الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الحج - السيد الخوئي ج 3

كتاب الحج

السيد الخوئي ج 3


[ 1 ]

المعتمد في شرح المناسك الجزء الثالث

[ 2 ]

هوية الكتاب الكتاب: المعتمد في شرح المناسك (الجزء الثالث) محاضرات زعيم الحوزة العلمية - آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى المؤلف: السيد رضا الخلخالي الناشر: لطفي الطبعة: الاولى العدد: 3000 السعر: 1500 ريال التاريخ: ذو الحجة الحرام 1409 (تير ماه 1368) المطبعة: العلمية - قم

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (15) المعتمد في شرح المناسك محاضرات زعيم الحوزة العلمية اية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى مد ظله العالي الجزء الثالث بقلم السيد رضا الخلخالي

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين لا يخفى أن كتاب الحج من (العروة الوثقى) لم يكمله السيد الطباطبائي (قدس سره) في نطاق تأليفه لهذا السفر الفقهي الجليل فلم يذكر جميع واجباته وأركانه بل بقي يفقد جوانب عديدة لها اهميتها من هذا البحث. ولتعميم الفائدة وإكمال هذا النقص شرع سيدنا الاستاذ (دام ظله) في بحث الحج من تروك الاحرام على الترتيب الذي رتب فيه مناسكه. وحيث أن مثل هذه الكتب تعتبر كتبا مصدرية روعي فيها بحث كل مسألة من جميع جوانبها بنحو من التوسعة والتفصيل لذلك يصعب على الكثير ممن يهمهم الوقوف على مسائل البحث أن يستوعبوا مثل هذه التفصيلات... لذلك رغب سيدنا الاستاذ (دام ظله) شرح مناسكه بكاملها. لذا قمت بهذا الواجب وقد حالفني التوفيق - والحمد لله - أن اشرح مناسك الحج بكاملها شرحا روعي فيه امران: الاول: أن الشرح كان على ضوء ارائه التي استفدتها من درسه (دام ظله) لكتاب الحج اصلا وتكملة. الثاني: الاقتصار على بيان مدرك كل مسألة لنحقق رغبة سيدنا الاستاذ حفظه الله من اخراج هذا الشرح بنحو من الاختصار غير المخل. ومن الله سبحانه نسأل القبول والتوفيق لكل ما فيه رضاه النجف الاشرف رضا الموسوي الخلخالي

[ 7 ]

[ وجوب الحج يجب الحج على كل مكلف جامع للشرائط الاتية ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة القطعية. والحج ركن من اركان الدين ووجوبه من الضروريات (1) ] (1) لا ينبغي الريب والاشكال في ان الحج من اوضح الواجبات الالهية ومن اعظم الشعائر الاسلامية وهو ركن من اركان الدين، ووجوبه من الضروريات عند المسلمين، بل هو المعروف لدى بعض الامم السابقة اقره الاسلام ولكن جعل له احكاما خاصة تختلف عما سبق، وهو من افضل الطاعات والقربات إلى الله تعالى واهم العبادات. وقد صرح الكتاب العزيز بوجوبه فقال عز من قائل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين) (1). كما وان الاخبار المتواترة صرحت بذلك (2) وفي روايات كثيرة مذكورة في كتب الفريقين ان الاسلام بني على خمس وعد منها الحج. ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال بنى الاسلام على


(1) آل عمران: الآية 97. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب وجوب الحج.

[ 8 ]

[ وتركه - مع الاعتراف بثبوته - معصية كبيرة (1) كما ان انكار اصل الفريضة - إذا لم يكن مستندا إلى شبهة - كفر (2) ] خمسة اشياء: على الصلاة، والزكاة والحج والصوم والولاية) (1) وفي صحيح البخاري قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني الاسلام على خمس شهادة ان لا إله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) (2) ونحوه في صحيح مسلم. (1) بل من اعظم الكبائر لانه من اهم الواجبات الاسلامية وكما قدمنا من الدعائم الخمس التى بني عليها الاسلام فحكم تارك الحج عمدا حكم تارك الصلاة والزكاة في الاثم واستحقاق العقاب. ويستفاد ذلك أيضا من بعض النصوص الواردة في عد الكبائر (3). كما وقد صرحت بعض الاخبار الواردة في تسويف الحج انه من مات ولم يحج حجة الاسلام فليمت يهوديا أو نصرانيا (4). (2) لانه يستلزم حينئذ انكار النبي (صلى الله عليه وآله) وتكذيبه واما إذا كان انكاره مستندا إلى شبهة بحيث لا يوجب انكار النبي


الوسائل: باب 1 من أبواب مقدمة العبادات ح 2. (2) صحيح البخاري: ج 1 كتاب الايمان. وصحيح مسلم: ج 1 كتاب الايمان. (3) الوسائل: باب 46 من أبواب جهاد النفس. (4) الوسائل: باب 6 و 7 من أبواب وجوب الحج .

[ 9 ]

(صلى الله عليه وآله) فلا يوجب الكفر لما ذكرنا في كتاب الطهارة ان انكار الضروري بنفسه ما لم يرجع انكاره إلى انكار النبي صلى الله عليه وآله لا يوجب الكفر، وقد قلنا هناك ان الاسلام متقوم بامور ثلاثة بها يمتاز المسلم عن الكافر وهي الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة، والاعتقاد بالمعاد وليس انكار الضروري منها. وقد يستدل على كفر منكر الحج بوجهين: الوجه الاول: التمسك بذيل آية الحج في قوله تعالى (ومن كفر فان الله غني عن العالمين) فان التعبير عن الترك بالكفر كاشف من ان منكره كافر. والجواب عنه اولا: ان الآية الشريفة غير دالة على ان منشأ الكفر هو انكار الحج، بل الظاهر من الآية الكريمة ان من كفر بسبب من اسبابه فيكون كفره منشاءا لترك الحج طبعا، ونظير ذلك قوله تعالى: (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين) فان الآيات لا تدل على ان تارك الصلاة أو مانع الزكاة كافر بل تدل على ان الكفر الحاصل بتكذيب يوم القيامة يكون منشأ لترك الصلاة وترك الزكاة. وثانيا: ان الكفر في الآية فسر بالترك في صحيح معاوية بن عمار (وعن قول الله عزوجل: ومن كفر يعني من ترك) (1). وثالثا: لا يبعد ان يكون المراد بالكفر في المقام الكفر المقابل للشكر لا الكفر المقابل للايمان، فيكون المعنى حينئذ من كفر بالنعمة ولم يشكر ما رزقه الله من نعمة الهداية ولم يعمل بوظيفته ولم يأت بالحج


الوسائل: باب 7 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 10 ]

[ قال الله تعالى في كتابه المجيد: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين. وروى الشيخ الكليني - بطريق معتبر - عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: من مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق معه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا) وهناك روايات كثيرة تدل على وجوب الحج والاهتمام به لم نتعرض ] فان الله غني عن العالمين. الوجه الثاني: صحيح علي بن جعفر - على طريق الشيخ - عن اخيه موسى (ع) قال: ان الله عزوجل فرض الحج على اهل الجدة في كل عام وذلك قوله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين) قال: قلت: فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا ولكن من قال: (ليس هذا هكذا فقد كفر) (1) بدعوى: ان قوله: (ليس هذا هكذا) راجع إلى انكار الحج. وفيه: ان الظاهر رجوع ذلك إلى انكار القرآن يعنى من قال: ان هذه الآية ليست من القرآن وإن القرآن ليس هكذا فقد كفر، فانه (عليه السلام) استشهد اولا بالآية ثم بعد ذلك سأل السائل فمن لم يحج فقد كفر فقال (ع): لا ولكن من قال: ان هذا ليس من


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 11 ]

[ لها طلبا للاختصار وفي ما ذكرناه من الآية الكريمة والرواية كفاية للمراد. واعلم ان الحج الواجب على المكلف - في اصل الشرع - انما هو لمرة واحدة (1) ويسمى ذلك ب‍ (حجة الاسلام). ] القرآن فقد كفر لرجوع ذلك إلى تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله). (1) بلا خلاف بين المسلمين بل الحكم بذلك يكاد ان يكون من الضروريات. مضافا إلى ذلك قيام السيرة القطعية، على انه لو كان واجبا على اهل الثروة اكثر من مرة واحدة لظهر وبان ولم يكن خفيا على المسلمين. ويدل على ذلك أيضا النصوص فيها الصحيح وغيره. منها معتبرة البرقي في حديث (وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون اكثر من ذلك) (1). وبازائها ما يدل على وجوب الحج في كل عام على اهل الجدة والثروة وقد افتى على طبقها الصدوق. منها: صحيح علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: ان الله عزوجل فرض الحج على اهل الجدة في كل عام وذلك قوله عزوجل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين) (2).


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب وجوب الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 12 ]

ومن ثم وقع الكلام في التوفيق بين الطائفتين المتعارضتين. ويمكن الجمع بينهما بوجوه: الاول: حمل الطائفة الثانية على الاستحباب كما عن الشيخ (قده): وفيه انه ينافيه قوله: فرض الحج على اهل الجدة في كل عام خصوصا مع استشهاده (ع) بالآية الكريمة. الوجه الثاني: حملها على الوجوب البدلي بمعنى وجوب الحج عليه في العام الاول فان تركه يجب عليه في العام الثاني وهكذا. وفيه: ان الوجوب البدلي بهذا المعنى مما يقتضيه طبع كل واجب ولا يحتاج إلى ان يبينه الامام (ع) فان الواجب يجب الاتيان به متى امكن فان عصى ولم يات به في الآن الاول يجب امتثاله في الآن الثاني وهكذا والعصيان في الزمان الاول لا يوجب سقوط الوجوب ولزوم الاتيان به في الزمان الثاني. الوجه الثالث: ما ذكره صاحب الوسائل من حمل الوجوب على الوجوب الكفائي بمعنى انه يجب الحج على كل احد في كل عام على نحو الوجوب الكفائي. والجواب عنه: انه لا يجتمع ذلك مع ظهور الروايات في الوجوب العيني مضافا إلى ان الالتزام بالوجوب الكفائي يتوقف على تعطيل الكعبة واما إذا فرض عدم تعطيلها ولا اقل من اداء اهل مكة الحج فلا موجب للوجوب الكفائي على سائر المكلفين. فالصحيح ان يقال: في وجه الجمع ان هذه الطائفة من الروايات ناظرة إلى ما كان يصنعه اهل الجاهلية فانهم كانوا لا يحجون في بعض السنين القمرية وكانوا يعدون الاشهر بالحساب الشمسي ويأخرون

[ 13 ]

[ (مسألة 1): وجوب الحج بعد تحقق شرائطه فوري فتجب المبادرة إليه في سنة الاستطاعة (1) ] الاشهر عما رتبها الله تعالى وإلى ذلك يشير قوله تعالى (انما النسئ زيادة في الكفر) (1) فربما يمر عام قمري ولا يحجون فيه فانزل الله تعالى آية الحج ردا عليهم بان الحج يجب الاتيان به في كل عام قمري ولا يجوز خلوه من الحج وانه لابد من الاتيان به في كل شهر ذي الحجة، فالمنظور في الآية والروايات ان كل سنة قمرية لها حج يجب الاتيان به لا انه يجب الحج على كل احد في كل عام. (1) ويدل عليه امران: الاول: حكم العقل بذلك فان الواجب بعدما تحقق شرائطه وكان المكلف واجدا لشرائط التكليف فلابد للمكلف من تفريغ ذمته بالاتيان بما امر به ليأمن العقوبة من مغبة العصيان، ولا عذر له في التأخير مع احتمال الفوت. نعم لو اطمئن بالبقاء وبالتمكن من اتيان الواجب ولو في آخر الوقت لا تجب المبادرة حينئذ، ولذا جاز تأخير بعض الواجبات الموقتة كالصلاة عن اول وقتها، لاجل حصول الاطمينان والوثوق ببقائه والتمكن من الاتيان بالمأمور به ولو في آخر الوقت لكون الوقت قصيرا لا يحتمل التلف والفوت في هذه المدة غالبا، وهذا الاطمينان والوثوق غير حاصل في الحج لان الفصل طويل والطوارئ والموانع كثيرة.


(1) التوبة: 37.

[ 14 ]

[ وان تركه فيها عصيانا، أو لعذر وجب في السنة الثانية وهكذا (1) ] وبالجملة: الميزان في جواز التأخير ووجوب المبادرة حصول الاطمينان بالبقاء وعدمه، وعليه فربما نلتزم بالفورية حتى في الصلاة فيما إذا لم يطمئن المكلف بالبقاء إلى آخر الوقت. الثاني: الاخبار الدالة على المنع عن التسويف وعدم المبادرة. منها: معتبرة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عزوجل: (ونحشره يوم القيامة اعمى) قال: قلت: سبحان الله اعمى؟ قال: نعم ان الله عزوجل اعماه عن طريق الحق) (1). ولو كان التأخير جائزا لم يكن مستحقا للعقاب. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال: هذه لمن كان عنده مال وصحة وان كان سوقه التجارة فلا يسعه وان مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرايع الاسلام إذا هو يجد ما يحج به) (2) ونحوهما غيرهما. (1) لعدم سقوط وجوب الواجب بالعصيان، أو بالترك عن عذر مع بقاء الموضوع، والعقل الحاكم بوجوب المبادرة في السنة الاولى يحكم به في السنين الآتية أيضا.


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب وجوب الحج ح 7 و 1.

[ 15 ]

[ ولا يبعد أن يكون التأخير من دون عذر من الكبائر (1) (مسألة 2): إذا حصلت الاستطاعة وتوقف الاتيان بالحج على مقدمات وتهيئة الوسائل وجبت المبادرة إلى تحصيلها (2) ولو تعددت الرفقة فان وثق بالادراك مع التأخير جاز له ذلك والا وجب الخروج من دون تأخر (3) ] (1) كما صرح به جماعة منهم المحقق في الشرائع فانه ذكر فيها ان التأخير مع الشرائط كبيرة موبقة بل ادعى غير واحد الاجماع على ذلك ولكن استفادته من النصوص مشكلة فان المستفاد منها ان ترك الحج كلية كبيرة مهلكة وأما تأخير الحج وترك المبادرة إليه وان كان حراما - لانه ترك ما وجب عليه من الفورية إلا انه لم يثبت كونه كبيرة. نعم لا يبعد دعوى صدق الاستخفاف والتهاون بأمر الحج على تأخيره وعدم المبادرة إليه فان الاستخفاف به نظير الاستخفاف بالصلاة كما في قوله تعالى: (ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) (1) بناءا على ان المراد بالسهو الاستخفاف بها والتأخير عن أوقاتها والحج مثل الصلاة لانه من دعائم الاسلام ومما بني عليه فتأمل والعمدة دعوى الاجماع. (2) لوضوح وجوب تحصيل مقدمات الواجب - لاجل ادراك الواجب في وقته - بحكم العقل. (3) لو تعددت الرفقة واختلف زمان الخروج فهل يجب الخروج مع الاولى مطلقا أو يجوز التأخير إلى الاخرى بمجرد احتمال الادراك


(1) الماعون: الآية 5.

[ 16 ]

[ (مسألة 3): إذا امكنه الخروج مع الرفقة الاولى ولم يخرج معهم لوثوقه بالادراك مع التأخير ولكن اتفق انه لم يتمكن من المسير، أو انه لم يدرك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج، وان كان معذورا في تأخيره (1). ] أو لا يجوز الا مع الوثوق بالادراك، اقوال ثلاثة. فعن الشهيد الثاني وجوب الخروج مع الاولى مطلقا وان وثق بانه يدرك الحج مع الثانية، وعن السيد في المدارك جواز التأخير إلى الاخرى بمجرد احتمال الادراك معها وان لم يثق به وعن الشهيد الاول عدم جواز التأخير الا مع الوثوق، وهذا هو الصحيح فان القولين الاولين لا دليل عليهما، إذ الميزان هو الوثوق بالوصول وادراك الحج ولا موجب للخروج مع الاولى إذا كان واثقا بالوصول مع الثانية كما انه لا وجه للتأخير إلى الثانية مع عدم الوثوق بالوصول معها. (1) لان موضوع استقرار وجوب الحج عليه هو مجرد التمكن من السير مع القافلة الاولى وان جاز له التأخير مع الرفقة الثانية. ولكن الظاهر انه لا موجب للاستقرار مع جواز التأخير كما ذكر سيدنا الاستاذ (دام ظله) في تعليقته على العروة إذ لا عبرة بمجرد التمكن من الخروج والسير مع القافلة الاولى وإلا فلازمه - انه لو سافر مع القافلة الاولى وكان متمكنا من التأخير مع الثانية واتفق عدم الادراك مع الاولى لاسباب طارئة بينهما ادرك الثانية، ان الحج يستقر عليه في هذا الفرض ولا اظن ان احدا يلتزم بذلك والسبب فيه انه

[ 17 ]

[ (شرائط وجوب حجة الاسلام) الشرط الاول: البلوغ. فلا يجب على غير البالغ وان كان مراهقا (1). ] قد عمل على طبق وظيفته الشرعية ولم يهمل في الامتثال وانما قدم أو آخر بمسوغ شرعي، والعبرة في استقرار الحج بالاهمال والتفويت العمدي كما صرح بذلك المحقق حيث اخذ عنوان الاهمال موضوعا للاستقرار، والمفروض عدم صدق الاهمال على من عمل بوظيفته الشرعية وقدم أو أخر السير بعذر شرعي. وما استدل به للاستقرار من اخبار التسويف والاخبار الدالة على خروج الحج من اصل المال لا يعم المقام وهو من قد عمل بوظيفته الشرعية وكان التسويف والتأخير مستندا إلى عذر شرعي، فالحكم المذكور في المتن مبني على الاحتياط. شرائط وجوب حجة الاسلام (1) لااشكال ولا خلاف في اعتبار البلوغ في جميع التكاليف الالهية، ويدل عليه مضافا إلى حديث جرى القلم (1) جملة من الروايات الدالة على ان حج الصبي لا يجزي عن حجة الاسلام. منها: معتبرة اسحاق بن عمار (قال: سألت أبا الحسن (ع) عن ابن عشر سنين يحج قال: عليه حجة الاسلام إذا احتلم وكذلك


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 12.

[ 18 ]

[ ولو حج الصبي لم يجز عن حجة الاسلام (1). وان كان حجه صحيحا على الاظهر (2). (مسألة 4): إذا خرج الصبي إلى الحج فبلغ قبل ان يحرم من الميقات، وكان مستطيعا فلا اشكال في ان حجه حجة الاسلام (3). وإذا احرم فبلغ بعد احرامه لم يجز له اتمام حجه ندبا، ولا عدوله إلى حجة الاسلام، بل يجب عليه الرجوع إلى احد المواقيت والاحرام منه ] الجارية عليها الحج إذا طمثت) (1) فان المستفاد منها ان حجة الاسلام باقية عليه إلى ان يبلغ وان حج قبل ذلك. (1) كما صرح بذلك في المعتبرة السابقة. (2) يدل على صحة حجه نفس الروايات التي وقع السؤال فيها عن اجزاء حج الصبي عن حجة الاسلام إذ لو كان حجه باطلا لا معنى للسؤال عن اجزاء الحج الباطل عن حجة الاسلام. هذا مضافا إلى ما دل على مشروعية مطلق عباداته لما ذكرنا بان الامر بان يؤمر الصبي بالصلاة والصيام يدل على مشروعية ذلك في حقهم لما ثبت في محله ان الامر بالامر بشئ امر بذلك الشئ. (3) هذا مما لاريب فيه ويشمله اطلاق ادلة وجوب الحج من الآية والروايات، والاتيان بالمقدمات حال الصغر غير ضائر في احتساب حجه عن حجة الاسلام.


الوسائل: باب 12 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 19 ]

[ لحجة الاسلام (1) فان لم يتمكن من الرجوع إليه ففي محل احرامه تفصيل يأتي ان شاء الله تعالى في حكم من تجاوز الميقات جهلا أو نسيانا يتمكن من الرجوع في المسألة 169. (مسألة 5): إذا حج ندبا معتقدا بانه غير بالغ فبان بعد اداء الحج انه كان بالغا اجزأ عن حجة الاسلام (2). ] (1) لو بلغ الصبي بعد الاحرام وقبل الشروع في بقية الاعمال فهل يتم حجه ندبا أو ينقلب حجه إلى حجة الاسلام أو يبدء في احرام جديد فيجب عليه الرجوع إلى احد المواقيت والاحرام منه لحجة الاسلام؟ وجوه: اما الوجه الاول: وهو اتمامه ندبا فلا وجه له الا ما يتوهم من ان المفروض انه محرم وليس للمحرم ان يحرم ثانيا فلابد له من اتمام مانواه بالاحرام الاول. وفيه ما لا يخفى فان البلوغ اللاحق يكشف عن فساد الاحرام السابق لانه لو بلغ بعد الاحرام يشمله عموم ادلة وجوب الحج فيكون الوجوب في ظرفه كاشفا عن بطلان ما تقدم منه من الاحرام. واما الوجه الثاني: وهو الانقلاب إلى حجة الاسلام فلا دليل عليه فيتعين الوجه الثالث وهو لزوم الرجوع إلى احد المواقيت والاحرام منه من جديد لما قلناه من بطلان احرامه الاول فيشمله عموم ما دل على وجوب الحج والاحرام من الميقات. (2) ما ذكره - دام ظله الشريف - انما يتم فيما إذا قصد الصبي

[ 20 ]

[ (مسألة 6): يستحب للصبي المميز ان يحج (1) ] الامر الواقعي الفعلي المتوجه إليه ولكن من باب الاشتباه والخطاء في التطبيق - كما هو الغالب - تخيل انه الندبي. توضيح ذلك: ان الواجب على المكلف قد يكون امرين لا يمتاز احدهما عن الآخر إلا بالقصد كصلاتي الظهر والعصر أو الاداء والقضاء أو النافلة والفريضة فان امتثال كل واحد منهما - في فرض ثبوت كليهما عليه - لا يتحقق إلا بقصد عنوانه الخاص فلو اتى باربع ركعات وكان عليه الظهر والعصر ولم يقصد عنوان الظهر ولا العصر لا يقع ما اتى به لا عن الظهر ولا عن العصر. وقد يكون الواجب عليه امرا واحدا ولكن في مقام الامتثال تخيل ان عليه الظهر فبان خلافه وانه العصر فان كان قصد العنوان بنحو التقييد بطل عمله لان الواقع لم يقصد وما كان مقصودا لا واقع له وان كان من باب الاشتباه في التطبيق فلا بأس بالحكم بالصحة لانه في الحقيقة قصد الامر الفعلي المتوجه إليه وقصد ماله واقع غاية الامر تخيل ان الواقع هو الذي قصده وذلك غير ضائر في تحقق الامتثال ومقامنا من هذا القبيل. (1) يكفينا في الحكم بذلك - مضافا إلى شمول عمومات استحباب الحج للصبي - نفس الروايات الدالة على عدم اجزاء حجة عن حجة الاسلام إذ لابد من فرض صحته حتى يقال بالاجزاء أو عدمه وإلا لو كان باطلا فلا مجال لاجزائه عن حجة الاسلام ولا موقع للسؤال عن ذلك.

[ 21 ]

[ ولا يشترط في صحته اذن الوالي (1) (مسألة 7): يستحب للولي ان يحرم بالصبي غير المميز (1) ] وبالجملة لا ينبغي الريب في استحباب الحج للصبي المميز وقد ادعى عليه الاجماع أيضا. (1) وقع الكلام في اعتبار اذن الولي في صحة حج الصبي. المشهور اعتبار اذنه فلو حج الصبي بدون اذن وليه بطل حجه واستدل لهم بوجهين: احدهما: ان الحج عبادة توقيفية يجب ان تتلقى من الشارع ومخالف للاصل فيجب الاقتصار فيه على المتيقن وهو مورد اذن الولي. والجواب عنه: ان اطلاق الادلة والعمومات كافية في صحته ورجحانه ثانيهما: ان الحج يتوقف في بعض الاحوال على صرف المال كما في الهدي والكفارات ومعلوم ان جواز التصرف في المال يحتاج إلى اذن الولي. وفيه اولا: انه يمكن ان يقال بعدم ثبوت الكفارة في حقه نظرا إلى ان عمد الصبي وخطائه واحد. وثانيا: لو سلمنا ثبوت الكفارة فيمكنه الاستئذان من الولي في اعطاء الكفارة وشراء الهدي فان اذن فهو وإلا كان عاجزا عن اداء الكفارة ويأتي بها بعد البلوغ وكذلك الهدي ان اذن فهو وإلا صار عاجزا عن الهدي ومجرد ذلك لا يوجب سقوط الحج عنه، فالصحيح ما ذهب إليه جماعة اخرى من صحة حجه وعدم اعتبار اذن الولي في صحته. (2) لجملة من الاخبار.

[ 22 ]

[ ذكرا كان ام انثى (1) وذلك بان يلبسه ثوبي الاحرام ] منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم يطاف بهم ويرمى عنهم ومن لا يجد الهدي منهم فاليصم عنه وليه) (1) وغيرها من الروايات الدالة على استحباب احجاج الاطفال ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين كونهم مميزين أو غير مميزين بل مورد بغضها غير المميز غاية الامر تختلف كيفية حج المميز عن غيره، والظاهر انه لم يستشكل احد من الفقهاء في ذلك. (1) لا يخفى ان الاصحاب لم يفرقوا في استحباب احجاج الاطفال بين الصبي والصبية ولكن صاحب المستند (قده) استشكل في الصبية لاختصاص النصوص بالصبيان والحاق الصبية بهم يحتاج إلى دليل. ويرده: ان المذكور في الروايات وان كان الصبيان ولكن يظهر منها - حسب المتفاهم العرفي - ان المراد بالصبي أو الصبيان ما يقابل البالغين لا الذكور خاصة كما هو الظاهر من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: قلت له: ان معنا صبيا مولودا كيف نصنع به؟ فقال: مرامه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها فاتتها فسألتها كيف تصنع، فقالت: إذا كان يوم التروية فاحرموا عنه وجردوه وغسلوه كما يجرد المحرم وقفوا به المواقف الحديث) (2) فان المستفاد من السؤال والارجاع إلى ام حميده ليس هو خصوص حج


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب اقسام الحج ح 3. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب اقسام الحج ح 1.

[ 23 ]

[ ويأمره بالتلبية ويلقنه اياها ان كان قابلا للتلقين، والا لبي عنه ويجنبه عما يجب على المحرم الاجتناب عنه (1) ويجوز ان يؤخر تجريده عن الثياب إلى فخ (2) إذا كان سائرا من ذلك الطريق، ويامره بالاتيان بكل ما يتمكن منه من افعال الحج وينوب فيما لا يتمكن ويطوف به ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات والمشعر، ويامره بالرمي ان قدر عليه والارمي عنه، وكذلك صلاة الطواف ويحلق رأسه، وكذلك بقية الاعمال. ] الذكور من الاطفال دون الاناث بل المنظور في الاسئلة والاجوبة في هذه الرواية وغيرها من الروايات هو الصغير مقابل الكبير وانه لو كان مميزا تصدى الاعمال بنفسه وان كان غير مميز اناب عنه وليه ولا نظر لها إلى الذكورة والانوثة وبما ذكرنا يظهر حال بقية الروايات. والظاهر ان احدا من الفقهاء لم يستشكل ولم يتوقف في تعميم الحكم للصبية، فما ذكره صاحب المستند غير تام. (1) ورد ذلك كله في نصوص الباب كصحيحة زرارة وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وغيرهما (1). (2) لما رواه الشيخ باسناد صحيح عن ايوب بن الحر، قال: سأل أبو عبد الله (ع) من اين تجرد الصبيان؟ قال: كان أبي


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب اقسام الحج ح 5 و 1 /.

[ 24 ]

[ (مسألة 8): نفقة حج الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على الولي لا على الصبي، نعم إذا كان حفظ الصبي متوقفا على السفر به، أو كان السفر مصلحة له جاز الانفاق عليه من ماله (1). (مسألة 9): ثمن هدي الصبي على الولي (2). ] يجردهم من فخ) ونحوه صحيح علي بن جعفر (1) واما بقية الآداب والاعمال المسطورة في المتن فهي مذكورة في النصوص الواردة في المقام (2). (1) لا ريب في ان نفقة الصبي مما يتوقف عليه حياته ومصالحه تكون من مال الصبي سواء كان في السفر أو الحضر، واما النفقة الزائدة على الحضر التي تصرف في السفر فلا مجوز لتصرف الولي في المال الزائد إلا إذا كان في السفر بالطفل مصلحة عائدة إليه فلا بأس باخذ الزائد من ماله. (2) لا اشكال في ان التصرف في مال الطفل في نفسه غير جائز الا إذا عاد إلى مصلحة ينتفع بها الطفل، ولا ريب ان صرف مال الصبي في الهدى ليس من مصالحه إذ بامكان الولي أن يأخذه معه ولا يحج به والمستفاد من الروايات انما هو مجرد استحباب احجاج الصبي واما صرف ماله في الحج فيحتاج إلى دليل ولذا ذكرنا في المسألة


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب المواقيت ح 1. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب اقسام الحج.

[ 25 ]

[ وكذلك كفارة صيده (1). واما الكفارات التي تجب ] السابقة ان نفقة الحج فيما يزيد على الحضر على الولي إلا إذا كان السفر مصلحة للصبي، فما يصرف في الحج وشؤونه لا وجه لاخذه من مال الطفل. ويدل على ذلك أيضا صحيح زرارة (إذا حج الرجل بابنه وهو صغير - إلى ان قال: - يذبح عن الصغار ويصوم الكبار) (1) ومورد الرواية وان كان احجاج الاب ابنه ولكن بقرينة قوله: (لبوا عنه) يظهر ان الطفل كان في جماعة حجوا به فالهدي على من حج به ابا كان ام غيره كما يدل على ذلك أيضا موثقة اسحاق بن عمار (عن غلمان دخلوا مكة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير احرام. قال لهم: يغتسلون ثم يحرمون، واذبحوا عنهم كما تذبحون عن انفسكم) (2) والمامور بالذبح انما هو الذى حج بالصبي. (1) كما هو المشهور وعن ابن ادريس عدم وجوب الكفارة اصلا لا على الولي ولا في مال الصبي، وعن العلامة في التذكرة انها تجب في مال الصبي وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح. لصحيح زرارة (وان قتل صيدا فعلى ابيه) وقد عرفت فيما سبق ان الاب لا خصوصية له وانما وجب عليه لكونه من مصاديق الولي فلا وجه لما عن العلامة بعد تصريح الرواية كما لا وجه لما عن ابن ادريس فان ذلك اجتهاد في مقابل النص.


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب اقسام الحج ح 5. (2) الرسائل: باب 17 من أبواب اقسام الحج ح 2.

[ 26 ]

[ عند الاتيان بموجبها عمدا فالظاهر انها لا تجب بفعل الصبي لا على الولي ولا في مال الصبي (1). ] (1) اما عدم وجوبها على الولي فواضح لعدم الموجب له والنص المتقدم انما دل على ان كفارة الصيد على ابيه فلا يقاس غير الصيد به كما لا تجب على الصبي أيضا لان وجوب الكفارة ليس من قبيل باب الضمان والاتلاف بل هو حكم تكليفي ثابت في مورده ومرفوع عن الطفل لحديث رفع القلم وعدم جريه عليه. وقد يستدل لذلك بان عمد الصبي وخطأه واحد كما في صحيحة محمد بن مسلم وان عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة) كما في معتبرة اسحاق بن عمار (1). والجواب عنه: ان هذه الجملة بقرينة قوله: - يحمل على العاقلة - ناظرة إلى باب الديات والجنايات التي لعمدها حكم ولخطائها حكم آخر فإذا قتل الصبي عمدا يترتب على فعله حكم قتل الخطأ الصادر من البالغين ولا يقتص منه واما المورد الذى ليس له الا حكم واحد في حال العمد فغير مشمول لهذه الجملة ولذا لم يستشكل احد في بطلان صلاة الصبي إذا تكلم عمدا أو بطلان صومه إذا افطر عمدا.


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب العاقلة ح 2 و 3.

[ 27 ]

[ الشرط الثاني: العقل فلا يجب على المجنون وان كان ادواريا (1). نعم إذا افاق المجنون في اشهر الحج وكان مستطيعا ومتمكنا من الاتيان باعمال الحج وجب عليه وان كان مجنونا في بقية الاوقات (2). ] (1) لا ريب ولا خلاف بين العلماء كافة في اعتبار العقل في جميع التكاليف الالهية وان الاحكام الشرعية غير متوجهة إلى المجنون فانه كالبهائم من هذه الجهة. ويدل على ذلك مضافا إلى ما تقدم ما ورد من ان اول ما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: اقبل فاقبل، ثم قال له: ادبر فادبر. ثم قال: وعزتي وجلالي - إلى ان يقول - واياك اعاقب، واياك اثيب (1) فانه صريح في ان الثواب والعقاب يدوران مدار وجود العقل وعدمه. (2) لوجود المقتضى وعدم المانع ومجرد حصول الجنون في بقية الاوقات السابقة أو اللاحقة لا يمنع عن توجه التكليف إليه حال افاقته.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب مقدمات العبادات ح 1.

[ 28 ]

[ الشرط الثالث: الحرية فلا يجب الحج على المملوك وان كان مستطيعا ومأذونا من قبل المولى (1) ] (1) قد تسالم الاصحاب على اعتبار الحرية في وجوب الحج فلا يجب على المملوك وان اذن له مولاه وكان مستطيعا. وقد تضافرت النصوص في ذلك: منها: صحيح الفضل بن يونس (فليس على المملوك حج ولا عمرة حتى يعتق) (1). نعم ان هناك رواية واحدة معارضة للروايات المتقدمة وقد اطلق فيها حجة الاسلام على حج العبد، وهي رواية أبان (ايما عبد حج به مواليه فقد قضى حجة الاسلام) (2) ولكن لشذوذها ومخالفتها للروايات المشهورة لابد من طرحها أو حملها على ادراك ثواب حجة الاسلام كما في الجواهر (3) أو حملها على حجة الاسلام من العبد حال عبوديته فلا ينافي ذلك ثبوت حجة الاسلام المطلوبة من الاحرار عليه إذا اعتق.


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب وجوب الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب وجوب الحج ح 7. (3) الجواهر: ج 17 ص 242.

[ 29 ]

[ ولو حج باذن مولاه صح ولكن لا يجزيه عن حجة الاسلام فتجب عليه الاعادة إذا كان واجدا للشرائط بعد العتق (1). (مسألة 10): إذا اتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحج بما يوجب الكفارة فكفارته على مولاه في غير الصيد وعلى نقسه فيه (2). ] ويؤكد ما ذكرناه اطلاق حجة الاسلام على حجه مع ايجابها عليه إذا اعتق في رواية اخرى لابان (والعبد إذا حج به فقد قضى حجة الاسلام حتى يعتق) (1). (1) اما الصحة للنصوص الكثيرة: منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (ع) قال: ان المملوك ان حج وهو مملوك اجزأه إذا مات قبل ان يعتق وان اعتق فعليه الحج) (2). واما الاعادة فلارتفاع المانع والمفروض وجود المقتضى وللنصوص الكثيرة المتقدمة. (2) لان ذلك مقتضى الجمع بين صحيحة عبد الرحمان بن أبى نجران قال: سألت أبا الحسن (ع) عن عبد اصاب صيدا وهو محرم هل على مولاه شئ من الفداء؟ فقال: لا شئ على مولاه) (3) المصرحة


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب وجوب الحج ح 2. (2) الوسائل باب 16 من أبواب وجوب الحج. (3) الوسائل: باب 56 من أبواب كفارات الصيد ح 3.

[ 30 ]

بان ما اصاب العبد من صيد فليس على مولاه شئ، وبين صحيحة حريز المروية في التهذيب عن أبى عبد الله (ع) قال: كلما اصاب العبد وهو محرم في احرامه فهو على السيد إذا اذن له في الاحرام) (1) الدالة على ان كلما ما اصاب العبد (صيدا كان أو غيره) فهو على السيد فان النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق فتخصص الصحيحة الثانية العامة بالصحيحة الاولى فتكون النتيجة هي التفصيل المذكور في المتن. نعم ذكر في الاستبصار رواية حريز بعين السند المذكور في التهذيب لكن على نحو يختلف عما رواه في التهذيب فان المذكور في الاستبصار (المملوك كلما اصاب الصيد وهو محرم في احرامه فهو على السيد إذا اذن له في الاحرام) (2) فتكون منافية لصحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران لان مقتضى صحيحة عبد الرحمن ثبوت الكفارة على العبد نفسه لا على مولاه إذا اصاب الصيد ومقتضى صحيحة حريز المروية في الاستبصار ثبوت كفارة الصيد على مولاه. ولكن الظاهر انه لا موضوع للتعارض لان رواية الاستبصار غلط لان الشيخ روى هذه الرواية بعين السند في التهذيب وذكر (كلما اصاب العبد) ولا نحتمل ان يروى حريز بسند واحد مرتين مختلفتين مرة يروي لحماد كلما اصاب العبد ومرة اخرى يروي لحماد أيضا المملوك كلما اصاب الصيد فيدور الامر بين صحة ما في التهذيب وبين صحة


الوسائل: باب 56 من أبواب كفارات الصيد ح 1. (2) الاستبصار: ج 2 ص 216.

[ 31 ]

[ (مسألة 11): إذا حج المملوك باذن مولاه وانعتق قبل ادراك المشعر اجزأه عن حجة الاسلام (1) بل الظاهر ] ما في الاستبصار والصحيح ما في التهذيب لان الاستبصار ليس كتابا مستقلا وانما يذكر فيه الروايات المتعارضة المذكورة في التهذيب وكل ما في الاستبصار موجود في التهذيب ولا عكس فالاستبصار جزء ومتمم لكتاب التهذيب فهو الاصل والمرجع فما في التهذيب هو المتعين مضافا إلى شهادة الكليني والصدوق (1) بصحة ما في التهذيب لانهما رويا مثل ما جاء في التهذيب. فلم يبق في البين الا رواية حريز المذكورة في التهذيب ورواية ابن أبي نجران وقد عرفت ما يقتضيه الجمع بينهما. (1) بلا خلاف بين الاصحاب للنصوص الدالة على ذلك. منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال لابي عبد الله (ع): مملوك اعتق يوم عرفة، قال: إذا ادرك احد الموقفين فقد ادرك الحج) (2) فتكون هذه الطائفة من الاخبار الدالة على الاكتفاء بادراك احد الموقفين معتقا تخصيصا للاخبار المتقدمة التى صرحت بانه لا حج ولا عمرة على العبد حتى يعتق فيعلم من ذلك ان الحرية غير معتبرة من البداية إلى النهاية بل يكتفي بالحرية قبل احد الموقفين أيضا.


(1) الكافي: ج 4 ص 304 - الفقيه ج 2 ص 264 - التهذيب ج 5 ص 382. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 32 ]

[ كفاية ادراكه الوقوف بعرفات معتقا وان لم يدرك المشعر (1) ويعتبر في الاجزاء الاستطاعة حين الانعتاق فان لم يكن مستطيعا لم يجزئ حجه عن حجة الاسلام (2) ] (1) لاطلاق قوله (ع): في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (إذا ادرك احد الموقفين فقد ادرك الحج) ولكن لا يخفى انه لابد من ضم وقوف المشعر الاضطراري إليه لما سيأتي (ان شاء الله تعالى) ان درك الوقوف الاختياري لعرفة فقط غير مجزئ ومن المعلوم ان العبد المعتق حاله حال بقية الاحرار ولا يزيد حكمه عن حكمهم وليس للعبد المعتق حكم جديد يختلف عن غيره والروايات الدالة على الاكتفاء بادراك احد الموقفين معتقا انما تتكفل بالغاء اعتبار الحرية بهذا المقدار وانه لا يلزم درك الموقفين حرا، ولا تتكفل اثبات الصحة حتى أو اقتصر على الوقوف بعرفة. (2) لان ذلك مقتضى الادلة الاولية الدالة على اعتبار الاستطاعة، واما الروايات الدالة على الاجزاء إذا ادرك احد الموقفين معتقا فغير ناظرة إلى الغاء جميع الشروط بل مقتضى اطلاق نصوص المقام ان حجه إلى زمان العتق يحكم عليه بالصحة واما بعد العتق فلابد من الرجوع إلى الادلة العامة الدالة على اعتبار الاستطاعة، فالغاء شرطية الاستطاعة بالمرة كما صرح به السيد في العروة الوثقى لا وجه له كما ان القول باعتبار الاستطاعة من اول الامر لا دليل عليه فان الروايات تدل على ان العبودية السابقة غير ضائرة ولو كانت مع عدم الاستطاعة.

[ 33 ]

[ ولا فرق في الحكم بالاجزاء بين اقسام الحج من الافراد والقران والتمتع إذا كان المأتي به مطابقا لوظيفته الواجبة (1) (مسألة 12): إذا انعتق العبد قبل المشعر في حج التمتع فهديه عليه وان لم يتمكن فعليه ان يصوم بدل الهدي على ما يأتي (2) وان لم ينعتق فمولاه بالخيار. فان شاء ذبح عنه وان شاء امره بالصوم (3) ] (1) لاطلاق النصوص ولا موجب لتقييدها ببعض اقسام الحج. (2) إذ لا موجب لان يكون على مولاه بعدما صار معتقا وحرا فحاله حال ساير الاحرار فتجري احكام حجة الاسلام على حجه وحينئذ فيجب عليه الهدي وان عجز فعليه الصوم (تنبيه) لقد قيد جمع من الفقهاء في كلماتهم وجوب الهدي على العبد بما إذا انعتق قبل المشعر، مع ان ذلك غير دخيل في كون الهدي على العبد أو على مولاه بل الانعتاق قبل المشعر أو بعده دخيل في اجزاء حجه عن حجة الاسلام وعدمه واما كون الهدي عليه أو على مولاه فمن آثار الحرية والعبودية فانه متى ما صار حرا فهديه عليه ولو صار حرا يوم العبد ولا مقتضى لكونه على المولى بعدما كان حرا عند الذبح (3) للاجماع وللنصوص. منها: صحيحة جميل عن رجل امر مملوكه ان يتمتع، قال: فمره فليصم وان شئت فاذبح عنه) (1).


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب الذبح ح 1.

[ 34 ]

[ الشرط الرابع: الاستطاعة ويعتبر فيها امور: الاول: السعة في الوقت (1) ومعنى ذلك وجود القدر الكافي من الوقت للذهاب إلى مكة والقيام بالاعمال الواجبة هناك وعليه فلا يجب الحج إذا كان حصول المال في وقت لا يسع للذهاب والقيام بالاعمال الواجبة فيها. أو انه يسع ] ومنها: صحيحة سعد بن أبي خلف (ان شئت فاذبح عنه وان شئت فمره فليصم) (1). ويعارضهما صحيح محمد بن مسلم، قال: سألته عن المتمتع المملوك فقال: عليه مثل ما على الحر اما اضحية واما صوم) (2) حيث يظهر منه ان التخيير بين الهدي والصوم على العبد نفسه، وقد حمله الشيخ على المساوات في الكمية لئلا يظن ان عليه نصف ما على الحر كالظهار ونحوه فالمنظور في الرواية ان الاضحية الثابتة في حج المملوك أو الصوم كالاضحية الثابتة في حج الحر أو الصوم الثابت فيه وغير ناظرة إلى ان الهدي على المملوك أو على مولاه. (1) والا لم يكن متمكنا من اداء الحج فلا يعقل التكليف به حينئذ.


(1) و (2) الوسائل: باب 2 من أبواب الذبح ح 2 و 5.

[ 35 ]

[ ذلك ولكن بمشقة شديدة لا تتحمل عادة (1) وفي مثل ذلك يجب عليه التحفظ على المال إلى السنة القادمة (2) فان بقيت الاستطاعة إليها وجب الحج فيها والا لم يجب. ] (1) لنفي الحرج في الشريعة المقدسة. (2) إذا كان عنده مال بمقدار يكفيه للحج ولكن لا يتمكن من السير لضيق الوقت فلا يجوز له ان يتصرف في المال بما يخرجه عن الاستطاعة بل يجب عليه التحفظ على المال إلى السنة القادمة وذلك لتقبيح العقل تفويت الواجب عليه وتعجيز نفسه عن ادائه بعد تنجزه ووجوبه عليه بشرائطه وحدوده وان كان الواجب متاخرا، فان الميزان في عدم جواز تعجيز نفسه من اتيان الواجب هو تنجز الوجوب وفعليته سواء كان الواجب فعليا أو استقباليا. نعم وقع الكلام في مبدء هذا الوجوب فقد ذكر بعضهم ان مبدئه خروج الرفقة فلا يجوز تعجيز نفسه عند خروج الرفقه وذكر السيد الطباطبائي (قده) في العروة بان مبدئه هو التمكن من المسير ولا عبرة بخروج الرفقة وعن بعضهم بان مبدئه اشهر الحج فلا يجوز تفويت الاستطاعة فيها كما عن المحقق النائيني (قده). ولكن الظاهر انه لا دليل على شئ من ذلك فان مقتضى الآية المباركة والنصوص المفسرة للاستطاعة تنجز الوجوب عليه بمجرد حصول الزاد والراحلة وتخلية السرب وصحة البدن من دون فرق بين حصول ذلك في اشهر الحج ام لا أو خروج الرفقة والتمكن من المسير ام لا بل

[ 36 ]

[ الثاني: الا من والسلامة (1) وذلك بان لا يكون خطرا على النفس أو المال أو العرض ذهابا وايابا وعند القيام بالاعمال، كما ان الحج لا يجب مباشرة على مستطيع لا يتمكن من قطع المسافة لهرم أو مرض أو لعذر آخر ولكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجئ تفصيله. ] مقتضاها انه متى حصلت الاستطاعة تنجز الوجوب عليه في اي وقت كان. وعليه فلو حصلت له الاستطاعة في هذه السنة لا يجوز له تفويتها فيما لو علم بتمكنه من الحج في السنين الاحقة ويجب عليه ابقاء المال إلى السنة المقبلة. (1) اما اعتبار الامن وعدم الخطر في الطريق على نفسه، أو بدنه أو عرضه، أو ماله المعبر عنه بالاستطاعة السربية فتدل عليه نفس الآية الشريفة (من استطاع إليه سبيلا) فان الاستطاعة السبيلية الواردة في الآية لا تصدق الا على ما إذا كان الطريق مأمونا ومخلى سربه لا يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله، مضافا إلى دلالة النصوص المعتبرة على ذلك. منها: صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (ع) في قوله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلي سربه له زاد وراحلة) (1) ومنها: معتبرة محمد بن يحيى الخثعمي قال: سأل حفص الكناسي


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب الحج ح 7.

[ 37 ]

[ (مسألة 13): إذا كان الحج طريقان احدهما مأمون والاخر غير مأمون لم يسقط وجوب الحج بل وجب الذهاب من الطريق المأمون وان كان ابعد (1). (مسألة 14): إذا كان له في بلده مال معتد به وكان ذهابه إلى الحج مستلزما لتلفه لم يجب عليه الحج (2). ] أبا عبد الله (ع) وانا عنده عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلي سربه له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج الحديث) (1) بل مجرد الخوف على نفسه أو عرضه أو ماله يكفي في سقوط الحج لان الخوف بنفسه موضوع مستقل لجواز الترك وقد جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضرر. واما اعتبار الاستطاعة البدنية فيدل عليه أيضا الروايات المفسرة للاية الكريمة كصحيحة هشام ومعتبرة الخثعمي المتقدمتين واما وجوب الاستنابة فيما إذا لم يتمكن من المباشرة فسيأتي تفصيله في المسألة 63. (1) لعدم اختصاص الوجوب باقرب الطرق بل العبرة بالاستطاعة والقدرة على الحج. (2) لحديث نفي الضرر الحاكم على جميع الاحكام الاولية. وربما يقال: بعدم جريان قاعدة لا ضرر في المقام لان دليل وجوب الحج مخصص لدليل نفي الضرر نظير التكليف بالجهاد والزكاة ووجوب


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب وجوب الحج ح 4.

[ 38 ]

[ وكذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن الذهاب شرعا. كما إذا استلزم حجه ترك واجب اهم من الحج كانقاذ غريق أو حريق أو توقف حجه على ارتكاب محرم كان الاجتناب عنه اهم من الحج (1). ] الاتفاق على الرحم من الاحكام الضررية المبتنية على الضرر فلا مجال لا جراء قاعدة نفي الضرر في امثال هذه الموارد. والجواب عنه: ان الحج وان كان حكما ضرريا في نفسه ويستوجب صرف المال ولكن القاعدة تجري بالنسبة إلى الزائد عما يقتضيه طبع الحج. (1) جميع ذلك من موارد التزاحم فتلاحظ الاهمية، فان دليل وجوب الحج ودليل الواجب أو الحرام مطلقان ولا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال فيقع التزاحم بينهما فاللازم تقديم الاهم وترجيحه على غيره والتخيير في المتساويين كما ان الامر كذلك في ساير التكاليف الالهية المتزاحمة، هذا بناءا - على المختار - من ان الاستطاعة المعتبرة ليست إلا العقلية غاية الامر انها استطاعة خاصة مفسرة بامور معينة في الروايات ولم يؤخذ في موضوع الحج عدم المانع الشرعي واما بناءا على مسلك المشهور من اعتبار القدرة الشرعية والتمكن الشرعي في وجوب الحج بحيث اخذ في موضوع الحج عدم المانع الشرعي فيمكن القول بعدم وجوب الحج إذا استلزم مانعا شرعيا من ترك واجب أو ارتكاب محرم وان لم يكن اهم لعدم تحقق الاستطاعة الشرعية حينئذ، ولكن قد حققنا في محله انه لا وجه ولا اساس لما ذكره المشهور اصلا.

[ 39 ]

[ (مسألة 15): إذا حج مع استلزام حجه ترك واجب اهم أو ارتكاب محرم كذلك. فهو وان كان عاصيا من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام إلا ان الظاهر انه يجزي عن حجة الاسلام إذا كان واجدا لسائر الشرائط (1) ولا فرق في ذلك بين من كان الحج مستقرا عليه ومن كان اول سنة استطاعته. (مسألة 16): إذا كان في الطريق عدو لا يمكن دفعه الا ببذل مال معتد به، لم يجب بذله ويسقط وجوب الحج (2) ] (1) لجريان الترتب حتى في باب الحج وعليه فلا فرق بين الحج الفعلي والمستقر فانه بناءا على وجود الامر بالحج ولو بالترتب فلا مانع من الاجزاء في القسمين. (2) اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى اقوال ثلاثة. الاول: عدم وجوب بذل المال وسقوط وجوب الحج كما عن الشيخ وجماعة. الثاني: وجوب بذل المال كما عن المحقق والمدارك. الثالث: التفصيل بين المضر بحاله والمجحف به وعدمه فيجب في الثاني دون الاول. والصحيح ان يقال: ان كان بذل المال حرجيا عليه - وهو المعبر عنه بالمضر بحاله والمجحف به - يرتفع وجوبه لنفي الحرج، وان لم

[ 40 ]

[ (مسألة 17): لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحج (1) الا مع خوف الغرق أو المرض (2) ولو حج مع الخوف صح حجه على الاظهر (3) ] يكن حرجيا ومشقة عليه فلابد من التفصيل بين ما إذا كان الضرر والنقص الحاصل في ماله معتدا به وان لم يكن مضرا بحاله ومجحفا به فلا يجب بذله لحديث نفي الضرر، وقد عرفت قريبا ان قاعدة نفي الضرر تجري في الحج ونحوه من الاحكام الضررية إذا كان الضرر اللازم اكثر مما يقتضيه طبع الواجب، وبين ما إذا كان الضرر يسيرا فلا يسقط وجوب الحج لصدق تخلية السرب على ذلك، وعلى سبيل المثال فربما لا يعد البذل في بعض الفروض من الضرر عرفا كبذل عشرة دنانير بالنسبة إلى الف دينار الذي يصرفه في الحج وشؤونه، ونظير ذلك بذل المال لاخذ جواز السفر ونحوه. (1) لان العبرة بالوصول إلى بيت الله الحرام لاداء فريضة الحج والقدرة على السفر - برا كان أو بحرا أو جوا - ولا موجب لاختصاص الوجوب باحدها. (2) لا يختص ذلك بالسفر بحرا، بل لو خاف على نفسه من الهلاك والمرض إذا سافر بطريق البر يسقط وجوب الحج أيضا للحرج فان الملاك في سقوط وجوب الحج بلوغ الخوف إلى حد يكون السفر حرجيا عليه وان كان منشأ الخوف امرا غير عقلائي من غير نظر إلى نوعية السفر. (3) لان ذلك في المقدمة وهي المشي إلى الميقات ولا يضر ذلك في صدق الاستطاعة.

[ 41 ]

[ (الثالث): الزاد والراحلة (1) ومعنى الزاد هو وجود ما يتقوت به في الطريق من المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه في سفره، أو وجود مقدار من المال (النقود وغيرها) بصرفه في سبيل ذلك ذهابا وايابا، ومعنى الراحلة هو وجود وسيلة يتمكن بها من قطع المسافة ذهابا وايابا (2) ] (1) ويدل على اعتبارهما - مضافا إلى عدم تحقق الاستطاعة عرفا بدونهما غالبا - عدة من النصوص المعتبرة المفسرة للاستطاعة المذكورة في الآية الشريفة. منها: معتبرة محمد بن يحيى الخثعمي، قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد الله (ع) وانا عنده عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلي سربه له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج، أو قال: ممن كان له مال، فقال له: حفص الكناسي فإذا كان صحيحا في بدنه مخلي في سربه له زاد وراحلة فلم يحج فهو ممن يستطيع الحج؟ قال: نعم) (1) ونحوها صحيحة هشام ومعتبرة السكوني (2) فالمتحصل من الروايات ان المعتبر في الحج ليس مجرد القدرة العقلية بل يشترط فيه قدرة خاصة ومنها ان يكون له زاد وراحلة. (2) وانما يعتبر نفقة الاياب لمن يريد العود إلى وطنه وإلا فلا يعتبر التمكن من مصارف الاياب كما سيأتي في مسألة (22).


(1) و (2) الوسائل: باب 8 من أبواب وجوب الحج ح 4 و 7 و 5.

[ 42 ]

[ ويلزم في الزاد والراحلة ان يكونا مما يليق بحال المكلف (1) ] (1) وإلا لكان حرجيا وهو منفي في الشريعة. نعم ربما يظهر من بعض الروايات عدم العبرة بالراحلة ولزوم تحمل المشقة بالمشي أو بالركوب على حمار اجدع ابتر. منها: صحيح ابن مسلم في حديث قال: قلت لابي جعفر (ع) فان عرض عليه الحج فاستحيى قال: هو ممن يستطيع الحج ولم يستحي ولو على حمار اجدع ابتر، قال: فان كان يستطيع ان يمشي بعضا ويركب بعضا فليفعل) (1) ومثله صحيح الحلبي (2). والجواب عن ذلك: مضافا - إلى انه لم يقل احد بمضونهما حتى القائل بعدم اعتبار الراحلة - ان هذه الروايات وردت في مورد البدل وعرض الحج وانه لو بذل له الحج واستقر عليه وصار مستطيعا بذلك فليس له الامتناع والحياء بعد عرض الحج وإذا امتنع من القبول واستحيى يستقر عليه الحج ويجب عليه اتيانه ولو كان فيه مشقة وحرج فالحكم المذكور فيهما اجنبي عن مورد كلامنا. وهو حصول الاستطاعة المالية للمكلف. ومنها: صحيح معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل عليه دين أعليه ان يحج؟ قال: نعم ان حجة الاسلام واجبه على من اطاق المشي من المسلمين ولقد كان (اكثر) من حج مع النبي (صلى الله عليه وآله ومسلم) مشاة ولقد مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء. فقال:


(1) و (2) الوسائل: باب 10 من أبواب وجوب الحج ح 1 و 5.

[ 43 ]

[ (مسألة 18) لا يختص اشتراط وجود الراحلة بصورة الحاجة إليها، بل يشترط مطلقا ولو مع عدم الحاجة إليها ] شدوا ازركم واستبطنوا ففعلوا ذلك فذهب عنهم) (1) فانه قد حكم فيه بوجوب الحج على من اطاق المشى والمراد من (اطاق) اعمال غاية الجهد والمشقة ومنه قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين). ويجاب عن ذلك اولا: بانه لم يعمل احد من الفقهاء بمضمونه. وثانيا: ان المراد بمن اطاق المشي القدرة على المشي في قبال المريض والمسجى الذي لا يتمكن من المشي اصلا حتى في داره وبلده فمن تمكن من المشي واطاقه - بمعنى انه لم يكن مريضا ولم يكن مسجي - يجب عليه الحج بالطرق المتعارفة لا مشيا على الاقدام. ولو سلمنا ظهور هذه الروايات في عدم اعتبار الراحلة فلا ريب ان ظهور تلك الروايات الدالة على الاعتبار اقوى من ظهور هذه فترفع اليد عن ظهور هذه لا ظهرية تلك الروايات. ويؤكد ما قلناه ان الحج لو كان واجبا على كل من تمكن من المشي وان لم يكن له راحلة لكان وجوبه حينئذ من الواضحات التي لا يمكن خفائها لكثرة الابتلاء بذلك. واما استشهاد الامام (ع) باصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يعلم ان حجهم كان حجة الاسلام ويحتمل كونه حجا ندبيا وان فرض اول سنتهم لاستحباب الحج للمتسكع. فلا ريب في اعتبار الزاد والراحلة حتى لمن يتمكن من المشي.


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 44 ]

[ كما إذا كان قادرا على المشي من دون مشقة ولم يكن منافيا لشرفه (1). (مسألة 19): العبرة في الزاد والراحلة بوجودهما فعلا فلا يجب على من كان قادرا على تحصيلهما بالاكتساب ونحوه (2) ولا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد (3) ] (1) قد عرفت ان الاستطاعة المعتبرة في الحج فسرت في الروايات بامور خاصة منها الزاد والراحلة. ولكن وقع الخلاف في اشتراط الزاد والراحلة وانهما شرط على الاطلاق أو انهما شرط عند الحاجة اليهما فلو كان قادرا على المشي من دون مشقة لا يعتبر وجود الراحلة فعن المشهور انهما شرط مطلقا حتى في حق من من كان متمكنا من المشي فلو حج ماشيا من دون وجود الراحلة لا يجزي حجة عن حجة الاسلام، ويظهر من صاحب الوسائل اعتبارهما عند الحاجة لاخذ الحاجة في عنوان اخبار المقام. (1) وقد عرفت بما لا مزيد عليه ان المستفاد من الاخبار اعتبار الزاد والراحلة مطلقا حتى في حق القادر على المشي. (2) لعدم وجوب تحصيل الشرط. (3) لاطلاق ما دل على اعتبار وجود الراحلة حتى بالنسبة إلى اهل مكة المكرمة لقطع المسافة بينها وبين عرفات التي تبلغ اربعة فراسخ تقريبا.


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب وجوب الحج.

[ 45 ]

[ (مسألة 20): الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج انما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده (1) فإذا ذهب المكلف إلى المدينة مثلا للتجارة أو لغيرها وكان له هناك ما يمكن ان يحج به من الزاد والراحلة أو ثمنهما وجب عليه الحج، وان لم يكن مستطيعا من بلده. (مسألة 21): إذا كان للمكلف ملك ولم يوجد من ] وعن المحقق وغيره عدم اعتبار وجود الراحلة للمكي واجابوا عن اطلاق الروايات الدالة على اشتراط الراحلة بانها وردت في تفسير الآية الشريفة التي موضوعها السفر إلى البيت والقصد إليه فلا تشمل من كان في مكة ويريد السفر إلى عرفات ومن المعلوم ان اهل مكة يحجون حج الافراد أو القران فيسافرون إلى عرفات لا إلى البيت. والجواب عنه: انه لا ريب في ان البيت الشريف مقصود في جميع الاقسام الثلاثة للحج غاية الامر قد يقصده قبل اتيان بقية المناسك كحج التمتع وقد يقصده بعد اداء المناسك كحج القران أو الافراد الذي يكون وظيفة لاهل مكة. فلا فرق في اشتراط الراحلة بين السفر إلى بيت الله الحرام أولا وبين السفر إلى عرفات أولا لان البيت مقصود لا محالة في جميع انواع الحج. (1) لاطلاق ادلة اشتراط الاستطاعة ولا خصوصية لحصولها في بلد دون بلد آخر. وبعبارة اخرى: متى كان واجدا للشرائط تنطبق عليه الادلة ولا دليل على لزوم حصول الاستطاعة من بلده.

[ 46 ]

[ يشتريه بثمن المثل وتوقف الحج على بيعه باقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع (1) واما إذا ارتفعت الاسعار فكانت اجرة المركوب مثلا في سنة الاستطاعة اكثر منها في السنة الآتية لم يجز التأخير (2). (مسألة 22): انما يعتبر وجود نفقة الاياب في وجوب الحج فيما إذا اراد المكلف اعود إلى وطنه. واما إذا لم يرد العود واراد السكنى في بلد آخر غير وطنه فلابد من وجود النفقة إلى ذلك البلد ولا يعتبر وجود مقدار العود إلى وطنه (3). نعم إذا كان البلد الذي يريد السكنى فيه ] (1) قد عرفت حكم هذه المسألة من مطاوي الابحاث السابقة، فقد ذكرنا ان قاعدة لا ضرر لا مانع من جريانها في الحج ونحوه من الاحكام الضررية إذا كان الضرر اللازم اكثر مما يقتضيه طبع الحج كما إذا كان الضرر والنقص الحاصل محجفا به فحينئذ لا يجب البيع بالقيمة النازلة المجحفة به. (2) إذا كان الارتفاع متعارفا كما في هذه الازمنة فلا موجب للسقوط وتأخير الحج. نعم إذا كان الغلاء غير متعارف وكان مجحفا به فلا يجب الحج في هذه السنة لجريان قاعدة لا ضرر بالنسبة إلى الضرر غير المتعارف الذي لا يقتضيه طبع الحج. (3) لا اشكال ولا ريب في اعتبار نفقة الاياب في وجوب الحج

[ 47 ]

[ ابعد من وطنه لم يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه. ] لمن يريد العود إلى وطنه بحيث كان البقاء في مكة المكرمة امرا حرجيا عليه، ومجرد تمكنه من نفقة الذهاب من دون تمكنه من نفقة العود لا يحقق الاستطاعة لنفي الحرج. نعم إذا لم يكن بقائه في مكة المكرمة حرجيا عليه ويتمكن من العيش هناك لعدم علاقة له بوطنه كما إذا كان وحيدا لا اهل له فلا يعتبر تمكنه من نفقة العود إلى وطنه وتكفي نفقة الذهاب إذ لا موجب لاعتبار ذلك فتشمله ادلة وجوب الحج. واما إذا لم يرد العود إلى وطنه واراد السكنى إلى بلد آخر غير وطنه ففصل في المتن بين ما إذا كان ذلك البلد الذي يريد السكنى فيه ابعد من وطنه كمن ذهب من العراق إلى مكة ويريد الذهاب من مكة إلى خراسان فلا يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان (كخراسان) بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه. وبين ما إذا لم يكن البلد الذى يريد السكنى فيه ابعد كالشام فيعتبر وجود النفقة إلى ذلك البلد الذي يريد البقاء فيه ولا يعتبر وجود نفقة العود إلى وطنه. ولا يخفى ان العبرة بكثرة النفقة وقلتها لا بقرب المسافة وبعدها ولعل اخذ البعد والقرب من جهة الغلبة فان الاكثر مسافة تستدعي اكثر اجرة وقيمة كما ان الاقل مسافة يستدعي اقل نفقة واجرة غالبا، وربما يعكس الامر فقد يكون اقرب مسافة يحتاج إلى الاكثر اجرة وقيمة

[ 48 ]

[ الرابع: الرجوع إلى الكفاية، وهو التمكن بالفعل أو بالقوة من اعاشة نفسه وعائلته بعد الرجوع، وبعبارة واضحة: يلزم ان يكون المكلف على حالة لا يخشى معها على نفسه وعائلته من العوز والفقر بسبب صرف ما عنده من المال في سبيل الحج، وعليه فلا يجب على من يملك مقدارا ] والاكثر مسافة يستدعي اقل نفقة كالعود إلى العراق بطريق البر والعود إلى الشام من طريق الجو الذي هو اقل مسافة ولكنه اكثر اجرة، فالعبرة في الحقيقة بالاقل والاكثر نفقة، فالاحسن ان يفصل بنحو آخر ذكره سيدنا الاستاذ (دام ظله) في الشرح على العروة. وحاصله: انه قد يفرض عدم تمكنه من العود إلى بلده ولكن لابد له من ان يذهب إلى بلد آخر فحينئذ يعتبر وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد وان كان ابعد لان الرجوع إلى وطنه كالعراق غير ممكن له وبقائه في مكة حرجى عليه والمفروض لزوم الذهاب إلى بلد آخر فيعتبر وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد. وقد يفرض انه يريد الذهاب إلى بلد آخر لرغبته الشخصية فلا عبرة في نفقة الذهاب إلى ذلك البلد بالقرب والبعد بل العبرة حينئذ بكثرة القيمة وقلتها، فان كان الذهاب إلى ذلك البلد الذي يريد البقاء فيه اختيارا يستدعي الصرف اكثر من العود إلى وطنه وان كان اقل مسافة فالعبرة بمقدار نفقة العود إلى وطنه وان كان الذهاب إليه يحتاج إلى الاقل اجرة فالعبرة بذلك وان كان ابعد مسافة كالمثال المتقدم.

[ 49 ]

[ من المال يفي بمصارف الحج وكان ذلك وسيلة لاعاشته واعاشة عائلته مع العلم بانه لا يتمكن من الاعاشة عن طريق آخر يناسب شأنه (1). ] (1) وعمدة ما يدل على اعتبار ذلك انما هي قاعدة نفي العسر والحرج واما الاخبار التي استدل بها على ذلك فكلها ضعيفة الا خبر أبي الربيع الشامي، قال: (سأل أبو عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فقال: ما يقول الناس؟ قال: فقلت له: الزاد والراحلة، قال. فقال: أبو عبد الله (ع): قد سئل أبو جعفر (ع) عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغنى به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم اياه لقد هلكوا إذا فقيل له: فما السبيل؟ قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقى بعضا لقوت عياله أليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها الا على من يملك مأتي درهم) (1) والخبر وان كان موثقا - لان أبا الربيع الشامي من رجال تفسير على بن ابراهيم القمي وهم ثقات - الا انه على ما رواه الشيخ في التهذيب ليس فيه ما يدل على المدعى الا جملة (السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقى بعضا لقوت عياله) هذه تدل على شرط آخر وهو اعتبار وجود ما يمون به عياله حتى يرجع في الاستطاعة وذلك اجنبي عن اعتبار الرجوع إلى الكفاية. ولذا قال الشهيد الثاني ان الرواية


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب وجوب الحج ح 1 والتهذيب ج 5 ص 1.

[ 50 ]

[ فبذلك يظهر انه لا يجب بيع ما يحتاج إليه في ضروريات معاشه من امواله فلا يجب بيع دار سكناه اللائقة بحاله وثياب تجمله واثاث بيته ولا آلات الصنايع التي يحتاج إليها في معاشه ونحو ذلك مثل الكتب بالنسبة إلى اهل العلم مما لابد منه في سبيل تحصيله. ] لا تدل على مطلوبهم وانما تدل على اعتبار المؤنة ذاهبا وعائدا ومؤنة عياله كذلك نعم المفيد رواه في المقنعة عن أبي الربيع الشامي وزاد فيه بعد قوله: ويستغنى به عن الناس: يجب عليه ان يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا. فقيل له: فما السبيل؟ قال: السعة في المال. ثم ذكر تمام الحديث. وفيما رواه المفيد دلالة على المدعي ولكن طريق المفيد إلى أبي الربيع الشامي مجهول. والحاصل: الرواية الموثقة خالية عما يكون شاهدا على المدعى وما يكون شاهدا عليه غير موثق. فالعمدة - كما ذكرنا - ادلة نفى الحرج. ومن ذلك: يظهر اعتبار امر آخر في الاستطاعة وهو وجود ما يمون به عياله حتى يرجع بل لو لم يكن له ذلك لا يتحقق عنوان الاستطاعة فان قوله (ع): (يجب الحج إذا كان عنده ما يحج به) لا يصدق إلا إذا كان مالكا لقوت عياله ممن يجب عليه نفقته شرعا. فانه حق مالي يجب عليه اداؤه وليس له تفويته. ثم لا يخفى ان مفاد خبر أبي الربيع الشامي لا يزيد عما يقتضيه ادلة نفي الحرج.

[ 51 ]

[ وعلى الجملة: كل ما يحتاج إليه الانسان في حياته وكان صرفه في سبيل الحج موجبا للعسر والحرج لم يجب بيعه، نعم لو زادت الاموال المذكورة عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحج، بل من كان عنده دار قيمتها الف دينار - مثلا - ويمكنه بيعها وشراء دار اخرى باقل منها من دون عسر وحرج لزمه ذلك إذا كان الزائد وافيا بمصارف الحج ذهابا وايابا وبنفقة عياله (1). (مسألة 23): إذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحج لحاجته إليه، ثم استغنى عنه وجب عليه بيعه لاداء فريضة الحج - مثلا - إذا كان للمرأة حلي تحتاج إليه ولابد لها منه ثم استغنت عنه لكبرها أو لامر آخر وجب عليها بيعه لاداء فريضة الحج (2). ] (1) والوجه في ذلك كله ادلة نفي العسر والحرج التي اشار إليها في المتن ولذا يجب بيع الزائد عن مقدار الحاجة وصرفه في الحج وكذا يجب الانتقال إلى دار اخرى ارخص من داره - لعدم وقوعه في العسر والحرج على الفرض. (2) فان المرأة إذا كانت محتاجة إلى لبس الحلي كما إذا كانت شابة ومن شانها ان تلبس الحلي فحينئذ لا يجب عليها بيعه وتبديله وصرفه في الحج لان صرفه في الحج امر حرجي عليها بخلاف ما لو استغنت

[ 52 ]

[ (مسألة 24): إذا كانت له دار مملوكة وكانت هناك دار اخرى يمكنه السكنى فيها من دون حرج عليه كما إذا كانت موقوفة تنطبق عليه وجب عليه بيع الدار المملوكة إذا كانت وافية بمصارف الحج ولو بضميمة ما عنده من المال، ويجري ذلك في الكتب العلمية وغيرها مما يحتاج إليه في حياته (1). (مسألة 25): إذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحج وكان بحاجة إلى الزواج أو شراء دار لسكناه أو غير ذلك مما يحتاج إليه فان كان صرف ذلك المال في الحج موجبا لوقوعه في الحرج لم يجب عليه الحج والا وجب عليه (2). ] عنه لكبرها - مثلا - وجب عليها بيعه وصرفه في الحج لعدم استلزام ذلك الحرج (1) لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم تكن السكنى في الدار الموقوفة حرجيا عليه ولم تكن منافية لشأنه فإذا لا حاجة له إلى الدار المملوكة لسد حاجته بالوقف ونحوه وكذا الحال بالنسبة إلى الكتب العلمية ونحوها من الاثاث. (2) لان الميزان في سقوط الحج وعدمه بان يكون الالزام بالحج حرجيا عليه فيرتفع وجوبه حتى ولو قلنا بعدم حرمة ايقاع النفس في

[ 53 ]

[ (مسألة 26): إذا كان ما يملكه دينا على ذمة شخص وكان الدين حالا وجبت عليه المطالبة فان كان المدين مماطلا وجب اجباره على الاداء. وان توقف تحصيله على الرجوع إلى المحاكم العرفية لزم ذلك كما تجب المطالبة فيما إذا كان الدين مؤجلا ولكن المدين يؤديه لو طالبه. واما إذا كان المدين معسرا أو مماطلا ولا يمكن اجباره أو كان الاجبار مستلزما للحرج أو كان الدين مؤجلا والمدين لا يسمح باداء ذلك قبل الاجل ففي جميع ذلك ان امكنه بيع الدين بما يفي بمصارف الحج ولو بضميمة ما عنده من المال ولم يكن في ذلك ضرر ولا حرج وجب البيع والا لم يجب (1). ] الحرج والمشقة وذلك لحكومة دليل الحرج على الاحكام الاولية. (1) هذه المسألة تنحل إلى اربع صور: الاولى: ما إذا كان الدين حالا وكان المديون باذلا فاللازم مطالبته لصدق الاستطاعة بذلك وكونه واجدا لما يحج به إذ لا فرق في ملكه للزاد والراحلة بين ما يملكهما عينا أو قيمة وبدلا. الثانية: ان يكون الدين حالا والمدين مماطلا غير باذل فان امكن اجباره ولو بالرجوع إلى المحاكم العرفية وجب لصدق الاستطاعة بذلك ومجرد الاستعانة بالغير لا يوجب خروج ذلك عن الاستطاعة فيما لو لم يكن في الاستعانة حرج عليه فان ذلك نظير ما إذا توقف الحصول على ماله على علاج كما إذا كان له مال مدفون في الارض أو كان في

[ 54 ]

[ (مسألة 27): كل ذي حرفة كالحداد والبناء والنجار وغيرهم ممن يفي كسبهم بنفقتهم ونفقة عوائلهم يجب عليهم الحج إذا حصل لهم مقدار من المال بارث أو غيره وكان وافيا بالزاد والراحلة ونفقة العيال مدة الذهاب والاياب (1). ] صندوق وتوقف التصرف فيه على حفر الارض أو فتح الصندوق ولو بان يستأجر احدا لذلك فان القدرة التكوينية إذا كانت متوقفة على مقدمات يجب عقلا تحصيل تلك المقدمات ولا يوجب ذلك سقوط الواجب. واما المنع عن الرجوع إلى حاكم الجور النهي عن الركون إليه والاستعانة به فقد ذكرنا في محله ان الاقوى جواز الرجوع إليه إذا توقف استيفاء الحق وانقاذه عليه. الثالثة: ما إذا كان الدين مؤجلا ولكن المدين يبذله قبل الاجل لو طالبه الدائن فالظاهر أيضا وجوب المطالبة لصدق الاستطاعة ومجرد توقف التصرف على المطالبة لا يوجب عدم صدق الاستطاعة فان ذلك كالمال الموجود في الصندوق الذي يحتاج فتحه إلى العلاج. الرابعة: ما إذا كان المدين معسرا أو مماطلا ولا يمكن اجباره أو كان الاجبار مستلزما للحرج أو كان الدين مؤجلا والمدين لا يدفعه قبل الاجل ففي جميع ذلك لو تمكن من بيعه نقدا باقل منه كما هو المتعارف يجب عليه بيعه لصدق الاستطاعة بذلك وانه واجد لما يحج به وقد عرفت انه لا يعتبر في صدق الاستطاعة وجود ما يحج به عينا بل تصدق الاستطاعة على من يملك ما يحج به ولو بدلا أو قيمة. (1) لحصول الاستطاعة والتمكن من السفر إلى الحج، ولا يعتبر

[ 55 ]

[ (مسألة 28): من كان يرتزق من الوجوه الشرعية كالخمس والزكاة وغيرهما وكانت نفقاته بحسب العادة مضمونة من دون مشقة لا يبعد وجوب الحج عليه فيما إذا ملك مقدارا من المال يفي بذهابه وايابه ونفقة عائلته وكذلك من قام احد بالانفاق عليه طيلة حياته، وكذلك كل من لا يتفاوت حاله قبل الحج وبعده من جهة المعيشة ان صرف ما عنده في سبيل الحج (1). (مسألة 29): لا يعتبر في الاستطاعة الملكية اللازمة بل تكفي الملكية المتزلزلة أيضا (2) فلو صالحه شخص ما يفى بمصارف الحج وجعل لنفسه الخيار إلى مدة معينة وجب عليه الحج، وكذلك الحال في موارد الهبة الجائزة. ] في الرجوع إلى الكفاية وجود ما تعيش به نفسه وعائلته بالفعل بل يكفي التمكن من ذلك ولو لاجل صنعته وحرفته فان المعتبر فيه ان لا يحتاج إلى التكفف وان لا يقع في الشدة والحرج بعد الرجوع. (1) لوجود ما يحج به من مؤنة الذهاب والاياب ونفقة العيال وعدم وقوعه في الحرج بعد الرجوع. (2) خلافا لصاحب العروة (قده) معللا بان الملكية المتزلزلة في معرض الزوال ولا تثبت بها الاستطاعة. ولكن الظاهر هو الاكتفاء بها لصدق كونه واجدا للزاد والراحلة

[ 56 ]

[ (مسألة 30): لا يجب على المستطيع ان يحج من ماله فلو حج متسكعا أو من مال شخص آخر اجزأه (1) نعم إذا كان ثوب طوافه أو ثمن هديه مغصوبا لم يجزئه ذلك (2) ] وان عنده ما يحج به، وادلة وجوب الحج على من كان واجدا لهما لم تقيد بعدم كون المال في معرض الزوال فمتى ما كان المكلف واجدا للزاد والراحلة وجب عليه الحج حتى مع علمه بفسخ المشتري فيما بعد فان اقصاه انه يفي دينه للمشتري بلا حرج على القرض، ولو شك في الرجوع يستصحب عدمه. وبذلك يظهر الحال في موارد الهبة الجائزة، (1) لان الواجب عليه انما هو الحج ولا يعتبر في ان يكون صرف المال من كيسه الخاص أو صرفه حسب شؤنه وانما ذلك مقدمة ووسيلة للوصول إلى الحج. والحاصل لو توقف اتيان الحج على الصرف من ماله الخاص وجب وإلا فلا دليل على وجوب الصرف من ماله. (2) قد عرفت ان صرف المال من كيسه الخاص غير واجب وانما الواجب عليه الحج وصرف المال وسيلة للوصول إليه، بل لو غصب مالا وحج به صح حجه واجزئه وانما يكون ضامنا للمال المغصوب. نعم يعتبر اباحة ثوب الطواف لان الستر معتبر في الطواف ولا يصح عاريا فإذا كان الساتر محرما لا يصح طوافه لان الفرد الحرام لا يكون مصداقا للواجب. فحاله حال الصلاة في اعتباره بالثوب الساتر واما ثمن الهدي فان كان من عين المال المغصوب فلا ريب في عدم دخول

[ 57 ]

[ (مسألة 31): لا يجب على المكلف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره (1) فلو وهبه احد مالا يستطيع به لو قبله لم يلزمه القبول وكذلك لو طلب منه ان يؤجر نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعا ولو كانت الخدمة لائقة بشأنه. ] الهدي في ملكه فلو ذبحه فهو في الحقيقة تارك للهدي متعمدا فيفسد حجه وطوافه لما سيجئ (ان شاء الله تعالى) ان من ترك الهدي عالما عامدا فطاف بطل طوافه ولزمه التدارك بعد تدارك الذبح. واما إذا اشتراه بالذمة - كما هو الغالب في المعاملات - وادى الثمن من المغصوب وفاءا للمعاملة ففي مثله تصح المعاملة ويكون الهدي داخلا في ملكه غاية الامر يضمن المال لصاحبه. (1) لان ذلك من تحصيل الشرط ولا يجب على المكلف تحصيله فان الاستطاعة اخذت مفروضة الوجود، ولذا لو وهبه احد مالا يستطيع به لو قبله أو طلب منه اجارة نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعا لم يجب عليه القبول. وقد يقال - كما عن النراقي (قده) - بالوجوب لوجهين: الاول: صدق الاستطاعة العرفية على ذلك. الثاني: ان الانسان يملك منافع نفسه كما يملك منافع ما يملكه من الاعيان كالعقار والدواب فيكون واجدا للمال ومستطيعا قبل الاجارة ومن المعلوم انه لا يعتبر في الاستطاعة وجود الاثمان والنقود

[ 58 ]

[ نعم لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحج واستطاع بذلك وجب عليه الحج (1). ] أو وجود عين مال مخصوص بل المعتبر وجود ما يمكن صرفه في سبيل الحج. والجواب عن الاول: ان الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج ليست الاستطاعة العرفية ولا العقلية وانما هي استطاعة خاصة مفسرة في الروايات بملكية الزاد والراحلة وتخلية السرب وهي تحصل باحد امرين اما واجديته لما يحج به أو بالبذل وكلاهما غير حاصل في المقام. وعن الثاني: بان الانسان وان كان يملك منافع نفسه لكن لا بالملكية الاعتبارية نظير ملكيته للعقار والدواب ولا يصدق عليه انه ذو مال باعتبار قدرته على منافع نفسه وقدرته على اعماله. ولذا تسالم الفقهاء على انه لو حبس احد حرا لا يضمن منافعه باعتبار تفويته هذه المنافع. والذي يدل على ما ذكرناه ان الانسان لو كان مالكا لمنافع نفسه بالملكية الاعتبارية لكان واجدا لما يحج به فلا حاجة إلى طلب الاستئجار منه بل يجب عليه اولا تعريض نفسه للايجار كما إذا كان مالكا للدار والدواب ولا اظن احدا يلتزم بذلك. (1) قد يؤجر المكلف نفسه للخدمة في طريق الحج كالطبخ وغيره بما يصير مستطيعا بحيث يكون متعلق الاجارة نفس العمل المذكور ويكون السير في الطريق مقدمة لتسليم العمل المملوك إلى مالكه ففي مثله يجب عليه الحج ويجزئ حجه عن حجة الاسلام، ولا ينافيه

[ 59 ]

[ (مسألة 32): إذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحج واستطاع بمال الاجارة قدم الحج النيابي إذا كان مقيدا بالسنة الحالية فان بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحج وإلا فلا (1) وان لم يكن الحج النيابي مقيدا بالسنة الفعلية قدم الحج عن نفسه. (مسألة 33): إذا اقترض مقدارا من المال يفى بمصارف الحج وكان قادرا على وفائه بعد ذلك وجب عليه الحج (2). ] وجوب قطع الطريق للغير لان الواجب عليه - في حج نفسه - افعال الحج واعماله وقطع الطريق ليس منها وانما هي مقدمة توصلية فما وجب عليه لم يقع عليه الاجارة وما استوجر عليه غير ما وجب عليه. (1) لوجوب تسليم العمل المملوك إلى مالكه كما لو آجر نفسه لساير الاعمال كالخياطة والبناء فان وجوب تسليم العمل المملوك ينافي ويزاحم وجوب الحج على نفسه على الفرض. نعم إذا لم يكن الحج النيابي مقيدا بالعام الحاضر بل كانت الاجارة مطلقة قدم الحج عن نفسه لعدم المزاحمة لكن فيما إذا لم يكن الاتيان به مزاحما لاتيان الحج النيابي في السنين الآتية واما إذا كان مزاحما قدم الحج النيابي كما لو علم بانه لو حج عن نفسه في هذا العام لا يتمكن من الحج النيابي في العام القابل فالحج النيابي كالديون في المزاحمة عدمها. (2) لا ريب في انه لا يجب عليه الاقتراض للحج وان كان متمكنا

[ 60 ]

[ (مسألة 34): إذا كان عنده ما يفي بنفقات الحج وكان عليه دين ولم يكن صرف ذلك في الحج منافيا لاداء ذلك الدين وجب عليه الحج (1) والا فلا، ولا فرق في الدين بين ان يكون حالا أو مؤجلا، وبين ان يكون سابقا على حصول ذلك المال أو بعد حصوله. ] من ادائه بسهولة لان ذلك من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب قطعا. نعم لو استدان مقدارا من المال بحيث صار واجدا للزاد والراحلة وكان قادرا على وفائه بلا مشقة وجب عليه الحج لفعلية الحكم بفعلية موضوعه. (1) فان الدين بنفسه لم يكن منافيا ومزاحما للحج إلا إذا كان اتيان الحج مزاحما لادائه بحيث لو صرف المال في الحج لم يتمكن من وفاء الدين فحينئذ يقدم الدين لاهميته جزما فان الخروج من عهدة الناس اهم من حق الله تعالى بل لو كان محتمل الاهمية يقدم أيضا لان محتمل الاهمية من جملة المرجحات في باب التزاحم. ويدل على ذلك مضافا إلى ما ذكرنا صحيح معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل عليه دين أعليه ان يحج؟ قال: نعم ان حجة الاسلام واجبة على من اطاق المشي من المسلمين (1) فان المستفاد منه ان الدين بنفسه لا يمنع عن الحج فما ذهب إليه المحقق وجماعة من ان الدين مطلقا مانع عن الحج لا وجه له.


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب وجوب الحج ح 1

[ 61 ]

[ (مسألة 35): إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار من المال ولكن لا يفي بمصارف الحج لو اداهما وجب عليه اداؤهما ولم يجب عليه الحج ولا فرق في ذلك بين ان يكون الخمس والزكاة في عين المال أو يكونا في ذمته (1). ] ولا فرق فيما ذكرنا بين كون الدين حالا أو مؤجلا وبين كونه سابقا على حصول ذلك المال ام لا لان الميزان بالمزاحمة وعدمها. (1) إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار من المال لا يكفي إلا للحج أو لاداء ما عليه من الخمس أو الزكاة فهل يقدم الحج على اداء الحق الشرعي ام لا؟ وهنا صورتان. الاولى: ما إذا كان الحق متعلقا بذمته وحكمه حكم الدين الشخصي وقد عرفت ان الدين المطالب به يقدم على الحج ولا فرق بين كونه مدينا لشخص معين أو لجهة من الجهات فيتزاحم التكليفان ويجب عليه صرف المال في اداء الدين لاهميته من حق الله تعالى فتزول الاستطاعة. الثانية: ان يكون الحق الذي هو الزكاة أو الخمس متعلقا بعين ماله فلا ريب أيضا في تقديمهما على الحج لا لان التعلق بالعين مانع عن التصرف فيها على خلاف مقتضى الحال كالتصرف في العين المغصوبة فانه لا يجوز التصرف فيها، فان الجواب عن هذا واضح لان حرمة التصرف في المال لا تكون مانعة ولذا لو عزل الزكاة وجاز له تأخير اداؤها لم يجز له التصرف في المال بالحج فيتبين ان عدم وجوب الحج

[ 62 ]

[ (مسألة 36): إذا وجب عليه الحج وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه اداؤها ولم يجز له تأخيره لاجل السفر إلى الحج (1). ولو كان ثياب طوافه وثمن هديه من المال الذي قد تعلق به الحق لم يصح حجه (2). (مسألة 37): إذا كان عنده مقدار من المال ولكنه لا يعلم بوفائه بنفقات الحج لم يجب عليه الحج ولا يجب عليه الفحص (3) وان كان الفحص احوط. ] غير مستند إلى الحكم التكليفي كحرمة التصرف في المال أو وجوب الاداء، بل الوجه في التقديم انه مع وجود الحق في ذمته غير مستطيع وغير واجد لما يحج به فان ثبوت الحق في ذمته يوجب فقدان موضوع الحج وهو الاستطاعة. (1) لعدم الفرق بين الدين لشخص أو لجهة كالفقراء والسادة وقد عرفت فيما سبق ان اداء الدين لا هميته يقدم على الحج. (2) لانه كالمغصوب والمعتبر اباحة ثوب الطواف كما انه يعتبر حلية ثمن الهدي والا فلا يدخل في ملكه فيكون تاركا للهدي وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثلاثين. (3) لان الشبهة موضوعية فتجري فيها اصالة البرائة العقلية والنقلية ولا دليل على وجوب الفحص فيها. وربما يستدل لوجوب الفحص في المقام بامور.

[ 63 ]

منها: ما عن المحقق النائيني (ره) من ان هذا المقدار من الفحص لا يعد من الفحص عرفا فان الفحص بمقدار يعرف انه مستطيع ام لا كالمراجعة إلى دفتر حساباته لا يعد ذلك لدى العرف فحصا فانه نظير النظر إلى الافق لتبين للفجر ونحو ذلك. والجواب عنه: ان الفحص لم يؤخذ في لسان أي دليل حتى يقال بان هذا المقدار من الفحص ليس فحصا عرفا أو هو فحص عرفا وادلة البرائة موضوعها الجاهل والشاك ومقتضى اطلاقها جريان البرائة ما دام المكلف جاهلا بالموضوع ولا دليل على اعتبار الفحص، وانما يعتبر الفحص في الشبهات الحكمية لدليل مذكور في محله غير جار في الشبهات الموضوعية كما يعتبر الفحص في الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي والموضوعات المهمة كالدماء والفروج وفي غير ذلك بتمسك باطلاق ادلة الاصول. نعم في بعض الموارد قد لا يصدق عنوان الجاهل كالمورد الذي يحتاج إلى الفحص اليسير جدا بل قد لا يعد من الفحص كالنظر إلى الافق بفتح عينه ليرى الفجر ففي مثله لا يجري الاستصحاب. ومنها: بانه لولا الفحص لزمت المخالفة القطعية الكثيرة. وفية: اولا: بالنقض بموارد كثيرة للاصول الشرعية كالشك في الطهارة والنجاسة ونحوهما مما يعلم فيها بالمخالفة غالبا لو تفحص عنها. وثانيا: بالحل فان المكلف بالنسبة إلى نفسه لا يعلم بوقوعه في المخالفة ولو علم لكان من العلم الاجمالي في التدريجيات ويجب الفحص حينئذ ولكنه خارج عن محل الكلام واما بالنسبة إلى سائر الناس فانه قد يعلم بوقوعهم في الخلاف ولكن لا اثر لذلك بالنسبة إلى نفسه. ومنها: خبر زيد الصائغ الوارد في الدارهم الممتزجة من الفضة

[ 64 ]

[ (مسألة 38): إذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحج منفردا أو منضما إلى المال الموجود عنده فان لم يكن متمكنا من التصرف في ذلك المال ولو بتوكيل من يبيعه هناك لم يجب عليه الحج (1) والا وجب (2). ] والمس والرصاص الآمر بتخليصها وتصفيتها حتى يحترق الخبيث ويبقى الخالص قال: (قلت: وان كنت لا اعلم ما فيها من الفضة الخالصة الا اني اعلم ان فيها ما يجب فيه الزكاة؟ قال فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثم تزكي ما خلص من الفضة لسنة واحدة) (1) فان الامر بالتخليص ليس الا لاعتبار الفحص والا فلا موجب له. والجواب عن ذلك: اولا ان الخبر ضعيف السند بزيد الصائغ وثانيا: انه ضعيف الدلالة بانه لو كانت الدراهم ممتزجة من ثلاثة اشياء فيتمكن المكلف من اعطاء الزكاة بنسبة المال الموجود في الدراهم ولا حاجة إلى اعمال هذه العملية من سبك الدراهم وتخليصها. والظاهر ان الرواية في مقام بيان تعليم كيفية التخليص وليست في مقام بيان وجوب الفحص. فتحصل: انه لا دليل على وجوب الفحص في هذه الموارد وللمكلف ان يعمل بالاصول الشرعية الجارية فيها (1) لعدم صدق الاستطاعة لان العبرة في تحقق الوجوب بالتمكن من التصرف ومجرد الملكية لا يحقق موضوع الاستطاعة. (2) لصدق الاستطاعة إذا لا يعتبر فيها حضور المال وكونه تحت


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة ح 1.

[ 65 ]

[ (مسألة 39): إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحج وجب عليه الحج ولم يجز له التصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ولا يمكنه التدارك، ولا فرق في ذلك بين تصرفه بعد التمكن من المسير وتصرفه فيه قبله، بل الظاهر عدم جواز التصرف فيه قبل اشهر الحج أيضا (1). ] يده فعلا. بل الميزان هو التمكن من التصرف والمفروض حصوله. (1) لا ريب في ان مقتضى حكم العقل حرمة تفويت الملاك وعدم جواز تعجيز المكلف نفسه عن اداء الواجب بعد فعليته وتحقق شرائطه وحدوده وان كان الواجب متأخرا لان الميزان في تقبيح العقل للتعجيز هو تنجيز الواجب وفعليته وان كان زمان الواجب استقباليا. والظاهر انه لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز اتلاف الاستطاعة بعد تحققها وانما اختلفوا في مبدء زمان عدم الجواز. فالمعروف بينهم ان مبدئه خروج الرفقة فيجوز الاتلاف قبل خروج القافلة الاولى وان كان متمكنا من المسير. وعن بعضهم كالسيد في العروة ان مبدئه هو التمكن من المسير ولا عبرة بخروج الرفقة فيجوز له قبل ان يتمكن من المسير ان يتصرف في المال بما يخرجه عن الاستطاعة واما بعد التمكن منه فلا يجوز وان كان قبل خروج الرفقة. وعن المحقق النائيني ان العبرة باشهر الحج فإذا هل هلال شوال لم يجز له اتلاف ما استطاع به.

[ 66 ]

[ نعم إذا تصرف ببيع أو هبة أو عتق أو غير ذلك حكم بصحة التصرف وان كان آثما بتفويته الاستطاعة (1). ] والظاهر انه لا دليل على شئ مما ذكروه، والصحيح عدم جواز اتلاف الاستطاعة من اول زمان حصولها ولو قبل التمكن من المسير أو قبل خروج الرفقة أو قبل اشهر الحج. وذلك لان مقتضى الآية الكريمة والروايات المفسرة للاستطاعة تنجز الوجوب عليه بمجرد حصول الاستطاعة من الزاد والراحلة وتخلية السرب وصحة البدن من دون فرق بين حصولها في اشهر الحج أو قبلها أو قبل خروج الرفقة أو قبل التمكن من المسير أو بعده، فمتى حصلت الاستطاعة يتنجز الواجب عليه. واشهر الحج انما هو ظرف للواجب لا للوجوب. فالوجوب المستفاد من الادلة غير محدد بوقت خاص، ولذا لو استطاع قبل اشهر الحج وفرضنا انه لا يتمكن من الوصول إلى الحج لو سافر في شهر شوال لبعد المسافة كما في الازمنة السابقة بالنسبة إلى البلاد البعيدة يجب عليه السفر في زمان يمكنه الوصول إلى الحج ولو في شهر رجب أو قبله فلا عبرة باشهر الحج ولا بغير ذلك مما ذكروه. (1) لما ذكرنا في الاصول ان النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد. وحاصل ما ذكرنا هناك ان المعاملات كالبيع مثلا مركبة من امور ثلاثة لا رابع لها، وهي الاعتبار الشرعي أو العقلائي، والمبرز (بالكسر) والمبرز (بالفتح) اي اعتبار نفس البايع. اما الاعتبار الشرعي أو العقلائي فلا يعقل النهي به لانه خارج

[ 67 ]

[ (مسألة 40): الظاهر انه لا يعتبر في الزاد والراحلة ملكيتهما، فلو كان عنده مال يجوز له التصرف فيه وجب عليه الحج إذا كان وافيا بنفقات الحج مع وجدان سائر شرائطه (1). ] عن تحت اختيار البايع أو المشترى إذ ليس ذلك بفعله وانما هو فعل الشارع فما يصح تعلق النهي به اما المبرز (بالكسر) أو المبرز (بالفتح) ومجرد النهي عن احدهما أو لكليهما لا يقتضي الفساد بل اقصاه دلالته على المبغوضية ولا ينافي ذلك ترتب اثر البيع عليه فانه من قبيل غسل الثوب بالماء المغصوب فانه وان كان محرما ولكن يطهر الثوب به جزما. نعم لو تعلق النهي بنفس عنوان البيع ارشادا إلى الفساد كالنهي عن بيع ما ليس عنده أو النهي عن بيع الغرر فيدل على الفساد لا لاجل الحرمة والمبغوضية بل للارشاد إلى الفساد ولذا قد تكون المعاملة جائزة ومع ذلك يحكم عليها بالفساد. (1) لصدق الاستطاعة بالتمكن من التصرف في المال واباحته له وان لم يكن المال ملكا له. وربما يورد عليه بان مقتضى اطلاق بعض الاخبار المفسرة للاستطاعة كقوله (ع): (له زاد وراحلة) ملكية الزاد والراحلة لظهور اللام في الملك فلا يكفي مجرد الاباحة واما وجوب الحج بالبذل فقد ثبت بالدليل، فالمستفاد من الاخبار وجوب الحج بملكية الزاد والراحلة أو ببذلهما واما قوله (ع): (إذا قدر الرجل على ما يحج به ونحوه)

[ 68 ]

[ (مسألة 41): كما يعتبر في وجوب الحج وجود الزاد والراحلة حدوثا كذلك يعتبر بقاءا إلى تمام الاعمال (1). ] كما في صحيح الحلبي (1) وغيره مما ظاهره الاعم من الملك والاباحة فمقتضى القاعدة تقييده بالملك لحمل المطلق على المقيد. ففيه: مضافا إلى امكان منع ظهور اللام في الملك دائما بل كثيرا ما يستعمل في مطلق الاختصاص كقولنا: (الجل للفرس). انه لا مجال لحمل المطلق على المقيد في امثال المقام فان المطلق انما يحمل على المقيد إذا وردا في متعلقات الاحكام كالمثال المعروف (اعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة) لا في موضوعاتها كنجاسة الخمر، والمسكر فان المطلق انما يحمل على المقيد لحصول التنافي بينهما بعد احراز وحدة المطلوب كمورد المثال المعروف واما إذا لم يكن بينهما تنافي فلا موجب للحمل كما في المقام فان حصول الاستطاعة بملكية الزاد والراحلة لا ينافي حصولها بالاباحة وجواز التصرف في المال باى نحو حصلت. واما قياس الاباحة المالكية بالاباحة الشرعية كالانفال والمعادن والمباحات الاصلية في عدم حصول الاستطاعة بذلك كما في المستمسك. فيرد عليه بوضوح الفرق بينهما لصدق الاستطاعة بالاباحة المالكية عرفا وعدم صدقها بمجرد اباحة الاسماك في البحر له نعم لو صاد السمك وحاز المباحات واستولى عليها تحقق عنوان الاستطاعة واما مجرد الجواز الشرعي للحيازة فلا يحقق الاستيلاء لتحصل الاستطاعة. (1) مقتضى الادلة الدالة على اعتبار الاستطاعة في وجوب الحج


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب وجوب الحج ح 3 و 1.

[ 69 ]

[ بل إلى العود إلى وطنه (1) فان تلف المال في بلده أو في اثناء الطريق لم يجب عليه الحج وكشف ذلك عن عدم الاستطاعة من اول الامر. ومثل ذلك ما إذا حدث عليه دين قهري، كما إذا اتلف مال غيره خطاءا ولم يمكنه ] اعتبار بقائها إلى تمام الاعمال بمعنى انه يلزم الاتيان باعمال الحج عن استطاعة لان الحج عبارة عن مجموع الاعمال المعهودة فلابد من اقترانها بالاستطاعه والا - كما لو تلف المال في اثناء الطريق أو في اثناء الاعمال. يكشف عن عدم الاستطاعة من اول الامر فلا يجزي عن حجة الاسلام كما لو حج من الاول عن غير استطاعة. (1) بمعنى انه لو فقد مصارف العود إلى وطنه في اثناء الطريق أو في اثناء الاعمال كشف ذلك عن عدم الاستطاعة من الاول فان الحج انما يجب على من كان واجدا للزاد والراحلة إلى تمام الاعمال فلو فقدهما في اثناء الطريق أو في اثناء الاعمال يكشف عن عدم كونه مستطيعا وعدم كونه واجدا لهما من اول الامر. نعم لو حج وانتهى من الاعمال ثم فقد مصارف العود إلى وطنه فذلك لا يضر بصحة حجه واجزأه عن حجة الاسلام لانه انما اعتبرنا مؤنة الاياب لاجل الحرج في البقاء في مكة ولا يجري نفي الحرج بعد الانتهاء من الاعمال لاستلزامه خلاف الامتنان إذ لا امتنان في الحكم بالفساد بعد اتيان العمل.

[ 70 ]

[ اداء بدله إذا صرف ما عنده في سبيل الحج (1) نعم الاتلاف العمدي لا يسقط وجوب الحج (2) بل يبقى الحج في ذمته مستقرا فيجب عليه اداؤه ولو متسكعا، هذا كله في تلف الزاد والراحلة. واما تلف الكفاية من ماله في بلده فهو لا يكشف عن عدم الاستطاعة من اول الامر بل يجتزئ حينئذ بحجه ولا يجب عليه الحج بعد ذلك (3). ] (1) قد سبق ان ذكرنا ان الدين في نفسه لا يمنع عن وجوب الحج، وانما يمنع عنه إذا كان حالا ومطالبا به، وهذا من دون فرق بين كون سبب الدين الاستقراض ونحوه أو اتلاف مال الغير خطاءا. (2) فان الاتلاف العمدي كاتلاف نفس الزاد والراحلة اختيارا بعد حصولهما ووجودهما فان ذلك لا يمنع عن استقرار الحج في ذمته لفعليته عليه بعد استكمال شرائطه فيجب عليه التحفظ على الاستطاعة فلو ازالها اختيارا يستقر عليه الحج وصار دينا عليه ووجب الاتيان به باي وجه تمكن. (3) يعني إذا تلف بعد تمام الاعمال ما به الكفاية من ماله في وطنه يجتزئ بحجه ولا اثر لتلف ما به الكفاية وذلك لانا انما اعتبرنا الرجوع إلى الكفاية لنفي الحرج وهو امتناني فلا يجري بعد الاتيان بالاعمال لان لازمه الحكم بالفساد وعدم الاجتزاء بما اتى به ولا امتنان في ذلك فلا مانع من الحكم بالصحة، نظير من اغتسل أو توضوء ثم علم بان وضوئه أو غسله كان حرجيا فانه لا يحكم بالفساد لانه على خلاف الامتنان ونفي

[ 71 ]

[ (مسألة 42): إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحج لكنه معتقد بعدمه، أو كان غافلا عنه، أو كان غافلا عن وجوب الحج عليه غفلة عذر لم يجب عليه الحج، واما إذا كان شاكا فيه أو كان غافلا عن وجوب الحج عليه غفلة ناشئة عن التقصير ثم علم أو تذكر بعد ان تلف المال فلم يتمكن من الحج فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه إذا كان واجدا لسائر الشرائط حين وجوده (1). ] الحرج انما يجري في موارد الامتنان. (1) قد يجهل المكلف عن كونه مستطيعا جهلا مركبا كالقاطع والمعتقد بالخلاف. وقد يغفل عن وجود المال بمقدار مصارف الحج، وقد يغفل عن وجوب الحج عليه غفلة عذر لا يلتفت إلى وجوبه عليه لعدم معرفته بالاحكام الاسلامية وقلة المسلمين في البلد الذي يسكنه وهو جديد عهد بالاسلام مثلا. وقد يكون جاهلا جهلا بسيطا يحتمل الخلاف كالشاك. وقد يكون غافلا عن وجوب الحج غفلة ناشنة عن التقصير. ثم انه بعد تلف المال يتذكر ويعلم بوجوب الحج عليه، فهل يستقر عليه الحج ام لا؟. ذهب السيد في العروة إلى استقرار وجوب الحج عليه في جميع الصور لان الجهل والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة الواقعية، غاية الامر

[ 72 ]

انه معذور في ترك ما وجب عليه وعدم التمكن من جهة الغفلة والجهل لا ينافي الوجوب الواقعي والعلم شرط في التنجيز لا في ثبوت اصل التكليف. وذهب المحقق القمي في جامع الشتات إلى عدم الوجوب في جميع الصور لانه لجهله لم يكن موردا للتكليف وبعد التفاته وتذكره لم يكن له مال ليحج به فلا يستقر عليه الوجوب. والصحيح هو التفصيل - كما في المتن - بين الجهل البسيط والمركب فان كان الجهل جهلا بسيطا وكان شاكا فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه لما حقق في محله من ان رفع الحكم في مورده حكم ظاهري لا ينافي وجوب الحج واستقراره عليه واقعا إذ العلم بالاستطاعة لم يؤخذ في موضوع وجوب الحج ولا مانع من توجه التكليف إليه لتمكنه من الاتيان به ولو على سبيل الاحتياط. وبعبارة اخرى: في مورد الجهل البسيط الذي كان يتردد ويشك في انه مستطيع ام لا إذا كان اعتماده على اصل شرعي يعذره عن ترك الواقع ما دام جاهلا به إذا انكشف الخلاف وبان انه مستطيع تنجز عليه التكليف الواقعي كسائر موارد انكشاف الخلاف في الاحكام الظاهرية. بخلاف ما لو كان جاهلا بالجهل المركب وكان معتقدا للخلاف فان التكليف الواقعي غير متوجه إليه لعدم تمكنه من الامتثال حتى على نحو الاحتياط فان من كان قاطعا بالعدم يمكن توجه التكليف إليه لعدم القدرة على الامتثال. وما يقال من ان الاحكام مشتركة بين العالم والجاهل فانما هو في مورد الجهل البسيط الذي يتمكن من الامتثال في مورده لا الجهل المركب والقطع بالخلاف الذي لا يتمكن من الامتثال اصلا ففي هذه الصورة

[ 73 ]

[ (مسألة 43): كما تحقق الاستطاعة بوجدان الزاد والراحلة تتحقق بالبذل (1) ]. الحق مع المحقق القمي من عدم الوجوب لانه لجهله لم يكن موردا للتكليف وبعد علمه لم يكن له مال ليحج به. وكذلك الحال في موارد الغفلة فانها ان كانت الغفلة مستندة إلى تقصير منه كترك التعلم عمدا فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه فان الغفلة لا تمنع عن الاستطاعة الواقعية ولا تنافي الوجوب الواقعي. واما إذا لم تكن ناشئة عن تقصير منه فالرفع في حقه رفع واقعي والحكم غير ثابت في حقه واقعا فلا يستقر عليه الحج لعدم ثبوت التكليف في حقه في فرض الغفلة وفي فرض الالتفات وان امكن تكليفه ولكن المفروض انه لا مال له بالفعل فلا موجب لوجوب الحج عليه. (1) اجماعا، ونصوصا. منها: صحيحة العلاء عن محمد بن مسلم، على ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال: يكون له ما يحج به، قلت فمن عرض عليه الحج فاستحيا، قال: هو ممن يستطيع) (1). ومنها: صحيحة معاوية بن عمار في حديث (قال: فان كان دعاه قوم ان يحجوه فاستحي فلم يفعل فانه لا يسعه الا ان يخرج ولو على


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب الحج ح 2 وكتاب التوحيد باب 56 من أبواب الاستطاعة ح 10.

[ 74 ]

[ ولا يفرق في ذلك بين ان يكون الباذل واحدا أو متعددا (1) وإذا عرض عليه الحج والتزم بزاده وراحلته ونفقة عياله ] حمار اجدع ابتر) (1). وربما يناقش: في الاستدلال بالنصوص لدلالتها على وجوب الحج ولو مع العسر والحرج وهذا مما لا يمكن الالتزام به. والجواب عن ذلك ان الظاهر منها - خصوصا من صحيحة معاوية ابن عمار - وجوب الحج عليه مع المشقة والتسكع في مورد استقرار الحج بالبذل ورفضه بعد البذل. فالامر بتحمل المشقة والحج متسكعا في هذه النصوص بعد فرض استطاعته بالبذل فان المستفاد من النصوص ان مورد الاسئلة رفض الحج بعد البذل فحينئذ يستقر الحج في ذمته ولابد من الخروج عن عهدته ولو متسكعا حتى على حمار اجدع ابتر فيعلم من ذلك ان البذل كالملك يحقق الاستطاعة فلا تختص الاستطاعة بالملك. بل يمكن استفادة كفاية الاستطاعة البذلية من نفس الآية الشريفة لدلالتها على وجوب الحج بمطلق الاستطاعة وهي تتحقق بالبذل وعرض الحج أيضا. نعم الروايات الخاصة فسرت الاستطاعة بقدرة خاصة وهي التمكن من الزاد والراحلة وتخلية السرب وصحة البدن وهذه الامور كما تحصل بالملك تحصل بالبذل أيضا. (1) لاطلاق النصوص


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب وجوب الحج ح 3.

[ 75 ]

[ وجب عليه الحج. وكذلك لو اعطى مالا ليصرفه في الحج وكان وافيا بمصارف ذهابه وايابه وعياله (1) ولا فرق في ذلك بين الاباحة والتمليك (2). ولا بين بذل العين وثمنها (3). ] (1) لصدق البذل وعرض الحج بذلك أيضا، واما نفقة العيال فالنصوص خالية عنها فلابد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة، فان كان له عيال تجب عليه نفقتهم وكان سفر الحج مانعا عن الانفاق عليهم فيدخل المقام في باب التزاحم ويقدم الاهم ولا يبعد ان يكون الانفاق على العيال اهم لكونه من حقوق الناس فلا يجب الحج لو لم يبذل نفقة عياله الا إذا كان عنده ما يكفيهم إلى ان يعود وكذا لا يجب الحج إذا كان عدم الانفاق حرجيا عليه. نعم لو لم يتمكن من الانفاق عليهم حتى مع عدم السفر بحيث كان الانفاق عليهم متعذرا عليه حج أو لم يحج حينئذ يقدم الحج لعدم المزاحمة. (2) لاطلاق الروايات وصدق العرض بكل من الاباحة والتمليك ولا وجه للقول بالاختصاص بصورة التمليك. بل صورة الاباحة اظهر دخولا في اطلاق الروايات، لان قوله: (دعاه قوم ان يحجوه) أو قوله: (فان عرض عليه الحج) ظاهر في الاباحة. فان الغالب التزام الباذل بمصارف الحج لا بذل عين المال على نحو التمليك. (3) إذ لا فرق في صدق عرض الحج بين بذل العين وثمنها.

[ 76 ]

[ (مسألة 44): لو اوصى له بمال ليحج به وجب عليه بعد موت الموصي إذا كان المال وافيا بمصارف الحج ونفقة عياله، وكذلك لو وقف شخص لمن يحج أو نذر أو اوصى بذلك وبذل له المتولي أو الناذر أو الوصي وجب عليه الحج (1). (مسألة 45): لا يجب الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذلية (2) ] (1) لصدق عرض الحج على جميع ذلك كله. (2) لا يخفى ان عمدة ما استدل به على اعتبار الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة امران. احدهما: خبر أبي الربيع الشامي، قال: سأل أبو عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) إلى ان قال: هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغنى به من الناس يجب عليه ان يحج بذلك، ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا، الحديث. ثانيهما: دليل نفي العسر والحرج فان السفر إلى الحج إذا استلزم تعطيل معاشه واعاشة عياله لو عاد إلى بلده لا يجب لوقوعه في الحرج. وكلا الامرين لا يجري في الاستطاعة البذلية. اما الخبر فمورده الاستطاعة المالية لامره (ع) بصرف بعض ماله في الحج وابقاء بعضه لقوت عياله، ولا اطلاق له يشمل الاستطاعة

[ 77 ]

[ نعم لو كان له مال لا يفي بمصارف الحج وبذل له ما يتمم ذلك وجب عليه القبول (1) ولكن يعتبر حينئذ الرجوع إلى الكفاية (2). ] البذلية، هذا مضافا إلى ما ذكرنا سابقا ان هذه الزيادة مروية على طريق المفيد وطريقه إلى ابي الربيع مجهول. واما دليل نفي الحرج فكذلك لا يأتي في الاستطاعة البذلية لان المفروض ان المبذول له لا يصرف شيئا من المال في الحج وانما مصارفه على الباذل ويكون حاله بعد الحج كحاله قبل الحج فلا يقع في الحرج بسبب سفره إلى الحج بخلاف الاستطاعة المالية فانه لو صرف جميع ما عنده من المال في الحج بحيث لو رجع إلى بلاده ولا مال له لكفاية نفسه وعياله يكون سفره إلى الحج مستلزما لوقوعه في الحرج فيرتفع وجوبه. نعم لو وقع في الحرج من جهات اخر - ولو على سبيل الندرة - يسقط الوجوب بالبذل أيضا، كما لو فرضنا ان الشخص كسبه منحصر في خصوص اشهر الحج ولو سافر إلى الحج في هذه الاشهر لا يتمكن من الكسب اصلا ويتعطل امر معاشه في طول السنة. (1) لصدق العرض بذلك ولا يختص عنوان عرض الحج ببذل تمام النفقة فان الميزان بتحقق الاستطاعة ولو بالتلفيق بين ما عنده من المال وما بذل له. (2) إذا كانت الاستطاعة ملفقة من المال والبذل يعتبر فيها الرجوع إلى الكفاية لجريان الدليلين المتقدمين المذكورين في اول المسألة في مثل

[ 78 ]

[ (مسألة 46): إذا اعطى مالا هبة على ان يحج وجب عليه القبول (1). واما لو خيره الواهب بين الحج وعدمه أو انه وهبه مالا من دون ذكر الحج لاتعيينا ولا تخييرا لم يجب عليه القبول (2). (مسألة 47). لايمنع الدين من الاستطاعة البذلية (3) نعم إذا كان الدين حالا وكان الدائن مطالبا والمدين متمكنا من ادائه ان لم يحج لم يجب عليه الحج (4). ] ذلك كما لا يخفى. (1) لصدق عرض الحج على ذلك ولا يختص العرض بالاباحة والبذل. (2) اما في الهبة المطلقة فالامر واضح لان القبول من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب، واما القبول في الهبة المخيرة بين الحج وغيره فربما يقال: بوجوبه لصدق الاستطاعة وعرض الحج بذلك لان عرض شئ آخر منضما إلى عرض الحج لا يضر بصدق عرض الحج وفيه: ان التخيير بين الحج وغيره يرجع إلى ان بذله مشروط بعدم صرف المال المبذول في امر آخر أو مشروط بابقاء المال عنده ولا يجب على المبذول له تحصيل الشرط. (3) الدين انما يمنع من الحج فيما إذا دار الامر بين صرف المال في اداء الدين أو في السفر إلى الحج واما لو فرض انه يسافر مجانا ولم يصرف مالا فلا مزاحمة في البين فيجب عليه الحج. (4) وكذا لو كان الدين مؤجلا ولكن يعلم المدين انه لو حج

[ 79 ]

[ (مسألة 48): إذا بذل مال لجماعة ليحج احدهم فان سبق احدهم بقبض المال المبذول سقط التكليف عن الاخرين ولو ترك الجميع مع تمكن كل واحد منهم من القبض استقر الحج على جميعهم (1). ] لا يتمكن من اداء دينه اصلا ففي مثله يقدم ادا الدين لان العبرة بالمزاحمة وادا الدين اهم، نعم لو علم بالتمكن من الاداء بعد الرجوع فلا يكون الدين مانعا. (1) ربما يناقش في الوجوب كما في المستمسك تبعا لصاحب الجواهر بان الاستطاعة نوعان ملكية وبذلية وكلتاهما في المقام غير حاصلة لانتفاء الملك على الفرض واما البذلية فلعدم شمول نصوص البذل له لان البذل وعرض الحج انما يتحقق بالنسبة إلى الشخص الخاص واما العرض للجامع فلا معنى له فلا يشمله النصوص. والجواب: ان البذل للجامع بما هو جامع وان كان لا معنى له، لعدم امكان تصرف الجامع في المال، ولكن البذل في المقام في الحقيقة يرجع إلى البذل إلى كل شخص منهم غاية الامر مشروطا بعدم اخذ الآخر، فمعنى البذل إليهم تخييرا ان من اخذ المال منكم يجب عليه الحج ولا يجب على الآخر، واما إذا لم يأخذه واحد منهم فالشرط حاصل في كل منهم فيستقر عليهم الحج، نظير: ما إذا وجد المتيممون ماءا يكفي لواحد منهم، فان تيمم الجميع يبطل. نعم يفترق مسألة التيمم عن المقام في الجملة: وهو انه في باب

[ 80 ]

[ (مسألة 49): لا يجب بالبذل الا الحج الذي هو وظيفته المبذول له على تقدير استطاعته، فلو كانت وظيفته حج التمتع فبذل له حج القران أو الافراد لم يجب عليه القبول وبالعكس (1). وكذلك الحال لو بذل لمن حج حجة الاسلام (2). واما من استقرت عليه حجة الاسلام وصار معسرا فبذل له وجب عليه ذلك (3). ] التيمم يجب السبق إلى اخذ الماء على من كان متمكنا من الغلبة ومنع الآخر ودفعه ولا يجب التسابق في المقام لان المال بذل على نحو الواجب المشروط وايجاد الشرط غير واجب. (1) فان البذل لا يغير وظيفته من قسم خاص إلى قسم آخر من الحج وانما البذل يحقق له الاستطاعة. وبعبارة اخرى: المستفاد من النصوص ان الاستطاعة المعتبرة في الحج غير منحصرة بالمالية بل تتحقق بالبذل أيضا فلا فرق بين المستطيع المالي والبذلي في الوظائف المقررة له. (2) فانه لا يجب عليه القبول لان المفروض انه قد ادى الواجب ولا يجب عليه الاتيان ثانيا. (3) لحصول القدرة على الامتثال بهذا البذل فان الواجب عليه اتيان الحج متى قدر عليه وتمكن منه ولو بالقدرة العقلية فان حال الحج حينئذ حال سائر الواجبات الالهية من اعتبار القدرة العقلية فيها، فوجوب القبول في هذا المورد ليس لاجل اخبار البذل لان تلك الاخبار

[ 81 ]

[ وكذلك من وجب عليه الحج لنذر أو شبهه ولم يتمكن منه (1). (مسألة 50): لو بذل له مال ليحج به فتلف المال اثناء الطريق سقط الوجوب (2) نعم لو كان متمكنا من الاستمرار في السفر من ماله وجب عليه الحج واجزاءه ] في مقام توسعة الاستطاعة الخاصة المعتبرة في حج الاسلام، واما وجوب الحج على من استقرت عليه حجة الاسلام فلم يعتبر فيه الاستطاعة الخاصة المفسرة في الروايات بل حاله حال ساير التكاليف في الاكتفاء بالقدرة العقلية في وجوب الاتيان بها، والمفروض حصول القدرة في الصورة المذكورة ولذا لو وهب له مال على نحو الاطلاق يجب عليه القبول لانه يحصل له التمكن من الامتثال والقدرة على الاتيان فيجب عليه تفريغ ذمته بحكم العقل. (1) لما عرفت من ان القدرة الخاصة المعتبرة في الحج المفسرة في الروايات بالزاد والرحلة وغيرهما انما تعتبر في حجة الاسلام خاصة، واما سائر اقسام الحج الواجبة فلا يعتبر فيها الا القدرة العقلية المعتبرة في سائر الواجبات الالهية، فمتى حصلت له القدرة على الامتثال ولو بالبذل أو الهبة يجب عليه القبول لتفريغ ذمته بحكم العقل كما قلنا. (2) لاعتبار الاستطاعة في وجوب الحج حدوثا وبقاءا، فإذا فقدت الاستطاعة في الاثناء ينكشف عدم ثبوت الوجوب.

[ 82 ]

[ عن حجة الاسلام (1) الا ان الوجوب حينئذ مشروط بالرجوع إلى الكفاية (2). (مسألة 51): لا يعتبر في وجوب الحج البذل نقدا فلو وكله على ان يقترض عنه ويحج به واقترض وجب عليه (3). (مسألة 52): الظاهر ان ثمن الهدي على الباذل (4) فلو لم يبذله وبذل بقية المصارت لم يجب الحج على المبذول له، الا إذا كان متمكنا من شراءه من ماله (5) نعم إذا ] (1) لان الميزان في وجوب الحج بحصول الاستطاعة ولو بالتلفيق بينما عنده وبالبذل. (2) لما عرفت في المسألة الخامسة والاربعين اعتبار الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة الملفقة لجريان دليل اعتباره فيها. (3) لحصول الشرط - وهو الاستطاعة - بالاقتراض وان لم يجب تحصيله، نظير توقف الاستطاعة على الكسب فانه لا يجب عليه الاكتساب لتحصيل الشرط ولكن إذا اكتسب وحصلت الاستطاعة وجب الحج لحصول الشرط. (4) لان الهدي من اعمال الحج، وعرض الحج وبذله يتحقق ببذل تمام اعماله وواجباته والا فلم يعرض عليه الحج، بل عرض بعض الحج فلا يشمله النصوص. (5) إذا كان المبذول له متمكنا من شراء الهدي ولم يبذل له الباذل

[ 83 ]

[ إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجبا لوقوعه في الحرج لم يجب عليه القبول. وأما الكفارات فالظاهر انها واجبة على المبذول له دون الباذل (1). (مسألة 53): الحج البذلي يجزئ عن حجة الاسلام ولا يجب عليه الحج ثانيا إذا استطاع بعد ذلك (2). ] وجب على المبذول له شراءه ويجب عليه الحج حينئذ لكفاية الاستطاعة المركبة من الاستطاعة المالية والبذلية، الا إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجبا لوقوعه في الحرج فلم يجب عليه القبول لنفي الحرج. (1) لان الباذل لم يلتزم بشئ من ذلك، وانما صدر موجبها من المبذول له باختياره فلا موجب لكونها على الباذل فان الباذل تعهد بصرف نفقات الحج، وليست الكفارات من اعمال الحج، وهذا من دون فرق بين الكفارات العمدية والخطائية، فلا وجه لتوقف السيد في العروة في الكفارات غير العمدية. (2) المعروف بين الفقهاء اجزاء الحج البذلي عن حجة الاسلام فلو ايسر بعد ذلك لا يجب عليه الحج ثانيا. بل لم يعرف الخلاف في ذلك الا من الشيخ في كتاب الاستبصار (1) واستدل فيه بصحيح الفضل لقوله (ع): (وان ايسر فليحج) (2). واما اطلاق حجة الاسلام على ما حج به بالبذل فباعتبار ما ندب


(1) الاستبصار: ج 2 ص 143. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب وجوب الحج ح 6.

[ 84 ]

إليه من الحجة في حال اعساره فان ذلك يعبر عنها بانها حجة الاسلام من حيث كانت اول الحجة، وليس في الخبر انه إذا ايسر لم يلزمه الحج بل فيه تصريح انه إذا ايسر فليحج، ثم قال (ره) واما صحيح معاوية بن عمار (1) الدال على الصحة وانها حجة تامة، فلا ينافي صحيح الفضل الدال على اعادة الحج إذا ايسر لان خبر معاوية دل على ان حجته تامة وصحيحة يستحق بفعلها الثواب، ولا ينافي ذلك وجوب الحج مرة ثانية إذا ايسر، وفي التهذيب (2) عكس الامر، ووافق المشهور فانه ذكر اولا صحيح معاوية بن عمار الدال على الاجزاء (قال: قلت: لابي عبد الله (ع) رجل لم يكن له مال فحج به رجل من اخوانه ايجزيه ذلك عنه عن حجة الاسلام أم هي ناقصة؟ قال: بلى هي حجة تامة) ثم ذكر صحيح الفضل وحمله على الاستحباب. ولا ريب ان ما ذكره في التهذيب هو الصحيح كما عليه المشهور لان صحيح معاوية لم يكن مقتصرا بالحكم بالصحة حتى لا ينافي الوجوب مرة ثانية، بل هو صريح في الاجزاء عن حجة الاسلام فلا محيص من حمل صحيح الفضل على الاسحناب إذ لا يمكن الالتزام بالوجوب مرة ثانية لان حج الاسلام في العمر مرة واحدة كما صرح بذلك في صحيح هشام (وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون اكثر من ذلك) (3)، فإذا قضى المكلف حجة الاسلام فليس بعد ذلك الا الندب.


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب وجوب الحج ح 2. (2) التهذيب: ج 5 ص 7. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 85 ]

[ (مسألة 54): يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الاحرام أو بعده (1). ] (1) أما الرجوع قبل الدخول في الاحرام فلا ينبغي الريب في جوازه في نفسه مع قطع النظر عن اسباب اخر لقاعدة سلطنة الناس على اموالهم، ولا موجب لعدم جواز الرجوع، ومجرد الوعد والقول بالبذل لا يوجب عدم جواز الرجوع عن بذله، واما جوازه بعد تلبس المبذول له بالاحرام ففيه كلام. فربما يقال بعدم جوازه لوجوب اتمام العمل على المبذول له فإذا وجب عليه الاتمام فليس للباذل الرجوع لاستلزامه تفويت الواجب عليه وعدم قدرته من الاتمام، نظير من اذن لغيره الصلاة في ملكه فانه بعد الشروع في الصلاة ليس للمالك الرجوع عن اذنه لانه يستلزم قطع الصلاة، وهو محرم شرعا. والجواب عنه اولا: بانه يتوقف على الالتزام بوجوب الاتمام على المبذول له، وهو ممنوع لان الاستطاعة شرط في وجوب الحج حدوثا وبقاءا، فإذا ارتفعت الاستطاعة بعد الاحرام كما إذا فقد ماله، أو رجع الباذل عن اذنه وامتنع من الانفاق انكشف انه غير مستطيع من اول الامر فلا يجب عليه الحج، وإذا لم يكن واجبا عليه لا يجب عليه الاتمام. والمفروض انه لم يأت به ندبا حتى يتمه، وانما دخل في الاحرام بعنوان انه مستطيع، وبعنوان حجة الاسلام، ثم انكشف انه لم يكن ثابتا عليه، واما اتمام العمل لا بعنوان حج الاسلام فأمر يحتاج إلي دليل

[ 86 ]

[ لكن إذا رجع بعد الدخول في الاحرام وجب على المبذول له اتمام الحج إذا كان مستطيعا فعلا (1) وعلى الباذل ضمان ما صرفه للاتمام (2). ] ومو مفقود فله رفع اليد عن احرامه والرجوع إلى بلاده. وثانيا: لو فرضنا وجوب الاتمام على المبذول له فانما هو وجوب مخاطب به نفس المبذول له، وذلك لا يرتبط بالباذل، ولا يوجب استمرار البذل على الباذل وصرف المال من كيسه على ذلك الرجل بعد ان رجع عن اذنه، فالصحيح جواز الرجوع للباذل عن بذله قبل الاحرام وبعده. واما تنظير المقام بباب الاذن في الصلاة ففيه: ان الكلام في المقيس عليه لان عدم جواز رجوع المالك عن اذنه في الصلاة يتوقف على وجوب اتمامها وحرمة قطعها على الاطلاق وهو اول الكلام إذ لا دليل على حرمة قطع الصلاة سوى الاجماع والقدر المتيقن منه غير هذا المورد فحينئذ إذا رجع المالك عن ادنه كان بقاء الرجل ومكثه في الدار غصبا ومعه تبطل الصلاة. (1) لحصول الاستطاعة الملفقة من البذلية والملكية، وقد عرفت الاكتفاء بذلك في ثبوت الوجوب. (2) لان الاذن في الاحرام اذن في الاتمام فان الاذن في الشئ اذن في لوازمه لقيام السيرة العقلائية على ان كل عمل يقع بأمر الغير واذنه يقع مضمونا عليه، ولكن ثبوت الضمان عليه لا ينافي جواز رجوع الباذل عن بذله فان ضمان العمل شئ وعدم جواز رجوع الباذل شئ آخر.

[ 87 ]

[ وإذا رجع الباذل في اثناء الطريق وجبت عليه نفقة العود (1). ] وربما ذكرنا يظهر انه لا مجال للتمسك بقاعدة الغرور لعدم جواز رجوع الباذل عن بذله لان اقصى ما تدل عليه قاعدة الغرور انما هو ضمان الغار لمصاريف العمل الذي وقع بامره، فيجوز للمغرور الرجوع إلى الغار فيما بصرفه في سبيل العمل الواقع حسب امره واذنه، ولا يثبت بها عدم جواز رجوع الباذل عن بذله، فيمكن له الرجوع إلى شخص ماله ولكن يضمن ما يصرفه المبذول له فلا منافاة بين ثبوت الضمان على الباذل وجواز رجوعه عن بذله. هذا مضافا: إلى أن قاعدة الغرور لم تثبت على الاطلاق، وانما وردت في موارد خاصة، ولا دليل عليها سوى النبوي المرسل في الكتب الفقهية. نعم وردت في باب تدليس المرأة رواية فيها لفظ الغرور (وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غر الرجل وخدعه) (1) والرواية ضعيفة بمحمد بن سنان. على ان الغرور في المقام غير صادق لانه يتوقف على علم الغار، وجهل المغرور وكون الغار قاصدا لايقاع المغرور في خلاف الواقع، واما ما نحن فيه فالباذل لم يكن عالما بالرجوع عن البذل من باب الاتفاق لعدم وفاء ماله بالبذل، أو لاغراض وجهات اخر. فظهر ان مقتضى القواعد جواز الرجوع إلى ماله، ولكن يضمن ما يصرفه المبذول له في سبيل اتمام العمل للسيرة العقلائية. (1) لان السفر وقع باذنه وامره والاذن في الشئ اذن في لوازمه


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب العيوب من كتاب النكاح ح 1.

[ 88 ]

[ (مسألة 55): إذا اعطى من الزكاة من سهم سبيل الله على ان يصرفها في الحج وكان فيه مصلحة عامة وجب عليه ذلك (1) وان اعطي من سهم السادة أو من الزكاة من سهم الفقراء واشترط عليه ان يصرفه في سبيل الحج لم يصح الشرط فلا يجب عليه الحج (2)، ] حسب السيرة العقلائية كما قلناه (1) لصدق عرض الحج على ذلك وقد ذكرنا في محله ان المراد بسبيل الله كل امر قربي فيه مصلحة عامة راجعة إلى المسلمين كبناء القناطر والمساجد والمدارس ونحوها من الجهات العامة لاكل طاعة ولو كانت شخصيته لقصور الادلة عن ذلك، والا لجاز اعطاء الزكاة لغنى من باب ادخال السرور في قلب المؤمن، أو اعطاء الزكاة له على ان يزوج ابنه ونحو ذلك فيشكل الحكم بالوجوب، فلا بد في المقام من مراعات المصلحة العامة للمسلمين، والا فلا يجوز له الاعطاء من باب سبيل الله ليحج به. (2) بيان ذلك يتوقف على توضيح معنى الشرط، ولو اجمالا. وحاصله ان الشرط بحسب مفهومه ليس مجرد الالتزام، وانما هو نحو ربط بينه وبين الشرط والربط بينهما يتصور على وجوه: الاول: تعليق المنشأ بأمر متوقع الحصول كتعليق البيع على مجئ مسافره أو نزول المطر ونحو ذلك ففي الحقيقة على تقدير يبيع وعلى تقدير لا يبيع، وهذا هو التعليق المجمع على بطلانه.

[ 89 ]

الثاني: تعليق المنشأ على الالتزام بشئ لا على نفس ذلك الشئ كما إذا باع شيئا واشترط على المشتري التزامه بخياطة ثوبه فان البيع معلق على التزام المشتري بالخياطة لا على نفس الخياطة، وهذا التعليق لا بأس به عند الفقهاء لانه تعليق على امر حاصل لفرض التزام المشتري بذلك نظير تعليق البيع على ان يكون هذا اليوم يوم الجمعة مع العلم بكونه يوم الجمعة واثر هذا الاشتراط وجوب الوفاء على المشتري فقط عملا بقوله: المؤمنون عند شروطهم. الثالث: تعليق التزام البايع بيعه على فعل صادر من المشتري كالخياطة لا تعليق البيع، ومرجع هذا التعليق إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم الخياطة. وشئ مما ذكر من الاقسام غير جار في المقام، لان تعليق المنشأ على شئ، انما يتصور في الامور الاعتبارية كالملكية ونحوها، واما الامور الخارجية التكوينية كالضرب والاكل ومنها الاعطاء الخارجي فغير قابلة للتعليق بل اما ان تقع، واما لا تقع فلا معنى لان يأكل شيئا على ان يكون ملك نفسه مثلا، أو يضربه بشرط ان يكون زيدا ومن هذا القبيل اعطاء الخمس له فانه كالاكل فانه انما يتحقق في الخارج أم لا فلا معنى لان يقال ان لم يحج به فالاعطاء غير واقع، والمفروض صدور الاعطاء منه في الخارج. واما الملكية الشرعية وان كانت قابلة للتعليق لانها من الامور الاعتبارية ولكنها ليست بيد المكلف وانما هي بيد الشارع المقدس، وقد ملكها للفقراء وللسادة، وليس للمالك ازيد من الاعطاء وتفريغ ذمته، وقد وقع منه.

[ 90 ]

[ (مسألة 56): إذا بذل له مال فحج به ثم انكشف ] واما تعليق الالتزام بالاعطاء على الحج بمعنى انه يلتزم المالك بان يعطيه الخمس أو الزكاة معلقا على الحج به، فقد عرفت ان مرجع ذلك إلى جعل المالك لنفسه حق الخيار والرجوع إلى المال إذ لم يصدر المعلق عليه من الطرف المقابل، الا أنه لا يمكن الالتزام بذلك في المقام لان المالك ليس له الرجوع فيما كان لله تعالى كما في النص (1) فأن ما اعطاه زكاة، أو خمسا وانطبق عليه ذلك فليس للمالك الرجوع عن عطاءه فان ما كان لله لا يعود. فليس في البين الا التزام الفقير الآخذ للمال بصرفه في الحج، ولا اثر لالتزامه فانه يرجع إلى الوعد الابتدائي الذي لا يجب العمل فيه. ولو تنزلنا عن جميع ذلك، وقلنا بامكان التعليق في المقام ولكن ليس لمن عليه الزكاة، أو الخمس هذا الاشتراط وهذه السلطنة لعدم الولاية له على مثل ذلك، وانما اللازم عليه الاداء والاعطاء إلى اهله وابراء ذمته من الدين، نعم له حق التطبيق في الدفع والاداء إلى مستحقه وله ان يختار خصوص الفقير الفلاني، أو السيد الفلاني وليس له ازيد من ذلك، ولو جاز له ازيد من ذلك لجاز له ان يشترط امورا اخر على الفقير فيعطى زكاته له ويشترط عليه بان يبني داره، أو يخيط ثوبه أو يصلي عن ابيه، أو امه كذا مقدار، وهكذا وهذا معلوم البطلان ولم يلتزم به احد من الفقهاء.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب الهبات ح 1 و 2.

[ 91 ]

[ انه كان مغصوبا لم يجزئه عن حجة الاسلام (1). وللمالك ان يرجع إلى الباذل أو المبذول له، ولكنه إذا رجع إلى المبذول له رجع هو إلى الباذل ان كان جاهلا بالحال وإلا فليس له الرجوع (2). ] (1) لعدم صدق البذل على بذل مال غيره فالاستطاعة البذلية غير متحققة. وربما يقال: بالاجزاء لجواز تصرف المبذول له في المال لفرض جهله بالغصب. وفيه: ان الجواز ظاهري، وهو لا يحقق عنوان الاستطاعة إذ بعد ما تبين ان المال كان مغصوبا، وان البذل غير ممضي شرعا في الواقع فلم يتحقق البذل حقيقة، وانما كان ذلك من تخيل البذل، وهو غير موجب للاستطاعة. (2) اما جواز رجوعه إلى الباذل فواضح لانه اتلف مال الغير واستولى عليه عدوانا فمقتضى قاعدة اليد المؤكدة بالسيرة العقلائية هو الضمان من دون فرق بين كون الباذل عالما بالغصب، أو جاهلا به لعدم استناد الضمان إلى قاعدة الغرور حتى يفرق بين صورتي العلم والجهل بل استنادا إلى بناء العقلاء، وسيرتهم الفاضية بالضمان حتى في صورة الجهل. واما جواز الرجوع إلى المبذول له فكذلك لانه اتلف المال بنفسه وتصرف فيه تصرفا عدوانيا من دون فرق بين كونه عالما بالغصب، أو جاهلا به، وهذا من صغريات مسألة تعاقب الايدي على المال المغصوب

[ 92 ]

[ (مسألة 57): إذا حج لنفسه أو عن غيره تبرعا، ] ولكن لو رجع المالك إلى الباذل بالبدل واعطاه الباذل لم يكن للباذل الرجوع إلى المبذول له لان الباذل بعدما اعطى البدل للمالك صار المال المغصوب ملكا له بقاءا وخرج عن ملك مالكه الاول ببناء العقلاء لئلا يلزم الجمع بين البدل والمبدل فإذا صار المبدل ملكا للباذل، والمفروض ان الباذل اسقط ضمان ماله لانه سلط المبذول له على ماله مجانا، ومعه ليس له الرجوع إلى المبذول له. واما إذا رجع المالك إلى المبذول له فله ان يرجع إلى الباذل لان المال بعدما غرمه المبذول له للمالك صار ملكا للمبذول له بقاءا - على ما عرفت - فهو مالك جديد للمال، والمفروض ان الباذل فوت المال على المالك الجديد، وهو المبذول له. فالباذل ضامن اما للمالك الاول وهو المغصوب منه، وإما للمالك الثاني وهو المبذول له. الا أنه انما يكون له الرجوع إلى الباذل فيما إذا كان المبذول له جاهلا بالغصب، وإلا لو كان عالما به، فلا وجه لرجوعه إلى الباذل لان المبذول له بعد علمه بالحال يكون بنفسه غاصبا ومتنفا للمال، ولم يكن في البين غرور من ناحية الباذل ليرجع إليه - كما لو قدم صاحب الدار الطعام المغصوب إلى الضيف، وكان الضيف عالما بالغصب فانه لا مجال لرجوع الضيف إلى صاحب الدار إذا رجع المالك إلى الضيف لان الضيف بنفسه يكون متلفا لمال الغير من دون تغرير من صاحب الدار، كما تقتضيه بناء العقلاء وسيرتهم.

[ 93 ]

[ أو باجارة لم يكفه عن حجة الاسلام فيجب عليه الحج إذا استطاع بعد ذلك (1). ] (1) إذا حج لنفسه تطوعا، أو واجبا وفاءا لنذر، أو لشرط في ضمن عقد لازم، ونحو ذلك مع عدم كونه مستطيعا لا يكفيه عن حجة الاسلام لاشتراط وجوب حجة الاسلام بالاستطاعة، والمفروض فقدانها فلا مقتضى للقول بالاجزاء فيجب عليه الحج إذا استطاع بعد ذلك لاطلاق ما دل على وجوب الحج إذا حصلت الاستطاعة، ولا دليل على سقوطه بالحج الصادر عن غير استطاعة. ومنه يظهر عدم اجزاء ما حج عن غيره تبرعا، أو بأجارة إذا لم يكن مستطيعا. نعم وردت في خصوص الحج عن الغير روايات يدل على الاجزاء وعمدتها صحيحتان لمعاوية بن عمار الاول: (عن رجل حج عن غيره يجزيه عن حجة الاسلام؟ قال: نعم) (1). الثانية: (حج الصرورة يجزي عنه وعمن حج عنه) (2). وربما يقال: بان خبر آدم بن علي يدل على عدم الاجزاء لقوله (ع) (من حج عن انسان، ولم يكن له مال يحج به اجزأت عنه حتى يرزقه الله ما يحج به ويجب عليه الحج) (3)، ومقتضى الجمع بينه وبين


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 21 من أبواب وجوب الخج؟ ح 4 و 2 و 1.

[ 94 ]

[ (مسألة 58): إذا اعتقد انه غير مستطيع فحج ندبا قاصدا امتثال الامر الفعلي ثم بان انه كان مستطيعا اجزأه ذلك، ولا يجب عليه الحج ثانيا (1) (مسأله 59): لا يشترط اذن الزوج للزوجة في الحج إذا كانت مستطيعة، كما لا يجوز للزوج منع زوجته عن الحج ] الصحيحتين هو الحمل على الاستحباب لانهما صريحان في الاجزاء والخبر ظاهر في الوجوب. والجواب: ان الخبر ضعيف السند بمحمد بن سهل وبآدم بن علي فلا يصلح للمعارضة. والصحيح ان يقال: ان مضمون الصحيحتين لم يقل به احد من الفقهاء، وقد تسالموا على عدم الاجزاء، وبذلك يسقطان عن الحجية فلابد من رد علمهما إلى اهلهما. (1) لعدم الاخلال بالمكلف به فان حج الاسلام ليس الا صدور هذه الاعمال والمناسك من البالغ الحر المستطيع الواجد لجميع الشرائط والمفروض حصول ذلك، وان كان لا يعلم به حين الاتيان بلاعمال. ومجرد نية الندب، واعتقاد جواز الترك ما لم يخل بالاجزاء والافعال غير ضائر لعدم دخل ذلك في الواجب، نظير ما لو صام شهر رمضان ندبا قربة إلى الله تعالى، وهو لا يعلم بوجوب الصوم فيه فان صيامه صحيح بلا اشكال.

[ 95 ]

[ الواجب عليها (1) نعم يجوز له منعها من الخروج في اول الوقت مع سعة الوقت (2). ] (1) من دون فرق بين ما لو كان الحج مستقرا عليها وكانت مستطيعة قبل ذلك وبين ما لو استطاعت لعامها الفعلي وارادت الحج، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والنصوص في ذلك كثيرة. منها: صحيح محمد بن مسلم (عن امرأة لم تحج ولها زوج، وأبى ان يأذن لها في الحج فغاب زوجها، فهل لها ان تحج؟ قال: لا طاعة له عليها في حجة الاسلام) (1). كما لا يجوز لها منعها لعدم السلطنة له عليها في ذلك وعدم حق له عليها حينئذ. نعم قد يقال في الحج غير المستقر وهو الذي تكون استطاعته في هذا العام ان حق الزوج مانع عن تحقق الاستطاعة. ولكن لا يخفى ما فيه: لما ذكرنا غير مرة أن الاستطاعة المعتبرة في الحج ليست الا استطاعة خاصة مفسرة في الروايات، وهي حاصلة على الفرض إذ لم يوخذ فيها عدم مزاحمة الحج لحق الغير، ولو فرضنا وقوع التزاحم يقدم الحج لاهميته لانه مما بني عليه الاسلام، والنصوص الدالة على انه لا طاعة له عليها في الحج يشمل هذا القسم أيضا، ولا موجب لحملها على الحج المستقر. (2) لان جواز خروجها من البيت يتوقف على اذن الزوج ويحرم


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب وجوب الحج.

[ 96 ]

[ والمطلقة الرجعية كالزوجة مادامت في العدة (1) ] عليها الخروج بدون اذنه لاطلاق جملة من النصوص الدالة على اعتبار اذن الزوج، وان لم يكن منافيا لحق الاستمتاع بها، كصحيحة محمد بن مسلم (ولا تخرج من بيتها الا باذنه)، وفي صحيح علي بن جعفر (سألته عن المرأة ألها ان تخرج بغير اذن زوجها؟ قال: لا) (1). وهذه النصوص تشمل ما لو كان الخروج من البيت غير متعين عليها في وقت خاص، وكان الواجب موسعا، والروايات التي دلت على سقوط اذن الزوج انما هي بالنسبة إلى اصل الواجب لا بالنسبة إلى الافراد والخصوصيات التي يجوز تركها، فلا مانع من شمول ما دل على اعتبار اذن الزوج من البيت للمقام، وعليه يجوز له منعها من الخروج مع اول الرفقة. (1) المستفاد من الادلة ان المطلقة الرجعية زوجة حقيقة لا حكما والبينونة تتحقق بانقضاء العدة، وانما انشاء الطلاق حاصل بالفعل ويؤثر في الفراق بعد انقضاء العدة فيثبت لها ما يثبت للزوجة فتحتاج إلى الاذن من زوجها إذا ارادت الخروج من البيت هذا حسب ما يقتضيه القاعدة. واما بحسب الروايات فهي على طوائف اربع: الاولى: الدالة على ان المطلقة الرجعية لا تحج كما في صحيحة معاوية بن عمار (في حديث قال: لا تحج المطلقة في عدتها) (2)، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين حج الاسلام وغيره وبين ما لو اذن


(1) الوسائل: باب 79 من أبواب مقدمة النكاح ح 1 و 5. (2) الوسائل: باب 60 من أبواب وجوب الحج ح 3.

[ 97 ]

[ (مسألة 60): لا يشترط في وجوب الحج على المرأة وجود المحرم لها إذا كانت مأمونة على نفسها (1) ومع عدم ] لها الزوج أم لا. الثانية: الدالة على انها تحج كما في صحيح ابن مسلم (المطلقة تحج في عدتها) (1) وهو مطلق يشمل حج الاسلام وغيره ومع الاذن وعدمه. الثالثة: ما دل على انه ان كانت صرورة حجت في عدتها وان كانت حجت فلا تحج حتى تقضي عدتها كما في خبر منصور بن حازم (2)، وهذا الخبر، وان كان ضعيفا بالارسال، ولكن مضمونه يستفاد من ادلة اخرى الدالة على ان حج الاسلام لا يعتبر فيه الاذن، راما غيره فيعتبر فيه الاذن. الرابعة: تدل على ان المطلقة الرجعية تحج في عدتها باذن الزوج كما في صحيحة معاوية بن عمار (المطلقة تحج في عدتها ان طابت نفس زوجها) (3)، ومقتضى الجمع بين هذه الطوائف حمل اطلاق مادل على انها لا تحج الا مع الاذن على غير حج الاسلام، وحمل ما دل على انها تحج مطلقا على حجة الاسلام، فالنتيجة ان المطلقة الرجعية لا تستأذن في حجة الاسلام، وتستأذن في غيرها. (1) لاطلاق ادلة وجوب الحج عليها، مضافا إلى النصوص الخاصة.


(1) الوسائل باب 60 من أبواب وجوب الحج ح 1. (2) الوسائل باب 60 من أبواب وجوب الحج ح 2، (3) الوسائل: باب 22 من أبواب العدد ح 2.

[ 98 ]

[ الامن لزمها استصحاب محرم لها ولو بأجرة إذا تمكنت من ذلك وإلا لم يجب الحج عليها. (مسألة 61): إذا نذر ان يزور الحسين (عليه السلام) في كل يوم عرفة - مثلا - واستطاع بعد ذلك وجب عليه الحج وانحل نذره، وكذلك كل نذر يزاحم الحج (1) ]. منها: صحيح سليمان بن خالد (في المرأة تريد الحج ليس معها محرم هل يصلح لها الحج فقال: نعم إذا كانت مأمونة) (1) وليعلم ان استصحاب المحرم لا خصوصية له وانما الميزان استصحاب من تثق به سواء أكان محرما ام غيره فذكر المحرم بخصوصه كما في المتن فيه مسامحة، (1) اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فقد نسب إلى المشهور ومنهم صاحب الجواهر والسيد في العروة - تقديم النذر على الحج لانتفاء الاستطاعة حينئذ لان المانع الشرعي كالعقلي فان وجوب الوفاء بالنذر يزيل الاستطاعة فلا يكون مستطيعا للحج ابدا. وبعبارة اخرى: ذكروا ان وجوب الوفاء بالنذر مقيد بالقدرة العقلية كبقية الواجبات ووجوب الحج مشروط بالقدرة الشرعية فإذا كان بقائه في كربلاء يوم عرفة (مثلا) واجبا لزيارة الحسين (عليه السلام) فقد صار عاجزا عن الاتيان بالحج والقيام به فان العجز الشرعي كالعجز العقلي فيكون معذورا في ترك الحج. وذهب جماعة من المحققين كالشيخ النائيني ومنهم السيد الاستاد (دام ظله) إلى تقديم الحج وانحلال نذره، وهذا هو الصحيح.


(1) الوسائل: باب 58 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 99 ]

توضيح ذلك: ان المشهور انما التزموا بتقديم النذر على الحج لالتزامهم باخذ القدرة الشرعية في موضوع الحج، ولازم ذلك ان كل واجب يزاحم الحج يزيل موضوع الحج وهو الاستطاعة ولا يكون المكلف حينئذ قادرا على الحج ويصبح عاجزا عن الاتيان به. وبعبارة اوضح: اخذ في موضوع الحج ان لا يزاحمه واجب آخر فإذا وجب على المكلف شئ في اوان الحج وزاحمه بحيث لا يتمكن من الجمع بينهما يسقط وجوب الحج لعدم القدرة عليه شرعا. ولكن الظاهر انه لا دليل على ما ذكروه اصلا، وقد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان الحج ليس مشروطا بالقدرة الشرعية المصطلحة وانما الحج - كساير الواجبات الالهية - مشروط بالقدرة العقلية. نعم فسرت القدرة المأخوذة في الحج في الروايات بقدرة خاصة وهي واجديته للزاد والراحلة وصحة البدن وتخلية السرب ولا يؤل ذلك إلى اخذ القدرة الشرعية بحيث يزاحمه اي واجب من الواجبات الشرعية، فوجوب الحج حاله حال ساير التكاليف الالهية في كونه مشروطا بالقدرة العقلية فعند مزاحمته لواجب آخر يلاحظ الاهم منهما كبقية الواجبات المتزاحمة، هذا كله بحسب الكبرى. الا انه في خصوص المقام وهو ما لو نذر زيارة الحسين (عليه السلام) في كل عرفة وغير ذلك من النظائر لا يصل الامر إلى التزاحم، والوجه فيه: ان وجوب الوفاء بالنذر ليس واجبا ابتدائيا مجعولا من قبل الشريعة المقدسة على المكلفين نظير وجوب الصلاة والصيام وامثالهما، وانما هو واجب امضائي بمعنى انه الزام من الله تعالى بما التزام المكلف

[ 100 ]

على نفسه بالقيام بشئ لله تعالى نظير باب العقود فان البايع يلتزم على نفسه تمليك ماله للمشتري والشارع المقدس يمضي التزامه ويلزمه بالوفاء بالتزامه، فالعمل الذي يلتزم به الناذر لله تعالى لابد ان يكون قابلا للاضافة إليه سبحانه ومرتبطا به نحو ارتباط ومن هنا اعتبروا الرجحان في متعلق النذر والا لو كان خاليا عن الرجحان لم يكن قابلا للاضافة إليه تعالى كنذر المباحات الاصلية التي لا رجحان فيها ولا ترتبط به جل اسمه، ولذا عبر بعضهم عن ذلك بان لا يكون النذر محللا للحرام وبالعكس، مع ان هذا لم يرد في النذر وانما ورد في الشرط. والحاصل: لابد ان يكون العمل المنذور الملتزم به على نفسه راجحا في نفسه وقابلا للاضافة إليه تعالى، وإلا فلا ينعقد النذر. والنتيجة ان كل عمل استلزم ترك واجب، أو فعل محرم لا يمكن استناده واضافته إلى الله تعالى فلا تشمله ادلة وجوب الوفاء بالنذر لقصور دليل الامضاء لمثل هذه الموارد فبنحل النذر فيها، فلا يصل الامر إلى التزاحم فضلا عن ان يرفع النذر موضوع الاستطاعة. فظهر مما ذكرنا: ان وجوب الحج مطلق غير مشروط بشئ سوى الاستطاعة. المفسرة في النصوص بامور خاصة واما القدرة الشرعية المصطلحة فغير مأخوذة فيه بخلاف النذر فانه مشروط بان لا يكون محللا للحرام ومحرما للحلال ومستلزما لترك واجب أو اتيان محرم، وعليه فلا يقع التزاحم بين النذر والحج اصلا. ويؤكد ما ذكرناه: انه لو صح النذر وتقدم على الحج لامكن الاحتيال لسقوط الحج وتقويته بنذر أي امر راجح يستلزم ترك الحج ولو بنذر اتيان ركعتين من الصلاة في مسجد بلده يوم عرفة أو قراءة

[ 101 ]

[ (مسألة 62): يجب على المستطيع الحج بنفسه إذا كان متمكنا من ذلك، ولا يجزى عنه حج غيره تبرعا أو باجارة (1). (مسألة 63): إذا استقر عليه الحج ولم يتمكن من الحج بنفسه لمرض أو حصر أو هرم، أو كان ذلك حرجا عليه لم يرج تمكنه من الحج بعد ذلك من دون حرج وجبت عليه الاستنابة، وكذلك من كان موسرا ولم يتمكن من المباشرة أو كانت حرجية عليه (2). ] سورة معينة في المسجد الفلاني في يوم عرفة ونحو ذلك وهذا مقطوع البطلان فان الحج مما بني عليه السلام فكيف يمكن الالتزام بسقوطه بامثال هذه الامور. (1) لظهور الادلة في المباشرة ومع التمكن من ذلك لا يجزي عنه حج غيره سواء حج عنه تبرعا أو باجارة، وهذا واضح جدا. (2) تشتمل هذه المسألة على موردين لوجوب الاستنابة. المورد الاول: من استقر عليه الحج وسوف واهمل حتى مرض أو كبر وضعف من اداء الحج بنفسه أو كان ادائه حرجا عليه بحيث لا يتمكن من مباشرة الحج بنفسه فهل تجب الاستنابة ام لا؟ المعروف بين الفقهاء وجوب الاستنابة، بل في الجواهر (1) ان


(1) الجواهر: ج 17 ص 282.

[ 102 ]

الاستنابة حينئذ واجبة قولا واحدا حكاه عن الروضة والمسالك، فترديد بعضهم في الوجوب أو الجزم بعدمه كما عن آخر لا وجه له ويدل عليه جملة من الاخبار الصحيحة. منها: صحيح عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (ع) قال: ان امير المومنين (صلوات الله عليه) امر شيخا كبيرا لم يحج قط ولم يطق الحج لكبره ان يجهز رجلا يحج عنه (1). ومنها: صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) قال: ان عليا (عليه السلام) رأى شيخا لم يحج قط، ولم يطق الحج من كبره، فأمره ان يجهز رجلا فيحج عنه) (2). ومنها صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في (حديث) قال: وان كان موسرا وحال بينه وبين الحج مرض أو حصر أو امر يعذره الله فيه فان عليه ان يحج عنه من ماله صرورة لا مال له) (3). وربما يناقش: في دلالة الاخبار على الوجوب لوجهين. الاول: انه لابد من رفع اليد عن ظهور الاخبار في الوجوب وحملها على الاستحباب لاشتمالها على امور لم يلتزم بها الفقهاء ككون النائب رجلا صرورة فانه لا اشكال في جواز نيابة المرأة عن الرجل وكذلك لم يلتزموا بنيابة الصرورة فيكون ذلك قرينة على حمل الاخبار على الاستحباب. وفيه اولا: انه لو سلمنا عدم التزام المشهور بمضامين الروايات فاللازم الغاء القيد خاصة والالتزام بأصل وجوب الاستنابة، ولا مانع من التفكيك بين القيد والمقيد.


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 24 من أبواب وجوب الحج ح 6 و 1 و 2.

[ 103 ]

وثانيا: لا نرى مانعا من الالتزام بالقيد وكون النائب عن الحي رجلا صرورة، واما ما اشتهر من جواز كون النائب امرأة وغير صرورة فانما هو في النيابة عن الميت. وكيف كان لا اشكال في ان الاحوط وجوبا - لو لم يكن اقوى - استنابة الرجل للصرورة إذا كان المنوب عنه رجلا حيا عملا بظاهر هذه الاخبار. الثاني: انه يستفاد من بعض الروايات الحاكية لحكم أمير المؤمنين (عليه السلام) استحباب النيابة في مفروض كلامنا لتعليقها على مشية الرجل واختياره إذ لا معنى لتعليق الحكم الوجوبي على اختيار المكلف ومشيته، والظاهر أن الروايات المتقدمة، وهذه الرواية حكاية لواقعة واحدة فلا مجال للقول بالوجوب ففي خبر مميون القداح (أن عليا عليه السلام: قال لرجل كبير لم يحج قط، ان شئت ان تجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك) (1)، وفي خبر سلمة أبي حفص (ان رجلا اتى عليا (عليه السلام) إلى ان قال له: ان شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك) (2). والجواب عن ذلك اما اولا فبضعف الروايتين سندا. اما الاولى فبسهل بن زياد وبجعفر بن محمد الاشعري وهو ممن لم يوثق، ولم يثبت كونه جعفر بن محمد بن عبد الله الذي هو من رجال كامل الزيارات. وأما الثانية: فبسلمة أبى حفص. واما ثانيا: فان المعلق على المشية تفريغ الذمة وخلاص المكلف مما


(1) و (2) الوسائل: باب 24 من أبواب وجوب الحج ح 8 و 3.

[ 104 ]

وجب عليه: يعنى: إذا اردت خلاص نفسك من هذا الواجب والتكليف فافعل كذا، وليس المعلق الحكم بوجوب الاستنابة حتى يقال بانه لا معنى لتعليقه. المورد الثاني: ان من كان موسرا ومستطيعا من حيث المال في هذه السنة، ولكن لا يتمكن من المباشرة لعروض مانع من الموانع كمرض أو حصر أو نحوهما، فالمشهور أيضا وجوب الاستنابة. وعن جماعة كابني ادريس وسعيد والعلامة في بعض كتبه عدمه. والصحيح ما نسب إلى المشهور فان مورد بعض الروايات وان كان من استقر عليه الحج كالروايتين الواردتين في الشيخ الكبير الذي لم يحج قط. ولكن صحيح الحلبي مطلق يشمل حتى من استطاع في هذا العام ولم يتمكن من المباشرة، فان قوله: - وان كان موسرا وحال بينه وبين الحج مرض - يعم من استطاع في هذه السنة لصدق كونه موسرا أو حال بينه وبين الحج مرض، أو نحوه. فتحصل: ان المستفاد من الروايات المتقدمة ان الاستنابة واجبة على من تعذر من مباشرة الحج، وكان مستطيعا سواء كان مستطيعا سابقا واستقر عليه الحج، أو استطاع في هذا العام، ولم يتمكن من المباشرة، ثم ان المشهور بين الفقهاء اختصاص وجوب الاستنابة بصورة اليأس من زوال العذر كما في المتن. ولا يخفى ان الاخبار الواردة في المقام لم يذكر فيها اليأس من زوال العذر أو رجاء الزوال بل موردها عدم التمكن من الحج والحيلولة بينه وبين الحج لمرض ونحوه وعدم الطاقة للحج باعتبار كونه شيخا

[ 105 ]

[ ووجوب الاستنابة كوجوب الحج فوري (1). ] كبيرا ويستفاد من ذلك كله ان الموضوع لوجوب الاستنابة عدم القدرة على الحج وعدم الاستطاعة على الحج واقعا فلابد من احراز هذا الموضوع ليترتب عليه الحكم بوجوب الاستنابة. والظاهر ان اليأس عن زوال العذر طريق عقلائي لثبوت العجز عن الاتيان بالحج ومعذر في مقام العمل وبه يحصل الاطمئنان بعدم القدرة على المباشرة فان احرز المكلف الموضوع باليأس عن زوال العذر تجب عليه الاستنابة، ولكن الحكم الثابت حينئذ حكم ظاهري نظير الحكم الثابت في الاعذار المسوغة للتيمم ويترتب على هذا انه لو ارتفع المانع في السنين اللا حقة لا يسقط وجوب الحج عنه لعدم اجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي، والحكم الواقعي باق على حاله ويجب على المكلف امتثاله كما هو الحال في جميع موارد الطرق التي ينكشف الخلاف فيها، واما صحيح ابن مسلم (لو ان رجلا اراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطيع الخروج فليجهز رجلا من ماله ثم ليبعثه مكانه) فهو وان كان مطلقا من حيث حصول اليأس وعدمه ولكن مورده الحج التطوعي بقرينة قوله: اراد الحج فلا يشمل الحج الواجب على المكلف الذي غير منوط بارادة المكلف. (1) لان المستفاد من الادلة الاولية وجوب الحج على المكلف مباشرة، ولكن بعد عروض المانع تنقلب وظيفته من المباشرة إلى الاستنابة فالذي يسقط في البين مباشرة المكلف بنفسه واما سائر الاحكام فلا موجب لسقوطها فاللازم ترتيب جميع احكام الحج - من حرمة

[ 106 ]

[ (مسألة 64): إذا حج النائب عمن لم يتمكن من المباشرة فمات المنوب عنه مع بقاء العذر اجزأه حج النائب وان كان الحج مستقرا عليه (1). واما إذا اتفق ارتفاع العذر قبل الموت فالاحوط ان يحج هو بنفسه عند التمكن (2) وإذا كان قد ارتفع العذر بعد ان احرم النائب وجب على المنوب عنه الحج مباشرة ولا يجب على النائب اتمام عمله (3). ] التسويف والاهمال في الحج ووجوب المبادرة - على الحج الصادر من النائب. (1) هذا مما لا ينبغي الشك فيه فان الميت قد عمل بوظيفته وهي الاستنابة والمفروض ان المنوب عنه قد مات ولم يرتفع العذر فيكون العمل مجزيا فلا موجب للقضاء عنه. (2) لما عرفت ان الحكم بوجوب الاستنابة عند اليأس من زوال العذر حكم ظاهري ولا نقول باجزائه عن الحكم الواقعي، فان موضوع وجوب الاستنابة كما تقدم قريبا عدم قدرة المكلف واقعا على المباشرة فإذا احرز هذا بالطرق العقلائية واتى النائب بالاعمال ثم انكشف الخلاف كان الاجزاء محتاجا إلى الدليل لبقاء الحكم الواقعي على حاله فلابد من امتثاله ولا موجب لسقوطه. (3) ان قلنا بعدم الاجزاء بعد ارتفاع العذر وبعد تمام الاعمال فالقول بعدم الاجزاء في المقام اولى، ولو قلنا بالاجزاء هناك لا نقول به هنا لا نفساخ الاجارة وانكشاف عدم مشروعية الاستنابة واقعا كما

[ 107 ]

[ (مسألة 65): إذا لم يتمكن المعذور من الاستنابة سقط الوجوب ولكن يجب القضاء عنه بعد موته ان كان الحج مستقرا عليه، والا لم يجب (1) ] ذكرنا ان موضوع وجوب الاستنابة والاجازة هو عدم التمكن من الحج مباشرة، والمفروض حصول التمكن بالفعل وانما احتمل التمكن وتخيل بقاء العذر وما لم يحرز الموضوع لا تصح الاجارة فتنفسخ قهرا. وبعبارة اوضح: يحكم بفساد الاجارة لوقوعها على عمل غير مشروع لتعلقها على عمل الحي الذي يتمكن من الحج مباشرة ولا تجوز الاجارة على ذلك، ويتبعه فساد العمل من النائب فتجب المباشرة على المنوب عنه بنفسه ولا يجب على النائب اتمام عمله. (1) لو تعذرت الاستنابة على المكلف أيضا اما لعدم وجود النائب أو وجوده ولكن لا يرضى بالنيابة إلا باخذ مال يبلغ حد الاجحاف أو يتضرر به المنوب عنه تضررا ازيد من المتعارف ففي مثله يسقط وجوب الاستنابة لعدم القدرة أولنفي الضرر والحرج فلو مات والحال هذه يجب القضاء عنه إذا كان الحج مستقرا عليه واهمل في الاتيان إذ لا موجب لسقوطه بعد الاستقرار واهماله في الاتيان، ومجرد عدم التمكن من ادائه في زمان حياته لا يوجب سقوط القضاء عنه فهو في الحقيقة قد مات وعليه حجة الاسلام. واما إذا لم يكن الحج مستقرا عليه كما إذا مات في عام الاستطاعة فالظاهر عدم وجوب القضاء لسقوط التكليف عنه مباشرة على الفرض

[ 108 ]

[ ولو امكنه الاستنابة ولم يستنب حتى مات وجب القضاء عنه (1). (مسألة 66): إذا وجبت الاستنابة ولم يستنب ولكن تبرع متبرع عنه لم يجزئه ذلك، ووجبت عليه الاستنابة (2). (مسألة 67): يكفي في الاستنابة الاستنابة من الميقات ولا تجب الاستنابة من البلد (3)، ] وعدم وجوب الاستنابة عليه في زمان حياته لعدم القدرة عليها فلا يجب عليه الحج لا مباشرة ولا نيابة فلا موضوع لوجوب القضاء عنه. (1) لو ترك الاستنابة مع التمكن منها فلا ريب في انه عصى بناءا على وجوب الاستنابة، ولو مات يجب القضاء عنه لاستقرار الحج عليه بالتمكن من الاستنابة. (2) لان العمل ما لم يصدر منه مباشرة أو لم يكن بامره وتسبيبه لا يستند إليه فلا موجب لسقوطه عنه بمجرد اتيان العمل في الخارج تبرعا من الغير. مضافا إلى ان المستفاد من الروايات لزوم الارسال والاحجاج والتجهيز إليه وذلك غير صادق على فعل الغير تبرعا ولا اقل من الشك في السقوط والاصل عدمه. وبعبارة اخرى: مقتضى اطلاق الادلة كقوله: (فليجهز رجلا) ونحو ذلك وجوب الاستنابة عليه سواء تبرع عنه آخر اولا. (3) لان المذكور في النصوص هو لزوم تجهيز رجل وبعثه إلى الحج

[ 109 ]

[ (مسألة 68): من استقر عليه الحج إذا مات بعد الاحرام في الحرم اجزأه عن حجة الاسلام (1). ] ولم يؤخذ فيها الابتداء من مكان خاص، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بالنظر إلى الاماكن حيث يصدق انه جهز رجلا ليحج عنه. نعم ورد في صحيحة محمد بن مسلم (ليبعثه مكانه) فربما يستفاد من ذلك الاختصاص ببلد المنوب عنه، ولكن قد عرفت ان هذه الصحيحة اجنبية عن المقام لاختصاصها بالحج التطوعي، مضافا إلى ان البعث لا يختص ببلده بل يصدق البعث والارسال من اي بلد شاء. فلو كان من اهالي النجف الاشرف وارسل شخصا من المدينة المنورة للحج يصدق انه بعث رجلا للحج عنه مكانه: (1) بلا خلاف بين العلماء بل ادعي عليه الاجماع لجملة من النصوص. منها: صحيح ضريس، عن أبي جعفر (ع) قال: في رجل خرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق، فقال: ان مات في الحرم فقد اجزأت عنه حجة الاسلام وان مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام) (1) وبازائها صحيح زرارة إذا حصر الرجل بعث بهديه (إلى ان قال:). قلت: فان مات وهو محرم قبل ان ينتهي إلى مكة، قال. يحج عنه ان كان حجة الاسلام ويعتمر انما هو شئ عليه) (2). فان مدلوله المطابقي عدم الاجزاء لو مات المحرم قبل الدخول إلى


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 3.

[ 110 ]

[ سواء في ذلك حج التمتع والقران والافراد (1). وإذا كان موته في اثناء عمرة التمتع اجزأ عن حجه أيضا ولا يجب القضاء عنه (2) وان مات قبل ذلك وجب القضاء حتى إذا كان موته بعد الاحرام وقبل دخول الحرم أو بعد الدخول في الحرم بدون احرام (3). ] مكة ومفهومه الاجزاء لو دخل مكة محرما فلا عبرة بالدخول في الحرم وعدمه. والجواب عن ذلك: انه لا بد من رفع اليد عن دلالة صحيح زرارة لان دلالته على الاجزاء في صورة الدخول إلى مكة بالظهور لان الدلالة على ذلك بالمفهوم واما الاخبار المتقدمة الدالة على الاجزاء بالدخول في الحرم بالصراحة فيرفع اليد عن ظهور صحيح زرارة بصراحة تلك الاخبار. مضافا إلى امكان ارادة الحرم من مكة باعتبار شمولها لتوابعها وضواحيها مع العلم بان الفصل بين الحرم ومكة قليل جدا. (1) لان الميزان يكون الحج حجة الاسلام فلا فرق بين اقسام الحج لاطلاق الادلة. (2) لان حج التمتع عمل واحد مركب بين العمرة والحج فيكون مشمولا للروايات. (3) لان الظاهر من الروايات ان الموجب للسقوط والاجزاء كونه محرما ودخل الحرم ولا دليل على الاكتفاء باحدهما والنص انما دل على

[ 111 ]

[ والظاهر اختصاص الحكم بحجة الاسلام فلا يجري في الحج الواجب بالنذر أو الافساد (1). ] الاجزاء فيما مات بعد الاحرام والحرم. خلافا لما عن الشيخ وابن ادريس، فقالا: بالاجزاء بالاحرام وان لم يدخل الحرم، ولا دليل لهما سوى اشعار يعض الاخبار كقوله في صحيح بريد العجلي (1) (وان كان مات وهو صرورة قبل ان يحرم جعل حمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام) فان مفهومه الاجزاء إذا مات بعد الاحرام. وفيه اولا: ان اطلاقه معارض بمفهوم صدره الذي يدل على عدم الاجزاء إذا كان الموت قبل الدخول في الحرم. وثانيا: ان مفهومه الدال على الاجزاء إذا مات بعد الاحرام يعارضه منطوق صحيح زرارة المتقدم الدال على الاجزاء في صورة الدخول إلى مكة فيرفع اليد عن المفهوم بمنطوق خبر زرارة. وثالثا: ان اقصى ما يدل عليه صحيح بريد انه لو مات قبل الاحرام وفي اثناء الطريق يصرف ما معه من الاموال في حجة الاسلام ويقضي عنه، واما لو مات بعد الاحرام فلا يجعل زاده وجمله؟ ونفقته في حجة الاسلام واما ان عمله يجزي ام لا فالرواية ساكنة عنه ولم ينعقد لها اطلاق من هذه الجهة. (1) لان مورد الاخبار الدالة على الاجزاء انما هو حجة الاسلام


الوسائل: باب 34 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 112 ]

[ بل لا يجري في العمرة المفردة أيضا (1) فلا يحكم بالاجزاء في شئ من ذلك ومن مات بعد الاحرام مع عدم استقرار الحج عليه فان كان موته بعد دخوله الحرم فلا اشكال في اجزاءه عن حجة الاسلام، واما إذا كان قبل ذلك فالظاهر وجوب القضاء عنه (2). ] ولا اطلاق لها يشمل غيرها فان الحج النذري أو الافسادي ليس بحج الاسلام بناءا على ان حج الاسلام في مورد الحج الا فساري هو الحج الاول والثاني انما يجب من باب العقوبة كما في النص (1). (1) حتى في العمرة المفردة التي يجب الاتيان بها في حج القران، أو الافراد لان الاجزاء على خلاف القاعدة، ويحتاج إلى دليل وموضوع الدليل انما هو الحج، ولا يشمل العمرة المفردة، فلو مات في اثناء حج القران، أو الافراد يجزي عن حجه كما عرفت ولا يجزي عن عمرته لان الحج والعمرة في هذين الموردين عملان مستقلان واجزاء احدهما عن الآخر مما لا دليل عليه. (2) اختلف الفقهاء، في هذه المسألة إلى قولين: احدهما: اجراء التفصيل المذكور في مورد الاستقرار إلى مسألتنا هذه وهي ما لو مات مع عدم استقرار الحج عليه. ثانيهما: اختصاص التفصيل المتقدم بمن استقر عليه الحج. بدعوى انه لا وجه لوجوب القضاء عمن لم يستقر عليه الحج لان موته يكشف عن عدم الاستطاعة الزمانية ولذا لا يجب إذا مات في


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع ح 9.

[ 113 ]

البلد قبل الذهاب. والصحيح هو الاول: لاطلاق الاخبار في التفصيل المذكور حيث يستفاد من ذلك ان من لم يستقر عليه الحج إذا مات في عام الاستطاعة بعد الاحرام ودخول الحرم اجزأه عن حجة الاسلام ولا يجب القضاء عنه وإذا مات قبل ذلك يقضى عنه. ولا نرى مانعا من الالتزام بوجوب القضاء عنه ان لم يستقر عليه الحج إلا ما يقال: من ان موته يكشف عن عدم الاستطاعة الزمانية نظير ما لو مات في بلده في عام الاستطاعة فلا موضوع لوجوب القضاء عنه. ويرد عليه: ان الموت في عام الاستطاعة ولو في الطريق أو بعروض مانع آخر عن الاتيان بالحج وان كان يكشف عن عدم ثبوت الاستطاعة واقعا، ولكن لا منافاة في وجوب القضاء عمن مات في الطريق بعد التلبس بالاحرام وقبل الدخول في الحرم وان لم يستقر عليه الحج، فان الاحكام الشرعية احكام تعبدية تابعة لما يقتضيه الادلة، والمفروض ان اطلاق الاخبار لا قصور في شموله لمن لم يستقر عليه الحج ولعل ذكر الصرورة في صحيح بريد العجلي شاهد على ما ذكرنا لان اكثر من يخرج إلى الحج لاسيما في الازمنة السابقة هو ممن حصلت له الاستطاعة في نفس السنة ولم يكن قد استقر عليه الحج في السنين السابقة فلا وجه لاختصاص الاخبار بمن استقر عليه الحج، ولا اجماع على الخلاف فلا مانع من الاخذ باطلاق الروايات ومقتضاه عدم الفرق بين من استقر عليه الحج وبين من لم يستقر عليه.

[ 114 ]

[ (مسألة 69): إذا اسلم الكافر المستطيع وجب عليه الحج واما لو زالت استطاعته ثم اسلم لم يجب عليه (1). ] (1) إذا اسلم الكافر مع بقاء استطاعته وجب عليه الحج لفعلية موضوعه كما لو استطاع بعد اسلامه، واما لو زالت استطاعته ثم اسلم فهل يجب عليه الحج متسكعا باعتبار استطاعته السابقة ام لا يجب. المشهور هو الثاني لا لحديث الجب المعروف (1) فانه ضعيف سندا بل لقيام السيرة القطعية من زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وزمن الائمة (عليهم السلام) على ان من يسلم لم يكلف بقضاء ما فاته من العبادات. وربما يشكل الحكم بعدم وجوب القضاء في خصوص الحج ويقال: بان الحج من الواجبات غير الموقتة فلا يتصور فيه قضاء ولا تخلف عن وقته فمتى اسلم يجب عليه الحج لبقاء وقته فلا يجري فيه حديث الجب عما قبله ولا السيرة، نظير ما لو اسلم الكافر اثناء الوقت فانه تجب عليه الصلاة. وفيه: ان الحج وان لم يكن من الواجبات الموقتة ولا يتصور فيه القضاء عما فات على نحو الواجبات الموقتة ولكن لا ريب في ان موضوعه الاستطاعة ويرتفع الحكم بارتفاع موضوعه كما ان فعليته بفعلية موضوعه، فمقتضى القاعدة ارتفاع الحكم بوجوب الحج بزوال الاستطاعة لارتفاعه بارتفاع موضوعه حتى في مورد المسلم الذي اهمل حتى زالت استطاعته


(1) مسند أحمد: ج 4 ص 199.

[ 115 ]

[ (مسألة 70): المرتد يجب عليه الحج (1) لكن لا يصح منه حال ارتداده (2) فان تاب صح منه (3) ] وانما التزمنا بوجوب الحج بعد زوال الاستطاعة لاخبار خاصة وهذه الاخبار لا تشمل المقام لعدم شمول التسويف والاهمال له. فحال الحج حال بقية العبادات من الصلاة والصوم. (1) المرتد مطلقا فطريا كان أو مليا يجب عليه الحج سواء كانت استطاعته حال اسلامه السابق أو حال ارتداده، ويعاقب على تركه. اما إذا كان مستطيعا حال اسلامه فترك الحج وارتد فالامر واضح. واما إذا استطاع حال ارتداده فكذلك يجب عليه الحج بناءا على تكليف الكفار بالفروع كما هو المشهور. واما بناءا على عدم تكليف الكفار بالفروع كما هو المختار فيختص ذلك بالكافر الاصلي، واما المرتد الذي له سابقة الاسلام فمقتضى اطلاق الادلة الاولية تكليفة بالفروع ولا دليل على خروجه منها كما ورد ذلك في الكافر الاصلي. (2) لتوقف صحة العبادة على الاسلام والايمان. (3) إذا تاب المرتد وجب عليه الحج وصح منه سواء بقيت الاستطاعة أو زالت قبل توبته، اما إذا كان مستطيعا حال اسلامه وتوبته فلا كلام واما إذا زالت الاستطاعة قبل توبته فكذلك يجب عليه فلا تجري فيه قاعدة جب الاسلام أو السيرة لاختصاصهما بالكافر الاصلي إذا اسلم ولا سيرة بالاضافة إلى المرتد إذا تاب واسلم، كما لا تجري قاعدة الجب لاختصاصها بالكافر الاصلي بحكم التبادر مضافا إلى ما عرفت من ضعف

[ 116 ]

[ وان كان مرتدا فطريا على الاقوى (1) (مسألة 71): إذا حج المخالف ثم استبصر لا تجب عليه اعادة الحج (2). ] سند حديث الجب. (1) ربما يقال بان المعروف عدم قبول توبته فلا يصح منه الحج وغيره من العبادات، ولكن ذكرنا في محله ان المرتد الفطري إذا تاب واسلم تجري عليه احكام الاسلام وحاله كحال ساير المسلمين ومجرد التلبس بالكفر في زمان لا يخرجه عن قابلية تكليفه باحكام الاسلام. والمراد من عدم قبول توبته انما هو بالنسبة إلى امور ثلاثة قتله وتقسيم امواله ومفارقة زوجته، فهو مؤمن وربما تقبل توبته ولكن لا تنفع توبته في خصوص هذه الاحكام الثلاثة. (2) كما هو المشهور عند اصحابنا، وحكي عن ابن الجيند وابن البراج وجوب الاعادة. والصحيح ما ذهب إليه المشهور والروايات بذلك متظافرة ومدلولها صحة الصلاة والصيام والحج إلا الزكاة لانه وضعها في غير مواضعها. منها: صحيحة بريد العجلي، عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم من الله عليه وعرفه الولاية فانه يوجر عليه الا الزكاة لانه يضعها في غير مواضعها، لانها لاهل الولاية واما الصلاة والحج والصيام فليس عليه

[ 117 ]

[ إذا كان ما اتى به صحيحا في مذهبه وان لم يكن صحيحا ] قضاء (1) كما ان صدره أيضا يصرح بالاجزاء وعدم لزوم الاعادة نعم تدل على استحباب الاعادة. ولكن بازائها اخبار تدل على وجوب الاعادة إذا استبصر وعمدتها روايتان. الاولى: خبر علي بن مهزيار. قال: كتب ابراهيم بن محمد بن عمران الهمداني إلى أبي جعفر (ع) اني حججت وانا مخالف وكنت صرورة فدخلت متمتعا بالعمرة إلى الحج. قال: فكتب إليه اعد حجك (2). الثانية: خبر أبي بصير (في حديث) قال: وكذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج وان كان قد حج (3). والجواب: ان الخبرين ضعيفا السند الاول بسهل بن زياد والثاني بعلي بن أبي حمزة البطائني مضافا إلى امكان حملهما على الاستحباب بقرينة بقية النصوص المعتبرة المصرحة بالاستحباب. منها: صحيحة عمر بن اذينة (عن رجل حج ولا يدري ولا يعرف هذا الامر ثم من الله عليه بمعرفته والدينونة به اعليه حجة الاسلام؟ قال: قد قضى فريضة الله، والحج احب الي) (4).


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1 وباب 23 من وجوب الحج ح 1. (2) و (3) الوسائل: باب 23 من أبواب وجوب الحج ح 6 و 5. (4) الوسائل: باب 23 من أبواب وجوب الحج ح 2 و 3.

[ 118 ]

[ في مذهبنا (1). ] (1) قد عرفت انه لا ينبغي الاشكال في ان المخالف إذا استبصر لا تجب عليه اعادة عباداته من الحج والصلاة والصيام للنصوص الكثيرة وانما وقع الكلام في ان موضوع الحكم بالاجزاء هل هو العمل الصحيح عنده وعندنا، أو الصحيح في مذهبه والفاسد في مذهبنا أو الفاسد عند الجميع أو الصحيح في مذهبنا والفاسد عنده. فمحتملات المسألة اربعة: الاول: ان يكون العمل الذي اتى به المخالف مطابقا لمذهبه ومذهبنا جميعا ففي مثله يحكم بالاجزاء، بدعوى: ان الاخبار ناظرة إلى تصحيح عمله من جهة فقدان الولاية، واما بالنسبة إلى سائر الشرائط فلابد ان يكون واجدا لها: فإذا كان العمل فاسدا من غير جهة الولاية فلا تشمله النصوص. ويرد على ذلك: بانه يستلزم حمل النصوص الكثيرة على الفرد النادر جدا أو على ما لا يتفق في الخارج اصلا، إذ من المستبعد جدا ان يأتي المخالف بعمل صحيح يطابق مذهبه ومذهبنا معا ولا اقل من اختلاف وضوئه لوضوئنا. الثاني: ان يكون مورد النصوص العمل الصحيح عنده والفاسد عندنا، وهذا هو القدر المتيقن من الروايات الدالة على الاجزاء. الثالث: ان يكون العمل الصادر من المخالف فاسدا عند الجميع كما لو طاف ستة اشواط، أو لم يقف في المشعر اصلا ونحو ذلك. فربما يقال: بشمول الاخبار لذلك لان الحكم بالاجزاء منة من الله

[ 119 ]

[ (مسألة 72): إذا وجب الحج واهمل المكلف في ادائه حتى زالت الاستطاعة وجب الاتيان به باي وجه تمكن ولو متسكعا (1). ] تعالى ومقتضى الامتنان تصحيح عمله والغاء وجوب القضاء بعد الاستبصار. ويشكل بان الظاهر من الروايات كون العمل الصادر منه صحيحا وانما كان الشخص فاقدا للولاية، فالسؤال ناظر إلى الاعادة من جهة فساد العقيدة والا فالمخالف لا يرى فساد عمله لولا الاستبصار فلو كان عمله فاسدا عنده فهو لم يصل ولم يحج على مذهبه مع ان المفروض انه يسأل عن حجه وعن صلاته. الرابع: ان يكون العمل صحيحا عندنا وفاسدا في مذهبه فان لم يتمشى منه قصد القربة فلا ريب في بطلان عمله لاجل فقدان قصد القربة وقد عرفت ان النصوص لا تشمل العمل الفاسد في نفسه مع قطع النظر عن فساد العقيدة، وان تمشى منه قصد القربة فلا يبعد شمول النصوص لذلك والحكم بالاجزاء، إذ لا يلزم في الحكم بالاجزاء ان يكون العمل فاسدا عندنا بل لا نحتمل اختصاص الحكم بالاجزاء بالفاسد الواقعي. (1) لا يخفى ان مقتضى القاعد الاولية زوال الوجوب بزوال الاستطاعة ولو بالاهمال والتسويف لزوال الحكم بزوال موضوعه نظير المسافر والحاضر بالنسبة إلى وجوب القصر والتمام. نعم يكون آثما في ترك الحج بالاهمال والتسويف فان تاب بعد عصيانه ربما يتوب الله عليه كما هو الحال في ساير المعاصي.

[ 120 ]

[ ما لم يبلغ حد العسر والحرج (1). ] وانما نلتزم بالوجوب بعد زوال الاستطاعة باي وجه تمكن ولو متسكعا لادلة خاصة تدل على ايجاب الاتيان بالحج ولو متسكعا على من استقر عليه الحج واهمل وسوف حتى زالت استطاعته وتلك الادلة هي النصوص الدالة على ان من استطاع ولم يحج ومات مات يهوديا أو نصرانيا، كما في صحيحة ذريح المحاربي، (عن أبي عبد الله (ع) قال: من مات ولم يحج حجة الاسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا) ونحوها غيرها (1) فان المستفاد من هذه الروايات انه يجب على المكلف القيام بالحج الذي سوف واهمل في امتثاله لئلا يموت يهوديا أو نصرانيا. وبعبارة اخرى: المستفاد من هذه الروايات ان من استطاع للحج واستقر عليه ثم تركه مات يهوديا أو نصرانيا، ويصدق ذلك حتى على من استقر عليه الحج وزالت استطاعته فيجب عليه الاتيان بالحج حتى يموت مسلما ولا يموت يهوديا أو نصرانيا. هذا كله مضافا إلى تسالم الاصحاب وعدم الخلاف بل الاجماع بقسميه كما في الجواهر (2). (1) قد عرفت ان وجوب الاتيان بالحج ولو متسكعا على من استقر عليه الحج، انما استفيد من الروايات الخاصة، فهو في الحقيقة وجوب


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب وجوب الحج ح 1 وغيره. (2) الجواهر: ج 17 ص 313.

[ 121 ]

[ وإذا مات وجب القضاء من تركته (1). ويصح التبرع عنه بعد موته من دون اجرة (2). ] جديد وتكليف جديد فحاله حال بقية التكاليف الشرعية التى ترتفع إذا لزم منها الحرج فالتكليف بالحج عليه ساقط بالفعل إذا استلزم الحرج وان كان عاصيا في ترك الحج في ايام استطاعته، فالالتزام بوجوب الاتيان بالحج حتى إذا كان حرجيا لا موجب له بل مقتضى ادلة نفي الحرج عدم الوجوب إذا كان الاتيان به حرجيا. (1) من اصل تركته كسائر الديون لا من الثلث لجملة من النصوص منها: موثقة سماعة، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها وهو موسر، فقال: يحج عنه من صلب ماله، لا يجوز غير ذلك (1). (2) لان العبرة بتفريغ ذمة الميت واتيان الحج عنه ولو بالتبرع ولا نحتمل خصوصية للاستيجار. ولا اشكال في جواز التبرع عن الميت وبرائة ذمته بذلك. كما في النصوص (2).


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب وجوب الحج ح 4. (2) الوسائل: باب 31 من أبواب وجوب الحج.

[ 122 ]

[ الوصية بالحج (مسألة 73): تجب الوصية على من كانت عليه حجة الاسلام وقرب منه الموت (1) ] (1) لان العقل يحكم بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف إذا كانت منجزة فان التكليف اليقيني المنجز يقتضي الامتثال اليقيني فلابد له من الاتيان به اما مباشرة إذا تمكن والا فتسبيبا، بل لو شك في الموت وعدمه يجب عليه المبادرة وليس له التأخير في الاداء للزوم الخروج عن عهدة التكليف واستصحاب بقاء الحياة لا اثر له في المقام لعدم ترتب الاثر الشرعي عليه، ولذا ذكرنا في الواجبات الموسعة فيما لو شك في الحياة وعدمها انه تجب عليه المبادرة إليها ولا يجوز له التأخير تمسكا باستصحاب البقاء إلى آخر الوقت إلا إذا اطمئن بالبقاء إلى آخر الوقت كما هو الغالب. وقد ذكرنا في بحث احكام الاموات من شرح العروة انه يجب عند ظهور امارات الموت بل عند عدم الاطمئنان بالبقاء اداء حقوق الناس الواجبة مع الامكان والوصية بها مع عدمه، كما انه يجب عليه الايصاء بالواجبات التي لا تقبل النيابة حال الحياة كالصلاة والصيام والحج إذا كان قبل اشهر الحج إذا كان له مال بل مطلقا إذا احتمل وجود متبرع. واما إذا كان الواجب قابلا للنيابة حال حياته كالحج فيما إذا عجز

[ 123 ]

[ فان مات تقضى من اصل تركته وان لم يوص بذلك (1) ] عن اتيانه وكان في اشهر الحج فتجب عليه الاستنابة إذا كان عالما باستمرار عذره إلى الموت. (1) اما اصل وجوب قضائها فيدل عليه نصوص كثيرة. منها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (ع) عن رجل مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها، ايقضى عنه؟ قال: نعم) (1). واما اخراجها من اصل التركة وان لم يوص بها فيدل عليه أيضا عدة من النصوص المعتبرة. منها: موثق سماعة بن مهران، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها وهو موسر، فقال: يحج عنه من صلب ماله، لا يجوز غير ذلك) (2) ونحوه غيره. وربما يتوهم: بانه يعارض هذه الاخبار الكثيرة ما في ذيل صحيح معاوية بن عمار لقوله: (ومن مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يترك الا قدر نفقة الحمولة، وله ورثة فهم احق بما ترك فان شاؤا اكلوا وان شاؤا حجوا عنه (3) فان تلك الاخبار تدل على وجوب اخراج الحج من اصل المال وهذا يدل على رجوع المال إلى الورثة وجعل الخيار لهم في اداء الحج فكيف يجمع بين الطائفتين؟. والجواب انه لا تعارض في البين اصلا لان مورد الطائفة الثانية


(1) و (2) الوسائل: باب 28 من أبواب وجوب الحج ح 5 و 4. (3) الوسائل: باب 25 من أبواب وجوب الحج ح 4.

[ 124 ]

[ وكذلك ان اوصى بها ولم يقيدها بالثلث (1). وان قيدها بالثلث فان وفى الثلث بها وجب اخراجها منه (2) وتقدم على سائر الوصايا (3). ] - ولو بقرينة صدر الصحيحة - من لم يكن له مال يفي بمصارف الحج وانما ترك ما يفي بمقدار نفقة الحمولة فحينئذ يسقط قضاء الحج عنه لعدم وفاء المال له فطبعا يرجع المال إلى الورثة فان شاؤا اكلوا وان شاؤا حجوا عنه، وكلامنا فيمن ترك ما لا يفي للحج ولم يوص به. كما أن صدر الصحيحة يدل على وجوب الحج عنه من صلب ماله إذا اوصى له وظاهره انه له مال يفي للحج عنه لقوله: (في رجل توفى واوصى ان يحج عنه، قال: ان كان صرورة فمن جميع المال، انه بمنزلة الدين الواجب). مضافا إلى انه لا ينبغي الريب في تقدم تلك الاخبار لكثرتها وشهرتها بل للقطع بصدور بعضها فلابد من طرح هذه الصحيحة أو تأويلها. (1) فانها تخرج من صلب المال لانها بمنزلة الدين وقد دل على ذلك عدة من الاخبار. منها: صحيح معاوية بن عمار (عن رجل مات فأوصى ان يحج عنه قال: ان كان صرورة فمن جميع المال) (1). (2) لوجوب تنفيذ الوصية. (3) لو عين مصرف ثلثه واوصى بصرفه في الحج وفي امور اخرى


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 125 ]

[ وان لم يف الثلث بها لزم تتميمه من الاصل (1). (مسألة 74): من مات وعليه حجة الاسلام وكان له عند شخص وديعة واحتمل ان الورثة لا يؤدونها ان رد المال إليهم وجب عليه ان يحج بها عنه (2). ] فان وفى الثلث بالجميع فلا كلام، وان لم يف فهل يوزع المال بينها بالسوية أو يخرج الحج اولا فان بقي شئ صرفه في البقية؟. الظاهر هو الثاني ويدل عليه جملة من الروايات المعتبرة. منها: صحيحة معاوية بن عمار (ان امرأة من اهلي ماتت وأوصت إلي بثلث مالها، وامرت ان يعتق عنها ويحج عنها ويتصدق، فنظرت فيه فلم يبلغ، فقال ابدء بالحج فانه فريضة من فرائض الله عزوجل واجعل ما بقي طائفة في العتق، وطائفة في الصدقة) (1). ومنها: صحيحة اخرى له (في امرأة أوصت بمال في عتق وحج وصدقة فلم يبلغ، قال: ابدء بالحج فانه مفروض فان بقي شئ فاجعل في الصدقة طائفة وفي العتق طائفة) (2) ونحوهما غيرهما. (1) لرجوع ذلك في الحقيقة إلى انه لم يوص بالحج، وقد عرفت وجوب اخراج الحج من الاصل وان لم يوص. (2) ويدل على ذلك صحيح بريد العجلي، عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل استودعني مالا وهلك وليس لولده شئ، ولم


(1) و (2) الوسائل: باب 65 من أبواب الوصايا ح 1. 2 وباب 30 من وجوب الحج.

[ 126 ]

[ فإذا زاد المال من اجرة الحج رد الزائد إلى الورثة (1). ولا فرق بين ان يحج الودعي بنفسه أو يستأجر شخصا آخر (2). ويلحق بالوديعة كل مال للميت عند شخص بعارية أو اجارة أو غصب أو دين أو غير ذلك (3). (مسألة 75): من مات وعليه حجة الاسلام وكان ] يحج حجة الاسلام، قال: حج عنه وما فضل فأعطهم) (1) والظاهر ان المسألة غير خلافية في الجملة. انما الكلام في ان الاصحاب قيدوا جواز اخراج الحج بعلم المستودع أو ظنه ان الورثة لا يؤدون وإلا وجب استئذانهم. ولكن الظاهر انه لا موجب لهذا التقييد لان الصحيحة مطلقة تشمل حتى صورة احتمال تأدية الوارث الحج. نعم لو علم بان الوارث يؤدي الحج فالرواية منصرفة عن هذه الصورة. (1) لوجوب رد المال وايصاله إلى اصحابه، ويدل عليه أيضا نفس الصحيحة المتقدمة الآمرة بالرد. (2) لان المستفاد من النص حسب الفهم العرفي هو ان الغرض تفريغ ذمة الميت سواء كان بمباشرته أو بتسبيب منه. (3) إذا لا خصوصية للوديعة لان العرف يفهم من جواز صرف المستودع المال الودعي في الحج ان المقصود وجود مال عند شخص يعلم بان صاحبه لم يحج سواء كان المال الموجود عنده على نحو الوديعة أو غيرها.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب نيابة الحج ح 1.

[ 127 ]

[ عليه دين وخمس وزكاة وقصرت التركة، فان كان المتعلق الخمس أو الزكاة موجودا بعينه لزم تقديمهما (1). وان كان في الذمة يتقدم الحج عليهما (2) ] (1) لتعليقهما بالعين فالتركة بتمامها ليست للميت بل هو شريك مع ارباب الزكاة أو الخمس على نحو الاشاعة أو الشركة في المالية كما هو الصحيح عندنا والحج يخرج من ماله لا من المال المشترك بينه وبين غيره وهذا واضح جدا. (2) كما إذا تلفت العين وانتقل الحق الشرعي إلى الذمة، ويدل على تقديم الحج عليهما، صحيح معاوية بن عمار المتقدمة، (قال: قلت له: رجل يموت وعليه خمس مأة درهم من الزكاة، وعليه حجة الاسلام وترك ثلاثمائة درهم فأوصى بحجة الاسلام، وان يقضى عنه دين الزكاة، قال: يحج عنه من اقرب ما يكون، ويخرج البقية في الزكاة) (1)، ونحوه صحيحة الآخر (2)، ولكن فيه (وعليه من الزكاة سبعمائة درهم). ومورد الصحيحتين وان كان هو الزكاة، ولكن يتعدى إلى الخمس إذ لو فرضنا تقدم الحج على الزكاة مع انها اهم من الخمس فتقدمه على الخمس بطريق اولى أو لا اقل فلمساواته لها لان الخمس بدل الزكاة وهو من هذه الجهة محكوم بحكم الزكاة.


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب الوصايا ح 1.

[ 128 ]

[ كما يتقدم على الدين (1) (مسألة 76): من مات وعليه حجة الاسلام لم يجز لورثته التصرف في تركته قبل استيجار الحج سواء كان مصرف الحج مستغرقا للتركة أم لم يكن مستغرقا على الاحوط (2). ] (1) ويدل عليه صحيح بريد العجلي (عن رجل خرج حاجا، ومعه جمل له ونفقة وزاد فمات في الطريق، قال: ان كان ضرورة ثم مات في الحرم فقد اجزاء عنه حجة الاسلام وان كان مات وهو صرورة قبل ان يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام فان فضل من ذلك شئ فهو للورثة ان لم يكن عليه دين) (1)، وهو صريح في تقديم الحج على الدين الشخصي. (2) اما في فرض الاستغراق فلعدم انتقال التركة إلى الورثة فان المستفاد من الكتاب العزيز (من بعد وصية يوصي بها أو دين) تأخر مرتبة الارث عن الوصية والدين، وكذا المستفاد من السنة كصحيح محمد بن قيس (ان الدين قبل الوصية ثم الوصية على اثر الدين ثم الميراث بعد الوصية) (2) وكموثقة السكوني (اول شئ يبدأ به من المال الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث) (3). فان كان على الميت دين ينتقل المال من الميت إلى الغرماء لا من


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 2. (2) و (3) الوسائل: باب 28 من أبواب الوصايا ح 2 و 1.

[ 129 ]

الورثة فالمال باق على ملك الميت، ولا محذور في ملكية الميت فالغرماء يتلقون المال من الميت لا من الورثة، ويكون الوارث اجنبيا عن المال ولا يجوز له التصرف فيه، والمفروض ان الحج بمنزلة الدين فإذا كان على الميت حج فلا يجوز للورثة التصرف في ذلك المال حتى يوجد من يحج عنه. هذا كله بناءا على الرأى الصحيح من عدم انتقال المال إلى الورثة إذا كان الدين مستغرقا. واما بناءا على الرأى الآخر من انتقال التركة إلى الورثة فكذلك لا يجوز لهم التصرف فيها لانها متعلقة لحق الغير. واما إذا لم يكن الدين، أو مصرف الحج مستغرقا للتركة فالظاهر جواز التصرف في غير مقدار الدين، وذلك فان مقدار الدين وان لم ينتقل إلى الورثة من الاول بل هو باق على ملك الميت إلا ان الزائد ملك للوارث على نحو الكلي في المعين، وله تطبيق الكلي على اي فرد شاء من الافراد الخارجية إلى ان يبقى مصرف الحج نظير بيع صاع من صبرة فان القاعدة تقتضي جواز التصرف في الصبرة إلى ان يبقى مقدار صاع للمشتري. هذا مضافا إلى السيرة القطعية القائمة على جواز تصرف الوارث في مال مورثه، وان كان مديونا، وحمل السيرة على ما إذا كان الميت غير مدين اصلا بعيد جدا لان الغالب هو اشتغال ذمة كثير من الاموات حتى الاغنياء منهم بالدين، ولا اقل مهور زوجاتهم، فالحكم بعدم جواز التصرف للورثة في صورة عدم الاستغراق مبني على الاحتياط كما في المتن خصوصا بالنظر إلى ذهاب جماعة من اصحابنا على ما نسب

[ 130 ]

[ نعم إذا كانت التركة واسعة جدا والتزم الوارث بادائه جاز له التصرف في التركة (1) كما هو الحال في الدين. ] إليهم إلى عدم جواز التصرف حتى في فرض عدم الاستغراق، ولم يفرقوا بين المستغرق وغيره، استنادا في ذلك إلى ان حق الغرماء متعلق بذلك المال، وهو غير متشخص فان كل جزء من اجزاء المال إذا لوحظ كان متعلقا لحق الغريم ومعه يشكل تصرف الوارث لان تصرفه في مال مشترك بينه وبين غيره. والجواب: ما عرفت من ان المال بمقدار الدين ينتقل من الميت إلى الغرماء رأسا، والزائد ينتقل إلى الورثة وان ملكيتهم له على نحو الكلي في المعين فيجوز لهم التصرف فيه. (1) قد عرفت جواز التصرف إذا لم يكن الدين مستغرقا ولا فرق بين الواسعة جدا وغيرها وانما حكم بعدم جواز التصرف في غير المستغرق احتياطا وخروجا عن شبهة الخلاف، واما إذا كان المال واسعا جدا، فلا شبهة في الجواز هذا كله ما تقتضيه القاعدة. واما بحسب النصوص فقد دل بعض النصوص على التفصيل بين الاستغراق وعدمه من دون فرق بين سعة التركة وعدمها. وهو موثق عبد الرحمان بن الحجاج (عن رجل يموت ويترك عيالا وعليه دين اينفق عليهم من ماله؟ قال: ان كان يستيقن ان الذي ترك يحيط بجميع دينه فلا ينفق، وان لم يكن يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال) (1).


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب الوصايا ح 2.

[ 131 ]

[ (مسألة 77): من مات وعليه حجة الاسلام ولم تكن تركته وافية بمصارفها وجب صرفها في الدين أو الخمس أو الزكاة ان كان عليه شئ من ذلك والا فهي للورثة (1). ولا يجب عليهم تتميمها من مالهم لاستيجار الحج (2). (مسألة 78): من مات وعليه حجة الاسلام لا يجب الاستئجار عنه من البلد، بل يكفي الاستئجار عنه من الميقات، بل من اقرب المواقيت إلى مكة ان امكن وإلا فمن الاقرب والاقرب (3). ] (1) لسقوط وجوب الحج عنه وحينئذ لعدم امكان الحج به على الفرض وكذلك ان وفى المال ببعض الاعمال لان الحج واجب ارتباطي يرتبط بعضه ببعض فلا يفيد وفاء المال ببعض الاعمال، فيعامل مع المال على ما تقتضيه القاعدة من صرفه في الدين - ومنه الزكاة والخمس - ان كان مديونا وإلا فالمال للورثة لتأخر الارث عن الدين. (2) لعدم الدليل على ذلك والاصل العدم. (3) لا خلاف بين الاصحاب في ان من استقر عليه الحج ومات قبل ان يحج يقضى عنه من صلب ماله. وانما اختلفوا في المكان الذي يجب الاستئجار منه على اقوال ثلاثة: ذكرها المحقق في الشرايع: الاول: ما ذهب إليه الاكثر بل المشهور انه يقضى عنه من اقرب

[ 132 ]

الاماكن والمواقيت إلى مكة ان امكن الاستيجار منه وإلا فمن غيره مراعيا الاقرب فالاقرب. الثاني: ما نسب إلى الشيخ من انه يستاجر من بلد الميت. الثالث: ما اختاره جماعة من التفصيل بين سعه المال فمن بلد الميت والا فمن الاقرب إلى بلده. وهنا تفصيل آخر: وهو وجوب الاستيجار من البلد في صورة سعة المال، وإلا فمن الميقات من دون نظر إلى الاقرب فالاقرب إلى بلده، ويترتب على هذا التفصيل انه لو عجز من البلد ينتقل الاستيجار إلى الميقات رأسا، وان وسع المال للاستيجار من البلاد القريبة لبلد الميت. والصحيح هو القول المشهور. والوجه فيه: انه لم يرد في المقام نص يعين مكان الاستئجار، وانما النص ورد في باب الوصية بالحج، وفي الحج عن الحي وكلاهما اجنبي عن محل كلامنا، فلابد في المقام من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة، وهي تقتضي الحج الميقاتي دون البلدي. وذلك لان الواجب على الميت انما هو الحج وهو اسم لاعمال ومناسك مخصوصة تبدء من الاحرام وتنتهي إلى الحلق أو التقصير أو تنتهي إلى طواف النساء في حج التمتع مثلا، واما المقدمات وطي المسافات فهي خارجة عن حقيقة الحج فلا موجب للاستئجار عن ذلك من صلب المال لان الذي وجب اخراجه من صلب المال انما هو الحج لا المقدمات التي لا ترتبط بالحج فالواجب حيئنذ الاستئجار من الميقات بل من الاقل اجرة فان المواقيت مختلفة من حيث قلة الاجرة وكثرتها حسب القرب والبعد، إذ لا

[ 133 ]

[ والاحوط الاولى الاستيجار من البلد إذا وسع المال، لكن الزائد عن اجرة الميقات لا يحسب على الصغار من الورثة (1). (مسألة 79): من مات وعليه حجة الاسلام تجب المبادرة إلى الاستيجار عنه في سنة موته (2) فلو لم يمكن ] موجب لاختيار الاكثر اجرة مع امكان اختيار الاقل اجرة وسقوط الواجب بذلك. ولكن الاحوط الاستئجار من البلد مع سعة المال خروجا عن شبهة الخلاف الا أن الزائد عن اجرة الحج الميقاتي يحسب من حصة الكبار لا الصغار، كما هو واضح لان المال في غير مصرف الحج ينتقل إليهم ولا مجوز لجواز التصرف في اموالهم. وقد يستدل القول الثالث: بانه لو كان حيا وجب عليه صرف المال من البلد للسير منه إلى الميقات فلما مات سقط الحج عن بدنه وبقي وجوب صرف المال فلابد من قضائه. وفيه: ان صرف المال من البلد ليس بواجب نفسي شرعي وانما هو واجب عقلي مقدمي، ولذا لو سار المستطيع في بلده إلى احد المواقيت لا بنية الحج ثم اراده فاحرم صح واجزء عن حجة الاسلام. وبما ذكرنا يتضح ضعف بقية الاقوال. (1) قد عرفت وجه ذلك. (2) والوجه في ذلك ان المال بمقدار مصرف الحج باق على ملك

[ 134 ]

[ الاستيجار في تلك السنة من الميقات لزم الاستيجار من البلد ويخرج بدل الايجار من الاصل، ولا يجوز التأخير إلى السنة القادمة ولو مع العلم بامكان الاستيجار فيها من الميقات (1) (مسألة 80): من مات وعليه حجة الاسلام إذا لم يوجد من يستأجر عنه الا باكثر من اجرة المثل يجب الاستيجار عنه ويخرج من الاصل ولا يجوز التأخير إلى ] الميت ولم ينتقل إلى الورثة فهو امانة عندهم ولايجوز لهم التصرف فيه إلا في ما يعود إلى الميت وهو الحج، وكذا لا يجوز ابقاء المال عندهم إلى السنة الاخرى لان ذلك أيضا تصرفا غير جائز ويحتاج إلى دليل وهو مفقود، فالتخلص من ذلك يقتضي المبادرة إلى الاستيجار وعدم التأخير إلى السنة اللاحقة. (1) لما عرفت ان مصرف الحج باق على ملك الميت فيجب صرفه في الحج ولو استلزم زيادة الاجرة، وليس للورثة ان يؤخر الحج في هذا الفرض توفيرا على الورثة حتى مع العلم بامكان الاستيجار من الميقات في السنة اللاحقة فحينئذ يجب الاستيجار من البلد ويخرج بدل الايجار من الاصل وهذا كله من آثار لزوم المبادرة والفورية. وربما يقال بان ذلك ضرر على الورثة فيرتفع بالحديث. والجواب عنه واضح لان المال لم تنتقل إليهم فكيف يتوجه الضرر إليهم، نعم يستلزم ذلك تفويت منفعة لهم ولا بأس به إذ لا دليل على عدم جواز تفويت المنفعة عن الغير.

[ 135 ]

[ السنة القادمة توفيرا على الورثة وان كان فيه الصغار (1). (مسألة 81): من مات واقر بعض ورثته بان عليه حجة الاسلام، وانكره الآخرون فالظاهر انه يجب على المقر الاستيجار للحج ولو بدفع تمام مصرف الحج من حصته، غاية الامر ان له اقامة الدعوى على المنكرين ومطالبتهم بحصته من بقية التركة (2). ويجري هذا الحكم في الاقرار بالدين أيضا (3) ]. (1) لان مصرف الحج لم ينتقل إلى الورثة فلا موجب لملاحظة الصغار، بل لابد من صرفه في الحج فورا كما عرفت في المسألة السابقة. (2) لان ثبوت مصارف الحج في التركة كالدين على نحو الكلي في المعين فيجب على الوارث المعترف اخراج جميع مصارف الحج من حصته بمقتضى اقراره، ولو كانت مصارف الحج بمقدار ما ورثه لحصته إذ لا ارث قبل اداء الدين. نعم له مطالبة بقية الوراث ما ورثه بحصته من بقية التركة لان المال مشترك بينهما فيأخذ الباقي منه مقاصة ان كان جاحدا والا فيقيم الدعوى عليهم. (3) قد ظهر وجه ذلك مما ذكرناه في كيفية اخراج مصارف الحج. وحاصله: ان المستفاد من الكتاب والسنة تأخر مرتبة الارث عن الدين والوصية، ويستفاد منها أيضا ان ثبوت الدين في التركة على نحو الكلي في المعين لا على نحو الاشاعة، ولذا لو تلف بعض المال

[ 136 ]

بعد موت المورث لزم اخراج الدين كاملا من بقية المال ولا ينقص من الدين شئ وهذا شاهد قطعي على ان الدين بالنسبة إلى التركة كالكلي في المعين لا على نحو الاشاعة، إذ لو كان على نحو الاشاعة لزم توزيع التالف على الدين وبقية المال ولم يقل به احد. فإذا كانت نسبة الدين إلى التركة نسبة الكلي في المعين فإذا اعترف بعض الورثة بالدين وانكره الآخر أو لم يعترف به اخذ المنكر نصف التركة وكذلك المقر يأخذ النصف الآخر ولكن يجب عليه ان يعطي تمام الدين حسب اعترافه ويكون الباقي له ويكون شريكا مع المنكر في النصف الذي اخذه المنكر فان كان المنكر جاحدا يجوز للمعترف ان يأخذ بقية حصته منه مقاصة وان كانه جاهلا يقيم عليه الدعوى عند الحاكم. هذا ما تقتضيه القاعدة. مضافا إلى ما دل عليه موثقة اسحاق بن عمار (في رجل مات فأقر بعض ورثته لرجل بدين، قال: يلزم ذلك في حصته) (1) وظاهره ثبوت الدين بتمامه في حصة المقر. وربما يتوهم معارضته بخبر أبي البختري (قال: قضى علي (عليه السلام) في رجل مات وترك ورثة فاقر احد الورثة بدين على ابيه انه يلزم ذلك في حصته بقدر ما ورث ولا يكون ذلك في ماله كله - إلى ان قال - وكذلك ان اقر بعض الورثة باخ أو اخت انما يلزمه في حصته) (2) بدعوى ان المستفاد منه توزيع الدين. ولكن الرواية ضعيفة سندا بأبي البختري الذي قيل في حقه انه من اكذب البرية.


(1) و (2) الوسائل: باب 26 من أبواب الوصايا ح 3 و 5.

[ 137 ]

[ نعم إذا لم يف تمام حصته بمصرف الحج لم يجب عليه الاستيجار بتتميمه من ماله الشخصي (1). (مسألة 82): من مات وعليه حجة الاسلام وتبرع متبرع عنه بالحج لم يجب على الورثة الاستيجار عنه بل يرجع بدل الاستيجار إلى الورثة (2). نعم إذا اوصى الميت باخراج حجة الاسلام من ثلثه لم يرجع بدله إلى الورثة بل يصرف في وجوه الخير أو يتصدق به عنه (3). ] ودلالة: لاحتمال ان يكون المراد من العبارة عدم التتميم من ماله الشخصي وانه يلزم على المعترف دفع الدين من حصته ولا يلزم عليه دفعه من ساير امواله الشخصية التي لم يرثها من المورث. (1) إذ لا موجب ولا دليل على تتميم مال الاجارة من ماله الشخصي فيسقط وجوب الاستيجار حينئذ. (2) لفراغ ذمة الميت بالتبرع عنه فلا مجال للاستيجار عنه، ويدل على صحة التبرع عنه صحيح معاوية بن عمار، (عن رجل مات ولم يكن له مال ولم يحج حجة الاسلام فاحج (فحج) عنه بعض اخوانه هل يجزي ذلك عنه أو هل هي ناقصة؟ قال: بل هي حجة تامة) (1). واما رجوع بدل الاستيجار إلى الورثة فلارتفاع المانع وهو الحج. (3) لان الوصية كما عرفت مانعة من انتقال المال إلى الورثة فيكون


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 138 ]

[ (مسألة 83): من مات وعليه حجة الاسلام واوصى ] المال باقيا على ملك الميت فلابد من صرفه في شؤنه وجهاته، فان امكن صرف المال الموصى به في الجهة المعينة من قبله فهو وإلا فيصرف في جهات اخر من وجوه البر الاقرب فالاقرب إلى غرضه، لان غرض الميت من الوصية ايصال الثواب إلى نفسه فان عين مصرفا خاصا لذلك وامكن الصرف فيه فهو المتعين والا فينتقل الامر إلى كيفية اخرى من ايصال الثوب إليه. وبعبارة اخرى: الوصية بالحج أو بغيره من اعمال الخير تنحل في الحقيقة إلى امرين وتكون الوصية من باب تعداد المطلوب حسب القرينة العامة والمتفاهم العرفي، فان الغرض الاول للميت من الوصية بصرف المال في الحج أو في غيره من وجوه البر هو ايصال الثواب إلى نفسه، والغرض الثاني هو صرف المال في جهة خاص وايصال الثواب إليه على نحو ما عينه فان تعذر الثاني يتعين الاول فيصرف المال في وجوه الخير من التصدق وغيره من ملاحظة الاقرب فالاقرب. ثم ان في المقام رواية تدل على صرف المال الموصى به - إذا لم يمكن صرفه في الحج - في التصدق عنه وهي رواية علي بن مزيد (فرقد) (1) ولكنها ضعيفة سندا ولا حاجة إليها بعدما كانت القاعدة تقتضي جواز صرف المال في مطلق وجوه الخير من التصدق وغيره بعد تعذر صرفه في الجهة المعينة.


(1) الوسائل: باب 37 من أبواب الوصايا ح 2.

[ 139 ]

[ بالاستيجار من البلد وجب ذلك (1). ولكن الزائد على اجرة الميقات يخرج من الثلث (2). ولو اوصى بالحج ولو يعين شيئا اكتفى بالاستيجار من الميقات (3) إلا إذا كانت هناك قرينة على ارادة الاستيجار من البلد، كما إذا عين مقدارا يناسب الحج البلدي (4) (مسألة 84): إذا اوصى بالحج البلدي ولكن الوصي أو الوارث استأجر من الميقات بطلت الاجارة، ان كانت الاجارة من مال الميت (5). ولكن ذمة الميت تفرغ من الحج بعمل الاجير (6) ]. (1) لوجوب تنفيذ الوصية. (2) لان الذي تجب اخراجه من الاصل انما هو بدل الحج الواجب عليه وهو الحج الميقاتي، واما الزائد على ذلك فغير واجب عليه فيدخل في باب تنفيذ الوصية بمقدار الثلث فان كان بمقداره نفذت الوصية، وان كان اكثر فلا لان الزائد على الثلث قد انتقل إلى الورثة. (3) لما عرفت من ان الواجب الاستيجار عن الميت من الميقات. (4) فان المتبع حينئذ هو القرينة اخذا بظهور الكلام. (5) لان التصرف في مال الميت حينئذ تصرف غير مشروع، ولكن الوصي أو الوارث يضمن اجرة المثل للاجير. (6) لانه فرد للواجب وهو حج صحيح ولا توجب المخالفة فساده وبطلان الاجارة لا ينافي صحة العمل الصادر من الاجير.

[ 140 ]

[ (مسألة 85): إذا اوصى بالحج البلدي من غير بلده كما إذا اوصى ان يستأجر من النجف - مثلا - وجب العمل بها ويخرج الزائد عن اجرة الميقاتية من الثلث (1). (مسألة 86): إذا اوصى بالاستيجار عنه لحجة الاسلام وعين الاجرة لزم العمل بها، وتخرج من الاصل ان لم تزد على اجرة المثل والا كان الزائد من الثلث (2). (مسألة 87): إذا اوصى بالحج بمال معين وعلم الوصي ان المال الموصى به فيه الخمس أو الزكاة وجب ] (1) انما يتم ذلك بناءا على عدم وجوب الحج من البلد - كما هو المختار - فحينئذ يتعين العمل بالوصية لوجوب تنفيذها. واما بناءا على القول الآخر من وجوب الاستيجار عن الميت من البلد فلا اثر لهذه الوصية لانها على خلاف السنة المقررة من قبل الشرع بل لابد من الحج عنه من البلد الذي مات فيه أو بلد الاستيطان على الخلاف. (2) إذا فرضنا ان الميت عين الاجرة لزم العمل بذلك لوجوب العمل على طبق الوصية، وتخرج من الاصل فيما إذا لم تزد على اجرة المثل وإلا كان الزائد من الثلث إذ لا موجب لخروجه من اصل المال، لان الثابت في اصل المال انما هو مصرف الحج عن النحو المتعارف والزايد عليه يحسب من الثلث لان الميت له الحق في التصرف بتركته بمقدار الثلث.

[ 141 ]

[ عليه اخراجه اولا (1) وصرف الباقي في سبيل الحج فان لم يف المال بمصارفه لزم تتميمه من اصل التركة ان كان الموصى به حجة الاسلام، والا صرف الباقي في وجوه البر (2). (مسألة 88): إذا وجب الاستيجار للحج عن الميت بوصية أو بغير وصية، واهمل من يجب عليه الاستيجار فتلف المال ضمنه، ويجب عليه الاستيجار من ماله (3). (مسألة 89): إذا علم استقرار الحج على الميت، ] (1) لان المال الموصى به قد تعلق به حق الغير فيجب على الوصي ايصاله إلى اهله ولا يجوز له التصرف فيه باخراج الحج من الباقي إذا كان وافيا به وان لم يف الباقي بمصارف الحج لزم تتميمه من اصل التركة إذا كان الموصى به حجة الاسلام لكونها تخرج من اصل المال وان لم يكن الموصى به حجة الاسلام ولم يكن المال وافيا به لا يجب عليه تتميمه من الاصل لان الخارج منه انما هو مخصوص حجة الاسلام لا جميع اقسام الحج. (2) لما عرفت من انحلال الوصية في الحقيقة إلى امرين وغرضين فإذا تعذر احدهما يتعين الآخر إذ لا موجب لسقوطه. (3) لان المال كان عنده امانة شرعية فإذا اهمل وفرط فيما تحت يده ولم يصرفه في مصرفه صارت يده حينئذ يد خيانة وعادية فيحكم عليه بالضمان ويجب عليه الاستيجار عملا بالوصية.

[ 142 ]

[ وشك في ادائه وجب القضاء عنه، ويخرج من اصل المال (1). ] (1) إذا علم استقرار الحج عليه ولم يعلم انه اتى به ام لا فالظاهر وجوب القضاء عنه لان موضوعه وجوب الحج عليه وعدم الاتيان به اما الوجوب فلانه محرز وجدانا على الفرض واما عدم الاداء فلاصالة عدم الاتيان به ولا عبرة بظاهر حال المسلم خصوصا إذا كان غير صالح وغير ملتزم باداء الواجبات فانه لا يوجب الا الظن بالاداء وهو لا يغني من الحق شيئا. وربما يقال: بان الحج بمنزلة الدين الواجب كما في النص (1) وقد ثبت في محله ان الدين لا يثبت على الميت باستصحاب عدم الاتيان به الا بضم اليمين إليه. والجواب: ان ما دل على لزوم اعتبار ضم اليمين في اثبات الدين على الميت انما هو مكاتبة الصفار المعتبرة (وكتب: أو تقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد آخر عدل؟ فوقع: نعم من بعد يمين) (2) فان المستفاد من هذه العبارة عدم ثبوت الدين على الميت بشهادة العدلين وقيام البينة فقط وانما يثبت بعد ضم اليمين إلى البينة، فحجية البينة ورد عليها التخصيص واما الاستصحاب فلا يستفاد من الرواية الغاء حجيته في باب الدين ولا نظر للرواية إلى الاستصحاب اصلا فلا تخصيص لادلة الاستصحاب.


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب وجوب الحج ح 4. (2) الوسائل: باب 28 من أبواب الشهادات ح 1.

[ 143 ]

[ (مسألة 90): لا تبرء ذمة الميت بمجرد الاستيجار فلو علم ان الاجير لم يحج لعذر أو بدونه وجب الاستيجار ثانيا، ويخرج من الاصل (1). وان امكن استراد الاجرة من الاجير تعين ذلك، إذا كانت الاجرة من مال الميت (2). (مسألة 91): إذا تعدد الاجراء فالاحوط استيجار اقلهم اجرة، إذا كانت الاجارة بمال الميت (3). وان كان الاظهر جواز استيجار المناسب لحال الميت من حيث الفضل والشرف فيجوز استيجاره بالازيد (3). ] (1) لا ريب في ان الذي يوجب فراغ ذمة الميت انما هو اداء العمل ومجرد الاستيجار لا يكفي برائة ذمة الميت ولا ذمة الوارث أو الوصي عن الحج عنه لان الواجب عليهما تفريغ ذمة الميت والحج عنه ومجرد الاستيجار بلا اداء العمل لا يحقق التفريغ، فلو علم ان الاجير لم يؤد لعذر أو غيره وجب الاستيجار ثانيا ويخرج من الاصل وقد عرفت ان الحج كالدين في اخراجه من اصل المال. (2) وإلا لكان تضييعا لمال الميت. (3) إذ لا موجب لاستيجار الاكثر اجرة بعد امكان استيجار الاقل اجرة، فيكون التصرف في الزائد تصرفا غير مشروع. (4) لان الروايات الآمرة بالحج منصرفة إلى المتعارف مما يناسب مقام الميت وشأنه ووجاهته.

[ 144 ]

[ (مسألة 92): العبرة في وجوب الاستيجار من البلد أو الميقات بتقليد الوارث أو اجتهاده لا بتقليد الميت أو اجتهاده فلو كان الميت يعتقد وجوب الحج البلدي والوراث يعتقد جواز الاستيجار من الميقات لم يلزم على الوارث الاستيجار من البلد (1). (مسألة 93): إذا كانت على الميت حجة الاسلام ولم تكن له تركة لم يجب الاستيجار عنه على الوراث (2) ] (1) إذا اختلف تقليد الميت والوارث أو اجتهادهما في اعتبار البلدية أو الميقاتية فالمدار على تقليد الوارث أو اجتهاده لا الميت، فان الوارث إذا رأى وجوب الحج البلدي فالمال بمقداره حسب رأيه باق على ملك الميت ولم ينتقل إليه فلا يجوز له التصرف فيه الا في الحج عنه من البلد ولا عبرة بعدم اعتقاد الميت الوجوب من البلد، فحال الحج البلدي حال ثبوت الدين على الميت فان الوارث إذا اعتقد ان مورثه مدين يجب عليه ادائه ولا يجوز له التصرف في ذلك المال لعدم انتقاله إليه وان اعتقد الميت عدمه أو غفل عنه ولو انعكس الامر بان اعتقد الوارث كفاية الحج الميقاتي فالمتبع أيضا نظر الوارث لان المال الزائد عن الميقاتي قد انتقل إليه حسب اعتقاده فالمال ماله ويجوز له التصرف فيه ولا اثر لاعتقاد الميت. (1) لان النصوص الآمرة بالاحجاج عنه من صلب ماله، أو من جميع المال ونحو ذلك واضحة الدلالة على ان الحج يخرج من تركته

[ 145 ]

[ نعم يستحب ذلك على الولي (1). ] فان لم تكن له تركة فلا موضوع للحكم المذكور. (1) لاريب في استحباب التطوع بالصلاة والصوم والحج وجميع العبادات عن الميت، والاخبار في ذلك متكاثرة جدا (1) وقد ورد في الحج. ان رجلا مات ولم يكن له مال ولم يحج حجة الاسلام فحج عنه بعض اخوانه وانه يجزى ذلك عنه (2) ولكن لا اختصاص بالولي بل يستحب ذلك من كل احد. نعم ورد في رواية معتبرة ان الولد يبر والديه حيين وميتين يصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما ويصوم عنهما (3) ونحوها صحيحة معاوية بن عمار (4) وبمضمونها وردت روايات كثيرة، فلا ينبغي الريب في استحباب ذلك على الولي أيضا لشمول النصوص له ولانه احسان منه إلى الميت واما استحباب ذلك على الولي بعنوانه فلا دليل عليه. واما ما ورد في صحيح ضريس من قضاء الولي حجة الاسلام (5) فمورده ما إذا كان للميت مال وكان مستطيعا وخرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق، فلا يشمل من مات مفلسا لا مال له ولم يحج حجة الاسلام.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب قضاء الصلوات (2) الوسائل: باب 31 من أبواب وجوب الحج ح 1. (3) الوسائل: باب 12 من أبواب قضاء الصلوات ح 1. (4) الوسائل: باب 28 من أبواب الاحتضار ح 6. (5) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 146 ]

[ (مسألة 94): إذا اوصى بالحج فان علم ان الموصى به هو حجة الاسلام اخرج من اصل التركة، الا فيما إذا عين اخراجه من الثلث (1). واما إذا علم ان الموصى به غير حجة الاسلام، أو شك في ذلك فهو يخرج من الثلث (2). [ (مسألة 95): إذا اوصى بالحج وعين شخصا معينا لزم العمل بالوصية (3) فان لم يقبل إلا بأزيد من اجرة المثل اخرج الزائد من الثلث، فان لم يمكن ذلك أيضا استؤجر غيره بأجرة المثل. ] (1) تقدم حكم هذه المسألة في المسألة الثالثة والسبعين. (2) إذا كان الموصى به غير حجة الاسلام فلا دليل على اخراجه من اصل التركة وما وجب اخراجه من الاصل انما هو خصوص حجة الاسلام لانها بمنزلة الدين واما بقية اقسام الحج من الحج النذري أو الافسادي وغيرهما فلم يدل دليل على خروجها من الاصل، وقد ذكرنا سابقا انه لا دليل على خروج كل واجب مالي من الاصل، وان الذي ثبت خروجه من الاصل انما هو الدين والحج لانه بمنزلته كما صرح به في الروايات. ومنه يعلم انه لو شك في ان الموصى به حجة الاسلام أو غيرها فلا يخرج من الاصل إذ لم يحرز موضوع وجوب الخروج من الاصل والاصل عدم تعلق الوصية بحج الاسلام. (3) وتعين استيجاره باجرة المثل لان الذي يحب اخراجه من اصل

[ 147 ]

[ (مسألة 96): إذا اوصى بالحج وعين اجرة لا يرغب فيها احد فان كان الموصى به حجة الاسلام لزم تتميمها من اصل التركة (1). فان كان الموصى به غيرها بطلت الوصية (2). وتصرف الاجرة في وجوه البر (3). [ (مسألة 97): إذا باع داره بمبلغ - مثلا - واشترط على المشتري ان يصرفه في الحج عنه بعد موته كان الثمن من التركة، فان كان الحج حجة الاسلام لزم الشرط (4) ] المال انما هو بدل الحج المتعارف، وهو اجرة المثل، واما الزائد فلا موجب لخروجه من الاصل بل يخرج الزائد من الثلث ان وفى به وإلا تبطل الوصية باستيجار هذا الشخص المعين واستؤجر غيره بأجرة المثل. (1) لما عرفت من خروجها من اصل المال اوصى بها أو لم يوص. (2) لتعذر العمل بالوصية بالنسبة إلى استئجار الحج ولا يلزم تتميم الاجرة من الاصل لما عرفت من ان الخارج من الاصل انما هو حجة الاسلام واما غيرها من اقسام الحج فلا يخرج من الاصل. (3) بمقدار الثلث لما تقدم من ان الوصية في الحقيقة تنحل إلى امرين حسب المتفاهم العرفي ايصال الثواب إليه بنحو خاص ومطلق عمل الخير فإذا تعذر الاول لا موجب لسقوط الثاني فان المال بمقدار الثلث باق على ملك الميت فلابد من صرفه إلى جهات الميت وشؤونه، ولا مقتضى لرجوع المال إلى الورثة. (4) لانه شرط جائز في نفسه فلا مانع من لزومه.

[ 148 ]

[ ووجب صرفه في اجرة الحج ان لم يزد على اجرة المثل، وإلا فالزائد يخرج من الثلث (1). وان كان الحج غير حجة الاسلام لزم الشرط أيضا، ويخرج تمامه من الثلث وان لم يف الثلث لم يلزم الشرط في المقدار الزائد (2). (مسألة 98): إذا صالحه داره - مثلا - على ان يحج عنه بعد موته، صح ولزم وخرجت الدار عن ملك المصالح الشارط ولا تحسب من التركة وان كان الحج ندبيا ولا يشملها حكم الوصية وكذلك الحال إذا ملكه داره بشرط ان يبيعها ويصرف ثمنها في الحج عنه بعد موته فجميع ذلك صحيح لازم وان كان العمل المشروط عليه ندبيا ولا يكون للوارث حينئذ حق في الدار (3). ] (1) لما عرفت من ان الذي يجب اخراجه من اصل المال انما هو اجرة المثل واما الزائد عنها فيخرج من الثلث إذ لا مقتضى لاخراج الزائد من اصل المال. (2) لعين ما تقدم وقد عرفت ان غير حجة الاسلام من اقسام الحج يخرج من الثلث والمال الزائد عن مقدار الثلث ينتقل إلى الورثة فلا موجب للزوم الشرط بالنسبة إلى اموالهم. (3) لان المفروض خروج الدار من ملك الشارط بالصلح أو التمليك في حال حياته إلى المشروط عليه فليست الدار مما تركه الميت فلا موضوع

[ 149 ]

[ ولو تخلف المشروط عليه عن العمل بالشرط لم ينتقل الخيار إلى الوارث وليس له اسقاط هذا الخيار الذي هو حق الميت، وانما يثبت الخيار للحاكم الشرعي وبعد فسخه يصرف المال فيما شرط على المفسوخ عليه فان زاد شئ صرف في وجوه الخير (1). ] للانتقال إلى الوارث وليس له اي حق في الدار، وانما الشرط يوجب الوفاء به على المشروط عليه وان كان العمل المشروط ندبيا وليس للوارث معارضته بل هو اجنبي عن ذلك فلا يجري على الدار المصالح به حكم الوصية، وجميع ما ذكرناه واضح لاخفاء فيه. ولكن عن المحقق القمي (قده) اجراء حكم الوصية في نظير المقام بدعوى: ان المصالح الشارط ملك الحج على المشروط عليه وهو عمل ذات اجرة ويعد مما تركه الشارط الميت ويعامل معه معاملة الاموال المتروكة من احتساب مقدار اجرة المثل لهذا العمل من الاصل والزائد عنها من الثلث. والجواب عنه: ان الحج المشروط به ليس مالا وملكا للميت لينتقل إلى الوارث فان الاشتراط لا يوجب كون الشرط ملكا للشارط وانما يوجب لزوم العمل بالشرط على المشروط عليه بمقتضى وجوب الوفاء بالشرط فليس الحج المشروط به مما تركه الميت حتى يتنازع في خروجه من الثلث أو من الاصل. (1) لو لم يعمل المشروط وترك الحج فلا ريب في ثبوت الخيار لتخلف الشرط.

[ 150 ]

[ (مسألة 99): لو مات الوصي ولم يعلم انه استأجر للحج - قبل موته - وجب الاستيجار من التركة، فميا إذا ] ولكن وقع الكلام في انه هل يثبت الخيار للوارث أو انه اجنبي عنه وجهان. ذهب السيد في العروة إلى الاول، وذكر ان حق الشرط ينتقل إلى الوارث فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث فسخ المعاملة. والصحيح هو الثاني، وذلك فان العمل المشروط كالحج في المقام كما لا ينتقل إلى الوارث - على ما عرفت - لعدم كونه مالا وملكا للميت كذلك حق الخيار لا ينتقل إلى الوارث، لان حق الخيار وان كان في نفسه قابلا للارث والنقل والانتقال كسائر الحقوق القابلة للانتقال ولكن ذلك فيما إذا رجع نفعه إلى الوارث فيكون الخيار حينئذ داخلا فيما تركه الميت فينتقل إلى الوارث فله اسقاطه كما ان له اثباته وامضائه واما الحق الذي لا ينتفع به الوارث اصلا فلا يصدق على الخيار المترتب على تخلفه انه مما تركه الميت إذ الانتفاع به مختص بالميت فيكون الخيار مختصا به أيضا، ويكون الوارث اجنبيا عنه بالمرة ولذا ليس له اسقاط هذا الخيار. وحيث ان الميت بنفسه لا يتمكن من اعمال الخيار فللحاكم الشرعي فسخ المعاملة ان امتنع المشروط عليه من الاتيان بالشرط ويصرف الحاكم المال في الحج باستيجار شخص آخر. فان زاد المال يصرف الزائد في وجوه البر ولا ينتقل إلى الورثة، لما عرفت ان الوصية تنحل إلى امرين الامر الخيري الخاص والامر الخيري المطلق.

[ 151 ]

[ كان الموصى به حجة الاسلام ومن الثلث إذا كان غيرها (1). وإذا كان المال قد قبضه الوصي - وكان موجودا - اخذ ] (1) لاصالة عدم وقوع الاستيجار منه، وما لم يحرز الاستيجار لا موجب لسقوط الحج الموصى به فيجب الاستيجار عنه من الاصل ان كان الحج الموصى به حجة الاسلام ومن الثلث إذا كان غيرها، وهذا من دون فرق بين مضي مدة يمكن الاستيجار فيها، وبين عدم مضي مدة يمكن الاستيجار فيها ومن دون فرق بين كون الواجب فوريا أو موسعا، وسواء كان مال الاجارة موجودا عند الوصي أم لا. خلافا لما ذهب إليه السيد في العروة من الحكم بالاستيجار في فرض ما إذا مضت مدة يمكن الاستيجار فيها وكان الواجب فوريا ولم تكن مال الاجارة موجودا لحمل فعل الوصي وامره على الصحة. ويضعف: بانه لا مجال لاجراء اصالة الصحة في امثال المقام لان اصالة الصحة انما تجرى فيما إذا شك في صحة العمل وفساده بعد الفراغ عن اصل وقوعه في الخارج واما إذا كان اصل العمل مشكوكا فيه فلا نحكم بوقوعه باصالة الصحة لان اصالة الصحة لا تتكفل ثبوت اصل العمل وانما تتكفل صحة العمل الواقع من المسلم. وذلك: لان اصالة الصحة ثبتت بالسيرة الشرعية وهي جارية فيما إذا كان العمل صادرا من احد وشك في صحته وفساده وانه هل وقع على الوجه الصحيح ام وقع على وجه غير صحيح واما إذا لم يعلم بوقوع الفعل وتحققه في الخارج وشك في اصل وقوعه فاصالة الصحة لا تثبت وقوعه بل المرجع حينئذ اصالة عدم وقوع الفعل في الخارج.

[ 152 ]

[ وان احتمل ان الوصي قد استأجر من مال نفسه وتملك ذلك بدلا عما اعطاه (1). وان لم يكن المال موجودا فلا ضمان على الوصي لاحتمال تلفه عنده بلا تفريط (2) (مسألة 100): إذا تلف المال في يد الوصي بلا تفريط لم يضمنه (3) ووجب الاستيجار من بقية التركة إذا كان الموصى به حجة الاسلام، ومن بقية الثلث ان كان غيرها (4) فان كانت البقية موزعة على الورثة استرجع منهم بدل الايجار بالنسبة (5). وكذلك الحال ان استؤجر احد للحج ومات قبل الاتيان بالعمل ولم يكن له تركة، أو لم يمكن الاخذ من تركته (6). ] (1) إذ لا عبرة بهذا الاحتمال ما لم يحرز تحقق الاستيجار من الوصي فمقتضى القاعدة اخذ المال منه بعينه أو ببدله لبقائه على ملك الميت. (2) لان يده ليست بيد عادية فلا موجب للضمان. (3) لانه امين ولا ضمان عليه. (4) إذ لا موجب لسقوط فلابد من اخراجه من الاصل إذا كان الموصى به حج الاسلام ومن الثلث إذا كان غيره. (5) لانكشاف بطلان القسمة من الاول، لان القسمة انما تصح بعد اداء الدين، وقد ذكرنا غير مرة ان ثبوت الدين في التركة كالكلي في المعين والوفاء به متقدم على الارث. (6) فان مجرد الاستيجار ما لم يأت الاجير بالعمل لا يوجب سقوطه

[ 153 ]

[ (مسألة 101): إذا تلف المال في يد الوصي قبل الاستيجار، ولم يعلم ان التلف كان عن تفريط لم يجز تغريم الوصي (1). (مسألة 102): إذا اوصى بمقدار من المال لغير حجة الاسلام واحتمل انه زائد على ثلثه لم يجز صرف جميعه (2). ] عمن اشتغلت ذمته به، فحينئذ لابد من استيجار شخص آخر واخراج مال الاجارة من الاصل أو من الثلث. (1) لان التلف الذي بوجب الضمان ما إذا كان مستندا إلى تفريطه وتفويته فلو شك في استناد التلف إلى تفويته فالاصل عدمه، وان شئت فقل نشك في الضمان وعدمه، والاصل هو البرائة. (2) للشك في صحة الوصية وبطلانها بالنسبة إلى هذا المقدار من المال، لانه لو كان المال بمقدار الثلث فتصح الوصية ولو كان زائدا عليه تبطل، فمع الشك في نفوذ الوصية وصحتها لا مجال لجواز التصرف في جميع المال. وربما يتوهم نفوذ الوصية لترددها بين كونها صحيحة أو باطلة واصالة الصحة تقتضي صحتها. والجواب ما تقدم غير مرة: بان اصالة الصحة ليس مستندها دليلا لفظيا وانما مستندها السيرة وموردها ما إذا شك في صحة العمل وفساده من اجل الاختلال ببعض شروطه واجزائه بعد الفراغ عن

[ 154 ]

ثبوت الولاية للعاقد، واما إذا شك في اصل ثبوت الولاية له فلا يمكن اثبات الصحة بالاصل، ولذا لو تصدى احد ببيع دار شخص آخر وشك في ولايته عليه لا نحكم بصحة البيع وانما نحكم بصحة البيع فيما إذا علمنا ولايته له ونشك في صحة المعاملة وفسادها لاجل وجدانها لما يعتبر فيه من الشرائط والاجزاء.

[ 155 ]

[ فصل: في النيابة (مسألة 103): يعتبر في النائب امور: الاول: البلوغ، فلا يجزي حج الصبي من غيره في حجة الاسلام وغيرها من الحج الواجب، وان كان الصبي مميزا (1). ] (1) يقع الكلام تارة في الصبي غير المميز واخرى في المميز. اما نيابة غير المميز فلا اشكال في عدم صحتها وعدم اجزائها لعدم تحقق القصد منه في افعاله واعماله، ومن الواضح لزوم القصد في الاعمال. واما الصبى المميز فالمشهور عدم صحة نيابته. وعمدة ما استدل به على ذلك امران: الاول: ان عبادات الصبى تمرينية لا شرعية ففي الحقيقة ليست عباداته عبادة لتقع عبادة عن الغير. وفيه: انه قد ذكرنا في بحث الصلاة ان المستفاد من الروايات مشروعية عبادات الصبى ولا فرق بينها وبين عبادة البالغين إلا من ناحية الوجوب والاستحباب. الثاني: عدم الوثوق بصحة عمله لرفع القلم عنه فلا رادع له حتى يأتي بالعمل الصحيح ليقع عن الغير.

[ 156 ]

وفيه: ان الدليل اخص من المدعى فان بين الوثوق والبلوغ عموما. من وجه إذ يمكن الوثوق بعمله كما إذا كان الصبى مراقبا في عباداته من قبل الولي أو غيره فلا فرق بينه وبين البالغين من هذه الجهة. ولكن مقتضى التحقيق عدم صحة نيابته بمعنى عدم سقوط العمل الواجب عن ذمة المكلف المنوب عنه باتيان العمل من الصبي، لان سقوط الواجب عن ذمة المنوب عنه بفعل الصبي غير ثابت ويحتاج إلى الدليل، بل مقتضى القاعدة اشتغال ذمة المنوب عنه بالواجب وعدم سقوطه بفعل الصبي. ولا ملازمة بين شرعية عبادات الصبي وصحتها وسقوط الواجب عن المنوب عنه نظير ما ذكرنا في صلاة الصبى على الميت فانها لا توجب سقوط الصلاة على الميت عن المكلفين وان كانت صلاة الصبي صحيحة فلابد من النظر إلى ادلة النيابة وهل تشمل نيابة الصبي ام لا؟ اما ادلة النيابة عن الحي فالوارد فيها كلمة (الرجل) وهو غير شامل للصبي ولاجل الجمود على كلمة الرجل استشكلنا في نيابة المرأة عن الحي. ودعوى ان كلمة (الرجل) من باب المثال ولا خصوصية له عهدتها على مدعيها فإذا لا دليل على نيابة الصبي عن الحي. واما النيابة عن الاموات: فقد ذكر في صحيحة حكم بن حكيم نيابة المرأة عن المرأة والرجل عن المرأة وبالعكس (1)، ولم يذكر نيابة الرجل عن الرجل لوضوحها، فيظهر من هذه الرواية عدم صحة نيابة الصبي لانه (ع) في مقام بيان موارد النيابة واستقصائها ولم


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة ح 6.

[ 157 ]

[ نعم لا يبعد صحة نيابته في الحج المندوب باذن الولي (1) ] يذكر نيابة الصبي فيعلم ان نيابته غير مجزية وإلا لذكرها. فتحصل: ان النيابة على خلاف القاعدة لان سقوط الواجب عن ذمة المكلف به بفعل الغير خلاف الاصل فلابد من الاقتصار على مقدار ما دل الدليل عليه ولا دليل على الاكتفاء بفعل الصبي عن فعل المنوب عنه. (1) لان ادلة المستحبات في نفسها شاملة للصبي، ومشروعيتها له لا تحتاج إلى دليل بالخصوص، ومن ذلك باب النيابات فانها مستحبة في نفسها وتشمل الصبيان كبقية المستحبات، ولا نحتاج إلى دليل خاص مضافا انه قد ورد النص في خصوص نيابة الحج وغيره من العبادات عن الميت ما يشمل باطلاقه نيابة الصبي عن الميت كصحيحة معاوية بن عمار (ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما، ويحج ويتصدق ويعتق عنهما ويصلي ويصوم عنهما) (1) فانها مطلقة تشمل عموم الولد كبيرا وصغيرا، ولكن لا نحتمل اختصاص صحة نيابته بالوالدين. وكذا ورد النص في النيابة عن الحي ما يشمل باطلاقه الصبي كما في معتبرة يحيى الازرق (من حج عن انسان اشتركا) (2) فان اطلاق قوله: (من حج) يشمل الصبي، والظاهر من التعبير (عن انسان) هو الحي. وأما السند فلا بأس به لان يحيى الازرق، وان كان مشتركا بين


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب الاحتضار ح 6. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب النيابة في الحج ح 7.

[ 158 ]

[ الثاني: العقل، فلا تجزى استنابة المجنون (1) سواء في ذلك ما إذا كان جنونه مطبقا، ام كان ادواريا إذا كان العمل في دور جنونه. واما السفيه فلا بأس باستنابته (2). الثالث: الايمان فلا عبرة بنيابة غير المؤمن وان اتى بالعمل على طبق مذهبنا (3). ] الثقة وغيره، ولكن الظاهر انصرافه إلى يحيى بن عبد الرحمن الثقة لانه من مشاهير الرواة، وممن له كتاب. واما الاشتراط باذن الولي فان كانت النيابة بالاجارة - كما هو الغالب - فلتوقف صحة معاملاته على اذن الولي، وان كانت بالتبرع فلاجل ان استيفاء منافع الصبي بدون اذن الولي غير جائز كما هو واضح. (1) لا نتفاء القصد منه فلا يقع عمله عبادة والامر في ذلك واضح. (2) لاطلاق الادلة وتحقق القصد منه، ومجرد الحجر على امواله لايمنع من نيابته لعدم المنافاة بين الامرين. (3) إذا كان عمل المخالف فاقدا لما يعتبر فيه من الاجزاء والشرائط عندنا - كما هو الغالب - فلا ريب في عدم صحة نيابته وعدم الاجتزاء بعمله لان النيابة انما تصح فيما إذا كان العمل في نفسه صحيحا وواجدا لما يعتبر فيه واقعا واما إذا كان العمل باطلا لفقد جزء أو شرط أو وجود مانع فلا تصح نيابته، لان مورد النيابة هو العمل الصحيح. وهكذا الحال فيما لو فرضنا انه اتى بالعمل صحيحا على طبق مذهبنا وتمشى منه قصد القربة فلا تصح نيابته أيضا للاخبار الكثيرة

[ 159 ]

[ الرابع: ان لا يكون النائب مشغول الذمة بحج واجب عليه في عام النيابة إذا تنجز الوجوب عليه (1). ] الدالة على اعتبار الايمان في صحة الاعمال وقبولها وعدم صحتها بدون الولاية (1). ودعوى: ان ذلك في العمل لنفسه دون عمل غيره، ممنوعة بان النائب يتقرب بالامر المتوجه إلى نفسه، والعمل الصحيح الصادر منه المتقرب به يوجب فراغ ذمة المنوب عنه فإذا فرضنا ان العمل الصادر منه غير مقبول ولم يكن قريبا حقيقة فلا يوجب سقوط الواجب عن المنوب عنه. (1) لا يخفى ان هذا الشرط - كما صرح به في ذيل المسألة - شرط في صحة الاجارة لا في صحة حج النائب. فيقع الكلام في موردين: احدهما: في حكم الحج النيابي الصادر من النائب الذي اشتغلت ذمته بحج آخر في عام النيابة والظاهر هو الحكم بصحة الحج لان المورد من صغريات باب التزاحم للتضاد بين الحجتين، وحيث ان المكلف لا يتمكن من الجمع بينهما في سنة واحدة فلا يؤمر بهما معا في عرض واحد، ولكن يمكن ان يؤمر بهما على نحو الترتب فيؤمر اولا بالحج عن نفسه، وعلى تقدير العصيان والترك يؤمر ثانيا بالحج عن الغير فيحكم بصحة الحج الصادر منه على وجه النيابة بالامر الترتبي، وتبرأ ذمة المنوب عنه.


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب مقدمة العبادات.

[ 160 ]

[ ولا بأس باستنابته فيما إذا كان جاهلا بالوجوب أو غافلا عنه (1). وهذا الشرط شرط في صحة الاجارة لا في صحة حج النائب فلو حج - والحال هذه - برئت ذمة المنوب عنه (2) ولكنه لا يستحق الاجرة المسماة بل يستحق اجرة المثل (3). ] ثانيهما: في بيان حكم الاجارة، والظاهر بطلانها لان متعلق الاجارة ان كان الحج مطلقا فالحكم بصحتها يؤدي إلى الامر بالضدين لان وجوب الحج عن نفسه مطلق ومتحقق بالفعل فإذا كان الامر الاجاري مطلقا أيضا فيستلزم ذلك الامر بالضدين. وان كان متعلق الاجارة مقيدا ومعلقا على تقدير ترك الحج فيبطل عقد الاجارة أيضا للتعليق المجمع على بطلانه، واما امضاءه معلقا على ترك الحج عن نفسه فهو وان كان ممكنا في نفسه إلا انه لم ينشأ فما انشاءه غير قابل للامضاء، وما هو قابل له لم ينشأ فلا يستحق الاجير الاجرة المسماة وانما يستحق اجرة المثل لان المقام من صغريات (كل شئ يضمن بصحيحه يضمن بفاسده). (1) لان الامر الواقعي لا يكون منجزا في فرض الجهل والغفلة والامر بالضدين عرضا انما يستحيل فيما إذا كان الامران منجزين واما إذا كان احدهما غير منجز فلا مانع من الامر بالضد الآخر. (2) لصحة الحج الصادر من النائب بالامر الترتبي كما عرفت. (3) لبطلان الاجارة فيدخل المقام في كبرى (كل ما يضمن بصحيحه

[ 161 ]

[ (مسألة 104): يعتبر في فراغ ذمة المنوب عنه احراز عمل النائب والاتيان به صحيحا، فلابد من معرفته باعمال الحج واحكامه، وان كان ذلك بارشاد غيره عند كل عمل (1). كما لابد من الوثوق به، وان لم يكن عادلا (2)، ] يضمن بفاسده) فالقاعدة تقتضي ضمان اجرة المثل. (1) لان ذمة المنوب عنه لا تبرء بمجرد الاستيجار وانما تبرء فيما إذا اتى النائب بالعمل، فلابد من احراز صدور العمل الصحيح من النائب ولو باصالة الصحة، فاللازم معرفته باعمال الحج واحكامه وإلا لو كان جاهلا بها فلا يمكن احراز صدور العمل الصحيح منه. نعم لا يعتبر معرفته بالاحكام قبل العمل بل تكفي معرفته بها اثناء العمل بارشاد غيره عند كل عمل - كما انه في الاصيل كذلك، فان العبرة في الصحة باتيان العمل واجدا لجميع ما يعتبر فيه، ولو بالتعرف عليه في الاثناء بوسيلة مرشد أو لمراجعته للكتب المؤلفة لبيان احكام الحج (المناسك) سواء كان العمل لنفسه أو لغيره، هذا من ناحية عمل النائب نفسه. وأما من ناحية الاستيجار على العمل فالظاهر بطلان الاجارة للجهل بالعمل المستأجر عليه فتكون الاجارة غررية. نعم لا حاجة لمعرفة الاجزاء والشرائط على وجه التفصيل، بل يكفي مقدار ما يرتفع به الغرر، ولو اجمالا. (2) لا اشكال في ان هذا الشرط انما يعتبر في جواز الاستنابة

[ 162 ]

[ (مسألة 105): لا بأس بنيابة المملوك عن الحر، إذا كان باذن مولاه (1)، (مسألة 106): لا بأس بالنيابة عن الصبى (2) كما لا بأس بالنيابة عن المجنون، بل يجب الاستيجار عنه إذا ] والاستيجار لا في صحة عمله لان النائب إذا أتى بالعمل الصحيح يكتفي به وتبرء ذمة المنوب عنه ولو كان النائب فاسقا. وبتعبير آخر: لا يعتبر الوثوق بالرجل نفسه عند استيجاره واستنابته وانما يعتبر الوثوق بصدور العمل منه، ولو شك في صحة عمله وفساده يحكم بالصحة لاصالة الصحة، ولا يلزم احرازها بأمارة اخرى. ومن هنا يعلم انه لا موجب لاعتبار العدالة في النائب لان الميزان في براءة ذمة المنوب عنه، وصحة استيجاره واستنابته الوثوق بصدور العمل الصحيح من النائب، وتكفي في احراز الصحة اصالة الصحة يعد احراز عمل الاجير. (1) لا دليل على اعتبار الحرية في النائب فيجوز للعبد ان ينوب عن غيره حرا كان أو عبدا لانه مؤمن عارف بالحق فلا محذور في نيابته وتشمله اطلاقات الادلة. نعم بما ان تصرفاته مملوكة لمولاه فلابد من اذنه لصحة النيابة. (2) لعدم قصور ادلة النيابة فان اطلاقها يشمل النيابة عنه ولا ينافي ذلك عدم شمول التكليف له.

[ 163 ]

[ استقر عليه الحج في حال افاقته ومات مجنونا (1). (مسألة 107): لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه فتصح نيابة الرجل عن المرأة وبالعكس (2). ] (1) اما إذا استقر عليه الحج حال افاقته ثم مات فيجب الاستيجار عنه لانه دين عليه والجنون غير مسقط لدينه وانما تسقط مباشرته بنفسه بالاداء. واما النيابة عنه في غير فرض الاستقرار فلا تخلو من اشكال لانه كالبهائم من هذه الجهة ولا معنى للاستنابة عنه، ولذا قيدنا الصبي بكونه مميزا وإلا فحاله كالحيوانات. نعم لا بأس بالاستنابة عن المجنون رجاءا. (2) لا خلاف في الجملة بين الفقهاء في انه لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والانوثة فتصح نيابة الرجل عن المرأة وبالعكس، وانما اختلفوا في نيابة الصرورة في بعض الموارد، وسيأتي حكمها في المسألة الآتية. ويدل على عدم اعتبار المماثلة بين النائب والمنوب عنه الاخبار: منها: صحيح حكم بن حكيم (يحج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل والمرأة عن المرأة) (1). ومنها: صحيح معاوية بن عمار (الرجل يحج عن المرأة، والمرأة تحج عن الرجل؟ قال: لا بأس) (2) وبازائها ما دل على ان المرأة


(1) و (2) الوسائل: باب 8 من أبواب نيابة الحج ح 6 و 2.

[ 164 ]

[ (مسألة 108): لا بأس باستنابة الصرورة عن الصرورة وغير الصرورة سواء كان النائب أو المنوب عنه رجلا أو امرأة (1). ] لا تنوب عن الرجل الصرورة وهو موثق عبيد بن زرارة (قال: قلت ; لابي عبد الله (ع) الرجل الصرورة يوصي ان يحج عنه هل يجزي عنه امرأة؟. قال: كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان قال: انما ينبغي ان تحج المرأة عن المرأة والرجل عن الرجل وقال: لا بأس ان يحج الرجل عن المرأة) (1) فان صدر الرواية ظاهر في عدم جواز نيابة المرأة عن الرجل الصرورة ولكن مقتضى ذيلها جواز الاختلاف مطلقا واستحباب المماثلة، واما السند فطريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال وان كان ضعيفا بعلي بن محمد بن الزبير ولكن قد ذكرنا في محله ان طريق الشيخ متحد مع طريق النجاشي وطريقه إليه صحيح والتفصيل يطلب في محله. (1) لاطلاق ادلة النيابة ولاطلاق بعض الروايات المتقدمة قريبا الدالة على الغاء المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والانوثة فانها كافية لالغاء اعتبار المماثلة من جهة الصرورة وغيرها. وهنا قولان آخران: احدهما: ما حكى عن الشيخ في النهاية والمبسوط والتهذيب (2)


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب نيابة الحج ح 2. (2) التهذيب: ج 5 ص 413.

[ 165 ]

من عدم جواز حج المرأة الصرورة عن غيرها لا عن الرجال ولا عن النساء. ثانيهما: ما اختاره الشيخ في الاستبصار من ان المرأة الصرورة لا تنوب عن الرجال فقط (1). واستدل للقول الاول: بخبر علي بن احمد بن اشيم عن سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا (ع) عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة، قال: لا ينبغي) (2) بناءا على ان المراد بقوله: (لا ينبغي) هو المنع كما هو الشايع في الكتاب والسنة من هذا التعبير فإذا كانت نيابتها عن المرأة الصرورة غير جائزة فعدم جواز نيابتها عن الرجل الصرورة اولى. ولكن الخبر ضعيف بابن اشيم مضافا إلى ان الخبر خص المنع بما إذا كان المنوب عنه صرورة أيضا واما إذا لم يكن صرورة فلا دليل على المنع فما استدل به الشيخ اخص من مدعاه. واستدل للقول الثاني بعدة من الروايات كلها ضعيفة. منها: خبر مصادف (أتحج المرأة عن الرجل؟ فقال نعم إذا كانت فقيهة مسلمة وكانت قد حجت رب امرأة خير من رجل) (3) قال الشيخ بعد ذكر هذا الحديث فشرط في جواز حجتها مجموع الشرطين الفقه بمناسك الحج وان تكون قد حجت فيجب اعتبارهما معا. ولكن الخبر ضعيف بمصادف وباللؤلؤي. ومنها: خبر آخر لمصادف (في المرأة تحج عن الرجل الصرورة؟


(1) الاستبصار: ج 2 ص 322. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب نيابة الحج ح 7. (3) الوسائل: باب 8 من أبواب نيابة الحج ح 7.

[ 166 ]

[ نعم يكره استنابة الصرورة على اشكال، ولا سيما إذا كان النائب امرأة والمنوب عنه رجلا (1). ] فقال: ان كانت قد حجت وكانت مسلمة فقهية فرب امرأة افقه من رجل) (1) فانه بالمفهوم يدل على المنع عن نيابتها إذا كانت صرورة وهو ضعيف بسهل بن زياد وبمصادف. ومنها: خبر زيد الشحام (يحج الرجل الصرورة ولا تحج المرأة الصرورة) (2) وهو ضعيف بمفضل الواقع في السند. فتحصل: انه لا دليل على عدم جواز نيابة المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة أو المرأة الصرورة، فالمرجع اطلاق ادلة النيابة ومقتضاه جواز نيابة المرأة مطلقا عن الرجال والنساء. (1) اما خصوصية نيابة المرأة الصرورة عن الرجل فلذكرها بالخصوص في الروايات المتقدمة التي استدل بها الشيخ وقد عرفت ضعفها. واما كراهة نيابة مطلق الصرورة ولو كان رجلا عن رجل فلم يستبعدها السيد في العروة واستظهرها صاحب الجواهر من بعض النصوص وقد استدل بروايتين (3). الاولى: مكاتبة بكر بن صالح المعتبرة، قال: كتبت إلى أبي جعفر (ع) ان ابني معي وقد امرته ان يحج عن امي ايجزى عنها حجة الاسلام؟


(1) و (2) الوسائل: باب 8 من أبواب نيابة الحج ح 4 وباب 9 من أبواب نيابة الحج ح 1. (3) الجواهر: ج 17 ص 365.

[ 167 ]

فكتب لا وكان ابنه صرورة، وكانت امه صرورة) (1) والرواية معتبرة سندا (وبكر بن صالح) وان لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال تفسير علي بن ابراهيم القمي وهم ثقات. ولكن دلالتها على الكراهة مخدوشة لان الرواية ناظرة إلى الاجزاء وعدمه بعد الفراغ عن وقوع الفعل في الخارج ولا نظر لها إلى كراهة النيابة وعدمها التي هي موضوع البحث. وأما ما يظهر من الرواية من الحكم بعدم الاجزاء عن المنوب عنه فمحمول على كون المنوب عنه حيا ولم يكن الحج الصادر من النائب بتسبيب من المنوب عنه، والحج عن الحي انما يجزي عنه إذا كان الحج بأمر وتسبيب منه لظهور قوله في روايات النيابة عن الحي (فليجهز رجلا) أو (ليبعث) في التسبيب ولا يكتفي بالتبرع عنه. الرواية الثانية: مكاتبة ابراهيم بن عقبة المعتبرة قال: (كتبت إليه أسأله عن رجل صرورة لم يحج قط حج عن صرورة لم يحج قط أيجزي كل واحد منهما تلك الحجة عن حجة الاسلام اولا، بين لي ذلك يا سيدي ان شاء الله؟ فكتب (ع) لا يجزي ذلك) (2). والسند معتبر فان ابراهيم وان لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات. والجواب عن ذلك: ما تقدم من ان الرواية ليست ناظرة إلى حكم الاستنابة جوازا أو منعا، وانما هي ناظرة إلى الاجزاء وعدمه بعد فرض وقوع العمل خارجا. وقد حكم في الرواية بعدم الاجزاء عن النائب والمنوب عنه، اما عدم الاجزاء عن المنوب عنه فلانه لم يكن الحج بتسبيبه، وقد تقدم


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب النيابة في الحج ح 4 و 3.

[ 168 ]

[ ويستثنى من ذلك ما إذا كان المنوب عنه رجلا حيا، ولم يتمكن من حجة الاسلام، فان الاحوط فيه لزوما استنابة الرجل الصرورة (1). ] ان ظاهر الروايات الدالة على الاجزاء في الحج عن الحي انما هو في فرض صدور الحج بأمر من الحي لظهور قوله: (فليجهز) في التسبيب ولم يفرض في الرواية كون الحج الصادر بتسبيب من المنوب عنه وقول السائل (حج عن صرورة لم يحج) ظاهر في ان المنوب عنه حي وإلا لقال حج عن ميت. ولو فرض اطلاقها وشمولها للحي والميت فتحمل على صورة الحي فتكون النتيجة الاجزاء عن الميت بالتبرع كما في الحج المندوب، وعدم الاجزاء في الحج الواجب عن الحي. واما عدم الاجزاء عن النائب فواضح لعدم المقتضي لان النائب لم يقصد الحج عن نفسه فلا معنى للاجزاء عن نفسه. (1) للامر بذلك في جملة من الروايات المعتبرة. منها: صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) قال: ان عليا (عليه السلام) رأي شيخا لم يحج قط، ولم يطق الحج من كبره فأمره ان يجهز رجلا فيحج عنه) (1) فانها تدل على ان يكون النائب رجلا. ومنها: صحيحة الحلبي (قال: وان كان موسرا وحال بينه وبين


(1) الوسائل: باب 24 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 169 ]

الحج مرض أو حصر أو امر يعذره الله فيه فان عليه ان يحج عنه من ماله صرورة لا مال له) (1) فانها دالة على ان يكون النائب صرورة. وظاهر النص هو الوجوب ولا موجب لرفع اليد عنه. ودعوى ان ذكر الرجل من باب المثال لا شاهد لها. بل يمكن القول بوجوب استنابة الرجل الصرورة حتى إذا كان المنوب عنه ميتا لصحيحة معاوية بن عمار (في رجل صرورة مات ولم يحج حجة الاسلام وله مال، قال: يحج عنه صرورة لا مال له) (2). ولكن بازائها صحيحة أبي ايوب (امرأة من اهلنا مات اخوها فأوصى بحجة وقد حجت المرأة، فقالت: ان كان يصلح حججت انا عن اخي وكنت انا احق بها من غيري؟. فقال أبو عبد الله (ع) لا بأس بان تحج عن اخيها وان كان لها مال فلتحج من مالها فانه اعظم لاجرها) (3. ومقتضى الجمع العرفي بينهما هو الالتزام باستحباب نيابة الصرورة عن الميت ومما يدل على جواز نيابة غير الصرورة عن الميت، صحيح حكم بن حكيم (انسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج فاحج عنه بعض اهله رجلا أو أمرأة (إلى ان قال) فقال: ان كان الحاج غير صرورة اجزأ عنهما جميعا واجزأ الذي احجه) (4) وهو صريح في الاجزاء مع كون النائب؟ غير صرورة ومعنى الاجزاء عنهما ترتب الثواب على عمل النائب وتفريغ ذمة المنوب عنه، فتحصل من جميع ما ذكرنا: ان


(1) الوسائل: باب 24 من أبواب وجوب الحج ح 2. (2) و (3) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة ح 2 وباب 8 من أبواب النيابة ح 1. (4) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة ح 3.

[ 170 ]

[ (مسألة 109): يشترط في المنوب عنه الاسلام فلا تصح النيابة عن الكافر، فلو مات الكافر مستطيعا وكان الوارث مسلما لم يجب عليه استيجار الحج عنه (1). ] كراهة استنابة الصرورة لا دليل عليها وما استدل به ضعيف سندا أو دلالة - كما عرفت - بل امر استنابة الصرورة يدور بين الاستحباب والوجوب. (1) يقع البحث في موضعين: احدهما: في النيابة عن المشرك. ثانيهما: في النيابة عن اهل الكتاب. اما الاول: فلا ريب في عدم صحة النيابة عن المشرك ومن هو اسوء منه كالملحد مطلقا سواء في الواجبات والمندوبات، وذلك: لعدم قابليتهما للتقرب إلى الله تعالى لعدم الاعتراف بالوحدانية أو عدم الاعتراف به تعالى اصلا، وقد قال الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى) فهم غير قابلين للغفران وانهم كالانعام بل هم اضل فكما لا تجوز النيابة عن الحيوانات لا يجوز عنهم. واما الثاني: كاليهود والنصارى والمجوس بناءا على انهم من اهل الكتاب، فيقع البحث في مقامين. احدهما: في لزوم النيابة عنه في الحج الواجب إذا كان الوارث مسلما ثانيهما: في النيابة عنه في الحج المندوب سواء كان حيا أو ميتا اما الاول: فان قلنا بعدم تكليف الكافر بالفروع - كما هو المختار - فالامر واضح لعدم وجوب الحج عليه فلا موضوع للاستنابة عنه فلا موجب لاخراج الحج من تركته.

[ 171 ]

[ والناصب كالكافر (1) إلا انه يجوز لولده المؤمن ان ] وان قلنا بانهم مكلفون بالفروع - كما هو المشهور - فادلة النيابة منصرفة عن الكافر لان الظاهر من روايات النيابة ومن الاسئلة التي وردت فيها وقوع السؤال عمن يتوقع منه الحج ولم يحج كالمسلم فان الظاهر من قوله: (رجل مات ولم يحج ولم يوص ونحو ذلك) هو الذي يتوقع منه الحج فلا يشمل الكافر الذي لا يتوقع منه الحج. هذا مضافا إلى جريان السيرة على عدم الاستيجار للكافر. واما الثاني: وهو النيابة عنه في المنذوبات سواء كان حيا أو ميتا. فيشكل الحكم بعدم جواز النيابة عنهم لان الكتابي قابل للتقريب إلى الله تعالى وقابل للاحسان إليه بالحج وبغيره من العبادات كما لا مانع بالاحسان إليهم من انواع الخيرات مما ينتفع به الكافر ولو بالتخفيف في عقابه. (1) بل هذا اخبث واشد بعدا من الله تعالى وقد ورد المنع عن النيابة عنه في النص وهو صحيح وهب بن عبد ربه قال: قلت لابي عبد الله (ع) أيحج الرجل عن الناصب؟ فقال لا. قلت: فان كان أبي، قال. ان كان اباك فنعم) (1). ولا يعارضه موثقة اسحاق بن عمار (قلت وان كان ناصبا ينفعه ذلك؟ قال: نعم يخفف عنه) (2) لاطلاقها فتحمل على كون الناصب ابا للنائب.


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب النيابة ح 1. (2) الوسائل: باب 25 من أبوب من نيابة الحج ح 5.

[ 172 ]

[ ينوب عنه في الحج (1). (مسألة 110): لا بأس بالنيابة عن الحي في الحج المندوب تبرعا كان أو باجادة (2). وكذلك في الحج الواجب إذا كان معذورا عن الاتيان بالعمل مباشرة على ما تقدم (3) ولا تجوز النيابة عن الحي في غير ذلك. (مسألة 111): يعتبر في صحة النيابة تعيين المنوب عنه بوجه من وجوه التعيين (4) ] (1) لما عرفته في هذه الصحيحة: من قوله (ان كان اباك فنعم). (2) هذا مما لا ريب فيه ولا اشكال وقد دلت على ذلك روايات كثيرة وقد عقد في الوسائل الباب (25) من أبواب النيابة لاستحباب التطوع بالحج والعمرة عن المؤمنين احياءا وامواتا، وعليه السيرة وعمل الاصحاب، وقال الشهيد في الدروس: وقد احصى في عام واحد خمسمائة وخمسون رجلا يحجون عن على بن يقطين صاحب الكاظم (ع) واقلهم تسعمائة دينار واكثرهم عشرة الآف دينار. (3) لا ريب في ان مقتضى القاعدة عدم سقوط الواجب عن ذمة المكلف بفعل شخص آخر، ولذا لا تجوز النيابة عن الحي في الواجبات اصلا، ولكن ورد النص في خصوص الحج الواجب انه يجب على المستطيع العاجز عن المباشرة لهرم أو مرض ان يرسل شخصا ليحج عنه على ما تقدم تفصيله في المسألة 63، (4) ولو بالاجمال لقابلية وقوع الفعل عن متعدد لا بتشخيص لاحدهم

[ 173 ]

[ ولا يشترط ذكر اسمه (1) كما يعتبر فيها قصد النيابة (2). (مسألة 112): كما تصح النيابة بالتبرع وبالاجارة تصح بالجعالة وبالشرط في ضمن العقد ونحو ذلك (3). (مسألة 113): من كان معذورا في ترك بعض الاعمال، أو في عدم الاتيان به على الوجه الكامل لا يجوز استيجاره، بل لو تبرع المعذور وناب عن غيره يشكل ] الا بتعيينه. (1) يدل عليه صحيح البزنطي، انه قال: (سأل رجل أبا الحسن الاول (ع) عن الرجل يحج عن الرجل يسميه باسمه؟ قال: ان الله لا يخفى عليه خافية) (1) نعم في صحيحة محمد بن مسلم انه يسميه (قال: قلت له: ما يجب على الذي يحج عن الرجل؟ قال: يسميه في المواطن والمواقف) (2) إلا ان الجمع العرفي بينهما يقتضي حمل ما دل التسمية على الاستحباب. (2) فان العمل الصادر عن شخص لا يقع عن غيره إلا إذا قصد النائب بعمله النيابة عن الغير فان النيابة عنوان قصدي لا يتحقق إلا بالقصد فان النائب وان كان يمتثل الامر المتوجه إلى نفسه بسبب النيابة ولا يقصد امتثال الامر المتوجه إلى المنوب عنه ولكن متعلق امر النائب العمل الغير فلابد وان يقصد بعمله نيابته عن الغير. (3) لاطلاق ادلة الجعالة ونفوذ الشرط.


(1) و (2) الوسائل: باب 16 من أبواب نيابة الحج ح 5 و 1.

[ 174 ]

[ الاكتفاء بعمله (1). نعم إذا كان معذورا في ارتكاب ما يحرم على المحرم كمن اضطر إلى التظليل فلا بأس باستيجاره واستنابته (2) ولا بأس لمن دخل مكة بعمرة مفردة ان ] (1) قد ذكرنا في بحث قضاء الصلاة، ان من كان مكلفا باتيان واجب من الواجبات يجب عليه ان يأتي به تام الاجزاء والشرائط، ولا ينتقل الامر إلى البدل الفاقد لبعض الاجزاء والشرائط إلا بعد العذر عن اتيان الواجد، ومقام الاستنابة كذلك فان الواجب على الوصي - مثلا - استنابة طبيعي النائب ولا يختص بشخص خاص فإذا فرضنا انه يتمكن من استنابة القادر على اتيان الواجب باجزائه وشرائطه لا وجه للاكتفاء بنيابة العاجز عن ادائه كاملا، لعدم الدليل على ذلك في فرض التمكن من استنابة القادر. إلا إذا فرض ان يصير جميع من يقبل النيابة عاجزا وهذا فرض نادر جدا. وبما ذكرنا ظهر ان التبرع بالناقص لا يوجب فراغ ذمة المنوب عنه لان الواجب عليه هو العمل الكامل ومع التمكن من الاتيان به ولو بالتسبيب والاستيجار لا دليل على الاكتفاء بما يأتي به المتبرع ناقصا. (2) لعدم نقص في اجزاء المأمور به وشرائطه وانما ارتكب امرا - خارجا عن اعمال الحج واجزاءه وشرائطه - كان محرما على المحرم في حال الاختيار، والمفروض أن النائب معذور في ارتكابه فلا يكون الحج الصادر منه عملا ناقصا وبدلا اضطراريا حتى يقال: بانه لا يجوز استيجاره مع التمكن من استيجار من يتمكن من اتيان المأمور

[ 175 ]

[ ينوب عن غيره لحج التمتع مع العلم انه لا يستطيع الاحرام إلا من ادنى الحل (1) كما لا بأس بنيابة النساء أو غيرهن ممن تجوز لهم الافاضة من المزدلفة قبل طلوع الفجر والرمي ليلا للحج عن الرجل والمرأة. (مسألة 114): إذا مات النائب قبل ان يحرم لم تبرء ذمة المنوب عنه فتجب الاستنابة عنه ثانية في ما تجب الاستنابة فيه (2). ] به التام الكامل، بل يمكن ان يقال بجواز استيجار من يأتي بالتروك عمدا لانها خارجة واجنبية عن اعمال الحج، ولا يوجب ارتكابها نقصا في اجزاء الحج. (1) لان جواز الاحرام له من ادنى الحل حينئذ حكم ترخيصي في نفسه ثابت له وليس بدلا اضطراريا حتى لا تجوز نيابته، وكذلك بالنسبة إلى النساء وغيرهن ممن تجوز لهم الافاضة من المزدلفة ليلا والرمي في الليل فان ذلك جائز لهم في نفسه وقد رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم ذلك كما في النصوص فليس الحكم الثابت لهم حكما عذريا حتى يقال بعدم جواز استنابتهم مع التمكن من غيرهم. (2) لما تقدم من كون الاصل عدم فراغ ذمة المنوب عنه بمجرد الاستيجار وعدم صدور العمل المستأجر عليه من النائب وان مات في الطريق وقبل ان يشرع في الاعمال، وذلك لان موضوع الاجزاء حسب ما يستفاد من النص هو الشروع في الاعمال ولو بالدخول في

[ 176 ]

[ وان مات بعد الاحرام اجزأ عنه وان كان موته قبل دخول الحرم على الاظهر (1). ] الاحرام، واما إذا سافر ومات في الطريق قبل ان يحرم فلا يصدق عليه انه شرع في الاعمال، فان الخروج من البيت والسفر ونحو ذلك مما يتوقف عليه الحج من مقدمات الحج للوصول إلى اعماله وليس من اعمال نفس الحج وافعاله، فما دل على الاجزاء بالشروع في بعض الاعمال لا يشمل ما إذا خرج من البيت قاصدا للحج ومات قبل ان يحرم، خصوصا إذا مات النائب في بيته ومنزله قبل ان يشرع في السفر. (1) لصدق عنوان انه مات في الطريق بعد الشروع في الاعمال وقبل الانتهاء من مناسكه كما في موثق اسحاق بن عمار، (قال: سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل ان يحج، ثم اعطى الدراهم غيره، فقال: ان مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضى مناسكه فانه يجزي عن الاول) (1) فان الظاهر منه هو الحكم بالاجزاء إذا تحقق الموت قبل ان ينتهي من مناسكه وبعد الشروع فيها ولو بالدخول في الاحرام. ولا يعارضه موثق عمار الساباطي (في رجل حج عن آخر ومات في الطريق، قال: وقد وقع اجره على الله، ولكن يوصي فان قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل) (2) لانه مطلق من حيث


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة ح 1. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة ح 5.

[ 177 ]

[ ولا فرق في ذلك بين حجة الاسلام وغيرها، ولابين ان ] الاحرام وعدمه فالنسبة بينه وبين موثق اسحاق نسبة العموم والخصوص المطلق ومقتضى الجمع العرفي بينهما هو الاجزاء بعد الاحرام وعدمه قبل الاحرام. فالنتيجة ان النائب إذا مات بعد الاحرام وان لم يدخل الحرم تبرء ذمة المنوب عنه واجزأ عنه. واما إذا مات بعد الاحرام وبعد الحرم فلا ينبغي الريب في الاجزاء لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه لعدم التلازم بين حكم النائب والمنوب عنه بل لان الاجزاء في هذه الصورة هو القدر المتيقن من موثق اسحاق بن عمار المتقدم. فتحصل مما تقدم ان صور المسألة اربع: الاولى: إذا مات النائب في بيته ومنزله قبل ان يشرع في السفر فلا ريب في عدم الاجزاء لما عرفت ان مجرد الاستنابة لا يوجب برائة ذمة المنوب عنه. خلافا لصاحب الحدائق مستشهدا بعدة من الروايات الضعيفة سندا ودلالة. الثانية: إذا مات بعد الاحرام ودخول الحرم فلا اشكال في الاجزاء لانه القدر المتيقن من موثقة اسحاق بن عمار: الثالثة: ما إذا مات النائب بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم فالاقوى هو الاجزاء لموثق اسحاق بن عمار. الرابعة: ما إذا مات بعد الشروع في السفر وفي الطريق ولكن مات قبل الاحرام، فالظاهر عدم الاجزاء للاصل وعدم شمول النص لهذه الصورة.

[ 178 ]

[ تكون النيابة باجرة أو تبرع (1). (مسألة 115): إذا مات الاجير بعد الاحرام استحق تمام الاجرة، إذا كان اجيرا على تفريغ ذمة الميت، واما إذا كان اجيرا على الاتيان بالاعمال استحق الاجرة بنسبة ما اتى به (2). ] (1) لاطلاق الادلة في الجميع. (2) قد عرفت ان الاجير إذا مات بعد الاحرام أو قبل الاحرام وبعد الدخول في الحرم تبرء ذمة المنوب عنه. ولكن وقع الكلام في انه هل يستحق الاجير تمام الاجرة ام فيه تفصيل؟. والظاهر هو التفصيل، وهو انه إذا كان اجيرا على تفريغ ذمة الميت يستحق تمام الاجرة لفراغ ذمة الميت بالعمل الصادر من النائب. والتفريغ وان لم يكن مقدورا للاجير ولكنه مقدور له بالواسطة كالاجارة على التطهير فانه مقدور له بالواسطة وان لم يكن بنفسه غير مقدور له، ولا يعتبر في صحة الاجارة تعلقها بما هو مقدور بنفسه بل تصح ولو تعلقت بالمقدور بالواسطة. واما إذا كان اجيرا على نفس الاعمال والافعال المخصوصة فيستحق الاجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الاعمال.

[ 179 ]

[ وان مات قبل الاحرام لم يستحق شيئا (1) نعم إذا كانت المقدمات داخلة في الاجارة استحق من الاجرة بقدر ما اتى به منها (2) ] (1) كما لو مات في البصرة - مثلا - وهو في طريقه إلى الحج فانه لا يستحق من الاجرة شيئا على كل تقدير، لانه لو كان اجيرا على تفريغ الذمة فهو غير حاصل لان المفروض انه مات قبل الاحرام ولا دليل على الاجزاء في هذه الصورة، ولو كان اجيرا على الاتيان بالاعمال المخصوصة فالمفروض انه لم يأت بشئ منها فلا موجب لاستحقاق الاجرة. (2) اما لو كان اجيرا على الاعمال واتيان المقدمات معا - كما هو المتعارف في الحج البلدي - فتوزع الاجرة عليهما بالنسبة. وربما يقال: بانه وان لم يستحق اجرة المسمى ولكنه يستحق اجرة المثل لما اتى به من المقدمات - كالسفر إلى المدينة المنورة مقدمة للحج - لاحترام عمل المسلم نظير استحقاق اجرة المثل في الاجارة الفاسدة. والجواب: انه لا يقاس المقام بباب الاجارة الفاسدة لان اتيان العمل المستأجر عليه في الاجارة الفاسدة مستند إلى امر المستأجر وذلك موجب للضمان، فان العمل الصادر من الاجير يوجب ضمان المسمى لو كانت الاجارة صحيحة ويوجب ضمان المثل إذا كانت الاجارة فاسدة لان العمل وقع بامر المستأجر وذلك موجب للضمان عند العقلاء، وهذا بخلاف المقام فان اتيان المقدمات لم يكن بامر من المستأجر وانما يأتي الاجير بها اختيارا لغرض وصوله إلى ما استؤجر عليه نظير ما لو

[ 180 ]

[ (مسألة 116): إذا استأجر للحج البلدي ولم يعين الطريق كان الاجير مخيرا في ذلك (1) وإذا عين طريقا لم يجز العدول منه إلى غيره (2) فان عدل واتى بالاعمال فان كان اعتبار الطريق في الاجارة على نحو الشرطية دون الجزئية استحق الاجير تمام الاجرة (3) وكان للمستأجر خيار الفسخ، فان فسخ يرجع إلى اجرة المثل. وان كان اعتباره على نحو الجزئية كان للمستأجر الفسخ أيضا (4) فان لم يفسخ استحق من الاجرة المسماة بمقدار عمله ويسقط بمقدار مخالفته. ] استأجر للصلاة فتوضأ أو اغتسل الاجير ثم عجز عن اداء الصلاة أو مات فانه لا يستحق اجرة المثل لوضوئه أو غسله. (1) إذ لا موجب للتعيين. (2) بمقتضى عقد الاجارة. (3) لاتيانه بمتعلق الاجارة، والشرط لا يوجب تقسيط الثمن بالنسبة إليه وانما يوجب الخيار عند التخلف للمستأجر فان فسخ يرجع الاجير إلى اجرة المثل، واما اجرة المسمى فلا يستحقها الاجير لانفساخ الاجارة، واما اجرة المثل فيستحقها على المستأجر لان العمل صدر بامره (4) لان المفروض ان الاجير لم يسلم العمل الذي صار ملكا للمستأجر فيثبت له الخيار، فان اعمل المستأجر خياره وفسخ فله استرجاع الاجرة المسماة من الاجير لان اجرة المسماة انما يستحقها الاجير إذا كان عقد الاجارة باقيا واما إذا انهدم وانفسخ فلا موجب للاستحقاق، كما انه

[ 181 ]

[ (مسألة 117): إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة لم تصح اجارته عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضا (1) وتصح الاجارتان مع اختلاف السنتين، أو مع عدم تقيد احدى الاجارتين أو كلتيهما بالمباشرة. ] لا موجب لاستحقاق الاجير الاجرة على الطريق الآخر الذي عدل إليه الاجير لانه لم يقع عليه عقد الاجارة ولم يصدر بامر من المستأجر. وان لم يفسخ استحق من الاجرة المسماة بمقدار عمله ويسقط بمقدار مخالفته لتقسيط الاجرة على ذلك لان المفروض اخذ الطريق على نحو الجزئية. (1) لانه بعد ان وجب عليه العمل بالاجارة الاولى لا يتمكن من تسليم متعلق الاجارة الثانية فتبطل الاجارة الثانية إذ المعتبر في صحة الاجارة ان يكون متعلقها مقدور التسليم ولذا لا تصح اجارة العبد الآبق ونحو ذلك. وبعبارة اخرى: لا ريب ان المستأجر الاول ملك العمل على الاجير في السنة الاولى بمقتضى اشتراط المباشرة، فهو غير قادر على تسليم العمل للمستأجر الآخر فاجارته الثانية باطلة لانها تقع على امر لا يقدر على تسليم. هذا إذا كانت الاجارتان واقعتين في سنة واحدة وكان كل منهما مقيدا بالمباشرة: واما إذا كان احدهما مطلقا من حيث المباشرة أو كان كلتاهما غير

[ 182 ]

[ (مسألة 118): إذا آجر نفسه للحج في سنة معينة لم يجز له التأخير ولا التقديم (1) ولكنه لو قدم أو أخر برئت ذمة المنوب عنه (2) ولا يستحق الاجرة إذا كان التقديم أو التأخير بغير رضى المستأجر (3). (مسألة 119): إذا صد الاجير، أو احصر فلم يتمكن من الاتيان بالاعمال كان حكمه حكم الحاج عن نفسه (4) ويأتي بيان ذلك ان شاء الله تعالى. وانفسخت الاجارة إذا كانت مقيدة بتلك السنة (5) ويبقى الحج في ذمته إذا لم تكن مقيدة بها (6). ] مقيدة بها صحت الاجارتان لحصول القدرة على التسليم. (1) للزوم العمل على طبق عقد الاجارة. (2) لان المفروض ان العمل المستأجر عليه واجد لجميع الاجزاء والشرائط وقد اتى به عن المنوب عنه فلا مانع من الاجتزاء به والتقديم أو التأخير لا اثر له بالنسبة إلى الوقوع العمل صحيحا أو فاسدا. وانما يؤثر في استحقاق الاجرة وعدمه. (3) لعدم الاتيان بمورد الاجارة فلا مقتضى للاستحقاق. (4) لاطلاق روايات الصد والاحصار فان مقتضاه عدم الفرق بين كون الحج عن نفسه أو عن غيره. (5) لعدم القدرة على التسليم. (6) لعدم انفساخ الاجارة فتكون ذمته مشغولة بالحج ويأتي به في

[ 183 ]

[ (مسأله 120) إذا اتى النائب بما يوجب الكفارة فهي من ماله سواء كانت النيابة باجارة أو بتبرع (1). (مسألة 121): إذا استأجره للحج باجرة معينة فقصرت الاجرة عن مضارفه لم يجب على المستأجر تتميمها، كما انها إذا زادت عنها لم يكن له استرداد الزائد (2). (مسأله 122): إذا استأجره للحج الواجب أو المندوب فافسد الاجير حجه بالجماع قبل المشعر وجب عليه اتمامه (3) واجزأ المنوب عنه (4) وعليه الحج من قابل وكفارة بدنة. ] السنة اللاحقة. (1) لان النائب هو المباشر فالتكليف متوجه إليه بنفسه ولا مقتضى لضمان المنوب عنه. (2) لانه بعدما رضي الاجير باجرة معينة وتم عقد الايجار على ذلك فلا مقتضى لوجوب التتميم على المستأجر، كما انها إذا زادت عنها لم يكن للمستأجر استرداد الزائد لان الاجير ملك الاجرة بعقد الاجارة فلا موجب لرد الزائد. (3) لعدم الفرق بين الاجير والحاج عن نفسه بالنسبة إلى هذا الحكم فان الظاهر من الادلة ان ذلك من احكام الحج من دون دخل لكون الحج عن نفسه أو عن غيره. (4) لان ما اتى به الاجير اولا هو الواجب الاصلي والحج الذي يأتي به من قابل كفارة وعقوبة على نفس الاجير.

[ 184 ]

[ والظاهر انه يستحق الاجرة، وان لم يحج من قابل لعذر أو غير عذر (1) وتجرى الاحكام المذكورة في المتبرع أيضا غير انه لا يستحق الاجرة (2) ] ويدل على ذلك صحيحتان لاسحاق بن عمار. الاولى: قال: (سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل ان يحج، ثم اعطى الدراهم غيره فقال: ان مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضى مناسكه فانه يجزي عن الاول، قلت: فان ابتلى بشئ يفسد عليه حجة حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزي عن الاول؟ قال: نعم قلت: لان الاجير ضامن للحج؟ قال: نعم) (1). الثانية: (في الرجل يحج عن آخر فاجترح في حجه شيئا يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة؟ قال،: هي للاول تامة، وعلى هذا ما اجترح) (2). (1) لان المفروض انه اتى بالواجب الاصلى الذي استؤجر عليه وسلم الاجير العمل بكماله وتمامه إلى المستأجر فلا وجه لعدم استحقاق الاجرة، وعدم الاتيان بالحج الثاني في السنة القادمة، لا يؤثر في فراغ ذمة المنوب عنه وفي اتيان العمل المستأجر عليه، لان اتيان الحج من قابل من الوظائف المقررة لنفس الاجير وذمته مشغولة به وهو اجنبي عن العمل المستأجر عليه. (2) لما عرفت من ان هذه الاحكام احكام الحج من دون دخل


(1) و (2) الوسائل: باب 15 من أبواب نيابة الحج ح 1 و 2.

[ 185 ]

[ (مسألة 123): الاجير وان كان يملك الاجرة بالعقد ولكن لا يجب تسليمها إليه إلا بعد العمل إذا لم يشترط التعجيل (1). ولكن الظاهر جواز مطالبة الاجير للحج الاجرة قبل العمل، وذلك من جهة القرينة على اشتراط ذلك، فان الغالب ان الاجير لا يتمكن من الذهاب إلى الحج أو الاتيان بالاعمال قبل اخذ الاجرة. (مسألة 124): إذا آجر نفسه للحج فليس له ان يستأجر غيره إلا مع اذن المستأجر (2). ] لكون الحج عن نفسه أو عن غيره باجارة أو بتبرع. وإذا كان متبرعا بالحج فلا يستحق الاجرة لا على الحج الاول ولا على الثاني. اما على الاول فلعدم المقتضى. واما على الثاني فلانه عقوبة وكفارة على نفس المباشر للعمل. (1) لان الاجير ما لم يسلم العمل إلى المستأجر ليس له ان يطالب باجرة عمله لبناء المعاملات والمعاوضات على التسليم والتسلم، إلا إذا كان هناك قرينة على لزوم اعطاء الاجرة قبل العمل كما إذا اشترط التعجيل أو كان في البين انصراف إلى التعجيل. ومن جملة موارد قيام القرينة على لزوم اعطاء الاجرة قبل العمل ما ذكره - دام ظله - بقوله ولكن الظاهر الخ: (2) لاريب في ان مقتضى اطلاق عقد الاجارة هو مباشرة الاجير

[ 186 ]

فلا يجوز للاجير ان يستأجر غيره إلا مع الاذن صريحا أو ظاهرا، لان رضى المستأجر قد تعلق بالمباشرة ولم يعلم تعلقه بالتسبيب واستئجار الغير فالتبديل يحتاج إلى رضى جديد من المستأجر. نعم ربما يستدل لجواز التسبيب بما رواه الشيخ عن عثمان بن عيسى قال: قلت لابي الحسن الرضا (ع): ما تقول في الرجل يعطي الحجة فيدفعها إلى غيره؟ قال: لا بأس (1) ولكن السيد في العروة حملها على صورة العلم بالرضا من المستأجر، إلا انه لا قرينة على هذا الحمل. والصحيح ان يقال: ان الرواية ضعيفة سندا ودلالة. اما ضعف السند فبالاحول أو جعفر الاحول المذكورين في موضعين من التهذيب ولم يعلم ان المراد به أبو جعفر الاحول المعروف الثقة. والوسائل وان رواها عن أبي جعفر الاحول ولكن لا يمكن الاعتماد على نسخة الوسائل لمخالفتها للتهذيب الذي هو مصدر الرواية. وبأبي سعيد الواقع في السند فان المراد به سهل بن زياد فانه مكنى بهذه الكنية أيضا، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا معتمد العروة (2). واما ضعف الدلالة: فلانها لم ترد في مورد الاجارة وانما ذكر فيها اعطاء الحجة وهو اعم من الاستيجار فلعله اعطى له الحجة على نحو المساعدة لا على نحو الاستيجار والاستنابة فحينئذ يجوز له اعطاء الحجة إلى غيره فتكون الرواية اجنبية عن المقام.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب نيابة الحج ح 1. (2) معتمد العروة: ج 2 ص 96.

[ 187 ]

[ (مسألة 125): إذا استأجر شخصا لحج التمتع مع سعة الوقت واتفق ان الوقت قد ضاق فعدل الاجير عن عمرة التمتع إلى الحج الافراد واتى بعمرة مفردة بعده برئت ذمة المنوب عنه لكن الاجير لا يستحقق الاجرة إذا كانت الاجارة على نفس الاعمال، نعم إذا كانت الاجارة على تفريغ ذمة الميت استحقها (1). ] (1) لا يجوز لمن عليه حج التمتع استئجار من ضاق وقته عن اداء حج التمتع لعدم قدرة الاجير على تسليم العمل المستأجر عليه فتقع الاجارة باطلة. واما لو استأجر شخصا يتمكن من حج التمتع لسعة الوقت ولكن اتفق ان الوقت قد ضاق وصار عاجزا عن اتيان حج التمتع، فهل يتعين عليه العدول إلى حج الافراد اولا؟ وعلى فرض العدول هل تفرغ ذمة المنوب عنه اولا؟ وعلى فرض القول بفراغ ذمته هل يستحق الاجير الاجرة المسماة ام لا؟ فيقع البحث في موارد ثلاثة. اما الاول: ففيه وجهان من اطلاق اخبار العدول وعدم اختصاصها بالحج عن نفسه، ومن انصرافها إلى الحاج عن نفسه. والظاهر هو اطلاق الاخبار لعدم قصور بعض اخبار العدول للمقام فدعوى الانصراف في مجموع الروايات إلى الحاج عن نفسه، ممنوعة. واما الثاني: وهو فراغ ذمة الميت بما اتى به الاجير فلا ينبغي الريب فيه لانه بعد الالتزام باطلاق الاخبار وشموله للحج النيابي فما

[ 188 ]

[ (مسألة 126): لا بأس بنيابة شخص عن جماعة في الحج المندوب (1). ] يأتي به النائب بدل عما في ذمة المنوب عنه بحكم الشارع فلا وجه لعدم الاجزاء. واما الثالث: وهو استحقاق الاجير الاجرة المسماة فيجرى فيه التفصيل المتقدم من انه لو كان اجيرا على تفريغ ذمة الميت استحق الاجرة المسماة لتسليم العمل المستأجر عليه وان كان اجيرا على الاعمال فلا يستحق الاجرة المسماة لعدم تسليم تمام العمل المستأجر عليه فلابد من تقسيط الاجرة بالنسبة إلى الاعمال. (1) للنصوص الكثيرة: منها: صحيح محمد بن اسماعيل، قال: (سألت أبا الحسن (ع) كم اشرك في حجتي، قال: كم شئت) (1). وربما يتوهم: ان مورد الاخبار هو الحج الصادر عن نفسه لقوله: (وكم اشرك في حجتي أو قوله: ويشرك في حجته. واما إذا كان الحج الصادر منه حجا عن الغير نيابة فلا تدل الاخبار على جواز اشراك الغير في هذا الحج. وهذا التوهم وان كان في نفسه غير بعيد إلا ان التأمل في الاخبار يقتضي جواز التشريك مطلقا ولو كان الحج عن الغير، لانه بعد الالتزام


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب نيابة الحج ح 1.

[ 189 ]

[ واما الحج الواجب فلا يجوز فيه نيابة الواحد عن اثنين وما زاد (1). إلا إذا كان وجوبه عليهما أو عليهم على نحو الشركة، كما إذا نذر شخصان ان يشترك كل منهما مع الآخر في الاستيجار في الحج فحينئذ يجوز لهما ان يستأجرا شخصا واحدا للنيابة عنهما (2). (مسألة 127): لا بأس بنيابة جماعة في عام واحد عن شخص واحد ميت أو حي، تبرعا أو بالاجارة فيما إذا ] بمشروعية النيابة في نفسها وجواز التشريك ورجحانه لا تحتمل الاختصاص بالحج عن نفسه. مضافا إلى ان المراد بقوله: (بحجتي) أو (حجته) هو الحج الصادر منه ولو كان عن الغير. (1) في عام واحد لان الحج واجب على جميع المكلفين مستقلا فيلزم ان يكون حج النائب مثله على نحو الاستقلال، فالعمل الواحد لا يقع إلا عن واحد، ووقوعه عن اثنين وما زاد يحتاج إلى الدليل وهو مفقود: وبعبارة اخرى: ان النيابة في نفسها على خلاف القاعدة لعدم سقوط الواجب عن المكلف الا بقيام المكلف بنفسه بالواجب، واقصى ما تدل عليه ادلة النيابة وقوع العمل الواحد عن الواحد واما وقوعه عن اثنين فلا تقتضيه ادلة النيابة. (2) لان الوجوب إذا كان ثابتا عليهما على نحو التشريك لا الاستقلال كما هو المفروض فلا مانع من نيابة الواحد عن اثنين وما زاد.

[ 190 ]

[ كان الحج مندوبا (1). وكذلك في الحج الواجب فيما إذا كان متعددا، كما إذا كان على الميت أو الحي حجان واجبان بنذر - مثلا - أو كان احدهما حجة الاسلام وكان الآخر واجبا بالنذر فيجوز - حينئذ - استيجار شخصين احدهما لواجب والآخر لآخر، وكذلك يجوز استيجار شخصين عن واحد احدهما للحج الواجب والآخر للمندوب (2) بل لا يبعد استيجار شخصين لواجب واحد، كحجة الاسلام من باب الاحتياط، لاحتمال نقصان حج احدهما (3) ] (1) لاطلاق ادلة النيابة ولخصوص بعض الروايات (1) الدالة على ان الرضا (ع) استأجر ثلاثة اشخاص للحج عن نفسه. (2) لاطلاق ادلة النيابة الشاملة لجميع هذه الصور، ومقتضاه جواز التعدد في عام واحد ولو كان احدهما اسبق زمانا من الآخر لعدم الدليل على لزوم الترتيب. (3) إذ لا مانع من تعدد النائب ومقتضى اطلاق ادلة النيابة جوازه. كما هو الحال في بقية العبادات كالصلاة والصيام فيستنيب شخصين لاداء الصلاة رجاءا واحتياطا لاحتمال بطلان احدهما فكل من العملين مشروع يحتمل كونه مامورا به تجوز الاستنابة فيه.


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب نيابة الحج 1.

[ 191 ]

[ (مسألة 128).: الطواف مستحب في نفسه فتجوز النيابة فيه عن الميت (1). وكذا عن الحي إذا كان غائبا عن مكة، أو حاضرا فيها ولم يتمكن من الطواف مباشرة (2). ] (1) اي ان الطواف مستحب نفسي مستقلا من دون ان يكون في ضمن الحج أو العمرة كالصلاة ونحوها من المستحبات والعبادات المستقلة فتجوز النيابة في نفس الطواف مستقلا وان لم يكن جزءا للحج أو العمرة. والذي يدل على استحبابه النفسي نصوص كثيرة وقد عقد في الوسائل ابوابا تتضمن ذلك (1). كما ان مقتضى اطلاق جملة منها وخصوص بعضها الآخر جواز النيابة فيه عن الميت والحي كالنصوص الواردة في الطواف عن المعصومين (عليهم السلام) احياءا وامواتا (2). (2) لا فرق في استحباب النيابة في الطواف بين كون المنوب عنه غائبا عن مكة، أو حاضرا معذورا من المباشرة. اما استحبابه عن الغائب فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار (قال: قلت له: فالطواف من الرجل والمرأة وهما بالكوفة؟ فقال: نعم) (3). واما استحبابه عن الحاضر المعذور من الطواف بنفسه فيدل عليه


(1) الوسائل: باب 4 و 9 من أبواب الطواف. (2) الوسائل: باب 26 من أبواب النيابة. (3) الوسائل: باب 18 من أبواب نيابة الحج ح 1.

[ 192 ]

[ (مسألة 129): لا بأس للنائب بعد فراغه من اعمال الحج النيابي ان يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه أو عن غيره كما لا بأس ان يطوف عن نفسه أو عن غيره (1). ] عدة من النصوص الواردة في المبطون والمريض والمغمى عليه (1). واما الحاضر غير المعذور فلا استحباب للنيابة عنه كما دل عليه صحيح اسماعيل بن عبد الخالق قال: كنت إلى جنب أبي عبد الله (ع) وعنده ابنه عبد الله أو ابنه الذي يليه: فقال له رجل: اصلحك الله يطوف الرجل عن الرجل وهو مقيم بمكة ليس به علة؟ فقال: لا، لو كان ذلك يجوز لامرت ابني فلانا فطاف عني سمي الاصغر وهما يسمعان) (2). (1) لان المفروض استحباب ذلك كله في نفسه ولا مانع من الاتيان به. مضافا إلى ورود النص على جواز طواف النائب عن نفسه وعن غيره بعد الفراغ من الحج الذي استنيب فيه (3). واما الفصل بين العمرتين في المقام فغير لازم لان الفصل - على ما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى - انما يعتبر بين عمرتين مفردتين عن نفسه واما في غير ذلك، فلا يعتبر الفصل بينهما.


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب الطواف. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب الطواف ح 1. (3) الوسائل: باب 21 من أبواب نيابة الحج.

[ 193 ]

[ الحج المندوب (مسألة 130): يستحب لمن يمكنه الحج أن يحج وان لم يكن مستطيعا (1) أو أنه أتى بحجة الاسلام (2) ] (1) هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه، ويكفي في استحباب الحج حينئذ نفس الروايات الدالة على فضيلة الحج، والاستطاعة الشرعية المعهودة انما تعتبر في حجة الاسلام، واما غيرها فلا دليل على اعتبار الاستطاعة فيه فالمتبع اطلاق النصوص الكثيرة المشتملة على ترتب الثواب العظيم على الحج وفضيلته. مضافا إلى روايات خاصة (1) يمكن استفادة استحباب الحج لمن لم يكن مستطيعا كالروايات الدالة على ان من كان مدينا يحج، أو أنه إذا كان مديونا يتداين أيضا ويحج. فان المتفاهم من ذلك ان عدم التمكن الشرعي من الحج لاجل الدين لا يمنع من الاتيان بالحج. (2) يدل عليه بالخصوص صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (قال: قال لي ابراهيم بن ميمون: كنت جالسا عند أبي حنيفة فجاء رجل فسأله فقال: ما ترى في رجل قد حج حجة الاسلام الحج افضل ام يعتق رقبة؟ قال: بل يعتق رقبة، فقال أبو عبد الله (ع) الحجة


(1) الوسائل: باب 50 من أبواب وجوب الحج ج 1 و 2.

[ 194 ]

[ ويستحب تكراره في كل سنة لمن يتمكن من ذلك (1). (مسألة 131): يستحب نية العود على الحج حين الخروج من مكة (2). ] افضل من عتق رقبة، ورقبة حتى عد عشرا. الحديث) (1). هذا مضافا إلى الاطلاقات المرغبة في الحج. (1) هذا أيضا من جملة الواضحات، ويدل عليه روايات كثيرة ذكر صاحب الوسائل كثيرا منها في الباب الخامس والاربعين والسادس والاربعين من أبواب وجوب الحج فراجع. ويدل عليه أيضا تكررا الحج من النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام). (2) يدل عموم مادل على استحباب نية الخير والعزم عليه (2) ويؤيده خبر عبد الله بن سنان (قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من رجع من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره) (3). وكذا يكره نية عدم العود ويدل على ذلك موثقة الحسين الاحمسي عن أبي عبد الله (ع) (قال: من خرج من مكة وهو لا يريد العود إليها فقد اقترب اجله ودنا عذابه) (4).


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب وجوب الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب مقدمة العبادات. (3) الوسائل: باب 57 من أبواب وجوب الحج ح 1. (4) الوسائل: باب 57 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 195 ]

[ (مسألة 132): يستحب احجاج من لا استطاعة له (1) كما يستحب الاستقراض للحج إذا كان واثقا بالوفاء بعد ذلك (2) ويستحب كثرة الانفاق في الحج (3. ] والحسين الاحمسي وان لم يوثق في الرجال ولكنه من رواة كامل الزيارات. (1) لاريب في ان التسبيب إلى الخير لاسيما مثل الحج الذي فيه فضل عظيم أمر مرغوب فيه شرعا، ويؤكد ذلك بصحيحة شهاب عن أبي عبد الله (ع) (في رجل اعتق عشية عرفة عبدا له، قال: يجزي عن العبد حجة الاسلام ويكتب للسيد اجران: ثواب العتق وثواب الحج) (1). ويؤيده خبر شهاب (أم ولد احجها مولاها ايجزي عنها؟ قال: لا قلت: أله اجر في حجها؟ قال: نعم) (2). كما يؤيد بخبر الديلمى، ومرسلة الفقيه (من حج بثلاثة من المؤمنين فقد اشترى نفسه من الله عزوجل بالثمن) (3). (2) وقد عقد في الوسائل بابا مستقلا لذلك وذكر فيه روايات كثيرة تدل على ذلك (4). (3) يدل عليه صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) (أنه


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب وجوب الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب وجوب الحج ح 8. (3) الوسائل باب 45 من أبواب وجوب الحج ح 16 وباب 39 من أبواب وجوب الحج ح 1. (4) الوسائل: باب 50 من أبواب وجوب الحج.

[ 196 ]

[ (مسألة 133): يستحب اعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحج ليحج بها (1). (مسألة 134): يشترط في حج المرأة اذن الزوج إذا كان الحج مندوبا (2) ] قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما من نفقة احب إلى الله عزوجل من نفقة قصد ويبغض الاسراف إلا في الحج والعمرة. فرحم الله مؤمنا اكتسب طيبا وانفق من قصد، أو قدم فضلا) (1) (1) لصحيحة علي بن يقطين (انه قال: لابي الحسن الاول (ع) يكون عندي المال من الزكاة فاحج به موالي واقاربي؟ قال: نعم لا بأس) (2) وفي صحيحة علي بن جعفر (سألته عن الصرورة ايحجه الرجل من الزكاة قال: نعم) (3). فإذا جاز كان مستحبا لانه عبادة. (2) لان الخروج من بيتها بدون اذن الزوج محرم وعليها الاستئذان ويدل على ذلك صحيح علي بن جعفر (عن المرأة ألها ان تخرج بغير اذن زوجها؟ قال: لا). وفي صحيح محمد بن مسلم (ولا تخرج من بيتها إلا باذنه) (4). نعم إذا كان الحج واجبا لا يعتبر اذنه لدلالة جملة من النصوص


(1) الوسائل: باب 55 من أبواب وجوب الحج ح 1. (2) و (3) الوسائل: باب 42 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1 و 4. (4) الوسائل: باب 79 من أبواب مقدمات النكاح ح 5 و 1.

[ 197 ]

[ وكذلك المعتدة بالعدة الرجعية (1) ولا يعتبر ذلك في البائنة وفي عدة الوفاة (2) ] المعتبرة (1). كما تقدمت. (1) لانها محكومة بالزوجية بل هي زوجة حقيقة والبينونة انما تحصل بعد انقضاء العدة. (2) لحصول البينونة فلا موجب لاعتبار الاذن.


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب وجوب الحج.

[ 198 ]

[ (اقسام العمرة) (مسألة 135): العمرة كالحج، فقد تكون واجبة وقد تكون مندوبة وقد تكون مفردة وقد تكون متمتعا بها (1) (مسألة 136): تجب العمرة كالحج على كل مستطيع واجد للشرائط، ووجوبها كوجوب الحج فوري فمن استطاع لها - ولو لم يستطع للحج - وجبت عليه (2). ] (1) تنقسم العمرة كالحج إلى واجب اصلي وعرضي كالواجب بنذر وشبهه وإلى مندوب (1) وتنفسم أيضا إلى المفردة كالعمرة المستقلة التي تسمى احيانا بالمبتولة لقطعها وعدم ربطها بالحج وإلى عمرة يتمتع بها وهي العمرة المرتبطة بالحج المسمى بحج التمتع. (2) لا خلاف بين الفقهاء في وجوب العمرة على كل مكلف بشرائط وجوب الحج وجوبا مستقلا كالحج في العمر مرة واحدة، وقد ادعى صاحب الجواهر الاجماع بقسميه على ذلك. ويدل على وجوبها من الكتاب قوله تعالى: (واتموا الحج والعمرة لله). وكذا قوله سبحانه (ولله على الناس حج البيت).


(1) (العمرة لغة هي الزيارة - اعتمر المكان قصده وزاره - اخذا من العمارة لان الزائر يعمر المكان بزيارته، وشرعا اسم لمناسك مخصوصة.

[ 199 ]

[ نعم الظاهر عدم وجوبها على من كانت وطيفته حج التمتع ولم يكن مستطيعا. ولكنه استطاع لها، وعليه فلا تجب ] بناءا على ان المراد بحج البيت زيارة البيت والقصد إليه وذلك يشمل العمرة أيضا لان فيها زيارة البيت والقصد إليه والطواف حوله، خصوصا مع ملاحظة الصحيحة المفسرة للآية الشريفة التي تدل على ان المراد بالحج ليس هو خصوص الحج بل المراد به الحج والعمرة معا ففي صحيحة عمر بن اذينة قال: (سألت أبا عبد الله (ع). عن قول الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) يعني به الحج دون العمرة؟ قال: لا ولكنه يعني الحج والعمرة جميعا لانهما مفروضان) (1). واما من السنة فهي كثيرة وفي بعضها انها بمنزله الحج كما في صحيحة زرارة (عن أبي جعفر (ع) (في حديث) قال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج) (2) ومثلها صحيحة معاوية بن عمار (3). كما لاريب في ان وجوبها فوري على من استطاع إليها لانها بمنزلة الحج فتكون محكومة بحكم الحج. ولا يخفى: ان مقتضى الآية الكريمة والنصوص ان كلا من الحج والعمرة واجب مستقل لا يرتبط احدهما بالآخر فيمكن الاتيان باحدهما في عام وبالآخر في عام آخر فإذا استطاع لها ولن يستطع للحج وجبت عليه. نعم في خصوص عمرة التمتع قد ثبت ارتباطها بالحج


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب العمرة ح 7. (2) و (3) الوسائل: باب 1 من أبواب العمرة ح 2 و 8.

[ 200 ]

[ على الاجير للحج بعد فراغه من عمل النيابة وان كان مستطيعا من الاتيان بالعمرة المفردة لكن الاتيان بها احوط (1) ] (1) وقع الكلام بين الاعلام في انه هل تجب العمرة المفردة مستقلا على من كانت وظيفته حج التمتع إذا استطاع للعمرة المفردة ولم يكن مستطيعا للحج فلو استطاع للعمرة في شهر رجب مثلا وفرضنا انه لم يستطع للحج فهل يجب عليه الاتيان بالعمرة ام لا؟. المشهور عدم الوجوب بل ارسله بعضهم ارسال المسلمات وعليه فلا تجب العمرة المفردة على النائب في سنة النيابة بعد فراغه من عمل النيابة وان كان مستطيعا للعمرة حينئذ من مكة. وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح لوجوه ثلاثة: الوجه الاول: ان ادلة وجوب العمرة لا اطلاق لها يشمل المفام لان تلك الادلة في مقام بيان اصل تشريع العمرة، وان طبيعي العمرة واجب على جميع المكلفين كوجوب الحج. ولكن الاخبار مجملة من حيث بيان الخصوصيات وافراد العمرة، الا انا قد عرفنا من الخارج ان عمرة التمتع واجبة على من بعد عن مكة بمقدار معين والمفردة واجبة على القريب من مكة الذي وظيفته حج الافراد أو القران، فلا اطلاق للادلة على وجوب العمرة المفردة بخصوصها وبعنوانها على جميع المكلفين حتى يتمسك به، ومع الشك في الوجوب فالمرجع اصالة البرائة. الوجه الثاني: انه لو فرضنا اطلاق ادلة وجوب العمرة وشموله للبعيد وللقريب واغمضنا عما ذكرنا إلا انه لابد من رفع اليد عن الاطلاق

[ 201 ]

[ واما من اتى بحج التمتع فلا يجب عليه الاتيان بالعمرة ] للاخبار الدالة على ان العمرة مرتبطة بالحج إلى يوم القيامة ولازم ذلك عدم وجوب العمرة مستقلا على المكلفين وانما تجب منضمة ومرتبطة بالحج وهذه ليست الا عمرة التمتع. نعم قد خرج عن ذلك القريب من مكة الذي وظيفته حج الافراد والقران، فان الواجب عليه العمرة المفردة التي لا ترتبط بالحج، ففي كل مورد ثبت وجوب العمرة مسستقلا فهو وإلا فلا تجب الا المرتبطة بالحج وهي عمرة التمتع ومن الاخبار الدالة على ما ذكرنا صحيح الحلبي (قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) نحوه صحيح آخر له (1) نعم العمرة المستحبة غير مرتبطة ويستحب الاتيان بها مستقلا من البعيد والقريب في اي وقت شاء كما في النصوص (2). والوجه الثالث: استمرار السيرة القطعية على عدم ايجاب الاتيان بالعمرة المفردة على البعيد بل لم يتعارف اتيانها من المسلمين حتى من النائب الذي يتمكن من ذلك في سنة النيابة وانه لو كان ذلك واجبا لكان من الواضحات المكثرة الابتلاء بذلك مع انه لم يعرف القول بالوجوب بها


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب اقسام الحج ح 2 وباب 5 من أبواب العمرة ح 7. (2) الوسائل: باب 2 و 3 من أبواب العمرة.

[ 202 ]

[ المفردة جزما (1) [ (مسألة 137): يستحب الاتيان بالعمرة المفردة مكررا والاولى الاتيان بها في كل شهر (2). والاظهر جواز الاتيان بعمرة في شهر وان كان في آخره وبعمرة اخرى في شهر آخر وان كان في اوله، ولايجوز الاتيان بعمرتين في شهر واحد. فيما إذا كانت العمرتان عن نفس المعتمر أو من شخص آخر (3) وان كان لا بأس بالاتيان بالثانية رجاءا. ] (1) بلا خلاف ولا اشكال للنصوص الكثيرة وقد عقد في الوسائل بابا لذلك ففي صحيحة معاوية بن عمار (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أيجزي عنه ذلك؟ قال: نعم). (2) لاريب في استحباب التطوع بالعمرة المفردة وتكرارها كالحج للنصوص (2). كما لا كلام في استحباب الاتيان بها في كل شهر للروايات الدالة على ان لكل شهر عمرة (3). (3) قد اختلف الفقهاء في مقدار الفصل بين العمرتين على اقوال: احدها: اعتبار الفصل بينهما بشهر واحد وهو المشهور.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب العمرة تجد بقية الروايات في نفس الباب. (2) الوسائل باب 2 من أبواب العمرة. (3) الوسائل باب 6 من أبواب العمرة.

[ 203 ]

ثانيها: ما ذهب إليه جماعة من اعتبار الفصل بينهما بعشرة ايام ثالثها: ما نسب إلى العماني من اعتبار الفصل بينهما بسنة واحدة رابعها: عدم اعتبار الفصل بينهما فيجوز اتيانها في كل يوم اختاره صاحب الجواهر والسيد في العروة ووجه الاختلاف اختلاف الاخبار فمنها: ما يستدل به للقول الثاني وهو اعتبار الفصل بعشرة ايام كرواية الكليني والشيخ عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن (ع) في حديث، قال (ع): (ولكل شهر عمرة، فقلت: يكون أقل فقال: في كل عشرة ايام عمرة) (1). والرواية ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني، فلا يمكن المصير إلى هذا القول. ومنها: ما استدل به للقول الثالث هو الفصل بسنة واحدة كصحيحة حريز (لا يكون عمرتان في سنة) وفي صحيحة الحلبي (العمرة في كل سنة مرة) (2). وهذا القول مما لا يمكن الالتزام به للسيرة القطعية على اتيان العمرة مكررة في كل سنة بل على اتيانها في كل شهر، فلابد من طرح هذه الروايات، أو حملها على عمرة التمتع كما حملها الشيخ ومنها: ما يستدل به للقول الاول وهو اعتبار الفصل بشهر واحد وهي روايات كثيرة (3)، وقد حمل بعضهم الروايات المختلفة على


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة ح 3. (2) الوسائل باب 6 من أبواب العمرة ح 7 و 6. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة.

[ 204 ]

[ ولا يعتبر هذا فيما إذا كانت احدى العمرتين عن نفسه والاخرى عن غيره أو كانت كلتاهما عن شخصين غيره، كما لا يعتبر هذا بين العمرة المفردة وعمرة التمتع، فمن اعتمر عمرة مفردة جاز له الاتيان بعمرة التمتع بعدها ولو كانت في نفس الشهر، وكذلك الحال في الاتيان بالعمرة ] اختلاف مراتب الفضل ولذا اختار السيد في العروة عدم اعتبار الفصل بين العمرتين. والصحيح من الاقوال هو اعتبار الفصل بينهما بشهر واحد للنصوص الدالة على ذلك، منها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: كان علي (عليه السلام) يقول: لكل شهر عمرة) (1) فان المستفاد من هذه النصوص اختصاص كل شهر بعمرة فلا تقع عمرتان مفردتان في شهر واحد عن شخص واحد. ثم ان المراد بالشهر هو مابين الهلالين لا مضي مقدار ثلاثين يوما ومن ثم يجوز الاتيان بعمرة في آخر الشهر وبعمرة اخرى في اول الشهر اللاحق فيكون الفصل بينهما بيوم واحد ويدل على ان المراد بالشهر ما ذكرناه كموثقة اسحاق (السنة اثني عشرة شهرا يعتمر لكل شهر عمرة) (2) فان المستفاد من ذلك ان كل شهر هلالي قابل لوقوع العمرة فيه لا اعتبار الفصل بينهما بثلاثين يوما


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة ح 4 و 9.

[ 205 ]

[ المفردة بعد الفراغ من اعمال الحج (1). ولا يجوز الاتيان بالعمرة المفردة بين عمرة التمتع والحج (2) (مسألة 138): كما تجب العمرة المفردة بالاستطاعة كذلك تجب بالندر، أو الحلف أو العهد أو غير ذلك (3). ] (1) لان الروايات الدالة على ان لكل شهر عمرة ناظرة إلى عدم تكرارها من نفسه أو عن عدم وقوع العمرتين عن شخص واحد لان الحكم بعدم جواز الاتيان بها متكررا في شهر انحلالي نظرا إلى ان كل شخص مكلف بعمرة واحدة في شهر واحد، ونتيجة ذلك جواز الاتيان بعمرة اخرى عن شخص آخر وكذا يجوز الاتيان بعمرتين عن شخصين أو اكثر، كما لا مانع من عدم الفصل بين العمرة المفردة وعمرة التمتع فان الروايات المانعة عن اتيان العمرتين في شهر واحد منصرفة إلى العمرة المفردة فان الظاهر من قوله: (لكل شهر عمرة) هو العمرة المفردة ولا يشمل عمرة التمتع لان عمرة التمتع لا تشرع إلا في اشهر الحج وفي السنة مرة واحدة (2) سيأتي تفصيل ذلك في المسألة 358 أن شاء الله تعالى (3) كالشرط في ضمن العقد، أو الاجارة، وقد تجب العمرة ثانيا بافساد العمرة الاولى، ويدل عليه صحيح بريد العجلي (قال: سألت أبا جعفر (ع) عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشى اهله قبل ان يفرغ من طوافه وسعيه قال: عليه بدنة لفساد عمرته، وعليه ان

[ 206 ]

[ (مسألة 139): تشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتع في اعمالها وسيأتي بيان ذلك، وتفترق عنها في امور: (1) ان العمرة المفردة يجب لها طواف النساء ولا يجب ذلك لعمرة التمتع (1). ] يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة (1) وفيه كلام سيأتي في محله ان شاء الله تعالى (1) لا خلاف بين الاصحاب في وجوب طواف النساء في العمرة المفردة المسماة بالمبتولة أيضا (2) بل ادعى عليه الاجماع ويدل عليه عدة من النصوص. منها: معتبرة محمد بن عيسى على ما في الكافي (قال: كتب أبو القاسم مخلد بن الرازي إلى الرجل يسأله عن العمرة المبتولة هل على صاحبها طواف النساء والعمرة التي يتمتع بها إلى الحج؟ فكتب اما العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء واما التي يتمتع بها إلى الحج فليس على اصحابها طواف النساء) (3). ومنها: صحيحة ابراهيم بن أبي البلاد انه (قال: لابراهيم بن عبد الحميد يسأل له أبا الحسن موسى (ع) عن العمرة المفردة على صاحبها طواف النساء؟ فجاء الجواب ان نعم هو واجب لابد منه


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. (2) انما سميت بالمبتولة لقطعها عن الحج وعدم ارتباطها به. (3) الوسائل: باب 12 من أبواب الطواف ح 1.

[ 207 ]

فدخل عليه اسماعيل بن حميد فسأله عنها فقال: نعم هو واجب فدخل بشير بن اسماعيل بن عمار الصيرفي فسأله عنها فقال: نعم هو واجب) (1) ويؤيد بخبر اسماعيل بن رباح (قال: سألت أبا الحسن (ع) عن مفرد العمرة عليه طواف النساء، قال نعم) (2). خلافا للمحكي عن الجعفي من عدم وجوبه استنادا إلى بعض الروايات التي لا تخلو من ضعف السند أو الدلالة. فمنها: صحيح صفوان (قال: سأله أبو حارث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى وقصر، هل عليه طواف النساء؟ قال: لا انما طواف النساء بعد الرجوع من منى) (3). والجواب: ان الظاهر كون الرواية في مقام بيان اثبات طواف النساء في الحج في قبال عدم وجوبه في عمرة التمتع فالحصر اضافي بالنسبة إلى عمرة التمتع خاصة. ومنها: عن يونس رواه (قال: ليس طواف النساء إلا على الحاج) (4) والجواب اولا: ما تقدم من امكان كون الحصر اضافيا بالنسبة إلى عمرة التمتع. وثانيا: ان دلالته بالاطلاق ويمكن تخصيصه بما دل على وجوب طواف النساء في العمرة المفردة. وثالثا: ان الرواية ضعيفة السند، وقد قال الشيخ: ان هذه الرواية موقوفة غير مسندة إلى احد من الائمة (عليهم السلام). ومنها: خبر أبي خالد مولى علي بن يقطين (قال: سألت أبا


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 82 من أبواب الطواف ح 5 و 8 و 6. (4) الوسائل: باب 82 من أبواب الطواف ح 10.

[ 208 ]

[ (2) ان عمرة التمتع لا تقع الا في اشهر الحج وهي شوال، وذو القعدة وذو الحجة (1) ] الحسن (ع) عن مفرد العمرة عليه طواف النساء؟ قال: ليس عليه طواف النساء (1) وهو ضعيف بأبي خالد فإذا لا ينبغي الريب في وجوب طواف النساء في العمرة المفردة. واما عدم وجوبه في عمرة التمتع فيدل عليه عدة من النصوص من جملتها صحيحة محمد بن عيسى المتقدمة. مضافا إلى انه لم يقل احد من العلماء بوجوبه فيها، وسنذكر تفصيل ذلك في المسألة 357 ان شاء الله تعالى. (1) يقع الكلام في موضعين: احدهما: لا خلاف ولاريب بين الاصحاب في وجوب وقوع عمرة التمتع وحجه في اشهر الحج وقام الاجماع بقسميه عليه كما في الجواهر فلو اتى بعمرة التمتع أو بعضها في غير أشهر الحج لم يجز له ان يتمتع بها، ولا يحسب حجة ولا عمرته تمتعا ويدل على ذلك نصوص كثيرة (2) ففي بعضها (ليس تكون متعة إلا في اشهر الحج). ثانيهما: وقع الخلاف بين الفقهاء في المراد باشهر الحج فمن بعضهم انها شوال وذو القعدة وتمام ذى الحجة. وعن آخر انها الشهران الاولان مع العشر الاول من ذى الحجة. وعن ثالث انها الشهران الاولان مع ثمانية ايام من ذي الحجة.


(1) الوسائل: باب 82 من أبواب الطواف ح 9. (2) الوسائل باب 15 من أبواب اقسام الحج وباب 7 من العمرة.

[ 209 ]

[ وتصح العمرة المفردة في جميع الشهور (1) وافضلها شهر ] وعن رابع، انها الشهران الاولان مع تسعة ايام من ذى الحجة وليلة يوم النحر إلى طلوع الفجر. وعن خامس إلى طلوع الشمس من يوم النحر. والاصح من الاقوال هو القول الاول ويدل عليه الروايات المعتبرة. منها: صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) (قال: ان الله تعالى يقول: (الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وهي شوال، وذو القعدة وذو الحجة) (1) وغير ذلك من الروايات المصرحة بان اشهر الحج هي الثلاثة. ويمكن ان يقال (ان الخلاف لفظي وانه لا اختلاف في الحقيقة وان صاحب كل قول يريد شيئا لا ينافي القول الآخر، فلا يبعد ان يكون مرادهم من هذه التحديدات هو آخر الاوقات التي يمكن بها ادراك الحج. فمن حدده إلى نهاية ذى الحجة اراد جواز ايقاع بعض اعمال الحج وواجباته إلى آخر ذى الحجة، ومن حدده إلى عشرة ذى الحجة اراد ادراك المكلف الموقف الاختياري من الوقوفين وهكذا، فإذا لا خلاف حقيقة من حيث المبدء والمنتهى. (1) للنصوص المصرحة بان لكل شهر عمرة (2).


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب اقسام الحج ح 1. (2) الوسائل باب 6 من أبواب العمرة.

[ 210 ]

[ رجب وبعده شهر رمضان (1). (3) ينحصر الخروج عن الاحرام في عمرة التمتع بالتقصير فقط ولكن الخروج عن الاحرام في العمرة المفردة قد يكون بالتقصير وقد يكون بالحلق (2). (4) يجب ان تقع عمرة التمتع والحج في سنة واحدة على ما يأتي وليس كذلك في العمرة المفردة (3) فمن وجب عليه حج الافراد والعمرة المفردة جاز له ان يأتي بالحج في سنة والعمرة في سنة اخرى. ] (1) كما في الروايات (1). (2) أما تعيين التقصير عليه في احلال عمرة التمتع فيأتي بيانه في المسألة 350. واما التخيير بين الحلق والتقصير في العمرة المفردة فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار، (المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة وصلاة الركعتين خلف المقام والسعي بين الصفا والمروة حلق أو قصر) (2). (3) يقع البحث في مقامين: الاول: في وجوب ايقاع عمرة التمتع وحجه في سنة واحدة. الثاني: في جواز تفريق العمرة المفردة عن حج الافراد. اما الاول: فالظاهر انه لا خلاف بين الفقهاء في لزوم ايقاعهما في سنة واحدة وعدم جواز التفكيك بينهما، ويدل عليه وجوه.


(1) الوسائل باب 3 و 4 من أبواب العمرة. (2) الوسائل: باب 5 من التقصير ح 1.

[ 211 ]

احدها: الاخبار الدالة على ان عمرة التمتع مرتبطة بالحج وانها دخلت في الحج (1) وفي بعض الصحاح انه (صلى الله عليه وآله) شبك اصابعه بعضها إلى بعض وقال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة). ومعنى الارتباط ان مشروعية العمرة مرتبطة بمشروعية الحج فإذا اتى بالعمرة لا يجوز له تأخير الحج لفوريته وإلا فقد افسد عمرته، ولو قلنا بصحة عمرته في فرض تأخير الحج لكان ذلك منافيا للارتباط المذكور في النصوص. وبتعبير آخر: ليس للمكلف ان يأتي بعمرة التمتع في هذه السنة وبالحج في السنة الآتية فانه بذلك يفقد الارتباط بينهما. فلو فرضنا اته اتى بعمرة التمتع في اشهر الحج فانها مشروعة له وجاز له حينئذ ان يأتي بعدها بالحج فلو لم يأت بالحج فقد افسد عمله وعمرته. واما إذا اتى بعمرة التمتع بعد ايام الحج لم تكن عمرته مشروعة له العدم مشروعية الحج له حينئذ فإذا لم يكن الحج مشروعا لا تكون العمرة مشروعة له أيضا إذ المفروض انهما مرتبطان، فمشروعية كل منهما مرتبطة بالآخر. ثانيها: النصوص الدالة (2) على ان المعتمر بعمرة التمتع محتبس في مكة حتى يحج وليس له الخروج من مكة إلا محرما للحج فان عدم جواز الخروج له إلا محرما للحج يدل بوضوح على عدم جواز الافتراق


(1) الوسائل: باب 2 و 22 من أبواب أقسام الحج وباب 5 و 7 من أبواب العمرة. (2) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج.

[ 212 ]

بين العمرة والحج وعلى لزوم الاتيان بهما في سنة واحدة. ثالثها: خلو الروايات البيانية لكيفية حج التمتع عن الافتراق بين العمرة والحج ولو كان جائزا لاشير إليه ولو في رواية واحدة وذلك يكشف عن عدم جواز التفكيك بينهما. رابعها: ان النصوص الدالة على وجوب الحج على اهل الجدة والثروة في كل عام مرة واحدة (1) يستفاد منها ان حج التمتع من وظائف السنة الواحدة ولو كان الافتراق بين العمرة والحج جائزا وجاز الاتيان بهما في سنتين لكان ذلك منافيا لهذه الروايات. وبعبارة اخرى: يظهر من هذه النصوص ان كل سنة لها حج واحد ولابد من وقوع الحج في سنة واحدة ومن المعلوم ان حج التمتع مركب من العمرة والحج فالاخبار تدل على لزوم ايقاع الحج والعمرة في سنة واحدة وان الوظيفة في كل سنة هي الاتيان بالحج والعمرة معا نظير الصلوات المفروضة فانها من وظائف كل يوم وصلاة الجمعة فانها من وظائف كل اسبوع والعمرة المفردة فانها من وظائف كل شهر. نعم لا اشكال في حمل هذه النصوص على الاستحباب بقرينة ما نعلمه ان الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة ولكن ذلك غير دخيل في الاستفادة المذكورة. خامسها: ما دل من الاخبار على ان من لم يأت بالعمرة إلى زوال يوم التروية أو إلى ليلة عرفة أو إلى زوال يوم عرفة أو إلى زمان لم يدرك الحج فقد فاتته المتعة فان ذلك يدل على عدم مشروعية العمرة حينئذ ولو كانت مشروعة وكان الافتراق بين العمرة والحج جائزا لما


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب وجوب الحج.

[ 213 ]

[ (5) ان من جامع في العمرة المفردة عالما عامدا قبل الفراغ من السعي فسدت عمرته بلا اشكال ووجبت عليه الاعادة بان يبقى في مكة إلى الشهر القادم فيعيدها فيه (1) واما من جامع في عمرة التمتع ففي فساد عمرته اشكال، والاظهر عدم الفساد كما يأتي. ] صح قوله: - فاتته المتعة، فيكشف ذلك عن لزوم الاتيان بهما في سنة واحدة. المقام الثاني: في جواز التفريق بين العمرة المفردة وحج الافراد أو القران. ويدل على ذلك النصوص الكثيرة (1) الدالة على عدم ارتباط احدهما بالآخر وعدم دخول العمرة المفردة في الحج وان كلا منهما عبادة مستقلة في نفسه فيجوز الاتيان باحدهما في سنة وبالآخر في سنة اخرى وقد يجب احدهما دون الآخر كما إذا تمكن من احدهما ولم يتمكن من الآخر على ما سيأتي تفصيله عن قريب (ان شاء الله تعالى). ومما يدل على عدم الارتباط بينهما ان حج الافراد أو القران لو كان مندوبا أو منذورا وحده لم تلزمه العمرة وليس كذلك حج التمتع فانه لا يشرع بدون العمرة. (1) سنذكر ذلك في المسألة (223). كما نذكر حكم الجماع في عمرة التمتع في المسألة (220).


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب العمرة وباب 2 من اقسام الحج.

[ 214 ]

[ (مسأله 140): يجوز الاحرام للعمرة المفردة من نفس المواقيت التي يحرم منها لعمرة التمتع - ويأتي بيانها (1) وإذا كان المكلف في مكة واراد الاتيان بالعمرة المفردة جاز له ان يخرج من الحرم ويحرم ولا يجب عليه الرجوع إلى المواقيت والاحرام منها، والاولى ان يكون احرامه من الحديبية أو الجعرانة أو التنعيم ]. (1) لان هذه المواقيت لا تختص ببعض اقسام الحج أو العمرة بل مقتضى اطلاق ادلتها تساو الحج والعمرة باقسامها من الميقات. ففي صحيحة معاوية بن عمار (من تمام الحج والعمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تجاوزها إلا وانت محرم) (1) وفي صحيحة الحلبي (والاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولا معتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها) (2). نعم إذا كان في مكة واراد الاتيان بالعمرة المفردة لا يجب عليه الرجوع إلى المواقيت المعينة، بل يجوز له ان يخرج من الحرم ويحرم من ادنى الحل، كما سيأتي الكلام في ذلك في الميقات العاشر وهو ادنى الحل. وأما اولوية الاحرام من هذه المواضع الثلاثة فلذكرها بالخصوص في النصوص كصحيحة جميل، (قال سألت أبا عبد الله (ع) عن


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 215 ]

[ (مسأله 141): تجب العمرة المفردة لمن اراد ان يدخل مكة فانه لا يجوز الدخول فيها الا محرما (1). ] المرأه الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية، قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة) (1). ويمكن النقاش في ذلك بانها واردة في العمرة المفردة المسبوقة بالحج وكلامنا في مطلق العمرة المفردة. إلا ان يقال بانه لانحتمل الاختصاص: فتأمل - وفي صحيحة عمر بن يزيد (من اراد ان يخرج من مكة ليعتمر احرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما اشبهها - أو ما اشبههما - (2). مضافا إلى انه يمكن القول باستحباب الاحرام من الجعرانة تأسيا بالنبي (صلى الله عليه وآله) فانه صلى الله عليه وآله اعتمر عمرة من الجعرانة بعد ما رجع من الطائف من غزوة حنين (3). (1) قد تقدم ان العمرة المفردة كما تجب بالاستطاعة كذلك تجب بالنذر ونحوه، وتجب أيضا لدخول مكة بمعنى حرمته بدونها فانه لا يجوز دخولها بلا احرام، فالوجوب شرطي لا تكليفي اي لا يجوز الدخول إلى مكة إلا محرما فإذا وجب الدخول بسبب من الاسباب


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب اقسام الحج ح 2. (2) الوسائل: باب 22 من أبواب المواقيت ح 1. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب العمرة ح 2.

[ 216 ]

يجب الاحرام أيضا وجوبا مقدميا واما إذا لم يكن الدخول واجبا فلا يجب الاحرام فاتصاف الاحرام بالوجوب نظير اتصاف الوضوء بالوجوب لصلاة النافلة. وكيف كان: كل من دخل مكة وجب ان يكون محرما بلا خلاف بين الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع، ويدل عليه عدة من النصوص. منها: صحيح محمد بن مسلم قال: (سألت أبا جعفر (ع) هل يدخل الرجل مكة بغير احرام؟ قال: لا إلا مريضا أو من به بطن) ونحوه صحيحة اخرى له. ولكن فيها الحرم بدل مكة. ومنها: صحيح عاصم (يدخل الحرم احد إلا محرما؟ قال: لا إلا مريض أو مبطون) (1). ثم ان ظاهر بعض الروايات المعتبرة عدم جواز دخول الحرم إلا محرما فضلا عن دخول مكة كما صرح بذلك صاحب الوسائل في الباب الخمسين من الاحرام، ولكن لاريب في عدم وجوب الاحرام على من لم يرد النسك بل اراد حاجة في خارج مكة ولم يرد الدخول إليها ولا نحتمل وجوب الاحرام بنفسه على من دخل الحرم ولم يرد دخول مكة ولا النسك فيها. بل المستفاد من الروايات ان من يريد الدخول إلى مكة يجب عليه ان يحرم للحج أو العمرة. فيمكن حمل تلك الروايات على داخل الحرم لارادة دخول مكة. مضافا إلى ان المستفاد من بعض النصوص ان مكة بخصوصها لها مزية وقدسية وحرمة لا يجوز الدخول إليها إلا ملبيا للحج أو العمرة،


(1) الوسائل: باب 50 من أبواب الاحرام ح 2 و 4 و 1.

[ 217 ]

[ ويستثنى من ذلك من يتكرر منه الدخول والخروج كالحطاب والحشاش ونحوهما (1). ] كما في صحيحة معاوية بن عمار (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة بان الله حرم مكة يوم خلق السماوات والارض وهي حرام إلى ان تقوم الساعة لم تحل لاحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي ولم تحل لي الا ساعة من نهار) (1) بناءا على ان المراد من تحريمها عدم جواز الدخول إليها إلا باحرام. (1) ممن يجتلب؟ حوائج الناس إلى البلد، ويدل عليه صحيحة رفاعة (قال: قال أبو عبد الله (ع): ان الحطابة والمجتلبة (المختلية) اتوا النبي (صلى الله عليه وآله) فسألوه فاذن لهم ان يدخلوا حلالا) (2) ولا فرق فيما يحتاج إليه اهل مكة بين الارزاق والاطعمة وغيرها مثل الجص والحديد وغير ذلك من حوائج الناس: فان عنوان المجتلبة المذكور في النص عنوان عام يشمل كل من يجتلب حوائج الناس من كل شئ. وعن ظاهر المشهور التعدي إلى كل من يتكرر منه الدخول إلى مكة وان كان لاغراض شخصية كمن يتكرر منه الدخول لعيادة المريض أو كانت له ضيعة في مكة ويأتي إليها متكررا، وحملوا ما في النص على المثال. ولكن مقتضى الجمود على ظاهر النص اختصاص الجواز بمن


(1) الوسائل: باب 50 من أبواب الاحرام ح 7. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب الاحرام ح 2.

[ 218 ]

[ وكذلك من خرج من مكة بعد اتمامه اعمال الحج أو بعد العمرة المفردة فانه يجوز له العود إليها من دون احرام قبل مضي الشهر الذي ادى نسكه فيه (1). ] يتكرر منه الدخول لاجل حوائج الناس ونقل ما يحتاجون إلى البلد. ثم ان الميزان في الحكم بجواز الدخول حلالا صدق عنوان الحطاب أو المجتلبة ولا يعتبر تكرر دخوله، فلو اتى مثل هذا الشخص بحوائج البلد ولو في كل شهرين يشمله النص الدال على جواز الدخول محلا لصدق عنوان المجتلبة عليه على الفرض. (1) لانه يكون ممن دخلها بعد الاحرام قبل مضي شهر من احرامه الاول فانه لا موجب للاحرام ثانيا حينئذ لان لكل شهر عمرة، فان التعليل بقوله: (لان لكل شهر عمرة) في موثقة اسحاق بن عمار يدل على ان الذي يوجب سقوط الاحرام عند الدخول إلى مكة في شهر الاعتمار هو اتيان مطلق العمرة سواء اتى بعمرة التمتع أو بالعمرة المفردة. اما الموثقة فهي، قوله: (سألت أبا الحسن (ع) عن المتمتع يجئ فيقضى متعه ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن، قال: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لان لكل شهر عمرة الحديث) (1).


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 8.

[ 219 ]

[ ويأتي حكم الخارج من مكة بعد عمرة التمتع وقبل الحج (1). (مسألة 142): من اتى بعمرة مفردة في اشهر الحج وبقى في مكة إلى اوان الحج جاز له ام يجعلها عمرة التمتع فيأتي بالحج (2) ولا فرق في ذلك بين الحج الواجب والندب. ] (1) يأتي حكمه في المسألة (151) ان شاء الله تعالى. (2) بل عن المشهور استحباب ذلك إذا بقي في مكة إلى هلال ذى الحجة وعن القاضي وجوب ذلك إذا بقي إلى يوم التروية استنادا إلى بعض الروايات المعتبرة كصحيحة عمر بن يزيد (من اعتمر عمرة مفردة فله ان يخرج إلى اهله متى شاء الا ان يدركه خروج الناس يوم التروية) (1). ولكن الظاهر انه لا يمكن القول بالوجوب لتحقق الاجماع على خلافه - كما قيل على ان بعض النصوص المعتبرة صريح في جواز الخروج يوم التروية، كصحيحة ابراهيم بن عمر اليماني عن ابي عبد الله (ع) (انه سأل عن رجل خرج في اشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده قال: لا بأس وان حج من عامه ذلك وافرد الحج فليس عليه دم، وان الحسين بن على (عليهما السلام) خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمرا) (2) قال استشهاده بفعل الحسين (عليه السلام) يدل على جواز الخروج سواء كان الحسين (عليه السلام) مضطرا كما في كتب التواريخ


(1) و (2) الوسائل: باب 7 من أبواب العمرة ح 9 و 2.

[ 220 ]

والمقاتل ام لا. ويدل على الجواز أيضا: معتبرة معاوية بن عمار (قال: قلت لابي عبد الله (ع): من اين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال: ان المتمتع مرتبط بالحج والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء وقد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج) (1) ولا يخفى ان قوله: (ولا بأس بالعمرة) إلى آخره يدل بوضوح على جواز الخروج. ومن ثم حمل المشهور الروايات الواردة في المقام على الاستحباب. ومراتب الفضل بالنسبة إلى البقاء إلى هلال ذي الحجة أو إلى يوم التروية وذكروا ان من اتى بعمرة مفردة في اشهر الحج يستحب له البقاء إلى الحج وإذا بقي إلى هلال ذي الحجة يتأكد له الاتيان بالحج بنفس العمرة التي اتى بها وإذا بقي إلى يوم التروية يكون الاتيان بالحج آكد. ثم انه لافرق فيما ذكرنا بين الحج الواجب والندب، لان الروايات مطلقة تشمل من وجب عليه الحج أيضا.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب العمرة ح 3.

[ 221 ]

[ أقسام الحج (مسألة 143): اقسام الحج ثلاثة: تمتع (1)، وافراد، وقران (2). ] (1) بلا خلاف اجده فيه بين علماء الاسلام بل اجماعهم بقسميه عليه كما في الجواهر مضافا إلى النصوص المتواترة أو القطعية، بل قيل انه من الضروريات. اما النصوص فمن جملتها صحيحة معاوية بن عمار قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: الحج ثلاثة اصناف حج مفرد، وقران وتمتع بالعمرة إلى الحج وبها امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) والفضل فيها ولا نامر الناس الا بها) (1).


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب اقسام الحج. (2) وجه التسمية. اما المتمتع فهو لغة: التلذذ والانتفاع وانما سمي هذا النوع بهذا الاسم لما يتخلل بين عمرته وحجه من التحلل المقتضى لجواز الانتفاع والالتذاذ بما كان محرما عليه حال الاحرام. واما الافراد: فلانفصاله عن العمرة وعدم ارتباطه بها. واما القران: فلاقتران الاحرام بسياق الهدي.

[ 222 ]

[ والاول فرض من كان البعد بين اهله والمسجد الحرام اكثر من ستة عشر فرسخا (1) ] (1) يقع الكلام في موردين: احدهما: في بيان الحد الموجب للتمتع. ثانيهما: في ان الحد المذكور هل يلاحظ بين اهله ومكة أو بين اهله والمسجد الحرام علما بان هناك مسافة معتدا بها بين اول مكة والمسجد الحرام خصوصا وان البلدان تأخذ بالتوسع بمرور الزمن. اما الاول: فقد اختلف الاصحاب في حد البعد المقتضي لتعيين التمتع على البعيد على قولين: احدهما: وهو المشهور - انه عبارة عن ثمانية واربعين ميلا من كل ناحية اي ستة عشر فرسخا من كل جانب. ثانيهما: انه عبارة عن اثني عشر ميلا من كل جانب. والمعتمد هو القول الاول، ويدل عليه صحيح زرارة، وعن أبي جعفر (ع) (قال: قلت لابي جعفر (ع): قول الله عزوجل في كتابه (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) قال: يعنى اهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان اهله دون ثمانية واربعين ميلا ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية، وكل من كان اهله وراء ذلك فعليهم المتعة) (1). ويؤيد، بخبر آخر عن زرارة (قال: سألته عن قول الله: (ذلك


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج ج 3.

[ 223 ]

لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) قال: ذلك اهل مكة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة قال: قلت: فما حد ذلك؟ قال: ثمانية واربعين ميلا من جميع نواحي مكة دون عسفان ودون ذات عرق) (1) ولكن الخبر ضعيف بجهالة طريق الشيخ إلى علي بن السندي الذي اسند الشيخ الخبر إليه، وبعلي بن السندي فانه لم يوثق ولا عبرة بتوثيق نصر بن الصباح له لان نصر بنفسه لم يوثق. فالعمدة هي الصحيحة الاولى. وقد استدل للقول الثاني، وهو كون الحد الموجب للتمتع اثنى عشر ميلا من كل جانب بوجوه: الاول: اطلاق ما دل على وجوب التمتع على كل مكلف كما جاء في صحيحة الحلبي (فليس لاحد الا ان يتمتع) (2) فان القدر المتيقن الخارج من المطلقات من كان دون الحد المذكور فمن كان فوق الحد يشمله الاطلاقات. والجواب ان المطلقات ناظرة إلى حكم البعيد في قبال العامة القائلين بجواز الافراد، أو القران لكل احد حتى البعيد، ولا نظر لها إلى وجوب المتعة على كل احد. مضافا إلى انه يمكن تقييدها بما دل على التحديد بثمانية واربعين ميلا كصحيحة زرارة المتقدمة، فلا مجال للعمل بالمطلقات. الثاني: ان المستفاد من الآية الشريفة ان موضوع التمتع غير الحاضر وموضوع الافراد والقران هو الحاضر، وهو يقابل المسافر فالتمتع


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج ح 7. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب اقسام الحج ح 2.

[ 224 ]

وظيفة من صدق عليه المسافر والافراد وظيفة الحاضر فلابد من ملاحظة حد السفر الموجب للقصر، ومن المعلوم ان حد السفر اربعة فراسخ من كل جانب وهي اثنا عشر ميلا. وفيه: ان الحضور المذكور في الآية الشريفة لا يراد به الحضور المقابل للسفر بل المراد به بالنسبة إلى الحضور في مكة والغياب عنها. وبعبارة اخرى: المستفاد من الآية الشريفة وجوب التمتع على من لم يكن ساكنا في مكة ووجوب الافراد والقران على من كان ساكنا وكان اهله حاضري المسجد الحرام إلا ان النصوص حددت البعد بثمانية واربعين ميلا وجعلت العبرة بذلك في وجوب التمتع خاصة وإذا كان البعد اقل مما ذكر فوظيفته الافراد أو القران. الثالث: ان عنوان الحضور المأخوذ في الآية الشريفة المعلق عليه غير التمتع عنوان عرفي وهو لا يصدق على من كان بعيدا عن مكة باثنى عشر ميلا بل يصدق عليه انه ممن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام فيجب عليه التمتع. والجواب عنه: ان العرف وان كان لا يرى صدق الحاضر على من بعد من مكة باثنى عشر ميلا ولكن لا يرى ايضا صدق الحاضر على من كان مسكنه دون اثنى عشر ميلا ولذا قلنا لو كنا نحن والآية الشريفة لالتزمنا بوجوب التمتع على كل من لم يكن من سكنة مكة سواء كان قريبا منها أو بعيدا، وانما قلنا باختصاص التمتع لمن كان بعيدا عن مكة بمقدار ثمانية واربعين ميلا لصحيحة زرارة المتقدمة. الرابع: ان الآية الشريفة دلت على وجوب التمتع على من لم يكن من سكنة مكة المكرمة لقوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري

[ 225 ]

المسجد الحرام) (وذلك) اشارة إلى التمتع، ولكن الحق بسكنة مكة جماعة اخرى ممن ليسوا من سكنتها بالاجماع القطعي الحاقا حكميا كاهالي (مر) واهالي (سرف) كما في صحيحة الفضلاء عن أبي عبد الله (ع) قال: (ليس لاهل مكة ولا لاهل مر ولا لاهل سرف متعة) (1) فان المستفاد من الآية المباركة وجوب المتعة على جميع المكلفين عدى اهالي مكة واهالي مر وسرف، ومقتضى القاعدة هو الاقتصار على القدر المتيقن في الخروج من وجوب المتعة، ولازم ذلك عدم وجوب التمتع على اهالي مكة واهالي مر وسرف خاصة، واما غيرهم فالواجب عليهم التمتع وان بعدوا عن مكة باثنى عشر ميلا. ويرد عليه: انه لا يتم ما ذكر بالنظر إلى صحيحة زرارة المتقدمة التي حددت البعد بثمانية واربعين ميلا ولا مجوز لرفع اليد عنها بعد صحة سندها وظهور دلالتها. وحملها على الجوانب الاربعة من تقسيط ثمانية واربعين ميلا على الجوانب الاربعة كما عن ابن ادريس بعيد جدا. ثم ان هنا رواية معتبرة دلت على انه لا متعة على من كان بعيدا عن مكة بثمانية عشر ميلا، وهى صحيحة حريز عن أبي عبد الله (ع) (في قول الله عزوجل: (ذلك لمن لم يكن اهله حاضرى المسجد الحرام) قال: من كان منزله ثمانية عشر ميلا من بين يديها، وثمانية عشر ميلا من خلفها، وثمانية عشر ميلا عن يمينها، وثمانية عشر ميلا عن يسارها فلا متعة له مثل مر واشباهه) (2) ويظهر منها وجوب المتعة على من بعد من مكة بأزيد من ثمانية عشر ميلا فتكون منافية لصحيحة


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج ح 10.

[ 226 ]

زرارة المتقدمة الدالة على وجوب المتعة على من بعد عن مكة بثمانية واربعين ميلا وصاحب الوسائل دفع التنافي بينهما حيث (قال: هذا - اي صحيح حريز - غير صريح في حكم ما زاد عن ثمانية عشر ميلا فهو موافق لغيره فيها وفيما دونها فيبقى تصريح حديث زرارة وغيره بالتفصيل سالما عن المعارض) ولكن الظاهر ان الصحيحة في مقام التحديد ويظهر منها قصر الحكم بخصوص هذا الحد فتكون منافية لخبر زرارة. والصحيح ان يقال: ان خبر حريز مضافا إلى معارضته بصحيحة زرارة المشهورة لا قائل ولا عامل بمضمونه ابدا فلابد من طرحه ورد علمه إلى اهله. وقد ورد في خبرين آخرين ان العبرة في الحضور بما دون الميقات لا بما دون ثمانية واربعين ميلا. احدهما: خبر الحلبي (في حاضري المسجد الحرام، قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام وليس لهم متعة) (1). ثانيهما: صحيح حماد (في حاضري المسجد الحرام قال ما دون الاوقات إلى مكة) (2). ولكن حال هذين الخبرين حال خبر حريز من الطرح والسقوط لعدم العامل بهما ومخالفتهما للمتسالم عليه بين الاصحاب. واما المورد الثاني: وهو ان الحد المذكور هل يلاحظ بين اهله ومكة، أو بين اهله والمسجد الحرام وجهان: والصحيح هو الثاني، بيان ذلك: ان الظاهر من صحيحة زرارة المتقدمة المفسرة للآية الشريفة


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج ح 4 و 5.

[ 227 ]

[ والآخران فرض من كان اهله حاضري المسجد الحرام، بان يكون البعد بين اهله والمسجد الحرام اقل من ستة عشر فرسخا (1) ] المشتملة على ذكر المسجد الحرام كون العبرة في التحديد بالمسجد الحرام وانه هو المبدء والمنتهي لا بلدة مكة وكم فرق بينهما فان بلدة مكة واسعة جدا فتختلف المسافة قلة وكثرة بلحاظ نفس المسجد أو بلدة مكة. كما اشرنا إليه في اول المسألة. ولو شك في ذلك واحتمل ان التحديد باعتبار نفس البلدة باعتبار وجود المسجد الحرام فيها فتكون الرواية مجملة لعدم ظهورها في كون التحديد بلحاظ المسجد أو البلد فاللازم الاقتصار على المتيقن في الخروج عن العمومات المقتضية للتمتع على جميع المكلفين وذلك يقتضي كون العبرة بنفس المسجد الحرام. (1) يدل على ذلك نفس الآية الشريفة (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) لعود الضمير إلى التمتع المذكور في صدر الآية فإذا لم يكن التمتع وظيفة للقريب فطبعا تكون وظيفة الافراد أو القران. ويدل عليه أيضا النصوص المستفيضة النافية للمتعة عن اهل مكة وعن من بعد عن مكة دون ثمانية واربعين ميلا كصحيحة زرارة المتقدمة المفسرة للآية الشريفة وصحيحة الفضلاء الدالة على انه ليس لاهل مكة ولا لاهل مر ولا لاهل سرف متعة؟ وغير ذلك من الروايات الدالة

[ 228 ]

[ (مسألة 144): لا بأس للبعيد ان يحج حج الافراد أو القران ندبا، كما لا بأس للحاضر ان يحج حج التمتع ندبا (1) ولا يجوز ذلك في الفريضة فلا يجزي حج التمتع عمن وظيفته الافراد أو القران، وكذلك العكس. ] على تعين التمتع على النائي وتعين الافراد والقران على الحاضر والقريب (1). (1) قد عرفت ان مقتضى الكتاب العزيز والروايات الكثيرة تعين حج التمتع على من كان بعيدا عن مكة بمقدار خاص وتعين الافراد أو القران على من كان حاضرا اي غير بعيد عنها. ولكن ذلك انما هو بالنسبة إلى حجة السلام وما هو الفرض للمكلف فلا يجزى للبعيد الا التمتع ولا للحاضر إلا الافراد أو القران. واما بالنسبة إلى الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد والحاضر كل من الانواع الثلاثة بلا اشكال، كمن حج ندبا قبل استطاعته لحج الاسلام أو لحصول حج الاسلام منه. ويدل على ذلك روايات كثيرة قد عقد في الوسائل بابا خاصا مستقلا لذلك (2) فراجع. نعم لا ريب في ان التمتع افضل مطلقا كما ورد ذلك في عدة من النصوص المعتبرة (3). هذا كله مضافا إلى ان نفس اطلاق ما دل على فضائل الحج وترتب


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج. (2) و (3) الوسائل: باب 4 من أبواب اقسام الحج.

[ 229 ]

[ نعم قد تنقلب وظيفة المتمتع إلى الافراد كما يأتي (1). (مسألة 145): إذا اقام البعيد في مكة فان كانت اقامته بعد استطاعته ووجوب الحج عليه وجب عليه حج التمتع. واما إذا كانت استطاعته بعد اقامته في مكة وجب عليه حج الافراد أو القران بعد الدخول في السنة الثالثة (2) هذا إذا كانت اقامته بقصد المجاورة. ] الثواب عليه، يقتضي جواز الاتيان بكل من الاقسام الثلاثة وانما يتعين على المكلف نوع خاص في الحج الذي يكون فرضا له. (1) في المسألة - 155 - ان شاء الله فانتظر. (2) البعيد قد يسكن مكة المكرمة بقصد المجاورة وقد يسكنها بقصد التوطن، وعلى كل تقدير قد يكون مستطيعا في بلده قبل ان يسكن مكة وقد يستطيع في مكة فهذه صور اربع: الاولى: ان يقيم البعيد في مكة بقصد المجاورة وكانت استطاعته حاصلة في بلده قبل ان يسكن مكة ووجب عليه الحج في بلده، ففي هذه الصورة يجب عليه التمتع ولا ينقلب فرضه من التمتع إلى الافراد. ونحوها مالو استطاع في مكة مدة مجاورته ولكن استطاع قبل مضي سنتين من مجاورته فان هذا الفرض ملحق بمن استطاع في بلده قبل مجاورته. ويدل على ما ذكرنا ان بعض الآيات الشريفة تدل على تشريع الحكم بالحج على جميع المكلفين من دون النظر إلى تعيين نوع منه على صنف من اصناف المكلفين، كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت)

[ 230 ]

ولكن الآية الاخرى كقوله سبحانه (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) والروايات المفسرة المبينة للآية المحددة بالثمانية والاربعين ميلا دلت على ان الحج يختلف باختلاف الاماكن والاصناف وان البعيد بحد خاص حكمه التمتع والقريب والحاضر فرضه الافراد، فالمستفاد من الآية والروايات ان المكلف على قسمين: قسم فرضه التمتع وقسم فرضه الافراد، وما دل من الروايات على انقلاب الفرض من التمتع إلى الافراد كصحيحة زرارة (من اقام بمكة سنتين فهو من اهل مكة لا متعة له) وكصحيحة عمر بن يزيد (المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطنا وليس له ان يتمتع) (1) ناظر إلى توسعة موضوع الجعل وان من اقام في مكة مقدار سنتين كان قاطنا وكان من اهل مكة تنزيلا وحكمه حكم اهل مكة، ولا نظر لهذه الروايات إلى من استطاع في بلده أو استطاع في مكة قبل السنتين، فمن كانت وظيفته التمتع ولكن ترك الحج حتى جاور مكة فلا يكون مشمولا لهذين الخبرين الصحيحين. وبعبارة اخرى: الخبران منصرفان عمن كان مستطيعا سابقا سواء كان مستطيعا في بلده وترك الحج أو استطاع في مكة قبل السنتين. وانما الخبران في مقام بيان ان الحج الواجب على من سكن مكة وتعيين بعض الانواع عليه، ولا نظر لهما إلى من وجب عليه الحج سابقا وكانت وظيفته التمتع في السابق، فهو باق على حكمه السابق. ولو اغمضنا عما ذكرنا واحتملنا شمول الخبرين لهذا الفرض أيضا فيصبح الخبران مجملين فيدور الامر بين تخصيص الاقل والاكثر،


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب اقسام الحج 1 و 2.

[ 231 ]

فلابد من الاقتصار على الاقل وهو خصوص حصول الاستطاعة بعد السنتين اخذا بالمتيقن، فتكون النتيجة ان من لم يكن مستطيعا في بلده واستطاع في مكه بعد مجاورته سنتين ينقلب فرضه إلى الافراد فان التنزيل ثابت بهذا المقدار واما غيره، وهو من استطاع في بلده وكان مكلفا بحج التمتع ولم يأت به أو حصلت الاستطاعة في مكة قبل السنتين فمحكوم بالحكم الاول ولم يثبت في حقه التنزيل. هذا كله مضافا إلى دعوى قيام الاجماع على ان تكليف مثل هذا الشخص لا يتبدل من التمتع إلى الافراد. الصورة الثانية: ان يجاور البعيد في مكة ويستطيع بعد اقامته فيها بعد الدخول في السنة الثالثة، فالمشهور انه يتبدل فرضه من التمتع إلى الافراد وهو الصحيح. بيان ذلك انه لو كنا نحن والآية الشريفة والروايات العامة ولم تكن روايات خاصة في المقام لكان الواجب عليه حج التمتع لان موضوع التمتع من لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام ومن لم يكن من اهل مكة وذلك صادق على البعيد المجاور. ولكن مقتضى الاخبار الخاصة الآتية اجراء حكم اهل مكة عليه وانه مكي تنزيلا فيجب عليه الافراد وهذا مما لا خلاف فيه في الجملة. وانما وقع الخلاف في الحد الذي يوجب انقلاب فرضه من التمتع إلى الافراد. فالمشهور بين الاصحاب انه يتحقق بالاقامة في مكة مدة سنتين والدخول في الثالثة.

[ 232 ]

ونسب إلى الشيخ وابن ادريس ان الحد الموجب للانقلاب اكمال ثلاث سنين والدخول في الرابعة. ونسب إلى الشهيد في الدروس انه يتحقق باكمال سنة واحدة والدخول في الثانية، واختاره صاحب الجواهر (1). وسبب الاختلاف النصوص. ولكن ما نسب إلى الشيخ بالتحديد إلى ثلاث سنين والدخول في الرابعة فلا شاهد عليه من الاخبار الا الاصل المقطوع بالروايات. فهذا القول ساقط. فيبقى القولان الآخران. احدهما: ما نسب إلى المشهور من التحديد بسنتين والدخول في الثالثة. ويدل عليه صحيح زرارة، عن أبي جعفر (ع) (قال: من اقام بمكة سنتين فهو من اهل مكة لا متعة له) وصحيح عمر بن يزيد (قال: قال أبو عبد الله (ع): المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاوز سنتين كان قاطنا، وليس له ان يتمتع) (2). ثانيهما: ما نسب إلى الشهيد وقواه صاحب الجواهر من الاكتفاء باكمال سنة واحدة والدخول في الثانية اعتمادا إلى جملة من الاخبار. منها: صحيحة الحلبي (قال: سألت أبا عبد الله (ع) لاهل مكة ان يتمتعوا؟ قال: لا، قلت: فالقاطنين بها، قال: إذا قاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع اهل مكة) (3) وهي صحيحة السند وواضحة الدلالة. ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان (المجاور بمكة سنة يعمل عمل


(1) الجواهر: ج 18 ص 89. (2) و (3) الوسائل: باب 9 من أبواب اقسام الحج ح 1 و 2.

[ 233 ]

اهل مكة يعني يفرد الحج مع اهل مكة وما كان دون السنة فله ان يتمتع) (1). وهي أيضا واضحة الدلالة والسند معتبر فان اسماعيل بن مرار الواقع في السند وان لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال تفسير علي بن ابراهيم القمي وهم ثقات، وفي بعض نسخ التفسير اسماعيل بن ضرار وهو محرف جزما كما هو الموجود في الطبعة القديمة وتفسير البرهان، وهنا روايات أخر تدل على ذلك أيضا ولكنها ضعيفة السند والعمدة ما ذكرناه. وقد اجاب السيد في العروة عن هذه الروايات باعراض المشهور عنها فيتعين العمل بالصحيحتين المتقدمتين (صحيحة زرارة وعمر بن يزيد) ولكن قد ذكرنا غير مرة ان اعراض المشهور لا يوجب سقوط الرواية المعتبرة سندا عن الحجية، على ان الشهيد وصاحب الجواهر قد عملا بها. وقد جمع صاحب الجواهر بين الطائفتين بحمل الصحيحتين على الدخول (في السنة الثانية فتلتئم مع الطائفة الثانية الدالة على اعتبار مضي سنة واحدة والدخول في الثانية. ويرد عليه: ان هذا المعنى وان احتمل في خبر زرارة المتقدم وامكن حمل قوله: (من اقام بمكة سنتين) على الدخول في الثانية بعد اكمال السنة الاولى وان كان ذلك بعيدا، إلا انه لا يحتمل ذلك في خبر عمر بن يزيد للتصريح فيه بالتجاوز عن سنتين. فالصحيح في الجواب ان يقال: ان التعارض بين الطائفتين متحقق فالمرجع بعد التعارض والتساقط عموم ما دل على ان البعيد فرضه التمتع


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب اقسام الحج ح 8

[ 234 ]

[ واما إذا كانت بقصد التوطن فوظيفته حج الافراد أو القران من اول الامر إذا كانت استطاعته بعد ذلك، واما إذا كانت قبل قصد التوطن في مكة فوظيفته حج التمتع (1). ] وان جاور مكة والقدر المتيقن من التخصيص حسب الخبرين المتقدمين من سكن مكة مدة سنتين ودخل في الثالثة واما غير ذلك فلم يثبت تخصيص في حقه فالواجب عليه ما يقتضيه العموم. وهو وجوب التمتع عليه إلا بعد مضي سنتين وقد عرفت انه هو القول المشهور ثم ان هنا اخبارا تدل على ان العبرة في انقلاب الفرض بالمجاورة خمسة اشهر أو ستة اشهر (1). والجواب عنها: انه لا عامل بها اصلا على انها معارضة بالصحيحين المتقدمين (صحيحة زرارة وصحيحة عمر بن يزيد) مضافا إلى ان ما دل على خمسة اشهر ضعيف بالارسال. (1) الصورة الثالثة: وهي ما إذا اقام البعيد في مكة لقصد التوطن وكانت استطاعته بعد ذلك فوظيفته حج الافراد أو القران من اول الامر - اي بلا حاجة إلى مضي سنتين - وذلك لانه يصدق عليه انه من اهالي مكة بعد مرور شهر ونحوه مما يصدق معه عرفا ان البلد وطنه، فما دل على انه لا متعة لاهل مكة يشمل المقيم بقصد التوطن لعدم احتمال اختصاص هذه الادلة بسكنة مكة الاصليين. واما الصحيحتان المتقدمتان الدالتان على انقلاب الفرض إلى الافراد


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب اقسام الحج ح 5 و 3.

[ 235 ]

[ وكذلك الحال فيمن قصد التوطن في غير مكة من الاماكن التي يكون البعد بينها وبين المسجد الحرام اقل من ستة عشر فرسخا (1). (مسألة 146): إذا اقام في مكة وكانت استطاعته في بلده أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه إلى حج الافراد، أو القران فالاظهر جواز احرامه من ادنى الحل وان كان الاحوط ان يحج إلى احد المواقيت والاحرام منها العمرة التمتع، بل الاحوط ان يخرج إلى ميقات اهل بلده (2) ] أو القران فيما إذا تجاوزت مدة الاقامة سنتين فلا تشملان المتوطن لاختصاصهما بالمجاور الرابعة: ما إذا قصد التوطن في مكة ولكنه كان مستطيعا للحج في بلده قبل قصد التوطن فوظيفته حج التمتع لانه كان مكلفا بالتمتع قبل ذلك ولا موجب لانقلاب فرضه من التمتع إلى الافراد فان مقتضى الاطلاقات من الآية والروايات - كما عرفت - وجوب حج التمتع على جميع المكلفين خرج من ذلك اهالي مكة ونحوهم والقدر المتيقن في الخروج عن المطلقات من استطاع بعد توطنه واما في غير ذلك فهو باق تحت المطلقات الدالة على التمتع (1) لعدم الفرق بين مكة وبين البلاد التي تكون محكومة بحكم مكة (2) قد عرفت في المسألة السابقة ان المقيم في مكة قد يجب عليه

[ 236 ]

حج التمتع كما إذا كانت استطاعته في بلده قبل مجاورته في مكة أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه إلى الافراد كما إذا استطاع قبل السنتين ففي هاتين الصورتين يجب عليه التمتع ويجب عليه الخروج لاحرام عمرة التمتع بلا خلاف ولكن الخلاف وقع في تعيين ميقاته الذي يجب الاحرام منه، والاقوال في ذلك ثلاثة. الاول: ان ميقاته ميقات اهل بلده ومهل ارضه فيجب عليه الخروج إلى ذلك الميقات ويحرم منه، ذهب إليه جماعة كالمحقق في غير الشرائع والعلامة وغيرهما. الثاني: انه احد المواقيت المخصوصة المعروفة على سبيل التخير بينهما فيجوز للعراقي ان يحرم من ميقات الشامي وبالعكس ولا يلزمه ان يحرم من ميقات اهله، واليه ذهب جماعة آخرين كالمحقق في الشرائع وكالشهيدين. الثالث: ما نقل عن الحلبي وتبعه بعض متأخري المتأخرين كالمحقق الاردبيلي واستحسنه السبزواري في الكفاية واحتمله قويا صاحب المدارك وهو ان ميقاته ادنى الحل وان حاله حال المعتمر مفردة وهو في مكة فلا حاجة إلى الخروج إلى المواقيت المخصوصة. اقول: يقع البحث تارة: فيما يقتضيه القاعدة: واخرى: فيما يقتضيه النصوص الخاصة. اما القاعدة المستفادة من الروايات العامة فمقتضاها لزوم الاحرام من المواقيت المعروفة التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكل قطر من الاقطار فلاهل الشام الجحفة ولاهل اليمن يلملم ولاهل

[ 237 ]

المدينة مسجد الشجرة وهكذا، فالواجب عليهم والاحرام من هذه المواقيت كل بحسب ميقاته. نعم هناك روايات تدل على ان كل من مر بميقات احرم منه وان لم يكن من اهل ذلك ولا يلزم ان يحرم من ميقات بلده خاصة (1). الا انه وقع الكلام في ان هذه الروايات هل تشمل المجاور في مكة ويريد الحج منها، ام تختص بمن يريد الحج من خارج مكة. ودعوى: انصراف هذه الاخبار عمن يريد الحج من مكة واختصاصها بمن يريد الحج من خارج مكة لصدق المرور على الميقات على من كان خارجا من مكة واراد الحج واما من كان مجاورا في مكة فلا يصدق عليه المرور على الميقات فلابد له ان يحرم من ميقات بلده. فاسدة: إذ لا موجب لدعوى الانصراف وذلك لصدق المرور على الميقات على من يقصد الحج من مكة أيضا بان يخرج المقيم في مكة إلى احد المواقيت فيحرم منه فانه يصدق عليه حينئذ انه مر على الميقات واجتازه. فالظاهر شمول هذه الروايات لمن جاور مكة أيضا. وبالجملة: لو كنا نحن وهذه الروايات ولم تكن رواية خاصة واردة في حكم المقيم لالتزمنا بجواز الاحرام من اي ميقات شاء على سبيل التخيير. هذا كله بالنظر إلى ما تقتضيه القاعدة المستفادة من الروايات العامة. واما بالنظر إلى الروايات الخاصة الواردة في المقام فالمستفاد من بعضها - كموثقة سماعة (عن المجاور أله ان يتمتع بالعمرة إلى الحج؟


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب المواقيت.

[ 238 ]

قال: نعم يخرج إلى مهل ارضه فيلبي ان شاء) (1) لزوم الخروج إلى ميقات بلده ومهل ارضه، ولو تمت هذه الطائفة لكانت مخصصة لما دل على كفاية الاحرام من اي ميقات شاء باعتبار اطلاق تلك الادلة من حيث حج المقيم وحج الخارج واختصاص هذه الموثقة بالمجاور. ولكن دلالة الموثقة على وجوب الخروج إلى ميقات بلده مخدوشة. لتعليق الوجوب على مشيته وذلك ظاهر في عدم الوجوب وإلا فلا معنى لتعليق الحكم الوجوبي بمشيته. وعلى فرض دلالتها على الوجوب فمعارضة بروايات اخر تدل على عدم تعيين ميقات خاص كموثقة اخرى لسماعة (فان هو احب ان يتمتع في اشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق، أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بالعمرة إلى الحج فان هو احب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها) (2) والمستفاد منها جواز الاحرام من الخارج من اي ميقات شاء إذ لا تحتمل خصوصية لذات عرق أو عسفان. فيظهر بذلك ضعف مستند القول الاول. ثم ان الجهل بموضع ذات عرق أو عسفان وانه قبل الميقات أو بعده غير ضائر في استفادة التخيير منها لان المتفاهم منها عدم تعين ميقات خاص له وجواز الاحرام من اي ميقات شاء. وبما ذكرنا ظهر صحة القول الثاني وهو جواز الاحرام من المواقيت على سبيل التخيير. واما الاحرام من ادنى الحل فتدل عليه جملة من النصوص. منها: صحيح الحلبي، (قال: سألت أبا عبد الله (ع) لاهل


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب اقسام الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب اقسام الحج ح 2.

[ 239 ]

مكة ان يتمتعوا؟ قال: لا قلت: فالقاطنين بها، قال: إذا اقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع اهل مكة، فإذا اقاموا شهرا فان لهم ان يتمتعوا، قلت: من اين؟ قال: يخرجون من الحرم قلت: من اين يهلون بالحج؟ فقال: من مكة نحوا ممن يقول الناس) (1). ومنها: موثقة سماعة الواردة في المجاور بمكة - في حديث - من دخلها بعمرة في غير اشهر الحج ثم اراد ان يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها) (2) فانها واضحة الدلالة في الخروج إلى ادنى الحل والاحرام منه، وهذه الطائفة من الروايات مستندة القول الثالث وهو الاحرام من ادنى الحل. فيقع الكلام في الجمع بين هذه الطائفة والروايات السابقة. التي استفدنا منها التخيير. فنقول: ان التزمنا بان اعراض المشهور عن الرواية موجب لسقوطها عن الحجية فهذه الطائفة ساقطة لان المشهور لم يلتزموا بمضمونها وان لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا - مضافا إلى انه قد عمل بها جماعة من المتأخرين - فمقتضى الجمع بين جميع الروايات هو جواز الاحرام من جميع المواقيت ومن ادنى الحل على سبيل التخيير. بيان ذلك. ان موثق سماعة الدال على الخروج إلى ميقات بلده ظاهر في الوجوب ولكنه يحمل على الاستحباب بقرينة صحيحة الحلبي الدالة على جواز الاحرام من ادنى الحل وكذلك الحال بالنسبة إلى موثق سماعة الدال على جواز الاحرام من الجعرانة.


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب اقسام الحج ح 3. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب اقسام الحج ح 2.

[ 240 ]

فالنتيجة: هي جواز الاحرام من جميع هذه الموارد ولو من ادنى الحل ولكن الافضل ان يخرج إلى احد المواقيت وافضل منه الخروج إلى ميقات اهل بلده.

[ 241 ]

[ حج التمتع (مسألة 147): يتألف هذا الحج من عبادتين تسمى اولاهما بالعمرة والثانية بالحج (1)، وقد يطلق حج التمتع على الجزء الثاني منهما، ويجب الاتيان بالعمرة فيه قبل الحج (2). ] (1) هذا مما لا اشكال ولاريب فيه اصلا، ويستفاد ذلك من قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) (1). ومن جملة من النصوص الكثيرة المذكورة في ابواب متفرقة. منها: الروايات المبينة لكيفية حج التمتع (2). ومنها: الروايات الدالة على وجوب حج التمتع على البعيد (3). ومنها: الروايات الدالة على ارتباط العمرة بالحج، وان العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة وغير ذلك من الروايات (4). (2) يستفاد ذلك من الروايات الواردة في كيفية حج التمتع وغيرها


(1) سورة البقرة الآية 196. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب اقسام الحج. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب اقسام الحج. (4) راجع هذه الروايات في باب 2 من أبواب اقسام الحج وباب 22 من أبواب اقسام الحج وباب 5 و 7 من أبواب العمرة.

[ 242 ]

[ (مسألة 148): تجب في عمرة التمتع خمسة أمور: الامر الاول: الاحرام من أحد المواقيت وستعرف تفصيلها. الامر الثاني: الطواف حول البيت. الامر الثالث: صلاة الطواف. الامر الرابع: السعي بين الصفا والمروة. الامر الخامس: التقصير، وهو اخذ شئ من الشعر ] التي اشرنا إليها وهي كثيرة جدا: منها: صحيحة زرارة (قال: قلت لابي جعفر (ع) كيف اتمتع؟ فقال: تأتي الوقت فتلبي بالحج فإذا أتى مكة طاف وسعى واحل من كل شئ وهو محتبس ليس له أن يخرج من مكة حتى يحج) (1). ومنها: صحيحة اخرى له (كيف اتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبي بالحج فإذا دخلت مكة طفت بالبيت وصليت ركعتين خلف المقام وسعيت بين الصفا والمروة وقصرت واحللت من كل شئ وليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج) (2) على ان ذلك امر متسالم عليه عند الاصحاب.


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 5. (2) الوسائل: باب 22 من أبواب الاحرام ح 3.

[ 243 ]

[ أو الاظفار فإذا اتى المكلف بهذه الاعمال الخمسة خرج من احرامه وحلت له الامور التي كانت قد حرمت عليه بسبب الاحرام (1). (مسألة 149): يجب على المكلف ان يتهيأ لاداء وظائف الحج فيما إذا قرب منه اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام (2). وواجبات الحج ثلاثة عشر وهي كما يلي. (1) الاحرام من مكة على تفصيل يأتي. (2) الوقوف في عرفات بعد مضي ساعة من ظهر اليوم التاسع أو من نفس الظهر من ذي الحجة الحرام إلى المغرب وتقع عرفات على بعد اربعة فراسخ من مكة. (3) الوقوف في المزدلفة يوم العيد الاضحى من الفجر إلى طلوع الشمس وتقع المزدلفة بين عرفات ومكة. (4) رمي جمرة العقبة في منى يوم العيد. (5) النحر أو الذبح في منى يوم العيد. (6) الحلق أو اخذ شئ من الشعر أو الظفر في منى وبذلك يحل له ما حرم عليه من جهة الاحرام ما عد النساء ] (1) سيأتي شرح هذه الامور في مواضعها (إن شاء الله تعالى). (2) وجوبا عقليا مقدميا.

[ 244 ]

[ والطيب بل الصيد على الاحوط. (7) طواف الزيارة بعد الرجوع إلى مكة. (8) صلاة الطواف. (9) السعي بين الصفا والمروة، وبذلك يحل الطيب أيضا. (10) طواف النساء. (11) صلاة طواف النساء وبذلك تحل النساء أيضا، (12) المبيت في منى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر بل ليلة الثالث عشر في بعض الصور كما سيأتي. (13) رمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر بل في اليوم الثالث عشر أيضا فيما إذا بات المكلف هناك على الاحوط (1). (مسألة 150): يشترط في حج التمتع امور: (1) النية بان يقصد الاتيان بحج التمتع بعنوانه، فلو نوى غيره أو تردد في نيته لم يصح حجه (2). ] (1) سنذكر تفصيل ذلك كل في موارده ان شاء الله تعالى. (2) لان انواع الحج حقائق مختلفة لا تتعين الا بالنية والقصد إلى نوع خاص، كما انه يعتبر فيه قصد القربة أيضا لانه عبادي لا يحصل الامتثال الا بذلك. هذا مضافا إلى دلالة النص على اعتبار النية كصحيحة البزنطي

[ 245 ]

[ (2) ان يكون مجموع العمرة والحج في اشهر الحج فلو اتى بجزء من العمرة قبل دخول شوال لم تصح العمرة (1). (3) ان يكون الحج والعمرة في سنة واحدة فلو اتى بالعمرة واخر الحج إلى السنة القادمة لم يصح التمتع (2). ولا فرق في ذلك بين ان يقيم في مكة إلى السنة القادمة وان يرجع إلى اهله ثم يعود إليها، كما لا فرق بين ان يحل من احرامه بالتقصير وان يبقى محرما إلى السنة القادمة (3). (4) ان يكون احرام حجه من نفس مكة مع الاختيار (4). ] (عن رجل متمتع كيف يصنع؟ قال: ينوي العمرة ويحرم بالحج) وفي صحيحة اخرى له (كيف اصنع إذا اردت ان أتمتمع؟ فقال: لب بالحج وانوا المتعة). (1) لنصوص منها: صحيحة عمر بن يزيد (ليس تكون متعة إلا في اشهر الحج). (3) تقدم البحث عن ذلك في مسألة - 139 - في بيان المائز بين العمرة المفردة وعمرة التمتع. (3) لاطلاق الادلة القاضية بالاتيان بهما في سنة واحدة ولا يظهر منها الفرق المذكور. (4) للاجماع والاخبار،


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب الاحرام ج 1 و 4. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب اقسام الحج ح 1.

[ 246 ]

[ وافضل مواضعه المقام أو الحجر (1) ] منها: صحيح الحلبي (قلت: من اين يهلون بالحج؟ فقال من مكة نحوا ممن يقول الناس) (1). ومنها: صحيح عمرو بن حريث الصيرفي (قال قلت لابي عبد الله (ع): وهو بمكة من اين اهل بالحج؟ فقال: ان شئت من رحلك وان شئت من المسجد وان شئت من الطريق) (2). وحيث ان السؤال والجواب كانا في مكة فيعلم ان المراد بالرحل رحله الملقى في مكة كما ان المراد من الطريق ازقة مكة وشوارعها وطرقها. وسيأتي (ان شاء الله) ان الاحوط لزوما الاحرام من بلدة مكة القديمة. (1) كما في صحيحة معاوية بن عمار (قال: إذا كان يوم التروية ان شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم (ع) أو في الحجر فاحرم بالحج) (3) ثم ان هنا رواية معتبرة ربما يستفاد منها جواز الاحرام بالحج من خارج مكة، وهي صحيحة اسحاق بن عمار (قال: سألت أبا الحسن (ع) عن المتمتع يجئ فيقضي متعة ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة والى ذات عرق أو إلى بعض المعادن، قال:


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب اقسام الحج ح 3. (2) التهذيب: ج 5 ص - 477 - وفي الوسائل: باب 21 من المواقيت ح 2. (3) الوسائل: باب 21 من المواقيت ح 1 وباب 52 من أبواب الاحرام ح 1.

[ 247 ]

يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج، قلت: فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه، قال: كان أبي مجاورا ههنا فخرج يتلقى (ملتقيا) بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق احرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج) (1). ومحل الاستشهاد قوله: احرم من ذات عرق بالحج. والجواب عن ذلك: ان الرواية مضطربة المتن لا يمكن الاعتماد عليها لعدم ارتباط الجواب بالسؤال، لان السائل سأل اولا عن المتمتع إذا خرج من مكة إلى المدينة أو إلى ذات عرق، فأجاب (ع) بانه يرجع إلى مكة بعمرة إذا دخل في غير (الشهر الذي تمتع فيه فالسؤال والجواب ناظران إلى الفصل بين العمرتين وان المعتبر لزوم العمرة ثانيا إذا كان الفصل بشهر، ثم سأل السائل ثانيا بانه دخل في نفس الشهر الذي خرج فيه فهل تلزمه العمرة مرة ثانية؟ فأجاب (ع) كان أبي مجاورا ههنا فخرج متلقيا واحرم من ذات عرق بالحج فان هذا الجواب لا يرتبط بالسؤال لان السؤال كان عن العمرة ثانيا والجواب بان اباه (ع) دخل من ذات عرق محرما بالحج. لا يناسب السؤال. ومما يوجب اضطراب المتن وتشويشه ان اباه (ع) إذا كان متمتعا بالحج فكيف خرج قبل الحج وحمله على الاضطرار والحاجة لا شاهد عليه. ثم ان الصادق (ع) متى كان مجاورا في مكة وهل جاور مدة سنتين أو اقل أو اكثر؟


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 8.

[ 248 ]

[ وإذا لم يمكنه الاحرام من نفس مكة احرم من اي موضع تمكن منه (1). ] مضافا إلى ذلك كله ان الرواية مخالفة للمتسالم عليه بين الاصحاب فلابد من رد عليها إلى اهلها. (1) هذا الحكم بخصوصة لم يرد فيه نص خاص ولكن يمكن الاستدلال له مضافا إلى المتسالم بين الاصحاب بالروايات الدالة على ان من ترك الاحرام من الميقات نسيانا أو جهلا يلزمه العود إلى الميقات والاحرام منه فان تعذر فالى ادنى الحل فان تعذر فمن مكانه (1) وموردها وان كان احرام العمرة إلا انه يتعدى إلى احرام الحج باعتبار التعليل بخوف فوت الحج فان المتفاهم من ذلك ان الاحرام من الميقات مشروط بالتمكن من درك الموقف وعدم فوت الحج منه واما إذا خاف الفوت احرم من مكانه. كما انه يمكن استفادة الحكم المذكور من صحيحتي علي بن جعفر الواردتين فيمن اتى الموقف ولم يحرم ناسيا أو جاهلا، ففي الصحيحة الاولى، (سألته عن رجل نسى الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله؟ قال: يقول: (اللهم على كتابك وسنة نبيك) فقد تم احرامه) (1) وفي الصحيحة الثانية (سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه) (2) وظهر منهما


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب المواقيت. (1) و (2) الوسائل: باب 20 من أبواب المواقيت ح 3 و 2.

[ 249 ]

[ (5) ان يؤدي مجموع عمرته وحجه شخص واحد عن شخص واحد فلو استؤجر اثنان لحج التمتع عن ميت أو حي احدهما لعمرته والآخر لحجه لم يصح ذلك، وكذلك لو حج شخص وجعل عمرته عن واحد ] ان شرطية الاحرام من مكة للحج انما هي في حال التمكن. وموردهما وان كان خصوص الناسي والجهل ولكن المتفاهم منهما مطلق العذر. (1) يقع البحث في موردين: احدهما: استيجار شخصين لحج التمتع احدهما لاتيان عمرة التمتع والآخر لاتيان حج التمتع. ثانيهما: ان يحج شخص واحد ولكن يجعل عمرة التمتع لواحد وحج التمتع عن آخر. اما الاول: وهو انقسام العمل الواحد بين شخصين بان يقوم احدهما ببعض الاعمال ويقوم الآخر بالبعض الباقي - فلا ريب في عدم صحته لان كل واحد من العمرة والحج المتمتع بهما مشروع لمن اتى بالآخر ومن لم يات باحدهما لا يشرع له الآخر فان الاحرام لحج التمتع من مكة انما يشرع لمن اتى قبله بالعمرة كما ان عمرة التمتع مشروعة لمن يحرم للحج من مكة كل ذلك يدعو إلى عدم التفكيك بينهما. وان شئت فقل: ان حج التمتع عمل واحد ذات جزئين احدهما العمرة والآخر الحج ولا يصح تقسيم العمل الواحد بين شخصين نظير تقسيم صلاة واحدة بين شخصين. واما الثاني: وهو ما لو حج شخص واحد وجعل عمرته عن شخص

[ 250 ]

وحجه عن آخر، فقد استظهر السيد صاحب العروة جوازه كما يظهر ذلك من صاحب الوسائل حيث قال (ره) (باب جواز نية الانسان عمرة التمتع عن نفسه وحج التمتع عن ابيه) (1) واستندا إلى صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: (سألته عن رجل يحج عن ابيه ايتمتع؟ قال: نعم المتعة له والحج عن ابيه) (2). ولكن الظاهر عدم جواز ذلك أيضا لان المستفاد من النصوص (3) ان حج التمتع عمل واحد وان كان مركبا من العمرة والحج ولكن دخلت العمرة في الحج فكل واحد منهما جزء لواجب واحد وليس لكل واحد منهما امر مستقل وليس كل واحد منهما عمل واجب مستقل حتى يصح جعل احدهما عن شخص وجعل الجزء الآخر عن شخص آخر. ومن الواضح ان العمل الواحد غير قابل للتقسيم التبعيض نظير عدم جواز التبعيض في صلاة واحدة بان يجعل الركعة الاولى عن زيد والركعة الثانية عن عمرو فتقع عمرة التمتع عمن يقع عنه الحج وكذلك العكس ولا يمكن التفريق بينهما. واما صحيح محمد بن مسلم المتقدم الذي استظهر منه الجواز. ففيه: ان الاستدلال به مبني على ان يكون المراد من قوله: (ايتمتع) ومن قوله: (المتعة له) معناه الاصطلاحي الشرعي وهو عمرة التمتع، ولكن الظاهر ان المراد بذلك معناه اللغوي العرفي وهو الالتذاذ.


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب النيابة في الحج. (2) الوسائل: باب 27 من أبواب النيابة في الحج ح 1. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب اقسام الحج.

[ 251 ]

توضيحه: ان الراوي كأنه زعم ان حج التمتع لا يقع عن الميت لانه غير قابل للتمتع والالتذاذ بالنساء والطيب في الفصل بين العمرة والحج ولذا سأل الامام (ع) عن ان النائب الذي يحج عن ابيه هل يحج عنه حج التمتع مع ان المنوب عنه ميت - كما هو ظاهر السؤال - والميت غير قابل للالتذاذ والتمتع فأجاب (ع) بجواز ذلك وان الحج يقع عن الميت والالتذاذ والمتعة للنائب ولا يلزم تتحقق الالتذاذ لمن يقع عنه الحج. ومع قطع النظر عما ذكرنا فلا اقل من اجمال الرواية ولا تكون ظاهرة فيما استظهره السيد في العروة فلا يمكن الاستدلال بها على جواز التفريق. ثم ان الذي استظهرناه من صحيح محمد بن مسلم يظهر من الصدوق أيضا لقوله: في عنوان الباب (باب المتمتع عن ابيه) (1)، وصرح بهذا المعنى أيضا المجلسي الاول في كتاب روضة المتقين فقد قال - رحمه الله -: عند شرحه لصحيح محمد بن مسلم - (مع انه لا فائدة للاب في التمتع لانه لا يمكن له التمتع بالنساء والطيب والثياب الذي هو فائدة حج التمتع فقال الامام (ع) نعم المتعة له والتمتع بالاشياء المذكورة له والحج عن ابيه) (2). نعم قد استدل على جواز التفريق وجعل العمرة عن شخص والحج عن شخص آخر، بخبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله (ع) (في رجل تمتع عن امه واهل بحجه عن ابيه قال: ان ذبح فهو خير


(1) الفقيه: ج 2 ص 273. (2) روضة المتقين ج 5 ص 65.

[ 252 ]

[ (مسألة 151): إذا فرغ المكلف من اعمال عمرة التمتع وجب عليه الاتيان باعمال الحج ولا يجوز له الخروج من مكة لغير الحج، الا ان يكون خروجه لحاجة ولم يخف فوات اعمال الحج، فيجب - والحالة هذه - ان يحرم للحج من مكة ويخرج لحاجته، ثم يلزمه ان يرجع إلى مكة بذلك الاحرام ويذهب منها إلى عرفات، وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى مكة ذهب إلى عرفات من مكانه (1). ] له وان لم يذبح فليس عليه شئ لانه انما تمتع عن امه واهل بحجه عن ابيه) (1) وهو صريح في جواز التفريق. والخبر معتبر وليس في السند من يغمز فيه إلا صالح بن عقبة لعدم توثيقه في كتب الرجال ولكن الرجل ثقة عندنا لانه من رجال كامل الزيارات وتفسير علي بن ابراهيم. فلا ريب في جواز الاخذ به. وحيث ان الخبر مخالف لما تقتضيه القاعدة فلابد من الاقتصار على مورده وعدم التعدي عنه وهو الاقتصار على جواز التفريق في خصوص حج التمتع عن ابيه وامه بان يجعل عمرة التمتع عن امه والحج عن ابيه ولا نلتزم بجواز التفريق مطلقا ولو عن غير امه وابيه. (1) الاشهر بل المشهور بين العلماء عدم جواز الخروج من مكة للمتمتع بعد الاحلال من عمرة التمتع قبل ان يأتي بالحج إلا إذا كان خروجه لضرورة أو لحاجة فيجب عليه ان يحرم للحج فيخرج محرما


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب الذبح ح 5.

[ 253 ]

به ويلزمه الرجوع إلى مكة ثم يتوجه إلى عرفات فان رجع إلى مكة في الشهر الذي خرج فيه فيذهب إلى الحج من دون احرام جديد وان رجع في غير شهره يحرم من جديد لعمرته ونقل عن ابن ادريس (ره) انه لا يحرم ذلك بل يكره بل ذكر السيد في العروة انه لا كراهة فيما إذا علم بعدم فوت الحج منه ويدل على ما ذهب إليه المشهور اخبار كثيرة. منها: صحيحة حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (ع) قال: من دخل مكة متمتعا في اشهر الحج لم يكن له ان يخرج حتى يقضي الحج فان عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما ودخل ملبيا بالحج فلا يزال على احرامه فان رجع إلى مكة رجع محرما ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على احرامه) (1) ومنها: صحيحة زراره، عن أبي جعفر (ع) (قال: قلت له كيف أتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبي (إلى ان قال:) وليس لك ان تخرج من مكة حتى تحج) (2): ومنها: صحيحة اخرى له نحوها (3): وغير ذلك من الروايات وهي صحيحة السند وواضحة الدلالة على الحكم المذكور. ولكن السيد صاحب العروة اختار جواز الخروج محلا تبعا لابن ادريس والعلامة في المنتهى، واستدل على ذلك بوجوه بها رفع اليد


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ج 6 و 1 و 5.

[ 254 ]

عن ظهور الروايات في المنع. الاول: ان التعبير بقوله (لا احب) في صحيح الحلبي (وما احب ان يخرج منها الا محرما (1) ظاهر في الجواز مع الكراهة. وبذلك رفع اليد عن ظهور بقية الروايات في الحرمة. ويرد: بان كلمة (لااحب) غير ظاهرة في الجواز مع الكراهة بل المراد بها مطلق المبغوضية وذلك يجتمع مع الحرمة، وقد استعملت كلمة (لا احب) في الموارد المبغوضة في القرآن المجيد كقوله تعالى (والله لا يحب الفساد) (لا يحب الله الجهر بالسوء) وغير ذلك من الآيات. الثاني: مرسلة الصدوق (إذا اراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا ان يعلم انه لا يفوته الحج) (2) فان المتفاهم من ذلك ان المنع عن الخروج لاحتمال فوت الحج فلو علم بعدم الفوت فلا موجب لحرمة الخروج. وفيه: ان الرواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها. ومنها: خبر ابان (فيخرج محرما ولا يجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة) فانه يدل على ان جواز الخروج وعدمه يدوران مدار فوت الحج وعدمه، ولذا استفاد (ره) من النصوص عدم الكراهة مع علمه بعدم فوت الحج منه لان الظاهر من جميع الاخبار المانعة ان المنع للتحفظ عن عدم ادراك الحج وفوته لكون الخروج في معرض ذلك. والجواب عن ذلك: ان خبر ابان مورده الخروج محرما للحاجة


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 7. (2) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 9.

[ 255 ]

[ وكذلك لا يجوز لمن اتى بعمرة التمتع ان يترك الحج اختيارا ولو كان لحج استحبابيا (1). نعم إذا لم يتمكن من الحج فالاحوط ان يجعلها عمرة مفردة ويأتي بطواف النساء (2). ] فهو اجنبي عن جواز الخروج محلا لا لغير الحاجة الذي هو محل الكلام. مضافا إلى ضعف السند بالارسال من وجهين لان معلى بن محمد يرويه عمن ذكره وابان بن عثمان عمن اخبره. والحاصل: لا يمكن رفع اليد عن تلك الروايات المعتبرة المصرحة بعدم جواز الخروج على الاطلاق بهذه الوجوه الضعيفة. فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من عدم جواز الخروج من مكة بعد عمرة التمتع الا ان يكون خروجه لحاجة فيجب ان يحرم من مكة للحج فيخرج ثم يلزمه ان يرجع إلى مكة بذلك الاحرام ويذهب منها إلى عرفات. وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى مكة ذهب إلى عرفات من مكانه كما في النصوص. (1) لاطلاق الروايات المتقدمة الدالة على انه لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة بعد الاتيان بعمرة التمتع وانه مرتهن ومحتبس بالحج. ونص على ذلك الشيخ وجملة من الاصحاب. (2) لا ريب في ان مقتضى القاعدة سقوط الحج عنه لفرض عدم التمكن منه، واما ما دل من النصوص الكثيرة على تبدل حجه إلى عمرة مفردة (1) فلا تشمل المقام لان مورد جميعها من احرم للحج ولم


(1) الوسائل: باب 22 و 23 و 27 من أبواب الوقوف بالمشعر.

[ 256 ]

[ مسألة 152): كما لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة بعد تمام عمرته كذلك لا يجوز له الخروج منها في اثناء العمرة (1) فلو علم المكلف قبل دخول مكة باحتياجه إلى الخروج منها كما هو شأن الحملدارية فله ان يحرم - اولا - بالعمرة المفردة لدخول مكة فيقضي اعمالها ثم يخرج لقضاء حوائجه ويحرم ثانيا لعمرة التمتع ولا يعتبر في صحته مضي شهرين من عمرته الاولى كما مر. ] يدرك الموقف وفاته الحج، واما من لم يرم للحج وعجز عن اتيانه فغير مشمول لهذه النصوص، ولكن مع ذلك الاحوط ان يجعل عمرته عمرة مفردة ويأتي بطواف النساء وعليه الحج من قابل ان بقيت استطاعته أو كان الحج مستقرا عليه لاحتمال اطلاق ادلة من فاته الموقفان وشموله للمقام. (1) لا يخفى ان اكثر النصوص الناهية عن الخروج من مكة موردها بعد الانتهاء من اعمال عمرة التمتع واما من كان مشغولا بالعمرة فلا يكون مشمولا لهذه النصوص. ولكن الظاهر عدم الفرق في الحرمة بين الخروج بعد الفراغ من اعمال عمرته وبين الخروج في اثنائها لاطلاق جملة اخرى من النصوص المانعة كصحيحة الحلبي وصحيحة حماد فان موضوع المنع فيهما هو الدخول إلى مكة ولم يفرض فيهما الفراغ من العمرة. ففي صحيح الحلبي (عن الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج يريد

[ 257 ]

[ (مسألة 153): المحرم من الخروج عن مكة بعد ] الخروج إلى الطائف، قال: يهل بالحج من مكة وما احب ان يخرج منها الا محرما) (1). وفي صحيح حماد (من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج فان عرضت له حاجة إلى عسفان - إلى أن قال: - خرج محرما ودخل ملبيا بالحج) (2)، بل يمكن ان يقال: ان موضوع المنع فيهما هو الخروج اثناء العمرة نظرا إلى قوله: (دخل مكة متمتعا) أو قوله: (الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج) فان هذا التعبير ظاهر في الاشتغال بأعمال عمرة التمتع وعدم الفراغ منها خصوصا قوله: (يتمتع) فانه فعل استقبالي يدل على الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف الفعل الماضي فانه يدل على الفراغ من الفعل كما هو كذلك في ساير موارد الاستعمالات فإذا قيل رجل يصلي وهو كذا يراد الاشتغال بالصلاة وبالجملة: لا فرق في عدم جواز الخروج بين الخروج بعد الاحلال من عمرة التمتع أو قبل الاحلال منها في أثناء العمرة. ولذا لو علم الحاج قبل دخوله مكة باحتياجه إلى الخروج منها كما هو شأن الحملدارية فطريق تخلصه من حرمة الخروج ما ذكره في المتن وقد عرفت في مسألة (137) عدم اعتبار الفصل بين العمرة المفردة وعمرة التمتع.


(1) و (2) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 7 و 6.

[ 258 ]

[ الفراغ من اعمال العمرة أو اثنائها انما هو الخروج عنها إلى محل آخر، ولا بأس بالخروج إلى اطرافها وتوابعها، عليه فلا بأس للحاج ان يكون منزله خارج البلد فيرجع إلى منزله اثناء العمرة أو بعد الفراغ منها (1) ] (1) اختلف الاصحاب في القدر الممنوع عنه من الخروج من مكة بعد العمرة وقبل الحج. ذهب السيد في العروة: إلى اختصاص المنع بالخروج إلى المواضع البعيدة فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين. ونسب إلى جماعة تحديد مقدار المنع بما زاد عن الحرم واما الخروج إلى ما دون الحرم فلا بأس به. والمحقق النائيني ذكر في حاشيته على العروة وفي مناسكه ان العبرة بالمسافة الشرعية فالخروج بمقدارها ممنوع وأما دون ذلك فلا بأس به وادعى أن التحديد بمقدار الحرم غير صحيح لان مقدار الحرم مختلف من جهات مكة فلا يصح التقدير به. والظاهر: أن شيئا مما ذكر غير تام لان موضوع المنع في الروايات المانعة عن الخروج هو الخروج من مكة فما صدق عليه مكة لا يجوز الخروج منه سواء خرج من الحرم أم لا وسواء بلغ حد المسافة أم لا. نعم لا يبعد جواز الخروج إلى ضواحي مكة وتوابعها لعدم صدق الخروج من مكة بهذا المقدار. على ان التحديد بالمسافة الذي ذكره المحقق النائيني أيضا يختلف فلا

[ 259 ]

[ (مسأله 154) إذا خرج من مكة بعد الفراغ من اعمال العمرة من دون احرام، وتجاوز الميقات ففيه صورتان (الاولى): ان يكون رجوعه قبل مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة يلزمه الرجوع إلى مكة بدون احرام فيحرم منها للحج ويخرج إلى عرفات. الثانية: ان يكون رجوعه بعد مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة تلزمه اعادة العمرة (1). ] يصح التقدير بها، وذلك لان المسافر إذا كان عازما على العود يكفي الذهاب بمقدار اربعة فراسخ في الحكم بالقصر لان مجموع سيره ذهابا وإيابا يبلغ حد المسافة الشرعية وأما إذا لم يكن عازما على العود فلا يكفي السير اربعة فراسخ فاختلف الحكم حسب اختلاف الخارجين. (1) ما حكم به في هاتين الصورتين مما دل عليه صحيحة حماد صريحا (قال (ع): من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له ان يخرج حتى يقضي الحج (إلى ان قال:) قلت: فان جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير احرام ثم رجع في أبان الحج في أشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرما أو بغير إحرام؟ قال: ان رجع في شهره دخل بغير احرام، وان دخل في غير الشهر دخل محرما) (1). ويدل (عليه أيضا معتبرة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجئ فيقضي متعة ثم تبدو له الحاجة


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 6.

[ 260 ]

فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن قال: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج، قلت: فان دخل في الشهر الذي خرج فيه، قال: كان ابي مجاورا ههنا فخرج يتلقي بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق احرم من ذات عرق بالحج وهو محرم بالحج) (1) فان المستفاد منها أن العمرتين لا تصحان في شهر واحد فان كان رجوعه في نفس الشهر الذي وقعت فيه العمرة الاولى فلا حاجة إلى الثانية، وان كان رجوعه في شهر آخر فلابد من عمرة ثانية، ولا يضر بما استفدناه قوله (ع): (كان ابي مجاورا ههنا) حيث يظهر منه عدم ارتباطه بالسؤال. وأما دعوى السيد صاحب العروة ظهور المعتبرة في الاستحباب بقرينة قوله: (لان لكل شهر عمرة) لان العمرة التي هي وظيفة كل شهر ليست واجبة بل هي مستحبة. فيرده اولا: - كما تقدم - ان المعتبرة غير ناظرة إلى الاستحباب أصلا وإنما هي ناظرة إلى اعتبار الفصل بين العمرتين وانه لو دخل في الشهر للذي تمتع فيه دخل بعمرة اخرى بخلاف ما لو دخل في نفس الشهر. وثانيا: ان العمرة المعادة في مفروض الرواية هي عمرة التمتع على ما يظهر من قوله: (لان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج) فان الارتهان بالحج يكشف عن كون العمرة عمرة التمتع وإلا فالمفردة لا توجب الارتهان بالحج.


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 8

[ 261 ]

[ (مسألة 155): من كانت وظيفته حج التمتع لم يجز له العدول إلى غيره من افراد أو قران (1). ويستثنى من ذلك من دخل في عمرة التمتع ثم ضاق وقته فلم يتمكن من اتمامها وادراك الحج فانه ينقل نيته إلى حج الافراد ويأتي بالعمرة المفردة بعد الحج (2). وحد الضيق المسوغ ] ويؤيد الحكم المذكور مرسل ابان بن عثمان (في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم قال: ان رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير احرام فان دخل في غيره دخل باحرام) (1). (1) لان العدول من واجب إلى واجب آخر على خلاف القاعدة ويحتاج إلى دليل خاص. مضافا إلى ان من كانت وظيفته التمتع لا يشرع في حقه الافراد أو القران لا من الاول ولا في الاثناء. (2) بلا اشكال ولا خلاف والنصوص في ذلك متضافرة (2). منها صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل اهل بالحج والعمرة جميعا ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشي ان هو طاف وسعى بين الصفا والمروة ان يفوته الموقف، قال: يدع العمرة فإذا اتم حجه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه) (3).


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب الاحرام ح 4. (2) الوسائل: باب 21 من أبواب اقسام الحج. (3) الوسائل: باب 21 من أبواب اقسام الحج ح 6.

[ 262 ]

[ لذلك خوف فوات الركن من الوقوف الاختياري في عرفات (1). ] (1) وقع الكلام في حد الضيق المسوغ للعدول واختلفوا فيه على أقوال: الاول: خوف فوات الركن من الوقوف الاختياري لعرفات وهو المسمى منه. وهذا القول هو الصحيح ويتضح ذلك بعرض الروايات الواردة في المقام كما سيأتي ان شاء الله تعالى. الثاني: خوف فوت الاختياري من وقوف عرفة وهو من الزوال إلى الغروب. الثالث: فوت الاختياري والاضطراري من عرفة. الرابع: انه إذا زالت الشمس من يوم التروية وخاف فوت الوقوف فله العدول، وان لم يخف الفوت فهو مخير بين العدول والاتمام، حكاه صاحب الجواهر عن بعض متأخري المتأخرين. الخامس: زوال يوم التروية، فان تمكن من اتمام عمرته قبل زوال يوم التروية فهو، والا بطلت متعته ويجعلها حجة مفردة، حكى ذلك عن والد الصدوق والمفيد. السادس: غروب الشمس من يوم التروية اختاره الصدوق في المقنع والحلبي. السابع: ظهر يوم عرفة عن الشيخ في النهاية (1).


(1) هذه الاقوال مذكورة في الجواهر ج 18 ص 29 وذكر القول الرابع في ص 35.

[ 263 ]

ومنشأ الاختلاف اختلاف الاخبار الواردة في المقام وهي على طوائف. فينبغي ان نتكلم أولا فيما تقتضيه القاعدة، وثانيا فيما يقتضيه النصوص، فان لم يكن العمل بها لتعارضها واختلافها فالمرجع حينئذ هو القاعدة. اما الاول: فلا اشكال في ان القاعدة تقتضي عدم جواز العدول عما هو وظيفته إلى غيرها، فمن وجب عليه حج التمتع لا ينتقل فرضه إلى غيره من القسمين الآخرين الافراد والقران الا بدليل خاص. فلو فرضنا انه لم يتمكن من اتيان حج التمتع ابتداء أو اتماما يكشف ذلك عن عدم وجوب حج التمتع عليه من اول الامر والانقلاب إلى غيره يحتاج إلى دليل خاص. وأما الثاني: فاعلم ان الروايات التي دلت عن حد الضيق المسوغ للعدول على أقسام. الاول: ما دل على ان العبرة بخوف فوت الوقوفين كمعتبرة يعقوب بن شعيب الميثمي، قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول لا بأس للمتمتع ان يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوت الموقفين) (1). والرواية كما ذكرنا معتبرة فان اسماعيل بن مرار الواقع في السند ثقة لانه من رجال تفسير علي بن ابراهيم وقد وثق في مقدمة التفسير جميع رواته. ولكن الرواية اجنبية عن المقام لانها واردة في انشاء احرام الحج وفي مقام بيان ان احرام الحج غير موقت بوقت خاص وانه يجوز


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب اقسام الحج ح 5.

[ 264 ]

الاحرام له في اي زمان شاء ما لم يخف فوت الموقفين، وكلامنا فيمن احرم لعمرة التمتع وضاق وقته عن اتمامها. الثاني: ما دل على الاكتفاء بدرك الموقف في الجملة. ويستفاد ذلك من نصوص عديدة. منها: خبر محمد بن مسرور (قال: كتبت إلى ابي الحسن الثالث (عليه السلام) ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وافى غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات أعمرته قائمة أو ذهبت منه إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية، فكيف يصنع؟ فوقع (ع) ساعة يدخل مكة ان شاء الله يطوف ويصلي ركعتين ويسعى ويقصر، ويحرم بحجته ويمضي إلى الموقف ويفيض مع الامام) (1). والمستفاد منه جواز الاكتفاء بدرك موقف عرفة ولو آنا ما فان امره (ع) بالمضي إلى موقف عرفة ليدرك الامام هناك ليفيض معه إلى المشعر مستلزم لدرك موقف عرفة بمقدار المسمى فالرواية واضحة الدلالة على الاجتزاء بالوقوف الركني من موقف عرفة، ولكن الاشكال في السند فان المذكور في السند محمد بن مسرور كما في الوسائل - ومحمد ابن سرو أو محمد بن سرد كما في التهذيب (2) وعلى كل تقدير لم يثبت فيه توثيق. وذكر صاحب المنتقي ان الراوي ليس محمد بن سرد أو سرو، بل هو محمد بن جزك وهو ثقة.


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب اقسام الحج ح 16. (2) التهذيب: ج 5 ص 171.

[ 265 ]

ولكن ما ذكره مجرد ظن لا يمكن الاعتماد عليه و عبد الله بن جعفر وان كان يروى عن محمد بن جزك ولا يكون ذلك قرينة على ان الواقع في السند محمد بن جزك لاحتمال ان عبد الله بن جعفر يروي عمن اسمه محمد بن سرو أو سرد. ومن جملة هذه الروايات صحيحة الحلبي، قال، (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل اهل بالحج والعمرة جميعا ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشي ان هو طاف وسعى بين الصفا والمروة ان يفوته الموقف قال: يدع العمرة فإذا اتم حجه صنع كما صنعت عائشة ولا هدى عليه) (2). ومقتضى اطلاقها ان العبرة في اتمام عمرة التمتع بدرك الموقف في الجملة فمن يفوت منه الموقف بتمامه يعدل إلى الافراد اما من يتمكن من درك الموقف ولو بمقدار المسمى فليس له العدول إلى الافراد. بل يستمر في عمرته. وقد يقال: ان المتفاهم من الصحيحة دوران العدول وعدمه مدار امكان درك الموقف وعدمه والوقوف الواجب انما هو بين الظهر إلى الغروب فلا فرق في فوت الموقف بين كون الفائت واجبا ركنيا أو غيره. والجواب: ان المفروض في الرواية ان الرجل دخل مكة عندما كان الناس بعرفات، فلا يمكن له درك الموقف بتمامه من الظهر إلى الغروب بل يفوت عنه بعض الموقف قطعا عدل ام لم يعدل لان السير من مكة إلى عرفات ابتداءا من الظهر يستغرق زمنا كثيرا يفوت به


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب اقسام الحج ح 6.

[ 266 ]

بعض الموقف عنه فلا معنى لسؤاله من الامام (ع) انه يخشى فوت الموقف فلابد ان يكون سؤاله ناظرا إلى فوت الوقوف الركني فتكون العبرة بخشية فوت الوقت الركني. ومنها: صحيحة جميل عن أبي عبد الله (ع) (قال: المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر) (1). فانها تدل على جواز اتمام عمرة التمتع إلى زوال الشمس من يوم عرفة ولا ريب ان السير من مكة إلى عرفات ابتداءا من الزوال خصوصا في الازمنة السابقة يحتاج إلى زمان لا يقل عن اربع ساعات لان المسافة بين مكة وعرفات اربعة فراسخ تقريبا ولذا تقصر الصلاة في عرفات فلا يدرك المتمتع الموقف بتمامه وانما يدرك الركن منه وهو المسمى، فالرواية تدل على استمراره في عمرته ما لم يفت منه الموقف الركني فيجوز الاكتفاء بالموقف الاختياري الركني فمدلول هذه الرواية تطابق القاعدة المقتضية لصحة الحج إذا ادرك الموقف الركني ولذا حكي عن السيد في المدارك ان الرواية نص في المطلوب. القسم الثالث: الروايات الدالة على التحديد بادراك الناس بمنى والمراد به ليلة عرفة لاستحباب المبيت في منى ليلة عرفة وفي صبيحتها يذهب إلى عرفات. فمنها: صحيحة شعيب العقرقوفي، (قال خرجت انا وحديد فانتهينا إلى بستان يوم التروية فتقدمت على حمار فقدمت مكة فطفت وسعيت واحللت من تمتعي ثم احرمت بالحج وقدم حديد من الليل


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب اقسام الحج ح 15.

[ 267 ]

فكتبت إلى أبي الحسن (ع) استفتيه في أمره فكتب إلى مره يطوف ويسعى ويحل من متعته ويحرم بالحج ويلحق الناس بمنى ولا يبيتن بمكة) (1). ومنها: صحيحة ابن مسلم، (قال: لابي عبد الله (ع) إلى متى يكون للحاج عمرة؟ قال إلى السحر من ليلة عرفة) (2). فان تحديد اتيان العمرة بالسحر من ليلة عرفة يقتضي الالتحاق بالناس بمنى في ليلة عرفة. ومنها صحيحة ابي بصير (قال: قلت لابي عبد الله (ع): المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل ان تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة فقال: ان كانت تعلم انها تطهر وتطوف بالبيت وتحل من احرامها وتلحق الناس بمنى فلتفعل) (3). ورواها أيضا في أبواب الطواف عن محمد بن أبي حمزة عن بعض اصحابه عن أبي بصير وفيها (فيكون طهرها يوم عرفة) (4). والجواب عن هذه الروايات اولا: انه لا قائل بمضمونها. وثانيا: انه يمكن حملها على التقية وثالثا: ان التحديد بادراك الناس بمنى أي: ليلة عرفة باعتبار انه إذا لم يلتحق الحاج الناس بمنى فربما يفوته موقف عرفة لبعد المسافة بين مكة وعرفات لاسيما إذا كان الحاج من الضعفاء أو كانت امرأة وأما إذا ذهب الخاج إلى منى ليلة عرفة يمكنه الوصول إلى


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 20 من أبواب اقسام الحج ح 4 و 9 و 3. (4) الوسائل: باب 84 من أبواب الطواف ح 4.

[ 268 ]

عرفة بسهولة. ورابعا: ان هذه الاخبار معارضة بصحيحة جميل والحلبي اللتين دلتا على ان العبرة بخوف فوت الركن من الوقوف والترجيح معهما لموافقتهما للكتاب والسنة باعتبار ان من كانت وظيفته حج التمتع لا يجوز له العدول إلى الافراد والقران الا بالمقدار المتيقن وهو ما لم يدرك موقف عرفة اصلا. القسم الرابع: ما دل على التحديد بيوم التروية كصحيحة علي بن يقطين (وحد المتعة إلى يوم التروية) (1) وفي بعض الروايات حدد بزوال الشمس من يوم التروية كصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (2) وفي بعضها جعل العبرة بغروب الشمس من يوم التروية كما في صحيحة عيص بن القاسم) (3). والجواب عن هذه الروايات اولا: بانها معارضة بالروايات المتقدمة الدالة على جواز اتيان عمرة التمتع إلى ادراك الناس بمنى أي ليلة عرفة التى يستحب المبيت فيها في منى، بل في بعضها ان الامام (ع) أتى بأعمال عمرة التمتع ليلة عرفة (4). وثانيا: معارضة لصحيحتي الحلبي وجميل الدالتين على ان العبرة بدرك الوقوف الركني لعرفة وهو المسمى منه. ثم ان بعضهم ذهب إلى التخيير بين التمتع والافراد إذا فات زوال يوم التروية أو تمامه وزعم ان ذلك مقتضى الجمع بين النصوص. والجواب عنه: ان كان مراده من التخيير في المسألة الاصولية نظرا


(1) و (2) الوسائل: باب 21 من أبواب اقسام الحج ح 11 و 14. (3) الوسائل: باب 20 من أبواب اقسام الحج ح 10. (4) الوسائل: باب 20 من أبواب اقسام الحج ح 2.

[ 269 ]

[ (مسألة 156): إذا علم من وظيفته التمتع ضيق ] إلى تعارض الاخبار، فيرد عليه ان التخيير في تعارض الاخبار غير ثابت كما بين في علم الاصول، على ان التخيير في المسألة الاصولية وظيفة المجتهد لا العامي فان المجتهد يتخير في الحجية ويفتي على طبق ما اختاره وليس ذلك وظيفة العامي. وان كان مراده من التخيير التخيير في الحكم الفرعي بمعنى ان الجمع العرفي بين الروايات يقتضي ذلك نظير التخيير بين القصر والاتمام. ففيه: انه لا يمكن تطبيق ذلك على ما نحن فيه لان التخيير انما يحكم به فيما إذا كان اطلاق كل من الدليلين ظاهرا في الوجوب التعييني فترفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين بقرينة الامر بالآخر ونتيجة ذلك هي التخيير، ولا يمكن ذلك في المقام لان الاخبار في المقام متعارضة نفيا واثباتا ومعه لا يصح الحمل على التخيير فان بعض الروايات تنفي المتعة إلى يوم عرفة أو إلى ليلة عرفة وبعضها ينفي التمتع إلى الموقف الركني من عرفة - على ما عرفت - ومعه لا مجال للحمل على التخيير. فتلخص: ان حد الضيق المسوغ للعدول من التمتع إلى الافراد أو القران انما هو خوف فوات الركن من الوقوف الاختياري لعرفة وهو المسمى منه استنادا إلى صحيحة الحلبي وصحيحة جميل المتقدمتين وغيرهما. ومن جميع ما ذكرنا يظهر حال بقية الروايات كما يظهر ضعف بقية الاقوال.

[ 270 ]

[ الوقت عن اتمام العمرة، وادراك الحج قبل ان يدخل في العمرة لم يجز له العدول من الاول، بل وجب عليه تأخير الحج إلى السنة القادمة (1). (مسأله 157): إذا احرم لعمرة التمتع في سعة الوقت واخر الطواف والسعي متعمدا إلى زمان لا يمكن الاتيان فيه بهما وادراك الحج بطلت عمرته، ولا يجوز له العدول إلى الافراد على الاظهر (2) لكن الاحوط ان يعدل إليه ويتمها بقصد الاعم من حج الافراد والعمرة المفردة. ] (1) لعدم الدليل على جواز العدول في هذه الصورة، وما دل عليه انما ورد فيمن دخل في عمرة التمتع ثم ضاق وقته عن اتمامها. فمن لم يتمكن من حج التمتع ومن اداء وظيفته من اول الامر لا يجب عليه الحج بل يجب عليه تأخيره حتى يتمكن من أداء ما هو وظيفته. (2) صور المسألة أربع: الاولى: جواز العدول إلى الافراد لاطلاق الروايات الدالة على جواز العدول لشمولها للعامد وغيره وانما يكون العامد آثما في التأخير كما في نظائر المقام من التأخير العمدي ووصول الامر إلى البدل الاضطراري كما إذا اخر الصلاة عمدا حتى ضاق الوقت عن الغسل أو الوضوء فانه يجب عليه التيمم حينئذ وتصح صلاته بلا اشكال وان كان عاصيا في التأخير.

[ 271 ]

والجواب في ذلك: ان مورد الاخبار من كان عاجزا في نفسه ولا اطلاق لها يشمل من كان متمكنا ولكنه بالاختيار جعل نفسه عاجزا، وحيث ان العدول على خلاف القاعدة فاللازم هو الاقتصار على مورد الاخبار، ونتيجته عدم جواز العدول في التعجيز الاختياري. وأما قياس المقام بباب الصلاة كما في المستمسك ففي غير محله لان الصلاة لا تسقط بحال اجماعا قطعيا ويستفاد ذلك مما ورد في المستحاضة من قوله (ع) (لا تدع الصلاة على حال) إذ لا نحتمل الاختصاص بالمستحاضة أو بالنساء فالصلاة لابد من اتيانها بأي نحو كان ولو بتعجيز نفسه اختيارا عن القيام بأدائها كاملة. الثانية: انه يأتي بعمرة التمتع كاملة ويكتفي بالوقوف الاضطراري لعرفة، أو يأتي بالوقوف الاختياري للمشعر أو الوقوف الاضطراري له لان المفروض عدم شموله اخبار العدول للمقام فيتم عمرة التمتع ويأتي بأحد المواقف الثلاثة لاطلاق ما دل على ان من ادرك المشعر فقد تم حجه. وفيه: ان ما دل على الاكتفاء بالوقوف الاضطراري أو الاجتزاء بالوقوف في المشعر وان لم يدرك عرفة اصلا مختص بما إذا كان الاضطرار حاصلا بطبعه وبنفسه ولا يشمل ما إذا جعل نفسه عاجزا اختيارا فالقاعدة تقتضي فساد الحج. الثالثة: ان يجعل عمرته مفردة كمن احرم للحج ولم يدرك المشعر اصلا فان عمرته تبطل ولا يبطل احرامه وهذا أيضا لا دليل عليه. الرابعة: الحكم ببطلان عمرته واحرامه فان الاحرام الصحيح هو الاحرام الذي يتعقبه الطواف في عمله هذا فإذا لم يتعقبه الطواف ولو

[ 272 ]

اختيارا انكشف بطلان احرامه من الاول. ولكن مع ذلك الاحوط العدول بقصد الاعم من اتمامها حج افراد أو عمرة مفردة ولا يكتفي بذلك إذا كان الحج واجبا عليه.

[ 273 ]

[ - حج الافراد - مر عليك ان حج التمتع يتألف من جزئين: هما: عمرة التمتع والحج. والجزء الاول متصل بالثاني والعمرة تتقدم على الحج. اما حج الافراد فهو مستقل في نفسه واجب - كما علمت - على من يكون الفاصل بين منزله وبين مكة اقل من ستة عشر فرسخا وفيما إذا تمكن مثل هذا المكلف من العمرة المفردة وجبت عليه بنحو الاستقلال أيضا. وعليه فإذا تمكن من احدهما دون الآخر وجب عليه ما يتمكن من خاصة وإذا تمكن من احدهما في زمان ومن الآخر في زمان آخر وجب عليه القيام بما تقتضيه وظيفته في كل وقت، وإذا تمكن منهما في وقت واحد وجب عليه - حينئذ - الاتيان بهما، والمشهور بين الفقهاء في هذه الصورة وجوب تقديم الحج على العمرة المفردة وهو الاحوط (1). ] (1) قد ذكرنا في البحث عن العمرة انها واجبة على نحو الاستقلال على كل من استطاع لها خاصة ولو لم يستطع للحج، ولكن الظاهر عدم وجوبها منفردة على من كانت وظيفته حج التمتع، ولم يكن

[ 274 ]

[ (مسألة 158): يشترك حج الافراد مع حج التمتع في جميع اعماله، ويفترق عنه في امور: أولا: يعتبر اتصال العمرة بالحج في حج التمتع ووقوعهما في سنة واحدة - كما مر - ولا يعتبر ذلك في حج الافراد (1) ] مستطيعا له وان استطاع لها. وقد عرفت ان العمرة والحج مرتبطان لا ينفك أحدهما عن الآخر ولا يشرع احدهما الا لمن شرع له الآخر اجماعا ونصا بخلاف حج الافراد فانه يجوز الاتيان بأحد النسكين دون الآخر في التطوع، وكذلك في الواجب إذا استطاع لاحدهما دون الآخر، أو نذر احدهما أو استؤجر لاحدهما دون الآخر فلا يرتبط احدهما بالآخر. ولو استطاع لهما في سنة واحدة وجب الاتيان بهما. وقد وقع الخلاف في تقديم أي منهما على الآخر، والمعروف بين الفقهاء لزوم تقديم حج الافراد على العمرة، وبذلك يمتاز عن حج التمتع بلزوم تقديم العمرة على حجه، وقد ادعي على ذلك الاجماع وأما النصوص فلا يستفاد منها لزوم تأخر العمرة عن حج الافراد، ولذا لا ريب ان الاحوط خروجا عن مخالفة الفقهاء تقديم الحج على العمرة المفردة. (1) تقدم تفصيل ذلك في المسألة 139 ففي حج الافراد لا يشترط ذلك إلا من قبل المكلف كما إذا استطاع لهما في سنة واحدة، أو نذر الاتيان بهما في سنة واحدة، أو استؤجر عليهما في سنة واحدة.

[ 275 ]

[ ثانيا: يجب النحر أو الذبح في حج التمتع - كما مر - ولا يعتبر شئ من ذلك في حج الافراد (1). ثالثا: لا يجوز تقديم الطواف والسعي على الوقوفين في حج التمتع مع الاختيار ويجوز ذلك في حج الافراد (2). ] وثبوت الفورية في الاتيان بالعمرة لا يقتضي التوقيت ولافساد الحج بتأخير العمرة عنه وانما يأثم بتأخير العمرة إذا كان مستطيعا لها. (1) اما وجوب الهدي على المتمتع فامر مسلم نطق به الكتاب العزيز ودلت عليه النصوص على ما سيأتي (ان شاء الله تعالى). وأما عدم وجوبه على المفرد للحج فللتصريح به في بعض الروايات المعتبرة كصحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: المفرد للحج عليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام ابراهيم وسعي بين الصفا والمروة وطواف الزيارة وهو طواف النساء وليس عليه هدي ولا اضحية). (2) اما عدم جواز تقديمهما على الوقوفين في حج التمتع فيأتي في المسألة 412 (ان شاء الله تعالى). وأما جواز تقديمهما في حج الافراد فهو قول الاكثر ويدل عليه الاخبار الكثيرة المعتبرة. منها: صحيحة حماد بن عثمان قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن مفرد الحج أيعجل طوافه أو يؤخره؟ قال: هو والله سواء


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب اقسام الحج ح 13.

[ 276 ]

[ رابعا: ان احرام حج التمتع يكون بمكة واما الاحرام في حج الافراد فهو من احد المواقيت الآتية (1). خامسا: يجب تقديم عمرة التمتع على حجه، ولا يعتبر ذلك في حج الافراد (2). سادسا: لا يجوز بعد احرام حج التمتع الطواف المندوب على الاحوط الوجوبي ويجوز ذلك في حج الافراد (3) ] عجله أو أخره) (1). (1) محل الاحرام لحج التمتع بطن مكة على ما سيأتي في بحث المواقيت في المسألة 162 وفي المسألة 361. وأما المفرد للحج فمحل احرامه احد المواقيت الاتية لان من اتى على ميقات لزمه الاحرام منه ولا يجوز لمن يريد النسك المرور من الميقات بدون الاحرام منه نعم لو كان منزله دون الميقات فمنزله ميقاته ولا يجب عليه ان يذهب إلى الميقات كما انه لو كان من اهل مكة احرم منها كالمتمتع. (2) اما لزوم تقديم العمرة على الحج في التمتع فقد تقدم وجهه في المسألة 147. وأما في حج الافراد فقد عرفت ان المشهور بين الفقهاء تقديم الحج على العمرة المفردة وان كان لا دليل عليه ولكنه احوط. (3) اما حكم الطواف المندوب بعد احرام حج التمتع فنذكره في المسألة 364.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب اقسام الحج ح 1.

[ 277 ]

[ (مسألة 159): إذا احرم لحج الافراد - ندبا - جاز له ان يعدل إلى عمرة التمتع - إلا فيما إذا لبى بعد السعي فليس العدول حينئذ إلى التمتع (1). ] وأما جواز الطواف المندوب للمفرد إذا دخل مكة قبل الاتيان باعمال الحج فالظاهر انه لا خلاف فيه ويدل عليه من الاخبار ما دل على رجحان الطواف في كل زمان ولا منع في البين فمقتضى الاصل هو الجواز ولا معارض له والمنع انما يختص باحرام حج التمتع واستدل على ذلك في الحدائق بحسنة معاوية بن عمار (قال، سألته عن المفرد للحج، هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال: نعم ما شاء) (1) فتأمل. (1) لا خلاف بين العلماء في انه يجوز لمفرد الحج الذي تجوز له المتعة إذا دخل مكة ان يعدل إلى التمتع اختيارا، وقد ادعي عليه الاجماع وتدل عليه عدة من النصوص ادعى صاحب الجواهر تظافرها أو تواترها. منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل لبى بالحج مفردا، ثم دخل مكة وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، قال: فليحل وليجعلها متعة الا ان يكون ساق الهدي فلا يستطيع ان يحل حتى يبلغ الهدي محله) (2).


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب اقسام الحج ح 2. (2) الوسائل: باب 22 من أبواب الحرام ح 5.

[ 278 ]

واستدل صاحب الجواهر (1) باخبار حجة الوداع التي امر النبي (صلى الله عليه وآله) فيها من لم يسق هديا من اصحابه بذلك حتى قال صلى الله عليه وآله: (انه لو استقبلت من امرى ما استدبرت لم اسق هديا). وربما يشكل على هذا الاستدلال: بان الظاهر منها ان هذا العدول على سبيل الوجوب حيث انه نزل جبرئيل (ع) بوجوب التمتع على أهل الافاق وكلامنا فيمن تجوز له المتعة والافراد. والجواب: ان امره (صلى الله عليه وآله) جميع اصحابه بذلك مع القطع بأن منهم من ادى حجة الاسلام الذي يجوز له الانواع الثلاثة من الحج، اوضح شئ في الدلالة على المطلوب ولا ينافيه شموله لمن وجب عليه الحج كأكثر الاصحاب الذين كانوا معه (صلى الله عليه وآله وسلم). وعلى كل حال لا اشكال ولا خلاف في اصل جواز العدول فما عن أبي علي من اشتراط العدول بالجهل بوجوب العمرة لا شاهد له اصلا. نعم يشترط العدول بعدم وقوع التلبية بعد طوافه وسعيه لموثق اسحاق ابن عمار، (قال: قلت لابي عبد الله (ع): رجل يفرد الحج فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يبدو له ان يجعلها عمرة قال: ان كان لبى بعد ما سعى قبل ان يقصر فلا متعة له) (2).


(1) الجواهر: ج 18 ص 71. (2) الوسائل: باب 19 من أبواب اقسام الحج ح 1.

[ 279 ]

[ (مسألة 160): إذا احرم لحج الافراد ودخل مكة جاز له ان يطوف بالبيت ندبا، ولكن يجب عليه التلبية، بعد الفراغ من صلاة الطواف على الاحوط (1). ] والرواية معتبرة واضحة الدلالة وعمل بها بعضهم فلا موجب لرفع اليد عنها أو حملها على غير ظاهرها. (1) قد عرفت ان من جملة ما امتاز به حج الافراد عن حج التمتع عدم جواز اتيان الطواف المندوب بعد احرام حج التمتع وجوازه بعد الاحرام لحج الافراد، ولكن يجب عليه التلبية بعد الفراغ من صلاة الطواف المندوب وتدل عليه حسنة معاوية بن عمار المتقدمة قال: (سألته عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال: نعم ما شاء ويجدد التلبية بعد الركعتين والقارن بتلك المنزلة، يعقدان ما احلا من الطواف بالتلبية) (1). ولا يخفى انها تدل على وجوب التلبية في بعض صور المسألة وهو ما لو طاف الطواف المندوب بعد طواف الفريضة وكلامنا في جواز اتيان الطواف المندوب بعد احرام حج الافراد وان لم يطف طواف الفريضة، ولذا قال صاحب الجواهر لا بأس بالاستدلال بهذه الرواية وان كان خاصا ببعض صور المدعى. على انه حكي الاجماع على العدم فالاحتياط المذكور في المتن في محله.


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب اقسام الحج ح 2.

[ 280 ]

[ - حج القران - (مسألة 161): يتحد هذا العمل مع حج الافراد في جميع الجهات غير ان المكلف يصحب معه الهدي وقت الاحرام، وبذلك يجب الهدي عليه (1). والاحرام في ] (1) افعال القران وشروطه كالافراد غير انه يتميز عنه بسياق الهدي عن احرامه، ويدل على ذلك اخبار كثيرة. منها: صحيح معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (ع): (القارن لا يكون الا بسياق الهدي) (1). ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: (انما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه) إلا بسياق الهدي) (2). قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر: (يقرن بين الصفا والمروة) هكذا وجدناه في النسخ التي رأيناها ويشبه ان يكون وهما من الراوي إذ لا معنى للقران بين الصفا والمروة ولعل الصواب (يقرن بين الحج والعمرة) كما قاله في آخر الحديث، (ايما رجل قرن بين الحج والعمرة فلا يصلح إلا ان يسوق الهدي). ومنها: صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (ع) قال: (القارن الذي يسوق الهدي عليه طوافان. الحديث) (3).


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 2 من أبواب اقسام الحج ح 12 و 6 و 3.

[ 281 ]

[ هذا القسم من الحج، كما يكون بالتلبية يكون بالاشعار أو بالتقليد (1) وإذا احرم لحج القران لم يجز له العدول إلى حج التمتع (2). ] (1) يتخير القارن في عقد احرامه بالتلبية والاشعار والتقليد وفاقا للمحكي عن الاكثر للنصوص. منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (يوجب الاحرام ثلاثة اشياء التلبية، والاشعار، والتقليد فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد احرم) (1). ومنها: صحيح عمر بن يزيد (من اشعر بدنته فقد احرم وان لم يتكلم بقليل ولا كثير) (2). ومنها: صحيحة معاوية بن عمار قال: (يقلدها نعلا خلقا قد صليت فيها والاشعار والتقليد بمنزلة التلبية) (3). خلافا للمحكي عن السيد وابن ادريس فلم يعقدا الاحرام إلا بالتلبية للاجماع عليها دون غيرها وللاحتياط. ويردهما الروايات المذكورة. وخلافا للشيخ وابني البراج وحمزة فاشترطوا العقد بهما بالعجز عن التلبية جمعا بين النصوص، ويردهم اطلاق الروايات المتقدمة. (2) للاجماع بقسميه كما في الجواهر وللنصوص التي ادعى تواترها.


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 12 من أبواب اقسام الحج ح 20 و 21 و 11.

[ 282 ]

منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: (ايما رجل قرن بين الحج والعمرة فلا يصلح إلا ان يسوق الهدي قد اشعره وقلده، قال: وان كان لم يسق الهدي فليجعلها متعة) (1). وفي صحيحة معاوية بن عمار عن رجل لبى بالحج مفردا فقدم مكة وطاف بالبيت وصلى ركعتين عند مقام ابراهيم (ع) وسعى بين الصفا والمروة، قال: فليحل وليجعلها متعة إلا ان يكون ساق الهدي). (2).


(1) و (2) الوسائل: باب 5 من أبواب اقسام الحج ح 2 و 4.

[ 283 ]

[ - مواقيت الاحرام - هناك اماكن خصصتها الشريعة الاسلامية المطهرة للاحرام منها ويجب ان يكون الاحرام من تلك الاماكن (1) ويسمى كل منها ميقاتا، وهي عشرة: ] (1) المواقيت جمع ميقات، وعن الجوهري الميقات الوقت المضروب للفعل، والموضع، يقال: (هذا ميقات اهل الشام) للموضع الذي يحرمون منه ونحوه عبارة القاموس. وظاهر هذا الكلام ان اطلاقه على الوقت والموضع على نحو الحقيقة، ولكن يظهر من المصباح ان اطلاق الميقات على الموضع على نحو المجاز، قال: الوقت مقدار من الزمان والجمع اوقات: والميقات: الوقت والجمع مواقيت، وقد استعير الوقت للمكان، ومنه مواقيت الحج لمواضع الاحرام. وكيف كان لاريب ان المراد به في المقام المواضع الخاصة للاحرام التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاهل الآفاق حين لم يكن للاسلام رسم، ولا اسم، لا بمصر، ولا للشام، ولا للعراق فكان ذلك من اعلام نبوته (صلى الله عليه وآله). واما وجوب الاحرام من هذه المواضع الخاصة، فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار (من تمام الحج والعمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تجاوزها إلا وانت

[ 284 ]

[ الاول: مسجد الشجرة ويقع قريبا من المدينة المنورة وهو ميقات اهل المدينة، وكل من اراد الحج عن طريق المدينة (1) ] محرم. الحديث) (1). وصحيح الحلبي، (الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها) (2). (1) اعلم ان مكان عقد الاحرام الذي يدعى بالميقات يختلف باختلاف الطرق التي يسير المكلف فيها ويمضي إلى مكة فالذي طريقه من المدينة المنورة وان لم يكن من اهل المدينة ميقاته ذو الحليفة ويسمى بمسجد الشجرة أيضا، وللروايات في ذلك كثيرة. منها: صحيحة أبي أيوب الخزاز عن أبى عبد الله (ع) في (حديث) فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت لاهل المدينة ذا الحليفة) (3). ومنها: صحيحة معاوية بن عمار (ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة) (4). انما الكلام في ان الميقات هل هو المكان المسمى بذي الحليفة الذي فيه مسجد الشجرة أو ان الميقات نفس المسجد؟ والاخبار في ذلك مختلفة ففي بعضها ان الميقات الشجرة، وفي بعضها انه ذو الحليفة


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 2 و 3. (3) و (4) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 1 و 2.

[ 285 ]

وهو مسجد الشجرة وفي بعضها انه ذو الحليفة (1) ولم يرد في شئ من الروايات الامر بالاحرام من مسجد الشجرة أو انه الميقات بل الوارد فيها كما ذكرنا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهى الشجرة كما انه ورد فيها ان ذا الحليفة هو مسجد الشجرة، ولا يبعد ان يكون المتفاهم من الروايات الواردة في المقام ان مسجد الشجرة اسم للمكان الذى فيه المسجد وليس اسما لنفس المسجد نظير تسمية بعض البلاد (بمسجد سليمان) فمجموع المضاف والمضاف إليه اسم لهذه المنطقة من الارض فهذه البقعة لها اسمان احدهما ذو الحليفة وثانيهما مسجد الشجرة، وعليه فيجوز الاحرام من اي موضع من مواضع هذه البقعة التي فيها مسجد الشجرة، ولا يلزم الاحرام من نفس المسجد. نعم ورد في رواية ان النبي (صلى الله عليه وآله) احرم من مسجد الشجرة ولكنها لاتدل على انه (صلى الله عليه وآله) عينه ميقاتا، وانما تحكي فعل النبي (صلى الله عليه وآله) واحرامه منه ولا اشكال في جواز ذلك مضافا إلى ضعف السند (2) فالمطلقات الدالة على ان الميقات ذو الحليفة بحالها وسالمة من التقييد. نعم لاريب في ان الاحوط الاحرام من نفس المسجد لانه القدر المتيقن من الميقات، واما كونه ميقاتا لمن يمر عليه وان لم يكن من اهل المدينة فيدل عليه جملة من الروايات. منها: صحيحة صفوان عن أبي الحسن الرضا (ع) (قال:


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 9 و 3 و 2 و 7. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 13

[ 286 ]

[ ويجوز الاحرام من خارج المسجد محاذيا له من اليسار أو اليمين والاحوط الاحرام من نفس المسجد مع الامكان. (مسألة 162): لا يجوز تأخير الاحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة الا لضرورة من مرض أو ضعف أو غيرهما من الموانع (1) ] كتبت إليه بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق، وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل وعليهم في ذلك مؤنة شديدة فترى ان يحرموا من موضع الماء لرفقة بهم وخفة عليهم، فكتب ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت المواقيت لاهلها ومن اتى عليها من غير اهلها) (1). (1) المعروف بين الفقهاء عدم جواز تأخير الاحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة للمختار، ونسب إلى بعض القدماء جواز التأخير اختيارا. والصحيح ما عليه المشهور، للروايات العامة الدالة على توقيت المواقيت وانه لا يجوز لحاج ولا لمعتمر ان يعدل عن تلك المواقيت إلى غيرها ففي صحيحة معاوية بن عمار (لا تجاوزها الا وانت محرم) (2). وللروايات الخاصة التي يستفاد منها جواز التأخير في خصوص صورتي المرض والضعف ونحوهما من الموانع


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب المواقيت ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 287 ]

كمعتبرة أبي بكر الحضرمي، قال (قال أبو عبد الله (ع) اني خرجت بأهلي ماشيا فلم اهل حتى اتيت الجحفة، وقد كنت شاكيا (إلى ان قال): وقد رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن كان مريضا أو ضعيفا أن يحرم من الجحفة) (1)، وأبو بكر الحضرمي على ما يظهر من ترجمته ثقة جليل مضافا إلى انه من رجال تفسير علي بن ابراهيم القمي وكامل الزيارات واستدل القائل بجواز تأخير الاحرام اختيارا إلى الجحفة ببعض المطلقات القابلة للتقييد بصورتي المرض والعجز كصحيحة علي بن جعفر (واهل المدينة من ذى الحليفة والجحفة) (2) وهي نص في التخيير وجواز الاحرام من الموضعين، ولكنها لا تزيد على الاطلاق فيقيد بما دل على اختصاص الجواز للمريض والمعذور. ونحوها صحيحة معاوية بن عمار (3). واما صحيح الحلبي (من اين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال: من الجحفة ولا يجاوز الجحفة الا محرما) (4) فانما يدل على حكم من تجاوز الشجرة ويسأل الامام (ع) في فرض عدم الاحرام من الشجرة ولا يدل على جواز تأخير الاحرام اختيارا وعمدا. فالمتحصل: من الروايات ان التأخير اختيارا غير جائز وانما يجوز في فرض المرض والضعف وهل يعم جواز التأخير سائر الاعذار العرفية كشدة البرد والحرام


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب المواقيت ح 5. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 5. (3) و (4) الوسائل: باب 6 من أبواب المواقيت 1 و 3.

[ 288 ]

يختص بالمرض والضعف كما في النصوص؟ فعن جماعة التعميم ومنهم السيد في العروة وعن آخرين اختصاص الجواز بالمريض والضعيف ويمكن ان يقال بالتفصيل بين العذر البالغ حد الضرر والحرج وبين غير ذلك فيجوز في الاول دون الثاني لحكومة ادلة الضرر والحرج على التكاليف الالزامية الاولية، ولكن المرفوع في الفرض الاول وجوب الاحرام من مسجد الشجرة واما جواز الاحرام من الجحفة فيحتاج إلى دليل آخر، وذلك لان دليل نفي الضرر والحرج بما أنه امتناني شأنه رفع الحكم الثابت إذا كان ضرريا أو حرجيا لا وضع الحكم بجواز الاحرام من الجحفة فلابد من التماس دليل آخر يثبت لنا جواز ذلك، فالمرجع حينئذ اطلاق ما دل على التخيير بين الاحرام من مسجد الشجرة والجحفة كصحيح علي بن جعفر المتقدم، وبما انه غير متمكن من الاحرام من مسجد الشجرة على الفرض يثبت القول الآخر وهو الاحرام من الجحفة. وبعبارة اوضح قد عرفت ان صحيح علي بن جعفر الدال على التخيير وجواز الاحرام من الجحفة قد رفعنا اليد عن اطلاقه بالنسبة إلى التمكن وحملناه على المريض والضعيف، واما من لم يكن مكلفا بالاحرام من ذي الحليفة فيتعين عليه الفرد الآخر من الواجب التخييري لسقوط وجوب الاحرام من مسجد الشجرة عنه على الفرض. ولو لم يبلغ العذر حد الضرر والحرج الشديد كموارد الحاجة الشخصية أو الحرج العرفي كالبرد والحر ونحو ذلك فلا يمكن الحكم بجواز التأخير إلى الجحفة لعدم الدليل واختصاصه بالمريض والضعيف كما في معتبرة الحضرمي المتقدمة وحملها على مجرد المثال لا شاهد عليه بل مقتضى

[ 289 ]

[ الثاني: وادي العقيق، وهو ميقات اهل العراق ونجد (1) وكل من مر عليه من غيرهم، وهذا الميقات له اجزاء ثلاثة (المسلخ) وهو اسم لا وله و (الغمرة) وهو اسم لوسطه (ذات عرق) وهو اسم لآخره والاحوط الاولى ان يحرم المكلف قبل ان يصل ذات عرق فيما إذا لم تمنعه عن ذلك تقية أو مرض. ] صحيح ابراهيم بن عبد الحميد (1) عدم جواز الاحرام من غير مسجد الشجرة في كثرة البرد ونحوها من الاعذار العرفية. وبالجملة: التعدي من هذين الموردين إلى سائر موارد العذر مشكل جدا بل اللازم الاقتصار عليهما فالنتيجة عدم جواز تأخير الاحرام إلى الجحفة ما لم يبلغ حد الحرج أو الضرر. (1) لا اشكال ولا خلاف في ذلك، وقد دلت على ذلك اخبار كثيرة. منها: صحيحة أبي أيوب الخزاز (ووقت لاهل نجد العقيق) (2). ومنها: صحيحة معاوية بن عمار، (فانه وقت لاهل العراق ولم يكن يومئذ عراق بطن العقيق من قبل اهل العراق) (3). ومنها: صحيح الحلبي (ووقت لاهل النجد العقيق) (4).


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب المواقيت ح 1. (2) و (3) و (4) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 1 و 2 و 3.

[ 290 ]

ومنها: صحيح علي بن جعفر (وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لاهل العراق من العقيق) (1). ولكن في صحيح عمر بن يزيد ان قرن المنازل ميقات لاهل نجد (2) فيخالف هذا الخبر الاخبار المتقدمة. واجاب صاحب الحدائق عن ذلك اولا بالحمل على التقية لما رووا (انه لما فتح المصران اتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حد لاهل نجد قرن المنازل وانا إذا اردنا قرن المنازل شق علينا قال: فانظروا حذوها فحد لهم ذات عرق) ولذا ذكر جملة منهم ان ميقات العراق انما ثبت قياسا لا نصا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). وثانيا: يمكن ان يكون لاهل نجد طريقين: احدهما يمر بالعقيق والآخر يمر بقرن المنازل. وبالجملة: لا ريب ولا كلام في ان وادي العقيق ميقات اهل العراق ونجد وكل من يمر عليه. وانما الكلام في حد وادي العقيق من حيث المبدأ والمنتهى والاخبار في ذلك مختلفة فيقع الكلام في موضعين: احدهما: في المبدء ففي بعض الاخبار ان اول العقيق ومبدئه هو المسلخ كمعتبرة ابي بصير التي ذكر فيها المبدء والمنتهي معا (قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: حد العقيق أوله المسلخ وآخره ذات عرق) (4)


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 9 و 6 (3) المغنى: باب 3 ص 233 مطبعة العاصمة. (4) الوسائل: باب 2 من أبواب المواقيت ح 7.

[ 291 ]

وقد يتوهم ان الخبر ضعيف السند لوقوع عمار بن مروان وحسن ابن محمد في السند فان الاول مردد بين عمار بن مروان اليشكري الموثق وبين عمار بن مروان الكلبي غير الموثق، والثاني مجهول الحال ولذا عبر غير واحد عنه بالخبر المشعر بالضعف. والجواب. ان عمار بن مروان وان كان مشتركا بين اليشكري والكلبي ولكن المراد به هو اليشكري الثقة لانه المعروف ولديه كتاب وهذا الاسم عند الاطلاق ينصرف إليه واما الكلبي فغير معروف في الرواة وليس له كتاب حتى ان الشيخ لم يذكره. وأما الحسن بن محمد فالظاهر انه الحسن بن محمد بن سماعة الموثق بقرينة روايته عن محمد بن زياد وهو ابن ابي عمير لكثرة رواياته عنه. وفي بعض الاخبار ان اول العقيق قبل المسلخ كمعتبرة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: اول العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال مما يلي العراق) (1) وكذا يستفاد من صحيح عمر بن يزيد (وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاهل المشرق العقيق نحوا من بريدين ما بين يريد البعث إلى غمرة) (2) وبريد البعث دون المسلخ اي قبله كما فسره بذلك في رواية معاوية بن عمار المتقدمة، فيتحقق التنافي بين الاخبار. ويجاب عن ذلك: بان هذه الروايات تدل على اطلاق اسم العقيق على قبل المسلخ وذلك اعم من جواز الاحرام منه، إذ لا ملازمة بين اطلاق اسم العقيق على مكان خاص وجواز الاحرام منه، لامكان


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب المواقيت ح 2. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 6.

[ 292 ]

اختصاص جواز الاحرام بموضع خاص من وادي العقيق. ويؤكد ما ذكرنا صحيحة معاوية بن عمار (فانه وقت لاهل العراق ولم يكن يومئذ عراق، بطن العقيق من قبل اهل العراق) (1) فيعلم ان تمام وادي العقيق ليس بميقات وانما الميقات بطنه. فتكون هذه الصحيحة مقيدة لاطلاق ما دل على ان وادي العقيق ميقات، وقد يؤيد ما ذكرنا نفس التسمية بالمسلخ باعتبار تجرد الحاج وتسلخه من الثياب في هذا المكان. هذا كله مضافا إلى انه لم يقل احد في الاصحاب بتوسعة الميقات بهذا المقدار، فلا تعارض ولا تنافي في البين فان الاخبار الدالة على التوسعة انما تدل على توسعة الوادي لا توسعة الميقات وإلا فالميقات اضيق من ذلك واوله المسلخ، وان سمي قبله بالعقيق أيضا. ثانيهما: من حيث المنتهي ففي جملة من الاخبار ان منتهى العقيق غمرة. منها: صحيحة عمر بن يزيد (قال: وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاهل المشرق العقيق نحوا من بريد ما بين بريد البعث إلى غمرة) (2). وفي التهذيب (نحوا من بريدين) (3) وهو الصحيح. ويستفاد منها ومن غيرها من الروايات ان مسافة العقيق بريدان وانه ما بين بريد البعث إلى غمرة فيتحد مضمونها مع ما تضمنته صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (آخر العقيق بريد


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 2. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 6. (3) التهذيب: ج 5 ص 56.

[ 293 ]

أو طاس، وقال بريد البعث دون غمرة بريدين) (1) ويظهر منها ان بريد أو طاس) اسم آخر لغمرة. ومنها: صحيحة اخرى لمعاوية بن عمار قال: (اول العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة اميال مما يلي العراق، وبينه وبين غمرة اربعة وعشرون ميلا بريدان) (2). ويعارضها مادل على ان آخر العقيق ذات عرق كصحيحة أبي بصير المتقدمة المصرحة بذلك. وتدل على ذلك أيضا معتبرة اسحاق بن عمار الدالة على ان الصادق (ع) احرم من ذات عرق بالحج (3). والجواب: عن ذلك ان الروايات الاول المحددة بغمرة ظاهرة في عدم جواز تأخير الاحرام عن غمرة وهذه الروايات صريحة في جواز التأخير إلى ذات عرق فنرفع اليد عن ظهور تلك الروايات في عدم الجواز بصراحة هذه الروايات في جواز التأخير إلى ذات عرق فالنتيجة حمل تلك الروايات على افضلية الاحرام في غمرة وجواز الاحرام من ذات عرق مع المرجوحية. وافضل من ذلك الاحرام من المسلخ أي اول العقيق وقد عقد صاحب الوسائل بابا مستقلا لذلك (4). فظهر من جميع ما ذكرنا انه يجوز الاحرام من المسلخ ومن الغمرة ومن ذات عرق والافضل من المسلخ ثم من الغمرة ثم من ذات عرق


(1) و (2) الوسائل: باب 2 من أبواب المواقيت ح 1 و 2. (3) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج ح 8. (4) الوسائل: باب 3 من أبواب المواقيت.

[ 294 ]

[ (مسألة 163): يجوز الاحرام في حال التقية قبل ذات عرق سرا من غير نزع الثياب إلى ذات عرق (1) فإذا وصل ذات عرق نزع ثيابه ولبس ثوبي الاحرام هناك (2). ] بل الاحوط الاولى الاحرام قبل ان يصل ذات عرق لاحتمال خروج (ذات عرق) من العقيق هذا فيما إذا لم تمنعه عن ذلك تقية أو مرض وإلا فلا اشكال في جواز التأخير إلى ذات عرق (1). (1) لان لبس ثوبي الاحرام غير دخيل في حقيقة الاحرام وإنما هو واجب مستقل آخر فيمكن تحقق الاحرام منه وان لم يلبس ثوبي الاحرام. (2) لعدم موجب للتقية حينئذ ويؤيد ما ذكرنا رواية الاحتجاج (2). وهي ضعيفة سندا.


(1) المسلح اما بالسين والحاء المهملتين واحد المسالح وهي المواضع العالية أو بالخاء المعجمة من السلخ وهو النزع لانه تنزع فيه الثياب للاحرام و (غمرة) بالغين المعجمة والراء المهملة الساكنة منهل من مناهل مكة وهو فصل مابين نجد وتهامة وانما سميت بها لزحمة الناس بها و (ذات عرق) جبل صغير أو قليل من الماء: وقيل انها كانت قرية فخرجت. (بريد البعث) قال في الوافي: في شرحه على الحديث البعث بالموحدة ثم المهملة ثم المثلثة: اول العقيق وهو بمعنى الجيش كانه بعث الجيش من هناك ولم نجده في اللغة اسما لموضع (2) الوسائل: باب 2 من أبواب المواقيت ح 10.

[ 295 ]

[ (الثالث): الجحفة، وهي ميقات اهل الشام ومصر والمغرب وكل من يمر عليها من غيرهم إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها. (الرابع): يلملم، وهو ميقات اهل اليمن، وكل من يمر من ذلك الطريق، ويلملم اسم لجبل. (الخامس): قرن المنازل وهو ميقات اهل الطائف (1) وكل من يمر من ذلك الطريق ولا يختص بالمسجد فاي مكان يصدق عليه انه من قرن المنازل جاز له الاحرام منه، فان لم يتمكن من احراز ذلك فله ان يتخلص بالاحرام قبلا بالنذر كما هو جائز اختيارا. ] (1) مما لا ينبغي الريب ان هذه المواضع المذكورة قد وقتها النبي (صلى الله عليه وآله) وتدل على ذلك نصوص كثيرة (1). منها: صحيح الحلبي قال: (قال أبو عبد الله (ع). الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها، ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة يصلي فيه ويفرض الحج، ووقت لاهل الشام الجحفة، ووقت لاهل النجد العقيق، ووقت لاهل الطائف قرن المنازل، ووقت لاهل اليمن يلملم ولا ينبغي لاحد ان


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت.

[ 296 ]

[ (السادس): مكة، وهي ميقات حج التمتع (1). ] يرغب عن مواقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). وفي صحيح عمر بن يزيد (ولاهل نجد قرن المنازل) (2) وفي صحيح ابن رئاب (ووقت لاهل اليمن قرن المنازل) (3) فيخالفان بقية الروايات الدالة على ان لاهل نجد العقيق ولاهل اليمن يلملم ويحتمل حملها على التقية لوجود ذلك في روايات بقية المذاهب (4) كما يحتمل ان يكون لاهل نجد أو لاهل اليمن طريقان يمر احدهما باحد الموضعين والآخر بالموضع الآخر فلا تنافي في البين. ثم انه لابد من معرفة هذه الاماكن بحجة شرعية وان لم يتمكن من ذلك فله ان يتخلص بالاحرام قبلا بالنذر كما هو جائز اختيارا - كما سيأتي - ان شاء الله تعالى. وليعلم: ان مقتضى النصوص جواز الاحرام من المواضع التي تسمى بهذه الاسماء ولا يجب الاحرام من المساجد الموجودة فيها بل كل مكان صدق عليه الجحفة أو قرن المنازل أو يلملم يصح الاحرام منه. (1) لا خلاف بين الاصحاب في ان مكة ميقات حج التمتع وقد ادعى عليه الاجماع، ويدل عليه جملة من الروايات (5) وهي مطبقة على كفاية الاحرام من بلدة مكة المكرمة من اي موضع شاء.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 3. (2) و (3) الوسائل باب 1 من أبواب المواقيت ح 6 و 7. (4) سنن البيهقي: ج 5 ص 26 إلى 29. (5) الوسائل: باب 21 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 297 ]

[ (السابع) المنزل الذي يسكنه المكلف، وهو ميقات من كان منزله دون الميقات إلى مكة، فانه يجوز له الاحرام من منزله ولا يلزم عليه الرجوع إلى المواقيت (1). ] نعم يستحب له الاحرام من المسجد الحرام في مقام ابراهيم (ع). أو حجر اسماعيل كما في النصوص. منها: صحيح ابي احمد عمرو بن حريث الصيرفي قال: قلت لابي عبد الله (ع): من اين اهل بالحج؟ فقال: ان شئت من رحلك وان شئت من الكعبة وان شئت من الطريق). وفي رواية الشيخ (قال: قلت لابي عبد الله (ع) وهو بمكة من اين اهل بالحج، ثم قال: ومن المسجد بدل قوله من الكعبة وما في رواية الشيخ اصح لان الاحرام من الكعبة نادرا جدا بل لا يتفق. ولكن الاحوط وجوبا ان يحرم من مكة القديمة ولا يكتفي بالاحرام من المحلات المستحدثة المتصلة بمكة المكرمة، وذلك لما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار الواردة في قطع التلبية ان العبرة فيما يترتب على مكة من الاحكام بمكة القديمة ولا عبرة بما احدث الناس بمكة وبما الحقوا بها، ففي الصحيحة، قال: (قال أبو عبد الله (ع) إذا دخلت مكة وانت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية وحد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدينين، فان الناس قد احدثوا بمكة ما لم يكن فاقطع التلبية) (1). (1) قد صرح اكثر الاصحاب بأن من كان منزله اقرب إلى مكة


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب الاحرام ح 1.

[ 298 ]

[ (الثامن): الجعرانة: وهي ميقات اهل مكة لحج القران أو الافراد وفي حكمهم من جاور مكة بعد السنتين فانه. بمنزلة اهلها (1) واما قبل ذلك فحكمه كما تقدم في المسألة 146. ] من المواقيت فميقاته منزله ومسكنه ولا يجب عليه الرجوع إلى المواقيت المعروفة، وعن المنتهي انه قول أهل العلم كافة الا مجاهد (1). ويدل على ذلك الاخبار المتكاثرة (2). منها: صحيحة معاوية بن عمار التي ذكرت فيها جملة من المواقيت وجاء فيها (من كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله) (3). ومنها: صحيحة اخرى لمعاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) (قال: من كان منزله دون الوقت إلى مكة فليحرم من منزله) (4). (1) اعلم ان المشهور بين الاصحاب ان مكة ميقات لاهلها لحج القران أو الافراد، فيكون احرامهم بالحج من منازلهم وفي حكمهم من جاور مكة بعد السنتين فانه بمنزلة اهلها وقد تقدم وجه الحاقه بهم في المسألة - 145 -. ومستندهم في اصل الحكم نفس الاخبار المتقدمة الدالة على ان من


(1) المغني: ج 3 ص 236 مطبعة العاصمة. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب المواقيت. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 2. (4) الوسائل: باب 17 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 299 ]

كان منزله دون الميقات احرم من منزله، أو ان ميقاته دويرة اهله، بدعوى: ان عنوان (من كان منزله دون الميقات) يشمل اهل مكة ولا يختص بمن كان منزله وسطا بين الميقات ومكة. ولكن الظاهر ان الاخبار المذكورة غير شاملة لهم كما صرح بذلك صاحب الحدائق (1) لان عنوان (دون الميقات) لا يشمل اهالي مكة بل يختص ذلك بمن كان منزله واقعا بين مكة والميقات وقد صرح في الجواهر (2) بعدم اندراج اهالي مكة في العنوان المذكور في النصوص فإذا لا دليل على ان مكة المكرمة ميقات لحج اهل مكة. فلابد من التماس دليل آخر لتعين ميقاتهم. وقد ورد في حديثين صحيحين ان ميقاتهم لحجهم الجعرانة. الاول: صحيح ابن الفضل - وهو سالم الحناط - قال: (كنت مجاورا بمكة فسألت أبا عبد الله (ع) من اين احرم بالحج؟ فقال: من حيث احرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الجعرانة اتاه في ذلك المكان فتوح: فتح الطائف وفتح حنين والفتح) (3). وربما يورد على الاستدلال به بان مورده المجاور بمكة وكلامنا في المتوطن ومن كان من اهلها والمجاور غير صادق على اهالي مكة. والجواب: ان المجاورة عنوان يشمل المتوطن والمقيم مدة كثيرة وان لم يقصد التوطن ولا يختص بالاقامة الموقتة وقد استعمل في الذكر


(1) الحدائق: ج 14 ص 449. (2) الجواهر: ح 18 ص 114. (3) الوسائل: باب 9 من أبواب اقسام الحج 6.

[ 300 ]

[ (التاسع): محاذاة مسجد الشجرة، فان من اقام بالمدينة شهرا أو نحوه وهو يريد الحج، ثم بدا له ان يخرج في غير طريق المدينة، فإذا سار ستة اميال كان محاذيا للمسجد، ويحرم من محل المحاذاة، وفي التعدي عن محاذاة مسجد الشجرة إلى محاذاة غيره من المواقيت بل عن خصوص المورد المذكور اشكال بل الظاهر عدم التعدي إذا كان الفصل كثيرا (1). ] الحكيم في غير الموقت كقوله تعالى (وفي الارض قطع متجاورات (1). نعم لا يصدق المجاور على من ولد في بلد واستمر في سكونته واقامته فيه. ولكن الظاهر ان حكمه لا يختلف عن المجاور بقصد الاستيطان. الثاني: صحيح عبد الرحمان بن الحجاج، قال: (قلت لابي عبد الله (ع): اني اريد الجوار بمكة فكيف اصنع؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة فاحرم منها بالحج، ثم ساق الخبر) (2) والخبر طويل بل يظهر من الروايتين ان حكم اهالي مكة كذلك وانما المجاور يلحق بهم. (1) المشهور بين الاصحاب ان من سلك طريقا لا يمر بشئ من المواقيت يحرم من محاذاة احد المواقيت المتقدمة الخمسة واستدلوا بصحيح


(1) الرعد: 4. (2) الوسائل: باب 9 من اقسام الحج ح 5.

[ 301 ]

ابن سنان بكلا طريقيه. الاول: ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (قال من اقام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج ثم بدا له ان يخرج في غير طريق اهل المدينة الذي يأخذونه فليكن احرامه من مسيرة ستة اميال، فيكون حذاء الشجرة من البيداء) (1). الثاني: ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (من اقام بالمدينة وهو يريد الحج شهرا أو نحوه ثم بدا له ان يخرج في غير طريق المدينة فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة اميال فليحرم منها) (2) ولا يعارضهما معتبرة ابراهيم بن عبد الحميد المتقدم عن أبي الحسن موسى (ع) قال: لا (سألته عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الايام يعني الاحرام من الشجرة وارادوا ان يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها، فقال: لا وهو مغضب من دخل المدينة فليس له ان يحرم إلا من المدينة) (3) لان مفاد خبر ابراهيم هو المنع عن العدول من الشجرة إلى ميقات آخر بعدما دخل المدينة ولا يدل على المنع من الاحرام حذاء احد المواقيت رأسا. ومورد الصحيحتين وان كان حذاء مسجد الشجرة ولكن ذكروا ان ذلك من باب المثال ولذا تعدوا من مسجد الشجرة إلى سائر المواقيت والتزموا بعدم الفصل. ولكن الظاهر هو الاقتصار على مورد الصحيحين، وذلك لانه


(1) و (2) الوسائل: باب 7 من أبواب المواقيت ح 1 و 3. (3) الوسائل: باب 8 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 302 ]

[ (العاشر): ادنى الحل، وهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الافراد، بل لكل عمرة مفردة لمن كان بمكة واراد الاتيان بها، والافضل ان يكون من الحديبية ] لا ريب في ان الحكم المذكور فيهما على خلاف القاعدة وقد اشتملت الصحيحتان على قيود متعددة مذكورة في كلام الامام (ع) فاللازم الاقتصار على موردهما ولا نتمكن من الغاء هذه القيود المأخوذة في كلام الامام (ع) والتي اخذت على نحو القضية الحقيقية الشرطية وحملهما على مجرد المثال (كما ذكروه) بعيد جدا. نعم لو كانت القيود مذكورة في كلام السائل امكن دعوى فهم المثالية من الرواية. بل يمكن ان يقال: بان حذاء مسجد الشجرة له خصوصية وهي: ان السنة في الاحرام منه، ان يفرض الحج في المسجد ويؤخر التلبية إلى البيداء وهذه الخصوصية غير ثابتة لسائر المواقيت فلا يبعد ان يكون الاكتفاء بالمحاذاة انما هو لخصوصية لمسجد الشجرة، فلا يمكن التعدي إلى غيره بل ولا إلى غير الخصوصيات المذكورة في النص حتى في مورد الشجرة، بل اللازم الاقتصار على مسجد الشجرة وعلى الخصوصيات المذكورة في النص. نعم لا يلزم الاقتصار بستة اميال ويمكن التعدي إلى سبعة اميال أو ثمانية ونحو ذلك مما يمكن للشخص رؤية المحاذي له، واما إذا كانت المسافة بعيدة كعشرين فرسخا أو اكثر فلا عبرة بالمحاذاة.

[ 303 ]

[ أو الجعرانة، أو التنعيم (1). ] (1) يدل على كونه ميقاتا للعمرة المفردة بعد حج الافراد أو القران صحيح جميل، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية، قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال: ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة) (1). والتنعيم من مصاديق ادنى الحل وذكره بالخصوص لكونه اقرب الاماكن من حدود الحرم. ويدل على كونه ميقاتا لكل عمرة مفردة لمن كان بمكة واراد الاتيان بها اطلاق صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: (من اراد ان يخرج من مكة ليعتمر احرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما اشبهها) فانه يشمل جميع اماكن حدود الحرم لقوله: (أو ما اشبهها) واما افضلية هذه الاماكن الثلاثة فلورودها في النص) وللتأسي بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) حيث احرم صلى الله عليه وآله من هذه المواضع كما في الاخبار. هذا حكم العمرة المفردة التي يؤتى بها بعد حج الافراد أو القران والعمرة لمن كان بمكة واراد الاعتمار. واما الذي يريد الاعتمار من البعيد فلا ريب ان ميقات عمرته سائر المواقيت المعروفة التي يمر عليها لما في الصحيح (من تمام الحج والعمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب اقسام الحج ح 2.

[ 304 ]

لا تجاوزها الا وانت محرم) (1) وفي حديث آخر (ولا ينبغي لحاج ولا لمعتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها) (2).


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 2 و 3.

[ 305 ]

[ (احكام المواقيت) (مسألة 164): لا يجوز الاحرام قبل الميقات ولا يكفي المرور عليه محرما بل لابد من الاحرام من نفس الميقات (1). ] (1) يدل عليه عدة من الروايات. منها: صحيح الحلبي، قال: (قال أبو عبد الله (ع): الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها) (1). ومنها: صحيحة ابن اذينة (ومن احرم دون الوقت فلا احرام له) (2). ومنها: معتبرة ميسر، قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) وانا متغير اللون فقال لي: من اين احرمت؟ قلت: من موضع كذا وكذا فقال: رب طالب خير تزل قدمه، ثم قال: يسرك ان صليت الظهر اربعا في السفر؟ قلت: لا قال: فهو والله ذاك) (3). وغير ذلك من الروايات.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 3. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب المواقيت ح 3. (3) الوسائل: باب 11 من أبواب المواقيت ح 5.

[ 306 ]

[ ويستثنى من ذلك موردان: (احدهما): ان ينذر الاحرام قبل الميقات، فانه يصح ولا يلزمه التجديد في الميقات، ولا المرور عليه بل يجوز له الذهاب إلى مكة من طريق لا يمر بشئ من المواقيت (1). ] (1) المشهور بين الفقهاء انعقاد نذر الاحرام قبل الميقات فيجب عليه الاحرام من ذلك الموضع المنذور، ومنع ذلك ابن ادريس في السرائر حيث قال: والاظهر الذي تقتضيه الادلة واصول المذهب ان الاحرام لا ينعقد إلا من المواقيت سواء كان منذورا أو غيره ولا يصح النذر بذلك لانه خلاف المشروع ولو انعقد بالنذر كان ضرب المواقيت لغوا، ونسب القول بالمنع إلى السيد المرتضى وابن أبي عقيل والشيخ في الخلاف. ولكن العلامة خطأئه في نقله ذلك عنهم والصحيح ما ذهب إليه المشهور للنصوص التالية. منها: صحيح الحلبي: قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل جعل لله عليه شكرا ان يحرم من الكوفة. فقال: فليحرم من الكوفة وليف لله بما قال (1).


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب المواقيت ح 1 ولصاحب المنتقى هنا كلام في صحة الخبر المذكور تعرضنا له ولجوابه في معتمد العروة ج 2 ص 403 فليرجع إليه من احب الوقوف عليه.

[ 307 ]

ومنها: خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: (سمعته يقول: لو ان عبدا انعم الله نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه ان يحرم بخراسان كان عليه ان يتم) (1). وهنا اشكال معروف: هو ان المعتبر في متعلق النذر ان يكون راجحا في نفسه والمفروض ان الاحرام قبل الميقات غير مشروع وغير جائز فكيف ينعقد بالنذر، ولذا ذكروا ان الروايات لا تنطبق على القاعدة المعروفة وهي اعتبار الرجحان في متعلق النذر. والجواب عنه: ان اللازم رجحان متعلق النذر حين العمل وفي ظرفه ولو كان الرجحان ناشئا من قبل النذر ويستكشف ذلك من الاخبار الدالة على صحة النذر في مورد الاحرام قبل الميقات فلا يرد ان لازم ذلك صحة نذر كل مكروه أو محرم، لعدم الدليل على صحة النذر في موردهما، بل اطلاق دليل المكروه أو الحرام يكفي في عدم الرجحان ولو بتعلق النذر به. ونظير المقام مسألة الصوم في السفر المرجرح أو المحرم حيث هو مع صحته بالنذر وذلك لدلالة النص على صحة النذر في هذه المسألة، ولا داعي للالتزام بالرجحان الذاتي الثابت للعمل مع قطع النظر عن تعلق النذر به، وذلك لان القدر المتيقن ثبوت الرجحان في الفعل بمقدار يصح اضافته إلى الله تعالى، فيكفي في ذلك كون الفعل راجحا في ظرفه ولو بسبب الاخبار. على ان لزوم الرجحان في متعلق النذر حكم شرعي تعبدي قابل للتخصيص، وليس بحكم عقلي غير قابل للتخصيص، فيقال انه يعتبر الرجحان في متعلق النذر الا في مورد نذر الاحرام قبل الميقات، أو نذر


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب المواقيت ح 3.

[ 308 ]

الصوم في السفر فيكتفي في موردهما بالرجحان الناشئ من قبل النذر بسبب الاخبار الدالة على الصحة. والحاصل: ما دامت الروايات تدل على صحة النذر ونفوذه - كما هو المفروض - وجب الوفاء به، ولا موجب لتطبيق الحكم الشرعي على القاعدة من دون تخصيص. وربما يشكل على الاكتفاء بالرجحان الناشئ من قبل النذر باستلزام ذلك الدور لان صحة النذر متوقفة على مشروعية المنذور رجحانه فلو كانت مشروعيته متوقفة على صحة النذر لدار ولا يمكن العمل بالاخبار إذا استلزم امرا غير معقول. والحواب: ان صحة النذر متوقفة على مشروعية المنذور ورجحانه ولكن مشروعية المنذور غير متوقفة على صحة النذر بل تتوقف على نفس النذر وعلى التزام المكلف شيئا على نفسه لله تعالى فان هذا الالتزام بنفسه في مورد تجويز الاخبار يوجب رجحان العمل فاختلف الموقوف والموقوف عليه. واما قول ابن ادريس: ولو انعقد بالنذر كان ضرب المواقيت لغوا - فقد أجاب عنه في المنتهى بان الفائدة غير منحصرة في ذلك بل ههنا فوائد اخرى: منها - منع تجاوزها من غير احرام، ومنها - وجوب الاحرام منها لاهلها لغير الناذر. ثم انه بعد الفراغ عن صحة نذر الاحرام وانعقاده قبل الميقات فلا يجب عليه تجديد الاحرام في الميقات ان مر عليه كما يجوز له ان يسلك طريقا لا يفضي إلى احد المواقيت لان الممنوع هو المرور بالميقات بلا

[ 309 ]

[ ولا فرق في ذلك بين الحج الواجب والمندوب والعمرة المفردة (1). نعم إذا كان احرامه للحج فلابد من ان يكون احرامه في اشهر الحج كما تقدم (2). (الثاني): إذا قصد العمرة المفردة في رجب وخشي عدم ادراكها إذا اخر الاحرام إلى الميقات، جاز له الاحرام قبل الميقات وتحسب له عمرة رجب وان اتى ببقية ] احرام وأما إذا كان محرما باحرام صحيح فلا موجب للاحرام ثانيا كما لا يجب عليه ان يذهب إلى الميقات لان الذهاب إلى الميقات انما يجب لكي يحرم منه فان كان محرما فلا موجب للذهاب. (1) لاطلاق الروايات الدالة على انعقاد نذر الاحرام قيل الميقات. (2) والا فلا يصح الاحرام لا من جهة وقوعه قبل الميقات بل من جهة وقوعه في غير أشهر الحج والمعتبر في احرام الحج وقوعه في اشهر الحج، والنصوص الدالة على انعقاد نذر الاحرام ناظرة إلى التقديم بحسب المكان ولا نظر لها إلى التقديم الزماني. ثم ان الظاهر اعتبار تعيين المكان بان ينذر الاحرام قبل الميقات المعين كمسجد الشجرة أو الجحفة فلا يصح نذر الاحرام قبل الميقات مطلقا ليكون مخيرا بين الامكنة وذلك لانه القدر المتيقن من الاخبار المجوزة لانها جوزت نذر الاحرام قبل الميقات فيما إذا عين مكانا خاصا كالكوفة وخراسان ونحوهما ولا اطلاق في الاخبار يشمل نذر الاحرام قبل الميقات بلا تعيين وحيث ان الحكم على خلاف القاعدة فلابد من الاقتصار على مورد الاخبار.

[ 310 ]

[ الاعمال في شعبان (1) ولا فرق في ذلك بين العمرة الواجبة والمندوبة. (مسألة 165): يجب على المكلف اليقين بوصوله إلى الميقات والاحرام منه، أو يكون ذلك عن اطمئنان أو حجة شرعية ولايجوز له الاحرام عند الشك في الوصول ] (1) لمعتبرة اسحاق بن عمار، قال: (سألت أبا ابراهيم (ع) عن الرجل يجئ معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال (هلال شعبان) قبل ان يبلغ العقيق فيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أم يؤخر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان، قال: يحرم قبل الوقت لرجب فان لرجب فضلا وهو الذي نوى) (1). ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين العمرة الواجبة والمندوبة. والظاهر عدم اختصاص الحكم بعمرة رجب بل يتعدى إلى عمرة كل شهر حيث ان لكل شهر عمرة، والمفروض انه لو اخر الاحرام إلى الميقات لا يدرك عمرة هذا الشهر. ويدل على التعميم صحيحة معاوية بن عمار قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ليس ينبغي ان يحرم دون الوقت التي وقته رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا ان يخاف فوت الشهر في العمرة) (2).


(1) و (2) الوسائل: باب 12 من أبواب المواقيت ح 2 و 1.

[ 311 ]

[ إلى الميقات (1). (مسألة 166): لو نذر الاحرام قبل الميقات وخالف واحرم من الميقات لم يبطل احرامه، ووجبت عليه كفارة مخالفة النذر إذا كان متعمدا (2). ] (1) لاصالة العدم فيجب عليه احراز الوصول إلى الميقات. (2) ربما يقال بأنه لا يصح احرامه لان النذر يقتضي ملك الله سبحانه للمنذور والاحرام من الميقات عمدا مفوت للواجب المملوك لله فيكون حراما ومبغوضا فيبطل ولا يقع عبادة. والجواب: ان النذر انما يوجب خصوصية زائدة في المأمور به كما إذا نذر ان يصلى جماعة أو يصلي في مسجد خاص فانه يجب عليه الاتيان بتلك الخصوصية وفاءا للنذر، ولكن هذا الوجوب انما نشأ من التزام المكلف على نفسه بسبب النذر فهو تكليف آخر يغاير الوجوب الثابت لذات العمل، المأمور به انما هو الطبيعي الجامع بين الافراد، والنذر لا يوجب تقييدا ولا تغييرا في المأمور به الاول فلو اتى بالمنذور كان آتيا بالمأمور به وكذا لو اتى بغير المنذور وصلى فرادى - مثلا - كان آتيا بالمأمور به وان كان تاركا للنذر وآثما بذلك، وعليه فلو خالف النذر واحرم من الميقات فقد اتي بالمأمور به وان كان عاصيا بترك النذر نظير ما لو صلى فرادى أو صلى في غير المسجد المنذور. وأما التفويت فلا يترتب عليه شئ لان احد الضدين لا يكون علة لعدم ضد الآخر ولا العكس وانما هما أمران متلازمان في الخارج فإذا

[ 312 ]

[ (مسألة 167): كما لا يجوز تقديم الاحرام على الميقات لا يجوز تأخيره عنه، ولا يجوز لمن اراد الحج أو العمرة أو دخول مكة ان يتجاوز الميقات اختيارا إلا محرما حتى إذا كان امامه ميقات آخر، فلو تجاوزه وجب العود إليه مع الامكان (1). ] وجد احدهما في الخارج لا يوجد الآخر طبعا. والاحرام من الميقات ومن المكان المنذور ليس بينهما اي علية ومعلولية واتيان احدهما لا يكون مفوتا للآخر بل تفويت الآخر عند وجود احدهما ملازم ومقارن له. بل يمكن ان يقال باستحالة الحكم بالفساد، وذلك لان حرمة الاحرام من الميقات متوقفة على كونه صحيحا لانه لو لم يكن صحيحا لا يكون مفوتا وما فرض صحته كيف يكون فاسدا وحراما؟. (1) لا اشكال في انه لا يجوز تأخير الاحرام اختيارا عن الميقات اجماعا بقسميه كما في الجواهر والنصوص الكثيرة (1) المتقدمة المصرحة بذلك. منها: صحيحة الحلبي (لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها) (2) وفي صحيحة علي بن جعفر (فليس لاحد ان يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها) (3) وغير ذلك من الروايات ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين ان يكون امامه ميقات آخر ام لا.


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 1 من أبواب المواقيت ح 3 و 9 و 2 وباب 16 من أبواب المواقيت.

[ 313 ]

[ نعم إذا لم يكن المسافر قاصدا لما ذكر لكن لما وصل حدود الحرم اراد ان يأتي بعمرة مفردة جاز له الاحرام من ادنى الحل (1). ] ويؤكد ذلك ان مقتضى هذه النصوص عدم التجاوز لاهل المدينة عن مسجد الشجرة مع ان امامهم ميقات آخر وهو الجحفة. ثم انه لو لم يحرم من الميقات وجب العود إليه مع الامكان لان روايات التوقيت ظاهرة في الوجوب التعييني وبيان وظيفته فيجب عليه الرجوع لاداء الوظيفة وتفريغ ذمته. هذا مضافا إلى دلالة الاخبار على ذلك. منها: معتبرة ابراهيم بن عبد الحميد الدالة على ان (من دخل المدينة فليس له ان يحرم الا من المدينة) (1) اي ميقات المدينة وهو مسجد الشجرة. ومنها: صحيح الحلبي عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم. فقال: يرجع إلى ميقات اهل بلاده الذين يحرمون منه فيحرم) (2). (1) لا يجب عليه الرجوع إلى الميقات فان ادني الحل ميقات لكل عمرة مفردة لغير النائي الخارج من مكة، فانا قد ذكرنا ان الشخص البعيد إذا سافر وخرج من بلده لا للحج ولا للعمرة بل لغرض من الاغراض ووصل إلى حدود الحرم فبدا له ان يعتمر يجوز له ذلك


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب المواقيت ح 1. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب المواقيت ح 7.

[ 314 ]

[ (مسألة 168): إذا ترك المكلف الاحرام من الميقات عن علم وعمد حتى تجاوزه ففي المسألة صور: الاولى: ان يتمكن من الرجوع إلى الميقات ففي هذه الصورة يجب عليه الرجوع والاحرام منه سواء أكان رجوعه من داخل الحرم ام كان من خارجه فان اتى بذلك صح عمله من دون اشكال (1). الثانية: ان يكون المكلف في الحرم، ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات لكن امكنه الرجوع إلى خارج الحرم ففي هذه الصورة يجب عليه الرجوع إلى خارج الحرم والاحرام من هناك. الثالثة: ان يكون في الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات. ] ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات بل يحرم من ادنى الحل كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث احرم صلى الله عليه وآله من الجعرانة عند رجوعه من غزوة حنين. (1) لما عرفت ان مقتضى توقيت المواقيت ان الاحرام من الميقات وظيفة كل مكلف مريد للنسك ولا يجوز له التجاوز عنه الا محرما والمفروض انه متمكن من الاحرام من الميقات فيجب عليه الرجوع لذلك ويصح عمله ولا شئ عليه إلا انه ارتكب امرا محرما بتركه الاحرام من الميقات، وهذا واضح.

[ 315 ]

[ أو إلى خارج الحرم ولو من جهة خوفه فوات الحج وفي هذه الصورة يلزمه الاحرام من مكانه. الرابعة: ان يكون خارج الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات. وفي هذه الصورة يلزمه الاحرام من مكانه أيضا (1). وقد حكم جمع من الفقهاء بفساد العمرة في الصور الثلاث الاخيرة (2). ] (1) يدل على هذه الاحكام المذكورة للصور الثلاث صحيح الحلبي قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم فقال: يرجع إلى ميقات اهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم فان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه فان استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج) (1) فان المستفاد منه وجوب الاحرام من الميقات ومن تجاوز عنه بلا احرام يجب عليه الرجوع إليه والاحرام من هناك فان تعذر عليه الرجوع إلى الميقات وكان في الحرم يجب عليه الرجوع إلى خارج الحرم والاحرام من هناك وان لم يمكنه الرجوع إلى خارج الحرم احرم من مكانه. وإذا كان في خارج الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات يجب عليه الاحرام من مكانه، ولو كان امامه ميقات آخر لاطلاق النص. (2) بل نسب إلى الاكثر المشهور، بل ربما يفهم من غير واحد منا عدم الخلاف فيه كما في الجواهر (2). خلافا للمحكي عن جماعة


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب المواقيت ح 7. (2) الجواهر: ج 18 ص 132.

[ 316 ]

[ ولكن الصحة فيها لا تخلو من وجه (1) وان ارتكب المكلف محرما بترك الاحرام من الميقات (2). لكن الاحوط ] من المتأخرين بل قيل انه يحتمله اطلاق المبسوط والمصباح ومختصره واختاره كاشف اللثام وصاحب المستند. واستدل للمشهور بان الحكم بالفساد مؤاخذة له بسوء فعله واختياره ولاطلاق مادل على اعتبار التوقيت في صحة الاحرام ولانه ترك الوظيفة اختيارا فيفسد حجه لفوات الكل بانتفاء جزئه، نظير ترك التكبيرة للصلاة فيجب عليه الاتيان بالحج في السنة القادمة إذا كان مستطيعا وإلا فلا. (1) لما عرفت من استناد القول بالصحة إلى صحيح الحلبي المتقدم فانه باطلاقه يشمل العامد وغيره وليس فيه ما يظهر اختصاصه بالجاهل بل قوله: (عن رجل ترك الاحرام ظاهر في الترك العمدي. ولكن صاحب الجواهر رجح روايات التوقيت العامة على صحيح الحلبي وقدمها عليه وادعى ان ذلك اولى من وجوه، ومقتضى الروايات العامة هو الفساد لفقدان الشرط. ولا يخفي ما فيه: لان نسبة صحيح الحلبي إلى روايات الميقات نسبة الخاص إلى العام لان مورد صحيح الحلبي خشية فوت الحج وتلك الروايات مطلقة من هذه الجهة ولا ريب في تقدم الخاص على العام. (2) لان من كان مريدا للنسك لا يجوز له المرور من الميقات إلا محرما.

[ 317 ]

[ مع ذلك اعادة الحج عند التمكن منها (1). واما إذا لم يأت المكلف بوظيفته في هذه الصور الثلاث واتى بالعمرة فلا شك في فساد حجه (2). (مسألة 169): إذا ترك الاحرام من نسيان أو اغماء أو ماشا كل ذلك أو تركه عن جهل بالحكم أو جهل بالميقات فللمسألة - كسابقتها - صور اربع: (الصورة الاولى): ان يتمكن من الرجوع إلى الميقات فيجب عليه الرجوع والاحرام من هناك (3). ] (1) خروجا عن شبهة مخالفة المشهور. (2) كما هو واضح لعدم اتيانه بالعمرة على الوجه المأمور به. فيفسد حجه. (1) يدل عليه الاخبار العامة الدالة على توقيت المواقيت فان مقتضاها لزوم الاحرام منها ما تمكن من ذلك. مضافا إلى الروايات الخاصة الواردة بعضها في الجاهل وبعضها في الناسي وبعضها مطلق ففي صحيحة الحلبي (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل نسي ان يحرم حتى دخل الحرم، قال: قال ابي: يخرج إلى ميقات أهل أرضه، فان خشي ان يفوته الحج احرم من مكانه) (1). وفي صحيح معاوية بن عمار (سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فارسلت إليهم فسألتهم فقالوا: ما ندري أعليك


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 318 ]

[ (الصورة الثانية): ان يكون في الحرم، ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات لكن امكنه الرجوع إلى خارج وعليه - حينئذ - الرجوع إلى الخارج والاحرام منه. والاولى في هذه الصورة الابتعاد عن الحرم بالمقدار الممكن ثم الاحرام من هناك (1). ] احرام أم لا وانت حائض فتركوها حتى دخلت الحرم فقال (ع): ان كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه فان لم يكن عليها وقت (ملهة) فلترجع إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يقوتها) (1). وفي صحيح آخر للحلبي (سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم: فقال: يرجع إلى ميقات اهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، فان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه) (2). فان المستفاد من هذه الروايات ان من ترك الاحرام من المواقيت نسيانا أو جهلا يجب عليه الرجوع إلى الميقات والاحرام منه إذا تمكن من ذلك. (1) يدل عليه النصوص المتقدمة فان مقتضاها وجوب الخروج إلى خارج الحرم والاحرام من الخارج سواء احرم من اول رأس الحد أو ابتعد عنه قليلا أو كثيرا فان الميزان بالاحرام خارج الحرم في أي مكان شاء ولا يجب الابتعاد بالمقدار الممكن لاطلاق الروايات المتقدمة الدالة


(1) و (2) الوسائل: باب 14 من أبواب المواقيت ح 4 و 7.

[ 319 ]

[ (الصورة الثالثة): ان يكون في الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الخارج، وعليه في هذه الصورة ان يحرم من مكانه وان كان داخل مكة (1). (الصورة الرابعة): ان يكون خارج الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات، وعليه في هذه الصورة ان يحرم من محله (2) ]. على مجرد الخروج من الحرم والاحرام منه وتقييد تلك الروايات بمن لا يتمكن من الابتعاد تقييد بالفرد النادر فان كل من يتمكن من الخروج من الحرم يتمكن من الابتعاد منه بمقدار مائة ذراع أو أقل أو أكثر. نعم ورد الابتعاد بالمقدار الممكن في خصوص الطامث في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة والتعدي عن موردها إلى غيرها ذوى الاعذار كالناسي والجاهل قياس لا نلتزم به. (2) لاطلاق صحيح الحلبي الثاني لان موضوع الحكم المذكور فيه من ترك الاحرام حتى دخل الحرم، واطلاقه يشمل الجاهل والناسي كما ان اطلاقه يشمل حتى من دخل مكة ولم يمكنه الرجوع. فانه يحرم من مكانه. (1) هذه الصورة على نحوين: احدهما: ما إذا فرض ان امامه ميقات آخر كما إذا تجاوز بلا احرام عن مسجد الشجرة جهلا أو نسيانا ثم تذكر وعلم ولكن لا

[ 320 ]

[ وفي جميع هذه الصور الاربع يحكم بصحة عمل المكلف إذا قام بما ذكرناه من الوظائف. وفي حكم تارك الاحرام ] يتمكن من الرجوع إلى مسجد الشجرة وكان امامه الجحفة، ففي مثله يجب عليه الاحرام من الجحفة، لان الرجوع إلى الميقات الاول غير واجب عليه لفرض عدم قدرته على الرجوع إليه فيجب الاحرام من الميقات الامامي لعموم ما دل على لزوم الاحرام من الميقات وعدم التجاوز عنه بلا إحرام. ثانيهما: ما إذا لم يكن امامه ميقات آخر ولا يتمكن من الرجوع إلى الميقات الذي تجاوزه بلا إحرام أو سلك طريقا لا يمر بميقات أصلا فذكر غير واحد انه يحرم من مكانه ومحله. ولا ريب ان هذا مبني على وجوب الابتعاد بالمقدار الممكن عن محل الذكر ورفع العذر. كما ورد ذلك بالنسبة إلى الحائض في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (1): وأما بناءا على عدم وجوب الابتعاد بالمقدار الممكن على الاطلاق - وانما ثبت ذلك في خصوص الحائض - فلا يجب الاحرام من مكانه ومحله بل هو مخير في الاحرام من أي موضع شاء قبل الوصول إلى الحرم لان الميزان بوقوع الاحرام في خارج الحرم سواء وقع الاحرام في مكان الذكر أو بعده قبل الوصول إلى الحرم فالحكم المذكور في المتن مبني على الاحتياط فانه حسن بلا اشكال.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب المواقيت ح 4.

[ 321 ]

[ من احرم قبل الميقات أو بعده ولو كان عن جهل أو نسيان (1). (مسألة 170): إذا تركت الحائض الاحرام من الميقات لجهلها بالحكم إلى ان دخلت الحرم فعليها - كغيرها - الرجوع إلى الخارج والاحرام منه إذا لم تتمكن من الرجوع إلى الميقات. بل الاحوط لها - في هذه الصورة - ان تبتعد عن الحرم بالمقدار الممكن ثم تحرم على ان لا يكون ذلك مستلزما لفوات الحج، وفيما إذا لم يمكنها انجاز ذلك فهي وغيرها على حد سواء (2). (مسألة 171): إذا فسدت العمرة وجبت اعادتها مع التمكن - ومع عدم الاعادة - ولو من جهة ضيق ] (1) لان الاحرام قبل الميقات أو بعده في حكم العدم لا يترتب عليه اي اثر من الآثار. (2) يدل على ذلك كله صحيح معاوية بن عمار المتقدمة الواردة في الطامث (1). وقد عرفت ان لزوم الابتعاد بالمقدار الممكن خاص بها دون غيرها من ذوي الاعذار.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب المواقيت ح 4.

[ 322 ]

[ الوقت - يفسد حجه وعليه الاعادة في سنة اخرى (1). (مسألة 172): قال جمع من الفقهاء بصحة العمرة فيما إذا اتى المكلف بها من دون احرام لجهل ونسيان، ولكن هذا القول لا يخلو من اشكال والاحوط - في هذه الصورة - الاعادة على النحو الذي ذكرناه فيما إذا تمكن منها وهذا الاحتياط لا يترك البتة (2). ] (1) لان حج التمتع مركب من العمرة والحج فإذا فسد أحد الجزئين يفسد الكل طبعا، ولا دليل على الاجتزاء بالناقص ولا على تبديل حجه من التمتع إلى الافراد. (2) لو نسي الاحرام ولم يذكر حتى اتى بجميع اعمال العمرة وواجباتها فالمشهور شهرة عظيمة كما في الجواهر (1) صحتها وكذا لو تركه جهلا بوجوبه حتى اتى بجميع أعمال العمرة، خلافا لابن ادريس فقال بلزوم الاعادة إذا كانت العمرة واجبة، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ولا دليل على الاجزاء بالفاقد. وقد استدل المشهور بمرسل جميل الوارد في الناسي والجاهل عن بعض اصحابنا عن احدهما (ع) (في رجل نسي ان يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى) قال: تجزيه نية إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وان لم يهل) (2).


(1) الجواهر: ج 18 ص 133. (2) الوسائل: باب 20 من أبواب المواقيت ح 1 و 2.

[ 323 ]

[ (مسألة 173): قد تقدم ان النائي يجب عليه الاحرام لعمرته من احد المواقيت الخمسة الاولى فان كان طريقه منها فلا اشكال، وان كان طريقه لا يمر بها كما هو الحال في زماننا هذا، حيث ان الحجاج يردون جدة ابتداء وهي ليست من المواقيت فلا يجزى الاحرام منها حتى إذا كانت محاذية لاحد المواقيت - على ما عرفت - فضلا عن ان محاذاتها غير ثابتة بل المطمأن به عدمها، فاللازم على الحاج - حينئذ - ان يمضي إلى احد المواقيت مع الامكان ] ومورده وان كان الحج ولكن قد اطلق الحج على عمرة التمتع في غير واحد من الروايات. على ان نسيان الاحرام المذكور في صدر الرواية مطلق من حيث العمرة والحج. والجواب: ان الخبر ضعيف بالارسال، وما يقال من انجبار الضعف بالشهرة فلا نلتزم به. وأما صحيحا على بن جعفر الدالان على صحة الحج إذا نسى الاحرام أو جهله (1) فلا ينبغي الاستدلال بهما للمقام لورودهما وصراحتهما في خصوص احرام الحج ولذا نلتزم بمضمونهما في احرام الحج. وبالجملة: لا دليل على الصحة في مورد العمرة.


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب المواقيت ح 3 و 1 و 2.

[ 324 ]

[ أو ينذر الاحرام من بلده أو من الطريق قبل الوصول إلى جدة بمقدار معتد به، ولو في الطائرة فيحرم من محل نذره، ويمكن لمن ورد جدة بغير احرام ان يمضي إلى - رابغ - الذي هو في طريق المدينة المنورة ويحرم منه بنذر باعتبار انه قبل الجحفة التي هي احد المواقيت وإذا لم يمكن المضي إلى احد المواقيت، ولم يحرم - قبل ذلك - بنذر لزمه الاحرام من جدة بالنذر، ثم يجدد احرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه) (1). ] (1) بعدما علم ان جدة ليست من المواقيت ولا محاذية لها فلا يجوز الاحرام منها، بل حتى ولو فرضنا انها محاذية لاحد المواقيت لما عرفت من ان الاكتفاء بالاحرام من المحاذي لا دليل عليه الا بالنسبة إلى مسجد الشجرة في مورد خاص. فيجوز لمثل هذا الشخص نذر الاحرام قبل الوصول إلى جدة بمقدار معتد به حتى يحرز بذلك نذر الاحرام قبل الميقات فان المواقيت قبلها ويصح احرامه للنص الدال على جواز تقديم الاحرام على الميقات بالنذر، ولا ضير في الاستظلال بعده بسقف الطائرة ونحوها باعتبار الاضطرار إليه، فقبل الركوب في الطائرة يجوز له نذر الاحرام للنص وبعد النذر يضطر إلى ركوب الطائرة على الفرض فلا يكون حراما، وسنذكر قريبا - ان شاء الله - ان العزم على اتيان المحرمات لا يضر بالاحرام لخروج العزم على الترك عن حقيقة الاحرام، وقد صرح السيد في

[ 325 ]

[ (مسألة 174): تقدم ان المتمتع يجب عليه ان يحرم لحجه من مكة، فلو احرم من غيرها عالما عامدا لم يصلح احرامه وان دخل مكة محرما، بل وجب عليه الاستيناف من مكة مع الامكان وإلا بطل حجه (1). ] العروة بان ليس الثوبين غير دخيل في حقيقة الاحرام، وانما هو واجب تعبدي ولذا يصح احرامه إذا احرم في المخيط، نعم تجب عليه كفارة التظليل. وإذا ورد جدة بلا احرام ولم يتمكن من المضي إلى أحد المواقيت - كما يتفق في زماننا هذا كثيرا - فيجوز له ان يمضي إلى - رابغ - الذي هو قبل الجحفة ويحرم منه وإن لم يمكنه المضي إلى أحد المواقيت، ولم يحرم قبل ذلك لزمه الاحرام من جدة بالنذر ثم يجدد احرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه، فان فعل ذلك يجزي عل جميع التقادير لان ميقات هذا الشخص ان كان أدنى الحل فقد احرم منه على الفرض ويكون احرامه من جدة بالنذر من نذر الاحرام قبل الميقات، وان كانت جدة من بعد ميقاته فحيث أن المفروض عدم تمكنه من الرجوع إليه فيحرم من مكانه - وهو جدة - نظير من تجاوز عن الميقات فلم يحرم منه لجهل أو نسيان أو اغماء ونحوها من الاعذار ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات فان عليه ان يحرم من مكانه. (1) لفوات المشروط بفوات شرطه ففي الحقيقة يكون ممن ترك الوقوف اختيارا فان مجرد وجوده في الموقف بلا احرام غير صحيح

[ 326 ]

[ (مسألة 175): إذا نسي المتمتع الاحرام للحج بمكة وجب عليه العود مع الامكان، والا احرم في مكانه ولو كان في عرفات - صح حجه وكذلك الجاهل بالحكم (1). (مسألة 176): لو نسي احرام الحج ولم يذكر حتى اتى بجميع اعماله صح حجه، وكذلك الجاهل (2). ] لا يترتب عليه أي اثر أصلا (1) إذا تمكن من العود من دون ان يفوت عنه الموقف فلا ريب في وجوب العود فان العبرة في وجوب العود وعدمه بخشية فوت الموقف كما دل عليه صحيح الحلبي (قال أبي: يخرج إلى ميقات أهل أرضه، فان خشي أن يفوته الحج احرم من مكانه) (1). وان لم يتمكن من العود بأن خشي فوت الموقف احرم من مكانه ولو في عرفات ويدل عليه صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك فقد تم احرامه فان جهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده ان كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجه) (2). (2) يدل عليه صحيح علي بن جعفر عن أخيه (ع) قال: سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم


(1) و (2) الوسائل: باب 14 من أبواب المواقيت ح 1 و 8.

[ 327 ]

حجه) (1)، فانه شامل للناسي والجاهل بناءا على شمول الجهل للاعم منه ومن النسيان، فان النسيان من أفراد الجهل أيضا، والمستفاد من الادلة ان العبرة بالعذر سواء كان مستندا إلى الجهل أو النسيان، والا فلا خصوصية لذكر النسيان أو الجهل. هذا مضافا إلى دلالة صحيح علي بن جعفر المتقدم على الصحة في مورد الجهل.


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 328 ]

[ - كيفية الاحرام - وواجبات الاحرام ثلاثة امور: الامر الاول: النية، ومعنى النية: ان يقصد الاتيان بما يجب عليه في الحج أو العمرة متقربا به إلى الله تعالى وفيما إذا لم يعلم المكلف به تفصيلا وجب عليه قصد الاتيان به اجمالا، واللازم عليه - حينئذ - الاخذ بما يجب عليه شيئا فشيئا من الرسائل العملية أو ممن يثق به من المعلمين (1) فلو احرم من غير قصد بطل احرامه (2). ويعتبر في النية امور: الاول: القربة كغير الاحرام من العبادات (3). ] (1) فان القصد بما يجب عليه من الاعمال والافعال يتوقف على معرفته لذلك تفصيلا، أو اجمالا فيجوز له تعلم الاعمال والواجبات شيئا فشيئا من الرسائل العملية، أو ممن يثق به من العلماء والمرشدين ولا يجب عليه ان يكون عالما بجميع الاعمال من الاول. (2) لان العمل الصادر من دون قصد - كالعمل الصادر غفلة أو سهوا - غير اختياري له فلابد له من القصد إليه ليكون صدوره منه اختياريا، (3) لان الاحرام من العبادات، ولا يتصف العمل بالعبادة إلا

[ 329 ]

[ (الثاني): ان تكون مقارنة للشروع فيه (1)، (الثالث): تعيين ان الاحرام للعمرة أو للحج، وان الحج تمتع أو قران أو افراد، وانه لنفسه أو لغيره، وانه حجة الاسلام، أو الحج النذري أو الواجب بالافساد أو الندبي فلو نوى الاحرام من غير تعيين بطل احرامه (2). ] بالقربة والخلوص ونفي التشريك، وان يكون الداعي والمحرك إلى العمل هو الامر الالهي كما في سائر الامور العبادية. (1) فان العمل إذا كان عباديا يجب ان يكون العمل من اوله إلى آخره مقارنا للنية فلابد من ان يكون الاحرام بتمام اجزائه صادرا عن النية والقصد والقربة، فلو صدر بعض الاجزاء بلا نية لا يترتب الاثر على العمل إذ لم يأت بالعمل المأمور به. هذا لو بنينا على ان الاحرام عبارة عن التلبية فالامر واضح، فلو سبق لسانه باول جزء من التلبية من دون قصد واتى ببقية الاجزاء مع النية لا يجزى ذلك عما وجب عليه من التلبية. نعم لو التزمنا بان الاحرام عبارة عن الالتزام النفساني بالتروك وعقد القلب عليه فهو امر بسيط نفساني اما موجود أو معدوم ولا يتصور فيه اول أو آخر فلا يتصور فيه حصول القصد في الاثناء. (2) لان الحج له اقسام كثيرة مختلفة فإذا لم يقصد امرا معينا وقسما خاصا في مقام الامتثال لا يقع ما اتى به عن شئ منها فان امتثال كل امر يتوقف على قصده معينا ولا يتعين إلا بالقصد حين الاتيان

[ 330 ]

[ (مسألة 177): لا يعتبر في صحة النية التلفظ ولا الاخطار بالبال بل يكفي الداعي كما في غير الاحرام من العبادات (1). ] بالعمل فلو فرضنا انه احرم وقصد ان يعينه بعد ذلك بحيث كان العمل حين الاتيان به غير معين لا يكفى هذا في مقام الامتثال. نعم يكفي التعيين الاجمالي بان يقصد المتعين واقعا وان كان لا يدري به فعلا كما لو فرضنا انه عينه سابقا وكتبه في دفتره الخاص ولكن نسي ما كتبه وعينه فيقصد الاحرام على النحو الذي كتبه، فان هذا يكون مجزيا في مقام الامتثال لان الفرد متعين واقعا والمفروض انه يقصد الفرد المعين الواقعي ولا يضر جهله به بالفعل، نظير تعيين البسملة إلى سورة خاصة كما إذا قرأ البسملة وقصد بها للسورة التي بعد هذه الصفحة وهو لا يعلم السورة بالفعل. (1) فان النية عبارة عن القصد وهو يتحقق وان لم يتلفظ به والميزان في صحة العمل القربي استناد الفعل إلى الله تعالى بحيث يكون امره سبحانه محركا وداعيان إليه ولا يلزم ازيد من ذلك كما هو الحال في جميع العبادات. نعم يستفاد من جملة من الاخبار استحباب التلفظ بالنية في خصوص باب الحج للامر به في النصوص. منها: صحيح حماد (اللهم انى اريد ان التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك وان شئت اضمرت الذي تريد) (1).


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب الاحرام ح 1.

[ 331 ]

[ (مسألة 178): لا يعتبر في صحة الاحرام العزم على ترك محرماته - حدوثا وبقاءا - إلا الجماع والاستمناء، فلو عزم من اول الاحرام في الحج على ان يجامع زوجته أو يستمنى - قبل الوقوف بالمزدلفة - أو تردد في ذلك بطل احرامه على وجه، واما لو عزم على الترك من اول الامر ولم يستمر عزمه بان نوى بعد تحقق الاحرام الاتيان بشئ ] ومنها: صحيحة معاوية بن عمار في (حديث) اللهم انى اريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك (صلى الله عليه وآله) (1). ومنها: صحيح ابن سنان (إذا اردت الاحرام والتمتع فقل: (اللهم اتي اريد ما امرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج) (2). وفي بعض الروايات ما يظهر منه استحباب الاضمار وعدم التلفظ ففي صحيح منصور بن حازم (امرنا أبو عبد الله (ع) ان نلبي ولا نسمي شيئا، وقال: اصحاب الاضمار احب الي) وحملوا هذه الروايات على التقية جمعا بين الاخبار كما عن المنتهى والمدارك. ويمكن ان يقال ان ما دل على استحباب الاضمار يراد به عدم الاظهار بالعمرة أو الحج لااستحباب اضمار النية وعدم التلفظ بها فانه بذلك يجمع بين التلفظ بالنية والتقية.


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب الاحرام ح 2 و 5.

[ 332 ]

[ منهما لم يبطل احرامه (1). ] (1) لان الاحرام ليس هو الالتزام وتوطين النفس على ترك المحرمات بل الاحرام عبارة عن التلبية الموجبة للاحرام والدخول في الحرمة أو عما يترتب على التلبية فالاحرام اسم للسبب أو للمسبب فهو نظير الافعال التوليدية المترتبة على عناوين خاصة كالطهارة المترتبة على الوضوء أو الغسل ولذا قد يؤمر بالغسل وقد يؤمر بالطهارة كقوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) وقوله تعالى: (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) وهكذا المقام فانه قد امر في الروايات تارة: بالاحرام واخرى: بالتلبية، فهما في الحقيقة شئ واحد. فالعزم على ترك المحرمات خارج عن حقيقة الاحرام وانما هي احكام مترتبة على الاحرام لا انها نفس الاحرام فلا يضر الاتيان بها في الخارج في عقد الاحرام فضلا عن العزم إليها فان الاتيان بها خارجا إذا لم يكن منافيا لعقد الاحرام فالعزم إليها بطريق اولى. نعم: لو كان بعض التروك والمحرمات موجبا لبطلان الاحرام كالجماع والاستمناء فالعزم اليهما من الاول يوجب بطلان احرامه لا لاجل ان الاحرام هو العزم على ترك المحرمات بل لمنافاة ذلك لقصد الاحرام الصحيح فان المنوي إذا كان منافيا للحج فالعزم إليه يلازم عدم القصد إلى الحج حقيقة. والحاصل: بقية المحرمات محرمات تكليفية محضة واما الجماع والاستمناء فيجتمع فيهما الحكمان التكليفي وهو الحرمة والوضعي وهو الفساد. نعم: لو كان عازما على تركهما من اول الامر ولكنه لم يستمر

[ 333 ]

[ (الامر الثاني): التلبية، وصورتها ان يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) والاحوط الاولى اضافة هذه الجملة: (ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك) ويجوز اضافة (لك) إلى الملك، بان يقول: والملك لك لا شريك لك لبيك (1). ] على عزمه ونوى الاتيان بشئ منهما بعد تحقق الاحرام منه لم يبطل احرامه لان الاحرام قد تحقق وانعقد صحيحا ولا دليل على بطلانه بمجرد العزم اليهما بعد وقوع الاحرام صحيحا. (1) يدل على وجوب التلبيات الاربع المذكورة في المتن صحيح معاوية بن عمار (في حديث) قال: التلبية ان تقول: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك - ثم قال (ع): واعلم انه لابد من التلبيات الاربع التي كن في اول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد الحديث) (1). فانها: صريحة في ان الواجب هو التلبيات الاربع التي ذكرها في اول الحديث واما البقية فهي مستحبة، ولا دليل على وجوب الزيادة على ذلك ولا على غير هذه الكيفية. بل يمكن ان يقال: بان المستفاد من النصوص لزوم الاتيان بالتلبيات الاربع المذكورة في صحيح معاوية بن عمار باي كيفية اتى


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب الاحرام ح 2.

[ 334 ]

[ (مسألة 179): على المكلف ان يتعلم الفاظ التلبية ويحسن اداءها بصورة صحيحة كتكبيرة الاحرام في الصلاة ولو كان ذلك من جهة تلقينه هذه الكلمات من قبل شخص آخر، فإذا لم يتعلم تلك الالفاظ ولم يتيسر له التلقين يجب عليه التلفظ بها بالمقدار الميسور، والاحوط في هذه الصورة الجمع بين الاتيان بالمقدار الذى يتمكن منه والاتيان بترجمتها، والاستنابة لذلك (1). ] بها ولو بالفصل بينها بدعاء أو ذكر أو كلام آدمي ما لم يضر ذلك في صدق عنوان التلبية. (1) لا شك في ان اللازم على المكلف الاتيان بالتلبيات على الوجه الصحيح بمراعاة اداء الكلمات على طبق القواعد العربية واداء الحروف من مخارجها، فلا يجزي الملحون مع التمكن من الصحيح ولو بتلقين شخص اياه، وذلك لان المأمور به هو التلبية الصحيحة المذكورة في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة حيث ان الامام (ع) قرأ هذه الكلمات على الوجه الصحيح فهذا هو الذي تعلق به الامر ولا دليل على الاجتزاء بالملحون. ولا خلاف في ذلك. وانما وقع الخلاف فيما إذا لم يتمكن من اداء الصحيح ولو الطرق العادية فماذا يجب عليه؟ فهل يكتفى بالملحون أو يستنيب أو يأتي بترجمتها؟ ربما يقال: بان مقتضى الجمع بين قاعدة الميسور وخبر زرارة (ان رجلا قدم حاجا لا يحسن ان يلبي فاستفتي له أبو عبد الله (ع).

[ 335 ]

فامر له ان يلبي عنه) (1) هو الاتيان بالملحون والاستنابة لان مقتضى قاعدة الميسور هو الاجتزاء بالملحون ومقتضى الخبر لزوم الاستنابة. والجواب عنه: ان خبر زرارة لو تم سندا فالمتعين الاستنابة ولا حاجة إلى القاعدة وان كان ضعيفا فلا ملزم للاستنابة، ولكن الرواية ضعيفة سندا بياسين الضرير فانه لم يوثق، واما قاعدة الميسور فقد ذكرنا غير مرة انها غير تامة في نفسها فلا يصلح ان تكون سندا لحكم شرعي. والظاهر هو الاجتزاء بالملحون فيما إذا لم يمتكن من الصحيح لمعتبرة مسعدة بن صدقة، قال: (سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول: انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح (الحديث) (2). فانها واضحة الدلالة على جواز الاكتفاء بالملحون لكل من لا يتمكن من القراءة الصحيحة سواء في الصلاة أو في التلبية فلا حاجة إلى الترجمة والاستنابة فمفادها مفاد قاعدة الميسور. ولذا صرح سيدنا الاستاذ - دام ظله - في تعليقته على العروة بان الاظهر جواز الاكتفاء بالملحون. نعم: لا ريب ان الاحوط ضم الاستنابة إليه واحوط منه ضم الترجمة إليه أيضا.


(1) الوسائل: باب 39 من أبواب الاحرام ج 2 (2) الوسائل: باب 17 من أبواب القراءة في الصلاة ح 2.

[ 336 ]

[ (مسألة 180): الاخرس يشير إلى التلبية باصبعه مع تحريك لسانه، والاولى ان يجمع بينها وبين الاستنابة (1). (مسألة 181): الصبي غير المميز يلبي عنه (2). (مسألة 182): لا ينعقد احرام حج التمتع واحرام عمرته واحرام حج الافراد واحرام العمرة المفردة إلا بالتلبية، واما حج القران فكما يتحقق احرامه بالتلبية يتحقق بالاشعار أو التقليد (3). ] (1) يدل عليه موثق السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: (تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه) (1). (2) يدل عليه صحيح زرارة عن احدهما (ع) قال: (إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فابه يأمره ان يلبي ويفرض الحج، فان لم يحسن ان يلبي لبوا عنه ويطاف به ويصلي عنه) الحديث (2). (3) لا اشكال في ان التلبية ثابتة في جميع أقسام العمرة والحج حتى حج القران وبها يتحقق الاحرام وهي التي توجب الدخول في حرمة الله تعالى وما لم يلب يجوز له ارتكاب المنهيات المعهودة. ففي صحيح الحلبي، قال: (سألته لم جعلت التلبية؟ فقال: ان الله عزوجل أوحى إلى ابراهيم ان (اذن في الناس بالحج يأتوك


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب قراءة الصلاة ج 1. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب اقسام الحج ح 5

[ 337 ]

رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) فنادى فأجيب من كل وجه يلبون) (1). ويظهر منه ان التلبية استجابة لله تعالى ولا تختص بقسم خاص من أقسام الحج. وفي صحيحة معاوية بن وهب (تحرمون كما أنتم في محاملكم تقول: (لبيك إلى الآخر) (2). وفي صحيحة معاوية بن عمار (واعلم انه لابد من التلبيات الاربع التي كن في اول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد وبها لبى المرسلون) (3). وفي صحيحة عبد الرحمان (في الرجل يقع على أهله بعدما يعقد الاحرام ولم يلب، قال: ليس عليه شئ) (4) والمراد بقول السائل: (بعدما يعقد الاحرام) أي بعد ما عزم على الاحرام. ويظهر من هذه الروايات ان التلبية ثابتة في الحج وان الاحرام لا ينعقد الا بها. هذا كله بالنسبة إلى مطلق الحج. وأما في خصوص حج القران فالمعروف بينهم انه لا يتعين عليه التلبية بل الحاج مخير بين عقد الاحرام بالتلبية أو بالاشعار أو التقليد ويدل عليه النصوص. منها صحيحة معاوية بن عمار (قال: يوجب الاحرام ثلاثة اشياء: التلبية، والاشعار، والتقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد


(1) الوسائل: باب: 36 من أبواب الاحرام ح 1. (2) و (3) الوسائل: باب 40 من أبواب الاحرام ح 1 و 2. (4) الوسائل: باب 14 من أبواب الاحرام ح 2.

[ 338 ]

[ والاشعار مختص بالبدن، والتقليد مشترك بين البدن وغيرها من انواع الهدي (1) والاولى الجمع بين الاشعار والتقليد في البدن: والاحوط التلبية على القارن وان كان عقد احرامه بالاشعار أو التقليد. ] احرم) (1). وفي صحيحة اخرى له (والاشعار والتقليد بمنزلة التلبية) (2). فما عن السيد وابن ادريس من عدم انعقاد الاحرام حتى في حج القران الا بالتلبية ضعيف مردود بهذه الروايات. كما ان ما نسب إلى الشيخ من ان انعقاد الاحرام بالاشعار متوقف على العجز من التلبية ضعيف باطلاق الروايات المتقدمة. (1) أما اختصاص البدن بالاشعار وعدم ثبوته في غيره فقد يظهر من صحيح عمر بن يزيد (من اشعر بدنته فقد احرم) (3). إذ لو كان الاشعار ثابتا في غير البدنة لكان ذكر البدنة بخصوصها لغوا لان الظاهر من القيد عدم سريا الحكم إلى الطبيعي وإلا لكان ذكر القيد لغوا. بل يكفينا في اختصاص الاشعار بالبدن عدم الدليل على ثبوته في غيره. واما اشتراك التقليد بين جميع اقسام الهدي فيدل عليه جملة من الروايات (4).


(1) و (2) الوسائل: باب 12 من أبواب أقسام الحج ح 20 و 11. (3) الوسائل: باب 12 من أبواب اقسام الحج ح 21. (4) الوسائل: باب 12 من أبواب اقسام الحج.

[ 339 ]

[ ثم ان الاشعار هو شق السنام الايمن بان يقوم المحرم من الايسر من الهدى ويشق سنامه من الجانب الايمن ويلطخ صفحته بدمه والتقليد هو ان يعلق في رقبة الهدي نعلا خلقا قد صلى فيها (1). ] ثم انه في البدن مخير بين الاشعار والتقليد كما يدل عليه اطلاق صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة وغيرها. ولكن الاولى هو الجمع بين الاشعار والتقليد في البدن لصحيح معاوية بن عمار (البدن تشعر في الجانب الايمن ويقوم الرجل في الجانب الايسر ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيها). واولى من ذلك هو الجمع بين التلبية والاشعار والتقليد وعدم الاكتفاء بالاشعار أو التقليد خروجا عن مخالفة السيد المرتضى والحلى. (1) لاريب في ان المعتبر في كيفية الاشعار ان يشق سنامه من الجانب الايمن ولا يتحقق بسائر اعضائه. نعم يستثنى من ذلك صورة واحدة وهي ما لو كانت معه بدن كثيرة فيجوز الرجل ان يدخل بين اثنين منهما فيشعر هذه من الجانب الايمن ويشعر هذه من الجانب الايسر كما يدل عليه صحيح حريز (إذا كانت بدن كثيرة فاردت ان تشعرها دخل الرجل بين كل بدنتين فيشعرها هذه من الشق الايمن، ويشعر هذه من الشق الايسر) (1). واما بقية الخصوصيات كوقوف الرجل من الجانب الايسر وتلطخ


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب اقسام الحج ح 19.

[ 340 ]

[ (مسألة 183): لا يشترط الطهارة عن الحدث ] صفحته بدمه فلم يرد فيها نص بالخصوص وانما هي مذكورة في كلمات الفقهاء ولا ريب انه احوط وتفرغ ذمته بذلك قطعا. وربما يقال بان صحيح معاوية بن عمار تدل على لزوم قيام الرجل في الجانب الايسر من البدنة لقوله (ع): (البدن تشعر في الجانب الايمن، ويقوم الرجل في الجانب الايسر، ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيها) (1). ولكن في دلالة الرواية على ذلك نظر لاحتمال رجوع قوله: (ويقوم الرجل في الجانب الايسر) لقوله: (ثم يقلدها بنعل خلق) فيكون دالا على تقليد الحيوان فيما إذا كان الرجل قائما في الجانب الايسر فيكون ذلك مستحبا لان اصل التقليد في مورد الاشعار مستحب فضلا عن خصوصياته. واما التقليد بالنحو المذكور في المتن فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار (يقلدها بنعل قد صلى فيها) (2) ويتحقق التقليد أيضا بان يجلله بشئ كالخيط والسير، ويدل عليه معتبرة الحلبي (عن تجليل الهدى وتقليدها فقال: لا تبالي اي ذلك فعلت) (3) وصحيحة زرارة (كان الناس يقلدون الغنم والبقر وانما تركه الناس حديثا ويقلدون بخيط وسير) (4).


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب اقسام الحج ح 4. (2) و (3) و (4) الوسائل: باب 12 من أبواب اقسام الحج ح 17 و 5 و 9.

[ 341 ]

[ الاصغر والاكبر في صحة الاحرام فيصح الاحرام من المحدث بالاصغر أو الاكبر كالمجنب والحائض والنفساء وغيرهم (1). (مسألة 184): التلبية بمنزلة تكبيرة الاحرام في الصلاة فلا يتحقق الاحرام إلا بها أو بالاشعار أو التقليد لخصوص القارن، فلو نوى الاحرام ولبس الثوبين وفعل شيئا من المحرمات قبل تحقق الاحرام لم يأثم وليس عليه كفارة (2). (مسألة 185): الافضل لمن حج عن طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء، ولمن حج عن طريق آخر تأخيرها إلى ان يمشي قليلا، ولمن حج من مكة تأخيرها إلى الرقطاء ] (1) بلا خلاف لعدم الدليل على الاشتراط واطلاق الادلة بنفيه. مضافا إلى النصوص الواردة في احرام الحائض والنفساء (1). (2) للنصوص الدالة على انه ما لم يلب ليس عليه شئ ويجوز له ارتكاب المحرمات حتى الجماع فان المستفاد من هذه النصوص (2). ان التلبية توجب عليه الدخول في الحرمة الالهية وتحرم عليه المحرمات والاشعار والتقليد بمنزلة التلبية كما في النص (3).


(1) الوسائل: باب 48 و 49 من أبواب الاحرام. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب الاحرام. (3) الوسائل: باب 12 من أبواب اقسام الحج 11 و 20.

[ 342 ]

[ ولكن الاحوط التعجيل بها مطلقا ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة، والبيداء بين مكة والمدينة على ميل من ذى الحليفة نحو مكة والرقطاء موضع يسمى مدعى دون الردم (1). ] (1) يدل على افضلية تأخير التلبية في الموارد الثلاثة المذكورة في المتن نصوص كثيرة. منها: صحيحة معاوية بن وهب قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التهيؤ للاحرام، فقال: مسجد الشجرة، فقد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد ترى اناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما انتم في محاملكم تقول: لبيك اللهم لبيك) الحديث (1). وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (صل الكتوبة ثم احرم بالحج أو بالمتعة واخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى اول البيداء إلى اول ميل عن يسارك فإذا استوت بك الارض راكبا كنت أو ماشيا فلب) (2). وفي صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (ع) (قال: ان احرمت من غمرة ومن بريد البعث صليت وقلت كما يقول المحرم في دبر صلاتك وان شئت لبيت من موضعك، والفضل ان تمشي قليلا


(1) و (2) الوسائل 34 من أبواب الاحرام ح 3 و 6.

[ 343 ]

ثم تلبي) (1). وفي صحيح الفضلاء عن أبي عبد الله (ع) في (حديث) (قال: وان اهللت من المسجد الحرام للحج فان شئت لبيت خلف المقام وافضل ذلك ان تمضى حتى تأتي الرقطاء، وتلبي قبل ان تصير إلى الابطح (2). إلا انه يتوجه هنا اشكال - في خصوص تأخير التلبية إلى البيداء لمن حج عن طريق المدينة - وهو انه بعد البناء على ان الاحرام يتحقق بالتلبية وهي التي توجب الدخول في حرمة لا تهتك، أو انها متممة للاحرام، فكيف يجوز تأخيرها عن مسجد الشجرة، لرجوع ذلك في الحقيقة إلى جواز تأخير الاحرام عن مسجد الشجرة. فيقع البحث في موردين: احدهما: فيما ذهب إليه صاحب الحدائق (ره) (3) من وجوب تأخير التلبية إلى البيداء استنادا إلى ظواهر النصوص الكثيرة الآمرة بالتأخير، وقال (ره): لا موجب لرفع اليد عن ظهور الروايات وذكر ان هذا الحكم مختص بمسجد الشجرة واما في غيره فحكم التخيير بين اتيان التلبية من نفس الميقات أو التأخير بها عن الميقات بمقدار يسير. ويرده: ان العلماء (ره) اجمعوا وتسالموا على جواز الاحرام والتلبية من نفس مسجد الشجرة ولم يلتزموا بوجوب تأخيرها إلى البيداء للسيرة القطعية الجارية بين المسلمين على انهم يحرمون من مسجد الشجرة ولا يشك احد في الاكتفاء بذلك وللروايات العامة الدالة على توقيت المواقيت


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 46 من أبواب الاحرام ح 1. (3) الحدائق: ج 15 ص 46.

[ 344 ]

والنهي عن التجاوز عنها بغير احرام وللروايات الخاصة والدالة على جواز الاتيان بالتلبية من نفس المسجد. منها: صحيحة عبد الله بن سنان انه سأل أبا عبد الله (ع) (هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج ان يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: نعم انما لبي النبي (صلى الله عليه وآله) في البيداء لان الناس لم يعرفوا التلبية فاحب ان يعلمهم كيف التلبية) (1) وهي صريحة في جواز الاتيان بالتلبية من نفس مسجد الشجرة، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انما اخرها إلى البيداء لتعليم الناس كيفية التلبية. فظهر انه لا يمكن الالتزام بوجوب التأخير إلى البيداء. الثاني: انه بعد الفراغ والتسالم على جواز الاتيان بالتلبية من مسجد الشجرة فهل يجوز تأخيرها إلى البيداء ام لا؟ ذهب جماعة إلى جواز التأخير، بل ذكروا ان الافضل لمن حج عن طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء واستندوا إلى جملة من النصوص المعتبرة الآمرة بالتأخير إلى البيداء منها صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة، ومن ثم اشكل عليهم بان هذه الروايات تنافي الرويات العامة الناهية عن التجاوز عن الميقات بلا احرام والدالة على توقيت المواقيت فكيف يمكن القول بجواز التأخير فضلا عن افضليته، ولذا حمل بعضهم روايات التأخير على تأخير التلبيات المستحبة واما الواجبة فلا يجوز تأخيرها كما حمل بعض آخر كالسيد في العروة - هذه الروايات على افضلية الجهر بها إلى البيداء لا تأخير نفس التلبيات، وكلاهما ضعيف: اما الاول: فلان بعض الروايات صريحة في تأخير التلبية الواجبة بل


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب الاحرام ح 2.

[ 345 ]

[ (مسألة 186): الاحوط لمن اعتمر عمرة التمتع قطع التلبية عند مشاهدة موضع بيوت مكة القديمة وحده لمن جاء عن طريق المدينة عقبة المدنيين. ولمن اعتمر عمرة ] قد ورد النهي في بعضها عن التلبية في المسجد كما في صحيحة معاوية ابن وهب المتقدمة. واما الثاني: فلعدم ذكر تأخير الجهر بها إلى البيداء، في شئ من النصوص بل في بعض الاخبار صرح بالجهر بها من المسجد (1). ولا ريب ان الظاهر من الروايات تأخير التلبية الواجبة الموجبة للاحرام إلى البيداء لا المستحبة ولا الجهر بها، فإذا يقع التعارض والتنافي بينها وبين ادلة المواقيت فلابد من دفع التنافي بين الطائفتين من الاخبار. والصحيح ان يقال ان التنافي يرتفع بالتخصيص، فتقول: ان ادلة المواقيت الناهية عن التجاوز عن الميقات بلا احرام مطلقة من حيث تحقق الاحرام بعده بزمان يسير ومن حيث عدم تحقق الاحرام منه اصلا فتخصص بالروايات الدالة على جواز التأخير إلى البيداء، فتكون النتيجة حرمة التجاوز عن الميقات بلا احرام لمن لا يريد الاحرام اصلا وجواز التأخير عن الميقات لمن يريد الاحرام بعد قليل. وحيث ان الاحرام من نفس المسجد جائز قطعا فتحمل الاخبار الآمرة بالتأخير على الفضل، ولكن الاحوط ان يلبي من نفس المسجد،


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب الاحرام ح 1.

[ 346 ]

[ مفردة قطعها عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم. وعند مشاهدة الكعبة ان كان قد خرج من مكة لاحرامها ولمن حج باي نوع من انواع الحج قطعها عند الزوال من يوم عرفة (1). ] (1) يقع الكلام في مسائل اربع: الاولى: ان من اعتمر عمرة التمتع لابد له من قطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة القديمة فلا عبرة بالبيوت المستحدثة في زمان الائمة عليهم السلام فضلا عن المستحدثة في زماننا، ويدل على ذلك جملة من الاخبار. منها: صحيح معاوية بن عمار، قال: (قال أبو عبد الله (ع) إذا دخلت مكة وانت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فأقطع التلبية، وحد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين، فان الناس قد احدثوا بمكة ما لم يكن، فأقطع التلبية) (1). ومنها: صحيح ابن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (ع) انه سأل عن المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال: إذا نظر إلى عراش مكة عقبة ذي طوى قلت: بيوت مكة؟ قال: نعم) (2). والتحديد بعقبة ذي طوى في هذه لا ينافي التحديد بعقبة المدنيين في صحيحة معاوية بن عمار إذ من المحتمل ان عقبة ذي طوى اسم آخر لعقبة المدنيين أو انها مكان آخر عن طريق آخر فيكون الحد لمن جاء


(1) و (2) الوسائل: باب 43 من أبواب الاحرام ح 1 و 4.

[ 347 ]

عن طريق المدينة عقبة المدنيين ومن جاء عن طريق آخر عقبة ذي طوى. وفي صحيح زرارة (سألته اين يمسك المتمتع عن التلبية؟ فقال: إذا دخل البيوت بيوت مكة لا بيوت الابطح) (1). وقد يتوهم ان المستفاد منه قطع التلبية بدخول البيوت بينما الروايات المتقدمة جعلت العبرة بمشاهدة البيوت. ويمكن الجواب بان الدخول في البيوت المستحدثة التى حدثت في زمان الائمة (ع) يستلزم مشاهدة البيوت القديمة التي يكون النظر إليها سببا لقطع التلبية. وفي خبر زيد الشحام جعل العبرة بدخول الحرم (2) ولكنه ضعيف السند بأبي جملية. نعم: صحيح معاوية بن عمار (وان كنت معتمرا فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم) (3) مطلق يشمل عمرة التمتع أيضا فيقيد بالاخبار المتقدمة الدالة على القطع في المتعة بمشاهدة بيوت مكة، وهكذا الحال بالنسبة إلى اطلاق موثق زرارة (3). المسألة الثانية: ان من اعتمر عمرة مفردة إذا جاء من خارج الحرم يقطع التلبية عند دخول الحرم، ويدل عليه جملة من الاخبار: منها: صحيح معاوية بن عمار المتقدمة (وان كنت معتمرا فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم) ونحوه غيره. واطلاق هذه الروايات يشمل العمرة المفردة وعمرة التمتع ولكن


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب الاحرام ح 7. (2) الوسائل: باب 43 من أبواب الاحرام ح 9 (3) و (4) الوسائل: باب 45 من أبواب الاحرام ح 1 و 5.

[ 348 ]

قد عرفت ان عمرة التمتع خارجة عن هذا الاطلاق بالروايات السابقة فيبقى تحت الاطلاق المذكور العمرة المفردة. نعم: هنا روايات تدل على قطع التلبية بمشاهدة بيوت مكة كما هو الحال في عمرة التمتع منها: رواية يونس (عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من اين يقطع التلبية؟ قال: إذا رأيت بيوت مكة ذي طوى فاقطع التلبية) (1). وهي ضعيفة بمحسن بن احمد فانه لم يوثق. ومنها: صحيحة الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (ع) قلت: دخلت بعمرة فاين اقطع التلبية؟ قال: حيال العقبة عقبة المدنيين، فقلت اين عقبة المدنيين؟ قال: بحيال القصارين) (2) ولكن دلالتها بالاطلاق فتختص بعمرة التمتع بقرينة الروايات المتقدمة الدالة على القطع بدخول الحرم في العمرة المفردة. ومنها: صحيح البزنطي قال: (سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من اين يقطع التلبية؟ قال: كان أبو الحسن (ع) من قوله: يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكة) (3). وهي صريحة في العمرة المفردة لان العمرة التى تقع في شهر المحرم انما هي مفردة. والجواب: عن هذه الصحيحة ان موردها وان كان العمرة المفردة ولكنها مطلقة من حيث بدء العمرة والاحرام لها من ادنى الحل أو من قبل الحرم ومسألتنا في الاعتمار من خارج الحرم فتحمل صحيحة البزنطي


(1) و (2) الوسائل: باب 45 من أبواب الاحرام ح 3 و 11. (3) الوسائل: باب 45 من أبواب الاحرام ح 12.

[ 349 ]

على الاحرام من اول الحرم فلا منافاة. ولكن صحيح عمر بن يزيد الوارد فيمن اعتمر من اول الحرم جعل العبرة في القطع بالنظر إلى الكعبة (1) فيكون منافيا لخبر البزنطي. إلا انه يمكن في دفع التنافي بالتلازم بين الامرين لان النظر إلى بيوت مكة يستلزم النظر إلى الكعبة المشرفة لعلو البيت وارتفاعه ونحو ذلك. الثالثة: ان من اعتمر عمرة مفردة من ادنى الحل سواء كان في مكة وخرج منها للاعتمار أو كان خارج مكة دون الميقات واراد الاعتمار من ادنى الحل يقطع التلبية عند مشاهدة الكعبة. ويدل عليه صحيح عمر بن يزيد وصحيحة معاوية بن عمار (2). المسألة الرابعة: الحاج باي نوع من انواعه يقطع التلبية عند الزوال من يوم عرفة) بلا خلاف ويدل عدة من الروايات المعتبرة (3). ثم ان الظاهر من النصوص ان القطع على نحو العزيمة للامر به في الروايات ولا اقل من ارتفاع الامر السابق وعدم الامر بالتلبية والعبادة توقيفية ومشروعيتها محتاجة إلى الامر بل يظهر من بعض الاخبار ان اتيان التلبية في غير موردها مبغوض عند الله تعالى. ففي صحيحة ابان قال: (كنت مع أبي جعفر (ع) في ناحية من المسجد وقوم يلبون حول الكعبة فقال: أترى هؤلاء الذين يلبون؟ (والله لاصواتهم ابغض إلى الله من اصوات الحمير (4).


(1) و (2) الوسائل: باب 45 من أبواب الاحرام ح 8 و 4. (3) الوسائل: باب 44 من أبواب الاحرام. (4) الوسائل: باب 43 من أبواب الاحرام ح 3.

[ 350 ]

[ (مسألة 187): إذا شك بعد لبس الثوبين وقبل التجاوز من الميقات في انه قد اتى بالتلبية ام لا بنى على عدم الاتيان (1) وإذا شك بعد الاتيان بالتلبية انه اتى بها صحيحة ام لا بنى على الصحة (2). (الامر الثالث): لبس الثوبين بعد التجرد عما يجب على المحرم اجتنابه، يتزر باحدهما ويرتدى بالآخر (3). ] (1) لعدم التجاوز عن المحل ومقتضى الاصل عدم الاتيان بها. (2) لقاعدة الفراغ. (3) لا ريب ولا خلاف بين المسلمين في وجوب لبس الثوبين المسمى احدهما بالازار والآخر بالرداء بعد التجرد عما يجب على المحرم اجتنابه كلبس المخيط ويستفاد وجوب ذلك من جملة من الاخبار الشريفة المذكورة في أبواب متفرقة. فمنها: الاخبار الآمرة بلبس الثوبين ولو على نحو الجملة الخبرية لما ذكرنا في محله من دلالتها على الوجوب ولا يضر اقترانها بما يجوز تركه، لان كل مورد قامت قرينة خارجية على عدم الوجوب نرفع اليد عنه ويبقى الباقي على الوجوب كما ورد الامر باشياء مثل اغتسل للجنابة والجمعة ولكن ورد الدليل على استحباب غسل الجمعة فنلتزم بالاستحباب في خصوص غسل الجمعة. فمن جملة هذه الروايات صحيحة معاوية بن وهب قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التهيؤ للاحرام، فقال: اطل بالمدينة فانه طهور

[ 351 ]

وتجهز بكل ما تريد وان شئت استمتعت بقميصك حتى تأتى الشجرة فتفيض عليك من الماء وتلبس ثوبيك ان شاء الله) (1). وفي صحيحة هشام بن سالم (والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها) (2). وفي صحيحة معاوية بن عمار (واغتسل والبس ثوبيك) (3). وغير ذلك من الروايات. ويؤكد ذلك ما ورد في تجريد الصبيان من فخ فان تجريدهم من ثيابهم يكشف عن اعتبار لبس ثوبي الاحرام وإلا فلا موجب لتجريدهم (4). ويؤيد ذلك ما ورد في الاحرام من المسلخ من وادي العقيق وانه عند التقية والخوف يؤخر لبس ثوبي الاحرام إلى ذات عرق (5) فيعلم من ذلك ان لبس ثوبي الاحرام واجب، إلى غير ذلك من الاخبار والشواهد القطعية، والظاهر ان المسألة مما لا اشكال فيها. واما كيفية لبسهما فالظاهر ان يلبسهما على الطريق المألوف بان يتزر باحدهما ويرتدي بالآخر. ويدل عليه الاخبار الآمرة بالقاء الثوب أو العمامة على عاتقه إذا لم يكن له رداء ويلبس السراويل إذا لم يكن له ازار ويستكشف من ذلك وجوب لبس الازار والرداء وان لم يتمكن منهما ينتقل الامر إلى البدل.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب الاحرام ح 3. (2) الوسائل: باب 8 من الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب الاحرام ح 4. (4) الوسائل: باب 47 من أبواب الاحرام ح 1. (5) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 10.

[ 352 ]

[ ويستثنى من ذلك الصبيان فيجوز تجريدهم إلى فخ كما تقدم (1). (مسألة 188): لبس الثوبين للمحرم واجب تعبدي ] فمنها: صحيحة عبد الله بن سنان (امر الناس بنتف الابط وحلق العانة والغسل والتجرد في ازار ورداء أو ازار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء) (1). وفي صحيحة معاوية بن عمار (قال: لا تلبس ثوبا له ازرار وانت محرم إلا انه ان تنكسه ولا ثوبا تدرعه ولا سراويل إلا ان لا يكون لك ازار) (2). وفي صحيحة عمر بن يزيد (وان لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه أو قباء بعد ينكسه) (3). (1) في المسألة السابعة وذكرنا هناك بان الولي يحرم بالصبي بان يأمره بالتلبية أو يلقنه اياها أو يلبي عنه من الميقات ويجوز له ان يؤخر تجريده عن الثياب إلى فخ فإذا وصل إلى فخ لبس الثوبين ويدل على ذلك صحيحة ايوب (من اين يجرد الصبيان، فقال: كان أبي يجردهم من فخ) (4).


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب اقسام الحج ح 5. (2) الوسائل: باب 35 من أبواب تروك الاحرام ح 1، (3) الوسائل: باب 44 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (4) الوسائل: باب 47 من أبواب الاحرام ح 1.

[ 353 ]

[ وليس شرطا في تحقق الاحرام على الاظهر (1). ] (1) وقع الكلام في ان لبس الثوبين للمحرم واجب تعبدي مستقل بحيث لو تركه انعقد احرامه وان عصى بترك اللبس أو انه واجب شرطي في تحقق الاحرام بحيث لا ينعقد الاحرام إلا به. والاشتراط المذكور يتصور على نحوين: الاول: ان يكون لبس الثوبين متمما للاحرام فلو لبي وهو عار اللباس أو كان لابسا للمخيط ولم يلبس الثوبين فلم يتحقق منه الاحرام الكامل ولكن ما اتى به من التلبية قبل ليس الثوبين صحيح ولا حاجة إلى اعادة التلبية. فان اراد القائل بالشرطية هذا المعنى فيرده: انه لا دليل عليه، مضافا إلى انه ينفيه قوله (ع): (يوجب الاحرام ثلاثة اشياء: التلبية، والاشعار، والتقليد) (1). الثاني: ان يكون لبس الثوبين شرطا لصحة الاحرام والتلبية بحيث لو لبي وهو غير لابس للثوبين عليه اعادتها. ويرده: انه لا دليل عليه أيضا، وينافيه صحيح معاوية بن عمار (في رجل احرم وعليه قميصه، فقال: ينزعه ولا يشقه وان كان لبسه بعدما احرم شقه واخرجه مما يلي رجليه) (2) فانه يدل على صحة احرامه وعدم لزوم الاعادة ولو كان لبس الثوبين شرطا في صحة الاحرام لامره بالاحرام ثانيا واعادة التلبية.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب اقسام الحج ح 20. (2) الوسائل: باب 45 من أبواب تروك الحرام ح 2.

[ 354 ]

والحاصل: انه لا ريب ان المستفاد من الروايات وجوب لبس الثوبين وجوبا مستقلا تعبديا. نعم: قد يتوهم ان صحيحة معاوية بن عمار تدل على بطلان التلبية بدون لبس الثوبين. فقد روى عن أبي عبد الله (ع) انه قال: (ان لبست ثوبا في احرامك لا يصلح لك لبسه فلب واعد غسلك وان لبست قميصا فشقه واخرجه من تحت قدميك) (1) فان الامر بالاعادة ظاهر في بطلان الاحرام الاول. والجواب: ان الصحيحة غير ناظرة إلى شرطية اللبس في تحقق الاحرام وانما هي ناظرة إلى لبس ما لا يجوز لبسه عند الاحرام سواء كان لابسا لثوبي الاحرام ام لا، بل المفروض فيها تحقق الاحرام منه لقوله: (ان لبست ثوبا في احرامك) وامره (ع) بشق القميص واخراجه من تحت قدميه، ولا ريب ان شق القميص واخراجه من تحت قدميه يلزمان بعد الاحرام إذ لا موجب لذلك قبل تحقق الاحرام منه. وحال هذه الصحيحة حال بقية الروايات الآمرة بشق القميص واخراجه من الرجلين، وان القميص يمتاز عن القباء فان إخراج القباء ونحوها لا يحتاج إلى ان يكون ذلك من تحت قدميه لعدم ستر الرأس باخراج القباء بخلاف القميص فان اخراجه من رأسه يلزم ستر رأسه غالبا ولذا علمه الامام (ع) بان يشقه وبخرجه من تحت قدميه. والحاصل: كل من لبس شيئا لا يصح لبسه للمحرم يستحب له اعادة التلبية والغسل فليس في الرواية ما يدل على بطلان التلبية إذا وقعت في


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب تروك الاحرام ح 5.

[ 355 ]

[ والاحوط ان يكون لبسهما على الطريق المألوف (1). (مسألة 189): يعتبر في الازار ان يكون ساترا من السرة إلى الركبة، كما يعتبر في الرداء ان يكون ساترا للمنكبين (2). والاحوط كون اللبس قبل النية والتلبية، فلو قدمهما عليه اعادهما بعده (3). (مسألة 190): لو احرم في قميص - جاهلا أو ناسيا - نزعه وصح احرامه بل الاظهر صحة احرامه حتى ] القميص ونحوه. (1) قد عرفت ان المستفاد من الروايات ان يجعل احد الثوبين ازارا والآخر رداءا ولا يعتبر في لبسهما كيفية مخصوصة بل العبرة بالصدق العرفي ولكن الاحوط ان يلبسهما على الطريق المألوف المتعارف فانه القدر المتيقن من منصرف الروايات. (2) اما حد الثوبين من حيث الكبر والصغر والطول والقصر فالعبرة بالصدق العرفي ويكفي فيهما المسمى وصدق الاتزار والارتداء، إلا ان المتعارف في الازار ستر السرة إلى الركبة، كما ان المعتبر في الرداء ستر المنكبين وشئ من الظهر أيضا وإلا فمجرد ستر المنكبين من دون ان يستر الظهر اصلا فلا يجزى لعدم صدق الرداء عليه كما إذا القى منديلا قليل العرض على منكبيه. (3) لاحتمال اشتراط اللبس في الاحرام فالاحتياط في محله وان كان استحبابيا لما عرفت من ان اللبس واجب تعبدي مستقل.

[ 356 ]

[ فيما إذا احرم فيه عالما عامدا واما إذا - لبسه بعد الاحرام - فلا اشكال في صحة احرامه ولكن يلزم عليه شقه واخراجه من تحت (1). (مسألة 191): لا بأس بالزيادة على الثوبين في ابتداء الاحرام وبعده للتحفظ من البرد أو الحر أو لغير ذلك (2). (مسألة 192): يعتبر في الثوبين نفس الشروط المعتبرة في لباس المصلي فيلزم ان لا يكونا من الحرير الخالص ولا من اجزاء ما لا يؤكل لحمه ولا من الذهب ويلزم طهارتهما كذلك، نعم لا بأس بتنجسهما بنجاسة معفو عنها في الصلاة (3). ] (1) لعدم دخل لبس الثوبين في حقيقة الاحرام وعدم منافاة لبس المخيط ونحوه للاحرام، لان التروك احكام تكليفية مترتبة على الاحرام وغير دخيلة في حقيقتها وتحققها كما عرفت. واما لو لبسه بعد الاحرام فيصح احرامه بلا اشكال ولكن يشقه ويخرجه من رجليه لئلا يستر رأسه كما في صحاح معاوية بن عمار (1) المتقدمة. (2) لصحيح الحلبي، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المحرم يتردى بالثوبين؟ قال: نعم والثلاثة ان شاء يتقي بها البرد والحر) (2). (3) يدل على ذلك كله صحيح حريز عن أبي عبد الله (ع) (قال:


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 2 و 5. (2) الوسائل: باب 30 من أبواب الاحرام ح 1.

[ 357 ]

[ (مسألة 193): يلزم في الازار ان يكون ساترا للبشرة غير حاك عنها، والاحوط اعتبار ذلك في الرداء أيضا (1). (مسألة 194): الاحوط في الثوبين ان يكونا من المنسوج ولا يكونا من قبيل الجلد والملبد (2). (مسألة 195): يختص وجوب لبس الازار والرداء بالرجال دون النساء، فيجوز لهن ان يحرمن في البستهن على ان تكون واجدة للشرائط المتقدمة (3). ] كل ثوب تصلي فيه فلا بأس ان تحرم فيه) مضافا إلى المنع عن الاحرام في الثوب النجس كما في صحيحتين لمعاوية بن عمار (2) وغيرهما من الادلة الخاصة المانعة عن الاحرام في الحرير الخالص (3). (1) أما الازار فالامر واضح لانه لو كان حاكيا لا تجوز الصلاة فيه فلا يجوز الاحرام فيه لصحيح حريز المتقدم واما الرداء بوصف كونه رداءا فتجوز الصلاة في الحاكي منه فالمنع عنه مبني على الاحتياط. (2) لاحتمال عدم صدق الثوب على الجلد عرفا كعدم صدقه على الملبد. (3) الذي لا ينبغي الريب فيه ان المرأة لا يجوز لها الاحرام عارية وان امنت من النظر بل الواجب عليها الاحرام في الثياب لما يستفاد


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب الاحرام ح 1. (2) الوسائل باب 37 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و 2. (3) الوسائل: باب 29 من أبواب الاحرام.

[ 358 ]

[ (مسألة 196): ان حرمة لبس الحرير وان كانت تختص بالرجال ولا يحرم لبسه على النساء إلا انه لا يجوز للمرأة ان يكون ثوباها من الحرير، والاحوط لا تلبس شيئا من الحرير الخاص في جميع احوال الاحرام (1). ] من الروايات المتفرقة وجوب اصل اللبس عليها وعدم جواز احرامها عارية كالروايات الواردة في لبس المرأة الحرير الممزوج أو الخالص والمخيط (1) والروايات الواردة في احرام الحائض (2). واما وجوب لبس خصوص ثوبي الاحرام - الازار والرداء - فلم يثبت في حقها لان مستند وجوب اللبس احد امرين: اما قاعدة الاشتراك واما النصوص الواردة في باب احرام الحائض وشئ منهما لا يدل على الوجوب، اما القاعدة فلا تجرى في امثال المقام الذي نحتمل اختصاص الحكم بالرجال. واما النصوص الواردة في باب احرام الحائض فمقتضاها وجوب لبس اصل الثياب عليها وعدم جواز احرامها عارية لا وجوب لبس ثوبي الاحرام المعهودين. (1) لجملة من النصوص المتظافرة (3). منها: صحيحة العيص قال: قال أبو عبد الله (ع): (المرأة


(1) و (2) الوسائل: باب 33 و 48 من أبواب الاحرام. (3) الوسائل: باب 33 من أبواب الاحرام.

[ 359 ]

[ (مسألة 197): إذا تنجس احد الثوبين أو كلاهما بعد التلبس بالاحرام فالاحوط المبادرة إلى التبديل أو التطهير (1). (مسألة 198): لا تجب الاستدامة في لباس الاحرام فلا بأس بالقائه عن متنه لضرورة أو غير ضرورة كما لا بأس بتبديله على ان يكون البدل واجدا للشرائط (2). ] المحرمة تلبس ما شائت من الثياب غير الحرير والقفازين) (1). وبها نخرج عن اطلاق صحيح حريز المتقدم، بل الاحوط لهن اجتنابه مطلقا ولو في غير ثوبي الاحرام لاطلاق النصوص المانعة. نعم: لا بأس لهن بلبسه في الحر أو البرد لموثق سماعة (لا ينبغي للمرأة ان تلبس الحرير المحض وهي محرمة، فاما في الحر والبرد فلا بأس) (2) وان كان الاحوط الترك لاطلاق النصوص. (1) قد عرفت اعتبار الطهارة في ثوبي الاحرام لصحيح حريز المتقدم ولبعض النصوص الخاصة كخبري معاوية بن عمار. لكن الظاهر منها اعتبار طهارتهما حدوثا أي لا يجوز عقد الاحرام في الثوب النجس لااستدامة فلو تنجس بعد الاحرام فلا يلزم تبديلهما أو تطهيرهما إلا ان يقال: بعد الفرق بين الحدوث والاستدامة. (2) لان وجوب لبس الثوبين يعتبر حدوثا لا استمرارا فيجوز له نزعهما بعد عقد الاحرام لكن لا يلبس المخيط وإلا فالتجرد منهما في نفسه لا مانع منه كما إذا تجرد في الظلمة ونحو ذلك مما يأمن من النظر.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب الاحرام ح 9. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب لباس المصلي ح 4.

[ 360 ]

[ (تروك الاحرام) قلنا في ما سبق: ان الاحرام يتحقق بالتلبية أو الاشعار أو التقليد، ولا ينعقد الاحرام بدونها وان حصلت منه نية الاحرام فإذا احرم المكلف حرمت عليه امور وهي خمسة وعشرون كما يلي: (1) الصيد البري (2) مجامعة النساء (3) تقبيل النساء (4) لمس المرأة (5) النظر إلى المرأة (6) الاستمناء (7) عقد النكاح (8) استعمال الطيب (9) لبس المخيط للرجال (10) التكحل (11) النظر في المرآة (12) لبس الخف والجورب للرجال (13) الكذب والسب (14) المجادلة (15) قتل القمل ونحوه من الحشرات التي تكون على جسد الانسان (16) التزيين (17) الادهان (18) ازالة الشعر من البدن (19) ستر الرأس للرجال وهكذا الارتماس في الماء حتى على النساء (20) ستر الوجه للنساء (21) التظليل للرجال (22) اخراج الدم من البدن (23) التقليم (24) قلع السن (25) حمل السلاح.

[ 361 ]

[ 1 - الصيد البري - (مسألة 199): لا يجوز للمحرم سواء كان في الحل أو الحرم صيد الحيوان البري أو قتله كان محلل الاكل أم لم يكن كما لا يجوز له قتل الحيوان البري وان تأهل بعد صيده، ولا يجوز صيد الحرم مطلقا وان كان الصائد محلا (1) ]. (1) بعد تحقق الاحرام من الحاج يحرم عليه صيد الحيوان البري وان لم يقتله، وكذا يحرم عليه قتله وذبحه وان كان الصائد غيره. وقد ذكر تحريم اصل الصيد وقتله في الكتاب العزيز. قال الله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) (1). وقال تعالى: يايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم) (2) والروايات كثيرة اشتملت على الحكمين فمن جملة الروايات الدالة على الحكم الاول، صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) (قال: لا تستحلن شيئا من الصيد وانت حرام، ولا انت حلال في الحرم) (3) فانها تدل على حرمة الصيد في حال الاحرام، وان كانت في الحل


(1) المائدة: الآية 96. (2) المائدة: الآية 95. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 362 ]

[ (مسألة 200): كما يحرم على المحرم صيد الحيوان البرى تحرم عليه الاعانة على صيده، ولو بالاشارة، ولا فرق في حرمة الاعانة بين أن يكون الصائد محرما، أو محلا (1). (مسألة 201): لا يجوز للمحرم امساك الصيد البري والاحتفاظ به وان كان اصطياده له قبل احرامه، ولا يجوز له اكل لحم الصيد، وان كان الصائد محلا (2). ] الذي هو مورد كلامنا، وكذا تدل على حرمة الصيد في الحرم وان كان محلا، وهذا حكم آخر نتعرض إليه في محله وهو أيضا امر متسالم عليه فان الحاج قد يكون محرما خارج الحرم، وقد يكون محلا، وهو في الحرم، وقد يجتمعان. وأما حرمة القتل فتدل عليها جملة من النصوص. منها: معتبرة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: ثم اتق قتل الدواب كلها إلا الافعى والعقرب) (1). (1) هذه المسألة يظهر وجهها مما سيأتي. (2) يدل على ذلك كله عدة من النصوص المعتبرة. منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) (قال: لا تستحلن شيئا من الصيد وانت حرام، ولا انت حلال في الحرم، ولا تدلن عليه محلا ولا محرما فيصطاده، ولا تشر إليه فيستحل من اجلك فان


الوسائل: باب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

[ 363 ]

[ ويحرم الصيد الذي ذبحه المحرم على المحل أيضا، وكذلك ما ذبحه المحل في الحرم (1). ] فيه فداء لمن تعمده) (1). وفي صحيحة معاوية بن عمار (لا تأكل من الصيد وانت حرام وان كان اصابه محل) (2). وهذه الاحكام مما لاريب فيه ولا اشكال كما لا خلاف في شئ من ذلك بيننا. (1) قد وقع الخلاف فيما لو ذبح المحرم الصيد فهل يحرم اكله حرمة مطلقة حتى على المحل فيكون كالميتة، أو تختص الحرمة بالمحرم ويجوز للمحل اكله؟ المشهور شهرة عظيمة بل لعله من المتسالم عليه عندهم هو الاول، وان الذابح إذا كان محرما حرم على المحل والمحرم فيكون من جملة شرائط التذكية كون الذابح محلا، وإلا كان ميتة يحرم على كل احد اكله. ونسب إلى جماعة من القدماء كالصدوق والمفيد والسيد المرتضى وابن الجنيد اختصاص الحرمة بالمحرم وجواز اكل المحل ما ذبحه المحرم غاية الامر على المحرم فداؤه، واختار هذا القول أو مال إليه من المتأخرين السيد في المدارك. واستدل على التحريم المطلق بعدة من الروايات.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

[ 364 ]

منها: مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه ايطعمه أو يطرحه؟ قال: إذا يكون عليه فداء آخر، قلت: فما يصنع به؟ قال: (يدفنه) (1) فان امره بالدفن كاشف عن حرمته المطلقة وعدم الاستفادة منه بشئ كالميتة. وفيه: انها في مقام وجوب الفداء الآخر على المحرم لو اطعمه للمحل، ولا تدل على الحرمة المطلقة، واما امره بالدفن لاجل الفرار عن الفداء. مضافا إلى ضعفها سندا بالارسال. ودعوى ان مراسيل ابن أبي عمير حجة مدفوعة بما ذكرنا غير مرة. بان مراسيله كساير المراسيل إذ لم يثبت عدم روايته إلا عن الثقة وقد عثرنا على جملة من الموارد روايته عن الضعفاء، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في معجم الرجال. ومنها: خبر وهب (إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم) (2). ودلالته على الحرمة المطلقة واضحة ولكنه ضعيف سندا جدا لان وهب بن وهب غير موثق وقيل: في حقه انه من اكذب البرية. ومنها: معتبرة اسحاق عن جعفر (ع) ان عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب تروك الاحرام ح 3. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب تروك الاحرام ح 4.

[ 365 ]

محل ولا محرم) (1). وهي صريحة في الحرمة المطلقة، إلا ان السيد في المدارك ناقش في التحريم المطلق للطعن في سند الخبرين: اما خبر وهب فواضح، واما خبر اسحاق بن عمار فلانه اعتبر كون الراوي عدلا اماميا صحيح العقيدة، واسحاق فاسد العقيدة لكونه فطحي المذهب، ولذا ذكر صاحب الجواهر ان الخبرين منجبران بالشهرة أو بالاجماعات المحكية. إلا ان خبر اسحاق معتبر لكفاية كون الراوي ثقة وان كان فاسد العقيدة فلا حاجة إلى دعوى الانجبار. نعم: على مسلك المدارك يكون الخبر ضعيفا، ولكن لا عبرة بمسلكه، بل الصحيح عندنا كفاية كون الراوي ثقة، ولو كان الراوي فاسد العقيدة، فعليه لو كنا نحن وهذه الروايات لالتزمنا بالحرمة المطلقة. ولكن هنا روايات تدل على جواز الاكل للمحل. منها: صحيحة الحلبي (قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاءه ويتصدق بالصيد على مسكين) (2). فان التصدق به على مسكين واعطائه واطعامه يدل على جواز اكل المحل له، وإلا لو كان ميتة فلا معنى للتصدق به على المسكين، واحتمال كون الباء في (بالصيد) للسببية اي يتصدق لفعله وذبحه له على مسكين بعيد جدا، ولعلها اظهر الروايات الدالة على جواز الاكل للمحل. ومنها. صحيحة منصور بن حازم (قال: قلت: لابي عبد الله (ع)


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب تروك الاحرام ح 5. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب تروك الاحرام ح 6.

[ 366 ]

رجل اصاب صيدا وهو محرم آكل منه وانا حلال؟ قال أنا كنت فاعلا، قلت له: فرجل اصاب مالا حراما فقال: ليس هذا مثل هذا يرحمك الله ان ذلك عليه) (1). ولا يبعد ان يكون المراد بقوله (اصاب صيدا) انه قتله وذبحه بعدما صاده لا انه مات بنفس الرمي والصيد. ومنها: صحيحة حريز (عن محرم اصاب صيدا أيأكل منه المحل؟ فقال: ليس على المحل شئ انما الفداء على المحرم (2). والظاهر من الاصابة انه وصل إليه المحرم وقتله. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل اصاب صيدا وهو محرم أيأكل منه الحلال؟ فقال لا بأس، انما الفداء على المحرم) (3). فتعارض هذه الطائفة الطائفة الاولى فلا يؤخذ باحداهما ويرجع إلى عمومات الحل فيكون التحريم مختصا بالمحرم ويجوز الاكل للمحل. ويدل على جواز اكل الصيد الذي ذبحه المحرم للمحل مضافا إلى ما ذكرنا النصوص الدالة على تقديم الصيد على الميتة للمحرم المضطر إلى الاكل معللا في بعضها بانه انما يأكل ماله، ومن الواضح ان الميتة ليست بمال (4)، ولو كان الامر كما ذكره المشهور لكانت ذبيحة المحرم المصطادة ميتة أيضا، فلا ترجيح في البين، بل لابد من تقديم الميتة على الصيد، ضرورة عدم الحرمة الصيدية في الميتة، بل حرمة


(1) و (2) الوسائل: باب 3 من أبواب تروك الاحرام ح 3 و 4. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب تروك الاحرام ح 5 (4) الوسائل: باب 43 من أبواب كفارات الصيد.

[ 367 ]

الصيد آكد لانه صيد وميتة فتقديم الصيد على الميتة للمحرم المضطر يكشف عن ان الصيد الذي ذبحه المحرم ليس محكوما بالميتة فيجوز للمحل اكله. نعم: ورد في بعض الروايات تقديم الميتة على الصيد (1)، ولكنها محمولة على التقية، لان ذلك مذهب العامة (2). والذي ينبغي ان يقال: انه ان قلنا بعدم حجية الخبر الموثوق، واختصاص الحجية بالصحاح، فالامر كما ذكره سيد المدارك. لسقوط خبر اسحاق بن عمار عن الحجية عنده فتبقى روايات الجواز بلا معارض، واما إذا قلنا بحجية الموثق كما هو الصحيح فلا معارضة في البين. والوجه في ذلك: ان المعارضة بين موثق اسحاق والروايات المجوزة تكون بالاطلاق والتقييد، والمقيد مقدم على المطلق، فاللازم حينئذ تعين العمل بموثق اسحاق، لان روايات الجواز تدل باطلاقها على حلية صيد المحرم للمحل سواء كان الذابح هو المحرم أو غيره أو مات بنفس الصيد والرمي، وليس فيها ظهور في خصوص استناد الموت إلى ذبح المحرم، بل رواية القتل (3) أيضا مطلقة من حيث استناد القتل إلى ذبح المحرم، أو إلى نفس الرمي والصيد، كما لعله الغالب وليس فيها اي ظهور في خصوص ذبح المحرم إلا بالاطلاق، وكذلك روايات تقديم الصيد على الميتة ليس فيها ما يدل على ان الموت مستند إلى ذبحه


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب كفارات الصيد ح 11 و 12. (2) المغني: ج 3 ص 314 و 315 وج 9 ص 418. والبحر الرائق: ج 3 ص 36. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب تروك الاحرام ح 6.

[ 368 ]

أو إلى موته بالصيد، والتعليل فيها بانه انما يأكل ماله ظاهر في ان الصائد هو المحرم. واما موثقة اسحاق فصريحة في ان المحرم إذا ذبح الصيد فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم، فتقيد جميع المطلقات المتقدمة. فالنتيجة: ان الصيد إذا ذبحه المحرم كان ميتة حراما على المحل والمحرم، واما إذا كان موته مستندا إلى غير ذبح المحرم بل بنفس الرمي أو ذبحه غيره فلا يحرم على المحل وانما يحرم على المحرم خاصة. وبالجملة مورد الخلاف في المذبوح فقط لا في مطلق الصيد، واما بالنسبة إلى شرائط التذكية فلم يذكروا من جملة شرائط التذكية كون الذابح محلا، ولذا لو ذبح المحرم الحيوان الاهلي لا اشكال فيه لا له ولا لغيره، فان الحرام هو الصيد للمحرم، لا انه يعتبر في التذكية كون الذابح محلا. فالصحيح: ما ذهب إليه المشهور من ان المحرم إذا ذبح الصيد يحرم على المحل أيضا، واما لو ذبحه المحل، أو مات بنفس الرمي والصيد فلا اشكال فيه للمحل. ومما ذكرنا تعرف السهو أو غلط الناسخ في مناسك شيخنا الاستاد النائيني لقوله: (ولو صاده أو ذبحه كان ميتة يحرم على كل احد أكله) لما عرفت من ان الكلام فيما لو ذبح المحرم الصيد، واما نفس الصيد إذا لم يذبحه المحرم فلا يحرم على المحل، والروايات الدالة على حليته للمحل متضافرة. ثم ذكر شيخنا الاستاد (ره) (لا تجوز الصلاة في جلده على الاحوط لانه يصير ميتة).

[ 369 ]

[ والجراد ملحق بالحيوان البري (1) فيحرم صيده وامساكه واكله. (مسألة 202): الحكم المذكور انما يختص بالحيوان البري واما صيد البحر كالسمك فلا بأس به (1) والمراد ] وهذه المسألة تعرضنا إليها مفصلا في بحث لباس المصلي، وذكرنا هناك ان حرمة الاكل هل هي مختصة بالمحرمات الاولية الاصلية كالسباع أو تعم المحرمات العرضية كالموطوئة أو الجلل؟ واخترنا في محله ان الحكم عام ولا يختص بالحيوانات المحرمة الاصلية، لان العنوان الممنوع كون الشئ محرم الاكل وهذا صادق على الاصلي والعرضي. (1) الجراد في حكم الصيد البري لانه يعيش في البر وان كان اصله من الماء، والعبرة بالحالة الفعلية لا الاصلية فيشمله عمومات الكتاب والنصوص، مضافا إلى الروايات الخاصة: منها: صحيحة محمد بن مسلم (مر علي صلوات الله عليه) على قوم يأكلون جرادا فقال: سبحان الله وانتم محرمون فقالوا: انما هو من صيد البحر، فقال لهم: ارمسوه في الماء إذا) (1) اي لو كان مجريا لعاش فيه. ثم لا يخفى ان مورد كلام الفقهاء والنصوص هو الجراد المنتشر في البر، ولا يشمل ما يعيش في البحر وان سمي بالجراد مثل (روبيان). (1) اجماعا والاصل فيه قوله تعالى (احل لكم صيد البحر وطعامه


(1) الوسائل: باب 7 تروك الاحرام ح 1.

[ 370 ]

[ بصيد البحر ما يعيش فيه فقط، وأما ما يعيش في البر والبحر كليهما فملحق بالبري، ولا بأس بصيد ما يشك في كونه بريا على الاظهر. ] متاعا لكم وللسيارة) (1). مضافا إلى ان الآية المانعة عن الصيد، وبعض الروايات مختصة بصيد البر (2)، وجملة منها وان كانت مطلقة كقوله (ع): في صحيح الحلبي (لا تستحلن شيئا من الصيد) حيث لم يقيد الصيد فيه بالبر أو بالبحر، - لو سلمنا ان الالف واللام لم تكن للعهد إلى صيد البر الممنوع المعلوم بالآية والروايات - إلا انها مقيدة بالحيوان البري والقيود وان لم يكن لها مفهوم، ولكن ذكرنا ان التقييد لو وقع في كلام أحد يدل على خصوصية الحكم به، وإلا لكان لغوا، فيستفاد من القيد ان الحكم غير ثابت للمطلق، وانما هو ثابت لحصة خاصة فالمطلق غير مراد من الروايات. ويدل على جواز صيد البحر أيضا، صحيح محمد بن مسلم (قال: مر علي (صلوات الله عليه) على قوم يأكلون جرادا فقال: سبحان الله وانتم محرمون، فقالوا: انما هو من صيد البحر، فقال لهم: ارمسوه في الماء إذا) (3) فان المستفاد منه ان جواز صيد البحر كان


(1) المائدة: 96. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب تروك الاحرام ح 5. (3) الوسائل: باب 7 من تروك الاحرام ح 1.

[ 371 ]

امرا متسالما عند المسلمين، والامام (عليه السلام) انما ناقش في الصغرى. واستدل برواية حريز عن أبي عبد الله (ع) (قال لا بأس بأن يصيد المحرم السمك، ويأكل مالحه وطريه ويتزود قال الله: (احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم) (1) وموردها وان كان خصوص السمك ولكن استشهاده (ع) بالآية الكريمة يدل على اختصاص الحرمة بالحيوان البري، وجواز الحيوان البحري مطلقا، فالدلالة تامة. الا ان الكلام في سندها فان الكليني والصدوق نقلاها مرسلة إلا أن الكليني رواها عن حريز، عمن اخبره عن أبي عبد الله (ع)، والصدوق رواها مرسلة عن الصادق (ع)، ولكن الشيخ رواها مسندة عن حريز عن أبي عبد الله (ع) فتكون الرواية على طريق الشيخ صحيحة ولكن لا يمكن الاعتماد على طريقه فأن سماع حريز من الامام (ع) مباشرة وبالواسطة وان كان امرا ممكنا في نفسه إلا أنه من المستبعد جدا ان ينقل حريز لحماد تارة مرسلة واخرى مسندة إلى الامام (ع) فلا يعلم ان الرواية مسندة. على ان الصدوق والكليني كلاهما اضبط من الشيخ في النقل، فلا وثوق بنقله خصوصا فيما إذا اتفق الكليني والصدوق على خلافه. ويمكن الاستدلال بصحيح معاوية بن عمار الدال على تمييز البحري عن البري بالفراخ والبيض في البر وفي البحر (2) فانه يستفاد منه اختصاص الحرمة بالحيوان البري. وبالجملة: لا اشكال ولا خلاف في هذا الحكم.


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب تروك الاحرام ح 3. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 372 ]

ثم ان بعض الاجناس من الحيوانات له صنفان صنف يفرخ ويعيش في الماء، والصنف الآخر من ذلك الجنس يعيش ويفرخ في البر، فيكون حاله حال الجراد، وكل صنف يتبع حكمه. كما يقال ان الضفدعة كذلك. بقى هنا امران: احدهما: ان بعض الحيوانات يعيش في الماء ويعيش في البر أيضا كبعض الطيور الذي هو ذات حياتين كالبط فهل يلحق بالبري أو بالبحري؟ يظهر من رواية معتبرة انه ملحق بالبري، وان الذي يجوز صيده ما اختص بالبحر واما المشترك بين البر والبحر فيلحق بالبري. وهي معتبرة معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله (ع) (الجراد من البحر، وقال: كل شئ اصله في البحر ويكون في البر والبحر فلا ينبغي للمحرم قتله، فان قتله فعليه الجزاء كما قال الله عزوجل)، (1). ثانيهما: لو اشتبه حيوان بين البري والبحري يحكم عليه بالحلية لاصالة البرائة وقيل: بالحرمة كما في الجواهر (2) واحتاط شيخنا النائيني اما الجواهر: فقد استند في الحكم بالحرمة إلى اطلاق ما دل على حرمة الصيد، فقد ذكر (قده) ان المستفاد من غير الآية وبعض الروايات حرمة مطلق الصيد، والخارج منه خصوص صيد البحري، فما لم يعلم كونه بحريا أو بريا يحكم عليه بالحرمة للاطلاق. ولا يخفى: ان ما ذكره مبني على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وهو خلاف التحقيق، وانما يتمسك بالاطلاق أو العام فيما


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب تروك الاحرام ح 2. (2) الجواهر: ج 18 ص 295.

[ 373 ]

إذا شك في اصل وجود القيد وعدمه، واما إذا ورد القيد وشك في فرد انه من افراد الخاص أو من افراد العام الباقية تحت العام فلا بتمسك بالعام لتسرية حكمه إلى الفرد المشكوك، لعدم احراز كونه من افراد العام، فيحتاج إلى اصل آخر يحرز به كونه فردا باقيا تحت العام، وتفصيل ذلك موكول إلى محله. بل يمكن ان يقال: انه لا اطلاق في البين بل الحكم من الاول مقيد بالحيوان البري، فليس في البين إلا نوعان نوع حكم عليه بالحرمة كصيد الحيوان البري، ونوع حكم عليه بالحلية كصيد الحيوان البحري فيكون الدليل منوعا لا مخصصا، فليس هنا اطلاق وتقييد حتى يتمسك بالاطلاق ويقتصر في الخروج منه بالمتيقن. ويؤيد ذلك صدر الآية الكريمة لان مقتضاه حلية البحري للمكلفين حلالا كانوا أو محرمين ومقتضى قوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) حرمة صيد الحيوان البري للمكلفين ما داموا محرمين، فان المراد من (عليكم) نفس ما اريد من الصدر فحينئذ لو شك في حيوان انه بري أو بحري فهو من الشك في الشبهة الموضوعية التي تجري فيها اصالة البرائة قطعا حتى عند الاخباري، فيكون المقام نظير ما لو شك في مايع انه خمر أو خل. واما إذا قلنا بالاطلاق وخروج صيد البحري منه، فيبقى صيد غير البحري تحت الاطلاق، فان قلنا باصالة العدم الازلي وكان الخاص امرا وجوديا متصلا كان أو منفصلا، فالخارج صفة وجودية وهي كونه صيد البحري، والباقي تحت عنوان العام معنون بعنوان عدمي اي عدم سلبي بمعنى كل ما ليس بصيد البحر، فموضوع الحكم بالحرمة

[ 374 ]

غير صيد البحر، وموضوع الجواز صيد البحر، وبالاصل العدم الازلي نحرز الموضوع ونثبت انه غير صيد البحر. هذا كله بناءا على ما هو التحقيق من صحة جريان الاصل في الاعدام الازلية تبعا للمحقق صاحب الكفاية. اما لو قيل: بعدم الصحة كما عن شيخنا النائيني (ره) فالحكم بالحرمة مبني على ما اسس من القاعدة، والتي هي ان الحكم الالزامي لو خرج منه حكم ترخيصي معلق على امر وجودي فلابد من احرازه حسب الفهم العرفي، فالاحراز بالفهم العرفي دخيل في الحم بالجواز ولا يترتب الحكم بالجواز ما لم يحرز الموضوع، فإذا قال المولى لعبده: لا تدخل علي احدا إلا اصدقائي لا يجوز له ادخال احد على مولاه إلا إذا احوز كونه صديقا له وإلا فلا يجوز، ورتب على ذلك فروعا كثيرة في ابواب الفقه. منها: ما لو شك في ماء كونه كرا ام لا، فحكم بالنجاسة، ومنها لو شك في كون اليد يد ضمان ام لا، فحكم بالضمان. ومنها: ما لو شك في ماء انه غسالة الاستنجاء، أو غسالة سائر النجاسات فقد حكم بالنجاسة أيضا. وقد ذكرنا في محله انه لا اساس لهذه القاعدة، وانما يحرز الموضوع باصالة العدم الازلي. ولعل احتياطه في المقام من جهة ان الخارج عن عموم المنع هو صيد البحر أو ان الحكم من الاول مقيد بصيد البري. وكيف كان لو كان البري قيدا كما هو الظاهر فلا اشكال في الجواز

[ 375 ]

[ وكذلك لا بأس بذبح الحيوانات الاهلية، كالدجاج والغنم والبقر والابل والدجاج الحبشي (1) وان توحشت كما لا بأس بذبح ما يشك في كونه اهليا. ] للبرائة الجارية في الشبهة الموضوعية، وان قلنا بالاطلاق وان الخارج منه صيد البحر فلابد من الحكم بالحرمة لاصالة العدم الازلي. (1) لعدم المقتضى لان الادلة المحرمة مختصة بالحيوان البري وهو العاصي الممتنع بالاصالة كالسباع والارنب والثعلب ونحو ذلك. واما الاهلي حتى الدجاج الحبشى فغير داخل في موضوع المنع مضافا إلى النصوص الكثيرة (1) الواردة في الطيور وعلل في بعضها (ان ما كان من الطير لا يصف فلك أن تخرجه من الحرم، وما صف منها فليس له ان يخرجه). وكذلك وردت روايات معتبرة في جواز نحر الابل، وذبح الشاة والدجاج ونحو ذلك (2): يبقى الكلام في تمييز الطير البري عن الطير البحري بعد الفراغ عن حرمة صيد الاول وحيلة الثاني وقد ذكر ذلك في صحيحة معاوية ابن عمار (3) على ما نقلها صاحب الوسائل بقوله (ع): (بكل طير يكون في الآجام يبيض في البر، ويفرخ في البر فهو


(1) الوسائل: باب 40 و 41 من أبواب كفارات الصيد. (2) الوسائل: باب 82 من أبواب تروك الاحرام. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 376 ]

من صيد البر، وما كان من الطير يكون في البحر، ويفرخ في البحر فهو من صيد البحر) وهكذا صنع المحقق في الشرائع حيث جعل ذلك هو المائز بين الطيرين. وفي صحيحة اخرى لمعاوية بن عمار (1) حيث ميز بينهما بما كان اصله في البحر فهو بحري، وما كان مشتركا بين البر والبحر فهو ملحق بالبري، فالبحري ما كان مختصا بالبحر، وحيث ان الرواية الاولى في الطير والثانية في مطلق الحيوان. فلا معارضة بينهما بل هما من قبيل الاطلاق والتقييد، فالنتيجة ان المايز في الطيور بالتفريخ والبيض في البر أو البحر، وفي غيرها بالعيش في خصوص البحر، أو في البر والبحر معا. ولكن الرواية الاولى لمعاوية بن عمار ليس كما نقلها صاحب الوسائل والتمييز بالفرخ والبيض في البحر أو البر غير موجود في كتاب التهذيب الذى هو مصدر الرواية، فالزيادة اما اشتباه من صاحب الوسائل أو من النساخ. نعم: هي مذكورة في رواية حريز المرسلة، فإذا لم يثبت التمييز بالفرخ والبيض في البر أو البحر، فالعبرة في جميع الحيوانات بالعيش في خصوص البحر أو بالاشتراك بين البحر والبر كما في صحيحة اخرى لمعاوية بن عمار، ويؤيد ما ذكرنا بانه لم يثبت ان الطير باقسامه يفرخ ويبيض في الماء كما في الجواهر (2)، فالتمييز منحصر بالعيش في خصوص البحر وبالاشتراك بينه وبين البر والحلية تختص بالحيوان الذي يعيش


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الجواهر: ج 18 ص 297.

[ 377 ]

في البحر خاصة، واما المشترك بينهما فهو ملحق بالبري المعلوم حرمته. هذا كله في حكم الشبهة الموضوعية للحيوان البري والبحري. بقي الكلام في حكم الشبهة المفهومية لهما، كما لو شك في معنى الحيوان البري والبحري، ولم يظهر لنا ان البري ما يبيض ويفرخ في البر والبحري ما يبيض ويفرخ في الماء، أو ان معنى البري والبحري ما يعيش في البر أو في الماء. ربما يقال: بجريان اصالة البرائة في ذلك كما في الشبهة الموضوعية. وفيه: ان الشبهة إذا كانت مفهومية ففي الحقيقة يرجع الشك إلى صدق عنوان البري أو البحري على الحيوان المشكوك للشك في سعة المفهوم وضيقه فحينئذ لو قلنا بان الصيد من الاول مقيد بالبري، وان الدليل الخاص من قبيل التنويع لا من باب الاطلاق والتقييد فلا مانع من الرجوع إلى البرائة، للشك في الحلية والحرمة من جهة الشك في المفهوم والشك في صدق العنوان المحرم على هذا الحيوان حتى على القول باختصاص البرائة الشرعية بالشبهة الموضوعية إذ يكفينا في المقام البرائة العقلية. واما إذا قلنا باطلاق دليل الصيد وخروج البحري بالمخصص المنفصل فحيث انه مجمل مردد بين الاقل والاكثر فلا يسرى اجماله إلى الاطلاق وحينئذ لا مانع من التمسك بالاطلاق وعليه فلا مجال للرجوع إلى البرائة مع وجود الاطلاق، فليس الامر كما ذكره القائل من الرجوع إلى البرائة على الاطلاق بل لابد من التفصيل كما عرفت. هذا ما كان راجعا إلى صيد البر. واما الحيوانات الاهلية فقد تقدم قريبا انه لا اشكال في جواز ذبحها

[ 378 ]

للمحرم لعدم المقتضى ولوجود النصوص الخاصة. مضافا إلى الكلية المستفادة من النصوص من ان كلما جاز للمحل ذبحه في الحرم جاز ذبحه للمحرم في الحل والحرام، كما في صحيحة حريز عن أبي عبد الله (ع) (قال: المحرم يذبح ما حل للحلال في الحرم أن يذبحه، وهو في الحل والحرم جميعا) (1). ونحوه صحيحة اخرى له أيضا. (واما الشبهة الموضوعية): وهي ما لو شك في طير أو حيوان بري انه من الاهلي الذي يجوز قتله، أو من الوحشي الذي يحرم قتله فهل يحكم بالحلية أم لا؟. الظاهر هو الجواز لان الممنوع هو صيد الوحشي الممتنع بالاصالة، فلو شك في حيوان انه من القسم المحرم أو من القسم الحلال الذي يجوز ذبحه يحكم بالجواز لاصالة البرائة. وربما يقال: ان مقتضى معتبرة معاوية بن عمار حرمة قتل كل حيوان إلا بعض الحيوانات الخاصة كالافعى والعقرب (2) ونحوهما، وحيث لم يعلم ان هذا الحيوان من المستثنيات التي يجوز قتلها فبالاصل العدمي نحرز انه ليس من جملة العناوين الخارجة من العام، فيحكم عليه بالحرمة للعموم. وفيه: انه لا مجال للتمسك بالعموم المذكور في النص لا لضعف سنده لصحة سند بعض طرقه، بل لاجل الكلية المستفادة من المعتبرة المتقدمه، من ان كلما جاز ذبحه للمحل في الحرم جاز ذبحه للمحرم


(1) الوسائل: باب 82 من أبواب تروك الاحرام ح 2 و 3. (2) الوسائل: باب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

[ 379 ]

في الحل والحرم، وهذا الحيوان المشكوك المردد بين الاهلي والوحشي يجوز ذبحه للمحل في الحرم للبرائة، فيجوز ذبحه للمحرم في الحل والحرم للكلية المذكورة، فالخارج من العام الدال على المنع أمران: أحدهما: الحيوانات الخاصة المذكورة فيما تقدم. وثانيهما: مورد انطباق الكلية المذكورة المستفاد من النص. بقي في المقام فروع: الفرع الاول: هل تختص حرمة الصيد بالحيوان المحلل الاكل كالظبي، أو تعم محرم الاكل ومحلله. ذكر النراقي (ره) في مستنده اقوالا ثلاثة: احدهما: اختصاص الحرمة بالمحلل اكله وعدم تحريم صيد محرم الاكل مطلقا وهو المحكي عن مفاتيح الفيض الكاشاني، بل حكي عنه نسبة هذا القول إلى الاكثر. ثانيها: عدم الفرق في التحريم بين محلل الاكل، ومحرمه. ثالثها: التفصيل في الحيوان المحرم بين ما ثبتت الكفارة فيه كالاصناف الثمانية، وهي الاسد والثعلب والارنب والضب واليربوع والقنفذ والزنبور. والعظاية (1) فيحرم صيدها وبين ما لم يثبت فيه الكفارة فيحل صيده فمحلل الاكل يحرم صيده، واما محرم الاكل يجوز صيده إلا الثمانية المذكورة. اقول: مقتضى اطلاق بعض الادلة حرمة الصيد مطلقا واستدل للاختصاص بالمحلل الاكل بوجهين:


(1) العظاية: بتقديم العين المهملة والظاء المعجمة دوبية صغيرة ملساء من فصيل الضب.

[ 380 ]

احدهما: قوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما) (1). بدعوى اختصاصه بالمحلل الاكل لتقييده بقوله تعالى: (مادمتم حرما) فاته كالصريح في التحريم في خصوص حال الاحرام، مع ان محرم الاكل لو كان مما يحرم صيده أيضا لم يكن وجه لتقييده بحال الاحرام، لان مالا يؤكل لحمه يحرم اكله مطلقا في حال الاحرام وعدمه. وفيه ما لا يخفى: لان الصيد المذكور في الآية اريد به معناه المصدري وهو اصطياد الحيوان والاستيلاء عليه لا المصيد، والقرينة على ذلك صدر الآية الشريفة (احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) فان المراد من الصيد في الصدر معناه المصدري اي الاصطياد لقوله تعالى: (وطعامه متاعا لكم) إذ لو كان المراد من صيد البحر الحيوان المصيد لم يكن مجال لذكر قوله تعالى: (وطعامه متاعا لكم) وما حرم في الجملة الثانية نفس ما حلل في الجملة الاولى، فمعنى الآية - والله العالم - ان الاصطياد من البحر حلال مطلقا والاصطياد من البر حرام في خصوص حال الاحرام واما في غيره فلا حرمة للاصطياد. مضافا إلى ذلك انه لو فرضنا انه لم تكن قرينة على ان المراد بالصيد هو الاصطياد، بل فرضنا ان المراد به هو الحيوان المصطاد، غاية الامر لا تدل الآية على ما يزيد على حرمة صيد محلل الاكل، ولا تدل على حلية صيد محرم الاكل، فالآية ساكتة عن حكم اصطياد محرم الاكل، فيكفينا حينئذ في حرمة اصطياد محرم الاكل اطلاق الروايات بل العموم المستفاد من كلمة (كل) في صحيح معاوية بن عمار (اتق قتل الدواب كلها) أو من النكرة في سياق النهي في صحيح


(1) المائدة 96.

[ 381 ]

الحلبي (لا تستحلن شيئا من الصيد). ثانيهما: قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم... إلى قوله تعالى (ومن عاد فينتقم الله منه) (1). فان المستفاد منه ان حرمة القتل تختص بما كان فيه جزاء وكفارة واما ما لا جزاء فيه فلا يحرم قتله، والمحرم اكله - غير المنصوص عليه - لاجزاء ولا كفارة فيه. فما لا كفارة فيه لا يحرم قتله وما لا يحرم قتله لا يحرم صيده. وفيه: منع الملازمة بين حرمة القتل وثبوت الكفارة والآية صريحة في حرمة الاعادة والانتقام منه ولا كفارة على من اعاد واصاب صيدا آخر كما في النصوص (2). بل غاية ما يستفاد من الآية حرمة قتل محلل الاكل لقوله تعالى: (مثل ما قتل من النعم) ولكن لا تدل الآية على حرمة القتل مطلقا حتى محرم الاكل بل الآية ساكتة عن ذلك، وانما يستفاد حرمة قتل ما لا يؤكل لحمه من اطلاق بعض الروايات أو عمومها كقوله (ع) (اتق قتل الدواب كلها إلا الافعى.) خصوصا مع الاستثناء الدال على العموم نظير قوله تعالى: (وبعولتهن احق بردهن) فانه لو كنا نحن وهذه الآية لقلنا بعدم وجوب العدة على البائن كالطلاق الخلعي والطلاق الثالث لان قوله تعالى: (وبعولتهن...) خاص بالرجعي ولا يشمل الخلعي ولا الطلاق الثالث إلا ان الآيه لاتدل على لزوم


(1) سورة المائدة آية 95. (2) الوسائل: باب 48 من أبواب كفارات الصيد.

[ 382 ]

العدة لا انها تدل على العدم فلا ينافي وجوب العدة عليها بالروايات، فهكذا المقام فان الآية لا تدل على حرمة قتل غير ما لا يؤكل لحمه لا انها تدل على الجواز فلا منافاة بين الآية والروايات. الفرع الثاني: قد عرفت جواز قتل الاهلي للمحرم حتى في الحرم فهل العبرة بالحالة الاصلية، أو بالحالة العارضة؟ فينقلب الحكم بانقلاب حالته. المعروف بقاء حكم الاصل فلا يتبدل حكم الاهلي بالتوحش وهكذا العكس. والصحيح ما ذهب إليه المشهور اما البري المتوحش كالظبي إذا تأهل لا يخرج عن حكمه فلا يجوز قتلته لصدق عنوان الصيد عليه فلا يجوز للمحرم قتله، وهكذا لو انعكس وتوحش الاهلي لا يتغير حكمه لعدم صدق العنوان الصيد على الممتنع بالعرض ولا اقل من كونه مشتبها فيه ومقتضى الاصل هو الجواز لان التحريم خاص بالصيد ولم يعلم صدقه على ذلك، ولو فرضنا صدق الصيد عليه إلا ان النصوص المعتبرة دلت على جواز ذبح الابل والبقر واطلاقها يقتضي الجواز وان توحش الحيوان الاهلي لتقدم اطلاق الخاص على اطلاق العام. الفرع الثالث: الصيد الوحشي إذا تأهل ثم تولد فالمتولد لم يكن صيدا قطعا بل انما هو وليد الصيد فهل يحكم عليه بالصيد ام لا؟ لم اجد من تعرض لذلك، ولم يذكروا ان المتولد من الوحشي المتأهل بالعرض من اول تولده اهلي ام لا. والظاهر هو الجواز لعدم صدق عنوان الصيد عليه وانما هو نتيجة الصيد ووليده. وربما يقال: ان العمومات - كقوله: (اتق قتل الدواب كلها

[ 383 ]

إلا الافعى) تدل على حرمة قتل كل ما يدب من الحيوانات، وانما وردت الرخصة في موارد خاصة بعنوان الانعام والدجاج لا بعنوان الاهلي فالعمومات على حالها. وفيه: ان هذا العموم قد خصص بمخصص آخر، وهو كلما جاز للمحل ذبحه في الحرم يجوز ذبحه للمحرم في الحرم وغير الحرم كما في النص (1). وهذا العنوان يصدق على غير الابل والغنم والبقر والدجاج. والاهلي في بلادنا وفي منطقة صدور الروايات انما هو هذه الحيوانات المذكورة ولو كان مورد الخاص مختصا بهذه الحيوانات لا يبقى مجال لذكر هذه الكلية في النصوص، فلابد من تعميم حكم الخاص لغير هذه الحيوانات المذكورة، ولا ريب في جواز ذبح هذا الحيوان المتولد من الوحشي المتأهل بالعرض للمحل في الحرم لان الذي يحرم عليه انما هو الصيد، والحيوان الذي دخل من الحل إلى الحرم، لقوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) لعدم اختصاصه بالانسان كما في النص (2)، وكلا العنوانين غير صادق على المقام لان المتولد في الحرم لا يصدق عليه الصيد. ولا مما دخل من الحل إلى الحرام، والمفروض انه محل الاكل فيجوز له ذبحه فإذا جاز له جاز للمحرم أيضا للكلية المتقدمة فيكون العموم مخصصا بأمر آخر غير عنوان الابل والبقر والغنم وإلا لو كان المخصص منحصرا بهذه الحيوانات المذكورة فتصبح هذه الكبرى المستفادة من النصوص لغوا.


(1) الوسائل: باب 82 من أبواب تروك الاحرام. (2) الوسائل: باب 88 من أبواب تروك الاحرام.

[ 384 ]

الفرع الرابع: هل يجوز له ذبح الحمير والبغال والخيول إذا دعت الحاجة إلى ذبحه والانتفاع بجلده وان لم يؤكل لحمه كما ورد في حديث ان النبي صلى الله عليه وآله مر بشاة ميتة فقال: صلى الله عليه وآله ما كان على اهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعوا بأهابها؟ (1). وبعبارة اخرى، جواز ذبح الاهلي هل يختص بما يطلب اكله أو يعم ما يطلب ظهره؟ مقتضى اطلاق كلمات بعضهم من حلية الاهلي شموله للحمير واخويه ولكن كلام المحقق حيث استثنى خصوص النعم والدجاج ربما يوهم الاختصاص بها. ويمكن القول بان المحقق ليس في مقام ذكر ما يختص بالنعم فان المحرم هو صيد البر أي الحيوان الممتنع، وما عدى الحيوان الممتنع يشمل مطلق الاهلي فذكر النعم والدجاج من باب المثال. وكيف كان: الظاهر هو الجواز وان كان صحيح معاوية مطلق يشمل جميع الحيوانات والمخصص انما هو الانعام والدجاج فتحتاج في الخروج عن العموم الوارد في صحيح معاوية بن عمار بالنسبة إلى الخيول واخويها إلى دليل بالخصوص. ولكن قد عرفت قريبا ان المخصص لا ينحصر بالانعام، بل ورد مخصص آخر، وهو الكلية المستفادة من النصوص، وان كلما جاز قتله للمحل في الحرم يجوز ذبحه للمحرم، ولا ريب في جواز قتل ذلك للمحل في الحرم لان الذي يحرم عليه الحيوان الذي دخل من الخارج إلى الحرم والتجأ إليه فانه آمن لقوله تعالى: (ومن دخل كان آمنا)


(1) الوسائل: باب 61 من أبواب النجاسات ح 2.

[ 385 ]

وكذلك الصيد وشئ منهما غير صادق على الخيول والبغال والحمير على الفرض فلا مانع للمحل في الحرم من ذبح ذلك فإذا جاز له جاز للمحرم. نعم: هنا رواية واحدة تدل على اختصاص الجواز بالانعام والدجاج فلا يجوز غيرها للمحرم أيضا، والمرجع حينئذ اطلاق المعتبرة الناهية عن كل حيوان. ولكن الرواية ضعيفة سندا بسهل (1). وبالجملة: وقع الكلام بين الفقهاء فيما يجوز للمحرم ذبحه فبعضهم خص الحكم بالجواز بالدجاج والنعم كالمحقق في الشرائع فغير ذلك داخل تحت عموم المنع وبعضهم عبر بالاهلي فيشمل مثل الحمير والبغال والخيول وذكرنا انه بناءا على عدم الاختصاص بالدجاج والنعم يجوز قتل مطلق الاهلي، وان لم يطلب لحمه كالحمير. وكذلك يجوز قتل المتولد من الوحشي الاصلي المتأهل بالعرض فما يجوز ذبحه لا ينحصر بالنعم والدجاج. واما رواية سهل الحاصرة بذلك فضعيفة السند. نعم: روى الصدوق بسند صحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: لا يذبح في الحرم إلا الابل والبقر والغنم والدجاج (2). وروى عنه في الوافي كذلك ومقتضاه الاختصاص بالمذكورات ولكن الوسائل روى عن الشيخ بنفس السند انه قال: تذبح في الحرم الابل


(1) الوسائل: باب 82 من أبواب تروك الاحرام ح 5. (2) الفقيه: ج 2 ص 172.

[ 386 ]

والبقر والدجاج (1)، ثم قال ورواه الصدوق باسناده عن ابن مسكان مثله، فيعلم ان نسخة الفقيه التي كانت عند صاحب الوسائل مطابقة لرواية الشيخ فلا يمكن الاعتماد على نسخ الفقيه الموجودة بين ايدينا. ولو اغمضنا عن ذلك والتزمنا باشتباه صاحب الوسائل والتزمنا بصحة نسخ الفقيه المطبوعة المتداولة فتكون رواية الصدوق مخالفة لرواية الشيخ فهما متنافيان، ولا يحتمل صحتهما معا ولا وجه لتقدم رواية الصدوق على رواية الشيخ وان كان الصدوق اضبط لان كلا منهما واجد لشرائط الحجية فيتعارضان. ومع قطع النظر عن ذلك أيضا وفرضنا ان الرواية منحصرة برواية الصدوق أيضا لا يمكن الاخذ بها لمنافاتها للكلية المذكورة المستفادة من النصوص، وهي جواز الذبح للمحرم، كلما يجوز ذبحه للمحل في الحرم فان الكلية المذكورة صريحة في شمولها لغير النعم فيبطل الحصر الوارد في رواية الصدوق، فإذا بطل الحصر ترجع في الحكم بالجواز إلى عموم ما دل على جواز ذبح كلما يجوز ذبحه للمحل في الحرم غير الصيد وغير المستجير، للمحرم. فتحصل: انه يجوز ذبح هذه الحيوانات للمحرم للانتفاع بجلدها بل بلحمها عندنا. الفرع الخامس: قد ذكرنا سابقا ان ما يذبحه المحرم يحرم على المحل والمحرم، وكذا ما يذبح في الحرم يحرم على المحل والمحرم فيكون المذبوح ميتة، وقد ذكرنا أيضا انه لا عبرة بكلام سيد المدارك من الاكل للمحل لان موثقة اسحاق المتقدمة صريحة في حرمة مذبوح


(1) الوسائل: باب 82 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

[ 387 ]

المحل والمحرم، فنقيد اطلاق ما دل على حلية صيد المحرم للمحل فمن حيث حرمة الاكل لا كلام. وانما الكلام في ترتيب سائر آثار الميتة كالنجاسة وعدم جواز الصلاة في جلده وسائر اجزاءه، وقد احتاط شيخنا النائيني في الصلاة في جلده ولم يعرف وجه الاختصاص بالجلد والاولى ان يقال: (ويحرم الصلاة في اجزاءه لان المفروض كونه ميتة). وكيف كان: يقع الكلام تارة فيما يذبحه المحرم أو المحل في الحرم واخرى فيما يذبحه المحرم خارج الحرم. أما الاول: فالصحيح انه محكوم بالميتة من حيث عدم الصلاة فيه سواء قلنا بان التنزيل بلحاظ كونه ميتة أو بلحاظ حرمة الاكل لعدم جواز الصلاة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه، وان كان عدم الاكل بالعرض كالجلل والموطوئة، واما من حيث النجاسة فتتوقف على عموم التنزيل فان قلنا بانه ميتة على الاطلاق فهو وإلا فان قلنا بأن التنزيل بلحاظ اظهر الآثار وابرزها فالتنزيل يشمل الاثر الظاهر البارز كما في نظائره كقوله (ع): في العصير (خمر لا تشربه) (1) والحكم البارز هناك حرمة الشرب، ولذا لم نقل بنجاسة العصير، وهكذا المقام فان الاثر البارز هو حرمة الاكل وعدم جواز الصلاة فيه لا النجاسة. وبالجملة: مذبوح الحرم يعد من محرم الاكل لانه لو ذبحه المحرم أو المحل يحكم بحرمته على كل تقدير، فلا يجوز اكله ولا الصلاة فيه. واما الثاني: فهو ما يذبحه المحرم في الحل فلا يعد الحيوان المذبوح من الحيوان المحرم الاكل في نفسه، وانما يحرم اكله من جهة حرمة


(1) التهذيب: ج 9 ص 122.

[ 388 ]

ذبحه من المحرم نظير حرمة الحيوان من جهة فقد بعض شرائط التذكية كما إذا كان الذابح كافرا، أو ذبح بغير الحديد أو إلى غير القبلة فالحيوان في نفسه ليس محرم الاكل فانه قابل لوقوع التذكية عليه إذا ذبحه المحل نظير ما إذا ذبحه المسلم بالحديد فعدم الصلاة فيه والحكم بنجاسته مبنيان على عموم التنزيل فيفرق الحال بين ما ذبحه المحرم في الحل وبين ما ذبح في الحرم فان الثاني محرم الاكل على كل تقدير ويعد من الحيوانات المحرمة الاكل، ولو بالعرض بخلاف الاول فانه يحرم اكله لاجل فقد بعض شرائط التذكية، وهو كون الذابح محلا. وهذا كله من باب مسايرة القوم فيما ذهبوا إليه، ولكن جميع ما ذكر مما لا اساس له فان ذلك يتوقف على كون اطلاق الميتة من باب التنزيل، والظاهر انه لا موجب للالتزام بذلك لان اطلاق الميتة. عليه كما في النص حكم شرعي تعبدي، ولا قرينة على تنزيله وتشبيهه بالميتة. نعم: قامت القرينة على تنزيل العصير منزلة الخمر لان العصير ليس مصداقا للخمر جزما فان الخمر ما خامر به العقل ونحو ذلك من المعاني التي لا تنطبق على العصير فجعله خمرا ليس إلا من باب التنزيل، واما في المقام فلا موجب للالتزام بذلك، ولا قرينة عليه، ولا مانع من حكم الشارع عليه بالميتة، وليس في شئ من الروايات انه كالميتة بل ورد انه ميتة، واي مانع من الالتزام بكونه ميتة حسب حكم الشارع كالمذبوح إلى غير القبلة، أو بغير الحديد، ولذا ذكرنا في محله ان المراد من الميتة اعم مما مات حتف انفه، أو ذبح على غير الوجه الشرعي فيثبت جميع آثار الميتة. ومن الغريب ما استدل به بعضهم على عدم جريان آثار الميتة عليه

[ 389 ]

[ (مسألة 203): فراخ هذه الاقسام الثلاثة من الحيوانات البرية، والبحرية والاهلية، وبيضها تابعة للاصول في حكمها (1). ] بل يحكم عليه بالطهارة، وهو صحيح ابن مهزيار (قال: سئلت الرجل عليه السلام عن المحرم يشرب الماء من قربة أو سقاء اتخذ من جلود الصيد هل يجوز ذلك أم لا؟، فقال يشرب من جلودها) (1) فان جواز الشرب يكشف عن الطهارة. ولا يخفى ما فيه: فان كلامنا في مذبوح المحرم، ومورد الرواية هو الصيد، وربما يصيد المحرم في الحل، ولا يموت فيذبحه المحل فمورد الرواية اجنبية عن المقام. (1) لا ريب في حلية بيض السمك، وكذا بيض الطير الاهلي فان حليتهما تستلزم حلية بيضهما، واما الحيوان البري الذي يحرم صيده فهل يحرم بيضه وفرخه تبعا للاصل أم لا؟. المعروف بل المتسالم عندهما هو الحرمة كالاصل اكلا واتلافا مباشرة ودلالة واعانة. ولكن وقع الكلام في دليله. والظاهر انه لا دليل عليه إلا بالاولوية حيث ثبتت الكفارة في كسر البيض، وقتل الفرخ، بل ورد ثبوت الكفارة على الواسطة الذي يشتري البيض للمحرم فان ذلك يكشف عن عظمة الامر وشدة


(1) الوسائل: باب 9 من تروك الاحرام ح 1.

[ 390 ]

[ (مسألة 204): لا يجوز للمحرم قتل السباع إلا فيما إذا خيف منها على النفس، وكذلك إذا آذت حمام الحرم. ولا كفارة في قتل السباع حتى الاسد على الاظهر بلا فرق بين ما جاز وما لم يجز (1). ] الحرمة ولا سيما ذكر الفراخ والبيض في عداد نفس الحيوان فان جعلهما في عداد الحيوان يكشف عن ثبوت الحرمة لهما أيضا (1). ولو فرضنا قصور الكفارة عن ثبوت الحرمة بالاولوية المذكورة إلا ان كثرة الابتلاء بكسر البيض وقتل الفراخ بواسطة وطوء البعير ونحوه أو وطوء نفس المحرم للحجاج في الاسفار السابقة التي كانت الدواب مع التسالم على الحرمة توجب القطع بأخذ الحكم من المعصومين (ع) ولو كان جائزا لظهر وبان. (1) لا خلاف في حرمة قتل السباع إلا إذا خيف منها، وهل هنا كفارة ام لا؟ الظاهر انه لا كفارة في قتل السباع ماشية كانت أو طائرة إلا الاسد، بل ادعى الاجماع على عدم الكفارة في مطلق محرم الاكل وان لم يكن من السباع. فيقع الكلام في مقامين: احدهما: في الحكم التكليفي. ثانيهما: في الحكم الوضعي. اما الاول: فالذي يدل على حرمة قتل السباع صحيح معاوية بن عمار التي تقدمت غير مرة (اتق قتل الدواب كلها إلا الافعى...)


(1) الوسائل: باب 10 و 24 من أبواب كفارات الصيد.

[ 391 ]

هذا إذا لم يخف منها على نفسه وإلا فيجوز قتلها. واستدل لذلك بخبر حريز قال: (كل ما يخاف المحرم على نفسه من السباع والحيات وغيرها فليقتله، وان لم يردك فلا ترده) (1). فانه صريح في جواز القتل فيما إذا يخاف المحرم على نفسه وعلى عدم الجواز فيما إذا لم يخف منها على نفسه ولم ترده السباع والحيات، انما الكلام في سنده والظاهر انه مرسل لان الكليني يرويه عن حريز. عمن اخبره، والشيخ يرويه عن حريز عن الصادق (ع) وقد ذكرنا غير مرة انه من البعيد جدا ان حريز يروي لحماد تارة مسندا إلى الامام واخرى مرسلا فالرواية مترددة بين كونها مرسلة أو مسندة ولا ريب ان الكليني اضبط من الشيخ، فالتعبير عنه بالصحيح كما في الجواهر والحدائق في غير محله. فالصحيح ان يستدل بصحيح عبد الرحمن العزرمي، عن أبي عبد الله عن ابيه، عن علي (عليهم السلام) قال: يقتل المحرم كلما خشيه على نفسه) (2). واما الثاني: هو الحكم الوضعي وانه هل تثبت الكفارة في قتل السباع ام لا؟ ادعى الاجماع على انه لا كفارة في قتل السباع سواء قيل بجواز القتل ام لا كما إذا قتل النمر الذي لم يخف منه ولم يرده لعدم الدليل على الكفارة، واما قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) (3) فخاص بالحيوانات التي لها مماثل


(1) الوسائل: باب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 7. (3) المائدة: 95.

[ 392 ]

[ (مسألة 205): يجوز للمحرم ان يقتل الافعى والاسود الغدر وكل حية سوء والعقرب والفارة ولا كفارة في قتل ] كالنعامة ومثلها البدنة والظبي ومثلها المعز والشاة وبقر الوحش ومثلها البقرة الاهلية وسيأتي بيان ذلك في محله. هذا كله في غير الاسد. واما الاسد ففيه خلاف فذهب بعضهم إلى ثبوت الكفارة فيه واستدل بما رواه الكليني عن داود بن أبي يزيد العطار، عن أبي سعيد المكاري، قال: قلت: لابي عبد الله (ع) رجل قتل اسدا في الحرم قال: عليه كبش يذبحه) (1). ولا يخفى ان الاستدلال به متوقف على ثبوت الملازمة بين ثبوت الكفارة للقتل في الحرم وبين القتل حال الاحرام، وموضوع الرواية هو القتل في الحرم ومورد كلامنا القتل حال الاحرام وان لم يكن في الحرم فالرواية اجنبية عن محل الكلام. هذا مضافا إلى ضعف السند بالعطار والمكاري كما صرح به المحقق في الشرايع، والمشهور أيضا لم يلتزموا بثبوت الكفارة حتى يدعى الانجبار فحال الاسد حال ساير السباع في عدم ثبوت الكفارة في قتله سواء جاز قتله ام لا. وكذلك يجوز قتل سباع الطير الموذي لحمام الحرم ولا كفارة في قتله لصحيح معاوية بن عمار انه اتى أبو عبد الله (ع) فقيل له: ان


(1) الوسائل: باب 39 من أبواب كفارات الصيد ح 1.

[ 393 ]

[ شئ من ذلك (1). ] سبعا من سباع الطير على الكعبة ليس يمر به شئ من حمام الحرم إلا ضربه، فقال: (فانصبوا له واقتلوه فانه قد الحد) (1)، (1) لا كلام في جواز قتل هذه الحيوانات، انما الكلام في ان الحكم بالجواز هل يختص بما إذا ارادته وخاف منها ام لا؟ المعروف بينهم جواز القتل مطلقا، ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: ثم اتق قتل الدواب كلها إلا الافعى والعقرب والفارة، فاما الفارة فانها توهي السقاء، وتضرم على اهل البيت، واما العقرب فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مد يده إلى الحجر فلسعته، فقال: لعنك الله لا برا تدعينه، ولا فاجرا، والحية ان ارادتك فاقتلها، وان لم تردك فلا تردها، والاسود الغدر فاقتله على كل حال، وارم الغراب والحداة رميا على ظهر بعيرك) (2). ولو كان جواز القتل مختصا بما اراده لم يكن وجه لذكر المذكورات بالخصوص بل كان حالها حال جميع السباع، مضافا إلى ان الفارة لا تريد الشخص بل تهرب من الانسان ولعل العقرب كذلك. على ان اختصاص الحية بما إذا ارادت يدل على ان المذكورات غير مختصة بصورة الارادة وان الحكم مطلق.


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب كفارات الصيد ح 1. (2) الوسائل: باب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

[ 394 ]

واما قوله: (والاسود الغدر فاقتله على كل حال) فلا يوهم اختصاص القتل المطلق به، بل هذا استثناء من الحية التى لا تقتل على كل حال. وان هذا القسم من الحية يقتل مطلقا فاطلاق الصدر على حاله. ويدل عليه أيضا اطلاق صحيح الحلبي (قال: يقتل في الحرم والاحرام الافعى والاسود الغدر وكل حية سوء والعقرب والفارة وهي الفويسقة) (1). واما صحيح حسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع) قال: قال لي: يقتل المحرم الاسود الغدر والافعى والعقرب والفارة فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سماها الفاسقة والفويسقة، ويقذف الغراب وقال: اقتل كل واحد منهن يريدك) (2). فربما يوهم الاختصاص بصورة الارادة ولكن قد عرفت ان الرواية مشتملة على ما لا يريد كالفارة فلا تحقق الارادة في موردها. بل الظاهر ان قوله (ع): (اقتل كل واحد منهن يريدك) حكم آخر وجوبي يختص بصورة الارادة فانه يجب القتل حينئذ دفعا للخطر والضرر العظيم، فلا يوجب تقييد الحكم بالجواز في الصدر بذلك. (عود على بدء) سبق لنا ان ذكرنا الروايات المجوزة لذبح المحرم الحيوانات الاهلية (3)، فقد روى الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) (قال: يذبح في الحرم الابل والبقر والغنم


(1) الوسائل: باب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 6. (2) الوسائل: باب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 5. (3) راجع ص 385.

[ 395 ]

[ (مسألة 206): لا بأس للمحرم ان يرمي الغراب ] والدجاج (1). وفي النسخة القديمة المطبوعة بالطبع الحجري (في الحل) بدل قوله: (في الحرم) والفرق بينهما واضح ولا ريب ان النسخة المطبوعة بالحجري فيها تحريف وغلط لاطباق بعض النسخ الخطية والطبعة الجديدة على قوله: (في الحرم) كما في الوسائل وكذلك نقلها في الوافي وفي الوسائل اسقط كلمة (والغنم) مع انها مذكورة في التهذيب وذلك اما اشتباه من الوسائل أو من غلط النساخ. وكيف كان: الجملة المذكورة في التهذيب جملة ايجابية إلا ان الصدوق روى في الفقية بنفس السند بالجملة السلبية وانه قال (ع): (لا يذبح في الحرم إلا الابل والبقر والغنم والدجاج) (2) وقد ذكرنا آنفا انه لا يمكن الاعتماد على رواية الصدوق فانه مضافا إلى ما تقدم يرد عليه ان دلالة رواية الصدوق على عدم جواز غير الانعام وغير الدجاج بالاطلاق ويرفع اليد عنه بالكلية المذكورة الصريحة الدالة على جواز ذبح المحرم كلما جاز للمحل ذبحه ولا ريب في جواز ذبح هذه الحيوانات للمحل في الحرم فيجوز ذبحه للمحرم أيضا فان المحرم على اهل الحرم انما هو صيد الحرم ومن دخل الحرم مستجيرا به وشئ منهما غير صادق على الحيوانات الاهلية.


(1) التهذيب: ج 5 ص 367. (2) الفقيه: ج 2 ص 172.

[ 396 ]

[ والحدأة ولا كفارة لو اصابهما الرمي وقتلهما (1). ] (1) لا كلام في جواز قتل الغراب والحدأة للنصوص المتعددة. وانما يقع الكلام في امور: الاول: هل يختص جواز القتل بما إذا كان المحرم على ظهر بعيره كما جاء ذلك في الرواية المتقدمة فلا يجوز إذا كان راجلا أو راكبا غير البعير، أو يعم جميع الحالات؟. الثاني: ان جواز القتل هل يختص بالغراب الابقع أو يشمل غيره؟. الثالث: هل يختص الحكم المذكور بالرمي أو يعم مطلق القتل وان لم يكن بسبب الرمي؟. اما الاول: فلا يخفى ان الروايات على قسمين: احدهما: مطلق الرجم والقتل وان لم يكن على ظهر البعير كصحيح الحلبي (ويرجم الحدأة رجما) (1). ثانيهما: خص الجواز بما إذا كان على ظهر بعيره كما في صحيحة معاوية بن عمار (وارم الغراب والحدأة رميا على ظهر بعيرك) (2). ولكن الظاهر انه لا موجب للتقييد فانه محمول على الغالب والقيد وان كان له مفهوم عندنا في الجملة لكن فيما إذا لم يحمل على الغالب. ومما يدل على ان القيد إنما ذكر لاجل الغلبة وانه غير دخيل في الحكم المذكور. قوله: (على ظهر بعيرك) إذ لا نحتمل دخل ملكية البعير في


(1) الوسائل: باب 81 / من تروك الاحرام / ح 6 (2) الوسائل: باب 81 / من تروك الاحرام / ح 2

[ 397 ]

الحكم بعدم الجواز. هذا كله مضافا إلى القطع بعدم الفرق بين الراجل والراكب وبعدم الفرق بين المراكب. وأما الثاني: فالظاهر ان ذكر الابقع في بعض النصوص كمعتبرة حنان بن سدير (والغراب الابقع ترميه) (1) لا دلالة فيها على الاختصاص، إذ لعل التقييد به فيها لاجل كثرة الابتلاء بخصوص هذا الحيوان وانه حيوان خبيث ويشهد لذلك قوله: (فان اصبته فابعده الله) فان ذلك يكشف عن خصوصية في الابقع وخيانته. وأما الثالث: هل يجوز قتله بأي سبب من اسباب القتل ولو بغير وأما الثالث: هل يجوز قتله بأي سبب من اسباب القتل ولو بغير الرمي كالسيف والعصا ونحو ذلك؟. ذكر بعضهم الاختصاص بالرمي والرجم، ومنهم من جوز القتل بأي سبب كان كشيخنا النائيني (قده). والظاهر هو الاختصاص، لان التفصيل في الروايات بينه وبين بقية المذكورات فيها قاطع للشركة، فانه بالنسبة إلى بقية الحيوانات اطلق القتل فيها وأما في خصوص الغراب قيد القتل بالرمي فيعلم ان للغراب حكم خاص. هذا مضافا إلى عدم جواز قتل الدواب على الاطلاق وقد خرجنا منه في قتل الغراب بسبب الرمي أو الرجم وأما بقية أقسام القتل فيشملها عموم المنع. انتهى الجزء الثالث بحوله تعالى ويليه الجزء الرابع وأوله كفارات الصيد


(1) الوسائل: باب 81 تروك الاحرام / ح 11

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية