الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الزكاة، الأول- السيد الخوئي

كتاب الزكاة، الأول

السيد الخوئي


[ 1 ]

مستند العروة الوثقى

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (24) مستند العروة الوثقى كتاب الزكاة محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله العالي الجزء الاول للعلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مرتضى البروجردي

[ 4 ]

هوية الكتاب: الكتاب: مستند العروة الوثقى (كتاب الزكاة - الجزء الاول) محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (رض) المؤلف: العلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مرتضى البروجردي الطبعة الاولى العدد: 3000 التاريخ: جمادي الاخرة 1413 السعر: 200 تومان الموزع: لطفي المطبعة: العلمية - قم

[ 5 ]

كتاب الزكاة

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين.

[ 9 ]

[ كتاب الزكاة التي وجوبها من ضروريات الدين (1)، ومنكره مع العلم به كافر، بل في جملة من الاخبار: ان مانع الزكاة كافر. ويشترط في وجوبها امور: ] كتاب الزكاة (1) لا اشكال كما لا خلاف بين فرق المسلمين في وجوب الزكاة على كل مكلف مع استجماع الشرائط الآتية في الجملة، وقد نطق به الكتاب العزيز، بل قورنت الزكاة بالصلاة في غير واحد من الآيات، الكاشفة عن مزيد العناية والاهتمام الاكيد بشأنها، والاخبار بها متظافرة بل متواترة، بل قد عدت في بعضها من مباني الاسلام (1) على حد الصلاة والصيام، فهي إذا من ضروريات الدين الموجب لاندراج منكره في سلك الكافرين. نعم قد ذكرنا في كتاب الطهارة في مباحث النجاسة عند التكلم


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب مقدمة العبادات ح 1 و 2 وغيرهما.

[ 10 ]

حول الكفر والاسلام ان انكار الضروري بمجرده ومن حيث هو، لا يستوجب الكفر والارتداد الا إذا ادى إلى انكار الرسالة وتكذيب النبي صلى الله عليه وآله فيما جاء به، فيختص بالعالم دون من استند انكاره إلى شبهة أو جهل كمن كان جديد عهد بالاسلام ولم يكن له مزيد اطلاع بالاحكام. واما الانكار العملي بالامتناع عن دفع الزكاة فلا ينبغي الاشكال في عدم كونه موجبا للكفر وان اطلق عليه هذا اللفظ في بعض النصوص وان تارك الزكاة كافر (1) كما اطلق على تارك ساير الواجبات احيانا مثل الصلاة والصيام والحج كما يفصح عنها حديث المباني، وقد عبر الكتاب العزيز بالكفر عن تارك الحج. فقال تعالى: (ومن كفر فان الله غني عن العالمين) (2). فان المراد بالكفر هذه الموارد ليس هو المقابل للاسلام الظاهري الموضوع للاحكام الخاصة من المناكح والمواريث وحقن الدماء ونحوها إذ المدار في ترتيب هذه الاحكام على ظاهر الاسلام المتقوم باظهار الشهادتين، واضفنا عليهما الاعتراف بالمعاد أيضا حسبما استفدناه من ساير الادلة، فمن شهد بالوحدانية والرسالة الخاصة وبالمعاد فقد خرج عن الكفر ودخل في حريم الاسلام. بل المراد بالكفر فيها ما يقابل الايمان والاسلام الكامل، أو يراد انه يؤدي إلى الكفر ولو حال الموت، كما يفصح عنه ما ورد


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 7. (2) آل عمران: 97.

[ 11 ]

[ الاول: البلوغ فلا تجب على غير البالغ (1) في تمام الحول - فيما يعتبر فيه الحول - ولا على من كان غير بالغ في بعضه، ] من انه يقال للممتنع عن الحج مت يهوديا شئت أو نصرانيا (1). وعلى الجملة: فمجرد الامتناع لا يستوجب الكفر الاصطلاحي يقينا وان ساغ فتله احيانا كساير ارباب الكبائر من باب النهي عن المنكر عند وجود الحاكم الشرعي المبسوط اليد، كما ورد من ان القائم (ع) بعد قيامه يضرب عنق مانع الزكاة (2). وقد عرفت ان الانكار أيضا لا يستوجبه ما لم يؤد إلى تكذيب النبي وانكار الرسالة كما في ساير الضروريات حسبما تقدم. (1) بلا خلاف فيه منا في النقدين، بل عن جماعة دعوى الاجماع عليه، وعلى المشهور في غيرهما من الغلات والمواشي وان نسب الخلاف إلى الشيخين والسيد المرتضى ونفر يسير. والاقوى ما عليه المشهور. ويدلنا على الحكم في الجميع قبل كل شئ حديث رفع القلم عن الصبي (3) الحاكم على جميع الادلة الاولية ومنها وجوب الزكاة، والموجب لتخصيصها بالبالغين وخروج الصبي عن ديوان التشريع وقلم الجعل والتكليف. ودعوى اختصاص الحديث بالاحكام التكليفية وعدم تكفله لرفع


(1) و (2) الوسائل: باب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 5 و 6. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 12.

[ 12 ]

الحكم الوضعي الذي هو ثابت أيضا في المقام بمقتضى مادل على شركة الفقراء في العين الزكوية بنحو الاشاعة أو الكلي في المعين وثبوت حق وسهم لهم في الاموال وضعا. عرية عن الشاهد، فان اطلاق الحديث يعم الوضع والتكليف بمناط واحد. نعم: بما ان لسانه الامتنان فهو لا يعم الضمانات لان شموله لها يستلزم خلاف الامتنان على الآخرين، واما غير ذلك فلا قصور في شموله لكل ما يوجب الوقوع في الكلفة من تكليف أو وضع ولا ريب ان الزكاة نقص في المال وموجب لوقوع صاحبه في الكلفة فهو مرفوع عن الصبي بمقتضى اطلاق الحديث هذا ولو سلمنا الاختصاص بالتكليف فالمقتضى لشمول الوضع للصبي قاصر في حد نفسه، فان الآيات الدالة على الزكاة كلها متعرضة للتكليف فقط، ضرورة ان قوله تعالى: (آتوا الزكاة) نظير قوله تعالى: (اقيموا الصلاة) وقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) لا نظر في شئ منها إلا إلى الحكم التكليفي فحسب ولا مساس لها بالوضع بوجه كما هو ظاهر جدا. والمفروض ان حديث رفع القلم عن الصبي موجب لاختصاص هذه التكاليف بالبالغين. واما الروايات فهي وان دلت على الوضع وشركة الفقراء بنسب مختلفة حسب اختلاف الموارد مثل قوله (ع): (فيما سقته السماء العشر، وفي كذا نصف العشر، وفي كذا واحد في اربعين وهكذا) مما تضمن ثبوت حق في المال وضعا إلا انها برمتها ليست إلا في مقام بيان تعيين المقدار بعد الفراغ عن اصل ثبوت الزكاة بشرائطها

[ 13 ]

المقررة وليست متعرضة لمورد الثبوت ومن يتعلق به الزكاة ليتمسك باطلاقها لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة فهي في انفسها قاصرة الشمول للصبي (1) فلا تصل النوبة إلى البحث حول الدليل الحاكم اعني حديث الرفع وانه هل يعم التكليف والوضع ام لا إذ لا دليل على ثبوت الحكم الوضعي في حق الصبي من اصله حسبما عرفت. هذا ومع الغض وتسليم الاطلاق في دليل الوضع كتسليم الاختصاص في حديث الرفع فتكفينا النصوص الكثيرة - وجملة منها معتبرة - المتضمنة انه: (ليس على مال اليتيم زكاة) (2) بعد وضوح تحديد اليتيم بالبلوغ كما في جملة من النصوص فان النسبة بين هذه الرواية وبين آحاد نصوص الوضع مثل قوله (ع): (فيما سقته السماء العشر وفي كذا نصف العشر وفي كذا واحد في اربعين وهكذا) وان كانت هي العموم من وجه لان هذه نعم ما سقته السماء مثلا وغيره كما ان تلك أيضا تعم اليتيم وغيره إلا انا لو لاحظنا هذه مع مجموع تلك النصوص كانت النسبة بينهما نسبة الخاص إلى العام بحيث لو جمع الكل في دليل واحد فقيل: في كذا العشر وفي كذا نصفه، وفي كذا واحد في اربعين وهكذا ثم ذيلنا الكلام


(1) هذا وجيه بالاضافة إلى النصوص المتقدمة، وهناك روايات أخرى تضمنت شركة الفقراء مع الاغنياء من غير تعرض للمقدار كصحيحة ابن مسكان (الوسائل: باب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9) وغيرها، واطلاقها غير قاصر الشمول للصبي كما لا يخفى فليتأمل. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

[ 14 ]

بقولنا: ليس على مال اليتيم زكاة، لم يكد يرى العرف اي تناف بين الصدر والذيل ولم يبق متحيرا بل يحكم بقرينية الذيل وان تلك الاحكام خاصة بالبالغين فإذا كان الحال كذلك لدى الاتصال فمع الانفصال ايضا كذلك لان مرجع ادلة وجوب الزكاة في انواعها الثلاثة إلى دليل واحد كما لا يخفى. ولو سلمنا ان النسبة عموم من وحه كان الترجيح مع هذه الرواية لانها بلسان الحكومة كما لا يخفى. ومع الغض عن كل ذلك فغايته التساقط بعد التعارض بالعموم من وجه فلم يبق لنا دليل على ثبوت الزكاة في مال الصبي والمرجع في مثله اصالة العدم. ولا سبيل للرجوع حينئذ إلى عموم مثل قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة) (1) إذ - مضافا إلى ان في نفس الآية المباركة صدرا وذيلا وشواهد تقضي بان المراد من ضمير الجمع خصوص البالغين - ان الآية المباركة وغيرها - كما تقدم - غير ناظرة الا إلى الحكم التكليفي فقط دون الوضعي والمفروض التسالم على حكومة حديث الرفع بالنسبة إلى الحكم التكليفي المحض. فتحصل: انه لا فرق في عدم وجوب الزكاة في مال الصبي بين النقدين وغيرهما لعموم المستند من حديث الرفع ومن قولهم (ع): (ليس على مال اليتيم زكاة) ولا سيما وقد وردت هذه الرواية في زكاة الفطرة أيضا (2) هذا.


(1) التوبة: 103. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 4.

[ 15 ]

وقد نسب إلى الشيخين وجماعة - كما تقدم - التفصيل بين المال الصامت اعني النقدين وبين غيرهما من الغلات والمواشي فتثبت الزكاة في مال الصبي في الثاني دون الاول بل عن السيد في الناصريات دعوى الاجماع عليه. ولكن دعوى الاجماع كما ترى موهونة جدا بعد ذهاب عامة المتأخرين وجماعة من اعاظم القدماء إلى عدم الزكاة مطلقا. وعليه فيطالب بالدليل على هذا التفصيل. وقد استدل له بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: (انهما قالا: ليس على مال اليتيم في الدين والمال الصامت شئ فاما الغلات فعليها الصدقة واجبة) (1). بدعوى انها وان وردت في الغلات الا انه يلحق بها المواشي بالاجماع المركب وعدم القول بالفصل. ولكنه كما ترى إذ قد عرفت حال الاجماع فلا اثر لعدم القول بالفصل - الذي لم نتحققه - بحيث يخرج به عن عموم نفي الزكاة عن الصبي بعد اختصاص الدليل المزبور بالغلات. ونحوهما في الضعف دعوى ان مقتضى المقابلة بين الصامت وغيره ان الاعتبار في ثبوت الزكاة بعدم كون المال صامتا وانما ذكر الغلات من باب المثال فيعم المواشي أيضا. إذ ليست هذه الدعوى باولى من العكس بان يقال ان المدار في سقوط الزكاة بعدم كون المال من الغلات وانما ذكر المال الصامت من باب المثال فيراد به ما يعم المواشي في مقابل الغلات. على ان الصحيحة معارضة في موردها برواية اخرى صريحة في


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2.

[ 16 ]

[ فيعتبر ابتداء الحول من حين البلوغ (1) ] نفي الزكاة عن الغلات فتدل على النفي في المواشي بطريق اولى لانهم استفادوا حكم المواشي من الغلات الحاقا كما مر، وهي موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (انه سمعه يقول: ليس في مال اليتيم زكاة وليس عليه صلاة وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة) (1) فان امكن الجمع بالعمل على الاستحباب والا فتحمل تلك على التقية لما قيل من ذهاب بعض العامة إلى ثبوت الزكاة في الغلات وان لم يمكن هذا أيضا فتسقطان ويرجع إلى اطلاق حديث الرفع وعمومات نفي الزكاة في مال الصبي كما تقدم. فالصحيح ما ذهب إليه عامة المتأخرين من عدم الزكاة في مال اليتيم مطلقا لان مادل على الثبوت معارض بمثله في مورده حسبما عرفت. (1) قد عرفت اعتبار البلوغ في وجوب الزكاة فلا تجب على الصبي مطلقا وهذا ظاهر بالاضافة إلى مالا يعتبر فيه الحول كالغلات فان الصبي ان كان بالغا وقت تعلق الزكاة - وهو زمان انعقاد الحب وصدق الاسم كما سيجئ انشاء الله تعالى - فكان الخطاب عندئذ متوجها إلى البالغ فتشمله العمومات حينئذ بطبيعة الحال ومعه لا مجال بل لا موضوع للتمسك بحديث الرفع ولا المعارضة بما دل على انه ليس على ما اليتيم زكاة كما هو ظاهر. وان كان صبيا آنذاك ام تجب عليه الزكاة وان بلغ متأخرا عملا


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 11.

[ 17 ]

بالحديث وبتلك الصحيحة النافية للزكاة عن مال اليتيم ومما ذكرنا تعرف ان العبرة بالبلوغ وقت التعلق لا قبله كما يظهر من المتن. واما فيما يعتبر فيه الحول كالنقدين والانعام فلا اشكال ايضا فيما إذا كان صبيا في تمام الحول إذ ليس في مال اليتيم زكاة فهذا المال الذي فيه الزكاة لو كان مالكه بالغا لا زكاة فيه بالنسبة إلى الصبي وان بلغ بعد تمامية الحول وهذا ظاهر جدا من غير خلاف فيه. واما إذا بلغ اثناء السنة كما لو كان صبيا ستة اشهر مثلا وبالغا في الستة اشهر الاخرى فتم عليه الحول ولكن مركبا من البلوغ والصبا فهل تجب عليه الزكاة حينئذ؟ المعروف والمشهور عدم الوجوب حتى يحول الحول عليه بتمامه وهو بالغ أي يعتبر ابتداء الحول من حين البلوغ فلا عبرة بما مضى. ولكن ناقش فيه المحقق السبزواري نظرا إلى انه لا يستفاد من الادلة الا انه لا زكاة في مال الصبي ما لم يبلغ ومعنى ذلك انه حين الصبا لا امر بالزكاة وهذا كما ترى لا يستلزم نفي الوجوب حين البلوغ بعد استكمال الحول ولو كان الحول ملفقا من عهدي البلوغ والصبا بل ولو كان بلوغه قبل ساعة من استكمال الحول لعدم الدليل على اشتراط كون الحول في زمان البلوغ والتكليف. وربما يستدل للمشهور بقوله (ع) في صحيحة ابي بصير: (وان بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة) (1). بدعوى ان الموصول يعم تمام السنة وبعضها فيستفاد منها عدم احتساب دور الصبا من الحول.


(1) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 3.

[ 18 ]

ولكن هذه الاستفادة مشكلة جدا لان ظاهر الكلام انه (ع) ينفي موضوع الزكاة اي ان ما كان موضوعا للزكاة مع قطع النظر عن الصبا وكان هذا صبيا فليس عليه زكاة لما مضى فينفي الوجوب لما مضى ومن الواضح ان الستة اشهر ام تكمن موضوعا للزكاة حتى للبالغين. وبعبارة اخرى: مفاد الصحيحة ان المال الزكوي الذي مضى وكان متعلقا للزكاة مع قطع النظر عن الصبا لا زكاة فيه بالنسبة إلى الصبي فالنفي راجع إلى الموضوع وتلك الستة لم تكن موضوعا للنفي وليس هذا من رعاية الزمان في شئ. وتدل عليه رواية الشيخ بوضوح حيث انه (قده) رواها هكذا: (ليس في مال اليتيم زكاة وليس عليه صلاة وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة وان بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك) (1). فموضوع الرواية الغلاة وهي ناظرة إلى التفصيل بين ما قبل البلوغ وما بعده في مورد الغلة التي لا يعتبر فيها الحول فلا دلالة فيها بوجه على الغاء الزمان السابق في مثل النقدين والانعام مما يعتبر فيه الحول. إذا فمقتضى الاطلاقات ثبوت الزكاة في المال المعتبر فيه الحول بعد بلوغ اليتيمم وان كان استكمال الحول ملفقا من العهدين لعدم كونه صبيا وقتئذ ونتيجته احتساب الزمان السابق لعدم الدليل على الغائه. هذا غاية ما يمكن تقريره في تقريب مقالة المحقق السبزواري. ومع ذلك كله فالصحيح ما عليه المشهور من احتساب مبدء الحول من زمان البلوغ، وذلك لاجل ان المستفاد مما دل على اعتبار


(1) الوسائل ج 6 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 11.

[ 19 ]

الحول ان موضوع الزكاة لم يكن مجرد الملكية - كما كان كذلك في مثل الغلات مما لا يعتبر فيه الحول - بل الملكية المقيدة بكونها حولا واحدا فالموضوع انما هو المالك في مجموع السنة. وعليه فلو كان تمام السنة ملكا للبالغ فلا اشكال، كما لا اشكال فيما لو كان تمامها ملكا للصبي. وأما الملفق فهو مشمول لقوله (ع) في الصحيح المزبور: (ليس في مال اليتيم زكاة) نظرا إلى ان مفاده الغاء مال اليتيم واساقاطه عن الموضوعية للزكاة. ومن البين ان نفي الموضوعية كما يكون بنفي تمام الموضوع كذلك يكون بنفي بعضه وجزئه فتنفى صلاحية مال اليتيم للموضوعية الناقصة كالتامة بمقتضى الاطلاق وان هذه الملكية بالاضافة إلى وجوب الزكاة ملغية وفي حكم العدم وكأنها لم تكن فكما لا اثر في اعتبار الشارع لملكيته في تمام السنة فكذا لا اثر لملكيته في بعضها. وعلى الجملة: الملفق من العبدين وان كان ملكا شخصيا لمالك شخصي الا ان الاضافة تختلف باختلاف الوقتين فانه ملك لليتيم في الستة أشهر الاولى وللبالغ في الاخيرة ومقتضى الاطلاق في الصحيح المزبور ان الملكية الاولى قد ألغاها الشارع بالاضافة إلى وجوب الزكاة فكونه مال اليتيم في بعض العام يخرجه عن صلاحية الانضمام مع الستة الاخيرة إذ الموضوع للزكاة ان يكون المال عند ربه سنة واحدة وبعد التقييد بغير اليتيمم ينتج ان الموضوع هو مال البالغ فكونه مال اليتيم في تمام العام أو في بعضه يخرجه عن موضوع الزكاة بعد ان كانت الاضافة إلى اليتيم في حكم العدم وكأنه لا مال له حسبما عرفت فلا قصور في دلالة النص على ما فهمه المشهور فلاحظ.

[ 20 ]

[ وأما ما لا يعتبر فيه الحول من الغلات الاربع، فالمناط البلوغ قبل وقت التعلق (1)، وهو انعقاد الحب وصدق الاسم على ما سيأتي. الثاني: العقل، فلا زكاة في مال المجنون (2). ] هذا ومع الغض عن ذلك فيكفينا حديث رفع القلم عن الصبي حيث ان مفاده اختصاص الخطابات بالبالغين فغير البالغ غير مشمول للاحكام من غير فرق بين المتعلقة منها بالموضوعات البسيطة أو المركبة، فكما ان خطاب الحج مثلا متوجه نحو البالغ المستطيع الظاهر في لزوم فعليه كلا القيدين في تعلق الوجوب فلا تنفع الاستطاعة السابقة الزائلة عند البلوغ فكذلك الخطاب بالزكاة متوجه نحو البالغ المالك سنة فلا تنفع الملكية السابقة على البلوغ فانها في حكم العدم إذ الحديث المزبور بمثابة التقييد في دليل الزكاة كغيرها من ادلة الاحكام فكأنه (عليه السلام) قال: ايها البالغون إذا ملكتم سنة وجبت عليكم الزكاة. الذي مقتضاه عدم تأثير للملكية السابقة في تعلق هذا الحكم لعدم كونه مخاطبا آنذاك بشئ بعد افتراض اختصاص تشريع الاحكام وتقنين القوانين بالبالغين. أذا لا مقتضي لضمها بما بعد البلوغ بتاتا. (1) بل يكفي البلوغ حين التعلق كما لا يخفى لخروجه وقتئذ عن موضوع اليتيم فتشمله الاطلاقات من غير معارض. (2) لحديث رفع القلم (1) كما تقدم في الصبي فانهما من واد


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 11 ولكنه كغيره مما اشتمل على المجنون ضعيف السند

[ 21 ]

واحد حيث ان مفاده ان قلم التشريع لم يوضع على المجانين كما لم يوضع على الصبيان. وقد ورد في غير واحد من النصوص (1) انه تعالى خاطب العقل فقال له: اقبل فأقبل، ثم قال له: ادبر فأدبر، فقال تعالى: بك اثيب وبك اعاقب. ومن ثم كان العقل من الشرائط العامة وكان تشريع الاحكام ومنها الزكاة خاصا بالعقلاء. وعليه فالامر المتعلق بها الوارد في الكتاب والسنة متوجه إلى خصوص العاقلين بطبيعة الحال، فانه وان لم يرد نص خاص في المقام يحتوي على نفى الزكاة عن المجنون كما ورد مثله في الصبي وانه ليس على مال اليتيم زكاة كما تقدم الا ان النتيجة هي النتيجة بعد ملاحظة حديث نفي القلم عن المجنون فبناءا على جواز التمسك بحديث الرفع كما مر في الصبي جاز التمسك به في المقام ايضا بمناط واحد. ومعه لا حاجة إلى بعض التكلفات التي هي مصادرات كما ذكره في الجواهر. هذا من حيث التكليف. وأما من ناحية الوضع فقد تقدم ان الحديث يشمله ايضا كالتكليف، ومع الغض فلا اطلاق لدليل الوضع ليتمسك به ضرورة عدم كون مثل قوله (ع): (فيما سقته العشر) الا في مقام بيان المقدار فحسب فهو ناظر إلى ثبوت الوضع في مورد وجوب الزكاة والمفروض ان الوجوب خاص بالعقلاء فلا مجال للتمسك باطلاقه لاثبات تعلق الزكاة بمال المجنون.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب مقدمة العبادات.

[ 22 ]

[ في تمام الحول أو بعضه ولو ادوارا (1). ] هذا مضافا إلى ورود روايتين في المقام احداهما مؤكدة للمطلوب والاخرى مؤيدة فالاولى: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (قلت لابي عبد الله (ع): امرأة من اهلنا مختلطة أعليها زكاة) فقال: ان كان عمل به فعليها زكاة وان لم يعمل به فلا) (1). والثانية: رواية موسى بن بكر المروية بطريقين قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن امرأة مصابة ولها مال في يد اخيها هل عليه زكاة؟ قال: ان كان اخوها يتجر به فعليه زكاة) (2). وهي ضعيفة بمحمد بن الفضيل في احد الطريقين لتردده بين الثقة وغيره وبسهل بن زياد في الطريق الآخر. نعم موردهما هو المال الصامت - ظاهرا - اعني الذهاب والفضة لقيام التعارف الخارجي على الاتجار بهما غالبا الا انه لا يبعد عدم الفرق بين الصامت وغيره من هذه الجهة. وكيفما كان ففيما عرفت من القواعد العامة كفاية. (1) إذ بعد ان كان موضوع الزكاة مقيدا بالعاقل بمقتضى حديث الرفع الحاكم على جميع الادلة الاولية حسبما عرفت، فإذا ضممنا ذلك إلى دليل اعتبار الحول انتج اختصاص الخطاب بالعاقل المالك عاما فغير العاقل خارج عن هذا الخطاب ولا اثر لملكيته.


(1) الوسائل: ج 6 باب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2.

[ 23 ]

[ بل قبل: ان عروض الجنون آناما يقطع الجول (1). لكنه مشكل، بل لا بد من صدق اسم المجنون وانه لم يكن في تمام الحول عاقلا، والجنون آناما - بل ساعة وازيد - لا يضر، لصدق كونه عاقلا. ] وعليه فلو جن في بعضه كان المقدار من الحول المتصف هو فيه بالجنون ملغيا وفي حكم العدم كما مر نظيره في الصبي فلا بد إذا من استيناف الحول مما بعده. وهذا من غير فرق فيه بين الاطباقي والادواري ولو كان عاقلا عند نهاية السنة فانه بعد ان لم يكن في دور الجنون مخاطبا بالزكاة فبطبيعة الحال لا يحسب ذلك الدور من الحول إذ لا يصدق كون المال عنده بما هو عاقل حولا كاملا. ومما يؤكد ذلك اقتران الزكاة بالصلاة في كثير من الآيات الشريفة كقوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة). وقد صرح بالتلازم بين الامرين في صحيحة يونس بن يعقوب قال: (ارسلت إلى ابي عبد الله (ع) ان لي اخوة صغارا فمتى تجب على اموالهم الزكاة قال: إذا وجب عليهم الصلاة وجب عليه الزكاة) (1). وحيث ان المجنون لا تجب عليه الصلاة حال جنونه ولو ادوارا كالصغير فكذا لا تجب عليه الزكاة وعليه فلا مجال لما نسب إلى بعض الاكابر من وجوب الزكاة في الجنون الادواري. (1) إذا كان زمان الجنون قليلا جدا كساعة ونحوها فهل حكمه


(1) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 5.

[ 24 ]

حكم العاقل في تمام السنة في وجوب الزكاة عليه أو ان الحول ينقطع ولا بد من استينافه بعد زوال الجنون كما هو الحال في زوال الملكية بلا اشكال حيث ان العين الزكوية لو خرجت عن الملكية اثناء الحول ولو آناما ثم عادت بارث ونحوه يعتبر وقتئذ احتساب حول جديد ولا ينضم ما قبله بما بعده جزما فهل المقام أيضا كذلك؟. استشكل فيه الماتن بل قوى الاحتمال الاول نظرا إلى عدم قدح الفصل اليسير في الصدق العرفي فانه يطلق عليه لدى العرف انه عاقل في تمام الحول فتشمله الاطلاقات. ولكنه كما ترى في غاية الاشكال لعدم ابتناء التحديدات الشرعية على المساهلات والمسامحات العرفية حسبما هو مذكور في موارد كثيرة من الفقه مثل عدة الوفاة والمسافة الشرعية والكر وايام الاعتكاف وأقل الحيض ونحو ذلك مما لا يتسامح فيه بعد وضوح المفهوم بل يراعى كمال التدقيق في مقام التطبيف لعدم الدليل على حجية نظر العرف في هذه المرحلة. ومن ثم يحكم ببطلان العقد بل الحرمة الابدية مع العلم فيما لو تزوجت قبل انقضاء العدة ولو بساعة، وبانفعال ما نقص عن الكر ولو بغرفة، وبعدم التقصير فيما دون المسافة ولو بخطوة. وهكذا مع ضرورة صدق تلك العناوين بالنظر العرفي توسعا وتسامحا منهم في مقام التطبيق غير انه لم ينهض اي دليل على اتباعه بعد اتضاح حدود المفهوم من حيث السعة والضيق. نعم قد يرى العرف توسعا في نفس المفهوم فيكون الانطباق حينئذ من باب انطباق المفهوم الواسع لا من باب المسامحة في التطبيق،

[ 25 ]

وهذا كما في مفهوم الحنطة والشعير فان العرف يرى سعة المفهوم وشموله للمشتمل على الخليط من تراب ونحوه غير المنفك عنه في الخارج غالبا ولا يخصه بالخالص الذى هو فرد نادر جدا. ومن ثم كان المناط في النصاب بلوغ الخليط وان كان الخالص بعد التصفية ناقصا عنه كما انه لو باع منا من الحنطة تحقق التسليم بدفع المخلوط - بالمقدار المتعارف -. ومن هذا القبيل ما تقدم في مبحث الاقامة من صلاة المسافر من ان مفهوم الاقامة في البلد - عشرة ايام - مفهوم واسع عرفا يعم البلد وضواحيه من اجل قيام العادة على ان المقيم في البلد لا يقتصر على الاقامة داخل السور بل يخرح احيانا للتنزه أو لتشييع الجنائز أو زيارة القبور ونحو ذلك مما لا يضر بصدق كونه مقيما في البلد عرفا وعلى الجملة: فكل توسعة عائدة إلى تشخيص المفهوم ومعرفة حدوده وجوانبه كان نظر العرف فيه متبعا وكان الصدق حينئذ حقيقيا عرفيا وان لم يكن دقيا وليس من المسامحي في شئ، وكل توسعة مبنية على التسامح في التطبيق بعد معرفة المفهوم فلا يصغى إليها ولا حجية فيها وان أقر عليها العرف. ومقامنا من هذا القبيل ضرورة ان مفهوم الحول - كالشهر في العدة وعشرة ايام في الاقامة - واضح ومبين لا تردد فيه وانه لا يكاد يشمل الناقص عنه ولو ساعة فإذا علق عليه وجوب الزكاة فكان الموضوع من كان عنده المال حولا واحدا - وكان المراد به العاقل البالغ لا ذات المالك كما مر - وقد نقص عن الحول فجن ولو ساعة

[ 26 ]

[ الثالث: الحرية، فلا زكاة على العبد وان قلنا بملكه (1). ] فطبعا لم يكن المال عنده بما هو عاقل حولا كاملا ومعه لا مناص من الاستيناف. فلا فرق إذا بين كثرة الزمان وقلته بل ينقطع الحول على التقديرين حسبما عرفت. (1) وقع الكلام بين الاعلام في ان العبد هل يملك وان كان محجورا وممنوعا عن التصرف الا باذن مولاه لكونه (كلا لا يقدر على شئ) أو انه لا يملك اصلا وكل ما في يده من الاموال فهي لمولاه. والصحيح هو الاول لاستفادته من الروايات الواردة في الابواب المتفرقة التى منها المقام في نصوص عديدة مضمونها انه: (لا زكاة في مال المملوك) (1). فان الظاهر منها ان النفي لجهة مملوكية المالك كالصغر والجنون المانعين عن تعلق الزكاة فعدم الوجوب مستند إلى وجود المانع وهو المملوكية لا عدم المقتضي وهو المالكية إذ هو خلاف الظاهر جدا من مثل تلك العبارة فانه قد فرض ان له مالا وبعد فرض الموضوع نفي عنه الزكاة لا انه من باب السالبة بانتفاء الموضوع وإلا لما اختص بالمملوك بل كل من لا مال له فلا زكاة عليه كما هو ظاهر جدا. ومنها: ما ورد في باب الارث من انتقال مال العبد إلى مولاه


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

[ 27 ]

دون اقاربه (1) وان الرق لا يرث ولا يورث (2) فلو لم يكن العبد مالكا فما معنى انتقال ماله إلى مولاه وكونه وارثا له، بل هو مال المولى حقيقة لا انه يرثه وينتقل إليه، ونحو ذلك من ساير الموارد ويقع الكلام في المقام على كل من التقديرين: اما على تقدير القول بعدم المالكية فعدم وجوب الزكاة حينئذ لا يحتاج إلى الدليل لان موضوعه المال ولا مال للعبد حسب الفرض فالقضية سالبة بانتفاء الموضوع نظير ان نقول بعدم وجوب الزكاة على الجار الفقير وهذا ظاهر من غير حاجة إلى ورود رواية تدل عليه. وهل تجب الزكاة - على هذا القول - على المولى لكونه المالك الواقعي حقيقة وشركا وان اضيف المال إلى العبد مجازا وصورة أو لا تجب عليه ايضا فيه وجهان بل قولان. والاظهر الوجوب إذ ليس في الروايات الواردة في المقام عدا التعرض لنفي وجوب الزكاة على المملوك من حيث كونه مالا للمملوك واما المولى الذي فرضناه هو المالك الحقيقي فليس في شئ من الروايات ما يقتضي عدم الوجوب بالاضافة إليه لدى تحقق ساير الشرائط ومجرد كون المال بيد العبد ومضافا إليه باضافة مجازية أو بملكية عرفية مسامحية لا يستدعي سقوط الزكاة عن المولى الذي هو المالك الشرعي كما عرفت، فالمال لدى التحقيق أمانة بيد العبد كالمال الذي بيد الوكيل أو بيد اخيه ونحو ذلك فهو ملك للمولى كساير امواله التي هي بيد العبد أو غيره.


(1) الوسائل: باب 24 من أبواب موانع الارث. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب موانع الارث.

[ 28 ]

والحاصل: انه ليس في شئ من هذه الروايات ما يدل على عدم الوجوب على المولى ومقتضى الاطلاقات هو الوجوب بعد ان كان ملكا له وتحت سلطانه وتصرفه. واما صحيحة عبد الله بن سنان الدالة على عدم الوجوب على العبد والمولى معا قال: (قلت له: مملوك في يده مال أعليه زكاة؟ قال: لا قال قلت: فعلى سيده فقال: لا لانه لم يصل إلى السيد وليس هو للمملوك) (1). فهي اجنبية عما نحن فيه. فان محل الكلام ما إذا كان المال للمملوك اما حقيقة أو مجازا - على القولين - ومورد الرواية ان هناك مالا بيد العبد من غير ان يفرض انه مال العبد ومضاف إليه ومن الجائز انه مال للمولى كان بيد العبد للتجارة فاتجر وربح ولم يطلع عليه المولى فحينئذ لا تجب الزكاة لا على العبد لعدم كونه ملكا له ولا على المولى لانه لم يصل إليه كما علل بذلك في الصحيحة لما سيجئ من ان من شرائط وجوب الزكاة كون المال تحت السلطنة والتصرف فلا زكاة فيما لا سلطنة عليه كالمال الغائب أو المدفون في مكان وهو لا يدري أو من انتقل إليه مال بأرث وهو لا يعلم أو بتجارة من وكيله أو أمينه وهو جاهل بذلك. ففي جميع هذه الموارد بما ان المال لم يصل إلى مالكه ولم يكن تحت تصرفه وسلطانه لا زكاة عليه. وبالجملة: فالظاهر ان الصحيحة ناظرة إلى مثل هذا المال وليس موردها مال العبد بل مال بيد العبد كما عرفت. إذا فلا توجب الصحيحة تخصيص العمومات المقتضية لوجوب الزكاة على المولى بوجه.


(1) الوسائل: ج 6 باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 4.

[ 29 ]

فعلى هذا القول اعني عدم مالكية العبد - وان كان ضعيفا عندنا - وجبت الزكاة على مولاه لاطلاق جميع ادلتها مما وردت في النقدين وفي الانعام والغلات كما هو ظاهر. وأما على القول بمالكية العبد كما هو الصحيح على ما مر فالمعروف والمشهور عدم وجوب الزكاة عليه ايضا فان المقتضي وان كان حينئذ موجودا وهو المالكية فلا محذور من هذه الجهة الا انه مقرون بالمانع وهو المملوكية فلا تجب على العبد كما لا تجب على الصغير والمجنون وذلك للاخبار المعتبرة المستفيضة المتضمنة انه لا زكاة في مال المملوك ولو كان الف الف. وقيل بالوجوب، وقد اعترف في الجواهر بعدم معروفيه القائل به صريحا غير انه يستظهر ذلك من ابن حمزة في الوسيلة حيث انه لم يذكر الحرية هنا من الشرائط بضميمة ما يظهر منه في باب العتق من ان العبد يملك فيستظهر من ضم هاتين المقدمتين انه يرى وجوب الزكاة على العبد. وكيفما كان: فقد نسب المحقق الهمداني هذا القول إلى العلامة في المنتهى والمحقق في النافع والى ايضاح النافع وانهم ذهبوا إلى الوجوب على القول بالملكية. وهذا على تقدير صدق النسبة لم يظهر له وجه صحيح أبدا بعد تظافر الاخبار - كما عرفت - بأنه ليس عي مال المملوك شئ فان ظاهر الاخبار عدم تعلق الزكاة وان ملك العبد باعتبار اضافة المال إليه لا نفي الملكية حتى يلتزم بالوجوب على تقدير القول بالملك. ومقتضى الاطلاق في هذه النصوص عدم الفرق بين ما إذا كان

[ 30 ]

العبد مأذونا في التصرف من قبل المولى ام لا، بل ربما يظهر من بعضها زيادة على الاطلاق نوع ظهور في المأذونية. وهي موثقة اسحاق بن عمار قال: (قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في رجل يهب لعبده الف درهم أو أقل أو اكثر فيقول حللني من ضربي اياك ومن كل ما كان مني اليك ومما افضتك وارهبتك فيحلله ويجعله في حل رغبة فيما اعطاه ثم ان المولى بعد اصاب الدراهم التي كان اعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد فأخذها المولى أحلال هي له؟ قال: لا تحل له لانه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة. قال: فقلت له: فعلى العبد ان يزكيها إذا حال عليه الحول. قال: لا إلا ان يعمل له فيها ولا يعطى العبد من الزكاة شيئا) (1). دلت على عدم جواز الرجوع في هبته لانها كانت بازاء التحليل فكانت في حكم الهبة المعوضة التي لا رجوع فيها، ومعلوم ان ما يقع بأزاء التحليل ليس مجرد الملكية إذ لا اثر لها ولا ينتفع منها العبد ليحل مولاه بل ما كانت مقرونة بالمأذونية والتسلط على التصرف كما لا يخفى. ولكن المحقق الاردبيلي والفاضل القطيفي فصلا في المسألة بين صورتي الاذن وعدمه وحملا الروايات على صورة عدم الاذن فتجب الزكاة في فرض الاذن وعدم الحجر. ولا شك ان هذا التفصيل مناف لاطلاق النصوص بل ظهور موثق اسحاق كما عرفت. فبالنظر إلى الروايات لم يعرف وجه لذلك


(1) الوسائل: ج 6 باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 6.

[ 31 ]

ابدا. فلا بد وان يكون منشأ التفصيل محجورية العبد عن التصرف التي ترتفع بالاذن وسيجئ انشاء الله اعتبار التمكن من التصرف في وجوب الزكاة فالعبد المأذون مالك متمكن من التصرف في ماله فتجب عليه الزكاة كساير الملاك دون غير المأذون الذي لا سلطنة له على ماله فالتفصيل المزبور مبني على ذلك مع الغض عن الاخبار. ومع ذلك لا يتم: الوجه فيه ان المنع عن التصرف المانع عن تعلق الزكاة انما هو فيما إذا كان المنع من جهة قصور في المال لا قصور في ناحية المالك المتصرف فان القصور (تارة) يكون في ناحية المال كما لو كان غائبا أو مدفونا في مكان مجهول أو ارثا لا يدري به الوارث أو مسروقا أو مرهونا فيما لو تعدينا عن المنع العقلي إلى الشرعي ففي جميع هذه الموارد تكون الممنوعية العقلية أو الشرعية عن التصرف مستندة إلى قصور ونقس في ذات المال والا فلا قصور في طرف المالك ابدا (واخرى) يكون في ناحية المالك كما لو كان سفيها أو محجورا عليه أو عبدا أو صغيرا ونحو ذلك، والذي ثبتت مانعيته عن تعلق الزكاة انما هو الاول والا فلم يدل اي دليل على ان الحجر من ناحية المالك من حيث انه حجر وانه ممنوع عن التصرف لا من حيث عنوان آخر ملازم معه كالصغر مانع عن تعلق الزكاة كما لا يخفى. فلو فرضنا انا لم نعمل بالروايات المتقدمة كان مقتضى القاعدة على القول بالملكية وجوب الزكاة على العبد مطلقا اي سواء كان مأذونا ام لا لان النقص انما هو من ناحية المالك لانه عبد كل على مولاه كما في السفيه وقد علمت ان مثله لا يضر بوجوب الزكاة فهذا التفصيل لم يعرف له اي وجه صحيح.

[ 32 ]

ثم انا لو بنينا على تمامية هذه الروايات المتضمنة انه لا زكاة في مال المملوك وهي كثيرة جدا تامة سندا ودلالة فلا موجب لرفع اليد عن ظهورها في ان العبد مالك حقيقة وان كان ممنوعا عن التصرف لكونه كلا على مولاه لا يقدر على شئ فهو ممنوع عن التصرف في ماله بعير اذن مولاه كما انه ممنوع عن التصرف في نفسه بالتزويج فكما انه لو تزوج مع الاذن فهو زوج حقيقة فكذلك هو مالك لماله حقيقة وان كان محجورا من جهة ان الرقية من اسباب الحجر. وعليه فاشتراط الحرية واستثناء العبد عن الملاك الذين تجب عليهم الزكاة صحيح وفي محله. واما لو فرضنا ان العبد لا يملك وان ملكه لمولاه حقيقة فاشتراط الحرية حينئذ غير وجيه فان الشرط موجود إذ الملك حر غايته ان هذا الملك الذي هو ملك للمولى حقيقة يضاف إلى العبد باضافة مجازية وبنحو من العناية كما يقال هذا الجل للفرس أو هذا الفرش للغرفة الفلانية. فلو اريد نفي الزكاة عن هذا المال لم يحسن التعبير عنه باشتراط الحرية بل كان اللازم أن يعبر باشتراط عدم اضافة المال إلى العبد اضافة مجازية لرجوع الشرط حينئذ إلى المال نفسه دون مالكه وان هذه الاضافة التى يتصف بها المال توجب سقوط الزكاة. وبعبارة اخرى: اموال المولى على قسمين: قسم لا يرتبط بالعبد بوجه. وقسم تحت يده ومضاف إليه عرفا وملك له مجازا. فلو كانت النصوص ناظرة إلى نفي الزكاة عن هذا القسم من اموال

[ 33 ]

[ من غير فرق بين القن، والمدبر، وام الولد (1) والمكاتب المشروط، والمطلق الذي لم يؤد شيئا من مال الكتابة. واما المبعض فيجب عليه إذا بلغ ما يتوزع على بعضه الحر النصاب. ] المولى كان اللازم ان يقال بان ما يضاف إلى العبد من المال ولو اضافة مجازية لا زكاة فيه. وهذا وان احتمله بعضهم كما ذكره المحقق الهمداني (قده) ولكن لا وجه له ابدا إذ لا موجب لرفع اليد عن هذه الاخبار الظاهرة في ملكية العبد ولا سيما الموثقة الدالة على عدم جواز الرجوع فيما وهبه إليه عوض الاستحلال خوفا من العقاب كما تقدم. (1) لاطلاق الادلة الشامل لجميع هذه الاقسام فان بعضها وان كان في معرض التحرير كالمدبر وام الولد والمكاتب المشروط أو المطلق الذي لم يؤد شيئا من مال الكتابة الا انه بالفعل عبد محض فيشمله الاطلاق. انما الكلام في المبعض كالمكاتب المطلق الذي ادى مقدارا من مال الكتابة فتحرر بعضه وبقي البعض الآخر على الرقية فهل تجب عليه الزكاة بمقدار حريتة أو تجب في جميع أمواله. المعروف والمشهور بل قيل انه مما لا خلاف فيه انه يوزع المال فما يملكه بازاء الجزء الحر تجب فيه الزكاة إذا بلغ النصاب دون ما يقع بازاء الجزء الرق وعلله في الجواهر بوجود المقتضي وهو بلوغ المال

[ 34 ]

حد النصاب وعدم المانع إذ المانع هي المملوكية المنتفية بنسبة هذا المال. وناقش فيه بعضهم بما يرجع إلى ما ذكره في الحدائق من ان الروايات المانعة عن تعلق الزكاة في مال المملوك منصرفة إلى المملوك التام والعبد المحض. فالمبعض الذي هو فرد نادر غير مشمول لتلك الاخبار. وعليه فمقتضى القاعدة وجوب الزكاة في تمام ما يملكه فلا يتوزع ولا يختص بحصة الجزء الحر لعدم دخول المبعض في دليل الاستثناء بتاتا. ولكن الصحيح ما ذكره في الجواهر فان مناسبة الحكم الموضوع تدلنا على ان وجوب الزكاة انما هو من جهة الحرية وعدم الرقية وذلك يقتضي التقسيط والتوزيع في فرض التبعيض بطبيعة الحال كما لا يخفى. ويؤكده ما ورد في غير واحد من نصوص باب الحدود والقصاص من التوزيع فيما لو كان الجاني أو المجني عليه مبعضا فلو زنى المبعض وزع الجلد عليه بنسبة الحر والعبد فلو كان نصفه حرا ونصفه عبدا يجلد بمقدار النصف من كل من الحدين (1). ولو قتل احد مكاتبا قد تحرر نصفه مثلا يؤخذ منه نصف دية الحر ونصف دية العبد (2) إلى غير ذلك من ساير الاحكام المذكورة في الموارد المتفرقة من البابين المزبورين التي هي كثيرة جدا ومذكورة في غير واحد من الاخبار بحيث يظهر منها المفروغية عن التوزيع الذي هو الصحيح


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب حد الزنا. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب ديات النفس.

[ 35 ]

[ الرابع: ان يكون مالكا (1) فلا تجب قبل تحقق الملكية، كالموهوب. ] الموافق للمتفاهم العرفي بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع حسبما عرفت. (1) ذكر (قده) ان من جملة الشرائط الملكية فلا زكاة على غير المالك ورتب عليه ان القبض لو كان دخيلا في الملكية كما في الهبة فما لم يقبض لا زكاة عليه لعدم تحقق الملك، ولذا لو مات الواهب قبل القبض انتقل إلى وارثه دون الموهب له فلا تجب الزكاة عليه بل تجب على الواهب ان كان واجدا للشرائط والا فلا تجب عليهما كما لو فرضنا ان شخصين ملك كل منهما كمية من الدينار غير بالغة حد النصاب فوهباه من زيد ولم يقبض فانه لا تجب الزكاة على الموهوب له لعدم القبض ولا على الواهبين لعدم بلوغ حصة كل منهما النصاب على الفرض وستعرف ان النصاب يعتبر ان يكون في ملك مالك واحد وهذا الذي ذكره (قده) مما لا ينبغي الشك فيه بل لا اشكال فيه ولا خلاف كما عن غير واحد. وتدل عليه قبل التسالم والنصوص المتظافرة ظاهر الآية المباركة قال تعالى: (خذ من اموالهم صدقة) دلت على ان موضوع الزكاة انما هو اموال الناس فمن كان ذا مال تتعلق به الزكاة وغير المالك غير مأمور بشئ فالامر مشروط بالملكية ولا زكاة في غير المملوك. وهذا يتصور على اقسام: إذ تارة: لا يكون الشئ ملكا لاحد كما في المباحات الاصلية. واخرى: مملوك لكن لا لشخص خاص وانما هو ملك للجهة كما في نماء الوقف كالبستان الموقوف للمسجد أو لتعزية الحسين (ع)

[ 36 ]

أو للعنوان والجهات العامة كالفقراء والعلماء ونحو ذلك من المصارف المشروعة فلو بلغ حاصلها حد النصاب لا تجب الزكاة فيه فان الوقف وان كان تمليكا على ما هو المعروف ولكنه مملوك للجهة أو للعنوان لا لشخص معين ليؤمر بالزكاة على ما تقتضيه الآية: (خذ من اموالهم صدقة) الظاهرة في كون الشئ ملكا لمالك مشخص معين بمقتضى مقابلة الجمع بالجمع كما لا يخفى (وعلى الجملة) فمثل هذه الاوقاف التي هي وقف على الجهات العامة بنحو الصرف أو ملكية العنوان، لا زكاة فيها إذا لم يقبضها شخص معين. نعم بعد القبض وحصول الملكية للشخص - على القول بان الوقف تمليك - وجبت الزكاة حينئذ. وتؤكد الآية عدة من الاخبار المتضمنة انه لا زكاة الا على صاحب المال (1) الظاهر في الصاحب المعين المتشخص خارجا. ومن هذا القبيل باب الوصية فيما إذا اوصى ان يصرف نماء هذه النخل مثلا في جهة خاصة فان الصحيح في باب الوصية ان المال الموصى به قبل ان يصرف في مصرفه باق على ملك الميت وانه مالك لثلث ماله والباقي للوارث ولا مانع من اعتبار الملكية حال الممات كالحياة. كما لا يخفى. ولكن بما ان الميت لا يخاطب ولا يكلف بشئ فلاجله لا تتعلق به الزكاة ضرورة ان الحياة من الشرائط العامة كالبلوغ والعقل. فتحصل: انه يعتبر في الزكاة ان يكون مملوكا فلا زكاة على المباحات وان يكون مملوكا لشخص فلا زكاة على ما هو مملوك للعنوان كالاوقاف ان يكون الشخص حيا فلا زكاة على الميت كما في الوصية لا لعدم


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

[ 37 ]

[ قبل القبض، والموصى به قبل القبول (1) أو قبل القبض. وكذا في القرض لا تجب الا بعد القبض. ] الملكية بل لعدم قابلية المالك لتعلق الامر به حسبما عرفت. (1) ومما فرع (قده) على اعتبار الملكية عدم تعلق الزكاة بالموصى به قبل قبول الوصي فلو أوصى ان يكون نماء البستان لزيد فمات وبعده خرج النماء ولم يقبل زيد لا زكاة عليه لعدم دخوله في ملكه قبل قبوله. وقد عرفت عدم وجوت الزكاة على الميت فهذا المال مما لم تتعلق به الزكاة أصلا. وما ذكره (قده) وجيه بناءا على اعتبار القبول في الوصية ولم ترد فيه أية رواية ولو ضعيفة وانما ادعى عليه الاجماع وبعض الوجوه الاعتبارية غير القابلة للاعتماد مثل انه كيف يملك من غير رضاه مع ان الناس مسلطون على اموالهم وانفسهم، والتملك من غير القبول مناف للسلطنة على النفس وهو كما ترى لوضوح عدم التنافي بين السلطنة والملكية غير الاختيارية كما في الارث ونحوه. والحاصل: انه لا دليل على اعتبار القبول في نفوذ الوصية بوجه غايته ان الموصى له له حق الرد كي لا ينافي السلطنة وهذا امر آخر لا نضايق عن الالتزام به. فالاشتراط بعدم الرد شئ والاشتراط بالقبول شئ آخر والذي ثبت انما هو الاول دون الثاني فهو مالك ما لم يرد ومعه ينكشف عدم الملكية من الاول كما لا يخفى. وعليه فلا يترتب ما ذكره (قده) على هذا الاشتراط بل تجب الزكاة قبل

[ 38 ]

القبول لحصول الملك. ومما يؤكد عدم احتياج الوصية إلى القبول ما دل من الروايات على ان الموصى له إذا مات قبل القبول أو قبل ان يعلم يعطى لورثته فان هذا لو كان حكما تعبديا في مورده لم يكن به بأس ولكن بناءا على عدم اشتراط القبول فهو حكم على القاعدة لانه ملك للموصى له فينتقل إلى وارثه وكيفما كان فما ذكره (قده) مبني على اعتبار القبول وهو غير تام (1) وتمام الكلام في محله. واما ما ذكره (قده) من اعتبار القبض في الملكية في باب الوصية ولاجله حكم (قده) بعدم الزكاة قبل القبض فهو باطل بل وغير محتمل قطعا لعدم اعتبار القبض في هذا الباب بلا شبهة ولا اشكال ولا قائل به معروف بل ولا غير معروف. نعم نسب ذلك إلى بعض كلمات الشيخ ولم تثبت النسبة ولا دليل عليه بوجه فلو قلنا باعتبار القبول لا نقول باعتبار القبض بتاتا. والظاهر انه لا ينبغي الشك في ان هذه الجملة اعني قوله: (أو قبل القبض) سهو من قلمه الشريف أو من النساخ. نعم هو معتبر في القرض كما ذكره (قده) بعد ذلك فلا يملك المقترض ما لم يقبض ولا زكاة عليه وان بقي سنة لعدم حصول الملك وتفصيل الكلام إلى محله.


(1) بل ومناف لما بنى (قده) عليه في كتاب الوصية، من عدم اعتبار القبول في الوصية التمليكية.

[ 39 ]

[ الخامس: تمام التمكن من التصرف، فلا تجب في المال الذي لا يتمكن المالك من التصرف فيه (1) بأن كان غائبا ولم يكن في يده ولا في يد وكيله، ولا في المسروق والمحجور، والمدفون في مكان منسي، ولا في المرهون، ولا في الموقوف، ولا في المنذور التصدق به. ] (1) رتب (قده) على هذا الاشتراط عدم وجوب الزكاة في موارد سبعة، اربعة منها يجمعها عدم التمكن من التصرفات التكوينية الخارجية وهو المال الغائب بحيث لا يكون في يده ولا في يد وكيله والمسروق، والمدفون في مكان منسي، والمحجور اما غصبا لو اشتباها. ففي هذه الموارد لا يتمكن المالك من التصرفات الخارجية لخروج الملك عن تحت يده وسيطرته وان كان متمكنا من التصرفات الاعتبارية من هبة أو صلح أو بيع ممن يتمكن من تسلمه. وثلاثة منها يجمعها عدم التمكن من التصرف الاعتباري شرعا وان تمكن خارجا وهي العين الموقوفة، والمرهونة، والمنذور بها التصدق. فان الوقف ملك للطبقة الحاضرة فلهم التصرف فيه تكوينا ولكنه ملك غير طلق فلا يجوز لهم التصرف الاعتباري من بيع أو هبة ونحو ذلك من التصرفات الناقلة، وكذلك العين المرهونة فانه ربما يتمكن الراهن من التصرف الخارجي كما لو جعلها المرتهن بعد قبضها عند الراهن لكنه ممنوع عن التصرف شرعا ببيع ونحوه وهكذا الحال في منذور التصدق من النقدين أو الانعام ونحو ذلك.

[ 40 ]

فلو نذر اثناء الحول ان يتصدق بها على الفقراء أو على جهة خاصة فقد سلبت قدرته الشرعية على التصرفات الاعتبارية دون الخارجية وبذلك ينقطع الحول وتسقط عنه الزكاة في هذه الموارد بأجمعها لعدم كون المالك تام التصرف فيها إما تكوينا أو تشريعا حسبما عرفت. والذي ينبغي ان يقال في المقام بعد ان كانت كلماتهم مختلفة في بيان هذا الشرط جدا، فهذا المحقق في الشرايع يذكر اعتبار الملكية اولا ثم تمام الملك ثم جواز التصرف اي التمكن منه. وغيره يذكر غير ذلك كما لا يخفى على المتتبع. ان المتبع هو الروايات الواردة في المقام، فقد ورد في عدة من الاخبار عدم الزكاة في مال لم يصل إلى صاحبه أو الذي دفنه في مكان لا يعلم به أو انه لا زكاة في مال حتى يكون عنده ونحو ذلك من التعابير. منها: معتبرة سدير الصير في قال: (قلت لابي جعفر (ع) ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع، فلما حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظن ان المال فيه مدفون فلم يصبه فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثم انه احتفر الموضع الذي من جوانبه كلها فوقع على المال بعينه كيف يزكيه. قال: يزكيه لسنة واحدة لانه كان غائبا عنه وان كان احتبسه) (1) قوله: وان كان احتبسه - كما في الوسائل والكافي - اي وان كان هو المتصدي لحبس المال ودفنه وذكر المحقق الهمداني ان النسخ مختلفة وفي بعضها احتسب اي وان كان المالك حسب


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 1.

[ 41 ]

المدفون من امواله وكيفما كان فلا دخل لهذه الجملة فيما نحن بصدده، وقد دلت على ان المال الذي لا يتمكن صاحبه من التصرف فيه خارجا لعدم السلطة عليه تكوينا وان تمكن من التصرف اعتبارا من بيع أو جعله مهرا ونحو ذلك لا زكاة فيه. وموثقة اسحاق بن عمار: (عن الرجل يكون له الولد فيغيب بعض ولده فلا يدري اين هو ومات الرجل كيف يصنع بميراث الغائب من ابيه. قال: يعزل حتى يجئ، قلت: فعلى ماله زكاة قال: لا حتى يجئ، قلت. فإذا هو جاء أيزكيه؟ فقال: لا حتى يحول عليه الحول في يده) (1). فان من المعلوم ان المراد باليد ليس هو العضو والجارحة الخاصة بل المراد ما هو المتعارف من استعمالها اي يكون تحت استيلائه وسلطانه بحيث يتمكن من التصرف التكويني خارجا. وموثقته الاخرى - وان اشتمل سندها على اسماعيل بن مرار لكنه مذكور في اسناد تفسير علي بن ابراهيم - (عن رحل ورث مالا والرجل غائب هل عليه زكاة؟ قال: لا حتى يقدم، قلت: أيزكيه حين يقدم؟ قال: لا حتى يحول عليه الحول وهو عنده) (2) فان قوله (ع): وهو عنده، عبارة اخرى عن كونه تحت تصرفه لا مجرد كونه عنده ولو اغتصبه ظالم وجعله وديعة عند مالكه. وصحيحة عبد الله بن سنان: (لا صدقة على الدين ولا على المال


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2. (2) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 3.

[ 42 ]

الغائب عنك حتى يقع في يديك) (1). وصحيحة ابراهيم بن أبي محمود: (الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل اليهما ثم يأخذهما متى تجب عليه الزكاة قال: إذا اخذهما ثم يحول عليه الحول يزكي) (2) إلى غير ذلك من الاخبار كما لا يخفى على المراجع. وهذه النصوص، كما ترى تدلنا باجمعها على ان المعتبر في تعلق الزكاة الاستيلاء الخارجي على العين الزكوية باتلاف أو أكل أو نقل إلى مكان أخر ونحو ذلك من التصرفات التكوينية بحيث تكون تحت يده وسلطته. واما التمكن من التصرفات الشرعية الاعتبارية مثل البيع أو الهبة أو الصلح ونحو ذلك فهي اجنبية عن التعرض لذلك رأسا ولا دلالة في شئ من هذه الاخبار على اعتبار التمكن من ذلك أو عدم اعتباره في تعلق الزكاة بتاتا وبذلك يندفع الاشكال المعروف من انه ان اريد التمكن من جميع التصرفات فهذا غير متحقق في كثير من موارد تعلق الزكاة ولا اشكال في عدم اعتباره فيها فلو اشترى مقدارا من الانعام واشترط البائع ان لا يهبها أو لا يبيعها أو لا يؤجرها من زيد سنة واحدة لا يمنع ذلك عن تعلق الزكاة قطعا. وان اريد التمكن من التصرف ولو في الجملة فهذا متحقق في كثير من الموارد المتقدمة من المسروق أو المحجور أو للغائب ونحو ذلك بان يهبه أو يبيعه من السارق أو من غيره المتمكن من تسلمه كابنه مثلا أو يبيع المال الغائب أو


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 6. (2) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 1.

[ 43 ]

المحجور من شخص آخر. وجه الاندفاع ما عرفت من ان هذه الاخبار باسرها ناظرة إلى التصرفات الخارجية والتمكن من القلب والتقليب التكويني في قبال المال الغائب - مثلا - الذي لا يتيسر فيه ذلك ولا نظر فيها بوجه إلى التصرفات الاعتبارية حتى يقال ان الاعتبار تجميع تلك التصرفات أو بعضها فلا يرد شئ من الاشكالين المبنيين على توهم شمول الاخبار للتصرف الاعتباري. ودعوى: ان الممنوع الشرعي ملحق بالممتنع العقلي. مدفوعة بعدم الدليل على هذا الالحاق على سبيل الاطلاق. نعم ثبت ذلك في باب التكاليف بحكومة العقل فكما لا يمكن التكليف بغير المقدور عقلا فكذا لا يمكن الامر بما هو ممنوع شرعا إذ لا يعقل البعث نحو الحرام فالممنوع شرعا كالممنوع عقلا من هذه الجهة، واما لو جعل المنع العقلي في مورد موضوعا لحكم شرعي كما في المقام فلا دليل على الجاق المنع الشرعي به في موضوعيته للحكم أو كونه شرطا فيه كما لا يخفى. والمتحصل من جميع ما سردناه لحد الآن ان هذا الاشتراط تام في الاربعة المذكورة أولا اعني موارد العجز التكويني فلا تجت الزكاة فيها لاجل هذه الاخبار. واما الثلاثة الاخر التي يجمعها العجز التشريعي الممنوعية عن التصرف الاعتباري فلا بد من التعرض لكل واحد منها بحياله بعد عدم اندراجها تحت هذه الاخبار، كما عرفت فنقول. اما الوقف فلا تجب الزكاة فيه لا لعدم التمكن من التصرف بل لقصور الملك من الاول، فان الوقف وان تضمن التمليك على

[ 44 ]

الصحيح الا انه نوع ملكية محدودة مقصورة من جهة الانتفاع فقط وليس للموقوف عليه السطنة على العين من حيث البيع أو الهبة أو الرهن ونحو ذلك مما يتمتع الملاك من املاكهم فانه على ما قيل في تعريفه تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة فمفهوم الوقف متقوم بالبقاء والسكون وعدم الحركة كانه واقف في مكانه في عالم الاعتبار. ولا شك ان ادلة الزكاة منصرفة عن مثل هذه الملكية فان الامر بالاخذ في مثل قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة) ظاهر في اختصاصه بمورد يتمكن المالك من اعطاء العين عن رضى ورغبة دون مالا يتمكن من اعطائها كالوقف فانه منصرف عن مثل ذلك جزما ولو ام يكن بعض عبارات المحقق لامكن ان يقال انه يريد بقوله تمام الملك في قبال هذه الموارد التي يكون الملك فيها ناقصا وقاصرا وهذا كما ترى اجنبي عن عدم التمكن من التصرف للتمكن من التصرف في الوقف بما لا ينافيه غير ان الملكية في حد ذاتها قاصرة من الاول كما عرفت لعدم كونه من الاموال التي يتمكن المالك من ان يعطيها باختياره وطوعه ورغبته فهناك قصور في المالكية ذاتا لا تشريعا، إذ لا يترتب عليها الا الانتفاع بالمنافع فحسب حسبما عرفت فيصح ان يقال ان من شرائط الزكاة الملك وان يكون تاما لا قاصرا كما في الوقف نظرا إلى ان المالك لا يتمتع الا بالنماء دون العين فانها ساكنة غير متحركة فكانت الملكية قاصرة وادلة الزكاة عن مثله، منصرفة. واما الرهن فالمشهور شهرة عظيمة عدم الزكاة فيه ونسب الخلاف إلى الشيخ في بعض كلماته وان وافق المشهور في بعضها الآخر.

[ 45 ]

ونسب إلى الشهيد التفصيل بين ما إذا كان الراهن متمكنا من فك الرهن فتجب الزكاة والا فلا وكأن هذا التفصيل مبني على ما قدمناه من اعتبار الاستيلاء الخارجي إذ عليه لو لم يتمكن من الفك لم يكن مستوليا على المال ومع التمكن مستول للقدرة على المقدمة. ولكن الظاهر عدم الزكاة مطلقا لا لاجل تلك الاخبار لقصورها كما عرفت بل لان موضوع الزكاة الملك التام كما مر، والعين المرهونة بما انها متعلق لحق المرتهن وله الاستيفاء منها وكانت وثيقة عنده فلا جرم كانت المكلية قاصرة، ومجرد القدرة على الفك لا يجعل الملك الفعلي طلقا. فكما ان ادلة الزكاة منصرفة عن الوقف كذلك منصرفة عن الرهن بمناط واحد إذ ليس للمالك بما هو مالك ان يتصرف فيه كيفما يشاء فالملكية في نفسها قاصرة وضعا لا انه مجرد منع تكليفا. واما منذور التصدق فالمشهور بل المنسوب إلى الاصحاب ان نذر الصدقة نذرا مطلقا غير موقت ولا معلق على شرط يمنع عن الزكاة. قال في الشرايع: انه لو نذر في اثناء الحول الصدقة بعين النصاب انقطع الحول معللا بانه متعين للصدقة بموجب النذر فوجوب الوفاء بالنذر يمنع عن كل تصرف ينافيه فيوجب ذلك قصور الملك وعدم تماميته فلا تشمله ادلة الزكاة كما نص عليه في الجواهر بعد ان صرح بعدم وجدان الخلاف في المسألة وتبعه المحقق الهمداني (ره) قال: بلا خلاف فيه ولا اشكال. أقول: دعوى عدم الخلاف مشكلة بل في غير محلها فان المسألة غير معنونة في كلمات القدماء من الاصحاب ولم يتعرض إليها احد

[ 46 ]

فيما نعلم بعد مراجعة الجوامع الفقهية عدا ما نسبه في مفتاح الكرامة إلى جماعة معلومين أولهم الشيخ في المبسوط وبعده جماعة منهم المحقق في الشرائع كما سمعت والا فكلمات الاكثرين خالية عن التعرض لهذا الشرط حتى ان صاحب الحدائق الذي دأبه التعرض لفروع كثيرة اهمل هذه المسألة ولم يتعرض لنذر الصدقة. نعم الذي تعرضوا له ومما لا خلاف فيه هو اعتبار التمكن الخارجي فلا زكاة في المال الغائب أو المسروق أو المدفون، فان هذا مذكور في كلماتهم. واما التمكن الاعتباري ببيع وهبة ونحو ذلك بحيث لا يشمل ما وجب التصدق به - كما في المقام - فلم يعلم ان اعتباره متسالم عليه بينهم بل مقتضى اطلاق كلامهم عند بيان شرائط الزكاة وعدم التعرض لذلك هو عدم الاعتبار فلا ينقطع الحول بفقده. وكيفما كان: فلم يثبت ان المسألة مما لا خلاف فيها إذ كيف يمكن كشف عدم الخلاف في مسألة لم يتعرض لها الاصحاب. وحينئذ نقول لو وفى بنذره فلا اشكال في سقوط الزكاة للخروج بذلك عن الملك ولا زكاة الا في ملك كما تقدم، انما الكلام في انقطاع الحول بنفس الوجوب لا بالتصدق الخارجي وان وجوب التصدق الناشئ من قبل النذر هل يمنع عن تعلق الزكاة أم لا؟ فنقول: نذر الصدقة على ما ذكره في المدارك. تارة: يكون بنحو نذر النتيجة. واخرى. بنحو نذر الفعل. فان كان الاول: فلا ينبغي الشك في انه يقطع الحول ويمنع عن الزكاة لخروجه عن الملك ودخوله في ملك الفقراء ولا زكاة الا في ملك

[ 47 ]

كما مر. الا ان الكلام في صحة النذر بهذا النحو فانه لم يدل عليه اي دليل. والوجه فيه ما ذكرناه في محله من ان التمليك وان امكن ابرازه بأي مبرز ولا تعتبر فيه صيغة خاصة الا انه لا بد وان يستند إلى سبب ويندرج تحت عنوان وليس النذر بنفسه من أسباب التمليك وعناوينه بالضرورة بل العنوان المتصور في المقام القابل للانطباق على التمليك المجاني ليس الا الهبة فان الصدقة فرد من افرادها لا يفترق عنها إلا باعتبار قصد التقرب فهي بالاخرة نوع خاص من الهبة فيجري عليها احكامها من اعتبار القبول لكونها من العقود ومن اعتبار القبض فما لم يتحقق شئ منهما كما هو المفروض لم تتحقق الهبة الشرعية فلم يتحقق السبب الناقل لتخرج العين المنذورة عن الملك حتى تسقط الزكاة. وعلى الجملة: لو صح نذر النتيجة فلا اشكال في قاطعيته للحول الا انه لا يصح لعدم خروج التمليك المجاني - صدقة - عن الهبة ويعتبر فيها القبول والقبض ولم يتحقق شئ منهما على الفرض فكيف تدخل في ملك الفقراء ليمنع عن الزكاة. وان كان الثاني اعني نذر الفعل - الذي هو الظاهر من كلام المحقق وغيره ممن تعرض للمسألة - نذرا مطلقا غير معلق على شرط ولا موقت بوقت فلا اشكال في انه بمجرد النذر لا يخرج عن الملك غايته انه يجب عليه ان يفي بنذره عملا بعموم ادلته فهل يكون هذا الوجوب مانعا عن تعلق الزكاة؟ نسب إلى المشهور ذلك ويستدل له بوجوه:

[ 48 ]

احدها: ما ذكره في الجواهر من ان وجوب الوفاء بالنذر يوجب قصرا في الملك وعدم كونه تاما فلا تشمله ادلة الزكاة. وفيه ما لا يخفى، بل لا نعقل معنى صحيحا لذلك ضرورة ان مجرد الالزام الوجوب التكليفي لا يستدعي قصورا في الملك بوجه بعد ترتب آثار الملك التام من الانتقال إلى الوارث وضمان الغاصب ونحو ذلك فوجوب الصرف في الصدقة كوجوب الصرف في النفقة أو في نجاة شخص عن الهلكة حكم تكليفي محض لا يترتب على مخالفته سوى العصيان ولا يوجب اي نقصان في الملك ولا مايز بين هذا الوجوب وبين الوجوب الناشئ من جهات اخر كالشرط في ضمن العقد فلو باعه مشروطا بأن لا يبيعه أو لا يهبه من زيد لم يستوجب ذلك قصر الملك بحيث لو خالف فباع أو وهب كان باطلا بل غايته الاثم فقط. وعلى الجملة فغاية ما يترتب على النذر وجوب الفعل فإذا لم يفعل فقد عصى ولكن الملكية لا قصور فيها ابدا فلا موجب لانقطاع الحول بوجه. ثانيها: ما قد يقال من ان تعلق النذر بشئ الموجب للوفاء به يمنع عن كل فعل يضاده وينافيه من الافعال التكوينية أو الاعتبارية من بيع أو هبة ونحو ذلك فانها باجمعها ممنوعة فهي غير مقدورة شرعا فكانت كالممنوع عقلا فيوجب ذلك بطلان البيع لا محالة لان القدرة فيه على التسليم شرط في صحة المعاملة، فلا جرم يكشف ذلك عن قصور في الملك نظير الوقف الذى ليس له التسلط على رقبة المال لعدم تمامية الملك فلاجله لا تتعلق به الزكاة. ويندفع بما تعرضنا له في بحث المكاسب عند التكلم حول منذور

[ 49 ]

التصدق من انه لم يدل اي دليل على اعتبار القدرة الشرعية على التسليم في صحة البيع بحيث لا يكون منافيا لواجب آخر بل المعتبر انما هي القدرة الخارجية التكوينية فقط نظرا إلى ان البيع ليس هو مجرد الاعتبار النفسي المبرز فانه وان حصلت الملكية بمجرد العقد الا ان متممه في نظر العقلاء انما هو الاخذ والعطاء والقبض والاقباض المعبر عنه بالفارسية ب‍ (دادوستد) فانه الموجب لانقطاع علاقة الطرفين من العوضين بحيث لا عبرة بالتلف بعد ذلك والا فالتلف قبل القبض من مال بايعه، فبالتسليم الخارجي يتحقق تمام الملك ولاجله كانت القدرة عليه شرطا في الصحة سواء استلزم التسليم المزبور ترك واجب أو فعل حرام ام لا، فان ذلك لا دخل له في صحة المعاملة بوجة بل هو من باب التضاد ولا يترتب على مخالفته الا الاثم أو مع الكفارة كما في موارد مخالفة النذر. وعلى الجملة فالامر بالتصدق الناشئ من قبل النذر لا يستوجب بطلان المعاملة بوجه فلو باع وسلم إلى المشتري صح البيع وان خالف النذر وعصى فهو نظير ما لو وجب الانفاق على الزوجة ولم يكن له عدا هذا المال فباعه فان البيع صحيح حينئذ بلا اشكال غايته ان هذا البيع ملازم لترك واجب ولا ضير فيه اما عرفت من عدم الدليل على اعتبار القدرة الشرعية على التسليم بمعنى عدم المزاحمة لواجب آخر في صحة البيع. وعليه فلا يمكن القول بان النذر يوجب سقوط الحول لقصور الملك إذ التكليف المحض لا يستتبع نقصا في الملك أبدا لبقاء آثار الملكية على حالها بجميع احكام فلو مات قبل التصدق بالمنذور ينتقل

[ 50 ]

إلى وارثه ولا يجب عليه الوفاء لان النذر أوجب الوفاء على الناذر لا على الوارث كما هو ظاهر. فهذا الوجه الذي يظهر من الشيخ في يبيع منذور التصدق من كتاب المكاسب توجيها لقصور الملك من عدم جواز التصرف المنافي للمنذور لا يمكن المساعدة عليه بوجه إذ الوجوب التكليفي لا ينافي الجواز الوضعي ابدا والقدرة على التسليم ثابتة بمعنى وغير لازمة بالمعنى الآخر حسبما عرفت. ثالثها: ما قد يقال أيضا من ان نذر التصدق على الفقراء يوجب حقا لهم في المال كما في حق الرهانة فكما ان العين المرهونة مورد لحق المرتهن ولاجله كانت الملكية قاصرة كما مر، فكذلك الحال في منذور التصدق فانه أيضا مورد احق الفقير الموجب لقصر الملك المستتبع لسقوط الزكاة. وفيه ما لا يخفي: لوضوح الفرق بين الموردين فان العين المرهونة وثيقة بيد المرتهن وفي قبضته وليس للمالك ان يتصرف فيها بما ينافي الرهن فتعلق حق المرتهن أوجب خروج العين عن استيلاء المالك فيستلزم قصورا في الملك بطبيعة الحال، واين هذا من مورد النذر إذ ليس للفقراء أخذ المال قهرا من المالك ومنعه عن التصرف بالضرورة كما هو الحال في النذر على غير الفقراء مثل ما لو نذر ان يهب ماله لزيد فكما لا يجوز لزيد أن يأخذ المال من صاحبه قهرا فكذلك الفقراء. (وعلى الجملة) لا يستتبع النذر عدا تكليفا محضا متوجها إلى الناذر وليس في البين اي حق للمنذور له أبدا حتى يستوجب قصورا في الملك كما لعله أوضح من ان يخفى.

[ 51 ]

رابعها: أن الفعل المتعلق للنذر اعني التصدق بما انه يجعله لله فهو ملك له تعالى وبما ان المال موضوع للتصدق المملوك فهو متعلق لحقه تعالى ولاجله كانت الملكية قاصرة وقاطعة للحول لاشتراط الزكاة بالملكية التامة كما سبق. وهذا ايضا لا يتم بكلا جزئيه: اما أولا: فلان النذر لا يتضمن التمليك بوجه بل معنى قوله: (لله علي) كقوله تعالى: (لله على الناس حج البيت) ليس إلا ايجاب الشئ وجعله على نفسه والتزامه به لله كما هو مقتضى لفظ النذر لغة حيث انه بمعنى ايجاب شئ على النفس وإلا فلا يحتمل ان يكون الحج مثلا مملوكا لله تعالى بالمكلية الاعتبارية الثابتة في الاموال نظير ملكية زيد للدار، فليس معنى نذر الصدقة ان التصدق ملك لله تعالى بل هو واجب ومجعول من قبل الناذر نفسه لا من قبل الله تعالى ابتداء كما في الحج. وثانيا: لو سلمنا ذلك في الحج فلا نكاد نسلمه في النذر ضرورة ان هذه الملكية المزعومة انما حدثت تفعل الناذر وبالجعل الثانوي وليس حكما ابتدائيا كما في الحج فلا بد وان يلتفت إليه الناذر ليفرضه على نفسه ولا يكاد يلتفت احد من الناذرين إلى هذا المعنى بحيث يعتبر ملكية التصدق لله كما يعتبرها في مثل قوله هذا لك بالضرورة فانه يعتبر الملكية في مثل الهبة ويبرزها بمبرز ولا يحتمل ذلك في النذر جزما وانما هو التزام وتعهد بفعل لله وايجاب له على نفسه لا يزيد عليه بشئ. وثالثا: سلمنا ان التصدق ملك لله تعالى الا انه لا يستلزم بوجه

[ 52 ]

ان يكون موضوعه وهو المال متعلقا لحقه تعالى لعدم الدليل عليه فان التصدق وان كان متقيدا بالمال الا ان التقيد داخل والقيد خارج فلا المال مملوك ولا متعلق لاحد. نعم هو متعلق للتكليف بتسليم التصدق إلى مالكه من غير ان يستتبع ذلك حقا بمنعه عن التصرف فيه أبدا ليستوجب قصرا في الملك نظير مالو آجر نفسه ليخيط ثوبا لزيد في دار خاصة أو بأبرة أو مكينة مخصوصة، فان المستأجر وان ملك الفعل اعني الخياطة الا ان ذلك لا يستتبع حقا له في الدار أو الابرة أو المكينة بحيث يسلب السلطنة التامة عن مالكها بنحو لا يسعه التصرف فيها من بيع أو هبة ونحو ذلك فان ذلك باطل جزما ولا قائل به قطعا. نعم يجب عليه تكليفا حفظها مقدمة للوفاء بالاجارة على الكيفية المقررة الا ان ذلك لا يستلزم بطلان البيع وضعا بالضرورة ونحوه مالو آجر نفسه ليصلي عن زيد في مكان أو لباس مخصوص فان شيئا من ذلك لا يستوجب الحق في متعلق التكليف بلا خلاف ولا اشكال. ثم ان مما يؤكد ما ذكرناه من ان المال ليس موردا لحق الفقراء وهم اجنبيون عنه انه لو تعلق النذر بالتصدق لفقير معين أفهل يجوز له ان يطالب بحقه؟ ليس له ذلك قطعا، فلو كان النذر مستوجبا لثبوت حق للفقراء لكان ثابتا فيما لو نذر التصدق لشخص خاص كزيد أو اشخاص معينين كأولاده مثلا وجاز له أو لهم المطالبة بالحق وليس كذلك قطعا كما عرفت. ومما يؤكد ما ذكرناه من ان نذر التصدق لا يمنع عن تعلق الزكاة ان هذا لو تم لعم وجرى في كل نذر مشروع إذ مقتضى

[ 53 ]

[ والمدار في التمكن على العرف (1). ومع الشك يعمل بالحالة السابقة ومع عدم العلم بها فالاحوط الاخراج. ] ذلك ان النذر بنفسه يرفع موضوع الزكاة ولا خصوصية لتعلقه بالتصدق بل يعم كل نذر سائغ راجح المتعلق كما لو نذر ان كلما يملكه من ذهب أو فضة يصرفه في توسعة معاش عياله أو في شراء دار لولده ونحو ذلك من الامور الراجحة شرعا، أفهل يمكن القول بان هذا يوجب سقوط الزكاة؟. نعم لو وفى بنذره قبل حلول الحول لا اشكال في السقوط لانعدام الموضوع وزوال الملك كما هو واضح وانما الكلام فيما قبل الوفاء فانه لا يظن باحد الالتزام بالسقوط بمجرد النذر المزبور وان لم يف بنذره حتى حال عليه الحول كما هو محل الكلام. فتحصل ان الظاهر عدم سقوط الزكاة بمجرد النذر وحينئذ فان بقي المال إلى أن حال الحول فمقتضى عموم ادلة الزكاة وجوب زكاته كما ان مقتضى ادلة الوفاء وجوب صرفه في النذر. وفي تقدم ايهما على الآخر كلام سنتعرض له بعدم عدة مسائل عند تعرض الماتن له وكلامنا فعلا في ان هذا النذر لا يقطع الحول ولا يرتفع به موضوع الزكاة ما لم يف قبل الحول حسبما عرفت. (1) ذكر (قده) انه مع الشك في التمكن فالعبرة بالصدق العرفي ومع الشك في الصدق ايضا فالمرجع استصحاب الحالة السابقة ومع الجهل بها أو تعارضها كما في تعاقب الحالتين مع الشك في المتقدم منهما والمتأخر فالاحوط الاخراج.

[ 54 ]

اقول: اما كون المرجع لدى الشك في صدق التمكن هو العرف فأمر واضح لا غبار عليه كما هو الشأن في كل عنوان اخذ في موضوع التكليف فان العبرة في تشخيص مفهومه بالصدق العرفي، وفي المقام وان لم يرد عنوان التمكن من التصرف في شئ من الاخبار الا ان هذا العنوان مذكور فيها ككون المال عنده أو تحت يده أو عند ربه ونحو ذلك مما يرجع إلى ذلك المفهوم، وسيجئ قريبا تفصيل الموارد التي يشك معها في الصدق العرفي ومنها ما لو فرضنا ان المال مسروق والمالك يتمكن من اخذه بسهولة غير انه يتساهل في الاخذ فهل يصدق عرفا انه متمكن من التصرف مطلقا أم لا لانه غائب وليس عنده فالمرجع في امثال ذلك هو العرف فان صدق لديهم انه حال الحول والمال عنده وجبت الزكاة والا فلا كما عرفت. وأما ما ذكره (قده) بعد ذلك من أنه مع الشك يرجع إلى الاستصحاب ان امكن والا فالى اصالة الاحتياط فالظاهر ان هذين الامرين لا يجتمعان في مورد واحد فان الشبهة المفروضة اما انها حكمية مفهومية أو موضوعية خارجية. فعلى الاول كما لعله الظاهر من العبارة بقرينة الرجوع إلى العرف الذي هو المرجع في الشبهات المفهومية لا المصداقية كما لا يخفى. فما ذكره (قده) حينئذ من الاحتياط في وجوب الزكاة هو الصحيح بل الامر اوضح من ذلك وينبغي الفتوى به صريحا لان ادلة وجوب الزكاة مطلقة والدليل المنفصل قيد الوجوب بما إذا كان المال عنده وتحت بيده فإذا شك في هذا العنوان لشبهة مفهومية دائرة بين الاقل والاكثر فلا محالة يشك في التقييد الزائد على المقدار

[ 55 ]

المتيقن فيرجع فيه إلى الاطلاق. ووجهه ظاهر على ما بيناه في الاصول فان ظهور العام أو المطلق حجة لا يرفع اليد عنها الا بحجة اقوى والمخصص أو المقيد المنفصل انما يتقدم ويكون اقوى فيما إذا انعقد له الظهور وتمت الدلالة، لما إذا كان مجملا دائرا بين الاقل والاكثر كما هو المفروض في المقام فلا بد من الاقتصار على المقدار المتيقن ارادته المحرز دلالته وهو الاقل، وأما الزائد المشكوك فلا موجب لرفع اليد عن ظهور العام أو المطلق بالاضافة إليه لعدم نهوض حجة اقوى على خلافه فلا بد من الالتزام بوجوب الزكاة في المقام عملا بظهور العام ما لم يحرز ان المال ليس عنده كما هو المفروض. ولكن ما ذكره (قده) من الرجوع إلى الاستصحاب غير وجيه إذ لا مجال للرجوع إليه في الشبهات المفهومية الدائرة بين الاقل والاكثر. ووجهه: ما تعرضنا له في الاصول مستقصى. وملخصه: ان الاستصحاب ناظر إلى ابقاء ما شك في بقائه من وجود أو عدم وهذا غير متحقق في موارد الشبهات المفهومية لتعلق الشك فيها بشئ آخر اجنبي عن يقين المكلف وشكه مثلا إذا شك في بقاء النهار من اجل الشك في مفهوم الغروب وتردده بين سقوط القرص أو زوال الحمرة الشرقية فليس لدينا حينئذ اي شك في الموجود الخارجي لان الغروب بمعنى السقوط متحقق وجدانا وبمعن الزوال غير متحقق وجدانا أيضا فيستصحب اي شئ بعد كون كل منهما متيقنا. نعم يشك في مفهوم الغروب عرفا وان اللفظ اسم لاي منهما فالشك في الحقيقة شك في الوضع اللغوي أو العرفي، ومن البديهي خروج اثباته

[ 56 ]

عن عهدة الاستصحاب. وبالجملة فليس لدينا موجود خارجي أو معدوم يشك في بقائه كي يستصحب. نعم الحكم الشرعي مشكوك فيه وهو جواز الاتيان بالظهرين أو عدم جواز الاتيان بالعشائين أو الافطار في المتخلل ما بين الوقتين فانه في نفسه قابل للاستصحاب لتمامية الاركان، الا انه لا يجري من جهة الشك في الموضوع فان جواز الاتيان بالظهرين قبل ذلك انما كان من اجل بقاء موضوعه وهو النهار وهذا فعلا مشكوك فيه حسب الفرض وكذا الحال في الحكمين الآخرين للشك في تحقق موضوعهما وهو الليل وتفصيل الكلام في محله. وعليه فإذا شككنا في المقام في صدق مفهوم كون المال عنده عرفا وانه متمكن من تمام التصرف أم لا بشبهة حكمية لم يكن مجال للرجوع إلى الاستصحاب بوجه. وعلى الثاني اعني كون الشبهة موضوعية خارجية كما لو كان متمكنا من التصرف سابقا واحتمل انه سرقه سارق اثناء السنة شهرا واحدا فلم يكن متمكنا من التصرف في تمام الحول أو عكس ذلك بان كان مسروقا سابقا ثم اخذه المالك وشك في تاريخ الاخذ وانه ان كان في شهر كذا فقد حال عليه الحول عنده والا فلا. ففي مثل ذلك لا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب لاحراز الموضوع فيحرز به ان المال حال عليه الحول وهو عنده أو لم يحل. ولكن لا وجه لما ذكره (قده) بعد ذلك من الرجوع إلى الاحتياط لو لم يجر الاستصحاب بل المرجع حينذ اصالة البراءة إذ الشك في الحقيقة اما هو في تحقق شرط الوجوب وهو التمكن من التصرف المستلزم للشك في فعلية المشروط

[ 57 ]

[ السادس: النصاب (1)، كما سيأتي تفصيله. (مسألة 1): يستحب للولي الشرعي اخراج الزكاة في غلات غير البالغ (2) - يتيما كان أو لا، ذكرا كان أو انثى - دون النقدين. وفي استحباب اخراجها من مواشيه اشكال، والاحوط الترك. ] فبحسب النتيجة يشك في تعلق التكليف الفعلي بالزكاة فيرجع لا محالة إلى اصالة البراءة. اللهم الا إذا بنينا على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية كما ربما ينسب ذلك إلى السيد الماتن (قده) - وان لم تثبت النسبة - فان مقتضى العموم وجوب الزكاة في كل فرد ما لم يحرز دخوله في افراد المخصص، ولكن المبنى فاسد. وكيفما كان فلا بد من التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية فيرجع في الاولى إلى عمومات وجوب الزكاة وفي الثانية إلى الاستصحاب ان كان والا فأصالة البراءة حسبما عرفت. (1) فانه شرط في جميع الاجناس الزكوية غير ان لكل منها نصابا يخصه كما سيأتي البحث عنها عند تعرض الماتن لها في محالها. (2) لا اشكال كما لا خلاف في عدم استحباب الزكاة في الصامت من أموال الصبي لعدم الدليل عليه، واما المواشي ففي الحاقها بالغلات التي ذهب المشهور فيها إلى الاستحباب - كما ستعرف - كلام واشكال ينشأ من عدم ورود دليل فيه عدا ما يدعى من عدم القول بالفصل بينه وبين الغلات ولكنه لم يثبت فلا مخرج عن اطلاق ما دل على

[ 58 ]

عدم الزكاة في مال اليتيم مضافا إلى اصالة عدم جواز التصرف في مال الصغير من غير دليل قاطع وأما الغلات فالمشهور فيها هو الاستحباب بل نسب إلى السيد المرتضى القول بالوجوب ولكن تقدم ضعفه مستقصى والكلام فعلا في ثبوت الاستحباب ومستنده صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع): (انهما قالا: ليس على مال اليتيم في الدين والمال الصامت شئ فاما الغلات فعليها الصدقة واجبة) (1). هكذا رواها الشيخ، واما ما في الكافي من روايتها عن زرارة ومحمد بن مسلم نفسهما من غير الاسناد إلى الصادقين (ع) فهو سقط اما من العبارة أو من الاصل وكيفما كان فقد ذكروا انها دلت على وجوب الزكاة في غلات اليتيم ولكن ترفع اليد عن الظهور بما دل على عدم الوجوب صريحا وهي موثقة ابي بصير عن ابى عبد الله (ع): (انه سمعه يقول: ليس في مال اليتيم زكاة وليس عليه صلاة وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة) (2) فيجمع بالحمل على الاستحباب كما هو الشايع في نظائره في جميع الابواب. ولكن ناقش فيه جماعه فانكروا الاستحباب ايضا نظرا إلى ان الحمل عليه ليس باولى من حمل ما دل على الوجوب على التقية حيث ان العامة يرون الزكاة في الغلات مطلقا اي من غير فرق بين القصر والبالغين على ما نسب إليهم.


(1) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2. (2) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب من تتجب عليه الزكاة ح 11.

[ 59 ]

وربما يورد عليه بان الحمل على التقية خاص بفرض استقرار المعارضة وعدم تيسر الجمع العرفي اما معه فلا تصل النوبة إلى التصرف في الجهة والجمع العرفي هنا موجود فيرفع اليد عن ظهور احدى الروايتين في الوجوب بصراحة الاخرى في العدم ونتيجته الاستحباب. ولا يخفى ان هذا الكلام وجيه بحسب الكبرى فلا يحمل على التقية الا مع تحقق المعارضة بنحو يبقى العرف متحيرا. اما لو كان احد الدليلين قرينة على التصرف في الآخر عرفا كما لو ورد في دليل اخر انه لا بأس بتركه فلا موجب للحمل على التقية وهذا كثير في أبواب الفقه. واما بحسب الصغرى فليس كذلك إذ لو كانت صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم متضمنة للامر بالزكاة بمثل قوله (زكه) لاتجه حينئذ رفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب بقرينة الرواية الاخرى الصريحة في الترخيص في الترك فيجمع بالحمل على الاستحباب. ولكن الوارد فيها هكذا: (فعليها الصدقة واجبة) اي ثابتة - كما لا يبعد - وقد تضمنت موثقة ابي بصير: (انه ليس على غلاته زكاة) اي ليست بثابتة ومن الواضح ان هذين الكلامين اعني قولنا: الزكاة ثابتة، والزكاة غير ثابتة متهافتان، بل لا يبعد ان يكون من اظهر افراد التعارض كما لا يخفى. وقد ذكرنا في الاصول ان المناط في المعارضة ان يفرض الدليلان المنفصلان متصلين ومجتمعين في كلام واحد فان كان في نظر العرف بمثابة القرينة وذيلها فكان احدهما مانعا عن انعقاد الظهور في الآخر وشارحا للمراد منه كما في مثل قولنا: زك ولا بأس بتركه، أو

[ 60 ]

اغتسل للجمعة ولا بأس ان لا تغتسل لم تكن ثمة معارضة وكانت القرينية محفوظة في ظرف الانفصال ايضا. واما إذا عدا في نظر العرف متباينين وكان الصدر والذيل متهافتين فلا جرم تستقر المعارضة في البين لدى الانفصال ايضا. ولا ريب انا لو جمعنا بين هذين الكلامين فقلنا ان الزكاة واجبة في مال اليتيم حتى لو قلنا ان واجبة بمعنى ثابتة - كما لا يبعد - وقلنا انه لا زكاة في مال اليتيم اي ليست بثابتة كما هو مقتضى نفي الجنس لكان الكلام في نظر العرف متهافتا ومتناقضا فان قولنا ثابت وغير ثابت متعارضان، ومعه كيف يمكن الحمل على الاستحباب. وهذا نظير ما لو ورد الامر بالاعادة في دليل وورد نفي الاعادة في دليل آخر فانه لا يمكن الجمع بالحمل على الاستحباب لان الامر بالاعادة ارشاد إلى الفساد والحكم بعدمها ارشاد إلى عدم الفساد، والفساد وعدم الفساد متعارضان في نظر العرف، ومن المعلوم انه لا معنى لاستحباب الفساد. وعليه فلا سبيل إلى الجمع العرفي في المقام ولا مجال للحمل على الاستحباب بل الدليلان متعارضان. إذا فالمناقشة المتقدمة من ان الحمل على الاستحباب ليس باولى من حمل صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم على التقية في محلها فلم ينهض دليل على الاستحباب في الغلات فضلا عن ان يتعدى إلى المواشي بعدم القول بالفصل. نعم يمكن ان يناقش في حمل الموثقة على التقية الذي ذهب إليه صاحب الوسائل وغيره (1) مدعيا موافقة الحديث لمذاهب اكثر العامة


(1) ذكره في الوسائل ج 6 باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 11 في ذيل موثقة أبي بصير.

[ 61 ]

[ نعم إذا اتجر الولي بماله يستحب اخراج زكاته أيضا (1). ] بأنا لم نجد بعد الفحص قولا من العامة مطابقا لما تضمنته الصحيحة من التفصيل في مال اليتيم بين الغلات فتجب فيها الزكاة دون غيرها لتقبل الحمل على التقية فان اكثرهم ذهبوا إلى وجوب الزكاة في مال اليتيم مطلقا من غير فرق بين الغلات وغيرها. وذهب جماعة منهم إلى عدم الوجوب مطلقا كالخاصة لقوله صلى الله عليه وآله: رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم كما يظهر ذلك من الشيخ في الخلاف ومن بعض كتب العامة أيضا على ما راجعنا، فهم بين قولين مطلقين ولا قائل بالتفصيل ولعله يوجد به قول شاذ بل قد نسبه بعضهم إلى ابي حنيفة الا انا لم نجده (1). وكيفما كان فان امكن الحمل على التقية فهو والا فتسقط الروايتان من هذه الجهة بالمعارضة فلم يبق لنا اي دليل على الاستحباب فالقول به مشكل جدا بل ممنوع للزوم الرجوع بعد التعارض والتساقط إلى عموم قوله (ع) في بقية الروايات: (انه ليس في مال اليتيم زكاة) فان التصرف في مال اليتيم وتزكيته ولو استحبابا يحتاج إلى الدليل ولا دليل. ومقتضى الاصل العدم. (1) على المشهور، بل ادعى عليه الاجماع لجملة وافرة من


(1) في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 493 قال أبو حنيفة يجب العشر في زروعهما وثمرتهما. (اي المجنون والصبي) وقال ابن حزم في المحلى ج 5 ص 205 قال أبو حنيفة لا زكاة في اموالهما من الناض والماشية خاصة والزكاة واجبة في ثمارهما وزروعهما.

[ 62 ]

النصوص المعتبرة السليمة عن المعارض التي منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (قلت لابي عبد الله (ع) هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: لا إلا ان يتجر به أو تعمل به) (1) ونحوها غيرها. بل ان ظاهر هذه النصوص الوجوب ومن هنا نسب القول به إلى المفيد وان ام تثبت النسبة إذ قد حمل الشيخ كلامه على الاستحباب وهو اعرف بمراده من غيره. وكيفما كان فلا ينبغي الاشكال في عدم الوجوب وان تعاطاه ظواهر هذه الاخبار وذلك لجملة اخرى من الروايات دلت على عدم وجوب الزكاة في مال التجارة وهي وان كان موردها - الا ما شذ - غير اليتيم الا انا لا نحتمل ان يكون اليتيم اشد حالا من البالغ فإذا لم يثبت فيه بمقتضى هذه النصوص لم يثبت في اليتيم بطريق أولى. على ان الزكاة من مباني الاسلام فهو مالو كان لبان وكان من الواضحات فكيف ام ينسب القول بالوجوب إلى احد ما عدا المفيد الذي عرفت حال هذه النسبة ايضا، فلا ينبغي التأمل في حمل تلك الاخبار على الاستحباب ولا ضير في الالتزام به وان انكرنا الاستحباب فيما لا يتجر به من غلات الصبي للفرق الواضح بين المالين حتى ثبوتا فضلا عن الفارق الاثباتي بلحاظ فيام الدليل وعدمه كما عرفت فان ما يتجر به مال تعلق باليتيم وحصل له من غير ان يعمل فيه كما لو ملكه بسبب الارث مثلا فلا تستحب فيه الزكاة وهذا بخلاف ما اتجر فيه فان الربح العائد انما حصل بفعل الولي


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 1.

[ 63 ]

وهو الذي تسبب إلى تحصيله تبرعا ومن غير ان يكون واجبا عليه فلا مانع حينئذ من الامر بالزكاة استحبابا وابقاء الباقي للصبي. وعلى الجملة فاصل الاستحباب مما لا اشكال فيه من غير فرق بين اليتيم والبالغ. وانما الاشكال فيما إذا كان الاتجار بمال اليتيم على وجه غير سائغ كما لو كان صادرا عن غير الولي ولكنه اتجر لنفسه لا لليتيم من غير مجوز شرعي كما إذا لم يكن مليا أو كان المال في معرض التلف فهل يثبت الاستحباب هنا ايضا؟ أو انه يختص بما إذا كان المتجر وليا وكان الاتجار سائغا ولليتيم نفسه. قد يفرض ان الولي استقرض المال من اليتيم وكان ذلك جائزا في حقه كما لم كان مليا - لو قلنا باعتبار هذا القيد في جواز الاقتراض للولي - فكان القرض صحيحا واخذ المال واتجر به لنفسه ولا اشكال حينئذ في ان الربح له كالاتجار فهو المأمور استحبابا باخراج الزكاة عن ماله إذ الاتجار ليس بمال اليتيم بل بمال كان لليتيم سابقا وأما فعلا فهو ملك للولي المقترض فيشمله عموم دليل استحباب الزكاة في مال التجارة كساير البالغين وهذا واضح جدا بل هو خارج عن محل الكلام. واما إذا كان بمال اليتيم مع فرض عدم كون الاتجار سائغا اما لعدم كونه وليا أو لان الولي تصرف على غير الوجه الشرعي، فقد يكون الاتجار لليتيم واخرى للمباشر نفسه. فان كان لليتيم فلا يبعد ثبوت الاستحباب بل هو الظاهر فان المعاملة وان لم تكن صحيحة من الاول لعدم صدورها ممن له اهلية التصرف على النهج الشرعي حسب الفرض فهي لا تخرج عن كونها

[ 64 ]

معاملة فضولية الا انه بعد ظهور الربح ولو من باب الاتفاق يحكم بالصحة من غير حاجة إلى اجازة الولي لصدورها من الولي الاصلي وهو الشارع بمقتضى الروايات الواردة في المقام المتضمنة ان الربح لليتيم والخسران على المتجر التي تدل بالالتزام على صحة المعاملة المساوقة لحصول الاجازة كما لا يخفى فتشمله حينئذ اطلاقات استحباب الزكاة في مال اليتيم مع الاتجار. فمن تلك الروايات معتبرة سعيد السمان التي ليس في سندها من بغمز عدا اسماعيل بن مرار الذي هو من رجال تفسير علي بن ابراهيم قال: (سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ليس في مال اليتيم زكاة الا ان يتجر به فان اتجر به فالربح لليتيم وان وضع فعلى الذي يتجر به) (1) فان موردها التجارة غير النافذة شرعا في نفسها بقرينة الحكم بضمان المتجر لدى الوضع اي الخسران وإلا فلا ضمان على الولي في تجارة صحيحة كما هو ظاهر فتدل على ثبوت الزكاة في الربح الحاصل في تلك التجارة بمقتضى الاستثناء. ونحوها صحيحة زرارة وبكير عن ابي جعفر (ع): قال: ليس على مال اليتيم زكاة الا ان يتجر به فان اتجر به ففيه زكاة والربح لليتيم وعلى التاجر ضمان المال) (2) فان مضمونها متحد مع ما سبق. وان كان للمتجر نفسه فيما ان العين لليتيم فالبيع والربح يقعان له بطبيعة الحال وان قصد التاجر الفضولي خلافه لما ذكرناه في بحث الفضولي من عدم مدخلية لهذا القصد فان البيع مبادلة بين المالين


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2. (1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 8.

[ 65 ]

[ ولا يدخل الحمل في غير البالغ (1)، فلا يستحب اخراج زكاة غلاته ومال تجارته. ] فالركن فيه هو العوضان فلا جرم يقع البيع لمالكهما الواقعي مع الاجازة ولا اثر لقصد البايع الفضولي خلاف ذلك ولذا قلنا ان بيع الغاصب أو شراءه يقع للمالك وان قصد الغاصب الشراء لنفسه لعدم مدخلية لهذا القصد في تحقق البيع الذي هو مبادلة مال بمال فإذا كان البيع لليتيم اما باجازة الولي أو بدونه كان الربح له ايضا لان المال ماله حسب الفرض وان كان الضمان على المتجر كما تقدم. وعليه فهل تستحب الزكاة هنا ايضا؟ اما التاجر فلا تجب ولا تستجب له جزما لان الربح ليس له مضافا إلى ما في موثقة سماعة من قولة (ع): (... لا لعمري لا اجمع عليه خصلتين الضمان والزكاة) (1). واما اليتيم فقد صرح المحقق وغيره بنفي الاستحباب نظرا إلى ان المتيقن أو الظاهر من الادلة ان تكون التجارة بمال اليتيم لليتيم تفسه، واما إذا لم تكن له وان رجعت النتيجة إليه وكان الربح له فادلة الاستحباب منصرفة عنه. فإذا اخراج الزكاة يحتاج إلى الدليل ولا دليل فلا استحباب وما ذكروه جيد كما لا يخفى. (1) لان المذكور في لسان الادلة هو عنوان الييتم وقد تعدينا إلى غيره نظرا إلى ان مناسبة الحكم والموضوع تستدعي الغاء خصوصية


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 5.

[ 66 ]

[ والمتولي لاخراج الزكاة هو الولي (1) ومع غيبته يتولاه الحاكم الشرعي. ولو تعدد الولي جاز لكل منهم ذلك، ومن سبق نفذ عمله. ولو تشاحوا في الاخراج وعدمه قدم من يريد الاخراج. ] اليتم وان النكتة في تخصيصه بالذكر لانه الغائب فيمن له المال من الصبيان والا فالمال في غيره لوالده غالبا. الا ان هذا العنوان لا يصدق على الحمل بوجه إذ لم يولد بعد ليصدق عليه لفظ الصبي فضلا عن اليتيم الذي هو قسم منه. فالعنوان المزبور منصرف إلى المولود الخارجي ولا يعم الحمل قطعا فلا زكاة عليه وان كانت له حصة من المال. (1) فان الراوايات الواردة في استحباب الزكاة في مال اليتيم مع الاتجار خالية باجمعها عن تعيين المأمور بهذا الحكم ما عدا رواية واحدة (1) التي خوطب فيها من يتجر بان يزكيه والا فساير الروايات تضمنت ان في ماله الزكاة من غير تعيين شخص خاص ولا ريب ان الزكاة مع الاختلاف في كيفية تعلقها بالمال الزكوي من كونها بنحو الكلي في المعين أو الشركة في المالية كما هو الصحيح أو نحو آخر غير ثابتة في جميع اجزاء المال بل هي على كل ثابتة في مجموع هذا المال بنحو من تلك الانحاء. وعليه فلا يجوز التصرف في المال لغير الولي فبطبيعة الحال يكون المأمور هو الولي من ابيه أو جده


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 3.

[ 67 ]

[ ولو لم يؤد الولي إلى ان بلغ المولى عليه فالظاهر ثبوت الاستحباب بالنسبة إليه (1). (مسألة 2): يستحب للولي الشرعي اخراج زكاة مال التجارة للمجنون دون غيره، من النقدين كان أو من غيرهما (2). ] أو القيم من قبلهما ولو لم يكن ذلك فوليه الحاكم الشرعي الذي هو ولي من لا ولي له. ولو فرض ان له وليين أو قيمين فطبعا يجوز لكل منهما اخراج الزكاة عملا باطلاق دليل ولايته. كما انه لو سبق احدهما نفذ تصرفه وان استنكره الاخر لانه تصرف من اهله في محله. ومنه يظهر انه لو تشاحا فاراد احدهما الاخراج والاخر عدمه قدم من يريد الاخراج لان منع الاخر لا يصد من يريد الاخراج عن العمل بدليل الاستحباب الثابت بنحو الاطلاق. (1) لما عرفت من ان مفاد الاخبار ان في هذا المال زكاة من غير ان تتضمن الخطاب بشخص خاص وانما خصصنا الحكم بالولي لانه القدر المتيقن ممن يجوز له التصرف في مال اليتيم لا لان الخطاب متوجه إليه ليسقط بانقطاع ولايته بعد بلوغ الصبي. وعليه فمقتضى الاطلاق في تلك الادلة ثبوت الاستحباب للمولى عليه بعد بلوغه. (2) فقد وردت عدة روايات تضمنت الامر بالزكاة في مال التجارة

[ 68 ]

[ (مسألة 3): الاظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه في اثناء الحول، وكذا السكران (1). فالاغماء وللسكر لا يقطعان الحول فيما يعتبر فيه، ولا ينافيان الوجوب إذا ] للمجنون كالصبي التي عمدتها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (قلت لابي عبد الله (ع): امرأة من اهلنا مختلطة أعليها زكاة؟ فقال: ان كان عمل بها فعليها زكاة وان لم يعمل به فلا) (1) ونحوها غيرها مما تضمن التفصيل بين العمل وغيره. هذا وقد الحق بعضهم المجنون بالصبي في استحباب الزكاة في الغلات وقد عرفت عدم ثبوت الحكم في الصبي فضلا عن ان يتعدى منه إلى المقام لمعارضة دليل الاخراج مع ما دل على العدم كما تقدم. ولو سلم الحكم هناك فالتعدي يحتاج إلى الدليل ولا دليل فكيف يمكن الحكم بالاستحباب بعد ان لم يكن المجنون مكلفا بشئ وليس لاحد ان يتصرف في ماله كغيره من القاصرين من غير مجوز شرعي. ثم ان ظاهر صحيحة ان الحجاج المتقدمة وجوب الزكاة في ماله كما تقدم نظيره في مال الصبي، ولكن يرفع اليد عن هذا الظهور في كلا الموردين ويحمل على الاستحباب بعين الوجه الذي تقدم في الصبي فان الكلام هنا هو الكلام هناك بمناط واحد كما انه يثبت الاستحباب للمجنون بعد ما افاق لو لم يؤد وليه كما كان ثابتا للصبي بعد بلوغة في الفرض المزبور لعين الوجه المذكور ثمة فلاحظ وتذكر. (1) فلا ينافي الاغماء والسكر تعلق الزكاة وهذا هو المعروف


(1) الوسائل ج 6 باب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 1.

[ 69 ]

[ عرضا حال التعلق في الغلات. ] المشهور بين الفقهاء. ونسب إلى بعضهم الحاق المغمى عليه بالمجنون فلا تجب الزكاة عليهما، وأما النائم فالظاهر انه لا خلاف في وجوب الزكاة عليه وان النوم لا يلحق بالجنون كما في ساير التكاليف. وبيان ذلك: انه قد يكون شئ شرطا للتكليف ابتداء من اجل تقييد الموضوع به وان غيره غير مخاطب بالحكم اصلا وهذا كما في البلوغ والعقل حيث ان الصبي والمجنون قد وضع عنهما قلم التكليف من اول الامر بمقتضى حديث الرفع الوارد فيهما فلا يشملهما الخطاب من اصله بتاتا، وهذا واضح. واخرى لا يكون كذلك وانما لم يثبت فيه التكليف لاجل العجز وعدم القدرة كما في النائم وكذلك المغمى عليه والسكران بل الغافل والناسي فكان غافلا حين تعلق التكليف وناسيا ان له كذا مقدارا من الغلة أو الذهب أو الفضة مثلا ففي هذه الموارد لا تكليف قطعا لانه مشروط بالقدرة عقلا المفقودة في هذة الفروض. وحينئذ فان بنينا على ما بن عليه غير واحد من الاعلام من ان القدرة في امثال المقام شرط للتكليف عقلا من غير دخل لها في الملاك وان ملاك التكليف موجود فعلا وان لم يكن التكليف بنفسه متوجها إلى المخاطب نظرا إلى ان المانع مانع عنه لا عن ملاكه فهو ثابت في حقه ولاجله لا يكون التكليف فعليا بعد ارتفاعه فعلى هذا المبنى تثبت الزكاة في هذه الموارد بطبيعة الحال. وعلى هذا المبنى ربت شيخنا الاستاذ (قده) عدم جريان الترتب

[ 70 ]

فيما كانت القدرة شرطا شرعا لاختصاص جريانه بما كانت شرطا عقلا نظرا إلى ان القدرة على الاول حالها حال ساير الشرائط المأخوذة في الموضوع التي ينتفي بانتفائها الحكم بملاكه كما في موارد الوضوء والغسل حيث ان تقييد التيمم بقوله تعالى: (ولم تجدوا) يعطينا بمقتضى المقابلة اشتراطهما بالقدرة شرعا فلا ملاك مع العجز ولذا لا يجري فيه الترتب. بخلافها على الثاني حيث ان الساقط حينئذ ليس الا التكليف باعتبار ان العقل لا يجوز تكليف العاجز والا فالملاك باق على اطلاقه. وكيفما كان فلا ريب في ثبوت الزكاة في المقام على هذا المبنى. ولكن المبنى في نفسه غير تام كما تعرضنا له في الاصول إذ لا طريق لنا إلى استكشاف الملاكات من غير ناحية الاحكام انفسها فان عدم ثبوت التكليف في موارد دخل القدرة عقلا كما يمكن ان يكون لاجل الاقتران بالمانع وهو العجز. كذلك يمكن ان يكون لاجل عدم المقتضي لدخل القدرة في الملاك في صقع الواقع وان لم نعلم به فلا يمكن كشف الملاك الا بدليل خارجي مثل الحكم بالقضاء فيما فات من الصلاة في حال النوم، وأما على نحو الكبرى الكلية بحيث يستكشف الملاك في كل مورد كان التكليف مشروطا بالقدرة عقلا. فكلا بل دون اثباته خرط القتاد كما لا يخفى. وربما يستدل على وجوب الزكاة في هذه الموارد بان القدرة انما هي شرط - بحكم العقل - في التكليف فقط دون الوضع لعدم المقتضي للتقييد بالنسبة إليه وعليه فما دل من الروايات على الوضع مثل ان في خمس من الابل شاة أو فيما سقته السماء العشر ونحو ذلك عام يشمل اموال المغمى عليه والسكران ونحوهما إذ لا يحكم

[ 71 ]

العقل الا باشتراط القدرة في التكليف دون الوضع. ولكنه أيضا لا يتم لما تقدم (1) من عدم الاطلاق في ادلة الوضع لانها انما سيقت لبيان مقدار الزكاة بالنسبة إلى من وجبت عليه الزكاة. واما انها على من تجب وعلى من لا تجب فهي إلى ذلك غير ناظرة والدلالة من هذه الناحية قاصرة فهي في مقام بيان تعيين المقدار لا في من تجب عليه الزكاة لينعقد لها الاطلاق. اذن يبقى الاشكال في تعلق الزكاة في هذه الموارد على حاله. والذي ينبغي ان يقال ان مورد الاشكال انما هي التكاليف الموقتة المحدودة بما بين الحدين كالصلاة المقيدة بما بين الطلوعين فلو عرضه الاغماء أو السكر أو النوم في تمام الوقت فحينئذ يتجه الاشكال في تعلق القضاء نظرا إلى ان التكليف لم يثبت في حقه في الوقت لاشتراطه بالقدرة عقلا المنتفية عند احدى تلك العوارض فيجاب عنه باستكشاف الملاك أو بنحو آخر مقرر في محله واما في المقام فلم يكن التكليف موقنا إلا من ناحية المبدء فقط وهو بلوغ النصاب وأما بقاءا ومن حيث المنتهى فلا أمد له. والمفروض ان هذا التكليف مشروط بالقدرة بمكم العقل فإذا كان عاجزا اول زمان التعلق لكونه نائما أو مغمى عليه أو سكرانا ونحو ذلك ثم ارتفع العذر وتجددت القدرة فاستيقظ مثلا بعد ساعة فأي مانع من التمسك حينئذ باطلاق الامر بوجوب الزكاة فان التكليف وان لم يكن متعلقا بهذا الشخص في بدء حدوثه لمكان العجز الا انه لم يكن مقيدا بهذا الوقت حسب الفرض بل هو باق


(1) وتقدم الاشكال فيه.

[ 72 ]

[ (مسألة 4): كما لا تجب الزكاة على العبد كذا لا تجب على سيده فيما ملكه (1)، على المختار من كونه مالكا. واما على القول بعدم ملكه فيجب عليه مع التمكن العرفي من التصرف فيه. ] ومستمر فلا مانع من شموله له بقاءا بعد ان حصلت له القدرة. وهذا نظير ساير التكاليف كوجوب ازالة النجاسة عن المسجد ووجوب اداء الدين ووجوب الصلاة على الميت أو غسله ونحو ذلك فانه لو كان عاجزا عن امتثال هذه التكاليف في أول زمان تعلقها كما إذا لم يجد ماء لغسل الميت ثم بعد ساعة أو ساعتين تجددت القدرة فلا مانع من توجيه التكليف إليه فعلا وان كان ساقطا سابقا لمكان العجز. وعليه فالتمسك بهذه الاطلاقات لا مانع منه بوجه. نعم تظهنز الثمر فيما إذا استمر العذر من الاغماء أو السكر ونحو ذلك إلى ان مات أو إلى ان جن بحيث لم يكن التكليف فعليا في حقه بتاتا فانه يقع الاشكال في وجوب الزكاة حينئذ حتى لو كان العذر هو النوم الا إذا كان هناك اجماع محقق كما لا يبعد ثبوته في النوم، وإلا فهو محل للاشكال لانه حين تعلق الزكاة لم يكن مكلفا لمكان العجز وبعده ارتفع الموضوع ومات ولم يبق في قيد الحياة أو عرضه الجنون المانع عن تعلق التكليف. (1) كما تقدم الكلام فيه مستقصى فلا نعيد.

[ 73 ]

[ (مسألة 5): لو شك حين البلوغ في مجئ وقت التعلق (1) - من صدق الاسم وعدمه - أو علم تاريخ البلوغ وشك في سبق زمان التعلق وتأخره ففي وجوب الاخراج اشكال، لان اصالة التأخر لا تثبت البلوغ حال التعلق، ولكن الاحوط الاخراج. ] (1) قسم (قده) مفروض المسألة إلى صور إذ: تارة: يعلم زمان البلوغ ويشك وقتئذ اما في اصل التعلق أو في وقته تعد العلم بأصله فلا يدري هل كان حدوثه قبل زمان البلوغ فكان يوم الاربعاء مثلا - والمفروض ان البلوغ يوم الخميس - كي لا تجب عليه الزكاة أو كان بعده كيوم الجمعة حتى تجب. وقد استشكل (قده) حينئذ في وجوب الاخراج واخيرا احتاط فيه لزوما رعاية لما كان معروفا ومشهورا لدى جماعة من الفقهاء من اصالة تأخر الحادث بحيث كانت اصلا برأسها بل لعل ذلك كان معدودا عندهم من المسلمات على ما ذكره الشيخ (قده). ولكن المتأخرين لم يلتزموا بذلك يظرا إلى ان اساس الاصل المزبور انما هو الاستصحاب لا غير، ومن البين ان الاستصحاب انما يترتب عليه اثار نفس المستصحب دون لوازمه لعدم حجية الاصول المثبتة. وعليه فإذا كان يوم الخميس هو يوم البلوغ - كما هو المفروض - وشك حينئذ اما في اصل التعلق أو في تقدمه على هذا اليوم وتأخره

[ 74 ]

[ واما إذا شك حين التعلق (1) في البلوغ وعدمه، أو علم زمان التعلق وشك في سبق البلوغ وتأخره أو جهل التاريخين فالاصل عدم الوجوب. ] عنه فاستصحاب عدم التعلق إلى يوم الجمعة لو كان له اثر شرعي ترتب عليه ولكنه لا اثر له وانما الاثر ترتب على الاصفرار أو الاحمرار - اي التعلق - بعد البلوغ أو حاله ولا يمكن اثبات ذلك بالاصل المزبور اعني اصالة عدم التعلق ما قبل البلوغ إذ لا يترتب عليه انه اصفر أو أحمر حين البلوغ أو بعده الذي هو الموضوع للاثر. وحيث انه يشك وقتئذ في تعلق التكليف بالزكاة والمرجع ما لم يحرز موضوع التكليف اصالة البراءة فلا موجب للاحتياط الوجوبى بالاخراج كما هو ظاهر عبارته (قده). (1) وتارة اخرى: يفرض عكس ذلك فكان زمان التعلق معلوما وشك حينئذ اما في اصل البلوغ أو في تقدمه وتأخره وقد جزم (قده) هنا بعدم الوجوب. والوجه فيه ظاهر لانا إذا لم نعتمد على اصالة تأخر الحادث فالكلام هو الكلام المتقدم وإذا اعتمدنا عليها فكان مقتضى الاصل تأخر البلوغ وسبق التعلق عليه فعدم الوجوب حينئذ واضح. ومن ذلك يظهر الحال في الصورة الثالثة اعني ما لم علم بالبلوغ والتعلق وشك في المتقدم منها والمتأخر لاجل الجهل بالتاريخين فان الكلام هو الكلام المتقدم إذ بعد ان لم يحرز موضوع الوجوب وهو التعلق بعد البلوغ كان مقتضى الاصل - طبعا - هو عدم الوجوب فلا

[ 75 ]

تجب الزكاة حينئذ. ولمزيد التوضيح في المقام نقول انا قد ذكرنا في الاصول عند التكلم حول توارد الحالتين والشك في المتقدم منها والمتأخر انه لا يفرق في جرنان الاستصحاب بين معلوم التاريخ ومجهوله. نظرا إلى ان المعلوم وان لم يكن موردا للشك بالاضافة إلى عمود الزمان الا انه بالقياس إلى الحادث الاخر من حيث التقدم أو التأخر عنه فهو مشكوك فيه بالوجدان فان الشك واليقين حالتان نفسيتان لا واقع لهما وراء افق النفس فإذا فرضنا العلم بالبلوغ يوم الخميس والشك في حدوث التعلق قبله أو بعده فللبلوغ اضافة إلى الزمان واضافة اخرى إلى التعلق. ولدى مراجعة انفسنا نرى انا وان كنا على يقين من حيث الاضافة الاولى فلا بلوغ يوم الاربعاء جزما كما انه قد بلغ يوم الخميس قطعا الا انه لا يقين بلحاظ الاضافة الثانية بالضرورة، بل نحن شاكون في ان البلوغ هل هو سابق على الزمان الواقعي للتعلق - الذي هو معلوم عند الله - أو انه لاحق. ومعه لا مانع من استصحاب بقاء عنوان الصغر إلى زمان التعلق المنتج لعدم وجوب الزكاة لانه في وقت التعلق مال الصغير بمقتضى الاستصحاب. وهذا الاستصحاب جار في جميع الصور الثلاث المتقدمة اعني العلم بالبلوغ والشك في التعلق وعكسه والجهل بالتاريخين. ولا يعارض باصالة عدم التعلق إلى زمان البلوغ ضرورة ان الموضوع للاثر انما هو صدق التعلق بعد البلوغ لا عدمه قبله ومن البين ان الاصل المزبور لا يتكفل باثباته الا على القول بالاصل المثبت.

[ 76 ]

[ واما مع الشك في العقل، فان كان مسبوقا بالجنون وكان الشك في حدوث العقل قبل التعلق أو بعده فالحال كما ذكرنا في البلوغ (1) من التفصيل. وان كان مسبوقا بالعقل (2)، فمع العلم بزمان التعلق والشك في زمان حدوث الجنون فالظاهر الوجوب، ومع العلم بزمان حدوث الجنون والشك في سبق التعلق وتأخره فالاصل عدم الوجوب، وكذا مع الجهل بالتاريخين. ] وهذا بحث كلي يترتب عليه احكام كثيرة في أبواب الطهارات والمواريث والنكاح وغيرها. فاتضح ان الحكم في جميع الصور هو عدم وجوب الزكاة لاحراز موضوع العدم باستصحاب بقاء المال على ملك الصغير إلى زمان التعلق من غير معارض ولا تصل النوبة إلى الاصل الحكمي. (1) حيث ان العقل العارض بعد الجنون لما كان حادثا مسبوقا بالعدم فهو إذا كالبلوغ المسبوق بالصبا فيجري فيه جميع ما مر. وقد عرفت ان الاظهر عدم وجوب الزكاة في جميع الفروض الثلاثة المتقدمة اعني صورتي العلم بتاريخ احد الامرين - من العقل والتعلق في المقام - وصورة الجهل بالتاريخين استنادا إلى استصحاب بقاء الجنون إلى زمان التعلق، السليم عن المعارض حسبما تقدم على خلاف ما اختاره في المتن من التفصيل. (2) واما إذا انعكس الامر فعرضه الجنون بعدما كان عاقلا وشك

[ 77 ]

في تقدمه على التعلق كي لا تجب الزكاة وتأخره كي تجب. فقد فصل في المتن حينئذ بين ما إذا علم زمان التعلق وانه في شهر رجب مثلا وشك في تاريخ الجنون ففي مثله يستصحب بقاء العقل إلى هذا الزمان المعلوم الذي نتيجته وجوب الزكاة. وبين عكسه بان علم زمان الجنون وشك في وقت التعلق فانه حيث يشك حينئذ في تعلق التكليف حال العقل كان المرجع اصالة عدم الوجوب ومثله صورة الجهل بالتاريخين. اقول: بناء على ما عرفت من جريان الاستصحاب في المعلوم كالمجهول - نظرا إلى ان معلومية التاريخ انما تستوجب ارتفاع الشك بلحاظ عمود الزمان لا بالقياس إلى الزمان الواقعي للحادث الآخر - يظهر لك الحال في المقام ايضا وان المرجع اصالة عدم الجنون وان شئت فقل استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلق الذي نتيجته وجوب الزكاة باعتبار عروض التعلق في مال من هو محكوم بالعقل ببركة الاستصحاب سواء اكان تاريخ الجنون معلوما ام مجهولا وهذا اصل موضوعي يثبت به وجوب الزكاة. ولا يعارض باصالة عدم التعلق إلى زمان الجنون إذ لا يثبت بها التعلق بعد الجنون كي تنتفي عنه الزكاة فان موضوع الاستثناء هو مال المجنون ولا يثبت بالاصل المزبور ان التعلق كان بعد الحنون. وعلى الجملة الاستصحاب الاول يقتضي الوجوب بعد ضم الوجدان إلى الاصل حيث ان الاحمرار متيقن وكونه مال العاقل ثابت بالاستصحاب والاستصحاب الثاني لا اثر له فلا مناص من الالتزام بوجوب الزكاة. ومنه يظهر الحال في مجهولي التاريخ وان اصالة عدم الاحمرار أو

[ 78 ]

[ كما ان مع الجهل بالحالة السابقة وانها الجنون أو العقل كذلك (1) ] الاصفرار إلى زمان الجنون لا اثر له الا ان يثبت بها عروض الاحمرار بعد الجنون ليكون داخلا في موضوع مال المجنون ولا نقول بالاصل المثبت بخلاف العكس فانه يجري بلا معارض حسبما عرفت. (1) اي يحكم بعدم الوجوب استنادا إلى اصالة البراءة. اقول: قد يفرض الكلام فيما إذا لم تكن الحالة السابقة معلومة بوجه فكانت هي كالحالة الفعلية مجهولة بقول مطلق كما لو ملك شخص مقدارا من المال وشك من اول امره انه هل كان عاقلا أو مجنونا. والظاهر حينئذ وجوب الزكاة عليه سواء أقلنا بأن الجنون مانع أم ان العقل شرط. اما على الاول فلاطلاقات الزكاة بعد دفع الجنون المشكوك باصالة العدم كما ذكرنا نظيره في الميت الذي يشك في اسلامه من وجوب بجهيزه استنادا إلى عمومات تجهيز الميت بعد دفع العنوان الخارج عنها وهو الكفر - الذي هو بمثابة المانع - باصالة العدم فان الكفر وان كان امرا عدميا كالجنون في المقام الا انهما من قبيل الاعدام والملكات كما لا يخفى فلا جرم كان امرا حادثا مسبوقا بالعدم فلا مانع إذا من نفيه بالاصل. واما على الثاني اعني القول بشرطية العقل في وجوب الزكاة كشرطيته في عامة التكاليف وان ما دل على انه لا زكاة في مال

[ 79 ]

المجنون حكم تأكيدي يراد به شرطية العقل لا مانعية الجنون. فلاستقرار بناء العقلاء على اصالة السلامة في كافة الموارد التي يحتمل فيها نقص في الخلقة الاصلية التي من ابرز مصاديقها الجنون فانهم لا يزالون يبنون على الصحيح في كل مورد دار الامر بينه وبين المعيب فلا يعتنى باحتمال كون المبيع معيبا ولا تعد المعاملة غررية ولو ادعاه المشتري ليطالب بالفسخ أو الارش كان عليه الاثبات. كما لا يصغى إلى دعوى جنون القاتل أو الجاني أو الشارب للخمر ليدرء عنه الحد أو القصاص ما لم تثبت بحجة شرعية وهكذا. وعلى الجملة اصالة السلامة من الاصول العقلائية المطردة في جميع المقامات والتي جرى عليها ديدنهم في كافة الموارد ومنها المقام. إذا فلا يعتنى باحتمال جنون من عنده عين زكوية بل يحكم بوجوب اخراج زكاته استنادا إلى اصالة السلامة ما لم يثبت خلافها. ومنه يظهر الحال فيما لو فرض الكلام في مورد علم فيه بالجنون في زمان وشك في تقدم التعلق عليه وتأخره ولم تكن الحالة السابقة معلومة فان الامر حينئذ ايضا كذلك إذ ان اصالة السلامة تبين لنا ان الحالة السابقة هي العقل فيندرج حينئذ في المسألة المتقدمة اي ما كان العقل متيقنا سابقا وعلم بعروض الجنون والتعلق مع الشك في المتقدم منهما والمتأخر غاية الامر ان التيقن بالعقل نشأ هنا من بناء العقلاء على اصالة السلامة التي هي بعد الحجية بمثابة العلم الوجداني. ففي هذين الموردين لم نعرف اي وجه لما ذكره (قده) من عدم وجوب الزكاة استنادا إلى أصالة البراءة إذ لا تصل النوبة إليها بعد وجود الاصل الموضوعي الحاكم عليها والمقتضي لوجوب الزكاة حسبما

[ 80 ]

[ (مسألة 6): ثبوت الخيار للبائع ونحوه لا يمنع من تعلق الزكاة (1) إذا كان في تمام الحول، ولا يعتبر ابتداء ] عرفت. والمظنون قويا ان الماتن ايضا لا يريد ذلك إذا كيف تخفى عليه اصالة السلامة وقد ذكرها مبسوطا في حاشيته على المكاسب. وعليه فلا يبعد ان يريد بجهالة الحالة السابقة في المقام موردا لا تجري فيه اصالة السلامة بان يكون مفروض كلامه صورة توارد الحالتين مع الشك في المتقدم والمتأخر، فكان عاقلا في زمان ومجنونا في زمان آخر وتعلق الزكاة بعدهما ولم يعلم ان التعلق كان في زمان الجنون أو العقل. فلنفرض اياما ثلاثة فكان في يوم الثلاثاء عاقلا أو مجنونا وكذلك في يوم الاربعاء للشك في المتقدم والمتأخر وقد عرض التعلق في يوم الخميس. وحينئذ فبما انا نشك في المتقدم من الحالتين والمتأخر فاما ان نبني على ان الاستصحاب لا يجري من اصله كما هو خيرة صاحب الكفاية نظرا إلى عدم احراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين أو نبني على جريانه في نفسه وسقوطه بالمعارضة كما هو الاصح. وعلى كلا التقديرين لا سبيل إلى استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلق ليحكم بوجوب الزكاة اما لعدم المقتضي أو للمعارضة فلا جرم تنتهي النوبة إلى اصالة البراءة فما افاده (قده) من عدم الوجوب وجيه في خصوص هذا المورد اعني ما إذا كان قبل زمن التعلق حالتان وشك في المتقدم منهما والمتأخر حسبما عرفت. (1) لانها متوقفة على الملك الحاصل بمجرد العقد وان كان خياريا

[ 81 ]

[ الحول من حين انقضاء زمانه، بناء على المختار من عدم منع الخيار من التصرف. فلو اشترى نصابا من الغنم أو الابل مثلا وكان للبايع الخيار، جرى في الحول من حين العقد لا من حين انقضائه. ] بناءا على ما هو المعروف المشهور - وهو الصيحيح - من ان الخيار المجعول في العقد لا ينافي انتقال الملك ولا يتوقف حصوله على انقضاء زمان الخيار. نعم بناء على التوقف المزبور الذي هو مسلك الشيخ الطوسي (قده) لا اشكال في عدم الزكاة ما دام الخيار باقيا لانتفاء الملك حسب الفرض ولا زكاة إلا في ملك. لكن المبنى فاسد كما تعرض له الشيخ الاعظم في المكاسب فان الخيار حق متعلق بالعقد يوجب تزلزله وجواز فسخه وارجاع العين التي انتقلت إلى الطرف الآخر بمجرد العقد كما هو الحال في العقود الجائزة بالذات كالهبة فكما ان الموهوب له يملك بمجرد الهبة غاية الامر ان الواهب يجوز له الرجوع ما لم يطرء ما يقتضي اللزوم من قصد القربة أو كونه ذي رحم ونحو ذلك، فكذا في المقام. نعم يفترقان في ان الجواز هنا حقي وفي الهبة حكمي لا يكاد يسقط بالاسقاط. ثم انه بناء على حصول الملك فهل لمن عليه الخيار ان يتصرف في المال تصرفا مالكيا من بيع أو هبة أو وقف ونحو ذلك ام لا؟ فيه كلام.

[ 82 ]

والصحيح - كما اختاره في المتن - انه لا مانع من ذلك ما لم يشترط خلافه كما تعرضنا له في بحث المكاسب فان الخيار متعلق بالعقد ولذا فسروه بملك فسخ العقد ولا تعلق له بالعين لتكون متعلقا لحق ذي الخيار. غاية الامر انه بعد الفسخ ان كانت العين موجودة استردها الفاسخ وإلا انتقل إلى البدل من مثل أو قيمة. وعلى هذا فلا مانع من تعلق الزكاة من هذه الناحية ايضا فانه ملك طلق يجوز التصرف فيه فتعلق الخيار بالعقد الواقع على المال الزكوي لا يمنع عن تعلق الزكاة بوجه. نعم يمكن ان يقال ان بعض اقسام الخيار له نحو تعلق بالعين وهو الخيار المشروط برد الثمن فيشترط عند البيع انه متى جاء بالثمن كان له الفسخ ويقال له بيع الخيار الذي هو متعارف حتى في العصر الحاضر، فان مثل هذا البيع مشروط بحسب الارتكاز بالتحفظ على العين وعدم التصرف فيها ليتمكن ذو الخيار من استردادها خلال تلك المدة المضروبة والاجل المعين لو اختار الفسخ ورد الثمن فليس له التصرف الاعتباري من بيع أو نحوه بل يلزمه الابقاء إلى زمان الانقضاء. فحينئذ يمكن ان يقال ان الملك قاصر لكون العين متعلقا لحق الغير كما كان كذلك في حق الرهانة ولا زكاة في الملكية القاصرة كما تقدم. ويندفع بما اسلفناك في منذور الصدقة من ان الحكم التكليفي المحض لا يستوجب قصرا في الملك ولا نقصا في الوضع والسيطرة على العين، بل غايته العصيان لو خالف لا البطلان فلو باع المنذور صح

[ 83 ]

البيع وان كان آثما لعدم كون العين المنذورة متعلقا لحق الفقير ولا لحق الله ليمنع عن التصرف. وانما يتحقق القصر في مثل الوقف حيث لا سلطنة للموقوف عليه على الرقبة ليتمكن من بيعها وملكيته لها محدودة بالانتفاع بها من الاول، ولذا لو مات لا يورث بل يتلقاها البطن اللاحق من نفس الواقف لا بارث من السابق. وكذلك الحال في العين المرهونة فانها وثيقة وتحت سيطرة المرتهن وله منع الراهن عن التصرف فيها بل لا يسوغ تصرفه الا باذنه، وهذا يستتبع بطبيعة الحال حقا للمرتهن متعلقا بشحص العين المستلزم لقصر الملك ونقصه. وهذا بخلاف المقام ضرورة ان الشرط الارتكازي المزبور المتعلق بالمحافظة على العين لا يتضمن الا الحكم التكليفي بوجوب الابقاء وإلا فالعين تحت يد المشتري وفي قبضته وتصرفه فانها ملكه وليس لذي الخيار منعه ولا اخذه منه بغير اذنه ولو مات المشتري انتقل إلى وارثه فجميع احكام الملك الطلق متحقق غايته انه محكوم شرعا بان لا يخرجه من ملكه بناقل من بيع أو هبة ونحو ذلك وهذا كما عرفت تكليفي لا يترتب على مخالفته سوى العصيان والا فالبيع صحيح صادر من اهله في محله فلو فسخ ذو الخيار بعد ان رد الثمن فان كانت العين موجودة استردها وان كانت تالفة بتلف حقيقي أو اعتباري انتقل إلى البدل من المثل أو القيمة كما هو الشأن في ساير موارد الخيار. وبالجملة: فلم يثبت حق في المقام متعلق بالعين ليمنع عن التصرف كي لا تثبت الزكاة. وعليه فلو اشترى كمية من الشياة بالغة حد

[ 84 ]

[ (مسألة 7): إذا كانت الاعيان الزكوية مشتركة بين اثنين أو أزيد يعتبر بلوغ النصاب في حصة كل واحد (1) فلا تجب في النصاب الواحد إذا كان مشتركا. (مسألة 8): لا فرق في عدم وجوب الزكاة في العين الموقوفة بين أن يكون الوقف عاما أو خاصا (2). ] النصاب في بيع مشروط برد الثمن وحال عليها الحول وجبت الزكاة فيها ولا يكون الخيار المزبور مانعا عنها فانه كما عرفت ملك فسخ العقد فهو متعلق بالعقد ولا يوجب حقا في العين بوجه. (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال، ووجهه ظاهر، كما سيجئ تفصيله انشاء الله تعالى في المسألة الثالثة من فصل زكاة الانعام عند تعرض الماتن له. وملخصه ان الحكم بوجوب الزكاة كساير الاحكام انحلالي متوجه إلى آحاد المكلفين، كما هو ظاهر قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة) فادا ضممنا ذلك إلى ادلة اشتراط النصاب يظهر بوضوح ان الازم مراعاة النصاب في حصة كل مكلف بخصوصه لا بضميمة غيره، والا لوجبت الزكاة فيمن ملك درهما واحدا لانه بضميمة دراهم غيره يبلغ حد النصاب فيلغوا اعتباره وهو كما ترى، وقد صرح في بعض النصوص ان من ملك تسعة دينارا ودرهما لا تجب عليه الزكاة لكونها دون النصاب. (2) تقدم ان من شرائط الزكاة الملك، وان يكون الملك طلقا

[ 85 ]

[ ولا تجب في نماء (1) الوقف العام. واما في نماء الوقف الخاص فتجب على كل من بلغت حصته حد النصاب: ] اي متمكنا من تمام التصرف. وعليه فلا زكاة في العين الموقوفة من غير فرق بين الوقف العام أو الخاص فان الوقف وان تضمن الملك لكن الموقوف عليه ليست له سلطنة على العين الا بمقدار الانتفاع منها وليس له التصرف الصادر عن المالك بما هو مالك من بيع أو هبة ونحو ذلك ولا يكاد يورث بل يتلقاها البطن اللاحق من الواقف لا من السابق، فيعتبر فيه الوقوف والسكون، ومن هنا فسر بانه تحبيس العين وتسبيل المنفعة فلا جرم كانت الملكية قاصرة غير تامة ومثلها لا زكاة فيها كما مر. هذا كله في نفس العين. (1) واما نماء العين الموقوفة، فتارة يوقف للصرف في جهة معينة كما لو اوقف البستان ليصرف نخيله في سبيل الله أو في تعزية الحسين (ع) ونحو ذلك، ولا شك هنا في عدم الزكاة فان الجهة وان كانت مالكة الا انها غير مكلفة بشئ كما هو واضح. واخرى: يوقفه على عنوان عام كالفقراء أو العلماء ولا زكاة هنا ايضا لان الموقف عليه حينئذ هو كلي الفقراء مثلا، فالمالك هو هذا العنوان الكلي ولا زكاة الا فيما ملكه آحاد المكلفين واشخاصهم كما هو ظاهر قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة) ولا يكون الفرد من ذلك الكلي مالكا الا بالقبض، لعدم تعين الكلي الا بذلك حتى إذا انحصر الفرد في واحد فلم يكن في البلد الا فقير واحد فانه

[ 86 ]

[ (مسألة 9): إذا تمكن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المحجور - بالاستعانة بالغير أو البينة أو نحو ذلك - بسهولة (1) فالاحوط اخراج زكاتها. وكذا لو مكنه الغاصب من التصرف فيه، مع بقاء يده عليه، أو تمكن من اخذه سرقة، بل وكذا لو امكن تخليصه ببعضه، مع فرض انحصار طريق التخليص بذلك ابدا. وكذا في المرهون ان امكنه فكه بسهولة. ] لا يكون مالكا ما لم يقبض إذ لا ينطبق عليه العنوان الا بذلك بحيث لو مات قبل القبض ام ينتقل إلى وارثه فلا يملكه الا إذا كان فقيرا أيضا فيملكه حينئذ بالقبض لا بالارث. وثالثة: يوقفه على فرد أو افراد معينين وحينئذ فبما ان الموقوف عليه يملكه من حين الانعقاد من غير حاجة إلى القبض فلا جرم تجب عليه الزكاة فيما إذا بلغت حصته بخصوصه حد النصاب مع استجماع ساير الشرائط ولا يكفي بلوغ حصة المجموع لان الخطاب متوجه إلى آحاد المكلفين كما تقدم. (1) لو كان له مال لا يمكنه التصرف فيه فعلا لكونه غائبا أو مغصوبا أو مسروقا ونحو ذلك ولكن يتمكن من تحصيله بسهولة ومن غير مشقة فلعل المشهور حينئذ عدم وجوب الزكاة لفقدان الشرط وهو التمكن الفعلي من التصرف ولا يجب تحصيل شرط الوجوب. ولكن الماتن احتاط وجوبا باخراج الزكاة وفرق بين هذه المسألة

[ 87 ]

والمسألة الآتية اعني ما لو كان له دين على غيره وامكن استيفائه بسهولة ولم يفعل، حيث حكم (قده) هناك تبعا للمشهور بعدم وجوب الاخراج حتى لو اراد المديون الوفاء ولم يستوف مسامحة أو فرارا من الزكاة. وفرق (قده) بين المسألتين بان الملكية في المغصوب ونحوه حاصلة، فشرط الوجوب محقق بخلاف الدين فانه لا يدخل في ملكه الا بعد القبض ولا يجب تحصيل شرط الوجوب. ولكن الفرق كما ترى بل لا يرجع إلى محصل، لحصول الملك في كلتا المسألتين غايته ان المملوك هنا شخصي وفي المسألة الآتية كلي في ذمة الغير، ومجرد ذلك لا يستوجب الاختلاف في الحكم ما لم يقم برهان على اعتبار الملك الشخصي في تعلق الزكاة، فكما ان المملوك الكلي يتعلق به الخمس مثل ما لو كان له مال في ذمة الغير فاتجر وربح فانه يجب تخميسه بلا اشكال فهلا تكون الزكاة أيضا كذلك. إذا لا بد لنا من التكلم في كل من المسألتين على ضوء ما يستفاد من النصوص. أما المسألة الاولى فقد سبق ان ورد في غير واحد من الاخبار اناطة الزكاة بكون المال عنده حتى يحول الحول أو ما يؤدي هذا المعنى من كونه تحت يده وفي تصرفه، فلا تجب الزكاة إذا لم يكن المال عنده ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين ما لم امكن تحصيله بسهولة أو لم يمكن فلا وجوب على التقديرين. وبعبارة اخرى، كون المال عنده وتحت تصرفه من شرائط الوجوب ولا يجب تحصيل شرائط التكليف فان ظاهر تلك الادلة

[ 88 ]

اعتبار اليد الفعلية من غير اي مانع لا مجرد القدرة على تحصيل اليد. نعم هناك رواية واحدة عبر عنها المحقق الهمداني (قده) بموثقة زرارة ربما يترائى أو يستظهر منها ذلك وهي ما رواه الشيخ باسناده عن عبد الله بن بكير عمن رواه (عن زرارة) عن ابي عبد الله (ع) انه قال: في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على اخذه، قال: فلا زكاة عليه حتى يخرج فإذا خرج زكاه لعام واحد فان كان يدعه متعمدا وهو يقدر على اخذه فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين) (1). فان قوله (ع): (فان كان يدعه) ظاهر في ان العبرة بمجرد القدرة على الاخذ وان فقدت اليد الفعلية. ولكنها مخدوشة سندا ودلالة. اما السند: فلتطرق احتمال الارسال المسقط لها عن الاستدلال وذلك لتردد من روى عنه ابن بكير الناشئ من اختلاف النسخ فالمذكور عي الوافي روايته عن زرارة ولكن الموجود في التهذيب والاستبصار بدل عن زرارة قوله: (عمن رواه) وقد جمع في الوسائل الطبعة الجديدة بين النسختين وحيث لا ترجيح في البين فلا دافع لاحتمال الارسال، واما الدلالة فلانها إلى قوله (ع): (لعام واحد) مطابقة لبقية الاخبار المتضمنة عدم الزكاة في المال الغائب الذي لا يقدر على اخذه حتى يخرج من الغيبة إلى الظهور كما هو ظاهر. انما الكلام في قوله بعد ذلك: (فان كان يدعه متعمدا) والاستدلال مبني على ان يكون ذلك ناظرا إلى تجدد القدرة اثناء الحول وان الغائب الذي


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من ابواب من تجب عليه الزكاة ح 7.

[ 89 ]

[ (مسألة 10): إذا امكنه استيفاء الدين (1) بسهولة ] لم يكن قادرا على اخذه لو حصلت القدرة عليه وجبت الزكاة فيه وهو غير واضح. بل الظاهر منه انه ناظر إلى فرض آخر الذي هو بمثابة المفهوم للصدر وهو ما إذا كان المال الغائب مع غيبته غير خارج عن تحت قدربه واختياره بل كان بحيث مهما اراد ان يأخذ اخذه مثل المال المستودع أو المدفون تحت الارض ونحو ذلك من الموارد التي لم تؤثر الغيبة في الخروج عن تحت السلطنة الفعلة عرفا من اول الامر لا انه كان خارجا فتجددت القدرة، ولا ريب ان هذا النحو من الغيبة غير مانع عن تعلق الزكاة جزما إذ لم توجب قطع سلطنة المالك بوجه من الوجوه. والذي يكشف عما استظهرناه من انها ناظرة إلى هذا الفرض قوله (ع) في ذيل الرواية: (فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين) فانه لا يستقيم لو اريد به الفرض السابق إذ لا وجه لاحتساب الزمان السابق على تجدد القدرة وعده من الحول، لفرض عجزه عن التصرف آنذاك فكيف يقول (ع): (لكل ما مر به من السنين) وانما يتجه لو اريد به ما ذكرناه لحصول القدرة في جميع تلك الازمنة من اول الامر فلا بد من احتسابها بتمامها. ومع التنزل فلا اقل من تطرق هذا الاحتمال الموجب للاجمال فتسقط عن صلاحية الاستدلال. (1) تقدم الكلام حول المسألة الاولى. ولما هذه المسألة وهي

[ 90 ]

[ ولم يفعل لم يجب اخراج زكاته. بل وان اراد المديون الوفاء ولم يستوف اختيارا، مسامحة أو فرارا من الزكاة والفرق بينه وبين ما ذكر من المغصوب ونحوه: ان الملكية حاصلة في المغصوب ونحوه، بخلاف الدين فانه لا يدخل في ملكه الا بعد قبضه. ] المسألة الثانية فقد سبق ان اشرنا إلى ضعف الفارق الذي ذكره الماتن بين المسألتين وان القبض لا دخل له الا في تشخيص الكلي وتعيين ما في الذمة من الدين فيه لا في حصول الملكية فإذا كان تعلق الزكاة بالمال الزكوي بنحو الكلي كما قد يعطيه ظواهر جملة من النصوص فاي مانع من ثبوتها في الكلي المملوك. إذا فلا مناص من التكلم في المسألة على ضوء ما يستفاد من النصوص. فنقول: مقتضى غير واحد من الاخبار عدم ثبوت الزكاة في الدين على سبيل الاطلاق التي منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (قال: لا صدقة على الدين) (1)، ونحوها غيرها. وبازائها طائفة اخرى تضمنت التفصيل بين ما يقدر على اخذه ففيه الزكاة دون ما لا يقدر بحيث لو تمت اسانيدها كان مقتضى صناعة الاطلاق والتقييد حمل الطائفة الاولى على دين لا يقدر على اخذه لان النسبة بينهما نسبه العموم والخصوص المطلق المستلزم لارتكاب التقييد.


(1) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2.

[ 91 ]

فمنها: ما رواه الشيخ باسناده عن ميسرة عن عبد العزيز: (عن الرجل يكون له الدين أيزكيه؟ قال: كل دين يدعيه هو إذا اخذه فعليه زكاته، وما كان لا يقدر على اخذه فليس عليه زكاة) (1) والدلالة وان كانت ظاهرة، لكن السند ضعيف لان عبد العزيز العبدي وان كان معروفا الا انه لم يوثق بل ضعفه النجاشي نعم ميسرة بن عبد العزيز ممدوح. والرواية مذكورة في الوسائل التهذيب كما اثبتناه غير ان الاردبيلي حاول تصحيحها فاستظهر ان النسخة مغلوطة والصواب ميسرة بن عبد العزيز الذي عرفت انه ممدوح لا ميسرة عن عبد العزيز. وما ذكره (قده) محتمل في نفسه غير انه عري عن اي شاهد (2) وان استصوبه معلق الوسائل ايضا، ومجرد ان والد ميسرة مسمى بعبد العزيز لا يستدعي الخدش في النسخ بعد اتفاقها على الضبط كما ذكرناه. ومنها: ما رواه الكليني باسناده عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: ليس في الدين زكاة الا ان يكون صاحب الدين هو الذي يؤخره فإذا كان لا يقدر على اخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه) (3)، والدلالة واضحة. واما السند فليس فيه من يغمز فيه عدا اسماعيل بن مرار وقد تقدم غير مرة انه موثق لوجوده في تفسير علي بن ابراهيم. وعدا عمر ابن يزيد فانه قد يستشكل فيه نظرا إلى اشتراكه بين عمر بن محمد


(1) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 5. (2) ولكنه دام ظله اختاره في المعجم ج 19 ص 134 فليلاحظ. (3) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 7.

[ 92 ]

ابن يزيد بياع السابري - الذي وثقه النجاشي صريحا وكذا الشيخ وان نسبه إلى جده وحذف اسم ابيه فقال: عمر بن يزيد بياع السابري - وبين عمر بن يزيد بن ظبيان الصيقل الذي له كتاب كما ذكره النجاشي ايضا غير انه لم يوثق فهذا الاسم مردد بين رجلين كلاهما له كتاب ومن اصحاب الصادق (ع) احدهما ثقة ولم يوثق الآخر ولا قرينة على التعيين فتسقط عن الحجية، ولكنه توهم باطل لعل منشأه ان الاردبيلي ذكر في ترجمة ابن ظبيان المزبور عدة اخبار ومنها هذه الرواية كما انه (قده) ذكر طائفة اخرى من الاخبار في ترجمة السابري وهذا غفلة منه (قده) إذ لم يذكر في شئ من الروايات التي ذكرها في الموردين ما يدل على ان المراد به الصيقل أو السابري بل ذكر لفظ عمر بن يزيد فقط، والاردبيلي بنفسه اجتهد وارتأى ان تلك الطائفة لذاك وهذه لهذا من غير اية قرينة ترشدنا إليه بوجه هذا. والظاهر ان المراد به في الجميع هو السابري الذي عرفت انه ثقة وذلك لانه المعروف ممن يراد من لفظ عمر بن يزيد من بين الرواة، حتى ان الشيخ (قده) في الفهرست والتهذيب اقتصر على ذكره فقط ولم يذكر الصيقل بتاتا، وجميع ما يرويه في التهذيب فانما يرويه بعنوان عمر بن يزيد المراد به السابري الذي تعرض له في المشيخة، وعليه فلم يثبت ان للصيقل رواية اصلا وانما عنونه النجاشي لبنائه على التعرض لكل من له اصل أو كتاب سواء أكان من الرواة ام لا، وهذا له كتاب كالسابري على ما عرفته. اذن لا ينبغي التأمل في صحة الرواية وان المراد بالرجل انما

[ 93 ]

هو السابري الثقة. ومنها: ما رواه الحميري باسناده عن اسماعيل بن عبد الخالق قال: (سألت أبا عبد الله (ع): أعلى الدين زكاة؟ قال: لا. الا ان تفر به) (1) فان الفرار لا يكون الا مع التمكن والاقتدار على الاستيفاء، وهي صحيحة السند ايضا فان الطيالسي الموجود فيه مذكور في اسناد كامل الزيارات. فبهاتين الروايتين المعتبرتين ترفع اليد عن اطلاق الطائفة الاولى النافية للزكاة على الدين لو لا المحذور الآتي كما ستعرف. واما صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (ع): (في الرجل ينسئ أو يعين فلا يزال ماله دينا كيف يصنع في زكاته؟ قال: يزكيه ولا يزكي ما عليه من الدين، انما الزكاة على صاحب المال) (2) فهي محمولة على الاستحباب وليست من هذه الطائفة إذ في النسيئة أو بيع العينه ليس لصاحب المال - الدائن - حق المطالبة قبل حلول الاجل، فلا يقدر على اخذ الدين وصريح الاخبار المتقدمة عدم الزكاة في هذه الصورة فحكمه (ع) هنا بالزكاة مبني على الاستحباب قطعا. واما ما في بعض النسخ من كلمة (يعير) بدل (يعين) وهو موجود في الوسائل أيضا (3) فهو غلط كما يفصح عنه قوله بعد ذلك (فلا يزال ماله دينا) إذ لا دين في العارية بل المملوك نفس العين


(1) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 13. (2) الوسائل: ج 6 باب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 1. (3) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 11.

[ 94 ]

الخارجية المستعارة لا الدين في الذمة كما هو ظاهر، والصواب (يعين) كما اثبتناه عن الوسائل (1) حسبما سمعت. والمراد بيع العينه وهو - على ما حكاه في مجمع البحرين عن السرائر - ان يشتري سلعة بثمن نؤجل ثم يبيعها بدون ذلك الثمن نقدا ليقضي دينا عليه لمن قد حل له عليه ويكون الدين الثاني وهو العينة من صاحب الدين الاول ماخوذ من العين وهو النقد الحاضر. وهو الذي عنونه الفقهاء وحكموا بصحته من دون شرط، وفساده مع الشرط. وكيفما كان فهذه الصحيحة محمولة على الاستحباب جزما، وليست هي مما نحن فيه. فالعمدة الروايتان المعتبرتان المتضمنتان لاناطة الزكاة في الدين على القدرة على الاستيفاء. ولكن بازائها طائفة ثالثة جعل الاعتبار فيها بالقبض وانه ما لم يقبض الدين لا زكاة فيه وان كان قادرا على الاخذ. كمعتبرة اسحاق بن عمار قال: (قلت لابي ابراهيم (ع): الدين عليه زكاة قال: لا حتى يقبضه. قلت: فإذا قبضه أيزكيه؟ قال لا، حتى يحول عليه الحول في يده) (2). وموثقة سماعة. قال: (سألته عن الرجل يكون له الدين على الناس تجب فيه الزكاة قال: ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه فإذا قبضه فعليه الزكاة) (3) ونحوهما غيرهما.


(1) الوسائل: ج 6 باب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 3. (3) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 6

[ 95 ]

هذا وحيث ان هذه الطائفة صريحة أو لها قوة ظهور يجعلها كالصريح في نفي الزكاة ما لم يتحقق القبض خارجا وان مجرد القدرة ما لم تقترن بالقبض لا اثر لها في الوجوب فلا جرم تتقدم على الطائفة السابقة - التي اقصاها الظهور في الوجوب مع القدرة - تقدم النص أو الاظهر على الظاهر فتحمل تلك على الاستحباب إذ ان مقتضى الجمع العرفي بين ما دل على الامر بالزكاة في الدين الذي يقدر على اخذه وبين ما دل على عدم الوجوب ما لم يتسلمه ويقبضه هو رفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب بقرينه ما دل على جواز الترك ونتيجته الاستحباب كما عرفت. فان النسبة بين القدرة والقبض عموم من وجه إذ القادر قد يقبض وقد يقبض كما ان القابض قد يكون قادرا قبل قبضه واخرى لا يقدر الا حين القبض كما قد يتفق في مثل المحاكم حيانا وان كان هذا فردا نادرا ولاجله ذكرنا ان نصوص القبض اقوى واظهر من نصوص الاقتدار فلاحظ. ومع الغض وتسليم المعارضة بين الطائفتين فتتساقطان والمرجع حينئذ اطلاق الطائفة الاولى النافية للزكاة عن الدين فما دام كونه دينا ولم يخرج عن الذمة إلى العين الخارجية بالقبض لا زكاة فيه وان كان قادرا على اخذه واستيفائه بمقتضى الاطلاق. على ان هناك موجحا آخر لنصوص القبض وهو انا لو قدمناها على نصوص الاقتدار لم يلزم منه اي محذور عدا حمل تلك النصوص على الاستحباب كما سمعت الذي هو حمل شايع ذايع. وقد تحفظنا حينئذ على نصوص الطائفة الاولى النافية للدين وحكمنا من اجلها

[ 96 ]

بان الدين ما دام كونه دينا ثابتا في الذمة لا زكاة فيه غير انه يستحب مع القدرة وتجب مع القبض الذي يخرج به عن كونه دينا. واما لو قدمنا نصوص الاقتدار وجعلنا المدار في وجوب الزكاة على القدرة على الاخذ كان لازمه الغاء عنوان الدين المأخوذ في الطائفة الاولى إذ لا خصوصية حينئذ للدين بل العين الخارجية والملك الشخصي ايضا كذلك إذ لا تجب فيها الزكاة ايضا الا إذا كان قادرا عليه متمكنا من التصرف فيه في قبال غير المقدور كالمال الغائب أو المسروق أو المغصوب ونحو ذلك مما تقدم وعرفت عدم تعلق الزكاة بها ما لم يتمكن من التصرف فيها، مع ان ظاهر تلك النصوص ان الدين من حيث انه دين وبعنوانه الخاص موضوع لهذا الحكم اعني عدم تعلق الزكاة فلا بد وان يكون شاملا لصورة الاقتدار ليمتاز عن العين الشخصية. ومع الغض عن جميع ما ذكرناه فتكفينا في المقام صحيحة علي ابن جعفر الناصة على نفي الزكاة في محل الكلام اعني صورة الاقتدار على الاخذ ما لم يتحقق القبض خارجا قال: (سألته عن الدين يكون على القوم المياسير إذا شاء قرضه صاحبه هل عليه زكاة؟ قال: لا، حتى يقبضه ويحول عليه الحول) (1). وقد رويت بطريقين احدهما ضعيف من اجل عبد الله بن الحسن لعدم ثبوت وثاقته وان كان جليلا والاخر ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر وطريقه إليه صحيح. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الاقوى ما عليه المشهور بل اجماع المتأخرين - كما في الجواهر - من عدم وجوب الزكاة في الدين


(1) الوسائل: ج 6 باب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 15.

[ 97 ]

[ (مسألة 11): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه لا المقرض (1) فلو اقترض نصابا من احد الاعيان الزكوية وبقي عنده سنة وجب عليه الزكاة. نعم يصح ان يؤدي المقرض عنه تبرعا، بل يصح تبرع الاجنبي أيضا والاحوط الاستئذان من المقترض في التبرع عنه، وان كان الاقوى عدم اعتباره. ] وان كان قادرا على الاستيفاء ولم يستوفه مسامحة أو فرارا، لاطلاق النصوص النافية للزكاة غير القابلة للتقييد كما عرفت، نعم يستحب مع القدرة وعلى اي تقدير فلا يجب الا بعد القبض وبذلك يمتاز الدين عن العين حسبما بيناه فلاحظ. (1) اما إذا صرف المال ولم يبق عنده سنة فلا اشكال في عدم الوجوب لا على المقرض ولا المقترض كما هو ظاهر. واما إذا بقي حتى حال عليه الحول والمفروض بلوغه حد النصاب وكونه من احد الاعيان الزكوية فهل زكاته حينئذ على المقرض أو المقترض؟ لا ينبغي الاشكال في عدم الوجوب على المقرض لخروجه عن ملكه بالاقراض ودخوله في ملك المقترض ولا زكاة الا في الملك كما مر. نعم يملك هو كليا في ذمه المقترض ودينا على عهدته، فبناء على وجوب الزكاة في الدين يجب، وقد عرفت عدم الوجوب. وعليه فلا تجب الزكاة الا على المقترض الذي هو المالك للعين

[ 98 ]

كما تشير إليه صحيحة يعقوب بن شعيب قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين أو الثلاث أو ما شاء الله: على من الزكاة على المقرض أو على المستقرض فقال: على المستقرض لان له نفعه وعليه زكاته) (1) فان التعليل اشارة إلى انه المالك للعين لان منافعه له، إذا فزكاته عليه، ونحو هذه الصحيحة غيرها، والحكم متسالم عليه ولا اشكال فيه في الجملة. وانما الكلام في جهات: الجهة الاولى: هل يصح للمقرض ان يؤدي الزكاة عن المقترض بتبرع ونحوه بحيث يسقط الوجوب عنه؟. لا ريب ان هذا على خلاف مقتضى القاعدة الاولية الحاكمة بلزوم المباشرة في سقوط الواجبات وحصول امتثالها، فان سقوط الواجب بفعل الغير يحتاج إلى الدليل، الا انا نخرج عن مقتضى القاعدة في خصوص المقام بمقتضى صحيحة منصور بن حازم الصريحة في السقوط باداء المقرض عن أبي عبد الله (ع): (في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول وهو عنده قال: ان كان الذي اقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه وان كان لا يؤدي ادى المستقرض) (2) ومقتضى اطلاقها عدم الحاجة إلى الاستيذان من المقترض في التبرع عنه. وتوضيح الحال في هذه الجهة يستدعي التكلم تارة فيما تقتضيه القاعد واخرى بلحاظ الروايات الخاصة.


(1) الوسائل: ج 6 باب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 5. (2) الوسائل: ج 6 باب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2.

[ 99 ]

اما القاعدة فلا ريب ان مقتضاها عدم السقوط عمن تجب عليه الزكاة وهو المقترض باداء المقرض، لا لمجرد انها عبادة لا تسقط الا بصدورها عن قصد القربة ممن خوطب بها ولا يجدي التقرب من الغير وان كان هذا الوجه ايضا لا بأس به. بل لما ذكرناه في الاصول في بحث التعبدي والتوصلي من ان اطلاق الخطاب تعبديا كان أو توصليا يستدعى اعتبار المباشرة وعدم السقوط بفعل الغير ما لم يثبت خلافه من الخارج، فان توجيه الخطاب نحو احد على سبيل الاطلاق مرجعه إلى لزوم صدوره منه سواء أتى به غيره لم لا، يجزي صدور الفعل من غير من خوطب به سواء أكان اجنبيا أو نائبا بل حتى وان كان وكيلا الا ان يثبت من الخارج عدم اعتبار المباشرة وكفاية التسبيب أو التوكيل وعليه فمقتضى القاعدة في المقام عدم السقوط عن المقترض المكلف بالزكاة باداء المقرض. وقد يقال: ان مقتضى القاعدة في خصوص المقام ونظائره من الحقوق المتعلقة بالاموال هو السقوط، لانها بمثابة الديون إذ الفقير الذي يستحق العين الزكوية في حكم الدائن فكما يسقط الدين بالتبرع فكذا الزكاة بمناط واحد. ويندفع: ببطلان القياس لوجود الفرق بين الزكاة والدين من ناحيتين: احداهما: من ناحية المالك فانه في الدين شخص معين وهو الدائن، فيجري فيه التبرع بمقتضى القاعدة إذ للمالك اسقاط حقه ابتداء بلا عوض بابراء ونحوه، فمع العوض الذي يتسلمه من

[ 100 ]

المتبرع بطريق اولى فيجوز الدفع إليه تفريغا لذمة المديون فتبرء ذمته بطبيعة الحال. نعم الزام الدائن بذلك على خلاف القاعدة إذ له ان يقول لا اتسلم حقي الا ممن لي عليه الحق وهو المديون بشخصه، الا ان بناء العقلاء قائم على عدم الاعتناء بامتناعه عن الاخذ، وانه ليس له هذا الحق وان ذمة المديون تبرء بدفع المتبرع نظرا إلى انه لا يستحق الا طبيعي المال المنطبق على ما يدفعه المتبرع، فجواز التبرع المستتبع لبراءة الذمة ثابت في الدين مقدار منه بمقتضى القاعدة ومقدار ببناء العقلاء حسبما عرفت، وليس كذلك في الزكاة إذ المالك هنا كلي الفقير لا شخص معين، ولذلك ليس لا حد من الفقراء ابراء من عليه الزكاة واسقاط الحق عنه لعدم كونه مالكا كي يسوغ له ذلك، فلاجله لا اثر للتبرع من الفقير في حصول البراءة لمن اشتغلت ذمته بالزكاة. الثانية: من ناحية المملوك، فانه في الدين كلي في الذمة قابل للانطباق على كل ماكان مصداقا له ولو كان صادرا من المتبرع، وهذا بخلاف الزكاة فانها متعلقة بالعين الزكوية، على الخلاف في كيفية التعلق من كونها بنجو الاشاعة أو الكلي في المعين أو الشركة في المالية، وعلى اي حال فمتعلق الحق هي تلك العين الخارجية فلابد وان يدفع النصاب منها. نعم قام الدليل الخارجي على ان من عليه الزكاة يجوز له دفع مقدار النصاب من ماله الاخر ولا يلزمه الدفع من نفس العين ولم يقم مثل هذا الدليل بالنسبة إلى شخص اخر ليسوغ التبرع منه بماله

[ 101 ]

حتى ولو كان ماله من الاعيان الزكوية. فالاجتزاء بدفعه بدلا عما تعلقت به الزكاة على خلاف مقتضى القاعدة. فاتضح انه لا وجه لالحاق الزكاة بالدين في صحة التبرع بعد وجود الفرق بينهما من هاتين الناحيتين. فالاوجه ما عرفت من ان مقتضى القاعدة عدم السقوط بفعل الغير من غير فرق بين الزكاة وغيرها من ساير الواجبات. واما بحسب الروايات فقد عرفت ان صحيحة منصور بن حازم صريحة في السقوط بفعل المقرض وان تعلق الزكاة على المستقرض منوط بعدم الاداء من المقرض، ومن المعلوم ان المال الواحد لا يزكى في العام الواحد مرتين، فبذلك يخرج عن مقتضى القاعدة الاولية. كما وعرفت ايضا ان مقتضى اطلاق الصحيحة عدم الحاجة إلى الاستيذان بل يكفي ولو مع جهل المقترض أو غفلته بل حتى مع منعه وعدم رضاه، كل ذلك لاطلاق النص فما عن الشهيد في الدروس والبيان من اعتبار الاستيذان غير ظاهر الوجه عدا احتمال دخله في صحة الاستناد إليه كي يسقط التكليف عنه، وهو كما ترى فاطلاق النص هو المحكم وان كان الاعتبار احوط. الجهة الثانية: هل يختص التبرع بالمقرض أو يصح من الاجنبي أيضا؟ مقتضى الجمود في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على النص هو الاول، ولكن الاقوى هو الثاني نظرا إلى ان مقتضى الفهم العرفي عدم خصوصية للمقرض إذ لا فرق بينه وبين الاجنبي الا في انه كان مالكا للعين سابقا، ولكن العلاقة السابقة قد انقطعت فعلا وتبدلت بما في ذمة المقترض. فهو فعلا اجنبي كساير الناس وقد

[ 102 ]

[ ولو شرط في عقد القرض (1) ان يكون زكاته على المقرض فان قصد ان يكون خطاب الزكاة متوجها إليه لم يصح، وان كان المقصود ان يؤدي عنه صح. ] زالت علاقته عن العين بالكلية، فمناسبة الحكم الموضوع تقتضي صحة التبرع من الكل بمناط واحد كما لا يخفى. (1) الجهة الثالثة لو شرط المقترض في عقد القرض ان تكون الزكاة على المقرض فهل يصح ذلك اولا؟ قسمه (قده) على قسمين: فتارة: يشترط ان يؤدي عنه. واخرى: ان يكون الخطاب متوجها ابتداءا إلى المقرض بدلا عن المقترض. أما الاول: فهو صحيح كما ذكره في المتن لانه شرط لامر سائغ في نفسه. فيشمله عموم دليل نفوذ الشرط اجل ربما يتوهم ان الشرط المزبور يستوجب الربا للزوم الزيادة لانها انما تجئ من قبل الشرط لا مجرد الزيادة الخارجية من دون شرط كما يفصح عنه ما صح عنهم (ع) من انه انما جاء الربا من قبل الشروط (1). ولكنه واضح الدفع ضرورة ان الشرط الموجب للزيادة في باب القرض هو الذي يجلب نفعا للمقرض كما لو اقرض واشترط على المقترض ان يخيط ثوبا مثلا، لا ما اوجب ضررا عليه وكان النفع للمقترض كما في المقام فان تأدية الزكاة المشترط عليها نقص في مال


(1) الوسائل: ج 12 باب 12 من أبواب الصرف.

[ 103 ]

المقرض لا انها زيادة كي تستلزم الربا مثل ما لو أصر على احد ان يقرضه لداع من الدواعى فامتنع الآخر من قبول الاقتراض الا بشرط ان يخيط المقرض ثوبا فانه ليس من الربا في شئ لكونه عليه لا له. وعلى الجملة فلا ينبغي التأمل في صحة الشرط المزبور. نعم لا تفرغ ذمة المقترض عن الزكاة الا باداء المقرض خارجا لا بمجرد الشرط كما هو واضح. وأما الثاني فهو ان صح ترتب عليه فراغ الذمة عن الزكاة بمجرد الاشتراط سواء أدى المقرض خارجا أم لا كما يخفى. ولكنه لا يصح كما ذكره في المتن لا لاجل ان الشرط حينئذ مخالف للكتاب والسنة اي اطلاق ما دل على ان الزكاة على المالك في ماله كما قيل. بل لانه شرط لامر غير مقدور. وتوضيحه: ان اعتبار عدم مخالفة الكتاب والسنة انما ورد في ذيل دليل نفوذ الشرط في روايات عديدة التي منها موثقة اسحاق بن عمار: (المؤمنون - أو المسلمون - عند شروطهم، الا شرطا خالف الكتاب والسنة) فدل الصدر على ان المؤمن عند شرطه وملاصق به اي يجب الوفاء به، فمورده مااذا كان الفعل في حد نفسه - لو لا الشرط - مما يمكن ان يصدر عن المشروط عليه وان يفعله وان لا يفعله فيحكم بوجوب صدوره منه مع الشرط الا إذا تعلق بفعل حرام أو ترك واجب مما خالف الكتاب والسنة مثل ان يشترط ان لا يصلي صلاة الفجر أو يفطر شهر رمضان أو يشرب الخمر ونحو ذلك. وهذا كما ترى غير منطبق على المقام لوضوح ان تعلق الوجوب

[ 104 ]

[ (مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية (1). فان كان مطلقا غير موقت ولا معلقا على شرط لم تجب الزكاة فيها، وان لم تخرج عن ملكه بذلك، لعدم التمكن من التصرف فيها، سواء تعلق بتمام النصاب أو بعضه. نعم لو كان النذر بعد تعلق الزكاة وجب اخراجها أو لا ثم الوفاء بالنذر. ] وتوجيه الخطاب بالزكاة فعل من افعال الشارع وخارج عن تحت قدرة المشروط عليه واختياره بالكلية فلا يمكن صدوره من هذا الشخص بتاتا كي يكون موافقا للكتاب والسنة مرة ومخالفا اخرى لان الفعل الاختياري من كل احد ولا سيما الشارع غير اختياري بالاضافة إلى الاخرين. وعليه فعدم نفوذ مثل هذا الشرط ليس لاجل المخالفة للكتاب أو السنة لخروجه عن المقسم - اعني الفعل الاختياري - بل لاجل انه شرط لامر غير مقدور فهو مثل ما لو شرط في ضمن العقد ان لا يرث من ابيه أو ان يرثه الاجنبي ونحو ذلك مما يوجب قلب الحكم في مقام التشريع فان الارث أو عدمه كوجوب الزكاة على المقترض فيما نحن فيه حكم شرعي خارج عن تحت الاختيار فلاجله لا يشمله. دليل نفوذ الشرط. (1) تقدمت الاشارة إلى هذه المسألة في كلام الماتن عند التكلم حول الشرط الخامس من شرائط وجوب الزكاة، وقد عنونها هنا مستقلا وباحث حولها تفصيلا بما يتفرع عليها من الخصوصيات.

[ 105 ]

فذكر (قده) ان نذر التصدق بالعين الزكوية قد يكون مطلقا أي غير موقت بوقت ولا معلقا على شرط. وقد يكون موقتا أو معلقا. والكلام فعلا في القسم الاول. وهو على نوعين إذ: تارة: يكون النذر اثناء الحول اي قبل تعلق الزكاة. واخرى: بعد حلول الحول وصيرورة الامر بالزكاة فعليا. اما النوع الاول: فقد استوفينا الكلام حوله مستقصى وبنطاق واسع في المحل المشار إليه آنفا وقلنا ان مجرد الوجوب التكليفي والحكم الشرعي بالصرف في الصدقة لا يستوجب العجز عن التصرف كي يمنع عن تعلق الزكاة فراجع ان شئت ولا نعيد. واما النوع الثاني: فلا اشكال فيه فيما إذا تعلق النذر بما عدا العين الزكوية كما لو تعلق الزكاة بالعشر من هذا المال وقد نذر التصدق بتسعة الاعشار اي ما بقي من المال لعدم التنافي بين الامرين كما هو واضح. وانما الكلام والاشكال فيما إذا تعلق النذر بما يعم العين الزكوية كما لو نذر التصدق بتمام هذا المال أو على نحو يشمل بعض النصاب وان لم يستوعب كله. فهل ينعقد مثل هذا النذر؟ وعلى تقدير الانعقاد فهل يصح في المجموع أو فيما عدا العين الزكوية؟ قد يقال بعدم الانعقاد نظرا إلى ان المال المنذور مشترك فيه بينه وبين الفقراء وليس كله ملكا له فلا سلطنة له على تمام العين ليتمكن من جعله متعلقا للنذر. نعم له السلطنة على حصته التي يملكها من هذا المجموع الا ان النذر لم يتعلق بها حسب الفرض بل تعلق بالمجموع المؤلف من ماله ومال غيره فما تعلق به النذر لم يكن ملكا

[ 106 ]

له وما هو ملكه لم يتعلق به النذر فلا مناص من البطلان. ويندفع اولا: انا لو سلمنا عدم انعقاد النذر في المجموع - ولا نسلمه كما ستعرف - فلا مانع من صحته في حصته المملوك فانها وان لم تكن متعلقا للنذر بحيالها واستقلالها. الا ان النذر ينحل إليها بالارتكاز العقلائي حسبما هو مطرد في امثال هذه المقامات من الالتزامات والمعاملات كما لو باع الصفقة التي تخيل ان كلها له، أو آجر دارا مشتركة بينه وبين غيره ولم يجز الشريك، أو اصدق الزوجة مالا ثم تبين ان بعضه لغيره أو التزم بنذر أو عهد أو يمين ان يتصدق أو يهب هذا المجموع فبان ان بعضه غير مملوك له أو طلق زوجته والاجنبية بطلاق واحد، أو زوجتيه وإحداهما حائض أو نذر عملين احدهما راجح دون الآخر وهكذا. ففي جميع هذه الموارد تنحل تلك المعاملة أو الالتزام بمقتضى الارتكاز الثابت عند العقلاء من غير حاجة إلى ورود دليل بالخصوص فتكون نافذة في حصته باطلة في غيرها فليكن المقام من هذا القبيل. وثانيا. انا نمنع بطلان النذر في المجموع بل الظاهر صحته في خصوص المقام وذلك لما سيجئ قريبا انشاء الله من ان الزكاة وان كانت متعلقة بالعين الزكوية اما بنحو الاشاعة أو الشركة في المالية أو الكلي في المعين حسب اختلاف المسالك والمشارب. الا انه يمتاز المقام بان لصاحب المال الولاية على التبديل ولا يلزمه الاداء من نفس العين بل يجوز له دفع البدل اما النقود وهو القدر المتيقن أو ولو من عين اخرى. وعليه فلا مزاحمة ولا منافاة بين الحكمين اعني وجوب الزكاة ووجوب الوفاء بالنذر فيمكنه دفع الزكاة

[ 107 ]

[ وان كان موقتا بما قبل الحول (1) ووفي بالنذر فكذلك لا تجب الزكاة إذا لم يبق بعد ذلك مقدار النصاب، وكذلك إذا لم يف به وقلنا بوجوب القضاء - بل مطلقا - لانقطاع الحول بالعصيان. نعم إذا مضى عليه الحول من حين العصيان وجبت على القول بعدم وجوب القضاء. ] اولا من نقد أو عين اخرى ليتمكن من التصرف في العين المنذورة ثم يتصدق بها. وهذا كما لو نذر التصدق بمال مأذون في التصرف فيه أو نذر الولي التصدق بمال الصبي فانه حيث له الولاية على التبديل إما لكونه وليا أو للاذن الخاص من المالك صح النذر وان كان متعلقا بملك الغير فيتصدق ويفي بنذره ويدفع بدله للمالك. فما ذكره في المتن من وجوب اخراج الزكاة أولا ثم الوفاء بالنذر غير ظاهر لعدم التنافي بين الحكمين كما عرفت بل يجب الوفاء بالنذر واخراج الزكاة ولو من القيمة كما نبه عليه سيدنا الاستاد - دام ظله - في تعليقته الشريفة. فتحصل ان في حكم النذر في هذا الفرض وجوها ثلاثة: الصحة مطلقا. البطلان مطلقا. التفصيل بين مقدار الزكاة وغيره فيبطل في الاول دون الثاني. وقد عرفت ان الصحيح هو الاول ومع الغض عنه فالاخير، ولا وجه للثاني. (1) تقدم الكلام في القسم الاول اعني النذر المطلق.

[ 108 ]

[ وكذا ان كان موقتا بما بعد الحول. فان تعلق النذر به مانع عن التصرف فيه. ] واما القسم الثاني وهو الموقت بوقت خاص فقد يكون الوقت قبل الحول كما لو نذر ان يتصدق به في شهر رجب والحول يتحقق بحلول رمضان. واخرى يكون بعده كما لو كان الوقت شهر شوال في المثال. اما الاول فان وفى فيه بالنذر فلا اشكال في سقوط الزكاة لانتفاء الموضوع بعد فرض عدم بقاء مقدار النصاب بعد الوفاء كما هو ظاهر. واما إذا لم يف به فان قلنا بوجوب القضاء كان حكمه حكم النذر المطلق الحاصل اثناء الحول لوحدة المناط وحينئذ فان بنينا - كما عليه المشهور - انه يمنع عن تعلق الزكاة نظرا إلى ان الحكم التكليفي بوجوب التصدق والعجز التشريعي عن ساير التصرفات بمثابة العجز التكويني قلنا به هنا ايضا إذ الاعتبار في هذا المناط بمانعية الوجوب الفعلي سواء أكان بعنوان الاداء أم القضاء وحيث عرفت ثمة ان الاقوى عدم المانعية فكذا فيما نحن فيه. واما إذا لم نقل بوجوب القضاء، فهل يكون النذر بنفسه حينئذ موجبا لانقطاع الحول كما ذكره في المتن فلا تجب الزكاة الا بعد مضي الحول من حين العصيان؟ الظاهر عدم القطع حتى بناء على ان العجز التشريعي مانع عن تعلق الزكاة، لعدم الدليل عليه بوجه ضرورة ان الحكم التكليفي لو كان ثابتا فعلا امكن ان يقال ان العجز التشريعي ملحق بالعجز التكويني عن التصرف في المنع عن الزكاة، واما الحكم التكليفي

[ 109 ]

العارض اثناء الحول الزائل بانعدام الموضوع لكونه موقتا بوقت قد مضى وسقط التكليف فقاطعيته للحول ومانعيته عن تعلق الزكاة لدى استجماع الشرائط مشكلة جدا لعرائها عن اي دليل، فلو كان له مال وجب صرفه اثناء الحول ساعة أو ساعتين في اداء الدين للمطالبة أو لنفقة واجبة فعصى ولم يصرف فالحكم بالقاطعية بمجرد ذلك في غاية الاشكال كما لا يخفى هذا. واما ما في المتن من قوله (قده). (بل مطلقا لانقطاع الحول بالعصيان) فلا تخلو العبارة عن قصور ومسامحة كما أشير إليه في التعليقة، ضرورة ان العصيان لا يوجب انقطاع الحول جزما فلو كان هناك قاطع فانما هو نفس الوجوب التكليفي الناشئ من قبل النذر. وقد عرفت ان قطعه لا يخلو عن الاشكال في الفرض المزبور لانتفاء الوجوب فعلا وزواله حسبما بيناه. واما الثاني اعني ما إذا كان الوقت بعد الحول فحكمه حكم النذر المطلق المنع عن تعلق الزكاة على القول به، فان زمان الواجب وان كان متأخرا الا ان العبرة في هذا المنع بنفس الوجوب الحاصل من حين تعلق النذر - الذي كان قبل حلول الحول - لوجوب حفظه مقدمة لصرفه في ظرفه، فتعلق النذر مانع عن التصرف فيه، فبناء على ان هذا المنع التشريعي بمثابة العجز التكويني في المانعية عن تعلق الزكاة كما تقدم في النذر المطلق لم تجب الزكاة في المقام أيضا لوحدة المناط، لكن المبنى غير تام كما مر غير مرة.

[ 110 ]

[ وأما ان كان معلقا على شرط (1)، فان حصل المعلق عليه قبل تمام الحول لم تجب، وان حصل بعده وجبت، وان حصل مقارنا لتمام الحول ففيه اشكال ووجوه، ثالثها: التخيير بين تقديم ايهما شاء، ورابعها: القرعة. ] (1) قد عرفت الحال في النذر المطلق والموقت. واما المعلق على شرط كما لو نذر التصدق بهذا المال على تقدير شفاء المريض أو قدوم المسافر ونحو ذلك، فقد يفرض حصول المعلق عليه قبل تمام الحول واخرى بعده. فان حصل قبل الحول كان حكمه حكم النذر المطلق، لما هو المعروف من ان الواجب المشروط بعد حصول الشرط ينقلب إلى الواجب المطلق، فان التعبير بالانقلاب وان لم يكن خاليا عن المسامحة لوضوح ان المشروط لا ينقلب عما هو عليه ابدا، ولكن المراد ان حكمه بعد حصول الشرط حكم الواجب المطلق، وهو كذلك إذ لا حالة منتظرة لفعلية الحكم بعد فرض حصول المعلق عليه، وعليه فان قلنا بان النذر المطلق مانع عن التصرف قلنا به في المقام لوحدة المناط والا فلا. وان حصل بعد الحول، فقد حكم في المتن بوجوب الزكاة نظرا إلى استجماع شرائط التكليف حين حلول الحول من غير اي مانع آنذاك، إذ المانع عن التصرف انما هو الوفاء بالنذر ولم يتحقق لعدم تحقق المعلق عليه في ظرف تعلق الزكاة.

[ 111 ]

أقول: الظاهر عدم الفرق بين حصول المعلق عليه قبل الحول أو بعده في المانعية عن تعلق الزكاة، فلو بنينا على ان الحكم التكليفي اعني وجوب الصرف في الصدقة يمنع عن تعلق الزكاة لم يفرق فيه بين الصورتين. وذلك: لان المانع على هذا المبنى انما هو نفس الوجوب المتحقق عند انعقاد النذر وان كان ظرف الامتثال وزمان الواجب متأخر، لكون الالتزام النذري مرتبطا ومعلقا على قيد يحصل فيما بعد، فان الواجب المعلق هو الواجب المشروط بالشرط المتأخر ولا فرق بينهما الا في مجرد العبارة كما هو موضح في محله. فكما ان الوجوب فعلي فيما لو كان القيد هو نفس الزمان المتأخر مثل ما لو نذر في رجب ان يتصدق في شهر رمضان غايته ان زمان الواجب وظرف الوفاء استقبالي، فكذا فيما لو كان القيد امرا زمانيا كشفاء المريض أو قدوم المسافر ونحو ذلك. فلا وجوب لو لم يتحقق ذلك الزماني في المستقبل ابدا لفرض ارتباط الالتزام النذري به. ومتى تحقق كشف ذلك عن تحقق الوجوب من الاول بمقتضى الشرط المتأخر - كما هو الشأن في جميع الواجبات التعليقية - لا عن حدوثه من الآن إذ لم يكن نفس النذر معلقا عليه كيف وقد تحقق هو في طرف الانشاء وانعقد صحيحا حسب الفرض، وانما المعلق هو المنذور والوفاء بما التزم به، فزمان حصول القيد هو زمان الوفاء وظرف امتثال المنذور واداء الواجب، اما الوجوب نفسه فهو حاصل من ذي قبل ولدى انعقاد النذر، لو كان القيد حاصلا في ظرفه.

[ 112 ]

وعليه فلا فرق بين حصول المعلق عليه قبل الحول أو بعده، إذ لا عبرة به في المنع وانما الاعتبار بنفس الوجوب المتحقق حين النذر وقبل حلول الحول على التقديرين. ولا ينافي ما ذكرناه جواز التصرف في منذور التصدق قبل حصول المعلق عليه المشوك تحققه من شفاء المريض ونحوه، لان ذلك هو مقتضى الحكم الظاهري المستند إلى اصالة عدم تحققه لدى الشك فيه، كما هو الشأن في كل قيد زماني، وبذلك يفترق عن الزمان كقدوم رمضان فانه محقق الوقوع، فلا مجال لاجراء الاصل فيه فلا يسوغ في مثله التصرف في المنذور، بخلاف الزماني فانه قابل للتشكيل ومعه يجرى الاصل ويسوغ التصرف ظاهرا ما لم ينكشف الخلاف ومعه ينتقل إلى البدل أو يحكم بحكم آخر. ومما قدمناه يظهر حكم صورة المقارنة وانه لا تجب فيها الزكاة بطريق أولى، لانها إذا لم تجب لا في فرض تقدم المعلق عليه على الحول ولا في فرض تأخره لعدم الفرق بين الصورتين في ذلك حسبما عرفت فلا جرم لا تجب في فرض التقارن ايضا بطبيعة الحال. ولكن هذا كله على تقدير القول بمانعية الحكم التكليفي اعني وجوب الصرف في التصدق المنذور عن تعلق الزكاة كما عليه المشهور واما على المختار من عدم المانعية فلا موجب لسقوط الوجوب عن الزكاة الا فيما إذا حصل المعلق عليه قبل تمامية الحول وصرف المال في الوفاء بالنذر كما علم ذلك مما مر فلاحظ. ثم انا لو بنينا على التفرقة بين الصورتين كما اختاره في المتن فما هو حكم صورة المقارنة؟.

[ 113 ]

ذكر الماتن (قده) ان فيه وجوها اربعة: وجوب الزكاة. عدم الوجوب. التخيير بين تقديم ايهما شاء من الزكاة أو الصدقة. القرعة. اما الاخير فلا مجال لها في المقام بتاتا، لا لاحتياج العمل بدليل القرعة إلى الجابر وهو عمل الاصحاب، إذ لا قصور في حجيته ليحتاج إلى الجبر، ولا يلزم من الاخذ بعمومه تخصيص الاكثر، لان الشبهات الحكمية باسرها غير داخلة من الاول ليحتاج خروجها إلى التخصيص، نظرا إلى ان موردها خصوص الشبهات الموضوعية فهي في حد ذاتها قاصرة الشمول للشبهات الحكمية كما لا يخفى. وأما الشبهات الموضوعية المعلوم حكمها ولو ظاهرا بأصل أو امارة من استصحاب أو بينة أو يد ونحو ذلك فهي ايضا غير داخلة، لعدم كونها من المشكل ولا المشتبه، فلم يبق تحتها الا الشبهات الموضوعية غير المعلوم حكمها رأسا وهي قليلة جدا، فلا يلزم من الاخذ بعموم دليل القرعة تخصيص الاكثر بوجه. بل لاجل ان الشبهة في المقام شبهة حكمية إذ لم يعلم حكم صورة المقارنة في الشريعة المقدسة، وقد عرفت آنفا ان مثل ذلك غير مشمول لدليل القرعة في نفسه. واما التخيير فان اريد به التخيير الثابت في باب التعارض فيرد عليه: أولا: ان المقام ليس من باب التعارض في شئ لعدم انطباق

[ 114 ]

ضابطه عليه، فان مناط المعارضة على ما تقرر في محله التنافي بين الدليلين وتكاذبهما في مقام الجعل، بحيث لا يمكن اجتماعهما في الشريعة المقدسة في انفسهما مع قطع النظر عن مرحلة الفعلية وتحقق الموضوع خارجا، فكان كل منهما يكذب الآخرة بمدلوله الالتزامي، كما لو دل احدهما على وجوب شئ والآخر على حرمته أو عدم وجوبه، أو احدهما على نجاسة شئ كعرق الجنب من الحرام والآخر على طهارته فكان بين الدليلين تناقض أو تضاد - الراجع بالاخرة إلى التناقض - اما ذاتا أو عرضا. وهذا الضابط كما ترى غير منطبق على المقام، إذ لا تنافي بوجه بين ما دل على وجوب الزكاة لمن كان مالكا للنصاب في تمام الحول وبين دليل وجوب الوفاء بالنذر، غايته ان في صورة المقارنة بين تمامية الحول وبين حصول المعلق عليه النذر لا يتمكن المكلف من الجمع بين صرف المال في الزكاة وفي الصدقة، نظرا إلى ان تقديم كل منهما يعدم موضوع الآخر لانه لو صرفه في الزكاة ينعدم موضوع النذر إذ لا يمكن التصدق بمال الغير، ولو صرفه في الصدقة لا موضوع للزكاة لزوال النصاب فهو غير متمكن من صرف هذا المال خارجا في كلا الموردين، لا ان بينهما تكاذبا في مرحلة الجعل ليكونا من المتعارضين فالمقام يكاد يلحق بباب التزاحم الذي ضابطه تنافي الدليلين في مرحلة الفعلية - دون الجعل - الناشئ من عجز المكلف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال، مثل ما لو لم يتمكن من الجمع بين الصلاة وبين ازالة النجاسة عن المسجد لضيق الوقت، أو كان

[ 115 ]

له ماء ولم يتمكن من صرفه الا في حفط النفس عن الهلاك أو الوضوء بحيث لو اختار كلا منهما عجز عن امتثال الآخر، وعلى الجملة فلا مساس للمقام بباب التارض ابدا ليرجع فيه إلى التخيير. وثانيا: سلمنا ذلك ولكن التخيير غير ثابت في هذا الباب من اصله لضعف مستنده حسبما بيناه في محله، بل حكم المتعارضين الترجيح ان كان، والا فالتساقط والرجوع إلى دليل آخر من عموم أو اطلاق ان كان، والا فالى الاصل العملي. وثالثا: ان التخيير على تقدير تسليمه خاص بالمتعارضين بالتباين دون ما كان بالعموم من وجه كما في المقام لكون التعارض حينئذ بين اطلاق الدليلين لا بين السندين ولذا يجري حتى في مقطوعي الصدور، فلو فرضنا انا سمعنا من الباقر (ع): انه اكرم كل عالم، وسمعنا عن الصادق (ع): انه لا تكرم كل فاسق. فلا محالة يتعارضان في العالم الفاسق فلا مناص من التساقط والرجوع إلى دليل آخر ان كان والا فالى ما تقتضيه الاصول العملية، هذا كله لو اريد به التخيير في باب التعارض. وان اريد به التخيير الثابت في باب التزاحم كما ظهر تقريره مما مر فله وجه في بادئ الامر، الا ان التحقيق خلافه نظرا إلى التمكن من الجمع بين التكليفين وامتثال كلا الامرين من غير اي مزاحمة في البين، وذلك لما اشرنا إليه سابقا ويأتي تفصيله انشاء الله تعالى لاحقا من ان الزكاة وان كانت متعلقة بالعين الا انها بنحو الشركة في المالية لا في العين نفسها، ولذا كانت له الولاية على التبديل ويجوز له الاداء من مال آخر نقدا أو ولو عينا على الخلاف.

[ 116 ]

[ (مسألة 13): لو استطاع الحج بالنصاب (1)، فان تم الحول قبل سير القافلة والتمكن من الذهاب وجبت الزكاة اولا فان بقيت الاستطاعة بعد اخراجها وجب، وإلا فلا. وان كان مضي الحول متأخرا عن سير القافلة وجب الحج وسقط وجوب الزكاة. نعم لو عصى ولم يحج وجبت ] وعليه فالجمع بين دليلي الزكاة والوفاء بمكان من الامكان فيدفع الزكاة أولا من مال آخر لتخلص العين من الحق ثم يصرفها في الوفاء عن النذر، كما تقدم نظيره فيما لو انعقد النذر بعد حلول الحول حيث عرفت لزوم الجمع حينئذ بين الزكاة من مال آخر وبين الصدقة: ومما ذكرنا تعرف ان مقتضى القاعدة الجمع بين الامرين تدفع الزكاة من القيمة وصرف العين في الصدقة، لعدم التنافي بين الدليلين لا بنحو المعارضة ولا المزاحمة لتصل النوبة إلى التخيير. نعم بناء على المشهور الذي بنى عليه الماتن من ان الوجوب التكليفي ولزوم الصرف في الصدقة مانع عن تعلق الزكاة لم تجب الزكاة في المقام، لان تمامية الحول وحصول المعلق عليه وان كانا متقارنين، الا ان وجوب الوفاء بالنذر حاصل بمجرد انعقاده الذي كان ثابتا قبل تمامية الحول حسب الفرض، ومعه لا مجال لوجوب الزكاة بوجه بل يتعين الصرف في الصدقة. (1) قسم (قده) من حصلت له الاستطاعة بملكية النصاب على ثلاثة اقسام:

[ 117 ]

[ بعد تمام الحول. ولو تقارن خروج القافلة مع تمام الحول وجبت الزكاة اولا لتعلقها بالعين، بخلاف الحج. ] فتارة: يكون سير القافلة والتمكن من الذهاب قبل تمامية الحول. واخرى: عكس ذلك: وثالثة: يتقارنان فيكون زمان سير القافلة وخروج الرفقة متحدا مع زمان حلول الحول. اما القسم الاول: فيجب فيه الحج لتحقق شرطه وهو الاستطاعة والتمكن من الذهاب مع القافلة فقد استقر عليه الحج بذلك، ولاجله يجب عليه حفظ الاستطاعة فان تمكن من الحج ولو متسكعا أو بالاستدانة من مال آخر فهو، والا فلو توقف على صرف هذا المال بخصوصه بحيث لو ابقاه حال عليه الحول وتعلقت به الزكاة الموجب لزوال الاستطاعة، وجب عليه الصرف ولو ببيع الجنس الزكوي وتبديله بغيره حذرا عن تعلق الزكاة فيجب عليه حفظا للاستطاعة اعدام موضوع الزكاة، لانها انما تتعلق إذا حال الحول على شخص هذا المال لا ولو على بدله كما لا يخفى. وعليه فلو لم يعدم الموضوع فعصى ولم يحج وابقى العين حتى مضى عليه الحول وجبت عليه الزكاة كما ذكره في المتن، لفعلية موضوعها وان كان الحج سمتقرا عليه أيضا. فان قلت: ما الفرق بين المقام وبين ما نقدم من النذر الموقت بما قبل الحول إذا لم يف به ولم نقل بوجوب القضاء، حيث حكم الماتن هناك بانقطاع الحول وعدم وجوب الزكاة ولم يحكم به في المقام

[ 118 ]

فإذا لم يكن وجوب الحج مانعا عن تعلق الزكاة فكيف صار وجوب الوفاء بالنذر حتى بعد زواله مانعا عنها؟. قلت: الفرق واضح فان منذور التصدق كان ممنوعا عن التصرف فيه مطلقا ولاجله تسقط الزكاة عنه بناء على ان ممنوعية التصرف شرعا مانعة عن تعلق الزكاة وان كان ذلك على خلاف التحقيق كما مر، واما في المقام فلا منع عن التصرف في العين بوجه ما عدا التصرف المزيل للاستطاعة من هبة ونحوها والا فلا مانع من البيع أو الاجارة أو المصالحة ونحوها من انواع التصرفات والتقلبات المتعلقة بالعين مما يتضمن المحافظة على اصل المالية وان تبدلت الشخصية رعاية لبقاء الاستطاعة وعدم زوالها. ومما لا يعتريه الشك ان من يرى مانعية المنع من التصرف عن تعلق الزكاة يريد به المنع منه بقول مطلق لا عن خصوص تصرف واحد كما في المقام، كيف وكثير من الاعيان الزكوية قد لا يخلو عن مثل هذا المنع الناشئ من نذر أو شرط في ضمن عقد ونحو ذلك من ساير التعهدات أو العوارض الطارئة المانعة عن التصرف في جهة خاصة، ولا يكاد يكون مثله مانعا عن تعلق الزكاة عند احد هذا: مضافا إلى الفرق من ناحية اخرى وهي ان منذور التصدق ربما يقال بانه متعلق للحق أما لحق الفقراء أو لحق الله سبحانه فيوجب ذلك قصورا في الملك، كما في حق الرهانة المانع عن تعلق الزكاة وهذا بخلاف الحج فانه تكليف محض ولا يستتبع الحق بوجه فلا مقتضي لمانعيته عن تعلق الزكاة بتاتا. وأما القسم الثاني اعني ما لو تم الحول قبل مسير القافلة وخروج

[ 119 ]

الرفقة، فقد ذكر الماتن (قده) انه تجب عليه الزكاة اولا ثم ان بقيت الاستطاعة بعد اخراجها وجب الحج ايضا والا فلا. والوجه فيه عدم وجوب حفظ المال قبل التمكن من السفر إلى الحج ولازمه جواز التصرف فيه وان زالت به الاستطاعة، فالمقتضي لوجوب الصرف في الزكاة موجود من غير مانع فلا جرم تتعلق به الزكاة ومعه ينتفي موضوع الحج اعني الاستطاعة، إذ ليس المال بعدئذ خالصا له بل مشترك بينه وبين الفقير، فلم يكن مالكا لما يحج به كي يجب عليه الحج وعلى هذا رتب (قده) تقديم الزكاة في القسم الثالث وهو صورة المقارنة، لفعلية شرط الزكاة اعني ملك النصاب في تمام الحول فتجب، بخلاف الحج لتعلقه بالمستطيع اي من يكون مالكا لما يحج به، وهذا ليس كذلك لانه في آن تعلق الحج لم يملك الا المال المشترك بينه وبين الفقير من غير ان تكفي حصته للحج حسب الفرض. اقول: لو كان وجوب الحج منوطا بخروج الرفقة وسير القافلة لكان ما ذكره (قده) جيدا، ولكن الامر ليس كذلك وان ذكره جماعة من الاصحاب لعدم نهوض اي دليل عليه ولم ترد به رواية ابدا، كما ان ما ذكره جماعة اخرى من اناطة الوجوب بدخول اشهر الحج اي عندما هل هلال شوال عار ايضا عن كل شاهد. والذي نطقت به الآية المباركة المعتضدة بالنصوص المتظافرة تعليق الوجوب على مجرد الاستطاعة، من غير دخالة لخروج الرفقة ولا حلول تلك الاشهر، فمن حصلت له الاستطاعة المفسرة في غير واحد من

[ 120 ]

النصوص بالزاد والراحلة وتخلية السرب في اي زمان كان ولو كان شهر محرم وجب عليه الحج على سبيل الواجب التعليقي، فيجب عليه حفظ المال، ولا يجوز صرفه فيما تزول به الاستطاعة، كما انه لو لم يتمكن من المسير الا في هذا الزمان بحيث لو أخر الخروج إلى قدوم اشهر الحج لم يتهيأ له السير بعدئذ لمانع من الموانع لو من اجل ان حكومة الوقت لا تسمح بالخروج عن المنطقة في تلك الآونة، وجب عليه الخروج في هذا الوقت فيما إذا كانت الاستطاعة باقية في تمام المدة ولم يلزم العسر والحرج المسقطين للتكليف. وعلى الجملة: فالاعتبار في تعلق الحج بمجرد الاستطاعة المفسرة بما عرفت. وعليه فلا يعقل فرض المقارنة بين حلول الحول الموجب لتعلق الزكاة وبين حدوث ما يوجب الحج اعني الاستطاعة، بل الثاني مقدم دائما لسبق الملكية على حلول الحول على ما يملك بالضرورة. ومنه تعرف عدم امكان فرض تقديم حلول الحول فوجب الحج مقدم على وجوب الزكاة في جميع تلك الاقسام. نعم يمكن فرض المقارنة فيما لا يعتبر فيه الحول كالغلات، فلو حصلت الاستطاعة بنفس انعقاد الحبة أو الاصفرار أو الاحمرار الذي هو بنفسه زمان تعلق الزكاة فقد تقارن الوجوبان وحدثا في زمان واحد، والواجب حينئذ تقديم الزكاة كما ذكره في المتن، لان الاستطاعة لا تحصل الا بملكه لا بما هو شريك فيه مع غيره، فتعلق الزكاة بالعين وشركة الفقراء فيها تمنع عن حدوث الاستطاعة فلا موضوع لها، بخلاف الزكاة فانها تتعلق بالعين من غير اناطة بشئ كما لا يخفى، فالمقارنة انما تتصور في هذا النوع من الجنس

[ 121 ]

[ (مسألة 14): لو مضت سنتان أو ازيد على ما لم يتمكن من التصرف فيه - بأن كان مدفونا ولم يعرف مكانه، أو غائبا، أو نحو ذلك - ثم تمكن منه استحب زكاته لسنة، بل يقوى استحبابها بمضي سنة واحدة أيضا (1). ] الزكوي دون غيره مما يعتبر فيه الحول كالنقدين والانعام. (1) يقع الكلام: تارة: في اختصاص الحكم بالمدفون والغائب فلا زكاة في غيرهما مما لم يكن متمكنا من التصرف فيه لسرقة أو غصب أو جحد ثم تجددت القدرة لا وجوبا ولا استحبابا، أو ان الحكم عام يشمل جميع ذلك. واخرى: في ان الاستحباب هل يختص بما إذا كان زمان العجز عن التصرف سنتين أو ازيد أو انه يعم ولو كان سنة واحدة. وقد اختار الماتن (قده) الاطلاق في كل من الجهتين وهو الصحيح، لعموم المستند فان بعض الروايات وان كانت قاصرة سندا وهي ما رواه عبد الله بن بكير عن زرارة أو عمن رواه - حسب اختلاف النسخ - لمكان احتمال الارسال المسقط لها عن صلاحية الاستدلال كما تقدم (1). ووالبعض الآخر قاصرة الدلالة على العموم لاختصاصها بخمس سنين وهي صحيحة رفاعة بن موسى: (عن


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 7.

[ 122 ]

الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثم يأتيه فلا يرد رأس المال كم يزكيه؟ قال: سنة واحدة) (1). ولكن العمدة صحيحة سدير الصيرفي وهي وافية بالمقصود: (في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع فلما حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظن ان المال فيه مدفون فلم يصبه فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثم انه احتفر الموضع الذي من جوانبه كله فوقع على المال بعينه، كيف يزكيه؟ قال: يزكيه لسنة واحدة لانه كان غائبا عنه وان كان احتبسه) (2) فان التعليل يعطينا التعميم من كلتا الناحيتين وان المناط في التزكية مجرد الغيبوبة التي لا ريب في صدقها على كل مال لم يكن تحت تصرف صاحبه واستيلائه وان كان لسرقة أو غصب أو جحد، ولا يختص بالغائب في مقابل الحاضر اي البعيد عنه كما لا يخفى. كما ان هذا التعليل نفسه يستوجب التعدي من حيث الزمان ايضا فيشمل حتى ما إذا كان زمان الغيبة لسنة واحدة ولا يختص بمورد الصحيحة اعني ثلاث سنين، لان الاعتبار انما هو مجرد الغياب كما عرفت. نعم ظاهرها وجوب الزكاة، الا انه محمول على الاستحباب لا لمجرد الاجماع على عدم الوجوب، بل لاجل النصوص المتقدمة في محلها الناطقة باشتراط الوجوب بالتمكن من التصرف وان يحول الحول والمال عنده الموجبة لحمل هذه الصحيحة على الاستحباب جمعا، كما


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من ابواب من تجب عليه الزكاة ح 4. (2) الوسائل: ج 6 باب 5 من ابواب من تجب عليه الزكاة ح 1.

[ 123 ]

[ (مسألة 15): إذ عرض عدم التمكن من التصرف بعد تعلق الزكاة أو بعد مضي الحول متمكنا فقد استقر الوجوب (1)، فيجب الاداء إذا تمكن بعد ذلك، والا فان كان مقصرا يكون ضامنا، وإلا فلا. ] تقدمت الاشارة إليه سابقا فلاحظ. (1) لحصول شرطه وهو التمكن من التصرف في الحول الموجب لفعلية الوجوب واستقراره فلا اثر بعدئذ للعجز الطاري، لعدم دخله في تعلق الوجوب كما هو ظاهر، وعليه فيجب الاداء لو تمكن بعد ذلك فلو سرق أو غصب بعد مضي الحول ثم ظفر عليه أدى زكاته. واما لو استمر العجز فيبتني الضمان لمقدار الزكاة وعدمه على التفريط في الحفظ وعدمه. فيضمن لو فرط والا كما لو انتهى الحول آخر النهار فتحفظ عليه إلى ان يجد صباحا من يؤدي الزكاة إليه فسرق جوف الليل فلا شئ عليه، كما هو الشأن في كافة الامانات الشرعية من التفصيل في الضمان بين التفريط وعدمه، وهذا مما لا اشكال فيه. غير ان الزكاة ويلحقها الوصية يمتازان عن ساير الامانات الشرعية باستقرار الضمان لو تلفت العين الزكوية أو الموصى بها بمجرد عدم الصرف في موردهما مع التمكن وان لم يكن التأخير مستلزما للتفريط، كما لو أخر الدفع إلى المستحق لكي يجد الافضل - الذي هو أمر مستحب - فعرض التلف من غير تقصير، فانه يضمن للنصوص

[ 124 ]

[ (مسألة 16): الكافر تجب عليه الزكاة (1)، لكن لا تصح منه إذا أداها. ] الخاصة الدالة على ذلك التي يظهر منها الحاق مثل هذا بالتفريط في خصوص هذين الموردين وان معناه فيهما اوسع من غيرهما، وسيجئ التعرض لذلك في مطاوي المسائل الاتية ان شاء الله تعالى. فمنها، صحيحة محمد بن مسلم قال: (قلت لابي عبد الله (ع): رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها وان لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى اهلها فليس عليه ضمان لانها قد خرجت من يده وكذلك الوصي) (1). وصحيحة زرارة: (عن رجل بعث إليه اخ له زكاته ليقسمها فضاعت فقال: ليس على الرسول ولا على المؤدي ضمان. قلت: فانه لم يجد لها اهلا ففسدت وتغيرت أيضمنها؟ قال: لا ولكن ان (إذا) عرف لها اهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها) (2). (1) تبتني هذه المسألة على الكبرى الكلية وهي ان الكفار هل هم مكلفون بالفروع كما انهم مكلفون بالاصول أو لا؟. والمعروف والمشهور بين الفقهاء هو الاول بل حكي عليه الاجماع ويستدل له بعموم ادلة التكاليف وخصوص جملة من الآيات مثل قوله تعالى: (لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) وقوله تعالى:


(1) الوسائل: ج 6 باب 39 من ابواب المستحقين للزكاة ح 1 (2) الوسائل: ج 6 باب 39 ابواب المستحقين للزكاة ح 2.

[ 125 ]

(وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) حيث علل عذاب المشرك بتركه الصلاة وعدم الاطعام المفسر بترك الزكاة، وكذا الويل في الاية الثانية. ويندفع بمنع العموم في تلك الادلة كيف والخطاب في كثير من الآيات خاص بالمؤمنين كقوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) وقوله تعالى: (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فلو كان عموم في بعضها مثل قوله تعالى: (ولله على الناس) فبأزائها هذه الآيات الخاصة. ولا دلالة في الآيتين المتقدمتين على تكليف الكفار بالفروع، لجواز كون المراد من عدم الكون من المصلين ومطعمي المسكين الاشارة إلى عدم اختيار الاسلام والتكذيب بيوم الدين كما في ذيل الاية الاولى، وكذا يراد من عدم ايتاء الزكاة تركها بترك الاسلام والكفر بالآخرة كما في ذيل الآية المباركة، فلا تدل على تعلق العقاب بترك هذه الفروع باتفسها كما لا يخفى. ومما يدل على الاختصاص قوله تعالى. (الزاني لا ينكح الا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها الا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين). فان المراد بالنكاح ليس هو العقد قطعا لعدم جوازه بين المسلمة والمشرك أو المسلم والمشركة باتفاق المسلمين قاطبة، بل المراد نفس الوطي الخارجي، فتشير الآية المباركة إلى ما هو المتعارف خارجا بمقتضى قانون السنخية من ان الزاني لا يجد من يزني بها الا

[ 126 ]

زانية مثله أو مشركة، فان الطيور على امثالها تقع، والجنس إلى الجنس يميل، وإلا فالمؤمنة لا تطاوعه على ذلك ابدا، وكذا الحال في الزانية، ثم قال تعالى: (وحرم ذلك على المؤمنين) فخص سبحانه حرمة الزنا بالمؤمن دون الكافر. هذا مضافا إلى ورود رواية (1) معتبرة عن الكافي تضمنت ان الكافر يؤمر اولا بالاسلام ثم بعده بالولاية، فإذا لم يكن مكلفا حال كفره بالولاية التي هي اعظم الفروع واهمها، وانما يؤمر بها بعذ اختيار الاسلام فما ظنك بساير الاحكام (2). اضف إلى ذلك كله قيام سيرة المسلمين قاطبة خلفا عن سلف على عدم مؤاخذة الكافر حتى الذمي منهم بشئ من الاحكام فلا يؤمرون بالصلاة ولا بالصيام ولا بالحج كما لا ينهون عن شرب الخمر أو القمار أو الافطار في شهر رمضان ولا تجري عليهم الحدود الا فيما دل عليه دليل بالخصوص مع انهم لو كانوا مكلفين بالفروع لوجب


(1) اصول الكافي ج 1 ص 180، باب معرفة الامام والرد إليه ح 3. (2) هكذا ذكره في الحدائق ايضا، بزيادة توسيف الاحكام بأنها متلقاة من الامام (ع) ج 3 ص 40. ولكنه يمكن إبداء الفارق بان الاذعان بالولاية - بمعناها الخاص - متقوم في جوهر ذاته بالاذعان بالرسالة، فان معرفة الامام بوصفه العنواني تتوقف في تكوينها الخارجي على معرفة الاسلام كما اشير إلى ذلك في نفس الصحيحة، ليس كذلك ساير الاحكام، فلا تقاس بقية الفروع بمثل هذا الفرع الذي يعد من العقائد ومن اصول المذهب، واما التلقي من الامام فلا يطرد في جميع الفروع فلاحظ

[ 127 ]

ذلك ولو من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالحق ان الكفار غير مكلفين الا بالاصول ولم يوضع عليهم قلم التكليف بالفروع التى منها الزكاة الا بعد اعتناق الاسلام، فيؤمرون عندئذ بساير الاحكام واما قبل ذلك فهم يقرون على اديانهم ومذهبهم نعم لا يسوغ لهم الاجهار بالمنكرات في بلد المسلمين كشرب الخمر علنا ونحو ذلك، ويردعون عن ارتكابها حفظا لشعائر الاسلام وهذا مطلب آخر غير مرتبط، بمحل الكلام. ولم ينقل في تاريخ أو رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أو احد المعصومين (عليهم السلام) المبسوطة ايديهم جباية الزكوات من الكفار ومطالبتهم اياها، ولو كان لبان ونقل الينا بطبيعة الحال، بل كانوا يقرون على مذاهبهم كما يقرون على ساير اموالهم وان لم يكن مالا بنظر الاسلام، كثمن الخمر والخنزير وما يكسبون من الربا والقمار وما يرثونه على خلاف قانون الاسلام مما يثبت في اديانهم ونحو ذلك مما لا يخفى. واما الاستدلال على تعلق الزكاة بهم برواية صفوان وابن ابي نصر قالا: (ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها اهل بيته. فقال: من اسلم طوعا تركت ارضه في يده... إلى ان قال: وما اخذ بالسيف فذلك إلى الامام يقبله بالذي يرى كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر وعلى المتقبلين سوى قبالة الارض العشر ونصف العشر في حصصهم) (1). حيث ان النبي صلى الله عليه وآله وضع على المتقبلين من يهود خيبر سوى الخراج العشر ونصفه الذي


(1) الوسائل: ج 6 باب 7 من ابواب زكاة الغلات ح 2.

[ 128 ]

هو الزكاة. فيرده: اولا: ان الرواية ضعيفة السند بعلي بن احمد بن اشيم فانه لم يوثق ولم يمدح (1). وثانيا: انه لم يظهر منها كفر المتقبل، ولعل القبالة كانت مع من اسلم منهم فانها مجملة من هذه الناحية كما لا يخفى. وثالثا: سلمنا كون الطرف كافرا ولكن مفادها وجوب العشر عليهم بمقتضى الشرط في ضمن العقد الواقع على قبالة الارض، وهو اجنبي عن تعلق الزكاة عليهم ابتداء الذي هو محل الكلام فلا مساس لها بتكليف الكفار بالفروع بوجه. هذا كله مع ان في امكان توجيه الخطاب بوجوب الزكاة نحو الكافر اشكالا جيدا جدا قد تقدم التعرض لنظيره من صاحب المدارك في مبحث قضاء الصلوات ولعله اول من تنبه إليه. وملخصه: ان تكليف الكافر بالاداء في الوقت ممكن بان يختار الاسلام فيصلي اداء، واما تكليفه بالقضاء فمتعذر لعدم التمكن من امتثاله لا في حال الكفر لعدم صحته منه بعد فقد شرط الطهارة وعدم قصد القربة، مضافا إلى اشتراط العبادة بالولاية فضلا عن الاسلام، ولا في حال الاسلام لسقوطه عنه عندئذ بمقتضى حديث الجب، فالتكليف غير قابل للامتثال في كلتا الحالتين، ومعه كيف يصح تعلقه به. وعلى ضوء ذلك يناقش في المقام، بأنه ان اريد من تكليف


(1) نعم ولكنه من رجال كامل الزيارات، على انها رويت بسند آخر صحيح لاحظ الوسائل: ج 11 باب 72 من ابواب جهاد العدو ح 2.

[ 129 ]

الكافر بالزكاة وجوب ادائها حال الكفر فهو تكليف بما لا يصح لما عرفت من اشتراط صحة العبادة بالولاية فضلا عن الاسلام، وان اريد بعد الاسلام فهو مناف لحديث جب الاسلام لما قبله، وهذا الاشكال حسن لا مدفع عنه. اجل قد يجاب عنه: تارة: بانه كان متمكنا من القضاء باختيار الاسلام في الوقت فيصلي اداء وان فاته فقضاء كما كان متمكنا من الزكاة باسلامه قبل اوان تعلق الزكاة، وقد فوت على نفسه هذا التكليف بسوء الاختيار المستند إلى عدم قبول الاسلام، ومن الواضح ان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا وان نافاه خطابا، فالتكليف وان كان ساقطا بمناط امتناع خطاب العاجز الا ان الملاك الفعلي الملزم موجود وتفويته مستوجب للعقاب بحكومة العقل، ولاجله لا مانع من تعلق الزكاة كالقضاء بالكافر كالمسلم بمناط واحد. ويندفع بان هذا وان كان ممكنا ثبوتا الا انه عار عن الدليل في مرحلة الاثبات، إذ لا طريق لنا إلى استعلام ملاكات الاحكام من غير ناحية الاوامر انفسها، والمفروض امتناع تعلق الامر في المقام لعدم قبوله للامتثال في حال من الحالات كما عرفت، ومعه كيف يستكشف تحقق المناط والملاك ليكون تفويته المستند إلى سوء الاختيار مستوجبا للعقاب وهل يمكن دلالة قوله تعالى: (ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) ولو مع الغض عن ذيلها على ثبوت الامر بالزكاة الذي هو امر مستحيل كما عرفت. واخرى: بان دليل التكليف بالزكاة وان كان قاصر الشمول بالاضافة

[ 130 ]

[ نعم للامام (ع) أو نائبه اخذها منه قهرا (1). ولو كان قد اتلفها فله اخذ عوضها منه. ] إلى الكافر كما ذكر، الا ان ادلة الوضع التي مرجعها إلى شركة الفقراء معه في المال غير قاصر الشمول له، لعرائه عن اي محذور ونتيجته جواز انتزاع المال منه قهرا أو اختيارا. ويندفع ايضا بما مر مرارا من عدم الاطلاق في هذه الادلة لعدم كونها في مقام البيان الا من ناحية المقدار بعد الفراغ عن اصل تعلق الزكاة وانها في اي مورد ثبتت فمقدارها هكذا، واما انها في اي مورد تثبت وتجب وفي اي مورد لا تجب فليست في مقام البيان من هذه الناحية ابدا ليتمسك باطلاقها ويدعى شمولها للكافر. والمتحصل من جميع ما قدمناه انه لا دليل على تكليف الكفار بالزكاة ولا بغيرها من ساير الاحكام المختصة بالاسلام وانها انما تتعلق بالمسلمين خاصة، واما الكفار حتى الذمي منهم فلم يكلفوا الا بالاصول الا إذا اشترطت عليهم الزكاة كما احتملناه في الرواية المتقدمة الواردة في قبالة خيبر، نعم لا يجوز للذمي الاجهار بالمنكرات ونحو ذلك مما يخالف شرائط الذمة وهو اجنبي عما نحن بصدده كما هو ظاهر. (1) قد عرفت ان الاقوى عدم وجوب الزكاة على الكافر، واما لو بنينا على الوجوب لتكليفه بالفروع كالاصول كما عليه المشهور فقد ذكر الماتن تبعا لجماعة من الاصحاب ان للامام (ع) أو نائبه اخذها قهرا فتبرء بذلك ذمة الكافر بطبيعة الحال لانتفاء الموضوع.

[ 131 ]

وقد يناقش فيه: تارة: بان الزكاة عبادة تفتقر إلى قصد التقرب المتعذر من الكافر فكيف يسوغ اخذها قهرا ممن لا تصح عبادته. والجواب: ان تعذر رعاية العبادية لا تسوغ اهمال حقوق الفقراء وعدم استنقاذها من الممتنع بعد ان كان الحاكم الشرعي وليا عليهم في استيفاء اموالهم كما هو الحال في المسلم الممتنع. وبعبارة اخرى: ان في الزكاة حيثيتين، حيثية الصدور عبادة وحيثية الوصول إلى المستحق فان امكن الجمع والا فامتناع الاول لا يسوغ اهمال الثاني ممن وظيفته التصدي لحقوق الفقراء واستنقاذها من ايدي الممتنعين من غير فرق بين الكافر والمسلم، ونتيجة ذلك براءة ذمة الممتنع لزوال الموضوع بطبيعة الحال. واخرى: بان الزكاة تتعلق بالعين على الخلاف في كيفية التعلق من الاشاعة أو الكلي في المعين أو الشركة في المالية، وعلى اي تقدير فاختيار التطبيق والتعيين في المدفوع بيد صاحب المال دون غيره، فكيف يعينه الحاكم الشرعي فيما يأخذه منه قهرا، وما هو الدليل على صحة هذا التعيين الصادر من غير صاحب المال. ويندفع: بامكان الاستدلال عليه بأدلة التقاص من الممتنع - وفي بعضها انه يدعو بالمأثور - إذ لا قصور في شمولها للمقام الذي هو في الحقيقة من صغريات ذلك الباب، فكما ان المالك أو من له الولاية على المال المغصوب كولي الصغير يجوز له الاستنقاذ والتقاص ولو من غير الجنس مما يعادله في المالية، وتعيين الحق فيه نافذ وممضى بمقتضى تلك الادلة فكذا فيما نحن فيه لوحدة المناط

[ 132 ]

كما لا يخفى. نعم تمكن المناقشة بوجه ثالث وهو انا ولو سلمنا تكليف الكفار بالفروع الا ان المفروض سقوط الزكاة بمجرد اختيار الاسلام، ولا سيما إذا كانت العين تالفة إذ في السقوط مع البقاء تأمل كما ستعرف، واما مع التلف فلا كلام ولا خلاف في السقوط، وعليه فبأي موجب يؤخذ الزكاة منه قهرا بعد ان لم تصح منه حال الكفر ولم يطلب منه حال الاسلام. اذن فتكليفه بالزكاة لو سلم لا يستدعي المطالبة منه قهرا بوجه ولا سيما بعد ما ورد في جملة من النصوص (1) من ان الكافر ليس عليه شئ غير الجزية التي منها صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع): (في اهل الجزية يؤخذ من اموالهم ومواشيهم شئ سوى الجزية. قال: لا) (2) فأخذ الزكاة منه مناف لصراحة هذه النصوص في انه لا شئ عليه ما عدا الجزية الشامل نفي الجنس للزكاة بل لعلها اظهر الافراد. على ان السيرة العملية خلفا عن سلف قائمة على عدم مطالبته بها إذ لم يعهد لا في عصر النبي صلى الله عليه وآله ولا في عهد الخلفاء جباية الزكوات من الكفار، ولم ينقل ذلك في تاريخ ولا رواية بل كانت الجباية خاصة بمن يعتنق الاسلام فحسب. وعلى الجملة: فأخذ الزكاة من الكافر مناف لمقتضى القاعدة


(1) مورد هذه النصوص هو الكافر الذمي، وعدم مطالبة بشئ هو مقتضى كونه في الذمة فلا يقاس به غيره. (2) الوسائل: ج 11 باب 68 من ابواب جهاد العدو ح 4 ص 115.

[ 133 ]

[ (مسألة 17): لو اسلم الكافر بعد ما وجبت عليه الزكاة سقطت عنه وان كانت العين موجودة، فان الاسلام يجب ما قبله (1). ] وللنصوص الحاصرة وللسيرة العملية حسبما عرفت. واشكل من ذلك اخذ عوضها منه لو اتلف والحكم بضمانه لها ضرورة ان القدر المتيقن من السيرة المزبورة وكذا من حديث جب الاسلام هو صورة التلف وعدم بقاء العين إذ لم تعهد مطالبة الكافر ولا سيما بعد ان اسلم بزكوات السنين الماضية يقينا: فما ذكره في المتن من الحكم بأخذ العوض منه لو اتلف مشكل جدا. (1) لا اشكال كما لا خلاف في السقوط لو اسلم وكانت العين تالفة، للسيرة القطعية القائمة على ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله والوصي (ع) وغيرهما من المتصدين للامر، إذ لم يعهد من أحد منهم مطالبة من اسلم بدفع ما فاته من الزكوات في حال الكفر، لا زكاة اموالهم ولا زكاة ابدانهم اي زكاة الفطرة ولم ينقل ذلك ولا في رواية ضعيفة، بل كانوا يقرون على ما كانوا عليه آنذاك ولا يسألون عما كانوا يفعلون، وهذا واضح لا سترة عليه ولا شبهة تعتريه. واما لو اسلم والعين الزكوية بعد باقية فلا اشكال ايضا في عدم الوجوب لو قلنا بعدم تعلق الزكاة حال الكفر لعدم تكليف الكفار بالفروع - على ما هو الصحيح كما مر - إذ على هذا المبنى لا مقتضي للوجوب، لان المقتضي هو حولان الحول أو انعقاد الحب وصدق

[ 134 ]

الاسم ونحو ذلك، والمفروض انه كان في حال الكفر المرفوع عنعه التكليف آنذاك، ولم يحدث موجب آخر ومقتض حديد لتعلق الزكاة حسب الفرض وهذا ظاهر. وأما لو قلنا بمقالة المشهور من وجوب الزكاة عليه لتكليفه بالفروع كالاصول، فالمشهور والمعروف سقوط الزكاة عنه ايضا بعدما اسلم وان كانت العين موجودة بل ادعى عليه الاجماع في بعض الكلمات. ويستدل له بالنبوي المشهور: (الاسلام يجب ما قبله ويهدم) (1) لكنه من اجل ضعف السند غير صالح لان يستند إليه لعدم روايته من طرقنا لا في كتب الحديث ولا في الكتب الاستدلالية للفقهاء المتقدمين كالشيخ ومن سبقه ولحقه، ما عدا ابن أبي جمهور الاحسائي في غوالي اللئالي الذي لا يخفى ما في المؤلف والمؤلف حتى طعن فيه من ليس من شأنه الطعن كصاحب الحدائق. ودعوى الانجبار موهونة جدا بل غير قابلة للتصديق إذ كيف يحتمل استناد المشهور إلى رواية لم يذكروها لا في كتبهم الروائية ولا الاستدلالية كما سمعت، على ان الانجبار ممنوع كبرويا كما هو المعلوم من مسلكنا. ويؤيد ما ذكرناه - من ان الرواية انما هي من طرق العامة لا من طرقنا - ما رواه الشيخ باسناده عن جعفر بن رزق الله قال: (قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة واراد ان يقيم عليه الحد فاسلم فقال يحيى بن اكثم: قد هدم ايمانه شركه وفعله، وقال


(1) مستدرك الوسائل: باب 15 من أبواب احكام شهر رمضان ح 2.

[ 135 ]

بعضهم: يضرب ثلاث حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث (ع) وسؤاله عن ذلك فلما قدم الكتاب كتب أبوا الحسن (ع): يضرب حتى يموت. فانكر يحيى بن اكثم وانكر فقهاء العسكر ذلك وقالوا: يا أمير المؤمنين سله عن هذا فانه شئ لم ينطق به كتاب ولم تجئ به السنة، فكتب ان فقهاء المسلمين قد انكروا هذا وقالوا لم تجئ به سنة ولم ينطق به كتاب فبين لنا بما اوجبت عليه الضرب حتى يموت. فكتب (ع) بسم الله الرحمن الرحيم فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون. قال: فأمر به المتوكل فضرب حتى مات) (1) فانها صريحة في عدم اعتناء الامام بمضمون حديث الجب (2) وانما هو امر معروف عند العامة ومروي من طرقهم ولذا انكروا عليه (ع) حكمه، ولم يثبت عندنا، والمسألة التي تضمنتها هذه الرواية محررة في الفقه، وقد افتى الاصحاب بعدم سقوط الحد عن الزاني سواء اسلم قبل صدور الحكم من الحاكم ام بعده إذا فالحديث المزبور ساقط لا يمكن الاستناد إليه في حكم من الاحكام، بل المتبع في كل مورد قيام الدليل على مضمون الجب وسقوط ما وجب باختيار الاسلام من نص كما في قضاء الصلوات


(1) الوسائل: ج 18 باب 36 من أبواب حد الزنا ح 2. (2) لعل الوجه في عدم الاعتناء عدم انطباق مضمون الحديث على مورد السؤال لخصوصية فيه. لا انه موضوع من أساسه.

[ 136 ]

أو سيرة كما في الزكوات، فان ثبت والا كان التكليف باقيا لو قلنا بانهم مكلفون بالفروع كالاصول. ثم انا لو بنينا على تمامية الحديث فلا شك في انه ناظر إلى الاحكام المختصة بالاسلام فهي المجبوبة والمحكومة بالسقوط لو حصل مناشيها حال الكفر كفوات الصلوات أو حولان الحول الحاصل قبل الاسلام ونحو ذلك، واما الاحكام المشتركة بين جميع الاديان فضلا عما يعم المتدين ومن لا يعتنق الدين مما جرت عليه سيرة العقلاء كالعقود والايقاعات والديون والضمانات وما شاكلها فالحديث غير ناظر إلى جبها جزما، فالاشكال عليه بان البناء على عموم حديث الجب يستوجب تخصيص الاكثر في غير محله ولا ينبغي الالتفات إليه. ثم لا يخفى ان الحديث رواه في مجمع البحرين بمتن آخر وهو (الاسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب) وقصور الدلالة على هذا وكونها اجنبية عما نحن بصدده واضح لا يخفى فانها تشير حينئذ إلى مطلب اخر وهو الغفران عن ذنب الكفر كما ان التوبة توجب العفو عن ساير الذنوب، فيكون الاسلام بعد الكفر نظير الارتداد بعد الاسلام، فكما ان الثاني يوجب الحبط ومحو الاعمال السابقة بمقتضى قوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك) فكذلك الاول يوجب العفو عما سبق وجب ما وقع. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الاظهر عدم تعلق الزكاة بالكفار من اصلها لعدم تكليفهم بالفروع وعلى تقدير القول بالوجوب فلا يسقط بالاسلام لو كانت العين باقية كما نبه عليه الاستاذ في تعليقته الشريفة.

[ 137 ]

[ (مسألة 18): إذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب بعد تعلق الزكاة وجب عليه اخراجها (1). ] (1) فان الزكاة حتى ثابت في العين على الخلاف في كيفية التعلق ولا يكاد يسقط بالبيع بل العين الزكوية مشتركة بين المالك والفقير فلا ينفذ البيع الا في حصته ويكون فضوليا في حصة الفقير، فلا محيص من اخراجها ودفعها إليه، نعم في باب الخمس لا يجب اخراجه لو انتقل ما فيه الخمس ممن لا يعتقد وجوبه كالكافر ونحوه لنصوص التحليل وانهم (ع) اباحوا لشيعتهم ذلك، واما في باب الزكاة فلم يرد مثل تلك النصوص فلا جرم وجب اخراجها على المشتري. هذا كله بناء على المشهور من وجوب الزكاة على الكافر، واما بناء على ما هو الاظهر من عدم الوجوب كما مر فلا مقتضي للاخراج لانه انتقل إلى المشتري مال سليم عن الزكاة عند البايع ولم يحدث موجبها عند المشتري حسب الفرض فلا شئ عليه.

[ 138 ]

[ فصل في الاجناس التي تتعلق بها الزكاة تجب في تسعة اشياء (1): الانعام الثلاثة - وهي: الابل، والبقر، والغنم - والنقدين - وهما: الذهب والفضة - والغلات الاربع وهي الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، ولا تجب فيما عدا ذلك على الاصح. نعم يستحب اخراجها من اربعة انواع أخر. ] (1) بلا اشكال ولا خلاف فيه بين المسلمين بل عد من ضروريات الدين وقد نطقت به جملة وافرة من النصوص قد ادعى في الجواهر تواترها، لكن دعوى التواتر مشكلة لاستدعائها ان يبلغ عدد الرواة في كل طبقة حدا يمتنع عادة اشتباههم أو تواطؤهم على الكذب وليس في المقام كذلك، فان الرواة في طبقة الامام (ع) لا يزيدون على اربعة عشر، على ان الطبقة في اول السند لا تشتمل على اكثر من ثلاثة انفار الشيخ والكليني والصدوق فان كلها تنتهي إليهم وما بينهما من الطبقات متوسطات، وهذا المقدار لا ينطبق عليه ضابط التواتر كما لا يخفى. نعم الروايات مستفيضة ومتظافرة لا انها

[ 139 ]

مواترة دلت على وجوب الزكاة في التسعة دون غيرها. فمنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: (سئل عن الزكاة فقال: الزكاة على تسعة اشياء على الذهب والفضة والحنط والشعير والتمر والزبيب والابل والبقر والغنم وعفى رسول الله صلى الله عليه وآله عما سوى ذلك) (1) وصحيحة أبي بصير والحسن بن شهاب عن أبي عبد الله (ع): (قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله الزكاة على تسعة اشياء وعفى عما سوى ذلك على الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والابل والبقر والغنم) (2). ونحوها غيرها. وفي بعضها كرواية الطيار بعد الحصر في التسعة والعفو عما سواها يسأل الراوي عن الارز أفيه الزكاة؟ (قال: فزبرني ثم قال: اقول لك ان رسول الله صلى الله عليه وآله عفى عما سوى ذلك وتقول ان عندنا حبا كثيرا أفيه الزكاة) (3). وبأزائها طائفة اخرى دلت على ثبوت الزكاة في كل ما يكال أو يوزن أو ما انبتت الارض الا الفواكه. كصحيحة محمد بن مسلم قال: (سألته عن الحبوب ما يزكى منها؟ قال (ع): البسر والشعير والذرة والدخن والارز والسلت والعدس والسمسم كل هذا يزكى واشباهه) (4). وصحيحة زرارة: (كل ما كيل بالصاع فبلغ الاوساق فعليه


(1) الوسائل: ج 6 باب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 11. (2) الوسائل: ج 6 باب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 10. (3) الوسائل: ج 6 باب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 12. (4) الوسائل: ج 6 باب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 4.

[ 140 ]

الزكاة وقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وآله الصدقة في كل شئ انبتت الارض الا ما كان في الخضر والبقول وكل شئ يفسد من يومه) (1). وصحيحة ابي بصير: (هل في الارز شئ فقال: نعم، ثم قال: ان المدينة لم تكن يومئذ ارض ارز فيقال فيه ولكنه قد جعل فيه وكيف لا يكون فيه وعامة خراج العرق منه) (2). وصحيحة زرارة قال: (قلت لابي عبد الله (ع): في الذرة شئ فقال: في الذرة والعدس والسلت والحبوب فيها مثل ما في الحنطة والشعير وكل ماكيل بالصاع فبلغ الاوساق التي يجب فيها الزكاة فعليه الزكاة) (3) وغبرها. وقد نقل عن ابن الجنيد انه افتى بالوجوب استنادا إليها ولكن المشهور حملوها على الاستحباب جمعا بينها وبين الطائفة الاولى الحاصرة في التسعة والعافية عما عداها. ولا يخفى ان هذا النوع من الجمع وان كان مطردا في ابواب الفقه ولكنه غير منطبق على المقام للتدافع بين مضمون الطائفتين وكونهما من المتناقضين في نظر العرف بحيث لا قرينية لاحداهما على الاخرى ابدا فانا لو جمعنا في كلام واحد بين قولنا: (فيه الزكاة) و (ليس فيه الزكاة) أو بين قولنا: (عفى عن الزكاة) و (انه فيه الزكاة) لكان الصدر منافيا ومضادا للذيل بحسب الفهم العرفي بالضرورة. ومن هنا انكر الاستحباب في الحدائق واصر على الجمع


(1) الوسائل: ج 6 باب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 6. (2) الوسائل: ج 6 باب 9 من ابواب ما تجب فيه الزكاة ح 11. (3) الوسائل: ج 6 باب 9 من ابواب ما تجب فيه الزكاة ح 10.

[ 141 ]

بالحمل على التقية. والانصاف ان ما ذكره (قده) وجيه كما ذكرناه غير ان هناك رواية واحدة من اجلها نحكم بالاستحباب، وهي صحيحة علي بن مهزيار قال: (قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى ابي الحسن (ع): جعلت فداك روي عن ابي عبد الله (ع) انه قال: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الزكاة على تسعة اشياء الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب والفضة والغنم والبقر والابل وعفى رسول الله صلى الله عليه وآله عما سوى ذلك فقال له القائل: عندنا شئ كثير يكون أضعاف ذلك فقال: وما هو، فقال له: الارز. فقال له أبو عبد الله (ع): اقول لك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وضع الزكاة على تسعة اشياء وعفى عما سوى ذلك وتقول عندنا ارز وعندنا ذرة وقد كانت الذرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. فوقع (ع) كذلك هو والزكاة على كل ما كيل بالصاع) وكتب عبد الله: (وروى غير هذا الرجل عن ابي عبد الله (ع): انه سأله عن الحبوب فقال: وما هي فقال: السمسم والارز والدخن وكل هذا غلة كالحنطة والشعير فقال أبو عبد الله (ع): في الحبوب كلها زكاة) وروي ايضا عن ابي عبد الله (ع): (انه قال: كلما دخل القفين فهو يجري مجرى الحنطة والشعير والتمر والزبيب قال: فأخبرني جعلت فداك هل على هذا الارز وما اشبهه من الحبوب الحمص والعدس زكاة. فوقع (ع): صدقوا الزكاة في كل شئ كيل) (1).


(1) اوردها في الوسائل قطعة منها في باب 8 من ابواب ما تجب فيه الزكاة ح 6 وقطعة اخرى في باب 9 من ابواب ما تجب فيه الزكاة ح 1.

[ 142 ]

[ احدها. الحبوب (1) مما يكال أو يوزن، كالارز، والحمص، والماش، والعدس، ونحوها. وكذا الثمار كالتفاح، والمشمش، ونحوهما (2)، دون الخضر والبقول كالقت والباذنجان، والخيار، والبطيخ، ونحوها. ] فان تصديق الامام (ع) لتلك الروايات المتعارضة المروية عن الصادق (ع) ليس له وجه صحيح عدا ارادة الاستحباب فيما عدا التسع والا فلا يمكن في مثله الحمل على التقية بالضرورة إذ لا معنى المتقية في تصديق الخبرين المتعارضين. وعلى الجملة فالروايات في انفسها - لو لا دليل التصديق - متعارضة غير قابلة للحمل على الاستحباب لعدم كونه من الجمع العرفي في مثلها الا انه بعد ملاحظة التصديق الصادر من الامام (ع) الذي تضمنته هذه الصحيحة يحكم بان المراد الجدي هو الاستحباب والا لم يكن وجه للتصديق ابدا فتدبر جدا. إذا فما ذهب إليه المشهور من الحكم بالاستحباب في ساير الحبوب - ما عدا الحنطة والشعير - مما يكال أو يوزن هو الصحيح (1) كما ظهر وجهه مما مر آنفا. (2) على المشهور بل بلا خلاف اجده كما في الجواهر الا من شيخه كشف الغطاء استنادا إلى صحيحة محمد بن مسلم: (في البستان يكون فيه الثمار ما لو بيع كان مالا هل فيه الصدقة؟

[ 143 ]

قال: لا) (1). وفيه ما لا يخفى إذ مقتضى الجمع بين هذه الصحيحة النافية وبين دليل الاثبات - لو كان - هو الحمل على الاستحباب بان يكون المراد من النفي نفي الوجوب غير المنافي لثبوت الاستحباب الذي يراه المشهور كما هو مطرد في كثير من الابواب. والصحيح ما اختاره (قده) من انكار الاستحباب لا لما علله في الجواهر من ابداء المانع اعني صحيحة ابن مسلم لما عرفت ما فيه بل لقصور المقتضي وعدم ورود دليل يقتضي تعلق الزكاة في الثمار كي يحمل على الاستحباب. اما النصوص المتضمنة لثبوت الزكاة في الحبوب وما يكال ويقفز فقصور شمولها للثمار ظاهر، لعدم كونها من الحبوب ولا من المكيل إذ لم يتعارف بيع الثمار بالكيل لا في القرى ولا البلدان ابدا، وانما هي تباع وزنا أو عددا أو بالخرص والتخمين والمشاهدة ولم يعهد بيعها كيلا. واما النصوص المتضمنة لثبوتها في كل شئ انبتت الارض فكذلك فان هذا العنوان وان كان صادقا على الثمار ولا يصغى إلى ما ادعاه المحقق الهمداني (قده) من الانصراف إذ لا وجه له كما لا يخفى. الا ان تلك النصوص بأنفسها تضمنت استثاء الخضر كما في صحيح زرارة: (قال وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله الصدقة في كل شئ انبتت الارض الا ما كان في الخضر والبقول وكل شئ يفسد من يومه) (2).


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 3. (2) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 4.

[ 144 ]

[ الثاني: مال التجارة على الاصح (1). ] فان الخضر شامل للثمار لغة وعرفا مضافا إلى تفسيره بها صريحا في صحيحة اخرى لزرارة عن أبي جعفر (ع) وابي عبد الله (ع): انهما قالا: عفى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخضر قلت: وما الخضر؟ قالا: كل شئ لا يكون له بقاء البقل والبطيخ والفواكه وشبه ذلك الخ) (1). إذا لا تشمل تلك النصوص الفواكه والثمار في حد انفسها، وعليه فلا دليل على استحباب الزكاة فيها. نعم لا بأس بها بعنوان مطلق الصدقة فانها بر واحسان وهو حسن على كل حال واما الاستحباب الشرعي بعنوان الزكاة بالخصوص فغير ثابت كما عرفت. ومما ذكرنا تعرف عدم الاستحباب في الخضر والبقول كما ذكره في المتن. (1) بل الاصح عدم الاستحباب لتعارض النصوص على وجه لا تقبل الجمع، فقد ورد في جملة منها ثبوت الزكاة فيما لو امسك لكي يجد الربح في مقابل من تربص به لانه لا يجد من يشتريه برأس المال. كصحيحة اسماعيل بن عبد الخالق قال: (سأله سعيد الاعرج وانا اسمع فقال: انا نكبس الزيت والسمن نطلب به التجارة فربما مكث عندنا السنة والسنتين هل عليه زكاة؟ قال ان كنت تربح فيه شيئا أو تجد راس مالك فعليك زكاته وان كنت انما تربص به لانك لا تجد الا وضيعة فليس عليك زكاة حتى يصير ذهبا أو فضة


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 9.

[ 145 ]

فإذا صار ذهبا أو فضة فزكه للسنة التي اتجرت فيها) (1). ونحوها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه، وقد زكى ماله قبل ان يشتري المتاع، متى يزكيه؟ فقال: ان كان امسك متاعه يبتغي به راس ماله فليس عليه زكاة، وان كان حبسه بعدما يجد راس ماله فعليه الزكاة بعدما امسكه من بعد راس المال) (2). وبأزائها ما دل على عدم الزكاة وان قوبل براس المال أو اكثر ما لم يبعه ويحول الحول على الثمن. كصحيحة سليمان بن خالد: (عن رجل كان له مال كثير فاشترى به متاعا ثم وضعه فقال، هذا متاع موضوع فإذا احببت بعته فيرجع إلى راس مالي وافضل منه هل عليه فيه صدقة وهو متاع قال: لا حتى تبيعه قال: فهل يؤدي عنه ان باعه لما مضى إذا كان متاعا. قال: لا) (3) وصحيحة زرارة: (ان أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عثمان: كل مال من ذهب أو فضة يدار به ويعمل به ويتجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول فقال أبو ذر: اما ما يتجر به أو دير وعمل به فليس فيه زكاة. انما الزكاة فيه إذا كان ركازا أو كنزا موضوعا فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة فاختصما في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فقال:


(1) الوسائل: ج 6 باب 13 من أبواب ما تجب عليه الزكاة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 3. (3) الوسائل: ج 6 باب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 2.

[ 146 ]

[ الثالث: الخيل الاناث، دون الذكور، ودون البغال والحمير (1). ] القول ما قال أبو ذر) (1). وهاتان الطائفتان كما ترى متعارضتان لان قوله (ع): (فيه الزكاة) وقوله: (ليس فيه الزكاة) متهافتان في نظر العرف وغير قابلين للتصرف بالحمل على الاستحباب. وانما التزمنا به - اي بالاستحباب - فيما تقدم من الحبوب لدليل التصديق الثابت من الخارح كما مر ولم يرد مثل ذلك الدليل في المقام. إذا تستقر المعارضة هنا فاما ان يحمل ما دل على الزكاة على التقية - كما لا يبعد - أو تسقطان وعلى التقديرين فلم يثبت الاستحباب الشرعي بعنوان الزكاة، نعم لا بأس بعنوان مطلق البر والتصدق كما مر في الثمار. (1) بلا خلاف فيه كما تشير إليه صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عنهما (ع) جميعا: (قالا: وضع أمير المؤمنين (ع) على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين، وجعل على البرازين دينارا) (2). وصحيحة زرارة: (هل في البغال شئ؟ فقال: لا. فقلت: فكيف صار على الخيل ولم يصر على البغال فقال لان البغال لا تلقح والخيل الاناث ينتجن، وليس على الخيل الذكور شئ قال: قلت: فما في الحمير؟ قال. ليس فيها شئ) (3).


(1) الوسائل: ج 6 باب 14 من أبواب ما تجب عليه الزكاة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 1. (3) الوسائل: ج 6 باب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 3.

[ 147 ]

[ والرقيق (1). ] لوضوح قصور دلالتهما على الوجوب اما الاولى فلان اسناد الوضع إلى أمير المؤمنين (ع) يوعز إلى عدم ثبوته في اصل الشرع والا لاسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله كما في بقية الاعيان الزكوية فلعل ذلك منه (ع) كان لمصلحة وقتية وسياسة اقتضتها آنذاك، واما الثانية فلان غايتها الدلالة على التفرقة بين إناث الخيل وذكورها بالانتاج وهو كما يصلح فارقا للوجوب يصلح فارقا للاستحباب أيضا. ولو سلم دلالتهما على الوجوب فتحملان على الاستحباب جمعا بينهما وبين النصوص المستفيضة المتقدمة الحاصرة للزكاة الواجبة في الحيوانات في الانعام الثلاثة وانه صلى الله عليه وآله عفى عما سوى ذلك فتدبر. (1) فلا زكاة فيها الا إذا اتجر بها كما تضمنته موثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع): (قال: ليس على الرفيق زكاة الا رقيق يبتغي به التجارة فانه من المال الذي يزكى) (1) فيستحب بذاك العنوان لو قلنا به. واما ما في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع): (انهما سالا عما في الرقيق فقالا: ليس في الرأس شئ اكثر من صاع من تمر إذا حال عليه الحول وليس في ثمنه شئ حتى يحول عليه الحول) (2) فيمكن حمله على الاستحباب، كما يمكن حمل الصاع على زكاة الفطرة ويراد من حلول الحول


(1) الوسائل: ج 6 باب 17 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 2. (2) الوسائل: ج 6 باب 17 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 1.

[ 148 ]

[ الرابع: الاملاك والعقارات التي يراد منها الاستنماء كالبستان، والخان، والدكان ونحوها (1). (مسألة 1): لو تولد حيوان بين حيوانين يلاحظ فيه الاسم في تحقق الزكاة وعدمها (2) سواء كانا زكويين أو غير زكويين أو مختلفين بل سواء كانا محللين أو محرمين أو مختلفين. مع فرض تحقق الاسم حقيقة لا ان يكون بمجرد الصورة، ولا يبعد ذلك، فان الله قادر على كل شئ. ] مضي رمضان وحلول عيد الفطر الذي قد يعبر عنه بابتداء سنة جديدة وهذا غير بعيد كما لا يخفى. (1) هذا وان كان معروف الا انه لا دليل عليه كما اعترف به غير واحد، عدا ما ذكره في الجواهر من دخولها في مال التجارة نظرا إلى ان التكسب والاتجار كما يكون بنقل العين كذلك قد يكون باستنمائها مع بقائها. ولكنه كما ترى لظهور مال التجارة في نفس الاعيان فلا يصدق على النمائات بوجه ولا سيما إذا كان الاستنماء بقصد التعيش بالنماء لنفسه وعائلته وضيوفه ونحو ذلك. (2) فان اطلق عليه اسم الحيوان الزكوي وجبت فيه الزكاة والا فلا سواء وافق في ذلك ابويه أو احدهما ام خالفهما وسواء تولد من محللين أو محرمين أو مختلفين. وعن المسالك ان المتولد من حيوانين محرمين محرم الاكل وان

[ 149 ]

خالفهما في الاسم. ولكنه غير ظاهر لعدم الدليل على التبعية في الاحكام الا فيما عد من الاجزاء ولو بنحو من التوسعة كما في البيض الذي ورد فيه انه من محلل الاكل محلل ومن محرمه محرم. واما المولود الذي هو موجود مستقل ولا يكاد يعد بعد الولادة جزءا ممن تولد منه بتاتا، فلا دليل على متابعته لوالديه في الاحكام ابدا بل مقتضى القاعدة حينئذ ملاحظ الاسم كما هو الشأن في جميع الاحكام المتعلقة بموضوعاتها الدائرة مدار صدق عناوينها سواء طابق من تولد منه أم خالف. نعم ربما لا يقع الفرض خارجا في المتخالفين الا إذا كانا متقاربين في الجنس كأن يتولد من الفرس والحمار بغل أو من الكلب والذئب ما يشبه بعض اجزائه لهذا والبعض الاخر لذاك دون ان يتولد من الكلب والخنزير شاة مثلا. فان مثل هذا الفرض لعله لا وقوع له خارجا وان كان الله تعالى قادرا على كل شئ. وكيفما كان فلا نزاع لنا في المصداق والاعتبار على تقدير التحقق - بصدق الاسم في ترتب الاحكام باجمعها من تعلق الزكاة أو حلية الاكل وغيرهما.

[ 150 ]

[ فصل في زكاة الانعام الثلاثة ويشترط في وجوب الزكاة فيها - مضافا إلى ما مر من الشرائط العامة - امور: الاول: النصاب، وهو في الابل اثنا عشر نصابا (1): الاول الخمس، وفيها شاة. الثاني: العشر، وفيها شاتان: الثالث: خمسة عشر، وفيها ثلاث شياة. الرابع: العشرون، وفيها اربع شياة. الخامس: خمس وعشرون، وفيها خمس شياة. السادس: ست وعشرون، وفيها بنت مخاض، وهي ] [ الداخلة في السنة الثانية. السابع: ست وثلاثون، وفيها بنت لبون وهي الداخلة في السنة الثالثة. (1) بلا خلاف، بل عليه اجماع المسلمين كما ادعاه غير واحد

[ 151 ]

الثامن ست واربعون، وفيها حقة، وهي الداخلة في السنة الرابعة. التاسع: احدى وستون، وفيها جذعة، وهي التي دخلت في السنة الخامسة. العاشر: ست واربعون، وفيها بنتا لبون. الحادي عشر: احدى وتسعون، وفيها حقتان. ] تشرع من الخمس فلا زكاة فيما دونه وفيه شاة، وفي العشر شاتان وهكذا إلى خمس وعشرين وفيها خمس شياة ثم ست وعشرون وفيها بنت مخاض إلى اخر ما ذكره في المتن. ويدل عليه غير واحد من النصوص وجملة منها صحاح كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): قال (: ليس فيما دون الخمس من الابل شئ فإذا كانت خمسا ففيها شاة إلى عشرة، فإذا كانت عشرة ففيها شاتان، فإذا بلغت خمسة عشر ففيها ثلاث من الغنم فإذا بلغت عشرين ففيها اربع من الغنم فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها خمس من الغنم فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين فان لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر فان زادت على خمس وثلاثين بواحدة ففيها بنت لبون إلى خمس واربعين فان زادت واحدة ففيها حقة وانما سميت حقة لانها استحقت ان يركب ظهرها إلى ستين فان زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فان زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فان زادت فحقتان إلى

[ 152 ]

عشرين ومائة: فان زادت على العشرين والمائة واحدة ففي كل خمسين حقة وفي كل اربعين ابنة لبون) (1). ونحوها صحيحة أبي بصير (2) و عبد الرحمن بن الحجاج (3) وغيرها. هذا وقد نسب الخلاف إلى ابن أبي عقيل وابن الجنيد في النصاب السادس وهو الست والعشرون بانكاره رأسا واسقاطه وايجاب بنت المخاض في النصاب الخامس وهو الخمس والعشرون. ولكن النسبة وان صحت في ابن أبي عقيل الا انها غير تامة بالاضافة إلى ابن الجنيد فانه لم ينكر النصاب السادس وانما خلافه مع المشهور فيما يجب في النصاب الخامس، فذكر ان الواجب حينئذ بنت مخاض ان امكن والا فابن لبون وان لم تكن فخمس شياة خلافا للمشهور حيث ذهبوا إلى وجوب خمس شياة ابتداءا فهو مذعن بالنصاب السادس، والمنكر لموضوعه هو ابن أبي عقيل خاصة كما صرح به العلامة في المختلف على ما حكاه في الحدائق. وكيفما كان فمستندهما في ذلك - اي في ايجاب بنت مخاض في النصاب الخامس - صحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع): (قالا في صدقة الابل: في كل خمس شاة إلى ان تبلغ خمسا وعشرين فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا وثلاثين فإذا بلغت خمسا وثلاثين ففيها ابنة


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 2. (3) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 4.

[ 153 ]

لبون... الخ) (1). وقد اجيب عنها: تارة: بالحذف والاضمار بتقدير جملة (وزادت واحدة) بعد قوله: (فإذا بلغت ذلك) وانما لم يذكر في اللفظ للعلم بفهم المخاطب. واخرى: بالحمل على ضرب من التقية لموافقتها لمذهب العامة واورد المحقق في المعتبر على الثاني بانه كيف يحمل على التقية ما صار إليه جماعة من محققي الاصحاب وما رواه احمد بن محمد البزنطي. اقول: لم يتضح لنا المراد من الايراد فان مضمون الصحيحة لم ينسب الا إلى ابن أبي عقيل وابن الجنيد كما سمعت فكيف يسنده (قده) إلى جماعة من محققي الاصحاب. على ان رواية البزنطي لها كيف تمنع عن الحمل على التقية بعد ان عرفت من موافقتها لمذهب العامة كما يفصح عنه ما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج بعد ذكر النصاب السادس من قوله (... وقال عبد الرحمن هذا فرق بيننا وبين الناس...) (2). والظاهر انه لابد من الالتزام بالحذف والاسقاط لانه هب انا عالجنا هذه الفقرة بالحمل على التقية، ولكن ما هو العلاج في بقية الفقرات من ساير النصب حيث جعل الحد فيها ايضا خمسا وثلاثين وخمسا واربعين وستين وهكذا، مع انه يعتبر في جميع هذه النصب زيادة واحدة باتفاق الخاصة والعامة فلا مناص من الالتزام بالسقط في جميعها لسهو من الراوي أو من الكتاب والنساخ.


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 6. (2) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 4.

[ 154 ]

والذي يكشف عنه أو يؤيده ان الصدوق في معاني الاخبار روى نفس هذه الرواية بعين السند والمتن الا انه قال على ما في بعض النسخ الصحيحة، (فإذا بغلت خمسا وعشرين فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض.. إلى ان قال: فإذا بلغت خمسا وثلاثين فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون) وهكذا زيدت هذه الجملة في جميع تلك الفقرات فلاحظ الوسائل (1). وعليه فلا ينبغي التأمل في ضعف ما نسب إلى ابن أبي عقيل وابن الجنيد. ثم ان هناك خلافا اخر في النصاب العاشر - اعني ستا وسبعين - منسوبا إلى الصدوقين وهو انهما ذكرا انها إذا بلغت احدى وستين التي فيها جذعة ليس بعد ذلك فيها شئ إلى ان تبلغ ثمانين فان زادت واحدة ففيها ثنى. وهذا لم يعرف له مستند عدا الفقه الرضوي ولكن في حجيته بل في كونه رواية تأمل بل منع كما مر مرارا فلا يصلح لمعارضة ما سبق. نعم: روى المحقق الهمداني مضمونه عن خبر الاعمش المروي عن الخصال في حديث شرايع الدين، لكن الرواية غير مذكورة لا في الحدائق ولا الجواهر، وكانهما غفلا عن مراجعة الوسائل أو لم يجداها فيه، كما ان صاحب الوسائل ايضا غفل عن ان يذكرها في هذا الباب المناسب اعني تقدير نصب الابل بل ذكرها في الباب العاشر من أبواب ما يجب فيه الزكاة ح 1، من غير ان يشير هنا إلى ما تقدم مع ان الاولى ذكرها هنا ولا اقل من الاشارة إلى ما مضى


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 7.

[ 155 ]

[ الثاني عشر: مائة واحدى وعشرون، وفيها في كل خمسين حقة، وفي كل اربعين بنت لبون، بمعنى: انه يجوز ان يحسب اربعين اربعين (1) وفي كل منها بنت لبون أو خمسين خمسين وفي كل منها حقة. ويتخير بينهما مع المطابقة لكل منهما أو مع عدم المطابقة لشئ منهما، ومع المطابقة لاحدهما الاحوط مراعاتها بل الاحوط مراعاة الاقل عفوا ففي المائتين يتخير بينهما لتحقق المطابقة لكل منهما وفي المائة وخمسين الاحوط اختيار الخمسين وفي المائتين واربعين الاحوط اختيار الاربعين، وفي المائتين وستين يكون الخمسون اقل عفوا، وفي المائة واربعين يكون الاربعون اقل عفوا. ] وهي مذكورة في الخصال (1). وكيفما كان فهي ضعيفة السند كما اشار إليه المحقق الهمداني (قده) لاشتمال طريق الصدوق إلى الاعمش على عدة من المجاهيل. (1) لا ريب بمقتضى النصوص المتقدمة في ان الواجب في النصاب الاخير - وهو ما زاد على المائة والعشرين - في كل خمسين حقة وفي كل اربعين بنت لبون انما الكلام في تفسيره وقد فسره في المتن بالتخيير بين الاحتسابين وجواز لحاظ كل منهما.


(1) الخصال المطبوع جديدا ص 605.

[ 156 ]

وتفصيل الكلام في المقام ان هذا النصاب ينقسم على ثلاثة اقسام: - احدها: ان يكون الزائد على المائة والعشرين قابلا للانقسام على كل من الخمسين والاربعين، وهذا كالمأتين فانه يتضمن اربع خمسينات وخمس اربعينات، ولا اشكال كما لا خلاف في جواز الاحتساب بكل منهما شاء، فيجوز ان يحسب اربعين اربعين وفي كل منها بنت لبون أو خمسين خمسين وفي كل منها حقة، ومن الواضح عدم وجوب الجمع بان يحسب تارة بهذا النحو وتارة اخرى بذاك النحو، ضرورة ان المال الواحد لا يزكي في العام الواحد الا مرة واحدة وهذا واضح لا سترة عليه فهو مخير بين العدين فيما إذا كان كل منهما عادا له. ثانيها: ان يكون قابلا للانقسام على احدهما دون الاخر فيكون العاد له خصوص الخمسين أو خصوص الاربعين، وهذا كالمائة والخمسين المتضمنة لثلاث خمسينات أو المائة والستين المتضمنة لاربع اربعينات وقد ذكر الماتن ان الاحوط مراعاة المطابقة لاحدهما فيحسب بما هو عاد له كي لا يبقى شئ لا يزكي، ففي المثال الاول يحاسب في كل خمسين خمسين وفي الثاني في كل اربعين اربعين فهو (قده) يرى جواز الاحتساب بكل منهما الا ان مراعاة المطابقة احوط. ثالثها: ان لا يكون قابلا للانقسام على شئ منهما وهذا كالمائة والسبعين حيث انه لو قسم على الخمسين يزيد عشرون ولو قسم على الاربعين يزيد عشرة، وقد ذكر (قده) ان الاحوط هنا مراعاة الاقل عفوا، فيختار الاربعين في المثال الذي عفوه اقل من الآخر هكذا ذكره الماتن وصاحب الجواهر وغيرهما. ولكن غير واحد من الاعلام ذكروا ان اللازم في مثل ذلك

[ 157 ]

- أي فيما لم ينطبق على شئ منهما - التلفيق بان يلاحظ مقدار بحساب الخمسين ومقدار اخر بحساب الاربعين الذي لازمه انتفاء موضوع العفو لعدم تصور الزيادة حينئذ في العقود (اي العشرات) ابدا. ووجه عدم الزيادة ظاهر لان هذا النصاب اعني مائة وواحدا وعشرين يتألف من ثلاث اربعينات فان كان الزائد عشرة تضاف على واحد منها فيصير خمسينا واربعينين، وان كان عشرين يضاف على اثنين منها فيصير اربعينا وخمسينين، وان كان ثلاثين يضاف على كل منها فيصير ثلاث خمسينات، وان كان اربعين فيحاسب بحياله في قبال تلك الثلاثة فلا تتصور زيادة عقد ليتكلم في العفو عنه ويراعى الاقل عفوا، اللهم الا الزيادة فيما بين العقود اعني من الواحد إلى التسعة كما لو كان المجموع 165 مثلا الا ان ذلك معفو قطعا وعلى اي تقدير للنص الخاص الدال عليه كما ستعرف، والا فلا تكاد تتصور الزيادة في نفس العقود فلو كان المجموع 170 فهو مؤلف من ثلاث اربعينات وخمسين ولو كان 130 فمؤلف من خمسين واربعينين وهكذا. وهل تلزم مراعاة التلفيق أو انه مخير بين الاحتسابين زاد ام لا؟ الظاهر انه لا بد من التلفيق. وعليه لا يمكن فرض الزيادة الا فيما بين العقود كما عرفت. والوجه فيه انا لو فرضنا ان الابل الموجود مائة واربعون بحيث لو حاسب بحساب الاربعين لزاد عشرون ولو حاسب بحساب الخمسين لزاد اربعون، أفهل يمكن في مثله المصير إلى التخيير وان استلزم زيادة الاربعين مع ان هذا الاربعين الزائد بنفسه مصداق لقوله (ع):

[ 158 ]

(في كل اربعين ابن لبون) فكيف لا يزكي هذا العدد مع ذلك العموم، ولا وجه لتخصيص الحساب في هذا المثال بالاربعين ليكون الزائد عشرين فانه مخالف لفرض التخيير المدعى كما لا يخفى. فمن هذا نستكشف انه لا يلزم ان يكون الحساب باحدهما فقط بل هذه كبرى كلية مجعولة كساير الاحكام الشرعية على سبيل القضايا الحقيقية المتعلقة بالموضوع المقدر وجوده، وان فيما زاد على المائة والعشرين لكل خمسين حقة ولكل اربعين بنت لبون اي كل فرد فرض في الخارج وكان مصداقا لذلك فهو محكوم بهذا الحكم، الا ان يكون قد عرضه المسقط من ناحية اخرى كما لو كان العددان كليهما عادين مثل المائتين، فانه لو حاسب بحساب الخمسين فقد عرض المسقط بهذا العنوان فلم يبق مجال للحساب بملاحظة الاربعين لما عرفت من ان المال الواحد لا يزكي مرتين وكذا الحال في العكس. ونحوه مالو كان احدهما خاصة عادا كالمائة والخمسين مثلا فانه لو حاسب بحساب الخمسين فقد استوعب وسقط ولم يبق بعد مجال لملاحظة الاربعين لما عرفت من ان المال الواحد لا يزكي مرتين وهذا بخلاف مالو حاسب الاربعين لانه يزيد حينئذ ثلاثون فباي مسوغ لا يدفع زكاة هذا العدد بعد ان كان يمكنه دفع زكاته بعنوان كل خمسين وكان مشمولا للاطلاق وفي المائة والستين بعكس ذلك اي يتعين الحساب بملاحظة الاربعين دون الخمسين. واما إذا لم يكن مسقط في البين كما إذا لم يكن شئ من العددين عادا كالمائة والسبعين، فانه لا مناص في مثله من التلفيق ليستوعب كل خمسين أو اربعين يمكن فرضه فيها.

[ 159 ]

وعلى الجملة: يكفي في اثبات التلفيق عموم قوله (ع): (لكل خمسين حقة ولكل اربعين بنت لبون) فانه يدلنا على ان كل فرض فرض في الخارج وكان مصداقا لذلك فهو محكوم بهذا الحكم، فلو فرضنا ان عدد الابل مائة وثلاثون وقد قسمناها في الخارج ثلاثة اقسام فوضعنا في جانب خمسين وفي جانب اخر اربعين وفي جانب اخر ايضا اربعين كان هذا التقسيم مصداقا لذلك العام، فيشمله لا محالة ولاجله يجب دفع حقة وبنتي لبون، ومع هذا كيف يسوغ لنا ان ندفع عن كل خمسين حقة ولا ندفع الزكاة عن الثلاثين الباقية إذ بعد ان شملها العموم بذاك العنوان اي بعنوان اربعين واربعين وخمسين فباي موجب يحاسب بحساب كل خمسين كي لا يدفع زكاة هذه الكمية اعني الثلاثين، فان سقوط الزكاة يحتاج إلى الدليل ولا دليل هنا وانما الدليل كان في الفرضين الاولين اعني مالو كان كل منهما أو احدهما عادا، باعتبار ان المال الواحد لا يزكي مرتين كما عرفت فقد عرض المسقط هناك بعنوان اخر ولا مسقط في المقام. والحاصل: ان مقتضى العموم المزبور المجعول على سبيل القضية الحقيقية لزوم الدفع عن كل خمسين حقة وعن كل اربعين بنت لبون وهذا تختلف مصاديقه وتطبيقاته خارجا حسب اختلاف الموارد من حيث كون العددين عادا وعدمه. فقد ينتج التخيير، كما لو كانا معا عادين كالمأتين فيجوز الدفع باي عنوان شاء، ولا يبقى بعد مجال للدفع بالعنوان الاخر، بل ربما يجوز له الجمع بين العنوانين بالتقسيط كما لو كان عدد الابل اربعمائة فانه كما يجوز له دفع ثمان حقق اي عن كل خمسين

[ 160 ]

حقة أو دفع عشرة بنات لبون اي عن كل اربعين بنت لبون كذلك يجوز له التنصيف بان يدفع في نصفه عن كل خمسين حقة وفي نصفه الاخر عن كل اربعين بنت لبون، فيدفع اربع حقق وخمس بنات لبون كل ذلك للاصلاق. وقد ينتج لزوم العد باحدهما خاصة فيما إذا كان هو عادا دون الاخر كما في المائة والخمسين أو المائة والستين فيتعين لحاظ الخمسين في الاول والاربعين في الثاني المستوعب للجميع، ولا مجال للعكس للزوم الغاء الثلاثين في الاول والعشرة في الثاني من غير موجب يقتضيه ولا دليل يدل على السقوط. وقد ينتج التلفيق اي لزوم العد بهما معا كما إذا لم يكن شئ منهما عادا حسبما عرفت، وفي جميع التقادير لا تلزم زيادة في نفس العقود ابدا فلا موضوع للعفو ليراعى الاقل عفوا. ومما يؤكد ما ذكرناه واستظهرناه من جواز التلفيق قوله (ع) في صحيحة الفضلاء: (وليس على النيف شئ ولا على الكسور) (1) فان الاقتصار في العفو على التعرض للنيف - وهو مابين العقود اي من الواحد إلى التسع - وترك التعرض لنفس العقود اقوى شاهد على صحة التلفيق إذ عليه لا موضوع لتصور الزيادة في نفس العقود ليتعرض للعفو، والا فعلى القول الاخر لماذا اهملها مع انها اولى بالتعرض مما بينها كما لا يخفى. فان قلت لزوم الاحتساب بخصوص العدد المستوعب فيما إذا كان احدهما عادا وانتفاء التخيير لا ينطبق على النصاب الاخير الذي هو


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 6.

[ 161 ]

مورد الصحيح اعني مائة وواحدا وعشرين، إذ عليه كان اللازم الاقتصار على ذكر الاربعين فقط والا لزم تخصيص المورد المستهجن فانطباق التخيير على المورد يدلنا على جواز الاحتساب بحساب كل خمسين المستلزم للعفو عن العشرين الزائد. قلت: لو كان النصاب الاخير مختصا بما ذكر لاتجه ما افيد ولكنه كلي يشرع من مائة وواحد وعشرين فما زاد، وهذا العدد فرد من ذلك الكلي لا انه بنفسه مورده المختص، وعليه فالواجب فيما قبله من ساير النصب شئ مشخص معين كبنت مخاض أو ابن لبون أو جذعة وهكذا، واما في هذا النصاب فالواجب عنوان كلي وهو ان في كل خمسين حقة وفي كل اربعين ابن لبون، وهذا مطرد في جميع افراد الكلي من هذا النصاب على اختلاف مراحل التطبيق ونتائجها التي هي التخيير فيما كان كل منهما عادا وتعين عدها بهما إذا لم يكن شئ منهما عادا وتعين عدها بخصوص ما يكون عادا من الخمسين أو الاربعين، وهذا لا ينافي انطباق مبدء الشروع على الاربعين ولزوم عده به كما هو ظاهر جدا. ولا ينافي ما ذكرناه الاقتصار على الخمسين في بعض النصوص المستلزم لجواز الاحتساب في مائة وواحد وعشرين عن كل خمسين حقة والعفو عن العشرين الزائد، وذلك للزوم تقييدها بالنصوص الاخر المشتملة على ضم الاربعين إلى الخمسين والناطقة بان في كل خمسين حقة وفي كل اربعين بنت لبون. وعلى الجملة: فما ذكرناه واستظهرناه من الروايات من تفسير " لكل خمسين حقة ولكل اربعين بنت لبون " بما بيناه هو الظاهر

[ 162 ]

[ (مسألة 1): في النصاب السادس إذا لم يكن عنده بنت مخاض يجزي عنها ابن اللبون (1). بل لا يبعد اجزاؤه عنها اختيارا ايضا وإذا لم يكونا معا عنده تخير في شراء ايهما شاء. ] المتافهم عرفا من مثل هذه العبارة، دون التخيير الذي ذكره الماتن وصاحب الجواهر وغيرهما كما لا يخفى. (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال كما نطقت به صحيحتا زرارة وأبي بصير المصرحتان بانه: (ان لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر) (1). وكذا صحيحة زرارة الاخرى، قال (ع) فيها: (ومن وجبت عليه ابنة مخاض ولم تكن عنده وكان عنده ابن لبون ذكر فانه يقبل منه (2). وهذا في الجملة مما لا اشكال فيه وانما الكلام في جهات: - الاولى: هل الحكم خاص بمن لم تكن عنده بنت مخاض فالبدلية طويلة أو ان احدهما في عرض الآخر فيجزي عنها حتى اختيارا ومع كونه واجدا لها. المشهور هو الثاني كما اختاره في المتن، ولكن ظواهر النصوص المتضمنة للجملة الشرطية وتعليق ابن اللبون بما إذا لم تكن عنده بنت مخاض هو الاول، ومن هنا صرح جماعة بعدم الاجزاء مع الاختيار.


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 1، 2. (2) الوسائل: ج 6 باب 13 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 163 ]

وعلل في الجواهر ما اختاره المشهور بعد ان قواه: - تارة: بقيام علو السن مقام الانوثة. وفيه: مالا يخفى فانه مجرد استحسان لا يصلح لان يكون مدركا لحكم شرعي، ولعل في الانوثة خصوصية لا نعرفها، فالاكتفاء بغيرها يشبه الاجتهاد في مقابلة النص. واخرى: بان الشرط المذكور في النصوص يراد به صورة الشرط لا حقيقته ليدل على المفهوم، والا كان اللازم عدم جواز دفع بنت المخاض فيما إذا لم تكن موجودة عنده حال الوجوب ثم حصلت عنده بعدئذ بيوم أو يومين مثلا، لان التكليف قد انتقل إلى ابن اللبون آنذاك حسب الفرض فكيف يجزي عنه دفع بنت المخاض، مع انها تجزي بلا اشكال، بل صرح في المدارك بتعينها حينئذ وعدم كفاية ابن اللبون. ويندفع: اولا: بابتنائه على ان يكون الشرط عدم كونه واجدا لبنت المخاض حالة تعلق الوجوب خاصة وهو غير ظاهر، بل الشرط عدم وجدانه لها في مجموع الوقت إلى زمان الدفع، وعليه فلا موجب لرفع اليد عن ظهور القضية الشرطية في كونها شرطا حقيقيا دالا على المفهوم. وثانيا: سلمنا ان الشرط صوري وانه لا دلالة له على المفهوم بل لنفرض ان القضية لم تكن على صيغة الجملة الشرطية، الا انه لا ريب في انها انما دلت على البدلية في تقدير خاص، وهو ان لا تكون عنده بنت المخاض لا في كل تقدير، لعدم تضمنها الاطلاق جزما فغاية ما هناك انها لاتدل على عدم الاجزاء مع التمكن لفرض

[ 164 ]

انها لاتدل على المفهوم. الا انه ما هو الدليل على الاجزاء بعد ان كانت الوظيفة الاولية هي بنت المخاض، ولم يثبت اجزاء ابن اللبون بمقتضى تلك النصوص الا فيما إذا لم تكن عنده بنت المخاض لاحتى فيما إذا كانت عنده، فما ذكره جماعة من عدم الاجزاء مع الاختيار لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط، لخلو ما عليه المشهور عن مستند صحيح حسبما عرفت. الثانية: إذا لم تكن عنده بنت المخاض ولكن كان متمكنا من شرائها، لم يجب وجاز دفع ابن اللبون - الذي هو عنده - لان الشرط المذكور في تلك النصوص هو ان لا تكون عنده بنت المخاض لا ان لا يكون متمكنا من تحصيلها ليجب الشراء من باب المقدمة كما في ساير المقامات التي علق الحكم فيها على العجز الغير الصادق مع القدرة على المقدمة، إذ الشرط هنا كما عرفت ان لا تكون عنده الظاهر في نفي الفعلية والصادق حتى مع التمكن من الشراء. الثالثة: لو لم تكن عنده لابنت المخاض ولا ابن اللبون، فهل هو مخير في شراء ايهما شاء أو انه يتعين شراء بنت المخاض. اختار الماتن وغيره الاول نظرا إلى الاطلاق في دليل البدلية. واعترض عليه في الجواهر بان دليل البدلية - على تقدير كون الشرط حقيقيا لاصوريا - ناظر إلى فرض وجود ابن اللبون كما هو المنساق من النص فلا بدلية في فرض عدمهما، بل اللازم حينئذ وجوب شراء بنت المخاض عملا باطلاق دليل الالزام بها. واجيب عنه: بانه بعد شرائه يصدق انه واجد له - اي لابن لبون - وليس واجدا لبنت مخاض فيندرج حينئذ في النص ويشمله دليل البدلية.

[ 165 ]

ورده في الجواهر بان الكلام في ان الواجب عليه قبل شرائه ماذا فإذا كان الواجب عليه آنذاك شراء بنت المخاض لقصور دليل البدلية كما سمعت فباي مسوغ يجوز له تركه وشراء ابن اللبون ليدعى البدلية حينئذ. اقول: الظاهر صحة ما افاده في المتن من التخيير عملا بالاطلاق في دليل البدلية. ولا يصغى إلى ما ذكره في الجواهر من اختصاصه بصورة وجود ابن اللبون إذ لا موجب للاختصاص بعد اطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحتي زرارة وأبي بصير: (فان لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر) (1) فانه يعم صورتي وجود ابن اللبون وعدمه نعم: صحيحة اخرى لزرارة مقيدة بالوجود قال (ع) فيها: (.. ومن وجبت عليه ابنة مخاض ولم تكن عنده وكان عنده ابن لبون ذكر فانه يقبل منه ابن لبون) (2). الا ان من الواضح انها ناظرة إلى مقام الامتثال والدفع والاداء خارجا، بقرينة قوله (ع): (فانه يقبل منه) ولاشك في لزوم فرض الوجود حينئذ والا فأي شئ يقبل منه فالقيد مسوق لبيان تحقق الموضوع ومثله لا مفهوم له ابدا، فلا يدل بوجه على اختصاص البدلية بما إذا كان واجدا لابن اللبون من الاول بل يعم مالو شراه في مقام الاداء بعد ان كان فاقدا له سابقا، فتلحق هذه الصحيحة بالصحيحتين المتقدمتين في الدلالة على الاطلاق ولا اقل من عدم الدلالة على التقييد.


(1) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الانعام ح 1، 2. (2) الوسائل: ج 6 باب 13 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 166 ]

[ واما في البقر فنصابان: - الاول: ثلاثون (1)، وفيها تبيع أو تبيعة، وهو مادخل في السنة الثانية. الثاني: اربعون، وفيها مسنة، وهي الداخلة في السنة الثالثة. ] فظهر ان الاقوى التخيير في شراء ايهما شاء كما ذكره في المتن ويترتب عليه انه بناءا على جواز دفع القيمة بدلا عن العين - على ما سيجئ في محله انشاء الله تعالى - يجوز دفع القيمة عن اي منهما شاء، فان التخيير بين العينين يستدعي التخيير بين القيمتين - بعد البناء على جواز التقويم - بطبقة الحال. (1) لا خلاف كما لا اشكال في ان للبقر نصابين: احدهما: ثلاثون فلا شئ فيما دونه. والآخر: اربعون وفيها مسنة اي البقرة التي حدث لها السن بالدخول في السنة الثالثة - لا بالمعنى الذي ربما يطلق على الانسان اي كثير العمر -. والمعروف والمشهور ان الواجب في النصاب الاول تبيع أو تبيعة، وهو الذي اكمل حولا ودخل في السنة الثانية، ويطلق عليه الحولي ايضا، بمعنى ما اكمل الحول لاماهو في الحول، وقد فسره بذلك جماعة من الاصحاب مضافا إلى تصريح اللغويين. واستدل له في الجواهر ايضا، بصحيح ابن حمران عن أبي عبد الله

[ 167 ]

(عليه السلام) (التبيع مادخل في الثانية) ولكن هذه العبارة لم تكن جزءا من الحديث، بل الحديث هكذا: (اسنان البقر تبيعها ومسنها في الذبح سواء) (1). وتلك العبارة زيادة من صاحب الوافي بيانا للحديث كما نبه عليه معلق الجواهر. وكيفما كان فقد عرفت ان المشهور هو التخيير بين التبيع والتبيعة وعن جماعة من الاصحاب الاقتصار على التبيع. ويستدل للمشهور: تارة: بصحية الفضلاء التي رواها المحقق في المعتبر هكذا: (في البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة) ولكنها مروية في الكافي والتهذيب والوسائل هكذا: (في البقر في كل ثلاثين تبيع حوالي) (2) من غير ضم التبيعة. إذا لم يبق وثوق بنقل المحقق لها بتلك الصورة ولعل ذلك كان اجتهادا منه بزعم عدم الفرق، لا عثورا على ماكان عنده من الاصول أو انه سهو من قلمه الشريف والا فكيف يمكن التعويل على ما تفرد هو (قده) بنقله، ولم يذكر في شئ من كتب الحديث ولا غيرها. واخرى: بما في الجواهر من ان التبيعة اكثر نفعا باعتبار الدر والنسل. وفيه: ما لا يخفى إذ مضافا إلى ان هذا امر غالبي لا دائمي. إذ قد يكون التبيع انفع لمكان الحرث والضراب. انه لادليل على الاجزاء بكل ما هو انفع بحيث يرفع اليد عن ظهور الدليل في الوجوب التعييني لاجل هذه العلة، فتدفع الحنطة مثلا في مقام تفريغ الذمة عن التبيع الواجب فيما لو كانت انفع منه.


(1) الوسائل: ج 10 باب 11 من أبواب الذبح ح 7. (2) الوسائل: ج 6 باب 4 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 168 ]

وثالثة: بما ذكره في الجواهر ايضا من قوله (ع) في صحيحة الفضلاء على رواية الكافي والتهذيب في المرتبة الرابعة اي التسعين: (فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبايع حوليات) فان هذا التعبير يكشف عن جواز دفع الانثى لان تبايع جمع لتبيعة كما يشهد له تذكير ثلاث، ولا يحتمل الفرق بين هذه المرتبة وبين المراتب السابقة. ويندفع: بان الصحيحة وان نقلت في الوسائل (1) كذلك الا انها مروية في الحدائق بلفظة (تبيعات) بدل (تبايع) التي هي في غير ذوي العقول جمع للاعم من المذكر والمؤنث فلا تدل هذه الهيئة على ان مفردها هل هو تبيع أو تبيعة، وأما الكافي فلم يذكر فيه لا تبيعات ولا تبايع بل اقتصر فيه على قوله: (ثلاث حوليات). فان قلت: كفى في الدلالة على الانوثة تذكير الثلاث فان تمييز الاعداد فيما بين الثلاث والعشر تخالف المميزات في الذكورة والانوثة وقد قيل: - ذكر انث بعكس ما اشتهرا. قلت: يمكن ان يكون ذلك باعتبار تأنيث الجمع في تبايع أو تبيعات أو حوليات على اختلاف النسخ من جهة التأويل إلى الجماعة لا باعتبار تأنيث المفرد، كما وقع نظيره في بعض النصوص كروايتين وردتا في باب الشهادة على الزنا (2) قد عبر فيهما باربع شهود مع عدم ثبوته بشهادة اربع نسوة جزما فكان اللازم ان يعبر فيهما بأربعة شهود كما في قوله (ع): (اربعة من الشهداء). وعلى الجملة فالتعبير بالثلاث هنا كالتعبير بالاربع هناك اما مبني


(1) الوسائل: ج 6 باب 4 من ابواب زكاة الانعام ح 1. (2) الوسائل: ج 18 باب 12 من ابواب حد الزنا ح 1 و 3.

[ 169 ]

على المسامحة أو السهو في كلام الراوي أو التأويل إلى الجماعة. وعلى أي تقدير فلا يكشف عن التأنيث في مفرد التمييز. بل ان سياق الصحيحة يشهد بان المراد انما هو التبيع لا التبيعة وذلك لان الحكم في المراتب اللاحقة ليس حكما ابتدائيا، وانما هو تطبيقات وتفريعات على الضابط المذكور في الصدر من ان في كل ثلاثين تبيع وفي كل اربعين مسنة، ولاجله تنحصر اصول نصب البقر في نصابين كما مر، فالستون والسبعون والثمانون والتسعون والمائة والعشرون كلها مصاديق لتلك الكبير لا انها تتضمن حكما جديدا، وحيث ان المذكور في الصدر تبيع في الثلاثين ولاجله ذكر تبيعان في الستين فلا جرم يكون المراد ثلاثة تبايع ذكور في التسعين. ومنه تعرف ان ما تضمنه الصحيح من الاقتصار في المائة والعشرين على الثلاث مسنات انما هو لاجل كونها احدى فردي التخيير لا لخصوصية فيها، إذ هي كما تتضمن ثلاث اربعينات تتضمن اربع ثلاثينات فيجوز دفع اربع تبيعات ايضا. ورابعة: بما ورد في الفقه الرضوي ورواية الاعمش في الخصال (1) من التصريح بجواز التبيعة ولكنهما ضعيفان وغير صالحين للاستناد كما مر مرارا. نعم: روى المحدث النوري في المستدرك والعلامة المجلسي في البحار عن كتاب عاصم بن حميد الحناط رواية تتضمن التخيير، والرجل موثق وكتابه معتبر، ومن ثم قد يتوهم الاستناد إليها في


(1) الوسائل: ج 6 باب 10 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 1.

[ 170 ]

الفتيا بمقالة المشهور. ولكن الذي يصدنا عن ذلك عدم احراز طريق النوري ولا المجلسي إلى الكتاب المزبور، فان الكتاب في نفسه وان كان معتبرا كما عرفت ولكن الشأن في تطبيقه على الذي وصل اليهما، ومن الجائز انهما وجدا تأليفا مكتوبا على ظهره انه كتاب عاصم بن حميد من غير ان يكون هو ذاك الكتاب بحسب الواقع، إذ بعد جهالة الطريق (1) يتطرق هذا الاحتمال بطبيعة الحال من غير دافع، فيكفينا نفس عدم الثبوت لو لم يكن ثابت العدم. كما لم يكن ثابتا عند الشيخ ايضا، إذ هو مع انه عنوان في الفهرست وذكر ان له كتابا وذكر طريقه إلى الرجل نفسه وطريقه إليه صحيح - وروى عنه في التهذيب روايات كثيرة، لم يرو عن كتابه (2) ولا رواية واحدة فيكشف ذلك عن عدم ثبوت الكتاب عنده (قده).


(1) لا تبعد صحة طريق المجلسي، نظرا إلى صحة طريقه إلى جميع مرويات الشيخ (قده) وصحة طريق الشيخ إلى كتاب عاصم حسبما اشار إليه في الفهرست، فان نتيجة هذين الامرين صحة طريق المجلسي إلى الكتاب المزبور، على ضوء ما افاده - دام ظله - في موارد منها، تصحيح طريق صاحب الوسائل إلى كتاب علي بن جعفر لوحده المناط وعدم فارق ظاهر فلاحظ. (2) بل قد روى في غير موضع من التهذيب، حيث ابتدء السند باسم الرجل الكاشف عن النقل عن كتابه، حسبما تعهد به في المشيخة لاحظ ج 6، ح 873 وج 8، ح 50 وح 1189 وج 9، ح 603.

[ 171 ]

وبالجملة: فحال هذا الكتاب حال الاشعثيات المنقولة إلى النوري من الهند الذي لم يعلم كون المنقول إليه هو ذاك الكتاب المعتبر في نفسه من جهة الشك في التطبيق المستند إلى جهالة الطريق. وكيفما كان: فالتخيير بين التبيع والتبيعة الذي ذكره المشهور لا يمكن اثباته بدليل، ومناقشة صاحب الحدائق (قده) في ذلك في محلها، فالاحوط بل الاظهر لزوم الاقتصار على التبيع. ثم انك عرفت ان التبيع مفسر في كلمات الاصحاب وبعض اللغويين بما دخل في الثانية، فان تحقق ذلك فهو والا نظرا إلى معارضته بقول بعض آخر من اللغويين من انه ولد البقر سمي به لانه يتبع امه في الرعي، الصادق على ما في الحول ايضا فلم تركن النفس إلى ما تثق به في معنى اللفظ، فيكفينا حينئذ في صحة التفسير المزبور توصيف التبيع بالحوالي في صحيحة الفضلاء. فان معنى الحول ليس هو السنة كي يناقش في اعتبار الخروج عنها والدخول في السنة الاخرى، بل معناه منطبق على السنة فانه من التحويل والانتقال والدوران فلا يطلق الحول الا بعد ان دارت السنة وتحولت إلى اخرى، فلو كانت الولادة في رأس الحمل أو اول رمضان لا يقال ان له حولا أو انه حولي الا فيما إذا دارت السنة ودخل المولود في رمضان القابل، ومنه اطلاق الحوليات على قصائد السيد حيدر (ره) باعتبار ان نظمها وتنسيقها استوعب من الوقت حولا كاملا. على ان الحولي لو كان يطلق على ما في الحول لكان توصيف التبيع به في الصحيح مستدركا فان المولود منذ ولادته موصوف بانه

[ 172 ]

[ وفيما زاد يتخير بين عد ثلاثين ثلاثين (1) ويعطي تبيعا أو تبيعة واربعين اربعين ويعطي مسنة. ] في الحول إلى ان تكمل السنة فأي حاجة إلى هذا التقييد، فلا مناص من ان يكون المراد اكمال الحول بالدخول في السنة الثانية احترازا عما لم يكمل ولم يدخل بعد فيها، فالعمدة في التفسير المذكور هي هذه الصحيحة حسبما عرفت. (1) لا يخفى ما في العبارة من المسامحة الظاهرة فان التخيير وان امكن المصير إليه في نصب الابل وافتى به جماعة منهم الماتن كما مر الا انه غير محتمل في المقام بعد تنصيص الامام (ع) بالتلفيق في صحيحة الفضلاء عند بلوغ العدد سبعين بدفع تبيع ومسنة فانه كالصريح في لزوم العد على وجه يستوعب العدد وان استلزم التلفيق ومع لا يبقى عفو الا فيما بين العقود كما مر في الابل. وعليه فلا مجال للتخيير الا فيما إذا كان كل من العددين اعني الثلاثين والاربعين عادا كالمائة والعشرين المتضمنة لاربع ثلاثينات وثلاث اربعينات فيتخير بينهما كما انه يتخير في ضعف هذا العدد اعني في المائتين والاربعين بين ما ذكر وبين التقسيط بان يراعي في نصفه الثلاثينات وفي النصف الآخر الاربعينات فيدفع ثلاث مسنات واربع تبيعات. واما فيما عدا ذلك اعني ما إذا كان احدهما خاصة عادا كالستين والثمانين والتسعين أو لم يكن شئ منهما كذلك كالسبعين والمائة والمائة والعشرة، وهكذا، فلا مجال للتخيير بل لابد من الاستيعاب بالعدد

[ 173 ]

[ وما في الغنم فخمسة نصب (1). الاول: اربعون، وفيها شاه. الثاني: مائة واحدى وعشرون، وفيها شاتان. الثالث: مائتان وواحدة، وفيها ثلاث شياه. الرابع: ثلاثمائة وواحدة، وفيها اربع شياه. الخامس: اربعمائة فما زاد، ففي كل مائة شاة. وما بين النصابين في الجميع عفو، فلا يجب فيه غير ما وجب بالنصاب السابق. العاد أو بالملفق منهما فيدفع تبيعين ومسنتين وتباع ثلاثة في الفرض الاول وتبيعا ومسنة وتبيعين ومسنة ومسنتين وتبيعة في الفرض الثاني وهكذا. ومع لا يبقى مورد للعفو الا فيما بين العقود ما عدا الخمسين كما لا يخفى. (1) المعروف والمشهور ان للغنم خمسة نصب، احدها: اربعون وفيها شاة وليس فيما دونها شئ وعن الصدوقين ان مبدأها واحد واربعون وليس له مستند عدا الفقه الرضوي غير الصالح للاستناد. ثانيها: مائة واحدى وعشرون وفيها شاتان. ثم مائتان وواحدة وفيها ثلاث شياه. ثم ثلاثمائة وواحدة وفيها اربع شياه ثم اربعمائة فما زاد ففي كل مائة شاة. وتشهد له صحيحة الفضلاء (1) الناطقة بعين هذا المضمون، وهذا.


(1) الوسائل: ج 6 باب 6 من ابواب زكاة الانعام ح 1.

[ 174 ]

وعن جماعة من اجلاء الاصحاب كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والصدوق وابن ابي عقيل وسلار وابني حمزة وادريس انكار النصاب الخامس وانها إذا بلغت ثلاثمائة وواحدة فعلى كل مائة شاة. وتشهد لهم صحيحة محمد بن قيس عن ابي عبد الله (ع): (قال: ليس فيما دون الاربعين من الغنم شئ فإذا كانت اربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاثة من الغنم إلى ثلاثمائة فإذا كثرت الاغنام ففي كل مائة شاة) (1). وهذه الصحيحة معارضة بظاهرها مع الصحيحة السابقة لان الواجب في مثل ثلاثمائة وخمسين. بل ثلاثمائة وواحدة اربعة شياة بمقتضى صحيحة الفضلاء وثلاث شياه بمقتضى هذه الصحيحة لانها تتألف من ثلاث مئات والمفروض ان في كل مائة شاة بعد التجاوز عن ثلاثمائة. والاقوى ما عليه المشهور. أما أولا: فلامكان الجمع الدلالي فان الصحيحتين متطابقتان في النصب إلى الثلاثمائة وان الواجب إلى هذا العدد هو ثلاث شياة، كما انهما متطابقتان ايضا في الاربعمائة فما زاد، وانه حينئذ في كل مائة شاة، وانما الاختلاف فيما زاد على الثلاثمائة إلى الاربعمائة فان صحيحة ابن قيس ساكتة عن التعرض لذلك الا بالظهور الاطلاقي فغايته انها ظاهرة الدلالة في ثلاث شياة بمقتضى ان في كل مائة شاة، واما صحيحة الفضلاء فهي ناصة في هذا المورد وصريحة في ان


(1) الوسائل: ج 6 باب 6 من ابواب زكاة الانعام ح 2.

[ 175 ]

الواجب حينئذ شياة اربع ولا ريب في تقدم النص على الظاهر. وبالجملة: فتلك ساكتة (1) وهذه ظاهرة واضحة فلا تعارض ومن الجائز ان يكون السكوت والاهمال مستندا إلى التقية كما سنبين، ولاجله قصر (ع) النظر على نفس المئات واهمل ما بينها. وثانيا: سلمنا المعارضة الا انه لا ينبغي الشك في لزوم تقديم صحيحة الفضلاء لمخالفتها للعامة، فان جمهورهم قد افتوا بما يطابق صحيحة ابن قيس ما عدا احمد بن حنبل حيث نسب إليه موافقة الخاصة، إذا يكون الترجيح لتلك الصحيحة بمقتضى ان الرشد في خلافهم فتحمل صحيحة ابن قيس على التقية. نعم يبقى هنا سؤال الفائدة في تشريع النصاب الخامس وانه إذا كان الواجب في اربعمائة ما يجب في ثلاثمائة وواحدة فأي فائدة في جعلهما نصابين وهذا بحث آخر سنتعرض له والا فصحيحة الفضلاء صريحة في تشريع النصب الخمسة وهي سليمة عن المعارضة حسبما عرفت. ثم انه لاريب في العفو عما بين النصابين في جميع النصب للتصريح به في كلتا الصحيحتين فلاحظ. ثم ان ههنا سؤالا مشهورا وهو انه ماهي الفائدة في جعل النصاب الخامس وهو الاربعمائة وعده نصابا بحياله مع اتحاد الفرض بينه وبين النصاب الرابع؟ فانه إذا وجب اربع شياة عند بلوغها ثلاثمائة وواحدة ولم تتغير هذه الفريضة حتى تبلغ خمسمائة فأي فائدة تترتب على جعل الاربعمائة نصابا مستقلا. وبعبارة اخرى: إذا كان يجب في اربعمائة ما يجب في ثلاثمائة وواحدة فأي فائدة في جعلهما نصابين؟


(1) دعوى كونها ساكتة مع ورودها في مقام التحديد غير واضحة.

[ 176 ]

وينسحب مثل هذا السؤال في الثلاثمائة وواحدة على القول الآخر اي قول الصدوق المنكر للنصاب الخامس. إذ لا يجب فيها الا ما يجب في النصاب الذي قبلها اي المائتين وواحدة وهي ثلاث شياة ولا تتغير الفريضة حتى تبلغ الشياة اربعمائة فحينئذ يتوجه السؤال على هذا القول ايضا عن فائدة جعل الثلاثمائة وواحدة نصابا مستقلا. وما اجاب عنه في الجواهر من التفرقة بالكلية والشخصية وان اتحدت الفريضة وان الواجب في شخص ثلاثمائة وواحدة اربع شياة واما في الاربعمائة فالواجب كلي وهو ان في كل مائة شاة وان انطبق على الاربع ايضا في هذا المورد بالخصوص. غير حاسم لمادة الاشكال إذ السؤال عن ثمرة التفرقة والفائدة المترتبة على جعلهما نصابين مع وحدة الاثر وانه ما هو الفرق بين ذلك وبين مالو اهمل الاربعمائة رأسا وانتقل من الثلاثمائة وواحدة إلى الخمسمائة وان الواجب حينئذ على كل مائة شاة فما الفائدة في لحاظ الاربعمائة نصابا بحياله. ومن البين ان التفرقة بالكلية والشخصية لا تجدي في دفع هذا السؤال ولا ينفع في حل الاشكال ابدا. وقد أجيب عن الاشكال بجوابين تعرض لهما المحقق (قده) في الشرائع: احدهما: ان الثمرة تظهر في محل الوجوب من حيث جواز التصرف وعدمه فان الاربعمائة إذا كانت نصابا فحمل الوجوب هو هذا المجموع لان المجموع نصاب، فلا يجوز التصرف فيها قبل اخراج الزكاة، ولو فرض انه نقص منها واحدة فحمل الوجوب

[ 177 ]

عندئذ هي الثلاثمائة وواحدة، لانها النصاب وما بينهما عفو يجوز التصرف فيه فلو كانت له ثلاثمائة وخمسون مثلا يجوز له التصرف فيما زاد على الثلاثمائة وواحدة اعني التسعة والاربعين الباقية وهكذا إلى الثلاثمائة وتسعة وتسعين، فإذا بلغت اربعمائة فلا يجوز التصرف في شئ منها كما عرفت. هذا إذا كانت الاربعمائة نصابا مستقلا والا جاز التصرف فيما زاد على الثلاثمائة والواحدة إلى ان تبلغ الخمسمائة الا واحدة فجواز التصرف في الاربعمائة وعدمه ثمرة بارزة تترتب على اعتبارها نصابا مستقلا وعدمه. ومنه يظهر الحال على القول الآخر كما لا يخفى. وهذه الثمرة وجيهة غير انها مبنية على القول بعدم جواز التصرف في العين الزكوية قبل الاخراج الذي مستنده دعوى الشركة الحقيقة بين المالك والفقير في نفس العين، وان المال مشترك بينهما بنسبة الزكاة على سبيل الاشاعة لوضوح عدم جواز التصرف في المال المشارع قبل الافراز. ولكنه خلاف التحقيق بل الشركة - كما سيأتي عند التعرض لكيفية تعلق الزكاة انشاء الله تعالى - انما هي في المالية كما هو الاظهر ولازمه جواز التصرف في الكل ودفع الزكاة من جنس آخر. أو ان تعلق الزكاة على سبيل الكلي في المعين كما عليه الماتن (قده) الذي لازمه جواز التصرف في النصاب إلى ان يبقى مقدار الكلي نظير مالو باع صاعا من صبرة على نحو الكلي في المعين حيث يجوز للبائع التصرف في تلك الصبرة إلى ان يبقى منها مقدار الصاع فهذه الثمرة انما تتجه على بعض المباني لا على سبيل الاطلاق.

[ 178 ]

ثانيهما: ان الثمرة تظهر في الضمان - الذي هو أيضا متفرع على محل الوجوب - فيما لو تلف جزء من المجموع بعد الحول من غير تفريط ولو لاجل التأخير في الدفع، فان المجموع ان كان نصابا وزع التالف على المالك والفقير بنسبة الزكاة فيسقط بتلك النسبة جزء من الوجوب، وان كان زائدا على النصاب اختص التلف بالمالك لان النصاب كلي ولم يطرء تلف على هذا الكلي، فلو كانت عنده ثلاثمائة وخمسون مثلا فتلفت منها شاة واحدة أو اثنتان إلى تسعة واربعين كان من المالك لان مورد النصاب ثلاثمائة وواحدة من هذا المجموع وهذا كلي غير متشخص في معين، ومعه لم يطرء التلف على هذا الكلي بعد بقاء مقداره في المجموع، كما لو باع صاعا من صبرة مشتملة على صياع عديدة فتلف منها صاع فانه يحسب على البايع لعدم عروض التلف على الصاع الكلي الذي يملكه المشتري في ضمن هذا المجموع. وعليه فلو كانت الشياة اربعمائة وقد تلفت منها بعد الحول شاة من غير تفريط، فان كان هذا العدد نصابا بحياله سقط من الفرض جزء من مائة جزء من شاة، وبعبارة اخرى اربعة اجزاء شاة من اربعمائة جزء إذ الواجب بعد ان كان في كل مائة شاة فكل شاة مشتركة - في المالية أو في العين - بين المالك والفقير بنسبة الاربعة في الاربعمائة، فأربعة اجزاء للفقير وثلاثمائة وستة وتسعون جزءا للمالك فيكون التلف بهذه النسبة في حصة الفقير لا محالة. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن العدد المزبور نصابا فان حاله حال ما لو كان العدد ناقصا عن الاربعمائة ولو بواحدة في احتساب التلف

[ 179 ]

[ (مسألة 2): البقر والجاموس جنس واحد (1). ] من المالك وعدم السقوط من الفريضة شئ مادام النصاب السابق اعني الثلاثمائة والواحدة باقية، لما عرفت من ان النصاب انما هو كل هذا العدد ومثله سليم عن ورود التلف عليه مادام يوجد مصداق منه في الخارج. ومنه يظهر الجواب عما قد يقال من ان مقتضى الاشاعة توزيع التالف على الحقين وان كان الزائد على النصاب عفوا. وذلك لانه انما يتجه لو كان النصاب حصة مشاعة في مجموع المال وليس كذلك، وانما هو عنوان كلي وان في الاربعين - مثلا - شاة فطالما صدق هذا العنوان ولو لبقاء فرد من الكلي فقد تحقق مخرج النصاب. ومن المعلوم ان التلف العارض لجزء من المجموع لا يكون مانعا عن صدق الكلي فلا يكون عارضا عليه مادام الفرد باقيا كما عرفت نظير الصاع من الصبرة على وجه الكلي في المعين فيما لو طرء التلف على بعض اجزائها على ما مرت الاشارة إليه. وهذه الثمرة وجيهة جدا وبها يدفع الاشكال ويجاب عن السؤال ويزيدها وضوحا ما لو كان التلف كثيرا كما لو تلف من الاربعمائة خمسون شاة أو اكثر فان الاختلاف حينئذ فاحش ولاجله تكون الثمر انفع واظهر كما لا يخفى. (1) إذ مضافا إلى صدق الاسم عليهما لغة وعرفا الكاشف عن اتحاد الجنس، دلت عليه صريحا صحيحة زرارة قال: (قلت له: في الجواميس شئ. قال: مثل ما في البقر) (1).


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 180 ]

[ كما انه لا فرق في الابل بين العراب والبخاتي (1)، وفي الغنم بين المعز والشاة والضأن (2). وكذا لا فرق بين الذكر والانثى في الكل (3). (مسألة 3): في المال المشترك إذا بلغ نصيب كل منهم النصاب وجبت عليهم (4) وان بلغ نصيب بعضهم وجبت عليه فقط. وان كان المجموع نصابا، وكان نصيب كل منهم اقل لم يجب على واحد منهم. ] (1) ويطلق عليه الخراساني ايضا لاطلاق الادلة بعد صدق الابل مضافا إلى ما في صحيحة الفضلاء قال: قلت فيما في البخت السائمة شئ قال: مثل ما في الابل العربية) (1). (2) لان موضوع الحكم هو الغنم أو الشاة كما في صحيحة الفضلاء الصادق على الكل بمناط واحد لغة وعرفا. (3) لاطلاق الادلة. وبالجملة مقتضى اطلاق الادلة عدم الفرق في جميع المذكورات مضافا إلى ورود النص في بعضها كما عرفت هذا كله فيما يجب فيه الزكاة اي يكون مكملا للنصاب، واما الذي يخرج ويدفع في مقام الاداء والوفاء فسيجئ البحث عنه وما يعتبر فيه في محله انشاء الله تعالى. (4) بلا اشكال فيه ولا خلاف وكذا فيما لو كان نصيب بعضهم فقط كذلك لعدم اعتبار الافراز في تعلق الزكاة بمقتضى اطلاق الادلة.


(1) الوسائل: ج 6 باب 3 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 181 ]

واما إذا لم يبلغ نصيب كل منهم النصاب وان كان المجموع بالغا حد النصاب فلا زكاة فيه قطعا بل الاجماع عليه بقسمية كما في الجواهر، ووجهه ظاهر فان الخطاب بالزكاة انحلالي كما في ساير الاحكام وتقدير النصب ملحوظ بالاضافة إلى مال من خوطب بالزكاة دون غيره، فكل مكلف يراعي مال نفسه فان كان بالغا حد النصاب تعلقت به الزكاة والا فلا لا انه يلاحظ مال نفسه مع مال غيره كيف ومن الواضح ان مقدار النصاب كاربعين شاة مثلا موجود دائما فما هي الحاجة إلى اشتراط النصاب، إذا فنفس تقدير النصبب كاشف عن الاعتبار بمال من خوطب بالزكاة اعني آحاد المكلفين لا مع ضم السائرين كما هو واضح جدا. وقد صرح بذلك في رواية زرارة قال: (... قلت له: مائتي درهم بين خمس اناس أو عشرة حال عليها الحول وهي عندهم أيجب عليهم زكاتها؟ قال: لا هي بمنزلة تلك - يعني جوابه في الحرث ليس عليهم شئ حتى يتم لكل انسان منهم مائتا درهم. قلت: وكذلك في الشاة والابل والبقر والذهب والفضة وجميع الاموال قال: نعم) (1). ولعله إلى هذا يشير ما في ذيل صحيحة محمد بن قيس من قوله (عليه السلام): (ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق) (2) اي المجتمع والمتفرق في الملك فكما ان الاموال المتفرقة في الاماكن


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2. (2) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 182 ]

المتعددة كالبلدان المختلفة التي يجمعها ان الكل لمالك واحد لا يفرق بينها اي يعتبر بلوغ المجموع حد النصاب وان كان كل واحد بحياله دونه فكذا الاموال المجتمعة التي تفترق في الملك لتعدد ملاكها كالمال المشترك فانه لا يجمع بين هذه المتفرقات في الملك في لحاظ النصاب بل لا بد من بلوغ حصة كل مالك بخصوصه حد النصاب (1).


(1) قال: المحدث الكاشاني في الوافي ج 2، م 6، ص 14: لعل المراد بالنهي عن الفرق والجمع ان لا ينقل بعض الشياة من منزل إلى آخر بل تؤخذ صدقتها في اماكنها، ويأتي ما يؤيد هذا المعنى في باب آداب المصدق. وفي هامش الوافي ص 16 لعل المراد انه لا يفرق بين غنم مجتمع في الملك بمعنى انه لو كان لمالك اربعون من الغنم في مكان واربعون في موضع بعيد منه لا يفرق المصدق بينهما بان ياخذ من كل واحد شاة: بل ياخذ من المجموع شاة واحدة لانه لم يبلغ النصاب الثاني وفيه رد على احمد بن حنبل حيث فرق بينهما وجعل في كل اربعين شاة، وقوله لا يجمع بين متفرق اي في الملك، بمعنى انه لو اختلط مال مالكين ولم يبلغ كل منهما نصابا وبلغ المجموع النصاب لم يجب فيه الزكاة، وفيه رد على الشافعي حيث اوجب الزكاة في اربعين من الغنم إذا كانت لمالكين مع تحقق شرائط الخلط، وهي اتحاد المرعى والمراح والمشرع بل والراعي أو الرعاة والفحل وموضع الحلب والحالب. وفي البحار: ج 96 ص 88 عن دعائم الاسلام: وعنهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه نهى ان يجمع في الصدقة بين مفترق أو =

[ 183 ]

[ (مسألة 4): إذا كان مال المالك الواحد متفرقا (1) - ولو متباعدا - يلاحظ المجموع، فإذا كان بقدر النصاب وجبت، ولا يلاحظ كل واحد على حدة. (مسألة 5): اقل اسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم الابل من الضأن الجذع، ومن المعز الثني (2). والاول: ما كمل له سنة واحدة ودخل في الثانية. والثاني: ما كمل له سنتان ودخل في الثالثة. ] وعليه فلو مات من يملك النصاب فانتقل إلى الورثة ولم يبلغ نصيب كل وارث حد النصاب فلا زكاة على اي واحد منهم وان بلغ نصيب احدهم اختص الزكاة به وان بلغ نصيب الكل فعلى الكل. (1) لااشكال في المسألة بمقتضى الاجماع واطلاق الادلة كما ظهر مما قدمناه آنفا. (2) كما هو المعروف والمشهور حيث قيدوا الشاة التي تدفع زكاة


= يفرق بين مجتمع، وذلك ان يجمع اهل المواشي مواشيهم للمصدق إذا اظلهم لياخذ من كل مائة شاة، ولكن يحسب ما عند كل رجلا منهم ويؤخذ منه منفردا ما يجب عليه، لانه لو كان ثلاثة نفر لكل واحد منهم اربعون شاة فجمعوها لم يجب للمصدق فيها الا شاة واحدة، وهي إذا كانت كذلك في ايديهم وجب فيها ثلاث شياة على كل واحد شاة، وتفريق المجتمع ان يكون لرجل اربعون شاة فإذا اظله المصدق فرقها فرقتين لئلا يجب فيها الزكاة.

[ 184 ]

بذلك، الا انه ليس عليه دليل ظاهر، ومن ثم اختار جمع من المتأخرين عدم الاشتراط عملا باطلاق الشاة الواردة في النصوص. والمضايقة عن انعقاد الاطلاق كما عن صاحب الجواهر: بدعوى عدم ورود الادلة في مقام البيان من هذه الجهة فلا اطلاق يعول عليه لعلها واضحة الفساد لعدم قصور المقام من غيره من موارد التمسك بالاطلاق من ساير الادلة، فان الحكم بوجوب شاة في كل اربعين - مثلا - من غير تقييد لها بالجذع أو الثني وهو - لا محالة - في مقام البيان، يكشف عن الاطلاق بطبيعة الحال كما في ساير المقامات. واوضح فسادا: المنع عن صدق الشاة قبل أن يكون جذعا أو ثنا اي قبل ان يدخل في الثانية أو الثالثة، بل ان هذا مقطوع العدم أفهل يحتمل انه باختلاف يوم يتغير الجنس بان لم يكن الحيوان قبل يوم من دخوله في السنة الثانية شاة وبعد مضي اليوم صار شاة واندرج تحت هذه الطبيعة. فالانصاف ان الاطلاقات غير قاصرة الشمول ولا مانع من التمسك بها، فيجوز له دفع كل ما صدق عليه الشاة وان كان دون الجذع، نعم لا يمكن فرض ذلك من نفس ما تعلق به الزكاة لاعتبار الحول، الا انه لا مانع من الدفع من الخارج لعدم اشتراط الاخراج عن نفس الاعيان كما انه يجوز دفع دون الثني في المعز كما لو كان عمره سنة ونصف مثلا لما عرفت من الاطلاق. نعم ربما يستدل للتقييد بوجهين: احدهما: رواية سويد بن غفلة: اتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: نهينا ان نأخذ المراضع وامرنا ان نأخذ الجذعة والثنية ومن

[ 185 ]

المعلوم ان المقصود صدور الامر والنهي ممن بيده الامر والنهي المنحصر في النبي صلى الله عليه وآله في ذلك العصر. ويندفع: بان الرواية عامية وغير مروية من طرقنا فهي ضعيفة السند لا تصلح للتعويل عليها بوجه، ودعوى الانجبار بعمل المشهور، يردها القطع بعدم استنادهم إلى مثل هذه الرواية التي لم توجد في شئ من كتب الاصحاب لا الروائية ولا الاستدلالية فكيف يمكن استنادهم إليها. على ان مضمونها من الجذعة والثنية - اي اعتبار الانوثة - لم يلتزم به احد فيما نعلم فانهم اكتفوا بالجذع والثني ولم يشترطوا الانوثية. هذا مع ان كبرى الانجبار ممنوعة عندنا كما هو المعلوم من مسلكنا. ثانيهما: ما ارسله في غوالي اللئالي عنه (ع): انه امر عامله ان يأخذ الجذع من الضان والثني من المعز. قال: ووجه ذلك في كتاب علي (ع). ولكنها من جهة الارسال والطعن في المؤلف حق ناقش فيه من ليس من شأنه المناقشة كصاحب الحدائق غير صالحة صالحة للاستدلال ولا يحتمل استناد قدماء الاصحاب إلى الرواية الموجودة في هذا الكتاب المتأخر تأليفه عنهم بزمان كثير كي يحتمل فيه الانجبار لو سلم الكبرى. وعلى الجملة فاعتبار هذا القيد مبني على الاحتياط حذرا عن مخالفة المشهور والاقوى عدم الاعتبار عملا باطلاق الاخبار السليم عما يصلح للتقييد حسبما عرفت. ثم انا لو بنينا على اعتبار هذا القيد اعني اعتبار الجذع في الضأن

[ 186 ]

فتفسير الجذع بما ذكر اي ما كمل له سنة واحدة ودخل في الثانية غير ظاهر، فان هذا وان كان قد ذكره جماعة من الاصحاب، الا انه معارض بتفاسير اخر ذكرها جماعة آخرون: منها انه ما كمل السبع ودخل في الثمان. ومنها انه ما كمل الست ودخل في السبع. ومنها انه ما كمل الثمان ودخل في التسع، ومنها التفصيل بين المتولد من هرمين والمتولد من شابين أو من مختلفين، إلى غير ذلك مما يوجد في كلمات الفقهاء واللغويين، ومع هذا الاختلاف الفاحش والمعارضة الظاهرة في كلمات القوم في تفسير اللفظ كيف يبقى لنا وثوق بالمعنى المتقدم فلا جرم يصبح اللفظ مجملا دائرا مفهومه بين الاقل والاكثر. وقد تقرر في الاصول لزوم الاقتصار في المخصص المنفصل المجمل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن إذ العام حجة لا يرفع اليد عنه الا بحجة اقوى ودليل قاطع، ولا حجية للمجمل المزبور الا في المقدار المتيقن الذي يقطع معه بالتخصيص فيقتصر عليه بطبيعة الحال وهذا من غير فرق فيه بين العام والخاص والمطلق والمقيد لوحدة المناط حسبما بيناه أيضا في الاصول. والمتيقن مما لا يطلق عليه الجذع هو الذي لم يكمل الست فهذا المقدار مما يقطع بخروجه عن تحت الاطلاقات واما الزائد على ذلك مما يشك في صدق المفهوم عليه فهو مشكوك الخروج ومعه كان المرجع اصالة الاطلاق. ومع الغض عن هذا ايضا وتسليم عدم جواز الرجوع إلى الاطلاق أو عدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة كما ربما يظهر من صاحب الجواهر - في غير هذا المقام - فتكفينا اصالة البراءة عن

[ 187 ]

[ ولا ينعين عليه ان يدفع الزكاة من النصاب بل له ان يدفع شاة اخرى (1). سواء كانت من ذلك البلد أو غيره، وان كانت ادون قيمة من افراد ما في النصاب، وكذا الحال في الابل والبقر. ] التقييد الزائد على المقدار المعلوم الشرعية والعقلية أو الشرعية فقط على الخلاف المقرر في محله، فان تقيد الشاة بعدم كونها دون الست معلوم واما الزائد على ذلك بان يكون قد اكملت السنة مثلا فهو كلفة زائدة يشك في اعتبارها والمرجع في نفيها اصالة البراءة بناء على ما هو المحقق في محله من عدم الفرق في الرجوع إليها في الاقل والاكثر بين الاستقلالي والارتباطي. وملخص الكلام ان التقييد بالجذع غير ثابت فهو مشكوك فيه من اصله فيتمسك في نفيه باصالة الاطلاق. ومع التسليم فحد المفهوم مجمل يقتصر فيه على المتيقن ويتمسك في الزائد باصالة الاطلاق ان امكن والا فباصالة البراءة حسبما عرفت. (1) اما إذا كانت الشاة المدفوعة زكاة عن نصاب الابل فظاهر، واما إذا كانت عن نصاب الشياة فكذلك فيما إذا اعتبرنا دفع الجذعة وفسرناها بما دون السنة كاكمال السبع مثلا، لاعتبار حلول الحول في تعلق الزكاة فلا يمكن دفع الجذعة بالمعنى المتقدم من نفس النصاب فلا مناص من دفع شاة اخرى من غير الشياة التي فيها الزكاة. فمحل الكلام ما إذا فسرت الجذعة بما اكملت السنة أو لم

[ 188 ]

نعتبرها أو كان المدفوع ثنيا - في المعز - ونحو ذلك مما يمكن الدفع من نفس النصاب وتمكن دعوى التقييد به. وحينئذ فلا ينبغي التأمل في جواز الاخراج من غير النصاب بعنوان القيمة للنصوص الآتية الدالة على ذلك بناءا على عدم الفرق في المدفوع فيمة بين النقدين وغيرهما كما سيجئ انشاء الله تعالى. ونما الكلام في جواز اخراج جنس النصاب من غيره بدون اعتبار القيمة فقد ناقش فيه في الجواهر نظرا إلى عدم الدليل على كفاية مطلق الجنس ولو من غير عين النصاب فان الاطلاقات لا يثبت بها الا كفاية المطلق مما في العين التي تعلقت بها الزكاة لا المطلق ولو من غيره. ولكن الظاهر جواز الدفع من غير العين حتى بعنوان نفس الواجت دون القيمة لعدم قصور في الاطلاقات عن الشمول لذلك فان قوله (عليه السلام): (في كل اربعين شاة شاة) مطلق يشمل الشاة المدفوعة من نفس الاربعين ومن غيرها لعدم دلالتها على التقييد بالاول بوجه. فان هذا التعبير بعينه مثل التعبير في قوله (ع): (في كل خمس من الابل شاة) أفهل يحتمل ان يكون المراد الشاة التي في الابل الخمسة التي هي خالية عنها بالمرة فوحدة اللسان واتحاد السياق يكشف عن الاطلاق وعدم التقييد بالعين الزكوية في كلا المقامين بمناط واحد. ومنه تعرف عدم الفرق في الشاة المدفوعة من خارج النصاب بينما إذا كانت من ذلك البلد أو من غيره كما لا فرق ايضا بينما كانت مساوية لافراد ما في النصاب على اختلاف قيمتها ام كانت ادون منها في القيمة كل ذلك للاطلاق.

[ 189 ]

وملخص الكلام في المقام ان الشاة المدفوعة من خارج النصاب قد تكون ملحوظة بعنوان القيمة المترتب عليها لزوم التتميم ان كانت اقل وجواز إسترجاع الزائد ان كانت اكثر. واخرى: بعنوان انها بنفسها مصداق للزكاة. اما الاول: ففيه خلاف واشكال نظرا إلى ان المتيقن من دفع القيمة هو النقدان دون غيرهما وسيجئ البحث حول ذلك قريبا انشاء الله تعالى، فهذا خارج عن محل الكلام. وكلامنا فعلا متمحض في الثاني وقد عرفت ان المشهور جواز الدفع كذلك بل ادعي عليه الاجماع غير انه نسب الخلاف إلى شاذ فحكم بلزوم الدفع من نفس النصاب باعتبار ان هذا هو مقتضى تعلق الزكاة بالعين. ولكن الاقوى ما عليه المشهور عملا باطلاق قوله (ع): (في كل اربعين شاة) وغيره من ساير الادلة إذ لم يتقيد شئ منها بلزوم كون الشاة المدفوعة من نفس النصاب. بل قد لا يعقل ذلك كما في قوله (ع): (في خمس من الابل شاة) مع وحدة اللسان واتحاد السياق. ولا ينافي ذلك تعلق الزكاة بالعين الذي هو مستفاد من دليل آخر مثل مادل على المنع عن المضاربة قبل دفع الزكاة وما دل على انه إذا اشترى النصاب قبل دفع الزكاة وجب دفعها على المشتري ورجع بها إلى البايع الكاشف عن عدم نفوذ البيع في مجموع العين لاجل تعلق الزكاة بها وغير ذلك مما سيجئ انشاء الله تعالى. إذ لا تنافي بين ذلك وبين جواز التبديل بعين اخرى كما ثبت ذلك في القيمة نقدا بلا اشكال. وعلى الجملة فالزكاة وان كانت متعلقة بالعين بنحو من انحاء

[ 190 ]

التعلق كما ستعرف الا ان هذا لا يستلزم ان يكون الدفع ايضا من نفس العين بل مفتضى الاطلاق جواز الدفع ولو من خارج النصاب كما يعضده لزوم دفع الجذعة المفسرة في كلام المشهور بما اكمل السبع فانه غير موجود في النصاب المعتبر فيه الحول. ويعضده ايضا انه قد لا يمكن مراعاة الاخراج من العين في ساير النصب كالتبيع المعتبر في نصاب البقر وبنت المخاض أو بنت اللبون في نصاب الابل فيما إذا لم يوجد شئ من ذلك فيما عنده من البقر أو الابل المتعلقين الزكاة ومما ذكرنا يظهر عدم الفرق في الشاة المدفوعة بين ما كانت من نفس البلد أو من خارجه لما عرفت من الاطلاق. وما عن الشيخ من اعتبار الاول نظرا إلى لزوم الاتحاد مع ما فيه الزكاة في الخصوصيات كالمكية والعربية والبخانية ونحو ذلك. مدفوع بان بين الامرين عموما من وجه فقد لا يوجد في البلد من خارج النصاب ما يتحد معه، وقد يوجد المتحد من خارج البلد. فمراعاة الاتحاد المزبور لا تستلزم التقييد بالبلد. مضافا إلى عدم الدليل على لزوم التطابق والاتحاد في هذه الخصوصيات بل مقتضى الاطلاق جواز دفع كل ما صدق عليه عنوان الشاة ما لم تكن الشاة المدفوعة متصفة بشئ من العناوين الممنوعة من هرم أو مرض ونحو ذلك مما سيجئ انشاء الله. كما ان ما نسب إلى المسالك وغيره من التفصيل بين فريضتي الابل والغنم فيجوز من خارج البلد في الاول دون الثاني الا مع التساوي في القيمة.

[ 191 ]

[ فالمدار في الجميع الفرد الاوسط من المسمى (1) لا الاعلى، ولا الادنى. وان كان لو تطوع بالعالي أو الاعلى كان احسن وزاد خيرا. ] غير قابل للتصديق لما عرفت من اتحاد لسان الدليل في الموردين فان بني على الدلالة على اعتبار كون المدفوع من البلد ففيهما معا وإلا ففيهما ايضا بمناط واحد والاقوى عدم الاعتبار الطلاق الدليل حسبما عرفت. وعلى الجملة فكلما صدق عليه عنوان الشاة يجوز احتسابه من الزكاة ولا تلزم مراعاة الخصوصيات المشتمل عليها النصاب بشهادة دفع الجذعة المفسرة في كلام المشهور بما اكمل السبع كما مر. (1) اما إذا كان المدفوع من نفس النصاب فلا ينبغي التأمل في جواز دفع الادنى بعد فرض صدق الطبيعة عليها كصدقها على المتوسط فمقتضى الاطلاق جواز الاجتزاء به ولا موجب للتقييد بالمتوسط بوجه. بل الحال كذلك في المدفوع من خارج النصاب ايضا فان الاطلاق غير قاصر الشمول له كالمتوسط والاعلى بمناط واحد. ودعوى الانصراف إلى المتوسط لا نعرف لها وجها أبدا فان الاجتزاء بالادنى لم يكن من أجل ملاحظة القيمة ليدعى انصرافها إلى الافراد المتعارفة بل من اجل الاطلاق والانطباق وكونه مصداقا للطبيعة المأمور بها. ولا ريب في عدم الفرق في هذه المرحلة بين كل فرد تصدق عليه الطبيعة ما لم يكن من الافراد الممنوعة التي قام الدليل على عدم الاجتزاء بها

[ 192 ]

[ والخيار للمالك، لا الساعي أو الفقير (1)، فليس لهما الافتراح عليه. ] بالخصوص كما مرت الاشارة إليه. وبالجملة: بعد فرض الاجتزاء من خارج النصاب فلا فرق بينه وبين الداخل في جواز دفع كل فرد شاءه المكلف مما تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها سواء كان من الافراد المتوسطة أو الادنى أو الاعلى لوحدة المناط. (1) فليس للساعي معارضة المالك سواء أكان تعلق الزكاة بنحو الشركة في المالية أو الكلي في الذمة أو الكلي في المعين إذ الواجب على جميع التقادير حق في عهدة المكلف فله الخروج عنه بالتطبيق على أي فرد شاء فالخيار ثابت له بمقتضى القاعدة. نعم بناءا على القول بالشركة الحقيقية وان المال مشترك فيه بنحو الاشاعة بين المالك وبين مصرف الزكاة فلا خيار حينئذ له ولا للساعي كما هو الحال في كل مال مشتركة حيث لا يجوز لاحد الشركين التصرف فيه بدون اذن الآخر بل لا بد من التراضي ان امكن والا فالى القرعة التي هي لكل امر مشكل، ولكن المبنى ضعيف غايته كما سيجئ التعرض له انشاء الله تعالى. بل الظاهر ثبوت الخيار للمالك حتى بناءا على هذا المبنى الفاسد لانه الشريك الاعظم فله الحكم والامر بمقتضى صحيحة بريد الناطقة بذلك في خصوص المقام وبها يخرج عما تقتضيه قاعدة الشركة قال: (سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: بعث امير المؤمنين (ع)

[ 193 ]

مصدقا من الكوفة إلى باديتها... (إلى ان قال (ع)): فإذا اتيت ماله فلا تدخله الا باذنه، فان اكثره له، فقل: يا عبد الله اتأذن لي في دخول مالك، فان اذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين ثم خيره اي الصدعين شاء فأيهما أختار فلا تعرض له ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فايهما أختار فلا تعرض له ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله فإذا بقي ذلك فاقبض حق الله منه وان استقالك فافله ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت اولا حتى تقبض حق الله في ماله) (1). فانها صريحة في امتياز هذا الشريك - لمكان أو قرية حظه - عن بقية موارد الشركة في ثبوت الخيار له حتى انه يقال ان استقال فلا يزال الخيار باقيا حتى بعد الافراز إذا فلا ينبغي التأمل في عدم جواز معارضة الساعي على جميع المباني في تعلق الزكاة فما عن الشيخ من ان له المعارضة واقتراح القرعة ليس له وجه ظاهر. هذا كله في الساعي: واما في الفقير فالامر اوضح لعدم كونه مالكا بل هو مصرف محض والمالك انما هو الكلي دون الشخص فليس له المطالبة فضلا عن المعارضة. وعلى الجملة: دعوى الخيار للساعي لها وجه - باعتبار انه يمثل الامام (ع) أو نائبه الذي هو ولي عن المالك فكأنه يمثل المالك وان كان ضعيفا كما مر - واما في الفقير فلا وجه لها اصلا إذ ليس


(1) الوسائل: ج 6 باب 14 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 194 ]

[ بل يجوز للمالك ان يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقية من النقدين أو غيرهما (1) وان كان الاخراج من العين افضل. ] هو الا مصرفا صرفا لا يكاد يملك الا بعد التسليم باعتبار كونه مصداقا للطبيعي فلا علاقة له بالمال قبل ذلك كي يكون له حق المعارضة فلو سلمناه في الساعي لا نسلمه في الفقير ابدا. (1) لا ريب في جواز اخراج الجنس من غير النصاب ودفعه بعنوان الزكاة على ما تقدم. واما الاخراج من غير الجنس بعنوان القيمة فيقع الكلام: تارة: فيما هو متمحض في المالية اعني اعيان الاثمان كالدرهم والدينار وما في حكمهما كالاوراق النقدية المتداولة في هذه الاعصار. واخرى: في التقويم بجنس آخر كأن يدفع عن قيمة التبيع فرسا أو عن قيمة الشاة كتابا وهكذا. اما الاول: فلا اشكال كما لا خلاف فيه بالاضافة إلى الغلات والنقدين للنص فيهما كما ستعرف بل ادعي عليه الاجماع عي كلمات غير واحد. واما النعام فهي وان لم يرد فيها نص خاص الا ان الظهر انها ايضا كذلك حيث يستفاد حكمها من النص المشار إليه بعد القطع بمقتضى الفهم العرفي بعدم خصوصية للمورد وان الحكم عام لمطلق الاعيان الزكوية. ففي صحيحة محمد بن خالد البرقي قال: (كتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع) هل يجوز ان اخرج عما يجب في الحرث من

[ 195 ]

الحنطة أو الشعير وما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى ام لا يجوز الا ان يخرج من كل شئ ما فيه؟ فأجاب: ايما تيسر يخرج) (1). والمراد باحمد بن محمد الواقع في السند هو احمد بن محمد بن عيسى لا ابن خالد والا لقال عن ابيه بدل قوله عن محمد بن خالد، وان كان ثقة على التقديرين، وصحيحة علي بن جعفر قال: (سألت أبا الحسن موسى (ع) عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير وعن الدنانير دراهم بالقيمة، أيحل ذلك؟ قال: لا بأس) (2). فان موردهما وان كان هو الحنطة والشعير والدراهم والدنانير لكن سياقهما بمقتضى الفهم العرفي ربما يشرف الفقيه على القطع بعدم خصوصية للمورد وان الاعتبار في الانتقال إلى القيمة نفيا واثباتا بمطلق الجنس الزكوي من غير خصوصية للحنطة والشعير وما شاكلهما وكان هذا هو المنقدح في ذهن السائل ايضا ولذا عبر بصيغة العموم في صحيحة البرقي حيث قال: (ام لا يجوز الا ان يخرج من كل شئ ما فيه) اي يخرج من كل جنس من الاجناس الزكوية ما فيه عينا دون ان ينتقل إلى القيمة. وان ابيت الا الجمود على ظاهر النص فلازمه الاقتصار على مورده من الحنطة والشعير وعدم التعدي لا إلى الانعام ولا إلى غيرهما من ساير الغلات اعني التمر والزبيت مع ان الاصحاب قد تعدوا إلى ساير الغلات قولا واحدا.


(1) الوسائل: ج 6 باب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2.

[ 196 ]

وعلى الجملة: لا نعرف وجها للتفكيك بين الانعام وبين التمر والزبيب فان بني على التعدي فالى الكل والا فلا يتعدى ابدا وليقتصر على مدلول النص فحسب. وحيث ان الاظهر الاول فالازم سريان الحكم للانعام ايضا حسبما عرفت. واما الثاني اعني اخراج القيمة من جنس آخر غير النقدين فالمشهور جوازه كما ذكره في المتن بل ادعي الاجماع عليه استنادا إلى ما رواه في قرب الاسناد عن محمد بن الوليد عن يونس بن يعقوب قال: (قلت لابي عبد الله (ع): عيال المسلمين اعطيهم من الزكاة، فاشتري لهم منها ثيابا وطعاما، وارى ان ذلك خير لهم. قال: فقال لا بأس) (1). اما من حيث السند فالظهر هو الاعتبار فان المراد بمحمد بن الوليد هو الخزاز البجلي الذي له كتاب ووثقه النجاشي صريحا بقرينة روايته عن يونس دون الشباب الصيرفي الغير الثقة وان كان في نفس الطبقة، لعدم روايته عن يونس مضافا إلى معروفية الاول واشتهاره الموجب لانصراف اللفظ عند الاطلاق إليه، فلا مناقشة في السند. انما الكلام في الدلالة والظاهر انها قاصرة واجنبية عن محل الكلام فانها ناظرة إلى ما إذا عين زكاته وافرزها خارجا وعزلها ليعطيها لعائلة من عوائل المسلمين، وبما ان العيال يتضمن النساء والقاصرين بطبيعة الحال ولا يتيسر لهم - غالبا - الانتفاع من عين الزكاة التي هي من النقدين في غالب الاحوال الا بالتبديل بطعام أو


(1) الوسائل: ج 6 باب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 4.

[ 197 ]

ثياب ونحوهما ومن المعلوم عدم جواز التصرف في الزكاة بعد الافراز والعزل الا باذن ممن بيده الامر، فلاجل ذلك احتاج السائل إلى الاستجازة من الامام (ع) في التصرف المزبور ولذا قال: (فاشتري لهم منها) اي من تلك الزكاة لا ان يشتري لهم من ماله فيعطيه زكاة كما هو محل الكلام. فلم يقل: فاشتري لهم من مالي. بل قال: منها: اي من الزكاة فهو بيان لكيفية الاعطاء مما عينه في الزكاة لا اعطاء نفس الزكاة. وعلى الجملة فرق واضح بين اعطاء القيمة بعنوان الزكاة وبين تبديل الزكاة المتعينة المفرزة خارجا بجنس آخر ومحل الكلام هو الاول ومورد الرواية الثاني فاحدهما اجنبي عن الآخر فلا يمكن الاستدلال بها للمطلوب بوجه. والمتحصل من جميع ما قدمناه انه كما يمكن دفع الزكاة من نفس النصاب يمكن دفعه من خارجه من نفس الجنس بلا حاجة إلى مراعاة القيمة ولو قصدها يلغو القصد إذا لا اثر له بعد اداء نفس الواجب، كما يمكن دفعه ايضا من غير الجنس بعنوان القيمة إذا كان من النقدين اي متمحضا في اعيان الاثمان دون غيرهما من ساير الاجناس، بل ولا من نفس الجنس بهذا العنوان لو بنينا على عدم كفايته من خارج النصاب وان كان المبنى خلاف التحقيق كما مر. ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين انحاء الاجناس الزكوية من الانعام والغلات والنقدين حسبما عرفت بما لا مزيد عليه. كما لا فرق بين القدرة على الاخراج من نفس العين وعدمها بمقتضى الاطلاق.

[ 198 ]

[ (مسألة 6): المدار في القيمة على وقت الاداء (1) سواء كانت العين موجودة أو تالفة، لا وقت الوجوب ثم المدار على قيمة بلد الاخراج ان كانت العين تالفة، وان كانت موجودة فالظاهر ان المدار على قيمة البلد التي هي فيه. ] (1) بعدما تقدم من جواز الاخراج بالقيمة بمقتضى صحيحة البرقي اما من خصوص النقدين أو ولو من غيرهما تعرض (قده) لتعيين القيمة من حيث الزمان والمكان وان الاعتبار هل هو بوقت الاداء ام بزمان الوجوب وتعلق الزكاة؟ وبالنظر إلى المكان هل المدار ببلد الاخراج ام ببلد العين؟ إذ لا ريب في جواز اختلاف القيمة باختلاف الازمنة والامكنة. فذكر (قده) ان الاعتبار من حيث الزمان بزمان الاداء سواء أكانت العين موجودة ام تالفة، ومن حيث المكان ببلد العين ان كانت موجودة وببلد الاخراج ان كانت تالفة. اقول: يقع الكلام في موردين والظاهر ان المتن ناظر إلى اولهما ونذكرهما معا تتميما للفائدة: احدهما: لحاظ القيمة قبل افراز الزكاة وعزلها خارجا. والثاني: بعد العزل. اما المورد الاول فقد يفرض ان العين موجودة واخرى تالفة. فان كانت موجودة فلا ينبغي التأمل في ان الاعتبار بوقت الاداء كما

[ 199 ]

ذكره في المتن لان متعلق الزكاة من مال الفقير أو غيره من ساير المصارف الثمانية موجود في العين الخارجية، فان ذلك وان لم يكن على نحو الشركة الحقيقية الا انه بالاخرة ليس المال بأجمعه ملكا للمالك بل مقدار منه للزكاة، فإذا كانت العين الخارجية متعلقة للزكاة فهو الآن مكلف بأداء نفس العين والا فقيمتها فلا بد - بطبيعة الحال - من ملاحظة القيمة الفعلية التي هي بدل عن العين الموجودة ولا عبرة بملاحظة القيمة السابقة التي قد تكون اكثر أو اقل. وعلى الجملة: يجب عليه ان يعطي فعلا شاة واحدة فاما ان يعطيها بنفسها أو يؤدي قيمتها، ومن المعلوم ان مراعاة قيمة الشاة الفعلية تستدعي لحاظ القيمة الحالية ولا اعتبار بما سبق فاحتمال كون العبرة بزمان الوجوب لو فرضنا وجود القائل به - وهو غير معلوم - لا نعرف له وجها أبدا. واما باعتبار البلد فلم يعرف وجه لما ذكره الماتن من جعل العبرة ببلد وجود العين إذ بعد ما تقدم من انه لا يجب الاخراج من عين المال الزكوي بل يجوز الدفع من خارج النصاب وانه لا فرق في ذلك بين ان يكون من ذلك البلد أو بلد آخر كما صرح به (قده) فمال الفقير - بناءا على هذا - وان كان موجودا في العين الخارجية الا انه لا يجب الاعطاء من نفسها بل الواجب دفع الشاة الكلية الاعم من ان تكون من النصاب أو من غيره فله ان يدفع شاة اخرى من بلد آخر فإذا جاز جاز دفع قيمته بمقتضى صحيحة البرقي المتقدمة. وعلى الجملة فما ذكره (قده) من لزوم مراعاة قيمة بلد العين لا يجتمع مع ما تقدم منه من جواز الاعطاء من خارج النصاب.

[ 200 ]

ومقامنا هذا اشبه شئ بارث الزوجة من البناء وغيره مما لا ينقل حيث ان المعروف انها ترث قيمة لا عينا بمعنى ان للوارث ولاية التبديل بالقيمة لا انها ترث القيمة ابتداء لوضوح ان الميت لم يترك الا العين دون القيمة فالزوجة ترث من نفس العين الا ان للورثة ولاية التبديل بالقيمة كما عرفت فلا جرم تكون العبرة بقيمة يوم الاداء فما لم تستوف حصتها فهي شريكة مع ساير الورثة في مالية العين بداهة انها لم تأخذ القيمة مجانا بل بعنوان الارث فشركتها معهم شركة في المالية لا في العين فهي اشبه شئ بالفقير وغيره من مصارف الزكاة فيما نحن فيه، فان الزكاة وان كانت ملكا له الا ان للمالك الذي هو الشريك الاعظم ولاية التبديل بالقيمة أو من مال آخر من نفس الجنس. وعليه فحينما يريد الاعطاء لابد من ملاحظة القيمة حال الاداء ليكون بدلا عما هو ملك الفقير فكما ان العبرة من جهة الزمان بزمان الاداء فكذا من ناحية المكان فما ذكره (قده) من ان العبرة ببلد العين انما يتجه لو وجب الاخراج من نفس العين وليس كذلك بل الواجب الجامع بين احد امور ثلاثة من نفس النصاب، وخارجه والقيمة ومع التخيير بين هذه الامور لا موجب لمراعاة بلد العين بوجه هذا كله مع وجود العين. واما مع التلف فقد لا يوجب الضمان كما لو كان بآفة سماوية من غير تفريط فلا كلام إذ لا يجب حينئذ شئ ليبحث عن تعيين القيمة. واخرى يوجب لتفريط أو لاستناد التلف إليه.

[ 201 ]

وقد ذكر (قده) ان العبرة حينئذ بقيمة وقت الاداء وبلد الاخراج وهو الصحيح كما ظهر وجهه مما مر فان متعلق الزكاة وان كان هو العين الخارجية والفقير شريك مع المالك شركة ما، الا ان الواجب ليس هو الاداء من خصوص هذه العين فكما انه كان مخيرا حال وجود العين في اعطاء شاة اخرى من خارج النصاب فكذا الآن إذ لا اثر للتلف من هذه الناحية. وبعبارة اخرى: فرق واضح بين ما يملكه الفقير - أو غيره من ساير اصناف الزكاة - وبين ما يجب على المالك فالذي يملكه الفقير هو ما يتعلق بالعين الخارجية بنحو من الشركة ولكن الواجب على المكلف ليس العطاء من نفس هذه العين بالخصوص كما عرفت في ارث الزوجة من جواز التبديل بالقيمة وان كان حقها متعلقا بالعين فالوجوب المتوجه بمن عليه الزكاة قد تعلق بالاعم من دفع الشاة من عين النصاب أو من خارجه أو من القيمة ولم يتغير هذا الوجوب ولم يتبدل بالتلف فيجوز عليه الآن ايضا دفع شاة اخرى فإذا جاز ذلك جاز دفع القيمة ايضا بمقتضى صحيحة البرقي كما تقدم إذا تكون العبرة بزمان الاداء ووقت تفريغ الذمة من الزكاة. والمتحصل من جميع ما قدمناه انه في مقام الاداء لا بد من مراعاة القيمة الفعلية من جهة الزمان والمكان بلا فرق في ذلك بين ان يكون المال الزكوي موجودا أو تالفا. واما المورد الثاني اعني مالو كان قد عزل الزكاة وافرزها خارجا وبعدئذ اراد دفع القيمة فقد يفرض انه موجود واخرى تالف، وهذا امر آخر اجنبي عن مورد كلام الماتن كما مر وسيجئ - ان شاء

[ 202 ]

الله - ان للمالك الافراز ورفع الشركة بالعزل لغاية من الغايات وبعد ما عزل تتعين الزكاة فيه وهو امانة شرعية في يده لا يجوز التصرف فيه ولا التبديل بالقيمة لان دليل التقويم منصرف عن المقام فانه ناظر إلى جعل القيمة زكاة لا جعل الزكاة قيمة كما لا يخفى. وإذا فرضنا في مورد جواز التصرف - كما ذكرناه في الصحيحة المتقدمة (1) المروية عن قرب الاسناد كانت العبرة بقيمة وقت التبديل بطبيعة الحال لان شخص المال ملك الفقير غايته انه جاز له التصرف فيه فيخرجه بقيمته الفعلية لا محالة. وكيفما كان: فليس له التبديل بالقيمة بعد العزل ما لم يقم عليه دليل من الخارج وليس له الاعطاء من الخارج لا من الجنس ولا من غيره. هذا إذا كان موجودا. واما مع التلف فان لم يستند إليه ولم يفرط فلا ضمان اصلا والا فيجري فيه ما ذكروه في ضمان المثلي والقيمي فيضمن المثل في الاول ولا تلاحظ معه القيمة ابدا فلو كانت العين الزكوية التالفة بعد العزل خمسة دنانير مثلا ضمن خمسة اخرى مثلها ويضمن القيمة في الثاني كما في مثل الحنطة والشعير ويجري فيه ما ذكروه في القيميات من انه هل العبرة بزمان التلف أو زمان الاداء كما اختار. الماتن في حاشية المكاسب أو اعلى القيم من التلف أو الاداء. وقد ذكرنا في محله ان الاحوط مراعاة اعلى القيم ولكن الاظهر ضمان يوم الغصب ويوم الخيانة وفي المقام ضمان يوم التفريط والتفويت وذلك لصحيحة ابي ولاد الدالة على ان العبرة بقيمة بغل يوم


(1) ص 196.

[ 203 ]

[ (مسألة 7): إذا كان جميع النصاب في الغنم من الذكور يجوز دفع الانثى وبالعكس (1) كما انه إذا كان الجميع من المعز يجوز ان يدفع من الضأن وبالعكس، وان اختلفت في القيمة. وكذا مع الاختلاف يجوز الدفع من اي الصنفين شاء. كما ان في البقر يجوز ان يدفع الجاموس عن البقر وبالعكس. وكذا في الابل يجوز دفع البخاتي عن العراب وبالعكس، تساوت في القيمة أو اختلفت. ] خالفته الذي هو يوم الضمان على تفصيل ذكرناه في بحث المكاسب. (1) لا ريب ان عنوان الشاة المأخوذ في قوله (ع): (في كل اربعين شاة) كلي طبيعي صادق على الذكر والانثى والمعز والضأن بمناط واحد هذا وقد تقدم عدم وجوب الدفع من نفس النصاب بل يجوز اعطاء الشاة الكلية المأمور بها من خارج النصاب بل حتى من بلد آخر كما مر. ونتيجة ذلك ان النصاب في الغنم لو كان جميعه من الذكور جاز دفع الانثى وبالعكس وكذلك الحال بالنسبة إلى المعز والضان. وكذا الحال في صورة الاختلاف من غير ملاحظة القيمة في شئ من ذلك فله الدفع من اي الصنفين شاء كما ذكره في المتن. وكذلك الحلال في البقر والجاموس فيجوز دفع كل منهما عن الآخر لان الدليل الاولي الحاصر للزكاة في التسعة وان خص الحكم بالبقر مصرحا بان النبي صلى الله عليه وآله وضع الزكاة فيها وعفى عما عداها الا ان صحيحة زرارة المتضمنة ان في الجاموس مثل ما في البقر

[ 204 ]

[ (مسألة 8): لا فرق بين الصحيح والمريض، والسليم والمعيب، والشاب والهرم في الدخول في النصاب، والعد منه (1). لكن إذا كانت كلها صحاحا لا يجوز دفع ] كشفت عن انهما طبيعة واحدة في هذا الحكم وان اختص احدهما باسم خاص نظير المعز والضأن ومقتضى ذلك اجزاء كل منهما عن الآخر ومعه لا حاجة إلى ملاحظة التقسيط في القيمة كما ذكره في الجواهر إذ لا وجه له بعدما عرفت من اتحادهما في الحكم بمقتضى الصحيح المتقدم فيجزي تبيع الجاموس في نصاب البقر وبالعكس. وما ذكره في الجواهر من ان هناك خطابين تعلق احدهما بالبقر والآخر بالجاموس فلكل منهما نصاب مستقل فمع التلفيق يتجه التقسيط ومراعاة الامرين. غير ظاهر الوجه كيف ولازم تعدد الخطابين واستقلال النصابين عدم وجوب شئ اصلا لدى التلفيق لكون كل من الجنسين دون النصاب فلو كان عنده خمسة عشر من البقر ومثلها من الجاموس فحيث لم يكمل بعد شئ من النصابين لا زكاة عليه بتاتا كما لو كان عنده عشرون من الشياة وعشرون من البقر فلازمه سقوط الزكاة دون التقسيط. ومما ذكرناه يظهر الحال في الابل البخاتي والعرابي فيجوز دفع كل منهما عن الآخرة سواء تساوت القيمة أو اختلفت. (1) فالكل محسوب من النصاب بلا خلاف لاطلاق الادلة.

[ 205 ]

[ المريض. وكذا لو كانت كلها سليمة لا يجوز دفع المعيب. ولو كانت كل منها شابا لا يجوز دفع الهرم، بل مع الاختلاف ايضا الاحوط اخراج الصحيح، من غير ملاحظة التقسيط. نعم لو كانت كلها مراضا، أو معيبة، أو هرمة يجوز الاخراج منها. ] وأما في مقام الدفع والاداء، يعتبر ان يكون المدفوع من قسم الصحيح فلا يجزي المريض أو المعيب؟. للمسألة صور ثلاث إذ. تارة: تكون الشياة أو غيرها مما يتألف منها النصاب كلها شبابا صحاحا. واخرى: كلها مراضا أو معيبة. وثالثة: بالاختلاف فبعضها صحيح والبعض الآخر مريض أو معيب. اما في الصورة الاولى فلا خلاف كما لا اشكال في عدم جواز دفع الهرم أو المريض فانها القدر المتيقن من صحيحة أبي بصير الناطقة بذلك عن أبي عبد الله (ع) في حديث زكاة الابل: (قال: ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار. الا ان يشاء المصدق) (1) وموردها وان كان هو الابل الا انه لا ينبغي التأمل في عدم خصوصية لها وان الحكم عام لجميع الانعام بمقتضى الفهم العرفي فالتخيير في التطبيق الذي تقدم انه ثابت للمالك دون الساعي مقيد بهذه الصحيحة فلا خيار له من هذه الناحية، والعوار مطلق العيب كما في اللغة فيشمل المرض.


(1) الوسائل: ج 6 باب 10 من أبواب زكاة الانعام ح 3.

[ 206 ]

واما في الصورة الثالثة فالمشهور هو التقسيط على الصحيح والمعيب وهو وجيه بناءا على الاشاعة والشركة الحقيقة. بان يكون كل فرد من الشياة مشتركا بالنسبة بين المالك والفقير واما بناءا على ما هو الصحيح من الشركة في المالية أو على ما اختاره الماتن من الكلي في المعين فلا وجه لملاحظة التقسيط ابدا بل مقتضى اطلاق صحيح أبي بصير المتقدم لزوم دفع الصحيح لعدم قصوره عن الشمول للمقام كما لا يخفى واما في الصورة الثانية فالمشهور جواز دفع الهرمة أو المعيبة بل في الحدائق دعوى الاجماع عليه وناقش فيه غير واحد بمنافاته للاطلاق المتقدم. والصحيح ما عليه المشهور فان الزكاة حق متعلق بالعين كيفما قلنا في كيفية التعلق فالواجب ابتداء الدفع من نفس العين وان جاز التبديل بالقيمة، بمقتضى الدليل الثانوي الدال على جواز الاخراج من ايما تيسر كما في صحيح البرقي المتقدم، ومقتضى الاطلاقات جواز الدفع من العين كيفما كان سواء أكان صحيحا ام معيبا وقد خرجنا عنها بمقتضى صحيح أبي بصير ولاجله حكمنا بلزوم كون المدفوع من قسم الصحيح ولا ينبغي التأمل في ان هذه الصحيحة ناظرة إلى صورة وجود القسم الصحيح في النصاب فيلزم حينئذ ان يختاره وليس له ان يعدل عنه إلى المعيب واما لو كان الموجود في النصاب كله معيبا كما هو المفروض فاطلاق الصحيحة منصرف عن هذه الصورة جزما فتبقى الاطلاقات الاولية على حالها. ولا يقاس ذلك اعني قوله (ع): (في كل اربعين شاة) بقوله (ع): (في كل خمس من الابل شاة) لعدم المسانخة بين الخارج والمخرج

[ 207 ]

[ الشرط الثاني: السوم طول الحول (1)، فلو كانت معلوفة ولو في بعض الحول لم تجب فيها، ولو كان شهرا بل اسبوعا. نعم لا يقدح في صدق كونها سائمة في تمام الحول عرفا علفها يوما أو يومين. ] عنه في الثاني فلا مقتضى لدعوى الانصراف فيه ولاجله نحكم بلزوم دفع الشاة الصحيحة في زكاة الابل وان كانت الآبال كلها معيبة. وهذا بخلاف الاول الذي يكون فيه الخارج من سنخ النصاب نفسه فان الانصراف المزبور لعله غير قابل هنا للانكار كما يظهر بادنى تأمل (1) بلا خلاف فيه منا بل من الفريقين فعليه اجماع المسلمين على ما حكي ولا اشكال فيه في الجملة كما تشهد به جملة وافرة من النصوص كصحيح الفضلاء في حديث زكاة الابل: (قال: وليس على العوامل شئ انما ذلك على السائمة الراعية) (1)، وصحيحهم الآخر في حديث زكاة البقر: (ولا على العوامل شئ وانما الصدقة على السائمة الراعية) (2) وصحيحهم الثالث الوارد فيهما معا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع): (قالا: ليس على العوامل من الابل والبقر شئ انما الصدقات على السائمة الراعية) (3) وصحيح زرارة (ليس على ما يعلف شئ انما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل. فاما ما سوى ذلك فليس فيه شئ) (3)


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل: ج 6 باب 7 من أبواب زكاة الانعام ح 1 و 2 و 5 و 3.

[ 208 ]

انما الكلام في تحديد السوم فقد حدد بين افراط وتفريط، فعن الشيخ والمحقق في المعتبر التحديد بالغلبة في مجموع السنة فلو كانت سائمة سبعة اشهر ومعلوفة في خمسة اشهر كفى في صدق السوم. وبازائه ما اختاره المحقق في الشرايع وجملة ممن تأخر عنه من لزوم استمرار السوم في تمام الحول بحيث يقدح العلف في الاثناء ولو يوما واحدا فيوجب ذلك انقطاع الحول الموجب لاستيناف السوم. وذهب المشهور إلى اناطة الوصفين بالصدق العرفي فيتبع الحكم صدق عنواني السائمة أو المعلوفة عرفا كما هو الحال في بقية العناوين المأخوذة في موضوعات الاحكام. ولا يخفى ان هذا الاخير غير قابل للانكار فان المتبع في تشخيص المفاهيم الواردة في متعلقات الخطابات الشرعية انما هو الصدق العرفي كما هو واضح انما الكلام في تشخيص الصدق المزبور بعد وضوح امنتاع ارادة الاستمرار الحقيقي من مبدء الحول إلى منتهاه ليلا ونهارا لاحتياج الحيوان إلى النوم والراحة فلا يكاد يتفق وقوعه بهذا المعنى خارجا فالمراد ان تكون سائمة في اوقات اكلها والساعات المعدة لذلك بحسب المتعارف الخارجي بحيث لا يقدح العلف اليسير الذي ربما يتفق خلالها احيانا. وهل يلزم الاستمرار في ذلك بحيث يضر تخلف يوم مثلا أو يومين؟ الظاهر العدم لعدم قدح ذلك في صدق السوم بنظر العرف كما هو الحال في ساير العناوين فكما ان الحداد والبناء والنجار ونحو ذلك من الاوصاف العنوانية تصدق وان تخلف المتصف بها عن التصدي لها يوما أو يومين بل واكثر لعذر أو غير عذر فكذا

[ 209 ]

[ ولا فرق في منع العلف عن وجوب الزكاة بين ان يكون بالاختيار أو بالاضطرار (1). لمنع مانع من السوم، من ثلج، أو مطر، أو ظالم غاصب نحو ذلك - ولا بين ] الحال في عنوان السائمة فلا يقدح في الصدق عدم ذهاب الدابة إلى الاستيام يوما أو يومين لعذر من مرض أو مطر أو ثلج بل لغير العذر ايضا فالمناط ان تكونه الشاة بحيث لو سئل المالك عن كيفية اعاشتها لاجاب بانها تعيش بالسوم في قبال الاخرى التى تعيش بعلف المالك فالعلف في كل شهر يوما بحيث تعتلف في السنة اثني عشر يوما لا يضر بصدق السوم ولا ينقطع به الحول. واما لو اعتلف مقدارا اكثر بحيث شك معه في صدق السوم كالاسبوع أو العشرة ايام مستمرة. فالظاهر وجوب الزكاة ايضا للزوم الاقتصار في المخصص المنفصل الدائر بين الاقل والاكثر لشبهة مفهومية على المقدار المتيقن الذي يقطع بخروجه عن تحت العام كما هو محرر في الاصول وقد دلت المطلقات على وجوب الزكاة في كل من الانعام الثلاثة خرجنا عن ذلك بالدليل المنفصل في المعلوفة فما قطع بصدق المعلوفة عليه حكمنا بسقوط الزكاة عنه ورجعنا في ما عداه إلى المطلقات لسلامتها عما يصلح للتقييد ولا ريب ان الشك المزبور شحصي يتبع تحققه نظر الفقيه ولا يندرج تحت ضابط كلي والحكم في فرض حصوله ما عرفت من التمسك بالمطلقات. (1) كنزول مطر أو ثلج أو بالاكراه كمنع جائر أو ظلم غاصب كل ذلك لاطلاق الدليل إذ بالاخرة لم تكن الشاة سائمة باي سبب كان فينتفي موضوع الوجوب.

[ 210 ]

[ ان يكون العلف من مال المالك أو غيره باذنه أو لا باذنه (1) فانها تخرج بذلك كله عن السوم. وكذا لا فرق بين ان يكون ذلك باطعامها للعلف المجزوز، أو بارسالها لترعى بنفسها في الزرع المملوك (2). نعم لا يخرج عن صدق السوم باستئجار المرعى، أو بشرائه إذا لم يكن مزروعا كما انها لا يخرج عنه بمصانعة الظالم على الرعي في الارض المباحة. ] (1) للاطلاق ايضا وما يقال من الحاق الثاني بالسوم لاشتراكه معه في المجانية وعدم المؤونة فيكون واجدا لملاك الوجوب مدفوع بان العلة المستنبطة لا يعول عليها بحيث ترفع اليد بها عن اطلاق الدليل كما هو موضح في محله. (2) لما عرفت من الاطلاق بعد صدق عنوان المعلوفة على التقديرين إذ لافرق في الصدق بين تقديم الطعام إلى الحيوان أو تقديم الحيوان إلى الطعام المملوك. ودعوى: الحاق الثاني بالسوم لمشاركته معه في رعي الحيوان بنفسه مباشرة فيصدق انها مرسلة في الرعي الدي هو المناط في السوم. مدفوعة: وان قواها في الجواهر بعدم كفاية مطلق الارسال للرعي في صدق السوم بل اللازم بمقتضى صحيحة زرارة المتقدمة ان ترسل لترعى في مرجها، والمرج كما في اللغة الارض الواسعة التي فيها عشب كثير فالاعتبار بالرعي في تلك الاراضي والانتفاع من

[ 211 ]

زرعها المباح فلا يكفى الرعي من زرع المالك والصدق العرفي ايضا مساعد على ما ذكرناه فلا تصدق السائمة على ما ترتزق من الزرع المملوك كما لا يخفى. نعم. لا يضر بصدق السوم مصانعة الظالم على الرعي في الارض المباحة بان ياخذ شيئا من المالك ظلما ليسمح له في الرعي كما نبه عليه في المتن فان ذلك لا يضر بما هو الملاك في صدق السوم من الرعي في الارض الواسعة المباحة لان المال مبذول بازاء المقدمات لا بازاء نفس الزرع فهو كالمال المبذول لنفس الراعي اجرة لرعيه وكالمال الذي يأخذه الظالم عن كل راس من الاغنام أو الانعام لدى الخروج عن البلد للرعي أو لغيره، وكما لو توقف الخروج إلى الرعي على استطراق ارض الغير ولم يرض الا ببذل المال ففي جميع ذلك لا يقدح صرف المال في صدق السوم لما عرفت من انه مبذول بازاء مقدمات السوم الخارجة عن حقيقته. نعم: ربما يشكل الصدق فيما لو استأجر المرعى أو اشترى ارضا غير مزروعة فنبت فيها الزرع نظرا إلى صدق الرعي في المملوك عينا أو منفعة. والانصاف انه لو كنا نحن واطلاق جملة من النصوص المشتملة على التعبير بالسائمة الراعية اي المرسلة في رعيها لحكمنا بصدق السوم في المقام كما هو كذلك لغة ولكن صحيحة زرارة المتقدمة تضمنت حصر الصدقة في السائمة المرسلة في مرجها وان ما سوى ذلك ليس فيه شئ والمرج كما عرفت هي الارض الواسعة التي فيها نبت كثير فيختص الحكم بالرعي في الاراضي المباحة ولا تعم المملوك

[ 212 ]

[ الشرط الثالث: ان لا تكون عوامل (1) ولو في بعض الحول، بحيث لا يصدق عليها انها ساكنة فارغة عن العمل طول الحول، ولا يضر اعمالها يوما أو يومين في السنة كما مر في السوم. ] مثل البساتين ونحوها عينا أو منفعة فلا يصدق السوم المأخوذ في لسان الشارع في هذه الموارد فلا زكاة فيها. نعم: لو فرض الشك فقد مر حكمه من وجوب الزكاة عملا بالاطلاقات بعد الاقتصار في المخصص المجمل المنفصل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن ولكن لا تصل النوبة إلى الشك كما لا يخفى. (1) لابد من فرض الكلام في العوامل من السوائم والا فالعاملة المعلوفة لا زكاة فيها لعلفها وان لم تكن عاملة فلا اثر فيها لهذا الشرط ولاجله قيده في الشرايع بذلك فقال: (الشرط الرابع ان لا تكون عوامل فانه ليس في العوامل زكاة ولو كانت سائمة). وكيعما كان: فلا خلاف في المسألة بل ادعي عليه الاجماع في كثير من الكلمات وتدل عليه جملة من النصوص التي تقدمت في السوم وغيرها كصحاح الفضلاء الثلاث المتقدمة وصحيحة زرارة (1). نعم بازائها موثقة اسحاق بن عمار قال: (سألته عن الابل تكون للجمال أو تكون في بعض الامصار، أتجري عليها الزكاة كما


(1) الوسائل: ج 6 باب 7 من ابواب زكاة الانعام.

[ 213 ]

تجرى على السائمة في البرية؟ فقال: نعم) (1) فان اسناد الابل إلى الجمال ظاهر في مراعاة الوصف العنواني فيراد به الابل المعد للعمل بطبيعة الحال. وموثقته الاخرى: (سألت ابا ابراهيم (ع) عن الابل العوامل عليها زكاة؟ فقال: نعم عليها زكاة) (2). وقد حملهما الشيخ تارة على التقية نظرا إلى ان المشهور عند الجمهور عدم اعتبار هذا الشرط. واخرى على الاستحباب. لكن الاظهر هو الاول لان تقدم الجمع الدلالي على التصرف في الجهة خاص بما إذا تيسر الجمع المزبور لا في مثل المقام مما يتعذر فيه الحمل على الاستحباب لما اشرنا إليه سابقا من ان بين قوله: (فيه زكاة) وقوله: (ليس فيه زكاة) مناقضة ومدافعة في نظر العرف بحيث لا يصلح احدهما للقرينية فلا مناص من الحمل على التقية بعد ان كان الحكم مما انفردت به الامامية. ثم ان المعتبر عدم كونها عوامل في تمام الحول فيقدح العمل ولو في البعض والمتبع في ذلك الصدق العرفي كما تقدم في السوم فلا يقدح العمل اليسير المتفق احيانا كما كما لو ركب البعير السائمة للزيارة مثلا الا ان يكون معدا للاكتراء في ايام الزيارة فيقدح حينئذ لصدق انها عوامل ولو في خصوص هذا الايام التي هي قليلة بالاضافة إلى باقي ايام السنة فينقطع الحول بذلك والمرجع في فرض الشك في المخصص المجمل الدائر بين الاقل والاكثر اطلاقات الزكاة كما


(2) الوسائل: ج 6 باب 7 من ابواب زكاة الانعام ح 7. (3) الوسائل: ج 6 باب 7 من ابواب زكاة الانعام ح 8.

[ 214 ]

[ الشرط الرابع: مضي الحول عليها (1)، جامعة للشرائط. ويكفي الدخول في الشهر الثاني عشر (2) فلا يعتبر تمامه، فبالدخول فيه يتحقق الوحوب. بل الاقوى استقراره ايضا، فلا يقدح فقد بعض الشروط قبل تمامه. لكن الشهر الثاني عشر محسوب من الحول. فابتداء الحول الثاني انما هو بعد تمامه. ] تقدم في السوم. (1) بلا خلاف فيه عند الاصحاب بل المسلمين عامة كما قيل فلو خرج عن الملك اثناء الحول ثم رجع ثانيا بشراء أو ارث ونحوهما استأنف الحول وتشهد له جملة من النصوص. منها: صحيحة الفضلاء (... وكل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه فيه فإذا حال عليه الحول وجب عليه) (1). ورواية زرارة: (لا يزكى من الابل والبقر والغنم الا ما حال عليه الحول وما لم يحل عليه فكأنه لم يكن) (2) وصحيحة عبد الله بن سنان قال: (قال أبو عبد الله (ع): انزلت آية الزكاة في شهر رمضان فامر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في الناس ان الله قد فرض عليكم الزكاة (إلى ان قال) ثم لم يعرض لشئ من اموالهم حتى حال عليهم الحول) (3). (2) بلا خلاف فيه بل الاجماع عليه بقسميه كما في الجواهر


(1) و (2) و (3) الوسائل: ج 6 باب 8 من أبواب زكاة الانعام حديث 1 و 2 و 3.

[ 215 ]

ومستنده مصحح زرارة ومحمد بن مسلم قالا: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): ايما رجل كان له مال فحال عليه الحول فانه يزكيه. قلت له: فان وهبه قبل حله بشهر أو بيوم؟ قال: ليس عليه شئ ابدا. قال زرارة عنه انه قال: انما هذا بمنزلة رجل افطر في شهر رمضان يوما في اقامته ثم خرج في آخر النهار في سفر فاراد بسفره ذلك ابطال الكفارة التي وجبت عليه وقال: انه حين رأى هلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة ولكنه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شئ بمنزلة من خرج ثم افطر الخ) (1). ولا معارضة بينها وبين نصوص الحول فان لسانها لسان الحكومة كما لا يخفى. والمناقشة في سندها بابراهيم بن هاشم ضعيفة جدا إذ قد وثقه ابن طاووس في فلاح السائل صريحا مدعيا اتفاق الاصحاب عليه وهو ممدوح بلا اشكال فغايته ان تعد الرواية من الحسان المحكومة بالاعتبار وان لم تكن من الصحيح الاعلائي كيف وروايات علي بن ابراهيم تتجاوز الخمسة آلاف وقد روى اربعة آلاف منها بواسطة ابيه ابراهيم بن هاشم فلو بني على هذه المناقشة لزم رمي طائفة كبرى من النصوص والغائها عن الحجية وهو كما ترى لا يلتزم به الاصحاب جزما. وكيفما كان: فلم يوجد مخالف في المسألة الا المحدث الكاشاني (قده) حيث يظهر منه معدم الوجوب غايته انه لا يجوز تفويت الزكاة بعد دخول الشهر الثاني عشر ويجب التحفظ عليا ولا يسوغ التصرف


(1) الوسائل: ج 6 باب 12 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 2.

[ 216 ]

ببيع ونحو مما ينافي بقاء المال اما الوجوب فلا يتأتى الا بعد مضى الحول بكامله قائلا ان هذا من الضروريات التي ثبتت بالروايات فكيف يمكن رفع اليد عن هذا الحكم الضروري بالخبر الواحد المتقدم آنفا الذي فيه ما فيه مشيرا بذلك - على الظاهر - إلى اشتمال السند على ابراهيم بن هاشم كما عرفت. واستجوده صاحب الحدائق لولا ان الاجماع على خلافه وايده بصحيحة عبد الله بن سنان قال: (قال أبو عبد الله (ع): لما نزلت آية الزكاة خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها في شهر رمضان فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في الناس ان الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة... (إلى ان قال) ثم لم يتعرض لشئ من اموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل فصاموا وافطروا فأمر صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في المسلمين أيها المسلمون زكوا اموالكم) (1) حيث انها دلت صريحا على انه صلى الله عليه وآله لم يطالب المسلمين بشئ قبل انقضاء السنة بكاملها فتدل لا محالة على عدم تعلق الوجوب الا بعد مضي الحول التام. أقول: اما ما افاده من ان الحكم الضروري لا يرفع اليد عنه فلا يكاد يتحصل منه معنى صحيح لانه (قده) ان اراد ان الاشتراط بالحول بمعنى السنة الكاملة ضروري فيمكن ان يقال ان عدمه ضروري إذ لم يخالف احد من الفقهاء في الاكتفاء بدخول الشهر الثاني عشر كما مر. وان اراد بالحول اعم من ذلك الشامل لدخول الشهر المزبور فلا


(1) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 1.

[ 217 ]

منافاة بينة وبين الخبر الواحد المتقدم بوجه كما هو ظاهر. وبعبارة اخرى: لا ريب ان ظاهر الاخبار اعتبار الحول الكامل فان اطلاقه على السنة باعتبار دورانها وتحويلها عند انتهاء سيرها من نقطة كأول الربيع مثلا إلى ما بعدها الا ان الصحيحة الحاكمة دلتنا على ان المراد بالحول مجرد الدخول في الشهر الثاني عشر فلا بد من الاخذ به بعد حجيتة وعمل الاصحاب به قديما وحديثا من غير خلاف من احد ابدا. واما مناقشته في الصحيحة بقوله فيه ما فيه، فقد عرفت ما فيه. واما استشهاد صاحب الحدائق بحصيحة عبد الله بن سنان فلا شهادة لها على مسلك المحدث الكاشاني بوجه فانها انما دلت على تأخير المطالبة إلى ما بعد تمامية السنة وهو اجنبي عن محل الكلام من وجوب الزكاة على المالك ولعله صلى الله عليه وآله اخر ارفاقا أو لمصلحة اخرى وان تعلق الوجوب قبل ذلك. بل هو صلى الله عليه وآله اخر المطالبة عن ظرف التعلق على كل تقدير لان وجوب الزكاة قد نزل في شهر رمضان بمقتضى نفس هذه الصحيحة، وحلول الحول الكامل يستدعي المطالبة في رمضان القابل مع انه صلى الله عليه وآله اخرها إلى ما بعد الفطر كما صرح به فيها فقد اخر المطالبة بايام عديدة عن الوقت الذي حدث فيه الوجوب باجماع المسلمين اعني مضي السنة التامة فلا فرق بين القول بحدوث الوجوب بعد مضي السنة أو بدخول الشهر الثاني عشر في ان المطالبة قد تأخرت عن ظرف الوجوب على التقديرين فالاشكال مشترك الورود والحل ما عرفت من ان المطالبة شئ والوجوب شئ، واحدهما

[ 218 ]

اجنبي عن الآخر. وكيفما كان: فالصحيحة واضحة الدلالة على حدوث الوجوب بحلول الشهر الثاني عشر ولاسيما بملاحظة ما تضمنته من تشبيه المقام بالافطار في شهر رمضان حيث جعل الهبة بعد حلول الشهر بمنزلة السفر بعد الافطار ولاهبة قبله بمنزلة الافطار بعد السفر فانه كالصريح في حدوث وجوب الزكاة في هذا الوقت لا انه مجرد حرمة التفويت بل الحرمة مترتبة على وجوب الزكاة فكلام المحدث الكاشاني لا يمكن المساعدة عليه بوجه. نعم: يبقى الكلام في بعض الجهات: منها: ان الصحيحة قد دلت - كما عرفت - على تحقق الحول بدخول الشهر الثاني عشر فهل ذلك من اجل ان الحول حقيقة شرعية في باب الزكاة في احد عشر شهرا بحيث يحتسب الشهر الثاني عشر مبدءا لسنة جديدة كي ينقضي حولان بمضي اثنين وعشرين شهرا وتجب عندئذ زكاة اخرى لسنة جديدة كما ذهب إليه فخر المحققين على ما نسب إليه. الظاهر ان الامر ليس كذلك ولا يمكن المساعدة على ما ذهب إليه بوجه إذ لم يظهر من الصحيحة ان للحول معنى شرعيا غير معناه اللغوي بل غايتها الدلالة على انه قد حال عليه الحول المبني لا محالة على ضرب من العناية كما هو المتعارف في الاستعمالات الدارجة عند اهل العرف فيقال فيمن بقي في بلدة تسعة وعشرين يوما وبعد ان دخل في يوم الثلاثين انه اقام فيها شهرا باعتبار تلبسه بالجزء الاخير. وعلى الجملة: فلم يظهر من الصحيحة التصرف في معنى الحول بل

[ 219 ]

حكم فيها انه حال الحول وانه يكفي هذا المقدار في وجوب الزكاة واما انه حقيقة شرعية فيه كي تؤخذ منه ويلحق بالسنة الجديدة فكلا مضافا إلى الروايات الدالة على ان المال الواحد لا يزكى في سنة مرتين. على ان صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة ظاهرة في ذلك (1) إذ لم يطالبهم النبي صلى الله عليه وآله الا بعدما افطروا فحاسبهم بكل سنة سنة فليتأمل. إذا فلا موجب لاحتساب الشهر الثاني عشر من السنة الثانية بل لكل سنة زكاة واحدة فيلحق الشهر الثاني عشر بالسنة الاولى غاية الامر ان هذا الوجوب ليس فوريا بل يجوز تأخيره إلى آخر السنة لان النبي صلى الله عليه وآله طالب بعد انقضاء السنة فليس الحول في لسان الشرع غير الحول في لسان العرف. ومنها: انه هل الوجوب العارض بحلول الشهر الثاني عشر منجز مستقر أو انه مراعى ببقاء ساير الشرائط إلى آخر السنة فلو ارتفع بعضها كما لو جن أو نقص المال عن النصاب ونحو ذلك سقط الوجوب. ذهب جماعة إلى الاول ونسب الثاني إلى الشهيدين والمحقق الثاني. ولم يظهر له وجه صحيح فان الصحيحة ولا سيما بملاحظة التشبيه بمن افطر ثم سافر ظاهر في الوجوب المستقر فلا دليل على اعتبار بقاء الشرائط إلى نهاية السنة بعد ورود مثل هذا الدليل الحاكم


(1) بل ان رواية خالد بن الحجاج الكرخي كالصريحة في المطلوب باب 13 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 2 بيد انها ضعيفة السند لعدم ثبوت وثاقة الرجل فلا تصلح الا للتأييد.

[ 220 ]

[ (مسألة 9): لو اختل بعض الشروط في اثناء الحول قبل الدخول في الثاني عشر بطل الحول (1)، كما لو نقصت عن النصاب، أو لم يتمكن من التصرف فيها أو عاوضها بغيرها وان كان زكويا من جنسها. فلو كان عنده نصاب من الغنم مثلا ومضى ستة اشهر فعاوضها بمثلها، ومضى عليه ستة اشهر اخرى لم تجب عليه الزكاة بل الظاهر بطلان الحول بالمعاوضة. وان كانت بقصد الفرار من الزكاة. ] المتضمن لتفسير الحول بالدخول في الشهر الثاني عشر الكاشف عن ان هذا هو المراد مما دل على بقاء الشرائط إلى نهاية الحول. نعم ما اختاره الشهيد الثاني في المسالك وجيه على مسلكه حيث ارتأى ضعف الرواية وعول في المسألة على الاجماع وهو دليل لبي. يقتصر على المتيقن منه وهو اصل الوجوب دون الاستقرار، فما دل على لزوم كون الغنم سائمة في تمام الحول مثلا هو المحكم. وأما على ما ذكرناه من صحة الرواية وحجيتها فلا قصور لها، وقد عرفت ان مقتضى اطلاقها هو الوجوب المستقر فلا موجب لكونه مراعى والالتزام بالشرط المتأخر كما لا يخفى. (1) كما هو ظاهر مما تقدم بعد وضوح انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وانما الكلام في موردين: احدهما: مالو بدل جنسا زكويا بمثله في اثناء الحول كما لو كانت عنده اربعون من الغنم وقد مضى ستة اشهر فعاوضها بمثلها ومضى ستة اشهر اخرى فان المنسوب إلى الشيخ في المبسوط وجوب الزكاة حينئذ ووافقه فخر المحققين في شرحه على الارشاد بعد ان نسبه إلى الشيخ وانه استدل بالرواية. ولكن الرواية لا وجود لها والشيخ ايضا لم يستدل بها ولم يذكرها لا في كتب الحديث ولا الاستدلال

[ 221 ]

وانما استند إلى الاطلاق لصدق انه ملك اربعين سائمة طول الحول وان لم ينطبق على شخص معين بل كان منطبقا على جنسه. ولكنك عرفت عدم الاطلاق في شئ من النصوص وانها ظاهرة في حلول الحول على شخص العين الزكوية وان يكون عند ربه طول الحول فاستظهار الاكتفاء بالجنس دون الشخص في غير محله. فالصحيح ما عليه المشهور شهرة عظيمة بل كادت تكون اجماعا من سقوط الزكاة حينئذ عملا بظواهر النصوص الدالة على لزوم مراعاة الشرائط في نفس العين إلى تمام الحول كما عرفت. الثاني: لا ريب في عدم وجوب الزكاة فيما لو خرج عن الملك اثناء الحول بسبب غير اختياري وكذا الاختياري لغاية اخرى غير الفرار. وانما الكلام فيما لو اخرجه عن الملك بهبة ونحوها بقصد الفرار من الزكاة فان المشهور حينئذ سقوط الزكاة ايضا اي عدم تعلق الوجوب فلا فرق في ذلك بين قصد الفرار وبين غيره من ساير الدواعي لاطلاق النصوص بل التصريح في جملة منها بالسقوط عمن فرعنها بالتبديل كما في صحيحة عمر بن يزيد قال: (قلت لابي عبد الله (ع): رجل فر بماله من الزكاة فاشترى به ارضا أو دارا أعليه شئ؟ فقال: لا ولو جعله حليا أو نقرا فلا شئ عليه وما منع نفسه من فضله اكثر مما منع من حق الله الذي يكون فيه) (1). وعن جماعة كثيرين ثبوت الزكاة حينئذ وعدم سقوطها فيما إذا كان بقصد الفرار ومنهم السيد المرتضى (قده) مستدلا عليه بعد


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1.

[ 222 ]

دعوى الاجماع بحملة من الاخبار مدعيا انها اقوى واوضح طريقا من النصوص المتقدمة وانها محمولة على التقية لان عدم الوجوب مذهب جميع المخالفين. اقول: اما ما افاده من ان عدم الوجوب مذهب جميع المخالفين فليس الامر كذلك بل المسألة عندهم ايضا خلافية وهي ذات قولين فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم الوجوب ومالك واحمد بن حنبل إلى الوجوب كما نبه عليه في الحدائق والمذاهب الاربعة وان لم تكن كلها مشهورة في زمن الصادقين (ع) الا انه يعلم من ذلك وجود الخلاف بين العامة آنذاك المانع عن الحمل على التقية كما لا يخفى فليتأمل. واما ما ذكره (قده) من ان نصوص الثبوت اوضح طريقا من نصوص السقوط فليس كذلك ايضا، فان نصوص السقوط كثيرة وجملة منها صحاح كصحيحة عمر بن يزيد المتقدمة آنفا واما روايات الثبوت فهي اربع: احداها: ما رواه الشيخ باسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن عبد الله عن محمد بن أبي عمير عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: الرجل يجعل لاهله الحلي (إلى ان قال) قلت له: فانه فر به من الزكاة فقال: ان كان فر به من الزكاة فعليه الزكاة وان كان انما فعله ليتجمل به فليس عليه زكاة) (1). ولا مجال لحملها على ما إذا كان الفرار بعد حلول الحول لعدم


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 6.

[ 223 ]

الفرق حينئذ بين ما إذا كان بقصد الفرار أو بقصد التجمل فلا يستقيم ما تضمنته من التفصيل بينهما كما هو ظاهر فهي صريحة الدلالة غير ان سندها قابل للخدش لمكان محمد بن عبد الله فان المسمى بهذا الاسم الواقع في هذه الطبقة اعني طبقة مشايخ ابن فضال مشترك بين الثقة وهو محمد بن عبد الله بن زرارة بن اعين وبين الضعيف وهو محمد بن عبد الله بن مهران فانه ايضا معروف وله كتاب ولكنه كذاب غال كما عن النجاشي وبين مجهول الحال وهو محمد بن عبد الله بن عمرو الذي هو ايضا معروف وله كتاب فالاسم مردد بين الثقة والضعيف والمجهول. وما عن صاحب الحدائق من توصيفها بالصحة نظرا إلى ان ابن ادريس رواها في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب معاوية ابن عمار نفسه فليس في الطريق محمد بن عبد الله ليتأمل من اجله (كما ترى) ضرورة ان ابن ادريس لم يكن معاصرا لمعاوية بن عمار فبينهما واسطة لا محالة وهي مجهولة إذ لم يعلم طريقه إلى الكتاب لعدم تعرضه إليه لا في السرائر ولا في غيره. هذا. ولكن الظاهر ان المراد به هو الثقة اعني محمد بن عبد الله بن زرارة بن اعين الموثق عندنا ولا اقل من اجل وقوعه في اسناد كامل الزيارات فان المسمى بهذا الاسم الواقع في هذه الطبقة وان كان كثيرا الا ان من بروي عنه علي بن الحسن بن فضال هو هذا الرجل لروايته عنه في مواضع كثيرة تبلغ نيفا وثلاثين موضعا فهو كثير الرواية عن هذا الرجل بل لم نظفر على روايته عن غيره ممن يسمى بهذا الاسم.

[ 224 ]

أجل روى في التهذيب عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن عبد الله الحلبي الا ان في نسخة اخرى من التهذيب عبيد الله بدل عبد الله كما انه روى في مواضع أخر ايضا عن عبيد الله الحلبي فلم تثبت روايته عن غير محمد بن عبد الله بن زرارة فهذه القرينة تورث الاطمئنان بأن المراد به في المقام هو ابن زرارة كما ذكره الاردبيلي إذا فالمناقشة في السند في غير محلها. الثانية: موثقة زرارة قال: (قلت لابي عبد الله (ع) ان اباك قال: من فر بها من الزكاة فعليه ان يؤديها فقال: صدق ابي ان عليه ان يؤدي ما وجب عليه وما لم يجب عليه فلا شئ عليه منه الخ) (1) ولكن الدلالة كما ترى قاصرة بل يمكن ان يقال انها ظاهرة في العدم حيث فسر الصادق (ع) ما قاله ابوه ونزله على ما إذا كان الفرار بعد استقرار الوجوب عليه اي بعد حلول الحول وان عليه ان يؤدي حينئذ ما وجب عليه ولا ينفعه الفرار بخلاف ما إذا كان ذلك قبل ان يجب عليه اي قبل حلول الحول فانه لا شئ عليه منه اي من فراره فهي إذا على خلاف المطلوب ادل وتلحق بالطائفة الاولى الدالة على السقوط كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر الجواب عن الرواية. الثالثة: وهي موثقة محمد بن مسلم قال: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحلي فيه زكاة؟ قال: لا الا ما فر به من


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 5

[ 225 ]

الزكاة) (1) لوضوح انها مطلقة من حيث كون الفرار بعد الحول أم اثنائه فتحمل على ما بعد الحول بقرينة نصوص الطائفة الاولى المصرحة بسقوط الزكاة فيما إذا كان الفرار اثناء الحول. الرابعة: موثقة اسحاق بن عمار: (عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير أعليه زكاة فقال: ان كان فر بها من الزكاة فعليه الزكاة) (2). وهي مضمونا تقارب سابقتها فيجري فيها الجواب المتقدم من انها مطلقة من حيث كون الفرار قبل الحول ام بعده فتحمل على ما بعده بقرينة النصوص المتقدمة النافية للزكاة لو كان الفرار قبله. وغير خفي ان هذه الرواية معتبرة لصحة طريق الشيخ إلى اسحاق ابن عمار المنتهي إلى محمد بن علي بن محبوب كما ذكره في الفهرست. نعم لم يتعرض له في المشيخة فما في جامع الرواة من ان طريق الشيخ إلى اسحاق بن عمار صحيح في الفهرست والمشيخة سهو من قلمه الشريف إذ لم يتعرض للطريق المزبور في المشيخة. وقد اكثر الاردبيلي من هذا النوع من الاشتباه وقد احصيناه فبلغ تسعة وثلاثين موردا ذكر فيها ان الطريق صحيح في المشيخة والفهرست مع انه مذكور في الفهرست فقط التي منها طريقه إلى محمد بن علي بن محبوب فانه صحيح في الفهرست واما في المشيخة فهو وان كان مذكورا الا انه ليس بصحيح لان فيه احمد بن محمد بن يحيى وفيه كلام وبالجملة: فهذه الروايات ما عدا الاولى منها قاصرة الدلالة وان


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 7. (2) الوسائل: ج 6 باب 5 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 3.

[ 226 ]

[ (مسألة 10): إذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف من النصاب شئ (1)، فان كان لا بتفريط من المالك لم يضمن وان كان بتفريط منه - ولو بالتأخير، مع التمكن من الاداء - ضمن بالنسبة. نعم لو كان ازيد من النصاب، وتلف منه شئ، مع بقاء النصاب على حاله لم ينقص من الزكاة شئ، وكان التلف عليه بتمامه مطلقا، على اشكال. ] صحت اسنادها فكيف تكون اقوى واوضح طريقا كما ادعاه السيد (قده). هذا ومع الغض عما ذكر فان امكن الجمع بالحمل على الاستحباب كما هو ليس بكل البعيد نظرا إلى ان هذا الجمع وان ناقشنا فيه سابقا باعتبار ان بين قوله: (فيه الزكاة) و (ليس فيه الزكاة) تهافتا في نظر العرف فلا يقبل الحمل المزبور الا انه في خصوص المقام غير بعيد من اجل التعليل في بعض تلكم النصوص بان ما منع نفسه من فضله اكثر مما منع من حق الله كما في صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة. وبالجملة: فان امكن هذا الجمع فهو والا فقد عرفت فيما مر عدم استقامة الحمل على التقية. وعليه فبعد تعارض الطائفتين وتساقطهما يرجع إلى اطلاقات ادلة اعتبار الحول التي مقتضاها عدم تعلق الزكاة فيما لم يمر عليه الحول سواء أكان ذلك بقصد الفرار ام بغير ذلك، ومع الغض عن ذلك فالمرجع اصالة البراءة. (1) تارة يفرض الكلام فيما لو عرض التلف بعد العزل واخرى

[ 227 ]

قبله. اما الاول فحكمه ظاهر من كون التلف من المالك ان عرض على المعزول عنه ومن الزكاة ان عرض على المعزول بشرط عدم التفريط والا كان ضامنا وسيجئ التعرض له في كلام الماتن قريبا ان شاء الله تعالى. والكلام فعلا متمحض في الثاني اعني حكم التلف قبل الافراز والعزل وهذا قد يفرض فيه عروض التلف على جميع المال الزكوي وقد يفرض على مقدار منه كشاة واحدة من اربعين شاة. اما الاول: فلا ريب ان مقتضى القاعدة فيما لو تلف الكل بحرق أو غرق أو سرقة ونحوها ولم يكن بتفريط من المالك ولو بالتأخير في الدفع مع وجود المستحق هو عدم الضمان على اختلاف المباني في كيفية تعلق الزكاة من كونها بنحو الشركة الحقيقية اي الاشاعة أو الشركة في المالية أو الكلي في المعين إذ على الاول قد تعلق التلف بالمال المشترك وعلى الثاني لا مالية ليشترك فيها الفقير وعلى الثالث قد تلف مخرج الكلي. وعلى الجملة فالزكاة على التقادير الثلاثة حق متعلق بالعين لا موضوع له عند فناء العين وانعدامها غير المستند إلى التفريط حسب الفرض فان الزكاة حينئذ امانة شرعية في يد المالك ومثلها لا ضمان فيها. نعم: يتجه الوجوب على مبنى واحد وهو ان تعلقها بالعين من قبيل تعلق حق الرهانة فالواجب كلي في الذمة والعين الخارجية وثيقة كما في الرهن لا يجوز التصرف فيها ما لم تبرء الذمة إذ على هذا المبنى لم يطرء التلف على الزكاة لان موطنها الذمة ومثله مصون عن التلف. لكن المبنى المزبور فاسد جدا وغير قابل للتصديق بوجه لتطابق النصوص طرأ على ان الزكاة كيفما كان حق متعلق بالعين الخارجية

[ 228 ]

فهي الموطن له دون الذمة ونتيجته ما عرفت من عدم الضمان حسبما ذكرناه. وتؤيده مرسلة ابن أبي عمير الواردة في مفروض الكلام عن أبي عبد الله (ع): (في الرجل يكون له ابل أو بقر أو غنم فيحول عليه الحول فتموت الابل والبقر والغنم ويحترق المتاع قال ليس عليه شئ) (1) فانها ظاهرة في موت الانعام أو احتراق المتاع من قبل انفسها من غير تفريط إذ التعبير بالموت والاحتراق ظاهر في ذلك كما لا يخفى فلا اطلاق لها يقتضي نفي الضمان ولو مع التفريط ليحتاج إلى التقييد بالاجماع. وهي دليل على المطلوب بناءا على المشهور من ان مراسيل ابن أبي عمير في حكم المسانيد، واما على المختار من انها كمراسيل غيره لا حجية لها فلا تصلح الا للتأييد. وكيفما كان فالحكم مما لا اشكال فيه ولا خلاف والمسألة مورد للاجماع والتسالم. هذا كله فيما إذا لم يكن مفرطا اما مع التفريط فهو ضامن لتمام الزكاة كما هو الحال في ساير موارد التفريط المتعلق بمال الغير. واما الثاني: اعني ما لو تلف بعض النصاب كما لو تلف من الاربعين شاة نصفها فان لم يكن عن تفريط فلا ضمان على المالك بل يقسط التلف عليهما بالنسبة فينقص عن الزكاة في المثال نصف الشاة إذ نسبة التلف إلى احدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح فلا مناص من التقسيط. وان كان بتفريط منه ولو بالتأخير في الاداء مع التمكن منه فقد


(1) الوسائل: ج 6 باب 12 من أبواب زكاة الانعام ح 2.

[ 229 ]

ذكر في المتن انه يضمن بالنسبة فان كان هناك اجماع كما لا يبعد والا فلا يتم على جميع المباني. إذ لو بنينا على ان تعلق الزكاة بالعين من قبيل الكلي في المعين كما عليه الماتن لم يطرء تلف على الزكاة ليحكم بالضمان كما لو باع صاعا من صبرة مشتملة على صياع فتلف بعضها فانه محسوب من المالك بلا اشكال لعدم عروض التلف على الكلي الذي هو حق المشتري فيلزم في المقام دفع الزكاة من الباقي. نعم يتجه ذلك بناءا على الشركة الحقيقية أو في المالية كما لا يخفى. ولكن الحكم المزبور مورد للاجماع ظاهرا. هذا كله فيما إذا كان الموجود بمقدار النصاب واما لو كان ازيد منه وتلف منه شئ مع بقاء النصاب على حاله كما لو كان عنده خمسون من الشياة فتلف منها خمسة أو عشرة فحينئذ كان التلف على المالك ولو ينقص من الزكاة شئ كما ذكره في المتن، والوجه فيه ما اشرنا إليه فيما مر عند التعرض لدفع الاشكال المعروف في نصاب الغنم. وملخصه ان موضوع النصاب وهو ان في كل اربعين شاة متحقق في المقام بمقتضى الاطلاق لصدقه على الموجود الخارجي فيعمه الحكم. وبعبارة اخرى: تتألف الشياة الخمسون - في المثال - من اربعين وفيها شاة ومن عشرة ولا شئ فيها، وبما ان النصاب اعني الاربعين ملحوظ بنحو الكلي الطبيعي وهو صادق على المجود الخارجي بعد التلف فلا جرم يشمله اطلاق الدليل فان كلية النصاب تستدعي سلامته عن التلف بعد وجود مصداقه في الخارج ونتيجته احتساب التلف بتمامه على المالك كما ذكرناه.

[ 230 ]

[ (مسألة 11): إذا ارتد الرجل المسلم، فاما ان يكون عن ملة أو عن فطرة. وعلى التقديرين: اما ان يكون في اثناء الحول أو بعده (1) فان كان بعده وجبت الزكاة سواء كان عن فطرة أو ملة. ولكن المتولي لاخراجها الامام (ع)، أو نائبه، وان كان في اثنائه وكان عن فطرة انقطع الحول ولم تجب الزكاة واستأنف الورثة الحول لان تركته تنتقل إلى ورثته. وان كان عن ملة لم ينقطع ووجبت بعد حول الحول لكن المتولي الامام (ع) أو نائبه ان لم يتب، وان تاب قبل الاخراج اخرجها بنفسه واما لو اخرجها بنفسه قبل التوبة لم تجز عنه. الا إذا كانت العين باقية في يد الفقير فجدد النية، أو كان الفقير القابض عالما بالحال، فانه يجوز له الاحتساب عليه لانه مشغول الذمة بها، إذا قبضها مع العلم بالحال واتلفها، أو تلفت في يده. واما المرأة فلا ينقطع الحول بردتها مطلقا. ] ومنه تعرف ان استشكال الماتن (قده) في غير محله إذ لم يعرف له وجه عدا احتمال كون النصاب الثابت في المجموع المشتمل عليه وعلى الزائد من قبيل الجزء المشاع إذ عليه لا وجه لاحتساب التلف من خصوص الزائد وقد ظهر جوابه مما مر فلاحظ. (1) تارة يفرض الارتداد اثناء الحول واخرى بعده وعلى التقديرين

[ 231 ]

فاما ان يكون عن فطرة أو عن ملة وعلى التقادير فاما ان يكون رجلا أو امرأة فهذه صور لا بد من التعرض لحكمها. اما إذا كان بعد الحول فقد استقرت عليه الزكاة إذ لا يقتضي الارتداد سقوطها بوجه فيجب عليه أدائها ولكن بما انها عبادة لا تصح من الكافر فلا جرم يتصدى لاخراجها الامام (ع) أو نائبه. وهذا في المرتد المللي واضح لتمكنه من الاداء باختيار التوبة والرجوع إلى الاسلام لقبول توبته بلا كلام فهو قادر على اداء الزكاة بالقدرة على مقدمتها وهي التوبة والرجوع فلو لم يرجع دخل في الممتنع ولا شك ان الحاكم الشرعي ولي الممتنع في اخذ الزكاة منه ولو قهرا كما يشير إليه قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة) وتبرء ذمته بذلك. ويلحق به الفطري ان كان امرأة لقبول توبتها كالملي بلا اشكال فيجري عليها حكمه. واما الرجل الفطري فهو محكوم باحكام ثلاثة القتل وبينونة الزوجة وانتقال ماله إلى الورثة. ولا كلام كما لا اشكال في عدم قبول توبته بالاضافة إلى شئ من هذه الاحكام فتنفذ في حقه ولا تنفع التوبة في سقوط شئ منها وهل تقبل توبته بالاضافة إلى ساير الاحكام التي منها اداء الزكاة في المقام؟ الظاهر هو القبول. وبدلنا عليه مضافا إلى اطلاقات احكام الاسلام من كل معترف بالشهادتين انه لا شك في أن هذا الشخص اعني التائب عن الارتداد الفطري مكلف بالصلاة والصيام إذ لا يحتمل ان يبقى مطلق العنان غير مكلف بشئ كالبهائم فان هذا خلاف المقطوع به من الشرع كما

[ 232 ]

لا يخفى ولا تكاد تصح منه هذه التكاليف الا مع افتراض قبول التوبة لعدم صحتها من الكافر. وعليه فحاله حال الملي في كونه متمكنا من اداء الزكاة بالرجوع والتوبة واختيار الاسلام فلو لم يرجع كان من الممتنع وقد عرفت ان الحاكم الشرعي ولي الممتنع فيكون هو المتصدي للاخراج. فتحصل انه في جميع هذه الفروض يكون المتولي هو الامام أو نائبه. هذا كله فيما إذا لم يتب. وأما لو تاب فاما أن يكون قبل الاخراج أو بعده ففي الاول يتولى الاخراج بنفسه. وأما الثاني اعني ما لو اخرجها بنفسه حال الارتداد ثم تاب فهو على صور: لانه اما ان تكون العين باقية في يد الفقير أو تالفة وعلى الثاني فاما ان يكون الفقير القابض عالما بالحال - اي حالة ارتداد الدافع - أو جاهلا. فمع بقاء العين يجدد النية إذ لا اثر للدفع السابق الصادر حال الارتداد واما مع التلف فان كان عن علم من القابض جاز الاحتساب عليه لانه مدين للمالك وضامن للمال إذ مع علمه بارتداد المالك المستلزم لعدم اتصاف المدفوع بالزكاة وبقائه على ملك مالكه فتصرفه فيه تصرف في مال الغير وليس التسليط من المالك الا بعنوان - وهو الزكاة - يعلم القابض بعدم صحته من المالك حسب الفرض وعليه فلو اتلفها أو تلفت في يده كان الفقير القابض مشغول الذمة ومدينا فيجوز للمالك ان يحتسب هذا الدين من الزكاة فلا يجب عليه الدفع ثانيا.

[ 233 ]

نعم يجب ذلك في الصورة الثالثة اعني ما إذا كان القابض جاهلا بالحال لعدم ضمانه حينئذ بعد ان كان مغرورا من قبل المالك إذ هو الذي سلطه على المال مجانا وغرره في اتلافه فكان قرار الضمان عليه لا على الفقير الجاهل فلا دين ليحتسب من الزكاة فلا مناص من تكرارها ودفعها ثانيا فلا حاجة إلى التكرار الا في صورة واحدة من هذه الصور الثلاث واما في الصورتين الاخريين فيجدد النية أو يحتسب حسبما عرفت. واما إذا كان الارتداد اثناء الحول فان كان عن فطرة انقطع الحول وسقطت عنه الزكاة لخروج المال عن ملكه وانتقاله إلى الورثة ووجب استيناف الحول على كل وارث بلغت حصته النصاب وعلى اي حال لا موضوع للزكاة بالاضافة إلى المرتد نفسه. وان كان ملة أو كان امرأة وان كان ارتدادها عن فطرة فبما ان المال باق على ملك المالك حينئذ فلا موجب لانقطاع الحول بل ينتظر إلى ما بعد حلول الحول فان تاب ورجع كان هو المتولي للاخراج والا دخل في الممتنع وكان المتصدي حينئذ هو الحاكم الشرعي حسبما عرفت. وكيفما كان: فسقوط الزكاة عن الكافر على القول به - كما تقدم - يراد به الكافر الاصلي والا فالارتداد لا يوجب سقوط الاحكام الثابتة في الاسلام لاطلاقات الادلة مضافا إلى بعض النصوص الخاصة الواردة في الموارد المتفرقة غاية الامر ان كفره مانع عن تصديه بنفسه فيتولاه الحاكم الشرعي حسب التفصيل الذي عرفت بما لا مزيد عليه. نعم في المرتد الفطري لا يبعد القول بان الولاية للوارث دون الحاكم كما اشار إليه سيدنا الاستاد - دام ظله - في تعليقته الشريفة

[ 234 ]

[ (مسألة 12): لو كان مالكا للنصاب لا ازيد - كاربعين شاة مثلا - فحال عليه احوال (1)، فان اخرج زكاته كل سنة من غيره تكررت، لعدم نقصانه حينئذ عن النصاب. ولو اخرجها منه، أو لم يخرج اصلا لم تجب الا زكاة سنة واحدة، لنقصانه حينئذ عنه. ] نظرا إلى ما تقدم من ان الخيار انما هو للمالك لا للساعي ولا للفقير بمقتضى صحيحة بريد المعللة بانه الشريك الاعظم وان اكثره له حيث يستفاد منها ان الاختيار في باب الزكاة اي ولاية التطبيق انما هي بيد الشريك الاعظم الاوفر نصيبا ومصداقه في المقام هو الوارث لانتقال المال إليه بعد الارتداد عن فطرة فانه الشريك فعلا مع الفقير بدلا عن المالك قبل الارتداد فالمقام نظير الموت الحقيقي فكما ان المالك لو مات بعد حلول الحول كان الخيار للوارث بلا خلاف فيه ولا اشكال وهو مورد للاجماع والتسالم ظاهرا فكذا في الارتداد الذي هو موت معنوي وكيفما كان مشمول النص المتقدم للمقام غير بعيد. (1) فاما ان يكون قد اخرج زكاته كل سنة من غير النصاب اما من الجنس أو من القيمة أو اخرجها من نفس النصاب أو لم يخرج اصلا. ففي القسم الاول: تتكرر الزكاة لكل سنة لعدم نقصان المال عن النصاب بعد فرض الدفع من خارجه لكن مبدء الحول للسنة الثانية انما هو من زمان الدفع فانه الزمان الذي يملك فيه النصاب تاما اما قبله فناقص للاشتراك بينه وبين الفقير كما هو ظاهر.

[ 235 ]

[ ولو كان عنده ازيد من النصاب (1) - كأن كان عنده خمسون شاة - وحال عليه أحوال لم يؤد زكاتها، وجب ] وفي القسم الثاني لم تجب الا زكاة السنة الاولى لنقصه بذلك عن النصاب فلا موضوع للزكاة في السنين اللاحقة. وكذا الحال في القسم الثالث إذ بعد شركة الفقير معه في السنة الاولى بمقتضى تعلق الزكاة فقد نقص عن النصاب فلا موضوع للوجوب بعدئذ. وهذا بناءا على الشركة الحقيقية أو في المالية أو الكلي في المعين واضح لتعلق الزكاة حينئذ بالعين على جميع هذه المباني فينقص عنها بالنسبة حسبما عرفت. واما بناءا على انها بنحو الكلي في الذمة ولا تعلق لها بالعين الا بنحو الوثيقة المتحققة في حق الرهانة فربما يتوهم ان اللازم حينئذ تكرار الزكاة لكل سنة لعدم نقص شئ من العين بعد تعلق الحق بالذمة فيبقى النصاب على حاله. ويندفع بان العين وان كانت بأجمعها للمالك ولم يكن شئ منها ملكا للفقير على هذا المبنى الا انها متعلق لحقه سنخ حق الرهانة كما هو المفروض فلا يكون الملك طلقا تام التصرف إذ لا يجوز للمالك التصرف قبل فك الرهن واداء الحق وقد تقدم اعتبار الملك الطلق في تعلق الزكاة. على ان هذا المبنى فاسد جدا كما سيجئ التعرض له في محله ان شاء الله تعالى. (1) فيجب في هذه الصورة دفع الزكاة عن كل سنة لعدم النقص

[ 236 ]

[ عليه الزكاة بمقدار ما مضى من السنين إلى ان ينقص عن النصاب. فلو مضى عشر سنين - في المثال المفروض - وجب عشرة. ولو مضى أحد عشر سنة وجب احد عشره شاة، وبعده لا يجب عليه شئ، لنقصانه عن الاربعين. ولو كان عنده ست وعشرون من الابل ومضى عليه سنتان وجب عليه بنت مخاض للسنة الاولى، وخمس شياة للثانية. وان مضى ثلاث سنوات وجب للثالثة أيضا اربع شياة. وهكذا... إلى ان ينقص من خمسة فلا تجب. ] بذلك عن النصاب كما كان كذلك في الصورة السابقة فيدفع لو كان عنده اربعون مثقالا من الذهب عن كل سنة دينارا إلى ان ينقص عن العشرين أو كان عنده مائة شاة عن كل سنة شاة إلى ان ينقص عن الاربعين فلو كان عنده خمسون من الغنم ومضى عليه أحدى عشرة سنة وجب احد عشر شاة لكل سنة شاة وبعده لا يجب شئ لنقصانه حينئذ عن الاربعين كما ذكره في المتن. نعم ربما يتفاوت الحال كما في نصاب الابل فلو كان عنده ست وعشرون من الابل ومضى عليه سنتان وجب عليه بنت مخاض للسنة الاولى فينتقل حينئذ إلى النصاب السابق اعني خمسا وعشرين فيجب حينئذ خمس شياة للسنة الثانية ولكنه يتوقف على ان تكون قيمة بنت مخاض مساوية لقيمة الواحدة من الابل أو أقل إذ لو كانت ازيد لم يملك حينئذ خمسا وعشرين تامات ليجب خمس شياة كما

[ 237 ]

[ (مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الانعام ملك جديد، إما بالنتاج، وإما بالشراء، أو الارث، أو نحوها. فان كان بعد تمام الحول للسابق قبل الدخول في اللاحق (1) فلا اشكال في ابتداء الحول للمجموع، ان كمل بها النصاب اللاحق. ] انه لو مضت ثلاث سنوات وجب للثالثة ايضا اربع شياة التي هي النصاب الرابع ولكنه ايضا يتوقف على ان يكون قيمة بنت المخاض وخمس شياة اكثر من قيمة الواحدة والا فلو كان في الابل ما تساوي قيمته ذلك لم يبعد وجوب خمس شياة للسنة الثالثة ايضا لكونه مالكا حينئذ خمسا وعشرين من الابل تامة. وهذا بناءا على المختار في كيفية التعلق من انها بنحو الشركة في المالية كما سيجئ تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. (1) الظاهر انه (قده) يريد بذلك حصول الملك الجديد في الشهر الثاني عشر الذي هو متوسط بين الحولين بناءا على ما مر من تعلق الوجوب بل استقراره وانتهاء الحول بدخول الشهر الثاني عشر وان كان ابتداء الحول اللاحق من الشهر الثالث عشر. ولم يذكر (قده) في هذا القسم الا صورة واحدة وهي ما إذا كان الملك الجديد مكملا للنصاب اللاحق كما لو كان مالكا لسبعة من الابل فملك في الشهر الاخير ثلاثة اخرى ولم يتعرض لما إذا كان عفوا أو نصابا مستقلا.

[ 238 ]

[ واما ان كان في اثناء الحول، فاما ان يكون (1) ما حصل بالملك الجديد بمقدار العفو ولم يكن نصابا مستقلا ولا مكملا لنصاب آخر، واما ان يكون نصابا مستقلا واما ان يكون مكملا للنصاب. اما في القسم الاول فلا شئ عليه، كما لو كان له هذا المقدار ابتداءا. وذلك كما لو كان عنده من الابل خمسة، فحصل له في اثناء الحول اربعة اخرى. أو كان عنده اربعون شاة، ثم حصل له اربعون في اثناء الحول. ] وكيفما كان فلا اشكال في ابتداء الحول للمجموع فيما إذا كان الملك الجديد في آن تم به الحول الاول اي مجموع اثني عشر شهرا فيستأنف للجميع حولا واحدا كما ذكره في المتن وهذا ظاهر. (1) قسم (قده) الملك الجديد الحاصل اثناء الحول على ثلاثة اقسام فاما ان يكون بمقدار العفو أو النصاب المستقل أو المكمل. اما الاول فلا شئ عليه وحاله حال ما لو ملك الكل ابتداءا وهذا كما لو كان عنده خمسة من الابل وبعد ستة اشهر ملك اربعة اخرى فانه لا تجب عليه الا شاة واحدة. ونحوه ما لو كان مالكا في ابتداء الحول اربعين شاة وبعد ستة اشهر مثلا ملك اربعين اخرى فان حاله حال ما لو ملك الثمانين من اول الامر وليست فيه الا شاة واحدة. ولكن نسب إلى الشهيد انه استقرب هنا رعاية النصاب المستقل

[ 239 ]

[ واما في القسم الثاني فلا يضم الجديد إلى السابق، بل يعتبر لكل منهما حول بانفراده، كما لو كان عنده خمس من الابل، ثم بعد ستة اشهر ملك خمسة اخرى، فبعد تمام السنة الاولى يخرج شاة، وبعد تمام السنة - للخمسة الجديدة أيضا - يخرج شاة. وهكذا... وأما في القسم الثالث فيستأنف حولا واحدا، بعد انتهاء الحول الاول، وليس على الملك الجديد في بقية الحول الاول شئ. وذلك كما إذا كان عنده ثلاثون من البقر، فملك في اثناء حولها احد عشر، أو كان عنده ثمانون من الغنم فملك في اثناء حولها اثنتين واربعين. ] نظرا إلى ان الاربعين الحادث ملك جديد وموضوع آخر غير الاول فتجب فيه الزكاة ولا ينضم إلى السابق بل هو نصاب برأسه بمقتضى اطلاق قوله (ع): (في كل اربعين شاة) فتجب عليه شاة اخرى غير الاولى مراعيا لكل اربعين حولها. واعترض عليه في الجواهر بان العموم ناظر إلى المالك وان كل فرد من الملاك لو ملك اربعين فيجب على كل احد أو في كل حول شاة لا بمعنى ان الغنم الموجود عند مالك واحد يحسب اربعين اربعين كما ورد في نصاب البقر من انه في كل ثلاثين تبيع والا فقد انعقد الاجماع على انه لا شئ بعد الاربعين إلى ان يزيد على مائة وعشرين وعليه فلا اثر للاربعين الثاني بل هو عفو كما لو وجد الثمانين معا

[ 240 ]

في ابتداء الحول. وما ذكره (قده) متين جدا للتصريح في صحيح الفضلاء بانه لا شئ بعد الاربعين إلى ان يبلغ مائة وواحدا وعشرين فليس في الثمانين إلا شاة واحدة سواء حصلت دفعة وفي ابتداء الحول أو تدريجا بمقتضى الاطلاق فالصحيحة ناظرة إلى كل من يملك الاربعين لا إلى ان المالك الواحد يحسب ماله اربعين اربعين فما ذكره الماتن تبعا للمشهور من العفو في المثال هو الصحيح. اما الثاني اعني النصاب المستقل فاللازم فيه مراعاة الحول لكل نصاب بحياله اخذا باطلاق الدليل في كل منهما ولا وجه لانضمام الجديد إلى السابق فلو كان له خمس من الابل ثم ملك بعد ستة اشهر خمسا اخرى وجبت شاة بعد تمام السنة الاولى وشاة اخرى بعد تمام الثانية كما ذكره في المتن وهذا واضح. انما الكلام في القسم الثالث اعني ما إذا كان مكملا لنصاب آخر كما لو كان عنده اول محرم اربعون من الغنم ثم حصل له في شهر رجب اثنان وثمانون بحيث بلغ المجموع النصاب الثاني اعني مائة وواحدا وعشرين (وانما اضفنا واحده رعاية لاخراجها عن النصاب الاول وهو الاربعون) أو كانت له اول محرم اثنان وعشرون من الابل فحصلت له اربعة اخرى في شهر رجب البالغ مجموعها ستة وعشرين التي هي النصاب السادس وفيها بنت مخاض. فهل يلاحظ الحول بالاضافة إلى النصاب الاول وليس على الملك الجديد في بقية الحول الاول شئ أو يلاحظ بالاضافة إلى النصاب الثاني وليس على ما تقدمه من اجزاء الحول الاول شئ أو هناك وجه آخر؟

[ 241 ]

لا ريب انا لو كنا نحن والادلة ولم يكن في البين ما دل على ان المال الواحد لا يزكى في عام واحد من وجهين كان مقتضى القاعدة رعاية كلا النصابين واداء كلتا الزكاتين عملا باطلاق الدليلين كما افتى به بعضهم. الا انه بالنظر إلى ما دل على ذلك من الروايات وعمدتها صحيحة زرارة مضافا إلى الاجماع والتسالم فاللازم حينئذ اما العمل بدليل النصاب الاول بالغاء بقية الحول بالاضافة إلى الملك الجديد اعني ما بين رجب ومحرم أو بدليل النصاب الثاني بالغاء ما تقدمه من الحول الاول اعني ما بين محرم ورجب. وهل المقام داخل في باب التعارض أو التزاحم؟ الظاهر انه لا ينبغي التأمل في الاول لانطباق ضابطه عليه دون الثاني فان المناط في التزاحم على ما نقحناه مفصلا في الاصول عدم إقدرة المكلف على الجمع بين التكليفين في مقام الامتثال من غير تناف بين نفس الحكمين في مرحلة الجعل كازالة النجاسة عن المسجد واداء الصلاة في ضيق الوقت فان كلا منهما حكم متعلق بموضوعه المقدر وجوده وهو البالغ العاقل القادر غاية الامر ان المكلف ليست له الا قدرة واحدة لو صرفها في كل منهما عجز عن امتثال الآخر. وهذا بخلاف التعارض فان مناطه التعاند والتكاذب بين الدليلين في مرحلة الجعل - مع قطع النظر عن مقام الامتثال - اما ذاتا كما لو دل دليل على نجاسة العصير العنبي ودليل آخر على طهارته أو عدم نجاسته فان النجاسة وعدمها أو هي مع الطهارة متناقضان أو متضادان لا يعقل اجتماعهما في حد انفسهما أو عرضا نشأ من العلم الاجمالي الحاصل من الخارج كما لو دل دليل على وجوب القصر في مورد

[ 242 ]

ودليل آخر على التمام أو على الظهر والآخر على الجمعة فانه وان لم يكن اي تناف بين نفس الدليلين بالذات لجواز ثبوتهما معا الا ان القطع الخارجي القائم على عدم وجوب الصلاتين معا في يوم واحد اوجب العلم الاجمالي بكذب احد الدليلين بحيث ان صدق كل منهما يستلزم كذب الآخر نظير البينتين القائمتين في الشبهات الموضوعية على طهارة الانائين المعلوم نجاسة احدهما اجمالا فالفرق بين البابين واضح جدا. ومن المعلوم انطباق هذا الضابط على المقام دون السابق لوضوح قدرة المكلف على الجمع بين النصابين كما في الجمع بين القصر والتمام مثلا فليس من باب التزاحم في شئ ولكن بما انا علمنا من الخارج ان المال الواحد لا يزكى في عام من وجهين فلاجله نعلم اجمالا بكذب احد الدليلين وانتفاء الاطلاق في احد النصابين بحيث ان صدق كل منهما مستلزم لكذب الآخر فكان بينهما التعاند والتكاذب في مقام الجعل عرضا وان لم يكن كذلك ذاتا. وعليه فلا ينبغي التأمل في كون المقام من باب التعارض كما ذكرناه. ومن الغريب ما افاده شيخنا الاستاذ (قده) من ادراج المقام في باب التزاحم مع انه المشيد لتوضيح الفرق بين البابين. ثم انا لو بنينا على ان المقام من صغريات هذا الباب كان اللازم الرجوع إلى مرجحات التزاحم من الاهمية جزما أو احتمالا وغير ذلك ومع التكافؤ فالمرجع التخيير بحكومة من العقل على ما هو المقرر في هذا الباب. واما بناءا على ما عرفت من ادراجه في باب التعارض فاللازم

[ 243 ]

الرجوع إلى المرجحات السندية ان كانت والا فالتساقط دون التخيير لضعف مستنده حسبما بيناه في الاصول في باب التعادل والتراجيح فيرجع بعد التساقط إلى دليل آخر من اطلاق ان كان والا فالاصل العملي ومقتضاه في المقام اصالة الاحتياط إذ بعد تساقط الدليلين نعلم اجمالا بوجوب زكاة في البين مرددة بين النصاب الاول والثاني فيلزمنا الجمع بينهما - عملا بالعلم الاجمالي - غير المنافي لما دل على ان المال الواحد لا يزكى في عام واحد مرتين لعدم التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري كما هو ظاهر. ولعل هذا هو مستند الفتوى بالجمع في المقام كما تقدم نقله عن بعض، لا عدم الالتفات إلى دليل عدم تزكيه المال الواحد من وجهين الذي تقدم احتمال استناد هذه الفتوى إليه فلاحظ. وكيفما كان فهل اللازم مراعاة كلا النصابين أو خصوص الاول فيعتبر الحول بالاضافة إليه ويلغى الملك الجديد في بقية الحول الاول كما اختاره في المتن تبعا لجماعة كثيرين. أو خصوص الثاني فيسقط اعتبار النصاب الاول عند ملك الزائد ويكون المجموع نصابا واحدا ابتداء حوله من حين حصول الملك الجديد كشهر رجب مثلا كما اختاره العلامة في المنتهى. أو يسقط كما عن العلامة في القواعد فتدفع فريضة النصاب الاول عند حلول حوله ويجب جزء من فريضة النصاب الثاني عند حلول حوله ايضا فإذا تم الحول الثاني للنصاب الاول اكمل فريضة النصاب الثاني وهكذا، مثلا إذا ملك اول محرم اثنين وعشرين من الابل ثم ملك في اول رجب اربعة اخرى مكملة للنصاب السادس

[ 244 ]

الذي فيه بنت مخاض فحينئذ تجب عليه في اول محرم اربع شياة زكاة عن العشرين والثنتان الزائدتان عليها عفو ثم في شهر رجب تجب عليه بنت مخاض لصدق انه مضى عليه الحول وهو مالك لست وعشرين من الابل ولكن بما انه دفع زكاة العشرين منها في شهر محرم حسب الفرض فلا يجب عليه حينئذ الا دفع ستة اجزاء من ستة وعشرين جزءا من بنت مخاض وفي اول محرم يجب عليه عشرون جزءا من ستة وعشرين جزءا من بنت مخاض وهكذا. وجوه بل اقوال. لكن الوجه الاخير ساقط جزما إذ لا دليل على هذا النوع من التوزيع والتقسيط نعم ثبت ذلك فيما لو تلف بعض الابل فينقص جزء من بنت المخاض بنسبة التالف. واما في مثل المقام فلا دليل عليه اصلا ضرورة ان الستة الزائدة على العشرين انما تستوجب دفع ستة اجزاء من ستة وعشرين جزءا من بنت مخاض فيما إذا كان حلول الحول عليها منضمة إلى العشرين لا ما إذا حال عليها بنفسها والا فليس فيها الا شاة واحدة فقط بمقتضى كونها مصداقا للنصاب الاول. وقد تقدم ضعف الوجه الاول ايضا. فيدور الامر بين الوجهين المتوسطين والصحيح هو الاول منهما المطابق لما ذكره في المتن إذ لا موجب لالغاء الحول بالاضافة إلى النصاب الاول بعد تحقق موضوعه وفعلية حوله وكونه مشمولا لاطلاق دليله فرفع اليد عنه طرح للدليل بلا موجب ومن غير سبب يقتضيه فلو كان عنده اول محرم اثنان وعشرون من الابل وحصلت له اربعة اخرى في شهر رجب فعند مجئ محرم الثاني يصدق عليه انه حال الحول ولديه اثنان وعشرن من الابل فيشمله بالفعل اطلاق دليل

[ 245 ]

النصاب الرابع وان فيه اربع شياة فتجب فيه الزكاة بطبيعة الحال لفعلية الموضوع من غير اية حالة منتظرة. وبعد ان تعلقت الزكاة بتلك الابل أو الشياة فلا يبقى بعدئذ موضوع لملاحظة النصاب الثاني في شهر رجب لان ذاك الوجوب سواء امتثله وأدى الزكاة خارجا ام لا معدم لهذا الموضوع وذلك فلاجل انه بعد حلول شهر رجب وان صدق انه حال عليه الحول ولديه ستة وعشرون من الابل وفيها بنت مخاض الا انها بعد ان كانت متعلقة للزكاة في شهر محرم اي في نفس الحول لم يكن بعد هذا مجال لتعلق الزكاة ثانيا لانها انما تتعلق بانعام لم تكن متعلقة للزكاة إذ لا يزكى المزكى - اي المحكوم عليه بوجوب الزكاة - ثانيا ولا زكاة في مال في حول من وجهين كيف ولو تم ذلك للزم فيمن كانت عنده اربعون شاة مثلا ومضى الحول وأدى الزكاة وهي الشاة الواحدة - أو لم يؤد - ان تجب عليه بعد شهرين مثلا شاة اخرى لصدق انه مضى حول وعنده اربعون، وهو مقطوع الفساد وليس الا لاجل ما عرفت من ان الزكاة انما تتعلق بشياة لم تكن متعلقة للوجوب. وعلى الجملة: فتعلق النصاب الاول وحلول حوله لا يبقي مجالا للثاني فلا جرم يتقدم لا لاجل الترجيح بالسبق الزماني لعدم كونه من المرجحات في باب التعارض بل لاجل ان الاول معدم لموضوع الثاني دون العكس فهو بمثابة الدليل الحاكم والدوران بينهما كالدوران بين التخصص والتخصيص الذي لا ريب في تقدم الاول كما لا يخفى. فالاقوى ما ذكره في المتن من تقديم الحول الاول واستيناف الحول لهما بعد انتهائه وان كان الاحتياط في مراعاة النصابين

[ 246 ]

مما لا ينبغي تركه. وملخص الكلام ان الدليل قد قام على ان المال لا يزكى في العام من وجهين المعتضد بفعل النبي صلى الله عليه وآله حيث لم يطالب بالزكاة التي نزلت آيتها في شهر رمضان الا في العام القابل بعد الفطر كما نطق به النص، والمعتضد ايضا بالتسالم الخارجي القائم على ان من ملك النصاب وفي اثناء الحول ملك نصابا آخر كما لو ملك في اول محرم خمسة من الابل وفي شهر رجب خمسة اخرى فأدى زكاة النصاب الاول في محرم القابل وهي شاة ثم عند حلول شهر رجب لا تجب الا شاة اخرى لا شاتان وان صدق عليه انه حال الحول وهو مالك لعشرة من الابل وزكاتها شاتان وليس ذلك الا لاجل انه قد أدى زكاة الخمسة الاولى فلا تؤدى ثانيا. وعليه فالامر دائر في محل الكلام بين احتمالين - هما العمدة من بقية الاحتمالات - فاما ان يراعى النصاب الاول ويستأنف حول واحد للمجموع بعد انتهاء الحول الاول المستلزم لالغاء بقية الحول بالاضافة إلى الملك الجديد أو يعكس فيراعى النصاب الثاني المستلزم لالغاء ما تقدمه من الحول، ولا ينبغي التأمل في ان المتعين هو الاول لفعلية موضوعه وشمول الاطلاق له المستوجب لاعدام الموضوع بالاضافة إلى الثاني ولاجله يكون الاطلاق في الاول أظهر فيتقدم نحو تقدم الاظهر على الظاهر لدى الجمع بين المتعارضين. ومما يؤيد ذلك بل يدل عليه ان فرض العكس يستلزم سقوط الزكاة سنين عديدة وهو مقطوع الفساد مثلا لو فرضنا ان عنده اول محرم ستة وعشرين من الابل وبعد عشرة اشهر اي اول ذي القعدة ملك

[ 247 ]

عشرة اخرى فصار المجموع ستة وثلاثين فعلى ما ذكرناه يلغى الشهران الباقيان ويجب عليه عند حلول الحول اي اول محرم الثاني بنت مخاض ثم يستأنف الحول لهما من الآن ويدفع بعد تماميته بنت لبون التي هي فريضة النصاب السابع ولا محذور فيه. واما على القول الآخر بان يكون مبدأ الحول زمان حدوث الملك الجديد المكمل لنصاب آخر اي اول ذي القعدة المستلزم لالغاء ما تقدمه من الاشهر العشرة السابقة فلو فرضنا انه بعد عشرة اشهر من هذا المبدأ المنطبق على اول رمضان ملك عشرة اخرى من الابل بحيث صار المجموع ستة واربعين الذي هو النصاب الثامن وفيها حقة كان اللازم الغاء الاشهر العشرة المتقدمة عليها بعين المناط المذكور اولا لان حكم الامثال فيما يجوز ومالا يجوز سواء فيكون مبدأ الحول من هذا الوقت وينتقل الامر إلى النصاب الثامن من غير ان يدفع أو تجب عليه اي زكاة، ثم لو فرضنا انه بعد مضي عشرة اشهر اخرى من هذا الوقت المنطبق على شهر رجب ملك خمسة عشر من الابل بحيث صار المجموع واحدا وستين - وهي النصاب التاسع وفيها جذعة - كان اللازم الغاء العشرة اشهر المتقدمة وابتداء الحول من هذا الوقت وهلم جرا فينتقل ابتداء الحول من نصاب إلى نصاب إلى نصاب وهكذا فيلزم الغاء الزكاة وسقوط وجوبها سنين عديدة وهو مما لا نظن ان يلتزم به متفقه فضلا عن الفقيه بل هو مقطوع الفساد فيكشف ذلك عن بطلان المبنى بطبيعة الحال. ثم انا اشرنا فيما مر إلى ان الماتن لم يذكر في القسم السابق اعني ما إذا حصل الملك الجديد بعد تمام الحول السابق وقبل الدخول

[ 248 ]

[ ويلحق بهذا القسم - على الاقوى - ما لو كان الملك الجديد نصابا مستقلا، ومكملا للنصاب اللاحق، كما لو كان عنده من الابل عشرون، فملك في الاثناء ستة اخرى (1)، أو كان عنده خمسة، ثم ملك احد وعشرين ويحتمل الحاقه بالقسم الثاني. ] في اللاحق الا صورة واحدة وهي ما إذا كان مكملا لنصاب آخر دون العفو ودون النصاب المستقل. ولعل السر في ذلك الايعاز إلى ان الذي هو محل للخلاف والكلام ومورد للنقض والابرام من هذه الصور الثلاث انما هي هذه الصورة اعني المكمل والا فالحكم في صورتي العفو والنصاب المستقل واضح لا كلام ولا نقاش فيما حسبما عرفت. فاشار بتخصيص المكمل بالذكر إلى ان محل الخلاف فيه هو ما لو كان اثناء الحول كما عرفت الحال فيه مستقصى وأما الحاصل بعد تمامية الحول السابق وقبل الدخول في اللاحق اعني خلال الشهر الثاني عشر الذي هو متخلل بين الحولين فلا خلاف ولا اشكال في انه ينضم احدهما إلى الآخر ويحسب للجميع حول واحد مبدؤه السنة الجديدة اعني الشهر الثالث عشر. والظاهر ان الامر كذلك اي لا خلاف ولا اشكال من احد في احتساب الحول الجديد مبدأ لهما لانتهاء الحول السابق بالاضافة إلى المكمل - بالفتح - بدخول الشهر الثاني عشر فلا وجه لاحتسابه ثانيا فطبعا يكون الحول اللاحق حولا لهما كما هو واضح. (1) تقدم حكم كل مما إذا كان الملك الحاصل اثناء الحول عفوا أو

[ 249 ]

نصابا مستقلا أو مكملا لنصاب آخر. بقيت هناك صورة واحدة وهي الحاوية للصورتين الاخيرتين اعني ما إذا كان مكملا وفي عين الحال نصابا مستقلا كما لو كان في اول محرم مالكا لعشرين من الابل ثم حصلت له في شهر رجب مثلا ستة اخرى التي هي مكملة للعشرين وفيها بنت مخاض وهي بنفسها ايضا نصاب لان في كل خمس من الابل شاة. فهل يجري عليها حكم المكمل فينتظر حلول الحول وتدفع شياة اربع زكاة عن العشرين ثم يستأنف الحول للمجموع ويلغى بقية الحول الاول بالاضافة إلى الملك الجديد وبعد انتهاء هذا الحول يدفع بنت مخاض أو يجري حكم المستقل فلكل نصاب حول بحياله فيدفع عند حلول محرم اربعة عن العشرين وعند حلول رجب شاة عن السنة بعد وضوح عدم امكان الجمع بين الامرين لان المال الواحد لا يزكى في عام من وجهين كما تقدم. اختار الماتن (قده) الاول كما ان صاحب الجواهر وجماعة كثيرين ذهبوا إلى الثاني. والصحيح ما اختاره الماتن (قده). والوجه فيه ان المستفاد من قوله (ع): (في كل خمس من الابل شاة) - بعد ملاحظة ان في ست وعشرين بنت مخاض - ان كل خمسة من الخمسات ملحوظة بنحو اللا بشرط موضوعا للنصاب الا الخمسة الاخيرة المسبوقة بالعشرين التى يتكون منها النصاب الخامس فانها ملحوظة بنحو بشرط لا بالاضافة إلى زيادة الواحدة عليها واما معها فليس فيها شاة بل بنت مخاض فالخمسة الاولى فيها شاة سواء زيد عليها شئ ام لا

[ 250 ]

والثانية شاتان وهكذا إلى الخامسة فان فيها خمس شياه - لان في كل خمس شاة - بشرط ان لا يضاف عليها واحدة والا ففيها بنت مخاض وعليه فالستة من الابل إذا كانت وحدها مجردة عما عداها كان فيها شاة لاشتمالها على النصاب باعتبار قوله (ع): (في كل خمس من الابل شاة) فهي نصاب مستقل وكذا الحال فيما لو كانت منضمة إلى خمسة اخرى أو عشرة أو خمسة عشر واما لو كانت مسبوقة بالعشرين فليست هي حينئذ نصابا مستقلا ولا يصح ان يقال ان فيها شاة باعتبار ان في كل خمس شاة بل هي متمحضة حينئذ في كونها مكملة لنصاب الست والعشرين التي فيها بنت مخاض فالخمسة الاخيرة من نصب الابل - بوصف كونها اخيرة - تمتاز عما تقدمها من الخمسات في اختصاص كونها نصابا مستقلا بحالة عدم زيادة شئ عليها ومعها تخرج عن الاستقلال إلى الاستكمال فيجري عليها حكم مكمل النصاب دون المستقل. فان قلت: هذه مناقشة صغروية تختص بهذا المثال فلم لا ينقل الكلام إلى بقية الامثلة من موارد نصب الانعام مما يكون مستقلا وفي عين الحال مكملا للنصاب. قلت: لا يختص الاشكال بالمقام بل يجري في الكل بمناط واحد ولا يوجد قط مثال للمكمل المستقل ابدا بل اما مكمل أو مستقل أو عفو ولا رابع كما يظهر للمتأمل. فان قلت: على فرض وجود صغرى لهذه الكبرى فهل تلحق بالمستقل أو المكمل. قلت: لا يظهر حكمها من الادلة الاجتهادية والمرجع حينئذ

[ 251 ]

[ (مسألة 14): لو اصدق زوجته نصابا وحال عليه الحول (1) وجب عليها الزكاة. ولو طلقها بعد الحول قبل الدخول رجع نصفه إلى الزوج، ووجب عليها زكاة المجموع في نصفها. ولو تلف نصفها يجب اخراج الزكاة من النصف الذي رجع إلى الزوج، ويرجع بعد الاخراج عليها بمقدار الزكاة. هذا ان كان التلف بتفريط منها واما ان تلف عندها بلا تفريط، فيخرج نصف الزكاة من النصف الذي عند الزوج، لعدم ضمان الزوجة حينئذ لعدم تفريطها. نعم يرجع الزوج حينئذ ايضا عليها بمقدار ما اخرج. ] الاصل العملي فان احتملنا ان يكون الحكم الواقعي هو التخيير كان المرجع اصالة البراءة عن تعين كل منهما فينتج التخيير الظاهري والا فبما ان المال الواحد لا يزكى في عام واحد مرتين فنعلم اجمالا بوجوب هذا أو ذاك ومقتضى القاعدة حينئذ الاحتياط عملا بالعلم الاجمالي. (1) ينبغي التكلم في جهات: الاولى، لو اصدق الزوجة نصابا كاربعين شاة وحال عليه الحول قبل الدخول. فهل يجب عليها الزكاة عملا باطلاق الادلة ام لا نظرا إلى ان المال في معرض الزوال بالطلاق الموجب لرجوع النصف الذي هو دون النصاب حسب الفرض فلا يكون الملك مستقرا. الظاهر هو الاول فان شرط الزكاة هو مطلق الملك سواء أكان

[ 252 ]

مستقرا لازما ام متزلزلا جائزا، وسواء أكان الجواز حكميا كما في الهبة ام حقيا كما في العقد الخياري. كل ذلك لا طلاق دليل اعتبار الملك. نعم: بناءا على القول بان الزوجة لا تملك بالعقد الا للنصف واما النصف الآخر فانما تملكه بالدخول ولا ملك قبله حتى متزلزلا اتجه عدم وجوب الزكاة قبل الدخول لعدم كونها مالكة للنصاب حينئذ، لكن المبنى ضعيف كما هو محقق في محله. الثانية: لو طلقها قبل الدخول وبعد حلول الحول فاما ان يكون بعد اخراجها الزكاة أو قبلها. فان كان بعد الاخراج فالمعروف والمشهور ان الزوج يرجع بنصف المجود - كتسع وثلاثين من الغنم في المثال - وبنصف قيمة التالف ان كان قيميا كما في المثال فيرجع بنصف قيمة الشاة المدفوعة زكاة وبنصف المثل ان كان مثليا كما لو كان الصداق ذهبا أو فضة. وهذا مبني على ما هو المشهور من ان شركة الزوج مع الزوجة في الصداق بعد الطلاق شركة حقيقية في العين اي بنحو الاشاعة كما لعله الظاهر من قوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) اي يرجع الزوج إلى نصف العين التي جعلت فريضة وصداقا. واما على القول بانه يملك بعد الطلاق النصف من الصداق على سبيل الكلي في المعين فيرجع حينئذ بتمام النصف لسلامته عن عروض التلف عليه ليرجع إلى المثل أو القيمة فيرجع إلى عشرين من الشياة المجودة على نحو الكلي في المعين مثل ما لو كان مالكا لصاع من صبرة كذلك فتلف بعضها فانه يرجع إلى تمام الصاع ولا يرد

[ 253 ]

التلف عليه كما هو ظاهر. لكن المبنى ضعيف والصحيح ما عليه المشهور كما عرفت ففي كل فرد من الشياة تشترك فيه الزوجة مع الزوج بنحو الاشاعة - لان محل الكلام في عنوان المسألة ما إذا كان الصداق عينا شخصية بالغة حد النصاب لا الكلي كما هو واضح - فإذا طلق الزوج ووجد العين تالفة حسب الفرض لصرفها في الزكاة - الصادرة من اهلها في محلها - رجع في حصته إلى القيمة بطبيعة الحال. وان كان قبل الاخراج فلا ينبغي التأمل في وجوب زكاة المجموع عليها في نصفها وعدم ورود تلف في حصة الزوج بوجه لينتقل إلى البدل لعدم التنافي بين وجوب الزكاة ودفع حصة الفقير وبين الرجوع إلى النصف على جميع المباني في تعلق الزكاة بالعين حتى الاشاعة والشركة الحقيقية. وبعبارة اخرى: يكون الصداق بعد الطلاق وحلول الحول مشتركا فيه بين ثلاثة فنصف للزوج وجزء من اربعين جزء للفقير والباقي للزوجة ولا تنافي بين هذه السهام بوجه فيدفع النصف للزوج وشاة للفقير والباقي وهي تسعة عشر شاة للزوجة. الثالثة: لو تلف قبل الاخراج نصف الصداق فقد فصل الماتن (قدس سره) حينئذ بين ما إذا كان ذلك بتفريط من الزوجة وما كان بلا تفريط. فحكم (قده) في الاول بوجوب الاخراج من النصف الذي رجع إلى الزوج لان الزكاة متعلقة بالعين ونسبتها متساوية إلى النصفين فمع تعذر احدهما يتعين الاخراج من الثاني ثم تضمن هي للزوج قيمة الزكاة وفي الثاني يسقط نصف الزكاة إذ لا ضمان

[ 254 ]

[ (مسألة 15): إذا قال رب المال: (لم يحل على مالي الحول) يسمع منه بلا بينة ولا يمين (1). وكذا لو ادعى الاخراج، أو قال: (تلف مني ما اوجب النقص عن النصاب). ] مع عدم التفريط فيكون تلفه من مال الفقير ويخرج النصف الآخر من النصف الذي عند الزوج ثم يرجع إليها حسبما عرفت. اقول: لا يستقيم ما افاده (قده) على جميع المباني في كيفية تعلق الزكاة بالعين لما تقدم من ان الولاية واختيار التطبيق بيد المالك دون الساعي ودون الفقير بمقتضى صحيحة بريد المتقدمة المعللة بانه الشريك الاعظم. وعليه فبعد ان قسم المال واعطت النصف للزوج تعين الحق في النصف الباقي فتدفعه منه كما لها ان تدفعه من مال آخر بناءا على الشركة في المالية - كما هو الصحيح - ومع فرض التلف يتعين الدفع من مال آخر ان كان مع التفريط والا فلا شئ عليها كما لو تلف المال بأجمعه من غير تفريط. وبالجملة بعد فرض التنصيف وصحة التقسيم كما هو مقتضى الصحيحة المتقدمة لا وجه للالتزام بالاخراج من نصف الزوج ابدا كما لا يخفى. (1) لقوله (ع) في صحيحة بريد بن معاوية: (... فهل لله في اموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه فان قال لك قائل لا فلا تراجعه) (1). فانها تدل على سماع الدعوى من صاحب المال في


(1) الوسائل: ج 6 باب 14 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 255 ]

[ (مسألة 16): إذا اشترى نصابا وكان للبائع الخيار (1) فان فسخ قبل تمام الحول فلا شئ على المشتري، ويكون ابتداء الحول بالنسبة إلى البائع من حين الفسخ. وان فسخ بعد تمام الحول عند المشتري وجب عليه الزكاة. وحينئذ فان كان الفسخ بعد الاخراج من العين ضمن للبائع قيمة ما اخرج، وان اخرجها من مال آخر اخذ البائع تمام العين. وان كان قبل الاخراج فللمشتري ان يخرجها من العين ويغرم للبائع ما اخرج، وان يخرجها من مال آخر، ويرجع العين بتمامها إلى البائع. ] جميع الصور المذكورة في المتن بمقتضى الاطلاق من غير حاجة إلى الاثبات ببينة أو يمين وان كان مقتضى القاعدة المطالبة في بعض صور المسألة كما لا يخفى. (1) قد يفسخ البائع قبل تمام الحول واخرى بعده. فعلى الاول: لا شئ على المشتري لزوال الملك وانتقاله إلى البائع من حين الفسخ فهو المخاطب بوجوب الزكاة بعد حلول الحول على حصول الملك الذي مبدؤه زمان الفسخ. وعلى الثاني: فلا ريب في وجوب الزكاة على المشتري لدى حلول الحول وان كان ملكه متزلزلا فان ثبوت الخيار للبائع لا يمنع من تعلق الزكاة كما مر التعرض له في المسألة السادسة من مسائل الشرائط العامة. وحينئذ فقد يفرض الفسخ بعد الاخراج واخرى

[ 256 ]

قبله. وعلى الاول فقد يكون الاخراج من العين واخرى من مال آخر. اما الاول: اعني ما لو كان الاخراج - السابق على الفسخ - من العين فبما ان مقدار الزكاة قد اتلفه المشتري بالاخراج بل قد تلف بنفس تعلق الزكاة كما لا يخفى. فلا جرم يضمن للبائع قيمة ما اخرج ان كان قيميا. والا فمثله وهذا واضح. واما الثاني: وهو ما لو كان الاخراج من مال آخر فقد ذكر في المتن ان البايع يأخذ حينئذ تمام العين. ولكنه لا يستقيم بناءا على ما هو المعروف من زمن الشيخ - وهو الصحيح - من ان الفسخ حل العقد من حين العقد ورجوع العينين المملوكتين بنفس الملكية السابقة ان كانتا موجودتين كذلك والا فينتقل إلى البدل فلو كانت العين مملوكة بملكية جديدة كانت في حكم التالف في الرجوع إلى البدل كما لو انتقل العين من المشتري - مع فرض ثبوت الخيار للبائع - إلى شخص آخر ببيع أو هبة أو نحوهما ثم عاد إليه ثانيا بشراء أو ارث ونحو ذلك ففسخ البائع عندئذ فان العين وان كانت موجودة حينئذ الا انها مملوكة بملكية جديدة غير الملكية الثابتة عند العقد فلا وجه لرجوعها إلى المالك السابق بل هي في حكم التالف يرجع فيها إلى البدل. ومقامنا من هذا القبيل فان تعلق الزكاة موجب لخروج مقدارها من العين إلى ملك الفقير والاخراج من مال آخر الذي هو بمثابة المبادلة مع ما في العين موجب لعوده إلى الملك فيكون هذا المقدار مملوكا بملكية جديدة وقد عرفت انها في حكم التالف فيكون مقدار المخرج له ويغرم للبائع مثله أو قيمته.

[ 257 ]

ومما ذكرنا يظهر الحال في الصورة الثالثة اعني ما إذا كان الفسخ قبل الاخراج إذ قد خرج مقدار الزكاة عن الملك بمجرد الوجوب وتعلق الزكاة فعند الفسخ يكون هذا المقدار خارجا عن ملك المشتري غاية الامر ان له ان يعيده إلى الملك بالمبادلة الحاصلة من الاخراج من مال آخر، فهو مخير بين الدفع من العين فيغرم للبائع حينئذ البدل وبين الدفع من الخارج كما انه يتخير حينئذ ايضا بين دفع العين إلى البائع وبين دفع البدل لما عرفت من ان المملوك بملكية جديدة في حكم التالف من حيث الرجوع إلى البدل. فتحصل انه لا ملزم لاخذ البائع تمام العين في جميع التقادير.

[ 258 ]

[ فصل في زكاة النقدين وهما. الذهب والفضة. ويشترط في وجوب الزكاة فيهما مضافا إلى ما مر من الشرائط العامة - امور: الاول: النصاب (1)، ففي الذهب نصابان: الاول: عشرون دينارا، وفيه نصف دينار. والدينار مثقال شرعي، وهو ثلاثة ارباع الصيرفي. فعلى هذا النصاب الاول - بالمثقال الصيرفي -: خمسة عشر مثقالا وزكاته ربع مثقال وثمنه. ] [ فصل في زكاة النقدين ] (1) لا اشكال كما لا خلاف في اعتباره في النقدين مضافا إلى

[ 259 ]

الشرائط العامة المتقدمة بل عليه اجماع المسلمين وتشهد به النصوص الآتية. كما لا اشكال ولا خلاف ايضا في حده بالنسبة إلى الفضة وانه في كل مائتي درهم خمسة دراهم على ما نطقت به النصوص المتظافرة. وانما الكلام في تعيين الحد في نصاب الذهب فالمعروف والمشهور بين الخاصة والعامة انه عشرون دينارا اي مثقالا يعبر بهذا تارة وبذلك اخرى والمرجع واحد لان الدينار مثقال شرعي فلا زكاة ما لم يبلغ هذا الحد وفيه ربع العشر اي نصف دينار. وعن جماعة دعوى الاجماع عليه. وذهب بعض العامة إلى ان حده اربعون دينارا وفيه دينار ولا زكاة فيما دون هذا الحد وقد نسب هذا القول إلى ابني بابويه وجماعة من الاصحاب. ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام فقد ورد في جملة وافرة من النصوص المستفيضة التحديد بالعشرين. اما تصريحا كصحيح الحسين بن بشار في حديث: (قال: في الذهب في كل عشرين دينارا نصف دينار فان نقص فلا زكاة فيه) (1). وموثق سماعة: (ومن الذهب في كل عشرين دينارا نصف دينار وان نقص فليس عليك شئ) (2) ونحوهما غيرهما وهي كثيرة. أو تلويحا كصحيح الحلبي: (عن الذهب والفضة ما اقل ما يكون فيه الزكاة؟ قال: مائتا درهم وعدلها من الذهب) (3). وصحيح ابن مسلم: (عن الذهب كم فيه من الزكاة؟ قال: إذا بلغ قيمته


(1) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 3. (2) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 4. (3) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1.

[ 260 ]

مائتي درهم فعليه الزكاة) (1) فان عدل مائتي درهم وقيمتها من الذهب انما هو عشرون دينارا إذ ان كل دينار يسوى عشرة دراهم في صدر الشريعة كما نص عليه الاصحاب بل شهدت به الآثار التي منها ما ورد في باب الديات من التصريح بالتخيير بين الف دينار وبين عشرة آلاف درهم. وانما جعل الاعتبار في هاتين الروايتين بالدرهم لكونه كالاصل في النقود حيث انه اكثر تداولا وتعارفا إذ يشترك فيه الفقير والغني بخلاف الدينار الذي لا يتعاطاه غالبا الا الاغنياء. بل قد يظهر من بعض النصوص التسالم على هذا الحكم والمفروغية عنه عند الرواة ومغروسيته في اذهانهم كما في موثقة اسحاق بن عمار: (عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير أعليه زكاة؟ فقال: ان كان فربها من الزكاة فعليه الزكاة) (2) فان ظاهرها المفروغية عن ثبوت الزكاة في عشرين دينارا وانما السؤال عن صورة التلفيق من نصفين يبلغ مجموعهما العشرين. وتدل عليه ايضا صحيحة احمد بن أبي نصر قال: (سألت أبا الحسن (ع) عما اخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شئ؟ قال: ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا) (3) فان ظاهرها الفراغ عن ان النصاب هو العشرون إلى غير ذلك من الروايات التي لا حاجة إلى استقصائها بل يضيق عن


(1) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2. (2) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 3. (3) الوسائل: ج 6 باب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 1.

[ 261 ]

نقلها المقام. وبأزائها روايتان: - احداهما: صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع): (قالا: في الذهب في كل اربعين مثقالا مثقال (إلى ان قال): وليس في اقل من اربعين مثقالا شئ) (1). وقد حملها الشيخ. تارة: على ان الشئ المنفي مطلق يعم المثقال فما دون فليحمل على الاول جمعا بينها وبين النصوص المتقدمة المصرحة بان في العشرين نصف دينار لارتفاع التنافي بذلك. وفيه: مالا يخفى فان ظاهر النفي الوارد في مقام التحديد عدم تعلق الزكاة فيما دون الاربعين بتاتا لا خصوص المثقال لبعده عن الفهم العرفي جدا ولذا لو قال في كل ثمانين مثقالان وليس في اقل من ثمانين شئ لا يفهم منه عرفا الا نفي الزكاة عن الاقل رأسا لا خصوص المثقالين. واخرى على التقية لموافقتها لبعض العامة. وهذا ايضا بعيد لعدم تأتي التقية لمجرد الموافقة لقول بعض العامة وان كان شاذا نادرا كما في المقام بل لابد وان يكون معروفا عندهم كي يصدق عنوان الاتقاء كما لا يخفى. وعليه: فيدور الامر بين وجهين آخرين. اما حمل النصوص السابقة على الاستحباب بقرينة صراحة هذه في نفي الزكاة عما دون الاربعين. أو المعارضة والتصدي للترجيح. وحيث لا سبيل إلى الاول لما عرفت سابقا من ان قوله (ع):


(1) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 13.

[ 262 ]

(فيه الزكاة) و (ليس فيه الزكاة) متعارضان. عرفا ومتهافتان ولا يصلحان للقرينية بوجه مضافا إلى التسالم على الوجوب في العشرين من اكثر الاصحاب حسبما عرفت فيتعين الثاني وستعرف الحال فيه. ثانيتهما: صحيحة زرارة قال: (قلت لابي عبد الله (ع): رجل عنده مائة درهم وتسعة وتسعون درهما وتسعة وثلاثون دينارا أيزكيهما؟ فقال: لا ليس عليه شئ من الزكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى يتم اربعون دينارا والدراهم مائتي درهم) (1) هكذا في التهذيب. ولكن الشيخ الصدوق رواها بعين السند والمتن الا ان المذكور فيها (تسعة عشر) دينارا بدل (تسعة وثلاثون) كما نبه عليه في الحدائق فيظهر من ذلك وقوع التحريف في التهذيب اما من الشيخ نفسه أو من النساخ وبذلك يضعف الاعتماد على رواية الشيخ. ومما يرشدك إلى وقوع التحريف من النساخ - لا من الشيخ - انه (قده) نقل هذه الصحيحة ولم يعلق عليها بشئ كما علق على صحيحة الفضلاء من التوجيه والحمل على التقية أو غيرها كما سمعت فانه يكشف عن ان الرواية كانت عنده مثل ما في الفقيه والا لعلق عليها كما علق على اختها (2) فهذا ينبئ عن انها لم تكن مخالفة لمذهبه وانما وقع الاشتباه من النساخ في نقلها.


(1) الوسائل ج 6 باب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 14. (2) لعل الوجه في عدم التعليق انه (قده) أورد الروايتين في بابين مختلفين لاحظ التهذيب ج 4 ص 11 وص 92 والحاجة إلى التعليق انما تناسب الباب الاول كما لا يخفى.

[ 263 ]

ومع الغض عما ذكر فغايته اجمال الرواية من اجل تردد النسخة وتعددها إذ لا يحتمل ان تكونا روايتين صدرتا عن المعصوم مرتين وانما هي رواية واحدة قد تردد الصادر عنه (ع) بين احدى النسختين فلا يمكن الاعتماد عليها. فلم يبق الا الرواية الاولى اعني صحيحة الفضلاء وقد عرفت انها معارضة مع النصوص السابقة ولكن لا ينبغي التأمل في ان الترجيح مع تلك النصوص لانها معروفة مشهورة وهذه رواية شاذة نادرة لاتكاد تنهض للمقاومة معها فتطرح ويرد علمها إلى اهله. ومع التنزل عن هذا ايضا فتلك الروايات موافقة لعموم الكتاب وهذه مخالفة فتتقدم. وتوضيحه: انه قد ورد في تفسير قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) ان المراد الامتناع عن اداء الزكاة كما رواه ابن الشيخ الطوسي في اماليه باسناده عن الرضا (ع) عن آبائه (ع) قال: (لما نزلت هذه الآية والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مال يؤدى زكاته فليس بكنز وان كان تحت سبع ارضين وكل مال لا يؤدى زكاته فهو كنز وان كان فوق الارض) (1) ونقل ايضا في مجمع البيان ما يقرب من ذلك من روايات الخاصة والعامة. وعليه فالآية المباركة ناظرة إلى النهي عن الامتناع عن اداء الزكاة والا فمجرد كنز الذهب وادخاره تحت الارض أو فوقه لا حرمة فيه ما لم يمتنع عن اداء ما تعلق به من الحق الشرعي إذا فمفاد الآية


(1) الوسائل: ج 6 باب 3 من ابواب ما تجب فيه الزكاة ح 26.

[ 264 ]

المباركة وجوب اداء زكاة الذهب والفضة ومقتضى اطلاقها وجوب الزكاة في مطلق الذهب والفضة حتى لو كان بمقدار دينار أو اقل الا انا نقطع بعدم الوجوب فيما دون العشرين دينارا للتسالم وتطابق النصوص عليه فالآية بهذا المقدار مخصصة يقينا وأما العشرون فما زاد فالنصوص المتقدمة تدل على ثبوت الزكاة فيه وهو مطابق لاطلاق الآية وهذه الصحيحة اي صحيحة الفضلاء تدل على العدم ما لم يبلغ الاربعين وهذا مخالف لاطلاقها فلا جرم تتقدم تلك عليها لان الموافقة لعموم الكتاب أو اطلاقه من المرجحات (1) فتطرح هذه الصحيحة ويرد علمها إلى اهله. فتحصل: ان الصحيح ما عليه المشهور من ان النصاب الاول للذهب عشرون دينارا، وخلاف ابني بابويه لا يعبؤ به.


(1) لا يخفى ان المرجح انما هو الموافقة للكتاب نفسه لا بضميمة الرواية الواردة في تفسير كما في المقام على انها ضعيفة السند وكذا غيرها مما رواه في المجمع مع ان اطلاق الآية حتى بضميمة التفسير غير واضح إذ بعد كون الكنز كناية عن عدم اداء الزكاة كما تضمنته الرواية المفسرة - يكون محصل الآية المباركة حرمة منع الزكاة وان من لم ينفقها في سبيل الله فله من الوزر كذا فهي نظير الامر باتيان الزكاة الوارد في مقام اصل التشريع واما انها ثابتة في الاموال بأي مقدار فلم تكن بصدد البيان من هذه الناحية لينعقد لها الاطلاق، ومنه يظهر النظر في التمسك باطلاق الآية في غير مورد من المباحث الآتية.

[ 265 ]

[ والثاني: اربعة دنانير (1) وهي ثلاثة مثاقيل صيرفية. وفيه: ربع العشر، اي من اربعين واحد، فيكون فيه قيراطان. إذ كل دينار عشرون قيراطا. ثم إذا زاد اربعة فكذلك. وليس قبل ان يبلغ عشرين دينارا شئ. كما انه ليس بعد العشرين - قبل ان يزيد اربعة - شئ. وكذلك ليس بعد هذه الاربعة شئ: الا إذا زاد اربعة اخرى. وهكذا.. والحاصل: ان في العشرين دينارا ربع العشر، وهو نصف دينار. وكذا في الزائد إلى ان يبلغ اربعة وعشرين وفيها ربع عشره، وهو نصف دينار وقيراطان. وكذا في الزائد إلى ان يبلغ ثمانية وعشرين، وفيها نصف دينار واربع قيراطات. وهكذا... وعلى هذا فإذا اخرج بعد البلوغ إلى عشرين فما زاد - من كل اربعين واحدا فقد ادى ما عليه وفي بعض الاوقات زاد على ما عليه بقليل، فلا بأس باختيار هذا الوجه من جهة السهولة. وفي الفضة ايضا نصابان: ] (1) على المشهور بين الاصحاب بل اجماعا كما ادعاه غير واحد فلو اضيفت الاربعة على العشرين وجب فيها ربع العشر وهو قيراطان وكذا لو اضيفت اربعة اخرى وهكذا.

[ 266 ]

[ الاول: مائتا درهم، وفيها خمسة دراهم. الثاني: اربعون درهما، وفيها درهم. والدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره. وعلى هذا فالنصاب الاول مائة وخمسة مثاقيل صيرفية، والثاني احد وعشرون مثقالا وليس فيما قبل النصاب الاول، ولا فيما بين النصابين شئ على ما مر. وفي الفضة أيضا - بعد بلوغ النصاب - إذا اخرج من كل اربعين واحدا فقد ادى ما عليه، وقد يكون زاد خيرا قليلا. ] ونسب الخلاف هنا إلى ابن بابويه ايضا فجعل النصاب الثاني اربعين مثقالا فليس بينه وبين العشرين شئ وهذه النسبة تخالف النسبة المتقدمة في النصاب الاول حيث نسب إليه ان الاربعين هو النصاب الاول كما عرفت. وكيفما كان فلم يعرف وجه لهذا القول صحت النسبة ام لا. اللهم الا ان يستظهر من قوله (ع) في غير واحد من النصوص: (في كل عشرين دينارا نصف دينار) ان النصاب كلي منطبق على كل عشرين عشرين فصاعدا ففي العشرين الاول نصف دينار وفي الثاني البالغ مجموعه اربعين دينار وفي الثالث البالغ مجموعه ستين دينار ونصف وهكذا نظير ما تقدم في النصاب الثاني عشر للابل من انه في كل خمسين حقة وفي كل اربعين بنت لبون. ولكنه كما ترى فان هذا العموم ناظر إلى افراد العشرين

[ 267 ]

المتحققة خارجا والمضافة إلى الاشخاص اعني عشرين دينارا لزيد وعشرين دينارا لعمرو وهكذا من الافراد العرضية دون الطولية فانها خلاف المنسبق إلى الذهن بحسب الفهم العرفي جدا كما هو ظاهر. على انه لو سلم فلا دلالة لها بوجه على نفي الزكاة فيما بين العشرينين إذ اقصى مفادها ثبوت نصف دينار آخر في العشرين الثاني اي تعلق دينار لدى بلوغ الاربعين واما عدم تعلق الزكاة في المتخلل بينهما اي في اربعة وعشرين أو ثمانية وعشرين وهكذا فلا دلالة لها ولا تعرض فيها لذلك ابدا فلا تنافي بينها وبين النصوص الآخر الصريحة في ثبوت الزكاة في كل اربعة زيدت على العشرين بنسبة واحد في الاربعين اي ربع العشر وهو قيراطان كما سبق. ثم انه لو راعى في الزائد على العشرين هذا المقدار اي ربع العشر الذي هو اسهل تناولا فادى من كل اربعين واحدا فقد ادى ما عليه وبرئت الذمة بل زاد خيرا قليلا في بعض الاوقات وهو ما لو زاد على النصاب السابق ولم يبلغ اللاحق كما لو كان ما عنده اثنين وعشرين أو خمسة وعشرين دينارا مثلا كما اشار إليه في المتن وهذا ظاهر. يبقى الكلام في تحديد الدرهم والدينار بحسب الوزن بعد وضوح تعذر معرفة الوزن الحقيقي بحسب المداقة العقلية وان المراد تشخيص الوزن العرفي المبني على نوع من المسامحة ولو يسيرا حتى في مثل الذهب فان الصائغين ايضا يسامحون في اوزانهم شيئا ما بل يختلف اوزان بعضهم مع بعض كما اخبر به بعض الثقات. وكيفما كان فالمراد بالدينار هو المثقال الشرعي الذي هو ثلاثة

[ 268 ]

ارباع المثقال الصيرفي فان المثقال الصيرفي المتداول في عصرنا الحاضر ايضا اربعة وعشرون حمصة بالحمصة المتعارفة فيكون الشرعي ثمانية عشر حمصة - اي يكون الصيرفي مثقالا شرعيا وثلثه - كما نص عليه غير واحد من الاعلام ووصل الينا كذلك خلفا عن سلف. وعلى هذا فيكون النصاب الاول خمسة عشر مثقالا بالمثقال الصيرفي وزكاته ربع مثقال وثمنه الذي هو ثلاثة ارباع النصف. كما انهم ذكروا ايضا ان الدرهم سبعة اعشار المثقال الشرعي اي ان كل عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل شرعية فإذا كان المثقال الشرعي ثلاثة ارباع الصيرفي كان الدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره. ونتيجة ذلك ان النصاب الاول للفضة الذي هو مائتا درهم مائة وخمسة مثاقيل صيرفية كما ان النصاب الثاني الذي هو اربعون درهما واحد وعشرون مثقالا صيرفيا على ما ذكره في المتن. فان تم ما ذكره الاصحاب من التحديد المزبور كما هو الصحيح لانهم تلقوها كذلك خلفا عن سلف كما سمعت فلا كلام والا بحيث شككنا فيما هو المراد من المثقال المجعول موضوعا للنصاب حيث ان تفاوت الحمصات وان كان يسيرا لدى الانفراد لكنه تفاوت فاحش لدى الاجتماع ولا سيما إذا كانت الكمية كثيرة كالف دينار مثلا فالمرجع حينئذ عموم قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) حيث عرفت ان مقتضاء وجوب الزكاة في مطلق النقدين خرجنا عن ذلك فيما يقطع بكونه اقل من عشرين دينارا وأما الزائد عليه المشكوك فيه بشبهة مفهومية فالمرجع فيه عموم الآية المباركة المقتضية

[ 269 ]

[ الثاني: ان يكونا مسكوكين بسكة المعاملة (1). ] لوجوب دفع الزكاة. (1) اجماعا كما عن غير واحد ولا يكفي في اثبات هذا الشرط التقييد بالدينار أو الدرهم في جملة من النصوص غير المنفكين عن كونهما مسكوكين وذلك للاطلاق في جملة اخرى حيث جعل فيها مطلق الذهب والفضة موضوعا للزكاة إذا بلغت القيمة مائتي درهم أو عدلها من الذهب كما في صحيحتي الحلبي (1) وابن مسلم (2) وغيرهما. بل عمدة المستند روايات ثلاث: الاولى: صحيحة علي بن يقطين عن ابي ابراهيم (ع) قال: (قلت له: انه يجتمع عندي الشئ الكثير قيمته فيبقى نحوا من سنة أنزكيه؟ فقال: لا كل ما لم يحل عليه الحول فليس عليك فيه زكاة وكل ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شئ: قال قلت: وما الركاز قال: الصامت المنقوش ثم قال: إذا اردت ذلك فاسبكه فانه ليس في سبائك الذهب ونقار الفضة شئ من الزكاة) (3). اما من حيث السند فهي صحيحة ولا اقل من انها حسنة بابراهيم ابن هاشم في طريق الكليني كما انها كذلك بطريق الشيخ ايضا وان اشتمل على محمد بن عيسى العبيدي فانه وان استثناه ابن الوليد الا انه اعترض عليه ابن نوح وغيره وقال من مثل العبيدي فهو ثقة


(1) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2. (3) الوسائل: ج 6 باب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2.

[ 270 ]

على الاظهر كما مر غير مرة فتعبير الجواهر عنها بالخبر المشعر بالضعف في غير محله. كما انها واضحة الدلالة إذ المراد بالمنقوش انما هو المسكوك لا مطلق النقش إذ قلما يوجد ذهب ولا سيما الحلي خال عن النقش نوعا ما فيكشف ذلك عن ان المراد هو المنقوش المعهود اعني خصوص المسكوك كما هو ظاهر. الثانية: مرسلة جميل انه: (قال: ليس في التبر زكاة انما هي على الدنانير والدراهم) (1). وهي واضحة الدلالة بمقتضى الحصر فيما لا يكون الا مسكوكا غير انها ضعيفة السند من جهة الارسال أولا ومع الغض بدعوى ان جميلا من اصحاب الاجماع فلا اقل من اجل علي بن الحديد فانه ضعيف فلا يعتمد عليها. الثالثة: ما رواه الشيخ باسناده عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله أو أبي الحسن (ع) انه: (قال: ليس في التبر زكاة انما هي على الدنانير والدراهم) (2). وهي واضحة الدلالة غير ان في السند جعفر بن محمد بن حكيم ولم يوثق في كتب الرجال بل حكى الكشي رواية في ذمه وان كان الراوي لتلك الرواية مجهولا. وكيفما كان فهذه الرواية ضعيفة عند القوم وتعبير المحقق الهمداني عنها بالموثقة في غير محله على مسلكه. نعم الظاهر صحة الرواية لوجود الرجل في اسناد كامل الزيارات


(1) الوسائل: ج 6 باب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 3. (2) الوسائل: ج 6 باب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 5.

[ 271 ]

[ سواء كان بسكة الاسلام أو الكفر (1)، بكتابة أو غيرها. ] فلا بأس بالاعتماد عليها (1). (1) لا فرق - بمقتضى اطلاق النصوص - في المسكوك بين سكة الاسلام أو الكفر كما لا فرق فيها بين ان تكون بكتابة أو غيرها من ساير النقوش من عمارة أو منارة ونحوها لوحدة المناط في الكل فان العقلاء قد بنوا - رعاية لرواج المعاملات وسهولتها - على وضع شئ متمحضا في الثمنية لينتفع به في كافة المعاملات والمبادلات إذ لو اقتصروا على تبادل البضايع والامتعة انفسها بعضها مع بعض كما في بعض اهل القرى النائية عن الحضارة اختل بذلك نظامهم فان الانسان مدني بالطبع يحتاج في ادارة شؤون معاشه من مأكله وملبسه ومسكنه وساير حاجياته إلى بني نوعه ليتعاون الكل في الوصول إلى الاهداف الاجتماعية فربما يتعلق غرض شخص ببضاعة خاصة ككتاب مثلا فيريد شراءها وليس لديه ما يتعلق به غرض الآخر كالغنم أو بالعكس فمن ثم دعتهم الضرورة إلى وضع شئ متمحض في الثمنية ولولاه لانسد باب اكثر المعاملات فاخترعوا النقود وجعلوها اثمانا في معاملاتهم بما لها من الهيئات الخاصة سواءا كانت مادتها من الذهب والفضة كالدراهم والدنانير أو من غيرهما كصفر ونحوه مثل عشرة افلس الدارجة في عصرنا الحاضر وسواء أكانت مادتها لها مالية تقدر بنفس


(1) ولكنه - دام ظله - عدل عن ذلك أخيرا وبنى على اختصاص التوثيق بمشايخ بن قولويه بلا واسطة وحيث ان الرجل لم يكن من مشايخه فلا يشمله التوثيق.

[ 272 ]

[ بقيت سكتها أو صارا ممسوحين (1) بالعارض. واما إذا كانا ممسوحين بالاصالة فلا تجب فيهما. الا إذا تعومل بهما فتجب على الاحوط. ] تلك النقود كالدرهم والدينار ايضا ام لا كالاوراق النقدية من الدينار والتومان ونحوهما فان مادتها قرطاس لا يسوى بشئ وجعلوا تلك الاثمان مما يقدر به مالية ساير الاموال وهذا كما ترى لا يفرق فيه بين كون تلك الهيئة المحصلة للسكة مستندة إلى الاسلام أو الكفر وان نقشها بكتابة كانت ام بغيرها. (1) اما في الممسوح بالاصالة فقد احتاط الماتن بأداء الزكاة في صورة جريان المعاملة، والاحتياط وان كان حسنا الا ان الاقوى عدم الوجوب لتقييد الصامت بالمنقوش في صحيحة علي بن يقطين المتقدمة المراد به المسكوك كما مر فلا يشمل الممسوح بالاصل وان كان مضروبا ومجرد جريان المعاملة لا يجدي بعد عدم صدق المنقوش وعدم كونه من الدرهم والدينار كما هو المفروض. وأما الممسوح بالعارض فالظاهر وجوب الزكاة فيه لعدم تقييد المنقوش في صحيحة ابن يقطين بكونه تاما وجريان العادة على مسح السكة على اثر كثرة الاستعمال والمداولة في مثل خمسين سنة أو اكثر. هذا فيما إذا لم يكن المسح بمثابة يخرج عن صدق اسم الدرهم والدينار والا سقط وجوب الزكاة لحصر الوجوب في صحيحة جميل ابن دراج المتقدمة فيما كان مصداقا لاحدهما وعدم كونه بعدئذ من المنقوش في شئ.

[ 273 ]

وربما يستدل حينئذ للوجوب بالاستصحاب بدعوى انه قبل المسح كانت زكاته واجبة والآن كما كان. وفيه: اولا: انا لا نرى جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ولا سيما التعليقي منه كما في المقام حيث ان الوجوب السابق لم يكن منجزا بل كان مشروطا بحلول الحول وغيره من ساير الشرائط فهو كان معلقا بطبيعة الحال وفي مثله لا يجري الاستصحاب على اي حال وثانيا: ان الموضوع قد تبدل حتى عرفا فان معروض الوجوب لم يكن مطلق الذهب والفضة بل خصوص المتصف بعنوان الدرهم والدينار على نحو يكون الوصف العنواني مقوما للموضوع وقد زال هو حسب الفرض وتبدل بموضوع آخر فلا معنى للاستصحاب. هذا ويمكن ان يستدل لعدم الوجوب مضافا إلى ما عرفت بالتعليل الوارد في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (ع): (قال: لا تجب الزكاة فيما سبك فرارا به من الزكاة الا ترى ان المنفعة قد ذهبت فلذلك لا تجب الزكاة) (1) فانها صحيحة السند وان اشتمل على اسماعيل بن مرار المجهول الحال لوجوده في اسناد تفسير علي بن ابراهيم وقد علل فيها نفي الزكاة فيما لو ابدلت السكة بالسبيكة بذهاب المنفعة التي هي بمعنى ما ينتفع به فانها تأتي في اللغة بمعنيين احدهما من النفع الذي هو مصدر والمنفعة اسم للمصدر والثاني ما ينتفع به كما يقال الثمرة منفعة الشجرة والسكنى منفعة الدار اي شئ ينتفع به وحيث لا سبيل للمعنى الاول في المقام ضرورة عدم زوال النفع رأسا بتبديل السكة سبيكة فيتعين الثاني اي قد


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 3.

[ 274 ]

[ كما ان الاحوط ذلك ايضا إذا ضربت للمعاملة ولم يتعامل بهما (1) أو تعومل بهما لكنه لم يصل رواجهما إلى حد يكون دراهم أو دنانير. ] زال بالتبديل المزبور الشئ الذي ينتفع به وهو كونه دينارا الذي كان متمحضا في الثمنية ومما ينتفع به في شراء الاموال فقد اصبح الآن مجرد ذهب محض لا ينتفع به ما كان ينتفع به حال كونه دينارا فبهذه العناية يصح ان يقال انه قد زالت المنفعة فإذا كان هذا هو المناط في سقوط الزكاة لا يفرق في ذلك بين ان يكون بالاختيار ولغاية الفرار كما هو مورد النص ام صار كذلك قهرا لاجل المسح العارض الناشئ من كثرة الاستعمال على نحو سقط عنه اسم الدرهم والدينار كما هو محل الكلام. (1) قد عرفت انه يعتبر في الزكاة ان تكون المادة من الذهب والفضة وان يكونا مسكوكين اي على هيئة الدرهم أو الدينار بحيث يكون متمحضا في الثمنية ويقدر بها الاموال فلا زكاة عند انتفاء احدهما. وحينئذ نقول ان الدرهم أو الدينار حالات ثلاثا: احداها: ان يكون المسكوك متصفا بهذا العنوان فعلا بحيث يعامل معهما خارجا معاملة دارجة فيعدان من الاثمان ويقدر بهما الاموال ولا اشكال في وجوب الزكاة في مثل ذلك فانه القدر المتيقن من الادلة المتضمنة لتعلق الزكاة بالدرهم والدينار كما هو ظاهر. الثانية: ان تكون السكة قد ضربت للمعاملة الا ان التعامل بالمسكوك لم يقع بعد اما اصلا أو لو كان فهو قليل نادر بحيث لم

[ 275 ]

يكن فعلا رائج المعاملة على حد يكون من الدرهم أو الدينار وانما يتصف بهذا العنوان في المستقبل كشهر مثلا. والظاهر انه لا ينبغي التأمل في عدم بعلق الزكاة بمثل ذلك لعدم الاكتفاء بمطلق المنقوش بل اللازم الاتصاف بعنوان الدرهم أو الدينار على ما يقتضيه الحصر في صحيحة جميل المتقدمة المنفي في المقام حسب الفرض الا بنحو من التجوز والعناية باعتبار ما يؤول وظاهر الدليل اعتبار الاتصاف الفعلي الحقيقي كما لا يخفى والظاهر ان هذه الصورة متسالم عليها بين الاصحاب وانما لم يتعرضوا لها ايكالا على وضوحها وعدم الخلاف فيها. الثالثة: ان يكون المسكوك رائج المعاملة ومندرجا في مسمى الدرهم والدينار سابقا اما الآن فقد زال العنوان وهجرت المعاملة وسقطت السكة عن درجة الاعتبار اما لتغيير الحكومة أو لغير ذلك من مناشي الهجر والسقوط فلا يعد فعلا من الاثمان وانما يرغب فيه لمادته أو لاجل كون السكة من الآثار العتيقة. والمعروف والمشهور حينئذ وجوب الزكاة بل ادعي عليه الاجماع في كلمات غير واحد وفي الجواهر لم ار فيه خلافا. ويستدل له بوجوه: احدها: الاستصحاب فان هذا المسكوك كان يجب فيه الزكاة سابقا والآن كما كان. وفيه: اولا: ان الموضوع قد تبدل إذ لم يكن معروض الوجوب ذات المسكوك بحيث يكون الاتصاف بالدرهم أو الدينار من قبيل تبدل الحالات بل الوصف العنواني دخيل ومقوم للموضوع كما لا يخفى. ومعه لا مجرى للاستصحاب.

[ 276 ]

وثانيا: ان الاستصحاب تعليقي إذ الوجوب لم يكن ثابتا وفعليا سابقا بل معلقا على تقدير حلول الحول وبقاء العين واستجماع الشرائط العامة فلم يكن حكما منجزا ليستصحب ولا نقول بالاستصحاب التعليقي كما هو محرر في محله. وثالثا: ان الشبهة حكمية ولا نقول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية مطلقا من غير فرق بين التنجيزي والتعليقي للمعارضة بين مقام الجعل والمجعول كما حققناه في الاصول. الثاني: الاجماع. وفيه: ان التعبدي منه الكاشف عن رأي المعصوم لعله مقطوع العدم لاستناد اكثر المجمعين إلى الاستصحاب المزبور ومعه لا وثوق بمثل هذا الاتفاق فالمحصل غير حاصل والمنقول غير مقبول. الثالث: دعوى ان المشتق وما يلحق به من الاوصاف الجارية على الذوات كالحر والرق والملك ومنه الدرهم والدينار كما في المقام حقيقة في الاعم من المتلبس وما انقضى عنه المبدأ. وعليه فيشمله اطلاق ما دل على وجوب الزكاة في الدرهم والدينار. وفيه: ان المبنى خلاف التحقيق ولا يكون المشتق حقيقة الا في خصوص المتلبس كما هو موضح في محله. إذا لا دليل على وجوب الزكاة في المقام لضعف هاتيك الوجوه حسبما عرفت، بل يمكن اقامة الدليل على العدم وهو التعليل الوارد في صحيحة ابن يقطين المتقدمة (1) حيث علل سقوط الوجوب في السبيكة بذهاب المنفعة اي ما ينتفع به - كما مر - وهو كونه دينارا


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 3.

[ 277 ]

[ ولو اتخذ الدرهم أو الدينار للزينة (1) فان خرج عن رواج المعاملة لم تجب فيه الزكاة، والا وجبت. ] الجاري بعينه في المقام لسقوطه بعد الهجر عن الثمنية والاتصاف بكونه درهما أو دينارا أو غيرهما من النقود كما هو المفروض فان تم هذا الوجه فهو والا فيكفينا عدم الدليل على الوجوب حسبما عرفت. فالاقوى عدم الوجوب وان كان الاحتياط الذي ذكره في المتن مما لا ينبغي تركه. (1) لو اتخذ المضروب بالسكة للزينة كالحلي أو غيرها فقد يفرض ان التزين المزبور استوجب تغييرا بحيث خرج عن مسمى الدرهم والدينار ولا ينبغي الاشكال حينئذ في عدم الوجوب لدوران الحكم مدار الوصف العنواني المفروض زواله وقد يفرض عدم التغير وبقائهما على ما كانا عليه قبل التزين من صدق العنوان ورواج المعاملة كما هو محل الكلام. وقد وقع الخلاف في وجوب الزكاة حينئذ ولعل الاشهر هو الوجوب ولكن الاظهر عدمه فان المورد وان كان مشمولا لاطلاقات ادلة الدرهم والدينار المحكومة بوجوب الزكاة ولا ينبغي التشكيك في ذلك ولكنه مشمول ايضا لاطلاقات الادلة النافية للزكاة عن الحلي كما سيجئ انشاء الله تعالى إذ هي تشمل الدرهم والدينار المتخذ حليا كغيرهما بمناط واحد. ولا يبعد تقديم الثاني نظرا إلى التعليل الوارد في بعض هذه النصوص وهي صحيحة يعقوب بن شعيب قال: (سألت أبا عبد الله (ع)

[ 278 ]

عن الحلي أيزكى؟ فقال: إذا لا يبقى منه شئ) (1) المؤيدة بخبر علي بن جعفر وان كان ضعيفا بعبد الله بن الحسن قال: (سألته عن الزكاة في الحلي قال: إذا لا يبقى) (2) حيث يظهر من هذا التعليل ان الزكاة انما شرعت في المسكوك الذي من شأنه الصرف والتبديل والنقل والتحويل كالنقود المصروفة في الاثمان. واما ما يكون المطلوب منه البقاء والتمتع بالتزين بها كالحلي فلا زكاة فيها والا لادى إلى الزوال والاضمحلال ولم يبق منه شئ بعد سنين عديدة وهذه العلة تستدعي عدم تعلق الزكاة بالدينار المتخذ للحلية الا إذا خرج عن التحلي وصار كساير النقود بحيث لا يكون المطلوب في نوعه البقاء. فان تم هذا الوجه والا فمن الواضح ان النسبة بين الدليلين عموم من وجه فان ادلة الدينار تعم المتخذ للحلي كما ان ادلة الحلي تعم ما كان من الدينار فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي الدرهم أو الدينار. المتخذ للحلي فتجب الزكاة بمقتضى الطائفة الاولى ولا تجب بمقتضى الثانية. فقد يقال حينئذ انهما يتساقطان بعد التعارض فيرجع بعد ذلك إلى العام الفوق وهي النصوص الدالة على وجوب الزكاة في مطلق الذهب والفضة - لعدم العلم بخروج مثل هذا الفرض عنها - من الكتاب والسنة كقوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) الخ وقوله (ع): (في عشرين مثقال من الذهب نصف دينار) وغير ذلك ولكن الظاهر عدم وصول النوبة إلى التعارض ولزوم تقديم نصوص


(1) الوسائل: ج 6 باب 9 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 9 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 9.

[ 279 ]

الطائفة الثانية اعني نصوص الحلي. وذلك لما ذكرناه مرارا من انه لو كان بين عنوانين عموم من وجه وكان تقديم احدهما مستلزما للغوية العنوان في الجانب الآخر دون العكس قدم الثاني الذي هو سليم عن هذا المحذور وذكرنا لهذه الكبرى موارد: منها: ما دل على عدم انفعال الماء القليل فان النسبة بينه وبين ادلة اعتصام الجاري عموم من وجه ويتعارضان في مادة الاجتماع وهو القليل الجاري الذي له مادة. ولكن المتعين تقديم الثاني اعني ادلة الاعتصام إذ لا محذور فيه عدا ارتكاب التقييد في ادلة الانفعال فتحمل على القليل غير الجاري وهذا بخلاف العكس إذ لو قدمنا ادلة الانفعال وحملنا دليل الاعتصام على الجاري غير القليل اي الكر لم يبق لوصف الجريان مدخل في هذا الحكم لان غير الجاري الكر ايضا معتصم. ومنها: قوله (ع): (كل طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله وخرئه) فان النسبة بينه وبين ما دل على نجاسة بول غير مأكول اللحم مثل قوله (ع): (اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه) عموم من وجه لان الاول يعم غير المأكول كما ان الثاني يعم الطائر فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي الطائر غير ماكول اللحم كالباز والصقر إذ مقتضى كونه طائرا طهارة بوله كما ان مقتضى كونه غير ماكول اللحم نجاسته. ولكن المتعين تقديم الاول إذ لا محذور فيه عدا تقييد الثاني بغير الطائر فيفصل في غير المأكول بين الطائر وغيره وتكون النجاسة

[ 280 ]

[ الثالث: مضي الحول (1) ] مختصة بالثاني. واما لو قدمنا الثاني المستلزم لحمل الاول على ماكول اللحم كان لازمه الغاء العنوان واهمال وصف الطيران إذ لا فرق حينئذ في طهارة المأكول بين الطائر وغيره مع ان ظاهر الدليل ان لهذا الوصف العنواني خصوصية في تعلق الحكم. ومنها، المقام فان النسبة بين ادلة عدم تعلق الزكاة بالحلي وبين ادلة تعلقها بالدرهم والدينار وان كانت عموما من وجه الا ان المتعين ترجيح الاول إذ لا محذور فيه عدا تقييد الثاني وحمله على الدرهم والدينار غير المستعملين في الحلي وهذا بخلاف العكس إذ لو قدمنا الثاني وقيدنا ادلة الحلي بغير الدرهم والدينار لم تبق حينئذ خصوصية لعنوان الحلي في الحكم بعدم الزكاة ضرورة ان غير الحلي ايضا من غير الدرهم والدينار لا زكاة فيه فالحلي وغير الحلي سيان من هذه الجهة - بعد فرض كون الموضوع غير الدرهم والدينار كما هو مقتضى التقييد المزبور - فيلزم الغاء هذا العنوان مع ان ظاهر الدليل لزوم رعايته وان له دخلا في تعلق الحكم ومعه لا مناص من ترجيح ادلة الحلي وتقييد ادلة الزكاة في الدرهم والدينار بغير المتخذ للحلية كما عرفت. فالاقوى ما اختاره غير واحد من عدم تعلق الزكاة بالدرهم والدينار المتخذين للزينة وان كان الوجوب الذي عليه المشهور هو الاحوط. (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال كما كان معتبرا في زكاة الانعام ايضا على ما تقدم وتدل عليه جملة وافرة من النصوص المعتبرة.

[ 281 ]

[ بالدخول في الشهر الثاني عشر (1)، جامعا للشرائط التي منها النصاب فلو نقص في اثنائه عن النصاب سقط الوجوب ] منها: صحيحة محمد الحلبي: (عن الرجل يفيد المال قال: لا يزكيه حتى يحول عليه الحول) (1)، وصحيحة علي بن يقطين قال: (قلت له انه يجتمع عندي الشئ فيبقى نحوا من سنة أنزكيه؟ قال: لا كل ما لم يحل عندك عليه الحول فليس عليك فيه زكاة) (2)، وصحيحة زرارة: (الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول ولم يحركه) (3)، وصحيحة الحلبي قال: (قلت لابي عبد الله (ع): ما في الخضر؟ قال: وما هي؟ قلت: القصب والبطيخ ومثله من الخضر قال ليس عليه شئ الا ان يباع مثله بمال فيحول عليه الحول ففيه الصدقة) (4)،. وصحيحة رفاعة النحاس قال: (سأل رجل أبا عبد الله (ع) فقال: اني رجل صائغ اعمل بيدي وانه يجتمع عندي الخمسة والعشرة ففيها زكاة فقال: إذا اجتمع مائتا درهم فحال عليها الحول فان عليها الزكاة) (5). ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها. (1) فيكفي مضي احد عشر شهرا بكاملها فمتى هل هلال الشهر


(1) الوسائل: ج 6 باب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 3. (3) الوسائل: ج 6 باب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 4. (4) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 2. (5) الوسائل: ج 6 باب 2 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2.

[ 282 ]

[ وكذا لو تبدل بغيره، من جنسه أو غيره. وكذا لو غير بالسبك. سواء كان التبديل أو السبك بقصد الفرار من الزكاة أو لا على الاقوى (1). وان كان الاحوط الاخراج على الاول. ] الثاني عشر استقر الوجوب ولا يجوز له التصرف والتغيير حينئذ فلا عبرة بمضي هذا الشهر كما انه لا يحسب من السنة الجديدة ايضا بل مبدؤها الشهر الثالث عشر كما دلت عليه صريحا صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم حيث قال (ع) فيها: (... انه حين رأى هلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة) (1) وقد تضمنت تشبيه من وهب ماله بعد رؤية هذا الهلال بمن سافر بعد الافطار كما شبهت فيها الهبة خلال السنة اي قبل هذه الرؤية بمن افطر بعد ما سافر حيث يجوز الثاني دون الاول. وقد تقدم الكلام حول ذلك مستقصى في زكاة الانعام فلاحظ. (1) لا يخفى ان مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن النصوص الخاصة سقوط الزكاة مع التبديل أو السبك ولو كان ذلك بقصد الفرار من الزكاة عملا باطلاق ادلة اعتبار مضي الحول والعين باقية بحالها إذ مفادها انها لو لم تكن باقية فتغيرت خلال السنة بتبديل أو تسبيك أو الصرف في الحلي ونحو ذلك فلا زكاة سواءا كان ذلك لحاجة ماسة أو لمجرد الفرار من الزكاة إذ يصدق معه ايضا أنه لم


(1) الوسائل: ج 6 باب 12 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 2.

[ 283 ]

يحل عليه الحول كما يقتضيه اطلاق ما دل على ان السبائك والحلي ليس فيها زكاة. وأما بالنظر إلى الروايات الخاصة الواردة في المقام فقد ورد في غير واحد من الاخبار سقوط الزكاة ولو كان بقصد الفرار التي منها صحيحة عمر بن يزيد قال: (قلت لابي عبد الله (ع): رجل فر بماله من الزكاة فاشترى به ارضا أو دارا أعليه شئ؟ فقال: لا ولو جعله حليا أو نقرا فلا شئ عليه وما منع نفسه من فضله أكثر مما منع من حق الله الذي يكون فيه) (1) ونحوها صحيحتا علي ابن يقطين (2) وصحيحة ابن خارجة (3) وغيرها. وبأزائها روايات اخرى دلت على عدم السقوط التي منها صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الحلي فيه زكاة؟ قال: لا الا ما فر به من الزكاة) (4). فلو كنا نحن وهاتان الطائفتان لامكن الجمع بالحمل على الاستحباب نظرا إلى انه وان كان في نفسه متعذرا في امثال المقام مما تضمن النفي والاثبات - فيه زكاة وليس فيه زكاة - لكونهما متهافتين في نظر العرف وانما يتيسر في مثل - افعل ولا بأس بتركه - كما اشرنا إليه مرارا. الا ان صحيحة زرارة تدلنا على امكان هذا الجمع في خصوص


(1) الوسائل: ج 6 باب 11 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 11 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 2، 3. (3) الوسائل: ج 6 باب 11 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 4. (4) الوسائل: ج 6 باب 11 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 7.

[ 284 ]

المقام حيث ورد في ذيلها: (... ثم قال زرارة: قلت له: ان اباك قال لي من فر بها من الزكاة فعليه ان يؤديها فقال: صدق ابي عليه ان يؤدي ما وجب عليه وما لم يجب عليه فلا شئ عليه فيه) (1) فانها تكون شارحة لنصوص عدم السقوط مثل صحيحة ابن مسلم وان المراد مالو كان الفرار بعد استقرار الوجوب عليه اي بعد مضي الحول واما لو كان قبله فلا شئ عليه غير انه فوت على نفسه الافضل كما صرح به في صحيحة عمر بن يزيد فتكون نتيجة الجمع حينئذ هو الاستحباب. الا ان صحيحة معاوية بن عمار آبية عن ذلك قال: (قلت له: الرجل يجعل لاهله الحلي (إلى ان قال) قلت له: فان فر به من الزكاة فقال: ان كان فر به من الزكاة فعليه الزكاة وان كان انما فعله ليتجمل به فليس عليه زكاة) (2) - ورواها ابن ادريس في آخر السرائر نقلا عن كتاب معاوية بن عمار - لامتناع حملها على ما بعد مضي الحول إذ يبطل حينئذ ما تضمنته من التفصيل بين صورتي قصد الفرار أو التجمل ضرورة عدم جواز التبديل بالحلي بعد تمامية الحول واستقرار الوجوب سواء أكان بقصد الفرار ام بقصد التجمل كما هو ظاهر. ولا يمكن التفكيك بين الشقين بحمل قصد الفرار على ما بعد الحول وقصد التجمل على ما قبله إذ فيه من الاستبشاع بحسب الفهم العرفي ما لا يخفى فلا مناص من كونها ناظرة إلى ما قبل مضي الحول فتستقر المعارضة حينئذ بينها وبين نصوص السقوط


(1) الوسائل: ج 6 باب 12 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2. (2) الوسائل: ج 6 باب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 6.

[ 285 ]

مثل صحيحة عمر بن يزيد ونحوها. وهذه الرواية وصفها في الحدائق بالصحة باعتبار طريق ابن ادريس حيث قال: (وعن معاوية بن عمار في القوي بل الحسن ثم قال: ورواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب معاوية بن عمار مثله فيكون الحديث صحيحا) (1). وغير خفي ما في هذا الطريق من الضعف لجهالة طريق ابن ادريس إلى الكتاب المزبور ولم تقم قرينة تغنينا عن رعاية الطريق مثل ما ينقل احيانا عن كتاب ويقول مثلا وجدته بخط الشيخ. نعم: هي صحيحة كما وصفناها ولكن بطريق الشيخ إذ ليس فيه من يغمز فيه عدا محمد بن عبد الله المردد بين الثقة الضعيف ولكن الظاهر ان المراد به هو محمد بن عبد الله بن زرارة الذي هو ثقة على الاظهر بقرينة روايته عن محمد بن أبي عمير فان الراوي عنه غالبا هو هذا الشخص كما صرح به في غير واحد من الموارد. وكيفما كان: فالرواية معتبرة والمعارضة مستقرة كما عرفت وفتاوى العامة مختلفة ولعل المشهور بينهم آنذاك هو الوجوب إذ لم ينقل الخلاف الا عن أبي حنيفة والشافعي فان حصر المذاهب في الاربعة انما حدث متأخرا وقبله كان ينقل فتاوى ابن أبي ليلى وابن عيينة واضرابهما من الفقهاء المعاصرين للصادقين (ع) حتى ورد عن الصادق (ع) اني لا اقدر على مخالفة ابن أبي ليلى ويظهر من صاحب المغنى ان جماعة كثيرين من هؤلاء العامة كانوا يفتون بعدم السقوط. إذا لا يبعد ان يكون المشهور بين العامة هو ذلك.


(1) الحدائق ج 12 ص 98.

[ 286 ]

[ ولو سبك الدراهم أو الدنانير بعد حول الحول لم تسقط الزكاة (1) ووجب الاخراج بملاحظة الدراهم والدنانير، إذا فرض نقص القيمة بالسبك. ] وعليه فروايات عدم السقوط اشبه بالتقية فتحمل عليها ويؤخذ بنصوص السقوط فان تم هذا فهو والا فتتساقط الطائفتان بالتعارض فيرجع حينئذ إلى ما تقتضيه القاعدة الاولية من السقوط ولو كان بقصد الفرار اخذا باطلاقات ادلة اعتبار الحول حسبما مرت الاشارة إليه والادلة النافية للزكاة في الحلي والسبائك وفي غير الدرهم والدينار الشاملة لصورة الفرار التي هي تقيد الاطلاقات الاولية المتضمنة لوجوب الزكاة من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) وقوله (ع): (في كل عشرين مثقال نصف دينار) فان المرجع تلك الادلة النافية، لا هذه المطلقات المثبتة كما هو ظاهر فلاحظ. فتحصل ان الاقوى ما ذكره في المتن من السقوط ولو كان بقصد الفرار من الزكاة وان كان الاحتياط بالاخراج مما لا ينبغي تركه. (1) لاستقرار الوجوب بحلول الحول جامعا للشرائط فيجب الخروج عن عهدته سواء بقي النقدان بحالهما ام سبكا. ويترتب عليه انه لو فرض نقص القيمة بالسبك ضمنها لان متعلق الفرض انما هو نفس الدراهم والدنانير فيجب الاخراج بملاحظتهما كما هو واضح.

[ 287 ]

[ (مسألة 1): لا تجب الزكاة في الحلي (1)، ولا في اواني الذهب والفضة، وان بلغت ما بلغت. بل عرفت سقوط الوجوب عن الدرهم والدينار إذا اتخذا للزينة وخرجا عن رواج المعاملة بهما. ] (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال للنصوص الكثيرة التي تقدمت الاشارة إليها التي منها صحيحة الحلبي: (سألته عن الحلي فيه زكاة قال: لا) ونحوها صحيحة يعقوب بن شعيب ورفاعة وغيرهما (1). قال المحقق في الشرائع: (ولا تجب الزكاة في الحلي محللا كان كالسوار للمرأة وحلية السيف للرجل أو محرما. كالخلخال للرجل والمنطقة للمرأة وكالاواني المتخذة من الذهب والفضة). والظاهر ان نظره (قده) في التعميم إلى الخلاف الصادر من اهل الخلاف حيث فصلوا بين المحلل والمحرم وخصوا السقوط بالاول فكأن الحلي عندهم بالاضافة إلى الزكاة كالمؤونة عندنا بالاضافة إلى الخمس فكما انها خاصة بالمقدار اللازم اللايق بالشأن فكذا الحلي يختص لديهم بما كان سائغا محللا واستدلوا على ذلك بحجج واهية لا تليق بالذكر. وكيفما كان: فلا خلاف بين علمائنا اجمع في شمول الحكم لكلا القسمين عملا باطلاق النصوص الشامل للسائغ والمحظور وان اطبق الجمهور على التفصيل المزبور إذ لا يصغى إليه تجاه الاطلاق المذكور.


(1) راجع الوسائل: ج 6 باب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة.

[ 288 ]

[ نعم في جملة من الاخبار ان زكاتها اعارتها (1). (مسألة 2): لا فرق في الذهب والفضة بين الجيد منها والردي (2). بل تجب إذا كان بعض النصاب جيدا وبعضه رديا. ] (1) لا يبعد ان يكون هذا سهوا من قلمه الشريف إذ لم يرد ذلك الا في مرسلة ابن ابي عمير عن ابي عبد الله (ع): (قال: زكاة الحلي عاريته) (1). وكذا في الفقه الرضوي الذي لم يثبت كونه رواية كما اشرنا إليه مرارا فلم ترد الا في رواية واحدة مرسلة لا في جملة من الاخبار كما ذكره. وكيفما كان: فيختص الاستحباب بما إذا لم يكن معرضا للفساد والا فلا يستحب ايضا على ما هو الشأن في مطلق العارية كما ورد ذلك في رواية ابي بصير في حديث: (انه قال لابي عبد الله (ع): ان لنا جيرانا إذا اعرناهم متاعا كسروه وافسدوه فعلينا جناح ان نمنعهم فقال: لا ليس عليكم جناح ان تمنعهم) (2). (2) لاطلاق الادلة الشامل لما إذا كان النصاب كله جيدا أورديا أو ملفقا منهما بعد صدق عنوان الذهب أو الفضة على الجميع بمناط واحد. ولا يخفى ان الذهب - وكذا الفضة - حسب ما ينقل عن مهرة الفن ذات واحدة ولا يختلف في حد نفسه باختلاف المعادن


(1) الوسائل ج 6 باب 10 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1. (2) الوسائل ج 6 باب 10 من ابواب زكاة الذهب الفضة ح 3.

[ 289 ]

[ ويجوز الاخراج من الردي (1) وان كان تمام النصاب من الجيد. لكن الاحوط خلافه، بل يخرج الجيد من الجيد ويبعض بالنسبة مع التبعض، وان اخرج الجيد عن الجميع فهو احسن. ] أو الازمان والاماكن فلا ينقسم في ماهيته إلى الجيد والردي كما ينقسم اليهما غيره من المأكولات والملبوسات وغيرهما وانما ينتزع هذا التقسيم من خارج مقام الذات اي من كمية الخليط الذي يمتزج بالذهب والفضة فان الذهب الجيد اي الخالص عن كل مزيج لا يستعمل خارجا إذ هو لين في طبعه فيحتاج بطبيعة الحال إلى مزيج من نحاس أو غيره يستوجب صلابته وتماسك اجزائه غاية الامر ان ذاك الخليط كلما كان اقل كان الذهب اجود. فالذهب الجيد الراقي هو ما كان خليطه حمصة ونصف في كل مثقال فان المثقال اربع وعشرون حمصة فإذا كان المثقال منه مشتملا على اثنتين وعشرين حمصة ونصف من الذهب الخالص والباقي اي الحمصة والنصف خليطه فهو الذهب الارقى الذي لا اجود منه كالليرة العثمانية فإذا كان الخليط اكثر فهو دونه في الجودة وكلما ازداد الخليط نقص جودة وازداد رداءة، وكذا الحال في الفضة، فالجودة والرداءة فيهما منتزعان من كمية الخليط قلة وكثرة والا فكل منهما في حد ذاته طبيعة واحدة. (1) تارة يفرض ان النصاب كله جيد واخرى كله ردي وثالثة مؤلف منهما كما لو كانت عشرة دنانير جيدة والعشرة الاخرى ردية.

[ 290 ]

[ نعم لا يجوز دفع الجيد عن الردي بالتقويم (1) بان يدفع ] اما في الفرضين الاخيرين فلا ينبغي الاشكال في جواز دفع الردي واخراجه زكاة لوضوحه في الاول منهما وكذا الثاني بناءا على ما هو الصحيح في كيفية التعلق بالعين من انها بنحو الشركة في المالية والمتولي للاخراج هو المالك دون الفقير فله اختيار التطبيق على الردي كالجيد. نعم: بناءا على الاشاعة والشركة الحقيقية لا مناص من التبعيض لان كل جزء من النصاب مشترك على هذا بين المالك والفقير بنسبة الواحد إلى الاربعين فالدفع من الردي تفويت لحق الفقير بالاضافة إلى الجيد لكن المبنى فاسد كما ستعرفه في محله انشاء الله تعالى. نعم الاولى والاحسن دفع الجيد حينئذ ولا اقل من التبعيض كما ذكره في المتن. واما في الفرض الاول اعني مالو كان كله جيدا فقد ذكر الماتن جواز دفع الردي حينئذ ايضا. ولكنه مشكل جدا فان متعلق الحق هو هذه العين الخارجية التي كلها جيد فكيف يسوغ الدفع من خارج مورد الحق الذي هو دونه في الوصف ودليل جواز التبديل والاخراج من مال آخر لا اطلاق له يشمل مثل ذلك كما لا يخفى بل المتيقن منه ما لو كان الفرد الآخر مماثلا لما في النصاب ومشاركا له في المالية فله دفع فرد آخر جيد من خارج النصاب لاكل فرد من الطبيعة وان كان ادون مما في النصاب كما مر نظيره في زكاة الانعام. (2) فصل (قده) بين دفع الجيد عن الردي المساوي معه في

[ 291 ]

[ نصف دينار جيد يسوى دينارا رديا عن دينار، الا إذا صالح الفقير بقيمة في ذمته. ثم احتسب تلك القيمة عما عليه من الزكاة، فانه لا مانع منه. كما لا مانع من دفع الدينار الردي عن نصف دينار جيد إذا كان فرضه ذلك. ] القيمة وبين العكس فمنع عن الاول وجوز الثاني. فلو كانت عنده اربعون دينارا رديا التي فيها دينار واحد لا يجوز له دفع نصف دينار جيد وان كانت قيمته مساوية مع قيمة الدينار الواحد من الردي كما لو كان كل منهما يسوى عشرة دراهم مثلا الا إذا صالح الفقير بقيمته في ذمته على نحو ما ذكره في المتن. واما عكس ذلك كما لو كانت عنده عشرون دينارا جيدا التي فيها نصف الدينار جاز له حينئذ دفع دينار واحد ردي عن نصف الدينار الذي هو فرضه فيما إذا تساويا في القيمة. وكأن الوجه فيما ذكره (قده) ملاحظة الكمية الواردة في لسان الادلة إذ في الفرض الاخير يشتمل المخرج على الفرض وهو نصف دينار وزيادة فلا نقص في المقدار والكمية كما لا نقيصة في القيمة والمالية بعد فرض التساوي فلا قصور في شمول الادلة لمثله. وهذا بخلاف الفرض الاول لنقصان في الكم إذ الواجب دفع الدينار وقد دفع النصف فلم يؤد الفرض وان تساويا في القيمة ومثله غير مشمول للنصوص الا ان يدفع نصف دينار إلى الفقير عوضا عن شئ في ذمته بصلح ونحوه بحيث تسوى قيمته دينارا رديئا فيملك المالك

[ 292 ]

[ (مسألة 3): تتعلق الزكاة بالدراهم والدنانير المغشوسة إذا بلغ خالصهما النصاب (1). ] حينئذ هذا الشئ في ذمة الفقير ثم يحتسبه زكاة بعنوان القيمة فان هذا لا اشكال في صحته كما سيجئ في محله انشاء الله تعالى. وما افاده (قده) وان كان وجيها بحسب الصورة وفي بادئ الامر. الا ان دقيق النظر يقضي بخلافه فان الفقير وان كان شريكا مع المالك في العين - بنحو الشركة في المالية - الا ان الاختيار بيد المالك وله ولاية التبديل والاخراج من غير العين من درهم أو دينار ونحوهما من النقود المتمحضة في الثمنية مع مراعاة القيمة. نعم في دفع القيمة من غير النقدين كلام اقواه العدم كما هو مذكور في محله. واما منهما فلا اشكال فيه فيجوز دفع الدرهم بدلا عن الدينار أو الدينار بدلا عن الدرهم بل في بعض النصوص التصريح بجواز الدفع بما تيسر. فهذه الادلة تدلنا على ان ملاحظة الكمية غير معتبرة وان العبرة بمراعاة القيمة غايته من نفس النقدين لا من جنس آخر فلو جاز دفع خمسة دراهم بدلا عن نصف دينار لتساويه له في القيمة - إذ كل دينار من الذهب يسوى عشرة دراهم من الفضة - فدفع نصف دينار جيد بدلا عن دينار ردي بطريق اولى كما لا يخفى. فالاظهر عدم الفرق بين الصورتين وجواز دفع كل منهما اي من الجيد والردي عن الآخر بدلا عن قيمته حسبما عرفت. (1) كما ذكره غير واحد من الاصحاب بل عن جماعة دعوى

[ 293 ]

الاجماع عليه ومحل الكلام ما لو كان الغش بغير الجنسين كالنحاس مثلا اما لو كان بهما كما لو كان الدينار ممزوجا بشئ من الفضة أو الدرهم بشئ من الذهب فسيجئ البحث عنه فيما بعد ان شاء الله تعالى. فنقول: قد يفرض بلوغ الغش حدا لا يخرج المغشوش معه عن صدق اسم الدرهم والدينار فان الدينار الخالص كما عرفت لا يكاد يوجد خارجا وان كان فهو نادر جدا لكونه لينا في طبعه فيحتاج إلى مزيج يوجب تماسك اجزائه اقله حبة ونصف في كل مثقال وربما يبلغ اكثره ثلث المثقال فهو مشتمل على الخليط والمزيج على كل حال حسب اختلاف المراتب التي منها تنتزع الجودة والرداءة كما مر وعرفت ان ارقى انواعها الليرة العثمانية. وكيفما كان: فان كان كذلك اي كان المغشوش من مصاديق الدرهم والدينار عرفا لكون الغش قليلا لا يضر بصدق اسم الذهب والفضة فالظاهر وجوب الزكاة حينئذ لدى بلوغ المجموع من المزيج والممزوج حد النصاب وان لم يبلغ خالصهما النصاب فان الموضوع لهذا الحكم كغيره من ساير الاحكام كحرمة لبس الذهب للرجال ووجوب التقابض في المجلس في بيع الصرف ووجوب دفع الف دينار في الدية هو ما صدق عليه عرفا اسم الذهب والفضة وان كان مشتملا على الغش والخليط عملا باطلاق الادلة إذ لم تتقيد حرمة لبس الذهب مثلا بالخلوص كما قيد الحرير بذلك. على انها قد دلت على ان في كل عشرين مثقالا نصف دينار مع ان نفس العشرين التي هي خمسة عشرة مثاقيل صيرفية يشتمل كل مثقال منها على حبة ونصف من المزيج على الاقل كما مر فيكون في

[ 294 ]

مجموع العشرين من المثاقيل الشرعية اثنان وعشرون حبة من المزيج اي يكون خالص الذهب من العشرين اقل من تسعة عشر مثقالا بحبتين ونصف ومع ذلك يجب فيها الزكاة بلا اشكال فيكشف هذا عن عدم قدح المزيج المزبور وعدم لزوم مراعاة النصاب في خالص الذهب الذي يشتمل الدينار عليه بل المناط ملاحظة حال الموجود الخارجي على ما هو عليه. وقد يفرض بلوغ الغش من الكثرة حدا لا يصدق معه اسم الذهب والفضة ولا يطلق عليه عنوان الدرهم والدينار منهما كما لو كان المزيج بمقدار النصف ولاسيما إذا كان اكثر كالليرات الاستامبولية حيث ان ذهبها الخالص لا يتجاوز الثلث اي يشتمل كل مثقال منها على ثمان حبات من الذهب وكالدراهم المتداولة في عصرنا الحاضر ففي مثل ذلك يشكل وجوب الزكاة وان بلغ خالصهما للنصاب بل لا يبعد العدم لحصر الوجوب في صحيحة جميل بالدرهم والدينار اي بما كان مصداقا للذهب والفضة المسكوكين غير المنطبق على المقام حسب الفرض ولا دليل على ان الفضة أو الذهب الخالصين المنبثين في مطاوي تلك المغشوشات يتعلق بهما الزكاة. وبعبارة اخرى: انما تجب الزكاة في الدينار من الذهب لا في كل مسكوك تضمن بعض أجزائه الذهب فانه لا يصدق عليه العنوان الا بنحو من العناية والتجوز فان كان هناك اجماع فهو ويلتزم من اجله بثبوت الحكم في غير مورد الدرهم والدينار ايضا وهو المسكوك المشتمل على الذهب أو الفضة ولو في بعض أجزائه فيثبت الحكم في مورد ثالث بدليل آخر وهو الاجماع دون النصوص لقصورها عن

[ 295 ]

الشمول لذلك كما هو ظاهر. والظاهر عدم تتحقق الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم (ع) وانما استند القائل بذلك إلى مقتضى القواعد الاولية بزعم صدق الدرهم والدينار على المغشوش الذي عرفت منعه في الفرض. نعم: دلت على ذلك رواية زيد الصائغ (1) حيث تضمنت وجوب الزكاة في الدرهم الذي ثلثه فضة وثلثاه مس ورصاص. الا انه لا يمكن رفع اليد بها عن الروايات النافية للزكاة عن غير الدرهم والدينار فانه وان امكن الجمع بارتكاب التقييد في تلك النصوص والالتزام بثبوت الزكاة ايضا في النقود التي يكون جزء من مادتها ذهبا أو فضة فيما لو بلغ حد النصاب. الا ان هذه الرواية في نفسها ضعيفة السند لان محمد بن عبد الله بن هلال فيه كلام وزيد الصائغ مجهول. ودعوى الانجبار بعمل الاصحاب ممنوعة كبرى على ما حققناه في الاصول وصغرى ايضا إذ لم يعلم استناد الاصحاب الاقدمين إليها الذين هم المناط في الاستناد وان ذكرت في كتب المتأخرين إذ لعلهم جروا على مقتضى القواعد الاولية بزعم ثبوت الزكاة في مطلق المسكوك المشتمل جزء من مادته على الذهب والفضة. كما ان جماعة كثيرة ممن تأخر عن الشيخ كانوا يتبعون الشيخ فيما يقول ولم يتجرأوا على مخالفته حتى سموا بالمقلدة. وعلى الجملة: المدار في حجية الخبر على احد امرين اما وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية لاجل الاحتفاف بقرائن تورث الاطمينان بصدورها وشئ منهما لم يثبت في المقام.


(1) الوسائل: ج 6 باب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1.

[ 296 ]

[ ولو شك في بلوغه، ولا طريق للعلم بذلك (1) ولو للضرر - لم تجب. وفي وجوب التصفية ونحوها للاختبار اشكال، احوطه ذلك. وان كان عدمه لا يخلو عن قوة. ] والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الدراهم والدنانير المغشوسة ان صدق عليها عرفا عنوان الذهب والفضة وجبت زكاتها متى بلغ المجموع من المزيج والممزوج حد النصاب لا خصوص الخالص منهما لعدم الدليل على اعتبار الخلوص بعد فرض الصدق المزبور وان لم يصدق لكثرة المزيج من غير الجنسين ولا سيما إذا كان بحد يستهلك فيه الذهب أو الفضة لم تجب وان فرض بلوغ الخالص منهما حد النصاب لعدم وجوبها في مطلق الذهب والفضة بل في خصوص المسكوكين المعنونين بعنوان الدرهم أو الدينار المنفي في المقام لان النقد المسكوك لم تكن مادته ذهبا ولا فضة. بل يصح سلبهما حسب الفرض والخالص من تلك المواد وان كان ذهبا أو فضة الا انه غير مسكوك بل سبيكة محضة ولا زكاة فيها. فعلى هذا لو كانت عنده ستون من الليرات الاستامبولية التي ثلثها ذهب خالص لم تجب فيها الزكاة وان كان الخالص بالغا حد النصاب. (1) لو بنينا على وجوب الزكاة في الخالص من الدراهم والدنانير المغشوشة فشككنا في بلوغ الخالص حد النصاب أو كانت عنده دراهم ودنانير غير مغشوشة وشك في بلوغها حد النصاب فهل يجب الفحص و التفتيش؟ وعلى تقدير الوجوب فهل يسقط بالعجز؟ فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: فقد يقال بالوجوب بالرغم من كون الشبهة

[ 297 ]

موضوعية اتفق الاصوليون والاخباريون على عدم وجوب الفحص فيها نظرا إلى ان ترك الفحص في المقام وامثاله كما في موارد الشك في بلوغ المال حد الاستطاعة يوجب الوقوع في مخالفة الواقع غالبا كتأخير الحج عن اول عام الاستطاعة عند ترك المحاسبة وتضييع حق الفقراء أو السادة لدى ترك الفحص عن حصول الربح في التجارة أو بلوغ المال حد النصاب ومن هذا القبيل ترك الاستهلال في شهر رمضان وبذلك يمتاز المقام عن ساير موارد الشبهات الموضوعية. ويندفع بما ذكرناه في الاصول من عدم العلم بالوقوع في خلاف الواقع بالاضافة إلى شخص المكلف المجري للاصل لفرض عدم تنجز التكليف عليه في المورد الذي هو محل ابتلائه إذ هو شاك حسب الفرض لا قاطع وانما يحصل العلم بالمخالفة القطعية لو لوحظ المكلف المزبور بضيمة غيره من ساير المكلفين المجرين لهذا الاصل فيعلم اجمالا بان كثيرا من هذه الاصول مخالف للواقع ومن المعلوم ان مثل هذا العلم الاجمالي المتعلق به وبغيره من ساير المكلفين لا يستوجب التنجيز ولا يكاد يؤثر في ايجاب الاحتياط على من لا يعلم بتنجيز التكليف عليه فحال المقام حال ساير موارد الاصول الجارية في الشبهات الموضوعية من اصل البراءة والحل والطهارة ونحوها حيث ان العلم بمخالفة كثير منها للواقع غير ضائر في جريانها. واما الجهة الثانية: وهي انا لو سلمنا وجوب الفحص فهل يسقط بالعجز التكويني كما لو كان محبوسا أو كان النقدان في خزانة قد ضاع مفتاحها أو التشريعي كما لو كان الفحص مستوجبا للضرر إذ لو سبك الدنانير والدراهم المغشوشة واذابها ينعدم مقدار معتد

[ 298 ]

[ (مسألة 4): إذا كان عنده نصاب من الجيد (1) ] به منها؟ الظاهر عدم السقوط لان وجوب الفحص على تقدير ثبوته لم يكن حكما تكليفيا نفسيا أو غيريا كي يسقط بالعجز وانما هو حكم طريقي بمناط المحافظة على الواقع ومرجعه إلى عدم جريان اصالة البراءة بحيث يكون المنجز حينئذ نفس احتمال العقاب غير المقترن بالمؤمن الشرعي أو العقلي لاستقلال العقل حينئذ بوجوب دفع الضرر - اي العقاب - المحتمل وهذا الملاك لا يفرق فيه بين صورتي التمكن من الفحص وعدمه. فيجب عليه الاحتياط باداء الزكاة ولو من مال آخر. ولكن عرفت ان الفحص غير واجب من اصله فلا موجب للاحتياط. نعم رواية زيد الصائغ المتقدمة (1) واضحة الدلالة على الوجوب فان موردها وان كان هو العلم باصل النصاب والشك في مقداره دون الشك في اصله الذي هو محل الكلام الا ان الفرض الاول يرجع إلى الثاني لدى التحليل لان مرجع الشك في المقدار بعد العلم بأصل النصاب إلى الشك في النصاب الثاني بعد العلم بالاول فهو بالاضافة إلى النصاب الثاني للنقدين شاك في اصل وجوده فإذا حكم فيه بوجوب الفحص يعلم ان هذا من احكام الشك في اصل النصاب الذي لا يفرق فيه بين النصاب الاول والثاني بالضرورة. الا ان الرواية في نفسها ضعيفة السند كما مر فلا يمكن التعويل عليها في الحكم بوجوب الفحص. (1) اشرنا فيما سبق إلى ان الزكاة حق متعلق بالعين على نحو


(1) الوسائل: ج 6 باب 7 من ابواب زكاة الذهب والفضة ح 1.

[ 299 ]

[ لا يجوز ان يخرج عنه من المغشوش، الا إذا علم اشتماله على ما يكون عليه من الخالص، وان كان المغشوش بحسب القيمة يساوي ما عليه. الا إذا دفعه بعنوان القيمة، إذا كان للخليط قيمة. (مسألة 5). وكذا إذا كان عنده نصاب من المغشوش لا يجوز ان يدفع المغشوش، الا مع العلم على النحو المذكور. ] الشركة في المالية فيساهم الفقير مع المالك في مالية العين وقيمتها وانه يجوز الدفع والاخراج من خارج العين كما دل عليه قوله (ع): (ايما تيسر فلا بأس) ولكن بشرط التساوي مع ما في العين في القيمة كما هو مقتضى طبيعة الشركة في المالية المقتضية لمراعاة الخصوصيات التي تشتمل عليها العين الدخيلة في القيمة. وقد عرفت ايضا انه لا اعتداد بوصفي الغش والخلوص في تعلق الزكاة بل المدار على صدق اسمي الدرهم والدينار فمتى صدق وجبت وان لم يبلغ خالصهما النصاب ومتى لم تصدق لم تجب وان بلغ خالصهما النصاب. وذكرنا ان الجودة والرداءة انما تنتزعان من كمية الخليط فكلما كان اقل كان الذهب أو الفضة اجود والا فهما في حد نفسهما ذات واحدة. ومن ذلك كله يظهر الحال في جملة من الفروع المذكورة في المتن التي منها ما ذكره في هذه المسألة من عدم جواز دفع المغشوش اي الردي عن الجيد لانه كان عنده نصاب من الجيد فاللازم الدفع

[ 300 ]

[ (مسألة 6): لو كان عنده دراهم أو دنانير بحد النصاب (1)، وشك في انه خالص أو مغشوش، فالاقوى عدم وجوب الزكاة. ان كان احوط. (مسألة 7): لو كان عنده نصاب من. الدراهم ] اما من نفس العين أو من الخارج مما كان مشاركا ما في العين في المالية بمقتضى تعلق الحق على نحو الشركة في المالية حسبما عرفت وبما ان مالية الردي دون الجيد وقيمتها اقل فلا تجتزئ به الا إذا فرض تساويهما في القيمة - وقد دفع بعنوان القيمة - سواءا كان التساوي من اجل ان للخليط قيمة يتدارك بها التفاوت ما بين الجودة والرداءة ام لم يكن للخليط قيمة اصلا وانما نشأ التدارك من السكة التي يتصف بها الردي فكان مسكوكا بسكة راقية اما لكونها عتيقة أو لغير ذلك من الاعتبارات الموجبة لازدياد القيمة فلا يشترط في جواز دفع الردي بعنوان القيمة فرض ان للخليط قيمة كما صنعه في المتن. ومما ذكرنا يظهر الحال في المسألة الآتية فلاحظ. (1) وقد ظهر الحال في هذه المسألة ايضا مما مر فان المغشوش ان كان بحيث يصدق عليه اسم الدرهم والدينار وعنوان الذهب والفضة وجبت فيه الزكاة وان لم يبلغ الخالص النصاب وان لم يصدق لا تجب وان بلغ. ولو شك في الصدق لم تجب ايضا لاصالة البراءة الجارية في الشبهات الموضوعية الوجوبية باتفاق الاصوليين والاخباريين.

[ 301 ]

[ المغشوشة بالذهب (1) أو الدنانير المغشوشة بالفضة لم يجب عليه شئ، الا إذا علم ببلوغ احدهما أو كليهما حد النصاب، فيجب في البالغ منهما أو فيهما. فان علم الحال فهو، والا وجبب التصفية. ] (1) ما قدمناه لحد الآن كان في الدراهم والدنانير المغشوشة بغير الذهب والفضة من ساير الفلزات كالنحاس مثلا. والكلام فعلا يقع في خلط كل منهما بالآخر بان تكون الدراهم مغشوشة بالذهب أو الدنانير مغشوشة بالفضة. والمعروف بين الصاغة ان الذهب ان كان يميل إلى الحمرة فهو مغشوش بالنحاس وان كان يميل إلى الصفرة فهو مغشوش بالفضة. وكيفما كان فلا اشكال فيما لو كان الغش قليلا جدا بحيث كان احدهما مندكا ومستهلكا في الآخر كما لو كان عنده عشرون دينارا وكان الجزء الواحد من خمسين جزء من كل دينار فضة أو بالعكس فيما لو كان عنده مائتا درهم فان الحكم حينئذ تابع للعنوان المستهلك فيه وهذا ظاهر. واما لو كان الغش كثيرا فامتزج احدهما بالآخر على نحو لا يصدق على المركب منهما شئ من العنوانين لعدم حصول الاستهلاك كما لو كان نصفه ذهبا ونصفه فضة بنحو لا يطلق عليه فعلا اسم الذهب ولا الفضة فالظاهر وجوب الزكاة ايضا مع بلوغ النصاب فان الادلة وان لم تشمله بمدلولها اللفظي

[ 302 ]

لعدم كون المورد لا من الذهب ولا من الفضة حسب الفرض ولا زكاة الا فيما صدق عليه احد العنوانين الا ان المستفاد منها بمعونة الفهم العرفي شمول الحكم لذلك فانهم لا يشكون في انه لو تألف مركب من عدة اجزاء مشاركة في الحكم فذاك الحكم يثبت للمركب أيضا وان لم يكن في حد نفسه مندرجا في شئ من عناوين اجزائه. فلو صنعنا معجونا مؤلفا من الطحال والدم المتخلف في الذبيحة ودم ميتة السمك وساير ما في الذبيحة من الاجزاء الطاهرة المحرم أكلها كالقضيب والانثيين والفرث والنخاع والمرارة ونحو ذلك فانه لا يرتاب العرف في استفادة تحريم المركب من ادلة تحريم الاجزاء وان لم يستهلك بعضها في بعض ولم يكن المركب معنونا بشئ منها. نعم لا ريب في زوال الحرمة في فرض الاستهلاك في الحلال كما لو استهلك التراب في الدقيق فانه يجوز اكل الخبز منه وان اشتمل كل رغيف على كمية من التراب كمثقال مثلا بحيث يحرم اكله لو كان مستقلا. واما في فرض عدم الاستهلاك فالمركب لا يعدو اجزائه في احكامها المماثلة بل يشاركها فيها بمقتضى الفهم العرفي حسبما عرفت. وعليه فالمركب من الذهب والفضة محكوم بوجوب الزكاة ايضا كالاجزاء بشرط بلوغ النصاب في كل منهما أو في احدهما بحسابه والا فلا زكاة وان كان المجموع بمقدار النصاب كما هو الحال في حال الانفراد ايضا فلو كان له مقدار من النقود قد امتزج ما يعادل مائة درهم من الفضة منها بما يعادل عشرة دنانير من الذهب بحيث كان المجموع بمقدار عشرين دينارا لم تجب الزكاة كما دلت عليه النصوص على ما سيأتي. فيعتبر مراعاة النصاب في كل منهما بحياله وحينئذ فان علم بالحال فهو وإلا

[ 303 ]

[ ولو علم اكثرية احدهما مرددا ولم يمكن العلم (1) وجب اخراج الاكثر من كل منهما. فإذا كان عنده الف وتردد بين ان يكون مقدار الفضة فيها اربعمائة والذهب ستمائة وبين العكس اخرج عن ستمائة ذهبا وستمائة فضة. ويجوز ان يدفع بعنوان القيمة ستمائة عن الذهب واربعمائة عن الفضة، بقصد ما في الواقع. ] بان شك في بلوغ النصاب فيهما أو في احدهما فقد حكم في المتن بوجوب الفحص والاختبار بالتصفية. ولكنه غير ظاهر لعدم الملزم للفحص بعد كون الشبهة موضوعية ورواية زيد الصائغ قد عرفت ضعفها فلا تصلح للاستناد إليها. نعم: لو اراد ان يحتاط امكنه الدفع من الخارج بعنوان القيمة بمقدار يتيقن معه بالفراغ على تقدير الاستقلال بلا حاجة إلى التصفية والا فله الاكتفاء بالمقدار المتيقن - لو كان - والرجوع فيما عداه إلى اصالة البراءة المتفق عليها في مثل المقام بين الاصولي والاخباري كما مر. (1) فكانت عنده كمية من النقود قد غش الذهب منها بالفضة وهو يعلم بان احدهما اكثر ولكنه مردد بينهما فحينئذ يجب اخراج الاكثر من كل منهما عملا بالعلم الاجمالي. أقول: للمسألة صورتان إذ تارة يفرض ان الاكثر اي المقدار الزائد على الآخر غير بالغ حد النصاب إلا على تقدير دون تقرير فلا

[ 304 ]

تجب الزكاة فيه بقول مطلق. وهذا كما لو كانت عنده ثمانمائة وعشرون من النقود اربعمائة منها من الذهب واربعمائة من الفضة وتردد العشرون الزائد بينهما فانه ان كان عشرين مثقالا من الذهب كان نصابا واما إذا كان من الفضة فهو دون النصاب - لان نصابه اربعون درهما والعشرون مثقالا اقل منه - فلا تجب فيه الزكاة على هذا التقدير. ولا ينبغي التأمل في عدم وجوب الزكاة في هذا المقدار الزائد المشكوك كونه نصابا لاصالة البراءة عن تعلق الزكاة به الجارية في الشبهة الموضوعية الوجوبية بلا كلام. فليكن هذا الفرض خارجا عن محل البحث. واخرى: يفرض بلوغه حد النصاب على كل تقدير فوجبت فيه الزكاة مطلقا كما لو كانت تلك النقود ثمانمائة واربعين أو يفرض انها كانت الفا كما افترضه في المتن فكانت اربعمائة ذهبا واربعمائة فضة وترددت المائتان الباقية بينهما التي هي نصاب على كل تقدير. وقد حكم في المتن بوجوب اخراج الاكثر اي بدفع زكاة المائتين مرتين تارة بحساب الذهب واخرى بحساب الفضة عملا بالعلم الاجمالي بتعلق احد التكليفين فيدفع عن ستمائة ذهبا وستمائة فضة. ثم ذكر انه يجوز الاقتصار في المائتين على حساب الذهب بعنوان القيمة اي بقصد ما اشتغلت به الذمة واقعا المردد بين كونه نفس الفريضة ان كان ذهبا وقيمتها ان كان فضة فيدفع ستمائة عن الاكثر قيمة وهو الذهب واربعمائة عن الفضة. ولكن الظاهر جواز الاقتصار على الاقل قيمة وهو الفضة فان الزكاة وان كانت حقا متعلقا بشخص العين الخارجية الا انها على

[ 305 ]

[ (مسألة 8): لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة، ] سبيل الشركة في المالية وللمالك ولاية التبديل والاخراج من غير العين بعنوان القيمة فهو مخير بين الامرين اي دفع العين والقيمة، فالحق وان كان متعلقا بالعين الا ان الواجب هو الجامع بين الامرين وبما ان القيمة التي هي عدل الواجب التخييري مرددة بين الاقل والاكثر لترددها بين قيمة الذهب التي هي أكثر والفضة التي هي اقل فلا علم باشتغال الذمة الا بالمقدار المتيقن وهو الاقل واما الزائد عليه فتعلق التكليف به مشكوك من اول الامر فيرجع في نفيه إلى اصالة البراءة فيكون المقام مثل ما لو لم يكن عنده من اول الامر الا مقدار النصاب وكان مرددا بين الذهب والفضة الذي يقتصر فيه على الاقل قيمة ويدفع الزائد باصالة البراءة. فما ذكره في المتن من لزوم دفع الاكثر عملا بالعلم الاجمالي مبني على قصر النظر على ما في العين الذي هو دائر بين المتباينين اعني نفس الذهب والفضة ولا مناص حينئذ من الاحتياط رعاية لتنجيز العلم الاجمالي كما افاده (قده) واما بملاحظة القيمة وجواز دفعها بدلا عن العين الموجب لقلب التكليف من التعييني إلى التخييري وتعلقه بالجامع بينهما فالواجب حينئذ دائر بين الاقل والاكثر باعتبار تردد القيمة بينهما المحكوم بلزوم الاقتصار على الاقل ودفع الزائد بالاصل لا انه دائر بين المتباينين ليجب الاحتياط فاخراج الاكثر مبني على الاحتياط الاستحبابي.

[ 306 ]

[ وعلم ان الغش ثلثها (1) مثلا - على التساوي في افرادها - يجوز له ان يخرج خمسة دراهم من الخالص، وان يخرج سبعة ونصف من المغشوش. واما إذا كان الغش بعد العلم بكونه ثلثا في المجموع - لا على التساوي فيها - فلا بد من تحصيل العلم بالبراءة اما باخراج الخالص. واما بوجه آخر. ] (1) فبما ان الثلثين الباقيين فضة خالصة بالغة حد النصاب فتجب زكاتها وهي خمس دراهم بناءا على تعلق الزكاة بمثل هذه الدراهم بملاحظة ما فيها من خالص النقدين كما عليه الماتن (قده) وحينئذ فان ادى الزكاة من الخارج اي من الدراهم الخالصة فلا كلام، واما لو اراد الاداء من نفس العين المغشوشة فان كان الغش في الدراهم على التساوي وبنسبة واحدة اي كان المزيج في كل درهم بمقدار الثلث اجزأه دفع سبعة دراهم ونصف لان نسبتها إلى الثلاثمائة نسبة الخمسة إلى المائتين اي الواحد إلى الاربعين. واما لو كانت الدراهم مختلفة الغش فكان المزيج في بعضها ثلثا وفي بعضها ربعا أو نصفا أو خمسا وهكذا فليس له حينئذ دفع سبعة ونصف لجواز كونها اكثر غشا الموجب لعدم تساويها مع خمسة دراهم خالصة بل اللازم الدفع بوجه آخر اي بمقدار يقطع باشتماله على خمسة خالصة تحصيلا للقطع بالفراغ عن عهدة التكليف المعلوم لرجوع الشك حينئذ إلى مرحلة الامتثال بعد القطع بالاشتغال. هذا ولكن الظاهر جواز دفع سبعة دراهم ونصف حتي في

[ 307 ]

[ (مسألة 9): إذا ترك نفقة لاهله مما يتعلق به الزكاة وغاب وبقي إلى آخر السنة بمقدار النصاب لم تجب عليه (1) الا إذا كان متمكنا من التصرف فيه طول الحول مع كونه غائبا. ] فرض الاختلاف وعدم التساوي فيما إذا دفعها بعنوان القيمة وكانت قيمتها مساوية مع خمسة دراهم خالصة ولو لاجل السكة التي تتصف الدراهم المغشوشة بها وان كان وزنها اقل من الخمسة الخالصة إذ الاعتبار في التقويم بالمالية لا بالكمية. (1) كما هو المشهور ولم ينسب الخلاف الا إلى ابن ادريس حيث لم يفرق في الوجوب بين الغيبة والحضور. وتشهد للمشهور روايات منها موثقة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن الماضي (ع) قال: (قلت له: رجل خلف عند اهله نفقة الفين لسنتين عليها زكاة؟ قال: ان كان شاهدا فعليه زكاة، وان كان غائبا فليس عليه زكاة) (1)، ونحوها مرسلة ابن أبي عمير (2) ورواية أبي بصير (3). وقد ناقش في اسنادها صاحب المدارك ورماها بالضعف وهو وجيه بناءا على مسلكه من تخصيص الحجية بالصحيح الاعلائي اي ماكان


(1) الوسائل: ج 6 باب 17 من أبواب الزكاة الذهب والفضة ح 1. (2) الوسائل: ج 6 باب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 2. (3) الوسائل ج 6 باب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 3.

[ 308 ]

رواية عدلا اماميا فان اسحاق فطحي وان كان موثقا بل من اجلاء الثقات. واما بناءا على المشهور المنصور من عدم اعتبار العدالة والاكتفاء في الحجية بمطلق الوثاقة فالتشكيك في السند في غير محله. وانما الكلام في الدلالة فنقول لا ينبغي التأمل بحسب الفهم العرفي ان الشبهة المنقدحة في ذهن السائل الباعثة له على السؤال ليست هي احتمال ان تكون للغيبة بما هي غيبة خصوصية في سقوط الزكاة لكي يكون تعلقها منوطا بالحضور ضرورة ان هذين الوصفين بما هما لا علاقة بينهما وبين الزكاة نفيا ولا اثباتا كما هو واضح كما لا يحتمل ان يكون للمصرف الخاص اي الانفاق على العيال - الذي هو مورد هذه الروايات - خصوصية في هذا الحكم بحيث لو كان بدل ذلك مصرف آخر كما لو عينه لشراء الدار أو الكتب أو الزواج ونحو ذلك لم يثبت الحكم فشئ من الغيبة والانفاق لا مدخل لهما بحسب الفهم العرفي في تعلق الحكم بتاتا. بل الذي دعا الراوي على السؤال هو كون المالك منقطعا عن ماله غير متمكن من التصرف فيه طول الحول ولو كان ذلك مستندا إلى اختياره بترك النفقة عند الاهل واختيار السفر فان الذي يسافر سفرا طويل المدة ولا سيما في الازمنة السابقة التي لم تحدث فيها الطائرات ولا وسائل المخابرات مما هو دارج في هذا العصر كأنه منقطع عن ماله خارج عن تحت سلطنته غير متمكن من التصرف فيه فلم يكن ماله عنده. وعليه فيكون مفاد هذه النصوص مساوقا لما دلت عليه الروايات الكثيرة التي تقدمت في محلها من اشتراط التمكن من التصرف في تعلق

[ 309 ]

[ (مسألة 10): إذا كان عنده اموال زكوية من اجناس مختلفة، وكان كلها أو بعضها اقل من النصاب فلا يجبر الناقص منها بالجنس الآخر (1). مثلا: إذا كان عنده تسعة عشر دينارا، ومائة وتسعون درهما، لا يجبر نقص الدنانير بالدراهم، ولا العكس. ] الزكاة وان يكون المال عنده وتحت تصرفه في تمام الحول ولا تتضمن حكما جديدا مخالفا لمقتضى القواعد. (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال بل هو مورد للاجماع على ما ادعاه غير واحد. ويدل عليه مضافا إلى الادلة الدالة على اعتبار النصاب في كل جنس المقتضي لعدم الاجتزاء بالناقص وان بلغ النصاب بالضم فالحكم مطابق للقاعدة لعدم الدليل على كفاية الضم. النصوص الخاصة وهي عدة روايات منها صحيحة زرارة: (انه قال لابي عبد الله (ع): رجل عنده مائة وتسعة وتسعون درهما وتسعة عشر دينارا، أيزكيها؟ فقال: لا ليس عليه زكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى يتم) (1)، ونحوها غيرها. فالحكم واضح لا غبار عليه. هذا تمام الكلام في زكاة النقدين. وبه ينتهي ما اردنا ايراده في هذا الجزء ويتلوه الجزء الثاني مبتدءا بفصل زكاة الغلات الاربع ان شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين.


(1) الوسائل: ج 6 باب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية