمس لعدم كونه الاعتبار بذات العقد ومجرد انشائه لكي يراعى حال حدوثه بل العبرة حسبما يستفاد من النص بالعقد المؤثر في الملكية الفعلية التامة المتضمن للنقل

[ 190 ]

والانتقال الذي لا تحقق له الا بعد اسلام الناقل فلا يتملك الذمي إلا في هذه الحالة، إذ لا اثر للانشاء السابق العاري عنه فيشمله النص لصدق التملك من المسلم. ثم ان فرض المسألة بناء على ان موضوع الخمس مطلق الانتقال واضح كما لو وهب الارض ذمي لذمي آخر فاسلم الواهب قبل قبض المتهب فكان انشاء الهبة حال الكفر وتأثيره في الملك - لمكان لاشتراط بالقبض - حال الاسلام، ولا شك في ان القبض شرط في النقل وليس بكاشف فهو جزء من المؤثر. وهذا نظير صدور الايجاب حال كفر الواهب والقبول حال اسلامه. واما بناء على ان موضوع الخمس خصوص الشراء جمودا على ظاهر النص لا مطلق النقل فلا اشكال في فرض المسألة فيما إذا بيعت الارض سلفا. ويمكن فرضها فيما لو كانت الارض ثمنا في بيع سلم واقع بين ذميين فاسلم صاحب الارض قبل القبض بناء على ما هو المعروف من انه لا يعتبر في بيع السلف ان يكون الثمن من النقود، كما لو باع احد الذميين مقدارا من الحنطة من صاحبه سلفا وجعل الثمن الارض الشخصية وقبل اقباضها اسلم المشتري فقد تملك الذمي الارض من المسلم في شراء مشروط بالقبض، لكن ثمنا لا مثمنا وعوضا لا معوضا، ولا ينبغي الشك في عدم الفرق بين شراء الارض والشراء بها في هذا الحكم، إذ لا تحتمل الفرق في انتقال الارض من المسلم إلى الذمي بين كونه بصورة البيع أو الشراء جزما.

[ 191 ]

[ (مسألة 46) الظاهر عدم سقوطه إذا شرط البايع على الذمي ان يبيعها بعد للشراء من مسلم (1). (مسألة 47) إذا اشترى المسلم من الذمي ارضا ثم فسخ باقالة أو بخيار ففي ثبوت الخمس وجه لكن الاوجه خلافه حيث إن الفسخ ليس معاوضة (2). ] (1): - قد عرفت ان موضوع الخمس مجرد تملك الذمي حدوثا سواء أبقي في ملكه ام خرج فالخروج لا يوجب السقوط بدون الشرط فلا اثر لاشتراطه في اسقاطه بعد اطلاق الدليل. ودعوى انصرافه عن ذلك لا نعرف لها وجها. ثم انه لم يستشكل احد في صحة هذا الشرط عملا بعموم ادلته فانه شرط لامر سائغ من غير ان يكون محللا ولا محرما. ونتيجته الخيار لو تخلف المشروط عليه. نعم في خصوص ما لو اشترط البايع على المشتري ان يبيعه منه ثانيا كلام مشهور مذكور في محله فقد منعه جماعة وعللوه بوجوه منها المنافاة مع قصد البيع ونحو ذلك من الوجوه المزيفة. والعمدة في المقام الروايات الخاصة المانعة عن ذلك. وكيفما كان فمحل الاشكال فرض آخر غير ما افترضه الماتن في هذه المسألة فلاحظ. (2): - وانما هو حل للمعاوضة وازالة للسبب الحادث وبعد ما ارتفع الحاجب يعود كل مال إلى ملك صاحبه الاول بنفس السبب السابق. وعليه فلم يتلق الذمي الارض من المسلم ليجب الخمس وانما تملكها بالسبب السابق على البيع المفسوخ من احياء أو ارث ونحوهما فلا يصدق انه انتقلت إليه الارض من المسلم ليشمله النص بعدما

[ 192 ]

[ (مسألة 48) من بحكم المسلم بحكم المسلم (1). (مسألة 49) إذا بيع خمس الارض التي اشتراها الذمي عليه وجب عليه خمس ذلك الخمس الذي اشتراه وهكذا (2)، ] عرفت من عدم كون الفسخ من المملكات وانما كان هناك حاجز ومانع فارتفع. (1): - اي في المقام فكل من كان محكوما بالاسلام كاطفال المسلمين ومجانينهم فهو بحكم المسلم فيما نحن فيه من وجوب الخمس على الذمي لو اشترى الارض منه كما في غير المقام من ساير الاحكام بلا كلام. والحكم مورد للاجماع والتسالم. (2): - يريد قدس سره بذلك شراء الخمس بعد دفعه من نفس العين الشخصية التي تعلق بها الخمس اولا، فيشتري خمس الارض بعد اقباضه وتسليمه إلى اربابه، ولا شك حينئذ في وجوب التخميس ثانيا وثالثا وهكذا لكونه في كل مرة موضوعا جديدا لشراء الذمي الارض من المسلم فيعمه النص ويشمله الحكم إلى ان لا يبقى منه شئ يقبل التخميس. وأما لو اراد الشراء قبل الدفع لكي تخلص له الارض باجمعها فبناء على ان متعلق الخمس مالية الارض كما في الزكاة لا شخصيتها. فاربابه لا يملكون إلا خمس هذه الارض بما أنه مال لا بما أنه ارض. ومن الواضح ان شراء هذه المالية لا يستوجب التخميس لعدم كونه مصداقا لشراء الارض بل لشراء ماليتها، ولا خمس إلا في شراء الارض نفسها لا ماليتها كما هو ظاهر. فلو كانت الارض تسوى مائة دينار فله شراء خمس هذه المالية

[ 193 ]

[ السابع: ما يفضل عن مؤونة سنته (1) ومؤونة عياله من ارباح التجارات ومن سائر التكسبات من الصناعات والزراعات والاجارات حتى الخياطة والكتابة والنجارة والصيد وحيازة المباحات واجرة العبادات الاستيجارية من الحج والصوم والصلاة والزيارات وتعليم الاطفال وغير ذلك من الاعمال التي لها اجرة ] الذي قد تسوى عشرين واخرى اقل حسب اختلاف الاحوال، إذ قد لا ينتفع من خمس الارض مستقلا ما ينتفع به في ضمن المجموع، فلو اشترى ذلك لم يكن عليه خمس آخر، فانه مثل ما لو ادى الخمس من القيمة ابتداءا في انه يملك بذلك تمام الارض من دون ان يجب عليه الخمس ثانيا لعدم كونه شراء جديدا للارض حسبما عرفت. واما بناء على القول بالاشاعة كما اخترناه فلا يفرق الحال بين الصورتين كما لا يخفى. (1): - ينبغي التكلم في مقامين: احدهما في اصل التشريع وانه هل يجب الخمس في هذا القسم كما وجب في ساير الاقسام أو لا؟ ثانيهما في انه بعد الفراغ عن الوجوب فهل ثبت سقوطه والعفو عنه بنصوص التحليل اما مطلقا أو في الجملة أو لا؟ ولنؤخر البحث عن المقام الثاني حيث سيتعرض له الماتن في المسألة الاخيرة من كتاب الخمس ونتابعه في البحث فهو موكول إلى محله ان شاء الله تعالى. والكلام الآن متمحض في المقام الاول والبحث عنه يقع في جهات الجهة الاولى: الظاهر تسالم الاصحاب واتفاقهم قديما وحديثا على الوجوب إذ لم ينسب الخلاف الا إلى ابن الجنيد وابن ابي عقيل ولكن

[ 194 ]

مخالفتهما على تقدير صدق النسبة - من اجل عدم صراحة العبارة المنقولة عنهما في ذلك - لا تقدح في تحقق الاجماع ولاسيما الاول منهما المطابقة فتاواه لفتاوى ابي حنيفة غالبا كما لا يخفى. بل في الجواهر ان هذا هو الذي استقر عليه المذهب والعمل في زماننا هذا بل وغيره من الازمنة السابقة. وكيفما كان فيدلنا على الحكم بعد الاجماع والسيرة العملية القطعية المتصلة بزمن المعصومين عليهم السلام. اولا الكتاب العزيز قال تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول...) (1) فان (الغنيمة) بهذه الهيئة وان امكن ان يقال، بل قيل باختصاصها بغنائم دار الحرب اما لغة أو اصطلاحا - وان كان لم يظهر له اي وجه -. الا ان كلمة (غنم) بالصيغة الواردة في الآية المباركة ترادف ربح واستفاد وما شاكل ذلك فتعم مطلق الفائدة، ولم يتوهم احد اختصاصها بدار الحرب. ولعل في التعبير بالشئ - الذي فيه من السعة والشمول ما ترى - ايعازا إلى هذا التعميم وان الخمس ثابت في مطلق ما صدق عليه الشئ من الربح وان كان يسيرا جدا كالدرهم غير المناسب لغنائم دار الحرب كما لا يخفى. ويعضده اطلاق الخطاب في بعض الآيات السابقة وهي قوله تعالى: (واعلموا انما اموالكم واولادكم فتنة.. الخ) وقوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا...) فانه عام لجميع المؤمنين لا لخصوص المقاتلين.


(1) سورة الانفال الآية 41.

[ 195 ]

ولا ينافيه ذكر القتال في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها لما هو المعلوم من عدم كون المورد مخصصا للحكم الوارد عليه. ومن ثم اعترف القرطبي في تفسيره وكذا غيره بشمول لفظ الآية لعموم الفوائد والارباح غير انه خصها بغنائم دار الحرب من اجل الاجماع الذي ادعى قيامه على ذلك. فإذا كانت هيئة (غنم) عامة فلا جرم كانت هيئة (غنيمة) ايضا كذلك. إذ لا دلالة في هيئة (فعلية) على الاختصاص. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في اطلاق الاية المباركة في حد ذاتها وشمولها لعامة الارباح والغنائم. وتشهد لذلك اخبار كثيرة دلت على انها الافادة يوما فيوما تكون بضميمة نصوص التحليل - حيث انه متفرع على اصل التشريع فتدل عليه ايضا - بالغة حد التواتر الاجمالي كما لا يخفى. فالحكم مما لا ينبغي الاشكال فيه. نعم ههنا اشكال معروف قد تداول على الالسن ولاسيما في الآونة الاخيرة: وحاصله ان الاية لو كانت مطلقة وكان هذا النوع من الخمس ثابتا في الشريعة المقدسة فلماذا لم يعهد اخذه من صاحب الشرع حيث لم ينقل لا في كتب الحديث ولا التاريخ ان النبي الاعظم صلى الله عليه وآله أو احدا من المتصدين بعده حتى وصيه المعظم في زمن خلافته الظاهرية تصدى لاخذ الاخماس من الارباح والتجارات كما كانوا يبعثون العمال لجباية الزكوات، بل قد جعل سهم خاص للعاملين عليها فانه لو كان ذلك متداولا كالزكاة لنقل الينا بطبيعة الحال.

[ 196 ]

وان تعجب فعجب انه لم يوجد لهذا القسم من الخمس عين ولا اثر في صدر الاسلام إلى عهد الصادقين عليهما السلام حيث ان الروايات القليلة الواردة في المقام كلها برزت وصدرت منذ هذا العصر، اما قبله فلم يكن منه اسم ولا رسم بتاتا حسبما عرفت. والجواب: اما بناء على ما سلكناه من تدريجية الاحكام وجواز تأخير التبليغ عن عصر التشريع بايداع بيانه من النبي إلى الامام ليظهره في ظرفه المناسب له حسب المصالح الوقتية الباعثة على ذلك، بل قد يظهر من بعض النصوص ان جملة من الاحكام لم تنشر لحد الان وانها مودعة عند ولي العصر عجل الله تعالى فرجه وهو المأمور بتبليغها متى ما ظهر وملا الارض قسطا وعدلا. فالامر على هذا المبنى - الحاسم لمادة الاشكال - ظاهر لا سترة عليه. واما مع الغض عن ذلك فبابداء الفرق بين الزكاة والخمس نظرا إلى ان الاول ملك للفقراء وحق يصرف في مصالح المسلمين وهو صلى الله عليه وآله مأمور بالاخذ قال تعالى: (خذ من اموالهم صدقة.. الخ) فمقدمة للاخذ الواجب عليه لا محيص له صلى الله عليه وآله من بعث العمال لجباية الزكوات. واما الخمس فهو حق له صلى الله عليه وآله ولاقربائه فيشبه الملك الشخصي حيث لا تعود فائدته لعامة المسلمين. ومن ثم لم يؤمر في مورده الا بمجرد التبليغ كما في ساير الاحكام من الصلاة والصيام دون الاخذ فلم يكن ثمة باعث على جبايته، بل قد لا يناسب ذلك شأنه وجلالته كما لا يخفى. فلا مجال لقياس الخمس على الزكاة، فانه مع الفارق الواضح حسبما عرفت.

[ 197 ]

وبالجملة فعلى تقدير تسليم عدم بعث العمال لاخذ الاخماس فهذا لا يكشف عن عدم الوجوب بوجه. كيف ووجوب الخمس في الركاز مما اصفقت عليه العامة ورووا فيه روايات كثيرة (1). ومع ذلك لم ينقل ولا في مورد واحد ان النبي صلى الله عليه وآله أو من بعده بعث احدا لجبايته. فعدم البعث والحث للاخذ لازم اعم لعدم الوجوب فلا يكشف عنه ابدا. على ان العامة قد رووا هذا الخمس عن النبي صلى الله عليه وآله فقد ورد في صحيح البخاري والترمذي ان رجلا من بني عبد قيس جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما اراد الانصراف امره صلى الله عليه وآله بالصلاة والصيام والزكاة واعطاء الخمس مما غنم. فان من الواضح عدم ارادة الخمس من غنائم دار الحرب لعدم فرض قتال أو غزو، بل المراد خمس الارباح والمتاجر كما لا يخفى. والانصاف أنه لم يتضح لدينا بعد ماذا كانت الحالة عليه في عصره صلى الله عليه وآله بالاضافة إلى اخذ هذا النوع من الخمس وعدمه، كيف والعهد بعيد والفصل طويل، وقد تخلل بيننا عصر الامويين الذين بدلوا الحكومة الاسلامية حكومة جاهلية، ومحقوا احكام الدين حتى ان كثيرا من الناس لم يعرفوا وجوب الزكاة الثابت بنص القرآن كما يحكيه لنا التاريخ والحديث، بل في صحيح أبي داوود وسنن النسائي ان اكثر اهل الشام لم يكونوا يعرفون أعداد الفرائض، وعن إبن سعد في الطبقات ان كثيرا من الناس لم يعرفوا مناسك حجهم. وروى ابن حزم عن ابن عباس أنه خطب في البصرة وذكر زكاة


(1) راجع عمدة القاري في شرح البخاري ج 9 ص 99 باب ما يجب فيه الخمس الركاز.

[ 198 ]

الفطرة وصدقة الصيام فلم يعرفوها حتى امر من معه ان يعلم الناس، فإذا كان الحال هذه بالاضافة إلى مثل هذه الاحكام التي هي من ضروريات الاسلام ومتعلقة بجميع الانام فما ظنك بمثل الخمس الذي هو حق خاص له ولقرابته ولم يكن من الحقوق العامة كما في الزكاة، بل لخصوص بني هاشم زادهم الله عزا وشرفا. فلا غرابة إذا في جهلنا بما كان عليه أمر الخمس في عصره صلى الله عليه وآله اخذا وصرفا. إلا ان هذا كله لا يكشف عن عدم الوجوب، وعدم الوصول لا يلازم عدم التشريع بعد ان نطق به الكتاب العزيز والسنة المتواترة ولو اجمالا حسبما عرفت وستعرف. ومما يؤكد ذلك أنه لا خلاف بيننا وبين العامة في عدم جواز دفع الزكاة لبني هاشم وان الصدقة عليهم حرام، حتى أنه لا يجوز استعمالهم عليها والدفع من سهم العاملين. وقد رووا في ذلك روايات متواترة كما وردت من طرقنا أيضا حسبما تقدم في كتاب الزكاة وفي بعضها ان الله تعالى قد عوض عنها الخمس اكراما لهم وتنزيها عن اوساخ ما في ايدي الناس. وفي صحيح مسلم وغيره ان الفضل بن العباس وشخصا آخر من بني هاشم كانا محتاجين إلى الزواج ولم يكن لديهما مهر فاشتكيا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وطلبا منه ان يستعملهما على الزكاة ليحصلا على المهر من سهم العاملين فلم يرتض صلى الله عليه وآله بذلك بل أمر شخصين ان يزوجا ابنتيهما منهما وجعل مهرهما من الخمس بدلا عن الزكاة، والروايات بذلك متظافرة بل متواترة من الطرفين كما عرفت. ومن الواضح الضروري ان الحرب ليست قائمة بين المسلمين

[ 199 ]

والكفار مدى الدهر ليتحقق بذلك موضوع الخمس من غنائم دار الحرب فتدفع إليهم. إما لاستيلاء الكفار كما في هذه الاعصار وما تقدمها بكثير، ولعل ما سيلحقها أيضا باكثر حيث اصبح المسلمون مستعمرين وإلى الله المشتكى. أو لاستيلاء الاسلام كما في عهد الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه وجعلنا من انصاره واعوانه. وعليه فلو كان الخمس مقصورا على غنائم دار الحرب ولم يكن متعلقا بما له دوام واستمرار من الارباح والتجارات فكيف يعيش الفقراء من بني هاشم في عصر الهدنة الذي هو عصر طويل الامد بعيد الاجل كما عرفت. والمفروض تسالم الفريقين على منعهم عن الزكاة أيضا كما مر. إذا فما هو الخمس المجعول عوضا عنها في هذه الظروف. فلا مناص من الالتزام بتعلقه كالزكاة بما له دوام واستمرار وثبات وقرار في جميع الاعصار لتستقيم العوضية وتتم البدلية الابدية، ولا يكون الهاشمي اقل نصيبا من غيره، وليس ما هو كذلك إلا عامة الارباح والمكاسب حسبما عرفت. فتحصل ان الاستشكال في وجوب الخمس في هذا القسم ساقط لا يعبأ به بتاتا. ويدلنا على الحكم ثانيا جملة وافرة من النصوص التي عرفت انها بضميمة نصوص التحليل بالغة حد التواتر الاجمالي. واليك بعضها. فمنها موثقة سماعة قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال: في كل ما افاد الناس من قليل أو كثير (1).


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 6.

[ 200 ]

ومنها صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتب إليه ابراهيم بن محمد الهمداني اقرأني على كتاب ابيك فيما اوجبه على اصحاب الضياع.. إلى ان قال: فكتب وقرأه على بن مهزيار علي. عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان (1). ومنها صحيحته الاخرى ولنذكرها بطولها لما فيها من المزايا. قال: كتب إليه أبو جعفر عليه السلام وقرأت انا كتابه إليه في طريق مكة، قال: ان الذي اوجبت في سنتي هذه، وهذه سنة عشرين ومأتين فقط لمعنى من المعاني اكره تفسير المعنى كله خوفا من الانتشار وسأفسر لك بعضه ان شاء الله تعالى: ان موالي أسأل الله صلاحهم أو بعضهم قصروا فيما يجب عليهم فعلمت ذلك فاحببت ان اطهرهم وازكيهم بما فعلت من امر الخمس في عامي هذا. قال الله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم والله سميع عليم). إلى ان قال ولم اوجب عليهم ذلك في كل عام ولا اوجب عليهم إلا الزكاة التي فرضها الله عليهم، وانما اوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول ولم اوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلا في ضيعة سأفسر لك امرها تخفيفا مني عن موالي ومنا مني عليهم لما يغتال السلطان من اموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم، فاما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام قال الله تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه.. الخ).


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 4.

[ 201 ]

إلى ان قال: فالغنائم والفوائد يرحمك الله، فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر والميراث الذي لا يحتسب من غير اب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، وما صار إلى موالي من اموال الخرمية الفسقة فقد علمت ان اموالا عظاما صارت إلى قوم من موالي فمن كان عنده شئ ذلك فليوصله إلى وكيلي، ومن كان نائيا بعيد الشقة فليتعمد لايصاله ولو بعد حين فان نية المؤمن خير من عمله فاما الذي اوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضعيته تقوم بمؤنته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك (1). ولنأخذ في شرح بعض فقرات هذا الحديث الشريف المروي عن أبي جعفر الجواد عليه السلام ودفع ما اورد عليه من الاشكالات. قوله عليه السلام: في سنتي هذه... الخ وهي سنة وفاته عليه السلام ولعل إلى ذلك اشار عليه السلام بقوله لمعنى من المعاني وكره تفسيره كله فاراد عليه السلام تطهير مواليه في السنة الاخيرة من عمره الشريف اقتداء بالنبي الاكرم المأمور بالاخذ والتطهير في قوله تعالى: (خذ من اموالهم... الخ). وقوله عليه السلام: ولم اوجب عليهم ذلك في كل عام.. الخ اي من اعوان حياته علما منه عليه السلام بعدم بقائه. قوله عليه السلام: وانما اوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه.. الخ يعني ان الكيفية التي اختارها عليه السلام للتطهير تختص بهذه السنة


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5.

[ 202 ]

هي ايجاب الخمس في خصوص الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول واسقاطه عما عداهما من المتاع والآنية والدواب والخدم والربح والضيعة إلا في ضيعة خاصة اشار عليه السلام إليها بقوله: سافسر لك امرها يعني (ع) بذلك ما سيذكره عليه السلام في آخر الحديث من التفصيل بين من كانت ضيعته تقوم بؤونته ففيها نصف السدس وإلا فلا شئ عليه. فالى هنا اسقط عليه السلام الخمس عما سوى ذلك في هذه السنة بالخصوص ولم يبين (ع) وجهه وكره تفسيره، وقد عرفت احتمال ان يكون الوجه موته عليه السلام في تلك السنة فاراد عليه السلام تطهيرهم إلا في خصوص الذهب والفضة. هذا وصاحب المدارك تعرض لهذه الرواية وذكر ان فيها اشكالا من جهات تمنعنا عن الاخذ بها وانه لابد من طرحها بالرغم من صحة السند. منها هذه الجملة: - حيث اوجب عليه السلام الخمس في الذهب والفضة مع انه لا يجب فيهما إلا الزكاة بالاجماع. ولكن الظاهر ان هذه الشبهة في غير محلها. اما لو اريد من الذهب والفضة ما كان بنفسه موردا للخمس كما لو وقع ربحا في تجارة - كما هو غير بعيد - فالامر ظاهر، إذ عليه يكون هذا استثناء عما ذكره عليه السلام من السقوط في الارباح فاسقط عليه السلام الخمس عن كل ربح ما عداهما، فيجب فيهما بعد حلول الحول لا بعنوانهما الاولي، بل بما انهما ربح في تجارة، ولا ضير في ذلك ابدا كما هو ظاهر.

[ 203 ]

واما مع التنازل عن ذلك ودعوى ظهورها في ايجاب الخمس فيهما بعنوانهما الذاتي حتى لو لم يتعلق بهما خمس الارباح كما لو كان ارثا وحال عليه الحول فلا ضير فيه ايضا لما عرفت من انه عليه السلام لم يكن بصدد بيان الحكم الشرعي مطلقا، بل اوجب عليه السلام الخمس في خصوص سنته هذه فقط. وقد تقدم ان ولي الامر له الولاية على ذلك فله اسقاط الخمس عن التجارة وجعله في الذهب والفضة ولو موقتا لمصلحة يراها مقتضية لتبديل البعض بالبعض سيما في مثل الذهب والفضة بعد حلول الحول الكاشف عن عدم الحاجة. فهذه الجملة لا توجب سقوط الرواية عن الحجية بوجه كما لا يخفى. ومنها قوله عليه السلام: فالغنائم والفوائد رحمك الله.. الخ حيث اورد في المدارك بما لفظه: (ومع ذلك فمقتضاها اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممن لا يحتسب والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحل تناوله من مال العدو في اسم الغنائم فيكون مصرف الخمس فيها مصرف خمس الغنائم). وفيه ايضا ما لا يخفى ضرورة ان الجائزة من اظهر انواع الفوائد هب ان لفظ الغنيمة لا يشملها ولكن الفائدة شاملة للهدية قطعا وكيف لا يكون العثور على مال مجانا من دار أو عقار ونحوهما فائدة، ولا ادري باي وجه استشكل ذلك، بل هي غنيمة ايضا، ومع الغض ففائدة بلا اشكال. وكذلك الحال في الميراث الذي لا يحتسب، والمال المأخوذ من عدو يصطلم فان كون ذلك كله فائدة امر قطعي لا ينكر.

[ 204 ]

نعم قوله عليه السلام: ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب لا يخلو عن الاشكال نظرا إلى ان هذا من مجهول المالك. والمشهور والمعروف لزوم التصدق به، وليس للآخذ تملكه ليدخل في الفائدة كما في اللقطة وان نسب ذلك إلى بعضهم استنادا إلى هذه الصحيحة ولكن المشهور خلافه كما عرفت. فكيف عد فيها من الفوائد والغنائم. ولكن الظاهر ان الصحيحة غير ناظرة إلى المال المجهول مالكه للفرق الواضح بين قولنا: (مال لا يعرف صاحبه) وبين قولنا: (مال لا يعرف له صاحب) إذ الصاحب في الاول مفروض الوجود غايته انه غير معروف فيكون من مجهول المالك بخلاف الثاني - وهو الوارد في الصحيحة - حيث لم يفرض له صاحب ومالك، ولعله لا صاحب له ابدا وانه من المباحات الاصلية التي هي ملك لمن استولى عليها. وهذا كما ترى اجنبي عن باب مجهول المالك وداخل في الفوائد والغنائم بلا اشكال كما تضمنته الصحيحة. ثم ان عبارة الصحيحة هكذا: (مال يؤخذ) كما هو كذلك في التهذيب والاستبصار فما في مصباح الفقيه من ضبط (يوجد) بدل (يؤخذ) غلط من النساخ. ومنها قوله عليه السلام في آخر الصحيح: فاما الذي أوجب من الضياع. الخ فقد اورد عليه في المدارك بما نصه: " واما مصرف السهم المذكور في آخر الرواية وهو نصف السدس في الضياع والغلات فغير مذكور صريحا مع انا لا نعلم بوجوب ذلك على الخصوص قائلا ". اقول: اما ما ذكره قدس سره من عدم ذكر المصرف فعجيب بداهة ان الصحيحة من بدايتها إلى نهايتها تنادي باعلى صوتها بانه

[ 205 ]

عليه السلام في مقام تخفيف الخمس اما بالالغاء محضا كما في المتاع والانية والخدم والربح ونحوها، أو بالالغاء بعضا كما في الضيعه حيث اشار عليه السلام في صدرها بقوله: " إلا في ضيعة سأفسرها لك " فما ذكره هنا تفسير لما وعد، ومعناه أنه عليه السلام خفف الخمس واكتفى عنه بنصف السدس فكيف لا يكون مصرفه معلوما فانه هو مصرف الخمس بعينه. وأما ما ذكره قدس سره اخيرا: من أنه لم يعرف له قائل فحق ولكنه عليه السلام لم يكن بصدد بيان الحكم الشرعي ليقال إنه لا قائل به، بل في مقام التخفيف عن حقه الشخصي والاكتفاء عن الخمس بنصف السدس كما عرفت، فيختص بزمانه، ولا ينافيه قوله عليه السلام " في كل عام " إذ الظاهر ان المراد كل عام من اعوام حياته وما دامت الامامة لم تنتقل إلى امام آخر كما مر. ويدل على ذلك صريحا صحيحته السابقة المتضمنة لمكاتبة ابراهيم بن محمد الهمداني إلى الهادي عليه السلام وسؤاله عن كتاب أبيه الجواد عليه السلام فيما اوجبه على اصحاب الضياع من نصف السدس واختلاف الاصحاب في ذلك وجوابه عليه السلام بوجوب الخمس بعد المؤونة الكاشف عن اختصاص نصف السدس بزمان أبيه عليه السلام وان حكم الضيعة هو الخمس غير أنه عليه السلام اكتفى عنه بهذا المقدار. ومنها قوله عليه السلام: فاما الغنائم والفوائد.. الخ حيث اشكل عليه المحقق الهمداني قده (1) بأنه يظهر منه ان الارباح غير داخلة في الغنائم.. ولاجله اسقط الخمس في الاول واثبته في الثاني، فيظهر


(1) كتاب الخمس من مصباح الفقيه ص 125.

[ 206 ]

التغاير من المقابلة واختلافهما من حيث المصرف وان خمس الارباح يختص بالامام (ع) ولاجله تصرف (ع) فيه رفعا وتخفيفا. وهذا الاشكال أيضا لا يرجع إلى محصل، لان المذكور فيها لو كان هو الغنائم فقط لامكن الاستظهار المزبور، ولكن اقترانها بالفوائد قرينة قطعية على ان المراد بها معنى عام يشمل مطلق الارباح وغيرها. غايته الالتزام بخروج صنف خاص من الفوائد وهي المذكورة قبل ذلك مما اسقط عنه الخمس، اعني ارباح التجارات ونحوها ونتيجته ارتكاب التخصيص الذي ليس بعزيز فيثبت الخمس في غير ما ذكر من الفوائد. وبعبارة اخرى ما يحتمل فيه الاختصاص هو لفظ الغنائم فيدعى - كما قيل - باختصاصه بغنائم دار الحرب، وأما الفوائد فهي مطلقة قطعا ولا مجال فيها للتوهم المزبور بتاتا فاقتران الاول بالثاني قرينة قاطعة على اتحاد المعنى وان المراد مطلق الفوائد فلا تدل على عدم دخول الارباح، غايته التخصيص بها وأنه عليه السلام اوجب الخمس في هذه السنة فيما عدا الارباح من الفوائد. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان هذه الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة على وجوب الخمس في الفوائد والغنائم وان أسقط عليه السلام حقه الشخصي في بعض السنين فيصح الاستدلال بها ولا يرد عليها شئ من الاشكالات حسبما عرفت. كما اتضح أنه لا ينبغي الشك في وجوب الخمس في الفوائد مطلقا وعدم الاختصاص بغنائم دار الحرب للاجماع والكتاب والسنة المتواترة اجمالا حسبما اسلفناك. الجهة الثانية لا ريب ان هذا الوجوب مشروط باستثناء ما يصرفه

[ 207 ]

في سبيل تحصيل الربح. فمؤونة الصرف مستثناة عن الوجوب بلا خلاف ولا اشكال كما هو ظاهر من غير حاجة إلى تجشم الاستدلال، واقامة البرهان ضرورة عدم صدق الفائدة إلا فيما زاد على هذا المقدار. فلو فرضنا ان تاجرا أو زارعا أو صانعا أو صاحب معمل صرف خمسين دينارا وحصل على مائة لا يقال انه ربح واستفاد مائة بل لم يربح إلا خمسين دينارا لا غير كما هو ظاهر جدا فلا خمس إلا في هذه الخمسين التي هي مصداق للفائدة والعائدة. مضافا إلى ما دلت عليه صحيحة البزنطي قال: كتبت إلى ابي جعفر عليه السلام الخمس اخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب بعد المؤنة (1). وقد تقدمت هذه الصحيحة في بحث المعادن وقلنا ان الظاهر منها مؤنة الصرف لا مؤنة السنة. وتؤيده رواية محمد بن الحسن الاشعري وهو ابن ابي خالد المعروف بشنبولة ولم يوثق، قال: كتب بعض اصحابنا إلى ابي جعفر الثاني عليه السلام اخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: الخمس بعد المؤنة (2) هكذا في الوسائل تبعا للتهذيب ولكن في الاستبصار (الضياع) بدل (الصناع) وهو الصحيح. وكيفما كان فلا اشكال في استثناء مؤنة الصرف. الجهة الثالثة: لا اشكال ايضا في انه يستثنى ما صرفه في مؤنة سنته


(1) الوسائل باب 12 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1. (2) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1.

[ 208 ]

لنفسه وعائلته، فان الخمس وان كان متعلقا بكل ما يستفيده الرجل من قليل أو كثير ولكن وجوب الدفع مشروط بعدم الصرف في المؤنة كما نطقت به بعض الاخبار. منها صحيحة على بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد قلت له: امرتني بالقيام بامرك واخذ حقك فاعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: واي شئ حقه؟ فلم ادر ما اجيبه، فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي اي شئ؟ فقال: في امتعتهم وصنايعهم (ضياعهم) قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال إذا امكنهم بعد مؤنتهم (1) فان الضمير في (مؤنتهم) ضمير جمع للعقلاء، فيراد مؤنة الاشخاص اي الرجل وعائلته لا مؤنة الصرف للربح كما لا يخفى. ومنا صحيحته الاخرى قال فيها: "... فكتب وقرأه على بن مهزيار عليه الخمس بعد مؤنته ومؤنة عياله.. الخ (2) فانها صريحة في المطلوب. ثم انه لا اشكال في ان المراد بالمؤنة في هذه الروايات هي مؤنة السنة، بل عليه اجماع الاصحاب كما نص عليه غير واحد وان كان لم يصرح بلفظ (السنة) في شئ من تلك النصوص كما اعترف به صاحب الحدائق وغيره. نعم في صحيحة على بن مهزيار الطويلة على بعض نسخ الوسائل (طبع عين الدولة) هكذا ومن كانت ضيعته لا تقوم سنة.. الخ.


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 3. (2) الوسائل الباب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 4.

[ 209 ]

[ بل الاحوط ثبوته في مطلق الفائدة (1) وان لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية والجائزة ] ولكن النسخة مغلوطة جزما والصحيح كما في الاصل هكذا: لا تقوم بمؤنته... الخ فالنصوص باجمعها خالية عن تقييد المؤنة بالسنة وانما هو مذكور في كلمات الاصحاب وهو الصحيح. والوجه فيه انصراف اللفظ إليها عرفا لدى الاطلاق بعد عدم الدليل على ارادة مؤنة اليوم أو الاسبوع أو الشهر. نظرا إلى قيام التعارف الخارجي ولاسيما في الازمنة السابقة وخاصة في القرى على تهيئة مؤنة سنتهم في كل فصل من الفصول المناسبة لما يحتاجون إليه من الحنطة والارز والتمر ونحو ذلك مما تمس به الحاجة فكانوا يدخرونه للصرف إلى العام القابل، بل ان هذا هو المتعارف في كثير من المدن حتى في العصر الحاضر. نعم سكنة المدن الكبرى في غنى عن ذلك لوفور النعم في اسواقها طوال العام. وكيفما كان فمؤنة الشخص لدى العرف تقدر بالسنين لا بالايام أو الشهور أو الفصول لعدم انضباطها. ولاجله كان المتبادر من قولنا: فلان يفي كسبه أو ضيعته بمؤنته أو لا يفي، أو انه مالك للمؤنة أو غير مالك هو مؤنة السنة. وهذا هو السر فيما فهمه الاصحاب من مثل هذه الاخبار من التقييد بالسنة بعد خلوها عنه حسبما عرفت. (1): - الجهة الرابعة: - لا اشكال في تعلق الخمس بكل فائدة فاضلة على المؤونة حاصلة بالتكسب من ارباح التجارات والصناعات والزراعات والاجارات ونحو ذلك من الفوائد المقصودة المذكورة في المتن. حيث انها القدر المتيقن من اخبار هذا الباب.

[ 210 ]

وانما الكلام فيما يحصل بغير الاكتساب وان الحكم هل يعم مطلق الفوائد اولا وهي امور: منها الهبة والهدية فقد اختلفت فيها الانظار وكلمات علمائنا الابرار بمثابة نسب كل من القول بالوجوب وعدمه إلى المشهور. فعن الحلى في السرائر نسبة الوجوب إلى ابي الصلاح الحلبي في كتاب الكافي ثم انكر عليه وقال: " ولم يذكره احد من اصحابنا إلا المشار إليه ولو كان صحيحا لنقل امثاله متواترا والاصل براءة الذمة ". فيظهر منه ان عدم الوجوب مما تسالم عليه الاصحاب ما عداه. وبعكس ذلك ما يظهر من المحقق والشهيد من نسبة الوجوب إلى الاصحاب حيث اسند الخلاف في الدروس إلى ابن ادريس خاصة، وفي المعتبر إلى بعض اصحابنا ويريد به ابن ادريس. فكأن الوجوب متسالم عليه ولا مخالف غيره. وعن الشهيد الثاني والشيخ الانصاري ادخال الهبة في عنوان التكسب نظرا إلى انها معاملة تحتاج إلى القبول، وهو نوع من التكسب فتشملها كلمات الفقهاء من وجوب الخمس فيما يحصل بالاكتساب ولا بأس بما ذكراه. وكيفما كان فلا يهمنا تحقيق الخلاف وتعيين القول المشهور، وان اي النسبتين صحيحة بعد وضوح عدم انعقاد اجماع في المسألة. والعمدة ما يستفاد من الادلة. والذي يدل على الوجوب: اولا الكتاب العزيز بناء على ما تقدم من تفسير الغنيمة بما هو اعم من غنيمة دار الحرب، وهو ما يستفيده الرجل اما مطلقا أو بقيد (بغير مشقه) كما قيل وان كان

[ 211 ]

التقييد ينافيه مورد الآية لما في الحرب من مشقة. وعلى اي حال فتعم الهبة بلا اشكال فانها فائدة سواء أصدق في موردها التكسب ام لا لعدم تقييد الآية بذلك، فهي بنفسها كافية في اثبات الوجوب في الهبة كغيرها. وثانيا عدة من الاخبار وان كان الكثير منها ضعيف السند. والمعتبر منها الذي يمكن ان يستدل به ثلاثة. فمنها صحيحة علي بن مهزيار الطويلة قال عليه السلام فيها: " والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر.. الخ " (1) حيث عد فيها من انواع الفائدة الهدية والجائزة. والتقييد بالخطير لا يدل على المفهوم بالمعنى المصطلح، بل غايته الدلالة على عدم تعلق الحكم بالطبيعي الجامع وإلا لاصبح القيد لغوا، ولعل وجه التقييد عدم البقاء إلى نهاية السنة أو لم يكن لها خطر، بل تصرف في المؤنة غالبا، ولا خمس إلا في فاضل المؤنة، فلا دلالة فيها على عدم الوجوب إذا لم يكن لها خطر وكانت طفيفة نعم لا تدل فيها على الوجوب لا انها تدل على عدم الوجوب. وعليه فيمكن اثبات الوجوب في غير الخطير، اما بعدم القول بالفصل ومغ الغض فبالاطلاق في بقية الاخبار. ومنها موثقة سماعة قال: - سألت ابا الحسن عليه السلام عن الخمس، فقال: في كل ما افاد الناس من قليل أو كثير. (2) دلت بعمومها الوضعي على تعلق الحكم بمطلق الفائدة الشاملة للهدية وغيرها.


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5. (2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 6.

[ 212 ]

ومنها ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن احمد بن هلال عن ابن ابي عمير عن ابان بن عثمان عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ الفي درهم أو اقل أو اكثر هل عليه فيها الخمس؟ فكتب عليه السلام: الخمس في ذلك.. الخ (1) اما الدلالة فظاهرة كما ان السند صحيح فان ابن ادريس وان ذكر في آخر السرائر فيما سماه بالنوادر طرقه إلى ارباب الكتب ولم تثبت لدينا صحة شئ منها فلا يعتمد عليها لاسيما وان في بعضها كطريقه إلى ابان بن عثمان شئ لا يمكن تصديقه، ولكن خصوص طريقه إلى محمد بن علي بن محبوب صحيح لانه انما يرويه عما رآه من خط الشيخ وطريق الشيخ إلى ابن محبوب صحيح. وقد روى هذه الرواية من طريق ابن محبوب. واما احمد بن هلال فهو وان كان فاسقا ينسب إلى الغلو مرة والى النصب اخرى، بل عن شيخنا الانصاري (قده) ان مثله لم يكن يتدين بدين لما بين النسبتين من بعد المشرقين. ولكن الظاهر انه ثقة في نقله وان كان فاسدا في عقيدته حيث توقف على ابي جعفر ولم يقبل نيابته عن الامام لانه كان يرى نفسه احق بالنيابة إذ لا ينافي ذلك ما نص عليه النجاشي من كونه صالح الرواية كما لا يخفى. وهناك طائفة اخرى من الروايات دلت على الوجوب اعرضنا عن ذكرها لما في اسانيدها من الضعف وفيما ذكرناه غنى وكفاية.


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 10.

[ 213 ]

[ والمال الموصى به (1) ونحوها بل لا يخلو عن قوة ] فتحصل ان الاظهر وجوب الخمس في الهدية سواء أكان هو المشهور ام كان المشهور خلافه. (1) ومنها: - المال الموصى به والظاهر وجوب الخمس فيه ايضا فان الوصية ان كانت عهدية بان عهد إلى وصيه ان يعطي زيدا بعد وفاته كذا فالحال فيها كما في الهبة، إذ المال حينئذ يعطى له كهدية يتسلمها فيجري فيه ما مر فيها. وان كانت تمليكية كأن قال: ثلث مالي لزيد بعد وفاتي. فبناء على المشهور من اعتبار القبول من الموصى له كان حاله حال الهبة ايضا، فانها جائزة من الميت يهديها بعد وفاته فيجري فيها ما مر، إذ لا يعتبر في الجائزة ان تكون من الحي. واما بناء على ان الوصية التمليكية انشاء محض ولا يحتاج إلى القبول كما هو الاظهر غايته انه ثبت بالاجماع ان له حق الرد: ومن ثم لو مات الموصى له قبل ان يصله الخبر انتقل المال إلى ورثته كما دلت عليه الروايات. فعلى هذا المبنى لا يستلزم القول بالوجوب في الهبة القول به هنا لامكان الفرق بادخال الهبة في التكسب من اجل الحاجة إلى القبول كما مر بخلاف المقام المتضمن للتملك القهري بعد عدم الحاجة إليه كما هو المفروض. ولكن الظاهر انه مع ذلك يجب فيه الخمس لدخوله في عنوان الفائدة فتشمله الآية والروايات الدالة على وجوب الخمس في مطلق الغنائم والفوائد حسبما عرفت.

[ 214 ]

[ نعم لا خمس في الميراث (1) الا في الذي ملكه من حيث لا يحتسب فلا يترك الاحتياط فيه ] (1) ومنها: - الميراث والاقوال في المسألة ثلاثة: عدم وجوب الخمس مطلقا ولعله المشهور، والوجوب مطلقا، وقد نسبه ابن ادريس إلى الحلبي مستغربا قائلا انه لو كان ثابتا لنقل بالتواتر كما تقدم، وقول بالتفصيل بين المحتسب وغيره، واختصاص الوجوب بالثاني. اما الوجوب المطلق فمع انه لا مقتضي له لانصراف كلمة الغنيمة والفائدة عن مثل الارث كما لا يخفى. يرده ما اشار إليه ابن ادريس من ان مسألة الميراث عامه البلوى ومحل لابتلاء المسلمين في كل زمان ومكان بل يتفق في كل يوم. فلو كان الخمس ثابتا فيه لظهر وبان وكان من الواضحات مع انه لم يتعرض له احد من الفقهاء غير ابي الصلاح فهو إذا غير محتمل في نفسه. واما التفصيل المزبور فلا بأس به، وقد دلت عليه صريحا صحيحة علي بن مهزيار الطويلة ولا موجب لرفع اليد عنها بعد صحة السند وصراحة الدلالة، وما ذكر آنفا من انه لو كان ثابتا لنقل بالتواتر لا يجري في هذا القسم من الارث لندرته وشذوذه وخروجه عن محل ابتلاء العموم فعدم التعرض له في كلمات المتقدمين من الفقهاء لا يدل على عدم التزامهم بالوجوب بوجه، فلا موجب لطرح الرواية الا ان يدعى الاجماع على خلافها ولم يثبت قطعا. ودعوى وهنها باعراض المشهور عنها في هذه الفقرة، يدفعها منع الصغرى اولا غايته انهم لم يتعرضوا لا انهم اعرضوا، ومنع الكبرى

[ 215 ]

[ كما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر (1) لم يكن عالما به فمات وكان هو الوارث له وكذا لا يترك الاحتياط في حاصل الوقف الخاص (2) ] ثانيا لعدم سقوط الصحيح بالاعراض عن الحجية الا ان نقطع بخلافه عن المعصوم عليه السلام ولا قطع بالضرورة. فالقول بثبوت الخمس في غير المحتسب من الارث غير بعيد ولا يخلو عن قوة. (1): - الظاهر انه لا يعتبر في صدق هذا العنوان اي - الارث الذي لا يحتسب - عدم الكون في بلد الوارث، ولا عدم العلم بوجوده بل يمكن فرضه حتى مع اجتماعهما في بلد واحد ومع العلم بالوجود، كما لو فرض اخوان احدهما اصغر وله اولاد كثيرون بحيث لا يحتمل عادة موته بجميع اولاده ليرثه الاكبر ولاسيما إذا كان شيخنا عمره ثمانون سنة مثلا والاصغر كهلا عمره خمسون فصادف ان وقعت زلزلة أو صاعقة أو حرب فاهلكت الاصغر بجميع اولاده، اما مع تأخر موته عن اولاده أو مع اشتباه الحال وقد بقى الاكبر فكان طبعا هو الوارث. فان مثل هذا الارث لم يكن بالحسبان. وبالجملة العبرة بعدم كون الارث محتملا عادة. وما في المتن مثال ظاهر لهذه الكبرى من غير انحصار فيه ولعل الماتن لا يريده ايضا كما لا يخفى. (2): لكونه ملكا للموقوف عليه بلا حاجة إلى القبول، إذ الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها فيكون كالوصية التمليكية بناء على عدم احتياجها إلى القبول، بل لا مقتضي للاحتياج إليه هنا وان قلنا به في الوصية كما لا يخفى. فيجري فيه ما مر فيها من وجوب الخمس

[ 216 ]

[ بل وكذا في النذور (1) والاحوط استحبابا ثبوته في عوض الخلع والمهر ومطلق الميراث حتى المحتسب منه ونحو ذلك (2) ] لكونه فائدة عائدة إلى الموقوف عليه كالموصى له فيدخل في الغنائم بناء على تفسيرها بذلك كما مر كما يشمله قوله (ع): " الخمس فيما افاد الناس من قليل أو كثير ". واما حاصل الوقف العام فبما ان الموقوف عليه حينئذ هو الكلي كعنوان العلماء دون الاشخاص، ولا خمس إلا على ما يملكه المكلف بشخصه فتعلق الخمس منوط بقبض الموقوف عليه ليدخل في ملكه، فمتى قبضه وملكه استقر عليه الخمس إذا زاد على المؤونة، إذ يكون حاله حينئذ حال الهبة في انه تكسب بقبوله وقبضه. ومع قطع النظر عنه فهو داخل في عنوان الفائدة. (1): - الحال فيها كما في الهبة، فان الملكية غير الاختيارية لا تفرض في النذر كما لا يخفى بل تحتاج إلى القبول فتشبه الهدية، غايته انها هدية واجبة من اجل النذر فيجري فيها ما مر في الهدية من انها فائدة يجب تخميسها. (2): - حذرا عن شبهة القول بالوجوب المحكى عن بعضهم، وان كان الاقوى ما في المتن من عدم الوجوب. والوجه فيه ما ذكره بعضهم من ان موضوع الحكم في وجوب الخمس هو الفائدة وما يغنمه الانسان ويحصله، وهذا لا ينطبق على عوض الخلع ولا المهر. اما في المهر فلاجل انه انما يقع بازاء الزوجية حيث ان الزوجة تجعل نفسها تحت تصرف الزوج وسلطانه وطوع رغبته وارادته،

[ 217 ]

فتمنحه اختيار نفسها وزمام امرها في مقابل ما تأخذه من المهر، فهو شبه معاوضة وان لم يكن المهر ركنا في العقد، نظير ما لو بدل مالا بمال كالكتاب بالفرس، إذ قد اعطت شيئا بازاء شئ، ولا يصدق على مثل ذلك الفائدة، بل هو كما عرفت من قبيل تبديل مال بمال. ولا يقاس ذلك بباب الاجارات ضرورة ان متعلق الاجارة من عمل أو منفعة ليس له بقاء وقرار ولا يمكن التحفظ عليه، فلو لم ينتفع منه هو أو غيره يتلف ويذهب سدى، فان الخياط لو لم يخط في الساعة الكذائية ثوب زيد ولا ثوب نفسه فعمله في هذه المدة تالف لا محالة، كما ان الدار لو بقيت خالية فمنفعتها تالفة، فليس للعامل ان يبقي نفس العمل لنفسه، إذ ليس له بقاء في اعتبار العقلاء، بل هو تالف - طبعا - ساء أعمل ام لا. وعليه فلو آجر نفسه أو داره من زيد واخذ الاجرة فيصح ان يقال انه استفاد وربح، إذ لو لم يفعل يتلف ويذهب سدى كما عرفت. وهذا بخلاف الزوجية، إذ للزوجة ان تبقي السلطنة لنفسها وتكون هي المالكة لامرها دون غيرها، وهذه السلطنة لها ثبات وبقاء، كما ان لها بدلا عند العقلاء والشرع وهو المهر، فما تأخذه من الزوج يكون بدلا عما تمنحه من السلطنة فيكون من قبيل تبديل مال بمال، ولا ينطبق على مثله عنوان الغنيمة والفائدة. على ان الخمس في باب الاجارة منصوص بالخصوص كما في صحيحة ابن مهزيار المتضمة لوجوب الخمس على الصانع وغيرها مما تضمنت الخمس في اجارة الضيعة. واما المهر فمضافا إلى انه لا دليل على الخمس فيه بالخصوص

[ 218 ]

قد قامت السيرة القطعية على خلافه، إذ المسألة مما تعم بها البلوى في جميع الاعصار والامصار. فلو كان الوجوب ثابتا لكان واضحا ولم يقع فيه اي اشكال مع انه لم يصرح بوجوب الخمس فيه ولا فقيه واحد. فتحصل ان الفرق بين المهر والاجارة واضح ولا مجال لقياس احدهما بالآخر. فما ذكره من عدم الوجوب هو الاظهر. ومما ذكرناه يظهر الحال في عوض الخلع فانه ايضا بازاء رفع الزوج يده عن سلطانه عكس المهر، فالزوجة تأخذ المهر بازاء اعطاء السلطنة، وهنا يأخذ الزوج العوض بازاء ازالة السلطنة فهما من واد واحد، فلا يجب الخمس لا في نفس المهر ولا في عوض الخلع. ثم ان صاحب الوسائل عنون الباب الحادي عشر من ابواب ما يجب فيه الخمس بقوله: (باب: انه لا يجب الخمس فيما يأخذ الاجير من اجرة الحج... الخ) فكأن اجرة الحج مستثناة من بقية الاجارات، وهذا ايضا مما لم يقل به احد من الفقهاء، وقد تمسك قدس سره في ذلك بما رواه الكليني بسنده الصحيح - في احد طريقيه - عن علي بن مهزيار عن الرضا عليه السلام قال: كتبت إليه يا سيدي رجل دفع إليه مال يحج به هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس؟ أو على ما فضل في يده بعد الحج؟ فكتب عليه السلام: ليس عليه الخمس. وانت خبير بما فيها من قصور الدلالة وان صح السند. اما اولا: فلاجل انه لم يفرض فيها ان المال المدفوع إليه كان بعنوان الاجرة ومن الجائز ان يكون قد بذل للصرف في الحج كما هو متعارف ومذكور في الروايات ايضا من غير تمليك ولا عقد اجارة

[ 219 ]

بل مجرد البذل واجازة الصرف في الحج. ومن الواضح عدم وجوب الخمس في مثل ذلك، إذ لا خمس الا فيما يمكله الانسان ويستفيده والبذل المزبور ليس منه حسب الفرض. واما ثانيا فلقرب دعوى ان السؤال ناظر إلى جهة الوجوب الفعلي إذ لم يسأل انه هل في المال خمس أو لا حتى يكون ظاهرا في الحكم الوضعي ليلتزم بالاستثناء، بل يقول هل عليه خمس. ولا ريب ان كلمة (على) إذا دخلت على الضمير الراجع إلى الشخص ظاهرة حينئذ في التكليف وغير ناظرة إلى الوضع. وعليه فلو سلمنا ان الدفع كان بعنوان الايجار فالسؤال ناظر إلى وقت الاخراج وانه هل يجب الخمس فعلا أو بعد العودة من الحج فجوابه عليه السلام: بانه ليس عليه الخمس أي ليس عليه ذلك فعلا، لا أن هذا المال لم يتعلق به الخمس. وعلى كل حال فلا ينبغي الاشكال في انه لا فرق فيما ينتفع الانسان بين اجرة الحج وغيرها، واحتمال التخصيص باطل جزما. تنبيه: - قد عرفت فيما مر وجوب الخمس في ارباح عامة التجارات والتكسبات التي منها الاجارات. وهل يختص ذلك باجارة الاعمال أو المنافع لسنة واحدة أو يعم الاجرة المستلمة عن السنين العديدة؟ فلو آجر نفسه للخياطة أو البناية سنتين، أو آجر داره للسكنى عشر سنين مثلا وتسلم فعلا تمام الاجرة فهل يجب عليه في انتهاء السنة تخميس تمام ما اخذه - بعد استثناء المؤنة - لكونها باجمعها من ارباح هذه السنة؟؟ أو لا يجب الا تخميس ما يتعلق بهذه السنة فقط ان كان باقيا ولم يصرف في مؤنة السنة كما هو المفروض، واما الزائد عليه فهو من ارباح السنين الآتية فيراعي اجرة

[ 220 ]

كل سنة في سنتها. وهكذا الحال فيما لو فرضنا انه آجر نفسه لعمل في السنه الآتية كفريضة الحج أو انه آجر داره للسكنى في السنة الآتية وقد تسلم الاجرة فعلا فهل يجب تخميسها إذا بقيت ولم تصرف في المؤونة؟ اما بالاضافة إلى اجارة الاعمال فلا ينبغي الاشكال في عدم احتساب الزائد على السنة الواحدة لعدم صدق الفائدة على الاكثر من ذلك، فانه وان ملك اجرة السنة الآتية وقد تسلمها حسب الفرض الا انه بازاء ذلك مدين فعلا بنفس العمل في السنة الآتية ولابد من استثناء الدين في تعلق الخمس فانه من المؤن فلا يصدق انه استفاد بلا عوض ليتعلق به الخمس. فالمقام نظير ما لو استدان مبلغا وبقي عنده إلى نهاية السنة فانه لا خمس فيه وان كان ملكا له لكونه مدينا بمقداره للغير، ولا فرق في استثناء الدين بين المعلق بالاموال أو الاعمال لاشتغال الذمة الموجب للاحتساب من المؤنة في الموردين بمناط واحد كما هو ظاهر، فلا يصدق في شئ منهما عنوان الفائدة. واما بالنسبة إلى اجارة المنافع فصريح بعض الاعاظم (1) قدس سره هو الاحتساب وكأنه لاجل عدم كون المنفعة دينا فلا تقاس بالعمل، فكانت الاجرة منفعة خالصة ومصداقا للفائدة فوجب تخميسها بعد دخولها في عنوان الاجارات. ولكنه غير ظاهر لاستيجاب هذا النوع من الايجار نقصا في مالية العين بطبيعة الحال ضرورة ان الدار المسلوبة المنفعة عشر سنين مثلا أو اقل تسوى باقل منها لو لم تكن مسلوبة، فكانت تقوم بالف والآن بثمانماءة مثلا ولا شك ان هذا النقص لابد من احتسابه ومراعاته عند


(1) هو السيد الحكيم قدس سره في منهاجهه في مسألة 45 من كتاب الخمس.

[ 221 ]

[ (مسألة 50) إذا علم ان مورثه لم يؤد خمس ما تركه وجب اخراجه (1) سواء كانت العين التي تعلق بها الخمس موجودة فيها ام كان الموجود عوضها بل لو علم باشتغال ذمته بالخمس وجب اخراجه من تركته مثل ساير الديون. ] ملاحظة الفائدة. فلا يستثني من الاجرة التي تسلمها خصوص مؤنة هذه السنة بل يراعى النقص المزبور ايضا. فلو فرضنا ان الدار تسوى الف دينار وقد آجرها عشر سنين باربعمائة دينار وتسلم الاجرة بتمامها وصرف منها في مؤنته مائة دينار فكان الباقي له عند انتهاء السنة ثلاثمائة دينار لم يجب الخمس في تمامه، بل ينبغي تخريج مقدار يجبر به النقص الوارد على الدار الناشئ من كونها مسلوبة المنفعة تسع سنين. فلو فرضنا ان قيمتها في هذه الحالة ثمانمائة دينار فنقصت عن قيمتها السابقة مائتان يستثني ذلك عن الثلاثمائة ولم يجب الخمس إلا في مائة دينار فقط إذ لم يستفد اكثر من ذلك ولا خمس إلا في الغنيمة والفائدة دون غيرها. (1) قد يكون الخمس دينا في ذمة الميت، واخرى عينا في تركته اما مع بقائها أو مع تبدلها بعين اخرى كما هو المتعارف خارجا حيث يربح اول السنة مقدارا ثم يشتري به شيئا آخر ثم يبيعه ويشتري به آخر وهكذا، فيكون الثاني بدلا عما تعلق به الخمس اولا. اما في الدين فلا ينبغي الشك في وجوب الاخراج من التركة، إذ لا ارث إلا بعد الدين بمقتضى قوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين). واما في العين: فان كان الميت ملتزما بالخمس ولكن لم يحن

[ 222 ]

[ (مسألة 51) لا خمس فيما ملك بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة (1) وان زاد عن مؤونة السنة نعم لو نمت في ملكه ففي نمائها يجب كسائر النماءات ] اوانه فمات اثناء السنة أو انه تساهل وتسامح قليلا في ادائه فصادف حتفه فلا ينبغي الاشكال ايضا في وجوب الاخراج، إذ لم يدل دليل على السقوط بالموت، فان المال كان مشتركا بين المالك وارباب الخمس ولا دليل على رفع الاشتراك وانقلابه إلى الاختصاص بالورثة. واما إذا لم يكن ملتزما بالخمس، أو لم يكن معتقدا فهل تشمل ادلة التحليل مثل ذلك اولا؟ فيه كلام سيأتي البحث حوله ان شاء الله تعالى في المسألة الاخيرة من كتاب الخمس عند تعرض الماتن لما إذا انتقل المال ممن لا يعتقد بالخمس. ونتكلم في نصوص التحليل من جهة الشمول للارث وعدمه. (1): - كما عن جماعة من الاصحاب وعلله بعضهم بان المستحق من السادة أو الفقراء يدفع إليه ما هو ملك له ويطلبه. ومعه يشكل صدق الفائدة لانصرافها عنه. ولكن هذا الوجه لعله واضح الاندفاع. إذ فيه اولا انه لا يجري في الصدقة المندوبة. وثانيا انه لا يجري في الزكاة بناء على ما مر من ان الفقير مصرف للزكاة لا انه مالك لها. وعلى تقدير التسليم فالمالك هو طبيعي الفقير واما الشخص فانما يملكه بالقبض فيحصل على ملك وفائدة بعد ان كان بشخصه فاقدا له كما هو الحال في الخمس حيث انه ملك لكلى السادة. وثالثا منع الكبرى إذ لا منافاة بين مطالبة الملك وبين صدق الفائدة فان الاجير ايضا يطلب ملكه وهو الاجرة، كما ان من باع باكثر

[ 223 ]

من الثمن يطلب ما يمكله مع صدق الفائدة فيهما بالضرورة. نعم لو كان موضوع الخمس عنوان التكسب لم يجب في المقام لانتفاء الموضوع. اما إذا كان الموضوع مطلق الفائدة كما مر غير مرة فهي صادقة على الكل، والملكية لو لم تكن معاضدة لم تكن معاندة. فالاظهر وجوب الخمس حتى في الخمس والزكاة فضلا عن الصدقة المندوبة. نعم ان ههنا اشكالا معروفا تعرضوا له في بحث حجية الخبر الواحد وهو ان دليل الحجية لا يشمل الاخبار مع الواسطة نظرا إلى لزوم تحقق الخبر وفرض وجوده قبل تعلق الحكم عليه بالحجية ضرورة سبق الموضوع على الحكم مع ان خبر الواسطة - كالمفيد - انما يتحقق لدينا بعد الحكم بحجية خبر العادل لكي نتعبد بصدق من يخبرنا عنه بلا واسطة كالشيخ فخبر المفيد يتوقف ثبوته على حجية الخبر مع ان الحجية متوقفة على فرض وجوده كما عرفت. فعلى ضوء هذا الاشكال يستشكل في المقام ايضا بان ملكية السادة للخمس انما كانت بادلة الخمس. فهذه الفائدة مترتبة على تشريع الخمس فلا تكون موضوعا للخمس. والجواب عنه في الموردين بكلمة واحدة، وهي ان القضية انحلالية وكل فرد من الحكم بولد موضوعا يتعلق به حكم اخر، نظير قيام البينة على قيام البينة حيث تثبت بالبينة الاولى بينة اخرى تثبت لها الحجية. فالحكم الثابت للفرد الاول يشكل الحكم الثابت للفرد الآخر وان انشئ الكل بانشاء واحد وعلى سبيل القضية الحقيقية. فلا مانع إذا من تعلق الخمس بكل ما هو مصداق للفائدة وان كان تكونها معلولا لتشريع الخمس

[ 224 ]

وايجابه بعد ان كان الوجوب انحلاليا لا حكما وحدانيا، وهكذا الحال في الزكاة. واما الصدقة فالامر فيها اوضح، إذ هي عين الهبة، ولا فرق إلا من ناحية اعتبار قصد القربة غير المؤثر في صدق ما هو موضوع الخمس اعني الفائدة بالضرورة. نعم هناك رواية وردت في خصوص الخمس استدل بها صاحب الوسائل على عدم وجوبه فيما يصل من صاحب الخمس، وهي رواية ابن عبد ربه قال: سرح الرضا (ع) بصلة إلى ابي فكتب إليه ابي: هل علي فيما سرحت الي خمس؟ فكتب إليه: لا خمس عليك فيما سرح به صاحب الخمس (1) فربما يتوهم دلالتها على ان ما اخذ خمسا فلا خمس فيه. ولكنه كما ترى: فان الرواية - لو تمت - خاصة بموردها اعني ما إذا كان المعطي هو الامام (ع) الذي هو صاحب الخمس دون غيره، إذ الصاحب هو من له الولاية على الخمس وهو خصوص الامام كما يفصح عنه (ع) " والله ما له صاحب غيري " فغايته ان هدية الامام المسرح بها منه أو من قبل نائبه على القول بملكية سهم الامام (ع) لا خمس فيها ولا ربط لها بما نحن فيه من عدم الخمس فيما ملك بالخمس. وان شئت قلت ان الرواية تنفي الخمس عن المال المملوك هدية لا المملوك خمسا الذي هو محل الكلام، فلا تدل بوجه على ان السيد إذا اخذ المال ممن وجب عليه الخمس لم يجب عليه الخمس، وتوهم ان المراد بالصاحب هو السيد واضح الضعف فانه مصرفه وليس بصاحبه.


(1) الوسائل باب: 11 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 2.

[ 225 ]

[ (مسألة 52) إذا اشترى شيئا ثم علم ان البايع لم يؤد خمسه كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليا (1) فان امضاه الحاكم رجع عليه بالثمن ويرجع هو على البايع إذا اداه وان لم يمض فله ان يأخذ مقدار الخمس من المبيع وكذا إذا انتقل إليه بغير البيع من المعاوضات وان انتقل إليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك اهله. (مسألة 53) إذا كان عنده من الاعيان التي لم يتعلق بها ] على ان الرواية ضعيفة السند بسهل بن زياد فلا يعول عليها. (1): - لانه باع ما لا يملك فللحاكم الشرعي الذي هو ولي الامر الامضاء ان رأى فيه مصلحة والا فيبطل وله الرجوع حينئذ إلى اي منهما شاء من جهة تعاقب الايدي كما في ساير المعاملات الفضولية، وقد تقدم كل ذلك مستقصى في باب الزكاة وقلنا ان البايع إذا ادى بعد ذلك يحكم بالصحة من غير حاجة إلى الاجازة لدخوله في كبرى من باع ثم ملك، وذكرنا رواية دلت عليه وردت في الركاز. ولكن هذا كله مبني على عدم شمول نصوص التحليل للمقام اعني الخمس بدعوى اختصاصها بالمال الواصل ممن لا يعتقد الخمس. وعليه فيجري في الخمس ما اسلفناه في الزكاة بمناط واحد. واما لو عممنا تلك النصوص للمال الواصل من كل من لم يؤد خمسه ولو عصيانا بحيث تشمل فساق الشيعة كما لا يبعد على ما سيجئ ان شاء الله تعالى. فالمعاملة حينئذ إذا كان المشتري مؤمنا ممضاة وصحيحة ولم تكن فضولية. غايته ان الخمس ينتقل إلى البدل ان كان لها بدل كالبيع وإلا فالى الذمة كما في مثل الهبة.

[ 226 ]

[ الخمس أو تعلق بها لكنه اداه فنمت وزادت زيادة متصلة أو منفصلة وجب الخمس في ذلك النماء (1) واما لو ارتفعت قيمتها السوقية من غير زيادة عينية لم يجب خمس تلك الزيادة لعدم صدق التكسب ولا صدق حصول الفائدة نعم لو باعها لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن هذا إذا لم تكن تلك العين من مال التجارة ورأس مالها كما إذا كان المقصود من شرائها أو ابقائها في ملكه الانتفاع بنمائها أو نتاجها أو اجرتها أو نحو ذلك من منافعها واما إذا كان المقصود الاتجار بها فالظاهر وجوب خمس ارتفاع قيمتها بعد تمام السنة إذا امكن بيعها واخذ قيمتها. ] (1): - تعرض قدس سره في هذه المسألة لحكم الزيادة العينية من النماء المنفصل أو المتصل أو الحكمية كارتقاء القيمة السوقية بالاضافة إلى المال الذي لم يتعلق به الخمس من اصله كالارث أو الذي قد ادى خمسه فهل يجب الخمس في تلك الزيادة أو لا؟ اما في النماء المنفصل كنتاج الحيوان ويلحق به ثمر البستان فلا ينبغي الشك فيه والظاهر انه لم يستشكل فيه احد، فانه موجود مستقل منعزل عما لا خمس فيه ومصداق بارز للفائدة فلا مناص من تخميسه. نعم بناء على اختصاص الخمس بالكسب لم يجب، إذ لا كسب في مورد النماء المزبور، فانه قد ورث مقدارا من الحيوان فأولدت، أو البساتين فاثمرت، لكن تقدم بطلان المبنى وان عنوان التكسب

[ 227 ]

لا مدخل له، بل العبرة بصدق الفائدة التي لا ينبغي الشك في تحققها في المقام. وعلى الجملة ففي النماء المنفصل وما يلحق به مما هو في معرض الانفصال كالثمار لا ينبغي الاشكال في وجوب الخمس. وهكذا الحال في النماء المتصل مما كانت للزيادة مالية عرفا كالسمن ونمو الشجر ونحو ذلك، فان الزائد والمزيد عليه وان كانا في الخارج موجودا وحدانيا لا تعدد فيه إلا انه لا ينبغي التأمل في صدق الحصول على فائدة كان فاقدا لها حيث كانت عنده قبل هذا سخال وزن الواحدة منها عشر كيلوات مثلا فنمت واصبحت اغناما وزن الواحدة منها خمسون كيلو غراما مثلا أو ازيد. أو كان عنده فسيل وهو الآن شجر كبير. نعم هذه الزيادة لم تتحصل بالاكتساب وانما هي فائدة منحها الله تعالى. فبناء على تعلق الخمس بعامة الفوائد وان لم تستند إلى الكسب - كما مر - وجب الخمس في المقام ايضا. وعلى الجملة فمنشأ الخلاف في وجوب الخمس في النماء المتصل صدق عنوان الفائدة وعدمه والا فلم يرد فيه نص خاص نفيا أو اثباتا، وقد عرفت تحققه فلا ينبغي التأمل في وجوب تخميس الزيادة العينية متصلة كانت ام منفصلة. انما الكلام في الزيادة الحكمية الناشئة عن ارتفاع القيمة السوقية التي تتفق في جميع الاجناس ولاسيما الاراضي مع بقاء العين على حالها كما وكيفا. فهل يجب الخمس في هذه الزيادة أو لا يجب أو أن فيه تفصيلا؟. فنقول: لا كلام في وجوب خمس هذه الزيادة فيما لو

[ 228 ]

حصلت في عين كانت متعلقة للخمس ولم يؤد خمسها، ضرورة ان خمس تمام العين ملك للسادة وكما ترقت قيمة اربعة اخماسها ترقت قيمة خمسها فيجب الخروج عن عهدة خمس العين بقيمتها الفعلية. وهذا واضح بل هو خارج عن محل الكلام. وانما الكلام فيما إذا لم تكن العين متعلقة للخمس من الاول كما في الارث، أو كانت ولكن ادى خمسها فاصبح المال بتمامه ملكا طلقا له، وقد زادت القيمة عندئذ. وهذا قد يفرض في المال الذي ملكه من غير معاوضة كالمنتقل إليه بالارث أو الاحياء مع حاجته إلى ما احيا لاجل الصرف في السكنى مثلا أو الاستيلاء على مال مباح لا رب له من البر أو البحر أو هبة مصروفة في المؤونة، كما لو بذل له احد دارا للسكنى، أو قلنا ان الهبة لا خمس فيها ونحو ذلك مما تملكه بلا عوض ومن غير ان يقع بازائه مال بل انتقل بماله من الخصوصية واخرى يفرض فيما تملكه بسبب المعاوضة من شراء ونحوه بحيث يكون المقصود التحفظ على المالية والتبدل في الخصوصية كما هو الشأن في عامة المعاوضات. اما في الاول فلا ينبغي التأمل في ان زيادة القيمة لا تعد فائدة حتى ولو باع العين باغلى الثمن إذ لا يصدق عرفا انه استفاد شيئا، بل غايته انه بدل عينا مكان عين اخرى لا انه ربح وغنم، إذ لم يشتر شيئا حتى يربح أو يخسر، والامر مع عدم البيع اوضح لبقاء العين عنده كما كانت بلا زيادة شئ، والارتفاع امر اعتباري ينتزع من كثرة الباذل فكان مالكا للبستان مثلا والآن كما كان يمكله على ما هو عليه زادت قيمته ام نقصت.

[ 229 ]

وعلى الجملة فسواء باع ام لم يبع لم يربح، فلم تتحقق فائدة حتى يجب خمسها. ويلحق به ما هو شبه المعاوضة كالمهر الذي هو بازاء الزوجية، فلو امهرها دارا أو عقارا أو بستانا فترقت قيمتها لم يجب خمسها سواء باعها ام لا لعين ما عرفت. ولا يبعد ان عبارة الماتن اعني قوله: (نعم لو باعها لم يبعد... الخ) منصرفة عن هذا الفرض وناظرة إلى الفرض الآتي، اعني ما كان الانتقال بسبب المعاوضة من شراء ونحوه بقرينة قوله قدس سره بعد ذلك: " كما إذا كان المقصود من شرائها... الخ ". وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في عدم وجوب الخمس في الزيادة في هذه الصورة لعدم صدق الفائدة من غير فرق بين صورتي البيع وعدمه حسبما عرفت. واما في الفرض الثاني اعني ما لو استند التملك إلى المعاوضة من شراء ونحوه، فقد يكون المقصود منها الاتجار بالتحفظ على المالية وازديادها من غير نظر إلى خصوصية المال كما هو الحال في اغلب التجار. واخرى يكون الغرض منها الانتفاع من نفس العين كسكنى الدار أو ركوب السيارة، أو من اجرتها كما لو اعدهما للايجار، أو من نمائها أو نتاجها كما لو اشترى غنما أو بقرا لينتفع من اصوافها أو البانها أو ما يتولد منها ولو ببيع ونحوه مع التحفظ على اصل العين كما هو المفروض. اما في القسم الثاني فلا ينبغي التأمل في انه ما لم يبع العين لا يصدق الربح فلا يستوجب ترقي القيمة صدق عنوان الفائدة لتخمس. نعم يتحقق الصدق بعد البيع، إذ كان قد اشترى البقرة بخمسين مثلا

[ 230 ]

وباعها بمائة، فتكون الخمسون الزائدة ربحا وفائدة عرفا فيصح ان يقال انه ربح في هذه المعاملة كذا مقدارا. فيفصل في هذا القسم بين البيع وعدمه، فلا يجب الخمس في الثاني لانتفاء الفائدة، ويجب في الاول لحصول الزيادة على ما اشترى وهو معنى الربح عرفا فانه انما يقاس بالاضافة إلى رأس المال فكان مائة فصار الفا مثلا فقد ربح تسعمائة. ثم ان هذا واضح فيما إذا كان الثمن من جنس ما اشترى كالمثال واما إذا باعه بجنس آخر كالعروض، كما لو اشترى شياه بالدنانير ثم باعها بالبعير، فهل يجب الخمس حينئذ؟ استشكل فيه بعضهم للتشكيك في صدق الفائدة. ولكنه في غير محله ولا فرق في صدق الزيادة المحققة لعنوان الفائدة بين كون الثمن من النقود أو العروض، إذ الاعتبار - في نظر العقلاء - لدى ملاحظة المعاملة ومقايسة الربح وعدمه بمالية ما يدخل في الكيس عوضا عما خرج، ولا نظر بوجه إلى الخصوصية الشخصية. ومن ثم تراهم لا يرتابون في صدق الفائدة مع الزيادة المزبورة. وان باعه بنقد آخر غير النقد الذي اشترى به أو لا كما لو اشترى الشاة بدينار فباعها بليرة ذهبية أو ريال سعودي أو ايراني فيصح ان يقال انه ربح كذا دينارا نظرا إلى انه تلاحظ قيمة الدينار لا شخصه، فلا فرق إذا في صدق الفائدة بين كون الثمن الثاني من جنس الثمن الاول أو من غيره وعلى الثاني فلا فرق بين النقود والعروض لكون الملحوظ هي المالية التي هي الميزان عند العقلاء حسبما عرفت. واما في القسم الاول اعني ما إذا كان المقصود من المعاوضة التجارة

[ 231 ]

[ (مسألة 54) إذا اشترى عينا للتكسب بها فزادت قيمتها السوقية ولم يبعها غفلة أو طلبا للزيادة ثم رجعت قيمتها إلى راس مالها أو اقل قبل تمام السنة (1) لم يضمن خمس تلك الزيادة لعدم تحققها في الخارج نعم لو لم يبعها عمدا ] والازدياد في المالية من غير نظر إلى الخصوصيات الفردية كما هو شأن عامة التجار حيث ان كل من اعد نفسه للاتجار كالبقال الذي يبيع الارز والحبوبات ونحوها لا هم له بعد المحافظة على اصل المال سوى الزيادة على المالية والعثور على الغنيمة والفائدة من غير نظر إلى الخصوصيات والاشخاص فحينئذ لو اشترى السلعة اول السنة رخيصا فازدادت القيمة آخر السنة فالظاهر وجوب الخمس في الزيادة لصدق الربح والفائدة من غير ان يتوقف الصدق المزبور عرفا على تحقق البيع خارجا، فان الاستفادة في نظر العقلاء منوطة بزيادة القيمة المقتضية لامكان التبديل بمال اكثر ولا تعتبر فعلية التبديل. وبهذا الاعتبار يقال ان فلانا اكثر ثروة من فلان اي ان الاموال التي يملكها يمكن بيعها باكثر مما يباع به مال الآخر. فالعبرة باوفرية القيمة لا بفعلية التبديل خارجا. وعليه فيجب الخمس في زيادة القيمة سواء أباع بالزيادة أم لم يبع كما افاده في المتن. (1): - فصل قدس سره بين ما إذا كان التنزل قبل تمام السنة وبين ما إذا كان بعدها وحكم بالضمان في خصوص الثاني. وعلل عدمه في الاول بعدم تحقق الزيادة في الخارج. اقول: الظاهر انه قدس سره لا يريد الزيادة المالية كيف وهي لا تتوقف على البيع الخارجي كما صرح قدس سره به في المسألة

[ 232 ]

السابقة، ولاجله التزم هناك بوجوب خمس الارتفاع بمجرد التمكن من البيع وان لم يتحقق خارجا. ولا يبعد انه قدس سره يريد به الزيادة على مؤنة السنة حيث ان الخمس وان تعلق اول ظهور الربح الا ان استقرار الوجوب انما هو بعد انتهاء السنة وفيما يزيد على المؤن المصروفة فيها أو التالفة قهرا خلالها كما في المقام فلا خمس إلا فيما يبقى له خالصا زائدا عما تلف وما صرف، ولا شك ان الزيادة بهذا المعنى غير متحققة في المقام لفرض تنزل القيمة اثناء السنة بعد ارتفاعها فقد تلفت تلك الزيادة خلال السنة وقبل ان يستقر الوجوب ومن الواضح عدم كونه موجبا للضمان بعد ان رخص له الشارع في التأخير فضلا عن استناده إلى الغفلة أو كونه بنية صالحة ولغاية عقلائية وهي طلب الزيادة فاتفق العكس، فلم يكن مثل هذا الابقاء والتأخير تعديا ولا تفريطا في حق السادة ليستتبع الضمان. وبذلك افترق هذا الفرض عن الفرض الثاني، اعني ما كان التنزل في القيمة بعد انقضاء السنة واستقرار وجوب الخمس، إذ هنا قد تحققت الزيادة على المؤنة خارجا بحيث يصح ان يقال ان هذه زيادة لم تتلف ولم تصرف في مؤنة السنة فيجب خمسها فلو اخر عمدا ضمن لو تنزلت وان كان من قصده زيادة الربح إذ ليس للمالك الولاية على ذلك حتى إذا كان بصالح ارباب الخمس في اعتقاده. وعلى الجملة يفترق الفرض الاول عن الثاني في عدم صدق الزيادة على المؤنة في الاول فلا خمس كما لا ضمان لو تنزلت لان التأخير كان بترخيص شرعي واجازة من ولي الامر، وهذا بخلاف الثاني، إذ

[ 233 ]

[ بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه (1) ] بعد فعلية الوجوب من اجل صدق الزيادة على المؤنة خارجا كان التأخير غير المستند إلى الترخيص الشرعي ولو كان لغرض عقلائي تعديا وتفريطا فيضمن لا محالة بعد كونه عامدا وغير معذور شرعا في عدم البيع كما افترضه في المتن. (1) لا يخفى ان ظاهر العبارة تعلق الضمان بالخمس من تلك الزيادة التالفة بالتنزل فيكون الضمان بمقدار الخمس مما تلف، فلو فرضنا ان قيمة العين كانت خمسين دينارا فزادت وصارت في آخر السنة مائة دينار ثم رجعت بعد تمام السنة إلى الخمسين ضمن عشرة دنانير التي هي خمس الخمسين التالفة بعد زيادتها. بل قد يفرض استيعاب الخمس لجميع المال كما لو كانت قيمة العين عشرين دينارا فزادت ترقيا فاحشا حتى بلغت مائة وعشرين دينارا ثم تنزلت إلى ما كانت عليه من العشرين فيجب حينئذ دفع تمام العشرين الذي هو خمس المائة الزائدة. بل قد يحتاج إلى الاتمام من مال اخر كما لو بلغت القيمة في المثال المزبور إلى تمام المأتين فكانت القيمة الزائدة على اصل المال مائة وثمانين دينارا ثم تنزلت إلى ما كانت عليه من العشرين، فان اللازم حينئذ دفع ستة وثلاثين دينارا خمس القيمة الزائدة، فيزيد الخمس على اصل المال بستة عشر دينارا. وعلى الجملة فظاهر ما في المتن من التعبير بالضمان هو ما ذكرناه مع انه لا دليل عليه بوجه ضرورة ان نقصان المالية لا يستوجب الضمان بتاتا لانحصار موجب الضمان بتلف المال، اما ذاتا أو وصفا كما لو جعله معيبا حيث يضمن حينئذ صفة الصحة، وأما تلف المالية

[ 234 ]

التي هي امر اعتباري لا تكاد تقع تحت اليد، فليس هو من موجبات الضمان الا إذا أتلف تمام المالية بحيث كانت العين معه في حكم التالف وان كانت موجودة كما لو غصب نقدا رائج المعاملة كالدينار فسقط عن الاعتبار واصبح قرطاسا لا يسوى فلسا واحدا فانه نظير المال الملقى في البحر في السقوط عن المالية وان كانت العين موجودة. واما دون البلوغ هذا الحد بحيث كانت المالية باقية وان نقصت عما كانت عليه فطرأ التلف على مقدار من المالية لا على نفس المال فلم يدل اي دليل على ضمانها. ومن ثم لو غصب مالا فأبقاه عنده حتى نزلت قيمته السوقية ثم رده إلى المالك خرج عن عهدة الضمان وان كان آثما، إذ ان ضمان اليد مغيي بالاداء بمقتضى قوله ما ورد من أن: (على اليد ما اخذت حتى تؤدي) وقد ادى العين بنفسها حسب الفرض ولا دليل على ضمان المالية التالفة التي هي امر اعتباري لا تقع تحت اليد كما عرفت. وعليه فالتعبير بالضمان كما جاء في المتن كأنه في غير محله، بل كان الاولى ان يعبر بعدم سقوط الخمس بدلا عن التعبير بالضمان، إذ لا موجب لسقوط الخمس - بعد استقراره - بالتنزل بل هو بعد باق في العين فتخمس نفس هذه العين بنفس تلك النسبة التي كانت عليها. ففي المثال السابق حينما ترقت العين من العشرين إلى المائة والعشرين وتعلق الخمس بالمائة الزائدة فبما ان المالك يملك رأس المال بضميمة اربعة اخماس الزيادة فمرجع ذلك إلى تعلق حق السادة بسدس مالية العين الفعلية، لان نسبة العشرين الذي هو خمس الزيادة إلى المائة والعشرين التي هي القيمة الفعلية هي السدس، فإذا تنزلت القيمة ورجعت

[ 235 ]

إلى ما كانت عليه من العشرين تستحق السادة حينئذ من العين نفس النسبة التي كانوا يستحقونها اولا، اعني السدس فتقسم العشرون ستة اجزاء، جزء للسادة والباقي للمالك لا انه يضمن ذلك الخمس لكي يؤدي تمام العشرين. وهكذا الحال في بقية الموارد، فلو كان رأس المال ثمانين دينارا فربح أخر السنة عشرين فكان الخمس اربعة التي نسبتها إلى المائة نسبة الواحد إلى الخمسة والعشرين، فلو رجعت القيمة إلى الاول اعني الثمانين قسمت على خمسة وعشرين وكان جزء منها خمسا والباقي للمالك وهكذا. ولكن هذا المعنى لا يساعده ظاهر العبارة، بل ظاهرها ضمان نفس الخمس من الزيادة التالفة، وقد عرفت انه لا وجه له لعدم استيجاب نقص المالية للضمان في اي مورد كان حتى في موارد الغصب الذي هو من اشد انواع الضمان بحيث ورد - كما قيل - ان الغاصب يؤخذ باشق الاحوال، فمع بقاء العين يجب الاداء من مالية العين على النسبة التي كانت عليها سابقا حسبما عرفت. والتحقيق ابتناء المسألة على كيفية تعلق الخمس بالاعيان فبناء على ان الخمس متعلق بالعين كما هو ظاهر ادلة وجوبه، وقد صرح به الماتن قدس سره في المسألة (75) فلا اثر لتنزل القيمة بعد تعلق الوجوب وتأخير الاداء في الضمان فان متعلق الحق هو نفس العين الخارجية وهي موجودة من دون نقصان. وانما النقيصة في امر اعتباري وهو القيمة ولا موجب للضمان بالاضافة إليه. ولا فرق في ذلك بين القول بان التعلق من باب الاشاعة كما هو

[ 236 ]

الصحيح، أو من باب الكلي في المعين على ما اختاره. فان متعلق الحق على كلا التقديرين هو الخمس من العين الموجودة، وانما يفترقان في جواز التصرف في غير مقدار الخمس قبل ادائه وعدم جوازه. وهذا امر آخر خارج عن محل الكلام. نعم إذا قلنا ان الخمس متعلق بالمالية وانها من قبيل الكلي في المعين وجب الخروج عن عهدة ذاك المقدار المعين من الكلي ولا اثر لتنزل القيمة أو ارتفاعها في ذلك ابدا نظير ما لو كان الميت مدينا بمبلغ معين كمائة دينار فانه يجب اخراج هذا المقدار من عين التركة ثم التقسيم بين الورثة سواء أترقت القيمة السوقية للتركة لدى ارادة التقسيم ام تنزلت لكونه مدينا بعين هذا المقدار، ولا ارث إلا بعد الدين. ونظيره ايضا ما لو اوصى الميت بمقدار معين من ثلثه كعشرة دنانير ولو بوصية عهدية فانه يجب اخراج هذا المقدار المعين من تركته التي كانت تسوى عند موته مائة دينار مثلا سواء أترقت بعد ذلك فصارت مأتين ام تنزلت فصارت خمسين، فلا فرق في ذلك بين صعود القيمة ونزولها لتعلق الحق بمقدار معين من المال تعلقه بالعين نحو تعلق الكلي في المعين فلا يستوجب تغييرها تبديلا في هذا التقدير الخاص. ففي المقام ايضا - بناء على هذا المبنى - حينما ارتفعت القيمة من العشرين إلى المائة والعشرين في المثال المتقدم واستقر عليه خمس الزيادة وهو العشرون لزمه الخروج عن عهدة هذا المقدار المعين واشتغلت ذمته للسادة بهذه الكمية الخاصة ولا تأثير لتنزل القيمة في تغيير الذمة عما اشتغلت به وان عادت إلى ما كانت عليه من العشرين على ما هو الشأن في عامة موارد الكلي في المعين.

[ 237 ]

فما ذكره في المتن من ضمان خمس الزيادة مبنى على هذا القول لكنه قدس سره لا يلتزم به. واما بناء على ما هو الحق من انه من قبيل الشركة والاشاعة في العين كما هو ظاهر قوله تعالى: (فان لله خمسه.. الخ)، أو القول بانه من قبيل الكلى في المعين في نفس العين فلا ضمان حينئذ بل اللازم اخراج الخمس من مالية هذه العين على النسبة التي كانت عليها حسبما بيناه. ونظير المقام ارث الزوجة مما ثبت في الاراضي من بناء واشجار ونحوها حيث انها ترث من ماليتها وقيمتها لا من عينها، فهي ما لم تدفع إليها القيمة تشارك الورثة في مالية تلك الاعيان بمقدار الثمن. ولاجله كان ما تسلمته من القيمة تتلقاه في الحقيقة عن نفس الميت وبعنوان الارث منه لا انه عطية يبذلها إليها الوارث. وعليه فيختلف مقدار تلك المالية باختلاف القيمة السوقية صعودا ونزولا، فلو تنزلت القيمة عما كانت عليه عند الموت يرد النقص عليها ايضا لانها انما تستحق بمقدار الثمن ولا يضمنها الوارث بوجه. ونظير ذلك ايضا الوصية بالثلث فان تنزل القيمة يستلزم ورود النقص على الثلث كالاصل من غير ان يضمنها الوارث كما هو ظاهر. وملخص الكلام ان نقصان المالية لا ضمان فيه كما اسلفناك، واما خمس الزيادة التالفة بالتنزل فضمانه مبني على ان تعلق الخمس من قبيل الكلي في المعين في المالية، واما على المختار من انه من قبيل الشركة في العين أو القول بانه من قبيل الكلي في المعين في نفس العين فلا ضمان، بل يجب التخميس بنفس النسبة التي كانت عليها قبل التنزل حسبما عرفت.

[ 238 ]

[ (مسألة 55) إذا عمر بستانا وغرس فيه اشجارا ونخيلا للانتفاع بثمرها وتمرها لم يجب الخمس في نمو تلك الاشجار والنخيل (1) واما ان كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته وفي نمو اشجاره ونخيله. ] (1): - فصل قدس سره بين ما إذا كان من قصده الاتجار والاكتساب باصل البستان وبين ما إذا كان الانتفاع بثمره. ففي الاول يجب الخمس في مطلق الزيادة من النماء المتصل أو المنفصل أو زيادة القيمة لصدق الربح في الجميع كما تقدم. وقد عرفت ان المناط في صدقه بالاضافة إلى ما هو معد للتكسب هو الازدياد في المالية غير المنوط بفعلية البيع خارجا وهو متحقق في المقام. واما في الثاني فقد نفى قدس سره الخمس في مطلق الزيادة. ولكنك خبير بأن اطلاق كلامه قدس سره ينافي ما تقدم منه سابقا من وجوب الخمس في الزيادة المتصلة والمنفصلة، فلابد من حمل كلامه قدس سره على بستان اعده للانتفاع به شخصا لنفسه وعائلته بحيث كان من المؤونة نظير البقرة التي اشتراها لينتفع بلبنها فان هذا هو الذي لا خمس فيه مطلقا لا في الزيادة الفعلية من المتصلة والمنفصلة ولا في الزيادة الحكمية نظرا إلى استثناء المؤونة. واما ما اعده للاتجار بالمنافع الذي هو حد متوسط بين ما اعد للاتجار باصله، وما اعد لصرف منافعه في المؤنة فعمر البستان ليتجر بثماره، أو اشترى السيارة ليكتسب باجرتها ونحو ذلك مما يتجر بمنفعته لا باصله فقد تقدم سابقا ان هذا يجب الخمس في زيادته المتصلة والمنفصلة وان لم يجب في زيادة القيمة. فلعل الماتن لا يريد هذه

[ 239 ]

[ (مسألة 56) إذا كان له انواع من الاكتساب والاستفادة (1) كأن يكون له رأس مال يتجر به وخان يؤجره وارض يزرعها وعمل يد مثل الكتابة أو الخياطة أو التجارة أو نحو ذلك يلاحظ في آخر السنة ما استفاده من المجموع من حيث المجموع فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مؤونته. ] الصورة لمنافاتها مع ما سبق فليحمل كلامه - كما عرفت - على الصورة السابقة، اعني ما اعده للانتفاع الشخصي المحسوب من المؤنة فلاحظ. (1): - قد عرفت امتياز خمس الارباح عن بقية اقسام الخمس في استثناء مؤنة السنة لكي يتحقق الفاضل عن المؤنة وحينئذ فهل الارباح المتدرجة خلال السنة المتحصلة من الانواع المختلفة ينضم بعضها إلى بعض ويلاحظ المجموع ربحا واحدا وتستثنى عنه المؤن المصروفة في مجموع السنة فتلاحظ السنة لمجموع الارباح كما تلاحظ للمؤن من اول الشروع في الكسب، أو اول ظهور الربح؟ على الخلاف في مبدء السنة، أو ان كل ربح يلاحظ بحياله وله سنة تخصه، فان صرف في مؤنة السنة المتعلقة به فلا شئ فيه والا وجب خمس الزائد من غير ملاحظة الاتحاد والانضمام كما كان ذلك هو الشأن في الكنوز والمعادن المتعددة على ما تقدم من مراعاة كل منها بحياله وانفراده؟؟ فيه كلام بين الاعلام. ذهب جماعة ومنهم الماتن إلى الاول، وذهب الشهيد الثاني في الروضة والمسالك وكذا غيره إلى الثاني. وتظهر الثمرة بين القولين تارة في المؤن المصروفة بين الربحين، فلو ربح أول محرم عشرة دنانير واول رجب ثلاثين وصرف ما بينهما في

[ 240 ]

مؤنته عشرين، فعلى القول الاول تستثنى هذه المؤنة في آخر السنة عن مجموع الربحين اي الاربعين فلا خمس الا في العشرين الزائدة. واما على الثاني فلا وجه لاستثنائها الا عن الربح الاول دون الثاني ضرورة عدم استثناء المؤنة الا بعد ظهور الربح لا قبله. فلو بقي الربح الثاني إلى انتهاء سنته وجب اخراج خمسه فيخمس الثلاثين بتمامها من غير استثناء المؤنة السابقة عليها. واخرى في تخميس الربح المتأخر وعدمه فلو فرضنا انه ربح في شهر محرم عشرة وصرفها في مؤنته وكذا في شهر صفر إلى الشهر الاخير كلما يربح في شهر يصرفه في مؤنته فصادف ان ربح في ذي الحجة مائة دينار وصرف منها عشرة فبقى لديه في نهاية السنة تسعون دينارا فانه على القول الاول يجب خمس هذه التسعين لزيادته على مجموع الارباح الملحوظة في هذه السنة، بخلافه على القول الثاني إذ عليه مبدء سنة هذا الربح هو ذو الحجة وتنتهي في ذي الحجة القابل وله صرفه خلال هذه المدة في مؤنته، ولا يجب إخراج خمسه إلا في شهر ذي الحجة من السنة القادمة. فثمرة القولين تظهر في هذين الموردين، وربما تظهر في موارد اخر كما لا يخفى على من تدبروا معن النظر. هذا وربما يستدل للقول الاول بما في صحيحة ابن مهزيار من قوله عليه السلام: " فاما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام. الخ) (1) حيث يستظهر منها ان العبرة بملاحظة ربح السنة بما هي سنة، فيلاحظ في كل عام مجموع الارباح وتعد بمنزلة ربح واحد كما ان


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5.

[ 241 ]

المؤنة ايضا تلاحظ كذلك. ولكنك خبير بعدم كون الصحيحة ناظرة إلى الضم ولا إلى عدمه وانما هي بصدد التفرقة بين الغنائم وغيرها، حيث انه عليه السلام اسقط الخمس في سنته تلك عن جملة من الموارد واكتفى في بعضها بنصف السدس. واما في الغنائم والفوائد فلم يسقط خمسها بل اوجبه بكامله في كل عام. واما كيفية الوجوب من ملاحظة الارباح منضمة أو مستقلة فهي ليست في مقام البيان من هذه الناحية بتاتا فلا دلالة لها على ذلك ابدا. وعليه فالاظهر هو القول الاخير الذي اختاره الشهيد الثاني نظرا إلى ان المستفاد من الآية المباركة - بناء على شمول الغنيمة لكل فائدة - وكذا الروايات الدالة على ان الخمس في كل ما افاد الناس من قليل أو كثير ان الحكم انحلالي، فكل فرد من افراد الربح والفائدة موضوع مستقل لوجوب التخميس كما كان هو الحال في المعادن والكنوز. فلو كنا نحن وهذه الادلة ولم يكن دليل آخر على استثناء المؤنة لالتزمنا بوجوب الخمس فورا وبمجرد ظهور الربح ولكن دليل الاستثناء اوجب ارتكاب التقييد في الوجوب التكليفي ارفاقا وان كان الحق ثابتا من الاول فلا يجب البدار إلى الاخراج، بل له التربص والتأخير ريثما يصرف في مؤنة السنة فيتقيد الوجوب بعدم الصرف فيها. واما ارتكاب تقييد آخر اعني ضم الارباح بعضها إلى بعض بحيث يستثنى حتى المؤن الحاصلة قبل الربح المتجدد أي المؤنة المتخللة بين الربحين، فهذا لم يقم عليه دليل. وبعبارة اخرى الذي ثبت انما هو

[ 242 ]

استثناء المؤنة من الربح المتقدم لا من الربح المتأخر ولو كان الربحان في سنة واحدة لوضوح عدم عد السابق من مؤنة الربح اللاحق لكي يستثنى منه لفرض عدم صرفه فيها فما هو الموجب للاستثناء. وكذلك الحال فيما لو حصل الربح قبل انتهاء السنة كاليوم الاخير من ذي الحجة مثلا، فان الالتزام بوجوب تخميسه عند هلال محرم مع انه لم يمض عليه الا يوم واحد بلا موجب بعد تقييد الوجوب بما دل على انه بعد المؤنة، فان هذا الربح مشمول لدليل الاستثناء، ومقتضاه جواز صرفه في شهر محرم وما بعده من الشهور إلى انتهاء سنة هذا الربح في حوائجه ومؤنته من زواج ونحوه، فلو صرف يصح ان يقال انه صرفه في مؤنته اثناء السنة. ومعه كيف يجب عليه الآن اخراج خمسه. والحاصل ان الضم يحتاج إلى الدليل ولا دليل. فالظاهر ان ما ذكره الشهيد من ان كل ربح موضوع مستقل وله سنة تخصه وتستثنى مؤنة السنة عن كل ربح بالاضافة إلى سنته هو الصحيح. نعم قد يكون هناك تداخل في المؤن الواقعة فيما بين الارباح حيث يبقى مقدار من ربح محرم ويصرف في مؤنة صفر، ويبقى منه ويصرف في ربيع وهكذا فيتداخلان في المدة المشتركة ولا ضير فيه كما لا يخفى. وما يقال من لحاظ المؤنة بالاضافة إلى كل ربح يوجب الاختلال والهرج والمرج فلا نعقل له معنى محصلا حتى في التدريجات مثل العامل أو الصانع الذي يربح في كل يوم دينارا مثلا فانه ان لم يبق كما هو الغالب حيث يصرف ربح كل يوم في مونة اليوم الثاني فلا كلام وان بقي يخمس الفاضل على المؤنة.

[ 243 ]

[ (مسألة 57) يشترط في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره (1) فلو اشترى شيئا فيه ربح وكان للبايع الخيار لا يجب خمسه الا بعد لزوم البيع ومضي زمن خيار البايع. ] نعم لا باس بجعل السنة لسهولة الامر وانضباط الحساب كما هو المتعارف عند التجار حيث يتخذون لانفسهم سنة جعلية يخرجون الخمس بعد انتهائها واستثناء المؤن المصروفة فيها وان كانت الارباح المتخللة فيها تدريجية الحصول بطبية الحال. فان هذا لا ضير فيه إذ الخمس قد تعلق منذ اول حصول الربح غايته انه لا يجب الاخراج فعلا، بل يجوز - ارفاقا - التأخير إلى نهاية السنة والصرف في المؤنة فبالاضافة إلى الربح المتأخر يجوز إخراج خمسه وان لم تنته سنته فان ذلك كما عرفت ارفاق محض ولا يلزم منه الهرج والمرج بوجه، كما يجوز ان يخرج الخمس من كل ربح فعلا من غير اتخاذ السنة فلاحظ. (1): فان الربح في الشراء المتزلزل الذي هو في معرض الزوال والانحلال بفسخ البايع لا يعد ربحا في نظر العرف، ولا يطرق عليه الفائدة بالحمل الشايع إلا بعد الاتصاف باللزوم، فقبله لا موضوع للربح ليخمس. فلو اشترى في البيع الخياري ما يسوى الفا بخمسمائة مع جعل الخيار للبايع ستة اشهر مثلا كما هو المتعارف في البيع الخياري لم يصدق عرفا انه ربح كذا إلا بعد انقضاء تلك المدة. هذا وقد يقال بكفاية الاستقرار الواقعي بنحو الشرط المتأخر، فلو وقع البيع المزبور في اواخر السنة وكان الاتصاف باللزوم في السنة اللاحقة كشف ذلك عن تحقق الربح في السنة السابقة وكان من ارباحها لا من ارباح السنة اللاحقة.

[ 244 ]

اقول: الذي ينبغي ان يقال هو التفصيل في المقام ولا يستقيم الاطلاق لا في كلام الماتن ولا في كلام هذا القائل. وتوضيحه انه لا ينبغي التأمل في ان العين المشتراة بالبيع الخياري تقل قيمتها عن المشتراة بالبيع اللازم البات ضرورة ان التزلزل يعد لدى العرف نوع نقص في العين نظير العيب، أو كون العين مسلوبة المنفعة سنة مثلا أو اكثر، فكما لا يبذل بازائهما ما يبذل بازاء العين الصحيحة أو غير المسلوبة فكذا لا يبذل في البيع الخياري ما يبذل في البيع اللازم المستقر. وهذا واضح لا سترة عليه، للزوم رعاية جميع الخصوصيات المكتنفة بالبيع. فان الدار التي تسوى في البيع اللازم عشرة آلاف لا تشترى في البيع الخياري اكثر من ثمانية آلاف مثلا وهكذا. وحينئذ فالثمن المقرر في البيع الخياري المفروض في المقام ان كان معادلا لقيمة العين بوصف كون بيعه خياريا كثمانية آلاف في المثال المزبور، فلم يتحقق ثمة اي ربح في السنة السابقة اي في سنة البيع ليجب خمسه، ولا يكاد يكشف اللزوم المتأخر عن الربح في هذه السنة بوجه لعدم استفادة اي شئ بعد ان اشترى ما يسوى بقيمته المتعارفة. نعم سنة اللزوم التي هي سنة زوال النقص المستلزم بطبيعة الحال لارتقاء القيمة هي سنة الربح فيجب الخمس وقتئذ لتحقق موضوعه وهو الربح ويكون من ارباح هذه السنة دون السنة السابقة ان كانت العين قد أعدها للتجارة وإلا فلا يجب الخمس إلا إذا باعها خارجا كما هو الشأن في عامة موارد ارتفاع القيمة السوقية حسبما عرفت سابقا، حيث ان المقام من مصاديق هذه الكبرى. وان كان اقل من ذلك كما لو اشتراها في المثال المزبور بخمسة آلاف

[ 245 ]

[ (مسألة 58) لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازما فاستقاله البايع فاقاله لم يسقط الخمس (1) الا إذا كان من شأنه ان يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا رد مثل الثمن. ] فقد تحقق الربح عند الشراء سواء ألزم البيع بعد ذلك ام لا لجواز بيعه من شخص آخر بثمانية آلاف فقد ربح فعلا ثلاثة آلاف فيجب خمسه ويكون من ارباح هذه السنة لا السنة الآتية. فينبغي التفصيل في المسألة بين هاتين الصورتين وان كان الظاهر من عبارة المتن ان محل كلامه انما هي الصورة الاولى على ما هو المتعارف في البيع الخياري من الشراء بالقيمة العادية. (1): - لاستقرار الخمس بعد لزوم البيع وتحقق الربح سواء أكان لازما من الاول ام صار لازما بانقضاء زمن الخيار، ومعه لا يسوغ له اتلاف الخمس بالاقالة لعدم ولايته عليه ولاجله لم يسقط بها إلا إذا عدت الاقالة من شأنه عرفا كما هو الغالب في البيع الخياري سيما إذا جاء البايع بالثمن بعد ساعة من مضي زمن الخيار لمانع عرضه في الطريق اوجب التأخير فان عدم الاجابة في مثل ذلك يعد مهانة ومخالفا للانصاف في انظار العرف، فيكون حالها حال الهبة وغيرها مما يبذله المالك اثناء السنة من المصارف اللائقة بشأنه حيث لا يعد ذلك اسرافا ولا تبذيرا فانها تعد من المؤن المستثناة من الارباح. نعم لا يسقط بالاقالة في غير هذه الصورة لما عرفت من عدم جواز اتلاف الخمس بعد استقراره.

[ 246 ]

[ (مسألة 59) الاحوط اخراج خمس راس المال (1) إذا كان من ارباح مكاسبه فإذا لم يكن له مال من اول الامر فاكتسب أو استفاد مقدارا واراد ان يجعله رأس المال للتجارة ويتجر به يجب اخراج خمسه على الاحوط ثم الاتجار به. ] (1): - المحتملات في المسألة ثلاثة: وجوب الاخراج مطلقا وهذا هو الذي احتاط فيه الماتن قدس سره. وعدم الوجوب مطلقا وان ما يحتاج إليه الانسان في رأس ماله اي مقدار كان يدخل في عنوان المؤن ولا خمس إلا بعد المؤنة كاستثناء سائر المؤن من الدار والفراش ونحوها. والتفصيل - وهو الصحيح - بين رأس مال يعادل مؤنة سنته وبين الزائد عليه فلا خمس في خصوص الاول. والوجه فيه استثناء المؤنة مما فيه الخمس ولا ينبغي التأمل في ان المستثنى انما هو مؤنة السنة لا مؤنة عمره وما دام حيا. وعليه فإذا اكتسب أو استفاد مقدارا يفي بمؤنة سنته كما لو كان مصرفه في كل يوم دينارا فحصل على ثلاثمائة وستين دينارا وكان بحاجة إلى رأس المال في اعاشته واعاشة عائلته جاز ان يتخذه رأس مال من غير تخميس نظرا إلى صرف المبلغ المذكور في المؤنة يمكن على احد وجهين: اما بان يضعه في صندوق ويسحب منه كل يوم دينارا، أو بان يشتري به سيارة مثلا ويعيش باجرتها كل يوم دينارا إذ الصرف في المؤنة لم ينحصر في صرف نفس العين واتلاف المال بذاته، بل المحتاج إليه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع لتحقق الاعاشة بكل من الامرين فهو مخير بينهما ولا موجب لتعين الاول بوجه.

[ 247 ]

[ (مسألة 60) مبدء السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤنتها حال الشروع في الاكتساب (1) فيمن شغله التكسب واما من لم يكن مكتسبا وحصل له فائدة اتفاقا فمن حين حصول الفائدة. ] إذا لابد من التفصيل بين ما إذا كان محتاجا إلى رأس المال ولم يكن له رأس مال آخر بحيث توقفت اعاشته اليومية على صرف هذا المال عينا أو منفعة فلا خمس فيه وبين غيره ففيه الخمس ضرورة عدم كون مطلق رأس المال بلغ ما بلغ كعشرة آلاف مثلا من مؤونة هذه السنة، وقد عرفت ان المستثنى هو مؤونة السنة لا غيرها. (1): - فصل قدس سره في تعيين مبدأ السنة تبعا لجمع من الاصحاب بين الربح الحاصل بالاكتساب من تجارة أو زراعة أو صناعة ونحوها وبين الفائدة الحاصلة اتفاقا كالجائزة والميراث الذي لا يحتسب ونحوهما مما يحصل من غير تكسب. فذكروا ان مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد استثناء مؤونتها في الاول هو حال الشروع في الكسب وإن تأخر عنه الربح بكثير، وفي الثاني هو زمان ظهور الربح. وذلك لا من أجل الاختلاف في مفهوم عام الربح، بل المفهوم فيهما واحد والاختلاف إنما نشأ من ناحية المصداق والتطبيق الخارجي، حيث ان انطباقه على الكاسب من أول الشروع في الكسب، وعلى غيره من أول ظهور الربح. وذهب جماعة ومنهم الشهيد إلى ان الاعتبار بظهور الربح مطلقا وفي جميع الموارد فلا تستثنى المؤن المصروفة قبل ذلك من غير فرق بين

[ 248 ]

[ (مسألة 61) المراد بالمؤنة مضافا إلى ما يصرف في تحصيل الربح (1) ] الكاسب وغيره. وهذا هو الصحيح. والوجه فيه ان المشتق وما في حكمه من الجوامد ظاهر في الفعلية ولا يستعمل فيما انقضى إلا بالعناية، والوارد في النصوص لو كان عنوان (عام الربح) أو سنة الربح لامكن أن يقال بان اطلاقه على الكاسب يفترق عن غيره كما ذكر، ولكن لم يرد حتى لفظ السنة فضلا عن عام الربح وانما الوارد فيها استثناء المؤونة. فقد ذكر في صحيحة ابن مهزيار - من بعد مؤونته ومؤونة عياله - وفي بعض النصوص غير المعتبرة - ما يفضل عن مؤونتهم - والمؤونة بحسب ما يفهم عرفا المطابق للمعنى اللغوي كل ما يحتاج إليه الانسان في جلب المنفعة أو دفع الضرر وقد عرفت ان هذا ظاهر في المؤنة الفعلية دون ما كان مؤنة سابقا. إذا فالمستثنى عن الربح انما هو المؤن الفعلية لا ما صرفه سابقا وقبل ان يربح، إذ لا يطلق عليها فعلا انها مؤنة له وانما هي كانت مؤنة سابقا فلا مقتضي لاخراجها عن الارباح، كما لا وجه لاخراج المماثل من ذلك عن الربح واحتسابه عوضا عما صرفه سابقا لعدم الدليل عليه. وعلى الجملة فما صرفه سابقا لم يكن مؤنة فعلية ولا دليل على اخراج المماثل فان ثبت هذا - ولا ينبغي الشك في ثبوته - فهو والا فيكفينا مجرد الشك في ذلك للزوم الاقتصار في المخصص المنفصل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن وهو المؤن المصروفة بعد ظهور الربح. واما اخراج المؤن السابقة عن الربح المتأخر فهو مشكوك فيرجع إلى اطلاق ما دل على وجوب الخمس في كل ما افاد من قليل أو كثير. (1): - اما بالنسبة إلى مؤنة التجارة وما يصرف في سبيل تحصيل

[ 249 ]

[ ما يحتاج إليه لنفسه وعياله في معاشه بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة من الماكل والملبس والمسكن وما يحتاج إليه لصدقاته وزياراته وهداياه وجوائزه واضيافه والحقوق اللازمة له بنذر أو كفارة أو اداء دين أو ارش جناية أو غرامة ما اتلفه عمدا أو خطأ وكذا ما يحتاج إليه من دابة أو جارية أو عبد أو اسباب أو ظرف أو فرش أو كتب بل وما يحتاج إليه لتزويج اولاده أو ختانهم ونحو ذلك مثل ما يحتاج إليه في المرض وفي موت اولاده أو عياله إلى غير ذلك مما يحتاج إليه في معاشه ولو زاد على ما يليق بحاله مما يعد سفها وسرفا بالنسبة إليه لا يحسب منها. ] الربح فقد دلت على استثنائه عدة من الاخبار المتضمنة ان الخمس بعد المؤنة، بل لو لم تكن لدينا اية رواية كان ذلك هو مقتضى القاعدة ضرورة عدم صدق موضوع الخمس اعني الغنيمة والفائدة إلا بعد اخراجها باجمعها من اجرة الدلال والدكان والحمال وما شاكل ذلك، فان من اشترى بضاعة باثنى عشر دينارا وباعها بخمسة عشر واعطى للدلال دينارا واحدا لا يقال انه ربح ثلاثة دنانير بل دينارين فقط وهكذا، وهذا ظاهر. ولا فرق في ذلك بين طول المدة بحيث بلغت السنة والسنتين وقصرها فمن خرج من بلده لتجارة كاستيراد بضاعة ونحوها فطالت المدة المصروفة في سبيل تحصيلها من مراجعة الدوائر الحكومية ونحو ذلك سنة أو اكثر فجميع المؤن المصروفة في هذا الطريق تستثنى عن الربح وبالجملة فالعبرة بالصرف في سبيل تحصيل المال بلا فرق بين السنة

[ 250 ]

وغيرها. وهذا لا كلام فيه ولا شبهة تعتريه. واما بالنسبة إلى ما يصرفه في معاش نفسه وعائلته فما ذكره قدس سره من التفصيل بين ما كان بحسب شأنه وما يليق بحاله في العادة وبين غيره هو الصحيح فان كلمة المؤنة الواردة في الادلة التي هي - كما عرفت - بمعنى ما يحتاج إليه الانسان اما لجلب المنفعة أو لدفع الضرر منصرفة كساير الالفاظ الواردة في الكتاب والسنة إلى المتعارف بحيث يصدق عرفا انه محتاج إليه بحسب شؤونه اللائقة به لنفسه ولمن ينتمي إليه. ولاجله يختلف تشخيصه باختلاف الشؤون والاعتبارات. فرب مصرف يكون مناسبا لشأن احد دون غيره، بحيث يعد اسرافا في حقه، فيستثنى بالاضافة إلى الاول دون الآخر. هذا كله في الامور الدنيوية. واما بالاضافة إلى العبادات والامور القريبة من صدقة أو زيارة أو بناء مسجد أو حج مندوب أو عمرة ونحو ذلك من ساير الخيرات والميرات فظاهر عبارة المتن وصريح غيره جريان التفصيل المزبور فيه ايضا، فيلاحظ مناسبة الشأن. فمن كان من شأنه هذه الامور تستثنى وتعد من المؤن والا فلا. ولكن الظاهر عدم صحة التفصيل هنا فان شأن كل مسلم التصدي للمستحبات الشرعية والقيام بالافعال القربية امتثالا لامره تعالى وابتغاء لمرضاته وطلبا لجنته، وكل احد يحتاج إلى ثوابه ويفتقر إلى رضوانه فهو يناسب الجميع ولا معنى للتفكيك بجعله مناسبا لشأن مسلم دون آخر فلو صرف احد جميع وارداته بعد اعاشة نفسه وعائلته في سبيل الله ذخرا لآخرته ولينتفع به بعد موته كان ذلك من الصرف في المؤنة

[ 251 ]

[ (مسألة 62) في كون رأس المال للتجارة مع الحاجة إليه من المؤنة اشكال (1) فالاحوط كما مر اخراج خمسه اولا وكذا في الالات المحتاج إليها في كسبه مثل الات النجارة للنجار والات النساجة للنساج والآت الزراعة للزارع وهكذا فالاحوط اخراج خمسها ايضا اولا. (مسألة 63) لا فرق في المؤنة بين ما يصرف عينه فتتلف مثل المأكول والمشروب ونحوهما وبين ما ينتفع به مع بقاء عينه (2) مثل الظروف والفرش ونحوها فإذا احتاج إليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها وان بقيت للسنين الاتية ايضا. ] لاحتياج الكل إلى الجنة، ولا يعد ذلك من الاسراف أو التبذير بوجه بعد امر الشارع المقدس بذلك، وكيف يعد الصرف في الصدقة أو العمرة ولو في كل شهر أو زيارة الحسين عليه السلام كل ليلة جمعة أو في زياراته المخصوصة من التفريط والخروج عن الشأن بعد حث الشريعة المقدسة المسلمين عليها حثا بليغا. فالانصاف ان كل ما يصرف في هذا السبيل فهو من المؤن قل ام كثر. والتفصيل المزبور خاص بالامور الدنيوية حسبما عرفت. (1): - مر انه لا اشكال فيه. ومنه يظهر الحال في الالات المحتاج إليها في كسبه لوحدة المناط، فلا يجب الاخراج في شئ من ذلك إلا إذا كانت اكثر من مؤنة السنة. (2): - قد تكون المؤنة مما لا بقاء له كالمأكول، وهذا لا كلام في استثنائه، وقد تكون مما له بقاء كالظروف والفرش ونحوها، فهل يجب الخمس بعد مضي السنة أو بعد الاستغناء كما سيتعرض له الماتن بعد

[ 252 ]

ذلك مثل الحلي التي تستغني عنها المرأة بعد ايام شبابها؟؟. الظاهر انه لا ينبغي التأمل في عدم الوجوب، إذ بعد ان صدق عليه عنوان المؤنة في هذه السنة المقتضي للاستثناء فبقاؤها وكونها مؤنة في السنين الآتية ايضا لا يمنع عن ذلك. وبعبارة اخرى قد يفرض الاحتياج ولكنه لا يختص بهذه السنة بل في السنة اللاحقة ايضا يصرف في الحاجة واخرى يستغنى عنه بعد ذلك كما في حلي النساء. ومقتضى البعدية في قوله عليه السلام: الخمس بعد المؤنة ان تشريع الخمس انما هو بعد استثناء المؤنة نظير بعدية الارث بالاضافة إلى الوصية والدين في قوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين، فكما لا ارث إلا بعد اخراج الامرين فكذلك لا خمس إلا بعد اخراج المؤنة. ومن الظاهر ان بقاءها بعد انقضاء السنة أو عدم البقاء لا مدخل له في هذا الاستثناء بعد فرض صدق المؤنة، فان المتعارف خارجا تملك جملة من الامور المحتاج إليها في الاعاشة حتى دار السكنى، إذ الاقتصار على الايجار يعد عرفا نوعا من الاضطرار فضلا عن مثل الالبسة والظروف والفروش ونحوها مما لا شك في تعارف ملكيتها لا مجرد الانتفاع بها باجارة أو عارية ونحوها، ومن المعلوم جريان العادة على بقاء هذه الامور غالبا وعدم استهلاكها في سنة واحدة. وهذا - كما عرفت - لا يمنع عن الاستثناء. على ان موضوع الخمس وهو الفائدة والغنيمة بالمعنى الاعم ظاهر في الحدوث بل لا بقاء لها وانما الباقي المال. واما الافادة فهي امر

[ 253 ]

[ (مسألة 64) يجوز اخراج المؤنة من الربح وان كان عنده مال لا خمس فيه (1) بان لم يتعلق به أو تعلق واخرجه فلا يجب اخراجها من ذلك بتمامها ولا للتوزيع وان كان الاحوط التوزيع واحوط منه اخراجها بتمامها من المال الذي لا خمس فيه. ] حادث تقع في كل ربح مرة واحدة من غير تكرر. فإذا بقيت العين بعد السنة وخرجت عن الحاجة والمؤنية كالحلي للنسوان أو بعض الكتب لاهل العلم فليست هناك افادة جديدة ولم تحدث فائدة ثانية ليتعلق بها الخمس فحينما حدثت الافادة لم يجب الخمس على الفرض لانها كانت آنذاك من المؤنة ولا خمس إلا بعد المؤنة وبعد زوال الحاجة والخروج عن المؤنية لم تتحقق فائدة ثانية ليتعلق بها الخمس. ومن هنا ذكرنا في محله عدم وجوب الخمس على الصبي الذي ربح باتجار وليه لا حال صباه ولا بعد البلوغ. اما الاول فلحديث رفع القلم عنه تكليفا ووضعا. واما الثاني فلعدم حصول فائدة جديدة. فحين حدوث الفائدة لا وجوب لعدم البلوغ وبعده لم تحقق فائدة اخرى ليتعلق بها الخمس. ومن المعلوم ان تلك الفائدة لا بقاء لها وانما الباقي المال لا الاستفادة التي هي الموضوع للحكم. وهذا هو الميزان الكلي، وضابطه انه في كل مورد لم يتعلق الخمس من الاول لجهة من الجهات اما لكون الربح من المؤنة أو لعدم استجماع شرائط التكليف، أو لمانع آخر لم يتعلق ثانيا لان موضوع الحكم هي الفائدة ولم تتحقق فائدة جديدة. (1): - لا شك في جواز اخراج المؤنة من الربح إذا لم يكن له مال آخر من رأس مال أو ملك شخصي كما قد يتفق في عامل

[ 254 ]

المضاربة وغيره. كما لا شك أيضا في جواز الاخراج فيما لو كان له مال آخر ولكن لم تجر العادة على صرفه في المؤونة كدار السكنى أو أثاث البيت أو رأس المال ونحو ذلك. وإنما الكلام فيما لو كان له مال زائد ادخره لغرض آخر، فهل يجوز حينئذ صرف الربح في المؤونة أو لا؟ الذي يظهر من كلماتهم أن الاقوال في المسألة ثلاثة: جواز الصرف مطلقا، وعدمه مطلقا كما نسب إلى الاردبيلي، والتوزيع بالنسبة فتخرج المؤونة عن جميع ما يملك من الربح والمال الآخر بنسبتهما من النصف أو الثلث ونحوهما. فلو كانت المؤونة خمسين والربح مائة والمال الآخر أيضا مائة يخرج نصف المؤونة من الربح والنصف الآخر من المال الآخر وهكذا حسب اختلاف النسب. وعللوا الاخير بأنه مقتضى قاعدة العدل والانصاف كما علل ما عن الاردبيلي - على ما نسب إليه - بأن ما دل على جواز صرف الربح في المؤونة ضعيف السند، والعمدة الاجماع ودليل نفي الضرر والقدر المتيقن صورة الاحتياج. أما مع عدم الحاجة لوجود مال آخر فلا اجماع ومقتضى أطلاق أدلة الخمس إخراجه من غير استثناء. ومع قطع النظر عن المناقشة في السند فالدليل منصرف إلى صورة الاحتياج. أقول: لم يظهر وجه صحيح لما أفيد، أما المناقشة في السند فغير واضحة لان ما دل على أن الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله كصحيحة ابن مهزيار وغيرها معتبرة لم نر أي خلل في سندهما لنحتاج إلى دعوى الانجبار بعمل الاصحاب.

[ 255 ]

[ ولو كان عنده عبد أو جارية أو دار ونحو ذلك مما لو لم يكن عنده كان من المؤنة لا يجوز احتساب قيمتها من المؤنة (1) واخذ مقدارها بل يكون حاله حال من لم يحتج إليها اصلا. ] وأما دعوى الانصراف إلى صورة الحاجة فهي أيضا غير ظاهرة، لان العبرة بالحاجة إلى الصرف وهي متحققة على الفرض لانها هي معنى المؤونة. وأما الحاجة إلى الصرف في خصوص الربح فلم يدل عليه أي دليل، بل مقتضى الاطلاقات عدمه، إذ مقتضاها انه لدى الحاجة إلى الصرف يجوز الصرف من الربح واستثناء المؤونة منه سواء أكان عنده مال آخر أم لا. وأما حديث التوزيع فهو أيضا لا وجه له إذ لا أساس لقاعدة العدل والانصاف في شئ من هذه الموارد. وحينئذ فان تم الاطلاق - وهو تام حسبما عرفت - جاز الاخراج من الربح والا - لاجل المناقشة في السند أو الدلالة - لزم الاخراج من مال آخر ووجب الخمس في تمام الربح فالعمدة ثبوت الاطلاق اللفظي وعدمه. فتحصل أن الاظهر صحة القول الاول فلا يجب التوزيع ولا الاخراج من مال آخر وإن كان أحوط. (1): - لانتفاء موضوع المؤونة والاستغناء عنها بعد تملك تلك الاعيان فلا مقتضى للاخراج عن الربح. وأما إخراج المقدار واحتساب القيمة فلا دليل عليه بتاتا. فان المستثنى من الادلة إنما هي المؤونة الفعلية لا التقديرية وبنحو القضية الشرطية لكي تحتسب القيمة والمفروض انتفاء الفعلية فلا موضوع للاستثناء. ولو فرضنا الاجمال في تلك الادلة كان المرجع إطلاقات الخمس للزوم

[ 256 ]

[ (مسألة 65) المناط في المؤنة ما يصرف فعلا لا مقدارها فلو قتر على نفسه لم يحسب له (1) كما انه لو تبرع بها متبرع لا يستثنى له مقدارها على الاحوط بل لا يخلو عن قوة. (مسألة 66) إذا استقرض من ابتداء سنته لمؤنته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح يجوز له وضع مقداره من الربح (2). ] الاقتصار في المخصص المنفصل المجمل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن وهي المؤونة الفعلية شأن كل عنوان أخذ في موضوع الحكم فيرجع في التقديرية إلى إطلاقات الخمس في كل فائدة كما عرفت. (1): - فيجب الخمس فيما قتر لزيادته على المؤونة وإن كان لم يجب لو صرفه فيها لكون العبرة كما عرفت آنفا بالصرف الفعلي لا التقديري فلا يستثنى المقدار إن لم يصرف أما للتقتير أو لتبرع شخص آخر، بل المستثنى خصوص ما صرفه خارجا في المؤونة. فهذه المسألة من متفرعات المسألة السابقة ونتائجها. فلو كانت مؤونته مائة دينار فصرف خمسين وجب الخمس في الخمسين الباقية. (2): - هذا وجيه بناء على ما اختاره من أن مبدأ السنة من حين الشروع في الاكتساب فتستثني المؤنة حينئذ من الربح المتأخر، ولكن عرفت عدم الدليل عليه، بل ظاهر الادلة أن مبدأها ظهور الربح مطلقا فيجوز صرفه في المؤونة. وأما إخراج مقدار المؤونة المصروفة سابقا ووضعه من الربح المتأخر فلا دليل عليه بوجه. نعم قد يتحمل في بعض الموارد مصارف في سبيل تحصيل الربح كالسفر إلى بلاد بعيدة كما لو اشترى بضاعة من بغداد بمائة دينار مثلا

[ 257 ]

[ (مسألة 67): لو زاد ما اشتراه وادخره للمؤنة من مثل الحنطة والشعير والفحم ونحوها مما يصرف عينه فيها يجب اخراج خمسه عند تمام الحول (1) واما ما كان مبناه على بقاء عينه والانتفاع به مثل الفرش والاواني والالبسة والعبد والفرس والكتب ونحوها فالاقوى عدم الخمس فيها نعم لو فرض الاستغناء عنها فالاحوط اخراج الخمس منها وكذا في حلي النسوان إذا جاز وقت لبسهن لها. ] وذهب إلى لندن فباعها بخمسمائة فان ذلك يتكلف بطبيعة الحال مصارف مأكله ومسكنه وأجور الطائرة ونحو ذلك. فان هذا كله يخرج عن الربح المتأخر قطعا، بل لا ربح حقيقة إلا فيما عداه. ولكن هذا خارج عن محل الكلام كما مر، فان الكلام في مؤونة الشخص وعائلته لا في مؤونة الربح والتجارة، فانه لا كلام في استثنائها، بل لا يصدق الربح إلا بعد إخراجها كما عرفت. (1): - فان الزائد على ما استهلكه خلال السنة غير معدود من المؤونة فلا وجه لاستثنائه فتشمله اطلاقات الخمس في كل فائدة. وأما ما كان مبناه على الانتفاع به مع بقاء عينه إذا كان بحيث لا يستهلك في سنة واحدة بل يبقى سنين وقد يبقى طول العمر كبعض أنواع الفرش والالبسة والدور والاواني المعدنية ونحو ذلك من الامتعة الباقية اكثر من سنة واحدة بطبيعة الحال، فقد حكم في المتن بعدم الخمس فيها الا إذا فرض الاستغناء عنها فاحتاط بوجوب الخمس حينئذ. وكذا الحال في حلي النساء إذا جاز وقت لبسهن لها للخروج حينئذ عن عنوان المؤونة، والمرجع بعد ذلك اطلاقات الخمس السليمة

[ 258 ]

عن التقييد. ولكن الظاهر عدم وجوب الخمس من غير فرق بين صورتي الاستغناء وعدمه. بيان ذلك إنا قد ذكرنا في محله في الاصول انه إذا كان هناك عام أو مطلق وقد ورد عليه مخصص زماني فان كان الزمان ملحوظا فيه بنحو المفردية بحيث كان له عموم أو اطلاق ازماني وافرادي فلوحظ كل زمان فردا مستقلا للعام في قبال الزمان الآخر كان المرجع فيما عدا المقدار المتقين من التخصيص هو عموم العام حتى إذا كان استصحاب المخصص جاريا في نفسه - مع انه لا يجري لتعدد الموضوع - لتقدم الاصل اللفظي اعني اصالة العموم أو الاطلاق على الاستصحاب الذي هو اصل عملي. وان كان ملحوظا ظرفا لا قيدا فكان الثابت على كل فرد من العام حكما واحدا مستمرا لا احكاما عديدة انحلالية فلا مجال حينئذ للتمسك بالعام حتى إذا لم يكن الاستصحاب جاريا في نفسه، إذ لم يلزم من استدامة الخروج تخصيص آخر زائدا على ما ثبت اولا ولا دليل على دخول الفرد بعد خروجه عن العام بل مقتضى الاصل البراءة عنه. ولكن هذا كله مخصوص بما إذا كان التخصيص ازمانيا بان تكفل دليل المخصص للاخراج في زمان خاص. واما إذا كان افراديا بان اخرج فردا - عرضيا - من افراد العام كخروج زيد عن عموم وجوب اكرام العلماء فلا يجري فيه حينئذ ذاك الكلام فانه خارج عن موضوع ذلك البحث، فإذا خرج زيد

[ 259 ]

ولو في زمان واحد يؤخذ باطلاق دليل المخصص المقدم على عموم العام لعدم كون زيد فردين للعام كما لا يخفى. فسواء أكان الزمان مفردا ام لا لا مجال للتمسك فيه باصالة العموم، بل المرجع اصالة البراءة عن تعلق الحكم به ثانيا. وعليه فنقول، المستفاد من قوله عليه السلام: الخمس بعد المؤنة الذي هو بمثابة المخصص لعموم ما دل على وجوب الخمس في كل غنيمة وفائدة من الكتاب والسنة ان هذ الفرد من الربح وهو ما يحتاج إليه خلال السنة المعبر عنه بالمؤنة خارج عن عموم الدليل، والظاهر منه ان الخروج لم يكن بلحاظ الزمان بل هو متعلق بنفس هذا الفرد من الربح بالذات كما عرفت. فهو من قبيل التخصيص الافرادي لا الازماني. كما انه لم يكن مقيدا بعدم كونه مؤنة في السنة الآتية ولا بعدم الاستغناء عنه في السنين القادمة فيشمل كل ذلك بمقتضى الاطلاق. فهذا الفرد بعد خروجه لم يكن مشمولا لاطلاقات الخمس فيحتاج شمولها له ثانيا إلى الدليل ومقتضى الاصل البراءة، فلا موجب للاحتياط إلا استحبابا. ومع التنازل عن هذا البيان وتسليم كون الخروج بلحاظ الزمان فلا ينبغي التأمل في عدم مفردية الزمان في عموم الخمس المتعلق بالارباح ليلزم الانحلال، بل هو ظرف محض فلكل فرد من الربح حكم وحداني مستمر من الخمس تكليفا ووضعا، فإذا سقط الحكم عن فرد في زمان بدليل التخصيص احتاج عوده إلى دليل آخر بعد وضوح ان اصالة العموم لا تقتضيه لعدم استلزام التخصيص الزائد.

[ 260 ]

[ (مسألة 68) إذا مات المكتسب في اثناء الحول بعد حصوله الربح سقط اعتبار المؤنة في باقيه فلا يوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة (1). (مسألة 69) إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة لا يخرج مؤنتها من ربح السنة اللاحقة (2). ] وبالجملة فعلى التقديرين أي سواء أكان التخصيص - فرديا كما هو الظاهر - ام زمانيا لم يجب الخمس بعد الاستغناء، إذ الموجب له كونه غنيمة والمفروض ان هذا الفرد حال كونه غنيمة لم يجب خمسه لكونه من المؤنة فعروض الوجوب ثانيا وخروج الخمس عن الملك يحتاج إلى الدليل ولا دليل. بل المرجع حينئذ اطلاق دليل المخصص أو استصحابه لا عموم العام، وتكفينا اصالة البراءة عن وجوب الخمس ثانيا بعد وضوح عدم كون المؤنة في السنة اللاحقة أو بعد الاستغناء مصداقا جديدا للربح ليشمله عموم وجوب الخمس في كل فائدة. (1): - لما تقدم من ان الاعتبار في الاستثناء بالمؤنة الفعلية لا التقديرية، فلا يوضع عن الربح الا المقدار الذي صرفه خارجا ويرجع فيما عداه إلى عموم وجوب الخمس، إذ لا مؤنة بعد الموت فانها سالبة بانتفاء الموضوع. (2): - لعدم المقتضى للاخراج بعد اختصاص دليله بمؤنة سنة الربح لا غير. نعم لو كان ذلك في سنة واحدة كما لو استدان للمؤنة اول السنة ثم حصل الربح امكن القول بالاخراج كما سبق اختياره من الماتن في المسألة السادسة والستين بناء منه على ان مبدء السنة هو اول

[ 261 ]

[ (مسألة 70) مصارف الحج من مؤنة عام الاستطاعة (1) فإذا استطاع في اثناء حول حصول الربح وتمكن من المسير بأن صادف سير الرفقة في ذلك العام احتسب مخارجه من ربحه واما إذا لم يتمكن حتى انقضى العام وجب عليه خمس ذلك الربح فان بقيت الاستطاعة إلى السنة الاتية وجب والا فلا ولو تمكن وعصى حتى انقضى الحول فكذلك على الاحوط ولو حصلت الاستطاعة من ارباح سنين متعددة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة واما المقدار المتمم لها في تلك السنة فلا يجب خمسه إذا تمكن من المسير وإذا لم يتمكن فكما سبق يجب اخراج خمسه. ] الشروع في الاتجار وان لم يكن وجيها على ما قويناه من أن مبدأها ظهور الربح. واما افتراض ذلك في سنتين بان تخرج مؤنة سنة لا ربح فيها عن ربح السنة الاخرى فلا وجه له بتاتا لاختصاص الدليل بمؤنة سنة الربح فقط حسبما عرفت. (1): - تنحل المسألة إلى صور ثلاث: أولاها: ما إذا استطاع اثناء حول الربح وتمكن من المسير وتلبس بالسير والظاهر أنه لا خلاف كما لا إشكال في احتساب مخارجه من الربح ضرورة كونها من أوضح انحاء المؤونة فلا يجب الخمس فيها قطعا. ثانيتها: ما إذا استطاع اثناءه ولكنه لم يتمكن من المسير حتى انقضى العام، ولا ينبغي التأمل في وجوب خمس ذلك الربح حينئذ لوضوح ان عدم التمكن يكشف عن عدم الوجوب. ومعه لم تكن مؤونة لكي

[ 262 ]

تستثنى، وحينئذ فان بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب وإلا فلا كما هو ظاهر. ثالثتها: ما لو تمكن ولكنه عصى حتى انقضى الحول. وقد احتاط الماتن قدس سره وجوبا باخراج الخمس حينئذ أيضا. والظاهر أن نظره الشريف في الاحتياط المزبور - مع بنائه على عدم الاحتساب في فرض التقتير ووضوح كون ترك الحج في محل البحث من هذا القبيل - إلى اختصاص المقام بجهة بها يمتاز عن ساير موارد التقتير وهي تعلق الوجوب بالصرف في المؤونة للالزام الشرعي بالذهاب إلى الحج فيحتمل أن يكون هذا الايجاب والالزام محققا لصدق المؤونة المانعة عن وجوب الخمس نظير ما ذكروه في باب الزكاة من أنه لو وجب الصرف في مورد لم تجب الزكاة لعدم التمكن من التصرف. وهذا الاحتمال وإن لم يكن بعيدا عند الماتن (قده) ولاجله احتاط ولم يجزم في المسألة إلا أنه ضعيف عندنا لعدم صدق المؤونة عرفا إلا لدى الصرف الخارجي ولا يكفي فيه مجرد الالزام الشرعي، ومن ثم كان وجوب الخمس هو الاظهر لا مجرد أنه أحوط. ونظير هذا الاحتياط منه (قده) سيجئ في المسألة الآتية حيث يذكر قدس سره أنه إذا لم يؤد الدين حتى انقضى العام فالاحوط اخراج الخمس فان مستنده هو ما ذكرناه بعين المناط حيث أن اداء الدين واجب كوجوب الحج، فيحتمل أن يكون نفس التكليف محققا لعنوان المؤونة وإن لم يتحقق الاداء خارجا، فلا موجب لقياس المقام بساير موارد التقتير حيث لا تكليف فيها بالصرف في المؤونة. هذا كله فيما إذا حصلت الاستطاعة في عام الربح.

[ 263 ]

[ (مسألة 71) اداء الدين من المؤنة إذا كان في عام حصول الربح (1) أو كان سابقا ولكن لم يتمكن من ادائه إلى عام حصول الربح وإذا لم يؤد دينه حتى انقضى العام فالاحوط اخراج الخمس اولا واداء الدين مما بقى. ] وأما لو حصلت من أرباح سنين عديدة فلا ينبغي التأمل في وجوب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة لعدم المقتضي للاستثناء، وأما المقدار المتمم لها الحاصل في السنة الاخيرة فحكمه حكم الاستطاعة بتمامها في عام الربح فتجري فيها الوجوه الثلاثة المتقدمة من التمكن من المسير وعدمه والعصيان فلاحظ. (1): - تفصيل الكلام في المقام: أن الدين على أقسام. فتارة يفرض بعد حصول الربح في عامة وأخرى قبله في نفس العام وثالثة في العام السابق على عام الربح. كما انه قد يكون لاجل المؤونة، وأخرى لغيرها، أما مع بقاء عين ما أستدان له، أو مع تلفها كما في الغرامات ونحوها. والسيد الماتن وإن لم يذكر إلا بعض هذه الاقسام لكنا نذكر جميعها استيعابا للبحث. فنقول يقع الكلام في مقامات ثلاثة: المقام الاول في الدين المتأخر عن حصول الربح في عامه. وتفصيله أنه إذا ربح أولا ثم استدان فقد يستدين لمؤونته، وأخرى لامر خارجي غير المؤونة. فان كان الاول فلا ينبغي الشك في جواز أدائه من الربح من غير تخميس، والظاهر أنه لم يستشكل فيه أحد، إذ كما يجوز أن يشتري ذلك بنفس الربح، فكذلك يجوز أن يشتريه بالذمة ويؤدي

[ 264 ]

الدين من الربح، ففي الحقيقة هذا صرف للربح في المؤونة دينا، لا عينا ولا فرق بينهما قطعا. كما لا فرق في ذلك بين ما إذا كانت المؤونة المشتراة دينا تالفة أم انها كانت باقية كالفرش والدار والفرس ونحو ذلك، فانه على التقديرين إذا أدى الدين من الربح يعد ذلك من صرف الربح في المؤونة حسبما عرفت. بل الظاهر أن الامر كذلك وإن لم يؤد الدين إلى أن مضت السنة فيجوز الاداء منه بعد ذلك من غير تخميس لعدم صدق الربح عند العقلاء بعد أن كان واقعا في قبال الدين فان العبرة عندهم في اطلاق الربح أو الخسران بملاحظة مجموع السنة فان زاد في آخرها على رأس المال شئ لم يصرف في المؤونة فهو الربح وإلا فلا. وعليه فهم لا يعتبرون الربح - الذي بازائه دين إستدانه للمؤونة سواء أكانت مؤونة تحصيل الربح أم مؤونة السنة - ربحا حقيقة وإن كان كذلك صورة بحيث لو سئل بعد انقضاء السنة هل ربحت في سنتك هذه لكان الجواب منفيا، إذ لا يرى شيئا يزيد على رأس ماله بعد إضطراره إلى الصرف في اداء الدين. ولو فرض صدق الربح بنحو من العناية فلا ينبغي الاشكال في عدم صدق عنوان الفاضل على المؤونة الذي هو الموضوع لوجوب الخمس، فلا يدخل في قوله عليه السلام وأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام... الخ. وبالجملة العادة قاضية وسيرة العقلاء جارية على صرف المؤن المحتاج إليها من الارباح إما من عين الربح أو مماثله من دين أو مال مخمس أو ما لا خمس فيه بحيث يتحفظ على رأس المال ويصرف من الارباح

[ 265 ]

عينا أو مثلا. وعليه فلا ربح، ولو سلمنا فلا فاضل. ففي هذه الصورة لا حاجة إلى الاداء الخارجي بل مجرد اشتغال الذمة بالدين كاف في الاستثناء. وإن كان الثاني: أعني الدين لغير المؤونة كما لو اشترى فرسا دينا لان يؤجره مثلا فتارة يكون موجودا وأخرى تالفا. أما الموجود فيجوز فيه اداء الدين - من الربح، إذ يجوز له الآن أن يشتري الفرس بالربح فكيف باداء الدين الآتي من قبل شراء الفرس - به، لكنه حينئذ يكون الفرس بنفسه ربحا، إذ للمالك تبديل الارباح خلال السنة ولو عدة مرات كما هو دأب التجار في معاملاتهم فهو في المقام يجد آخر السنة إنه ربح الفرس فيجب تخميسه بماله من القيمة سواء أكان مساويا لما اشترى به أم أقل أم أكثر ففي جميع هذه الاحوال العبرة بنفس هذا المال لا الربح الذي أدى به دينه. ولو لم يؤد دينه إلى أن أنقضت السنة يقوم الفرس أيضا آخر السنة ويلاحظ الدين الدين الذي عليه من الفرس فبمقدار الدين لا ربح وإنما الربح في الزائد عليه لو كان فيجب تخميسه حينئذ. فمثلا لو اشترى الفرس بخمسين وكانت قيمته آخر السنة مائة فمعناه انه ربح خمسين فيخمسه، اما الخمسون الاخر فمدين بازائه بهذا المقدار نعم لو كانت القيمة بمقدار ما اشترى فضلا عن الاقل لم يكن عليه شئ. واما لو كان - الفرس مثلا - تالفا فان ادى دينه خلال السنة فلا اشكال فان الخروج عن عهدة اداء الدين الثابت عليه - تكليفا ووضعا - يعد من المؤنة، بل لعل تفريغ الذمة عنه بالربح السابق على التكليف

[ 266 ]

من اوضح انحائها فلو اداه فقد صدر من اهله في محله. واما لو لم يؤد حتى مضت السنة فهل يستثنى كما كان يستثنى الدين للمؤنة؟ فيه كلام واشكال. والاستثناء مشكل جدا نظرا إلى ان تلف هذا المال الخارجي الاجنبي عن التجارة لا ينافي صدق الربح في التجارة الذي هو الموضوع لوجوب الخمس، فقد ربح في تجارته وفضل عن مؤنته وان كان في عين الحال قد وردت عليه خسارة خارجية اجنبية عن تلك التجارة. فاستثناء هذا الدين كما ثبت في المؤنة، بدعوى انه لم يربح أو على تقدير الصدق لا يصدق الفاضل على المؤنة، غير وجيه في المقام لما عرفت من عدم ارتباط الخسارة الخارجية بصدق الربح في هذه التجارة فانها نظير الضمان أو الدية الثابت في حقه الناشئ من اتلاف مال احد أو كسر رأسه ونحو ذلك، في انه لو افرغ ذمته وصرف الربح فيما اشتغلت به الذمة فهو، ويعد حينئذ من المؤنة لاحتياج الانسان إلى تفريغ ذمته كاحتياجه إلى المأكل والملبس ونحو ذلك. اما لو لم يفعل وبقى عنده الربح حتى مضت السنة بحيث صدق انه ربح وفضل عن المؤنة - لانه لم يصرفه في المؤنة - وجب عليه الخمس لان حاله حينئذ حال التقتير كما لا يخفى. هذا كله فيما إذا كان الدين بعد الربح من هذه السنة. المقام الثاني فيما إذا كان الدين من السنين السابقة ولا ينبغي الشك في عدم استثنائه من ارباح هذه السنة لان المستثنى منها خصوص ما يعد من مؤن هذه السنة، ولا ريب ان ديون السنين السابقة حتى ما كانت لاجل مؤنتها فضلا عما كانت لغير المؤنة لا تكون من مؤنة

[ 267 ]

هذه السنة. فالاستثناء لا يثبت جزما. وهل يجوز اداء ذاك الدين من هذه الارباح أو لا يجوز الا بعد التخميس؟ حكم في المتن بالجواز شريطة ان لم يكن متمكنا من الاداء إلى عام حصول الربح. ولم يظهر لنا وجه لهذا التقييد، إذ لا مدخل للتمكن وعدمه في هذا الحكم، بل العبرة بصدق كون الاداء المزبور مؤنة لهذه السنة، فان ثبت بحيث صدق على صرف الربح فيه انه صرفه في المؤنة جاز استثناؤه والا فلا، ولا يناط ذلك بعدم التمكن السابق بوجه كما هو الحال في بقية المؤن، فلو تزوج أو اشترى دارا من ارباحه ولو مع التمكن من الصرف من مال آخر صدق عليه بالضرورة انه قد صرف الربح في المؤنة، فالتمكن المزبور أو عدمه سيان في هذا الحكم واجنبيان عن صدق الصرف في المؤنة جزما، فلا فرق إذا بين الصورتين ابدا. والظاهر تحقق الصدق المذكور فان منشأ هذا الدين وان كان قد تحقق سابقا الا انه بنفسه مؤنة فعلية لاشتغال الذمة به ولزوم الخروج عن عهدته سيما مع مطالبة الدائن، بل هو حينئذ من اظهر مصاديق المؤنة غايته ان سببه امر سابق من استدانة أو اتلاف مال احد أو ضرب أو قتل بحيث اشتغلت الذمة بالبدل أو الدية، فالسبق انما هو في السبب لا في المسبب، بل المسبب اعني كونه مؤنة متحقق بالفعل. فهو نظير من كان مريضا سابقا ولم يكن متمكنا من علاج نفسه الا في هذه السنة أو كان متمكنا وأخر عامدا فانه على التقديرين إذا صرف من أرباح هذه السنة في معالجة نفسه فقد صرفه في مؤونته،

[ 268 ]

وإن كان سببها المرض السابق فليست العبرة بسبق السبب بل الاعتبار بفعلية المؤونة وهي صادقة حسبما عرفت. فتحصل ان الاظهر أن اداء الدين السابق - سواء اكان متمكنا منه سابقا أم لا - يعد أيضا من المؤونة وإن لم يكن الدين بنفسه معدودا منها فلا يستثنى من أرباح هذه السنة من غير أداء. فيفرق بين الدين المتأخر وبين الدين السابق، فيحسب الاول من مؤونة هذه السنة وإن لم يؤد خارجا كما مر. أما الثاني فلا يحسب منها إلا مع التصدي للاداء خارجا سواء أكان مصروفا في مؤونة السنة السابقة أم لا. هذا فيما إذا لم يكن بدل الدين موجودا. وأما مع وجوده كما لو اشترى بالدين السابق دارا أو بستانا فان كان ذلك لامر خارجي غير المؤونة فلا ينبغي الشك في عدم جواز الاداء بلا تخميس، إذ بعد ان كان الدين مقابلا بالمال فلو اداه من الربح غير المخمس يبقى هذا المال خالصا له بلا دين فيكون زيادة على المؤنة فلابد من تخميسه، فليس له ان يؤدي دينه بلا تخميس لا بالنسبة إلى الربح ولا الثمن، بل لابد وأن يحاسب آخر السنة. واما ان كان للمؤنة لاحتياجه إلى الدار مثلا فعلا فله ان يؤدي دينه من ارباح هذه السنة لانه من صرف الربح في المؤنة فهو كما لو اشترى فعلا من هذه الارباح دارا لسكناه فلا يجب الخمس في مثله لا في الربح ولا في بدل الدين بعد فرض كونه مؤنة له بالفعل. ومن هذا القبيل اداء مهر الزوجة، فله ان يؤدي كل سنة مقدارا من مهرها بلا تخميس لانه من صرف الربح في المؤنة حسبما عرفت.

[ 269 ]

[ وكذا الكلام في النذور والكفارات (1). (مسألة 72) متى حصل الربح وكان زائدا على مؤنة السنة تعلق به الخمس (2) وان جاز له التاخير في الاداء إلى آخر السنة فليس تمام الحول شرطا في وجوبه وانما هو ارفاق بالمالك لاحتمال تجدد مؤونة اخرى زائدا على ما ظنه فلو اسرف أو ] المقام الثالث: - في الدين في هذه السنة ولكن قبل ظهور الربح. وحكمه يظهر مما مر، فانه ان قلنا ان مبدء السنة حال الشروع في الكسب كما هو خيرة المتن فحاله حال الدين بعد الربح. وان قلنا ان مبدأه ظهور الربح كما هو الصحيح فحاله حال الدين في السنة السابقة. فهذا اما ان يلحق بالقسم الاول أو بالقسم الثاني فلاحظ. (1): - يعني فيجري فيه الاحتياط المتقدم في اداء الدين السابق باخراج الخمس اولا ثم الاداء مما بقي. وقد اشرنا إلى وجه هذا الاحتياط في المسألة السابقة وانه احتمال ان يكون التكليف المتعلق بالحج أو باداء الدين أو بالوفاء بالنذر أو الكفارة بنفسه محققا لصدق المؤنة وانه بذلك يمتاز المقام عن ساير موارد التقتير. لكن عرفت ضعفه وانه ما لم يتحقق الاداء أو الوفاء خارجا لا تكاد تصدق المؤنة عرفا بمجرد التكليف والالزام الشرعي. وان العبرة بنفس الصرف لا بمقداره. فلا ينبغي التوقف عن الفتوى بل الاظهر الاقوى هو وجوب اخراج الخمس. (2) ينبغي التكلم في مقامين: احدهما في زمان تعلق الخمس وانه

[ 270 ]

[ اتلف ماله في اثناء الحول لم يسقط الخمس وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في اثنائه. ] حين ظهور الربح ام بعد انتهاء السنة. ثانيهما في انه بناء على الاول فهل يجوز له التأخير إلى نهاية السنة أو لا؟ اما المقام الاول فالمعروف والمشهور ان التعلق المستتبع لحصول الاشتراك بين المالك ومستحق الخمس، انما هو من اول ظهور الربح. ونسب الخلاف إلى الحلي في السرائر وانه ذهب إلى ان التعلق في آخر السنة. وهذا على تقدير صدق النسبة لا نعرف له وجها صحيحا فان الآية المباركة ولو بضميمة الروايات الكاشفة عن ارادة الغنيمة بالمعنى الاعم ظاهرة في تعلق الخمس من لدن تحقق الغنيمة. كما ان الروايات وعمدتها موثقة سماعة: " ما افاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس " ايضا ظاهرة في ثبوت الحكم حين صدق الفائدة الذي هو اول ظهور الربح. وليس بازاء ذلك إلا قولهم عليهم السلام في عدة من الاخبار: ان الخمس بعد المؤنة. ولكن من الظاهر ان المراد بالبعدية ليست هي البعدية الزمانية لتدل على ان حدوث الخمس متأخر عن اخراج المؤنة، بل المراد البعدية الرتبية نظير قوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين (1) يعني ان مرتبة الخمس متأخرة عن المؤنة، كما ان مرتبة الارث متأخرة عن الوصية والدين، ومرجع ذلك إلى ان اخراج الامرين مقدم على الصرف في الارث، كما انه في المقام يلاحظ الخمس فيما يفضل على


(1) سورة النساء الآية 11.

[ 271 ]

المؤنة من الربح من غير نظر إلى الزمان بتاتا. فمقتضى الجمع بين هذه الروايات الدالة على ان الخمس بعد المؤنة وما دل على تعلقه من لدن ظهور الربح ان الحكم ثابت من الاول لكن مشروطا بعدم الصرف في المؤنة بنحو الشرط المتأخر، فان البعدية الرتبية لا تنافي الثبوت من الاول كما في الارث. غايته انه من قبيل الواجب المشروط بالشرط المتأخر، فكلما صرفه في المؤنة لم يتعلق به الخمس من الاول، وكل ما بقى وفضل كما عبر به في رواية ابن شجاع وجب خمسه. وهذا هو الظاهر من الجمع بين الاخبار. ومما يرشدك إلى ارادة البعدية الرتبية ان لازم ارادة الزمانية جواز اتلاف الربح اثناء السنة أو الصرف في غير المؤنة من هبة لا تليق بشأنه ونحوها لعدم لزوم حفظ القدرة قبل تعلق التكليف، ومرجع هذا إلى سقوط الخمس عنه، ولعل الحلي ايضا لا يلتزم بذلك. هذا: - ولكن الانصاف ان ما ذكرناه انما يتجه بالاضافة إلى مؤنة الاسترباح وما يصرف في سبيل تحصيل الربح، فان ما ورد من ان الخمس بعد المؤنة ناظر إلى ذلك. واما بالنسبة إلى مؤنة السنة، التي هي محل الكلام، فتعلق الخمس باق على اطلاقه، وانما المقيد بعدم الصرف فيها، هو الحكم التكليفي، اعني وجوب الخمس، لا تعلقه، على ما تشهد به نصوص الباب. حيث ان المعلق على ما بعد المؤنة في صحيحة ابن مهزيار (1) انما هو وجوب الخمس، كما ان المعلق عليه في صحيحته الاخرى (2) هو


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 3. (2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 4.

[ 272 ]

قوله (ع) - عليه الخمس - الظاهر في الوجوب. إذا فيكون المشروط بعدم الصرف فيها على سبيل الشرط المتأخر انما هو الوجوب لا اصل التعلق، باق على اطلاقه. وكيفما كان، فما ذكره المشهور من ثبوت الحكم من الاول مشروطا بعدم الصرف في المؤنة هو الصحيح، بل لا ينبغي التردد فيه. واما المقام الثاني فقد صرح جماعة - بل ادعى الاجماع عليه في غير واحد من الكلمات - بجواز التأخير إلى نهاية السنة ارفاقا واحتياطا من جهة المؤنة. لكن قد يستشكل فيه بانه لولا قيام الاجماع بل ارسالهم له ارسال المسلمات لما امكن تتميمه بالدليل، إذ كيف يسوغ التأخير في اداء حق الغير الثابت بمجرد ظهور الربح - كما هو المفروض - مع اطلاق ما دل على عدم حل مال المسلم بغير اذنه، واحتمال وجود المؤنة منفي بالاصل. مع انه قد يعلم بعدمها سيما إذا كان الربح كثيرا جدا بحيث يقطع عادة بعدم صرف الجميع. فغايته استثناء المقدار المتيقن صرفه في المؤنة دون المشكوك فضلا عما يقطع بالعدم بل لا معنى للاحتياط حينئذ كما لا يخفى. ويندفع بامكان الاستدلال عليه - مع الغض عن الاجماع - بوجوه: احدها السيرة القطعية العملية القائمة من المتشرعة على ذلك فانهم لا يكادون يرتابون في جواز التأخير إلى نهاية السنة، ولا يبادرون إلى الاخراج بمجرد ظهور الربح بالضرورة، ولو كان ذلك واجبا لكان من الواضحات التي لا تعتريها شائبة الاشكال.

[ 273 ]

ثانيها: قوله عليه السلام في صحيحة ابن مهزيار: فاما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام.. الخ (1) دلت على ان الاخراج انما يجب في كل عام مرة لا في كل يوم، ولدى ظهور كل فرد فرد من الارباح ونتيجته جواز التأخير إلى نهاية السنة. ثالثها: صحيحة ابن ابي نصر قال: كتبت إلى ابي جعفر عليه السلام الخمس اخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة؟ فكتب بعد المؤنة (2) فان السؤال عن الاخراج الذي هو نقل خارجي لا عن التعلق، والمراد بالمؤنة - كما مر - ليس هو مقدارها، بل نفس الصرف الخارجي، فقد دلت على ان الاخراج انما هو بعد الصرف في المؤنة في آخر السنة وان كان التعلق من الاول. لكن ذكرنا سابقا أن هذه الصحيحة يمكن ان تكون ناظرة إلى مؤنة الربح لا مؤنة السنة فهي حينئذ اجنبية عن محل الكلام. رابعها وهو العمدة في المقام ان المؤنة على قسمين: احدهما المصارف الضرورية التي لابد منها من المأكل والمسكن والملبس ونحوها مما يحتاج إليه الانسان في اعاشته، فانها غالبا محدودة بحد معين ربما يعلم الانسان بمقداره وربما يشك ويكون لها قدر متيقن. ثانيهما المصارف غير الضرورية مما يكون باختيار الانسان له ان يفعل وان لا يفعل كالهبة اللائقة بشأنه والحج المندوب والزيارات وما يصرف في سبيل الخيرات والمبرات، فان هذه أيضا تعد من المؤن. ومن ثم جاز الصرف فيها من غير تخميس كما تقدم وليست محدودة بحد


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 5. (2) الوسائل باب 12 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1.

[ 274 ]

كما ان الجواز لم يكن منوطا بالصرف الخارجي فهو ثابت حتى في حق من يقطع من نفسه بعدم الصرف في هذه السنة في شئ من ذلك. وقد تقدم في المقام الاول ان الخمس وان تعلق من لدن ظهور الربح لكنه مشروط وضعا أو تكليفا بعدم الصرف في المؤنة - بقسميها - بنحو الشرط المتأخر على ما استفدناه من قوله عليه السلام: الخمس بعد المؤنة حسبما تقدم. وقد ذكرنا في الاصول ان الواجب المشروط لا ينقلب إلى الواجب المطلق بحصول شرطه فضلا عن العلم به. فالحج مثلا مشروط بالاستطاعة دائما حتى بعد حصولها وتحققها خارجا، فان موضوع الحكم لا ينقلب عما هو عليه بوجه. ولاجل ذلك كان الواجب المهم المشروط بعصيان الاهم مشروطا حتى مع فعلية العصيان كما فصلنا البحث حول ذلك في مبحث الترتب مشبعا. وعليه فلو فرضنا القطع بعدم الصرف في المؤنة إلى نهاية السنة بحيث تيقنا بحصول الشرط مع ذلك لم يجب الاداء فعلا وان كان متعلقا للخمس فيجوز التأخير. وذلك لجواز الصرف في المونة من غير اناطة بفعلية الصرف كما عرفت فإذا جاز الصرف المزبور جاز الابقاء إلى نهاية السنة بطبيعة الحال. ومن الضروري ان جواز الصرف أو الابقاء لا يجتمع مع وجوب الاداء فعلا. وبالجملة القطع بعدم فعلية الصرف خارجا لا ينافي جوازه شرعا لعدم استلزام الجواز تحقق الصرف بالضرورة فهو مرخص في اعدام موضوع الخمس واسقاطه بالصرف في المؤنة إلى نهاية السنة، ومن الواضح ان هذا ملازم لجواز الابقاء، فكيف يجتمع ذلك مع وجوب

[ 275 ]

[ (مسألة 73) لو تلف بعض امواله مما ليس من مال التجارة أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح وان كان في عامه إذ ليس محسوبا من المؤنة (1). ] الاخراج فورا ومن لدن ظهور الربح للتهافت الواضح بين الالزام بالاخراج في هذا الحال وبين الحكم بجواز الصرف في المؤنة إلى نهاية السنة كما هو ظاهر جدا. وهذا الوجه هو العمدة في الحكم بجواز التأخير مضافا إلى ما عرفت من الروايات. فتحصل ان الحق والحكم الوضعي وان كان ثابتا حين ظهور الربح لكن الحكم التكليفي اعني وجوب الاخراج لم يكن الا في آخر السنة وعند حلول الحول وان جاز له الاخراج في الاثناء ايضا، وانه لو فعل ذلك كشف عن تعلق الوجوب به من الاول لتحقق شرطه المتأخر حسبما عرفت. (1): - تارة يفرض ان التالف مما يحتاج إليه في اعاشته كما لو انهدمت داره فاحتاجت إلى التعمير، وهذا خارج عن محل الكلام لانه من صرف الربح في المؤنة. واخرى يفرض ان التالف مؤنة ولكنه لم يصرف الربح في تلك المؤنة، أو كان مالا خارجيا غير المؤنة كما لو كانت له مواشي فتلفت فهل يجبر هذا التلف أو الخسارة الواردة من ربح التجارة بحيث لا يكون فيه خمس أو لا؟ اختار قدس سره عدم الجبر وهو الصحيح والوجه فيه ظاهر، فان موضوع الخمس مؤلف من امرين: الربح وعدم الصرف في المؤنة

[ 276 ]

[ (مسألة 74) لو كان له راس مال وفرقه في انواع من التجارة فتلف راس المال أو بعضه من نوع منها فالاحوط عدم جبره بربح تجارة اخرى (1) بل وكذا الاحوط عدم جبر خسران نوع بربح اخرى لكن الجبر لا يخلو عن قوة خصوصا في الخسارة. نعم لو كان له تجارة وزراعة مثلا فخسر في تجارته أو تلف راس ماله فيها فعدم الجبر لا يخلو عن قوة خصوصا في صورة التلف وكذا العكس واما التجارة ] وكلا الامرين متحقق لصدق الربح والاستفادة وجدانا بحيث يصح ان يقال انه استفاد في تجارته كذا مقدارا ولم يصرفه في المؤنة حسب الفرض، غاية الامر انه قد وردت عليه خسارة خارجية لكنها لا تستوجب سلب صدق الاستفادة في تجارته هذه بالضرورة لعدم ارتباط بينهما، واحدهما اجنبي عن الآخر إذا فالجبر يحتاج إلى الدليل ولا دليل ومعه لا مناص من التخميس، هذا. ولا يفرق الحال في ذلك بين القول باختصاص الخمس بارباح المكاسب أو التعميم لمطلق الفائدة من وصية أو لقطة أو هبة أو وقف ونحو ذلك مما هو خارج عن الكسب ضرورة ان كلامنا في الجبر لا فيما يجب فيه الخمس، فمتعلق الوجوب اياما كان من العنوان الخاص أو العام لا تنجبر به الخسارة الخارجية إذ لا علاقة بينهما ولا ارتباط حسبما عرفت، وذلك الخسارة كما لا توجب زوال الربح لا توجب زوال الفائدة ايضا بمناط واحد، فلا وجه لابتناء الجبر وعدمه على تلك المسألة كما لا يخفى فلاحظ وتدبر. (1): - الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في جبر التلف أو الخسران

[ 277 ]

[ الواحدة فلو تلف بعض راس المال فيها وربح الباقي فالاقوى الجبر وكذا في الخسران والربح في عام واحد في وقتين سواء تقدم الربح أو الخسران فانه يجبر الخسران بالربح. ] بالربح فيما إذا كانا في وقتين أو في فردين من نوع واحد من التجارة كالبزاز الذي يربح في شهر ويخسر في آخر أو يربح في قسم كالماهوت ويخسر في قسم آخر كالفاستون، أو يربح بايع العبي في العباءة الشتوية ويخسر في الصيفية وهكذا ضرورة ان العرف والعادة قد جرت على احتساب الربح والخسارة في مثل ذلك في المجموع لا في واحد واحد فيلاحظ المجموع في آخر السنة ويحاسب كمعاملة واحدة قد خسر فيها أو ربح. وهذا لا ينبغي الاشكال فيه كما عرفت. وقد تعرض له الماتن في آخر المسألة. ولكن الذي ينبغي التنبيه عليه هو ان خسارة السنة السابقة لا تنجبر بالربح في السنة اللاحقة ولو من جنس واحد كما نص عليه الاصحاب كالبزاز الذي يخسر في سنة ويربح في اخرى لان كلا منهما موضوع مستقل وله حكم خاص. فعلى هذا لا تنجبر الخسارة السابقة بالربح اللاحق ولو في سنة واحدة بناء على ما هو الصحيح من ان مبدء السنة انما هو ظهور الربح لا الشروع في الكسب. فالخسارة قبل الظهور ايضا لا تتدارك بالربح اللاحق، لان العبرة بصرف الربح في المؤنة ولم يصرف فيها وواضح ان الخسارة السابقة لا توجب عدم صدق الربح في المتأخر فلا تنجبر به حتى في تجارة واحدة كما كان كذلك في خسارة السنة السابقة، ونحوهما ما يصرف في المؤنة قبل ظهور الربح.

[ 278 ]

وبالجملة يختص الجبر بالربح السابق والخسارة اللاحقة، إذ حينئذ لا يصدق انه استفاد فان الربح المتعقب بالخسران في حكم العدم. فما تسالمت عليه كلماتهم من تدارك الخسارة بالربح في التجارة الواحدة فضلا عن المتعددة لابد من تقييده بالخسارة المتأخرة. واما المتقدمة فحالها حال الخسارة في السنة السابقة في عدم انجبارها بالربح اللاحق. وملخص الكلام في المقام انه لا خلاف بين الاعلام في انجبار الخسارة اللاحقة بالربح السابق - في سنة واحدة - لان الربح وان صدق حدوثا إلا انه لا ربح بقاء بعد تبدله بالخسران، ففي الحقيقة لم يربح وانما هو صورة الربح. واما عكس ذلك كما لو خسر في الشهر الاول وربح في الشهر الثاني فقد حكم الماتن بالجبر فيه ايضا وهو وجيه على مسلكه من جعل مبدء السنة اول الشروع في الكسب. ولكنك عرفت فيما سبق عدم الدليل عليه، إذ لم نجد في الروايات ما يشهد له، بل الموضوع فيها الغنيمة والافادة والاستفادة ونحو ذلك مما يكشف عن ان المبدء هو ظهور الربح مشروطا بعدم الصرف في المؤنة. واما ما تقدم على الربح من صرف شئ في المؤنة أو الخسارة فلم يدل اي دليل على انجباره بالربح المتأخر. نعم لا ريب في الانجبار بالاضافة إلى مؤنة التجارة اي ما يصرف في سبيل تحصيل الربح فيستثنى ما يبذل لاجل استخراج الكنز أو المعدن أو الانجبار من ضريبة أو اجرة حمال أو مكان أو كتابة أو برقية ونحو ذلك مما يتوقف عليه الاستنتاج والاسترباح، لان الخمس بعد المؤنة بل لا ربح إلا فيما عداها.

[ 279 ]

بل لا يتقيد ذلك بالسنة ايضا وان كان التقييد يظهر من بعض الكلمات فلو اشتغل باستخراج المعدن أو نسج السجاد سنين وبذل خلالها اموالا فان ذلك كله يستثنى من الربح بلا خلاف ولا اشكال، إذ التقييد بالسنة انما ثبت في مؤنة الشخص وعائلته لا في مؤنة الربح كما لا يخفى. هذا كله في تجارة واحدة. واما لو فرق رأس المال في نوعين أو انواع من التجارة كتجارة القماش وتجارة الطعام فربح في احدهما وخسر في الآخر، فهل يلتزم بالجبر حينئذ على الشرط المتقدم من تقدم الربح على الخسارة وإلا ففي صورة العكس الكلام هو الكلام، فانا إذا لم نلتزم بالجبر في نوع واحد ففي نوعين بطريق اولى؟؟ ربما يستشكل في ذلك بان كلا منهما موضوع مستقل فلا موجب للجبر بل نسب إلى الجواهر انه قوى ذلك. ولكن السيد الماتن احتاط فيه، واخيرا قوى الجبر وهو الصحيح. فان هم التاجر وغايته الوحيدة انما هو الاسترباح وتوفير المال ولا نظر له إلى خصوصيات الافراد التي فرق فيها رأس ماله، بل العبرة بملاحظة المجموع وان تشعبت فروعه وتشتتت. بل ان هذا هو الغالب في الكسبة العاديين من ارباب الحوانيت حيث يشتمل محل تجارتهم على انواع مختلفة وبضايع متفرقة من ماش وعدس وارز ولبن وصابون ونحوها مما قد يتجاوز عشرات المواد فان ذلك كله كسب واحد عرفا وان تشكل من اجناس عديدة قد تفرق فيها رأس المال في سبيل تحصيل الربح، فلو ربح في البعض وخسر

[ 280 ]

في البعض الآخر فمعناه انه لم يربح، لبقاء رأس ماله على حاله من اجل الخسارة الواردة عليه، فهو في آخر السنة يحاسب المجموع فيتحصل الانجبار بطبيعة الحال. ولو تنازلنا وفرضنا الشك في صدق الاستفادة في هذه السنة من اجل الشك في الجبر كان مقتضى الاصل البراءة عن وجوب الخمس للشك في تحقق موضوعه وهو الربح الباقي إلى نهاية السنة فمجرد الشك كاف في جريان نتيجة الجبر مع انا لا نكاد نشك ابدا، بل الظاهر بحسب الصدق العرفي عدم الفرق بين النوع الواحد والنوعين في تحقق الجبر بمناط واحد حسبما عرفت. انما الكلام فيما لو كان الشغل مختلفا كما لو كان تاجرا وزارعا فربح في احدهما وخسر في الآخر فهل يحكم بالجبر حينئذ؟ افتى قدس سره بالعدم نظرا إلى تعدد العنوان. ولكن للمناقشة فيه مجال، إذ العنوان وان تعدد الا ان شيئا متها لم يكن ملحوظا بالذات بل الكل مقدمة للاسترباح ولتحصيل المال، والاختلاف انما هو في سبل تحصيله، فهو في آخر السنة يلاحظ مجموع العائد من كسبه المنشعب إلى قسمين أو اقسام، فإذا ربح في البعض وخسر في الآخر يجري الكلام المتقدم حينئذ من انه لم يربح بمقدار خسارته ولا اقل من الشك في صدق الاستفادة وشمول الادلة له، ومقتضى الاصل البراءة من الوجوب ولكن الاحتياط في محله. والمتحصل من جميع ما مر ان الاظهر هو الجبر سواء أتعدد العنوان ام اتحد، وسواء أتعددت الانواع - في العنوان الواحد - ام اتحدت مع فرض تقدم الربح على الخسارة دون العكس حيث ان الربح المتعقب

[ 281 ]

[ (مسألة 75) الخمس بجميع اقسامه متعلق بالعين (1) ] بالخسارة كأنه لا ربح. ولمزيد التوضيح في وجهه نقول: انه يدل عليه مضافا إلى الاجماع والسيرة القطعية انك قد عرفت ان الخمس وان كان متعلقا بالمال من الاول كتابا وسنة لكن وجوبه مشروط بعدم الصرف في المؤنة بنحو الشرط المتأخر وعلى هذا بنينا جواز الابقاء احتياطا للمؤنة، بل لم نستبعد الجواز حتى مع القطع بالعدم كما تقدم. فيكشف الصرف عن عدم الوجوب من الاول لفقد شرطه، فله الابقاء إلى نهاية السنة فان صرفه فلا خمس وإلا خمسه. ومن ثم اوعزنا إلى ان الوجوب يثبت آخر السنة وان كان الحق متعلقا من الاول فلا يجب الاخراج اثناء السنة وان جاز له ذلك. هذا هو المستفاد من مجموع الاخبار: ولازم ذلك بحسب الفهم العرفي ان موضوع الوجوب هو الربح الباقي، ولا يكفي فيه مجرد الحدوث. وعليه فمع عروض الخسران لا ربح بقاء، إذ لا يصدق عرفا انه ربح في تجارته في هذه السنة، بل كان له ربح وقد زال وكان مرخصا في التأخير لاجل المؤنة حسبما عرفت فلا موضوع للخمس وكأنه لم يربح ولم يتجر. ومع التنزل فلا اقل من الشك إذ لا ندري ان موضوع الحكم هل هو الربح الحادث أو الباقي؟ فيرجع إلى اصالة البراءة عن الوجوب. (1): كما في الزكاة من غير خلاف فيه، وتقتضيه ظواهر الادلة من الكتاب والسنة حيث تضمنت اسناد الخمس إلى نفس العين بتعابير مختلفة من قوله: خمسه، أو فيه الخمس، أو الخمس عليه أو فيه ونحو ذلك مما يظهر منه التعلق بنفس الموضوعات والاعيان

[ 282 ]

[ ويتخير المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقدا أو جنسا (1). ] الخارجية دون الذمة. (1): فلا يجب الاخراج من نفس المال، بل يجوز من مال آخر. ولعل هذا هو المتسالم عليه بين الاصحاب وان لم يذكروا ذلك إلا في باب الزكاة، وكأنه لبنائهم على الاشتراك في هذه الاحكام إنما الكلام في دليله. اما جواز التصرف اثناء السنة في ماله والتبديل بمال آخر فلا اشكال فيه لعدم كون المالك محجوزا ومحجورا عليه قبل تمام السنة بمجرد ظهور الربح بعد وضوح كون الخمس مشروطا بعدم الصرف في المؤنة وهذا خارج عن محل الكلام. بل الكلام فيما بعد حلول الحول واستقرار الخمس وانه هل يجوز الاخراج عندئذ من مال آخر أو لا؟ لم يرد في المقام اي دليل يدل على الجواز حتى من النقود فضلا عن العروض. نعم يمكن الاستدلال بما تمسك به الفقهاء لذلك في باب الزكاة بدعوى شموله للمقام أيضا وهي صحيحة البرقي قال: كتبت إلى ابي جعفر الثاني عليه السلام: هل يجوز ان اخرج عما يجب في الحرث من الحنطة والشعير، وما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى ام لا يجوز؟ إلا ان يخرج عن كل شئ ما فيه؟ فأجاب عليه السلام: أيما تيسر يخرج (1).


(1) الوسائل باب 9 من أبواب زكاة الغلات الحديث: 1.

[ 283 ]

فان ما يجب في الحرث بعد التقييد بالحنطة والشعير وان كان ظاهرا في الزكاة، لكن ما يجب في الذهب مطلق يشمل الخمس ايضا، كما لو كان هبة أو اجرة أو ثمنا سيما في تلك الازمنة التي كان الذهب شايعا والمعاملة عليه رائجة. فهذه الصحيحة وان تمسك بها الاصحاب في باب الزكاة وذكرها صاحب الوسائل في ذاك الباب إلا انه يمكن التمسك باطلاقها وان العبرة بمطلق ما وجب في الذهب سواء أكان زكاة أم خمسا، وقد حكم عليه السلام بكفاية الاخراج بكل ما تيسر وان كان من خارج العين. ومع التنازل والغض عما ذكر فلا ينبغي التأمل في ان نظر السائل لم يكن مقصورا على خصوص الزكاة، فان هذا لو كان مذكورا في كلام الامام عليه السلام لامكن دعوى الاختصاص وان للزكاة خصوصية لا نعرفها، ولكنه مذكور في كلام السائل ولعل من المقطوع به عدم الفرق في نظره بين الخمس والزكاة كما لا يخفى. فالاستدلال بهذه الصحيحة للمقام وجيه وفي محله. الا ان الاشكال في التعدي إلى اموال اخر غير النقدين فان مثل الدرهم مما ينتفع به الفقير في حوائجه بل هو انفع حيث يصرفه فيما يشاء كما عبر به في النص. واما غيره وان كان بقيمته كدفع كتاب الجواهر لفقير يسكن البادية مثلا فلا يستفيد منه بوجه. وبالجملة فدفع القيمة بما كان من قبيل العروض مشكل جدا. فان تم اجماع - ولا يتم - وإلا فالتعدي في غاية الاشكال. نعم لا ريب في التعدي إلى سائر النقود وعدم الاختصاص بالدرهم وان تضمنه النص للقطع بعدم الخصوصية كما تقدم في زكاة الفطرة.

[ 284 ]

[ ولا يجوز له التصرف في العين قبل اداء الخمس (1) وان ضمنه في ذمته ولو اتلفه بعد استقراره ضمنه (2) ولو اتجر به قبل اخراج الخمس (3) كانت المعاملة فضولية بالنسبة إلى مقدار الخمس فان امضاه الحاكم الشرعي اخذ العوض والا ] (1): اي التصرف في تمام العين بعد استقرار الخمس ومضي الحول، اما تصرفا خارجيا كلبس العباءة مثلا، أو اعتباريا كبيعها واما التصرف في البعض فسيتعرض له في المسألة الاتية ان شاء الله تعالى. فمحل كلامه التصرف في مجموع العين قبل اداء الخمس. والوجه في عدم الجواز كون العين مشتركا فيها بينه وبين ارباب الخمس ولو كان بنحو الشركة في المالية، فلا يجوز التصرف من دون اذن من الشريك أو من وليه كالحاكم الشرعي، ولا دليل على جواز النقل إلى الذمة بان يضمن ويبنى على الاداء من مال آخر، إذ لم ينهض دليل على ولايته على ذلك بوجه. نعم لو أدى خارجا ملك العين اجمع، واما مجرد البناء على الاداء فلا اثر له. (2): - مراده قدس سره من الاتلاف مطلق الصرف ولو في المؤنة لا خصوص الاتلاف اسرافا كيف والضمان متحقق حينئذ حتى قبل الاستقرار اي في اثناء السنة لما عرفت من ان الخمس متعلق من الاول. غايته بشرط عدم الصرف في المؤنة، فلو اتلفه سرفا وفي غير المؤنة ضمن من غير فرق بين اثناء الحول وما بعده. فمراده من الصرف اعم، ولذا عبر بالاستقرار فلو اتلف يضمن لانه اتلف ما ليس له كما هو ظاهر. (3): - تعرض قدس سره لحكم الاتجار بالمال بعد استقرار الخمس

[ 285 ]

[ رجع بالعين بمقدار الخمس ان كانت موجودة وبقيمته ان كانت تالفة ويتخير في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو على الطرف المقابل الذي اخذها واتلفها هذا إذا كانت المعاملة بعين الربح واما إذا كانت في الذمة ودفعها عوضا فهي صحيحة ولكن لم تبرء ذمته بمقدار الخمس ويرجع الحاكم به ان كانت العين موجودة وبقيمته ان كانت تالفة مخيرا حينئذ بين الرجوع على المالك أو الآخذ ايضا. ] وقبل اخراجه. واما قبل الاستقرار فقد مر انه لا اشكال في جوازه لان الوجوب انما يستقر في آخر السنة، فقبله مخول له التصرف في المؤنة وغيرها والاتجار به على النحو المتقدم، اي التخميس آخر السنة لو لم يصرف في المؤنة. فالكلام فعلا في الاتجار بعد الاستقرار ووجوب الاداء. وحينئذ فقد يفرض الاتجار بثمن أو مثمن في الذمة وفي مقام الوفاء يؤدى من العين الذي استقر فيها الخمس عصيانا أو نسيانا. ففي مثله لا ينبغي الشك في صحة المعاملة. غايته ان في موارد عدم شمول ادلة التحليل يبقى الخمس في العين ولم يتحقق الاداء بمقداره فيسترجعه الحاكم الشرعي مع بقائه، وأما مع تلفه فيضمنه كل ممن انتقل عنه ومن انتقل إليه على ما هو الشأن في تعاقب الايدي، فللحاكم مراجعة كل منهما. غايته انه لو رجع إلى الثاني رجع هو إلى الاول ولا عكس. واخرى يفرض الاتجار بعين الربح وحينئذ فان قلنا بصحة المعاملة الصادرة ممن لم يؤد الخمس إذا باع لشيعي ملتزم بالخمس عملا بنصوص

[ 286 ]

[ (مسألة 76) يجوز له ان يتصرف في بعض الربح ما دام مقدار الخمس منه باقيا في يده مع قصد اخراجه من البقية إذ شركة ارباب الخمس مع المالك انما هي على وجه الكلي في المعين (1) ] التحليل - كما هو الصحيح - فلا اشكال فالنسبة إلى من انتقل إليه ولم يكن عليه اي شئ لان ولي الامر قد امضى هذه المعاملة، واما من انتقل عنه فبما انه اتلف الخمس فيكون ضامنا له ويرجع الحاكم الشرعي إليه خاصة. واما لو انكرنا شمول نصوص التحليل للمقام والحقناه بالزكاة كما هو المعروف، أو كان البيع لغير الشيعي فيجرى فيه ما ذكرناه هناك من فساد المعاملة في حصة الخمس لانه باع ما لا يملك خمسه، فلا جرم يتوقف على اجازة الحاكم الشرعي، فان أجاز رجع إلى خمس الثمن والا فمع بقاء العين يسترجعها بنفسها، ومع التلف يرجع إلى كل منهما كما في تعاقب الايدي، ومع رجوعه إلى الثاني يرجع هو إلى الاول ولا عكس كما عرفت. (1) لا يخفى ان القول بجواز التصرف في بعض الربح مبنى على احد امرين: الاول: ما اختاره في كيفية التعلق من كونه من قبيل الكلي في المعين، إذ عليه لا شركة في نفس الاشخاص، بل هي باقية على ملك المالك، فله التصرف في بعض الاطراف ما دام يبقى للكلي مقدار يقبل الانطباق عليه. ولكن المبنى غير تام، لعدم الدليل عليه، بل الدليل على خلافه

[ 287 ]

في المقام، كما ستعرف. الثاني: انه من قبيل الشركة في المالية، كما في الزكاة على ما تقدم تقريره في محله، وان الشركة في المالية تفارق الاشاعة في انها لا تستوجب المنع عن التصرف في البعض، إذ المالية كلي قابل للانطباق على ابعاض العين، فله التصرف فيما شاء منها. ويندفع: - اولا - بانه لا موقع لقياس الخمس على الزكاة، بعد ظهور الادلة الواردة فيه في الاشاعة، حسبما تعرفه في التعليق الآتي. وثانيا: بان الشركة في المالية أيضا مانعة عن التصرف، لعدم كون المالية المزبورة كلية، وانما هي سارية في جميع اجزاء العين، فكل جزء من الاجزاء مشترك بين المالك والمستحق، لكن لا بشخصيته بل بماليته، نظير شركة الزوجة مع الورثة في مالية البناء وان لم ترث من نفس الاعيان. ومن ثم لم يكن للوارث التصرف قبل اداء حق الزوجة لسريان المالية المشتركة في تمام الاجزاء بالاسر كما عرفت. وبالجملة فالشركة في المالية لا تستوجب جواز التصرف بل هي أيضا مانعة، كما في ارث الزوجة. نعم نلتزم بجواز ذلك في باب الزكاة استنادا إلى ما ورد فيها من نصوص العزل وجواز الافراز وان للمالك الولاية على تعيين الزكاة في بعض العين، وإذا صح تعيين تمام الزكاة صح تعيين بعضها أيضا جزما كما لو اراد عزل نصف الزكاة أو ربعها مثلا لعدم انحصار العزل في عزل مجموع ما عليه من الزكاة بالضرورة.

[ 288 ]

[ كما ان الامر في الزكاة ايضا كذلك وقد مر في بابها (1) ] وبما ان لازم العزل تعيين حصة المالك في الباقي فنصوص العزل تدلنا بالملازمة العرفية على ولاية المالك على تعيين حصته الشخصية من العين بتمامها وافرازها عن العين المشتركة، وبالطريق الاولى له تعيين بعض الحصة. فبهذا البيان يمكن الالتزام بجواز تصرف المالك في بعض العين لان تصرفه في البعض مرجعه إلى تعيين حصته كلا أو بعضا وان هذا له والزكاة في الباقي، فنستفيد من دليل جواز العزل جواز تعيين المالك مقدارا من المال لنفسه بحيث لا يشترك الفقير معه فيه. فإذا جواز التصرف في المال الزكوي في بعض النصاب مستفاد من هذا الدليل. وأما في باب الخميس فلم يرد مثل هذا الدليل، إذ لم يدل على جواز العزل فيه بحيث لو تلف المعزول لم يضمن، ومعلوم ان احكام الزكاة لا تجري باجمعها في الخمس. وعليه فمقتضى القاعدة عدم جواز التصرف في باب الخمس لان التصرف في المال المشترك بدون اذن الشريك يحتاج إلى الدليل ولا دليل حسبما عرفت. (1): - تقدم في كتاب الزكاة ان النصوص الواردة في العين الزكوية على طوائف. فمنها ما هو ظاهر في ان التعلق بنحو الفرد المردد مثل قوله عليه السلام: في كل اربعين شاة شاة حيث ان ظ؟ هرها ان فردا مرددا بين الاربعين متعلق للزكاة وهو المعبر عنه بالكلي في المعين. ومنها ما هو ظاهر في الاشاعة مثل قوله عليه السلام: فيما سقته

[ 289 ]

السماء العشر، فان التعبير بالكسر المشاع ظاهر في الشركة الحقيقية. ومنها ما هو صريح في الشركة في المالية مثل قوله عليه السلام: في كل خمس من الابل شاة ضرورة عدم كون الشاة من افراد الابل فلا معنى للكلي في المعين، ولا الاشاعة فطبعا يكون كالصريح في ارادة الشركة في المالية. ونحوه ما ورد في نصاب البقر من انه في كل ثلاثين تبيعة، وفي كل اربعين مسنة، إذ قد لا يكون شئ من الثلاثين مشتملا على التبيعة ولا الاربعين على المسنة. نعم لو كان المراد ثبوت الشاة في الذمة، ودفعها من خارج العين الزكوية أمكن حينئذ ان يكون التعلق بوجه آخر، لكنه خلاف ما تنادى به الاخبار من التعلق بنفس الاعيان وحيث ان الشاة لا تكون في الابل، فلا جرم كان المعنى انها ثابتة في ماليتها. ويعضده ما ورد في بعض الاخبار، من ان الله اشرك الفقراء في اموال الاغنياء، فانه حيث لا شركة حقيقية في نفس العين حسبما عرفت فلا مناص من ارادة الشركة في المالية. هذا وبما ان من المقطوع به ان كيفية التعلق في جميع الاجناس الزكوية على نمط واحد وسنخ فارد لعدم احتمال الاختلاف باختلاف الاجناس كما يفصح عنه التعبير عن الكل بعنوان واحد - وهو الصدقة - في قوله تعالى: انما الصدقات للفقراء. الخ وكذا ما ورد عنه صلى الله عليه وآله من فرض الزكاة في تسعة اشياء، الظاهر في ان الجميع على نسق واحد. فلا مناص حينئذ من رفع اليد عن ظاهر بعض النصوص بصراحة الآخر فيحمل على ارادة الشركة في المالية في الجميع لما عرفت من صراحة البعض فيه بحيث لا يقبل التأويل. أما غيره فلا يعدو عن

[ 290 ]

الظهور القابل لرفع اليد عنه والحمل على ما عرفت جمعا بين الاخبار. ومن ثم التزمنا هناك بان التعلق انما هو على سبيل الشركة في المالية كما تقدم. واما في باب الخمس فالادلة بين ما هو ظاهر في الاشاعة والشركة الحقيقية وبين ما لا ينافي ذلك فمثل قوله تعالى: (فان لله خمسه) ظاهر في ان المتعلق هو خمس المغنم نفسه على نحو يكون الخمس المشاع للمستحق والاربعة اخماس الباقية للمالك نظير قولك بعت أو وهبت خمس الدار الذي هو ظاهر في الكسر المشاع بلا اشكال. وهكذا قوله عليه السلام في موثقة سماعة: ما افاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس، فان الكسر المشاع جزء من المركب المشتمل عليه. وبهذه العناية صحت الظرفية، إذ الكل مشتمل على الجزء نظير قولك: الرأس في الجسد أو اليد في البدن. واما ما ورد من ان الخمس على خمسة اشياء أو من خمسة اشياء (1) فمفاده ان الخمس ثابت على هذه الامور، أو يخرج من هذه الامور واما ان كيفية النعلق بتلك الامور باي نحو فلا دلالة لهذه الاخبار عليها بوجه، بل هي ساكتة عن هذه الناحية. فغايته انها لا تدل على الاشاعة لا انها تدل على خلافها. إذا فلا مانع من الاخذ بما عرفت مما كان ظاهرا في الاشاعة لسلامته عن المعارض. وبذلك يمتاز المقام عن باب الزكاة. ودعوى ان الخمس قد شرع لبني هاشم بدلا عن الزكاة أو عوضا عنها كما نطقت به النصوص، ومقتضى عموم البدلية المساواة في جميع


(1) الوسائل باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

[ 291 ]

[ (مسألة 77) إذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها فلا مانع من التصرف فيه بالاتجار (1) وان حصل منه ربح لا يكون ما يقابل خمس الربح الاول منه لارباب الخمس بخلاف ما إذا اتجر به بعد تمام الحول فانه ان حصل ربح كان ما يقابل الخمس من الربح لاربابه مضافا إلى اصل الخمس فيخرجهما اولا ثم يخرج خمس بقيته ان زادت على مؤنة السنة. ] الاحكام التي منها كيفية التعلق، فتكون هنا ايضا على سبيل الشركة في المالية كما في الزكاة. مدفوعة بان البدلية ناظرة إلى نفس الحق اجلالا لهم عن اوساخ ما في ايدي الناس - كما في النص - ولا نظر فيها إلى الاحكام المترتبة عليه بوجه. هذا اولا: وثانيا لو سلمنا تعلق النظر إلى الاحكام فانما يسلم في المقدار الذي لم يثبت خلافه، فان موارد الاختلاف بينهما في الاثار والاحكام غير عزيزة كما لا يخفى. فليكن المقام من هذا القبيل بعد مساعدة الدليل حسبما عرفت. وعليه فالقول بان كيفية التعلق في باب الخمس انما هي على سبيل الاشاعة والشركة الحقيقية غير بعيد بالنظر إلى الاخبار على خلاف باب الزكاة. (1): - تقدم ان الخمس وان كان متعلقا من الاول الا ان وجوبه مشروط بعد الصرف في المؤنة فيجوز التأخير في الاخراج إلى نهاية السنة، كما يجوز التصرف خلالها في الربح كيفما شاء بالتبديل إلى عين اخرى والاتجار به لعدم كونه محجورا عن التصرف بالضرورة.

[ 292 ]

إنما الكلام فيما لو تاجر وربح ثانيا وثالثا وهكذا قبل انتهاء السنة بحيث حصل من الربح ربح آخر فهل المقدار المقابل لخمس الربح الاول - من الربح الثاني - يختص بارباب الخمس، أو ان الربح كله للمالك ولا يجب عليه الا تخميس المجموع؟ مال في الجواهر إلى الاول وجعله في تجاه العباد احوط ان لم يكن اقوى نظرا لتبعية النماء للاصل. ولتوضيح موضوع المسألة نذكر المثال الذي ذكره في الجواهر: وهو انه لو ربح اولا ستمائة وكانت مؤنته إلى نهاية السنة فاخرجها واتجر بالباقي وهو خمسمائة فربح بها خمسمائة اخرى بحيث كان كل جزء من الربح الثاني ربحا لما يعادله من الربح الاول فتمام الخمس حينئذ مائتان وثمانون، مائة من الربح الاول، ومائة اخرى من الربح الثاني، من اجل كونها نماء وربحا لخمس الربح الاول كما عرفت، حيث ان رأس المال في التجارة الثانية مشترك بينه وبين ارباب الخمس، فلا جرم كان ما بازاء سهمهم من الربح لهم كنفس الاصل، فهو كما لو اتجر بمال مشترك بينه وبين زيد في كون الربح مشتركا بينهما. وعليه فيكون الباقي من الربح الثاني اربعمائة، وخمسة وثمانون، فيكون المجموع مائتين وثمانين. واما على القول الآخر فالخمس تمام المأتين خمس الالف الذي هو مجموع الربحين. ولكن الذي ذكره قدس سره لا يمكن المساعدة عليه بوجه كما نص عليه شيخنا الانصاري قدس سره ومن تبعه، لكونه على خلاف

[ 293 ]

[ (مسألة 78) ليس للمالك ان ينقل الخمس إلى ذمته ثم التصرف فيه كما اشرنا إليه (1) نعم يجوز له ذلك بالمصالحة مع الحاكم وحينئذ فيجوز له التصرف فيه ولا حصة له من الربح ] السيرة القطعية اولا، فان عمل المتشرعة قد استقر على ملاحظة مجموع الارباح آخر السنة بالضرورة. وعلى خلاف ظواهر النصوص ثانيا مثل قوله عليه السلام في صحيحة ابن مهزيار: الخمس بعد مؤونته ومؤنة عائلته، فان المؤنة - كما مر - هي نفس ما يصرف خارجا لا مقدارها، فدلت على ان الخمس انما يجب في الربح بعد استثناء ما صرفه في مؤنة سنته من مجموع الارباح لا من بعضها ليجب دفع تمام البعض الآخر خمسا باعتبار كونه ربح الربح. واوضح من ذلك صحيحته الاخرى قال عليه السلام فيها: " إذا امكنهم بعد مؤنتهم " فان قوله: امكنهم، اي تبقى لهم بعد مؤنتهم فيلاحظ في مقام التخريج الباقي مما صرفه خارجا في مؤنة السنة فيتحد مفادها مع رواية ابن شجاع النيسابوري - وان ضعف سندها - المصرحة بان الخمس مما يفضل من مؤنته، فالعبرة بفاضل المؤنة اي ما يبقى بعد تمام الارباح في نهاية السنة. وبالجملة فلا ينبغي التأمل في ان الارباح المتتالية خلال السنة تلاحظ باجمعها عند انتهاء السنة ربحا واحدا ولا وجه لملاحظة كل ربح بانفراده. نعم يتجه ذلك في الاتجار بالربح غير المخمس بعد انتهاء الحول لاستقرار الخمس حينئذ في العين فتكون كما لو اتجر بالمال المشترك حيث لا مناص من توزيع الربح وقتئذ بنسبة الاشتراك في العين كما هو ظاهر. (1): لما تقدم من عدم الولاية له على ذلك إلا بالمصالحة مع

[ 294 ]

[ إذا اتجر به ولو فرض تجدد مؤن له في اثناء الحول على وجه لا يقوم بها الربح انكشف فساد الصلح. ] الحاكم إذا رأى فيه مصلحة. ولكنه قدس سره استدرك ذلك بانه لو تجددت مؤن اثناء الحول كشف عن فساد الصلح لعدم اشتماله حينئذ على المعوض لانه هو الخمس الواقعي الثابت في هذا المال والمفروض انتفاؤه وعدم اشتغال الذمة به. اقول: - لم يتضح المراد من هذا الكلام، ونظن انه سهو من قلمه الشريف. لان محل البحث ان كان هو التصرف اثناء الحول فقد مر انه لا مانع منه من غير حاجة إلى النقل إلى الذمة، إذ لا خمس إلا بعد المؤنة وله التأخير إلى نهاية السنة، والتصرف كيفما شاء من غير توقف على المصالحة مع الحاكم الشرعي، وقد صرح قدس سره في المسألة السابقة بالجواز في هذا الفرض. وان كان بعد تمام الحول واستقرار الخمس فالمنع عن التصرف وان كان في محله حينئذ لتحقق الشركة فلا يجوز إلا مع المصالحة المزبورة في فرض وجود المصلحة كما عرفت، إلا انه لا معنى حينئذ لما ذكره قدس سره من فرض تجدد مؤن اثناء الحول، إذ المفروض انقضاء الحول وانتهاؤه فاي معنى بعد ذلك للتجدد في الاثناء. واما حمل العبارة على الكشف ومقام الاثبات بان يتضح له بعد الحول وجود مؤن اثناء الحول لم يكن يعلم بها فهو خلاف ظاهرها جدا، فانها صريحة في تجدد المؤنة لا الكشف عن مؤنة سابقة على المصالحة كما لا يخفى.

[ 295 ]

[ (مسألة 79) يجوز له تعجيل اخراج خمس الربح إذا حصل في اثناء السنة ولا يجب التأخير إلى آخرها فان التاخير من باب الارفاق كما مر وحينئذ فلو اخرجه بعد تقدير المؤنة بما يظنه فبان بعد ذلك عدم كفاية الربح لتجدد مؤن لم يكن يظنها (1) كشف ذلك عن عدم صحته خمسا فله الرجوع به على المستحق مع بقاء عينه لا مع تلفها في يده إلا إذا كان عالما بالحال فان الظاهر ضمانه حينئذ. ] (1): - كما لو انهدمت داره فاحتاجت إلى التعمير، أو مرض فاحتاج إلى العلاج، أو اضطر إلى الزواج ونحو ذلك من المؤن التي لم تكن بالحسبان فهل له الرجوع حينئذ إلى المستحق؟ فصل قدس سره بين بقاء العين فيرجع نظرا إلى كشف التجدد المزبور عن عدم التعلق من الاول إذ لا خمس إلا بعد المؤنة، وبين تلفها مع جهل الآخذ فلا يرجع إليه لكونه مغرورا بعد التسليط المطلق الصادر من المالك. نعم يضمن مع علمه بالحال، إذ قد اخذه بغير استحقاق كما هو ظاهر. هذا. ولكن صاحب الجواهر والشيخ الانصاري قويا عدم الرجوع مطلقا فلا تسوغ المطالبة حتى مع بقاء العين فضلا عن التلف. وكانهما بنيا ذلك على ان المستحق يملك الخمس بمجرد ظهور الربح والتأخير ارفاق في حق المالك رعاية للصرف في المؤنة المحتملة، فإذا أسقط حقه وعجل في الدفع فقد دفع المال إلى مالكه المستحق فكيف يسترجعه بعد ذلك. أو على ان ظن المؤنة وتخمينها قد اخذ موضوعا لوجوب الخمس

[ 296 ]

- لا طريقا - كما عبر به شيخنا الانصاري قدس سره، ولعله يرجع إلى المعنى الاول: ومحصله ان الخمس ملك للمستحق من الاول، وقد اجاز ولي الامر صرف ملك الغير في المؤنة ارفاقا، فلو لم يصرفه واعطاه للمالك وقبضه فبأي موجب يؤخذ منه بعدئذ حتى مع البقاء فضلا عن التلف. أقول: - ما ذكراه (قدهما) هو الاصح بناء على ما عرفت (1) من تعلق الخمس من الاول على سبيل الاطلاق، وان جاز التأخير من باب الارفاق. إذ معه لا مقتضى لما ذكره (قده) من الكشف عن عدم الصحة خمسا، فان الاخراج المزبور صادر من اهله في محله، غاية الامر ان البدار إليه لم يكن واجبا عليه، بل كان مرخصا في التصرف فيه - من باب التصرف في ملك الغير باجازة الولي - ولكنه إذا بادر واداه إلى ارباب الخمس باختياره فقد اوصل الحق إلى مستحقه. وعليه فلا يسوغ له الاسترداد حتى مع بقاء العين، فضلا عن تلفها. نعم: لو تنازلنا عن ذلك. وبنينا على ان التعلق وان كان من الاول، ولكنه مشروط بعدم الصرف في المؤنة، بنحو الشرط المتأخر بحيث يكشف الصرف اللاحق عن عدم التعلق من الاول، ويكون من صرف ملكه في مؤنته، لا من صرف الخمس باجازة الولي، فلا محيص حينئذ من التفصيل. وملخصه ان المؤنة المتجددة بعد اخراج الخمس خلال السنة قد لا يصرف في سبيلها اي شئ، اما لعدم المال أو لامر آخر، كما لو احتاج إلى الزواج أو العلاج ولكنه لم يتصد لذلك إلى نهاية السنة


(1) كما تقدم في مسألة 72.

[ 297 ]

[ (مسألة 80) إذا اشترى بالربح قبل اخراج الخمس جارية لا يجوز له وطؤها (1) كما انه لو اشترى به ثوبا لا تجوز الصلاة فيه ولو اشترى به ماء للغسل أو الوضوء لم يصح وهكذا. ] والصحيح حينئذ ما ذكره الشيخ وصاحب الجواهر من عدم جواز الاسترجاع حتى مع بقاء العين. ووجهه ظاهر ضرورة ان وجوب الخمس كان مشروطا بعدم الصرف في المؤنة لا بعدم الحاجة. والمفروض تحقق الشرط لفرض عدم الصرف الخارجي الذي هو المعدم للموضوع ليس الا. ولاجله ذكرنا انه لو قتر على نفسه فلم يصرف وجب عليه الخمس. وبالجملة عدم الصرف يكشف عن فعلية الوجوب وقد ادى الخمس إلى اربابه فليس له استرداده بوجه. واخرى يصرف اما من رأس المال أو من مال آخر ولو كان دينا. والظاهر ان هذا يكشف عن عدم تعلق الخمس من الاول، إذ هو بعد المؤنة ومن المعلوم ان المؤنة المستثناة ليست خصوص المصروف من شخص الربح لعدم تحققه إلا نادرا، والغالب المتعارف في التجار وغيرهم هو الصرف من مال آخر معادل له بدلا عنه مما خمسه أو ورثه ونحو ذلك. وعليه فلو صرف بمقدار الخمس أو اكثر كشف أو أكثر كشف عن عدم ربح فاضل على المؤنة فلا موضوع للخمس، فله استرداد العين مع بقائها كما ان الآخذ يضمن مع علمه بالحال دون الجهل كما هو ظاهر. (1): - هذا وجيه في الشراء الشخصي بان اشترى بعين ما فيه الخمس، واما الشراء بما في الذمة والاداء مما لم يخمس فلا ينبغي

[ 298 ]

[ نعم لو بقى منه بمقدار الخمس في يده وكا قاصدا لاخراجه منه جاز وصح (1) كما مر نظيره. ] الاشكال في صحة المعاملة والتصرف في تمام ما اشترى لكونه ملكا طلقا له وان كان مشغول الذمة وضامنا للخمس. فمحل الكلام وقوع المعاملة - عوضا أو معوضا - على العين الشخصية لا على الكلي والاداء من هذه العين، ولا ينبغي التأمل حينئذ في عدم جواز التصرف كما ذكره في المتن سواء أقلنا بشمول ادلة التحليل للمقام وامضاء المعاملة من قبل ولي الامر عليه السلام ام لا. اما على الاول فلان المعاملة وان صحت الا ان الخمس ينتقل حينئذ إلى العوض، فتكون الجارية المشتراة بما فيه الخمس بنفسها متعلقة للخمس فتتحقق الشركة فيها كالاصل. ومن المعلوم عدم جواز التصرف في المال المشترك بدون اجازة الشريك. واما على الثاني فلبطلان المعاملة بعد عدم الولاية على تبديل الخمس بغيره، فيبقى ما يعادل حصة الخمس على ملك مالكه المانع عن جواز التصرف فيه ما لم يؤد الخمس. (1): بناء منه - كما تقدم - على ان التعلق على سبيل الكلي في المعين، إذ عليه تكون الشركة في الكلي، اما الاشخاص فهي ملك له فيجوز له التصرف إلى ان يبقى بمقدار الخمس لثبوت الولاية للمالك على العين كما في ساير موارد الكلي في المعين، فلو باع صاعا من الصبرة جاز له التصرف في عين ماله إلى ان يبقى مقدار الصاع ولا يتوقف ذلك على البناء والقصد، بل يجوز التصرف في غير قصد الاخراج من الباقي كما هو الحال في ساير الموارد. فالتقييد بقصد

[ 299 ]

[ (مسألة 81) قد مر ان مصارف الحج الواجب إذا استطاع في عام الربح وتمكن من المسير من مؤنة تلك السنة وكذا مصارف الحج المندوب والزيارات والظاهر ان المدار على وقت انشاء السفر فان كان انشاؤه في عام الربح فمصارفه من مؤنته (1) ذهابا وايابا وان تم الحول في اثناء السفر فلا يجب اخراج خمس ما صرفه في العام الآخر الا في الاياب أو مع المقصد وبعض الذهاب. ] الاخراج كما في المتن في غير محله. (1): - ما افاده قدس سره لا يستقيم على اطلاقه، فان مصروفات الحج على اقسام: منها ما يعد من مؤنة هذه السنة وان كان من شأنه البقاء إلى السنة الآتية كشراء المركوب من دابة أو سيارة ونحوهما للسفر إلى الحج، فحالها حال شراء الدار أو الفراش، أو الالبسة أو التزويج ونحو ذلك مما يحتاج إليه فعلا - وان بقي بعد الحول ايضا - حيث يستثنى عن ارباح هذه السنة تحت عنوان المؤنة بلا كلام ولا اشكال. ومنها ما لا بد من صرفه من الآن ولا يمكن الحج بدونه وان وقع مقدار منه بازاء الاياب كالاموال التي تأخذها الحكومات أو الشركات بالعناوين المختلفة التي منها اجور الطائرة ذهابا وايابا بحيث لا مناص من الاعطاء، ولا يمكن الاسترجاع، فان هذه المصارف تعد ايضا من مؤنة سنة الربح بطبيعة الحال وان تم الحول اثناء السفر كما هو ظاهر. ومنها المصارف التدريجية التي تدفع شيئا فشيئا كالمأكولات والمشروبات واجور المساكن في المقصد أو الاياب كما لو احتاج في

[ 300 ]

[ (مسألة 82) لو جعل الغوص أو المعدن مكسبا له كفاه اخراج خمسهما اولا ولا يجب عليه خمس آخر من باب ربح المكسب بعد اخراج مؤنة سنته (1). ] رجوعه إلى التوقف في الكويت أو البصرة يوما أو اياما فدفع اموالا لمسكنه ومصرفه وقد تم الحول في الاثناء فان احتساب هذه المصارف من مؤنة السنة الماضية مع انها من مصارف هذه السنة يحتاج إلى الدليل ولم يقم عليه اي دليل. (1): - خلافا لجماعة حيث ذهبوا إلى تعدد الخمس نظرا إلى تعدد العنوان. غايته ان الخمس بعنوان الكسب مشروط بعدم الصرف في المؤنة، واما بعنوان المعدن مثلا فلا يستثنى منه إلا مؤنة الاخراج والتحصيل. ولكن ما ذكروه لا يمكن المساعدة عليه بوجه. اما اولا فلان عنوان الكسب لم يذكر في شئ من الاخبار، وان تداول التعبير بارباح المكاسب في كلمات جماعة من الفقهاء، بل الوارد في الادلة عنوان الفائدة - ما افاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس - أو الغنيمة بناء على شمول الآية للمقام. فالموضوع مطلق الفائدة والغوص أو المعدن من احد مصاديقها، بحيث لو لم يرد فيهما دليل بالخصوص لقلنا فيهما ايضا بوجوب الخمس من اجل كونهما من احد مصاديق الفائدة كما عرفت. غايته ان الادلة الخاصة دلتنا على ان الوجوب فيهما فوري كما هو مقتضى الاطلاق ايضا في مثل قوله عليه السلام: ما افاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس وان خرجنا عنه بالادلة الخارجية وقيدنا الوجوب بعدم الصرف في

[ 301 ]

مؤنة السنة بنحو الشرط المتأخر. وبالجملة لا يجب الخمس في هذه الموارد بأجمعها إلا بعنوان واحد وان اختلفت في الاحكام من حيث استثناء المؤنة وعدمها، فلا تكرر في العنوان ليحتاج إلى التعدد. وثانيا لا يمكن الالتزام بوجوب خمسين حتى لو سلمنا تعدد العنوانين - عنوان الكسب وعنوان الغوص مثلا - فان النسبة بينهما وان كانت عموما من وجه لجواز عدم الاكتساب بالغوص، كجواز كون الكسب من غير الغوص إلا ان الالتزام بالخمسين انما يتجه لو بنينا على مقالة ابن ادريس من تعلق خمس الربح آخر السنة فيلتزم حينئذ بوجوب خمس عند ما غاص وبوجوب خمس آخر في نهاية السنة. لكن المبنى ساقط والصحيح - كما مر - تعلق الخمس من لدن ظهور الربح غايته ان وجوبه مشروط بنحو الشرط المتأخر بعدم الصرف في مؤنة السنة. وعليه فمرجع الالتزام بالتعدد انه حينما غاص وجب عليه خمسان: احدهما بعنوان الغوص وهو مطلق، والآخر بعنوان الكسب وهو مشروط بعدم الصرف في المؤنة. وهذا كما ترى مناف لظاهر النصوص الواردة في الغوص والمعدن ونحوهما حيث ان ظاهرها ان ما يستخرج بالغوص يملكه المستخرج بتمامه بعد التخميس بحيث تكون الاربعة اخماس الباقية بتمامها له بل قد صرح بذلك في بعض هذه النصوص. فلو كان عليه خمس آخر فمعناه ان ثلاثة اخماس العين له لا اربعة اخماسها وهو خلاف ظواهر الادلة كما عرفت.

[ 302 ]

على ان لازم هذا البيان ان من يقول بتعلق الخمس بمطلق الفائدة - كما هو الحق - يلزمه الاذعان بالخمسين حتى إذا لم يكن الغوص - مثلا - مكسبا له كما لو غاص ومن باب الاتفاق اخرج اللؤلؤة وهذا مقطوع البطلان كما لا يخفى. فإذا لم يكن متعددا في غير موارد الكسب لا يكون كذلك في موارد الكسب أيضا لما عرفت من ان الكسب لا خصوصية له، بل هو لاجل صدق الفائدة. والحاصل انا لو قلنا بالتعدد في الكسب لا بد من القول به في غير الكسب أيضا وهو مقطوع البطلان. إذا فليس في البين إلا خمس واحد. وملخص الكلام في المقام انا لو قلنا بان الخمس في ارباح المكاسب لم يكن لخصوصية فيها وانما هو من باب مطلق الفائدة، فلا فرق إذا فيمن يستخرج المعدن مثلا بين ان يتخذه مكسبا ومتجرا له وبين عدمه. فكما لا خمس في فرض عدم الكسب إلا مرة واحدة بلا خلاف ولا اشكال، فكذا في فرض الكسب بمناط واحد. واما لو قلنا بخصوصية في الكسب فبين العنوانين وان كان عموم من وجه، ولكن من الظاهر ان الغالب الشائع فيمن يستخرج المعدن أو الغوص اتخاذه مكسبا له. وعليه فالقدر المتيقن من نصوص تخميس المعدن مثلا وان الباقي له هو المتعارف من استخراج المعدن، اعني ما يكون مكسبا له كما عرفت فلو كان ثمة خمس آخر لما كان تمام الباقي له وانما له ثلاثة اخماس لتعلق خمسين من الاول احدهما مطلق، والآخر مشروط، مع ان ظاهر تلك الاخبار أنه ليس عليه إلا خمس واحد وتمام الاربعة اخماس الباقية كلها للمالك.

[ 303 ]

[ (مسألة 83) المرأة التي تكتسب في بيت زوجها ويتحمل زوجها مؤنتها يجب عليها خمس ما حصل لها من غير اعتبار اخراج المؤنة إذ هي على زوجها (1) إلا ان لا يتحمل. (مسألة 84) الظاهر عدم اشتراط التكلف والحرية في الكنز والغوص والمعدن والحلال المختلط بالحرام والارض التي يشتريها الذمي من المسلم فيتعلق بها الخمس ويجب على الولي والسيد اخراجه (2) وفي تعلقه بارباح مكاسب الطفل اشكال والاحوط اخراجه بعد بلوغه. ] فما ذكره في المتن من وحدة الخمس هو الصحيح المطابق لظواهر النصوص حسبما عرفت. (1): فمع قيامه بها لا موضوع للمؤنة لكي تستثنى، وقد تقدم غير مرة ان العبرة بالمؤنة الفعلية وما يصرف خارجا لا مقدارها، ولذا يجب الخمس في موارد التقتير. نعم لو امتنع زوجها عن البذل وصرفت ربحها في المؤنة لم يجب الخمس بمقتضى استثناء المؤنة. وبالجملة لا خصوصية للزوجة، بل كل مكلف متى حصل له الربح فان صرفه في المؤنة فلا خمس والا ففيه الخمس. (2): ذكر جماعة من الفقهاء في خصوص الثلاثة: اعني الكنز والغوص والمعدن عدم الفرق بين المكلف وغيره والحر والعبد. وممن صرح بذلك المحقق في الشرايع، فان صدر كلامه قدس سره وان كان في الكنز ولكنه ذكر بعد ذلك قوله: " وكذلك المعدن والغوص " فهو كغيره من المصرحين بالخمس في هذه الثلاثة ولم يكن مقتصرا على الكنز.

[ 304 ]

وربما يستشعر أو يستظهر من اقتصارهم على هذه الثلاثة اعتبار التكليف والحرية فيما عداها كالارض المشتراة من الذمي أو المال المختلط بالحرام أو أرباح المكاسب ولكن الشيخ قدس سره استظهر ان الحكم عام لجميع الاقسام، ولعله كذلك ولا سيما بملاحظة بعض الروايات الدالة على ثبوت الخمس في جميع هذه الموارد بعنوان الغنيمة. وكيفما كان فالظاهر ان المشهور هو ثبوت الخمس مطلقا، اما في هذه الثلاثة فقط أو في الجميع. ولكنه غير ظاهر لما اسلفناه في بعض المباحث السابقة من ان المستفاد مما دل على رفع القلم عن الصبي والمجنون استثناؤهما عن دفتر التشريع وعدم وضع القلم عليهما بتاتا كالبهائم فلا ذكر لهما في القانون، ولم يجر عليهما شئ. ومقتضى ذلك عدم الفرق بين قلم التكليف والوضع، فترتفع عنهما الاحكام برمتها بمناط واحد. وهو الحكومة على الادلة الاولية. اللهم إلا إذا كان هذا الرفع منافيا للامتنان بالاضافة إلى الآخرين كما في موارد الضمانات، أو ورد فيه نص خاص كموارد التعزيرات الموكول تحديدها إلى نظر الحاكم. اما فيما عدا ذلك فلم نعرف اي وجه لاختصاص رفع القلم بالتكليف بعد اطلاق الدليل، بل يعم الوضع ايضا. وعليه فلا خمس في مال الصبي أو المجنون، كما لا زكاة فان النص الخاص وان لم يرد في المقام كما ورد في باب الزكاة إلا انه يكفينا حديث رفع القلم بعد ما عرفت من شموله للوضع كالتكليف، فلو كان هناك عموم أو اطلاق يشمل مال الصبي لم يكن بد من الخروج

[ 305 ]

عنه بمقتضى هذا الحديث. وهذا هو الصحيح كما قواه في المدارك وان كان المشهور هو الوجوب. ولا فرق فيما ذكر بين الثلاثة المتقدمة وبين غيرها كارباح المكاسب لوحدة المناط. نعم يجب الخمس بالنسبة إلى المال المختلط بالحرام لان مقدارا من المال حينئذ لم يكن للصبي، والتخميس طريق إلى التطهير، فليس هذا حكما ثابتا عليه ليرتفع بالحديث، بل ثابت له وبصالحه، فلا يجوز للولي التصرف في ماله قبل التخميس الذي هو في مثل المقام منة على العباد وتخليص للحلال عن الحرام، وليس من الايقاع في المشقة ليرتفع عن الصبي. وأما المملوك فلا ينبغي الشك في شمول اطلاقات الخمس لما يستفيده ويقع في يده بعد صدق الغنيمة سواءا أقلنا بانه ملك له ام لسيده. وما ورد في الروايات من ان المملوك ليس في ماله شئ، فكلها ناظرة إلى الزكاة، كما تقدم في محله.

[ 306 ]

[ فصل في قسمة الخمس ومستحقه (مسألة 1) يقسم الخمس ستة أسهم على الاصح (1) سهم لله سبحانه وسهم للنبي صلى الله عليه وآله ] (1): كما هو المعروف والمشهور وتدل عليه طائفة من الروايات قد ادعي انها متواترة اجمالا بحيث يقطع أو يطمأن بصدور بعضها عن المعصوم عليه السلام وان كانت باجمعها غير نقية السند. فان تمت هذه الدعوى فهي، وإلا فتكفينا الآية المباركة المصرحة بالاسهم الستة، وهذا بناء على تفسير الغنيمة بمطلق الفائدة واضح، وكذا بناء على الاختصاص بغنائم دار الحرب فان الدليل المتكفل لثبوت الخمس في ساير الموارد من الغوص والكنز والمعدن ونحوها مع عدم التعرض لبيان المصرف يظهر منه بوضوح ان المراد به هو الخمس المعهود المقرر في الشريعة المقدسة المشار إليه وإلى مصرفه في الآية المباركة كما هو ظاهر جدا. ومع ذلك قد نسب الخلاف إلى ابن الجنيد فذهب إلى ان السهام خمسة بحذف سهم الله تعالى، وربما يظهر الميل إليه من صاحب المدارك استنادا - بعدما يرتأيه من ضعف النصوص المتقدمة - إلى صحيح ربعي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 307 ]

[ وسهم للامام عجل الله تعالى فرجه (1) ] إذا اتاه المغنم اخذ صفوه وكان ذلك له ثم يقسم ما بقي خمسة اخماس فيأخذ خمسه، ثم يقسم اربعة اخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم يقسم الخمس الذي اخذه خمسة اخماس يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه، ثم يقسم الاربعة اخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وابناء السبيل يعطى كل واحد منهم حقا، وكذلك الامام اخذ كما اخذ الرسول صلى الله عليه وآله (1). ولكن لا يمكن الاستدلال بها لما نسب إلى ابن الجنيد، ولا التوقف من اجلها كما نسب إلى المدارك. اما اولا فلانها لو دلت على الحذف فانما تدل على حذف سهم رسول الله صلى الله عليه وآله واسقاطه لا اسقاط سهم الله تعالى كما هو المدعى، ولم يقل بذلك احد حتى ابن الجنيد. وثانيا لا دلالة لها على ذلك أيضا، بل اقصاها ان ذلك عمل قد صدر من رسول الله صلى الله عليه وآله وله ان يفعل في حصته ما يشاء وقد اعرض عنها وبذلها لساير الاصناف، لا انه لم تكن له حصة. وأما قوله في ذيل الرواية: وكذلك الامام. الخ فيراد به التشبيه في الاخذ كما صرح به لا التشبيه في كيفية التقسيم، وعلى تقدير الدلالة على ذلك أيضا فالكلام هو الكلام، ومع الاغماض فمدلول الرواية لم يعمل به احد حتى ابن الجنيد، فهي معارضة للقرآن تضرب عرض الجدار. (1): على المعروف والمشهور - بل ادعى الاجماع عليه - من


(1) الوسائل باب 1 من ابواب قسمة الخمس الحديث. 3.

[ 308 ]

تفسير ذي القربى بالامام عليه السلام ومن بحكمه كالصديقة الطاهرة روحي فداها وصلوات الله عليها، وان هؤلاء المعصومين هم المعنيون من ذوي القربى الذين امرنا بمودتهم لا كل قريب. ونسب الخلاف إلى ابن الجنيد أيضا بدعوى ان المراد مطلق القرابة واليه ذهب الفقهاء العامة. وفيه ان الروايات الدالة على ان المراد به الامام عليه السلام كثيرة جدا - وان كانت ضعيفة السند باجمعها - فهي نصوص مستفيضة متظافرة مضافا إلى التسالم والاجماع وفيه الكفاية، فخلاف ابن الجنيد لا يعبأ به. بل يمكن الاستفادة من نفس الآية المباركة نظرا إلى ان المراد من اليتيم والمسكين وابن السبيل خصوص السادة واقرباؤه صلى الله عليه وآله من بني هاشم دون غيرهم بالضرورة، فان لهم الزكاة. وعليه فلو اريد من ذوي القربى مطلق القرابة كانت الاسهم حينئذ خمسة لا ستة، فلا مناص من ارادة الامام خاصة ليمتاز احد السهمين عن الآخر. فان قيل لعل المراد من ذى القربى الاغنياء من بني هاشم. قلنا ان الضرورة على خلافه وان التزم به العامة، فان الروايات الكثيرة قد نطقت بان الزكاة اوساخ ما في ايدي الناس وقد جعل الخمس بدلا عنها لبني هاشم فيعتبر فيه الفقر قطعا كما في الزكاة ولا يعطى للغني شئ. وبالجملة المراد من ذي القربى غير اليتيم والمسكين وابن السبيل من السادة بمقتضى المقابلة وليس هو الغني منهم قطعا، فينحصر في الامام بطبيعة الحال، إذ لو كان احد غير الفقير موردا للخمس فليس

[ 309 ]

[ وهذه الثلاثة الآن لصاحب الزمان ارواحنا له الفداء وعجل الله تعالى فرجه (1) وثلاثة للايتام والمساكين وابناء السبيل ويشترط في الثلاثة الاخيرة الايمان (2) ] هو إلا الامام. وايده المحقق بأن المذكور في الآية المباركة ذي القربى بصيغة المفرد لا ذوى القربى فهو شخص واحد معين وليس هو إلا الامام وإلا فقرابته كثيرون. ولا بأس به تأييدا، اما الاستدلال فكلا لجواز أن يراد به الجنس كما في ابن السبيل. (1): - فان ما كان لله فلرسوله، وما كان للرسول فللامام، فبحسب النتيجة يكون الكل للامام، ثلث منها لنفسه اصالة، وثلثان يرجعان إليه كما صرح بذلك في صحيح البزنطي عن الرضا عليه السلام في تفسير الآية الشريفة، فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ فقال: لرسول الله صلى الله عليه وآله، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله فهو للامام.. الخ (1). (2): فلا يعطى الخمس لغير المؤمن وان كان هاشميا فضلا عن الكافر، ويمكن استفادة ذلك من امرين وإن لم يرد في المقام نص بالخصوص. احدهما التعليل الوارد في بعض نصوص منع الزكاة لغير المؤمن كرواية يونس بن يعقوب قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: اعطى هؤلاء الذين يزعمون ان اباك حي من الزكاة شيئا؟ قال: لا تعطهم


(1) الوسائل باب: 1 من ابواب قسمة الخمس الحديث: 6

[ 310 ]

[ وفي الايتام الفقر (1)، ] فانهم كفار مشركون زنادقة (1) فان التعليل يشمل الزكاة والخمس معا بمناط واحد كما لا يخفى. ولكن الرواية ضعيفة السند جدا فلا يصلح هذا الوجه الا للتأييد. ثانيهما - وهو العمدة - ما تضمنته جملة من النصوص من بدلية الخمس عن الزكاة المعتبر فيها الايمان اجماعا وانه يعطى للمخالف الحجر كما في النص (2)، فكذا فيما هو بدل عنها، فان معنى البدلية ان من كان مستحقا للزكاة لو لم يكن هاشميا فهو مستحق للخمس لو كان هاشميا عوضا عنها اجلالا عن الاوساخ فيعتبر فيه تحقق شرائط الزكاة تحقيقا للبدلية. والمسألة لا اشكال فيها (3). (1): كما هو المعروف المشهور بين الفقهاء، وينبغي ان يكون


(1) الوسائل باب 7 من ابواب مستحق الزكاة الحديث: 4. (2) الوسائل باب: 5 من ابواب المستحقين للزكاة الحديث: 7. (3) لا يخفى ان النصوص المتضمنة صريحا للبدلية غير نقية السند، وقد راجعناه دام ظله في ذلك فأجاب بانه: يمكن استفادة المطلوب مما دل على ان الله تعالى فرض للفقراء في اموال الاعنياء ما يكتفون ولو علم ان الذى فوض لهم لا يكفيهم لزادهم (1). بتقريب عدم احتمال خروج السادة عن حكمة هذا التشريع ليكونوا اسوء حالا واقل نصيبا من غيرهم، وحيث انهم ممنوعون عن الزكاة بضرورة الفقه فلا جرم يستكشف بطريق الان ان الخمس المجعول لهم قد شرع عوضا وبدلا عن الزكاة اجلالا عن اوساخ ما في ايدى الناس. (1) الوسائل باب 1 من ابواب ما يجب فيه الزكاة

[ 311 ]

[ وفي ابناء السبيل الحاجة في بلد التسليم (1) وان كان غنيا في بلده ولا فرق بين ان يكون سفره في طاعة أو معصية (2) ] كذلك، إذ العلة في تشريع الخمس سد حاجة بني هاشم كالزكاة لغير بني هاشم، فلا خمس للغني وان كان هاشميا، كما لا زكاة له، ويؤيده بعض النصوص الضعيفة. (1): - فلا يضر غناه في بلده كما تقدم في الزكاة لا طلاق الدليل فان العبرة بالحاجة الفعلية غايته ان يعتبر ان لا يكون متمكنا من القرض لعدم صدق الحاجة حينئذ. واما انه تعتبر الحاجة الفعلية فلا يعطى لكل ابن سبيل وان نسب الجواز إلى بعضهم، فقد تقدم وجهه في كتاب الزكاة وقلنا ان كلمة (ابن السبيل) بنفسها ظاهرة في ذلك فانه بمعنى المحتاج في سفره الذي ليس له مأوى يعالج به الوصول إلى وطنه. فهذا مأخوذ في مفهوم ابن السبيل ومحقق لموضوعه من غير حاجة إلى التقييد من الخارج. (2): - هذا مشكل جدا كما تقدم في الزكاة، وقد عرفت ان الخمس بدل عن الزكاة فيجري عليه حكمها، بل قد تقدم الاشكال في جواز الاعطاء لاي غاية محرمة ولو في غير السفر إذا كان ذلك اعانة على الحرام. اما إذا قلنا بحرمة الاعانة فظاهر ضرورة ان الحرام لا يكون مصداقا للواجب وكذا لو قلنا بعدم الحرمة نظرا إلى اختصاص الحرام بالتعاون دون الاعانة كما هو الصحيح، وذلك لكونه مبغوضا للمولى جزما، فلا يرضى الشارع بان يقع مثله مصداقا للخمس الواجب العبادي كما لا يخفى. وقد تقدم مثله في الزكاة وكلاهما من واد واحد. فلا

[ 312 ]

[ ولا يعتبر في المستحق العدالة (1) وان كان الاولى ملاحظة المرجحات والاولى ان لا يعطى لمرتكبي الكبائر خصوصا مع التجاهر بل يقوى عدم الجواز إذا كان في الدفع اعانة على الاثم وسيما إذا كان في المنع الردع عنه ومستضعف كل فرقة ملحق بها (2). (مسألة 2) لا يجب البسط على الاصناف (3) بل يجوز دفع تمامه إلى احدهم وكذا لا يجب استيعاب افراد كل صنف بل يجوز الاقتصار على واحد ولو اراد البسط لا يجب التساوي بين الاصناف أو الافراد. ] يجوز دفع الخمس لمن يصرفه في الحرام بحيث يعد اعانه على الاثم حسبما عرفت. (1): - هذا مما ينبغي الجزم به، إذ لا دليل على الاعتبار بوجه كما تقدم في الزكاة. نعم ورد هناك عدم جواز الدفع لشارب الخمر وقلنا ثمة انه يمكن التعدي إلى ما هو اهم كتارك الصلاة، فيمكن التعدي حيئذ إلى الخمس بمقتضى البدلية وان موردهما واحد لا يفترق عن الآخر إلا من حيث الهاشمية وعدمها ولا اقل من الاحتياط في ذلك. (2): - كما في ساير الاحكام من الزواج والارث والزكاة ونحوها فانه يلحق بتلك الفرقة للصدق العرفي كما لا يخفى. (3): - هذه المسألة مما وقع الخلاف فيها بين الاصحاب فذهب جماعة ولعله المشهور إلى عدم وجوب البسط على الاصناف، وذهب جماعة اخرون إلى الوجوب فيجب التوزيع على كل من الاصناف الثلاثة:

[ 313 ]

اليتيم، والمسكين، وابن السبيل. واما اعتبار البسط على الافراد من كل صنف فلم يذهب إليه احد ولعله امر متعذر خارجا أو ان المال لا يفي بذلك غالبا، كما لو كان، الخمس قليلا جدا، أو من الميقات كشاة واحدة. وكيفما كان فما نسب إلى المشهور من عدم الوجوب على الاصناف فضلا عن الافراد هو الصحيح. والوجه فيه ان الآية المباركة وان تضمنت تقسيم الخمس على ستة اقسام الا ان وجوب البسط على الاصناف الثلاثة من النصف الآخر - اليتيم والمسكين وابن السبيل - يتوقف على ظهورها في ملكية كل صنف من هذه الاصناف بحيث يكون الطبيعي من كل صنف مالكا لسدس المجموع حتى يجب التوزيع من باب وجوب ايصال المال إلى مالكه. اما لو كان المالك هو الطبيعي الجامع بين هذه الاصناف وكانت هي مصارف لذلك الطبيعي بحيث يكون الصرف في كل منهما ايصالا لذلك الجامع فلا وجه لوجوب البسط عندئذ. والظاهر من الآية المباركة هو الثاني لقرينتين تمنعان عن الاخذ بالاول. احداهما ان من تلك الاصناف ابن السبيل ولا ينبغي الشك في قلة وجوده بالنسبة إلى الصنفين الآخرين بل قد لا يوجد احيانا فهو نادر التحقق. ولازم القول بالملكية تخصيص سدس المغنم من كل مكلف - لوضوح كون الحكم انحلاليا - لهذا الفرد الشاذ النادر الذي ربما لا يوجد له مصداق بتاتا فيدخر له إلى ان يوجد، وهو كما ترى بخلاف ما لو

[ 314 ]

كان مصرفا وكان المالك هو الطبيعي الجامع كما لا يخفى. ثانيتهما وهي اوضح واقوى ان الآية المباركة دالة على الاستغراق لجميع افراد اليتامى والمساكين بمقتضى الجمع المحلى باللام المفيد للعموم. وعليه فكيف يمكن الالتزام باستغراق البسط لآحاد الافراد من تلك الاصناف بحيث لو قسم على بعض دون بعض يضمن للآخرين، فان هذا مقطوع العدم ومخالف للسيرة القطعية القائمة على الاقتصار على يتامى البلد ومساكينهم، بل قد وقع الكلام في جواز النقل وعدمه مع الضمان أو بدونه كما سيجئ ان شاء الله تعالى. وأما جواز الصرف في خصوص البلد فمما لا اشكال فيه، وقد جرت عليه السيرة. ومن البديهي ان كلمة اليتامى مثلا لا يراد بها يتامى البلد فقط فهذه قرينة قطعية على عدم ارادة الملك وان الموارد الثلاثة مصارف محضة، ومن الواضح ان جعل الخمس لهم انما هو بمناط القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله عوضا عن الزكاة المحرمة عليهم، ومرجع ذلك إلى ان النصف من الخمس ملك لجامع بني هاشم والقرابة المحتاجين من اليتامى والمساكين وابناء السبيل فالمالك انما هو هذا الجامع الكلي القابل للانطباق على كل فرد فرد. وعليه فافراد هذه الاصناف كنفسها مصارف للخمس لان الكلي قابل للانطباق على كل فرد فيجوز الدفع إليه كما كان هو الحال في مصارف الزكاة الثمانية وان كان الامر فيها اوضح، فيتم التحفظ على الاستغراق بعد عدم ظهور شئ من الادلة في كون الجعل بعنوان الملكية، بالرغم من ظهور اللام فيها، فترفع اليد عنه ويحمل على المصرفية ومقتضاه عدم وجوب البسط على الاصناف، فضلا عن الافراد لقصور الجعل من الاول وعدم الدليل على الاستيعاب.

[ 315 ]

إذا فلا يجب التوزيع بتثليث نصف الخمس واعطاء كل ثلث لكل صنف منهم، بل يجوز دفع جميع النصف إلى صنف واحد وعلى الجملة، بعدما عرفت من السيرة القائمة على عدم البسط ومن وضوح ندرة ابن السبيل في كل بلد، بل انتفاء وجوده احيانا كما ان اليتيم اقل وجودا من المسكين بالضرورة. إذا فالتسوية بين العناوين الثلاثة بالتقسيم على سبيل التثليث لعلها مقطوعة العدم لعدم احتمال التعادل بين حصصهم بعد الاختلاف المزبور. على ان اللازم من وجوب البسط بعد ملاحظة الندرة المذكورة تعطيل سهم ابن السبيل أو الادخار له وكلاهما كما ترى. وهذا يصلح ان يكون قرينة على ان التسهيم إلى الثلاثة في الآية المباركة والروايات انما هو لبيان المصرف وليس تمليكا لثلث النصف لكل صنف منهم. وبعبارة اخرى بعد الفراغ عن عدم ارادة التمليك بالنسبة إلى افراد كل صنف على نحو الاشتراك، وإنما المراد مصرفية كل منهم حسبما عرفت، فيدور الامر حينئذ بين ارادة تمليك جنس اليتيم وجنس المسكين، وكذا ابن السبيل ليقتضي البسط على الاصناف ولزوم التقسيم بينهم اثلاثا وبين ارادة تمليك جنس الثلاثة الجامع بينهم وهو المحتاج من بني هاشم، ليقتضي عدم البسط. وإذ لا قرينة على الاول فالمقتضي اعني دلالة النص على التوزيع والبسط قاصرة بل القرينة على خلافه قائمة، وهي ما عرفت من ندرة وجود ابن السبيل المستلزمة لتعطيل هذا السهم. وعليه فيكفي دفع نصف الخمس إلى صنف واحد من السادة لانتفاء الدليل على لزوم

[ 316 ]

[ (مسألة 3) مستحق الخمس من انتسب إلى هاشم بالابوة فان انتسب إليه بالام لم يحل له الخمس (1) وتحل له الزكاة ] البسط والتثليث. اضف إلى ذلك كله ان الخطاب في الآية الشريفة لما كان متوجها إلى آحاد المكلفين كل بالنسبة إلى ما غنمه فالحكم طبعا مما يبتلى به كثيرا، وعليه فلو وجب البسط لظهر وبان وشاع وذاع بل اصبح من الواضحات فكيف ذهب المشهور إلى عدم الوجوب حسبما عرفت. هذا كله بالنسبة إلى المالك المكلف باخراج الخمس. وأما بالنسبة إلى ولي الامر الذي تجتمع عنده الاخماس كالنبي صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام أو نائبه الخاص أو العام فلعل الامر اوضح إذ لم يقم اي دليل على وجوب البسط بالاضافة إليه، بل الدليل على خلافه وهو صحيحة البزنطي (1)، الناطقة بان امر ذلك إلى النبي والامام وانه إنما يعطى حسبما يرى فله الاختيار في البسط وعدمه طبق ما تقتضيه المصلحة. (1): - المعروف والمشهور بين الاصحاب عدا ما نسب إلى السيد المرتضى قدس سره ان العبرة في الانتساب إلى هاشم المعتبر في استحقاق الخمس انما هو الانتساب إليه من قبل الاب. ونسب إلى السيد استحقاق المنتسب إليه من قبل الام أيضا، واختاره في الحدائق بل اصر عليه وذكر أن منشأ هذا الخلاف هو ان ولد البنت ولد حقيقة اولا، فالمرتضى ومن تبعه على الاول، والمشهور على الثاني هذا. ولا يخفى ان ما نسب إلى السيد قدس سره من عموم الاستحقاق


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب قسمة الخمس الحديث: 1.

[ 317 ]

للمنتسب إلى هاشم من طرف الام غير ثابت. فان الكلام في مقامين: احدهما في صدق الولدية على ولد البنت وعدمه، ولا ينبغي الاشكال في الصدق لغة وعرفا نظرا إلى ان جده لامه اولده إذ قد وقع في سلسلة اجزاء علة ولادته، فولادته مستندة إليه بطبيعة الحال، وهذا يكفي في صدق كونه ولدا له حقيقة، ولاجله كان اولاد فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها اولاد لرسول الله صلى الله عليه وآله حقيقة، وجعل عيسى (ع) من ذرية ابراهيم (ع) من قبل امه عليها السلام وجرت احكام الاولاد في المناكح والمواريث وغيرهما على اولاد البنات أيضا. وعن الصادق (ع) انه قال: أولدني أبو بكر مرتين باعتبار ان امه ام فروة وهي منتسبة إلى أبي بكر من وجهين. ثانيهما فيمن يستحق الخمس من المنتسبين إلى هاشم وأنه هل هو كل من يصدق عليه أنه من اولاد هاشم اولا؟ ويظهر من الروايات الواردة في أبواب تحريم الزكاة على بني هاشم وتعويض الخمس لهم عن الزكاة وجواز زكاة بعضهم على بعض، وجواز اخذهم الزكاة مع الضرورة وغيرها، ان العنوان المأخوذ في موضوع هذه الاحكام إنما هو الهاشمي وبنو هاشم. قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تحل الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم (1)، وقال عليه السلام: لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة (2). ونحوهما غيرهما مما هو


(1) الوسائل باب 29 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 3. (2) الوسائل باب 33 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث، 1.

[ 318 ]

كثير جدا ومن الواضح ان هذه العناوين تعد من العناوين التي يعبر بها عن الطوائف والقبائل كالتميمي وبني تميم ونحو ذلك. ولا ينبغي الريب في ان العبرة في صدقها عرفا إنما هو بالانتساب من طرف الاب خاصة فلا يقال تميمي لمن امه منهم دون الاب، ولا عربي لمن امه عربية وابوه غير عربي، وهكذا. وعليه فلا يقال هذا هاشمي أو من بني هاشم لمن ليس ابوه من اولاده وان كانت امه كذلك وإلا لصدق على الهاشميين من اولاد الصادق عليه السلام أنهم تيميون باعتبار ان جدتهم ام فروة من تيم. على أنه لو لا الاختصاص المزبور لقل وجود غير الهاشمي بين الناس، إذ قلما يوجد شخص لا تكون احدى جداته هاشمية، فلو تزوجت هاشمية بغير هاشمي كان نسله كله من بني هاشم وجاز له اخذ الخمس. وهذا شئ لا يمكن الالتزام به بوجه. والمتحصل مما ذكرناه ان عنوان الولد وان صدق على المنتسب إلى هاشم من قبل الام إلا ان عنوان الهاشمي لا يكاد يصدق عليه، والعبرة في المقام بالثاني لا الاول، والظاهر ان ما نسب إلى المرتضى قدس سره ناظر إلى الاول لا الثاني. ويؤيد ما ذكرناه من اختصاص الاستحقاق ما في مرسلة حماد: " ومن كانت امه من بني هاشم وأبوه من ساير قريش فان الصدقات تحل له وليس له من الخمس شئ " (1).


(1) الوسائل باب 1 من أبواب قسمة الخمس الحديث: 8.

[ 319 ]

[ ولا فرق بين ان يكون علويا أو عقيليا أو عباسيا (1) وينبغي تقديم الاتم علقة بالنبي صلى الله عليه وآله على غيره أو توفيره كالفاطميين. ] (1): - للنصوص الكثيرة الدالة على ان المستحق هو مطلق الهاشمي من غير تقييد بالعلوي فيعم العباسي والعقيلي ان وجدت لهم ذرية في هذا الزمان، بل قد صرح في صحيحة ابن سنان (1) بعدم حلية الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم بضميمة ما هو المسلم - نصا وفتوى - من بدلية الخمس عن الزكاة، وان من حرمت على الزكاة حل له الخمس. وأما ما يظهر من بعض النصوص من حصر المستحق بآل محمد واهل بيته عليهم السلام فعلى تقدير تماميتها سندا فهي محمولة على نوع من التغليب باعتبار أنهم هم السبب في تشريع الخمس، فانه تكريم لهم أو على غير ذلك من المحالم لوضوح دلالة ما عرفت على استحقاق غيرهم أيضا. هذا مضافا إلى ضعف اسنادها. فمنها ما رواه الشيخ باسناده عن الصفار عن احمد بن محمد عن بعض أصحابنا رفع الحديث، قال: الخمس على خمسة اشياء. إلى ان قال: والنصف لليتامى والمساكين وابناء السبيل من آل محمد عليهم السلام الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة، عوضهم الله مكان ذلك بالخمس (2). فانها ضعيفة بالارسال والرفع معا. ومنها ما رواه الكليني في الروضة عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن


(1) الوسائل باب 29 من ابواب المستحقين للزكاة الحديث 3. (2) الوسائل باب: 1 من ابواب قسمة الخمس حديث: 9.

[ 320 ]

حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عثمان - وهو أبو أيوب الخزاز الثقة الجليل - عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن قال: ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا اكرم الله رسوله واكرمنا اهل البيت ان يطعمنا من اوساخ الناس (1). وهي بظاهرها وان اوهمت اختصاص حرمة الصدقة باهل البيت عليهم السلام ولكنه لم يبلغ حد الدلالة، إذ لا منافاة بين تحريم الصدقة عليهم تكريما منه تعالى لهم عليهم السلام وبين تحريمها على غيرهم من ساير بني هاشم أيضا لاقتضاء تكريمهم عليهم السلام عموم التحريم لاقربائهم. هذا مضافا إلى ما في سندها من الخدش، فان جميع من ذكر فيه وان كانوا ثقاة حتى سليم بن قيس حيث عده البرقي من اولياء أمير المؤمنين عليه السلام، إلا ان ابراهيم بن عثمان لم يدرك سليما، فانه وان بقي إلى زمان الباقر عليه السلام إلا ان ابراهيم كان من اصحاب الصادق ولم يدرك الباقر عليه السلام. وهو وان كان كثير الرواية عن الثقاة، وقد روى عن سليم أيضا غير أنه روى عنه بواسطة ابراهيم بن عمر اليماني، وهو يروي عن سليم تارة بلا واسطة، واخرى بواسطة ابان بن أبي عياش، ولم نعثر على رواية له - أي لابي أيوب - عن سليم بلا واسطة غير هذه الرواية، ولاجله يغلب على الظن ان بينهما واسطة مجهولة. ومعه تسقط الرواية عن درجة الاعتبار


(1) الوسائل باب: 1 من ابواب قسمة الخمس الحديث: 7.

[ 321 ]

[ (مسألة 4) لا يصدق من ادعى النسب الا بالبينة أو الشياع المفيد للعلم (1) ويكفي الشياع والاشتهار في بلده، نعم يمكن الاحتيال في الدفع إلى مجهول الحال بعد معرفة عدالته بالتوكيل على الايصال إلى مستحقه (2) على وجه يندرج فيه الاخذ لنفسه ايضا ولكن الاولى بل الاحوط عدم الاحتيال المذكور ] (1): - فان هذه الدعوى كغيرها من الدعاوي تحتاج إلى ثبوت شرعي بالبينة أو الشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان بصدق دعواه وان كان ناشئا من اشتهار ذلك في بلده. وعن كاشف الغطاء تصديق مدعي النسب بمجرد دعواه كما في مدعى الفقر. وفيه ما لا يخفى فانه قياس مع الفارق، إذ دعوى الفقر معتضدة باستصحاب عدم الغنى الذي هو امر حادث مسبوق بالعدم، وهذا بخلاف النسب، فان مقتضى الاصل الازلي عدم الانتساب إلى هاشم، فدعوى الانتساب مخالفة للاصل ولا يعارض باصالة عدم الانتساب إلى غير هاشم لعدم الاثر لها فان موضوع الزكاة هو من لم ينتسب إلى هاشم لا المنتسب إلى غير هاشم. وعليه فيحتاج الانتساب إلى ثبوت شرعي كما عرفت. وهذا وان لم يرد فيه نص يعين الوظيفة إلا ان السيرة العقلائية قائمة على الاخذ بما هو المشهور بين اهل البلد، وإذ لم يردع عنها الشارع فلا بأس بالتعويل عليها سيما إذا اوجبت الاطمئنان الشخصي، ويؤيده ما رواه الصدوق قدس سره من أنه يؤخذ بظاهر الحال في خمسة أمور: الولايات، والمناكح، والذبائح، والشهادات، والانساب. (2): - هذا الاحتيال ذكره في الجواهر وقال: إنه يكفي في

[ 322 ]

براءة الذمة وان علم أنه قبضه الوكيل لنفسه، وعلله بان المدار في ثبوت الموضوع على علم الوكيل دون الموكل ما لم يعلم الخلاف، ثم قال لكن الانصاف أنه لا يخلو عن تأمل أيضا. ومحصل التعليل أنه لما صح التوكيل في ايصال الخمس ونحوه من الحقوق المالية إلى مستحقيه ولم تعتبر المباشرة في ذلك، فإذا وكل غيره فيه فالعبرة في الوصول إلى المستحق إنما هو بعلم الوكيل وتشخيصه لا الموكل، فإذا علم بالاستحقاق كفى ايصاله إليه في براءة ذمة الموكل وان لم يعلم هو بالاستحقاق ما دام لم يعلم عدم الاستحقاق لانه مقتضى اصالة الصحة الجارية في عمل الوكيل أو النائب عن غيره في عبادة أو معاملة. أما إذا علم الخلاف وبطلان فعل الوكيل فلا وجه للاكتفاء به كما لا يخفى. هذا والانصاف ان تأمله قدس سره في صحة هذا الاحتياط في محله. والوجه فيه ان الاصل المزبور لما كان مستندا إلى السيرة القائمة على البناء على الصحة والقدر المتيقن منها ما إذا لم يعلم الموكل الكيفية التي وقع الفعل عليها خارجا كما إذا اوكله على عقد ولم يعلم الموكل صحة ما اجراه من العقد وأنه هل اجراه مثلا بصيغة عربية أو لا؟ ففيما إذا علم الكيفية وأنه اجراه بصيغة فارسية لكنه شك في صحته بشبهة حكمية فلاجل ان شمول دليل اصالة الصحة لذلك حينئذ غير معلوم كان اجراء الاصل وقتئذ في غاية الاشكال. ويلحقه في الاشكال موارد الشك في صحة الكيفية المعلومة بشبهة موضوعية كما في المقام حيث يعلم الموكل ان الوكيل اخذه لنفسه باعتقاده الاستحقاق لكنه يشك - أي الموكل - في استحقاقه، فان البناء على

[ 323 ]

[ (مسألة 5) في جواز دفع الخمس إلى من يجب عليه نفقته اشكال (1) خصوصا في الزوجة فالاحوط عدم دفع خمسه إليهم بمعنى الانفاق عليهم محتسبا مما عليه من الخمس اما دفعه إليهم لغير النفقة الواجبة مما يحتاجون إليه مما لا يكون واجبا عليه كنفقة من يعولون ونحو ذلك فلا بأس به ما لا بأس بدفع خمس غيره إليهم ولو للانفاق مع فقره حتى الزوجة إذا لم يقدر على انفاقها. ] الصحة حينئذ مشكل جدا لعدم احراز قيام السيرة في مثل ذلك عليه. ومن الواضح ان علم الوكيل طريقي محض وليس بموضوعي فلا اثر له في تصحيح العمل بالنسبة إلى الموكل المكلف بايصال الحق إلى اهله، فكما أنه إذا صدر عنه مباشرة لم يكن مجزيا للشك في الاستحقاق المستتبع للشك في الفراغ، فكذلك إذا صدر عن وكيله وان كان الوكيل يرى الاستحقاق. (1): - نظرا إلى عموم التعليل الوارد في صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج للمنع عن اعطاء الزكاة لواجبي النفقة من انهم عياله لازمون له (1) الذي مرجعه إلى ان الدفع لهم كالدفع إلى نفسه والصرف في شؤون شخصه، وكأن الاعطاء لهم اخراج من كيس ووضع في كيس آخر. وهذا التعليل كما ترى جار في الخمس أيضا. اضف إلى ذلك ما دلت عليه الاخبار من بدلية الخمس عن الزكاة الظاهرة في اشتراكهما في الاحكام ما عدا اختصاص أحدهما بالهاشمي، والآخر بغيره. ومقتضاه ان من لا يستحق الزكاة من غير بني هاشم


(1) الوسائل باب 13 من ابواب المستحقين للزكاة الحديث 1.

[ 324 ]

[ (مسألة 6) لا يجوز دفع الزائد عن مؤنة السنة لمستحق واحد ولو دفعة على الاحوط (1). (مسألة 7) النصف من الخمس الذي للامام عليه السلام امره في زمان الغيبة راجع إلى نائبه وهو المجتهد الجامع للشرائط (2) فلا بد من الايصال إليه أو الدفع إلى المستحقين باذنه ] كواجبي النفقة لا يستحق الخمس إذا كان من بني هاشم. نعم الدفع إليهم لغير النفقة الواجبة على الدافع كنفقة من يعولون مثل زوجة الابن لا باس به مع فرض الحاجة كما مر في الزكاة. (1): أما عدم الجواز في الدفعات فواضح، إذ بعد ان اعطاه في الدفعة الاولى ما يكفيه لمؤنة سنته فقد زال فقره واصبح غنيا، فالاعطاء ثانيا اعطاء إلى الغني لا إلى الفقير. وأما في الدفعة الواحدة: فلانه إذا اعطى ما يزيد على مؤنته السنوية فهو بتملكه مقدار المؤنة صار غنيا فليس له وقتئذ تملك ما يزيد عليه لزوال فقره بتملك ذلك المقدار، فاعطاء الزائد اعطاء إلى الغني ولو كان غناه قد حصل مقارنا للاعطاء المزبور، إذ العبرة في الغنى والفقر بملاحظة حال الاعطاء لا قبله ولا بعده، فلو كان يكتفي بمائة فاعطاه تمام المأتين كان دفع المائة الثانية منضمة إلى الاولى دفعا إلى الغني ولو كان الاتصاف بالغنى مقارنا لهذا الدفع، إذ الاعتبار بهذه الحالة لا قبلها حسبما عرفت والظاهر ان المسألة متسالم عليها. ومما ذكرنا تعرف أنه لو فرضنا ان اطلاقات الادلة تقتضي الجواز - كما قيل - لم يكن بد من رفع اليد عنها وتقييدها بما عرفت. (2): - الاقوال في تعيين الوظيفة بالاضافة إلى سهم الامام عليه السلام

[ 325 ]

كثيرة واكثرها واضحة الضعف، بل غير قابلة للتعرض كالقول بوجوب دفنه إلى ان يظهر الحجة عجل الله تعالى فرجه ويستخرجه، أو القول بوجوب عزله وايداعه والايصاء به عند ظهور امارات الموت أو القول بالقائه في البحر ونحو ذلك مما يستلزم ضياع المال واتلافه والتفريط فيه ولا سيما بالنسبة إلى الاوراق النقدية مما ليست بذهب ولا فضة، إذ كيف يمكن ايداعها والاحتفاظ عليها ولربما تبلغ من الكثرة الملايين إلا ان تودع في المصارف الحكومية التي هي تحت سيطرة الايادي الجائرة فتكون وقتئذ إلى الضياع اقرب وبالوبال انسب. وليس من بين تلك الوجوه والاقوال - بعد البناء على عدم السقوط والاباحة فان ذلك امر آخر سيأتي التعرض له في خاتمة بحوث الخمس ان شاء الله تعالى - ما يستأهل البحث إلا وجهين. احدهما ما قواه في الجواهر من اجراء حكم مجهول المالك عليه نظرا إلى ان المناط في جواز التصدق بمال عن مالكه ليس هو الجهل بالمالك بل عدم امكان ايصاله إليه، سواء أعلم به ام جهل كما هو مورد بعض نصوصه مثل ما ورد في الرفيق في طريق مكة من التصدق عنه لمجرد الجهل بمكانه وان كان عارفا شخصه بطبيعة الحال، فيكون التصدق عند حينئذ نوعا من الايصال إليه، فانه وإن لم يصل إليه عين المال وإلا أنه وصل إليه ثواب التصدق به. وسهم الامام عليه السلام من هذا القبيل، حيث أنه عليه السلام وان كان معلوما عنوانا ويعرف باسمه ونسبه لكنه مجهول بشخصه فلا يعرفه المكلف وان رآه فضلا عما إذا لم يره فلا يمكنه ايصال المال إليه. ثانيهما ان يصرف في موارد يحرز فيها رضا الامام عليه السلام

[ 326 ]

قطعا أو اطمينانا بحيث كان الصرف في تلك الجهة مرضيا عنده كالمصالح العامة، وما فيه تشييد قوائم الدين ودعائم الشرع المبين وبث الاحكام ونشر راية الاسلام التي من ابرز مصاديقها في العصر الحاضر ادارة شؤون الحوزات العلمية ومؤنة طلبة العلوم الدينية. وهذا هو الصحيح فان الوجه الاول وان كان وجيها في الجملة وان ما لا يمكن فيه الايصال يتصدق به فانه نوع من الايصال إلا أنه لا اطلاق لدليله يشمل صورة وجود مصرف يحرز رضا المالك بالصرف فيه، فان حديث الرفيق في طريق مكة قضية في واقعة ومنصرف عن هذه الصورة بالضرورة. فلو فرضنا انا احرزنا ان المالك المجهول كان عازما على صرف هذا المال في مصرف معين من عمارة المسجد أو بناية المدرسة، أو اقامة التعزية فانه لا يسعنا وقتئذ الصرف في التصدق، إذ بعد ان كان له مصرف معين المالك يرضى به فالتصدق بدون اذن منه ولا من وليه - فان وليه الامام عليه السلام ولم ياذن بعدما عرفت من عدم اطلاق في دليل الصدقة يشمل المقام - تصرف في ملك الغير بغير اذنه فالمتعين إذا ما عرفت. يبقى الكلام في ان المالك هل هو مستقل في هذا التصرف أو أنه يتوقف على مراجعة الحاكم الشرعي والاستيذان منه؟ يتبع هذا ما عليه المالك من الوجدان ولا يصل الامر إلى البرهان فانه ان كان قد وجد من نفسه - فيما بينه وبين ربه - أنه قد احرز رضا الامام (ع) بالمصرف الكذائي بحيث كان قاطعا أو مطمئنا به فلا اشكال ولا حاجة معه إلى المراجعة، إذ لا مقتضي لها بعد نيل

[ 327 ]

[ والاحوط الاقتصار على السادة ما دام لم يكفهم النصف الآخر (1) ] الهدف والوصول إلى المقصد. وأما إذا لم يجد من نفسه هذا الاحراز بل انقدح في ذهنه احتمال ان يكون هذا الصرف منوطا باذن نائب الامام في عصر الغيبة كما كان منوطا باذن نفسه في عصر الحضور ولم يتمكن من دفع هذا الاحتمال الذي يستطرق لدى كل احد بطبيعة الحال، بل هو جزمي غير قابل للانكار، ولا اقل من اجل رعاية المصالح العامة والتحفظ على منصب الزعامة الدينية، كان اللازم عندئذ مراجعة الحاكم الشرعي لعدم جواز التصرف في مال الغير وهو الامام (ع) ما لم يحرز رضاه المنوط بالاستيذان من الحاكم حسب الفرض. ومنه تعرف انه لا حاجة إلى اثبات الولاية العامة للحاكم الشرعي في كافة الشؤون، وان جميع ما كان راجعا إلى الامام حال حضوره راجع إلى نائبه العام حال غيبته، بل مجرد الشك في جواز التصرف بدون اذنه كاف في استقلال العقل بلزوم الاستيذان منه، للزوم الاقتصار في الخروج عن حرمة التصرف في ملك الغير على المقدار المتيقن من اذنه ورضاه وهو مورد الاستيذان، إذ بدونه يشك في الجواز ومقتضى الاصل عدمه. ومن ثم كانت الاستجازة مطابقة لمقتضى القاعدة حسبما عرفت. (1): - قد عرفت ان مصرف سهم الامام عليه السلام هي الجهات الدينية، والامور الخيرية من المصالح العامة كاعانة الفقراء المتدينين، وما فيه اقامة دعائم الدين، ورفع كلمة الحق وتدعيم الشرع الحنيف بكل وسيلة يضمن له البقاء، والرقي. مؤيدا بما ورد في بعض النصوص

[ 328 ]

[ واما النصف الآخر الذي للاصناف الثلاثة فيجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه (1) لكن الاحوط فيه ايضا الدفع إلى المجتهد أو باذنه لانه اعرف بمواقعه والمرجحات التي ينبغي ملاحظتها. ] من تتميم حق السادة بل مورد الزكاة من سهم الامام (ع) لدى الاعواز الكاشف عن القطع برضاه عليه السلام في الصرف في سد حاجيات المؤمنين. وهل يتقدم السادة على غيرهم من المحتاجين لدى الدوران. يتبع ذلك ما تقدم من احراز الرضا الذي يختلف حسب اختلاف الموارد، فربما يقطع برضاه (ع) في الصرف في غير السيد وتقديمه عليه لاهميته كما لو كان في خدمة الدين وترويح الشرع المبين وله آثار كثيرة وخدمات عديدة، ولم تكن للسيد الفقير أية خدمة. نعم فيما إذا كانا في مرتبة واحدة فلاجل انه من المحتمل عندئذ تقديم السيد رعاية للقرابة وعناية بما فيه من الشرافة لزوم ترجيحه عملا بما يقتضيه الاصل من الاقتصار على المتيقن من مورد الرضا. وعلى الجملة الميزان الكلي في الصرف احراز الرضا، فمع الدوران بينهما ان كانت هناك جهة مرجحة بحيث يقطع أو يطمئن بجواز الصرف فهو وإلا فلا بد من الاقتصار على المقدار المتيقن لعدم جواز التصرف في مال الغير من دون احراز رضاه. (1): - وقع الخلاف في مصرف هذا السهم أيضا على نحو ما تقدم في حق الامام عليه السلام من السقوط - لاخبار التحليل التي سيأتي البحث حولها في خاتمة الخمس - أو الدفن أو الايداع أو الايصاء ونحو ذلك من الوجوه الساقطة العارية عن كل دليل كما تقدم سيما وان

[ 329 ]

هذا السهم ملك للسادة أما لكل واحد من الاصناف الثلاثة أو للجامع الكلي، فهم المصرف لهذا السهم. ومعه لا مقتضي هنا للابقاء بوجه. ومن الواضح ان مقتضى اطلاق الكتاب والسنة عدم الفرق في وجوب دفع هذا الحق إليهم بين عصري الحضور والغيبة، ولا سيما بملاحظة ما ورد في غير واحد من النصوص من تعويض هذا الحق بدلا عن الزكاة المحرمة عليهم الذي يعم مناطه كلتا الحالتين، وإلا فمن اين تسد حاجات السادة في زمن الغيبة والزكاة محرمة عليهم. وهل للمالك مباشرة التقسيم بنفسه من دون مراجعة الحاكم الشرعي؟ الظاهر ذلك لما ورد في الزكاة من ثبوت ولاية التعيين؟ للمالك معللا بانه اعظم الشريكين فان هذا جار في الخمس أيضا بعد ملاحظة ان اربعة اخماس المال للمالك. ومع التنازل فهذا مال مشترك - مع السادة - لا حاجة في مثله إلى مراجعة الشريك ومطالبته بالقسمة بناء على ان الشركة من قبيل الشركة في المالية أو الكلي في المعين. نعم بناء على الاشاعة والشركة الحقيقية يطالب الشريك بالقسمة ان كان شخصا خاصا. واما إذا كان عنوانا كليا كما في المقام فانه يراجع وليه وهو الحاكم الشرعي ان امكن وإلا فعدول المؤمنين واخيرا لا يبقى المالك معطلا عن التصرف في ماله، بل له المطالبة بالقسمة من نفس الشريك أو من وليه حسبما عرفت. واما الاعطاء والدفع إلى الفقير فلا يحتاج إلى الاستجازة من الحاكم الشرعي، إذ ليس حال هذا السهم حال سهم الامام عليه السلام، فان هذا ملك لجامع السادة، والحاجة إلى الاستجازة تتوقف على الدليل

[ 330 ]

[ (مسألة 8) لا اشكال في جواز نقل الخمس من بلده إلى غيره (1) إذا لم يوجد المستحق فيه بل قد يجب كما إذا لم يمكن حفظه مع ذلك أو لم يكن وجود المستحق فيه متوقعا بعد ذلك ولا ضمان حينئذ عليه لو تلف والاقوى جواز النقل مع وجود المستحق ايضا لكن مع الضمان لو تلف ولا فرق بين البلد القريب والبعيد وان كان الاولى القريب إلا مع المرجح للبعيد. ] ولا دليل عليها بوجه. بل لا يبعد ان يكون الامر كذلك حتى في حال الحضور فانه يجوز الاعطاء إلى الامام عليه السلام بما انه ولي الامر واما وجوبه فكلا. وبالجملة فان تم ما ذكرناه من ان القسمة بيد المالك فهو، وإلا فيراجع الحاكم الشرعي في القسمة لا في الاعطاء فلاحظ. (1): - ينبغي التكلم اولا في بيان موضوع المسألة، فان نقل الخمس موقوف على جواز العزل وولاية المالك على الافراز مع انه لم يرد اي دليل عليه في باب الخمس وان نطقت به الروايات في باب الزكاة كما تقدم، إلا ان يراد نقل ما فيه الخمس: اي تمام المال قبل تخميسه أو بعضه فيكون نقلا لما فيه الخمس بناء على الشركة والاشاعة الحقيقية، فلو تلف يضمن التالف، اما على الكلى في المعين فتمام التلف على المالك ما دام يبقى من العين مقدار ينطبق عليه الكلي هذا. ويمكن فرض نقل الخمس بخصوصه وان لم تكن له ولاية على العزل بان يراجع الحاكم الشرعي في التقسيم المعبر عنه في العرف الحاضر بازالة الشيوع فيخلص ماله عن الشركة ويعين حصة الخمس باجازة الحاكم

[ 331 ]

الذي هو ولي على اربابه على ما عرفت قريبا من ان للشريك المطالبة بافراز حصته من الشريك الآخر ان امكن وإلا فمن وليه فيراجع الحاكم في التقسيم لا في الاعطاء، وبعدما قسم وافرز وانعزل الخمس عن غيره فيتكلم حينئذ في جواز نقله إلى بلد آخر وعدمه. والكلام يقع تارة مع عدم وجود المستحق، واخرى مع وجوده وعلى التقديرين فيتكلم مرة في الحكم التكليفي وانه هل يجوز النقل أو لا؟ واخرى في الحكم الوضعي وانه هل يضمن لو تلف أو لا؟ اما مع عدم المستحق فلا ينبغي التأمل في جواز النقل تكليفا لعدم المانع منه بعد وجود المقتضي من اطلاقات الايصال إلى ارباب الخمس بل قد يجب كما إذا لم يمكن المحافظة عليه في بلده فيكون معرضا للتلف، أو كان في بلد لم يتوقع وجود المستحق فيه بعد ذلك كالبلدان المترقية في العصر الحاضر مثل الولايات المتحدة ونحوها مما لم يتوقع وجود السادة المستحقين فيه بوجه. كما لا ينبغي التأمل في عدم الضمان حينئذ لو تلف، لان النقل في هذه الحالة احسان إلى السادة. وما على المحسنين من سبيل. مضافا إلى التعليل الوارد في بعض نصوص نفي ضمان الزكاة لو تلفت بالنقل، وهو قوله عليه السلام في صحيحة ابن مسلم: " وان لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى اهلها فليس عليه ضمان، لانها قد خرجت من يده وكذلك الوصي. الخ ". فان التعليل بالخروج عن اليد يعم المقام ولا سيما مع عطف الوصي الكاشف عن عدم خصوصية للزكاة. على انه لم يكن اي مقتض للضمان بعد ان لم تكن اليد يد عدوان

[ 332 ]

ولم يحصل منه تفريط كما هو المفروض. هذا كله مع عدم المستحق في البلد. واما مع وجوده فيقع الكلام ايضا في الحكم التكليفي اولا والوضعي ثانيا. اما التكليفي فالظاهر جوازه، إذ لا موجب للمنع عدا ما قد يتوهم منه منافاة النقل لفورية الايصال الواجبة عليه. ولكنه ممنوع كبرى وصغرى: اما الكبرى فلعدم الدليل على وجوب الفورية، غايته عدم جواز التهاون والمسامحة كما في ساير الواجبات الالهية وذاك امر آخر. وعدم رضا مستحقي البلد بالنقل لا يقدح بعد ان كان المالك طبيعي السيد المستحق لا خصوص هؤلاء، على انه معارض بعدم رضا مستحقي غير هذا البلد بعدم النقل. والحل ما عرفت من ان المالك هو الطبيعي وللمكلف اختيار التطبيق على اي فرد شاء ما لم يبلغ حد التهاون. اما الفورية فغير واجبة، بعد عدم نهوض اي دليل عليها. وعلى الجملة حكم المقام حكم ساير الواجبات غير الموقتة في انه لا يجوز فيها التواني والتهاون بالنظر العرفي. فإذا كان له في التأخير بالنقل غرض عقلائي ومرجح شرعي أو عرفي كما إذا قصد ايصاله إلى ذي رحم قريب إليه في بلد آخر من دون تساهل في البين فلا دليل على المنع عنه، وإلا لما جاز النقل من محلة إلى اخرى في بلد واحد لا سيما في البلدان الكبار التي قد يكون الفصل بين محلتين منها اكثر من الفصل بين بلدين كما في مثل بغداد والكاظمية، فان الفصل بينهما وهما بلدان لعله اقل من الفصل بين محلتين من محلات بغداد نفسها

[ 333 ]

[ (مسألة 9) لو اذن الفقيه في النقل لم يكن عليه ضمان ولو مع وجود المستحق (1) وكذا لو وكله في قبضه عنه بالولاية ] ولم يلتزم احد بعدم جواز النقل في مثل ذلك ظاهر. هذا. واما الصغرى فلاجل ان الايصال إلى المستحق الموجود في البلد ربما يحتاج إلى زمان اكثر مما يحتاج إليه نقله وايصاله إلى المستحق خارج البلد، كما ربما يتفق في هذه الاعصار نظرا إلى زحام الطرق داخل المدينة فيتوقف الايصال إليه إلى انتظار زمان اكثر من زمان النقل إلى بلد آخر. وبالجملة فدعوى عدم جواز النقل استنادا إلى ما ذكر ممنوعة صغرى وكبرى حسبما عرفت. واما الحكم الوضعي اعني الضمان في هذه الصورة على تقدير التلف فالظاهر ثبوته لظهور صحيحة محمد بن مسلم المشار إليها آنفا - بقرينة عطف الوصي وانه إذا وجد رب المال المأمور بدفعه إليه فأخر ضمن وإلا فلا - في ان الحكم جار في كل حق مالي يجب ايصاله إلى اهله وانه إذا وجد اهله فأخر في ايصاله إليه كانت يده يد ضمان وإلا فلا فيشمل الخمس ايضا، وتدل على ضمانه إذا وجد المستحق في البلد فأخر في دفعه إليه حتى تلف. نعم مقتضى بعض النصوص الورادة في الزكاة وهي صحيحتا ابي بصير وعبيد بن زرارة المتقدمتان هناك عدم ضمان الزكاة بعد عزلها إذا وجد مستحقها ولم يدفعها إليه لانتظار مستحق افضل فتلف في الاثناء لكنها مختصة بالزكاة المعزولة فلا تجري في غيرها. (1): - أما عدم الضمان في صورة توكيل الحاكم الشرعي المالك

[ 334 ]

[ العامة ثم اذن في نقله. (مسألة 10) مؤنة النقل على الناقل في صورة الجواز ومن الخمس في صورة الوجوب (1). ] في قبض الخمس من قبله ثم اذنه في نقله فلا ينبغي الاستشكال فيه بعد كون قبض الولي بمنزلة قبض المستحق نفسه فتوكيله المالك في قبضه من قبله كتوكيل المستحق نفسه، فإذا قبض الوكيل فقد حصل الايصال الواجب وتلف المال بعد ذلك بالنقل لا يوجب ضمان الناقل إذا كان مأذونا من قبل المالك أو وليه في النقل لان يده يد امانة. ولا ضمان الولي الآذن بعد ثبوت ولايته على المال ومشروعية تصرفه. وأما في صورة اذن الحاكم في النقل من دون توكيل في القبض فالظاهر فيه أيضا عدم الضمان لانه باذن الولي في التصرف في المال بالنقل - مثلا - تخرج يد المأذون عن كونها يد ضمان وان لم يحصل بعد الايصال الواجب كما هو الحال في المال الشخصي في يد غير مالكه إذا نقله باذن المالك فتلف من غير تعد ولا تفريط. (1): - أما كونها على الناقل في صورة الجواز فلاجل أنه لا مقتضي لا يراد النقص على الخمس باحتساب مؤنة النقل عليه بعد فرض عدم توقف الايصال الواجب على النقل لفرض وجود المستحق في البلد أو توقع وجوده في المستقبل مع امكان التحفظ على المال، فجواز التنقيص من الخمس والحالة هذه يحتاج إلى الدليل ولا دليل، فتكون المؤنة على تقدير النقل على عهدة المالك نفسه بطبيعة الحال. وأما عدم كونها على نفسه في صورة الوجوب فلعدم الدليل على تضرر المالك بذلك، ومن المعلوم ان وجوب الايصال لا يقتضي إلا وجوب النقل

[ 335 ]

[ (مسألة 11) ليس من النقل لو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحق عوضا عن الذي عليه في بلده (1) وكذا لو كان له دين في ذمة شخص في بلد آخر فاحتسبه خمسا وكذا لو نقل قدر الخمس من ماله إلى بلد آخر فدفعه عوضا عنه. ] لا وجوب تحمل الضرر كما في المال الشخصي إذا كان في يده لغيره وديعة فمات المالك ووجب عليه ايصاله إلى وارثه وهو في بلد آخر. واذ لم يكن موجب لجعل المؤنة عليه، والمفروض وجوب ايصال المال إلى اهله وهو لا يتم بدون النقل فطبعا تكون الخسارة على المال نفسه لا على الناقل. (1): - لو تم الدليل على حرمة نقل الخمس مع وجود المستحق في البلد اما لدعوى الاجماع عليها أو لمنافاته للفورية؟ أو لاولوية مستحقي البلد كما ورد في الزكاة من انه صلى الله عليه وآله كان يقسم صدقة اهل البوادي فيهم، وصدقة اهل الحضر فيهم أو لغير ذلك. فموضوع الحكم المذكور في كلماتهم سواء أقيل بالحرمة ام بالاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي هو عنوان نقل الخمس، فالمتبع صدق هذا العنوان فاينما صدق لحقه حكمه وإلا فلا، وان كانت النتيجة هي نتيجة النقل بعينها. ومن الواضح انه لا يصدق هذا العنوان إذا دفع بدل الخمس من مال آخر له في بلد آخر أو في بلده بعد نقله إلى آخر أو كان على نحو التحويل على شخص في بلد آخر بان يدفع خمسه ولو قرضا. كما لا يصدق باحتساب ماله من الدين في ذمة مستحق هو في بلد آخر خمسا بناء على صحة الاحتساب واجزائه خمسا - وقد تقدم عدم

[ 336 ]

[ (مسألة 12) لو كان الذي فيه الخمس في غير بلده فالاولى دفعه هناك (1) ويجوز نقله إلى بلده مع الضمان. (مسألة 13) ان كان المجتهد الجامع للشرائط في غير بلده جاز نقل حصة الامام عليه السلام إليه (2) بل الاقوى جواز ذلك ولو كان المجتهد الجامع للشرائط موجودا في بلده ايضا بل الاولى النقل إذا كان من في بلد آخر افضل أو كان هناك مرجح آخر. (مسألة 14) قد مر انه يجوز للمالك ان يدفع الخمس ] الدليل عليه هنا بعد مخالفته للقواعد إلا إذا اجازه الحاكم وانما ثبت في الزكاة بدليل خاص - أو فرض الاستيذان فيه من الحاكم. وبالجملة فليس شئ من ذلك نقلا للخمس وان ادى نتيجته. (1): - يعني ان المقصود من النقل المبحوث عنه هو النقل من بلد المال المتعلق به الخمس لا من بلد المالك، فإذا كان المالك في بلد وماله الذي تعلق به الخمس في بلد آخر فعلى القول بعدم جواز النقل لا يجوز نقله من بلده - اي بلد المال - إلى غيره ولو كان هو بلد المالك، ويضمن لو تلف في الطريق. (2): - محصله ان ما مر من التفاصيل حول مسألة النقل لا يجري بالنسبة إلى حصة الامام عليه السلام لما تقدم من ان امرها راجع إلى الحاكم الشرعي، فلا يجوز اي تصرف فيه إلا باجازته، فان اجاز نقله جاز وإلا فلا كما هو الحال في اجازة الولي بالنسبة إلى الاموال الشخصية.

[ 337 ]

[ من مال آخر له نقدا أو عروضا (1) ولكن يجب ان يكون بقيمته الواقعية فلو حسب العروض بازيد من قيمتها لم تبرء ذمته وان قبل المستحق ورضى به. (مسألة 15) لا تبرء ذمته من الخمس إلا بقبض المستحق أو الحاكم سواء كان في ذمته ام في العين الموجودة وفي تشخيصه بالعزل اشكال (2). ] (1): مر الاشكال في دفع بدل الخمس عروضا كالزكاة إلا إذا كان باجازة الحاكم الشرعي فان قلنا بالجواز أو كان باجازة الحاكم فلا يجوز ان يحسب العروض بازيد من قيمته الواقعية بان يحسب ما يسوى خمسة مثلا بازاء عشرة ويعطيه عما عليه من العشرة خمسا لانه تفويت على المستحقين ولا اثر لرضى المستحق وقبوله. نعم لو باع العروض المفروض من المستحق بعشرة في ذمته ببيع صحيح وقد اقدم المشتري على الغبن المزبور لاحتياجه واضطراره جاز احتساب ماله في ذمته من العشرة خمسا باجازة من الحاكم أو مطلقا على اشكال فيه اشرنا إليه آنفا وسيأتي التعرض له ايضا ان شاء الله تعالى. (2): - لا ينبغي الاشكال في ان المالك بما انه الشريك الاعظم وبمقتضى السيرة القطعية الجارية، له الولاية على التقسيم واخراج الخمس من اي جزء من اجزاء ماله شاء وتعيينه فيه وليس للحاكم ولا للمستحق الزامه بالاعطاء من مال خاص كما مرت الاشارة إليه. اما ولايته على العزل وتعيين الخمس في المعزول بحيث لو تلف ولو بدون تعد أو تفريط لم يكن ضامنا ويكون بمثابة التلف في يد المستحق، فلم يدل عليه في المقام اي دليل وان ثبت ذلك في الزكاة

[ 338 ]

[ (مسألة 16) إذا كان في ذمة المستحق دين جاز له احتسابه خمسا وكذا في حصة الامام عليه السلام إذا اذن المجتهد (1). ] كما تقدم، فلا اثر هنا للافراز خارجا ويكون وجوده كعدمه، فإذا تلف ما افرزه قبل وصوله إلى المستحق أو الحاكم ولو بدون تعد أو تفريط لم يسقط الخمس، وعليه فلا تبرء ذمته إلا بقبض المستحق أو الحاكم سواء أكان عين ما تعلق به الخمس موجودا بعد أم تلف على وجه الضمان فانتقل الخمس إلى ذمته. نعم مع بقاء العين إذا اخرج خمسها لايصاله إلى اهله فتلف في الاثناء من غير تفريط، فمقتضى الاشاعة وقوع التلف على الشريكين بالنسبة بخلاف ما إذا كان الحق كليا في المعين لوجود الكلي في الباقي كما ان الامر كذلك إذا تلف مقدار من العين قبل الاخراج المزبور. وبالجملة فلا دليل على نفوذ العزل وتعين المعزول خمسا إلا إذا وقع باذن الحاكم الشرعي صريحا أو ضمنا كما إذا قال له ارسل الينا خمسك أو ابعثه إلى الجهة الكذائية فانه يتضمن الاذن في افراز الخمس من ماله وارساله ويتعين المفرز حينئذ خمسا بحيث لو تلف في الطريق لم يضمنه. ولعل الامر قد اشتبه على صاحب المستند حيث ادعى قيام الاجماع على ثبوت الولاية للمالك على الافراز، فان المسألة غير معنونة في كلماتهم كي يستظهر منها الاجماع، وانما المتسالم عليه الولاية - في مقام الاعطاء وتفريغ الذمة - على الاعطاء من اي مال شاء حسبما عرفت. وبالجملة فالمتبع هو الدليل ولم يرد نص على جواز العزل والافراز في المقام وما ورد يختص بباب الزكاة، إذا فالاقوى عدم الجواز. (1): - مقتضى ما تقدم من ظهور ادلة الباب في تعلق الخمس

[ 339 ]

[ (مسألة 17) إذا اراد المالك ان يدفع العوض نقدا أو عرضا لا يعتبر فيه رضا المستحق أو المجتهد بالنسبة إلى حصة الامام عليه السلام (1) وان كانت العين التي فيها الخمس موجودة لكن الاولى اعتبار رضاه خصوصا في حصة الامام عليه السلام. ] بعين المال عدم الاجتزاء بالاداء من مال آخر وعدم الولاية للمالك عليه إلا ما اثبته الدليل، وقد ثبت به ولايته على التبديل بمال آخر عينا نقدا كان ام عروضا أو بالنقل خاصة من درهم أو دينار أو ما يقوم مقامهما من النقود - على الخلاف المتقدم -. اما ولايته على احتساب الدين خمسا بجعل ماله في ذمة المستحق خمسا بدلا من الخمس المتعلق بالعين فهو يحتاج إلى دليل ولم يرد عليه دليل في المقام كما ورد في الزكاة. ولا يفرق فيما ذكرناه بين القول بكون الخمس ملكا لبني هاشم أو كونهم مصرفا له، ولا بين كون الملك على نحو الاشاعة أو الكلي في المعين أو غيرهما، فان تعلق الخمس بالعين حسبما هو المستفاد من الاخبار امر مطرد في جميع هذه التقادير، ولا مجال لرفع اليد عنه بتبديله بمال آخر إلا بمقدار دلالة الدليل، ولا دليل على تبديله بالدين وان ورد في الزكاة. نعم يجوز ذلك إذا اجاز الحاكم الشرعي ولو من باب الحسبة كما لا يخفى. ولا فرق فيما ذكرناه بين حق السادة وحق الامام (ع) لوحدة المناط فيهما كما هو ظاهر. (1): - إذ بعد ما عرفت من ثبوت ولاية المالك على تعيين الخمس

[ 340 ]

[ (مسألة 18) لا يجوز للمستحق ان يأخذ من باب الخمس ويرده على المالك إلا في بعض الاحوال كما إذا كان عليه مبلع كثير ولم يقدر على ادائه بان صار معسرا واراد تفريغ الذمة فحينئذ لا مانع منه إذا رضي المستحق بذلك (1). (مسألة 19) إذا انتقل إلى الشخص مال فيه الخمس ممن لا يعتقد وجوبه (2) كالكافر ونحوه لم يجب عليه اخراجه ] كالزكاة وان له الاخراج من اي جزء من اجزاء المال شاء، كما ان له التبديل والاخراج من مال آخر، فليس إذا للفقير معارضته ولا للفقيه مطالبته بغيره، فلا عبرة برضى غيره بعد نفوذ تصرفه. نعم في ولاية المالك على الدفع من غير النقدين، وما بحكمهما كلام قد تقدم. (1): - تقدم التعرض لذلك في مبحث الزكاة بما يجري في الخمس ايضا بمناط واحد حيث ذكرنا انه لا يجوز للمستحق الاخذ من المالك ثم الرد عليه تبرعا لانه تفويت للحق مناف لحكمة تشريعه إلا إذا فرضت هناك مصلحة مقتضية لذلك بحيث لم يصدق معها التفويت والتضييع، كما إذا كان من عليه الحق فقيرا متدينا تائبا وذمته مشغولة بما هو عاجز عن ادائه فانه لا بأس حينئذ بالاخذ والرد مقدمة لتفريغ ذمته لانه امر حسن مرغوب فيه شرعا. وبعبارة اخرى تشريع الخمس والزكاة انما هو لسد حوائج السادة والفقراء فلا يسوغ ارتكاب ما يتضمن اضاعة هذا الحق، اما ما لا اضاعة فيه فلا اشكال فيه حسبما عرفت. (2): - المعروف والمشهور تقييد الحكم بما إذا انتقل المال ممن لا

[ 341 ]

[ فانهم عليهم السلام اباحوا لشيعتهم ذلك سواء كان من ربح تجارة أو غيرها وسواء كان من المناكح والمساكن والمتاجر أو غيرها. ] يعتقد الخمس مع ان هذا القيد غير مذكور في شئ من روايات الباب. وكيفما كان فالاخبار في المسألة مختلفة ومتعارضة، كما ان الاقوال متشتته ومتضاربة (1) وبما ان المتبع هو الدليل، فلا بد من عرض الاخبار والنظر فيما هو المتحصل منها مقتصرين على النصوص المعتبرة معرضين عما لا عبرة به. فنقول ومنه الاستعانة. يظهر من جملة من الاخبار اباحة الخمس للشيعة اباحة مطلقة بلا قيد ولا شرط، وانهم في حل منه لا يجب عليهم اداؤه بتاتا. فكأن التشريع بالاضافة إليهم لم يتجاوز مرحلة الاقتضاء ولم يبلغ مقام الفعلية لاقترانه بتحليلهم واباحتهم صلوات الله عليهم. وبأزائها ما دل على عدم الاباحة مطلقا. وهناك ما تضمن التحليل بالنسبة إلى من انتقل إليه الخمس فيثبت حينئذ في ذمة من انتقل عنه وليس على من انتقل إليه شئ - بخلاف الزكاة حيث لم تسقط عمن انتقلت إليه كما تقدم - فهذه طوائف ثلاث من الاخبار. اما الطائفة الاولى فالعمدة منها صحيحة الفضلاء عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام


(1) خصوصا في شرح المراد من المساكن والمناكح والمتاجر بل قال في الجواهر: " يخشى على من امعن النظر فيها مريدا ارجاعها إلى مقصد صحيح من بعض الامراض العظيمة قبل ان يأتي بشئ إلى ان قال: وليتهم تركونا والاخبار " ج 16 ص 152.

[ 342 ]

هلك الناس في بطونهم وفروجهم لانهم لم يؤدوا الينا حقنا ألا وان شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل. (1) هكذا في التهذيب ورواها في الفقيه بلفظ (وابناءهم) بدل (وآباءهم) ولعله الاصح كما لا يخفى. ونحوها صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام انه قال: ان امير المؤمنين عليه السلام حللهم من الخمس يعني الشيعة ليطيب مولدهم (2) ومعتبرة الحارث بن المغيرة النصرى قال: دخلت على ابي جعفر عليه السلام فجلست عنده فإذا نجية قد استأذن عليه فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثم قال: جعلت فداك اني اريد أن اسألك عن مسألة والله ما اريد بها إلا فكاك رقبتي من النار، فكأنه رق له فاستوى جالسا إلى ان قال: اللهم انا قد احللنا ذلك لشيعتنا.. الخ (3) وقد عبر عنها في الحدائق (4) بالموثقة، ولم يظهر وجهه بعد جهالة جعفر بن محمد بن حكيم الواقع في سلسلة السند. نعم هو مذكور في اسناد كامل الزيارات، فهي موثقة على مسلكنا لا على مسلكه قدس سره. وأما روايته الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له ان لنا اموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك وقد علمت ان لك فيها حقا قال: فلم احللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم وكل من والى آبائي فهو في حل مما في ايديهم من حقنا فليبلغ الشاهد الغائب (5). فهي ضعيفة السند بأبي عمارة فانه مجهول، وان عبر عنها في


(1) الوسائل باب: 4 من ابواب الانفال الحديث: 1. (2) الوسائل باب: 4 من ابواب الانفال الحديث: 15. (3) الوسائل باب: 4 من ابواب الانفال الحديث: 14. (4) الجزء 16 ص 139. (5) الوسائل باب: 4 من ابواب الانفال الحديث: 9.

[ 343 ]

الحدائق (1) بالصحيحة. وهذه الروايات مضافا إلى معارضتها بما ستعرف من الطائفتين غير قابلة للتصديق في نفسها ولا يمكن التعويل عليها. اولا من اجل منافاتها لتشريع الخمس الذي هو لسد حاجات السادة والفقراء من آل محمد صلى الله عليه وآله، إذ لو لم يجب دفع الخمس على الشيعة والمفروض امتناع اهل السنة وانكارهم لهذا الحق فمن اين يعيش فقراء السادة، والمفروض حرمة الزكاة عليهم، فلا يمكن الاخذ باطلاق هذه النصوص جزما. وثانيا انها معارضة بالروايات الكثيرة الآمرة بدفع الخمس في الموارد المتفرقة والاجناس المتعددة كقوله عليه السلام: خذ من اموال الناصب ما شئت وادفع الينا خمسه، أو من اخذ ركازا فعليه الخمس، وما ورد في ارباح التجارات من صحيحة علي بن مهزيار الطويلة وغيرها. فلو كان مباحا للشيعة وساقطا عنهم فلماذا يجب عليهم الخمس، وما معنى الامر بالدفع في هذه النصوص المتكاثرة، وهل ترى ان ذلك لمجرد بيان الحكم الاقتضائي غير البالغ مرحلة الفعلية بقرينة نصوص التحليل. هذا مضافا إلى معارضتها ب‍ الطائفة الثانية الظاهرة في نفي التحليل مطلقا مثل ما رواه علي بن ابراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام إذا دخل عليه صالح بن محمد بن سهل وكان يتولى الوقف بقم فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة الاف درهم في حل فاني قد انفقتها، فقال له: انت في حل، فلما خرج صالح، فقال أبو جعفر عليه السلام: احدهم يثب


(1) ج 16 ص 138.

[ 344 ]

على اموال (حق) آل محمد وايتامهم ومساكينهم وابناء سبيلهم فيأخذه ثم يجئ فيقول اجعلني في حل، أتراه ظن أني اقول لا افعل والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا (1). فان الظاهر بمقتضى القرائن الموجودة فيها ان المراد من الاموال هو الخمس كما لا يخفى. ومعتبرة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: من اشترى شيئا من الخمس لم يعذره الله، اشترى ما لا يحل له (2). والظاهر أنها معتبرة فان المراد بالحسين - الواقع في السند - هو ابن سعيد الذي يروي عنه احمد بن محمد، كما ان المراد بالقاسم هو ابن محمد الجوهري فتصبح الرواية معتبرة، وقد فات صاحب الوسائل هنا روايتها بسند آخر قد تعرض له في باب بيع السرقة حيث يرويها هناك عن الحسين بن سعيد عن ابان، ومعه لا اشكال في السند بوجه. نعم الرواية السابقة المتضمنة لقصة صالح اقوى دلالة لاختصاص موردها بالشيعة وأما هذه فمطلقة تعم الشيعة وغيرهم فمن الجائز ان يراد الثاني خاصة كما لا يخفى هذا. وقد اختار صاحب الحدائق في مقام الجمع بين هاتين الطائفتين المتعارضتين أن الساقط انما هو حصة الامام عليه السلام، اعني نصف الخمس، وأما النصف الآخر اعني حق السادة فلا بد من دفعه إليهم. وهذا كما ترى مجرد اقتراح من غير ان يعرف له أي وجه، بل ان مقتضى التعليل بطيب الولادة الوارد في بعض نصوص التحليل تعلق


(1) الوسائل باب 3 من أبواب الانفال الحديث: 1. (2) الوسائل باب 3 من ابواب الانفال الحديث: 5.

[ 345 ]

الحلية بتمام الخمس لعدم تحقق الطيب بدون ذلك كما لا يخفى. نعم قد خص التحليل في بعض النصوص بحصته عليه السلام كما في صحيح ابن مهزيار: " من اعوزه شئ من حقي فهو في حل " (1) ولكنه خاص بالمحتاجين والمعوزين لا مطلق الشيعة الذي هو محل الكلام فهو اجازة لصنف خاص في صرف سهم الامام، واجنبي عما نحن فيه من التحليل العام لمطلق الشيعة. نعم تضمنت رواية أبي حمزة تحليل ثلاثة اسهم: أي نصف الخمس لمطلق الشيعة (2) لكنها لا تدل على الحصر وان التحليل يختص بذلك لينافي ما دل على التحليل في تمام الخمس، فمفادها ليس إلا تحليل هذه الاسهم، لا عدم تعلق التحليل ببقية السهام، فالدلالة قاصرة. مضافا إلى ان السند ضعيف أيضا بعلي بن العباس الذي ضعفه النجاشي صريحا، فلا يمكن التعويل عليها. والاقوى في مقام الجمع حمل نصوص التحليل على ما انتقل إلى الشيعة ممن لا يعتقد الخمس - اولا يخمس وان اعتقد كما ستعرف - وأما ما وجب على المكلف نفسه فلا موجب لسقوطه، ولم يتعلق به التحليل فتكون نصوص التحليل ناظرة إلى الاول، ونصوص العدم إلى الثاني. وتدلنا على هذا التفصيل. طائفة ثالثة من الاخبار تعد وجها للجمع بين الطائفتين المتقدمتين وشاهدا عليه، والعمدة منها روايتان. احداهما ما رواه الشيخ والصدوق باسنادهما عن يونس بن يعقوب


(1) الوسائل باب: 4 من ابواب الانفال الحديث: 2. (2) الوسائل باب: 4 من ابواب الانفال حديث: 19.

[ 346 ]

قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل من القماطين فقال: جعلت فداك تقع في ايدينا الاموال والارباح وتجارات نعلم ان حقك فيها ثابت وانا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبد الله عليه السلام ما انصفناكم ان كلفناكم ذلك اليوم (1). وهي وان كانت ضعيفة السند بطريق الشيخ من اجل محمد بن سنان ولكنها معتبرة بطريق الصدوق لخلوه عنه، وان اشتمل على الحكم بن مسكين فانه ثقة على الاظهر، وقد دلت على التحليل بالاضافة إلى الاموال التي تقع في الايدي، أي تنتقل من الغير بشراء ونحوه وأنه لا يجب على الآخذ ومن انتقل إليه اعطاء الخمس، وأنهم عليهم السلام حللوا ذلك لشيعتهم. ثانيتهما ما رواه الشيخ باسناده عن أبي سلمة سالم بن مكرم وهو أبو خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج، ففزع أبو عبد الله عليه السلام، فقال له رجل: ليس يسألك ان يعترض الطريق، إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا اعطيه، فقال: هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما والله لا يحل الا لمن احللنا له... الخ (2) وهي صريحة في المدعى اعني التحليل في المال المنتقل إليه بشراء ونحوه. كما انها صحيحة السند على الاظهر، فان سالم بن مكرم المكنى بابي خديجة تارة وبأبي سلمة اخرى كناه بها الصادق عليه السلام على


(1) الوسائل باب: 4 من ابواب الانفال الحديث: 6. (2) الوسائل باب 4 من أبواب الانفال الحديث: 4.

[ 347 ]

ما رواه الكشي، ثقة جدا على ما نص عليه النجاشي بقوله: ثقة ثقة أي ليست فيه أية شبهة. ولكن الشيخ الطوسي قدس سره ضعفه بعد ان عنونه بقوله: (سالم بن مكرم يكنى أبا خديجة ومكرم يكنى أبا سلمة) فجعل أبا سلمة كنية لابيه لا لنفسه، بل صرح في الفهرست في آخر الترجمة بقوله: ".. عن سالم بن أبي سلمة وهو أبو خديجة ". ولكن هذا سهو منه جزما، فان سالم بن مكرم هو سالم أبو سلمة على ما صرح به النجاشي والبرقي وابن قولويه في غير مورد، وقد سمعت عن الكشي عن العياشي عن ابن فضال ان الصادق عليه السلام كناه بأبي سلمة بعد ان كان يكنى بأبي خديجة، فهو سالم أبو سلمة لا ابن أبي سلمة. والذي هو محكوم بالضعف هو سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني الذي وصفه النجاشي بقوله: " حديثه ليس بالنقي وان كان لا نعرف منه إلا خيرا له كتاب ". وهذا شخص آخر غير ابن مكرم، ولم يتعرض له الشيخ لا في الفهرست مع ان له كتابا، ولا في رجاله، فيعلم من ذلك ان الشيخ تخيل انهما شخص واحد وان سالم بن مكرم هو سالم بن أبي سلمة، وليس كذلك قطعا حسبما عرفت. والمتحصل من جميع ما ذكرناه لحد الان ان المستفاد من نصوص الباب بعد ضم البعض إلى البعض والجمع بينهما انما هو التفصيل بين الخمس الواجب على المكلف بنفسه ابتداء فلا تحليل، وبين ما انتقل إليه من الغير فلا خمس عليه وإنما هو في عاتق من انتقل عنه، فيتعلق

[ 348 ]

ببدله ان كان له بدل وإلا ففي ذمته كما في الهبة. ومرجعه إلى اجازة ذلك النقل من قبل ولي الامر. وإنما الكلام في ان ذلك هل يختص بما إذا كان المنتقل عنه ممن لا يعتقد الخمس بتاتا كالمخالف والكافر أو يعم مطلق من لم يخمس ولو عصيانا مع كونه معتقدا كفساق الشيعة؟ المذكور في كلمات الاصاحب رضوان الله عليهم هو الاول، حيث قيدوا الحكم بما انتقل ممن لا يعتقد. ولكنا لا نعرف وجها لهذا التقييد بعد ان كانت الروايتان المتقدمتان - صحيحتا يونس بن يعقوب وسالم بن مكرم - مطلقتين من هذه الجهة وهما العمدة في المسألة كما عرفت، فان المذكور فيهما وقوع الاموال في الايدي، أو الشراء، أو اصابة الارث ونحوه ويجمعها انتقال ما فيه الخمس من الغير سواء أكان ذلك الغير الممتنع عن دفع الخمس معتقدا فاسقا ام مخالفا منكرا. ودعوى ان جميع الشيعة كانوا يخمسون اموالهم في زمانهم عليهم السلام غير مسموعة، إذ هي غير بينة ولا مبينة، بل الظاهر ان الازمنة متشابهة والقرون متقاربة، ويتضمن كل عصر مع هداية السبيل شاكرا وكفورا فيؤدي الخمس طائفة ولا يؤديه طائفة اخرى كما هو المشاهد في العصر الحاضر. وعليه فاطلاق الراويتين هو المحكم بعد سلامته عما يصلح للتقييد، ويقيد بذلك ما دل على وجوب ايصال الخمس إلى مستحقه حسبما عرفت. هذا كله فيما إذا كان المال المنتقل من الغير بنفسه متعلقا للخمس، وقد عرفت أنه حلال لمن انتقل إليه بمقتضى نصوص التحليل، والتكليف

[ 349 ]

بالاداء باق على عهدة من انتقل عنه. وأما إذا انتقل مال لم يكن بنفسه متعلقا للخمس بل الخمس ثابت في ذمة من انتقل عنه لا في عين ماله فالظاهر خروجه عن نصوص التحليل. وهذا كما لو وجب الخمس على المكلف فاتلفه ولو بمثل الهبة فانتقل الخمس إلى ذمته ثم مات وانتقلت امواله إلى وارثه الشيعي فان مثل هذا النقل المستند إلى الارث غير مشمول لدليل التحليل، إذ لا يصدق عليه ان فيه حقهم. وقد ذكرنا في محله ان حق الديان غير متعلق بالاعيان، بل تنتقل التركة إلى الورثة، لكن فيما زاد على مقدار الدين لتأخر مرتبة الارث عنه على ما نطقت به الآية المباركة: " من بعد وصية يوصى بها أو دين ". أما مقدار الدين فهو باق على ملك الميت يصرف في تفريغ ذمته عنه ولم ينتقل إلى الوارث لكي يتوهم اندراجه في نصوص التحليل. وعلى الجملة حال الخمس من هذه الجهة حال الزكاة وغيرها من ساير الديون المحكومة بلزوم اخراجها عن التركة أولا ثم التقسيم بين الورثة، فمقدار الخمس لم ينتقل إلى الوارث بتاتا، بل هو دين باق على ملك الميت، ومورد روايات التحليل هو المال الخارجي الذي فيه حقهم. وأما المال الذي ليس فيه الخمس وإنما هو معد لتفريغ الذمة عن الخمس أو غيره من ساير الديون فهو غير مشمول لتلك النصوص بوجه حسبما عرفت والله سبحانه اعلم.

[ 350 ]

تذييل: في الانفال جرت عادة الفقهاء على التعرض للانفال بعد الفراغ عن كتاب الخمس لما بينهما من المناسبة باعتبار ان الخمس نصفه للامام، أما الانفال فتمامها له قال سبحانه: يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول (1) - وقد دلت النصوص المتظافرة على ان ما كان لله والرسول فهو للامام من بعده -. وقد احببنا التعرض لها استجابة لطلب ثلة من فضلاء البحث. فنقول ومنه الاستعانة: ذكر الفقهاء موارد لذلك، وقد اختلفت كلماتهم في تعدادها. فمنها كل ارض يغنمها المسلمون من الكفار بغير قتال (1) أما


(1) سورة الانفال الآية 1. (. 1) في رسالة شيخنا الوالد قدس سره التي كتبها في الخمس ما لفظه " قد تسالم الاصحاب على ان ما يؤخذ من غير ان يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو من الفئ والانفال وهو لله ولرسوله وبعده للقرابة والمال المأخوذ من بني النضير حسب حكاية الكتاب في سورة الحشر وهو قوله تعالى: وما افاء الله على رسوله منهم... الخ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو لله ورسوله ولا يشاركه شركاؤه في الخمس، مع ان الآية المتصلة بهذه الآية من دون ذكر عاطف مشعر بالمغايرة مصرحة بعين ما صرحت به في آية الغنيمة قال تعالى: ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل =

[ 351 ]

= وفي جملة من الكلمات التصريح بان الآية الثانية بيان للاولى ولذلك لم تعطف عليها ومنها الفيض في تفسيره والفاضل المقداد في كنز العرفان ونقل عن الكشاف. وان كانت الآية الثانية غير مرتبطة بسابقتها، ولا ينافيه عدم العطف كما ان ذكر العاطف لا ينافي التوكيد، بل كانت من آيات الخمس وكانت متحدة المفاد مع آية سورة الانفال، فيشكل حينئذ بان صريح الآية ان ما افاء الله من اهل القرى بتمامه لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. ومحصل الشبهة ان الآية الاولى ساكتة عن بيان المصرف وتعيين من له المال، والثانية ان كانت مبينة لاجمال الاولى فينافيه ما هو المسلم من ان المأخوذ بلا خيل ولا ركاب من الانفال، وان كانت مساوقة لآية: واعلموا انما غنمتم الواقعة في سورة الانفال فلا يوافق ما هو المسلم أيضا من ان المأخوذ بالقتال يخمس وخمسه يقسم بين الطوائف المذكورة، وظاهر الآية عدم اعطاء شئ لغير الامام. وان كانت متعرضة لعنوان ثالث وكبرى أخرى غير الفئ والغنيمة فما هي تلك الكبرى التي لم يعنونها الفقهاء في كتب الاستدلال، هذا ما خطر بالبال في تقريب الاشكال " انتهى. اقول: - قد أشير إلى الاشكال في جملة من الكلمات، وتقصي عنه بوجوه لا تخلو عن الخدش كما لا يخفى على من لاحظها، التي منها، ما عن المحقق الاردبيلي (قده) في كشف آياته - قال ما لفظه: - المشهور بين الفقهاء ان الفئ له صلى الله عليه وآله وبعده للقائم مقامه يفعل

[ 352 ]

به ما يشاء، كما هو ظاهر الآية الاولى، والثانية تدل على انه يقسم كالخمس، فأما ان يجعل هذا غير مطلق الفئ فيئا خاصا كان حكمه هكذا، أو منسوخا، أو يكون تفضلا منه، وكلام المفسرين أيضا هنا لا يخلو عن شئ انتهى. ويظهر من الشيخ في التبيان ان الايتين تنظران إلى مال واحد هو الفئ، يشير الصدر إلى من بيده أمر هذا المال، والذيل إلى من يستحق الصرف فيه، وأن النبي صلى الله عليه وآله ومن يقوم مقامه يضعه في المذكورين في هذه الآية وهو أيضا كما ترى: هذا. وقد أجاب سيدنا الاستاذ دام ظله عن الاشكال: - بان موضوع الآية الاولى هو ما لم يوجب عليه بخيل ولا ركاب، وهو راجع إلى النبي الاكرم صلى الله عليه وآله والآية المباركة ظاهرة في ذلك، ومع التنزل عن ظهور الآية ودعوى سكوتها عن بيان المصرف، فالروايات صريحة الدلالة على ذلك، ولا خلاف في المسألة. وأما الآية الثانية، فموضوعها - ما افاء الله على رسوله من أهل القرى - والمراد به ما يؤخذ منهم بالقتال وبعد الغلبة عليهم ودخول قراهم، بقرينة المقابلة مع الآية الاولى، ولم يذكر فيها ان ما يرجع إلى النبي الاكرم صلى الله عليه وآله أي مقدار مما غنمه المسلمون، الا أن آية الغنيمة قد كشفت القناع عنه وبينت ان ما يغنمه المسلمون فخمسه يرجع إليه صلى الله عليه وآله، كما وبين أيضا مصرفه في كلتا الآيتين. ولا يقدح تخصيصه صلى الله عليه وآله بالذكر مع أنه احد الستة، لكونه المحور والاصيل في هذا التسهيم كما لا يخفى، هذا.

[ 353 ]

بصلح أو بجلاء اهلها، وقد دلت عليه جملة من الاخبار. منها معتبرة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما يقول الله: " يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول " وهي كل ارض جلى اهلها من غير ان يحمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب فهي نفل لله وللرسول صلى الله عليه وآله (1). وموثقة سماعة قال: سألته عن الانفال، فقال: كل ارض خربة أو شئ يكون للملوك فهو خالص للامام وليس للناس فيها سهم، = وان صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) صريحة في ان الآية الثانية ناظرة إلى الغنيمة، كما ان الاولى ناظرة إلى الانفال. قال (ع) الفئ والانفال ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة الدماء، وقوم صولحوا واعطوا بايديهم، وما كان من ارض خربة أو بطون أو دية فهو كله من الفئ، فهذا لله ولرسوله، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث يشاء، وهو للامام بعد الرسول وأما قوله: " وما افاء الله على رسوله منهم فما اوجفتم عليه من خيل ولا ركاب " قال ألا ترى هو هذا وأما قوله: " ما افاء الله على رسوله من اهل القرى " فهذا بمنزلة المغنم. الخ (2). ولا ينافيه التعبير بالمنزلة المشعر بالمغايرة، لجواز كون التغاير من اجل اختلاف المورد، بعد الاشتراك في الحكم، نظرا إلى ان الغالب في الغنائم، الاستيلاء عليها في دار الحرب، وميدان القتال، لا من اهل القرى فأشير إلى تنزيل احدى الغنيمتين منزلة الاخرى.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب الانفال الحديث 9 وفيه سقط كما نبه عليه المعلق. (2) الوسائل باب 1 من أبواب الانفال الحديث: 12.

[ 354 ]

قال: ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سمعه يقول: ان الانفال ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا واعطوا بايديهم، وما كان من ارض خربة أو بطون أو دية فهذا كله من الفئ والانفال لله وللرسول، فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يحب (1). انما الكلام في ان ذلك هل يختص بالاراضي أو يعم كل ما يغنمه المسلمون من الكفار ولو كان غير الاراضي كالفرش والاواني ونحوها من المنقولات، فهل تعد هذه أيضا من الانفال أو أنها من الغنائم ويجب خمسها؟. لعل المشهور بين الفقهاء هو الاختصاص حيث قيد الموضوع في كلماتهم بالاراضي. ولكن التعميم غير بعيد لامكان استفادته من بعض الاخبار. منها صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الانفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم اعطوا بايديهم، وكل ارض خربة وبطون الاودية فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو للامام من بعده يضعه حيث يشاء (2) فان الموصول مطلق يعم الارض وغيرها. وصحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: السرية يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: ان قاتلوا عليها


(1) الوسائل باب 1 من ابواب الانفال الحديث 8، 10. (2) الوسائل باب 1 من ابواب الانفال الحديث: 1.

[ 355 ]

مع امير امره الامام عليهم اخرج منها الخمس لله وللرسول، وقسم بينهم اربعة اخماس، وان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للامام يجعله حيث احب (1). دلت بصيغة العموم على شمول الحكم لكل غنيمة لم يقاتل عليها، يبقى ظهور النصوص المتقدمة في الاختصاص حيث انها وردت في مقام البيان وشرح مفهم الانفال. وظاهر التفسير ان للارض خصوصية في هذا العنوان فله نوع مفهوم يدل على نفي الحكم عن غيره، إذ ما ورد في مقام التحديد يدل على المفهوم بطبيعة الحال كالروايات الواردة في تحديد مفهوم الكر، ولاجله يقيد الاطلاق في هاتين الروايتين. ولكن لا بد من رفع اليد عن هذا الظهور. أما اولا فلان تلك الروايات لم تكن في مقام بيان الانفال بتمام اقسامها، كيف وهي غير منحصرة في الاراضي بالضرورة فان منها قطايع الملوك وميراث من لا وارث له والمعادن ونحوها، ولم يتعرض فيها إليها فيعلم انها بصدد بيان مصداق الانفال ولو من باب المثال لا تحديد مفهومه ليدل على الانحصار كما لا يخفى. وثانيا ان الظهور المزبور وان كان قابلا لان يتقيد به الاطلاق في صحيحة حفص إلا أنه غير قابل لان يخصص به العموم في صحيحة معاوية بن وهب، اعني قوله عليه السلام: " كان كل ما غنموا.. الخ " حيث ان دلالتها على الشمول والاستيعاب بالعموم اللفظي والدلالة الوضعية التي هي اظهر من الاطلاق واقوى من الظهور المزبور المستند إلى المفهوم فانه كالصريح في عدم الفرق بين الارض وغيرها وان


(1) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 3.

[ 356 ]

المدار على الاغتنام بمفهومه العام الشامل لكلا الموردين بمناط واحد. على ان في صدر هذه الرواية دلالة اخرى على الشمول لغير الاراضي اعني قوله: " فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ " فان السؤال عن تقسيم ما يصيبونه من الغنائم ظاهر في المنقول، بل لعله القدر المتيقن منه بحيث لا يمكن التخصيص بالاراضي قطعا. وعليه فلا مناص من الاخذ بعموم هذه الصحيحة ورفع اليد عن ظهور تلك الروايات في الحصر بصراحة هذه - بمقتضى الدلالة الوضعية - في العموم وعدم الحصر. فتحصل ان ما ذكره جماعة من عدم الاختصاص بالاراضي وشمول الحكم لكل ما يؤخذ من الكفار بغير قتال المطابق لاطلاق الآية المباركة " ما افاء الله على رسوله.. الخ " هو الاظهر. ثم لا يخفى ان مقتضى المحافظة على العنوان المأخوذ في هذا القسم من الانفال بحيث يعد قسما برأسه وبحياله واستقلاله في مقابل القسم الآتي، تعميم الحكم لمطلق الارض التي يستولي عليها المسلمون بغير قتال سواء أكانت من الموت أم المحياة كما يقتضيه أيضا اطلاق كلماتهم، إذ لو كانت مختصة بالموات لم يكن وجه حينئذ للتقييد بعدم القتال المأخوذ في هذا العنوان، ضرورة ان الاراضي الميتة التي يستولي عليها المسلمون تعد من الانفال حتى إذا كان ذلك مع القتال، إذ الشرط في الاراضي التي تكون ملكا للمسلمين المأخوذة من الكفار بالقتال المعبر عنها بالاراضي الخراجية تارة وبالمفتوحة عنوة اخرى ان تكون عامرة حال الفتح، وإلا فهي من الانفال سواء أكان الاستيلاء مع القتال أم بدونه. فالموضوع في هذا القسم اعم من كون الاراضي خربة

[ 357 ]

مواتا أم عامرة محياة حسبما عرفت. نعم في صحيحة حفص المتقدمة قيدت الارض بالخربة، وظاهرها الاختصاص، لكن لا بد من رفع اليد عنه تحكيما لعموم - كل غنيمة - الوارد في صحيحة ابن وهب المتقدمة والمؤيد بما ورد في جملة من الاخبار منها صحيحة الكابلي: من ان الارض كلها للامام وأن الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، قال عليه السلام ونحن المتقون (1) ومنها - أي من الانفال - كل ارض ميتة لا رب لها سواء لم يكن لها رب اصلا كالبراري والمفاوز، أو انه تركها أو باد عنها بحيث عرضها الخراب بانجلاء الاهل أو هلاكهم فيعم الحكم مطلق الموات ذاتا كان أم عرضا، وتدل عليه جملة من الاخبار. منها صحيحة حفص بن البختري المتقدمة قال عليه السلام فيها: " وكل ارض خربة... الخ ". ومنها موثقة سماعة قال: سألته عن الانفال، فقال: كل ارض خربة... الخ. وصحيحة محمد بن مسلم قال عليه السلام فيها: " وما كان من ارض خربة.. " (2). واطلاقها وان شمل ما إذا كان لها مالك معلوم بالفعل إلا أنه لابد من رفع اليد عنه وتقييده بما إذا انجلى اهلها واعرضوا عنها بمقتضى موثقة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الانفال فقال: هي القرى التي قد خرجت وانجلى اهلها... الخ (3). فيعلم من ذلك ان مجرد الخراب لا يستوجب الخروج عن ملك المالك


(1) الوسائل باب: 3 من ابواب احياء الموات الحديث 2. (2) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 1، 8، 10. (3) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 20.

[ 358 ]

والدخول في ملك الامام (ع) ليعد من الانفال، بل هو مشروط بالاعراض والانجلاء. وبالجملة فالارض الخربة التي لم يسبق إليها ملك احد أو سبق ولكن انجلى واعرض أو باد اهلها كل ذلك ملك للامام عليه السلام. وانما الكلام في ان ذلك هل يختص بما إذا كان المالك معلوما بان كان شخصا معينا كزيد، أو عنوانا كالوقف على الزوار مثلا، أو يعم ما إذا كان سنخ الملك من قبيل ما يملكه المسلمون في الاراضي الخراجية، فلو خربت بعد ان كانت عامرة وانجلى عنها اهلها فهل تعد حينئذ من الانفال وتنتقل إلى الامام، أو ان حكمها حكم الملك الشخصي الذي له مالك معين بالفعل في أنه بمجرد الخراب لا يخرج عن ملكه ولا ينقل إلى الامام كما عرفت، فلا فرق في عدم انتقال ماله مالك فعلي إلى الامام بين ما كان المالك شخصا معينا أو جهة - كالوقف - أو عامة المسلمين كالمقام فان هذا أيضا له مالك معلوم. فمثل ارض العراق المعبر عنها بارض السواد التي كانت عامرة حال الفتح وكانت ملكا لعامة المسلمين، وكذا البحرين - وان كان يظهر من بعض الاخبار انها كالمدينة - لو عرضها الخراب فهل تنتقل إلى الامام أو تبقى على ما كانت عليه من كونها ملكا لعموم المسلمين؟ ظاهر المحقق وصاحب الجواهر هو الثاني، ولكنه لا يخلو عن الاشكال، بل لا يبعد خروجها عن ملك المسلمين بالخراب، فيعتبر في ملكيتهم كونها عامرة حدوثا وبقاء، نظرا إلى أنه ليس لدينا اطلاق يقتضي كونها ملكا للمسلمين حتى بعد الخراب فلا يبقى إلا استصحاب عدم الخروج بالخراب عن ملكهم.

[ 359 ]

ولكنه على تقدير جريانه في الشبهات الحكمية لا يعارض الدليل، اعني عموم ما دل على ان كل ارض خربة للامام على ما نطقت به صحيحة ابن البختري المتقدمة. وعلى تقدير تسليم الاطلاق في ادلة ملكية المسلمين للمفتوحة عنوة بحيث يشمل ما بعد الخراب فغايته معارضة العموم المزبور مع هذا الاطلاق بالعموم من وجه، ولا شك ان العموم اللفظي مقدم على الاطلاق. ويترتب على هذا البحث اثر مهم جدا، فان تلك الخربة لو كانت من الانفال فبما انهم عليهم السلام حللوها وملكوها لكل من احياها بمقتضى قوله عليه السلام: " من احيا ارضا فهي له " فلو احيا تلك الخربة احد كانت ملكا شخصيا له بمقتضى الاذن العام الصادر منهم لعامة الانام. وأما لو لم تكن من الانفال فهي باقية على ما كانت عليه من ملكية عامة المسلمين، ولا تكون بالاحياء ملكا شخصيا لاحد. وعليه فلو فرضنا ان الارض المعينة كانت من الخراجية وهي تحت يد شخص يدعي الملكية واحتملنا انها خربت وقد عمرها هو أو من انتقلت عنه إليه ولو في الازمنة السالفة فانه على المختار بانها له بمقتضى قاعدة اليد لاحتمال مالكيته واقعا باحيائه الارض بعد خرابها وصيرورتها من الانفال التي تملك بالاحياء. وملخص الكلام ان عموم قوله عليه السلام في موثق اسحاق بن عمار وكل ارض لا رب لها، أو ما كان من الارض بخربة (1) غير قاصر الشمول للمقام، فان الرب بمعنى المالك، والمتصدي لعمارة الارض


(1) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 20.

[ 360 ]

المعبر عنه عرفا بصاحب الارض وهو صادق على الارض الخربة وان كانت خراجية، فهي فعلا ملك للامام وان كانت سابقا ملكا للمسلمين. وهذا القول هو الاصح وان كان على خلاف المشهور بين المتأخرين كصاحب الجواهر وغيره حيث ذكروا ان هذه الاراضي حكمها حكم ما كان له مالك معين، فكما لا تخرج عن ملكه بالخراب كذلك المفتوحة عنوة إلا في قسم خاص لم نتكلم فيه وهي الملكية التي منشؤها الاحياء فان فيها كلاما طويلا عريضا من حيث رجوعها بعد الخراب إلى الامام عليه السلام وعدمه مذكور في كتاب احياء الموات وخارج عن محل كلامنا. وقد تعرضنا له في اوائل شرائط العوضين من كتاب المكاسب. بقى هنا شئ وهو ان المذكور في كلماتهم في هذا العنوان الارض الخربة اصالة أو عرضا أو الميتة. والظاهر أنه لا اختصاص للخراب بل المحياة والعامرة أيضا كذلك، فلو كانت الارض محياة من اصلها كبعض الجزر المشتملة على الاشجار والثمار شملها عموم قوله عليه السلام وكل ارض لا رب لها، إذ الارض مطلق يشمل الموات والعامرة بمناط واحد، فإذا لم يكن لها رب أي من يربيها ويصلحها فهي للامام عليه السلام وان كانت محياة بالاصل بقدرة الله تعالى. مضافا إلى ما في صحيح الكابلي المتقدم: من ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين المنطبق عليهم عليهم السلام، فانها تعم المحياة كالموات ولا خصوصية للثاني، إذ العبرة بكونها لا رب لها. نعم في مرسلة حماد: " وكل ارض ميتة لا رب لها... الخ " (1)


(1) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 4.

[ 361 ]

قيدت الارض بالميتة لكنها مضافا إلى الارسال قاصرة الدلالة، إذ القيد لا مفهوم له ولعله منزل على الغالب فلا يعارض العموم في قوله عليه السلام في موثق اسحاق: وكل ارض لا رب له. ومنها سيف البحار اي ساحلها ذكره المحقق في الشرايع وغيره ولم يرد فيه اي نص ولكنه لا يحتاج إلى الدليل، لانها اما من الاراضي المحياة بالاصالة كساحل نيل مصر، أو موات كسواحل البحار المرة، وعلى التقديرين فهي مندرجة في عموم قوله عليه السلام: وكل ارض لا رب لها. ومنها رؤوس الجبال والآجام وبطون الاودية. اما الاولان فلم يردا في رواية معتبرة فيندرجان في الاراضي الموات أو فقل في الاراضي التي لا رب لها، ولا خصوصية لهما. نعم وردا في روايات ضعاف، وهي على القول بالانجبار بالعمل تصبح معتبرة. واما بطون الاودية فقد وردت في روايتين معتبرتين وهما صحيحتا حفص بن البختري ومحمد بن مسلم (1). وقد وقع الكلام في انها هل هي بعنوانها من الانفال كما هو مقتضى المقابلة مع الارض الخربة في هاتين الصحيحتين أو انها قسم منها، والعطف من قبيل عطف الخاص على العام كما في قوله تعالى: فيهما فاكهة ونخل ورمان على ما ذكره بعضهم. وتظهر الثمرة فيما إذا كانت بطون الاودية عامرة حال الفتح. فعلى الاول كانت من الانفال نظرا إلى ان اطلاق البطون يشمل الموات والمحياة ويكون ذلك بمنزلة الاستثناء مما دل على ملكية المسلمين للاراضي الخراجية.


(1) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 1، 10.

[ 362 ]

وعلى الثاني تختص البطون بالخربة ولا تعم العامرة فتبقى على ملكية المسلمين على ما هو الشأن في ساير الاراضي الخراجية المفتوحة عنوة والاول غير بعيد جمودا على ظاهر المقابلة حسبما عرفت. وهل يختص الحكم بما كان بطنا للوادي بحسب طبعه، أو يعم ما إذا انقلب إليه بعدما كان ملكا شخصيا لاحد بمثل زلزلة أو سيل ونحوهما. وهكذا الحال في رؤوس الجبال والآجام واحتمل التعميم جماعة وناقش فيه ابن ادريس وتبعه في المدارك نظرا إلى انصراف النص عن مثل ذلك. ومحل الكلام فعلا ما لو كانت الملكية مستندة إلى شراء ونحوه. واما المستندة إلى الاحياء ففيه كلام لا يخص بطن الاودية، وهو انه لو ملك شخص بالاحياء ثم خربت فهل ترجع إلى الامام عليه السلام أو تبقى في ملك المحيي؟ فيه بحث مذكور في كتاب الاحياء، ولعل الاظهر هو الرجوع إلى الامام عليه السلام. وكيفما كان فهو خارج عن محل الكلام. والبحث فعلا متمحض فيما لو ملك بغير الاحياء. والظاهر انه لا يرجع إلى الامام، وان احتمل بعضهم ان عنوان بطن الوادي عنوان مستقل فيشمل بمقتضى اطلاقه ما كان منقلبا عن الملك الشخصي بزلزلة ونحوها، ولكنه لا يتم. والوجه فيه ان مورد هاتين الروايتين هي الاموال التي تنتقل من الكفار إلى المسلمين كما يشهد به صدرهما من فرض المصالحة وعدم القتال وانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فذكر البطون في هذا السياق يكشف عن كون النظر مقصورا على ما يتسلمه المسلمون من الكفار، فلا تشمل الارض التى هي ملك شخصي لمسلم ثم صارت

[ 363 ]

بطن الوادي بزلزلة ونحوها فليست هي في مقام بيان ان كل شئ صدق عليه بطن الوادي فهو من الانفال ليعم المقام، فالمقتضى قاصر لعدم انعقاد الاطلاق من اصله. وان ابيت فلا ينبغي الشك في انه منصرف عن مثل المقام قطعا فتدبر جيدا. ومنها صفايا الملوك ولا اشكال كما لا خلاف في كونها من الانفال كما تقدم الكلام عنه في اول بحث الغنائم، وقد دلت عليه جملة من الاخبار كصحيحة داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قطايع الملوك كلها للامام وليس للناس فيها شئ (1). ونحوها موثقة سماعة وغيرها. ومنها المعادن والاقوال فيها ثلاثة: احدها انها من الانفال مطلقا سواءا أكانت في الملك الشخصي ام في الملك العام كالمفتوحة عنوة، غايته انهم عليهم السلام اباحوها لكل من اخرجها فيملكها بعد اداء خمسها وان لم يكن شيعيا. ثانيها انها ليست من الانفال مطلقا استنادا إلى ادلة الخمس فيملك المستخرج بعد اداء الخمس، اربعة اخماس منها بحكم الشارع وتحليل من الله لا بصدور الاذن من الامام عليه السلام. ثالثها التفصيل بين المعدن المستخرج من ارض هي من الانفال وبين المستخرج من غيرها، فالاول من الانفال بتبع الارض دون الثاني. وهذا التفصيل غير بعيد وان لم يكن لهذا البحث اثر عملي لوجوب التخميس بعد الاستخراج على كل حال، والبحث علمي محض، وان تملك الاربعة اخماس هل هو بتحليل من الله تعالى ابتداء أو باذن من الامام عليه السلام؟


(1) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 6.

[ 364 ]

وتدل على التفصيل صحيحة اسحاق بن عمار قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الانفال، فقال: هي القرى التي قد خربت إلى قوله.. وكل ارض لا رب لها والمعادن منها (أو) فيها - على اختلاف النسخ (1) فان الضمير في منها أو فيها يرجع إلى الارض فعد من الانفال المعادن من هذه الاراضي التي تكون هي بنفسها ايضا من الانفال لا مطلق المعادن فلاحظ. ومنها ميراث من لا وارث له، وهذا ايضا مما لا اشكال فيه، وقد دلت عليه الروايات المعتبرة المذكورة في كتاب الارث، ولم يذكر صاحب الوسائل منها ههنا إلا رواية واحدة وهي موثقة ابان بن تغلب عن ابي عبد الله عليه السلام: في الرجل يموت ولا وارث له ولا مولى، قال: هو من اهل هذه الآية: يسألونك عن الانفال (2) هذا كله في موضوع الانفال. واما حكمها. اما الاراضي فلا شك انهم عليهم السلام حللوها لكل من احياها، قال صلى الله عليه وآله: ثم هي مني لكم ايها المسلمون. وقد ورد ان من احيا ارضا فهي له، فالناس كلهم مرخصون في التصرف فيها أو فيما يتكون فيها أو عليها من المعادن والاشجار والاحجار ونحوها. وقد دلت عليه السيرة القطعية المستمرة من المسلمين فانهم لا يزالون يتصرفون ويتمتعون منها من غير نكير بالضرورة، وان كان في بعض الاخبار انها كذلك إلى زمان ظهور الحجة عجل الله تعالى فرجه لا مطلقا وهذا امر آخر خارج عن محل الكلام وهو من وظائف الامام عليه السلام.


(1) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 20. (2) الوسائل باب: 1 من ابواب الانفال حديث: 14.

[ 365 ]

واما ارث من لا وارث له أو صفايا الملوك أو ما اخذ من الكفار بغير قتال غير الاراضي من المنقولات كالمواشي ونحوها فلم يدل اي دليل على اباحتها وجواز التصرف فيها. فان ادلة التحليل كلها ضعاف ما عدا روايتين مختصتين بما انتقل من الغير كما تقدم. فالتصرف في هذه الامور بدعوى انها من الانفال وقد اباحوها للشيعة وكذا غيرها من ساير اموال الامام عليه السلام غير جائز، إذ لم يثبت ذلك بحيث يتناول المقام قطعا حسبما عرفت. هذا تمام الكلام في كتاب الخمس وما يتعلق به من الانفال ويقع البحث بعد ذلك في كتاب الحج ان شاء الله تعالى والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين حرره بيمناه الداثرة معتكفا بجوار العتبة المقدسة العلوية على مشرفها الاف الثناء والتحية مستجيرا بذمته حيا وميتا عبده الاثيم مرتضى خلف العلامة الفقيه سماحة وقد اباحوها للشيعة وكذا غيرها من ساير اموال الامام عليه السلام غير جائز، إذ لم يثبت ذلك بحيث يتناول المقام قطعا حسبما عرفت. هذا تمام الكلام في كتاب الخمس وما يتعلق به من الانفال ويقع البحث بعد ذلك في كتاب الحج ان شاء الله تعالى والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين حرره بيمناه الداثرة معتكفا بجوار العتبة المقدسة العلوية على مشرفها الاف الثناء والتحية مستجيرا بذمته حيا وميتا عبده الاثيم مرتضى خلف العلامة الفقيه سماحة آية الله العظمى الحاج الشيخ علي محمد البروجردي طاب ثراه وكان الفراغ في يوم الاحد 16 ربيع الثاني سنة 1398

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية