الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الحج - السيد الخوئي ج 4

كتاب الحج

السيد الخوئي ج 4


[ 1 ]

المعتمد في شرح المناسك الجزء الرابع

[ 2 ]

الطبعة الاولى التاريخ: ذو الحجة الحرام 1409

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (16) المعتمد في شرح المناسك محاضرات زعيم الحوزة العلمية اية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله العالي الجزء الرابع بقلم السيد رضا الخلخالي

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين.

[ 7 ]

[ (كفارات الصيد) (مسألة 207): في قتل النعامة بدنة، وفى قتل بقرة الوحش بقرة، وفى قتل حمار الوحش بدنة أو بقرة وفى قتل الظبي والارنب شاة، وكذلك في الثعلب على الاحوط (1) ]. (1) لا كلام ولا خلاف بين اصحابنا في وجوب البدنة على من قتل النعامة، وكذا في قتل بقرة الوحش تجب البقرة الاهلية، وفى قتل الظبي شاة، وقد صرحت النصوص المعتبرة بذلك (1) واما الحمار الوحشي ففي بعض الروايات المعتبرة البقرة، وفى بعض آخر معتبر أيضا بدنة (2) ومقتضى الجمع بين الروايتين بعد القطع بعدم وجوب كليهما هو التخيير ورفع اليد عن ظهور الوجوب في التعيين، وهذا الكلام مبني على اساس اصولي ذكرنا في محله، وهو انه لو دار الامر بين الوجوب التعييني والتخييري يحمل الواجب على التعييني، لان التخيير يحتاج إلى دليل خاص ومؤنة زائدة كحمل الواو على (أو) ونحو ذلك، ولكن بعد القطع بعدم وجوب كليهما يدور الامر بين رفع اليد عن وجوب احدهما بالمرة أو رفع اليد عن اطلاق كل منهما


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 1 كفارات الصيد ح 1 و 2.

[ 8 ]

[ (مسألة 208): من اصاب شيئا من الصيد فان كان فداؤه بدنة ولم يجدها فعليه اطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما، وان كان ] ولا ريب في انه يتعين رفع اليد عن الاطلاق، فالنتيجة وجوب كل منهما على التخيير. واما الارنب: ففي روايات معتبرة ان في قتله شاة (1). واما الثعلب: فالمشهور بل ادعى عليه الاجماع ان في قتله شاة كالارنب فان تم الاجماع فهو وإلا فاثباته بدليل غير ممكن ومقتضى الاصل عدم الوجوب بل يستشعر من بعض الروايات عدم الوجوب لان السائل يسأل عن قتل المحرم الارنب والثعلب فيجيب عليه السلام عن الارنب ويسكت عن الثعلب فاقتصاره (ع) في الجواب على الارنب مشعر بعدم وجوب شئ في الثعلب (2). نعم ورد في رواية واحدة ثبوت الدم على من قتل ثعلبا كالارنب (3) ولكن الرواية ضعيفة سندا بطريقيها احدهما بسهل وعلي بن أبي حمزة البطائني والآخر بالبطائني فانه كذاب بل اختلق عدة روايات في الاموال ونسبها إلى الامام الكاظم (ع) إلا ان الظاهر تسالم الاصحاب على ثبوت الشاة في قتله فالحكم مبني على الاحتياط.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب كفارات الصيد ح 1. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب كفارات الصيد ح 4.

[ 9 ]

[ فداؤه بقرة ولم يجدها فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يقدر صام تسعة ايام، وان كان فداؤه شاة ولم يجدها فليطعم عشرة مساكين، فان لم يقدر صام ثلاثة ايام (1) ]. (1) البحث في هذه المسألة لبيان ابدال الكفارة المتقدمة إذا عجز عنها سواء كانت بدنة أو بقرة أو شاة. والبدل على قسمين إما الاطعام، أو الصوم. اما الاول: فيقع الكلام في جهات: الاولى: إذا كان الواجب بدنة كما إذا قتل النعامة وعجز عنها فما هو الواجب عليه؟ ورد في جملة من الروايات انه يجب عليه صرف قيمة البدنة على اطعام ستين مسكينا فان كانت قيمة البدنة اكثر من اطعام ستين مسكينا لا تجب عليه الزيادة على اطعام ستين مسكينا، ويكون الباقي له وان كانت قيمة البدنة اقل من اطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة ولا يجب عليه اطعام الستين (1). وفي جملة منها اقتصر على اطعام ستين مسكينا ابتداءا من دون ذكر قيمة البدنة، وعلى طبق هذه الروايات (2) افتى جملة من الفقهاء... كابن بابويه، وابن أبي عقيل، والمفيد، والسيد، والسلار، وهذا هو الصحيح.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 7. وغيره. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 11.

[ 10 ]

بيان ذلك: ان روايات التقويم دلت على تقييد الاطعام على ستين مسكينا بما إذا كانت قيمة البدنة وافية لذلك، وإلا فيقتصر على ما تمكن. ولكن صحيح علي بن جعفر (1) يدل على الاطعام على ستين مسكينا على الاطلاق ابتداءا من دون نظر إلى القيمة، والمتعين هو الاخذ باطلاق هذه الصحيحة ونحوها، ولا موجب لتقييدها بالروايات السابقة. والوجه في ذلك: ان مثل هذا الفرض، وهو ان نعتبر قيمة البعير اقل من تكاليف الاطعام بستين مسكينا مع فرض كفاية مد واحد لكل مسكين بعيد جدا. نعم: قد يحتمل - وان كان من الفرض البعيد - عدم وفاء قيمة البعير في زمان صدور الروايات، فالمتعين هو العمل بالروايات المطلقة ولا موجب إلى التقييد لعدم موضوع له. الثانية: هل يعتبر في البدنة ان تكون انثى، ام يجزي الاعم منها ومن الذكر؟ قولان: في مجمع البحرين انها تقع على الجمل والناقة والبقرة عند جمهور اهل اللغة وبعض الفقهاء، وعن بعض الافاضل ان اطلاقها على البقرة مناف لما ذكره ائمة اللغة من انها من الابل خاصة. انتهى. واستشهد الحدائق على التعميم للذكر والانثى برواية أبي الصباح الكناني لاشتمالها على كلمة جزور في قوله (ع) (وفي النعامة جزور) (2) والجزور اعم من الذكر والانثى. ثم ان في التهذيب المطبوع بالطبعة الجديدة (3).


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 6. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب كفارات الصيد ح 6. (3) التهذيب: ج 5 ص 341.

[ 11 ]

رواها عن أبي الفضل عن أبي الصباح وهو سهو جزما لعدم وجود رجل يكنى بأبي الفضيل يروي عن أبي الصباح بل الراوي عنه كما في النسخ الصحيحة ابن الفضيل وهو محمد بن الفضيل وهو مشترك بين الثقة وهو محمد بن القاسم بن فضيل وبين غيره وهو محمد بن الفضيل، وقد حاول الاردبيلي في جامع الرواه الاتحاد بين محمد بن الفضيل ومحمد بن القاسم الفضيل فان الشخص قد ينسب إلى جده كثيرا واستشهد بأمور اطال فيها ولكن لا يوجب إلا الظن بالاتحاد لا الجزم فالرواية ساقطة سندا. إذا ان ثبت ما عن المجمع من ان البدنة تشمل الذكر والانثى فالحكم ثابت للجامع وإلا فالمقام من موارد الشك وينتهي الامر إلى الاصل العملي ويختلف باختلاف المباني والمسالك بالنسبة إلى جريان الاصل في الشك بين الاقل والاكثر الارتباطين وانه هل يجري اصل البرائة مطلقا أو يجري اصل الاشتغال مطلقا أو يفصل بين الاجزاء والشرائط. فان قلنا بالاشتغال مطلقا، أو بالاشتغال في الشك في الشرط كما في المقام فلابد من الاقتصار على الناقة، وان قلنا بالبرائة مطلقا فيجزي الاعم فان التكليف بالجامع وبالطبيعة المهملة معلوم ولكن لا يعلم ان الواجب مطلق أو مقيد بالانثى وحيث ان الاطلاق واسع فلا معنى لجريان البرائة فيه فتجري في التقييد إذ فيه الكلفة والضيق. الثالثة: قد عرفت انه إذا عجز عن البدنة يتعين عليه اطعام ستين مسكينا للنصوص وعمدتها صحيح علي بن جعفر ومعاوية بن عمار (1) وبازائهما خبر داود الرقي (قال: إذا لم يجد بدنة فسبع شياة فان لم


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 6 و 11.

[ 12 ]

يقدر صام ثمانية عشر يوما) (1). ولكن لم ينسب القول بمضمونه إلى احد من فقهائنا في مقام كفارة الصيد. نعم ذهب إليه بعضهم في مقام آخر غير الصيد مما يجب عليه البدنة فالرواية شاذة مخالفة للروايات المستفيضة فلا يمكن الحمل على التخيير لان المفروض في كل من صحيح علي بن جعفر وخبر داود الرقي صيام ثمانية عشر يوما إذا عجز عن اطعام ستين مسكينا أو عجز عن سبع شياة، ولو كان وجوب سبع شياة عدلا لاطعام ستين مسكينا كان اللازم انتقال الامر إلى احدهما عند العجز عن الآخر لا الانتقال إلى الصيام رأسا، فالروايتان صريحتان في الواجب التعييني ولا مجال لحملهما على التخييري فهما متنافيتان والترجيح للروايات المتقدمة كصحيح علي بن جعفر لشهرتها رواية وعملا وشذوذ رواية داود الرقي. على ان الروايات السابقة موافقة للكتاب، ورواية داود الرقي مخالفة له، إذ لم يذكر سبع شياه في الآية الكريمة والمذكور فيها وجوب الحيوان المشابه المماثل لما قتل من النعم أو اطعام ستين مسكينا أو صيام ثمانية عشر يوما على التخيير غاية الامر الآية لا تدل على الترتيب ولكن الروايات المفسرة للآية الشريفة دلت على الترتيب فهذه الكفارة مرتبة لا مخبرة ببركة النصوص، هذا كله مضافا إلى ضعف رواية داود الرقي سندا لانه لم تثبت وثاقته، وقد ضعفه النجاشي، فلا عبرة بتوثيق غيره له.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 4.

[ 13 ]

الرابعة: وقع الكلام في جنس الطعام وكمه. أما من حيث الجنس ففي الشرائع عبر بالبر ومقتضاه عدم اجزاء غيره إلا ان العلامة صرح باجزاء كل طعام كما في الآية الكريمة، والروايات ولا يعرف انصراف الطعام إلى خصوص البر، أو التبادر إليه. نعم: ورد كلمة البر في الفقه المنسوب إلى الرضا (ع) وفي خبر الزهري (1) الضعيف جدا فلا عبرة بهما. واما الكم ومقدار الصدقة فقد ذهب جماعة إلى لزوم التصدق بمدين كما هو احد الاقوال في كفارة الافطار العمدي. وذهب آخرون إلى الاكتفاء بمد واحد، ومنشاء الاختلاف اختلاف الاخبار ففي صحيح معاوية بن عمار صرح بالمد وفي صحيح أبي عبيدة صرح بنصف الصاع وهو مقدار مدين (2) إلا ان ما دل على المدين ظاهر في الوجوب، وما دل على المد صريح في الاكتفاء به، ويرفع اليد عن ظهور ذلك بصراحة الآخر ويحمل ما دل على المدين على الاستحباب. ولو وصل الامر إلى الاصل العملي فالواجب أيضا مد واحد لانه واجب قطعا، ونشك في الزائد، والاصل عدمه. عود على بدء: قد عرفت ان مقتضى اطلاق جملة من الروايات وكلمات الفقهاء (ره) وجوب الاطعام على ستين مسكينا سواء وفت قيمة البدنة لذلك ام لا؟


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 11 و 1.

[ 14 ]

ومقتضى اطلاق جملة اخرى وجوب صرف قيمة البدنة في الاطعام على ستين مسكينا إذا وفت القيمة، وإلا فيكتفي بالاقل، وحيث ان قيمة البدنة تفى بالاطعام على ستين قطعا ودائما، لذا لم يتعرضوا للاقل واكتفوا بذكر الاطعام على ستين مسكينا، ولكن بعض الروايات صريحة في الاعتبار بالقيمة، والاجتزاء بالاقل من الستين إذا كانت قيمة البدنة اقل من اطعام ستين مسكينا، وعدم وجوب الزائد، وهي رواية جميل (1) على ما رواه الصدوق عنه. والرواية صحيحة عندنا فان طريق الصدوق إلى جميل بن دراج، وجميل بن صالح وان كان لم يذكر في المشيخة إلا انه يظهر صحة طريقه اليهما من طريق الشيخ إلى جميل بن دراج وإلى جميل بن صالح، ومحمد بن الحسن بن الوليد. فعليه لو فرضنا فيمة البدنة اقل من اطعام ستين مسكينا فلابد من من رفع اليد عن اطلاق روايات الاطعام على ستين مسكينا. تكملة: لما تقدم من احكام الصيد وقع الكلام في مسألتين: الاولى: في ان المحرم إذا صاد صيدا فهل يملكه أم لا؟. الثانية: ان الاحرام هل يوجب خروج ما ملكه المحرم بالصيد قبل الاحرام، فيما إذا كان صاده وصحبه في سفره؟.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 7.

[ 15 ]

واما إذا صاده في بلده وتركه عند اهله فهو خارج عن محل البحث ولا ريب في بقائه على ملكه قطعا نسب إلى المشهور، بل ادعى عليه الاجماع انه لا يملك، بل يخرج عن ملكه بمجرد الاحرام، وانه غير قابل للملك حدوثا وبقاءا فالحكم المترتب على الصيد ليس مجرد حكم تكليفي، بل يترتب عليه حكم وضعي أيضا. وتظهر الثمره كما في الجواهر (1) فيما إذا اخذ شخص آخر هذا الصيد فعلى القول بعدم الملكية لا ضمان عليه، وعلى القول بالملكية يضمن. واستدل على عدم الملكية بقوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما). بتقريب ان المراد بالصيد هو المصيد اي الحيوان الذي يصاد وحرمة الذات تستدعي حرمة جميع ما يترتب عليه من الاكل والملكية. وفيه: اولا إنك قد عرفت قريبا ان المراد بالصيد معناه المصدري وهو الاصطياد بقرينة قوله تعالى (وطعامه متاعا لكم) لان الصيد المذكور في جملة التحريم نفس الصيد المذكور في جملة التحليل. فلو كان المراد بالصيد المصيد فلا فائدة لذكر قوله تعالى: (وطعامه متاعا لكم) للزوم التكرار بلا وجه، فقوله تعالى (وطعامه متاعا لكم) حكم آخر مترتب على المصيد البحري والتحليل حكم آخر مترتب على نفس الصيد بالمعنى المصدري، فكذلك صيد البر حكم ثابت على نفس الاصطياد. وثانيا: لو سلمنا ان المراد بالصيد هو المصيد ولكن الظاهر التحريم


(1) الجواهر: ج 20 ص 274.

[ 16 ]

تحريم الآثار الظاهرة والاثر الظاهر من تحريم الصيد تحريم اكله، كما في تحريم الامهات فان الاثر الظاهر نكاحها ونحو ذلك، فان تحريم كل ذات باعتبار الاثر الظاهر منه. وثالثا: ما ذكرناه في البحث عن ان النهي في المعاملات لا يدل على الفساد من انه لا ملازمة بين الحرمة والخروج عن الملك أو عدم الدخول في الملك، فلنفرض ان المصيد بجميع خصوصياته محرم ولكن لا مانع من ملكيته كملكية الشئ وقت النداء. اما ما دل على الارسال وحرمة الامساك كما في النصوص (1)، فلا يدل على زوال الملكية، فانه يجوز البقاء على ملكه وان وجب عليه ارساله وتخليته وحرم عليه امساكه. واستدل للمشهور أيضا بخبر أبي سعيد المكاري، عن أبي عبد الله (ع) (قال: لا يحرم احد ومعه شئ من الصيد حتى يخرجه عن ملكه، فان ادخله الحرم وجب عليه ان يخليه (2). وفيه: ان الخبر ضعيف سندا بأبي سعيد المكاري فانه لم يوثق، ودلالة: لعدم دلالة الخبر على الخروج عن الملك بمجرد الاحرام الذي هو محل الكلام، وانما امر بالخروج عن الملك قبل الاحرام ليكون حال الاحرام ومن اول زمانه غير مسلط على الصيد، وهذا من جهة حرمة الامساك ووجوب الارسال، فانه من اول زمان الاحرام يحرم عليه الامساك، ولا يمكن التحرز عن هذا الحرام إلا باخراجه عن ملكه


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 34 من أبواب كفارات الصيد ح 3 التهذيب: ج 5 ص 362.

[ 17 ]

قبل الاحرام، فموضوع حرمة الامساك هو الاحرام، وقد ذكرنا في المباحث الاصولية ان تقدم الموضوع على الحكم تقدم رتبي ولكن بحسب الزمان فهما في زمان واحد، ولذا يجب ارسال الصيد قبل الاحرام حتى يكون اول زمان الاحرام غير ممسك للصيد، فلا يكون الاحرام بنفسه احد اسباب خروج الصيد عن الملك. بل الخبر على الملكية ادل لانه لو فرضنا خروج الصيد عن الملك بمجرد الاحرام فلا حاجة إلى اخراجه عن الملك قبل احرامه، فالخبر يدل على الملكية ولكن يجب عليه الارسال. هذا كله بالنسبة إلى صيد المحرم. واما الصيد في الحرم فالمعروف بينهم انه لا يدخل في ملك المحل ولا المحرم. واستدل على ذلك بالنصوص المانعة عن مس الطير أو الظبي إذا دخل الحرم كصحيحة معاوية بن عمار (عن طير اهلي اقبل فدخل الحرم، فقال: لا يمس لان الله عزوجل يقول: (ومن دخله كان آمنا) (1) ونحوها صحيحة محمد بن مسلم الواردة في الظبي. ويرد ذلك بأن المس كناية عن امساكه واخذه وحبسه، ونحو ذلك من انحاء الاستيلاء عليه، واما مجرد الملكية فليس من افعاله حتى يمنع عنه


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 2.

[ 18 ]

تنبيه: قد ذكرنا سابقا انه لا كفارة في قتل الثعلب لعدم الدليل عليه إلا ان صاحب الوسائل روى عن الاحتجاج قصة الامام الجواد (ع) (1) مع يحيى بن اكثم واحتجاجه (ع) عليه في مجلس المأمون في مسألة قتل المحرم الصيد، ولم يذكر في رواية الاحتجاج الثعلب ولا الارنب ثم ذكر: ورواه في تحف العقول مرسلا والمذكور فيه قتل الثعلب والارنب، ثم ذكر صاحب الوسائل: ورواه علي بن ابراهيم في تفسيره عن محمد بن الحسن عن محمد بن عون النصيبي عن أبي جعفر (ع) نحوه ولكن بعدما راجعنا التفسير لم نجد فيه ذكر الثعلب بل اقتصر على الارنب، فلابد اما من اشتمال نسخة التفسير الموجودة عند صاحب الوسائل على ذكر الثعلب، أو ان يكون المراد من قوله نحوه اي مثله في معظم الاشياء لا في جميع الخصوصيات المذكورة في الرواية، على انه لو فرضنا ذكر الثعلب في رواية التفسير فالرواية ضعيفة بمحمد ابن الحسن (الحسين) بن سعيد الصائغ الذي ضعفه النجاشي جدا، فلا ينفع توثيق علي بن ابراهيم له. هذا تمام الكلام في البدل الاول وهو الاطعام. واما البدل الثاني وهو الصوم. فتنقيح البحث فيه يتم برسم امور: الاول: لو عجز عن اطعام الستين فهل يجب عليه صيام شهرين


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 2.

[ 19 ]

أو ثمانية عشر يوما، الروايات في المقام مختلفة ففي بعض الصحاح ورد صيام شهرين كصحيحة أبي عبيدة لقوله: (صام لكل نصف صاع يوما) (1) بناءا على اعطاء كل مسكين مدين وفي صحيحة ابن مسلم (فليصم يقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما) (2) والمفروض اطعام الستين. وفي صحيح ابن جعفر صيام ثمانية عشر يوما، وكذلك في صحيح معاوية بن عمار وصحيحة أبي بصير على طريق الصدوق (3). المشهور بينهم ان الاختلاف في الروايات من جهة اختلاف مراتب التمكن، بمعنى ان الواجب اولا صيام شهرين ان تمكن ولو عجز عن صوم الستين صام ثمانية عشر يوما، كما في الشرايع وغيره. ولم يظهر الوجه في ذلك، وتقيد الاول بالمتمكن والثاني بالعاجز تقييد تبرعي. وذكر في الجواهر (4) ان التقييد المزبور هو المتعين لان حمل الشهرين على الفضل مجاز، والتقييد اولى. وفيه: ما ذكرناه في محله. ان الوجوب والاستحباب خارجان عن المدلول اللفظي، وانما يفهم الوجوب والاستحباب من الخارج من اقتران التكليف بالترخيص وعدمه. وما ذكره المحقق القمي وغيره من تقديم التقييد على المجاز فيما لو دار الامر بينهما: وكذا في غير هذا المورد مما يدور الامر بين شيئن فمما لا اساس له اصلا، بل المتبع هو الظهور.


(1) و (2) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 8. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب الصيد ح 6 و 11 و 3. (4) الجواهر: ج 20 ص 202.

[ 20 ]

ولو وصل الامر إلى رفع اليد عن الظهور لا وجه للتقييد بالتمكن والعجز فليكن التقييد بامر آخر كصغر النعامة وكبرها ويقتل الصيد في النهار أو في الليل لان القتل في الليل اعظم. فالصحيح ما ذهب إليه جماعة اخرى من وجوب صيام ثمانية عشر يوما لان ما دل على صيام ثمانية عشر يوما نص في الاجتزاء بذلك فيحمل ما دل على الاكثر على الفضل لانه ظاهر في وجوب ذلك ويرفع اليد عن ظهوره بصراحة الآخر كما هو الحال في جميع الموارد الدائرة بين الاقل والاكثر. ولو فرضنا التعارض بين الطائفتين، فالترجيح مع الطائفة الدالة على الاجتزاء بثمانية عشر يوما لموافقتها للكتاب. بيان ذلك: ان المستفاد من الكتاب العزيز ان الواجب اولا البدنة أو اطعام الستين مسكينا على ما شرحه وبينه في النصوص، أو عدل ذلك صياما أي عديل الاطعام وقرينه، وقد علمنا ان عديل اطعام عشرة مساكين صيام ثلاثة ايام كما في كفارة اليمين المذكورة في الآية السابقة (1) فإذا كان عديل العشرة صيام ثلاثة ايام فعديل الستين ثمانية عشر يوما، وقد صرح بذلك في صحيحة معاوية بن عمار (فان لم يجد ما يشتري بدنة فاراد ان يتصدق فعليه ان يطعم ستين مسكينا كل مسكين مدا، فان لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما، مكان كل عشرة مساكين ثلاثة ايام، ومن كان عليه شئ من الصيد فداؤه بقرة فان لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يجد فليصم تسعة ايام، ومن كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين


(1) سورة المائدة آية 89.

[ 21 ]

فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام) (1) فانه يظهر منها بوضوح ان صيام ثلاثة ايام يقوم مقام عشرة مساكين فعدل عشرة مساكين صيام ثلاثة ايام فتكون عدل ستين مسكين ثمانية عشرة يوما. ولا يقال: ان عدل اطعام الستين هو صيام شهرين كما في كفارة الظهار. فانه يقال: لا تقاس كفارة الظهار بالمقام لان الواجب اولا في كفارة الظهار صيام شهرين فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا بخلاف المقام فان الواجب اولا الاطعام ثم الصيام. الثاني: هل يجب التتابع في الصوم أم لا؟. المشهور عدم وجوب التتابع لعدم الدليل، والمنقول عن المفيد والمرتضى وسلار وجوب التتابع. والصحيح ما ذهب إليه المشهور لعدم الدليل على التتابع بل يظهر من بعض الروايات المعتبرة عدم وجوب التتابع واختصاصه ببعض اقسام الصوم كصحيحة سليمان بن جعفر الجعفري، عن أبي الحسن (ع) (في حديث) قال: (انما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار،، وكفارة الدم، وكفارة اليمين) (2). ولو ثبت التتابع في بعض الموارد غير الموارد الثلاثة يرفع اليد عن الحصر بالنسبة إليه خاصة. الثالث: اختلف الاصحاب في ان هذه الكفارة مخيرة أو مرتبة ذهب الاكثر، ومنهم المحقق في الشرائع إلى انها مرتبة كما في الروايات وذهب العلامة إلى انها مخيرة، ونقله عن الشيخ وابن ادريس وقواه


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 11. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 3.

[ 22 ]

صاحب الحدائق فيحمل الترتيب على الافضلية. واستدلوا اولا بقوله تعالى (أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما) (1). ويؤيده ما ورد في رواية حريز ان كلما ورد في القرآن حرف (أو) يدل على التخيير (قال: (ع)): وكل شئ في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يحتار ما شاء) (2). والظاهر ان ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح. واما الآية الشريفة فدلالتها على التخيير بالاطلاق ويقيد بالروايات الدالة على الترتيب، فلا منافاة بين الآية والروايات فانه لو فرضنا انضمام النصوص إلى الآية فيكون ذلك قرينة متصلة على ارادة الترتيب ولا نرى منافاة بينهما ومع الانفصال تكون القرينة منفصلة فيرفع اليد عن الطلاق غاية الامر في الاول تكون القرية رافعة للظهور وفي الثاني تكون القرينة رافعة للحجية. واما صحيح حريز فدلالته بالعموم ويخصص بمدلول هذه الروايات الدالة على الترتيب. بقي شئ لابد من التنبيه عليه: وهو ان المشهور بين الفقهاء كفايه مطلق البدنة لمطلق النعامة ولم يلاحظوا الصغر والكبر والذكورة والانوثة في المماثلة المأمور بها في الكتاب العزيز، وكذلك بين بقرة الوحش والبقر والشاة والظبي، وذكر بعضهم ان ملاحظة الذكورة والانوثة احوط، ولكن العلامة اعتبر المماثلة بين الصيد وفدائه بالنسبة إلى


(1) سورة المائدة: آية 95. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب كفارات الاحرام ح 1

[ 23 ]

الكبر والصغر والذكورة والانوثة وفي الجواهر (1) (ولم نقف له على دليل سوى دعوى كونه المراد من المماثلة في الآية وهو كالاجتهاد في مقابلة النص لاطلاق الروايات المتقدمة). والذي يمكن ان يقال: ان المذكور في الآية الشريفة المماثلة لقوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) وحينئذ فان كانت المماثلة تتحقق بمجرد صدق البدنة على الجزاء (مثلا) كما ذهب إليه المشهور فلا حاجة إلى حكم العدلين في مثلية الجزاء فان ذلك امر واضح لكل احد، ولذا ذكروا ان القراءة (ذو عدل) مكان (ذوا عدل) والمراد بقوله تعالى: (ذو عدل) النبي والامام عليهما السلام ورسم الالف في (ذوا عدل) من اخطاء الكتاب ودلت على ذلك عدة من الروايات بعضها معتبرة (2). فالمراد بقوله تعالى: (يحكم به (ذوا عدل) ان يحكم النبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام) بوجوب البدنة (مثلا) للنعامة فإذا حكم به النبي أو الامام فحسبك ولا يعتبر ازيد من ذلك. فلا حاجة إلى حكم العدلين في مثلية الجزاء بلحاظ الصغر والكبر والانثى والذكر. ولا يخفى ما فيه من الوهن والضعف. اما اولا: فلان ما ذكروه مستلزم للتحريف وهو باطل جزما، ولا يمكن الالتزام به ابدا، قال الله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) وقال تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من


(1) الجواهر: ج 20 ص 193. (2) الجواهر: ج 20 ص 197.

[ 24 ]

خلفه) وقد بينا تفصيل ذلك في كتابنا (البيان). وثانيا: ان التعبير عن النبي والامام (عليهما السلام) بذوى عدل منكم) لا يناسب كلام الله تعالى ولا مقام النبي والامام (ع) فان (منكم) ظاهر في ان العدلين من الاشخاص العادين، وهذا مما لا يمكن الالتزام به ولا يناسب هذا التعبير شأن النبي والامام (ع). وثالثا: لو سلمنا خطاء الكتاب والغلط في الكتابة في رسم الالف في (ذوا عدل) فلماذا حصل الغلط في القراءة فان الغلط في الكتابة لا يستلزم الغلط في القراءة وقد كثر الغلط في الكتابة في القرآن العزيز حتى ان النيشابوري في مقدمة تفسيره عد الاغلاط إلى خمسمائة ولكن القراء اهتموا بالقراءة الصحيحة ولم يقرؤا على نحو الكتابة بل قرؤا بالقراءة الصحيحة وعلى النحو الذي نزل به الكتاب ومن جملة الاغلاط في الكتابة (يا ويلتنا مال هذا الكتاب) بانفصال اللام عن كلمة هذا مع ان اللام لام وصل تكتب متصلة بما دخلت عليه ونحو ذلك (وقالوا مال هذا الرسول) وهكذا قوله تعالى: (ولا تقولن لشائ اني فاعل ذلك غدا) (1) بتقديم الالف على الياء وغير ذلك من خطاء الكتابة ولكن القراء على كثرتهم واهتمامهم بشأن القرآن قرؤا على ما نزل ولم يتبعوا الكتابة وقد قتل من القراء سبعون رجلا في بئر معونة واربعمائة نفر منهم في حرب اليمامة ولم يسمع من احد منهم القراءة باسقاط الالف. فما ذكره العلامة قريب لاطلاق الآية واعتبار المثلية؟ في الجزاء ولا ينافيه اطلاق الروايات لانها ناظرة إلى مجرد المماثلة في الجنس لا إلى جميع الجهات. فلابد من رد علم تلك الروايات المشتملة على التحريف وخطاء


(1) الكهف: 23 و 49. الفرقان: 7.

[ 25 ]

الكتاب إلى اهلها. ويرد أيضا على ما ذكروه: ان كلمة الحكم لم يعهد استعمالها في بيان الحكم الشرعي، بل المعهود استعمال كلمة (بين) أو (ذكر) أو (يقول) ونحو ذلك من التعابير، وانما الحكم يستعمل في تشخيص الصغرى كقولنا حكم الحاكم بان الدار الفلاني لزيد، وكذا يستعمل في بيان مورد الاختلاف ويستعمل في مقام القضاء وباب الخصومات قال تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ (إلى ان قال تعالى) فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (1). وقال تعالى: إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا (2) فابعثوا حكما من اهله وحكما من اهلها) (3) وغير ذلك من الموارد. وبالجملة: استعمال كلمة الحكم في قوله تعالى: يحكم به ذوا عدل منكم في مجرد بيان الحكم الشرعي الكلي الصادر من النبي أو الامام (عليهما السلام) بعيد جدا، بل المراد به حكم العدلين الخبيرين بالمماثلة بين الصيد وفدائه من حيث الكبر والصغر والذكورة والانوثة، فان ذلك امر قد يخفى على كثير من الناس ولذا نحتاج إلى حكم العدلين. ثم ان ما ذكرناه في العجز عن البدنة وانتقال الجزاء إلى الاطعام ثم إلى الصيام، يجري في كل مورد كان الجزاء البقرة والشاة لصحيح معاوية بن عمار (ومن كان عليه شئ من الصيد فداؤه بقرة فان لم


(1) البقرة: 113. (2) سورة ص 22. (3) النساء: 35.

[ 26 ]

يجد فليطعم ثلاثين مسكينا..) (1) واما صحيح علي بن جعفر وصحيح أبي بصير (2) فخاص بموردهما وهو من قتل البقرة ولا يشملان من كان عليه بقرة سواء قتل البقرة ام غيرها. وبعبارة اخرى: مورد كلامنا بيان حكم من كان عليه من الجزاء بقرة أو شاة سواء كان المقتول والمجني عليه بقرة أو غيرهما وهذا الحكم الكلي العام يستفاد من صحيح معاوية بن عمار واما صحيح علي ابن جعفر وأبي بصير يختصان بمن قتل البقرة ولا يعمان من وجب عليه الفداء بالبقرة وان قتل غير البقرة فلا يصح الاستدلال بهما للمقام. نعم: يعارض صحيح معاوية بن عمار بصحيح أبي عبيدة (3) من جهة اخرى: وهي ان الصحيحة الثانية ظاهرة في تقويم الجزاء وصرف قيمتها في اطعام المساكين ومقتضى اطلاقها صرف القيمة على المساكين وان زاد عددهم على الستين، أو على الثلاثين. ولكن قد عرفت انها محمولة على الافضلية فيما إذا زادت القيمة على اطعام الستين أو الثلاثين لان صحيحة معاوية بن عمار نص في عدم وجوب الازيد فيرفع اليد عن ظهور صحيحة أبي عبيدة. مضافا إلى ان صحيحة معاوية بن عمار في مقام التحديد بحد خاص بخلاف صحيحة أبي عبيدة التي ليست في مقام التحديد فلابد من حملها على الافضلية ونحو ذلك. واما الاجتزاء بالاقل فيما إذا لم تف القيمة لاطعام الستين أو


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 11. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 6 و 10. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 27 ]

الثلاثين فقد عرفت ان هذا مما لا يمكن تحققه عادة فان قيمة البدنة أو البقرة تفي لاطعام الستين قطعا. وبالجملة: يتعين العمل بصحيحة معاوية بن عمار ولا يمكن الالتزام بالاجتزاء بالاقل ولا الحكم بوجوب الاكثر لان ذلك خلاف التحديد الوارد في الصحيحة. ولا يخفى ان ما ذكرناه في جزاء النعامة من التخيير بين افراد الجزاء والتتابع في الصوم يجرى في جزاء البقرة والظبي لوحدة الملاك. يبقى شئ: وهو ان صحيح معاوية بن عمار الذي دل على الجزاء بالبدنة، وبالبقرة، وبالشاة، وببدلها إذا عجز عنها انما هو فيما إذا كان الجزاء متعينا بالبدنة، أو بالبقرة، أو بالشاة، واما إذا كان الجزاء مخيرا بين البدنة والبقرة فلم يتعرض إليه النص فهل البدل بعد العجز عنهما اطعام الستين، أو اطعام الثلاثين؟ وبعبارة اخرى: هل يلاحظ في البدلية البدنة أو البقرة؟ لا ريب ان الفداء لو كان مخيرا بين البدنة والبقرة - كما في حمار الوحش للجمع بين النصين بعد القطع بعدم وجوب كليهما (1) فالواجب عليه بعد العجز عنهما لا ينقص عن الثلاثين، ولا يزيد على الستين - فالجزاء اما خصوص الستين أو الثلاثين، فالمورد من دوران الامر بين الاقل والاكثر، ويكون الواجب هو الاقل، وينفي الزائد بالاصل. هذا مضافا إلى النص، وهو صحيح أبي بصير الدال على ان جزاء


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 2.

[ 28 ]

قتل الحمار الوحشي بعد العجز عن البقرة اطعام الثلاثين (1). نعم: هو مطلق من حيث العجز عن البدنة وعدمه، ولكنه يقيد بما إذا عجز عن البدنة أيضا، لان البدنة احد عدلي الواجب التخييري ومقتضى القاعدة ان الامر لا ينتقل إلى البدل إلا إذا عجز عن كلا العدلين للواجب.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 10.

[ 29 ]

[ (كفارة قتل الحمامة) (مسألة 209): إذا قتل المحرم حمامة ونحوها في خارج الحرم فعليه شاة، وفي فرخها حمل أو جدي، وفي كسر بيضها درهم على الاحوط (1). ] (1) لا خلاف في ان الواجب على المحرم شاة إذا قتل الحمامة في خارج الحرم، ويدل عليه روايات عديدة: منها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله (ع) قال: (المحرم إذا أصاب حمامة ففيها شاة) ومنها: صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) انه قال: (في محرم ذبح طيرا ان عليه دم شاة يهريقه) (1) ومقتضى اطلاقهما عدم الفرق بين الطير الاهلي وغيره بل في بعض الروايات وقع التصريح بالاهلي كما في صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (سمعته يقول في حمام مكة الطير الاهلي من غير حمام الحرم من ذبح طيرا منه وهو غير محرم فعليه ان يتصدق بصدقة افضل من ثمنه، فان كان محرما فشاة عن كل طير) (2) فإذا لم يجز للمحل في الحرم لا يجوز للمحرم في الحل فان ما جاز للمحل في الحرم يحوز للمحرم سواء كان في الحل أو الحرم واما ما لا يجوز للمحل في الحرم


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 6. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب كفارات الصيد ح 5.

[ 30 ]

لا يجوز للمحرم ولو كان في الحل. وبالجملة: لافرق بين كون الحمام اهليا مملوكا أو غير مملوك كحمام الحرم. وفي قتل فراخها حمل أو جدي (1) كما في صحيحة حريز المتقدمة (وان قتل فراخها ففيه حمل) وفي صحيحة ابن سنان (فان كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن). وفي صحيح الحلبي قال: حرك الغلام مكتلا فكسر بيضتين في الحرم فسألت أبا عبد الله (ع) فقال: جديين أو حملين (2). ومورده كسر البيض ولكن الكسر اعم مما فيه الفرخ ام لا فيحمل على ما فيه الفرخ فيستفاد منه التخيير بين الحمل والجدي، واما أذا لم يكن فيه الفرخ بل كسر البيض المجرد ففيه درهم. وبالجملة: المستفاد من النصوص ان الفرخ سواء كان خارجا من البيضة أو داخلا في البيض فيه الجدي أو الحمل، ولا ريب في صدق الفرخ على الخارج من البيضة وعلى الداخل في البيض إذا كان له استقرار وحياة. نعم هنا شئ: وهو ان المذكور في كتاب علي بن جعفر وفيما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر وجوب الشاة في قتل الفراخ الموجودة في البيض (3) فلابد من الالتزام باحد امرين اما


(1) الحمل بفتحتين ولد الضأن في السنة الاولى، أو الخروف إذا بلغ ستة اشهر. والجدي من اولاد المعز ما بلغ اربعة اشهر. (2) و (3) الوسائل: باب 26 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 2.

[ 31 ]

التخيير بين الشاة وبين الحمل والجدي واما حمل الشاة على الحمل بدعوى ارادة الجنس من الشاة، للقطع بعدم زيادة الفرخ الموجود في البيض على الفرخ الخارج عن البيض. واما كسر البيض ففيه درهم لصحيح حريز المتقدم (وان وطى البيض فعليه درهم) ولكن في رواية الشيخ عن ابن جعفر (تصدق بقيمته ورقا يشتري به علفا يطرحه لحمام الحرم) (1) والموجود في كتاب علي بن جعفر يتصدق بثمنه درهما أو شبهه، أو يشتري به علفا لحمام الحرم) ألا انه لا منافاة بينهما لان الشيخ روى احد عدلي الواجب والجمع يقتضي التخيير بين مضمون رواية الشيخ ومضمون كتاب علي بن جعفر. وفي صحيحة سليمان بن خالد، (ولكل فرخ حملا وان لم يكن يحرك فدرهم، وللبيض نصف درهم) (2) ومقتضى الجمع بينها وبين ما تقدم من الروايات ان البيض الذي فيه نصف درهم هو البيض المجرد الذي ليس فيه فرخ اصلا، ولم يتعرض الفقهاء لذلك. ولذا ذكرنا في المناسك ان الحكم بوجوب الدرهم على الاحوط. ثم ان هنا رواية تدل على كفاية نصف درهم للبيض إذا كسره المحرم وهي ما رواه الشيخ في التهذيب عن موسى عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (ع) قال: (وان كان اغلق عليها بعدما احرم (إلى ان قال): وللبيض نصف درهم (3)، والدلالة واضحة ولكن


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب كفارات الصيد ح 1. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب كفارات الصيد ح 11. (3) الوسائل: باب 16 من أبواب الصيد ح 3 والتهذيب: ج 5 ص 351.

[ 32 ]

[ وإذا قتلها المحل فعليه درهم، وفي فرخها نصف درهم، وفي بيضها ربعه وإذا قتلها المحرم في الحرم فعليه الجمع بين الكفارتين، وكذلك في قتل الفرخ وكسر البيض وحكم البيض إذا تحرك فيه الفرخ حكم للفرخ (1). ] الكلام في السند فان موسى الذي توسط بين موسى بن القاسم ويونس ابن يعقوب لم يعلم من هو، فان موسى بن القاسم يروى عن يونس ابن يعقوب كثيرا بلا واسطة، وان كان ربما يروى عنه مع الواسطة ولكن موسى الذي توسط بينهما رجل مجهول، وليس في هذه الطبقة رجل يسمى بموسى يروي عن يونس بن يعقوب، ويروي عنه موسى بن القاسم، ولذا احتمل بعضهم انه محسن بدل موسى، كما جاء في بعض الروايات (1) فلم يبق في البين الا احتمال كونه موسى ابن محمد العجلي لانه من طبقة يونس بن يعقوب، ولكنه بعيد أيضا لان موسى العجلي وان كان يروي عن يونس، ولكن لا يروي عنه موسى بن القاسم إلا ان من المطمئن به انه محسن كما ضبطه في الوافي وبقرينة سائر الروايات لان موسى بن القاسم يروي عن محسن كثيرا. وكيف كان فاثبات موسى اما سهو من قلمه الشريف، أو أنه تحريف في الكتابة فصحة السند غير ثابتة، والعمدة ما تقدم كما عرفت. (1) أذا قتل المحل في الحل الحمامة فلا اشكال أصلا واما إذا قتلها


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب كفارات الصيد ح 4 وكذا في الوافي ج 2 ص 21 من كتاب الحج.

[ 33 ]

في الحرم فعليه الفداء ويدل على ذلك عدة من الروايات منها رواية موسى بن القاسم المتقدمة الدالة على التفصيل بين قتلها قبل الاحرام في الحرم، وبعد الاحرام، ولكن قد عرفت انها ضعيفة السند فلا بأس باعتبارها مؤيدة. أما الروايات المعتبرة في قتل الحمامة فكثيرة دلت على ان الفداء قيمتها وهي درهم. منها: صحيحة صفوان وغيرها من النصوص التي بينت المراد من القيمة وعينتها بدرهم (1). واما فداء الفراخ فنصف درهم على المشهور ويدل عليه صحيح عبد الرحمن بن الحجاج في فرخين مسرولين ذبحهما بمكة وهو محل، فقال: تصدق بثمنها فقلت: فكم ثمنها فقال: درهم خير من ثمنها) (2). فإذا ثبت الدرهم في فرخين ففي كل فرخ نصفه. واما بيضها فلم نجد فيه رواية صريحة تدل على ان الفداء ربع درهم ويكفينا صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع) قال: (في الحمام درهم وفي الفرخ نصف درهم وفي البيضة ربع درهم) وبمضمونه رواية عبد الرحمن بن الحجاج (3) ولابد من حملهما على المحل لما عرفت من ان المحرم عليه شاة إذا قتل الحمامة وفي الفرخ عليه حمل أو جدي فموردهما المحل جزما وان لم يصرح بالمحل فيهما. ولو كان محرما وقتل شيئا من ذلك في الحرم اجتمع عليه الفدائان


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الصيد ح 7. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الصيد ح 5 و 1.

[ 34 ]

[ (مسألة 210): في قتل القطاة والحجل والدراج ونظيرها حمل قد فطم من اللبن واكل من الشجر، وفي العصفور والقبرة والصعوة. مد من الطعام على المشهور والاحوط فيها حمل فطيم (1). ] وفاقا للمشهور لانه هتك حرمة الحرم والاحرام وخالف الامرين فقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب تقتضي الجمع بين الكفارتين. مضافا إلى ما في الروايات. المصرحة بالجمع بين الفدائين (1) وهكذا الحال في قتل الفرخ لعين ما تقدم. نعم: ما دل عليه النص (2) ضعيف بالبطائني. ومما ذكرنا تعرف الحال في كسر البيض، مضافا إلى ما ورد في بعض الروايات المعتبرة من الجمع بين الجزائين للمحرم إذا اكل من بيض حمام الحرم من جهة اكله واخذه قال: (ع) " عليه لكل بيضة دم، وعليه ثمنها سدس أو ربع درهم " الوهم من صالح أي صالح بن عقبة الذي روى هذه الرواية (3) فيستفاد من هذه الرواية المعتبرة تكرر الكفارة بتكرر السبب. (1) لا خلاف بين الاصحاب في ثبوت الحمل في قتل كل واحد من القطاة والحجل والدراج، وفي خصوص القطاة دل عليه صحيح


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب كفارات الصيد ح 5. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الصيد ح 4.

[ 35 ]

سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: (وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) في القطاة إذا اصابها المحرم حمل قد فطم من اللبن واكل من الشجر) (1). واستدل صاحب الجواهر على ثبوت الحكم في جميع المذكورات بصحيح سليمان بن خالد بعد عدم القول بالفصل بين القطاة وبين البقية وايده بخبر المفضل بن صالح، ولكنه ضعيف جدا بمفضل بن صالح ابن أبي جميلة (2). واستدل أيضا بخبر آخر لسليمان بن خالد عن أبي جعفر (ع) قال (في كتاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من اصاب قطاة أو حجلة أو دراجة أو نظيرهن فعليه دم) (3). وهذه الرواية تدل بالصراحة على عدم اختصاص الفداء بالقطاة ولا بأس بالاستدلال بها. هذا مع قطع النظر عن التسالم ورجال الرواية كلهم ثقات ولكن ووقع الكلام في محمد بن عبد الحميد فانه لم يوثق في الرجال والتوثيق الوارد عن النجاشي راجع إلى ابيه عبد الحميد لا إلى محمد نفسه ولكنه ثقة لانه من رجال كامل الزيارات. وفي كل واحد من العصفور والقبرة والصعوة مد من الطعام على المشهور لعدة روايات (4) عن صفوان كلها ضعيفة بالارسال ولكن في الجواهر انها منجبرة بالشهرة بل ذكر اعتبار نفسها فلا حاجة إلى


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب كفارات الصيد ح 1. (2) و (3) الوسائل: باب 5 من أبواب كفارات الصيد ح 3 و 2. (4) الوسائل: باب 7 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 2.

[ 36 ]

[ وفي قتل جرادة واحدة تمرة وفي اكثر من واحدة كف من الطعام، وفي الكثير شاة (1). ] الانجبار لان مراسيل صفوان وابن أبي عمير والبزنطي وامثالهم معتبرة كالمسانيد لانهم من اصحاب الاجماع وانهم لا يرون إلا عن الثقات. وقد ذكرنا غير مرة ان الانجبار لم يثبت ولا اثر لعمل المشهور واما حجية مراسليهم فغير ثابتة عندنا فانهم يرون عن الضعفاء أيضا حتى ان الشيخ لم يعمل بروايات ابن أبي عمير وصرح بانها مرسلة. وقد نسب إلى الصدوقين وجوب الفداء بشاة وهو الاحوط بعد ارادة الحمل من الدم فان كلمة (ونظيرهن) الواردة في صحيح سليمان بن خالد المتقدم يشمل الاصغر حجما قطعا كالعصفور والقبرة ولا نحتمل زيادة العصفور على الدراج ونحوه فلابد من الالتزام بان عليه حمل فطيم فالمراد بان عليه دم هو الحمل. (1) في قتل الجرادة ثلاثة اقوال: قول بان الجزاء تمرة واحدة. وقول بانه كف من طعام كما عن المحقق وغيره. وذهب ثالث إلى التخيير بينهما. اما الروايات الواردة في المقام فهي على طوائف. منها: ما دل على ان الجزاء تمرة واحدة كصحيح معاوية بن عمار في حديث (قال: قلت: ما تقول في رجل قتل جرادة وهو محرم؟ قال: تمرة خير من جرادة) (1) وفي صحيح زرارة (في محرم قتل


(1) الوسائل: باب 37 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 37 ]

جرادة قال: يطعم تمرة وتمرة خير من جرادة) (1) وكذا في مرسل حريز (2). ومنها: ما دل على انه كف من طعام كما في رواية الكليني عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: (سألته عن محرم قتل جرادة، قال: كف من الطعام) (3)، ولكنها ضعيفة سندا لوجود سهل بن زياد فيه، فتوصيفها بالصحة كما في الحدائق سهو. ومنها: ان عليه الدم كما في رواية عروة الحناط (في رجل اصاب جرادة فأكلها، قال: عليه دم) (4)، وهي مخدوشة سندا بعروة الحناط وبصالح بن عقبة على مسلك المشهور لتضعييفهم؟ له تبعا للغضائري ولكنه عندنا ثقة إذ لا عبرة بالكتاب المنسوب إلى الغضائري فيكفينا في الحكم بوثاقته انه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي. ودلالة لان موردها القتل والاكل جميعا فما ذهب إليه المحقق لا مستند له. ومع الاغماض عن السند كان القول بالتخيير جمعا بين هذه الرواية وصحيحة زرارة هو المتعين لا تعيين الكف من الطعام. فتحصل: ان في قتل جرادة واحدة تمرة واحدة كما في صحيح زرارة ومعاوية بن عمار المتقدمين. واما لو قتل الاكثر من واحدة فعليه كف واحد من الطعام لما رواه الشيخ بسند صحيح في التهذيب (5) عن محمد بن مسلم عن أبي


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل: باب 37 من أبواب كفارات الصيد حديث 2 و 7 و 6 و 5. (5) التهذيب: ج 5 ص 364.

[ 38 ]

عبد الله (ع) (قال: سألته عن محرم قتل جرادا قال: كف من طعام، وان كان اكثر فعليه شاة) ورواها في الاستبصار (1) قال: سألته عن محرم قتل جرادا، قال: كف من طعام وان كان اكثر فعليه دم شاة). فرواية التهذيب مشتملة على كلمة (كثير) في الجملة الاولى وكلمة (اكثر) في الجملة الثانية، واما الاستبصار فاقتصر على كلمة (اكثر) في الجملة الثانية. واما صاحب الوسائل (2) فقد ذكر الرواية اولا كما في التهذيب ثم ذكر وبهذا الاسناد مثله إلا انه قال: قتل جرادا كثيرا. فيعلم من ذلك ان كلمة (كثيرا) لم تكن موجودة في الاول إذ لو كانت ثابتة في الاسناد الاول لما كان هناك سبب لذكر الاسناد مرة اخرى إذ لا اختلاف على هذا، فمن ذكره الاسناد الثاني يعلم ان كلمة (كثيرا) لم تكن موجودة في الاول فهو سهو من الناسخ أو من الطبع. فالغرض من ذكر السندين ان صاحب الوسائل يريد ان يبين ان الرواية رويت على نحوين رواها الشيخ تارة مع كلمة (كثيرا) واخرى بدونها. وفي المختلف رواها على نحو ما في الاستبصار بالاقتصار على ذكر الكلمة في الجملة الثانية، ولكن اختلف بابدال كلمة (اكثر) إلى (كثيرا) وقال: (وان كان كثيرا فعليه دم شاة). والصحيح ما في الاستبصار وكلمة (كثيرا) في الجملة الاولى كما


(1) الاستبصار ج ص 208. (2) الوسائل: باب 37 من كفارات الصيد ح 3.

[ 39 ]

التهذيب غلط كما جزم به في الحدائق، وذكر ان قوله: (جرادا كثيرا) في الخبر وقع سهوا من قلم الشيخ وانما السؤال عن جرادة واحدة وكم له (رضوان الله تعالى عليه) مثل ذلك في الاسانيد والمتون وإلا فلو كانت الكلمة (كثيرا) ثابتة فالخبر المذكور لا يخلو من تناف، انتهى: (1). وبالجملة: فالصحيح ما في الاستبصار لا ما في التهذيب والوجه في ذلك: ان الكثرة والقلة والاكثر قد تكون ملحوظة بالنسبة إلى الموجود الخارجي المحدد كالدراهم فيقال: هذه الدراهم بالاضافة إلى دراهم اخر اكثر وذاك كثير بالاضافة إلى هذا وهذا قليل بالنسبة إلى ذاك وهكذا فالاكثر بازائه الكثير فهو ازيد عددا وافرادا من الكثير واما الكثير إذا اطلق ولم يكن في قبال الاكثر فبازائه القليل النادر فيكون الكثير اوسع شمولا من قولنا الاكثر، فإذا قيل هذا كثير وذاك اكثر ينطبق عنوان الاكثر على كل واحد من الاعداد الكثيرة لانها ازيد مما قبله فلا ينضبط فإذا قلنا ان قتل جرادا كثيرا ففيه طعام وان قتل اكثر ففيه شاة قد ينطبق عنوان الاكثر على الازيد من عشرين مثلا وعلى الازيد من ثلاثين وعلى الازيد من عشرة وهكذا ولذا ذكر في الحدائق ان معنى الخير على نسخة التهذيب لا يخلو من تناف، فالنفرض انه قتل ثلاثين ففيه طعام وإذا قتل اكثر من ثلاثين ففيه شاة وكذا لو قتل عشرين ففيه طعام لصدق الكثير على عشرين وإذا قتل اكثر من عشرين ولو بواحدة ففيه شاة فالشاة قد ثبتت في قتل الازيد من عشرين وثبتت في قتل الازيد من ثلاثين وهذا مما لا معنى له.


(1) الحدائق: ج 15 ص 246.

[ 40 ]

[ (مسألة 211): في قتل اليربوع والقنفذ والضب وما اشبهها، جدى. وفي قتل العظاية كف من الطعام (1) ]. وقد يكون الملحوظ هو الجنس أي جنس الجرادة فلا معنى للاكثر إذ لا شئ من الاعداد فرض هنا ليقال ان هذا اكثر منه فما في التهذيب غلط بل الصحيح ما في الاستبصار، ومعنى الخبر المذكور في الاستبصار انه لو قتل جرادا ففيه طعام وهذا مطلق من حيث انه قتل واحدة أو اكثر من الواحدة ويقيد بما دل على ان في قتل جرادة واحدة تمرة واحدة فيبقى الاكثر من واحدة تحت اطلاق ما دل على كف من طعام واما إذا قتل كثيرا وازيد من الاثنين أو الثلاثة فعليه شاة فالطعام ثابت لغير الواحدة لاطلاق الصدر والتمرة الواحدة للجرادة الواحدة لتقييد الصدر برواية اخرى دلت على ان التمرة الواحدة للجرادة الواحدة، واما إذا قتل جرادا كثيرا ففيه شاة فالاكثر يحمل على الكثير، ولذا ذكرنا ان ما في المختلف من اسقاط كلمة (اكثر) بالمرة وضبط كلمة (كثيرا) هو الاولى والاصح، فمن جميع ما ذكرنا ظهر صحة ما في المتن. (1) ثبوت الجدي في قتل كل من اليربوع والقنفذ والضب هو المشهور بين الاصحاب، ويدل عليه صحيح مسمع، عن أبي عبد الله (ع) قال: (في اليربوع والقنفذ والضب إذا اصابه المحرم فعليه جدي والجدي خير منه وانما جعل هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد) (1) والتعليل بقوله: (وانما جعل هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد)


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 41 ]

[ (مسألة 212): في قتل الزنبور - متعمدا - اطعام شئ من الطعام، إذا كان القتل دفعا لايذائه فلا شئ عليه (1). (مسألة 213): يجب على المحرم ان ينحرف عن الجادة إذا كان فيها الجراد، فان لم يتمكن فلا بأس بقتلها (2) ]. كصيد النعامة والظبي - يكشف عن ان الحكم لا يختص بالمذكورات بل يعم اشباهها من الحيوانات. وفي قتل العظاية كف من الطعام، يدل عليه صحيح معاوية بن عمار (قال: قلت لابي عبد الله (ع): محرم قتل عظاية قال: كف من طعام) (1). (1) يدل عليه صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن محرم قتل زنبورا قال: ان كان خطاء فليس عليه شئ قلت: لا بل متعمدا، قال: يطعم شيئا من طعام، قلت انه ارادني قال: ان ارادك فاقتله) (2) فليس الزنبور نحو النعامة وسائر انواع الصيد التي تثبت الكفارة حتى في حال الخطاء، بل في الزنبور تثبت الكفارة في خصوص العمد لا الخطاء. (2) كما في صحيح حريز، عن أبي عبد الله (ع) قال: (على المحرم ان يتنكب الجراد إذا كان على طريقه، فان لم يجد بدا فقتل


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب كفارات الصيد ح 3. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 42 ]

[ (مسألة 214): لو اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فعلى كل واحد منهم كفارة مستقلة (1). (مسألة 215): كفارة اكل الصيد ككفارة الصيد نفسه، فلو صاده المحرم واكله فعليه كفارتان (2) ]. فلا بأس (فلا شئ عليه) (1). (1) للنصوص (2) وسيأتي التفصيل. (2) أما الاكل من الصيد فلا ينبغي الاشكال في حرمته كما عرفت فيما تقدم من المسائل من تحريم الصيد للنصوص المعتبرة الخاصة (3). مضافا إلى انه يستفاد الحكم بحرمته من نفس الآية الشريفة لقوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) فان المراد به - بقرينة ما سبق من حلية صيد البحر واكله وان طعامه متاعا - حرمة ما كان حلالا وان ما كان ثابتا في صيد البحر من جواز نفس الاصطياد وحلية اكله غير ثابت في صيد البر فنفس ما حل في صدر الآية بالاضافة إلى صيد البحر حرم في الذيل بالنسبة إلى صيد البر. وأيضا يستفاد من النصوص الدالة على جواز الاكل من الصيد عند الاضطرار ودوران الامر بين الاكل من الصيد والاكل من الميتة، إذ لو كان الاكل جائزا لم يكن وجه لتجويز الاكل في خصوص حال


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب كفارات الصيد ح 1. (2) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الصيد. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب تروك الاحرام.

[ 43 ]

الاضطرار، وان كانت الروايات (1) مختلفة من حيث تقديم الميتة على الصيد أو العكس، وقد رجحنا سابقا ما دل على تقديم الاكل من الصيد. وكذا لا اشكال في ثبوت الكفارة على الاكل، فلو فرضنا أن الصائد محل أو محرم وأكله المحرم فالفداء على الآكل. فيقع البحث في أمور: الاول: فيما إذا اكل الصائد المحرم صيده فهل تتعدد الكفارة أو تتداخل؟. مقتضى القاعدة تعدد الكفارة واحدة للقتل، واخرى للاكل لتعدد المسبب بتعدد السبب، ولا موجب للتداخل والاكتفاء بكفارة واحدة إلا إذا قام دليل خاص على التداخل. إلا ان المحقق الاردبيلي وتلميذه سيد المدارك ذهبا إلى وحدة الكفارة وتداخلها ان لم يكن اجماع على الخلاف، واستدلا بصحيحة ابان (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قوم حجاج محرمين اصابوا فراخ نعام فذبحوها واكلوها، فقال: عليهم مكان كل فرخ اصابوه واكلوه بدنة يشتركون فيهن فيشترون على عدد الفراخ وعدد الرجال) (2). والرواية: بهذا النص واضحة الدلالة على الاكتفاء بالبدنة لمن ذبحها واكلها. ويقع الكلام في الرواية من حيث السند والدلالة.


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 9 وباب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 4.

[ 44 ]

أما السند فالظاهر انه مما لا بأس به ورجاله ثقات واللؤلؤي الواقع في السند هو الحسن بن الحسين اللؤلؤي بقرينة رواية موسى بن القاسم عنه كثيرا، وروايته عن الحسن بن محبوب فقد وثقه النجاشي، ولكنه معارض بتضعيف ابن الوليد له وتبعه تلميذه الصدوق وأبو العباس بن نوح فالرواية بهذا الاسناد ضعيفة، والعبرة بطريق الصدوق إلى علي بن رئاب الذي روى عن ابان فان طريقه إليه صحيح وليس فيه اللؤلؤي فالرواية تكون صحيحة. إلا ان الدلالة مخدوشة إذ لو كانت الرواية مثل ما ذكره الشيخ في التهذيب ونقل عنه في الوسائل فالاستدلال بها له وجه وان كان مخدوشا أيضا على ما سنبين ان شاء الله تعالى قريبا، ولكن الصدوق في الفقيه (1) ذكرها بدون كلمة (فذبحوها) بل على النحو الآتي (في قوم حجاج محرمين، اصابوا أفراخ نعام، فأكلوا جميعا، قال: عليهم مكان كل فرخ) إلى آخر الحديث فيسقط الاستدلال بها لوحدة الكفارة إذا تعددت اسبابها لعدم ذكر الموجب الآخر وهو الذبح في الرواية، فالفداء بالبدنة كفارة للاكل فقط، لا للذبح، وللاكل جميعا، فلا دليل على الاكتفاء بكفارة واحدة. الثاني: كفارة اكل الصيد ككفارة نفس الحيوان المصيد فالمحرم إذا اكل من النعامة كفارته بدنة، أو ان الكفارة قيمة الحيوان المصيد؟ وربما زادت القيمة على الفداء أو ساوت أو نقصت قولان: نسب الاول إلى الشيخ وإلى جمع من الاصحاب. والثاني: قول الشيخ في الخلاف والمحقق والعلامة في بعض كتبه.


(1) الفقيه: ج 2 ص 236.

[ 45 ]

واستدل للقول الثاني بروايات ثلاث: الاولى: صحيحة منصور بن حازم، قال: قلت لابي عبد الله (ع) (اهدى لنا طير مذبوح بمكة فاكله اهلنا، فقال: لا يرى به اهل مكة بأسا، قلت: فاي شئ تقول انت؟ قال: عليهم ثمنه) (1). ولكنها اجنبية عن المسألة رأسا لانها واردة في اهل مكة والظاهر انهم محلين وكلامنا في المحرم، ولو كانت مطلقة من هذه الجهة تحمل على المحل بقرينة سائر الروايات. الثانية: صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا اجتمع قوم على صيد وهم محرمون في صيده أو اكلوا منه فعلى كل واحد منهم قيمته) (2). الثالثة: صحيحة اخرى لمعاوية بن عمار، في حديث قال: واي قوم اجتمعوا على صيد فأكلوا منه فان على كل انسان منهم قيمته، فان اجتمعوا في صيد فعلهم مثل ذلك) (3). ولا يتم الاستدلال بهما لانهما دلتا على ان كفارة القتل وكفارة الاكل هي القيمة، وهذا مما لا يمكن الالتزام به إذ لا اشكال في ان كفارة القتل ليست هي القيمة قطعا بل هي امور معينة مذكورة في النصوص كالبدنة فانها كفارة لقتل النعامة والشاة كفارة لقتل الضبي والبقرة لقتل بقر الوحش، واحتمال ان الاشتراك في قتل الصيد يوجب كون الكفارة هي القيمة ينافي الروايات الكثيرة الدالة على ان الاشتراك في حكم الاستقلال وانه يجب على كل واحد من المشتركين


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الصيد ح 2. (2) و (3) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 3.

[ 46 ]

ما يجب عليه عند الاستقلال. مضافا إلى ان التسالم بين الاصحاب على ثبوت الكفارات الخاصة على كل واحد منهم في مورد الاشتراك كما هي الثابت في مورد الاستقلال. وبالجملة: لا يمكن الالتزام بمضمون الصحيحتين فلابد من حملهما على ان المراد بالقيمة هو الفداء المعين للصيد لا الثمن كما صنعه في الجواهر (1) أو بحملها على الموارد التي تكون القيمة فدائه كما في بعض موارد الصيد غير المنصوص عليها فان كثيرا من الحيوانات تصاد ولا نص فيها، وكفارتها قيمتها (كالايل والوعل واليحمور) (2) فانها تصاد ولا نص فيها بالنسبة إلى نوع الكفارة فيرجع إلى القيمة، فيكون الصحيحان خارجين عن محل الكلام لان الكلام في الحيوان الذي له فداء مخصوص واكل منه المحرم، واما الذي ليس له فداء مخصوص فعلى الآكل قيمته، ولعل هذا الحمل اقرب مما حمله في الجواهر. ومن الغريب ما عن الحدائق (3) من احتمال حمل الفداء على القيمة عكس ما حمله في الجواهر. ويرده الروايات الكثيرة الدالة على لزوم الفداء لا القيمة في مورد الاجتماع. ويدل على كلام المشهور - وان فداء الاكل كفداء الصيد نفسه - صحيح علي بن جعفر (عن قوم اشتروا ظبيا فأكلوا منه جميعا وهم حرم ما عليهم؟ قال: على كل من اكل منهم فداء صيد، كل


(1) الجواهر: ج 20 ص 258. (2) اصناف من التيس الجبلي أي المعز. (3) الحدائق: ج 15 ص 278.

[ 47 ]

انسان منهم على حدته فداء صيد كاملا (1). ويدل عليه أيضا: النصوص الكثيرة الواردة في باب الاضطرار إلى اكل الميتة واكل الصيد فانهم (ع) حكموا بأكل الصيد، ولكن يفدي فان الظاهر من قوله: يفدي ان كفارة الاكل وهى كفارة الصيد (2). الثالث: في بيان عدة من الروايات التي دلت على ان كفارة الاكل من الحيوان المصيد هي الشاة، سواء كان الحيوان المأكول مما فيه شاة ام لا، فإذا كان الصائد قد اكل منه أيضا يجب عليه كفارتان كفارة الاخذ والمصيد وكفارة الاكل وهي شاة، فليس عليه قيمة الحيوان ولا مثل الصيد. منها: موثقة الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن رجل أكل من بيض حمام الحرم وهو محرم؟ قال: " عليه لكل بيضة دم وعليه ثمنها سدس أو ربع درهم الوهم من صالح (الواقع في السند) ثم قال: ان الدماء لزمته لاكله وهو محرم، وان الجزاء لزمه لاخذه بيض حمام الحرم) (3). والرواية على مسلك المشهور ضعيفة سندا، لان صالح بن عقبة الواقع في السند لم يوثق في كتب الرجال، ولكنه موثق عندنا لوروده في اسانيد كامل الزيارات وتفسير القمي، ولذا لا مانع من العمل بالرواية في خصوص موردها وهو اكل المحرم بيض حمام الحرم، ونلتزم


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 2. (2) الوسائل: باب 43 من أبواب كفارات الصيد. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الصيد ح 4.

[ 48 ]

بوجوب الشاة وقيمة البيض عليها ولا نتعدى عن موردها. ومنها: صحيحة زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: من نتف ابطه وقلم ظفره، إلى ان قال: أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله وهو محرم... ومن فعله متعمدا فعليه دم شاة) (1). وهذه الرواية واضحة الدلالة على ان من أكل شيئا من المحرمات والصيد عليه شاة من دون خصوصية بحمام الحرم. ورواه الكليني ايضا نحوه (2). ومنها: معتبرة ابي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: (سألته عن قوم محرمين اشتروا صيدا فاشتركوا فيه، فقالت رفيقة لهم: اجعلوا لي فيه بدرهم، فجعلوا لها، فقال: على كل انسان منهم شاة) (3) بعد حملها على الاكل لان مجرد الشراء لا كفارة فيه. ورواه الكليني بسند ضعيف نحوه الا انه قال: على كل انسان منهم فداء. ومنها: معتبرة يوسف الطاطرى قال: (قلت لابي عبد الله (ع): صيد اكله قوم محرمون، قال: عليهم شاة وليس على الذي ذبحه إلا شاة) (4) كذا في نسخة الوسائل وفي الفقيه (5) والتهذيب (6) قال:


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 5. (4) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 8. (5) الفقيه: ج 2 ص 235. (6) التهذيب: ج 5 ص 352.

[ 49 ]

(عليهم شاة (بتكرر لفظ الشاة وكذا في الوافي (1)، واما يوسف الطاطري وان لم يوثق في الرجال بل عده المفيد من المجهولين، ولكن الشيخ ذكر في العدة ان الاصحاب عملوا بأخبار الطاطريين فيما إذا لم يكن لهم معارض من طرق اصحابنا، وذكر ان الوجه في ذلك انما هو الوثاقة والتحرز عن الكذب وان لم يكن الراوى صحيح الاعتقاد. هذه هي الروايات التي دلت على ان كفارة الاكل هي الشاة مطلقا ولكن جمعا بينها وبين صحيح علي بن جعفر المتقدم الدال على ان كفارة الاكل هو الفداء، تحمل هذه الروايات على ان المأكول مما فيه شاة كالحمام، والظبي ونحوهما مما تعارف اكله، ويدل على ما ذكرناه أيضا صحيحة ابان المتقدم المفروض فيه اكل الفراخ للنعامة وان الواجب فيه بدنة، فهي معاضدة لصحيح ابن جعفر. فتحصل: ان مقتضى الجمع بين الروايات ثبوت الشاة للاكل إذا كان المأكول مما فيه الشاة كالظبي والحمام، وما فيه البدنة ففيه بدنة وما فيه القيمة ففيه القيمة، نعم خصوص اكل بيض حمام الحرم يوجب الشاة وان لم يكن في البيض شاة في نفسه النص المتقدم (2). الامر الرابع: ويتضمن حكم الاشتراك في الاكل والاشتراك في الصيد والرمي. فقد تسالم الاصحاب على ان حكم الاشتراك في الاكل والاشتراك في الصيد حكم الانفراد، فيجب على كل واحد منهم أو منهما ما وجب عليه عند الانفراد والاستقلال.


(1) الوافي: ص 114 من كتاب الحج. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الصيد ح 4.

[ 50 ]

أما بالنسبة إلى الاكل فالامر واضح ولا حاجة إلى دليل خاص بل يكفي في ثبوت الكفارة على كل واحد من المشتركين نفس ما دل على الكفارة في الاكل، وذلك لصدور الاكل من كل واحد منهم مستقلا وان اجتمعوا عليه، وهو غير قابل لاستناده إلى المتعدد، غاية الامر يضم بعض افراد الاكل الصادر من شخص إلى الاكل الصادر من شخص آخر، وليس من الافعال التي يمكن استناده إلى شخصين وصدوره منهما، فكل من الشخصين أو الاشخاص موضوع مستقلا لما دل على ثبوت الكفارة للاكل. هذا مضافا إلى الادلة الخاصة. منها: صحيح ابن رئاب المتقدم (1) الدال على ثبوت الكفارة لكل من اكل كالمنفرد، وفى صحيح ابن جعفر، قال: (على كل من اكل منهم فداء صيد كل انسان منهم على حدته فداء صيد كاملا) (2). وكذا في صحيحة معاوية بن عمار وموثقته (3). نعم: القتل فعل يمكن صدوره من المتعدد فلو لم يكن دليل على ثبوت الكفارة على كل واحد من المشتركين مستقلا لا شكل ثبوت الكفارة على كل واحد منهم على نحو الاستقلال لعدم صدور القتل الواحد منهم على حده بل القتل صدر من المجموع واستند إليهم على نحو الاشتراك لا الاستقلال، ولذا سألوا عن الائمة (عليهم السلام) عن ثبوت الكفارة عليهم والسؤال في محله حيث انهم اشتركوا في الفعل الواحد فطبعا تكون الكفارة الثابتة فيه موزعة عليهم، لعدم تعدد القتل


(1) و (2) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 4 و 2. (3) الوسائل: باب 18 من

[ 51 ]

[ مسألة 216): من كان معه صيد ودخل الحرم يجب عليه ارساله، فان لم يرسله حتى مات لزمه الفداء بل الحكم كذلك بعد احرامه وان لم يدخل الحرم على الاحوط (1). ] الصادر منهم انما القتل استند إليهم جميعا فلا موجب في نفسه لتعدد الكفارة، إلا ان الدليل الخاص دل على تعدد الكفارة وثبوتها على كل واحد منهم مستقلا كصحيح معاوية بن عمار (إذا اجتمع قوم على صيد وهم محرمون في صيده أو اكلوا منه فعلى كل واحد منهم قيمته) ونحوه موثقة معاوية بن عمار (1) المتقدمة، ونحوهما ما ورد فيما إذا اوقد جماعة محرمون نارا بقصد الصيد فوقع فيها طائر فمات لزم كل واحد منهم فداءا بدم شاة كما في صحيحة ابي ولاد الحناط (2). وفي صحيح زرارة: (في محرمين اصابا صيدا، فقال: على كل واحد منهما الفداء) (3). (1) يقع الكلام في موردين: احدهما: ما إذا كان معه صيد ودخل الحرم. ثانيهما: ما إذا اخذ الصيد معه بعد الاحرام وان لم يدخل الحرم. اما الاول: فقد تسالموا على ان الحيوان الذي يدخل الحرم كالظبي


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 1. (2) الوسائل: باب 19 من أبواب كفارات الصيد. (3) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الصيد ح 7.

[ 52 ]

والطير يكون آمنا لا يجوز لاحد اخذه وامساكه لقوله تعالى، (ومن دخله كان آمنا) لشموله للحيوانات أيضا حسب الروايات المفسرة له وعدم قصر ذلك على الانسان. واما إذا ادخل الصيد في الحرم يجب على من ادخله اطلاقه وارساله. لان الحرم مأمن له، فان ارسله فمات فليس على الذي ادخله أو صاده شئ، وان مات عنده قبل الارسال ولو لآفة سماوية يكون ضامنا ويدل عليه بعد التسالم معتبرة بكير بن اعين قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اصاب ظبيا فادخله الحرم فمات الظبي في الحرم، فقال: ان كان حين ادخله خلي سبيله فلا شئ عليه، وان كان امسكه حتى مات فعليه الفداء) (1). ويؤيده ما رواه الكليني في الضعيف بسهل بن زياد فيمن اصاب طيرا، ولا ريب ان الحكم لا يختص بالظبي إذ لا نحتمل كون الحرم مأمنا لخصوص الظبي فلا فرق بين الظبي والطير ونحوهما. واما السند فلا ريب في اعتباره فان بكير بن اعين وان لم يرد فيه توثيق بالصراحة في كتب الرجال، ولكنه مدح مدحا بليغا فوق حد الوثاقة في روايات معتبرة فلا حاجة إلى التوثيق، فقد روى في حقه انه لما بلغ الصادق (ع) موت بكير بن اعين، قال: أما والله، لقد انزله الله بين رسوله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما، فلا مجال للتشكيك في السند. ثم ان هذا الحكم لا يختص بالمحرم بل لو ادخل المحل الصيد في الحرم ولو كان طيرا اهليا يجب عليه ارساله واطلاقه لان الحرم مأمن، والرواية


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب كفارات الصيد ح 3.

[ 53 ]

لم ترد في خصوص المحرم بل موردها اعم من المحل والمحرم لان موردها السوال عن رجل وهو مطلق. واستدل صاحب الجواهر بذيل خبر أبي سعيد المكاري (1) أيضا (فان ادخله الحرم وجب عليه ان يخليه، فان لم يفعل حتى يدخل الحرم ومات لزمه الفداء). وفيه: انه ضعيف سندا على ان في هذا الذيل كلام لم يعلم انه من الرواية بل الظاهر انه من كلام الشيخ فان الشيخ يضيف إلى عبارة المقنعة عبارات من نفسه ثم يشرحها بالروايات كما اقتصر في الوسائل إلى قوله: (حتى يخرجه عن ملكه) ولم يذكر الذيل، وكذا في الوافي مع انه ملتزم بذكر الرواية بتمامها وملتزم بعدم التقطيع راجع التهذيب (2)، وفي الحدائق ذكر قطعة من الذيل بعد قوله: (حتى يخرجه من ملكه (فان ادخله الحرم وجب عليه ان يخليه)، ولم يذكر فان لم يفعل حتى - إلى آخره - والمدارك ذكر الذيل بعنوان الرواية. المورد الثاني: وهو ما إذا كان محرما، ولم يدخل الحرم فلا ريب في وجوب ارسال الصيد عليه وحرمة الامساك عليه. لما تقدم من حرمة الامساك ووجوب الارسال على المحرم وان لم يدخل الحرم للنصوص. انما الكلام فيما إذا لم يرسله ومات عنده حتف انفه فهل يجب عليه الفداء أيضا ام لا؟


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب كفارات الصيد ح 3. (2) التهذيب: ج 5، ص 362، ذكر الذيل في التهذيب الجديد وبعض مخطوطات التهذيب والطبعة القديمة.

[ 54 ]

المعروف والمشهور وجوب الفداء وعدم الفرق بين ما إذا كان في الحرم أو في خارجه في حال الاحرام فكان ذلك من آثار الاحرام، بل ادعي عليه الاجماع ولذا احتاط شيخنا الاستاذ في مناسكه في لزوم الفداء بل قواه. والظاهر انه (قده) اعتمد على الاجماع المدعى في المقام وإلا فلا نص في هذا المورد يستفاد منه الاطلاق والتعميم. واستدل صاحب الجواهر (1) مضافا إلى الاجماع باليد فانه بعدما وجب عليه الارسال، وبعد الحكم بخروج الصيد عن ملكه، يكون وضع اليد على الصيد حراما، فتكون يده يدا عدوانيا كاليد الغاصبة، فإذا تلف قبل الارسال ولو بحتف انفه يكون ضامنا. وفيه اولا: انه قد عرفت في محله انه لا دليل على خروج الصيد عن ملكه، بل يستفاد من بعض الروايات انه ماله وباق على ملكه كالروايات الواردة في الاضطرار إلى اكل الميتة أو اكل الصيد، حيث امروا (عليهم السلام) بتقديم الاكل للصيد معللين بانه ماله. وثانيا: انه لو سلمنا خروج الصيد عن ملك المحرم وحرمة وضع يده عليه، إلا ان الضمان في اليد العادية انما يتحقق فيما إذا كان المأخوذ ملكا لاحد، وفي المقام ليس الصيد ملكا لاحد وانما هو من المباحات الاصلية غاية الامر لا يجوز للمحرم التصرف فيه ويجب عليه ارساله واخراجه عن الملك ويحرم عليه امساكه. وبعبارة اخرى: الضمان انما يثبت في الاموال المغصوبة لا في كل مورد تكون اليد عدوانيا غير مشروعة، فليس في البين إلا الاجماع


(1) الجواهر: ج 20 ص 274.

[ 55 ]

[ (مسألة 217): لا فرق في وجوب الكفارة في قتل الصيد واكله بين العمد والسهو والجهل (1). ] وهو غير حاصل لعدم تعرض كثير من الاصحاب لهذه المسألة وانما هو حكاية اجماع من العلامة في المنتهى. بل عبارة المقنعة المتقدمة يظهر منها عدم الفداء قبل الدخول في الحرم واختصاص لزوم الفداء بما إذا دخل الحرم، لقوله: (فان ادخله الحرم وجب عليه ان يخليه، فان لم يفعل حتى يدخل الحرم ومات لزمه الفداء) فالحكم مبني على الاحتياط. (1) لا يخفى ان ثبوت الكفارة حتى في صورة الجهل والنسيان مختص بالصيد، وإلا فبقية التروك والمحرمات لا توجب الكفارة في صورة الجهل والخطاء والنسيان للدلالة العامة والخاصة. واما الصيد فيترتب عليه الفداء حتى في صورة الخطاء فحاله حال القتل الخطائي في ترتب الكفارة والفداء والنصوص في ذلك مستفيضة. ففي صحيحة معاوية بن عمار (لا تأكل من الصيد وانت حرام وان كان اصابه محل، وليس عليك فداء ما اتيته بجهالة إلا الصيد، فان عليك فيه الفداء بجهل كان أو بعمد) (1). وفي معتبرة اخرى: (عن المحرم يصيب الصيد بجهالة، قال: عليه كفارة، قلت: فان اصابه خطاء؟ قال: واي شئ الخطاء عندك؟ قلت: ترى هذه النخلة فتصيب نخلة اخرى، فقال: نعم هذا الخطاء وعليه الكفارة (2).


(1) و (2) الوسائل: باب 31 من أبواب كفارات الصيد ح 1 و 2.

[ 56 ]

[ (مسألة 218): تتكرر الكفارة بتكرر الصيد جهلا أو نسيانا أو خطاءا، وكذلك في العمد إذا كان الصيد من المحل في الحرم، أو من المحرم مع تعدد الاحرام، واما إذا تكرر الصيد عمدا من المحرم في احرام واحد لم تتعدد الكفارة (1). ] وفي صحيحة اخرى لمعاوية بن عمار، (واعلم انه ليس عليك فداء شئ اتيته وانت محرم جاهلا به إذا كنت محرما في حجك أو عمرتك إلا الصيد فان عليك الفداء بجهالة كان أو عمد) (1). وغير ذلك من النصوص، فالمتعمد عليه الاثم والكفارة والخاطئ عليه الكفارة دون الاثم فليس هما على حد سواء. (1) لو تكرر الصيد عمدا ذهب الاكثر إلى وجوب الكفارة بالصيد الاول فقط وعدم تكررها، وذهب قليل من الاصحاب إلى تكرر الكفارة بتكرر الصيد والصحيح هو الاول، بيان ذلك: ان الروايات الواردة في المقام على طوائف. الاولى: ما دل على ثبوت الكفارة على الاطلاق كصحيح معاوية ابن عمار، عن أبي عبد الله (ع) (في المحرم يصيب الصيد، قال: عليه الكفارة في كل ما اصاب) (2) و (ما) في قوله: كل ما اصاب مصدرية أي: كلما تحققت الاصابة ففيه الكفارة.


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب الصيد ح 4. (2) الوسائل: باب 47 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 57 ]

وبعبارة اخرى: تدل الصحيحة على ثبوت الكفارة في كل اصابة. واحتمل بعضهم ان (ما) موصولة اي كل فرد من افراد الصيد الذي لا كلام في ثبوت الكفارة فيه فلا دلالة له على ثبوت الكفارة في الوجود الثاني وفي تكرر الاصابة ولكنه ضعيف جدا وخلاف الظاهر. وفي صحيحة اخرى: له، (محرم اصاب صيدا؟ قال: عليه الكفارة قلت: فان هو عاد؟ قال: عليه كلما عاد كفارة (1). والمستفاد من هذه الطائفة وجوب الكفارة مطلقا سواء كانت الاصابة خطاءا أو عمدا وسواء كانت متعددة أم لا. الطائفة الثانية: ما دل على عدم تكرر الكفارة في الاصابة الثانية مطلقا سواء كان الصيد الاول وقع عمدا أم خطأ كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: (المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاءه ويتصدق بالصيد على مسكين، فان عاد فقتل صيدا آخر لم يكن عليه جزاؤه وينتقم الله منه، والنقمة في الآخرة) (2). والمراد من المسكين الذي يتصدق عليه هو المحل واما المحرم فلا يجوز له اكله. وفي صحيح ابن سنان عن حفص الاعور، عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا اصاب المحرم الصيد فقولوا له: هل اصبت صيدا قبل هذا وانت محرم؟ فان قال: نعم، فقولوا له: ان الله منتقم منك فاحذر النقمة، فان قال: لا فاحكموا عليه جزاء ذلك الصيد) (3). وفي صحيحة اخرى: للحلبي، عن أبي عبد الله (ع): في محرم


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب كفارات الصيد ح 3. (2) و (3) الوسائل: باب 48 من أبواب كفارات الصيد.

[ 58 ]

اصاب صيدا قال: عليه الكفارة قلت: فان اصاب آخر؟ قال: إذا اصاب آخر فليس عليه كفارة، وهو ممن قال الله عزوجل: ومن عاد فينتقم الله منه) (1). الطائفة الثالثة: مراسيل ابن أبي عمير الدالة على الفرق بين العمد والخطاء، فتكون وجه جمع بين الطائفتين، وشاهدة جمع بينهما، ففي احدى مراسيله قال: (إذا اصاب المحرم صيدا خطاءا فعليه ابدا في كل ما اصاب الكفارة) (2). وفي مرسلة اخرى له: (إذا اصاب الحرم الصيد خطاءا فعليه كفارة، فان اصابه ثانية خطاءا فعليه الكفارة ابدا إذا كان الخطاءا، فان اصابه متعمدا كان عليه الكفارة، فان اصابه ثانية متعمدا فهو ممن ينتقم الله منه، والنقمة في الآخرة، ولم يكن عليه الكفارة (3). ولا يخفى ان قلنا بحجية مراسيل ابن أبي عمير فالامر سهل لان المراسيل تكون وجه جمع بين اخبار المسألة بها ويرتفع التعارض ويثبت قول المشهور، ولكن حيث لا نرى حجية مراسيل ابن أبي عمير فالتعارض باق على حاله، فالعبرة بالطائفتين المتقدمتين فلابد من علاج آخر لرفع التعارض بينهما فنقول: ان رواية معاوية بن عمار الدالة على تعدد الكفارة وتكررها بتكرر الصيد مطلقة من حيث العمد والخطاء. وما دل على عدم التعدد كصحيحتي الحلبي خاص بالعمد لان مورده


(1) الوسائل: باب 47 و 48 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 47 من أبواب كفارات الصيد ح 2. (3) الوسائل: باب 48 من أبواب كفارات الصيد ح 2.

[ 59 ]

الانتقام والانتقام لا يكون إلا في العمد واما في مورد الخطاء والنسيان فلا موجب للانتقام فمورد الصحيحتين الدالتين على عدم تعدد الكفارة انما هو خصوص الصيد العمدي. هذا بالنسبة إلى الصيد الثاني الصادر منه واما بالنسبة إلى الوجود الاول والصيد منه اولا فالرواية مطلقة من حيث العمد والخطاء لقوله (ع): (في محرم اصاب صيدا). وبعبارة اخرى: صدر صحيحتي الحلبي مطلق من حيث العمد والخطاء فالاصابة الاولى بمقتضى اطلاق الصدر توجب الكفارة سواء كانت عن عمد أو خطاء واما الاصابة الثانية تحمل على خصوص العمد بقرينة الانتقام منه فان الانتقام لا يحسن إلا إذا كان الفعل صادرا عن عمد كما تقدم. وبتقريب آخر: مقتضى اطلاق صدر صحيحتي الحلبي عدم تكرر الكفارة حتى إذا كانت الاصابة الاولى خطائية والاصابة الثانية عمدية وانه لا تجب إلا كفارة واحدة حتى في هذه الصورة وهو ما لو سبقها صيد مع ان المشهور لم يلتزموا بذلك، لانهم استثنوا من ثبوت الكفارة لكل اصابة، ما إذا كان الاول والثاني كلاهما عمديا، واما إذا كان الاول خطاءا، والثاني عمديا فلا يقولون بعدم التكرر، واطلاق الصحيحتين يقتضي عدم التكرر حتى في هذه الصورة. ومع ذلك لابد لنا من حملهما على العمد في الاصابة الاولى والثانية لان هذه الروايات تفسير للاية الشريفة وهي قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم

[ 60 ]

متعمدا - إلى قوله تعالى - ومن عاد فينتقم الله منه) (1). وناظرة إليها، والظاهر من الآية الكريمة انها في مقام بيان حكم العامد فالروايات صدرا وذيلا تبين حكم العمد فهي منطبقة على مذهب المشهور. ويمكن ان يقال: ان كلمة (عاد) المذكورة في الصحيح تدل على ان كلا من الفعلين عمدي لان العود والاعادة ايجاد للوجود الثاني على سنخ الوجود الاول والالم يصدق العود فلابد من ان يكون الفعل الاول عمديا أيضا حتى يصدق على الفعل الثاني انه اعادة للاول. ولو اغمضنا عن ذلك: فنقول ان مقتضى اطلاق صحيحتي الحلبي عدم ثبوت الكفارة للوجود الثاني حتى إذا كان الاول خطاءا، ومقتضى اطلاق صحيح معاوية بن عمار التي ذكرناها في الطائفة الاولى ثبوت الكفارة حتى في الفعل الثاني، ولكن صحيحتي الحلبي ناظران إلى الآية المباركة فالعمد مفروض في الفعل الاول والثاني وتخرج هذه الصورة من اطلاق صحيح معاوية بن عمار، فتنقلب النسبة من العام والخاص إلى العموم من وجه، وذلك لان كلا من الفعلين إذا كان عمديا خرج من صحيح معاوية بن عمار وإذا كان كل منهما خطاءا يخرج من صحيح الحلبي فيبقى ما إذا كان الاول خطاءا والثاني عمدا وهو مورد الاجتماع لان مقتضى رواية معاوية بن عمار ثبوت الكفارة ومقتضى صحيح الحلبي عدم الكفارة فيسقطان معا، والمرجع حينئذ عموم ما دل على ثبوت الكفارة مطلقا كما تقتضيه القاعدة من تعدد المسبب بتعدد السبب. والا فاصالة البراءة عن الزائد لان المقام من دوران الامر بين الاقل والاكثر. ومع قطع النظر عن ذلك أيضا: يمكن ان يقال: ان ذكر العمد


(1) المائدة: 95.

[ 61 ]

في صدر الآية توطئة لقوله تعالى: ومن عاد وإلا لكان ذكر العمد لغوا ولم يظهر وجه للتقييد بالعمد بعد ثبوت الكفارة لكل صيد على اطلاقه، فالآية تدل على نفي الكفارة في الثاني فيما إذا كان الاول عمديا أيضا، ولا ينافي ذلك ثبوت الكفارة للوجود الثاني أيضا إذا كان الاول خطاءا والثاني عمديا فإذا تكون النتيجة صحة ما ذهب إليه المشهور. والمتحصل مما ذكرنا: ان الصيد كلما تكرر تكررت الكفارة سواء كان عن عمد أو خطأ لمقتضى القاعدة لتعدد المسبب بتعدد السبب ولصحيحتي معاوية بن عمار وخرجنا من ذلك في خصوص ما إذا كان الصيد الاول والثاني كلاهما عمديا للآية والروايات، وان الجزاء في الثاني في الآخرة فلا تثبت إلا كفارة واحدة في صورة اصابة كلا الصيدين عن عمد، واما في مورد عدم القصد إلى المصيد كالجهل بان المرمي حيوان، كما إذا راى شبحا وزعم انه حجر أو نخلة فرماه ثم تبين انه حيوان، أو الخطأ بان قصد رمي هذه النخلة فأصاب نخلة اخرى عليها طير فأصابه، أو كان قاصدا للصيد، وكان ناسيا لاحرامه فلا يجري عليه حكم العمد لانه لم يكن قاصدا للصيد بوصف انه محرم مع ان الظاهر من الآية كون القصد إلى الصيد بوصف كونه محرما هو موضوع للحكم بعدم تعدد الكفارة، فالعمد المأخوذ العمد بوصف كونه محرما كل ذلك مما لا اشكال فيه. نبقى نحن وما ذكره صاحب الجواهر (1) من الحاق الجاهل بالحكم بالخاطئ في لزوم تعدد الكفارة، وعدم اجراء حكم العامد عليه.


(1) الجواهر: ج 20 ص 322.

[ 62 ]

ولا يخفى ما فيه من الضعف لصدق العامد على الجاهل بالحكم، فان العمد انما يتحقق بالقصد إلى عنوان الفعل والجهل والعلم غير دخيلين في تحقق عنوان القصد إلى الفعل كمن قطع المسافة، وسافر، ولكن كان جاهلا بأن الحكم الشرعي هو القصر فلا ريب ان حكمه هو القصر. وهكذا لو كان صائما، وكان ملتفتا إلى ذلك، ولكن شرب الماء جاهلا بانه مفطر شرعا يصدق عليه انه اقطر. وبالجملة: العمد ليس الا اختيار الفعل بعنوانه والقصد إليه وهذا يتحقق في صورة الجهل بالحكم أيضا، فالحاق الجاهل بالحكم بالخاطئ مما لا نعرف له وجها. ودعوى انصراف الآية إلى غير الجاهل غير مسموعة. نعم: إذا كان الجهل عن قصور اجتهادا أو تقليدا كما إذا ادى نظره إلى حلية صيد محرم الاكل، أو قلد من يقول بذلك يتم ما ذكره الجواهر، لان الظاهر من الآية المباركة وقوع الفعل الثاني حراما ومبغوضا، لقوله تعالى: (ومن عاد فينتقم الله منه) فإذا كان الصيد الثاني حلالا على الفرض حسب اجتهاده أو تقليده فلا موضوع للانتقام. فالصحيح هو التفصيل بين الجاهل القاصر المعذور وغيره والجاهل المقصر حكمه حكم العامد. ثم ان ما ذكرنا كله انما بالنسبة إلى المحرم، واما إذا كان محلا وصاد في الحرم وتكرر منه الصيد عمدا فهل تثبت الكفارة لكل صيد أو لا تتكرر؟ الظاهر هو الاول لان السقوط خلاف القاعدة وخلاف ما يقتضيه اطلاق معتبرتي معاوية بن عمار المتقدمتين، وانما خرجنا عن ذلك

[ 63 ]

بالنسبة إلى المحرم واما صيد المحل عمدا في الحرم فلا دليل على خروجه من القاعدة وطلاق المعتبرتين فالواجب عليه تكرر الكفارة بتكرر الصيد. ثم انه لا خلاف في تكرر الكفارة منه إذا وقع منه الصيد في عامين ولا يدخل بذلك تحت الآية لان ما اتى به في كل عام عمل مستقل يختلف عن الآخر، فكل حج واحرام له حكمه الخاص، ولا يصدق التكرر بحصوله في عامين مختلفين، فتجب الكفارة في الصيد الاول والثاني وان كان كل منهما عمديا، وكذا تتكرر الكفارة مع تعدد الاحرام. وخالف بعضهم فيما إذا كان الزمان قريبا كما إذا احرم للعمرة المفردة في آخر شهر رجب واحرم احراما آخر في شعبان لان لكل شهر عمرة، فالتزم بسقوط الكفارة عن الثاني فان الصيد وان وقع في احرامين ولكن لقربهما زمانا يصدق عنوان التكرر العمدي. وذهب بعضهم: إلى ان الاحرامين إذا كان بينهما ارتباط كاحرام عمرة التمتع واحرام حج التمتع يصدق عنوان التكرار لانهما عمل واحد ويصدق انه تكرر الصيد منه في عمل واحد وان كان في احرامين فتشمله الآية النافية للكفارة للصيد الثاني. وفيه: ان الظاهر من الآية ان العود عود في الشخص لا في الجنس ومعنى قوله: (ومن عاد) عود الصيد في شخص هذا الاحرام لا نوع الاحرام كما يقال: الصائم إذا اكل أو شرب فعليه كذا وإذا عاد فلا شئ عليه الا الجماع، فالمعنى انه إذا اكل في هذا الصوم مرة ثانية لا يترتب عليه الكفارة وان كان اكله في كل مرة حراما إلا ان الكفارة تجب عليه باكل الاول فالعود انما يتحقق بعود الصيد في شخص هذا الاحرام ولا يتحقق العود بالاحرام الثاني بعد التحلل من الاحرام

[ 64 ]

الاول، ولو انكرنا الظهور فيما ذكرناه لا ظهور له في الجنس أيضا فتكون الآية مجملة فتدخل المسألة في الكبرى الكلية إذا كان المخصص مجملا ودائرا بين الاقل والاكثر يرجع إلى عموم العام وهو صحيح معاوية بن عمار الدال على ثبوت الكفارة لكل صيد ويقتصر في الخروج منه بالمتيقن وهو تكرر الصيد والواقع في الاحرام الواحد. تنبيهان: التنبيه الاول: قد عرفت سابقا ان المحرم على المحرم انما هو صيد الحيوان الوحشي، واما الاهلي كالبقر والغنم والابل والدجاج حتى الدجاج الحبشي فلا بأس يذبحها وذكرنا ان الطير الذي لا يجوز صيده وذبحه هو ما يصف والدجاج لا يصف كما في النصوص (1) وذكرنا أيضا ان الوحشي لو صار اهليا لا ينقلب حكمه وكذا العكس والمتبع هو الحكم الاول. واما إذا توالد الوحشي في مكة الذي صار اهليا فيجوز ذبح المولود للمحل في الحرم لان المحرم عليه امران الاول الصيد وهذا غير صادق على المولود الثاني الحيوان الذي دخل الحرم ولجأ إليه وهذا غير منطبق على المولود من الوحشي لان المفروض انه ولد في مكة، فلا مانع للمحل ذبحه وكلما جاز ذبحه للمحل في الحرم يجوز ذبحه للمحرم لكن هذا كله في غير الطير الاهلي كالظبي والدجاج ونحوهما واما الطير الاهلي فاللازم استثنائه مما ذكرنا للنصوص الدالة على ثبوت الكفارة لنفس الطير الاهلي ولفرخه (2).


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب كفارات الصيد.

[ 65 ]

التنبيه الثاني: قد تقدم سابقا ان حرمة الصيد لا تختص بالحيوان المحلل الاكل بل تشمل الحيوانات المحرم الاكل لعموم قوله: (ثم اتق قتل الدواب كلها) (1). واستدل القائلون بالاختصاص بانه لا كفارة في قتل المحرم الاكل إلا فيما ورد النص الخاص فيه كالارنب واليربوع والقنفذ، وعدم الكفارة يكشف عن عدم الحرمة. ولكن يرد عليه: بانه لا ملازمة بين عدم الكفارة وعدم الحرمة بل يمكن الحكم بالحرمة ومع ذلك لا كفارة فيه كالصيد العمدي الثاني فانه محرم قطعا ولا كفارة فيه فالصحيح عدم الفرق بين المحرم الاكل والمحلل الاكل. بقي شئ: وهو غير المأكول هل في صيده الكفارة أو لا؟ والفقهاء لم يتعرضوا للكفارة في غير المأكول، وانما اقتصروا على موارد خاصة. والذي ينبغي ان يقال: ان الحيوان المحرم قد لا يكون له قيمة عند العقلاء كالخنفساء، بل كثير من السباع كالهرة والذئب، فمقتضى القاعدة عدم ثبوت الكفارة فيه لعدم القيمة له ولم يرد نص خاص في تعيين الكفارة. واما إذا كان المحرم مما له قيمة كالصقر والباز، ولعل القردة من هذا القبيل لحصول الخدمه منه، فالظاهر ثبوت الكفارة فيه وهي قيمته فان قوله (عليه السلام): (وفيما سوى ذلك قيمته) (1) يشمل المحرم الاكل، فكل حيوان غير منصوص عليه بكفارة خاصة مشمول


(1) الوسائل: باب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

[ 66 ]

[ 2 - مجامعة النساء (مسألة 219): يحرم على المحرم الجماع اثناء عمرة التمتع، واثناء العمرة المفردة، واثناء الحج، وبعده قبل الاتيان بصلاة طواف النساء (1). ] لهذا العنوان أي (وفيما سوى ذلك قيمته). ويؤيد ما ذكرنا ثبوت الكفارة في النصوص في الحيوانات المحرمة كالقنفذ واليربوع والضب والزنبور. (1) هذا الحكم مقطوع به عند الاصحاب والاصل فيه قوله تعالى: (الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (1) من دون فرق بين العمرة المفردة وعمرة التمتع والحج، وقد فسر الرفث في روايات صحيحة بالجماع (2). ولكن الاستدلال بالآية لا يتم في العمرة المفردة لان اشهر الحج وهي الاشهر الثلاثة، شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، تختص بالحج وبعمرة التمتع واما المفردة فيصح الاتيان بها في طول السنة ولا تختص باشهر الحج. وقد يستدل لعدم الاختصاص بان هذا الحكم من احكام الاحرام للنصوص الدالة على حرمة الجماع على المحرم فيستفاد منها ان الاحرام له خصوصية. سواء كان بالعمرة المفردة أو بالحج أو بعمرة التمتع. وكيف كان لا ينبغي الريب في اصل الحكم على اطلاقه ولا خلاف


(1) البقرة: 197. (2) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 1 وغيره.

[ 67 ]

فيه ابدا. ويمكن ان يستدل لذلك بعدة من الروايات الآتية الواردة في جماع المحرم وثبوت الكفارة فيه حيث يبعد حليته مع ثبوت الكفارة فيه، وكذلك لا ريب ولا خلاف في فساد العمرة المفردة بالجماع، ويجب عليه الاتمام لقوله تعالى (واتموا الحج والعمرة لله) (1)، فعدم شمول قوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث) للعمرة المفردة غير ضائر لان حرمة الافساد بالجماع تثبت بدليل آخر. واما حرمة الجماع بعد اعمال الحج وقبل طواف النساء فمما قطع به الاصحاب أيضا، فان طواف النساء وان لم يكن جزاء للحج وانما هو عمل مستقل وواجب آخر يؤتى به بعد الحج، والحج انما يتم بالطواف والسعي ولكن النصوص الكثيرة جدا دلت على الحرمة قبل طواف النساء منها: ما دل عل؟ ان تشريع طواف النساء منة على الناس ليتمكنوا من الجماع (2) ومنه يظهر انه قبل الطواف لا يمكنه الجماع. ومنها: النصوص الآمرة بالرجوع لتدارك طواف النساء لمن نسى طواف النساء (3) ومنها: الاخبار الدالة على ثبوت الكفارة لمن عليه طواف النساء (4). وغير ذلك من الروايات (5).


(1) البقرة: 196. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب الطواف ح 3. (3) الوسائل: باب 58 من أبواب الطواف. (4) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع. (5) الوسائل: باب 13 و 14 من أبواب الحلق والتقصير.

[ 68 ]

[ (مسألة 220): إذا جامع المتمتع اثناء عمرته قبلا أو دبرا عالما عامدا، فان كان بعد الفراغ من السعي لم تفسد عمرته، ووجبت عليه الكفارة وهي على الاحوط جزور، ومع العجز عنه بقرة، ومع العجز عنها شاة (1) وان كان قبل الفراغ من السعي فكفارته كما تقدم، ولا تفسد عمرته أيضا على الاظهر، والاحوط اعادتها - قبل ] وبالجملة: حرمة الجماع لا تختص بمن كان في اثناء الحج. (1) إذا جامع اثناء عمرة المتعة عالما بالحكم عامدا، فقد يقع بعد الفراغ من السعي وقبل التقصير، وقد يقع قبل الفراغ من السعي، اما الاول: فلا ريب في عدم فساد عمرته بل لا قائل بالفساد وانما تجب الكفارة على النحو الآتي، وكلا الحكمين أي عدم الفساد وثبوت الكفارة مما لا اشكال فيه عندهم. اما عدم الفساد فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار، (عن متمتع وقع على امرأته قبل ان يقصر، قال ينحر جزورا وقد خشيت ان يكون قد ثلم حجه) (1) فان خشية الفساد غير الفساد ولعل المراد من خسية الفساد عدم قبول حجه. واما ثبوت الكفارة ففي بعض الروايات ينحر جزورا كالصحيحة المتقدمة، وفي بعضها بقرة، وفي ثالثة شاة، والمشهور حملوا الروايات على الترتيب بين الموسر ومتوسط الحال والفقير، ولم يظهر لنا وجهه


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 و 4.

[ 69 ]

[ الحج - مع الامكان وإلا اعاد حجه في العام القابل. ] سوى الاستيناس مما ورد فيمن نظر إلى غير اهله فامنى (1) وفيمن واقع اهله قبل طواف النساء (2) ولا مجال للتعدي منهما إلى المقام. ولم يرد هذا التفصيل في شئ من الروايات بالنسبة إلى عمرة المتعة بل الوارد فيها الجزور والشاة على الاطلاق، ففي معتبرة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) (عن متمتع وقع على امرأته قبل ان يقصر، قال: ينحر جزورا وقد خشيت ان يكون قد ثلم حجه). وفي معتبرة اخرى عن ابن مسكان عن أبى عبد الله (ع) قال: قلت: متمتع وقع على امرأته قبل ان يقصر؟ فقال: عليه دم شاة (3). وفي معتبرة اخرى: ان عليه جزور أو بقرة. ومقتضى القاعدة من حيث الجمع بين الاخبار هو التخيير، ولكن الاحوط ما ذكرناه في المتن تحفظا على عدم مخالفة المشهور، وسند الخبرين معتبر لان المراد من (علي) الواقع في السند هو علي بن الحسن الطاطري بقرينة روايته عن محمد بن أبي حمزة ودرست إذ لا يروي عنهما من يسمى بعلي سوى علي بن الحسن الطاطري. وبالجملة فالترتيب الذي ذكره المشهور لم يثبت فالصحيح هو التخيير. واما الثاني: فالمشهور والمعروف بين الاصحاب وجوب الكفارة


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2. (3) الوسائل: باب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 و 3 و 5.

[ 70 ]

عليه كما تقدم، وفساد عمرته أيضا واعادة حجه في العام القابل ويظهر من الجواهر التأمل للفساد كما يظهر منه عدم تحقق الاجماع في المقام (1). اما وجوب الكفارة فلا ينبغي الاشكال فيه، فانه لو وجبت بعد الفراغ من السعي فقبله اولى، على ان جملة من الروايات تدل على ثبوت الكفارة بالاطلاق. كصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة فان الموضوع فيها الجماع قبل التقصير وهذا العنوان يشمل ما قبل السعي أيضا، فيكون المراد بقبل التقصير قبل الخروج من الاحرام وإلا فلا خصوصية لقبل التقصير فالمدار بالخروج من الاحرام وعدمه نظير سؤال السائل عن التكلم قبل السلام فانه يعم جميع حالات الصلاة، ولا خصوصية لبعد التشهد وقبل السلام فالغرض وقوع هذا الفعل قبل الفراغ من العمل. انما الكلام في فساد عمرة التمتع بالجماع كفساد الحج به نسب إلى المشهور الفساد ولكن لا نص في خصوص عمرة المتعة وقد استدل في الجواهر بوجوه ناقش في جميعها. الاول: ان العمرة المفردة تفسد بالجماع قبل السعي قطعا ويجب عليه البقاء في مكة إلى الشهر الآتي حتى يعتمر من جديد (2) فإذا كان الفساد ثابتا في المفردة يثبت في المتمتع بها أيضا لان حكم العمرة المتمتع بها حكم العمرة المفردة لكونهما طبيعة واحدة وتشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتع في اعمالها وانما تفترق عنها في امور يسيرة، منها وجوب طواف النساء * (هامش ص 70) * (1) الجواهر: ج 20 ص 383 وص 380. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2.

[ 71 ]

للمفردة ولا يجب ذلك لعمرة التمتع، ومنها ان عمرة التمتع بعدها الحج بخلاف المفردة فانها عمل مستقل لا يرتبط بالحج. وفيه: ما لا يخفى: لان ذلك قياس ظاهر، ولا مجال لاجراء حكم كل منهما إلى الآخر بعدما كان لكل منهما احكام مخصوصة. الثاني: ان الجماع بعد الفراغ من السعي وقبل التقصير مما يخشى منه الفساد كما في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة فإذا كان الجماع بعد السعي موجبا لخشية الفساد كان الفساد ثابتا بالجماع قبل السعي بالاولوية. وفيه: ان المذكور في الصحيحة خشية الفساد لا نفس الفساد كما تقدم ولو قلنا بالاولوية لكان خشية الفساد قبل السعي اولى لا نفس الفساد. الثالث: اطلاق الروايات الدالة على الفساد في الحج، ومن الواضح أن عمرة التمتع جزء من الحج لان الحج اسم للمجموع من عمرة المتعة والحج كما يطلق عليهما حج الاسلام. واجاب عنه في الجواهر: بعدم انسباق ذلك من هذه الروايات، بل المنصرف منها نفس الحج الذي يقابل العمرة فان الروايات ظاهرة بل صريحة في ارادة الحج لا العمرة وحتى على فرض انها جزء من الحج، فليس في شئ من النصوص ما يشمل عمرة المتعة. وقد يتخيل، ان بعض الروايات الدالة على الفساد مطلقة ولا اختصاص لها بالحج كصحيحة زرارة، قال: (سألته عن محرم غشى امرأته وهي محرمة، قال: جاهلين أو عالمين؟ قلت اجنبي عن الوجهين جميعا. قال: ان كانا جاهلين إلى اخر الحديث) (1). فادعى انه لا ظهور لها في خصوص الحج، بل الموضوع فيها المحرم


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 9.

[ 72 ]

وهو يشمل المتمتع بالعمرة أيضا. والجواب: ان كان المراد بالامر بالحج من قابل فساد الحج الذي وقع فيه الجماع فسادا حقيقيا كفساد العمرة المفردة، أو فساد الصلاة بالتكلم ونحوه من المبطلات، وان ما اتى به لا يحسب من الحج وان وجب عليه اتمامه تعبدا، ويجب عليه الحج من قابل، فعدم صحة الاستدلال بالرواية بالنسبة إلى عمرة المتعة واضح جدا، لان فساد عمرة المتعة لا يوجب الحج عليه من قابل فان تدارك العمرة امر سهل يسير غالبا، فيخرج إلى خارج الحرم كالتنعيم ونحوه ويحرم ويأتي بالاعمال وهي الطواف وصلاته والسعي، ولو فرضنا فرضا نادرا انه لا يتمكن من العمرة لضيق الوقت ونحوه، ينقلب حجه إلى الافراد، ويأتي بالعمرة بعد ذلك. فذكر الحج من قابل قرينة على وقوع الجماع في الحج وان الاحرام احرام الحج. ان قلنا بان الحج الاول حجه والثاني عقوبة عليه والحكم بالفساد تنزيلي باعتبار لزوم الاتيان بحج آخر في السنة الآتية عقوبة والا ففرضه ما وقع فيه الجماع فهذا يمكن فرضه في عمرة المتعة بان يجب عليه الحج من قابل عقوبة عليه، ولكن مع ذلك لا يمكن ان يقال بشمول الروايات لعمرة المتعة، لان المذكور في الروايات، انه فرق بينهما من المكان الذي احدثا فيه وعليهما بدنة وعليهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الذي احدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما، ويرجعا إلى المكان الذي اصابا فيه ما اصابا). وفي بعضها (يفرق بينهما ولا يجتمعان في خباء حتى يبلغ الهدي محله) (1).


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 9 و 5.

[ 73 ]

وهذه قرينة قطعية على وقوع الجماع في الحج لا العمرة المتمتع بها إذ لا يتصور في عمرة المتعة الرجوع إلى المكان الذي احدثا فيه هذا الحدث غالبا بخلاف الحاج فانه إذا حدث هذا الحدث في مكة مثلا فاللازم التفريق بينهما حتى يرجعا من مناسكهما إلى هذا المكان الذي احدثا فيه سواء في نفس هذا الحج أو الحجة المعادة، فان الغالب في الحجاج الرجوع إلى مكة وهذا المعنى لا يتحقق بالنسبة إلى المتمتع الذي يحرم من احد المواقيت فانه إذا جامع بعد الاحرام في طريقه إلى مكة لا يتقيد بالرجوع إلى نفس هذا المكان الذي اصاب بل يمكن ان يرجع من مكان آخر كما لعله الغالب. على ان لزوم الافتراق حتى يبلغ الهدي محله كما في بعض الروايات شاهد قوي على ان المراد بالاحرام الذي وقع فيه الجماع هو الحج. ولو سلمنا الاطلاق لهذه الروايات وشمولها لعمرة المتعة ايضا فيعارض باطلاق صحيحة معاوية بن عمار الدالة على عدم الفساد بالجماع قبل التقصير بناءا على ما عرفت من ان اطلاق (قبل التقصير) يشمل قبل السعي أيضا لان المراد بقبل التقصير عدم الخروج من الاحرام، ولذا اثبتنا الكفارة بالجماع قبل السعي باطلاق هذه الصحيحة فيقدم صحيح معاوية بن عمار لانه اخص. ولو فرضنا تكافؤهما وتعارضهما فلا دليل على وجوب الحج من قابل في صورة وقوع الجماع قبل السعي فان ذلك يحتاج إلى دليل. فالاظهر عدم فساد عمرته أيضا، والاحوط اعادتها في هذه السنة قبل الحج مع الامكان ويحج بعدها، ومع عدم امكان اعادتها يتمها، ويعيد حجه في العام القابل.

[ 74 ]

[ (مسألة 221): إذا جامع المحرم للحج امرأته قبلا أو دبرا عالما عامدا قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت عليه الكفارة والاتمام واعادة الحج من قابل سواء كان الحج فرضا أو نفلا، وكذلك المرأة إذا كانت محرمة وعالمة بالحال ومطاوعة له على الجماع (1). ] ثم انه لا فرق في الجماع بين الوطئ قبلا أو دبرا لان المذكور في النصوص الجماع والمواقعة والغشيان ونحو ذلك من التعابير التي تكون كناية عن مطلق الوطئ فان الجماع لم يوضع للوطئ قبلا، وانما هو موضوع للجمع بين الشخصين، ولكن المراد به المعنى الكنائي كالمس واللمس الذين يراد بهما المعنى الكنائي وهو الوطئ، وان كان الغالب هو الوطئ قبلا فلا خصوصية للقبل فلا موجب للاختصاص به بدعوى الانصراف لاجل غلبة الوجود. (1) إذا جامع المحرم امرأته في الحج عالما بالتحريم وعامدا، فقد يقع الجماع قبل الوقوف بالمزدلفة، وقد يقع بعد المزدلفة. اما الجماع قبل الوقوف فقد ذكرت له احكام عديدة: منها: ثبوت الكفارة عليه كالبدنة في صورة التمكن واليسار بلا اشكال، ولا خلاف ولعدة من الروايات. ومنها: اتمام الحج الذي بيده، ويدل عليه جملة من الروايات كقوله في صحيح معاوية بن عمار (ويفرق بينهما حتى يقضيا المناسك) (1)


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2.

[ 75 ]

بل يظهر من صحيح زرارة الدالة على ان الاولى حجته والثاني عقوبة ان الاولى لم تفسد وهي حجته، فلا يجوز له رفع اليد عن الحج ويجب عليه اتمامه فكأنه لم يفسد، وانما وجب عليه الحج من قابل عقوبة عليه فلا موجب لعدم الاتمام. ومنها، التفريق بينهما وهو المصرح في كثير من النصوص. ومنها: وجوب الحج عليه من قابل لجملة من الروايات. كل ذلك من دون فرق بين كون الحج فرضا أو نفلا، لان الموضوع في النصوص المحرم سواء كان احرامه لحج واجب أو ندب فمناقشة بعضهم في النقل مما لا وجه له. انما الكلام في الكفارة إذا لم يتمكن من البدنة لعدم وجودها أو لعدم وفاء المال لها. المعروف بينهم انها البقرة والشاة ووقع الكلام في انه هل هما في عرض واحد أو أنهما طوليان؟ ذكر الشهيد في اللمعة ان الواجب البدنة وإذا عجز عن البدنة تخير بينها وبين بقرة أو شاة ولا يخفى ما في العبارة من المسامحة كما اورد عليه الشهيد الثاني في الشرح إذ لا وجه للتخيير بين البدنة وغيرها بعد فرض العجز عن البدنة ولذا ذكر ان الاولى مع العجز عن البدنة تجب بقرة أو شاة كما في الشرايع وحكي عن الدروس وجوب البدنة مع الامكان فان عجز فبقرة فان عجز فشاة والنصوص خالية عن هذا التفصيل وليس فيها ما يدل على التخيير المذكور بين البقرة والشاة ولا على الترتيب بين الثلاثة كما اعترف بذلك في الجواهر (1).


(1) الجواهر: ج 20 ص 373.

[ 76 ]

وربما يقال باستفادة الترتيب بين الثلاثة مما ورد في عمرة المتعة لذهاب المشهور إلى الترتيب في العمرة المتمتع بها فإذا كان الترتيب ثابتا في العمرة ففي الحج اولى، وفيه ما لا يخفى. نعم ورد هذا التفصيل في خبر خالد بياع القلانسي قال: سألت أبا عبد الله (ع) (عن رجل اتى اهله وعليه طواف النساء قال: عليه بدنة، ثم جائه آخر فقال: عليك بقرة، ثم جائه آخر فقال عليك شاة، فقلت: بعدما قاموا اصلحك الله كيف قلت عليه بدنة؟ فقال: انت مؤسر وعليك بدنة، وعلى الوسط بقرة، وعلى الفقير شاة) (1). ولكنه ضعيف سندا بنضر بن شعيب الواقع في طريق الصدوق إلى خالد القلانسي، ولو كان صحيح السند لا وجه للتخيير، ولو قيل بالتخيير لكان تخييرا بين البقرة والشاة إذ لا معنى للتخيير بين الثلاثة بعد العجز عن البدنة. والصحيح ان يقال: انه لا دليل على كون البقرة بدلا عن البدنة وفي صحيح علي بن جعفر جعل البدل شاة (فمن رفث فعليه بدنة ينحرها فان لم يجد فشاة) (2) فان قيل بالجزم باجزاء البقرة عن الشاة لان البقرة لا تقل فائدة عن الشاة بل هي انفع من الشاة، ففي كل مورد وجبت فيه الشاة تجزي البقرة لكونها انفع فهي احوط، وان يعلم بذلك كما هو كذلك، لان الاحكام تعبدية، فلا يمكن القول باجزاء البقرة وكونها احوط، بل مقتضى النص ان الواجب اولا


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 16.

[ 77 ]

البدنة وان لم يتمكن من ذلك فالشاة، فالبقرة لا تجب لا تعيينا ولا تخييرا. ثم ان الاصحاب لم يتعرضوا الذكر بدل البدنة قبل الوقوف بالمشعر كما صرح بذلك صاحب الحدائق (1) مع ان ثبوت الكفارة قبل الوقوف بالمشعر وبعده على حد سواء، وانما يفترقان في وجوب الحج من قابل فان كان الجماع قبل الموقف يجب عليه الحج من قابل، وإذا كان بعد الوقوف بالمشعر فعليه الكفارة فقط ولا يجب عليه الحج في السنة القادمة، واما خصوا ذكر وجوب الكفارة بما بعد الوقوف بالمشعر، لوضوح الحكم في قبل الوقوف بالمشعر إذ لا نحتمل ان قبل المشعر اخف بل هو اشد قطعا فإذا ثبتت الكفارة بالجماع بعد المشعر فتثبت بالجماع قبل المشعر قطعا. ثم ان صريح صحيح زرارة كون الحج الثاني عقوبة عليه والحج الاول الذي وقع فيه الجماع حجته، وهكذا يدل على ذلك موثقة اسحاق بن عمار الدالة على اجزاء حج النائب عن الميت إذا افسده النائب وعلى النائب الاعادة من ماله (2). فالتعبير بفساد الحج كما في صحيح سليمان بن خالد لابد من حمله على الفساد التنزيلي ورفع اليد عن ظهوره في الفساد الحقيقي، وانما عبر بالفساد لوجوب حج آخر عليه في السنة القادمة كما جاء في صحيح سليمان بن خالد (والرفث فساد الحج) (3)، كما يرفع اليد عن ظهور الاعادة في الارشاد إلى الفساد فيما إذا كانت قرينة على الخلاف.


(1) الحدائق: ج 15 ص 380. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب نيابة الحج ح 2. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 8.

[ 78 ]

وتظهر الثمرة في كون الاول حجته، أو الثاني بخروج الثاني من صلب المال أو ثلثه، ثم ان المرأة تشترك مع الرجل في جميع الاحكام المذكورة إذا كانت مطاوعة لصحيح زرارة المتقدمة (1)، ويكفينا اطلاق قوله: (الرفث جماع النساء) كما في صحيح ابن جعفر (2). هذا بالنسبة إلى الكفارة. واما الفساد فلا طلاق قوله: في صحيح سليمان بن خالد المتقدم: الرفث فساد الحج) (3). هذا كله إذا كانت المرءة مطاوعة. واما إذا كانت مكرهة فلا شئ عليها في النص (4) لا الكفارة ولا الحج من قابل، وانما على الزوج كفارتان، ولا يجب عليه الحج عنها لعدم الدليل. ولا خلاف في شئ من ذلك. ولو اكرهت الزوجة زوجها فهل تتحمل عنه، أو ان عليه بدنة أو لا هذا ولا ذاك؟ وجوه. الروايات كلها واردة في اكراه الزوج ولم ترد في اكراه الزوجة. ولكن الجواهر لم يفرق بين الزوجة والزوج لنفس هذه الروايات (5). وذكر (قده) ان ذكر الرجل للغلبة، وما ذكره (قده) من


(1) و (2) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 9 و 16. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 8. (4) الوسائل: باب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 وباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 14. (5) الجواهر ج 20 ص 362.

[ 79 ]

[ ولو كانت المرأة مكرهة على الجماع لم يفسد حجها، وتجب على الزوج المكره كفارتان، ولا شئ على المرأة وكفارة الجماع بدنة مع اليسر، ومع العجز عنها شاة، ويجب التفريق بين الرجل والمرأة في حجتهما، في المعادة إذا لم يكن معهما ثالث إلى ان يرجعا إلى نفس المحل الذي وقع فيه الجماع، وإذا كان الجماع بعد تجاوزه من منى إلى عرفات لزم استمرار الفصل بينهما من ذلك المحل إلى وقت النحر بمنى، والاحوط استمرار الفصل إلى الفراغ من تمام ] تعميم الحكم للرجل والمرأة وان كان صحيحا لكن لا لاجل هذه الروايات لعدم شمولها للمرأة ومجرد الغلبة لا يوجب تعميم الحكم بل التعميم لاجل حديث الرفع (المعتبر) عن المكره، فلا شئ على الزوج إذا كان مكرها. وهل تتحمل الزوجة البدنة عنه كما كان الزوج يتحمل عنها أم لا؟ الظاهر هو الثاني لعدم الدليل والاصل عدمه، ومجرد الاكراه لا يوجب تحمل المكره (بالكسر) نظير اكراه الزوج زوجته الصائمة على الجماع فانه يتحمل عنها الكفارة ولا دليل على التحمل فيما إذا اكرهت الزوجة زوجها الصائم، ومن هنا يظهر ان المكره (بالكسر) إذا كان اجنبيا لا يجب عليه شئ وان كان آثما. وبالجملة تحمل الكفارة حكم تعبدي خاص بمورده وهو اكراه الزوج زوجته فلا مجال للتعدي إلى سائر الموارد وان كان الاكراه متحققا.

[ 80 ]

[ اعمال الحج (1). ] (1) قد عرفت ان من جملة الاحكام المترتبة على الجماع الواقع قبل الوقوف بالمزدلفة، وجوب التفريق بينهما من المكان الذي وقع فيه الجماع، والروايات في ذلك متضافرة وان كان مورد بعضها الحج الاول (1) وبعضها خاص بالحج الثاني (2) وبعض الروايات تعرض لكليهما كصحيح زرارة (3). وكيف كان: لا ينبغي الاشكال في وجوب التفريق في الحجتين - وان نسب إلى بعضهم الخلاف في الحجة الاولى وخص التفريق بالحجة الثانية - للنصوص المتضافرة وان كانت مختلفة من حيث التعرض لاحدهما أو لكليهما. انما الكلام في نهاية التفريق ففي بعض الروايات (4) جعل ذلك في الحج الاول الوصول إلى مكة وفي الحج الثاني إلى الاحلال، ويحتمل ان يكون المراد بالاحلال يوم النحر لحلية اكثر التروك له في يوم النحر ويحتمل ان يكون المراد به الفراغ المطلق من المناسك لانه بذلك يحل له كل شئ حتى الطيب ولكن هذه الرواية ضعيفة بعلى بن أبي حمزة وفي روايتين معتبرتين جعل الغاية بلوغ الهدي محله وهما صحيحتا معاوية بن عمار (5). وفي جملة منهما جعل الغاية قضاء المناسك والبلوغ إلى المكان الذي اصابا فيه ما اصابا (6) ولذا وقع الخلاف بينهم في غاية الافتراق فعن


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل: باب 3 من كفارات الاستمتاع ح 2 و 12 و 9 و 14.

[ 81 ]

الرياض والحدائق حمل الاختلاف المذكور على اختلاف مراتب الفضل والاستحباب فاعلاها الرجوع إلى موضع الخطيئة ثم قضاء المناسك ثم بلوغ الهدي محله فالواجب عليهما التفريق إلى بلوغ الهدي واستحبابه إلى قضاء المناسك وافضل منه لزوم التفريق إلى موضع الخطيئة الذي هو ابعد. واورد عليه صاحب الجواهر بان القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد فلابد من الاخد بالعليا بعد تقييد المفهوم في بعضها بالمنطوق في آخر فتكون النتيجة ان الغاية هي العليا وهي محل الخطيئة (1). وبعبارة اخرى: مقتضى اطلاق مفهوم ما دل على انه يفترقان إلى بلوغ الهدي محله، انه إذا بلغ الهدي ينتهي الافتراق، ويجتمعان سواء كان ذلك موضع الخطيئة ام لا، فيقيد بما أذا كان محلا للخطيئة وإلا فلا ينتهي التفريق فالعبرة بالعليا وهي محل الخطيئة. اقول: ما ذكره صاحب الحدائق والرياض بعيد لان ظاهر الاوامر المذكورة في الروايات هو الوجوب فرفع اليد عنه وحمله على الاستحباب بلا موجب كما ان ما ذكره الجواهر ابعد لان الظاهر من الروايات ان كل واحد من الامور المذكورة عنوان مستقل فحمل احدها على الآخر بلا وجه بل يقتضي الغاء العنوان الآخر بالمرة فان مقتضى حمل بلوغ الهدي إلى محل الخطيئة، عدم الاعتداد ببلوغ الهدي اصلا وان العبرة بمحل الخطيئة. والصحيح ان يقال: ان الروايات المعتبرة الواردة في المقام على طوائف ثلاث.


(1) الجواهر: ج 20 ص 359.

[ 82 ]

منها: ما جعل الغاية قضاء المناسك والرجوع إلى المكان الذي وقع فيه الجماع كصحيحة زرارة وغيرها (1)، وهذه الطائفة مطلقة تشمل المكان الذي هو قبل ارض منى وبعده يعني الحاج لما يتوجه من مكة إلى عرفات يذهب إليها من طريق منى لاستحبابه شرعا فقد يقع منه الجماع قبل الوصول إلى منى وقد يقع منه بعد منى أو يقع منه الجماع بعد الميقات إذا كان الحج افرادا احرم له من الميقات. واما الطائفة الثانية: فمقتضى اطلاق صحيحتي معاوية بن عمار - جعل بلوغ الهدي محله غاية الافترق سواء كان الجماع واقعا قبل الوصول إلى منى أو بعده، فالطائفتان متعارضتان بالاطلاق لان كلا منهما يدل على ان نهاية الافتراق بما ذكر فيه سواء تحقق الآخر ام لا. وهنا: طائفة ثالثة: تدل على ان الجماع إذا كان واقعا قبل الوصول إلى منى فغاية الافتراق يوم النفر وهو اليوم الثاني عشر كما في صحيحة الحلبي (ويفرق بينهما حتى ينفر الناس ويرجعا إلى مكان الذي اصابا فيه ما اصابا) (2). فان الظاهر من هذا الكلام ان مكان الجماع كان قبل الوصول إلى منى فهذه الصحيحة تخصص ما دل بالاطلاق على ان الغاية بلوغ الهدي محله، فيكون مورد الافتراق إلى بلوغ الهدي محله في غير صورة وقوع الجماع قبل الوصول إلى منى، وإذا فان الجماع إذا وقع قبل الوصول إلى منى فلابد من الافتراق بينهما إلى يوم النفر والرجوع إلى مكان الحادث. وان كان واقعا بعد الوصول إلى منى فغاية الافتراق بلوغ الهدي


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 9. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 14.

[ 83 ]

محله أي يوم النحر، فتكون نسبة الطائفة الثانية بعد تخصيصها بالطائفة الثالثة بالنسبة إلى الطائفة الاولى عموم وخصوص مطلق وترجع نسبة التعارض إلى نسبة العام والخاص بناءا على انقلاب النسبة وان احد المطلقين المتعارضين إذا خصص بمخصص يلاحظ بعد التخصيص مع المطلق الآخر فتنقلب النسبة من التباين إلى العام والخاص، فيكون الحاصل من ذلك ان الجماع إذا وقع قبل الوصول إلى منى كما إذا جامع في مكة أو في طريقه ما بين مكة ومنى فغاية الافتراق يوم النفر والرجوع إلى نفس المحل للذي وقع فيه الجماع فان الحاج أنما يرجع يوم النفر إلى مكة والمكان الذي وقع فيه الجماع قبل منى، واما إذا كان الجماع واقعا بعد تجاوزه من منى إلى عرفات فغاية الافتراق بلوغ الهدي محله اي وقت النحر بمنى. ثم ان الجماع قد يقع قبل الوصول إلى مكة وبعد الاحرام كما إذا فرضنا ان الحج كان حج افراد فطبعا يرجع الحاج إلى مكان الحادث بعد تمامية جميع المناسك حتى طواف الحج وسعيه واما إذا كان الجماع واقعا في حج التمتع بعد الخروج من مكة فيقضي المناسك من الوقوفين ويرجع إلى ذلك المكان وينتهي الافترق ولا حاجة إلى اتيان بقية المناسك من الطواف والسعي في حصول الافتراق فان المنع يرتفع بالوصول إلى ذلك المكان فان الظاهر من قضاء المناسك والرجوع إلى مكان الحادث قضاء المناسك التي يأتي بها قبل الوصول إلى ذلك المكان، ولكن الاحوط استمرار الفصل إلى الفراغ من تمام اعمال الحج كالطواف والسعي.

[ 84 ]

[ (مسألة 222): أذا جامع المحرم امرأته عالما عامدا بعد الوقوف بالمزدلفة، فان كان ذلك قبل طواف النساء وجبت عليه الكفارة على النحو المتقدم، ولكن لا تجب عليه الاعادة، وكذلك إذا كان جماعه قبل الشوط الخامس من طواف النساء، واما إذا كان بعده فلا كفارة عليه أيضا (1). ] (1) ما سبق في مسألتنا المتقدمة كان لاحكام الجماع قبل الوقوف بالمزدلفة وهذه المسألة البحث فيها عن الجماع بعد الوقوف بالمزدلفة وتتضمن لبيان حكم الكفارة على هذا الفعل أولا وفساد الحج وعدمه ثانيا. أما وجوب الكفارة عليه فيدل عليه جملة من النصوص منها: اطلاق صحيحة ابن جعفر (فمن رفث فعليه بدنة ينحرها فان لم يجد فشاة) (1) فانه مطلق من حيث وقوع الرفث قبل المزدلفة وبعدها. ومنها: صحيحة اخرى لابن جعفر تدل على وجوب البدنة قبل طواف النساء (عن رجل واقع امرأته قبل طواف النساء متعمدا ما عليه قال: يطوف وعليه بدنة) (2). ونحوها جملة من الروايات الدالة على ثبوت الكفارة. قبل طواف النساء وانه انما تنقطع الكفارة بعد طواف النساء (3)،


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 16. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 7. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

[ 85 ]

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار (عن رجل محرم واقع على اهله فيما دون الفرج - قال - وان كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه) اي البدنة (1) فان اطلاقها يشمل الجماع الواقع بعد المزدلفة. ومنها: صحيحة اخرى لمعاوية بن عمار (عن متمتع وقع على اهله ولم يزر قال: فينحر جزورا) فان المراد بالمتمتع هو حج التمتع والمراد بعدم زيارته عدم طوافه للزيارة وهو طواف الحج كما عبر عنه في النصوص. وإذا فلا فرق في ثبوت الكفارة بين وقوع الجماع قبل المزدلفة أو بعدها، والكفارة بدنة فان لم يجد فشاة كما في صحيح ابن جعفر. واما الفساد فالظاهر عدمه ويكفينا اولا الاصل. مضافا إلى عدم الخلاف سواء كان الفساد بالمعنى الحقيقي أو المجازي اي اتيان العمل في السنة القادمة - كما ورد في الجماع قبل الوقوف في المزدلفة - ولا دليل على شئ منهما في المقام: ويدل على عدم الفساد مضافا إلى ما تقدم: امران. احدهما: مفهوم صحيحة معاوية بن عمار (إذا وقع الرجل بامرأته دون مزدلفة أو قبل ان يأتي مزدلفة فعليه الحج من قابل) (2). فان مقتضى مفهوم الشرط ان لم يجامع قبل المزدلفة لم يكن عليه حج من قابل ومقتضى اطلاقه وان جامع بعدها وحجية اطلاق المفهوم كحجية المنطوق. ثانيهما: صحيحة اخرى لمعاوية بن عمار (عن متمتع وقع على اهله


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

[ 86 ]

ولم يزر قال ينحر جزورا وقد خشيت ان يكون قد ثلم حجه ان كان عالما) (1) فانها تدل على عدم الفساد بالجماع قبل طواف الزيارة اي طواف الحج، والمعنى ان الحاج المتمتع جامع قبل ان يطوف طواف الحج وبعد الاتيان بمناسك الوقوفين فذكر (ع) ان عليه البدنة ولكن العمل صحيح وانما خشي الفساد وخشية الفساد غير نفس الفساد. وقد ورد مثل هذا التعبير في عمرة التمتع بالجماع بعد السعي وقبل التقصير، فالحكم في الجميع واحد وخشية الفساد والثلم تدل على الصحة في نفسه. ثم ان ما ذكرناه من صحيحة معاوية بن عمار الواردة في باب الحج رواية مستقلة غير ما روى عنه في عمرة المتعة، بل هما روايتان مستقلتان ذكر احداهما في مسألة الحج والاخرى في عمرة المتعة وليس احدهما ذيلا للاخر أو صدرا له وان كان التعبير الواقع في احدهما قريبا إلى الآخر. وبالجملة هما روايتان وردت احدهما في الحج وفي الصحيحة المتقدمة قبيل ذلك وثانيتهما وردت في عمرة المتعة (2). فما توهمه المعلق على الوسائل من وحدة الروايتين سهو واشتباه فالصحيح ما صنعه صاحب الوسائل من ذكرهما في بابين مستقلين كما


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. (2) الوسائل: ذكر الصحيحه الاولى في باب ح من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. وذكر الثانية في باب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 4.

[ 87 ]

[ (مسالة 223): من جامع امرأته عالما عامدا في العمرة المفردة وجبت عليه الكفارة على النحو المتقدم ولا تفسد عمرته، إذا كان الجماع بعد السعي، واما إذا كان قبله بطلت عمرته ايضا، ووجب عليه ان يقيم بمكة إلى شهر آخر ثم يخرج إلى احد المواقيت ويحرم منه للعمرة ] ان الكافي ذكرهما في بابين (1) مستقلين. وكذلك تثبت الكفارة بعد الاتيان بجميع اعمال الحج وقبل طواف النساء، فان طواف النساء لم يكن من اعمال الحج واجزائه بل هو عمل مستقل في نفسه وله آثار خاصة واحكام مخصوصة ولذا لو تركه عمدا لا يفسد حجه، إلا ان الكفارة تثبت بالجماع قبله، ويدل عليه روايات كثيرة منها صحيحة ابن جعفر المتقدمة (2). ولو جامع اثناء الطواف مقتضى القاعدة ثبوت الكفارة لعدم الاتيان بطواف النساء فان الطواف اسم لمجموع الطواف، ولكن معتبرة حمران بن اعين (3) فصلت بين ما لو جامع بعد خمسة اشواط فلا شئ عليه لا الكفارة ولا الاعادة بل يكملها بشوطين آخرين وبين ما لو جامع بعد ثلاثة اشواط فعليه بدنة. هذا تمام الكلام في الجماع الواقع في الحج والواقع في عمرة المتعة.


(1) الكافي: ج 4 ص 440 ح 5 وص 478 ح 3. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع. (3) الوسائل: باب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

[ 88 ]

[ المعادة، والاحوط اتمام العمرة الفاسدة أيضا (1). ] (1) قد يقع الجماع في العمرة المفردة قبل السعي، وقد يقع بعده اما الاول: فلا خلاف في ثبوت الكفارة، وفساد العمرة ولزوم الاعادة، وقد دلت على ذلك عدة من الروايات. والكفارة بدنة، ويجب عليه ان يقيم بمكة إلى الشهر القادم حتى يعتمر فيه، لا خلاف في شئ من ذلك والنصوص متضافرة (1). ولكن صاحب الوسائل صرح في عنوان الباب الثاني عشر من كفارات الاستمتاع باستحباب البقاء إلى الشهر القابل وكذا المحقق ذكر ان الافضل هو البقاء إلى الشهر القادم، ولم نعرف وجها لما ذكراه فان الظاهر من الروايات وجوب البقاء إلى الشهر القادم، فكأن العمرة الفاسدة حكمها حكم الصحيحة من لزوم الفصل بين العمرتين بشهر واحد لان لكل شهر عمرة. فحمل كلمة (عليه) على الاستحباب أو الافضلية بلا وجه اصلا. وبالجملة: لا ينبغي في لزوم الاتيان بعمرة اخرى في الشهر القادم ولا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه عملا بالروايات. وهل يجب عليه اتمام العمرة الفاسدة، أو يرفع اليد عنها؟ لعل الشهرة على عدم وجوب الاتمام، وذهب بعضهم إلى الوجوب ومال إليه في الجواهر واستدل على ذلك بوجوه (2). الاول: الاستصحاب، بتقريب ان قبل الافساد كان الاتمام واجبا


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب كفارات الاستمتاع. (2) الجواهر: ج 20 ص 384.

[ 89 ]

ويشك في ارتفاعه بعد الافساد فيستصحب، وفيه: ان الاتمام قبل الافساد انما وجب باعتبار صحة العمرة وشمول الآية لها واما بعد الافساد تكون العمرة فاسدة فاختلف الموضوع وتعدد فلا يمكن استصحاب حكم موضوع لموضوع آخر على انه لا نسلم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما حققناه مفصلا في المباحث الاصولية. الثاني: ان الرجل صار محرما بالاحرام ولا يحل إلا بالاتيان بمحلل فقبل الاتيان بالمحلل فهو باق على احرامه. والجواب: ان بقائه على الاحرام من آثار صحة الاحرام ومع فرض فساد احرامه وعمرته ينكشف ان الاحرام من الاول كان فاسدا فلا مجال للاتمام لينحل به بل ينحل بنفس الجماع. الثالث: ان فساد العمرة كفساد الحج وافساد الحج لا ينافي وجوب الاتمام فكذا افساد العمرة فما اتى به اولا هو الفرض والثاني عقوبة كما في الحج، فاطلاق اسم الفساد على ضرب من التجوز والتنزيل لا الفساد الحقيقي بالمعنى المصطلح، بل لعل الامر بالانتظار إلى الشهر القادم للعمرة قرينة على مراعاة تلك العمرة والحكم بصحتها حقيقة لان الانتظار إلى الشهر القادم من آثار العمرة الصحيحة ومن اتى بعمرة صحيحة ليس له ان ياتي بعمرة اخرى إلا بعد شهر. وفيه: انه لا دليل ولا قرينة على حمل الفساد على الفساد التنزيلي نعم في باب الحج قامت القرينة على ذلك وهي صحيحة زرارة المصرحة بان الاولى حجته والثانية عقوبة عليه، فالفساد في المقام فساد حقيقي كما هو الظاهر من الروايات فلا دليل على وجوب الاتمام، ومع ذلك يعتبر الفصل بين العمرة الصحيحة والعمرة الفاسدة بالعرض عملا

[ 90 ]

بالروايات كالعمرتين الصحيحتين. واما الثاني: وهو الجماع بعد السعي، فيقع الكلام تارة في الكفارة واخرى في فساد العمرة. اما الكفارة فلا اشكال في ثبوتها ولا فرق بين قبل السعي وبعده كما هو الحال في عمرة المتعة قبل التقصير بل بالتقصير تسقط الكفارة واما التقصير في العمرة المفردة فلا اثر له لثبوت طواف النساء فيها ولا تحل له النساء قبل طواف النساء وان قصر. وبالجملة: قد تسالموا على ثبوت الكفارة ولكن لم يذكروا له دليلا. والذي يمكن ان يستدل له - ولم ار من تعرض إليه - صحيح على بن جعفر الدال على وجوب البدنة قبل طواف النساء على الرجل إذا واقع امرأته قبل طواف النساء ونحوه جميع الروايات الدالة على ثبوت الكفارة عليه قبل طواف النساء (1) فانه لم يرد في هذه الروايات طواف النساء للحج بل موردها مطلق يشمل كل من عليه طواف النساء سواء في العمرة المفردة أو في الحج، بل يلتزم بوجوب الكفارة إذا طاف ثلاثة اشواط ثم جامع وبعدمها إذا جامع بعد خمسة اشواط كما في معتبرة حمران بن اعين (2). فان المأخوذ في هذا الحكم من كان عليه طواف النساء وهو مطلق باعتبار الحج والعمرة المفردة. وهل تفسد عمرته بالجماع بعد السعي كما كانت تفسد بالجماع قبل السعي ام لا؟ المعروف عدمه.


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 7 وغيره. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

[ 91 ]

[ (مسألة 224): من احل من احرامه إذا جامع زوجته المحرمة وجبت الكفارة على زوجته، وعلى الرجل ان يغرمها والكفارة بدنة (1). ] واستشكل في المدارك والحدائق في الحكم بالصحة، بدعوى انه لا دليل على الصحة في خصوص المقام، وما دل على الصحة انما هو في عمرة المتعة إذا جامع بعد السعي ولم يقصر ولا يشمل العمرة المفردة. وفيه: ان ما ذكراه من اختصاص الروايات الدالة على الصحة بعمرة التمتع صحيح، ولكن لا تحتاج في الحكم بالصحة إلى نص خاص بل الفساد يحتاج إلى النص لان الحكم بالصحة مقتضي الاصل، اي اصالة عدم اخذ ما يحتمل دخله في الصحة في الواجبات كما هو الحال في سائر الواجبات التي يحتمل مانعية شئ لها، فالاطلاقات كافية. وبالجملة: ادلة الصحة وان كانت مختصة بعمرة التمتع ولكن الحكم بالصحة في العمرة المفردة يكفي فيه عدم الدليل فلا نحتاج إلى دليل خاص. ويمكن ان يكون التقييد بقبل السعي في الروايات - وان كان في كلام السائل - فيه اشعار بعدم الفساد بعد السعي وإلا فلا يبقى وجه للتقييد ولا موجب له. فكأن عدم الفساد بعد السعي كان امرا مغروسا في اذهانهم ولذا كانوا يسألون عن الجماع قبل السعي والطواف. (1) إذا احلت المرأة وكان الرجل محرما فجامعها يجب عليه الكفارة سواء كانت مكرهة أو مطاوعة لاطلاق ما دل على ثبوت الكفارة على المحرم إذا جامع وليس على المرأة شئ لعدم الموجب.

[ 92 ]

وإذا احل الرجل وواقع المحرمة وجبت الكفارة على زوجته وعلى الرجل ان يغرمها كما في صحيحة أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله (ع) رجل احل من احرامه ولم تحل امرأته فوقع عليها قال: عليها بدنة يغرمها زوجها) (1). وصاحب الوسائل (قدس سره) اخذ عنوان الاكراه في الباب وليس في الرواية ما يدل على ذلك فلا مناص الا من الاخذ باطلاق الصحيحة من حيث كون الزوجة مكرهة أو مطاوعة، ولا مانع من التعبد بهذه الرواية في خصوص هذا المورد ونلتزم بوجوب الكفارة على الزوجة وغرامة الرجل، نظير ما إذا واقع المولى المحل امته المحرمة، فالزوجة المكرهة عليها البدنة غاية الامر غرامتها على الزوج. وهل يتعدى إلى كل محل ومحرمة ولو كان محلا من اصله أو يختص بمن احل من احرامه؟ الظاهر هو الاختصاص لان الحكم على خلاف القاعدة فيقتصر على مورد النص، ولذا لو كانت المرأة محرمة ولم يكن الزوج احرم بل كان محلا من الاول فطاوعت المرأة فلا دليل على الغرامة، بل القاعدة تقتضي ثبوت الكفارة عليها، نعم إذا كانت مكرهة ليس عليها شئ لعموم الاكراه. وثبوت الكفارة على الزوج المكره يحتاج إلى دليل خاص ومجرد الاكراه لا يوجب كون الكفارة عليه، وانما له موارد خاصة ثبت بادلة خاصه منها ما إذا اكره الزوج الصائم زوجته الصائمة؟. والحاصل الحكم في المقام مختص بالمورد المذكور وهو ما إذا كان الزوج محرما اولا ثم احل وجامع زوجته المحرمة سواء كانت مطاوعة ام مكرهة، واما إذا كان الرجل غير محرم اصلا فالحكم على القاعدة


(1) الوسائل: باب 5 كفارات الاستمتاع ج 1.

[ 93 ]

[ (مسألة 225): إذا جامع المحرم امرأته جهلا أو نسيانا صحت عمرته وحجه، ولا تجب عليه الكفارة وهذا الحكم يجري في بقية المحرمات الآتية التي توجب الكفارة، بمعنى ان ارتكاب اي عمل على المحرم لا يوجب الكفارة، إذا كان صدوره من ناشئا عن جهل أو نسيان (1). ] كما عرفت. (1) جميع ما ذكرناه من الاحكام المترتبة على الجماع من الكفارة وفساد الحج والعمرة واتيان الحج أو العمرة في السنة القادمة أو الشهر القادم يختص بصورة العلم والعمد، واما إذا كان جاهلا بالتحريم أو كان ناسيا عن احرامه أو صدر منه خطاء صحت عمرته وحجه ولا يجب عليه شئ للروايات الكثيرة الواردة في باب الاحرام منها صحيحة زرارة المتقدمة (1) ولصحيح عبد الصمد الوارد فيمن كان محرما وعليه قميصه وكان جاهلا فحكم (ع) بصحة حجه وانه ليس عليه شئ ثم قال: (ع) (اي رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ) (2). وربما يقال: بعدم شمول هذه الروايات الجماع قبل السعي في العمرة المفردة نظير قواطع الصلاة فانها توجب بطلان الصلاة ولو صدرت خطاءا أو جهلا. وحديث الرفع انما يرفع الاثار المترتبة على


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب الاستمتاع ح 9 وباب 2 من أبواب كفارات الاستمتاع. (2) الوسائل: باب 45 من أبواب تروك الاحرام ح ح 3.

[ 94 ]

[ ويستثنى من ذلك موارد: 1 - ما إذا نسى الطواف في الحج وواقع اهله، أو نسي شيئا من السعي في عمرة التمتع وجامع اهله، أو قلم اظفاره بزعم انه محل فأحل لاعتقاده الفراغ من السعي، وما إذا أتى أهله بعد السعي وقبل التقصير جاهلا بالحكم. 2 - من امر يده على رأسه أو لحيته عبثا فسقطت شعرة أو شعرتان. 3 - ما إذا دهن عن جهل، يأتي جميع ذلك في محالها. ] الفعل المنافي من الكفارة ونحوها ولا يوجب صحة العمل المأتي به الفاقد للشرط أو الواجد لمانع من الموانع، ولذا لو ترك جزءا من اجزاء الواجب، أو أتى بقاطع من القواطع ولو جهلا لا يحكم بصحة عمله وصلاته بحديث الرفع، ووجب الاعادة والقضاء من آثار عدم الاتيان بالمأمور به لا من آثار الاتيان بالمنافي، ولذا لم يستشكل أحد في انه لو اضطر احد إلى التكلم في صلاته تبطل وان كان لا يحرم عليه التكلم لحديث الرفع فصحة العمل لا تثبت بالحديث. والجواب: ان ما ذكر وان كان وجيها في نفسه من حيث الكبرى ولكن لا مانع من اثبات الصحة في المقام بخصوصه، والوجه في ذلك ان المستفاد من الروايات كون وجوب البدنة لفساد العمرة وإذا فرضنا ارتفاع الوجوب بحديث الرفع فالفساد يرتفع أيضا لارتفاع اللازم بارتفاع الملزوم.

[ 95 ]

وبعبارة اخرى: الفساد المرتفع ليس هو الفساد المطلق بل المرتفع الفساد الذي يوجب الكفارة. وبالجملة: محرمات الاحرام سواء كانت جماعا أو غيره انما يترتب عليها شئ في صورة العلم والعمد، واما في صورة الجهل بالحكم أو النسيان أو الخطاء فلا شئ على المحرم للرويات العامة الخاصة. نعم: يستثنى من ذلك موارد سيأتي جميع ذلك في محالها ان شاء الله تعالى.

[ 96 ]

[ 3 - تقبيل النساء - (مسألة 226): لا يجوز للمحرم تقبيل زوجته عن شهوة فلو قبلها وخرج منه المني عليه كفارة البدنة أو جزور، وكذلك إذا لم يخرج منه المني على الاحوط، واما إذا لم يكن التقبيل عن شهوة فكفارته شاة (1). ] (1) يستفاد حرمة تقبيل الزوجة عن شهوة من الروايات الواردة في كيفية الاحرام كقوله (ع) في صحيحة معاوية بن عمار في حديث (احرم لك شعري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والثياب والطيب) (1) فان المستفاد من هذه الكلمات حرمة مطلق الاستمتاع بجميع اعضائه وعدم اختصاصها بالعضو الخاص، فجميع ما يستمتع به حرام لا خصوص الجماع المختص ببعض الاعضاء بل الاحرام يجري بالنسبة إلى جميع الاعضاء، وكذا يستفاد التحريم من روايات الاحلال وان المحرم إذا حلق يحل له كل شئ إلا النساء والطيب وما ورد انه تحرم عليه النساء ما لم يطف طواف النساء (2). فان المستفاد من هذه النصوص ان الممنوع مطلق الاستمتاع بالنساء حتى التقبيل، وانما يحل له كل ذلك بعد الحلق وطواف النساء.


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 13 و 14 من أبواب الحلق والتقصير.

[ 97 ]

ويؤيد ذلك ما ورد في النظر إلى المرأة عن شهوة على ما سيأتي فيعلم ان جميع انواع الاستمتاع محرمة فان النظر اقل افراد الاستمتاع فإذا حرم حرم غيره بالاولوية القطعية. ويؤكد ذلك أيضا منع الرحل انزال امرأته من المحمل وضمها بشهوة كما في صحيح سعيد الاعرج (1). وبالجملة: لا خلاف في كون المحرم ممنوعا من جميع انواع الاستمتاعات بالنساء، هذا من حيث الحكم التكليفي. واما من حيث الحكم الوضعي ووجوب الكفارة ففي بعض الروايات انها بدنة كصحيحة الحلبي (قلت: فان قبل، قال: هذا اشد ينحر بدنة (2)، وفي بعض آخر (ومن قبل امرأته على شهوة فامنى فعليه جزور) (3). كصحيحة مسمع ومن ثم اطلق بعضهم ولم يقيده بالامناء كالمحقق في الشرايع وبعض قيد وجوب البدنة بالامناء حملا للمطلق على المقيد، واحتطنا احتياطا وجوبيا في المتن في وجوب البدنة وان لم يخرج منه المني وهو في محله ان لم يكن اقوى، والوجه في ذلك: ان حمل المطلق وهو رواية الحلبي على المقيد وهو خبر مسمع وان كان مما يقتضيه القاعدة ومقتضاه وجوب الجزور فيما إذا أمنى بعد التقبيل، والبدنة والجزور شئ واحد وانما سمي الجزور بدنة لسمنه وكبر جثته، ولكن التقييد في المقام بعيد جدا لامرين. احدهما: ان ترتب الامناء على مجرد التقبيل عن شهوة نادر جدا


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (2) و (3) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 و 3.

[ 98 ]

[ (مسألة 227): إذا قبل الرجل بعد طواف النساء امرأته المحرمة فالاحوط ان يكفر بدم شاة (1). ] فحمل الرواية على هذه الصورة حمل على الفرد النادر. ثانيهما: لو قيدنا التقبيل في صحيح الحلبي بالامناء ينافي صدر الرواية لان مقتضى الصدر ثبوت الكفارة على المس بشهوة فقال: فيه دم شاة ثم سأله عن القبلة فقال: هذا اشد ينحر بدنة ومقتضاه ان التقبيل في نفسه اشد ولو حملناه على صورة الامناء فلازمه اشديته لاجل الامناء لا لاشدية نفس القبلة مع ان الظاهر ان التقبيل بنفسه اشد فلو كان في التقبيل وحده بدون الامناء شاة لكان حكمه متحدا مع الصدر مع ان الظاهر حكمه يختلف عن الصدر لكونه اشد في نفسه عن المس، فالحكم بالبدنة أو جزور ان لم يكن اقوى فلا ريب في كونه احوط. واما التقبيل بلا شهوة فعليه دم شاة كما ورد في صحيح مسمع. (1) يدل على ذلك روايتان: الاولى: ما رواه الشيخ عن زرارة في حديث انه سأل أبي جعفر (ع) عن رجل قبل امرأته، وقد طاف طواف النساء ولم تطف هي قال: عليه دم يهريقه من عنده) (1). الثانية: ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع)، ومضمونها لا يختلف عن الاولى ولكن الاولى ضعيفة


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 7.

[ 99 ]

[ - 4 - مس النساء (مسألة 228): لا يجوز للمحرم ان يمس زوجته عن شهوة، فان فعل ذلك لزمه كفارة، فإذا لم يكن ] بعلي بن السندي الواقع في السند واما الثانية فهي صحيحة سندا (1) ولا مانع من العمل بها والافتاء بمضمونها فيكون المقام نظير الرجل المحل إذا جامع زوجته المحرمة من ثبوت الكفارة عليها ولكن على الرجل ان يغرمها وكذا المولى المحل إذا جامع امته المحرمة إلا انه مع ذلك احتطنا في المتن ولم نفت بمضمونها وذلك، لشذوذ الرواية واعراض الاصحاب باجمعهم عنها ونحن وان لم نر الاعراض مسقطا للحجية ولكن ذلك في اعراض المشهور لا في الاعراض المطبق واعراض الجميع بحيث لم يفت احد من الاصحاب بمضمونها اصلا فان ذلك يوجب سقوط الرواية عن الحجية. على انه لا موجب للكفارة في المقام اصلا ولا يقاس بجماع المحل زوجته المحرمة وذلك لان الجماع محرم عليهما فإذا احل الزوج فالحرمة باقية بالنسبة إلى المرأة المحرمة، وهذا بخلاف التقبيل فان الحرمة ثابتة على الرجل المحرم فقط، اما تقبيل المرأة المحرمة زوجها فليس فيه شئ لاختصاص النصوص المانعة بتقبيل الرجل المحرم زوجته والكفارة تترتب على تقبيل الرجل المحرم، ولا تثبت في تقبيل المرأة المحرمة زوجها. فإذا خرج الرجل من الاحرام واحل من كل شئ فلا مانع له من التقبيل، فلابد من رد علم هذه الرواية إلى اهلها، وقد عرفت انه لم يفت احد فيما نعلم بمضمونها.


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2.

[ 100 ]

[ المس عن شهوة فلا شئ عليه (1). ] (1) يدل على حرمة مس الزوج زوجته عن شهوة ما تقدم من الروايات الدالة على حرمة مطلق الاستمتاع بالنساء وطيا وتقبيلا، ولمسا ونظرا بشهوة (1). ويستفاد ذلك أيضا من عدة روايات. منها: صحيحة الحلبي (المحرم يضع يده على أمرأته قال: لا بأس قلت: فينزلها من المحمل ويضمها إليه، قال: لا بأس، قلت: فانه اراد ان ينزلها من المحمل، فلما ضمها إليه ادركته الشهوة قال: ليس عليه شئ إلا ان يكون طلب ذلك) (2). ومنها: صحيح سعيد الاعرج انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينزل المرأة من المحمل فيضمها إليه وهو محرم فقال: لا بأس إلا ان يتعمد، وهو احق ان ينزلها من غيره) (3). والضم ونحوه من مصاديق المس. واما إذا كان المس عن غير شهوة فلا يحرم ولا كفارة عليه، فالعبرة بالمس عن شهوة فان كان عن شهوة فلا يجوز وعليه الكفارة وان لم يكن عن شهوة فيجوز وليس عليه الكفارة ويدل على كلا الحكمين صحيح مسمع أبي سيار، (قال: قال لي أبو عبد الله (ع): يا ابا سيار ان حال المحرم ضيقة (إلى ان قال): ومن مس امرأته


(1) الوسائل: باب 13 و 14 من أبواب الخلق؟ والتقصير. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 5. (3) الوسائل: باب 13 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

[ 101 ]

بيده وهو محرم على شهوة فعليه دم شاة..... ومن مس امرأته أو لازمها من غير شهوة فلا شئ عليه) (1). ومقتضى اطلاقه عدم الفرق في الفرضين بين الامناء وعدمه فان قوله: (ومن مس امرأته. الخ) يشمل مالو تعقب ذلك الامناء أم لا. واما ما في بعض الروايات من تقييد المس بالامناء كما في صحيح معاوية بن عمار (وان حملها أو مسها بشهوة فامنى أو أمذى فعليه دم) (2) فانه بالمفهوم يدل على عدم ثبوت الكفارة في صورة عدم الامناء فيقيد اطلاق صحيح مسمع المتقدم. ففيه: ما عرفت في باب التقبيل من ان المس بصورة الانزال يستلزم الحمل على الفرد النادر فان قل ما يتفق الانزال بعد التقبيل أو مجرد المس عن شهوة فلابد من رفع اليد من التقييد. ويؤيد ما ذكرنا ذكر الامذاء في صحيح معاوية بن عمار مع انه لا يترتب عليه اي اثر شرعي فقوله (ع): (فامنى أو امذى) في حكم ما إذا قال امني أو لم يمن فيكون مطابقا لمدلول صحيح مسمع. بل قد صرح بالاطلاق وعدم الفرق بين الامناء وعدمه في صحيح محمد بن مسلم، قال: (ان كان حملها أو مسها بشئ من الشهوة فامنى أو لم يمن امذى أو لم يمذ فعليه دم يهريقه) (3) فقد جعل فيه موضوع الحكم مجرد المس عن شهوة فالعبرة بالمس عن شهوة سواء امني أو لم يمن. فلا كلام في دلالة الرواية على هذا الحكم.


(1) و (2) الوسائل: باب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 3 و 1. (3) الوسائل: باب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 6.

[ 102 ]

[ - 5 النظر إلى المرأة وملاعبتها (مسألة 229): إذا لاعب المحرم امرأته حتى يمني ] واما من حيث السند فقد رويت بطرق ثلاثة: الاول: ما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم عن على بن أبي حمزة عن حماد عن حريز عن محمد بن مسلم، وهذا الاسناد ضعيف جدا لوجود علي بن أبي حمزة البطائني فيه وهو الكذاب المشهور. الثاني: ما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم وهو أيضا ضعيف لوجود علي بن احمد بن عبد الله بن احمد بن أبي عبد الله عن ابيه في الطريق وهما لم يوثقا. الثالث: ما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم عن عبد الرحمن عن علاء عن محمد بن مسلم وهذا الطريق صحيح ورجاله ثقات واما عبد الرحمن فهو مردد بين عبد الرحمن بن سيابة، و عبد الرحمن أبي نجران والظاهر انه عبد الرحمن بن أبي نجران لرواية موسى بن قاسم عنه ورواية عبد الرحمن عن علاء واما عبد الرحمن بن سيابة وان يروي عنه موسى ابن القاسم، ولكن هو لا يروي عن علاء. فتحصل: ان العبرة بالمس عن شهوة امني أو لم يمن. واما إذا كان المس من غير شهوة فلا شئ عليه وان امني، ويدل على ذلك، صحيح معاوية بن عمار المتقدم (وان حملها من غير شهوة فامنى أو امذى وهو محرم فلا شئ عليه) (1) وصحيح محمد بن مسلم المتقدم (فان حملها أو مسها لغير شهوة فامنى أو أمذى فليس عليه شئ) (2).


(1) و (2) الوسائل: باب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 و 6.

[ 103 ]

[ لزمته كفارة بدنة (1)، وإذا نظر إلى امرأة اجنبية عن شهوة أو غير شهوة فامنى وجبت عليه الكفارة وهي بدنة أو جزور على الموسر، وبقرة على المتوسط، وشاة على الفقير، واما إذا نظر إليها - ولو عن شهوة - ولم يمن فهو وان كان مرتكبا لمحرم الا انه لا كفارة عليه (2). ] (1) من لاعب امرأته امني يجب عليه مثل ما على المجامع، من الكفارة لصحيح ابن الحجاج قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يعبث باهله وهو محرم حتى يمني من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما؟ قال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (1) وقد تقدم ان كفارة الجماع بدنة مع اليسر ومع العجز عنها شاة كما في صحيح ابن جعفر (2)، ولكن لم نتعرض لهذا التفصيل في المتن لان غرضنا كان اثبات كفارة بدنة عليه في الجملة ولم نذكر فرض العجز عنها، كما ان الفقهاء أيضا صنعوا كذلك، ومنهم المحقق في الشرايع فانه (قده) ذكر (وكذا اي يجب عليه الجزور) لو امني عن ملاعبة) ولم يتعرض لفرض العجز عن البدنة. (2) النظر قد يكون إلى الاجنبية وقد يكون إلى الزوجة، والنظر إلى الاجنبية قد يترتب عليه الامناء وقد لا يترتب عليه، وقد يكون النظر إلى كل منهما عن شهوة أو عن غير شهوة.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 16.

[ 104 ]

اما النظر إلى الاجنبية فالعبرة بالنظر الذي يكون سببا للامناء فإذا لا فرق بين ما إذا كان عن شهوة أو غير شهوة، والكفارة مخيرة بين جزور وبقرة فان لم يجد فشاة كما هو الظاهر من صحيح زرارة (عن رجل محرم نظر إلى غير اهله فانزل، قال: عليه جزور أو بقرة، فان لم يجد فشاة) (1) ولكن في معتبرة أبي بصير ورد فيها الترتيب، قال: قلت لابي عبد الله (ع): (رجل محرم نظر إلى ساق امرأته فامنى، فقال: ان كان موسرا فعليه بدنة، وان كان وسطا فعليه بقرة، وان كان فقيرا فعليه شاة، ثم قال: اما اني لم اجعل عليه هذا لانه امني إنما جعلته عليه لانه نظر إلى ما لا يحل له) (2) فتكون مقيدة لصحيحة زرارة المتقدمة ونرفع اليد عن ظهور صحيحة زرارة في التخيير بصراحة هذه في الترتيب. وأيضا ورد في حسنة معاوية بن عمار (في محرم نظر إلى غير اهله فانزل، قال: عليه دم لانه نظر إلى غير ما يحل له) (3) فان اطلاق الامر بالدم يقيد بما في معتبرة أبي بصير، فالنتيجة هي الترتيب كما في المتن استنادا إلى رواية أبي بصير، واما تشخيص كون المحرم موسرا أو وسط الحال أو كونه فقيرا فهو موكول إلى العرف. ثم ان المذكور في الرواية المتقدمة انما جعل الكفارة عليه للنظر المحرم لا للامناء، والظاهر ان مرادهم (ع) ان الحكم بالكفارة لم يجعل لمجرد الامناء بل للامناء المترتب على النظر المحرم فموضوع الحكم بوجوب الكفارة النظر المنتهى إلى الامناء لا الامناء فقط ولو كان خاليا عن النظر


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع حديث 1 و 2 و 5.

[ 105 ]

[ (مسألة 230): إذا نظر المحرم إلى زوجته عن شهوة ] المحرم ولا النظر المحرم وحده، وبالجملة: ليس معنى الرواية ان مجرد ارتكاب الحرام يوجب الكفارة بل معناها: ان النظر المحرم المترتب عليه الامناء يوجب الكفارة، يدل على ما ذكرنا صحيحة معاوية بن عمار (في محرم نظر إلى غير اهله فانزل، قال: عليه دم لانه نظر إلى غير ما لا يحل له، وان لم يكن انزل فليتق الله ولا يعد، وليس عليه شئ) (1) فانها تدل صريحا على ان النظر المحرم المجرد عن الامناء لا يوجب عليه شيئا اي كفارة وان ارتكب امرا محرما لقوله (ع) فليتق الله ولا يعد. ثم انه ربما يقال بان هذه الرواية لم تكن عن الامام (ع) بل ولا هي مضمرة وانما هي رواية عن نفس معاوية بن عمار فلا تصلح للحجية. وفيه ما لا يخفى: فان المطمئن به ان هذه الرواية من تتمات رواية معاوية بن عمار الاخرى التي ذكر فيها حكم النظر إلى الزوجة فانهما بسند واحد وهو من التعليق على السند الاول، والتقطيع انما صدر من الكليني وذكرهما في باب واحد (2)، وقد التزم الكليني في خطبة الكتاب ان لا يروي في الاحكام والسنن إلا عن الصادقين (عليهم السلام) فكيف يروي عن معاوية بن عمار رأيه وقوله مع التزامه في الكتاب ان لا يروي إلا عن الائمة عليهم السلام.


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 5. (2) الكافي: ج 4 ص 375 و 377.

[ 106 ]

[ فامنى وجبت عليه الكفارة، وهي بدنة أو جزور واما إذا نظر إليها بشهوة ولم يمن، أو نظر إليها بغير شهوة فامنى فلا كفارة عليه (1). ] (1) النظر إلى الزوجة إذا لم يكن عن شهوة ولم يكن موجبا فخروج المني فلا اشكال فيه اصلا، وقد دلت عليه النصوص الدالة على جواز ضمها وانزالها من المحمل ونحو ذلك وكذا يدل عليه صحيح الحلبي (1). واما إذا كان عن شهوة فامنى فلا ريب في الحرمة وثبوت الكفارة عليه، ويدل على الحرمة ما دل من النصوص على حرمة جميع الاستمتاعات بالنساء كقوله (ع): (احرم لك شعري وبشري ولحمي من النساء والثياب إلى آخر الدعاء) فان المستفاد من هذه العبارة حرمة مطلق الاستمتاع بالزوجة ويدل عليها أيضا ملازمة ثبوت الكفارة للحرام في خصوص المقام، فانه وان لم نقل بالملازمة بين الامرين في هذا المقام ولكن لابد من الالتزام بها في خصوص المقام، وذلك لان الكفارة في المقام ثابتة وهي جزور كما في صحيحة مسمع وبدنة كما في صحيحة معاوية بن عمار وهما شئ واحد على ما عرفت، والمستفاد من صحيحة أبي بصير المتقدمة ان الحكم بالكفارة انما جعل لاجل ارتكاب الحرام وهو النظر إلى ما لا يحل له، فيستكشف من ذلك ان النظر


(1) الوسائل: باب 83 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 2.

[ 107 ]

عن شهوة مع الامناء محرم شرعا. واما إذا نظر إليها بشهوة ولم يمن فمحرم شرعا أيضا لما دل على حرمة مطلق الاستمتاع بالنساء، ولكن لا كفارة عليه لمفهوم قوله: في صحيحة أبي سيار (ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فامنى عليه جزور) ومفهومه من نظر إليها بشهوة ولم يمن فليس عليه جزور، وكذلك يدل على ذلك مفهوم ذيل صحيح معاوية بن عمار (في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزلها بشهوة حتى ينزل، قال: عليه بدنة) فان المفهوم من ذلك ان لم ينزل ليس عليه شئ. واما عدم ثبوت الكفارة في مورد النظر عن غير شهوة فيدل عليه صدر صحيح معاوية بن عمار (عن محرم نظر إلى امرأته فامنى أو امذى وهو محرم، قال: لا شئ عليه ولكن ليغتسل ويستغفر ربه) وقد حمله الشيخ على صورة عدم الشهوة وهو الصحيح وإلا لكان منافيا للذيل (في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزلها بشهوة حتى ينزل، قال: عليه بدنة) فمدلول صدر الصحيحة ان من نظر إلى امرأته بلا شهوة ليس عليه شئ وان سبقه المني بلا اختيار، ومدلول الذيل ان من نظر إليها بشهوة عليه بدنة فالذيل قرينة قطعية على ان المراد بالصدر النظر إلى الزوجة بلا شهوة، ويستفاد عدم ثبوت الكفارة للنظر بلا شهوة من مفهوم قوله: (ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور) كما في صحيحة أبي سيار. فتحصل: ان النظر إذا كان عن شهوة واستعقب المني فمحرم شرعا وعليه الكفارة وان كان النظر عن شهوة بلا امناء فمحرم شرعا ولا كفارة عليه وان لم يكن عن شهوة وامني بلا اختيار فجائز ولا

[ 108 ]

كفارة عليه ايضا. وربما يقال: بان قوله: (ويستغفر ربه) كما في صحيح معاوية ابن عمار يدل على حرمة النظر وان لم يكن عن شهوة لان الاستغفار ظاهر في ارتكاب المعصية وإلا فلا مورد للاستغفار. وفيه: ما يظهر من استعمال الاستغفار في القرآن والروايات والادعية المأثورة عن الائمة (ع) عدم اعتبار ارتكاب الذنب في الاستغفار بل يصح الاستغفار في كل مورد فيه حزازة ومرجوحية وان لم تبلغ مرتبة الذنب والمعصية ولو بالاضافة إلى صدور ذلك من الانبياء والائمة فانهم ربما يرون الاشتغال بالمباحات والامور الدنيوية منقصة ويعدونه خطيئة وقد ورد الاستغفار في كثير من الآيات الكريمة في موارد لا يمكن فيها ارتكاب المعصية كقوله تعالى: مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله) فسبح بحمد ربك واستغفره) وقوله تعالى: وظن داود انما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا واناب) وقول نوح (رب اغفر لي) وكذلك قول سليمان (وقال رب اغفر لي وهب لي ملكا). وبالجملة: المستفاد من الاستغفار الوارد في الكتاب العزيز والروايات الشريفة والادعية المأثورة عدم لزوم ارتكاب الذنب في مورد الاستغفار، بل قد يتعلق بالذنب وقد يتعلق بغيره مما فيه حزازة ومرجوحية، (بل قد ورد الامر بالاستغفار في مورد النسيان الذي لا يكون ذنبا كصحيح زرارة باب 4 - بقية كفارات الاحرام - ح 1). ثم ان صاحب الوسائل ذكر في عنوان باب السابع عشر من كفارات الاستمتاع ثبوت الكفارة في النظر بشهوة إلى زوجته فامنى


(1) و (2) و (3) و (4) النصر - ص الآية 24، نوح 28 - ص 35.

[ 109 ]

أو لم يمن، وقد عرفت انه لا دليل على ثبوت الكفارة في صورة النظر بشهوة ولا امناء، وانما تترتب الكفارة على المس بشهوة امني أو لم يمن فالحاق النظر بالمس مما لا وجه له اصلا. فتلخص: ان مقتضى صحيح معاوية بن عمار، وصحيح أبي سيار ثبوت الكفارة وهي بدنة أو جزور على من نظر إلى زوجته بشهوة فامنى، وبازائهما موثق اسحاق بن عمار الدال على انه ليس عليه شئ (في محرم نظر إلى امرأته بشهوة فامنى، قال: ليس عليه شئ) (1) وقد حمله الشيخ على السهو ونسيان الاحرام دون العمد، ولكنه بعيد لان الظاهر ان السؤال عن المحرم بما هو محرم وملتفت إلى احرامه لا ذات المحرم وشخصه. وذكر في الجواهر (2) ان الموثق لا يقاوم ما دل على ثبوت الكفارة من وجوه، ولم نعرف الوجوه التي كانت في نظره الشريف. والصحيح ان يقال: ان الموثقة مهجورة ومتروكة عند جميع الاصحاب وقد تسالموا على عدم العمل بها ولا ريب ان ذلك يسقط الرواية عن الحجية وان لم نلتزم ذلك في اعراض المشهور. والذي اطمئن به شخصيا صدور هذه الموثقة تقية ولم أر من تنبه لذلك والوجه في ذلك انه يظهر من ابن قدامه في المغني عند تعرضه (3) لهذه المسألة شهرة القول بعدم الكفارة عند فقهاء العامة، حيث ينسب القول بثبوت الكفارة إلى ابن العباس فقط، ونسب القول بالعدم إلى


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 7. (2) الجواهر: ج 20 ص 388. (3) المغني ج 3 ص 329 - 330 ط دار الكتاب العربي - بيروت.

[ 110 ]

[ (مسألة 231): يجوز استمتاع المحرم من زوجته في غير ما ذكره على الاظهر، الا ان الاحوط ترك الاستمتاع منها مطلقا (1). 6 - الاستمناء (مسألة 232): إذا عبث المحرم بذكره فامنى فحكمه ] الاحناف والشافعية، ولم يتعرض لازاء بقية الفقهاء، فيكشف ذلك شهرة القول بالعدم عند العامة، فالرواية صادرة تقية، ولا اقل من ان هذا القول يشبه فتاويهم فتسقط الرواية عن الحجية. (1) ان المذكور في الروايات المانعة عن الاستمتاع بالزوجة النظر بشهوة والملاعبة والمس والتقبيل وفي بعضها وجبت الكفارة ولو كان عن غير امناء وفي بعضها الكفارة إذا كان مع الامناء كالنظر فالمحرم شرعا هذه الاستمتاعات، واما غير ذلك من الاستمتاعات كالاستلذاذ بصوتها أو من مجالستها والتكلم معها فالظاهر عدم الحرمة، فانه وان قلنا بحرمة الاستمتاع من النساء على الاطلاق إلا انه منصرف إلى المذكور في الروايات والاستمتاع بالصوت ونحوه خارج عن تلك الادلة. ويؤكد ما ذكرنا: ان بقية الاستمتاعات كانت امرا متعارفا عند الناس ومع ذلك لم يسئلوا عنها الامام (ع) ومن الواضح ان حرمة الاستمتاع بالصوت لم تكن امرا واضحا بحيث لا يحتاج إلى السؤال ولم يكن اوضح من التقبيل والنظر. وبالجملة: عدم السؤال عن حكم بقية الاستمتاعات المتعارفة يكشف عن جوازها وإلا لوقع السؤال عنها كما سئلوا عن المذكورات في النصوص.

[ 111 ]

[ حكم الجماع، وعليه فلو وقع ذلك في احرام الحج قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت الكفارة، ولزم اتمامه واعادته في العام القادم، كما انه لو فعل ذلك في عمرته المفردة - قبل الفراغ من السعي - بطلت عمرته ولزمه الاتمام والاعادة على ما تقدم، وكفارة الاستمناء كفارة الجماع ولو استمنى بغير ذلك كالنظر والخيال وما شاكل ذلك فامنى لزمته الكفارة، ولا تجب اعادة حجه ولا تفسد عمرته على الاظهر، وان كان الاولى رعاية الاحتياط (1). ] (1) لا ريب في ان الاستمناء يوجب الكفارة حتى لو قلنا بان الاستمناء جائز في نفسه وكفارة الاستمناء كفارة الجماع. يدل عليه صحيح عبد الرحمن المتقدم (عن رجل يعبث باهله وهو محرم حتى يمنى من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما؟ قال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع) (1). فان المستفاد منه ان الامناء الاختياري موجب للكفارة وان كفارته مثل ما على المجامع في باب الحج والصوم لا لخصوصية الملاعبة وانما ذكر خصوص الملاعبة من باب المثال وانها من اسباب خروج المني، فان الظاهر ان السؤال والجواب ناظران إلى جهة الامناء لا إلى نفس الملاعبة، كما هو الحال في الصحيحة الواردة في كتاب الصوم (عن الرجل يعبث باهله في شهر رمضان حتى يمنى، قال: عليه من الكفارة


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

[ 112 ]

[ 7 - عقدة النكاح (مسألة 233): يحرم على المحرم التزويج لنفسه، أو لغيره، سواء أكان ذلك الغير محرما أم كان محلا، ] مثل ما على الذي يجامع) (1). فان المستفاد منه ان الاستمتاع مفطر وموجب للكفارة ولا خصوصية العبث باهله ولذا ذهب الفقهاء إلى ان الاستمناء في نفسه مفطر ومما يوجب الكفارة. وبالجملة: المستفاد من الصحيحين ان الامناء مما يترتب عليه الحكم بالكفارة في باب الصوم والحج ولا خصوصية للملاعبة الموجبة للامناء ونظير ذلك ما ذكرناه في ميراث المتوارثين إذا ماتا ولم يعلم السابق واللاحق فان النصوص وان وردت في الغرقى والمهدوم عليه ولكن الحكم بالتوارث بينهما لا يختص بالغرقى والمهدوم عليه بل يجري في كل مورد لم يعلم السابق واللاحق منهما ولو ماتا بسبب غير الغرق والهدم كالقتل في معركة القتال واصطدام السيارة وسقوط الطائرة ونحو ذلك لعموم التعليل الوارد في النصوص وان الميزان عدم العلم بسبق موت احدهما على الآخر فان الظاهر ان السؤال ناظر إلى هذه الجهة ولا خصوصية للغرق والهدم. فالمتفاهم من النص إلى الميزان في الحكم بالكفارة هو طلب الامناء باي نحو ومن اي سبب كان ولو بالنظر والتفكر والخيال وما شاكل ذلك، نعم لو طلب الامناء بالعبث بيده عليه كفارة المجامع والحج من قابل كما في النص (2).


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

[ 113 ]

[ وسواء أكان التزويج تزويج دوام ام كان تزويج انقطاع ويفسد العقد في جميع هذه الصور (1). ] (1) لا خلاف بين الاصحاب في حرمة تزويج المحرم لنفسه أو لغيره محلا كان الغير أو محرما كما لا خلاف في فساده، ويدل عليه النصوص اظهرها صحيح ابن سنان، (ليس للمحرم ان يتزوج ولا يتزوج وان تزوج أو زوج محلا فتزويجه باطل) (1) من دون فرق بين التزويج الدائم أو المنقطع، لصدق التزوج على كليهما، كما لا فرق في الحكم بالبطلان بين العلم والجهل، كما إذا جهل بطلان العقد حال الاحرام أو نسي احرامه لاطلاق النص. ثم ان الصحيحة المتقدمة التي ذكرناها انما هي على طبق ما نقله في الوسائل من العطف بالواو في قوله: (وان تزوج إلى الآخر) فحينئذ يحتمل ان يكون تأكيدا لما قبله فتكون الرواية صدرا وذيلا دالة على الحكم الوضعي اي الفساد فلا دلالة في الصحيحة على تحريم التزويج إلا ان نسخة الوسائل غلط جزما، فان الجملة الثانية معطوفة على الجملة الاولى بالفاء قال: (فان تزوج) كما في التهذيب في الطبعة القديمة والجديدة (2) وفي الفقيه (3) وفي الاستبصار (4) فتكون دلالة الصحيحة على التحريم اظهر من العطف بالواو لان العطف بالواو وان يحتمل فيه


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) التهذيب: ج 5 ص 328. (3) الفقيه: ج 2 ص 230. (4) الاستبصار: ج 2 ص 193.

[ 114 ]

التأكيد، واما العطف بالفاء كما في الكتب الثلاثة فلا يمكن فيه التأكيد لان الظاهر من الفاء هو التفريع ولا معنى للتفريع على نفسه فإذا اريد من الجملة الاولى اي قوله: (ليس للمحرم) البطلان فلا معنى لقوله ثانيا وان زوج فتزويجه باطل، بل الصحيح ان المراد بقوله: (ليس للمحرم) هو التحريم ثم فرع عليه فان تزوج فباطل نظير تفريع بطلان النكاح بالمحرمات على حرمة النكاح بهن. وإذا وكل احدا في التزويج فزوجه الوكيل حال الاحرام بطل لان فعل الوكيل فعل الموكل نفسه، نعم لو زوجه بعد الخروج من الاحرام فلا اشكال فيه لان الممنوع التزويج حال الاحرام لا التوكيل في حال الاحرام، ولو انعكس الامر بان وكله في حال الحلال وزوجه في حال الاحرام بطل لان فعل الوكيل فعل نفس الموكل فكان الموكل بنفسه تزوج في حال الاحرام. ولو عقد له فضولي واجاز الزوج حال الاحرام بطل، لان التزويج يستند إليه بالاجازة حال الاحرام، ولو اجاز بعد الاحرام فلا مانع من صحة التزويج، اما على النقل فالامر واضح، لان الزوجية تحصل بعد الاحرام ومجرد الانشاء الصادر من الفضولي حال احرام المعقود له غير ضائر لعدم شمول ادلة المنع له لعدم صدق التزويج عليه، بل انشاء للتزويج، وكذا على الكشف المختار، لان التقدم للمتعلق وإلا فنفس الزوجية حاصلة حال الاجازة وبعد الاحرام فانه من الآن يتزوج وان كانت الزوجية تحصل من السابق، ولو انعكس الامر بان عقد له الفضولي حال احلال المعقود له ولكنه اجازه بعد الدخول في الاحرام يفسد على كل تقدير اما النقل فواضح واما على الكشف فكذلك

[ 115 ]

[ (مسألة 234): لو عقد المحرم أو عقد المحل للمحرم امرأة ودخل الزوج بها وكان العاقد والزوج عالمين بتحريم العقد في هذا الحال فعلى كل منهما كفارة بدنة وكذلك على المرأة ان كانت عالمة بالحال (1). (مسألة 235): المشهور حرمة حضور المحرم مجلس العقد والشهادة عليه، وهو الاحوط، وذهب بعضهم إلى ] لان الحكم بالتزويج وحصول الزوجية من زمان الاجازة الواقعة في حال الاحرام وان كان المتعلق سابقا. واما حصول الحرمة الابدية فقد تعرضنا له مفصلا في كتاب النكاح في فصل المحرمات الابدية. (1) ولو كانت محلة، ويدل على جميع ما ذكر في المتن معتبرة سماعة عن أبي عبد الله (ع) قال: (لا ينبغي للرجل الحلال ان يزوج محرما وهو يعلم انه لا يحل له، قلت: فان فعل فدخل بها المحرم فقال: ان كانا عالمين فان على كل واحد منهما بدنة، وعلى المرأة ان كانت محرمة بدنة، وان لم تكن محرمة فلا شئ عليها إلا ان تكون هي قد علمت ان الذي تزوجها محرم، فان كانت علمت ثم تزوجت فعليها بدنة) (1). وموردها وان كان عقد المحل، ولكن لا نحتمل اختصاص الحكم بالمحل، بل ذكره من باب ذكر اخفى الافراد، فمعنى الرواية


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب تروك الاحرام ح 10.

[ 116 ]

[ حرمة اداء الشهادة على العقد السابق أيضا، ولكن دليله غير ظاهر (1). (مسألة 236): الاحوط ان لا يتعرض المحرم لخطبة ] ان تزويج المحرم شرعا حتى إذا كان العقد محلا. (1) الشهادة قد يراد بها الشهادة في مقام التحمل التي دل عليه قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا). وقد يراد بها الشهادة في مقام الاداء كما اشار إليها في قول الله عزوجل: (ومن يكتمها فانه آثم قلبه) ثم ان العرف السائد في ذلك الوقت كان على اقامة الشهادة عند التزويج بل العامة يرون اعتبارها، وقد ورد في مرسلين المنع عن حضور المحرم مجلس العقد وعدم تحمله له، ففي احدى المرسلين (قال: المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يشهد) وفي مرسلة اخرى (في المحرم يشهد على نكاح محلين قال: لا يشهد) (1). وبما انهما مرسلتين لا يمكن الاستناد اليهما وان ادعى الاتفاق على هذا الحكم ولذا كان المنع عن حضور المحرم مجلس العقد وتحمله له مبنيا على الاحتياط. واما اداء الشهادة في حال الاحرام على العقد السابق فلم يرد دليل على المنع بل قد يجب لاحقاق الحق ودفع الظلم واداء الشهادة غير داخل في المرسلتين المتقدمتين، فتحمل الشهادة اي الحضور في مجلس العقد ممنوع احتياطا للمرسلتين واما اداء الشهادة فلا يشمله المرسلتان.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب تروك الاحرام ح 7 و 5؟.

[ 117 ]

[ النساء، نعم لا بأس بالرجوع إلى المطلقة الرجعية، وبشراء الاماء، وان كان شراؤها بقصد الاستمتاع، والاحوط ان لا يقصد بشرائه الاستمتاع حال الاحرام، والاظهر جواز تحليل امته وكذا قبوله التحليل (1). 8 - استعمال الطيب (مسألة 237): يحرم على المحرم استعمال الزعفران والعود والمسك والورس والعنبر بالشم والدلك والاكل وكذلك لبس ما يكون عليه اثر منها، والاحوط الاجتناب ] (1) حرمة الخطبة لا دليل عليها إلا المرسل المتقدم على نسخة الكافي فانه زاد: (ولا يخطب) واما الرجوع إلى المطلقة الرجعية فلا بأس به لعدم صدق التزويج عليه وانما هو رجوع إلى الزوجية السابقة سواء كان الرجوع لرجوع الزوجية إلى ما بذلت في الطلاق الخلعي أو كان الرجوع ثابتا في نفسه بل ذكرنا مرارا ان المطلقة الرجعية زوجة حقيقة ولم تحصل البينونة إلا بعد انقضاء العدة وانما انشاء الطلاق يؤثر في البينونة بعد انقضاء العدة. واما شراء الاماء ولو بقصد الاستمتاع فلا دليل على المنع مضافا إلى الروايات الدالة على الجواز (1) والاحوط ان لا يقصد بشرائه الاستمتاع حال الاحرام بل يشتريها بقصد الخدمة أو التجارة ونحو ذلك. وكذا لا دليل على حرمة تحليل امته ولا قبوله التحليل لعدم صدق التزويج على كل ذلك.


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب تروك الاحرام.

[ 118 ]

[ عن كل طيب (1). ] (1) لا اشكال ولا خلاف بين المسلمين في حرمة استعمال الطيب في الجملة، والنصوص متضافرة بل متواترة، انما الكلام في امرين: الاول: في جنس الطيب، وان المنع هل يختص ببعض افراد الطيب أو يعم كل ما صدق عليه الطيب - هو كل جسم عد للانتفاع برائحته الطيبة - سواء بشمه أو الاكل أو وضعه على الثوب والجسد ونحو ذلك. لا ريب ان مقتضى اطلاق جملة من الروايات هو المنع عن استعمال مطلق ما صدق عليه الطيب فيشمل المنع حتى العطور الدارجة في هذه الازمنة. وبازائها ما خص المنع بامور اربعة أو خمسة، كصحيح معاوية بن عمار، فانه قد صرح في ذيله بان الممنوع انما هو اربعة اشياء، واما بقية افراد الطيب فغير محرم وانما هو مكروه. قال (ع): (وانما يحرم عليك من الطيب اربعة اشياء: المسك والعنبر؟ والورس (1) والزعفران، غير انه يكره للمحرم الادهان الطيبة إلا المضطر) (2). وفي معتبرة عبد الغفار قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (الطيب: المسك والعنبر والزعفران والورس) (3).


(1) الورس نبات كالسمسم ليس إلا باليمن يشبه سحيق الزعفران. (2) الوسائل: باب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 8. (3) الوسائل: باب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 16.

[ 119 ]

ورواها أيضا في الوسائل في آداب الحمام، ولكن ذكر العود بدل الورس (1) فيكون الورس مذكورا في صحيح معاوية بن عمار فقط والنتيجة أيضا المنع عن خمسة اشياء. وفي معتبرة أبن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (ع) قال: (الطيب: المسك والعنبر والزعفران والعود) (2). فتكون هذه الروايات الثلاثة المعتبرة مقيدة للروايات المطلقة، خصوصا صحيح معاوية بن عمار الذي صرح بالكراهة لبقية افراد الطيب وعدم الحرمة، فلابد من رفع اليد عن العمومات واختصاص الحكم بالتحريم بالمذكورات في الروايات الخاصة وتجويز بقية افراد الطيب سواء كان من الطيب المستعمل في تلك الايام أو في هذه الازمنة المسمى بالعطر كماء الورد وعطر الورد وعطر الرازقي والياس ونحو ذلك. بقي الكلام في اختلاف الروايات الخاصة من حيث اشتمال بعضها على الورس دون العود واشتمال بعضها الآخر على العود دون الورس وتكون بينها معارضة لان مقتضى صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة عبد الغفار اختصاص المنع بالمذكورات فيهما وجواز العود، ومقتضى صحيحة أبي يعفور جواز استعمال الورس واختصاص المنع بالثلاثة والعود ولكن التعارض بالظهور والصراحة وترفع اليد عن ظهور بعضها بصراحة الآخر، لظهور صحيحتي معاوية بن عمار و عبد الغفار في جواز استعمال العود لانه بالاطلاق وصحيح ابن أبي يعفور صريح في المنع عن العود كما ان الصحيحتين صريحتان في المنع عن الورس وصحيحة ابن أبي يعفور ظاهرة في جواز الورس فيرفع اليد عن ظهور


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 15. (2) الوسائل: باب 97 من أبواب آداب الحمام ح 2.

[ 120 ]

[ (مسألة 238): لا بأس باكل الفواكه الطيبة الرائحة كالتفاح والسفرجل، ولكن يمسك عن شمها حين الاكل (1) على الاحوط. ] البعض في الجواز بصراحة الآخر في المنع والنتيجة هي حرمة الخمسة نعم لا ريب ان الاحوط هو الاجتناب عن كل طيب. ايقاظ: لا يخفى ان الروايات الخاصة ليست في مقام حصر الطيب بالامور المذكورة فيها، وليس في مقام تفسير الطيب بالاربعة أو الخمسة لان الطيب لغة وخارجا غير منحصر بهذه الامور بل له افراد شائعة كثيرة غير المذكورات على انه ليس من شأن الائمة (عليهم السلام) مجرد بيان الافراد الخارجية وتفسير المفاهيم العرفية، بل الظاهر منهم (ع) انهم في مقام بين الحكم الشرعي، وان المنع منحصر بهذه الامور، وعليه فمقتضى الاطلاق هو المنع عن جميع الاستعمالات اكلا وشما ووضعا على الثوب والبدن، ولو بقرينة سائر الروايات. مضافا إلى ان حذف المتعلق في الروايات الخاصة يفيد العموم، فلا يختص التحريم بالشم أو بالدلك بل يعم جميع انواع الاستعمالات المعدة المقصودة لهذه الامور حتى الاكل، وقد صرح في بعض الروايات بالمنع من اكل شئ فيه زعفران (1). (1) يقع الكلام تارة في جواز اكل الفواكه الطيبة الرائحة، واخرى في جواز شمها.


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

[ 121 ]

اما الاول: فلا ينبغي الريب في جواز اكل ما فيه رائحة طيبة من الفواكه والنباتات والخضروات، ففي بعض الروايات المعتبرة صرح فيه بجواز اكل الاترج والتفاح والنبق وما طاب ريحه، وعلل في بعضها بان الاترج طعام ليس هو من الطيب (1)، فيعلم ان الممنوع ما كان عمدة فائدته والانتفاع به رائحته كالاجسام المعدة لذلك مثل العطور لا مثل الاترج والسفرجل والتفاح والنعناع والريحان والشاي الذي فيه رائحة ونكهة طيبة وما اشبه ذلك مما يطيب منه الاكل. فحرمة الاكل تختص بجنس الطيب كاكل ما فيه الزعفران ونحو ذلك. واما الثاني: فمقتضى صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة معاوية بن عمار عدم جواز الشم ولزوم الامساك على الانف، قال في الاول: (المحرم يمسك على انفه من الرائحة الطيبة) (2) وقال: في الثاني (وامسك على انفك من الرائحة الطيبة) (3) فان قلنا بان اصل استعمال الطيب وشمه منحصر بالخمسة فلا ريب في جواز شم المأكولات ذات الرائحة الطيبة إذ لا نحتمل ان شم المأكولات المعدة للاكل التي يطلب منها الاكل لا الاستشمام اشد حكما من ساير افراد الطيب والعطور غير الخمسة. وبعبارة اخرى: بناءا على حصر المنع بخمسة اشياء من افراد الطيب وجواز استعمال بقية افراد الطيب ولا نحتمل ان شم السفرجل أو التفاح اشد من شم عطر الرازقي فإذا جاز شم تلك العطور التي يطلب منها الشم يجوز شم السفرجل الذي يطلب منه الاكل.


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب تروك الاحرام. (2) و (3) الوسائل: باب 24 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 2.

[ 122 ]

وان لم نقل بالانحصار فمقتضى الصحيحين المتقدمين عدم جواز شم رائحة الفاكهة الطيبة حين الاكل، ولكن بازائهما ما دل على جواز اكل الاترج الذي له رائحة طيبة كموثق عمار (1) وقد علل فيه بان الاترج طعام ليس هو من الطيب، ولا ريب ان الاكل يلازم الاستشمام لقرب الانف بالفم فالحكم بالمنع عن الشم يختص بالطيب الممنوع ولا يشمل شم الاثمار الطيبة واما ما ورد عن ابن أبي عمير من جواز اكل الاثمار الطيبة كالاترج والتفاح والنبق ولكن يمسك على انفه حين الاكل (2) فهو مما افتى به ولا حجية له ومثله رواه عن الصادق (ع) ولكنها ضعيفة بالارسال، هذا مضافا إلى ان المستفاد من صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة الحاصرة المنع باربعة اشياء، جواز استشمام غير الطيب الذي يطلب منه الرائحة الطيبة كالفواكه والاثمار الطيبة المعدة للاكل، وذلك لان المذكور في صدر الصحيحة تحريم الطيب ومسه ثم ذكر في ذيل الصحيحة ان المحرم انما هو اربعة اشياء، فهي واضحة الدلالة على ان بقية الاجسام الطيبة يجوز اكلها وشمها، وان حرمة الشم وغيره من الاستعمالات تختص بالاربعة، فالمنع اكلا وشما مختص بالاربعة واما غيرها مما له رائحة طيبة فلا منع عنه لا اكلا ولا شما. ويؤكد ما ذكرنا ما ورد من جواز شم النباتات البرية مما له رائحة طيبة كالنصوص الدالة على جواز شم الاذخر والقيصوم والشيح والخزامي واشباهه (3) فيظهر منها ان الممنوع شم الطيب الذي يطلب منه الرائحة


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (2) الوسائل: باب 26 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 3. (3) الوسائل: باب 25 تروك الاحرام ح 1 وغيره.

[ 123 ]

الطيبة لاشم النباتات الطيبة ونحوها مما لا يطلب منه مجرد الرائحة الطيبة كالفواكه والاثمار الطيبة، فما ذكرناه في المتن من لزوم الامساك عن شمها حين الاكل مبني على الاحتياط. ثم ان صاحب الحدائق (ره) ذكر انه لابد من اضافة الريحان إلى الافراد المذكورة الممنوعة فيكون الممنوع ستة اشياء، وذلك لدلالة صحيحة عبد الله بن سنان وخبر حريز على تحريم الريحان، ففي صحيح عبد الله ابن سنان، (لا تمس الريحان وانت محرم) (1) ونحوه صحيح آخر له وفي خبر حريز (لا يمس المحرم شيئا من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به) (2). وانما عبرنا عنه بالخبر لعدم ثبوت كونه صحيحا فان الشيخ وان رواه بطريق صحيح عن حريز عن الصادق (ع) ولكن الكليني رواه عن حريز عمن اخبره عن الصادق (ع)، وذكرنا سابقا انه يبعد رواية حريز تارة مرسلا واخرى مسندا، فالرواية مرددة بين كونها مرسلة ومسندة فلا يمكن الاعتماد عليها والاستدلال بها فالتعبير عنه بالصحيح في غير محله وكون الكليني اظبط لا دخل له في المقام فان الرواية في نفسها مرددة بين كونها مرسلة ومسندة سواء كان الكليني اضبط أم لا. ويرد عليه اولا: انه لا نحتمل ان الريحان اشد من سائر افراد الطيب والعطور. وثانيا: ان قوله (ع): (واشباهه) في صحيحة معاوية بن عمار الدالة على جواز شم الاذخر والقيصوم والخزامي والشيح، يشمل الريحان


(1) و (2) الوسائل: باب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 10 و 11 و 3.

[ 124 ]

[ (مسألة 239): لا يجب على المحرم ان يمسك على انفه من الرائحة الطيبة حال سعيه بين الصفا والمروة، إذا كان هناك من يبيع العطور، ولكن الاحوط - لزوما - ان يمسك على انفه من الرائحة الطيبة في غير هذا الحال، ولا باس بشم خلوق الكعبة وهو نوع خاص من العطر (1). ] لانه من جملة النباتات التي لها رائحة طيبة فمدلول هذه الصحيحة جواز شم الريحان، فمقتضى الجمع بينها وبين صحيح عبد الله بن سنان هو الحمل على الكراهة. وثالثا: ان الاستدلال بصحيح ابن سنان للمنع عن الريحان، مبني على ان يكون الريحان اسما لنبات خاص مقابل النعناع وبقية الخضروات كما هو الشايع ولكن الريحان لغة اسم لكل نبات له رائحة طيبة ويجمع على (رياحين) وحاله حال الورد فالمراد به كل نبت ذي رائحة طيبة، فيحمل المنع عنه على الكراهة جميعا بينه وبين ما دل على جواز شم الشيح والقيصوم والاذخر ونحوهما من النباتات الطيبة. (1) يستثنى من حرمة شم الطيب امران: احدهما: شم الرائحة الطيبة حال سعيه بين الصفا والمروة، فانه في سالف الزمان كان سوق العطارين بين الصفا والمروة، فلا يجب عليه ان يمسك على انفه حال سعيه بين الصفا والمروة، كما لا يجب عليه الاسراع في المشي والسعي، ويدل على الجواز صحيح هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (ع) (قال: سمعته يقول: لا بأس بالريح

[ 125 ]

[ (مسألة 240): إذا استعمل المحرم متعمدا شيئا من الروايح الطيبة فعليه كفارة شاة على المشهور، وفي ثبوت الكفارة في غير الاكل اشكال، وان كان الاحوط التكفير (1). ] الطيبة فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين، ولا يمسك على انفه) (1). ثانيهما: خلوق الكعبة وهو نوع خاص من العطر مصنوع من الزعفران يطلى به الكعبة ويدل على ذلك الروايات المعتبرة (2). منها: صحيحة عبد الله بن سنان، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المحرم، قال: لا بأس ولا يغسله فانه طهور). (1) المعروف والمشهور عند الاصحاب ان استعمال الطيب اكلا وشما ودلكا يوجب كفارة شاة، ولكن دليله غير ظاهر، وانما الدليل خاص بالاكل واما في غيره من موارد الاستعمالات فلا دليل على ثبوت الكفارة فيه ففي صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: (من اكل زعفرانا متعمدا أو طعاما فيه طيب فعليه دم) (3). وفي صحيحة اخرى له: (أو اكل طعاما لا ينبغي له اكله وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ، ومن فعله متعمدا


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 21 من أبواب تروك الاحرام. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 126 ]

فعليه دم شاة) (1) فان اكل ما لا ينبغي له اكله يشمل اكل الطيب الممنوع له، ودعوى اختصاصه باكل الصيد لا وجه له. وقد يشكل في ثبوت الكفارة بشاة حتى في مورد الاكل لمعارضة ما دل على الشاة بما دل على ان من اكل خبيصا فيه زعفران يتصدق بدرهم، ففي معتبرة الحسن بن هارون، عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: اكلت خبيصا فيه زعفران حتى شبعت وانا محرم قال: إذا فرغت من مناسكك واردت الخروج من مكة فاشتر بدرهم تمرا ثم تصدق به يكون كفارة لما اكلت، ولما دخل عليك في احرامك مما لا يعلم) (2) والرواية معتبرة على بعض طرقها. والجواب: ان ذيل الخبر شاهد على انه انما اكل الخبيص ناسيا لقوله: (يكون كفارة لما اكلت، ولما دخل عليك في احرامك مما لا تعلم) ويتصدق بشئ لانه فعل ما لا يعلم وادخل في احرمه ما لا يعلم بكونه ممنوعا له، ولا بأس بالحمل على الاستحباب في صورة الجهل أو النسيان. وبالجملة: لا دليل على ثبوت الكفارة في غير الاكل سوى دعوى الاجماع ولم يثبت. وربما يستدل لثبوت الكفارة في غير الاكل أيضا بروايتين: الاولى: صحيحة معاوية بن عمار (في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج، قال: ان كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، وان


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 127 ]

كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه) (1). وفيه: ان الرواية اجنبية عن المقام لان البنفسج ليس من الطيب وانما السؤال عن التدهين وهو محرم آخر سيأتي البحث عنه. الثانية: رواية علي بن جعفر المروية في قرب الاسناد عن اخيه موسى بن جعفر (ع) (قال: لكل شئ جرحت من حجك فعليه (فعليك) فيه دم يهريقه (تهريقه) حيث شئت) (2) فانها تدل على ان جميع المخالفات وارتكاب تروك الاحرام يوجب الشاة وعموم ذلك يشمل استعمال الطيب اكلا وشما ودلكا واطلاءا. والجواب اولا: ان الرواية ضعيفة سندا لما ذكرنا غير مرة ان عبد الله بن الحسن وان كان شريفا نسبا ولكنه لم يوثق في كتب الرجال. وثانيا: ان الاستدلال بها مبني على ان تكون النسخة (جرحت) يعني ارتكاب ما لا ينبغي فعله في الحج من اتيان المحرمات ولكن النسخة مختلفة ففي بعضها (خرجت) والمعنى إذا خرجت من حجك واكملت الاعمال وكان عليك دم يجوز لك ان تذبحه وتهريقه في اي مكان شئت ولا يجب عليك ان تذبحه في مكة أو منى، وسيأتي ان شاء الله تعالى ان كفارة الصيد تذبح في مكة أو منى واما بقية الكفارات فيذبحها اين شاء فالرواية ناظرة إلى مكان ذبح الكفارة، بل الرواية ناظرة إلى هذا المعنى حتى على نسخة (جرحت) (بالجيم) فيكون المعنى انه جرحت بشئ فيه دم تهريقه في اي مكان شئت وقوله: (فيه دم) تتمة للجملة الاولى، وهي قوله: لكل شئ جرحت.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5.

[ 128 ]

والحاصل، لا دليل على ثبوت الكفارة في غير الاكل، وانما الكفارة بالشاة ثابتة في مورد الاكل خاصة. بقي الكلام فيما ربما يتوهم معارضة ما دل على وجوب الشاة في مورد الاكل بما دل على كفاية التصدق بشئ كما في جملة من الروايات. والجواب: ان روايات التصدق لم ترد في خصوص الاكل بل وردت في مطلق الاستعمال، فما دل على وجوب الكفارة بشاة يخصص روايات التصدق فالنتيجة لزوم الشاة في الاكل والتصدق بشي في غير الاكل. هذا مضافا إلى ان روايات التصدق غير تامة سندا ودلالة على سبيل منع الخلو، منها صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة الحاصرة بالاربعة فان الظاهر من قوله: (ومن ابتلى بشئ من ذلك فليعد غسله، وليتصدق بقدر ما صنع) انه انما ارتكب ذلك نسيانا لا متعمدا لان المتحصل من قوله: (ومن ابتلى) هو النسيان إذا المتعمد لا يطلق عليه انه ابتلى بشئ فيحمل الامر بالتصدق على الاستحباب فان الجاهل أو الناسي ليس عليهما شئ، على ان قوله: (فليعد غسله) مشعر بالاستحباب فان نفس غسل الاحرام مستحب في نفسه وكذا اعادته بعد ارتكاب المحرمات. مضافا إلى ان الترخيص اختيارا لبقية العطور غير الاربعة يلازم عدم وجوب الكفارة عرفا. وبما ذكرنا يظهر الجواب عن خبر حريز الوارد في الريحان لظهور قوله: (فمن ابتلى بذلك فليتصدق بقدر ما صنع قدر سعته) في صورة الجهل أو النسيان فان الابتلاء بشئ انما يصح اطلاقه في موارد الجهل

[ 129 ]

والنسيان كما ذكرنا فيحمل الامر بالتصدق على الاستحباب لما دل بالادلة العامة والخاصة على عدم ثبوت شئ في مورد الجهل مضافا إلى ما عرفت من ضعف السند. ومنها: معتبرة الحسن بن زياد العطار، عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: الاشنان فيه الطيب اغسل به يدي وانا محرم؟ فقال إذا اردتم الاحرام فانظروا مزاودكم فاعزلوا الذي لا تحتاجون إليه وقال تصدق بشئ كفارة للاشنان الذي غسلت به يديك) (1) والرواية معتبرة على مسلكنا ورجالها ثقات حتى معلى بن محمد فانه من رجال كامل الزيارات، والظاهر انها واردة في مورد الجهل أو النسيان فان الجهل أو النسيان وان لم يصرح به في الرواية لا في السؤال ولا في الجواب ولكن يدل عليه قوله: فانظروا مزاودكم فاعزلوا الذي لا تحتاجون إليه فانه ظاهر في مورد الابتلاء بذلك نسيانا، وإلا لو كان مع العمد لا فرق بين العزل وعدمه فأمره بالعزل لئلا ينسى ويشتبه عليه الامر ويستعمل الطيب نسيانا. ومنها: ما رواه الصدوق عن الحسن بن زياد قال: قلت لابي عبد الله (ع): (وضأني الغلام ولم اعلم بدستشان فيه طيب فغسلت يدي وانا محرم فقال: تصدق بشئ لذلك) (2). ولكن يمكن اتحادهما مع الرواية الاولى وان الحسن بن زياد العطار هو الراوي في كليهما وموردها الجهل وعدم العلم فيحمل التصدق على الاستحباب.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 8. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 4.

[ 130 ]

[ (مسألة 241): يحرم على المحرم ان يمسك على انفه من الروائح الكريهة، نعم لا بأس بالاسراع في المشي للتخلص من ذلك (1). ] وقيل: ان كلمة (دستشان) مصحف الاشنان، كما قيل انه معرب (دست شو) وكلاهما بعيد، بل الظاهر ان الكلمة الفارسية بمعناها الاصلي اي الايدي والمعنى ولم اعلم بايديهم فيها طيب، وقد تستعمل الكلمات الفارسية في الروايات كقوله: في الروايات المكاسب (بده ودوازده) و (بده يازده) (1). واما السند ففي بعض النسخ الحسين بن زياد وهو ممن لم يوثق وان كان الحسن بن زياد، فان اريد به الحسن بن زياد الصيقل فطريق الصدوق إليه صحيح عندنا لوجود علي بن الحسين السعد آبادي فيه وهو غير مصرح بالتوثيق ولكنه من رجال كامل الزيارات، إلا ان الصيقل نفسه لم يوثق، وان أريد به الحسن بن زياد العطار المعروف فطريق الصدوق إليه مجهول لم يذكره في المشيخة، وما ذكره جامع الرواة ان طريقه إليه كطريقه إلى الحسن بن زياد الصيقل سهو من قلمه فان المذكور في المشيخة الحسن بن زياد الصيقل لا العطار. (1) كما يجب عليه الامساك من مطلق الروائح الطيبة أو عن امور


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب احكام العقود ح 3 و 4 ج 12.

[ 131 ]

معينة، يحرم عليه الامساك على انفه من الروائح الكريهة للنص (1). نعم: لا بأس بالاسراع في المشي للتخلص لان الممنوع امساك الانف لا الاسراع في المشي.


(1) الوسائل: باب 24 من أبواب تروك الاحرام.

[ 132 ]

[ 9 - (لبس المخيط للرجال) (مسألة 242): يحرم على المحرم ان يلبس القميص والقباء والسروال والثوب المزرور مع شد ازراره والدرع وهو كل ثوب يمكن ان تدخل فيه اليدان، والاحوط الاجتناب عن كل ثوب مخيط (1) بل الاحوط الاجتناب عن كل ثوب يكون مشابها للمخيط كالملبد الذي تستعمله الرعاة، ويستثنى من ذلك الهميان وهو ما يوضع فيه النقود للاحتفاظ بها ويشد على ] (1) المعروف بين الاصحاب قديما وحديثا حرمة لبس المخيط للرجال بل عن التذكرة والمنتهى اجماع العلماء كافة عليه، بل ظاهر المشهور عدم الفرق بين كون الخياطة قليلة أو كثيرة، وصرح بعضهم كالشهيد في الدروس بانه لا دليل على حرمة لبس المخيط بعنوان انه مخيط قال: لم اقف إلى الآن على رواية بتحريم عين المخيط انما نهى عن اثواب خاصة كالقميص والقباء والسراويل. والذي يمكن ان يستدل به لحرمة المخيط بعنوانه احد أمرين: احدهما: دعوى الاجماع، ولكن الجزم به مشكل، إذ لا يمكن دعوى الاجماع التعبدي الكاشف لرأي المعصوم، وعلى فرض ثبوته يؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو الثياب العادية المخيطة كالقباء والسروال والقميص.

[ 133 ]

ثانيهما: ان الثياب الخمسة المذكورة في الروايات انما ذكرت من باب المثال لان المتعارف خصوصا في تلك الازمنة لبس هذه الامور فالممنوع في الحقيقة هو مطلق المخيط ولا خصوصية بالمذكورات في النصوص. والجواب ان هذا بعيد جدا لان الظاهر من الروايات انحصار التحريم بهذه الثياب، القميص، والقباء والسروال والثوب المزرور والدرع بل صرح في بعض الروايات المعتبرة ان المحرم يلبس كل ثوب إلا ثوب يتدرعه. والصحيح ان يقال: ان الرويات الدالة على حرمة لبس الثياب على قسمين: الاول: مادل على حرمة لبس مطلق الثياب كالروايات الواردة في كيفية الاحرام الدالة على الاحرام من النساء والثياب والطيب (2) والروايات الدالة على تجريد الصبيان من فخ إذا احرم بهم وليهم والآمرة بالتجرد في ازار ورداء (3). وكذا يستفاد حرمة لبس مطلق الثياب مما دل على تعدد الكفارة إذا لبس المحرم ضروبا من الثياب (عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها، قال: عليه لكل صنف منها فداء) (4) فيعلم من ذلك ان مطلق الثوب ممنوع ولكل صنف منه فداء، ولو كنا نحن وهذه


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب تروك الاحرام ح 5. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 18 من أبواب المواقيت ح 1. (4) الوسائل: باب 9 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 134 ]

[ الظهر أو البطن، فان لبسه جائز وان كان من المخيط، وكذلك لا بأس بالتحزم بالحزام المخيط الذي يستعمله المبتلى بالفتق لمنع نزول الامعاء في الانثيين، ويجوز للمحرم ان يغطي بدنه ما عدا الرأس باللحاف ونحوه من المخيط حالة الاضطجاع للنوم وغيره. ] الروايات لقلنا: بحرمة لبس مطلق الثياب ويتم ما ذكره المشهور. ولكن بازاء هذا القسم الثاني: وهو ما دل على حرمة لبس الثياب خاصة كالقميص وانه لابد من نزعه، وانه إذا لبسه بعدما احرم اخرجه مما يلي رجليه، وان لبسه قبل ان يلبي اخرجه من رأسه (1)، والقباء وانه إذا اضطر إليه يلبسه مقلوبا (2)، والسروال (3)، والثوب المزرور وإذا اضطر إلى لبسه يلبسه منكوسا (4)، والمدرعة أو الدرع وهو كل ثوب يمكن ان تدخل فيه اليدان (5)، ومنه قول أمير المؤمنين عليه السلام (6) (لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها) والمدرع، والمدرعة واحد هو ثوب يلبس فوق القميص وفوق الثياب


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب تروك الاحرام ح 2 و 3. (2) الوسائل: باب 44 من أبواب تروك الاحرام. (3) الوسائل: باب 50 من أبواب تروك الاحرام. (4) الوسائل: باب 35 من أبواب تروك الاحرام. (5) الوسائل: باب 35 و 36 من أبواب تروك الاحرام. (6) نهج البلاغة: ج 2 ص 76 الخطبة 155.

[ 135 ]

وله كم قد يدخل اللابس يده فيه، ولا يبعد صدقه على العباء المتعارف والقابوط، والسترة. وكذا لا يبعد صدق القباء على الجبة، بل هي نوع من القباء، بل يمكن صدق المدرعة عليها، وكذا يلحق بالسروال التبان، بالضم، وهو سراويل صغير يستر من السرة إلى الركبة، والكلمة فارسية معربة تنبان. وبالجملة: المستفاد من هذه الروايات حصر المنع بهذه الثياب وبهذه العناوين الخاصة خصوصا قوله: (ع) في صحيح زرارة (يلبس كل ثوب إلا ثوبا يتدرعه) (1) فلا بأس بلبس الثوب الذي لم يصدق عليه هذه العناوين الخاصة ولو كان مخيطا كما إذا لبس ثوبا خاصا تحت ثيابه لاجل جذب العرق ولم يكن مزرورا ولم يكن له كم وإلا لصدق عليه القميص، فالممنوع لبس هذه العناوين الخاصة مخيطة كانت ام لا فإذا لم يصدق احد هذه العنواين على الثوب لا بأس بلبسه وان كان مخيطا خصوصا إذا كانت الخياطة قليلة فالحكم بحرمة لبس المخيط على اطلاقه مبنى على الاحتياط. واما غير المخيط فان صدق عليه احد هذه العنواين فلا يجوز لبسه أيضا كالملبد أو كالمنسوج الذي لا خياطة فيه، واما إذا لم يصدق عليه احد العناوين المذكورة فلا مانع من لبسه لعدم صدق القميص أو القباء عليه ولعدم كونه مخيطا على الفرض. فالمدار في التحريم بصدق احد هذه العناوين وان لم يكن مخيطا. ثم ان المراد بالثوب المزرور هل هو المزرور الفعلي الذي شد


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب تروك الاحرام ح 5

[ 136 ]

ازراره أو ما كان له ازرار وان لم يشده؟ يظهر مما دل على جواز لبس الطيلسان ان المدار بشد الازرار فان لم يشده لا مانع من لبسه ففي صحيح الحلبي (عن المحرم يلبس الطيلسان المزرور؟ فقال: نعم، وفي كتاب علي (عليه السلام) لا تلبس طيلسانا حتى ينزع ازراره، فحدثني أبي انه انما كره ذلك مخافة ان يزره الجاهل فاما الفقيه فلا بأس ان يلبسه) (1) والطيلسان ثوب من صوف أو سداه منه ملبد أو منسوج وهو خال عن الخياطة والتفصيل يلبسه العلماء والمشايخ وهو تعريب تالشان. والظاهر من النص جواز لبس الطيلسان اختيارا إذا لم يزره فلا وجه لما عن بعضهم من جواز لبسه حال الضرورة كما صرح بالجواز حال الضرورة صاحب الوسائل في عقد الباب، وحكي عنه التصريح بذلك صاحب الحدائق ولكن في الطبعة الحديثة كلمة الضرورة غير مذكورة، والظاهر انه غلط مطبعي أو سهو من الناسخ وقد يستدل بروايات جواز لبس الطيلسان على الجواز لبس الثوب إذا كانت خياطته قليلة لاشتمال الطيلسان على الخياطة. وفيه: ان المراد بالثوب المخيط ما خيط بعض الثوب بالبعض الآخر منه في قبال الملبد والمنسوج واما مجرد التصاق الزر بالثوب ولو بالخيط فلا يوجب صدق عنوان المخيط عليه بل جواز لبس هذا النوع من الثوب المشتمل على هذا المقدار من الخياطة، مما تقتضيه القاعدة لعدم المقتضى للمنع لعدم صدق المخيط فلا تحتاج في الحكم بالجواز إلى دعوى وجود المانع عن الحكم بالحرمة وهو جواز لبس الطيلسان.


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب تروك الاحرام ح 2 و 3.

[ 137 ]

والحاصل: لو قلنا بأن الممنوع هو لبس المخيط، فلا ريب في جواز لبس الثوب الذي خيط ازراره، لعدم صدق المخيط عليه، ولا حاجة في الحكم بجواز لبسه إلى روايات الطيلسان. يبقى الكلام في شد العمامة والهميان على الظهر، أما شد الهميان فيدل على جوازه عدة من الروايات. منها: معتبرة يونس، قال، (قلت: لابي عبد الله (ع) المحرم يشد الهميان في وسطه؟ فقال: نعم، وما خيره بعد نفقته) ونحوها غيرها (1) والحكم متسالم عليه عند الفقهاء حتى إذا قلنا بأن الممنوع هو لبس المخيط، واما إذا قلنا بعدم تمامية الاجماع على المنع من المخيط وانحصار المنع بالثياب الخاصة، فالجواز طبق القاعدة والرواية مؤكدة واما شد ما يسمى (بالفتق بند) فكذلك جائز لعدم المقتضي للمنع وعدم شمول الاجماع المدعى على منع لبس المخيط له فان المتيقن منه هو لبس الالبسة المتعارفة، ولشمول التعليل الوارد في الهميان له بالاولوية لانه إذا جاز لبس الهميان للتحفظ على النفقة حتى يتمكن من اداء الحج فلبس الفتق بند اولى بالجواز لانه بدونه لا يتمكن من اداء الحج. واما شد العمامة على وسطه وبطنه فقد منع عنه في بعض النصوص كما في صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) (في المحرم يشد على بطنه العمامة؟ قال: لا، ثم قال: كان أبي يشد على بطنه المنطقة التي


(1) الوسائل باب 47 من أبواب تروك الاحرام ح 4 وغيره، وفي صحيح يعقوب عن المحرم يصر الدراهم في ثوبه، قال: نعم ويلبس المنطقة والهميان، وفي الوسائل يصير الدراهم وهو غلط والصحيح ما ذكرناه كما في الكافي

[ 138 ]

فيها نفقته يستوثق منها، فانها من تمام حجه) (1) وجوزه في بعض آخر كما في صحيح عمران الحلبي، عن أبي عبد الله (ع) قال: (المحرم يشد على بطنه العمامة وان شاء يعصبها على موضع الازار ولا يرفعها (إلى صدره) (2) والجمع العرفي يقتضي الحكم بالكراهة. وذكر صاحب الحدائق (3) انه يمكن حمل البطن في الصحيحة أبي بصير على الصدر، جمعا بين الخبرين، فان ظاهر هذه الصحيحة تحريم الشد على الصدر، لقوله: (ولا يرفعها إلى صدره) ويظهر ذلك من صاحب الوسائل أيضا لقوله (قدس سره): باب انه يجوز للمحرم ان يشد العمامة على بطنه على كراهة ولا يرفعها إلى صدره). ولكن الظاهر انه لا فرق بين الشد على البطن والصدر وقوله (ع): (ولا يرفعها إلى صدره) ليس جملة مستقلة بل تتمة للجملة الاولى والمعنى: ان شاء يعصبها على موضع الازار وان شاء ان لا يرفعها إلى صدره. ثم ان الممنوع انما هو لبس مطلق المخيط، أو لبس الثياب الخاصة واما افتراش المخيط والتغطية به والتلحف به ونحو ذلك فلا بأس بذلك لعدم صدق اللباس وعدم صدق لبس الثياب الخاصة على ذلك بشرط ان لا يغطي به رأسه.


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (2) الوسائل: باب 72 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (3) الحدائق: ج 15 ص 441.

[ 139 ]

[ (عقد الازار) (مسألة 243): الاحوط ان لا يعقد الازار في عنقه بل لا يعقده مطلقا، ولو بعضه ببعض، ولا يغرزه بابرة ونحوها، والاحوط ان لا يعقد الرداء أيضا، ولا بأس بغرزه بالابرة وامثالها (1). ] (1) يقع الكلام تارة في عقد الازار واخرى في عقد الرداء. اما عقد الازار في عنقه فقد ورد النهي عنه في روايتين: الاولى صحيحة سعيد الاعرج، (انه سأل أبا عبد الله (ع) عن المحرم يعقد ازاره في عنقه؟ قال: لا) (1). الثانية: صحيح علي بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: المحرم لا يصلح له ان يعقد ازاره على رقبته، ولكن يثنيه على عنقه ولا يعقده) (2). وقد ذكرنا غير مرة ان طريق صاحب الوسائل إلى كتاب علي بن جعفر صحيح، لان طريقه يصل إلى طريق الشيخ وطريق الشيخ إلى الكتاب صحيح. واما دلالته على المنع فواضحة لان نفي الصلاح ظاهر في كونه غير قابل وغير صالح للامتثال به، وكذا رواية سعيد الاعرج ظاهرة في المنع عن عقد الازار لان سعيد الاعرج لا يسأل عن وجوب عقد الازار


(1) و (2) الوسائل: باب 53 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 5.

[ 140 ]

حتى يكون النفي راجعا إلى نفي الوجوب إذ لا نحتمل ان مثل سعيد الاعرج يسأل عن وجوب العقد بل سؤاله عن الجواز فيكون النفي واردا على الجواز فلا ريب ان مقتضى الصحيحتين عدم الجواز، ولكن المشهور بين الاصحاب هو الجواز، وقد صرح العلامة وغيره بجواز عقده ولذا يكون الحكم بالمنع عن عقد الازار مبنيا على الاحتياط الوجوبي هذا بالنسبة إلى عقد الازار. في العتق كما هو المتعارف فيما إذا كان الازار كبيرا واسعا. واما عقد الرداء في العنق (وان لم يكن امرا متعارفا في نفسه) فعن العلامة والشهيد عدم الجواز والتزما بالجواز في الازار، ولعل الوجه في المنع توهم ذكر الرداء بدل الازار في النص ولكنه ضعيف جدا لان المذكور في الصحيح هو الازار وهو المتعارف عقده. في العنق، ويمكن بعيدا ارادة الرداء من الازار كما هو المراد من ازار الميت ولا يراد منه المئزر، ولكن الازار في مقامنا مقابل الرداء والمراد به المئزر المعبر عنه بالفارسي ب (لنگ). وبالجملة: ما ذكره العلامة وغيره من جواز عقد الازار لا يساعده النص كما ان ما ذكروه من عدم جواز عقد الرداء لا دليل عليه. واما غرز المئزر فقد ورد النهي عنه في الاحتجاج المشهور لم يلتزموا بالمنع والنص ضعيف السند فالحكم بالمنع احتياطي. واما غرز الرداء فان لم يكن بنحو الرز كالابرة ونحوها فلا مانع منه لعدم الدليل على المنع ولم يقل احد بالتحريم. فالمتحصل: ان عقد الازار في العنق ممنوع، ولا اقل من كونه

[ 141 ]

احتياطا وجوبيا. واما عقده في غير العنق كغرزه بابرة ونحوها فممنوع على الاحتياط الاولى. واما الرداء فعقده في العنق ممنوع احتياطا، واما عقده في غير العنق وغرزه فلا اشكال قيه؟ ابدا، كما لا بأس بجعل المخيط غطاءا أو فراشا لعدم صدق اللباس على ذلك. تنبيه: لا يخفى ان الحكم بحرمة لبس المخيط مطلقا، أو حرمة لبس الثياب الخاصة، لا يفرق فيه بين اللبس أول الاحرام، أو في اثناء احرامه لان هذا العمل مبغوض يجب عليه ان لا يفعله، فلو نسي ولبس المخيط في الاثناء يجب عليه نزعه. ويدل عليه مضافا إلى نفس الاطلاقات المانعة عن اللبس، عدة من الروايات الواردة في خصوص لبس القميص، أو لبس ما لا ينبغي له لبسه، وبعضها يشتمل على التفصيل بين ما إذا لبسه قبل الاحرام فينزعه من رأسه ولا يشقه وبين ما إذا لبسه بعدما احرم فيشقه واخرجه مما يلي رجليه (1) كصحاح معاوية بن عمار وصحيحة عبد الصمد. ومقتضى اطلاق هذه الروايات عدم الفرق بين صورة الجهل وعدمها يعني سواء كان جاهلا بالحكم ام لا فيجب عليه النزع.


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 2 و 3 و 5.

[ 142 ]

[ (مسألة 244): يجوز للنساء لبس المخيط مطلقا عدا القفازين وهو لباس يلبس لليدين (1). ] وبعض الروايات وان وردت في مورد الجهل كصحيح عبد الصمد ولكن الحكم غير مقيد بالجهل. نعم: يظهر من خبر خالد بن محمد الاصم (1) اختصاص الحكم بالجهل لقوله: - بعدما حكم بالنزع من رأسه - (انما جهل). ولكن الخبر ضعيف سندا لان خالد بن الاصم مجهول ولا رواية له في الكتب الاربعة سوى هذه الرواية. (1) لا ينبغي الاشكال في اختصاص حرمة لبس المخيط أو الثياب الخاصة بالرجال واما المرأة فيجوز له لبس الثياب المخيطة. وتدل على ذلك عدة من الروايات (2). ومنها: الروايات المانعة عن لبس القفازين له وانها تلبس الثياب كلها إلا القفازين وفي بعض الروايات عطف الحرير على القفازين وهذا بحث آخر إذ قد وقع الخلاف في جواز لبس الحرير لها وعدمه إلا ان الروايات والاصحاب اطبقوا على جواز لبس انواع الثياب عدا القفازين. القفاز كرمان شئ يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد وقيل ان لهما أزرار تزر على الساعدين وقد تلبسهما للزينة، وفي بعض الروايات صرح بجواز لبس القميص لها (3) كما صرح في بعض آخر


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب تروك الاحرام ح 4. (2) و (3) الوسائل: باب 33 من أبواب الاحرام.

[ 143 ]

[ (مسألة 245): إذا لبس المحرم متعمدا شيئا مما حرم لبسه عليه فكفارته شاة، والاحوط لزوم الكفارة عليه، ولو كان لبسه للاضطرار (1) ] بجواز لبس السروال لها (1). (1) لو لبس المحرم المخيط أو الثياب الخاصة الممنوعة كان عليه كفارة دم شاة. وتدل عليه الروايات وفي بعضها إذا لبس المحرم القميص، وفى البعض الآخر إذا لبس ثوبا لا ينبغى له ان لبسه (2) والحكم متسالم عليه عند الفقهاء. انما الكلام فيما إذا لبسه اضطرارا كالبرد والمرض أو تقية كما إذا ترك الاحرام من وادى العقيق تقية من العامة، فهل عليه الكفارة ام لا؟. قد عرفت ان الجاهل والناسي ليس عليهما شئ للروايات العامة والخاصة واما المضطر فالمعروف والمشهور الحاقه بالعالم بل ادعى عليه الاجماع فان تم الاجماع فلا كلام ولكن الجزم به مشكل ولا يطمئن بكون الاجماع المدعي اجماعا تعبديا يكشف عن قول المعصوم (ع) بل يظهر من المجمعين انهم استندوا إلى الروايات كصحيح ابن مسلم (قال: سألت أبا جعفر (ع) عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب


(1) الوسائل: باب 50 من أبواب تروك الاحرام. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام.

[ 144 ]

من الثياب يلبسها، قال: عليه لكل صنف منها فداء) (1) وقد حملوا الحاجة على الاضطرار، والفداء كما يظهر من الروايات اخر دم شاة. وفيه: ان الحاجة اعم من الاضطرار لصدقها على الحاجة العرفية اي الغاية العقلائية وان لم تبلغ مرتبة الاضطرار فالرواية مطلقة من حيث الاضطرار وعدمه وكذا صحيحة زرارة مطلقة من حيث الضرورة وعدمها لقوله: (ومن فعله متعمدا فعليه دم) (2). وأما في خصوص مورد الاضطرار فقد دل حديث رفع القلم الوارد فيه الاضطرار على رفع الاثر أو اضطر إلى ذلك الشئ، فمقتضى الصناعة عدم ثبوت الكفارة في مورد الاضطرار إلى لبس المخيط كالجهل والنسيان، ولكن حيث ان المشهور ذهبوا إلى الوجوب في مورد الاضطرار فيكون الحكم به مبنيا على الاحتياط. ثم ان صاحب الجواهر (3) استدل لهم بقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) (4) والمراد بقوله تعالى: (نسك) دم شاة كما في النص (5) فدلت الآية على وجوب الدم لمن كان مريضا وهو من مصاديق الاضطرار وفيه ما لا يخفى، فان الآية اجنبية عن المقام بالمرة لو وردها مورد الاحصار


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 4. (3) الجواهر: ج 20 ص 404. (4) البقرة: الآية 196. (5) الوسائل: باب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام.

[ 145 ]

[ 10 - الاكتحال (مسألة 246): الاكتحال على صور: (1) 1 - ان يكون بكحل اسود، مع قصد الزينة وهذا حرام على المحرم قطعا، وتلزمه كفارة شاة على الاحوط الاولى. 2 - ان يكون بكحل اسود مع عدم قصد الزينة. 3 - ان يكون بكحل غير اسود مع قصد الزينة والاحوط الاجتناب ] وجواز الحلق في مكانه والاحلال إذا لم يقدر على الصبر وإلا فيصبر إلى ما بعد الذبح أو رد ذلك صاحب الجواهر. (1) المشهور هو حرمة الاكتحال بالسواد أو بما فيه طيب وعن الشيخ في الخلاف انه مكروه. والروايات الواردة في المقام على طوائف. الاولى: ما دل على عدم جواز الاكتحال مطلقا إلا لضرورة. منها: معتبرة عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد الله (ع) قال: (سأله رجل ضرير وانا حاضر فقال: اكتحل إذا احرمت؟ قال: لا، ولم تكتحل؟ قال: اني ضرير البصر وإذا انا اكتحلت نفعني، وان لم اكتحل ضرني، قال: فاكتحل) (1). الثانية: ما دل على الجواز مطلقا إلا لمانع آخر كوجود الطيب أو الزعفران فيه كمعتبرة هارون بن حمزة، عن أبي عبد الله (ع)


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 10.

[ 146 ]

[ في هاتين الصورتين، كما ان الاحوط الاولى التكفير فيهما 4 - الاكتحال بكحل غير اسود، ولا يقصد به الزينة ولا بأس به، ولا كفارة عليه بلا اشكال. ] (قال: لا يكحل المحرم عينيه بكحل فيه زعفران، وليكحل بكحل فارسي) (1) والطائفتان متعارضتان بالنفي والاثبات. وبازائهما طائفة ثالثة وهي روايات معتبرة دلت على جواز الكحل في بعض الاقسام وعدم جوازه في القسم الآخر، فتكون مقيدة لاطلاق الطائفتين المتقدمتين. فمنها: ما دل على عدم الجواز إذا كان الكحل اسود، وهو مدرك المشهور كصحيحة معاوية بن عمار (قال: لا يكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الاسود إلا من علة (2)، ومنها: ما دل على الجواز إذا كان للزينة، كصحيحة اخرى لمعاوية بن عمار (لا بأس بان تكتحل وانت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه فاما للزينة فلا) (3) وهما أيضا متعارضتان لان المستفاد من الاولى عدم الجواز بالكحل الاسود والجواز إذا كان غير اسود وان كان للزينة والمستفاد من الثانية عدم جواز الاكتحال للزينة وان كان غير اسود والجواز بالاسود إذا لم يكن للزينة، فالتعارض يقع بين عقد الايجاب من احدهما وبين عقد السلب من الآخر وإلا فلا منافاة


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 6 و 2 و 8.

[ 147 ]

بينهما بالنسبة إلى عقد الايجاب من كل منهما فان الاولى تقول بحرمة السواد والثانية تقول بحرمة الزينة ولا منافاة بين الامرين وحرمة كل منهما، وانما التنافي بين عقد الايجاب من احدهما للعقد السلبي من الآخر فان مقتضى الرواية الاولى حرمة الاكتحال بالسواد مطلقا سواء كان للزينة ام لا، ومقتضى العقد السلبي للثانية جواز الاكتحال لغير الزينة وان كان اسود، كما ان مقتضى العقد الايجابي للثانية حرمة الكحل للزينة ومقتضى العقد السلبي للاول جواز غير الاسود وان كان للزينة. وقد ذكرنا في الاصول في بحث المفاهيم انه إذا كان قضيتان شرطيتان دلتا على ثبوت شئ على تقدير وعدم الثبوت على تقدير آخر فقهرا تقع المعارضة بين المنطوق من احدهما ومفهوم الآخر كما في مثل إذا خفى الاذان فقصر وإذا خفى الجدران فقصر فإذا خفى الجدران ولم يخف الاذان يقع التعارض بين منطوق الجملة الثانية وبين مفهوم الجملة الاولى فان مقتضى اطلاق منطوق الجملة الثانية وجوب القصر سواء خفي الاذان ام لا ومقتضى اطلاق مفهوم الجملة الاولى عدم القصر سواء خفى الجدران ام لا. وربما يقال: يجب القصر عند خفائهما معا، ولكن لا موجب لذلك لان المعارضة ليست بين المنطوق ليرفع اليد عن اطلاق كل منهما بل المعارضة بين منطوق احدهما ومفهوم الآخر، فالصحيح ان يرفع اليد عن اطلاق كل منهما بتقييده بالآخر. والنتيجة: ان القصر يثبت بخفاء احدهما، وهذه الكبرى تنطبق على المقام أيضا فنقيد اطلاق مفهوم كل واحد من الروايتين ونرفع اليد عن اطلاق كل واحد منهما والمتحصل حرمة الاكتحال بالسواد أو للزينة.

[ 148 ]

ولكن هنا رواية معتبرة دلت على ان العبرة باجتماع الامرين معا السواد والزينة، وتكون اخص من جميع الروايات فتخصص الاسود بالزينة كما هو الغالب وكذلك تخصص الزينة بالاسود وهي صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: (تكتحل المرأة بالكحل كله إلا الكحل الاسود للزينة) ورواها الصدوق مرسلا (1) فان كان الاكتحال بالسواد لم تكن زينة كما إذا اكتحل بالليل عند النوم فلا اشكال، وكذا لو كان للزينة ولكن بغير الاسود. إلا ان الاحتياط في محله خصوصا في الاسود. فتحصل: ان الجمع بين الاخبار يقتضي حمل ما دل على النهي عن الاكتحال بالسواد على ما كان للزينة. واما لو اكتحل بغير الاسود ولا للزينة فلا اشكال في الجواز، بل لم ينسب القول بالحرمة إلى احد من الاصحاب فيه. ومن الغريب ما عن شيخنا الاستاذ في مناسكه حكمه بحرمة الاكتحال مطلقا. هذا كله بالنسبة إلى الحكم التكليفي من التحريم والجواز، واما بالنسبة إلى وجوب الكفارة فلم يذكر في الروايات لزوم الكفارة لهذا العمل بل صرح بعضهم بعدم الوجوب، والامر كما ذكروه. ولكن استدل بعضهم لوجوب الكفارة برواية علي بن جعفر المتقدمة (2) الدالة على ان ارتكاب كل خلاف يوجب الكفارة بناءا على نسخة (جرحت) وقد عرفت الكلام فيه سندا ودلالة فيكون الحكم بالكفارة مبنيا على الاحتياط الاستحبابي في جميع الموارد المتقدمة للاكتحال.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب تروك الاحرام ح 3. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5.

[ 149 ]

[ 11 - (النظر في المرآة) (مسألة 247): يحرم على المحرم النظر في المرآة للزينة، وكفارته شاة على الاحوط الاولى: واما إذا كان النظر فيها لغرض غير الزينة كنظر السائق فيها لرؤية ما خلفه من السيارات فلا بأس به، ويستحب لمن نظر فيها للزينة تجديد التلبية، اما لبس النظارة فلا بأس به للرجل أو المرأة إذا لم يكن للزينة، والاولى الاجتناب عنه، وهذا الحكم لا يجري في سائر الاجسام الشفافة، فلا بأس بالنظر إلى الماء الصافي أو الاجسام الصيقلية الاخرى (1) ] (1) لا ينبغي الريب في حرمة النظر إلى المرآة في الجملة لدلالة النصوص (1) المعتبرة على ذلك. منها: صحيح معاوية بن عمار (لا ينظر المحرم في المرآة لزينة). إنما الكلام في ان الممنوع خصوص النظر للزينة أو الاعم ذهب شيخنا الاستاذ (قده) في مناسكه إلى التعميم، وخص بعضهم بالزينة كما حكي عن الذخيرة ويظهر ذلك من صاحب الوسائل لقوله: في عنوان الباب


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب تروك الاحرام.

[ 150 ]

(تحريم النظر في المرآة للزينة) ومنشاء الاختلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام وهي على طائفتين. الاولى: ما قيد فيه النظر بالزينة كالصحيحة المتقدمة، وإلا فلا اشكال فيه كالنظر إلى المرآة شمالا أو يمينا بحيث لا يرى نفسه فيها وانما يريد انظر إلى شئ آخر وكنظر السائق فيها لرؤية ما خلفه من السيارات ونحو ذلك مما لا يكون النظر فيها للزينة. الثانية: مادل على المنع من مطلق النظر ولكن علل فيه بالزينة كقوله: في صحيحة حماد (لا تنظر في المرآة وانت محرم فانه من الزينة) فان قوله: لا تنظر في المرآة مطلق من حيث الزينة وعدمها ولا ينافيه التعليل بالزينة. وربما يقال: بانهما مثبتان لا تعارض بينهما والحكم انحلالي يثبت للمطلق وللمقيد فلا تقييد في المقام ولا منافاة بين ثبوت الحكم للمطلق وثبوته للمقيد فيثبت الحكم للمطلق والمقيد معا، فلا موجب للتقييد. وفيه: اولا انه لا اطلاق في المقام ليقال بثبوت الحكم للاعم بل الظاهر من الصحيحة المعللة بالزينة ان النظر للزينة ممنوع وإذا لم تكن الزينة دخيلة في الحكم بالتحريم لم يصح التعليل، وإلا لو قيل بالاطلاق وعدم دخل الزينة في الحكم، فمعناه ان مجرد النظر إلى الزينة حرام وهذا ليس بحرام قطعا، إذ لا نحتمل ان النظر إلى الزينة كالنظر إلى الحلي ونحوه حرام شرعا فالمراد من قوله: (فانه من الزينة) انه تزين فلا اطلاق له ليعم مطلق النظر المجرد عن الزينة. وثانيا: لو سلمنا الاطلاق وان القيد لا مفهوم له، ولكن لابد من عدم اللغوية لذكر القيد، فلو كان الحكم ثابتا للمطلق ولم يكن

[ 151 ]

القيد دخيلا في الحكم كان التقييد بالزينة في الروايات لغوا محضا، فلابد من الالتزام بان التقييد يدل على عدم ثبوت الحكم للمطلق فرارا عن لزوم اللغوية. وهل يختص الحكم بالمرآة أو يعم كل جسم شفاف يرى الانسان نفسه فيه؟ لا دليل على التعميم لكل جسم غير معد للنظر إليه للزينة فما يستعمله الانسان للنظر فيه احيانا للزينة يجوز النظر لاصالة الجواز. ثم انه في بغض الروايات امر بالتلبية بعد النظر فكأن النظر يوجب نقصا في احرامه وتلبيته، وظاهر الرواية (1) هو الوجوب إلا انهم تسالموا على الخلاف فلا يمكن الالتزام بالوجوب خصوصا ان ذلك من المسائل التي يكثر الابتلاء بها ولو كان تجديد التلبية واجبا لظهر وبان ولا يمكن خفائه وذلك يكشف عن عدم الوجوب فالحكم استحبابي. وهل تثبت الكفارة في النظر في المرآة ام لا؟ مر الكلام فيه في الاكتحال وانه لا دليل على ثبوت الكفارة إلا بناءا على نسخة (جرحت) في رواية علي بن جعفر وقد عرفت ضعفها سندا ودلالة. اما لبس النظارة فلا يلحق بالنظر إلى المرآة، فانه يرى الاشياء من قريب أو بعيد بواسطة النظارة لا انه يرى الاشياء فيها نعم إذا لبسها للتزين فهذا بحث آخر سيأتي الكلام فيه منعا وجوازا ان شاء الله تعالى.


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الاحرام ح 4.

[ 152 ]

[ 12 - (الخف والجورب) (مسألة 248): يحرم على الرجل المحرم لبس الخف والجورب، وكفارة ذلك شاة على الاحوط، ولا بأس بلبسهما للنساء، والاحوط الاجتناب عن لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم، وإذا لم يتيسر للمحرم نعل أو شبهه ودعت الضرورة إلى لبس الخف فالاحوط الاولى خرقه من المقدم ولا بأس بستر تمام ظهر القدم من دون لبس (1). ] (1) صرح الاصحاب بحرمة لبس الخف والجورب للمحرم إلا لضرورة. ويدل عليه النصوص المعتبرة (1) فبالنسبة إلى الحكم التكليفي لا كلام فيه. واما ثبوت الكفارة فلا دليل عليه، والحكم به مبني على الاحتياط الوجوبي لا لرواية علي بن جعفر المتقدمة بناءا على نسخة (جرحت) لضعفها سندا ودلالة، بل لاجل ما دل على ان من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه وهو محرم وفعله متعمدا فعليه دم شاة كما في صحيحتي زرارة (2) وانما لم نجزم بثبوت الكفارة وقلنا بالاحتياط فذلك للشك


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب تروك الاحرام. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 و 4.

[ 153 ]

في صدق اسم الثوب على الجورب، وان اطلق الثوب في رواية معتبرة علي القفازين كقوله (ع): المرأة المحرمة تلبس ما شائت من الثياب غير الحرير والقفازين) (1) وحال الجورب حال القفازين فانهما من لباس اليدين والجورب من لباس الرجلين، على انه قد افتى جماعة بوجوب الكفارة. هذا بالنسبة إلى الرجال. واما النساء فيجوز لها لبسهما لعدم المقتضى للتحريم إليها لاختصاص النصوص المانعة بالرجل وقاعدة الاشتراك لا تجري في المقام بعد العلم باختلافهما في كثير من احكام الحج خصوصا في اللباس. مضافا إلى ان الصحيحة الدالة على ان المرأة تلبس من الثياب ما شائت إلا القفازين تدل على جواز لبس الجورب والخف لها وإلا لو كان ممنوعا لزم استثنائه بالنسبة إليها كما استثنى القفازين. ثم ان الممنوع هل يختص بالجورب والخف أو يعم كل ثوب ساتر للقدم كما إذا كان ازاره طويلا يقع على قدميه ويسترهما؟ قيل: بعدم الجواز وبالتعميم بدعوى ان الملاك في المنع ستر القدم وإلا فلا خصوصية للجورب والخف. وفيه ما لا يخفى إذ لم يعلم ان الملاك ستر القدم ولعل الملاك شئ آخر والاحكام تعبدية. واما تغطية ظهر القدم بغير اللبس كتغطيته باللحاف ونحوه عند النوم مثلا فلا ينبغي الشك في جوازه لعدم صدق اللبس على ذلك قطعا. ولو لبس الخف أو الجورب للضرورة هل يجب عليه شق ظهره


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب الاحرام ح 9.

[ 154 ]

ام لا؟ قيل: بالوجوب ولكن لا دليل عليه، وما دل على وجوب الشق روايتان ضعيفتان. الاولى: ما رواه علي بن أبي حمزة البطائني عن أبي بصير والبطائني هو الكذاب المعروف. والثانية: ما رواه الصدوق بسنده إلى محمد بن مسلم وطريق الصدوق إليه ضعيف كما في المشيخة (1).


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب تروك الاحرام ح 3 و 5.

[ 155 ]

[ 13 - (الكذب والسب) (مسألة 249): الكذب والسب محرمان في جميع الاحوال، لكن حرمتهما مؤكدة حال الاحرام والمراد من الفسوق في قوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، هو الكذب والسب، اما التفاخر، وهو اظهار الفخر من حيث الحسب أو النسب، فهو على قسمين: الاول: ان يكون ذلك لاثبات فضيلة لنفسه مع استلزام الحط من شأن الاخرين وهذا محرم في نفسه. الثاني: ان يكون ذلك لاثبات فضيلة لنفسه من دون ان يستلزم اهانة الغير وحطا من كرامته، وهذا لا بأس به، ولا يحرم لا على المحرم ولا على غيره (1). ] (1) اجمع العلماء كافة على تحريم الكذب والسب في الحج وغيره، والاصل فيه بالنسبة إلى الحج قوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وقد فسر الفسوق في صحيح معاوية بن عمار بالكذب والسباب (1) وهذا مما لا كلام فيه.


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 156 ]

وانما الكلام في المراد بالفسوق وتفسيره فعن الشيخ والصدوقين انه الكذب خاصة، بل نسب هذا القول إلى المشهور واختاره في الحدائق عن القاضي انه الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وعلى الائمة (ع) ولكن لا موجب لهذا التخصيص بعد اطلاق الادلة وعن ابن الجنيد انه الكذب والسباب كما في صحيح معاوية بن عمار، وعن الشيخ في التبيان ان المراد به جميع المعاصي التي نهى المحرم عنها. وهذا اجتهاد منه في مقابلة النصوص المفسرة للفسوق فان الاجتناب عن المعاصي بل عن كل رذيلة وان كان ممدوحا في نفسه خصوصا في حال الاحرام ولكن لا وجه لحمل الفسوق على ذلك بعد تفسيره في النصوص المعتبرة بالكذب والسباب أو المفاخرة. وفي صحيح علي بن جعفر فسر الفسوق بالكذب والمفاخرة (1) فان قلنا بان المفاخرة لا تنفك عن السباب فان المفاخرة انما تتم بذكر فضائل لنفسه وسلبها عن المخاطب، أو يسلب رذائل عن نفسه ويثبتها لخصمه وهذا هو معنى السباب كما عن العلامة في المختلف فلا معارضة بين صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة وصحيحة علي بن جعفر لارجاع المفاخرة إلى السباب المذكور في صحيحة معاوية بن عمار، وان لم يكن عنوان المفاخرة داخلا في عنوان السب كما إذا افتخر على المخاطب بذكر فضائل لنفسه أو دفع رذيلة عنها من دون ان يمس كرامة المخاطب ومن دون تعريض لنفي فضيلة عنه أو اثبات رذيلة عليه، فيقع التعارض بين صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة علي بن جعفر لان صحيح معاوية بن عمار فسر الفسوق بالكذب والسباب وصحيح علي بن جعفر


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 4.

[ 157 ]

فسره بالكذب والمفاخرة. وذكر صاحب الحدائق ان الصحيحين تعارضا في ما عدا الكذب فيتساقطان ويؤخذ بالمتفق عليه منهما وهو الكذب خاصة فيطرح المختلف فيه من كل من الجانبين وهو السب والمفاخرة، ويؤيده تفسير الفسوق بالكذب خاصة في روايات ضعيفة كمرسلة العياشي في تفسيره (1). ورواية الصدوق عن المفضل بن صالح عن زيد الشحام فانها ضعيفة بالمفضل بن صالح والفقه الرضوي (2). وكذا السيد في المدارك اختار ان المراد بالفسوق هو الكذب فقط بدعوى ان الجمع بين صحيح معاوية بن عمار وصحيح علي بن جعفر يقتضي المصير إلى ان الفسوق هو الكذب خاصة لاقتضاء صحيح معاوية بن عمار نفي المفاخرة وصحيح علي بن جعفر نفي السباب فيؤخذ بالمتفق عليه منهما وهو الكذب ويتساقطان بالنسبة إلى السب والمفاخرة. وهذا من مثله عجيب. وذلك فلان التعارض انما هو بين منطوق احدهما ومفهوم الآخر لان منطوق صحيح معاوية بن عمار يدل على تفسير الفسوق بالكذب والسباب وبالمفهوم المستفاد من الحصر يدل على عدم المنع من المفاخرة وكذا صحيح علي بن جعفر بالمنطوق يدل على حرمة الكذب والمفاخرة وبمفهوم الحصر يدل على عدم كون السب من تروك الاحرام فمهوم كل منهما يدل على جواز السباب والمفاخرة وحيث ان دلالة المفهوم بالظهور ودلالة المنطوق بالصراحة فيرفع اليد عن ظهور كل منهما بصراحة


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 9 و 8. (2) الحدائق: ج 15 ص 458.

[ 158 ]

المنطوق في كل منها فالنتيجة حرمة الجميع وان السب والكذب والمفاخرة من الفسوق. بل لو فرضنا ان الروايات الضعيفة المفسرة للفسوق بالكذب خاصة كانت معتبرة كانت القاعدة تقتضي ما ذكرناه. ثم ان المفاخرة ان اخذ في عنوانها نفي الفضيلة عن المخاطب واثبات منقصة ورذيلة عليه فلا ريب في الحرمة ودخولها في صحيح علي بن جعفر، وان لم تستلزم ذلك ولا تمس كرامة احد وانما يثبت المحرم فضيلة لنفسه أو ينفي رذيلة عنها من دون تعريض لمؤمن اخر ومن دون ان يمس كرامة احد من المؤمنين، فان لم يصدق عنوان المفاخرة على ذلك فهو وان صدق عليه فلابد من اخراجه عن المفاخرة الممنوعة في صحيح علي بن جعفر لعدم احتمال حرمة هذا النحو من المفاخرة ويكون اطلاق المفاخرة المذكورة في الصحيح غير شامل لهذا النوع من المفاخرة لان رواية علي بن جعفر في مقام تفسير الفسوق والخروج عن الجادة المستقيمة وهذا النوع من المفاخرة ليس من الفسوق فلا ينطبق عليه عنوان الفسوق والخروج عن الحدود الشرعية. وبعبارة اخرى: مجرد الافتخار ما لم يستوجب منقصة على احد من المؤمنين لا محذور فيه شرعا فلا يصدق عليه عنوان الفسوق. واما بالنسبة إلى الكفارة فالمعروف عدمها سوى الاستغفار بل ذكر صاحب الجواهر (قده) انه لم يجد من ذكر للفسوق كفارة بل قيل ظاهر الاصحاب لا كفارة فيه سوى الاستغفار.

[ 159 ]

ولكن صاحب الوسائل ذهب إلى وجوب الكفارة لقوله: باب انه يجب على المحرم في تعمد السباب والفسوق بقرة (1). وذهب صاحب الحدائق إلى وجوب الكفارة أيضا عند اجتماع السباب والكذب ولا تجب عند انفراد كل منهما عن الآخر (2). وما ذكره المشهور هو الصحيح لصحيح الحلبي، عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: قلت: ارأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال: لم يجعل الله له حدا يستغفر الله ويلبي) (3). ورواه الصدوق أيضا بطريقه إلى محمد بن مسلم والحلبي جميعا وطريق الصدوق إلى محمد بن مسلم وان كان ضعيفا ولكن طريقه إلى الحلبي صحيح. ثم ان صاحب الوسائل بعدما روى الرواية الاولى في الباب الثاني من أبواب بقية كفارات الاحرام عن الكليني، قال: ورواه الصدوق وابن ادريس كما مر، وذكر المعلق أيضا ورواه الصدوق وابن ادريس كما مر إلا ان الذي مر في الباب الثاني والثلاثين من تروك الاحرام ما رواه الصدوق عن الحلبي ولكن لم يذكر منه كفارة الفسوق. نعم كفارة الفسوق مذكورة في صحيحة الحلبي كما في الفقيه (4). وبالجملة: هاتان الصحيحتان دلتا على عدم الكفارة للفسوق، وصاحب الوسائل حملهما على الجاهل لما ثبت من عدم وجوب الكفارة على غير المتعمد واختار وجوب الكفارة على العامد لصحيح سليمان بن خالد


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام. (2) الحدائق: ج 15 ص 460. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2. (4) الفقيه: ج 2 ص 212.

[ 160 ]

قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: في (حديث) وفي السباب والفسوق بقرة) (1). ولا يخفى: ان هذا الحمل بعيد وليس من الجمع العرفي بين الروايتين المتنافيتين لان الظاهر من قول السائل من ابتلى بالفسوق ما عليه والظاهر من جواب الامام (ع) لم يجعل الله له حدا يستغفر الله، انه لم يجعل في الشريعة المقدسة لذلك حدا وشيئا اصلا لا انه جعل له شيئا ورفعه عند الجهل خاصة. وبعبارة اخرى: ما ذكره صاحب الوسائل يبتني على ان تكون الكفارة مجعولة عند الفسوق ولكن الشارع رفعها عند الجهل والظاهر من الصحيحة ان الكفارة غير مجعولة للفسوق اصلا وانها غير ثابتة في الشريعة المقدسة برأسها. واما ما صنعه في الحدائق من ان الكفارة ثابتة على الجمع بين السباب والكذب. ففيه: ان الظاهر من الرواية ثبوت الكفارة لكل من السباب والفسوق والمقام من باب ذكر العام بعد الخاص وهذا النحو من الاستعمال شايع في القرآن وغيره فمن ذكر الخاص بعد العام، قوله تعالى: (فيها فاكهة ونخل ورمان) (2) ومن ذكر العام بعد الخاص، قوله عزوجل: (أيود احدكم ان تكون له جنة من نخيل واعناب تجري من تحتها الانهار له فيها من كل الثمرات) (3) وقوله تعالى: ينبت


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1. (2) الرحمن: 68. (3) البقرة: 266.

[ 161 ]

لكم به الزرع؟ والنخيل والاعناب ومن كل الثمرات) (1) وبالجملة: الفسوق عام ذكر بعد الخاص والظاهر من الرواية ثبوت الكفارة لكل من السباب والفسوق. فالصحيح حمل صحيحة سليمان بن خالد على الاستحباب لصراحة صحيح الحلبي على عدم الوجوب، كما تحمل لذلك صحيحة علي بن جعفر المروية عن قرب الاسناد أيضا الدالة على التصدق بشئ على الاستحباب فقد روى علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) وكفارة الفسوق شئ يتصدق به إذا فعله وهو محرم). وفي نسخة اخرى (وكفارة الفسوق يتصدق به إذا فعله وهو محرم) (2).


(1) النحل: 11. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 4 و 16.

[ 162 ]

[ 14 - الجدال (مسألة 250): لا يجوز للمحرم الجدال وهو قول (لا والله) (وبلى والله) والاحوط ترك الحلف حتى بغير هذه الالفاظ (1). ] (1) لا ريب في حرمة الجدال على المحرم للآية الشريفة والنصوص المعتبرة انما الكلام في معناه وعن العامة حمل الجدال على معناه اللغوي وهو مطلق المخاصمة والنزاع، ولكن الروايات الواردة عن ائمة الهدى (عليهم السلام) فسرته بقوله: لا والله، وبلى، والله) (1)، فيقع الكلام في جهات: الاولى: هل المحرم قول الرجل لا والله، وبلى والله على الاطلاق وفي كل مورد، أو يحرم في خصوص مورد المخاصمة؟ وبتعبير آخر: الممنوع المخاصمة التي فيها يمين خاص وهو قول الرجل لا والله، وبلى والله أو ان الممنوع مطلق هذا القول ولو في غير مورد المخاصمة، يظهر من بعضهم اختصاص الحرمة بمورد المخاصمة والظاهر انه لا وجه له لان الروايات فسرت الجدال بنفس هذا القول لا المخاصمة المشتملة على هذا القول فهذا القول ممنوع ولو في غير مورد المخاصمة وقد وقع التصريح في صحيح معاوية بن عمار بان الجدال


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام.

[ 163 ]

قول الرجل لا والله وبلى والله واما قول الرجل لا لعمري وبلى لعمري فلا بأس به فمقتضى الاطلاق عدم اختصاص الجدال بالمخاصمة فلو سأله احد هل فعلت كذا فقال لا والله يكون داخلا في الجدال وكذا لو قال له انت كذا فقال بلى والله فدعوى اختصاص الحكم بمورد المخاصمة بلا موجب. فلا مانع من الالتزام بان الجدال حقيقة شرعية للمعنى المعهود المذكور في الروايات أو انه استعمال شرعي فيه فلا ضير فيما ذكرناه كون معناه اللغوي في الاصل مطلق النزاع والتخاصم. ومما يؤكد ما قلناه ما ورد في صحيح معاوية بن عمار (واعلم ان الرجل إذا حلف بثلاثة ايمان ولاءا في مقام واحد وهو محرم فقد جادل فعليه دم يهريقه، ويتصدق به، وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم يهريقه ويتصدق به) (1) وكذا ما ورد في موثقة أبي بصير (إذا حلف الرجل ثلاثة ايمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل فعليه دم يهريقه) (2). فان المستفاد منهما ان موضوع الحكم نفس الحلف لا الحلف الواقع في المخاصمة، وكذا يستفاد ذلك من معتبرة اخرى لابي بصير قال: قال: (سألته عن المحرم يريد ان يعمل العمل فيقول له صاحبه: والله لا تعمله، فيقول: والله لا عملته، فيحالفه مرارا يلزمه ما يلزم الجدال؟ قال: لا انما اراد بهذا اكرام اخيه انما كان ذلك ما كان لله عزوجل فيه معصية) (3) لانه لو كان موضوع الحكم هو المخاصمة


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3 و 7. (3) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 7.

[ 164 ]

لكان الانسب واللايق للجواب بانه لا محذور في هذا الحلف اصلا لعدم الموضوع للجدال ولعدم وقوع هذا الحلف في مورد المخاصمة لا التعليل بانه لا معصية فيه لانه لم يأت بالجملة المعهودة. وبالجملة: لا ريب في ان المستفاد من الادلة ان موضوع المنع هو مجرد الحلف بالجملة المعهودة وان لم يقع في مورد المخاصمة. الجهة الثانية: هل يختص الحكم بهاتين الجملتين (لا والله، وبلى والله) أو يعم جميع افراد اليمين كقولنا: لا وربي، لا والخالق ونحوهما بل ومن دون اشتمال على حرف (لا) و (بلى) كما إذا قال: والله، وبالله. ظاهر المشهور هو الاختصاص وصرح المحقق في المنافع والشهيد في الدروس بالتعميم وان موضوع الحكم مطلق الحلف بالله تعالى. والصحيح ما ذهب إليه المشهور لان الظاهر من صحيح معاوية بن عمار ان الحكم مترتب على نفس هذا القول خاصة لا المعنى ولا ما يسمى يمينا بالله تعالى ليدل على حرمة مطلق الحلف بالله عزوجل. والحاصل: الجدال الممنوع شرعا في الحج هو الحلف بالله بالصيغة المخصوصة المذكورة في صحاح لمعاوية بن عمار (1). ثم انه قد استدل للقول بالتعميم بعدة من الروايات: منها: صحيحة معاوية بن عمار، في (حديث) والجدال قول الرجل لا والله، وبلى والله، واعلم ان الرجل إذا حلف بثلاثة ايمان ولاء في مقام واحد وهو محرم فقد جادل فعليه دم يهريقه ويتصدق به وإذا حلف يمينا


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 3 وباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3.

[ 165 ]

واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم) (1). ومنها: موثقة أبي بصير، إذا حلف الرجل ثلاثة ايمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه، وإذا حلف يمينا واحدة كاذبا فعليه دم يهريقه) (2) فان المستفاد منهما ان الموضوع للحكم مطلق الحلف. وللجواب: اما عن صحيح معاوية بن عمار، ان هذه الجملة (واعلم ان الرجل إذا حلف...) وان ذكرها مستقلا ولكن ذكر في الصدر (والجدال قول الرجل لا والله وبلى والله) فيعلم ان الحكم المذكور بعد ذلك مترتب على هذا القول وليس مترتبا على مطلق الحلف. وبتقريب آخر: ليست الرواية في مقام بيان الجدال وتفسيره بل في مقام بيان التفصيل بين اليمين الصادقة والكاذبة وان ايا منهما يوجب الكفارة، وبذلك يظهر الجواب عن رواية أبي بصير فانها في مقام بيان التفصيل بين الحلف الكاذب والصادق وثبوت الكفارة في الحلف الكاذب وان كان واحدا وثبوتها في الحلف الصادق إذا كان ثلاثة ايمان، وليست في مقام بيان ان مطلق الحلف يوجب الكفارة فلا اطلاق لها من هذه الجهة. على انه لو سلمنا الاطلاق وشموله لكل حلف يقع التعارض بين هذه المطلقات وبين صحيحة معاوية بن عمار الحاصرة بالقول المخصوص (انما الجدال قول الرجل: لا والله، وبلى والله) فانها بمفهوم الحصر تدل على عدم حرمة غير هذا القول الخاص، والتعارض بالعموم من وجه لان صحيحة معاوية بن عمار الحاصرة تدل على ان غير قوله: (لا والله، وبلى والله) لا اثر له سواء كان بالله بغير هذا القول


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3 و 7.

[ 166 ]

أو كان حلفا بغير الله كقوله: لعمرك، وتلك الروايات المطلقة تدل على ان الممنوع هو الحلف بالله سواء كان بقوله: لا والله، وبلى والله أو بغير هذا القول فيقع التعارض في الحلف بالله بغير هذا القول الخاص وبعد التعارض يرجع إلى اصل البرائة. الثالثة: هل الحكم مختص بالجملة الخبرية، أو يعم الجملة الانشائية؟ لم أر من تعرض لذلك، والذي يظهر من الروايات الواردة في المقام عدم شمول الحكم للحلف في الجملة الانشائية إذ يظهر من صحيحة معاوية بن عمار ونحوها الواردة في التفصيل بين الحلف الصادق والكاذب، ان الحلف الممنوع يجري في مورد يقبل الصدق والكذب وليس ذلك إلا في الجملة الخبرية، واما الانشائية فغير قابلة للصدق والكذب لما ذكرنا في محله ان الانشاء ابراز امر اعتباري نفساني ولم يكن فيه حكاية عن الخارج ليتصف بالصدق والكذب، فبقرينة التفصيل بين الصادق والكاذب يعلم ان الحكم يختص بالحلف في مورد الجملة الخبرية. وعلى ذلك تحمل معتبرة أبي بصير قال: (سألته عن المحرم يريد أن يعمل فيقول له صاحبه: والله لا تعمله، فيقول: والله لاعملنه فيحالفه مرارا، يلزمه ما يلزم الجدال؟ قال: لا انما اراد بهذا اكرام اخيه انما كان ذلك ما كان لله عزوجل فيه معصية) (1). فان المستفاد منها ان الحلف المحرم هو الحلف الاخباري واما الحلف التكريمي الذي هو مجرد وعد لمؤمن فلا معصية فيه. فالحكم يختص بما إذا اخبر عن شئ نفيا أو اثباتا فحلف عليه


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 7.

[ 167 ]

بالقول المخوص؟، واما الوعد على شئ والانشاء به على عمل أو ترك شئ فغير داخل في موضوع الحكم لانه غير قابل للصدق والكذب. ومنه يظهر انه لا بأس بالحلف في التعارفات الدارجة بين الناس لعدم كونه اخبارا عن شئ، فاستثناء ذلك من الحلف المحرم من الاستثناء المنقطع لعدم دخوله في الحلف الممنوع، لان موضوع المنع هو الحلف في مورد الجملة الخبرية المحتملة للصدق والكذب، واما مالا يحتمل للصدق والكذب فغير داخل في موضوع الحكم اصلا. الجهة الرابعة: هل الجدال يتحقق بمجموع هذين اللفظين اعني: (لا والله، وبلى والله) أو يتحقق بكل منهما مستقلا؟ الظاهر هو الثاني لان احدى الجملتين تستعمل في الاثبات، والاخرى تستعمل في النفي ولا يمكن استعمالهما في مقام واحد بل الشائع المتعارف استعمال (بلى والله) في مقام الاثبات و (لا والله) في مقام النفي ولا يستعملان في مورد واحد، فالجدال يتحقق بكل واحد منهما منفردا عن الآخر. ويؤكد ذلك الروايات المفصلة بين الحلف الصادق والكاذب، فان المستفاد منها ان الموضوع للحكم هو الحلف ولو بصيغة خاصة، ولا ريب في صدق الحلف على كل من اللفظين وان ينضم إلى الآخر. الخامسة: هل الحكم يختص بذكر كلمة (لا) و (بلى) أو يعم الحكم لما يؤدي هذين المعنيين بان يقول في مقام النفي ما فعلت والله وفي مقام الاثبات قد فعلت كذا والله، وهل يقتصر على ذلك بالنسبة إلى التعبير بالقسم باللغة العربية، أو يعمه فيما لو ترجم إلى غير العربية؟

[ 168 ]

اختار في الجواهر (1) التعميم وأنه لا خصوصية لذكر كلمة (لا) و (بلى) بل المعتبر اداء هذين المعنيين نظير قوله (ع) (انما الطلاق انت طالق) (2) فان الطلاق يقع بقولنا: طالق ولا يعتبر لفظ (انت) قطعا بل يقع بقوله زوجتي أو هي أو فلانة ونحو ذلك طالق، وبالجملة لفظ (بلى) و (لا) لبيان المقسوم عليه، ولا يعتبر خصوص اللفظين في مؤداه بل يتحقق الجدال بقول والله وان ادي المقسوم عليه بغير لفظ (لا) و (بلى) وذكر بل يكفي الفارسية ونحوها فيه. وفيه: ان الظاهر من النص اعتبار قول (لا والله وبلى والله) بان يكون النفي والاثبات يؤديان بكلمة (لا) و (بلى) بلفظ الجلالة بالعربية لقوله (ع) في صحيح معاوية بن عمار انما الجدال قول الرجل: لا والله، وبلى والله فإذا ادى القسم، أو المقسوم عليه بلفظ آخر غيرهما لا يشمله النص، وكذا ان كان بغير اللفظ العربي، واما ما ذكره (قدس سره) من وقوع الطلاق ولو لم يذكر لفظ (انت) فالامر كما ذكر (قدس سره) لعدم اعتبار لفظ (انت) قطعا ونتعدى إلى غير ذلك من الالفاظ كزوجتي أو هي أو فلانة أو امرأتي طالق وذلك للنصوص الدالة على ذلك خصوصا، ما ورد في جواز طلاق الغائب زوجته وانه لا يعتبر حضورها في مجلس الطلاق، ومن المعلوم ان طلاق الغائب لا يقع بقوله: (انت) فمن هذه الروايات نستكشف عدم اعتبار ذكر كلمة (انت). بالجملة: مقتضى الجمود على النص والاخذ بظاهر الدليل


(1) الجواهر: ج 18 ص 363. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب مقدمات الطلاق ح 3 و 4.

[ 169 ]

[ (مسألة 251): يستثنى من حرمة الجدال امران: (الاول): ان يكون ذلك لضرورة تقتضيه من احقاق حق أو ابطال باطل (1). (الثاني): ان لا يقصد بذلك الحلف بل يقصد به امرا آخر كاظهار المحبة والتعظيم كقول القائل: لا والله لا تفعل ذلك (2). ] اعتبار ذكر كلمة (لا) و (بلى) وعدم تحقق الجدال بغيرهما من الالفاظ وان كان مؤديا لهما. واما صحيحة أبي بصير (1) التي يظهر منها تحقق الجدال بمطلق الحلف بالله إلا إذا كان تكريما لاخيه فغير ناظرة إلى جواز الحلف باي شئ ولو بغير القول المخصوص، وانما هي ناظرة إلي ان هذا النحو من الحلف حيث انه تكريم لاخيه المؤمن لا يترتب عليه شئ. وبعبارة اخرى: ليست الرواية في مقام بيان وقوع الحلف باي صيغة وباي قول فلا اطلاق لها من هذه الجهة وانما هي في مقام بيان ان الحلف التكريمي لا بأس به. (1) لا لخصوص حديث نفي الضرر، بل يدلنا على جواز ذلك أيضا صحيحة أبي بصير المتقدمة، فان المستفاد منها ما كان فيه معصية لله عزوجل محرم، وما كان فيه احقاق حق أو ابطال باطل لا معصية فيه. (2) قد عرفت ان الجدال يتحقق بالقسم في موارد الجملة الخبرية


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 7.

[ 170 ]

[ (مسألة 252): لا كفارة على المجادل فيما إذا كان صادقا في قوله ولكنه يستغفر ربه هذا فيما إذا لم يتجاوز حلفه المرة الثانية، وإلا كان عليه كفارة شاة. واما إذا كان الجدال عن كذب فعليه كفارة شاة للمرة الاولى، وشاة اخرى للمرة الثانية وبقرة للمرة الثالثة (1). ] واما ما كان من قبيل الانشاء كالتعظيم والتكريم لاخيه فلا بأس به كما يدل عليه صحيح أبي بصير أيضا. (1) المشهور بين الاصحاب عدم الكفارة في الحلف الصادق قي المرة الاولى والثانية وثبوتها في المرة الثالثة وهي شاة واما في الحلف الكاذب مرة شاة ومرتين بقرة وثلاثا بدنة. ولكن استفادة ذلك كله على هذا الترتيب من النصوص اشكال، وانما هذا الترتيب مذكور في الفقه الرضوي الذي افتى على طبقه ابن بابويه وقد ذكرنا غير مرة ان الفقه الرضوي ضعيف جدا بل لم يعلم انه رواية حتى يقال بالجبر بعمل المشهور بل من المحتمل انه تأليف احد العلماء وعلى فرض اعتباره يعارض بما دل على خلافه. فالصحيح ان يقال: ان الحلف الصادق لا كفارة فيه المرة الاولى والثانية لعدم الدليل اولا ولمفهوم الصحاح الدالة على ثبوت الكفارة في المرة الثالثة ثانيا فان المستفاد من قوله: (إذا حلف الرجل ثلاثة ايمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم) عدم ثبوت الدم إذا حلف دون الثلاثة، ويدل على عدم ثبوت الكفارة في الاقل من

[ 171 ]

الثلاثة أيضا ما ورد في بعض الروايات من انه لا كفارة على الجدال الصادق مطلقا خرجنا عنه (1) في الحلف الصادق المتكرر ثلاثا، واما وجوب الشاة في المرة الثالثة فيدل عليه عدة من الصحاح (2). واما الحلف الكاذب ففي المرة الاولى شاة وفي الثالثة بقرة كما جاء ذلك في روايات معتبرة اما ثبوت الشاة في المرة الاولى فلصحيح معاوية بن عمار وصحيح أبي بصير (وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم يهريقه) (3) واما ثبوت البقرة في المرة الثالثة فلصحيح محمد بن مسلم (من زاد على مرتين فقد وقع عليه الدم، فقيل له: الذي يجادل وهو صادق؟ قال: عليه شاة والكاذب عليه بقرة) (4) يعني إذا جادل صادقا زائدا على مرتين فعليه شاة وإذا جادل زائدا على مرتين فعليه بقرة، ولصحيح الحلبي (إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه، وعلى المخطئ بقرة) (5) فان المستفاد منه ان الحلف الصادق إذا زاد على مرتين فعليه دم والكاذب المعبر عنه بالخطاء إذا زاد على مرتين فعليه بقرة هذا حال الكذب الاول والثالث. واما الكذب الثاني فلم يذكر في الروايات صريحا ولكن نلتزم فيه بوجوب الشاة ايضا لصحيحة سليمان بن خالد (في الجدال شاة) (6) فان مدلوله وجوب الشاة في الجدال سواء كان صادقا أو كاذبا في المرة الاولى أو الثانية ولكن تخرج عنه في الحلف الصادق في المرة الاولى والثاينة وكذلك تخرج عنه في المرة الثالثة لليمين الكاذبة لان


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 8. (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل: باب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3 و 7 و 6 و 2 و 1.

[ 172 ]

فيها بقرة فتبقى المرة الاولى والثانية لليمين الكاذبة باقية تحت اطلاق الصحيح: فالنتيجة ان الحلف الكاذب في المرة الاولى يوجب شاة وفي المرة الثانية شاتين وفي المرة الثالثة بقرة. بقي شئ: وهو انه روى العياشي في تفسيره عن ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (ع) قال: من جادل في الحج فعليه اطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ان كان صادقا أو كاذبا، فان عاد مرتين فعلى الصادق شاة، وعلى الكاذب بقرة (1) وهذه الرواية تكون معارضة لجميع الروايات المتقدمة ولكنها ضعيفة للارسال فتسقط. وورد في خبر أبي بصير وجوب الجزور في مطلق الجدال كذبا متعمدا (2). ولكن الخبر ضعيف لضعف اسناد الشيخ إلى العباس بن معروف لان فيه أبا المفضل عن ابن بطه وهما ضعيفان عن احمد بن أبي عبد الله فالتعبير عنه في الصحيح كما في دليل الناسك في غير محله. ومن جميع ما ذكرناه: يظهر انه لا وجه لما ذكره شيخنا الاستاذ من الاحتياط في المقام حيث انه (قده) احتاط اولا في وجوب البقرة في المرة الثانية في الكاذب ثم احتاط ثانيا في وجوب البدنة في الكاذب مطلقا. فانه لو تم الفقه الرضوي سندا لابد من الفتوى بوجوب البقرة في المرة الثانية وان لم يتم - كما لا يتم - فمقتضى اطلاق صحيح سليمان بن خالد وجوب دم شاة، واجزاء البقرة عن الشاة يحتاج إلى الدليل ومجرد


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 10 و 9.

[ 173 ]

فتوى المشهور والفقه الرضوي لا يوجب رفع اليد عن الشاة فما احتاط من وجوب البقرة في المرة الثانية خلاف الاحتياط. نعم: الاحوط هو الجمع بين البقرة والشاة، واما الاحتياط الثاني وهو وجوب البدنة حتى في المرة الاولى والثانية أيضا على خلاف الاحتياط، إذ لو تم الفقه الرضوي وجب التكفير بالبدنة في المرة الثالثة ولا مورد للاحتياط بالبدنة في المورد الاول والثاني وان لم يتم تجب الشاة في الحلف الكاذب على الاطلاق، واجزاء البدنة يحتاج إلى الدليل، والظاهر انه (قدس سره) استند إلى اطلاق خبر العباس ابن معروف واحتاط في البدنة في المرة الاولى والثانية وقد عرفت ان الخبر ضعيف، فالمتعين في المرة الاولى شاة وفي المرة الثانية شاتان وبقرة للمرة الثالثة ولا دليل على اجزاء البدنة عن الشاة أو الجزور. (فرع) هل يعتبر التتابع واتيان الحلف ولاء في الثلاث في مقام واحد موضوع واحد كما في بعض الروايات المعتبرة (1) فلو حلف صادقا متكررا من دون ولاء لا يترتب عليه كفارة أو لا يعتبر كما في بعض الروايات المطلقة (2). المشهور عدم اعتبار التتابع بل التزموا بترتب الكفارة على الثلاث متتابعة كانت ام لا في موضوع واحد ومقام واحد ام لا. ولكن مال بعضهم إلى التقييد ولزوم التتابع حاكيا له عن العماني. وصاحب الجواهر (قده) اعترف بان القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد ولكن بقرينة خارجية التزم بعدم التقييد وهي ذهاب المشهور


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام حديث 3 و 4 و 5 و 2 و 6 و 7.

[ 174 ]

إلى العدم (1). والتحقيق ان يقال: انه لا موجب للتقييد في نفسه حتى مع قطع النظر عن المشهور، والوجه ما ذكرناه في بحث المفاهيم وحاصله: ان الشرط قد يكون متعددا فتدل القضية بالمفهوم على نفي الحكم عند نفي احدهما كما إذا قال: إذا جاء زيد من السفر وكان مجيئه في يوم الجمعة افعل كذا فلو فرضنا انه جاء في يوم السبت ينتفي الحكم بنفي الشرط كما إذا كان الشرط واحدا، وقد يكون الشرط غير متعدد بل كان احدهما مقيدا بالآخر كما إذا قال: إذا جاء زيد في يوم الجمعة بحيث كان المجئ مقيدا بيوم الجمعة ويكون الشرط هو المجئ في يوم الجمعة، فمفهومه عدم المجئ في يوم الجمعة، واما إذا جاء في غير يوم الجمعة فلا تدل القضية على النفي بل القضية ساكنة عن ذلك لعدم كونه مفهوما للقضية ولذا اشكل جماعة في مفهوم آية البناء وقالوا ان مفهوم الآية عدم مجئ الفاسق بالبناء لا مجئ غير الفاسق بالبناء، وروايات المقام من هذا القبيل فان مفهوم قوله: إذا حلف ولاءا فعليه كذا انه إذا لم يحلف ولاءا ليس عليه كذا لا ما إذا حلف غير ولاءا. واما التقييد فمفهومه عدم ثبوت الحكم للمطلق وإلا لكان التقييد لغوا ولكن انما نلتزم بهذا المفهوم فيما لم يكن لذكر القيد فائدة ونكتة اخرى وإلا فلا مفهوم له ولعل وجه التقييد بالولاء في المقام هو ان المرتكز في اذهان الناس خصوصا العوام منهم ان المرة الثانية تأكيد للمرة الاولى ولا يرون ذلك تأسيسا ويحكمون على ذلك بيمين واحدة


(1) الجواهر: ج 20 ص 423.

[ 175 ]

والروايات نبهتهم بان المعتبر تعدد الحلف وان كان ولاءا فعلى الحلف المتعدد ثلاثا، وان كان ولاءا يترتب الكفارة، فالتقييد حينئذ لا يوجب تقييد المطلق لان المقيد وجه ظاهر. تكميل: ذكر صاحب الجواهر (قده) (1) انه بناءا على التفصيل والترتيب المشهور في ثبوت الكفارة في الحلف الكاذب والصادق، يظهر منهم من غير خلاف يعرف، انه انما تجب البقرة في المرة الثانية والبدنة في المرة الثالثة إذا لم يكن كفر عن المرة الاولى في الحلف الكاذب، واما إذا كفر عن المرة الاولى بشاة فلا تجب في الثانية إلا شاة اخرى وكذلك البدنة في المرة الثالثة فانه إذا كفر عن الثانية ببقرة فلا تجب في المرة الثالثة إلا شاة وانما تجب البدنة في المرة الثالثة فيما إذا لم يكفر عن الثانية بالبقرة، والضابط اعتبار العدد السابق ابتداء أو بعد التكفير فانه بعد التكفير يشرع في حساب جديد فان التكفير يوجب رفع الاول وزواله ويدخل بعد التكفير في حساب جديد، فإذا كفر اولا بشاة لا تجب في الثانية بقرة بل تجب شاة أيضا لان الكذب الثاني بعد التكفير للاول يعتبر من الكذب الاول وكذلك إذا كفر للثاني بقرة تجب في الثالث الشاة وانما تجب عليه البدنة في الثالث إذا لم يكفر عن الثاني ببقرة. وكذلك الحال في الحلف الصادق، فانه إذا كفر بعد الثالث بشاة تجب عليه شاة اخرى بعد ثلاث اخر، واما إذا لم يكفر عن الثلاث الاول فلا تجب عليه إلا شاة واحدة حتى بعد الثلاث الاخيرة. وبعبارة اخرى: لو حلف يمينا كاذبة وكفر لها بشاة ثم حلف


(1) الجواهر: ج 20 ص 424.

[ 176 ]

ثانيا كاذبا لا تجب عليه إلا شاة وإذا كفر له بشاة وحلف ثالثا كاذبا ايضا لا تجب عليه إلا شاة وهكذا. وانما تجب البقرة في الثاني إذا لم يكفر عن الاول وكذلك تجب البدنة في الثالث إذا لم يكفر عن الثاني والسر ما عرفت من ان التكفير يوجب زوال الاول ويدخل في حساب جديد بعد التكفير. وكذلك في الحلف الصادق لو زاد على ثلاث ولم يكفر فشاة واحدة عن الجميع وانما تتكرر الكفارة إذا تخلل التكفير بين كل ثلاث إلا ان صاحب الجواهر (قده) لم يرتضى هذا الكلام، وقال: انه ان لم يكن اجماع على ذلك امكن ان يقال: في اليمين الكاذب ان كل جدال له حكم مستقل فالجدال الاول له شاة والجدال الثاني له بقرة والثالث له بدنة سواء كفر عن السابق أم لا فالكفارة الثابتة في المرتبة المتأخرة لا تتوقف على التكفير عن المرتبة السابقة فلو كفر سابقا في المرة الاولى بشاة تجب البقرة خاصة للجدال الثاني ولو كفر عن الثاني ببقرة تجب البدنة في الثالثة وكذا لو لم يكفر عن الجدال الاول تجب الشاة والبقرة في الثاني وان لم يكفر عن الثاني وعن الاول تجب الشاة والبقرة والبدنة في الثالث فكل يمين يكون موضوعا لوجوب الكفارة سواء كفر عن السابق أم لا. وبعبارة اخرى: كل جدال له حكم مستقل لا يسقط بالتكفير السابق. وكذلك الحال في الصادق لكل ثلاث ثلاث له حكم مستقل فتجب الشاة إذا حلف ثلاث مراة وتجب الكفارة بشاة أيضا إذا حلف ثلاث مرات اخرى سواء كفى من الثلاث الاول أم لا، وان لم تبلغ ثلاث اخرى فلا تجب إلا الشاة الاولى.

[ 177 ]

والظاهر: انه لا يمكن المساعدة على كل من القولين، بيان ذلك: ان المستفاد من الروايات كصحيحة سليمان بن خالد ثبوت الشاة لكل جدال ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين الصادق والكاذب وعدم الفرق بين المرات خرجنا عنه في الحلف الصادق بالنسبة إلى المرة الاولى والثانية واما إذا زاد على مرتين وجادل فوق اثنتين فتجب الشاة في الثالثة ومقتضى الاطلاق وجوب الشاة في المرة الرابعة والخامسة وهكذا، ولا دليل على احتساب كل ثلاث ثلاث، بل العبرة بفوق اثنتين وما زاد على مرتين وكذلك مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين التكفير سابقا ام لا لان كل جدال موضوع للحكم ولا يتوقف على التكفير السابق وعدمه واما الحلف الكاذب فالاول فيه شاة والثاني فيه شاة اخرى على المختار عندنا ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين التكفير السابق وعدمه، فتجب الشاة في الثاني سواء كفر عن الاول ام لا وتجب البقرة في الثالث على المختار عندنا سواء كفر عن الاول وعن الثاني ام لا، وبالنسبة إلى الزائد عن اثنين لا يختص الحكم بالثلاث بل موضوع الحكم ما زاد على الاثنين فتثبت البقرة في الثالث وكذلك في الرابع والخامس وهكذا ولا دليل على احتساب كل ثلاث لما عرفت من ان مقتضى اطلاق الدليل وجوب الشاة لكل جدال والمستثنى ما دل على عدم الكفارة في الجدال الاول والثاني في الحلف الصادق كما ان الجدال الاول والثاني في الكاذب في كل منهما شاة والجدال الثالث والرابع والخامس وهكذا فيه بقرة لاطلاق ما دل على ثبوت البقرة لما زاد على مرتين هذا ما يقتضيه العمل بالروايات ولا اجماع في المقام على الخلاف.

[ 178 ]

[ 15 - قتل هوام الجسد (مسألة 253): لا يجوز للمحرم قتل القمل ولا القاؤه من جسده ولا بأس بنقله من مكان إلى مكان آخر وإذا قتله فالاحوط التكفير عنه بكف من الطعام للفقير، اما البق والبرغوث وامثالهما فالاحوط عدم قتلهما إذا لم يكن هناك ضرر يتوجه منهما على المحرم، واما دفعهما فالاظهر جوازه وان كان الترك احوط (1). ] (1) يقع الكلام تارة في القمل، واخرى في البق والبرغوث وامثالهما. اما القمل فلا خلاف في حرمة قتله ويدل عليه عدة من النصوص منها: صحيح زرارة قال: سألت أبا عبد الله (ع) هل يحك المحرم رأسه ويغتسل بالماء؟ قال: يحك رأسه ما لم يتعمد قتل دابة) (1) والقدر المتيقن من الدابة التي يمكن قتلها عند حك الرأس والاغتسال هو القمل. ومنها: صحيح معاوية بن عمار (اتق قتل الدواب كلها) (2). ومنها: معتبرة أبي الجارود قال: سأل رجل أبا جعفر (ع)


(1) الوسائل: باب 73 من أبواب تروك الاحرام ح 4. (2) الوسائل: باب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 9.

[ 179 ]

عن رجل قتل قملة وهو قال: بئس ما صنع، قلت: فما فداؤها قال: لا فداء لها) (1) فان الظاهر من قوله: (بئس ما صنع) هو الحرمة وإلا لو كان جائزا ولو مع الكراهة لا يعبر عنه بقوله: (بئس ما صنع) والسند صحيح إلى أبي الجارود واما أبو الجارود فهو وان كان زيديا فاسد العقيدة ولكن الظاهر انه موثق لوقوعه في اسناد كامل الزيارات ولشهادة الشيخ المفيد، في الرسالة العددية بانه من الاعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والاحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم (2). ومنها: النصوص المعتبرة الناهية عن القاء القملة (3) فان الالقاء إذا كان ممنوعا لكونه في معرض التلف فقتله اولى بالمنع ولذا يجوز نقله من مكان إلى مكان آخر لا يكون معرضا للتلف واما رواية مرة مولى خالد (عن المحرم يلقى القملة، فقال: القوها ابعدها الله غير محمودة ولا مفقودة) فضعيفة بمرة مولى خالد فانه مجهول. وهنا روايتان معتبرتان عن معاوية بن عمار ذكر فيهما انه (لا ينبغي ان يتعمد قتلها) (4) ربما يتوهم منهما جواز قتلها مع المرجوحية للتعبير بقوله: (لا ينبغي) ولكن قد ذكرنا غير مرة ان الظاهر من (لا ينبغي) هو الحرمة لان معنى هذه الجملة لغة عدم الامكان وانه امر لا يتيسر


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 8. (2) انظر ترجمته في معجم الرجال ج 7 ص 322. (3) الوسائل: باب 87 من أبواب تروك الاحرام. (4) الوسائل: باب 78 من أبواب تروك الاحرام ح 2 وباب 15 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 6.

[ 180 ]

وقد شاع استعمالها في الكتاب العزيز والسنة في عدم الامكان كقوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر) (وما ينبغي للرحمن ان يتخذ ولدا) (1) وعدم الامكان في عالم التشريع مساوق للحرمة ولو فرضنا عدم دلالة ذلك على الحرمة فلا يدل على الجواز فلا موجب لرفع اليد عما دل على الحرمة. واما البق والبرغوث وامثالهما فذهب جمع إلى جواز قتلهما وذهب آخرون إلى التحريم، ولعل وجهه ان غير خبر أبي الجارود مطلق يشمل القمل وغيره كصحيح زرارة (ما لم يتعمد قتل دابة) وصحيح معاوية بن عمار (اتق قتل الدواب كلها) فمقتضى هاتين الصحيحتين حرمة قتل البق والبرغوث، ولكن هنا روايات تدل على جواز قتلهما كمرسلة زرارة (لا بأس بقتل البرغوث والقملة والبقة في الحرم) (2) ولا يمكن الاعتماد عليه لضعفه بالارسال، مضافا إلى ان موضوع الجواز فيه غير موضوع المنع لان موضوع الجواز هو الحرم وكلامنا في المحرم ولذا ذكر في الخبر القمل مع ان قتل القمل للمحرم غير جائز. وفي رواية اخرى عن زرارة عن المحرم يقتل البقة والبرغوث إذا رآه؟ قال: نعم) (3) كما في الوسائل وفي الكافي (إذا اراده) وهو الصحيح ونظيره ما ورد في قتل الحية وبعض السباع فيكون الجواز مختصا بما إذا اراده البرغوث والبق فلا يدل على الجواز مطلقا مضافا إلى ضعف السند بسهل بن زياد.


(1) يس: 40 مريم: 92. (2) الوسائل: باب 79 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (3) الوسائل: باب 79 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

[ 181 ]

ومنها: رواية جميل عن المحرم يقتل البقة والبراغيث إذا آذاه؟ قال: نعم) (1) وهي أيضا تدل على الجواز في فرض الايذاء مضافا إلى ضعف السند لان ابن ادريس رواها في آخر السرائر عن نوادر احمد ابن محمد بن أبي نصر البزنطي وطريقه إلى نوادر البزنطي مجهول فالتعبير عنها بالصحيحة كما في دليل المناسك في غير محله، بل لو قلنا بصحة طريق الشيخ إلى نوادر البزنطي لا يمكن الحكم بصحة هذه الرواية إذ لم يعلم اتحاد طريق ابن ادريس مع طريق الشيخ ولعل ابن ادريس رواها بطريق آخر وهو مجهول عندنا بل طريق الشيخ إلى النوادر ضعيف لان فيه شيخه احمد بن محمد بن موسى الاهوازي، وهو ممن لم يوثق وان قال في حقه صاحب الوسائل في تذكرة المتبحرين فاضل. جليل ولكن لا نعتمد على توثيقات المتأخرين، فالاحوط وجوبا أو الظاهر عدم جواز قتل البق والبرغوث وامثالهما من الحيوانات المتكونة في البدن أو اللباس. واما القاء البق أو البرغوث فيدل على جوازه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: قال: (المحرم يلقي عنه الدواب كلها إلا القملة فانها من جسده) (2). مضافا إلى انه لا دليل على حرمة الالقاء وما دل على حرمة الالقاء خاص بالقمل، ولكن نسب إلى جماعة عدم جواز الالقاء فالقول بحرمة الالقاء حتى في البق والبرغوث هو الاحوط. وهل يجب التكفير عنه ام لا؟ في صحيحة معاوية بن عمار ومعتبرة


(1) الوسائل: باب 78 من أبواب تروك الاحرام ح 7. (2) الوسائل: باب 78 من أبواب تروك الاحرام ح 5.

[ 182 ]

أبي الجارود انه لا شئ عليه ولا فداء لها، ولكن ورد في عدة روايات (1) معتبرة التكفير عن القاء القملة بكف من طعام ومن المعلوم ثبوت الكفارة في القتل أيضا إذ لا نحتمل ان يكون الالقاء اشد من القتل، فمقتضى الجمع بين الروايات ثبوت الكفارة عليه بكف من الطعام، ويحمل النفي في صحيح معاوية، وأبي الجارود على نفي الكفارة المصطلحة المعمولة المتعارفة من دم شاة ونحوه ذلك، وبالجملة لا منافاة بين نفي الكفارة بالمعنى المرتكز المصطلح من شاة ونحوها وبين ثبوت الكفارة باطعام الطعام واعطاء كف من الطعام.


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب بقية كفارات الاحرام.

[ 183 ]

[ 16 - (التزين) (مسألة 254): يحرم على المحرم التختم بقصد الزينة ولا بأس بذلك بقصد الاستحباب، بل يحرم عليه التزين مطلقا، وكفارته شاة على الاحوط الاولى (1). ] (1) يقع الكلام تارة في التزين بالخاتم، واخرى في مطلق التزين اما التزين بالخاتم فقد اختلف فيه النصوص على طوائف. منها: ما دل على جواز لبس المحرم الخاتم مطلقا كخبر نجيح عن أبي الحسن (ع) قال: لا بأس بلبس الخاتم للمحرم) (1) ولكنه ضعيف فان نجيح لم يوثق. ومنها: ما دل على ان موسى بن جعفر والرضا (عليهما السلام) رؤيا وعليهما الخاتم (2). ومنها: ما دل على جواز لبس المرأة المحرمة الخاتم من ذهب (3) فلبس الخاتم في الجملة مما لا اشكال في جوازه. وانما الكلام فيما دل على المنع والعمدة رواية مسمع عن أبي عبد الله (ع) وسألته أيلبس المحرم الخاتم؟ قال: لا يلبسه للزينة) (4) وقد عمل بها المشهور بل قيل: لا خلاف في ذلك وان نسب إلى ابن سعيد الجواز


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل: باب 46 من أبواب تروك الاحرام حديث 1 و 3 و 6 و 5 و 4.

[ 184 ]

وفي سندها صالح بن السندي وهو ممن لم يوثق فان قيل بالانجبار بعمل المشهور كما هو المعروف فهو وإلا فلا يمكن التعويل عليه إلا على المختار من وثاقة صالح بن السندي لوقوعه في اسناد كامل الزيارات. فالنتيجة جواز لبس الخاتم لغير الزينة كلبسه للسنة أو لغرض من الاغراض كالتحفظ عليه من الضياع فيما إذا كان ثمينا أو لاحصاء الطواف به ونحو ذلك والمحرم انما هو خصوص لبسه للزينة، وفعل الامام (عليه السلام) يحمل على اللبس لغير الزينة كالسنة هذا كله لو قلنا: باعتبار رواية مسمع لاجل الانجبار أو لوقوع صالح بن السندي في اسناد كامل الزيارات، وان لم نقل بالاعتبار فلا دليل على حرمة لبس الخاتم وحينئذ يدخل التختم في مطلق التزين بالخاتم وغيره ويدور الحكم بحرمة التختم مدار صدق عنوان التزين عليه وعدمه من دون فرق بين الرجل والمرأة فالكلام في حرمة مطلق التزين وعدمها. والظاهر هو التحريم كما عليه المشهور، والدليل عليه النصوص المانعة عن الاكتحال بالسواد والمانعة عن النظر إلى المرآة حيث علل فيها بان السواد أو النظر زينة (1). فيعلم من هذه الروايات ان الزينة ممنوعة بالاصل وانما حرم الاكتحال بالسواد لانه صغرى من صغريات الزينة وورد في بعض الروايات (انه (ع) كره الاكتحال بالسواد من اجل انه زينة فيحرم كلما يتحقق به الزينة. والكراهة بمعنى البغض فيستفاد منه ان مطلق التزين مبغوض ومحرم والكحل بالسواد من مصاديقه، ونحو هذه النصوص بل اظهر منها روايات النظر في المرآة ففي صحيحة حماد وحريز لا ننظر


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب تروك الاحرام.

[ 185 ]

[ (مسألة 255): يحرم على المحرم استعمال الحناء فيما إذا عد زينة خارجا، وان لم يقصد به التزين. نعم لا بأس به إذا لم يكن زينة، كما إذا كان لعلاج ونحوه (1). ] في المرآة وانت محرم فانه من الزينة، وكذا قوله: لا تنظر في المرآة وانت محرم، لانه من الزينة (1). واما الكفارة فالظاهر عدمها لعدم الدليل والحكم بوجوب الكفارة يحتاج إلى دليل ولا دليل ومقتضى الاصل البرائة. نعم الاحوط الاولى التكفير بشاة بناءا على نسخة (جرحت) في رواية علي بن جعفر وقد تقدم تفصيل ذلك. (1) استعمال الحناء إذا كان مصداقا للزينة وان لم يكن المستعمل قاصدا للتزين يحكم بحرمته لدخوله في عنوان التزين فان القصد إلى الحناء قصد للتزين اجمالا كما إذا استعملت المرأة الشابة الحناء على طريق خاص أو استعملت الحناء في اناملها ونحو ذلك مما يكون مصداقا للزينة خارجا ولا يعتبر في صدق عنوان الزينة قصد التزين به. نعم: إذا استعمل الحناء لغرض آخر من علاج ونحوه مما لا يصدق عليه عنوان التزين فلا بأس به. وقد ورد الترخيص به في بعض النصوص المعتبرة كصحيحة عبد الله بن سنان قال: (سألته عن الحناء فقال: ان المحرم ليمسه ويداوي به بعيره وما هو بطيب وما به من بأس) (2).


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 3. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 186 ]

[ (مسألة 256): يحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي للزينة. ويستثنى من ذلك ما كانت تعتاد لبسه قبل احرامها ولكنها لا تظهره لزوجها، ولا لغيره من الرجال (1). ] (1) قد عرفت ان حرمة التزين تشمل المرأة أيضا لاطلاق الادلة ومن مصاديق التزين لبس المرأة الحلي، وقد وردت في لبس الحلي للمرأة. عدة روايات منها ما دل على التحريم مطلقا كصحيح الحلبي، عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: المحرمة لا تلبس الحلي) (1) وبأزائه صحيح ابن مسلم (المحرمة تلبس الحلي كله إلا حليا مشهورا للزينة) (2) اي ماكان ظاهرا وبارزا فالمحرم الحلي الظاهر البارز الذي تحصل به الزينة واما المستور كما إذا لبسته تحت ثيابها فلا بأس به لعدم صدق عنوان الزينة عليه وفي صحيح الكاهلي جواز لبس الحلي على الاطلاق إلا القرط المشهور والقلادة المشهورة اي الظاهرة البارزة (تلبس المرأة المحرمة الحلي كله إلا القرط المشهور والقلادة المشهورة) (3) فيقع التعارض بين صحيح ابن مسلم والكاهلي لان مقتضى عقد الاستثناء في رواية ابن مسلم عدم جواز لبس المشهور على الاطلاق قرطا كان أو قلادة أو غيرهما من انواع الحلي فكل حلي ظاهر بارز محرم لبسه ومقتضى عقد المستثنى منه في رواية الكاهلي جواز لبسها الحلي كله إلا القرط والقلادة، فيقع التعارض في غير القرط وغير القلادة كالسوار


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (2) و (3) الوسائل: باب 49 من أبواب تروك الاحرام ح 4 و 6.

[ 187 ]

والخلخال البارزين فان مقتضى رواية الكاهلي جواز لبسهما ومقتضى رواية ابن مسلم عدم جواز لبسهما والمرجع بعد التعارض صحيح الحلبي الدال على حرمة لبس الحلي. فالنتيجة ان غير القرط وغير القلادة إذا كان من الزينة وكان بارزا يحرم لبسه. مضافا إلى اطلاق ما دل على حرمة مطلق التزين كاخبار الاكتحال والنظر إلى المرآة، بل يمكن الاستدلال على عدم اختصاص المنع بالقرط والقلادة بصحيح ابن الحجاج (1) فان المستفاد منه ان حرمة لبس انواع الحلي كان امرا مفروغا عنه وكان ابن الحجاج يعلم ذلك أيضا وانما سأل عن خصوصية اخرى وهي ان المرأة كانت معتادة للبس الحلي ولم تلبسه بعد الاحرام بل كانت لابسة للحلي قبل الاحرام فهل يجب عليها نزعها ام لا. وبعبارة اخرى: نظر ابن الحجاج إلى ان حرمة لبس الحلي خاصة بما تلبسه بعد الاحرام أو يعم الحكم حتى ما إذا كانت لابسة قبل الاحرام فيجب عليها النزع فالسؤال عن هذه الجهة واما من حيث حرمة مطلق انواع الحلي فلا يسأل عن ذلك. وكيف كان الظاهر هو التعميم وعدم الاختصاص بالقرط والقلادة ولم ينقل الاختصاص من احد من الاصحاب. ويستثنى من ذلك ما كانت تعتاد لبسه قبل الاحرام، ولا يجب عليها النزع لصحيح ابن الحجاج المتقدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة يكون عليها الحلي والخلخال والمسكة والقرطان من


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب تروك الاحرام ح 1

[ 188 ]

الذهب والورق تحرم فيه وهو عليها وقد كانت تلبسه في بيتها قبل حجها، اتنزعه إذا احرمت أو تتركه على حاله؟ قال: تحرم فيه وتلبسه من غير ان تظهره للرجال في مركبها ومسيرها) (1). ولكن بما ان المسؤل عنه من الحلي الظاهر البارز امر (ع) بان لا تظهره للرجال، ويشمل المنع الزوج والمحارم ولكن ربما يدعى انصراف الرجال إلى الاجانب فيجوز لها اظهار الزينة للمحارم أو لخصوص الزوج إذ لا مانع في نفسه من اظهار الزينة للزوج والمحارم، والظاهر انه لا موجب لدعوى الانصراف بل الرجال يشمل المحارم والزوج كما فهمه الفقهاء. والوجه في ذلك ان الامام (ع) منع من اظهار الزينة في مركبها ومسيرها والغالب ان الزوج أو أحد المحارم يركب المرأة يحضر عند مركبها وسيرها الاجنبي لا يركب المرأة الاجنبية غالبا. ويؤيد ذلك ما ورد في رواية النضر بن سويد من منع التزين لزوجها (2) ولكنها ضعيفة سندا بسهل بن زياد فلا بأس بجعلها مؤيدة لما ذكرنا. فالنتيجة: انه يجوز للمرأة ابقاء حليها على جسدها التي كانت تلبسها قبل احرامها، ولا يجب عليها النزع، ولكن لا تظهرها للرجال حتى لزوجها فضلا عن المحارم وعن الاجانب.


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 49 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

[ 189 ]

[ 17 - (الادهان) (مسألة 257): لا يجوز للمحرم الادهان، ولو كان بما ليست فيه رائحة طيبة، ويستثنى من ذلك ما كان لضرورة أو علاج (1) ] (1) المشهور حرمة الادهان للمحرم، وعن المفيد وابن أبي عقيل وابي الصلاح وسلار الجواز مع الكراهة للاصل ولبعض الروايات التي نتعرض إليها اثناء الكلام، والصحيح ما ذهب إليه المشهور. لعدة من الروايات المعتبرة الدالة على المنع. منها: صحيح الحلبي الذي جوز الادهان حين الاحرام وحرمه بعد الاحرام (وادهن بما شئت من الدهن حين تريد ان تحرم، فإذا احرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل) (1). فلا مجال للاصل بعد النص. اما الروايات الدالة على الجواز فهي على طائفتين: الاولى: ما دل على جواز الادهان قبل الغسل وبعده ومعه ففي معتبرة ابن أبي يعفور، ما تقول في دهنه بعد الغسل للاحرام؟ فقال: قبل وبعد ومع ليس به بأس، الحديث) (2). ولكن هذه الروايات غير ناظرة إلى المحرم وانما تدل على جواز


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 30 من أبواب تروك الاحرام ح 6.

[ 190 ]

الادهان قبل الغسل وبعده ومعه فموردها اجنبي عن المقام. الثانية: ما دل على جواز الادهان للعلاج والتداوي كصحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا خرج بالمحرم الخراج أو الدمل فيلبطه وليداوه بسمن أو زيت) كما في نسخة التهذيب وفي الكافي (فليربطه وليتداو بزيت أو سمن) (1) وفي صحيحة ابن مسلم، (عن محرم تشققت يداه، قال: فقال: يدهنها بزيت أو سمن أو اهالة) (2). اهالة، الشحم المذاب. ولا يخفى: ان الاستدلال بهذه الروايات ضعيف جدا لان موردها العلاج والتداوي والضرورة ولا مانع من الالتزام بذلك وكلامنا في مطلق الاستعمال ولو في غير حال العلاج، فلا مجال لرفع اليد عن الروايات المصرحة بالمنع كصحيحة الحلبي المتقدمة وصحيح معاوية بن عمار وغيرها من المعتبرات. ايقاظ: ذهب المحقق في الشرايع في باب المحظور الثاني من كفارات الاحرام إلى وجوب الشاة جزما على من تطيب ثم ذكر بعد المحظور السابع أن من استعمل دهنا طيبا في احرامه ولو في حال الضرورة كان عليه شاة على قول، فيظهر منه التردد في المورد الثاني.


(1) التهذيب: ج 5 ص 304 الكافي: ج 5 ص 359 الوسائل: باب 31 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 31 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

[ 191 ]

اقول: لا ريب في حرمة استعمال الدهن الطيب لما دل من النصوص على حرمة الادهان، وأما الكفارة فغير ثابتة عنده فيعلم منه (قدس سره) ان الادهان بالدهن الطيب ليس من استعمال الطيب المتعارف المسمى في عرفنا بالعطور فان الطيب اسم لجسم خاص تكون فائدته الاشتمام والتطيب به وليس مجرد وجود رائحة طيبة في جسم موجبا لدخوله في عنوان الطيب والعطور، وإلا لكان اكثر الاجسام التي لها رائحة طيبة داخلة في العطور كالسفرجل والتفاح والاترنج، ونحو ذلك، وهذا باطل قطعا. فإذا يقع الكلام في تقييد الدهن بكونه طيبا في كلام المحقق فنقول: ان الدهن على قسمين قسم لا يعد للاكل بل يتنفر منه الطبع، وانما يستعمل للاسراج به أو العلاج والتدليك به ونحو ذلك كدهن الخروع والدهون المتخذة من النفط، وقسم يعد للاكل، وله رائحة طيبة لطيفة كدهن الحر ودهن الزيت، ونحو ذلك من الدهون المعدة للاكل التي يقبله الطبع ولكن مع ذلك لا يدخل بذلك عنوان الطيب والعطور، فالمراد بالدهن الطيب هو الذي يستعمل في الاكل ويشهد لما ذكرنا قوله (ع): في صحيح معاوية بن عمار (انه يكره للمحرم الادهان الطيبة إلا المضطر إلى الزيت، أو شبهه يتداوى به) (1) فان الظاهر ان الاستثناء متصل فيكون الزيت من الدهن الطيب فاطلاق الطيب على الزيت، وشبهه باعتبار استعداده للاكل مع انه لم يكن من العطور، وان كان المراد من كلامه الدهن الصادق عليه عنوان


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 8.

[ 192 ]

الطيب يعني استعمال الدهن الطيب اي الدهن الذي فيه رائحة طيبة فيسأل ما الوجه في تقييد الدهن بذلك مع أن خبر معاوية بن عمار ذكر فيه دهن البنفسج، وليس من الطيب قطعا، بل المعروف عند عامة الناس ان الدهن المستعمل في العلاج كلما فسد وصار عتيقا كان للعلاج افيد فدهن البنفسج إذا كان جديدا قد تكون فيه رائحة طيبة واما إذا صار عتيقا وفسد يستعمل في التداوي فلا موجب لهذا التقييد، فان لم نلتزم برواية معاوية بن عمار المقطوعة فالكفارة غير ثابتة على الاطلاق، ولو عملنا برواية معاوية بن عمار فمقتضى الاحتياط الالتزام بالكفارة على الاطلاق سواء كان للدهن رائحة طيبة أم لا. فرع: هل يجوز الادهان قبل الاحرام بحيث يبقى اثره بعد الاحرام، أو ان المحرم كون البدن مدهنا حال الاحرام، ولو بالادهان قبله؟. وبعبارة اخرى: الممنوع المعنى المصدري والاحداث بعد الاحرام أو ان الممنوع الاسم المصدري، وكون البدن مدهنا، وان كان الادهان قبل الاحرام، تقدم في البحث عن الطيب ان الممنوع هو كون البدن أو لباسه متطيبا فلا يجوز استعمال الطيب قبل الاحرام إذا يبقى اثره بعد الاحرام، ولذا تجب ازالته عن البدن أو الثوب إذا كان فيه الطيب فهل الادهان كذلك لاسيما إذا كان الفصل قليلا، أم ان الممنوع مجرد احداث الادهان بعد الاحرام. ومقتضى اطلاق ما دل على جواز الادهان بعد الغسل هو الجواز

[ 193 ]

[ (مسألة 258): كفارة الادهان شاة إذا كان عن علم وعمد، وإذا كان عن جهل فاطعام فقير على الاحوط (1) في كليهما. ] حتى فيما إذا يبقى اثره بعد الاحرام، بل خصوص صحيح الحلبي يدل على الجواز بوضوح لقوله (ع): (وادهن بما شئت من الدهن حين تريد ان تحرم) فان التدهين حين ارادة الاحرام يلازم بقاء اثره بعد الاحرام غالبا ولا يزول اثر الدهن في هذا القدر من الزمان خصوصا إذا كان الدهن غليظا، هذا ولكن في صحيح ابن مسلم (وكان يكره الدهن الخاثر الذي يبقى) (1) الخاثر الثخين الغليظ الذي استعمله قبل الغسل وبعده إلا انه لابد من حمل هذه الكراهة على الكراهة المصطلحة المقابلة للحرمة لدلالة صحيح الحلبي المتقدم على جواز ذلك صريحا، وقد عرفت انه لا ينفك اثر الدهن بالتدهين بعد الغسل، وحين الاحرام بل يبقى الاثر طبعا بعد الاحرام. وبالجملة: الممنوع هو الاحداث لا الابقاء. (1) هل في الادهان كفارة؟ عن جماعة انها دم شاة، ومقتضى الاصل العدم، ولا نص عن المعصوم (ع) في ذلك. وما عن معاوية بن عمار من ثبوت الكفارة فلم يعلم انه رواية عن الامام (ع) (2). وقد عرفت غير مرة ان مقتضى خبر علي بن جعفر (لكل شئ


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب تروك الاحرام ح 3. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب بقية الكفارات ح 5.

[ 194 ]

خرجت (جرحت) من حجك فعليك دم تهريقه) ثبوت الكفارة لكل مورد من موارد التروك، كما قد عرفت ضعف الخبر سندا ودلالة. ومما؟ يستدل كما في الجواهر لوجوب الكفارة بخبر محمد بن عمر بن يزيد الوارد (1) في تفسير قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقه أو نسك) (2) (والنسك دم شاة) المستفاد من ثبوت الكفارة المخيرة بين هذه الامور الثلاثة لكل من عرض له أذى أو وجع فتعاطى وصدر منه ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا، وهذا عام يشمل جميع الموارد، فيدل الخبر على ان كل ما لا يجوز ارتكابه اختيارا إذا اضطر إليه جاز له ارتكابه لكن مع الكفارة. وفيه اولا: ان الخبر ضعيف سندا بمحمد بن عمر بن يزيد فانه لم يوثق. وثانيا: بالجزم ببطلان مدلول هذه الرواية إذ لم ينسب إلى احد من الفقهاء ثبوت الكفارة في موارد الخلاف بهذا النحو من الكفارة المخيرة، إلا في مورد حلق الرأس في المورد المذكور في الآية. واما الآية الشريفة فاجنبية عن المقام بالمرة فانها واردة في المحصور لقوله تعالى: (فان احصرتم فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)، فان الآية المباركة في مقام بيان


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2 - الجواهر ج 20 ص 430. (2) سورة البقرة آية 196.

[ 195 ]

ان من احصر لا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله. فان كان مضطرا إلى حلق رأسه ولا يتمكن من الصبر إلى بلوغ الهدي محله لاذى في رأسه أو لمرض آخر فليحلق رأسه قبل بلوغ الهدي محله ولكن يكفر باحد الامور الثلاثة وهذه الكفارة الخاصة المخيرة لم تثبت في غير هذا المورد، وتعميمه لكل مورد لا ينبغي صدوره من المحرم، ضعيف جدا. واما ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار، في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج، قال: ان كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، وان كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه) (1) والدلالة واضحة على ثبوت الكفارة بالتفصيل المذكور. ولكن الذي يهون الخطب ان مدلول الرواية لم يكن منقولا عن الامام (ع) بل الظاهر ان ذلك فتوى لمعاوية بن عمار ولم ينسبه إلى الامام (ع) فتكون الرواية مقطوعة لا مضمرة، ودعوى الجزم بان معاوية بن عمار لا يفتى إلا بما سمعه عن الامام (ع) ولا يخبر إلا عنه، عهدتها على مدعبها، لاحتمال اجتهاده، أو انه سمع ممن ينقل عن الامام (ع) ولم تثبت وثاقته عندنا، وعمل المشهور لو قلنا بجبره للخبر الضعيف لا يفيد في المقام إذ لم يعلم انه رواية حتى يجبرها عمل المشهور.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5.

[ 196 ]

تنبيه: ان جملة من الاصحاب قد التزموا بالكفارة بدم شاة في العامد استنادا إلى رواية معاوية بن عمار (وان كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه) ولم يلتزموا بالكفارة بطعام مسكين في صورة الجهل اعراضا عن جملة (وان كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين) لاشتمالها على وجوب الكفارة على الجاهل مع اتفاق الاصحاب والاخبار على ان الجاهل لا كفارة عليه إلا في الصيد خاصة كما تقدم، فان الرواية مشتملة على امرين الشاة على العامد وطعام مسكين على الجاهل ولم يقل احد بالثاني. ولا يخفي ان موضوع الرواية وموردها هو المعذور ومن يستعمل الدهن للعلاج والتداوي فإذا لا فرق بين العلم والجهل فان الادهان حينئذ جائز جزما سواء قلنا بالكفارة أم لا فليس في البين حكم تشريعي تحريمي حتى يقال بأن المحرم قد يكون عالما به وقد يكون جاهلا به وعلى العالم كذا وعلى الجاهل بالحكم كذا، ولكن الظاهر عدم ارادة العالم مقابل الجاهل من قوله: (وان كان تعمد) وليس المراد بالجملتين العلم والجهل بالحكم، بل المراد من المتعمد القصد إلى الفعل وكونه ملتفتا إليه، والمراد بالجهل ليس الجهل بالحكم، بل المراد غير القاصد كالناسي والغافل عن احرامه فان مقابل الجاهل بالحكم العامد لا المتعمد فالتعبير بالمتعمد قرينة على ان المراد بالجاهل غير القاصد إلى الفعل في قبال القاصد، فالتقسيم المذكور في الرواية صحيح وليس وجوب الكفارة على الجاهل

[ 197 ]

بالمعنى الذي ذكرناه مخالفا للاخبار والاصحاب فلا بأس في الاحتياط الذي ذكرناه في المتن، ولم يكن مخالفا لاتفاق الاصحاب، ولكن قد عرفت حال الرواية وانها مقطوعة غير مستندة إلى المعصوم (ع).

[ 198 ]

[ 18 (ازالة الشعر عن البدن) (مسألة 259): لا يجوز للمحرم ان يزيل الشعر عن بدنه أو بدن غيره: المحرم أو المحل (1). ] (1) لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز ازالة الشعر من رأسه ولحيته وسائر بدنه بجميع انواعها من النتف والحلق والقص قليلا كان الشعر أو كثيرا، ويدل عليه بالنسبة إلى حلق الرأس قوله تعالى: (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) (1). ويستفاد ذلك أيضا من الروايات. واما الحلق لغير الرأس فيدل عليه عدة من الروايات. منها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المحرم يحتجم؟ قال: لا إلا ان لا يجد بدا فليحتجم ولا يحلق مكان المحاجم (2). ومنها: صحيح حريز عن أبي عبد الله ع) قال: لا بأس ان يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر) (3). واما قطع الشعر وازالته باي نحو كان فيدل على حرمته صحيح حريز المتقدم فان القطع تشمل النتف والجز والقص وامثال ذلك وكذا يدل عليه موثق معاوية بن عمار (عن المحرم كيف يحك رأسه؟ قال:


(1) البقرة: 196. (2) و (3) الوسائل: باب 62 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 5.

[ 199 ]

[ ويستثنى من ذلك حالات اربع: (1) ان يتكاثر القمل على جسد المحرم ويتأذى بذلك. (2) ان تدعو ضرورة إلى ازالته. كما إذا اوجبت كثرة الشعر صداعا أو نحو ذلك. (3) ان يكون الشعر نابتا في اجفان العين ويتألم المحرم بذلك. (4) ان ينفصل الشعر من الجسد من غير ] باظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر) (1). ويدل عليه أيضا معتبرة الهيثم، قال: سأل رجل أبا عبد الله (ع) عن المحرم يريد اسباغ الوضوء فتسقط من لحيته الشعرة أو شعرتان: فقال: ليس بشئ، ما جعل عليكم في الدين من حرج) (2). فان المستفاد منها حرمة قطع الشعر وازالته في نفسه مع قطع النظر عن الحرج وإلا لو كان جائزا في نفسه لما احتاج في الحكم بالجواز إلى الاستدلال بنفي الحرج، وانما جوزه لان الالتزام بعدم سقوط الشعر مع اسباغ الوضوء حرجي غالبا خصوصا إذا كان الشعر ضعيفا كما إذا كان الشخص شيخا كبيرا. ويؤكده أو يؤيده النصوص الدالة على ثبوت الكفارة لاسقاط الشعر بناءا على ثبوت الملازمة العرفية بين ثبوت الكفارة والحرمة فان الملازمة بينهما وان لم تكن دائمية إذ قد يفرض الجواز مع الكفارة ولكن لا يبعد دعوى الملازمة غالبا بين الامرين.


(1) الوسائل: باب 73 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 6.

[ 200 ]

[ قصد حين الوضوء أو الاغتسال (1). ] (1) ثلاثة من الموارد المستثناة من افراد الضرر ومورد واحد غير ضرري. اما ما كان غير ضرري فهو كسقوط الشعر عند اسباغ الوضوء فان انفصال الشعر من الجسد من لوازم اسباغ الوضوء غالبا ولا بأس به إذا لم يكن متعمدا، ولا يختص الحكم بالوضوء بل يعم الحكم للغسل أيضا للحرج المنفي في الشريعة المقدسة، فان الالتزام بعدم سقوط الشعر عند الوضوء أو الاغتسال أو غسل عضو من اعضائه حرجي نوعا، وقد عرفت مدلول معتبرة الهيثم فانها تدل على جواز ازالة الشعر عند اسباغ الوضوء مستدلا بالحرج المنفي. واما موارد الضرر فعلى ثلاثة اقسام، لانه تارة: يتضرر من وجود الشعر ونباته في مكان خاص كنبات الشعر في الاجفان فان المحرم يتألم بذلك، فلا ريب في جواز ازالته للضرر ويستفاد من بعض الروايات أيضا، واخرى: يتوقف العلاج والتداوي على ازالة الشعر وإلا فوجود الشعر في نفسه غير ضرري وانما تدعو الضرورة والعلاج إلى ازالته كما إذا اوجبت كثرة الشعر صداعا أو يحتاج إلى تبريد الرأس ونحو ذلك، فهذا أيضا جائز للضرر. وثالثة: ما إذا توقف دفع الضرر على ازالة الشعر وإلا فوجود الشعر في نفسه غير ضرري ولا يتوقف علاج المرض والتداوي على ازالته، ولكن يتوقف دفع الضرر على ازالته كما إذا تكاثر القمل على رأسه ولحيته فيزيل الشعر دفعا للقمل الذي يتأذى منه ففي جميع هذه

[ 201 ]

الموارد تجوز ازالة الشعر وحلقه للآية الشريفة ولقاعدة نفي الضرر. واما رواية حريز الحاكية لمرور رسول الله (صلى الله عليه وآله) على كعب بن عجرة الانصاري والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم فقال: أتؤذيك هوامك؟ فقال: نعم، قال: فانزلت هذه الآية (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحلق رأسه الحديث (1) فمرسلة على طريق الكليني وطريق الشيخ وان كان باسناد صحيح ولكن لا يمكن الاعتماد عليه إذ يبعد جدا ان حريز يروى لحماد تارة مسندا عن الامام واخرى مرسلا فتكون الرواية مرددة بين الارسال والاسناد فتسقط الرواية عن الحجية وهذا الكلام يجري حتى مع قطع النظر عن كون الكليني اضبط، ولا يختص ما ذكرنا بهذه الرواية بل يجري في جملة من الروايات المروية عن حريز فان الكليني رواها مرسلا والشيخ مسندا، وكيف كان يكفينا في الحكم بالجواز نفس الآية المباركة وحديث نفي الضرر. فالمتحصل: انه لا تجوز ازالة الشعر عن البدن باي نحو من انحائها إلا في موارد الضرر والحرج كاسباغ الوضوء ونحوه. ثم انه لا فرق في حرمة ازالة الشعر بين شعره وشعر غيره محلا كان الغير أو محرما اما بالنسبة إلى المحل فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار (لا يأخذ المحرم من شعر الحلال) (2) واما إذا كان الغير محرما فيستفاد الحكم بالحرمة بالنسبة إليه بالاولوية القطعية إذ لا نحتمل كون


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 63 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 202 ]

[ (مسألة 260): إذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة فكفارته شاة، وإذا حلقه لضرورة فكفارته شاة أو صوم ثلاثة ايام، أو اطعام ستة مساكين لكل واحد مدان من الطعام (1) ] الحكم في المحرم اخف من المحل. ويمكن ان يستدل له بوجه آخر. وهو ان الحكم كان عاما شاملا لا فراد قد يفهم منه عرفا عدم جواز التسبيب إليه أيضا وعدم اختصاصه بالمباشرة نظير ما إذا قال المولى لعبيده وخدمه لا تدخلوا علي في هذا اليوم فان المتفاهم من ذلك عدم جواز ادخالهم للغير أيضا وان هذا الفعل مبغوض من كل احد ولا يختص بالمباشرة ودخول العبيد انفسهم بل يفهم من هذا الخطاب مبغوضية هذا الفعل من كل واحد. (1) في ثبوت الكفارة تفصيل، فيقع الكلام في موارد: الاول: في حلق الرأس. المشهور ثبوت الكفارة المخيرة بين الامور الثلاثة المذكورة في الآية من الصيام والصدقة والنسك اي الشاة وذكر في صحيح زرارة أيضا حيث تعرض لبيان المراد من الكفارة وفسرها بالصيام ثلاثة ايام والتصديق على ستة مساكين أو ذبح شاة (1) والآية المباركة وان وردت في مورد العذر ولكن ثبوت الحكم بالكفارة على المختار بطريق اولى فالمحرم إذا حلق رأسه معذورا أو مختارا تجب عليه الكفارة المخيرة


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3.

[ 203 ]

المذكورة في الآية واما وجوب الشاة أو الدم فيدل عليه صحيحتان لزرارة فقد ذكر في احداهما الشاة وفي الاخرى الدم (1) واطلاق الدم يقيد بالشاة ان لم يكن الدم في نفسه ظاهرا في الشاة ولكن قالوا ان الشاة غير متعينة وانما الشاة من جملة الافراد المخيرة المذكورة في الآية والرواية السابقة. فالمتحصل: انهم ذهبوا في حلق الرأس مطلقا إلى التخيير بين الامور الثلاثة. فان تم اجماع على ما ذكروه فلا كلام وان لم يتم فلا وجه لفتوى المشهور اصلا، اما الآية فموردها المريض أو المعذور واما صحيحة زرارة المفسرة للآية فموردها أيضا من كان اذى في رأسه، واما الصحيحان المشتملان على ان عليه الدم أو الشاة فموردهما الحلق على الاطلاق مضطرا كان أو مختارا ومقتضى الجمع بين الروايات ان غير المضطر يتعين عليه الشاة والمضطر مخبر بين الامور الثلاثة المذكورة في الآية الشريفة، فاجزاء الصرم أو الطعام في المختار عن الشاة يحتاج إلى دليل ولا دليل. وبعبارة اخرى: لو لم تكن الآية لقلنا بوجوب الشاة على الاطلاق مضطرا كان المحرم أو مختارا في الحلق ولكن لاجل الآية الكريمة تقول بالتخيير في المضطر خاصة. فتحصل: ان مقتضى الجمع بين الروايات هو التفصيل بين ما إذا كان المحرم مضطرا إلى حلق رأسه فيتخير بين الامور الثلاثة، اي الصيام ثلاثة ايام واطعام ستة مساكين والشاة. نعم في خبر محمد بن عمر بن يزيد (والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام)، ولكنه ضعيف


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1 و 6.

[ 204 ]

[ وإذا نتف المحرم شعره النابت تحت ابطه فكفارته شاة، وكذا إذا نتف احد ابطيه على الاحوط، وإذا نتف شيئا من شعر لحيته وغيرها فعليه ان يطعم مسكينا بكف من الطعام، ولا كفارة في حلق المحرم رأس غيره محرما كان ام محلا (1). ] سندا بمحمد بن عمر بن يزيد، وبين ما إذا كان مختارا فيتعين عليه الشاة. (1) المعروف بينهم ان من نتف أحد ابطيه اطعم ثلاثة مساكين ولو نتفهما لزمه شاة. والذي يمكن ان يستدل لهم، انه ورد في رواية عبد الله بن جبلة في محرم نتف ابطه، قال: يطعم ثلاثة مساكين. وورد في صحيح حريز انه إذا نتف الرجل ابطيه بعد الاحرام فعليه دم) (1). ويحمل الدم على الشاة بقرينة سائر الروايات، فقالوا مقتضى خبر حريز وجوب الشاة لنتف الابطين معا ووجوب الاطعام على ثلاثة مساكين لخبر عبد الله بن جبلة، واما الصحيحتان لزرارة اللتان ذكر فيهما الشاة أو الدم لنتف الابط فمحمولتان على نتف الابطين معا للغلبة الخارجية، فان الغالب في من نتف ابطه أو حلقه ينتف الابطين معا. ان قلت: مفهوم صحيح حريز هو عدم وجوب الشاة لمن لم ينتف الابطين وهذا مطلق له فردان عدم نتف الابطين معا ونتف ابط واحد فيقيد اطلاق المفهوم بالصحيحتين لزرارة الدالتين على وجوب الشاة في


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2 و 1.

[ 205 ]

نتف الابط، فالنتيجة عدم وجوب الشاة على من لم ينتف الابطين اصلا ووجوب الشاة على من نتف الابط الواحد. قلت: تقييد اطلاق المفهوم بمنطوق دليل آخر وان كان صحيحا في نفسه ولكن التقييد في خصوص المقام غير ممكن لانه يوجب الغاء نتف الابطين عن ايجابه للشاة وعدم خصوصية لهما. وبعبارة اخرى لو قلنا بوجوب الشاة في نتف ابط واحد فلا موضوع ولا خصوصية لنتف الابطين مع ان الظاهر ان نتف الابطين له خصوصية فلابد من حمل الابط المذكور في صحيحتي زرارة على الجنس بقرينة صحيحة حريز فلا منافاة في البين فتحصل: ان نتف الابطين معا يوجب الشاة ونتف ابط واحد يوجب الاطعام على ثلاثة مساكين. وتفصيل الكلام: ان المشهور في نتف الابطين شاة وفي نتف ابط واحد التصدق على ثلاثة مساكين واستندوا في ذلك إلى صحيحة حريز الدالة على وجوب الشاة في نتف الابطين وقالوا ان مقتضى مفهومها عدم وجوب الشاة في نتف ابط واحد، فما ورد من وجوب الشاة في نتف ابط واحد كما في صحيحتي زرارة محمول على الجنس ويمكن صدقه على الابطين فلا منافاة في البين. وما ذكروه غير تام لانه لو سلمنا دلالة صحيحة حريز على نفي وجوب الشاة لنتف ابط واحد بالمفهوم فانما ينفي الوجوب التعييني، واما الوجوب التخييري الجامع بين الشاة وغيرها فلا ينفيه المفهوم وبما ان صحيح زرارة يدل على وجوب الشاة في نتف ابط واحد وخبر عبد الله بن جبلة يدل على الاطعام على ثلاثة مساكين فكل منهما نص في

[ 206 ]

الوجوب وظاهر في التعييني فلابد من رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين والالتزام بوجوبهما فالنتيجة ثبوت الوجوب التخييري كما هو الحال في غير المقام فانه إذا دل دليل على وجوب شئ ودل دليل آخر على وجوب امر آخر وعلمنا من الخارج بعدم وجوبهما معا يحمل الوجوب في كل منهما على التخييري، فمقتضى الصناعة والجمع بين خبر عبد الله بن جبلة وخبر زرارة هو وجوب الشاة في نتف ابط واحد وجوبا تخييريا بينه وبين الاطعام هذا كله بناءا على ذكر الابطين بالتثنية في صحيح حريز كما عن الشيخ ولكن الصدوق رواه بعين السند عن حريز، إلا انه قال: ابطه بالافراد، فلا يعلم ان حريز روى لحماد بالتثنية أو بالافراد فلا يمكن التمسك بمفومه لنفي الشاة بنتف الابط الواحد، نعم لا اشكال في ثبوت الشاة لنتف الابطين معا سواء كان خبر حريز بلفظ التثنية أو الافراد فنفي الشاة عن نتف ابط واحد غير ثابت فتبقى صحيحتا زرارة من غير تقييد ومقتضاهما وجوب الشاة لنتف ابط واحد لعدم ثبوت ذكر الابطين بالتثنية في صحيح حريز ولعل نسخة الصدوق اصح فان المعروف انه اضبط من الشيخ كما ان الشيخ روى في التهذيب عن الصادق (ع) وفي الاستبصار عن الباقر (ع) وهو سهو منه (قده) والصحيح انه مروي عن الصادق (ع) كما في الفقيه، وعليه فلا موجب لرفع اليد عن اطلاق صحيحتي زرارة ومجرد الغلبة الخارجية لنتف الابطين إذا نتف الابط لا يوجب الحمل على الابطين فمقتضى خبري زرارة وجوب الشاة حتى في نتف ابط واحد ولكن يقابلهما خبر عبد الله بن جبلة الدال على الاطعام في نتف ابط واحد فلو قلنا بانجبار خبر عبد الله بن جبلة بعمل المشهور أو اكتفينا في الوثاقة بوقوع الراوي في تفسير علي بن ابراهيم أو في اسناد

[ 207 ]

كامل الزيارات فالخبر معتبر وإلا فالرواية ساقطة فلابد من الالتزام بوجوب الشاة لنتف الابط الواحد ولكن قد التزمنا بصحة خبر عبد الله ابن جبلة لوقوعه في اسناد كامل الزيارات فيكون معارضا لخبري زرارة الدالين على الشاة في نتف ابط واحد حسب اطلاقهما، وحيث لا يحتمل وجوب الشاة ووجوب الاطعام معا فمقتضى القاعدة كما عرفت هو الجمع بينهما بالحمل على الوجوب التخييري بين الشاة والاطعام، وبما ان الامر دائر بين التعيين والتخيير فمقتضى الاحتياط هو التعيين بوجوب الشاة فالاكتفاء عنها بالاطعام مما لا وجه له وخلاف للاحتياط. وقد يقال: ان صحيحتي زرارة واردتان في المتعمد واما معتبرة عبد الله بن جبلة لم يؤخذ فيهما المتعمد وقانون الاطلاق والتقييد يقتضى حمل خبر عبد الله بن جبلة على غير العامد فالنتيجة تعين الشاة على من نتف ابطا واحدا متعمدا والاطعام على الجاهل والناسي. وفيه: ان المتعمد وان لم يذكر في خبر عبد الله بن جبلة ولكن حمله على غير المتعمد مناف للاطلاقات الكثيرة الدالة على انه لا شئ على الجاهل والناسي فيقيد خبر عبد الله بن جبلة بغير الجاهل والناسي إذ لا شئ عليهما جزما هذا اولا. وثانيا: ان المتعمد صرح به في صحيحتي زرارة وكذا الجاهل والناسي فكيف يمكن حمل خبر عبد الله بن جبلة على الجاهل والناسي مع وقوع التصريح في الصحيحتين بان لا شئ على الجاهل والناسي فيكون خبر عبد الله بن جبلة معارضا للصحيحين على كل حال، فالصحيح ما ذكرناه من ان القاعدة تقتضي التخيير ولكن الشاة في نتف ابط

[ 208 ]

واحد احوط لان الامر دائر بين التعيين والتخيير والتعيين احوط، ولذا ذكرنا في المتن وجوب الشاة في نتف الابطين على الجزم ووجوبهما في نتف ابط واحد على الاحوط فتدبر في المقام. بقي الكلام في جهات: الاولى: ثبوت الكفارة بالشاة يتوقف على صدق عنوان حلق الرأس ونتف الابط، فلو حلق بعض رأسه أو نتف شيئا من شعر ابطه لا تجب الكفارة بالشاة لعدم صدق عنوان حلق الرأس أو نتف الابط. الثانية: المذكور في الروايات حلق الرأس ونتف الابط فلو عكس الامر فهل تشمله الروايات الدالة على الكفارة؟ الظاهر انه لا خصوصية لذلك فان العبرة بازالة الشعر باي وجه كانت حلقا كانت أو نتفا وانما ذكر الحلق للرأس والنتف للابط للتعارف الخارجي فان الغالب في ازالة شعر الرأس بالحلق. الثالثة: لو نتف أو حلق الشعر من غير هذين الموضعين كما إذا اخذ الشعر من لحيته أو من سائر اعضائه مما ينبت فيه الشعر، يجب عليه التصدق على المسكين، وكذا لو أمر يده على رأسه أو لحيته فسقط منه الشعرة أو الشعرتان وكان متعمدا في الامرار والمس وان لم يكن متعمدا لاسقاط الشعر فالواجب عليه في جميع هذه الموارد هو التصدق على المسكين، ويدل على ذلك عدة من الروايات. ففي بعضها انه يطعم مسكينا كما في صحيح الحلبي (قال: ان نتف المحرم من شعر لحيته وغيرها شيئا فعليه ان يطعم مسكينا في يده) (1). وفي بعضها كفا من طعام أو كفين ومن المعلوم ان التخيير بين


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 9.

[ 209 ]

الزائد والناقص يقتضي حمل الزائد على الافضلية، وفي بعضها يطعم شيئا وفي بعضها فليتصدق بكف من طعام أو كف من سويق ولا يخفى ان السويق قسم من انواع الطعام فذكره من باب ذكر الخاص بعد العام وفي خبر الصدوق (بكف من كعك أو سويق) ولو صح خبر الصدوق فذكر الكعك من باب ذكر الخاص بعد العام لكون الكعك نوعا من الطعام، وفي بعض الروايات يشترى بدرهم تمرا ويتصدق به، فان تمرة خير من شعرة. والتمر داخل في عنوان الطعام ومن مصاديقه بل لو لم يكن خبر يدل على جواز التصدق به لكان جائزا أيضا لانه من انواع الطعام وفي مرسلة الصدوق من طعام أو كفين (1). وكيف كان من مس لحيته أو عضوا آخر من سائر بدنه وسقط منه الشعرة والشعرتان عليه الاطعام على مسكين وان لم يكن متعمدا في اسقاط الشعر وازالته. وبازاء هذه الروايات روايتان: الاولى: ما رواه الشيخ بسنده عن جعفر بن بشير والمفضل بن عمر (على نسخة الوسائل والتهذيب) قال دخل الساجبي (الساجي) على أبى عبد الله (ع) فقال: ما تقول في محرم مس لحيته فسقط منها شعرتان؟ فقال أبو عبد الله (ع): ولو مسست لحيتى فسقط منها عشر شعرات ماكان على شئ) (2) والرواية بناءا على نسخة الوسائل والتهذيب الجديد صحيحة حتى على القول بضعف المفضل فان الراوي


(1) الوسائل: راجع هذه الروايات في باب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 7.

[ 210 ]

عن الصادق عليه السلام شخصان احدهما جعفر بن بشير وهو ثقة بالاتفاق ولا يضر ضعف الراوي الاخر، ولكن في الوافي روي عن جعفر بن بشير عن المفضل بن عمر فتكون الرواية ضعيفة لضعف المفضل عن المشهور والظاهر ان ما في الوافي هو الصحيح كما في الاستبصار الجديد ج 2 ص 198 لان جعفر بن بشير من اصحاب الرضا (ع)، ومات في سنة 208، ولم يكن له رواية عن الصادق (ع) إلا رواية واحدة ولو كان من اصحاب الصادق (ع) لم تكن روايته منحصرة بالواحدة، بل من المطمئن به ان تلك الرواية الواحدة فيها ارسال للفصل الكثير بينه وبين الصادق (ع) بستين سنة فان الصادق (ع) توفي في سنة 148، وجعفر بن بشير في سنة 208 ويؤيد ما في الوافي انه لو كان الراوي عن الامام عليه السلام جعفر والمفضل معا لذكر في الرواية (قالا دخل) (الساجبي) لا (قال) بالافراد، ولكن الرواية عندنا موثقة على كل حال لان المفضل ثقة على المختار، بل من الاجلاء واليه ينسب الكتاب المعروف بتوحيد المفضل الذي عبر عنه النجاشي بكتاب فكر، وقلنا بأن كلام النجاشي غير ظاهر في تضعيفه من حيث النقل والاخبار وحملنا ما ورد في ذمه على ما ورد في ذم زرارة ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وامثالهم والتفصيل في معجم الرجال (1) فتكون الرواية معتبرة، ولكن الدلالة مخدوشة لامكان حملها على نفي الكفارات المتعارفة من الدم والشاة. بل يمكن ان يقال: ان الرواية بالعموم تدل على انه ليس في سقوط الشعر شئ ومقتضى الجمع بينها وبين تلك الروايات المتظافرة انه ليس


(1) معجم الرجال ج 18 ص 334.

[ 211 ]

[ (مسألة 261): لا بأس بحك المحرم رأسه ما لم يسقط الشعر عن رأسه وما لم يدمه، وكذلك البدن، وإذا امر ] عليه شئ من الكفارات إلا التصدق بكف من الطعام، ونحو ذلك فلا منافاة في البين. الرواية الثانية: عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي (قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يتناول لحيته وهو محرم يعبث بها فينتف منها الطاقات يبقين في يده خطاءا، أو عمدا فقال: لا يضره) (1). والجواب: ان الرواية ضعيفة بمفضل بن صالح وهو أبو جميلة الاسدي النخاس وقد ضعفه النجاشي صريحا في ترجمة جابر بن يزيد، على ان قوله: (لا يضره) غير صريح في عدم ثبوت الكفارة. وبالجملة: لا ينبغي الريب في ثبوت التصدق باسقاط الشعر باي وجه كان. نعم: يستثنى من ذلك خصوص المتوضي الذي يسقط منه الشعر حال اسباغ الوضوء فقد ورد في حقه انه ليس عليه شئ للحرج المنفي في الشريعة. ثم ان الكفارة الثابتة انما تلزم في حلق الرأس نفسه أو نتف أبطه مباشرة كان أو تسبيبا كما هو الغالب في حلق الرأس. وانما حلق رأس غيره أو نتف شعر غيره فلا يترتب عليه الكفارة وان كان حراما إذ لا دليل على الكفارة بالنسبة إلى حلق رأس غيره أو اخذ الشعر منه، ولا يمكن الحكم بوجوب الكفارة بلا دليل.


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب بقية الكفارات الاحرام ح 8.

[ 212 ]

[ المحرم يده على رأسه أو لحيته عبثا فسقطت شعرة أو شعرتان فليتصدق بكف من طعام، واما إذا كان في الوضوء ونحوه فلا شئ عليه (1). ] (1) قد عرفت الاحكام المذكورة في هذه المسألة من مطاوي ما ذكرناه في المسألة السابقة وذكرنا الاخبار الواردة في المقام في تلك المسألة.

[ 213 ]

[ 19 (ستر الرأس للرجل) (مسألة 262): لا يجوز للرجل المحرم ستر رأسه، ولو جزء منه باي ساتر كان حتى مثل الطين، بل وبحمل شئ على الرأس على الاحوط، نعم لا بأس بستره بحمل القربة، وكذلك تعصيبه بمنديل ونحوه من جهة الصداع (1). ] (1) لا خلاف بين العلماء في حرمة تغطية الرجل رأسه وستره، كما لا خلاف في عدم الفرق في حرمة التغطية بين جميع افرادها وانواعها كالثوب والطين والدواء وحمل ما يستر جميع رأسه ونحو ذلك للنصوص المستفيضة. منها: ما دل على ان احرام المحرمة في وجهها والرجل في رأسه كصحيحة عبد الله بن ميمون (1) وفي معتبرة حريز (عن محرم غطى رأسه ناسيا، قال: يلقى القناع عن رأسه ويلبي ولا شئ عليه) (2) فان المستفاد منه ان تغطية الرأس مبغوضة شرعا إذا تذكر، وفي صحيحة زرارة (الرجل المحرم يريد ان ينام يغطي وجهه من الذباب؟ قال: نعم، ولا يخمر رأسه) (3). بل يستفاد من بعض النصوص عدم جواز ستر بعض الرأس وعدم


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 55 من أبواب تروك الاحرام حديث 2 و 3 و 5.

[ 214 ]

اختصاص الحرمة بتغطية تمام الرأس كما في صحيح عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) (يقول: لابي وشكى إليه حر الشمس وهو محرم وهو يتأذى به، فقال: ترى ان استتر بطرف ثوبي؟ قال: لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك) (1) فان اصابة طرف من الثوب تصدق بتغطية بعض الرأس. ثم ان المراد بالرأس في المقام منبت الشعر مقابل وجه المرأة فان الوجه وان كان من الرأس في بعض الاطلاقات والاستعمالات ولكن المراد به هنا منبت الشعر بقرينة مقابلته لوجه المرأة في النصوص. ولا فرق في تغطية تمام الرأس أو بعضه بين جميع افرادها من الثوب والطين ونحوهما مما يغطي الرأس كما لا يجوز للمرأة ستر وجهها باي نحو كان فلا خصوصية لنوع الساتر والسؤال في بعض الاخبار وان كان عن الستر بالثوب ولكن العبرة باطلاق الجواب والمنع عن مطلق الستر فلا خصوصية للثوب. وهل يعم الحكم ما يحمل على رأسه شيئا كالطبق والجنطة أو الفراش أو الكتاب ونحو ذلك ام لا؟ المعروف بينهم هو التعميم بل لا خلاف بينهم في عدم جواز التغطية بنحو ذلك. ولكن للمناقشة فيه مجال فان حمل الشئ على رأسه إذا كان ساترا لجميع رأسه، وتمامه كحمل الحشيش ونحوه فلا كلام في المنع لشمول الاطلاقات المانعة لذلك فان الرأس يغطى ولو يحمل شئ على رأسه وقد عرفت انه لا خصوصية لنوع من انواع الساتر، واما إذا كان الحمل


(1) الوسائل: باب 67 من أبواب تروك الاحرام ح 4.

[ 215 ]

موجبا لتغطية بعض الرأس كحمل الطبق والكتاب ونحوهما فلا دليل على المنع فان الحكم بالمنع وان كان مشهورا ولكن لا يبلغ حد الاجماع القطعي وما دل على المنع من اصابة بعض الرأس انما يدل فيما إذا كان الستر ولو ببعض الرأس مقصودا واما إذا لم يكن قاصدا لستر الرأس بل كان قاصدا لامر آخر وذلك يستلزم الستر لم يكن مشمولا للنص الدال على منع ستر البعض، نظير النائم المتوسد فان بعض رأسه يستر بالوسادة أو بوضع رأسه على الارض ولكنه لا يمنع عن ذلك لانه لا يريد ستر رأسه وانما يريد النوم فقهرا يستر بعض رأسه بالوسادة أو بالفراش أو بالارض، وكما إذا اراد حك رأسه بالحائط أو بخشبة أو حديدة عريضة فانه وان يستر بذلك ولكن لا يصدق عليه عنوان تغطية الرأس الممنوع في الروايات لعدم كونها مقصودة، فالذي يستفاد من النص ان يكون الستر مقصودا في نفسه، واما المطلقات فالمستفاد منها عدم جواز ستر تمام الرأس كما هو الحال في حلق الرأس ونتف الابط. والحاصل: لو كنا نحن والمطلقات فلا دليل على منع ستر بعض الرأس لعدم شمول المطلقات لستر بعض الرأس وانما منعنا عن ستر بعض الرأس لخصوص صحيح عبد الله بن سنان المانع عن ستر بعض الرأس والمستفاد منه ان يكون الستر بنفسه مقصودا ولا يشمل ستر البعض الذي لم يكن مقصودا، ومع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط لذهاب المشهور إلى المنع عن ستر البعض مطلقا. ويستثنى من حرمة ستر الرأس موردان: احدهما: ستر الرأس من جهة الصداع لصحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بان يعصب المحرم رأسه من

[ 216 ]

الصداع) (1). الثاني: ستر الرأس بحبل القربة كما هو المتعارف حتى في الازمنة المتأخرة، واستدلوا بما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع) عن المحرم يضع عصام القربة على رأسه إذا استسقى؟ فقال: نعم) (2) ومن الغريب ما في الجواهر والحدائق من توصيف الخبر بالصحيح خصوصا من الحدائق مع تدقيقه في اسناد الروايات ولعلهما وصفا الخبر بالصحة لجلالة محمد بن مسلم ورواية الصدوق عنه وغفلا عن ان طريق الصدوق إلى محمد بن مسلم ضعيف لوجود علي بن احمد بن عبد الله البرقي عن أبيه احمد بن عبد الله بن احمد بن أبي عبد الله البرقي وهما مما لم يوثقا. والذي ينبغي ان يقال: في جواز ستر الرأس بحبل القربة ان ستر بعض الرأس إذا لم يكن مقصودا بنفسه لا مانع منه كما عرفت وصحيح ابن سنان الذي منع عن ستر بعض الرأس لا يشمل ذلك لاختصاصه بما إذا كان الستر مقصودا بنفسه والاطلاقات غير شاملة لذلك أيضا فالمقتضى للمنع قاصر. ومع قطع النظر عن ذلك نجزم بجواز ذلك للسيرة القطعية على ذلك فان حمل القربة وشد حبلها بالرأس امر متعارف شايع حتى في زماننا فضلا عن الازمنة السابقة ولو كان ذلك امرا محرما مع كثرة الابتلاء به لشاع وظهر وبان ولم يرد في رواية ولا سمعنا من احد عدم جواز ذلك وذلك كله يوجب الاطمينان بالجواز فلا نحتاج في الحكم بالجواز إلى خبر محمد بن مسلم حتى يقال انه ضعيف.


(1) الوسائل: باب 56 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 57 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 217 ]

[ وكذلك لا يجوز ستر الاذنين (1). (مسألة 263): يجوز ستر الرأس بشئ من البدن كاليد والاولى تركه (2). ] (1) ان قلنا بان المراد بالرأس فوق الوجه وفي قبال الوجه فالاذنان داخلان فيه، وان قلنا بان المراد به منابت الشعر فالاذنان خارجان منه ولكن مع ذلك لا يجوز سترهما كالرأس لصحيح صفوان عن عبد الرحمن (بن الحجاج) قال: سألت أبا الحسن (ع) عن المحرم يجد البرد في اذنيه يغطيهما؟ قال: لا) (1) و عبد الرحمن هذا مردد بين اشخاص اربعة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عبد الرحمن بن الحجاج عبد الرحمن بن اعين، عبد الرحمن الحذاء، اما عبد الرحمن ين أبي عبد الله فهو ثقة ورواية صفوان عنه قليلة واما عبد الرحمن بن اعين فهو قليل الحديث في نفسه سواء كان الراوي عنه صفوان ام غيره وقد روى عنه صفوان في موردين واما عبد الرحمن الحذاء فقد روى عنه صفوان في مورد واحد واما عبد الرحمن بن الحجاج فقد روى عنه صفوان ما يزيد على مائة حديث، وهو الشهير المعروف واستاذ صفوان كما صرح بذلك الشيخ في رجاله فالمتعين ان عبد الرحمن هو ابن الحجاج وهو ثقة ثقة. (2) الظاهر جواز الستر باليد أو الذراع لان دليل حرمة ستر الرأس قاصر الدلالة على ذلك لما عرفت ان مورد الاخبار المانعة هو


(1) الوسائل: باب 55 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 218 ]

الثوب وتعدينا إلى غيره من انواع التغطية والستر حتى الستر بالطين والدواء وقلنا ان المنظور هو الستر ولا نظر إلى خصوصية الثوب ولكن التعدي انما هو بالنسبة إلى الاجزاء الخارجية واما الستر بساير اعضاء بدنه وبما هو متصل به فلا تشمله الروايات، ولو سلمنا شمول ذلك فلا ريب في جوازه عند مسح الرأس في وضوئه وكذا ما دل على جواز حك المحرم رأسه فانه يوجب ستر بعض رأسه عند الحك (1) هذا كله مضافا إلى النص المجوز صريحا وهو صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس ان يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس ولا بأس ان يستر بعض جسده ببعض) (2). وبالجملة: المستفاد من مجموع ما ذكرنا ان الممنوع هو الستر بامر خارجي مطلقا، واما الستر بالعضو المتصل ببدنه كيده أو ذراعه فلا مانع منه. وهل يجوز ستر رأسه عند النوم ام لا؟ وبعبارة اخرى: الحكم بحرمة ستر الرأس هل يختص بحال اليقظة أو يعم عند النوم؟ الظاهر انه لا خلاف بينهم في التعميم كما صرح بذلك في الجواهر. ولكن خبر زرارة جوز التغطية عند ارادة النوم (في المحرم قال: له ان يغطي رأسه ووجهه إذا اراد ان ينام) (3) وذكر في الجواهر (4) انه يطرح أو يحمل على حال التضرر بالتكشف أو على التظليل مضافا إلى عدم حجية الخبر في نفسه وضعفه سندا.


(1) الوسائل: باب 73 من أبواب تروك الاحرام. (2) الوسائل: باب 67 من أبواب تروك الاحرام ح 3. (3) الوسائل: باب 56 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (4) الجواهر: ج 18 ص 389.

[ 219 ]

ولكن الخبر صحيح فان رواتها ثقات ورواها أيضا غير الثقات ولا يضر في صحة الخبر ضم الضعيف إلى الثقة إذا كانت الرواة متعددة فان الشيخ رواه عن سعد بن عبد الله وهو ثقة وعن موسى بن الحسن وهو ثقة أيضا وفي نسخة موسى بن الحسين وهو مجهول ولكن لا يضر ذلك لان سعد يرويه عن موسى والحسن بن علي وهو الفضال الثقة وهو يرويه عن احمد بن هلال ومحمد بن أبي عمير ولا يضر ضعف احمد بن هلال بناءا على ضعفه واما بناءا على وثاقته كما هو المختار عندنا فلا كلام وكذا لا يضر ضعف امية بن علي القيسي لان الحسن بن علي الفضال يروي عن احمد بن هلال ومحمد بن أبي عمير وامية بن علي القيسي جميعا فيكفي وثاقة ابن أبي عمير وهم يرون عن علي بن عطية وهو ثقة وهو يروي عن زرارة فالخبر ثبت عن زرارة برواية الثقات عنه وان انضموا إلى غير الثقة فالخبر لا يرمى بالضعف. فالصحيح في الجواب ان يقال انه معارض بصحيتين لزرارة (انه لا يخمر رأسه عند النوم إذا اراد ان ينام) (1). وبعد المعارضة والتساقط يرجع إلى المطلقات المانعة عن ستر الرأس والتقييد بحال اليقظة مبتلى بالمعارض.


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب تروك الاحرام ح 1 وباب 55 من أبواب تروك الاحرام ح 5.

[ 220 ]

[ (حرمة الارتماس للمحرم) (مسألة 264): لا يجوز للمحرم الارتماس في الماء وكذلك في غير الماء على الاحوط والظاهر انه لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة (1). ] (1) لا خلاف ولا اشكال في عدم جواز الارتماس في الماء ويدل عليه جملة من الاخبار المعتبرة (1). انما وقع الكلام في انه موضوع مستقل ومحرم عليحدة أو انه من مصاديق التغطية، قال المحقق في الشرايع بعد ان ذكر تغطية الرأس وفي معناه الارتماس، ومقتضى كلامه هذا عدم اختصاص الارتماس بالماء لانه (قده) جعل الارتماس من فروع التغطية ومصاديقها فلا فرق بين الماء وغيره، ولكن قال: في باب الكفارات تجب الكفارة إذا ارتمس في الماء فيظهر منه ان الارتماس في غير الماء ليس له هذا الحكم وصرح صاحب الجواهر وغيره ان تحريم الارتماس من جهة التغطية وكونه من ستر الرأس فلا فرق بين الماء وغيره ولا يختص بتمام الرأس بل لا يجوز الارتماس ببعض الرأس لعدم جواز ستر بعض الرأس، ومقتضى كلامهم اختصاص التحريم بالرجال وجواز الارتماس للمرأة لاختصاص حرمة التغطية بالرجل وبالجملة يجري في الارتماس جميع ما يترتب على التطغية


(1) الوسائل: باب 58 من أبواب تروك الاحرام.

[ 221 ]

[ (مسألة 265): إذا ستر المحرم رأسه فكفارته شاة على الاحوط والظاهر عدم وجوب الكفارة في موارد ] لانه من مصاديقها وعدم كونه موضوعا مستقلا. ولكن الظاهر انه موضوع مستقل فان الارتماس في الماء والستر به لا يصدق عليه التغطية، ولو كان الارتماس تغطية لما جاز صب الماء وافاضته على رأسه لاسيما إذا كان الماء كثيرا، وعنوان تخمير الرأس وتغطيته لا يصدق على الارتماس، والذي يكشف عن ذلك جعل الصائم كالمحرم في حرمة الارتماس في النصوص (1) ولا يحتمل حرمة الستر على الصائم فيعلم ان الارتماس غير الستر وله خصوصية ولم يكن مصداقا للتغطية فهو حكم مستقل وموضوعه الماء والروايات منعت من الارتماس في الماء واما الارتماس في غير الماء فلا دليل على تحريمه كما ان موضوع المنع رمس تمام الرأس في الماء واما رمس بعض الرأس فلا دليل على حرمته. ومما ذكرنا ظهر انه لا يختص الحكم بالرجل بل يعم الرجل والمرأة لان موضوع الحكم امر مستقل وليس من مصاديق التغطية ليختص الحكم بالرجل كما ان الامر كذلك بالنسبة إلى الصائم والصائمة ولا يجوز لها الارتماس وكذلك الارتماس في باب الاحرام فهذا من احكام الاحرام، كما انه من احكام الصوم ولا فرق بين الرجل والمرأة والاحتياط حسن على كل حال فلا يرمس في غير الماء ببعض رأسه.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب مما يمسك عنه الصائم وباب 58 من أبواب تروك الاحرام.

[ 222 ]

[ جواز الستر والاضطرار (1). ] (1) المعروف بين الاصحاب وجوب الكفارة بشاة إذا غطى المحرم رأسه بل ادعى عليه الاجماع وعن المدارك وغيره انه مقطوع به في كلام الاصحاب وذكر صاحب الحدائق انهم ذكروا الحكم ولم ينقلوا عليه دليلا وكان مستندهم انما هو الاجماع. اقول: ان تم الاجماع فهو وإلا فالحكم به مشكل. والظاهر عدم تمامية الاجماع لان جملة من الاصحاب لم يتعرضوا لذلك وعدم تعرضهم يكشف عن عدم الوجوب وإلا لو كانت الكفارة واجبة في المقام لذكروه كما ذكروا في غير المقام كالصيد والجماع والتظليل ونحوها من الموارد. وممن صرح بعدم الكفارة بالشاة صاحب الوسائل فانه صرح بان كفارته طعام مسكين فقد ذكر في عنوان الباب الخامس من ابواب بقية كفارات الاحرام - باب ان المحرم إذا غطى رأسه عمدا لزمه طرح الغطاء، وطعام مسكين -. واستدل صاحب الجواهر بعد الاجماع بروايات (1). الاولى: صحيحه زرارة الدالة على ان من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه عليه دم شاة (2). ولا يخفى: ان الاستدلال بها للمقام ينبغي ان يعد من الغرائب فان اللبس شئ والتغطية وستر الرأس شئ آخر فانه قد يتحقق اللبس بلا تغطية للرأس كما إذا لبس القميص ونحوه وقد يتحقق ستر الرأس


(1) الجواهر: ج 20 ص 418. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 223 ]

وتغطيته بدون اللبس كما إذا طين رأسه أو حمل على رأسه وقد يتحقق الامران كما إذا لبس قلنسوه ونحوها وكلامنا في الستر والتغطية وان لم يتحقق عنوان اللبس. الثانية: رواية علي بن جعفر المتقدمة (لكل شئ خرجت (جرحت) من حجك فعليك فيه دم يهريقه) (1) وقد ذكرنا غير مرة انها ضعيفة سندا ودلالة. الثالثة: مرسلة الخلاف، قال: إذا حمل على رأسه مكتلا أو غيره لزمه الفداء، ثم قال: دليلنا، عموم ما روى فيمن غطى رأسه ان عليه الفدية (2)، بعد دعوى انجبار المرسل بالاجماع المدعي. وفيه: مضافا إلى عدم تمامية الانجبار عندنا، لانحتمل استناد المشهور إلى هذا المرسل لعدم ذكره في شئ من الكتب الفقهية الاستدلالية حتى ان الشيخ بنفسه لم يذكره في كتابيه التهذيب والاستبصار فكيف نحرز استناد المشهور إلى هذا المرسل، ومع ذلك كله فالاحتياط في محله لاجل عدم مخالفة المعروف بين الفقهاء. هل تثبت الكفارة في حالتي الاختيار والاضطرار كالصداع والوقاية عن حر الشمس ونحو ذلك نظير كفارة التظليل الثابتة في الحالتين ام تختص بحالة الاختيار وترتفع الكفارة عند الاضطرار. صرح في الجواهر بعدم الفرق وحكى عن بعضهم ان على المختار لكل يوم شاة وعلى المضطر لكل المدة شاة واورد عليهم بعدم الفرق بينهما. وفيه ان الكفارة لو كانت ثابتة فمدركها الاجماع وهو دليل


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5. (2) الخلاف: ج 1 ص 436 المسألة 82 من الحج.

[ 224 ]

لبي لا اطلاق له والقدر المتيقن منه حال الاختيار. بقي الكلام فيما ذكره صاحب الوسائل في الباب الخامس من أبواب بقية كفارات الاحرام فانه ذكر في عنوان الباب، ان المحرم إذا غطى رأسه عمدا لزمه طرح الغطاء، وطعام مسكين ثم ذكر صحيحة الحلبي عن التهذيب (المحرم إذا غطي رأسه فليطعم مسكينا في يده). ولا ينبغي الشك في ان صاحب الوسائل اشتبه في النقل ولا وجود لهذه الرواية في التهذيب بل صاحب الوسائل بنفسه روى هذه الرواية بعينها وبنفس السند في الباب الخامس والخمسين من تروك الاحرام ذكر (إذا غطى وجهه) (1) بدل قوله (رأسه) ولا يحتمل اختلاف نسخ التهذيب كما احتمله صاحب الحدائق حيث نقل عن الوافي بلفظ (وجهه) ثم ذكر ولعل نسخ التهذيب كانت مختلفة والظاهر ان صاحب الحدائق بنفسه لم يراجع التهذيب. وكيف كان لا ريب ان الاختلاف نشأ من صاحب الوسائل لا من التهذيب فان الشيخ قال: في شرح قوله: (فاما تغطية الوجه فيجوز ذلك مع الاختيار غير انه يلزمه الكفارة) فاستدل على جواز تغطية الوجه اولا برواية زرارة ثم استدل لوجوب الكفارة لتغطية الوجه (وان كانت جائزة) برواية الحلبي المتقدمة (المحرم إذا غطى وجهه فليطعم مسكينا في يده) ولو كانت رواية الحلبي مشتملة على كلمة (رأسه) لكانت اجنبية عن موضوع كلام الشيخ فانه (قده) بصدد الاستدلال للحكم بلزوم الكفارة لتغطية الوجه فلا يحتمل وجود كلمة (رأسه) في الرواية. فراجع التهذيب (2).


(1) الوسائل: باب 55 من أبواب تروك الاحرام ح 4. (2) التهذيب: ج 5 ص 308.

[ 225 ]

[ 20 (ستر الوجه للنساء) (مسألة 266): لا يجوز للمرأة المحرمة ان تستر وجهها بالبرقع أو النقاب أو ما شابه ذلك. والاحوط ان لا تستر وجهها بأي ساتر كان، كما ان الاحوط ان لا تستر بعض وجهها أيضا. نعم يجوز لها ان تغطي وجهها حال النوم ولا بأس بستر بعض وجهها مقدمة لستر الرأس في الصلاة والاحوط رفعه عند الفراغ منها (1). ] (1) لا يجوز للمحرمة ستر وجهها وتغطيته بلا خلاف في الجملة. وتدل عليه عدة من الروايات: منها: ما في معتبرة عبد الله بن ميمون (المحرمة لا تتنقب لان احرام المرأة في وجهها واحرام الرجل في رأسه) (1). وانما يقع الكلام في جهات: الاولى: هل يختص الحكم بالقناع والبرقع، أو يعم كل ساتر، والمراد بالنقاب شد الثوب على فمها وانفها وما سفل عنهما كاللثام للرجال كما تصنعه نساء المغرب. المذكور في جملة من الروايات التنقب، وانه كره النقاب وفي بعض


(1) الوسائل: باب 48 من أبواب تروك الاحرام ح 1 وغيره.

[ 226 ]

الروايات ورد البرقع، وفي رواية يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله (ع) (انه كره للمحرمة البرقع والقفازين) (1) والرواية ضعيفة بيحيى بن أبي العلاء فانه ممن لم يوثق، وهو غير يحيى بن العلاء الثقة، وقد توهم بعضهم اتحادهما، ولكن الظاهر انهما شخصان احدهما موثق والآخر غير موثق وهو ابن أبي العلاء. وكيف ما كان: المستفاد من النصوص المعتبرة عدم جواز ستر وجهها بأي ثوب كان ولا يختص بثوب خاص كالبرقع، والقناع ونحوهما. الثانية: هل يقتصر في حرمة الستر المذكورة على الثوب كالبرقع والنقاب، أو يعم الحكم الستر بالطين ونحوه مما لا يكون ثوبا، الاحوط هو التعدي والتعميم لاطلاق قوله: (احرام المرءة في وجهها) فان ذلك نظير قوله: (احرام الرجل في رأسه) وذكرنا في باب ستر الرأس عدم جواز الستر بأي ساتر كان ولو بالطين والحناء فكذلك وجه المرأة بقرينة السياق. ويؤكده صحيحة البزنطي (2) عن أبي الحسن (ع) قال: (مر أبو جعفر (ع) بامرأة محرمة قد استترت بمروحة فاماط المروحة بنفسه عن وجهها) مع ان المروحة ليست من نوع الثياب فيعلم ان الممنوع مطلق الستر باي نحو كان وباي ساتر كان، وكذلك يستفاد من التعليل الوارد في صحيحة الحلبي الحاكية لمرور أبي جعفر (ع) بامرأة متنقبة وهي محرمة، وقال لها: انك ان تنقبت لم يتغير لونك) فالعبرة في المنع بان الوجه مستورا وعليها كشفها وعدم سترها


(1) الوسائل: باب 48 من أبواب تروك الاحرام ح 9 وغيره. (2) الوسائل: باب 48 من أبواب تروك الاحرام ح 4.

[ 227 ]

له عن الشمس. الثالثة: هل يعم المنع بعض الوجه ام يختص بتمام الوجه اما طرف الانف الاسفل اي مارن الانف إلى الذقن فستره ممنوع جزما لان هذا من النقاب المنهي في الروايات. واما ستر غير ذلك فلا يمكن اثبات منعه بدليل ولا يقاس بستر بعض الرأس للرجل لما عرفت ان منعه علم من دليل خاص وإلا فالاطلاقات قاصرة عن شمول بعض الرأس ولا دليل خاص في المقام ولكن الاحتياط في محله لاحتمال ان احرام الوجه بالنسبة إلى تمام الوجه. وربما يستفاد من بعض الروايات جواز ذلك كما في صحيحة الحلبي الحاكية لمرور أبي جعفر (ع) بالمرأة المتنقبة وامرها برفع النقاب فسأله سائل إلى اين ترخيه؟ قال: تغطي عينها) (1). ولعل المستفاد من ذلك جواز ستر الطرف الاعلى للوجه وسيأتي الكلام حول هذه الرواية (ان شاء الله تعالى). فحاصل ما تقدم: ان المستفاد من بعض التعليلات الواردة في النصوص وفعل الباقر (عليه السلام) من اماطة المروحة عن وجه المرأة، ان حرمة التغطية لا تختص بالثوب فهي حرام على الاطلاق كما في ستر رأس الرجل، واما ستر بعض الوجه وان كان القول بحرمته مطابقا للاحتياط ولكن لا يمكن اثباته بدليل، وانما قلنا بحرمة ستر بعض الرأس للرجل بدليل آخر كنهيه عن اصابة الساتر برأسه، واما المطلقات المانعة فلا تكفي في المنع عن ذلك، ولم يرد دليل بالخصوص في ستر بعض الوجه، فلا مانع لها من ستر بعض وجهها لعدم كونه منافيا لكشف الوجه المعتبر


(1) الوسائل: باب 48 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

[ 228 ]

في المرأة. الرابعة: يجوز ستر وجهها عند النوم لصحيح زرارة (والمرأة المحرمة لا بأس بان تغطي وجهها كله عند النوم) (1). ولا موجب لرفع اليد عنه كما عن جماعة منهم شيخنا الاستاذ في مناسكه. (فرع) لو قلنا بعدم جواز ستر بعض وجهها ولزوم كشف تمام الوجه عليها فماذا تصنع حال الصلاة لان الواجب عليها ستر بعض الوجه حال الصلاة مقدمة علمية لستر ساير جسدها كما ان الواجب عليها حال الاحرام كشف بعض جسدها مقدمة علمية لوجوب كشف الوجه وحرمة التغطية ولا يمكن الجمع بين الامرين حال الصلاة والاحرام فيتحقق التزاحم. فمنهم من ذهب إلى التخيير ان لم ترجح الصلاة بكونها اهم واسبق كما في الجواهر (2). ومنهم من ذهب إلى تقدم الصلاة لكونها اهم. والظاهر انه لا مجال لشئ من ذلك فانه ان لم نقل بحرمة تغطية بعض الوجه فالامر واضح، وان قلنا بالحرمة فلا مورد للتخيير ولا للتقديم، اما اهمية الصلاة فلا اشكال فيها لانها عمود الدين ولكن لا مزاحمة بين نفس الصلاة والاحرام، بل المزاحمة بين العمل بوظيفة الاحرام والستر في الصلاة.


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الجواهر: ج 18 ص 391.

[ 229 ]

وبتعبير آخر: لا مزاحمة بين ستر بعض الوجه وبين اصل الصلاة حتى يقال بان الصلاة ترجح لاهميتها، بل المزاحمة بين حرمة التغطية حال الاحرام ووجوب الستر في الصلاة، ولا ارجحية في المقام فلا مجال لترجيح احدهما على الآخر. واما التقديم لمجرد الاسبقية فلا دليل عليه بل العبرة في التقديم بالاهمية سواء سبق أو تأخر. واما التخيير فيرده ان ابتلاء النساء بالصلاة كان امرا ضروريا وصلاتهن حال الاحرام كصلاتهن في بيوتهن قبل الاحرام ولا فرق في صلاتهن بين اتيان الصلاة حال الاحرام ام قبل الاحرام ولو كان هناك فرق لظهر وبان فتجب عليهن الصلاة حال الاحرام على نحو صلاتهن في غير هذا الحال. فلا اشكال في جواز ستر بعض الوجه مقدمة لستر جسدها. بقي الكلام في الروايات الآمرة باسدال الستر على وجهها، وهي مختلفة جدا. ففي بعضها خص جواز اسدال الثوب إلى طرف الانف قدر ما تبصر ومنها ما دل على جواز الاسدال إلى فمها وبعضها إلى الذقن وفي آخر إلى النحر، وفي بعضها إلى النحر إذا كانت راكبة، والروايات معتبرة باجمعها ومعمول بها لدى الاصحاب في الجملة (1). فمنهم من عمل بها حتى في حال الاختيار وانما منع عن التغطية بغير الثوب كالمروحة والخشب ونحو ذلك واما الثوب فجوز التغطية والاسدال به مطلقا وان وصل إلى الذقن.


(1) الوسائل: باب 48 من أبواب تروك الاحرام ح 2 و 3 و 6 و 7 و 8.

[ 230 ]

ولكن الظاهر ان ما دل على ان حد الاسدال إلى طرف الانف وهو الجانب الاعلى من الانف صريح في عدم جواز الاسدال إلى الزائد من ذلك كالفم والذقن بل إلى المارن فيكون ما دل على جواز الاسدال إلى الفم أو الذقن والنحر معارضا لرواية الحد المذكور، ولذا لو كان ذلك في كلام واحد لكان من المتنافين فهذه الروايات تسقط بالمعارضة فالمرجع حينئذ ما دل على ان احرام المرأة في وجهها فالواجب عليها بمقتضى اطلاق هذه الروايات كشف وجهها وعدم ستر الزائد من طرف الانف الاعلى باي ساتر كان. نعم في رواية معاوية بن عمار جوز الستر من اعلى الوجه إلى النحر لكن مقيدا بما إذا كانت راكبة ولا بأس بالعمل بها إذ لا تعارض بين هذه المعتبرة وروايات الحد وللعلم بعدم الفرق بين حال الركوب وغيره وانما جوز الستر في حال الركوب لانها في معرض نظر الاجنبي فتقيد روايات الحد بحال الاختيار وبانها إذا كانت مأمونة من النظر. فالنتيجة: انه في حال الاختيار يجوز لها ان تسدل ثوبها إلى طرف الانف حتى تتمكن من ان تبصر وترى الطريق. كما في النص والمراد من طرف الانف هو الطرف الاعلى للانف اي بين الحاجبين هذا إذا كانت مأمونة من نظر الاجنبي واما إذا كانت في معرض النظر فيجوز لها الاسدال إلى الفم أو النحر.

[ 231 ]

(ايقاظ) ذكر جماعة ان الاسدال والتغطية عنوانان وامران مستقلان لكل واحد منهما حكم مستقل احدهما جائز وهو الاسدال والآخر غير جائز وهو التغطية وقد يتحقق احدهما دون الآخر فان التغطية انما تتحقق بستر الوجه بشئ يمس بالوجه والاسدال انما هو اسدال الثوب من اعلى الوجه إلى اسفله وان لم تتحقق المماساة، فإذا اسدلت الثوب لابد من ابعاده عن وجهها لئلا تتحقق التغطية والمماسة. وبالجملة: ذكر هولاء الجماعة ان الروايات دلت على جواز الاسدال وهو غير التغطية التي تحرم عليها ولا منافاة بين جواز الاسدال وحرمة التغطية إذ قد يتحقق احدهما دون الآخر فلا تنافي بين الروايات. فيه اولا: ان ابعاد الثوب عن الوجه وان كان امرا ممكنا في نفسه ولكن يحتاج إلى مؤنة وعناية، والروايات تكفلت جواز الاسدال مطلقا ولم يبين في شي من الروايات ابعاد الثوب عن وجهها بل لم يشر في شئ من الروايات إلى ذلك ولو كان واجبا لوجب البيان والتنبيه إلى ذلك خصوصا ان الثوب إذا اسدل يمس الوجه غالبا بل دائما. وثانيا: ان ابعاد الثوب عن الوجه لا ينافي عنوان التغطية بل التغطية تتحقق ولو بابعاد الثوب عن الوجه، وستره غير دخيلة في عنوان التغطية فان عنوان التغطية يتحقق ولو بعدم اتصال الشئ إلى جسمه كحصول تغطية الرأس بالطربوش المسمى في عرفنا (بالكشيدة) أو غطى رأسه بالقدر فان اطراف ذلك يتصل بالرأس ولكن لا يتصل ولا.

[ 232 ]

[ (مسألة 267): للمرأة المحرمة ان تتحجب من الاجنبي بان تنزل ما على رأسها من الخمار أو نحوه إلى ما يحاذي انفها أو ذقنها. والاحوط ان تجعل القسم النازل بعيدا عن الوجه بواسطة اليد أو غيرها (1). (مسألة 268): كفارة ستر الوجه شاة على الاحوط (2). ] يماس داخله بالرأس بل هو مبتعد عنه كما هو ظاهر ومع ذلك يصدق عنوان التغطية على ذلك، فلا بد - بحسب الروايات - من استثناء الاسدال من حرمة التغطية لا ان عنوان التغطية مرتفع من اصله وانه لا يصدق على الاسدال. وقد عرفت ان الروايات لمعارضتها بالنسبة إلى الزائد من طرف الانف ساقطة والمرجع هو اطلاق ما دل على ان احرام المرأة في وجهها والمعتبر صدق كونها مكشوفة وعدم تحقق عنوان التغطية فلا يضر ستر بعض الوجه الذي لا ينافي عنوان كشف الوجه، كما لا اشكال في اسدال الثوب إلى طرف الانف الاعلى قدر ما تبصر. (1) قد عرفت حكم هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة السابقة. (2) نسب الشهيد إلى الشيخ ان كفارة تغطية المحرمة وجهها شاة، وعن الحلبي لكل يوم شاة إذا كانت اختيارية وإلا فشاة لجميع المدة، ولا نص في المقام ولا شهرة فإذا يدخل المقام فيما لا نص فيه والاحوط وجوبها لخبر علي بن جعفر المتقدم مكررا بناءا على نسخة (جرحت).

[ 233 ]

[ 21 (التظليل للرجال) (مسألة 269): لا يجوز للرجل المحرم التظليل حال سيره بمظلة أو غيرها ولو كان بسقف المحمل أو السيارة أو الطائرة ونحوها، ولا بأس بالسير في ظل جبل أو جدار أو شجر ونحو ذلك من الاجسام الثابتة، كما لا بأس بالسير تحت السحابة المانعة عن شروق الشمس. ولا فرق في حرمة التظليل بين الراكب والراجل على الاحوط، والاحوط بل الاظهر حرمة التظليل بما يكون فوق رأس المحرم بان يكون ما يتظلل به على احد جوانبه (1). ] (1) المعروف بين الاصحاب حرمة التظليل على الرجال بان يستظل من الشمس حال الركوب، بل ادعى عليه الاجماع وعدم الخلاف، ونقل عن ابن الجنيد انه قال: يستحب للمحرم ان لا يظلل على نفسه فان اراد بالاستحباب مجرد المحبوبية فغير صريح في الخلاف وان اراد معناه الاصطلاحي فهو مخالف ولكن لا يعبأ بخلافه بعد استفاضة الروايات في المنع، ففي بعضها النهي عن الركوب في القبة وفي بعضها النهي عن الركوب في الكنيسة وفي آخر الامر بالاضحاء وفي بعض آخر

[ 234 ]

النهي عن التستر عن الشمس وفي بعضها النهي عن التظليل (1). وبالجملة: لا ينبغي الريب في اصل الحكم، الا ان السبزواري استشكل في اصل الحكم قال: (والمسألة عندي محل اشكال) لروايات توهم منها الاستحباب وعدم الوجوب. منها: صحيحة الحلبي (2)، لقوله: فيها (ما يعجبني) وقال: وظاهر ذلك الافضلية ولا يدل على التحريم. وفيه ما لا يخفى فان هذه الكلمة لا تدل على الجواز بل كثيرا ما تستعمل في الحرمة. ومنها: صحيحة علي بن جعفر (3) قال سألت أخي (ع) اظلل وانا محرم؟ فقال: نعم، وعليك الكفارة). والجواب: ان تجويزه (ع) له بالاستظلال قضية شخصية في واقعة ولعل تجويزه له من اجل كونه مريضا أو كان يتأذى من حر الشمس بحيث كان حرجيا ونحو ذلك من الاعذار فلا يمكن الاستدلال بها لاثبات حكم كلي. ومنها: صحيحة جميل، عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بالظلال للنساء وقد رخص فيه الرجال) (4). ويرد عليه: ان كلمة (قد) دليل على التقليل لا الجواز دائما ولا ريب انه قد يتفق جواز التظليل للرجال لعذر من الاعذار، وإلا لو كان في مقام بيان اصل الجواز الدائمي لم يكن وجه للتفكيك في


(1) الوسائل: باب 64 من أبواب الاحرام ح 1 و 4 و 11 و 9 و 3. (2) الوسائل: باب 64 من أبواب تروك الاحرام ح 2 و 5. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2. (4) الوسائل: باب 64 من أبواب تروك الاحرام ح 10.

[ 235 ]

كلامه بالتعبير عن الجواز للنساء بقوله: (لا بأس) وعن الرجال بالترخيص مع كلمة (قد) بل كان له ان يقول لا بأس للرجال والنساء فالمعنى ان التظليل في نفسه للنساء جائز وقد يتفق جوازه للرجال لمرض ونحوه من الاعذار. بل نفس كلمة الترخيص تستعمل غالبا في موارد المنع ذاتا والجواز عرضا. ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ظهور هذه الروايات في الجواز فلا يمكن حمل الروايات المانعة على الكراهة لصراحتها في الحرمة فلابد من حمل هذه الروايات المجوزة على التقية لان العامة ذهبوا إلى الجواز كابي حنيفة وأبي يوسف واتباعهما بل وغيرهم من العامة كما يظهر من نفس الروايات الواردة في المقام من احتجاجه (ع) على أبي يوسف ومحمد بن الحسن فراجع. يقع البحث في موارد: الاول: بعد الفراغ عن اختصاص حرمة التظليل بحال السير وجوازه في المنزل والخباء كما في النصوص (1) التي اشتملت على اعتراض المخالفين بالفرق وجواب الامام (عليه السلام) بان الفرق بين الامرين من اجل التعبد والنص لا القياس وقع الكلام في الحاق السفينة بحال السير أو المنزل باعتبار ان السفينة راحلته ومنزله في حال السير وكذلك القطار الحديدي في الاسفار البعيدة. قوى شيخنا الاستاذ لحوقها بالمنزل، ولكن لم يظهر له وجه لان مقتضى اطلاق النصوص هو المنع عن التستر عن الشمس وحرمة التظليل للمحرم وقد استثنى من ذلك خصوص حال النزول في الخباء والوصول إلى المنزل واما السفينة فلا دليل على استثنائها فمقتضى الاطلاق هو


(1) الوسائل: باب 66 من أبواب تروك الاحرام.

[ 236 ]

المنع إلا إذا اقتضت الضرورة التظليل. وبالجملة: دليل الجواز خاص بحال النزول والوصول إلى المنزل ولا يتناول مثل السفينة ونحوها فالمتبع اطلاق دليل المنع. الثاني: هل الحكم بحرمة التظليل يختص بالراكب أو يعم الراكب والراجل، الظاهر هو التعميم لان موضوع الحكم في الروايات هو المحرم هو يشمل الراكب والراجل. نعم في بعض الروايات اخذ فيه الراكب ولكنه من باب ذكر المورد ولا يظهر منه الاختصاص به كروايات القبة والكنيسة فلا وجه لدعوى الاختصاص بالراكب بعد اطلاق النصوص، بل يمكن ان يقال: ان المشاة كانوا كثيرين جدا خصوصا من الحجازيين حين صدور الروايات ولو كان الحكم مختصا بحال الركوب لم يكن وجه لذكر الحكم على الاطلاق بل كان اللازم التصريح باختصاص الحكم بالراكب، وليس في شئ من الروايات تصريح أو اشارة إلى اختصاص الحكم بالراكب فالتقييد به بعيد جدا. نعم: دل النص على جواز الاستظلال بظل المحمل للرجل (1). وربما يستدل به على جواز الاستظلال له مطلقا بدعوى حمل المحمل على المثال ولذا عطف الشهيد الثاني قوله: (ونحوه) على ظل المحمل وهذه الدعوى وان لم تكن بعيدة في نفسها كل البعد ولكنه مع ذلك خلاف الظاهر من الادلة فان الظاهر منها هو المنع عن التظليل مطلقا راكبا كان أو راجلا بظل المحمل وغيره، وإنما جوز النص الخاص


(1) الوسائل: باب 67 من أبواب الاحرام ح 1 وباب 66 من أبواب تروك الاحرام ح 6.

[ 237 ]

التظليل له بظل المحمل حال المشي وهذا مما نلتزم به للتعبد بالنص ولا يدل على جواز الاستظلال مطلقا ولو بظل غير المحمل والاحكام تعبدية وملاكاتها مجهولة عندنا فيجب الاقتصار على مورد النص ودعوى ان المتبادر من الاخبار الاستتار حال الركوب غير مسموعة بعد اطلاق الادلة فمقتضى اطلاق النصوص عدم جواز الاستظلال للراجل مطلقا بمظلة ونحوها إلا الاستضلال بظل المحمل حال السير. واما رواية الاحتجاج الدالة على جواز الاستظلال للماشي مطلقا ولو بظل غير المحمل فضعيفة للارسال (1). الثالث: ذهب جماعة إلى اختصاص حرمة التظليل بما يكون على رأسه كالقبة وسقف السيارة ورفع المظلة فوق رأسه ونحو ذلك مما يكون فوق رأسه، واما الاستتار عن الشمس باحد الجانبين على وجه لا يكون الساتر فوق رأسه فلا بأس به بل ادعى بعضهم جواز ذلك بلا خلاف ونسبه آخر إلى جميع اهل العلم بل ذكر بعضهم ان التظليل لا يتحقق إلا بما يكون فوق رأسه كالمحمل ونحوه وممن صرح بالجواز شيخنا الاستاد، واستدلوا بوجوه ضعيفة غير قابلة للذكر ولا يقاوم اطلاق الادلة الناهية عن التستر عن الشمس والآمرة بالاضحاء فان المتفاهم منها هو المنع عن ان يصنع المحرم شيئا يمنع من وصول الشمس إليه سواء بجعل شئ فوق رأسه أو بجعله على احد جوانبه ليستظل به. ولعل احسن ما استدلوا به على اختصاص حرمة التظليل بما هو فوق الرأس، صحيح ابن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول


(1) الوسائل: باب 66 من أبواب تروك الاحرام ح 6.

[ 238 ]

لابي وشكى إليه حر الشمس وهو محرم وهو يتأذى به، فقال: ترى ان استتر بطرف ثوبي؟ قال: لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك (1). ولكنه واضح الدفع لان السائل كان يتأذى من حر الشمس فجوز له الاستظلال للضرورة ونهاه عن التغطية وستر رأسه فان ذلك محرم آخر غير الاستظلال، فمورد الرواية هو الاضطرار لا الاختيار. فمعنى الرواية انه يجوز لك الاستظلال للضرورة ولكن لا تستر رأسك ولا تغطيه، فلا تدل الرواية على جواز الاستظلال اختيارا باحد الجانبين الذي هو محل الكلام. الرابعة: هل يختص الحكم بحرمة التظليل بما إذا كان الساتر سائرا كظل سقف السيارة أو القبة والمحمل ونحو ذلك أو يعم الاستظلال بالظل الثابت المستقر كظل الاشجار والجدران والجبال ونحو ذلك. ذكر بعضهم الجواز في الظل الثابت واختصاص المنع بالظل السائر كالعلامة في المنتهى والفخر وايدهما في الجواهر ج 18 ص 403، وهو الصحيح، وذلك لانه لو كان هذا امرا محرما لكان امرا ظاهرا وواضحا جدا لكثرة ابتلاء الحاج حال سيرهم بالمرور تحت الظلال الثابتة ولا اقل من ظلال جدران بيوت القرى ابنيتها التي يمرون بها بل نفس الامر برفع الستار والحجاب ونحوه ظاهر في ان الممنوع احداث الستر وايجاد المانع عن الاضحاء وشروق الشمس عليه، واما الظل الثابت المستقر فلا يشمله النهي نظير المشي تحت السحاب فانه لا يتوهم المنع عنه ولا يتوهم لزوم المشي في المنطقة التي لا سحاب فيها. وملخص الكلام: ان الظاهر من الروايات هو جعل المحرم الساتر


(1) الوسائل: باب 67 من أبواب تروك الاحرام ح 4.

[ 239 ]

[ نعم يجوز للمحرم ان يتستر من الشمس بيديه (1)، ولا بأس بالاستظلال بظل المحمل حال المسير، وكذلك لا بأس ] لنفسه بان يصنع شيئا أو يعمل عملا يستتر به ولا تشمل الساتر الثابت كظل السحاب أو ظل الحيطان والجبال والاشجار ونحوها، بل قد يتفق اطباق السحاب في فصل الشتاء مثلا ولا تحتمل لزوم الكفارة عليه من باب الضرورة. وبالجملة: لا ينبغي الريب في انصراف الادلة الناهية عن الظل الثابت وعدم تناول الادلة له. والذي يؤكد ذلك: ان الحج على ثلاثة اقسام تمتع وافراد وقران والقسمان الاخيران وظيفة القريب ومن كان في مكة وضواحيها واطرافها فربما تكون بلدة مكة العظمة في طريقه إلى عرفات، ولا ريب ان بلدة مكة مشتملة على ظل الجدران وحيطان البيوت والعمارات فلو كان الاستظلال بالظل الثابت ممنوعا ومحرما لوجب التنبيه إليه في الروايات وللزم المنع عن الذهاب إلى عرفات من طريق مكة والدخول في مكة بل وجب السفر والذهاب من البر وخارج مكة حتى لا يبتلي بالاستظلال ولم نر في شئ من الروايات المنع عن ذلك والتنبيه إليه. (1) ان التظليل الممنوع ما إذا تحقق بالجسم الخارجي كالمظلة وسقف الطيارة والسيارة ونحو ذلك واما التظليل بنفس اعضائه كيده فلا بأس به لمعتبرة المعلي بن خنيس وصحيحة معاوية بن عمار ويؤيدهما رواية محمد بن الفضيل ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربما يستر

[ 240 ]

[ بالاحرام في القسم المسقوف من مسجد الشجرة (1). (مسألة 270): المراد من الاستظلال التستر من الشمس أو البرد أو الحر أو المطر ونحو ذلك، فإذا لم يكن شئ من ذلك بحيث كان وجود المظلة كعدمها فلا بأس بها (2). ] وجهه وبيده (1) وبازائهما صحيحة الاعرج المانعة عن الاستتار باليد (عن المحرم يستتر من الشمس بعود وبيده قال: لا إلا من علة) (2) والجمع العرفي يقتضى حملها على الكراهة لصراحة الاوليين في الجواز كما صنعه في الوسائل والحدائق. (1) اما باعتبار انه منزل له وقد عرفت اختصاص الحكم بحال السير فلا يشمل الاستظلال في المنزل وفي الخباء، أو انه ظل ثابت لا يتناوله ادلة حرمة التظليل. بل يمكن ان يقال ان المستفاد من ادلة النهي هو احداث الظل بعد صدور الاحرام منه واما عقد احرامه في الظل وبقائه على حالة الاستظلال فغير مشمول للادلة. مضافا إلى السيرة فان الحجاج كانوا يحرمون في القسم المسقوف ولم يعهد ردعهم عن ذلك. (2) التظليل المنهي لا يختص بالاستظلال عن الشمس بل الممنوع


(1) و (2) الوسائل: باب 67 من أبواب تروك الاحرام ح 2 و 3 و 5 وباب 66 ح 1.

[ 241 ]

مطلق التستر ولو عن غير الشمس كالبرد والحر والمطر والريح ونحو ذلك فان التظليل مأخوذ من التستر ولو من غير الشمس فان الكلمة مأخوذة من الظلة وهي شئ يستتر به من الحر والبرد كما في اللغة (1) فالاستظلال اخذ في مفهومه الاستتار من شئ سواء كان شمسا أو غيرها ومنه الشمس مستظلة اي هي في السحاب مستترة وعلى ذلك فلا فرق بين النهار والليل. ويؤكد ما ذكرنا اطلاق المنع عن الركوب في القبة والكنيسة فانه يقتضي عدم الفرق بين الليل والنهار (خصوصا مع تعارف حركة السير والقوافل في الليالي لاسيما في البلاد الحارة كاراضي الحجاز ونحوها) فالميزان في حرمة التظليل هو التستر والتحفظ عن الشمس والبرد والحر والريح وامثال ذلك مما يتأذى منه الانسان حال سيره ولذا لو فرضنا فرضا نادرا جدا بان كان رفع المظلة فوق رأسه لا يؤثر شيئا ابدا ولا يمنع عنه شيئا اصلا وكان وجوده كعدمه فلا بأس به لعدم صدق الاستظلال والاستتار على ذلك لان الممنوع كما عرفت ليس مجرد وجود المظلة على رأسه بل الممنوع هو الاستتار والتحفظ عن الشمس والريح العاصف والمطر. والحاصل: مجرد جعل المظلة على رأسه من دون ترتيب أي اثر عليه لا مانع منه بل لابد من تحقق عنوان التستر والتحفظ عن الشمس أو المطر أو البرد أو الريح. ومن نظر في الروايات يجد بوضوح صحة ما ذكرناه فلا مجال


(1) الظلة: الغاشية والبرطلة اي المظلة الضيقة، وشئ كالصفة يستتر به من الحر والبرد، المظلة بالكسر والفتح الكبير من الاخبية اقرب الموارد.

[ 242 ]

[ (مسألة 271): لا بأس بالتظليل تحت السقوف للمحرم بعد وصوله إلى مكة وان كان بعد لم يتخذ بيتا كما لا بأس به حال الذهاب والاياب في المكان الذي ينزل فيه المحرم وكذلك فيما إذا نزل في الطريق للجلوس أو لملاقاة الاصدقاء أو لغير ذلك، والاظهر جواز الاستظلال في هذه الموارد بمظلة ونحوها أيضا وان كان الاحوط الاجتناب عنه (1). ] للمناقشة اصلا فان الروايات واللغة مطبقة على ان المراد بالتظليل التستر عن الشمس وغيرها ولا يختص بالشمس بل صرح في الروايات بالمنع عن التظليل عن البرد والمطر باب 6 من أبواب بقية الكفارات وباب 66 من أبواب تروك الاحرام واما اطلاق النهي عن الركوب في القبة والكنيسة فلحصول التستر بهما دائما ولا اقل من الهواء. (1) ما تقدم كله في الاستظلال حال السير إلى مكة، واما إذا وصل إلى مكة فلا يجب عليه الاستتار ويجوز له الاستظلال فلا مانع من سيره ومشيه وجلوسه تحت ظل الجدران والحيطان وسقوف الاسواق ونحو ذلك وان كان بعد لم يتخذ بيتا لسكناه، وذلك لانه لو قلنا باختصاص التحريم بالظل السائر وعدم شموله للظل الثابت المستقر - كما هو المختار - فالامر واضح وان لم نقل بذلك وقلنا بتعميم المنع للظل السائر والثابت - كما عن جماعة - فلا اشكال فيه أيضا لان المستفاد من روايات المقام (1) هو المنع عن الاستظلال حال سيره إلى مكة ولا


(1) الوسائل: باب 66 من أبواب تروك الاحرام.

[ 243 ]

تشمل حال نزوله إلى منزله ومقصده ووصوله إلى مكة المكرمة، وهذا الحكم كان امرا متسالما عليه عند الشيعة ومما اختصوا به بل كان ذلك من شعارهم من الصدر الاول إلى زماننا هذا ولذا كثر سؤال المخالفين عن الائمة (ع) بانه ما الفرق بين حال السير والنزول في المنزل والخباء واجابوا (ع) بان الدين لا يقاس والاحكام حسب النصوص الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وهذه الروايات المشتملة على احتجاج الائمة (ع) وان كانت ضعيفة سندا ولكن صحيح البزنطي يكفينا فان أبا حنيفة سأل عن الصادق (ع): أيش فرق ما بين ظلال المحرم والخباء؟ فقال أبو عبد الله (ع): ان السنة لا تقاس (1) وهذه الصحيحة وان لم يقع فيها التصريح بالفرق بين حال السير والنزول في المنزل، إلا انه بقرينة تلك الروايات وبقرينة الخلاف بين السنة والشيعة في الفرق بين الامرين يظهر ان سؤال أبي حنيفة ناظر إلى هذه المسألة اي المنع عن التظليل حال السير وجوازه في الوصول إلى المنزل، وأبو حنيفة يسأل نفس السؤال الواقع في تلك الروايات وإلا فلا نحتمل خصوصية للخباء مقابل المظلة مثلا. وبالجملة: لا ريب في اختصاص المنع بحال السير فمن وصل مكة لا يصدق عليه عنوان السير إلى مكة بل يصدق عليه انه دخل منزله فان الداخل فيها للحج لا يجوز له الخروج بل هو محتبس ومرتهن للحج كما هو الصحيح عندنا. هذا كله مضافا إلى السيرة القطعية. بل الظاهر عدم الفرق بين الاستظلال بالمظلة ونحوها وبين


(1) الوسائل: باب 66 من أبواب تروك الاحرام ح 5.

[ 244 ]

[ (مسألة 272): لا بأس بالتظليل للنساء والاطفال وكذلك للرجال عند الضرورة والخوف من الحر أو البرد (1). ] الاستظلال بالظل الثابت كظل العمارات والسقوف وان كان الاحوط الاقتصار بالظل الثابت فانه اما جائز بالاصل كما هو المختار واما جائز لاجل النزول في المنزل، بخلاف الظل للسائر فانه انما يجوز لاجل المنزل ولعل السيرة قائمة على الظل الثابت دون السائر إلا ان النص الدال على جواز الاستظلال في المنزل مطلق يشمل الظل الثابت والسائر المتحرك معا. (1) اما اختصاص الحكم بالرجال وعدم شموله للنساء فلعدة من الروايات المعتبرة (1). مضافا إلى التسالم بين الاصحاب وعدم الخلاف واما الصبيان فقد ورد في رواية معتبرة جواز التظليل لهم وهي صحيحة حريز (2) مضافا إلى انه متسالم عليه، ولكن لا حاجة إلى دليل الجواز بالخصوص بل لو لم يكن نص في المقام لكان الجواز لهم على القاعدة والوجه في ذلك: ان ما امر به الصبيان نفس ما امر به المكلفون ولا فرق في نفس الطبيعي المأمور به بالنسبة إلى المكلفين وغيرهم شرطا وجزءا ومانعا إلا بالوجوب والندب فنفس المأمور به المشتمل على جميع الشرائط والاجزاء واجبة على المكلفين ومندوبة للاطفال واما غير ذلك من الاحكام التكليفية المستقلة المحضة التي ليست شرطا ولا جزءا ولا مانعا فمرفوعة عن الاطفال لحديث رفع القلم واما تروك الاحرام غير الجماع


(1) و (2) الوسائل: باب 64 و 65 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 245 ]

[ (مسألة 273): كفارة التظليل شاة ولا فرق في ذلك بين حالتي الاختيار والاضطرار وإذا تكرر التظليل فالاحوط التكفير عن كل يوم وان كان الاظهر كفاية كفارة واحدة في كل احرام (1). ] دخيلة في صحة الحج شرطا أو جزءا أو مانعا ولا يضر ارتكابها بالحج اصلا سوى ارتكاب المحرم محرما شرعيا فإذا كان المحرم غير مكلف فلا حرمة عليه لان دليل رفع القلم كاف في رفع هذه الاحكام عنه وكما لا يجب عليه هذه الاحكام لا يجب على الولي ردعه ومنعه من ذلك وكذلك يجوز التظليل للرجال عند الضرورة ولو لشدة الحر أو البرد كما في النصوص المتظافرة (1). (1) وهنا امور: الاول لا فرق في ثبوت الكفارة بين حالتي الاختيار والاضطرار فان الاضطرار يرفع المنع واما الكفارة فغير مرتفعة، فان الكفارة وان وردت في النصوص في موارد خاصه ولكن يظهر منها ملازمة الكفارة للتظليل وان التظليل في جميع الموارد لا يفارق الكفارة ويظهر ذلك بوضوح من صحيحة علي بن جعفر (اظلل وانا محرم؟ فقال: نعم وعليك الكفارة) (2) فان قوله: (اظلل) كما انه مطلق من حيث الاختيار والاضطرار كذلك مطلق من حيث اسباب الاضطرار فيعلم منه ان التظليل مطلقا من أي سبب كان يلازم الكفارة، نعم لو صدر


(1) الوسائل: باب 64 من أبواب تروك الاحرام. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2.

[ 246 ]

التظليل منه عن غير اختيار له بحيث لا يستند التظليل إليه كما إذا حمله شخص إلى الظل فلا تجب الكفارة عليه لعدم استناد الفعل إليه حينئذ واما لو صدر الفعل منه اختيارا ولو للضرورة ولو كانت مثل التقية تجب الكفارة، بل يظهر من بعض الروايات المعتبرة ان ملازمة الكفارة للتظليل كانت امرا متسالما عليه وامرا مفروغا عنه ولذا يسأل عن الامام (ع) انه يظلل اختيارا ويكفر زعما منه ان الكفارة ترفع الحرمة فمنعه (ع) عن ذلك إلا إذا كان مريضا ففي معتبرة عبد الله بن المغيرة قال: قلت لابي الحسن الاول (ع): اظلل وانا محرم؟ قال: لا، قلت: أفاظلل واكفر؟ قال: لا، قلت فان مرضت؟ قال: ظلل وكفر. الثاني: المشهور ان كفارة التظليل شاة كما في جملة من الروايات وفي بعض الروايات انها دم يهريقه وفي بعضها الآخر انه يتصدق بمد لكل يوم وفي بعض الروايات حكم بالكفارة ولم يذكر جنسها (1) اما ما اشتمل على التصدق بالمد فضعيف سندا بعلي بن أبي حمزة البطائني واما ما دل على مطلق الكفارة فيحمل على الشاة وكذا ما دل على مطلق الدم فالمتعين بعد حمل المطلقات على المقيد هو الشاة وعدم اجزاء غيرها نعم في صحيحة علي بن جعفر ان علي بن جعفر نحر بدنة لكفارة الظل ومن ثم حمل جملة من الاصحاب البدنة هنا على الاستحباب، ولكن الظاهر انه لا وجه له بل مقتضى الروايات تعيين الشاة وعدم اجزاء غيرها ولو كان ابلا واما فعل علي بن جعفر فغير حجة ولعله اجتهاد منه غير متبع عندنا. الثالث: هل تتكرر الكفارة بتكرر التظليل ام لا؟ ولا يخفى ان محل الكلام تكرر الكفارة بتكرر التظليل في احرام واحد واما إذا


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام.

[ 247 ]

كان في احرامين كاحرام العمرة واحرام الحج فلا كلام في تكرر الكفارة ولا وجه للتداخل بعد تعدد السبب نظير تعدد كفارة الصوم لافطار يومين من شهر رمضان فالكلام في تكرر التظليل في احرام واحد كما إذا ظلل في احرام الحج متعددا من سبب واحد أو من اسباب متعددة مقتضى القاعدة الاولية عدم التداخل ولزوم التعدد، ولكن هذا مما لا يمكن الالتزام به ابدا للتسالم على عدم تعدد الكفارة بذلك، بل يستفاد وحدة الكفارة ولو تكرر التظليل من روايات جواز التظليل للشيخ والمريض فان الشيخ لا ريب ان عذره مستمر وكذلك المريض الذي سأل عنه في الروايات ولا ريب ان تظليلهم كان يتعدد ويتكرر في يوم واحد ومع ذلك لم يحكموا (ع) عليهم بتعدد الكفارة مع انهم (ع) في مقام بيان وظيفتهم وانما اطلقوا لهم الكفارة ولو كانت تعدد بتكرر التظليل للزم البيان والتنبيه عليه ولا فرق قطعا بين الشيخ والمريض وغيرهما ممن يتظلل متكررا. على انه يكفينا معتبرة ابن راشد قال: قلت له (ع): جعلت فداك انه يشتد علي كشف الظلال في الاحرام لاني محرور يشتد علي حر الشمس، فقال: ظلل وارق دما فقلت له: دما أو دمين؟ قال: للعمرة؟ قلت: انا محرم بالعمرة وندخل مكة ونحرم بالحج قال: فارق دمين) (1) فانها صريحة بتعدد الكفارة بتعدد الاحرامين احداهما لاحرام العمرة والاخرى لاحرام الحج ويستفاد منها وحدة الكفارة مع تكرر التظليل إذا كان في احرام واحد. ولا وجه لمناقشة السند لوقوع محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني فيه فانه ثقة جليل كما وثقه النجاشي وغيره ولا يعارض ذلك تضعيف الشيخ


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب بقية الكفارات الاحرام ح 1.

[ 248 ]

اياه فان تضعيفه مبني على استثناء ابن الوليد والصدوق رواياته عن خصوص يونس بطريق منقطع أو ما ينفرد بروايته عنه في كتاب نوادر الحكمة فتخيل الشيخ ان استثنائهما لرواياته عن يونس ناشئ من تضعيفهما له مع انه لم يظهر لا من ابن الوليد ولا من الصدوق تضعيف محمد بن عيسى نفسه ولم يناقشا فيه والذي يكشف عن ذلك ان الصدوق تبع شيخه في الاستثناء المزبور فلم يرو في الفقيه ولا رواية واحدة عن محمد بن عيسى عن يونس ولكن قد روى عنه عن غير يونس في نفس كتاب الفقيه في المشيخة في نيف وثلاثين موردا ولو كان محمد بن عيسى بنفسه ضعيفا لما روى عنه لان الصدوق يصرح ويقول كلما لم يصححه شيخه الوليد لم يصححه هو ويترك العمل به فيكشف ذلك عن ان استثناء ابن الوليد خصوص رواياته عن يونس غير مبتن على ضعف الرجل نفسه وتفصيل ذلك موكول إلى كتابنا معجم الرجال (1).


(1) معجم رجال الحديث: ج 17 ص 129.

[ 249 ]

[ 22 (اخراج الدم من البدن) لا يجوز للمحرم اخراج الدم من جسده وان كان ذلك بحك بل بسواك على الاحوط، ولا بأس به مع الضرورة أو دفع الاذى وكفارته شاة على الاحوط الاولى (1). ] (1) يقع البحث تارة في الاحجام واخرى في مطلق الادماء. اما الاول فقد ورد المنع عنه في عدة روايات معتبرة كصحيح الحلبي وزرارة ومفهوم ذريح (1) وبازائها ما دل على الجواز كصحيحة حريز (لا بأس ان يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر) المؤيدة برواية يونس (عن المحرم يحتجم؟ قال: لا احبه) (2) بدعوى ان قوله: (لا احبه) ظاهر في الجواز مع الكراهة وقد ذكرنا غير مرة ان (لا احب) لا تدل على الجواز بل غايته عدم دلالته على الحرمة مضافا إلى ضعف السند وورد في روايات متعددة ان الحسن والحسين عليهما السلام بل ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتجم وهم محرمين والروايات ضعيفة سندا على انها مشتملة على نقل فعل منهم (ع) ولا اطلاق لذلك ولعلهم احتجموا للضرورة بل لابد من حمل ذلك على الضرورة لان الحجامة ان لم تكن محرمة فلا اشكال


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 2 و 8 و 5. (2) الوسائل: باب 62 من أبواب تروك الاحرام ح 4.

[ 250 ]

في كراهتها فكيف تصدر منهم (ع) فالعمدة انما هي صحيحة حريز المتقدمة والجمع العرفي يقتضي حملها على الضرورة لان صحيح حريز مطلق من حيث الضرورة وعدمها والروايات المانعة المتقدمة جوزت الاحتجام في مورد الضرورة ومقتضى الجمع هو الجواز في مورد الضرورة وعدمه في غير الضرورة. واما الادماء: فقد تقدم في باب ازالة الشعر جواز حك الجسد ما لم يدم (1) وفي خبر عمر بن يزيد ويحك الجسد ما لم يدمه) ولكنه ضعيف بمحمد بن عمر بن يزيد فانه لم يوثق فلا بأس بجعله مؤيدا وفي صحيح الحلبي عن المحرم يستاك، قال: نعم ولا يدمي) وقيل بازاء هذه الروايات روايتان تدلان على الجواز. الاولى: صحيحة علي بن جعفر عن المحرم هل يصلح له ان يستاك؟ قال: لا بأس ولا ينبغي ان يدمي فيه. بدعوى ظهور (لا ينبغي) في الكراهة وقد ذكرنا غير مرة ان (لا ينبغي) ظاهر في الحرمة لانه بمعنى لا يتسير وغايته عدم دلالته على الحرمة لا دلالته على الجواز مع الكراهة كما هو المدعى. الثانية: صحيحة معاوية بن عمار في المحرم يستاك؟ قال: نعم قلت: فان ادمى يستاك؟ قال: نعم هو من السنة) (2) ومقتضى حمل المطلق على المقيد جواز الادماء في خصوص مورد الاستياك لانه من السنة لا جوازه على الاطلاق. ثم ان الكليني قال بعد رواية معاوية بن عمار. وروى أيضا لا يستدعي.


(1) الوسائل: باب 73 من أبواب تروك الاحرام. (2) الوسائل: باب 92 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 251 ]

فيكون المعنى انه علم بخروج الدم وكان يطلب خروج الدم فلا يستاك واما ان كان خروج الدم من باب الاتفاق فلا بأس فهذا تفصيل لا تخصيص. ولكن لو قرأ (وروي) بصيغة المجهول فهو خبر مرسل وان قرأ بصيغة المعلوم اي ان معاوية بن عمار روى أيضا فالجواز يختص بفرض عدم خروج الدم. هذا كله في الاستياك. واما في غير مورد الاستياك مما يدمي فلا يجوز قطعا. واما الكفارة فلم تذكر في شئ من الروايات كفارة للادماء وقد ذكرنا ان تروك الاحرام مختلفة قسم منها فيه الكفارة وقسم آخر لا كفارة فيه ولكن الاحوط الاولى الكفارة لما تقدم غير مرة بناءا على نسخة (جرحت) في خبر علي بن جعفر.

[ 252 ]

[ 23 (التقليم) لا يجوز للمسلم تقليم ظفره ولو بعضه الا ان يتضرر المحرم ببقائه كما إذا انفصل بعض اظفاره وتألم من بقاء الباقي فيجوز له حينئذ قطعه (1) ويكفر عن كل ظفر بقبضة من الطعام. ] (1) لا خلاف بين الفقهاء في تحريم الاخذ من الاظفار من دون فرق بين البعض والجميع، ومستنده اخبار عديدة. منها: صحيح معاوية بن عمار (عن الرجل المحرم تطول اظفاره قال: لا يقص شيئا منها ان استطاع، فان كانت تؤذيه فليقصها وليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام) (1) والمراد بالقص مطلق الازالة والاخذ ولا خصوصية للقص المأخوذ بالمقص اي المقراض كما توهم وذلك بقرينة جملة من الروايات التي ورد فيها التقليم الذي يراد به مطلق القطع والاخذ من الظفر كما في صحيحة زرارة من نتف ابطه أو قلم ظفره) وفي صحيحة اخرى له (من قلم اظافيره) واصرح من ذلك كله موثقة اسحاق (عن رجل نسي ان يقلم اظفاره عند


(1) الوسائل: باب 77 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 253 ]

[ (مسألة 274): كفارة تقليم كل ظفر مد من الطعام (1) وكفارة تقليم اظافير اليد جميعها في مجلس واحد شاة وكذلك الرجل وإذا كان تقليم اظافير اليد واظافير الرجل في مجلس واحد فالكفارة أيضا شاة. ] احرامه، قال: يدعها) (1) اي يتركها ولا يؤخذ شيئا منها وهذا التعبير يشمل جميع افراد الاخذ وانواعه من القص والقطع ونحوهما. ومقتضى اطلاق الروايات عدم الفرق بين الواحد والجميع، نعم لو اذاه وتألم من بقاءه لا بأس بقطعه كما في المعتبرة المتقدمة، ولكن يكفر عن كل ظفر بقبضة من طعام وهل يكتفى بمطلق الاذية العرفية أو لابد من ان يبلغ حد الضرورة؟ وجهان. الظاهر هو الاول وذلك لان المراد بالاستطاعة المذكورة في صحيح معاوية بن عمار هي العادية العرفية لا القدرة الحقيقية. العقلية والا ففي صورة الاضطرار والضرورة القدرة العقلية حاصلة أيضا فالعبرة بالعسر والحرج العرفيين والمدار بالاذية العرفية وان لم تبلغ حد الضرورة. (1) المشهور بين الاصحاب ان في تقليم كل ظفر مدا من الطعام كما في صحيحة أبي بصير (2) وبازائهما مطلقات من حيث الواحد والجميع ان عليه دما أو شاة كما في صحيحتي زرارة المتقدمتين وورد في صحيحة


(1) الوسائل: باب 8 و 10 و 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام حديث 1 و 5 و 2. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 254 ]

معاوية بن عمار المتقدمة (قبضة من طعام) ولكنها لا تكون معارضة لما دل على ان فيه مدا من الطعام لان موردها الاذية والضرورة ولا مانع من الالتزام بمضمونها في موردها فتكون النتيجة ان تقليم كل ظفر إذا كان مما يؤذيه ففديته كف من الطعام وقبضة منه وإذا كان لا يؤذيه بقائه فقطعه فمد من طعام كما في صحيحة أبي بصير. ثم ان هنا اشكالا وهو ان الشيخ روى رواية أبي بصير وذكر فيها (قيمة مد من طعام) ورواها الصدوق (عليه مد من طعام) ولا شك ان الامام (عليه السلام) لم يذكر لابي بصير تارة (قيمة مد) واخرى يذكر له (مدين من طعام) فالرواية واحدة جزما فأبو بصير اما روى (قيمة مد من طعام) أو روى (مد من طعام) فأحدهما اشتباه ولا ريب ان الترجيح مع الفقية بوجهين: الاول: ان الصدوق اضبط من الشيخ كما يظهر ذلك بوضوح لمن يراجع كتاب التهذيب والاستبصار قال: في الحدائق (لا يخفى على من راجع التهذيب وتدبر اخباره ما وقع للشيخ (ره) من التحريف والتصحيف في الاخبار سندا ومتنا وقلما يخلو حديث من احاديثه من علة في سند أو متن) (1) وما ذكره لا يخلو من اغراق ومبالغة إلا ان القدر المسلم ان الشيخ اكثر اشتباها من الصدوق. ويؤيد ما ذكرنا ان الشيخ استدل لما ذكره المفيد في المقنعة برواية أبي بصير والمذكور في المقنعة (مد من الطعام) فذكر القيمة في رواية أبي بصير لابد ان يكون اشتباها وإلا لا يصلح خبر أبي بصير دليلا لما ذكره المفيد في المقنعة. فالمعتمد انما هو رواية الفقيه.


(1) الحدائق: طبع النجف ج 3 ص 156.

[ 255 ]

[ وإذا كان تقليم اظافير اليد في مجلس وتقليم اظافير الرجل في مجلس آخر فالكفارة شاتان (1). ] الثاني: ان (قيمة مد من طعام) لا يمكن ان تكون كفارة لاستحالة التخيير بين الاقل والاكثر فان الطعام اسم للحنطة والشعير والتمر والارز ونحوها وقيمة هذه الامور مختلفة فكيف يمكن جعل قيمة هذه الامور ملاكا للواجب فالاقل مما يصدق عليه قيمة الطعام يكون مصداقا للواجب. ثم انه يظهر من الجواهر (1) ان نسخة الفقيه أيضا مختلفة ولكن الاختلاف انما هو بين الفقيه والتهذيب. (1) ويدل على هذا التفصيل صحيحتا أبي بصير قال: في الاولى (فان قلم اصابع يديه كلها فعليه دم شاة، فان قلم اظافير يديه ورجليه جميعا، فقال: ان كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم، وان كان فعله متفرقا في مجلسين فعليه دمان) (2) وقال: في الثانية (إذا قلم المحرم اظفار يديه ورجليه في مكان واحد فعليه دم واحد، وان كانتا متفرقتين فعليه دمان) (3) وبازائهما رواية حريز عمن اخبره عن أبي جعفر (ع) في محرم قلم ظفرا قال: يتصدق بكف من طعام قلت: ظفرين، قال: كفين، قلت: ثلاثة، قال: ثلاثة اكف قلت: اربعة، قال: اربعة اكف قلت: خمسة، قال: عليه دم


(1) الجواهر: ج 20 ص 299. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 6.

[ 256 ]

يهريقه) (1) ولكنها غير صالحة للمعارضة لا في وجوب الشاة في الخمسة ولا في وجوب الكف من الطعام أو الكفين لارسالها على انها موافقة في وجوب الشاة في الخمسة لمذهب أبي حنيفة واتباعه هذا كله في العالم العامد. واما الناسي: ففي النصوص انه ليس عليه شئ. منها: حديث رفع النسيان فان المستفاد منه عدم ترتب اي اثر على النسيان. ومنها: ما دل على ان الناسي أو الجاهل في باب الحج ليس عليه فداء شئ اتاه الا الصيد (2) ومنها صحيحتا زرارة الواردتين في خصوص المقام (3). وبازائها ما رواه الشيخ بسند صحيح عن حريز عن أبي عبد الله (ع) في المحرم ينسى فيقلم اظافيره قال: يتصدق بكف من الطعام قلت: فاثنتين، قال: كفين قلت: فثلاثة، قال: ثلاثة اكف، كل ظفر كف حتى يصير خمسة، فإذا قلم خمسة فعليه دم واحد خمسة كان أو عشرة أو ما كان) (4) وبه تثبت الشاة على العامد أيضا إذ لا نحتمل كون الناسي اشد عقوبة من العامد. ولكن لا يمكن الاعتماد على ما رواه الشيخ فان الظاهر ان ما رواه الشيخ يتحد مع مرسلة الكليني عن حريز عمن اخبره وليس في المرسلة ذكر للنسيان والوجه في اتحاد


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5. (2) الوسائل: باب 31 من أبواب كفارات الصيد. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5 و 6. (4) الوسائل: باب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3.

[ 257 ]

[ (مسألة 275): إذا قلم المحرم اظافيره فادمى اعتمادا على فتوى من جوزه وجبت الكفارة على المفتي على الاحوط (1). ] رواية الشيخ مع مرسلة الكليني ما ذكرناه غير مرة ان من المستبعد جدا ان حريز يروي لحماد مسندا إلى الامام (ع) تارة ويروي مرسلا لحماد وحماد يروي مسندا لعبد الرحمن ومرسلا لابراهيم بن هاشم فالخبر يدور بين كونه مرسلا كما في الكافي وبين كونه مسندا كما في كتاب الشيخ ولا ريب ان الكليني اضبط بل لو لم يكن اضبط لتساوي الاحتمالان فلا يمكن الحكم بكون الرواية مسندة. ومع الغض عما ذكرنا فلا ريب ان الروايات المتقدمة خصوصا روايتي زرارة وروايات الصيد صريحة في عدم شئ على الناسي فلابد من حمل رواية الشيخ على الاستحباب. (1) على المشهور واستدل على ذلك بروايتين احداهما ضعيفة السند والثانية ضعيفة الدلالة اما الاولى: فعن اسحاق الصيرفي قال: أبي ابراهيم (ع): ان رجلا احرم فقلم اظفاره وكانت له اصبع عليلة فترك ظفرها لم يقصه فافتاه رجل بعدما احرم فقصه فادماه، فقال: على الذي افتى شاة) (1) فانها ضعيفة بمحمد البزاز أو الخزاز فأنهما لم يوثقا واما زكريا المؤمن فهو من رجال كامل الزيارات. اما الرواية الثانية: فموثقة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي ان يقلم اظفاره عند احرامه، قال:


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 258 ]

يدعها، قلت فان رجلا من اصحابنا افتاه بان يقلم اظفاره ويعيد احرامه ففعل، قال: عليه دم يهريقه) (1) وظاهر الضمير في قوله: (عليه دم) رجوعه إلى الرجل المحرم لا المفتي على انه لم يذكر فيها الادماء فالحكم المذكور مبني على الاحتياط خروجا من مخالفة المشهور.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2.

[ 259 ]

[ 24 (قلع الضرس) (مسألة 276): ذهب جمع من الفقهاء إلى حرمة قلع الضرس على المحرم وان لم يخرج به الدم واوجبوا له كفارة شاة. ولكن في دليله تأملا بل لا يبعد جوازه (1). ] (1) لان ما استدل به للحرمة ضعيف وهو المرسل (عن رجل من اهل خراسان ان مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شئ محرم قلع ضرسه، فكتب (ع): يهريق دما (1) بل لو فرضنا صحة الرواية لا يمكن القول بتحريم قلع الضرس في نفسه لان قلع الضرس يلازم الادماء غالبا أو دائما فتكون حرمته من باب الادماء، وحمل الرواية على ما ليس فيه دم حمل على الفرد النادر جدا.


(1) الوسائل: باب 19 بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 260 ]

[ 25 - حمل السلاح (مسألة 277): لا يجوز للمحرم حمل السلاح كالسيف والرمح وغيرهما مما يصدق عليه السلاح عرفا. وذهب بعض الفقهاء إلى عموم الحكم لآلات التحفظ كالدرع والمغفر وهذا القول احوط (1). ] (1) المشهور بين الفقهاء حرمة لبس السلاح للمحرم لغير ضرورة وذهب المحقق في الشرائع إلى الكراهة وتبعه غيره كالعلامة والمدارك والصحيح ما عليه المشهور للنصوص. منها: صحيح الحلبي (قال، ان المحرم إذا خاف العدو يلبس السلاح فلا كفارة عليه) (1). ومنها: صحيح ابن سنان (أيحمل السلاح المحرم؟ فقال: إذا خاف المحرم عدوا أو سرقا فليلبس السلاح) (2) لتعليق الحكم بالجواز فيهما على ما إذا خاف من العدو، فبالمفهوم يدل على التحريم في غير هذه الصورة. وحملهما على الكراهة يتوقف على احد امرين، أحدهما انكار حجية المفهوم، وفيه ما ذكر في محله من عدم الفرق في حجية الظواهر


(1) الوسائل: باب 54 تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 54 تروك الاحرام، ح 2.

[ 261 ]

[ (مسألة 278) لا بأس بوجود السلاح عند المحرم ] بين المفهوم والمنطوق، ثانيهما: انكار المفهوم لهما لان الخوف المذكور فيهما محفق للبس السلاح فالقضية سيقت لبيان الموضوع فلا مفهوم لها كما حقق في محله، وفيه ان لبس السلاح ليس دائما لغرض الخوف بل ربما يلبسه الانسان للتشخيص والاظهار ونحو ذلك من الاغراض ولا وجه لمناقشة السند بزعم وقوع العبيدي في السند فان المراد بابي جعفر الذي روى عن أبيه هو أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري فان كلا من الاب والابن ثقة واحمد أبو جعفر قد يروي عن محمد بن أبي عمير بلا واسطة كما في رواية الحلبي وقد يروي عن أبيه محمد بن عيسى الاشعري عن عبد الله بن المغيرة كما في رواية ابن سنان. وهنا فروع مترتبة على التحريم: الاول: هل الحكم بالحرمة يختص باللبس أو يعم مطلق الحمل كالاخذ بيده أو وضعه في كمه أو جيبه ونحو ذلك للظاهر هو التعميم لان السؤال في صحيح ابن سنان عن الحمل ومقتضى ظاهر السؤال والجواب للزوم مطابقتهما ان الممنوع هو الحمل والا لكان سؤاله بلا جواب، وانما اجاب باللبس مع ان السؤال عن الحمل لغلبة اللبس في الخارج فالمستفاد من الرواية ان الحمل محرم وكذا اللبس لصدق الحمل عليه. الثاني: هل يختص الحكم بالسلاح نفسه أو يعم الحكم لالآت التحفظ والوقاية في الحرب كالدرع والمغفر ونحوهما ذهب بعضهم إلى التعميم ولكن لا دليل عليه لان الممنوع هو السلاح وهو غير صادق على هذه

[ 262 ]

[ إذا لم يكن حاملا له ومع ذلك فالترك احوط (1). (مسألة 279): تختص حرمة حمل السلاح بحال الاختيار ولا بأس به عند الاضطرار (2). (مسألة 280): كفارة حمل السلاح شاة على الاحوط (3) إلى هنا انتهت الامور التي تحرم على المحرم. ] الآلات وانما يلبسها للوقاية والتحفظ. (1) هذا هو الفرع الثالث: قد احتمل بعضهم حرمة وجود السلاح عنده وان لم يكن حاملا له كما إذا القاه على دابته أو جعله في متاعه واثاثه، ولكن لا دليل على ذلك لان الصحيحين ذكر فيهما الحمل واللبس وذلك غير صادق على مجرد كون السلاح معه، وقد يحتمل حرمة ذلك لحرمة مجرد اظهار السلاح بمكة أو الحرم وان لا يكون بارزا إلا ان يستره ويدخله في جوالق كما في النص (1) إلا انه على تقدير حرمة ذلك فهو من احكام الدخول في مكة أو الحرم ولا يرتبط بالاحرام. (1) مستنده الصحيحان المتقدمان. (2) مقتضى مفهوم صحيح الحلبي المتقدم ثبوت الكفارة عليه إذا لبس السلاح من غير ضرورة وخوف من العدو، ولكن لم يذكر نوع الكفارة ولعلها كف من الطعام أو الاستغفار. نعم في صحيح زرارة من لبس ثوبا لا ينبغي لبسه فعليه شاة (2) إلا ان الموضوع فيه لبس الثوب الذي لا يصدق على السلاح لا مطلق


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب مقدمات الطواف. (2) الوسائل: باب 8 بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 263 ]

اللبس فان كان المراد من الثوب مطلق ما يلبسه الانسان وان كان من غير ما يصدق عليه الثوب فهو والا فيشكل الامر فالنتيجة عدم ثبوت الكفارة عليه الا بأقل ما يصدق عليه الكفارة كالاستغفار بل بناء على المشهور لم يثبت اصل الكفارة عليه ولو بغير شاة لعدم وجود العامل بالرواية وهي مهجورة ومتروكة.

[ 264 ]

[ (الصيد في الحرم وقلع شجره أو نبته) وهناك ما تعم حرمته المحرم والمحل وهو امران: (أحدهما) الصيد في الحرم فانه يحرم على المحل والمحرم كما تقدم (1). (ثانيهما) قلع كل شئ نبت أو قطعه من شجر وغيره ولا بأس بما يقطع عند المشي على النحو المتعارف، كما لا بأس بان تترك الدواب في الحرم لتأكل من حشيشه (2). ] (1) قد تعرضنا في أول تروك الاحرام للنصوص الدالة على حرمة صيد الحرم على المحل والمحرم فراجع. (2) هنا أمور: الاول: لا خلاف بين اصحابنا في حرمة قلع شجر الحرم ونبته على المحرم وغيره، وتدل عليه جملة من الاخبار. منها: صحيح حريز قال: كل شئ ينبت في الحرم فهو حرام على الناس اجمعين) (1) والمذكور فيه وان كان كل فعل يتعلق بالشجر وان كان بغير القطع الا ان المراد به بقرينة بقية الروايات هو قلع الشجر وقطعه كما في صحيح زراره وغيره (فعن زرارة قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول: حرم الله حرمه بريدا في بريد ان يختلي خلاه


(1) الوسائل: باب 86، تروك الاحرام ح 1.

[ 265 ]

أو يعضده شجره) اختلى الخلى اختلاء جزه وقلعه عضد الشجرة وغيرها قطعها بالمعضد ويؤيد برواية اخرى ضعيفة الدالة على ان المحرم نزع الشجرة (1)، وبالجملة: لا ينبغي الريب في ان المستفاد من الروايات حرمة القطع والقلع واما بقية التصرفات كالقاء الثوب عليه أو شد شئ به ونحو ذلك فغير محرمة خصوصا التصرفات الحاصلة بعد القطع. الثاني: ان الحكم بالتحريم يختص بما إذا كان القطع أو القلع مقصودا له بنفسه واما إذا قطع في الطريق بوطئ الانسان أو دابته فالادلة منصرفة عنه فان المقصود حينئذ هو المشي في الطريق لاقطع النبات ولا يضر قطعه من باب الاتفاق، مضافا إلى ذلك ان النبات أو الشجر كثيرا ما يوجد في الطريق خصوصا في الازمنة السابقة قبل تبليط الشوارع والطرق ويتفق كثيرا وطئ الانسان أو دابته له ومع ذلك لم يرد منع وردع عن ذلك في الروايات اصلا، ولو كان ممنوعا لظهر وبان فيعلم من ذلك ان الحكم بالحرمة يختص بالقطع إذا كان مقصودا. الثالث: ان الممنوع ما صدق عليه عنوان النزع واما تعلف الحيوان من النبات والحشيش بطبعه فلا يمنع عنه ولا يجب على المحرم منع الحيوان من ذلك لعدم صدق عنوان القلع أو النزع والقطع على ذلك وقد ورد في الابل خاصة دليل بالخصوص وهو صحيح حريز (قال: تخلي عن البعير في الحرم يأكل ما شاء) (2).


(1) الوسائل: باب 87 من أبواب تروك الاحرام ح 4 و 9. (2) الوسائل: باب 89 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 266 ]

[ (ويستثنى من حرمة القلع أو القطع موارد): (1) الاذخر وهو نبت معروف (1). (2) النخل وشجر الفاكهة (2). ] (1) تدل عليه جملة من الروايات. منها: صحيحة زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: حرم الله حرمه بريدا في بريد ان يختلي خلاه أو يعضد شجره إلا الاذخر) (1) ومنها صحيحة حريز في حديث، فقال: رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) الا الاذخر) (2). (2) كما في صحيح سليمان بن خالد في حديث، قال: لا ينزع من شجر مكة شئ إلا النخل وشجر الفاكهة) (3) ويؤيد برواية سهل قال: لا ينزع من شجر مكة إلا النخل وشجر الفاكهة (4). مضافا إلى التسالم وقطع الاصحاب ثم انه لا يعتني لتضعيف الرواية بوجود الطاطري في السند بدعوى انه من وجوه الواقفية وانه لا يعتمد على رواياته وذلك لانه ثقة عندنا. ولا بأس بالعمل بالموثق على ان الصدوق رواه بسند صحيح عن


(1) الوسائل: باب 87 من أبواب تروك الاحرام ح 4. (2) الوسائل: باب 88 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 4. (3) و (4) الوسائل: باب 87 تروك الاحرام ح 1 و 9.

[ 267 ]

[ (3) الاعشاب التي تجعل علوفة للابل (1). ] سليمان بن خالد وليس فيه الطاطري واستدل صاحب المدارك بهذه الرواية على طريق الصدوق. (1) يجوز للمحرم قلع النبات لعلوفة الابل ويدل عليه معتبرة محمد ابن حمران، قال سألت أبا عبد الله (ع) عن النبت الذي في ارض الحرم أينزع؟ فقال: اما شئ تأكله الابل فليس به بأس ان تنزعه) (1). وربما يتوهم معارضتها برواية ابن سنان، قال: قلت: لابي عبد الله (عليه السلام المحرم ينحر بعيره أو يذبح شاته؟ قال: نعم، قلت: له ان يحتش لدابته وبعيره؟ قال: نعم، يقطع ما شاء من الشجر حتى يدخل الحرم، فإذا دخل الحرم فلا) (2) فتسقطان بالمعارضة فالمرجع عموم المنع عن قلع نبات الحرم. وفيه: ان الجمع العرفي بينهما موجود ولا مجال للمعارضة. بيان ذلك: ان الوجوب والحرمة ليسا من مداليل اللفظ وانما يستفاد كل منهما من عدم اقتران الامر بالترخيص في الترك وعدم اقتران النهي بالترخيص في الفعل فحينئذ يحكم العقل بالوجوب أو الحرمة واما إذا كان الامر مقرونا بالترخيص في الترك أو كان النهي مقرونا بالترخيص في الفعل فلا يحكم العقل بالالزام والنهي الوارد في خبر ابن سنان مقرون بالترخيص في الفعل الوارد في معتبرة محمد بن حمران فلا يستفاد من النهي


(1) الوسائل: باب 89 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (2) الوسائل: باب 85 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 268 ]

[ (4) الاشجار أو الاعشاب التي تنمو في دار نفس الشخص أو ملكه، أو يكون الشخص هو الذي غرس ذلك الشجر أو زرع العشب (1) وأما الشجرة التي كانت موجودة في الدار قبل تملكها فحكمها حكم سائر الاشجار. ] الوارد في خبر ابن سنان الحرمة لاقترانه بالترخيص صريحا في المعتبرة. هذا مضافا إلى ان رواية ابن سنان ضعية سندا فلا تصلح للمعارضة وذلك لوجود عبد الله بن القاسم في السند وهو بقرينة الراوي عنه وبقرينة روايته عن ابن سنان هو عبد الله بن القاسم الحضرمي الذي قال النجاشي في حقه انه كذاب ولا اقل انه مجهول. (1) يدل على الاستثناء صحيحة حريز عن ابي عبد الله (ع) قال: كل شئ ينبت في الحرم فهو حرام على الناس اجمعين إلا ما انبته انت وغرسته) (1) والرواية صحيحة صريحة في الاستثناء. ولا يخفى ان الوسائل لم يذكر حرف (إلا) وهي مذكورة في التهذيب وكل من روى عن التهذيب يذكر (إلا) فنسخة الوسائل غير صحيحة. وكذا يستثنى ما ينبت في ملك الانسان بان سبق ملك الدار أو الارض على غرس الشجرة أو زرع العشب فحينئذ يجوز قلعها والا فلا، فالشجرة إذا كانت موجودة في الدار قبل تملكها فلا يجوز قلعها.


(1) الوسائل: باب 86 من أبواب تروك الاحرام ح 4 التهذيب ج 5 ص 380.

[ 269 ]

[ (مسألة 281): الشجرة التي يكون اصلها في الحرم وفرعها خارجه أو بالعكس حكمها حكم الشجرة التي يكون جميعها في الحرم (1). ] ويدل على ذلك عدة من النصوص (1) وفي الروايات ورد المنزل والدار والمضرب والمقصود ان الشجرة إذا كانت موجودة قبل تملك ما فيه الشجرة فلا يجوز قلعها واما إذا غرست بعد تملك الدار أو المضرب فحينئذ يجوز قلعها ولا خصوصية للدار والمضرب فذكر المنزل أو الدار خرج مخرج التمثيل ويدل على ذلك صريحا موثقة اسحاق ابن يزيد (عن الرجل يدخل مكة فيقطع من شجرها، قال: اقطع ماكان داخلا عليك، ولا تقطع ما لم يدخل منزلك عليك) (2). والرواية موثقة فان طريق الصدوق إلى اسحاق بن يزيد صحيح وان كان فيه علي بن الحسين السعد آبادي فانه ثقة على الاصح لانه من رجال كامل الزيارات وساير الروايات غير قاصرة عما ذكرنا خصوصا بقرينة هذه الموثقة. (1) فانه احدهما تابع لما في الحرم لشرافة الحرم وقداسته. ويدل على ذلك النصوص، منها صحيح معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (ع) من شجرة اصلها في الحرم وفرعها في الحل فقال: حرم فرعها لمكان اصلها قال: قلت: فان اصلها في الحل


(1) الوسائل: باب 87 من أبواب تروك الاحرام. (2) الوسائل: باب 87 من أبواب تروك الاحرام ح 6.

[ 270 ]

[ (مسألة 282): كفارة قلع الشجرة قيمة تلك الشجرة وفي القطع منها قيمة المقطوع ولا كفارة في قلع الاعشاب (1) وقطعها. ] وفرعها في الحرم، فقال: حرم اصلها لمكان فرعها (1). (1) المشهور ان في قلع الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة وفي اغصانها وابعاضها قيمته، ولا دليل على ذكروه بهذا التفصيل اصلا فلابد من النظر في الروايات الواردة في المقام وكيفية العلاج بينها. فمن جملة الروايات: رواية منصور بن حازم انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاراك يكون في الحرم فاقطعه، قال: عليك فداؤه) (2) وقد حملوا الاراك على الشجرة الصغيرة والفداء على الشاة، ولا يخفى انه لا قرينة على ما حملوه مضافا إلى ضعف السند لوقوع محمد بن علي ماجيلويه في طريق الصدوق إلى منصور بن حازم وماجيلويه لم يوثق وذكرنا غير مرة ان مجرد الشيخوخة لا يوجب الوثاقة فمن حكم بالصحة انما تبع العلامة في الخلاصة ولا عبرة بتصحيحه كما ذكرنا ذلك مفصلا في بعض مقدمات معجم الرجال فهذه الرواية ساقطة، ومنها: مرسلة موسى بن القاسم قال: روى اصحابنا عن أحدهما (عليه السلام) انه قال: إذا كان في دار الرجل شجرة من شجر


(1) الوسائل: باب 90 من أبواب تروك الاحرام ح 1 وغيره. (2) الوسائل: باب 18 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

[ 271 ]

الحرم لم تنزع، فان اراد نزعها كفر بذبح بقرة يتصدق بلحمها على المساكين) (1). وهذه الرواية مخدوشة سندا ودلالة. اما السند فلانها مرسلة وذكر صاحب الجواهر (2) ان ارسالها بالعبارة المزبورة غير ضائر في صحتها نظير (عدة من اصحابنا) أو (روي غير واحد من اصحابنا) ونحو ذلك مما يستبعد جدا أن يكون جميع الرواة ضعاف. وفيه: ان المراد باحدهما - كما هو الشايع في كثير من الروايات - هو الباقر أو الصادق (ع) وموسى بن القاسم من اصحاب الجواد والرضا (ع) وله روايات عنهما وله رواية من بعض اصحاب الصادق (ع) كعبد الله بن بكير، ومن كان من اصحاب الجواد والرضا (ع) كيف يمكن له الرواية من اصحاب الباقر (ع) ولا نحتمل انه يروي مباشرة ومشافهة من اصحاب الباقر (ع) خصوصا عن جماعة منهم لبعد الزمان فمن المطمئن به انه روي وسمع ممن روى له رواية الاصحاب عن احدهما (ع) ويؤيد ما ذكرناه انه لو كان ما رواه رواية عنهم لقال موسى بن القاسم عن اصحابنا عن احدهما (ع) فالتعبير يقال روى اصحابنا ظاهري الارسال. واما ضعف الدلالة: فاولا انها تدل على ذبح البقرة لمطلق الشجرة صغيرة كانت أو كبيرة، وهذا مما لم يفت به احدا فظاهر الرواية معرض عنه. وثانيا: انها تدل على وجوب الكفارة قبل القطع يعني إذا اراد


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب بقية الاحرام ح 3. (2) الجواهر: ج 20 ص 426.

[ 272 ]

قلع الشجرة كفر اولا بذبح بقرة ثم يقلعها نظير كفارة الظهار فالقلع يكون جائزا بعد التكفير، وهذا غير جائز قطعا والكلام في كفارة القطع لا كفارة التي تجوز القطع. هذا كله بناءا على نسخة الوسائل الموجودة بأيدينا واما بناءا على ما في التهذيب (1) وبناءا على جميع من روى عنه كالوافي والحدائق والجواهر فلا يرد هذا الاشكال لقوله: (فان اراد نزعها وكفر بذبح بقرة) فان التكفير يكون بعد النزع. نعم: يرد اشكال آخر وهو ان الرواية تدل على جواز القلع في نفسه ولكن مع التكفير فلا يكون القلع محرما وهذا مقطوع البطلان. منها: صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن الرجل يقطع من الاراك الذي بمكة، قال: عليه ثمنه يتصدق به، ولا ينزع من شجر مكة شيئا إلا النخل وشجر الفاكهة) (2)، وهذه الرواية نقلت بطريقين: احدهما: طريق الشيخ إلى سليمان بن خالد وفيه الطاطري الواقفي فتكون ضعيفة عند جماعة كالمدارك وامثاله. ثانيهما: طريق الصدوق إلى سليمان، وليس فيه الطاطري فتكون معتبرة عند الكل، ودلالتها واضحة في التصدق بثمن الشجرة. وربما يتوهم انها واردة في خصوص الاراك فالحكم بلزوم الكفارة مختص به. فيه: ان ذيل الرواية وهو قوله: (ولا ينزع من شجر مكة)


(1) التهذيب: ج 5 ص 381. (2) الوسائل: باب 18 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 2.

[ 273 ]

قرينة على ان لا خصوصية للاراك وانما ذكر من باب المثال فالحكم شامل لجميع أنواع الشجرة، فالصحيح ثبوت الكفارة بالتصدق بثمن الشجرة كبيرة كانت أو صغيرة ثمن الابعاض والاغصان، أو ثمن الكل، هذا بناءا على ان المذكور في صحيحة سليمان بن خالد القطع كما في الوسائل فيثبت الحكم في مورد القلع بالاولوية القطعية إذ لا نحتمل ان قطع بعض الشجرة واغصانها اشد حكما من قلع الشجرة من اصلها واساسها، واما إذا كان المذكور فيها والصادر من الامام (ع) القلع كما في التهذيب (1) والحدائق والمدارك فلا دليل على الكفارة في قطع بعض الاغصان ولا أولوية في المقام فليس في البين الا رواية منصور بن حازم وقد ذكرنا قريبا انها ضعيفة لضعف طريق الصدوق إلى منصور بن حازم بمحمد بن علي ماجيلويه فانه لم يوثق، ولكن الرواية مع ذلك صحيحة فان الصدوق (عليه الرحمة) قد يكون له طريقان إلى كتب الاصحاب والرواة فربما يذكر احد طريقيه في مشيخة الفقيه، ويكون ضعيفا ولم يذكر الطريق الآخر إلى الكتاب في المشيخة وانما يذكر الشيخ ذلك الطريق في الفهرست، أو في مشيخة التهذيب وقد تكون الطريق صحيحا وطريق الصدوق المذكور في مشيخة الفقيه إلى منصور بن حازم ضعيف بماجيلويه كما ذكرنا ولكن الشيخ يذكر طريقه إلى كتاب منصور بن حازم بواسطة الصدوق ولم يكن فيه ماجيلويه، ويقول الشيخ في الفهرست (2) منصور بن حازم له كتاب أخبرنا به جماعة عن أبي جعفر بن بابويه عن ابن الوليد عن الصفار عن محمد


(1) التهذيب ج 5 ص 379. (2) الفهرست ص 192.

[ 274 ]

ابن الحسين ابي الخطاب وابراهيم بن هاشم عن ابن ابي عمير وصفوان عنه، فرواية منصور بن حازم صحيحة وفيها القطع ويثبت الحكم في القطع بالاولى والواجب عليه هو الفداء، والظاهر من الفداء هو البدل كما هو الشايع في استعمالات الروايات والآيات الكريمة كقوله تعالى: (وان يأتوكم اسارى تفادوهم) (1) وقوله تعالى: (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ) (2) فظاهر الفداء هو البدل بمعنى اعطاء المثل في المثليات والقيمة في القيميات، فالمراد من الفداء في الرواية ثمن الشجر أو ابعاضه، ويؤيد برواية سليمان ابن خالد المتقدمة بناءا على نسخة الوسائل التي ذكر فيها القطع. ومن العجيب ما صدر من صاحب المدارك حيث استدل برواية سليمان بن خالد على حرمة قلع الشجرة على طريق الصدوق وعبر عنها بالحسنة، ولكن في باب الكفارة اختار صريحا عدمها بدعوى ان رواية سليمان بن خالد ضعيفة لوجود الطاطري في الطريق ففي باب اخذ بطريق وفي باب اخذ بطريق آخر. وأما الكفارة بذبح البقرة والشاة فلا دليل عليها بل لا مورد للاحتياط كما صدر من شيخنا الاستاذ في مناسكه إذ لا دليل معتبر على الكفارة بذلك ولم يتحقق اجماع في البين حتى يوجب الاحتياط فالمتعين في الكفارة قيمة الشجرة التي اقتلعها هذا كله في الشجرة وأما الاعشاب فلا كفارة في قلعها وان كان محرما لعدم الدليل والاصل البراءة.


(1) سورة البقرة آية 85. (2) سورة المعارج آية 11.

[ 275 ]

[ (اين تذبح الكفارة؟ وما مصرفها) (مسألة 283): إذا وجبت على المحرم كفارة لاجل الصيد في العمرة فمحل ذبحها مكة المكرمة، وإذا كان الصيد في احرام الحج فمحل ذبح الكفارة منى (1). ] (1) المعروف والمشهور ان من اصاب صيدا وهو محرم يجب عليه ذبح الكفارة بمنى ان كان الصيد في احرام الحج، وان كان الصيد في احرام العمرة فموضع الذبح مكة المكرمة فلا يجوز التأخير عنهما. وهل يجوز التقديم عليهما بان يذبح في موضع الصيد؟ المعروف أيضا عدم الجواز وعن المحقق الاردبيلي (قده) الجواز. والصحيح ما ذهب إليه المشهور لجملة من الروايات. منها: صحيح عبد الله بن سنان (من وجب عليه فداء صيد اصابه وهو محرم فان كان حاجا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى وان كان معتمرا نحره بمكة قبالة الكعبة (1). ومنها: صحيحة زرارة (في المحرم إذا اصاب صيدا فوجب عليه الفداء فعليه ان ينحره ان كان في الحج بمنى حيث ينحر الناس، فان كان في عمرة نحره بمكة) (2).


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 1. (2) الوسائل: باب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 2.

[ 276 ]

وغير ذلك من الروايات مضافا إلى الآية المباركة (لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) (1) فلو فرضنا وجود رواية مخالفة تطرح للمخالفة مع الكتاب الذي هو اول المرجحات في باب تعارض الاخبار وفي عدة من روايات المقام استشهد بهذه الآية فالتأخير عن مكة ومنى غير جائز اجماعا ونصوصا فلابد من طرح ما دل باطلاقه على التأخير لمخالفته للكتاب والسنة وأما التقديم فعن الاردبيلي (ره) الجواز لظاهر بعض النصوص وان كان الافضل التأخير إلى مكة ومنى في كفارة الصيد وأما في غير كفارة الصيد فلا يبعد الافضلية في مكان الاصابة للمسارعة إلى الخيرات ولئلا يمنع عنه مانع كالموت وغيره. وقد استدل له بعدة روايات: منها: مقطوعة معاوية بن عمار (قال: يفدي المحرم فداء الصيد من حيث اصابه) (2)، وهذه الرواية مخدوشة سندا لانها مقطوعة ولا يعلم ان معاوية بن عمار يروي عن الامام أو ينقل فتوى نفسه. ودلالة لان الفداء ليس ملازما للذبح، والمراد بالفداء هنا البدل، فالمعنى انه يجب عليه البدل في ذلك المكان وانه يشتري البدل في موضع الاصابة وذلك بقرينة (معتبرة زرارة عن ابي جعفر (ع) انه قال: في المحرم إذا أصاب صيدا فوجب عليه الفداء فعليه ان ينحره ان كان في الحج بمنى حيث ينحر الناس وان كانت عمرة ينحره بمكة وان


(1) سورة المائدة الآية 98. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 277 ]

شاء تركه إلى ان يقدم مكة ويشتريه فانه يجزي عنه) (1). فان قوله: وان شاء تركه ظاهر الدلالة على انه يشتري الفداء في مكان الاصابة، وانه يجوز له تأخير الشراء إلى مكة فقوله وان شاء تركه اي لا يشتري ويشتري بمكة فلا دلالة في الرواية على الذبح في موضع اصابة الصيد كذا حمله الشيخ في التهذيب. ومنها: صحيحة ابي عبيدة، عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر من موضعه الذي اصاب فيه الصيد قوم جزاؤه من النعم دراهم الحديث) (2) فان المتفاهم منها ان مكان الذبح موضع الاصابة فان لم يجد الفداء في ذلك المكان قوم جزاؤه. وفيه، ان الصحيحة لم تتعرض لموضع الذبح أصلا وانما المستفاد منها انه إذا وجد البدنة في موضع الاصابة فالواجب عليه ذبح البدنة وأما انه يذبحها في مكان الصيد أو في غيره فالصحيحة ساكتة عن ذلك وأما إذا لم يجد البدنة في مكان الصيد قوم بالدراهم فمكان الصيد مبدء عدم وجدان البدنة وانه ينتقل الحكم من البدنة إلى التقويم بالدراهم في ذلك الموضع فيما إذا لم يجد البدنة من كان الصيد إلى الاخر، وليس في الرواية اي اشعار على ان موضع الذبح مكان الصيد فضلا عن الدلالة، وفي الجواهر نقل الصحيحة، ولكن فيها تصحيف في متنها، قال (إذا اصاب المحرم الصيد ولم يكفر في موضعه الذي)


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب كفارات الصيد ح 2. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 278 ]

الحديث (1). ومنها: مرسلة المفيد (المحرم يفدي فداء الصيد من حيث صاده) (2). وفيه: ما تقدم قريبا من ان الفداء ليس بمعنى الذبح بل بمعنى البدل فالمعنى انه في مكان الصيد يجب عليه البدل فيأخذه معه من مكان الصيد إلى مكة فان ذلك افضل. خصوصا إذا كان المذكور في المرسلة (يهدي) مكان يفدي كما هو المحكي عن المقنعة فان ذلك أوضح فيما ذكرناه فالرواية ساقطة سندا ودلالة. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سئلت أبا عبد الله (ع) عن رجل اهدى إليه حمام اهلي جئ به وهو في الحرم محل قال: ان أصاب منه شيئا فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه (3). بدعوى ان المراد بقوله مكانه مكان الاصابة. والجواب ان هذه الرواية اجنبية عن محل الكلام بالمرة، اما اولا فلان الحكم المذكور فيها من احكام الحرم وكلامنا في المحرم بما هو محرم وان لم يدخل الحرم: وثانيا: انها واردة في الثمن ومقامنا في موضع الذبح. وثالثا: ان ضمير مكانه يرجع إلى المأكول أي: يعطي بدل ما اكله وعوضا عنه بنحو من ثمنه، وبعبارة اخرى، فليتصدق مكانه معناه: انه يتصدق عوض الصيد ومكان الصيد بالثمن.


(1) الجواهر ج 20 ص 345. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الصيد ح 4. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب كفارات الصيد ح 10.

[ 279 ]

[ (مسألة 284): إذا وجبت الكفارة على المحرم بسبب غير الصيد فالاظهر جواز تأخيرها إلى عودته من الحج فيذبحها ان شاء (1) والافضل انجاز ذلك في حجه. ] فظهر ان الصحيح ما عليه المشهور والمعروف وهو عدم جواز تقديم فداء الصيد على مكة أو منى كما لا يجوز التأخير عنهما قطعا هذا تمام الكلام في فداء الصيد. (1) المشهور والمعروف بين الاصحاب ان كل ما يلزم المحرم من فداء سواء كان لاجل الصيد أو بسبب غير الصيد يذبحه بمكة ان كان معتمرا وبمنى ان كان حاجا، بل قال في المدارك. هذا مذهب الاصحاب لا اعلم فيه مخالفا، ولكنه قال: ان هذا الحكم يختص بفداء الصيد وأما غيره فيجوز ذبح الكفارة حيث شاء. اما الصيد فقد عرفت انه لا اشكال ولا خلاف اصلا في ثبوت هذا الحكم بالنسبة إليه انما الكلام في كفارة غير الصيد فيقع البحث تارة: في الحج واخرى: في العمرة المفردة، وثالثة: في عمرة التمتع. اما الاول: فاعلم انه لم نجد رواية في مورد الحج تعين موضع ذبح الكفارة، بل ورد في موثقة اسحاق بن عمار جواز الذبح إذا رجع إلى اهله (قال: قلت له: الرجل يخرج من حجه وعليه شئ يلزمه فيه دم يجزيه ان يذبح إذا رجع إلى اهله؟ فقال: نعم) (1). وهذه الموثقة وان كانت مطلقة من حيث كفارة الصيد وغيرها


(1) الوسائل: باب 50 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 280 ]

ولكن كفارة الصيد تخرج منها للنصوص الخاصة التي تقدمت. نعم في خصوص التظليل ورد الذبح بمنى كما في صحيحتي ابن يزيع (قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الظل للمحرم من اذى مطر أو شمس، فقال: ارى ان يفديه بشاة ويذبحها بمنى) (1)، وفي صحيحته الاخرى، وسأله، رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس وانا اسمع، فأمره ان يفدي شاة ويذبحها بمنى) (2). ولا يعارضهما ما دل على ان علي بن جعفر نحر بدنة في مكة لكفارة الظل (2) لعدم حجية فعله. فلو كنا نحن وهاتان الصحيحتان لالتزمنا بوجوب الذبح بمنى للتظليل واطلاقهما يشمل احرام العمرة واحرام الحج لان موضوع الحكم فيهما المحرم، الا انه بالنسبة إلى خصوص الحج يعارضهما ما دل على ان من وجب عليه الدم من اي سبب كان سواء كان من التظليل أو من غيره يذبحه حيث شاء كموثقة اسحاق بن عمار المتقدمة (4) والنسبة بينها وبين الصحيحتين عموم من وجه لان مقتضى موثقة اسحاق جواز الذبح في اي مكان شاء في احرام الحج سواء كان سبب الدم التظليل أم غيره ومقتضى الصحيحتين لزوم الذبح بمنى للتظليل سواء كان في احرام العمرة أو احرام الحج فيقع التعارض في مورد الاجتماع وهو التظليل في احرام الحج فان مقتضى اطلاق الموثقة جواز الذبح في اي


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 3. (2) و (3) الوسائل: باب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام حديث 6 و 2. (4) الوسائل: باب 50 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 281 ]

مكان شاء ومقتضى اطلاق الصحيحين لزوم الذبح بمنى ويتساقط الاطلاقان، والمرجع اصالة البراءة من وجوب الذبح بمنى لدوران الامر بين التعيين والتخيير والاصل عدم التعيين، هذا بالنسبة إلى حكم التظليل، وأما بالنسبة إلى مطلق ما يوجب الدم فالظاهر أيضا جواز تأخير الذبح إلى اي مكان شاء ويدل عليه موثق اسحاق المتقدم لقول السائل: أيجزيه ان يذبح إذا رجع إلى أهله؟ فأجاب (ع) بقوله: نعم. ويؤيده خير علي بن جعفر (لكل شئ خرجت (جرحت) من حجك فعليك دم تهريقه حيث شئت) (1). وأما الثاني: وهو العمرة المفردة ففي صحيحة منصور بن حازم حكم بالتخيير بين مكة ومنى وان كان التعجيل بالذبح في مكة افضل (قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن كفارة العمرة المفردة اين تكون؟ فقال: بمكة الا ان يشاء صاحبها ان يؤخرها إلى منى ويجعلها بمكة احب إلي وافضل) (2) فالتخيير حسب هذه الصحيحة ثابت في مورد العمرة المفردة في غير كفارة الصيد لما عرفت في المسألة السابقة ان كفارة الصيد للعمرة المفردة تذبح بمكة. وأما الثالث: وهو عمرة التمتع ففي صحيحة معاوية بن عمار حكم بالتخيير أيضا (قال: سألته عن كفارة المعتمر اين تكون؟ قال: بمكة الا ان يؤخرها إلى الحج فتكون بمنى وتعجيلها افضل واحب إلي) (3).


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 5. (2) الوسائل: باب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 4. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب الذبح ح 4.

[ 282 ]

وهي واضحة الدلالة على ان موردها عمرة التمتع بقرينة قوله (يؤخرها إلى الحج فتكون بمنى) فان المفردة لا حج فيها، فيظهر من هذه الصحيحة وصحيحة منصور ان الحكم بالتخيير ثابت لطبيعي العمرة فحال عمرة التمتع حال العمرة المفردة في الحكم بالتخيير ولكن المشهور لم يعملوا بالصحيحتين ولم يلتزموا بالتخيير بل حكموا بلزوم الذبح في مكة نظير كفارة الصيد إلا انه لا موجب لسقوطهما عن الحجية بعد صحة السند ووضوح الدلالة. يبقى الكلام في النسبة بين صحيحتي منصور ومعاوية بن عمار وبين موثقة اسحاق المتقدمة. والظاهر تقدم الموثقة على الصحيحتين، والنتيجة جواز الذبح في أي مكان شاء وان اتى بموجب الكفارة في العمرتين. بيان ذلك: ان موثق اسحاق وان ذكر فيه الحج ولكن الظاهر ان السائل لا نظر له إلى خصوص الحج في مقابل العمرة بل نظره إلى ما يرتكبه المحرم من المحرمات في مناسكه سواء كان في العمرة أو الحج فان الظاهر من قوله: (يخرج من حجه) الخروج من أعماله ومناسكه وقد ارتكب محرما فكلام السائل في الحقيقة مطلق من حيث الحج والعمرة كما انه مطلق من حيث سبب الدم فعلى ذلك لابد من تقديم الموثق على الصحيحين. وبعبارة أخرى: السائل يسال عن الاجزاء والاكتفاء بالذبح في أي مكان شاء، بمعنى ان التخيير بين مكة ومنى المستفاد من الصحيحين هل يكتفي ويجتزي به بالذبح في أي مكان شاء فيكون الموثق ناظرا إلى الصحيحين وحاكما عليهما وكذلك الحال بالنسبة إلى العمرة المفردة

[ 283 ]

لان المتفاهم ثبوت الحكم لطبيعي العمرة ولا خصوصية لعمرة التمتع. ومما يؤكد ما ذكرناه ذيل موثقة اسحاق على ما في الكافي، قال: اسحاق، قلت لابي ابراهيم (عليه السلام): الرجل يخرج من حجته ما يجب عليه الدم ولا يهريقه حتى يرجع إلى أهله؟ فقال: يهريقه في اهله) (1) فان قوله: (ولا يهريقه) يوجب الاطمئنان بأن اسحاق كان يعلم بلزوم اهراق الدم في مكة أو منى ولكن لم يفعل ثم يسأل عن الاجتزاء والاكتفاء بالاهراق في اهله. وبعبارة اخرى: كان يعلم بالوجوب ولكن يسأل عن انه واجب تعييني أو تخييري، هذا مضافا إلى ان المشهور اعرضوا عن الصحيحتين فما ذكره السيد في المدارك من جواز الذبح حيث شاء لعدم مساعدة الادلة على تعيين موضع خاص للذبح هو الصحيح ويؤيده مرسلة أحمد ابن محمد عن أبي عبد الله (ع) قال: من وجب عليه هدي في احرامه فله ان ينحره حيث شاء الا فداء الصيد) (2) ولكنه ضعيف بالارسال وبسهل بن زياد ولذا جعلناه مؤيدا. هذا كله بالنسبة إلى موثقة اسحاق بناءا على نسخة التهذيب، وأما بناءا على نسخة الكافي فقد ذكر في الوافي ان الثابت في الرواية (يجرح) بالجيم قبل المهملتين بمعنى يكسب وقد صحفه بعض النساخ فعلى ما ذكره الوافي تكون الموثقة خاصة بالحج إذ السؤال يكون عمن ارتكب ما يوجب الدم في حجته ولا يستفاد من ذلك ما استفدناه من قوله: (يخرج من حجته) من الخروج من مناسكه واعماله الشامل للعمرة


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب الذبح ح 1 الكافي ج 4 ص 688. (2) الوسائل: باب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 3

[ 284 ]

أيضا فلا دليل على جواز تأخير الذبح إلى اهله في العمرة الا بأحد دعويين: احدهما: اطلاق الحج على العمرة فان الحج له اطلاقان فانه قد يطلق ويراد به خصوص الحج المقابل للعمرة وقد يطلق ويراد به مجموع الحج والعمرة وسؤال السائل متمحض في التأخير والاكتفاء به ولا نظر له إلى خصوص الحج أو العمرة بل نظره إلى ان من كان عليه دم ولم يفعله فهل يجتزي بان يفعله في اهله وفي اي مكان شاء ام لا. ثانيهما: ان جواز التأخير إذا ثبت في الحج يثبت في العمرة بطريق أولى لاهمية الحج من العمرة، وكلا الدعويين غير بعيد. وأما ما ذكره الوافي من ان الثابت يجرح بالجيم والحاء المهملة فهو اجتهاد منه ولا شاهد عليه فان نسخ الكافي حتى النسخة التي كانت موجودة عند صاحب الوافي هي بالخاء المعجمة، ثم الجيم بمعنى الخروج بل لم يستعمل الجرح في مطلق الكسب وانما يراد به كسب خاص (وهو الكسب الذي فيه منقصة) مجازا باعتبار ان الجرح النفساني كالجرح الجسماني ومن المجاز جرحه بلسانه اي سبه ومنه قوله تعالى (اجترحوا السيئات) (1) اي كسبوا ما يوجب منقصتهم، واتيان موجيات الكفارة ليس كلها مما يوجب المنقصة كالتظليل اضطرارا والصيد خطاء. وكيف كان لم يثبت ان النسخة الصحيحة (يجرح) ولو كان (يجرح) ثابتا لكان المناسب ان يقول (في حجه) لا (من حجته) فان حرف (من) يناسب الخروج لا الجرح (كما ان الروايات الواردة


(1) الجاثية: 21.

[ 285 ]

في باب من يحج عن غيره وردت كلمة الجرح مع (في) ففي موثقة اسحاق في الرجل يحج عن آخر فاجترح في حجه) (1) فنسخة الشيخ لا معارض لها ونعتمد عليها. ولو انزلنا؟ عن ذلك كله يكفينا في بطلان مذهب المشهور نفس الروايات الواردة في كفارة الصيد الدالة على التفصيل بين الذبح في مكة أو منى فان دلالتها على وجوب ذبح الفداء المترتب على الصيد في مكة أو منى بالقضية الشرطية. كقوله في صحيح زرارة (في المحرم إذا اصاب صيدا فوجب عليه الفداء فعليه ان ينحره ان كان في الحج بمنى الحديث) وفي صحيح ابن سنان (من وجب عليه فداء صيد اصابه وهو محرم فان كان حاجا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى، الحديث) (2) وبالمفهوم يدل على أن الفداء غير المترتب على الصيد لا يثبت له هذا الحكم فلا يجب ذبح فداء غير الصيد في مكة أو منى. بقي هنا شئ، وهو أن الصحيحة الواردة في العمرة المفردة وهي صحيحة منصور بن حازم المتقدمة لا تخلو من اضطراب في المتن لان العمرة المفردة ليس فيها الذهاب إلى منى، ولكن قوله: في الصحيحة (الا ان يشاء صاحبها ان يؤخرها إلى منى) والتعبير عن جواز الذبح في منى بالتأخير إليه دليل على ارتباط العمرة المفردة بمنى والا لو كان في مقام بيان جواز الذبح في منى لقال: لو ذبحه في منى لا بأس به ونحو ذلك ولا وجه للتعبير عن ذلك بالتأخير. نعم لا بأس به في عمرة التمتع لانتهائها إلى منى.


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة ح 2. (2) الوسائل: باب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 2 و 1.

[ 286 ]

[ ومصرفها للفقراء (1) ولا بأس بالاكل منها قليلا مع الضصان ودفع قيمته (2) ] هذا تمام الكلام في موضع ذبح الكفارة. (1) ويدل عليه جملة من الروايات منها: ما ورد في الطمر بالتصدق على الاطلاق كما في عدة من نصوص الكفارة الواردة في موارد خاصة. ومنها: ما دل على التصدق في مطلق ما يوجب الدم كموثقة اسحاق المتقدمة. ومنها: ما دل على انه يتصدق على المساكين بل نفس كلمة التصدق ظاهرة في الاعطاء للفقراء والمساكين. وفي روايات ان كل هدي إذا كان من نقصان الحج فلا يأكل منه ويتصدق به، وكل هدي كان من تمام الحج يؤكل منه (1). (2) هل يجوز لمن عليه الكفارة ان يأكل منها ام لا؟ الروايات في المقام مختلفة ففي كثير منها لا يأكل من الهدي ان كان من نقصان الحج وكل هدي كان من تمام الحج يجوز له أكله (2). وفي بعضها يأكل منه ان لم يكن مضمونا وما كان مضمونا فلا يأكل منه، والمضمون ما كان في يمين يعني نذرا أو جزاءا. وفي بعضها يؤكل من الهدي كله مضمونا كان أو غير مضمون. وفي ذيل موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة (ويأكل منه الشئ) (3)


(1) و (2) الوسائل: باب 40 من أبواب الذبح. (3) الوسائل: باب 5 من أبواب الذبح ح 1.

[ 287 ]

وهو دال على جواز الاكل منه بالمقدار اليسير. ولا يبعد ان يكون ذلك وجه الجمع بين الروايات بحمل الناهية من الاكل على المقدار الكثير وحمل المجوزة على القليل. ثم ان هنا رواية معتبرة تدل على جواز الاكل لكن عليه قيمة ما أكل وهي معتبرة السكوني (إذا اكل الرجل من الهدي تطوعا فلا شئ عليه. وان كان واجبا فعليه قيمة ما اكل) (1). فتحصل: من الروايات ان الذبيحة للمساكين ولكن الشخص الذي وجب عليه الكفارة له ان يأكل منها بمقدار يسير ويعطي بدله. واما حمل الشيخ جواز الاكل على حال الضرورة فبعيد جدا.


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب الذبح ح 5.

[ 288 ]

[ شرائط الطواف الطواف هو الواجب الثاني هو في عمرة التمتع ويفسد الحج بتركه عمدا سواء أكان عالما بالحكم أم كان جاهلا به أو بالموضوع (1) ] لا شبهة في ان الطواف من اجزاء الحج والعمرة، بل هو ركن فيهما اجماعا وضرورة، ولم يختلف فيه احد من المسلمين، ويدل عليه - مضافا إلى ما ذكر - الاية الشريفة (واذن في الناس بالحج يأتوك رجالا) إلى قوله تعالى (وليطوفوا بالبيت العتيق) (1). واما الروايات فكثيرة جدا، منها: الروايات الواردة في كيفية الحج. ومنها: النصوص الدالة على لزوم الاعادة إذا شك في عدد الاشواط أو احدث في الاثناء، أو حاضت المرأة في الاثناء وغير ذلك من الروايات. ومن تركه عامدا بطل حجه أو عمرته لانه لم يأت بالمأمور به وبما وجب عليه وهذا امر واضح لا يحتاج إلى دليل خاص بل نفس الجزئية وتقتضي البطلان إذا لم يؤت به من دون فرق بين كونه عالما أو جاهلا بالحكم أو بالموضوع - كما إذا طاف في مكان آخر بتخيل انه البيت - لان العمل ناقص وهو غير مأمور به واجزاء الناقص عن التام يحتاج


(1) الحج: 27.

[ 289 ]

[ ويتحقق الترك بالتأخير إلى زمان لا يمكنه ادراك الوقوف بعرفات (1). ] إلى دليل بالخصوص فان لم يكن دليل على الاجزاء فالحكم بالبطلان على القاعدة لعدم الاتيان بالمأمور به إذ المركب ينتفي بانتفاء جزئه ولا حاجة إلى الدليل على البطلان. مضافا إلى ذلك يدلنا على البطلان في فرض الجهل صحيح علي بن يقطين (سألت أبا الحسن (ع) عن رجل جهل ان يطوف بالبيت طواف الفريضة قال: ان كان على وجه جهالة في الحج اعاد وعليه بدنة) (1). ومن المعلوم أولوية العالم من الجاهل بالاعادة والفساد. ويؤيده خبر علي بن أبي حمزة (عن رجل جهل ان يطوف بالبيت حتى يرجع إلى اهله، قال: ان كان على وجه الجهالة اعاد الحج وعليه بدنة (2). ولكن موردهما الحج ولا يشمل العمرتين، الا ان الذي يسهل الامر ان الحكم بالبطلان على القاعدة بعد القطع بجزئية الطواف في الحج والعمرة فلا نحتاج إلى دليل خاص للحكم بالبطلان من دون فرق بين ما لو تركه عالما أو جاهلا. واما الناسي فسيأتي حكمه. (1) ويتحقق ترك الطواف بعدم ادراك الوقوف بعرفات ولو آنا ما


(1) الوسائل: باب 56 من أبواب الطواف ح 1. (2) الوسائل: باب 56 من أبواب الطواف ح 2.

[ 290 ]

[ ثم انه إذا بطلت العمرة بطل احرامه أيضا على الاظهر (1) والاحوط الاولى حينئذ العدول إلى حج الافراد وعلى التقديرين تجب اعادة الحج في العام القابل. ] على الخلاف المتقدم في حد الضيق لمن ضاق وقته عن اتمام العمرة وادراك الحج (1). (1) فحينئذ لا حاجة إلى المحلل بعد فساد النسك بتعمد ترك الطواف ضرورة بطلان الاحرام الذي هو جزء من العمرة ببطلان الطواف وفساده فان الاحرام انما يكون جزءا للنسك إذا لحقه بقية الاجزاء فالاحرام الملحوق بساير الاعمال والاجزاء جزء للنسك، فلو انقطع ولم يأت ببقية الاعمال على وجهها ينكشف عن ان الجزء الاول لم يكن بواجب وبمأمور به أصلا كما هو الحال في تكبيرة الاحرام، فان التكبيرة انما تكون جزء للصلاة إذا اتى المصلي ببقية الاجزاء اللاحقة فجزئية التكبير مشروطة باتيان الاجزاء اللاحقة على نحو الشرط المتأخر، وكذلك المقام، إذ ليس مجرد قوله (لبيك) يكون احراما ما لم يأت ببقية الاعمال فإذا لبى ولم يطف ولم يذهب إلى عرفات فلم يأت بالمأمور به من الاول ويكشف عن ان الاحرام الصادر منه ملغى لا يترتب عليه أي أثر من دون فرق بين العلم والجهل لعدم اتيانه بالمأمور به وما اتى به مجردا عن الاجزاء اللاحقة غير مأمور به.


(1) معتمد العروة: ج 2 ص 289.

[ 291 ]

[ ويعتبر في الطواف امور: الاول: النية، فيبطل الطواف إذا لم يقترن بقصد القربة (1). ] وبما ذكرنا ظهر فساد ما نسب إلى المحقق الكركي من بقائه على احرامه ومحرماته إلى ان يأتي بالفعل الفائت في محله وهو السنة الآتية. على انه يسأل المحقق المذكور ان هذا الشخص يحج في السنة الآتية بالاحرام الاول من دون تجديده فهذا ينافي ما ذكروه من اعتبار وقوع العمرة والحج في سنة واحدة، وان التزم باحرام آخر فلا معنى لبقائه على احرامه الاول فان تجديد الاحرام يكشف عن بطلان الاحرام الاول، ولكن مع ذلك الاحوط استحبابا ان يعدل إلى الافراد لعدة من الروايات المتقدمة في تلك المسألة ولكن موردها عدم الادراك اضطرارا والترك عن غير اختيار ولا تشمل مورد الترك الاختياري والعمدي ولا وجه للتعدي ولكن الاحتياط حسن ولو لمجرد الاحتمال وان كان ضعيفا، وعلى التقديرين لا يجزي عن حجه الواجب عليه لفساده وبقائه في ذمته فتجب عليه اعادة الحج في العام القابل. (1) النية المعتبرة تارة يراد بها قصد العمل وصدور الفعل عن اختيار، فلا ريب في اعتبار ذلك لان الفعل الصادر عن غير قصد ولا اختيار لم يتعلق به التكليف، فلو صدر منه الفعل من غير قصد ولا اختيار لم يأت بالمأمور به، وهذا من دون فرق بين كون الواجب تعبديا أو توصليا الا فيما إذا علم بحصول الغرض بالفعل غير الاختياري فيجتزي به لا لاتيان المأمور به بل لسقوط الامر بحصول الغرض كغسل

[ 292 ]

[ (الثاني): الطهارة من الحدثين الاكبر والاصغر فلو طاف المحدث عمدا أو جهلا أو نسيانا لم يصح طوافه (1) ] الثوب فانه يجتزي به ولو كان بسبب اطارة الريح ونحو ذلك. وقد ذكرنا تحقيق ذلك في بحث التعبدي والتوصلي من علم الاصول. واخرى: يراد بها قصد القربة وهذا أيضا مما لا ريب في اعتبارها فلو طاف لغرض آخر غير التقرب كالتمشي لا يكون مجزيا. ويدل على ذلك مضافا إلى الضرورة والارتكاز، الآية الشريفة (ولله على الناس حج البيت) فان المستفاد منها ان الحج لله تعالى وانه أمر النهي ولابد من الانتساب إليه تعالى واضافته إليه سبحانه وكذلك يستفاد عباديته من السنة كالروايات الدالة على ان الاسلام بني على خمس الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، فان ما بني عليه الاسلام يكون امرا الهيا قربيا منتسبا إليه. (1) لا اشكال ولا خلاف في اعتبار الطهارة من الحدثين في الطواف الواجب ويدل عليه روايات معتبرة. منها: صحيحة محمد بن مسلم (عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور. قال: (يتوضأ ويعيد طوافه) (1). ومنها: صحيح علي بن جعفر (عن رجل طاف بالبيت وهو جنب فذكر وهو في الطواف قال: يقطع الطواف ولا يعتد بشئ مما طاف، وسألته عن رجل طاف ثم ذكر انه على غير وضوء، قال:


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب الطواف ح 3.

[ 293 ]

[ (مسألة 285): إذا احدث المحرم اثناء طوافه فللمسألة صور: (الاولى): ان يكون ذلك قبل بلوغه النصف ففي هذه الصورة يبطل طوافه وتلزمه اعادته بعد الطهارة (1). ] (يقطع طوافه ولا يعتد به) (1). وفي جملة من روايات الباب ان الحكم باعتبار الطهارة خاص بالطواف والواجب وأما الطواف المندوب فلا يعتبر فيه الطهارة وانما يتوضأ لصلاته. وهنا رواية رواها الشيخ باسناده عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل طاف بالبيت على غير وضوء، قال: لا بأس) (2) واطلاقها يشمل الطواف الواجب والمندوب ولكن لابد من رفع اليد عن اطلاقها وحملها على المندوب وتقييدها به لصحيح محمد بن مسلم وغيره. مضافا إلى ضعف الرواية سندا لان في طريق الشيخ إلى زيد الشحام أبا جميلة وهو ضعيف. (1) لو احدث اثناء الطواف فهل يبطل طوافه أو يتوضأ ويأتي بالباقي أو فيه تفصيل؟. المعروف بين الاصحاب بل لا خلاف بينهم في انه لو احدث في طوافه قبل بلوغ النصف بطل طوافه وان كان بعده توضأ واتى بالباقي.


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب الطواف ح 4. (2) الوسائل: باب 38 من أبواب الطواف ح 10.

[ 294 ]

وعن المدارك ان هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع. وعن الفقيه: ان الحائض تبني مطلقا لصحيح ابن مسلم (عن امرأة طافت ثلاثة اشواط أو أقل ثم رأت دما قال: تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت واعتدت بما مضى (1). ولا يخفي ان ما ذكره الصدوق (ره) حكم خاص بالحيض لان القاعدة تقتضي البطلان بحدوث الحيض في الاثناء لان أقل الحيض ثلاثة أيام فيتحقق الفصل الطويل بين الاشواط، وإذا دل دليل خاص على الصحة وكفاية الاتيان بالباقي تقتصر على مورد النص ولا نتعدى إلى غيره، على ان مسألة حدوث الحيض اثناء الطواف اجنبية عن المقام بالمرة لان الكلام في مانعية الحدث في نفسه مع قطع النظر عن مانع آخر كالفصل الطويل وعدم التوالي بين الاشواط. وكيف كان: فقد يستدل للمشهور بما دل على اعتبار الطهارة في الطواف فان مقتضاه بطلانه إذا صدر الحدث اثنائه لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، واما الحكم بالصحة بعد التجاوز عن النصف فلاجل دليل خاص وإلا فالقاعدة الاولية تقتضي البطلان مطلقا. ويرد عليه: ما ذكرناه في باب الصلاة من ان المانعية شئ والقاطعية شئ آخر، ولو كنا نحن وأدلة اعتبار الطهارة في الصلاة - كقوله: لاصلاة إلا بطهور - فلا يستفاد منها الا اقتران اجزاء الصلاة بالطهارة وأما الاكوان المتخللة فلا يعتبر فيها الطهارة فلو صدر الحدث في الاثناء يتوضأ ويأتي بالاجزاء اللاحقة فان جميع الاجزاء تكون


(1) الوسائل: باب 85 من أبواب الطواف ح 3.

[ 295 ]

مقرونة بالطهارة وان كانت الاجزاء السابقة بالطهور السابق والاجزاء اللاحقة بالطهور اللاحق ولا دليل على وقوع جميع الاجزاء عن طهور واحد الا انه في باب الصلاة دل دليل خاص على قاطعية الحدث وانه موجب لعدم قابلية الحاق الاجزاء اللاحقة بالسابقة ففي باب الصلاة انما نقول بالفساد لا لاجل اعتبار الطهارة في الصلاة بل لاجل ادلة اخرى تدل على القاطعية كالامر بالاعادة والاستيناف. واما الطواف الذي هو اسم للاشواط السبعة فالادلة دلت على اشتراط الطواف بالطهارة، فاللازم ايقاع الاشواط السبعة عن طهور وأما اعتبار كون الطهارة شرطا في الاكوان المتخللة وكون الحدث قاطعا - كما في الصلاة - فلا دليل عليه. وربما يتوهم انه يدل على ذلك في باب الطواف صحيح حمران بن اعين لقوله (ع): (وان كان طوف طواف النساء فطاف منه ثلاثة اشواط ثم خرج فغشى فقد افسد حجه - اي طوافه - وعليه بدنة ويغتسل، ثم يعود فيطرف اسبوعا) (1) فانه يدل على الفساد وقاطعية الحدث في الاثناء، وهو وان كان واردا في طواف النساء ولكن الحكم يجري في طواف الحج بالاولى لانه جزء للحج بخلاف طواف النساء فانه واجب مستقل. وفيه: ان مورد الصحيحة هو الجماع وله احكام خاصة في باب الحج وكيف يمكن التعدي منه لمطلق الحدث. ومما ذكرنا يظهر ان ما دل على الصحة أو الفساد فيما إذا حدث الحيض في الاثناء خارج عن محل الكلام لان حدوث الحيض في الاثناء


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

[ 296 ]

يوجب الفصل الطويل ولا اقل بثلاثة ايام فلا يمكن الاستدلال بذلك للحدث الصادر في الاثناء فلا دليل لمذهب المشهور الا مرسل ابن ابي عمير على ما رواه الكليني ومرسل جميل على ما رواه الشيخ عن احدهما (عليهما السلام) (في الرجل يحدث في طواف الفريضة وقد طاف بعضه، قال: يخرج ويتوضأ فان كان جاز النصف بنى على طوافه، وان كان اقل من النصف اعاد الطواف) (1). والمرسلة صريحة في مذهب المشهور ولكنها ضعيفة بالارسال وقد ذكرنا كثيرا انه لا عبرة بالمراسيل وان كان المرسل مثل جميل أو ابن ابي عمير، فادلة المشهور كلها ضعيفة ولكن مع ذلك ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح والوجه في ذلك: ان حدوث الحيض اثناء الطواف وان كان نادرا جدا ولكن مع ذلك كثر السؤال عنه في الروايات، وأما صدور الحدث خصوصا من المريض والشيخ والضعيف كثيرا ما يتحقق في الخارج لاسيما عند الزحام ولا سيما ان الطواف يستوعب زمانا كثيرا ومع ذلك لم ينسب القول بالصحة إلى أحد من الاصحاب بل تسالموا على البطلان وأرسلوه ارسال المسلمات، وهذا يوجب الوثوق بصدور الحكم بالبطلان من الائمة (عليهم السلام) ولو لم يكن الحكم به صادرا منهم (ع) لخالف بعض العلماء ولو شاذا، فمن تسالم الاصحاب وعدم وقوع الخلاف من أحد (مع ان المسألة مما يكثر الابتلاء به) - نستكشت الحكم بالبطلان، فما هو المعروف هو الصحيح.


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب الطواف ح 1.

[ 297 ]

[ (الثانية): ان يكون الحدث بعد اتمامه الشوط الرابع ومن دون اختياره، ففي هذه الصورة يقطع طوافه، ويتطهر ويتمه من حيث قطعه (1). ] (1) إذا صدر الحدث بعد اتمامه الشوط الرابع ففيه صورتان: الاولى: ان يصدر الحدث من دون اختياره ففي هذه الصورة يقطع طوافه ويتوضأ ويتمه من حيث قطعه للتسالم من الاصحاب على الصحة ولمرسلة جميل المتقدمة ولعدة من الروايات الدالة على الصحة بطرو الحيض فان الحدث أولى بالصحة. مضافا إلى ان الاصل يقتضي الصحة لاقتران الاشواط بالطهارة ولا دليل على قاطعية الحدث كما تقدم. الثانية: ان يصدر الحدث اختيارا فيحتمل الحكم بالصحة لاطلاق مرسل جميل بناءا على ان اطلاقه يشمل الحدث الاختياري أيضا ويحتمل البطلان لا من جهة الحدث بل من جهة الخروج من المطاف اختيارا فان قطع الطواف اختيارا الا في موارد خاصة منصوص عليها موجب للبطلان فالاحوط هو الجمع نين؟ ان يتم طوافه من حيث قطع ثم يعيده ويستأنف من جديد، على ان شمول اطلاق مرسل جميل للحدث الاختياري بعيد جدا لان بعض افراده يوجب التعزير وبعضه الآخر يوجب القتل فكيف يصدر ذلك من المحرم ثم يسأل الامام (ع) عن حكمه الا إذا أريد منه النوم أو مجرد الريح. وكيف كان فالحكم بالصحة بعيد جدا وقد ذهب جماعة من الفقهاء

[ 298 ]

[ (الثالثة): ان يكون الحدث بعد النصف وقبل تمام الشوط الرابع، أو يكون بعد تمامه مع صدور الحدث عنه بالاختيار. والاحوط في هذين الفرضين ان يتم طوافه بعد الطهارة من حيث قطع، ثم يعيده ويجزئ عن الاحتياط المذكور: أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الاعم من التمام والاتمام، ومعنى ذلك: ان يقصد الاتيان بما تعلق في ذمته، سواء أكان هو مجموع الطواف، ام هو الجزء المتمم للطواف الاول، ويكون الزائد لغوا (1). ] إلى البطلان في هذه الصورة لاستلزامها قطع الطواف اختيارا فالقول بالبطلان ارجح ولا أقل من الاحتياط. نعم يجزي عن الاحتياط المذكور: ان يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الاعم من التمام والاتمام ويكون الزائد لغوا في فرض ما إذا كان الباقي هو الجزء المتمم للطواف الاول. (1) اما إذا صدر الحدث بعد تمام الشوط الرابع مع الاختيار فقد ذكرنا حكمه في الصورة الثانية والكلام فعلا فيما لو صدر الحدث بعد النصف وقبل تمام الشوط الرابع. والمحتمل في هذه الصورة امران: احدهما: الحكم بالصحة فيبني على طوافه ويتطهر ويأتي بالباقي. ثانيهما: الحكم بالفساد ولزوم الاستيناف. ومنشأ الاحتمالين ان المراد بالنصف في المرسلين المتقدمين وكلام الاصحاب هل هو النصف الصحيح أو النصف الكسري؟ فان النصف

[ 299 ]

انما هو باعتباو الاشواط ومن المعلوم ان السبعة ليس لها نصف صحيح إلا النصف الكسري أي ثلاثة ونصف. فان أريد به النصف الصحيح فلا محالة يراد بالتجاوز عن النصف في المرسل وكلام الاصحاب بعد الشوط الرابع واتمامه، وان اريد به النصف الحقيقي الكسري أي ثلاثة ونصف فيبعده ان التعبير بالوصول إلى الركن الثالث كان اسهل وأولى فان النصف الحقيقي الكسري هو الوصول إلى الركن الثالث سواء أكانت المسافة بينه وبين الكعبة قليلة أو كثيرة فان الطواف حول الكعبة على نحو الدائرة والوصول إلى الركن الثالث هو النصف على كل تقدير. فعلى الاحتمال الاول لابد من الاعادة والاستيناف لعدم اتمام الشوط الرابع، وعلى الاحتمال الثاني لا حاجة إلى الاعادة بل يبني على طوافه فمقتضى الاحتمالين وعدم ترجيح احدهما على الآخر هو الجمع بين الامرين بأن يتم طوافه من حيث قطع بعد الطهارة ثم يأتي بطواف آخر ويجزئ عن الاحتياط المذكور ان يأتي بطواف كامل يقصد به الاعم من التمام والاتمام فان كان المطلوب هو التمام فقد اتى به ولا عبرة بما تقدم منه وان كان المطلوب هو الاتمام فقد حصل ويكون الزائد لغوا. ومما يؤيد ان العبرة في النصف بالنصف الصحيح خبر ابراهيم بن اسحاق، عمن سئل أبا عبد الله (ع) عن امرأة طافت اربعة اشواط وهي معتمرة ثم طمثت، قال: تم طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامة، ولها ان تطوف بين الصفا والمروة لانها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، وان هي لم تطف الا ثلاثة اشواط

[ 300 ]

[ (مسألة 286): إذا شك في الطهارة قبل الشروع في الطواف أو في اثنائه، فان علم ان الحالة السابقة كانت هي الطهارة وكان الشك في صدور الحدث بعدها لم يعتن بالشك وإلا وجبت عليه الطهارة والطواف أو استينافه بعدها (1). ] فلتستأنف الحج الحديث) (1) فقد جعل الثلاثة مقابل الاربعة لا الثلاثة والنصف فيعلم ان النصف لوحظ باعتبار العدد الصحيح وهو الاربعة: (1) من شك في الطهارة فقد يفرض انه مسبوق بالطهارة فلا ريب أنه محكوم بالطهارة لاستصحابها لصحيح زرارة المعروف الدال على استصحاب الطهارة سواء كان الشك في الاثناء أو بعده أو قبله، وقد يفرض انه مسبوق بالحدث فاستصحاب الحدث يجري على كل تقدير، وقد يفرض انه من باب توارد الحالتين ويشك في السابق واللاحق وهذا على صور: احدها: ان يشك بعد الفراغ من الطواف ففي مثله يحكم بالصحة لقاعدة الفراغ لجريانها في جميع الموارد ولا خصوصية لها بالصلاة. ونقل في الجواهر (2) عن كاشف اللثام الحكم بالبطلان ولا وجه له اصلا وهو اعرف بما قال. ثانيها: ان يشك قبل الطواف فحينئذ لابد من الطهارة لعدم احرازها في العمل المشترط بها سواء قلنا بجريان استصحابي الطهارة والحدث وتساقطهما أو قلنا بعدم جريانهما اصلا كما عن المحقق صاحب الكفاية.


(1) الوسائل: باب 85 من أبواب الطواف ح 4. (2) الجواهر: ج 19 ص 273.

[ 301 ]

[ (مسألة 287): إذا شك في الطهارة بعد الفراغ من الطواف لم يعتن بالشك (1) وان كانت الاعادة احوط ولكن تجب الطهارة لصلاة الطواف (2). ] ثالثها: ان يشك في الاثناء المعروف هو البطلان لعدم احراز الطهارة وهو الصحيح، واحتمل في الجواهر (1) الصحة بالنسبة إلى الاشواط السابقة ويتطهر لما بقي من اشواطه نظير الشك في الطهارة بين صلاتي الظهر والعصر فانه يحكم بصحة الظهر وعدم الالتفات إلى الشك ويجب الوضوء للعصر مع ان العصر مترتب على الظهر، وقال: (قدس سره) ولكن لم اجد من احتمله في المقام. ويرد عليه: بالفرق بين صلاتي الظهر والعصر وبين الطواف ولا يمكن اجراء قاعدة الفراغ في المقام ولا يقاس بباب الظهر والعصر والوجه ان صحة العصر لا تتوقف على صحة الظهر واقعا فان الترتيب بينهما ذكري فلو كان الظهر فاسدا واقعا صح عصره فلا مانع من بطلان ظهره واقعا صحة عصره واقعا. (1) لقاعدة الفراغ وقد عرفت عدم اختصاصها بالصلاة ولكن تجب الطهارة لصلاة الطواف لاعتبار احراز الطهارة فيها. (2) قد تحصل من مجموع ما ذكرنا انه إذا شك في الطهارة قبل الشروع في الطواف، فان علم ان الحالة السابقة كانت هي الطهارة فهو محكوم بالطهارة لاستصحابها، وان علم ان الحالة السابقة هي الحدث فهو محكوم بالحدث


(1) الجواهر: ج 19 ص 273.

[ 302 ]

لاستصحابه وتجب عليه الطهارة، وان كان المورد من باب توارد الحالتين ولم يعلم السابق واللاحق تجب عليه الطهارة أيضا. وان شك في الطهارة بعد الفراغ من الطواف يحكم له بصحة الطواف على جميع التقادير لقاعدة الفراغ. هذا كله بالنسبة إلى الطواف، واما بالنسبة إلى صلاة الطواف فلا يمكن الحكم بصحتها بجريان قاعدة الفراغ في الطواف. وتفصيل ذلك: انه إذا كانت الحالة السابقة هي الطهارة فلا حاجة إلى طهارة جديدة بل يستصحبها ويصلي صلاة الطواف وان كانت الحالة السابقة هي الحدث أو كان المورد من توارد الحالتين ولم يعلم السابق واللاحق فلابد له من الطهارة لصلاة الطواف لاعتبار الطهارة فيها ولابد من احرازها وقاعدة الفراغ الجارية في الطواف انما تثبت صحة العمل السابق الذي مضى واما العمل اللاحق فلابد من احراز شرائطه. وبعبارة اخرى: قاعدة الفراغ لا تثبت ان الطواف كان عن طهارة وانما تثبت صحة الطواف والعمل السابق ولا تتكفل صحة العمل اللاحق. ثم انه قد يفرض ان المكلف كان محدثا بالحدث الاصغر ويشك في انه توضأ أم لا ففي مثل ذلك تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطواف ويجب عليه الوضوء للصلاة لاشتراطها بالطهارة. وقد تفرض ان الحالة السابقة كانت هي الحدث الاكبر كالجنابة وطاف ثم بعد الطواف يشك في انه اغتسل أولا وطاف ام لم يغتسل ففي ذلك قد يفرض انه لم يحدث بالحدث الاصغر وانما الصادر منه

[ 303 ]

الحدث الاكبر فقط فهنا لا شك في جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطواف ويغتسل لصلاة الطواف يقتضي استصحاب الجنابة مثلا، وقد عرفت ان قاعدة الفراغ لا تثبت ان الطواف كان مع الغسل وانما تثبت صحة الطواف فقط. وقد يفرض انه احدث بالحدث الاصغر بعد الطواف ففي مثل ذلك لا يمكن جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطواف ولا يمكن الحكم بصحة طوافه بل لابد له من اعادة الطواف وكذا يجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل لصلاة الطواف. والوجه في ذلك: انه يعلم اجمالا اما بعدم صحة جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الحدث الاكبر واما بعدم جريان قاعدة الفراغ لان المفروض انه احدث بالحدث الاصغر فمقتضى جريان الاستصحاب انه بالفعل مجنب ولابد له من الغسل ولا امر له بالوضوء الا ان المفروض انه احدث بالحدث الاصغر فان كان في الواقع جنبا بالفعل فطوافه باطل لانه وقع حال الجنابة وان لم يكن جنبا بالفعل فوظيفته الوضوء لا الغسل فليس له ان يغتسل ويصلي صلاة الطواف فإذا اغتسل وصلى يعلم اجمالا اما ببطلان الطواف أو ببطلان الصلاة لانه على تقدير صحة طوافه واقعا فهو مأمور بالوضوء للصلاة فعلا لانه قد احدث بالحدث الاصغر فالجمع بين جريان الاستصحاب والاغتسال لصلاة الطواف وبين الحكم بصحة الطواف السابق غير ممكن فان احدهما خلاف الواقع يقينا، يعني لو اغتسل وصلى يعلم اما ببطلان الصلاة أو الطواف لانه إذا كان مغتسلا سابقا فصلاته باطلة لان وظيفته الوضوء لا الغسل وان كانت الجنابة باقية ولم يكن مغتسلا قبلا فالطواف باطل فهو عالم جزما

[ 304 ]

[ (مسألة 288): إذا لم يتمكن المكلف من الوضوء يتيمم (1) واتى بالطواف، وإذا لم يتمكن من التيمم أيضا جرى عليه حكم من لم يتمكن من اصل الطواف. فإذا حصل له اليأس من التمكن لزمته الاستنابة للطواف والاحوط الاولى ان يأتي هو أيضا بالطواف من غير طهارة. ] ببطلان احد العملين اما يجب عليه الوضوء للصلاة أو يجب عليه اعادة الطواف لبطلانه فالجمع بين استصحاب بقاء الجنابة والاغتسال للصلاة وبين الحكم بصحة الطواف السابق مما لا يمكن فقاعدة الفراغ تسقط للمعارضة فإذا سقطت القاعدة تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال لانه يشك في الامتثال كما انه يجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل لاحراز الطهارة لعدم العلم بحاله وانه جنب أو غير جنب فيعلم اجمالا بوجوب احد الامرين ومن جهة لزوم احراز الطهارة لابد من الجمع بينهما فالشك بعد الفراغ محكوم بعد الاعتناء في غير هذا المورد الذي يكون معه علم اجمالي ببطلان العمل السابق أو اللاحق فانه إذا فرضنا ان الجنب احدث بالاصغر بعد الطواف ليس له الاكتفاء بالغسل اعتمادا على استصحاب الجنابة ويأتي بصلاة الطواف عن غسل لانه مستلزم للعلم بالمخالفة فتدبر فان هذه نكتة لم ار من تنبه إليها. (1) لان التراب احد الطهورين وهو بمنزلة الوضوء والمعتبر في الطواف هو الطهارة والواجد للماء طهارته الوضوء والفاقد له طهارته التيمم، وإذا لم يتمكن من التيمم ايضا فهو فاقد الطهورين فهو في

[ 305 ]

الحقيقة غير متمكن من الطواف لان عدم التمكن من الشرط موجب لعدم التمكن من المشروط فتصل النوبة إلى الاستنابة لما سيأتي ان الطواف تجب فيه المباشرة والا فيستنب. وبتعبير آخر ان العمل بعهدة المكلف ولكن يقوم به تارة بالمباشرة واخرى بالتسبيب يحمله ولطافته وان لم يتمكن من ذلك ايضا يطاف عنه فهذه مراتب الطواف كما في صحيحة معاوية بن عمار، ولكن في المقام لا مجال للاطافة به لان المفروض انه قادر على اتيان نفس العمل ولكن لا يتمكن من اتيانه مع الطهارة فينتهي الامر إلى الاستنابة. ويحتمل بعيدا سقوط الطهارة في الطواف كما احتمل في الصلاة فان يصلي بلا طهور وهكذا المقام يطوف بلا طهارة. وهذا الاحتمال ساقط جدا لان ظاهر الادلة هو الاشتراط على الاطلاق للقادر والعاجز. نعم لا بأس بالاحتياط بان يطوف بلا طهارة ويستنيب، فيما إذا كان الحدث حدثا اصغر. وحكي في الجواهر (1) عن الفخر عن والده (ره) انه لا يرى اجزاء التيمم فيه بدلا عن الغسل لعدم مشروعية التيمم للجنب من اجل الدخول في المسجدين ولا اللبث في سائر المساجد ومقتضى ذلك عدم مشروعيته للطواف لاستلزامه الدخول واللبث في المسجد. ويندفع: بان التيمم للطواف نفسه لا للدخول في المسجد نظير التيمم للصلاة فيكون متطهرا فيجوز له الدخول في المسجد للصلاة. هذا مضافا إلى ما ذكرناه في باب التيمم من قيام الطهارة الترابية مقام المائية.


(1) الجواهر: ج 19 ص 270.

[ 306 ]

[ (مسألة 289): يجب على الحائض والنفساء بعد انقضاء ايامهما وعلى المجنب الاغتسال للطواف ومع تعذر الاغتسال واليأس من التمكن منه يجب الطواف مع التيمم والاحوط الاولى حينئذ الاستنابة أيضا ومع تعذر التيمم تتعين عليه الاستنابة (1). (مسألة 290): إذا حاضت المرأة في عمرة التمتع حال الاحرام أو بعده وقد وسع الوقت لاداء اعمالها صبرت إلى ان تطهر فتغتسل وتأتي باعمالها، وان لم يسع الوقت فللمسألة صورتان: ] فان الطهارة الترابية لها نفس الخصوصية المائية الثابتة لها فلا موجب للاستنابة نعم هو احوط. وان لم يتمكن من التيمم يتعين عليه الاستنابة لحرمة دخول الجنب في المسجد والاحتياط بالطواف من غير طهارة غير جار في المقام. فظهر ان المكلف إذا كان محدثا بالحدث الاصغر ولم يتمكن من الوضوء يتيمم ويأتي بالطواف وان لم يتمكن من التيمم أيضا يستنيب والاحوط استحبابا أن يأتي هو ايضا بالطواف من غير طهارة واما إذا كان محدثا بالحدث الاكبر فيتعين عليه الاستنابة ولا يجوز له الدخول في المسجد ولا يحتاط بالطواف بنفسه. وهكذا الحال في الحائض والنفساء إذا تعذر الاغتسال. (1) قد ذكرنا حكم هذه المسألة في ضمن بيان حكم المسألة السابقة.

[ 307 ]

[ - الاولى - ان يكون حيضها عند احرامها أو قبل ان تحرم ففي هذه الصورة ينقلب حجها إلى الافراد وبعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة إذا تمكنت منها. (الثانية): ان يكون حيضها بعد الاحرام، ففي هذه الصورة تتخير بين الاتيان بحج الافراد كما في الصورة الاولى وبين ان تأتي باعمال عمرة التمتع من دون طواف فتسعى وتقصر ثم تحرم للحج وبعدما ترجع إلى مكة بعد الفراغ من اعمال منى تقضي طواف العمرة قبل طواف الحج وفيما إذا تيقنت ببقاء حيضها وعدم تمكنها من الطواف حتى بعد رجوعها من منى استنابت لطوافها، ثم اتت بالسعي بنفسها ثم ان اليوم الذي يجب عليها الاستظهار فيه بحكم ايام الحيض فيجري عليها حكمها (1). ] (1) يطرء الحيض تارة قبل الطواف واخرى في اثنائه وثالثة بعده ثم انه قد يفرض انها متمكنة من اتيان الطواف مع الاغتسال كما إذا حاضت المرأة في سعة الوقت وقد يفرض انها غير متمكنة من الطواف مع الطهارة كما إذا ضاق الوقت عن اتيان الطواف متطهرة فهذه صور. تذكر في ضمن مسائل. الاولى: ما إذا طرأ الحيض قبل الطواف سواء حاضت حال الاحرام أو بعده وفرضنا سعة الوقت لاداء اعمالها فلا ريب في انه يجب عليها

[ 308 ]

الصبر إلى ان تطهر وتغتسل وتأتي بأعمالها. وأما إذا لم يسع الوقت فالمعروف والمشهور انها تعدل إلى حج الافراد. وقيل بالتخيير بين العدول إلى الافراد وبين ترك الطواف والاتيان بالسعي ثم الاتيان بأعمال الحج وقضاء طواف العمرة بعد ذلك. وهنا أقوال أخر ذكرناها في شرح كتاب العروة في المسألة الرابعة من فصل صورة حج التمتع (1) والقول المشهور هو الصحيح في بعض الفروض فان الحائض على قسمين: احدهما: ان يكون حيضها عند احرامها أو قبل ان تحرم. ثانيهما: ما إذا طرء الحيض بعد الاحرام. أما الاول: فوظيفتها ما ذكره المشهور من انقلاب حجها إلى الافراد وبعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة. وأما الثاني: فهي مخيرة بين العدول إلى الافراد وتأتي بعمرة مفردة وبين ان تترك الطواف وتبقى على عمرتها وتسعى وتقصر ثم تحرم للحج وبعد اداء المناسك تقضي طواف العمرة ثم تأتي بطواف الحج، والوجه في هذا التفصيل ما ذكرناه مبسوطا في شرح كتاب العروة. وملخصه: ان الروايات الواردة في المقام على اقسام. فمنها: ما دل على العدول إلى الافراد من دون تفصيل بين حدوث الحيض عند الاحرام أو طروه بعد الاحرام وهي صحيحة جميل (عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية، قال: تمضى كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتجعلها


(1) معتمد العروة: ج 2 ص 22.

[ 309 ]

عمرة) (1). ومنها: ما دل على ان وظيفتها حج الافراد ولكن موردها حدوث الحيض من أول الاحرام وهي صحيحة زرارة ومعاوية بن عمار الواردتان في قضية نفاس اسماء بنت عميس حين ارادت الاحرام من ذي الحليفة (2). وهاتان الطائفتان لا معارض لهما، فيتعين عليها العدول في هذا الفرض أي ما إذا كان الحيض قبل الاحرام، وأما إذا طرء الحيض بعد الاحرام وقبل الطواف فالروايات مختلفة، ففي مصححة اسحاق (عن المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتى تخرج إلى عرفات قال: تصير حجه مفردة، قلت: عليها شئ؟ قال: دم تهريقه وهي اضحيتها) (3). وبأزائها روايات تدل على بقائها على عمرتها وقضاء الطواف والصلاة بعد اداء المناسك منها صحيحة العلاء وعجلان (4) فهاتان الطائفتان متنافيتان ولابد من العلاج بينهما فان بنينا في امثال هذه الموارد مما امر المكلف يشئين وعلمنا من الخارج بأن الواجب عليه احدهما كالامر بالقصر والتمام في مورد واحد على التعارض فاللازم اعمال قواعد التعارض، وان قلنا بعدم التعارض وان لهما جمع عرفي فلابد من العمل بهما.


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب اقسام الحج ح 2. (2) الوسائل: باب 91 من أبواب الطواف ح 1 وباب 49 من أبواب الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 21 من أبواب اقسام الحج ح 3. (4) الوسائل: باب 84 من أبواب الطواف ح 1 و 6 وغيرها.

[ 310 ]

[ (مسألة 291): إذا حاضت المحرمة اثناء طوافها فالمشهور على ان طروء الحيض إذا كان تمام اربعة اشواط بطل طوافها، وإذا كان بعده صح ما أتت به ووجب عليها اتمامه بعد الطهر والاغتسال، والاحوط في كلتا الصورتين أن تأتي بطواف كامل تنوي به الاعم من ] والظاهر امكان الجمع بينهما وهو قاض بالتخيير لان اصل الوجوب مستفاد من النص ولا يمكن رفع اليد عن وجوب كل منهما وأما وجوب كل منهما على سبيل التعيين فيستفاد من اطلاق كل من الخبرين فترفع اليد عن اطلاق كل منهما بنص الآخر ونتيجة ذلك هي التخيير فيعمل بكل من الخبرين. ولو قلنا بالتعارض فيسقطان معا فيرجع إلى صحيح جميل الدال على العدول مطلقا فليس لها الاكتفاء باتيان بعض اعمال العمرة ويأخير؟ الطواف. هذا كله إذا تمكنت من اتيان بقية اعمال العمرة من السعي والتقصير وأما إذا فرضنا انها لا تتمكن من ذلك لعدم سعة الوقت للسعي وعدم صبر الرفقة فيفوت منها الوقوف فوظيفتها العدول إلى الافراد كما في صحيح مرازم، وغيره (1). فان مقتضى الجمع بين الروايات ان المناط في العدول وعدمه درك الوقوف الاختياري لعرفة وعدمه. وهذا من دون فرق بين الحائض وغيرها من ذوي الاعذار.


(1) الوسائل: باب 20 و 21 من أبواب اقسام الحج ح 14.

[ 311 ]

[ التمام والاتمام. هذا فيما إذا وسع الوقت، والا سعت وقصرت واحرمت للحج ولزمها الاتيان بقضاء طوافها بعد الرجوع من منى وقبل طواف الحج على النحو الذي ذكرناه (1). ] (1) هذه الصورة الثانية: وهي ما إذا طرء الحيض اثناء الطواف فقد ذهب المشهور إلى بطلان طوافها إذا طرء الحيض قبل اتمام الشوط الرابع ويجب عليها الاستيناف وذهب الصدوق إلى انها تعتد بما مضى وبعد الطهر تأتي ببقية الاشواط وهذه الصورة لها أقسام يظهر حكمها في ضمن مسائل: المسألة الاولى: ما إذا حاضت المرأة قبل اتمام الشوط الرابع وتتمكن من الاتمام أو الاستيناف. الثانية: نفس الصورة ولكن المفروض انها لا تتمكن من الاستيناف أو الاتمام. الثالثة: ما إذا حاضت بعد الاربعة: اما المسألة الاولى: كما إذا فرضنا انها حاضت في اول ذي الحجة وعادتها خمسة أيام أو ستة. فقد ذهب المشهور إلى البطلان في هذا القسم وان عليها الاستيناف خلافا للصدوق (ره) فانه ذهب إلى الصحة وانها تعتد بالاشواط السابقة وعليها الاتمام بعد الطهر بل ذهب إلى الصحة حتى إذا طرء الحيض قبل الشوط الرابع، ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات. فقد استدل للمشهور بعدة روايات.

[ 312 ]

منها: ما رواه الصدوق عن ابراهيم بن اسحاق عمن سأل أبا عبد الله (عليه السلام) (عن امرأة طافت اربعة اشواط، وهي معتمرة ثم طمثت، قال: تم طوافها إلى ان قال: وان هي لم تطف الا ثلاثة اشواط فلتستأنف الحج) (1). رواه الشيخ باختلاف يسير عن ابراهيم بن ابي اسحاق عن سعيد الاعرج كما في التهذيب، وعن ابراهيم عن أبي اسحاق عمن سئل ابا عبد الله (ع) كما في الاستبصار فانها تدل على فساد الاشواط الثلاثة وعدم جواز اتمامها بالاشواط الاربعة بعد الطهر، كما ان التعليل بقوله: لانها زادت على النصف تدل على البطلان قبل التجاوز من النصف. والرواية ضعيفة على كلا الطريقين بابراهيم الواقع في السند فانه: ان كان هو النهاوندي الاحمري فهو ضعيف. وان كان غيره فهو مجهول مضافا إلى الارسال في طريق الصدوق، وإلى وقوع محمد بن سنان في طريق الشيخ. ومنها: ما رواه الشيخ عن ابي اسحاق صاحب اللؤلؤ قال حدثني من سمع أبا عبد الله (ع) يقول: في المرأة المتمتعة. إذا طافت بالبيت اربعة اشواط ثم حاضت فمتعتها تامة وتقضي ما فاتها من الطواف (2). ورواه الكليني بطريق آخر عن اسحاق بياع اللؤلؤ: والرواية بمفهومها تدل على فساد متعتها إذا كان الطواف اقل من


(1) الوسائل: باب 85 من أبواب الطواف ح 4. (2) الوسائل: باب 89 من أبواب الطواف ح 2.

[ 313 ]

الاربعة. ولكنها ضعيفة بالارسارل وباسحاق أو بأبي اسحاق صاحب أو بياع اللؤلؤ. على ان مورد الرواية ما إذا لم تتمكن الحائض من استيناف الطواف قبل الحج وكلامنا فيمن تمكنت من الاستيناف. ومنها: ما رواه الكليني عن أحمد بن محمد عمن ذكره عن احمد بن عمر الحلال عن ابي الحسن (ع) قال: سألته عن امرأة طافت خمسة اشواط ثم اعتلت، قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت فإذا هي قطعت طوافها في اقل من النصف فعليها ان تستأنف الطواف من اوله) (1). ومنها: رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، فان هي قطعت طوافها في اقل من النصف فعليها ان تستأنف الطواف من اوله) (2). وهما وان كانتا واضحتي الدلالة على فساد الطواف إذا طرء الحيض قبل الاربعة اشواط وقبل التجاوز من النصف وليس موردها عدم التمكن من الاستيناف ولكنهما ضعيفتان سندا اما الاولى فبالارسال والثانية بسلمة ابن الخطاب. فإذا لا مدرك للمشهور. وأما الصدوق فلم يذكر الا مرسلة ابراهيم بن اسحاق المتقدمة


(1) الوسائل: باب 85 من أبواب الطواف ح 2. (2) الوسائل: باب 85 من أبواب الطواف ح 1.

[ 314 ]

وصحيحة محمد بن مسلم، قال: سئلت أبا عبد الله (ع) عن امرأة طافت ثلاثة اشواط اقل من ذلك ثم رأت دما، فقال: تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت منه واعتدت بما مضى) (1) ثم قال: (قدس سره) (وبهذا الحديث افتى لانه رخصة ورحمة واسناده متصل وأما الحديث الاول اي مرسل ابراهيم بن اسحاق فاسناده منقطع). فمذهب الصدوق هو الصحة سواء حاضت المرأة بعد النصف أو قبله اعتمادا على صحيح ابن مسلم. وقد ذكر الشيخ هذه الصحيحة وقال انها محمولة على النافلة لما تقدم منه ان طواف الفريضة متى نقص عن النصف يجب على صاحبه استينافه من اوله ويجوز له في النافلة البناء عليه. وتوضيح ما ذكره الشيخ: انه قد تقدم انه متى نقص طواف الفريضة عن النصف واحدث الطائف وخرج ليتوضأ بطل طوافه. وإذا كان بعد النصف اعتد بما مضى وبنى عليه والمسألة غير خلافية وذكرنا ان ذلك كثير الابتلاء والتحقق في الخارج فإذا بطل الطواف بالحدث الاصغر يبطل بالحيض بالاولوية القطعية فانه لا يقصر عن النوم أو الريح، على ان الفصل بالحيض لا يخلو من سائر الاحداث. مضافا إلى ذلك انه يكفي في البطلان عدم التوالي والفصل الكثير بين الاشواط لان الحيض اقله ثلاثة ايام، فالروايات الدالة على بطلان الطواف بالحدث تكون قرينة على حمل هذه الصحيحة على طواف النافلة فما ذكره الشيخ من الحكم بالبطلان هو الصحيح. المسألة الثانية: نفس المسألة السابقة مع عدم سعة الوقت لاتمام


(1) الوسائل: باب 85 من أبواب الطواف ح 3.

[ 315 ]

الطواف أو استينافه، وهذه المسألة تدخل في المسألة التي تقدمت وهي ما إذا حاضت المرأة قبل الاحرام ولا تتمكن من الطواف إلى ان يبلغ زمان الحج وظاهر كلام الصدوق هو الصحة والاعتداد بما مضى حتى في هذه الصورة فان الظاهر من ذكره صحيح ابن مسلم والافتاء بمضمونه وعدم العمل بمرسلة اسحاق هو الحكم بالاتمام والاعتداد في كلتا الصورتين كانت متمكنة من الاتمام ام لا. ولكن لا يخفى انه لا يمكن الالتزام بما ذكره اصلا حتى لو فرضنا ورود صحيح ابن مسلم في طواف الفريضة فان غاية ما يستفاد من الصحيحة عدم مانعية الحيض وعدم اعتبار التوالي بين الاشواط وأما جواز الاتمام حتى بعد اعمال الحج فلا يستفاد منها بل ذلك يحتاج إلى دليل آخر. وبعبارة اخرى: كلامنا في مقامين احدهما في مانعية الحيض. ثانيهما: في جواز التبعيض وعدم التوالي ولا يستفاد الثاني من صحيح ابن مسلم بل تدخل المسألة في مسألة عدم تمكن الحائض من الطواف برأسه فلو وافقنا الصدوق في الصورة الاولى وهي تمكن الحائض من الاتمام لا نوافقه في هذه الصورة وهي عدم تمكنها من الاتمام. المسألة الثالثة: ما إذا طرء الحيض بعد اربعة اشواط. المعروف بينهم ان عمرتها تامة لان الحيض حدث بعد تجاوز النصف فتأتي بالبقية بعد الطهر: واستدلوا بالروايات المتقدمة كرواية ابراهيم بن اسحاق وأحمد بن عمر الحلال، ولكن قد عرفت ان الروايات كلها ضعيفة. فان قلنا بالانجبار فهو والا فتدخل المسألة في المسألة المتقدمة وهي ما إذا حاضت

[ 316 ]

[ (المسألة 292): إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطواف وقبل الاتيان بصلاة الطواف صح طوافها واتت بالصلاة (1) بعد طهرها واغتسالها وان ضاق الوقت سعت وقصرت وقضت الصلاة قبل طواف الحج. ] المرأة قبل الطواف فنقول: ان الوقت إذا كان واسعا كما لو فرضنا ان المرأة حاضت في شهر ذي القعدة فالاحوط لها ان تجمع بين الاستيناف لحصول الفصل وعدم التوالي وبين الاتمام ولها ان تأتي بطواف كامل تنوي به الاعم من التمام والاتمام ولا تصل النوبة إلى العدول إلى الافراد. واما إذا ضاق الوقت فالمشهور أيضا الصحة فتتم طوافها بعد اعمال الحج والرجوع إلى مكة، ولكن الاظهر هو البطلان وتدخل المسألة ايضا في المسألة السابقة وهي ما إذا حاضت بعد الاحرام ولم تتمكن من الاتيان بالعمرة قبل الحج. والمختار عندنا فيها هو التخيير بين ان تعدل إلى الافراد وبين أن تسعى وتقصر وتقضي الطواف بعد اداء مناسك الحج والاحوط لها وهو الاتمام والاستيناف على النحو الذي مر: (1) هذه هي الصورة الثالثة: وهي طرو الحيض بعد الفراغ من الطواف وقد حكم فيها بالصحة إذ لا موجب لبطلانه بالحيض اللاحق فانه بعد ما قيل بأن حدوث الحيض بعد أربعة اشواط لا يوجب البطلان وتكمل بقية الاشواط

[ 317 ]

بعد اعمال الحج فجواز تأخيرها للصلاة أولى لان كلا منهما عمل مستقل وان لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا فمقتضى القاعدة أيضا عدم البطلان إذ لا مقتضى لبطلانه بالحيض بالطارئ بعده. نعم يتحقق الفصل بين الطواف والصلاة، ولا مانع إذا كان بامر غير اختياري كما إذا عجز من الصلاة كالمريض والكسير فتأتي بالصلاة بعد ارتفاع الحيض وان لم يسع الوقت فتسعى وتقصر وتأتي بالصلاة بعد اعمال الحج كما هو الحال في قضاء الطواف. وأما احتمال العدول إلى الافراد فساقط جزما لان ادلة العدول وردت فيمن لا يتمكن من الطواف لا الصلاة. ويكفينا في الحكم المزبور صحيح زرارة، قال: سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل ان تصلي الركعتين فقال: ليس عليها إذا طهرت الا الركعتين وقد قضت الطواف. ونحوها صحيح معاوية بن عمار فان مورده وان كان حدوث الحيض قبل السعي ولكن اطلاقه يشمل قبل الصلاة وبعدها: ويؤيدهما رواية أبي الصباح الكناني (1) والمستفاد منها ان الحيض غير ضائر بالاتصال ولا يوجب البطلان وقوله: (ليس عليها الا الركعتين) ظاهر في ان الطواف طواف الفريضة. بقي الكلام في امرين: احدهما: انه لا فرق بين كون الحيض ظاهرا وبين كونه واقعيا مخفيا كايام الاستظهار فان المرأة محكومة بالحيض في أيام الاستظهار. ثانيهما: ما ذكرناه للحائض من انقلاب حجتها إلى الافراد أو


(1) الوسائل: باب 88 من أبواب الطواف.

[ 318 ]

[ (مسألة 293): إذا طافت المرأة وصلت ثم شعرت بالحيض ولم تدر انه كان قبل الطواف أو قبل الصلاة أو في اثنائها أو انه حدث بعد الصلاة بنت على صحة الطواف والصلاة (1) وإذا علمت ان حدوثه كان قبل الصلاة وضاق الوقت سعت وقصرت واخرت الصلاة إلى ان تطهر وقد تمت عمرتها. ] تأخير الطواف إلى ما بعد اعمال الحج واداء المناسك مشروط بعدم تيقن المرأة ببقاء حيضها إلى زمان الخروج من مكة، وأما إذا علمت ببقاء حيضها إلى زمان الخروج من مكة كما إذا حاضت في السابع من ذي الحجة وكانت عادتها عشرة أيام وتعلم بان القافلة لا تنتظرها هذا المقدار من الزمان فلا ريب في انها غير مشمولة للروايات الدالة على تأخير الطواف وقضائه بعد اعمال الحج أو على الانقلاب إلى الافراد فان موردها التمكن من قضاء الطواف بعد الحج أو التمكن من اتيان العمرة المفردة والخروج إلى التنعيم فإذا علمت ببقاء الحيض إلى زمان لا يتمكن من الطواف ولا من الخروج إلى التنعيم للعمرة المفردة فاللازم عليها الاستنابة وتدخل المرأة حينئذ في عنوان من لا يتمكن من الطواف برأسه كالمريض والكسير ونحوهما فتستنيب لجميع الطوافات الثلاثة. (1) لقاعدة الفراغ لانها تشك في صحة العمل السابق وعدمها ولو فرضنا انها كانت غافلة حين العمل فالقاعدة لا تجري ولكن يجري استصحاب عدم الحيض.

[ 319 ]

[ (مسألة 294): إذا دخلت المرأة مكة وكانت متمكنة من اعمال العمرة ولكنها أخرتها إلى ان حاضت حتى ضاق الوقت مع العلم والعمد فالظاهر فساد عمرتها والاحوط ان تعدل إلى الحج الافراد ولابد لها من اعادة الحج في السنة القادمة (1). (مسألة 295): الطواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة (2) ] وربما يتوهم معارضة استصحاب عدم الحيض باستصحاب عدم وقوع الطواف أو الصلاة إلى زمان الحيض. وفيه: انا قد ذكرنا في محله انه لا مجال لهذا الاستصحاب لان استصحاب عدم وقوع الطواف إلى زمان الحيض لا يثبت وقوع الطواف حال الحيض إلا بالمثبت فلا اثر لهذا الاستصحاب فالاستصحاب الاول وهو استصحاب عدم الحيض جار بلا معارض ونحكم بالصحة بضم الوجدان إلى الاصل فان الطواف متحقق في الخارج وجدانا والحيض مرتفع بالاصل. (1) الظاهر فساد عمرتها في هذه الصورة وكذا كل من اخر الطواف عالما عامدا حتى ضاق الوقت وقد تقدم ان ادلة الانقلاب وادلة جواز تأخير الطواف لا تشمل التأخير العمدي وانما تختص بالتأخير العذري فعليه الحج من قابل والاحوط العدول إلى الافراد واعادة الحج في السنة القادمة كما في المتن. (2) للروايات المستفيضة (1).


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب الطواف.

[ 320 ]

[ فيصح بغير طهارة ولكن صلاته لا تصح إلا عن طهارة. (مسألة 296): المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور والمسلوس، اما المبطون فالاحوط ان يجمع مع التمكن بين الطواف بنفسه والاستنابة (1) واما المستحاضة فالاحوط لها ان تتوضأ لكل من الطواف وصلاته ان كانت الاستحاضة قليلة وان تغتسل غسلا واحدا لهما وتتوضأ لكل منهما ان كانت الاستحاضة متوسطة، واما الكثيرة فتغتسل لكل منهما من دون حاجة إلى الوضوء ان لم تكن محدثة بالاصغر وإلا فالاحوط ضم الوضوء إلى الغسل. ] منها: صحيحة محمد بن مسلم (عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور قال: يتوضأ ويعيد طوافه، وان كان تطوعا توضأ وصلى ركعتين) (1) إذ لا صلاة الا بطهور ولم يرد في الطواف ذلك بل يجوز للمجنب والحائض الطواف فيما إذا كان دخولهما في المسجد أو اللبث فيه جائزا لهما كموارد الضرورة والخوف من الخروج وانما لا يصح لهما الطواف لحرمة الدخول عليهما ولو لم يكن الدخول أو اللبث محرما لا دليل على مانعية الجنابة والحيض في الطواف المندوب. (1) الطهارة المعتبرة في الطواف كالطهارة المعتبرة في الصلاة تشمل الطهارة الترابية والمائية بجميع مراتبها كالوضوء، أو الغسل الاختياري منهما أو الجبيري مثل الكسير ونحوه. نعم في خصوص المبطون كلام فقد ذكروا انه يستنيب في الطواف


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب الطواف ح 3.

[ 321 ]

وقال في الجواهر (1)، ولعل الفارق النص، وإلا فالقاعدة تقتضي جواز الاكتفاء بالطهارة الاضطرارية كساير ذوي الاعذار ففي روايات عديدة عمدتها صحيحة معاوية بن عمار (2) ان المبطون يرمي ويطاف عنه، ويصلي عنه ولا ريب ان الاحوط له ان يطوف بنفسه مع الطهارة الاضطرارية وان يستنيب. ولكن الظاهر كفاية طوافه بنفسه لان الظاهر من النصوص هو المبطون غير القادر على الطواف بنفسه كالمريض العاجز عن الطواف بالمرة، وذلك بقرينة عطف المبطون على الكسير في النص اولا (3) فان المراد بالكسير هنا الذي يطاف عنه من عجز عن الطواف بالمرة، ولا تحتمل ان يكون المراد به مطلق الكسر حتى الذي يتمكن من الطواف كمن كسرت يده وبقرينة عطف الرمي على الطواف ثانيا - مع انه لا يعتبر الطهارة في الرمي - يعلم ان المراد بذلك من يعجز عن اتيان العمل بل ومن عطف الصلاة على الطواف ثالثا حيث يظهر ان المراد هو العاجز عن اداء الاعمال والا فمطلق المبطون غير عاجز عن الصلاة. ثم ان شيخنا الاستاذ في مناسكه عطف المسلوس على المبطون، ولم يظهر لنا وجه فان المذكور في الروايات هو المبطون فالواجب على المسلوس ان يعمل بوظيفته المقررة له وطهارته العذرية كافية. وأما المستحاضة فلا شك في انه يجب عليها الطواف إذ لا مانع لها


(1) الجواهر، ج 19 ص 271. (2) الوسائل: باب 49 من أبواب الطواف ح 6. (3) الوسائل: باب 49 من أبواب الطواف ح 7.

[ 322 ]

من الدخول في المسجد بعد ان تعمل بوظيفتها المقررة لها، وأما بالنسبة إلى اعتبار الطهارة في طوافها فقد ورد في صحيح عبد الرحمن بن ابي عبد الله (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة أيطأها زوجها، وهل تطوف بالبيت (إلى ان قال) وكل شئ استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت) (1) فان المستفاد منه ان الطهارة المعتبرة في الطواف بعينها هي الطهارة المعتبرة في الصلاة، وان ما يستحل به الصلاة يستحل به الطواف، وان الطواف كالصلاة في الحاجة إلى الطهارة فلا يجوز لها الاتيان بالطواف بلا طهارة من الوضوء، أو الغسل وحيث ان المستحاضة على أقسام وكيفية طهارتها مختلفة فاللازم عليها اتيان ما عليها من الوظائف المقررة لها في كل قسم لاجل الطواف وصلاته فان كانت قليلة فتتوضأ لكل من الطواف والصلاة وأما المتوسطة فتغتسل غسلا واحدا لهما وتتوضأ لكل منهما وان كانت كثيرة فتغتسل لكل من الطواف والصلاة ولا حاجة إلى الوضوء ان لم تكن محدثة بالاصغر والا فتتوضأ ايضا بناءا على المشهور، ولكن على المختار عندنا فلا حاجة إلى الوضوء لاغناء كل غسل عن الوضوء وان كان الاحوط ضم الوضوء إلى الغسل فحال الطواف حال الصلاة بل لو فرضنا ان هذه الرواية الصحيحة لم تكن فالامر كما بينا: بيان ذلك: ان ابتلاء النساء بالاستحاضة كثير، ولا ريب ان الاستحاضة حدث والطواف غير ساقط عنها ويعتبر فيه الطهارة، ولم يذكر كيفية طهارة المستحاضة وطوافها في نصوص المقام مع كثرة الابتلاء بها، ولا يمكن اهمالها كما لم يهملوا كيفية طواف الحائض فيعلم


(1) الوسائل: باب 91 من أبواب الطواف ح 3.

[ 323 ]

[ (الثالث): من الامور المعتبرة في الطواف: الطهارة من الخبث فلا يصح الطواف مع نجاسة البدن أو اللباس (1) والنجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الاقل من الدرهم - لا تكون معفوا عنها في الطواف على الاحوط. ] من هذه الامور والقرائن بعد ضم بعضها إلى بعض ان حكم المستحاضة ما ذكرنا وان حال الطواف حال الصلاة فتدبر في المقام. (1) المعروف بين الفقهاء اعتبار الطهارة من الخبث في البدن واللباس وعن ابن الجنيد كراهة الطواف في ثوب اصابه الدم وعن ابن حمزة كراهته مع النجاسة في ثوبه أو بدنه ومال إليه في المدارك تضعيفا للرواية الدالة على ذلك. اقول: النصوص الواردة في المقام ثلاثة: احدها: ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطواف، قال: ينظر الموضع الذي؟ رأي فيه الدم فيعرفه ثم يخرج ويغسله ثم يعود فيتم طوافه) (1) والدلالة واضحة ولكن السند ضعيف بمحسن بن احمد الواقع في السند. فانه ممن لم يوثق. ثانيها: ما رواه الصدوق باسناده عن يونس بن يعقوب قال: قلت: لابي عبد الله (ع) رأيت في ثوبي شيئا من دم وانا اطوف قال: فاعرف الموضع ثم اخرج فاغسله، ثم عد فابن على طوافك) (2)


(1) و (2) الوسائل: باب 52 من أبواب الطواف ح 2 و 1.

[ 324 ]

[ (مسألة 297): لا بأس بدم القروح والجروح فيما يشق الاجتناب عنه ولا تجب ازالته عن الثوب والبدن في الطواف كما لا بأس بالمحمول المتنجس وكذلك نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه (1). ] ودلالته تامة. وأما السند فمعتبر عندنا لان الحكم بن مسكين الواقع في طريق الصدوق إلى يونس وان لم يوثق في الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات فيكون ثقة فتكون الرواية معتبرة ولكن السيد صاحب المدارك حيث لا يرى وثاقته فيكون الخبر ضعيفا عنده ولذا استشكل في الحكم المزبور. ثالثها: مرسل البزنطي، عن بعض اصحابه، عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله، فطاف في ثوبه، فقال: اجزأه الطواف ثم ينزعه ويصلي في ثوب طاهر) (1) وهو دال على عدم مانعية النجاسة وعدم اعتبار الطهارة ولكنه غير قابل للمعارضة لضعفه بالارسال فالمعتمد انما هو موثق يونس على طريق الصدوق. وأما ما استدل للحكم المذكور بالنبوي المعروف (الطواف بالبيت صلاة ففيه ان النبوي لم يثبت من طرقنا. (1) هذه المسألة تشتمل على امرين: أحدها: لا فرق في النجاسة بين النجاسة المعفو عنها في الصلاة


(1) الوسائل: باب 52 من أبواب الطواف ح 3.

[ 325 ]

[ (مسألة 298): إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه ثم علم بها بعد الفراغ من الطواف صح طوافه، فلا حاجة إلى اعادته وكذلك تصح صلاة الطواف إذا لم يعلم بالنجاسة إلى ان فرغ منها (1). ] كالدم الاقل من الدرهم وبين غير المعفو عنها إذ لا دليل على الاستثناء في الطواف ومقتضى اطلاق الموثق عدم الفرق بين الاقل من الدرهم والاكثر منه، كما انه لا دليل على استثناء دم القروح والجروح الا إذا كان بحيث يشق الاجتناب عنه ويشق على المكلف ازالته فانه يصح الطواف معه لنفي الحرج؟، وكذا لا مانع من المحمول المتنجس حتى على القول بمنعه في الصلاة لان الدليل منع عن الطواف في الثوب النجس ولا يشمل الثوب المحمول فان الظاهر من قوله: رأيت في ثوبي) الثوب الملبوس لا المحمول. ثانيها: هل يختص المنع بالثوب الذي تتم فيه الصلاة كالقميص والجبة والقباء ونحوها أم يعم الثوب الذي لا تتم فيه الصلاة كالتكة والجورب والقلنسوة وجهان؟ الظاهر هو الاول وذلك لعدم صدق الثوب بصيغة المفرد المذكور في النص على مثل التكة والقلنسوة والجورب ونحوها وان صدق عليها الثياب فان الثوب ينصرف إلى مثل القباء والجبة والقميص ونحو ذلك ولا يصدق على الجورب والتكة والقلنسوة جزما، ولا اقل من الشك فيرجع إلى الاصل المقتضى لعدم الاعتبار. (1) لا يخفي ان اعتبار الطهارة مشروطة بالعلم، وأما إذا طاف

[ 326 ]

[ (مسألة 299): إذا نسي نجاسة بدنه أو ثيابه ثم تذكرها بعد طوافه صح طوافه على الاظهر وان كانت اعادته احوط وان تذكرها بعد صلاة الطواف اعادها (1). ] وصلى ثم علم بالنجاسة صح طوافه وصلاته اما الصلاة فواضحة لان النجاسة انما تكون مانعة في الصلاة مع العلم لحديث لا تعاد ولروايات خاصة الفارقة بين الجهل والنسيان. وأما الطواف فلان المستفاد من موثق يونس ان النجاسة الواقعية غير ضائرة ولذا أمر بالبناء على طوافه والاعتداد بما مضى فيما إذا علم بالنجاسة في الاثناء ولا نحتمل الفرق بين الاشواط السابقة واللاحقة. على انه يكفينا عدم الدليل على الاعتبار على الاطلاق لان مقتضى النص مانعية النجاسة بشرط العلم بها واما لو لم يعلم بها فلا مانع. (1) ومما ذكرنا في المسألة السابقة يظهر الحال في النسيان فان الظاهر من النص مانعية النجاسة في صورة العلم بها لا المانعية مطلقا فما نسب إلى جماعة منهم الشهيد في الدروس من البطلان في صورة النسيان كالصلاة ضعيف، وحمل الطواف على الصلاة في النجاسة المنسية لا وجه له كما عرفت. بل لا يبعد دعوى اطلاق الموثق باعتبار ترك الاستفصال للجهل والنسيان بخلاف الصلاة فانه انما نقول ببطلانها في النجاسة المنسية لادلة خاصة في مورد النسيان. فإذا لا فرق في الحكم بالصحة بين الجهل والنسيان.

[ 327 ]

[ (مسألة 300): إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه. وعلم بها اثناء الطواف أو طرأت النجاسة عليه قبل فراغه من الطواف فان كان معه ثوب طاهر مكانه طرح الثوب النجس واتم طوافه في ثوب طاهر وان لم يكن معه ثوب طاهر فان كان ذلك بعد اتمام الشوط الرابع من الطواف قطع طوافه ولزمه الاتيان بما بقي منه بعد ازالة النجاسة وان كان العلم بالنجاسة أو طروها عليه قبل اكمال الشوط الرابع قطع طوافه وازال النجاسة ويأتي بطواف كامل بقصد الاعم من التمام والاتمام على الاحوط (1). ] (1) لو تذكر بالنجاسة وهو في اثناء الطواف فان تمكن من الاتمام في الطاهر طرح الثوب النجس واتم طوافه في الثوب الطاهر ولا حاجة إلى الاعادة لما عرفت من ان النجاسة الواقعية غير ضائرة والطهارة انما هي شرط ذكرى والمانع انما هو النجاسة المعلومة حين الطواف، هذا مما لا اشكال فيه. انما الاشكال فيما إذا لم يكن له ثوب آخر وانه لا يتمكن من التبديل فقد نسب إلى جماعة منهم الشهيد وتبعهم الاستاذ النائني (ره) التفصيل بين التجاوز عن النصف وعدمه ففي الاول يزيلها ويبنى وفي الثاني يستأنف كما هو الحال في صدور الحدث في الاثناء إلا انه لا دليل على هذا التفصيل في النجاسة الخبثية والروايات انما وردت في الحدث والحيض وفي بعضها ورد التعليل بابها زادت على النصف وقد عرفت فيما تقدم

[ 328 ]

[ (الرابع): الختان للرجال، والاحوط بل الاظهر اعتباره في الصبي المميز أيضا. إذا أحرم بنفسه. واما إذا كان الصبي غير مميز أو كان احرامه من وليه فاعتبار الختان في طوافه غير ظاهر وان كان الاعتبار احوط (1). ] ان روايات الحيض المفصلة ضعيفة واما في الحدث فالتفصيل صحيح للنصوص ولكن قياس الخبث عليه بلا موجب. بل موثق يونس المتقدم مطلق من حيث التجاوز عن النصف وعدمه ولكن مع ذلك الاحوط اعادة الطواف قاصدا بها التمام والاتمام حتى يخرج من الخلاف. (1) يشترط في صحة الطواف واجبا كان أو مندوبا ان يكون الرجل مختونا بلا خلاف بين الاصحاب ويدل عليه عدة من الروايات وفي بعضها التفصيل بين الرجل والنساء. فمنها: معتبرة ابن سدير عن نصراني اسلم وحضر الحج ولم يكن اختتن أيحج قبل ان يختتن؟ قال: لا ولكن يبدء بالسنة) (1). ومنها: معتبرة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: الاغلف لا يطوف بالبيت، ولا بأس ان تطوف المرأة (2). ومنها: صحيحة حريز عن ابي عبد الله (ع) قال: لا بأس أن تطوف المرأة غير المخفوضة، فأما الرجل فلا يطوف الا وهو مختتن (3).


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 33 من أبواب مقدمات الطواف حديث 4 و 1 و 3.

[ 329 ]

[ (مسألة 301): إذا طاف المحرم غير مختون بالغا كان أو صبيا مميزا فلا يجتزي بطوافه (1) فان لم يعده مختونا فهو كتارك الطواف يجري فيه ماله من الاحكام الآتية. ] ومنها: رواية ابراهيم من ميمون، في الرجل يسلم فيريد ان يحج وقد حضر الحج أيحج ام يختتن؟ قال: لا يحج حتى يختتن (1). وهل يعتبر الختان في الصبي أم لا؟ فيه كلام وخلاف، والظاهر هو التفصيل بين الصبي المميز الذي يطوف بنفسه وبين الصبي غير المميز الذي يطاف به فيعتبر في الاول دون الثاني. وذلك، لان الظاهر من المقابلة بين الرجال والمرأة المذكورة في الروايات وان كان ثبوت الحكم لمطلق الذكر لا خصوص البالغين ويكفينا في ذلك صحيح معاوية بن عمار فان المذكور فيه الاغلف وهو اعم من البالغ والصبي ولكن مع ذلك لا يمكن الحكم بالتعميم والالتزام باعتباره في الصبي غير المميز لان موضوع النهي في الروايات هو الشخص الذي يطوف بنفسه ويكون مأمورا بالطواف بنفسه واما الذي يطاف به ولا يطوف بنفسه فلا امر له بالطواف إذ المفروض ان التكليف بالطواف متوجه إلى الولي الذي يطاف به فمقتضى الاصل عدم الاعتبار بالنسبة إلى الصبي غير المميز. (1) لفساده لفقدان المشروط بفقدان الشرط فكأنه لم يطف.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب مقدمات الطواف ح 2.

[ 330 ]

[ (مسألة 302): إذا استطاع المكلف وهو غير مختون فان امكنه الختان والحج في سنة الاستطاعة وجب ذلك وإلا أخر الحج إلى السنة القادمة فان لم يمكنه الختان اصلا لضرورة أو حرج أو نحو ذلك فاللازم عليه الحج لكن الاحوط ان يطوف بنفسه في عمرته وحجه ويستنيب أيضا من يطوف عنه ويصلي هو صلاة الطواف بعد طواف النائب (1) ]. (1) إذا استطاع الاغلف يجب عليه الختان في نفس سنة الاستطاعة ان امكن لوجوب مقدمة الواجب عقلا كساير مقدمات الواجب وان لم يتمكن من ذلك لضيق الوقت ونحوه يؤخر الحج إلى السنة القادمة وذلك لعدم تمكنه من الحج في هذه السنة لان الحج يجب فيه الطواف والطواف مشروط بالختان فهو غير متمكن منه ولا دليل على الاستنابة في خصوص هذا الفرض لان الاستنابة انما تجب في فرض الاستطاعة المفروض ان هذا الشخص غير مستطيع لعدم تمكنه من مباشرة الاعمال في هذه السنة. ويستفاد ما ذكرناه من معتبرة حنان بن سدير المتقدمة فان المتفاهم منها ان الامر دائر بين الحج والخروج مع الرفقة وبين ان يختتن ولكن لو اختتن لا يتمكن من الحج في هذه السنة، فحكم (ع) بانه لا يحج ويبدء بالسنة أي بالختان المؤيدة برواية ابراهيم بن ميمون المتقدمة. هذا فيما إذا كان متمكنا من الختان ولو في السنين القادمة.

[ 331 ]

[ (الخامس): ستر العورة حال الطواف على الاحوط (1). ] وأما إذا لم يكن متمكنا من الختان اصلا للحج والضرر ونحوهما فقد ذهب بعضهم إلى سقوط الحج عنه بالمرة لعدم كونه مستطيعا. وفيه: انه لا وجه لسقوط الحج فان الاستطاعة المالية كافية في وجوب الاستنابة نظير المريض الذي لا يرجو زوال مرضه فلا وجه لسقوط الحج عنه فيدور الامر بين وجوب الحج عليه والطواف بغير اختتان لسقوط الشرط حينئذ وبين ان يستنيب للطواف فيدخل هذا في المرتبة الثالثة للطواف من الطواف بنفسه أو اطافته أو الطواف عنه ومن المعلوم ان الاطافة به ايضا طواف صادر منه. فيتعين الثالث لان مقتضى الاطلاق اعتبار الختان في الطواف فهو غير مأمور بالطواف بنفسه فيدخل تحت عنوان من لا يستطيع الطواف، والاحوط ان يطوف بنفسه غير مختون ويطاف عنه ايضا. (1) المعروف وجوب ستر العورة في الطواف وناقش فيه بعضهم وذهب إلى العدم. واستدل للمشهور بالنبوي المعروف (الطواف بالبيت صلاة) ولكنه غير ثابت من طرقنا ولم يعلم استناد المشهور إليه حتى يقال بالانجبار. والعمدة في المقام الروايات الناهية عن الطواف عريانا (1) وهي مروية بطرق كثيرة منا ومن العامة ولكنها جميعا ضعيفة السند الا انها كثيرة متظافرة لا يمكن رد جميعها بل عن كشف اللثام انها تقرب من التواتر من طريقنا وطريق بقية المذاهب ولكن لا يمكن الاستدلال بها


(1) الوسائل: باب 53 من أبواب الطواف.

[ 332 ]

[ ويعتبر في الساتر الاباحة. والاحوط اعتبار جميع شرائط لباس المصلي فيه (1). ] لوجوب ستر العورة في الطواف لان النسبة بين العراء وستر العورة عموم من وجه لان المراد بالعريان من لم يكن لابسا للثوب ويمكن ان يكون الشخص غير عار ولابسا للثوب وعورته مكشوفة كما إذا كان في ثوبه ثقب تظهر عورته منه كما يمكن ان يكون الشخص مستور العورة وهو عار كما إذا ستر عورته بيده أو بحشيش أو طين ونحو ذلك، وقد اعتبروا في الطواف ستر العورة لا اللباس فيظهر الفرق بين الستر في باب الصلاة وفي الطواف فان المعتبر في الصلاة هو الستر باللباس ولا يكفي مجرد ستر العورة والمعتبر في الطواف هو ستر العورة بأي نحو كان ولو بيده أو بالحشيش ولا يعتبر اللباس قطعا للاجماع على صحة طواف الرجل عاريا مع ستر عورته، وهذه الروايات لو فرض صحة اسانيدها لابد من حملها على الاستحباب. وبالجملة: لا دليل على اعتبار ستر العورة في الطواف وما دل عليه هذه الروايات الكثيرة وهو اللبس في الطواف فهو غير واجب. وما ذهب إليه المشهور من وجوب ستر العورة لا يدل عليه هذه الروايات. فما ذهب إليه بعضهم من عدم وجوب ستر العورة في الطواف هو الصحيح وان كان الاحوط الستر كما في المتن. (1) قد عرفت انه لا دليل على اعتبار ستر؟ العورة في الطواف، ولكن بناءا على اعتباره لابد ان يكون الساتر مباحا والا بطل طوافه لان

[ 333 ]

الستر المأمور به لا يمكن ان يكون بالمحرم والحرام ولا يكون مصداقا للواجب فإذا كان الساتر محرما ومغصوبا يخرج عن كونه مأمورا به. وأما إذا كان غير الساتر مغصوبا ومحرما أو لم نعتبر الستر فهل يبطل طوافه ام لا باعتبار تصرفه فيه؟ يبتني ذلك على ما ذكرنا في الاصول في بحث اجتماع الامر والنهي وهو ان مورد الامر والنهي ان كان متحدا في الوجود فلا يمكن التقرب به لعدم امكان التقرب بالحرام، وان كان متعددا وان اقترنا في الوجود الخارجي فلا تسري حرمة احدهما إلى الآخر كالصلاة وغصبية اللباس فان الصلاة عبارة عن الاذكار وافعال خاصة وحرمة شئ خارجي وان كان مقارنا للصلاة لا تسري إلى الاذكار والافعال لعدم اتحادهما وجودا وان اقترنا خارجا ولذا لم نستشكل في بطلان الصلاة إذا كان غير الساتر مغصوبا. وربما يقال: بحرمة الطواف لانه مقدمة للتصرف في الثوب المغصوب لانه يتحرك بتحرك الشخص وبطوافه حول البيت. ولكن قد ذكرنا في المباحث الاصولية ان الافعال قد تكون توليدية كالقتل والتطهير والتنجيس ونحو ذلك فان الصادر من الشخص انما هو الذبح ونحوه أو الغسل بالماء وإلا فنفس القتل وزهاق الروح لا يصدر من الفاعل وكذلك الطهارة لا تحصل من الفاعل وانما المقدمات تصدر منه والقتل يترتب على الذبح ويتولد منه فإذا نهينا عن القتل فبالمتفاهم العرفي يكون ايجاد المقدمات كالذبح محرما. وأما إذا لم يكن الافعال توليديا بل كانت من باب العلة والمعلول كحركة الثوب بحركة البدن فان كلا منهما يتحرك بالحركة الدورية

[ 334 ]

[ تعتبر في الطواف سبعة: (الاول) الابتداء من الحجر الاسود، والاحوط الاولى ان يمر بجميع بدنه على جميع الحجر ويكفي في الاحتياط ان يقف دون الحجر بقليل فينوي الطواف من الموضع الذي تتحقق فيه المحاذاة واقعا على ان تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية (1). ] حول الكعبة المعبر عنها بالطواف فان جسم الانسان يتحرك بدوران البدن حول البيت وكذلك الثوب يتحرك بحركة البدن والطواف حوله فالعلة لحركة الثوب والتصرف فيه انما هو حركة البدن حول البيت والطواف به والمحرم انما هو حركة الثوب والتصرف فيه ولا مقتضى لحرمة حركة البدن والطواف حول البيت لعدم حرمة المقدمة بحرمة ذي المقدمة كما حقق في الاصول فالحكم بالبطلان يختص بما إذا كان الساتر مغصوبا كما عرفت. ثم ان بقية شرائط الصلاة وموانعها لا تكون معتبرة في الطواف وذلك لان بعضها لا يكون معتبرا قطعا كالتكلم والضحك والطمأنينة والبعض الآخر لا دليل على اعتباره كلبس غير المأكول وحمل الميتة أو لبسها ولبس الذهب وهكذا إذ لا دليل على اعتبار ذلك سوى النبوي المعروف الذي عرفت ضعفه وان كان الاحوط رعاية مثل هذه الشروط. (1) لا ريب في وجوب البدئة بالحجر الاسود والختم به ولم يقع

[ 335 ]

فيه خلاف بين المسلمين قاطبة وجرت عليه السيرة القطعية المتصلة إلى زمان النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة المعصومين (عليهم السلام). ولو كان البدئة أو الانتهاء بغيره جائزا لظهر وبان ولنقل من الائمة (ع) فالحكم مقطوع به ولا نقاش فيه أبدا. ويدل عليه مضافا إلى ما تقدم صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) قال: من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه من الحجر الاسود إلى الحجر الاسود) (1) فانه صريح الدلالة على اعتبار البدئة والختم بالحجر الاسود. ثم ان المستفاد من النص والسيرة وطواف النبي صلى الله عليه وآله راكبا هو الابتداء والانتهاء به بمقدار الصدق العرفي ولا يعتبر مرور جميع اجزاء بدنه بالحجر بان يحاذي اقدم عضو من اعضائه للحجر كما توهم ولذا اختلفوا في تعيين اول جزء واقدم عضو من البدن وانه هل هو الانف أو البطن أو ابهام الرجل وربما اختلف الاشخاص بالنسبة إلى ذلك ولا حاجة إلى ذلك اصلا بل المعتبر صدق المحاذاة والبدئة بالحجر والختم به عرفا وان يمر اول جزء من بدنه عليه في الطواف فلو بدء بالطواف من الحجر الاسود ولم يكن اول عضو من اعضائه من تقاديم بدنه محاذيا للحجر بحيث لم يمر جميع اجزائه واعضاء بدنه بالحجر صح طوافه لصدق البدئة أو الختم بالحجر بذلك عرفا. نعم الاحوط الاولى ان يمر بجميع اعضاء بدنه على جميع الحجر بأن يقف دون الحجر بقليل من باب المقدمة العلمية فينوي الطواف


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب الطواف ح 3.

[ 336 ]

[ (الثاني): الانتهاء في كل شوط بالحجر الاسود ويحتاط في الشوط الاخير بتجاوزه عن الحجر بقليل على ان تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية (1). (الثالث): جعل الكعبة على يساره في جميع احوال الطواف فإذا استقبل الطائف الكعبة لتقبيل الاركان أو لغيره أو الجأه الزحام إلى استقبال الكعبة أو استدبارها أو جعلها على اليمين فذلك المقدار لا يعد من الطواف والظاهر ان العبرة في جعل الكعبة على اليسار بالصدق العرفي كما يظهر ذلك من طواف النبي (صلى الله عليه وآله) راكبا، والاولى المداقة في ذلك ولا سيما عند فتحي حجر اسماعيل وعند الاركان (2). ] من الموضع الذي تتحقق المحاذاة واقعا ويكون الزائد لغوا. (1) قد ظهر حال هذا الشرط مما تقدم في بيان الشرط الاول فلا موجب للاعادة. (2) هذا الاشتراط وان لم يصرح به في الروايات ولكنه لا خلاف فيه بين المسلمين كافة وقد قامت عليه السيرة القطعية تأسيا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة المعصومين عليهم السلام بحيث يكون خلافه امرا منكرا عند المسلمين ولو كان جائزا لظهر وشاع ولوقع من أحدهم ولو مرة واحدة، ويؤكده عدة من الروايات:

[ 337 ]

[ (الرابع): ادخال حجر اسماعيل في المطاف بمعنى ان يطوف حول الحجر من دون ان يدخل فيه (1). (الخامس): خروج الطائف عن الكعبة وعن الصفة ] منها: صحيح معاوية بن عمار (إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يدك على البيت - إلى ان قال - ثم انت الحجر الاسود) (1). وفي صحيحة اخرى له (ثم تطوف بالبيت سبعة اشواط - إلى أن قال - فإذ انتهيت إلى مؤخر الكعبة وهو المستجار دون الركن اليماني بقليل في الشوط السابع فابسط يديك على الارض والصق خدك وبطنك بالبيت - إلى ان قال - ثم استقبل الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الاسود واختتم به) (2). وغيرهما من الروايات فان المفروض فيها جعل الكعبة على اليسار فان الترتيب المزبور في الروايات يستدعي ان يطوف على يساره دون يمينه كما هو واضح. (1) هذا أيضا امر متسالم عليه عند المسلمين والنصوص فيه مستفيضة (3). نعم وقع الكلام في امر آخر وهو بطلان اصل الطواف أو شرطه لو اختصر في الطواف ودخل في الحجر وذلك لاختلاف الروايات وسنتعرض إلى ذلك عن قريب ان شاء الله تعالى.


(1) و (2) الوسائل: باب 26 من أبواب الطواف ح 4 و 9. (3) الوسائل: باب 30 و 31 من أبواب الطواف.

[ 338 ]

[ التي في اطرافها المسماة - بشاذروان - (1) ] (1) لا ريب ولا شك في لزوم كون الطواف حول البيت فلابد ان يكون البيت الشريف بتمامه مطافا فاللازم ان يجعل الشاذروان (1) داخل في المطاف لان الشاذروان اساس البيت وقاعدته، فلا يصح الطواف داخل الكعبة وكذا لو طاف من فوق الشاذوران: وبعبارة اخرى: لابد ان يكون الطائف خارجا من البيت ومن الشاذوران، فلو طاف داخل البيت، أو من فوق الشاذوران بطل طوافه برأسه، والحكم بالنسبة إلى البيت واضح. واما بالنسبة إلى الشاذروان فالمعروف انه من اساس البيت وقاعدته؟ ومن نفس جدار الكعبة كما جائت بذلك الآثار التاريخية، وهو القدر الباقي من اساس الحائط بعد عمارته اخيرا. ولو شك في دخول الشاذروان في البيت وعدمه فالاصل أيضا يقتضى جعله مطافا واجراء حكم البيت عليه، وذلك لانه لو أخرجه عن المطاف ولم يطف حوله لم يحرز كون الطواف طوافا بالبيت بعكس ما لو ادخله في المطاف إذا فلابد من ادخاله في البيت ليحرز كون الطواف بالبيت من باب المقدمة العلمية لحصول الطواف بالبيت، ولذا لو فرضنا ان الكعبة الشريفة خربت بتمامها (لا سمح الله) يجب ادخال


(1) الشاذوران: بفتح الذال (من جدار البيت الحرام، وهو الذي ترك من عرض الاساس خارجا ويسمى تأزيرا لانه كأزار البيت. مجمع البحرين، والكلمة فارسية (شادروان) بالدال المهملة " زير كنگرهاي عمارتها راكويند " برهان قاطع).

[ 339 ]

[ (السادس): ان يطوف بالبيت سبع مرات (1) متواليات عرفا ولا يجزي الاقل من السبع ويبطل الطواف بالزيادة على السبع عمدا كما سيأتي. ] ما شك فيه من البيت في المطاف ولابد من الطواف في مكان يحرز كونه خارج البيت. ودعوى: كون الشاذروان من البيت وعدمه من قبيل الشك بين الاقل والاكثر والاصل تقتضي عدم دخوله في البيت، ضعيفة: بان اصالة عدم دخول الشاذروان في البيت لا تحقق كون الطواف طوافا بالبيت ولا توجب احراز ذلك. نعم وقع الكلام في البطلان وعدمه فيما لو طاف من فوق الشاذروان واما اصل الحكم وهو جعل الشاذروان مطافا فمما لا خلاف فيه اصلا. (1) بلا خلاف في ذلك بين المسلمين والحكم به مقطوع به عند الاصحاب ويمكن استفادته من عدة من الروايات الموجودة في ابواب متفرقة والتي لا يبعد دعوى تواترها. منها: الاخبار البيانية لكيفية الحج (1). ومنها: الروايات الواردة فيمن شك في عدد اشواط الطواف بين السبعة والستة (2).


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب اقسام الحج. (2) الوسائل: باب 33 من أبواب الطواف.

[ 340 ]

[ (مسألة 303): اعتبر المشهور في الطواف ان يكون بين الكعبة ومقام ابراهيم (عليه السلام) ويقدر هذا الفاصل بستة وعشرين ذراعا ونصف ذراع وبما ان حجر اسماعيل داخل في المطاف فمحل الطواف من الحجر لا يتجاوز ستة اذرع ونصف ذراع ولكن الظاهر كفاية الطواف في الزائد على هذا المقدار أيضا ولاسيما لمن لا يقدر على ] ومنها: الروايات الآمرة بالاعادة إذا زاد شوطا على سبعة اشواط (1). ومنها: للروايات الواردة في القرآن بين اسبوعين (2). وغير ذلك من الروايات كثيرة. واما اعتبار التوالي بين الاشواط فلان الطواف عمل واحد مركب من اشواط سبعة وليس كل شوط عملا مستقلا فحاله حال ساير الاعمال والعمل الواحد المركب من اجزاء غير متماثلة كالصلاة أو المركب من اجزاء متماثلة كالطواف المركب من الاشواط إذا أمر به يفهم العرف اتيانه متواليا من دون فصل بين الاجزاء وإلا فلا يصدق العمل الواحد المأمور به على ما أتى به كما إذا اتى بشوط من الطواف ثم بعد عشر ساعات اتى بشوط آخر، كما هو الحال في الصلاة والاذان والاقامة بل حتى العقود وغير ذلك من الاعمال المركبة مما ذكرنا ظهر اعتبار التوالي في نفس الشوط الواحد وإلا فلا يصح الطواف.


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف. (2) الوسائل: باب 36 من أبواب الطواف.

[ 341 ]

[ الطواف في الحد المذكور أو انه حرج عليه الاحتياط مع التمكن اولى (1). ] (1) المعروف والمشهور بين الاصحاب وجوب كون الطواف بين الكعبة وبين المقام مراعيا ذلك القدر من البعد في جميع اطراف البيت حتى جهة حجر اسماعيل ولذا يضيق المطاف حينئذ من تلك الجهة ويكون قريبا من ستة اذرع ونصف ذراع ويقرب في سائر الجوانب بستة وعشرين ذراعا ونصف ذراع. ويدل على مذهب المشهور ما رواه الكليني عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن حد الطواف بالبيت الذي من خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت قال: كان الناس على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يطوفون بالبيت والمقام وانتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحد موضع المقام، فمن جازه فليس بطائف، والحد قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلها، فمن طاف فتباعد من نواحيه ابعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لانه طاف في غير حد ولا طواف له) (1) والرواية صريحة في مذهب المشهور ولكنها ضعيفة سندا لان في طريقها ياسين الضرير وهو غير موثق وقد ذكرنا غير مرة ان الانجبار مما لا اساس له عندنا. نسب إلى ابن الجنيد انه جوز الطواف خارج المقام ومن خلفه عند الضرورة وعن الصدوق الجواز مطلقا ولو اختيارا. ويظهر الميل إليه من المختلف والتذكرة والمنتهى كما يظهر الميل من


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب الطراف ح 1.

[ 342 ]

[ (مسألة 304): إذا خرج الطائف عن المطاف فدخل الكعبة بطل طوافه ولزمته الاعادة. والاولى اتمام الطواف ثم اعادته إذا كان الخروج بعد تجاوز النصف (1). ] صاحب المدارك، وهو الصحيح. ويدل عليه صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الطواف خلف المقام، قال: ما احب ذلك وما أرى به بأسا فلا تفعله إلا ان لا تجد بدا) (1) وصريح الرواية الجواز على المرجوحية التي يرتفع عند الاضطرار. فلا بأس بالعمل بها كما عن الصدوق الافتاء بمضمونها. فالمتحصل ان الطواف بالنسبة إلى البعد والقرب إلى الكعبة غير محدد بحد بل العبرة بصدق الطواف حول البيت عرفا وان كان خلف المقام. نعم لو طاف خارج المسجد كالشوارع المحيطة بالمسجد أو نفس المسجد ولكن في مكان بعيد جدا عن الكعبة بحيث لا يصدق عليه الطواف حول البيت لا يجتزي به قطعا. (1) إذا خرج الطائف عن المطاف فهل يصح طوافه أو يبطل أو فيه تفصيل؟ وقد يفرض ان الطائف يخرج عن المطاف ويدخل في الكعبة وقد يفرض خروجه عن مدور المطاف إلى الخارج. اما بالنسبة إلى الداخل فلا اشكال في البطلان في الجملة ويعيد ما اتى به من الاشواط، وهل هذا حكم على الاطلاق أو يختص بما إذا


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب الطواف ح 2.

[ 343 ]

لم يتجاوز النصف. المشهور هو التفصيل بين التجاوز عن النصف وعدمه فان دخل الكعبة قبل التجاوز من النصف بطل طوافه وعليه اعادته من اصله وان دخل إلى الكعبة بعد التجاوز من النصف فيبني على طوافه ويعيد نفس الشوط الذي اتى به داخل الكعبة. ولكن هذا التفصيل لم يرد في شئ من الروايات بل صحيحة ابن البختري تدل على البطلان على الاطلاق (فعن ابي عبد الله (ع) فيمن كان يطوف بالبيت فيعرض له دخول الكعبة فدخلها، قال: يستقبل طوافه) (1). فانها واضحة الدالة على البطلان على الاطلاق سواء دخل الكعبة قبل التجاوز من النصف أو بعده. ولكن في صحيح الحلبي حكم بالبطلان فيما إذا دخل البيت قبل التجاوز من النصف كما جاء (عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل طاف بالبيت ثلاثة اشواط ثم وجد من البيت خلوة فدخله كيف يصنع؟ قال: يعيد طوافه، وخالف السنة) (2). وفي مرسلة ابن مسكان قال: حدثني من سأله عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة ثلاثة اشواط، ثم وجد خلوة من البيت فدخله قال: نقض (يقضي) طوافه وخالف السنة فليعد) (3). ولو كنا نحن وهاتان الروايتان فمقتضاهما البطلان في خصوص صورة الدخول قبل التجاوز من النصف.


(1) الوسائل: باب 41 من أبواب الطواف ح 1. (2) و (3) الوسائل: باب 41 من أبواب الطواف ح 3 و 4.

[ 344 ]

[ (مسألة 305): إذا تجاوز عن مطافه إلى (الشاذروان) بطل طوافه بالنسبة إلى المقدار الخارج عن المطاف، والاحوط اتمام الطواف بعد تدارك ذلك المقدار ثم اعادته (1). والاحوط ان لا يمد يده حال طوافه من جانب الشاذروان إلى جدار الكعبة لاستلام الاركان أو غيره. ] واما إذا دخل إلى الكعبة بعد التجاوز من النصف فالروايتان ساكتتان عن حكمه ومقتضى الاصل هو الصحة. الا ان مقتضى صحيح ابن البختري هو البطلان مطلقا ولا مقيد لاطلاقه. واما الروايتان فقد عرفت انهما تدلان على البطلان في فرض الدخول بعد التجاوز من النصف فلا تدل الروايتان على البطلان ولا على الصحة فالمرجع حينئذ اطلاق صحيح ابن البختري: فالظاهر هو البطلان بالنسبة إلى الدخول إلى البيت سواء كان قبل التجاوز من النصف أو بعده. (1) لا ريب في انه لو تسلق على الشاذروان وطاف من فوقه لا يحسب ذلك المقدار طوافا للبيت فانه لو ثبت كون الشاذروان من جدار الكعبة ومن اساس البيت فالامر واضح فانه محكوم بحكم البيت نفسه ولو شك في ذلك فالشك كان في الحكم بالبطلان لعدم احراز الطواف بالبيت وأصالة عدم كونه من البيت لا تثبت ان طوافه بالبيت. هذا بالنسبة لهذا المقدار الذي طاف من فوق الشاذروان، وأما بالنسبة إلى اصل الطواف فهل يحكم ببطلانه أم لا؟.

[ 345 ]

[ (مسألة 306): إذا دخل الطائف حجر اسماعيل بطل الشوط الذي وقع ذلك فيه فلابد من اعادته (1) والاولى اعادة الطواف بعد اتمامه هذا مع بقاء الموالاة واما مع ] الظاهر هو الثاني إذ لم يثبت كون الشاذروان من البيت، ولو شك في ذلك فالدخول في الشاذروان والتسلق عليه لا يوجب البطلان لعدم صدق الطواف من داخل البيت عليه، وما دل على المنع من الدخول في البيت حال الطواف منصرف عن التسلق على الشاذروان، فالظاهر بطلان المقدار الذي تسلق عليه لا بطلان بقية الاشواط التي لم يكن على الشاذروان، فعليه تدارك ذلك المقدار الذي تسلق على الشاذروان والاحوط اتمام الطواف بعد تدارك ذلك المقدار ثم اعادته من اصله. وهل له ان يمد يده حال الطواف على الحجر الاسود أو إلى جدار الكعبة لاستلام الاركان أو غيرها أم لا. اختلفت كلماتهم في ذلك بل حصل الاختلاف في عالم واحد كالعلامة، ووجه الاشكال ان الطواف هل يلزم ان يكون بتمام بدنه أو يكفي بمعظم بدنه، فان اعتبرنا تمام البدن فلا يجتزئ بطوافه هذا لان يده خرجت عن المطاف. وان قلنا بكفاية الصدق العرفي والاكتفاء بمعظم البدن فمد اليد إلى جدار الكعبة أو الحجر غير ضائر في الصدق المذكور. ولا ريب ان هذا الصدق غير قابل للانكار كما في الطواف في غير الكعبة، ولكن الاحوط استحبابا هو الترك. (1) لا ريب في عدم جواز الدخول في حجر اسماعيل حال الطواف.

[ 346 ]

[ عدمها فالطواف محكوم بالبطلان وان كان ذلك عن جهل أو نسيان، وفي حكم دخول الحجر التسلق على حائطه على الاحوط، بل الاحوط ان لا يضع الطائف يده على حائط الحجر أيضا. ] وهل يبطل طوافه برأسه أو يبطل ذلك الشوط الذي وقع فيه؟ فيه كلام: ففي صحيحة معاوية بن عمار (من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه) (1) وظاهرها بطلان الطواف من اصله. وفي غيرها من الروايات انه يعيد ذلك الشوط، فتكون هذه الروايات قرينة على ان المراد بالطواف في صحيحة معاوية بن عمار هو الشوط حيث اطلق الطواف على الشوط في غير واحد من الروايات. فالاظهر كفاية اعادة الشوط الذي دخل فيه إلى الحجر وان كان الاحوط اعادة اصل الطواف. وأما التسلق على حائط الحجر فيظهر من الاصحاب انه محكوم بالحجر وألحقوه به. أقول: ان كان مضمون الروايات هو جعل الحجر مطافا فالالحاق في محله لانه كالبيت في لزوم جعله مطافا فلا يجوز التسلق عليه، ولكن المذكور في الروايات هو المنع عن الدخول في الحجر وبالتسلق على حائط لا يصدق الدخول في الحجر فالالحاق مشكل.


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب الطواف ح 3.

[ 347 ]

ولكن احتمال كون الحائط من الحجر وانه مبني عن الحجر كما هو غير بعيد يمنع التسلق عليه لوجوب ادخال حجر اسماعيل في المطاف فالاحتياط بترك التسلق على حائط الحجر في محله، واما وضع اليد على حائط الحجر حال الطواف فقد ذكروا انه لا يجوز لان بعض بدنه يكون في الحجر ولا يمكن اثباته بدليل، ولا يقاس بوضع اليد على جدار الكعبة أو الشاذروان لان الطائف لابد له ان يطوف بتمام بدنه حول البيت وإذا وضع يده على الكعبة لا يصدق عليه انه طاف بتمام بدنه ولكن الامر في الحجر ليس كذلك وليس المأمور به الطواف حول الحجر بل الممنوع دخول الطائف في الحجر وبوضع اليد على حائط الحجر لا يصدق عليه الدخول في الحجر. واوضح من ذلك اشكالا ما ذكره بعضهم من انه لا يمس جدار الحجر لما عرفت ان الممنوع شرعا هو الدخول في ذلك وغير صادق على وضع اليد على الحائط أو مسه حتى لو فرضنا ان الطرف الاعلى من الحائط اقل عرضا من الاسفل كما لو فرض بناء الحائط على نحو التسنيم وان كان الغالب في عمارة الجدران والحيطان هو المساواة والمحاذاة ولو كان متفاوتا فيسير جدا. واشد من ذلك اشكالا ما ذكره الاستاذ النائيني في مناسكه من ان الاولى ان لا يصل اصابع قدمه باساس الحجر فان الاصابع انما تمس ما هو خارج عن الحجر لان الطرف الظاهر الاسفل من الحائط خارج من الحجر فلا مانع من ذلك اصلا حتى لو فرضنا ان الواجب جعل الحجر مطافا. هذا كله بالنسبة إلى خروج الطائف عن المطاف ودخوله إلى الكعبة

[ 348 ]

[ (مسألة 307): إذا خرج الطائف من المطاف إلى الخارج قبل تجاوزه النصف من دون عذر فان فاتته الموالاة العرفية بطل طوافه ولزمته اعادته وان لم تفت الموالاة أو كان خروجه بعد تجاوز النصف فالاحوط اتمام الطواف ثم اعادته (1). ] أو الشاذروان أو الحجر، واما خروجه عن المطاف إلى الخارج فذكره في المسألة الآتية. (1) المشهور بين الفقهاء انه لو خرج الطائف من المطاف إلى الخارج عن غير عذر فان كان قبل التجاوز من النصف يبطل طوافه وان كان بعد التجاوز من النصف يبني على طوافه ويرجع ويأتي ببقية الاشواط. وتفصيل الكلام يقع في مسائل ثلاث: الاولى: الخروج قبل النصف مع فوات الموالاة العرفية ففي مثل ذلك لا ينبغي الشك في البطلان لان الطواف عمل واحد يعتبر فيه الموالاة بين اجزائه وإلا فلا يلحق الجزء اللاحق بالجزء السابق، ويدل على ذلك مضافا إلى ما ذكر صحيح ابان بن تغلب عن أبي عبد الله (ع) في رجل طاف شوطا أو شوطين ثم خرج مع رجل في حاجة، قال: ان كان طواف نافلة بنى عليه وان كان طواف فريضة لم يبن) (1) فان دال على البطلان بالخروج عن المطاف وقطع الطواف ولا


(1) الوسائل: 41 من أبواب الطواف ح 5 .

[ 349 ]

نحتمل دخل الشوط أو الشوطين في الحكم بالبطلان بل المستفاد منه ان العبرة في الحكم بالبطلان بقبل التجاوز من النصف فالحكم بالنسبة إلى ما قبل النصف واضح واما إذا تجاوز النصف فلا يمكن الجزم بشمول الدليل له. الثانية: الخروج قبل التجاوز من النصف مع عدم فوات الموالاة كما إذا خرج وقطع طوافه ثم رجع سريعا بحيث لا يخل بالموالاة نظير ما لو جلس أو وقف في اثناء الطواف يسيرا ففي مثل هذا الفرض لا يمكن الحكم ببطلان الطواف (مع قطع النظر عن دليل خاص) لصدق الطواف الواحد على ذلك ومجرد الفصل بهذا المقدار غير ضائر في صدق الطواف الواحد عليه ولا يخل بالهيئة الاتصالية العرفية. نعم اطلاق صحيح ابان المتقدم يشمل هذه الصورة أيضا، لان المذكور فيه الخروج لحاجة ولم يذكر فيه مقدار الخروج وانه كان على حد ينافي الموالاة أم لا، فمقتضى اطلاق النص فساد الطواف وان لم تفت الموالاة. الثالثة: ما إذا خرج عن المطاف بعد التجاوز من النصف فقد يفرض ان الموالاة لا تفوت وتكون الهيئة الاتصالية محفوظة ففي هذه الصورة لا شك في الحكم بالصحة إذ لم يرد دليل على البطلان بمجرد الخروج، واما إذا فاتت الموالاة فالمشهور ذهبوا إلى الحكم بالصحة وذكروا ان دليل لزوم الموالاة خصص في هذه الصورة فيقع الكلام في دليل الصحة. فقد يستدل بأدلة الخروج للتطهير فيما إذا احدث في اثناء الطواف وكذلك استدل بأدلة جواز الخروج للحائض إذا طرء الحيض في الاثناء. وفيه انه قياس لا نقول به.

[ 350 ]

[ (مسألة 308): إذا احدث اثناء طوافه جاز له ان ] نعم ورد في بعض روايات الحائض تعليل الصحة بانها زادت على النصف (1) فربما يستفاد منه عدم اختصاص الحكم بالصحة بالحيض بل هذا الحكم حكم من تجاوز النصف ولكن موردها الخروج الاضطراري لا الاختياري الذي هو محل الكلام على انه قد تقدم ان هذه الرواية ضعيفة السند. نعم في صحيح صفوان قال: قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يأتي اخاه وهو في الطواف فقال: يخرج معه في حاجته ثم يرجع ويبني على طوافه) (2) هو مطلق من حيث طواف الفريضة وطواف النافلة وكذلك مطلق من حيث الخروج قبل التجاوز من النصف أو بعده ويخرج منه طواف الفريضة إذا خرج قبل التجاوز من النصف لصحيح ابان بن تغلب المتقدم الدال على البطلان في طواف الفريضة إذا خرج قبل التجاوز من النصف فيبقى تحت صحيحة صفوان طواف النافلة وطواف الفريضة إذا كان الخروج بعد التجاوز من النصف فيحكم بالصحة في هذين الموردين وان فاتت المولاة. ثم ان في المقام روايات كثيرة تدل على جواز الخروج اثناء الطواف وقطعه اختيارا والبناء على ما قطعه ولكنها باجمعها ضعيفة سندا للارسال أو غيره والمعتبر منها انما هو صحيح صفوان وصحيح ابان بن تغلب وهما المعتمد وبهما الكفاية.


(1) الوسائل: باب 86 من أبواب الطواف ح 1. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب الطواف ح 1.

[ 351 ]

[ يخرج ويتطهر ثم يرجع ويتم طوافه على ما تقدم، وكذلك الخروج لازالة النجاسة من بدنه أو ثيابه، ولو حاضت المرأة اثناء طوافها وجب عليها قطعه والخروج من المسجد الحرام فورا، وقد مر حكم طواف هؤلاء في شرائط الطواف (1). ] (1) الخروج عن المطاف قد يكون بمجرد الاختيار من دون أي ضرورة تكوينية أو شرعية، وقد يكون لضرورة شرعية، وقد يكون لضرورة غير شرعية. اما الخروج الاختياري فقد تقدم ان مقتضى الجمع بين صحيح ابان وصحيح صفوان بطلان الطواف إذا خرج قبل التجاوز من النصف وصحته إذا كان الخروج بعد التجاوز من النصف. ثم ان رواية صفوان المتقدمة صحيحة لصحة طريق الصدوق إليه وفي الطريق موسى بن عمر وهو ثقة على الاظهر لوقوعه في اسناد كامل الزيارات. وربما يتوهم ان هذه الرواية مرسلة لان الصدوق قال روى عن صفوان الجمال ولو قال روى فلان لكان مسندا وصحة الطريق انما تفيد في الروايات المسندة لا المرسلة. ولكنه توهم ضعيف جدا إذ لا فرق بين التعبيرين فان الصدوق ذكر في المشيخة ان كل ما كان في هذا الكتاب عن فلان فقد رويته عن فلان وهذا يصدق على كل من التعبيرين سواى قال روى فلان أو

[ 352 ]

روى عن فلان. ثم ان المراد بالحاجة المذكورة في الصحيحة لا يحتمل ان تكون حاجة خاصة دخيلة في جواز الخروج بل المتفاهم منها للانصراف الخروج اختيارا لحاجة عرفية ولاشتهاء نفسه. واما الخروج لضرورة شرعية كخروج الطائف لاجل تحصيل الطهارة أو لحرمة بقائه ومكثه في المسجد الحرام للجنابة أو الحيض أو الخروج لنجاسة بدنه أو ثيابه وقد تقدم حكم طواف هؤلاء في شرائط الطواف في ضمن مسائل: اما بالنسبة إلى الطهارة الخبثية فقد اعتمدنا على معتبرة يونس بن يعقوب المتقدمة وفي المقام رواية توافق مضمون معتبرة يونس من حيث البناء على الطواف من حيث ما قطع غاية الامر رواية يونس في نجاسة الثوب وهذه الرواية في نجاسة البدن ولا نحتمل الفرق بين الامرين. ثم ان هذه الرواية رواها صاحب الوسائل عن حبيب مظاهر وزعم ان المسؤول عنه فيها هو أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) بقرينة حبيب مظاهر فتكون الرواية على ذلك ضعيفة للفصل الكثير بين حماد وحبيب بن مظاهر، ولا يمكن رواية حماد عن حبيب لان حماد من اصحاب الامام الصادق (ع) فالرواية مرسلة، وان كان المراد بأبي عبد الله هو الصادق (ع) كما هو الشايع في الروايات وتفسير ابي عبد الله بالحسين من صاحب الوسائل ومن استظهاره من حبيب مظاهر زعما منه انه حبيب مظاهر الشهيد في الطف، وإلا ففي الفقيه كلمة الحسين غير موجودة وانما اقتصر على ذكر ابي عبد الله (ع). فالرواية ايضا ضعيفة لان حبيب غير حبيب بن مظاهر الشهيد

[ 353 ]

[ (مسألة 309): إذا التجاء الطائف إلى قطع طوافه وخروجه عن المطاف لصداع أو وجع في البطن أو نحو ذلك فان كان ذلك قبل اتمام الشوط الرابع بطل طوافه ولزمته الاعادة وان كان بعده فالاحوط ان يستنيب للمقدار الباقي ويحتاط بالاتمام والاعادة بعد زوال العذر (1). ] المعروف فهو رجل مجهول وليس له رواية واحدة في الكتب الاربعة غير هذه فالرواية على كل تقدير ضعيفة، واما بالارسال أو بجهالة الراوي. واما الرواية فهي ما رواه الصدوق باسناده عن حماد بن عثمان، عن حبيب بن مظاهر قال: ابتدات في طواف الفريضة فطفت شوطا واحدا، فإذا انسان قد اصاب انقي فادماه فخرجت فغسلته، ثم جئت فابتدأت الطواف، فذكرت ذلك لابي عبد الله الحسين (عليه السلام) فقال: بئس ما صنعت، كان ينبغي لك ان تبني على ما طفت، ثم قال: اما انه ليس عليك شئ) (1) وفي الفقيه كلمة الحسين غير موجودة. (1) ما ذكر في هذه المسألة هو القسم الثالث من جواز قطع الطواف وهو الخروج لضرورة خارجية كصداع أو وجع في البطن ونحو ذلك من العوارض الخارجية. والمشهور فيه هو التفصيل المتقدم بين بطلان الطواف إذا قطعه قبل اتمام الشوط الرابع وصحته والبناء على ما قطعه إذا كان بعده.


(1) الوسائل: باب 41 من أبواب الطواف ح 2. الفقيه: ج 2 ص 247.

[ 354 ]

اما البطلان قبل التجاوز من النصف فالامر كما ذكروه ويدل عليه صحيح الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا طاف الرجل بالبيت ثلاثة اشواط ثم اشتكى اعاد الطواف يعني الفريضة) (1). واما الصحة والبناء على ما قطع إذا طرء المانع الخارجي بعد مجاوزة النصف اي بعد اتمام الشوط الرابع، فيمكن الاستدلال لذلك بنفس صحيح الحلبي المتقدم بناءا على وجود كلمة (ثلاثة) في الصحيحة كما في الوسائل، لان قوله (ع): (إذا طاف الرجل) وان لم يكن له مفهوم الا على نحو السالبة بأنتفاء الموضوع، ولكن ذكر الوصف والتقييد بالثلاثة في كلام الامام (ع) يكشف عن عدم سراية الحكم إلى جميع افراد الطبيعة وان للذكر الوصف أو القيد خصوصية ودخلا في الحكم، وإلا لكان ذكر الوصف أو القيد لغوا فالحكم بالاعادة وبطلان الطواف يختص بما إذا طاف ثلاثة اشواط ونحوها، ولا يسري الحكم بالبطلان في الاشواط الاخيرة إلى ان لفظة (ثلاثة) غير مذكورة في الرواية بل المذكور في الرواية كما في الكافي (أشواطا) (2)، فتدل الرواية على البطلان مطلقا قبل التجاوز عن النصف أم بعده، ولذا تردد في التفصيل المزبور صاحب المدارك، ومال إلى البطلان على الاطلاق. وقد يستدل للمشهور برواية اسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع) في رجل طاف طواف الفريضة ثم اعتل علة لا يقدر معها على اتمام الطواف. فقال: ان كان طاف أربعة اشواط امر من يطوف عنه


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب الطواف ح 1. (2) الكافي: ج 4 ص 414.

[ 355 ]

ثلاثة اشواط فقد تم طوافه، الحديث) (1). ولكنها ضعيفة بسهل بن زياد على انها اجنبية عن مذهب المشهور لانهم ذهبوا إلى جواز البناء على ما قطع وانه يرجع ويتم طوافه ويأتي بالبقية، والرواية تدل على الامر بالاستنابة، وانه يطوف عنه الاشواط الثلاثة الباقية شخص آخر. وقد يستدل لهم بصحيح صفوان المتقدم الدال على جواز القطع طوعا ولحاجة عرفية فانه إذا جاز القطع اختيارا جاز قطعه في الضرورة الخارجية بالاولوية القطعية، ولكن الاحتياط يقتضي ان يستنيب لبقية الاشواط كما في رواية اسحاق بن عمار المتقدمة ويتم الطواف هو أيضا بعد زوال عذره لصحيح صفوان ويعيد الطواف برأسه من الاول لصحيح الحلبي المتقدمة. ثم ان المراد بالحاجة المذكورة في صحيح صفوان كما ذكرنا هو الحاجة العرفية على النحو المتعارف كالخروج بمقدار ساعة أو ساعتين، ونحو ذلك، واما إذا استوعب الخروج زمانا طويلا وفصلا كثيرا كيوم أو يومين فلا يشمله النص فكذلك الخروج للضرورة الخارجية، فالخروج للحاجة العرفية أو للضرورة التكوينية لابد من ان يكون بمقدار المتعارف عادة واما الزائد على ذلك فلا يشمله النص. وبتعبير اوضح: ان مقتضى صحيح صفوان جواز الخروج عن المطاف للحاجة العرفية في مطلق الطواف فريضة كان أو مندوبا، وصحة الطواف، والبناء على ما قطعه فإذا جاز ذلك للحاجة العرفية يجوز للضرورة بالاولوية، ومقتضى صحيح الحلبي الوارد في خصوص طواف الفريضة بطلان


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب الطواف ح 2.

[ 356 ]

[ (مسألة 310): يجوز للطائف ان يخرج من المطاف لعيادة مريض أو لقضاء حاجة لنفسه أو لاحد اخوانه المؤمنين ولكن تلزمه الاعادة إذا كان الطواف فريضة وكان ما اتى به شوطا أو شوطين. واما إذا كان خروجه بعد ثلاثة اشواط فالاحوط ان يأتي بعد رجوعه بطواف كامل يقصد به الاعم من التمام والاتمام (1). ] الطواف بالخروج عن المطاف للضرورة التكوينية الخارجية فيدل على البطلان بالخروج لاجل الحاجة العرفية بطريق اولى فيقع التعارض لان مقتضى صحيح صفوان جواز الخروج للضرورة ومقتضى صحيح الحلبي عدم جواز الخروج للضرورة. فيشكل الحكم بجواز الخروج للضرورة في طواف الفريضة فضلا عن الحاجة العرفية، ولكن ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح، ولابد من رفع اليد من اطلاق صحيح الحلبي لان معتبرة يونس بن يعقوب المتقدمة دلت على جواز الخروج للضرورة الشرعية وهي التطهير وازالة النجاسة فيجوز الخروج للضرورة التكوينية بالاولى فيبقى صحيح صفوان بلا معارض فيجوز الخروج في الضرورة الشرعية والتكوينية. (1) قد ورد في جملة من الروايات جواز الخروج من المطاف لموارد ذكرت في المتن ولكنها باجمعها ضعيفة، وهي على طوائف: الطائفة: ما دل على جواز الخروج من المطاف وقطع الطواف بعد خمسة اشواط كما في خبر أبي الفرج قال: طفت مع أبي عبد الله (ع)

[ 357 ]

[ (مسألة 311): يجوز الجلوس اثناء الطواف للاستراحة ولكن لابد ان يكون مقداره بحيث لا تفوت به الموالاة فان زاد على ذلك بطل طوافه ولزمه الاستيناف (1). ] خمسة اشواط، ثم قلت. اني اريد ان اعود مريضا، فقال: احفظ مكانك ثم اذهب فعده، ثم ارجع فاتم طوافك) (1) ونحوه خبر أبي غرة (2). الثانية: ما دل على مجرد جواز قطع الطواف وعدم وجوب الاستمرار في الاتيان بالاشواط وان الطواف ليس كالصلاة في حرمة قطعها ولا يدل على جواز البناء والاعتداد بما مضى من الاشواط ويدل على ذلك خبر سكين بن عمار عن رجل من اصحابنا يكنى أبا احمد ونحوه خبر أبي علي صاحب الكلل (3). الثانية، ما دل على جواز البناء نافلة كان أو فريضة كما في رواية محمد بن سعيد بن غزوان عن ابيه عن ابان بن تغلب، قال: يا ابان اقطع طوافك وانطلق معه في حاجته فاقضها له، فقلت: اني لم اتم طوافي قال: احص ما طفت وانطلق معه في حاجته (4) وغير ذلك من الروايات الضعيفة، والعمدة في المقام صحيحة صفوان وابان، والمتحصل منهما جواز قطع النافلة والفريضة بعد التجاوز عن النصف وقبل التجاوز عن النصف فتبقى تحت صحيحة ابان الدالة على البطلان، (1) لا ريب في اعتبار الموالاة العرفية بين اشواط الطواف ولزوم


(1) و (2) الوسائل: باب 41 من أبواب الطواف ح 6 و 10. (3) الوسائل: باب 42 من أبواب الطواف ح 3 و 4. (4) الوسائل: باب 41 من أبواب الطواف ح 7.

[ 358 ]

التحفظ على الهيئة الاتصالية بين الاشواط لان الطواف عمل واحد مركب من اجزاء متعددة ولا يصدق عنوان الطواف على الاشواط السبعة إلا إذا اتى بها متواليا، فلو اتى بشوط واحد ثم اتى بالشوط الآخر بعد فصل طويل لا يصدق الطواف المأمور به على ما اتى به، كما هو الحال في جميع الاعمال المركبة من اجزاء متعددة، ولذا يجوز للطائف الجلوس اثناء الطواف للاستراحة بمقدار لا تفوت به الموالاة فمقتضى القاعدة حينئذ هو الجواز ولا دليل على البطلان. ويدل على الصحة مضافا إلى ما تقدم صحيحة علي بن رئاب قال: قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يعيي في الطواف أله ان يستريح؟ قال: نعم يستريح ثم يقوم فيبني على طوافه في فريضة أو غيرها ويفعل ذلك في سعيه وجميع مناسكه) (1). ومن المعلوم ان الجلوس اثناء الطواف للاستراحة محمول على الجلوس المتعارف اليسير الذي لا تفوت به الموالاة ومنصرف إليه. ونحوه خبر ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (ع) انه سأل عن الرجل يستريح في طوافه؟ فقال: نعم انا قد كانت توضع لي مرفقة فاجلس عليها) (2).


(1) و (2) الوسائل: باب 46 من أبواب الطواف ح 1 و 3.

[ 359 ]

[ (النقصان في الطواف) (المسألة 312): إذا نقص من طوافه عمدا فان فاتت الموالاة بطل طوافه والا جاز له الاتمام ما لم يخرج من المطاف وقد تقدم حكم الخروج من المطاف متعمدا (1). (مسألة 313): إذا نقص من طوافه سهوا فان تذكره قبل فوات الموالاة ولم يخرج بعد من المطاف اتى بالباقي وصح طوافه (2) واما إذا كان تذكره بعد فوات الموالاة أو بعد خروجه من المطاف فان كان المنسي شوطا واحدا اتى به وصح طوافه أيضا، وان لم يتمكن من ] (1) لا ريب في بطلان الطواف بالنقص العمدي ويتحقق ذلك بالخروج متعمدا عن المطاف قبل تكميل الاشواط السبعة أو بالفصل بين الاشواط بمقدار تفوت به الموالاة فلا تكون الاشواط السابقة قابلة لانضمام الاشواط اللاحقة إليها ولا يصدق عنوان الطواف على ما أتى به فلابد من الاستيناف، واما إذا لم يخرج من المطاف ولم تفت الموالاة فلا موجب للبطلان فان مجرد النقص متعمدا ومجرد البناء على عدم الاتيان بالباقي آنا ما غير ضائر في صدق الطواف. (2) لا ريب في صحة الطواف بالنقصان السهوي ما لم يخرج عن

[ 360 ]

[ الاتيان به نفسه ولو لاجل ان تذكره كان بعد ايابه إلى بلده، استناب غيره وان كان المنسي اكثر من شوط واحد واقل من اربعة رجع واتم ما نقص والاولى اعادة الطواف بعد الاتمام وان كان المنسي اربعة أو اكثر فالاحوط الاتمام ثم الاعادة ] المطاف ولم تفت الموالاة للاولوية عن النقصان العمدي الذي قد عرفت عدم البطلان بذلك في هذه الصورة. واما إذا خرج عن المطاف أو فاتت الموالاة فتذكر النقص فان كان الفائت شوطا واحدا يأتي به إذا تمكن وان لم يتمكن يستنيب. ويدل على كلا الحكمين - اي الاتيان بنفسه ان تمكن وإلا فيستنيب - مضافا إلى التسالم، معتبرة حسن بن عطية قال: سأله سليمان بن خالد وانا معه عن رجل طاف بالبيت ستة اشواط، قال: أبو عبد الله (ع) وكيف طاف ستة اشواط قال: استقبل الحجر وقال: الله اكبر وعقد واحدا، فقال: أبو عبد الله (ع) يطوف شوطا، فقال سليمان فانه فاته ذلك حتى أتى اهله، (اي رجع إلى اهله وبلاده) قال: يأمر من يطوف عنه) (1). وان كان الفائت اكثر من شواط واحد. فتارة يفرض ان ما أتى به اكثر من المنسي. واخرى بالعكس.


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب الطواف ح 1.

[ 361 ]

اما الاول كما إذا طاف خمسة اشواط اثنين مثلا فيرجع واتم ما نقص وان خرج عن المطاف أو فاتت الموالاة لمعتبرة اسحاق بن عمار قال: لابي عبد الله (ع): رجل طاف بالبيت ثم خرج إلى الصفا فطاف بين الصفا والمروة فبينما هو يطوف إذ ذكر انه قد ترك بعض طوافه بالبيت، فقال: يرجع إلى البيت فيتم طوافه ثم يرجع إلى الصفا والمروة فيتم ما بقي) (1) فانها تدل على ان الخروج من المطاف بعد التجاوز من النصف أو فوات الموالاة - خصوصا بالنظر إلى جواز تأخير السعي إلى الليل المستلزم للفصل الطويل - غير ضائر في الحكم بالصحة وبانضمام الباقي إلى الاشواط السابقة. نعم استشكل صاحب المدارك في الحكم بالصحة وخص ذلك بما إذا شوطا واحدا، ولاجل خلافه كان الاولى اعادة الطواف واستينافه بعد. واما الثاني: وهو ما إذا كان المنسي اكثر مما أتى به فتذكر قبل التجاوز من النصف كما إذا طاف ثلاثة اشواط وسعى وتذكر انه فات منه اربعة اشواط. مقتضى اطلاق معتبرة اسحاق بن عمار هو الحكم بالصحة في هذا الفرض أيضا ولكن المشهور ذهبوا إلى البطلان في جملة من موارد قبل التجاوز من النصف فكأنهم استفادوا كبرى كلية من موارد مختلفة: بطلان الطواف على الاطلاق إذا خرج عن المطاف قبل التجاوز من النصف حتى نسيانا ولكن الادلة لا تساعدهم ولا دليل لهم على مختارهم ولذا كان الاولى والاحوط اتيان الطواف الكامل بقصد الاعم من الاتمام والتمام.


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب الطواف ح 2.

[ 362 ]

[ الزيادة في الطواف للزيادة في الطواف خمس صور: (الاولى): ان لا يقصد الطائف جزئية الزائد للطواف الذي بيده أو لطواف آخر ففي هذه الصورة لا يبطل الطواف بالزيادة (1). ] (1) لا ريب في ان الزيادة انما تتحقق باتيان الشوط بعنوان الطواف واما إذا استمر في مشيه من دون ان يقصد الزيادة كما إذا وجد شخصا واراد الاجتماع به فقصده والتقى به فيحصل له هذه الزيادة من دون قصد ونحو ذلك فانه يصدق عليه عنوان الزيادة جزما فان حال الطائف حينئذ حاله قبل الطواف من اتيان الشوط مقدمة للابتداء من الحجر الاسود ومعرفة كيفية الطواف ومعرفة الاركان وحجر اسماعيل فان الطائف قد يمشي حول البيت قبل الوصول إلى الحجر الاسود وقبل الشروع في الطواف مقدمة لمعرفة الحجر وكيفية الابتداء به فان ذلك لا يحسب من الطواف قطعا وكذلك المشي بعد الطواف لغرض من الاغراض. واما الزيادة بعنوان الطواف فالمعروف والمشهور بطلان الطواف بها ولو ببعض الشوط كبطلان الصلاة بالزيادة. واستدل على ذلك بروايتين. الاولى: معتبرة أبي بصير (عن رجل طاف بالبيت ثمانية اشواط

[ 363 ]

المفروض، قال: يعيد حتى يثبته. ورواه الشيخ أيضا إلا انه قال: حتى يستتمه) (1). وناقش السيد في المدارك في سندها لاشتراك أبي بصير بين الثقة والضعيف ووافقه صاحب الحدائق في ذلك ولكن لم يوافقه في اصل الحكم ولكنا ذكرناه في كتاب الرجال ان أبا بصير متى اطلق يراد به يحيى بن القاسم وهو ثقة ومع الاغماض عن ذلك فهو مردد بينه وبين ليث المرادي فانه أيضا مكنى بهذه الكنية وكل منهما ثقة فالترديد غير ضائر واما غيرهما وان كان يكنى بأبي بصير ولكنه غير معروف بها بل لم يوجد مورد يراد بأبي بصير غيرهما. ثم اشكل السيد في المدارك ثانيا بان الدليل اخص من المدعي لان الخبر يدل على البطلان بالشوط الواحد الكامل فلو اتى ببعض الشوط فلا يشمله الخبر. واستدل للمشهور أيضا بمعتبرة عبد الله بن محمد، عن أبي الحسن (ع) قال: الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الاعادة وكذلك السعي) (2). وناقش السيد في المدارك أيضا في هذه الرواية من حيث السند لاشتراك عبد الله بن محمد بين الثقة وغيره وصاحب الحدائق أيضا وافقه على ما ذكره من اشتراك عبد الله بن محمد بين الثقة وغيره ولم يقبل مناقشته في التحريم والبطلان. ولكن اشكال السيد من حيث السند غير وارد لان عبد الله بن محمد


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 1. (2) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 11.

[ 364 ]

الموجود في هذه الطبقة الذي يروى عن أبي الحسن (عليه السلام) الظاهر هو الرضا (ع) مردد بين رجلين مشهورين كل منهما ثقة. احدهما: عبد الله بن محمد بن حصين الحضيني الاهوازي. ثانيهما عبد الله بن محمد الحجال المزخرف فانهما من اصحاب الرضا (ع) المشهورين ولهما كتاب. نعم في طبقتهما عبد الله بن محمد الاهوازي الذي له مسائل من موسى بن جعفر (عليه السلام) وكذلك عبد الله بن محمد بن علي بن العباس الذي له نسخة عن الرضا (ع) وهما ممن لم يوثقا ولكنهما غير مشهورين ولا ينصرف عبد الله بن محمد اليهما بل لم توجد لهما رواية واحدة في الكتب الاربعة فكيف ينصرف عبد الله بن محمد اليهما بلا قرينة فالرواية معتبرة سندا ويتم ما ذكره المشهور من الحكم بالبطلان بمطلق الزيادة. ثم ان صاحب الحدائق (1) أيد القول بالبطلان بالاخبار الدالة على وجوب الاعادة بالشك في عدد الطواف المفروض فلو لم تكن الزيادة مبطلة لكان المناسب البناء على الاقل دون الاعادة من رأس - وبعبارة اخرى: لا وجه للبطلان في مورد الشك في عدد الطواف لانه عندما يأتي بالشوط فهو اما جزء أو زائد يلغى لانه اما شوط سابع أو شوط ثامن زائد فيكشف الحكم بالبطلان في مورد الاخير الشك عن البطلان بالزيادة نظير الزيادة في الصلاة، واما جعل ذلك مؤيدا لا دليلا لاحتمال ان المضي مع الشك غير جائز كما هو الحال في الصلاة فانه لو اتي بالمشكوك يحصل له العلم باتيان سبعة اشواط جزما لكن مضى فيه مع الشك ولعله غير جائز كما لا يجوز ذلك في الصلاة.


(1) الحدائق: ج 16 ص 187.

[ 365 ]

[ (الثانية): ان يقصد حين شروعه في الطواف أو في اثنائه الاتيان بالزائد على ان يكون جزء من طوافه الذي بيده ولا اشكال في بطلان طوافه حينئذ ولزوم اعادته (1). (الثالثة): ان يأتي بالزائد على ان يكون جزءا من طوافه الذي فرغ منه بمعنى ان يكون قصد الجزئية بعد فراغه من الطواف. والاظهر في هذه الصورة أيضا البطلان (2)، ] وكيف كان ففي الروايتين غنى وكفاية. وأما ما اشكله السيد في المدارك من حيث الدلالة في رواية ابي بصير بأنها اخص من المدعي لانها تدل على البطلان باتيان شوط كامل ولا تشمل الزيادة ببعض الشوط الذي هو محل الكلام فانما يتم بالنسبة إلى رواية ابي بصير وأما معتبرة عبد الله بن محمد مطلقة من حيث الشوط الكامل والناقص لان الموضوع فيها عنوان الزيادة وهو صادق على الشوط الكامل وبعضه. (1) هذه الصورة هي القدر المتيقن من الحكم بالبطلان بالزيادة. وهذا مما لا كلام فيه. (2) قد يقال بعدم البطلان لان الزيادة بعد الاشواط السبعة نظير اتيان ركعة زائدة بعد السلام فان الصلاة لا تبطل بذلك جزما لعدم صدق الزيادة في الصلاة بذلك. ولكن لا يقاس الطواف بالصلاة بل يقاس الزائد في الطواف بزيادة

[ 366 ]

[ (الرابعة): ان يقصد جزئية الزائد لطواف آخر ويتم الطواف الثاني. والزيادة في هذه الصورة وان لم تكن محققة حقيقة إلا ان الاحوط بل الاظهر فيها البطلان وذلك من جهة القران بين الطوافين في الفريضة (1). ] الركعة قبل السلام فان ذلك مبطل قطعا لان الصلاة لها مخرج شرعي وهو السلام والزيادة بعده نظير اتيان المنافيات والمبطلات بعده فان ذلك جائز قطعا. وأما الطواف فليس له مخرج وانما مخرجه هو الفراغ منه وبما ان الطواف اخذ فيه بشرط لا عن الزائد إذ ليس الواجب هو اتيان سبعة أشواط على النحو اللا بشرط اي ليس المأمور به هو اتيان طبيعي السبعة ولو في ضمن اعداد كثيرة بل اخذ في الطواف ان لا يزيد على اشواطه السبعة شوطا واحدا فإذا زاد على السبعة شوطا واحدا يشمله النص الدال على الاعادة كصحيحة ابي بصير ومعتبرة عبد الله بن محمد المتقدمتين. ومع الاغماض عما ذكرنا يكفينا في الحكم بالبطلان اطلاق صحيح ابي بصير المقتدم إذ لم يسأل الامام (ع) عن ان قصد الزيادة متى حصل فيشمل حكمه (ع) بالبطلان صورتي ما إذا قصد الزيادة بعد الطواف أو قبله. (1) إذا اتى بالزائد بعد اكمال الطواف الاول من دون ان يقصد جزئيته للطواف السابق بل أتى به بعنوان جزئيته للطواف الثاني ويتمه فانه لا يبطل الطواف الاول من جهة الزيادة لعدم تحقق عنوان الزيادة

[ 367 ]

حقيقة وانما يحكم عليه بالبطلان من جهة القران بين الطوافين في الفريضة فان الطواف مشروط بأن لا يسبقه طواف آخر ولا يلحقه طواف آخر إلا بعد الفصل بالصلاة كما عليه المشهور وذهب بعضهم إلى الكراهة. وتفصيل الكلام ان الروايات الواردة في المقام على طوائف. الاولى: ما دل على عدم جواز القران مطلقا سواء في الفريضة أو في النافلة، والعمدة انما هي روايتان لابن ابي نصر احداهما، عن أحمد ابن محمد بن أبي نصر، قال: سأل رجل أبا الحسن (ع) عن الرجل يطوف الا سباع جميعا فيقرن، فقال: لا الا الاسبوع وركعتان وانما قرن أبو الحسن (ع) لانه كان يطوف مع محمد بن ابراهيم لحال التقية) (1) وصاحب الحدائق رواها عن صفوان عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر وهو اشتباه منه إذ ليس في السند صفوان. ثانيتهما: ما عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر قالا: سألناه عن قران الطواف السبوعين والثلاثة قال: لا انما هو اسبوع وركعتان، وقال: كان ابي يطوف مع محمد بن ابراهيم فيقرن وانما كان ذلك منه لحال التقية) (2). وفي السند علي بن أحمد بن اشيم وهو ممن لم يوثق في الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات فالرواية معتبرة. ويؤيدهما ما رواه ابن ادريس من كتاب حريز عن زرارة عن أبي جعفر (ع) في حديث قال: ولا قران بين اسبوعين في فريضة ونافلة (3). ولكنها ضعيفة سندا لجهالة طريق ابن ادريس إلى كتاب حريز.


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 36 من أبواب الطواف ح 7 و 6 و 14.

[ 368 ]

وذكر صاحب الحدائق (1) ان المراد من رواية السرائر انه لا يجوز ان يقرن طواف النافلة بطواف الفريضة بل يجب ان يصلي ركعتي طواف الفريضة ثم يطوف النافلة وليس المراد منها عدم جواز القران بين الفريضتين أو النافلتين. وفيه ما لا يخفى إذ لو كان المراد ما ذكره لكان المناسب ان يقول لا قران بين الفريضة والنافلة لا ما قاله (في فريضة ونافلة). الطائفة الثانية: وهي بازاء الاولى. فمنها: صحيحة زرارة قال: ربما طفت مع ابي جعفر (ع) وهو ممسك بيدي الطوافين والثلاثة ثم ينصرف ويصلي الركعات ستا) (2). وكلمة (ربما) ظاهرة في انه قد يتفق القران فتكون الطائفة الاولى محمولة على المرجوحية ولكن الامام (ع) ربما يأتي بالامر المرجوح لحال التقية أو لغرض آخر لا علم لنا به. وكيف كان تحمل هذه الرواية على النافلة. ومنها: صحيحة اخرى لزرارة، قال طفت مع ابي جعفر (ع) ثلاثة عشر أسبوعا قرنها جميعا وهو آخذ بيدي ثم خرج فتنحى ناحية فصلى ستا وعشرين ركعة وصليت معه) (3). والنتيجة ان القران بين الطوافين في الفريضة غير مشروع الا لعارض كالتقية أو لامر آخر. الطائفة الثالثة: الروايات المفصلة بين الفريضة والنافلة كصحيحة زرارة قال: قال أبو عبد الله (ع): انما يكره ان يجمع الرجل


(1) الحدائق: ج 16 ص 196. (2) و (3) الوسائل: باب 36 من أبواب الطواف ح 2 و 5.

[ 369 ]

بين الاسبوعين والطوافين في الفريضة واما في النافلة فلا بأس) (1). والكراهة محمولة على المبغوضية وليس المراد منها الكراهة المصطلحة وقد شاع استعمال لفظ الكراهة في الاخبار على المبغوضية، مع الاغماض ان قوله: (لا بأس) في مورد النافلة يدل على مجرد الترخيص لا الاباحة المطلقة التي لا مرجوحية فيها أصلا فيكون قرينة على ان المراد بالكراهة هو المبغوضية. فالمتحصل من الرواية ان القران في الفريضة مبغوض ولكن في النافلة غير مبغوض وان كان مرجوحا. ومما يدل على حرمة القران ومبغوضيته صحيحة عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: انما يكره القران في الفريضة فاما النافلة فلا والله ما به بأس) (2). وقد عبر عنها صاحب الحدائق (3) بالرواية ولم يعبر عنها بالمعتبرة وذلك مشعر بضعف الرواية سندا والا انها لا خدشة في سندها فان محمد بن احمد النهدي الواقع في السند ثقة كما صرح الكشي بذلك ونقل عن ابي النصر محمد بن مسعود انه فقيه ثقة خير ومن رجال كامل الزيارة. وأما قول النجاشي في حقه انه مضطرب فلا يدل على ضعفه بشخصه وانما يدل على انه كان متساهلا في نقل الروايات ونقل عن كل احد. واما محمد بن الوليد شباب الضعيف فهو الخزاز البجلي وليس هو الصيرفي فالرواية معتبرة وفي صحيحة زرارة المتقدمة غنى وكفاية.


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب الطواف ح 1. (2) الوسائل: باب 36 من أبواب الطواف ح 4. (3) الحدائق: ج 16 ص 193.

[ 370 ]

[ (الخامسة): ان يقصد جزئية الزائد لطواف آخر ولا يتم الطواف الثاني من باب الاتفاق فلا زيادة ولا قران الا انه قد يبطل الطواف فيها لعدم تأتي قصد القربة وذلك فيما إذا قصد المكلف للزيادة عند ابتدائه بالطواف أو في اثنائه مع علمه بحرمة القران وبطلان الطواف به فانه لا يتحقق قصد القربة حينئذ وان لم يتحقق القران خارجا من باب الاتفاق (1). ] فالمتحصل: من الروايات ان القران في طواف الفريضة غير جائز واما في النافلة فموجوح. ثم انه يلزم التنبيه على امر وهو ان التقية الواردة في الروايات انما تجري في طواف النافلة، واما في الفريضة فلا تتحقق التقية لان الطائف غير ملزم بطوافين حتى يضم احدهما بالآخر ويقرن بينهما بل له تأخير الطواف الآخر إلى وقت آخر، واما في النافلة فربما يرغب المكلف باتيان الطواف فيصح له التقية، وأما في الفريضة فلا اضطرار إلى التعجيل بل له التأخر، ولو فرض تحقق الاضطرار فغير ملزم بقصد الطواف، بل يمكن له التمشي حول البيت ولا يقصد الطواف فيزعم المخالف انه يطوف ويتحقق بذلك دفع شره. (1) إذا أتى بالزائد بعد الفراغ من السبعة ولم يأت بطواف آخر من باب الاتفاق فحينئذ لا موجب للبطلان لعدم تحقق القران وعدم صدق عنوان الزيادة على ما اتى به لانه نظير ما لو تمشى حول البيت

[ 371 ]

[ (مسألة 314): إذا زاد في طوافه سهوا فان كان الزائد أقل من شوط قطعه وصح طوافه وان كان شوطا واحدا أو اكثر فالاحوط ان يتم الزائد ويجعله طوافا كاملا بقصد القربة المطلقة (1). ] بعد الطواف لان المفروض انه قصد الزيادة بعد الفراغ من السبعة. نعم لو كان قاصدا للزيادة من الاول أو قصد الزيادة في أثناء الطواف ففي مثل ذلك يحكم بالبطلان وان لم يتم الطواف الثاني من باب الاتفاق لا للزيادة ولا للقران بل للاخلال بقصد القربة فان المفروض ان القران بين الاسبوعين غير مشروع فإذا قصد القران من الاول أو في اثنائه فقد قصد امرا غير مشروع فيبطل من هذه الناحية نظير ما لو قصد في الصلاة خمس ركعات فان الصلاة تبطل بذلك وان لم يأت بالركعة الخامسة من باب الاتفاق فان مجرد عدم الاتيان بتمام الطواف لا يجدي في الحكم بالصحة بعد الحكم ببطلانه لاجل الاخلال في النية. (1) من زاد في طوافه سهوا فقد يفرض ان ما اتى به اقل من شوط، وقد يكون شوطا أو اكثر. اما الثاني فستعرف الحال فيه قريبا (ان شاء الله تعالى). واما الاول فيقع ما بيده ويلغيه ويصح طوافه لان الاصل في مثل هذه الصورة يقتضى الصحة. وعدم كونه مضرا إذ لا دليل على البطلان بهذا المقدار إذا كان عن سهو.

[ 372 ]

نعم في صحيح ابن سنان ما يظهر منه انه لا فرق في البطلان بين كونه شوطا واحدا أو اقل منه لان الموضوع فيه الدخول في الشوط الثامن وهو يصدق على نصف الشوط أو ثلثه أو ربعه. (قال: سمعته يقول: من طاف بالبيت فوهم حتى يدخل في الثامن فاليتم اربعة عشر شوطا، ثم ليصل ركعتين) (1). ولكنه معارض بروايات اخر دلت بمفهومها على اتمام الطواف الثاني فيما إذا أتى بشوط كامل فلا عبرة ببعض الشوط والشرطية انما ذكرت في كلام الامام (ع) لا في كلام السائل وقوله (إذا طاف) وان كان لا مفهوم له لان مفهومه على نحو السالبة بانتفاء الموضوع وهو من لم يطف ومن لم يسهو لكن إذا ذكر مع القيود فيتحقق له المفهوم فمفهوم قوله: (إذا طاف الرجل) بالبيت ثمانية اشواط الفريضة فاستيقن ثمانية أضاف إليها ستا) (2) من لم يطف ثمانية اشواط ومن لم يكمل الشوط الثامن فالحكم بالتتميم واتيان الستة الباقية يختص بمن اتى ثمانية اشواط كاملة ولا يشمل من أتى ببعض الشوط كنصف الشوط أو ربعه ونحوهما. على ان التقييد بالثمانية في كلام الامام (ع) لابد وان يكون له خصوصية ودخل في الحكم والا لو كان الحكم ساريا في جميع الافراد حتى بعض الشوط لكان التقييد بالثمانية لغوا، فيحمل الدخول في الثامن على الدخول الكامل فيتحقق الاتفاق بين الخبرين. ولو تنزلنا والتزمنا بالتعارض فالمرجع بعده هو الاصل المقتضي للصحة. ويؤيد برواية ابي كهمس، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن


(1) و (2) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 5 و 10.

[ 373 ]

رجل نسي فطاف ثمانية اشواط، قال: ان ذكر قبل ان يبلغ الركن فليقطعه) (1) فانه صريح في المطلوب. وأما الزيادة بشوط كامل أو اكثر فالروايات فيها مختلفة والمشهور ذهبوا إلى انه يتم الطواف الثاني يعني يأتي بأشواط ستة إذا اتى ثمانية أشواط كاملة. وعن الصدوق البطلان وعليه الاعادة، قال: (وروي انه يتمه ويأتي بالست) فمقتضى كلامه (قدس سره) هو التخيير بين الامرين لانه يعمل بجميع رواياته. وإذا فلابد من ذكر الروايات الواردة في المقام وهي على طوائف. الطائفة الاولى: ما دل على البطلان بمقتضى الاطلاق كصحيحة أبي بصير المتقدمة (عن رجل طاف بالبيت ثمانية اشواط المفروض قال: يعيد حتى يثبته) فان الامر بالاعادة يشمل صورتي الزيادة العمدية والسهوية (2). الطائفة الثانية: وهي بازاء الاولى وهي صحاح. منها: صحيحة رفاعة، (قال: كان علي (عليه السلام) يقول: إذا طاف ثمانية فليتم اربعة عشر). ومنها: صحيحة محمد بن مسلم (عن رجل طاف طواف الفريضة ثمانية اشواط، قال: يضيف إليها ستة). ومنها: صحيحة أبي أيوب (رجل طاف بالبيت ثمانية اشواط


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 3. (2) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 1.

[ 374 ]

طواف الفريضة، قال: فليضم إليها ستا) (1). والتعارض بين الطائفتين بالتباين لان كلا منهما باطلاقهما يشمل الزيادة العمدية والسهوية وفي الطائفة الاولى حكم بالفساد ولزوم الاعادة وفي الثانية حكم بالصحة وتتميمها بستة. الطائفة الثالثة: ما دل على البطلان في صورة العمد كمعتبرة عبد الله بن محمد المتقدمة (الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها فعليك الاعادة) (2). فان الظاهر منها الزيادة العمدية لتشبيه الزيادة في الطواف بالزيادة في الصلاة ومن المعلوم ان الزيادة العمدية في الصلاة توجب البطلان غالبا، ونسبة هذه المعتبرة إلى الطائفة الثانية الدالة على الصحة نسبة الخاص والعام فيخرج العامد من الطائفة الثانية فتكون الطائفة الثانية بعد ورود التخصيص عليها مقيدة للطائفة الاولى الدالة على البطلان على الاطلاق لانقلاب النسبة بعد ورود التخصيص على احدهما فتنقلب النسبة من التباين إلى الخاص والعام فالعام المخصص المستفاد من الطائفة الثانية يخصص العام الاول فتكون النتيجة ان الزيادة العمدية بشوط كامل مبطلة واما إذا كانت عن سهو فلا توجب البطلان. نعم لابد من تكميلها وتتميمها بست. هذا ولكن في رواية واحدة ورد الامر بالاعادة وحكم بالبطلان إذا زاد شوطا واحدا سهوا وهي معتبرة أبي بصير (في حديث) قال: قلت له فانه طاف وهو متطوع ثماني مرات وهو ناس، قال: فليتمه طوافين ثم يصلي اربع ركعات. فاما الفريضة فليعد حتى يتم سبعة


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 9 و 8 و 13. (2) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 11.

[ 375 ]

اشواط) (1). وهي صريحة في الاعادة في صورة النسيان فإذا يقع التعارض بينها وبين الروايات الآمرة بالتتميم ستا. انما الكلام في سند هذه الرواية لوقوع اسماعيل بن مرار في سندها فانه لم يوثق في الرجال فالرواية ضعيفة على مسلك المشهور ولكن لوقوعه في اسناد تفسير علي بن ابراهيم يكون ثقة فالرواية معتبرة والدلالة واضحة فمقتضى الصحاح المتقدمة كصحيحة رفاعة وابي أيوب وهو التكميل بالست وذكرنا في محله ان الواجب إذا كان امرا واحدا وورد عليه امران مختلفان تقتضي القاعدة التخيير بين الامرين فحينئذ ما ذكره الصدوق من التخيير هو الصحيح. هذا ما تقتضيه الصناعة، ولكن حيث ان الامر يدور بين التعيين والتخيير فالاحتياط يقتضي ان يتم الزائد ويجعله طوافا كاملا بقصد القربة المطلقة كما في المتن. فتحصل: ان مقتضى الجمع بين الروايات هو التخيير بين ان يقطع الطواف ويعيده من رأس وبين ان يكمله بستة اشواط ويجعله طوافين. ثم انه على تقدير الاتيان بالتمام واتيان أربعة عشر شوطا فلا شك في ان الطوافين معا غير واجبين فهل الواجب هو السبعة الاولى أو الثانية؟. نسب إلى العلامة في المنتهى ان الطواف الاول هو فريضة، ونقل عن ابن الجنيد وابن بابويه ان الفريضة هو الثاني وصرح في الفقيه بان الفريضة هي الطواف الثاني.


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 2.

[ 376 ]

والذي ينبغي ان يقال: انه لا ريب في ان الامر بالتتميم والتكميل باتيان ستة اشواط ليس امرا تكليفيا وجوبيا جزما. والوجه في ذلك ان الطواف ليس كالصلوة في وجوب المضي والاتمام وحرمة القطع كما ادعى عليه الاجماع في خصوص الصلاة ولا كنفس اصل الحج والعمرة في وجوب الاتمام، بل الطواف واجب كساير الواجبات يجوز قطعه اختيارا والاتيان به في اي وقت شاء فيجوز لكل احد رفع اليد عن طوافه ويذهب حيث شاء ثم يستأنف الطواف برأسه سواء قطعه قبل الثلاثة أو بعدها فقوله: (يضيف إليها ستا) أو (فليتم اربعة عشر) ليس امر وجوبيا بل ذلك من الامر في مقام توهم الحظر والمراد به انه يصح له ويجوز له التتميم باتيان البقية ويجوز له ان يعامل مع ما مضى من الاشواط معاملة الصحة، فيظهر من الروايات صحة الطوافين والشوط الثامن الذي اتى به سهوا غير ضائر في صحة الطوافين ويعتد بالشوط الثامن ويجعله اول السبعة من الطواف الثاني. ولاسيما ان الروايات الآمرة باتيان اربع ركعات بعد تمام الاشواط ظاهرة جدا في الاعداد بالطوافين وصحتهما فلو كان احدهما باطلا لا وجه للامر باربع ركعات، ولكن لا يستفاد من شئ من الروايات ان الاول واجب والثاني مستحب كما عن العلامة ولا العكس كما عن الصدوق ووالده، المرجع هو اصالة عدم اشتراط صحة الطواف الاول باتمام الطواف الثاني كما ان الاصل عدم انقلاب الطواف الاول من الوجوب إلى الندب بل الاصل يقتضي بقائه على الوجوب فالنتيجة مع العلامة في كون الاول هو الواجب للاصل، كما ان

[ 377 ]

الزيادة السهوية في غير الاركان في الصلاة غير ضائرة. هذا ولكن في صحيح زرارة (ان عليا (عليه السلام) طاف طواف الفريضة ثمانية فترك سبعة وبنى على واحد واضاف إليه ستا، ثم صلى ركعين) فهو كالصريح في ان الطواف الثاني هو الواجب وهو الذي يعتد به واما السبعة الاولى فقد تركها اي رفع اليد عنها والغاها ولو كان الاول هو الواجب لا معنى لقوله: (فيترك سبعة) ويؤيد بأن الاول لو كان واجبا لاستلزم القران بين الفريضة والنافلة وهذا بخلاف ما إذا كان الثاني واجبا فان اتيان الفريضة بعد النافلة غير ممنوع وليس من القران الممنوع. نعم هنا اشكال آخر وهو منافاة الاتيان بالشوط الثامن سهوا لعصمة الامام (ع) حتى في الامور الخارجية وذلك مناف لمذهب الشيعة، فيمكن اخراج هذه الرواية مخرج التقية في اسناد السهو إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ومثل ذلك غير عزيز في الاخبار فلا ينافي ثبوت اصل الحكم. ومما يؤكد ان الثاني هو الواجب امره بالركعتين بعده وبركعتين اخيرتين بعد الفراغ من السعي كما في عدة من الروايات (1) فانه على تقدير كون الاول فريضة يلزم الفصل بين الطواف وصلاته بخلاف ما إذا كان الثاني فريضة فلا فصل بينهما: واما الصلاة للطوافين ففي بعض الروايات انه يصلي اربع ركعات وفي بعضها ان يصلي ركعتين بعد الطوافين وركعتين اخريين بعد


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 7 و 15 و 16. (2) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 6 و 7 و 15.

[ 378 ]

الفراغ؟ من السعي، وفي خبر جميل الامر بتأخير الركعتين الاخيرتين بعد الفراغ من السعي (1). ولكن الظاهر انه لا موجب للتفصيل والتفريق واما فعله (ع) فلا يدل على لزوم التفريق والتأخير وغاية ذلك انه يدل على الرجحان والفضيلة وأما خبر جميل ضعيف السند للجهل بطريق ابن ادريس إلى نوادر أحمد بن محمد بن ابي نصر فهو غير قابل لتقييد ما دل على اتيان اربع ركعات على الاطلاق، ولو اغمضنا عن ضعفه ففي المستحبات لا نلتزم بالتقييد ونحمل المقيد على الافضلية الا إذا كان المقيد ينهى عن اتيان العمل المستحب الا في ضمن الخاص فحينئذ نلتزم بالتقييد وإلا في غيره فلا نلتزم بالتقييد. نعم لا ريب في كون التأخير والتفريق هو الافضل لفعل علي (ع) ولرواية علي بن ابي حمزة ورواية جميل (2). ثم انه ورد في بعض الروايات ان الصلاة انما هي ركعتان كما في صحيحة (3) رفاعة وصحيحة ابن سنان (4) ولكن لابد من حملها على اداء الوضيفة الواجبة فليس الامر باربع ركعات كما في جملة من النصوص امرا وجوبيا بقرينة هذه الروايات: إلى هنا انتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله الشك في عدد الاشواط والحمد لله رب العالمين


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ج 16. (2) (3) (4) الوسائل: باب 34 من أبواب الطواف ح 15 و 16 و 9 و 5. لا نلتزم بالتقييد ونحمل المقيد على الافضلية الا إذا كان المقيد ينهى عن اتيان العمل المستحب الا في ضمن الخاص فحينئذ نلتزم بالتقييد وإلا في غيره فلا نلتزم بالتقييد. نعم لا ريب في كون التأخير والتفريق هو الافضل لفعل علي (ع) ولرواية علي بن ابي حمزة ورواية جميل (2). ثم انه ورد في بعض الروايات ان الصلاة انما هي ركعتان كما في صحيحة (3) رفاعة وصحيحة ابن سنان (4) ولكن لابد من حملها على اداء الوضيفة الواجبة فليس الامر باربع ركعات كما في جملة من النصوص امرا وجوبيا بقرينة هذه الروايات: إلى هنا انتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله الشك في عدد الاشواط والحمد لله رب العالمين

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية