الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الحج - السيد الخوئي ج 2

كتاب الحج

السيد الخوئي ج 2


[ 1 ]

منشورات مدرسة دار العلم (10) معتمد العروة الوثقى محاضرات زعيم الحوزة العلمية اية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله العالي الجزء الثاني بقلم السيد الخلخالي

[ 2 ]

الطبعة الثانية 1364

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين

[ 5 ]

معتمد العروة الوثقى الجزء الثاني

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تصدير لم يكن بمقدوري يوم قدر لي ان اقدم كتابنا (معتمد العروة الوثقى) إلى الطبع من اصدار البحوث فيما يتعلق بالحج كاملة في جزء واحد نظرا لسعة الموضوع وكثرة مسائله. ان هذه الكثرة وهذه التوسعة في مسائل الحج هي التي كانت مثار عجب واحد من كبار الرواة المختصين بالامام الصادق (ع) وهو زرارة حيث تصدى للسؤال منه عن ذلك. فقال: قلت لابي عبد الله (ع): جعلني الله فداك اسئلك في الحج منذ اربعين عاما فتفتيني، فاجابه الامام بما يزيل عنه هذه الحيرة قائلا. يا زرارة بيت حج إليه قبل آدم بالفي عام تريد ان تفتى مسائله في اربعين عاما (1). لذلك كان لابد لي من ترتيب الكتاب على الاخراج باجزاء ثلاثة وقد وفقني الله سبحانه لاصدار الجزء الاول منها مشتملا على البحث من اول الحج إلى آخر البحث عن الحج الواجب بالنذر، ومرة اخرى حالفني التوفيق (والحمد لله) لاصدار هذا الجزء - الثاني - والذي


الوسائل: باب 1 من أبواب وجوب الحج، ح 12 .

[ 8 ]

يبدء من " البحث في النيابة بالحج " وإلى الله اضرع ان يشملني يعنايته لاصدار البحوث لاكمال الفائدة وتقديم ما يجب تقديمه إلى الجامعة العلمية المقدسة. انه سميع مجيب، وهو ولي التوفيق النجف الاشرف رضا الموسوي الخلخالي 6 - شهر رمضان المبارك سنة 1405 هجرية

[ 9 ]

[ (فصل: في النيابة) لااشكال في صحة النيابة عن الميت في الحج الواجب والمندوب وعن الحي في المندوب مطلقا، وفي الواجب في بعض الصور (1) (مسألة 1): يشترط في النائب امور: (احدها): للبلوغ على المشهور فلا يصح نيابة للصبي ] (1) لاريب في جواز الاستنابة ومشروعيتها في الحج المندوب عن المسلم ميتا كان أوحيا، وقد استفاضت النصوص في ذلك، وهي مذكورة في باب النيابة من الحج في أبواب متفرقة، كمالااشكال في ثبوت النيابة في الواجب الاصلي عن الميت بل في المنذور على ما تقدم واخراجه من الثلث، وأما النيابة عن الحي مع تمكنه من اداء الواجب فلا دليل عليها بل هي على خلاف القاعدة لان مقتضاها عدم سقوط ما وجب على شخص بفعل شخص آخر، وانما تفرغ ذمته عن الواجب إذا أتى به بنفسه، فسقوطه بفعل الغير يحتاج إلى الدليل، وقد قام الدليل في خصوص النيابة عن الحي العاجز، وقد تقدم الكلام فيه (1) فيقع الكلام تارة: في النائب، واخرى: في المنوب عنه، وسنتعرض لها تبعا للمتن.


(1) راجع مسألة 72 من شرائط وجوب الحج:

[ 10 ]

[ عندهم وان كان مميزا (1) وهو الاحوط، لا لما قيل: من عدم صحة عباداته. ] (1) أما النائب فقد اعتبروا فيه امورا وهي اولا البلوغ. ويقع الكلام تارة: في غير، المميز، واخرى: في المميز. أما غير المميز فلا ريب في عدم صحة نيابته لعدم تحقق القصد منه في افعاله واعماله، وحاله من هذه الجهة كالحيوانات. وأما للصبي المميز: فالمشهور عدم صحة نيابته واستدلوا بامرين. الاول: عدم صحته عبادته وعدم مشروعيتها وبتعبير آخر: عباداته ليست عبادة في الحقيقة لتقع عن الغير وانما هي تمرينية. وفيه: ما ذكرناه غير مرة من ان عبادة الصبي مشروعة، ولا فرق بينها وبين عبادة البالغين إلا بالوجوب وعدمه. الثاني: عدم الوثوق بعمله لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه. وفيه: ان بين الوثوق والبلوغ عموم من وجه، وغير البالغ كالبالغ في حصول الوثوق به وعدمه، فالدليل اخص من المدعي، فلا فرق بين البالغ وغيره من هذه الجهة، ولذا لا ينبغي الريب في استحباب نيابة الصبي في الحج، كما يستحب لغيره من البالغين، نعم لو كانت النيابة بالاجارة فحينئذ تتوقف على اذن الولي من باب توقف معاملاته على اذنه وعدم استقلاله فيها. ويظهر من المصنف - ره - توقف صحه حجه على اذن للولي مطلقا سواء كان عن اجارة أو تبرع، وليس الامر كذلك، لان

[ 11 ]

المتوقف على اذن الولي انما هو معاملاته من العقود والايقاعات، لا عباداته وساير افعاله غير العقود والايقاعات. والصحيح ان يقال: ان نيابة الصبي في الحج الواجب بحيث توجب سقوط الواجب عن ذمة المنوب عنه غير ثابتة وتحتاج إلى الدليل ولا دليل. بل مقتضى القاعدة اشتغال ذمة المنوب عنه بالواجب وعدم سقوطه عنه بفعل الصبي، وان كانت عباداته شرعية، فان عدم فراغ ذمة المنوب عنه لا ينافي شرعية عبادات الصبي، إذ لا ملازمة بين شرعية عباداته وسقوط الواجب عن ذمة المنوب عنه. والحاصل: مقتضى الاصل عدم فراغ ذمة المنوب عنه بفعل الغير إلا إذا ثبت بالدليل، ولا دليل على تفريغ ذمة المكلف بفعل الصبي وإن كان فعله صحيحا في نفسه، نظير ما ذكرناه في صلاة الصبي على الميت فانها لا توجب سقوط الصلاة عن المكلفين، فلابد من النظر إلى الادلة والروايات الواردة في باب النيابة. فقد ورد في جملة منها لفظ (الرجل) وهو غير شامل للصبي ولذا استشكلنا في نيابة المرأة عن الرجل الحي. ودعوى ان ذكر الرجل من باب المثال عهدتها على مدعيها وأما في النيابة عن الاموات فقد وردت نيابة المرأه عن الرجل وبالعكس، وكذا نيابة المرأة عن المرأة كما في صحيح حكم ابن حكيم، قال: (ع) (يحج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل والمرأة عن المرأة (1)) وأما الرجل عن الرجل فلم يذكر فيه لوضوحه، فيعلم من هذه الرواية


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة ح 6.

[ 12 ]

من جهة استقصاء موارد النيابة فيها - أن النيابة تنحصر في هذه الموراد، فكان المغروس في ذهن السائل شبهة وهي احتمال اتحاد الجنس بين النائب والمنوب عنه ولذا حكم (ع) بجواز النيابة في هذه الموارد المشتبهة المحتملة عند السائل وحيث انه (ع) في مقام البيان ينحصر موارد جواز النيابة في الموارد المذكورة، ولم يذكر الصبي في الرواية وأما نيابة المرأة عن الرجل الحي فلا تلتزم بها أيضا للروابات الدالة على أن الحي يبعث رجلا صرورة إلى الحج (1) والحاصل: أن النيابة على خلاف القاعدة، والاكتفاء بفعل النائب على خلاف الاصل، فلابد من الاقتصار على مقدار مادل الدليل عليه وفي غيره فالمرجع هو الاصل ولم، يقم أي دليل على جواز نيابة الصبي والاكتفاء بفعله في الواجبات الثابتة على ذمة الغير. أما عبادات الصبي نفسه، فتارة: في مورد الواجبات، واخرى: في مورد المستحبات: أما في مورد الواجبات فشرعيتها بالنسبة إليه في خصوص الصلاة وللصوم والحج ثابتة، للنصوص الخاصة كقولهم (عليهم السلام): (أنا نأمر صبياننا بالصلاة فمروا صبيانكم بالصلاة) (2) وذكرنا في محله ان الامر بالامر بشئ امر بذلك الشئ. ونحوه ورد في الصوم (فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم) كما في صحيح الحلبي (3) وكذلك الروايات الامرة باحجاج الصبيان (4). وأما في موراد المستحبات كصلاة الليل وصلاة جعفر وغيرهما من


(1) الوسائل: باب 24 من أبواب وجوب الحج. (2) الوسائل: باب 3 من اعداد الفرائض ح 5 وغيره. (3) الوسائل: باب 29 من أبواب عن يصح منه الصوم ح 3 وغيره. (4) الوسائل: باب 17 من أبواب اقسام الحج.

[ 13 ]

المستحبات فشرعيتها للصبيان لا تحتاج إلى دليل خاص، بل يكفي نفس اطلاق ادلة المستحبات، فانه يشمل البالغين وغيرهم ومن ذلك اطلاق استحباب النيابة فانه يشمل الصبي ايضا فان النيابة عن الغير في نفسها مستحبة كما في جملة من الاخبار. بل ربما يقال: بان إطلاق ادلة الواجبات يشمل الصبيان نظير اطلاق ادلة المستحبات، غاية الامر يرتفع الوجوب لحديث رفع القلم (1) ويبقى اصل المطلوبية والرجحان. ويرد: بان الوجوب امر وحداني بسيط إذا ارتفع يرتفع من اصله وليس امرا مركبا ليرفتع احد جزئيه بحديث رفع القلم ويبقى الاخر. ثم انه قد ورد في خصوص نيابة الحج عن الميت ما يشمل باطلاقه الصبي كما في معتبرة معاوية بن عمار، قلت: لابي عبد الله (ع) (ما يلحق الرجل بعد موته فقال. والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ويحج ويتصدق ويعتق عنهما ويصلي ويصوم عنهما) (2) فان الولد يشمل غير البالغ أيضا. وأما نيابته عن الحي فيدل عليها بالخصوص رواية يحيى الازرق، قال (ع): (من حج عن انسان اشتركا) فان اطلاق قوله: (من حج) يشمل الصبي، والظاهر من قوله: (عن انسان) هو الحي، والمستفاد من الرواية ان كل من ناب عن انسان حي سواء كان النائب بالغا أو غيره اشترك في الثواب والاجر ولكن الكلام في سند هذه الرواية فان يحيى الازرق مردد بين يحيى بن عبد الرحمن الثقة الذى هو من مشاهير الرواة وله كتاب، وبين يحيى بن حسان الكوفي


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 11 و 12. (2) الوسائل: باب 28 من أبواب الاختصار ح 6:

[ 14 ]

[ لكونها تمرينية، لان الاقوى كونها شرعية، ولا لعدم الوثوق به لعدم الردع له من جهة عدم تكليفه لانه اخص من المدعى، بل لاصالة عدم فراغ ذمة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الادلة خصوصا مع اشتمال جملة من الاخبار على لفظ الرجل، ولا فرق بين ان يكون حجه بالاجارة أو بالتبرع باذن الولي أو عدمه، وان كان لا يبعد دعوى صحة نيابته في الحج المندوب باذن الولي. الثاني: العقل، فلا تصح نيابة المجنون الذي لا يتحقق منه القصد مطبقا كان جنونه أو ادواريا في دور جنونه (1) ولا بأس ] الازرق الذي لم يوثق. وربما يقال: ان يحيى الازرق المذكور في اسانيد الفقيه منصرف إلى يحيي بن عبد الرحمان لشهرته ويبعده ان الشيخ ذكر يحيى الازرق مستقلا في قبل يحيى بن عبد الرحمان ويحيى بن حسان فيعلم من ذلك انه شخص ثالث لم يوثق ولاقرينة على انصرافه إلى يحيي بن عبد الرحمن الثقة فالرواية ضعيفة، ولكن يكفينا في صحة نيابة الصبي عن الحي في المستحبات اطلاق ادلة النيابة (1). (1) فانه كالحيوان من هذه الجهة واما نيابة السفيه فلا إشكال فيها لاطلاق الادلة وتحقق القصد منه والحجر عليه في امواله وتصرفاته المالية لايمنع عن الاخذ بالاطلاق لعدم المنافاة بينهما.


الوسائل: باب 21 من أبواب النيابة في الحج ح 2.

[ 15 ]

[ بنيابة السفيه. (الثالث): الايمان لعدم صحة عمل غير المؤمن وان كان معتقدا بوجوبه وحصل منه نية القربة (1) ودعوى ان ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى. ] (1) إذا كان عمل غير المؤمن فاقدا لجزء أو شرط من الاجزاء والشرائط المعتبرة عندنا فلا كلام في عدم الاجزاء، لان العمل الباطلل في حكم العدم، وانما يقال: باجزاء عمل النائب عن المنوب عنه فيما إذا كان العمل في نفسه صحيحا وإلا فلا ريب في عدم الاجتزاء به وإن كان النائب مؤمنا. ولعل الوجه في عدم تعرض الاكثر لذكر الشرط المذكور هو بطلان عمل المخالف في نفسه، ومورد النيابة هو العمل الصحيح، فلا يستفاد من عدم تعرضهم لهذا الشرط عدم اعتبار الايمان في النائب كما توهم. واما إذا فرضنا انه اتى بعمل صحيح في نفسه واجد لجيمع الشرائط والاجزاء المعتبرة عندنا وتمشي منه قصد القربة كما إذا رأى المخالف صحة العمل بمذهب الحق. (وإن كان ذلك بعيدا جدا خصوصا في اعمال الجج المشتمل على احكام كثيرة إذ لااقل من بطلان وضوئه) فلا تصح نيابته أيضا للاخبار الكثيرة (1) الدالة على اعتبار الايمان


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب مقدمة العبادات. وباب 19 من أبواب المقدمات من كتاب جامع احاديث الشيعة وباب 27 مقدمات العبادات مستدرك الوسائل.

[ 16 ]

والولاية في قبول الاعمال وصحتها، وبطلان العبادة بدون الولاية. ودعوى: ان الاخبار ناظرة إلى اعمال نفسة، ومنصرفة عن العمل عن الغير على وجه النيابة. ممنوعة: بما ذكرنا غير مرة ان النائب يتقرب بالامر المتوجه إلى نفسه، فهو مأمور بالعمل لاجل تفريغ ذمة الغير. وبعبارة اخرى: العمل الصادر من النائب يوجب فراغ ذمة المنوب عنه فإذا فرضنا ان عمله غير مقبول فكيف يوجب سقوط الامر عن الغير؟ فان السقوط عن ذمته في طول الامر المتعلق بالنائب فلابد ان يكون الامر المتعلق امرا قريبا ومقبولا في نفسه وإلا فلا يوجب فراغ ذمة المنوب عنه لعدم تحقق موضوعه. والحاصل: ان مقتضي القاعدة الاولية عدم سقوط الواجب عن ذمة المكلف إلا بمباشرته، وانما يسقط عن ذمته في بعض الاحيان باتيان العمل من شخص آخر كالنائب للنصوص. وموضوع ذلك انما هو العمل القربي الصادر عن النائب، وإلا فلا موجب لسقوط الواجب عن ذمة الملكف هذا وقد يستدل لاعتبار الايمان في النائب بمارواه السيد ابن طاوس عن عمار (في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم هل يجوز ان يقضيه غير عارف؟ قال (ع): لا يقضيه إلا مسلم عارف) (1) ولكن الرواية ضعفية لا للجهل بالوسائط بين السيد وعمار لان السيد لم يرو هذه الرواية عن عمار ابتداءا ليقال بجهل الوسائط بينه وبين عمار وانما يرويها عن كتب الشيخ وطريقه إلى كتبه صحيح كما ان طريق الشيخ إلى عمار صحيح أيضا، بل منشاء الضعف ان هذه الرواية


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب قضاء الصلاة ح 5.

[ 17 ]

[ (الرابع): العدالة، أو الوثوق بصحة عمله. وهذا الشرط انما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحة عمله (1). ] غير مذكورة في كتب الشيخ فطريق السيد إلى الشيخ في خصوص هذه الرواية غير معلوم فتصبح الرواية ضعيفة لاجل ذلك. (1) لا يخفى ان هذا الشرط - كما ذكره المصنف - إنما يعتبر في جواز الاستنابة وصحة اجارته لا في صحة عمله، إذ لاريب في الاجتزاء والاكتفاء بعمل النائب إذا أتى به صحيحا ولو كان فاسقا. فالظاهر هو اعتبار الوثوق بصدور العمل منه، وتكفي في احراز الصحة أصالة الصحة ولا يلزم احرازها بالوثوق أو بامارة اخرى. وبالجملة: لو احرزنا صدور العمل منه أو حصل لنا الوثوق بصدوره منه وشك في صحته وفساده يجتزى به لاصالة الصحة، فالوثوق انما يعتبر في صدور العمل منه، وهل يكتفي بقوله ام لا؟ وجهان. قد يقال: بحجية قوله للسيرة على قبول خبر النائب في اداء العمل. ويضعف: بانه لا يعلم جريان سيرة المتشرعة على ذلك بحيث يسمع اخبار النائب وان لم يتحقق الوثوق بصدقه، واما قاعدة (من ملك) المستفادة من السيرة فانما تجري في الامور الاعتبارية لا في الامور التكوينية الخارجية، نظير اخبار الزوج بطلاق زوجته أو بتعق عبده أو ببيع داره ونحو ذلك من الامور الاعتبارية فلا يطالب بالبينة كما لا يعتبر الوثوق بكلامه ولا العدالة. وأما الامور التكوينية الخارجية فلا تثبت بمجرد اخبار من بيده الامر كاخبار النائب باتيان العمل بل لابد من الاثبات.

[ 18 ]

[ (الخامس): معرفته بافعال الحج واحكامه وان كان بارشاد معلم حال كل عمل (1). (السادس): عدم اشتغال ذمته بحج واجب عليه في ذلك العام فلا تصح نيابة من وجب عليه حجة الاسلام، أو للنذر المضيق مع تمكنه من اتيانه (2) واما مع عدم تمكنه لعدم ] ويكفى حصول الوثوق بصدور العمل منه، وحينئذ لو شك في أنه هل اتى به صحيحا ام لا يحمل على الصحة لاصالة الصحة. (1) يقع الكلام تارة: في عمل النائب. واخرى: في الاستيجار والنيابة. أما الاول: إذا ناب عن الغير تبرعا وكان جاهلا بالاحكام ولكن نفرض انه يتعلم من مرشد اثناء العمل تدريجا فلا ريب في صحة عمله كما إذا أتى بالحج عن نفسه بارشاد عارف بالاحكام تدريجا وتعليم منه والحاصل: إذا كان العامل جاهلا بالافعال والاحكام ونوى العمل اجمالا على هو عليه وشرع فيه ولكن في الاثناء يتعلم من المرشد تدريجا، فلا ريب في صحة عمله سواء كان العمل لنفسه أو عن الغير لعدم نقص في عمله ولا موجب للبطلان بعد كونه واجدا لجيمع ما يعتبر فيه. وأما الثاني: فالظاهر عدم صحه اجارته واستنابته للجهل بمتعلق الاجارة لان المفروض انه يوجر نفسه للحج وهو جاهل به فتكون الاجارة غررية فلا بد أن يكون عارفا وعالما بمقدار يخرجه عن الغرر كما هو الحال في أجارة سائر الاعمال والافعال. (2) هذا الشرط أيضا لصحة الاستنابة والاجارة لا لصحة الحج

[ 19 ]

[ المال فلا بأس فلو حج عن غيره مع تمكنه من الحج لنفسه بطل على المشهور، لكن الاقوى ان هذا الشرط انما هو لصحة الاستنابة والاجارة وإلا فالحج صحيح وان لم يستحق الاجرة، وتبرء ذمة المنوب عنه على ما هو الاقوى من عدم كون الامر بالشئ نهيا عن ضده، مع ان ذلك على القول به وايجابه للبطلان انما يتم مع العلم والعمد واما الجهل والغفلة فلا، بل الظاهر صحة الاجارة أيضا على هذا التقدير لان البطلان انما هو من جهة عدم القدرة الشرعية على العمل المستأجر عليه حيث ان المانع الشرعي كالمانع العقلي ومع الجهل أو الغفلة لا مانع لانه قادر شرعا. ] الصادر منه فيقع الكلام في مقامين: أحدهما: في صحة العمل والحج الواقع منه. ثانيهما: في صحة الاجارة. أما الاول: فالحج الصادر منه صحيح لان هذه المسألة من صغريات باب التزاحم للتضاد بين الحجين، الحج الثابت في ذمته والحج النيابي ولا يمكن الجمع بينهما في سنة واحدة، وحيث انه يجوز الامر بالضدين على نحو الترتب، بمعنى انه يؤمر اولا بالحج عن نفسه وعلى تقدير الترك أو العصيان يؤمر ثانيا بالحج عن الغير، فيحكم بصحة الحج الصادر منه على وجه النيابة بالامر الترتبي. واما المقام الثاني: فالظاهر بطلان اجارته ولا يمكن تصحيحها

[ 20 ]

بالترتب لان متعلق الاجارة ان كان مطلقا فالحكم بصحتها ووجوب الوفاء بها يستلزم الامر بالضدين، إذ المفروض ان الامر بالحج عن نفسه مطلق ومتحقق بالفعل، كما ان الامر الاجاري على الفرض مطلق فامضائه شرعا يستلزم الامر باجتماع الضدين، وأما امضائه معلقا على ترك الحج عن نفسه فهو وان كان ممكنا إلا أنه لم ينشأ فما انشاء غير قابل للامضاء وما هو قابل له لم ينشاء، وان كان متعلق الاجارة مقيدا ومعلقا على ترك الحج عن نفسه فيبطل عقد الاجارة للتعليق المجمع على بطلانه، وعليه فلا يستحق النائب اجرة المسمى، نعم لاريب في استحقاقه اجرة المثل بناءا على القاعدة المعروفة (كل شئ يضمن بصحيحه يضمن بفاسده). ثم ان بطلان الحج للنيابي على القول به لابد من تخصيصه بحال العلم والعمد، اعني فيما إذا كان الامر بحج الاسلام منجزا، كما إذا كان عالما بوجوب الحج وكان له مال يتمكن معه من الحج ويتركه، أو كان جاهلا به جهلا غير عذري، وأما إذا كان معذورا فلا مانع من الامر بالضد الاخر فان الامر الواقعي غير منجز والمانع انما هو الامر المنجز، وكذا لو لم يتمكن من الحج عن نفسه اصلا فان مجرد اشتغال الذمة واقعا غير منجز عن الامر بالضد الاخر. واظهر من ذلك مورد الغفلة الذي يوجب سقوط الامر بالاهم بالمرة إذ لامانع من فعلية الامر بالضد الاخر حينئذ. وبذلك يظهر الحال في صحة الاستيجار مع عدم تنجز وجوب الحج عليه ولو من جهة الجهل إذا كان معذورا وقد تقدم الكلام في هذه المسألة مفصلا في المسألة العاشرة بعد المائة من شرائط وجوب الحج (1).


(1) راجع المجلد الاول من الكتاب ص 346.

[ 21 ]

[ (مسألة 2): لا يشترط في النائب الحرية، فتصح نيابة المملوك باذن مولاه ولا تصلح استنابته بدونه، ولو حج بدون اذنه بطل (1). (مسألة 3): يشترط في المنوب عنه الاسلام، فلا تصح النيابة عن الكافر (2) لا لعدم انتفاعه بالعمل عن، لمنعه وامكان دعوى انتفاعه بالتخفيف في عقابه، بل لانصراف الادلة، فلو مات مستطيعا وكان الوارث مسلما لا يجب عليه استئجاره عنه، ويشترط فيه أيضا كونه ميتا أو حيا عاجزا في الحج الواجب فلا تصح النيابة عن الحي في الحج الواجب إلا إذا كان عاجزا، واما في الحج الندبي فيجوز عن الحي والميت تبرعا أو بالاجارة. ] (1) لا تعتبر الحرية في النائب بعد كونه مؤمنا عارفا بالحق، لاطلاق الادلة والعبودية غير مانعة، نعم تحتاج نيابته إلى إذن المولى ولا تصح بدونه للحجر عليه المستفاد من قوله تعالى: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) (1) وكذلك استئجاره. نعم لا بأس بالاجازة اللاحقة كما هو الحال في نكاحه، لانه لم يعص الله وإنما عصى سيده كما في النص (2). (2) يقع الكلام تارة: في المشرك. واخرى: في غيره من


(1) سورة النحل: 75. (2) الوسائل: باب 24 نكاح العبيد ح 1.

[ 22 ]

اصناف الكفار، اما المشرك أو من هو اعظم منه كالملحد فلا ريب في عدم جواز النيابة عنهم مطلقا في الواجبات والمندوبات لعدم قابلية التقرب بالنسبة إليهم وقد قال الله تعالى: (ما كان للنبي والذين امنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولى قربى) فهم غير قابلين للغفران وانما هم كالحيوان بل هم اضل فكما لا تجوز النيابة عن الحيوان كذلك عن المشرك. واما غير المشرك من اصناف الكفار كاليهود والنصارى بل المجوس بناءا على انهم من اهل الكتاب، فيقع البحث فيه في موردين: احدهما: في لزوم النيابة عنه في الحج الواجب إذا كان الوارث مسلما. ثانيهما: في النيابة عنه في الحج الندبي سواء كان ميتا أو حيا. اما الاول: فان قلنا بعدم تكليف الكافر بالفروع كما هو المختار فالامر واضح لعدم كون الحج واجبا عليه ليستناب عنه، فلا موجب لاخراج الحج من التركة، وان قلنا بانهم مكلفون بالفروع كما هو المشهور فادلة وجوب النيابة، منصرفة عن الكافر، لان الظاهر من الاسئلة الورادة في روايات النيابة، انما هو السؤال عمن يتوقع منه الحج ولم يحج فان قول السائل: (مات ولم يحج ولم يوص ونحو ذلك) ينصرف إلى المسلم ولا يشمل الكافر الذي لا يتوقع منه الحج، بل لا يبعد جريان السيرة على عدم الاستنابة للكافر من زمن النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) لان كثيرا من المسلمين كان أبواهم من الكفار خصوصا في اوائل الاسلام ولم يعهد ان النبي صلى الله عليه وآله أو احدا من الائمة (ع) يامرهم بالنيابة عن والديهم. وأما الثاني: وهو النيابة عنه في المندوبات سواء كان حيا أو ميتا


(1) الاعراف: 179. التوبة، 113. النساء: 48.

[ 23 ]

[ (مسألة 4): تجوز النيابة عن الصبي المميز والمجنون (1) ] فيشكل عدم جواز النيابة عنهم، إذ لامانع من الاحسان إليهم بالحج كما لامانع من الاحسان إليهم بالصدقات والاعمال الخيرية، لامكان تقرب الكافر ولو بالتخفيف في عقابه وعذابه. هذا فيما إذا لم يكن معاندا لاهل البيت (ع) كالكثير منهم خصوصا؟ المستضغفين منهم بل بعضهم يوالي أهل البيت (ع). وأما إذا كان معاندا فيدخل في الناصب الذي لا يحج عنه إلا إذا كان أبا للنائب كما في لنص (1). وربما يتوهم: ان الناصب إذا لم تصح النيابة عنه مع كونه مسلما بحسب الظاهر لاعتقاده النبوة، فلا تصح من الكافر أيضا بطريق اولى لانه ممن حاد الله ورسوله. وفيه ان الناصب المعاند لاريب في كونه اخبث واشد بعدا من الله تعالى، وقد ورد في النص الصحيح ان الناصب لنا اهل البيت شر اليهود والنصارى والمجوس (2). وبالجملة: ان تم انصراف ادلة النيابة عن الكافر فهو والاصل عدم مشروعية النيابة عنه لان الفعل الصادر من النائب على وجه النيابة عن الكافر عبادة نشك في مشروعيتها والاصل عدمها، وإن لم يتم الانصراف - كما لا يبعد - فلا بأس بجواز النيابة عنه لامكان انتفاعه ولو بالتخفيف في عقابه في الاخرة. (1) اما جواز النيابة من الصبي المميز فلعدم قصور في ادلة النيابة


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب النيابة في الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب الماء المضاف ح؟ 5.

[ 24 ]

[ بل يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقر عليه حال افاقته ثم مات مجنونا. (مسألة 5): لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والانوثة، فتصح نيابة المرأة عن الرجل كالعكس، نعم الاولى المماثلة (1). ] بالنسبة إليه، وعدم شمول التكليف له لايمنع من شمول اطلاق ادلة النيابة له، واما المجنون فان استقر عليه الحج حال افاقته ثم مات مجنونا، فيجب الاستئجار عنه، لان الحج صار دينا عليه والجنون لا يسقط دينه، وانما يوجب سقوط مباشرته بنفسه بالاداء نعم صحة النيابة عن المجنون في غير فرض الاستقرار لا تخلو عن إشكال. (1) لا خلاف في الجملة في عدم اعتبار المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الجنس وان وقع الخلاف في الصرورة، واما النصوص الدالة على عدم اعتبار المماثلة وجواز الاختلاف في الجنس فكثيرة وفيها روايات معتبرة. منها: صحيح حكم بن حكيم (يحج الرجل عن المراه والمرأة عن الرجل والمرأة عن المرأة) (1) ولم يذكر فيه نيابة الرجل عن الرجل لوضوحها. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار (الرجل يحج عن المرأه والمرأة


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة ح 6.

[ 25 ]

[ (مسألة 6): لا بأس باستنابة الصرورة رجلا كان أو امرأة عن رجل أو امرأة (1) والقول بعدم جواز استنابة المرأة صرورة مطلقا أو مع كون المنوب عنه رجلا ضعيف، نعم يكره ذلك خصوصا مع كون المنوب عنه رجلا، بل لا يبعد كراهة استئجار الصرورة ولو كان رجلا عن رجل. ] تحج عن الرجل قال: لا بأس) (1) وبازائها موثقة عبيد بن زرارة قال: قلت: لابي عبد الله (ع) (الرجل الصرورة يوصي ان يحج عنه هل يجزي عنه امرأة، قال: لا كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان؟ قال: انما ينبغي ان تحج المرأة عن المرأة والرجل عن الرجل، وقال: لا بأس ان يحج الرجل عن المرأة) (2) وصدرها وان كان يدل على المنع إلا أن ذيلها يدل على استحباب المماثلة وجواز الاختلاف لقوله: (انما ينبغي) فان كلمة (ينبغي) ان لم ترد عليها حرف النفي تدل على المدح والمحبوبية فيحمل عدم الاجزاء في الصدر على الافضلية. وأما الرواية فهي معتبرة سندا وان كان طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيفا بعلي بن محمد بن الزبير على ما ذكرنا تفصيله في محله. (1) اما المرأة الصرورة (3) فقد صرح الشيخ في المبسوط بعدم جواز حجها عن الرجال ولا عن النساء كما انه اطلق المنع في النهاية في


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة ح 2. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب النيابة في الحج ح 2. (3) رجل صرور وصرورة رجل لم يحج وقيل لم يتزوج امرأة صرورة لم تحج. اقرب الموارد.

[ 26 ]

نيابة المرأة الصرورة، لخبر علي بن أحمد بن أشيم عن سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا (ع) عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة فقال: لا ينبغي) (1) بناءا على أن قوله: (لا ينبغي) يدل على المنع كما استظهرنا دلك لما ذكرنا غير مرة ان (لا ينبغي) معناه انه ان لا يتيسر له وهو معنى الحرمة والمنع، فإذا كانت نيابتها عن المرأة ممنوعة كما في الخبر فنيابتها عن الرجل اولى بالمنع، ولكن الخبر ضعيف بان اشيم. وكذلك منع عن نيابة المرأة الصرروة عن الرجل في الاستبصار (2) واستدل له بعدة من الروايات كلها ضغيفة. منها: بخبر مصادف (في المرأة تحج عن الرجل الصرورة فقال: ان كانت قد حجت وكانت مسلمة فقيهة فرب امرأة افقه من رجل) (3) فان مفهومه يدل على المنع عن نيابتها إذا كانت صرورة ولم تحج. والخبر ضعيف بمصاف وسهل بن زياد. منها: خبر آخر لمصادف (أتحج المرأة عن الرجل؟ فقال: نعم إذا كانت فقيهة مسلمة وكانت قد حجت رب امرأة خير؟ من رجل) (4) ودلالته على المنع أيضا بالمفهوم كالخبر المتقدم ولكنه ضعيف أيضا بمصادف. ثم انه في الوسائل في الطبعة الحديثة ذكر سند الخبر الثاني هكذا: وعنه (أي عن موسى بن القاسم) وعن الحسين (الحسن) اللؤلؤي، عن الحسن بن محبوب، عن مصادف. ولا يخفي ان حرف الواو في قوله: (وعن الحسين) زائده


(1) الوسائل: باب 9 النيابة في الحج ح 3. (2) الاستبصار: ج 2 ص 322. (3) و (4) الوسائل: باب 8 النيابة في الحج ح 4 و 7.

[ 27 ]

والصحيح (عن الحسن) بلا تقديم الواو كما في التهذيب الجديد (1) والاستبصار (2) والرواي عن الحسن بن محبوب هو الحسن اللؤلؤي كما في التهذيب والاستبصار لا الحسين فانه والد الحسن اللؤلؤي والحسن اللؤلؤي ضعيف لتضعيف ابن الوليد وابن نوح والصدوق له فلا يفيد توثيق النجاشي حينئذ؟ ومنها: خبر زيد الشحام (يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة) (3) ودلالته على المنع واضحة ولكنه ضغيف سندا بمفضل وهو أبو جميلة الكذاب؟ فتحصل: انه لادليل على منع نيابة المرأة الصرورة عن المرأة الصرورة أن الرجل الصرورة، وما دل على ذلك من الروايات ضعيف. بل مقتضى اطلاق ادلة النيابة جواز نيابة المرأة مطلقا عن الرجل ولا مقيد في البين إلا في مورد واحد وهو النيابة عن الرجل الحي فان اللازم كون النائب عنه رجلا صرورة، وأما نيابة المرأة عنه فمشكلة وكذا نيابة الرجل غير الصرورة وقد استوفينا الكلام في أعتبار ذلك عند شرح المسألة من شرائط وجوب الحج. ثم لا يخفي: ان بعض الروايات أو أكثرها أخذ الصرورة في النائب والمنوب عنه وفي بعضها اخذ الصرورة في المنوب عنه لا النائب، ولا يبعد القول بكراهة نيابة المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة أو عن الرجل غير الصرورة كما في خبري مصادف المتقدمين، وكذا كراهة نيابة المرأة الصرورة عن المرأة الصرورة كما في خبر اشيم المتقدم.


(1) التهذيب: ج 5 ص 413. (2) الاستبصار: ج 2 ص 332. (3) الوسائل: باب 9 النيابة في الحج ح 1.

[ 28 ]

وأما كراهة نيابة الرجل الصرورة عن رجل فلم يستبعدها في المتن بل استظهرنا في الجواهر واستدل برواييتن سنذكرهما قريبا ان شاء الله كما نذكر عدم دلالتهما على الكراهة، بل قد تجب استنابة الرجل الصرورة فيما إذا كان المنوب عنه رجلا حيا بل ورد الامر باستنابة الصرورة إذا كان المنوب عنه ميتا كما في صحيح معاوية بن عمار (في رجل صرورة مات ولم يحج حجة الاسلام وله مال، قال (ع): يحج عنه صرورة لا مال له) (2). ورواها الشيخ باسناد آخر صحيح أيضا ولكن في متنها على طريقة تشويشا لانه بعد ما سأل - ع - عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ويترك مالا، قال: عليه ان يحج من ماله رجلا صرورة لامال له (3). إذ لا معنى لان يكون على الميت شئ، وانما يجب على الموصى أو الوارث الاحجاج من مال الميت لاعلى نفس الميت. وكيف كان: لاريب في ان المستفاد من الرواية لزوم احجاج الرجل الصرورة إذا كان المنوب عنه الميت صرورة. ولو لم يكن دليل على الخلاف وجب الالتزام بمضمونها وبازائها صحيحة أبي ايوب قال: قلت: لابي عبد الله (ع) امرأة من اهلنا مات اخوها فأوصى بحجة وقد حجت المرأة، فقالت: ان كان يصلح حججت أنا عن أخي، وكنت انا احق بها من غيري فقال: أبو عبد الله (ع) لا بأس بان تحج عن اخيها وان كان لها مال فلتحج


(1) الجواهر ج 17 ص 365. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب النيابة في الحج ح 2. (3) الوسائل: باب 28 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 29 ]

من مالها، فانه اعظم لاجرها) (1) فانها صريحة الدلالة على جواز نيابة غير الصرورة ولو كانت امرأة عن الرجل الميت الذي لم يحج ومقتضى الجمع العرفي بينها وبين صحيح معاوية بن عمار هو الالتزام باستحباب نيابة الصرورة. واما ما استدل به صاحب الجواهر على الكراهة فهو روايتان. الاولى: رواية ابراهيم بن عقبة قال: (كتبت إليه أسالة عن رجل صرورة لم يحج قط حج عن صرورة لم يحج قط أيجزي كل واحد منهما تلك الحجة عن حجة الاسلام أو لا؟ بين لي ذلك يا سيدي إن شاء الله، فكتب (ع) لا يجزي ذلك) (2). والرواية معتبرة فان ابراهيم بن عقبة وان لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات إلا ان دلالتها على الكراهة ضعيفة لان الرواية ناظرة سؤالا وجوابا إلى الاجزاء وعدمه، وان العمل الصادر من النائب الصرورة هل يجزي عن حجة الاسلام ام لا وليست ناظرة إلى حكم الاستنابة وانها تجوز ام لا، واما حكمه (ع) بعدم الاجزاء فبالنسبه إلى النائب فواضح لعدم القصد في عمله عن نفسه فان المفروض انه حج عن غيره فلا معنى للاجزاء عن نفسه، سواء في الحج الواجب عليه بالفعل أو الواجب عليه فيما بعد عند حصول الاستطاعة. وأما عدم الاجزاء عن المنوب عنه فيحمل على كون المنوب عنه حيا فتوافق الروايات الامرة بتجهيز الصرورة عن الحي العاجز (3)


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة في الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب النيابة في الحج ح 3. (3) الوسائل: باب 24 من أبواب وجوب الحج.

[ 30 ]

فان قوله: (عن رجل صرورة لم يحج) ظاهر في كون المنوب عنه حيا، وإلا لو كان ميتا لقال عن ميت لم يحج فيكون الحكم بعدم الاجزاء حينئذ لاجل عدم صدور الحج منه بتسبيب من المنوب عنه، مع ان الظاهر من تلك الروايات اختصاص الاجزاء بصورة التسبيب من الحي دون التبرع عنه ولم يظهر من هذه المعتبرة ان الحج كان بتسبيب من الحي. ولو فرض اطلاقها وشمولها للحي والميت تقيد بمورد الحي فتكون النتيجة الاجزاء عن الميت بالتبرع عنه كما هو الحال في الحج المندوب، وعدم الاجزاء في مورد الحج عن الحي لعدم سقوط الحج عنه بالتبرع له وانما يسقط عنه فيما إذا كان بتسبيب وتجهيز من المنوب عنه، وحيث لم يظهر من الرواية كون الحج الصادر منه بتسبيب منه لذا حكم بعدم الاجزاء. والحاصل: مقتضى الجمع بين هذه الرواية والروايات الدالة (1) على سقوط الحج عن الميت تبرعا حمل هذه الرواية على صورة الاتيان عن الحي من دون تسبيب منه. الرواية الثانية: معتبرة بكر بن صالح قال: كتبت إلى أبي جعفر (ع) ان ابني معي وقد أمرته ان يحج عن امي أيجزي عنها حجة الاسلام؟ فكتب لا، وكان ابنه صرورة وكانت امه صرورة) والرواية كما ذكرنا معتبرة لان بكر بن صالح وان لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال كامل الزياات. والحكم بعدم الاجزاء المذكور في هذه الرواية انما هو بالنسبة إلى المنوب


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب النيابة في الحج. (2) الوسائل: باب 6 أبواب النيابة في الحج ح 4.

[ 31 ]

عنه خاصة بخلاف عدم الاجزاء المذكور في الرواية الاولى فان بالنسبة إلى النائب والمنوب عنه. ومما تقدم في الجواب عن الرواية الاولى يظهر الجواب عنه هذه من حملها على كون المنوب عنه حيا ولم يكن الحج الصادر بتسبيب منه. وبالجملة: لا يستفاد من الروايتين كراهة استنابة الصرورة بل المستفاد من الروايات لزوم كون النائب صرورة إذا كان المنوب عنه رجلا حيا، كما ان المستفاد من صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة استحباب كون النائب صرورة إذا كان المنوب عنه ميتا لما عرفت من ان ذلك مقتضى الجمع بينها وبين صحيحة أبي ايوب المقتدمة، فكون النائب صرورة اما واجب أو مستحب فاين الكراهة. وربما يقال: بان صحيحة أبي ايوب المتقدمة غير ظاهرة في حج الاسلام وكلامنا في حج الاسلام. وفيه: أن الصحيح وإن لم يقع فيها التصريح بكون الحج الموصي به حج الاسلام، ولكن يظهر من الذيل انه حج الاسلام لظهور قوله: (وان كان لها مال فلتحج من مالها) في الاجتزاء بالتبرع ولايكون ذلك إلا في مورد حج الاسلام، لان الايصاء بالحج واخراجه من الثلث لا يسقط بالتبرع لعدم العمل بالوصية ولو تبرع الف متبرع بخلاف حج الاسلام فان يسقط بالتبرع ويوجب فراغ ذمة الميت المتبرع عنه، ولا يبقى مجال للعمل بالوصية حيئذ لارتفاع موضوعها. وبعبارة واضحة: الصحيحة صريحة في تفريغ ذمة الميت بالتبرع عنه مع أن الوصية لا تسقط به، فيكشف ذلك عن كون الحج الموصي به هو حج الاسلام. ومن جملة الروايات الدالة على جواز نيابة غير الصرورة عن الميت

[ 32 ]

[ (مسألة): يشترط في صحة النيابة قصد النيابة وتعيين المنوب عنه في النية ولو بالاجمال (1) ولا يشترط ذكر اسمه وان كان يستحب ذلك في جميع المواطن والمواقف. ] صحيحة حكم بن حكيم (انسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج فاحج عنه بعض اهله رجلا أو امرأة، (إلاى أن قال): ان كان الحاج غير صرورة اجزء عنهما جميعا، واجزء الذي احجه) (1) وهي صريحة في الاجزاء مع كون النائب غير صرورة، ومعنى الاجزاء عنهما، الاجزاء عن المنوب عنه وتفريغ ذمته وترتب الثواب على عمل النائب. ومنها: الروايات الدالة على سقوط الحج والاجتزاء بالتبرع (2) ولا يمكن حملها على الصرورة لانه إذا كان النائب صرورة ذا مال يجب الحج على نفسه. فظهر من جميع ما تقدم: استحباب كون النائب صرورة وجواز نيابة غير الصرورة كما يجوز التبرع منه، فما ذكروه من كراهة استنابة الصرورة مما لا اساس له، بل استنابة الصرورة اما واجبة أو مستحبة (1) لان النيابة عنوان قصدي لا يتحقق إلا بالقصد والواجب على النائب اتيان العمل عن الغبر فهو وان كان يمثل الامر المتوجه إلى نفسه إلا ان متعلقة العمل للغير فلا بد ان يقصده فهو مأمور بالقصد


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب النيابة في الحج ح 3. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب النيابة في الحج.

[ 33 ]

[ (مسألة 8): كما تصح النيابة بالتبرع وبالاجارة كذا تصح بالجعالة (1) ولا تفرغ ذمة المنوب عنه الا باتيان النائب صحيحا ولا تفرغ بمجرد الاجارة، وما دل من الاخبار على كون الاجير ضامنا وكفاية الاجارة في فراغها منزلة على ان الله تعالى يعطيه ثواب الحج إذا قصر النائب في الاتيان، أو مطروحة لعدم عمل العلماء بها بظاهرها. ] عن، الغير ولا يتعين العمل للمنوب عنه إلا بالقصد عنه. وهذا نظير اعطاء المال من الاجنبي للدائن من دون قصد تفريغ ذمة المديون فان لا يحسب من اداء الدين ولا يوجب سقوط ذمة المدين، إلا إذا قصد عند الاعطاء تفريغ ذمة المدين ولو تبرعا. ثم انه لابد من تعيين المنوب عنه بالقصد لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتشخص لاحدها إلا بالتعيين بالقصد ولو اجمالا، كما إذا قصد العمل عن الشخص الذي سجل اسمه في الدفتر، أو يقصد العمل عمن اشتغلت ذمته له، ونحو ذلك. وهل يعتبر ذكر اسمه ام لا؟ في بعض الروايات (1) صرح بذكر الاسم وفي بعضها جوز الترك والجمع بينهما يقتضي الحمل على الاستحباب، وقد ثبت استحباب التسمية في جميع أفعال الحج وذلك من مخصصاته. (1) لاطلاق الادلة، والظاهر انه لا خلاف بيننا في ذلك.


(1) الوشائل: باب 16 من أبواب النيابة في الحج.

[ 34 ]

ثم انه قد وقع الكلام: في انه هل تبرء ذمة المنوب عنه بمجرد الاجارة أو انه لا تفرغ ذمته إلا بعد اتيان النائب العمل صحيحا؟ والحق هو الثاني، ويكون العمل المستأجر عليه حاله حال الدين في عدم سقوطه إلا بعد اداء المال، وكذلك في المقام؟ لا موجب لسقوط العمل عن ذمة المنوب عنه بمجرد الاجارة مال لم يؤد الاجير العمل، فإذا لم يأت النائب بالعمل فذمة المنوب عنه مشغولة به كما ان ذمة النائب مشغولة به أو بمال الاجارة. والظاهر انه لا خلاف فيما ذكرنا كما في الجواهر (1) ولم يقل احد بالاجزاء بمجرد الاجارة إلا صاحب الحدائق (2). قال: (رحمه الله) لو مات الاجير قبل الاحرام فان امكن استعادة الاجرة وجب الاستئجار بها ثانيا، وان لم يمكن فانها تجزي عن الميت فانه لما اوصى بما في ذمته من الحج انتقل الخطاب إلى الوصي والوصي لما نفذ الوصية وأستأجر فقد قضى ما عليه وبقى الخطاب على المستأجر وحيث انه لامال له سقط الاستئجار مرة اخرى إلى آخر ما ذكره. ثم قال: ان هذا الحكم وان لم يوافق قواعد الاصحاب إلا انه مدلول جملة من الاخبار. اقول: الاخبار التي استشهد بها قاصرة الدلالة وبعضها قاصر السند أيضا. فمن جملة الاخبار التي استدل بها، مرسلة ابن أبي عمير، (في رجل اخذ من رجل مالا ولم يحج عنه مات ولم يخلف شيئا فقال: إن كان حج الاجير أخذت حجته ودفعت إلى صاحب المال وان لم


(1) الجواهر: ج 17 ص 368. (2) الحدائق: ج 14 ص 257.

[ 35 ]

يكن حج كتب لصاحب المال ثواب الحج) (1) وللرواية ضعيفة سندا بالارسال وان كان المرسل ابن أبي عمير لما ذكرنا مرارا ان مراسيله كساير المراسيل واما ما ذكره الشيخ من ان ابن أبي عمير لا يروي إلا عن ثقة فلم يثبت، بل الشيخ بنفسه يضعف احيانا بعض مراسيله واما ضعف الدلالة فسنذكره بعد ذكر الاخبار. ومنها: مرسل الصدوق (الرجل يأخذ الحجة من الرجل فيموت فلا يترك شيئأ، فقال: اجزئت عن الميت وان كان له عند الله حجة اثبتت لصاحبه) (2) وهي أيضا ضعيفة بالارسال. ومنها: معتبرة موسى بن عمار (عن رجل اخذ دراهم رجل " اخذ دراهم رجل ليحج عنه - التهذيب - " فانفقها فلما حضرا وان الحج لم يقدر الرجل على شئ، قال: يحتال ويحج عن صاحبه كما ضمن، سئل ان لم يقدر قال: ان كانت له عند الله حجة اخذها منه فجعلها للذي اخذ منه الحجة) (3) والعمدة هذه الرواية لصحة سندها. واما ضعف دلالتها على كفاية الاجارة في فراغ ذمة المنوب عنه فلوجوه: احدها: عدم دلالة الروايات على ان الحج المذكور فيها حج الاسلام وكلامنا في حج الاسلام، بل يظهر منها ان الحج الذي ذكر فيها غير حج الاسلام لظهور قوله: (اخذ دراهم رجل) في كون المنوب عنه حيا، والحج عن الحي لا يكون بحج الاسلام إذ لم يفرض فيه العجز والهرم. ثانيها: لو سلمنا اطلاق الروايات من حيث حج الاسلام وغيره


(1) و (2) الوسائل: باب 23 من أبواب النيبة في الحج ح 1 و 2. (3) الوسائل: باب 23 من أبواب النيابة في الحج ح 3.

[ 36 ]

فنقيد بالروايات (1) الدالة على ان الحي يجهز رجلا للحج، والتجهيز لا يتحقق إلا بارسال شخص للحج، ومجرد التوكيل والايجار لا يوجب صدق عنوان التجهيز والارسال. وثالثها: انا سنذكر ان الاجير إذا مات في الطريق قبل الاحرام لم يسقط الحج عن ذمة المنوب عنه فكيف إذا مات قبل خروجه، وحينئذ فنحمل هذه الروايات على الحج الاستحبابي لا محالة. وبالجملة: الروايات المزبورة ضعيفة دلالة مضافا إلى ضعف اسناد بعضها فلا حاجة في عدم الاعتماد عليها إلى التمسك باعراض الاصحاب عنها هذا. وقد يستدل لصاحب الحدائق بمعتبرة اسحاق بن عمار (عن الرجل يموت فيوصى بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل ان يحج، ثم اعطى الدراهم غيره، فقال: ان مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضي مناسكه فانه يجزى عن الاول قلت: فان ابتلى بشئ يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزي عن الاول؟ قال: نعم، قلت: لان الاجير ضامن للحج؟ قال: نعم) (2) فان المستفاد منها انتقال الحج من ذمة المنوب عنه إلى ذمة الاجير لانه ضامن. وفيه: ان المعتبرة غير دالة على الاجزاء قبل الخروج وقبل الشروع في السفر كما هو المدعى وانما تدل على الاجزاء إذا مات قبل انقضاء المناسك والانتهاء من الاعمال كما سنوضحه - ان شاء الله تعالى - في المسألة العاشرة. واما ضمان الاجير للحج فلاجل افساده الحج، فان الاجير إذا


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب وجوب الحج. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 1.

[ 37 ]

[ (مسألة 9): لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الاعمال، بل لو تبرع المعذور يشكل الاكتفاء به (1). ] افسد حجه بالجماع يجب عليه الحج ثانيا من قابل، وهذا الحج الذي يأتي به ثانيا اجنبي عن المنوب عنه نظير الكفارة الثابتة على ذمة الاجير إذا اتى بموجبها. والحاصل: الروايات التي استدل بها صاحب الحدائق غير ظاهرة فيما ذهب إليه مضافا إلى ضعف اسانيد بعضها، هذا كله في موت النائب في منزله وبلده قبل أن يخرج إلى الحج، واما إذا مات في الطريق قبل الاحرام أو بعده فسنتعرض إلى ذلك في المسألة العاشرة مفصلا فانتظر. (1) قد ذكرنا في باب قضاء الصلاة عدم جواز استنابة المعذور بل ذكرنا عدم جواز الاكتفاء بتبرعه، وذلك لان الذي يجب على المكلف اولا انما هو العمل التام؟ الواجد لجيمع الاجزاء والشرائط، ولا ينتقل الامر إلى الفاقد إلا بعد العذر عن اتيان الواجد التام. وهكذا الحال بالنسبة إلى النائب فان الواجب على المكلف استنابة طبيعي النائب ولا يختص بشخص خاص فإذا تمكن المكلف من استنابة النائب القادر على اتيان الاعمال التامة لا يجوز له استنابة العاجز المعذور الذي لا يتمكن من اتيان، العمل التام، لعدم الدليل على جواز استنابة المعذور وجواز الاكتفاء بالناقص بعد فرض تمكنه من استنابة القادر. وبما قلنا يظهر أن التبرع بالناقص لا يوجب فراغ ذمة المتبرع له لان الواجب عليه هو الحج الكامل التام.

[ 38 ]

[ (مسألة 10): إذا مات النائب قبل الاتيان بالمناسك فان كان قبل الاحرام لم يجزئ عن المنوب عنه، لما مر من كون الاصل عدم فراغ ذمته إلا بالاتيان بعد حمل الاخبار للدالة على ضمان الاجير على ما اشرنا إليه، وان مات بعد الاحرام ودخول الحرم اجزء عنه (1). ] (1) موت النائب قبل الاتيان بالمناسك يتصور على انحاء. الاول: ما إذا مات النائب بعد الاحرام وبعد دخول الحرم. الثاني: ما إذا مات بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم. الثالث: موته في الطريق بعد الخروج من بيته وبعد الشروع في السفر قبل الاحرام، واما الموت قبل الخروج من منزله فقد عرفت في المسألة السابقة - بما لا مزيد عليه - عدم الاجزاء جزما خلافا لصاحب الحدائق. اما الفرض الاول: فلا ريب في الاجزاء فيه لا لكون الحكم ففي الحاج عن نفسه كذلك لعدم التلازم والاشتراك في الحكم بين النائب والمنوب عنه، فان الاشتراك بينهما انما هو في أفعال الحج واعماله لا في اللوازم المترتبة على الحج، إذ يمكن اختصاص كل منهما بحكم اجنبي عن الاخر فالتعدي من احدهما إلى الاخر يحتاج إلى الدليل. بل انما نقول: بالاجزاء في النائب أيضا لانه القدر المتيقن من موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة. ولكن المصنف (ره) ذكر ان الموثقة مطلقة من حيث الدخول في الحرم وعدمه وتقيد بمرسلة المقنعة (من خرج حاجا فمات في الطريق

[ 39 ]

فانه ان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة) (1) الشاملة للحاج من غيره أيضا وضعفها سندا بل ودلالة منجبر بالشهرة فالجمع بين موثقة اسحاق بن عمار والمرسلة يقتضى الاجزاء عن المنوب عنه إذا مات النائب بعد الاحرام ودخول الحرم، ولا يعارضها موثقة عمار (2) الدالة على ان النائبب إذا مات في الطريق يجب عليه الايصاء لانها محمولة على ما إذا مات النائب قبل الاحرام أو على الاستحباب، ويرد عليه: بانه لا يمكن التقييد بالمرسلة لضعفها سندا بالارسال ودلالة لاختصاصها بالحاج عن نفسه بقرينة ذيلها لظهوره في الاصيل واما ضعف الدلالة فلا ينجبر بالشهرة، ولو قلنا بانجبار ضعف السند بها. فالاولى بل المتعين ان يقال: ان موثقة اسحاق وان كانت مطلقة إلا ان القدر المتيقن منها موت النائب بعد الاحرام ودخول الحرم، فلا ينبغي الاشكال في الاجزاء في هذه الصورة. واما الثاني وهو ما إذا مات النائب بعد الاحرام وقبل دخول الحرم ففي الاجزاء قولان. والظاهر هو الاجزاء لصدق عنوان انه مات في الطريق قبل ان يقضي مناسكه الذي ذكر في الموثق ولا معارض له سوى موثقة عمار الساباطي (في رجل حج عن آخر ومات في الطريق قال: وقد وقع اجره على الله ولكن يوصي فان قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل) (3) فان المستفاد منها عدم الاجزاء عن المنوب


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 4. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 5. (3) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 5.

[ 40 ]

عنه إذا مات النائب في الطريق وان عليه ان يوصي ان يحج رجل آخر ولكن لابد من حملها على الموت قبل الاحرام. بيان ذلك: ان المستفاد من موثقة اسحاق هو الاجزاء إذا شرع في الاعمال ولو بالاحرام، فان قوله: (قبل أن يقضي مناسكه) معناه قبل الانتهاء من مناسكه واعماله، فان القضاء هنا بمعنى الاتمام والانتهاء ومنه إطلاق القاضي على من يحكم بين المتخاصمين لانهائه النزاع بينهما لا يصدق هذا المعنى إلا بعد الشروع في الاعمال ولا اقل في الاحرام. والحاصل: هذه الجملة (ان مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضي مناسكه) ظاهرة في الاجزاء إذا مات في الطريق قبل الانتهاء من اعماله ولو بالشروع في الاحرام وعدم اتمامه، كما انها ظاهرة فيه إذا دخل مكة ولم يتم مناسكه، هذا بناءا على رجوع القيد اعني: (قبل ان يقضي مناسكه) إلى الامرين أي الموت في الطريق والدخول إلى مكة، واما إذا مات قبل الاحرام فلا يصدق عليه انه مات قبل انتهاء عمله إذ لم يشرع في عمل حتى ينهيه هذا ما يستفاد من موثق اسحاق. واما موثق عمار الساباطي الدال على عدم الاجزاء إذا مات في الطريق فمطلق من حيث الاحرام وعدمه، فتكون النسبة بينه وبين موثق اسحاق نسبة العموم والخصوص، ومقتضى الجمع بينهما هو الاجزاء بعد الاحرام وعدمه قبله فيكون الحكم في النائب أوسع منه في الحاج عن نفسه، لان الحاج عن نفسه إذا مات انما يجزي حجة إذا مات بعد الاحرام وبعد دخول الحرم، ولكن النائب يجزي إذا مات بعد الاحرام وان لم يدخل الحرم، لماعرفت ان الميزان في الاجزاء في مورد النائب بمجرد الشروع في العمل ولو بالاحرام وان لم يتمه فتختص موثقة عمار الدالة على عدم الاجزاء بالموت قبل الاحرام.

[ 41 ]

هذا كله بناءا على رجوع القيد وهو قوله: (قبل أن يقضي مناسكه) إلى الامرين وهما الموت في الطريق والدخول في مكة، كما هو الظاهر نظير ما إذا قيل: (جئني بزيد أو عمرو يوم الجمعة) فان القيد يرجع اليهما معا. واما لو قلنا: بعدم ظهور رجوع القيد إلى الامرين فتكون الرواية بالنسبة إلى الموت في الطريق مجملة لاحتمال اختصاص رجوع القيد إلى الاخير وهو الدخول إلى مكة، فحينئذ لابد من الاقتصار على المتيقن وهو الاجزاء بعد الاحرام ودخول الحرم فلا ظهور للموثقة في الاجزاء قبل الاحرام. وبالجملة لا يظهر من الموثقة الاجزاء قبل الاحرام سواء قلنا: بانها ظاهرة في الاجزاء بعد الاحرام كما هو الظاهر، أو قلنا: بان القدر المتيقن منها هو الاجزاء بعد الاحرام وبعد دخول الحرم. ومما بينا: ظهر حال الصورة الثالثة وهي ما إذا مات في الطريق بعد الخروج من بيته وبعد الشروع في السفر وقبل الاحرام. فتلخص من جميع ما تقدم ان صور المسألة اربع الاولى: ما إذا مات النائب في بيته ومنزله قبل ان يشرع في السفر ولا إشكال في عدم الاجزاء بذلك، لما عرفت من ان مجرد الاستنابة والايجار لا يكفي في تفريغ ذمة الميت بل لابد من اتيان العمل خارجا خلافا لصاحب الحدائق - رحمه الله - مستشهدا بعدة من الروايات التي تقدمت وذكرنا ضعفها سندا ودلالة. الثانية: ما إذا مات بعد الاحرام ودخول الحرم. الثالثة: إذا مات بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم. الرابعة: إذا مات بعد الخروج من منزله بعد الشروع في السفر

[ 42 ]

[ لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه لاختصاص ما دل عليه به، وكون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الالحاق بل لموثقة اسحاق بن عمار المؤيدة بمرسلتي حسين بن عثمان وحسين بن يحيي الدالة على ان النائب إذا مات في الطريق اجزأ عن المنوب عنه المقيدة بمرسلة المقنعة (من خرج حاجا فمات في الطريق فانه ان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة) الشاملة للحاج عن غيره ايضا ولا يعارضها موثقة عمار الدالة على ان النائب إذا مات في الطريق عليه ان يوصي، لانها محمولة على ما إذا مات قبل الاحرام أو على الاستحباب مضافا إلى الاجماع على عدم كفاية مطلق الموت في الطريق وضعفها سندا بل ودلالة منجبر بالشهرة والاجماعات المنقولة، فلا ينبغي الاشكال في الاجزاء في الصورة المزبورة. ] وقبل الاحرام. ولا يخفى: ان مقتضى القاعدة هو عدم الاجزاء في جميع الصور لعدم صدور العمل المستأجر عليه من الاجير، ويدل عليه مضافا إلى ذلك موثق عمار الساباطي المتقدم للامر فيه بالايصاء إذا حصلت امارة الموت للنائب في أثناء الطريق. واما بحسب الروايات فلا ريب في الاجزاء إذا مات بعد الاحرام ودخول الحرم كما هو المستفاد من موثقة اسحاق بن عمار، وقد عرفت

[ 43 ]

[ واما إذا مات بعد الاحرام وقبل دخول الحرم ففي الاجزاء قولان، ولا يبعد الاجزاء وان لم نقل به في الحاج عن نفسه، لاطلاق الاخبار في المقام والقدر المتيقن من التقييد هو اعتبار كونه بعد الاحرام لكن الاقوى عدمه، فحاله حال الحاج عن نفسه في اعتبار الامرين في الاجزاء، وللظاهر عدم الفرق بين حجة الاسلام وغيرها من اقسام الحج، وكون النيابة بالاجرة أو بالتبرع. (مسألة 11): إذا مات الاجير بعد الاحرام ودخول الحرم يستحق تمام الاجرة إذا كان اجيرا على تفريغ الذمة ] ان هذه الصورة هي القدر المتيقن من النص، كما ان الظاهر منه هو الاجزاء إذا مات بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم، لما تقدم ان موضوع الاجزاء هو الشروع في العمل، وذلك صادق على من احرم وان لم يدخل الحرم فان الاحرام اول اعمال الحج. ومما ذكرنا ظهر عدم الاجزاء إذا مات في الطريق قبل الاحرام لعدم صدق الشروع في الاعمال - الذي هو موضوع الاجزاء - بمجرد السفر والخروج من البيت، فان ذلك من مقدمات الحج للوصول إلى اعماله وافعاله لا من اعماله فلا ظهور الموثق اسحاق لما قبل الاحرام، فالمرجع حينئذ القاعدة الاولية المقتضية لعدم الاجزاء، مضافا إلى موثقة عمار الساباطي. وقد ظهر بما ذكرنا أيضا عدم الاجزاء في الصورة الرابعة كالاولى فيختص الاجزاء بالصورة الثانية والثالثة.

[ 44 ]

[ وبالنسبة إلى ما اتى به من الاعمال إذا كان اجيرا على الاتيان بالحج بمعنى الاعمال المخصوصة، وان مات قبل ذلك لا يستحق شيئا سواء مات قبل الشروع في المشي أو بعده وقبل الاحرام أو بعده وقبل الدحول في الحرم، لانه لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا كلا ولا بعضا بعد فرض عدم اجزائه (1) من غير فرق بين ان يكون المستأجر عليه نفس الاعمال أو مع المقدمات من المشي ونحوه. ] (1) يقع الكلام في مقامين: المقام الاول: إذا مات الاجير بعد الاحرام ودخول الحرم فقد عرفت بمالا مزيد عليه انه لا ينبغي الريب في الاجزاء. وهل يستحق الاجرة ام لا؟ فيه تفصيل. وهو ان النائب إذا كان اجيرا على تفريغ ذمة الميت يستحق تمام الاجرة لان المفروض فراغ ذمة الميت بذلك وقد ذكرنا في محله صحة الاجارة على ذلك فان التفريغ وان لم يكن مقدورا للنائب ولكنه مقدور له بالواسطة وباسبابه وهذا المقدار يكفي في صحة الاجارة نظير الاستئجار على التطهير فانه مقدور بالواسطة وإلا فالتطهير بنفسه غير مقدور له. واما إذا كان اجيرا على االاعمال والمناسك نفسها فلا بد من تقسيط الاجرة وتوزيعها حسب الاتيان بالاعمال. نعم إذا مات قبل الاحرام فلا يستحق من الاجرة شيئا وان اتى

[ 45 ]

[ نعم لو كان المشي داخلا في الاجارة على وجه الجزئية بان يكون مطلوبا في الاجارة نفسا استحق مقدار ما يقابله من الاجرة بخلاف ما إذا لم يكن داخلا اصلا، أو كان داخلا فيها لانفسا بل بوصف المقدمية، فما ذهب إليه بعضهم من توزيع الاجرة عليه أيضا مطلقا لا وجه له، كما انه لا وجه لما ذكره بعضهم من التوزيع على ما اتى به من الاعمال بعد الاحرام ] ببعض المقدمات كالسفر ونحوه لعدم تفريغ ذمة الميت بذلك وعدم الاتيان بالاعمال والافعال المستأجرة عليها ودعوى: تقسيط الاجرة حتى بالنسبة إلى المقدمات لا شاهد لها. كما ان دعوى: انه يستحق اجرة المثل لما اتى به من المقدمات لاحترام عمل المسلم نظير استحقاق اجرة المثل في الاجارة الفاسدة. لاوجه لها لانه انما اتى بالمقدمات باختياره لاجل الوصول إلى العمل المستأجر عليه والمفروض انه لم يكن مغرورا من قبل المستأجر ولم يكن صدور هذه المقدمات مستندا إلى امر المستأجر، فلا يقاس المقام بباب الاجارة الفاسدة الموجبة لاستحقاق اجرة المثل لان اتيان العمل في باب الاجارة الفاسدة مستند إلى أمر المستأجر وذلك موجب للضمان، بخلاف المقام فان اتيان المقدمات لم يكن بامر المستأجر وانما اتى الاجير بها باختياره لغرض الوصول إلى العمل المستأجر عليه فهي اجنبية عن متعلق الاجارة بالمرة نظير ما لو استأجر على الصلاة فتوضوء الاجير أو اغتسل ثم عجز عن اداء الصلاة فانه لا يستحق اجرة المثل لوضوئه أو غسله.

[ 46 ]

[ إذ هو نظير ما إذا استؤجر للصلاة فانى بركعة أو ازيد ثم ابطلت صلاته فانه لا اشكال في انه لا يستحق الاجرة على ما اتى به. ودعوى: انه وان كان لا يستحق من المسمى بالنسبة لكن يستحق اجرة المثل لما اتى به حيث ان عمله محترم. ] المقام الثاني: إذا مات الاجير بعد الاحرام وقبل دخول الحرم، فان قلنا بالاجزاء - كما هو المختار - فحكمه حكم ما لو مات بعد دخول الحرم من كون الاجرة في قبال التفريغ أو في قبال الاعمال وان قلنا بعدم الاجزاء فحاله حال الموت قبل الاحرام في عدم استحقاق شئ من الاجرة، لان المستأجر عليه ليس هو الاحرام فقط وانما هو الاحرام المتعقب لساير الاعمال فالاحرام وحده لا يوجب استحقاق الاجرة، نظير ما إذا استؤجر للصوم فمات الاجير في اثناء النهار فان امساك مقدار من النهار لم يكن متعلقا للاجارة، وكذا لو استؤجر للصلاة فاتى بركعة أو ازيد ثم ابطلت صلاته، فانه لا اشكال في عدم استحقاق الاجرة على ما اتى به لعدم كونه من العمل المستأجر عليه بل لو فرضنا تعلق الاجارة بنفس الاحرام وحده بطل عقد الاجارة لان الاحرام وحده من دون تعقبه لاعمال الحج عبادة غير مشروعة فان ذلك نظير الاستئجار لركعة واحدة أو الصوم بمقدار نصف النهار. واما استحقاق الاجرة للمقدمات فيجري فيه ما تقدم من ان المقدمات كالمشي ونحوه لو كانت متعلقة للاجارة وداخلة فيها على وجه الجزئية توزع الاجرة عليها وإلا فلا.

[ 47 ]

[ مدفوعة: بانه لا وجه له بعد عدم نفع للمستأجر فيه والمفروض انه لم يكن مغرورا من قبله، وحينئذ فتنفسخ الاجارة إذا كانت للحج في سنة معينة ويجب عليه الاتيان به إذا كانت مطلقة (1) من غير استحقاق لشئ على التقديرين. (مسألة 12): يجب في الاجارة تعيين نوع الحج من تمتع أو قران أو افراد (2) ولا يجوز للموجر للعدول عما عين له وان كان إلى الافضل كالعدول من احد الاخيرين إلى الاول ] (1) في العبارة تشويش، لان مفروض كلامنا فيما إذا مات الاجير فلا مجال لقوله: (ويجب عليه الاتيان به إذا كانت مطلقة). والصحيح ان يقال: - كما في التعليقة - ان الاجارة إذا كانت مقيدة بالمباشرة فهي تنفسخ بالموت من غير فرق بين ان يكون الاجارة في سنة معية أو كانت مطلقة، واما إذا لم يقيد الاجارة بالمباشرة وجب الاستئجار من تركة الاجير من غير فرق أيضا بين السنة والمعينة وغيرها. (2) ذكر الفقهاء انه لابد في الاجارة للحج من تعيين نوع الحج من تمتع، أو قران، أو افراد، لان مقتضى قواعد الاجارة اعتبار تعيين النوع الذي يريده المستأجر في صحة الاجارة وإلا يلزم الغرر فان اعمال الحج غير متساوية ومختلفة حسب الكيفية والاحكام، والاجرة والقيمة كما هو كذلك في سائر الاعمال المتعلقة للاجارة، كذا علله في الجواهر (1).


(1) الجواهر: ج 17 ص 373.

[ 48 ]

[ إلا إذا رضى المستأجر بذلك فيما إذا كان مخيرا بين النوعين أو الانواع كما في الحج؟ المستحبى والمنذور المطلق، أو كان ذا منزلين في مكة وخارجها، واما إذا كان ما عليه من نوع خاص فلا ينفع رضاه أيضا بالعدول إلى غيره، وفي صورة جواز الرضا يكون رضاه من باب اسقاط حق الشرط ان كان التعيين بعنوان الشرطية، ومن باب الرضا بالوفاء بغير الجنس ان كان بعنوان القيدية، وعلى اي تقدير يستحق الاجرة المسماة وان لم يأت بالعمل المستأجر عليه على التقدير الثاني، لان المستأجر إذا رضي بغير النوع الذي عينه فقد وصل إليه ماله على المؤجر كما في الوفاء بغير الجنس في سائر الديون فكأنه قد اتى بالعمل المستأجر عليه، ولا فرق فيما ذكرنا بين العدول إلى الافضل أو إلى المفضول هذا ويظهر من جماعة جواز العدول إلى الافضل كالعدول إلى التمتع تعهدا من الشارع لخبر ] اقول: لعل نظرههم إلى استيجار العمل المبهم المردد فان ذلك مستلزم للغرر. واما إذا وقع عقد الاجارة على الطبيعي الجامع بين الافراد فليس فيه أي غرر وان اختلفت الافراد كيفية وقيمة، وللاجير اختيار أي فرد شاء وليس للمستأجر الزامه باختبار فرد خاص كالاكثر قيمة ام غيره، لكون المفروض ان المستأجر عليه هو الطبيعي الجامع بين الافراد

[ 49 ]

[ أبي بصير عن احدهما (في رجل اعطى رجلا دراهم يحج بها مفردة ايجوز له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج قال (ع): نعم انما خالف إلى الافضل) والاقوى ما ذكرناه والخبر منزل على صورة العلم برضى المستأجر بذلك مع كونه مخبرا بين النوعين جمعا بينه وبين خبر آخر (في رجل اعطى رجلا دراهم يحج بها حجة مفردة قال (ع): ليس له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج لا يخالف صاحب الدراهم) وعلى ما ذكرنا من عدم جواز العدول إلا مع العلم بالرضا إذا عدل بدون ذلك لا يستحق الاجرة في صورة التعيين على وجه القيدية وان كان حجه صحيحا عن المنوب عنه ومفرغا لذمته إذا لم يكن ما في ذمته متعينا فيما عين، واما إذا كان على وجه الشرطية فيستحق، إلا إذا فسخ المستأجر الاجارة من جهة تخلف الشرط إذ حينئذ لا يستحق المسمى بل اجرة المثل. ] نظير استئجار شخص لصيام شهر من شهور السنة، مع ان الصوم في الشتاء تختلف قيمته مع الصوم في الصيف وهكذا الحج البلدي إذا لم يعين له طريقا خاصا فان الاجرة تختلف حسب اختلاف كيفية السفر وانواعه من الجو والبحر والبر. ففي جميع الفروض تصح الاجارة من دون تعيين نوع خاص وكيفية مخصوصة وليس فيها أي غرر بعد فرض كون الاجير مختارا

[ 50 ]

في اتيان أي فرد شاء، ولم يكن للمستأجر الزام الاجير باختيار فرد خاص. نعم لو تعلق عقد الاجارة بالمبهم المردد بين فردين بحيث لم يعلم ان مورد الاجارة هل هو هذا الفرد أو الفرد الاخر فقد يكون الاجير يختار فردا خاصا والمستأجر يختار فردا آخر تبطل الاجارة حينئذ للغرر ثم انه قد صرح جماعة، ومنهم المصنف (رحمه الله) انه لو استأجره لما عين له كالقران فليس للاجير العدول عما عين له ولو إلى الافضل، خلافا للشيخ حيث صرح بانه لو استاجره للتمتع لم يجزء غيره واما لو استأجره للافراد، أو للقران اجزئه التمتع. فيقع الكلام في مقامين: احدهما: فيما تقتضيه القاعدة. ثانيهما: فيما يقتضيه النص. اما الاول: فمقتضى القاعدة عدم جواز العدول مطلقا، لان العمل المستأجر عليه مملوك للمستأجر وعلى الاجير تسليم العمل المعين إلى المستأجر وليس للاجير تبديله إلى عمل آخر لم يقع عليه عقد الاجارة وان كان افضل. وبعبارة اخري: الاجارة انما تعلقت بذلك العمل المعين، فلا يكون الآتي بغيره آتيا بما استؤجر عليه سواء كان مما استؤجر عليه ام لا، كما لو استأجره لزيارة مسلم بن عقيل (ع) فزار الحسين (عليه السلام) بدلا عن زيارة مسلم (ع) فانه لم يأت حينئذ بمتعلق الاجارة وبقيت ذمته مشغولة به. نعم إذا استأجره على الحج المندوب أو المنذور المطلق أو كان المستأجر ذا منزلين متساويين في مكة وخارجها بحيث كان مخيرا بين التمتع والافراد فللاجير في هذه الصورة التبديل إذا رضي المستأجر بذلك

[ 51 ]

فالتبديل انمالا يجوز له إذا كان نوع خاص من اقسام الحج متعينا على المستأجر كما إذا نذر حجا خاصا، أو كان ممن يتعين عليه حج التمتع (مثلا). بل ذكر المصنف انه ليس له التبديل والعدول ولو مع رضا المستأجر فلا ينفع رضاه بالعدول إلى غيره. ولا يخفى ان مراده من عدم جواز العدول حتى مع رضا المستأجر إنما هو بالنسبة إلى برائة ذمة المستأجر وتفريغ ذمته، يعني: إذا كان المتعين عليه حجا خاصا فلا ينفع رضاه بالعدول إلى غيره في برائة ذمته، لان تفريغ ذمته لا يمكن الا باتيان ما تعين عليه. وأما بالنسبة إلى استحقاق الاجير الاجرة لما اتى به فلا مانع منه إذا رضي المستأجر بالعدول فان التبديل والعدول إذا كان عن رضى المستأجر فهو كالابراء، والمستأجر يجوز له ان يبرء الاجير ويستأجر شخصا آخر لما تعين عليه كما ان له يرضى بالعدول إلى نوع آخر الذي هو مستجب نفسي ويستأجر شخصا لما وجب عليه بعينه. فما ذكره المصنف من عدم جواز العدول حتى مع رضا المستأجر انما يتم بالنسبة إلى اداء التكليف وتفريغ الذمة لا انه لا يجوز له العدول حتى مع رضاه بحيث لا يستحق الاجير الاجرة. ثم ذكر السيد المصنف - ره - انه في صورة جواز التبديل وجواز الرضا به يستحق الاجير الاجرة المسماة من دون فرق بين كون التعين على الاجير بعنوان الشرطية ويكون رضاه بالتبديل من باب اسقاط حق الشرط، وبين كون التعيين بعنوان القيدية وكان الرضا بالعدول من باب الرضا بالوفاء؟ بغير الجنس. وما ذكره واضح بناءا على الشرطية لان الاجير قد اتى بنفس العمل

[ 52 ]

المستأجر عليه، والمفروض ان المستأجر قد رفع اليد عن الشرط، واما على القيدية فانه وان لم يأت بالعمل المستأجر عليه ولكن قد اتى بالبدل بامر المستأجر، فعلى كلا التقديرين يستحق الاجرة المسماة. وتوضيح المقام يحتاج إلى بيان معنى الاشتراط والفرق بينه وبين القيد، وهذا البحث وان تقدم في بعض المباحث السابقة مفصلا (1) فلا مجال للبسط، ولكن لا بأس بالاشارة إليه ولو اجمالا. فنقول: قد ذكرنا في باب الشرط من بحث المكاسب ان المعروف بينهم ان الشرط هو الالتزام في ضمن التزام آخر من غير ان يكون بالاخر مقيدا، وهذا المعنى ما لا محصل له، لان مجرد الظرفية ما لم يكن بينهما ارتباط لا يترتب عليه شئ، بل هذا الالتزام يكون وعدا ابتدائيا لا اثر لمخالفته، فلا بد من ارتباط احدهما بالآخر حتى يترتب عليه، الاثر كما هو المتفاهم من الشرط ومنه الشريط فانه يطلق على الخيط المرابط بين شيئين فالشرط هو الربط بين شئين، ويقع الكلام في تحقيق هذا الارتباط، وليس معناه تعليق المنشاء كالبيع بالشرط وإلا لبطل العقد للتعليق المجمع على بطلانه سواء وقع الشرط في الخارج ام لا، مع انه لا اشكال في جواز البيع المشروط وثبوت الخيار عند تخلف الشرط. بل معنى الاشتراط يرجع إلى أحد امرين، تعليق المنشاء بالالتزام أو ان الالتزام بالمنشاء كالبيع معلق على وجود الشرط بحيث إذا لم يكن الشرط موجودا لم يكن ملتزما، فعلى الاول فالعقد وان كان معلقا إلا ان مثل هذا التعليق لا يضر بصحته إذ المفروض تحقق الالتزام المعلق عليه وحصوله بالفعل من المشتري، وهذا المقدار من التعليق لا يوجب


(1) معتمد العروة: ج 1 ص 169.

[ 53 ]

البطلان، فان التعليق المبطل هو التعليق على امر متوقع الحصول، واما التعليق على امر حاصل موجود بالفعل فغير موجب للبطلان. هذا فيما إذا كان الشرط من قبيل الافعال التي قابلة للالتزام بها كالخياطة والخدمة، ونحو ذلك. وأما الثاني: فمورده ما إذا كان الشرط خارجا عن تحت الاختيار ككابة؟ العبد أو جماله ونحوهما فان تعليق العقد على الالتزام بذلك مما لا معنى له، لان الالتزام بشئ إنما يتعلق بامر اختياري مقدور للملتزم واما إذا كان غير مقدور له فلا معنى للالتزام به، ففي امثال هذه الموراد معنى الاشتراط هو ان الالتزام بالمنشاء والوفاء به معلق على الكتابة أو الجمال (مثلا)، ومرجع ذلك إلى جعل الخيار بلسان الشرط، فحقيقة الشرط ليست عبارة عن الالتزام في ضمن التزام آخر بل حقيقته اما تعليق المنشاء بالالتزام في الامور القابلة للالتزام بها واما ان الالتزام بالعقد معلق على وجود الشرط، فمرجع الشرط في العقد إلى احد هذين الامرين وهما قد يجتمعان وقد يفترقان ففي كل مورد غير قابل للخيار كالنكاح بناءا على المشهور وخلافا لصاحب الجواهر، أو الطلاق، والعتق ونحوهما من الايقاعات التي لا يجري فيها الخيار، يرجع الاشتراط إلى تعليق العقد أو الايقاع على الالتزام، فلو اشترطت الزوجة على زوجها بان يكون اختيار السكنى بيدها، أو ان ينفق عليها كل شهر كذا مقدارا معناه ان اصل النكاح معلق على التزام الزوج بهذه الامور واثره الزام الشارع المشروط عليه باتيان الشرط للسيرة، ولقولهم - (ع): (المؤمون عند شروطهم) (1) وليس اثره الخيار للمشروط له، فليس في البين إلاحكم تكليفي وهو وجوب الاتيان بالشرط على


(1) الوسائل: باب 20 المهور ح 4 وباب 6 الخيار.

[ 54 ]

المشروط عليه. وفي بعض الموارد يرجع الاشترط إلى جعل الخيار من دون التزام فيه كموارد اشتراط كتابة العبد أو جماله ونحو ذلك مما لا معنى للالتزام به لعدم كونه اختياريا وعدم كونه تحت قدرته، فان الكتابة ونحوها من الصفات اما موجودة أو معدومة فمرجع الاشتراط إلى جعل الخيار له عند التخلف. وبعبارة اخرى: التزام البايع بالعقد مشروط ومعلق بالكتابة وإذا لم تكن. موجودة فهو غير ملتزم به ومرجع ذلك إلى جعل الخيار له عند التخلف. وقد يجتمع المعنيان في مورد واحد كالبيع المشروط فيه الخياطة (مثلا) فان معنى الاشتراط فيه تعليق البيع على الالتزام بالخياطة، وهذا التعليق بما انه تعليق على امر حاصل موجود بعلم به المتعاقدان، غير ضائر في صحة البيع ونتيجته وجوب الوفاء بالشرط على االمشروط عليه كما انه بالدلالة الالتزامية يدل على ان التزامه بالعقد معلق على الخياطة وعلى تقدير التخلف وعدم تحقق الخياطة يثبت له الخيار. فامثال هذه الموارد مجمع بين الامرين، تعليق البيع بالتزام، وتعليق الالتزام بالشرط، ولازم الاول وجوب الوفاء بالشرط والزامه بالوفاء. ولازم الثاني جعل الخيار له عند التخلف، والمشروط له يجوز له الزام المشروط عليه باتيان الشرط، وله أيضا إعمال الخيار اما في طول الزامه أو في عرضه على الخلاف المحرر في محله بقي الكلام في الفرق بين الشرط والقيد فانهم قد ذكروا ان الوصف إذا كان دخيلا في العقد على نحو الشرطية فلا يوجب تخلفة البطلان وانما له خيار تخلف الشرط، واما إذا كان دخيلا على نحو

[ 55 ]

القيدية فتخلفه يوجب البطلان. والذي ينبغي ان يقال: ان الوصف المأخوذ في العقد ان كان من الاعراض والصفات الخارجية التي ليست دخيلة في فردية الفرد للطبيعي فان الفرد فرد للطبيعي سواء كان متصفا بهذا الوصف ام لا، كما إذا باع العبد مع توصيفه بالكتابة، أو باعه بشرط كونه كاتبا، فلا يعقل فيه التقييد والتضييق ويرجع ذكره في العقد إلى الاشتراط، اعني: تعليق الالتزام بالوفاء بالعقد على ان يكون العبد كاتبا، ونتيجته ثبوت الخيار عند التخلف من دون فرق بين التعابير، لان الفرد الخارجي جزئي حقيقي غير قابل للتضييق والتقييد، ولا يتحصص بحصتين. وان كان الوصف المأخوذ من الامور الذاتية الموجبة للاختلاف في الجنس والماهية، كقول البايع بعت هذا الحيوان على ان يكون فرسا فحينئذ إذا تخلف وظهر كونه بقرا (مثلا) بطل البيع بالمرة، لان البيع لم يقع على الجامع بين الحيوانين، وانما وقع على الجنس المعين المعنون بعنوان خاص فاختص البيع بجنس خاص دون جنس آخر، كما إذا باع ذهبا فبان انه نحاس أو حديد وامثال ذلك، فان هذه العناوين دخيلة في الفردية وتخلفها يوجب بطلان البيع طبعا لعدم انعقاد البيع بالنسبة إليه، فما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع، من دون فرق بين ان يعبر ويقول: بعت هذا الحيوان على ان يكون فرسا، أو بعت هذا الفرس، فان عنوان الفرسية عنوان مقوم للمبيع فإذا تخلف وظهر غيره يبطل البيع بالنسبة إليه جزما. هذا كله فيما إذا كان المبيع (مثلا) شخصيا، واما إذا كان كليا ففية تفصيل بالنسبة إلى الاوصاف المأخوذة في المبيع. وتوضيح ذلك: ان المبيع (مثلا) إذا كان كليا، فان كانت

[ 56 ]

الاوصاف المأخوذة موجبة لاختلاف الجنس والماهية، فمرجعها إلى التقييد في المبيع، فلو قال: بعتك منا من الطعام في ذمتي على ان يكون حنطة، أو شعيرا، أو ارزا فسلم غير المشروط عليه لم تبرء ذمته عما اشتغلت به للمشتري فان ما سلم لم يبع وما بيع لم يسلم. وإن كانت من الاوصاف التي لا تكون دخيلة في الماهية والجنس فان كانت من الصفات المصنفة بمعنى وقوع البيع على صنف خاص في قبال صنف آخر، كبيع الحنطة من المزرعة الفلانية، أو ان يستأجره للخياطة الرومية دون العربية فان ذلك أيضا موجب للنقييد، فان المبيع أو المستأجر عليه وان كان كليا لكنه مقيد بخصوصية توجب التقييد بحسب ما هو المرتكز في الاذهان، فيختص البيع أو الاجارة بذاك الامر الخاص وإذا تخلف لا يستحق البايع أو الاجير شيئا من الثمن أو الأجرة، لعدم اتيان العمل المستأجر عليه، وعدم تسليم المبيع لان المفروض ان ما وقع عليه العقد هو الكلي المنطبق على صنف خاص دون غيره. وأما إذا لم تكن من الصفات المصنفة وكان الشرط امرا اجنبيا كاشتراط خياطة الثوب في بيع الحنطة، فانه لا يوجب تقييدا في المبيع ضرورة ان اخذ الامرين الاجنبي احدهما عن الاخر لا يكون قيدا له، فلو سلم البايع الحنطة ولم يخط الثوب فقد سلم نفس المبيع إلى المشتري غاية الامر ان له مطالبة خياطة الثوب، وله الخيار عند التخلف، فالمبيع نفس المبيع سواء خاط الثوب ام لا. فليست الخياطة ونحوها من الاوصاف المشخصة والمصنفة كالكتابة ونحوها من الاوصاف التي توجب الاختلاف في الصنف، وهكذا الحال بالنسبة إلى الاجارة كما إذا اشترط خياطة الثوب في الاستيجار لحج أو

[ 57 ]

صلاة فان الخياطة لا تؤثر في العمل المستأجر عليه من الحج أو الصلاة، فان الخياطة عمل خارجي اجنبي عن العمل المستأجر عليه، ولا يوجب تقييدا في العمل المستأجر عليه، وان وجب الاتيان به حسب الاشتراط والالتزام المقرر بينهما. نعم ربما يمكن ارجاع هذه النحو من الاوصاف إلى القيد ودخله في العمل المستأجر عليه بنحو من العناية، بدعوى ان المستأجر عليه هو الحج الخاص المتعقب بالخياطة أو المقرون بها، أو المسبوق بها، فلو تخلف لم يكن آتيا بالعمل المستأجر عليه. هذا ولكن ذلك على خلاف المرتكز، فان المرتكز في امثال المقام هو الاشتراط لا التقييد؟. هذا كله بحسب الكبرى الكلي. وأما بالنسبة إلى التمتع والافراد والقران من انواع الحج. فالظاهر انها من الصفات المصنفة، فإذا تعلقت الاجارة بواعد منها فلا محالة يكون الاخذ على نحو القيدية فإذا استأجره للحج واشترط عليه التمتع وخالف وحج حج الافراد لم يأت بالعمل المستأجر عليه اصلا، فالاشتراط في امثال المقام يرجع إلى التقييد حسب الارتكاز العرفي. وأما العدول إلى غير ما عين له فان كان برضى المستأجر وامره فيستحق الاجير الاجرة المسماة - وان كان المقام من باب تغيير الجنس والاختلاف في الحقيقة - لان امر المستأجر بالعدول ورضاه بذلك يوجب الضمان، وان لم يرض المستأجر بالعدول فلا يجوز العدول للاجير، وإذا عدل من دون رضاه لا يستحق شيئا حتى إذا عدل إلى الافضل، هذا تمام الكلام فيما تقتضيه القاعدة. المقام الثاني: فيما يقتضيه النص

[ 58 ]

فاعلم اولا ان مقتضى القواعد الاولية في باب الاجارة، عدم جواز العدول للاجير عما عين عليه المستأجر ولو عدل لا يستحق شيئا من الاجرة ولكن مع ذلك وقع الخلاف في جواز العدول إلى حج التمتع لمن استؤجر على حج الافراد أو القران وان لم يرض المستأجر. فقد ذهب جماعة منهم الشيخ - قدس سره - إلى جواز العدول إلى الافضل - كالعدول من الافراد أو القران إلى التمتع - تعبدا من الشارع. واستدلوا: بصحيحة أبي بصير، عن احدهما (ع) (في رجل اعطى رجلا دراهم يحج بها عنه حجة مفردة فيجوز له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم انما خالف إلى الفضل) (1). وأما السند فقد ذكر صاحب الوسائل بعد قوله أبي بصير (يعني المرادي) وهو ليث بن البختري الثقة بالاتفاق، إلا انه لم يظهر من أي قرينة ان ابا بصير هذا هو المرادي ولم يذكر المشايخ الثلاثة المرادي في كتبهم، فهذه الزيادة والاستظهار من صاحب الوسائل، وكان عليه - ره - ان يشير إلى ذلك حتى لا يتوهم احد ان الزيادة من المشايخ ومن ثم ذكر السيد في المدارك ان الرواية ضعيفة باشتراك أبي بصير بين الثقة والضعيف لاشتراك أبي بصير بين ليث المرادي الذي ثقة اتفاقا، وبين يحيى بن القاسم الذي لم تثبت وثاقته عند جماعة ولكن الترديد غير ضائر عندنا لان يحيى بن القاسم ثقة أيضا كما حقق في محله فالرواية معتبرة، ومدلولها جواز العدول إلى الافضل مطلقا


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب النيابة في الحج ح 1. ولا يخفى ان متن الرواية يختلف يسيرا مع ما ذكره المصنف، والصحيح ما ذكرناه كما في الوسائل وكتب المشايخ.

[ 59 ]

رضى المستأجر ام لا. واجاب المصنف (ره) بان المعتبرة منزلة على صوره العلم برضى المستأجر بالعدول مع كونه مخيرا بين النوعين، جمعا بينها وبين خبر آخر عن الحسن بن محبوب عن علي (عليه السلام) في رجل اعطى رجلا دراهم يحج بها عنه حجة مفردة، قال: ليس له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج لا يخالف صاحب الدراهم (1). ولكن هذا الخبر ضعيف سندا لانه من غير المعصوم بشهادة الشيخ الذي روى هذه الرواية في التهذيب والاستبصار (2) فقد ذكر (قده) انه حديث موقوف غير مسند إلى أحد من الائمة (ع) فان (علي) الذي روى عنه الحسن بن محبوب ليس من الائمة وذكر (عليه السلام) بعده كما في الوسائل والاستبصار في الطبعة الحديثة من اغلاط النساخ أو المطبعة، فان الشيخ بنفسه يصرح بانه خبر موقوف غير مسند، فقول (عليه السلام) ليس من الشيخ جزما، ولو احتمل احتمالا ضعيفا انه أمير المؤمنين (ع) فالخبر ضعيف أيضا للفصل الكثير بين الحسن بن محبوب والامام أمير المؤمنين (ع) ولا يحتمل انه الامام علي الرضا (ع) فان الحسن بن محبوب وان امكن روايته عنه (ع) ولكن لم يطلق اسم (علي) وحده في شئ من الروايات على الامام الرضا (ع). والظاهر ان المراد به علي بن رئاب كما عن المدارك، وقد كثرت روايات ابن محبوب عنه تبلغ (287) موردا، فيكون الحكم المذكور


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب النيابة في الحج ح 2. (2) التهذيب: ج 5 ص 416 الاستبصار: ج 2 ص 323.

[ 60 ]

من فتاوى علي بن رئاب (1) ولا حجية لفتواه، فالمعتمد انما هو صحيح أبي بصير. ولكن الظاهر قصور الدلالة عن جواز العدول تعبدا، لانه لو كان (ع) مقتصرا على قوله: (نعم) لدلت الرواية على جواز العدول تعبدا، إلا ان تعليله (ع) بقوله: (انما خالف إلى الفضل) ظاهر في ان التعليل تعليل ارتكازي غير تعبدي وانه (ع) في مقام بيان امر ارتكازي طبعيي وهو انه لو استأجر احد شخصا على عمل فيه الفضل وكان غرضه وصول الثواب إليه، فلا ريب في انه يجوز له اختيار الافضل لان ثوابه اكثر، فالتبديل حينئذ يكون برضى المستأجر قطعا. ومع قطع النظر عن هذه القرينة القطعية فلا ريب في عدم اجواز التبديل حتى إلى الافضل لان الواجب على الاجير تسليم المملوك إلى مالكه وتسليم العمل المستأجر عليه إلى المستأجر، وتبديله إلى مال أو عمل آخر غير جائز وان كان هو افضل، فان من استوجر لزيارة مسلم بن عقيل (ع) أو لقرائة دعاء كميل أو لاتيان النوافل لا يجوز له التبديل إلى زيارة الحسين (ع) أو قرائة القرآن أو صلاة الفرائض، وهذا امر واضح لا غبار عليه، فالصحيحة ظاهرة في جواز العدول فيما إذا كان المستأجر في مقام بلوغ الثواب وعود الفضل إليه، فان الاجير حينئذ يقطع برضى المستأجر بالعدول إلى الافضل حسب الارتكاز فالرواية منزلة على صورة العلم برضى المستأجر كما هو الغالب في امثال


(1) ولذا عد صاحب الجواهر علي بن رئاب من جملة من افتى بعدم جواز العدول قال: خلافا لظاهر الجامع والنافع والتلخيص وعلي بن رئاب.

[ 61 ]

[ (مسألة 13): لا يشترط في الاجارة تعيين الطريق وان كان في الحج البلدي لعدم تعلق الغرض بالطريق نوعا، ولكن لو عين تعين ولا يجوز العدول عنه إلى غيره. الا إذا علم انه لا غرض للمستأجر في خصوصيته وانما ذكره على المتعارف فهو راض باي طريق كان. فحينئذ لو عدل صح واستحق تمام الاجرة (1) وكذا إذا اسقط بعد العقد حق تعينيه، ] هذه الموارد. نظير ما لو استأجره لخياطة ثوبه بالخياطة العراقية فبدل الاجير الخياطة إلى ما هو احسن منها كالخياطة الرومية ونحوها مما يقطع الاجير بالرضا. ثم ذكر السيد المصنف - ره - في آخر المسالة: انه لو خالف الاجير واتى بغير ما عين له فلا يستحق شيئا من الاجرة، لما عرفت ان الاجارة انما وقعت على وجه التقييد حسب الارتكاز العرفي فلابد من تسليم العمل الذي وقع عليه الايجار، واما إذا اتى بغيره فلا يستحق الاجرة لكونه متبرعا حينئذ، وان برئت ذمة المستأجر عن الحج وكان حجة صحيحا عن المنوب عنه. وأما إذا كان التعيين على وجه الشرطية لا القيدية، بمعنى ان الايجار وقع على طبيعي الحج وانما اشترط عليه خصوص القران أو الافراد فخالف فيستحق تمام الاجرة لاتيان العمل المستأجر عليه، غاية الامر للمستأجر خيار تخلف الشرط، ولو فسخ للاجير اجرة المثل لا المسماة لفسادها بالفسخ. (1) لو عين له الطريق وكان له ظهور في عدم تعلق غرضه

[ 62 ]

[ فالقول بجواز العدول مطلقا أو مع عدم العلم بغرض في الخصوصية ضعيف، كالاستدلال له بصحيحة حريز (عن رجل اعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال: لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجة) إذ هي محمولة على صورة العلم ] بخصوص ذلك وانما ذكره على المتعارف الخارجي وإلا فهو راض باي طريق كان فيرجع الامر في الحقيقة إلى عدم التعيين ويكون ذكره في حكم العدم، فحينئذ لو عدل صح واستحق تمام الاجرة. وأما إذا كان له غرض خاص في تعيين الطريق فمقتضى وجوب الوفاء بالعقد تعين الطريق وليس للاجير العدول إلى غيره. وعن جماعة جواز العدول مطلقا وعن آخرين جواز العدول مع عدم العلم بغرض في الخصوصية. ولا يخفى: ان مقتضى القاعدة هو الاخذ بظهور الكلام وتعين الطريق عليه ما لم تكن قرينة على الخلاف. وأما القائلون بجواز العدول فاستدلوا عليه بصحيحة حريز (عن رجل أعطى رجلا حجة يحج بها عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال: لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه) (1). واجاب عنه في المتن اولا: بانها محمولة على صورة العلم بعدم الغرض؟ كما هو الغالب.


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب النيابة في الحج ح 1.

[ 63 ]

وفيه: ان مورد السؤال في الرواية هو التخلف من جهة مبدء السفر، وكون الغالب في اشتراط ذلك عدم الخصوصية ممنوع فان الغرض في الحج البلدي - مع كثرته - كثيرا ما يتعلق بالبدئة من البلد المعين فلا قرينة على هذا الحمل. وثانيا: بان الرواية انما تدل على صحة الحج من حيث هو، لا من حيث كونه عملا مستأجرا عليه كما هو المدعى. وبعبارة اخرى: الرواية ناظرة إلى صحة العمل بعد وقوعه وانه يوجب تفريغ ذمة المنوب عنه وان هذه المخالفة لا تفسده، فكان السائل زعم فساد الحج لاجل مخالفة الطريق فأجاب (ع) بانه إذا قضى جميع المناسك واتى بالاعمال فقد تم حجة وصح، فالسؤال عن امر واقع في الخارج وانه يوجب تفريغ الذمة ام لا؟ وليس السؤال ناظرا إلى جواز العدول وعدمه، فالرواية قاصرة الدلالة عن جواز العدول فالمرجع القاعدة المقتضية لوجوب الوفاء بالعقد، والتعيين فيه يوجب التعين عليه. وكيف كان: لو تعين عليه طريق وخالف وعدل إلى طريق آخر فلا ريب في صحة حجه وبرائة ذمة المنوب عنه، إذا لم يكن للواجب عليه مقيدا بخصوصية الطريق المعين كما إذا كان ناذرا لطريق خاص. انما الكلام في استحقاقه الاجرة على تقدير العدول والمخالفة وعدمه وقد ذكر في المتن صورا لذلك. الاولى: ما إذا كان الطريق معتبرا في الاجارة على وجه الجزئية. الثانية: ما إذا اخذ الطريق على وجه القيدية. الثالثة: ما إذا كان الطريق مأخوذا على نحو الشرطية. اما إذا كان مأخوذا على نحو الشرطية فحاله حال ساير الشروط، بحيث

[ 64 ]

يكون للمستأجر غرضان غرض تعلق بنفس العمل وغرض آخر تعلق بالشرط المنضم إلى العمل، فإذا خالف واتى باصل العمل من دون الشرط يستحق تمام الاجرة، لاتيانه بمتعلق الاجارة، وتخلف الشرط لا يضر باتيان العمل المستأجر عليه، نظير تخلف الخياطة المشترطة في البيع أو في ايجار عمل من الاعمال، غاية الامر يثبت الخيار للمستأجر عند التخلف، فإذا فسخ يسترجع الاجرة ويثبت للاجير اجرة المثل لان العمل الصادر منه صدر بامر المستأجر. وأما إذا كان مأخوذا على نحو القيدية كالحج البلدي المأخوذ فيه الشروع من بلد خاص، أو نذر الحج من البلد الخاص أو المريض الذي وجب عليه الاحجاج والتجهيز من بلده كما احتمله بعضهم - وان اخترنا كفاية الميقاتية فيه - فلا يستحق شيئا من الاجرة لعدم اتيانه بالعمل المستأجر عليه وان برئت ذمة المنوب عنه بما اتى به، لانه حينئذ يكون متبرعا بعمله فلا يستحق شيئا. وبعبارة اخرى: العمل المستاجر عليه يباين الموجود الخارجي والمأني به، إذ المفروض ان الايجار وقع على حصة خاصة المعبر عنها بشرط شئ وما اتى به حصة اخرى المعبر عنها بالطبيعي بشرط لاوهما متباينان ويجمعهما الطبيعي اللا بشرط المقسمي فيكون حال المقام كما إذا استأجره للصلاة فخالف وصام، أو استأجره لزيارة الحسين (ع) فزار مسلم بن عقيل (ع) أو استأجره لقرائة القرآن فقرء دعاء كميل وهكذا فانه لا يستحق شيئا من الاجرة في جميع ذلك بل يكون متبرعا بعمله ومعه لم يستحق شيئا وذهب الشيخ صاحب الجواهر إلى انه يستحق الاجرة بالنسبة لان العمل المستأجر عليه عمل مركب ذات اجزاء عرفا، فإذا خالف ولم

[ 65 ]

[ بعدم الغرض كما هو الغالب، مع انها انما دلت على صحة الحج من حيث هو لا من حيث كونه عملا مستأجرا عليه كما هو المدعى، وربما تحمل على محامل اخر. وكيف كان: لا اشكال في صحة حجه وبرائة ذمة المنوب عنه إذا لم يكن ما عليه مقيدا بخصوصية الطريق المعين، انما الكلام في استحقاقه الاجرة المسماة على تقدير العدول وعدمه ] بأت؟ بالقيد يصدق كونه بعض العمل المستأجر عليه، وليس ما اتى به صنفا ونوعا آخر يباين العمل المستأجر عليه بل هو جزء منه (1). ويرد عليه: انه لو فرض اخذ الطريق على نحو التقييد فالعمل المستأجر عليه هو العمل المقيد لا العمل المركب من شيئين، فإذا خالف ولم يأت بالقيد فلم يأت بالعمل المستأجر عليه، لا انه اتى بجزء ولم يأت بالجزء الاخر، فان الطبيعي الموجود في ضمن مورد الا جارة غير الطبيعي الموجود في ضمن بشرط لا، نظير ما لو استؤجره لزيارة الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة فزار يوم عاشوراء فان الزيارة وان كانت صادقة في الموردين، ولكن الزيارة التي وقع عليها عقد الاجارة زيارة خاصة تنافي زيارة اخرى وتباينها. وأما المأخوذ على نحو الجزئية: فتارة تكون الجزئية في مقام الاثبات والدلالة، بمعنى ان متعلق الاجارة في الحقيقة امران وفي البين اجارتان اجارة مستقلة تعلقت بهذا الجزء كالطريق الخاص، واجارة مستقلة


(1) الجواهر: ج 17 ص 376.

[ 66 ]

[ والاقوى انه يستحق من المسمى بالنسبة ويسقط منه بمقدار المخالفة إذا كان الطريق معتبرا في الاجارة على وجه الجزئية ولا يستحق شيئا على تقدير اعتباره على وجه القيدية لعدم اتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذ وان برئت ذمة المنوب عنه بما اتى به لانه حينئذ متبرع بعمله. ودعوى: انه يعد في العرف انه اتى ببعض ما استؤجر عليه فيستحق بالنسبة، وقصد التقييد بالخصوصية لا يخرجه عرفا عن العمل ذي الاجزاء - كما ذهب إليه في الجواهر - لا وجه لها، ويستحق تمام الاجرة ان كان اعتباره على وجه الشرطية الفقهية بمعنى الالتزام في الالتزام، نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلف الشرط فيرجع إلى اجرة المثل. ] اخرى تعلقت باعمال الحج ولكنه انشائها بانشاء واحد وجمعهما بعبارة واحدة، فحينئذ لو خالف واتى بالحج من غير الطريق المتعين عليه، فللمستأجر مطالبة الاجير بقيمة العمل الذي لم يأت به، حيث ان الاجير لم يسلم العمل الذي صار ملكا للمستأجر فيثبت له الخيار، وقد لا يفسخ وقد يفسخ. فان لم يفسخ فله مطالبة الاجير بقيمة العمل الذي تركه، لان المفروض ان العمل ملك للمستأجر وقد فوت عليه الاجير ولا ينفسخ عقد الاجارة بالنسبة إلى العمل الذي لم يسلمه، لان عدم التسليم في

[ 67 ]

الخارج لا يوجب الانفساخ، واما الاجير فيستحق على المستأجرة اجرة العمل الذي ملكه للمستأجر، فالمستأجر يستحق قيمة العمل على الاجير والاجير يستحق اجرة العمل على المستأجر، والقيمة قد تكون ازيد من الاجرة وقد تكون اقل. وأما إذا فسخ المستأجر فله اخذ الاجرة المسماة واستردادها من الاجير وحيث لم يكن اتخاذ الطريق الاخر بامر من المستأجر فلا يستحق الاجير عليه شيئا. واخرى: يكون المركب موردا للاجارة نظير بيع شيئين منضمين بصفقة واحدة احدهما مشروط بالاخر فيقسط الثمن أو الاجرة بالنسبة إلى ما سلمه والى ما يسلمه وللمستأجر الخيار عند التخلف والتبعيض في التسليم فإذا فسخ - حتى بالنسبة إلى المقدار المسلم فان تبعض الصفقة يثبت له الخيار مطلقا بالنسبة إلى المقدار المسلم وغيره - فالاجير لا يستحق شيئا من الاجرة المسماة لان متعلق العقد لم يتحقق، وانما له اجرة المثل لانه اتى بالعمل بامره. وان لم يفسخ فللمستاجر مطالبة الاجير بقيمة العمل الذي فوته على المستأجر فلو فرضنا انه استأجره للحج من طريق خاص بمأتي دينار، مائة لاعمال الحج ومائة اخرى للطريق الخاص، وخالف الاجير وحج من طريق آخر فللمستأجر الخيار، فان لم يفسخ فالمقدار الذي صدر من الاجير يستحق اجرته، واما الآخر الذي لم يصدر منه فليس للمستأجر مطالبة اجرته واسترجاعها من الاجير لان المفروض ان الاجارة صحيحة وغير منفسخة ولا موجب لاسترداد الاجرة بل له مطالبة الاجير بقيمة العمل الذي فوت الاجير عليه ولم يسلمه إليه. وبالجملة: ما ذكر من الانفساخ بالنسبة إلى غير المسلم لاوجه له

[ 68 ]

[ (مسألة 14): إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة تم آجر عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة ايضا بطلت الاجارة الثانية (1) لعدم القدرة على العمل بها بعد وجوب العمل بالالى ومع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في احدهما صحتا معا، ودعوى بطلان الثانية وان لم يشترط فيها المباشرة مع اعبارها في الاولى لانه يعتبر في صحة الاجارة تمكن الاجير من العمل بنفسه فلا يجوز اجارة الاعمى على قرائة القرآن وكذا لا يجوز اجارة الحائض لكنس المسجد وان لم يشترط المباشرة، ممنوعة، فالاقوى الصحة. ] فان الجزئية في المقام كتبعض الصفقة بالنسبة إلى تقسيط الاجرة واشتراط كل واحد منهما بالاخر، نظير ما لو استأجره لخياطة الثوب فمات الاجير اثناء الخياطة، فان اجارة خياطة الثوب مشروطة بخياطة تمام الثوب، فان لم يتحقق الشرط يثبت الخيار للمستأجر ان فسخ فالاجير له اجرة المثل وان لم يفسخ فالمستأجر له مطالبة قيمة العمل الذي فوته الاجير على المستأجر، إذ المفروض ان الاجارة صحيحة ولا موجب للانفساخ. (1) لان العمل بالثانية غير مقدور له، ولم يتمكن من تسليمها بعد وجوب العمل بالاولى، واما إذا كان احدهما مطلقا من حيث المباشرة والتسبيب فضلا عن كليهما صحتا جيمعا، لان العبرة بالقدرة على الجامع بين المباشرة والتسبيب وهي حاصلة. وقد يقال: ببطلان الثانية وان لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها

[ 69 ]

[ هذا إذا آجر نفعه ثانيا للحج بلا اشتراط المباشرة، واما إذا آجر نفسه لتحصيله فلا اشكال فيه، وكذا تصح الثانية مع اختلاف السنتين أو مع توسعة الاجارتين أو توسعة احداهما (1) بل وكذا مع اطلاقهما أو اطلاق احداهما إذا لم يكن انصراف إلى التعجيل. ] في الاولى، لانه يعتبر في صحه الاجارة تمكن الاجير من العمل بنفسه وهو غير حاصل في المقام، ولذا لا يجوز اجارة الاعمى على قرائة القرآن ولو على نحو الاطلاق، كما لا يجوز اجارة الحائض لكنس المسجد وان لم يشترط المباشرة. وفيه: أن المعتبر حصول القدرة على متعلق الاجارة وهو الجامع بين المباشرة والتسبيب والمفروض حصولها عليه، ولا يعتبر حصول القدرة على كل من فردي الجامع بخصوصه ولذا يجوز اجازة الحائض لكنس المسجد إذا لم يشترط فيها المباشرة، هذه كله في أجارة الحج نفسه. وأما إذا آجر نفسه ثانيا للمقدمات ولتحصيل النائب، فلا مانع منه اصلا لان الاجارة الثانية وقعت على فعل آخر اجنبي عن متعلق الاجارة الاولى. (1) لعدم التنافي بين الاجارتين وحصول القدرة عليهما، وكذا تصح الثانية مع اطلاقهما من حيث المدة أو اطلاق احدهما، لان المعتبر في الصحة هو القدرة على التسليم وهي حاصلة، فحال الاطلاق من حيث التوسعة في الوقت حال التصريح بالتوسعة ما لم ينصرف الاطلاق إلى التعجيل، واما إذا انصرف إليه فحاله حال التقييد، كما هو الحال

[ 70 ]

[ ولو اقترنت الاجارتان كما إذا آجر نفسه من شخص وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة وكان وقو ع الاجارتين في وقت واحد بطلتا معا مع اشتراط المباشرة فيهما (1) ولو آجره فضوليان من شخصين مع اقتران الاجارتين يجوز له اجازة احداهما كما في صورة عدم الاقتران (2). ] في ساير العبادات المتعلقة للاجارة. ولا يبعد دعوى انصراف ايجار الحج إلى التعجيل والاتيان به في نفس سنة الايجار بخلاف الايجار على الصلاة والصوم. وبالجملة: الميزان في الصحة قدرة على الاجير، فلو انصرف الايجار إلى التعجيل واتيان الحج في هذه السنة تبطل الثانية لعدم القدرة على متعلقها، وإلا تصح ويأتى بها في السنة الثانية، هذا كله في الاجاريتن المتعاقبتين. (1) لو اقترنت الاجارتان كما إذا آجر نفسه لشخص واجره وكيله من آخر في سنة واحدة وكان وقوع الاجارتين في وقت واحد، بطلتا معا، مع اشتراط المباشرة فيهمها كما هو الحال في ساير الموارد، مثل ما إذا باع ماله بنفسه من شخص وباع وكيله نفس المال من شخص آخر في وقت واحد أو زوجت نفسها من شخص وزوجها وكيلها من شخص آخر في وقت واحد ففي جيمع ذلك تبطلان معا، لان صحة العقد تحتاج إلى الدليل والادلة لا تشمل المقام، لان شمولها لهما معا غير ممكن وشمولها لاحدهما دون الاخر ترجيح بلا مرجح فالنتيجة هي البطلان. (2) لو آجره فضوليان من شخصين مع اقتران الاجارتين أو كانتا

[ 71 ]

[ ولو آجر نفسه من شخص ثم علم انه آجره فضولي من شخص آخر سابقا على عقد نفسه ليس له اجازة ذلك العقد (1) وان قلنا بكون الاجازة كاشفة بدعوى انها حينئذ تكشف عن بطلان اجارة نفسه، لكون اجارته نفسه مانعا عن صحة الاجازة حتى تكون كاشفة وانصراف ادلة صحة الفضولي عن مثل ذلك. ] متعاقبتين، يجوز له اجازة ايهما شاء فان الصحة والنفوذ تابعان للاجازة فإذا أجاز احدهما يستند العقد إليه حين الاجازة، والسبق واللحوق في العقدين الصادرين من الفضوليين اجنبيان عن اجازة المالك، فان المالك له أن يجيز أي واحد من العقدين سواء العقد السابق أو اللاحق فإذا اجاز احدهما يستند العقد إليه. (1) لو آجر نفسه من شخص وآجره فضولي من شخص آخر سابقا على عقد نفسه ليس له اجازة وذلك العقد السابق، وعلله المصنف بانصراف ادلة صحة الفضولي عن مثل هذا الفرد، ولا يخفي ما فيه من المسامحة. والاولى: ان يعلل ذلك بقصور أدلة صحة المعاملة الفضولية عن شمول ذلك. بيان ذلك: انا إذا قلنا بان دليلها هو النصوص الخاصة فهي غير شاملة للعقد الفضولي الذي سبقه عقد المالك بنفسه كما في المقام، فان مادل على حصة نكاح الفضولي لا يشمل المورد الذي زوجت المراة نفسها لشخص آخر، وكذا لم يرد أي نص على صحة بيع الفضولي

[ 72 ]

[ (مسألة 15): إذا آجر نفسه للحج في سنة معينة لا يجوز له التأخير بل ولا التقديم الا مع رضى المستأجر، ولو اخر ] وقابليته للاجازة إذا باع المالك بنفسه ماله من شخص آخر، لان مورد النصوص المعاملة التي لم يسبقها معاملة المالك بنفسه، فلا حاجة إلى دعوى الانصراف، بل قصور الروايات وعدم شمولها لامثال المقام يكفي في فساد الاجارة الثانية. وإذا قلنا بان دليل صحة الفضولي هو القاعدة المستفادة من العمومات كقوله تعالى: (احل الله البيع) و (اوفوا بالعقود) (1) فيكون المالك المجيز مشمولا لوجوب الوفاء بالععقد، لان العقد الفضولي يستند إلى المالك باجازته، ويكون العقد عقدا له بالاجازة فان الامور الاعتبارية يصح استنادها إلى المجيز حقيقة وان لم يصدر العقد منه، ويصدق عنوان البايع أو المؤجر عرفا على نفس المالك بمجرد الاجازة فحينئذ المعاملة الفضوليه الواقعة على ملك المالك - بعد صدور معاملة من نفس المالك - غير قابلة للاجازة والاستناد إليه ثانيا، لان المالك إذا باع مال نفسه لايمكك امره بعده، وكذلك المرأة إذا زوجت نفسها من شخص غير مالكة لامرها حتى تجيز ام لا. وبالجملة: الدليل الدال على الصحة قاصر الشمول للمقام، والقاعدة المقتضية للصحة ايضا غير شاملة له لعدم القابلية للاستناد فالبطلان على القاعدة، فظهر ان التعبير بالانصراف فيه مسامحة واضحة.


(1) البقرة: 275 - المائدة: 1.

[ 73 ]

[ لا لعذر اثم (1) وتنفسخ الاجارة ان كان التعيين على وجه التقييد، ويكون للمستأجر خيار الفسخ لو كان على وجه الشرطية. ] (1) اما التأخير فلا يجوز له مطلقا سواء كان التعيين على وجه التقييد كما استظهرناه في هذه الموارد أو على وجه الاشتراط كما هو المفروض في كلام المصنف. فلو اهمل وتخلف واخره لا لعذر فلا ريب في انه آثم، وهل تبطل الاجارة وتنفسخ على تقدير القيدية؟ كما في المتن ام لا. الظاهر: انه لا موجب للبطلان لان الاهمال في الاتيان وعدم التسليم لا يوجبان الفساد، فان المستأجر قد ملك هذا العمل في ذمة الاجير ويجب عليه تسليمه إلى المستأجر وحيث لم يسلم إليه العمل في وقته المقرر يثبت الخيار للمستأجر فإذا فسخ المستأجر العقد يطالب الاجير بالاجرة المسمامة، وإذا لم يفسخ يطالبه بقيمة العمل الذى فوته الاجير على المستأجر فلا مقتضى للبطلان والانفساخ أصلا، وقد تكون القيمة التي يأخذها من الاجير اكثر من الاجرة وقد تكون اقل. وأما لو فرض كون التعيين على وجه الاشتراط فان اسقط المستأجر الشرط فيستحق الاجير المسماة، لانه اتى بالعمل المستأجر عليه فيستحق الاجرة المقابل له، وان فسخ حسب خيار تخلف الشرط - يأخذ الاجرة السماة ويسترجعها من الاجير، ولكنه يعطيه اجرة المثل في قبال العمل الذي اتى به بامر المستأجر. وأما التقديم على الوقت الذي عينه، فان كان هناك قرينة على ان التحديد والتعيين بوقت خاص لاجل عدم التأخير عن هذا الوقت وإلا فالمستأجر في نفسه يرغب في التقديم لكونه اولى كما إذا اراد أن يستأجر

[ 74 ]

[ وان اتى به مؤخرا لا يستحق الاجرة على الاول وان برئت ذمة المنوب عنه به، ويستحق المسماة على الثاني إلا إذا قسخ المستأجر فيرجع إلى اجرة المثل، وإذا اطلق الاجارة وقلنا ] شخصا للحج في هذه السنة فاعتذر لوجود مانع عنه فاستأجره للسنة الثانية، فيعلم من ذلك ان السنة الثانيه لا خصوصية لها وانما ذكرها لاجل عدم تمكن الاجير من الاتيان في السنة الاولى، فإذا ارتفع المانع وتمكن من الاتيان به في هذه السنة فلا مانع من التقديم. وبعبارة اخرى: السنة الثانية انما اخذت قيدا بالنسبة إلى التاخير، بمعنى انه لا يوخره عن السنة الثانية لا انه لا يقدمه عليها فان التقديم افضل وارضى للمستأجر، هذا فيما إذا كانت قرينة. وان لم تكن في البين قرينة بل قامت القرينة على العكس وانه لا يريد التقديم كما إذا علمنا ان غرض المستأجر هو الاحجاج في كل سنة وارسال شخص إلى الحج، ففي كل سنة له غرض بخصوصه، فحينئذ ان كان التعيين من باب التقييد ففي الحقيقة لم يأت بما هو الواجب عليه في فرض التقديم ولا يستحق شيئا من الاجرة لا المثل ولا المسمى لعدم اتيانه بالعمل المستأجر عليه وعدم تسليمه اياه، وما اتى به لم يكن بامر من المستأجر، فما وجب عليه باق في ذمته، وان كان التعيين من باب الاشتراط يثبت له الخيار - على النحو الذي عرفت - من انه ان لم يفسخ المستأجر يستحق الاجير تمام الاجرة لانها في مقابل ذات العمل وقد اتى به، وان فسخ فله ان يسترجع الاجرة المسماة ويعطي للعامل اجرة المثل لانه اتى به بامره، ففي فرض التقديم لا يحتمل

[ 75 ]

[ بوجوب التعجيل لا تبطل مع الاهمال (1)، وفي ثبوت الخيار للمستأجر حينئذ وعدمه وجهان: من ان الفورية ليست توقيتا ومن كونها بمنزلة الاشتراط. ] الانفساخ اصلا لبقاء الوقت والتمكن من ادائه فيه. (1) إذا اطلق الاجارة وقلنا بوجوب التعجيل واهمل الاجير ولم يأت به فورا فهل يثبت الخيار للمستأجر حينئذ ام لا؟ وجهان. والذي ينبغي ان يقال: ان الاطلاق إذا كان منصرفا إلى التعجيل فحاله حال التقييد والتوقيت لعدم الفرق في الدلالة على التعجيل بين كونه مستفادا من الدليل اللفظي أو الانصراف لان العبرة بالظهور، فان قلنا بالبطلان في مورد التقييد نقول به هنا أيضا، وان لم نقل به فاما يتحقق الفسخ من المستأجر أولا، فيجري فيه ما يترتب على الفسخ وعدمه كما تقدم. وان لم ينصرف إليه فلا موجب للتعجيل فان العقد لا يقتضي إلا اشتغال ذمة الاجير بالعمل فحاله حال الدين المطلق في عدم لزوم التعجيل بالاداء إلا مع المطالبة وان لم يكن مطالبا فلا دليل على لزوم التعجيل. وبالجملة: العقد بنفسه لا يقتضي التعجيل، ولو فرضنا وجوبه فهو واجب شرعي تعبدي لا يقتضيه العقد وانما اقتضاه دليل آخر نظير وجوب اداء الامانة فورا ونحو ذلك من الادلة، ولا يوجب تخلفه خيارا لان تخلف الواجب الشرعي لا يقتضي الخيار فان الخيار مسبب عن جعل المتعاقدين والتزامهما لا عن مجرد مخالفة الحكم الشرعي فلا

[ 76 ]

[ (مسألة 16): قد عرفت عدم صحة الاجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معينة ثم آجر من آخر في تلك السنة، فهل يمكن تصحيح الثانية باجازة المستأجر الاول أولا؟ فيه تفصيل: وهو انه ان كانت الاولى واقعة على العمل في الذمة لا تصح الثانية بالاجازة، لانه لا دخل للمستأجر بها إذا لم تقع على ماله حتى تصح له اجازتها، وان كانت واقعة على منفعة الاجير في تلك السنة بان تكون منفعته من حيث الحج أو جميع منافعه له، جاز له اجازة الثانية لوقوعها على ماله (1). ] موجب للخيار ولا للانفساخ كما لا مقتضى للخيار. (1) قد عرفت في المسألة الرابعة عشر عدم صحة الاجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معينة ثم آجر نفسه أيضا من شخص آخر في تلك السنة مع اشتراط المباشرة فيها لحصول التنافي بينهما حينئذ وعدم القدرة على التسليم، فهل يمكن تصحيحها - أعني الاجارة الثانية - باجازة المستأجر الاول ورضائه أولا؟ ذكر في المتن ان فيه تفصيلا: وهو ان الاجارة إذا وقعت على الملك الاول، أي ما استؤجر عليه اولا فهي قابلة للتصحيح، كما لو آجر نفسه بجيمع منافعه، أو بمنفعته الخاصة كالخاطية لشخص ثم آجر نفسه للخاطيه لشخص ثان، فطبعا تقع الاجارة الثانية على المنفعة التي تكون ملكا للمستأجر الاول، نظير بيع الدار أو اجارتها الواقعين على ملك الغير، وهذه قابلة للاجازة من المستأجر الاول ويمكن تصحيحها

[ 77 ]

[ وكذا الحال في نظائر المقام فلو آجر نفسه ليخيط لزيد في يوم معين ثم آجر نفسه ليخيط أو ليكتب لعمرو في ذلك اليوم ليس لزيد اجازة العقد الثاني، واما إذا ملكه منفعته الخياطي فآجر نفسه للخياطة أو للكتابة لعمرو جاز له اجازة هذا العقد لانه تصرف في متعلق حقه وإذا اجاز يكون مال الاجارة له لا للمؤجر، نعم لو ملك منفعة خاصة كخياطة ثوب معين أو الحج عن ميت معين على وجه التقييد يكون كالاول في عدم امكان اجازته. ] وتكون الاجرة للخياطة الثانية للمستأجر الاول. وأما إذا لم تكن الاجارة واقعة على المنفعة بل كانت واقعة على العمل في الذمة كما إذا استأجر شخصا ان يحج عن والده ثم آجر الاجير نفسه للحج ثانيا من شخص آخر فليس الثاني مملوكا للمستأجر الاول وليس له اجازته، لان الايجار الثاني واقع على غير ملكه ولا دخل للمستأجر الاول به حتى تصح له اجازته، وهكذا لو استأجر شخصا لخياطة ثوب معين ثم آجر الاجير نفسه لخياطة ثوب آخر، فان الخياطة الثانية ليست مملوكة للمستأجر الاول وبعبارة اخرى: إذا كانت الاجارة الاولى واقعة على منفعة الاجير التي صارت ملكا للمستأجر الاول جاز له اجازة الثانية لوقوعها على ماله وملكه نظير بيع داره أو اجارتها فضوليا وإذا اجاز يكون مال الاجارة للمستأجر لا الاجير، وان كانت الاجارة الاولى واقعة على

[ 78 ]

العمل في الذمة لا تصح الثانية باجازة المستأجر الاول، لانه لادخل للمستأجر بها لعدم وقوعها على ماله وملكه، هكذا ذكر الماتن (قده)؟ اقول: وليعلم اولا انه لا يعتبر في صحة العقد الفضولي بالاجازة ان يكون مورد العقد مملوكا لشخص المجيز، بل يكفي ان يكون امره بيده وان لم يكن مملوكا له. ثم ان الاجارة على الحج المقيد بالمباشرة اما ان ترجع إلى التقييد حسب الارتكاز العرفي، كما استظهرناه فالمستأجر عليه هو خصوص الحج المقيد بالمباشرة لا طبيعي الحج المشترط بها، وأما ان ترجع إلى الاشتراط كما احتمله المصنف، فعلى كلا التقديرين للمستأجر الاول ان يرفع اليد عن الشرط واسقاطه، كما ان له التوسعة في الوفاء بان يبدله بجنس آخر مع رضى الاجير، كتبديل الحنطة بالشعير أو بالارز مع رضا الطرف الاخر فان التبديل لجنس آخر مع الرضا جائز قطعا، فالمستأجر له الغاء الشرط أو التبديل بجنس آخر مع رضا الاجير، ولافرق بينهما إلا بعدم توقف الغاء الشرط واسقاطه على رضا الاجير بخلاف التبديل، فإذا رفع المستأجر يده عن الشرط أو رضي بتبديل المستأجر عليه بعمل آخر مع رضا الاجير فللاجير ان يأتي بالعمل تسبيبا في هذه السنة، أو يأتي به في سنة اخري. إذا عرفت ذلك: فلا مانع من صحة الاجارة الثانية بالاجازة لان مرجعها كما تقدم إلى اسقاط الشرط، أو إلى التوسعة في الوفاء والرضا بالتبديل بجنس آخر مع رضا الاجير بناءا على القيدية، فتكون الاجارة الثانية قابلة للاجازة، وقد حقق في محله، انه لا يعتبران يكون مورد العقد ملكا للمجيز، بل يكفي كونه مالكا للعقد نفيا واثباتا، واما إذا فسخه فالحكم بصحة الاجارة الثانية أوضح إذ لم يبق مع الفسخ في ذمة

[ 79 ]

[ (مسألة 17): إذا صد الاجير أو احصر كان حكمه كالحاج عن نفسه فيما عليه من الاعمال وتنفسخ الاجارة مع كونها مقيدة بتلك السنة ويبقى الحج في ذمته مع الاطلاق (1) وللمستأجر خيار التخلف إذا كان اعتبار تلك السنة على وجه الشرط في ضمن العقد. ولا يجزئ عن المنوب عنه وان كان بعد الاحرام، ودخول الحرم، لان ذلك كان في خصوص الموت من جهة الاخبار، والقياس عليه لا وجه له، ولو ضمن المؤجر الحج في المستقبل في صورة التقييد لم تجب اجابته، والقول بوجوبه ضعيف، وظاهرهم استحقاق الاجرة ] الاجير شئ ولم تكن ذمته مشغولة للمستأجر الاول فتقع الاجارة الثانية على مورد فارغ ولا مانع من صحتها أصلا. وبالجملة: تصح الاجارة الثانية على جميع التقادير اما لوقوعها على محل فارغ لتحقق الفسخ من المستأجر، واما لاسقاط الشرط، واما للرضا بالتبديل. (1) المحصور هو الممنوع عن الحج بمرض ونحوه بعد تلبسه بالاحرام وحكمه ان يبعث هديا ويتحلل بعد الذبح إلا من النساء، والمصدود هو الممنوع عن الحج لمانع آخر كالعدو وحكمه ذبح الهدي في مكان الصد والتحلل به عن الاحرام، ويأتي تفصيل ذلك في محله (ان شاء الله تعالى). انما الكلام فعلا: في الاجير وانه كالحاج عن نفسه في احكام الصد والحصر ام لا؟

[ 80 ]

[ بالنسبة إلى ما اتى به من الاعمال، وهو مشكل لان المفروض عدم اتيانه للعمل المستأجر عليه وعدم فائدة فيما أتى به، فهو نظير الانفساخ في الاثناء لعذر غير الصد والحصر وكالانفساخ في اثناء سائر الاعمال المرتبطة لعذر في اتمامها، وقاعدة احترام عمل المسلم لا تجري لعدم الاستناد إلى المستأجر فلا يستحق اجرة المثل ايضا. ] ولا يخفى: ان الاجارة تنفسخ لعدم القدرة على التسليم فيما إذا كانت مقيدة بتلك السنة، واما بالنسبة إلى احكام الصد والحصر فالظاهر شمولها للنائب؟ أيضا لاطلاق الروايات (1) فان مقتضاه الاحلال بالهدي سواء كان الحج عن نفسه أو عن غيره، والظاهر ان هذه مما لااشكال فيه. انما الاشكال في جهات: منها: ان الحصر الحاصل بعد الاحرام ودخول الحرم هل يجزي عن حج المنوب عنه أو عن النائب؟. والظاهر عدم الاجزاء عن المنوب عنه إذا كان اجيرا على تفريغ ذمة الميت لان الفراغ بذلك على خلاف القاعدة، وما دل على الاجزاء بعد الاحرام ودخول الحرم انما هو في خصوص الموت، وقياس صد النائب أو حصره به لاوجه له. ومنها: لو ضمن الاجير ان يأتي بالحج في سنة اخرى فهل تجب على


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب الصد والاحصار.

[ 81 ]

[ (مسألة 18): إذا اتى النائب بما يوجب الكفارة فهو من ماله (1). (مسألة 19): اطلاق الاجارة يقتضي التعجيل بمعنى الحلول في مقابل الاجل (2) لا بمعنى الفورية إذ لا دليل عليها ] المستأجر اجابته ام لا؟. الظاهر ان التعيين بالنسبة إلى هذه السنة إذا كان على نحو الاشتراط فللمستأجر الخيار، ولو كان على نحو التقييد لم يجب اجابته، وذكر بعضهم وجوب القبول ولا وجه له اصلا، لانه جعل جديد وعقد جديد يحتاج إلى رضا مستقل للتغاير والتباين بين العمل المستأجر عليه وبين ما يأتي به في السنة اللاحقة. ومنها: هل تقسط الاجرة بالنسبة إلى ما اتى به من الاعمال؟. ويشكل: بان المستأجر عليه هو العمل المربوط، والاجزاء المتعاقبة ولا عبرة بالابعاض والاجزاء نظير ما لو استؤجر للصلاة فمات في اثنائها أو مات في أثناء النهار إذا استؤجر للصوم، فانه لا يستحق شيئا من الاجر للتغاير والتباين بين المستأجر عليه وما أتى به وهما شيئان متغايران فان الطبيعي بشرط شئ يغاير الطبيعي بشرط لا. (1) لاريب في ثبوت الكفارة على الاجير دون المستأجر لان الاجير هو المباشر لما يوجبه فالتكليف متوجه إليه بنفسه ولا مقتضى لضمان المستأجر وادائه اصلا. (2) لو آجر نفسه للحج على الاطلاق، أو لعمل من الاعمال من دون تعيين لسنة خاصة واجل معين، فاطلاق الاجارة يقتضي التعجيل

[ 82 ]

[ والقول بوجوب التعجيل إذا لم يشترط الاجل ضعيف، فحالها حال البيع في ان اطلاقه يقتضي الحلول بمعنى جواز المطالبة ووجوب المبادرة معها. (مسألة 20): إذا قصرت الاجرة لا يجب على المستأجر اتمامها كما انه زادت ليس له استرداد الزائد، نعم يستحب الاتمام - كما قيل - بل قيل: يستحب على الاجير أيضا رد الزائد، ولا دليل بالخصوص على شئ من القولين، نعم يستدل على الاول بانه معاونة على البر والتقوى وعلى الثاني ] بمعنى الحلول في مقابل الاجل، يعني ان الاجير ليس له التأخير إذا طالبه المستأجر، إذ لااجل له لينتظر الاجل، واما التعجيل بمعنى الفورية ووجوب الاداء من غير مطالبة فلا دليل عليه. وذهب جماعة: إلى التعجيل بمعنى الفورية، بدعوى: ان العمل المستأجر عليه الثابت في ذمته مال للغير، ولا يجوز التصرف فيه إلا باذن المالك ورضاه وابقائه في ذمته وعدم تسليمه إلى المستأجر نوع من التصرف فلا يجوز إلا برضا صاحبه. وتضعف: بان ابقاء المال في الذمة لا يعد تصرفا في مال الغير ليتوقف على رضا واذنه، ولا يقاس بابقاء الاعيان الخارجية وعدم ردها إلى اصحابها فان ذلك تصرف فيها قطعا، نظير من استعار ثوبا ونحوه فانه ليس للمستعير ابقاء العين عنده بعد الانتفاع به في المدة المقررة بل عليه إرجاعها وردها فان ابقاء العين نوع من الاستيلاء وهو

[ 83 ]

[ بكونه موجبا للاخلاص في العبادة (1). (مسألة 21): لو افسد الاجير حجه بالجماع قبل المشعر فكالحاج عن نفسه يجب عليه اتمامه والحج من قابل وكفارة بدنة (2) وهل يستحق الاجرة على الاول أولا؟ قولان: مبنيان على ان الواجب هو الاول وان الثاني عقوبة، أو هو الثاني وان الاول عقوبة. ] تصرف يتوقف على رضا المالك. (1) يشكل الحكم بالاستحباب في الموردين بالعنوان الخاص الذي ذكره الفقهاء لعدم الدليل عليه، وانما ورد في عدة من النصوص (1) عدم وجوب الرد. اما الاستدلال لاستحباب الاتمام بالاعانة على البر والتقوى فانما يتم لو كان في اثناء العمل أو قبله، واما بعد صدور العمل من الاجير فاعطاء المال له ليس معاونة على البر والتقوى، كما ان رد المال الزائد بعد العمل لا يكون دخيلا في اخلاص العبادة. نعم يمكن الحكم بالاستحباب بعنوان آخر كالاحسان واعطاء المال لاحد ونحو ذلك، وإما الحكم بالاستحباب بعنوان التتميم أو رد المال فلا دليل عليه. (2) لاطلاق النصوص وشمولها للحاج عن نفسه وعن غيره


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب النيابة في الحج (2) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع.

[ 84 ]

انما الكلام في ان لاجير هل يستحق الاجرة على الاول أو لا؟ قولان: مبنيان على مسألة اخرى، وهي ان الواجب الاصلي هو الحج الاول والثاني عقوبة، أو عكس ذلك وان الحج الاول فاسد وانما امر باتمامه عقوبة والواجب الاصلي هو الحج الثاني. فعلى الاول فقد اتى الاجير بالحج المستأجر عليه وبرئت ذمة المنوب عنه فلو فرضنا ان الاجير مات قبل أن يأتي بالحج الثاني أو تركه نسيانا أو عصيانا فلا يوجب ذلك خللا في فراغ ذمة المنوب عنه غاية الامر انه لم يأت الاجير بوظيفته المقررة لنفسه فذمته بنفسه مشغولة، وعلى هذا لا ينبغي الريب في استحقاق الاجير تمام الاجرة المسماة لتسليم العمل بتمامه وكماله إلى المستأجر وإن ترك ما هو الواجب عليه بنفسه فانه اجنبي عن العمل المستأجر عليه. خلافا لصاحب الجواهر (1) وجماعة فانهم اصروا على ان الحج الاول فاسد وانما وجب اتمامه عقوبة والواجب الاصلي هو الثاني لاطلاق الفاسد على الاول في النص والظاهر منه الفساد حقيقة وحمله على الفساد الحكمي مجاز لاداعي له. والتحقيق: ان الواجب الاصلي هو الاول والثاني عقوبة ولابد من حمل الفساد الوارد في بعض النصوص بالنسبة إليه على الفساد المجازي، للنصوص الدالة على فراغ ذمة الحاج عن نفسه وفراغ ذمة المنوب عنه والدالة على ان الاول هو الواجب الاصلي والثاني عقوبة. منها: صحيحة زرارة (عن محرم غشى امرأته وهي محرمة إلى ان قال: وعليهما بدنة وعليهما الحج من قابل. قلت: فاي الحجتين


(1) الجواهر: ج 17 ص 389.

[ 85 ]

[ قد يقال بالثاني للتعبير في الاخبار بالفساد الظاهر في البطلان وحمله على ارادة النقصان وعدم المتال مجاز لاداعي إليه، وحينئذ فتنفسخ الاجارة إذا كانت معينة ولا يستحق الاجرة ويجب عليه الاتيان في القابل بلا اجرة، ومع اطلاق الاجارة تبقى ذمته مشغولة ويستحق الاجرة على ما يأتي به في القابل والاقوى صحة الاول وكون الثاني عقوبة لبعض الاخبار الصريحة في ذلك في الحاج عن نفسه، ولا فرق بينه وبين الاجير، ولخصوص خبرين في خصوص الاجير عن ] لهما قال: الاولى التي احدثا فيها ما احدثا والاخرى عليهما عقوبة) (1) وهذه الصحيحة وان كان صدرها مطلقا من حيث الحاج عن نفسه والحاج عن غيره ولكن يظهر من الذيل - لقوله: أي الحجتين لهما - انهما حجا عن انفسهما إذ يبعد أن يكون حج الزوج الزوجة معا عن الغير. وكيف كان: الرواية صريحة في ان الحج الاول هو الاصلي والثاني عقوبة ويترتب على ذلك انه لو مات لا يخرج الثاني من صلب المال؟ ومنها: روايتان في خصوص الاجير. الاولى: صحيحة اسحاق بن عمار قال: (سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطي رجل دراهم يحج بها عنه. قلت: فان ابتلى بشئ يفسد عليه حجة حتى يصير عليه الحج من قابل، أيجزي عن


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع، ح 9.

[ 86 ]

[ اسحاق بن عمار عن احدهما (ع) " قال قلت: فان ابتلي بشئ يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزئ عن الاول قال: نعم قلت: فان الاجير ضامن الحج قال: نعم " وفي الثاني سئل الصادق (ع): " عن رجل حج عن رجل فاجترح في حجه شيئا يلزم فيه الحج من قابل وكفارة قال (ع) هي للاول تامة وعلى هذا ما اجترح " فالاقوى استحقاق الاجرة على الاول وان ترك الاتيان من قابل عصيانا أو لعذر، ولا فرق بين كون الاجارة مطلقة أو معينة، وهل الواجب اتيان الثاني بالعنوان الذي أتى به الاول فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان أو هو واجب عليه ] الاول؟ قال: نعم، قلت: لان الاجير ضامن للحج؟ قال: نعم) (1). الثانية: صحيحة اخرى له أيضا، (في الرجل يحج عن آخر فاجترح في حجه شيئا يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة؟ قال: هي للاول تامة وعلى هذا ما اجترح). وهذه الروايات صريحة في صحة الحج الاول وانه الحج الاصلي والثاني عقوبة، ولا موجب لرفع اليد عن الروايات بعد وضوح دلالتها وصحة اسانيدها، فحينئذ يستحق الاجير الاجرة على الاول وان وجب عليه الحج ثانيا عقوبة على نفسه في السنة اللاحقة، وتفرغ ذمة المنوب عنه وان لم يأت النائب بالحج الثاني في العام القابل عصيانا أو عذرا.


(1) و (2) الوسائل: باب 15 من أبواب النيابة في الحج، ح 1 و 2.

[ 87 ]

[ تعبدا ويكون لنفسه وجهان، ولا يبعد الظهور في الاول ولا ينافي كونه عقوبة فانه يكون لاعادة عقوبة، ولكن الاظهر الثاني، والاحوط ان ياتي به بقصد ما في الذمة (1). ] (1) استظهر في المتن اولا الوجه الاول، وقد يوجه بان الحج الثاني نظير القضاء فإذا كان العامل في الاول نائبا كان الثاني كذلك ولكن ما استظهره ثانيا هو الصحيح، لان الظاهر من النص كون الثاني عقوبة على من ارتكب ما يوجبها ويكون اجنبيا عن المنوب عنه كما يظهر من موثق اسحاق، لقوله (ع): (وعلى هذا ما اجترح) فان ذلك واضح الدلالة على ان الحج الثاني انما وجب من قبل النائب المجترح، ومن المعلوم ان المنوب عنه ليس بمجترج، فهذا الحج اجنبي عنه بالمرة. ولافرق بين كون الاجارة مطلقة أو مقيدة بهذه السنة، لان مقتضى اطلاق الموثقة صحة الحج الاول مطلقا، فيستحق تمام الاجرة وإن وجب عليه الحج ثانيا في القابل كفارة وعقوبة لما اجترحه، هذا كله ان قلنا بان الحج الواجب عليه بالاصل هو الاول والثاني عقوبة. واما لو قلنا بان الفرض هو الثاني والاول فاسد، فحينئذ يقع الكلام في جهات. الاولى: يظهر من كلماتهم ان الاجارة تنفسخ حينئذ إذا كانت معينة ومقيدة بهذه السنة ولا يستحق الاجرة، ويجب عليه الاتيان في القابل بلا اجرة، وإذا كانت مطلقة تبقي ذمته مشغولة. ويرد عليهم: ما عرفته غير مرة من انه لا موجب للانفساخ في

[ 88 ]

[ ثم لا يخفى عدم تمامية ما ذكره ذلك القائل من عدم استحقاق الاجرة في صورة كون الاجارة معينة ولو على ما يأتي به في القابل لانفساخها وكون وجوب الثاني تعبدا لكونه خارجا عن متعلق الاجارة وان كان مبرئا لذمة المنوب عنه، وذلك لان الاجارة وان كانت منفسخة بالنسبة إلى الاول لكنها باقية ] امثال المقام، لان مجرد عدم الاتيان بالعمل المستأجر عليه اختيارا، وعدم تسليمه غير موجب للانفساخ، نعم، إذا كان عاجرا عن الاتيان به ينكشف بطلان الاجارة، فمن استأجر شخصا للصلاة مثلا ولم يأت بها الاجير اختيارا أو افسدها لا تبطل الاجارة، وانما يملك المستأجر العمل في ذمة الاجير فان سلمه فهو وإلا يثبت الخيار للمستأجر، فان فسخ يرجع إلى الاجر المسمى وان لم يفسخ يرجع إلى قيمة العمل الثابت في ذمة الاجير لانه فوته على المستأجر واما الاجرة المسماة فيستحقها الاجير حسب العقد وقد يختلفان كثرة وقلة فعلى كلا التقديرين فسخ أو لم يفسخ لا يستحق الاجرة على العمل الفاسد ولكن الاجارة لا تفسد. وبعبارة اخرى: ان فسخ المستاجر يرجع إلى الاجير في الاجر المسمى ويطالبه منه، وان لم يفسخ فللمستأجر مطالبة الاجير باجرة مثل العمل الفائت عليه، وقد تكون اكثر من المسمى وقد تكون مساوية له وقد تكون اقل فالاجير لا يحصل شيئا من الاجر المسمى إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كانت قيمة العمل اقل من الاجر المسمى. الجهة الثانية: بعد البناء على فساد الحج الاول لو اتى بالحج من قابل فهل يستحق اجرة على العمل الثاني ام لا؟

[ 89 ]

[ بالنسبة إلى الثاني تعبدا لكونه عوضا شرعيا تعبديا عما وقع عليه العقد، فلا وجه لعدم استحقاق الاجرة على الثاني، وقد يقال بعدم كفاية الحج للثاني أيضا في تفريغ ذمة المنوب عنه بل لابد للمستأجر ان يستأجر مرة أخرى في صورة التعيين وللاجيران يحج ثالثا في صورة الاطلاق لان الحج الاول فاسد والثاني انما وجب للافساد عقوبة فيجب ثالث إذ التداخل خلاف الاصل، وفيه ان هذا انما يتم إذا لم يكن الحج في القابل بالعنوان الاول والظاهر من الاخبار على القول بعدم صحة الاول وجوب إعادة الاول وبذلك العنوان فيكفي في التفريغ ولا يكون من باب التداخل فليس الافساد عنوانا مستقلا، نعم انما يلزم ذلك إذا قلنا ان الافساد موجب لحج مستقل لا على نحو الاول وهو خلاف ظاهر الاخبار، وقد يقال في صورة التعيين ان الحج الاول إذا كان فاسدا وانفسخت الاجارة يكون لنفسه فقضاؤه في العام القابل أيضا يكون لنفسه ولا يكون مبرئا لذمة المنوب عنه فيجب على المستأجر استئجار حج آخر، وفيه ايضا ما عرفت من ان الثاني واجب بعنوان اعادة الاول، وكون الاول بعد انفساخ الاجارة بالنسبة إليه لنفسه لا يقتضي كون الثاني له وان كان بدلا عنه لانه بدل

[ 90 ]

[ عنه بالعنوان المنوي لا بما صار إليه بعد الفسخ، هذا والظاهر عدم الفرق في الاحكام المذكورة بين كون الحج الاول المستأجر عليه واحبا أو مندوبا بل الظاهر جريان حكم وجوب الاتمام والاعادة في النيابة تبرعا أيضا وان كان لا يستحق الاجرة اصلا. ] ذكر جماعة انه لا يستحق الاجرة عليه وان اتى به عن المنوب عنه وفرغت ذمته، وذلك لعدم اتيان العمل المستأجر عليه في السنة المعينة وما اتى به من الحج الثاني لم يكن بامر من المستأجر حتى يوجب الضمان وانما اتى به بامر من الله تعالى عقوبة عليه. واورد عليهم المصنف (رحمه الله): بان الثاني عوض عن الاول شرعا ومقتضى البدلية هو الاستحقاق فان التبديل من قبل المولى الحقيقي والاجارة وان كانت منفسخة بالنسبة إلى الاول لكنها باقية بالنبسة إلى الثاني تعبدا لكونه عوضا شرعيا وفيه: انه لم يذكر في شئ من الروايات كون الثاني بدلا وعوضا عن الاول وانما ورد فيها الحج من قابل، وهل بدل أو واجب مستقل فالروايات ساكتة عن ذلك بل مقتضى اطلاقها لزوم اتيان الحج ثانيا وان كان الاول ندبا أو تبرعا فلا ملازمة بين الوجوب وفي القابل وبين كونه عوضا، فما ذكره القائل (1) من عدم استحقاق الاجرة اصلا لا عن الاول لفساده وعدم تسليمه ولاعن الثاني لعدم كونه بامره بل هو اجنبي عن المستأجر وانما سببه وموجبه الاجير، هو الصحيح. نعم تفرغ ذمة المنوب عنه على كلام سيأتي ان شاء الله تعالى ولكنه


(1) هو صاحب الجواهر: ج 17 ص 390.

[ 91 ]

لا يلازم استحقاق الاجرة. الجهة الثالثة: هل تفرغ ذمة المنوب عنه بالحج ثانيا ام لا؟. وبعبارة اخرى بعد ما فرضنا فساد الحج الاول هل تفرغ ذمة المنوب عنه باتيان الاجير وظيفته من اتمام الحج الاول واتيان الحج من قابل ام لا؟ فلا بد للمستأجر من الاستيجار ثاينا إما شخصا آخر في هذه السنة في صورة التعيين، أو على الاجير ان يحج ثالثا في صورة الاطلاق. ربما يقال: بذلك لان الحج الاول فاسد على الفرض والثاني انما وجب للافساد عقوبة فيجب ثالث، ولا دليل على تفريغ ذمة المنوب عنه بالجج الاول ولا بالثاني، اما الاول فلفساده؟، واما الثاني فانما وجب على المجترح نفسه عقوبة، فكيف يكون موجبا لفراغ الذمة. واشكل عليه المصنف (ره) بان الحج الثاني إنما يجب بالعنوان الاول، فان الظاهر من الاخبار لزوم اتيانه بذلك العنوان ووجوب اعادة الاول نظير وجوب القضاء، ومعنى الاعادة اتيان الشئ ثانيا كما اتى به أولا، غاية الامر ان الوجود الاول فيه خلل والثاني لا خلل فيه فالواجب هو الاعادة، فان كان الاول واقعا بعنوان لابد من وقوع الثاني بذلك العنوان ليتحقق عنوان الاعادة، وإلا لا يصدق عنوان الاعادة على الثاني، وحيث ان الاول وقع بعنوان النيابة فكذلك الثاني لا بد من وقوعه بذلك العنوان ويكفي ذلك في التفريغ. ويضعف: بان كلمة الاعادة لم ترد في شئ من الروايات ولا ما يشبه كلمة الاعادة، بل المذكور فيها الحج من قابل، ومقتضى اطلاق الروايات وجوب الحج عليه من قابل بما هو ومن دون تقييده بالعنوان الاول، والامر بالحج من قابل لم يختص بالاجير حتى يتوهم ان الالف واللام فيه من باب العهد، أي الحج الذي آجره، فان

[ 92 ]

مورد الروايات الآمرة بالحج من قابل ليس خصوص الاجير بل موردها مطلق المحرم، فلا يتوهم العهد من الالف واللام اصلا، فحاله حال ساير الكفارات الثابتة على نفس المرتكب، فكما ان الكفارة تثبت على من اوجد سببها كذلك الحج من قابل، ولا يظهر من شئ من الروايات ان الواجب عليه هو الحج بالعنوان الاول. نعم لو فرض اطلاق في هذه الروايات وقلنا بشمولها لما إذا قصد بالثاني الحج عن غيره وفرض ان النائب في مفروض الكلام قد اتى بالثاني بعنوان المنوب عنه صح القول بالاجزاء ولو فراغ ذمة المنوب عنه ولكن ظاهر قوله: (عليه) ونحوه وجوب الحج الثاني على الاجير نفسه ومن قبل نفسه لا بعنوان كونه اجيرا ليأتي بالحج الثاني من قبل شخص آخر. والحاصل: أنه بناءا على فساد الحج الاول فانما يجب الحج من قابل على الاجير نفسه، وعلى المستأجر ان يستأجر ثانيا لاتيان حج ثالث فلا يمكن الحكم بالتفريغ قبل الاتيان بالحج الثالث، إذ لا مقتضى للبرائة والحكم بالفراغ لان الاول فاسد على الفرض، والثاني عقوبة على الاجير فتبقى ذمة المستأجر مشغولة، فعليه ان يستأجر مرة اخرى هذا كله بناءا على فساد الحج الاول، ولكن قد عرفت ان الفرض هو الاول والثاني عقوبة عليه فيجزي عن المنوب عنه الحج الاول كما في النصوص ويستحق الاجرة بذلك وان لم يحج الاجير من قابل لعذر أو غير عذر (فرع) لو افسد الحاج عن نفسه حجة لاريب في انه يجب عليه الحج، وهل يجتزي به عن حجة الاسلام ولا يجب عليه الحج ثالثا ام عليه الحج ثالثا؟.

[ 93 ]

لااشكال في الاجتزاء والاكتفاء بما حج ثانيا ولا يجب عليه الحج ثالثا، وذلك لظهور الروايات (1) في الاكتفاء بحج واحد، لان التعبير بان عليه الحج من قابل، أو عليهما الحج من قابل مع كون الروايات في مقام البيان والسكوت عن وجوب حج ثالث يقتضي الاكتفاء بالحج الثاني عن الحج الواجب بالاستطاعة وعدم وجوب حج ثالث عليه أو عليهما، واوضح من ذلك كله صحيح زرارة المتقدم فان المرتكز في ذهن زرارة انه إذا فسد حجه يجب عليه حج واحد ولم يتعرض للحج ثالثا اصلا، وقد قرره الامام (ع) على ذلك. وبالجملة: السكوت في المقام يدل على عدم وجوب حج ثالث عليه فالمستطيع إذا افسد حجه يجب عليه اتمامه وحجة اخري في القابل ولا يجب عليه حجتان بعنوان العقوبة وبعنوان الاستطاعة بل يكتفي في العام القابل بحجة واحدة مع اتمامه الحج الاول، هذا إذا كان حجه الاول حجة الاسلام وبعد استطاعته. واما إذا كان غيرها واستطاع بعد الافساد فهل يتداخل الحج الواجب بالافساد مع الحج الواجب بالاستطاعة أم لا؟ الظاهر هو التداخل فلا يجب عليه ان يحج ثالثا بعنوان حج الاسلام فان التداخل وان كان على خلاف الاصل، لان كل امر ظاهر في حدوث وجوب عند حدوث سببه لكن هذا فيما إذا كان متعلق كل منهما قابلا للتعدد، واما إذا تعدد الامر واتحد المأمور به وكان المأمور به غير قابل للتعدد والتكرار يكون الامر الثاني تأكيدا للاول لا محالة، ولا يبقى ظهور للامر في التأسيس بل ينقلب إلى ظهور ثانوي وهو التأكيد والتداخل، وحيث ان الحج في العام القابل غير قابل للتعدد،


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع.

[ 94 ]

[ (مسألة 22): يملك الاجير الاجرة بمجرد العقد لكن لا يجب تسليمها الابعد العمل (1) إذا لم يشترط للتعجيل؟ ولم تكن قرينة على ارادته من انصراف أو غيره، ولا فرق في عدم وجوب التسليم بين ان تكون عينا أو دينا لكن إذا كانت عينا ونمت كان النماء للاجير، وعلى ما ذكر من عدم وجوب التسليم قبل العمل إذا كان المستأجر وصيا أو وكيلا وسلمها قبله كان ضامنا لها على تقدير عدم العمل من المؤجر أو كون عمله باطلا ولا يجوز لهما اشتراط التعجيل من دون اذن الموكل أو الوارث، ولو لم يقدر الاجير على العمل مع عدم تسليم الاجرة كان له الفسخ وكذا للمستأجر، لكن لما كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي يستحق الاجير المطالبة في صورة الاطلاق، ويجوز للوكيل والوصي دفعها من غير ضمان. ] لان كل سنة لا يقع فيها إلا حج واحد، والمفروض انه يجب على هذا الشخص الذي افسد حجه الحج من قابل عقوبة وكذا يجب عليه بعنوان الاستطاعة لان المستطيع يجب عليه الحج فورا وفي سنة الاستطاعة فيتعلق الامر ان بحج واحد فيتداخلان، فالتداخل في امثال المقام على طبق القاعدة. (1) لاريب في ان الاجير يملك الاجرة بمجرد العقد كما هو مقتضى العقد، ولكن ما لم يسلم العمل إلى المستأجر ليس له مطالبة الاجرة

[ 95 ]

[ (مسألة 23): اطلاق الاجارة يقتضي المباشرة فلا يجوز للاجير ان يستأجر غيره الا مع الاذن صريحا أو ظاهرا، ] لان مبنى المعاوضات على التسليم والتسلم، فلا يجب على المستأجر تسليم الاجرة ابتداءا إلا إذا كان هناك انصراف أو قرينة على لزوم اعطاء الاجرة قبل تسليم العمل. ثم إنه بناءا على عدم وجوب تسليم الاجرة قبل العمل لوادي الوكيل أو الوصي الاجرة قبل تسليم العمل يكون ضامنا إذ ليس له اعطاء الاجرة قبل إلا إذا وكله الموكل على هذا النحو، واما الوصي فليس له الاعطاء حتى إذا اذن الوراث، لان المال للميت والوارث اجنبي عنه ولا اثر لاذنه إلا إذا كانت التركة كثيرة وزائدة على مقدار مؤنة الحج ومصارفه مما يكفي للاستيجار مرة اخرى فان حصة الميت حينئذ كالكلي في المعين وإذا تلف مقدار من المال لا ينقص من حصة الميت شئ: وبالجملة: لاأثر لاذن الوارث فيما إذا اعطى الاجرة من مال الميت نعم إذا اعطى الوارث من كيسه ومن ماله فلا بأس على الوصي ان يعطي الاجرة قبل التسليم باذنه. ثم ذكر المصنف (ره) أنه لو لم يقدر الاجير على العمل مع عدم تسليم الاجرة كان لهما الفسخ، ولم يظهر لنا وجهه، لان عدم القدرة على العمل يوجب بطلان العقد لاعتبار القدرة على التسليم في متعلق الاجارة، فلو فرض انه غير قادر على العمل ولو لاجل عدم اعطاء الاجرة له ينفسخ العقد بالكشف العجز وعدم القدرة من الاول عن البطلان

[ 96 ]

[ وللرواية الدالة على الجواز محمولة على صورة العلم بالرضا من المستأجر (1). ] (1) لا ريب في ان مقتضى اطلاق الاجارة هو مباشرة الاجير لما استؤجر عليه ما لم تكن في البين قرينة على الخلاف، لان رضا المستأجر - حسب اطلاق العقد - قد تعلق بالمباشرة ولم يعلم تعلقه بالتسبيب فالتبديل بفرد آخر يحتاج إلى رضاء جديد من المستأجر. ثم ان هنا رواية استدل بها على جواز التسبيب وان لم يرض المستأجر وهي ما رواه الشيخ باسناده عن عثمان بن عيسي قال: (قلت: لابي الحسن الرضا (ع) ما تقول في الرجل يعطي الحجة فيدفعها إلى غيره؟ قال: لا بأس) (1) وقد حملها المصنف وغيره على صورة العلم بالرضا من المستأجر ولكن لاوجه له. إلا أن الرواية غير قابلة للاعتماد عليها من جهات. الاولى: ان صاحب الوسائل (ره) نقل هذه الرواية عن الشيخ في التهذيب عن محمد بن احمد بن يحيى، عن أبي سعيد عن يعقوب بن يزيد عن أبى جعفر الاحول، عن عثمان بن عيسى، وأبو جعفر الاحول هو مؤمن الطاق المعروف الثقة وكان من اصحاب الباقر (ع) والصادق (ع) ولكن الموجود في موضع من التهذيب (2) الاحول فقط وفي موضع آخر جعفر الاحول (3) ولم يعلم ان المراد به أبو جعفر الاحول المعروف، وعلى كل تقدير اي سواء كان الراوي هو الاحول أو


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب النيابة في الحج، ح 1. (2) و (3) التهذيب: ج 5 ص 462 وص 417

[ 97 ]

جعفر الاحول فهو لم يوثق في كتب الرجال، بل هو مجهول، الحال ولا يمكن الاعتماد على نسخة الوسائل بعد مخالفتها للتهذيب، بل لا يمكن ان يكون الراوي هو أبا جعفر الاحول المعروف لانه من اصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) والراوي عنه يعقوب بن يزيد وهو من اصحاب الهادي (ع) ولا يمكن رواية من هو من اصحاب الهادي (ع) من اصحاب الباقر والصادق (ع) عادة للفصل الكثير بينهما مع ان الرواية عن الرضا (ع). كما لا يمكن رواية أبي جعفر الاحول عن عثمان بن عيسى الذي من اصحاب الرضا (ع). الثاينة: ان في السند أبا سعيد الذي روي عنه محمد بن أحمد بن يحيى وروى عن يعقوب بن يزيد، وربما يتخيل ان ابا سعيد هذا هو أبو سعيد القماط أو أبو سعيد المكاري وكل منهما ثقة، إلا انه لا يمكن رواية كل منهما عن يقعوب بن يزيد لان القماط من اصحاب الكاظم (ع) وأبا سعيد المكاري من اصحاب الصادق (ع) ويعقوب بن يزيد من اصحاب الهادي (ع) فلا بد أن يكون أبو سعيد المذكور هو سهل بن زياد فانه مكنى بهذه الكنية أيضا، وذلك بقرينة رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه فانه يروي عن سهل بن زياد كثيرا، ويؤيده رواية الكليني عن سهل بن زياد عن يقعوب بن يزيد، ولا اقل من ان أبا سعيد المذكور في السند مجهول لم يعلم من هو، على ان أبا سعيد المكاري لم تثبت وثاقته فالرواية ضعيفة جدا: الجهة الثالثة: ان الرواية ضعيفة دلالة ايضا، لانها لم ترد في مورد الاستئجار والنيابة وانما المذكور فيها اعطاء الحجة وهو اعم من النيابة، والظاهر ان المراد بها اعطاء الحجة والتبرع بها بأي وجه كان

[ 98 ]

[ (مسألة 24): لا يجوز استئجار من ضاق وقته عن اتمام الحج تمتعا وكانت وظيفته العدول إلى حج الافراد عمن عليه حج التمتع ولو استأجره مع سعة الوقت فنوى للتمتع ثم اتفق ضيق الوقت فهل يجوز العدول ويجزئ عن المنوب عنه أولا؟ وجهان: من اطلاق اخبار العدول، ومن انصرافها إلى الحاج عن نفسه والاقوى عدمه، وعلى تقديره فالاقوى عدم اجزائه عن الميت وعدم استحقاق الاجرة عليه لانه غير ما على الميت، ولانه غير العمل المستأجر عليه (1). ] والغرض هو الحج كيفما اتفق نظير اعطاء المال للزيارة وصرفه في طريقها على نحو الاطلاق فكان اعطاء المال لاجل مساعدة الحاج والزائر لاعلى نحو الايجار ولاستنابة فالرواية اجنبية عن المقام. (1) أما عدم جواز استئجار من ضاق وقته عن اداء التمتع فظاهر لاعتبار القدرة في متعلق الاجارة، فإذا كان الاجير عاجزا لا يصح الايجار، ولابد من استئجار من يتمكن من هذا العمل، واما لو استأجر من يتمكن من ذلك ثم عرض له عارض ومانع عن الاداء كضيق الوقت ونحوه فالاجارة صحيحة لوقوعها على العمل المتمكن منه. وهل تشمل ادلة التبديل إلى حج الافراد والعدول المقام ام لا؟ ذكر الماتن (قدس سره) ان فيه وجهين. ولا يخفى: ان ادلة جواز العدول إلى الافراد كثيرة خصوصا في مورد النساء لما يعرضهن من الحيض، وجملة منها وردت في الرجال

[ 99 ]

لضيق الوقت عن اداء التمتع، وبعضها وردت في الرجل والمرأه معا وفي مورد الضيق، ولاريب ان جملة منها منصرفة إلى الحاج عن نفسه وناظرة إليه ولكن جملة منها مطلقة تشمل الحاج عن نفسه وعن غيره وغير منصرفة إلى الحج النفسي فدعوى: الانصراف في مجموع الروايات لا نعرف لها وجها، فان الانصراف المانع عن الاخذ بالاطلاق ما إذا بلغ إلى حد تكون قرينة متصلة وموجبة لظهور المطلق في قسم خاص أو يكون صالحا للقرينة وموجبة للاجمال، واما في غير ذلك فيؤخذ بالاطلاق ويكون ظهوره متبعا ويكون الانصراف بدويا، وبالجملة: مجرد كون قسم خاص متيقنا من الاطلاق لا يوجب الانصراف إليه ولا يوجب اختصاص المطلق به. ثم انه على تقدير جواز العدول لا ينبغي الريب في الاجزاء فانه بعد البناء على شمول الروايات للحج النيابي وعدم انصرافها إلى الحج عن نفسه يتعين الاجزاء، لان ما اتى به النائب بدل عما في ذمة المنوب عنه بحكم الشارع فما ذكره الماتن (ره) من ان الاقوى عدم الجواز لانه غير ما على الميت لا يمكن المساعدة عليه يوجه. واما الاجرة: فالكلام فيها ما تقدم بعينه فيما إذا مات الاجير بعد الاحرام والحرم، وانه تفرغ ذمة المنوب عنه فيما إذا كان الايجار على تفريغ الذمة فحينئذ يستحق الاجير تمام الاجرة واما إذا كانت الاجارة على نفس الاعمال الخارجية فلابد من تقسيط الاجرة بالنسبة إلى الاعمال، وتبديل الوظيفة غير ملازم لجعل الاجرة بازائه، فان الروايات الدالة على الجواز العدول ناظرة إلى تعيين الوظيفة وتبديلها وليست ناظرة إلى الاجرة.

[ 100 ]

[ (مسألة 25): يجوز التبرع عن الميت في الحج الواجب اي واجب كان والمندوب (1) بل يجوز التبرع عنه بالمندوب وان كانت ذمته ] (1) يقع الكلام تارة: في التبرع عن الميت، واخرى: عن الحي. اما الاول: فلا ريب في جواز التبرع عنه في الحج الواجب والمندوب وتبرء ذمة الميت بذلك، وتدل عليه عدة من الروايات؟ منها: معتبرة عامر بن عميرة، قال: (قلت لابي عبد الله (ع) بلغني عنك انك قلت: لو ان رجلا مات ولم يحج حجة الاسلام فحج عنه بعض أهله اجزأ ذلك عنه فقال: نعم، أشهد بها على أبي انه حدثني ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتاه رجل فقال يارسول الله ان أبي مات ولم يحج، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حج عنه فان ذلك يجزي عنه) (1) وانما تدل على ما ذكرنا بعد الفراغ عن عدم الفرق بين الاهل وغيره في التبرع عنه حسب الارتكاز في اذهان العرف. نعم لو كان مورد الرواية خصوص حج الولد عن والده (مثلا) لاحتملنا الاختصاص، ولكن المذكور في النص بعض الاهل ولا نحتمل الاختصاص به فالرواية من حيث الدلالة لا نقاش فيها انما الكلام في السند، فان الشيخ في التهذيب (2) رواها عن عمار بن عمير، والظاهر انه سهو من قلمه الشريف لعدم وجود هذا


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب وجوب الحج، ح 2. (2) التهذيب: ج 5 ص 404.

[ 101 ]

الاسم في الرواة، فان الشيخ بنفسه لم يذكره في رجاله مع حرصه (رحمه الله) على استقصاء الرواة واصحاب الائمة (عليهم السلام) حتى عد المنصور العباسي من جملة اصحاب الصادق (ع) ولو كان من جملة الاصحاب والرواة لذكره في رجاله، واما الكليني فذكر (عامر) ولاريب ان اضبط، بل الشيخ ذكر في رجاله عمر بن عمير (1) وذكر البرقي عامر بن عميرة كما في الكافي (2) والظاهر اتحادهما وإلا لذكره الشيخ في رجاله، فاختصاص كل واحد منهما بذكر احدهما يكشف عن اتحادهما. وكيف كان الرجل ثقة لانه من رجال كامل الزيارات. ويؤكد الرواية المذكورة الروايات الكثيرة الدالة على الاحجاج بالاجرة فانها تدل على جواز التبرع أيضا، لان احتمال دخل صرف المال في الصحة بعيد جدا. وبازاء ذلك رواية معتبرة تدل على ان الحج عن الميت انما يجزي إذا صرف من مال الميت وإلا فلا يجزي، وهي موثقة سماعة، (عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها وهو موسر فقال: يحج عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك) (3) ولكنها محمولة على عدم جواز التصرف في تركة الميت قبل اداء الحج من ماله ولا تدل على عدم جواز الحج عنه من مال آخر وذلك بشهادة صحيحة حكم بن حكيم، (انسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج فاحج عنه بعض اهله رجل أو امرأة هل يجزي ذلك ويكون قضاء عنه ويكون


(1) رجال الشيخ ص 255. (2) الكافي: ج 4 ص 277. (3) الوسائل: باب 28 من أبواب وجوب الحج ح 4.

[ 102 ]

الحج لمن حج ويوجر من أحج عنه؟ فقال: ان كان الحاج غير صرورة اجزء عنهما جميعا وأجر الذي احجه (1) فانها واضحة الدلالة على ان الميت له مال، لقوله: (ولم يحج ولم يوص بالحج) إذ يعلم من ذلك ان الميت له مال ولكن لم يوص بالحج، ولو لم يكن له مال لا اثر للوصية وعدمها، فمورد الرواية الميت الذي له مال ولم يحج من ماله واحج عنه بعض اهله، فحكم (ع) بالاجزاء ولم يوجب صرف المال من تركته فيعلم ان الحكم بعدم الجواز في تلك الرواية انما هو للتصرف في التركة قبل اداء الحج؟ وبعبارة اخرى: الحكم بعدم الجواز ناظر إلى جهة المال وانه لا يجوز التصرف بهذا المال إلا في سبيل الحج عن الميت وليس النظر إلى انه لا يجوز الحج بغير مال الميت ولو على نحو التبرع كما هو محل الكلام. فلا ينبغي الريب في جواز التبرع عن الميت وهذا الحكم مما لا خلاف فيه مضافا إلى السيرة المستمرة الجارية بين المسليمن. اما الثاني: وهو الحج عن الحي - فان كان الحج واجبا عليه فلا يسقط بفعل الغير لعدم سقوط الواجب عن المكلف باتيان الغير، نعم ورد في الحي العاجز عن المباشرة اتيان الحج عنه، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في محله (2) وذكرنا ان الظاهر من الادلة وجوب الاستنابة بان يجهز رجلا صرورة لامال له ويبعثه؟ إلى الحج، فلا يكتفي بالتبرع، هذا في الحج الواجب. واما المندوب، فالظاهر جواز النيابة والتبرع فيه للنصوص وقد عقد في الوسائل الباب (25) من أبواب النيابة لاستحباب التطوع بالحج والعمرة عن المؤمنين احياءا وامواتا.


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب وجوب الحج 8. (2) س 72 من وجوب الحج. ج 1 (معتمد للعروة ص 239.)

[ 103 ]

[ مشغولة بالواجب (1) ولو قبل الاستئجار عنه للواجب وكذا يجوز الاستئجار عنه في المندوب كذلك، واما الحي فلا يجوز التبرع عنه في الواجب الا إذا كان معذورا في المباشرة لمرض أو هرم، فانه يجوز التبرع عنه ويسقط عنه وجوب الاستنابة على الاقوى - كما مر سابقا - واما الحج المندوب فيجوز التبرع عنه كما يجوز له ان يستأجر له حتى إذا كان عليه حج واجب لا يتمكن من ادائه فعلا. واما ان تمكن منه فالاستئجار للمندوب قبل ادائه مشكل، بل التبرع عنه حينئذ ايضا لا يخلو عن اشكال في الحج الواجب (2). ] (1) ربما يشكل ذلك بدعوى انه مامور بالواجب وهو متمكن منه على الفرض فكيف يصح الحج المندوب عنه. ويدفع أولا: بانه لامانع من اتيان الحج المندوب مع اشتغال ذمته بالحج الواجب على نحو الترتب. وثانيا: انه لم يدل دليل على كل مورد لا تصح فيه المباشرة لا تصح فيه النيابة والتسبيب، ولذا تصح النيابة عن الحائض مع انها غير قادرة على المباشرة، كما تصح النيابة عن الميت مع انه تعقل المباشرة فيه. وبالجملة: مقتضى اطلاق النصوص جواز التبرع سواء كان المنوب عنه مكلفا ام لا، وسواء كان قادرا على المباشرة ام لا. (2) هذه الجملة أي قوله: (في الحج الواجب) موضعها في المسألة الاتية بعد قوله: (في عام واحد) لان الكلام هنا في الحج

[ 104 ]

[ (مسألة 26): لا يجوز ان ينوب واحد عن اثنين أو ازيد في عام واحد (1) وان كان الاقوى فيه الصحة الا إذا كان وجوبه عليهما على نحو الشركة كما إذا نذر كل منهما ان يشترك مع الآحر في تحصيل الحج، واما في الحج المندوب فيجوز ] المندوب ولا تلتئم هذه العبارة مع ما قبلها، كما ان قوله (والاقوى فيه الصحة) في المسألة اللاحقة موقعه هنا والعبارة هكذا (بل التبرع عنه حينئذ أيضا لا يخلو عن اشكال وان كان الاقوى فيه الصحة) وفي المسألة اللاحقة تكون العبارة هكذا (لا يجوز ان ينوب واحد عن اثنين أو ازيد في عام واحد في الحج الواجب) ولعل الناسخ اشتبه واثبت كل منهما في غير موقعه. والله العالم. (1) يقع البحث، تارة: في الحج الواجب واخرى: في المندوب، أما الاول: فلا تصح نيابة شخص واحد عن اثنين في عام واحد لان المفروض وجوب الحج على كل واحد من المنوب عنه مستقلا سواء كان وجوبه وجوبا عرضيا كالنذر أو وجوبا اصليا كحج الاسلام فلا بد من أن يكون حج النائب مثله على نحو الاستقلال فان العمل الواحد يقع عن واحد ووقوعه عن اثنين يحتاج إلى دليل وهو مفقود. بل لو وجب على المنوب عنه حجتان يجب عليه ان يستنيب شخصين وليس له الاكتفاء باحجاج شخص واحد، لان الواجب إذا كان متعددا يجب ان تكون النيابة متعددة. نعم إذا كان الوجوب عليهما على نحو التشريك لا الاستقلال كما إذا ندر كل منهما ان يشترك مع الاخر في احجاج شخص واحد فلا مانع

[ 105 ]

[ حج واحد عن جماعة بعنوان النيابة، كما يجوز بعنوان اهداء الثواب لجملة من الاخبار الظاهرة في جواز النيابة أيضا فلا داعي لحملها على خصوص اهداء الثواب. ] واما الثاني: فلا مانع من التشريك واتيان حج واحد عن اثنين أو اكثر للنصوص الكثيرة، وقد عقد صاحب الوسائل بابا مستقلا لذلك. منها: صحيح محمد بن اسماعيل قال: (سألت أبا الحسن (ع) كم اشرك في حجتي، قال كم شئت) (1). ولقائل ان يقول: ان اشراك الغير في الحج انما يجوز إذا حج عن نفسه واما إذا حج عن الغير نيابة فالروايات لاتدل على جواز الاشراك حينئذ، لان الظاهر من قوله: (كم اشرك في حجتي) أو (يشرك في حجته (كون الحج عن نفسه ويشرك في حجه شخصا آخر من المؤمنين والصلحاء والاقارب. وهذه الدعوى وان كانت في نفسها قريبة، ولكن التدبر في النصوص (1) يقتضى جواز التشريك مطلقا ولو لم يقصد الحج عن نفسه، لانه بعد البناء على مشروعية النيابة في نفسها، وجواز التشريك ورجحانه لا تحتمل اختصاص الجواز بصورة كون الحج عن نفسه. على ان المراد بقوله: (بحجتي) أو (حجته) هو الحج الصادر منه مباشرة ولو عن الغير. فلا نحتمل اختصاص جواز التشريك بالحج المأتي من قبل نفسه بل الظاهر من النصوص تعميم الحكم إلى الحج الصادر منه عن الغير.


(1) الوشائل: باب 28 من أبواب النيابة في الحج، ح 1. (2) الوسائل: باب 28 من أبواب النيابة في الحج.

[ 106 ]

[ (مسألة 27): يجوز ان ينوب جماعة عن الميت أو الحي في عام واحد في الحج المندوب تبرعا أو بالاجارة، بل يجوز ذلك في الواجب أيضا (1) ] (1) لاريب في جواز تعدد النائب ووحدة المنوب عنه عكس المسألة السابقة، في الحج المندوب عن الحي أو الميت في عام واحد كما هو الظاهر من النصوص (1) وكذا يجوز في الحج الواجب والمندوب عن الحي العاجز الذي لا يتمكن من المباشرة لاطلاق الادلة بان يجهز ويرسل جماعة ليحجوا عنه، كما انه يجوز التعدد في الجج الواجب المختلف عن الحي أو الميت كما إذا كان على الميت أو الحي العاجز حجان مختلفان نوعا كحج الاسلام والنذر، فيجوز ان يستأجر اجيرين في عام واحد لاداء الحجين لاطلاق الادلة، وعدم لزوم الترتيب بينهما وان كان احدهما اسبق زمانا، وكذلك يجوز التعدد إذا كان الثابت في ذمته حجتين متحدتين نوعا كحجتين للنذر، وكذا يجوز فيما إذا كان احدهما واجبا والاخر مستحبا، بل يجوز ان يستأجر شخصين لحج واجب واحد كحجة الاسلام في عام واحد احتياطا ورجاءا لاحتمال بطلان حج احدهما، كما هو الحل في ساير العبادات كالصلاة والصوم فيستنيب رجلين لاداء الصلاه بل ذكر في المتن جواز تعدد النائب حتى مع العلم بصحة كل واحد منهما وان كان احرام احدهما قبل احرام الاخر، ولا يلزم صدورهما في زمان واحد فكل من السابق واللاحق ينوي الوجوب لان الامر الوجوبي ما لم يتم العمل به باق لم يسقط، نظير صلاة جماعة


(1) الوسائل: باب 34 من أب واب النيابة في الحج.

[ 107 ]

[ كما إذا كان على الميت أو الحي الذي لا يتمكن من المباشرة لعذر حجان مختلفان نوعا كحجة الاسلام وللنذر أو متحدان من حيث النوع كحجتين للنذر فيجوز ان يستأجر اجيرين لهما في عام واحد، وكذا يجوز إذا كان احدهما واجبا والآخر مستحبا بل يجوز ان يستأجر اجيرين لحج واجب واحد كحجة الاسلام في عام واحد احتياطا لاحتمال بطلان حج احدهما، بل وكذا مع العلم بصحة الحج من كل منهما وكلاهما آت بالحج الواجب وان كان احرام احدهما قبل احرام الاخر فهو مثل ما إذا صلى جماعة على الميت في وقت واحد ولا يضر سبق احدهما بوجوب الاخر فان الذمة مشغولة ما لم يتم العمل فيصح قصد الوجوب من كل منهما ولو كان احدهما اسبق شروعا. ] على الميت في وقت واحد فان كل واحد منهم ينوي الوجوب ولا يضر سبق احدهم بقصد الوجوب من الآخر، فان الامر ما لم يتم العمل به يكون باقيا فيصح قصد الوجوب من كل واحد منهم ولو كان بعضهم اسبق فيجوز قصد الوجوب من اللاحق قبل السابق من العمل. ويضعف: بانه لو اتما العمل في زمان واحد صح ما ذكره، ولكن لو اتم احدهما قبل الاخر وسقطت ذمة المنوب عنه باتمام العمل صحيحا يشكل قصد الوجوب من الاخر لسقوط الامر وفراغ ذمة المنوب عنه بالعمل الاول فلا يتصف الثاني بالوجوب، وكذا الحكم في المقيس عليه

[ 108 ]

أي الصلاة على الميت. وبتعبير آخر: لو علم الثاني بان الاول ينتهي من عمله قبله فكيف يمكن للثاني قصد الوجوب، لان الاول يكون مصداقا للواجب. هذا تمام الكلام في الحج النيابي. والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

[ 109 ]

[ (فصل: في الوصية بالحج) (مسألة 1): إذا اوصى بالحج فان علم انه واجب اخرج من اصل التركة وان كان بعنوان الوصية، فلا يقال مقتضى كونه بعنوانها خروجه من الثلث، نعم لو صرح باخراجه من الثلث اخرج منه فان وفي به والا يكون الزائد من الاصل ولا فرق في الخروج من الاصل بين حجة الاسلام والحج النذري والافسادي لانه باقسامه واجب مالي واجماعهم قائم على خروج كل واجب مالي من الاصل، مع ان في بعض الاخبار ان الحج بمنزلة الدين ومن المعلوم خروجه من الاصل بل الاقوى خروج كل واجب من الاصل وان كان بدنيا كما مر سابقا وان علم انه ندبي فلا اشكال في خروجه من الثلث، وان لم يعلم احد الامرين ففي خروجه من الاصل أو الثلث وجهان (1). ] (1) الحج الموصى به تارة يعلم بانه واجب. واخرى: بانه ندبي وثالثة: نشك في كونه واجبا أو مندوبا. اما الاول: فقد حكم المصنف بخروجه من اصل التركة سواء كان

[ 110 ]

حجة الاسلام أو النذري أو الافسادي. وما ذكره (ره) من اخراج الحج الواجب من اصل التركة وان كان صحيحا بالنسبة إلى حج الاسلام، واما بالنسبة إلى الحج النذري والافسادي فهو محل اشكال بل منع، لما تقدم من انه لا دليل على اخراج الواجبات المالية من الاصل، وحالها حال ساير الواجبات الالهية وما ورد في بعض الاخبار ان الحج بمنزلة الدين فهو في خصوص حج الاسلام دون سائر اقسام الحج كما صرح به في الصحيحة (1). واما الثاني: وهو ما علم ان الحج الموصى به ندبى، فلا ريب في خروجه من الثلث وان الوصية تنفذ بمقداره. واما الثالث: وهو ما لو شك في انه واجب أو مندوب ولم تكن قرينة على احدهما فقد ذكر المصنف (قده) ان في خروجه من الاصل أو الثلث وجهين. اقواهما خروجه من الثلث إذ لم يعلم كونه واجبا ليخرج من الاصل، وانما يخرج من الاصل إذا ثبت كونه واجبا إلا فيخرج من الثلث. وقد نقل المصنف عن السيد صاحب الرياض رأيه في خروج هذا القسم من الاصل، حيث استفاد ذلك من توجيه السيد لكلام والد الصدوق (2) - الظاهر في كون جميع الوصايا من الاصل - بان مراده ما إذا لم يعلم كون الموصى به واجبا أو ندبا، فان مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الاصل خرج عنها صورة العلم بكونها ندبا فيخرج من الثلث، وكذلك حمل خبر عمار الدال بظاهره


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب وجوب الحج. (2) ما نقله السيد في الرياض انما هو والد الصدوق فما في المتن من نقله عن الصدوق سهو.

[ 111 ]

على ما عن والد الصدوق على صورة الشك. اقول: اما عمومات الوصية فالجواب عنه ظاهر، لانها مخصصة بما إذا لم يكن مورد الوصية ندبا وإلا فيخرج من الثلث، فالتسمك بها لاثبات خروجه من الاصل من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وهو محل اشكال بل منع. وبعبارة اخرى: الوصية انما يترتب عليها الاثر في غير الواجب، واما في مورد الواجب فلا اثر لها لاخراجه من الاصل اوصى به أو لم يوص به، واما في مورد الشك فلا يمكن الحكم بخروجه من الاصل لعدم احراز الوجوب والاصل عدمه. واما خبر عمار (1) وهو ما رواه الشيخ عنه عن ابي عبد الله (ع) (قال: الرجل احق بماله مادام فيه الروح إذا اوصى به كله فهو جائز) فقد اجاب عنه في المتن باعراض الاصحاب عنه، ولكن لا حاجة إلى التمسك بالاعراض فان الخبر موهون بمعارضته بغيره من الروايات مما هو اصح سندا واكثر عددا واشهر، على ان الخبر في نفسه ضعيف ولا يمكن الاعتماد عليه وان لم يكن له معارض، فان الشيخ رواه في التهذيب عن أبي الحسن بن عمر بن شداد الازدي والسري جميعا عن عمار بن موسى (2) وفي الاستبصار (3) عن أبي الحسن عمرو بن شداد الازدي وفي بعض الاسناد أبو الحسين، وذكر في السند أيضا عن أبى الحسن الساباطي عن عمار بن موسى (4) وكيف كان لم


(1) الوسائل: 11 احكام الوصايا، ح 19. (2) التهذيب: ج 9 ص 187. (3) الاستبصار: ج 4 ص 121. (4) التهذيب: ج 9 ص 186.

[ 112 ]

يوثق الرجل واما السري فهو ملعون كذاب، وقد حمل المصنف تبعا لصاحب الوسائل المال المذكور في الخبر على خصوص الثلث الذي امر بيده، وهو بعيد جدا. كما ان الشيخ حمل الخبر على ما إذا لم يكن للميت وارث اصلا لامن قريب ولا بعيد، فيجوز له حينئذ ان يوصي بماله كيف ما شاء، وهذا بعيد ايضا، على ان وجود شخص لا وارث له اصلا نادر جدا، والعمدة ان الرواية ضعفية سندا لا يمكن الاعتماد عليها. وقد يتوهم انه مع الشك يبني على ان وصيته في الواجب لا في المندوب فيخرج من الاصل حملا للوصية على الصحة وإلا لو كانت في المندوب لكانت باطلة، فليس فيها مخالفة لما دل على عدم نفوذ الوصية فيما زاد عن الثلث، وليس ذلك من التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية. وبعبارة اخرى: يظهر الاثر في الزائد عن الثلث، لان الوصية لو كانت بالواجب تصح بالنسبة إلى الزائد، ولو كانت بالمندوب تبطل بالاضافة إليه، فتحمل الوصية على الواجب حملا لفعله على الصحة. ويندفع: بان خروج الحج الواجب من الاصل ليس لاجل الوصية فانها صحت أو لم تصح يخرج الحج الواجب من الاصل فهو اجنبي عن الوصية، وانما تؤثر في المندوب فانه لو كان زائدا على الثلث فلا اثر لها، وتصح إذا كان بمقداره. على أن اصالة الصحة لا مجرى لها في امثال المقام. توضيح ذلك: ان مدرك اصالة الصحة سواء كانت جارية في عمل نفسه أو عمل الغير هو السيرة لا الدليل اللفظي ليتمسك باطلاقه فحينئذ لابد من الاقتصار على القدر المتيقن، والقدر المتيقن جريانها فيما إذا

[ 113 ]

كان الشك راجعا إلى نفس العمل لا إلى العامل، (مثلا) لو شك في ان عقد النكاح أو عقد البيع وقع صحيحا ام فاسدا يحمل على الصحة، واما لو شك في ان العامل والمباشر هل له الولاية والسلطنة على ذلك ام لا؟ فلا يمكن احراز ذلك بالحمل على الصحة، فلو رأينا شخصا يبيع ملك احد وشككنا في انه هل له الولاية على ذلك ام لا؟ لادليل على الحمل على الصحة ولا يمكن اثبات الولاية، نعم لو شك في صحة العقد الصادر من نفس المالك أو الولي يحمل على الصحة، وكذا ولو زوج شخص امرأة من رجل وشك في ولايته ووكالته عنها لا يمكن الحكم بالصحة، لعدم احراز شمول السيرة لامثال المقام. والحاصل: حيث ان الدليل منحصر بالسيرة فلابد من الاخذ بالقدر المتيقن منها وهو ما إذا احرز سلطنة المباشر وولايته، ولكن يشك في صحة عمله من حيث وجدانه للشرائط وعدمه، واما لو شك في اصل ولايته وسلطنته فلا يمكن اثباتها باصالة الصحة، ولذا لانحكم بصحة كل عقد صادر من كل احد، ومقامنا من هذا القبيل لان الحج إذا كان واجبا لا حاجة إلى الوصية، وان كان مندوبا ليس له الولاية في اخراجه من الاصل، فالشك في كون الموصى به واجبا أو ندبا راجع إلى الشك في صدور الوصية عمن له الولاية ام لا، فالصحيح ما ذكره المصنف (ره) من انه يخرج من الثلث في صورة الشك. نعم إذا كان في البين قرينة على ان الحج الموصى به هو الواجب يؤخذ بها كالايصاء بالحج من الامكنة البعيدة في الازمنة السابقة فان الظاهر منه هو الحج الواجب، إذا الايصاء بالمندوب من تلك الامكنة في الازمنة السابقة بعيد جدا. وربما يقال: بالحمل على الواجب للانصراف فانه بمنزلة اخبار

[ 114 ]

[ يظهر من سيد الرياض (قده) خروجه من الاصل حيث انه وجه كلام الصدوق (قده) - الظاهر في كون جميع الوصايا من الاصل -: بان مرده ما إذا لم يعلم كون الموصى به واجبا اولا، فان مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الاصل خرج عنها صورة العلم بكونها ندبيا وحمل الخبر الدال بظاهره على ما عن الصدوق أيضا على ذلك لكنه مشكل فان العمومات مخصصة بما دل على ان الوصية بأزيد من الثلث ترد إليه الا مع اجازة الورثة، هذا مع ان الشبهة مصداقية والتمسك بالعمومات فيها محل اشكال، واما الخبر المشار إليه وهو قوله (ع): " الرجل احق بما له ما دام فيه الروح ان اوصى به كله فهو جائز " فهو موهون باعراض العلماء عن العمل بظاهره، ويمكن ان يكون المراد بماله هو الثلث الذي امره بيده، نعم يمكن ان يقال مثل هذه الازمنة بالنسبة إلى هذه الامكنة البعيدة عن مكة. الظاهر ] الميت واقراره بالواجب عليه كما ان اخباره بعدم ثبوت حج الاسلام عليه يسمع منه وفيه: ان مجرد الانصراف إلى الواجب غير مفيد، لامكان ان يكون الايصاء من باب الاحتياط وكون الواجب واجبا احتياطيا لا واجبا اصليا، والذى يخرج من الاصل هو الواجب الاصلي لا الاحتياطي

[ 115 ]

[ من قول الموصى حجوا عني هو حجة الاسلام الواجبة لعدم تعارف الحج المستحبي في هذه الازمنة والامكنة فيحمل على انه واجب من جهة هذا الظهور والانصراف كما انه إذا قال ادوا كذا مقدارا خمسا أو زكاة ينصرف إلى الواجب عليه. فتحصل أن في صورة الشك في كون الموصى به واجبا حتى يخرج من اصل التركة أولا حتى يكون من الثلث، مقتضى الاصل الخروج من الثلث لان الخروج من الاصل موقوف على كونه واجبا وهو غير معلوم بل الاصل عدمه الا إذا كان هناك انصراف كما في مثل الوصية بالخمس أو الزكاة أو الحج ونحوها، نعم لو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب كما إذا علم وجوب الحج عليه سابقا ولم يعلم انه اتى به اولا فالظاهر جريان الاستصحاب والاخراج من الاصل، ودعوى ان ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه وهو قرع شكه لا شك الوصي أو الوارث ولا يعلم انه كان شاكا حين موته أو عالما باحد الامرين، مدفوعة بمنع اعتبار شكه بل يكفي شك الوصي أو الوارث ايضا، ولا فرق في ذلك بين ما إذا اوصى أو لم يوص بان مقتضى اصالة بقاء اشتغال ذمته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابله من التركة إلى الوارث ولكنه يشكل على ]

[ 116 ]

[ ذلك في كثير من الموارد لحصول العلم غالبا بان الميت كان مشغول الذمة بدين أو خمس أو زكاة أو حج أو نحو ذلك، إلا ان يدفع بالحمل على الصحة فان ظاهر حال المسلم الاتيان بما وجب عليه، لكنه مشكل في الواجبات الموسعة بل في غيرها ايضا في غير الموقتة فالا حوط في هذه الصورة الاخراج من الاصل. ] وكذا في الوصية بالخمس والزكاة ونحوهما من الحقوق المالية فان الايصاء بها لو كان من باب الاحتياط ولو حتياطا وجوبيا، ليس اقرارا باشتغال ذمته وباستقرار الدين عليه فان الاحتياط لا يوجب اشتغال الذمة، نعم إذا كان هناك ظهور في ان الموصى به هو الحج الاصلي فهو المتبع فان الظهور كالصراحة في لزوم الاتباع. ثم ان المصنف (رحمه الله) ذكر المتحصل بما تقدم، وهو انه في صورة الشك في كون الموصى به واجبا حتى يخرج من الاصل أولا حتى يكون من الثلث، ذكر ان مقتضى الاصل الخروج من الثلث لان الخروج من الاصل موقوف على كونه واجبا وهو غير معلوم بل الاصل عدمه، إلا إذا كان هناك انصراف إلى الواجب كالوصية بالخمس والزكاة والحج، إلا إذا كان واجبا عليه سابقا وشك في اتيانه وعدمه فالظاهر جريان الاستصحاب بشك الوصي أو الوارث لاشك الموصي. ثم قال: يشكل على ذلك، الامر في كثير من الموارد من الاموال المتروكة لحصول العلم غالبا بان الميت كان مشغول الذمة بدين أو خمس أو زكاة أو حج ونحو ذلك من الحقوق المالية، واجراء الاستصحاب

[ 117 ]

يوجب الاشكال في التصرف في الاموال المتروكة، ثم دفع الاشكال بالحمل على الصحة فان ظاهر حال المسلم الاتيان بما وجب عليه، ثم اورد على نفسه بانه يشكل اجراء اصالة الصحة في الواجبات الموسعة بل في غيرها مما لم يكن على نحو التوقيت كالواجبات التي يجب الاتيان بها فورا وان لم تكن موقتة، ولذا احتاط في هذه الصورة بالاخراج من الاصل. والذي ينبغي أن يقال: ان موارد الاشتغال بالحقوق المالية على ثلاثة اقسام الاول: ما إذا تعلق الحق كالخمس، والزكاة بعين المال الشخصي والمال موجود بعينه ونشك في ان المالك ادى ما عليه من الحق ام لا؟. الثاني: ما إذا تعلق الحق بعين المال ولكن المال غير موجود بعينه ونشك في ان المالك هل ادى خمسه أو زكاته قبل تلف المال، أو انه تلف قبل اداء الحق وقد اشتغلت ذمته به؟. الثالث: ما إذا اشتغلت ذمته بالحق من اول الامر، بمعنى: انا نعلم ان المالك اتلف المال قبل اداء الحق واشتغلت ذمته به وانتقل الحق إلى الذمة، ولكن نشك في انه هل ادى الحق الثابت في ذمته ام لا؟. اما الاول: فلاينبغي الريب في جريان الاستصحاب فيه، لان هذا المال بعينه قد تعلق به الخمس (مثلا) ونشك في ادائه وعدمه، والاصل العدم. ثم ان العبرة بشك الوارث أو الوصي لاشك الميت، فلا يضر الجهل بكونه شاكا حين موته أو كان عالما باحد الامرين، ولا يكفي اجراء اصالة الصحة في اثبات اداء الميت الحق المتعلق بعين المال لان اصالة الصحة تقتضي عدم ارتكاب المالك الحرام، وعدم سوء الظن به ولا

[ 118 ]

يترتب عليه أي أثر آخر، ولذا لا يترتب عليه الاثار الشرعية في العقود والايقاعات في امثال المقام، فلو شك في انه باع داره أو صدر منه العقد أو الكلام الباطلل المحرم لا يحكم عليه ببيع داره لحمل فعله على الصحة، بل غاية ما يترتب على ذلك انه لم يرتكب محرما ولم يصدر منه الكلام الباطل، ومن ذلك ما ذكره الشيخ الانصاري من انه لو تردد الامر بين ان سلم أو سب لا يجب علينا رد السلام لحمل فعله على الصحة، وانما نحكم بانه لم يصدر منه السب، فاستصحاب عدم الاداء وبقاء الاشتغال محكم. واما الثاني: فالظاهر ان استصحاب عدم اداء الخمس لا يؤثر في الضمان ولا يوجبه، لان المفروض ان المال تلف حينما كان المالك وليا عليه وكان جائزا له ان يتلف الخمس ويبدله من مال آخر، والضمان انما يترتب على التفريط وهو غير محرز واستصحاب عدم الاداء لا يثبته. واما الثالث: وهو ما إذا اشتغلت ذمته بالحق قطعا ولكن نشك في انه هل فرغ ذمته ام لا؟ فهل يحكم بضمان الميت واشتغال ذمته، أو بتفريغ ذمته؟ يبتني ذلك على مسألة محررة في محلها وهي ان اثبات الدين على الميت يحتاج إلى ضم اليمين إلى البينة؟ فقد وقع الكلام في ضم اليمين وانه من باب الجزء المتمم للبينة فيكون المثبت لدعوى الدين على الميت البينة واليمين منضما، أو ان الدين يثبت بالبينة ولا يحتاج إلى ضم اليمين ولكن بقائة لا يثبت بالبينة إلا بعد ضم اليمين فاليمين لاثبات بقاء الدين وعدم سقوطه لا لاثبات اصل الدين، فالاستصحاب لا يكفي في الحكم في البقاء بل لابد في اثبات بقائه من ضم اليمين؟. ان قلنا: بالاول كما هو المحقق في محله (1) فالدين ثابت في الذمة


(1) مباني تكملة المنهاج: الجزء 1 ص 18.

[ 119 ]

[ (مسألة 2): يكفي الميقاتية سواء كان الحج الموصى به واجبا أو مندوبا (1) ويخرج الاول من الاصل والثاني من الثلث الا إذا اوصى بالبلدية وحينئذ فالزائد عن اجرة الميقاتية في الاول من الثلث، كما ان تمام الاجرة في الثاني منه. (مسألة 3): إذا لم يعين الاجرة فاللازم الاقتصار على اجرة المثل للانصراف إليها، (2) ولكن إذا كان هناك من يرضى بالاقل منها وجب استئجار إذ الانصراف إلى اجرة ] على الفرض ونشك في الاداء وعدمه، فحينئذ لامانع من جريان استصحاب عدم الاتيان ما لم يطمئن بالاداء. وان قلنا: بالثاني وان اليمين لاثبات البقاء والغاء الاستصحاب في باب الدين على الميت تمسكا برواية ضعيفة (1) فلا مجال لجريان الاستصحاب: فجريان الاستصحاب وعدمه ببتنيان؟ على تنقيح هذين الامرين. (1) لان مبدء الحج من الميقات والزائد من جملة المقدمات التي لا تجب اصلا وعرضا. نعم إذا اوصى حجا بلديا أو من مكان خاص يجب والزائد عن اجرة الميقاتية يخرج من الثلث، فان كان واجبا اصليا تقسط الاجرة فما كان في مقابل الميقات يخرج من الاصل والزائد عن الثلث، واما إذا كان واجبا بالوصية فيخرج تمام الاجرة من الثلث. (2) يقع البحث في موردين احدهما: في الحج الواجب الاصلي.


(1) الوسائل: ج 18 باب 4 من أبواب كيفية الحكم ح 1.

[ 120 ]

[ المثل انما هو نفي الازيد فقط. وهل يجب الفحص عنه لو احتمل وجوده الاحوط ذلك (1) توفيرا على الورثة خصوصا ] ثانيهما: في الحج الندبي وان وجب بالوصية. اما الاول: فلا ريب في خروجه من صلب المال ولا اثر لتعيين الموصي اجرته مطلقا سواء عين قليلا أو كثيرا أو مساويا بل ليس له حق التعيين لعدم ثبوت ولايته عليه فلو فرضنا انه عين الاقل اجرة يجب الاستئجار بالاكثر إذا كان بمقدار اجرة المثل ويخرج من اصل المال رضى أو لم يرض اوصى أو لم يوص، ودعوى الانصراف لا اثر لها في المقام، نعم لو عين اجرة زائدة عن اجرة المثل يخرج الزائد من الثلث لان الذي يجب اخراجه من الاصل انما هو الاجرة المتعارفة للحج، وهي اجرة المثل كما قلنا. ولو فرض وجود اجيرين احدهما يأخذ اجرة المثل، والاخر يرضى بالاقل، فالظاهر وجوب استئجار الثاني للانصراف إلى الاقل في هذا الفرض، بل لان الثابت في ذمة الميت نفس الحج والطبيعي ينطبق على الاقل، فليس للوصي تطبيقه على الاكثر، ويكون الزائد للورثة ولايجوز له التصرف فيه الا برضاهم. (1) هل يجب على الوصي الفحص عمن يرضى بالاقل؟. الظاهر عدم وجوبه لاصالة عدم وجدانه خارجا، ولا يستلزم ذلك تفويتا ولا تزاحما بالنسبة إلى حق الورثة، إذ لم ينتقل هذا المقدار من المال إلى الورثة ليتحقق التزاحم، فله الاستئجار بالمثل ولو احتمل وجود الاقل بل حتى ولو ظن لعدم العبرة بالظن فانه كالشك.

[ 121 ]

[ مع الظن بوجوده وان في وجوبه اشكال خصوصا مع الظن بالعدم، ولو وجد من يريد ان يتبرع فالظاهر جواز الاكتفاء به بمعنى عدم وجوب المبادرة إلى الاستئجار، بل هو المتعين (1) توفيرا على الورثة فان اتى به صحيحا كفى والا وجب الاستئجار. ] (1) تارة: نفرض ان المتبرع اتى بالحج. واخرى: نفرض انه تبرع ولكنه لم يأت به بعد. اما الاول: فلا ريب في عدم جوار الاستئجار حينئذ لان الواجب على الوصي تفريغ ذمة الميت بالاستيجار، فإذا فرض فراغ ذمته بالتبرع ليس له الاستئجار لعدم بقاء شئ في ذمة الميت حتى يستأجر عنه، فلا موضوع للاستئجار، كالدين المتبرع به، فانه لو تبرع احد بالدين لا يجب على الوصي بل لا يجوز له اعطاء المالم للدائن لانتقال المال إلى الورثة ولايجوز لاحد التصرف فيه بدون رضاهم لان المفروض فراغ ذمة الميت فلا موضوع لاداء الدين عنه. واما الثاني: فلا يجب على الوصي الصبر حتى يأتي به المتبرع توفيرا للورثة، بل له أن يعطي الحج قبل اتيان المتبرع به ولاسيما إذا اراد التأخير إلى سنة اخرى، لان المال قبل الاتيان بالحج لم ينتقل إلى الورثة بل هو باق على ملك الميت وانما ينتقل إلى الورثة بعد الاداء، ولا يجب على الوصي السعي لتحصيل النفع للورثة بايجاد موضوع الارث. والحاصل: القدر المسلم هو عدم جواز تفويت حق الورثة أو مزاحمتهم، واما ايجاد الموضوع لارثهم فغير واجب فالصبر إلى ان يأتي المتبرع بالحج أو يؤدي الدين غير لازم، بل ليس للميت ان

[ 122 ]

[ ولو لم يوجد من يرضى باجرة المثل فالظاهر وجوب دفع الازيد إذا كان الحج واجبا (1) بل وان كان مندوبا أيضا مع وفاء الثلث ولا يجب الصبر إلى العام القابل ولو مع العلم بوجود من يرضى باجرة المثل أو اقل، لا يجوز لوجوب المبادرة إلى تفريغ ذمة الميت في الواچب والعمل بمقتضى ] يوصي على هذا النحو وانما له الوصية بالحج عنه ما لم يؤت بالواجب لا ما لم يتبرع به احد. (1) إذ لا موجب للتأخير بعد ماكان الواجب تفريغ ذمة الميت في هذه السنة لان الحج واجب فوري والثابت في ذمته نفس الحج لاقيمته فيجب دفع الازيد. هذا كله في الحج الواجب الاصلى. واما الحج المندوب في نفسه وان عرضه الوجوب بالوصية فان لم يعين الاجرة فاللازم الاقتصار على اجرة المثل للانصراف إليها، وان وجد الاقل تعين ولا مجال للتصرف في الازيد وما الانصراف إلى اجرة المثل فقد عرفت انه لنفي الازيد لا الاقل. واما لو عين الاجرة، فتارة: يعين الاجرة المتعارفة واخرى: يعين الاقل منها. اما في الصورة الاولى فيؤخذ بذلك ان لم يزد ما عينه على الثلث. واما في الصورة الثانية فان وجد من يقبل ذلك فهو وإلا فيبني على مسألة تعدد المطلوب ووحدته، فان قلنا بالتعدد يعطى الاكثر واما لو قلنا بعدم التعدد فالوصية باطلة لتعذر العمل بها ولو تبرع متبرع بالحج في مورد الوصية به، لا يوجب سقوط

[ 123 ]

[ الوصية في المندوب، وان عين الموصى مقدارا للاجرة تعين وخرج من الاصل في الواجب ان لم يزد على اجرة المثل وإلا فالزيادة من الثلث، كما ان في المندوب كله من الثلث. (مسألة 4): هل اللازم في تعيين اجرة المثل الاقتصار على أقل الناس أجرة أو يلاحظ من يناسب شأن الميت في شرفه وضعته؟ لا يبعد الثاني، والاحوط الاظهر الاول، ومثل هذا الكلام يجري ايضا في الكفن الخارج من الاصل ايضا (1). ] العمل بالوصية، بل الوصية باقية على حالها فيجب العمل بها، فان التبرع انما يفيد في الحج الواجب الاصلي، لما عرفت ان الوجوب فرع اشتغال الذمة، وإذا فرغت ذمته بالتبرع لامورد للوجوب، بخلاف المقام فان الوجوب من ناحية الايصاء وهو باق على حاله حتى لو تبرع متبرع. ولو اوصى بالحج وانصرف الايصاء به إلى الاجرة المتعارفة، ولكن فرضنا انه لم يوجد من يرضى بالاجرة المتعارفة في هذه السنة، فهل يجوز التأخير إلى السنة القادمة ام لا؟. ذكر المصنف (ره) انه لا يجوز بل تجب المبادرة إلى العمل بالوصية لان العمل بها واجب فوري والتعطيل في العمل بها تصرف في مال الميت بغير اذنه فاللازم عليه تنفيذ الوصية ولو باعطاء المقدار الزائد على المتعارف فيما إذا كان لا يزيد على الثلث فان ذلك لا يضر الورثة، فان هذا المقدار من المال للميت ويجب صرفه فيما اوصاه، فالتأخير توفيرا للورثة لا موجب له اصلا. وما ذكره صحيح. (1) يظهر من كلامه (قده) ان مورد هذه المسألة حجة الاسلام

[ 124 ]

[ (مسألة 5): لو اوصى بالحج وعين المرة أو التكرار بعدد معين تعين (1) وان لم يعين كفى حج واحد الا ان يعلم انه ] لتنظيره ذلك بكفن الميت حيث يظهر من ذلك ان مورد الكلام هو الواجب الاصلي الذي يخرج من الاصل، وكيف كان: لم يستبعد ملاحظة شأن الميت شرفا وضعة، ولكن ذكر ان الاحوط الاظهر الاقتصار على اقل الناس اجرة. اقول: اما كونه اظهر فيمكن توجيهه بان الواجب هو الطبيعي ويمكن انطباقه على الاقل ومعه لا موجب لتطبيقه على الاكثر. واما كونه احوط فلا، لان المال مردد بين الميت والورثة فكيف يكون الاقتصار على الاقل احوط مع احتمال كون المال وما يصرف في الحج راجعا إلى الميت نفسه. بل الاظهر هو الثاني فان اللازم في تعيين الاجرة ملاحظة شأن الميت وان لا يكون هتكا له، فان الناس مختلفة شرفا وضعة بالنسبة إلى من يستؤجر عنهم، وكل احد لا يناسب ان يكون اجيرا لذي الشرف والعز والعبرة بحال الميت من حيث الرفعة والضعة، كما هو الحال كما في الكفن والسيرة قائمة على ذلك، ويمكن استظهار ذلك من بعض النصوص كقوله (ع): (يحج عنه من صلب ماله) (1) لظهوره في الحج من ماله مما يناسب شأنه واعتباره. وبعبارة اخرى: ادلة اخراج مصارف الحج من التركة ناظرة إلى التعارف الخارجي، والتعارف الخارجي يختلف حسب اختلاف الناس. (1) لوجوب العمل على طبق الوصية واما التكرار فانما يجب فيما


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب وجوب الحج، ح 4.

[ 125 ]

[ اراد التكرار وعليه يحمل ما ورد في الاخبار من انه يحج عنه مادام له مال - كما في خبرين - أو ما بقي من ثلثه شئ - كما في ثالث - بعد حمل الاولين على الاخير من ارادة الثلث من لفظ المال، فما عن الشيخ وجماعة - من وجوب التكرار مادام الثلث باقيا - ضعيف. ] إذا كان الثلث وافيا. وان اطلق ولم يعين كفى حج واحد لان الوصية بطبيعي الحج وهو يحصل بالمرة. ولكن نسب إلى الشيخ وتبعه جماعة منهم صاحب الحدائق وجوب التكرار مادام الثلث باقيا ووافيا، واستدلوا بالروايات (1) كقوله (ع): في بعضها (يحج عنه مادام له مال) أو (ما بقي من ثلثه شئ) كما في البعض الاخر. والظاهر من قوله: (مادام له مال) هو ثلث الميت لان ماله هو الثلث فيوافق الخبر الاخر الدال على انه (يحج عنه ما بقى من ثلثه شئ) فليس المقام من باب حمل المطلق على المقيد كما توهم المصنف (ره) فان مال الميت لااطلاق له بل هو منحصر في الثلث فالروايات متحدة في هذا المعنى. ثم ان المصنف اجاب عن الروايات بوجهين: احدهما: انها محمولة على ما إذا علم انه اراد التكرار. ويرد عليه ان ذلك بعيد جدا للتصريح في الروايات بان الموصي ابهم ولم يسم شيئا ونحو ذلك مما يدل على الجهل بمراده.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب النيابة في الحج.

[ 126 ]

ثانيهما: اعراض الاصحاب عنها فلابد من طرحها. وهذا الوجه مردود أيضا لما ذكرنا غير مرة انه لا عبرة باعراض الاصحاب: والصحيح في الجواب: ان الروايات في نفسها ضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها وهي ثلاث روايات الاولى: ما رواه الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم، عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن محمد بن الحسن (الحسين) انه قال لابي جعفر (ع) جعلت فداك قد اضطررت إلى مسألتك، فقال: مات، فقلت: سعد بن سعد أوصى حجوا عني مبهما، ولم يسم شيئا ولا يدري كيف ذلك، فقال: يحج عنه مادام له مال) (1). الثانية: ما رواه باسناده عن ابن فضال عن محمد بن ارومة عن محمد بن الحسن الاشعري مثله إلا انه قال: مادام له مال يحمله) (2). الثالثة، ما رواه عن محمد بن الحسين بن أبي خالد عن رجل اوصى ان يحج عنه مبهما، فقال: يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ) (3). اما الضعف في الروايات فبمحمد بن الحسن كما في التهذيب المعبر عنه بمحمد بن الحسن الاشعري أو محمد بن الحسن بن أبي خالد أو محمد بن حسن بن أبي خالد الاشعري وقد يضاف إليه القمي، وقد يعبر عنه بمحمد بن حسن بن أبي خالد شنبوله وروى عنه الشيخ في الاستبصار إلا ان فيه محمد بن الحسين بن أبي خالد، والصحيح ما في التهذيب، وعلى كل تقدير لم تثبت وثاقته (4).


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 4 من أبواب النيابة في الحج، ح 1 و 2. (4) قد تعرض سيدنا الاستاد دام ظله الشريف تفصيل ذلك في معجم رجال الحديث ج 15.

[ 127 ]

[ مع انه يمكن ان يكون المراد من الاخبار انه يجب الحج مادام يمكن الاتيان به ببقاء شئ من الثلث بعد العمل بوصايا أخر، وعلى فرض ظهورها في ارادة التكرار ولو مع عدم العلم بارادته لابد من طرحها لاعراض المشهور عنها فلا ينبغي الاشكال في كفاية حج واحد مع عدم العلم بارادة التكرار، نعم لو اوصى باخراج الثلث ولم يذكر الا الحج يمكن أن يقال بوجوب صرف تمامه في الحج (1)، وكذا لو لم يذكر الا المظالم أو إلا الزكاة أو الا الخمس ولو اوصى ان يحج عنه مكررا كفى مرتان لصدق التكرار كعه. (مسألة 6): لو اوصى بصرف مقدار معين في الحج سنين معينة وعن لكل سنة مقدار معينا واتفق عدم كفاية ] (1) ما ذكره وان كان صحيحا ولكن لايتم على اطلاقه، وانما نلتزم بذلك فيما إذا كان للكلام ظهور في صرف جميع الثلث في الحج أو الزكاة وما إذا كان ظاهرا في امرين مستقلين أي اخراج الثلث واخراج الحج فلا وجه لصرف تمام الثلث في الحج، بل الظاهر حينئذ صرف مقدار منه في الحج وصرف البقية في سائر الامور الخيريه، فالمتبع ظهور الكلام. ولو اوصى ان يحج عنه مكررا كفى مرتان لصدق التكرار بذلك ولا تجب الزيادة.

[ 128 ]

[ ذلك المقدار لكل سنة صرف نصيب سنتين في سنة أو ثلاث سنتين في سنتين مثلا وهكذا (1) لا لقاعدة الميسور لعدم جريانها في غير مجعولات الشارع، بل لان الظاهر من حال الموصى ارادة صرف ذلك المقدار في الحج وكون تعيين مقدار كل سنة بتخيل كفايته، ويدل عليه ايضا خبر علي بن محمد الحضيني وخبر ابراهيم بن مهزيار ففي الاول تجعل حجتين في حجة وفي الثاني تجعل ثلاث حجج في حجتين وكلاهما من باب المثال كما لا يخفي. ] (1) قد استدل على ذلك مضافا إلى عدم الخلاف بوجوه: الاول: قاعدة الميسور. الثاني: ظهور حال الموصي في صرف المقدار المعين في الحج. وانما عين مقدارا خاصا لكل سنة لتخيل كفايته لحجتين أو ثلاث. الثالث: خبر ان لابراهيم بن مهزيار. اقول: اما قاعدة الميسور فقد اورد عليها المصنف (ره) بانها تجري في خصوص المجعولات الشرعية واما في غيرها كالوصية في المقام فلا، لان القاعدة ناظرة إلى الاحكام المجعولة من قبل الشارع لا الاحكام المجعولة من قبل الموصي ونحوه. والصحيح في الجواب: ان القاعدة كما ذكرنا مرارا انه لا اساس لها وهي مخدوشه كبرى وصغرى، ولا تجري في الواجبات الارتباطية نعم في الواجبات المستقلة غير المرتبطة يقتصر على الميسور لا لقاعدة

[ 129 ]

الميسور بل لان الاقتصار على الميسور في هذه الواجبات بحكم العقل. فان العجز عن اتيان تمام الواجب لا يوجب سقوط الواجب عنه بالمرة (مثلا) لو عجز عن صيام تمام شهر رمضان وتمكن منه في بعض الايام من الشهر يجب عليه الصيام في تلك الايام، وهكذا الدين فانه لو كان عاجزا عن اداء تمام الدين لا يوجب سقوط الاداء حتى بالنسبة إلى المقدار الممكن. ولو تنزلنا والتزمنا بتمامية القاعدة ولو لاجل الانجبار فمقتضاها ثبوت حكم جديد على الميسور مغاير للحكم الاول الثابت لتمام الاجزاء فان الحكم الاول تعلق بمجموع الاجزاء وقد انتفى بانتفاء المركب، فالحكم الثاني الثابت للباقي حكم جديد يغاير الاول لا انه يكشف عن بقاء الحكم الاول، وعليه لامانع من شمول القاعدة للمقام لان العمل بالوصية بتمامها إذا كان غير ممكن فلا مانع من العمل بالمقدار الممكن منها والحاصل: القاعدة في نفسها غير تامة وعلى تقدير تماميتها تجري في المقامين من غير فرق. واما الوجه الثاني: فلا بأس به في الجملة ويمكن قبوله في بعض الموارد. واما الوجه الثالث: فان الخبرين رواهما الشيخ عن ابراهيم بن مهزيار. احدهما: ما رواه باسناده عن محمد بن على بن محبوب عن ابراهيم ابن مهزيار قال كتب إليه علي بن محمد الحصيني ان ابن عمي اوصى ان يحج عنه بخمسة عشر دينارا في كل سنة، وليس يكفي، ما تأمرني في ذلك؟ فكتب (ع) يجعل حجتين في حجة فان الله تعالى عالم بذلك) (1). ثانيهما: ما رواه عنه أيضا قال: كتبت إليه (عليه السلام) ان


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب النيابة في الحج، ح 1.

[ 130 ]

مولاك علي بن مهزيار اوصى ان يحج عنه من ضبعة؟ صير ربعها لك في كل سنة حجة إلى عشرين دينارا وانه قد انقطع طريق البصرة، فتضاعف المؤن على الناس، فليس يكتفون بعشرين دينارا، وكذلك اوصى عدة من مواليك في حجهم، فكتب (ع): يجعل ثلاث حجج حجتين ان شاء الله) (1) ورواهما الصدوق أيضا عن ابرهيم بن مهزيار مسندا ورواهما الكليني عنه مرسلا، وراوي الخبرين انما هو ابراهيم ابن مهزيار، والمصنف نسب الاول إلى علي بن محمد الحصيني وليس كذلك فان الحصيني هو الكاتب إلى الامام (ع) لا الراوي عنه، ودلالتهما واضحة، وذكر الثلاث والاثنين من باب المثال قطعا، فلو كانت الحجة خمسة مثلا ولا يكفي المال لها يصرف في اربعة أو ثلاثة إذا كان المال وافيا. انما الكلام في السند فقد ذكر السيد في المدارك ان في الروايتين ضعفا، واورد عليه في الحدائق بان طريق الصدوق إلى ابراهيم بن مهزيار صحيح بل في اعلى مراتب الصحة واما ابراهيم فهو ثقة. ولكن لا يخفى ان ابراهيم بن مهزيار لم يصرح بوثاقته في كتب الرجال إلا انه قد يستدل على ذلك بوجوه عمدتها واساسها ما عن السيد ابن طاووس في ربيع الشيعة انه من سفراء الصاحب (عجل الله تعالى فرجه) والابواب المعروفين الذين لا تختلف الاثنا عشرية فيهم، وتبعه غير واحد كالعلامة والفاضل المجلسي. ويرده: ان هذا الاجتهاد منه استنبطه من بعض الروايات، ولو كان سفيرا لذكره الشيخ في كتاب الغيبة الذي تصدى فيه لذكر السفراء وكذلك النجاشي وغيرهما ممن تقدم على ابن طاوس، مع شدة اهتمامهم


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب النيابة في الحج، ح 2.

[ 131 ]

[ هذا، ولو فضل من السنين فضلة لا نفي بحجة فهل برجع ميراثا أو في وجوه البر أو تزاد على اجرة بعض السنين؟ وجوه (1)، ولو كان الموصى به الحج من البلد ودار الامر ] بذكر السفراء والابواب. نعم ذكر الصدوق في كتاب اكمال الدين: (1) في الباب السابع والاربعين في ذكر من شاهد القائم (ع) حديثا عن ابراهيم بن مهزيار وتشرفه بخدمة الصاحب (ع) وفيه دلالة على جلالة قدر الرجل ووثاقته وعلو مقامه ولكن راوي الرواية هو ابراهيم نفسه، ولا يمكن اثبات وثاقه شخص بقول نفسه، على ان هذه الرواية مشتملة على امر مقطوع البطلان والكذب وهو اخباره عن وجود أخ للحجة (ع) مسمى بموسى وقد رآه ابراهيم وهذا مما لا يمكن تصديقه ابدا، والعمدة في وثاقته ان من رجال كامل الزيارات، فالرواية معتبرة والدلالة واضحة، فلا ينبغي الريب في الحكم المذكور، على ان الظاهر من حال الموصي كون الوصية بذلك من باب تعدد المطلوب. (1) اما احتمال رجوع المال الزائد ميراثا، ففيه ان الارث بعد اخراج الوصية فما لم يحرز العجز عن العمل بالوصية - كما هو المفروض - لاحتمال تعدد المطلوب لا يرجع ميراثا، وا ما جعل الزائد اضافة على اجرة بعض السنين، فلا موجب له بعد فرض عدم كفاية المال للموصى به ومقتضى القاعدة حينئذ سقوط الوصية بالحج الزائد، فيتعين الوجه الثاني وهو صرفه في مطلق وجوه البر، لظهور حال الموصي في كون


(1) اكمال الدين ح 420 ط الحيدرية النجف.

[ 132 ]

[ بين جعل اجرة سنتين مثلا لسنة وبين الاستئجار بذلك المقدار من الميقات لكل سنة ففي تعيين الاول أو الثاني وجهان، ولا يبعد التخيير بل اولوية الثاني، إلا أن مقتضى اطلاق الخبرين الاول (1) هذا كله إذا لم يعلم من الموصى ارادة الحج بذلك المقدار على وجه التقييد والا فتبطل الوصية إذا لم يرج امكان ذلك بالتأخير أو كانت الوصية مقيدة بسنين معينة. ] الوصية على نحو تعدد المطلوب. نعم لو كانت الوصية بتعدد الحج بالمقدار المعين على نحو التقييد تكون الوصية باطلة لتعقلها بامر متعذر غير مقدور فيرجع المال إلى الوراث، بخلاف ما إذا كانت الوصية في الحقيقة متعددة احدها تعلق بالحج عنه، والاخر تعلق بصرف مقدار من الثلث في وجوه البر من الحج ونحوه، وتعذر واحد منهما لا يوجب سقوط العمل بالاخر كما هو الشأن في جميع موارد تعدد المطلوب. (1) إذا اوصى بالحج البلدي وفرضناعدم كفاية المقدر المعين لتعدده ودار الامر بين تعدد الحج الميقاتي، وبين الاستئجار لحج بلدي واحد. وبعبارة اخرى: دار الامر بين الغاء خصوصية البلد أو الغاء التعدد الظاهر تعين الثاني وتقديم الحج البلدي، لاطلاق الخبرين المتقدمين لابراهيم بن مهزيار، فان الاول منهما وان لم يصرح فيه بذكر البلد، ولكن مقتضى اطلاقه هو اتيان الحج البلدي مرة واحدة وان تمكن من حجتين ميقاتيتين.

[ 133 ]

[ (مسألة 7): إذا اوصى بالحج وعين الاجرة في مقدار فان كان الحج واجبا ولم يزد ذلك المقدار عن اجرة المثل أو زاد وخرجت الزيادة من الثلث تعين، وان زاد ولم تخرج الزيادة من الثلث بطلت الوصية ويرجع إلى اجرة المثل، وان كان الحج مندوبا فكذلك تعين ايضا مع وفاء الثلث بذلك المقدار، والا فبقدر وفاء الثلث مع عدم كون التعيين على وجه التقييد، وان يف الثلث بالحج أو كان التعيين وجه ] واوضح منه الخبر الثاني لان مورده الوصية بالحج البلدي لقوله: (وقد انقطع طريق البصرة فتضاعف المؤن) وقد امر (عليه السلام) بجعل حجتين مكان ثلاث حجج. وقد يقال: بتعيين الميقاتي والغاء خصوصية البلدي بمقتضى النصوص الدالة على انه إذا لا يمكن الحج البلدى فمن الميقات حجة واحدة وقد عقد في الوسائل بابا لذلك وذكر فيها عدة روايات دلت على ان من اوصى بحجة الاسلام وجب ان يقضى عنه من بلده فان لم تبلغ التركة فمن حيث بلغ ولو من الميقات. منها: صحيحة علي بن رئاب وموثقة ابن بكير (1). والجواب: ان مورد الروايات هو عدم التمكن من البلد والمفروض في محل الكلام هو التمكن منه ولكن لا يتمكن من التعدد، فالروايات اجنبية عن المقام ولا يمكن التعدي من مواردها إلى محل كلامنا.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب النيابة في الحج، ح 1 و 2.

[ 134 ]

[ التقييد بطلت الوصية وسقط وجوب الحج (1). ] (1) يقع الكلام تارة: في الحج، الواجب واخرى: في المندوب. اما الاول: فان عين الميت الاجرة في مقدار معين ولم يزد ذلك المقدار عن اجرة المثل تعين، وكذا لو زاد وكان ثلث الميت وافيا، واما لو زاد عن اجرة المثل ولم يبلغ الثلث الزيادة، كما إذا اوصى باعطاء الف دينار للاجير وفرضنا ان اجرة المثل خمسمائة وكان ثلثه ثلاثمائة دينارا مثلا، ذكر المصنف ان الوصية تبطل ويرجع إلى اجرة المثل لعدم صحة الوصية بما زاد على الثلث. ولكن الظاهر انه لا موجب لبطلان بل يضاف إلى اجرة المثل مقدار الثلث وهو ثلاثمائة دينارا في المثال لوجوب العمل بالوصية بالمقدار الممكن وان لم يبلغ ذلك المقدار المعين الموصى به. واما الثاني فيظهر الحال فيه بما تقدم من انه يتعين المقدار الذي عينه ويجب اخراجه من الثلث فان وفي الثلث باجرة المثل وبالزيادة فهو، وإلا فيضاف إلى اجرة المثل بالمقدار الممكن وان لم يبلغ المجموع ذلك المقدار المعين، لوجوب العمل بالوصية مهما امكن، والمتعذر هو العمل بتمام الوصية، واما العمل بالمقدار الممكن فلا موجب لسقوطه إلا إذا كانت الوصية على نحو التقييد ووحدة المطلوب، أو كان الثلث غير كاف اصلا فتسقط الوصية حينئذ. والمسألة اللاحقة شبيهة بهذه وهي ما إذا عين اجيرا معينا فان قبل اجرة المثل تعين استئجاره وان كان ممن يابى عن النيابة أو لا يقبل إلا بالازيد ولا يكفي الثلث للزيادة يستأجر شخص آخر، هذا في الواجب واما في المندوب فان وفي الثلث فهو، وان لم يف وكانت الوصية على

[ 135 ]

[ (مسألة 8): إذا اوصى بالحج وعين اجيرا معينا تعين استئجار باجرة المثل، وان لم الا بالازيد فان خرجت الزيادة من الثلث تعين ايضا وإلا بطلت الوصية واستؤجر غيره باجرة المثل في الواجب مطلقا، وكذا في المندوب إذا وفي به الثلث ولم يكن على وجه التقييد وكذا إذا لم يقبل اصلا (1). (مسألة 9): إذا عين للحج اجرة لا يرغب فيها احد وكان الحج مستحبا بطلت الوصية لاذا لم يرج وجود راغب فيها (2) وحينئذ فهل ترجع ميراثا أو تصرف في وجوه البر أو يفصل بين ما إذا كان كذلك من الاول فترجع ميراثا أو كان الراغب موجودا ثم طرء التعذر؟ وجوه، والاقوى هو ] وجه التقييد تسقط لعدم امكان العمل بها، وان لم تكن على وجه التقييد يستأجر شخص آخر مع الامكان. (1) قد ذكرنا حكم هذه المسألة في المسألة السابقة فلا نعيد. (2) لعدم امكان العمل بالوصية، وهل ترجع الاجرة المعينة ميراثا أو تصرف في مطلق وجوه البر، أو يفصل بين المتعذر من الاول والطارئ ففي الاول ترجع ميراثا وفي الثاني تصرف في وجوه البر؟ وجوه. والذي ينبغي ان يقال ان الميت قد يعين الثلث اولا ثم يخرج منه الحج والصلاة والصوم ونحوها كما إذا قال: أخرجوا من ثلثي الحج والصلاة ونحوهما من وجوه البر، ففي مثل ذلك لا ينبغي الشك في انه لا موجب لرجوع المال إلى الورثة لعدم المقتضي، وهكذا لو كان

[ 136 ]

[ الصرف في وجوه البر لا لقاعدة الميسور بدعوى ان للفصل إذا تعذر يبقى الجنس لانها قاعدة شرعية وانما تجري في الاحكام الشرعية المجعولة للشارع ولا مسرح لها في مجعولات الناس - كما اشرنا إليه سابقا - مع ان الجنس لا يعد ميسورا للنوع فمحلها المركبات الخارجية إذا تعذر بعض ازائها ولو كانت ارتباطية، بل لان الظاهر من حال الموصى في امثال المقام ارادة عمل ينفعه وإذا عين عملا خاصا لكونه انفع في نظره من غيره فيكون تعيينه لمثل الحج على وجه تعدد المطلوب وان لم يكن متذكرا لذلك حين الوصية، نعم لو علم في مقام كونه على وجه التقييد في عالم اللب ايضا يكون الحكم فيه الرجوع إلى الورثة، ولا فرق في الصورتين بين كون التعذر طارئا أو من الاول، ويؤيد ما ذكرنا ما ورد من الاخبار في نظائر المقام، بل يدل عليه خبر علي بن سويد عن الصادق (ع) ] التعذر لاسباب آخر كما لو اوصى من ثلثه تعمير مسجد وفرضنا ان المسجد وقع في الشارع ولم يمكن عمارته أو اوصى للمواكب الحسينية ومنعت ونحو ذلك ففي جميع هذه الموارد لا مقتضي لرجوع المال الذي عينه للصرف في جهة إلى الوارث لبقاء الثلث على ملك الميت، غاية الامر تعذر صرفه في الموارد التي عينها فلا بد من صرفه في جهاته، فانه بتعيينه الثلث لنفسه قد جعل الورثة محرومين عنه فلا يرجع إليهم،

[ 137 ]

[ قال (قلت مات رجل فأوصى بتركته ان أحج بها عنه فنظرت في ذلك فلم تكف للحج فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا تصدق بها، فقال (ع) ما صنعت قلت تصدقت بها فقال (ع): ضمنت إلا ان تكون تبلغ ان يحج بها من مكة فان كانت تبلغ ان يحج بها من مكة فانت ضامن) ويظهر مما ذكرنا حال سائر الموارد التي تبطل الوصية لجهة من الجهات هذا في غير ما إذا اوصى بالثلث وعين له مصارف وتعذر بعضها، واما فيه فالامر اوضح لانه بتعيينه الثلث لنفسه اخرجه عن ملك الوارث بذلك فلا يعود إليه. ] ولا فرق بين ان يكون التعذر من الاول أو انه يطرء بعد ذلك. واما لو اوصى ابتداءا بامور ولم تكون وصيته مسبوقة بتيعين الثلث واخراجه كما إذا اوصى بالحج ابتداءا فهل يرجع المال ميراثا أو يصرف في وجوه البر، وجهان: قد يقال: بالاول لعدم امكان العمل بالوصية فيرجع المال إلى الوارث لفقد المانع. ولكن ذهب جماعة منهم الماتن (قده) إلى الثاني للقرينة العامة الخارجية على تعدد المطلوب، فان الظاهر من حال الموصي في امثال المقام ارادة عمل ينفعه، وانما عين عملا خاصا لكونه انفع في نظره من غيره، فتعيينه لمثل الحج ونحوه من الامور القربية على نحو تعدد المطلوب وإذا تعذر بعضه لا يسقط الآخر. ويؤكد ذلك عدة من الروايات الواردة في باب نسيان الوصية

[ 138 ]

[ (مسألة 10): إذا صالحه على داره مثلا وشرط عليه ان يحج عنه بعد موته صح ولزم وخرج من اصل التركة وان كان الحج ندبيا ولا يلحقه حكم الوصية، ويظهر من المحقق القمي (قده سره) في نظير المقام اجراء حكم الوصية عليه بدعوى انه بهذا الشرط ملك عليه الحج وهو عمل له اجرة فيحسب مقدار اجرة المثل لهذا العمل فان كان زائدة عن الثلث توقف على امضاء الورثة، وفيه انه لم يملك عليه الحجح مطلقا في ذمتة ثم أوصى ان يجعله عنه بل انما ملك بالشرط ] وعدم وفاء المال للعتق (1) ويظهر من ذلك كله ان غرض الموصي لا خصوصية له بالنسبة إلى ماعينه بل يرجع تعيينه لمثل ذلك إلى تعدد المطلوب. وقد استشهد في المتن بخبر علي بن سويد (2) والخبر على ما ذكره صحيح السند، إلا ان المذكور في السند ليس علي بن سويد بل هو اما علي بن مزيد كما في الفقيه أو على بن فرقد كما في الكافي والتهذيب وعلى كل تقدير لم يوثق فتكون الرواية ضعيفة. نعم لو علمنا بالخصوصية وان الوصية على نحو التقييد تبطل في صورة التعذر فلا منانع إذا من رجوع المال إلى الوراث. واما قاعدة الميسور فقد عرفت غير مرة انه لا اساس لها على انها مخدوشه في المقام


(1) الوسائل: باب 61 و 73 من أبواب الوصايا. (2) الوسائل: باب 37 من أبواب الوصايا، ح 2.

[ 139 ]

[ الحج عنه وهذا ليس مالا تملكه الورثة فليس تمليكا ووصية وانما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة (1). ] صغرى لان الجنس لا يعد ميسورا للنوع. (1) وقع الخلاف بين السيد المصنف والمحقق القمي (قدهما) في هذه المسألة. اختار المصنف خروج الحج من اصل التركة وان كان الحج ندبيا ولا يلحقه حكم الوصية، وذلك لان الجج عن الميت ليس مالا يملكه الورثة، وانما هو ملك للميت على نحو خاص من الملكية غير قابل للانتقال إلى الوراث. واختار المحقق القمي اجراء حكم الوصية عليه، فيلاحظ مع الثلث فان كان بمقدراه ينفذ وان كان ازيد توقف على امضاء الورثة، بدعوى: ان الموصي قد ملك الحج على ذمة المصالح (بالفتح) بهذا الشرط وهو عمل له اجرة فصار من جملة ممتلكات الموصي ويعامل معه معاملة الاموال المتروكة من احتساب مقدار اجرة المثل لهذا العمل وملاحظة زيادتها على الثلث وعدمها. وبعبارة اخرى: الحج الثابت في ذمة المصالح (بالفتح) بسبب الشرط مملكوك للمصالح (بالكسر) فإذا مات ينتقل إلى ورثته كساير الاموال المتروكة فحينئذ يكون امر الموصي للمصالح (بالفتح) بفعل الحج عنه وصية منه بذلك فاللازم خروجه من الثلث واورد عليه المصنف: بان الموصي قد يملك الحج مطلقا في ذمة شخص آخر، فإذا ملك عليه الحج مطلقا ثم اوصى ان يجعله عنه يعامل معه معاملة الاموال المتروكة لانه عمل له مالية واجرة فينتقل من

[ 140 ]

[ وكذا الحال إذا ملكه داره بمائة تومان - مثلا - بشرط ان يصرفها في الحج عنه أو عن غيره أو ملكه اياها بشرط ان يبيعها ويصرف ثمنها في الحج أو نحوه. فجميع ذلك صحيح ] الميت إلى الوارث ويجري عليه احكام الوصية. وقد يملك عليه الحج عنه وهذا ليس مالا تملكه الورثة فليس تمليكا ووصية وانما هو تملكيك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة. ولزيادة التوضيح نقول: الحج الذي وجب على المشروط عليه بسبب الشرط وان فرض انه ملك للميت لكنه غير قابل للانتقال إلى الورثة، فان المملوك وهو الحج عن الموصي بسبب الشرط، إذا اتى به المشروط عليه فقد سلمه إلى مالكه وهو الميت الموصي ومع تسليم المال إلى مالكه وهو الميت تفرغ ذمة المشروط عليه علم به الوارث أو جهل به فلا موجب لاحتسابه من الثلث، والاخراج من الثلث انما هو في الاموال القابلة للانتقال إلى الوارث، فليس الحج المفرض من قبيل بقية الاموال المتروكة، نظير مالو باع شيئا واشترط على المشتري بناء داره مثلا فانه يجب عليه تسليم العمل في الخارج وتسليمه انما هو بوجوده وتحققه خارجا فما ذكره القمي من الاحتساب من الثلث لاوجه له. والصحيح ان يقال انه لاوجه لما ذكره المصنف من انه ملك بالشرط وهو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة، لانه لو سلمنا انه ملك للميت فلا مانع من انتقاله إلى الوارث ومجرد ان الثابت في الذمة هو الحج عن الميت لا طبيعي الحج لا يكون مانعا عن الانتقال إلى

[ 141 ]

[ لازم من الاصل وان كان العمل المشروط عليه ندبيا، نعم له الخيار عند تخلف الشرط وهذا ينتقل إلى الوارث بمعنى ان حق الشرط ينتقل إلى الوارث فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث ان يفسخ المعاملة. ] الوارث فيكون له الابراء والاسقاط أو ايقاع مصالحة جديدة عليه، كما يكون له مطالبته وتسليمه بالحج عن الميت. كما لاوجه لما ذكره المحقق القمي من انه يحسب من الثلث، وذلك فان الحج المشروط به الصلح ليس مالا وملكا للميت لينتقل إلى الوارث فان الاشتراط لا يوجب كون الشرط ملكا للشارط، لان غاية ما يقتضيه الاشتراط لزوم العمل بالشرط وثبوت الخيار عند التخلف كما هو كذلك في غير المقام. وبعبارة اخرى: الاشتراط لا يوجب ملكية الشرط للشارط وللا يملك الشارط على المشروط عليه العمل بالشرط حتى ينتقل إلى الورثة، وانما يترتب على الاشتراط الالزام من الشارط والالتزام بالشرط من المشروط عليه، فهو يقتضي الزاما من شخص والتزاما من شخص آخر فالحج المشروط به الصلح في المقام ليس مما تركه الميت حتى يتنازع في خروجه من الثلث أو من الاصل وانما يجب الاتيان به على المشروط عليه بمقتضى الوفاء بالشرط فلو وفى بالشرط واتى بالحج فقد اتى بما وجب عليه وليس للورثة معارضته. ولو تخلف وترك الحج يثبت الخيار لتخلف الشرط. وهل يثبت الخيار للوارث أو ان الوراث اجنبي عن ذلك؟ وجهان:

[ 142 ]

اختار المصنف الاول، وذكر ان حق الشرط ينتقل إلى الوارث فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوراث ان يفسخ المعاملة. ويرده: ان الحج كما لا ينتقل إلى الوارث لعدم كونه ملكا للميت. كذلك حق الخيار بتخلف الشرط لا ينتقل إلى الوراث بيان ذلك: ان حق الخيار كسائر الحقوق وان كان ينتقل إلى الوارث ومنه خيار تخلف الشرط فلو باع شيئا واشترط على المشتري بناء داره (مثلا) ثم مات وتخلف المشتري عن العمل بالشرط كان لورثة البايع الخيار فلهم اسقاط الخيار ولهم فسخ البيع ومطالبة المشتري بالمبيع. والوجه في ذلك: ان الشرط وهو البناية؟ في مفروض المثال يرجع نفعه إلى الوارث فلذا كان الخيار المترتب على تخلفه داخلا فيما ترك فينتقل إلى الوارث فلهم اسقاطه كما ان لهم اعماله واما الشرط الذي لا ينتفع به الوارث اصلا كما في المقام فلا يكون الخيار المترتب على تخلفه مما تركه الميت فان الانتفاع به خاص بالميت نفسه فيكون الخيار أيضا مختصا به، ومن هنا ليس للورثة اسقاط هذا الخيار بل هم اجنبيون عنه وبما ان الميت لا يتمكن من اعمال الخيار للوصي أو الحاكم يصرف المال فيما شرط على المشروط عليه. والحاصل: ادلة الارث لا تشمل المقام، بل يلزم على المشروط عليه الوفاء بالشرط، والاتيان بالحج، وان تخلف يلزمه الحاكم أو الوصي بالاتيان به، وان امتنع المشروط عليه من الوفاء يفسخ الحاكم أو الوصي ويصرف الحاكم أو الوصي المال في الحج باستئجار شخص آخر. ثم ان المصنف ذكر مثالين آخرين لمورد الكلام بينه وبين المحقق القمي. احدهما: ما إذا باع داره بمائة دينار واشترط على المشتري ان

[ 143 ]

[ (مسألة 11): لو أوصى بأن يحج عنه ماشيا أو حافيا صح واعتبر خروجه من الثلث ان كان ندبيا وخروج الزائد عن اجرة الميقاتية منه ان كان واجبا. ولو نذر في حال حياته أن يحج ماشيا أو حافيا ولم يأت به حتى مات واوصى به أو لم يوص وجب الاستئجار عته من اصل التركة كذلك نعم لو كان نذره مقيدا بالمشي ببدنه امكن ان يقال بعدم وجوب الاستئجار عنه لان المنذور هو مشيه ببدنه فيسقط ] يصرف المائة في الحج عنه أو عن غيره فان المال يخرج من الاصل لعدم انتقاله إلى الوارث وبقائه على ملك الميت فلا تجري عليه احكام الوصية. ولا يخفى ان ما ذكره من غرائب ما صدر منه وذلك لان الدار قد انتقلت إلى المشروط عليه والمائة دينار قد انتقلت إلى الشارط وصارت ملكا له حال حياته فتشمله احكام الوصية، وليس هذا كالصلح المشروط بالحج المذكور في اول المسألة لان المبلغ في المثال ملك للشارط حال حياته وقد شرط على من ملكه الدار ان يصرفها في الحج، فهذا كالوصية الابتدائية بالحج بمائة دينار فلا ريب في جريان احكام الوصية حينئذ نظير مالو اودع مالا عند شخص وطلب منه الحج عنه بعد موته فانه لاكلام في جريان احكام الوصية على ذلك. ثانيهما: ان يملكه العين بشرط بيعها وصرف ثمنها في الحج عنه فالدار تنتقل إلى المشروط عليه بازاء الشرط ويجب عليه الوفاء بالشرط وهذا المثال صحيح.

[ 144 ]

[ بموته لان مشي الاجير؟ ليس ببدنه، ففرق بين كون المباشرة قيدا في المأمور به أو موردا (1). ] (1) لاريب في نفوذ الوصية على كل حال، فان كان الحج الموصى به ندبيا اخرج جميع مصارفه من الثلث، وان كان واجبا وكان حجة الاسلام اخرج اجرة الحج من الميقات من الاصل والزائد من الثلث. ولو نذر حال حياته ان يحج ماشيا أو حافيا ولم يأت به حتى مات واوصى به فان قلنا: بان الجج النذري يخرج من الثلث كما هو المختار فلا كلام، واما لو قبل بخروجه من الاصل اوصى به ام لم يوص به كما عليه المصنف، فهل يخرج الحج النذري بجميع خصوصياته التي منها كونه ماشيا أو حافيا من اصل التركة، أو يخرج منه اصل الحج النذري دون خصوصياته؟ وجهان: اختار المصنف الاول والاظهر هو الثاني. وذلك لان الذي يجب خروجه من صلب المال انما هو حج الاسلام واما غيره فلا دليل على خروجه منه، وانما ادعي الاجماع على الحاق الحج النذري بحج الاسلام ولو سلمنا كون الاجماع تاما فانما يتم في خروج اصل الحج لا في الخصوصيات. وبعبارة اخرى: الاجماع دليل لبي لابد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن وهو خروج اصل الحج النذري من الاصل لا الخصوصيات نظير الصوم المنذور في يوم معين - كيوم الجمعة - إذا صادف العيد أو اتفق له السفر، أو المرض فان القاعدة تقتضي بطلان نذره لعدم التمكن من متعلقه ولكن النص (1) دل على وجوب القضاء ومقتضاه


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب كتاب النذر، ح 1.

[ 145 ]

[ (مسألة 12): إذا اوصى بحجتين أو ازيد وقال انها واجبة عليه صدق وتخرج من اصل التركة، نعم لو كان اقراره بالوجوب عليه في مرض الموت وكان متهما. اقراره فالظاهر انه كالاقرار بالدين فيه في خروجه من الثلث إذا كان متهما على ما هو الاقوى (1). ] وجوب اصل القضاء، وجواز الغاء الخصوصيات المأخوذة فيه ككونه واقعا في يوم الجمعة أو في شهر رجب بل يقضي يوما بدل يوم. ثم انه لو فرضنا ان الدليل دل على لزوم القضاء في الحج النذري لم يكن فرق بين الصورتين اللتين ذكرهما المصنف بقوله: (ففرق بين كون المباشرة قيدا في المأمور به، أو موردا) وذلك لان نذره إذا تعلق بالحج ماشيا فلا محالة كان الواجب عليه هو المشي ببدنه لاستحالة المشي ببدن غيره فالتقييد وعدمه سيان من هذه الجهة فإذا وجب القضاء مع عدم التقييد وجب مع التقييد أيضا. فتحصل: ان الظاهر عدم وجوب قضاء الحج النذري وانما يختص بالواجب اصالة، وعلى فرض وجوب القضاء فالواجب اخراج اصل الحج دون الخصوصيات. (1) إذا كانت احدى الحجتين حجة الاسلام والاخرى الاستيجار تخرج اجرة الحجتين من الاصل، اما اجرة حجة الاسلام فواضحة لان الايصاء، والاخبار بها اقرار بالدين حقيقة أو تنزيلا وكذلك بالنسبة إلى اجرة الحج الاستيجاري، لان الاخبار بها اقرار بالدين حقيقة، ولاريب في نفوذ الاقرار بالنسبة إلى الدين وغيره لاستقرار

[ 146 ]

[ (مسألة 13): لو مات الوصي بعدما قبض من التركة اجرة الاستئجار وشك في انه استأجر الحج قبل موته اولا فان مضت مدة يمكن الاستئجار فيها فالظاهر حمل امره على الصحة مع كون الوجوب فوريا منه ومع كونه موسعا اشكال، وان لم تمض مدة يمكن الاستئجار فيها وجب الاستئجار من بقية التركة إذا كان الحج واجبا ومن بقية الثلث إذا كان مندوبا، وفي ضمانه لما قبض وعدمه لاحتمال تلفه عنده بلا ضمان وجهان، نعم لو كان المال المقبوض موجودا اخذ حتى في الصورة الاولى وان احتمل ان يكون ] سيرة العقلاء مضافا إلى ما يستفاد من النصوص الكثيرة المنتشرة في ابواب متفرقة كالروايات في باب الاموال، والرقية، والزوجية، ويستنتج منها قاعدة كلية وهي نفوذ الاعتراف والاقرار بالنسبة إلى ما عليه. واما النبوي المعروف (اقرار العقلاء على انفسهم جائز) فضعيف السند جدا وكذا مرسل العطار (قال: المؤمن اصدق على نفسه من سبعين مؤمنا عليه) (1). هذا كله إذا كان الجج المقر به واجبا ماليا كالجح الاستيجاري واما إذا كان واجبا نذريا فخروجه من الاصل أو الثلث يبتني على الخلاف بيننا وبين المصنف.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب كتاب الاقرار، ح 2 و 1.

[ 147 ]

[ استأجر من مال نفسه إذا كان مما يحتاج لالى بيعه وصرفه في الاجرة وتملك ذلك المال بدلا عما جعله اجرة لاصالة بقاء ذلك المال على ملك الميت (1). ] (1) لو قبض الوصي اجرة الاستئجار ثم مات وشك في انه استأجر الحج قبل موته أولا، ذكر في المتن لذلك صورتين. الاولى: مضي زمان لا يمكن فيه عادة الاستيجار، فلا ريب في انه يجب الاستيجار فيها من الاصل إذا كان الحج واجبا ومن الثلث إذا كان مندوبا، ويسترجع مال الاجارة من ورثة الوصي إذا كان المال موجودا وإلا فلا ضمان على الوصي إذا لم يكن مفرطا، لان المال امانة عنده ولاضمان على الامين. الثانية: ما إذا مضت مدة يمكن فيها الاستئجار وهي على قسمين: احدهما: ما إذا كان الوجوب فوريا وشك في ان الوصي هل عمل بوظيفته ام لا، وهل استأجر في هذه السنة ام لا؟ حمل في المتن امره على الصحة فتفرغ ذمة الميت. ثانيهما: ما إذا كان الوجوب موسعا غير مقيد بسنة خاصة استشكل الماتن فيه في حمل امره وفعله على الصحة. وقد يقال: بان جريان اصالة الصحة في المقام عند المصنف من جهة ان الموصي إذا كان مؤمنا خصوصا إذا كان متورعا لا يترك ما وجب عليه، والمفروض ان الواجب فوري لا يجوز تأخيره، واصالة الصحة تقتضي صدور الاستئجار منه والمبادرة من الوصي إليه ولذا استشكل في جريان اصالة الصحة في الواجب الموسع لان ترك الاستئجار

[ 148 ]

فيه وعدم المبادرة لا ينافيان التورع. ولكن الظاهر عدم ارادة المصنف هذا المعنى من اصالة الصحة لان غاية ما تقتضيه اصالة الصحة - على هذا المعنى - عدم ارتكاب المؤمن المعصية، واما وقوع عقد الايجار منه فلا يثبت باصالة الصحة نظير ما إذا كان المؤمن مدينا ومطالبا فانه لا يمكن الحكم بالاداء بحمل فعله على الصحة. ويؤيد عدم ارادة هذا المعنى اشكاله وتردده في الواجب الموسع، إذ لو كان مراده من اصالة الصحة عدم ارتكاب المؤمن الحرام لاوجه للتوقف والتردد في جريان اصالة الصحة في الواجب الموسع لعدم الحرمة في التاخير وعدم وجوب المبادرة إليه قطعا إذ لانحتمل ارتكابه للمحرم ليحمل فعله على الصحة. والظاهر ان كلامه (ره) ناظر إلى صورة صرف المال وعدم وجدانه عند الوصي للتصريح في اخر كلامه بقوله: (نعم لو كان المال المقبوض موجودا اخذ) فيعلم ان مورد كلامه قبل ذلك عدم وجود المال عند الوصي وكذا استشكاله في اجراء الصالة الصحة في الواجب الموسع قرينة اخرى على ان كلامه ناظر إلى عدم وجود المال. وبالجملة: مورد كلامه هو ما إذا تصرف الوصي في المال ولم يكن المال موجودا عنده وشك في انه هل صرفه في استيجار الحج ام لا؟ فان كان الواجب فوريا حمل فعله على الصحة وتحكم بصحة تصرفه وانه صرف المال في استيجار الحج، وان كان الواجب موسعا يجوز له صرفه في الاستيجار للحج كما يجوز له صرفه في غيره مما يرى فيه المصلحة ففي جريان اصالة الصحة اشكال. هذا إذا كان المال غير موجود. واما إذا كان المال المقبوض موجودا فيحتمل ان بقاء المال عنده

[ 149 ]

كان على وجه مشروع - كما لو اعطى الاجرة من مال أخر - كما يحتمل ان بقائه عنده كان غير مشروع - لان المفروض ان الواجب فوري فيكون عدم صرف المال في الاستيجار امرا غير مشروع. وبعبارة اخرى: نشك في ان استيلائه على المال كان مشروعا أولا واصالة الصحة بالنسبة إلى بقاء المال عنده واستيلائه عليه لا تثبت لازمه وهو صرف بدله في الاستيجار للحج. وملخص كلامه: ان اصالة الصحة والحكم بتحقق الاستيجار انما تجري فيما لم تكن عين مال الاجارة موجودة، واما إذا كانت موجودة فلا تجري بل يحكم ببقاء العين على ملك مالكها وهو الميت الموصي، هذا ولكن الصحيح عدم جريان اصالة الصحة اصلا حتى فيما إذا كان المال غير موجود، لان اصالة الصحة الثابتة بالسيرة الشرعية انما تجري في كل فعل صادر من الفاعل شك في صحته وفساده من جهة الشك في وجدانه للاجزاء والشرائط سواء كان من المعاملات كالعقود والايقاعات أو العبادات كالصلاة ونحوها، واما لو لم يحرز صدور الفعل منه فاصالة الصحة لا تتكفل بوقوع الفعل منه خارجا وصدور منه، فصرف المال في المقام وان كان محرزا خارجا لكن وقوع الايجار منه مشكوك فيه ولا يثبت باصالة الصحة، نظير ما إذا اعطى المدين المال إلى الوكيل ليعطيه للدائن وصرف الوكيل المال فانه لا يمكن اثبات برائة المدين بحمل فعل الوكيل على الصحة. والحاصل: مدرك اصالة الصحة هو السيرة المتشرعة والقدر المتيقن منها جريان اصالة الصحة فيما إذا كان العمل بنفسه محرزا وجدانا وشك في وقوعه صحيحا ام لا، واما لو كان العمل بنفسه مشكوكا فيه فلا يثبت باصالة الصحة من دون فرق بين وجود المال وعدمه.

[ 150 ]

[ (مسألة 14): إذا قبض الوصي الاجرة وتلف في يده بلا تقصير لم يكن ضامنا ووجب الاستئجار من بقية التركة أو بقية الثلث وان اقتسمت على الورثة استرجع منهم، وان شك في كون التلف عن تقصير اولا فالظاهر عدم الضمان أيضا، وكذا الحال ان استأجر ومات الاجير ولم يكن له تركة أو لم يمكن الاخذ من تركته (1). ] (1) قد ذكرنا في بعض المباحث السابقة، ان ثبوت الدين بالنسبة إلى المال من باب الكلي في المعين. فلو تلف شئ من التركه قبل اداء الدين لا ينقص من الدين شئ اصلا فان الارث بعد الدين، واما الوصية بالمال فثبوتها على نحو الاشاعة، فان الظاهر من النفوذ بمقدار الثلث وكون الثلثين للورثة هو الاشاعة، لان ذكر النسب والمقادير ظاهر في الاشاعة، فلو تلف شئ من التركة قبل التقسيم يحسب على الجميع وينقص من الثلث أيضا، ويكون الثلث من الباقي لان نسبة التالف إلى المال على حد سواء وبالجملة: تنفذ الوصية بمقدار الثلث وثبوتها في المال المتروك على نحو الاشاعة، واما الدين فهو على نحو الكلي في المعين، وقد ثبت ان الحج دين فلو تلف من التركة شئ أو تلف المال كله وبقي بمقدار الحج لابد من ادائه ولا ينقص منه شئ. ويترتب على ذلك ما ذكر في هذه المسألة من لزوم اعطاء الحج من بقية التركة فان الارث بعد اداء الحج، ومجرد اخذ الاجرة ولا يوجب فراغ ذمه الميت ما لم يؤد الحج بل لابد من الحج اولا ثم تقسيم المال

[ 151 ]

[ (مسالة 15): إذا اوصى بما عنده من المال للحج ندبا ولم يعلم انه يخرج من الثلث اولا لم يجز صرف جميعه (1). ] بين الورثة ولو اخذ الوصي الاجرة وتلف في يده بلا تقصير لم يكن ضامنا لانه امين، ولو فرض تقسيم المال بين الورثة استرجع منها لانكشاف بطلان القسمة، لان القسمة انما تصح بعد اداء الدين لتقدم الوفاء به على الارث هذا كله في الحج الواجب الاصلي. واما في مورد الوصية بالحج فإذا اخذ الوصي الاجرة فتلفت عنده من غير تفريط فلا ضمان عليه ولابد ممن اخراج الحج من الثلث. ولو شك في كون التلف عن تقصير ام لا، فالظاهر عدم الضمان لانه يشك في كون التلف موجبا لضمانه ام لا، والاصل هو البرائة عن الضمان، فان التلف السماوي وشبهه لا يوجب الضمان والذي يوجبه هو التلف المستند إلى تفريطه وتفويته فلو شك في استناد التلف إلى تفويته وتفريطه فالاصل عدمه. وبذلك تظهر الحال فيما إذا استأجر شخصا للحج واعطى مال الاجارة قبل الاتيان بالحج - كما هو المتعارف خصوصا في باب الحج - ومات الاجير قبل اداء الحج وفرضنا ان الاجير لم يكن له مال ليؤخذ منه أو لم يمكن الاخذ من ورثته فيحيئذ يجب الاخراج من بقية التركة ويستؤجر شخص اخر ان كان الحج واجبا اصليا وإلا فمن الثلث. (1) لو كان عنده مقدار من المال واوصى ان يصرف خصوص هذا المال من الحج المندوب وشك في ان هذا المال بمقدار الثلث أو ازيد فهل تنفذ الوصية حينئذ ام لا؟.

[ 152 ]

[ نعم لو ادعى ان عند الورثة ضعف هذا أو انه اوصى سابقا بذلك والورثة اجازوا وصيته، ففي سماع دعواه وعدمه وجهان (1). ] ربما يحتمل نفوذ الوصية للترديد بين الصحة والبطلان لان المال لو كان بمقدار الثلث فالوصية صحيحة ولو كان ازيد فتبطل، ومقتضى اصالة الصحة هو الحمل على الصحيح، فان الوصية ايقاع صادر من الوصي ونشك في صحته وفساده فيحمل على الصحة. وفيه: ما تقدم من ان اصالة الصحة بمعنى ترتيب الاثر على العقد أو الايقاع (لا بمعنى عدم ارتكاب الحرام) مستندها السيرة القطعية ولكن مورد هذه السيرة ما إذا احرزنا ولاية العامل على الفعل وشك في انه اوقعه على الوجه الصحيح ام لا فيحمل فعله حينئذ على الصحة واما إذا شك في اصل ثبوت الولاية فلا يمكن اثبات الصحة بالاصل كما إذا تصدى احد لبيع دار زيد وشك في ولايته على ذلك لم يجز الشراء منه باصالة الصحة في بيعه وكذا إذا كانت عين موقوفة في يده واراد بيعها وشك في انه هل له الولاية على ذلك ام لا؟ لا يمكن الحكم بصحة بيعه باصالة الصحة. وبالجملة: لادليل على جريان اصالة الصحة في جميع موارد الشك في الصحة الفساد، وانما قام الدليل على اجرائها في موارد الشك في وجدان العمل للشرائط والاجزاء بعد احراز الولاية على العمل. (1) ذكر بعضهم انه يسمع دعواه لانه اخبار عما في يده وتحت اختياره وفيه: انه لم تثبت حجية اخبار ذي اليد عما في يده بجميع ما يرجع

[ 153 ]

[ (مسألة 16): من المعلوم ان الطواف مستحب مستقلا من غير ان يكون في ضمن الحج، ويجوز النيابة فيه من الميت وكذا عن الحي إذا كان غائبا عن مكة أو حاضرا وكان معذورا في الطواف بنفسه، وأما مع كونه حاضرا وغير معذور فلا تصح النيابة عنه (1) واما سائر افعال الحج فاستحبابها ] إلى ما تحت يده، نعم لو رجع اخباره عما في يده إلى الاقرار على نفسه يسمع، كما إذا اخبر بان ما في يده مغصوب، واما الاخبار ببقية الجهات فلا دليل على السماع منه، ولذا ذكروا انه لو اخبر بكرية الماء الذي في يده لا يسمع منه، فالاخبار عن اجازة الورثة أو ان المال بمقدار الثلث يحتاج إلى الاثبات. - (1) لا ينبغي الاشكال في كون الطواف مستحبا نفسيا مستقلا ولو لم يكن في ضمن اعمال الحج أو العمرة كاستحباب الصلاة في نفسها، كما في النصوص وقد عقد في الوسائل ابوابا تتضمن ذلك (1) كما انه تجوز النيابة فيه عن الميت والحي لاطلاق جملة منها، وخصوص بعض الروايات، كالنصوص الواردة في الطواف عن المعصومين (عليهم السلام) احياءا وامواتا، كما لافرق بين كون المنوب عنه غائبا عن مكة أو حاضرا معذورا، لدلالة جملة من النصوص المعتبرة (3) ولاطلاق


(1) الوسائل: باب 4 و 9 من أبواب الطواف. (2) الوسائل: باب 26 من أبواب النيابة في الحج. (3) الوسائل: باب 18 من أبواب النيابة في الحج.

[ 154 ]

[ مستقلا غير معلوم حتى مثل السعي بين الصفا والمروة (1). ] ما ورد في المبطون والمريض (1). نعم ورد المنع في خصوص المقيم الحاضر في مكة إذا لم يكن معذورا كما في صحيح اسماعيل بن الخالق (2). (1) لاريب في عدم استحباب سائر افعال الحج مستقلا كالوقوفين أو المبيت في منى ورمي الجمار لعدم الدليل عليه. واما السعي فربما يقال باستحبابه مستقلا لصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل من الانصار: إذا سعيت بين الصفا والمروة كان لك عند الله أجر من حج ماشيا من بلاده، ومثل أجر من اعتق سبعين رقبة مؤمنة (3) بدعوى ان الظاهر من قوله: (إذا سعيت بين الصفا والمروة. الخ) ترتب الثواب على نفس السعي وان لم يكن في ضمن اعمال الحج فان ذكر السعي في قبال الحج - مع ان كل حج فيه السعي - يدل على ترتب الثواب على السعي في نفسه. ولكن هذا الاستدلال انما يتم بناءا على ورود الصحيحة في خصوص السعي بنفسه كما في المحاسن والوسائل، إلا ان الامر ليس كذلك لان الصحيحة المذكورة لم تقتصر على ذكر السعي وثوابه فقط ليستفاد منه الاستحباب النفسي بل كان السعي في جملة ما ذكر في هذه الصحيحة


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب الطواف. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب الطواف، ح 1. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب السعي ح 15 وفي المحاسن: ص 65.

[ 155 ]

من بيان النبي (صلى الله عليه وآله) لما يترتب على اعمال الحج من الثواب في المحاورة التي دارت على بينه صلى الله عليه وآله وبين الانصاري حيث رواها الشيخ والصدوق في التهذيب والفقيه على النحو التالي بنفس السند. وكذلك الوسائل رواها في الباب الثاني من اقسام الحج الحديث 7 ففي التهذيب، عن ابن محبوب عن علي بن رئاب عن محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول وهو يحدث الناس بمكة فقال: ان رجلا من الانصار جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يسأله فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان شئت فسل وان شئت اخبرتك عما جئت تسألني عنه؟ فقال اخبرني يا رسول الله فقال: جئت تسألني مالك في حجك وعمرتك، فان لك إذا توجهت إلى سبيل الحج ثم ركبت راحلتك ثم قلت بسم الله والحمد لله ثم مضت راحلتك لم تضع خفا ولم ترفع خفا إلا كتب لك حسنة ومحى عنك سيئة فإذا احرمت ولبيت كان لك بكل تلبية لبيتها عشر حسنات. إلى ان يقول صلى الله عليه وآله فإذا سعيت بين الصفا والمروة كان لك مثل اجر من حج ماشيا. الخ) ورواه الصدوق في الفقيه نحوه (1). ومن الواضح انه صلى الله عليه وآله في مقام بيان الثواب لاعمال الحج ومناسكه، فلا يستفاد من ذلك ترتب الثواب على كل واحد من الافعال مستقلا ولو لم يكن في ضمن الحج. واستدل أيضا لاستحباب السعي لنفسه بخبر أبي بصير، قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول ما من بقعة احب إلى الله من المسعى لانه يذل فيه كل جبار) (2). وفيه: ان يدل على فضيلة للمسعى وان المكان مكان شريف مبارك


(1) التهذيب: ج 5 ص 20 والفقيه: ج 2 ص 130. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب السعي ح 4.

[ 156 ]

[ (مسألة 17): لو كان عند شخص وديعة ومات صاحبها وكان عليه حجة الاسلام وعلم أو ظن ان الورثة لا يؤدون عنه ان ردها إليهم جاز - بل وجب عليه - ان يحج بها عنه وان زادت عن اجرة الحج رد الزيادة إليهم (1) لصحيحة بريد (عن رجل استودعني مالا فهلك وليس لوارثه شئ ولم يحج حجة الاسلام قال (ع): حج عنه وما فضل فاعطهم) وهي وان كانت مطلقة الا ان الاصحاب قيدوها ] حيث يذل فيه الجبابرة لمشيهم وهرولتهم ونحو ذلك في المسعى ولا يدل على فضيلة لنفس السعي. ثم ان المذكور في السند على ما في الوسائل محمد بن الحسين عن محمد بن مسلم عن يونس، عن أبي بصير فتكون الرواية معتبرة، ولكن الرواية مروية في العلل (1) وفيه محمد بن اسلم بدل محمد بن مسلم وكذا في الكافي (2) والوافي وهو الصحيح إذ لم تثبت رواية محمد بن الحسين عن محمد بن مسلم ولا رواية محمد بن مسلم عن يونس عن أبي بصير، فتكون الرواية ضعيفة على مسلك المشهور لان محمد بن اسلم لم يوثق في الرجال، ولكن الرواية موثقة على المختار لانه من رجال كامل الزيارات، فالعمدة ضعف الدلالة كما عرفت. (1) هذا الحكم في الجملة مما لا خلاف فيه والصحيحة المذكورة في


(1) العلل: ص 433. (2) الكافي: ج 4 ص 434.

[ 157 ]

[ بما إذا علم أو ظن بعدم تأديتهم لو دفعها إليهم. ] المتن (1) واضحة الدلالة، إلا انه يقع الكلام في جهات تعرض إليها المصنف. الاولى: ان الصحيحة مطلقة تشمل حتى صورة احتمال تأدية الوارث الحج، ولكن الاصحاب قيدوها بما إذا علم الودعي أو ظن بعدم تأدية الورثة الحج لو دفع المال إليهم. واما إذ احتمل تأديتهم له فيدفع المال إليهم. والظاهر انه لاوجه لهذا التقييد، فان الظن لا يعبأ به لانه لو كان معتبرا فهو ملحق بالعلم وإلا فحاله حال الشك، وكيف كان: لا موجب لرفع اليد عن اطلاق الصحيحة بل مقتضى اطلاقها وجوب صرف المال في الحج على الودعي وان احتمل تأدية الوارث له، ولا اثر للاحتمال بعد اطلاق الصحيحة، نعم لو علم بان الوارث يؤدي الحج فالرواية منصرفة عن هذه الصورة، فاثبات الولاية للودعي وجواز التصرف له حتى في صورة العلم بالاداء مشكل. الثانية: هل يحتاج تصرف الودعي في المال وصرفه في الحج إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي ام لا؟ وجهان. الظاهر هو العدم لاطلاق النص ولان الظاهر منه انه في مقام بيان الحكم الشرعي الكلي لهذه المسألة وان الولاية ثابتة له باصل الشريعة، لا في مقام بيان الاجازة الشخصية من الامام أو الحاكم، فلا حاجة إلى الاستئذان بعد تجويز الشارع وبيان الحكم الالهي الكلي. الثالثة، هل يختص جواز التصرف للودعي بما إذا لم يكن لوارثه مال كما هو مورد النص لقوله (ع): (وليس لولده شئ) ام لا؟


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب النيابة في الحج ج 5 1؟

[ 158 ]

الصحيح هو الثاني كما في المتن، ولا اثر لوجود المال وعدمه للورثة، فان الظاهر من النص ان السؤال انما هو من جهة احتمال صرف الورثة المال في غير الحج وتضييع الحج وتفويته على صاحب المال، وهذا لا يفرق فيه بين كون الوارث غنيا، أو فقيرا فلو فرض ان الوارث غني ذو مال ولكن لا يؤد الحج عن والده لا يجوز اعطاء المال له، وانما ذكر في النص (وليس لولده شئ) لكون ذلك سببا عاديا لاحتمال صرف الوارث المال على نفسه فالمقصود عدم اعطاء المال في مورد يحتمل فيه اضاعة الحج سواء كان الوارث له شئ ام لا. الرابعة هل يختص جواز الصرف بحج الودعي نفسه عن صاحب المال أو يجوز له الاستئجار للحج عنه؟. الظاهر عدم الفرق لان الغرض تفريغ ذمة الميت وارجاع الباقي إلى الوارث، ففي كل مورد احتمل عدم عمل الوارث بالوظيفة، وعدم صرف المال في الحج، يجب على الودعي صرفه في الحج عنه مطلقا سواء حج عنه بنفسه أو استأجر شخصا آخر للحج عنه. الخامسة: عن هل يتعدى مورد الوديعة إلى غيرها مما يكون المال عنده كالعارية والعين المستأجرة بل والمغصوبة ام لا؟ الظاهر هو الالحاق، إذ لاريب في ان ذكر الوديعة في الصحيحة من باب المثال، ولا نحتمل اختصاص الحكم بالوديعة والظهور العرفي يقتضي بان جهة السؤال في الرواية متمحضة في وجود مال عند احد لم يحج صاحبه فلا خصوصية للوديعة. السادسة: هل يلحق بحجة الاسلام غيرها مما يجب على الميت، فيه كلام.

[ 159 ]

[ وهي وان كانت مطلقة إلا أن الاصحاب قيدوها بما إذا علم أو ظن بعدم تأديتهم لو دفعها إليهم ومقتضى اطلاقها عدم الحاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي، ودعوى أن ذلك للاذن من الامام (ع) كما ترى لان الظاهر من كلام الامام (ع) بيان الحكم الشرعي ففى مورد الصحيحة لا حاجة إلى الاذن من الحاكم، والظاهر عدم الاختصاص بما إذا لم يكن للورثة شئ، وكذا عدم الاختصاص بحج الودعي بنفسه لانفهام الاعم من ذلك منها، وهل يلحق بحجة الاسلام غيرها من اقسام الحج الواجب أو غير الحج من سائر ما يجب عليه مثل الخمس والزكاة والمظالم والكفارات والدين اولا؟ ] والصحيح ان يقال ان هذا ينقسم إلى قسمين: احدهما: التكاليف المحضة غير المالية، وان احتاج الاتيان بها إلى بذل المال كالصلاة والصوم ونحوهما. ثانيهما: ما يجب عليه ادائه من الديون الشخصية كديون الناس، أو الشرعية كالزكاة والخمس والمظالم. اما الاول: فلا ينبغي الشك في عدم الحاقها بحج الاسلام بناءا على المختار من عدم خروجها من اصل التركة لسقوطها بالموت كساير التكاليف والواجبات الشرعية، ولا يبعد ان تكون الكفارات من قبيل ذلك، فحينئذ لا موضوع للبحث بالنسبة إليها، نعم بناءا على ما اختاره

[ 160 ]

[ وكذا هل يلحق بالوديعة غيرها مثل العارية والعين المستأجرة والمغصوبة والدين في ذمته اولا؟ وجهان قد يقال بالثاني لان الحكم على خلاف القاعدة إذا قلنا ان التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث وإن كانوا مكلفين باداء الدين ومحجورين عن التصرف قبله، بل وكذا على القول ببقائها معه على حكم مال الميت لان أمر الوفاء إليهم فلعلهم ارادوا الوفاء من غير هذا المال أو ارادوا أن يباشروا العمل الذي على الميت بانفسهم، ] المصنف من خروجها من اصل التركه كان الحكم فيها هو الحكم في القسم الثاني. واما الثاني: فقد اختار المصنف جواز الصرف مع العلم أو الظن القوي بعدم تأدية الورثة. وليعلم اولا: ان الحكم بجواز الصرف للودعي على خلاف القاعدة لان مقتضاها عدم جواز تصرف أحد في مال الغير سواء قلنا بعدم انتقال المال بمقدار الدين إلى الوارث وبقائه على ملك الميت أو قلنا: بالانتقال إليه وان وجب عليه صرفه في دين الميت، فعلى كل تقدير لا يجوز لاحدان يتصرف في هذا المال اما على القول بان التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث - وان كانوا مكلفين باداء الدين ومحجورين عن التصرف قبل الادا - فالامر واضح لان المال ملك الورثة فلا يجوز للودعي ولا لغيره التصرف فيه بدون اذنهم وان قلنا: بعدم انتقال المال إليهم وبقائه على ملك الميت فلا يجوز له التصرف فيه أيضا لان

[ 161 ]

المال وان لم ينتقل إلى الورثة ولكن الولاية ثابتة لهم لان امر الوفاء يرجع إليهم فلعلهم أرادوا الوفاء من غير هذا المال، بل الوارث في صورة عدم الانتقال بمقدار الدين شريك مع الميت إذا كان المال ازيد من الدين (مثلا) لو كان دينه مائة دينارا وكان المال المتروك مأتين فان الوارث يكون شريكا مع الميت حينئذ فكيف يجوز لغيره تقسيمه والتصرف فيه. وكيف كان: لا يجوز للودعي التصرف في المال اما لان المال للوارث أو انه شريك فيه وما انه للميت ولكن الوارث له الولاية عليه فلا بد من الاستئذان منه. فدعوى صاحب المستند: ان وفاء الدين واجب كفائي على كل من قدر على ذلك، ضعيفة جدا، لان مجرد ذلك لا يجدي في جواز التصرف إلا في مورد الحج. هذا كله ما تقضيه القاعدة ولكن مع ذلك استدل لجواز التصرف بامور. الاول: ان ذكر الحج في الرواية من باب المثال وإلا فلا خصوصية للحج، كما ان ذكر الوديعة كان من باب المثال أيضا. وفيه: ان ظاهر النص هو الاختصاص بالحج، وكونه من باب المثال يحتاج إلى قرينة وهي مفقودة. الثاني: تنقيح المناط واستدل به غير المصنف أيضا. ويرد: بانه قياس لا نقول به على ان الاولوية غير ثابتة لان الحج اهم من سائر الديون حتى الديون المتعارفة، فلا مجال للتعدي بتنقيح المناط. الثالث: انا إذا قلنا ببقاء المال على ملك الميت وعدم انتقاله إلى الوارث فيجب على من عنده المال صرفه على الميت ولا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه لانه دفع إلى غير المستحق.

[ 162 ]

[ والاقوى مع العلم بان الورثة لا يؤدون بل مع الظن القوي ايضا جواز الصرف فيما عليه، لا لما ذكر في المستند: من ان وفاء ما على الميت من الدين أو نحوه واجب كفائي على كل من قدر على ذلك واولوية للورثه بالتركة انما هي ما دامت موجودة واما إذا بادر احد إلى صرف المال فيما عليه لا يبقى مال حتى تكون الورثة اولى به، إذ هذه الدعوى فاسدة جدا بل لامكان فهم المثال من الصحيحة، أو دعوى تنقيح المناط أو ان المال إذا كان بحكم مال الميت صرفه عليه ولا ] وإذا قلنا بالانتقال إلى الوارث - وان وجب عليه صرفه في دين الميت - فيجوز للودعي صرفه فيما على الميت من باب الحسية غاية الامر ان الصرف يكون باجازة الحاكم الشرعي لانه ولي من لاولي له، ولو دفعه إلى الوارث ضمن لتفويته على الميت. نعم لو لم يعلم ولم يظن عدم تأدية الوراث يجب الدفع إليه، بل لو كان الوارث منكرا أو ممتنعا وامكن اثبات ذلك عند الحاكم أو امكن اجباره عليه لا يجوز له التصرف في المال، وانما يجوز له التصرف في صورة واحدة وهي ما لو علم أو ظن بان الورثة لا يؤدون ما على الميت. اقول: إذا بنينا على ان المال لم ينتقل إلى الوارث بل هو للميت أو انه مشترك بين الميت والوارث - وان كان الوارث له الولاية - فلا يجوز للودعي تسليم المال إلى الوارث جزما في صورة العلم بعدم الاداء أو الظن أو الشك فيه، ولو سلمه اياه يكون مفوتا على الميت، ولكن

[ 163 ]

[ يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه، بل وكذا على القول بالانتقال إلى الورثة حيث انه يجب صرفه في دينه فمن باب الحسبة يجب على من عنده صرفه عليه ويضمن لو دفعه إلى الوارث لتفويته على الميت، نعم يجب الاستئذان من الحاكم لانه ولي من لا ولي له ويكفي الاذن الاجمالي فلا يحتاج إلى اثبات وجوب ذلك الواجب عليه - كما قد يتخيل - نعم لو لم يعلم ولم يظن عدم تأدية الوارث يجب الدفع إليه، بل لو كان الوارث منكرا أو ممتنعا وامكن اثبات ذلك عند الحاكم أو امكن اجباره عليه لم يجز لمن عنده ان يصرفه بنفسه. ] كما لا يجوز له تسليم المال إلى الوارث لا يجوز له التصرف بنفسه لعدم الولاية له على ذلك، نعم في خصوص الحج ثبتت له الولاية، وجوز الشارع له التصرف واما في غير الحج مما وجب على الميت فلا ولاية لمن عنده المال فلابد من لاستيذان من الحاكم الشرعي. وان قلنا بان المال ينتقل إلى الوارث - وان وجب عليه صرفه في دين الميت - فالمال ماله وملكه ولو سلمه اياه سلم المال إلى مالكه وصاحبه فلا وجه لضمان الودعي لو دفعه إليه - كما في المتن - بدعوى: انه فوت المال على الميت واتلفه، إذا كيف يكون متلفا ومفوتا مع تسليم المال إلى مالكه وما القول بجواز تصرف الودعي في اداء دين الميت من باب الحسبة فغير صحيح لان وجوب الصرف متوجه إلى الوارث فقط فكيف يجوز الصرف للودعي من باب الحسبة.

[ 164 ]

والحاصل: لو قلنا بان المال ملك الميت أو انه مشترك فيه فلا يجوز للودعي تسليم المال إلى الوارث لانه يدفعه إلى غير المستحق، وولايته على المال ساقطة كما لا ولاية للودعي أيضا في التصرف في المال، ويجب عليه الاستئذان من الحاكم الشرعي. وهذا الوجه هو المعتمد عندنا لما ذكرنا غير مرة ان المال بمقدار الدين لا ينتقل إلى الوارث فغير حج الاسلام من الواجبات المالية والديون حكمه حكم حج الاسلام في جواز التصرف للودعي في المال لكن يعتبر في الاستجازة من الحاكم. ولو قيل بالانتقال إلى الوارث وكان منكرا للدين، وكان انكاره عن عذر كعدم العلم ونحوه، فلا يجوز للودعي التصرف في المال من باب الحسبة لفرض وجود المالك ولا دليل على جواز تصرف غيره حسبة في هذا الفرض فلا يدخل المقام في كبري مسألة الامور الحسبية بل لو علمنا انه معترف بالدين ولكنه ممتنع من الاداء لا يجوز التصرف للودعي أيضا، وانما ذلك وظيفة الحاكم الشرعي فيأخذه منه أو يتقاص منه الدائن. واما لو كان منكرا معذورا فليس لاحد اخذ المال حتى الحاكم. ثم ان كل مورد قلنا بجواز التصرف للودعي لابد من تقييده بما إذا كان المال المتروك منحصرا بما في يده ولا يملك الميت مالا آخر أو كان له مال آخر لكنه اقل من الدين ففي هذين الفرضين لا يجوز لمن عنده المال اعطائه إلى الوارث لان اعطاء المال إلى غير من يستحقه غير جائز غاية الامر قد عرفت ثبوت الولاية للوارث ولكن لا تثبت له الولاية فيما إذا كان الحق في معرض الاضاعة والتلف. وإما إذا كان الميت يملك مالا آخر يفي باداء الدين كما إذا ترك مأتي دينار أو اكثر وكان دينه مائة دينار وكان المال المودع مائة دينار أو اقل فان الميت حينئذ لا يملك شيئا من الوديعة استقلالا أو اشتراكا

[ 165 ]

[ (مسألة 18): يجوز للنائب بعد الفراغ عن الاعمال للمنوب عنه ان يطوف عن نفسه وعن غيره، وكذا يجوز له ان يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه وعن غيره (1). ] وانما حقه كما عرفت كلي في تمام تركته وثابت في جميع المال المتروك وليس المال المودع ملكا للميت وانما هو كغيره من المال المتروك ملك للوارث ولابد من اخراج الدين من مجموع المال المتروك الجامع بين المال المودع وغيره، فلو اعطى المال إلى الوارث فقد اعطاه إلى اهله ومالكه ولا يضمنن الودعي ولو لم يؤد الوارث الدين، فالقاعدة تقتضي جواز اعطاء المال إلى الوارث نعم إذا كان الوارث منكرا أو ممتنعا يجبره الحاكم، وإذا كان معذورا في انكاره فليس لاحد اجباره حتى الحاكم، فلا بد من التفصيل بين ما إذا كان الميت لا يملك مالا آخر يفي بالدين وبين ما يملكه. (1) لاطلاق الروايات الدالة على رجحان الطواف (1) وخصوص بعض الروايات الدالة على جواز طواف النائب عن نفسه أو عن غيره (2). كما يجوز له ان يأتي بعمرة مفردة لنفسه أو عن غيره، واما اعتبار الفصل بين العمرتين فيختص بعمرتين مفردتين عن نفسه لا العمرة المفردة وعمرة التمتع كما لا يعتبر الفصل فيما إذا كانت احدى العمرتين عن نفسه والاخرى عن غيره وسيأتي التعرض لتفصيل ذلك في البحث عن العمرة (ان شاء الله تعالى).


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب الطواف. (2) الوسائل: باب 21 النيابة في الحج.

[ 166 ]

[ (مسألة 19): يجوز لمن اعطاه رجل مالا لاستئجار الحج ان يحج بنفسه ما لم يعلم انه اراد الاستئجار من الغير، والاحوط عدم مباشرة إلا مع العلم بان مراد المعطي حصول الحج في الخارج، وإذا عين شخصا تعين إلا إذا علم عدم اهليته وأن المعطي مشتبه في تعيينه أو ان ذكره من باب أحد الافراد (1). ] (1) إذا اعطى شخص مالا لاحد لاستئجار الحج، فهل يجوز لمن اخذ المال ان يحج بنفسه أو يجب عليه الاستئجار؟ في المسألة ثلاث صور: الاولى: ما إذا علمنا بان النظر المعطي وقوع الحج خارجا من أي شخص كان، فحينئذ لا ينبغي الشك في جواز ان يحج بنفسه، نظير ما لو اعطى له مالا ليدفعه إلى الفقراء واحرزنا ان غرض المعطي ايصال المال إلى من يستحقه فلا ريب في جواز اخذه منه إذا كان فقيرا. الثانية: ما إذا احرز خلاف ذلك وان غرضه استئجار شخص آخر وكان الآخذ واسطة في الايصال، فلا ريب في عدم جواز الحج بنفسه. الثالثة: ما إذا شك في ذلك ولم يعلم انه اراد الاعم أو خصوص الغير، ظاهر المتن جواز الحج له بنفسه لانه خص عدم الجواز بصورة العلم بارادة الغير ثم احتاط في عدم المباشرة. والظاهر عدم الجواز لان التصرف في مال الغير يحتاج إلى احراز الرضا والاذن ومع الشك لا يجوز التصرف فلا بد من احراز مراده وانه اراد الاعم منه ومن غيره، وإلا فلا يجوز كما هو الحال في الصدقات والتبرعات.

[ 167 ]

واما إذا اعطاه مالا ليستأجر شخصا معينا تعين إلا إذا علم ان ذكره من باب المثال وبيان المورد. ولو علم ان المعطي اشتبه في تعيينه لعدم اهليته وقابليته لنيابة الحج ذكر في المتن انه يجوز اعطاء المال لغيره. ولكن الظاهر عدم الجواز لعدم احراز الرضا باعطاه المال له واستئجاره، نعم إذا علم رضاه باستئجار من هو اهل لذلك جاز له ذلك.

[ 168 ]

[ " فصل: في الحج المندوب " (مسألة 1): يستحب لفاقد الشرائط من البلوغ الاستطاعة وغيرهما أن يحج مهما أمكن، بل وكذا من أتى بوظيفته من الحج الواجب، ويستحب تكرار الحج بل يستحب تكراره في كل سنة، بل يكره تركه خمس سنين متوالية، وفي بعض الاخبار: " من حج ثلاث حجات لم يصبه فقر أبدا ". (مسألة 2): يستحب نية العود إلى الحج عند الخروج من مكة، وفي الخبر انها توجب الزيادة في العمر، ويكره نية عدم العود، وفيه انها توجب النقص في العمر. (مسألة 3): يستحب التبرع بالحج عن الاقارب وغيرهم احياءا وامواتا، وكذا عن المعصومين (عليهم السلام) احياءا وامواتا، وكذا يستحب الطواف عن الغير وعن المعصومين (عليهم السلام) امواتا واحياءا مع عدم حضورهم في مكة أو كونهم معذورين. (مسألة 4): يستحب لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحج إذا كان واثقا بالوفاء بعد ذلك. ]

[ 169 ]

[ (مسألة 5): يستحب إحجاج من لا استطاعة له. (مسألة 6): يجوز إعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحج ليحج بها. (مسألة 7): الحج افضل من الصدقة بنفقته. (مسألة 8): يستحب كثرة الانفاق في الحج، وفي بعض الاخبار " ان الله يبغض الاسراف إلا بالحج والعمرة " (مسألة 9): يجوز الحج بالمال المشتبه كجوائز الظلمة مع عدم العلم بحرمتها. (مسألة 10): لا يجوز الحج بالمال الحرام لكن لا يبطل الحج إذا كان لباس إحرامه وطوافه وثمن هديه من حلال. (مسألة 11): يشترط في الحج الندبي اذن الزوج والمولى بل الابوين في بعض الصور، ويشترط أيضا ان لا يكون عليه حج واجب مضيق لكن لو عصى وحج صح. (مسألة 12): يجوز اهداء ثواب الحج إلى الغير بعد الفراغ عنه، كما يجوز ان يكون ذلك من نيته قبل الشروع فيه. (مسألة 13): يستحب " لمن لا مال له يحج به ان يأتي به ولو باجارة نفسه عن غيره، وفي بعض الاخبار: (ان للاجير من الثواب تسعا وللمنوب عنه واحد). ]

[ 170 ]

[ فصل: في اقسام العمرة (مسألة 1): تنقسم العمرة كالحج إلى واجب أصلي وعرضي، ومندوب، فتجب بأصل الشرع على كل مكلف بالشرائط المعتبرة في الحج ففي العمرة مرة، بالمتاب والسنة والاجماع، ففي صحيحة زرارة: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج فان الله تعالى يقول (واتموا الحج والعمرة لله)، وفي صحيحة الفضيل في قول الله تعالى (واتموا الحج والعمرة) قال (ع): هما مفروضان، ووجوبها بعد تحقق الشرائط فوري كالحج، ولا يشترط في وجوبها استطاعة الحج، بل تكفي استطاعتها في وجوبها وان لم تتحقق استطاعة الحج، كما ان العكس كذلك فلو استطاع للحج دونها وجب دونها والقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما وانهما مرتبطان ضعيف كالقول باستقلال الحج في الوجوب دون العمرة (1). ] (1) تنقسم العمرة إلى اقسام فقد تكون واجبة بالاصل كالحج، وقد تجب بالعرض بنذر وشبهة أو باجارة ونحوها، قد تكون مندوبة وقد تكون غير مشروعة كالعمرة الثانية إذا اتى بها قبل انفضاء الشهر من العمرة الاولى، بناءا على اعتبار الفصل بشهر بين العمرتين، وكالعمرة المفردة بين عمرة التمتع والحج هذه هي اقسامها. واما حكمها فانه كما يجب الحج على كل مكلف مستطيع مرة واحدة كذلك العمرة تجب على كل احد أيضا.

[ 171 ]

وقد استدل على وجوبها بالكتاب والسنة. اما الكتاب فقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) (1) لشموله للحج والعمرة، لان المراد من حج البيت زيارة البيت والقصد إليه، وذلك يشمل الحج والعمرة لان كلا منهما زيارة إلى البيت وقصد إليه ويشتمل على طواف البيت: هذا مضافا إلى الصحيحة المفسرة للآية الدالة على ان المراد بها هو الحج والعمرة، كصحيحة عمر بن أذنية قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) يعني به الحج دون العمرة؟ قال: لا ولكنه يعني الحج والعمرة جميعا لانهما مفروضان) (2) واما السنة فهي كثيرة وفي بعضها انها بمنزلة الحج (3) فلا اشكال في اصل الوجوب، كما لااشكال في ان وجوبها فوري كالحج لانها بمنزلته فيجري فيها ما يجري في الحج. ثم ان مقتضى الآية والروايات ان كلا من الحج والعمرة واجب مستقل لا يرتبط احدهما بالاخر خرج من ذلك خصوص عمرة التمتع فانها مرتبطة بالحج، واما في غيرها فلا دليل على الارتباط فيمكن الاتيان باحدهما في سنة وبالاخر في سنة اخرى، فالقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما وانهما مرتبطان ضعيف، كالقول باستقلال الحج دون العمرة كما عن الدروس.


(1) آل عمران: الآية 97. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب العمرة، ح 7. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب المعرة، ح 2.

[ 172 ]

[ (مسألة 2): تجزئ العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة بالاجماع والاخبار (1)، وهل تجب على من وظيفته حج التمتع إذا استطاع لها ولم يكن مستطيعا للحج؟ المشهور عدمه بل ارسله بعضهم ارسال المسلمات، وهو الاقوى (2) وعلى هذا فلا تجب على الاجير بعد فراغه عن عمل النيابة وان كان مستطيعا لها وهو في مكة، وكذا لا تجب على من تمكن منها ولم يتمكن من الحج لمانع، ولكن الاحوط الاتيان بها. ] (1) لا خلاف ولا إشكال في ان من كانت وظيفته التمتع لا يجب عليه عمرة اخرى غير عمرة التمتمع، فتكفي عمرة واحدة وان كانت في ضمن الحج والنصوص الدالة على سقوط العمرة المفردة بعمرة التمتع كثيرة وقد عقد في الوسائل بابا لذلك (1) ففي صحيح الحلبي (إذا استمتمع الرجل فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة (2). (2) وقع الكلام في انه هل تجب العمرة المفردة فقط على من وظيفته حج التمتع إذا استطاع للفردة ولم يكن مستطيعا للحج؟ فلو استطاع في شهر رجب (مثلا) للعمرة ولم يكن مستطيعا لحج التمتع فهل تجب عليه العمرة؟ أو من كان اجيرا وبعد الفراغ عن اعماله هل تجب عليه العمرة لتمكنه منها حينئذ ام لا؟. المشهور عدم الوجوب بل ارسله بعضهم ارسال المسلمات وهو


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب العمرة. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب العمرة، ح 1.

[ 173 ]

الصحيح، وذلك لان مادل على وجوب العمرة لا اطلاق له بحيث يشمل المقام. والحاصل: بعد ما كانت العمرة على قسمين متمتع بها، ومفردة، ولم يذكر في الآية المباركة ولا في الرواية ان خصوص المفردة واجبة بل المستفاد من الادلة ان طبيعي العمرة في الجملة واجب على المسليمن كالحج، وقد عرفنا من الخارج ان عمرة التمتع فرض النائي والمفردة فرض حاضري مكة، فحينئذ لا يمكن الاستدلال باطلاق الروايات على وجوب العمرة المفردة بعنوانها وبخوصها، ولو شك في الوجوب فالاصل البرائة. ولو فرضنا اطلاق الادلة بالنسبة إلى المفردة والمتتع بها وفرضنا شمولها للنائي والقريب، وتمكن النائي من المفردة فانه يمكن رفع اليد عن هذا الاطلاق بما دل على ان العمرة مرتبطة بالحج إلى يوم القيامة، ومعنى ذلك: ان العمرة بنفسها غير واجبة، والعمرة الواجبة انما هي المرتبطة بالحج خرج من ذلك غير النائي أي حاضري مكة فان العمرة الثابتة في حقهم غير مرتبطة بالحج، فيقى النائي تحت اطلاق مادل على ان العمرة مرتبطة بالحج. ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: (وقال: إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة المتعة وقال ابن عباس: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (1) وما نقله عن ابن عباس امضاء له. وفي صحيحته الاخرى (قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (2).


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب العمرة، ج 7. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب أقسام الحج، ح 2.

[ 174 ]

[ (مسألة 3): قد تجب العمرة بالنذر، والحلف، والعهد والشرط في ضمن العقد، والاجارة، والافساد (1)، وتجب أيضا لدخول مكة (2) - بمعنى حرمته بدونها - فانه لا يجوز دخولها الا محرما إلا بالنسبة إلى من يتكرر دخوله وخروجه كالحطاب والحشاش. ] والمستفاد منهما ان العمرة الواجبة هي العمرة المرتبطة بالحج أي المتمتع بها، ففي كل مورد ثبت الاستقلال فهو وإلا فلا. نعم العمرة المستحبة غير مرتبطة بالحج ويستحب الايتان بها مطلقا من البعيد والقريب كما في النصوص (1). هذا ويضاف إلى ذلك كله: استمرا السيرة القطعية على عدم الاتيان بها من النائي ولم يتعارف اتيانها من المسلمين حتى من النائب في سنة النيابة مع استطاعته لها، ولو كانت واجبة لكان وجوبها من اوضح الواجبات لانها بمنزلة الحج. (1) لاريب في وجوب العمرة بالنذر وشبهه، وبالاجارة، وبالشرط في ضمن العقد، وقد تجب بافساد العمرة فان من يفسد عمرته بالجماع قبل الفراغ من طوافه، وسعيه وجبت عليه الاعادة بان يبقى في مكة إلى الشهر القادم فيعيدها فيه وعليه بدنة لفساد عمرته كما في النصوص، منها صحيح بريد العجلي (2) والحقوا بها عمرة التمتمع وفيه كلام سيأتي في محله (ان شاء الله). (2) وجوبا شرطيا بمعنى: عدم جواز الدخول إلى مكة إلا محرما


(1) الوسائل: باب 2 و 3 و 4 من أبواب العمرة. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب كفارات الاستمتاع، ح 1.

[ 175 ]

وإذا كان الدخول إلى مكة واجبا بسبب من الاسباب فالاحرام أيضا يجب وجوبا مقدميا عقليا لتوقف الواجب عليه، واما إذا لم يكن الدخول واجبا فلزوم الاحرام حينئذ نظير لزوم الطهارة في الصلاة المندوبة فالمراد بالوجوب الوجوب الشرطي. واستثنى من ذلك من يكثر دخوله وخروجه كالحطاب والحشاش. ويدل عليه صحيح رفاعة (ان الحطابة والمجتلبة اتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألوه فاذن لهم ان يدخلوا حلالا) والمجتلبة هو الذي يجلب الشئ مما يحتاج إليه اهل البلد من خارج البلد، ولا يختص ذلك بالارزاق والاطعمة، بل يشمل مثل الجصاص الذي يأتي بالجص من الخارج ونحو ذلك من حوائج الناس. ثم ان ظاهر المشهور حمل ما في الصحيحة على المثال وذكروا ان المراد به كل من يتكرر دخوله وان لم يكن من المجتلبة والحطابة ومن يجلب الحشيش والراعي وناقل الميرة. وعن كشف اللثام التصريح بجواز الدخول حلالا للمتكرر دخوله في شهر واحد بحيث يدخل في الشهر الذي خرج: وفي الجواهر (2) أن الظاهر عدم اعتبار تكرر دخولهم قبل انقضاء شهر فلو فرض ان بعض المجتلبة يحتاج إلى فصل ازيد من شهر ويأتي بالعمل في شهر دون شهر دخل حلالا ولا شئ عليه. والظاهر: ان تجويز الدخول حلالا لم يكن بعنوان المتكرر مطلقا ولا نجزم بشمول النص لكل من يتكرر منه الدخول لعيادة المريض (مثلا) أو كان هو مريضا يكثر الدخول للمعالجة أو لغرض اخر. أو كان له ضيعة يأتي إليها متكررا، أو كان مدرسا يتكرر دخوله


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب الاحرام، ح 2. (2) الجواهر: ج 18 ص 449.

[ 176 ]

ونحو ذلك. ويحتاج التعميم إلى كل من يتكرر منه الدخول إلى القرينة ولا قرينه. بل المستفاد من النص جواز الدخول حلالا لكل من يأتي بحوائج البلد من ناقل الميرة، والاطعمة وغيرها كالحطاب، والجصاص والحشاش وغير ذلك من حوائج الناس واما من كان له ضيعة يتكرر لها دخوله وخروجه، أو كان مريضا ونحو ذلك ممن يتكرر له الدخول لاغراض شخصية أو غيرها فلا يشمله النص. واستدل كاشف اللثام: لتعميم الحكم لكل من يتكرر منه الدخول بالحرج. وفيه مالا يخفى: فان الاتيان بالعمرة في كل شهر مرة واحدة لاحرج فيه. نعم لو قلنا بوجوب العمرة لكل مرة من الدخول وان تكرر منه ذلك في اليوم الواحد فهو حرجي في بعض الموارد لا في كل مورد، فلو فرضنا ان المتكرر شاب قوي فلا حرج عليه، وانما يستلزم الحرج فيما إذا كان شيخا كبيرا أو كان ضعيفا، أو كان الجو لا يساعده لشدة الحر أو البرد ونحو ذلك من العوارض، وإذا فالحكم يختلف باختلاف الموارد وبالجملة: إذا كان الدليل للدخول حلالا منحصرا بصحيح رفاعة فالتعدي من مورده لاوجه له لعدم القرينة على ذلك نعم الجصاص. أو الحشاش، أو نحوهما ممن ينقل الحوائج إلى البلد داخل في عنوان المجتلبة؟، والميزان صدق هذا العنوان ولا يعتبر تكرر دخوله في شهر واحد بل لو اتى بحوائج البلد في كل شهرين يشمله النص لصدق عنوان المجتلبة عليه. ثم ان المصنف لم يتعرض لاستثناء من اتى بعمرة وخرج ثم رجع قبل انقضاء الشهر، فانه لا يجب عليه الاتيان بالعمرة ويجوز له

[ 177 ]

[ وما عدا ما ذكلا مندوب، ويستحب تكرارها كالحج، واختلفوا في مقدار الفصل بين العمرتين، فقيل يعتبر شهر، وقيل عشرة ايام، والاقوى عدم اعتبار فصل فيجوز اتيانها كل يوم، وتفصل المطلب موكول إلى محله (1). ] الدخول بلا عمرة، ونتعرض لذلك فيما بعد (ان شاء الله تعالى). (1) قد اختلف الفقهاء في مقدار الفصل بين العمرتين، فالمشهور ان الفصل بينهما بشهر واحد. وعن جماعة انه عشرة ايام، واختار جماعة عدم اعتبار الفصل بينهما فيجوز اتيانها في كل يوم منهم المصنف وصاحب الجواهر (1) ونسب إلى العماني اعتبار الفصل بالسنة بين العمرتين ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات فانها على طوائف. منها: ما دل على اعتبار الفصل بعشرة ايام كرواية الكليني والشيخ عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن (ع) في حديث قال (ع): (ولك شهر عمرة فقلت: يكون اقل؟ فقال: في كل عشرة ايام عمرة) (2) والرواية ضعيفة بعلي بن أبي حمزة وهو البطائني المشهور بالكذب. وروى الصدوق بسند أخر عن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى (ع) (قال: لكل شهر عمرة، قال: وقلت له: يكون اقل ممن ذلك؟ قال: لكل عشرة أيام عمرة) (3) وهي كالاولى ضعيفة بالبطائني. وربما يحتمل اعبتار رواية الصدوق لان علي بن أبي حمزة الذي


(1) الجواهر: ج 20 ص 464. (2) و (3) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة، ح 3 و 10.

[ 178 ]

روى عنه الصدوق هو الثمالي الموثق، لانه (قد ه) يروى عنه في كتابه ولكن يبعده: ان الثمالي لا رواية له في باب الاحكام على ان الصدوق ذكر في مشيخة الفقيه ان ما رويته عن علي بن أبي حمزة فقد رويته عن محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن علي ابن أبي حمرة (1) ولا يمكن رواية البزنطي عن الثمالي لان الثمالي من اصحاب الباقر (ع) والبزنطي من اصحاب الرضا والجواد (عليهما السلام). هذا مضافا إلى ضعف طريق الصدوق إلي علي بن أبي حمزة لانه (ره) يروى ذلك عن شيخه ابن ماجيلويه وهو ممن لم يوثق، وقد ذكرنا غير مرة ان مجرد كون الشخص من مشايخ الصدوق لا يوجب الوثاقة فان بعض مشايخه من الضعفاء. واما ما رواه في الجواهر (2) وعبر عنه بالموثق (السنة اثنا عشر شهرا يعتمر لكل شهر عمرة، قال: فقلت: أيكون اقل من ذلك؟ قال: (لكل عشرة ايام عمرة) فلا وجود له وانما هو ضم رواية إلى رواية اخرى، فان الصدر من موثق اسحق بن عمار (3) والذيل من خبر علي بن أبي حمزة المتقدم: فما صدر منه (قده) اشتباه من قلمه الشريف فلا دليل على اعتبار الفصل بعشرة ايام. ومنها: ما دل على الفصل بسنة كما في صحيح الحلبي وحريز وزرارة ففي الاول، قال (ع): (العمرة في كل سنة مرة) (4)


(1) الفقيه: ج 4 المشيخة ص 87. (2) الجواهر: ج 20 ص 463. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة، ح 9. (4) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة، ح 6 و 7.

[ 179 ]

وفي غيره (لا يكون عمرتان في سنة) (1). ولكن لا يمكن الالتزام بمضمونها فانه مقطوع للبطلان للسيرة القطعية والروايات المتضافرة بل المتواترة الدالة على استحباب العمرة في كل شهر فلابد من طرح الروايات الثلاث، أو حملها على عمرة التمتمع فانها في كل سنة مرة كما حملها الشيخ على ذلك ولا بأس به. ومنها: مادل على الفصل بشهر واحد، وقد دلت عليه الروايات الكثيرة (2) وقد حمل بعضهم الروايات المتقدمة المختلفة على اختلاف مراتب الفضل، ومن ثم اختار صاحب الجواهر عدم اعتبار الفصل بين العمرتين وجواز الاتيان بها في كل يوم، ولكن قد عرفت ان الاقوى بحسب المستند هو اعتبار الفصل بشهر واحد. ثم ان المراد بالشهر هو مابين الهلالين أي: من اول رؤية الهلال السابق إلى رؤية الهلال الثاني، إلا إذا قامت قرينة على ان المراد به مقدار ثلاثين يوما كما في عدة الوفاة والطلاق ونحوهما مما يكفي فيه التلفيق، ويلزم فيه مضي مقدار الشهر. ويدل على كون المراد بالشهر في المقام ما ذكرناه موثق اسحاق (السنة اثني عشر شهرا يعتمر لكل شهر عمرة) (4) فان المراد بذلك اثنا عشر شهرا هلاليا، فإذا قيل: بعد ذلك لكل شهر عمرة، معناه: ان العمرة تقع في كل شهر هلالي، وان كل شهر هلالي قابل لوقوع العمرة فيه، وليس معناه اعتبار الفصل بثلاثين يوما.


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة، ح 8. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة. (3) الجواهر: ج 20 ص 466. (4) الوسائل: باب 6 من أبواب العمرة، ح 9.

[ 180 ]

وعلى ما ذكرنا يجوز الاتيان بالعمرة في آخر شهر وبعمرة اخرى في اول الشهر الذي يليه وان كان الفصل بيوم واحد. ويؤكد ذلك بامرين: احدهما في صحيح حماد الدال على عدم جواز الخروج من مكة قبل الاحرام بالحج (قلت: فان جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير احرام ثم رجع في ابان الحج في اشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرما أو بغير احرام؟ قال: ان رجع في شهره دخل بغير احرام، وان دخل في غير الشهر دخل محرما) (1) فانه من الظاهر ان المراد بالشهر فيه هو الشهر الهلالي لامضي ثلاثين يوما. ثانيهما ما في صحيح بريد الوارد فيمن أفسد عمرته، قال: (وعليه ان يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة) (2) فان المراد بالشهر الآخر هو الذي يحل برؤية الهلال لامضي ثلاثين يوما. وبالجملة: المستفاد من النصوص ان كل شهر له عمرة واما الفصل بمقدار الشهر أي: مضي ثلاثين يوما فلم يقدر في النصوص، فإذا اعتمر في آخر يوم من شهر رجب له ان يعتمر في اول يوم من شهر شعبان، واما إذا اعتمر في اول يوم من رجب فليس له أن يعتمر في آخر يوم من رجب، نعم لا بأس بالاتيان بها متكررا في شهر واحد رجاءا وباحتمال المطلوبية الواقعية. ثم ان المستفاد من النصوص انما هو عدم مشروعيه اتيان العمرتين لشخص واحد في الشهر، فان الحكم بعدم جواز الاتيان بها متكررا


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب اقسام الحج، ح 6. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب كفارات الاستمتاع، ح 1.

[ 181 ]

في شهر واحد ينحل بالنسبة إلى كل مكلف لا بالنسبة إلى جميع الناس. وبتعبير آخر: ان كل شخص مكلف بعمرة واحدة في الشهر ونتيجة جواز الاتيان بعمرة اخرى لشخص آخر، كما لامانع من الاتيان بعمرتين لشخصين أو ازيد. والحاصل: ان الممنوع هو اتيان العمرتين عن نفسه أو عن شخص واحد، واما إذا كانت احدى العمرتين عن نفسه والاخرى عن غيره أو كانت كلتاهما عن شخصين فلا مانع من ذلك ولذا لامانع من جواز النيابة عن اثنين أو اكثر في يوم واحد. بل الظاهر عدم اعتبار الفصل بين العمرة المفردة وعمرة التمتع، فمن اعتمر عمرة مفردة جاز له الاتيان بعمرة التمتع بعدها ولو كانت في نفس الشهر، وكذا يجوز له الاتيان بالعمرة المفردة بعد الفراغ من اعمال الحج، فان الروايات المانعة عن اتيان العمرتين ناظرة إلى تكرار العمرة المفردة في شهر واحد، فان قوله (ع)، (يعتمر لكل شهر عمرة) في موثق اسحاق المتقدم منصرف إلى العمرة المفردة، ولا يشمل عمرة التمتع لان عمرة التمتع لا يجوز الاتيان بها إلا في اشهر الحج ولا تشرع إلا مرة واحدة في السنة. نعم لا يجوز الاتيان بالعمرة المفردة بين عمرة التمتع والحج وتفصيل الكلام موكول إلى محله.

[ 182 ]

[ (فصل في اقسام الحج) وهي ثلاثة بالا جماع والاخبار: تمتع، وقران، وافراد،؟ الاول فرض من كان بعيدا عن مكة، والاخر ان فرض من كان حاضرا - أي غير بعيد - (1) ] (1) هذا مما لا ينبغي الريب فيه، ويدل عليه الكتاب والسنة. اما الكتاب فقوله تعالى: (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) (1) فانه كما يدل على ان التمتع فرض النائي ومن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام كذلك يدل بالدلالة الالتزامية على ان القران أو الافراد ليس وظيفة له. بيان ذلك: ان الواجب على كل مكلف حج واحد فإذا كان الواجب على النائي التمتع فلا يجزي غيره. وبتعبير آخر: الآية في مقام بيان الوظيفة العملية الاولية، فإذا كان التمتع وظيفة النائي، والمفروض وجوب حج واحد عليه فقط فلازم ذلك عدم جواز الاجتزاء بهما في مقام اداء الوظيفة. وبما ذكرنا يندفع: ما يقال: من ان ظاهر الآية حصر التمتع


(1) البقرة: 196.

[ 183 ]

[ وحد البعد الموجب للاول ثمانية واربعون ميلا من كل جانب على المشهور الاقوى، لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع): ] بالنائي لاحصر النائي به. واما الحاضر فوظيفته اما القران أو الافراد، وتدل على ذلك نفس الآية الكريمة، لظهورها في ان التمتع ليس وظيفة له فوظيفته القران أو الافراد. واما السنة فمستفيضة أو متواترة (1). تم ان المشهور تعين القران أو الافراد على الحاضر وعدم اجزاء التمتع عنها، كما هو المستفاد من الآية الشريفة والنصوص المتضافرة، خصوصا المفسرة منها للآية للدلالة علي ان التمتع ليس وظيفه للحاضر (2) بل لم ينقل الخلاف من احد إلا عن الشيخ وابن سعيد، فقد نسب اليهما جواز التمتع للحاضر أيضا. وربما يستدل لهما بان التمتع لا ينقص عن القران والافراد بل المتمتع يأتي بصورة الافراد وزيادة، ولا ينافيه زيادة العمرة قبله. ولا يخفى غرابة هذا الاستدلال لان حج التمتع مغاير ومباين للقسمين الاخرين وان كان التمتع مشتركا معهما في جملة من الاحكام، ولا دليل على اجزاء التمتع عنهما بعد ما كانت وظيفة الحاضر القران أو الافراد وعدم مشروعية التمتع في حقه فما نسب اليهما من جواز التمتع للحاضر اختيارا لا يمكن المساعدة عليه بوجه.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب أقسام الحج. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج، ح 1.

[ 184 ]

[ قلت له قول الله عزوجل في كتابه (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام فقال (ع): يعني اهل مكة ليس عليهم متعة كل من كان اهله دون ثمانية واربعين ميلا ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية وكل من كان اهله وراء ذلك فعليه المتعة (1). ] (1) وقد اختلف الفقهاء في حدالبعد الموجب للتمتع على قولين: احدهما: - وهو المشهور - انه عبارة عن ثمانية واربعين ميلا من كل ناحية، أي ستة عشر فرسخا المعبر عن ذلك بمرحلتين أو مسير يومين. ثانيهما: انه عبارة عن اثني عشر ميلا من كل جانب ذهب إليه المحقق وصاحب الجواهر (1) هذا بحسب الاقوال. واما الروايات فلم يرد فيها التحديد باثنى عشر ميلا إلا ان تحمل ثمانية واربعون ميلا على التوزيع والتقسيط على الجوانب الاربعة، فيكون الحد من كل جانب اثنى عشر ميلا. وهذا بعيد جدا، وان حاول ابن ادريس رفع النزاع والخلاف بين الاصحاب بذلك. والمعتمد هو القول المشهور لصحيح زارة عن ابي جعفر (ع) قال: قلت لابي جعفر (ع): (قول الله عزوجل في كتابه: (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) قال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان اهله دون ثمانية واربعين ميلا ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية وكل من كان اهله وراء ذلك


(1) الجواهر: ج 18 ص 6.

[ 185 ]

فعليهم المتعة) (1) وهذه الرواية كما تراها واضحة الدلالة على ما ذهب إليه المشهور ولا يمكن تأويلها أو حملها على ما ذهب إليه ابن ادريس من تقسيط ثمانية واربعين ميلا على الجوانب الاربعة، واما ذكر ذات عرق وعسفان في الصحيحة فهو من باب تطبيق الحد المذكور عليهما تقريبا (2). ونحوها رواية اخرى لزرارة: قال: (قلت: فما حد ذلك؟ قال: ثمانيه واربعين ميلا من جميع نواحي مكة دون عسفان، ودون ذات عرق) (3). ولكنه ضعيف بجهالة طريق الشيخ إلى علي بن السندي المذكور في السند، فان الشيخ كثيرا ما يروي عن علي بن السندي وغيره من الرواة من دون ذكر الواسطة بينه وبين الراوى ولكن يذكر في آخر كتاب التهذيب طرقه إلى الرواة ليخرج الخبر من الارسال إلى الاسناد، ولكن لم يذكر طريقه إلى علي بن السندي، بل لم يتعرض الشيخ لترجمته لا في المشيخة ولا في الفهرست، ولا في رجاله وكذا النجاشي مع ان كتابه موضوع لذكر المصنفين والمؤلفين، ولو فرضنا عدم ثبوت كتاب لعلي بن السندي فلا عذر الشيخ في عدم ذكره في كتاب الرجال، لان كتاب الرجال موضوع لذكر الرواة والاصحاب وان لم يكونوا من المصنفين.


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج، ح 3. (2) عسفان بضم اوله وسكون ثانية بين الحجفة ومكة وهي من مكة على مرحلتين. وذات عرق مهل اهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة معجم البلدان. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج، ح 7.

[ 186 ]

هذا مضافا إلى ان علي بن السندي لم يوثق، ولا عبرة بتوثيق نصر بن الصباح له لان نصر بنفسه لم يوثق أيضا، وقد حاول جماعة منهم الوحيد البهبهاني توثيق علي بن السندي بدعوى: اتحاده مع علي بن اسماعيل الميثمي الثفة إلا انه لا يمكن الجزم بالاتحاد، وتفصيل ذلك موكول إلى كتابنا معجم الرجال (1) وتكفينا الصحيحة الاولى. وفي المقام صحيحة اخرى: دلت على ان احد البعد ثمانية عشر ميلا عن جهاتها الاربع (2) وذكر صاحب الوسائل في ذيل الحديث انه لا تنافي بين هذه الصحيحة والصحيحة المتقدمة لان هذه الصحيحة غير صريحة في حكم ما زاد عن ثمانية عشر ميلا وانما بينت حكم ثمانية عشر ميلا وهي ساكنة عن حكم ما زاد عن ثمانيه عشر ميلا فتكون موافقة لغيرها فيها وفيما دونها. ويبعده ان الصحيحة في مقام التحديد ويظهر منها قصر الحكم بهذا الحد خاصة فتكون منافية للصحيحة المتقدمة. والذي يهون الخطب ان هذه الصحيحة لا قائل ولا عامل بها من الاصحاب أبدا. على انها معارضة بصحيحه زرارة المقتدمة المشهورة فلا بد من طرح هذه الصحيحة المهجورة، ولصاحب الجواهر كلام سنتعرض إليه عن قريب (ان شاء الله تعالى). ثم انه قد ورد في الحاضر خبران يدلان على ان العبرة في الحضور انما هو بدون الميقات لا بالمقدار المذكور، وان الحاضر من كان منزله دون الميقات


(1) معجم رجال الحديث: ج 12 ص 50. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج، ح 10.

[ 187 ]

[ وخبره عنه (ع): سألته عن قول الله عزوجل (ذلك الخ) قال، لاهل مكة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة، قلت فما حد ذلك، قال ثمانية واربعون ميلا من جميع نواحي مكة دون عسفان وذات عرق، ويستفاد أيضا من جملة من اخبار اخر والقول بان حده اثنا عشر ميلا من كل جانب - كما عليه جماعة - ضعيف لا دليل عليه إلا اصل، فان مقتضى جملة من الاخبار وجوب التمتع على كل احد والقدر المتيقن الخارج منها من كان دون الحد المذكور. ] الخبر الاول: ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: (في حاضري المسجد الحرام، قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام، وليس لهم متعة) (2). الثاني: صحيح حماد (في حاضري المسجد الحرام، قال: ما دون الاوقات إلى مكة) (2) ولكن لا يمكن العمل بهاتين الروايتين لعدم القائل بهما منا ومخالفتهما للمتسالم عليه بين اصحابنا فلابد من طرحهما أو حملهما على ما دون المواقيت كلها. هذا مضافا إلى ضعف الخبر الاول سندا لان الموجود في السند - على ما في الوسائل - أو الحسن النخعي وهكذا في التهذيب المطبوع حديثا (3) وفي بعض نسخ التهذيب أبو الحسين النخعي وهو لقب


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب أقسام الحج، ح 4 و 5. (3) التهذيب: ج 5 ص 33.

[ 188 ]

[ وهو مقطوع بما مر، أو دعوى ان الحاضر مقابل للمسافر والسفر اربعة فراسخ، وهو كما ترى، أو دعوى ان الحاضر ] ايوب بن نوح بن دراج الثقة اما أبو الحسن فهو مجهول، فيدور الرواي بين الموثق وغيره، وتسقط الرواية بذلك عن الاعتبار. وقد استدل على ان حد البعد الموجب للتمتع اثنا عشر ميلا من كل جانب بوجوه الاول: العمومات الدالة على وجوب التمتع على كل مكلف كصحيحة الحلبي (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لان الله تعالى يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) فليس لاحد إلا ان يتمتع، لان الله انزل ذلك في كتابه وجرت به السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) والقدر المتيقن الخارج منها من كان دون الحد المذكور، فمن كان فوق الحد يشمله العمومات. وفيه اولا: ان العمومات تخصص بما دل على التحديد بثمانية واربعين ميلا كصحيحة زرارة المتقدمة. وثاينا: ان العمومات لااطلاق لها من هذه الجهة - أي ثبوت المتعة على كل مكلف - وانما هي ناظرة إلى حكم النائي في قبال العامة القائلين بجواز الافراد، أو القران للنائي، وهذه الرواية في مقام الرد عليهم وان النائي لا يجوز له إلا التمتع. الثاني: ما استدل به صاحب الجواهر (2) بالآية:


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب أقسام الحج، ح 2. (2) الجواهر: ج 18 ص 6.

[ 189 ]

[ المعلق عليه وجوب غير التمتع امر عرفي والعرف لا يساعد على ازيد من اثني عشر ميلا، وهذا أيضا كما ترى، كما ان دعوى ان المراد من ثمانية واربعين التوزيع على الجهات الاربع فيكون من كل جهة اثنى عشر ميلا منافية لظاهر تلك الاخبار واما صحيحة حريز الدالة على ان حد البعد ثمانية عشر ميلا فلا عامل بها، كما لا عامل بصحيحتي حماد بن عثمان والحلبي الدالتين على ان الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكة. ] وحاصله: ان موضوع التمتع من لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام، وموضوع الافراد، والقران هو الحاضر ومقابل الحاضر هو المسافر، فمعنى الآية: ان من اراد زيارة البيت الحرام ولم يكن حاضرا وصدق عليه المسافر فوظيفته التمتع، وإذا كان حاضرا ولم يصدق عليه عنوان المسافر فالمواجب عليه الافراد، والقران، فلابد من ملاحظة حد السفر الموجب للقصر، وقد حقق في محله: ان حد السفر اربعة فراسخ أي: مقدار اثنى عشر ميلا. وبتعبير آخر: كل من كان دون الحد كما يجب عليه التمام لعدم صدق المسافر عليه، كذلك يجب عليه الافراد، أو القران لصدق الحاضر عليه، ومن كان فوق الحد يصدق عليه المسافر فيجب عليه التمتع، فالعبرة بصدق عنوان المسافر والحاضر. ويرد عليه اولا: ان التحديد ياربعة فراسخ ليس من جهة دخل ذلك في صدق عنوان السفر، فان موضوع السفر لم يحدد باربعة فراسخ

[ 190 ]

[ وهل يعتبر الحد المذكور من مكة أو من المسجد؟ وجهان، اقربهما الاول، ومن كان على نفس الحد فالظاهر ان وظيفته التمتع، لتعليق حكم الافراد والقران على ما دون الحد ولو شك في كون منزلة في الحد أو خارجه وجب عليه الفحص ومع عدم تمكنه يراعي الاحتياط، وان كان لا يبعد القول بانه يجري عليه حكم الخارج فيجب عليه التمتع، لان غيره معلق على ] لالغة ولاعرفا، وانما التحديد راجع إلى تخصيص الحكم بالنسبة إلى قصر الصلاة وتمامها. وثانيا: ان الآية الكريمة غير ناظرة إلى الحضور مقابل السفر وانما تنظر إلى الحضور في البلد الحرام في قبال الغياب عنه والحضور في غيره فالمراد من قوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) من لم يكن من اهل مكة وسكنتها، وذلك يصدق على من كان يسكن غير بلدة مكة سواء كان قريبا أو بعيدا. وان شئت قلت: ان المكلفين على قسمين: قسم يسكن مكة المكرمة وقسم يسكن غير بلدة مكة، والآية ناظرة إلى تقسيم المكلفين إلى قسمين من حيث مسكنهم واوجب الله تعالى التمتع على من لم يكن من سكنة مكة المعظمة. ولو كنا نحن والآية المباركة لكان مقتضاها وجوب التمتع على من لم يكن من سكنة مكة المكرمة سواء كان ساكنا في بلد قريب دون الحد المذكور، أو كان ساكنا في البلاد البعيدة، ولكن النصوص حددت البعد بثمانية واربعين ميلا، والحقت الساكنين في هذا الحد

[ 191 ]

[ عنوان الحاضر وهو مشكوك، فيكون كما لو شك في ان المسافة ثمانية فراسخ اولا فانه يصلي تماما لان القصر معلق على السفر وهو مشكوك. ثم ما ذكر انما هو بالنسبة إلى حجة الاسلام حيث لا يجزئ للبعيد إلا التمتع ولا للحاضر إلا الافراد أو القران، واما بالنسبة إلى الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد والحاضر كل من الاقسام الثلاثة بلا اشكال، وان كان الافضل اختيار التمتع، وكذا بالنسبة إلى الواجب غير حجة الاسلام كالحج النذري وغيره. ] بالساكن في نفس مكة. ويؤكد ما ذكرناه ان عدم الحضور في المسجد الحرام لم يلاحظ في الآية المباركة بالنسبة إلى الحاج نفسه وانه إذا كان حاضرا وكانت وظيفته اتمام الصلاة كانت وظيفته التمتع، وانه انما لوحظ بالنسبة إلى اهله الساكنين في بلاد اخر غير مكة وليسوا بحاضرين في المسجد الحرام. الثالث: ان عنوان الحضور المأخوذ في الآية الكريمة عنوان عرفي ولا يصدق على من كان بعيدا عن مكة بانثى عشر ميلا بل يصدق عليه انه ممن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام فيجب عليه التمتع. وفيه: ان عدم صدقه عليه عرفا وان كان صحيحا ولكنه لا يختص به بل يعم من بعد عن مكة باقل من ذلك ايضا ومن هنا قلنا بانه لو كنا نحن والآية المباركة لقلنا باختصاص فريضة التمتمع بمن لم يكن من سكنة مكة المكرمة سواء كان ساكنا في بلد قريب أو بلد بعيد وانما

[ 192 ]

تعدينا عن ذلك عن جهة صحيح زرارة المتقدم. ثم انه لو اغمضنا النظر عن الصحيح المتقدم لامكن الاستدلال للقول المذكور بوجه آخر اولى من الوجوه المتقدمة. وهو ان المستفاد من الآية الشريفة وجوب التمتع على من لم يكن من سكنة مكة المعظمة، ووجوب الافراد على من كان منهم إلا ان الاجماع القطعي قام على الحاق جماعة من المكلفين ممن بعد عن مكة بسكنة مكة الحاقا حكميا كاهالي (مر) واهالي (سرف) (1) كما في النص (2) فمقتضى القاعدة هو الاقتصار على القدر المتيقن في غير الموارد المنصوصة، فالنتيجة وجوب الافراد على اهالي مكة وعلى من كان الفاصل بينه وبين مكة اقل من اثني عشر ميلا، ووجوب التمتع على من كان بعيدا من مكة بمقدار اثنى عشرا ميلا أو اكثر. وهذا الوجه وان كان اوجه من الوجوه المتقدمة، ولكن مع ذلك لا يمكن الالتزام به ايضا بالنظر إلى صحيح زرارة المتقدم الدال على ان الحد الموجب للتمتع هو ثمانية واربعون ميلا، ولا موجب بل ولا مجوز لرفع اليد عنه بعد تماميته سندا ودلالة. واما حمله على الجوانب الاربعة فقد عرفت انه من اضعف المحامل. ثم انه ينبغي التكلم في جهات تعرض لها المصنف (قده). الاولى: هل يعتبر الحد المذكور من بلدة مكة أو من المسجد؟ وجهان، بل قولان. الظاهر ان العبرة بنفس المسجد الا البلد، وذلك لان عمدة ما استدل


(1) مر: اسم موضع على مرحلة من مكة وسرف. مثال كتف موضع قريب من التنعيم وهو عن مكة عشرة أو تسعة أو سبعة اميال. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب اقسام الحج، ح 1.

[ 193 ]

به للتحديد المذكور انما هو صحيح زرارة المتقدم الذي فسر قوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) وبين المراد منه، وحيث ان الآية مشتملة على ذكر المسجد الحرام، فالتحديد بثمانية واربعين ميلا - بعد ذكر الآية وبيان المراد منها - ظاهر في كون التحديد بالنسبة إلى المسجد، ولو احتمل كون التحديد بالنسبة إلى البلد باعتبار وجود المسجد الحرام فيه تكون الآية مجملة لعدم ظهورها في كون التحديد بالنسبة إلى البلد أو المسجد فلابد حينئذ من الاقتصار على القدر على المتيقن من الخروج عن العمومات المقتضية لوجوب التمتع على كل احد وهو كون الاعتبار بنفس المسجد والحاصل: انه لاريب في ان مقتضى العمومات وجوب التمتع على جميع المكلفين، ففي صحيحة الحلبي (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لان الله تعالى يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) فليس لاحد إلا ان يتمتع) (1) وقد دلت الاية المباركة على اخصتاص ذلك بغير سكنة مكة فكلما دل الدليل على الحاق غير من يسكن مكة بالساكن فيها فهو وإلا كان حكمه وجوب التمتع لا محالة، وبما ان من بعد عن المسجد الحرام باكثر من ثمانية واربعين ميلا وإن كان الفصل بينه وبين مكة باقل من هذا الحد وجب عليه التمتع لعدم الدليل على خروجه من العموم فان المخصص بمجمل مردد بين الاقل والاكثر فلا بد من الاقتصار في التخصيص على الاقل المتيقن، فالنتيجة تحديد البعد بالنسبة إلى المسجد. الثانية: من كان منزلة على نفس الحد فهل يجب عليه التمتع أو الافراد؟


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب اقسام الحج، ح 2.

[ 194 ]

الظاهر هو الاول، وذلك لان المستفاد من صحيح زرارة ان موضوع الحكم لوجوب الافراد من كان اهله دون ثمانية واربعين ميلا واما إذا كان على نفس الحد فلا يصدق عليه انه دون الحد المذكور فيشمله حكم العام وهو وجوب التمتع على كل احد، ولو شك يجري ما تقدم من الاخذ بالقدر المتيقن، لان المخصص مجمل مردد بين الاقل والاكثر، ولا دليل على الحاق من كان على نفس الحد باهالي مكة، فالمرجع نفس الآية الدالة على وجوب التمتع على من لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام. الثالثة: الظاهر ان العبرة في التحديد بمبدء بلده لا بمنزله وبيته، الذي يسكنه، فحكم ساكن الدار الواقعة في اول البلد حكم ساكن الدار الواقعة في آخر البلد، فلا يختلف حكم سكان بلدة واحدة باعتبار اختلاف منازلهم قربا أو بعدا، وذلك لانه الظاهر من جعل الحد بين المكلف الذي يختلف في ارجاء بلده وبين المسجد الحرام، ولا خصوصية للدار أو الدكان وما شاكلهما. الرابعة: لو شك في كون منزله في الحد أو في خارجه سواء كان ساكنا في البلاد أو البادية، ذكر في المتن انه يجب عليه الفحص ومع عدم تمكنه يراعي الاحتياط ثم قال: وان كان لا يبعد القول باجراء حكم الخارج عليه فيجب عليه التمتع، لان غير معلق على عنوان الحاضر وهو مشكوك، فيكون المقام نظير ما لو شك في ان المسافة ثمانية فراسخ أولا فانه يصلي تماما لان القصر معلق على السفر وهو مشكوك اقول: ما ذكره اخيرا - من وجوب التمتع عليه وعدم وجوب الفحص - هو الصحيح لاحراز موضوع التمتع - وهو عدم كونه

[ 195 ]

حاضرا - بالاصل ولو بالعدم الازلي، بناءا على ما اخترناه في محله من امكان جريان الاصل في الاعدام الازلية، لان كل شئ مسبوق بالعدم ولو ازلا فلا مانع حينئذ من اجراء اصل العدم، نظير اصالة عدم القرشية التي تثبت عدم كون المرأة متصفة بالقرشية وان لم تثبت الانتساب إلى غير القرشية. وتفصيل الكلام موكول إلى محله وعليه فلا موجب للفحص لاحراز الموضوع بالاصل على انه لادليل على الفحص في الشبهات الموضوعية. هذا مع انه يمكن احراز الموضوع بالاصل النعتي. وتقريبه: ان صفة الحضور والوطنية للشخص قد تتحقق باتخاذ نفسه بلدا وطنا له وقد تتحقق بمرور زمان على سكناه في بلد كما إذا سكن فيه مدة خمسين سنة فان البلد يكون وطنا له قهرا، وقد تتحقق باتخاذ متبوعه التوطن في البلد الفلاني، كوالده، أو جده، أو مولاه، فليست الوطنية من الصفات الذاتية كالقرشية وانما هي من الصفات العرضية، بمعنى ان الشئ يوجد أولا ثم يعرض عليه صفة الوطنية وهذا بخلاف القرشية فان الشخص يوجد اولا اما قرشيا أو غير قرشي وليست عارضة بالمعنى المتقدم، فالوطنية تنشأ اما باختيار نفسه أو اختيار متبوعه وتكون من الصفات العارضة المسبوقة بالعدم، فنقول: ان الحد المتقدم لم يكن وطنا له باتخاذ نفسه ولا يتبع ابيه أو مولاه في زمان والان كذلك فلا موجب للفحص بعد احراز الموضوع باصل العدم الازلي أو النعتي. نعم لو فرضنا عدم جريان الاصل اصلا يجب الفحص للعلم الاجمالي فان تبين الامر وتعينت الوظيفة فهو وإلا فالاحتياط.

[ 196 ]

وقد وقع الكلام في المقام في امكان الاحتياط وربما قيل: بعدم امكانه لان الوجوب فوري ولا يمكن الجمع بين المحتملين التمتع والافراد في سنة واحدة. وقد ذكر سيدنا الاستاذ (دام ظله الشريف) طرقا للاحتياط. الاول ان يحرم من الميقات قاصدا للجامع بين العمرة والحج فيدخل مكة ويأتي باعمال العمرة ثم يحرم للحج احتياطا فان كان حجه التمتع فقد اتى باعماله، وان كان حجه الافراد فقد اتى بالاحرام الاول ويكون الاحرام الثاني للحج ملغى، ثم يأتي بعمرة مفردة بعد الحج فحينئذ تفرغ ذمته سواء كان عليه التمتع أو الافراد. يبقى الكلام في التقصير لعدم جوازه له بناء ا على الافراد ووجوبه عليه بناءا على التمتع، فالتقصير امره دائر بين المحذورين، لانه اما واجب أو حرام والحكم فيه التخيير، ولكن لاجل الاحتياط في المقام يختار التقصير فلو كان حجه تمتعا فقد اتى بما وجب عليه وان كان افرادا فلا يترتب على تقصيره سوى الكفارة لافساد الحج. الطريق الثاني: ان ينوي باحرامه من الميقات عمرة التمتع التي تنقدم؟ على الحج فيأتي باعمال العمرة وبعد الفراغ يحرم لحج التمتع من مكة ثم يخرج من مكة إلى احد المواقيت، فان الخروج من مكة وان لم يكن جائزا لانه محتبس ومرتهن بالحج لكن يجوز له الخروج لحاجة، ولاريب ان الخروج لاجل تحصيل الجزم بالاتيان وتفريغ الذمة على وجه اليقين من اوضح الحاجات، فيحرم ثانيا للحج. فان كانت وظيفته التمتع فقد اتى بجميع ما يعتبر فيه ويكون الاحرام الثاني للحج ملغى، وان كانت الافراد فقد اتى بالاحرام الثاني للحج وتكون عمرته للتمتع لغوا ثم يأتي بعمرة مفردة، وبذلك يحصل الجزم بالفراغ،

[ 197 ]

[ (مسألة 1): من كان له وطنان احدهما في الحد والاخر ] وهذا الوجه اوجه من الاول ولعله متعين. الطريق الثالث: انه بناءا على جواز تقديم العمرة على الحج حتى في الحج الافرادي يمكن الاحتياط بوجه آخر. وهو ان يأتي بالعمرة اولا بقصد الجامع بين عمرة التمتع والافراد ويأتي بطواف النساء بعد اعمال العمرة لاحتمال كون عمرته عمرة مفردة ثم يأتي باحرام الحج، فان كانت وظيفته التمتع فقد اتى باعماله من العمرة والحج، وان كان وظيفته الافراد فقد اتى بعمرة مفردة وطواف النساء وباعمال الحج، لان المفروض جواز تقديم العمرة على الحج الافرادي، فلا حاجة إلى اتيان العمرة المفردة بعد الفراغ من اعمال الحج كما ذكرنا في الطريق الثاني. ثم ان تقسيم المكلف إلى قسمين قسم يتعين عليه التمتع، وقسم آخر يتعين عليه الافراد، أو القران، انما هو بالنسبة إلى حج الاسلام واما الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد والحاضر الاقسام الثلاثة بلا اشكال، وقد عقد في الوسائل بابا مستقلا لذلك والروايات في ذلك متضافرة (1) وان كان اختيار التمتع افضل، وكذلك الحج الواجب بالنذر ونحوه إذا لم يكن مقيدا بقسم خاص. نعم الحج الواجب بالافساد كالاصلي وتابع له وحكمه حكمه فاللازم مطابقته له.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب اقسام الحج.

[ 198 ]

[ في خارجه لزمه فرض اغلبهما () لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) أرأيت ان كان له اهل بالعراق واهل بمكة فقال (ع): فلينظر ايهما الغالب. فان تساويا فان كان مستطيعا من كل منهما تخير بين الوظيفتين وان كان الافضل اختيار التمتع وان مستطيعا من احدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة (2). ] (1) هذا مما لااشكال فيه للصحيحة المذكورة في المتن (1). (2) من كان له منزلان احدهما بمكة والآخر في غيرها من البلاد البعيدة وتساوت الاقامة فيهما، سواء اقام في بلد ستة اشهر وفي بلد آخر ستة اشهر اخرى، أو اقام في بلد اربعة اشهر وفي بلد اخر اربعة اشهر اخرى مثلا وفي بقية الاشهر تجول في البلاد ولم يستقر في بلد خاص، فقد حكم المصنف بالتخيير بين الاقسام الثلاثة إذا كان مستطيعا من البلدين، وإلا لزمه فرض وطن الاستطاعة. ويستدل له بان ادلة تعيين قسم خاص من الحج لا تشمل مثل هذا الشخص ومنصرفة عنه من جهة عدم استقراره في بلد خاص فيشمله حينئذ اطلاق ما دل على وجوب الحج ونتيجته التخيير. إلا انه لو تم ذلك لكان مقتضاه التخيير مطلقا من دون فرق بين حصول الاستطاعة في البلدين أو في احدهما، فلو كان له منزل في العراق مثلا وآخر بمكة واستطاع فيها يجوز له التمتع وكذلك العكس،


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب أقسام الحج، ح 1.

[ 199 ]

[ (مسألة 2): من كان من اهل مكة وخرج إلى بعض الامصار ثم رجع إليها فالمشهور جواز حج التمتع له وكونه مخيرا بين الوظيفتين (1) واستدلوا بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع): (عن رجل من اهل مكة يخرج إلى بعض الامصار ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت أله ] فلا يبتني التخيير على الاستطاعة في البلدين هذا. ولكن الالتزام بالتخيير لا يخلو من اشكال بل منع، وذلك لان مقتضى الادلة وجوب التمتع على من لم يكن حاضر المسجد ولم يكن من اهالي مكة، ووجوب الافراد، والقران على من كان حاضرا، وكان من اهالي مكة، فموضوع احد الواجبين ايجابي وموضوع الاخر سلبي ولا يمكن التخيير في مثل ذلك. نعم إذا كان موضوع كل واحد منهما ايجابيا وكان المورد مجمعا بين العنوانين لامكن بينهما بخلاف ما إذا كان موضوع احدهما سلبيا وموضوع الآخر ايجابيا فحينئذ لا يمكن الجمع بينهما فلا مورد للتخيير بين الامرين، والمفروض ان موضوع حج التمتع من لم يكن حاضرا وهو العنوان السلبي وموضوع الافراد من كان حاضرا وهو العنوان الايجابي، وكل من الدليلين مطلق من حيث اتخاذ وطن آخر ام لا، فمن كان من اهالي مكة وصدق عليه الحاضر لا يصدق عليه العنوان السلبي لاستحالة الجمع بين النقيضين فلا يتحقق موضوع حج التمتع، وحيث يصدق عليه العنوان الايجابي وهو الحضور يتعين عليه القران، أو الافراد، ولا اقل من ان الاتيان بالافراد أو القران بالنسبة إليه احوط. (1) من كان من اهل مكة وبعد عنها ثم اراد الحج فهل يحج

[ 200 ]

[ ان يتمتع قال (ع): ما ازعم ان ذلك ليس له لو فعل وكان الاهلال احب الي) ونحوها صحيحة اخرى عنه، وعن عبد الرحمن بن اعين عن أبي الحسن (ع). وعن ابن أبي عقيل عدم جواز ذلك وانه يتعين عليه فرض المكي إذا كان الحج واجبا عليه، وتبعه جماعة لما دل من الاخبار على انه لا متعة لاهل مكة، وحملوا الخبرين على الحج الندبي بقرينة ذيل الخبر الثاني، ولا يبعد قوة هذا القول، مع انه احوط لان الامر دائر بين التخيير والتعيين ومقتضى الاشتغال هو الثاني خصوصا إذا كان مستطيعا حال كونه في مكة فخرج قبل الاتيان بالحج، بل يمكن ان يقال، ان محل كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها، واما إذا كان مستطيعا فيها قبل خروجه منها فيتعين عليه فرض اهلها. ] متعة أو افرادا؟ قولان: فعن المشهور جواز حج التمتع له أيضا وامكان اجزاء حكم النائي عليه، فان النائي كما يلحق بالحاضر احيانا كالمقيم سنتين في مكة كذلك الحاضر قد يلحق بالنائي. وذهب ابن أبي عقيل إلى عدم جواز ذلك له وانه يتعين عليه فرض المكي، وتبعه جماعة، بدعوى: ان التمتع فرض النائي، وهذا الشخص ليس بالنائي. وقد استدل المشهور بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله (ع)

[ 201 ]

في (حديث) قال: (سألته عن رجل من اهل مكة يخرج إلى بعض الامصار ثم يرجع إلى مكة، فيمر ببعض المواقيت أله ان يتمتع؟ قال: ما ازعم ان ذلك ليس له لو فعل وكان الاهلال احب الي) (1) وبصحيحة اخرى عنه وعن عبد الرحمن بن أعين قالا: سألنا أبا الحسن (ع) عن رجل من اهل مكة خرج إلى بعض الامصار، ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) له أن يتمتع؟ فقال: ما ازعم ان ذلك ليس له، والاهلال بالحج احب الي) (2) فما ورد من انه لامتعة للحاضر وليس لاهل مكة متعة (3) يخصص بهاتين الصحيحتين. وقد اجاب المصنف وغيره عن الخبرين بحملهما على الحج الندبي بقرينة ذيل الخبر الثاني، فان مورده الندب. وذكر بعضهم ان الخبرين مطلقان من حيث قصد الحج من البعيد والقريب فيعارض اطلاقهما باطلاق ما دل على انه ليس لاهل مكة متعة فانة أيضا مطلق من حيث الحج الواجب والندب، والنسبة عموم من وجه، ويقع التعارض بينهما في الحج الواجب إذا قصده من البعيد، ومقتضى الصحيحين جواز التمتع له ومقتضى اطلاق مادل على المنع من المتعة لاهل مكة عدم جوازه له فيتساقط الاطلاقان. ولكن ذكر في الرياض انتصارا لابن أبي عقيل بانه يرجح التصرف في المعارض وهو (لامتعة لاهل مكة) لموافقته للكتاب والسنة. اقول: الظاهر عدم امكان حمل الصحيحين على الحج الندبي لوجهين: الاول: ان قوله (ع): (ما ازعم ان ذلك ليس له لو فعل)


(1) و (2) الوسائل: باب 7 من أبواب اقسام الحج، ح 2 و 1. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب أقسام الحج.

[ 202 ]

لا يلائم المندوب إذ لو كان السؤال في الخبرين عن الحج الندبي فلا ريب في جواز التمتع له، فهذا التعبير ظاهر في ان مورد السؤال هو الحج الواجب، على ان جواز التمتع فيما إذا كان الحج ندبيا امر مسلم يعرفه كل احد ولا حاجة إلى السؤال خصوصا من مثل عبد الرحمن الذي هو من اكابر الرواة الثاني: ان قوله (ع): (وكان الاهلال احب الي) لا ينسجم مع الندبي إذ لو كان مورد السؤال الحج الندبي فلا ريب في افضلية التمتع عن الافراد لا الاهلال بالحج الذي اريد به الافراد. واما ذيل الخبر الثاني فلا اشكال في ان مورده الندب ولكن قوله: (ورأيت من سئل أبا جعفر (ع) وذلك اول ليلة من شهر رمضان الخ) ليس من تتمة الخبر ولا يرتبط بصدره ولا يصح ان يكون قرينة له، بل هو خير مستقل آخر، وذلك لان هذا الكلام (ورأيت من سئل ابا جعفر (ع) لا يمكن أن يكون من كلام أبي الحسن موسى (ع) فانه (عليه السلام) ولد بعد اربعة عشر عاما من وفاة أبي جعفر الباقر (ع) (1) فالظاهر ان قائل هذا الكلام هو الراوي وهو عبد الرحمن فيكون خبرا مستقلا مرويا عن أبي جعفر (ع) واردا في الندب اندمج احدهما بالاخر ولا يرتبط بصدره فلا يصلح لكونه قرينة له. وبالجملة: ظاهر الخبرين الصحيحين هو الحج الواجب وبهما تقيد العمومات المانعة؟ عن المتعة لاهل مكة، فالنتيجة جواز التمتع له وان كان الافراد افضل واجب. ثم انه لو سلمنا عدم ظهور الصحيحين في الحج الواجب فلا اقل


(1) توفي الامام أبو جعفر الباقر (ع) سنة 114.

[ 203 ]

من اطلاقهما للواجب والمندوب خصوصا الصحيحة التي رواها الكليني مع اختصاصهما بارادة الحج من الخارج، كما لاريب في اطلاق مادل على المنع من التمتع الواجب لاهل مكة من جهة ارادة الحج من مكة أو من خارجها فمقتضى اطلاق الصحيحين جواز التمتع له حتى في الحج الواجب من الخارج كما ان مقتضى اطلاق مادل على انه لا متعة لاهل مكة عدم جواز التمتع له وان حج من الخارج، ويتعارض الاطلاقان من الطرفين ويتساقطان، ولا يمكن الرجوع إلى اطلاق الآية الكريمة (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) لانها في جانب الاخبار المعارضة، وحينئذ لا يكون اطلاق الآية مرجعا ولا مرجحا لاحد الطرفين كما توهمه السيد في الرياض. وقد ذكرنا تفصيل الامر في الترجيح بالكتاب في مبحث التعادل والترجيح في علم الاصول. وملخصه: ان الترجيح بالكتاب انما هو فيما إذا كانت دلالة الكتاب دلالة لفظية، واما إذا كانت الدلالة بالاطلاق فقاعدة الترجيح بالكتاب غير جارية، إذ ليس ذلك مدلولا لفظيا للكتاب، لان الاطلاق مستفاد من قيد عدمي، والعدمي ليس من القران ليكون مرجعا أو مرجحا لاجد الطرفين. وبتعبير آخر: مورد الرجوع إلى القران والترجيح به انما هو فيما إذا كان عدم العمل بالقران منافيا للظهور اللفضي بحيث يصدق انه قال الله تعالى كذا في الكتاب، وهذا المعنى لا يصدق على مجرد الاطلاق المستفاد من مقدمات الحكمة. وعليه فلا مجال للرجوع إلى اطلاق الكتاب ولسقوطه بالتعارض، فالمرجع اطلاق مادل على اصل وجوب الحج المقتضي للتخيير بين الاقسام الثلاثة، فان الواجب انما هو طبيعي الحج، والتقييد ببعض

[ 204 ]

الاقسام قد سقط بالمعارصة على الفرض. ولو اغمضنا عما ذكرنا وقلنا بعدم امكان الرجوع إلى الآيات الدالة على وجوب اصل الحج بدعوى: انها في مقام التشريع ولا اطلاق لها من ناحية ثبوت الاحكام فتصل النوبة إلى الاصل العملي، وقد قيل: ان مقتضاه الاشتغال لدوران الامر بين التعيين والتخيير، فيتعين عليه الافراد، لانه موجب للفراغ قطعا بخلاف التمتع. ولكن قد ذكرنا في محله ان الشك في التعيين والتخيير انما يقتضي الاشتغال في مورد التزاحم، وفي موارد الشك في الحجية، واما في موارد الشك في التكليف كالقصر والاتمام التي يدور امر الواجب بين التعيين والتخيير فمقتضى الاصل هو البرائة عن التعيين لان المورد من صغريات دوران الامر بين الاقل والاكثر، فان الطبيعي الجامع معلوم الوجوب وتقييده بخصوص احدهما مشكوك فيه وهو امر زائد والاصل يقتضي البرائة عنه، فما ذكروه من ان الشك في التعيين والتخيير يقتضي الاشتغال لا اساس له فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من جواز التمتع له أيضا اما للاطلاقات واما لاصالة البرائة عن الخصوصية ثم ان المصنف ذكر انه لا يبعد ان يكون محل كلامهم وحكمهم بالتخيير في صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عن مكة واما إذا حصلت الاستطاعة فيها وخرج منها واراد الحج من الخارج فيتعين عليه فرض الافراد، لانه إذا وجب عليه الافراد لا موجب لتبدله إلى التمتع فهذه الصورة خارجة عن محل كلامهم وعن مورد النصوص. ولكن الظاهر انه لافرق بين الصورتين ولا موجب لتخصيص الحكم بالتخيير بمن استطاع في الخارج، فان الادلة المقتضية للتخيير

[ 205 ]

[ (مسألة 3): الآفاقي إذا صار مقيما في مكة فان كان ذلك بعد استطاعته ووجوب التمتع عليه فلا اشكال في بقاء حكمه سواء كانت اقامته بقصد التوطن أو المجاورة ولو بازيد من سنتين، وأما إذا لم يكن مستطيعا ثم استطاع بعد اقامته في مكة فلا اشكال في انقلاب فرضه إلى فرض المكي في الجملة ] مشتركة بين الصورتين، فانه لو فرضنا انه استطاع في مكة وحج منها حج الافراد فلا كلام، ولو خرج قبل الحج واراد الحج من الخارج فلا مانع أيضا من التبديل إلى التمتع وجوازه له لاطلاق الصحيحين المتقدمين فانهما يخصصان مادل على انه لامتعة لاهل مكة، وإذا قلنا بسقوط النصوص بالمعارضة فالمرجع عموم مادل على وجوب طبيعي الحج، أو يرجع إلى الاصل العملي المقتضى للبرائه عن الخصوصية. نعم تفترق صورة حصول الاستطاعة في مكة عما إذا حصلت في الخارج بجريان الاصل، فانه بناء على المشهور من جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية يجب عليه الافراد في صورة حصول الاستطاعة في مكة لان الافراد قد وجب عليه وهو في مكه ثم بعد الخروج يشك في تبدله إلى التمتع ومقتضى الاصل بقائه على وجوبه وعدم تبدله إلى التمتع، فبذلك تمتاز هذه الصورة عما إذا حصلت الاستطاعة في الخارج. واما بناءا على المختار من عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية فلا فرق بين الصورتين كما عرفت.

[ 206 ]

[ كما لا اشكال في عدم الانقلاب بمجرد الاقامة (1). وانما الكلام في الحد الذي به يتحقق الانقلاب (2) فالاقوى ] (1) الآفاقي إذا سكن مكة فقد يتوطن فيها وقد يجاورها، وعلى كل تقدير فقد يكون مستطيعا من الاول، وقد يستطيع في مكة فهذه صور. أما المجاور الذي استطاع في مكة فيبحث عنه تاره: من حيث ما تقتضيه القاعدة وأخرى: عما تقتضيه الروايات. أما الاول: فمقتضى القاعدة وجوب حج التمتع عليه لان موضوع الحكم من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ومن لم يكن من أهل مكة، وذلك صادق على المجاور فانه لم يكن من اهل مكة، ولم يكن أهلة حاضري المسجد فيشمله حكم البعيد وان استطاع في مكة، فلو كنا نحن والآية المباركة لوجب عليه التميع. وأما الثاني: فان الروايات تقضي باجراء حكم أهل مكة عليه وانقلاب فرضه إلى فرض المكي في الجملة، وسنتعرض إلى الروايات فيما سيأتي (ان شاء الله تعالى). (2) قد وقع الخلاف فيما يتحقق به الانقلاب. فالمشهور انه يتحقق بالاقامة في مكة مدة سنتين والدخول في السنة الثالثة. ونسب إلى الشيخ وابن ادريس تحققه باكمال ثلاث سنين والدخول في الرابعة

[ 207 ]

[ ما هو المشهور من انه بعد الدخول في السنة الثالثة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع): (من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له (الخ)، وصحيحة عمر بن يزيد عن الصادق (ع): (المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطنا وليس له ان يتمتع. وقيل: بانه بعد الدخول في الثانية لجملة من الاخبار، وهو ضعيف لضعفها باعراض المشهور عنها، مع ان القول الاول موافق للاصل، وأما القول بانه بعد تمام ثلاث سنين فلا دليل عليه الا الاصل المقطوع بما ذكر مع ان القول به غير محقق لاحتمال ارجاعه إلى القول المشهور بارادة الدخول في السنة الثالثة. ] ونسب إلى جماعة، كالشهيد في الدروس بانه يتحقق باكمال سنة واحدة والدخول في الثانية، وقواه صاحب الجواهر (1). وسبب الاختلاف اختلاف الروايات. أما ما نسب إلى الشيخ من اعتبار الدخول في السنة الرابعة فلا دليل عليه الا الاصل المقطوع بالروايات. وأما مذهب المشهور فيدل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا


(1) الجواهر: ج 18 ص 89.

[ 208 ]

متعة له) (1) وصحيح عمر بن يزيد قال: (قال أبو عبد الله (ع): المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطنا وليس له ان يتمتع) (2). وبازاء ذلك روايات تدل على كفاية مضي سنة واحدة، وهي مستندة القائل بكفاية اكمال سنة واحدة. متها: صحيحة الحلبي قال: سئلت أبا عبد الله (ع) لاهل مكة ان يتمتعوا؟ قال: لا، قلت: فالقاطنين بها قال: إذا قاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة) (3). ومنها: خبر محمد بن مسلم (من أقام بمكة سنة فهو بمنزلة أهل مكة) (4). وربما يتوهم صحة الخبر لان رجال السند كلهم من الاعيان والثقات، ولكنه ضعيف لضعف طريق الشيخ إلى العباس بن معروف - الذي روى عنه الشيخ في الفهرست بابي المفضل ولم يذكر طريقه إليه في المشيخة. ومنها: خبر حماد، قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن أهل مكة أيتمتعون؟ قال: ليس لهم متعة، قلت: فالقاطن بها قال: إذا اقام بها سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة) (5) ولكنه ضعيف السند لان ابن أبي عمير يرويه عن داود عن حماد ولم يعلم من هو داود فانه مشترك بين الثقة وغيره


(1) و (2) الوسائل: باب 9 أقسام الحج، ح 1 و 2. (3) الوسائل: باب 9 أقسام الحج، ح 3. (4) الوسائل: باب 8 أقسام الحج، ح 4. (5) الوسائل: باب 9 أقسام الحج، ح 5.

[ 209 ]

[ وأما الاخبار الدالة على انه بعد ستة أشهر أو بعد خمسة أشهر فلا عامل بها، مع احتمال صدورها تقية، وامكان حملها على محامل اخر، والظاهر من الصحيحين اختصاص الحكم بما إذا كانت الاقامة بقصد المجاورة، فلو كانت بقصد التوطن فينقلب بعد قصده من الاول، فما يظهر من بعضهم من كونها أعلم لا وجه له، ومن الغريب ما عن آخر من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطن. ثم الظاهر أن في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكي بالنسبة إلى الاستطاعة أيضا فيكفي في وجوب الحج الاستطاعة من مكة ولا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده فلا وجه لما ] ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة يعني يفرد الحج مع أهل مكة، وما كان من دون السنة فله أن يتمتع) (1). والرواية معتبرة لان اسماعيل بن مرار المذكور في السند وان لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال تفسير على بن ابراهيم القمي وذكرنا في محله ان رجاله كلهم ثقات، وفي بعض نسخ التفسير اسماعيل ابن ضرار وهو غلط. ومنها: مرسل حريز (من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي (2).


(1) و (2) الوسائل: باب 9 أقسام الحج، ح 8 و 9.

[ 210 ]

[ يظهر من صاحب الجواهر من اعتبار استطاعة النائي في وجوبه لعموم أدلتها وأن الانقلاب انما أوجب تغيير نوع الحج وأما الشرط فعلى ما عليه فيعتبر بالنسبة إلى التمتع هذا ولو حصلت الاستطاعة بعد الاقامة في مكة لكن قبل مضي السنتين فالظاهر انه كما لو حصلت في بلده فيجب عليه التمتع ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد، فالمدار على حصولها بعد الانقلاب، وأما المكي إذا خرج إلى سائر الامصار مقيما بها فلا يلحقه حكمها في تعين التمتع عليه لعدم الدليل وبطلان القياس إلا إذا كانت الاقامة فيها بقصد التوطن وحصلت الاستطاعة بعده فانه يتعين عليه التمتع بمقتضى القاعدة ولو في السنة الاولى، وأما إذا كانت بقصد المجاورة أو كانت الاستطاعة حاصلة في مكة فلا، نعم الظاهر دخوله حينئذ في المسألة السابقة فعلى القول بالتخيير فيها - كما عن المشهور - يتخير وعلى قول ابن أبي عقيل يتعين عليه وظيفة المكي. ] وأجاب المصنف عن هذه الروايات باعراض المشهور عنها، وهو غير تام عندنا، على ان بعضهم قد عمل بها كصاحب الجواهر (قده) مع حمل مادل على اعتبار السنتين على الدخول في الثانية بعد اكمال سنة واحدة، الا انه لا يمكن فانه وان كان محتملا ولو بعيدا في صحيح زرارة المتقدم لقوله: (من أقام بمكة سنيتن) إذ يمكن حمله على

[ 211 ]

الدخول في السنة الثانية، ولكن لا يمكن ذلك بالنسبة إلى صحيح عمر ابن يزيد للتصريح فيه بالتجاوز عن سنتين. فالصيحيح ان يقال: ان الروايات متعارضة متكافئة فالمرجع عموم مادل على أن النائي وظيفته التمتع ولم يثبت تخصيصه بالمجاورة مدة سنة واحدة. وبتعبير آخر: كل من لم يكن مكيا، ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وظيفته التمتع وان كان قاطنا في مكة أقل من المقدار الخارج عن العموم كالاقل من سنتين. نعم إذا تجاوز عن السنتين فلا كلام في انقلاب فرضه إلى الافراد لانه القدر المتيقن من التخصيص، وفي غير ذلك فالمرجع عموم مادل على ان البعيد وظيفته التمتع. ولعل نظر المصنف في قوله: (أن قول المشهور موافق للاصل) إلى ما ذكرناه مطابقته لما تقتضيه القاعدة في الجمع بين الروايات والرجوع إلى العام بعد التعارض. وأما ما دل من الروايات على انقلاب الفرض بعد خمسة أشهر أو ستة (1) فيرد عليها: أولا: انه لاعامل بها. وثانيا: سقوطها بالمعارضة بالصحيحتين المتقدمتين (صحيحة زرارة وعمر بن يزيد). وثالثا: ان مادل على خمسة أشهر من الرواية ضعيف بالارسال. وقد تلخص مما تقدم: ان النائي وظيفته التمتع سواء كان مجاورا في مكة أم لا، فان العبرة في وجوب الافراد هو التوطن وكونه من اهالي مكة وعدمه، فمن لم يكن متوطنا فيها، ولم يكن اهله حاضري


(1) الوسائل: باب 8 أقسام الحج، ح 5 و 3.

[ 212 ]

المسجد الحرام يجب عليه التمتع خرجنا عن ذلك بالصحيحين الدالين على انقلاب فرضه إلى الافراد إذا أقام بمكة مدة سنتين. وبعبارة أخرى: النصوص الدالة على التحديد بالمجاورة متعارضة فيكون المرجع العموم الدال على وجوب التمتع على كل أحد ومنه الآية الكريمة بناءا على ان كلمة (من) من أداة العموم كما قيل فالعموم هو المحكم، والتخصيص ثابت بالمقدار المتيقن وهو المجاورة بمضي سنتين وفي غير ذلك يقع التعارض ويكون الترجيح لما وافق الكتاب. فالنتيجة ثبوت التخصيص بمقدار سنتين وفي غيره وظيفته التمتع لعموم الآية والاخبار، هذا كله فيما إذا استطاع بعد السنتين. واما إذا استطاع قبل السنتين سواء استطاع في مكة مدة مجاورته، أو استطاع في بلده ولم يحج فهل يجب عليه الافراد وينقلب فرضه من التمتع إلى الافراد أم لا؟ ذكر غير واحد الاجماع على أنه من كان متسطيعا ووجب عليه التمتع في بلده ثم صار مقيما في مكة لا يتبدل فرضه بل هو باق على حكمه وانما يتبدل فرضه وتنقلب وظيفته فيما إذا استطاع بعد السنتين من مجاروته، ولكن قال: السيد في المدارك (وفي استفادة ذلك من الروايات نظر) واستجوده في الحدائق. أقول: الظاهر أن الروايات لا تشمل هذه الصورة، اعني: ما إذا استطاع المجاور قبل السنتين. بيان ذلك: ان بعض الآيات الشريفة تدل على أصل وجوب الحج على جميع المكلفين من دون نظر إلى قسم من أقسامه كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) وبعضها كقوله تعالى: (فمن


(1) سورة آل عمران: 97.

[ 213 ]

تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية (1) والروايات المفسرة المبينة للآية تدل على ان الحج يختلف باختلاف الاماكن والاشخاص، وان النائي وظيفته التمتع والقريب فرضه الافراد، فيكون المكلف على قسمين، والصحيحتان المتقدمتان تنظران إلى هذا الجعل، وان من أقام مدة سنتين في مكة ينقلب حجه إلى الافراد ولامتعة له فهو مكي تنزيلا، ولانظر لهما إلى حصول الاستطاعة سابقا أو عدمه. وبتعبير آخر: الصحيحان منصرفان عمن كان مستطيعا سابقا، بمعنى: انهما في مقام بيان الحج الواجب عليه وتعيين بعض الاقسام عليه ولا نظر لهما إلى من وجب عليه الحج سابقا، فلا يستفاد منهما الا الالحاق في قسم خاص، وأما إذا كان مستطيعا سابقا وكانت وظيفته التمتع وترك الحج حتى جاور مكة، فالصحيحان غير ناظرين إلى وظيفته الفعلية وتبدل فرضه إلى فرض آخر فهو باق على حكمه السابق. ولو احتملنا شمول الخبرين لهذه الصورة أيضا فلا أقل من اجمالها فيدور الامر بين تخصيص الاقل والاكثر، والقاعدة تقتضي الاقتصار على الاقل وهو خصوص حصول الاستطاعة بعد السنتين، فينقلب فرضه إلى الافراد إذا لم يكن مستطيعا في بلده أو لم يكن مستطيعا في ضمن المجاروة قبل السنتين، فان التنزيل بهذا المقدار ثابت، وأما في غيره كما إذا كان مستطيعا في بلده وترك الحج، أو حصلت الاستطاعة قبل السنتين ووجب عليه الحج فلم يثبت التنزيل فوظيفته باقية على حالها. وعليه فلا حاجة إلى التمسك بالاجماع المدعى في المقام، هذا كله في حكم المجاور في مكة.


(1) سورة البقرة: 196.

[ 214 ]

وأما إذا توطن في مكة وصار من أهلها، فلم يحدد ذلك بشئ من السنة أو الاشهر، فيجري عليه حكم أهل مكة، لاطلاق مادل على أنه لامتعة لاهل مكة ولا مخصص له. وأما الصحيحان الدالان على الانقلاب بالاقامة مقدار سنتين إنما هما، في المجاور والمقيم بالعرض وأما المتوطن فغير مشمول لهما، فلو أقام شهرا واحدا أو أقل وصدق عليه انه من أهل مكة فعليه حكمهم ولا موجب للتخصيص بالسنة أو السنتين. فمن الغريب ما عن بعضهم من اختصاص الحكم والتحديد بالسنتين بما إذا كانت الاقامة بقصد التوطن، وأما المجاور فعليه المتعة. ثم الظاهر ان في صورة المجاروة والانقلاب يلحقه حكم المكي بالنسبة إلى الاستطاعة، فيكفي في وجوب الحج عليه الاستطاعة من مكة إلى عرفات ثم إلى مكة. وذكر صاحب الجواهر (1) انه يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده، لان الانقلاب إنما يوجب تغيير نوع الحج وأما الاشتراط بالاستطاعة فيبقى بحاله بالاضافة إلى النائي. اقول: يقع الكلام في الاستطاعة تارة: من حيث المبدء واخرى: من حيث المنتهى. أما من حيث المبدء فلا تعتبر الاستطاعة من بلد خاص بل المعتبر حصولها من أي بلد كان، فلو سافر العراقي إلى المدينة واستطاع فيها وجب عليه الحج وان لم يكن مستطيعا في بلده إذ لم يدل اي دليل على اعتبار الاستطاعة من بلد خاص


(1) الجواهر: ج 18 ص 91.

[ 215 ]

وأما من حيث المنتهى والعود إلى بلاده فان فرضنا انه اقام سنتين في مكة واستطاع وأراد الرجوع والعود إلى بلده، ولكن لو صرف المال في اعمال الحج ومقدماته من الذهاب إلى عرفات والعود إلى مكة لا يتمكن من العود إلى بلده فحينئذ يقع الكلام في انه هل يعتبر القدرة على العود إلى بلاده في حصول الاستطاعة أم لا؟، ولا يخفى: انه لم يتعرض في شئ من الروايات إلى ذلك اصلا، وانما ذلك امر عرفي مأخوذ في الاستطاعة حسب المتفاهم العرفي المستفاد من القدرة على السفر إلى بلد من البلدان، فلو قيل: ان شخصا قادر على السفر إلى كربلاء لزيارة الحسين (ع) يفهم العرف منه انه قادر على الذهاب والاياب، وأما من كان قادرا على الذهاب فقط فلا يصدق عليه انه قادر على ذلك السفر، فالقدرة على الذهاب والاياب مأخوذة في الاستطاعة بحسب الفهم العرفي المرتكز في الاذهان ومجرد القدرة على الذهاب لا يكفي في صدق الاستطاعة. وهل يكفي تمكنه من الرجوع إلى محل اقامته وهو مكة أو يعتبر قدرته على العود إلى بلاده؟. أما إذا كان غير عازم على العود إلى بلاده فلا كلام وامالو كان عازما على العود ولا يكفي ماله للعود بحيث لو صرفه في الحج لا يتمكن من العود، فمقتضى كلام المصنف وجوب الحج عليه وان حاله حال اهالي مكة، ومقتضى كلام صاحب الجواهر عدم وجوب الحج عليه، لاعتبار تمكنه من العود إلى بلده. والصحيح ما ذهب إليه في الجواهر لان اقصى ما يدل عليه النص هو الانقلاب في فرض الحج لا الانقلاب في الشروط، وتنزيله منزلة أهالي مكة إنما هو بلحاظ نفس الاعمال والافعال لا الشروط،

[ 216 ]

[ (مسألة 4): المقيم في مكة إذا وجب عليه التمتع كما إذا كانت استطاعته في بلده أو استطاع قبل انقلاب فرضه فالواجب عليه الخروج إلى الميقات لاحرام عمرة التمتع، واختلفوا في تعيين ميقاته على أقوال: (أحدهما؟): أنه مهل أرضه، ذهب إليه جماعة بل ربما يسند إلى المشهور - كما في الحدائق - لخبر سماعة عن أبي الحسن (ع) (سئلته عن المجاور أله ان يتمتع بالعمرة إلى الحج، قال (ع) نعم يخرج إلى مهل أرضه فليلب ان شاء) المعتضد بجملة من الاخبار الواردة في الجاهل والناسي الدالة على ذلك بدعوى عدم خصوصية للجهل والنسيان وان ذلك لكونه مقتضى حكم التمتع، والاخبار الواردة في توقيت المواقيت ] والانقلاب في الحج لا يوجب الانقلاب في الشروط المعتبرة. ثم تعرض المصنف لعكس المسألة السابقة، وهو ما إذا صار المكي مقيما في بلد آخر. فان توطن في الخارج فلا كلام في انقلاب فرضه إلى التمتع. وان لم يتوطن بل قصد المجاورة في الخارج فلا موجب لانقلاب فرضه إلى فرض النائي لعدم الدليل ولا نقول بالقياس. نعم من كان من أهل مكة وخرج إلى بعض الامصار وأراد الحج له التمتع وان كان الاهلال بالحج أي الافراد أفضل كما في النص (1) ولكن انقلاب الفرض غير ثابت وقد تقدم البحث عن ذلك.


(1) الوسائل: باب 7 أقسام الحج، ح 1 و 2.

[ 217 ]

[ وتخصيص كل قطر بواحد منها أو من مر عليها بعد دعوى ان الرجوع إلى الميقات غير المرور عليه. (ثانيهما): انه أحد المواقيت مخيرا بينها، واليه ذهب جماعة أخرى لجملة اخرى من الاخبار، مؤيدة باخبار المواقيت بدعوى عدم استفادة خصوصية كل بقطر معين. (ثالثها): انه ادنى الحل، نقل عن المجلسي وتبعه بعض متأخري المتأخرين، لجملة ثالثة من الاخبار والاحوط الاول وان كان الاقوى الثاني لعدم فهم الخصوصية من خبر سماعة واخبار الجاهل والناسي وان ذكر المهل من باب أحد الافراد، ومنع خصوصية للمرور في الاخبار العامة الدالة على المواقيت، وأما اخبار القول الثالث فمع ندرة العامل بها مقيدة باخبار المواقيت أو محمولة على صورة التعذر (1). ] (1) البحث في هذه المسألة يقع في مرحلتين: الاولى: فيما تقتضيه القاعدة. الثانية فيما تقتضيه الروايات الخاصة. أما القاعدة فمقتضاها تعيين الاحرام عليه من مواقيت خاصة عينها النبي (صلى الله عليه وآله) كما يستفاد من الروايات (1) العامة الدالة على توقيته صلى الله عليه وآله مواقيت للآفاق وان لكل قطر ميقاتا خاصا - كما يظهر ذلك من الروايات الآتية وانه ليس لاحد ان يحرم إلا من ميقاته الذي عينه له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالعراقي


(1) الوسائل: باب 1 المواقيت.

[ 218 ]

يحرم من بطن العقيق والطائفي من قرن المنازل واليمنى من يلملم وهكذا. وبازائها روايات اخر تدل على انه يحرم من الميقات الذي يمر به (1). وقد وقع الكلام في ان هذه الروايات هل تشمل الشخص الذي يريد الحج من مكة أو تختص بمن يريد الحج من الخارج؟. ربما يدعي انصراف الروايات عمن يريد الحج من مكة واختصاصها بمن يريد الحج من خارجها. ولكن الظاهر انه لا موجب لدعوى الانصراف، لصدق المرور على الميقات على من يقصد الحج من مكة بان يخرج من مكه إلى أي ميقات أراد من غير تعيين، فلا يختص بمن يقصد الحج من الخارج فان المرور على المكان هو الاجتياز عليه وهذا المعنى يصدق على من يقصد التمتع من مكة فيجوز له الخروج إلى أي ميقات شاء فانه عند ما يصل ذلك المكان ويجتازه يصدق عليه انه مر عليه من غير فرق بين ان يريد التمتع من مكة أو من خارجها، ولا يجب عليه ان يرجع إلى ميقات بلده. فلو كنا نحن وهذه الروايات ولم ترد رواية في حكم المقيم لالتزمنا بالقول الثاني وهو جواز الاحرام من أي ميقات شاء وأراد، لدخوله في عنوان المار بالميقات ولا موجب للانصرف المذكور. هذا ما تقتضيه القاعدة المستفادة من الروايات العامة وأما الروايات الخاصة: فبعضها تدل على انه يرجع إلى ميقات


(1) الوسائل: باب 7 أقسام الحج.

[ 219 ]

بلده، كموثق سماعة عن أبي الحسن (ع) قال: (سئلته عن المجاور أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم يخرج إلى مهل أرضه فيلبي ان شاء) (1) ولو تم هذا الخبر لكان مخصصا لتلك الروايات الدالة على كفاية المرور ببعض المواقيت لاطلاقها من حيث حج المقيم في مكة أو حج الخارج. واستشكل في الرياض في الخبر بضعف السند بمعلى بن محمد استظهارا من عبارة النجاشي في حقه ولم يكن الخبر منجبرا بعمل المشهور. ولكن الرجل ثقة لانه من رجال كامل الزيارات، وعبارة النجاشي لاتدل على ضعفه وانما تدل على انه مضطرب الحديث والمذهب، والاضطراب في الحديث معناه انه يروي الغرائب وأما الاضطراب في المذهب فغير ضائر إذا كان الشخص ثقة في نفسه. والعمدة ضعف الدلالة لتعليق الخروج إلى مهل أرضه، على مشيته، وذلك ظاهر في عدم الوجوب، والا فلا معنى للتعليق على مشيته وارادته، وما ارجاع قوله (ع): (ان شاء) إلى التمتع فبعيد جدا. ولو فرضنا دلالته على الوجوب فمعارض بروايات اخر تدل على عدم تعيين ميقات خاص له، وجواز الاكتفاء بأي ميقات شاء، كموثق آخر (2) لسماعة في حديث، قال (ع): (فان هو أحب ان يتمتع في اشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتعا بالعمرة إلى الحج،


(1) الوسائل: باب 8 أقسام الحج، ح 1 (2) الوسائل: باب 10 أقسام الحج، ح 2.

[ 220 ]

فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى االجعرانه فيلبي منها) (1). والمتفاهم منه جواز الاحرام من أي ميقات شاء، لعدم خصوصية لذات عرق، أو عسفان فان المستفاد منه بحسب الفهم العرفي جواز الخروج إلى ميقات من المواقيت، وان لم يكن ميقات بلده واهله، والرواية قد اشتملت على التجاوز عن ذات عرق والتجاوز على عسفان ولم يعلم لنا إلى الآن ان عسفان واقع في أي مكان وبأي مقدار يبعد عن مكة، وكيف يحرم منه مع انه ليس من حدود الحرم ولا من المواقيت، ولكن ذلك غير ضائر في دلالة الرواية على التخيير. وقد روي ان النبي (صلى الله عليه وآله) اعتمر ثلاث عمر احدها من عسفان) (2) وأما القول الآخر وهو الاحرام من أدني الحل فتدل عليه جملة من الاخبار، أهمها صحيح الحلبي قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) لاهل مكة أن يتمتعوا؟ قال (ع): لا ليس لاهل مكة ان يتمتعوا قلت: فالقاطنون بها؟ قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما


(1) الوسائل: باب 22 المواقيت، ح 2. (2) ذات عرق: مهل اهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة. وقيل: عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق. عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. وقيل: عسفان بين المسجدين وهي من مكة على مرحلتين، وقيل قرية بها نخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلا من مكة وهي حد تهامة وقد غزا النبي صلى الله عليه وآله بني لحيان بعسفان. الجعرانة: مكان فيه ماء بين الطائف ومكة. وهي إلى مكة أقرب نزلها النبي صلى الله عليه وآله عند رجوعه من غزاة حنين واحرم منها. معجم البلدان

[ 221 ]

يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا فان لهم ان يتمتعوا قلت: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم، قلت: من أين يهلون بالحج؟ فقال: من مكة نحوا مما يقول الناس) (1). وأوضح منه دلالة موثقة سماعة، (من دخلها بعمرة في غير اشهر الحج ثم أراد ان يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها) (2) فانها صريحة الدلالة في الخروج إلى أدنى الحل وهو الجعرانة والاحرام منه. واستدلوا أيضا بصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) (قال (ع): من أراد ان يخرج من مكة ليعتمر احرم من الجعرانة أو الحديبية وما اشبهها) (3). ويشكل بان مورده العمرة المفردة لا الحج للمقيم في مكة، فالعمدة صحيح الحلبي فيقع الكلام في الجمع بين الروايات. ان قلنا بسقوط حجية الخبر بالاعراض عنه فصحيحة الحلبي ساقطة وان لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا مضافا إلى انه قد عمل جماعة بالصحيحة فهي صريحة في جواز الاحرام من أدني الحل. وأما موثق سماعة الاول الدال على الخروج إلى ميقات بلده ومهل أرضه فظاهره الوجوب، ومقتضى القاعدة رفع اليد عن ظاهر هذا بصراحة صحيحة الحلبي الدالة على كفاية ادنى الحل فيحمل الموثق على الاستحباب، وكذلك الحال بالنبسبة إلى موثق سماعة الدال على جواز الاكتفاء بالخروج إلى الجعرانة وهو ادنى الحل.


(1) الوسائل: باب 9 أقسام الحج، ح 3. (2) الوسائل: باب 8 أقسام الحج، ح 2. (3) الوسائل: باب 23 المواقيت، ح 1.

[ 222 ]

[ ثم الظاهر ان ما ذكرنا حكم كل من كان في مكة وأراد الاتيان بالتمتع ولو مستحبا. هذا كله مع امكان الرجوع إلى المواقيت، وأما إذا تعذر فيكفي الرجوع إلى أدنى الحل، بل الاحوط الرجوع إلى ما يتمكن من خارج الحرم مما هو دون الميقات وان لم يتمكن من الخروج إلى ادنى الحل احرم من موضعه، والاحوط الخروج إلى ما يتمكن ] وكذلك موثقة الثاني بناءا على دلالته على وجوب الاحرام من الاماكن المذكورة فيه كذات عرق وعسفان، ولكن قد عرفت دلالته على جواز الاحرام من أي ميقات شاء ولا خصوصية للاماكن المذكورة. فالنتيجة هي التخيير وجواز الاحرام من أدنى الحل والافضل الاحرام من أحد المواقيت الموقتة وافضل منه الاحرام من ميقات بلده ثم ان المصنف (رحمه الله) بعدما اختار الاحرام من أحد المواقيت رتب على ذلك انه ان لم يكن متمكنا من الاحرام من أحد المواقيت يحرم من خارج الحرم كما انه احتاط احتياطا وجوبيا في الخروج من الحرم بان يرجع إلى ما يتمكن من قطع المسافة، وان لم يتمكن من ذلك أيضا فيحرم من مكانه، وقد احتاط أيضا بالخروج بالمقدار الممكن وان كان داخل الحرم. والحاصل: غرضه (قده) عدم الاحرام من مكانه بل الواجب عليه أولا الخروج إلى ميقات من المواقيت والا فيخرج من مكة بالمقدار الممكن فيحرم هناك ولو كان ذلك المكان بين الميقات والحرم

[ 223 ]

بل ولو كان بين الحرم وابعاضه ومكة. ولا يخفى: ان ما ذكره مبني على مختاره من وجوب الاحرام من احد المواقيت المعينة، وأما بناءا على مختارنا من التخيير بين الموارد الثلاثة المذكورة فلا موجب لهذا الاحتياط بل قد لا يجوز لعدم الدليل على جواز الاحرام من مكان أبعد من أدنى الحل فان العبادة توقيفية ولا دليل على جواز ذلك في غير الموارد المنصوصة فضلا عن أن يكون احوط.

[ 224 ]

[ (فصل) صورة حج التمتع على الاجمال: ان يحرم في أشهر الحج من الميقات بالعمرة المتمتع بها إلى الحج، ثم يدخل مكة فيطوف فيها بالبيت سبعا ويصلي ركعتين في المقام، ثم يسعى لها بين الصفا والمروة سبعا، ثم يطوف للنساء احتياطا، وان كان الاصح عدم وجوبه (1) ويقصر، ثم ينشئ احراما للحج من مكة في وقت يعلم انه يدرك الوقوف بعرفة والافضل ايقاعه يوم التروية، ثم يمضي إلى عرفات فيقف بها من الزوال إلى الغروب ثم يفيض ويمضى منها إلى المشعر فيبيت فيه ويقف به بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ثم يمضي إلى منى فيرمي جمرة العقبة، ثم ينجر أو يذبح هديه ويأكل منه، ثم يحلق أو يقصر، فيحل من كل شئ إلا النساء والطبيب، والاحوط اجتناب الصيد أيضا، وإن كان الاقوى عدم حرمته عليه من حيث الاحرام، ثم هو مخير بين ان يأتي إلى مكة ليومه فيطوف ] (1) ذكر المصنف (رحمه الله) في هذا الفصل صورة اجمالية لحج التمتع، ونحن نتعرض لذلك كله في محاله (ان شاء الله تعالى) وإنما نذكر هنا اتيان طواف النساء في عمرة التمتع.

[ 225 ]

[ طواف الحج ويصلي ركعتيه ويسعى سعيه فيحل له الطيب ثم يطوف طواف النساء ويصلي ركعتيه فتحل له النساء ثم يعود إلى منى لرمي الجمار فيبيت بها ليالي التشريق - وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر - ويرمي في أيامها الجمار الثلاث، وان لا يأتي إلى مكة ليومه بل يقيم بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر ومثله يوم الثاني عشر، ثم ينفر بعد الزوال إذا كان قد اتقى النساء والصيد، وان اقام إلى النفر الثاني وهو الثالث عشر ولو قبل الزوال لكن بعد الرمي جاز أيضا، ثم عاد إلى مكة للطوافين والسعي ولا اثم عليه في شئ من ذلك على الاصح كما ان الاصح الاجتزاء بالطواف والسعي تمام ذي الحجة والافضل الاحوط هو اختيار الاول بان يمضي إلى مكة يوم النحر بل لا ينبغي التأخير لغده فضلا عن أيام التشريق الا لعذر. ] فنقول: لاريب في وجوب طواف النساء في الحج، وكذلك في العمرة المفردة للنصوص المستفيضة (1). وأما عمرة التمتع فالمعروف بل المتسالم عليه عدم وجوب طواف النساء فيها، ولكن الشهيد نقل عن بعض الاصحاب الوجوب ولم يعين القائل ولم نظفر به، وقد صرح في النصوص بعدم الوجوب.


(1) الوسائل: باب 2 أقسام الحج وباب 82 الطواف.

[ 226 ]

منها: ما رواه في الوسائل عن الكليني عن محمد بن يحيي، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، قال: كتب أبو القاسم مخلد بن موسى الرازي إلى الرجل يسئله عن العمرة المبتولة (1) هل على صاحبها طواف النساء والعمرة التي يتمتع بها إلى الحج؟ فكتب أما العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء، وأما التي يتمتع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف النساء (2). وفي بعض النسخ الوسائل، احمد بن محمد، بدل محمد بن أحمد. وذكر الشيخ هذه الرواية في موردين من التهذيب، أحدهما عن محمد بن احمد بن يحيى عن محمد بن عيسى، ثانيهما عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن محمد بن عيسى (3) ورواها في الاستبصار عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن عيسى (4). والصحيح ما في الكافي الان الرواية مروية عنه فهو المرجع، وعلى كل تقدير تكون الرواية معتبرة (5). ومنها: صحيحة صفوان بن يحيى قال: (سئله أبو حارث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى، وقصر هل عليه طواف النساء؟ قال: لا انما طواف النساء بعد الرجوع من منى) (6).


(1) بتل الشئ قطعه وسميت العمرة المفردة بالمبتولة لعدم ارتباطها بالحج واستقلالها بنفسها. (2) الوسائل: باب 82 الطواف، ح 1. (3) التهذيب: ج 5 ص 163 وص 254. (4) الاستبصار: ج 2 ص 232. (5) الكافي: ج 4 ص 538. (6) الوسائل: باب 82 الطواف، ح 6.

[ 227 ]

وبازائهما معتبرة سليمان المروزي (إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعا فطاف بالبيت وصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم (ع) وسعى بين الصفا والمروة وقصر فقد حل له كل شئ ما خلا النساء لان عليه لتحله النساء طوافان وصلاة) (1) والتعبير بقوله: (طوافان) جاء هكذا في الوسائل في الطبعة الجديدة، وهو غلط جزما لان اسم (ان) منصوب فلابد ان يكون (طوافين) بدل (طوافان) والصحيح ما في التهذيب (طوافا وصلاة). وقد يستدل: بهذه المعتبرة على وجوب طواف النساء في عمرة التمتع بدعوى: ان الرواية في مقام بيان أعمال العمرة ويشهد لذلك قوله: (وقصر) فان التقصير بعد الطواف والسعي انما يكون في العمرة، وأما الحج فلا تقصير فيه بعد الطواف والسعي. لكن الظاهر ان كلمة (قصر) زيادة من قلمه الشريف في التهذيب (2) فان الشيخ روى عين هذه الرواية سندا ومتنا في الاستبصار (3) وترك كلمة (قصر) فالاشتباه نشأ من كلمة (قصر) فان كانت ثابتة في الرواية يمكن الاستدلال بها لطواف النساء في عمرة التمتع ولكنها غير ثابتة كما في الاستبصار فتكون الرواية في مقام بيان اعمال الحج فهي اجنبية عن المقام. ولو اغمضنا عن ذلك وقلنا بثبوت كلمة (قصر) فتسقط الرواية بالمعارضة بما تقدم من صراحة الصحيحين المتقدمين بعدم الوجوب. وربما يتخيل: ان قوله: (فقد حل له كل شئ ما خلا النساء)


(1) الوسائل: باب 82 الطواف، ح 7. (2) التهذيب: ج 5 ص 162. (3) الاستبصار: ج 2 ص 244.

[ 228 ]

قرينة على ثبوت كلمة قصر) لان الحلية في العمرة متوقفة على التقصير وأما الحلية في الحج فثابتة بالحلق في منى قبل الطواف والسعي فلو لم تكن كلمة (قصر) ثابتة لكان المعنى أنه حل له كل شئ بعد الطواف والصلاة والسعي، مع ان الحلية في الحج ثابتة بالحلق قبل الطواف والسعي فلا بد من اثبات كلمة (قصر) حتى يصح التعبير بقوله: (فقد حل له كل شئ) فإذا ثبتت الكلمة يكون مورد الرواية العمرة التي يتمتع بها ويثبت المطلوب وهو وجوب طواف النساء في عمرة التمتع. وبرده: ان الحلية في الحج وان كانت تثبت بالحلق في كثير من محرمات الاحرام إلا ان حلية كلها ما عدا النساء انما تكون بالطواف والسعي. ففي صحيحة معاوية بن عمار، (فإذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كل شئ احرم منه إلا النساء) (1) مع ان الحلية في الجملة ثابتة قبل ذلك بالحلق. وفي صحيحة منصور بن حازم (عن رجل رمى وحلق أيأكل شيئا فيه صفرة؟ قال: لاحتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قد حل له كل شئ) (2). وبالجملة: يكفينا في الحكم بعدم الوجوب مع الغض من النصوص المتقدمة، الشك لاصالة البرائة. هذا مضافا إلى التسالم على عدم الوجوب ولم ينسب القول بالوجوب الا إلى شخص مجهول.


(1) و (2) الوسائل: باب 13 الحلق والتقصير، ح 1 و 2

[ 229 ]

[ (تنبيه) لاريب في ان محل اتيان طواف النساء في العمرة المفردة بعد التقصير، ولكن المصنف (ره) ذكر في عمرة التمتع ان محل اتيانه بعد السعي وقبل القصير، فيقع الكلام في وجه ذلك. فنقول: ان كان مدرك الاتيان بطواف النساء في عمرة التمتع معتبرة سليمان المروزي المتقدمة واغمضنا عما ذكرنا من عدم ثبوت كلمة (فقصر) فالامر بالعكس لان المذكور فيها طواف النساء بعد التقصير. وان كان مدرك الاتيان بطواف النساء مجرد الخروج عن خلاف بعض العلماء فلتقديم طواف النساء على التقصير وجه وهو انه قد وردت روايات كثيرة (1) في عمرة التمتع انه لو قصر فقد حل له كل شئ فلو كان طواف النساء واجبا واقعا لوجب قبل التقصير بلحاظ هذه الروايات، إذ لو وجب اتيانه بعد التقصير لم يحل له كل شئ بالتقصير، فلاجل التحفظ على هذا العموم المستفاد من المستفيضة نلتزم بتقديم طواف النساء على التقصير. وبتعبير آخر: مادل من المستفيضة على أنه يحل له كل شئ بالتقصير يدل بالدلالة الالتزامية على تقديم طواف النساء على التقصير والا فلا يحل له كل شئ بالتقصير


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التقصير.

[ 230 ]

[ ويشترط في حج التمتع أمور: (أحدها): النية بمعنى قصد الاتيان بهذا النوع من الحج حين الشروع في احرام العمرة، فلو لم ينوه أو نوى غيره أو تردد في نيته بينه وبين غيره لم يصح (1). نعم في جملة من الاخبار أنه لو أتى بعمرة مفردة في أشهر ] (1) لان أنواع الحج ماهيات وحقائق مختلفة، ولا تتعين الا بالنية، كما انه يعتبر فيه قصد القربة زائدا على قصد العنوان لانه عبادي لا يحصل الامتثال الا بقصد القربة، ويعتبر فيه استمرار النية إلى تمام العمل، وتكفي نية واحدة للعمل التام، ولا تعتبر في كل جزء مستقلا نظير الصلاة ونحوها من العبادات من كفاية نية واحدة للعمل المركب واستمرارها إلى الجزء الاخير منه فلا فرق بين الحج وغيره من العبادات من هذه الجهة، وانما يفترق باب الحج عن الصلاة وغيرها من العبادات باستحباب التلفظ بالنية في كل عمل من أعمال الحج. فالحكم بالاكتفاء بنية واحدة واستمرارها إلى الجزء الاخير من أعمال الحج مما لاريب فيه. مضافا إلى دلالة النص على ذلك، ففي صحيح البزنطي (عن رجل متمتع كيف يصنع؟ قال: ينوي العمرة ويحرم بالحج) (1) وفي صحيحة الاخر (كيف أصنع إذا أردت ان اتمتع؟؟ فقال: لب بالحج وانو المتعة) فقصد العنوان، والتعيين مما يلزم في المقام لاختلاف الماهية وعدم تعينها الا بالنية.


(1) الوسائل: باب 22 الاحرام، ح 1 و 4.

[ 231 ]

[ الحج جاز أن يتمتع بها (1) بل يستحب ذلك إذا بقي في مكة إلى هلال ذي الحجة، ويتأكد إذا بقي إلى يوم التروية، بل عن القاضي وجوبه حينئذ ولكن الظاهر تحقق الاجماع على خلافه ففي موثق سماعة عن الصادق (ع) " من حج معتمرا في شوال ومن نيته أن يعتمر ورجع إلى بلاده فلا بأس بذلك وإن هو أقام إلى الحج فهو متمتع لان أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن اعتمر فيهن فاقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم الحج فهي عمرة، وان اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع وانما هو مجاور أفرد العمرة فان هو أحب ان يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج ] (1) قد ورد في جملة من الاخيار - على ما ستأتي عن قريب (ان شاء الله تعالى) - انه من انى بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز له ان يتمتع بها ويكتفي بها عن عمرة التمتع، بل ذكر المصنف (ره) ان الانقلاب قهري إذا بقي في مكة وأتى بالحج من غير حاجة إلى نية التمتع بها. وهل يستحب له الاقامة ليحج ويجعل عمرته عمرة متعة ام تجب حتى يحج؟. وبعبارة أخرى: هل يستحب له أن يتمتع بذلك إذا بقى إلى هلال ذي الحجة، أو إلى يوم التروية، أم يجب عليه إذ أدرك يوم التروية؟

[ 232 ]

[ فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرته إلى الحج فان هو احب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها "، وفي صحيحة عمر ابن يزيد عن أبي عبد الله (ع) (من اعتمر عمرة مفردة فله ان يخرج إلى اهله الا ان يدركه خروج الناس يوم التروية)، وفي قوية عنه (ع) (من دخل مكة معتمرا ] فعن المشهور الاستحباب، وعن القاضي وجوب الحج إذا أدرك التروية، وتتبدل عمرته إلى المتعة، هذا كله فيما إذا أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج. وأما إذا أتى بالمفردة في غير اشهر الحج فلا تتبدل إلى المتعة وان بقي إلى زمان الحج ولم يقل أحد بوجوب البقاء عليه إلى الحج. فيقع الكلام فعلا فيما إذا أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج، فالمشهور استحباب التمتع بها، وحكي عن القاضي وجوب البقاء عليه إلى ان يحج متعة، ولايجوز له الخروج بعد التروية. وأوردوا عليه بتحقق الاجماع على خلافه: وحملوا الروايات الواردة في المقام على الاستحباب ومراتب الفضل بالنسبة إلى البقاء إلى هلال ذي الحجة، والى يوم التروية وذكروا أن من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج يستحب له البقاء إلى الحج، وإذا بقى إلى هلال ذي الحجة يتأكد له الاتيان بالحج، وإذا بقي إلى يوم التروية يكون الاتيان بالحج آكد، فان تم الاجماع فلا كلام والا فلابد من النظر إلى النصوص الواردة في المقام، وهي على طوائف

[ 233 ]

[ مفردا للحج فيقضي عمرته كان له ذلك وان أقام إلى ان يدركه الحج كانت عمرته متعة، قال (ع) وليس تكون متعة الا في اشهر الحج) وفي صحيحة عنه (ع) (من دخل مكة بعمرة فاقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج مع الناس)، وفي مرسل موسى بن القاسم (من اعتمر في اشهر الحج فليتمتع) إلى غير ذلك من الاخبار، وقد عمل بها جماعة، بل في الجواهر لا أجد فيه خلافا ومقتضاها صحة التمتع مع عدم قصده حين اتيان العمرة، بل الظاهر من بعضها انه يصير تمتعا قهرا من غير حاجة إلى نية التمتع بها بعدها. ] الاولى: مادلت على أن المعتبر بالمفردة في أشهر الحج ولو في شهر شوال يجب عليه البقاء إلى أن يحج. كصحيحة يعقوب بن شعيب، قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن المعتمر في أشهر الحج، قال: هي متعة) (1). ومقتضى اطلاقها ان من أعتمر في أشهر الحج ولو عمرة مفردة ليس له الخروج من مكة لان عمرته تحسب متعة والمعتمر بعمرة التمتع محتبس بالحج ليس له الخروج إلى ان يحج. ويؤيدها: رواية علي بن أبي حمزه، قال: (سئله أبو بصير وأنا حاضر عمن أهل بالعمرة في اشهر الحج أله أن يرجع؟ قال: ليس


(1) الوسائل: باب 7 العمرة، ح 4.

[ 234 ]

في أشهر الحج عمرة يرجع منها إلى أهله، ولكنه يحتبس بمكة حتى يقضي حجة لانه انما أحرم لذلك) (1). ويؤيدها أيضا: خبر موسى بن القاسم قال: أخبرني بعض اصحابنا أنه سئل أبا جعفر (ع) في عشر من شوال فقال: اني أريد ان أفرد عمرة هذا الشهر، فقال له: أنت مرتهن بالحج) (2). والعمدة هي الصحيحة يعقوب بن شعيب، وأما الخبر الثاني فضعيف بعلي بن أبي حمزة البطائني، والثالث بالارسال. الطائفة الثانية: مادلت على جواز الخروج، كصحيحة عبد الله بن سنان (قال (ع): لا بأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثم يرجع إلى أهله) (3). ومقتضى الجمع العرفي بينها وبين الطائفة الاولى هو الحمل على استحباب البقاء إلى ان يحج وانه مرتهن بالحج وتكون عمرته حينئذ عمرة التمتع. الثالثة: الروايات المقيدة وهي مختلفة، ففي بعضها قيد البقاء إلى هلال ذي الحجة، وأنه إذا بقي إلى هلال ذي الحجة ليس له الخروج من مكة، كما في رواية اسحاق بن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: (من دخل مكة بعمرة فاقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس) (4). والمستفاد منها ان جواز الخروج وعدمه يدوران مدار دخول هلال ذي الحجة، ولم يرد بهذا العنوان في الاخبار الا هذه الرواية، ولكنها ضعيفة بالحسين بن حماد الواقع في السند فانه مجهول الحال، فتوصيفها بالصحيحة كما في المتن غير صحيح فلا تصلح الرواية شاهدة للجمع


(1) (2) (3) (4) الوسائل: باب 7 العمرة ح 7 و 8 و 1 و 6

[ 235 ]

بين الروايات. وفي بعضها: قيد البقاء إلى يوم التروية، وانه لو بقي إلى يوم التروية ليس له الخروج ويتعين عليه الحج، ففي صحيحة عمر بن يزيد (قال: (ع): من اعتمر عمرة مفردة فله ان يخرج إلى أهله متى شاء الا أن يدركه خروج الناس يوم التروية) (1) وفي موثقة سماعة (وان اقام إلى الحج فهو متمتع) (2) يعني ان قام إلى ان يحج الناس، وهو يوم التروية غالبا، وهما واضحتا الدلالة في جواز الخروج قبل يوم التروية. وفي صحيحة أخرى لعمر بن يزيد، (وان أقام إلى ان يدرك الحج كانت عمرته متعة) (3) فإذا كانت عمرته متعة لا يجوز له الخروج ويجب عليه الحج لانه مرتهن به فان كان القاضي (ره) يرى الوجوب قبل يوم التروية فضعيف جدا ومحجوج بهذه المعتبرات الصحيحة، وان أراد الوجوب لو بقى إلى يوم التروية فله وجه في نفسه، ولكن الاشكال عليه يتضح مما سيأتي. ولا يخفي: ان مقتضى هذه الروايات باجمعها انقلاب العمرة المفردة إلى المتعة قهرا، وانها تحسب متعة إن بقى إلى يوم التروية فلا حاجة إلى القصد من جديد، من دون فرق بين وجوب البقاء عليه إلى أن يحج وبين جواز البقاء إلى ان يحج أيضا فان عمرته حينئذ تنقلب إلى المتعة قهرا، فالانقلاب القهري لا يختص بما إذا وجب عليه الحج، بل لو قلنا بجواز الحج له واختار البقاء وحج تنقلب عمرته إلى المتعة قهرا فعلى كل تقدير يحصل الانقلاب القهري، غاية الامر قد يجب عليه البقاء كما عن القاضي، وقد لا يجب كما عن المشهور، فلا بد من


(1) (2) (3) الوسائل: باب 7 العمرة ح 9 و 13 و 5.

[ 236 ]

اثبات الوجوب والجواز. فمقتضى ما تقدم من الروايات المعتبرة الثلاث وجوب الحج عليه إذا بقي إلى يوم التروية، ولو كنا نحن وهذه الروايات لقلنا بالوجوب ولكن الظاهر: انه لا يمكن الالتزام بالوجوب فانه مضافا إلى الاجماع المدعى على الخلاف، قد دل بعض النصوص المعتبرة على جواز الخروج حتى يوم التروية مثل صحيحة ابراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده، قال: لا بأس وان حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم، وان الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمرا) (1). وفي الرواية وان لم يصرح بجواز الخروج يوم التروية ولكن يظهر من استشهاد الصادق (عليه السلام) بقضية خروج الحسين (ع) ان ذلك من باب تطبيق الكبرى على الصغرى وان خروجه (ع) يوم التروية كان جائزا في نفسه، واستشهاده بفعل الحسين (عليه السلام) دليل على جواز الخروج سواء كان الحسين (عليه السلام) مضطرا كما في كتب المقاتل والتواريخ أم لا. وأوضح من ذلك دلالة معتبرة معاوية بن عمار، (قال: قلت: لابي عبد الله (ع) من أين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال: ان المتمتع مرتبط بالحج والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء وقد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يرحون إلى منى، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج) (2). وإنما كانت هذه الرواية أوضح باعتبار ذيلها (ولا


(1) (2) الوسائل: باب 7 العمرة، ح 2 و 3.

[ 237 ]

[ بل يمكن ان يستفاد منها ان التمتع هو الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج بأي نحو اتى بها، ولا بأس بالعمل بها، لكن القدر المتيقن منها هو الحج الندبي، ففيما إذا وجب عليه التمتع فأتى بعمرة مفردة ثم أراد أن يجعلها عمرة التمتع يشكل الاجتزاء بذلك عما وجب عليه سواء كان حجة الاسلام أو غيرها مما وجب بالنذر أو الاستئجار. ] بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج). والحاصل: لاريب في ان المستفاد من الخبرين ان خروج الحسين (عليه السلام) يوم التروية كان على طبق القاعدة لا لاجل الاضطرار ويجوز ذلك لكل أحد وان لم يكن مضطرا، فيكون الخبران قرينة على الانقلاب إلى المتعة، قهرا، والاحتباس بالحج إنما هو فيما إذا أراد الحج وأما إذا لم يرد الحج فلا يحتبس بها للحج ويجوز له الخروج حتى يوم التروية. بقي الكلام في جهات: الاولى: يظهر من بعض الروايات عدم مشروعية العمرة المفردة في العشر الاولى من ذي الحجة، كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: (العمرة في العشرة متعة) (1) وفي صحيحة ابن سنان (على المملوك في الظهر يرعى وهو يرضى ان يعتمر ثم يخرج، فقال: ان كان اعتمر في ذي القعدة فحسن وان كان في ذي الحجة فلا يصلح الا الحج) (2).


(1) (2) الوسائل: باب 7 العمرة، ح 10 و 11.

[ 238 ]

وبازائهما روايات اخر تدل على جواز العمرة المفردة حتى في عشرة ذي الحجة وان لم يكن قاصدا للحج، كصحيحة ابراهيم اليماني المتقدمة الدالة على جواز الاتيان بالعمرة المفردة في أشهر الحج لمن لا يقصد الحج ومقتضى تطبيقه (ع) ذلك على عمرة الحسين (ع) جواز العمرة حتى في عشرة ذي الحجة كما عرفت سابقا. وكصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة أيضا حيث جوز الامام (ع) اتيان العمرة المفردة في ذي الحجه كما صنع الحسين (ع). ومقتضى الجمع العرفي هو حمل الطائفة الاولى على المرجوحية وان الافضل الاتيان بعمرة التمتع. الجهة الثانية: مادل على انقلاب العمرة المفردة إلى المتعة هل يختص بمن لم يكن قاصدا للحج ولكن من باب الاتفاق بقي إلى أيام الحج أو يشمل الاعم منه ومن القاصد للحج؟ وبعبارة اخرى: من كان مأمورا بالحج متعة هل يجوز له الاتيان بالعمرة المفردة ثم يكتفي بها عن عمرة التمتع، أو أنه يلزم عليه الاتيان بعمرة التمتع؟ فمن كان قاصدا للحج وكان مأمورا بالحج متعه لا تكون عمرته المفردة موردا للانقلاب إلى المتعة. لم أر من تعرض لذلك، ويترتب على ذلك آثار. منها: انه لو كانت عمرته مفردة يجوز له الخروج بعدها واما إذا انقلبت إلى المتعة وكانت عمرته متعة لا يجوز له الخروج بعدها لانه مرتهن ومحتبس بالحج. والظاهر: ان الروايات ناظرة إلى الصورة الاولى وهي مالو لم يكن قاصدا للحج ولكن اتفق له البقاء إلى أيام الحج، وأما إذا كان قاصدا من الاول للحج فعمرته المفردة لا تكون موردا للانقلاب إلى المتعة

[ 239 ]

ولايجوز له الاكتفاء بذلك. ويشهد لما ذكرنا عدة من الروايات، منها: موثقه سماعة، (قال: من حج معتمرا في شوال ومن نيته ان يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك وان اقام إلى الحج فهو متمتع) (1) ومورد الرواية من لم يكن مريدا وقاصد الحج بل كان من قصده الرجوع إلى بلاده ولكن من باب الاتفاق اقام وبقي إلى الحج فحينئذ حكم (ع) بانقلاب عمرته إلى عمرة التمتع، وأما إذا كان قاصدا للحج من الاول فلا تشمله الرواية. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار الدالة على ان المتعة مرتبطة بالحج وان المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء كما اعتمر الحسين (ع) في ذي الحجه ثم راح يوم التروية، ثم ذكر (ع) أخيرا (ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج) (2). والمستفاد منها عدم الاكتفاء بالعمرة المفردة عن المتعة إذا كان مريدا للحج وقاصدا إليه. ومنها: صحيحة الحسن بن علي الوشا ابن بنت الياس عن أبي الحسن الرضا (ع) (انه قال: إذا اهل هلال ذي الحجة ونحن بالمدينة لم يكن لنا ان نحرم الا بالحج لانا نحرم من الشجرة وهو الذى وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانتم إذا قدمتم؟ من العراق فاهل الهلال فلكم ان تعتمروا، لان بين أيديكم ذات عرق وغيرها مما وقت لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). وقد دلت الصحيحة على انهم حيث يقصدون الحج لا يشرع لهم


(1) (2) (3) الوسائل: باب 7 العمرة، ح 13 و 3 و 14.

[ 240 ]

العمرة المفردة وانما عليهم العمرة إلى الحج، فالحكم بالانقلاب يختص بمن لم يكن قاصدا للحج ولكن أراد الحج من باب الاتفاق. وأما أهل العراق فيتمكنون من الاحرام للحج متعة من ذات عرق ونحوها، ويتمكنون من الرجوع إليها، فيجوز لهم ان يعتمروا عمرة مفردة ثم يرجعوا إلى ذات عرق وغيرها ويحرمون منها للتمتع وأما أهل المدينة حيث انهم يقصدون الحج ولبعد الطريق بينهم وبين مكة وقلة الوقت فلا يتمكنون من الرجوع إلى ميقاتهم فليس لهم الا ان يحرموا من الشجرة، كما ان ليس لهم ان يعتمروا عمرة مفردة بل عليهم ان يعتمروا للحج متعة. وبالجملة: يظهر من الرواية ان انقلاب المفردة إلى المتعة في مورد غير القاصد إلى الحج وأما القاصد إليه فليس له الا المتعة فلم تكن عمرته موردا للانقلاب بل يتعين عليه المتعة. الثالثة: ذكر المصنف (ره) ان الحكم بانقلاب المفردة إلى المتعة يختص بالحج الندبي لانه القدر المتيقن من الاخبار. واما الحج الواجب سواء كان حج الاسلام أو الواجب عليه بالنذر أو الاستئجار فيشكل الاجتزاء بالمفردة عما وجب عليه من حج التمتع. أقول: الظاهر أن ذكر كلمة الاستئجار من سهو القلم لانه لو استأجر شخصا لحج التمتع فالمستأجر يملك العمل في ذمة الاجير من الاول، وإذا فرضنا ان الاجير اعتمر عمرة مفردة لنفسه يكون عمله هذا محسوبا على نفسه لانه لم يكن متعلقا للاجارة، فكيف يحتمل الاكتفاء والاجتزاء بذلك عما تعلق به الايجار، فيجب على الاجير بمقتضى وجوب تسليم العمل المملوك - الخروج من مكة لعمرة الحج.

[ 241 ]

[ (الثاني): ان يكون مجموع عمرته وحجه في أشهر الحج، فلو اتى بعمرته أو بعضها في غيرها لم يجز له ان يتمتع بها وأشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو الجحة بتمامه على الاصح (1) لظاهر الآية، وجملة من الاخبار كصحيحة معاوية بن عمار وموثقة سماعة وخبر زرارة، فالقول بانها الشهر ان الاولان مع العشر الاول من ذي الجحة ] وأما في النذر فالحكم تابع لقصد الناذر فان قصد الاتيان بالحج على النحو المتعارف فلا يكتفي بهذا الفرد لعدم كونه مصداقا لنذره فيجب عليه الخروج والاحرام للحج من أحد المواقيت، وان قصد الاعم، يعني: نذر اتيان الحج على اطلاقه ولم لم يكن قاصدا إليه من الاول يجوز الاكتفاء بذلك لان الشارع يحسب عمرته متعة. وأما الحج الواجب الاصلي فلا ريب في شمول الروايات له لاطلاقها فمن اعتمر عمرة مفردة في شهر شوال ومن باب الاتفاق بقي إلى يوم التروية وأراد الحج يكتفي بما اعتمر في شهر شوال وتحسب عمرته متعة شرعا. فلا وجه لاستشكال الماتن (ره). وأما الحج الندبي فقد خص المصنف الانقلاب به بدعوى: انه القدر المتيقن من الاخبار. فيرده: ان وجود القدر المتيقن لايمنع من الاخذ بالاطلاق والا فكل مطلق له القدر المتيقن، فمجرد وجود القدر المتيقن لا يكون مانعا عن الاخذ بالاطلاق.


(1) يقع الكلام في مقامين.

[ 242 ]

[ - كما عن بعض - أو مع ثمانية أيام - كما عن آخر - أو مع تسعة أيام وليلة يوم النحر إلى طلوع فجره - كما عن ثالث - أو إلى طلوع شمسه - كما عن رابع - ضعيف، على ان الظاهر ان النزاع لفظي فانه لا اشكال في جواز اتيان بعض الاعمال إلى آخر ذي الحجة، فيمكن ان يكون مرادهم ان هذه الاوقات هي آخر الاوقات التي يمكن بها ادراك الحج. ] احدهما: انه يعتبر في حج التمتع وقوع عمرته وحجه في أشهر الحج فلو أنى بعمرته أو بعضها في غيرها لم يجز ان يتمتع بها. والظاهر انه لا خلاف في ذلك. ويدل عليه عدة من الروايات المعتبرة (1). وأما العمرة المفردة فان أنى بها في غير أشهر الحج فلا يكتفي بها عن عمرة التمتع وإذا وقعت في أشهر الحج يكتفي بها وقد دلت على ذلك روايات تقدمت قريبا. المقام الثاني: قد اختلف الاصحاب في أشهر الحج على خمسة أقوال: الاول: انها شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه، إختاره الماتن الثاني: انها الشهران الاولان مع العشر الاول من ذي الحجة الثالث: الشهران الاولان مع ثمانية أيام من ذي الحجة تبدأ


(1) الوسائل: باب 5 و 15 من أقسام الحج وباب 7 العمرة.

[ 243 ]

بدخول الليلة الاولى من الشهر وتنتهي بانتهاء الليلة التاسعة منه. الرابع: الشهران الاولان وتسعة ايام من ذي الحجة وليلة يوم النحر إلى طلوع الفجر. الخامس: نفس القول الرابع ولكن إلى طلوع الشمس. ولكن يمكن ان يقال: انه لا اختلاف في الحقيقة بين الاقوال النزاع لفظي كما ذكره الماتن وغيره وان كلا منهم يريد شيئا لا ينافي القول الاخر فمن حدده إلى تمام ذي الحجة أراد جواز ايقاع بعض اعمال الحج في طول ذي الحجة، ومن حدده إلى عشرة ذي الحجة أراد ادراك المكلف الموقف الاختياري من الوقوفين، وادراك الموقف الاضطراري للمشعر فانه يمتد إلى زوال يوم العيد، ومن ذهب إلى انه مع ثمانية أيام يريد انه من لا يتمكن من الاعتمار ليلة التاسع يجب عليه أن يأتي باحرام الحج وليس له العمرة على قول، ومن ذكر انه مع تسعة أيام إلى طلوع فجر يوم العيد أراد الموقف الاختياري لعرفة والموقف الاضطراري لها، ومن قال: انه مع تسعة أيام إلى طلوع الشمس من يوم النحر أراد الوقوف الاختياري لعرفة والمشعر، فلا خلاف من حيث المنتهى كما لا خلاف من حيث المبدا ايضا كيف وانهم بعدما اتفقوا على عدم صحة الاحرام للعمره أو الحج بعد اليوم العاشر قد اتفقوا على صحة الحج عند تأخير الهدي أو بدله وعند تأخير الرمي والحلق عن يوم العبد، وكذلك تأخير الطواف، فغير بعيد ان يكون مرادهم من أن هذه الاوقات هي آخر الاوقات التي يمكن بها ادراك الجج فيكون النزاع لفظيا. ثم انه قد يستشهد لكون النزاع لفظيا (1) باتفاقهم على ان أعمال


(1) المستشهد هو صاحب الجواهر (ره) ج 18 ص 13.

[ 244 ]

[ (مسألة 1): إذا أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصدا بها التمتع فقد عرفت عدم صحتها تمتعا، لكن هل تصح مفردة أو تبطل من الاصل؟ قولان، اختار الثاني في المدارك، لان ما نواه لم يقع والمفردة لم ينوها، وبعض اختار الاول لخبر الاحول عن أبي عبد الله (ع) (في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج، قال يجعلها عمرة) وقد يستشعر ذلك من خبر سعيد الاعرج قال أبو عبد الله (ع): (من تمتع في أشهر الحج ثم اقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، وان تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم انما هي حجة مفردة إنما الاضحى على أهل الامصار) ومقتضى القاعدة وان كان هو ما ذكره صاحب المدارك لكن لا بأس بما ذكره ذلك البعض للخبرين (1). ] منى انما يؤتى بها بعد اليوم العاشر. ولكن يمكن منع ذلك بان يقال: انها ليست باعمال الحج وانما هي أعمال مخصوصة مستقلة يؤتى بها في أوقات مخصوصة ولذا لا يفسد الحج بتركها ولو عمدا. (1) ولو اتى بعمرة التمتع في غير أشهر الحج فهل يحكم ببطلانها أو تنقلب إلى المفردة؟ فيجب عليه طواف النساء. اختار السيد في المدارك البطلان لان مانواه لم يقع والمفردة لم

[ 245 ]

ينوها وأختار المصنف تبعا للجواهر (1) الصحة وانقلابها إلى المفردة يدعوى: ان مقتضى القاعدة وان كان هو البطلان ولكن مقتضى الخبرين المذكورين في المتن هو الصحة وانقلابها إلى المفردة. أما الخبران فاحدهما: خبر الاحول (في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج، قال: يجعلها عمرة) (2). ولكن الخبر ضيعف لضعف طريق الصدوق إلى أبي جعفر الاحول فلا يصح الاستدلال به، فان الصدوق (ره) يرويه عن شيخه ماجيلويه الذي لم يرد فيه توثيق، وقد ذكرنا غير مرة ان مجرد الشيخوخه لا توجب الوثاقة، فان من مشايخة من هو ناصبى خبيث كالضبي (3) وربما أورد عليه، بان مورد الخبر هو الحج وكلامنا في العمرة فالخبر أجنبي عن محل كلامنا. وفيه: انه يمكن اطلاق الحج على عمرة التمتع، والحج أعم من عمرة التمتع والحج، فمن احرم لعمرة التمتع يصدق عليه انه احرم للحح. ثانيهما: خبر سعيد الاعرج (من تمتع في اشهر الحج ثم قام


(1) الجوار: ج 18 ص 19. (2) الوسائل: باب 1! أقسام، الحج ح 7. (3) الضبي هو أبو نصر احمد بن الحسين، يقول: الصدوق في حقه (وما لقيت انصب منه وبلغ من نصبه منه كان يقول): اللهم صل على محمد فردا ويمتنع عن الصلاة على آله - عيون اخبار الرضا باب 69 ح 3.

[ 246 ]

[ (الثالث): ان يكون الحج والعمرة في سنة واحدة كما هو المشهور المدعى عليه الاجماع (1) لانه المتبادر من الاخبار المبينة لكيفية حج التمتع، ولقاعدة توقيفية العبادات، وللاخبار الدالة على دخول العمرة في الحج وارتباطها به والدالة على عدم جواز الخروج من مكة بعد العمرة قبل الاتيان بالحج بل وما دل من الاخبار على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية أو يوم عرفة ونحوها، ولا ينافيها خبر ] بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، ومن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم إنما هي حجة مفردة وإنما الاضحى على أهل الامصار) (1). ولكن الخبر لا يدل على حكم العمرة التي صدرت منه وإنما يدل على ان الرجل إذا جاور مكة انقلبت وظيفته من التمتع إلى الافراد، فيكون الخبر مخالفا للنصوص المعتبرة المتقدمة الدالة على عدم الانقلاب إذا أقام في مكة بمدة أقل من السنتين، وإنما الانقلاب يتحقق إذا جاور مدة سنتين فالرواية أجنبية عن المقام. مضافا إلى ضعف السند بمحمد بن سنان فالحكم على ما يقتضيه القاعدة من البطلان من الاصل لان ما وقع لم قصد لم يقع نعم لا بأس بذلك رجاء ويأتي بطواف النساء. (1) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في هذا الحكم، ويدل عليه وجوه.


(1) الوسائل: باب 10 أقسام الحج ح 1.

[ 247 ]

[ سعيد الاعرج المتقدم بدعوى: ان المراد من القابل فيه العام القابل فيدل على جواز ايقاع العمرة في سنة والحج في أخرى لمنع ذلك، بل المراد منه الشهر القابل على أنه لمعارضة الادلة السابقة غير قابل وعلى هذا فلو أتى بالعمرة في عام واختر؟ الحج إلى العام الآخر لم يصح تمتعا سواء أقام في مكة إلى العام القابل أو رجع إلى أهله ثم عاد إليها وسواء أحل من احرام عمرته أو بقى عليه إلى السنة الاخرى، ولا وجه - لما عن الدروس - من احتمال الصحة في هذه الصورة، ثم المراد من كونها في سنة واحدة ان يكونا معا في أشهر الحج من سنة واحدة، لا ان لا يكون بينهما أزيد من اثني عشر شهرا وحينئذ فلا يصح أيضا لو ] الوجه الاول: ما يستفاد من النصوص الدالة على وجوب الحج على أهل الجدة والثروة في كل عام مرة واحدة (1). فان المستفاد من هذه الروايات ان الحج من وظائف السنة الواحدة ولو جاز التفكيك، والافتراق بين الحج والعمرة وجاز الاتيان بهما في سنتين لكان ذلك منافيا لهذه الادلة، فحال الحج حال نظائره من العبادات كالصلاة اليومية فانه من وظائف كل يوم، وصلاة الجمعة فانها من وظائف كل أسبوع، والعمرة فانها من وظائف كل شهر وهكذا الحج فانه من وظائف السنة الواحدة.


(1) الوسائل: باب 2 وجوب الحج.

[ 248 ]

[ أتى بعمرة التمتع في أواخر ذي الحجة واتى بالحج في ذي الحجة من العام القابل. ] نعم لاريب ان هذه النصوص محمولة على الاستحباب لعدم وجوب الحج على المكلفين في كل سنة وإنما يجب في العمر مرة واحدة بالضرورة والنصوص (1) (كما عرفت في أول الكتاب) (2) ولكن ذلك غير دخيل في الاستفادة المذكورة. الوجه الثاني: الاخبار المبينة لكيفية حج التمتع (3) وليس فيها دلالة ولا اشعار على جواز التفريق؟ بين الحج والعمرة باتيانهما في سنتين، ولو كان مشروعا لاشير إليه ولو في رواية واحدة، فخلو الروايات البيانية مع كثرتها يكشف عن عدم مشروعية الافتراق. الوجه الثالث: الروايات الدالة على ان المعتمر بعمرة التمتع محتبس في مكة حتى يحج (4) فان المنظور في هذه الروايات عدم الافتراق بين العمرة والحج، وان من تمتع بالعمرة ليس له الخروج من مكة إلى ان يحج وفي ذيل بعضها أنه لو اقتضت الضرورة للخروج في حاجة فليخرج محرما بالحج ثم يمضي إلى عرفات فان هذه الخصوصية تدل على لزوم اتيانهما في سنة واحدة. والحاصل: لا يبتني الاستدلال بهذه الروايات على مجرد الاحتباس


(1) الوسائل: باب 3 وجوب الحج. (2) المجلد الاول ص 13. (3) الوسائل: باب 3 أقسام الحج. (4) الوسائل: باب 22 أقسام الحج.

[ 249 ]

في مكة والارتهان بالحج حتى يرد عليه بانه أعم من المدعى، بل المنظور في الاستدلال بما في ذيل بعض الروايات من انه لو اقتضت الضرورة للخروج لا يخرج إلا محرما للحج، فان هذا المعنى يدل بوضوح على عدم جواز الافتراق والتفكيك بين الحج والعمرة، ولزوم الايتان بهما في عام واحد الوجه الرابع: الاخبار الدالة على ان عمرة التمتع مرتبطة بالحج وانه (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبك (صلى الله عليه وآله) اصابعه بعضها إلى بعض) (1) بخلاف المفردة فانها غير مرتبطة بالحج كما في الروايات المستفيضة (2). ومعنى الارتباط ان مشروعية العمرة مرتبطة بمشروعية الحج فإذا أتى بالعمرة لا يجوز له تأخير الحج لانه واجب فوري وان لم يأت به فقد أفسد عمرته والا لكان منافيا للارتباط، وإذا أتي بعمرة التمتع بعد أيام الحج لم تكن عمرته بمشروعة لعدم مشروعية الحج له حينئذ، وإذا لم يكن الحج مشروعا لا تكون العمرة مشروعة أيضا لفرض ارتباطها به الوجه الخامس: الروايات الدالة على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية، أو بدخول يوم عرفة أو إلى زمان لم يدرك الحج (3) ونحو ذلك فان العمرة حينئذ غير مشروعة ويجعلها حجة وقد فاتته عمرة المتعة ولو كان الافتراق باتيانهما في عامين جائزا لاوجه لفوات عمرة المتعة فيكشف


(1) (2) الوسائل: باب 2 وباب 22 أقسام الحج وباب 5 و 7 العمرة. (3) الوسائل: باب 21 أقسام الحج.

[ 250 ]

ذلك عن لزوم ايتهانهما في عام واحد. الوجه السادس: قاعدة الاشتغال المعبرة عنها بقاعدة توقيفية العبادات كما في المتن. وأورد عليها بان القاعدة المذكورة لا تقتضي وجوب الاحتياط بالاتيان بهما في عام واحد، بل المقام من موارد الرجوع إلى أصل البرائة لبنائهم على الرجوع إليها عند الشك في الجزء والشرط وعند الشك في الاقل والاكثر. والتحقيق ان يقال: ان جريان قاعدة الاشتغال أو اصالة البرائه مبني على كون الحج واجبا مشروطا أو معلقا فان قلنا بانه واجب مشروط بخروج الرفقة - كما عن المشهور - ولذا جوزوا تفويت الاستطاعة قبل خروج الرفقة ولم يجوزوا بعده - فحيئنذ لو شك في اعبتار اقتران العمرة بالحج واتيانهما في سنة واحده فمقتضى القاعدة الاشتغال، لان المفروض عدم ثبوت الوجوب قبل خروج الرفقة، وانما يحدث الوجوب بعده فلو اتى بعمرة التمتع قبل ذلك مفصولة على الحج يشك في السقوط وعدمه والاصل عدمه. توضيح ذلك: انه لو اتى بعمرة التمتع قبل أيام الحج فلا ريب في لزوم الاتيان بالحج بعدها لان الحج واجب فوري لا يجوز تأخيره وهذا مما لاكلام فيه. إنما الكلام فيما لو أتى بعمرة التمتع بعد أيام الحج كاواخر ذي الحجة من هذه السنة، لا وجوب والمفروض ان الحج يجب بخروج الرفقة في السنة الآتية ففي هذه السنه لا وجوب للحج فحينئذ يشك في سقوط الامر بعمرة التمتع من السنة الآتية باعتبار اتيان العمرة في هذه السنة، بمعنى: ان وجوب الحج وان لم يكن ثابتا بالفعل ولكن يحتمل سقوط

[ 251 ]

الامر بعمرة التمتع للسنة الآتية بهذه العمرة المفصولة التي أتى بها في هذه السنة، والاصل عدم السقوط وعدم الاتيان بالمسقط، هذا كله بناءا على ان الحج واجب مشروط، وأما لو قلنا بان الحج واجب معلق كما هو الصحيح - بمعنى: ان الوجوب فعلي والواجب استقبالي وان أول زمان الوجوب أول زمان الاستطاعة ولذا لو استطاع في ذي الحجة بعد فوات زمان الحج في سنته فقد وجب عليه الحج بعدها فعلا وان كان متعلقه متأخرا، فحينئذ لو شك في ان الوجوب الفعلي للحج هل تعلق بالعمرة المقيدة بالسنة الآتية المقترنة للحج أو بالاعم من ذلك ومن العمرة المفصولة التي أنى بها في السنة الاولى؟ فيكون الشك شكا في الاقل والاكثر باعتبار تقييد العمرة باتيانها في السنة الآتية مقترنة للحج وعدمه، والمرجع هو أصل البرائة عن التقييد، لان متعلق الواجب باعتبار التقييد يكون كالاكثر والاصل عدمه. ولكن قد عرفت أنه لا ينبغي الريب في الحكم المذكور ويكفينا الوجوه المتقدمة، مضافا إلى أنه مما لا خلاف فيه بين الاصحاب. ثم انه لا ينافي الوجوه المتقدمة خبر سعيد الاعرج (من تمتع في أشهر الحج ثم اقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة) (1) بدعوى: ان المراد بالقابل فيه العام القابل فيدل على جواز ايقاع العمرة في سنة الحج في أخرى ولكن هذه الدعوى ممنوعة: فان المراد من القابل فيه الشهر القابل لا العام القابل لان الظاهر من قوله: (من تمتع في أشهر الحج ثم


(1) الوسائل: باب 10 أقسام الحج ح 1.

[ 252 ]

أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل) بقرينة المقابلة بين الاشهر والقابل هو الشهر القابل، يعني: من تمتع في شوال أو ذي القعدة وأقام حتى يحضر الحج من الشهر القابل. نعم لو قال: (من تمتع في هذا العام وأقام حتى يحضر الحج من قابل لكان ظاهرا في العام القابل، على ان الخبر ضعيف بمحمد بن سنان، ومعارض بمجموع الروايات المتقدمة الدالة على اتيانهما في عام واحد. وعلى هذا فلو أتى بالعمرة في عام وأخر الحج إلى العام الاخر لم يصح تمتعا سواء أقام في مكة إلى العام القابل أو رجع إلى أهله ثم عاد إليها، ومن دون فرق بين ما لو أحل من احرام عمرته أو بقي عليه إلى السنة القادمة، فما عن الدروس من احتمال الصحة لو بقي على احرام عمرته إلى السنة القادمة لاوجه له أصلا بعد فساد عمرته واحرامه. ثم المراد من السنة الواحدة ليس هو الفصل بمقدار السنة أي مضي مقدار اثني عشر شهرا حتى يقال: بصحة العمرة لو اتى بها في أواخر ذي الحجة من هذا العام وبالحج في السنة القادمة لكون الفصل أقل من السنة الواحدة بعدة أيام. بل المراد من السنة الواحدة ومن اتيانهما في سنة واحدة ان يكونا معا واقعين في أشهر الحج من سنة واحدة، وحينئذ فلا يصح أيضا لو أتي بعمرة التمتع في أواخر ذي الحجة واتى بالحج في العام القابل.

[ 253 ]

[ (الرابع): ان يكون احرام حجه من بطن مكة مع الاختيار (1)، للاجماع والاخبار. وما في خبر اسحاق عن أبي الحسن (ع) من قوله (ع): (كان أبي مجاورا ها هنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج) حيث انه ربما يستفاد منه جواز الاحرام بالحج من غير مكة، محمول على محامل أحسنها أن المراد بالحج عمرته حيث أنها أول أعماله، نعم يكفي أي موضع منها كان ولو في سككها للاجماع وخبر عمرو بن حريث عن الصادق (عليه السلام): من أين أهل بالحج فقال إن شئت من رحلك وإن شئت من المسجد وأن شئت من الطريق، ] (1) اجمع علماؤنا كافة على أن ميقات حج التمتع مكة المكرمة، ولايجوز الحرام من حواليها وضواحيها، ويدل عليه عدة من الروايات (1) وفي بعضها الامر بالاحرام من المسجد، ولكن الرواية ضعيفة بابراهيم بن ميمون لانه لم يوثق فتحمل على الاستحباب بناءا على التسامح في أدلة السنن، وفي صححيح عمرو بن حريث قال: (قلت لابي عبد الله (ع): من أين أهل بالحج، فقال: ان شئت من رحلك وان شئت من الكعبة وان شئت من الطريق (2).


(1) الوسائل: باب 21 من المواقيت وباب 9 أقسام الحج. (2) الوسائل: باب 21 المواقيت، ح 2.

[ 254 ]

[ وأفضل مواضعها المسجد وأفضل مواضعه المقام أو الحجر وقد يقال أو تحت الميزاب، ولو أحرم من غيرها اختيارا متعمدا بطل إحرامه، ولو لم يتداركه بطل حجه، ولا يكفيه العود إليها بدون التجديد بل يجب ان يجدده الان احرامه من غيرها كالعدم، ولو أحرم من غيرها جهلا أو نسيانا وجب العود إليها والتجديد مع الامكان، ومع عدمه جدده في مكانه. ] والرواية على ما رواه في الكافي (1) لم يصرح فيها بموقع الرحل ومكانه كما لم يعلم المراد من الطريق، ولكن الشيخ رواها في التهذيب بنحو آخر (2) يتضح منه الامران وذلك فانه ذكر ففي أول الخبر (قلت لابي عبد الله (ع) وهو بمكة): فيعلم ان السؤال والجواب كانا في مكة فيكون المراد من الرحل رحله الملقى في مكة كما ان المراد من الطريق أزقة مكة وطرقها وشوارعها، وقد ذكر الشيخ كلمة (من المسجد) بدل قوله: (من الكعبة) ولعله الاظهر لعدم تمكن احرام الحاج من الكعبة نوعا. وبدل على الحكم المذكور أيضا صحيح الحلبي


(1) الكافي: ج 4 ص 455. (2) التهذيب: ج 5 ص 477. (3) الوسائل: باب 9 أقسام الحج، ح 3.

[ 255 ]

وفي المقام رواية ربما يستفاد منها جواز الاحرام بالحج من غير مكة وهي موثقة اسحاق بن عمار قال: (سئلت أبا الحسن (ع) عن المتمتع يجئ فيقضي متعة ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن، قال: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج، قلت: فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه، قال: كان أبى مجاورا ههنا فخرج يتلقي (ملتقيا) بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق احرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج) (1). ومحل الاستشهاد قوله (ع): (كان أبي مجاورا ههنا إلى آخر الحديث) الا انها لمعارضتها بما تقدم من الاخبار لا يمكن الاعتماد عليها، على انها مشوشة المتن، لان الجواب بقوله (ع): (كان أبي مجاورا ههنا، الخ) لا يرتبط بالسؤال، لان السائل إنما سأل عن احرام عمرة التمتع والامام (ع) حكم بالعمرة ثانيا إذا رجع في غير الشهر الذي تمتع فيه، ثم سئل السائل انه دخل في نفس الشهر الذي خرج فيه، فالسؤال متمحض في حكم العمرة، فالجواب بالاهلال بالحج وان أباه (ع) احرم بالحج ودخل وهو محرم بالحج لا يرتبط بالسؤال، ولعل الجواب سقط في البين أوانه (ع) أعرض عن الجواب تقية ونحوها وأجاب بأمر آخر أجنبي عن السؤال. والذي يؤكد ما ذكرنا من عدم التئام؟ الجواب مع السؤال ان اباه (عليه السلام) إذا كان متمتعا بالحج فيكف يخرج قبل الحج، ثم انه (ع) متى كان مجاورا في مكة؟ وما هو المراد من المجاورة هل جاور


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 8.

[ 256 ]

مدة سنتين أو أقل؟ كل ذلك غير ثابت فلابد من رد علم هذه الرواية إلى أهلها. وأما حمل الحج فيها على العمرة كما في المتن وزعم انه أحسن المحامل فبعيد جدا لوجهين: أحدهما: التقابل بين العمرة والحج في الرواية ففي صدرها يذكر العمرة وفي الديل يذكر الاهلال بالحج، فان التقابل يقتضي ارادة الحج في قبال العمرة، والحج وان كان قد يطلق على عمرة التمتع ولكن التقابل في الذكر يقتضي الافتراق ثانيهما: انه (ع) بعد ما حكم بوجوب الاحرام إذا دخل في غير الشهر الذي تمتع فيه سئله السائل أنه دخل في نفس الشهر الذي خرج فيه وانه هل يجب عليه الاحرام للعمرة لدخول مكة؟ فأجابه الامام (عليه السلام) بان أباه (ع) احرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج، وذلك غير مرتبط بالسؤال أصلا ولا يلائم مع السؤال أبدا. وبالجملة: لا ينبغي الريب في وجوب الاحرام بالحج من مكة المشرفة، ولايجوز من خارجها والافضل من مقام ابراهيم (عليه السلام) أو حجر اسماعيل كما في صحيح معاوية بن عمار (1) وذكر بعضهم من تحت الميزاب ولم نعثر له على دليل نعم هو جزء للحجر. فتحصل: ان مكة المعظمة ميقات لحج التمتع، وحالها حال سائر المواقيت التي يجب الاحرام منها، فان تمكن من ذلك فهو والا فيحرم من أي مكان هو فيه فلو فرضنا أنه خرج من مكة بدون الاحرام


(1) الوسائل: باب 52 الاحرام، ح 1.

[ 257 ]

ناسيا ولم يمكن له الرجوع إليها يحرم من مكانه ويذهب إلى عرفات، وهذا الحكم وإن لم يرد فيه نص بالخصوص، ولكنه مما قام عليه الاجماع والتسالم، ويمكن استفادته من عدة روايات (1) وردت فيمن تجاوز الميقات بلا احرام ولم يمكن له الرجوع إلى الميقات لخوف فوت الاعمال، وهذه الروايات وان كان موردها احرام العمرة الا انه يمكن التعدي من موردها إلى غيره للتعليل بخوف فوت الاعمال المذكور في الروايات، فيعلم من ذلك ان الاحرام من الميقات مشروط بالتمكن من ادراك الموقف فإذا خاف الفوت أحرم من مكانه. واما إذا اتى الموقف ووصل إليه بدون الاحرام ناسيا ولم يمكن له الرجوع إلى مكة لضيق الوقت ونحوه، احرم من مكانه أيضا. ويدل عليه صحيحتا علي بن جعفر، قال: (سئلته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله؟ قال: يقول: (اللهم على كتابك وسنة نبيك فقد تم احرامه) (2) وقال: في الاخرى (عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه) (3) ويعلم منهما ان شرطية الاحرام من مكة للحج إنما هي في حال التمكن وموردهما وان كان خصوص الجاهل والناسي ولكن المتفاهم منهما شمول الحكم المطلق العذر وعدم اختصاصه بمورد الجهل والنسيان، وإنما خص الجهل والنسيان بالذكر لعدم تمكن الاحرام من الميقات في موردهما والا فلا خصوصية لهما.


(1) الوسائل: باب 14 المواقيت. (2) و (3) الوسائل: باب 20 المواقيت، ح 3 و 2.

[ 258 ]

ولو أحرم من غير مكة اختيارا متعمدا، والحال انه متمكن من الاحرام منها - بطل احرامه ولا يجتزئ به لانه غير مأمور به واجزاء غير المأمور به عن المأمور به على خلاف القاعدة ويحتاج إلى الدليل وهو مفقود. ولو فرضنا انه أحرم من غير مكة متعمدا ولكنه رجع إلى مكة ثانيا فهل يجزيه هذا الاحرام، أو يلزم عليه التجديد والاحرام ثانيا من مكة؟. نسب إلى بعض العامة صحة الاحرام وعدم لزوم التجديد، لان المطلوب منه أمران أحدهما الاحرام والاخر كونه في مكة وهما حاصلان ولكنه فاسد جدا لان احرامه من خارج مكة في حكم العدم فلابد من تجديد الاحرام من مكة، بلا خلاف بيننا. ولو احرم من غير مكة جهلا أو نسيانا فان أمكنه الرجوع إلى مكة فلا كلام في لزوم العود إليها حتى يحرم إذ لا دليل على جواز الاجتزاء بذلك، ومجرد الجهل أو النسيان لا يجدي في الحكم بالصحة وأما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى مكة فهل يجزي الاحرام الاول أو يجب عليه التجديد في مكانه؟ لان الاحرام الاول لادليل على الاجتزاء به. ونسب إلى الشيخ في الخلاف، والعلامة في التذكرة الاجتزاء وعلله بعضهم بانه لا أثر للتجديد لمساواة ما فعله لما يستأنفه ويجدده، فان ما يجدده عين ما أتى به أولا واستدل أيضا باصالة البرائة عن لزوم التجديد.

[ 259 ]

وأشكل عليه في الجواهر (1) بان ما أوقعه أولا لم يكن بمأمور به فهو فاسد فلابد من اتيان الاحرام الصحيح المأمور به ومجرد كون الثاني مساويا للاول في الكون في غير مكة لا أثر له، لان الاحرام الاول فاسد فهو كالعدم وليس النسيان مصححا وإنما هو عذر في عدم وجوب العود، وذلك لا يوجب الاجتزاء بالاحرام الاول. وأما اصالة البرائة فلا مجال لها مع الاطلاقات الدالة على الاتيان بالاحرام الصحيح وما أتى به غير صحيح على الفرض، وقد عرفت ان مجرد النسيان لا يصحح، الاحرام وإنما هو عذر لترك الواجب فالحكم بالصحة يحتاج إلى الدليل، وهو مفقود. وما ذكره صحيح متين. ثم ان مقتضى اطلاق كلام المصنف (ره) عدم جواز الاكتفاء باحرام من أحرم من غير مكة ناسيا أو جاهلا ولو كان حين الاحرام غير متمكن من الرجوع إلى مكة واقعا حتى إذا كان متذكرا، كما ان صاحب الجواهر (قده) تأمل في الحكم بالصحة في الصورة المذكورة ولكن لا يبعد جواز الاكتفاء باحرامه إذا كان حينه غير متمكن من الرجوع إلى مكة واقعا، لانه قد أتي بما هو مكلف به واقعا (وهو الاحرام من هذا المكان لفرض عدم امكان العود) فاحرامه صحيح وان لم يعرف سببه، بل نخيل وأعتقد ان الاحرام من هذا المكان جائز في نفسه وانه بحسب الوظيفة الاولية مع ان الامر ليس كذلك وانما جاز له الاحرام في هذا المكان لعجزه عن العود، الا ان هذه الاعتقاد غير ضائر في صحة عمله واحرامه بعد فرض مصادفته للامر به واقعا


(1) الجواهر: ج 18 ص 21 و 22.

[ 260 ]

[ (الخامس): ربما يقال انه يشترط ان يكون مجموع عمرته وحجه من واحد وعن واحد، فلو استؤجر اثنان لحج التمتع عن ميت احدهما لعمرته والآخر لحجه لم يجزئ عنه، وكذا لو حج شخص وجعل عمرته عن شخص وحجه عن آخر لم يصح (1) ولكنه محل تأمل، بل ربما يظهر من خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) صحة الثاني حيث قال: سألته عن رجل يحج عن أبيه أيتمتع قال نعم المتعة له والحج عن أييه. ] فلابد من التفصيل بين الاحرام الصادر عنه جهلا أو نسيانا في حال التمكن من الرجوع إلى مكة فيحكم ببطلانه لعدم كونه مأمورا به وبين الاحرام الصادر عنه في حال العجز عن العود إلى مكة فيحكم بصحته لانقلاب وظيفته الواقعية إلى الاحرام من هذا المكان وان لم يعلم به. (1) أما الاول: وهو استئجار شخصين لحج التمتع أحدهما لعمرته والاخر لحجه فلا ينبغي الريب في عدم جوازه لان كل واحد من العمرة والحج المتمتع بهما مشروع لمن اتى بالاخر، وأما إذا لم يأت باحدهما فلا يشرع له الاخر، لان الاحرام لحج التمتع من مكة إنما يشرع لمن أتى قبله بالعمرة كما ان عمرة التمتع مشروعة لمن يحرم للحج من مكة فالتفكيك بينهما غير مشروع. وأما الثاني: وهو ان يأتي شخص واحد بالعمرة والحج ولكن يجعل عمرته عن شخص وحجه عن آخر فقد تأمل فيه في المتن بل

[ 261 ]

استظهر الجواز من صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: (سئلته عن رجل يحج عن أبيه أيتمتع؟ قال: نعم المتعة له والحج عن أبيه). ولكن الظاهر ان ذلك غير جائز أيضا، لان المستفاد من الروايات (2) الدالة على ان العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة كونهما عملا واحدا وان تخلل الفصل بينهما بالاحلال فكل منهما جزء لواجب واحد وليس لكل منهما أمر مستقل لينوب أحد عن شحص في أحدهما وينوب في الجزء الاخر عن شخص آخر فان العمل الواحد غير قابل للتبعيض، نظير عدم جواز التبعيض في نيابة الصلاة بان يجعل الركعة الاولى عن زيد والركعة الثانية عن عمرو، فكذا الصوم بان يجعل نصف النهار عن شخص والنصف الاخر عن شخص آخر وهكذا، فان الاجزاء ليس لها أمر مستقل لتصح النيابة فيها، والعمل الواحد يقع عن واحد فتقع العمرة عمن يقع عنه الحج وكذلك العكس ولا يمكن التفريق والتفكيك بينهما. وأما الصحيح الذي استدل به المصنف (ره) لجواز التفريق تبعا لصاحب الوسائل حيث ذكر في عنوان الباب، (جواز نية الانسان عمرة التمتع عن نفسه وحج التمتع عن أبيه) (3) فلا يصح الاستدلال به لانه مبني على أن يكون المراد من قوله: (أيتمتع) عمرة التمتع وكذلك يبتني على ان تحمل المتعة في قوله: (المتعة له) على عمرة


(1) الوسائل: باب 27 النيابة في الحج، ح 1. (2) الوسائل: باب 2 أقسام الحج. (3) الوسائل: باب 27 النيابة في الحج.

[ 262 ]

التمتع وهذا غير ظاهر، فان كلمة (المتعة) وان استعملت في بعض الروايات في عمرة التمتع الا انه خلاف الظاهر المتفاهم منها عرفا فان الظاهر ان المراد بها معناها اللغوي وهو الالتذاذ. بيان ذلك: ان الراوي سأل الامام (ع) عمن يحج عن أبيه أيتمتع أي هل له ان يأتي بحج التمتع مع ان المنوب عنه إذا كان ميتا كما هو ظاهر السؤال غير قابل للتمتع بالنساء والطيب وغيرها في الفصل بين الفراغ من العمرة والشروع في احرام الحج، فأجاب (ع) بجواز ذلك وان الحج عن أبيه والمتعة (اي الالتذاذ بالمذكورات) لك فالرواية أجنبية عما توهمه الماتن وصاحب الوسائل. ولو أغمضنا عن ذلك فلا ريب في جواز حمل الرواية على ما ذكرناه فتصبح مجملة فلا يمكن الاستدلال بها على جواز التفريق. ثم ان هذا المعنى الذي ذكرناه يظهر من الصدوق في الفقيه، لانه (قدس سره) ذكر في عنوان الباب (باب المتمتع عن أبيه) (1) وكذلك المجلسي الاول استظهر هذا المعنى من الحديث في كتابه روضة المتقين (2). نعم أنه (قدس سره) استدل على جواز التفريق وجعل العمرة عن شخص والحج عن آخر بخبر الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله


(1) الفقيه: ج 2 ص 273. (2) قال (رحمه الله): عند شرحه لصحيح محمد بن مسلم، مع انه لا فائدة للاب في التمتع لانه لا يمكن له التمتع بالنساء والطيب والثياب الذي هو فائدة حج التمتع، قال (ع): (نعم المتعة) والتمتع بالاشياء المذكورة له والحج عن أبيه. روضة المتقين: ج 5 ص 65

[ 263 ]

(عليه السلام) (في رجل تمتع عن أمه واهل بحجه عن أبيه: قال: ان ذبح فهو خير له وان لم يذبح فليس عليه شئ لانه إنما تمتع عن أمه وأهل بحجه عن أبيه) (1) ووصفه بالصحة ولاعتبار. والخبر ترى صريح في جواز التفريق بين عمرة التمتع وحجه وجواز جعلهما لاثنين. إنما الكلام في السند فان فيه الصالح بن عقبة وهو لم يوثق في كتب الرجال، بل ابن الغضائري ضعفه، وقال: غال كذاب لاينتفت إليه وتبعه العلامة. ولكن التضعيف المنسوب إلى الغضائري لا يعارض توثيق ابن قولوبه له في كامل الزيارات، وعلي بن ابراهيم القمي في تفسيره، لما ذكرنا غير مرة ان نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري لم تثبت، وأما تضعيف العلامة فلا عبرة به لانه أخذه من كتاب ابن الغضائري فالرجل من الثقات ولا كلام في وثاقة بقية رجال السند، فالخبر معتبر لا مانع من الاخذ بمضمونه والحكم بجواز التفريق بين عمرة التمتع وحجه وجعلهما عن اثنين. الا ان الخبر حيث انه مخالف لما تقتضيه القاعدة كما عرفت فلابد من الاقتصار على مورده بالالتزام بجواز التفريق في حج التمتع عن أبيه وأمه بان يجعل عمرة التمتع عن امه وجعل حجه عن ابيه لاجواز مطلق التفريق ولو عن غير أمه وأبيه، فلا نتعدى؟ عن مورده كما صنع صاحب الوسائل حيث جعل (قده) مضمون صحيح ابن مسلم عنوانا للباب السابع والعشرين من النيابة، وبذلك يظهر الحال بالنسبة إلى صحيح


(1) الوسائل: باب الذبح، ح 5.

[ 264 ]

[ (مسألة 2): المشهور انه لا يجوز الخروج من مكة بعد الاحلال من عمرة التمتع قبل ان يأتي بالحج وانه إذا أراد ذلك عليه ان يحرم بالحج فيخرچ محرما به، وان خرج محلا ورجع بعد شهر فعليه ان يحرم بالعمرة، وذلك لجملة من الاخبار الناهية عن الخروج والدالة على انه مرتهن ومحتبس بالحج، والدالة على انه لو أراد الخروج خرج ملبيا بالحج، والدالة على انه لو خرج محلا فان رجع في شهره دخل محلا وان رجع في غير شهره دخل محرما، والاقوى عدم حرمة الخروج (1) وجوازه محلا حملا للا خبار ] ابن مسلم فانه لو سلمنا ظهوره في التفريق نلتزم بجوازه في خصوص الحج عن الاب، فالمتبع في غير ذلك هو القاعدة المقتضية لعدم جواز التفريق كما هو الحال في التفريق في صوم يوم واحد وصلاة واحدة. (1) المعروف والمشهور أو الاشهر انه لا يجوز للمتمتع بعد الاتيان بعمرته الخروج من مكة، وأنه محتبس ومرتهن بالحج إ. لى ان يأتي بالحج الا مع الاضطرار والحاجة إلى الخروج فيخرج محرما للحج فان رجع في شهره إلى مكة فيخرج إلى الحج من دون احرام جديد وان رجع في غير شهره يحرم من جديد ويلغي احرامه الاول، وان خرج محلا ورجع في شهره يرجع محلا ويحرم من مكة بالحج وان رجع بعد شهر فعليه ان يحرم بالعمرة ويدخل. وقد دلت على هذه الاحكام روايات كثيرة معتبرة واضحة الدلالة.

[ 265 ]

[ على الكراهة - كما عن ابن إدريس (رحمه الله) وجماعة أخرى - بقرينة التعبير ب‍ (لا أحب) في بعض تلك الاخبار وقوله (ع) في مرسلة الصدوق (قده) (إذا اراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه الا ان يعلم انه لا يفوته الحج) ونحوه الرضوي، بل وقوله (ع) في مرسل أبان (ولا يتجاوز الا على قدر ما لا تفوته عرفة) إذ هو وان كان بعد قوله فيخرج محرما الا أنه يمكن ان يستفاد منه ان المدار فوت الحج وعدمه، بل يمكن ان يقال: ان المنساق من جميع الاخبار المانعة ان ذلك للتحفظ عن عدم ادراك الحج وفوته لكون الخروج في معرض ذلك، وعلى هذا ] فمنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (قلت له: كيف أتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبي (إلى ان قال) وليس لك ان تخرج من مكة حتى تحج) (1). ومنها: صحيحة أخرى لرزارة، عن أبي جعفر) (ع (قال: (قلت: لابي جعفر (ع) كيف اتمتع؟ فقال: تأتي الوقت فتلبي بالحج (إلى ان قال) وهو محتبس ليس له أن يخرج من مكة حتى يحج) (2).


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 1. (2) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 5 و 7.

[ 266 ]

[ فيمكن دعوى عدم الكراهة أيضا مع علمه بعدم فوت الحج منه، نعم لا يجوز الخروج لابنية العود أو مع العلم بفوات الحج منه إذا خرج. ] ولكن المصنف تبعا لجماعة اختار الجواز وحمل الروايات الناهية على الكراهة، بل ذكر (قده) انه يمكن دعوى عدم الكراهة أيضا مع علمه بعدم فوات الحج منه، واستشهد بوجوه. منها: التعبير بقوله: (ما أحب) في صحيح الحلبي قال (ع): (وما أحب أن يخرج منها الا محرما) فان قوله: (وما أحب) ظاهر في الكراهة فترفع اليد عن ظهور بقية الاخبار في المنع. وفيه ما لا يخفى: فان جملة (لا أحب) غير ظاهرة في الكراهة بالمعنى الاخص، بل استعملت في القرآن المجيد في الموارد المبغوضة المحرمة كثيرا، كقوله تعال: والله لا يحب الفساد (1) وقوله عزوجل: (لا يحب الله الجهر بالسوء) (2) وهو الغيبة المحرمة وكذلك ما نسب إلى الذوات كقوله عز من قائل: (ان الله لا يحب المعتدين) (3) (والله لا يحب الظالمين) (4) (فان الله لا يحب الكافرين) (5) وغير ذلك من الايات الكريمة، فان الظاهر منها انه تعالى لا يحبهم


(1) البقرة: 205. (2) النساء: 148. (3) البقرة: 190. (4) آل عمران: 57. (5) آل عمران: 32.

[ 267 ]

لاجل اسرافهم واعتدائهم وكفرهم وظلمهم، ولمبغوضية هذه الافعال عنده تعالى، بل تستعمل هذه الجملة في المبغوضية حتى في المحاورات فيما بين العقلاء. وبالجملة: جملة (لا أحب) غير ظاهرة في الجواز مع الكراهة بل أما تستعمل في المبغوضية المحرمة أو الاعم منها ومن الكراهة، فلا تكون هذه الجملة صالحة لرفع اليد عن ظهور تلك الروايات في الحرمة. ومنها: مرسل الصدوق، قال: (قال الصادق (ع): إذا أراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا أن يعلم انه لا يفوته الحج) (1) فان المستفاد منه ان المنع عن الخروج من جهة احتمال فوت الحج، لو علم بعدم الفوت فلا يحرم الخروج. وفيه: ضعف السند بالارسال، وان كان ظاهر كلام الصدوق ثبوت كلام الصادق (ع) عنده ولذا يقول (ره) قال الصادق (ع) ولو لم يكن كلامه (ع) ثابتا عنده لم ينسب الخبر إليه صريحا بل قال (روي) ونحو ذلك. ولكن مع ذلك لا نتمكن من الحكم بحجية المرسلة لسقوط الوسائط بينه وبين الامام (عليه السلام) ولعله (قدس سره) بنى على اصالة العدالة التي لا نعتمد عليها، فمجرد الثبوت عند الصدوق لا يجدي في الحجية.


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 10.

[ 268 ]

ومنها الرضوي (1) ومضمونه كمضمون المرسل المزبور ولكن الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن كونه موثقا. ومنها: خبر ابان وفيه (فنخرج محرما، ولا يجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة) (2) فان المستفاد منه ان المدار في جواز الخروج وعدمه فوت الحج وعدمه. وفيه: انه مخدوش سندا من وجهين لان معلى بن محمد يرويه عمن ذكره ويروي أبان عمن أخبره، هذا مضافا إلى انه يدل على جواز الخروج مع الحاجة محرما وهو خارج عن محل الكلام. واغرب من ذلك، قول المصنف: ان المنساق من جميع الاخبار المانعة ان ذلك للتحفظ عن عدم ادراك الحج وفوته. إذا كيف يمكن استفادة ذلك من تلك الروايات مع التصريح فيها بعدم جواز الخروج محلا مطلقا وجوازه محرما مع الحاجة ثم ان المصنف (ره) بعدما اختار الجواز وحمل الاخبار الناهية على الكراهة، ذكر انه يمكن دعوى عدم الكراهة أيضا، لان الممنوع هو الخروج فيما إذا خاف فوت الحج، وأما لو علم بعدم فوت الحج منه فلا منع أصلا حتى على وجه الكراهة. وبعبارة اخرى: يظهر من الروايات المانعة ان المنع عن الخروج ارشاد إلى لزوم التحفظ على ادارك الموقف وعدم فوت الحج عنه وليس حكما تعبديا فإذا لم يكن خائفا من الفوت فلا مانع من الخروج حتى على وجه الكراهة.


(1) المستدرك: باب 18 أقسام الحج، ح 1 (2) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 9

[ 269 ]

[ ثم الظاهر ان الامر بالاحرام إذا كان رجوعه بعد شهر إنما هو جهة ان لكل شهر عمرة لا ان يكون ذلك تعبدا أو لفساد عمرته السابقة أو لاجل وجوب الاحرام على من دخل مكة، بل هو صريح خبر اسحاق بن عمار: قال (سألت ابا الحسن (ع) عن المتمتع يجئ فيقضي متعته ثم تبدو له حاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو ] ولكن قد عرفت عدم امكان رفع اليد عن ظهور تلك الروايات في المنع بل صراحتها في ذلك. وربما يقال: بان مرسل موسى بن القاسم (عن بعض أصحابنا انه سئل أبا جعفر (ع) في عشر من شوال فقال: اني أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر، فقال: أنت مرتهن بالحج فقال له الرجل ان المدينة منزلي ومكة منزلي ولي بينهما أهل، وبينهما أموال، فقال له: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: فان لي ضياعا حول مكة واحتاج إلى الخروج إليها، فال: تخرج حلالا وترجع حلالا إلى الحج (1) صريح في جواز الخروج محلا، لكن الاشكال في سنده وفيه: ان الظاهر كونه اجنبيا عن مورد الكلام ولا أثر له حتى إذا كان معتبرا سندا، وذلك لان مورده عمرة الافراد، ومحل كلامنا عمرة التمتع المرتبطة بالحج ولاريب في جواز الخروج بعد العمرة المفردة، لانها عمل مستقل وغير؟ مرتبط بالحج، وأما قوله: (وأنت مرتهن بالحج) فلابد من حمله على ان الحج كان واجبا عليه وانه كان


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 3

[ 270 ]

[ إلى بعض المنازل، قال (ع) يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج) (الخ)، وحينئذ فيكون الحكم بالاحرام إذا رجع بعد شهر على وجه الاستحباب لا الوجوب لان العمرة التي هي وظيفة كل شهر ليست واجبة، لكن في جملة من الاخبار كون المدار على الدخول في شهر الخروج أو بعده كصحيحتي حماد وحفص بن البختري ومرسلة الصدوق والرضوي، وظاهرها الوجوب، الا ان تحمل على الغالب من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل لكنه بعيد فلا يترك الاحتياط بالاحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج (1). ] حج الافراد كما يظهر من قوله (ع): (وترجع حلالا إلى الحج) فكأنه (ع) قال له يجب عليك الحج وأنت مرتهن به وان جاز لك الخروج من مكة ولكن ترجع لاداء الحج، وكيف كان: فمورد الرواية العمرة المفردة، ومحل كلامنا عمرة التمتع فالرواية أجنبية عن محل الكلام. (1) ذكر المصنف (قده) في هذا المقام فرعا آخر. وهو ان المعتمر متعة إذا خرج من مكة محلا سواء كان الخروج جائزا كما هو المختار عنده أو محرما كما هو المختار عندنا وأراد الرجوع إلى مكة بعد شهر فهل يجب عليه الاحرام للدخول إلى مكة بعمرة

[ 271 ]

أخرى أو لا يجب؟. اختار الثاني بدعوى: ان الامر بالاحرام من جهة ان لكل شهر عمرة، وليس ذلك من جهة التعبد، أو لفساد عمرته السابقة، أو لاجل وجوب الاحرام على من دخل مكة، وإنما أمر به استحبابا لا على وجه الوجوب، لان العمرة في كل شهر مستحبة وليست بواجبة فالاحرام يكون مستحبا، وذكر (قده) ان الحكم بالاستحباب مما يدل عليه صريحا صحيح اسحاق بن عمار قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن المتمتع بجئ فيقضي متعة ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن، قال: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج قلت: فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه، الحديث) (1) فان التعليل بان لكل شهر عمرة صريح في ان الامر بالاحرام ثانيا لدخول مكة على وجه الاستحباب لان العمرة لكل شهر ليست بواجبة بل هي مستحبة ويرد على ما ذكره ان الصحيحة ناظرة إلى أن العمرتين لا تصحان في شهر واحد فإذا كان رجوعه في نفس الشهر الذي وقعت فيه الاولى فلا حاجة إلى الثانية، وان كان رجوعه في شهر آخر فلابد من عمرة ثانية، ولا نظر فيها إلى الاستحباب أصلا. والذي يكشف عما ذكرناه ان المتعة المعادة في مفروض الرواية هي عمرة التمتع على ما يظهر من قوله (ع): (فان لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج) فان الارتهان بالحج يقتضي كون العمرة عمرة


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 8.

[ 272 ]

التمتع وأما المفردة فهي غير مرتبطة بالحج بوجه، وقد صرح بذلك في ذيل صحيحة حماد الآتية، وهي إما واجبة أوغير مشروعة، فان كان الرجوع في نفس الشهر فهي غير مشروعة لان العمرتين لا تصحان في شهر، وان كان في شهر آخر لزمته العمرة وتلغى الاولى كما صرح به في ذيل الصحيحة، وبعد ذلك كيف يمكن القول بان الامر بالاحرام من جهة الاستحباب هذا. ولو قطعنا النظر عن ذلك وفرضنا ان مورد الرواية العمرة المفردة فانه مع ذلك أيضا لا يمكن القول بالاستحباب للتعليل في النص بان لكل شهر عمرة فان استحباب العمرة نفسيا لا ينافي وجوب الاحرام لدخول مكة الواجب عليه من جهة اداء فريضة الحج إذ لا موجب لرفع اليد عما دل على حرمته الا في موارد خاصة، وكون العمرة مستحبة في نفسها لا يستلزم جواز الدخول بغير احرام كما هو ظاهر. ثم ذكر المصنف (ره) ان المستفاد من جملة من الاخبار كصحيحي حماد وحفص بن البختري وغيرهما ان المدار في لزوم الاحرام والاعتمار على الدخول في شهر الخروج أو بعده لاشهر الاعتمار، يعني: يحسب الشهر من خروجه عن مكة ودخوله إليها فربما يفصل بين العمرتين بازيد من شهر وان كان دخوله قبل مضي شهر من خروجه، كما إذا اعتمر في أول شوال وخرج من مكة في آخره ثم دخل مكة في عشرين من ذي العقدة، فحينئذ لا ينطبق التعليل (بان لكل شهر عمرة) الذي استفدنا منه استحباب الاحرام على التفصيل بين الرجوع في الشهر والرجوع بعده فيجب الاخذ بظاهر الامر بالاحرام المقتضي للوجوب. وبعبارة اخرى: إنما نلتزم بالاستحباب لظاهر التعليل (بان لكل شهر عمرة) الوارد في معتبرة اسحاق بن عمار، ولكنه لا ينطبق على ما ورد

[ 273 ]

في صحيح حماد حيث جعل العبرة فيه بشهر الخروج لا بشهر الاعتمار فحينئذ لا موجب لرفع اليد عن ظهور الامر بالاحرام في الوجوب، إلا ان يحمل صحيح حماد على الغالب من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل فيتحد مورد الصحيح مع مورد التعليل الوارد في معتبرة اسحاق، وينطبق شهر الاعتمار على شهر الخروج، ولكنه بعيد، ولذا احتاط الماتن (ره) في وجوب الاحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج. ويرد على ما ذكره ان صحيحة حماد بن أبى عبد الله (ع) لم يذكر فيها ان المدار بشهر الخروج وان الشهر يحسب من زمان الخروج فانه قال: (من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له ان يخرج (إلى ان قال) ان رجع في شهره دخل بغير احرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرما، قلت: فأى الاحرامين والمتعتين متعة الاولى أو الاخيرة؟ قال: الاخيرة هي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته. الحديث) (1) ولا قرينة ولا دليل على ان المراد بالشهر المذكور فيه هو شهر الخروج بل لا يبعد ان يراد به الشهر الذي تمتع فيه فيتحد الروايتان (صحيحة اسحاق وصحيحة حماد) بحسب المورد ولو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من الاجمال، فصحيح حماد اما يتحد مورده مع صحيح اسحاق أو يكون مجملا، فعليه يصح ان يقال: انه لا عبرة بشهر الخروج أصلا إذ لم يرد ذلك في أي رواية معتبرة أما صحيح حماد فقد عرفت حاله. وأما صحيح حفص بن البختري فلم يتعرض فيه لذكر الشهر أصلا.


(1) الوسائل: باب 22 من أقسام الحج، ح 6.

[ 274 ]

[ بل القدر المتيقن من جواز الدخول محلا صورة كونه قبل مضي شهر من حين الاهلال أي الشروع في احرام العمرة والاحلال منها ومن حين الخروج، إذ الاحتمالات في الشهر ثلاثة: ثلاثون يوما من حين الاهلال، وثلاثون من حين ] فقد روى عن أبي عبد الله (ع) (في رجل قضى متعة وعرضت له حاجة أراد ان يمضي إليها، قال: فقال: فليغتسل للاحرام وليهل بالحج وليمض في حاجته فان لم يقدر على الرجوع إلى مكة مضى إلى عرفات) (1) فالاستشهاد به في المقام لعله من سهو القلم. نعم في مرسل الصدوق والرضوي المتقدمين (2) جعل العبرة بمضي الشهر من الخروج وعدمه ولكن السند ضعيف بالارسال. هذا وفي المقام مرسل آخر لحفص وأبان (في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم قال: ان رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير احرام، فان دخل في غيره دخل باحرام) (3) ولكنه ضعيف سندا بالارسال، ودلالة لان الظاهر انه بين حكم أهل مكة، أو من كان مقيما فيها ويخرج منها لحاجة، وحكمه ان دخل قبل شهر من خروجه يدخل محلا وان دخل بعد شهر من خروجه بدخل محرما، وكلامنا فيمن دخل مكة معتمرا بعمرة التمعتع ويريد الخروج منها بعد اداء العمرة وقبل اتيان


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 4. (2) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 10 والمستدرك: باب 18 أقسام الحج، ح 1. (3) الوسائل. باب 51 الاحرام، ح 4.

[ 275 ]

[ الاحلال بمقتضى خبر اسحاق بن عمار، وثلاثون من حين الخروج بمقتضى هذه الاخبار (1). بل من حيث احتمال كون المراد من الشهر في الاخبار هذا والاخبار الدالة على أن لكل شهر عمرة، الاشهر الاثني عشر المعروفة لا بمعنى ثلاثين يوما، ولازم ذلك ] الحج، فالمرسل أجنبي عن محل الكلام بالمرة. (1) هل العبرة في العمرة الاولى التي يعتبر مضي الشهر عنها باهلالها (1) والشروع في احرامها أو باحلالها والفراغ من احرامها وأعمالها فيه كلام: اختار المصنف (ره) الاول بدعوى انه القدر المتيقن من جواز الدخول محلا، فان أحرم للعمرة ثم بعد الاعمال خرج، فان رجع بعد مضي شهر من زمان اهلاله واحرامه للعمرة يرجع محرما ثانيا وان كان الزمان بالنسبة إلى احلاله وافراغه من الاعمال أقل من شهر إذ قد يحرم للعمرة ويبقى محرما ولا يحل الا بعد يوم أو يومين أو اكثر. أقول: ما ذكره وان كان أحوط ولكن الظاهر من معتبرة اسحاق ابن عمار كون العبرة في مبدأ الشهر بالاحلال والفراغ من العمرة لقوله (ع): (يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه) وكلمة (تمتع) فعل ماضي ظاهر التحقق والفراغ في قبال الاستقبال، فالمراد بالشهر الذي تمتع فيه هو الشهر الذي فرغ من عمرته، وأما إذا أهل بالعمرة ولم يفرغ منها فلا يصدق عليه


(1) المراد به الاحرام - أهل بالحج والعمرة رفع صوته بالتلبية.

[ 276 ]

[ انه إذا كانت عمرته في آخر شهر من هذه الشهور فخرج ودخل في شهر آخر ان يكون عليه عمرة (1) والاولى مراعاة الاحتياط من هذه الجهة أيضا. وظهر مما ذكرنا ان الاحتمالات ستة: كون المدار على الاهلال، أو الاحلال أو الخروج، وعلى التقادير فالشهر إما بمعنى ثلاثين يوما أو أحد الاشهر المعروفة. ] انه تمتع بل هو مشغول باداء أعمال العمرة، كما استظهرنا ذلك في سائر الموارد كقولنا: صلى أو صام وغير ذلك. (1) لاريب في ان المتفاهم من اطلاق الشهر هو ما بين الهلالين لا مقدار ثلاثين يوما، وهو الذي صرح به اللغويون الا إذا قامت قرينة على ارادة مقدار ثلاثين يوما، كما في أشهر العدة فان المراد بها مقدارها لاما بين الهلالين، لان فرض موت الازواج في رأس الشهر نادر بل يقع الموت غالبا في اثناء الشهر فطبعا يراد باربعة أشهر وعشرا مقدارها، ولذا لاريب في كفاية التلفيق. هذا مضافا إلى ما يستفاد من معتبرة اسحاق بن عمار، قال: (قال أبو عبد الله (ع): السنة اثنى عشر شهرا يعتمر لكل شهر عمرة) (1) فانها صريحة في ان العبرة بما بين الهلالين لا بمقدار الشهر، لان المستفاد من ذلك استحباب العمرة بدخول كل شهر من الاشهر الاثنى عشر المعروفة لا مضي ثلاثين يوما.


(1) الوسائل: باب 6 العمرة، ح 9،

[ 277 ]

[ وعلى أي حال إذا ترك الاحرام مع الدخول في شهر آخر ولو قلنا بحرمته لا يكون موجبا لبطلان عمرته السابقة فيصح حجه بعدها (1). ] كما يستفاد ذلك أيضا من استحباب العمرة في خصوص بعض الشهور كشهر رجب، وشهر رمضان المبارك، فان مقتضى ذلك كون العبرة بالشهر وبما بين الهلالين لا بمقدار الشهر. وعليه لو اعتمر في آخر الشهر ثم خرج وأراد الدخول في أول الشهر اللاحق فيعتمر، لان لكل شهر عمرة وان كان الفصل بيوم. واحد (1) لان ذلك واجب مستقل غير مرتبط بالحج، وتركه وان كان محرما ويكون الداخل بلا احرام آثما، ولكنه لا يوجب فساد عمرته السابقة ولا حجه. اقول: ذكر في الجواهر (1) أنه ليس في كلامهم تعرض لما ولو رجع محلا بعد شهر ولو آثما، وقوى عدم الفساد لعدم الدليل عليه. والصحيح ان يقال: ان العمرة الاولى بحسب النص لاغية وغير قابلة للارتباط بالحج واما التمتع بالعمرة الثانية فالاولى لا تكفي للتمتع فيفسد حجه، فان عمدة الروايات والورادة في المقام روايتان موثقة (2) اسحاق بن عمار وصحيحة حماد، والمستفاد من الاولى ان


(1) الجواهر: ج 18 ص 29. (2) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 6 و 8.

[ 278 ]

[ ثم ان عدم جواز الخروج على القول به إنما هو في غير حال الضرورة بل مطلق الحاجة، وأما مع الضرورة أو الحاجة مع كون الاحرام بالحج غير ممكن أو حرجا عليه فلا اشكال فيه (1). ] العمرة التي يجب الاتيان بها لدخول مكة بعد شهر إنما هي عمرة التمتع لانه (ع) بعد ما حكم بانه يرجع بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه قال: (وهو مرتهن بالحج) ومن المعلوم ان الذي يوجب الارتهان والارتباط بالحج إنما هو عمرة التمتع. نعم العمرة المفردة قد تجب لدخول مكة ولكن وجوبها وجوب مستقل غير مرتبط بالحج ولا يضر تركها بالحج وان كان عاصيا بالترك وأما الثانية فهي صريحة في ذلك لقوله (ع) (وان دخل في غير الشهر دخل محرما، قلت: فأي الاحرامين والمتعتين متعة الاولى أو الاخيرة؟ قال: الاخيرة هي عمرتة، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته) وقد تقدم ان كلمة المتعة لا تستعمل في العمرة المفردة، فالعمرة الاولى مشروطة بان لا يخرج من مكة أو أنه يرجع إليها قبل الشهر، والا تكون العمرة والاولى ملغية ويزول الارتباط بينها وبين الحج فيفسد حجه حينئذ (1) لصحيحتي حفص وحماد، ففي الاولى (في رجل قضى متعته عرضت له حاجة أراد ان يمضي إليها، قال: فقال: فليغتسل للاحرام وليهل بالحج وليمض في حاجته). وقال: في الثانية (من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج،

[ 279 ]

فان عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما) (1). فمقتضى الصحيحتين جواز الخروج عند الحاجة فان كان متمكنا من الاحرام ولم يكن الاحرام عليه حرجيا أحرم بالحج ثم يخرج والاسقط وجوبه لنفي الحرج. وهل يكفي مجرد الحاجة لجواز الخروج محلا أو لابد من الاضطرار إليه؟. ظاهر المصنف (قده) عدم جواز ترك الاحرام لمجرد الحاجة، واختصاصه بمورد الحرج، أو عدم الامكان من الاحرام. ويظهر من بعضهم جواز الخروج وترك الاحرام لمجرد الحاجة واستدل بمصحح اسحاق المتقدم فان المفروض فيه أنه خرج محلا بقرينة قوله: (يرجع إلى مكة بعمرة) فان موضوع السؤال انه خرج من مكة لمجرد الحاجة وفرض انه خرج بلا احرام، فيعلم من ذلك جواز الخروج بلا احرام لمجرد الحاجة وفيه: ان السؤال في مصحح اسحاق لم يكن عن جواز الخروج وعدمه، وإنما السؤال عن حكم الخارج وانه إذا خرج ماذا يصنع. فالمتبع حينئذ انما هو صحيح حفص المتقدم الدال على وجوب الاحرام عند الحاجة ونحوه صحيح حماد. فتحصل: ان مطلق الحاجة يكفي في جواز الخروج ولكن لا يكفي في ترك الاحرام، وإنما يجوز ترك الاحرام عند الخروج حال الضرورة أو الحرج.


(1) الوسائل: باب أقسام الحج، ح 4 و 6.

[ 280 ]

[ وأيضا الظاهر اختصاص المنع على القول به بالخروج إلى المواضع البعيدة، فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين بل يمكن ان يقال باختصاصه بالخروج إلى خارج الحرم وان كان الاحوط خلافه (1). ] (1) وقع الكلام في ان الممنوع من الخروج هل هو مختص بالخروج إلى الاماكن البعيدة، فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين، أو ان الممنوع هو الخروج إلى خارج الحرم؟ فالخروج إلى ما دون الحرم سائغ كما عن بعضهم. اختار الماتن (ره) الاول، وذكر شيخنا الاستاذ النائني (قده) في تعليقته على العروة وكذا في مناسكه ان الممنوع هو الخروج إلى المسافة الشرعية لا ما دونها لكون مقدار الحرم مختلفا من جهاته فلا يصح التقدير به ولا يطرد في جميع جوانبه. والظاهر ان التحديد بالمسافة أو بالحرم لادليل عليه أصلا، فان الموضوع في النص هو الخروج من مكة. نعم لو كان المذكور في النص مجرد الخروج فقط أمكن القول بان المراد به السفر إلى المسافة الشرعية كما ورد في بعض روايات صلاة المسافر من قوله: (فليس لك ان تقتصر حتى تخرج منها) (1) لامكان حمله على المسافة الشرعية، ولكن الموجود في نصوص المقام


: باب 18 صلاة المسافر، ح 8

[ 281 ]

[ ثم الظاهر انه لا فرق في المسألة بين الحج الواجب والمستحب فلو نوى التمتع مستحبا ثم أتى بعمرته يكون مرتهنا بالحج ويكون حاله في الخروج محرما أو محلا والدخول كذلك كالحج الواجب (1). ] الخروج من مكة كما في صحيحتين لزرارة (1) وهذا العنوان يصدق بالخروج عن مكة وان لم يبلغ المسافة، أو حد الحرم، فالعبرة بصدق الخروج من مكة وعدمه. على ان التحديد بالمسافة يختلف أيضا فلا يصح التحديد والتقدير بها وذلك لان المسافر إذا كان عازما على العود يكفي السير بمقدار أربعة فراسخ ذهابا في الحكم بالقصر لان مجموع ذهابه وإيابه يبلغ حد المسافة بخلاف ما إذا لم يكن عازما على العود، أو كان بانيا على الاقامة عشرة أيام فلا يكفي السير بمقدار أربعة فراسخ، فيختلف الحكم حسب اختلاف المكلفين. وأما التقدير بحدود الحرم فلا دليل عليه أيضا، بل مقتضى النصوص ان من خرج من حدود الحرم يجب عليه ان يذهب إلى الميقات ويحرم منه ان أمكن والا فيحرم من مكانه، بل هذا الحكم لا يختص بمن خرج من الحرم ويشمل كل من خرج من مكة لاطلاق الروايات، فالميزان هو الخروج من مكة سواء خرج من الحرم أم لا وسواء بلغ حد المسافة الشرعية أم لا. (1) الامر كما ذكره بالنسبة إلى حكم الخروج لاطلاق الادلة وعدم


(1) الوسائل: باب 32 أقسام الحج، ح 1 و 5.

[ 282 ]

الفرق بين الواجب والمستحب من هذه الجهة فانه مرتهن بالحج مطلقا. وأما بالنسبة إلى حكم الرجوع والدخول إلى مكه ثانيا ففيه تفصيل. لانه تارة: نلتزم بان العمرة الثانية هي عمرة جديدة مفردة وغير مرتبطة بالحج، وإنما هي واجبة مستقلة كما مال إلى ذلك في الجواهر وأخرى: نلتزم بان العمرة الثانية هي المرتبطة بالحج كما هو الصحيح على ما تقدم فان قلنا بالاول فلا كلام، وإنما يجب الاتيان بالعمرة الثانية لدخول مكة. وان قلنا بالثاني وفساد العمرة الاولى وعدم قابليتها للارتباط والاتصال بالحج للفصل بينهما، فحينئذ يفترق الحج الواجب عن المستحب، لانه لو كانت العمرة الاولى فاسدة وملغية وملحقة بالعدم فكأنه لم يعتمر فان كان الحج مستحبا لا يجب عليه الاتيان بالعمرة الثانية. وما دل على وجوب اتمام الحج والعمرة وان كان الحج مستحبا إنما هو فيما إذا لم يخرج من مكة وأما إذا خرج منها وفسدت عمرته على الفرض بالفصل بينهما فلا وجه لوجوب الاتيان بالعمرة الثانية عليه لفرض عدم وجوب الحج عليه وما أتى به من العمرة محكوم بالعدم فلا موضوع لوجوب اتصالها بالحج. وقد استظهرنا من النصوص (1) ان العمرة الثانية هي المرتبطة بالحج - كما عرفت - وحيث ان الحج مستحب له يجوز له رفع اليد عنه. بل يمكن ان يقال: ان الامر كذلك في الواجب الموسع كالاجارة الموسعة أو النذر المطلق ونحوهما فله التأخير وعدم لزوم العود.


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج.

[ 283 ]

[ ثم ان سقوط وجوب الاحرام عمن خرج محلا ودخل قبل شهر مختص بما إذا أتى بعمرة بقصد التمتع، وأما من لم يكن سبق منه عمرة فيلحقه حكم من دخل مكة في حرمة دخوله بغير الاحرام الا مثل الحطاب والحشاش ونحوهما (1). ] وبالجملة، لزوم العود إلى مكه محرما بالعمرة الثانية يبتني على كون العمرة الثانية هي عمرته المرتبطة بالحج وإن الاولى قد فسدت بالفصل بشهر فحينئذ لا يجب عليه العود إذ كان الحج مستحبا، أو كان واجبا موسعا. وأما إذا قلنا بان العمرة الثانية واجبة بالاستقلال وغير مرتبطة بالحج فيجب عليه العود محرما لتفريغ ذمته من هذا الواجب الاستقلالي. نعم على تقدير عدم قابلية العمرة الاولى للارتباط بالحج وعدم اجراء حكم المتعة عليها ففي انقلابها عمرة مفردة - فيجب عليه الرجوع لطواف النساء - كلام يأتي التعرض له عن قريب (ان شاء الله تعالى) (1) صدر عبارته مقصور بمن أتي بعمرة التمتع - ولكن الذيل أعم لقوله (قده): (وأما من لم يكن سبق منه عمرة فيلحقه حكم من دخل مكة) فان قوله: (من لم يكن سبق منه عمرة) يشمل العمرة المفردة أيضا. والامر كما ذكر في الذيل، لموثقة اسحاق بن عمار المتقدمة (1) فان التعليل للرجوع إلى مكة بعمرة بقوله: (لان


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج ح 8.

[ 284 ]

لكل شهر عمرة) يدل على ان الذي يوجب سقوط الاحرام عند الدخول إلى مكة في شهر الاعتمار هو اتيان مطلق العمرة. وبالجملة: لاريب في ان النصوص مطبقة على أنه لا يجوز دخول مكة إلا محرما، ولايجوز لاحد دخولها محلا حتى انه إذا دخلها محلا عصيانا، أو غفلة، أو جهلا، ثم خرج وأراد الدخول ثانيا يجب عليه الاحرام للدخول، وقد استثنى من النصوص الدالة على وجوب الاحرام الحطاب والحشاش ونحوهما، وكذلك استثني منها من دخلها معتمرا وخرج ثم أراد الدخول قبل شهر (1). وأما من كان من أهل مكة الذي لم يسبق منه عمرة، فلو خرج من مكة وأراد الرجوع ولو في يومه وساعته يجب عليه الاحرام لدخول مكة بمقتضى اطلاق النصوص الدالة على عدم جواز دخول مكة بغير احرام. نعم مرسل حفص وأبان (في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم قال: ان رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير احرام، فان دخل في غيره دخل باحرام) (2) ظاهر في عدم وجوب الاحرام لقاطن مكة إذا رجع في شهر الخروج، بناءا على ان مورد المرسل اهل مكة. ولكنه غير صالح لرفع اليد عن تلك الروايات الكثيرة المطلقة، لضعفه بالارسال. وقد ورد في بعض النصوص ان الصادق (ع) خرج من مكة


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 6 و 8 وباب 50 و 51 من الاحرام. (2) الوسائل: باب 51 الاحرام، ح 4 و 5.

[ 285 ]

[ وأيضا سقوطه إذا كان بعد العمرة قبل شهر إنما هو على وجه الرخصة بناءا على ما هو الاقوى من عدم اشتراط فصل شهر بين العمرتين (1) فيجوز الدخول باحرام قبل الشهر أيضا. ] إلى الربذة لمشايعة والده الباقر (ع) ثم دخل مكة حلالا (1) فربما يتوهم من اطلاق ذلك جواز الدخول محلا وان لم يسبق منه العمرة أو أتى بها وتحقق الفصل بازيد من شهر. ولكن هذا الفعل الذي صدر منه (ع) لااطلاق له إذ لعله كان معتمرا قبل ذلك ولم يفصل بين الدخولين مقدار الشهر والحاصل: لاريب في عدم جواز الدخول إلى مكة محلا، لان المستفاد من الروايات الشريفة ان مكة زادها الله شرفا وعزا لها كرامة وحرمة لا يجوز الدخول إليها الا محرما ملبيا بالحج أو العمرة، وجواز الدخول محلا مختص بمن أتى بالعمرة سابقا ولم يتجاوز الشهر، وأما من لم يسبق منه عمرة أصلا وخرج واراد الدخول بجب عليه الاحرام سواء رجع في يومه وساعته أم لا قريبا أو بعيدا. (1) قد ذكرنا في بحث العمرة ان الاظهر هو اعتبار الفصل بين العمرتين بشهر ولاعبرة بعشرة أيام فان أتى بها ثانيا قبل مضي شهر بعنوان عمرة التمتع فلا مشروعية لها، لان حج التمتع ليس فيه اإلا عمرة واحدة والمفروض اتيانها.


(1) الوسائل: باب 51 الاحرام، ح 4 و 5.

[ 286 ]

[ ثم إذا دخل باحرام فهل عمرة التمتع هي العمرة الاولى أو الاخيرة؟ مقتضى حسنة حماد انها الاخيرة المتصلة بالحج وعليه لا يجب فيها طواف النساء، وهل يجب حينئذ في الاولى أولا؟ وجهان. أقواهما، نعم، والاحوط الاتيان بطواف مردد بين كونه للاولى أو الثانية (1). ] وان أتى بها بعنوان العمرة المفردة لتكون واقعة بين عمرة التمتع وحجه فلا بأس بالاتيان بها رجاءا لاحتمال مشروعيتها في نفسها. ولكن مقتضى صحيح حماد عدم المشروعية ولزوم الرجوع محلا، (قلت: فان جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير احرام ثم رجع في أبان الحج في أشهر الحج (إلى ان قال): ان رجع في شهره دخل بغير احرام وان دخل في غير الشهر دخل محرما) (1). فان الظاهر منه انه (ع) في مقام بيان الوظيفة الفعلية وقد عين انه يرجع محلا ان رجع قبل مضي الشهر، فلا يجوز له التخلف عن الوظيفة المقررة له، ثم ذكر (ع) وظيفة من دخل بعد الشهر وانه يدخل محرما. (1) مقتضى ظهور موثقة اسحاق وصراحة صحيح حماد (2) أنه إذا دخل بالاحرام فعمرة التمتع هي الاخيرة وأما الاولي فملغية، والاخيرة هي المحتبس بها التي وصلت بحجته فلا تجب فيها طواف النساء لعدم مشروعيته في عمرة التمتع


(1) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 6. (2) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 8 و 6.

[ 287 ]

[ ثم الظاهر انه لا اشكال في جواز الخروج في اثناء عمرة التمتع قبل الاحلال منها (1). ] وهل يجب عليه طواف النساء للعمرة الاولي باعتبار انها وان كانت تمتعا حدوثا لكنها تنقلب إلى الافراد قهرا بعد الفصل بشهر؟. ذكر المصنف (ره) ان فيه وجهين أقواهما نعم. ولكن ناقش غير واحد في ثبوت طواف النساء للاولى، لانه قد يفرض انه أتى النساء بعد الاحلال منها وقبل الخروج من مكة أو بعده ومن البعيد جدا حرمتهن عليه بعد ذلك من غير موجب، والاستبعاد المذكور في محله، فان النساء قد حلت له بعد الاحلال من العمرة سواء خرج من مكة أم لا فكيف تحرم عليه ثانيا وبأي موجب، إذ لادليل على التحرم؟ مرة أخرى بل قد عرفت ان المستفاد من معتبرة اسحاق وصحيحة حماد المتقدمتين كون العمرة الاولي لاغية بالمرة ومحكومة بالعدم فالانقلاب إلى الافراد يحتاج إلى الدليل، ومجرد الفساد ولغوية الاولى لا يوجب انقلابها إلى الافراد كي يحتاج إلى طواف النساء والحاصل: يظهر من النص ان العمرة الاولى ملغية وغير محسوبة لا أنها تنقلب إلى الافراد، ولو فرضنا انقلابها إلى الافراد كان على الامام (ع) البيان والامر بطواف النساء، فسكوته (ع) عن ذلك يكشف عن عدم انقلابها إليه، فليس عليه طواف النساء لا بالنسبة إلى الاولى لكونها ملغية ولا بالنسبة إلى الثانية لانها عمرة التمتع، (1) الظاهر ان هذه المسألة ه غير محررة عند الفقهاء (قده) ولم أر

[ 288 ]

من تعرض لذلك. والذي يمكن أن يقال: أن الروايات المانعة عن الخروج كلها وردت بعد الفراغ من العمرة وأما الخروج في الاثناء فلا تشملة الروايات ومقتضى الاصل هو الجواز. ولابد لنا من التكلم في مقامين احدهما: انه هل يجوز له الخروج من مكة اثناء العمرة وقبل الاحلال منها م لا؟. الظاهر هو الثاني لاطلاق النصوص المانعة، فان عمدة النصوص الواردة في المقام إنما هي صحيحة الحلبي وصحيحة حماد، وموضوع المنع فيهما هو الدخول إلى مكة وعدم الخروج منها إلا للحج وانه مرتهن بحجه، فلابد من اتمام العمرة والبقاء في مكة حتى يأتي بالمناسك. ففي صحيح حماد (من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج فان عرضت له حاجة إلى عسفان إلى أن قال - خرج محرما ودخل ملبيا بالحج (1). وفي صحيح الحلبي (عن الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج يريد الخروج إلى الطائف، قال يهل بالحج من مكة وما احب أن يخرج منها الا محرما) (2). فانه لم يفرض فيهما الفراغ من العمل بل الظاهر منهما ان موضوع السؤال والجواب هو الاشتغال بالاعمال، وانه يخرج وهو مشغول بالاعمال خصوصا ان قوله: (يتمتع) في صحيح الحلبي ظاهرا جدا في كون موضوع الحكم مجرد الدخول في مكة والاشتغال بالاعمال وعدم الفراغ منها لانه فعل استقبالي يدل على الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف


(1) و (2) الوسائل: باب 22 أقسام الحج، ح 6 و 7.

[ 289 ]

[ (مسألة 3): لا يجوز لمن وظيفته التمتع ان يعدل إلى غيره من القسمين الاخيرين اختيارا، نعم ان ضاق وقته عن اتمام العمرة وادراك الحج جاز له نقل النية إلى الافراد وان يأتي بالعمرة بعد الحج بلا خلاف ولا اشكال ] الفعل الماضي فانه يدل على الفراغ من العمل، كما هو كذلك في ساير موارد الاستعمالات، فإذا قيل رجل يصلي يراد به الاشتغال بالصلاة وإذا قيل رجل صلى معناه الفراغ منها، وقد ذكرنا سابقا ان قوله: (ما أحب) لا يدل على جواز مع الكراهة وانما يدل على مطلق المبغوضية وهي أعم من الكراهة والحرمة، وإذا فلا نعرف وجها لجواز الخروج التكليفي في الاثناء: فلا فرق في حرمة الخروج بين أثناء العمل أو بعده. ثانيهما: انه إذا فرضنا انه خرج من مكة محرما باحرامه الاول جهلا، أو غفلة، أو عمدا قبل الفراغ من عمرته وأراد الرجوع فهل يجب عليه احرام جديد لدخول مكة، أو انه يدخل بنفس الاحرام الاول؟ الظاهر انه لا حاجة إلى احرام جديد، لان المفروض انه على احرامه ولم يحل ولا موجب لبطلان الاحرام الاول، ولا دليل على احرام آخر غير الاول، حتى إذا بقي شهرا أو أزيد وأراد الدخول جاز له الدخول بنفس الاحرام الاول فان الفصل بشهر إنما يوجب الاحرام مجددا على من خرج محلا وأراد الدخول بعد شهر لا على من خرج محرما وهو باق على احرامه.

[ 290 ]

[ وانما الكلام في حد الضيق المسوغ لذلك، واختلفوا فيه على أقوال: (1). (1) لا اشكال ولا خلاف في انه ليس للمتمتع العدول إلى الافراد أو القران، لان العدول من واجب إلى واجب آخر على خلاف القاعدة ويحتاج إلى دليل خاص. على ان من كانت وظيفته التمتع لا يشرع في حقه الافراد، أو القران لا من الاول ولا في الاثناء. نعم إذا ضاق وقته عن اتمام العمرة وادراك الحج ولم يسع الوقت لذلك جاز له العدول ويجعل عمرته حج الافراد ويتمها حجا، ثم يأتي بعمرة مفردة، والروايات في ذلك متضافرة (1). إنما الكلام في حد الضيق المسوغ للعدول وقد اختلفوا فيه على أقوال: الاول: زوال يوم التروية، فان تمكن من اتمام عمرته قبل زوال يوم التروية فهو، والا بطلت متعته ويجعلها حجة مفردة اختاره والد الصدوق وحكي عن المفيد (ره). الثاني: غروب الشمس من يوم التروية، حكي عن الصدوق والحلبي من قدماء أصحابنا. الثالث: ظهر يوم عرفة، اختاره الشيخ في النهاية. الرابع: ان العبرة بفوات الموقفين، واختلف القائلون بفوات الموقفين على أقوال أيضا.


(1) الوسائل: باب 21 أقسام الحج.

[ 291 ]

احدها: ان الميزان خوف فوات الركن من الوقوف الاختياري لعرفة وهو المسمى منه. ثانيها: ان العبرة بخوف فوت الواجب من الوقوف وهو من الزوال إلى الغروب وهو الوقوف الاختياري. ثالثها: فوات الاختياري والاضطراري من عرفة. رابعها: انه إذا زالت الشمس من يوم التروية وخاف فوت الوقوف فله العدول، وان لم يخف الفوت فهو مخير بين العدول والاتمام. ومنشأ الاختلاف اختلاف الاخبار فانها مختلفة غاية الاختلاف، فيقع الكلام تارة: فيما يقتضيه القاعدة. وأخرى فيما يقتضيه النصوص، فان لم يمكن العمل بها لتعارضها واختلافها أو لعدم ظهورها، فالمتبع حينئذ هو القاعدة. اما الاول: فلا ريب ان مقتضى القاعدة الاولية عدم جواز العدول مطلقا ووجوب الحج التمتع عليه ابتداءا، أو اتماما إذا شرع فيه كما دلت عليه الآية المباركة الآمرة باتمام الحج والعمرة كقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) (1). فالوظيفة الفعلية الاولية هي حج التمتع ولا ينتقل فرضه إلى واجب آخر لا بدليل وعليه لو فرضنا انه لا يتمكن من اتيان حج التمتع واتمامه يستكشف عدم وجوب الحج عليه فينقلب ما أتى به على عمرة مفردة، أو انه يحكم ببطلانه فان الانقلاب يحتاج إلى دليل وهو مفقود وأما الثاني: فالنصوص الواردة في المقام على طوائف


(1) البقرة: 196.

[ 292 ]

الطائفة الاولى: الروايات الدالة على ان العبرة بخوف فوت الوقوف بعرفة. فمنها: معتبرة يعقوب بن شعيب الميثمي قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس للمتمتع ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوت الموقفين (1). فربما استدل بها على ان العبرة في العدول عن التمتع إلى الافراد بخوف فوت الموقف، بمعنى أنه متى قدم مكة والناس في عرفات وخشي انه ان اشتغل باعمال العمرة يفوت عنه الوقوف فحينئذ يدع العمرة وينقل حجه إلى الافراد ويبادر إلى عرفات لدرك الموقف. ويقع البحث في هذه الرواية من جهتين الاولى: من حيث السند والظاهر ان الرواية معتبرة لان رواتها ثقات حتى اسماعيل بن مرار فانه وان لم يوثق في كتب الرجال لكنه من رجال تفسير علي بن ابراهيم القمي (رحمه الله) وقد وثق جمع رواته في مقدمة التفسير فيعامل معهم معاملة الثقة ما لم يعارض بتضعييف غيره كالنجاشي والشيخ ونحوهما. الثانية: من حيث الدلالة والظاهر أن الرواية اجنبية عما نحن فيه لانها وردت في انشاء احرام الحج وانه غير موقت بوقت خاص وانه يجوز له احرام الحج في أي وقت شاء وتيسر له مادام لم يخف فوت الموقفين، ومحل كلامنا فيمن احرم لعمرة التمتع وضاق وقته عن اتمامها. ومنها: خبر محمد بن مسرور، قال: (كتبت إلى أبى الحسن


(1) الوسائل: باب 20 أقسام الحج، ح 5.

[ 293 ]

الثالث (ع) ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وفي غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات أعمرته قائمة أوقد ذهبت منه إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية، فكيف يصنع؟ فوقع (ع) ساعة يدخل مكة ان شاء الله يطوف ويصلي ركعتين ويسعى ويقصر، ويحرم بحجته ويمضي إلى الموقف ويفيض مع الامام (1). فان الظاهر منه ان العبرة بالافاضة مع الامام إلى المشعر لا الوقوف بعرفة في تمام الوقت من الزوال إلى الغروب وإنما امره (ع) بان يمضي إلى الموقف ليدرك الامام ليفيض معه إلى المشعر فهو يدرك الموقف طبعا بمقدار المسمى ثم يفيض مع الامام إلى المشعر لكنه ضعيف السند بمحمد بن مسرور كما في الوسائل فانه لا وجود له في كتب الرجال، أو بمحمد بن سرد، أو سرو كما في التهذيب (2) فانه مجهول وذكر صاحب المنتفى (3) أن راوي الحديث محمد بن جزك وهو ثقة، وذكر سرد، أو سرو من غلط النساخ، فيكون الخبر معتبرا. ولكن لا يمكن الاعتماد على ما ذكره صاحب المتفى لانه مجرد تخمين وظن ولا شاهد له، ومجرد رواية عبد الله بن جعفر عن محمد بن جزك لا يكون شاهدا ولاقرينة على ان محمد بن جزك هو الراوي في سند هذه الرواية لامكان رواية عبد الله بن جعفر عن شخص آخر مسمى بمحمد بن سرد أو سرو.


(1) الوسائل: باب 20 أقسام الحج ح 16. (2) التهذيب: ج 5 ص 171. (3) منتفى الجمان: ج 2 ص 521.

[ 294 ]

[ (أحدها): خوف فوات الاختياري من وقوف عرفة. (الثاني): فوات الركن من الوقوف الاختياري وهو المسمى منه. (الثالث): فوات الاضطراري منه. (الرابع): زوال يوم التروية. (الخامس): غروبه. (السادس): زوال يوم عرفة. (السابع): التخيير بعد ] زوال يوم التروية بين العدول والاتمام إذا لم يخف الفوت. ومنها: صحيح جميل عن أبي عبد الله (ع) (قال: المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر) (1) فان دلالته على ان له اتمام العمرة إلى زوال الشمس من يوم عرفة فواضحة جدا، ومن الواضح ان السير من مكة إلى عرفات كان يستغرق في تلك الازمنة عدة ساعات لان ما بين مكة وعرفات مقدار أربعة فراسخ تقريبا فلا يدرك المتمتع الموقف بتمامه وإنما يدرك مقدارا ما منه. وبعبارة أخرى: لازم صحة اتيان العمرة إلى زوال يوم عرفة عدم اعتبار درك الموقف بتمامه وكفاية دركه مقدارا ما قبل الغروب، والرواية كما ذكرنا صحيحة سندا، وان كان محمد بن عيسى الواقع في السند مرددا بين محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني وبين الاشعري لان كلا منهما ثقة على الاصح، ومدلولها يطابق القاعدة المقتضية لصحة الحج إذا أدرك الموقف بمقدار المسمى وان لم يستوعب تمام الوقت من الزوال إلى الغروب، ولذا حكي عن السيد في المدارك ان الصحيحة نص في المطلوب.


(1) الوسائل: باب 20 أقسام الحج، ح 15.

[ 295 ]

[ والمنشأ اختلاف الاخبار فانها مختلفة أشد الاختلاف والاقوى أحد القولين الاولين لجملة مستفيضة من تلك الاخبار، فانها يستفاد منها على اختلاف ألسنتها ان المناط في الاتمام عدم خوف فوت الوقوف بعرفة. منها قوله (عليه السلام) في رواية يعقوب بن شعيب الميثمي: (لا بأس للتمتع ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوات الموقفين) وفي نسخة - لا بأس للمتمتع ان يحرم ليلة عرفة (الخ) - وأما الاخبار المحددة بزوال يوم التروية أو بغروبه أو بليلة عرفة أو سحرها، فمحمولة على صورة عدم امكان الادراك الا قبل هذه الاوقات فانه مختلف باختلاف الاوقات والاحوال والاشخاص، ويمكن حملها على التقية إذا لم يخرجوا مع الناس يوم التروية، ويمكن كون الاختلاف لاجل التقية كما في اخبار الاوقات للصلواة. وربما تحمل على تفاوت مراتب أفراد المتعة في الفضل بعد التخصيص بالحج المندوب، فان أفضل أنواع التمتع ان تكون عمرته قبل ذي الحجة ثم ما تكون عمرته قبل يوم التروية ثم ما يكون قبل يوم عرفة، مع انا لو أغمضنا عن الاخبار من جهة شدة اختلافها وتعارضها نقول: مقتضى القاعدة هو ما ذكرنا لان المفروض ان الواجب ]

[ 296 ]

عليه هو التمتع فما دام ممكنا لا يجوز العدول عنه، والقدر المسلم من جواز العدول صورة عدم امكان ادراك الحج واللازم ادراك الاختياري من الوقوف، فان كفاية الاضطراري منه خلاف الاصل. ] ومنها: صحيح الحلبي: (عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعا ثم قدم مكة والناس بعرفات فخشي ان هو طاف وسعى بين الصفا والمروة ان يفوته الوقت، قال: يدع العمرة فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه) (1) فانه دال أيضا على أن العبرة في العدول عن التمتع إلى غيره بخوف فوت الموقف وبخشية عدم إدراكه، وأما إذا أمكنه درك الموقف ولو بمقدار المسمى فلا مجال للعدول. وربما قيل: ان الوقوف الواجب إنما هو من الزوال إلى الغروب ولا فرق في فوت الموقف بين كون الفائت ركنا أو غيره فالعدول إنما يجوز فيما إذا خاف فوت الوقوف في تمام الزمان بين الظهر والغروب. وفيه أولا: انه لو تم ما ذكر فهو بالاطلاق بمعنى: ان اطلاق صحيح الحلبي يقتضي كون العبرة في العدول بفوات تمام الموقف من الزوال إلى الغروب ولكن صحيح جميل صريح في جواز اتيان العمرة إلى زوال يوم عرفة، وهذا يقتضي فوات شئ من الموقف بالطبع بمقدار سيره من مكة إلى عرفات، لان ذلك يستلزم فوات عدة ساعات من الموقف فنرفع اليد عن ظهور خبر الحلبي بصراحة رواية جميل


(1) الوسائل: باب 21 أقسام الحج، ح 6.

[ 297 ]

[ يبقى الكلام في ترجيح أحد القولين الاولين ولا يبعد رجحان أولهما بناءا على كون الواجب استيعاب تمام ما بين الزوال والغروب بالوقوف وان كان الركن هو المسمى، ولكن مع ذلك لا يخلو عن اشكال، فان من جملة الاخبار ] وثانيا: أو الوقوف الذي هو جزء للواجب هو الوقوف بمقدار المسمى، وأما الوقوف من الزوال إلى الغروب فهو واجب مستقل وليس بجزء أصلا - لا انه جزء غير ركني ولذا لو تركه عمدا لا يوجب فساد الحج وان أثم بتركه نظير ترك طواف النساء، وذلك شاهد على أنه ليس بجزء للواجب إذ لا يعقل ان يكون جزءا للواجب وفي نفس الوقت كان تركه عمدا وعصيانا غير موجب للبطلان. وثالثا: ان المفروض في صحيح الحلبي أنه ورد مكة عندما كان الناس بعرفة، وهو زوال يوم عرفة، ولاريب ان السير من مكة إلى عرفات ابتداء من الزوال يستلزم فوت بعض الموقف عنه قطعا سواء عدل إلى الافراد أو لم يعدل، فحينئذ لابد ان يكون مورد سؤاله عن خشية فوت الركن من الموقف لا عن تمام ما وجب عليه، فالموقف في عبارة السائل يراد منه الركن منه وهو الوقوف في الجملة. وأما التحديد بفوات الموقف الاضطراري لعرفة - كما هو أحد الاقوال - فلا يوجد له أي نص. الطائفة الثانية: مادلت على التحديد بادارك الناس بمنى (أي ليلة عرفة حيث يستحب المبيت في مني ليلة عرفة ومن هناك يذهب إلى عرفات).

[ 298 ]

[ مرفوع سهل عن أبي عبد الله (ع): (في متمتع دخل يوم عرفة قال متعته تامة إلى ان يقطع الناس تلبيتهم) حيث ان قطع التلبية بزوال يوم عرفة، وصحيحة جميل: (المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر) ومقتضاهما كفاية ادراك مسمى الوقوف الاختياري قان من البعيد اتمام العمرة قبل الزوال من عرفة وادراك الناس في أول الزوال بعرقات. ] فمنها: خبر أبي بصير، (المرئة تجئ متمتعة فتطمث قبل ان تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة، فقال: ان كانت تعلم انها تطهر وتطوف بالبيت وتحل من احرامها وتلحق الناس بمنى فلتفعل) (1) ومنها: شعيب العقرقوفي قال: (خرجت أنا وحديد فانتهينا إلى البستان يوم التروية فتقدمت على حمار، فقدمت مكة فطفت وسعيت وأحللت من تمتعي، ثم أحرمت بالحج وقدم حديد من الليل فكتبت إلى أبي الحسن (ع) استفتيه في أمره، فكتب إلى مره يطوف ويسعى ويحل من متعته ويحرم بالحج ويلحق الناس بمنى ولا يبيتن بمكة (2). ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: (قلت لابي عبد الله (ع) إلى متى يكون للحاج عمرة؟ قال: إلى السحر من ليلة عرفة) (3).


(1) الوسائل: باب 20 أقسام الحج، ح 3. (2) و (3) الوسائل: باب 20 أقسام الحج، ح 4 و 9.

[ 299 ]

وإنما ذكرنا هذه الرواية في عداد هذه الطائفة من الاخبار لان تحديد اتيان العمرة بالسحر من ليلة عرفة يقتضي الالتحاق بالناس بمنى بعد الفراغ من أعمال متعته، وكيف كان لا قائل بمضمون هذه الاخبار. ويمكن حملها على ان التحديد بادراك الناس بمنى باعتبار انه إذا لم يلتحق الحاج بمنى يفوته الموقف لبعد المسافة بين مكة وعرفات خصوصا إذا كان الحاج من الضعفاء أو كانت أمرئة ونحوها من العاجزين، وأما إذا ذهب إلى منى ليلة عرفة فيتمكن من درك الموقف. كما يمكن حملها على التقية. على أنها معارضة بصحيحة جميل والحلبي الدالتين على ان العبرة بخوف فوت الموقف والترجيج مع الصحيحتين لموافقتهما للسنة. الطائفة الثالثة: مادلت على التحديد بزوال يوم التروية أو غروبها وفي بعضها يوم التروية (1). ولكنها معارضة بما تقدم مما دل على جواز اتيان العمرة ليلة عرفة وادراك الناس بمنى، وفي بعضها ان الامام (عليه السلام) اتي باعمال العمرة ليلة عرفة (2). ومعارضة أيضا بصحيح جميل والحلبي المتقدمين الدالين على كفاية ادارك الوقوف الركني. فالمرجع حينئذ هو الاطلاقات الداله على أن من كانت وظيفته التمتع يحسب عليه اتمامه ويكتفي بالوقوف بمقدار المسمى ولا يلزم


(1) الوسائل: باب 20 أقسام الحج، ح 10 وباب 21 أقسام الحج، ح 11 و 14. (2) الوسائل: باب 20 أقسام الحج، ح 2.

[ 300 ]

[ وأيضا يصدق ادراك الموقف إذا أدركهم قبل الغروب إلا أن يمنع الصدق فان المنساق منه ادراك تمام الواجب، ويجاب عن المرفوعة والصحيحة بالشذوذ كما ادعي، وقد يؤيد القول الثالث - وهو كفاية ادراك الاضطراري من عرفة - بالاخبار الدالة على ان من يأتي بعد افاضة الناس من عرفات وادركها ليلة النحر تم حجه، وفيه ان موردها غير ما نحن فيه وهو عدم الادراك من حيث هو وفيما نحن فيه يمكن الادراك والمانع كونه في اثناء العمرة فلا يقاس بها. نعم لو اتم عمرته في سعة الوقت ثم اتفق انه لم يدرك الاختياري من الوقوف كفاه الاضطراري ودخل في مورد تلك الاخبار. ] الوقوف تمام الوقت، فمن تمكن من الوقوف الاختياري ولو في الجملة لا ينقلب تمتعه إلى الافراد ولا عبرة بالوقوف الاضطراري فتلخص من جميع ما ذكرنا: ان الاصل يقتضي عدم جواز العدول من التمتع إلى الافراد، أو القران في جميع الصور حتى إذا لم يتمكن من الوقوف الاضطراري أيضا فضلا عن الاختياري، لان الانتقال من واجب إلى واجب آخر يحتاج إلى الدليل، فإذا تمكن من درك الحج صحيحا واتيان جميع أعماله فهو والا فيبطل أو ينقلب إلى عمرة مفردة، وأما الانقلاب إلى الافراد وإجزائه عن التمتع فيحتاج إلى دليل خاص.

[ 301 ]

نعم ثبت بالدليل انه إذا خاف فوت الوقوف بعرفة بمقدار المسمى ينتقل فرضه إلى الافراد كما هو مدلول صحيح الحلبي وجميل، فلو دخل مكة معتمرا بعمرة التمتع وضاق وقته عن ادراك الموقف من عرفة حتى آنا ما يتبدل فرضه إلى الافراد، وما ذكرناه هو القدر المتيقن من الاخبار، وأما غير ذلك من الروايات فهي متضاربة في نفسها ومعارضة بصحيح جميل والحلبي المتقدمين والترجيح لهما لموافقتهما للسنة، وهي الاطلاقات الدالة على كفاية درك الموقف ولو آنا ما. على أنه يمكن حمل تلك الروايات المتضاربة على التقية وغيرها من المحامل. ومنهم من حمل الروايات على التخيير، فيعمل لجيمع الروايات مخيرا، وزعم ان هذا مما يقتضيه القاعدة بدعوى: ان العمل بالروايات إذا كان ممكنا ولو على نحو التخيير فلا مجال لتعارض والتساقط، ويرد عليه: انه ان أراد بالتخيير التخيير في المسألة الاصولية باعتبار تعارض الروايات ففيه: ان التخيير لم يثبت في تعارض الاخبار كما حققناه في محله. على ان التخيير الاصولي وظيفة المجتهد لا العامي، لان التخيير الاصولي في المقام يرجع إلى التخيير في الحجية وذلك وظيفة المجتهد فيفتي على طبق احداها مخيرا ويعمل المقلد العامي على طبق فتواه. وان أراد بالتخيير ان الجمع العرفي يقتضي ذلك كالامر بالقصر والاتمام مع العلم بانه لا تجب صلاتين في يوم واحد فحينئذ يحمل الامر في كل منهما على التخيير وترفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين، لان الامر لا يدل على الوجوب التعييني بالوضع وانما يدل عليه بالاطلاق فإذا ورد الامر بالقصر في مورد فيستفاد الوجوب منه كما يستفاد انه

[ 302 ]

[ بل لا يبعد دخول من اعتقد سعة الوقت فاتم عمرته ثم بان كون الوقت مضيقا في تلك الاخبار (1). ] تعييني بالاطلاق فإذا ورد في مورده أمر آخر بالتمام كان الحال فيه كما في الاول غير انه يرفع اليد عن اطلاق كل منهما بالآخر ونتيجة ذلك هي التخيير وهذا هو المراد من الجمع العرفي بين الامرين ولكن لا يمكن تطبيق ذلك على ما نحن فيه، لان الروايات متعارضة نفيا واثباتا ومعه كيف يمكن حمل الروايات على التخيير. وبعبارة اخرى: لو كانت الروايات مشتملة على الاثبات ووجوب شئ فقط أمكن حملها على التخيير بالبيان المتقدم، وأما إذا كانت مشتملة على الاثبات والنفي معا فلا يمكن حملها على التخيير، ونصوص المقام كذلك لقوله: في بعضها (إذا قدمت مكة يوم التروية وقد غربت الشمس فليس لك متعة) وفي بعضها (يقدم مكة ليلة عرفة قال: لا متعة له) وفي بعضها (إذا دخل يوم عرفة قال: لا متعة له) فهذه الروايات تنفي المتعة في هذا الحد وروايات اخر تدل على بقاء المتعة إلى زوال يوم عرفة كصحيح جميل والحلبي وكيف يمكن حملها على التخيير. فالمتحصل: ان الميزان في العدول إنما هو بخوف فوت الموقف الركني. (1) لو اعتقد سعة الوقت فدخل مكة متمتعا ثم بان كون الوقت مضيقا وان هذه الليلة ليلة العيد (مثلا) وفاته الموقف فهل تصح عمرته ثم يأتي بالحج، أو يعدل إلى الافراد؟.

[ 303 ]

[ ثم ان الظاهر عموم حكم المقام بالنسبة إلى الحج المندوب وشمول الاخبار له (1) فلو نوى التمتع ندبا وضاق وقته عن اتمام العمرة وادراك الحج جاز له العدول إلى الافراد وفي وجوب العمرة بعده اشكال، والاقوى عدم وجوبها. ] الظاهر صحة عمرته وحجه فيأتي بالموقف الاضطراري لعرفه وهو الوقوف ليلة العيد في عرفات، للاكتفاء في صحة الحج بالوقوف الاضطراري، والمفروض انه لم يترك الوقوف الاختياري عن غير عذر ليفسد حجه، وانما تركه عن عذر لاعتقاده سعة الوقت. وأما عدم جواز العدول فلان موضوعه الخشية وخوف فوت الموقف والمفروض ان هذا الشخص لم يكن خائفا بل كان معتقدا سعة الوقت. ويمكن ان يقرب ما ذكرنا: بان العدول إنما جاز لدرك الموقف الاختياري لاهميته، والمفروض انه قد فاته على كل تقدير عدل أو لم يعدل فادلة العدول لا تشمل المقام فيكون حجه صحيحا لدرك الموقف الاضطراري، واما ترك الاختياري فو غير ضائر إذا كان عن عذر. (1) لاطلاقها وعدم تقييدها بالواجب. وهل تجب عليه العمرة المفردة بعد العدول إلى حج الافراد واتيان مناسكه أم لا؟. اختار المصنف عدم الوجوب وهو الصحيح، وذلك لان الامر باتيان العمرة المفردة بعد الاتيان بحج الافراد الذي عدل إليه وان ورد في عدة من الروايات الآمرة بالعدول وانه يصنع كما صنعت عائشة كما

[ 304 ]

[ ولو علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن اتمام العمرة وادراك الحج قبل ان يدخل في العمرة هل يجوز له العدول من الاول إلى الافراد؟ فيه اشكال، وان كان غير بعيد (1) ] في صحيح الحلبي (1) ولكنها ليست في مقام الوجوب وإنما هي في مقام بيان ما هو عدل التمتع وان العمرة المفردة تقوم مقام عمرة التمتع وان المعدول إليه أي الواجب البدلي يقوم مقام الواجب الاصلي المبدل منه فالبدل يتبع الاصل فان كان الاصل واجبا فكذلك البدل والا فلا، فالامر باتيان المفردة ليس في مقام بيان الوجوب التعبدي وإنما هو في مقام بيان عدم فوات الوظيفة، وأما الوجوب أو الاستحباب فالاخبار ساكنة عنهما، فحينئذ يجوز له الاقتصار على اتيان أعمال الحج فقط وترك العمرة المفردة لعدم إرتباط احدهما بالاخر فان كلا من الحج والعمرة في حج الافراد عمل مستقل في نفسه. (1) جواز العدول هل يختص بمن كان جاهلا بضيق الوقت أو دخل في عمرة التمتع ثم ضاق وقته عن اتمامها، أو أنه يعم من لا يتمكن من الدخول في عمرة التمتع من الاول، كما لو علم بضيق الوقت عن اتمام العمرة وادراك الحج قبل أن يدخل في العمرة؟ استشكل المصنف (ره) في التعميم ثم لم يستبعد الجواز. لكن الظاهر هو الاختصاص إذ لا دليل على العدول فيما لو علم بضيق الوقت عن اتمام عمرة التمتع قبل الدخول فيها وروايات العدول كلها واردة في جواز العدول في الاثناء وبعد الدخول في العمرة.


(1) الوسائل: باب 21 أقسام الحج، ح 6.

[ 305 ]

[ ولو دخل في العمرة بنية التمتع في سعة الوقت وأخر الطواف والسعي متعمدا إلى ضيق الوقت ففي جواز ] وقد يقال: ان الروايات وإن كان موردها ذلك ولكن يمكن استفادة الجواز قبل الدخول أيضا بالاولوية، لان عدم العدول حينئذ يستلرم ترك الواجب وسقوط الحج عنه بالمرة لعدم تمكنه من حج التمتع ولا يجزيه غيره على الفرض. وفيه: انه لا اولوبة للتعميم لانه لو أحرم ودخل في عمرة التمتع ثم ضاق وقته عن اتمامه يكون احرامه بقاءا احراما لحج الافراد حسب النصوص الخاصة. وأما إذا علم بالضيق قبل ان يدخل في العمرة وقبل ان يحرم لها فان كان قد أخره عمدا وعصيانا حتى ضاق الوقت فقد استقر عليه حج التمتع فلابد له من الايتان بحج التمتع في السنة القادمة، وأما إذا لم يكن التأخير مستندا إلى اختياره ولم يكن متمكنا من جح التمتع من أول الامر فلا يجب عليه الحج أصلا، لان النائي إنما يجب عليه التمتع خاصة فإذا لم يكن متمكنا منه سقط عنه. وبعبارة أخرى: المكلف على قسمين النائي والقريب ووظيفة الاول هي التمتع ووظيفة الثاني الافراد ويجب على كل واحد منهما أداء وظيفته المتعينة له كالمسافر والحاضر بالنسبة إلى القصر والتمام، فان لم يكن النائي متمكنا من حج التمتع من أول الامر لا يجب عليه التمتع كما لا يجب عليه الاتيان بغيره من القسمين الاخرين، وما دل على جواز العدول إنما ورد فيمن دخل متمتعا وضاق وقته عن الاتمام ولا يشمل من لم

[ 306 ]

[ العدول وكفايته اشكال، والاحوط العدول وعدم الاكتفاء إذا كان الحج واجبا عليه (1). ] يدخل في العمرة مع ضيق الوقت عن اتمامها (1) الوجوه المحتملة في المسألة أربعة. الاول: جواز العدول بدعوى ان نصوص المقام لا تختص بالتأخير غير الاختياري بل مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين التأخير الاختياري وغيره، وشمولها للعامد وغيره وان كان العامد آثما في التأخير كما هو الحال في نظائر المقام من موارد الابدال اضطرارية، كمن أخر الصلاة عمدا حتى ضاق الوقت عن الوضوء، أو أراق الماء عمدا، فانه يجب عليه التيمم وتصح صلاته، وكذا من اخر الصلاة عمدا حتى أدرك ركعة من الوقت صحت صلاته اداءا وان أثم في التأخير، فالانقلاب بمقتضى هذه الروايات قهري. وفيه: ان مورد النصوص من كان غير متمكن في نفسه ولا يعم من كان متمكنا وجعل نفسه عاجزا عمدا. ولا يقاس المقام بباب الصلاة لعدم سقوطها بحال من الاحوال بالضرورة والنص كقوله (ع): في معتبرة زرارة الورادة في المستحاضة (لا تدع الصلاة على حال) (1) فان المستفاد من ذلك عدم سقوط الصلاه في حال من الاحوال لا من الرجال ولا من النساء: والرواية وإن كانت في مورد الاستحاضة ولكن لا يحتمل اختصاص عدم سقوط الصلاة بالنساء، فالقرينة القطعية قائمة على عدم سقوط الصلاة ولو


(1) الوسائل: باب 1 الاستحاضة، ح 5.

[ 307 ]

بتعجيز نفسه عن مقدماتها ولو لم يكن الدليل القطعي قائما في باب الصلاة لكان مقتضى القاعدة سقوطها أيضا. الثاني: انه بعد الفراغ عن عدم شمول روايات العدول للمقام فالقاعدة تقتضي اتيان أعمال عمرة التمتع ثم يأتي بالوقوف الاضطراري لعرفة وهو الوقوف ليلة العيد، أو يأتي بالوقوف الاختياري للمشعر وهو الوقوف مابين الطلوعين من يوم العيد أو الوقوف الاضطراي للمشعر وهو الوقوف بعد طلوع الشمس إلى زوال يوم العيد. وبالجملة: مقتضى القاعدة هو اتمام العمرة والاكتفاء في الحج با تقدم من احد المواقف الثلاثة ولا يضر عدم ادراك الموقف الاختياري لعرفة أو الاضطراري لعموم مادل على ان من ادراك الوقوف بالمشعر فقد تم حجة (1). وفيه: ان مادل على الاكتفاء بالوقوف الاضطراري لعرفات أو الاجتزاء بالوقوف بالمشعر وإن لم يدرك الوقوف بعرفه، خاص بما إذا كان الاضطرار حاصلا بطبعه وبنفسه، وأما إذا فوت التمكن على نفسه باختياره وعجز نفسه اختيارا فالروايات منصرفة عنه، فالقاعدة تقتضي فساد الحج ولا دليل على العدول ولا يقاس المقام بباب الصلاة إذا عجز نفسه اختيارا عن بعض مقدماتها كما عرفت. الثالث: أن يجعل عمرته مفردة الحاقا له بمن أحرم للحج ولم يدرك الوقوف بالمشعر فتبطل عمرته فقط دون احرامه، وهذا أيضا لادليل عليه. فالصحيح هو الوجه الرابع وهو الحكم ببطلان عمرته واحرامه فان


(1) الوسائل: باب 23 و 25 من الوقوف بالمشعر.

[ 308 ]

[ (مسألة 4): اختلفوا في الحائض والنفساء إذا ضاق وقتهما عن الطهر واتمام العمرة وادراك الحج على أقوال: (أحدها): ان عليهما العدول إلى الافراد والاتمام ثم الاتيان بعمرة بعد الحج لجملة من الاخبار. (الثاني): ما عن جماعة من ان عليهما ترك الطواف والاتيان بالسعي ثم الاحلال وادراك الحج وقضاء طواف العمرة بعده، فيكون عليهما الطواف ثلاث مرات مرة لقضاء طواف العمرة، ومرة للحج، ومرة للنساء، ويدل على ما ذكروه أيضا جملة من الاخبار. (الثالث): ما عن الاسكافي وبعض متأخري المتأخرين من التخيير بين الامرين للجمع بين الطائفتين بذلك. (الرابع): التفصيل بين ما إذا كانت حائضا قبل الاحرام فتعدل أو كانت طاهرا حال الشروع فيه ثم طرأ ] الاحرام الصحيح هو الاحرام المتعقب بالطواف في سنته ومع عدم التعقب ولو كان بالاختبار انكشف بطلان الاحرام من الاول، هذا ومع ذلك فالاحوط ان يأتي ببقية الاعمال بقصد الاعم من اتمامها حج أفراد أو عمرة مفردة فيأتي باعمال الحج رجاءا ثم يأتي بالطواف والسعي بقصد الاعم من حج الافراد أو عمرة مفردة، وعليه الحج من قابل إذا كان الحج واجبا عليه.

[ 309 ]

[ الحيض في الاثناء فتترك الطواف وتتم العمرة وتقضي بعد الحج، اختاره بعض بدعوى انه مقتضى الجمع بين الطائفتين بشهادة خبر أبي بصير (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول في المرئة المتمتعة إذا أحرمت وهي طاهر ثم حاضت قبل ان تقضى متعتها سعت ولم تطف حتى تطهر ثم تقضي طوافها وقد قضت عمرتها، وان أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر) وفي الرضوي: (إذا حاضت المرأة من قبل ان تحرم - إلى قوله (ع) - وان طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها فتجعلها حجة مفردة، وان حاضت بعدما احرمت سعت بين الصفا والمروة وفرغت من المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فإذا طهرت قضت الطواف بالبيت وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج وعليها طواف الحج وطواف العمرة وطواف النساء). وقيل في توجيه الفرق بين الصورتين ان في الصورة الاولى لم تدرك شيئا من أفعال العمرة طاهرا فعليها العدول إلى الافراد، بخلاف الصورة الثانية فانها أدركت بعض أفعالها طاهرا فتبني عليها وتقضي الطواف بعد الحج وعن المجلسي (قده) في وجه الفرق ما محصله: ان في الصورة الاولى لا تقدر على نية العمرة ]

[ 310 ]

[ لانها تعلم انها لا تطهر للطواف وادراك الحج بخلاف الصورة الثانية فانها حيث كانت طاهرة وقعت منها النية والدخول فيها. (الخامس): ما نقل عن بعض من انها تستنيب للطواف ثم تتم العمرة وتأتي بالحج، لكن لم يعرف قائلة. والاقوى من هذه الاقوال هو القول الاول (1) للفرقة الاولى من الاخبار التي هي ارجج من الفرقة الثانية لشهرة العمل بها دونها، وأما القول الثالث وهو التخيير فان كان المراد منه الواقعي، بدعوى كونه مقتضى الجمع بين الطائفتين، ففيه انهما يعدان من المتعارضين والعرف لا يفهم التخيير منهما والجمع الدلالي فرع فهم العرف من ] (1) اختلف الاصحاب في الحائض والنفساء إذا منعهما عذرهما عن التحلل وانشاء الاحرام بالحج لضيق وقتهما عن ذلك على أقوال: الاول: وهو المشهور والمعروف بين الاصحاب بل أدعى عليه الاجماع، انها تعدل إلى حج الافراد وتذهب إلى عرفات وتأتي بجميع المناسك، ثم تأتي بعمرة مفردة بعد الحج. الثاني: ان تأتي باعمال عمرة التمتع ولكن تترك الطواف والصلاة وتسعى وتقصر، ثم تحرم بالحج وتقضي طواف العمرة فعليها الطواف ثلاث مرات مرة لقضاء طواف العمرة، ومرة للحج، ومرة لطواف النساء، وقد نسب هذا القول إلى علي بن بابويه وأبي الصلاح.

[ 311 ]

[ ملاحظة الخبرين ذلك، وان كان المراد التخيير الظاهري العملي فهو فرع مكافأة الفرقتين والمفروض ان الفرقة الاولى أرجج من حيث شهرة العمل بها، وأما التفصيل المذكور فهو هون بعدم العمل، مع ان بعض اخبار القول ] الثالث: ما عن الاسكافي والسيد في المدراك من التخيير بين القولين المتقدمين بدعوى ان ذلك مقتضى الجمع بين النصوص. الرابع: التفصيل بين ما إذا كانت حائضا قبل الاحرام فتعدل، وبين اما إذا طرء الحيض اثناء الاحرام فتترك الطواف ولكن تسعى وتقصر ثم تحرم بالحج وتقضي طواف العمرة بعد الحج، اختاره الكاشاني وصاحب الحدائق. الخامس: انها تستنيب للطواف ثم تتم العمرة وتأتي بالحج. ولكن الظاهر انه لا قائل به بل لاوجه له لان الروايات الورادة في المقام بين الآمرة بالعدول وبين الآمرة باتمام العمرة وقضاء طواف العمرة بعد اعمال الحج، ولا يستفاد الاستنابة من شئ منها. ولعل القائل بالاستنابة يرى ان الروايات باسرها متعارضة ومتساقطة ولا مجال للرجوع إليها، فالمتبع حينئذ القاعدة وهي تقتضي الاستنابة لان الطواف واجب على كل معتمر بان يطوف هو بنفسه أو يطاف عنه فان لم يتمكن من الاولين ينتقل الامر إلى الطواف عنه، فيتم عمله ولو باتيان بعض اجزائه نيابة، وأما العدول إلى الافراد يحتاج إلى الدليل والمفروض عدمه، واتيان العمرة الناقصة بدون الطواف لادليل عليه أيضا.

[ 312 ]

[ الاول ظاهر في صورة كون الحيض بعد الدخول في الاحرام نعم لو فرض كونها حائضا حال الاحرام وعلمت بانها لا تطهر لادراك الحج يمكن ان يقال يتعين عليها العدول إلى الافراد من الاول، لعدم فائدة في الدخول في العمرة ثم العدول إلى الحج وأما القول الخامس فلا وجه له ولا له قائل معلوم. ] وهذا القول وان كان على طبق القاعدة الا انه إنما يتم على تقدير تساقط الروايات وعدم امكان الرجوع إليها. ولكن الامر ليس كذلك فان طائفة من الروايات سليمة من التعارض فهذا القول ساقط، وأما ساير الاقوال فيظهر حالها كما يظهر الصحيح منها من ذكر الروايات وما يستفاد منها. فيقع البحث في مقامين: أحدهما: إذا كانت المرأة حائضا من أول الامر، أي: حال الاحرام وحين الشروع فيه ويمتد حيضها إلى اوان الحج، وأما لو فرض انتهاء حيضها قبل الوقوفين بحيث تتمكن من اتمام العمرة والوقوفين بعد حصول طهرها فلا كلام في عدم جواز العدول لها بل المتعين عليها التمتع. ثانيهما: ما إذا طرء الحيض بعد الاحرام وفي اثنائه. أما المقام الاول: فوظيفتها العدول إلى حج الافراد، ويدل على ذلك اطلاق صحيح جميل، قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن

[ 313 ]

المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية، قال تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال أبن أبى عمير: كما صنعت عائشة) (1) فانه واضح الدلالة على العدول إلى الافراد سواء حدث الحيض قبل الاحرام أو في أثنائه. ويدل عليه في خصوص حدوث الحيض قبل الاحرام، صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) (قال: ان اسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر بالبيداء لا ربع بقين من ذي القعدة في حجة الواداع فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاغتسلت واحتشت واحرمت ولبت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واصحابه فلما قدموا مكة لم تطهر حتى نفروا من منى وقد شهدت المواقف كلها عرفات وجمعا ورمت الجمار ولكن لم تطف بالبيت ولم تسع بين الصفا والمروة فلما نفروا من منى أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله فاغتسلت وطافت بالبيت وبالصفا والمروة، وكان جلوسها في أربع بقين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة وثلاث أيام التشريق) (2) فانها صريحة الدلالة على العدول وان وظيفتها الافراد، والمفروض فيها حدوث النفاس قبل الاحرام، نعم مقتضاها ان مدة النفاس ثمانية عشر يوما فتكون هذه الصحيحة من جملة الروايات الدالة على ان مدة النفاس ثمانية عشر يوما كما هو أحد الاقوال في المسألة، ولكن المختار عندنا ان مدة النفاس كمدة الحيض، فالرواية من هذه الجهة


(1) الوسائل: باب 21 أقسام الحج، ح 2. (2) الوسائل: باب 49 الاحرام، ح 1.

[ 314 ]

غير معمول بها ولا يضر ذلك بالاستدلال بها للجهة التي نحن فيها. وأوضح منها دلالة صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) (ان اسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة أن تحتشى بالكرسف والخرق، وتهل بالحج فلما قدموا وقد نسكوا المناسك وقد أتى لها ثمانية عشر يوما فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك) (1) فانها صريحة في انه (صلى الله عليه وآله) أمرها بالحج من أول الشروع في الاحرام من ذي الحليفة. ويؤيد ما ذكرنا خبر ان لابي بصير (وان هي أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر) (2) والمراد منه انها تذهب إلى عرفات قبل الطواف والسعي وتأتي بالمناسك كلها ثم بعد حصول الطهر تطوف وتسعى وهذا هو حج الافراد ولكنهما ضعيفان أحدهما بسهل ابن زياد والثاني بالارسال، ونحوهما الفقه الرضوي. والعمدة الصحاح المتقدمة، ولم يرد في مجموع روايات المقام اتمام عمرتها بدون الطواف وقضائه بعد الحج إذا كانت حائضا من حين الشروع في الاحرام، فلا موجب لرفع اليد عن الصحاح أصلا، فلا وجه للتخيير كما لاوجه للتأخير وقضاء الطواف، واطلاق صحيح جميل لا مقيد له وصحيحا معاوية بن عمار وزرارة لا معارض لهما. وبالجملة: المستفاد منها ان وظيفة المحرمة الحائض التي لا تتمكن


(1) الوسائل: باب 91 الطواف، ح 1. (2) الوسائل: باب 84 الطواف، ح 5.

[ 315 ]

من اتمام عمرتها وادراك الحج، هي حج الافراد مطلقا سواء كانت ناوية للمتمتع من أول الامر لزعمها انتهاء الحيض قبل الموقف ثم تبين استمرار حيضها إلى ما بعد الموقف أو كانت عالمة من الاول باستمرار حيضها إلى ما بعد الموقف فطبعا تنوى الافراد من الاول، كما ان المتفاهم من قضية اسماء ان حج الافراد إنما وجب عليها لاجل النفاس بحيث لو لا نفاسها كانت وظيفتها التمتع فيستفاد من ذلك حكم كلي شرعي للنفساء من دون نظر إلى خصوص المورد: ويؤكد ذلك ما في صحيح العيص المشتمل على قضية اسماء وان ولادتها كانت بركة للنساء (1) فيعلم ان الحكم غير مختص بمورده. المقام الثاني: وهو ما إذا طرء الحيض اثناء الاحرام، والروايات فيه على طائفتين. الطائفة الاولى: تدل على ان وظيفتها حج الافراد وهي صحيح جميل المقدم فانه باطلاقه يدل على ذلك. ومصحح اسحاق بن عمار، عن أبي الحسن (ع) قال: (سألته عن المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل ان تطوف بالبيت حتى تخرج إلى عرفات قال: تصير حجة مفردة، قلت: عليها شئ؟ قال: دم تهريقه وهي اضحيتها) (2) فانه صريح الدلالة على العدول إلى الافراد في الحيض الطارئ اثناء الاحرام. الطائلة الثانية: تدل على أن وظيفتها التمتع لكنها تؤخر الطواف إلى ما بعد الوقوفين وهي صحيح العلاء بن صبيح وجماعة معه عن أبي


(1) الوسائل: باب 49 الاحرام، ح 2. (2) الوسائل: باب 21 أقسام الحج، ح 13.

[ 316 ]

عبد الله (ع) قال: (المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها وبين التروية، فان طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة، وان لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت ثم سعت بين الصفا والمروة ثم خرجت إلى مني، فإذا قضت المناسك وزارت بالبيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها، ثم طافت طوافا للحج ثم خرجت فسعت فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شئ يحل منه المحرم الا فراش زوجها فإذا طافت طوافا آخر حل لها فراش زوجها) (1) فعليها بعد اداء المناسك ثلاثة اطواف، طواف العمرة، وطواف الحج وطواف النساء، ونحوها صحيحة عجلان أبي صالح قال: سألت أبا عبد الله (ع) (عن امرأة متمتعة قدمت مكة فرأت الدم، قال: تطوف بين الصفا والمروة، ثم تجلس في بيتها فان طهرت طافت بالبيت، وإن لم تطهر فإذا كان يوم التروية أفاضت عليه الماء وأهلت بالحج من بيتها، وخرجت إلى منى وقضت المناسك كلها، فإذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين ثم سعت بين الصفا والمروة، فإذا فعلت ذلك فقد حل لها كل شئ ماخلا فراش زوجها (2) وغيرهما من الروايات المعتبرة وهي صريحة في بقائها على عمرتها وحجتها فيما إذا كان الحيض طارئا اثناء الاحرام، وانها تطوف طواف العمرة والحج بعد قضاء المناسك فيتحقق التعارض بين الطائفتين، لان مقتضى الطائفة الثانية تعين التمتع عليها وتأخير الطواف إلى ما بعد اعمال الحج، ومقتضى الطائفة الاولى


(1) الوسائل: باب 84 الطواف، ح 1. (2) الوسائل: باب 84 الطواف، ح 2.

[ 317 ]

كموثقة اسحاق بن عمار المتقدمة تعين الافراد عليها ولزوم العدول إليه عليها، وحيث نعلم بعدم وجوبهما معا عليها فالقاعدة تقتضي رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين، فان الوجوب التعييني لا يستفاد من الظهور اللفظي، وإنما يستفاد من الاطلاق وعدم ذكر العدل للواجب بحرف (أو) ونحو ذلك، فلابد من رفع اليد عن اطلاق كل منهما في التعيين بصراحة الاخر في الوجوب، ونتيجة ذلك هي التخيير بين الامرين بمقتضى الجمع العرفي بين الروايات كما هو الحال في نظائر المقام. فالمستفاد من مجموع الروايات هو التفصيل بين ما كان الحيض حادثا قبل الاحرام وضاق وقتها عن اتمام العمرة وادراك الحج فتحرم الحج الافراد وبين ما إذا طرء الحيض اثناء الاحرام قبل اتمام العمرة فتتخير بين العدول إلى الافراد وبين ان تبقى على عمرتها وتأتي بجميع أعمال عمرة التمتع عدى الطواف ثم تحرم للحج وتأتي باعماله ثم تأتي بطواف عمرة التمتع قضاءا وطواف الحج وطواف النساء. ويؤيد ما ذكرناه من عدم تعين الافراد عليها وجواز التمتع لها بخبري أبي بصير، قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول في المراة المتمتعة إذا أحرمت وهي طاهر ثم حاضت قبل ان تقضي متعتها سعت ولم تطف حتى تطهر ثم تقضي طوافها وقد تمت متعتها، وان هي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر) (1) الا ان أحدهما ضعيف بسهل بن زياد والاخر بالارسال. وملخص الكلام في هذه المسألة ان الروايات الواردة في المقام على


(1) الوسائل: باب 84 الطواف، ح 5.

[ 318 ]

أقسام: فمنها: مادل على وجوب العدول إلى حج الافراد مطلقا كصحيحة جميل ومنها: مادل على وجوب العدول عند حدوث الحيض قبل الاحرام كصحيحة معاوية بن عمار وصحيحة زرارة. ومنها: مادل على ترك الطواف والاتيان بالسعي والتقصير وقضاء الطواف بعد ذلك فيما إذا حدث الحيض بعد الاحرام كصحيحتي العلاء وعجلان أبي صالح. ومنها: ما دل على العدول إلى حج الافراد في هذه الصورة أيضا كمصحح اسحاق بن عمار. أما القسم الاول: فلا مقيد له فيما كان الحيض من الاول، كما ان القسم الثاني ليس له معارض، فيتعين القول بوجوب العدول إلى حج الافراد من أول الامر. وأما القسم الثالث: فبازائه القسم الرابع حيث ان مقتضى أحدهما العدول ومقتضى الاخر اتمام العمرة بدون طواف وقضاؤه بعد ذلك فان بنيننا على انهما متعارضان وليس بينهما جمع عرفي فيتساقطان لا محالة فيكون المرجع اطلاق صحيحة جميل الدالة على وجوب العدول مطلقا فيتم ما ذهب إليه المشهور، وأما إذا بنيننا على ان اطلاق كل منهما يقيد بنص الاخر كما هو الصحيح فتكون النتيجة هو التخيير فيقيد بذلك اطلاق صحيحة جميل. فالنتيجة ان الحيض إذا كان قبل الاحرام كانت الوظيفة حج الافراد وإذا طرء بعد الاحرام كانت الوظيفة هي التخيير.

[ 319 ]

بقي في المقام شئ وهو انه ربما يظهرمن بعض النصوص عدم امكان التخيير لها وعدم مشروعية المتعة لها كما في صحيحة ابن بزيع (عن المراة تدخل مكة متمتعة قبل ان تحل متى تذهب متعتها؟ قال: كان جعفر (ع) يقول: زوال الشمس من يوم التروية إلى ان قال: إذ زالت الشمس، (أي من يوم التروية) ذهبت المتعة، فقلت: فهي على احرامها أو تجده احرامها للحج؟ فقال: لا هي على احرامها) (1) فان المتفاهم من قوله: (ذهبت المتعة) ان المتعة غير ثابتة وغير مشروعة في حقها. وكذا صحيح مرازم (المتمتع يدخل ليلة عرفة مكة أو المرأة الحائض متى يكون لها المتعة؟ قال: ما ادركوا الناس بمنى) (2) أي ليلة عرفة الاستحباب الذهاب إلى منى ليلة عرفة ثم الذهاب إلى عرفة. والمستفاد منه انها لو لم تدرك الحائض الناس بمنى لاتشرع لها المتعة فيقع التعارض بين هاتين الروايتين وما دل على التخيير فالمتبع حينئذ اطلاق صحيح جميل الدال على العدول إلى الافراد مطلقا. ولكن الظاهر ان الامر ليس كذلك ولا تعارض في البين، وذلك فان الصحيحتين لانظر لهما إلى عدم تمكن الحائض من الطواف لاجل


(1) الوسائل: باب 21 أقسام الحج، ح 4. (2) الوسائل: باب 20 أقسام الحج، ح 14.

[ 320 ]

حيضها بل تنظران إلى ضيق وقت الحج بزوال الشمس يوم التروية أو بآخر زمان يمكن فيه ادراك الناس بمنى فلا تشرع المتعة بعد ذلك، فلو فرضنا ان الحائض قد سعت قبل زوال الشمس من يوم التروية واخرت طوافها إلى ما بعد الوقوفين على مادلت عليه صحيحتا العلاء وعجلان فالصحيحتان لا تدلان على بطلان ذلك بل ان مقتضى صحيح ابن بزيع ان المرأة إذا حاضت يوم التروية بعد صلاة الطواف فزالت الشمس فلا متعة لها كما ان مقتضى صحيح مرازم ان الحائض إذا طهرت وطافت وصلت ولكنا لا تدرك الناس بمنى إذا سعت انه لامتعة لها وينقلب حجها إلى الافراد، فلا فرق بين من عليها السعي فقط ومن عليها الطواف والسعي وحينئذ فاطلاقهما يقتضي ثبوت ذلك حتى إذا كانت متمكنة من الاتيان بالوظيفة بعد ظهر يوم التروية أو ليلة عرفة وأمكنها اللحوق بالناس في عرفات فيعارض مادل على جواز الطواف واتيان عمرة التمتع مادام يمكن لها درك الموقف. فلا بد من حمل الصحيحين على التقية، وان رفعنا اليد عن الاطلاق وقيدناه بعدم تمكن الحائض من الوقوف إذا لم تذهب يوم التروية إلى متى كان حال الحائض حال سائر الناس فان العبرة في جواز تكميل عمرة التمتع وعدمه بدرك الموقف وعدمه كما في صحيح جميل وصحيح الحلبي المتقدمين (1) فلو فرضنا انها لا تتمكن من الموقف إذا أتمت عمرتها فطبعا تذهب متعتها، وعلى كل تقدير فلا تعرض في الصحيحتين لحكم الحائض من جهة عدم تمكنها من الطواف الذى هو محل الكلام


(1) الوسائل: باب 20 أقسام الحج ح 15 وباب 21 أقسام الحج ح 6.

[ 321 ]

[ (مسألة 5): إذا حدث الحيض وهي في أثناء طواف عمرة التمتع فان كان قبل اتمام أربعة أشواط بطل طوافها على الاقوى، وحينئذ فان كان الوقت موسعا أتمت عمرتها بعد الطهر، والا فلتعدل إلى حج الافراد وتأتي بعمرة مفردة بعده، وان كان بعد تمام أربعة أشواط فتقطع الطواف وبعد الطهر تأتي بالثلاثة الاخرى وتسعي وتقصر مع سعة الوقت ومع ضيقة تأتي بالسعي وتقصر ثم تحرم للحج وتأتي بافعاله ثم تقضي بقية طوافها قبل طواف الحج أو بعده ثم تأتي ببقية أعمال الحج وحجها صحيح تمتعا، وكذا الحال إذا حدث الحيض بعد الطواف وقبل صلاته (1). ] (1) هذه المسألة لها صور: الاولى: ان يطرء الحيض قبل اتمام اربعة أشواط مع سعة الوقت للاستيناف، فالمشهور فيها البطلان ولزوم الاستيناف. واستدل على ذلك بعدة روايات. منها: ما رواه الصدوق باسناده عن ابن مسكان عن ابراهيم بن اسحاق عمن سأل أبا عبد الله (ع) عن أمراة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثم طمثت، قال: تم طوافها وليس عليها غيره، ومتعتها تامة ولها ان تطوف بين الصفا والمروة لانها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، وان هي لم تطف الا ثلاثة أشواط

[ 322 ]

فلتستأنف الحج فان أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر) (1). ورواه الشيخ عن أبي عبد الله (ع) باختلاف يسير عن ابراهيم ابن أبي اسحاق عن سعيد الاعرج إلى قوله: (فلتستأنف بعد الحج) والرواية بكلا طريقيها ضعيفة، فان ابراهيم الواقع في السند إن كان هو النهاوندي فهو ضعيف وان كان غيره فمجهول، على ان الطريق الاول فيه ارسال والطريق الثاني فيه محمد بن سنان، هذا مضافا إلى انها لاتدل على بطلان الاشواط الثلاثة وعدم جواز اتمامها بأربعة أشواط بعد الطهر فيما إذا تمكنت من ذلك بل هي تدل على وجوب العدول إلى الحج وموردها من لا يتمكن من الطواف قبل الحج وهو خارج عن محل الكلام كما هو المفروض في الرواية فيمن حاضت بعد اربعة أشواط ومنها: ما رواه الشيخ باسناده عن أبي اسحاق صاحب اللؤلؤ، قال: حدثني من سمع أبا عبد الله (ع) يقول: في المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثم حاضت فمتعتها تامة، وتقضي ما فاتها من الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وتخرج إلى منى قبل ان تطوف الطواف الاخر) (2). ورواه الشيخ الكليني عن اسحاق بياع اللؤلؤ إلى قوله: (فمتعتها تامة) فان الرواية تدل على عدم تمامية المتعة لها إذا طافت أقل من اربعة اشواط ولكنها ضعيفة بابي أسحاق صاحب اللؤلو كماعن


(1) الوسائل: باب 85 الطواف، ح 4. (2) الوسائل: باب 86 الطواف، ح 2.

[ 323 ]

الشيخ وباسحاق بياع اللؤلؤ كما عن الكليني، وبالارسال، على ان موردها أيضا من لا تتمكن الطواف قبل الحج فلا دلالة لها على فساد الاشواط الثلاثة وعدم جواز اتمامها بعد الطهر إذا أمكنها ذلك. ومنها: ما رواه الشيخ الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عمن ذكره عن احمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طافت خمسة اشواط ثم اعنلت؟ قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها ان تستأنف الطواف من أوله) (1) ومنها: ما رواه الشيخ الكليني بسنده عن أبى بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت وبين المفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، فان هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليهاأ تستأنف؟ الطواف من أوله) (2) وهذه الرواية وان كانت دلالتها على بطلان الطواف ظاهرة، إلا انها ضعيفة فان في سندها سلمة بن الخطاب ولم تثبت وثاقته وقال النجاشي انه ضعيف في حديثه. وذهب الشيخ الصدوق (ره) إلى الصحة وجواز اتمام الطواف بعد الطهر والاغتسال قال في الفقيه: وروى حريز عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة طافت ثلاثة أطواف أو أقل من ذلك ثم رأت دما فقال: تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت منه


(1) الوسائل: باب 85 الطواف، ح 2. (2) الوسائل: باب 85 الطواف، ح 1.

[ 324 ]

واعتدت بما مضي: وروى العلا عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) مثله. قال مصنف هذا الكتاب، (رضي الله عنه): وبهذا الحديث افتى دون الحديث الذي رواه ابن مسكان عن ابراهيم بن اسحاق عمن سأل أبا عبد الله (ع) لان هذا الحديث اسناده منقطع والحديث الاول رخصة ورحمة واسناده متصل. انتهى (1). أقول: الرواية التي تمسك بها الشيخ الصدوق (ره) وإن كانت صحيحة ولا يعارضها ما تقدم من الروايات الضعيفة الا انها لم ترد في طواف الفريضة وإنما هي مطلقة فترفع اليد عن اطلاقها وتحمل على النافلة. قال الشيخ (قده) بعد ذكره لصحيحة محمد بن مسلم مع اختلاف يسير: أنه محمول على النافلة لا ناقد بينا فيما مضى ان طواف الفريضة متى نقص عن النصف يجب على صاحبه استينافه من أوله ويجوز له في النافلة النباء عليه وفيه غنى ان شاء الله (2). توضيح ذلك: انه قد تقدم انه متى نقص طواف الفريضة عن النصف واحدث الطائف وخرج ليتوضأ بطل طوافه بخلاف النافلة، وهذا يقتضي البطلان بحدوث الحيض لا محالة، على ان الحائض لا تخلو أيام حيضها من سائر الاحداث فإذا تحمل الرواية على النافلة وكان الحكم بالبطلان على ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح، هذا ولو فرضنا ان الصحيحة كانت معارضة لتلك الروايات فيما ان الطواف عمل واحد


(1) الفقيه: ج 2 ص 241. (2) التهذيب: ج 5 ص 397.

[ 325 ]

وتعتبر فيه الموالاة فلا مناص عن القول بالبطلان ولاسيما إذا كان الفصل بأيام كما هو المفروض في المقام. هذا ومع ذلك فالاحوط هو الاتمام بعد الطهر والاتيان بطوف كامل ويكفي في الاحتياط الاتيان بطواف كامل بقصد الاعم من الاتمام والتمام. الصورة الثانية: ان يطرء الحيض قبل اتمام أربعة أشواط ولم يسع الوقت لاتمام الطواف بعد الطهر أو استينافه، وهذا يدخل في المسألة السابقة فتعدل إلى الحج الافراد على المشهور، وتتخير بينه وبين اتمام العمرة بدون طواف وتقضي الطواف بعد رجوعها إلى مكة وبعد الموقفين على المختار، ولا فرق في ذلك بين القول بجواز؟ فصل الحيض بين الاشواط وعدمه، فان جواز الفصل في نفسه لا يقتضي جواز تأخير بعض الاشواط عن الوقوفين مع عدم دليل على ذلك وحيث لادليل في المقام فيتعين العدول إلى الافراد أو التخيير بينه وبين اتمام العمرة من دون طواف وقضائه بعد ذلك ولكن ظاهر كلام الصدوق (ره) هو جواز الاتمام في هذه الصورة ايضا، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه. الصورة الثالثة: ان يطرء الحيض بعد اكمال الشوط الرابع، والمشهور فيها صحة الطواف والعمرة فتتم طوافها بعد الطهر قبل الحج في سعة الوقت وبعد الوقوفين والرجوع إلى مكة مع ضيق الوقت وعدم امكان الاتمام قبل الحج، وعن الحلي (ره) بطلان الطواف بحدوث الحيض في هذه الصورة أيضا، وقيل: انه تبعه على ذلك بعض المتأخرين. واستدل للمشهور بما دل على ان المرأة إذا حاضت بعد أربعة أشواط فقد تمت متعتها، لكنك قد عرفت ان مادل على ذلك ضعيف

[ 326 ]

السند ولا اساس للقول بانجبار ضعف السند بقول المشهور، وعليه فالقول بالبطلان هو الصحيح، فان الطواف كما عرفت عمل واحد يعتبر فيه الموالاة ومع الفصل بين الاشواط ولاسيما إذا كان الفصل بأيام يحكم بالبطلان لا محالة، وعليه فان كان الوقت واسعا استأنفت الطواف بعد الطهر وأتمت عمرتها وان كان ضيقا ولو من جهة انها لا تطهر إلى آخر زمان يمكن فيه الخروج إلى الحج فهذا يدخل في المسألة السابقة والمختار فيها عندنا هو التخيير على ما عرفت ولكن الاحوط في الفرض الاول وفي هذا الفرض ان تجمع بين الاتمام والتمام كما مر. هذا كله فيما إذا حاضت المرأة في اثناء الطواف، وأما إذا حاضت بعد الطواف وقبل صلاته، فلا ينبغي الريب في صحة طوافها فانه لو قيل بان حدوث الحيض بعد اربعة أشواط لا يوجب البطلان ويجوز لها الاتيان ببقية الاشواط بعد اعمال الحج فالحكم بالصحة في المقام اولى لان كلا منهما عمل مستقل، وان لم نقل بذلك كما هو المختار عندنا فمقتضى القاعدة أيضا الصحة إذ لا موجب لبطلانه بالحيض اللاحق نعم يتحقق الفصل بين الطواف والصلاة ولا بأس به إذا كان غير اختياري لها كما إذا عجز الطائف من الصلاة لمانع آخر كالمرض والكسر ونحوهما، فتأتي بالصلاة بعد ارتفاع الحيض ثم تأتي بأعمال الحج هذا إذا كان الوقت واسعا وان لم يسع الوقت فتسعى وتقصر وتصلي بعد رجوعها إلى مكة، كما هو الحال في قضاء الطواف. وأما احتمال العدول إلى الافراد فساقط جزما لان أدلة العدول وردت فيمن لا يتمكن من الطواف لا الصلاة. ويكفينا في الحكم بالصحة صحيح زرارة، قال: سئلته عن امرأة

[ 327 ]

طافت بالبيت فحاضت قبل ان تصلي الركعتين، فقال: ليس عليها إذا طهرت الا الركعتين وقد قضت الطواف) (1) ونحوها صحيح معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت قبل ان تسعى، قال: تسعى) (2) ومورده وان كان حدوث الحيض قبل السعي ولكن اطلاقه يشمل قبل الصلاة وبعدها ويؤيدهما رواية أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثم حاضت قبل ان تصلى الركعتين، قال: إذا طهرت فلتصل ركعتين عند مقام ابراهيم وقد قضت طوافها) (3) وقوله: (ليس عليها الا الركعتين) في صيحح زرارة ظاهر في ان الطواف طواف الفريضة. والمتحصل: ان الطواف لا يبطل بالحيض الطارئ بعده ولا يضر الفصل بايام بينه وبين صلاته فان كان الوقت واسعا تصلي بعد الطهر قبل السعي لعدم الدليل على جواز تأخيرها عن السعي مع التمكن وان كان ضيقا فتسعى وتصلى بعد رجوعها إلى مكة بعد الوقوفين. ثم ان المصنف (قده) ذكر انها تقضي بقية طوافها قبل طواف الحج أو بعده، ولكن مقتضى صحيح العلاء (4) انها تطوف أولا طوافا لعمرتها ثم تطوف طوافا للحج ثم طواف النساء. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


(1) الوسائل: باب 88 الطواف، ح 1. (2) الوسائل: باب 89 الطواف، ح 1. (3) الوسائل: باب 88 الطواف، ح 2. (4) الوسائل: باب 84 الطواف، ح 1.

[ 328 ]

[ " فصل: في المواقيت " وهي المواضع المعينة للاحرام أطلقت عليها مجازا أو حقيقة متشرعية، والمذكور منها في جملة من الاخبار خمسة وفي بعضها ستة، ولكن المستفاد من مجموع الاخبار أن المواضع التي يجوز الاحرام منها عشرة: - (أحدها): ذو الحليفة، وهي ميقات أهل المدينة ومن يمر على طريقهم، وهل هو مكان فيه مسجد الشجرة أو نفس المسجد؟ قولان، (1) وفي جملة من الاخبار أنه ] (1) ذكر المصنف (قده) عشرة مواقيت، الخمسة الاول منها تختص بمن كان بعيدا عن مكة بمسافة معينة، سنتعرض إليها (إن شاء الله تعالى) وهذه المواقيت مسلمة لا كلام فيها. وأما الخمسة الباقية فلهم فيها بحث سنذكر كلا منها في محله. الاول: ذو الحليفة وقد أتفقت كلمة الفقهاء في أنه ميقات أهل المدينة ومن يمر على طريقهم، وللروايات في ذلك متظافرة. منها: صحيحة الحلبي (ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة) (1).


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 3.

[ 329 ]

إنما الكلام في ان الميقات المكان الذي فيه المسجد أو نفس المسجد؟. ومنشأ الاختلاف اختلاف الاخبار. ففي بعضها أنه ذو الحليفة وفي بعضها انه الشجرة، وفي بعضها أن ذو الحليفة هو مسجد الشجرة، وذكر المتن ان الاحوط الاقتصار على نفس المسجد لحمل المطلق - وهو ذو الحليفة - على المقيد - وهو المسجد -. أقول: لو كان الامر كما ذكره المصنف (عليه الرحمة) من تعيين مسجد الشجرة ميقاتا في الاخبار، فما ذكره من حمل المطلق على المقيد هو الصحيح، لان ذا الحليفه إن كان إسما لنفس المسجد فالامر واضح وان كان المراد بذي الحليفة المكان الذي فيه المسجد فليس المراد بالاحرام منه الاحرام من كل جزء من أجزاء تلك البقعة، بل المراد جواز الاحرام من أي مكان من تلك البقعة سواء أكان من نفس المسجد أو من خارجه وحواليه، فإذا ورد دليل على لزوم الاحرام من نفس المسجد تكون نسبته إلى الاول نسبة المقيد إلى المطلق. هذا ولكن الامر ليس كذلك فان المذكور في الاخبار ذو الحليفة وفي بعضها الشجرة ولا يبعد أن تكون الشجرة اسما لذي الحليفة فيكون لهذا المكان اسمان أحدهما ذو الحلفية والاخر الشجرة ولم يرد في شئ من الروايات الامر بالاحرام من مسجد الشجرة أو انه الميقات ليكون مقيدا فيحمل المطلق عليه كما يدعيه المصنف، بل الوارد فيها ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهي

[ 330 ]

[ هو الشجرة، وفي بعضها أنه مسجد الشجرة، وعلى أي حال فالاحوط الاقتصار على المسجد، إذ مع كونه هو المسجد فواضح ومع كونه مكانا فيه المسجد فاللازم حمل المطلق على المقيد، لكن مع ذلك الاقوى جواز الاحرام من خارج المسجد ولو اختيارا وان قلنا: ان ذا الحليفة هو المسجد، وذلك لان مع الاحرام من جوانب المسجد يصدق الاحرام منه عرفا إذ فرق بين الامر بالاحرام من المسجد أو بالاحرام فيه، هذا مع امكان دعوى ان المسجد حد للاحرام فيشمل جانبه مع محاذاته، وإن شئت فقل: المحاذاة كافية ولو مع القرب من الميقات. ] الشجرة، كما أنه ورد فيها: أن ذا الحليفة هو مسجد الشجرة (1) فلا موضوع لحمل المطلق على المقيد. نعم ورد في رواية واحدة ضعيفة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحرم من مسجد الشجرة (2) ولكنها غير دالة على انه صلى الله عليه وآله عينه ميقاتا وإنما تحكي فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنه أحرم من نفس المسجد ولا ريب في جواز ذلك ز، فلا تدل هذه الرواية على قصر الميقات بالمسجد خاصة فالروايات الدالة على أن الميقات ذو الحليفة باقية على اطلاقها وسالمة من التقييد.


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 3 و 7. (2) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 13.

[ 331 ]

ولاثبات ما نقول لا بدلنا من استعراض الاخبار وهي. صحيح معاوية بن عمار وجاء فيه (ووقت لاهل المدينة ذا الحليفه) (1). وفي صحيح الحلبي جعل الميقات الشجرة (من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟) (2). وفي صحيح ابن سنان (فيكون حذاء الشجرة) (3). وفي صحيح ابراهيم بن عبد الحميد (يعني الاحرام من الشجرة) (4) والملاحظ من هذه الاخبار ان المذكور فيها ذو الحليفة والشجرة ومن ذلك يظهر انهما اسمان لمكان واحد. أما التعبير بمسجد الشجرة فلم يرد إلا في رواية واحدة دلت على أنه صلى الله عليه وآله أحرم من مسجد الشجرة وهو لا يدل على تعيينه ميقانا - كما بينا - مضافا إلى ضعف سندها بالارسال إلا أنه مع ذلك كله لابد من الاحرام من مسجد الشجرة وإعتباره ميقاتا لروايتين. الاولى صحيحة علي بن رئاب (فقال: (ع) أن رسول الله صلى الله عليه وآله) وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة) (5) الثانية: صحيحة الحلبي (ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 2. (2) الوسائل: باب 6 من المواقيت ح 3. (3) الوسائل: باب 7 من المواقيت ح 1. (4) الوسائل: باب 8 من المواقيت ح 1. (5) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 7.

[ 332 ]

مسجد الشجرة) (1) فمدلول صحيح ابن رئاب ان ذا الحليفة والشجرة اسمان لموضع واحد، ومدلول صحيح الحلبي ان ذا الحليفة هو مسجد الشجرة فضم الروايات بعضها إلى بعض يقتضي كون الميقات نفس المسجد ولا داعى لحمل المطلق على المقيد. وهل يجب الاحرام من نفس المسجد أو يجوز من خارجه؟ الظاهر هو الثاني، لان المسجد أخذ مبدء لا ظرفا ومعنى المبدأ على ما صرح به في صحيح الحلبي وغيره هو المنع من الاحرام قبل الوصول إليه أو بعده قال: (ع) (لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها) (2). وأما لزوم الاحرام من نفس المسجد فلا يستفاد من الروايات فلو أحرم من خارج المسجد لاقبله ولا بعده صح احرامه لصدق كون مبدء احرامه من المسجد ولا يلزم الدخول في المسجد نظير ما يقال: ركضت من دار فلا إلى المكان الفلاني فانه يصدق على من ابتدأ الركض من خارج الدار وما حواليها ولا يلزم الابتداء، بالركض من داخل الدار هذا ولا يبعد ان يكون مسجد الشجرة اسما لمتطقة؟ فيها المسجد كما هو كذلك في بلدة (مسجد سليمان) لاأسما لنفس المسجد، فمجموع المضاف والمضاف إليه أسم لهذه البقعة من الارض فهذه البعقة لها اسمان احدهما ذو الحليفة والآخر مسجد الشجرة. هذا كله بالنسبة إلى أهل المدينة. وأما المار بذي الحليفة فحكمه حكم أهل المدينة، بمعنى: أن ذا


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 3. (2) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 3.

[ 333 ]

الحليفة ميقات لاهل المدينة ولكل من يمر على طريقهم، وان لم يكن من أهل المدينة فلا يختص ذو الحليفة باهل المدينة، ويدل على ذلك طائفتان من الروايات الاولى: الروايات العامة (1) الدالة على تعيين المواقيت وانه ليس لاحد ان يمر عنها ويتجاوزها بلا احرام، فان المستفاد منها ان هذه المواقيت لكل حاج يكون طريقه عليها، إذ من الواضح عدم اختصاص وجوب الحج بأهالي هذه البلاد من الشام والعراق واليمين والطائف وأهل المدينة بل الحج واجب على جميع المسلمين فطبعا تكون هذه المواضع مواقيت لاهالي هذه البلاد ولغيرهم من الحجاج إذا تجاوزوا ومروا عليها، ففي صحيح الحلبي (لا ينبغي لحاج ولا معتمر ان يحرم قبلها ولابعدها ثم قال: (ع) ولا ينبغي لاحد ان يرغب عن مواقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2) وفي صحيح علي بن جعفر بعد ما ذكر المواقيت، قال: (ع) (فليس لاحد ان يعدومن هذه المواقيت إلى غيرها) (3)، فانهما بدلان بوضوح على انه ليس لاحد ان يحرم من غير هذه المواقيت بل لابد من الاحرام منها وان لم يكن من أهل هذه البلاد، الطائفة الثانية: النصوص الخاصة. منها صحيحة صفوان، عن أبي الحسن الرضا (ع) (قال: كتبت إليه ان بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق وليس


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت. (2) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 3. (3) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 9.

[ 334 ]

بذلك الموضع ماء ولا منزل وعليهم في ذلك مؤنة شديدة: فترى ان يحرموا من موضع الماء لرفقة بهم وخفة عليهم، فكتب إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت المواقيت لاهلها ومن أتى عليها من غير أهلها) (1). ومنها صحيح ابن جعفر بعدما سئله عن احرام أهل الكوفة وغيرها قال (عليه السلام): (وأهل السند من البصرة يعني من ميقات أهل البصرة) (2). فيعلم من ذلك ان ميقات أهل البصرة لا يختص بأهل البصرة بل يعم من يمر عنه ولو كان من أهل السند. ومنها: معتبرة ابراهيم بن عبد الحميد، (عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الايام يعني الاحرام من الشجرة وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها فقال: لا وهو مغضب، من دخل المدنية فليس له أن يحرم الا من المدينة) (3). فانها أيضا تدل على عدم اختصاص الميقات بأهل المدينة بل يشمل كل من دخل المدينة، والرواية معتبرة فان ابراهيم ثقة وان كان واقفيا وأما جعفر بن محمد بن حكيم فانه وإن لم يوثق في كتب الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات. ومنها: صحيح الحلبي (عن رجل نسي ان يحرم حتى دخل الحرم قال: قال أبي: يخرج إلى ميقات أهل أرضه، فان خشي ان يفوته


(1) الوسائل: باب 15 من المواقيت ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 5. (3) الوسائل: باب 8 من المواقيت ح 1.

[ 335 ]

[ (مسألة 1): الاقوى عدم جواز التأخير إلى الجحفة - وهي ميقات أهل الشام - اختيارا، نعم يجوز مع الضرورة لمرض أو ضعف أو غيرهما من الموانع لكن خصها بعضهم بخصوص المرض، والضعف لوجودهما في الاخبار فلا يلحق بهما غيرهما من الضرورات، والظاهر إرادة المثال، فالاقوى جوازه مع مطلق الضرورة (1). ] الحج أحرم من مكانه فان استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم) (1). فانه يدل على ان من ترك الاحرام نسيانا وجب عليه العود إلى الميقات والاحرام منه، ويستفاد منه ان الذاكر لا يجوز له المرور والتجاوز عن الميقات إلا محرما، وغير ذلك من الروايات. (1) الظاهر أنه لا خلاف بينهم في جواز تأخير الاحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة للمريض والضعيف بل يجوز العدول من ميقات إلى ميقات آخر رعاية لضعفه ومرضه كما سيتضح ذلك (إن شاء الله تعالى). إنما الكلام في المختار وانه هل يجوز له العدول من مسجد الشجرة إلى الجحفة من دون عذر ومرض أم لا؟. المشهور والمعروف عدم جواز التأخير إلى الجحفة اختيارا. ونسب إلى بعض القدماء جواز التأخير اختيارا كما عن الجحفي وابن حمزة في الوسيلة.


(1) الوسائل باب 14 من المواقيت ح 1.

[ 336 ]

والصحيح ما ذهب إليه المشهور ويدل عليه طائفتان من الروايات. الاولى: الروايات العامة المتقدمة الدالة على التوقيت وانه (صلى الله عليه وآله) وقت مواقيت معينة لا ينبغي لاحد أن يعدل عنها إلى غيرها، والناهية عن التجاوز عنها إلا وهو محرم، ففي صحيحة معاوية ابن عمار (من تمام الحج والعمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تجاوزها الا وانت محرم) ونحوها صحيحة على بن جعفر (1). الثانية: الروايات الخاصة: منها: معتبرة أبي بكر الحضرمي (قال: قال أبو عبد الله (ع) اني خرجت باهلي ماشيا فلم أهل حتى أتيت الجحفة وقد كنت شاكيا فجعل أهل المدينة يسئلون عني فيقولون، لقيناه وعليه ثيابه وهم لا يعلمون، وقد رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن كان مريضا أو ضعيفا أن يحرم من الجحفة) (2). فانها تدل على أن الترخيص مختص للمريض والضعيف. وكذا ما في معتبرة أبي بصير الدالة على ان الصادق (ع) أحرم من الجحفة ولم يحرم من الشجرة واعتذر (ع) بأنه كان عليلا (3) وأما القائل بجواز الاحرام من الجحفة اختيارا فقد استدل بعدة من الروايات. منها: صحيح علي بن جعفر (وأهل المدينة من ذي الحليفة


(1) الوسائل: باب 1 من الموقيت ح 2 و 3 و 9. (2) الوسائل: باب 6 من المواقيت ح 5. (3) الوسائل: باب 6 من المواقيت ح 4.

[ 337 ]

والجحفة) (1). فانه صريح في جواز الاحرام من الموضعين، فأهل المدينة مخيرون بين الاحرام من ذي الحليفة والجحفة، فتكون هذه الرواية قرينة على حمل الروايات الدالة على الاحرام من ذي الحليفة على الافضلية. والجواب: ان دلالته على التخيير بالاطلاق ويقيد بالروايات الدالة على أختصاص جواز الاحرام من الجحفة للمريض والضعيف وبالجملة: يستفاد من الادلة ان أهل المدينة على قسمين المختار والمريض أما المختار فلا يجوز له الاحرام الا من مسجد الشجرة وأما المريض فيجوز له الامران. ومنها: صحيح معاوية بن عمار (أنه سئل أبا عبد الله (ع) عن رجل من أهل المدينة أحرم من الجحفة، فقال لا بأس) (2). والجواب: ان دلالته أيضا بالاطلاق وترك الاستفصال فيقيد بما دل على جواز الاحرام من الحجفة لخصوص العاجز على أنه يمكن أن يكون الرجل المسؤول عنه مريضا، أو ضعيفا أو لم يكن عازما على الحج وخرج من المدينة لحاجة ثم بدى له الحج فأجاز له الاحرام من الجحفة وانه لا يجب عليه الرجوع إلى ميقات بلده وهو ذو الحليفة وبالجملة: لم يظهر من الرواية وان الرجل كان مختارا أو كان عازما على الحج من الاول. ومنها: صحيح الحلبي (من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 5. (2) الوسائل: باب 6 من المواقيت ح 1.

[ 338 ]

فقال: من الجحفة ولا يجاوز الجحفة الامحرما) (1). وفيه: ان الصحيح يدل على حكم من تجاوز الشجرة ولا يدل على جواز تأخير الاحرام اختيارا وهل يعم جواز التأخير إلى الجحفة سائر الاعذار كشدة البرد أو الحر، أو يختص بالمريض والضعيف كما في النص؟ وجهان، فعن جماعة منهم المصنف التعميم، وعن آخرين الاختصاص بالمريض والضعيف. ولا يبعد التفصيل بين الضرر والحرج وبين غيرهما من الاعذار ففي الاول يرتفع وجوب الاحرام من مسجد الشجرة لنفي الضرر والحرج من دون حاجة إلى دليل بالخصوص، ولكن جوازه من الجحفة يحتاج إلى دليل آخر لان نفي الضرر والحرج يرفع الحكم الثابت في موردهما ولا يثبت حكما آخر فالمرجع حينئذ اطلاق مادل على التخيير بين ذي الحليفة والجحفة كصحيح علي بن جعفر المتقدم، فإذا سقط وجوب أحد العدلين كما في المقام - على الفرض - يثبت العدل الاخر فيتعين عليه الاحرام من الجحفة. وبتعبير آخر قد عرفت انه لا مجال للعمل بهذا الاطلاق بالنسبة إلى من كان متمكنا من الاحرام من ذي الحليفة لتقييده بما دل على جواز التأخير إلى الجحفة لخصوص المريض والضعيف، وأما من لم يكن مكلفا بالاحرام من ذي الحليفة كما هو مفروض بحثنا فيتعين عليه الفرد الاخر من الواجب التخييري وهو الجحفة. وأما الثاني: وهو غير موارد الضرر والحرج كالحاجة الشخصية، والحرج العرفي كالبرد والحر ونحو ذلك فيشكل الحكم بجواز التأخير إلى الجحفة لاختصاص دليل الجواز بالمريض والضعيف كما في معتبرة


(1) الوسائل: باب 6 من المواقيت ح 3.

[ 339 ]

[ (مسألة 2): يجوز لاهل المدينة ومن أتاها العدول إلى ميقات آخر كالجحفة أو العقيق، فعدم جواز التأخير ] أبي بكر الحضرمي المتقدمة، وحملها على مجرد المثال - كما في المتن - غير ظاهر. بل صحيح ابراهيم بن عبد الحميد (1) يدل على عدم جواز الاحرام من غير مسجد الشجرة في الحرج العرفي كشدة البرد ونحوها من الاعذار العرفية، فالتعدي من مورد خبر أبي بكر الحضرمي إلى مطلق العذر والحرج وان كان عرفيا مما لاوجه له، ولاقرينة على أرادة المثال من المريض والضعيف بل القرينة على الخلاف موجودة وهي صحيحة ابراهيم المتقدمة. على أنه يمكن تقريب ما ذكرناه ببيان آخر: وهو أن معتبرة ابراهيم دلت على عدم جواز العدول إلى غير مسجد الشجرة بالاطلاق، وصحيح على بن جعفر يدل على التخيير بين الاحرام من مسجد الشجرة والاحرام من الجحفة بالاطلاق أيضا وقد رفعنا اليد عن اطلاقه بالنسبة إلى العليل والمريض وخصصنا الجواز بهما، فتكون نسبة صحيح علي بن جعفر بعد تخصيصها برواية الحضرمي الدالة على اختصاص الجواز بالمريض والضعيف إلى اطلاق صحيح ابراهيم بن عبد الحميد نسبة الخاص إلى العام فيختص صحيح ابراهيم بغير المريض والضعيف وتنقلب النسبة من التنافي إلى العام والخاص فيختص الجواز بالمريض والضعيف.


(1) الوسائل: باب 8 من المواقيت ح 1.

[ 340 ]

[ إلى الجحفة انما هو إذا مشى من طريق ذي الحليفة (1) بل الظاهر أنه لو أتى إلى ذي الحليفة ثم أراد الرجوع منه والمشي من طريق آخر جاز بل يجوز ان يعدل عنه من غير رجوع فان الذي لا يجوز هو التجاوز عن الميقات محلا وإذا عدل إلى طريق آخر لا يكون مجاوزا وان كان ذلك وهو في ذي الحليفة، وما في خبر ابراهيم بن عبد الحميد من المنع عن العدول إذا أتى المدينة، مع ضعفه منزل على الكراهة. ] (1) لاريب في جواز الخروج من المدينة إلى بلد آخر كالشام أو الطائف أو اليمن والاحرام من ميقات ذلك البلد، ولا يجب عليه البقاء في المدينة ليحرم من ميقاتها. وما دل على ان ذا الحليفة ما ميقات لاهل المدينة منصرف إلى من يريد الحج طريق المدينة، وأما إذا أراد الحج من طريق آخر فلا يشمله وجوب الاحرام من ذي الحليفة بل يجب عليه الاحرام من ميقات البلد الذي أراد الحج منه. بل لو أتي مسجد الشجرة ثم بدى له السفر إلى مكان آخر وأراد الحج من هناك لامانع من الاجتياز عن ذي الحليفة بلا أحرام، فان الممنوع إنما هو التجاوز عن الميقات بلا احرام لمن يريد الحج من ذي الحليفة وأما إذا أراد الحج من طريق آخر فلا أشكال في الاجتياز بلا أحرام. إنما الكلام فيما إذا أتى مسجد الشجرة ولم يرجع منه إلى الوراء ومن هنا أراد العدول إلى ميقات آخر كالجحفة ليحرم من هناك فهل

[ 341 ]

يجوز له ذلك، أو يتعين عليه الاحرام من هذا الميقات الذي وصل إليه؟ أختار الجواز في المتن وقال (قدس سره) (بل يجوز أن يعدل عنه من الميقات من غير رجوع) بدعوى عدم صدق التجاوز عن الميقات محلا على ما إذا عدل إلى طريق آخر، وما في خبر ابراهيم بن عبد الحميد من المنع عن العدول إلى اتى المدينة - مع ضعفه سندا - منزل على الكراهة. ويرده: أن التجاوز عن الميقات بلا أحرام صادق وان عدل إلى طريق آخر، غاية الامر انه تجاوز من الميقات بطريق غير مستقيم فان الممنوع هو التجاوز عن الميقات بلا أحرام سواءا كان بطريق مستقيم بان يتجاوز عن الميقات ويتوجه إلى مكة من دون عدول إلى طريق آخر، أو بطريق غير مستقيم بان يتجاوز عن الميقات ويذهب إلى ميقات آخر. وأما رواية ابراهيم بن عبد الحميد فقد عرفت أنها معتبره وجعفر ابن محمد بن حكيم المذكورة في السند من رجال كامل الزيارات فالصحيح: أن من أتى مسجد الشجرة وكان قاصدا للحج لا يجوز له العدول إلى ميقات آخر بل يجب عليه أن يحرم من ميقات المدينة ولا يتجاوزه الا محرما كما في معتبرة ابراهيم. ثم أنه بناءا على جواز العدول إلى ميقات آخر فهل يتعين عليه الاحرام من الجحفة أو يجوز له الاحرام من أي ميقات شاء؟ لم أر من تعرض لذلك. والتحقيق أن يقال: أنه إذا كان معذورا من الاحرام من ذي الحليفة وغير متمكن منه فلا يجب الاحرام منه ويجوز له التجاوز عنه بلا أحرام لسقوطه عن كونه ميقاتا بالنسبة إليه، ففي الحقيقة مسجد الشجرة ليس ميقاتا له أصلا، فحينئذ لا يتعين عليه الاحرام من

[ 342 ]

[ (مسألة 3): الحائض تحرم خارج المسجد على المختار ويدل عليه مضافا إلى ما مر مرسلة يونس في كيفية أحرامها (ولا تدخل المسجد وتهل بالحج بغير صلاة)، ] الحجفة لعدم كون مسجد الشجرة بميقات له أصلاو لم يجب عليه الاحرام منه لا تعينيا ولا تخييرا؟ لفرض سقوطه عن الميقات بالنسبة إليه، وحيث يجب عليه الاحرام من الميقات يجوز له أختيار أي ميقات شاء فيذهب إلى أي بلد شاء الذي يمر بالميقات سواء كان الجحفة أم ميقاتا آخر. وأما إذا فرضنا أنه يتمكن من الاحرام من مسجد الشجرة ولكن يجوز له العدول عنه إلى ميقات آخر على نحو الواجب التخييري كالمريض والضعيف فيتعين عليه الاحرام من الجحفة، لانه إذا لم يأت بأحد العدلين الواجبين يتعين عليه العدل الاخر كما صنع الامام أبو عبد الله الصادق (ع) على ما في معتبرة أبي بصير ومعتبرة أبي بكر الحضرمي (1) إذ من الواضح ان الواجب إذا كان تخييريا وتعذر عن أحدهما يتعين عليه الفرد الآخر، وأما العدول إلى ميقات آخر ليس بعدل للواجب التخييري فيحتاج إلى دليل خاص. وأن شئت قلت: أن المقدار الذى ثبت من جواز المرور عن الميقات بلا احرام لذوي الاعذار كالمريض والضعيف، انما هو التجاوز عن مسجد الشجرة بشرط الاحرام من الجحفة، وأما التجاوز عنه والاحرام من ميقات آخر غير الجحفة فلم يثبت فالصحيح هو التفصيل بين الموردين.


(1) الوسائل: باب 6 من الموقيت ح 4 و 5.

[ 343 ]

[ وأما على القول بالاختصاص بالمسجد فمع عدم امكان صبرها إلى أن تطهر تدخل المسجد وتحرم في حال الاجتياز ان أمكن، وان لم يمكن لزحم أو غيره أحرمت خارج المسجد وجددت في الجحفة أو محاذاتها (1). ] (1) إذا قلنا بجواز الاحرام من خارج المسجد اختيارا فلا كلام حتى إذا قلنا بان الميقات نفس المسجد وذلك لان المسجد أخذ مبدءا لا ظرفا كما عرفت. ويدل عليه أيضا صحيح يونس بن يعقوب قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الحائض تريد الاحرام، قال: تغتسل - أي غسل الاحرام - تستشفر وتحتشي بالكرسف، وتلبس ثوبا دون ثياب احرامها وتستقبل القبلة، ولا تدخل المسجد وتهل بالحج بغير الصلاة) (1). والرواية مسندة معتبرة لا مرسلة ودلالتها على أن احرامها من خارج المسجد واضحة، وهي باطلاقها - لترك الاستفصال فيها - تشمل احرام العمرة من مسجد الشجرة أيضا وذكر الاهلال بالحج في الرواية لا يوجب اختصاصها باحرام الحج من المسجد الحرام لان حج التمتع اسم لمجموع العمرة والحج ويصح اطلاق الحج على عمرة التمتع فلا قصور في شمول الرواية لاحرام العمرة من مسجد الشجرة بل شمولها لاحرام العمرة من مسجد الشجرة أولى إذ يبعد جدا خلو القوافل المتوجهة من الشجرة إلى مكة من الحائض بل يكثر الابتلاء بذلك ومعه لا يصح السكوت عن بيان حكمها.


(1) الوسائل: باب 48 من الاحرام ح 2.

[ 344 ]

وقد يستفاد وجوب الاحرام من خارج المسجد على الحائض والنفساء وعدم جواز تأخير الاحرام لهما إلى الجحفة، من قضية اسماء بنت عميس لما نفست بمحمد بن أبي بكر في البيداء وهو خارج مسجد الشجرة فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن تحرم وتلبي مع النبي (صلى الله عليه وآله) واصحابه، كما في صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة زرارة (1). فتكون حالها كالنبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه من حيث الاحرام من هذا المكان وعدم تأخيره إلى الجحفة أو إلى ميقات آخر. وأما إذا قيل، بلزوم الاحرام من نفس المسجد فقد ذكر في المتن انه مع عدم امكان صبرها لى أن تطهر تدخل المسجد وتحرم في حال الاجتياز. فيرد عليه: أدله حرمة التجاوز عن الميقات بلا احرام لا تشمل المقام لان المفروض ان هذا المكان لم يكن بميقات لها، وأما الاحرام من نفس المسجد فغير قادرة عليه فيسقط هذا الموضع عن الميقاتية بالنسبة إليها لاسيما بملاحظة الروايات الورادة في الاحرام من الجحفة لمن لا يتمكن من الاحرام من الشجرة، وأما الاجتياز فلا يتحقق في المقام لان الميزان في تحققه صدق عنوان عابري سبيل المذكور في الآية الشريفة (ولاجنبا إلا عابري سبيل) (2) وهو أن يدخل من باب ويخرج من باب آخر على نحو يتخذ المسجد طريقا وسبيلا ولا يصدق على ما إذا دخل


(1) الوسائل: باب 49 من الاحرام ح 1 وباب 91 من الطواف ح 1. (2) سورة النساء آية 43.

[ 345 ]

[ (مسألة 4): إذا كان جنبا ولم يكن عنده ماء جاز له أن يحرم خارج المسجد، والاحوط أن يتيمم للدخول والاحرام، ويتعين ذلك على القول بتعيين المسجد، وكذا الحائض إذا لم يكن لها ماء بعد نقائها (1). ] في المسجد وطاف ودار فيه وخرج من نفس الباب أو من الباب الملاصق له الواقع في جنبه. على أنه لو فرض جواز الطواف والدوران في المسجد لم يكن وجه لتقييده بعدم امكان الصبر إلى أن تظهر إذ لو كان ذلك جائزا لكان جائزا من الاول ولا موجب لتقييده بعدم امكان الصبر. وما ذكره من الاحتياط في المتن بالاحرام من خارج المسجد وتجديده من الجحفة أو من ميقات آخر فلا بأس به. (1) إذا قلنا بجواز الاحرام من خارج المسجد اختيارا فلا ريب في أنه يتعين عليها الاحرام من خارج المسجد إذ لا يجوز لها الدخول في المسجد، وأما الاحتياط المذكور في المتن فهو غير مشروع ولا أقل من انه على خلاف الاحتياط، ذلك لانه لو فرضنا جواز الاحرام من نفس المسجد وخارجه والتخيير بينهما في نفسه فإذا حاضت أو أجنب ولم يكن الماء موجودا يرتفع التخيير ويتعين الاحرام من خارج المسجد لان أحد الفردين للواجب التخييري إذا كان غير مقدور يتعين الفرد الاخر فإذا تعين الاحرام من خارج المسجد لا يشرع التيمم للدخول في المسجد والاحرام منه ثانيا. وأما إذا قيل: يكون الميقات نفس المسجد فيتعين التيمم للدخول

[ 346 ]

[ (الثاني): العقيق، وهو ميقات أهل نجد والعراق ومن يمر عليه من غيرهم، وأوله المسلخ، وأوسطه غمرة، وآخره ذات عرق، والمشهور جواز الاحرام من جميع مواضعه اختيارا، (1) وان الافضل الاحرام من المسلخ، ثم من غمرة، والاحوط عدم التأخير إلى ذات عرق الا لمرض أو تقية فانه ميقات العامة، لكن الاقوى ما هو المشهور، ويجوز في حال التقية الاحرام من أوله قبل ذات عرق سرا من غير نزع ما عليه من الثياب إلى ذات عرق ثم اظهاره ولبس ثوبي الاحرام هناك، بل هو الاحوط وان أمكن تجرده ولبس الثوبين سرا ثم نزعهما ولبس ثيابه إلى ] في المسجد والاحرام منه فان التراب أحد الطهورين فما عن المستند من انها تؤخر الاحرام إلى الجحفة لم يظهر لنا وجهه بعد كون التراب أحد الطهورين. (1) لاريب في ان العقيق من المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والروايات في ذلك متضافرة (1). إنما الكلام في حده من حيث المبدأ والمنتهى بحسب التحديد في الروايات، ومن جملة الروايات التي جمعت بين الامرين معا روايتان: الاولى: مرسلة الصدوق قال: (قال الصادق (ع) وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاهل العراق العقيق، وأوله


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت.

[ 347 ]

[ ذات عرق ثم التجرد ولبس الثوبين فهو أولى. (الثالث): الجحفة، وهي لاهل الشام ومصر ومغرب ومن يمر عليها من غيرهم إذا لم من الميقات السابق عليها. (الرابع): يلملم، وهو لاهل اليمن. ] المسلخ، ووسطه غمرة، وآخره ذات عرق، وأوله أفضل) (1). ولكن لضعفها بالارسال لا يمكن الاستدلال بها، ومجرد اخبار الصدوق عن الامام (ع) على نحو الجزم لا يوجب الاعتماد عليها إذ يمكن ثبوت الرواية عنده بطريق غير ثابت عندنا. الثانية: معتبرة أبي بصير (وهي العمدة) قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: حد العقيق أوله المسلخ، وآخره ذات عرق) (2). وقد عبروا عن هذه الرواية بالخبر المشعر بالضعف حتى ان صاحب الحدائق الذي ملتزم بتوصيف بعض الاخبار بالصحة وبعضها بالضعف عبر عن هذه الرواية بالخبر (3) ولكن الظاهر انها معتبرة فان عمار بن مروان الذي يروي عن أبي بصير وان كان مرددا بين عمار بن مروان اليشكري الثقة وبين عمار ابن مروان الكلبي غير الموثق الا أن المراد به هو اليشكري الثقة لانه المعروف وهو الذي له كتاب وهذا الاسم


(1) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 9. (2) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 7. (3) الحداق: ج 14 ص 438.

[ 348 ]

عند الاطلاق ينصرف إليه، وأما الكلبي فليس له كتاب وليس بمعروف حتى ان الشيخ لم يذكره. وأما الحسن بن محمد فربما يقال: انه مجهول الحال والظاهر انه الحسن بن محمد بن سماعة الثقة الذي يروي عن محمد بن زياد كثيرا وهو ابن أبي عمير (ورواياته عنه تبلغ ستين موردا) بهذا العنوان وكذا بعنوان الحسن بن محمد عن محمد بن أبي عمير أو ابن أبي عمير. وبالجملة: الرواية معتبرة سندا ودلالتها واضحة فلا حاجة إلى الانجبار. وبأزائها روايات من حيث التحديد بالمبدأ والمنتهى. أما من حيث المنتهي فقد وردت روايات عديدة دالة على أن منتهى العقيق غمرة وليس بعدها ميقات. منها: خبر أبي بصير عن أحدهما (ع) قال: حد العقيق مابين المسلخ إلى عقبة غمرة) (1) وهو ضعيف بسهل بن زياد، والبطائني. ومنها: صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل المشرق العقيق نحوا من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة) (2) وفي الوسائل في الطبعة الجديدة (نحوا من بريد) ولكنه غلط والصحيح ما في التهذيب كما ذكرنا (3) وأما دخول نفس الغمرة في حد العقيق فمبني على دخول الغاية في المغبى وعدمه.


(1) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 5. (2) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 6. (3) التهذيب: ج 5 ص 56.

[ 349 ]

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار (آخر العقيق بريد أو طاوس، وقال: بريد البعث دون غمرة ببريدين) (1) ومنها: ما رواه الشيخ بهذا الاسناد في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: أول العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال مما يلي العراق، وبينه وبين عمرة أربعة وعشرون ميلا بريدان) (2). وبأزائها روايات تدل على أن منتهى العقيق ذات عرق. منها صحيحة أبي بصير المتقدمة (حد العقيق أوله المسلخ وآخره ذات عرق). منها: صحيحة أسحاق بن عمار الدالة على ان الصادق (ع) (أحرم من ذات عرق بالحج) (3). فلابد ملاحظة كيفية الجمع بين الروايات، ولاريب ان مقتضى الجمع العرفي بينهما هو رفع اليد عن ظهور تلك الروايات في عدم جواز تأخير الاحرام عن عمرة وحملها على أفضيلة الاحرام منها، وحمل هذه الروايات على جواز التأخير عن غمرة والاحرام من ذات عرق مع المرجوحية لان تلك الروايات ظاهرة في عدم جواز التأخير وهذه الروايات صريحة في جواز التأخير إلى ذات عرق لاسيما بملاحظة فعل الصادق (ع) كما في معتبرة اسحاق المتقدمة فالنتيجة افضلية الاحرام من غمرة وجواز تأخيره إلى ذات عرق مع المرجوحية.


(1) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 1.: (2) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 2. (3) الوسائل: باب 22 من أقسام الحج ح 8.

[ 350 ]

ويؤيده رواية الاحتجاج الدالة على عدم متابعة العامة في تأخير الاحرام إلى ذات عرق (1). وأما من حيث المبدأ فمقتضى بعض الروايات انه قبل المسلخ كمعتبرة معاوية بن عمار المتقدمة (قال: اول العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال مما يلي العراق) فأول العقيق قبل المكان المسمى بالمسلخ بستة أميال وكذا يستفاد من صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة، وفي بعض الروايات ان أوله المسلخ كما في معتبرة أبي بصير المتقدمة فيقع التنافي بينهما. فان قلنا بأن هجر الرواية والاعراض عنها يوجب سقوط حجيتها فالامر سهل لاعراض الاصحاب عن الروايات الاولى واجماعهم على عدم جواز الاحرام قبل المسلخ فالمرجع حينئذ مادل على أن أوله المسلخ. وان لم نقل بذلك فالصحيح أن يقال: بان هذه الروايات إنما تذل على أن العقيق اسم يطلق على ما قبل المسلخ ولا تدل على جواز الاحرام من قبل المسلخ إذ لا ملازمة بين كون العقيق اسما لذلك المكان وبين جواز الاحرام منه لامكان اختصاص جواز الاحرام بمنطقة خاصة من وادي العقيق كالمسلخ. ويدل على ما ذكرنا صحيحة معاوية بن عمار الدالة على أن الميقات بطن العقيق (قال: (ع) وقت لاهل العراق ولم يكن يومئذ عراق بطن العقيق) (2) وبطنه هو المسلخ، فتكون هذه الصحيحة - في


(1) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 10. (2) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 2.

[ 351 ]

الحقيقة - مقيدة لاطلاق مادل على أن الميقات ما يسمى بالعقيق. ويمكن أن يقال أن نفس التسمية بالمسلخ تدل على أن المسلخ أول الميقات لتسلخ الحاج وتجرده عن الثياب في هذا المكان ثم يلبس ثوبي الاحرام فكان هذا المكان سمي بالمسلخ بعد جعله ميقاتا فيرتفع التعارض والتنافي بالمرة. أما من حيث المنتهى فبالحمل على الافضلية كما عرفت، وأما من حيث المبدأ فبان قبل المسلخ يسمى بالعقيق لا أنه يجوز الارحام منها. فتلخص: أن مبدأ الميقات هو المسلخ وأوسطه غمرة، ومنتهاه ذات عرق، والحاج مخير بين الاحرام من المسلخ إلى ذات عرق واما كون الاحرام من غمرة أفضل من ذات عرق فلم يدل عليه دليل بالخصوص نعم الاولى والاحوط عدم تأخير الاحرام إلى ذات عرق لما ورد في بعض الروايات ان غمرة هو المنتهى. وأما الاحرام من المسلخ وهو أول العقيق فقد ذكروا أنه أفضل ودلت عليه عدة من النصوص المعتبرة وقد عقد له بابا مستقلا في الوسائل (1) ففي صحيحة يونس (عن الاحرام من أي العقيق أفضل ان أحرم فقال: من أوله أفضل) (2). ونحوها ما رواه الشيخ عنه (3). ومعتبرة اسحاق بن عمار (عن الاحرام من غمرة قال: ليس


(1) الوسائل: باب 3 من المواقيت. (2) الوسائل: باب 3 من المواقيت ح 1. (3) الوسائل: باب 3 من المواقيت ح 2.

[ 352 ]

به بأس، وكان بريد العقيق أحب الي) (1) وبريد العقيق أوله فانه ذكر في الروايات ان أول العقيق بريد البعث وهو دون غمرة ببريدين. نعم يظهر من رواية الاحتجاج لزوم الاحرام من أول العقيق وهو المسلخ وعدم جواز تأخيره عن أوله. فقد روى الطبرسي في الاحتجاج عن الحميري في جملة ما كتبه إلى صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه) (أنه كتب إليه يسئله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلا بهم يحج ويأخذ عن الجادة، ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر احرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز الا أن يحرم من المسلخ؟ فكتب إليه في الجواب يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم اظهره) (2). ورواه الشيخ في كتاب الغيبة مسندا عن أحمد بن أبراهيم النوبختي (3) ولكن لابد من رفع اليد عنها لما عرفت من دلالة بعض الاخبار المعتبرة على جواز التأخير صريحا. مضافا إلى ضعف السند بكلا طريقيه. أما طريق الاحتجاج فبالارسال. وأما طريق الشيخ فبجهالة أحمد بن ابراهيم النوبختي. بقي الكلام في مفاد رواية الاحتجاج وكيفية الاحتياط وملاحظة


(1) الوسائل: باب 3 من المواقيت ح 3. (2) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 10. (3) الغيبة: ص 235 طبعة النجف.

[ 353 ]

التقية. فنقول: ان أمكن تجرده ولبس ثوبي الاحرام سرا من االمسلخ ثم ينزعهما ويلبس ثيابه إلى ذات عرق ثم يتجرد ويلبس الثوبين تبعا فلا اشكال، وان لم يمكنه ذلك الا متابعتهم فان قلنا: بان لبس ثوبي الاحرام من مقومات الاحرام، ودخيل في حقيقته فهو غير متمكن من الاحرام من الميقات وحكمه حكم من لم يتمكن من الاحرام من الميقات. وأما إذا قلنا بان لبس ثوبي الاحرام غير دخيل في حقيقة الاحرام وإنما هو واجب مستقل آخر فلا نحتاج في ارتفاع وجوبه حينئذ إلى دليل خاص، بل نفس التقية كافية في رفع الوجوب فيرتفع وجوب لبس الثوبين لاجل التقية ولكن الكفارة بلبس المخيط ثابتة. نعم لو كانت رواية الاحتجاج صحيحة السند لالتزمنا؟ بعدم وجوب الكفارة لان السكوت عن وجوب الكفارة في مقام البيان يكشف عن عدم الوجوب. ثم ان المذكور في نصوص المقام ان العقيق ميقات لاهل نجد والعراق ولكن ورد في صحيحة عمر بن يزيد ان قرن المنازل ميقات لاهل نجد (1) ويمكن الجواب بالحمل على التقية كما ذكره صاحب الحدائق لما رووا عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وآله حد لاهل نجد قرن المنازل (2). كما يمكن ان يقال بان لاهل نجد طريقين: أحدهما يمر بالعقيق والاخر يمر بقرن المنازل


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 6. (2) المغني: ج 3 ص 233 طبعة العاصمة.

[ 354 ]

[ (الخامس): قرن المنازل، وهو لاهل الطائف (1) (السادس): مكة، وهي لحج التمتع (2). ] (1) هذه المواقيت الخمسة التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل هذه البلاد ومن يمر عليها من غيرهم إلا إذا أحرم من الميقات السابق وقد تضافرت النصوص في ذلك (1). (2) وقد دلت على ذلك روايات كثيرة، ففي بعضها الاحرام والاهلال بالحج من المسجد، وفي بعضها من الكعبة، وفي بعضها من رحله أو من الطريق أي شوارع مكة وطرقها (2) والظاهر أنه لا خلاف ولا اشكال في المسألة. نعم في المقام رواية معتبرة قد يستظهر منها خلاف ما تقدم وان ميقات حج التمتع ذات عرق، وهي معتبرة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع) في حديث (قال: (ع) كان أبي مجاورا ههنا فخرج يتلقي بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق احرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج (3). وفيه: ان هذه الرواية لانخلو؟ عن تشويش واضطراب فان جوابه (عليه السلام) بقوله: (كان أبي مجاورا إلى آخره) لا يرتبط بسؤال السائل، لان السائل سئل عن تجدد الاحرام لدخول مكة في


(1) الوسائل: باب 1 وغيره من المواقيت. (2) الوسائل: باب 52 من الاحرام ح 1 وباب 21 من المواقيت ح 2. (3) الوسائل: باب 22 من أقسام الحج ح 8.

[ 355 ]

[ (السابع): دويرة الاهل - أي المنزل - وهي لمن كان منزله دون الميقات إلى مكة (1) بل لاهل مكة أيضا على المشهور الاقوى، وان استشكل فيه بعضهم فانهم يحرمون لحج القران والا فراد من مكة، بل وكذا المجاور الذي انتقل فرضه إلى فرض أهل مكة، وان كان الاحوط إحرامه من الجعرانة - وهي أحد مواضع أدنى الحل - للصحيحين الواردين فيه المقتضي اطلاقهما عدم الفرق بين من انتقل فرضه أو لم ينتقل، وان كان القدر المتيقن الثاني ] الشهر الذي خرج فيه فكأنه (ع) أعرض عن الجواب لوجود مانع عنه وقال: (ع) (كان أبي الخ) على أنه لم يظهر من الرواية أن الصادق (ع) كان متمتعا بالحج ثم خرج من مكة وأحرم لحج التمتع من ذات عرق، بل المفروض في الرواية انه (ع) كان مجاورا في مكة ولو بضعة أشهر وخرج لحاجة فبلغ ذات عرق وأحرم منه ويمكن أن يكون احرامه للقران أو الافراد مضافا إلى أنه لو كان متمتعا بالحج لا يجوز له الخروج من مكة لانه محتبس ومرتهن بالحج فكيف خرج محلا، فهذه قرينة على انه (عليه السلام) لم يكن متمتعا بالحج. والحاصل: جوابه (ع) واستشهاده بفعل أبيه (ع) غير مرتبطين بحج التمتع الذى هو محل الكلام. (1) أي كان منزله أقرب إليها من المواقيت، والظاهر انه

[ 356 ]

[ فلا يشمل ما نحن فيه، لكن الاحوط ما ذكرنا عملا باطلاقهما، والظاهر ان الا حرام من المنزل للمذكورين من باب الرخصة والا فيجوز لهم الاحرام من المواقيت، بل لعله أفضل لبعد المسافة وطول زمان الاحرام. ] لا اشكال ولا خلاف في ذلك ويشهد له النصوص المتضافرة (1). إنما الكلام في ان الميزان بالقرب إلى مكة، أو إلى عرفات، أو التفصيل بين العمرة فيعتبر القرب إلى مكة وبين الحج فبالقرب إلى عرفات إذ لا يجب المرور على مكة في احرام الحج من المواقيت؟ وجوه وأقوال، والمشهور هو الاول، وذهب بعضهم إلى الثاني وبه صرح الشهيد في اللمعة ونقله في المدارك عن المحقق في المعتبر ولكن ذحكر صاحب الحدائق انه لم يجده فيه بل استظهر من كلامه القرب إلى مكة وعن الشهيد الثاني في المسالك الثالث. والصحيح ما ذهب إليه المشهور لتصريح الروايات بذلك ولم يذكر في شئ منها القرب إلى عرفات، فمن كان منزله أقرب إلى مكة من سائر المواقيت فميقاته منزله وهو المعبر عنه في النصوص (بدويرة أهله). نعم تلاحظ المسافة بين مجموع المواقيت ومنزله، فإذا كانت مسافة منزله أقل من مسافة مجموع المواقيت فميقاته منزله وإذا كانت مسافة بعض المواقيت أقل فيمقاته ذلك الميقات أو ميقات آخر لا منزله مثلا إذا كان منزله أقل من مرحلتين إلى مكة المكرمة فميقاته منزله، وإذا


(1) الوسائل: باب 17 من المواقيت.

[ 357 ]

كان منزله أكثر من مرحلتين فميقاته أحد المواقيت المعينة القريبة كقرن المنازل فانه يبعد عن مكة بمقدار مرحلتين تقريبا. فبالجملة: ان الميزان انما هو بملاحظة المسافة بين منزله ومكة من جهة وبين المواقيت من جهة اخرى. فان كان منزله أقل مسافة إلى مكة من المواقيت فميقاته منزله، ودويرة أهله. وأما إذا كانت مسافة منزله اكثر من مسافة ميقات آخر فميقاته ليس منزله، بل عليه أن يذهب إلى أحد المواقيت المعينة فيحرم منه وعلى سبيل المثال فمن كان منزله بين مكة والمدينة وكانت الجحفة امامه فميقاته الجحفة لانها أقرب إلى مكة من منزله، ولا يجوز له الاحرام من منزله، وتشمله الروايات الناهية عن الاحرام من المنزل (1). وبناءا عليه فالظاهر هو الفرق بين التحديد بالقرب إلى مكة أو إلى عرفات لانه لو فرضنا أن عرفات تفصل بين منزله ومكة وكان الفصل بين منزله وعرفات اثني عشر فرسخا فيفصل منزله عن مكة بستة عشر فرسخا لان مكة تبعد بأربعة فراسخ، فان قلنا بان العبرة بالقرب إلى عرفات فميقاته منزله لانه أقرب إليها من المواقيت، لان اقرب المواقيت إلى مكة قرن المنازل وهو يبعد عن مكة بأقل من ستة عشر فرسخا، وأما إذا قلنا بان العبرة بالقرب إلى مكة فميقاته سائر المواقيت المعينة. وإذا كانت مكة فاصلة بين منزله وعرفات.


الوسائل: باب 9 و 11 و 17 من المواقيت.

[ 358 ]

فان قلنا بأن العبرة بالقرب إلى عرفات وكان الفصل بين منزله ومكة باثني عشر فرسخا فيحرم من الميقات لا من منزله، لان الفصل بين منزله وعرفات بستة عشر فرسخا فلابد ان يذهب إلى الميقات لانه أقرب إلى عرفات، وأما لو قلنا بأن العبرة بالقرب إلى مكة فميقاته منزله لانه أقرب إلى مكة. وبالجملة: يختلف الحال باختلاف المواقيت بعدا وقربا من حيث المسافة بملاحظة البعد عن مكة أو عن عرفات، فليس الامر كما قيل بانه لا تفاوت بين الامرين. ولكن قد عرفت ان المستفاد من الروايات ان الميزان بالقرب إلى مكة. هذا كله بناءا على ان المعيار هو القرب والبعد بلحاظ كثرة المسافة وقلتها بالنسبة إلى مجموع المواقيت. وأما بناءا على ان الميزان بما قبل الميقات وبما دونه كما هو المستفاد من نصوص الباب لان المذكور فيها (من كان منزله دون الميقات أو (دون الجحفة) أو (دون ذات عرق) (1) ونحو ذلك فالعبرة بما إذا كان الميقات قدامه أو وراءه فمن كان الميقات وراءه يكون منزله اقرب إلى مكة طبعا فيحرم من منزله ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات الذي خلفه فكل يلاحظ منزله ومحله بالنسبة إلى الميقات الذي يقع خلفه أو قدامه، فان المستفاد من قوله: (ع) (دون المواقيت، أو خلف هذه المواقيت) ان يلاحظ كل أحد ميقات محله ومنزله، يعني كل من كان منزله أقرب إلى مكة وكان الميقات وراءه وخلفه يحرم من منزله وليس عليه الرجوع إلى الميقات حتى إذا كان منزله


(1) الوسائل: باب 17 من المواقيت.

[ 359 ]

أبعد مسافة إلى مكة بلحاظ ميقات آخر، لان العبرة على الفرض ليست ببعد المسافة وقربها وانما العبرة بموضع منزله ووقوعه بين مكة والميقات. فتحصل مما ذكرنا: انه إذا كانت العبرة بالقرب والبعد إلى مكة حسب مجموع المواقيت فلابد من ملاحظة المسافة بين منزله وبين الميقات بالنسبة إلى مكة فان كانت مسافة بيته أقل يحرم من منزله، وان كانت مسافة بيته أكثر من مسافة الميقات يحرم من الميقات وعلى ذلك تفترق الحال حسب ملاحظة القرب إلى مكة أو إلى عرفات. وأما إذا كانت العبرة بكون منزله دون الميقات وبعده أو قبله كما هو الصحيح، فيلاحظ كل أحد موقع منزله فان كان منزله وسطا بين الميقات ومكة يحرم من منزله، وإذا كان الميقات فاصلا ووسطا بينه وبين مكة يحرم من الميقات. ولذا يختلف ذلك قربا وبعدا بحسب المواقيت، لان بعد المواقيت إلى مكة مختلف فبعض يقع منزله بعد قرن المنازل الذي يبعد عن مكة بمرحلتين وبعض يقع منزله بعد الجحفة التي تبعد عن مكة بثلاثة مراحل تقريبا وهكذا. نعم بالنسبة إلى مسجد الشجرة لا يتصور ذلك لان من كان منزله بين مكة والمدينة بعد مسجد الشجرة فامامه ميقات آخر وهو الجحفة فانها تقع في طريق الذاهب من المدينة إلى مكة وقد ورد في النص أيضا (1) أن من أخر الاحرام من مسجد الشجرة يحرم من الجحفة ولعله لذلك يم يرد في النصوص دون مسجد الشجرة كما ورد ذلك بالنسبة إلى الجحفة أو إلى ذات عرق.


(1) الوسائل: باب 6 من المواقيت.

[ 360 ]

هذا تمام الكلام في غير أهل مكة ممن كان منزله قريبا إليها. وأما أهل مكة المكرمة فالمعروف بين الاصحاب أنهم يحرمون من منازلهم أيضا لان منازلهم دون الميقات فيشملهم جواز الاحرام من (دويرة اهله) إذا كان منزله دون الميقات، بل يمكن أن يقال ان القدر المتيقن من هذا الحكم انما هو أهل مكة والحق بهم غيرهم ممن كان منزله قريبا إلى مكة. وقد استدل عليه بمرسلة الصدوق (عن رجل منزله خلف الجحفة من اين يحرم؟ قال: (ع) من منزله) (1). بدعوى ان منازل أهل مكة خلف الجحفة، فعنوان خلف الجحفة لا يختص بمن كان منزله وسطا بين مكة والميقات بل يشمل منازل اهل مكة أيضا. ويرد عليه: أنه ليس في هذه الروايات ما يشمل اهل مكة لا بعمومه ولا باطلاقه. أما عنوان (دون الميقات) فيختص بمن كان منزله وسطا بين مكة والميقات. وأما المرسل ففية مضافا لى ضعف السند بالارسال، ان عنوان الخف لا يشمل منازل مكة. بيان ذلك: ان الخلف والقدام أمران اضافيان اعتباريان فكما يمكن ان تكون مكة خلفا للجحفة يمكن ان تكون الجحفة خلفا لمكة كما يصح ان يقال: أن كربلاء خلف النجف الاشرف أو بالعكس. فلابد في صدق عنوان الخلفية من فرض موضعين وفرض شخص


(1) الوسائل: باب 17 من المواقيت ح 6.

[ 361 ]

يريد الذهاب من أحدهما إلى الاخر فإذا ذهب من هذا المكان وتوجه إلى مكان آخر فالمكان الاول يكون خلفا له ولو انعكس فمن دخل الجحفة وذهب منها إلى مكة تكون الجحفة خلفه وكذا يصدق عنوان الخلف على من كان منزله بين مكة والجحفة (مثلا) وأما من كان منزله في مكة فلا يصدق عليه عنوان خلف الجحفة فان كلام منهما خلف الآخر باعتبار الذهاب والتوجه فان توجه من مكة إلى الجحفة فمكة خلفه وان توجه من الجحفة إلى مكة فالجحفة خلفه. وبالجملة: ان عنوان الخلف باعتبار الشخص المتوجه الذاهب من بلد إلى بلد آخر فالبلاد من حيث هي لا خلفية فيها؟ حقيقة. فلا دليل على ان بلدة مكة المكرمة ميقات لاهل مكة وما ورد في النصوص من (دويرة أهله ومنزله) مختص بغير أهل مكة ممن هو قريب إليها فلابد من التماس دليل آخر لمكان الاحرام لاهل مكة وقد ورد في روايتين معتبرتين ان احرامهم من الجعرانة. الاولى: صحيحة أبي الفضل وعبر عنها صاحب الحدائق بصحيح أبي الفضل سالم الحناط مع أن الموجود في الكافي أبو الفضل فقط من دون ذكر سالم الحناط ولم يكن من دأب صاحب الحدائق اضافة شئ في سند الروايات بل انه (رحمه الله) ملتزم بذكر ما في الكتب الاربعة على ماهي عليه من دون زيادة شئ أو نقيصته. وكيف كان: لاريب في صحة السند والمراد بأبي الفضل هو سالم الحناط لقرائن منها رواية صفوان عنه كثيرا ومنها رواية أبي الفضل عن الصادق (ع) (قال: كنت مجاورا بمكة فسئلت أبا عبد الله (ع) من أين احرم بالحج؟ فقال: من حيث احرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الجعرانة أتاه في ذلك المكان فتوح

[ 362 ]

فتح الطائف، وفتح خيبر والفتح، فقلت: متى أخرج؟ الحديث) (1). ونوقش في الاستدلال بها بانها واردة في المجاور بمكة وكلامنا في المتوطن. وفيه: ان المجاورة أعم من الاستيطان ولم يؤخذ في المجاورة عنوان المؤقت. وعنوان المجاورة يشمل من يريد ان يتخذ بلدا وطنا له وكذلك يشمل الاقامة المؤقتة بدون قصد الاستيطان، وقد استعمل في القرآن على غير المؤقت كقوله تعالى: (قطع متجاورات) (2). نعم لا يصدق المجاور على من كان مولودا في بلد ويستمر في الاقامة والسكنى. والحاصل: عنوان المجاورة لا يختص بالمقيم المؤقت بل يشمل المقيم المستوطن أيضا. وأغرب من ذلك ما في المتن من ان القدر المتيقن من اطلاق الصحيحة من لم ينتقل فرضه ولم يبق مقدار سنتين في مكة. فان القدر المتيقن لايمنع عن الاخذ بالاطلاق، والا فلم يبق اطلاق في البين لان لكل اطلاق قدر متيقن وإذا لا مانع من الاخذ باطلاق الصحيحة والعمل على طبقها إلا إذا قام اجماع على الخلاف ولم يقم. الرواية الثانية: صحيحة عبد الرحمن قال: (قلت لابي عبد الله


(1) الوسائل: باب 9 من أقسام الحج ح 6. (2) سورة الرعد آية 4.

[ 363 ]

[ (الثامن): فسخ، وهو ميقات الصبيان في غير حج التمتع - عند جماعة - بمعنى جواز تأخير احرامهم إلى هذا المكان، لا انه يتعين ذلك، ولكن الاحوط ما عن آخرين من وجوب كون احرامهم من الميقات لكن لا يجر دون إلا في فخ (1) ثم ان جواز التأخير على القول الاول انما ] (عليه السلام): اني أريد الجوار بمكة فكيف أصنع؟ فقال إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة فاحرم منها بالحج) (1). والحديث طويل وهو ظاهر صدرا وذيلا في ان الجعرانة ميقات لاهل مكة (2). ثم ان المصنف ذكر ان الاحرام للمذكورين من المنزل من باب الرخصة والا فيجوز لهم الاحرام من المواقيت، بل لعله أفضل لبعد المسافة وطول الزمان. أما جواز الاحرام من أحد المواقيت فهو على القاعدة لان كل ميقات ميقات لمن يمر عليه ولا يختص باهل بلاد خاصة فلا نحتاج إلى دليل خاص، والتعليل ببعد المسافة وطول الزمان للافضلية. (1) المعروف والمشهور بين الاصحاب أن فسخ ميقات


(1) باب 9 من أقسام الحج ح 5. (2) الجعرانة بكسر أوله وهي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. معجم البلدان.

[ 364 ]

[ هو إذا مروا على طريق المدينة، وأما إذا سلكوا طريقا لا يصل إلى فخ فاللازم احرامهم من ميقات البالغين. ] الصبيان (1) وناقش فيه غير واحد بان حكمهم حكم البالغين إذ لافرق في الطبيعة الصادرة من البالغين وغيرهم إلا من حيث الوجوب والندب فجيمع ما يعتبر في الحج بالنسبة إلى البالغين يعتبر فيه بالنسبة إلى غيرهم كما هو كذلك في سائر العبادات كالصلاة والصوم فان جميع موانع الصلاة مانعة لصلاة الصبي ايضا، وكل ما يعتبر في الصلاة يعتبر في صلاة الصبي ما لم يرد دليل بالخصوص، كما ورد جواز كشف الرأس في الصلاة بالنسبة إلى الامة. وبالجملة: اطلاق نصوص المواقيت، والنهي عن تأخير الاحرام عنها يشمل احرام الصبي ايضا. نعم ورد تجريد الصبيان من فخ في صحيحتين الاولى: صحيحة أيوب أخي أديم قال: (سئل أبو عبد الله (ع) من أين تجرد الصبيان؟ قال: كان أبي يجردهم من فخ) (2) ورواه الكليني بسند ضعيف فيه سهل بن زياد، ورواه الشحيخ بسند صحيح عن أيوب بن الحر. الثانيه: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام)


(1) فخ بفتح أوله وتشديد ثانية واد بمكة يبعد عنها بمقدار فرسخ واحد أستشهد فيه أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) سنة 169 هجرية. (2) الوسائل: باب 18 من المواقيت ح 1.

[ 365 ]

مثل ذلك. وليس التجريد بمعنى الاحرام بل التجريد معناه لغة إنما هو نزع شئ من شئ والمراد به في المقام نزع الثياب من الصبيان من فخ ولا ينافي ذلك احرامهم من الميقات فان التجريد ونزع الثياب من جملة احكام الاحرام وقد دل النص على عدم اجراء هذا الحكم بخصوصه على الصبيان إلى فخ وجوز لهم لبس المخيط فحالهم من هذه الجهة كالنساء في جواز لبس المخيط غاية الامر النساء يجوز لهن لبس المخيط إلى الاخير، والصبيان يجوز لهم لبس المخيط إلى فخ ومنه يجردون من ثيابهم. وبالجملة: أقصى ما يستفاد من النص تجريد الصبيان من ثيابهم من فخ وجواز لبس المخيط قبله وذلك أعم من الاحرام من فخ ولا وجه لحمل كلمة التجريد على الاحرام فالمتبع حينئذ اطلاق نصوص المواقيت المقتضي لاحرامهم منها. وقد يقال كما في الحدائق: بان بعض النصوص يدل صريحا على الاحرام بهم من الميقات كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى (بطن مر) ويصنع بهم مايصنع بالمحرم. الحديث) (1). وفيه، أن مفاد هذه الصحيحة يشبه مضمون صحيحة أيوب المتقدمة الدالة على مجرد نزع الثياب وتجريدهم عنها، وترتيب لوازم الاحرام واجراء احكامه على الصبيان من هذه المواضع لا الاحرام بهم منها


(1) الوسائل: باب 17 من أقسام الحج ح 3.

[ 366 ]

وذلك لذكر (بطن مر) (1) فانه غير ميقات جزما، فيكون ذكره قرينة على انه لانظر في هذه الروايات إلى الاحرام بهم من هذه المواضع. وبتعبير أوضح: المستقاد من هذه الصحاح أن الصبي لم يكن ملزما باجراء احكام الاحرام من الاول ومن مسجد الشجرة، بل يجوز لهم تأخير نزع الثياب إلى الجحفة أو إلى بطن مر أو إلى فخ، وذلك لا ينافي الاحرام بهم من الميقات كمسجد الشجرة. ولولا هذه النصوص لكان احرام الصبي كاحرام سائر الناس من البالغين إلا أن هذه الروايات تدل على جواز لبس المخيط للصبي إلى الجحفة أو إلى فخ وبطن مر رعاية لحاله وعدم تحمله للبرد ونحوه من المشاق، فليست الروايات في مقام بيان ميقات خاص للصبيان نعم خبر يونس بن يعقوب عن أبيه صريح في جواز أحرامهم من العرج أو الجحفة قال: (قلت لابي عبد الله (ع) أن معي صبية صغارا وأنا أخاف عليهم من البرد فمن أين يحرمون؟ قال: أيت بهم العرج (2) فليحرموا منها، فانك إذا أتيت بهم العرج وقعت في تهامه، ثم قال: فان خفت عليهم فايت بهم الجحفة) (3) ولكن لم يقل أحد بكون العرج ميقاتا للصبيان، وذلك قرينة على عدم جواز تأخير الاحرام إلى العرج. مضافا إلى ضعف السند بوالد يونس إذا لم يرد في حقه مدح


(1) بطن مر: بفتح الميم وتشديد الراء موضع على نحو مرحلة من مكة. (2) العرج بفتح العين وسكون الراء قرية من اعمال الفرع على أيام من المدينة. (3) الوسائل: باب 17 من أقسام الحج ح 7.

[ 367 ]

ولا قدح. وقد يتوهم من عبارة الحدائق كون الرواية موثقة للتعبير عنها بالموثق عن يونس ولكن قد ذكرنا أكثر من مرة ان المراد بذلك توثيق الرواية إلى يونس لا إلى ما بعد يونس وإلا لذكر موثقة والد يونس أو في الموثق عن أبي عبد الله (ع). وربما يقال: بان الرواية معتبرة لوجود هذا السند بعينه في تفسير علي بن ابراهيم (1)، فانه يروي عن يونس بن يعقوب عن يعقوب ابن قيس عن أبي عبد الله (ع) ويعقوب بن قيس والد يونس والمفروض ان جميع رجال التفسير ثقات ما لم يعارض بتضعيف غيره. وفيه أن والد يونس بن يعقوب وان كان يسمى (يعقوب بن قيس) لتصريح النجاشي بذلك وكذا الشيخ صرح في اصحاب الصادق (عليه السلام) من كتاب الرجال أن يعقوب بن قيس والد يونس بن يعقوب ولكن ذكر في اصحاب الباقر (ع) أن يعقوب بن يونس والد يونس بن يقعوب إلا أنه لم يثبت ان يعقوب بن قيس المذكور في التفسير والد يونس بن يقوب بل الظاهر انه لم يكن والدا له والا لقال في التفسير عن يونس بن يعقوب عن أبيه كما هو المتعارف المتداول فيما إذا كان الراوي عن أبيه كما في الكافي والتهذيب والوسائل، ولذا ترى جميع روايات أحمد بن محمد بن خالد البرقي التي يرويها عن أبيه لم يذكروا أسم أبيه بل يقولون عن أبيه والا لاحتمل ان يكون المراد من محمد بن خالد هو الاشعري لا البرقي الذي هو والد أحمد بن محمد. فتحصل: انه لادليل على جواز تأخير احرام الصبيان عن المواقيت


(1) تفسير علي بن ابراهيم: ج 2 ص 309 طبعة النجف.

[ 368 ]

[ (التاسع): محاذاة أحد المواقيت الخمسة، وهي ميقات من لم يمر على أحدها، والدليل عليه صحيحتا ابن سنان (1) ولا يضر اختصاصهما بمحاذاة مسجد الشجرة بعد فهم المثالية منهما وعدم القول بالفصل، ومقتضاهما محاذاة أبعد الميقاتين إلى مكة إذا كان في طريق يحاذي أثنين، فلا وجه ] بل حالهم حال البالغين وانما أجيز لهم لبس المخيط إلى فخ، ففي الحقيقة استثناء بالنسبة إلى لبس المخيط لا أستثناء بالنسبة إلى الاحرام من مسجد الشجرة. ثم أن جواز تأخير الاحرام لهم - على القول به - يختص بمن يمر على فخ وأما من لا يمر به كما إذا سلكوا طريقا لا يصل إلى فخ فاللازم احرامهم من ميقات البالغين، لاختصاص الدليل بذلك. (1) المعروف بين الاصحاب أن محاذاة أحد المواقيت الخمسة ميقات لمن لا يفضي طريقه إليها. واستدل له في المتن بصحيحتي ابن سنان، وانما عبر عنهما بالصحيحتين مع أن الرواية واحدة، لاختلافهما في الطريق والمتن يسيرا. الاولي: ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (قال: من أقام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج ثم بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال، فيكون حذاء الشجرة من البيداء) (1)


(1) الوسائل: باب 7 من المواقيت ح 1 و 3 و 2.

[ 369 ]

الثانية: ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (قال: من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهرا أو نحوه ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها) (1). ودلالتهما على كفاية المحاذاة في الجملة واضحة. وقد يقال: بانه يعارضهما مرسل الكليني حيث قال: وفي رواية أخرى (يحرم من الشجرة ثم يأخذ أي طريق شاء) (2). وخبر ابراهيم بن عبد الحميد المتقدم (عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الايام يعني الاحرام من الشجرة وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها، فقال: لا وهو مغضب من دخل المدينة فليس له أن يحرم الا من المدينة) (3). وأجيب: بضعفهما سندا وهجرهما عند الاصحاب. ولكن قد عرفت أن خبر ابراهيم معتبر لان جعفر بن محمد بن حكيم المذكور في السند وان لم يوثق في كتب الرجال ولكنه ثقة لانه من رجال كامل الزيارة. والصحيح أن يقال: أنه لا معارضة في البين لان مفاد خبر ابرهيم ابن الحميد هو المنع عن العدول من الشجرة إلى غيرها، وأما إذا احرم من المحاذاة رأسا فلا يشمله المنع. وبالجملة لا ينبغى الريب في دلالة صحيحة ابن سنان على كفاية المحاذاة في الجملة ولا معارض في البين.


(1) و (2) الوسائل: باب 7 من المواقيت ح 1 و 3 و 2. (3) الوسائل: باب 8 من المواقيت ح 1.

[ 370 ]

إنما الكلام في جهات: الاولى: التعدي عن مورد الصحيحة - وهو محاذاة مسجد الشجرة - إلى محاذاة غيره من المواقيت. الثانية: هل يختص الحكم بكفاية المحاذاة بالاقامة في المدينة شهرا كما جاء ذلك في الرواية. الثالثة: هل يختص الحكم بمن يريد الحج في مدة الاقامة في المدينة أو يشمل من لم يكن قاصدا للحج ثم بدى له. وبتعبير آخر: قد اشتملت الصحيحة على قيود متعددة فهل يقتصر عليها أم يتعدى عنها؟. والظاهر هو الاقتصار على مورد الصحيحة لان الحكم على خلاف القاعدة، ولا يمكن الغاء هذه القيود لان جميع هذه القيود والخصوصيات مأخوذة في كلام الامام (ع) على نحو القضية الحقيقية الشرطية. وحملها على مجرد المثال بعيد جدا، ولذا اقتصرنا في المناسك على مورد النص. ثم أن ظاهر الصحيحة الثانية لزوم الاحرام في خصوص مسيرة ستة أميال ومقتضاه انه إذا بلغ السير إلى سبعة أميال أو أكثر لا يجوز له الاحرام، ولو كان محاذيا كما إذا سار سبعة أميال بالخط غير المستقيم لان المتفاهم من قوله: (فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها) أن السير بمقدار سته أميال له خصوصية وموضوعية في الحكم، ولكن المستفاد من الصحيحة الاولي أن العبرة بمطلق المحاذاة لقوله: (فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء) لان المراد بذلك انه إذا سار ستة أميال فليحرم لكونه محاذيا للشجرة فيظهر من ذلك أن العبرة بالمحاذاة وأنما ذكر التحديد.

[ 371 ]

[ للقول بكفاية أقربهما إلى، مكة وتتحقق المحاذاة بأن يصل في طريقة إلى مكة إلى موضع يكون بينه وبين مكة باب ] بالسير بمقدار ستة أميال لانه على نحو القضية الشخصية الخارجية ومن باب انطباق الكلي على أحد المصاديق، ولعل وجهه أن السير المتعارف في ذلك الزمان كان بالخط المستقيم بمقدار ستة أميال. فالمستفاد إذا من الصحيحة أنه لا عبرة بمسيرة ستة أميال، بل العبرة بالمحاذاة وان كان السير اكثر من تلك كسبعة أميال أو ثمانية ونحو ذلك مما لا يمنع من رؤية المحاذي له فيما إذا لم يكن موانع وحواجز في سطح الارض، نعم لا عبرة بالمسافة البعيدة كعشرين فرسخا أو أكثر أو أقل. وبتعبير آخر: أنه إذا حصلت المحاذاة بالسير بمقدار سبعة أميال أو ثمانيه أو نحو ذلك كما إذا كان السير بخط منكسر فلا مانع من الاحرام في الموضع المحاذي وإن كان السير أزيد من ستة أميال، ولعل ستة أميال المأخوذة في الرواية لاجل أن الطريق الذي كان يسلكه أهل المدينة في الزمان السابق كان بمقدار ستة أميال فهي قضية خاصة في مورد خاص فالسير بمقدار ستة أميال ليس دخيلا في الحكم فهذه الخصوصية ملغية بدعوي أن الظاهر من الصحيحة كون العبرة بحذاء الشجرة سواء كان السير بالخط المستقيم أو غيره لكن فيما إذا كان البعد قليلا كستة أميال أو سبعة أو ثمانية ونحو ذلك وأما إذا كان الفصل كثيرا فلا عبرة بالمحاذاة ويجب على الرواح إلى الميقات كما لاوجه للتعدي إلى سائر المواقيت فانه يحتاج إلى دليل خاص

[ 372 ]

[ وهي بين ذلك الميقات ومكة بالخط المستقيم، وبوجه آخر يكون الخط من موقفه إلى الميقات أقصر الخطوط في ذلك الطريق (1) ثم أن المدار على صدق المحاذاة عرفا، فلا يكفي إذا كان بعيدا عنه فيعتبر فيها المسامتة كما لا يخفي واللازم حصول العلم بالمحاذاة ان أمكن، والا فالظن الحاصل من قول أهل الخبرة، ومع عدمه أيضا فاللازم الذهاب إلى الميقات، أو الاحرام من أول موضع احتماله واستمرار النية والتلبية إلى آخر مواضعه، ولا يضر احتمال كون الاحرام قبل الميقات حينئذ مع أنه لا يجوز. ] (1) وأما المحاذاة فقد ذكر المصنف (ره) انها تتحقق بأحد أمرين: الاول: أن يصل في طريقه إلى مكة إلى موضع يكون بينه وبين مكة كما بين ذلك الميقات ومكة، بمعنى: أنه يكون مقدار المسافة بين موقفه إلى مكة كالمسافة بين مكة وذلك الميقات فالمسافتان متساويتان فذلك الموضع الذى وقف فيه يعتبر محاذيا للميقات. الثاني: أن يكون الخط الواصل بينه وبين الميقات أي الخط بين موقفه إلى الميقات أقصر الخطوط في طريقه وأقل من بقية الاماكن. وكلا هذين الامرين غير تام. أما الاول: فلان النسبة المذكورة ربما تكون ثابتة في موارد كثيرة ومع ذلك لاتصدق على ذلك الموقف المحاذاة.

[ 373 ]

وتوضيحه: إنا لو رسمنا دائرة وجعلنا مركزها مكة المكرمة فكل جزء من تلك الدائرة نسبته إلى المركز نسبة واحدة لا يختلف عن بقية أجزاء الدائرة، لان الخطوط الخارجية من المحيط إلى المركز متساوية فكل من وصل إلى الدائرة من كل طرف من أطراف الخط الدائري يكون الفصل بين موقفه ومكة مساويا للفصل بين مسجد الشجرة ومكة لان جميع الخطوط المارة من الميحط إلى المركز متساوية، ولازم ذلك أن تصدق المحاذاة على كل من وصل إلى الدائرة من أي جانب من جوانبها كان حتى إذا كان واقفا في الطرف المواجه إلى مسجد الشجرة، وهذا مما لا يمكن الالتزام به أصلا، ولا يعد ذلك من المحاذاة أبدا مع أن المسافة متحدة والفصل بينه وبين مكة كالفصل بين مسجد الشجرة ومكة. وبعبارة أخرى: ان الذي قصد مكة المكرة ان وقف في نصف الدائرة الواقع قبال مسجد الشجرة كان الشخص مواجها للميقات لا محاذيا له. وان وقف في النصف الاخر الذي وقع فيه مسجد الشجرة فان كان موقفه في رأس أول ربع الدائره كما لو بعد عن المسجد بتسعين درجة ففي مثله لاتتحقق المحاذات بل يكون المسجد خارجا عن يمينه أو يساره. نعم تتحقق المحاذاة للميقات فيما لو سار ووصل إلى مركز الدائرة وهي مكة المشرفة فيكون مسجد الشجرة حينئذ عن يمينه أو يساره ولا فائدة في ذلك أبدا. وبتعبير آخر انا لو رسمنا خطين متقاطعين في دائرة يمر أحدهما

[ 374 ]

من الجنوب إلى الشمال والآخر من المشرق إلى المغرب فتكون نتيجة ذلك أن الخطين يربعان الدائرة وكل منهما يمر بالمركز أحدهما من مسجد الشجرة وإلى الطرف المواجه له والاخر من الطرف الآخر إلى مقابله ويحدث بذلك زوايا ذات قوائم أربعة فإذا وصل الذاهب إلى مكة إلى أول الخطيهن من جانب الشجرة لا تتحقق بذلك محاذاة لمسجد الشجرة إلا إذا وصل إلى مكة مركز الدائرة فيكون مسجد الشجرة عن يساره أو عن يمينيه بعد الوصول إلى مكة المشرفة، وما لم يصل لا يكون محاذيا مع أن البعد من موقفه إلى مكة مساو للبعد بين مسجد الشجرة ومكة لان البعد من أول الربعين إلى مكة يساوي البعد من الشجرة إلى مكة مع أنه لا يحاذي مسجد الشجرة قطعا، وكذلك كلما سار وتوجه إلى مكة لا تتحقق المحاذاة وان قلت المسافة الا إذا وصل إلى مركز التقاطع وهو مكة المكرمة - كما قلنا - فالمحاذاة لاتتحقق بتساوي المسافتين بين موقفه ومكة بين الميقات ومكة لا من الجانب المواجه للشجرة من الدائره ولا من جهة النصف الآخر الذي وقع فيه مسجد الشجرة وأما الوجه الثاني فباطل أيضا: لانه لو فرضنا انه توجه إلى مكة من موقفه الواقع على الخط المحيط للدئرة على درجة خمس وأربعين من الدائرة أي نصف الربع فدخل في الدائرة فيكون بينه وبين مسجد الشجرة خطا وهميا موصلا بينهما ويشكل بذلك زاوية من الخطوط المارة في طريقه إلى مسجد الشجرة، ولاريب أن الخط المار من وسط المثلث أقرب الخطوط وأقصرها من الضلعين إلى الميقات مع أنه خارج عن المحاذاة.

[ 375 ]

وبعبارة واضحة: لو كان الميزان في المحاذاة بكون الخط من موقفه إلى الميقات أقصر من سائر الخطوط فلازمه كون الخط من وسط الزاوية محاذيا لكونه أقصر وأقل مسافة من الخط الواصل بين موقفه والميقات مع أن ذلك خارج عن المحاذة حسا لاستلزامه الانحراف عن الميقات يمينا أو شمالا وليس بمواز له. فتحصل؟ مما تقدم: انه لادليل على كفاية مطلق المحاذاة الا في خصوص مسجد الشجرة في صورة خاصة مما يصدق عليه المحاذاة عرفا فالتعدي إلى غير ذلك مما لاوجه له ولا اجماع في المقام، ولذا لانكتفي بالمحاذاة إذا كان الفصل كثيرا وان كان محاذيا حقيقية حسب الدفة. والذي يؤكد ذلك: ان مسجد الشجرة أبعد المواقيت إلى مكة، وأما الجحفة التي هي ميقات لاهل الشام وكذا العقيق الذي هو ميقات لاهل العراق فهما أقرب إلى مكة من مسجد الشجرة، فمن يأتي من العراق أو الشام أو المغرب متوجها إلى مكة التي تقع في نقطة الجنوب بالنسبة إليهم يكون محاذيا لمسجد الشجرة قبل الوصول إلى الجحفة أو العقيق لانهما أقرب إلى مكة ومع ذلك يكون ميقاتهم الجحفة أو العقيق وهذا شاهد على عدم كفاية محاذاة الشجرة. ثم أنه بناءا على الاكتفاء بالمحاذاة مطلقا فلو كان في طريقه ميقاتان فالعبرة بمحاذاة أبعدهما كما إذا فرضنا أنه يحاذي مسجد الشجرة والجحفة فاللازم أن يحرم من محاذاة مسجد الشجرة لان الظاهر من قوله (فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال) وجوب الاحرام من هذا المكان المحاذي فهو كأنه يمر بميقات وليس له التأخير إلى ميقات آخر فضلا عن محاذيه، وتشمله الادلة المانعة عن المرور بالميقات بلا احرام.

[ 376 ]

[ لانه لا بأس به إذا كان بعنوان الاحتياط (1) ولا يجوز اجراء اصالة عدم الوصول إلى المحاذاة أو أصالة عدم وجوب الاحرام، لانهما لا يثبتان كون ما بعد ذلك محاذيا والمفروض لزم كون انشاء الاحرام من المحاذاة، ويجوز لمثل هذا الشخص ان ينذر الاحرام قبل الميقات فيحرم في ] (1) إذا ثبت حجية بعض الظنون الخاصة كخبر الواحد الثقة في الموضوعات - وان لم تثبت حجيته في بعض الموارد واحتياجه إلى شهادة عدلين - فالتقييد في كلامه (قدس سره) بانه يلزم حصول العلم بالمحاذاة أن أمكن والا فالظن، مما لاوجه له لان اللازم تحصيل الحجة كخبر الثقة أو الاطمئنان ولا تتوقف حجيتهما على عدم التمكن من العلم، ولو فرضنا عدم حجية خبر الثقة، وقول اهل الخبرة فلا يجوز العمل بالظن مطلقا حتى إذا لم يتمكن من تحصيل العلم فلابد حينئذ من أن يمضي إلى ميقات آخر أو ينذر الاحرام قبل الميقات فان عدم التمكن من العلم لا يوجب حجية ما لاحجية له. فالاظهر أن يقال: انه يلزم عليه تحصيل الحجة على المحاذاة من علم أو ظن معتبر أو اطمئنان، وان لم يتمكن من ذلك يذهب إلى ميقات آخر أو ينذر الاحرام من أول موضع احتمال المحاذاة فان كان قبل المحاذي يصح احرامه بالنذر وان كان محاذيا واقعا يصح ولو لم يتعلق به النذر. ويمكن أن يحرم احتياطا من أول موضع احتمال المحاذاة ويستمر في النية والتلبية إلى آخر مواضعه وبذلك يحرز وقوع الاحرام محاذيا

[ 377 ]

[ اول موضع الاحتمال أو قبله على ما سيأتي من جواز ذلك مع النذر، والاحوط في صورة الظن أيضا عدم الاكتفاء به واعمال أحد هذه الامور، وإن كان الاقوى الاكتفاء بل الاحوط عدم الاكتفاء بالمحاذاة مع امكان الذهاب إلى الميقات، لكن الاقوى ما ذكرنا من جوازه مطلقا. ثم ان أحرم في موضع الظن بالمحاذاة ولم يتبين الخلاف فلا اشكال، وان تبين بعد ذلك كونه قبل المحاذاة ولم يتجاوزه أعاد الاحرام، وان تبين كونه قبله وقد تجاوز أو تبين كونه بعده فان أمكن العود والتجديد تعين، والا فيكفي في الصورة الثانية ويجدد في الاولى في مكانه، والاولى التجديد مطلقا (1). ] للميقات. ويشكل: بانه يلزم من ذلك الاحرام قبل الميقات، لان الاصل يقتضي عدم الوصول إلى المحاذي، والاحرام قبل الميقات غير جائز وأجاب عنه في المتن: بان حرمة الاحرام قبل الميقات حرمة تشريعية لاحرمة ذاتية فلا مانع من الاتيان به رجاءا واحتياطا، لان الحرمة التشريعية لا تنافي الاتيان على نحو الاحتياط والرجاء. (1) لو أحرم في موضع قيام الحجة على المحاذاة ولم ينكشف الخلاف فلا كلام. وان انكشف الخلاف قبل الوصول إلى االمحاذي أعاد الاحرام في موضع المحاذي، والاحرام الاول باطل قطعا ولا أثر لقيام الحجة

[ 378 ]

عنده لارتفاع حجيتها بانكشاف الخلاف على الفرض من دون فرق بين كون الامر الظاهري مجزيا عن الامر الواقعي أم لا، فلا يبتني الحكم باعادة الاحرام على عدم الاجزاء في موافقة الحكم الظاهري كما توهم. بل لو قلنا باجزاء الامر الظاهري عن الحكم الواقعي لا يمكن القول به في المقام وذلك لان محل البحث في الاجزاء أنما هو فيما إذا كان الامر الواقعي موجودا ولكن لا يعلم به وكان الامر الظاهري مخالفا له، فيقع البحث حينئذ في ان الامر الظاهري هل يجزي عن الامر الواقعي الموجود أم لا؟. كما إذا قام الدليل على عدم اعتبار السورة في الصلاة ثم انكشف الخلاف وتبين وجود الدليل على لزوم السورة فيصح أن يقال: ان الامر الظاهري يجزي عن الامر الواقعي أم لا؟. وأما إذا فرضنا انه لم يكن للامر الواقعي وجود أصلا حين الاتيان بالامر الظاهري وانما يحدث بعد ذلك فلا مجال ولا مورد للاجزاء كما إذا صلى قبل الوقت فانه لا أمر بالصلاة اصلا وأنما هو تخيل وتوهم لوجود الامر. وبالجملة: لامورد للاجزاء في المقام أصلا حتى على قول الاشعري القائل بالتصويب وانقلاب الواقع إلى ما أدى إليه الظاهر لان الاجزاء - حتى على القول بالتصويب - انما يتحقق فيما إذا كان للامر الواقعي وجود ولكن لا يعلم به واما إذا لم يكن موجودا اصلا فلا مجال للاجزاء أبدا نظير ما لو صام في شعبان بدلا عن شهر رمضان. واما لو انكشف الخلاف بعد التجاوز عن المحاذي وعلم عندئذ أن احرامه كان قبل المحاذي أو بعده، ذكر في المتن أنه يجب عليه العود

[ 379 ]

والتجديد في الموضع المحاذي في كلا الصورتين أن أمكن والا ففي الصورة الاولى - وهي ما إذا أحرم قبل المحاذي - يجدد الاحرام في مكانه، وفي الصورة الثانية - وهي ما إذا أحرم بعد المحاذاة - يكتفي باحرامه وان كان الاولى التجديد مطلقا. وما ذكره وان كان صحيحا الا أن ما اختاره عن الاكتفاء بالاحرام في الصورة الثانية على أطلاقه غير تام. بل لابد من التفصيل بين ما إذا لم يكن قادرا في وقت الاحرام من الرجوع واقعا فكانت وظيفته الواقعية حال الاحرام عقده من هذا المكان لعدم قدرته على العود واقعا فاحرامه صحيح وقد أتى بوظيفته ولا حاجة إلى التجديد. وبين ما إذا كان يمكنه الرجوع حال الاحرام وان تعذر عليه فعلا حين الالتفات وانكشاف الخلاف ففي مثله لابد من تجديد الاحرام من هذا المكان ولا يكتفى بالاحرام الاول، لان الاحرام في غير الميقات انما يجوز لمن لا يتمكن من الرجوع والوصول إلى الميقات، وهذا العنوان غير صادق على هذا الشخص لان المفروض انه كان متمكنا من الرجوع إلى الميقات حال الاحرام وان تعذر عليه حال الالتفات فيكون احرامه باطلا ولابد من تجديده، وعقده ثانيا. ملاحظة: لابد لنا من بيان نبذة ترجع إلى توضيح ما يتعلق بالاجزاء وعدمه مما يخص المقام. فنقول: قد عرفت ان محل الكلام في اجزاء الامر الظاهري عن

[ 380 ]

الواقعي إنما هو في متعلق التكليف من جهة الاختلاف في جهة من الجهات كفقدان الجزء والشرط للواجب لا في شرائط التكليف والوجوب. بيان ذلك: انهم قسموا الواجب إلى المطلق والمشروط وزاد صاحب الفصول قسما آخر وهو الواجب المعلق وجعله من أقسام الواجب المطلق فانه قسم الواجب المطلق إلى المنجز والمعلق وفسر المعلق بما كان الوجوب فعليا والواجب إستقباليا. وقد ذكرنا في المباحث الاصولية ان ما ذكره صاحب الفصول وان كان صحيحا ولا يرد عليه الاشكال المعروف من تخلف الوجوب عن الايجاب ولكن ما ذكره ليس قسما مقابلا للمشروط بل المعلق بعينه هو الواجب المشروط غاية الامر مشروط بالشرط المتأخر،؟ فان الواجب المشروط قد يكون مشروطا بالشرط المقارن كاشتراط وجوب الصلاة بالوقت فان الوقت شرط مقارن ويحدث الوجوب بحلول الوقت وأما قبله فلا وجوب. وقد يكون مشروطا بالشرط المتأخر فيكون الوجوب فعليا كوجوب الصوم من أول غروب الشمس في اللية الاولى من شهر رمضان بناءا على أن المراد بقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (1) دخول شهر رمضان ورؤية هلاله، فالمكلف من الليل مأمور بالصوم غاية الامر مشروطا بدخول النهار، وكذلك الحج فانه واجب عليه بالفعل ولكنه مشروط ببقاء الاستطاعة إلى زمان اتيانه. ثم أن الاجزاء انما يجري في فقدان الجزء أو الشرط للمتعلق لكن


(1) سورة البقرة آية 185.

[ 381 ]

[ ولا فرق في جواز الاحرام في المحاذاة بين البر والبحر (1) ثم ان الظاهر أنه لا يتصور طريق لا يمر على ميقات ولا يكون محاذيا لواحد منها، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب فلابد من محاذاة واحدة منها، ولو فرض امكان ذلك فاللازم الاحرام من أدنى الحل، وعن بعضهم انه يحرم من موضع يكون بينه وبين مكة بقدر ما بينها وبين أقرب المواقيت إليها وهو مرحلتان، لانه لا يجوز لاحد قطعة الا محرما، وفيه: انه لا دليل عليه، لكن الاحوط الاحرام منه وتجديده في أدنى الحل (2). ] بعد فرض فعليه الوجوب وتحققه، وأما بالنسبة إلى شرط الوجوب إذا لم يكن متحققا نظير تخلف الوقت بالنسبة إلى الصلاة فلا مجال للاجزاء أصلا وكذا إذا كان الواجب تعليقيا كما إذا كان محبوسا ولم يميز بين النهار والليل فصام في الليل معتقدا انه النهار فانكشف الخلاف فلا مجال للاجزاء، وكذلك الحج فانه وان كان واجبا معلقا ولكن إذا أحرم قبل الميقات وقبل تحقق الشرط والوصول إلى الميقات فلا مجال للاجزاء أبدا حتى إذا قلنا باجزاء الامر الظاهري عن الواقعي، وذلك لان الامر الواقعي في المقام غير موجود لنقول باجزائه عنه. (1) والامر كما ذكره من عدم الفرق بين جواز الاحرام في المحاذاة بين البر والبحر. (2) تضمنت عبارة المتن المذكورة أمرين: - أحدهما: أنه هل يتصور طريق لا يمر على ميقات - ولايكون

[ 382 ]

محاذيا لواحد منها؟. ثانيهما: لو فرض امكان ذلك فمن أين يحرم؟. أما الاول: فيبتني على الالتزام بكفاية المحاذاة وعدمها فان قلنا بعدم الاجتزاء بالمحاذاة أصلا - كما هو المختار عندنا لان المحاذاة انما وردت في مورد خاص - فيمكن أن يسلك طريقا لم يؤد إلى الميقات، وكذا لو قلنا بكفاية المحاذاة إذا كانت قريبة إذ يمكن أن يختار طريقا بعيدا لاتتحقق معه المحاذاة. وأما إذا قلنا باجتزاء بمطللق المحاذي ولو عن بعد فلا يمكن ان لا يمر على ميقات أو محاذيه، لما أشار إليه في المتن من أن المواقيت محيطة بالحرم من جميع الجوانب ومكة واقعة في وسط الحرم تقريبا فكل من يذهب إلى مكة يمر على ميقات أو محاذيه. ويظهر من المصنف هنا ما ينافي كلامه السابق لانه تقدم منه عدم الاكتفاء بالمحاذاة عن بعد ويظهر منه هنا الاجتزاء بالمحاذاة ولو كان عن بعد. وأما الثاني، وهو حكم من لا يمر على ميقات ولا بالمحاذي - بناءا على امكان ذلك - ذكر في المتن ان للازم عليه الاحرام من أدنى الحل. ويستدل له بالمطقات الناهية عن دخول الحرم بلا احرام (1) بضميمة اصالة البرائة عن وجوب الاحرام عن المواقيت المعينة لمن لا يمر بالميقات ومحاذيه ونتيجة الامرين لزوم الاحرام من أدنى الحل. وبالجملة: لو فرض عدم المرور على الميقات ولا على محاذيه فقد


(1) الوسائل: باب 50 من الاحرام.

[ 383 ]

وقع الكلام في موضع الاحرام، فذهب بعضهم إلى انه يحرم من مساواة أقرب المواقيت إلى مكة، أي يحرم من موضع يكون بينه وبين مكة بقدر ما بينها وبين أقرب المواقيت وهو مرحلتان، وذهب بعضهم إلى أنه يحرم من أدنى الحل. أما الاول: فلا دليل عليه أصلا. وأما الثاني: فاستدل له بالروايات الدالة على عدم جواز دخول الحرم بلا احرام. مضافا إلى أصالة البرائة عن لزوم الاحرام من المواقيت المعينة. ويرده: ان الروايات الواردة في المقام مختلفة بعضها يدل على عدم جواز الدخول في الحرم إلى محرما. وبعضها: يدل على جواز دخول مكة إلا محرما فلا بد من تقييد مادل على عدم جواز الدخول في الحرم إلا محرما بما إذا أراد الدخول إلى مكة إذ لو وجب الاحرام لدخول الحرم فلا يبقى أثر وفائدة لوجوب الاحرام لدخول مكة لانها واقعة في وسط الحرم تقريبا فيكون الحكم بلزوم الاحرام لدخول مكة لغوا، فيعلم من ذلك انهما ليسا حكمين مستقلين بل الحكم يلزوم؟ الاحرام لدخول الحرم من باب المقدمة لدخول مكة وانه في الحقيقة يجب الاحرام لدخول مكة وان الممنوع دخول مكة بلا احرام وانما يجب الاحرام لاداء النسك من العمرة، أو الحج، وأما الاحرام وحده وان كان عبادة ولكن لا يستقل بنفسه ولذا لو أراد الدخول في الحرم ولم يكن قاصدا لدخول مكة لا يجب عليه الاحرام ولا خلاف بينهم في عدم وجوب الاحرام على من لم يرد النسك كالحطاب ونحوه ممن يتكرر دخوله لحاجة في خارج مكة

[ 384 ]

والحاصل: لا يستفاد من الروايات أن هناك واجبين أحدهما لزوم الاحرام لدخول الحرم والآخر الاحرام لدخول مكة، وعلى كلا التقديرين لا دلالة في الروايات على تعيين موضع الاحرام. بل لو كنا نحن وهذه الروايات ولم يكن دليل خارجي على تعيين مواضع الاحرام لا لتزمنا بجواز الاحرام له من أي مكان شاء، ولكن علمنا من أدلة اخرى عدم التخيير له في مواضع الاحرام وانما يجب عليه الاحرام من مواضع خاصة فلا يصح الاستدلال بهذه الروايات على لزوم الاحرام من أدني الحل. وأما اصالة البرائة عن وجوب الاحرام من المواقيت فلا تثبت لزوم الاحرام من أدنى الحل. بيان ذلك: أنا نعلم أجمالا بوجوب الاحرام من موضع ما، ولولا هذا العلم لجاز الاحرام من أي موضع شاء ولكن نعلم بلزوم الاحرام إما من أدنى الحل واما من سائر المواقيت فكل منهما طرف للعلم الاجمالي ولا يمكن اثبات احدهما دون الآخر باجراء الاصل في أحد الطرفين لان كلا منهما محتمل الوجوب والاصل فيهما على حد سواء. بل لاريب في ان مقتضى الاحتياط هو الاحرام من المواقيت المعروفة لانه يجزي قطعا، واما الاحرام من أدنى الحل فلم يثبت وجوبه أو الاكتفاء به واصالة البراءة في كل من الطرفين معارضة باصالة البرائة في الآخر، فمقتضى القاعدة هو الاشتغال المقتضي للاحرام من المواقيت المعينة لانه مجزء قطعا. على انه لا مجال لاصالة البراءة مع النصوص الدالة على لزوم الاحرام من المواقيت المعروفة وعدم جواز العدول عنها، ففي صحيحة

[ 385 ]

الحلبي (ولا ينبغي لاحد أن يرغب عن مواقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). وفي صحيحة على بن جعفر (فليس لاحد أن يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها) (2). وغيرهما من الروايات فان المستفاد منها وجوب الذهاب إلى هذه المواقيت وعدم جواز العدول والاعراض عنها. والذي ينبغي أن يقال: في توضيح جريان اصالة البرائة في المقام والاكتفاء، بالاحرام من أدنى الحل، انه لاريب في اننا نعلم اجمالا بوجوب الاحرام من موضع ما قبل الدخول في الحرم فان تعين موضعه بدليل معتبر فهو والا فالمتبع في تعيين موضعه هو الاصل العملي، ولا اشكال في أن الاحرام من المواضع المعروفة مجزئ قطعا، وانما الكلام في جواز الاجتزاء بغير ذلك كأدنى الحل، فيكون المقام من دوران الامر بين الاقل والاكثر إذ لا ندري ان الواجب هو الاعم الجامع بين المواقيت وبين غيرها كأدنى الحل، أو ان الواجب خصوص الاحرام من المواقيت وبعبارة اخرى: لاريب في انا نعلم بعدم جواز الاحرام من غير هذه الاماكن وان المكلف لم يكن مخيرا في موضع احرامه بل يلزم عليه الاحرام اما من خصوص هذه المواقيت المعروفة، أو من الاعم منها ومن أدنى الحل، فيكون المقام من دوران الامر بين التعيين والتخيير المعبر عنه بالاقل والاكثر أيضا، فان الاقل هو التخيير لالغاء قيد الخصوصية والاكثر هو التعيين لاخذ قيد الخصوصية، والمعروف


(1) و (2) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 3 و 9.

[ 386 ]

والمشهور هو جريان أصالة البرائة عن الاكثر أي عن التعيين فالنتيجة هي التخيير هذا على مسلك المشهور في جريان البرائة في أمثال المقام. وأما مسلك المحقق صاحب الكفاية من أن الاقل والاكثر إذا كانا من قبيل العام والخاص فلا تجري البرائة العقلية ولا النقلية، وإنما تجري قاعدة الاحتياط، وذلك لان كلا من العام والخاص وجود بنفسه وليس الخاص وجودا للعام وزيادة فالرقبة المؤمنة في مثال ما لو قال المولى لعبده اعتق رقبة مؤمنة ليست رقبة وزيادة بل الرقبة المؤمنة وجود مستقل فان اعتق الرقبة في ضمن غير المؤمنة فقد اتى بما بباين؟ المأمور به وان أتى بالمؤمنة فقد أتى بما هو الواجب في نفسه فالشك في اعتبار الايمان في الرقبة ليس شكا في الزيادة ليدفع باصالة البراءة. وبتعبير آخر: اتيان الطبيعي في ضمن غير المقيد اتيان بأمر مباين للمقيد والشك بينهما من المتباينين. نعم لا بأس بجريان البراءة في احتمال الشرطية لان الواجب أمر معلوم ونشك في اشتراطه بأمر آخر فيدفع بالاصل. ومسألة الدوران بين التعيين والتخيير في المقام من قبيل العام والخاص ويرجع الشك فيها إلى الشك بين المتباينين ومقتضى الاصل هو الاشتغال وكذلك لا مجال للبراءة بناءا على ما سلكه شيخنا الاستاذ (قدس) في التعيين والتخيير. وحاصل ما ذكره ان البراءة إنما تجري عن التعيين إذا لم تكن الاطراف بنظر العرف متبيانة والا فيجري الاشتغال فإذا دار الواجب بين نوعين وصنفين كالعبد والامة تجري اصالة الاشتغال لانهما بنظر العرف متباينان وإن كانا بحسب الدقة متحدين وداخلين تحت جنس واحد، وكذا يجري الاشتغال فيما لو دار الواجب

[ 387 ]

بين كونه جنسا أو نوعا خاصا فان الجنس لا وجود له إلا بالنوع والشك بينهما من قبيل الشك بين المتباينين. فالاحرام من المواقيت الخاصة أو الاعم منها ومن أدنى الحل اما من قبيل العام والخاص الذي ذكره صاحب الكفاية، واما انهما يختلفان بنظر العرف كالنوعين وعلى كل التقديرين يجري الاشتغال لا البراءة. ولكن قد ذكرنا في محله انه لافرق في جريان البراءة في الاقل والاكثر بين العام والخاص وبين الجنس والنوع، ففيما نحن فيه تجري البراءة عن الخصوصية الزائدة المقيدة بالمواقيت المعروفة، فيكتفي بالاحرام من أدنى الحل. هذا ولكن مع ذلك لا مجال لجريان البراءة في المقام ولا يمكن الحكم بالاكتفاء بادنى الحل، وذلك لان من جملة الاطراف المحتملة الاحرام من مرحلتين أي مساواة أقرب المواقيت إلى مكة كما ذهب إليه جماعة فلا اجماع على الخلاف، فحينئذ تكون الاطراف ثلاثة: الاحرام من أدنى الحل، ومن المواقيت المعروفة، ومن مرحلتين، فنعلم اجمالا باكتفاء الاحرام من خصوص المواقيت أو الجامع بينها وبين أدنى الحل أو الجامع بين المواقيت وادنى الحل وبين الاحرام من مرحلتين. فالنتيجة انه يتخير بين الامور الثلاثة واصالة البراءة عن المواقيت لاتعين الاحرام من أدني الحل لان العلم الاجمالي على الفرض ذو أطراف ثلاثة: هذا كله مع قطع النظر عن النصوص الدالة على لزوم الذهاب إلى المواقيت المعروفة والاحرام منها وعدم جواز العدول والاعراض عنها إلى غيرها.

[ 388 ]

[ (العاشر): أدنى الحل وهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الافراد، بل لكل عمرة مفردة (1) والافضل أن يكون من الحديبية أو الجعرانة، أو التنعيم فانها منصوصة، وهي من حدود الحرم على اختلاف بينها في القرب والبعد، فان الحديبية - بالتخفيف أو التشديد - بئر بقرب مكة على طريق جدة دون مرحلة ثم اطلق على الموضع، ويقال نصفه في الحل ونصفه قي الحرم، والجعرانة - بكسر الجيم وتشديد الراء أو بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء - موضع بين مكة والطائف على سبعة أميال، والتنعيم موضع قريب من مكة وهو أقرب أطراف الحل إلى مكة ويقال بينه وبين مكة أربعة أميال، ويعرف بمسجد عائشة - كذا في مجمع البحرين - وأما المواقيت الخمسة فعن العلامة (رحمه الله) في المنتهى ان أبعدها من مكة ذو الحليفة فانها على عشرة مراحل من مكة، ويليه في البعد الجحفة، والمواقيت الثلاثة الباقية على مسافة واحدة بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان، وقيل الجحفة على ثلاث مراحل من مكة. ] (1) الظاهر انه لا خلاف بينهم في كون أدنى الحل ميقاتا للعمرة المفردة بعد حج القران والا فراد، كما انه ميقات للعمرة المفردة لمن

[ 389 ]

كان في مكة ومراد المصنف من قوله: (بل لكل عمرة مفردة) العمرة المفردة لمن أراد العمرة وحدها من مكة، وأما النائي الخارج من مكة فميقات عمرته سائر المواقيت المعروفة كما سيأتي في المسألة السادسة ففي العبارة مسامحة واضحة. فكيف كان: الذي يدل على أن أدنى الحل ميقات للعمرة المفردة إنما هو روايتان: الاولى: صحيحة جميل قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية، قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم؟ فتحرم فتجعلها عمرة قال ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة) (1). وربما يشكل الاستدلال بها من جهتين: إحداهما: أنها واردة في العمرة المفردة المسبوقة بالحج وكلامنا في مطلق العمرة المفردة فالتعدي يحتاج إلى الدليل ثانيتهما: ان ظاهرها وجوب الاحرام من خصوص التنعيم مع أن كلامنا في مطلق أدنى الحل. ويمكن الجواب عن الثاني بان ذكر التنعيم لكونه أقرب الاماكن من حدود الحرم والا فلا خصوصية لذكره. الثانية صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) (قال: من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها) (2) فانها تشمل جميع مواضع حدود الحرم لقوله: (أو


(1) الوسائل: باب 21 من أقسام الحج ح 2. (2) الوسائل: باب 22 من المواقيت ح 1.

[ 390 ]

ما أشبهها)، كما انها مطلقة من حيث كون العمرة مسبوقة بالحج ام لا: فلا ينبغي الريب في هذا الحكم يبقى الكلام في مرسلة الصدوق النبي رواها بعد صحيحة عمر بن يزيد (قال الصدوق: وان رسول الله صلى الله عليه وآله أعتمر ثلاث عمر متفرقات كلها في ذي القعدة عمرة أهل فيها من عسفان وهي عمرة الحديبية، وعمرة القضاء أحرم فيها من الجحفة، وعمرة أهل فيها من الجعرانة وهي بعد أن رجع من الطائف من غزاة حنين) (1). ورواها الكليني في الكافي بسند صحيح عن معاوية بن عمار باختلاف يسير. وربما يقال: بان ظاهر الرواية، أن رسول الله صلى الله عليه وآله أحرم للعمرة من عسفان الذي يبعد عن مكة بمقدار مرحلتين ولم يكن ميقاتا ولا من أدنى الحل، كما يظهر منها انه صلى الله عليه وآله أحرم لعمرة القضاء من الحجفة مع انه لو كان صلى الله عليه وآله قاصدا للعمرة من المدينة فكيف لم يحرم من مسجد الشجرة فمقتضى هذه الرواية جواز تأخير احرام العمرة المفردة للنائي من الميقات الذي أمامه إلى ميقات آخر بعده. والجواب: أنه إذا كان المراد بالاهلال الاحرام فتدل الرواية على جواز الاحرام من مكانه وعدم لزوم الرجوع إلى الميقات نظير من كان منزله بعد الميقات فان موضع احرامه دويرة أهله وليس عليه الرجوع إلى الميقات، فالحكم بجواز الاحرام من مكانه وعدم لزوم الرجوع إلى الميقات لا يختص بمن كان منزله دون الميقات بل يشمل من كان بنفسه دون الميقات من باب الاتفاق وان كان منزله بعيدا،


(1) الوسائل: باب 22 من المواقيت ح 2 وباب 2 من العمرة ح 2.

[ 391 ]

فالمستفاد من الرواية أن من كان دون الميقات ولو إتفاقا وأراد العمرة يجوز له الاحرام من مكانه وليس عليه الرجوع اإلى الميقات ولا خصوصية لذكر عسفان بل الميزان كل من كان بعد الميقات سواء كان في عسفان أو في غيره من المواضع. ولكن لا يبعد أن يكون المراد بالاهلال هو رفع الصوت بالتلبية كما هو معناه لغة، يقال: أهل بذكر الله: رفع به صوته، وأهل المحرم بالحج والعمرة: رفع صوته بالتلبية، واهلوا الهلال واستهلوه: رفعوا أصواتهم عند رؤيته: وأهل الصبي إذا رفع صوته بالبكاء (1) فمعنى الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله رفع صوته بالتلبية في عسفان والعمرة التي رفع صوته بالتلبية من عسفان هي عمرة الحديبية، فلا ينافي ذلك مع احرامه من مسجد الشجرة. يبقي الاشكال في احرامه صلى الله عليه وآله من الجحفة في عمرة القضاء كما في المرسله. ويندفع: بان العبرة بصحيحة الكافي عن معاوية بن عمار فان المذكور فيها الاهلال من الجحفة وقد عرفت أن المراد به رفع الصوت بالتلبية والذي يظهر من الروايات الصحيحة والتواريخ المعتبرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله إنما اعتمر بعد الهجرة عمرتين وانما عبر في هذه الصحيحة بثلاث عمر باعتبار شروعه في العمرة والاحرام لها ولكن المشركين منعوه من الدخول إلى مكة فرجع صلى الله عليه وآله بعد ما صالحهم في الحديبية واعتمر في السنة اللاحقة قضاءا عما فات عنه صلى الله عليه وآله وعن أصحابه


(1) أساس البلاغة.

[ 392 ]

فسميت بعمرة القضاء كما صرح بذلك في صحيحة أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمرة الحديبية وقضى الحديبية من قابل ومن الجعرانة حين أقبل من الطائف ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة) (1). وفي صحيحة صفوان انه صلى الله عليه وآله أحرم من الجعرانة (2). فالذي يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار أن رسول الله صلى الله عليه وآله احرم من مسجد الشجرة للعمرة ورفع صوته بالتلبية من عسفان وهي العمرة التي منعه المشركون من الدخول إلى مكة وصالحهم في الحديبية ورجع من دون اتيان مناسك العمرة ثم في السنة اللاحقة اعتمر واحرم من مسجد الشجرة واهل ورفع صوته بالتلبية من الجحفة فسميت بعمرة القضاء. وأما الجعرانة فالظاهر من الصحيحة انه صلى الله عليه وآله أحرم منها لظهور قوله: (وعمرة من الجعرانة) في ان ابتداء العمرة كان من الجعرانة لا أنه احرم قبل ذلك ورفع صوته بالتلبية من الجعرانة كما صرح بذلك في صحيحة أبان المتقدمة. فالمستفاد: من الصحيحة جواز الاحرام للعمرة المفردة من الجعرانة اختيارا وان لم يكن من أهل مكة كالنبي (صلى الله عليه وآله) واصحابه كما يجوز الاحرام من أدنى الحل. ولكن إنما يختص ذلك بمن بدى له العمرة في الاثناء. فما ذكرناه في أول البحث من أن ميقات العمرة المفردة للنائي الخارج من مكة هو المواقيت المعروفة، غير تام على أطلاقه بل لابد من التفصيل


(1) الوسائل: باب 2 من العمرة ح 3. (2) الوسائل: باب 9 من أقسام الحج ح 6.

[ 393 ]

وحاصله: أن النائي إذا سافر وخرج من بلده لغرض من الاغراض كقتال ونحوه ووصل إلى حدود الحرم ودون الميقات فبدي له ان يعتمر يجوز له ان يعتمر من أدنى الحل من الجعرانة ونحوها كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يجب عليه العود والرجوع إلى الميقات. وأما النائي الذي يخرج من بلده بقصد العمرة فليس له الاحرام إلا من المواقيت المعروفة وليس له التأخير إلى أدنى الحل (1).


(1) تفصيل اعتمار رسول الله صلى الله عليه وآله أنه (صلى الله عليه وآله) في السنة السادسة من الهجرة من شهر ذي القعدة احرم من مسجد الشجرة للعمرة وكان معه 1520 نفر وفي رواية 400 نفر وساق 70 بعيرا ولما وصل صلى الله عليه وآله إلى حديبية وهي على مرحلة إلى مكة منعه المشركون من الدوخول إلى مكة ثم وقع الصلح بينه صلى الله عليه وآله وبين المشركين في الحديبية ومن جملة شروط الصلح ان يرجع في هذه السنة ويعتمر في السنة اللاحقة واشترطوا أيضا أن لا يبقى النبي صلى الله عليه وآله واصحابه في مكة أزيد من ثلاثة أيام فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله من الحديبية إلى المدينة ولم يعتمر، وفي السنة السابعة من الهجرة بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من خيبر صمم لزيارة مكة والعمرة وعزم في شهر ذي القعدة للعمرة لقضاء عمرة الحديبية التي منعه المشركون من أدائها ودخلوا مكة معتمرين ولم يبقوا في مكة أزيد من ثلاثة أيام ثم رجعوا حسب شروط الصلح فسميت عمرته بعمرة القضاء لقضاء ما فات عنه وتداركه في السنة السابعة. ثم في السنة الثامنة وقع فتح مكة المعظمة وتوجه صلى الله عليه وآله بعساكره إلى مكة لفتحها في شهر

[ 394 ]

[ (مسألة 5): كل من حج أو أعتمر على طريق فميقاته ميقات أهل ذلك الطريق وإن كان مهل أرضه غيره (1) كما أشرنا إليه سابقا فلا يتعين أن يحرم من مهل أرضه بالاجماع والنصوص منها صحيحة صفوان: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وقت المواقيت لاهلها ومن أتى عليها من غير أهلها. ] (1) لاطلاق الروايات الدالة على توقيت النبي (صلى الله عليه وآله) المواقيت الخمسة، فانها مطلقة من حيث أهل هذه البلاد ومن حيث من يمر عليها، ولخصوص معتبره ابراهيم بن عبد الحميد قال: (من دخل المدينة فليس له أن يحرم الا من المدينة) (1). فان المستفاد منها: أن المدينة ميقات لاهلها ولكل من دخل فيها (1) رمضان وشرب الماء في عسفان ولم يصم إلى أن وصلوا مكة فاتحين ثم بعد فتح مكة مباشرة تقريبا وقعت غزوة حنين وهو واد بين مكة والطائف وبعد غلبة النبي صلى الله عليه وآله ونصرته في حنين احرام في الثامن عشر من ذي القعدة من الجعرانة للعمرة. وأما حج النبي صلى الله عليه وآله فانما هو في السنة العاشرة من الهجرة وكان مدة اقامته صلى الله عليه وآله في المدينة عشر سنين تقريبا ولم يحج ثم انزل الله تعالى (واذن في الناس بالحج) فأمر المؤذنين بأن يؤذنوا بأعلى اصواتهم


(1) الوسائل: باب 8 من المواقيت ح 1.

[ 395 ]

[ (مسألة 6): قد علم مما مر ان ميقات حج التمتع مكة واجبا كان أو مستحبا من الآفاقي أو من أهل مكة، وميقات عمرته أحد المواقيت الخمسة أو محاذاتها كذلك أيضا، وميقات حج القران والافراد أحد تلك المواقيت مطلقا أيضا إلا إذا كان منزله دون الميقات أو مكة فميقاته منزله ويجوز من أحد تلك المواقيت أيضا بل هو الافضل وميقات عمرتهما أدنى الحل إذا كان في مكة ويجوز من أحد المواقيت أيضا وإذا لم يكن في مكة فيتعين أحدها، وكذا الحكم في العمرة المفردة مستحبة كانت أو واجبة، وان نذر الاحرام من ميقات معين تعين، والمجاور بمكة بعد السنتين حاله حال أهلها، وقبل ذلك حاله حال النائي فإذا أراد حج الافراد أو القران يكون ميقاته أحد الخمسة ] وإن لم يكن من أهلها. وصحيحة علي بن جعفر (وأهل السند من البصرة يعني من ميقات أهل البصرة) (1). فانها تدل على أن ميقات أهل البصرة ميقات لاهل السند لانهم يمرون عليه. وأوضح من الكل صحيحة صفوان (2) المذكورة في المتن.


(1) الوسائل: باب 1 من المواقيت ح 5. (2) الوسائل: باب 15 من المواقيت ح 1.

[ 396 ]

[ أو محاذاتها، وإذا أراد العمرة المفردة جاز احرامها من أدنى الحل (1). ] (1) لخص المصنف (ره) في هذه المسألة ما ذكره في المسائل المتقدمة من مبحث المواقيت: - فنقول: ان مكة ميقات لحج التمتع للنائي سواء كان واجبا أو ندبا وأما عمرة التمتع للنائي فميقاتها أحد المواقيت الخمسة أو محاذيها بناء على الالتزام بكفاية المحاذي وقد تقدم الاشكال فيه. وأما من كان منزله دون الميقات فميقاته منزله ودويرة أهله وليس عليه الرجوع إلى الميقات. وأما من كان من أهل مكة المكرمة فان أراد اتيان حج التمتع كما إذا أتي به استحبابا أو نذرا أو أجارة أو غير ذلك مما يصح التمتع منه فقد ذكر المصنف ان يمقات عمرته أحد المواقيت الخمسة مخيرا بينها لجملة من الاخبار (1). ولكن قد ذكرنا آنفا أن الصحيح هو التخيير له بين الاحرام من أحد المواقيت الخمسة ومن أدني الحل (2) لانه مقتضى الجمع بين الادلة. وأما النائي الذي لا يمر بالميقات لا بالمحاذي - بناءا على امكان ذلك - فعليه ان يرجع إلى الميقات فان لم يتمكن من ذلك فسيأتي حكمه (إن شاء الله تعالى).


(1) الوسائل: باب 9 أقسام الحج. (2) قد تقدم تفصيل ذلك في ص 4 من قصل أقسام الحج.

[ 397 ]

وأما ميقات حج القران والافراد، فان كان خارجا من مكة وكان منزله قبل الميقات فميقاته أحد المواقيت الخمسة أو ما يحاذيه بناءا على الاكتفاء بالمحاذاة وأما إذا كان منزله بعد الميقات فميقاته دويرة أهله وليس عليه الرجوع إلى الميقات. وأما ميقات حج القران والافراد لمن كان منزله في مكة فذكر المصنف أنه يحرم من مكة كما عليه المشهور، ولكن الصحيح ان ميقاتهم الجعرانة ويحرمون منها كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وصحيحة أبي الفضل (1) وقد ذكرنا ان دويرة أهله لا تشمل من كان منزله في مكة. ثم ذكر المصنف (ره) ان ميقات العمرة - لمن كان منزله في مكة - ادني الحل سواء كانت عمرته العمرة المفردة المستقلة أو التي يؤتى بها بعد حج القران أو الافراد، وأما إذا لم يكن في مكة فميقات عمرته سواء كانت عمرة مفردة أو عمرة التمتع أحد المواقيت الخمسة. ولا يخفي عليك انه هذا الكلام لا يخلو من المسامحة إذ ليس كل من كان خارج مكة يجب عليه الاحرام من المواقيت حتى من كان منزله بعد الميقات فان احرام هذا من منزله، والاحرام من المواقيت يختص بمن كان منزله قبل الميقات وكان الميقات وسطا بين وبين مكة. ثم إن ما ذكره لايتم على اطلاقه بناءا على مختاره من الاكتفاء


(1) الوسائل: باب 9 من أقسام الحج ح 5 و 6.

[ 398 ]

بالمحاذي فلا وجه للتخصيص بالمواقيت وكان عليه أن يذكر المحاذي نعم يتم ما ذكره بناءا على المختار من عدم الاجتزاء بالمحاذاة. وقد ذكر المصنف (ره) ان من نذر الاحرام من ميقات معين تعين له ذلك. أقول: ولكن لابد من تقييده بكونه مشروعا في حقه، والا من كان أمامه ميقات ليس له أن ينذر الاحرام من ميقات آخر الذي بعده مثلا من كان في المدينة ليس له أن ينذر الاحرام من الجحفة إذ لا يجوز له التجاوز عن مسجد الشجرة بغير احرام والنذر لا يجعل غير المشروع مشروعا ولا يتعلق إلا بما هو مشروع في نفسه. نعم لو جاز له الاحرام من الميقاتين كمن كان بعيدا وكان امامه مسجد الشجرة والجحفة بحيث لا يكون احدهما قبل الآخر بالنسبة إليه يجوز له نذر الاحرام من أحدهما، فاطلاق كلام المصنف لا يخلو عن الاشكال، ولو ذكر بدل قوله: (تعين) (وجب) لكان خاليا عن الاشكال. وذلك لان الظاهر من قوله: (تعين) انه يتبدل حكم الناذر من التخيير بين الميقاتين إلى تعيين ميقات خاص الذي تعلق به النذر فكأنه ينحصر ميقاته بذلك، ولا يصح احرامه من ميقات آخر مع أن الامر ليس كذلك لان النذر لا يعين الحكم الشرعي ولا يبدله وان كان النذر سببا لوجوب الاتيان بالمنذور ولكن لو خالف النذر واتى بالفرد الذي لم يتعلق به النذر صح وان كان مخالفا للنذر وتجب عليه الكفارة للحنث

[ 399 ]

فلو نذر النائي الاحرام من الجحفة ولكن خالف واحرم من الشجرة صح حجه وعمله وان وجب على الكفارة لمخالفته للنذر، وذلك لما أشرنا إليه من أن النذر لا يوجب انقلاب الحكم الشرعي وتبدله إلى حكم آخر، وإنما النذر واجب في واجب نظير من نذر أن يصلي الصلاة جماعة فصلى منفردا، أو نذر أن يصلي صلاته في المسجد الفلاني وخالف وصلى في بيته فانه لاريب في صحة صلاته وإن وجبت الكفارة لمخالفة النذر، وكذا لو نذر أن يصوم صوم القضاء في شهر رجب وخالف وصام في شهر شعبان فانه لااشكال في صحة صومه وان كان حانثا، فالاحسن أن يقال (وجب) بدلا عن وقوله: (تعين). وأما المجاور بمكة بعد السنتين فذكر المصنف (قدس سره) ان حاله حال أهلها، وقد تقدم منه ان احرامهم لحج القران أو الافراد من مكة للنصوص الدالة على الاحرام من دويرة أهله الشاملة لاهل مكة أيضا، وقد ذكرنا ان تلك النصوص لا تشمل أهل مكة وإنما تختص بمن كان منزله خارجا من مكة وقريبا منها فالواجب عليهم - سواء كانوا من أهل مكة أو من المجاورين فيها - الاحرام من أدنى الحل كالجعرانة كما في صحيحة أبي الفضل وصحيصة عبد الرحمن بن الحجاج (1) وأما المجاور قبل السنتين وقبل ان ينقلب فرضه ففي المتن ان حاله حال النائي فإذا أراد حج الافراد أو القران فميقاته أحد المواقيت الخمسة.


(1) الوسائل: باب 9 من أقسام الحج ح 5 و 6.

[ 400 ]

وقد تقدم منه قريبا في الميقات السابع ان ميقاته أدنى الحل للصحيحتين المتقدمتين، وذكره ان القدر المتيقن منهما هو المجاور قبل السنتين، فما ذكره هنا مخالف لما تقدم منه ولا يبعد صدور ذلك منه سهوا. وكيف كان: ذكرنا في الميقات السابع أن المجاور مطلقا حكمه حكم أهل مكة فيخرج إلى الجعرانة فيحرم منها.

[ 401 ]

[ (فصل) (في احكام المواقيت) (مسألة 1) لا يجوز الاحرام قبل المواقيت، ولا ينعقد ولا يكفي المرور عليها محرما، بل لابد من انشائه جديدا (1) ففي خبر ميسرة (دخلت على ابي عبد الله (ع) وأنا متغير اللون فقال (ع) من أين أحرمت بالحج فقلت: من موضع كذا وكذا فقال (ع) رب طالب خير يزل قدمه، ثم قال أيسرك ان صليت الظهر في السفر أربعا، قلت لا، قال فهو والله ذاك). نعم يستثني من ذلك موضعان: ] (1) لا خلاف في عدم جواز الاحرام قبل الميقات ولا بعد، والروايات في ذلك متضافرة. فقد ورد في بعضها ان الاحرام دون الميقات في حكم العدم (1) وقد شبه في بعض الروايات تقديم الاحرام على الميقات بالصلاة ست ركعات عوض أربع ركعات العصر (2) فتلك زيادة في الافعال


(1) الوسائل: باب 9 من المواقيت ح 3 (2) الوسائل: باب 11 من المواقيت ح 5 و 6

[ 402 ]

[ (أحدهما): إذا نذر الاحرام قبل الميقات فانه يجوز ويصح للنصوص (1) منها خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (لو أن عبدا أنعم الله تعالى عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم من خراسان كان عليه ان يتم). ولا يضر عدم رجحان ذلك، بل مرجوحيته قبل النذر مع ان اللازم كون متعلق النذر راجحا، وذلك لاستكشاف رجحانه بشرط النذر من الاخبار، واللازم رجحانه حين العمل، ولو كان ذلك للنذر، ونظيره مسألة الصوم في السفر المرجوح أو المحرم من حيث هو مع صحته ورجحانه بالنذر، ولابد من دليل يدل على كونه راجحا بشرط النذر، فلا يرد ] والركعات وهذي زيادة في الزمان. والمصنف لم يذكر في المتن إلا رواية واحدة عن ميسرة والموجود في الوسائل (ميسر) (1) وهو الصحيح والرواية معتبرة لان رجالها ثقات، وأما ميسر فقد ذكر الكشي روايات كثيرة تدل على مدحه، وقد وثقه على بن الحسن بن فضال. وبالجملة لا ينبغي الريب في حرمة الاحرام قبل الميقات أو بعده، ولكن الحرمة حرمه تشريعية لا ذاتية: (1) يقع الكلام في موردين:


(1) الوسائل: باب 11 من المواقيت ح 5 و 6

[ 403 ]

[ ان لازم ذلك صحة نذر كل مكروه أو محرم، وفي المقامين المذكورين الكاشف هو الاخبار، فالقول بعدم الانعقاد كما عن جماعة لما ذكر لا وجه له، لوجود النصوص وامكان تطبيقها على القاعدة. وفي الحاق العهد واليمين بالنذر وعدمه وجوه، ثالثها الحاق العهد دون اليمين، ولا يبعد الاول لامكان الاستفادة من الاخبار. ] الاول نذر الاحرام قبل الميقات. المعروف والمشهور انقعاد نذره ووجوب الاحرام من ذلك الموضع وذهب جماعة إلى المنع بدعوى أنه نذر غير مشروع وممن صرح بالمنع ابن إدريس ونسبه إلى جماعة كالسيد وابن أبي عقيل والصدوق والشيخ في الخلاف ولكن العلامة خطأه في نقله. وكيف كان: فالصحيح ما ذهب إليه المشهور للنصوص منها: ما رواه الشيخ في الصحيح باسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد، عن الحلبي (علي) قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن رجل جعل لله عليه شكرأ أن يحرم من الكوفة، فقال: فليحرم من الكوفة وليف لله بما قال) (1) ودلالته واضحة على انعقاد النذر وصحته ووجوب الوفاء واما السند فالمعروف صحته. ولكن صاحب المنتفي ناقش في صحة الخبر تارة بجهل الرواي لترديده بين (الحلبي) و (علي) - أي علي بن أبي حمزة البطائني الكذاب - فان المذكور في نسخ التهذيب


(1) الوسائل: باب 13 من المواقيت ح 1.

[ 404 ]

القديمة (علي) لا الحلبي وفي الوسائل ذكر كملة (علي) على نحو الاحتمال وتصحيف (علي) ب‍ (الحلبي) قريب ويؤيد كون الرواي علي ابن أبى حمزة رواية حماد عنه فان رواية حماد بن عيسى عنه معروفة كثيرة. وأخرى: بان حمال واقع في السند فان كان ابن عثمان كما تشعر به روايته عن الحلبي فالحسين بن سعيد لا يروي عنه بغير واسطة قطعا وان كان ابن عيسى فهو لا يروي عن عبيد الله الحلبي فيما يعهد من الاخبار فالاتصال غير محرز. ثم قال: في آخر كلامه (وبالجملة فالاحتمالات قائمة على وجه ينافي الحكم بالصحة وأعلاها كون الراوي علي بن أبي حمرة فيتضح ضعف الخبر (1). أقول: الظاهر أن ذكر (علي) في السند اشتباه وإنما ذكر في بعض نسخ التهذيب القديم والمصرح به في النسخة االجديدة والاستبصار (الحلبي) يدل (علي) فالاشتباه إنما وقع من الناسخ، وأما حماد الواقع في الطريق الذي يروي عن الحلبي فالظاهر أنه حماد بن عثمان فانه يروي عن الحلبي بعنوانه وعن عبيد الله بن الحلبي وعن عبيد الله بن علبي؟ وعن عبيد الله الحلبي كثيرا ما يقرب من مائتي مورد. وما ذكره من ان الحسين بن سعيد لا يروي عن حماد بن عثمان فغير تام، فانه قد روي عنه في بعض الموارد وان كان قليلا لا أنه لا يروي عنه أصلا، ولو قلنا بان حماد هذا هو حماد بن عيسى فالحلبي الذي يروي عنه هو عمران الحلبي لاعبيد الله حتى يقال: بان


(1) منتقى الجمان: ج 2 ص 355.

[ 405 ]

حماد بن عيسى لا يروي عن عبيد الله الحلبي. وأما ما ذكر من أن ارادة عمران الحلبي عند اطلاق الحلبي بعيدة، فغير تام إذ قد يطلق الحلبي ويراد به عمران والحسين بن سعيد يروي عن حماد بن عيسى كثيرا. ثم انه لو سلمنا ان الثابت في النسخة (علي) بدل (الحلبي) فليس المراد به علي بن أبي حمزة البطائني بل المراد اما على بن يقطين أو على بن المغيرة نعم حماد بن عيسى يروي عن علي البطائني واما حماد بن عثمان فلا يروي عنه. والحاصل: لا ينبغي الريب في صحة السند. ومنها: خبر صفوان عن علي بن أبي حمزة قال: (كتبت إلى أبي عبد لله (ع) اسئلة عن رجل جعل لله عليه أن يحرم من الكوفة قال: يحرم من الكوفة) (1) ولكنه ضعيف بعلي بن أبي حمزة، ولعل ذكر (علي) في هذه الرواية أوجب الاشتباه في ذكره في الخبر السابق. ومنها: موثقة أبي بصير قال: (سمعته يقول: لو أن عبدا أنعم الله عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه ان يحرم بخراسان كان عليه ان يتم) (2) وتكفينا هاتان الروايتان المعتبرتان في الحكم المذكور ولا وجه للمناقشة فيه بعد وضوح الدلالة وصحة السند. إنما وقع الكلام في تطبيق الروايات على القاعدة المعروفة، وهي لزوم الرجحان في متعلق النذر وان النذر، لا ينعقد الا إذا كان متعلقة


(1) الوسائل: باب 13 من المواقيت ح 2. (2) الوسائل: باب 13 من المواقيت ح 3.

[ 406 ]

راجحا في نفسه، فمن هنا يتوجه الاشكال من انه لو فرضنا كون الاحرام قبل الميقات غير مشروع فكيف يتعلق به النذر وينعقد. وقد أجاب عنه المصنف (رحمه الله) في المتن: بان اللازم رجحان النذر في ظرف العمل ولو كان ذلك للنذر ولا يضر عدم رجحانه قبل النذر بل ولو كان مرجوحا قبله فالرجحان الناشئ من قبل النذر كاف. واشكل عليه: بان لازم ذلك انعقاد النذر إذا تعلق بالحرام أو المكروه. وأجاب عنه في المتن بانه إنما نقول بصحة النذر وانعقاده فيما إذا قام الدليل على الجواز فنستكشف من الدليل كونه راجحا بشرط النذر وما لم يدل دليل على الجواز لا يمكن اثبات رجحانه بالنذر، وحيث قام الدليل على جواز نذر الاحرام قبل الميقات نستكشف منه رجحانه بالنذر ونظيره مسألة الصوم في السفر المرجوح أن المحرم، وهذا بخلاف باقي المحرمات والمكروهات فان اطلاق دليل الحرام أو عمومه يكفى في عدم الرجحان حتى يتعلق النذر به. وبالجملة إنما نقول بصحة النذر في المقام لقيام الدليل على صحة النذر وأورد عليه: بان ذلك غير معقول لاستلزامه الدور لان صحة النذر متوقفة على الرجحان والرجحان متوقف على صحة النذر وهذا دور واضح. وفيه أن المتوقف عليه يغاير المتوقف عليه فلا دور لان صحة النذر وان كانت متوقفة على رجحان متعلقه ولكن رجحان المنذور غير متوقف على صحة النذر بل إنما يتوقف على نفس النذر

[ 407 ]

وبعبارة أخرى: مشروعية النذر تتوقف على نفس النذر وفي علم الله ثابت أنه متى التزم المكلف على نفسه شيئا يكون ذلك راجحا فيجب الوفاء به لان متعلقه مشروع. هذا كله بناءا على تطبيق الروايات على القاعدة. ويمكن ان يقال: بعدم الحاجة إلى التطبيق المذكور، ونلتزم بالتخصيص في المورد. بدعوى: ان لزوم الرجحان في متعلق النذر ليس من الاحكام العقلية غير القابلة للتخصيص، وإنما هو حكم شرعي تعبدي يقبل التخصيص، فيمكن الالتزام بوجوب الوفاء بالنذر في مورد نذر الاحرام قبل الميقات، ونذر الصوم في السفر وان كان الرجحان فيهما ناشئا من قبل النذر لاستكشاف رجحانه بشرط النذر من النص. وبتعبير آخر: لو اعتبرنا الرجحان النفسي في متعلق النذر فلا ميحص عن التخصيص بالنص الوارد في الموردين وان اعتبرنا مطلق الرجحان ولو كان الرجحان ثابتا في ظرف العمل وناشئا من قبل النذر فلا موجب للتخصيص فان الاحرام قبل الميقات وان كان مرجوحا في نفسه الا أنه راجح في ظرفه بالنذر فالشرط حاصل والظاهر ان ما ذكره المصنف من الاكتفاء بالرجحان في ظرف العمل الناشئ من قبل النذر هو الصحيح، ولا داعي للالتزام بالرجحان الذي مع قطع النظر عن تعلق النذر به، إذ لادليل لفظي على اعتبار الرجحان في متعلق النذر وإنما أستفدنا ذلك من أن النذر جعل شئ على ذمته لله تعالى فلابد أن يكون ذلك الفعل قابلا للاضافة إليه تعالى والاستناد إليه سبحانه وما كان مرجوحا في نفسه غير قابل للاضافة

[ 408 ]

[ والاحوط الثاني لكون الحكم على خلاف القاعدة (1) هذا ولا يلزم التجديد في الميقات ولا المرور عليها وإن كان الاحوط التجديد خروجا عن شبهة الخلاف. ] إليه تعالى ولكن يكفي في ذلك مجرد كون الفعل راجحا ولو في ظرف العمل، ولا يلزم ثبوت الرجحان الذاتي له قبل العمل. وبالجملة: لاريب في دلالة الروايات على صحة هذا النذر وانعقاده ووجوب الوفاء به سواء كان ذلك تخصيصا للقاعدة أو كان مطابقا لها فان المتبع هو النصوص فلا أثر للبحث عملا وإنما هو بحث علمي. فما ذهب إليه المشهور من إنعقاد النذر ووجوب الوفاء هو الصحيح والقول بعدم الصحة ما عن جماعة كالحلبي والعلامة وعن المحقق التردد فيه فمما لاوجه له بعد ورود النص ووضح دلالته وصحة سنده. (1) مراده من الاحتياط أنه ليس للعاهد الاكتفاء بالاحرام من موضع العهد بل يجمع بين الامرين يحرم من موضع العهد ويحرم من الميقات أو لا يعهد ولا يحلف ذلك، وليس مراده من الاحتياط عدم الوفاء بالعهد، والاقتصار بالاحرام من الميقات حتى برد عليه بانه وإن كان أحوط من جهة ولكنه خلاف الاحتياط من جهة مخالفة النذر والمقام من قبيل الدوران بين المحذورين. وبالجملة: كيفية الاحتياط في المقام إنما هي بالجمع بين الاحرام من مورد العهد وتجديده من الميقات فلا يرد عليه الاشكال. والعمدة: هو النظر إلى الروايات الواردة في المقام وانها هل تشمل العهد واليمين أم لا؟ فنقول: أما صحيحة الحلبي فلا يبعد اختصاصها بالنذر لان موردها

[ 409 ]

ان يجعل لله عليه شكرا وذلك ينطبق على النذر خاصة لان النذر هو الذي يجعل الانسان على نفسه شيئا لله فكأنه جعل واقع بينه وبين الله بخلاف العهد فانه ليس فانه جعل شئ على نفسه لله وإنما هو معاهدة نفسانية وقرار نفساني فيما بينه وبين الله، وكذلك الحلف فانه انشاء التزام بشئ مربوط بالله تعالى فكأنه يجعل الله - لعظمته وجلالته - كفيلا وشاهدا على فعله - وليس فيه جعل شئ على نفسه لله، فالصحيحة لا تشمل العهد واليمين. واما موثقة فغير قاصرة الشمول للعهد واليمين إذ لم يذكر فيها ان يجعل لله على نفسه شيئا وإنما المذكور فيها أن يجعل على نفسه وهذا العنوان مشترك بين النذر والعد واليمين فان الحالف أيضا يجعل على نفسه ويجعل نفسه ملزمة بشئ غاية الامر مرتبطا به سبحانه ويجعله كفيلا وشاهدا على ما التزم به وكذلك قوله (عاهدت الله) يرجع إلى قرار نفساني والزام نفسه بشئ وليس كالنذر بان يجعل الله طرفا لجعله بل هو مجرد جعل على نفسه والزام على نفسه ولم يجعل الله طرفا لجعله كما في النذر وهذا المعنى المشترك في الجميع. وتوضيح ما ذكرنا يتوقف على بيان أمر ذكرناه في الاصول وحاصله: ان كل كلام يبرز أمرا نفسانيا فالمتكلم عندما يتكلم بشئ إنما يبرز ذلك الامر النفساني وحينئذ فالمبرز (بالفتح) قد يكون من الامور الاعتبارية كأعتبار شئ في ذمة المكلف فيبرزه بقوله افعل. وقد يكون المبرز من الامور الواقعية كالاستفهام والتهديد والشوق ونحو ذلك، وكذلك الحال في الجمل الاخبارية فان المبرز فيها الاخبار عن قيام زيد بالضرب مثلا فإذا قال القائل ضرب زيد فقد ابرز ما في

[ 410 ]

نفسه وهو الاخبار عن صدور الضرب من زيد، ولذا ذكرنا انه لافرق بين الجمل الاخبارية والانشائية من هذه الجهة ولاجل ذلك لا يتصف الخبر بالصدق والكذب ولكن حيث ان المبرز (بالفتح) في الجملة الخبرية له تعلق بالخارج قد يطابقه وقد يخالفه فيتصف بالصدق والكذب. والحاصل: لافرق بين الخبر والانشاء من جهة الابراز لما في النفس. وهكذا الامر في باب العهد واليمين فان الحالف يبرز التزامه بشئ غاية الامر مرتبطا بالله تعالى والالتزام أمر حقيقي نفساني نظير الاستفهام والتهديد وكذلك العهد فان العاهد يقرب شيئا في نفسه ويعتبر على نفسه شيئا مرتبطا به تعالى ويبرزه بقوله: (عاهدت الله) كما انه في النذر يعتبر لله على نفسه شيئا ويبرزه بقوله (نذرت لله على ان افعل كذا) فالالتزام النفساني المرتبط بالله متحقق في الموارد الثلاثة واطلاق الموثقة يشمل الجميع. ثم انه بعد الفراغ عن صحة نذر الاحرام قبل الميقات لا حاجة إلى تجديد الاحرام في الميقات وان مر عليه، كما انه يجوز له ان يسلك طريقا لا يفضي إلى الميقات لان الممنوع هو المرور بالميقات بلا احرام، وأما إذا كان محرما باحرام صحيح فلا موجب للاحرام ثانيا كما لا يجب عليه أن يذهب إلى الميقات لان الذهاب إلى الميقات إنما يجب لاجل أن يحرم من الميقات فان كان محرما فلا موجب للذهاب إلى الميقات، نعم لا بأس بالتجديد احتياطا ورجاءا خروجا عن شبهة الخلاف.

[ 411 ]

[ والظاهر اعتبار تعيين المكان فلا يصح نذر الاحرام قبل الميقات مطلقا فيكون مخيرا بين الامكنة لانه القدر المتيقن بعد عدم الاطلاق في الاخبار (1) نعم لا يبعد الترديد بين المكانين بان يقول: (لله علي ان احرم اما من الكوفة أو من البصرة) وإن كان الاحوط خلافه. ] واما ما حكي عن بعض من التفصيل ما إذا نذر احراما واجبا وجوب التجديد وبين ما إذا نذر احراما مستحبا استحب له التجديد. فلا وجه له إذ لو كان الاحرام صحيحا فلا فرق بين الواجب والمستحب، ولو كان باطلا لافرق بينهما أيضا. (1) لان الروايات إنما جوزت نذر الاحرام قبل الميقات فيما إذا عين مكانا خاصا كالكوفة وخراسان والبصرة ونحو ذلك من الاماكن ولا خصوصية للكوفة وخراسان المذكورين في النص لان الظاهر ان ذكرهما من باب المثال. والحاصل: حيث ان الحكم على خلاف القاعدة فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو جواز الاحرام قبل الميقات بالنذر إذا عين مكانا خاصا، فلا يصح نذر الاحرام قبل الميقات مطلقا ومن أي مكان كان لعدم الدليل عليه. واما عدم استبعاد المصنف (ره) لجواز الترديد بين المكان فلم يظهر وجهه إذ لافرق بين الترديد بين المكانين وبين عدم تعيين المكان لان عدم تعيين المكان مرجعه إلى الترديد بين أماكن. ومواضع متعددة

[ 412 ]

[ ولا فرق بين كون الاحرام للحج الواجب أو المندوب أو للعمرة المفردة (1) نعم لو كان للحج أو عمرة التمتع يشترط ان يكون في أشهر الحج لاعتبار كون الاحرام لهما فيها، والنصوص إنما جوزت قبل الوقت المكاني فقط، ثم لو نذر وخالف نذره فلم يحرم من ذلك المكان نسيانا أو عمدا لم يبطل احرامه إذا احرم من الميقات. نعم عليه الكفارة إذا خالفه متعمدا (2). ] (1) لاطلاق للروايات وترك الاستفصال فيها، غاية الامر لو كان الاحرام لعمرة التمتع لابد من وقوع النذر في أشهر الحج والا فلا يصح الاحرام لا من جهة وقوعه قبل الميقات بل من جهة وقوعه قبل أشهر الحج، والنصوص إنما جوزت قبل الوقت المكاني لا الزماني (2) أما في فرض النسيان فالامر واضح لعدم العصيان وعدم المبغوضية، فلا مانع من اتصاف احرامه بالصحة. واما في فرض العمد فربما يقال: كما قيل: بانه لا يصح احرامه لان هذا العمل مفوت للواجب فيكون مبغوضا فلا يقع عبادة. وفيه: ان النذر إنما يوجب خصوصية زائدة في المأمور به كما إذا نذر ان يصلي جماعة أو يصلي في المسجد الفلاني ونحو ذلك فانه يجب عليه الاتيان بتلك الخصوصية وفاءا للنذر، الا انه هذا الوجوب إنما نشأ من فعل المكلف ونذره فهو تكليف أخر غير الوجوب الثابت لذات العمل والمأمور به إنما هو الطبيعي الجامع بين الافراد، والنذر لا يوجب تقييدا ولا تغييرا في المأمور به الاول بحيث لو أتي بغير المنذور كان

[ 413 ]

[ (ثانيهما): إذا أراد إدراك عمرة رجب وخشي تقضيه ان اخر الاحرام إلى الميقات، فانه يجوز له الاحرام قبل الميقات وتحسب له عمرة رجب وان أتى ببقية الاعمال في شعبان (1) لصحيحة اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): (عن رجل يجئ معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أو يؤخر الاحرام إلى العقيق ويجعلها ] آتيا بغير المأمور به بل يكون آتيا بالمأمور به مع كونه تاركا للنذر، فهو واجب في واجب يكون آثما من جهة مخالفة النذر وعليه الكفارة. والحاصل: النذر لا يوجب تبديل المأمور به الاول إلى المنذور. وأما التفويت فلا يوجب شيئا في المقام لان أحد الضدين لا يكون علة لعدم ضد الآخر ولا العكس وإنما هما أمران متلازمان في الخارج لعدم امكان الجمع بينهما في الخارج فإذا وجد أحدهما لا يوجد الاخر طبعا. وأما الاحرام من الميقات ومن المكان المنذور فليس بينهما أي علية ومعلولية واتيان أحدهما لم يكن تفويتا للآخر بل تفويت الآخر عند وجود أحدهما ملازم ومقارن له بل يستحيل الحكم بالفساد في امثال المقام، وذلك لان حرمة الاحرام من الميقات متوقفة على كونه صحيحا إذا لو لم يكن صحيحا لم يكن مفوتا فصدق التفويت يتوقف على أن يكون صحيحا وما فرض صحته كيف يكون فاسدا وحراما. (1) هذا هو المورد الثاني لجواز الاحرام قبل الميقات ويدل عليه

[ 414 ]

[ لشعبان، قال يحرم قبل الوقت لرجب فان لرجب فضلا) وصحيحة معاوية بن عمار: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول (ليس ينبغي ان يحرم دون الوقت الذي وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا أن يخاف فوت الشهر في العمرة) ومقتضى اطلاق الثانية جواز ذلك لادراك عمرة غير رجب أيضا، حيث ان لكل شهر عمرة (1) لكن الاصحاب خصصوا ذلك برجب فهو الاحوط، حيث ان الحكم على خلاف القاعدة، والاولى والاحوط مع ذلك التجديد في الميقات ] موثق اسحاق بن عمار قال: (سئلت أبا ابراهيم (ع) عن الرجل يجئ معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال (هلال شعبان) قبل أن يبلغ العقيق فيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أو يؤخر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان، قال: يحرم قبل الوقت لرجب فان (فيكون لرجب فضلا وهو الذي نوى) (1) والرواية واضحة الدلالة والسند معتبر وعبر عنها في المتن بالصحيحة عن أبى عبد الله (ع) تبعا لصاحب الجواهر إلا ان الرواية عن أبى ابراهيم (ع) وليست بالصحيحة حسب الاصطلاح وإنما هي موثقة لان اسحاق بن عمار فطحي ثقة. نعم على سلكناه من اطلاق الصحيحة على كل خبر معتبر مقابل الضعيف فلا بأس باطلاق الصحيحة على الموثقة. (1) وهل يختص الحكم بعمرة رجب أو يتعدى إلى عمرة غير رجب


(1) الوسائل: باب 12 من المواقيت ح 2.

[ 415 ]

[ كما ان الاحوط التأخير إلى آخر الوقت وان كان الظاهر جواز الاحرام قبل الضيق إذا علم عدم الادراك إذا أخر إلى الميقات. ] حيث أن لكل شهر عمرة، والمفروض انه لو أخر الاحرام إلى الميقات لا يدرك عمرة هذا الشهر؟ والا ظهر عدم الاختصاص لاطلاق صحيحة معاوية بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) (يقول: ليس ينبغي ان يحرم دون الوقت الذي وقته رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا ان يخاف فوت الشهر في العمرة) (1) ولا مانع من العمل بها لعدم ثبوت الاعراض عنها، على ان الاعراض غير ضائر بعد صحة السند وظهور الدلالة وذكر صاحب الجواهر (2) ان التعليل في موثقة اسحاق المتقدمة يوجب التخصيص بعمرة رجب لان الظاهر من التعليل انه إنما جاز التقديم لاجل ان عمرة شهر رجب لها فضل على عمرة شعبان وأما عمرة سائر الشهور فليست إحداها افضل من الاخرى فان عمرة ربيع ليست بأفضل من عمرة جمادي وهكذا، بل هي متساوية في الفضل. وفيه: أن الموثقة غير مختصة بدرك الافضل ليختص التقديم بعمرة رجب بل تعم كل مورد يفوت منه الفضل وذلك لا يختص بشهر رجب لان عمرة كل شهر لها فضل، والمفروض انه لو أخر الاحرام إلى الميقات لم يدرك فضل عمرة هذا الشهر، فالتقديم قد يكون لدرك الفضل.


(1) الوسائل: باب 12 من المواقيت ح 1. (2) الجواهر: ج 18 ص 124.

[ 416 ]

[ بل هو الاولى حيث انه يقع باقي أعمالها أيضا في رجب (1). ] (1) وهل يشترط في جواز التقديم ضيق الوقت بمعنى: انه يعتبر إبقاع الاحرام في آخر الوقت من الشهر، أو يجوز الاحرام قبل الضيق ولو في أواسط شهر رجب إذا علم عدم الادراك إذا أخر إلى الميقات؟ وجهان: والظاهر هو الثاني كما في المتن لاطلاق الموثقة من هذه الجهة والمستفاد منها أن الميزان في جواز الاحرام قبل الميقات إنما هو بخوف فوت شهر رجب ودخول شهر شعبان وهو غير محرم سواء أخر الاحرام إلى ان يضيق الوقت أم أحرم قبل الضيق، بل لا يبعد ان يكون التقديم أولى لان زمان احرامه أطول فتكون عبادته أكثر. ولكن المصنف علل الاولوية بقوله: حيث أنه يقع باقي اعمالها أيضا في رجب. ومراده (والله العالم) انه لو أحرم من هذا المكان ولم يذهب إلى الميقات يدرك جميع أعمال العمرة في رجب بخلاف ما لو أخر الاحرام إلى الميقات فانه لا يدرك من رجب إلا الاحرام فيه. ويمكن ان يكون مراده باعتبار الطريق من انه لو احرم من هذا المكان فيسلك طريقا لا يقضي إلى الميقات لكونه اقرب إلى مكة فيدرك جميع الاعمال في رجب بخلاف ما لو ذهب إلى الميقات فانه يتأخر هناك ويفوت عنه رجب فالتقديم والتأخير بلحاظ المكان لا باعتبار سعة الوقت.

[ 417 ]

[ والظاهر عدم الفرق بين العمرة المندوبة والواجبة بالاصل أو بالنذر ونحوه (1). (مسألة 2): كما لا يجوز تقديم الاحرام على الميقات كذلك لا يجوز التأخير عنها (2) فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول مكة ان يجاوز الميقات اختيارا الا محرما، بل الاحوط عدم المجاوزة عن محاذاة الميقات أيضا إلا محرما وان كان أمامه ميقات آخر فلو لم يحرم منها وجب العود إليها مع الامكان إلا إذا كان أمامه ميقات آخر فانه يجزئه الاحرام منها وان أثم بترك الاحرام من الميقات الاول، والاحوط العود إليها مع الامكان مطلقا وان كان أمامه ميقات آخر، وأما إذا لم يرد النسك ولا دخول مكة بإن كان له شغل خارج مكة ولو كان في الحرم ] (1) لاطلاق موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة. وربما أشكل عموم النص للعمرة الواجبة بالاصل لان قوله: (ينوي عمرة رجب) ظاهر في العمرة الرجبية الثابتة لشهر رجب وهي مندوبة. وفيه: ان العمرة الرجبية ليست أسما للمندوبة فان العمرة تحتاج إلى زمان تقع فيه وإنما ذكر خصوص رجب لان وقوعها فيه ذو فضيلة ومزية، وذلك لا يوجب اختصاص قوله: (عمرة رجب) بالعمرة المندوبة الواقعة فيه فاطلاق الموثقة لترك الاستفصال فيها محكم. (2) أما عدم جواز التأخير عن نفس المواقيت فللنصوص الكثيرة

[ 418 ]

[ فلا يجب الاحرام، نعم في بعض الاخبار وجوب الاحرام من الميقات إذا أراد دخول الحرم وإن لم يرد دخول مكة لكن قد يدعى الاجماع على عدم وجوبه، وان كان يمكن استظهاره من بعض الكلمات. ] المتقدمة (1) الدالة على توقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) المواقيت الخاصة وانه لا يجوز تجاوزها الا وهو محرم، ولا ينبغي لاحد ان يرغب عن مواقيت رسول الله (صلى الله ليه وآله) وليس لاحد ان يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها، والظاهر أنه لا خلاف في ذلك واما التجاوز والتأخير عن المحاذي فقد ذكر ان الاحوط عدم المجاوزة عن محاذاة الميقات. ولا يخفي: ان الاحرام من محاذي مسجد الشجرة في صورة خاصة مذكورة في النص مما يمكن الالتزام بوجوبه لظهور قوله: في صحيح ابن سنان (فليحرم منها) (2) في الوجوب وأما بالنسبة إلى محاذاة سائر المواقيت فلا نلتزم بالوجوب بها لقصور النص، واقصى ما يمكن الالتزام به في محاذاة سائر المواقيت إنما هو الجواز لانه القدر المتيقن من اتفاق الاصحاب على الاحرام من المحاذي فاحتياط المصنف بالنسبة إلى المحاذاة في محله بعد الفراغ عن جواز الاحرام من المحاذي. ثم انه لو لم يحرم من الميقات وجب العود إليها مع الامكان لظهور وروايات التوقيت في الوجوب التعييني وبيان الوظيفة فلابد من الرجوع


(1) الوسائل: باب 2 من المواقيت. (2) الوسائل: باب 7 من المواقيت ح 2.

[ 419 ]

[ (مسألة 3): لو أخر الاحرام من الميقات عالما عامدا ولم يتمكن من العود إليها لضيق الوقت أو لعذر آخر ولم يكن أمامه ميقات آخر بطل احرامه وحجه على المشهور الاقوى ووجب عليه قضائه إذا كان مستطيعا فاما إذا لم يكن مستطيعا فلا يجب (1) وان اثم بترك الاحرام بالمرور على الميقات خصوصا إذا لم يدخل مكة، والقول بوجوبه عليه ولو لم يكن مستطيعا بدعوى وجوب ذلك عليه إذا ] إليها لاداء الوظيفة وان كان أمامه ميقات آخر خلافا للمصنف، ويؤكد ذلك ان مقتضى هذه الروايات عدم التجاوز لاهل المدينة عن مسجد الشجرة مع ان أمامهم ميقات آخر وهو الجحفة. مضافا إلى صراحة صحيحة ابراهيم بن عبد الحميد المتقدمة (1) في ان من دخل المدينة ليس له الاحرام إلا من مسجد الشجرة واما ما قيل - من ان مقتضى كون هذه المواقيت مواقيت لاهلها ولمن أتى عليها مر بها وإن لم يكن من أهلها - الاجتزاء بالاحرام من الميقات الآخر الواقع أمامه وعدم وجوب العود إلى الميقات الذي تجاوزه بلا احرام. ففيه: ان غاية ما يستفاد من هذه الروايات عدم اختصاص هذه المواقيت بأهلها بل هي لمن يمر عليها وإن لم يكن من أهلها، وليس معنى ذلك ان يترك ميقاتا اختيارا ويمر بميقات آخر. (1) ذكر المصنف (قده) هذه المسألة انه لو أخر الاحرام عالما


(1) الوسائل: باب 8 من المواقيت ح 1.

[ 420 ]

[ قصد مكة فمع تركه يجب قضائه، لا دليل عليه خصوصا إذا لم يدخل مكة، وذلك لان الواجب عليه إنما كان الاحرام لشرف البقعة كصلاة التحية في دخول المسجد فلا قضاء مع تركه، مع ان وجوب الاحرام لذلك لا يوجب وجوب الحج عليه، وأيضا إذا بدا له ولم يدخل مكة كشف عن عدم الوجوب من الاول، وذهب بعضهم إلى انه لو تعذر عليه العود إلى الميقات احرم من مكانه كما في الناسي والجاهل نظير ما إذا ترك التوضوء إلى ان ضاق الوقت فانه يتيمم وتصح صلاته وان أثم بترك الوضوء متعمدا، وفيه ان البدلية في المقام لم تثبت بخلاف مسألة التيمم والمفروض انه ترك ما وجب عليه متعمدا. ] عامدا ولم يكن أمامه ميقات آخر ولم يتمكن من العود إليها بطل احرامه لانه ترك الوظيفة اختيارا فيفسد حجه نظير ترك التكبيرة للصلاة فيجب عليه قضائه إذا كان مستطيعا وإن لم يكن مستطيعا فلا يجب. فيقع الكلام في جهات: الاولى: ما إذا ترك الاحرام من الميقات عمدا وكان أمامه ميقات آخر وفرضنا انه لا يتمكن من العود إلى الميقات الذي تجاوز عنه. فان قلنا بمقالة المصنف في المسألة السابقة من جواز الاحرام من الميقات الثاني للواقع امامه ولو مع التمكن من العود إلى الميقات الاول، فلا ريب في الاجتزاء في المقام لان المفروض عدم لزوم العود إلى الميقات

[ 421 ]

الاول في فرض التمكن فضلا عن المعذور كما هو المفروض في المقام. وأما إذا لم نقل بذلك والتزمنا بعدم الاجتزاء بالاحرام من الميقات الثاني بدعوى ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت المواقيت الخاصة وجعل الاحرام منها وظيفة للمكلف فلابد من العود إليها ان تمكن، وأما إذا تعذر فقد يقال: بفساد حجه لاجل عدم الاحرام من الميقات المتعين له ولا ينفعه الاحرام من الميقات الثاني لانه على خلاف وظيفته المقررة له ولا دليل على الاكتفاء بالاحرام منه وكونه ميقاتا له. ولكن الصحيح ان يقال: ان من تعذر عليه الرجوع لا يفسد حجه بل يحرم من مكانه إذا كان خارج الحرم، وإذا كان في الحرم يخرج إلى أدنى الحل فيحرم منه كالجاهل والناسي، فحال العامد حالهما من هذه الجهة، وان الميقات السابق ميقات له مادام متمكنا من الاحرام منه وإذا تعذر ذلك يسقط عن كونه ميقاتا له فيحرم من الميقات الثاني فهو وان لم يكن ميقاتا له حدوثا ولكنه ميقات له بقاءا. الجهة الثانية: ما إذا تجاوز عن الميقات الاول بلا احرام عالما عامدا ولم يتمكن من العود إليه لضيق الوقت أو لعذر آخر ولم يكن أمامه ميقات آخر فهل يفسد احرامه وحجه أم لا؟. المشهور هو الاول، وذهب جماعة من المتأخرين إلى الصحة وانه يحرم من مكانه كما في الناسي والجاهل، وقد اختاره صاحب المستند وكشف اللثام بل نسب إلى بعض القدماء، وقد اتفقوا على ان الجاهل والناسي يحرمان من مكانهما إذا لم يدخلا الحرم وإذا دخلا فيه بغير احرام يخرجان منه ويحرمان من ادنى الحل فكذلك العامد، نظير من جعل نفسه فاقدا للماء اختيارا فانه يتعين عليه التيمم وتصح صلاته

[ 422 ]

وان كان الفقدان بسوء اختياره. ويظهر من المصنف ان القائل بالصحة قاس المقام بباب التيمم عند فقدان الماء اختيارا وانه لافرق بين المقام وهناك. وأورد عليه بان القياس في غير محله لانه قد ثبت في باب التيمم بدلية التراب عن الماء مطلقا حتى في حال فقدان الماء اختيارا ولم تثبت البدلية في المقام عند الترك العمدي. ولكن الظاهر ان القائل بالصحة إنما ذكر ذلك تشبيها لا اعتمادا عليه وتمسكا به وإنما مستنده صحيح الحلبي (عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم، فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، فان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه، فان استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج، فان اطلاقه يشمل العامد وليس فيه ما يظهر اختصاصه بالجاهل والناسي، بل قوله: (عن رجل ترك الاحرام) ظاهر في الترك العمدي ولا أقل من الاطلاق ولكن صاحب الجواهر (قد سره) رجح روايات التوقيت العامة على هذه الصحيحة، ومقتضى تلك الروايات هو البطلان لان مقتضى اطلاقها شرطية الاحرام من الميقات مطلقا خرجنا عنه في خصوص الجاهل والناسي واما في العامد فيبقى اطلاق الروايات الدالة على الشرطية على حالها، وأما صحيح الحلبي فتخصصه بمورد العذر يعني غير العامد، فرفع اليد من اطلاق صحيح الحلبي أولى من رفع اليد عن اطلاق تلك الروايات لوجوه. وذكر في المستمسك ان المراد بالوجوه المرجحة، شهرة تلك


(1) الوسائل: باب 14 من المواقيت ح 7.

[ 423 ]

الروايات وكثرتها وشهرة الفتوى بها، والحمل على الصحة في صحيح الحلبي باعتبار ان حمل الترك في صحيح الحلبي على الترك العمدي خلاف حمل فعل المسلم على الصحة لان المسلم الذي يريد الحج واداء الواجب لا يترك الاحرام عمدا من الميقات فالمتبع اطلاق تلك الروايات الموقتة الدالة على البطلان نعم ورد النص في صحة احرام خصوص الجاهل والناسي. أقول: أما الحمل على الصحة فلم يتحصل لنا معنى صحيحا له لان الحمل على الصحة إنما يجري فيما إذا صدر فعل من المسلم وشك في صدور الفعل عنه صحيحا أو فاسدا، واما حمل السؤال عن فعل من الافعال على الصحة، فلا معنى له، فانه يمكن السؤال عن الحرام اليقيني كما يصح ان يسأل عن رجل إذا زنى أو شرب الخمر مثلا وانه ما هو حكمه وغير ذلك من المحرمات التي وقعت في الاسئلة، فان السؤال قد يقع عن قضية فرضية لا يلزم انتسابها إلى أحد. واما تقديم الروايات العامة التوقيتية؟ على صحيح الحلبي لكثرتها وشهرتها وشهرة الفتوى بها فلا وجه له لان صحيح الحلبي نسبته إلى تلك الروايات نسبة الخاص إلى العام ولا ريب في تقدم الخاص على العام فان مورد صحيح الحلبي خشية فوت الحج وتلك مطلقة من هذه الجهة فترجيح المطلقات أو العمومات على صحيح الحلبي مما لا وجه له فما ذهب إليه كاشف اللثام وصاحب المستند من الحكم بالصحة هو الصحيح وان ارتكب أمرا محرما بتركه الاحرام من الميقات الاول. الجهة الثالثة: أنه بعد الفرغ عن فساد الحج والاحرام كما ذهب إليه المشهور هل يجب عليه القضاء ام لا؟. اختار المصنف وجوب القضاء إذا كان مستطيعا فان الحج إذا فات

[ 424 ]

عنه يجب الاتيان به فورا ففورا، يعني: يجب عليه الاتيان به في سنة الاستطاعة فان لم يأت به فيها يجب عليه اداؤه في السنة اللاحقة وهكذا، فالتعبير عنه بالقضاء فيه مسامحة. وأما إذا لم يكن مستطيعا فلا يجب عليه قضائه لعدم وجوب الحج عليه من الاول فكيف بوجوب القضاء، نعم قد ارتكب أمرا محرما بالمرور على الميقات محلا خلافا للشهيد الثاني حيث ذهب إلى وجوب القضاء ولو لم يكن مستطيعا وذكر المصنف انه لادليل له إلا دعوى وجوب الحج والاحرام عليه لدخول مكة فمع تركه يجب قضائه. وأشكل عليه بانه إذا بدي له ولم يدخل الحرم أو دخل الحرم ولم يدخل مكة ينكشف ان الاحرام لم يكن واجبا عليه من الاول وإنما تخيل ان الحج واجب عليه. واحتمال وجوب الاحرام عليه واقعا بمجرد قصد الدخول إلى مكة وإن لم يدخلها كما نسب إلى الشهيد الثاني لادليل عليه، لا مقتضى الادلة وجوب الاحرام لدخول مكة لاعلى من يقصد الدخول وان لم يدخلها، فلا معنى لوجوب القضاء مع عدم وجوب الاحرام. مضافا إلى أن الذى يجب عليه الدخول مكة إنما هو الاحرام الجامع بين الحج والعمرة لا وجوب الحج فلم يفت منه حج حتى يجب قضائه ومجرد القصد إلى الحج لا يوجب تعين الحج عليه ولو سلمنا وجوب الحج عليه لدخول مكة إلا أن القضاء يحتاج إلى دليل خاص لانه بأمر جديد، وقضاء الحج إنما ثبت في موارد خاصة ومجرد وجوب الحج عليه اداءا لا يوجب ثبوت القضاء. فتحصل: انه يصح احرامه وحجه لاطلاق صحيح الحلبي وهذا

[ 425 ]

الحكم لا اجماع وعلى خلافه وعلى فرض الفساد فقد اثم بترك الاحرام بالمرور على الميقات ولا يجب القضاء. ثم ان هنا رواية وهي ما رواه عبد الله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: (سألته عن رجل ترك الاحرام حتى انتهى إلى الحرم فأحرم قبل ان يدخله، قال: ان كان فعل ذلك جاهلا فليبن مكانه ليقضى فان ذلك يجزيه إن شاء، وإن رجع إلى الميقات الذى يحرم منه أهل بلده فانه افضل) (1) ولا يخفى انه لا محصل لقوله: (فليبن) أو (فليبين) ويمكن أن يكون (فليلبي) ووقع فيه التصحيف، وعلى كل تقدير المراد من هذه الجملة صحة الاحرام بقرينة قوله: (فان ذلك يجزيه). ففي الرواية جهتان: الاولى: ان مقتضى الرواية أن الجاهل لا يجب عليه الرجوع إلى الميقات وإن كان الرجوع افضل، فتكون الرواية أجنبية عن محل كلامنا في العامد. الثانية مقتضى المفهوم منها أن العالم العامد لا يجزيه الاحرام من مكانه ويفسد احرامه فتكون مقيدة لاطلاق صحيح الحلبي المتقدم وفيه: اولا ان مورد الرواية غير معمول به لان مقتضاها الاحرام من مكانه وإن كان متمكنا من العود إلى الميقات ولم يقل به أحد. وثانيا: ان الرواية ضعيفة بعبد الله بن الحسن العلوي فانه لم يرد فيه أي توثيق ومدح ولم يذكر في كتب الرجال.


(1) الوسائل: باب 14 المواقيت ج 10 / وفي قرب الاسناد (فليبين مكانه وليقض).

[ 426 ]

(تتميم) لا خلاف ولا اشكال في عدم جواز الدخول إلى مكة إلى محرما الا لاشخاص ممن يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش. وإنما وقع الكلام في الداخل إلى الحرم ولم يكن من قصده الدخول إلى مكة فهل يجب عليه الاحرام لدخول الحرم أم لا يجب الا لمن يريد الدخول إلى مكة؟. المعروف والمشهور بين الاصحاب عدم وجوب الاحرام لمن لا يريد دخول مكة. ونسب إلى بعضهم وجوب الاحرام للعمرة أو للحج لمن يريد دخول الحرم فان الاحرام وان كان عبادة ولكن لا يستقل بنفسه بل اما ان يكون للحج أو للعمرة، فمن كان قاصدا لدخول الحرم لحاجة وغرض من الاغراض ولم يكن مريدا لدخول مكة، يجب عليه الاحرام لدخول الحرم ثم يجب عليه ان يذهب إلى مكة لاداء المناسك من العمرة أو الحج، وممن صرح بوجوب الاحرام للدخول الحرم صاحب الوسائل حيث أخذ عدم جواز دخول الحرم إلا محرما في عنوان الباب الخمسين من أبواب الاحرام وذكر: (باب انه لا يجوز دخول مكة ولا الحرم بغير احرام) وما يذكره في عنوان الباب يفتى به. والصحيح ما ذهب إليه المشهور، فان الروايات الواردة في المقام على طائفتين، الاولى: مادل على وجوب الاحرام لدخول مكة كصحيحة محمد بن

[ 427 ]

مسلم (1) (هل يدخل الرجل مكة بغير احرام؟ قال: لا إلا مريضا أو من به بطن). الثانية: مادل على وجوب الاحرام لدخول الحرم كصحيحة عاصم (يدخل الحرم أحد إلا محرما؟ قال لا الا مريض أو مبطون) (2) ومقتضى الطائفتين في بادئ الامر وجوب الاحرام لدخول مكة ودخول الحرم، ولكن التأمل فيهما يقضى بوجوب الاحرام لدخول مكة فقط وحمل اخبار الحرم على مريد الدخول إلى مكة. والوجه في ذلك: ان جعل الحكمين معا - أي جعل وجوب الاحرام لدخول الحرم وجعل وجوب الاحرام لدخول مكة - يستلزم اللغوية. بيان ذلك: الحكم بوجوب الاحرام لو كان مختصا بمن كان داخل الحرم لامكن جعل الحكمين معا في حقه، فيقال: له إذا أردت دخول مكة يجب عليك الاحرام وإذا خرجت من الحرم وأردت دخوله يجب عليك الاحرام لدخول الحرم، الا ان مقتضى بعض الروايات الصحيحة وصراحتها ثبوت هذا الحكم لعامة المسلمين وعدم اختصاصه بطائفة دون أخرى كما في صحيحة معاوية بن عمار (قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة ان الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض وهي حرام إلى ان تقوم الساعة، لم تحل لاحد قبلي، ولا تحل لاحد بعدى) (3). فلا يمكن تخصيص الحكم بداخل الحرم وعليه فجعل الحكمين معا


(1) و (2) الوسائل: باب 50 أبواب الاحرام ح 4 و 1. (3) الوسائل: باب 50 أبواب الاحرام ح 7.

[ 428 ]

[ (مسألة 4): لو كان قاصدا من الميقات للعمرة المفردة وترك الاحرام لها معتمدا يجوز له أن يحرم من أدنى الحل وان كان متمكنا من العود إلى الميقات، فادنى الحل له مثل كون الميقات امامه، وان كان الاحوط مع ذلك العود إلى الميقات، ولو لم يتمكن من العود ولا الاحرام من أدنى الحل بطلت عمرته (1). ] يصبح لغوا، لانه لو وجب الاحرام لدخول الحرم فانما هو لاداء المناسك والا فمجرد الاحرام بدون الاعمال والمناسك لانحتمل وجوبه ومن الواضح ان مكة المكرمة محاطة بالحرم فإذا دخل الحرم محرما لاداء المناسك فجعل وجوب الاحرام الثاني لدخول مكة لغوا لاأثر له، فهذه القرينة توجب حمل روايات وجوب الاحرام لدخول الحرم على من يريد الدخول إلى مكة. فمن دخل الحرم لغرض من الاغراض ولا يريد الدخول إلى مكة لا يجب عليه الاحرام. (1) لاريب في أن العمرة المفردة كالحج وعمرة التمتع في وجوب الاحرام لها من الميقات، وإنما الفرق بما ذكره في المتن من انه لو كان قاصدا للعمرة المفردة وترك الاحرام لها من الميقات عمدا يجوز له الاحرام لها من أدنى الحل ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات وإن كان متمكنا من العود إليها فحال أدنى الحل حال الميقات الذى يكون امامه فادنى الحل ميقات اختياري للعمرة المفردة وان كان اثما بتركه الاحرام عند مروره بالميقات. وليعلم انه قد عرفت سابقا انه لو تجاوز عن الميقات بلا احرام

[ 429 ]

يجب عليه الرجوع ولا يكتفي بالاحرام من الميقات الذي امامه وقد دل على ذلك صريحا بعض الروايات المعتبرة كرواية ابراهيم بن عبد الحميد التي متعت من الاحرام من ذات عرق لمن كان في المدينة، بل لو فرضنا جواز ذلك فانما يجوز في الحج أو عمرة التمتع، واما في العمرة المفردة فلا دليل على كون ادنى الحل ميقاتا لها على الاطلاق وانما هو ميقات لها لمن كان في مكة وإن لم يكن من أهلها. واضفنا إلى ذلك من بدى له العمرة وكان دون المواقيت فانه لا يجب عليه أن يذهب إلى الميقات الذي وراءه بل يجوز له الاحرام من أدنى الحل كالجعرانة كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعدما رجع من الطائف وغزوة حنين فانه صلى الله عليه وآله بدى له ان يعتمر فاهل من الجعرانة ولم يرجع إلى الميقات. وبالجملة: في هذين الموردين يجوز الاحرام للعمرة المفردة من أدنى الحل وأما في غيرهما فلا دليل على كونه ميقاتا لها، خلافا للمصنف وصاحب الجواهر (قدهما) فانهما جعلا أدنى الحل ميقاتا اختياريا لمطلق العمرة المفردة حتى لمن يريد العمرة من الخارج وحملا كلام المحقق من المنع عن الاحرام من أدنى الحل على غير العمرة المفردة ولا دليل على ما ذكراه بل يشكل شمول الحكم بجواز الاحرام من مكانه عند نسيان الاحرام من الميقات أو الجهل بذلك ولم يتمكن من الرجوع إلى الميقات للعمرة المفردة، لان الدليل إنما دل على جواز الاحرام من مكانه في الحج أو عمرة التمتع ولا يشمل العمرة المفردة

[ 430 ]

[ (مسألة 5): لو كان مريضا لم يتمكن من النزع ولبس الثوبين يجزئه النية والتلبية فإذا زال عذره نزع ولبسهما (1) ولا يجب حينئذ عليه العود إلى الميقات نعم لو كان له عذر عن أصل انشاء الاحرام لمرض أو اغماء ثم زال وجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكن والا كان حكمه حكم الناسي في الاحرام من مكانه إذا لم يتمكن الا منه وان تمكن العود في الجملة وجب، وذهب بعضهم إلى انه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره، لمرسل جميل عن أحدهما (ع) (في مريض اغمى عليه فلم يفق حتى أتى الموقف، قال (ع) يحرم عنه رجل، والظاهر ان المراد انه يحرمه رجل ويجنبه عن محرمات الاحرام لا انه ينوب عنه في الاحرام، ومقتضى هذا القول عدم وجوب العود إلى الميقات بعد افاقته وان كان ممكنا، ولكن العمل به مشكل لارسال الخبر وعدم الجابر، فالاقوى العود مع الامكان وعدم الاكتفاء به مع عدمه. ] (1) كان الانسب ذكر هذه المسألة في فصل كيفية الاحرام وواجباته ولا يناسب ذكرها هنا لعدم ذكر لبس الثوبين في المقام. وكيف كان: فقد تعرض المصنف (قد سره) في هذه المسألة لبيان فرعين: الاول: لبيان حكم من كان مريضا ولم يتمكن من نزع ثيابه.

[ 431 ]

الثاني: ما لو كان له عذر عن أصل انشاء الاحرام والنية له من مرض أو اغماء أو ما شاكلهما أما الفرع الاول: فقد ذكر انه يجزيه النية والتلبية وإذا زال عذره نزع ثيابه ويلبس ثوبي الاحرام. وللمناقشة في ذلك مجال. فان ما ذكره بالنسبة إلى نزع ثبابه المخيطة بعد ارتفاع العذر وان كان صحيحا، لان لبس المخيط حرام على المحرم حدوثا وبقاءا فمتى زال العذر يحرم عليه لبس المخيط. ولكن بالنسبة إلى لبس ثوبي الاحرام بعد ارتفاع العذر فوجوب لبسهما بعد البرء وزوال العذر مبني على وجوب لبسهما حدوثا وبقاءا. وأما بناءا على وجوب لبسهما حدوثا فقط - يعني عند النية والتلبية - وعدم وجوب استدامة لبس الثوبين وجواز نزعهما لغرض من الاغراض كما صرح بذلك في مسألة السابع والعشرين من فصل كيفية الاحرام فلا يجب عليه حينئذ لبسهما بعد البرء وزوال الاضطرار، فان لبسهما في الاول غير واجب للعذر فكذلك لا يجب لبسهما بعد ارتفاع العذر لعدم وجوب استدامة لبس الثوبين، بل يجوز له ان بيقى عاريا إذا أمن من الناظر المحترم وأما الفرع الثاني: وهو مالو كان له عذر عن أصل انشاء الاحرام من الميقات لمرض أو اغماء ثم زال، ففي المتن انه يجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكن والا كان حكمه حكم الناسي في الاحرام من مكانه على تفصيل تقدم قريبا. ثم ذكر المصنف وان تمكن من الرجوع والابتعاد بالمقدار الممكن وجب، وستعرف ان الرجوع والعود بالمقدار الممكن لادليل عليه.

[ 432 ]

وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره فحال الاحرام حال الطواف من الوجوب عليه بنفسه اولا ثم الاطافة به ثم الطواف عنه واستدل هذا القائل بمرسل جميل (في مريص أغمى عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت، فقال: يحرم عنه رجل) (1) وذكره في الوسائل في أبواب الاحرام (2) أيضا لكن قال فيه (حتى أتى الموقف) وذكر (الوقت) بعنوان النسخة ومقتضى اطلاقه عدم وجوب العود إلى الميقات بعد الافاقة والبرء وان كان متمكنا والاكتفاء بالنيابة عنه، ولكن المصنف ذكر ان العمل به مشكل لارسال الخبر وعدم الجابر، مضافا إلى انه استظهر منه ان المراد به ان يحرمه رجل ويلقنه ويجنبه عن محرمات الاحرام لا أنه ينوب عنه في الاحرام. ولا يخفي ان ما استظهره من المرسل بعيد جدا فان الظاهر منه هو النيابة عنه ولو كان الخبر صحيح السند لصح ما ذكره هذا القائل والعمدة ضعف الخبر بالارسال مضافا إلى اضطراب متنه فان المروى عن الكافي (حتى اتى الوقت) (3) وكذلك رواه في الوسائل عن التهذيب في أبواب المواقيت، ولذا ذكر في عنوان الباب (أو اغمي عليه في الميقات) وذكره في أبواب الاحرام (حتى أتى الموقف) كذا في الاصل وذكر (الوقت) بعنوان النسخة وفي التهذيب المطبوع حديثا (4)


(1) الوسائل: باب 20 من المواقيت ح 4. (2) الوسائل: باب 55 من الاحرام ح 2. (3) الكافي: ج 4 ص 325 والموجود فيه (يحرم منه). (4) التهذيب: ج 5 ص 60.

[ 433 ]

[ (مسألة 6): إذا ترك الاحرام من الميقات ناسيا أو جاهلا بالحكم أو الموضوع وجب العود إليه مع الامكان ومع عدمه فالى ما أمكن إلا إذا كان امامه ميقات آخر وكذا إذا جاوزها محلا لعدم كونه قاصدا للنسك ولا لدخول مكة ثم بدا له ذلك فانه يرجع إلى الميقات مع التمكن وإلى ما امكن مع عدمه (1). ] (حتى أتى الموقف) وكذا في الجواهر (1) والحدائق (2) وفي الوافي (حتى أتى الوقت) (3). فان كان الثابت (الموقف) فالرواية اجنبية عن المقام وان كان الثابت (الوقت فتفيد المقام ولكن لا نعلم بصحته فتسقط الرواية عن الاستدلال (1) ذكر (قده) في هذه المسألة انه من ترك الاحرام من الميقات عن نسيان أو عن جهل بالحكم أو بالموضوع كالجهل بالميقات يجب عليه العود إلى الميقات مع الامكان والا فالى ما امكن وهذه المسألة تنحل إلى أربع صور الاولى: ما إذا تذكر وتمكن من الرجوع إلى الميقات فانه يجب عليه العود والاحرام من الميقات. ويدل على ذلك أولا: النصوص العامة الداله على توقيت رسول


(1) الجواهر: ج 18 ص 128. (2) الحدائق: ج 14 ص 464. (3) الوافي: ج 8 ص 84.

[ 434 ]

الله (صلى الله عليه وآله) المواقيت الخمسة وانه لا يجوز العدول والتجاوز عنها بلا احرام. وثانيا: ان النصوص الواردة في المقام بعضها ورد في خصوص الناسي كصحيحة الحلبي، قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن رجل نسي ان يحرم حتى دخل الحرم، قال: قال أبي: يخرج إلى ميقات اهل أرضه، فان خشي ان يفوته الحج احرم من مكانه) (1). وبعضها في خصوص الجاهل، كصحيحة معاوية بن عمار، قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فارسلت إليهم فسئلتهم فقالوا: ما ندري أعليك احرام ام لا وأنت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم، فقال: (ع) ان كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه فان لم يكن عليها وقت (مهلة) فلترجع إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها) (2). وبعضها مطلق يشمل حتى العامد كصحيح آخر للحلبي، قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، فان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه) (3) وغير ذلك من الروايات. والمتحصل من هذه الروايات ان من ترك الاحرام نسيانا أو جهلا فان تمكن من الرجوع إلى الميقات وجب العود إليه والاحرام منه.


(1) الوسائل: باب 14 من المواقيت ج 1. (2) الوسائل: باب 14 من المواقيت ح 4 (3) الوسائل: باب 14 من المواقيت ح 7.

[ 435 ]

الثانية: ان يكون في الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الخارج ففي صحيح الحلبي انه يحرم من مكانه واطلاقه يشمل؟ الجاهل والناسي لان موضوع الحكم من ترك الاحرام. الثالثة: ان يكون في الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات لكن يمكنه الرجوع إلى خارج الحرم فحينئذ يجب عليه ان يرجع إلى خارج الحرم والاحرام منه في أي مكان شاء منه ولا يجب عليه الابتعاد بالمقدار الممكن لعدم الدليل على ذلك. وبالجملة: مقتضى اطلاق النصوص هو وجوب الخروج من الحرم والاحرام من الخارج سواء في أول الحل ورأس الحد أو يتبعد عنه قليلا أو كثيرا، فان العبرة بالاحرام خارج الحرم في أي مكان شاء، وتقييد هذه المطلقات بما لا يتمكن من الابتعاد عن الحرم تقييد بالفرد النادر جدا لان كل من يتمكن من الخروج من الحرم يتمكن من الابتعاد بمقدار مائة ذراع أو مأتين من حد الحرم فلا يمكن حمل تلك المطلقات المجوزة للاحرام على من لا يتمكن من الابتعاد من الحرم بمقدار مائة ذراع مثلا. نعم ورد الابتعاد بالمقدار الممكن في خصوص الخائض في صحيح معاوية بن عمار المتقدمة والتعدي عنها إلى غيرها من ذوي الاعذار والناسي والجاهل، قياس لانقول به فالمرجع اطلاق النصوص ولم يرد فيها أي تقييد عدى ما ورد في خصوص الطامث. فالمتحصل من هذه النصوص انه لو كان متمكنا من الرجوع إلى الميقات يجب عليه الرجوع والاحرام هناك سواء دخل الحرم أم لا، وان لم يتمكن من الرجوع إليها فان دخل الحرم يجب عليه العود إلى خارج الحرم والاحرام من الخارج من أي مكان شاء ولا يجب عليه

[ 436 ]

الابتعاد بالمقدار الممكن، وان لم يتمكن من الخروج احرم من مكانه. وبأزاء هذه النصوص خبر على بن جعفر المتقدم (عن رجل ترك الاحرام حتى انتهى إلى الحرم فاحرم قبل ان يدخله قال: ان كان فعل ذلك جاهلا فليبن مكانه ليقضي فان ذلك يجزيه ان شاء الله، وإن رجع إلى الميقات الذي يحرم منه أهل بلده فانه افضل) (1) فانه صريح في عدم وجوب الرجوع إلى الميقات إذا كان جاهلا وجواز الاحرام من غير الميقات حتى مع التمكن من الرجوع إليها ولا يخفي: ان المراد بقوله: (فليبن مكانه) انه يبني على احرامه ويعتمد عليه ويمضي لا يرجع إلى الميقات ليعيده. وأما ما احتملناه سابقا من تصحيف كلمة (فليبن) واحتمال كونها (فليلبي) فبعيد جدا، لان المفروض في السؤال انه احرم ولبى فلا حاجة إلى التلبية ثانيا بعد اجزاء الاول، والعمدة ضعف الخبر بعبد الله ابن الحسن فانه غير مذكور في الرجال بمدح ولا قدح ولو اغمضنا النظر عن ضعف الخبر سندا لقلنا بعدم وجوب الرجوع بمقتضى هذا الخبر وحمل تلك الروايات على الاستحباب، ولكن لضعفه لا يمكن الاعتماد عليه فلا حاجة إلى القول بكونه شاذا ولا قائل بمضونه الصورة الرابعة: ما إذا ارتفع العذر أو تذكر قبل الوصول إلى الحرم ولم يمكنه الرجوع إلى الميقات الذى تجاوز عنه، فقد يفرض ان امامه ميقات آخر، كما إذا تجاوز عن مسجد الشجرة بلا احرام وارتفع العذر في اثناء الطريق قبل الوصول إلى الحرم ولم يتمكن من الرجوع إلى الميقات وكان امامه ميقات آخر كالجحفة، ففي مثله يجب


(1) الوسائل: باب 14 من المواقيت ح 10

[ 437 ]

عليه الاحرام من الجحفة، وهذا الحكم وان لم يرد فيه نص بالخصوص فان النصوص إنما وردت فيمن دخل الحرم ولكن الحكم المذكور على القاعدة لان الرجوع إلى الميقات الاول غير واجب عليه لفرض عدم التمكن منه، واما لزوم الاحرام من اليمقات الذي امامه فيدل عليه عموم مادل على لزوم الاحرام من الميقات والذهاب إليه وعدم التجاوز عنه إلا محرما. وقد يفرض انه لم يكن امامه ميقات آخر، أن تجاوز عنه أيضا بلا احرام ولا يتمكن من الرجوع إليه أيضا أو سلك طريقا لا يمر بميقات أصلا فذكر في المتن تبعا لغيره أنه يحرم من مكانه. أقول: وجوب الاحرام عليه من مكانه مبني على وجوب العود والرجوع بالمقدار الممكن، وانه لو امكنه الابتعاد بأي مقدار كان وجب فحينئذ متمكن من الابتعاد فيجب عليه الاحرام من مكانه ولا يجوز له التجاوز عنه بلا احرام. وأما إذا قلنا بعدم وجوب الابتعاد بالمقدار الممكن - كما هو المختار لعدم الدليل عليه - فلا يجب عليه الاحرام من مكانه الذي ارتفع العذر فيه بل هو مخير في الاحرام من أي موضع شاء قبل الوصول إلى الحرم ولو بان يؤخر الاحرام من مكانه لان العبرة بوقوع الاحرام في خارج الحرم سواء وقع الاحرام في مكان رفع العذر أو وقع قريبا إلى الحرم ثم ان المصنف الحق الناسي من ترك الاحرام من الميقات لعدم كونه قاصدا للنسك ولا لدخول مكة ثم بدا له ذلك فانه يرجع إلى الميقات مع الامكان وإلى ما أمكن مع عدمه. اما إذا تمكن من الرجوع فلا كلام، واما إذا لم يتمكن من الرجوع فان كان امامه ميقات آخر فيحرم منه لنفس الدليل السابق،

[ 438 ]

بل المقام أولى من الفرض السابق الذي يقصد الحج وترك الحرم من الميقات، لان المفروض في المقام عدم إرادة النسك فلم يكن مأمورا بالاحرام من الميقات الاول، وإنما قصد الحج بعد التجاوز عن الميقات فجواز الاحرام له من الميقات الامامي اول من الحكم بجواز الاحرام منه لقاصد الحج من الاول. وإذا لم يكن امامه ميقات آخر فالظاهر ان المعروف بينهم انه يحرم من مكانه فحاله حال الناسي والجاهل. وربما يستدل له بالاجماع وفيه مالا يخفى. وقد يستدل له باطلاق صحيح الحلبي لقوله: (عن رجل ترك الاحرام) فان ذلك صادق على غير مريد النسك ايضا وفيه: أن الظاهر من السؤال انه ترك الوظيفة المعنية المقررة له والسؤال والجواب ناظران إلى من ترك الوظيفة الواجبة عليه فلا يشمل من ترك الاحرام لعدم قصده إلى الحج أصلا. والصحيح: ان يستدل له بوجهين أخرين: الاول: دعوى الاولية القطعية فان المكلف بالحج إذا سقط عنه وجوب الاحرام من الميقات وجاز له الاحرام من غير الميقات فثبوت هذا الحكم لمن لم يكن مأمورا بالحج من الاول واقعا لعدم المقتضى، بطريق أولى. الثاني: ذيل صحيح الحلبي، فان صدره وان كان لا يشمل غير مريد النسك - كما عرفت - ولكن ذيله لامانع من شموله له لقوله: (فان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه) فان يستفاد منه جواز الاحرام من غير الميقات في كل مورد يخشى ان يفوت الحج منه، والمفروض ان هذه الشخص قد وجب عليه الحج بالفعل ولا يحوز له

[ 439 ]

[ (مسألة 7): من كان مقيما في مكة وأراد حج التمتع وجب عليه الاحرام لعمرته من الميقات إذا تمكن والا فحاله حال الناسي (1). (مسألة 8): لو نسى المتمتع الاحرام للحج بمكة ثم ذكر وجب عليه العود مع الامكان والا ففي مكانه ولو كان في عرفات بل المشعر وصح حجه، وكذا لو كان جاهلا بالحكم، ولو احرم له من غير مكة مع العلم والعمد لم يصح وان دخل مكة باحرامه بل وجب عليه الاستيناف مع الامكان والا بطل حجه، نعم لو احرم من غيرها نسيانا ولم يتمكن من العود إليها صح احرامه من مكانه (2). ] التسويف وفرضنا انه لا يتمكن من الذهاب إلى الميقات لضيق الوقت ونحوه من الاعذار فيحرم من غير الميقات فان كان في الحرم وتمكن من الخروج إلى الحل يخرج ويحرم من الخارج وإن لم يتمكن من الخروج يحرم من مكانه وان كان في خارج الحرم فيحرم من أي موضع شاء قبل الوصول إلى الحرم وبالجملة: مورد السؤال وان كان يشمل المقام ولكن تعليله بخشية فوت الحج شامل له فان المستفاد من التعليل ان المدار في جواز الاحرام من الميقات بخوف فوت الحج الواجب عنه. (1) قد تقدم حكم ذلك مبسوطا في المسألة الرابعة من (فصل اقسام الحج) فلا موجب للاعاده. (2) هذه المسألة قد لمح إليها المصنف فيما سبق وهي انه لو ترك

[ 440 ]

الاحرام للحج بمكة عالما عامدا وذهب إلى عرفات فان لم يتمكن من العود بطل حجه لانه ترك الجزء الواجب عمدا بلا عذر فلم يأت بالمأمور به على وجهه. واما إذا تركه جهلا يجب عليه الاحرام حينما يتذكر فان تمكن من العود إلى مكة فهو والا فيحرم من مكانه فان العبرة بخشية فوت الموقف كما يستفاد ذلك من ذيل صحيح الحلبي المتقدم مضافا إلى صحيح علي ابن جعفر قال: (سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله؟ قال: يقول (اللهم على كتابك وسنة نبيك) فقد تم احرامه، فان جهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلدة إن كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجه) (1) بل ربما يقال: ان مقتضى اطلاقه عدم وجوب الرجوع إلى مكة إذا تذكر ولو في حال التمكن. ولكن ببعده ان الظاهر من مورد السؤال عدم التمكن من الرجوع إلى مكة ودرك الموقف خصوصا بملاحظه الازمنة السابقة التي لا يمكن الرجوع إلى مكة من عرفات ثم الذهاب إليها لدرك الموقف لبعد الطريق وأما في زماننا هذا، الذي يمكن الذهاب والعود في مدة قليلة بالوسائط المستحدثة فلا موجب ولاوجه لرفع اليد عما دل على لزوم الاحرام من مكة لكونه متمكنا من ذلك. ثم أن صحيح علي بن جعفر يشمل على حكمين: أحدهما: ما إذا نسي الاحرام من مكة وتذكر وهو بعرفات، قال: (فقد تم احرامه).


(1) الوسائل: باب 14 من المواقيت ح 8.

[ 441 ]

ثانيهما: ما إذا جهل بالاحرام يوم التروية واتى بجميع الاعمال والمناسك حتى رجع إلى بلده وتذكر هناك فحكم (ع) بصحة الحج وانه قد اتم احرامه. المستفاد من الصحيحة ان السوأل عن مطلق المعذور والا فلا خصوصية لذكر النسيان في صدر الرواية، وذكر الجهل في ذيلها، فكل من الحكمين بصحة الحج والاحرام يشمل الموردين فإذا جهل الاحرام فذكر وهو بعرفات تم احرامه، كما إذا نسي الاحرام وقضى المناسك كلها فذكر وهو في بلده صح حجه، لا ان الحكم بالصحة في النسيان يختص بمورد نسيان الاحرام والحكم بالصحة في مورد الجهل يختص بمورده فاحد الفرضين لم يكن مختصا بالجهل أو النسيان، بل الميزان هو العذر وعدم التمكن من الرجوع إلى مكة. ومما ذكرنا: يظهر حكم المشعر أو ما بعده، فانه بعدما حكم بصحة العمل والحج إذا قضى المناسك كلها بغير احرام فصحته بعد اداء البعض بلا احرام بطريق أولى. ولو احرم من غير مكة نسيانا ولم يتمكن من العود إليها ذكر (قده) أنه صح احرامه من مكانه - أي من مكان التذكر -. أقول: ان كان حال الاحرام متمكنا من الذهاب إلى مكة ولكن حال الذكر غير متمكن منه فلابد من الذهاب إلى مكة، وان كان حين الاحرام غير متمكن من الرجوع إلى مكة فلا حاجة إلى الاحرام ثانيا بل يكتفي بنفس الاحرام الاول، لانه قد أتي بالوظيفة الواقعية.

[ 442 ]

[ مسألة 9): لو نسي الاحرام ولم يذكر حتى أتى بجميع الاعمال من الحج أو العمرة فالاقوى صحة عمله، وكذا لو تركه جهلا حتى اتى بالجميع (1). ] (1) لو ترك الاحرام نسيانا أو جهلا وأتى بجميع الاعمال سواء كان في الحج أو العمرة بقسميها ولم يذكر حتى اكمل وقضى المناسك كلها فهل يصح عمله أم لا؟ فيقع الكلام في موارد ثلاثة: - الاول: في الحج والظاهر صحته لصحيح علي بن جعفر قال: (سألته: عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده، قال إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه) (1) بناءا على ارادة ما يعم النسيان من الجهل، وقد ذكرنا قريبا ان العبرة بالعذر سواء كان مستندا إلى النسيان أو الجهل: الثاني: في العمرة المفردة والظاهر عدم صحتها إذا أتى بها بلا احرام إذ لانص فيها الا ما يقال: انها كالحج بدعوى عدم الفرق بين الحج والعمرة المفردة وهي غير ثابتة الثالث: عمرة التمتع وقد استدل على صحتها بمرسل جميل (في رجل نسي ان يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى، قال: تجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه) (2). بدعوى اطلاق الحج على عمرة التمتع وقد اطلق عليها في كثير من الاخبار.


(1) الوسائل: باب 20 من المواقيت ح 2. (2) الوسائل: باب 20 من المواقيت ح 1.

[ 443 ]

على انه لم يقيد نسيان الاحرام فيه بنسيان احرام الحج بل هو مطلق من هذه الجهة ولكن الخبر ضعيف بالارسال، وان كان المرسل جميل الذي هو من اصحاب الاجماع، وقد ذكرنا في محله ان المراد بتصحيح ما يصح عن اصحاب الاجماع، وثاقة انفسهم وجلالتهم لا عدم النظر إلى من تقدمهم من الرواة والقول بصحة روايتهم على كل حال حتى ولو رووا عن غير معلوم الحال. وقد ناقش الشيخ في بعض الاخبار المرسلة مع أن المرسل مثل ابن أبي عمير أو غيره من أصحاب الاجماع. أما الانجبار فلا نلتزم به - كما مر غيره مرة - فالصحيح انه لا دليل على الصحة في العمرة المفردة ولا عمرة التمتع.

[ 444 ]

[ (فصل) في مقدمات الاحرام (مسألة 1): يستحب قبل الشروع في الاحرام أمور: (احدها) توفير شعر الرأس، بل واللحية لاحرام الحج مطلقا - لا خصوص التمتع كما يظهر من بعضهم لاطلاق الاخبار - من اول ذي القعدة بمعنى عدم ازالة شعرهما، لجملة من الاخبار (1)، وهي وان كانت ظاهرة في الوجوب الا انها محمولة على الاستحباب لجملة أخرى من الاخبار ظاهرة فيه، فالقول بالوجوب - كما هو ظاهر جماعة - ضعيف وان كان لا ينبغي ترك الاحتياط، كما لا ينبغي ترك الاحتياط باهراق دم لو زال شعر رأسه بالحلق حيث يظهر من بعضهم وجوبه أيضا لخبر محمول على الاستحباب أو على ما إذا كان في حال الاحرام، ويستحب التوفير للعمرة شهرا. ] (1) منها صحيح ابن سنان (مسكان) عن أبي عبد الله (ع) قال:

[ 445 ]

[ (الثاني): قص الاظفار، والاخذ من الشارب، وازالة شعر الابط، والعانة بالطلي أو الحلق أو النتف، الافضل الاول، ثم الثاني ولو كان مطليا قبله ويستحب له الاعادة وإن لم يمض خمسة عشر يوما، ويستحب أيضا ازالة الاوساخ من الحسد، لفحوى ما دل على المذكورات وكذا يستحب الاستياك. ] (لا تأخذ من شعرك وانت تريد الحج من ذي القعدة) (1). ومنها: صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: (خذ من شعرك إذا ازمعت على الحج شوال كله إلى غرة ذي القعدة) (2) وهذا مما لااشكال فيه في الجملة وانما يقع الكلام في جهات: الاولى: هل يختص توفير الشعر بحج التمتع أو يشمل الاعم منه ومن غيره من أقسام الحج؟ الظاهر هو التعميم لاطلاق النصوص ولا موجب للاختصاص بحج التمتع. الثانية: هل يختص توفير الشعر بالرأس أو يشمل اللحية أيضا؟. ربما يقال: بالتعميم لاطلاق الاخبار الناهية عن أخذ الشعر. وفيه: ان توفير الشعر إنما هو مقدمة للحلق ومن المعلوم ان الحلق إنما يختص بالرأس، ومما يؤكد ان هذه الروايات لا اطلاق لها بالنسبة إلى شعر اللحية وانما نظرها إلى شعر الرأس خاصة، وان الاصحاب لم


(1) و (2) الوسائل: باب 2 من الاحرام ح 1 و 2.

[ 446 ]

يذكروا توفير الشعر بالنسبة إلى سائر الجسد، بل ذكروا استحباب ازالة الشعر عن بعض مواضع الجسد كأبطيه. وقد أستدل على التعميم بخبرين: أحدهما: خبر الاعرج (لا يأخذ الرجل إذا رأى هلال ذي القعدة وأراد الخروج من رأسه ولا من لحيته) (1) لكنه ضعيف بالارسال. ثانيهما: خبر أبي الصباح الكناني (عن رجل يريد الحج أيأخذ شعره في اشهر الحج؟ قال: لا ولا من لحيته) (2) وهو ضغيف بمحمد بن الفضيل الازدي، واما ما ذكره الاردبيلي في رجاله من اتحاده مع محمد بن القاسم ابن الفضيل الثقة الذي يعبر عنه باسم جده كثيرا وعدم ذكر والده فغير تام ولا أقل من كونه مرددا بين محمد بن الفضيل الضعيف وبين محمد بن القاسم الفضيل الثقة ولا مميز في البين نعم لا بأس بدعوى الاستحباب بناءا على التسامح في أدلة السنن ثم ان المصنف (رحمه الله تعالى) حمل الروايات الناهية عن اخذ الشعر، أو الآمرة بالتوفير على الحلق وازالة الشعر، مع ان الظاهر من الروايات وفتوى الاصحاب هو توفير الشعر وتكثيره واعفائه وعدم أخذ شئ منه. الثالثة: المشهور بين الاصحاب استحباب التوفير، ونسب إلى المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية والاستبصار الوجوب.


(1) الوسائل: باب 2 من الاحرام ح 6. (2) الوسائل: باب 4 من الاحرام ح 4.

[ 447 ]

ولا يخفي ان ظاهر الروايات يعطي الوجوب لان اخذ الشعر إذا كان منهيا كما في النصوص يكون تركه واجبا ولازما، ولكن بازائها ما يدل على الجواز صريحا، والجمع العرفي يقتضي حمل تلك الروايات الآمرة بالتوفير على الاستحباب وهو صحيح علي بن جعفر، قال: (سألته عن الرجل إذا هم بالحج يأخذ من شعر رأسه ولحيته وشاربه ما لم يحرم؟ قال: لا بأس) (1). والرواية صحيحة سندا كما عبر عنها في الجواهر بالصحيحة لان طريق الوسائل إلى الشيخ صحيح وطريق الشيخ إلى كتاب علي بن جعفر صحيح فلا مجال للتأمل في صحة السند. ومقتضاها جواز أخذ الشعر إلى أن يحرم وان كان احرامه في الثامن من شهر ذي الحجة، فالعبرة بالاحرام لا بالزمان هذا مضافا إلى انه لا يمكن الالتزام بالوجوب لان هذا الحكم مما يكثر الابتلاء به، ولو كان واجبا لظهر وبان مع انه لم يقل به أحد الا الشاذ النادر. وبنفس البيان تحمل بقية الامور المذكورة كقص الاظفار والاخذ من الشارب على الاستحباب إذا لا رواية تدل على الاستحباب وإنما الروايات اشتملت على الامر بها وتحمل على الاستحباب لاجل ما ذكر. الرابعة: هل يجب عليه اهراق الدم بالحلق بناءا على وجوب التوفير كما عن المفيد أم لا؟. ربما يقال بوجوب الدم لصحيح جميل قال: (سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع حلق رأسه بمكة قال: ان كان جاهلا فليس عليه شئ، وان تعمد ذلك في اول الشهور للحج بثلاثين يوما


(1) باب 4 من الاحرام ح 6.

[ 448 ]

فليس عليه شئ، وان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها للحج فان عليه دما يهريقه) (1). ويرده: ان الرواية أجنبية عما نحن فيه لان المدعي لزالة الشعر وحلقه في شهر ذي القعدة قبل الاحرام، ومورد الرواية حلق الرأس في مكة بعد الاحرام، على انه لو كان اهراق الدم واجبا لظهر وشاع ولا يخفى حكمه على الاصحاب لكثرة الابتلاء به مع انه لم ينسب إلى أحد من الاصحاب الا المفيد. وأما فقه الحديث: فالمراد من قوله: (وان تعمد ذلك في اول الشهور للحج بثلاثين يوما) هو شهر شوال، فالمعنى انه لو حلق رأسه متعمدا في شهر شوال الذي هو اول أشهر الحج وان كان في مكة بعد اعمال التمتع فلا بأس، وأما لو تعمد ذلك بعد الثلاثين التي يوفر فيها للحج فعليه الدم، فيقع الكلام في المراد بذلك. فان كانت كلمة (التي) صفة (للثلاثين) كما تقتضيها القاعدة الادبية فالمراد بذلك شهر ذي الحجه، لان الثلاثين التي يوفر فيها هو شهر ذي القعدة وبعده شهر ذي الحجة فيكون حكم توفير الشعر في شهر ذي القعدة مسكوتا عنه لان المذكور في الرواية - بناءا على ما ذكرنا حكمه بالجواز في شهر شوال وحكمه بالمنع في شهر ذي الحجة الذى عبر عنه (ببعد الثلاثين التي يوفر فيها) وسكت عن ذي القعدة. وهذا بعيد في نفسه على ان التعبير بذي الحجة بذلك غير متعارف وتبعيد للمسافة ولو كان المقصود شهر ذي الحجة لقال (ع): (وان


(1) الوسائل: باب 5 من الاحرام ح 1.

[ 449 ]

تعمد ذلك في ذي الحجة فكذا). والظاهر ان كلمة (التي) صفة لقوله: (بعد) وان كان لا يساعد عليه القاعدة النحوية، فيكون المعنى وان كان بعد شوال فان البعد الذى يوفر فيه الشعر إنما هو ذو القعدة، والبعد الواقع بعد الثلاثين أي شهر شوال هو شهر ذي القعدة، والالف واللام في الثلاثين اشارة إلى الثلاثين من أول شهور الحج، فمدلول الرواية تفصيل بين شهر شوال وشهر ذي القعدة. فالمستفاد من الرواية ان المتمتع إذا حلق رأسه في شهر شوال فلا بأس به، وان حلق بعد شهر شوال ففيه بأس، ولا مانع من الالتزام بذلك إذ لا اجماع على الخلاف، الا أن الرواية كما عرفت اجنبية عن الحلق في شهر ذي القعدة قبل التلبس بالاحرام الذي هو المدعى وإنما موردها الحلق في مكة بعد الاحرام وبعد عمرة التمتع

[ 450 ]

(تذنيب) حكى صاحب الحدائق (1) عن الشيخ استدلاله بصحيحة جميل المتقدمة لما ذهب إليه المفيد من وجوب الدم بالحلق في ذي القعدة ونقل من صاحب المدارك طعنه في السند باشتماله على علي بن حديد، وأورد عليه بان الخبر روى بطريقين احدهما عن الكليني وفيه على بن حديد ثانيهما رواه الصدوق عن جميل وطريقه إليه صحيح وليس فيه على بن حديد فكأن صاحب المدارك لم يعثر الا على طريق الكليني فالخبر صحيح السند. ثم تصدى صاحب الحدائق فيما يستفاد من الصحيحة، وذكر ان السؤال في الصحيحة وان كان عن المتمتع وخاصا بمن حلق رأسه بمكة ولكن الجواب عام يشمل جميع المكلفين من كان بمكة أو في غيرها ولا يختص بالمتمتع بيان ذلك: انه لابد من تقدير كلمة (الدخول) أو (المضي) في قوله: (بعد الثلاثين) فالمقدر إما بعد دخول الثلاثين أو بعد مضي الثلاثين، فان كان المقدر (المضي) فيكون المراد من بعد مضي الثلاثين (شهر ذي الحجة) فاسقط شهر ذي القعدة في الرواية مع انه أولى بالبيان، وذكر ان تقدير المضي ينافي الفصاحة، فلابد أن يكون المقدر هو (الدخول) وبه يتم المراد وتنظيم الرواية مع الروايات السابقة، فتدل الراوية على انه لو حلق رأسه بعد دخول الثلاثين التي يوفر فيها


(1) الحدائق: ج 15 ص 6.

[ 451 ]

الشعر أي دخول شهر ذي القعدة فعليه الدم. أقول: ما ذكره من لزوم تقدير المضي أو الدخول واضح الفساد لان البعدية بنفسها تقتضي المضي أو الدخول فلا حاجة إلى التقدير فان القبلية كالبعدية متقومة بالتحقق والمضي. ثم ان التقدير ببعد الدخول خلاف الظاهر لان المراد بالثلاثين هو شهر شوال، وذكرنا ان (ا لتي) الموصولة صفة (لبعد الثلاثين) فيكون المراد إذا كان بعد ثلاثين شوال وهو شهر ذي القعدة، فلا حاجة إلى التقدير أصلا. وأما ما ذكره من أن الجواب عام يشمل جميع المكلفين فمما لا محصل له لان الضمائر كلها ترجع إلى المتمتع فلا يشمل الجواب من لم يدخل في الاحرام كما هو محل الكلام نعم يذكر في الجواب حكما كليا للمتمتع لا كليا له ولغيره ممن يقصد الحج ولم يتلبس بعد بشئ من الاعمال ولا اشكال في ان هذا الحكم غير ثابت لجميع المكلفين وانما يختص بطائفة خاصة. هذا كله قبل الدخول في الاحرام. واما إذا احرم واتى بالاعمال وفرغ من اعمال عمرة التمتع وحلق هل عليه التكفير بشاة ام لا؟. ذكر بعضهم لزوم الكفارة لاطلاق الصحيحة من حيث صدور الحلق بعد الفراغ من الاعمال أو قبلها: لكن لا يبعد عدم الوجوب لعدم صدق المتمتع بالفعل على من فرغ من اعماله لان المشتق ظاهر في المتلبس في الحال، كالمعتمر فانه يصدق على من كان مشتملا باتيان العمرة فإذا أحل لا يصدق عليه المتمتع ولا المعتمر وإنما كان متمتعا وقد مضت متعته، ولا قرينة على

[ 452 ]

[ (الثالث): الغسل للاحرام في الميقات (1) ومع العذر ] ارادة الاعم من المتلبس وممن انقضى عنه المبدأ. نعم الحلق في نفسه بعد اعمال عمرة المتمتع غير جائز ولابد من التحفظ على شعره ليحلقه في منى كما هو المستفاد من صحيح جميل الا في شهر شوال فانه يجوز الحلق فيه ولو بعد الفراغ من اعمال عمرة التمتع. فالمتحصل: ان المكلف إذا أتى بعمرة التمتع في شهر شوال جاز له الحلق إلى مضي ثلاثين يوما من يوم عيد الفطر، وأما بعده فلا يجوز بل يتحفظ على شعره إلى يوم عيد الاضحى. (1) لاريب في ان من جملة المستحبات المؤكدة غسل الاحرام والاخبار به مستفضية (1) بل كادت تكون متواترة وظاهر جملة منها بل صريح بعضها وان كان هو الوجوب كما في موثقة سماعة (2) لاطلاق الواجب عليه ولكن لابد من رفع اليد عن ذلك وحملها على الاستحباب وتأكده، إذ لا يمكن الالتزام بالوجوب مع تصريح الاصحاب بالاستحباب وتسالمهم عليه ولو كان واجبا لكان من جملة الواضحات لكثرة الابتلاء به في كل سنة لكثير من المسلمين وكيف يخفى الوجوب عليهم ولم ينقل القول بالوجوب الا من ابن أبي عقيل وابن الجنيد ولا يعبأ بخلافهما لقيام السيرة القطعية المستمرة بين المسلمين على الخلاف، فلا ينبغي الشك في عدم الوجوب. هذا مع امكان حمل الواجب في موثق سماعة على معناه اللغوي وهو


(1) الوسائل: باب 6 و 7 و 8 من الاحرام. (2) الوسائل: باب 1 من الاغسال المسنونة ح 3.

[ 453 ]

[ عنه التيمم (1) ويجوز تقديمه على الميقات مع خوف اعواز الماء (2) بل الاقوى جوازه مع عدم الخوف أيضا، والاحوط الاعادة في الميقات. ] الثابت وقد تقدم الكلام مفصلا في باب الاغتسال المسنونة من كتاب الطهارة وذكرنا هناك وجها آخر لعدم امكان القول بالوجوب اصلا لا النفسي ولا الغيري. (1) هل يقوم التيمم مقام الغسل مع العذر عنه ام لا قولان؟ والصحيح هو الاول كما هو الحال في جميع الاغسال المستحبة لاطلاق ما دل على بدلية التراب عن الماء (1) في الطهورية، فكل مورد ثبت كون الغسل مشروعا وطهورا وتعذر منه يقوم التيمم مقامه ولا حاجة إلى نص خاص. وتوقف بعضهم في ذلك لعدم النص الخاص، ولان الغرض من الغسل تنظيف البدن وازالة الاوساخ عنه، ولا يترتب ذلك على التيمم. ولكن يضعف ذلك لان الغسل عبادة مستقلة في نفسها وهو طهور وقد اطلق الطهور على التيمم أيضا وان التيمم أحد الطهورين وذلك يكفي في قيام التيمم مقام الغسل. نعم إجزاء الغسل عن الوضوء يختص بالمبدل عنه وهو الغسل ولا يجري في البدل أي التيمم لقصور دليل البدلية عن اثبات ذلك حتى في التيمم بدل الاغسال الواجبة غير الجناية، فلو تيمم عن غسل المس مثلا عليه ان يتوضأ وان كان نفس الغسل مجزيا عن الوضوء. (2) يجوز تقديم الغسل على الميقات إذا خاف عوز الماء فيه أو لم


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب التيمم؟

[ 454 ]

يتمكن فيه من الغسل لعذر من الاعذار كالبرد وخوف الضرر ويدل عليه صحيح هشام، قال: (أرسلنا إلى أبي عبد الله (عليه السلام) ونحن جماعة، ونحن بالمدينة انا نريد ان نودعك، فأرسل الينا ان اغتسلوا بالمدينة والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها ثم تعالوا فرادى أو مثاني) (1) وأصرح من ذلك ما رواه الصدوق والشيخ هذه الصحيحة مع زيادة (فلما أردنا ان نخرج، قال: لا عليكم ان تغتسلوا ان وجدتم ماءا إذا بلغتم ذا الحليفة) (2) فان ذلك صريح في الاكتفاء بالغسل المتقدم وعدم لزوم اعادته بذي الحليفة وان وجد الماء. بل يجوز تقديمه وان لم يخف الاعواز، فيجوز الاتيان بالغسل في المدينة اختيارا من دون عذر عن الاتيان به في الميقات. ويدل على ذلك اطلاق عدة من الروايات: منها: صحيحة الحلبي: (عن رجل يغتسل بالمدينة للاحرام أيجزيه عن غسل ذي الحليفة؟ قال: (ع) نعم) (3). والظاهر أن المراد بالسؤال عن أصل المشروعية وتقديمه في نفسه في المدينة وليس السؤال عن اجزاء الغسل الواقع في المدينة في فرض مشروعيته ولو للاعواز. وأما صحيحة معاوية بن وهب فلا يصح الاستدال بها لجواز التقديم لانها رويت على نحوين: أحدهما: ما رواه الشيخ والصدوق عن معاوية بن وهب قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) ونحن بالمدينة عن التهيؤ للاحرام، فقال:


(1) الوسائل: باب 8 من الاحرام ح 1. (2) و (3) الوسائل: باب 8 من الاحرام ح 2 و 5

[ 455 ]

أطل بالمدينة وتجهز بكل ما تريد، واغتسل، وان شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي مسجد الشجرة) (1). ثانيهما: ما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب (2) وليس فيها ذكر للغسل فهي على الرواية الاولى تنفعنا لا على الثانية. هذا كله مضافا إلى اطلاقات مادل على مشروعية غسل الاحرام ورجحانه فانها تكفي في الحكم بجواز التقديم اختيارا ولو مع عدم خوف الاعواز، وقد ذكرنا في محله ان المطلق لا يحمل على المقيد في باب المستحبات وانما يحمل عليه في الواجبات للتنافي وعدم امكان وجوب كل منهما، ولكن المستحب حيث يجوز تركه اختيارا فلا موجب لحمل المطلق على المقيد وانما يكون المقيد الافضل الافراد وتمام الكلام وتحقيقه في محله. بل المستفاد من هذه المطلقات استحباب الغسل وجواز تقديمه في أي بلد شاء ولا يلزم اتيانه في المدينة، فلو اغتسل في بغداد وذهب مع الطائرة إلى المدينة واحرم من مسجد الشجرة اجزء وكفى، فان المقصود تحقق الاحرام في حال الغسل وان يكون مغتسلا عند الاحرام وان اغتسل في بلد آخر غير المدينة بعيدا كان أو قريبا. وأما صحيح هشام فلا يدل على عدم جواز الغسل في غير المدينة المنورة بل يدل على الجواز وذلك لان تقديم الغسل إذا كان غير مشروع فخوف الاعواز لا يجعل غير المشروع مشروعا الا تعبدا والمستفاد من التعليل الوارد فيه ان المدار بصدور الاحرام مع الغسل سواء اغتسل في ذي الحليفة أو في المدينة أو في بلد آخر.


(1) و (2) الوسائل: باب 7 من الاحرام ح 1 و 3.

[ 456 ]

[ ويكفي الغسل من أول النهار إلى الليل، ومن أول الليل إلى النهار (1). ] ولو قدمه اختيارا مع عدم خوف الاعواز، ذكر المصنف ان ان الاحوط الاعادة في الميقات، والاحتياط في محله لاحتمال عدم مشروعية الغسل الصادر عن المختار واقعا فلا بأس بالاتيان به رجاءا. وهل يعاد الغسل فيما لو كان قد اغتسل لخوف الاعواز فوجد الماء في الحليفة؟. ربما يقال: باستحباب الاعادة لصحيح هشام (لقوله: (ع) لا عليكم ان تغتسلوا ان وجدتم ماءا إذا بلغتم ذا الحليفة). وفيه: ان كان المراد بقوله: (لا عليكم) ونفي الحرمة، أي لا جناح ولاعقوبة عليكم أن تغتسلوا، نظير ما يقال: لا عليك ان تدخل الماء وأنت صائم ما لم تغمس فيه، فلا بأس بالاستدلال به على استحباب الاعادة، لانه يدل على جواز الغسل وحيث انه أمر عبادي إذا جاز أستحب، كما صرح بذلك في المستند، وقال: بانه إذا لم يكن به بأس كان راجحا. الا ان ذلك خلاف الظاهر لاحتياجه إلى التقدير. والظاهر ان المنفي بقوله: (لا عليكم) هو الوجوب لان النفي وارد على نفس الغسل ولا حاجة إلى التقدير، فالمعنى ان الغسل لا يجب عليكم وغير ثابت ولا أمر به إذا وجدتم ماءا في ذي الحليفة فلا يدل على الاستحباب في صورة عدم الامر به ومن الواضح أن الاستحباب حكم شرعي يحتاح إلى الدليل. (1) صرح الاصحاب بانه يجزي الغسل في أول النهار ليومه وفي

[ 457 ]

[ بل الاقوى كفاية غسل اليوم إلى آخر الليل وبالعكس (1) ] أول الليل لليلته. ويدل عليه النصوص فان المستفاد منها وقوع الاحرام مع الغسل ولم يؤخذ في شئ منها كون الغسل مقارنا للاحرام، أو كان الفصل بينهما قليلا فالعبرة بوقوع الاحرام عن الغسل، وان كان الغسل واقعا في أول النهار والاحرام في آخره، ويدل عليه أيضا صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) (قال: غسل يومك ليومك وغسل ليلتك لليلتك) (1). وأما ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد (من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، ومن اغتسل ليلا كفاه غسله إلى طلوع الفجر) (2) فلا يصح الاستدلال به لان السند غير واضح لما في بعض النسخ (عثمان بن يزيد) بدل (عمر بن يزيد) والاول غير موثق فيكون الراوي مرددا بين الموثق وغيره. (1) يدل عليه اطلاق صحيح جميل عن أبي عبد الله (ع): (انه قال: غسل يومك يجزيك لليلتك وغسل ليلتك يجزيك ليومك) (3) وموثق سماعة (من اغتسل قبل طلوع الفجر وقد أستحم قبل ذلك ثم احرم من يومه اجزئه غسله، وان اغتسل في الليل ثم احرم في آخر الليل اجزئه غسله) (4) واحتمال ان السلام في قوله (لليلتك)


(1) و (2) الوسائل: باب 9 من الاحرام ح 2 و 4. (3) و (4) الوسائل: باب 9 من الاحرام ح 1 و 5.

[ 458 ]

[ وإذا أحدث بعدها قبل الاحرام يستحب اعادته خصوصا في النوم (1). ] و (ليومك) في صحيح جميل بمعنى: إلى للغاية ليكون المراد انتهاء أمد الغسل إلى آخر النهار بعيد جدا بل هي للتعدية. بل يمكن ان يقال: بأن الغسل الواقع في اليوم يكفي لليوم الآخر ما لم يحدث، وهذا وان لم يصرح به في النصوص وقد لا يتحقق في الخارج عادة لوقوع الحدث في اثناء اليوم ولو مرة واحدة غالبا، ولكن لامانع من الالتزام بكفاية ذلك لو اتفق لان العبرة - كما اشرنا إليه - بحصول الاحرام عن الغسل وان كان الغسل متقدما عليه بيوم أو يومين أو أكثر أو اقل، ولا خصوصية للاجتزاء بالغسل النهاري في الليل ولا العكس، فلا حد زماني للغسل كما عرفت انه لا حد مكاني له ويجوز تقديمه على الميقات من أي موضع شاء. (1) وجه التخصيص بالنوم - مع ان البول أقوى - لو رود النص الخاص فيه وأما غيره من الاحداث فلا نص فيه وألحقوا بالنوم غيره من النواقض لانتقاض الغسل بغير النوم من الاحداث أيضا، بل انتقاضه بسائر الاحداث أقوى. اما ما يدل على استحباب اعادة الغسل بعد النوم فهو صحيح النضر عن أبي الحسن (ع) قال: (سئلته عن الرجل يغتسل للاحرام ثم ينام قبل ان يحرم قال: عليه اعادة الغسل) (1) ونحوه خبر علي بن أبي حمزة (2) ولكنه ضعيف السند. ويعارضه صحيح العيص قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن


(1) و (2) الوسائل: باب 10 من الاحرام ح 1 و 2 و 3.

[ 459 ]

الرجل يغتسل للاحرام بالمدينة، ويلبس ثوبين ثم ينام قبل أن يحرم، قال: ليس عليه غسل) (1) وقد حمله الشيخ على نفي الوجوب بين ما حمله آخر على نفي التأكد. ولكن الظاهر أن الخبرين متعارضان ومتنافيان ولا جمع عرفي بينهما لان المستفاد من صحيح النضر كون النوم ناقضا ويظهر من صحيح العيص عدم ناقضيته، ولا يمكن الجمع بين مادل على الناقضية وما دل على عدمها فانهما من المتنافين، وقد ذكرنا غير مرة ان الميزان في الجمع العرفي بما لو اجتمع المتعارضان في كلام واحد ولم يكن تناف بينهما عرفا بل كان أحدهما قرينة على الآخر ففي مثله يتحقق الجمع العرفي، وأما إذا اجتمعا في كلام واحد وكانا متنافيين بنظر العرف فلا مجال للجمع بينهما عرفا، والناقضية وعدمها من المتنافين والروايتان ناظرتان إلى الناقضية وعدمها فالروايتان متعارضتان فتسقطان، والمرجع هو القاعدة المقتضية لانتقاض الغسل بالحدث فحكم النوم وغيره سيئان؟. وتفصيل ذلك: انه لاريب في ان الغسل ينتقض بالحدث نوما كان أم غيره وأما الروايات الواردة في المقام فمنحصره بالنوم وقد عرفت انها متعارضة، وحمل ما دل على عدم الاعادة على نفي الوجوب بعيد لان السوأل ليس عن اصل العمل واتيان الغسل حتى يمكن حمله على نفي الوجوب بل السؤال من الناقضية وعدمها ولا معنى حينئذ للحمل على نفي الوجوب، كما ان حمله على عدم التأكد كما عن السيد صاحب المدارك بعيد أيضا فان الناقضية وعدمها لا يتأكدان فلا ميحص الا عن التساقط فلا بد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة في النوم وغيره من


(1) الوسائل: باب 10 من الاحرام ح 1 و 2 و 3.

[ 460 ]

الاحداث. فنقول: ان كان المراد من استحباب الغسل مجرد اتيان عمل خارجي قبل الاحرام كتقديم الصلاة على الاحرام أو تقديم بعض الادعية فلا يضر الحدث الواقع بعده لانه قد امتثل الامر الاستحبابي فليس عليه اعادة الغسل وله ان يحرم كما انه ليس عليه اعادة الصلاة أو الادعية الواردة قبل الاحرام. وان كان المراد باستحباب الغسل وقوع الاحرام عن طهور، وان يكون الاحرام صادرا منه حال كونه متطهرا، وحيث ان الغسل طهور كما يظهر من الروايات بل هو اقوى في الطهورية من الوضوء لقوله (عليه السلام): (وأي وضوء اطهر من الغسل) (1) فإذا صدر الحدث بعده فلا طهور لانتفاضه به فان الطهور والحدث لا يجتمعان فلا يكون الاحرام الصادر عنه عن طهور، فحينئذ يستحب له اعادة الغسل ليكون الاحرام صادرا عن الطهور ولا يكفي الوضوء لان الاحرام يكون صادرا عن طهور الوضوء لا طهور الغسل والمسنون صدور الاحرام عن الغسل. وهذا الذي ذكرناه هو الصحيح لاسيما على القول بان كل غسل ثبت استحبابه يجزي عن الوضوء كما هو المختار عندنا. وانه يجوز معه الاتيان بكل ما يتوقف على الطهور فإذا لا حاجة إلى نص خاص يدل على استحباب اعادة الغسل بعد صدور مطلق الاحداث. مضافا إلى ما يؤكد ذلك ويدل عليه، صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سئلت أبا ابراهيم (ع) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب الجنابة.

[ 461 ]

ينام فيتوضأ قبل أن يدخل أيجزيه ذلك أو يعيد؟ قال: لا يجزيه لانه انما دخل بوضوء) (1). فان الصحيح يدل بوضوح على انتقاض الغسل بالنوم وانه إذا دخل بعد النوم فقد دخلها من غير الغسل، والسؤال وان كان عن النوم فلا يشمل حدثا آخر ولكن الظاهر ان القصد من السؤال لم يكن مقصورا على النوم، وانما منظوره في السؤال انه هل يجزي الوضوء عن الغسل السابق الملحوق بالنوم؟ وان الغسل السابق هل انتقض بالنوم ويحتاج إلى الوضوء لدخول مكة ام لا؟. فسؤاله مسوق لاجزاء الوضوء عن الغسل السابق الذي صدر بعده النوم وأجاب (ع) بعدم اجزاء الوضوء عن الغسل السابق فلا نظر إلى خصوص النوم بل لانحتمل خصوصية للنوم وانما الغرض انتقاض الغسل واجزاء الوضوء عنه. كما يستظهر منه عدم الاختصاص بالغسل لدخول مكة بل المنظور بالعمل الذي يعتبر فيه الغسل احراما كان ام غيره من الاعمال غاية الامر مصداقه في الرواية انما هو الغسل لدخول مكة المكرمة. فان المستفاد من التعليل الوارد في الرواية (لانه انما دخل بوضوء) ان كل عمل اعتبر فيه الغسل سواء كان احراما أو غيره ينتقض بالنوم باعتبار انه حدث لخصوصية فيه كما لا خصوصية لغسل الدخول في مكة وانما ذكر ذلك في الرواية من باب ذكر المصداق لحكم كلي، فان التعليل يقتضي عموم الحكم المطلق الحدث ولمطلق الغسل. ثم ان الرواية رواها الكليني على النحو المتقدم، ولكن الشيخ


(1) الوسائل: باب 6 مقدمات الطواف ح 1.

[ 462 ]

رواها في التهذيب (1) وذكر (يغتسل للزيارة) بدل (يغتسل لدخول مكة) وذكر في ذيل الرواية (إنما دخل بوضوء) مع ان المناسب ان يذكر (إنما زار بوضوء) ليطابق الصدر ولعله وقع السهو من قلمه الشريف أو من النساخ وما ذكره الكليني هو الصحيح وكيف كان لا يفرق في الحال بين الامرين: ومما يدل على انتقاض الغسل بمطلق الحدث، موثق اسحاق بن عمار (عن غسل الزيارة يغتسل بالنهار ويزور بالليل بغسل واحد، قال: يجزيه ان لم يحدث، فان أحدث ما يوجب وضوء فليعد غسله) (2) والرواية واضحة الدلالة على انتقاض الغسل بمطلق الحدث ولا نحتمل الاختصاص بغسل الزيارة كما عرفت. وأما من حيث السند فالرواية موثقة اصطلاحا باسحاق لانه فطحي ثقة، وأما عبد الله الواقع في السند فان كان ابن سنان كما صرح به في التهذيب فلا كلام والا فالرواية معتبرة أيضا لان عبد الله مردد بين ابن سنان وبين عبد الله بن جبلة وكلاهما ثقة وهما يرويان عن اسحاق بن عمار ويروي عنهما موسى بن القاسم، وأما عبد الله بن مسكان أو عبد الله بن المغيرة وان كانا يرويان عن اسحاق بن عمار ولكن لا يروي عنهما موسى بن القاسم وأما احتمال كونه عبد الله بن يحيى الكاهلي لاجل روايته عن اسحاق بن عمار ورواية موسى بن القاسم عنه فيبعده ان عبد الله عند الاطلاق لا ينصرف إليه لانه غير معروف


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب زيارة البيت ح 4. (2) الوسائل: باب 3 زيارة البيت ح 2.

[ 463 ]

[ كما ان الاولى اعادته إذا أكل ولبس ما لا يجوز اكله أو لبسه للمحرم، بل وكذا لو تطيب، بل الاولى ذلك في جميع تروك الاحرام، فلو اتى بواحد منها بعدها قبل الاحرام الاولى اعادته (1). ] وروى الكليني أيضا عن اسحاق بن عمار بسند آخر مثل ما تقدم. (1) قد عرفت بما لا مزيد عليه انتقاض الغسل بالنوم وبغيره من الاحداث واستحباب اعادة الغسل إذا احدث قبل الاحرام، كما انه لا ينبغي الاشكال في استحباب اعادة الغسل إذا أكل أو لبس ما لا يجوز اكله أو لبسه للمحرم بل وكذا لو تطيب ويشهد له النصوص: منها: صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا لبست ثوبا لا ينبغي لك لبسه أو أكلت طعاما لا ينبغي لك اكله فأعد الغسل) (1). ومنها: صحيح عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا اغتسلت للاحرام فلا تقنع ولا تطيب ولا تأكل طعاما فيه طيب فتعيد الغسل) (2). وظاهر النص وإن كان وجوب الاعادة للامر بها ولكن الوجوب غير محتمل بعد ما كان الغسل من اصله مستحبا، فالاعادة كالاصل مستحبة. ولكن وقع الكلام في ان الامر بالاعادة ارشاد إلى بطلان الغسل


(1) و (2) الوسائل: باب 13 من الاحرام ح 1 و 2.

[ 464 ]

الاول كما في اعادة الغسل بعد النوم، أو انه امر مولوي؟ ففي الحقيقة يستحب الغسلان. ولا يخفي: ان الامر في امثال هذه الموارد ظاهر في الارشاد، ولكن حيث نعلم من ادلة اخرى ان الطهور لا ينتقض الا بالنواقض المعروفة الخمسة، وليس الاكل أو اللبس لما لا يجوز اكله أو لبسه للمحرم، وكذا اتيان بقية تروك الاحرام من نواقض الوضوء أو الغسل فيكون الامر باعادة الغسل أمرا مولويا استحبابيا ففي الحقيقة يكون كلا الغسلين مستحبا، فقوله: (فتعيد الغسل) يعني من جهة الاحرام لا انه يعيده لانتقاضه بأكل الطيب أو لبس المخيط فلو اكل بعد الغسل ولم يغتسل ثانيا فهو باق على طهارته، وبناءا على اجزاءه عن الوضوء يجوز له اتيان الصلاة ومس الكتاب وكل ما يتوقف على الطهور فالامر بالاعادة غير ناظر إلى انتقاض الغسل باستعمال تروك الاحرام وانما الامر بالاعادة لاجل الاحرام وعدم الفصل بينه وبين الغسل باتيان تروك الاحرام. نعم مقتضى رواية القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن رجل اغتسل للاحرام ثم لبس قميصا قبل ان يحرم، قال: قد انتقض غسله) (1) هو انتقاض الغسل وبطلانه، ولكن السند مخدوش بعلي بن أبي حمزة وهو البطائني الضعيف المعروف المتهم بالكذب، وأما احتمال ان علي بن أبي حمرة هو الثمالي الموثق الممدوح فيبعده ان الثمالي لا توجد له رواية ولا واحدة في الكتب


(1) الوسائل: باب 11 من الاحرام ح 1.

[ 465 ]

[ ولو احرم بغير غسل اتى به وأعاد صورة الاحرام (1) سواء تركه عالما عامدا أو جاهلا أو ناسيا ولكن احرامه الاول صحيح باق على حاله. ] الاربعة نعم ورد في الكافي (1) في مورد واحد من كتاب الصوم رواية القاسم بن محمد الجوهري عن علي بن أبي حمزة الثمالي، ولكن في نسخة اخري علي بن أبى حمزة من غير تقييد بالثمالي وهو الصحيح الموافق للفقيه والتهذيب ومن المطمئن به ان علي بن أبي حمزة المذكور في السند هو البطائني لكثرة رواية القاسم بن محمد الجوهري عنه. (1) للامر به في صحيحة الحسن بن سعيد قال: (كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن (ع) رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما ما عليه في ذلك وكيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب يعيده) (2) أي يعيد الاحرام، ولا ينبغي الريب في عدم وجوب الاعادة والاتيان به ثانيا إذ لاوجه للوجوب بعدما كان الغسل من اصله مستحبا ولذا قال في الجواهر (لااجد له وجها ضرورة عدم تعقل وجوب الاعادة مع كون المتروك مندوبا) (3) على ان السائل لم يسئل عن أصل الحكم وعن وجوب الاعادة وعدمه، وإنما يسئل عن كيفية التدارك، فالرواية ليست في مقام بيان اصل الحكم. انما الكلام في الحكم باستحباب اعادة الاحرام والاتيان به ثانيا،


(1) الكافي: ج 4 ص 156. (2) الوسائل: باب 20 من الاحرام ح 1. (3) الجواهر ج 18 ص 158.

[ 466 ]

وانه كيف يمكن الاحرام بعد الاحرام ليحكم باستبحابه أو وجوبه على قول وهل اعادة الاحرام أمر معقول ام لا؟. فان المفروض ان الاحرام لا يحل منه الا بعد الفراغ من الاعمال بالحلق أو التقصير وما لم يفرغ من المناسك فهو باق على احرامه فكيف يستحب للمحرم ان يحرم ثانيا ويعيده قبل الشروع في الاعمال أو الفراغ منها ومن ثم وقع الكلام بين الاصحاب في معنى الحديث وفى بيان المراد من استحباب الاعادة. فعن بعضهم كأبن ادريس انكار الاستحباب وقال: فيما حكى عنه في مقام الرد على الشيخ (قده). (ان أراد انه نوى الاحرام واحرم ولبى من دون صلاة وغسل فقد انعقد احرامه، فأي اعادة تكون عليه، وكيف يتقدر ذلك؟ وان أراد انه احرم بالكيفية الظاهرة من دون النية والتلبية فيصح ذلك ويكون لقوله وجه) فحمل الاحرام الصادر منه أولا على الاحرام الصوري ويرده: بان الظاهر من الرواية ان الاحرام قد صدر من الرجل وإنما فقد منه مجرد الصلاة أو الغسل فحملها على فقدان النية والتلبية بعيد جدا. وعن البعض الاخر - كالمصنف (قده) - حمل الاعادة على صورة الاحرام فالاحرام الحقيقي هو الاول والثاني صورة الاحرام فيعيد مجرد التلبية. وعن آخرين ان الاحرام الثاني هو الاحرام الحقيقي، وهو وان كان مستحبا ولكن يوجب بطلان الاحرام الاول فكأنه لم يحرم من الاول. وبعبارة أخرى: الاحرام الاول مشروط بشرط متأخر وهو الاحرام الثاني ويصح الاحرام الاول ما لم يأت بالاحرام الثاني فإذا اتى

[ 467 ]

به ثانيا بطل الاحرام الاول نظير التكبيرة الثانية بنية الشروع في الصلاة وذهب بعضهم إلى انه لا مانع من انعقاد الاحرام بعد الاحرام وكلا الاحرامين حقيقي صحيح والاول واجب - على فرض وجوب الحج - والثاني مستحب نظير الصلاة المعادة جماعة ويحسب له في الواقع أفضلهما نحو ما ورد في الصلاة جماعة فالاول صحيح وان استحب له الاعادة التي لا تبطله فالحكم بالاعادة حكم تعبدي شرعي لتدارك الفضيلة وهذا الوجه اختاره صاحب الجواهر (1) وهو الصحيح ويوافق ظاهر الرواية لان الظاهر منها أعادة نفس ما اتى به أولا وان الاعادة اعادة حقيقة للاحرام الاول ولا موجب لبطلانه. ودعوى: انه لا معنى للاحرام الثاني، ان اريد به عدم التكرر في الحكم الشرعي المترتب على الاحرام كحرمة الصيد وحرمة لبس المخيط واستعمال الطيب ونحوها، فالامر كما ذكر لعدم التعدد في الحكم الشرعي، ولا معنى للقول بانه يحرم عليه لبس المخيط ثانيا كما حرم عليه اولا. ولكن ليس هذا معنى الاحرام بل ذلك حكم مترتب على الاحرام فان الاحرام له معنيان: أحدهما: الالتزام بترك المحرمات ولو اجمالا إلى ان يفرغ من الاعمال كما صرح به الشيخ الانصاري (قده) في مناسكه ولذا لو كان بانيا من الاول ان يلبس المخيط أو يصيد فسد احرامه لعدم التزامه بالترك. ثانيهما: ان الاحرام هو التكلم بالتلبية مقدمة للاتيان بالاعمال فقوله


(1) الجواهر: ج 18 ص 189

[ 468 ]

(لبيك) قبول منه لاتيان الاعمال وليس وراء ذلك شئ آخر، فحال التلبية حال تكبيرة الاحرام للصلاة بقصد اتيان بقية افعال الصلاة، فلو كان قاصدا للصيد أو لبس المخيط أو الاستظلال لا يضر باحرامه وإن كان بانيا من الاول اتيان بعض التروك. نعم القصد إلى بعض التروك في اثناء الاعمال كالجماع يضر باحرامه لانه لم يكن قاصدا لاتيان حج صحيح، فأمر الاحرام دائر بين اثنين إما انه الالتزام بترك المحرمات واما أنه التلبية، والصحيح هو الثاني كما سيأتي عن قريب (إن شاء الله تعالى) وعلى كلا التقديرين لامانع ابراز الاحرام بالتلبية ثانيا وليس في تكرار التلبية أو الالتزام أي محذور غاية الامر الاحرام الثاني مصداق للمستحب كما ان الاحرام الاول مصداق للواجب، فكل منهما احرام حقيقي نظير تكرار الوضوء فان الوضوء بعد الوضوء نور على نور فالوضوء الاول صحيح وكذا الوضوء الثاني. نعم لا معنى لتكرار الطهارة الحاصلة من الوضوء، وأما نفس الافعال والاعمال فلا مانع من الالتزام بان كلا الفردين حقيقي غاية الامر أحدهما واجب والآخر مستحب فكل منهما امتثال لامره. ودعوى: ان التعبير بالاعادة كما في النص كاشف عن بطلان الاول لان المتفاهم من لفظ الاعادة هو بطلان ما أتى به أولا فان الاعادة عبارة عن الاتيان بالشئ ثانيا بعد الاتيان به أولا لوقوعه على نوع خلل كتجرده عن شرط معتبر أو أقترانه بامر مبطل كما عن الرياض.

[ 469 ]

فاسدة: إذ لا موجب للبطلان لان المفروض ان اصل الحكم في نفسه مستحب فالالتزام ببطلان الاحرام الاول لفقدان الغسل بلا موجب بل هو باق على حاله وعلى احرامه غاية الامر يستحب له اعادة الاحرام مع الغسل. والحاصل: لو تم ما ذكرناه من صحة كلا الاحرامين فهو والا فيتعين ما ذهب إليه المصنف من ان الاحرام الثاني صوري فلا موجب لبطلان الاحرام الاول أصلا. فلا مانع من صحة كلا الاحرامين لعدم المنافاة بينهما. وتوضيح ذلك يبتني على بيان حقيقة الاحرام فان قلنا بان الاحرام أمر اعتباري يحصل بالتلبية أو بالاشعار وهو مسبب من احدهما نظير حصول الطهارة من الوضوء أو الغسل فبناءا على هذا لا معنى لتكرار الاحرام لعدم تعقل تكرار أمر اعتباري لان المفروض انه قد حصل بالاول فلا معنى لحصوله ثانيا بسبب آخر فالشخص الواحد لا يمكن ان يكون محرما باحرامين، فان ذلك من اجتماع المثلثين وذلك محال حتى في الامور الاعتبارية فلا محيص حينئذ الا من الالتزام بكون الاحرام الثاني صوريا، أو حقيقيا والاحرام الاول باطلا كما استظهره بعضهم من النص بدعوى ان اعادة الاحرام ظاهرة في الاحرام الحقيقي. وان قلنا بانه لادليل على كون الاحرام أمرا اعتباريا وان أمكن القول به بالنسبة إلى الطهور في باب الوضوء والغسل كما ذهب إليه بعضهم وان كان الصحيح خلاف ذلك حتى في مثل الطهور فانه ليس أمرا اعتباريا؟ حاصلا من الوضوء أو الغسل بل الطهور اسم لنفس الافعال من الغسلتين والمسحتين ويظهر ذلك من روايات النواقض فانها

[ 470 ]

تدل بوضوح على ان الوضوء له البقاء ولذا يصح أن يقال: انه نام وهو على وضوء أو انه فعل وهو على وضوء ونحو ذلك من التعابير التي تدل على قابلية بقاء الوضوء وانه ليس امرأ خارجيا ينقضي وينصرم. وبالجملة: يظهر من الروايات بل من نفس الآية الشريفة ان الطهور والغسل أو الوضوء شئ واحد ولذا أمر بالطهور في مورد واحد وامر بالغسل في نفس المورد في آية أخرى قال عز من قائل: (وان كنتم جنبا فاطهروا) (1) وذكر في آية أخرى (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (2) وليس ذلك من باب تعلق الامر بالسبب مرة وبالمسبب أخرى بل ذلك من باب انهما شئ واحد فالطهور اسم لنفس هذه الافعال الخاصة. هذا حال الطهور بالنسبة إلى الوضوء أو الغسل وان أبيت الا عن كون الطهارة أمرا اعتباريا حاصلا من الوضوء أو الغسل الا ان الاحرام ليس كذلك إذ لا دليل على انه أمر اعتباري سببه التلبية أو الاشعار وعلى فرض التسليم لابد من القول بكون الثاني صوريا أو أنه حقيقي والاول باطل لامتناع اجتماع المثلين، فبناء على عدم كون الاحرام امرا اعتباريا كما هو الصحيح يدور أمره بين كونه عبارة عن توطين النفس على ترك المحرمات المعلومة، أو انه نفس التلبية ونحوها كالاشعار والتقليد نظير تكبيره الاحرام، وعلى كل تقدير لا مانع من صحة الاحرامين إذ لا محذور في ان يوطن نفسه مرتين على


(1) سورة المائدة - آية 6. (2) سورة النساء - آية 43.

[ 471 ]

ترك المحرمات ولا يستلزم من ذلك اجتماع المثلين كما في باب النذر، فانه يجوز ان ينذر الشئ المنذور مرة ثانية بان يوطن نفسه على اتيان ذلك الشئ المنذور نعم وجوب الوفاء لا يتكرر وانما يتأكد ولا مانع من تكرار الكفارة لتكرر الحنث بمخالفة النذر، نظير ما إذا نذر صيام شهر رمضان وخالف فانه يترتب عليه كفارة تعمد الافطار وكفارة حنث النذر. فلا نرى مانعا من تعدد الالتزام والبناء، ويكون الالتزام المتأخر وتوطين النفس الثاني غير التوطين الاول. كما انه لامانع من تعدد التلبية بقصد الحج، وانما لا يتعدد الحكم الشرعي من حرمة الصيد وحرمة لبس المخيط، فان ذلك حكم واحد يترتب على التلبيتين والالتزامين فلا مانع من ان يكون كل منهما احراما حقيقا (1). بقي الكلام في شئ: وهو انه إذا ارتكب المحرم بعض المحرمات بعد الاحرامين بناء على صحتهما وكون كل منها احراما حقيقيا فهل يتعدد العقاب، أو الكفارة لاجل تعدد الاحرام ام لا؟. وصاحب الجواهر (قده) مع انه تعرض لهذه المسألة تفصيلا ولكنه لم يتعرض إلى ما ذكرنا، ولعل عدم تعرضه لاجل الوضوح لان هذه الامور المحرمة مترتبة على المحرم لا الاحرام، خلافا لباب النذر.


(1) سيأتي في ذيل المسألة الخامسة من (فصل كيفية الاحرام) ان سيدنا الاستاذ دام ظله عدل عما ذهب إليه هنا من الحكم بصحة الاحرامين واختار عدم الصحة وسنتعرض لذلك ان شاء الله تعالى.

[ 472 ]

[ فلو أتى بما يوجب الكفارة بعده وقبل الاعادة وجبت عليه (1). ] بيان ذلك ان النذر هو الالتزام بشئ وعقد القلب عليه فهو فعل قلبي قابل للتعدد، فإذا نذر اتيان فعل يمكن ان ينذره ويلتزم به ثانيا ويعقد قلبه على ذلك فإذا خالف ولم يأت بالمنذور اصلا تعددت الكفارة لان كل نذر موضوع مستقل للكفارة والكفارة إنما يترتب على مخالفة الالتزام د وبعبارة أخرى: موضوع الكفارة مخالفة النذر وهي من آثار نفس الالتزام والنذر فإذا كان النذر متعددا تتعدد الكفارة طبعا نعم وجوب الوفاء لا يتعدد وإنما يتأكد بالنذر الثاني لان الحكم الشرعي غير قابل للتعدد، وهكذا في اليمين والعهد، هذا كله في باب النذر. وأما الاحرام فالمحرمات غير مترتبة على الاحرام حتى يتعدد العقاب بتعدد الاحرام وإنما هي مترتبة على المحرم وهو شخص واحد بلا فرق بين ان يكون المحرم محرما باحرامين أو باحرام واحد. (1) إذا ارتكب شيئا من المحرمات بين الاحرامين وقبل الغسل فهل تجب الكفارة ام لا؟. إذا قلنا بان الاعادة صورية، أو قلنا بصحة الاحرامين معا كما قويناه فلا ينبغي الاشكال في وجوب الكفارة لانه أتى بما يوجبها حال كونه محرما. وأما على القول ببطلان الاول فما ارتكبه انما اتى به قبل بطلان احرامه فان الاحرام الاول على القول ببطلانه إنما يبطل إذا أتى بالاحرام الثاني وما لم يأت بالاحرام الثاني لم يبطل الاحرام الاول،

[ 473 ]

[ ويستحب ان يقول عند الغسل أو بعده (بسم الله وبالله اللهم اجعله لي نورا وطهورا وحرزا وأمنا من كل خوف وشفاءا من كل داء وسقم اللهم طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري وأجر على لساني محبتك ومدحتك والثناء عليك فانه لا قوة الا بك وقد علمت ان قوام ديني التسليم لك الاتباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله). (الرابع): ان يكون الاحرام عقيب صلاة فريضة أو نافلة، وقيل بوجوب ذلك لجملة من الاخبار الظاهرة فيه المحمولة على الندب للاختلاف الواقع بينها واشتماها على خصوصيات غير واجبة، والاولى ان يكون بعد صلاة الظهر في غير احرام حج التمتع فان الافضل فيه ان يصلي الظهر بمنى وان لم يكن في وقت الظهر فبعد صلاة فريضة ] فحينئذ إذا اتى بما يوجب الكفارة قبل الاحرام الثاني فهل تجب الكفارة ام لا؟ فيه كلام. قال: بعضهم بعدم الوجوب وذهب آخر إلى الوجوب. أقول: ان البطلان في المقام ليس بمعنى اكتشاف فساد الاحرام الاول من اصله وانه لم يقع في محله كالاحرام للحج في مورد تبين عدم الاستطاعة واقعا فان الحج في هذه الصورة لم يتصف بالوجوب وإنما تخيل انه واجب ولذا لو ارتكب بعض التروك فلا شئ عليه لعدم كونه محرما واقعا وعدم كونه حاجا.

[ 474 ]

[ أخرى حاضرة وان لم يكن فمقضية والا فعقيب صلاة النافلة. (الخامسة): صلاة ست ركعات أو أربع ركعات أو ركعتين للاحرام والاولى الاتيان بها مقدما على الفريضة ويجوز اتيانها في أي وقت كان بلا كراهة حتى في الاوقات المكروهة وفي وقت الفريضة، حتى على القول بعدم جواز النافلة لمن عليه فريضة لخصوص الاخبار الواردة في المقام والاولى ان يقرأ في الركعة الاولى بعد الحمد التوحيد وفي الثانية الجحد لا العكس كما قيل. ] بل المراد بالبطلان في المقام انه بالاحرام الثاني يتبدل احرامه إلى فرد آخر فلم يأت عليه زمان وهو محل وإنما هو محرم حدوثا بالاحرام الاول وبقاء بالاحرام الثاني، واقصى ما يلزم من الاعتداد بالاحرام الثاني والقول بصحته تبدل الاحرام الاول بالاحرام الثاني لا بطلان الاحرام الاول وفساده بالمرة، وذلك لان مقتضى ما يستفاد من النص الامر بالاعادة تبدل الاحرام الاول إلى الاحرام الثاني فلم يكن محلا في زمان اصلا ليقع بعض التروك حال الحل، فالظاهر وجوب الكفارة إذا أتى بما يوجبها بين الاحرامين حتى على القول ببطلان الاحرام الاول لان ما اتى به من التروك يكون قد اتى به في حال الاحرام فلا مانع من شمول اطلاقات الادلة له لانه محرم قد لبس المخيط مثلا.

[ 475 ]

[ (مسألة 2): يكره للمرأة إذا أرادت الاحرام ان تستعمل الحناء إذا كان يبقى أثره إلى ما بعده مع قصد الزينة، بل لا معه أيضا إذا كان يحصل به الزينة وإن لم تقصدها، بل قيل بحرمته، فالاحوط تركه وان كان الاقوى عدمها، والرواية مختصة بالمرأة لكنهم الحقوا بها الرجل أيضا لقاعدة الاشتراك ولا بأس به، وأما استعماله مع عدم إرادة الاحرام فلا بأس به وان بقي أثره ولا بأس بعدم ازالته وان كانت ممكنة. ] ثم ان المذكور في النص اعادة الاحرام لمن ترك الغسل جهلا، واما الناسي فلم يذكر في النص، ولذا وقع الكلام في حكمه، وقد الحقوه بالجاهل للفحوى والاولوية وقد نوقش في ذلك. والصحيح أن يقال: انه لا حاجة إلى هذه الوجوه الضعيفة بل الناسي داخل في الجاهل. بيان ذلك: ان العلم والجهل لابد من تحقق احدهما في المورد القابل لان التقابل بينهما في المورد القابل بالعدم والملكة؟ فحالهما حال النقيضين من عدم جواز خلو المورد من احدهما ولزوم الاتصاف باحدهما كما هو الحال في الانسان فانه لا يخلو من احدهما نظير القدرة والعجز والعمى، والبصر، نعم الجدار أو الحجر ونحو ذلك لا يتصف بشئ منهما لعدم قابليته لذلك.

[ 476 ]

ثم ان الجهل قد يكون مسبوقا بالعلم وقد لا يكون مسبوقا به والاول يسمى بالنسيان ويجمعهما الجهل بالفعل وعدم العلم بالشئ فالناسي قسم من اقسام الجاهل وليس قسما ثالثا قي قبال العالم والجاهل فمن كان عالما بشئ ونسي فهو جاهل بالفعل والنص وان بين حكم الجاهل الا ان اطلاقه يشمل الناسي لانه فرد من افراد الجاهل فالنص بنفسه يتكفل حكم الناسي فلا حاجة إلى التشبث بالوجوه الضعيفة.

[ 477 ]

[ (فصل) (في كيفية الاحرام) وواجباته ثلاثة: (الاول): النية (1) بمعنى القصد إليه فلو احرم من غير قصد اصلا بطل، سواء كان عن عمد، أو سهو، أو جهل، ويبطل نسكه أيضا إذا كان الترك عمدا، وأما مع السهو والجهل فلا يبطل ويجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن، والا فمن حيث أمكن، على التفصيل الذي مر سابقا في ترك اصل الاحرام. ] (1) لا ريب في ان الواجب الاول في الحج هو الاحرام، وقد وقع الكلام في حقيقته فهل هو امر اعتباري مغاير للتلبية والالتزام بترك الامور المعلومة وانه مغاير لحكم الشارع بحرمة الامور المعهودة، فهو نظير الطهارة المترتبة على الوضوء، ام انه عبارة عن التلبية؟. وغير خفي ان المتحقق في الخارج ليس الاعزم المكلف على ترك المحرمات المعلومة، والتلبية، وحكم الشارع بحرمة هذه الامور وليس وراء هذه الامور الثلاثة شئ آخر يسمى بالاحرام.

[ 478 ]

أما العزم على ترك المحرمات، وتوطين النفس على ترك المنهيات المعهودة فقد التزم الشيخ الانصاري بل المشهور بانه حقيقة الاحرام ولذا ذكروا أنه لو بنى على ارتكاب شئ من المحرمات بطل احرامه لعدم كون قاصدا للاحرام. ويرد: بان ما ذكر لا يستظهر من شئ من الادلة، ولذا لو حج شخص وهو غير عالم بالمحرمات صح حجه واحرامه فالبناء والعزم على الترك ليس من مقومات الاحرام. واما المحرمات المعهودة فهي احكام شرعية مترتبة على الاحرام. والذي يظهر من الروايات ان التلبية سبب للاحرام وحالها حال تكبيرة الاحرام للصلاة، فهي اول جزء من اجزاء الحج كما ان التكبيرة اول جزء من اجزاء الصلاة، وبالتلبية، أو الاشعار يدخل في الاحرام ويحرم عليه تلك الامور المعلومة وما لم يلب يجوز له ارتكابها والروايات في هذا المعنى كثيرة. منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (في الرجل يقع على اهله بعدما يعقد الاحرام ولم يلب، قال: ليس عليه شئ) (1) فانها تدل بوضوح على انه ما لم يلب لا يترتب على الجماع شئ وهذا يكشف عن عدم تحقق الاحرام قبل التلبية، إذ لا معنى لان يكون محرما ومع ذلك يجوز له الجماع، فالمراد من قوله: (بعدما يعقد الاحرام) عقد القلب على الاحرام والعزم والبناء عليه. ومنها: صحيحة حفص البختري (فيمن عقد الاحرام - أي بنى عليه وعقد قلبه على ذلك - في مسجد الشجرة، ثم وقع على أهله قبل


(1) الوسائل: باب 11 من تروك الاحرام ح 1.

[ 479 ]

ان يلبي؟ قال: ليس عليه شئ) (1) فان المتسفاد منها ان العبرة بالتلبية وقبل التلبية لا يترتب على الجماع شئ فيعلم ان التلبية سبب للاحرام وليلعم ان هل اللغة ذكروا لكلمة احرم معنين: احدهما: ان يحرم الانسان على نفسه شيئا كان حلالا له. ثانيهما: ان يدخل نفسه في حرمة لا تهتك (2). والمعنى الثاني أنسب، لانه يدخل بالتلبية في حرمة الله التي لا تهتك، والتلبية توجب دخوله في حرمة الله فيقال: (احرم) أي ادخل نفسه في تلك الحرمة لاتهتلك. ومنها: صحيحة حماد بن عيسى عن حريز (فانه إذا أشعرها وقلدها وجب عليه الاحرام وهو بمنزلة التلبية) (3) ووجب بمعنى ثبت أي إذا أشعرها ثبت واستقر عليه الاحرام وصار محرما بذلك. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) (قال: يوجب الاحرام ثلاثه أشياء: التلبيه، والاشعار، والتقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم) (4). وهذه الصحيحة اوضح دلالة من الصحاح المتقدمة حيث تدل بصراحة على ان الذي يوجب الدخول في الحرمة التي لا تهتك احد هذه الامور الثلاثة، وان الاحرام يتحقق باحدها. ومنها: صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال:


(1) الوسائل: باب 14 من الاحرام ح 13. (2) اقرب الموارد. (3) الوسائل: باب 12 من أقسام الحج ح 19. (4) الوسائل: باب 12 من أقسام الحج ح 20.

[ 480 ]

(من اشعر بدنته فقد احرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير) (1) باعتبار ان الاشعار في حج القران مكان التلبية. ومنها: صحيحة معاوية بن وهب (عن التهيؤ للاحرام، فقال: في مسجد الشجرة فقد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد ترى اناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما انتم في محاملكم تقول: لبيك اللهم لبيك) (2). وهذه الصحيحة أيضا واضحة الدلالة ولعلها اوضح مما سبق لقوله: (فتحرمون كما أنتم في محاملكم فتقول: لبيك) مع النهي عن الاحرام في مسجد الشجرة فقبل التلبية لا احرام. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار (إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد (أي عزمت على الاحرام) فقم وامش هينهة (هنيئة) فإذا استوت بك الارض ماشيئا كنت أو راكبا فلب) (3) وغير ذلك من الروايات المذكورة في أبواب متفرقة. فان المستفاد من جميعها ان التلبية سبب للاحرام وما لم يلب لم يكن بمحرم وليس عليه شئ. وأما ما ورد في بعض الروايات من عقد الاحرام أو الامر بعقد الاحرام، الذى يتوهم منه انه الاحرام دون التلبية فهو غير صحيح وذلك لان المراد بهذه الكلمة (عقد الاحرام) اما العزم والبناء على نفسه بترك المحرمات المعهودة أو يراد بها الاتيان بجميع مقدمات الاحرام حتى لبس الثوبين، ولعل الثاني أنسب. ولكن ذلك لا علاقة له بنفس الاحرام لان الروايات كما عرفت


(1) الوسائل: باب 12 من أقسام الحج ح 21. (2) و (3) الوسائل: باب 34 من الاحرام ح 3 و 2.

[ 481 ]

صريحة في كون التلبية سببا للاحرام وما لم يلب لم يتحقق منه الاحرام وليس بازاء هذه الروايات الكثيرة الواضحة دلالة ما يوجب رفع اليد عنها. فالقول: بان الاحرام غير التلبية، وانه هو البناء والعزم على الترك وتوطين النفس على ذلك كما عن الشيخ الانصاري (قده) بحيث لو كان بانيا على أرتكاب المحرمات لبطل حجه واحرامه: مما لاوجه له أصلا. نعم في البين خبران يظهر منها ان الاحرام يتحقق قبل التلبية، ولكن لابد من رفع اليد عن ظهورهما بحملهما على العزم على الاحرام أو اتيان مقدمات الاحرام والتهيؤ له لصراحة الروايات المتقدمة على خلافهما. أحدهما: مرسل النضر عن بعض أصحابه، قال: (كتبت إلى أبي ابراهيم (ع) رجل دخل مسجد الشجرة فصلى واحرم وخرج من المسجد فبداله قبل ان يلبي ان ينقض ذلك بمواقعة النساء أنه ذلك؟ فكتب: نعم اولا بأس به) (1) فانه دال على تحقق الاحرام قبل التلبية والجواب ما عرفت مضافا إلى ضعف السند بالارسال. ثانيهما: صحيح معاوية بن عمار (قال: (ع) صل المكتوبة ثم احرم بالحج أو بالمتعة واخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى اول البيداء إلى اول ميل عن يسارك فإذا أستوت بك الارض راكبا كنت أو ماشيا فلب) (2) فانه أيضا يدل على وقوع الاحرام قبل التلبية، إلا أنه


(1) الوسائل: باب 14 من الاحرام ح 12. (2) الوسائل: باب 34 من الاحرام ح 6.

[ 482 ]

لابد من حمله على المقدمات مثل التجرد من المخيط ولبس الثوبين مما عرفت من صراحة تلك الروايات في حصول الاحرام بالتلبية. وبالجملة: لا ينبغي الاشكال في كون الروايات صريحة في ان التلبية سبب وموجب للاحرام وقبلها لا يتحقق الاحرام. وان شئت قلت: ان المستفاد من الروايات المعتبرة الكثيرة ان التلبية سبب للاحرام وبها يدخل في الاحرام وقبلها لا يكون محرما، ولكن ليس مرادنا من ذلك ان الاحرام يصدق على التلبية أو التلبية صادقة على الاحرام بل التلبية تلبية الاحرام لا انها بنفسها احرام نظير تكبيرة الاحرام فان المكلف بسبب التكبيرة إذا قصد بها الصلاة يدخل في الصلاة وكذلك بالتلبية بقصد الحج يدخل في الاحرام وفي اول جزء من الحج، بل مرادنا ان الاحرام معناه ادخال نفسه في حرمة الله غاية الامر إنما يدخل في حرمة الله بسبب التلبية فما لم يلب لم يدخل في الاحرام وفي حرمة الله كما إذا لم يكبر لم يدخل في الصلاة وإذا كبر حرم عليه منافيات الصلاة، وفي المقام تحرم عليه الامور المعهودة إذا لبى ولا يتحلل من ذلك الا بالتقصير في العمرة والسعي في الحج. وبعبارة أخرى: ما استفدناه من الروايات ان الاحرام شئ مترتب على التلبية لا انه نفس التلبية ولذا يعبر عنها بتلبية الاحرام، ولا يدخل في هذه الحرمة الالهية الا بالتلبية ويؤكد ذلك: الروايات الكثيرة الدالة على ان المحرم يحرم عليه كذا أو يجب عليه كذا فان المستفاد منها ان هذه الاحكام مترتبة على من دخل في حرمة الله، وموضوع هذه الاحكام هو الداخل في حرمة الله وليس موضوعها الملبي فقوله: المحرم يحرم عليه كذا ليس في حرمة الله ليس المراد به من لبى يحرم عليه كذا، بل يظهر من الروايات ان الاحرام أمر إذا

[ 483 ]

دخل فيه المكلف وتحقق منه يحرم عليه هذه الامور غاية الامر سبب الاحرام هو التلبية، والاحرام أو الدخول في حرمة الله مسبب عن التلبية فلابد ان نقول بان الاحرام أمر اعتباري يترتب عليه هذه الامور بسبب التلبية، ولا يعقل اخذ هذه المنهيات والمحرمات في معنى الاحرام والا للزم الدور وأخذ الحكم في موضوعه وهو أمر غير معقول إذ لا يعقل إن نقول ان المحرم الذي حكم عليه بحرمة الصيد يحرم عليه الصيد فحال الحج بعينه حال الصلاة في كون التكبيرة أول جزء من اجزائها وبها يدخل في الصلاة، وكذلك التلبية فانها اول جزء من اجزاء الحج وبها يدخل في تلك الحرمة الالهية كما في النص الدال على ان الذي يوجب الاحرام ثلاثة: التلبية، الاشعار، والتقليد. وإذا فترتب الاحرام على التلبية قهري لا قصدي بمعنى انه إذا لبى بقصد الحج يتحقق الاحرام منه قهرا ولا يتحلل منه الا بالتقصير أو السعي فتدبر جيدا. ثم انه بعد ما عرفت حقيقة الاحرام يقع الكلام في واجباته وهي ثلاثة: الاول: النية بمعنى القصد إليه فلو احرم من غير قصد لم يكن آتيا بالاحرام لان العمل الصادر من دون قصد كالعمل الصادر سهوا أو غفلة لا يكون اختياريا له، فلابد من القصد إليه ليكون صدوره منه عن اختيار. وقد يشكل بان الاحرام إذا كان عبارة عن الالتزام والبناء على الترك فلا معنى لجعل النية من واجباته إذ لا يعقل صدوره من غير نية لان الالتزام أو البناء أمر قصدي لا يتحقق بغير القصد الا على وجه بعيد كما إذا كان بانيا على ترك المنهيات من غير قصد الحج،

[ 484 ]

[ (مسألة 1): يعتبر فيها القربة، والخلوص - كما في سائر العبادات - فمع فقدهما أو احدهما يبطل احرامه (1) ] وهذا بخلاف ما إذا قلنا بان الاحرام عبارة عن التلبية فانه يمكن جعل النية من واجباته لامكان صدور التلبية عن قصد وعن غير قصد كما إذا اتى بالتلبية لتعليم الغير أو لتعليم نفسة ويكررها حتى يتعلم. ولزيادة الايضاح نقول ان: حال التلبية حال بقية الاعمال والافعال الخارجية التي يمكن اقترانها بالنية كما يمكن صدورها من غير نية، واما توطين النفس على الترك والالتزام به فلا يمكن تحققه من غير قصد ونية اصلا حتى نجعل النية من واجباته. وكيف كان: لا ينبغي الريب في اعتبار النية في الاحرام بالمعنى الذي ذكرناه، ولكن اعتبارها فيه ليس أمرا زايدا؟ على قصد الحج بل يكفي في تحققه نية الحج والقصد إليه، فلا حاجة إلى قصد الاحرام بعنوانه على سبيل الاستقلال، ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الادعية المستحبة (لبيك بحجة أو عمرة لبيك لبيك هذه عمرة متعة إلى الحج لبيك لبيك) (1). (1) لا ينبغي الريب في اعتبار القربة، الخلوص في النية لان الاحرام من العبادات ولا يتصف العمل بالعبادة إلى باللخوص ونفي التشريك وجعل الامر الالهي محركا وداعيا كما في سائر العبادات.


(1) المستدرك: باب 26 من الاحرام.

[ 485 ]

[ (مسألة 2): يجب ان تكون مقارنة للشروع فيه، فلا يكفي حصولها في الاثناء، فلو تركها وجب تجديده (1) ولا وجه لما قيل: من أن الاحرام تروك وهي لا تفتقر إلى النية والقدر المسلم من الاجماع على اعتبارها إنما هو في الجملة ولو قبل التحلل، إذ نمنع اولا كونه تروكا فان التلبية ولبس الثوبين من الافعال، وثانيا اعتبارها فيه على حد اعتبارها في سائر العبادات في كون اللازم تحققها حين الشروع فيها. ] (1) فالجزء الاول لابد ان يكون مقارنا للنية إلى آخر العمل بحيث يكون الاحرام بتمام اجزائه صادرا عن النية والقصد، والقربة، فلو حصل ذلك في الاثناء لا يجزي ولا يحكم بصحة احرامه، كما هو الحال في سائر العبادات. أقول: لوبنينا بان الاحرام هو الالتزام النفساني وعقد القلب فهو أمر بسيط نفساني اما موجود أو معدوم وليس له اول أو اثناء فلا يتصور حصول النية في الاثناء. وأما إذا قلنا بان الاحرام وهو التلبية فلا ريب في اعتبار اقتران جميع اجزاء التلبية بالنية والخلوص فلو سبق لسانه باول جزء من التلبيات الاربع واتى بالبقية مع النية والخلوص لا يجزي عما وجب عليه من التلبيات. ثم انه نسب إلى بعضهم الاكتفاء بحصول النية في الاثناء وعلله في المتن بان الاحرام تروك وهي لا تفتقر إلى النية، والقدر المسلم من

[ 486 ]

[ (مسألة 3): يعتبر في النية تعيين كون الاحرام لحج أو عمرة، وان الحج تمتع أو قران أو افراد، وانه لنفسه أو نيابة عن غيره، وانه حجة الاسلام أو الحج النذري أو الندبي (1) فلو نوى الاحرام من غير تعيين وأو كله إلى ما بعد ذلك بطل، فما عن بعضهم من صحة وان له صرفه إلى أيهما شاء من حج أو عمرة، لا وجه له إذ ] الاجماع على اعتبارها إنما هو في الجملة، ولو قبل التحلل من الاحرام بلحظة إذ لادليل على ازيد من ذلك. ولا يخفى ان هذا القول لو كان مبنيا على ان الاحرام نفس التروك فلا مانع حينئذ من الاكتفاء بحصول النية في الجملة ولو في آخره قبل التحلل. وهذا واضح الفساد: لان هذه المنهيات والتروك احكام مترتبة على الاحرام وموضوعها المحرم فلا معنى لاخذ الحكم في موضوعه، بل قد عرفت ان الاحرام أمره دائر بين التلبية والالتزام وتوطين النفس، وأما هذه التروك فموضوعها المحرم لا انها هي الاحرام ولذا لا يضر الالتزام باتيان هذه الامور بالاحرام الا الجماع والاستمناء على ما سيأتي في ملحه. ثم انه يظهر من المصنف هنا ان لبس الثوبين من الاحرام وذلك ينافي ما سيأتي منه (قده) إن لبس الثوبين ليس شرطا في تحقق الاحرام وإنما هو واجب تعبدي، والصحيح ما ذكره هناك. (1) لان أوامره تعالى متعددة وإذا لم يقصد أمرا معينا لا يقع شئ

[ 487 ]

[ الظاهر انه جزء من النسك فتجب نيته كما في اجزاء سائر العبادات، وليس مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة نعم الاقوى كفاية التعيين الاجمالي حتى بأن ينوى الاحرام لما سيعينه من حج أو عمرة فانه نوع تعيين، وفرق بينه وبين ما لو نوى مرددا مع ايكال التعيين إلى ما بعد. ] منها، فان امتثال كل أمر يتوقف على التعيين ولا يتعين الا بالقصد ولا يكفي التعين البعدي. ونسب العلامة كفاية ذلك وان الاحرام مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة في عدم لزوم تعيين الغاية وعدم قصد الخصوصية لغاية معينة، ولكن الفرق واضح لان الوضوء أو الغسل عبادة مستقلة وراجح في نفسه لانه طهور وان لم يقصد غايه من الغايات، كما هو المستفاد من قوله تعالى: (ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (1) وأما التلبية فهي استجابة لامر الله تعالى بالحج أو العمرة وهى جزء من أجزاء الحج أو العمرة لا انها مقدمة مستقلة ومستحبة بنفسها فلو اتى بها لا بقصد الخصوصية فليست بمأمورة بها، لان المأمور به إنما هو التلبية الخاصة التي يقصد بها الحج أو العمرة ويؤتى بها بعنوان الجزئية لاحدهما، فما اتى به بعنوان الجزئية فهو مأمور به فلابد ان يكون مقصودا بخصوصه من الاول نظير القصد إلى البسملة بالنسبة إلى سورة خاصة. نعم يكفي التعيين الاجمالي كما لو قصد امتثال الفرد الذي يعينه فيما


(1) سورة البقرة آية 222.

[ 488 ]

[ (مسألة 4): لا يعتبر فيها نية الوجه من وجوب أو ندب (1) إذا توقف التعيين عليها، وكذا لا يعتبر فيها التلفظ بل ولا الاخطار بالبال فيكفي الداعي. ] بعد لان ذلك الفرد معلوم عند الله واقعا وهو لا يدري فيقصد المتعين الواقعي وان كان لا يعرفه بالفعل فان المنوي يكون متعينا في علم الله وهو يشير إليه في مقام النية، فان القصد إلى الشئ يقع على قسمين: احدهما: ان يقصد الطبيعة المطلقة من دون نظر إلى التعيين اصلا وإنما يتعين فيما بعد ثانيهما: ان يقصد المتعين واقعا وان كان لا يدري به فعلا كما إذا فرضنا انه عينه وكتبه في قرطاس ثم نسى ما عينه وكتبه ولم يعثر على القرطاس ثم ينوي الاحرام على النحو الذي كتبه نظير ما إذا قرأ البسملة للسورة التي بعد هذه الصفحة وهو لا يعلم السورة بالفعل عند قراءة البسملة فان السورة متعينة واقعا وان كان هو لا يدري بالفعل عند قراءة البسملة (1) لانه لا يعتبر في الواجب العبادي الا اتيان المأمور به متقربا به إلى الله تعالى وخالصا لوجهه الكريم. وأما قصد الوجه فلا دليل على اعتباره، نعم إذا توقف التعيين عليه لزم لا لاعتبار نية الوجه بنفسها بل لاجل اعتبار التعيين، كما إذا كان في الخارج امران أحدهما ندبي والاخر وجوبي ويريد ان يمتثل احدهما فحينئذ يجب عليه قصد الوجه من جهة توقف التعيين عليه. كما لا يلزم الاخطار بالبال بل يكفي الاتيان بالعمل بحيث يكون

[ 489 ]

[ (مسألة 5): لا يعتبر في الاحرام استمرار العزم على ترك محرماته، بل المعتبر العزم على تركها مستمرا (1) فلو لم يعزم من الاول على استمرار الترك بطل، وأما لو عزم على ذلك ولم يستمر عزمه بان نوى بعد تحقق الاحرام عدمه أو اتيان شئ منها لم يبطل، فلا يعتبر فيه استدامة النية كما في الصوم، والفرق ان التروك في الصوم معتبرة في صحته بخلاف الاحرام فانها فيه واحبات تكليفية. ] أمر الله داعيا إليه وصح انتسابه إليه تعالى ولا دليل على ازيد من ذلك وكذلك لا يعتبر التلفظ بالنية وما ورد من التلفظ بها محمول على الاستحباب كما سيأتي في المسألة الثانية عشرة (1) لا ينبغي الاشكال في عدم اعتبار استمرا العزم على ترك المحرمات في الاحرام بعد الفراغ عن ان الاحرام ليس هو الالتزام وتوطين النفس على ترك المنهيات، خلافا للصوم فان المعتبر فيه استدامة النية والبناء والعزم على ترك المفطرات في مجموع النهار، ففي كل جزء من اجزاء النهار مأمور بالامساك فلابد ان يكون كل جزء من اجزاء الزمان مقترنا بالنية، فلو افطر في بعض الازمنة أو نوى القطع أو القاطع كان منافيا للامر - على كلام تقدم في كتاب الصوم في نية القطع أو القاطع، ولكن لادليل على ذلك في باب الاحرام لانه كما عرفت - بما لا مزيد عليه - عبارة عن التلبية الموجبة للاحرام والدخول في الحرمة، أو عما يترتب على التلبية - فالاحرام اسم للسبب أو للمسبب فهو من قبيل الافعال التوليدية المترتبة على عناوين خاصة كالطهارة

[ 490 ]

المترتبة على الوضوء أو الغسل، ولذا قد يؤمر بالطهارة مرة وبالغسل والوضوء اخرى فيؤمر بالمتولد تارة وبالمتولد منه أخرى أي بالسبب وبالمسبب كما في قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) (1) وقال تعالى: أيضا (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (2) وهكذا المقام فقد أمر بالتلبية تاره وبالاحرام اخرى فهما في الحقيقة شئ واحد وليسا وجودين منحازين وتكليفين بل احدهما متولد من الاخر، والامر باحدهما أمر بالاخر - هذا ما استفدناه؟ من الروايات - فإذا كان الاحرام عبارة عن التلبية أو عن المسبب منها فالعزم على ترك المحرمات خارج عن حقيقة الاحرام، وانما هي احكام مترتبة على الاحرام لا انها نفس الاحرام فلا يضر ارتكابها في الخارج في عقد الاحرام فضلا عن العزم إليها، فإذا لم يكن نفس ارتكاب الفعل المحرم مضرا فكيف بالعزم إليه. انما الاشكال فيما ذكره المصنف (ره) من ان التعبير العزم على تركها مستمرا، يعني: لابد ان يكون عازما على التروك في اول احرامه فلو لم يعزم من الاول بطل احرامه. وأنت بعد ما احطت خبرا على ما ذكرنا تعرف انه لادليل على اعتبار ذلك أيضا، لان الاحرام انما هو عبارة عن التلبية الموجبة للدخول في الحرمة اوعما يترتب على التلبية فلا يضر عدم العزم من الاول على استمرار الترك فان هذه التروك احكام شرعية مترتبة على الاحرام وليست دخلية في حقيقته كما صرح المصنف (قده) بذلك


(1) سورة المائدة آية 6. (2) سورة النساء آية 43.

[ 491 ]

في لبس الثوبين وذكر انه ليس دخيلا في حقيقة الاحرام وانما هو واجب تعبدي ولذا يصح احرامه إذا أحرم في المخيط، فان القدر الثابت في الاحرام ان يكون احرامه صادرا على وجه القربة - والمفروض انه حاصل - والعزم على اتيان المحرمات لا يضر باحرامه لخروج العزم على الترك عن حقيقة الاحرام نعم لو كان ارتكاب بعض هذه الامور موجبا لبطلان الاحرام كالجماع والاستمناء وكان عازما على ارتكابه من الاول بطل احرامه لا لاجل ان الاحرام هو العزم على ترك المحرمات بل لانه لم يقصد الحج والاحرام الصحيح فان كان المنوي منافيا للحج فالعزم عليه يلازم عدم القصد إلى الحج بخلاف سائر التروك فان العزم عليها لا يلازم بطلان الحج. وبتعير آخر: ان بقية المحرمات محرمات تكليفية وأما الجماع والاستمناء فيجتمع فيهما الحكمان التكليفي وهو الحرمة والوضعي وهو البطلان. ولعل ذلك يتفق لكثير من الحجاج فانه حين الاحرام قد يعزم على بعض التروك كالاستظلال أو لبس المخيط ونحوهما ومع ذلك يحكم بصحة احرامه وحجه. ملاحظة وتعقيب: سبق لنا أن ذكرنا في فصل مقدمات الاحرام استحباب اعادة الاحرام لمن احرم من غير غسل، وذكرنا انه لامانع من صحة الاحرامين غاية الامر الاحرام الاول واجب والثاني مندوب.

[ 492 ]

ولكننا بعد اعادة النظر في هذا الموضوع، نقول: بان الاحرام الاول هو الواجب والثاني صوري لاحقيقي وذلك لانا استفدنا (كما تقدم (من النصوص ان الاحرام أمر بسيط مسبب عن التلبية والتلبية موجبة للاحرام وسبب له فلا يمكن الحكم بصحة الاحرامين ولا يصح اطلاق الاعادة على الثاني لعدم امكان الدخول في الحرمة الالهية مرتين فان الدخول ثانيا متوقف على الخروج ومن كان داخلا في شئ لايدخل فيه ثانيا فإذا كان محرما وداخلا في الحرمة فلا معنى لاحرامه ودخوله في الحرمة مرة أخرى فان الاحرام الحقيقي المسبب عن التلبية غير قابل للاعادة، فلا بد اما من الحكم ببطلان الاحرام الاول، أو ان الاعادة صورية لاحقيقة. فحينئذ يقع الكلام في بيان المراد من صحيح الحسن بن سعيد الآمر باعادة الاحرام إذا احرم من غير غسل. فنقول: ان قوله (ع) في صحيح ابن سعيد (يعيده) إما يحمل على ظاهره من إرشاده إلى فساد الاحرام الاول وبطلان العمل السابق كما هو الظاهر منه في سائر موارد استعمالاته من الاعمال المركية كقولنا: إذا تكلم في صلاته مثلا (يعيد صلاته) فان ذلك ارشاد إلى بطلان الصلاة بالتكلم، ولكن هذا المعنى غير قابل في المقام لما عرفت من ان الاحرام امر بسيط وعبارة عن الدخول في ا لحرمة الالهية وذلك لا يتصف بالصحة والفساد بل يدور أمره بين الوجود والعدم كسائر الامور البسيطة مثل الزوجية والملكية، وإنما يتصف بالصحة والفساد اسبابها كالبيع وعقد النكاح والا فنفس الزوجية أو الملكية اما موجودة أو معدومة، وهكذا الاحرام اما متحقق في الخارج أو لا فليس للاحرام فرد صحيح وفرد فاسد، فالارشاد إلى الفساد لا معنى له، واما الارشاد إلى عدم

[ 493 ]

التحقق وان كان أمرا قابلا ولكن لا يعبر عنه بالاعادة، لان الاعادة وجود ثان بعد الوجود الاول فإذا كان الاحرام الاول غير متحقق في الواقع فلابد ان يقول: (يحرم) بدل (يعيد) فالتعبير بالاعادة في مورد عدم التحقق وعدم الثبوت غير صحيح لعدم صدق الاعادة على ذلك. وأما ارادة الوجوب التكليفي من قوله (ع) (يعيد) بمعنى وجوب الاتيان بالاحرام مرة أخرى فان قلنا باشتراط الاحرام بالغسل يمكن القول بوجوب الاعادة ولكن التعبير بالاعادة أيضا غير صحيح، لانه بناءا على اشتراط الاحرام بالغسل يكون الاحرام الاول باطلا وكأنه لم يتحقق من الاول لفقد الشرط فيجب عليه الاحرام ثانيا فلا يصح ان يعبر عنه الاعادة، لان الاعادة وجود ثاني للطبيعي والمفروض عدم تحقق الوجود الاول. وان قلنا: بان الغسل ليس بشرط للاحرام فلا تجب الاعادة إذ لانحتمل وجوب الاحرام ثانيا لتدارك الغسل الذي ليس بشرط في الاحرام، فلابد من ارادة صورة الاحرام، بأن يأتي بالتلبية بعد الغسل، وهذا أمر ممكن لا مناص من الالتزام به وان كان على خلاف ظاهر النص ولكن لامانع من ارتكابه بعدما عرفت من ان الاحرام أمر بسيط غير قابل للتكرار والاعادة ولا يمكن رفع اليد عنه الا بالتحلل الشرعي، ومن جميع ما ذكرنا يظهر انه لا معنى لاستحباب اعادة الاحرام لان الاعادة معناها رفع اليد عن الوجود الاول والاحرام على ما فسرناه غير قابل لرفع اليد عنه، إذ لو ارتفع كلا وجب الاحرام من جديد ولايكون مستحبا وإن لم يرتفع الاول فالوجود الثاني له المعبر عنه

[ 494 ]

[ (مسألة 6): لو نسى ما عينه من حج أو عمرة وجب عليه التجديد (1) سواء تعين عليه احدهما اولا، وقيل انه للمتعين منهما ومع عدم التعيين يكون لما يصح منهما ومع صحتهما - كما في شهر الحج - الاولى جعله للعمرة المتمتع بها وهو مشكل إذ لا وجه له. ] بالاعادة غير ممكن. فالصحيح ما ذكره المصنف من انه لو احرم بغير غسل اتى بالغسل واعاد صورة الاحرام. (1) أما التجديد الذي ذهب إليه المصنف فلا وجه له إلا إذا حكم ببطلان الاحرام الاول ولا موجب للبطلان بعد وقوعه صحيحا، فكيف يجدد الاحرام مع انه محرم بالفعل، غاية الامر لا يدري انه للعمرة أو للحج فبأي شئ يتحلل من احرامه حتى يجدده. ودعوى: انه لا يتمكن من الامتثال لتردد الاحرام بين أمرين لا يتمكن من امتثالها معا. مدفوعة: بعدم كونه عاجزا عن الامتثال بل متمكن منه قطعا لو احتمالا وعلى كل حال لاوجه للتجديد في مورد بطلان الاحرام الاول ولا موجب له. وتفصيل المقام: ان الترديد قد يكون بين الباطل والصحيح وقد يكون بين الصحيحين. أما الاول: كما إذا احرم في غير أشهر الحج ثم شك في ان احرامه كان للعمرة المفردة ليكون احرامه صحيحا أو للحج فيكون فاسدا.

[ 495 ]

وربما يقال: بعدم كون هذا المورد من موارد دوارن الامر بين الصحيح والفاسد بل يحكم في مثله بالصحة عملا باصالة الصحة، لان كل عمل يشك في صحته وفساده يبنى على الصحة. وفيه: ما ذكرناه غير مرة ان اصالة الصحة الجارية في العبادات والمعاملات لم تثبت بدليل لفظي ليتمسك بأطلاقه وإنما دليلها السيرة القطعية مع بعض الروايات الخاصة الواردة في موارد مخصوصة. المعبر عنها بقاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز، وباصالة الصحة احيانا. والقدر المتيقن من السيرة جريان اصالة الصحة في مورد يكون عنوان العمل محفوظا ومعلوما ولكن يشك في بعض الخصوصيات من الاجزاء والشرائط، وأما إذا كان اصل العنوان مشكوكا فيه ولا يعلم تحقق العنوان في الخارج فلا تجري اصالة الصحة، فلو صدر منه البيع - مثلا - وشك في صحته وفساده يحمل على الصحة واما إذا شك في اصل البيع وانه هل صدر منه البيع أو القمار لا نحكم بانه باع استنادا إلى اصالة الصحة بل اصالة عدم صدور البيع منه محكمة وهكذا في العبادات فلو صلى وشك في انه كبر أو ركع يحكم بالصحة وأما لو شك في انه صلى أو قرأ القرآن فلا يحكم بصدور الصلاة منه ومقامنا من هذا القبيل لان عنوان العمل غير محفوظ لترديده بين العمل الصحيح وهو العمرة المفردة بين العمل الباطل وهو الحج في غير اشهر الحج. والحاصل: لو كانت صورة العمل غير محفوظة فلا مجال لجريان اصالة الصحة وإذا كانت صورة العمل محفوظة ولكن يشك في بعض الاجزاء والشرائط فلا مانع من اصالة الصحة وقد ذكرنا تفصيل ذلك في نظير المقام في أول مسألة من مسائل ختام كتاب الصلاة وهي ما

[ 496 ]

لو شك ان ما بيده ظهرا أو عصرا ثم انه إذا كانت صورة العمل محفوظة كما إذا رأى نفسه في العمرة ولكن يشك في الاحرام الصادر منه وانه كان للحج أو للعمرة المفردة فان كان شكه بعد الدخول في الغير كالطواف إذا اتى به بعنوان العمرة جرت قاعدة التجاوز وحكم بصحة احرامه عمرة، نظير ما لو شك في حال الطواف في اصل صدور الاحرام منه في اول الاعمال. وان كان شكه قبل الدخول في الاعمال وقبل التجاوز لم تجر قاعدة التجاوز ولا قاعدة الصحة بل مقتضى الاصل عدم صدور الاحرام الصحيح منه وعليه تجديد الاحرام الصحيح. واما الثاني: وهو ما إذا دار الاحرام بين الصحيحين كما إذا احرم في اشهر الحج وشك في انه احرم للعمرة المفردة أو عمرة التمتع. فقد قيل: انه إذا كان احدهما متعينا تنصرف نيته إلى المتعين الواقعي. وفيه: انه لا اساس لدعوى الانصراف لان العمل قصدي يحتاج إلى النية ومجرد التعيين الواقعي لا يوجب كونه منوبا ومما تعلق به القصد الا إذا كان ارتكازه على اتيان هذا الفرد بخصوصه كما إذا كان احدهما واجبا والآخر مندوبا وارتكازه على اتيان ما هو الواجب عليه فحينئذ لامانع من الانصراف إلى ما هو المرتكز، وقد لا يكون كذلك كما إذا فرضنا انه لم يكن عالما بما تعين عليه أو كان عالما به وغفل عنه بالمرة. وأما تجديد الاحرام الذي اختاره المصنف فلا وجه له لان المفروض ان احرامه الاول وقع صحيحا ويجب عليه اتمامه فلا موجب لبطلانه.

[ 497 ]

فالصحيح ان يقال، انه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين اعمال العمرة المفردة واعمال عمرة التمتع - إذا كان شكه في ان احرامه لعمرة التمتع أو للعمرة المفردة - وحينئذ يجب عليه الاتيان بطواف النساء وعدم الخروج من مكة إلى زمان الحج للعلم الاجمالي بحرمة الخروج عليه من مكة إذا كان احرامه لعمرة التمتع وبوجوب طواف النساء عليه إذا كان احرامه للعمرة المفردة وحيث انه يتمكن من الامتثال والجمع بين الامرين يجب عليه ذلك لتنجز العلم الاجمالي نعم يكفي اتيان طواف النساء مرة واحدة بعد اعمال الحج بقصد ما في الذمة فان كانت عمرته عمرة التمتع فليس فيها طواف النساء وانما يجب عليه الحج وقد اتى به وان كان احرامه للعمرة المفردة فقد وجب عليه طواف النساء والمفروض انه اتى به ولو بعد اعمال الحج والمناسك ولا يضر الفصل لعدم وجوب المبادرة إلى طواف النساء بعد اعمال العمرة المدردة، هذا كله فيما إذا دار أمر الاحرام بين كونه للعمرة المفردة أو لعمرة التمتع واما إذا دار أمر الاحرام بين العمرة المفردة وحج الافراد، فطريق الاحتياط ان يأتي باعمال الحج اولا ويذهب إلى الموقفين ويرمي يوم العيد ولا يقصر لاحتمال ان احرامه للعمرة المفردة فلا يجوز له التقصير قبل اتيان اعمالها فيرجع إلى مكة فيأتي بالطواف والسعي بالنية المرددة بين الحج والعمرة المفردة ثم يرجع إلى منى فيقصر أو يحلق فان كان احرامه للعمرة المفردة فقد اتى باعمالها من الطواف والسعي والتقصير ولا يضر الفصل بين الطواف والسعي وبين التقصير وإن كان احرامه للحج فقد أتي باعماله أيضا نعم يلزم عليه ان يأتي بعمرة مفردة متى شاء لاحتمال ان احرامه كان للحج الافرادي ولابد من اتيان العمرة

[ 498 ]

المفردة له (1) وأما إذا كان شكه في ان احرامه كان لحج لافراد أو لعمرة المتمع فيدور الامر حينئذ بالنسبة إلى التقصير قبل الحج بين الوجوب والتحريم إذ لو كان احرامه لعمرة التمتع يجب عليه التقصير قبل الحج ليحل حتى يحرم ثانيا للحج وان كان احرامه لحج الافراد يحرم عليه التقصير بل يجب عليه الذهاب إلى الموقفين لاداء اعمال الحج ويقصر ويحلق في مني فالاحتياط غير ممكن فتصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي ونتيجة ذلك هو الاقتصار على أحد العملين والتخيير بينهما، فله أن يخرج من الاحرام باختيار عمرة التمتع ويقصر ثم يذهب إلى الحج ويأتي باعمال حج التمتع رجاءا وبعد الفراغ من ذلك كله يخرج من الاحرام جزما، فان الواجب عليه لو كان عمرة التمتع فقد اتى بمناسكها وخرج من الاحرام وان كان الواجب عليه حج الافراد واقعا فقد جاء باعمال الحج ولم يصدر منه سوى مخالفة الحكم التكليفي احتمالا وهو التقصير الواقع قبل اداء الحج ولا يوجب ذلك شيئا الا الكفارة كما ان له ان يختار الحج اولا فالواجب عليه الوقوفان ولا يجوز له التقصير فيحنئذ يحتمل الامتثال كما يحتمل المخالفة للواقع أيضا لاجل تركه الطواف والسعي والتقصير قبل الحج.


(1) وله طريق آخر للاحتياط، وهو ان يأتي باعمال العمرة المفردة من الطواف والسعي رجاءا ولا يقصر لاحتمال ان احرامه للحج فيذهب إلى الموقفين فيأتي باعمال الحج ويقصر أو يحلق في منى بقصد ما في الذمة من العمرة المفردة أو الحج ويرجع إلى مكة ويأتي بالطواف والسعي رجاءا فيتم اعمال الحج ويأتي بطواف النساء.

[ 499 ]

[ (مسألة 7): لا تكفي نية واحدة للحج والعمرة بل لابد لكل منهما من نيته مستقلا، إذ كل منهما يحتاج إلى احرام مستقل (1) فلو نوى كذلك وجب عليه تجديدها، والقول بصرفه إلى المتعين منهما إذا تعين عليه احدهما والتخيير بينهما إذا لم يتعين وصح منه كل منهما كما في اشهر الحج ] وكيف كان: في مورد التقصير يدور أمره بين المحذورين فلا محالة يكون الحكم هو التخيير. هذا ما يقتضيه الحال في بادئ النظر ولكن مقتضى التأمل وجوب التقصير لان التقصير إذا جاز - بحكم التخيير وجب لوجوب اتمام العمرة والحج فإذا جاز له التقصير يتمكن من الاتمام فإذا تمكن منه وجب لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) (1) وقد ذكرنا نظير ذلك في كتاب التيمم في مسألة ما لو كان عنده ماء وتراب وعلم بغصبية احدهما فقد ذكر الماتن انه من فاقد الطهورين ولايجوز له الوضوء ولا التيمم ولكن قلنا هناك بوجوب الوضوء عليه حينئذ لانه من دوران الامر بين المحذورين في كل من التيمم والوضوء ويحكم بالتخيير وبجواز ارتكاب أحد الطرفين فإذا جاز الوضوء وجب لانه واجد للماء فلم ينتقل لامر إلى التيمم. (1) لان كل منهما عمل مستقل يحتاج إلى نية مستقلة.


(1) سورة البقرة آية 196.

[ 500 ]

[ لا وجه له، كالقول بانه لو كان في اشهر الحج بطل ولزم التجديد وإن كان في غيرها صح عمرة مفردة. ] ثم نقل المصنف قولين آخرين: احدهما: ان النية تنصرف إلى المتعين منها إذا تعين عليه احدهما والتخيير بينهما إذا لم يتعين وصح منه كل منهما كما إذا كان احرامه في اشهر الحج وهذا القول نسبه في المدارك إلى الشيخ في الخلاف. ثانيهما: ما اختاره المحقق في الشرائع بانه لو كان احرامه في اشهر الحج بطل ولزم تجديد النية وان كان في غيرهما تعين للعمرة المفردة. والتحقيق ان يقال: انه قد يقصد باحرامه مجموع العملين وهذا مما لا ينبغي الريب في بطلانه سواء كان هناك متعين ام لا، وسواء كان احرامه في اشهر الحج ام في غيرها، وذلك لان مجموع العملين لم يشرع له الاحرام وانما شرع الاحرام لكل واحد منهما فما قصده لم يشرع له الاحرام وما شرع له الاحرام لم يقصده. ولو احرم للحج والعمرة على نحو التداخل، بمعنى انه يحرم لكل منهما باتيان فرد واحد في الخارج بحيث يكون مجمعا للفردين نظير ما إذا سلم جماعة على شخص فأجاب بجواب واحد قاصدا به رد الجميع فانه في الحقيقة اجاب كل واحد من أفراد السلام الصادر من الجميع غاية الامر بمظهر ومبرز واحد وبذلك يتحقق الامتثال لكل من الفردين باتيان فرد واحد حيث كان مجمعا للعنوانين ثم انه في هذه الصورة قد نفرض انه عالم بعدم جواز ذلك ويعلم ان كل واحد من الحج والعمرة يحتاج إلى احرام مستقل ونية مستقلة ومع ذلك ينويهم؟ بنية واحدة ويأتي باحرام واحد، فيكون مشرعا

[ 501 ]

ويصدر العمل منه على نحو التشريع فيقع العمل الصادر منه مبغوضا ولا يمكن التقرب ولا الامتثال به. وقد يفرض انه جاهل بذلك فلا يكون مشروعا ولا يكون العمل الصادر منه مبغوضا وفي هذه الصورة تارة يصح كل منهما في نفسه وأخرى: لا يصح، اما الاولى: كما إذا كان الاحرام في اشهر الحج ففي مثله لا يمكن الحكم بصحتهما معا ولا يقع كلاهما في الخارج جزما لاحتياج كل منهما إلى احرام مستقل ولابد في الحكم بصحتهما معا من تحقق الاحرامين وهي غير ممكنة على الفرض وصحة احدهما دون الاخر ترجيح من غير مرجح ولا دليل على التخيير في المقام فمقتضى القاعدة هو الحكم بالبطلان نظير البيع الصادر من المالك والوكيل في وقت واحد نعم ورد التخيير في بعض الموارد كتزويج الاختين معا بعقد واحد أو اختيار الخامسة فيهما إذا تزوج من خمسة بعقد واحد كما في النص (1) وأما الثانية: فيمكن لحكم بصحة احدهما دون الآخر كما إذا كان احرامه في غير اشهر الحج فحينئذ لا يبعد الحكم بالتعيين للعمرة المفردة لامكان وقوعه عمرة والمفروض انه احرم قربة إلى الله تعالى ولا يقع عن الحج لعدم امكان وقوعه وبعبارة أخرى: لامانع من الحكم بصحة الاحرام للعمرة المفردة لان اصل الاحرام قد اتى متقربا إلى الله تعالى، وانما تخيل اتيان فردين بذلك احدهما مشروع في نفسه وقابل لوقوعه والآخر غير مشروع والمفرض انه لم يكن مشرعا ليقع العمل الصادر منه مبغوضا غير قابل


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب ما يحرم بالمصادرة؟، وباب 4 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد.

[ 502 ]

[ (مسألة 8): لو نوى كاحرام فلان فان علم انه لماذا احرم صح، وان لم يعلم فقيل بالبطلان، لعدم التعيين، وقيل بالصحة لما عن علي (عليه السلام) والاقوى الصحة لانه نوع تعيين، نعم لو لم يحرم فلان أو بقي على الاشتباه فالظاهر البطلان، وقد يقال انه في صورة الاشتباه يتمتع، ولا وجه له الا إذا كان في مقام يصح له العدول إلى التمتع (1). ] للتقرب به وانما ظن كفاية النية الواحدة على نحو التداخل وظن امكان اتيانهما معا فضم ما هو المشروع إلى قصد أمر أخر غير مشروع، فبالنسبة إلى الحج لا يقع لعدم وقوعه في محله، ولكن لامانع من وقوعه للعمرة المفردة ومجرد ضمه إلى ما هو غير مشروع غير ضائر بالعمل القربي الواجد لما يعتبر فيه، نظير انضمام بعض الاغسال الواردة إلى اغسال اخر لا موجب لها فان مجرد اقتران ما لا امر له إلى ما هو المأمور به لا يضر بصحة المأمور به. (1) هذه المسألة تتصور إلى ثلاث صور: الاولى: ما إذا فرضنا ان فلان الذي قصد ان يحرم مثله لم يحرم اصلا فلا ينبغي الريب في بطلان احرامه لانه احرم احراما لا واقع له إذا المفروض ان ذلك الشخص لم يحرم الثانية: ما إذا صدر الاحرام من ذلك الشخص المقصود واقعا وعلم بما قصده وان احرامه للحج أو للعمرة، وهذا مما لا ينبغي الشك في صحته لحصول النية المعتبرة وتميز المنوي، ومجرد قصده بان

[ 503 ]

احرامه كاحرام فلان غير ضائر بصحة احرامه. الثالثة: ما إذا كان احرام من قصد متابعته مجهولا عنده ولا يعلم به حين الاحرام فتارة يفرض انه يعلمه بعد ذلك، وأخرى لا ينكشف له إلى الاخر ويبقى على الاشتباه. أما الثاني: فقد حكم المصنف بالبطلان، والظاهر انه لا موجب له لان التعين الواقعي مع الاشارة الاجمالية إليه يكفي وان لم يعلم به تفصيلا كما تقدم في الناسي وذكرنا هناك ان الاحرام إذا كان بقصد ما عينه واقعا وان كان منسيا فعلا يحكم بصحته، ولافرق بين المقامين سوى كون النسيان مسبوقا بالعلم وإلا فالواقع متعين في الموردين غاية لامر لا يتمكن من التمييز فتكفي الاشارة الاجمالية، بل حتى إذا كان متمكنا من التمييز لا يلزم التفصيل في النية وتكفي الاشارة الاجمالية فيجوز له ان يحرم لما يعينه الله واقعا فيما بعد، والمقام أولى بالصحة لانه متعين في غير علم الله أيضا لان الشخص الذي احرم اولا يعلم قصده غاية الامر من احرم كاحرامه لا يدري بما قصده، فالمقام نظير ما إذا نوى طبقا لما كتبه في القرطاس الذي نساه ولا يتمكن من الرجوع إلى القرطاس، وأما الاول: وهو الذي يعلمه بعد ذلك وينكشف له كيفية احرام ذلك الشخص فالظاهر أيضا انه لامانع من الحكم بالصحة لان التعيين الاجمالي حاصل ولا دليل على اعتبار الازيد من ذلك بل هذه الصورة اولى بالصحة من الاحرام لما يعلم الله فيما بعد الذي قلنا بجواز ذلك وان لم ينكشف عنده والمفروض في المقام حصول الانكشاف لديه أيضا. وقد يتمسك الصحة في هذه الصورة بفعل علي (عليه السلام) حين ما قدم من اليمن محرما بالحج وسئله النبي (صلى الله عليه وآله)

[ 504 ]

وانت يا علي بما اهللت قال (ع) اهلالا كاهلال النبي صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) كن على احرامك مثلي (1) كما في صحيحة معاوية بن عمار، وفي صحيحة الحلبي: (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا علي بأي اهللت؟ فقال: اهللت بما اهل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: لا تحل انت فاشركه في الهدي) (2). فقد ذكروا ان معنى ذلك اني نويت الاحرام بما احترمت به انت يارسول الله كائنا ما كان فكأنه (ع) لم يعين اهلاله حجا أو عمرة وانما نوي اهلالا كاهلال النبي (صلى الله عليه وآله) فأقره النبي (صلى الله عليه وآله) على ذلك فقال له لا تحل انت وكن على احرامك. ولكن يظهر من الصحيحتين ان فعل علي (عليه السلام) اجنبي عن الاجمال في النية وعن الاكتفاء بقوله احرم كاحرام فلان، وذلك لان الظاهر من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (اهلالا كاهلال النبي (صلى الله عليه وآله) اني نويت الحج المشروع الواجب على المسلمين وهو حج الافراد أو القران فمراده (عليه السلام) (والله العالم) انى نويت الحج كجج النبي (صلى الله عليه وآله) وسائر المسلمين ولم يكن حج التمتع حينذاك مشروعا وانما شرع بعد وصول رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى مكة وبعد السعي قبل وصول أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مكة فما نواه امير المؤمنين (ع)


(1) الوسائل: باب 2 من أقسام الحج ح 4. (2) الوسائل: باب 2 من أقسام الحج ح 14.

[ 505 ]

[ (مسألة 9): لو وجب عليه نوع من الحج أو العمرة ] انما هو حج الافراد فلا اجمال في نيته اصلا. نعم في صحيح معاوية بن عمار وصحيحة الحلبي ما يظهر منهما المنافاة من جهة اخرى ولا يمكن الجمع بينهما من هذه الجهة، وهي ان مقتضى صحيح معاوية بن عمار ان الهدي الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعا وستين أو ستا وستين، وما جاء به أمير المؤمنين (عليه السلام) اربعة وثلاثين اوست وثلاثين (الترديد من الراوي) وساق الهدي كالنبي (صلى الله عليه وآله) فيشمله قوله (صلى الله عليه وآله) (ولا ينبغي لسائق الهدي ان يحل حتى يبلغ الهدي محله) ويظهر من صحيح الحلبي ان أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يأت بالهدي ولم يسق هديا وإنما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساق مائة بدنة واشركه في هدية وجعل له سبعا وثلاثين فيكون حاله (عليه السلام) كحال سائر المسلمين (لقوله: (صلى الله عليه وآله) يأمرنى ان آمر من لم يسق هديا ان يحل) ومع ذلك امره بعدم الاحلال واشركه في هديه وحجه، فلابد من الالتزام بان ذلك من مختصاته (عليه السلام) ونحو ذلك من التأويلات ثم ان المصنف ذكر في آخر المسألة انه قد يقال: يتمتع في صورة الاشبتاه وعدم انكشاف الحال إلى الآخر ولكن لا دليل عليه الا في مورد يصح له العدول إلى التمتع كما فعله المسلمون بأمر النبي صلى الله عليه وآله وفيما إذا لم يكن متعينا عليه نوع خاص فحينئذ يجوز له قلب الافراد إلى التمتع واما في غير ذلك فلا دليل على الانقلاب.

[ 506 ]

[ فنوى غيره بطل (1). (مسألة 10): لو نوى نوعا ونطق بغيره كان المدار على ما نوى دون ما نطق (2). (مسألة 11): لو كان في اثناء نوع وشك في انه نواه أو نوى غيره بنى على انه نواه (3). (مسألة 12): يستفاد من جملة من الاخبار استحباب ] (1) اي لا يقع عما وجب عليه لا انه يبطل برأسه، فيحكم بصحة المأتى به ولكن لا يجزي عما وجب عليه. (2) لان العبرة بالقصد القلبي ولاعبرة بما سبق لسانه فانه صادر من غير قصد واختبار، وربما يستدل له بخبر علي بن جعفر، قال: (سئلته عن رجل احرم قبل التروية فأراد الاحرام بالحج يوم التروية فأخطأ وذكر العمرة قال: فقال: ليس عليه شئ فليعتد (فليعد) الاحرام بالحج) (1). وفيه: ان الخبر اجنبي عن المقام بالمرة لان المفروض فيه صدور الاحرام منه في الخارج ولكن يريد الاحرام ثانيا يوم التروية لدرك فضل الاحرام بوم التروية فلا يشمل الخطأ في الاحرام من الاول مضافا إلى ضعف السند بعيد الله بن الحسن. (3) لقاعدة التجاوز والصحة وليس الشك في اصل النية حتى يكون الشك في اصل العنوان.


(1) الوسائل: باب 22 من الاحرام ح 8.

[ 507 ]

[ التلفظ بالنية، والظاهر تحققه بأى لفظ كان (1) والاولى أن يكون بما في صحيحة ابن عمار وهو ان ان يقول: (اللهم اني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله فيسر ذلك لي وتقبله مني واعني عليه فان عرض شئ يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي اللهم ان لم تكن حجة فعمرة احرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والطيب ابتغى بذلك وجهك والدار الآخرة). ] (1) ذكر المصنف في هذه المسألة استحباب التلفظ بالنية ولا خصوصية لعبارة خاصة ويتحقق بأي لفظ كان لاختلاف الاخبار في كيفية التلفظ وذكر في المسألة الآتية استحباب ان يشترط عند احرامه على الله ان يحله إذا عرض مانع من اتمام نسكه ويدل على استحبابهما جملة من الروايات. منها: صحيحة معاويه بن عمار عن أبي عبد الله (ع) (قال: لا يكون الاحرام الا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة إلى ان قال: اللهم انى أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك (صلى الله عليه وآله) فان عرض لي عارض يحسبني فخلني حيث حبستني)؟ (1) وفى التهذيب فحلني بالحاء المهملة وهو الصحيح لعدم صحة استعمال خلني أو خلاه وإنما يقال خلي سبيله.


(1) الوسائل: باب 16 من الاحرام ح 1.

[ 508 ]

[ (مسألة 13): يستحب ان يشترط عند احرامه على الله ان يحله إذا عرض مانع من اتمام نسكه من حج أو عمرة وان يتمم احرامه عمرة إذا كان للحج ولم يمكنه الاتيان - كما يظهر من جملة من الاخبار - واختلفوا في فائدة هذا الاشتراط فقيل انها سقوط الهدي، وقيل انها تعجيل للتحلل وعدم انتظار بلوغ الهدي محله، وقيل سقوط الحج من قابل، وقيل ان فائدته ادراك الثواب فهو مستحب تعبدي وهذا هو الاظهر (1) ويدل عليه قوله (عليه السلام) في بعض الاخبار: (هو حل حيث حبسه اشترط أو لم يشترط). ] ومنها: صحيحة ابن سنان قال: (إذا أردت الاحرام والتمتع فقل: (اللهم اني اريد ما امرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج فيسر لي ذلك.. وحلني حيث حبستني) (1) ولا يخفى ان المصنف خلط بين صدر رواية ابن سنان وذيل رواية معاوية بن عمار وذكر صدر رواية عبد الله بن سنان في صدر رواية معاوية عمار ثم ذكر تتمة خبر معاوية بن عمار والامر سهل فلا كلام في استحباب الامرين (1) اختلفت كلمة الفقهاء في فائدة هذا الاشتراط فذكروا لذلك وجوها:


(1) الوسائل: باب 16 من الاحرام ح 2.

[ 509 ]

منها: ما عن العلامة وغيره ان الفائدة هي سقوط الهدي فيحل بمجرد الاحصار وعروض المانع ولايحتاج إلى الهدي. ويستدل له بصحيح ذريح المحاربي قال: (سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل متمتع بالعمرة إلى الحج، وأحصر بعد ما احرام كيف يصنع؟ قال: فقال 1 أو ما اشترط على ربه قبل ان يحرم ان يحله من احرامه عند عارض عرض له من أمر الله؟ فقلت بل قد اشترط ذلك، قال: فليرجع إلى أهله حلا لا احرام عليه ان الله احق من وفى بما اشترط عليه، قال: فقلت: أفعليه الحج من قابل: قال: لا) (1). وذكروا انه يخصص الآية الكريمة (فإذا احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) (2) وكذا يخصص الروايات الدالة على بلوغ الهدي محله إذا أحصر (3) فان مقتضى الجمع بين الآية الكريمة وهذه الروايات وبين صحيح ذريح سقوط الهدي بالاحصار إذا اشترط عند احرامه على الله ان يحل. والذي ينبغي ان يقال: ان خبر ذريح وان كان معتبرا ومقتضى القاعدة تخصيص الآية وتلك الروايات به ولكن وردت في المقام روايات ثلاث تدل على ان المحصور يحل سواء اشترط ام لم يشترط الاولى: رواية حمزه بن حمران، قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن الذي يقول: حلني حيث حبستني قال: هو حل حيث حبسه قال


(1) الوسائل: باب 24 من الاحرام ح 3 (2) سورة البقرة آية 196. (3) الوسائل: باب 2 من الاحصار والصد.

[ 510 ]

أو لم يقل) (1) فانها صريحة في الاحلال بالاحصار والحبس اشترط ام لم يشترط ولكنها ضعيفة (بحمزة) فانه لم يوثق، ورواها الصدوق عن حمران ابن اعين وهو من الاجلاء والثقات الا أن طريق الصدوق إليه مجهول ولم يذكره في المشيخة. الثانية: صحيحة زرارة قال: (هو حل إذا حبسه اشترط أو لم يشترط) (2). وربما يشكل: في دلالتها باعتبار جهالة مرجع الضمير في قوله: (هو حل) حيث انه كلام ابتدائي غير مسبوق بشئ ولعل المراد به شخص خاص معهود بين الامام (ع) والراوي فتكون الرواية مجملة فلا يصح الاستدلال بها لمطلق المحبوس وفيه: ان الاشكال إنما نشأ من تقديم صاحب الوسائل صحيحة زرارة على رواية حمزة ولكن الكليني (3) روى اولا رواية حمزة ثم ذكر صحيحة زرارة بلا فصل فيرتفع الاجمال حينئذ ضرورة ان المرجع في الصحيحة ما ذكره في رواية حمزة وهو (الذي يقول: حلنى حيث حبستني) والكافي إنما حذف المرجع في الصحيحة اختصارا في النقل وايعازا إلى وحدة السؤال والجواب فيرتفع الاشكال. ويؤيد ما ذكرنا: عدم وضوح المراد من الحابس ولا المحبوس لو كانت الصحيحة منعزلة عن السؤال وكانت مذكورة قبل رواية حمزة كما اثبتها في الوسائل وهذا بخلاف ما لو كانت الصحيحة مسبوقة


(1) الوسائل: باب 25 من الاحرام ح 2. (2) الوسائل: باب 35 من الاحرام ح 1. (3) الكافي: ج 4 ص 333.

[ 511 ]

برواية حمزة كما في الكافي فان المراد من الحابس حينئذ هو الله تعالى ومن المحبوس هو الشارط على نفسه الذي كان مرجع الضمير حسبما عرفت. ثم ان مقتضى الجمع بين هذه الصحيحة والآية الكريمة والروايات الدالة على بلوغ الهدي وبعثه إلى محله وذبحه، هو حمل الحل في الصحيحة على الحل من حيث اعمال الحج والعمرة، بمعنى انه من أحصر لا يجب عليه اتيان الاعمال لا انه يحل من جميع الجهات حتى من جهة التروك والمحرمات، فيبقى محرما ويحرم عليه التروك إلى ان يبلغ الهدى محله ثم يحل ويحلق رأسه، بل نفس الصحيحة ظاهرة في هذا المعنى لان الحبس انما يكون بالنسبة إلى الاعمال والافعال الوجودية واما التروك فأمور عدمية فلا حبس بالنسبة إليها. الرواية الثالثة: صحيحة البزنطي قال: (سئلت أبا الحسن (ع) عن محرم انكسرت ساقه أي شئ تكون حاله؟ وأي شئ عليه؟ قال هو حلال من كل شئ، قلت: من النساء والثياب والطيب؟ فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم، وقال: أما بلغلك قول أبي عبد الله (عليه السلام): حلني حيث حبستني لقدرك) (1) فانها تدل على الاحلال بالحصر والمنع عن اتيان الاعمال لاجل كسر الساق مطلقا سواء اشترط الحل ام لم يشترط ومجرد الاستشهاد بقول الصادق (ع) واشتراطه الاحلال لا يدل على ان مورد السؤال كان من الاشتراط بل احلاله عند الحبس والحصر في مورد الاشتراط من صغريات الحلال بالحصر ولعله (ع) لذلك استشهد بقول الصادق (ع): لا لاجل


(1) الوسائل: باب 1 من الاحصار والصد ح 4.

[ 512 ]

تطبيق فعل الامام على مورد السؤال فظاهر الصحيحة هو الاحلال بالحصر سواء اشترط ام لم يشترط وسواء بعث بالهدي ام لا لا انه لا منافاة بين حصول الاحلال بالحصر وثبوت الهدي وان كان محلا من حيث الاعمال فهذه الفائدة غير مترتبة على الاشتراط. فتحصل: ان مقتضى الجمع بين الادلة انه بالحصر يحل ويخرج من حرمة الله التي أوجبت عليه اتمام الحج أو العمرة ولا يجب عليه اتمام الاعمال ولا ينافي ذلك وجوب الهدي عليه واحلاله من التروك ببلوغ الهدي. ومما ذكرنا تعرف ضعف الاستدلال بالصحيحة على الاحلال بالاشتراط وسقوط الهدي، لعدم ذكر الشرط في مورد الرواية. ومن جملة فوائد اشتراط الاحلال، تعجيل التحلل بالاحصار ولكن الهدي لا يسقط كما ذهب إليه جماعة من الاصحاب كالمحقق في الشرائع وتبعهم صاحب الجواهر. اقول: ان كان المراد من تعجيل التحلل حصول الاحلال قبل الذبح كما هو ظاهر المتن، فهذا مما لا دليل عليه، وان كان المراد به - على ما يظهر من كلماتهم - حصول الاحلال بعد الذبح في المكان الذي احصر فيه وعدم لزوم انتظار الذبح ويوم النحر، فقد استدل له بصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: (ان الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليا ذلك وهو بالمدينة فخرج في طلبه فأدركه في

[ 513 ]

السقيا (1) وهو مريض بها، فقال: يا بني ما تشتكي؟ فقال: اشتكي رأسي، فدعا علي ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة فلما برأ من وجعه اعتمر.. الحديث) (2) وفيه أولا: - لم يعلم ان الحسين (عليه السلام) اشترط الاحلال عند احرامه ومجرد الاستحباب لا يدل على صدور الاشتراط منه لجواز ترك المستحب بداع من الدواعي الراجحة ولا اقل لاجل بيان الجواز وعدم لزوم الاشتراط. وثانيا: ان الرواية في مقام بيان حكم الاعتمار من دون نظر إلى الخصوصيات من ذكر الاشتراط ونحوه، والا لو كانت الخصوصية دخلية في الحكم لكان على الصادق (ع) بيانها فاطلاق الآية الشريفة الدالة على بلوغ الهدي محله ولزوم الذبح يوم النحر يقيد بالمعتمر المحصور فيجوز له الذبح في مكانه ولا يجب عليه الانتظار إلى يوم النحر. وبالجملة: مادل على احلال الحسين (عليه السلام) بالمرض والحصر مطلق من حيث الاشتراط وعدمه، ويؤيد هذا الاطلاق ما رواه في كشف اللثام (3) والجواهر (4) عن الجامع من كتاب المشيخة لابن محبوب انه روى صالح عن عامر بن عبد الله بن جذاعة عن أبي


(1) السقيا بضم اوله، قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلا، معجم البلدان (2) الوسائل: باب 1 من الاحصار والصد ح 3. (3) هذه الراوية لم نعثر عليها لا في الوسائل ولا في مستدرك الوسائل وانما ذكرها كاشف اللثام في فصل الحصر والصد. (4) الجواهر: ج 18 ص 261 وج 20 ص 124.

[ 514 ]

عبد الله (ع) (في رجل خرج معتمرا فاعتل في بعض الطريق وهو محرم قال: ينحر بدنة ويحلق رأسه ويرجع إلى رحله ولا يقرب النساء فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما، فان برأ من مرضه اعتمر إن كان لم يشترط على ربه في احرامه وان كان قد اشترط فليس عليه ان يعتمر الا ان يشاء فيعتمر ويجب ان يعود للحج الواجب المستقر وللاداء ان استمرت الاستطاعة في قابل.) فان ذكر التفصيل في ذيل الرواية بالنسبة إلى اعادة الاعتمار إن لم يشترط وعدم اعادته ان اشترط يكشف عن كون الحكم بالاحلال في صدر الرواية مطلقا من حيث الاشتراط وعدمه، فالمتحصل من الرواية ان الاحلال يتحقق بالحصر مطلقا وان يشترط بخلاف اعادة العمرة بعد البرأ فانه يفصل بين الاشتراط وعدمه، ولكن الرواية ضعيفة السند ثم ان هنا صحيحة اخرى تحكي خروج الحسين (عليه السلام) للعمرة ومرضه في الطريق وهي صحيحة رفاعة عن أبي عبد الله (ع) (قال: خرج الحسين (عليه السلام) معتمرا وقد ساق بدنه حتى انتهى إلى السقيا فبرسم (1) فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه، ثم اقبل حتى جاء فضرب الباب فقال: علي (عليه السلام) ابني ورب الكعبة افتحوا له الباب، وكانوا قد حموه الماء فأكب عليه فشرب ثم اعتمر بعد) (2). وربما يقال: بان هذه الصحيحة خارجة عن محل الكلام لان موضع الخلاف من لم يسق الهدي واما السائق كما في مورد الرواية فلا يسقط


(1) برسم من البرسام مرض معروف. (2) الوسائل: باب 6 من الاحصار والصد ح 2.

[ 515 ]

عنه الهدي باجماع الامة كما عن فخر المحققين فلو كانت القضية المذكورة في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة متحدة مع القضية المذكورة في هذه الصحيحة فلا ريب في خروجهما عن محل الكلام لان محل كلامنا من اعتمر ولم يسق الهدي والمفروض انه (عليه السلام) كان سائقا بدنة ولا يسقط الهدي حينئذ. والجواب: انه لم يعلم اتحاد القضية ومن المحتمل انه (عليه السلام) اعتمر مرتين ومرض فيهما وفي احدهما ساق الهدي وفى الآخر لم يسق ثم انه على تقدير اتحاد القضية فسوق الهدي في العمرة غير ثابت شرعا وإنما ثبت في حج القران، واما العمرة المفردة أو التمتع فليس فيها سوق بدنه، فسياق بدنة مع الحسين (عليه السلام) غير مربوط بالحج أو العمرة ولعله كان من باب الاتفاق والا فلا ريب في عدم ثبوت سوق البدنة في العمرة. نعم لو احصر المتمتع يجب عليه ان يبعث هديا ويتحلل في مكانه بعد الذبح، وله ان ينحر أو يذبح في مكانه ويتحلل. فالمستفاد من الصحيحين الحاكيين لفعل الحسين (عليه السلام) ان المعتمر إذا احصر لا يجب عليه بعث الهدي إلى محله بل يجوز له الذبح في مكانه ويتحلل سواء اشترط الاحلال ام لا، فما ذكره جملة من الاكابر (قدس الله أرواحهم) من جواز التعجيل فيما إذا اشترط لم يثبت بل الحكم ثابت لمطلق المعتمر إذا احصر اشترط الحل أو لم يشترط ومنها: سقوط الحج من قابل، حكى ذلك عن الشيخ في التهذيب واستدل عليه بصحيح ضريس بن أعين، قال: (سئلت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ

[ 516 ]

مكة الا يوم النحر، فقال: يقيم على احرامه ويقطع التلبية حتى يدخل مكة فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه وينصرف إلى أهله، إن شاء، وقال: هذا لمن اشترط على ربه عند احرامه فان لم يكن اشترط فان عليه الحج من قابل) (1). ولكن الصحيحة أجنبية عن مورد كلامنا، لان محل الكلام إنما هو المحصور وهو الممنوع عن اتيان اعمال الحج أو العمرة بمرض ونحوه من الموانع، ومورد الصحيحة من يتمكن من الاعمال والمناسك من الطواف والسعي ولكن فاته الموقفان لضيق الوقت والغفلة ونحو ذلك فهذه الفائدة إنما تترتب على الاشتراط فيما إذا فاته الوقوفان وتتبدل وظيفته إلى اتيان العمرة المفردة بنفس الاحرام الاول فيطوف ويسعى ويحلق رأسه ثم يأتي بطواف النساء، فهذه الصحيحة من جملة الروايات الواردة في فوت الموقفين وتلك الروايات على طوائف. الاولى: مادل على ان من فاته الوقوف يجب عليه الحج من قابل وفي بعضها انه يجعل ما اتى به عمرة مفردة وعليه الحج من قابل كما في صحيح معاوية بن عمار، قال: وقال أبو عبد الله (ع) (ايما حاج سائق للهدي أو مفرد للحج أو معتمتع بالعمرة إلى الحج قدم وقد فاته الحج فليجعلها عمرة وعليه الحج من قابل) وقد ذكرنا غير مرة ان هذه الجملة (عليه الحج من قابل) ونحوها، (2) ظاهرها عدم الاجزاء وعدم الاكتفاء بما أتي به أولا.


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 2. (2) الوسائل: باب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1.

[ 517 ]

الثانية: وهي بازاء الاولى كصحيحة ضريس المتقدمة الدالة على التفصيل من انه لو اشترط الاحلال يسقط عنه الحج في القابل وتجزي العمرة المفردة عن الحج الواجب عليه وان لم يكن اشترط فعليه الحج من قابل. الثالثة: ما يدل على انه لو اتى بعمرة مفردة اخرى غير ما بيده يسقط الحج عنه في القابل ويجزي ذلك عن الحج وان لم يعتمر ثانيا فعليه الحج من قابل، كما في صحيحة داود الرقي، قال: (كنت مع أبي عبد الله (ع) بمنى إذ دخل عليه رجل فقال: قدم اليوم قوم قد فاتهم الحج، فقال نسأل الله العافية قال: أري عليهم ان يهريق كل واحد منهم دم شاه، ويحلون (يحلق) وعليهم الحج من قابل ان انصرفوا إلى بلادههم، وان اقاموا حتى تمضي أيام التشريق بمكة ثم خرجوا إلى بعض مواقيت اهل مكة فأحرموا منه واعتمروا فليس عليهم الحج من قابل) (1). فالروايات الدالة على سقوط الحج في القابل وعدمه بين ما هي مطلقة وبين ماهى مفصلة بين الاشتراط وعدمه، وبين ما هي مفصلة بين اتيان عمرة ثانية وعدمه. فالمستفاد من هذه الطوائف سقوط الحج من قابل عمن اشترط، أو عمن أتى بعمرة مفردة ثانيا إذا فاته الموقف، فان تم الاجماع المدعى على ان من وجب عليه الحج وتمكن منه لا يسقط عنه كما عن العلامة وارتضاه غيره من الاكابر حتى صاحب الحدائق الذي لا يعتني بامثال


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 5.

[ 518 ]

هذه الاجماعات، فلابد من رفع اليد عن الخبرين الدالين على سقوط الحج من قابل إذا اشترط أو اتى بعمرة مفردة ثانيا. وان لم يتم الاجماع واحتملنا الاجتزاء من الشارع بما أتى به المشترط أو بما أتى به من العمرة المفردة ثانيا عن الحج الواجب عليه، فلا مانع من الالتزام بمضمون الروايتين وعلى كل تقدى سواء التزمنا بمضامين هذه الروايات ام لم تلتزم فهي اجنبية عن المحصور والمصدود لان موردها عدم التمكن من الوقوف لضيق الوقت ونحوه لا الممنوع عن الاعمال يمرض ونحوه. والاولى ان يستدل لترتب هذه الفائدة بصحيح ذريح المتقدم فانه صريح في سقوط الحج من قابل إذ اشترط الاحلال فانه (ع) بعد ما سئل (أوما اشترط على ربه قبل ان يحرم ان يحله) فأجاب السائل بقوله: (بلى) ثم سئل الرواي (أفعليه الحج من قابل؟ قال: (ع) لا) (1) ولو كنا نحن وهذه الصحيحة لالتزمنا بسقوط الحج من قابل، ولكن بازئها صحة اخرى وهي صحيحة أبي بصير الدالة على ثبوت الحج من قابل، قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يشترط في الحج ان حلني حيث حبسني، عليه الحج من قابل؟ قال: نعم) (2) والتنافي بين الصحيحتين ظاهر جدا. وحمل قوله: (نعم) في صحيح أبي بصير على الحكم الوضعي والفساد وقوله (لا) في صحيح ذريح على نفي الوجوب التكليفي. فتكون - النتيجة عدم وجوب الحج عليه في السنة القادمة وان كان ما اتى به فاسدا فلا تعارض في البين - خلاف الظاهر بل الظاهر ان


(1) و (2) الوسائل: باب 24 من الاحرام ح 3 و 1.

[ 519 ]

[ والظاهر عدم كفاية النية في حصول الاشتراط بل لابد من التلفظ، لكن يكفي كلما افاد هذا المعنى فلا يعتبر فيه لفظ مخصوص، وان كان الاولى التعيين مما في الاخبار (1). الثاني: من واجبات الاحرام: التلبيات الاربع (2) والقول بوجوب الخمس، أو الست ضعيف. ] النفى والاثبات واردان في مورد واحد، وبعد التعارض والتكافؤ، يحكم اطلاق الروايات الدالة على وجوب الحج في السنة القادمة. فتحصل من جميع ما تقدم: انه لادليل على ما ذكروه من الفوائد فلا محيص الا عن الالتزام بان فائدة الاشتراط ادراك الثواب بذكر الشرط في عقد الاحرام فهو مستحب تعبدي في نفسه ودعاء مأمور به في الاخبار يترتب على فعله الثواب، ودعاء يعلم المحرم باستجابته لانه لو احصر ومنع عن اتيان الاعمال يحله الله تعالى (1) لابد من ابراز هذا الاشتراط بمبرز ومظهر في عقد الاحرام والغالب هو اللفظ، ومجرد القصد القلبي غير كاف في صدق الاشتراط كما هو الحال في سائر موارد الاشتراط فان الشرط ربط شئ بشئ آخر ومجرد النية لا يوجب الارتباط ما لم يظهره بمبرز، نعم لا يعتبر فيه لفظ مخصوص بل يكفي كلما افاد هذا المعنى وان كان الاولى قراءة الادعية المشتملة على ذكر الشرط. (2) لا ينبغي الريب في وجوب التلبيات بل وجوبها من جملة القطعيات، وإنما وقع الخلاف في صورتها وكيفيتها على أقوال:

[ 520 ]

ذكرها في المتن. اما الاول: فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في حديث قال: (التلبية ان تقول: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك ذا المعارج لبيك لبيك داعيا إلى دار السلام لبيك لبيك غفار الذنوب إلى آخر الدعاء. ثم قال: (ع) واعلم انه لابد من التلبيات الاربع التي كن في اول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد..) وهي صريحة في ان الواجب من التلبيات هو التلبيات الاربع المذكورة في اول الحديث. وأما البقية فمستحبة. وأما القول الثاني: فاستدل له بعدة من الروايات: منها: ما رواه الصدوق في الخصال (2) باسناده عن الاعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في (حديث) قال: (ع) والتلبيات الاربع، وهي (لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) (3) ولكنها ضعيفة السند بعدة من المجاهيل. ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: لما لبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك ذا المعارج لبيك) (4).


(1) الوسائل: باب 40 من الاحرام ح 2. (2) الخصال: باب الواحد إلى المائة ح 9. (3) الوسائل: باب 2 من اقسام الحج ح 29. (4) الوسائل: باب 40 من الاحرام ح 4.

[ 521 ]

والجواب: ان الصحيحة في مقام بيان حكاية تلبية للنبي صلى الله عليه وآله ولا دليل على ان جميع ما اتى به واجب. بل ذكر الدعاء في ذيل التلبيات قرينة عدم وجوب جميع هذه الجملات لان الدعاء غير واجب قطعا. ومنها: صحيحة عاصم بن حميد الحاكية لتلبية النبي (صلى الله عليه وآله) وانه صلى الله عليه وآله لبى بالاربع، فقال: (لبيك اللهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبيك) (1). وفيه: ان هذه الصحيحة غير منطبقة على هذا القول لاشتمالها على ست، أو خمس تلبيات، مضافا إلى ان كلمة (الملك) متقدمة على (لك) في الصحيحة، وهذا القائل التزم بالعكس، بل لم يقل احد بوجوب تقديم (والملك) على (لك) على انها تحكي فعل النبي (صلى الله عليه وآله) وقد عرفت ان مجرد حكاية فعله صلى الله عليه وآله لا يدل على الوجوب، واما القول الثالث والرابع فلا دليل عليهما أصلا. والذى ينبغي ان يقال: ان التلبية تتحقق بجميع ذلك، لان المستفاد من صحيح معاوية بن عمار لزوم الاتيان بالتلبيات الاربع على النحو المذكور في الصحيحة من دون نقيصة في العبارة، ولكن لادليل على عدم جواز الفصل بينها بدعاء، أو ذكر بل ولو بكلام آدمي فيقول: مثلا (لبيك اللهم لبيك لبيك اللهم صلى على محمد وآل محمد لا شريك لك، اللهم اغفر لي لبيك) لكن مع التحفظ على صدق هذه العبارة


(1) الوسائل: باب 36 من الاحرام ح 6.

[ 522 ]

[ بل ادعي جماعة الاجماع على عدم وجوب الازيد من الاربع واختلفوا في صورتها على أقوال: احدها: ان يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك). الثاني: ان يقول - بعد العبارة المذكورة - (ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). الثالث: ان يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك). الرابع: كالثالث، الا انه يقول: (ان الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك، لبيك) بتقديم لفظ: والملك على لفظ: لك. والاقوى هو القول الاول - كما هو صريح - صحيحة معاوية بن عمار - والزوائد مستحبة. والاولى التكرار بالاتيان بكل من الصور المذكورة، بل يستحب ان يقول - كما في صحيحة معاوية بن عمار -: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك ذا المعارج لبيك لبيك داعيا إلى دار السلام لبيك غفار الذنوب لبيك، ] ومراعاتها فلو خرجت عن كونها تلبية كما إذا كان الفصل بينها طويلا ولو بالدعاء والذكر فلا ريب في عدم صدق التلبية.

[ 523 ]

[ لييك اهل التلبية لبيك، لبيك ذا الجلال والاكرام لبيك مرهوبا ومرغوبا اليك لبيك، لبيك تبدأ والمعاد اليك، لبيك كشاف الكرب العظام لبيك، لبيك عبدك وابن عبديك لبيك لبيك يا كريم لبيك). (مسألة 14): اللازم الاتيان بها على الوجه الصحيح بمراعاة اداء الكلمات على قواعد العربية، فلا يجزي الملحون مع التمكن من الصحيح بالتلقين أو التصحيح (1) ومع عدم تمكنه فالاحوط الجمع بينه وبين الاستنابة، ] (1) لا ينبغي للريب في لزوم الاتيان بهذه الكلمات الشريفة على الوجه الصحيح المطابق للقواعد العربية، واداء الحروف من مخارجها، لان ذلك هو المأمور به فلا يجزي الملحون مع التمكن من الصحيح، والامر باتيان التلبيات الاربع في صحيح معاوية بن عمار يراد به الاتيان بها صحيحا إذ لااشكال في انه (ع) قرأ هذه الكلمات على الوجه الصحيح فاللازم الاتيان بمثل ذلك ولا دليل على الاجتزاء بغيره فحال التلبيات حال القراءة والاذكار في الصلاة (1). ولو لم يتمكن من الاداء على الوجه الصحيح فقد ذكر في المتن ان الاحوط الجمع بين الاتيان بالملحون والاستنابة وقيل: في وجهه ان مقتضى قاعدة الميسور الاجتزاء باللمحون،


(1) لقد تعرض سيدنا الاستاذ دام ظله لهذا الموضوع في بحث القراءة في باب الصلاة.

[ 524 ]

ومقتضى خبر زرارة (ان رجلا قدم حاجا لا يحسن ان يلبى فاستفتى له أبو عبد الله (ع) فامر له ان يلبى عنه) (1) لزوم الاستنابة، والجمع بين الدليلين يقتضى الجمع بين الاتيان بالملحون والاستنابة وفيه: ان كان خبر زرارة صحيح السند فلا حاجة إلى القاعدة بل يتعين الاستنابة وان كان ضعيفا فلا موجب للاستنابة، واما قاعدة الميسور فغير تام اصلا ولا يمكن اثبات حكم من الاحكام الشرعية بها وقد ذكرنا ذلك في موارد كثيرة، واما خبر زرارة فضعيف السند بياسين الضرير فانه لم يوثق والصحيح: ان يستدل للاجتزاء بالملحون إذا لم يتمكن من الصحيح بمعتبرة مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول: (انك قد ترى من المحرم من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبة ذلك فهذا بمنزلة العجم والمحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح..) (2). فان المستفاد منها عدم الاكتفاء بالترجمة بالعجز عن الصحيح، وانه يجب على كل مكلف ان يأتي بالقراءة أو التلبية بالعربية ولاتصل النوبة إلى الترجمة مع التمكن من العربية فيجب عليه الاتيان بالعربية حتى الامكان ولو بالملحون لان ما يراد من العربي العارف باللغة لا يراد من العجم الذي لا يتمكن من اداء الكلمات على النهج الصحيح، فلا


(1) الوسائل: باب 39 من الاحرام ح 2. (2) الوسائل: باب 59 و 67 من القراءة في الصلاة ح 2.

[ 525 ]

[ وكذا لا تجزئ الترجمة مع التمكن، ومع عدمه فالاحوط الجمع بينهما وبين الاستنابة (1). ] يسقط عنه القراءة، أو التلبية بمجرد عجزه عن اداء الكلمات صحيحا إذ لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح العارف باللغة العربية فالملحون يقوم مقام الصحيح. ويمكن الاستدلال له بما رواه الكليني بسند معتبر عندنا وفيه النوافلي والسكوني عن أبى عبد الله (ع) قال: (تلبية الاخرس وتشهده وقرائته القران في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه) (1). فان المستفاد منها عدم جواز الاستنابة بالعجز عن اداء الكلمات فإذا ثبت جواز الاكتفاء بالمقدار الممكن في الاخرس - ولو بتحريك لسانه - ثبت في غيره أيضا إذ لا تحتمل سقوط الحج أو سقوط التلبية عنه، والمفروض انه لادليل على الاستنابة فالمأمور بالتلبية نفس الاخرس، أو العاجز عن اداء الكلمات الصحيحة فينتقل الواجب إلى الملحون فالاكتفاء بالملحون هو الاقوى وان كان الجمع بينه وبين الاستنابة احوط. (1) وأما الترجمة فمع التمكن من العربية فلا تجزي لانها على خلاف المأمور به في الروايات، ومع عدم التمكن من العربية فقد ذكر في المتن ان الاحوط الجمع بين الملحون والترجمة والاستنابة أقول: لابد من خروج الاخرس عن هذا البحث بالمرة لانه غير قادر على التكلم ابدا لا بالملحون ولا بالترجمة، فالكلام في القادر على المتكلم، ولاريب ان من كان قادرا على التكلم يقدر على اداء الكلمات


(1) الوسائل: باب 59 قراءة الصلاة ح 1.

[ 526 ]

[ والاخرس يشير إليها باصبعه مع تحريك لسانه (1) والاولى ان يجمع بينهما وبين الاستنابة، ويلبي عن الصبي غير المميز وعن المغمى عليه (2). ] العربية ولو ملحونا فيدخل المقام في المسألة السابقة من الاجتزاء بالملحون بدلا عن الصحيح، نعم لو فرض عدم التمكن حتى من الملحون فيدور الامر بين الترجمة والاستنابة وقد يشكل بان هذا الشخص لم يجب عليه الحج لان معذور عن ادائه فكيف يجب عليه الترجمة أو الاستنابة مع انهما فرع وجوب الحج عليه فعليه ان يصير إلى العام القابل ليتعلم اداء الكلمات صحيحا. (1) كما في رواية السكوني المتقدمة ويقصد بذلك عقد الاحرام بالتلبية. (2) وأما الصبي غير المميز فيلبى عنه كما في صحيح زرارة (1) وأما المغمى عليه فلا دليل عليه سوى مرسل جميل (في مريض اغمى عليه فلم يعقل حتى اتى الموقف (الوقت) فقال: يحرم عنه رجل) (2) ودلالته على جواز الاستنابة في المقام بناءا على نسخة - الوقت - وهو الميقات - تامة، ولكنه ضعيف السند بالارسال، مضافا إلى احتمال صحة نسخة (الموقف) فيخرج عن محل الكلام لعدم دلالته على جواز الاستنابة عمن اغمى عليه من الميقات لعمرة التمتع أو الحج، وانما يختص بمن اتى الموقف مغمى عليه، فحينئذ تكون وظيفة المغمى عليه


(1) الوسائل: باب 17 من أقسام الحج ح 5. (2) الوسائل: باب 55 من الاحرام ح 2.

[ 527 ]

[ وفي قوله ان الحمد (الخ) يصح ان يقرأ بكسر الهمزة وفتحها (1). والاولى الاول، و (لبيك) مصدر منصوب بفعل مقدر أي ألب لك البابا بعد الباب، أو لبا بعد لب، اي اقامة بعد اقامة، من لب بالمكان، أو ألب اي اقام، والاولى كونه من لب، وعلى هذا فأصله (لبين لك)، فحذف اللام، واضيف إلى الكاف، فحذف النون. وحاصل معناه: إجابتين لك وربما يحتمل ان يكون من (لب) بمعنى: واجه، يقال: (داري تلب دارك) أي: تواجهها فمعناه: مواجهتي وقصدي لك، وأما احتمال كونه من (لب الشئ) أي: خالصه، فيكون بمعنى اخلاصي لك فبعيد. كما ان القول بانه كلمة مفردة، نظير: (على) و (لدى)، فأضيفت إلى الكاف، فقلبت ] الرجوع إلى الميقات ان امكن والا فمن مكانه. كما هي وظيفة الجاهل والناسي إذا تجاوزا الميقات غير محرمين. (1) أما الكسر فللابتداء بجملة مستقلة والاتيان بأول كلام آخر بعد الجمل المتقدمة من التلبيات، وأما الفتح فلاجل التعليل، أي: لبيك واستجيبك لاجل كون الحمد لك وبسبب ان الحمد والنعمة لك وحكي عن العلامة في المنتهى، عن بعض اهل العربية انه قال: من

[ 528 ]

[ ألفه ياء لا وجه له لان (على) و (لدى) - إذا اضيفا إلى الظاهر - يقال فيهما بالالف، كعلى زيد، ولدى زيد وليس لبى كذلك، فانه يقال فيه: (لبي زيد) بالياء. (مسألة 15): لا ينعقد احرام حج التمتع واحرام عمرته، ولا احرام حج الافراد ولا احرام حج العمرة المفردة الا بالتلبية، وأما حج القران فيتخير بين التلبية وبين الاشعار أو التقليد (1). ] قال: (ان) بالفتح - فقد خص ومن قال بالكسر فقد عم، فان الكسر يقتضي تعميم التلبية وانشاء الحمد، والفتح يقتضي تخصيص التلبية أي لبيك بسبب ان الحمد لك. (1) لاريب في ان التلبية ثابتة في جميع اقسام الحج والعمرة، وهي استجابة لله تعالى، وهي التي توجب الاحرام والدخول في حرمة الله وما لم يلب يجوز له ارتكاب المنهيات، فكل حاج عليه ان يلبي ولا ينعقد الاحرام الا بها. ففي صحيح الحلبي قال: (سئلته لم جعلت التلبية؟ فقال: ان الله عزوجل اوحى إلى ابراهيم ان (اذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) فنادى فأجيب من كل وجه يلبون) (1) ويظهر منها أن التلبية استجابة لله تعالى ولا


(1) الوسائل: باب 36 من الاحرام ح 1.

[ 529 ]

تختص بقسم خاص من اقسام الحج. وفي صحيحة معاوية بن عمار قال: (عليه السلام) بعد ذكر التلبيات (واعلم انه لابد من التلبيات الاربع التي كن في اول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد، وبها لبى المرسلون) (1). وفي صحيحة معاوية بن وهب (تحرمون كما انتم في محاملكم تقول: لبيك إلى الآخر) (2). ويعلم من هذه الروايات ان التلبية ثابتة في الحج وان الاحرام لا ينعقد الا بها وقد تقدمت جملة من الروايات الدالة على انه إذا لم يلب يجوز له كل شئ من المنهيات، ويظهر منها ان تحقق الاحرام انما هو بالتلبية وانه حر قبل التلبيه ففي صحيحة عبد الرحمن (في الرجل يقع على اهله بعدما يعقد الاحرام ولم يلب، قال: ليس عليه شئ) (3) هذا كله في غير القران من أقسام الحج والعمرة. وأما حج القران فلا تجب فيه التلبية بل الحاج يتخير بين التلبية وبين الاشعار أو التقليد. ويدل على ذلك جملة من الروايات. منها: صحيحة معاوية بن عمار (قال: يوجب الاحرام ثلاثة اشياء: التلبية والاشعار، والتقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد احرم) (4). ومنها صحيحة أخرى له (يقلدها نعلا خلفا قد صليت فيها،


(1) الوسائل: باب 40 من الاحرام ح 2. (2) الوسائل: باب 40 من الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 14 من الاحرام ح 1. (4) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج 20.

[ 530 ]

[ والاشعار مختص بالبدن والتقليد مشترك بينها وبين غيرها من أنواع الهدي (1). ] والاشعار والتقليد بمنزلة التلبية) (1). ومنها: صحيحة عمر بن يزيد (من اشعر بدنته فقد احرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير) (2). وعن السيد وابن ادريس عدم انعقاد الاحرام مطلقا حتى في حج القران الا بالتلبية. ويردهما النصوص المتقدمة، كما ان ما نسب إلى الشيخ من ان انعقاد الاحرام بالاشعار متوقف على العجز من التلبية فهو في طولها مردود أيضا باطلاق الصحاح المتقدمة (1) اما الثاني وهو اشتراك التقليد بين اقسام الهدي فلا ينبغي الريب فيه لعدة من الروايات (3) مضافا إلى عدم نقل الخلاف من الاصحاب. وأما الاول: وهو اختصاص الاشعار بالبدن، فقد يقال: ان مقتضى صحيحتي معاوية بن عمار المتقدمتين عدم الاختصاص وتعميمه لسائر أفرد الهدي، الا إذا قلنا: بان الصحيحتين ليستا في مقام بيان الموارد وإنما هما في مقام بيان ان الاحرام يتحقق بذلك في الجملة واما انه في أي مورد وبأي شرط وفي أي زمان ومكان فالصحيحتان ساكتتان عن هذه الجهة: ثم انه بناءا على منع اطلاق النص يكفينا في عدم ثبوت الاشعار


(1) و (2) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 11 و 21. (3) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 5 و 9.

[ 531 ]

في غير البدنة عدم الدليل. نعم يظهر من صحيح عمر بن يزيد، (من اشعر بدنته فقد احرم) اختصاص الاشعار بالبدنة والا لو كان الاشعار ثابتا في غير البدنة أيضا لكان ذكر البدنة لغوا، لما ذكرنا في محله ان القيد وان لم يكن له مفهوم بالمعنى المشهور من الانتفاء عند الانتفاء ولكن يوجب عدم سريان الحكم في الطبيعي والا لكان ذكر القيد لغوا. وكيف كان: لادليل على ثبوت الاشعار في غير البدن. ثم انه في البدن مخير بنى الاشعار والتقليد، ويكفي احدهما في عقد الاحرام لاطلاق الروايات المتقدمة كصحيحة معاوية بن عمار ونحوها. نعم الاولى في البدن الجمع بين الاشعار والتقليد، لمعتبرة السكوني عن جعفر (ع) انه سئل ما بال البدنة تقلد النعل وتشعر؟ فقال: اما النعل فتعرف انها بدنة ويعرفها صاحبها بنعله، واما الاشعار فانه يحرم ظهرها على صاحبها من حيث اشعرها) (1) فكأن الجمع بينهما مفروغ عنه وانما سئل (عليه السلام) عن وجهه والامام (ع) بين وجه الجمع. ولصحيح معاوية بن عمار (البدن تشعر في الجانب الايمن، ويقوم الرجل في الجانب الايسر، ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيها) (2) بل الاحوط الاولى هو الجمع بين التلبية والاشعار والتقليد ولا يكتفي في عقد الاحرام بالاشعار أو التقليد خروجا عن مخالفة السيد


(1) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 22. (2) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 4.

[ 532 ]

[ والاولى في البدن الجمع بين الاشعار والتقليد فينعقد احرام حج القران باحد هذه الثلاثة، ولكن الاحوط مع اختيار الاشعار والتقليد ضم التلبية أيضا (1). ] وابن ادريس حيث ذهبا إلى ان التلبية محققة للاحرام في جميع الموارد حتى حج القران. (1) ويستدل لذلك باحد امرين احدهما الاطلاقات الآمرة بالتلبية إذ لا يظهر منها الاختصاص بغير حج القران وحيث ان المفروض تحقق الاحرام بالاشعار أو التقليد فيكون وجوب التلبية عليه حينئذ وجوبا نفسيا. ثانيهما: موثقة يونس، قال: (قلتت لابي عبد الله (ع): اني قد اشتريت بدنة، فكيف اصنع بها؟ فقال: انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة، فافض عليك من الماء، والبس ثوبك ثم انخها مستقبل القبلة ثم ادخل المسجد فصل ثم افرض بعد صلاتك، ثم اخرج إليها فاشعرها من الجانب الايمن من سنامها. ثم قل: (بسم الله اللهم منك ولك اللهم تقبل مني) ثم انطلق حتى تأتي البيداء فلبه) (1) فان المفروض في مورد الرواية تحقق الاحرام بالاشعار، فيكون الامر بالتلبية ظاهرا في الوجوب النفسي. والجواب عنه: أما عن الاول فبأنه لا يمكن التمسك بالاطلاقات فان الاخبار الآمرة بالتلبية كلها في مقام بيان تحقق الاحرام بذلك وانه أحد الثلاثة فإذا اشعر أو قلد فقد حصل الاحرام منه ومعه لا يبقى مجال وموضوع للتلبية.


(1) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 2.

[ 533 ]

[ نعم الظاهر وجوب التلبية على القارن وان لم يتوقف انعقاد احرامه عليها فهي واجبة عليه في نفسها، ويستحب الجمع بين التلبية واحد الامرين وبأيهما بدأ كان واجبا. ] وأما عن الثاني: وهو موثقة يونس: فالظاهر من الامر بالتلبية في مورد الاشعار والاحرام به هو وجوب التلبية وجوبا نفسيا. ودعوى انها مشتملة على جملة من المستحبات وذلك يوجب عدم ظهور الامر في الوجوب. ضعيفة لما ذكرنا غير مرة ان مجرد اشتمال الرواية على المستحبات لا يوجب رفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب إلا إذا قامت القرينة على عدم ارادة الوجوب، فالموثقة لا قصور في دلالتها على الوجوب. ولكن مع ذلك لا يمكن الاستدلال بها للوجوب، لان الموثقة لو كانت على النحو الذي ذكرناها ورواها الكليني فالامر كما ذكرنا الا ان الصدوق رواها أيضا بطريقه الصحيح بزيادة توجب كون الموثقة أجنبية عن المقام بالمرة ولم يذكر الكليني هذه الزيادة، فقد روى الصدوق باسناده عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، قال: (خرجت في عمرة فاشتريت بدنة وأنا بالمدينة، فأرسلت إلى أبي عبد الله (ع) فسئلته كيف اصنع بها؟ فارسل إلى ماكنت تصنع بهذا، فانه كان يجزيك ان تشتري من عرفة قال: انطلق) إلى آخر ما ذكره الكليني (1) فالرواية واردة في العمرة، والاحرام لها تتحقق بالتلبية فقط لا بالاشعار وكلامنا في حج القران الذي يتحقق الاحرام


(1) الوسائل: باب 12 من أقسام الحج ح 2.

[ 534 ]

[ وكان الآخر مستحبا (1) ثم ان الاشعار عبارة عن شق السنام الايمن بان يقوم الرجل الجانب الايسر من الهدي ويشق سنامه من الجانب الايمن. ] له بالاشعار فالرواية أجنبية عن المقام، واما الاشعار الوارد في الرواية فمحمول على الاستحباب لوضوح عدم ثبوت الاشعار في العمرة على اطلاقها. فالقول: بوجوب التلبية على القارن وجوبا نفسيا كما في المتن وغيره، لادليل عليه. (1) ربما يقال: بانه كيف يجتمع استحباب الجمع بين التلبية والاشعار أو التقليد وانه إذا بدأ باحدهما كان الآخر مستحبا وبين ما سبق ان ذكره المصنف (ره) من انه يجب الاتيان بالتلبية وجوبا نفسيا، لان مقتضي الاستحباب الذي ذكره هنا انه لو قدم الاشعار كان الاتيان بالتلبية مستحبا مع انه ذكر (ره) أنه يجب الاتيان بالتلبية ولو تحقق منه الاشعار. والجواب: ان استحباب الجمع بين التلبية والاشعار أو التقليد بلحاظ عقد الاحرام ولو من جهة الخروج من خلاف السيد وابن إدريس. يعني: ان استحباب الجمع بين التلبية والاشعار أو التقليد لاجل حصول القطع بعقد الاحرام حتى على رأي السيد وابن ادريس، ولا ينافي ذلك فتواه بوجوب التلبية في نفسها تعبدا، فلو قدم الاشعار أو التقليد فلا بأس بالتلبية في نفسها بعده خروجا من خلاف السيد وأما لو عكس ولبى أولا فالحكم باستحباب الاشعار بعد عقد الاحرام مما

[ 535 ]

[ ويلطخ صفحته بدمه (1). ] لادليل عليه وعن المدارك. انه قال: واما استحباب الاشعار أو التقليد بعد التلبية فلم نقف له على نص بالخصوص. (1) كيفية الاشعار على ما يظهر من النصوص وذهب إليه عامة الفقهاء انه يشق سنامه من الجانب الايمن، وظاهر كلمات الاصحاب بل ظاهر الروايات - بعد حمل المطلقات على المقيد - وجوب الاشعار بهذه الكيفية، فما نسب إليهم صاحب الحدائق من الاستحباب لا تساعد عليه الروايات ولا كلمات الاصحاب، فالاشعار انما يتحقق بشق السنام وطعنه من الجانب الايمن لا بسائر اعضائه. نعم إذا كانت معه بدن كثيرة دخل الرجل بين اثنين منهما فيشعر هذه من الشق الايمن، ويشعر هذه من الشق الايسر كما في صحيح حريز (1) واما كيفية وقوف الرجل عند الاشعار، فذكر في المتن بان يقف الرجل من الجانب الايسر من الهدي ويشق سنامه من الجانب الايمن، وهذه الخصوصية لم يرد فيها نص ولا تصريح من الفقهاء. وربما يقال: بانها مذكورة في صحيحة معاوية بن عمار، قال: (البدن تشعر في الجانب الايمن، ويقوم الرجل في الجانب الايسر ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيها) (2). وفيه: انه لم يعلم ان قوله: (ويقوم الرجل في الجانب الايسر)


(1) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 19. (2) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 4.

[ 536 ]

[ والتقليدان يعلق في رقبة الهدي نعلا خلقا قد صلى فيه (1). ] قيد للاشعار ويحتمل رجوعه إلى التقليد فيكون مستحبا لان اصل التقليد في مورد الاشعار مستحب فضلا من الخصوصيات والكيفيات، ولا اقل من الاجمال، مضافا إلى انه لو كان واجبا لذكره الفقهاء، ولا يمكن خفائه عليهم مع كثرة الابتلاء وشدة الحاجة بذلك. (1) كما في صحيحة معاوية بن عمار (يقلدها بنعل قد صلى فيها) (1). وفي صحيحة أخرى له (يقلدها نعلا خلقا قد صليت فيها) (2) ولكن الفقهاء لم يلتزموا بهذين القيدين أي: كونه خلقا قد صلى فيها، وذكروا ان التعليق لاجل التعيين وعلامة لكون ما يسوقه هديا ولذا ذكروا ان التعليق يحصل بكل شئ نعلا كان ام غيره. ففي معتبرة محمد الحلبي (عن تجليل الهدي وتقليدها فقال: لا تبالي أي ذلك فعلت) (3) وفي صحيحة حريز عن زرارة (قال: كان الناس يقلدون الغنم والبقر، وانما تركه الناس حديثا ويقلدون بخيط وسير) (4). ويؤكد ذلك: انه لو كان التقليد على النحو الخاص واجبا لظهر وشاع وصار أمرا واضحا عند الاصحاب فكيف يمكن خفاء هذا الحكم عليهم مع كثرة الابتلاء به.


(1) و (2) الوسائل: باب 12 من أقسام الحج ح 17 و 11. (3) و (4) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 5 و 9.

[ 537 ]

[ (مسألة 16): لا تجب مقارنة التلبية لنية الاحرام، وان كان احوط، فيجوز ان يؤخرها عن النية ولبس الثوبين على الاقوى (1). ] (1) ذكر جماعة اعتبار مقارنة التلبية للنية كابن ادريس، والشهيد في اللمعة بين ما ذهب آخرون إلى جواز تأخير التلبية عن النية كما نسب إلى المشهور. والظاهر: ان اختلاف الاصحاب يبتني على الاختلاف في حقيقة الاحرام. فقد ذهب جمع إلى انه عبارة عن الالتزام، وتوطين النفس على ترك المحرمات والمنهيات المعهودة. وقال جمع آخر من الفقهاء ان الاحرام يحصل بالتلبية وهو الصحيح عندنا، وعليه فلا ينبغي الشك في لزوم المقارنة. حيث ذكرنا ان لاحرام امر بسيط وهو الدخول في حرمة الله وانما يتحقق بالتلبية وبها يدخل في الاحرام، وإذا فلا حاجة إلى نية أخرى غير نيتها ولابد من مقارنة التلبية مع نية الاحرام لاعتبار اقتران العمل من أوله إلى آخره بالنية كما في سائر العبادات، ولا أثر للنية السابقة إذا كان حال العمل غافلا عنها بالمرة، ولذا ذكرنا بطلان الغسل لمن خرج من بيته مريدا للغسل وكان حين الغسل غافلا عنه بالمرة. وان قلنا بان الاحرام هو الالتزام والعقد القلبي وان لم يكن له أثر ما لم يلب - فلهذا البحث مجال ويصح ان يقال: بأنه هل يعتبر ان يكون العزم مقارنا للتلبية ام لا؟ فإذا عزم والتزم ثم اتى بالتلبية بنية الحج يكفي ام يعتبر ان يكون العزم مقارنا؟.

[ 538 ]

[ (مسألة 17): لا تحرم عليه محرمات الاحرام قبل التلبية وان دخل فيه بالنية ولبس الثوبين، فلو فعل شيئا من المحرمات لا يكون آثما وليس عليه كفارة، وكذا في القارن إذا لم يأت بها ولا بالاشعار أو التقليد (1) بل يجوز له ان يبطل الاحرام ما لم يأت بها في غير القارن أو لم يأت بها ولا بأحد الامرين فيه، والحاصل ان الشروع في الاحرام وان كان يتحقق بالنية ولبس الثوبين إلا انه لا تحرم عليه المحرمات ولا يلزم البقاء عليه إلا بها أو باحد الامرين فالتلبية واخواها بمنزلة تكبيرة الاحرام في الصلاة. ] (1) قد عرفت مما تقدم انه لا كلام في جواز اتيان محرمات الاحرام قبل التلبية وانه ما لم يلب يجوز له ارتكاب المنهيات حتى الجماع استنادا إلى جملة من النصوص (1) المعتبرة إنما الكلام في ان هذا الحكم هل يختص بمورد التلبية، أو يعم الاشعار أو التقليد، وان القارن الذي يدخل في الاحرام بسبب الاشعار أو التقليد كذلك ام لا. ربما يستدل لذلك بالاجماع على ان القارن إذا لم يأت بالاشعار أو التقليد يجوز له ارتكاب محرمات الاحرام، والظاهر عدم الحاجة إليه فان في الاخبار غنى وكفاية، حيث ان الحكم المذكور ينحل إلى حكم ايجابي وحكم سلبي اما الحكم الايجابي فهو جواز ارتكاب المحرمات قبل التلبية.


(1) الوسائل: باب 14 من الاحرام.

[ 539 ]

[ (مسألة 18): إذا نسي التلبية وجب عليه العود إلى الميقات لتداركها وإن لم يتمكن اتى بها في مكان التذكر (1) والظاهر عدم وجوب الكفارة عليه إذا كان آتيا بما يوجبها لما عرفت من عدم انعقاد الاحرام الا بها. ] وأما السلبي فهو عدم جواز ارتكاب المحرمات بعد التلبية، وكلا الحكمين يستفاد من النصوص التي صرحت بان الاشعار والتقليد بمنزلة التلبية كمعتبرة معاوية بن عمار (والاشعار والتقليد بمنزلة التلبية) (1) فان دليل التنزيل يقتضي اجراء حكم التلبية على الاشعار أو التقليد، فلو لم يشعر أو لم يقلد جاز له ارتكاب كل شئ. (1) النصوص الواردة في المقام (2) موردها نسيان الاحرام لا نسيان التلبية، فان قلنا بان الاحرام هو التلبية وبها يتحقق الاحرام فالامر واضح. وأما إذا قلنا بان الاحرام يتحقق بالعزم وعقد القلب ففي هذا الفرض ان التزمنا ان التلبية متممة للاحرام وما صدر منه كان احراما ناقصا ويتم بالتلبية، فالامر واضح أيضا لشمول الروايات الواردة في نسيان الاحرام لنسيان التلبية. وأما لو قيل: بان التلبية غير دخيلة في الاحرام وانما هي واجب مستقل نظير لبس الثوبين فحينئذ لا موجب للعود إلى الميقات لتدراكها لانها واجب مستقل ترك عن عذر فيتداركه في مكانه متى تذكر والروايات


(1) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 11. (2) الوسائل: باب 20 من المواقيت.

[ 540 ]

[ (مسألة 19): الواجب من التلبية مرة واحدة، نعم يستحب الاكثار بها وتكريرها ما استظاع خصوصا في دبر كل صلاة فريضة (1) أو نافلة، وعند صعود شرف، أو هبوط واد، وعند المنام وعند اليقظة، وعند الركوب وعند النزول، وعند ملاقاة راكب وفي الاسحار وفي بعض الاخبار. ] الآمرة بالعود إلى الميقات إنما وردت في ناسي الاحرام. (1) اما الاكتفاء بمرة واحدة فمما لاريب فيه ويدل عليه اطلاق الادلة كقوله: في صحيح معاوية بن عمار (واعلم انه لابد من التلبيات الاربع التي كن في اول الكلام وهي الفريضة وهي التوحيد) والمذكور في صدر الحديث وفي اول الكلام انما هو الاتيان بالتلبيات الاربع مرة واحدة. وأما استحباب الاكثار وتكريرها ما استطاع في الموارد المذكورة في المتن فيدل عليه النصوص: منها صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة. وأما الاتيان بها عند المنام بخصوصه فلا دليل عليه، وانما يدل عليه عموم قوله: في الصحيحة (واكثر ما استطعت) فان وقت النوم آخر زمان يمكن فيه الاتيان بالتلبية. وأما الاجهار بها فهو المعروف عند الاصحاب، وربما نسب وجوبه إلى الشيخ في التهذيب ولكن الذي صرح بالوجوب هو المفيد في المقنعة لا الشيخ في التهذيب، نعم لم يعلق الشيخ في التهذيب على

[ 541 ]

ما ذكره المفيد في المقنعة بل استدل له بصحيحة عمر بن يزيد (1). ولعل المراد بالوجوب هو الاستحباب الاكيد فان الشيخ ادعى في الخلاف انه لم ير قائلا بالوجوب. وكيف كان فقد اختار صاحب الحدائق الوجوب أو مال إليه للامر به في النصوص وهو حقيقة في الوجوب، وذكر ان حمل الاخبار المطلقة على مقيدها يقتضي وجوب الاجهار. ويرد عليه: ان المستفاد من الاخبار انما هو الاستحباب لا الوجوب فان عمدة ما استدل به صاحب الحدائق روايات ثلاث: الاولى: صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، قال (ع) بعدما ذكر التلبيات الواجبة والمستحبة (واكثر ما استطعت واجهر بها) فان الامر بالاجهار لا يختص بالتلبيات الاربع الواجبة بل يرجع إلى التلبيات الكثيرة المذكورة في الدعاء ولاريب ان هذه التلبيات الكثيرة مستحبة في نفسها، فكيف: يمكن ان يكون الجهر بها واجبا الثانية: ماروى عن حريز بطرق عديدة بعضها ضعيف للرفع كرواية الكليني، وبعضها صحيح كطريق الصدوق والشيخ فانهما رويا عن حريز بن عبد الله (وما في الوسائل عن حريز عن عبد الله غلط) ومحمد بن سهل عن أبيه عن اشياخه عن أبي عبد الله (ع) وجماعة من اصحابنا ممن روى عن أبي جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) انهما قالا: (لما احرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال له: مر اصحابك بالعج والثج، فالعج رفع الصوت والثج نحر البدن، قال: وقال جابر بن عبد الله: فما مشى للروحا


(1) التهذيب: ج 5 ص 92.

[ 542 ]

[ (من لبى في احرامه سبعين مرة ايمانا واحتسابا اشهد الله له الف الف ملك برائة من النار وبرائة من النفاق). ويستحب الجهر بها خصوصا في المواضع المذكورة للرجال دون النساء، ففي المرسل: (ان التلبية شعار المحرم ] حتى بحث اصواتنا) (1). والجواب: ان الامر بالعج ورفع الصوت انما هو بعد تحقق الاحرام واداء التلبية الواجبة التي يتحقق بها الاحرام، لا في التلبية الاولى التى توجب الاحرام، ولاريب ان التلبيات الاخيرة غير واجبة فضلا عن الاجهار بها، فلابد من حمل الامر برفع الصوت فيها على الاستحباب. الثالثة: صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: (إن كنت ماشيا فأجهر باهلالك وتلبيتك من المسجد، وان كنت راكبا فإذا علت بك راحلتك البيداء) (2) وهي أيضا غير دالة على الوجوب لانها في مقام بيان موضع الجهر لا في مقام بيان اصل الجهر حتى يقال بان الامر ظاهر في الوجوب ثم انه بناءا على استحباب الجهر أو وجوبه - كما قيل - انما يختص بالرجال ولا يشمل النساء للنص، ففي صحيحة أبى أيوب الخزاز عن أبي عبد الله (ع) قال: (ليس على النساء جهر بالتلبية) (3).


(1) الوسائل: باب 37 من الاحرام ح 1 / والتهذيب: ج 5 ص 92. (2) الوسائل: باب 34 من الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 38 من الاحرام ح 4.

[ 543 ]

[ فارفع صوتك بالتلبية)، وفي المرفوعة: (لما احرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتاه جبرائيل فقال مر اصحابك بالعج والثج، فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج نحر البدن. (مسألة 20): ذكر جماعة ان الافضل لمن حج عن طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء مطلقا - كما قاله بعضهم - أو في خصوص المراكب - كما قيل - ولمن حج عن طريق آخر تأخيرها إلى ان يمشي قليلا، ولمن حج من مكة تأخيرها إلى الرقطاء - كما قيل - أو إلى ان يشرف على الابطح (1)، لكن الظاهر بعد عدم الاشكال في عدم وجوب مقارنتها للنية ولبس الثوبين استحباب التعجيل بها مطلقا. وكون افضلية التأخير بالنسبة إلى الجهر بها، فالافضل ان يأتي بها حين النية ولبس الثوبين سرا ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة، والبيداء ارض مخصوصة بين مكة والمدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكة، ] (1) ذكر جماعة من الاصحاب ان الافضل لمن حج عن طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء مطلقا، أو في خصوص الراكب أو انه مخير بين التلبية من نفس مسجد الشجرة أو من البيداء، فيتوجه حينئذ اشكال، وهو انه بعد البناء على ان الاحرام يتحقق بالتلبية أو انها متممة له كما عن بعضهم - فكيف يجوز تأخير التلبية من مسجد الشجرة

[ 544 ]

لرجوع ذلك في الحقيقة إلى جواز تأخير الاحرام عن مسجد الشجرة. فيقع الكلام في مقامين: احدهما: لزوم تأخير التلبية عن مسجد الشجرة إلى البيداء كما اختاره صاحب الحدائق (1) أو احتاط فيه احتياطا لزوميا. ثانيهما: جواز تأخيرها إلى البيداء. أما المقام الاول: فقد ذكر صاحب الحدائق (ره) ان ظاهر الروايات الدالة على الاحرام من مسجد الشجرة وجوب تأخير التلبية عن موضع عقد الاحرام في المسجد وقال: لا موجب لرفع اليد عن ظهور الروايات، مع انه ممن يرى ان الاحرام لا يحصل الا بالتلبية، وذكر أيضا ان هذا الحكم مختص بالاحرام من مسجد الشجرة، واما في غيره فحكم بالتخيير بين اتيان التلبية من نفس الميقات أو التأخير بها عن الميقات بمقدار يسير. ولكن الفقهاء (رض) اجمعوا وتسالموا على جواز الاحرام والتلبية من نفس مسجد الشجرة، وعدم وجوب تأخيرها إلى البيداء للسيرة القطعية والروايات العامة في توقت المواقيت، والنهي عن التجاوز عنها بغير احرام، مضافا إلى الروايات الخاصة الدالة على جواز الاحرام واتيان التلبية من نفس مسجد الشجرة، كصحيح عبد الله بن سنان المعبر عنه في الحدائق بالقوي انه سئل أبا عبد الله (ع) (هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج ان يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: نعم انما لبى النبي (صلى الله عليه وآله) في البيداء لان


(1) الحدائق: ج 15 ص 46.

[ 545 ]

الناس لم يعرفوا التلبية فاحب ان يعلمهم كيف التلبية (1) فانها كما ترى صريحة في جواز الاحرام واتيان التلبية من نفس المسجد وان النبي (صلى الله عليه وآله) انما اخرها إلى البيداء لتعليم الناس كيفية التلبية. ويدل أيضا على جواز التلبية من نفس مسجد الشجرة اطلاق موثق اسحاق بن عمار (إذا احرم الرجل في دبر المكتوبة أيلبي حين ينهض به بعيره أو جالسا في دبر الصلاة؟ قال: (أي ذلك شاء صنع) (2) بلحاظ ان الصلاة يؤتى بها غالبا في المسجد. وفي صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة (ان كنت ماشيا فأجهر باهلالك وتلبيتك من المسجد) وموردها وان كان المشي ولكنها تدل على جواز التلبية من مسجد الشجرة، فما استشكله صاحب الحدائق في غير محله. واما المقام الثاني: فهل يجوز تأخير التلبية إلى البيداء بعد التسالم على جواز الاتيان بها من مسجد الشجرة؟. ذهب جماعة إلى جواز التأخير، بل ذكروا ان الافضل تأخيرها إلى البيداء واستدلوا بعدة من النصوص. منها: صحيحة معاوية بن وهب (عن التهيؤ للاحرام، فقال: في مسجد الشجرة، فقد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد ترى اناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما انتم في محاملكم تقول: لبيك اللهم لبيك) (3).


(1) الوسائل: باب 35 من الاحرام ح 2. (2) الوسائل: باب 35 من الاحرام ح 4. (3) الوسائل: باب 34 من الاحرام ح 3 و 4 و 5.

[ 546 ]

ومنها: صحيحة منصور بن حازم (قال: إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش) (1). ومنها: صحيحة ابن سنان (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء) (2). ومنها: صحيحة معاوية عمار (قال: صل المكتوبة ثم احرم بالحج أو بالمتعة وأخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء، إلى أول ميل عن يسارك فإذا استوت بك الارض راكبا كنت أو ماشيا فلب..) (3) ونحوها غيرها. ولكن أدلة المواقيت، وعدم التجاوز عنها الا محرما تنافي هذه الاخبار وانه كيف يمكن القول بجواز تأخير التلبية مع ان الاحرام يحصل بالتلبية بل حتى على القول بتتميم الاحرام بها، ولذا ذهب جماعة إلى ان التأخير إنما هو بالنسبة إلى التلبيات المستحبة وحملوا الروايات الآمرة بالتأخير على ذلك وأما بالنسبة إلى التلبيات الواجبة فاللازم اتيانها من نفس مسجد الشجرة وبذلك دفعوا التنافي بين الروايات، وهذا الحمل بعيد ولا يساعده المتفاهم من الروايات فان بعضها صريح في تأخير التلبية الواجبة، بل قد ورد النهي في بعضها عن التلبية والاحرام بها في المسجد. وابعد من ذلك حمل الروايات على تأخير الاجهار بها إلى البيداء لانفس التلبيلت، وذلك لعدم ذكر تأخير الجهر بها إلى البيداء في شئ من الروايات، بل صرح في بعض الروايات بالجهر بالتلبية من


(1) و (2) الوسائل: باب 34 من الاحرام ح 3 و 4 و 5. (3) الوسائل: باب 34 من الاحرام ح 6.

[ 547 ]

نفس المسجد (1). والظاهر من الروايات تأخير نفس التلبية الموجبة للاحرام لا الاجهار بها ولا مناص إلا من الاخذ بهذه الروايات الصحيحة الدالة على جواز تأخيرها إلى البيداء. وحينئذ فلا بد لنا من علاج منافاتها لادلة المواقيت. والجواب عن ذلك: ان ادلة المواقيت الناهية عن التجاوز عن الميقات بلا احرام مطلقة من حيث تحقق الاحرام بعد قليل وزمان يسير، ومن حيث عدم حصول الاحرام منه اصلا، فتخصص بهذه الروايات الدالة على جواز تأخير التلبية والاحرام إلى البيداء، فيختص النهي والمنع عن التجاوز عن الميقات بلا احرام لمن لا يحرم اصلا، وأما من يريد الاحرام بعد قليل فلا مانع له من التجاوز عن المسجد بلا احرام وحيث ان الاحرام من الميقات جائز جزما - كما عرفت - تحمل هذه الروايات الدالة على تأخير التلبية على الافضلية، وان كان الاحوط الاتيان بها في نفس مسجد الشجرة هذا لمن حج عن طريق المدينة، فبناءا على ما ذكرنا لم تظهر افضلية التعجيل بل لا يبعد افضلية التأخير وان كان التعجيل أحوط. واما من حج عن طريق آخر فذكر المصنف انه يؤخرها إلى ان يمشي قليلا، كما في صحيحة هشام بن الحكم (2) ولمن حج من مكة


(1) الوسائل: باب 34 من الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 35 من الاحرام ح 1.

[ 548 ]

تأخيرها إلى الرقطاء وهو موضع دون الردم ويسمى مدعي ويدل عليه صحيح الفضلاء (1). واما تأخيرها إلى ان يشرف على الابطح فلا دليل على افضليته بل لا قائل بها وإنما الدليل قام على الجهر بها إذا أشرف على الابطح كما في صحيحة معاوية بن عمار (2). ثم انه لو قلنا: بوجوب مقارنة التلبية لنية الاحرام فلا يجوز تأخير التلبية عن مسجد الشجرة إلى البيداء، واما بناءا على جواز التأخير وعدم الاشكال في عدم وجوب مقارنتها للنية فقد ذكر المصنف استحباب التعجيل بها وكون افضلية التأخير بالنسبة إلى الجهر بها. أقول: ان كان مراده من هذا الكلام ما ذكره بعد ذلك من ان (الافضل ان يأتي بها حين النية ولبس الثوبين سرا ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة). فاستحباب التعجيل بها إنما هو بالنسبة إلى اتيانها في نفس المسجد، بمعنى انه لا يؤخر التلبية عن النية ويأتي بها فورا فالاستعجال في مقابل تأخير الاتيان بالتلبية في نفس المسجد لا بالنسبة إلى البيداء ويدل على استحباب هذا التعجيل عموم مادل على استحباب المسارعة والاستباق إلى الخيرات فان كان مراده ذلك فلا كلام لنا معه - وان كان ارادة هذا المعنى في نفسه خلاف الظاهر - وان كان مراده جواز تأخير نفس التلبية إلى البيداء وان كان التقديم مستحبا - كما هو الظاهر من عبارته لعقد هذه المسألة في استحباب تأخير التلبية إلى البيداء -


(1) و (2) الوسائل: باب 46 من الاحرام ح 1 و 4.

[ 549 ]

[ والابطح مسيل وادي مكة وهو مسيل واسع فيه دقائق الحصى اوله عند منقطع الشعب بين وادي منى وآخره متصل بالمقبرة التي تسمى بالمعلى عند اهل مكة، والرقطاء موضع دون الردم يسمى مدعى ومدعى الاقوام مجتمع قبائلهم والردم حاجز يمنع السيل عن البيت ويعبر عنه بالمدعى. (مسألة 21): المعتمر عمرة التمتع يقطع التلبية عند ] ففيه: ان ظاهر الروايات لزوم تأخير نفس التلبية لا جوازه وإذا فكيف تحمل الروايات على استحباب تأخير الجهر بها، ولو قلنا بان ظاهر الروايات هو تأخير الجهر فتأخير التلبية باي مجوز وبأي دليل. والحاصل: لا يمكن الجمع بين الامرين فانه لو قلنا باستحباب التعجيل واتيان التلبية في نفس المسجد في قبال تأخيرها إلى البيداء فلا يساعده الروايات لظهورها في لزوم تأخير نفس التلبية وان قلنا بأن مفادها استحباب تأخير الجهر بها فتأخير التلبية لادليل عليه. والبيداء اسم لارض مخصوصة بين مكة والمدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكة على يسار الذاهب إلى مكة، وهو المكان الذى يقول الناس يخسف بالجيش وقد وقع التصريح بذلك في عدة من الروايات (1) وصرح بذلك في مجمع البحرين وحدده بما ذكرنا وبانه دون المكان المسمى بالحفيرة بثلاثة أميال.


(1) الوسائل: باب 34 من الاحرام.

[ 550 ]

[ مشاهدة بيوت مكة في الزمن القديم، وحدها لمن جاء على طريق المدينة عقبة المدنيين وهو مكان معروف، والمعتمر عمرة مفردة عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم، وعند مشاهدة الكعبة ان كان قد خرج من مكة لاحرامها، والحاج بأي نوع من الحج يقطعها عند الزوال من يوم عرفة، وظاهرهم ان القطع في الموارد المذكورة على سبيل الوجوب، وهو الاحوط وقد يقال بكونه مستحبا (1). ] (1) يقع الكلام في مسائل: الاولى: المعتمر عمرة التمتع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة في الزمن القديم، ويدل على ذلك جملة من الاخبار. منها: صحيح معاوية بن عمار قال: أبو عبد الله (ع): (إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية وحد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين، فان الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن، فاقطع التلبية) (1). ومنها: صحيح الحلبي (المتمتع إذا نظر إلى بيوت مكة قطع التلبية) (2). ومنها صحيح ابن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (ع) (انه سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال: إذا نظر إلى عراش مكة، عقبة ذي طوى قلت: بيوت مكة؟ قال: نعم) (3) والتحديد


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 43 من الاحرام ح 1 و 2 و 4

[ 551 ]

بعقبة ذي طوى لا ينافيه التحديد بعقبة المدنيين في الرواية الاولى لاحتمال ان عقبة ذي طوى اسم آخر لعقبة المدنيين واما انها مكان آخر، عن طريق آخر، والعبرة بمشاهدة البيوت السابقة وحد تلك البيوت من طريق المدينة مثلا بعقبة المدنيين ومن طريق آخر بعقبة ذي طوى. ومنها: صحيح زرارة قال: (سئلته اين يمسك المتمتع عن التلبية؟ فقال: إذا دخل البيوت بيوت مكة لابيوت الابطح) (1) وربما يتوهم التعارض بينه وبين الروايات السابقة إذ العبرة حسب الرواية الاخيرة بدخول البيوت بينما الروايات المتقدمة جعلت العبرة بمشاهدة البيوت. ويمكن دفعه بان الدخول في بيوت مكة المستحدثة التي حدثت في زمان الائمة (ع) كما ورد في صحيح معاوية بن عمار (فان الناس قد احدثوا بمكة ما لم يكن) (2) يستلزم النظر إلى البيوت السابقة التي يكون النظر إليها سببا للقطع فلا مخالفة بين الروايات. نعم في خبر زيد الشحام جعل العبرة في القطع بدخول الحرم (3) ولكنه ضعيف السند بأبي جميلة المفضل بن صالح الذى كان يكذب ويضع الحديث. وما في صحيح معاوية بن عمار (وان كنت معتمرا فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم (4) مطلق يشمل عمرة المتعة فيقيد بالروايات السابقة الدالة على القطع في المتعة، وكذلك اطلاق موثق زرارة (5). المسألة الثانية: المعتمر بعمرة مفردة من ادنى الحل يقطع التلبية عند


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 43 من الاحرام ح 7 و 9 و 1 (4) و (5) الوسائل: باب 45 من الاحرام ح 1 و 5.

[ 552 ]

مشاهدة الكعبة، والمصنف خص الحكم بمن كان بمكة وخرج منها للاعتمار من ادنى الحل: والظاهر انه لا اختصاص بذلك، بل الميزان بالاحرام من ادنى الحل سواء كان من التنعيم أو من غيره، وسواء كان في مكة وخرج منها للاعتمار، أو كان في الخارج وبدي له ان يعتمر، فليس عليه ان يذهب إلى الميقات وله ان يحرم من ادنى الحل كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) واعتمر من الجعرانة ولذا قلنا بعدم وجوب الرجوع إلى الميقات في العمرة المفردة في خصوص هذا القسم وهو الذي كان خارج مكة ودون الميقات وأراد ان يعتمر. وبالجملة: فهنا صورتان: احداهما: ان يحرم للمفردة من ادنى الحل إذا كان في مكة وخرج منها للاعتمار. ثانيهما: ما لو كان خارج مكه دون الميقات وأراد أن يعتمر، والحكم فيها قطع التلبية بمشاهدة الكعبة. ويدل عليه في الصورتين، صحيحة عمر بن يزيد (ومن خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمرا لم يقعطع التلبية حتى ينظر الكعبة) (1) وهي مختصة بالصورة الاولى. وصحيحة معاوية بن عمار (من اعتمر من التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر إلى المسجد) (2) واطلاقها شامل للصورتين والظاهر عدم اختصاص الحكم بالتنعيم بل الميزان بالاعتمار من ادنى الحل. المسألة الثالثة: المعتمر للمفردة من خارج الحرم، سواء احرم من


(1) الوسائل: باب 45 من الاحرام ح 8. (2) الوسائل: باب 45 من الاحرام ح 4 و 2 و 5.

[ 553 ]

احد المواقيت المعهودة، أو من دويرة اهله كمن كان منزله بعد الميقات يقطع التلبية عند دخول الحرم، ويدل عليه عدة من النصوص. منها: خبر عمر بن يزيد (من دخل مكة مفردا للعمرة فليقطع التلبية حتى تضع الابل اخفافها في الحرم) (1) فان الظاهر منها بيان حكم من كان خارجا من الحرم وأراد العمرة من الخارج بقرينة قوله: حتى تضع الابل اخفافها في الحرم). ومنها: معتبرة زرارة (يقطع تلبية المعتمر إذا دخل الحرم) (2) ومنها: معتبرة مرازم (يقطع صاحب العمرة التلبية إذا وضعت الابل اخفافها في الحرم) (3). ومنها: صحيحة معاوية بن عمار (وان كنت معتمرا فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم) (4) فان اطلاقها يشمل العمرة المفردة وعمرة التمتع وبعد اخراج عمرة التمتع عنه بالروايات السابقة يثبت اختصاص قطع التلبية بدخول الحرم بالعمرة المفردة. ثم ان هنا روايات يظهر منها قطع التلبية بالنظر إلى بيوت مكة كما في عمرة التمتع منها: رواية يونس (عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من اين يقطع التلبية؟ قال: إذا رأيت بيوت مكة ذي طوى فقطع التلبية) (5) ولكنها ضعيفة بمحسن بن احمد فانه ممن لم يوثق فالتعبير بالموثقة في غير محله.


(1) و (2) الوسائل: باب 45 من الاحرام ح 2 و 5. (3) الوسائل: باب 45 من الاحرام ح 6. (4) و (5) الوسائل: باب 45 من الاحرام ح 1 و 3.

[ 554 ]

ومنها صحيحة الفضيل قال: (سئلت أبا عبد الله (ع) قلت دخلت بعمرة فاين اقطع التلبية؟ قال: حيال العقبة عقبة المدنيين؟ فقلت: اين عقبة المدنيين قال: بحيال القصارين) (1). والجواب انه ليس فيها تصريح بالعمرة المفردة وانما هي بالاطلاق والروايات المتقدمة واردة في خصوص المفردة فتقيد الصحيحة ويرتفع التنافي. وربما يتوهم: معارضة هذه الروايات الدالة على قطع التلبية بدخول الحرم بصحيحة البزنطي (عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية؟ قال: كان أبو الحسن (ع) من قوله: يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكة) (2)، فان المصرح فيها العمرة المفردة لان عمرة شهر المحرم إنما هي مفردة فتعارض مادل على قطع التلبية بدخول الحرم في العمرة المفردة. والجواب: ان الرواية وان كان موردها العمرة المفردة ولكنها مطلقة من حيث بدء العمرة من ادنى الحل أو من قبل الحرم والروايات السابقة موردها الاعتمار من خارج الحرم اما لظهور الروايات في نفسها أو لاجل التقية ونحوها وصحية البزنطي مطلقة من حيث الاحرام من خارج الحرم، أو من أدنى الحل، أو كان في مكة، وخرج وأراد العمرة فالنسبة نسبة المطلق والمقيد فتحمل صحيحة البزنطي على الاحرام من ادنى الحل ويرتفع التنافي. نعم يبقى شئ وهو ان صحيح البزنطي جعل حد قطع التلبية


(1) الوسائل: باب 45 من الاحرام ح 11. (2) الوسائل: باب 45 من الاحرام ح 12.

[ 555 ]

بالنظر إلى بيوت مكة وصحيح عمر بن يزيد المتقدم - الوارد فيمن اعتمر من ادنى الحل - جعل الحد بالنظر إلى الكعبة، ولكن يمكن رفع التنافي بالتلازم بين الامرين فان النظر إلى بيوت مكة يستلزم النظر إلى الكعبة المشرفة لعلو البيت وارتفاعه ونحو ذلك. فتحصل: ان ما ذهب إليه المشهور من قطع التلبية عند دخول الحرم إذا اعتمر من خارج الحرم هو الصحيح، وما ذهب إليه الصدوق من التخيير بين دخول الحرم والنظر إلى بيوت مكة ضعيف المسألة الرابعة: الحاج بأى نوع من الحج يقطعها عند الزوال من يوم عرفة بلا خلاف عند الاصحاب، ويشهد له النصوص. منها: صحيح ابن مسلم (الحاج يقطع التلبية يوم عرفه زوال الشمس) (1) وغيرها من الصحاح. بقي الكلام في ان القطع في الموارد المذكورة على نحو العزيمة أو الرخصة، نسب إلى ظاهر كلامهم انه على نحو الوجوب وهو الظاهر للامر بالقطع وظاهر الامر هو الوجوب، ولا اقل من ارتفاع الامر السابق وانتهائه وبقائه يحتاج إلى الدليل فلامجوز للاتيان بها لان العبادة توقيفية ومشروعيتها تحتاج إلى الامر، بل يظهر من بعض الروايات ان اتيان التلبية في غير موردها مبغوض عند الله تعالى كما في صحيحة أبان قال: (كنت مع أبي جعفر (ع) في ناحية من المسجد وقوم يلبون حول الكعبة، فقال: أترى هؤلاء الذين يلبون؟ والله لاصواتهم ابغض إلى الله من أصوات الحمير) (2).


(1) الوسائل: باب 44 من الاحرام ح 1. (2) الوسائل: 43 من الاحرام ح 3.

[ 556 ]

[ (مسألة 22): الظاهر انه لا يلزم في تكرار التلبية ان يكون بالصورة المعتبرة في انعقاد الاحرام، بل ولا باحدى الصور المذكورة في الاخبار، بل يكفي ان يقول: (لبيك اللهم لبيك) بل لا يبعد كفاية تكرار لفظ لبيك (1). (مسألة 23): إذا شك بعد الاتيان بالتلبية انه اتى بها صحيحة ام لا بنى على الصحة. (مسألة 24): إذا اتى بالنية ولبس الثوبين وشك في انه اتى بالتلبية أيضا حتى يجب عليه ترك المحرمات اولا، يبني على عدم الاتيان بها فيجوز له فعلها ولا كفارة عليه (مسألة 25): إذا أتى بموجب الكفارة وشك في انه كان بعد التلبية حتى تجب عليه أو قبلها، فان كانا مجهولي التاريخ أو كان تاريخ التلبية مجهولا لم تجب عليه الكفارة، وان كان تاريخ اتيان الموجب مجهولا فيحتمل ان يقال: بوجوبها لاصالة التأخر، لكن الاقوى عدمه لان الاصل لا يثبت كونه بعد التلبية (2). ] (1) لاطلاق النصوص الآمرة بالتلبية. (2) ذكر في هذه المسائل صورا ثلاث الشك في التلبية: الاولى: ما إذا اتى بها ثم شك في انه اتى بها صحيحة أم لا.

[ 557 ]

الثانية: ان يشك في اصل وجود التلبية وتحققها وعدمه بعد النية ولبس الثوبين. الثالثة: ان يشك في تقدم التلبية وتأخرها على ما يوجب الكفارة أما الصورة الاولى فلا ريب في انه يبني على الصحة لعموم قوله (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) (1) فان قاعدة الفراغ لا تختص بباب دون باب. وأما الصورة الثانية: فقد ذكر في المتن انه يبني على عدم الاتيان بها لاصالة عدمه فيجوز له فعل محرمات الاحرام ولا كفارة عليه كما يجب عليه الاتيان بالتلبية. وما ذكره صحيح ولكنه يقيد بما إذا لم يتجاوز المحل كما إذا شك وهو في الميقات، وأما إذا تجاوز المحل وخرج عن الميقات ووصل إلى مكة وشك في حال الطواف مثلا فلا عبرة بشكه لجريان قاعدة التجاوز فانها تجري في جميع الموارد الا في باب الوضوء للنص (2). فكل مورد صدق عليه التجاوز عن محله تجري قاعدة التجاوز سواء أكان في العبادات ام في المعاملات، وقد ذكرنا في محله ان التجاوز انما هو باعتبار التجاوز عن محله لا التجاوز عن نفس الشئ المشكوك فيه لعدم تحقق التجاوز عن الامر المشكوك فيه وجودا وعدما، كما إذا ركع وشك في القراءة وعدمها فان التجاوز عنها باعتبار تجاوز محلها، نعم في بعض الموارد لا يتحقق التجاوز الا بالدخول في الغير كباب الصلاة كالمثال المتقدم فانه لو شك في القراءة قبل الدخول في الركوع


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل في الصلاة ح 3. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب الوضوء.

[ 558 ]

[ (الثالث): من واجبات الاحرام: لبس الثوبين بعد التجرد عما يجب على المحرم اجتنابه، يتزر باحدهما ] لا يتحقق التجاوز عن محل القراءة. الصورة الثالثة: ما إذا أتى بموجب الكفارة وبالتلبية وشك في المتقدم منهما والمتأخر. فتارة يجهل تاريخهما. وأخرى: يعلم تاريخ التلبية. وثالثة: يعلم تاريخ ارتكاب المحرمات. اختار المصنف عدم وجوب الكفارة في جميع الصور أقول: قد ذكرنا في توارد الحالتين ان جريان الاصلين وتعارضهما يتوقف على ترتب الاثر لكل منهما فان جريانهما معا غير ممكن، وفي احدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح. واما إذا كان الاثر مترتبا على احدهما دون الاخر فلا مانع من جريان الاصل فيه والرجوع إليه سواء كان المورد من موارد مجهولي التاريخ أو كان احدهما معلوما والاخر مجهولا. ومقامنا من هذا القبيل لان ارتكاب الافعال المنهية قبل التلبية لا اثر له، وانما الاثر يترتب بعد التلبية، فلو شك في أنه هل ارتكب محرما بعد التلبية ليترتب عليه الكفارة، أو لم يرتكب شيئا لم تجب عليه الكفارة لاصالة عدم الارتكاب بعد التلبية ولا تعارض باصالة عدم الارتكاب قبل التلبية لعدم ترتب الاثر على ذلك فاحد الاصلين لا اثر له فلا يجري والاصل الآخر الذي يترتب عليه الاثر يجري سواء كان المورد مجهول التاريخ أو معلومه ولا مجال للرجوع إلى البرائة بعد امكان جريان الاصل الموضوعي.

[ 559 ]

[ ويرتدي بالآخر (1)، والاقوى عدم كون لبسهما شرطا في تحقق الاحرام بل كونه واجبا تعبديا. ] (1) وجوب لبس ثوبي الاحرام المسمى احدهما بالازار والاخر بالرداء اتفاقي بين الاصحاب ولم يخالف فيه احد منابل من المسلمين كافة، وقد جرت عليه السيرة من زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وزمن الائمة (عليهم السلام) إلى زماننا فلا كلام في اصل الوجوب وإنما يقع الكلام في جهات: الاولى: ان المستفاد من الاخبار هل هو وجوب لبسهما أو استحبابه؟ ربما يقال بوجوب ذلك لعمل النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) وسائر المسلمين، ولكن يرده ان مجرد العمل لا يدل على الوجوب وإذا فلا بد من ذكر بعض الاخبار التي استفيد منها الوجوب. فمنها: الاخبار الآمرة بلبس الثوبين ولو على نحو الجملة الخبرية بناءا على ما هو الصيحيح من دلالتها على الوجوب كظهور الامر في الوجوب ولا يرفع اليد عنه الا بالقرينة ومجرد الاقتران بالامور المستحبة غير ضائر بدلالة الامر على الوجوب، لما ذكرنا في المباحث الاصولية ان الامر ظاهر في الوجوب ففي كل مورد قامت القرينة على الاستحباب نرفع اليد عن الوجوب في ذلك المورد ويبقى الباقي على الوجوب، فلو قال: اغتسل للجنابة والجمعة نلتزم بالوجوب لظهور الامر فيه وانما نلتزم باستحباب غسل يوم الجمعة لقيام القرينة الخارجية على عدم الوجوب.

[ 560 ]

فمن جملة الروايات: صحيحة معاوية بن وهب في حديث، (حتى تأتي الشجرة فتفيض عليك من الماء وتلبس ثوبيك ان شاء الله) (1). ومنها: صحيحة هشام بن سالم (والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها) (2). ومنها: صحيحة معاوية بن عمار (ثم استك واغتسل والبس ثوبيك) (3). ومنها: صحيحة اخرى له (إذا كان يوم التروية ان شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد) (4) وغيرها من الاخبار. ويؤكد ذلك ما ورد في تجريد الصبيان من فخ (5) فان تجريدهم من ثيابهم يكشف عن اعتبار لبس ثوبي الاحرام والا فلا موجب لتجريدهم. ويؤيد ذلك ما ورد في الاحرام من المسلخ من وادي العقيق وانه عند التقيه والخوف يؤخر لبس ثياب الاحرام إلى ذات عرق (6) ويعلم من ذلك ان لبس ثوبي الاحرام من الواجبات إلى غير ذلك من الروايات والشواهد.


(1) الوسائل: باب 7 من الاحرام ح 3. (2) الوسائل: باب 8 من الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 6 من الاحرام ح 4. (4) الوسائل: باب 52 من الاحرام ح 1. (5) الوسائل: باب 47 من الاحرام ح 1. (6) الوسائل: باب 2 من المواقيت ح 10.

[ 561 ]

الجهة الثانية في ان لبس ثوبي الاحرام واجب تعبدي بحيث لو تركه انعقد احرامه وان كان آثما ام انه واجب شرطي في تحقق الاحرام؟ بحيث لا ينعقد الاحرام الا به، واشتراط المذكور يتصور على نحوين. احدهما: ان يكون لبس الثوبين متمما للاحرام فلو لبى وهو عار أو كان لابسا للمخيط وغير لابس للثوبين فلم يتحقق منه الاحرام الكامل والاحرام الكامل التام يحصل بعد لبس الثوبين فاللبس مقوم أي متمم للاحرام، الا ان ما اتى به من التلبية قبل اللبس صحيح ولا حاجة إلى اعادتها. ويرده أولا: انه لادليل على ذلك. وثانيا: ينافيه صريح الروايات الدالة على ان موجب الاحرام احد أمور ثلاثة الاشعار، أو التقليد، أو التلبية كما في صحيحة معاوية بن عمار (1). ثانيهما: ان يكون لبس ثوبي الاحرام شرطا في صحة التلبية بحيث لو لبى عاريا أو في المخيط من دون الثوبين عليه اعادة التلبية لوقوعها فاقدة للشرط فتفسد. ويرده: مضافا إلى عدم الدليل ومنافاته لصحيحة معاوية بن عمار المقتدمة وصحيح معاوية بن عمار وغير واحد عن أبي عبد الله (ع) (في رجل احرم وعليه قميصه، فقال: ينزعه ولا يشقه وان كان لبسه بعد ما احرم شقه واخرجه مما يلي رجليه) (2) فانه يدل على


(1) الوسائل: باب 12 من اقسام الحج ح 20. (2) الوسائل: باب 45 من تروك الاحرام ح 2.

[ 562 ]

صحة احرامه والاجتزاء به وان كان عليه قميصه من دون حاجة إلى اعادة الاحرام وانما ينزع القميص لحرمة لبس المخيط على المحرم، ولو كان لبس الثوبين شرطا في صحة الاحرام يلزم عليه الاحرام ثانيا لبطلان الاحرام الاول. ولكن صاحب الحدائق (1) ذكر ان هذه الصحيحة الدالة على صحة الاحرام في المخيط مطلقة من حيث الجهل بالحكم والعلم به مع تعمد الاحرام في المخيط فتقيد بصحيحة عبد الصمد بن بشير الدالة على صحة الاحرام في المخيط في صورة الجهل بالحكم، فيحمل اطلاق صحيح معاوية بن عمار على خبر عبد الصمد، فتكون النتيجة صحة الاحرام في المخيط عند الجهل بالحكم دون ما لو كان عالما به وتعمد الاحرام في المخيط. وأما صحيحة عبد الصمد فهي أما رواه الشيخ عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبي وعليه قميصه فوثب إليه اناس من اصحاب أبي حنيفة وافتوه بشق قميصه واخراجه من رجليه وان عليه بدنة والحج من قابل وان ماحجه في المخيط فاسد وذكر ذلك لابي عبد الله (ع) وانه لم يسئل احدا عن شئ فقال: (عليه السلام) متى لبست قميصك أبعد ما لبيت ام قبل؟: قال قبل ان البي، قال فاخرجه من رأسك، فانه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه) (2).


(1) الحدائق: ج 15 ص 78. (2) الوسائل: باب 45 من تروك الاحرام ح 3.

[ 563 ]

والجواب: ان المقام ليس من موارد حمل المطلق على المقيد، وذلك لان خبر عبد الصمد ليس في مقام بيان تصحيح عمله لكونه جاهلا، وإنما هو في مقام بيان انه ليس عليه الكفارة وفي مقام نفي ما افتوا به في حقه وانه لا يجب عليه شئ مما ذكروه، وقد فصل في الرواية بين اللبس قبل التلبية أو بعدها وحكم (ع) باخراج القميص من رأسه فيما إذا لبسه قبل التلبية وهذا حكم تعبدي كما انه يخرجه من رجليه إذا لبسه بعدما احرم كما في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة. فتحصل: انه لادليل على اشتراط لبس الثوبين في تحقق الاحرام بكلا المعنيين لا بمعنى المتمم ولا بمعنى دخله في صحة التلبية وإنما المستفاد من الادلة وجوب لبس الثوبين وجوبا مستقلا تعبديا. وربما يقال: ان المستفاد من صحيحة أخرى لمعاوية بن عمار بطلان التلبية ان لم يكن لابسا لثوبي الاحرام، فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: ان لبست ثوبا ففي احرامك لا يصلح لك لبسه فلب واعد غسلك وان لبست قميصا فشقه واخرجه من تحت قدميك) (1) فان الامر باعادتها يكشف عن بطلان الاحرام الاول لانه احرم فيما لا يصلح له لبسه كالمخيط. وفيه: ان الصحيحة غير ناظرة إلى شرطية اللبس في تحقق الاحرام وإنما هي ناظرة إلى لبس ما لا يجوز لبسه عند الاحرام سواء أكان لابسا لثوبي الاحرام ام لا، بل فرض فيه تحقق الاحرام منه وانما لبس ما لا يصلح له من الثياب، والقرينة على ذلك حكمه (ع) بشق القميص واخراجه من تحت قدمه في ذيل الرواية، كما في صحيحتي


(1) الوسائل: باب 45 تروك الاحرام ح 5.

[ 564 ]

معاوية بن عمار المتقدمين (1). وبالجملة: الرواية في مقام بيان التفصيل بين القميص والقباء وان القميص يمتاز عن غيره كالقباء بشق القميص واخراجه من تحت قدميه لانه لو اخرجه من رأسه يتحقق ستر الرأس بخلاف القباء والجبة ونحوهما مما يمكن نزعه من دون ان يستر الرأس، ومن الواضح ان كل من لبس ثوبا لا يصلح له لبسه بعد تحقق الاحرام منه يستحب له اعادة التلبية، فلا دلالة في الرواية على بطلان التلبية مع لبس المخيط وإنما تدل الرواية على اعادة التلبية والغسل بعد تحقق الاحرام منه فلابد ان يكون الحكم محمولا على الاستحباب. الجهة الثالثة: هل يختص وجوب لبس الثوب بالرجال أو يعم النساء؟ ذكر صاحب الجواهر (2) ان الظاهر عدم وجوب لبس ثوبين لخصوص الاحرام للمرأة تحت ثيابها وان احتمله بعض الافاضل، بل جعله أحوط ولكن الاقوى ما عرفت، خصوصا بعد عدم شمول النصوص السابقة للاناث الا بقاعدة الاشتراك التي بخرج عنها هنا بظاهر النص والفتوى. يقع الكلام في مقامين: احدهما: في وجوب اصل اللبس عليها في مقابل العري، لا خلاف ولا اشكال في وجوب لبس الثوب عليها وانه لا يجوز لها الاحرام عارية وان أمنت النظر كما إذا احرمت في ظلمة الليل ونحو ذلك حتى من خص الثوبين بالرجال التزم بوجوب لبس الثياب عليها ولم


(1) الوسائل: باب 45 تروك الاحرام ح 1 و 2. (2) الجواهر: ج 18 ص 245.

[ 565 ]

يجوز لها الاحرام عارية، وقد دلت على ذلك عدة من الروايات كالنصوص الآمرة بلبس الثياب على المرأة الحائض، والتي دلت على ان يكون ثوبها طاهرا وان تتخذ ثوبا يقي من سراية النجاسة إلى ثيابها التي تحرم فيها وكذا الروايات الواردة في لبس المرأة الحرير الممزوج أو الخالص والمخيط (1) وغير ذلك من الروايات المتفرقة التي يستفاد منها وجوب اصل اللبس عليها وعدم جواز احرامها عارية وهذا مما لا خلاف فيه بينهم. نعم وقع الخلاف في بعض الخصوصيات كلبس الحرير المحض لها ونحو ذلك والا فاصل اللبس فالكل متفقون على ذلك كما عرفت. المقام الثاني: في وجوب لبس خصوص الازار والرداء عليها، وكلام صاحب الجواهر الذي قوى العدم وصاحب الحدائق الذي خص وجوب لبسهما بالرجال في هذا المقام لافي مقام اصل لبس الثياب عليها في نفسه مع قطع النظر عن الخصوصية، فالكلام يقع في اثبات وجوب لبس الثوبين المعهودين على النساء. فنقول: لاريب في وجوب لبسهما على الرجال واما على النساء فلم يرد فيهن ما يدل على ثبوت هذه الخصوصية في حقهن ولا يستفاد من الروايات وجوب لبسهما عليها وانما الروايات تثبت وجوب اصل اللبس عليها واما خصوصية الثوبين فلا تستفاد منها كما انه لم يظهر منها تعميم الحكم للرجال والنساء، وأما قاعدة الاشتراك فلا تجري في المقام فلا يمكن اثبات الحكم في حق النساء بالقاعدة المبزورة، فالثبوت في حقها يحتاج إلى دليل بالخصوص، وذلك لان قاعدة الاشتراك إنما


(1) الوسائل: باب 48 و 33 من الاحرام.

[ 566 ]

تجري فيما إذا لم نحتمل الخصوصية وأما إذا كان هناك احتمال خصوصية باعتبار عدم جواز لبس المخيط للرجال ووجوب التجرد عليهم من الثياب ونحو ذلك وجواز ذلك للنساء وعدم وجوب التجرد عن الثياب عليها فلا مجال لجريانها، فما ذكره صاحب الجواهر (قده) من مخالفة القاعدة لظاهر النص والفتوى هو الصحيح أما مخالفتها للنص فلانه قد اشتمل على الامر بلبس الثوبين ونزع المخيط وهذا يختص بالرجال وأما المرأة فيجوز لها لبس المخيط ولا يجب عليها نزع الثياب، وأما الفتوى فلتجويز هم لبس المخيط لها وعدم وجوب نزع الثياب عليها بل جوز بعضهم لبس الحرير لها، فتضعيف كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) بهذه الروايات الدالة على جواز لبس المخيط لها أو جواز لبس الحرير لها، مخدوش بعدم دلالة هذه الروايات على وجوب لبس خصوص الثوبين وإنما تدل على وجوب اصل اللبس فهي اجنبية عن وجوب لبس الثوبين عليها الذي وقع الكلام فيه. فتحصل من جميع ما تقدم: ان المرأة لا يجوز لها الاحرام عارية بل يجب عليها الاحرام في ثيابها واما وجوب لبس خصوص ثوبي الاحرام - الازار والرداء - فلم يثبت في حقها لان مستند وجوب لبس اللبس احد أمرين اما قاعدة الاشتراك واما النصوص الواردة في باب احرام الحائض (1) وشئ منهما لايد على الوجوب، اما النصوص فمقتضاها وجوب اصل الثياب عليها لاثوبي الاحرام، وأما القاعدة فلا تجري في امثال المقام الذي نحتمل الاختصاص بالرجال


(1) الوسائل: باب 48 من الاحرام ح 2 و 3.

[ 567 ]

[ والظاهر عدم اعتبار كيفية مخصوصة في لبسهما فيجوز الاتزار باحدهما كيف شاء والارتداء بالآخر، أو التوشح به، أو غير ذلك من الهيئات (1) لكن الاحوط لبسهما على الطريق المألوف. ] (1) اما خصوصيات الثوبين، فقد ذكروا انه يجعل احدهما أزارا الآخر رداءا، ويدل عليه الروايات الآمرة بالقاء الثوب أو العمامة على عاتقه إذا لم يكن له رداء وبلبس السروايل إذا لم يكن له ازار ويستكشف من ذلك وجوب لبس الازار والرداء وان لم يتمكن منهما ينتقل الامر إلى البدل - وهو ما ذكرناه - ففي صحيحة عبد الله بن سنان (أمر الناس بنتف الابط وحلق العانة، والغسل، والتجرد في ازار ورداء أو ازار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء) (1). وفي صحيحة عمر بن يزيد (وان لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه (عاتقه) أو قباء بعد ان ينكسه) (2). وفي صحيحة معاوية بن عمار (ولا سراويل الا ان لا يكون لك ازار) (3). وفي خبر محمد بن مسلم (ويلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء ويقلب ظهره لباطنه) (4) وهو ضعيف السند لضعف طريق الصدوق


(1) الوسائل: باب 2 من اقسام الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 44 تروك الاحرام ح 2. (3) الوسائل: باب 35 تروك الاحرام ح 1. (4) الوسائل: باب 44 تروك الاحرام ح 7.

[ 568 ]

[ وكذا الاحوط عدم عقد الازار في عنقه (1). ] إلى محمد بن مسلم. (1) المعتبرة في الازار عدم عقده في عنقه فان ذلك كان أمرا متعارفا في الازمنة السابقة إذا كان الازار واسعا كبيرا. ويدل عليه روايتان: الاولى: صحيحة سعيد الاعرج (انه سئل أبا عبد الله (ع) عن المحرم يعقد ازاره في عنقه؟ قال: لا) (1) والرواية معتبرة فان طريق الصدوق إلى سعيد الاعرج معتبر ووجود عبد الكريم بن عمر فيه غير ضائر فانه وان كان واقفيا خبيثا كما عن الشيخ ولكنه ثقة بل ذكر النجاشي انه كان ثقة ثقة عينا، ولا يكرر النجاشي (الثقة) الا في مورد شدة الوثاقة. وربما يتوهم: ان السؤال عن وجوب عقد الازار في عنقه لا الجواز فلا يدل الخبر على المنع. ولكنه بعيد جدا إذ لا يحتمل وجوب عقد الازار ليسئل عنه، على انه لو كان واجبا لكان من جملة الواضحات لكثرة الابتلاء به ولا يمكن خفائه على مثل سعيد الاعرج الذي هو من اعاظم اصحاب الصادق (عليه السلام) حتى يسئل. الثانية: صحيحة علي بن جعفر (ع) قال: (المحرم لا يصلح له أن يعقد ازاره على رقبته ولكنه يثنيه على عنقه ولا يقعده) (2).


(1) الوسائل: باب 53 تروك الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 53 تروك الاحرام ح 5.

[ 569 ]

[ بل عدم عقدة مطلقا ولو بعضه ببعض (1) وعدم غرزه بابرة ونحوها، وكذا في الرداء الاحوط عدم عقدة. ] وهذه الرواية رويت بطريقين احدهما ضعيف بعبد الله بن الحسن والاخر صحيح وهو طريق الشيخ إلى كتاب علي بن جعفر وصاحب الوسائل رواها عن كتاب علي بن جعفر وطريقه إليه نفس طريق الشيخ إلى الكتاب وأما قوله (ع): (لا يصلح) ظاهر في عدم الجواز لانه بمعنى عدم القابلية نظير قوله تعالى: (انه عمل غير صالح) (1) فالاظهر عدم الجواز ولا اقل من الاحتياط اللزومى. (1) أما عدم عقده مطلقا ولو في غير العنق، أو غرزه بابرة ونحوها فلا دليل عليه الا خبر الاحتجاج (2) ولضعفه سندا لا يمكن الاستناد إليه. هذا كله في الازار، وأما الرداء فعقده في العنق أو عقده مطلقا أو غرزه بابرة ونحوها فلا دليل على المنع من ذلك. وربما يستدل له بدعوى اطلاق الازار على الرداء في الاستعمالات كما اطلق في كفن الميت بالنسبة إلى الثوب الثالث المشتمل على جسد الميت وعبروا عنه بازار وهو الذي يغطي تمام البدن. وفيه ما لا يخفي: فان الازار في مقابل الرداء معنى الازار معلوم وهو الذي يتزر به الانسان ويستر ما بين السرة والركبة غالبا ولايقال للثوب المشتمل على الجسد الازار والرداء هو الثوب المشتمل على


(1) سورة هود آية 46. (2) الوسائل: باب 53 تروك الاحرام ح 3.

[ 570 ]

[ لكن الاقوى جواز ذلك كله في كل منهما ما لم يخرج عن كونه رداءا أو ازارا ويكفي فيهما المسمى وان كان الاولى بل الاحوط أيضا كون الازار مما يستر السرة والركبة والرداء مما يستر المنكبين (1) والاحوط عدم الاكتفاء بثوب طويل يتزر ببعضه ويرتدي بالباقي الا في حال الضرورة. ] معظم بدن الانسان كالعباءة والملحفة ونحوهما ولم يتعارف شدة في العنق بخلاف المئزر فانه يتعارف شده بالعنق خصوصا إذا كان واسعا كبيرا وبالجملة حمل الازار على الرداء بعيد جدا واما عقدة في غير العنق فلا دليل عليه اصلا حتى إذا حملنا الازار على الرداء لان الممنوع انما هو عقده في العنق كما في النص وأما العقد مطلقا أو غرزه بابرة ونحوها فلا دليل عليه. (1) وأما حد الثوبين من حيث الكبر والصغر والطول والقصر فالعبرة بالصدق العرفي، ويكفي فيهما المسمى وصدق الاتزار والارتداء وأما ما ذكروه في تحديد الرداء بكونه مما يستر على المنكبين فالظاهر انهم يريدون بذلك كون الثوب واسعا عريضا يستر المنكبين وشيئا من الظهر والا فمجرد ستر المنكبين من دون ستر الظهر به لا يكفي لعدم صدق الرداء عليه قطعا كما إذا القى منديلا طويلا على منكبيه وبعبارة اخرى: لا يجري في صدق الارتداء مجرد ستر المنكبين بثوب قليل العرض بل لابد ان يكون الثوب واسعا عريضا وساترا

[ 571 ]

[ والاحوط كون اللبس قبل النية والتلبية (1) فلو قدمهما عليه اعادهما بعده، والاحوط ملاحظة النية في اللبس، ] لمعظم البدن كالعباء والملحفة التي تلبس فوق الثياب كالاحرامات المتعارفة في زماننا. واما الازار فالمعتبر ان يستر ما بين السرة والركبة، والمتعين في جميع ذلك بالصدق العرفي ثم ان الظاهر من الروايات الآمرة بالتجرد في الازار والرداء، وجواز لبس السراويل ان لم يكن له ازار أو لبس القباء ان لم يكن له رداء، تعدد الثوب يسمى احدهما الرداء والآخر الازار قلا يكتفي بثوب واحد طويل عريض يجعل بعضه ازارا وبعضه الآخر رداءا. واما كيفية اللبس فالظاهر انه لا تعتبر فيه كيفية خاصة وانما المعتبر صدق الاتزار والارتداء عرفا. وذكر بعضهم انه يجوز التوشح بالرداء بان يدخل طرفه تحت ابطه الايمن ويلقيه على عاتقه الايسر، أو بالعكس كالتوشح بالسيف والتقلد به. اقول: ان التزمنا بان لبس الثوبين منصرف إلى اللبس المتعارف المألوف فالتوشح غير مجز لعدم تعارفه وان صدق عليه الرداء واما إذا قلنا بان مجرد التعارف الخارجي لا يوجب الانصراف إليه، كما هو الصحيح - فالعبرة حينئذ بالصدق العرفي وانه اتزر وارتدى بأي نحو كان نظير لبس العباء ولا تتعين هيئة خاصة. (1) ما ذكره المصنف من الاحتياط إنما هو استحبابي لما تقدم منه

[ 572 ]

[ واما التجرد فلا يعتبر فيه النية وان كان الاحوط والاولى اعتبارها فيه أيضا. (مسألة 26): لو احرم في قميص عالما عامدا اعاد، لا لشرطية لبس الثوبين، لمنعها كما عرفت، بل لانه مناف للنية حيث انه يعتبر فيها العزم على ترك المحرمات التي منها لبس المخيط (1) وعلى هذا فلو لبسهما فوق القميص أو تحته كان الامر كذلك أيضا، لانه مثله في المنافاة للنية، الا ان يمنع كون الاحرام هو العزم على ترك المحرمات بل هو البناء على تحريمها على نفسه فلا تجب الاعادة حينئذ، هذا ولو أحرم في القميص جاهلا أو ناسيا أيضا نزعه وصح احرامه، اما إذا لبسه بعد الاحرام فاللازم شقه واخراجه من تحت، والفرق بين الصورتين من حيث النزع والشق تعبد، لا لكون الاحرام باطلا في الصورة الاولى - كما قد قيل -. ] ومنا قريبا ان اللبس ليس شرطا في تحقق الاحرام، وإنما هو واجب تعبدي مستقل والاحرام يتحقق بدون اللبس، فلا حاجة إلى اعادة التلبية والنية حتى لو ترك اللبس عمدا وعصيانا فضلا عن النسيان، وانما احتاط باعادتهما للمجرد لاحتمال أشتراط اللبس في الاحرام. (1) قد فصل (قده) في الاعادة بين ما لو قيل بان الاحرام هو العزم على الترك فيكون الاتيان بالمحرمات كالمخيط منافيا للنية وللعزم على

[ 573 ]

الترك فتجب الاعادة. وبين ما لو قيل: بان الاحرام هو البناء والالتزام بتحريم التروك على نفسه فلا تجب الاعادة لعدم منافاة الاتيان بالمحرمات للبناء والالتزام على ترك الشئ وتوضيح ذلك: انه قد يتعلق الالتزام بجعل شئ على نفسه ويبني على ان يكون الشئ الفلاني لازما أو محرما عليه كالنذر، وقد يتعلق الالتزام باتيان الفعل أو ترك المنافيات، يعني: يبني ويعزم على الترك كالصوم. فان كان الالتزام على النحو الاول فلا ينافيه الاتيان بالمحرمات فان الانسان قد يلتزم على نفسه شيئا ومع ذلك يخالفه كمورد النذر لامكان حنثه ومخالفته ولا ينافي الحنث تحقق النذر منه. وان كان الالتزام على النحو الثاني بان يعزم على الترك فإذا ارتكب ذلك الشئ كان منافيا لنيته وعزمه كالصوم فالتفصيل على ما ذكره في محله، فان الفرق بين العزم على الترك أو البناء على تحريم الشئ على نفسه واضح. ولكن قد عرفت فيما تقدم بما لا مزيد عليه انه لا يعتبر شئ من ذلك في الاحرام فان حقيقته هي الدخول في حرمة الله وسببه وموجبه هو التلبية وأما التروك فهي أحكام مترتبة على الاحرام لا انها دخيلة فيه فالعزم على تركها أو العزم على جعلها محرمة عليه غير دخيل في الاحرام ولذا لو احرم ولم يعلم بالمحرمات صح احرامه، بل لو كان عالما بها ومع ذلك احرم فيها لا يضر باحرامه فضلا عن الجهل. نعم بناءا على ما ذهب إليه السيد المصنف من اعتبار العزم على الترك في حقيقة الاحرام، فقد يفصل بين العلم والجهل.

[ 574 ]

[ (مسألة 27): لا يجب استدامة لبس الثوبين بل يجوز تبديلهما ونزعهما لازالة الوسخ أو للتطهير (1) بل الظاهر جواز التجرد منهما مع الامن من الناظر أو كون العورة مستورة بشئ آخر. ] اما الصحة في مورد الجهل فلصحيحة عبد الصمد (لقوله: اي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه). وذكرنا فيما سبق ان الصحيحة في مقام نفي الاشياء التي افتوا بها كفساد الحج ولزوم البدنة وليست في مقام بيان صحة العمل إذا كان فاقدا للشرط. وأما النسيان: فان قلنا بانه يستفاد حكمه من هذه الصحيحة لانه جهل في الحقيقة غاية الامر جهل مسبوق بالعلم ولا اقل انه اولى بالعذر فان الحكم بالصحة في مورد الجهل للعذر والناسي اولى بالعذر لعدم امكان توجه الخطاب إليه حتى بنحو الاحتياط لغفلته وهذا بخلاف الجاهل. ومع الغض والتنزل عن جميع ذلك فاطلاق صحيح معاوية بن عمار يكفي في الحكم بالصحة في مورد الناسي بل في العالم العامد فالناسي لا شئ عليه وكذلك العامد وان كان عاصيا. ثم انه إذا لبس القميص بعد الاحرام فاللازم شقه واخراجه مما يلي رجليه وان احرم وعليه قميصه ينزعه ولا يشقة كما في النص (1). (1) أو لداع آخر لان وجوب لبس الثوبين يعتبر حدوثا لابقاءا


(1) الوسائل: باب 45 تروك الاحرام ح 1 و 2.

[ 575 ]

[ (مسألة 28): لا بأس بالزيادة على الثوبين في ابتداء الاحرام وفي الاثناء للاتقاء عن البرد والحر، بل ولو اختيارا (1) قد تم كتاب الحج بعون الله وصلى الله على محمد وآله الطاهرين). ] فيجوز له نزعهما ولكن لا يجوز له لبس المخيط، والا فالتجرد منهما في نفسه، لامانع منه كما إذا أمن من النظر كالتجرد في ظلمة ونحو ذلك، ويكفينا اصالة عدم وجوب الاستمرار، بل قد ورد في بعض الروايات الواردة في احرام الحائض جواز النزع كصحيح زيد الشحام (فإذا كان الليل خلعتها ولبست ثيابها الاخرى) (1). (1) لاريب في عدم وجوب الانحصار بالثوبين وتجوز الزيادة عليها، ولكن يشترط فيها ما يعتبر في ثوبي الاحرام. ففي صحيح الحلبي، قال: (سئلت ابا عبد الله (ع) عن المحرم يتردى بالثوبين؟ قال: نعم والثلاثة ان شاء يتقي بها البرد والحر) (2) وفي صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) في (حديث) قال: (سئلته عن المحرم يقارن بين ثيابه وغيرها التي احرم فيها، قال: لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة) (3).


(1) الوسائل: باب 48 الاحرام ح 3. (2) و (3) الوسائل: باب 30 الاحرام ح 1 و 3.

[ 576 ]

ختام المطاف: بانتهاء هذا البحث انتهت محاضرات سيدنا الاستاذ آية الله العظمى الامام السيد الخوئي دام ظله العالي على كتاب الحج من العروة الوثقي لفقيه عصره السيد الطباطبائي (قده) وأني أحمد الله سبحانه على ما منحني من التوفيق لضبط هذه المحاضرات القيمة وتقديمها إلى الطبع ليتنفع؟ بها رواد العلم والفضيلة وبذلك اكون قد قمت ببعض ما يمليه على الواجب العلمي في هذا البلد المقدس الشريف وأنا في رحاب الروضة العلوية الطاهرة. كما واننى اشكر الله تعالى على ما أولاني من نعمة مواصلة تحرير بقية البحوث من محاضرات سيدنا الاستاذ حفظه الله والى المولى القدير اضرع ان تشملنى عنايته مرة اخرى لمواصلة تقديم بقية النتاج إلى عالم الطبع طلبا لمرضاته وتعميما للفائدة انه ولي التوفيق. النجف الاشرف 7 / شهر رمضان المبارك (1406). رضا الموسوي الخلخالي ابن العلامة الحجة المغفور له السيد آغا الخلخالي تغمده الله يرحمته الواسعة .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية