الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الحج - السيد الخوئي ج 1

كتاب الحج

السيد الخوئي ج 1


[ 1 ]

منشورات مدرسة دار العلم (3) معتمد العروة الوثقى محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله العالي بقلم السيد رضا الخلخالي الجزء الاول

[ 2 ]

سنة الطبع 1364

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة على نبيه الكريم، وآله المنتجبين. وبعد فان من نعم الله سبحانه على أن كان لي شرف الحضور في مجلس الدرس لسماحة سيدنا الاستاذ آية الله العظمى الامام السيد ابو القاسم الخوئي متع الله المسلمين ببقائه الشريف في الفقه، والاصول، والتفسيره وقد وفقت لتحرير ما أملاه علينا في جميع المراحل التي حضرت فيها في وئرات التدريس، والبحث، فكانت لي هذه البحوث القيمة خير ما يعتز به الفرد من ثروة علمية، أرجو ان تكون م جملة ما ينفعني ويقربني إلى الله سبحانه وتعالى. ورغبت أن أقدم بعض هذا النتاج إلى الطبع، والنشر لئلا اكون ضنينا على اخواني اللذين يهمهم التصدي إلى الوصول لحقائق الامور ومعرفة حقيقة البحث العلمي لذا وقع إختياري على بحث الحج من كتاب العروة الوثقى للسيد الفقيه السيد محمد كاظم الطباطبائي (قدس سره) لاهميته في الشريعة الاسلامية ولانه أحد الركائز التي بني عليها الاسلام كما جاء ذلك في الاخبار. ومنه سبحانه اسئل التوفيق لي ولاخواني المؤمنين. النجف الاشرف - رضا الموسوي الخلخالي الاحد 30 محرم الحرام سنة 1404 هجرية

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

[ 9 ]

[ كتاب الحج فصل من اركان الدين: الحج وهو واجب على كل من استجمع الشرائط الآتية من الرجال والنساء والخناثي، بالكتاب والسنة، والاجماع من جميع المسلمين بل بالضرورة (1). ] (1) لاريب في ان الحج من اهم الواجبات الالهية، ومن اركان الدين ومما بنى عيله الاسلام، وفي روايات كثيرة ذكرها الخاصة، والعامة: (ان الاسلام بنى على خمس، ومنها الحج (1). وصرح الكتاب والعزيز بتشريعه، ووجوبه فقال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين) (2).


(1) الوسائل: باب 1 من ابواب مقدمة العبادات وصحيح البخاري ج 1، كتاب الايمان وصحيح مسلم ج 1، كتاب الايمان (2) آل عمران: 97.

[ 10 ]

[ ومنكره في سلك الكافرين (1) وتاركه عمدا مستخفا به بمنزلتهم ] والمستفاد من الادلة وجوبه على جميع الناس من الرجال، والنساء، والخنائى، من دون اختصاص له بطائفة دون اخرى. (1) قد يستدل على ذلك بان انكار الضروري بما هو من موجبات الكفر. ويرده أنا قد ذكرنا في بحث النجاسات: ان الميزان في الكفر والاسلام امور ثلاثة: الشهادة بالوحدانية، والشهادة بالرسالة، والاعتقاد بالمعاد فمن اعترف بهذه الامور الثلاثة يحكم عليه بالاسلام، ويترتب عليه اثاره من المواريث، وحرمة دمه، وماله، وحلية ذبايحه، ولزوم تجهيزه من الغسل، والكفن، والدفن، وغير ذلك من الاحكام، ومن انكر احد هذه الامور فهو كافر وليس انكار الضروري من جملتها إلا إذا رجع إلى تكذيب النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فانكار الضروري بنفسه، ومستقلا لا يوجب الكفر ما لم يستلزم تكذيب الرسالة كما إذا كان الشخص غير عارف باحكام الاسلام ولم يكن ملتفتا إلى ان انكاره يستلزم انكار النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فانكر ضروريا من ضروريات الدين فان مجرد ذلك لا يوجب الكفر. وقد يستدل على كفر منكر الحج بما يستفاد من ذيل آية الحج من قوله تعالى: ومن كفر فان الله غني عن العالمين) (1) بدعوى: ان من انكر وجوب الحج كان كمن كفر فان التعبير عن الترك بالكفر


(1) آل عمران 97.

[ 11 ]

يدل على ان منكره كافر (1). وفيه: ان الظاهر من قوله تعالى: (ومن كفر) ان من كفر باسبابه وكان كفره منشاء لترك الحج فان الله غني عن العالمين لا ان انكار الحج يوجب الكفر، فان الذي يكفر يترك الحج طبعا لانه لا يعتقد به ونظير ذلك قوله تعالى: (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين) (2) فان عدم صلاتهم وعدم ايتائهم الزكاة لاجل كفرهم وتكذيبهم يوم القيامة. ولا تدل الآيات على ان ترك الصلاة موجب للكفر، بل الكفر وتكذيب يوم القيامة منشأ لترك الصلاة، وعدم اداء الزكاة فلا تدل الآية على ان منكر الحج كافر. مضافا إلى انه فسر الكفر بالترك في صحيح معاوية بن عمار (وعن قول الله عزوجل ومن كفريعني من ترك) (3). على انه يمكن ان يقال: ان المراد بالكفر في المقام الكفران المقابل للشكر فان الكفر له اطلاقان: احدهما الكفر المقابل للايمان. ثانيهما الكفران مقابل شكر النعمة ولا يبعد ان يكون المراد به هنا


(1) ولعل المراد بالكفر هنا معناه اللغوي، وهو عدم التصديق، وعدم الاعتراف بالشئ، فالمعنى ان من لم يعترف بالحج - ويتركه بالطبع - فان الله غني عن العالمين، لان ترك الحج لا يضر الله شيئا كما هو الحال في ساير الواجبات الالهية والعبادات فليس المراد بالكفر المعنى المصطلح المقابل للايمان بالله تعالى حتى يتوهم دلالة الآية على كفر منكر الحج. (2) المدثر: آية 42 - 46. (3) الوسائل باب: 7 من وجوب الحج حديث 2.

[ 12 ]

[ وتركه من غير استخفاف من الكباير (1) ] هو الكفران، وترك الشكر بترك طاعته تعالى كما في قوله سبحانه (انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا) (1) يعني اما ان يشكر، ويهتدي بالسبيل، ويعمل على طبق وظائفه الشرعية، واما أن يكفر بالنعمة ولا يهتدي السبيل ولا يعمل على طبق وظائفه ولا يشكر ما انعم الله عليه. وقد يستدل على كفر منكر الحج بما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر في حديث (قال قلت: فمن لم يحج منا فقد كفر قال لا ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر (2)) بدعوى: ان قوله (ليس هذا هكذا) راجع إلى انكار الحج يعني من انكر الحج وقال: بان الحج ليس بواجب فقد كفر. وفيه: ان الظاهر من ذلك رجوعه إلى انكار القرآن وان هذه الآية ليست من القرآن وأن القرآن ليس هكذا فانه (ع) استشهد اولا: بقول الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت) ثم سئل السائل فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال (ع): (لا ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر) فالانكار راجع إلى انكار القرآن، وتكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وبالجملة لم يظهر من شئ من الادلة كفر منكر الحج بحيث يترتب عليه احكام الكافر بمجرد انكاره من دون ان يستلزم ذلك تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما إذا لم يكن ملتفتا إلى هذه الملازمة، وكان جديد عهد بالاسلام فانكر وجوب الحج ونحوه. (1) لاريب ان الاستخفاف بالاحكام الالهية مذموم ومبغوض في الشريعة المقدسة كما ورد الذم في الخبر الوارد في الفارة التي وقعت في


(1) الانسان: 3. (2) الوسائل باب: 2 وجوب الحج حديث: 1.

[ 13 ]

[ ولا يجب في اصل الشرع الامرة واحدة في تمام العمر (1) وهو المسمى بحجة الاسلام أي: الحج الذي بني عليه الاسلام مثل الصلاة والصوم والخمس والزكاة. وما نقل عن الصدوق في العلل من وجوبه على اهلا الجدة وكل عام على فرض ثبوته شاذ مخالف للاجماع والاخبار. ولا بد من حمله على بعض المحامل كالاخبار الواردة بهذا المضمون من ارادة ] خابية فيها سمن، أو زيت فقال (ع): لا تأكله فقال السائل: الفارة أهون علي من أن اترك طعامي من اجلها فقال له أبو جعفر (ع): انك لم تستخف بالفارة وانما استخففت بدينك (1). وبالجملة الاستخفاف باي حكم إلهي مذموم عند الشرع المقدس ولكنه لادليل على انه موجب للكفر وقد عرفت قريبا ان موجبات الكفر انكار احد امور ثلاثة: الوحدانية، والرسالة، والمعاد. ومجرد الاستخفاف ما لم يرجع إلى انكار احد هذه الامور لا يوجب الكفر. نعم لا اشكال في ان ترك الحج عمدا من الكبائر لعده منها في جملة من النصوص (2). ولا يبعد ان يكون الاستخفاف به من الكباير فانه نظير الاستخفاف بالصلاة كما في قوله تعالى (ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) (3) بناءا على ان المراد بالسهو عن الصلاة الاسخفاف بها والحج نظير الصلاة لانه مما بنى عليه الاسلام. (1) ويدل على ذلك مضافا إلى الاجماع، والتسالم بين المسلمين


الوسائل: باب 5 من ابواب الماء المضاف حديث: 2. (2) الوسائل: باب 46 من ابواب جهاد النفس. (3) الماعون: آية 5.

[ 14 ]

[ الاستحباب المؤكد، أو الوجوب على البدل بمعنى انه يجب عليه في عامة وإذا تركه ففي العام الثاني وهكذا. ويمكن حملها على الوجوب الكفائي فانه لا يبعد وجوب الحج كفاية على كل احد في كل عام إذا كان متمكنا بحيث لا تبقى مكة خالية من الحجاج لجملة من الاخبار الدالة على انه لا يجوز تعطيل الكعبة عن الحج. والاخبار الدالة على ان على الامام - كما في بعضها - وعلى الوالي - كما في آخر - ان يجبر الناس على الحج والمقام في مكة وزيارة الرسول صلى الله عليه وآله والمقام عنده وانه ان لم يكن لهم مال انفق عليهم من بيت المال. ] السيرة القطعية المستمرة ولم ينقل الخلاف من احد عدى الصدوق في العلل فانه بعدما نقل خبر محمد بن سنان الدال على وجوب الحج مرة واحدة قال: (جاء هذا الحديث هكذا والذي اعتمده وافتي به ان الحج على اهل الجدة في كل عام فريضة) (1) وما ذكره (قده) شاذ مخالف لما تقدم من الاجماع، والسيرة، بل الضرورة على أنه لو كان واجبا باكثر من مرة واحدة في العمر لظهر وبان، وكيف يخفي وجوبه على المسلمين مع انه من أركان الدين، ومما بني عليه الاسلام. وتدل على عدم وجوبه باكثر من مرة واحدة عدة من الروايات فيها الصحيحة، وغيرها. منها: صحيحة البرقي في حديث (وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون اكثر من ذلك (2).


(1) الوسائل باب: 3 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (2) الوسائل باب: 3 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 15 ]

ومنها رواية الفضل بن شاذان (انما امروا بحجة واحدة لااكثر من ذلك لان الله وضع الفرائض الخ (1) وبازائها روايات اخر تدل على وجوب الحج اكثر من مرة بل كل عام على المستطيع. منها: ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام قال: (ان الله عزوجل فرض الحج على اهل الجدة في كل عام وذلك قول الله عزوجل ولله على الناس حج البيت (2). وقد حملها الشيخ على الاستحباب جمعا بينها، وبين ما تقدم من الروايات الدالة على الوجوب مرة واحدة في تمام العمر. ولا يخفي بعده لانه خلاف ظاهر قوله (ع) (فرض الله الحج على اهل الجدة) أو صريحه خصوصا بعد استشهاده (ع) بالآية الكريمة. وقد جوز (قده) حملها على ارادة الوجوب على البدل بمعنى انه يجب عليه الحج في السنة الاولى، وإذا تركه يجب عليه في الثانية وهكذا. وهذا بعيد أيضا فان الوجوب البدلي بهذا المعنى من طبع كل واجب، فان الواجب يجب الاتيان به متى امكن، ويجب تفريغ الذمة عنه، ولا يسقط الواجب بالعصيان. وقد حملها صاحب الوسائل على الوجوب الكفائي بمعنى انه يجب الحج كفاية على كل احد في كل عام، ويشهد له ما دل من الاخبار على عدم جواز تعطيل الكعبة عن الحج (3). وفيه ان ظاهر الروايات وجوبه على كل احد لا على طائفة دون طائفة اخرى كما يقتضيه الواجب الكفائي، على انه يتوقف الالتزام بالوجوب الكفائي على تعطيل الكعبة، واما لو فرضنا عدم تعطيلها ولا اقل من اداء اهل مكة الحج فلا موجب حينئذ للوجوب الكفائي.


(1) الوسائل: باب 3 من ابواب وجوب الحج ح 2. (2) الوسائل: باب 2 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (3) الوسائل: باب 4 من ابواب وجوب الحج.

[ 16 ]

[ (مسألة 1): لا خلاف في ان وجوب الحج بعد تحقق الشرائط فوري (1) بمعنى انه يجب المبادرة إليه في العام الاول من الاستطاعة فلا يجوز تأخيره عنه وان تركه فيه ففي العام الثاني، وهكذا، ويدل عليه جملة من الاخبار. ] والاولى في توجيه هذه الروايات ان يقال: انها ناظرة إلى ما كان يصنعه اهل الجاهلية من عدم الاتيان بالحج في بعض السنين لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب الشمسي فان العرب كانت لا تحج في بعض الاعوام وكانوا يعدون الاشهر بالحساب الشمسي ومنه قوله تعالى: (انما النسئ زيادة في الكفر) (1) وربما لا تقع مناسك الحج في شهر ذي الحجة، فانزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم بان الحج يجب في كل عام وانه لا تخلو كل سنة عن الحج. وبالجملة كانوا يؤخرون الاشهر عما رتبها الله تعالى فربما لا يحجون في سنة وقد اوجب الله تعالى الحج لكل احد من اهل الجدة، والثروة في كل عام قمري ولا يجوز تغيره، وتأخيره عن شهر ذي الحجة. فالمنظور في الروايات ان كل سنة قمرية لها حج ولا يجوز خلوها عن الحج لا انه يجب الحج على كل واحد في كل سنة. ولعل هذا الوجه الذي ذكرناه احسن من المحامل المتقدمة ولم أر من تعرض إليه. (1) لان المكلف إذا كان واجدا للشرائط وتنجز التكليف عليه فلابد له من تفريغ ذمته فورا ولا عذر له في التأخير مع احتمال الفوت فلابد له من تفريغ الذمة. واما جواز التأخير في بعض الموقتات كتأخير الصلاة عن اول وقتها، أو تأخير القضاء وعدم وجوب المبادرة إليها فانما هو لاجل حصول الاطمينان والوثوق غالبا ببقائه، والتمكن من اتيان الواجب في اخر


(1) التوبة: 37.

[ 17 ]

الوقت حيث ان الوقت ت قصير يحصل الوثوق، والاطمينان غالبا للمكلفين ببقائهم بخلاف زمان الحج فان الفصل طويل جدا وكيف يحصل الوثوق بالبقاء مع هذه الحوادث، والعوارض، والطوارئ ولذا نلتزم بالفورية في الصلاة أيضا فيما لو لم يطمئن بالتمكن من الاتيان بها في آخر الوقت، أو في أثنائه، ويجب عليه المبادرة إليها في أول الوقت. وبالجملة يكفينا حكم العقل بوجوب المبادرة، وبعدم جواز تأخيره عن عام الاستطاعة. هذا مضافا إلى دلالة النصوص على الفورية ولزوم المبادرة. منها - معتبرة أبي بصير قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عز وجل: ونحشره يوم القيامة أعمى قال: قلت: سبحان الله اعمى؟ قال: نعم ان الله عزوجل أعماه عن طريق الحق) (1) وهي واضحة الدلالة على وجوب المبادرة، وعدم جواز التأخير ولو كان التأخير جائزا لم يكن وجه لعذابه، وعقابه. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال: هذه لمن كان عنده مال، وصحة وان كان سوقه للتجارة فلا يسعه، وان مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرايع الاسلام إذا هو يجد ما يحج به) (2)، وغيرهما من سائر الروايات الدالة على الفورية.


(1) الوسائل: باب 6 وجوب الحج ح 7. (2) الوسائل: الباب 6 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 18 ]

[ ولو خالف واخر - مع وجود الشرائط - بلا عذر يكون عاصيا (1) بل لا يبعد كونه كبيرة كما صرح به جماعة ويمكن استفادته من جملة من الاخبار (2). (مسألة 2): لو توقف ادراك الحج بعد حصول الاستطاعة على مقدمات من السفر وتهيئة أسبابه وجب المبادرة إلى إتيانها على وجه يدرك الحج في تلك السنة (3) ولو تعددت ] (1) لانه ترك ما وجب عليه من وجوب المبادرة. (2) ولكن المستفاد من النصوص ان ترك الحج برأسه من الكباير ومن الموبقات الكبيرة. وأما التسويف، وترك المبادرة فقط من دون الترك برأسه فهو معصية لانه ترك ما وجب عليه من الفورية وأما كونه كبيرة فلم يثبت. نعم عد في خبر الفضل بن شاذان (1) من جملة الكباير الاستخفاف بالحج. فان أريد به الا ستخفاف بأصل الحكم الالهي في الشريعة المقدسة فهو وان كان مذموما، ومبغوضا في الشرع لكنه أجنبي عن الاستدلال به في المقام. إذ لا دلالة فيه على أن التأخير من الكباير. ولو أريد به الا ستخفاف العملي لان تركه وعدم الايتان به في العام الاول، وتأخيره عنه، نوع من الا ستخفاف بالحج فالدلالة تامة ولكن الرواية ضعيفة السند لا يمكن الاعتماد عليها. (3) وجوبا عقليا كساير الواجبات المتوقفة على أسباب ومقدمات فان العقل يحكم باتيانها للحصول على الواجب، والخروج عن عهدته.


(1) الوسائل: باب 46 جهاد النفس الحديث (33).

[ 19 ]

[ الرفقة وتمكن من المسير مع كل منهم اختار أوثقهم سلامة وادراكا (1) ولو وجدت واحدة ولم يعلم حصول أخرى، أو لم يعلم التمكن من المسير والادراك للحج بالتأخير فهل يجب الخروج مع الاولى، أو يجوز التأخير إلى الاخرى بمجرد احتمال الادراك، أو لا يجوز إلا مع الوثوق؟ أقوال. اقواها الاخير (2) وعلى اي تقدير إذا لم يخرج مع الاولى، واتفق عدم التمكن من المسير، أو عدم ادراك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج وان لم يكن اثما بالتأخير لانه كان متمكنا من الخروج مع الاولى. إلا إذا تبين عدم إدراكه لو سار معهم أيضا. ] (1) إذا تعددت الرفقة وكانوا موافقين في الخروج زمانا، وتمكن من المسير مع كل منهم اختيار بحكم العقل من يثق بوصوله، وإدراكه للحج معه وليس له اختيار من لا يثق بوصوله وإدراكه للحج. وإذا اختلفت الرفقة في الوثوق لا يجب عليه اختيار إلاوثق سلامة وادراكا لان الميزان هو الوثوق، والا طمينان بالوصول والادراك ولا يحكم العقل بازيد من ذلك. نعم الانسان بحسب جبلته، وطبعه يختار الاوثق والاكثر إطمينانا خصوصا في الامور الخطيرة. وبالجملة: لا دليل شرعا على لزوم الاخذ بالاوثق سلامة بل له ان يختار من يثق به ولو كان دون الاول في الوثوق. (2) لو تعددت الرفقة واختلف زمان الخروج بالتقدم والتأخر أو

[ 20 ]

وجدت واحدة ولم يعلم حصول أخرى، أو لم يعلم التمكن من المسير، والا دراك للحج مع الثانية، فهل يجب الخروج مع الاولى مطلقا، أو يجوز التأخير إلى الاخرى بمجرد إحتمال الادارك، أو لا يجوز إلا مع الوثوق؟ أقوال: فمن الشهيد الثاني في الروضة وجوب الخروج مع الرفقة الاولى مطلقا ولو كانت الرفقة الثانية أوثق ادراكا، لان التأخير تفريط في اداء الواجب فيجب الخروج مع الرفقة الاولى. وعن السيد في المدارك جواز التأخير إلى الاخرى بمجرد احتمال الادراك ولو لم يثق به، لعدم ما يدل على فورية المسير مع الاولى، وعن الشهيد في الدروس انه لا يجوز التأخير إلا مع الوثوق فإذا وثق بالادراك بالمسير مع اللاحق يجوز له التأخير وإلا فلا. وهذا هو الصحيح، لان احتمال وجوب المبادرة مع الرفقة الاولى حتى مع حصول الوثوق بالمسير مع القافلة الثانية وإدراك الحج معهم، يحتاج إلى دليل، ولا يعد التأخير إلى الثانية مع حصول الوثوق بها تفريطا في اداء الواجب، كما أن جواز التأخير إلى القافلة الثانية مع احتمال التفويت وعدم حصول الوثوق لا دليل عليه، فانه بعد ما كان التكليف منجزا عليه وعنده زاد، وراحلة، ورفقة، واحتمل التفويت في التأخير لا يجوز له التأخير، فالميزان هو الوثوق بالوصول، والادراك فان حصل الوثوق باللاحق يجوز له التأخير، وإلا وجب عليه الخروج مع السابق. وهل يكفى الظن بالصول في جواز التأخير إلى القافلة اللاحقة؟ الظاهر لا، لان الظن لعدم حجيته ليس بمعذر، وإذا تنجز عليه الواجب يجب عليه الخروج عن عهدته، فلابد أن يسلك طريقا يطمئن،

[ 21 ]

أو يثق بادراكه الواجب، ومجرد الظن بالادراك لا يجوز له التأخير إلى القافلة اللاحقة هذا كله في الحكم التكليفى من حيث الجواز، والوجوب بالنسبة إلى الخروج مع الرفقة. وأما بالنسبة إلى الحكم الوضعي، واستقرار الحج فقد ذكر المصنف (رحمه الله): انه لو لم يخرج مع الاولى سواء كان الخروج معها واجبا، أو جائزا ثم اتفق عدم ادراك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج، لانه كان متمكنا من المسير، والخروج مع الاولى، ولم يخرج. وموضوع استقرار الحج، هو التمكن من السير مع القافلة فإذا فانه وجب عليه الحج في العام القابل. أقول: إذا كان موضوع الاستقرار هو التمكن من الحج فلازم ذلك، انه لو سافر مع القافلة الاولى وجوبا، أو جوازا، واتفق عدم الادراك لاسباب طارئة في الطريق، هو استقرار الحج عليه ولا يلتزم بذلك أحد، حتى المصنف (رحمه الله) لانه قد عمل بوظيفته الشرعية ولم يهمل وانما فاته الحج لسبب آخر حادث فلا يستقر عليه الحج. نعم لو وجب عليه الحج، وتنجز التكليف وأهمل حتى فاته الحج، وجب عليه الحج في القابل، لان الاهمال، والتفويت العمدي يوجبان الاستقرار. وقد أخذ المحقق (رحمه الله) عنوان الاهمال موضوعا للاستقرار. فمطلق الترك، وعدم الادراك لا عن اختيار لا يوجبان الاستقرار. والمفروض انه لا اهمال في المقام، لان المفروض انه عمل بوضيفته، وخرج مع الاولى وجوبا أو جوازا. وكذا لو قلنا بجواز التأخير، وخرج مع الثانية ولم يدرك اتفاقا فانه لا يصدق

[ 22 ]

الاهمال والتفويت على من عمل بوظيفته. ويترتب على ذلك انه لو بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحج. ولو زالت في أثناء السنة فلا استقرار عليه. والسر في ذلك: ان استقرار الحج لم يثبت بدليل خاص، وانما استفيد من جملة من النصوص المتفرقة وقد استدل صاحب الجواهر (رحمه الله) بالروايات الدالة على أن الحج يخرج من أصل المال (1). إلا أن هذه الروايات لا تدل على الاستقرار في المقام، لان موردها من كان الحج واجبا عليه ولم يحج ولا يعم من أتى بوظيفته ولم يهمل ولم يدرك الحج بغير اختياره ولامر خارجي وزالت استطاعته بالنسبة إلى السنين اللاحقة. وقد يستدل على استقرار الحج بروايات التسويف وهي باطلاقها تدل على استقرار الحج حتى لو زالت الاستطاعة، وهذه الروايات أيضا قاصرة الشمول عن المقام لان موردها التأخير العمدي والاهمال والتسويف لا عن عذر، فلا تشمل من سلك طريق العقلاء ولكن من باب الصدفة لم يدرك الحج.


(1) الوسائل: باب 25 من وجوب الحج.

[ 23 ]

[ فصل في شرائط وجوب حجة الاسلام وهي أمور: أحدها: الكمال بالبلوغ والعقل فلا يجب على الصبي وان كان مراهقا ولا على المجنون وان كان ادواريا (1) إذا لم يف دور افاقته باتيان تمام الاعمال. ] (1) لاريب في اعتبار البلوغ، والعقل في التكاليف، والاحكام الشرعية، ويدل عليه حديث جرى (1) القلم وان أول ما خلق الله العقل وبه يثبت وبه يعاقب (2) ويدل عليه أيضا جملة من الروايات الدالة على أن حج الصبي لا يجزى عن حجة الاسلام. منها: رواية شهاب في حديث (قال: سألته عن ابن عشر سنين يحج قال: عليه حجة الاسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت) (3). ومنها: رواية مسمع بن عبد الملك في حديث (لو ان غلاما


(1) الوسائل: باب 4 من مقدمة العبادات الحديث 12. (2) الوسائل: باب 3 من مقدمة العبادات الحديث. 1. (3) الوسائل: باب 12 من ابواب وجوب الحج ح 2.

[ 24 ]

حج عشر حجج ثم احتلم كانت عليه فريضة الاسلام (1) والروايتان ضعيفتان بسهل بن زياد. والعمدة صحيحة اسحاق بن عمار عن ابن عشر سنين يحج قال (عليه حجة الاسلام إذا احتلم وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت) (2) فان المستفاد من هذه الروايات ان حجة الاسلام، وفريضة الاسلام لا تصدق على حج الصبي وهذه الفريضة باقية عليه وإذا بلغ يجب عليه ادائها. نعم اطلق على حج الصبي حجة الاسلام في رواية ابان بن الحكم (قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: الصبي إذا حج به فقد قضى حج الاسلام حتى يكبر (3) ولكن المراد بذلك حجة اسلام الصبي التي قضاها وأتى بها فلا ينافي ذلك بقاء حجة الاسلام التي بنى عليها الاسلام عليه حتى يبلغ، ويكبر، كما انه قد أطلق حج الاسلام على حج النائب في بعض الروايات (4) مع انه لا اشكال في بقاء حجة الاسلام على النائب لو استطاع. هذا مع قطع النظر عن السند وفيه كلام فان صاحب الوسائل روى عن ابان بن الحكم، والظاهر ان ذلك غلط لان ابان بن الحكم لا وجود له لا في كتب الرجال ولا في كتب الحديث والصحيح ابان عن الحكم كما في الفقيه، وحرف (عن) بدلت (بابن) في كتاب الوسائل، والحكم هو الحكم بن حكيم الصيرفي الثقة، وأما ابان فمن هو؟ فان كان ابان بن تغلب الثقة فذلك بعيد لان ابان بن تغلب لا يروى عن


(1) الوسائل: باب 13 من وجوب الحج ح 2. (2) الوسائل: باب 12 من وجوب الحج ح 1. (3) الوسائل: باب 13 من وجوب الحج ح 1. (4) الوسائل: باب 21 من وجوب الحج ح 4.

[ 25 ]

[ ولو حج الصبي لم يجز عن حجة الاسلام، وان قلنا بصحة عباداته وشرعيتها كما هو الاقوى (1)، وكان واجدا لجميع الشرائط سوى البلوغ. ففي خبر مسمع عن الصادق (ع): (لو ان غلاما حج عشر حجج ثم احتلم كان عليه فريضة الاسلام. وفي خبر إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع) (عن ابن عشر سنين يحج قال (ع): عليه حجة الاسلام إذا احتلم وكذا الجارية عليها الحجج إذا طمثت. ] غير المعصوم ورواياته قليلة، وغالبا يروى عن الامام (ع) من دون الواسطة، وان كان أبان بن عثمان، فهو وان كان ثقة لكن من البعيد ان ابان المذكور في السند هو ابن عثمان لان ابان بن عثمان لا يروى عن الحكم، ولم نر رواية ولا واحدة يرويها ابان بن عثمان عن الحكم، فيكون ابان المذكور في السند رجلا مجهول الحال. (1) لما عرفت ان المستفاد من هذه الروايات ان الحج له حقائق مختلفة، فان الحج الذي ياتي به الصبي تختلف حقيقته مع حجة الاسلام الثابتة على البالغين، وهذا بخلاف الصلاة، لما ذكرنا في محله ان الصبي لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في أثنائه لا تجب عليه اعادة الصلاة، لان المفروض ان صلاته صحيحة، وما دل على لزوم اتيان الصلاة منصرف عمن صلى صلاة صحيحة، ولا دليل على المغايرة بين الصلاة المندوبة، والواجبة، ولا يجب عليه إلا اتيان صلاة واحدة

[ 26 ]

وقد أتى بها، بل ذكرنا ان ذلك ليس من باب الاجزاء، حتى يقال: بان اجزاء الامر الندبي عن الواجب خلاف الاصل، بل ما صلاه الصبي حقيقته متحدة مع الصلاة الواجبة الثابتة على البالغين، فان الصلاة حقيقة واحدة، غاية الا مر انها تجب على جماعة كالبالغين وتستحب لجماعة آخرين كغير البالغين، وهذا بخلاف الحج، فان الروايات تكشف عن اختلاف حقيقته، ومغايرتها، فأجزاء أحدهما عن الا خر يحتاج إلى دليل ولا دليل بل الدليل على العكس. بقي الكلام في اثبات مشروعية عبادات الصبي وصحتها، وقد ذكرنا في محله انه لا يمكن اثبات مشروعية عبادته باطلاق أدلة العبادات لانها مرفوعة عن الصبي، وانه لم يكتب في حقه شئ من الاحكام، والتكاليف، ولا يمكن أن يقال: بان الوجوب مرفوع عنه وأما الاصل الرحجان فهو باق، لعدم الامتنان في رفعه. وذلك لان المرفوع نفس الحكم بتمامه وانه لم يكتب في حقه هذا الحكم رأسا، فلا يمكن الالتزام بالتبعيض، وان المرفوع هو الوجوب، والباقي هو الا ستحباب، بل ثبوت الا ستحباب يحتاج إلى دليل آخر. والظاهر ان النصوص الآمرة بالصلاة والصوم كقولهم (ع) (فمرروا صبيانكم بالصلاة) (1) تدل على المشروعية في حقه لان الامر بالامر، بشئ أمر بذلك الشئ كما ثبت في علم الاصول.


(1) الوسائل: باب 3 من ابواب اعداد الفرائض ح 5.

[ 27 ]

[ (مسألة 1): يستحب للصبي المميز أن يحج (1) وان لم يكن مجزيا عن حجة الاسلام، ولكن هل يتوقف ذلك على اذن الولي أولا؟ المشهور (2) بل قيل لا خلاف فيه انه مشروط باذنه، لاستتباعه المال في بعض الاحوال للهدى والكفارة ولانه عبادة متلقاة من الشرع مخالف للاصل فيجب الاقتصار فيه على المتيقن. وفيه: انه ليس تصرفا ماليا وان كان ربما يستتبع المال. ] (1) تدل عليه نفس الروايات المتقدمة الدالة على عدم أجزاء حجته عن حجة الاسلام، فانه لا بد من فرض صحة حجه حتى يقال بالاجزاء، أو بعدم الاجزاء، وإلا فالحج الباطل لا مجال لا جزائه عن حجة الاسلام أصلا. وبالجملة لا إشكال في مشروعية الحج واستحبابه له. (2) بعد الفراغ عن استحباب الحج للصبي، وقع الكلام: في انه هل يتوقف حجه على اذن الولي اولا؟. المشهور انه مشروط باذنه، ويستدل لهم بوجهين ذكرهما في المتن. الاول: انه عبادة توقيفية متلقاة من الشرع ومخالف للاصل فيجب الا قتصار فيه على المتيقن. وفيه: ان الامر وان كان كذلك، ولكن يكفي في مشروعيته، ورحجانه اطلاق ما تقدم من الروايات الدالة على استحبابه ورحجانه وصحته له. الثاني: ان بعض أحكام الحج مستتبع للتصرف في المال، فلا بد له من اذن الولي كالكفارات وثمن الهدى.

[ 28 ]

[ وان العمومات كافية في صحته وشرعيته مطلقا، فالاقوى عدم الاشتراط في صحته، وان وجب الاستيذان في بعض الصور، واما البالغ فلا يعتبر في حجه المندوب اذن الابوين (1) إن لم يكن مستلزما للسفر المشتمل على الخطر الموجب لاذيتهما واما في حجه الواجب فلا اشكال. ] وفيه اولا: يمكن أن يقال: بعدم ثبوت الكفارات عليه، لان عمد الصبي، وخطائه واحد، واتيانه ببعض المحرمات لا يوجب الكفارات. وثانيا: لو سلمنا ثبوت الكفارة، وانه لا فرق في ثبوتها بفعل البالغ، والصبي، فان أمكن الاسيتذان من الولي فهو وإلا فيدخل في العاجز، ومجرد ذلك لا يوجب سقوط الحج، وتوقفه على اذن الولي. بل يمكن الالتزام بأنه يأتي بالكفارة بعد البلوغ وهكذا ثمن الهدى، ان أمكن الا سيتذان من الولي فهو، وإلا فيكون عاجزا عن الهدى. فالاقوى عدم اشتراط اذن الولي. (1) لا ينبغي الريب في أن حج البالغ الواجب لا يعتبر فيه اذن الابوين، لعدم الدليل على ذلك، وسلطنة الغير على الشخص - حتى الابوين على الولد - خلاف الاصل، وتحتاج إلى دليل ولا دليل. وكذا لا يسقط وجوبه بنهي الابوين، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا مما كلام فيه. انما الكلام في حجه المندوب، فقد وقع فيه الخلاف، فعن الشهيد الثاني في المسالك توقفه على إذن الابوين معا، واعتبر العلامة في

[ 29 ]

القواعد اذن الاب خاصة، وعن الشيخ، والشهيد الاول عدم اعتبار استيذانهما، واعترف في المدارك والذخيرة بعدم ورود نص في خصوص المسألة، وذكر صاحب الحدائق ان النص موجود، وهو دال على اعتبار إذنهما معا، وهو ما رواه الصدوق في العلل في حديث عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) (قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه إلى أن قال صلى الله عليه وآله: ومن بر الولد أن لا يصوم تطوعا ولا يحج تطوعا ولا يصلي تطوعا إلا باذن أبويه وأمرهما (1) والرواية صريحة الدلالة على توقف الحج على اذن الابوين معا. ولا إشكال في السند أيضا إلامن حيث اشتماله على أحمد بن هلال، ولكن قد ذكرنا غير مرة أن الاظهر وثاقته وان كان فاسد العقيدة، وقد وثقه النجاشي بقوله صالح الرواية، وذكروا في ترجمته انه كان من أصحابنا الصالحين وممن يتوقع الوكالة والنيابة عنه عليه السلام، وحيث لم يجعل له هذا المنصب رجع عن عقيدته، وتشيعه إلى النصب وقد قيل في حقه: ما سمعنا بمتشيع رجع عن تشيعه إلى النصب إلا أحمد بن هلال وكان يظهر الغلو أحيانا، ولذا استفاد شيخنا الانصاري (رحمه الله) أن الرجل لم يكن يتدين بشئ للبون البعيد بين الغلو، والنصب فيعلم من ذلك انه لم يكن متدينا بدين وكان يتكلم بما تشتهيه نفسه. ولكن كل ذلك لا يضر بوثاقة الرجل وأنه في نفسه ثقة، وصالح الرواية، ولا تنافي بين فساد العقيدة والوثاقة. ويؤيد ما ذكرنا تفصيل الشيخ بين ما رواه حال الا ستقامة وما رواه حال الضلال، فان هذا شهادة منه بوثاقة الرجل فانه لو لم يكن ثقة


(1) الوسائل: باب 10 من الصوم المحرم ح 3.

[ 30 ]

لم يجز العمل برواياته مطلقا حتى حال الا ستقامة، وبالجملة الرواية معتبرة سندا، والدلالة واضحة، ولكن مع ذلك لا يمكن الاخذ بها، لان الكافي روى هذه الرواية بعينها بلا زيادة ومن بر الولد إلى الآخر (1) وكذا الصدوق رواها في الفقيه بلا زيادة الحج، ولا الصلاة (2). والظاهر ان الرواية واحدة سندا، ومتنا، حتى لا اختلاف في الالفاظ إلا يسيرا ولم يعلم ان هذه الزيادة مما ذكره الامام (ع) أم لا، مع ان الكافي أضبط، بل الفقيه أضبط من العلل، ومع هذا الا ختلاف لا يمكن الاعتماد على صحة هذه الزيادة. ومع الغض عن ذلك لا يمكن الاعتماد على الرواية لوجهين آخرين. أحدهما: اشتمال الرواية على توقف الصلاة تطوعا على اذن الابوين، وهذا مما لم ينسب إلى أحد أصلا، فلا بد من حمل ذلك على أمر أخلاقي أدبي، يعني من الآداب، والاخلاق الفاضلة، شدة الاهتمام بأمر الوالدين، وتحصيل رضاهما وطاعتهما حتى في مثل الصلاة، والصوم ونحوهما من العبادات الآلهية، فليست الرواية في مقام بيان الحكم الشرعي. ثاينهما: اشتمال الرواية على اعتبار امر الوالدين في صحة الصوم والصلاة والحج مع ان ذلك غير معتبر جزما، إذ غاية ما يمكن أن يقال: اعتبار رضاهما، وأما اعتبار أمرهما فغير لازم قطعا. والحاصل: اشتمال الرواية على ذكر الصلاة وذكر أمرهما، كاشف عن أن الرواية ليست في مقام بيان الحكم الشرعي، بل انما هي واردة


(1) الكافي: ج 4 - ص 151. (2) الفقيه: ج 2 - ص 99.

[ 31 ]

[ (مسألة 2): يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز بلا خلاف لجملة من الاخبار (1) بل وكذا الصبية وان استشكل فيها صاحب المستند. ] في مقام بيان أمر أخلاقي، فيكون الاسيتذان من جملة الآداب والاخلاق. ومما يؤكد سقوط الرواية عن الحجية قول الصدوق في العلل، فانه بعد ما ذكر الخبر، قال: جاء هذا الحديث هكذا (ولكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحج تطوعا كان أو فريضة، ولا في ترك الصلاة، ولا في ترك الصوم تطوعا كان أو فريضة، ولا في شئ من ترك الطاعات) (1). هذا، ولو استلزم السفر إلى الحج أذيتهما، حرم السفر لدلالة بعض الآيات الشريفة، وجملة من الروايات على حرمة إيذائهما، فيختص السفر المحرم حينئذ بصورة علم الابوين، فإذا لم يعلما به لا يحرم لعدم أذيتهما حينئذ. هذا كله فيما إذا استلزم الحج السفر وتحمل مشاق الطريق، ونحو ذلك من لوازم السفر، وأما إذا فرضنا أن الحج لا يستلزم السفر كالاطفال الموجودين في نفس مكة المكرمة، فلا مقتضى للاستيذان (فتأمل) أو الاطفال المستصحبة في القوافل. (1) لا خلاف في استحباب إحجاج الصبي، وقد دلت على ذلك جملة من الروايات المعتبرة، وقد عقد في الوسائل بابا مستقلا لذلك (2).


(1) العلل: الجزء 2 باب: 115 ح 4. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب أقسام الحج.

[ 32 ]

ثم ان المشهور لم يفرقوا بين الصبي، والصبية، ولكن صاحب المستند استشكل في الصبية بدعوى اختصاص النصوص بالصبي، وإلحاق الصبية به يحتاج إلى دليل وهو مفقود. فان مورد الروايات الدلالة على الاحجاج انما هو الصبي، وأما الصبية فلم ترد في الروايات، وأما ما يظهر من بعض الروايات (أن الجارية إذا طمثت فعليها حج الاسلام وان كانت قد حجت قبل البلوغ) (1)، فهو ناظر إلى حج الصبية بنفسها وغير ناظر إلى استحباب الاحجاج بها. وبعبارة أخرى المستفاد من تلك الروايات رجحان حج الصبية بنفسها، والروايات الواردة في الاحجاج موردها الصبي ولا تشمل الصبية. هذا ولكن يمكن استفادة حكم الصبية من بعض هذه الروايات، مثل معتبرة يونس بن يعقوب عن أبيه (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ان معي صبية صغارا وانا أخاف عليهم البرد فمن أين يحرمون، قال: إبت بهم العرج فليحرموا منها) (2) فان الصبية وان كانت جمعا للصبي وجمع الصبية الصبايا، إلا أن المتفاهم العرفي من الصبية الصغار من الاولاد أعم من الذكر والانثى. وبذلك يظهر دلالة غيرها من الروايات أيضا (3).


(1) الوسائل: باب 12 من ابواب وجوب الحج. (2) الوسائل: باب 17 أقسام الحج ح: 7. (3) الوسائل: باب 17 أقسام الحج ح 1.

[ 33 ]

[ وكذا المجنون (1) وان كان لا يخلو عن إشكال، لعدم نص فيه بالخصوص، فيستحق الثواب عليه، والمراد بالاحرام به جعله محرما، لا أن يحرم عنه. فيلبسه ثوبي الاحرام، ويقول: (اللهم إني أحرمت هذا الصبي..) ويأمره بالتلبية، بمعنى: ان يلقنه إياها (2)، ] (1) ذكر الاصحاب انه كالصبي في استحباب الاحجاج، ولا دليل عليه فان الاحكام الشرعية واجبة كانت، أو مستحبة غير متوجهة إلى المجنون أصلا فأنه، كالبهائم، وإلحاق المجنون بالصبي يشبه القياس مع انه قياس مع الفارق، ولا بأس بالاحجاج به رجاءا. ما ذكره (رحمه الله) من أنه يقول من يحجه: (اللهم انى احرمت هذا الصبي..) لا دليل عليه، لان المفروض انه يحج الصبي المميز الذي يتمكن من النية، والتلبية، وساير الاعمال، والمراد بالاحجاج هو أن يلقنه النية، ويحدث هذه الافعال فيه، لا أن يباشرها بنفسه، واستحباب التلفظ بالنية انما هو في أعمال حج نفسه، ولا يدل على ذلك استحباب قوله: (اللهم اني أحرمت هذا الصبي). والحاصل: المتسفاد من النصوص أحداث هذه الاعمال وإيجادها في الصبي إذا كان ممن يتمكن ادائها، فانه يأمره أن يلبي ويلقنه التلبية، فان لم يحسن أن يلبي لبى عنه، وكذلك الطواف يطاف به، وان لم يكن متمكنا من الطواف لعدم تمييزه يطاف عنه كما في صحيحة زرارة (1)


(1) الوسائل باب - 17 - أقسام الحج ح 5.

[ 34 ]

[ وإن لم يكن قابلا يلبي عنه، ويجنبه عن كل ما يجب على المحرم الاجتناب عنه ويامره بكل فعل من أفعال الحج يتمكن منه وينوب عنه في كل ما لا يتمكن ويطوف به ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات ومنى (1)، ويأمره بالرمي، وان لم يقدر يرمي عنه، وهكذا يأمره بصلاة الطواف وان لم يقدر يصلي عنه. ولا بد من أن يكون طاهرا ومتوضئا ولو بصورة الوضوء، وان لم يمكن فيتوضأ هو عنه (2)، ويحلق رأسه وهكذا جميع الاعمال. ] فكل فعل من أفعال الحج إذا تمكن من إتيانه يأمره بذلك وينوب عنه في كل ما لا يتمكن. الصحيح المشعر بدل منى لان منى لا وقوف فيه، اختلفت كلماتهم في الوضوء فعن بعضهم اعتبار الوضوء على من طاف به، وعن آخرين اعتبار الوضوء على نفس الطفل ولو صورته، وعن صاحب الجواهر: ان الاحوط طهارتهما معا. أقول: إن تمكن الطفل من الوضوء، ولو بتعليم الولي إياه، وأحداثه فيه فهو، وان لم يكن الطفل قابلا للوضوء، فلا دليل على وضوئه صورة، وما ورد من إحجاج الصبي إنما هو بالنسبة إلى أفعال الحج كالطواف والسعي، والرمي، ونحو ذلك، وأما الامور الخارجية التي اعتبرت في الطواف، فلا دليل على إتيانها صورة، فان الادلة منصرفة عن ذلك، وإنما تختص بأفعال الحج. كما انه لا

[ 35 ]

[ (مسألة 3): لا يلزم كون الولي محرما في الاحرام بالصبي بل يجوز له ذلك وان كان محلا (1). (مسألة 4): المشهور على أن المراد بالولي - في الاحرام بالصبي غير المميز - الولي الشرعي، من الاب والجد، والوصي لاحدهما، والحاكم، وامينه، أو وكيل أحد المذكورين (2). ] دليل على أن الولي يتوضأ عنه فيما إذا لم يكن الطفل قابلا للوضوء، فان الوضوء من شرائط الطائف لا الطواف، والمفروض ان الولي غير طائف وانما يطوف بالصبي. فدعوى أنه ينوب عنه في الوضوء لا وجه لها لان النيابة ثابتة في أفعال الحج لا في شرائطها. فالصحيح عدم اعتبار الوضوء حينئذ لا على نفس الطفل، ولا على الولي. لاطلاق الرويات الدالة على إحجاج الصبي (2) المشهور على أن استحباب احجاج الصبي مختص بالولي الشرعي، وأما غيره فلا يصح منه إحجاج الصبي، ولا تترتب أحكام الاحرام إذا كان المتصدي لا حرامه غير الولي، وانما ألحقوا به خصوص الام وان لم تكن وليا شرعيا للنص الخاص فيها، وهو صحيح عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (سمعته يقول: مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) برويثة وهو حاج فقامت إليه إمرأة ومعها صبي لها فقالت: يارسول الله أيحج عن مثل هذا قال: نعم

[ 36 ]

[ لا مثل العم والخال، ونحوهما، والاجنبي نعم ألحقوا بالمذكورين: الام وان لم تكن وليا شرعيا للنص الخاص فيها. قالو: لان الحكم على خلاف القاعدة، فاللازم الاقتصار على المذكورين فلا تترتب أحكام الاحرام إذا كان المتصدي غيره. ولكن لا يبعد كون المراد الاعم منهم وممن يتولى أمر الصبي وليا شرعيا. لقوله (ع) قدموا من كان معكم من الصبيان إلى ] ولك أجره (1). ولكن الظاهر عدم اختصاص احجاج الصبي بالولي الشرعي، بل يجوز لكل أحد أن يحرم بالصبي، ويحجه إذ لا دليل على حرمة التصرف بالصبي ما لم يستلزم التصرف تصرفا ماليا. وبالجملة أن رجع التصرف بالصبي إلى التصرف في أمواله فيحتاج إلى اذن الولي. وأما إذا لم يستلزم التصرف فيه تصرفا في ماله فلا دليل على توقف جوازه على اذن الولي، وعليه يجوز إحجاج الصبي لكل من يتولى أمر الصبي ويتكفله وان لم يكن وليا شرعيا، بل كان من الاجانب ويشهد لذلك أيضا إطلاق بعض الروايات كصحيحة معاوية بن عمار (انظروا من كان منكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة) (2). واطلاق ذلك يشمل الصبيان سواء كانوا مع أوليائهم أم لا.


(1) الوسائل باب - 20 - من وجوب الحج ح 1. (2) الوسائل باب - 17 - أقسام الحج - ح: 3.

[ 37 ]

[ الجحفة والى بطن مر. فانه يشمل غير الولي الشرعي أيضا. وأما في المميز فاللازم اذن الولي الشرعي ان اعتبرنا في صحة إحرامه الاذن. (مسألة 5): النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الولي لا من مال الصبي (1) إلا إذا كان حفظه موقوفا على السفر به، أو يكون السفر مصلحة له. (مسألة 6): الهدى على الولي، وكذا كفارة الصيد إذا صاد الصبي. وأما الكفارات الاخر المختصة بالعمد، فهل هي أيضا على الولي، أو في مال الصبي أو لا يجب الكفارة في ] (1) لاإشكال في أن نفقة الصبي من المأكل والمشرب والمساكن ونحو ذلك مما يتوقف عليه حياته تكون من ماله سواء كان في السفر، أو الحضر، وأما النفقة الزائدة على الحضر التي يستلزمها السفر، فقد يكون السفر مصحلة للصبي، كما إذا توقف حفظه على السفر به كما لو فرضنا انه لم يجد شخصا أمينا يطمئن له في بلده حتى يودع الطفل عنده، فلا بد أن يأخذه معه تحفظا على الطفل، فصرف المال الزائد على الحضر حينئذ مصحلة للصبي ويحسب من ماله، وقد لا يكون السفر مصلحة له، كما إذا تمكن من التحفظ على الطفل في بلده من دون أن يسافر معه، بأن يودعه عند شخص أمين حتى يرجع إليه، فحينئذ إذا أخذه معه تكون النفقة الزائدة غير صالحة للصبي وتحسب على الولي لا على الصبي.

[ 38 ]

[ غير الصيد لان عمد الصبي خطأ (1) والمفروض ان تلك الكفارات لا تثبت في صورة ] (1) يقع الكلام في مقامين: أحدهما: في الهدى. ثانيهما: في الكفارات. أما الاول: فالظاهر انه لا خلاف في ان ثمن الهدى على الولي، لان صرف مال الصبي في الهدى ليس من مصالحه، وبامكان الولي أن لا يحج به إذا أخذه معه في السفر، فلا مجوز لصرف ماله في الهدى بل يتحمله من حج به، وبعبارة أخرى، المستفاد من الروايات انما هو استحباب الاحجاج بالصبي، وأما صرف ماله فيحتاج إلى دليل آخر، والمفروض أن صرف ماله في الهدى ليس من مصالح الصبي لانه يمكن أن يأخذه معه ولا يحج به، ويدل على ذلك أيضا صحيح زرارة قال (ع): (إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فانه يأمره أن يلبي ويفرض الحج، فان لم يحسن أن يلبي لبوا عنه ويطاف به ويصلي عنه، قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: يذبح عن الصغار، ويصوم الكبار) (1). ويظهر من الرواية ان الطفل كان في جماعة حجوا به، بقرينة قوله: (لبوا عنه) فلا اختصاص باحجاج الاب ابنه، كما في صدر الرواية. وعلى كل تدل الرواية على أن الذبح على من حج بالصبي وليا كان أم غيره، فان المستفاد منها أن الجماعة الذين حجوا بالصبي


(1) الوسائل باب - 17 - من أقسام الحج الحديث 5.

[ 39 ]

لم يكن لهم ما يذبحون عن المجموع، فلا ينافي تمكنهم من الذبح عن الصغار فأمروا بالصوم وبالذبح عن الصغار. وتدل على ذلك أيضا معتبرة اسحاق بن عمار (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن غلمان دخلوا معنا مكة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير، إحرام، قال قل لهم يغتسلون ثم يحرمون، وأذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم) (1): فانها ظاهرة في أن الكبار الذين تكلفوا أمر الصبيان مأمورون بالذبح عن الصغار، وبالجملة المستفاد من الروايتين ان الهدي على من يحج بالصبي، لا على نفس الصبي، وأما ما في صحيح معاوية بن عمار من قوله: (ع) (ومن لا يجد الهدى منهم فليصم عنه وليه) (2). فيدل على أن الولي إذا لم يكن له مال فليصم عن الطفل، ولا يدل على أن الهدى من مال الصبي، وان كان لا يخلوا عن اشعار بذلك، ولكن لا جل الصحيحة المتقدمة يحمل على ما إذا لم يجد وليه مالا وأما إذا وجد فعليه بل يمكن أن يقال: ان ثبوت الصوم - الذي هو بدل الذبح - على الولي يؤكد كون الذبح عليه أيضا. المقام الثاني: في الكفارات. يقع الكلام تارة في كفارة الصيد وأخرى في بقية الكفارات. أما الاول: فالمشهور على أن كفارة الصيد على الولي، وعن ابن إدريس عدم وجوب الكفارة أصلا لا على الولي ولا في مال الصبي، وعن التذكرة انها تجب في مال الصبي، وعن التذكرة انها تجب في مال الصبي، والصحيح ما ذهب إليه المشهور، لصحيح زرارة (وان


(1) الوسائل: باب 17 أقسام الحج ح 2. (2) الوسائل: باب 17 أقسام الحج ح 3.

[ 40 ]

قتل صيدا فعلى أبيه) (1) فان المستفاد منه كون الكفارة على الولي أبا كان أم غيره إذ لا خصوصية للاب بل الاب انما وجب عليه لكونه من مصاديق الولي فخصوصية الاب تلغى، وقد عرفت انه يظهر من الرواية أن الطفل كان في جماعة وفيهم أبوه، ومن الواضح أن الاب حينئذ يتكفل شؤون الطفل، ويقوم بأمره، وإحجاجه، ونحو ذلك، فطبعا تكون كفارة الصيد عليه لانه قائم بأمره، فلا وجه لما حكى عن العلامة من انها يجب في مال الصبي لانه اجتهاد في مقابل النص. فدعوى ان الكفارة ثابتة في مال الطفل، لان ذلك من قبيل الاتلاف، والضمانات، كما إذا أتلف الصبي مالا، فانه يضمن ويثبت على ذمته، إذ لا مانع من ثبوت الحكم الوضعي بالنسبة إلى الصبي كما عن العلامة، لا تخلو من الغرابة لان ثبوت الكفارات ليس من باب الضمان، بل هو حكم تكليفي ثابت في مورده ولا موجب لثبوت ذلك على الطفل سواء كانت هناك رواية أم لا، مضافا إلى النص الصريح الدال على أنها على أبيه ولعله (قده) لم يطلع على الرواية. كما لا وجه لما عن ابن ادريس (رحمه الله) من عدم ثبوت الكفارة أصلا لا على الطفل ولا على وليه بعد ما دلت الصحيحة على أنها على أبيه، فلا ينبغى الريب بالنسبة إلى كفارة الصيد وانها على الولي. وأما الثاني: وهو بقية الكفارات، كما إذا ليس المخيط اختيارا أو استظل، ونحو ذلك، فالظاهر عدم وجوبها على الولي، لانه بلا موجب، والنص المتقدم الدال على أنها على أبيه، خاص بكفارة الصيد، فلا يقاس غيره به، بل هو قياس مع الفارق، لان الصيد له أهمية بخلاف بقية الكفارات، كما لا تجب على الصبي نفسه، لا


(1) الوسائل: باب 17 أقسام الحج ح 5.

[ 41 ]

لان عمد الصبي وخطأه واحد، لان هذه الجملة أجنبية عن أمثال، المقام، وإنما تختص بباب الديات والجنايات، وتوضيح ذلك: ان هذه الجملة وردت في روايتين. الاولى: صحيحة محمد بن مسلم (عمد الصبي وخطأه واحد) (1) الثانية: معتبرة إسحاق بن عمار (عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة) (2) والرواية الثانية قرينة على أن الرواية الاولى ناظرة إلى باب الديات والجنايات، والمستفاد من الروايتين ان كل مورد، وعمل واحد إذا كان له حكمان، حكم على العمد، وحكم على الخطاء، يعنى هذا الفعل على تقدير صدوره عمدا له حكم، وعلى تقدير صدوره خطأ له حكم آخر، فبالنسبة إلى فعل الصبي يترتب عليه حكم الخطأ لا حكم العمد، وأما إذا كان الخطأ لا حكم له أصلا وكان الاثر مترتبا على صورة العمد فغير مشمول للروايتين، لان ظاهر صحيح محمد بن مسلم ان الخطاء بعنوانه له حكم خاص، وأما إذا كان الحكم مختصا بصورة العمد، ولم يكن للخطأ فيه حكم فلا يشمله الخبران ولذا لاريب في بطلان صلاة الطفل بالتكلم العمدي، ولا مجال لتوهم عدم البطلان بدعوى: ان عمد الصبي، وخطأة واحد، وكذا لاريب في بطلان صومه إذا أفطر عمدا. وبالجملة قوله (ع) (عمد الصبي خطأ) يشمل المورد الذي له سنخان من الحكم، حكم ثابت لصورة العمد، وحكم ثابت لصورة الخطأ، وهذا النحو من الاحكام، انما هو في باب الجنايات والديات، فإذا جنى الصبي عمدا يترتب على فعله أحكام الخطأ، وإذا ارتكب


(1) الوسائل باب 11 من أبواب العاقلة ح 2. (2) الوسائل باب 11 من أبواب العاقلة ح 3.

[ 42 ]

[ الخطأ، وجوه لا يبعد قوة الاخير، أما لذلك، واما لا نصراف أدلتها عن الصبي. لكن الاحوط تكفل الولي، بل لا يترك هذا الاحتياط، بل هو الاقوى. لان قوله (ع) عمد الصبي خطأ مختص بالديات والانصراف ممنوع، وإلا فيلزم الالتزام به في الصيد أيضا. ] القتل عمدا، ويعامل معه معاملة القاتل خطأ، وأما المورد الذي ليس له إلا حكم واحد مترتب على صورة العمد خاصة كأكثر الاحكام فغير مشمول لهذه الجملة بل لاجل عدم تحقق العمد. بل الوجه في عدم وجوب الكفارات على الصبى، ان كل حكم إلزامي مترتب على فعل الصبى مرفوع بحديث رفع القلم وعدم جريه عليه، ومقتضاه انه لا يلزم بشئ، وهذه الامور المترتبة على أعمال الحج من قبيل التكليف، والحكم التكليفي مرفوع عن الصبى لحديث رفع القلم. وقد يستدل على ذلك بان أدلة الكفارات منصرفة عن الصبى، لان الكفارات في الحقيقة تأديب، وعقوبة، والصبى لا عقوبة على مخالفته. وتشكل بان الكفارات ليست كلها كذلك، بل تثبت في غير صورة التأديب أيضا، كالتستر الاضطراري والتضليل الاضطراري ونحو ذلك. والحاصل: لا تثبت الكفارات لا على الولي ولا على الصبى، فان ثبوتها على الولي بلا موجب، وثبوتها على الصبي مرفوع بحديث رفع القلم.

[ 43 ]

[ (مسألة 7): قد عرفت انه لو حج الصبي عشر مرات لم يجزه عن حجة الاسلام بل يجب عليه بعد البلوغ والاستطاعة، لكن استثنى المشهور من ذلك: ما لو بلغ وأدرك المشعر، فانه حينئذ يجزي عن حجة الاسلام، بل ادعى بعضهم الاجماع عليه (1). ] (1) المعروف، والمشهور بين الاصحاب ان الصبي إذا حج وادرك أحد الموقفين بالغا، اجزأه عن حجة الاسلام، بل ادعى عليه الاجماع، قال: الشيخ في الخلاف في هذه المسألة، وفي مسألة حج العبد إذا اعتق، (دليلنا اجماع الفرقة وإخبارهم). أما ما نسبه إلى الاخبار فلم يذكر هذا الحكم في خبر حتى الضعيف، فضلا عن المعتبر، ولعله أشار إلى ما ورد من الاخبار في عتق العبد قبل أحد الموقفين بالغاء خصوصية المورد، فان الميزان ادراك أحد الموقفين واجدا للشرائط، من الحرية، والبلوغ، والعقل. وأما الاجماع فلا يتم، وقد نسب إلى جماعة التردد كالمحقق في المعتبر والشرائع، والعلامة في المنتهى، على أنه لو سلمنا تحقق الاجماع فانه ليس من الاجماع المصطلح الكاشف عن رأي المعصوم (ع) لامكان استنادهم في الحكم المذكور إلى الروايات الواردة في العبد، وتعدوا من مواردها إلى الصبي، فيكون اجماعا اجتهاديا لا تعبديا، وكيف كان: فقد استدلوا على ذلك بوجوه. الاول: الروايات الآتية في العبد الدالة على أجزاء حجه إذا

[ 44 ]

أدرك المشعر معتقا (1) بالغاء خصوصية العبد، وان المناط في الاجزاء، الشروع في أعمال الحج حال عدم الوجوب لعدم الكمال، ثم حصوله قبل المشعر، سواء كان الكمال بالبلوغ، أو بالاعتاق، والحرية وفيه: ان إلغاء الخصوصية يحتاج إلى قرينة داخلية، أو خارجية، وهي غير موجودة، بل ذلك قياس لا نقول به، مع ان لازمه الالتزام به فيمن حج متسكعا، ثم استطاع قبل المشعر، ولا يقولون به كما ذكره في المتن. الوجه الثاني: ما ورد من الاخبار، من أن من لم يحرم من مكه أحرم من حيث أمكنه، ولو قبل المشعر (2)، فإذا كان الوقت صالحا وقابلا للحج ابتداءا فهو قابل للانقلاب، بل ذلك أولى. وفيه ان هذا الوجه يعد من الغرائب، لان كلامنا في المقام في غير المكلف وهو الفاقد للشرط كالبلوغ، ثم صار واجدا له قبل الموقف، ومورد الروايات من كان مكلفا بالحج، ولكن تركه لجهل، أو نسيان أو عذر، أو عصيان، وبعبارة أخرى مورد هذه الروايات من لم يعمل بالوظيفة، ومقامنا غير المكلف إذا بلغ في الاثناء، فلا ربط لاحدهما بالاخر. الوجه الثالث: الاخبار الدالة على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحج (3) والمستفاد منها ان العبرة بادراك المشعر، ولاضير في عدم اتيان الاعمال السابقة حال البلوغ والتكليف.


(1) الوسائل باب 17 من أبواب وجوب الحج. (2) الوسائل باب 14 من أبواب المواقيت. (3) الوسائل باب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر.

[ 45 ]

وأجاب عنها في المتن بان موردها من لم يحرم، ومحل كلامنا من أحرم سابقا لغير حجة الاسلام، فلا تشمل الاخبار مورد الكلام. وفيه: ان مورد الروايات ليس من لم يحرم، بل موردها من ترك الوقوف بعرفة عن غير عمد، وانما تركه لمانع كما إذا حبس، أو منعه مانع ونحو ذلك مما يوجب ترك الوقوف بعرفة، وأدرك المشعر ففي هذا المورد دلت الروايات على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحج سواء كان قبل ذلك محرما أم لم يكن محرما. والصحيح في الجواب أن يقال: ان تلك الروايات في مقام بيان تصحيح الحج، وانه من أدرك المشعر فقد صح حجه، والمفروض ان الحج في المقام صحيح ومشروع، وانما الكلام في اجزائه عن حجة الاسلام وعدمه، فالروايات أجنبية عن المقام. وقد استدل بوجه رابع: وهو أحسن الوجوه المتقدمة. وحاصله: ان الحج طبيعة واحدة مشتركة بين الصبي، والبالغ، وانما الاختلاف في الحكم، بمعنى انه مستحب لطائفة وواجب على طائفة أخرى كالبالغين، ولا اختلاف في الموضوع، نظير الصلاة فانه إذا بلغ الطفل أثناء الصلاة، أو بعدها في أثناء الوقت، لا يجب عليه إعادة الصلاة، لانها طبيعة واحدة وقد أتى بها، ولا موجب للاعادة فالسقوط على طبق القاعدة، نعم وردت النصوص ان حج الصبي إذا وقع بتمامه حال الصغر لا يجزى، وبهذا المقدار نخرج عن مقتضى القاعدة، ولولا النص لقلنا بالاجزاء حتى إذا بلغ بعد اتمام الحج. والجواب: انه قد ظهر من بيان الاستدلال، توقفه على إثبات مقدمتين:

[ 46 ]

الاولى: ان الحج حقيقة واحدة كالصلاة، غاية الامر واجب بالنسبة إلى بعض ومندوب بالنسبة إلى آخرين، فالحج الصادر من الصبي عين الحج الصادر من البالغ. الثانية: ان الروايات الدالة على عدم اجزاء حج الصبي عن حجة الاسلام، لا تشتمل ما إذا بلغ في أثناء الحج. واثبات كليهما ممنوع، اما الاولى: فلم يدل عليها أي دليل، غير اتحاد الصورة وهو لا يكشف عن وحدة الحقيقة، نظير صلاة النافلة، والواجبة، والقضاء، والاداء، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، فان صورة ذلك كله متحدة، ولكنها حقائق مختلفة. وبالجملة: وحدة الصورة لا تكشف عن وحدة الحقيقة، بل الادلة والروايات تدل على العكس، فان الروايات الواردة في المقام الدالة على عدم اجزاء حج الصبي عن حجة الاسلام تكشف عن اختلاف الحقيقة، وكذا الروايات الواردة في عدم أجزاء حج العبد، وكذا حج المتسكع، فان الحكم بالاجزاء أو عدم الاجزاء يكشف عن اختلاف الحقيقة، وان حجة الاسلام لها عنوان خاص تختلف حقيقته عن حج الصبي، وان كان مشابها مع حج الصبي صورة، فان حج الاسلام مما بنى عليه الاسلام، بخلاف حج الصبي ولذا لا يكون مجزيا " عن حج الا سلام. وبعبارة أخرى: هذه الروايات الدالة على الاجزاء وعدمه، تكشف عن الاختلاف في الحقيقة بين المجزى والمجزى عنه، فان المجزى غير المجزى عنه، إذ لا معنى لكون الشئ مجزيا عن نفسه، فان أجزاء شئ عن شئ يقتضى الاثنينية والاختلاف ببينهما، ولو سلمنا ان الحج حقيقة واحدة فلا نسلم المقدمة الثانية، فان اطلاق

[ 47 ]

[ وكذا إذا حج المجنون ندبا ثم كمل قبل المشعر (1). واستدلوا على ذلك بوجوه: أحدها: النصوص الواردة في العبد - على ما سيأتي - بدعوى عدم خصوصية العبد في ذلك، بل المناط الشروع حال عدم الوجوب لعدم الكمال، ثم حصوله قبل المشعر. وفيه: انه قياس مع أن لازمه الالتزام به فيمن حج متسكعا ثم حصل له الاستطاعة قبل المشعر، ولا يقولون به. ] الروايات الدالة على عدم أجزاء حج الصبي يشمل ما إذا بلغ أثناء العمل وقبل اتمامه، كصحيحة اسحاق بن عمار (1) فان صدرها وان كان واردا بالسنبة إلى الصبي وهو ابن عشر سنين، وتصوير البلوغ بالاحتلام في أثناء الحج في حقه بعيدا جدا. ولكن ذيلها وارد في الجارية وان عليها الحج إذا طمثت، وتصوير حدوث الطمث من الجارية أثناء الحج أمر ممكن، وبالجملة مقتضى اطلاق الصحيحة عدم الفرق في عدم الاجزاء بين حدوث الطمث بعد تمام الاعمال وبين حدوثه في أثناء الحج. ويؤيد الاطلاق المذكور ما التزموا به من عدم الاجزاء إذا بلغ بعد الموقفين وقبل اتمام بقية الاعمال، والظاهر انهم استندوا في هذا الحكم إلى هذه الروايات ويكشف ذلك عن إطلاق الروايات، ويبعد استنادهم إلى الاجماع التعبدي. (1) لعدم الفرق بينه وبين الصبي دليلا واشكالا.


(1) الوسائل: باب 12 من ابواب وجوب الحج ح 1.

[ 48 ]

[ الثاني: ما ورد من أن من لم يحرم من مكة أحرم من حيث أمكنه، فانه يستفاد. منها: ان الوقت صالح لانشاء الاحرام، فيلزم أن يكون صالحا للانقلاب أو القلب بالاولى. وفيه ما لا يخفى. الثالث: الاخبار الدالة على ان من أدرك المشعر فقد أدرك الحج. وفيه: ان موردها من لم يحرم، فلا يشمل من أحرم سابقا لغير حجة الاسلام، فالقول بالاجزاء مشكل. والاحوط الاعادة بعد ذلك ان كان مستطيعا، بل لا يخلو عن قوة. وعلى القول بالاجزاء يجري فيه الفروع الآتية في مسألة العبد من انه هل يجب تجديد النية لحجة الاسلام أولا، وانه هل يشترط في الاجزاء استطاعته بعد البلوغ من البلد أو من الميقات أو لا. وانه هل يجري في حج التمتع مع كون العمرة بتمامها قبل البلوغ أو لا، إلى غير ذلك. (مسألة 8): إذا مشى الصبي إلى الحج فبلغ قبل أن يحرم من الميقات وكان مستطيعا لا اشكال في ان حجه حجة الاسلام (1). ] (1) هذا من جملة الواضحات، ويشمله عمومات وجوب الحج، ومجرد اتيان المقدمات حال الصغر غير ضائر في احتساب الحج عن حجة الاسلام، وكان على المصنف (ره) وغيره ممن تعرض لهذه

[ 49 ]

[ (مسألة 9): إذا حج باعتقاد انه غير بالغ ندبا فبان بعد الحج انه بالغا، فهل يجزي عن حجة الاسلام أو لا، وجهان، اوجهها الاول، وكذا إذا حج الرجل - باعتقاد عدم الاستطاعة - بنية الندب ثم ظهر كونه مستطيعا حين الحج (1). ] المسألة أن يذكروا ما لو بلغ بعد الاحرام وقبل الشروع في الاعمال، وانه هل يتم ذلك ندبا، أو حين البلوغ ينقلب إلى حجة الاسلام، فيعدل إليها، أو يستأنف ويحرم ثانيا من الميقات، وانما تعرضوا لحدوث الا ستطاعة بعد الاحرام مع ان المسألتين من باب واحد. وكيف كان: فالاكتفاء بالاحرام الاول بدعوى انقلاب حجة الاسلام لا دليل عليه. وأما اتمامه ندبا فلا وجه له، إلا ما قيل: من أن المحرم ليس له ان يحرم ثانيا، وهذا واضح الدفع، فان الاحرام الاول ينشكف فساده بالبلوغ المتأخر، والاستطاعة الطارئة، ولذا لو علم حال الاحرام بانه يبلغ بعد يومين مثلا، أو يستطيع بعدهما، ليس له أن يحرم وهو صبي، فلا بد من إعادة الاحرام ويرجع إلى الميقات ويحرم احرام حجة الاسلام، وهكذا لو دخل في افعال العمرة واتمها ثم بلغ، فانه يجب عليه الرجوع إلى الميقات واتيان العمرة ثانيا إذا وسع الوقت، فان البلوغ، أو الا ستطاعة يكشف عن بطلان ما أتى به من الاحرام أو العمرة، فيشمله عمومات وجوب الحج من الآية والرواية. (1) هذا انما يتم فيما إذا قصد الآتي بالحج امتثال الامر الفعلي

[ 50 ]

وكان قصده الندب خطأ منه في التطبيق كما هو الغالب وأما إذا كان قصد امتثال الامر الندبي على وجه التقييد فالظاهر عدم اجزائه عن حجة الاسلام لما تقدم من أن حجة الا سلام مغايرة في الحقيقة مع غيرها فلا بد في سقوط امرها من قصد عنوانها في مقام الامتثال فما لم يقصد عنوانها لا يصدق على ما أتى به في الخارج، انه حجة الاسلام ومع عدم الصدق لا موجب لسقوط أمرها. وعلى الجملة يعتبر في العناوين القصدية التي لا تمتاز إلا بالقصد، قصد عنوان المأمور به، كالقصد إلى خصوص صلاة الظهر، أو العصر، أو القضاء، أو الاداء، أو النافلة، أو الفريضة، فان كان المقصود احدهما وكان الواقع شيئا آخر، لا يقع المأتى به عن شئ منهما، لان الواقع لم يقصد وما هو مقصود لا واقع له، فان المأتى به غير مميز ليقع مصداقا لاحدهما، فالبطلان لا جل عدم القصد، وعدم التمييز، لا لا جل اعتبار قصد الوجه من الوجوب، والندب، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في مبحث الا غسال، في مسألة: من كان عليه غسل الجنابة فاغتسل غسل المس أو بالعكس. وملخص الكلام: ان الواجب على الملكلف قد يكون امرين، فلو اتى من دون قصد احدهما لا يقع شئ منهما، لعدم التمييز والتعيين، فمن كان عليه الاداء والقضاء واتى باربع ركعات مع قصد القربة، ولم يقصد الاداء ولا القضاء لا يقع ما اتى به اداء ولا قضاءا، وقد يكون الواجب الفعلي الواقعي عليه امرا واحدا، ولكنه في مقام الا متثال تخيل انه من هذا القسم، ثم تبين انه من القسم الاخر، فان كان من باب الاشتباه في التطبيق، فهو في الحقيقة قصد الامر الفعلي المتوجه إليه وقصد ماله واقع، ولكن تخيل ان الواقع هو

[ 51 ]

[ الثاني من الشروط: الحرية، فلا يجب على المملوك وان اذن له مولاه، وكان مستطيعا من حيث المال (1) بناءا على ما هو الاقوى من القول بملكه، أو بذل له مولاه الزاد والراحلة ] هذا، ففي الحقيقة قصد عنوان المأمور به بوجه ما وقصد امتثال الامر الفعلي، ولكنه زعم انه من القسم الاخر، وهذا غير ضائر في الحكم بالصحة، وحصول الامتثال. (1) لا ريب في اعتبار الحرية في وجوب الحج، ولا يجب على المملوك وان اذن له مولاه، وكان مستطيعا، وهذا مما لا خلاف فيه ويدل عليه طوائف من الروايات. الطائفة الاولى: ما دل على انه ليس على المملوك حج، ولا عمرة حتى يعتق. كصحيحة الفضل بن يونس (1). الثانية: ما دل على ان المملوك إذا حج ثم اعتق عليه اعادة الحج كصححية علي بن جعفر (2). الثالثة: ما دل على انه ان اعتق قبل احد الموقفين اجزء عن حجة الاسلام، فان مفهومه يدل على انه لو لم يعتق لم يجز كصحيحة شهاب وصحيحة معاوية بن عمار (3) نعم في رواية واحدة اطلق حجة الاسلام على حج العبد، وان حجه يجزي عن حجة الاسلام، وهي صحيحة ابان عن حكم بن حكيم الصيرفي (قال سمعت أبا عبد الله - ع -


(1) الوسائل: باب 15 وجوب الحج حديث 1. (2) الوسائل: باب 16 وجوب الحج حديث 3. (3) الوسائل: باب 17 وجوب الحج حديث 1 و 2.

[ 52 ]

[ نعم لو حج بأذن مولاه صح بلا اشكال، ولكن لا يجزيه عن حجة الاسلام فلو اعتق بعد ذلك اعاده للنصوص، منها: خير مسمع: (لو ان عبدا حج عشر حجج ثم اعتق كانت عليه حجة للاسلام إذا استطاع إلى ذلك سبيلا ] يقول: ايما عبد حج به مواليه فقد قضى حجة الاسلام) (1) إلا انه لا بد من طرحها لشذوذها، ومخالفتها للرويات المشهورة الكثيرة، أو حملها على حجة الاسلام بالنسبة إلى العبد، فان كل طائفة لها حجة الاسلام، كما تقدم نظير ذلك في حج الصبي، وذلك لا يدل على سقوط حجة الاسلام عنه إذا اعتق وصار حرا، ويدل على ما ذكرنا روايته الثانية - (والعبد إذا حج به فقد قضى حجة الاسلام حتى يعتق) - (2) فانها تدل على وجوب حجة الاسلام عليه إذا اعتق، مع ان حجة الاسلام اطلقت على حجه حال عبوديته. ثم ان رواية ابان الاولى رواها في التهذيب عن السندي بن محمد عن ابان عن حكم بن حكيم الصيرفي، وتبعه في الوسائل والوافي، ولكن في الاستبصار رواها عن السندي عن ابان بن محمد عن الحكم، والظاهر ان ابان بن محمد لا وجود له اصلا، بل الصحيح ما في التهذيب والوسائل والوافي، فما في الاستبصار غلط جزما. واما الرواية الثانية فقد رواها في الوسائل عن ابان بن الحكم، والصحيح عن ابان عن الحكم، فان ابان بن الحكم لا وجود له في الاخبار وكتب الرجال وابان هو ابن عثمان والحكم هو الصيرفي الثقة.


(1) الوسائل: باب 16 وجوب الحج حديث 7. (2) الوسائل: باب 16 وجوب الحج حديث 2.

[ 53 ]

[ ومنها: (المملوك إذا حج - وهو مملوك - اجزئه إذا مات قبل ان يعتق فان اعتق اعاد الحج). وما في خبر حكم بن حكيم (ايما عبد حج به مواليه فقد ادرك حجة الاسلام) محمول على ادراك ثواب الحج، أو على انه يجزيه عنها مادام مملوكا، لخبر ابان: (العبد إذا حج فقد قضى حجة الاسلام حتى يعتق) فلا اشكال في المسألة. نعم لو حج باذن مولاه ثم انعتق قبل ادراك المشعر، اجزئه عن حجة الاسلام. بالاجماع، والنصوص (1). ويبقى الكلام في امور: احدها: هل يشترط في الاجزاء تجديد النية - للاحرام بحجة الاسلام - بعد الانعتاق فهو من باب القلب، أولا بل هو انقلاب شرعي؟ قولان: مقتضى اطلاق النصوص الثاني وهو الاقوى، فلو فرض انه لم يعلم بانعتاقه حتى فرغ، أو علم ولم يعلم الاجزاء حتى يجدد النية كفاه واجزائه. الثاني: هل يشترط في الاجزاء كونه مستطيعا حين الدخول في الاحرام، أو يكفي استطاعته من حين الانعتاق، أو لا يشترط ذلك اصلا؟ اقوال: اقواها الاخير لاطلاق ] (1) هذا مما لا ريب ولا خلاف فيه للنصوص (1) وانما يقع البحث


(1) الوسائل: باب 17 وجوب الحج.

[ 54 ]

[ النصوص: وانصراف مادل على اعتبار الاستطاعة عن المقام الثالث: هل الشرط في الاجزاء ادراك خصوص المشعر سواء ادرك الوقوف بعرفات ايضا أو لا، أو يكفي ادراك أحد الموقفين، فلو لم يدرك المشعر لكن ادرك الوقوف بعرفات معتقا كفى؟ قولان: الاحوط الاول: كما ان الاحوط اعتبار ادراك الاختياري من المشعر، فلا يكفي ادراك الاضطراري منه: بل الاحوط اعتبار ادراك كلا الموقفين وان كان يكفي الانعتاق قبل المشعر لكن إذا كان مسبوقا بادراك عرفات ايضا ولو مملوكا. الرابع: هل الحكم مختص بحج الافراد والقران، أو يجري في حج التمتع أيضا وان كانت عمرته بتمامها في حال المملوكية؟ الظاهر الثاني: لاطلاق النصوص خلافا لبعضهم، فقال بالاول، لان ادراك المشعر معتقا انما ينفع للحج لا للعمرة الواقعة حال المملوكية. وفيه: ما مر من الاطلاق ولا يقدح ما ذكره ذلك البعض لانهما عمل واحد. هذا إذا لم ينعتق إلا في الحج. واما إذا انعتق في عمرة التمتع، وأدرك بعضها معتقا فلا يرد الاشكال. ] في جهات تعرض إليها في المتن. الجهة الاولى: بعد الفراغ عن اجزاء حجه عن حجة الاسلام إذا

[ 55 ]

ادرك المشعر معتقا. هل يشترط في الاجزاء تجديد النية، وقلبها إلى حجة الاسلام، أو لا بل هو انقلاب شرعي قهري؟ الظاهر هو الثاني لاطلاق النصوص الدالة على الاجزاء، فان هذه النصوص في الحقيقة تخصيص لما دل على اعتبار الحرية ومقتضاه اعتبار الحرية بهذا المقدار وعدم اعتبارها في جميع افعال الحج واعماله، قلب النية ام لم يقلبها بل التعبير بالانقلاب مسامحي. والحاصل: مقتضى هذه النصوص ان الحرية من المشعر وما بعده كاف في حجة الاسلام، ولا تضر العبودية في اتيان الاعمال السابقة على المشعر، بل مقتضى الاطلاق انه لو كان جاهلا بالموضوع ولم يعلم بانعتاقه، أو كان جاهلا بالحكم كما إذا علم بالانعتاق ولم يعلم الحكم بالاجزاء حتى يجدد النية، هو الاكتفاء واجزائه عن حجة الاسلام. فما نسب إلى جماعة من وجوب تجديد النية لا وجه له. الجهة الثانية: هل يعتبر في الاجزاء كونه مستطيعا من اول الامر حين دخوله في الاحرام، أو تكفى استطاعته من حين الانعتاق، أو لا يعتبر ذلك اصلا، لا من الاول، ولا بعد العتق؟ اقوال ثلاثة، قوى الاخير في المتن، بدعوى اطلاق نصوص المقام وانصراف ما دل على اعتبار الاستطاعة عنه. وفيه: ان هذه الروايات غير ناظرة إلى هذه الجهة، وانما هي ناظرة إلى الحرية والعبودية، وان الحرية تكفي بهذا المقدار، فهي تخصيص في اعتبار الحرية، والغاء لشرطية الحرية في تمام الاعمال، وأما بالنسبة إلى اعتبار بقية الشرائط بعد الانعتاق، فالنصوص غير ناظرة إليه، ولا اطلاق لها من هذه الجهة، ولذا لو جن بعد الانعتاق لا يمكن القول بالصحة لاجل اطلاق النصوص، وهذا شاهد قوي على

[ 56 ]

ان الروايات ناظرة إلى خصوص الحرية والعبودية، وغير ناظرة إلى سائر الشرائط. فالاقوى هو القول الوسط وهو اعتبار الاستطاعة من حين الانعتاق لما عرفت من ان الروايات غير ناظرة إلى الغاء جميع الشرائط، فلابد من الرجوع إلى الادلة الاولية المقتضية لاعتبار الاستطاعة ولو سلم انصرافها عن المقام، فهو بدوي لا عبرة به. وبالجملة مقتضي: اطلاق نصوص المقام ان حجه إلى زمان العتق محكوم بالصحة، وأما بعد العتق يرجع إلى الادلة الاولية المقتضية لاعتبار الاستطاعة، فالغاء شرطية الاستطاعة بالمرة لا دليل عليه. كما ان الالتزام باعتبار الاستطاعة من اول الامر لا شاهد عليه. فان هذه النصوص دلت على ان العبودية السابقة وإن كانت مع التسكع غير قادحة في صحة الحج. الجهة الثالثة: هل يشترط في الاجزاء ادراك خصوص المشعر سواء كان قد ادرك الوقوف بعرفات اولا، أو يكفي ادراك احد الموقفين؟ ان نصوص المقام إنما تدل على الاكتفاء بحصول الحرية في احد الموقفين، فان قلنا بالاجتزاء بالوقوف بعرفة فقط فقلنا به في العبد المعتق أيضا، وان قلنا: بلزوم انضمام الوقوف بالمشعر في الاجتزاء نلتزم بذلك في العبد أيضا. وبعبارة اخرى: ليس الحكم بالنسبة إلى العبد حكما جديدا، بل حاله من هذه الجهة حال غيره، ولذا لو فرض ادراك الوقوف الاختياري في عرفات فقط معتقا من دون المشعر اصلا، فالاظهر بطلان حجه كما في غيره، فان هذه الروايات تتكفل بالغاء اعتبار الحرية بهذا المقدار ولا تتكفل باثبات الصحة لو اقتصر على الوقوف

[ 57 ]

[ (مسألة 1): إذا اذن المولى لمملوكه في الاحرام فتلبس به ليس له ان يرجع في اذنه، لوجوب الاتمام على المملوك ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1). نعم لو اذن له ثم رجع قبل تلبسه به لم يجز له ان يحرم إذا علم برجوعه. وإذا لم يعلم برجوعه فتلبس به هل يصح احرامه ويجب اتمامه، ] بعرفة، بل لا بد في الا جتزاء بذلك من الرجوع إلى غير ذلك من الادلة وسيأتي ان شاء الله تعالى عدم الاكتفاء بالوقوف بعرفة فقط. الجهة الرابعة: هل الحكم بالاجزاء فيما إذا انعتق قبل احد الموقفين مختص بحج الافراد والقران، أو يعم حج التمتع أيضا؟. مقتضى اطلاق النصوص هو الثاني لشموله لجميع اقسام الحج ولا مقتضى للتقييد بحج الافراد والقران. وأما ما ذكره (رحمه الله) من انه إذا انعتق في عمرة التمتع، وادرك بعضها معتقا فلا اشكال. فلم يظهر وجهه، لان حال ذلك، حال ما لو اعتق بعد العمرة. فان المستفاد من اطلاق النصوص عدم الفرق بين حصول الحرية قبل الشروع في اعمال الحج وحصولها في ائناء العمرة، وبين حصول الحرية بعد العمرة وقبل الموقف بمدة يسيرة مثلا، فان الميزان في الا جتزاء كونه حرا في احد الموقفين سواء حصلت الحرية في اثناء العمرة أم بعدها قبل احد الموقفين ولو نوقش في الاطلاع وادعى اختصاصها بحج الافراد أو القران فلا اثر للانعتاق اثناء العمرة والحكم فيه هو الحكم في الا نعتاق اثناء الحج. رجوع المولى عن اذنه بالاحرام يتصور على صور.

[ 58 ]

[ أو يصح ويكون للمولى حله، أو يبطل؟ وجوه، اوجهها الاخير. لان الصحة مشروطة بالاذن، المفروض سقوطه بالرجوع. ودعوى: ان دخل دخولا مشروعا فوجب اتمامه، فيكون رجوع المولى كرجوع الموكل قبل التصرف ولم يعلم الوكيل. مدفوعة: بانه لا تكفي المشروعية الظاهرية. وقد ثبت الحكم في الوكيل بالدليل، ولا يجوز للقياس عليه. ] الاولى: ما إذا رجع المولى عن اذنه بعد تلبس العبد بالاحرام، فقد ذكر في المتن انه ليس له ان يرجع في اذنه، ولا اثر لرجوعه، لوجوب الاتمام على العبد ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1). والظاهر انه لم يظهر منهم خلاف في المسألة، ويتفرع على ذلك المسألة الآتية من انه لو باع العبد المأذون في الاحرام بعد تلبسه به، ليس للمشترى - المولى الثاني - منعه عن الاتمام، لان منعه عن الواجب يستلزم معصية الخالق ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فلا اثر لمنعه وكذا لو انتقل إلى الوارث ليس له منعه بعد وجوب الاتمام عليه وبعبارة اخرى: ليس للمالك منعه عن الاتمام سواء كان هو المولى الاول، أو الوارث، أو المشتري (المالك الثاني) ولا يترتب اثر على منعه في اتيان الواجب لعدم طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هذا وفيما ذكروه مجال واسع للا شكال عليه، لان اتمام الحج مشروط


(1) الوسائل: باب 59 وجوب الحج وباب 11 من كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وباب 3 من جهاد النفس حديث 1.

[ 59 ]

ببقاء الشرائط، وإذا فقد الشرط لا يمكن التمسك بوجوب الاتمام، لان الاتمام انما يجب فيما إذا كان سايغا ومشروعا في نفسه، والمفروض ان الاتمام غير مقدور له شرعا لانه مملوك، وجميع تصرفاته متوقف على اذن المولى، وهو لا يقدر على شئ، فكيف يقال بان الاتمام واجب عليه. وبعبارة اخرى: هذه الكبرى وهي انه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق وإن كانت مسلمة، ولكنها تنطبق فيما إذا كانت المعصية مفروضة ومحرزه، كمورد الزنا، والكذب ونحوهما من المعاصي، والكلام في المقام في كونه معصية للخالق ام لا، فالصغرى غير محرزة لا يمكن تطبيق الكبرى. توضيح ذلك: انه يقع الكلام تارة: من حيث الكبرى وبالنظر إلى ما يستفاد من هذه الجملة مع قطع النظر عن الحج. وأخرى: من حيث الصغرى، وبالنظر إلى حج العبد اما الاولى: فهي مما لا اشكال فيه ولا ريب فان معصية الخالق لا يزاحمها طاعة المخلوق بحكم العقل الضروري فان العقل يحكم بوجوب طاعة المولى مطلقا سواء في ذلك ما إذا كان في ترك الطاعة طاعة المخلوق وما إذا لم تكن، وعليه فما ورد في بعض الروايات من انه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق يكون ارشادا إلى حكم العقل لا بيانا لحكم شرعي تعبدي هذا وان ما ورد هذه الجملة فيه من الروايات ضعيفة السنة فالعمدة هو حكم العقل بذلك وكيف كان فكل مورد مما يجب فيه طاعة احد المخلوقين أو استحبت، كطاعة الولد لوالده، والعبد لسيده والزوجة لزوجها، يخصص بما إذا لم يكن معصية للخالق، فكل مورد كان معصية لله تعالى ولو باطلاق دليله، يسقط وجوب طاعة المخلوق،

[ 60 ]

أو حسنها. وبعبارة اخرى: وجوب طاعة المخلوق، أو حسنها انما يختص بالموارد الجائزة واما إذا كان المورد حراما في نفسه فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، كموارد الزنا، والكذب وشرب الخمر وترك الواجب ونحو ذلك، فلو أمر المولى عبده بالكذب، وشرب الخمر، أو ترك واجب. لا ينفذ امره، لعدم طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأما فيما إذا لم يكن العمل معصية للخالق حين كونه طاعة للمخلوق فلا تنطبق عليه الكبرى المذكورة ومن هنا لو فرضنا ان احدا اباح لشخص ركوب دابته في سفره إلى الحج فركبها المباح له قاصدا للحج واحرم له ثم رجع المبيح عن اباحته وطلب الدابة وجب على المباح له ردها، وليس له الامتناع بدعوى: ان إتمام الحج واجب، فان الفعل في نفسه محرم وغير مشروع، فهو معذور عن الاتمام، ونحوه ما لو اعاره الثوب للصلاة، ورجع المالك في اثناء الصلاة، فانه ليس له الامتناع من الرد بدعوى، حرمة قطع الصلاة، بل ينكشف برجوع المعير بطلان الصلاة، لعدم قدرته على الاتمام هذا كله من حيث الكبرى، وأما من حيث الصغرى، وبالنظر إلى حج العبد، فلا اشكال ان هذا النحو من التصرف مناف لحق المولى، نعم بعض الافعال الصادرة منه لا ينافي حق المولى كتكلمه، وتفكره (وامثال ذلك، وأما السفر واتيان اعمال الحج فلا اشكال في منافاتها لحق المالك، فحاله من هذه الجهة حال الدابة إذا طلبها المالك المعير، فالعمل في نفسه غير مشروع والاتمام غير واجب. ومع الغض عن جميع ذلك، فقد ورد في جملة من الروايات (1)


(1) الوسائل: باب 15 من وجوب الحج.

[ 61 ]

انه لا حج ولا عمرة على المملوك، وان الحج لا يصلح منه اصلا، فحاله من هذه الجهة حال الحيوانات، وانما خرجنا عن مورد هذه الروايات في مورد الاذن واستمراره إلى نهاية الاعمال، وأما إذا رجع المولى عن الاذن في الاثناء فتشمله النصوص الدالة على انه لا حج ولا عمرة على المملوك الظاهرة في نفي الحقيقة وانه ليس عليه حج اصلا. ومما ذكرنا يظهر الحال في الفرع الثاني. وهو ما لو باع العبد المأذون بالحج المتلبس بالاحرام، ومنعه المالك الثاني، فان حاله حال المالك الاول في جواز الرجوع، فان تصرفه بدون اذن المالك محرم، وحجه مناف لحق المولى ومناف لاطلاق قوله تعالى: (لا يقدر على شئ) فلا مجال للتمسك بقوله: (لاطاعة لمخلوق) في الخبر المتقدم واما ادلة وجوب الاتمام فهي غير ناظرة إلى الشرائط الاخر وانما تدل على وجوب الاتمام في نفسه، ولذا لو استلزم الاتمام محرما اخر، كالتصرف في ملك احد من دون رضاه، لم يكن لها دلالة على اسقاط هذا الشرط وعدم العبرة به ومع الغض عن جميع ما تقدم فان المقام يدخل في باب المزاحمة ولا بد من مراعات الاهم، ولا ريب ان حرمة التصرف في سلطان احد من دون رضاه اهم من وجوب الاتمام، فجواز الرجوع هو الاظهر وان كان الاحوط عدم جواز الرجوع. الصورة الثانية: ما إذا رجع المولى عن اذنه قبل تلبس العبد بالاحرام، وعلم به العبد، فلا اشكال في عدم جواز احرامه، وفي فساده لفقد الاذن، فانه كما لو تلبس بالاحرام بدون اذن المولى من اول الامر. الصورة الثالثة، ما إذا رجع المولى عن اذنه، ولم يعلم العبد برجوعه فتلبس بالاحرام ثم علم، فهل يصح احرامه ويجب عليه اتمامه

[ 62 ]

[ (مسألة 2): يجوز للمولى ان يبيع مملوكه المحرم باذنه وليس للمشتري حل احرامه (1) نعم مع جهله بانه محرم ] ولا اثر لرجوع المولى، فحال العبد حينئذ حال الوكيل المعزول في نفوذ تصرفاته إذا علم الوكيل بعزله بعد التصرف، أو يصح وللمولى حله، أو يبطل؟ وجوه، أوجهها الاخير كما في المتن، وذلك لان الحكم الظاهري لا يوجب قلب الحكم الواقعي، فان الاحرام في الواقع لم يكن واجدا للشرط وانما العبد تخيل وجدان الشرائط، أو انه شك في رجوع المولى وبنى على عدمه وبقاء الاذن، ولكن بعد العلم بالرجوع ينكشف عدم الاذن، فالامر بالحج حال الاحرام اما انه كان خياليا، أو ظاهريا ولا يوجب شئ منهما تبدل الحكم الواقعي، فالحج الصادر منه حج بدون اذن المولى، وانما اتى به مبنيا على الخيال أو الحكم الظاهري، وانكشف كونه غير واجد للشرط من الاول، وقياس المقام بباب عزل الوكيل قياس محظ، لانه في باب الوكالة ثبت الحكم بالدليل، ولم يثبت هنا، ويترتب على ذلك، انه لو اذن المالك ثانيا بعد رجوعه عن الاذن الاول لا يكفي في الصحة، بل لابد من التجديد من الاول، قد عرفت ان المولى له الرجوع في اذنه، وليس للعبد ان يتم الحج، بعد رجوع المولى، ولو قلنا: بانه ليس للمولى الرجوع فباع العبد المأذون بالاحرام بعد تلبسه به، فان كان الزمان قصيرا جدا بحيث لا ينافي القدرة على التسليم، أو اشترط التسليم بعد مدة، فلا كلام في عدم ثبوت الخيار للمشترى، واما إذا كان الزمان طويلا، أو لم يشترط التأخير وكان المشترى جاهلا، يثبت له الخيار كما لو باع

[ 63 ]

[ يجوز له الفسخ، مع طول الزمان الموجب لفوات بعض منافعه. (مسألة 3): إذا انعتق العبد قبل المشعر فهديه عليه، وان لم يتمكن فعليه ان يصوم، وان لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين ان يذبح عنه أو يأمره بالصوم للنصوص والاجماعات (1) ] دارا وانكشف انها مستأجرة. إذا انعتق العبد فالذبح، أو الصوم عليه كساير الاحرار، وليس على المولى شئ، وأما إذا لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين ان يذبح عنه أو يأمره بالصوم فيمتاز العبد عن الصبي، بان الصبي إذا حج به يذبح عنه تعيينا كما في النص (1) وأما العبد فيذبح عنه أو يؤمر بالصوم بدلا عن الهدي، اجماعا ونصوصا. منها: صحيحة جميل (عن رجل امر مملوكه ان يتمتع، قال: فمره فليصم وان شئت فاذبح عنه) (2) ومنها صحيحة سعد بن أبي خلف (ان شئت فاذبح عنه، وان شئت فمره فليصم (3). وبازائهما صحيحة ابن مسلم، عن المتمتع المملوك، فقال: (عليه مثل ما على الحر اما اضحية وأما صوم) (4) وقد حملها الشيخ على من أدرك احد الموقفين معتقا. وهو بعيد جدا، لان مورد السؤال،


(1) الوسائل: باب 17 اقسام الحج 5. (2) الوسائل: باب 2 ابواب الذبح حديث 1. (3) الوسائل: باب 2 الذبح حديث 2. (4) الوسائل: باب 2 الذبح حديث 5.

[ 64 ]

وموضوع الحكم، المملوك لا المملوك الذي صار حرا، وجوز حملها على بيان المساوات في الكمية لئلا يظن ان عليه نصف ما على الحر كالظهار ونحوه - فيكون المراد من الرواية ان الاضحية الثابتة في حج المملوك كالاضحية الثابتة في حج الحر، ولا تعرض لها إلى ان الهدي على نفس المملوك أو على المولى، فلا منافاة بين هذه الرواية وما تقدم مما دل على ثبوت التخير للمولى بين ان يذبح عنه، أو يأمره بالصوم. نعم هناك روايتان، يظهر منهما ان المتعين على المولى الذبح دون التخيير بينه وبين ان يأمره بالصوم. احداهما: رواية أبي حمزة البطائني قال: (سألته عن غلام اخرجته معي فأمرته فتمتع إلى ان قال.. فاذهب فاذبح عنه شاة سمينة) (1). الثانية: رواية الحسن بن عمار.. (واذبحوا عنهم (أي) الغلمان كما تذبحون عن انفسكم) (2). والجواب: أولا: انه لابد من رفع اليد عن ظهورهما في التعيين بتلك الروايات الصريحة في التخيير. وثانيا: ان المراد بالغلام لم يعلم انه المملوك، إذ من المحتمل قريبا ان يراد به الصبي الذي لم يبلغ الحلم (3) وثالثا: انهما ضعيفتان سندا الاولى بعلى بن أبي حمزة الكذاب، والثانية بالحسن بن عمار الذي لم يوثق.


(1) و (2) الوسائل: باب 2 الذبح حديث 4 و 7. (3) الغلام غير موضوع للعبد لغة وانما هو موضوع للصبي المراهق المعبر عنه في اللغة بالطار الشارب، نعم يصح اطلاقه على العبد والاجير والخدم ويقال امر غلمانه، أو جاء مع غلمانه واستعماله في هذه الموارد من باب الاطلاق على المورد.

[ 65 ]

[ (مسألة 4): إذا اتى المملوك المأذون في احرامه بما يوجب الكفارة، فهل هي على مولاه، أو عليه ويتبع بها بعد العتق أو تنتقل إلى الصوم فيما فيه الصوم مع العجز، أو في الصيد عليه وفي غيره على مولاه؟ وجوه (1) ] ثم لا يخفى: ان تقييد الحكم بكون الهدى على العبد بما إذا انعتق قبل المشعر، كما في كلام الاصحاب، لا وجه له اصلا، لان الانعتاق قبل المشعر دخيل في اجزاء حج العبد عن حجة الاسلام، يعنى إذا انعتق بعد المشعر لا يجزي حجه عن حجة الاسلام، واما الهدى فهو من آثار حج التمتع واختص به من بين اقسام الحج، وإذا انعتق العبد بعد الموقفين وكان حرا حين النحر أو الذبح، فمقتضى القاعدة والاطلاق كون الهدي عليه، لانه حر، وزالت عنه العبودية، ولا مقتضى لكونه على المولى. وبالجملة: اجزاء حجه عن حجة الاسلام يتوقف على انعتاقه قبل المشعر، وأما ثبوت الهدى في حجه فهو من اثار حج التمتع، فلو فرضنا ان حجه غير مجز عن حجة الاسلام، كما إذا انعتق يوم العيد، ولكن عند الذبح صار حرا فالهدي عليه لانه حر ولا موجب لكونه على مولاه، فبحث الاجزاء وعدمه، وثبوت الهدي على مولاه أو على العبد، كل له حكم خاص لا يرتبط احدهما بالاخر، فتقييد ثبوت الهدي على العبد بانعتاقه قبل المشعر مما لا وجه له اصلا، ولم أر من تعرض لهذه النكتة الدقيقة. إذا اتى العبد المأذون بما يوجب الكفارة ففي ثبوت الكفارة

[ 66 ]

على العبد أو على مولاه وجوه واقوال: الاول: ان الكفارة على سيده مطلقا، كما عن الشيخ في التهذيب والمحقق في المعتبر. الثاني: انها على العبد مطلقا، وليس على المولى شئ، اختاره في الجواهر، مستدلا بالاصل، وبالقواعد المقتضية لكونها على العبد دون مولاه إذا لا تزر وازرة وزر اخرى. فان كان له مال فيذبح وإلا فيصوم، إذا لم يكن مزاحما لحق المولى، ولم ينهه عن ذلك، وإلا فهو عاجز عنهما، ويثبت في ذمته إلى ان ينعتق كساير الجنايات الصادرة منه. الثالث: التفصيل بين الصيد وغيره، ففي الصيد على العبد وفي غيره على مولاه، الرابع: عكسه كما حكي عن المفيد. الخامس: ما في المتن من التفصيل بين كون العبد مأذونا في الاحرام بالخصوص وبين ما كان مأذونا مطلقا احراما كان أو غيره، ولكن العبد اختار الحج فالكفارة في الاول على المولى وفي الثاني على العبد. اقول: اما ما ذكره في الجواهر فلا وجه له اصلا، وبعد ورود النص الصحيح في المقام ومعه لا مجال للتمسك بالاصل وبالقواعد العامة، فلابد من النظر إلى الروايات. فمنها: ما رواه الشيخ في التهذيب باسناده عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي نجران (قال: سألت أبا الحسن - ع - عن عبد اصاب صيدا وهو محرم هل على مولاه شئ من الفداء فقال لا شئ على مولاه) (1) والسند


(1) الوسائل: باب 56 كفارة الصيد حديث 3.

[ 67 ]

صحيح ولكن صاحب المعالم ناقش في المنتقى في السند من وجهين: احدهما: ان رواية محمد بن الحسين وهو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن ابن أبي نجران غير معهودة فتكون الرواية غريبة. وفيه: ان ما ذكره نشأ عن عدم عثوره لروايته عنه وعدم تفحصه في اخبار الكتب الاربعة، وقد روى محمد بن الحسين عن ابن أبي نجران في موردين آخرين، فدعوى انه لا وجود لذلك غريبة (1). ثانيهما: ان رواية سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بواسطة محمد بن الحسن غريبة أيضا، إذ لا رواية له عن محمد بن الحسن الصفار. وفيه أنه قد روى عن محمد بن الحسن في غير مورد أيضا (2)، وروايته عن محمد بن الحسين بلا واسطة وان كانت كثيرة تبلغ ثمانين أو اكثر (3)، ولكن قد يروى عن محمد بن الحسين بالواسطة كمحمد، الحسن الصفار، فانهما في طبقة واحدة ويجوز ان يروي عنه أيضا، نعم روايته عن محمد بن الحسن الصفار قليلة جدا، وهي خمسة موارد والاكثر روايته عن محمد بن الحسين بلا واسطة، فلا وجة للمناقشة في الرواية سندا. وقد حمل الشيخ هذه الصحيحة على ما إذا احرم العبد من غير اذن مولاه، وأما إذا كان مأذونا فالكفارة على السيد كما في صحيح حريز الاتي. وفيه: ان ما ذكره من الحمل بعيد جدا، لانه لو كان الاحرام


(1) التهذيب: ج 9 ح 1358 (الاستبصار: ج 4، ح 726. (2) التهذيب: ج 2 ح 532 وج 4، ح 246. (3) تبلغ رواياته عن محمد بن الحسين 84 وعن محمد بن الحسين أبي الخطاب تبلغ 81 موردا.

[ 68 ]

بلا اذن من المولى بطل حجه، ويكون احرامه كلا احرام، مع ان موضوع الصحيحة، العبد المحرم، وهي صريحة الدلالة على ان الكفارة على نفس العبد ولا شئ على مولاه. ومنها: صحيحة حريز (قال: - ع - كلما اصاب العبد وهو محرم في احرامه فهو على السيد إذا اذن له في الاحرام) (1). ومقتضى الجمع بينها وبين الصحيحة المتقدمة هو التفصيل بين الصيد وغيره لا جل تخصيص الصحيحة الثانية بالصحيحة الاولى فالصحيح هو القول الثالث. تنبيه: ذكر الشيخ صحيحة حريز في الاستبصار (2) بعين السند المذكور في التهذيب، إلا انه قال: (المملوك كلما اصاب الصيد) بدل (كلما اصاب العبد) فالموضوع العبد إذا صاد لا كل ما اصاب فيقع التعارض بين صحيحة حريز وصحيحة ابن أبي نجران، لان صحيحة ابن أبي نجران دلت على ان العبد إذا اصاب صيدا ليس على مولاه شئ، وصحيحة حريز على نسخة الاستبصار تدل على ان العبد إذا اصاب الصيد فعلى سيده. ولكن لا تصل النوبة إلى التعارض، لان هذه الصحيحة رواها الكليني عن حريز بعين السند مثل ما في التهذيب وكذا الصدوق في الفقيه (3). ولا نحتمل ان حريزا روى روايتين احداهما كما في الاستبصار، والاخرى كما في التهذيب، فان الاستبصار ليس كتابا مستقلا، وانما


(1) الوسائل: باب 56 كفارات الصيد ح 1. (2) الاستبصار: ج 2 ص 216. (3) الفقيه: ج 2 ص 264.

[ 69 ]

[ اظهرها كونها على مولاه. لصحيحة حريز، خصوصا إذا كان الاتيان بالموجب بامره أو بأذنه. نعم لو لم يكن مأذونا في الاحرام بالخصوص، بل كان مأذونا مطلقا احراما كان أو غيره، لم يبعد كونها عليه، حملا لخبر عبد الرحمن بن أبي نجران - النافي لكون الكفارة في الصيد على مولاه - على هذه الصورة. (مسألة 5): إذا افسد المملوك المأذون حجه بالجماع قبل ] هو جزء وتتميم للتهذيب، وانما الفه لا جل دفع التعارض الواقع في بعض الروايات المذكورة في التهذيب، وكل ما في الاستبصار موجود في التهذيب ولا عكس، فالرواية واحدة جزما، فيدور الامر بين كون ما في الاستبصار غلطا، أو ما في التهذيب غلطا، ولا ريب ان الاول هو المتعين لشهادة الكليني والصدوق على صحة ما في التهذيب فلا يلتفت إلى ما في الاستبصار. وأما ما ذكره المصنف من ان الاذن ان كان اذنا عاما فعلى العبد وان كان اذنا خاصا بالحج فعلى سيده، فهو جمع تبرعي لا شاهد له، فان حمل الاذن في احد الصحيحين على الاذن العام، وفي الصحيح الاخر على الاذن الخاص بلا مقتضى. فالصحيح هو التفصيل بين الصيد، وغيره، فان كان ما اصابه صيدا، فكفارته على العبد لا على مولاه، وان كان غير صيد فعلى


(1) التهذيب: ج 5 ص 382.

[ 70 ]

[ المشعر فكالحر في وجوب الاتمام والقضاء (1) واما البدنة ففي كونها عليه، أو على مولاه، فالظاهر ان حالها حال ساير الكفارات على ما مر وقد مر ان الاقوى كونها على المولى الآذن له في الاحرام (2). وهل يجب على المولى تمكينه من القضاء، لان الاذن في الشئ اذن في لوازمه، اولا لانه من سوء اختياره؟ قولان اقواهما الاول (3). ] مولاه، حسب ما يقتضيه الجمع العرفي بين الصحيحين. (1) لاريب في ان فساد الحج بالجماع مشترك بين الحر والعبد، ولا يختص بالحر، وكل حاج جامع قبل المشعر، فسد حجه سواء كان حرا، أو عبدا لعموم الادلة. الظاهر انه يجرى فيها ما تقدم في مطلق الكفارة، حيث لم يرد في خصوص البدنة نص بالخصوص، وقد عرفت ان مطلق الكفارة في غير الصيد على السيد كما يقتضيه صحيح حريز. قد عرفت ان الحج إذا فسد يجب عليه الاتمام، والقضاء من قابل، حرا كان أن عبدا، وهل يجب على المولى تمكين العبد ليحج في السنة القابلة، أو يجوز له منعه، وهل يجب على العبد اطاعته حينئذ أم لا؟ اختار المصنف وجوب التمكين على المولى مستدلا بان الاذن في الشئ اذن في لوازمه. وفيه. ما لا يخفي من الغرابة لان المولى لم يأذن له في الجماع، وانما اذن له في الحج، وليس القضاء من لوازمه، وانما القضاء من

[ 71 ]

[ سواء قلنا: ان القضاء هو حجه، أو انه عقوبة وان حجه هو الاول، هذا إذا افسد حجه ولم ينعتق، واما ان افسده بما ذكر ثم انعتق، فان انعتق قبل المشعر كان حاله حال الحر (1) في وجوب الاتمام والقضاء، والبدنة (2). ] احكام الجماع ولوازمه، وعقوبة مترتبة على ذلك، فان ذلك نظير ما إذا اذن المولى عبده بالصيام قضاءا فافطر العبد عمدا بعد الزوال، ولا نحتمل ان تكون الكفارة على المولى باعتبار ان المولى اذن له بالصوم وان الاذن بالشئ اذن في لوازمه، فان المولى انما اذن له بالصوم خاصة، لا فيما يوجب الكفارة، بل الكفارة التي تعد عقوبة، على نفس العبد. نعم قد يقال بوجوب تمكين المولى وعدم وجوب اطاعة العبد لمولاه ان منعه عن القضاء لانه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق إلا انه لايتم ويظهر وجهه مما ذكرناه في المسألة الاولى من هذا الفصل. إذا كان الانعتاق بعد المشعر، فلا ريب في عدم اجزاء حجه عن حجة الاسلام مطلقا سواء قلنا بان الحج الثاني قضاء، أو عقوبة. وان كان الانعتاق قبل المشعر والتزمنا بان حجه هو الاول، والحج الثاني عقوبة لاجل افساده كما صرح بذلك في بعض الروايات المعتبرة فيكون حجه الاول مجزيا عن حجة الاسلام، وانما يجب عليه الحج ثانيا عقوبة، ولذا لو عصى ولم يأت بالقضاء صح حجه واجزء عن حجة الاسلام لاوجه لكون البدنة عليه، بل مقتضى الادلة انها على المولى

[ 72 ]

[ وكونه مجزيا عن حجة الاسلام إذا اتى بالقضاء على القولين: من كون الاتمام عقوبة وان حجه هو القضاء، أو كون القضاء عقوبة. بل على هذا ان لم يأت بالقضاء ايضا أتى بحجة الاسلام، وان كان عاصيا في ترك القضاء، وان انعتق بعد المشعر فكما ذكر، الا انه لا يجزيه عن حجة الاسلام، فيجب عليه بعد ذلك ان استطاع، وان كان مستطيعا فعلا، ففي وجوب تقديم حجة الاسلام، أو القضاء وجهان (1) مبنيان ] لان المفروض انه ارتكب العمل حال كونه عبدا، ومقتضى ما دل على ان المملوك إذا اتى بشئ غير الصيد فعلى مولاه، كون البدنة على مولاه، فان العبرة بالارتكاب حال العبودية، من دون فرق بين حصول العتق قبل المشعر أو بعده. نعم في خصوص الهدى العبرة مجال الاداء، والاتيان فان كان حال الاتيان بالهدى حرا فعليه. وإلا فعلى مولاه. وأما الكفارة فالعبرة بحال الصدور، والارتكاب، فان كان حين الصدور حرا فعليه، وان كان حين الصدور عبدا فعلى مولاه، بمقتضى النص، كما عرفت، فموضوع الحكم ارتكاب الشئ حالكونه عبدا من دون فرق بين حصول الحرية قبل المشعر، أو بعده، وانما ذلك يوثر في اجزاء الحج، وعدمه، وانه إذا انعتق قبل المشعر يجزي حجه عن حجة الاسلام، وان انعتق بعده فلا يجزي. لو فرضنا ان حجه هذا لا يجزي عن حجة الاسلام، لانه انعتق بعد المشعر، والمفروض انه يجب عليه الحج قضاءا من قابل،

[ 73 ]

[ على ان القضاء فوري أو لا، فعلى الاول يقدم لسبق سببه، وعلى الثاني تقدم حجة الاسلام لفوريتها دون القضاء. ] لانه افسد حجه بالجماع، فلو استطاع في هذه السنة، فهل يجب تقديم القضاء، أو تقديم حجة الاسلام؟ وجهان، بل قولان: إختار المصنف تقديم القضاء بناءا على القول بالفورية لسبق سببه فان الاستطاعة حصلت بعد السبب السابق، والسبب السابق المقتضى القضاء، يؤثر اثره. وفيه: ان تقدم السبب لا اثر له، لانه لو فرضنا ان القضاء فوري يتزاحم هذا الواجب الفوري مع حجة الاسلام، وتقدم السبب لا اثر له في تقدم احد الواجبين على الاخر، بل العبرة بالاهمية، وبفعلية التكليف بقاء، وان كان سبب احد التكليفين اسبق، كما إذا تزاحم وجوب الازالة عن المسجد بنجاة الغريق، فانه لا إشكال في تقدم نجاة المؤمن لانه اهم، وان كان سبب الازالة اسبق، فان العبرة في باب التزاحم بالاهمية، وعليه إذا بنينا على ان الحج يعتبر فيه القدرة الشرعية وان كل واجب، أو حرام، يمنع عن وجوب الحج، والحج مشروط بعدم ترك الواجب وعدم اتيان المحرم، فيتقدم القضاء، لان حج الاسلام غير واجب حينئذ لان المفروض ان كلا من ترك الحرام، واتيان الواجب دخيل في وجوب حجة الاسلام، والواجب المقيد بالقدرة العقلية مقدم على الواجب المقيد بالقدرة الشرعية، وقد ذكرنا في بحث الترتب ان الترتب لا يجري في الواجبات المقيدة بالقدرة الشرعية، لان التكليف الثاني معجز عن الواجب المقيد بالقدرة الشرعية. ونتيجة الكلام ان القضاء يتقدم لانه لم يقيد بالقدرة الشرعية،

[ 74 ]

[ (مسألة 6): لا فرق فيما ذكر - من عدم وجوب الحج على المملوك وعدم صحته الا باذن مولاه، وعدم اجزائه عن حجة الاسلام الا إذا انعتق قبل المشعر - بين القن، والمدبر والمكاتب، وام الولد، والمبعض (1) إلا إذا هاياه مولاه وكانت نوبته كافية، ] بخلاف الحج فانه مقيد بالقدرة الشرعية. هذا ولكن حققنا في بحث الترتب ان الحج لم يؤخذ فيه القدرة الشرعية، ولم يثبت ذلك بأي دليل، فان المعتبر في الحج الاستطاعة المفسرة في النصوص بالزاد والراحلة وتخلية السرب، والقدرة الشرعية التي ذكروها غير معتبرة في وجوب الحج، فطبعا يتحقق التزاحم بين واجبين فعليين - القضاء، وحجة الاسلام - ولاريب ان الثاني مقدم لكونه اهم، لانه مما بني عليه الاسلام، ومن اركانه، وليس كذلك القضاء. هذا كله مع تسليم فورية القضاء واما على القول بعدم الفورية فالامر اوضح. يختص العبد بالنسبة إلى احكام حجه بامرين: الاول: ان حجه من دون اذن مولاه فاسد وغير جائز. الثاني: انه إذا اذن له مولاه في الحج واتى به حالكونه عبدا، فلا يجزي حجه عن حجة الاسلام إذا انعتق بعد المشعر، وأما إذا ادرك احد الموقفين معتقا، فيجزى عن حجة الاسلام. أما الحكم الاول فيجرى في جميع اقسام العبيد من دون فرق بينها إلا المبعض إذا هاياه مولاه أي قررله المولى مدة، ونوبة ينتفع بها

[ 75 ]

العبد (1) وكانت نوبته كافية لاداء اعمال الحج، فلا حاجة حينئذ إلى الاذن، لان المفروض حسب قراره مع المولى كون منافعه في هذه المدة له، ويجوز له التصرف، لكن لابد ان يكون السفر غير خطري، لانه مأذون في التصرف في منافعه، وأما العين فهي ملك للمولى، ولا يجوز له تعريضها إلى الهلاك والتلف. وأما الحكم الثاني: وهو عدم اجزاء حجه عن حجة الاسلام إذا انعتق بعد المشعر، واجزائه إذا حصل العتق قبل المشعر، فمن الاحكام المسلمة التي عدت من الضروريات وارسلوه ارسال المسلمات، تقدمت الروايات الدالة على عدم اجزاء حج العبد عن حجة الاسلام وهي عامة تشمل جميع اقسام العبيد حتى ام الولد التي فيها شائبة الحرية. انما الاشكال في المبعض إذا حج في نوبته، وانه هل يجزي عن حجة الاسلام ولا يجب عليه الحج ثانيا وان انعتق وصار حرا وكان مستطيعا، ام لا يجزي؟ ذكر في الجواهر: ان بعض الناس ظن الاجزاء، وان حج الاسلام واجب عليه في هذا الحال. واستغربه بدعوى: منافاته للاجماع المحكي عن المسلمين على اشتراط الحرية، المعلوم انتفائها في المبعض، واستغرب المصنف ما استغربه صاحب الجواهر، وقال: (لا غرابة فيه) لامكان دعوى انصراف مادل على عدم اجزاء حج العبد عن هذه الصورة، وان دليل المنع مختص بما إذا كان بتمامه عبدا، وأما المبعض فلا يشمله دليل المنع، فما ظنه بعض الناس ليس بغريب. أقول: الظاهر ان استغراب صاحب الجواهر في محله، إذ ليس


(1) هاياه في دار كذا بينهما، أي سكنها هذا مدة وذاك مدة، وانتفع كل منهما بسهمه.

[ 76 ]

[ مع عدم كون السفر خطريا، فانه يصح منه بلا اذن، لكن لا يجب ولا يجزيه حينئذ عن حجة الاسلام وان كان مستطيعا لانه لم يخرج عن كونه مملوكا، وان كان يمكن دعوى الانصراف عن هذه الصورة فمن الغريب ما في الجواهر من قوله: (ومن الغريب ما ظنه بعض الناس، من وجوب حجة الاسلام عليه في هذا الحال، ضرورة منافاته للاجماع المحكي عن المسلمين، الذي يشهد له التتبع على اشتراط الحرية المعلوم عدمها في المبعض.) إذ لا غرابة فيه، بعد امكان دعوى الانصراف، مع ان في اوقات نوبته يجري عليه جميع اثار الحرية. ] في الادلة ما يوجب الانصراف، فان المستفاد منها وجوب الحج على جميع المكلفين غير العبيد، وقد صرح في الروايات انه لا حج ولا عمرة على المملوك حتى يعتق، فما لم يحصل العتق لا حج عليه، إذ الغاية في ثبوت الحج عليه العتق. وبعبارة اخرى: المستفاد من الادلة، ان العبد من حين ولادته وحال كونه عبدا إلى زمان حصول العتق لا حج عليه، ومن المعلوم ان المبعض لا يصدق عليه المعتق، فلا حج عليه، وكذا ما دل من النصوص على انه لو حصل العتق بعد المشعر لا يجزي حجه عن حجة الاسلام، وإذا حصل قبله يجزي، فانه باطلاقه يشمل المبعض. لان المفروض انه غير معتق. وبالجملة: لاريب ان المستفاد من النصوص، انه ما لم ينعتق ولم

[ 77 ]

[ (مسألة 7): إذا امر المولى مملوكه بالحج وجب عليه طاعته (1) وان لم يكن مجزيا عن حجة الاسلام، كما إذا آجره للنيابة عن غيره. فانه لا فرق بين اجارته للخياطة أو للكتابة، وبين اجارته للحج أو الصلاة أو الصوم. الثالث: الاستطاعة من حيث المال، وصحة البدن وقوته، وتخيله السرب، وسلامته، وسعة الوقت وكفايته، بالاجماع والكتاب والسنة. (مسألة 1): لا خلاف ولا اشكال في عدم كفاية القدرة العقلية في وجوب الحج، بل يشترط فيه الاستطاعة الشرعية وهي كما في جملة من الاخبار - الزاد والراحلة، فمع عدمهما لا يجب وان كان قادرا عليه عقلا، بالاكتساب ونحوه (2). ] تحصل الحرية، لا يجزي حجه، فان الغاية هي الحرية والعتق والمفروض عدم تحققهما فتشمله الروايات النافية، فدعوى الانصراف لا اساس لها. لان العبد مملوك للمولى عينا ومنفعة، وله ان يطالبه باتيان الحج عن نفسه أو نيابة، كما ان له المطالبة باتيان الصلاة أو الصوم نيابة. وبالجملة: له التصرف في جميع منافعه، ولا فرق بين امره بالخياطة والكتابة ونحوهما من سائر الاعمال، والافعال، وبين امره بالحج، أو الصلاة، أو الصوم. لا يخفي ان مقتضى حكم العقل، اعتبار القدرة والتمكن في الحج كساير التكاليف، والواجبات الالهية، والآية الكريمة أيضا تدل

[ 78 ]

على ذلك، ولا تزيد على حكم العقل، فان الاستطاعة المذكورة فيها، هي القدرة والتمكن، فالآية ارشاد إلى ما حكم به العقل ويكون الحج بمقتضى العقل، والاية المباركة - واجبا عند التمكن والقدرة. نعم يرتفع وجوبه فيما إذا كان حرجيا، لانه منفي في الشريعة المقدسة، كساير الواجبات الشرعية. والحاصل: لو كنا نحن والعقل، والآية الشريفة، لكان حال الحج حال بقية الواجبات الالهية، من اعتبار القدرة فيه، وارتفاع وجوبه عند الحرج. هذا بحسب ما يقتضيه حكم العقل، والآية. وأما بحسب الروايات الواردة في المقام، فالاستطاعة المعتبرة في الحج اخص مما يقتضيه العقل والآية، حيث فسرت الاستطاعة في جملة من الروايات بالزاد والراحلة ومن ثم وقع الخلاف في الاستطاعة المفسرة في الروايات، فذهب جماعة من المتأخرين إلى ان اشتراط الزاد والراحلة، مختص بصورة الاحتياج اليهما، ولو كان قادرا على المشي من دون مشقة خصوصا إذا كانت المسافة قريبة، فلا يعتبر وجود الراحلة، فالاستطاعة المذكورة في الروايات اريد بها المعنى اللغوى، وتخصيصها بالزاد والراحلة مطلقا، لا وجه له، وانما يشترطان في حق المحتاج اليهما، ويظهر من صاحب الوسائل اختيار هذا القول، لاخذ الحاجة في عنوان اخبار المقام (1). وذهب القدماء، وجماعة من المتأخرين: انهما معتبران مطلقا حتى في حق من كان متمكنا من المشي، وقادرا عليه من دون مشقة خصوصا إذا كانت المسافة بعيدة، فلو حج ماشيا من دون وجود الراحلة، لا يجزي حجه عن حجة الاسلام وأما المصنف - ره - فقد


(1) الوسائل: باب 8 من وجوب الحج.

[ 79 ]

احتاط في المقام وان قوي القول الثاني، لاريب ان الاحتياط حسن على كل حال، وانما البحث فيما يقتضيه الادلة. ومنشأ الاختلاف إختلاف الروايات، قيل: ان بعضها يدل على الاكتفاء بالتمكن من المشي، وعدم اعتبار وجود الراحلة إلا مع الحاجة إليها. وعدة منها تدل على اعتبار الراحلة مطلقا، بل بعضها صريحة في ذلك، أو في غاية الظهور. فمنها: صحيحة الخثعمي (قال: سأل حفص الكناسى أبا عبد الله عليه السلام وانا عنده عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ما يعنى بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلى في سربه، له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج، أو قال: ممن كان له مال، فقال له: حفص الكناسي فإذا كان صحيحا في بدنه مخلى في سربه له زاد وراحلة فلم يحج فهو ممن يستطيع الحج؟، قال: نعم). ومنها معتبرة السكوني، عن أبي عبد الله - ع - (قال سأله رجل من اهل القدر فقال: يا بن رسول الله أخبرني عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) أليس قد جعل الله لهم الاستطاعة؟ فقال: ويحك انما يعني بالاستطاعة الزاد والراحلة ليس استطاعة البدن) (1). وهذه الرواية كالنص في ان الاستطاعة المعتبرة انما هي من حيث الزاد والراحلة، وعدم الاكتفاء بمجرد القدرة على المشي. ولا مناقشة في السند إلا في محمد بن أبي عبد الله الذي هو من مشايخ الكليني، فقد قيل: انه لم يوثق ولكن قد ذكرنا في معجم الرجال


(1) الوسائل: باب 8 وجوب الحج ح 4 - 5.

[ 80 ]

ان محمد بن أبي عبد الله الذي تكررت رواية الكافي عنه، هو محمد بن جعفر الاسدي الثقة، وأما موسى بن عمران الواقع في السند، فهو من رجال كامل الزيارات، وكذلك النوفلي، وأما السكوني فالاظهر كونه ثقة لتوثيق الشيخ له في العدة. ومنها: صحيحة هشام بن الحكم، في قوله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ما يعنى بذلك؟ (قال: من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة) (1). هذه جملة من النصوص التي اعتمد عليها المشهور. وبازائها روايات قيل انها تدل على عدم العبرة بالراحلة. منها: صحيحة محمد بن مسلم (قال: قلت لابي جعفر - ع - فان عرض عليه الحج فاستحي؟ قال: هو ممن يستطيع الحج ولم يستحي ولو على حمار أجدع ابتر، قال: فان كان يستطيع ان يمشي بعضا ويركب بعضا فليفعل) (2). ومنها: صحيحة الحلبي (قال قلت له: فان عرض عليه ما يحج به فاستحي من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: نعم: ما شأنه يستحي ولو يحج على حمار اجدع ابتر، فان كان يستطيع (يطيق)


(1) الوسائل: باب 8 وجوب الحج ح: 7. (2) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 1 صورة اسناد هذا الحديث في الوسائل موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب عن صفوان وفي التهذيب ج 5 ص 3 والاستبصار ج 2 ص 140 موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب عن صفوان ولصاحب المنتقى كلام في السند. والظاهر صحة نسخة الوسائل لان معاوية بن وهب لا يروي عن صفوان لانه اقدم في الطبقة من صفوان.

[ 81 ]

ان يمشي بعضا ويركب بعضا فليحج) (1). ولا يخفى ان القائل بعدم اعتبار الراحلة في الاستطاعة، وبالاكتفاء بالتمكن من المشي، لا يلتزم بمدلول هاتين الصحيحتين، لانه حرجى قطعا، وهو منفي في الشريعة المقدسة، ولا يلتزم به احد، فان الحرج منفي مطلقا والذي يستفاد من الروايتين، انهما وردا في حكم من ترك الحج اختيارا وحياءا، (وقال: - ع - ولم يستحي) بعدما بذل له ما يحج به، وعرض عليه الحج، فانه يستقر عليه الحج حينئذ، وليس له الامتناع والحياء بعد عرض الحج، وإذا امتنع من القبول واستحي، يستقر عليه الحج، ويجب عليه اتيانه، ولو متسكعا، لانه ترك ما يحج اختيارا بعد استقراره، والمراد من قوله: (فان عرض عليه ما يحج به) هو بذل الزاد والراحلة، أو قيمتهما، ومن المعلوم انه بعد عرض ذلك عليه وبذله اياه، وامتناعه، يستقر عليه الحج، فالحكم المذكورة في النص حكم بعد الاستقرار، لا حكم السنة الاولى. فمورد الصحيحين اجنبي عن محل الكلام. ومنها: رواية أبي بصير (قال: قلت لابي عبد الله - ع -: قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت..) قال: يخرج ويمشي ان لم يكن عنده، قلت لا يقدر على المشي قال: يمشي ويركب قلت: لا يقدر على ذلك اعني المشي، قال: يخدم القوم ويخرج معهم) (2) ولا يخفي ان مدلول هذه الرواية مقطوع البطلان، إذ لم يلتزم احد - حتى القائل بكفاية القدرة على المشي بلزوم الخدمة في الطريق. مضافا إلى ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني.


(1) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 5. (2) الوسائل: باب 11 وجوب الحج ح 2.

[ 82 ]

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار، وهي العمدة في المقام (قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن رجل عليه دين أعليه ان يحج، قال: نعم ان حجة الاسلام واجبة على من اطاق المشي من المسلمين، ولقد كان (اكثر) من حج مع النبي (صلى الله عليه وآله) مشاة ولقد مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكراع الغميم (1) فشكوا إليه الجهد والعناء، فقال: (شدوا ازركم واستبطنوا ففعلوا ذلك فذهب عنهم) (2) فانه - ع - حكم بوجوب الحج على من عليه الدين، لان الحج واجب على كل من اطاق المشي، والمراد من (اطاق) اعمال غاية الجهد، والعناء، كما هو المراد في قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (3) أي على الذين يتحملون الصوم بجهد وحرج شديد، كالشيخ، والشيخة، فان الطاقة وان كانت بمعنى القدرة، ولكن المراد من اطاق أو يطيق، الذى هو من باب الافعال، اعمال الطاقة والقدرة، وبذل آخر مرتبة القدرة. ولكن لا ريب في عدم وجوب الحج في هذا المورد قطعا، ولم يلتزم احد بوجوبه. والظاهر ان المراد بالطاقة في الرواية القدرة على المشي في داره، وبلده في مقابل المريض والمسجي الذي لا يقدر على المشي اصلا حتى في داره وبلده، وليس المراد به المشي إلى الحج. وبعبارة اخرى: الصحيحة في مقام بيان وجوب الحج على كل


(1) اسم واد بينه وبين مكة نحو ثلاثين ميلا. مجمع البحرين. (2) الوسائل: باب 11 وجوب الحج ح 1. (3) البقرة: 184.

[ 83 ]

[ وهل يكون اشتراط وجود الراحلة مختصا بصورة الحاجة إليها - لعدم قدرته على المشي، أو كونه مشقة عليه، أو منافيا ] من كان قادرا على المشي وكان متمكنا منه في بلده في مقابل المريض الذي لا يتمكن من المشي، فالرواية اجنبية عمن يطيق المشي ويتمكن منه بجهد ومشقة. وأما الذين حجوا مع النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يعلم ان حجهم كان حجة الاسلام، ويحتمل كون حجهم حجا ندبيا، وان فرض اول سنتهم، فان الحج يستحب للمتسكع، ولم يكن مسقطا عن حجة الاسلام، وأما ذكر الامام - ع - هذه القضية فليس للاستشهاد، وإنما نقلها لمناسبة ما. وبالجملة: لو سلمنا ظهور هذه الرواية في عدم اعتبار الراحلة فلا ريب ان ظهورها ليس باقوى من ظهور تلك الروايات المتقدمة الدالة على اعتبار الراحلة، بل تلك الروايات اظهر، فنرفع اليد عن ظهور هذه الصحيحة لاجل اظهرية تلك الروايات. فتحصل: ان المستفاد من الروايات اعتبار الزاد والراحلة مطلقا، حتى في حق القادر على المشي، وبها نقيد الآية الشريفة، وتحمل الآية على ما في الروايات ولا سيما ان الروايات واردة في تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية، وأما مادل على كفاية التمكن من المشي، وعدم الاعتبار بالراحلة، فلم يعمل بمضمونه احد من الاصحاب حتى القائل بكفاية التمكن من المشي، لان مورد هذه الروايات حرجى وهو منفي في الشريعة المقدسة. ويؤيد بل يؤكد ما ذكرنا ان الحج لو كان واجبا على من تمكن من المشي، وان لم يكن له راحلة، لكان وجوبه حينئذ من جملة الواضحات لكثرة الابتلاء بذلك، مع انه قد ادعى الاجماع على خلافه، وتسالم القدماء على اعتبار الراحلة.

[ 84 ]

[ لشرفه - أو يشترط مطلقا ولو مع عدم الحاجة إليه؟ مقتضى اطلاق الاخبار، والاجماعات المنقولة الثاني. وذهب جماعة من المتأخرين إلى الاول، لجملة من الاخبار المصرحة بالوجوب ان اطاق المشي بعضا أو كلا، بدعوى: أن مقتضى الجمع بينها وبين الاخبار الاول حملها على صورة الحاجة. مع انها منزلة على الغالب بل إنصرافها إليها. والاقوى هو القول الثاني، لاعراض المشهور عن هذه الاخبار، مع كونها بمرأى منهم ومسمع، فاللازم طرحها، أو حملها على بعض المحامل كالحمل على الحج المندوب، وان كان بعيدا عن سياقها، مع انها مفسرة للاستطاعة في الآية الشريفة، وحمل الآية على القدر المشترك بين الوجوب والندب بعيد. أو حملها على من استقر عليه حجة الاسلام سابقا، وهو أيضا بعيد، أو نحو ذلك. وكيف كان فالاقوى ما ذكرنا، وان كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالعمل بالاخبار المزبورة، خصوصا بالنسبة إلى من لا فرق عنه بين المشي والركوب، أو يكون المشي اسهل لانصراف الاخبار الاول عن هذه الصورة. بل لولا الاجماعات المنقولة والشهرة لكان هذا القول في غاية القوة. ]

[ 85 ]

[ (مسألة 2): لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد، حتى بالنسبة إلى اهل مكة (1) لاطلاق الادلة فما عن جماعة: من عدم اشتراطه بالنسبة إليهم لا وجه له. ] (1) مقتضى اطلاق مادل على اعتبار الراحلة، عدم الفرق بين المسافة القريبة والبعيدة، حتى بالنسية إلى اهل مكة للمضي إلى عرفات ورجوعه إلى مكة، وقطع المسافة بينها وبين عرفات التي تبلغ اربعة فراسخ. وعن جماعة: منهم المحقق عدم اعتبار الراحلة بالنسبة إلى اهل مكة وما قاربها، وإنما تعتبر الراحلة لمن يفتقر إلى قطع المسافة البعيدة، واجابوا عن اطلاق الروايات الدالة على اعتبار الراحلة بانها وردت في تفسير الآية الشريفة المختصة بحج البيت والسفر إليه، فلا تشمل السفر إلى عرفات. وبعبارة اخرى: الآية الشريفة بضميمة الروايات المفسرة لها، تدل على اعتبار الراحلة لمن يسافر إلى البيت، ويقصده، كحج النائى الذي وظيفته حج التمتع، وأما اهل مكة وما قاربها فوظيفتهم حج الافراد الذي يسافرون إلى عرفات لا إلى البيت، ولا دليل على اعتبار الراحلة في السفر إلى عرفات. ويرد عليهم انه: لا ريب في ان البيت الشريف مقصود في جميع اقسام الحج، ولا يختص بحج التمتمع، فان كل من يقصد الحج باقسامه، ويقصد البيت وساير المناسك، غاية الامر قد يقصده متقدما كحج التمتع، وقد يقصده متأخرا عن المناسك كحج القران والافراد وقد يقصد البيت خاصة كالعمرة المفردة.

[ 86 ]

[ (مسألة 3): لا يشترط وجودهما عينا عنده، بل يكفي وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما المال من غير فرق بين النقود والاملاك، من البساتين والدكاكين والخانات ونحوهما (1) ولا يشترط امكان حمل الزاد معه، بل يكفي امكان تحصيله في المنازل بمقدار الحاجة، ومع عدمه فيه يجب حمله مع الامكان، من غير فرق بين علف الدابة وغيره. ومع عدمه ] (1) كما هو واضح، فان بعض الروايات وان ذكر فيه الزاد والراحلة بخصوصهما، ومقتضى الجمود على ذلك هو الاقتصار بوجودهما عينا، وعدم الاكتفاء بوجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما، فان ذلك من تحصيل الاستطاعة، وهو غير واجب. ولكن يظهر من جملة اخرى من النصوص عدم الفرق بين وجود الزاد والراحلة عينا ووجود بدلهما وقيمتهما. ففي صحيحة معاوية بن عمار الواردة في تفسير الآية الشريفة (هذه لمن كان عنده مال) (1). وفي صحيحته الاخرى عن رجل له مال ولم يحج قط (قال: هو من قال الله تعالى ونحشره يوم القيامة اعمى) (2). وفي صحيحة الحلبي (إذا قدر الرجل على ما يحج به) (3). وما يحج به اعم من عين الزاد والراحلة وقيمتهما، لصدق عنوان ما يحج به على ذلك جميعا.


(1) و (2) و (3) الوسائل باب 6 وجوب الحج ح 1 و 2 و 3 وباب 8 وجوب الحج.

[ 87 ]

[ يسقط الوجوب (1). (مسألة 4): المراد بالزاد هنا: المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه المسافر، من الاوعية التي يتوقف عليها حمل المحتاج إليه، وجميع ضروريات ذلك السفر، بحسب حاله: قوة وضعفا، وزمانه حرا وبردا، وشأنه: شرفا وضعة، والمراد بالراحلة: مطلق ما يركب. ولو مثل سفينة في طريق البحر، واللازم وجود ما يناسب حاله بحسب القوة والضعف ] (1) الزاد من الطعام والماء بل وعلف الدابة ونحو ذلك من الحوائج، ان كانت موجودة في كل منزل ينزله في الطريق، فلا يجب الحمل، وان لم تكن موجودة في الطريق واحتاج إلى الحمل كالسفر في البر والبحر. فذهب جماعة: إلى عدم وجوب الحمل، لانه من تحصيل الاستطاعة ويسقط وجوب الحج حينئذ. وذهب آخرون إلى وجوب الحمل، إلا إذا كان حرجيا زائدا على ما يقتضيه الحج وهذا القول: هو الصحيح، لصدق ان له زادا على ما إذا تمكن من حمله، وان لم يكن موجودا في الطريق، ولا يختص بوجوده في الطريق بل عليه ان يحمله، ولو بان يستاجر دابة لحمله. والحاصل: لو استطاع ان يحمل الزاد ولو بان يحمله الدابة، وجب عليه ذلك، ومجرد عدم وجدان الزاد في الطريق لا يوجب سقوط الحج.

[ 88 ]

[ بل الظاهر اعتباره من حيث الضعة والشرف كما وكيفا (1). فإذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة، بحيث يعد ] (1) اختلف الاصحاب في اعتبار الراحلة من حيث الضعة والشرف فذهب جماعة: إلى مراعاة شأن المكلف وحاله ضعة وشرفا بالنسبة إلى الراحلة. وذهب اخرون: إلى عدم اعتبار ذلك. واستدل الاول بنفي الحرج، فان الدليل وان كان مطلقا من هذه الجهة، إلا ان قاعدة نفي الحرج حاكمة على الاطلاقات. وربما يشكل التمسك بنفي الحرج. من جهة ان مقتضى حكومة نفي الحرج، هو نفي الوجوب لا نفي المشروعية، والكلام في الثاني، وعليه لو تحملي الحرج يحكم بصحة حجه، واجزائه عن حج الاسلام، فعدم الاجزاء يحتاج إلى الدليل ولا دليل. والحاصل: أن اقصى ما تدل عليه قاعدة نفي الحرج، هو نفي الوجوب لانفي المشروعية فلو تحمل الحرج، فمقتضى القاعدة هو الحكم بالصحة والاجزاء، إذ لا منافاة بين كون الشئ غير واجب في الشريعة، وبين الحكم بالاجزاء بمقتضى الجمع بين الادلة - ادلة نفي الحرج، والاطلاقات -. ونظير ذلك مالو توضوء الصبي ثم بلغ، فانه لا حاجة إلى اعادة وضوئه بناءا على مشروعية عباداته، وعدم كونها تمرينية، فان الوضوء الصادر منه وان كان غير واجب، لكنه يجزى عن الواجب، وهكذا المقام.

[ 89 ]

وفيه: ان قياس القيام، وتنظيره بالو ضوء الصادر من الصبي باطل لان الوضوء هو الطهور، وهو حقيقة واحدة غير مختلفة، وهي حاصلة على الفرض لصحة عبادات الصبي، فلا وجه لاتيان الوضوء مرة ثانية بعد فرض حصول الطهارة، وهذا بخلاف الحج فان له حقائقا مختلفة كما تقدم، فان الحج الذي افترضه الله على العباد وجعله مما بني عليه الاسلام، المسمى بحج الاسلام في الروايات، مشروط بعدم العسر بمقتضى قاعدة نفي الحرج، فما يصدر منه حال العسر والحرج، ليس بحجة الاسلام، إذ اليسر بمقتضى القاعدة مأخوذ في حجة الاسلام فإذا تحمل الحرج والعسر في اعمال الحج، لم يكن حجه بحجة الاسلام ولا دليل على اجزائه عن حجة الاسلام، فالاجزاء يحتاج إلى الدليل لا عدمه. وبعبارة اخرى: الحج الذي افترضه الله على العباد مرة واحدة في العمر، وجعله ما بني عليه الاسلام، مشروط بعدم العسر بمقتضى نفي الحرج، فإذا أتى بالحج حرجا ومعسرا، لم يكن حجه بحجة الاسلام، فان حجة الاسلام يمتاز من بين اقسامه بأخذ اليسار في موضوعه ولا يتصف حجة الاسلام بالجواز وعدم الوجوب، فالاجزاء يحتاج إلى الدليل، ومما يدل على اعتبار اليسار في حجة الاسلام، وعدم وجوبه عند العسر والحرج، موثق أبي بصير (من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عزوجل: (ونحشره يوم القيامة اعمى) (1) فان المستفاد منه، انه لو كان معسرا لا يشمله قوله تعالى: (ونحشره يوم القيامة اعمى). نعم وردت روايات أخر في اتيان الحج وان كان عسرا وحرجيا


(1) الوسائل: باب 6 وجوب الحج ح 7.

[ 90 ]

[ ما دونهما نقصا عليه، يشترط في الوجوب القدرة عليه، ولا يكفي ما دونه، وان كانت الآية والاخبار مطلقة، وذلك لحكومة قاعدة نفي العسر والحرج على الاطلاقات. نعم إذا لم يكن بحد الحرج وجب معه الحج. وعليه يحمل ما في بعض الاخبار. من وجوبه ولو على حمار اجدع مقطوع الذنب. (مسألة 5): إذا لم يكن عنده الزاد ولكن كان كسويا يمكنه تحصيله بالكسب في الطريق لاكله وشربه وغيرهما من بعض حوائجه، هل يجب عليه أو لا؟ الاقوى عدمه، وان كان الاحوط (1). ] كصحيحة أبي بصير (من عرض عليه الحج ولو على حمار اجدع مقطوع الذنب فأبي فهو مستطيع للحج) (1) ورواها الصدوق عن هشام بن سالم مثله. فان موردها وان كان البذل، ولكن لا خصوصية له والمستفاد من الصحيحة بعد الغاء خصوصية المورد وجوب الحج مطلقا ولو على حمار اجدع، إلا انها مطلقة من حيث المبذول له، بمعنى ان المستفاد من اطلاق الصحيحة وجوب الحج على كل مكلف ولو على حمار اجدع يناسب شأنه ام لا، فان المكلفين يختلف شأنهم وحالهم من حيث الشرف والضعة، فيقيد اطلاق ذلك بادلة نفي الحرج، فانها حاكمة على الادلة، فمقتضى الجمع بين الادلة وجوب الحج ولو على حمار اجدع فيما إذا لم يستلزم الحرج ولم يكن منافيا لشأنه، ولم يستلزم مهانة وذلة. (1) ذهب بعضهم إلى انه لو لم يجد الزاد بالفعل ولكن كان


(1) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 7.

[ 91 ]

[ (مسألة 6): انما يعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده، فالعراقي إذا استطاع وهو في الشام وجب عليه، وان لم يكن عنده بقدر الاستطاعة من العراق. بل لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكعا، أو لحاجة اخرى من تجارة أو غيرها وكان له هناك ما يمكن ان يحج به وجب عليه (1). بل لو احرم متسكعا فاستطاع، وكان امامه ميقات آخر، امكن ان يقال ] كسوبا يتمكن من الاكتساب في الطريق لكل يوم قدر ما يكفيه، كالحلاق وجب عليه الحج لصدق الاستطاعة. ولكن الظاهر عدم الوجوب لان العبرة في التمكن من الزاد، بالوجدان الفعلى، والاستطاعة انما تصدق في صورة التمكن من الزاد فعلا أو قيمة، والتمكن من الاكتساب في الطريق من قبيل تحصيل الاستطاعة، ويصدق عليه انه ليس له زاد، فان الظاهر من قوله - ع - (له زاد وراحلة)، ان يكون مستوليا عليهما بالفعل بملك ونحوه، ولا يصدق الاستيلاء على الزاد بالفعل، بمجرد التمكن من اكتساب الزاد في الطريق. (1) لانه لم يقيد الاستطاعة، أو من له زاد وراحلة في النصوص بحصول ذلك في بلده، إذ لا خصوصية لبلد دون بلد، ولا دليل على لزوم حصول الاستطاعة من بلده، بل اللازم اتيان الحج والمناسك عن استطاعة. فلو ذهب إلى بلد اخر بل إلى المدينة المنورة وقبل ان يصل إلى الميقات حصلت له الاستطاعة، وجب عليه الحج. وبالجملة لا كلام في وجوب الحج إذا استطاع قبل الميقات.

[ 92 ]

[ بالوجوب عليه، وان كان لا يخلو عن اشكال (1). (مسألة 7): إذا كان من شأنه ركوب المحمل والكنيسة ولم يوجد سقط الوجوب (2) ولو وجد ولم يوجد شريك ] (1) مقتضى اطلاق الادلة وجوب الحج عليه، والذي يمنع عن القول بالوجوب عليه حينئذ، احرامه لغير حجة الاسلام، إذ ليس له لبطالة والاحرام ثانيا لحج الاسلام. والحاصل: من احرم من الميقات احراما صحيحا ولو ندبا، ليس له رفع اليد عن الاحرام، بل يجب عليه اتمام هذا العمل فليس له الاحرام الثاني في ضمن الاحرام الاول. ولكن الظاهر وجوب الحج عليه، واحرامه الاول لا يمنع عنه، لانه بعد فرض شمول اطلاق الادلة لمثل المقام، يكشف عن بطلان الاحرام الاول، وانه لم يكن له امر ندبي بالحج، وانما هو مجرد تخيل ووهم، ففي الواقع هو مأمور بحج الاسلام، ولكن لم يكن يعلم به، فحصول الاستطاعة ولو بعد الميقات يكشف عن بطلان احرامه الاول، وعن عدم الامر الندبي حين الاحرام، ولذا لو انكشف انه كان مستطيعا من بلده وكان لا يعلم بذلك، فلم يجب عليه إلا حجة الاسلام، ويجرى عليه احكام من تجاوز الميقات بغير احرام، فوظيفته حينئذ الرجوع إلى الميقات والاحرام منه لحجة الاسلام، ان تمكن من الرجوع، وإلا ففيه تفصيل يأتي ان شاء الله تعالى. ولا فرق في وجوب الاحرام للحج ثانيا بين ما إذا كان امامه ميقات اخر ام لا. فانه يجب عليه الرجوع، إلى الميقات والاحرام منه لحج الاسلام. (2) لعدم حصول الاستطاعة حسب حاله وشأنه، وكذا لو وجد

[ 93 ]

[ للشق الاخر، فان لم يتمكن من اجرة الشقين سقط ايضا. وان تمكن فالظاهر الوجوب، لصدق الاستطاعة، فلا وجه لما عن العلامة: من التوقف فيه، لان بذل المال له خسران لا مقابل له (1) نعم لو كان بذله مجحفا ومضرا بحاله لم يجب، كما هو الحال في شراء ماء الوضوء. ] ولم يوجد شريك للشق الاخر، ولا مال له لاجرة الشقين، وكذا لو كان له مال، وكان بذله للشق الاخر حرجيا واجحافا بالنسبة إليه ومضرا بحاله، ففي جميع هذه الصور يسقط وجوب الحج، لعدم حصول الاستطاعة. (1) وقع الكلام فيما إذا كان بذل المال لاجرة الشق الاخر، ضررا عليه، ولكن لا يصل إلى حد الحرج، فهل يجب بذل المال الزائد بازاء الشق الاخر، وهل يجب عليه تحمل الضرر الزائد ام لا؟ فعن العلامة التوقف فيه، وذهب في المتن إلى الوجوب، لصدق الاستطاعة. وقد يقال: بان بذلك المال بازاء العدل الاخر ضرر عليه، فهو مرفوع لحديث لاضرر. واجيب: بان الحج تكليف ضرري، وحديث لا ضرر لا يجري في الاحكام الضررية، ولا نظر له إليها، وانما يجرى في الاحكام التي لها فردان، ضرري وغير ضرري والحديث يرفع الضرري، وأما إذا كان متمحضا في الضرر، فلا يجري فيه حديث لاضرر، وادلة وجوب الحج على المستطيع لما كانت متضمنة للضرر وصرف المال تكون اخص من نفي الضرر، فادلة وجوب الحج مخصصة لنفي الضرر،

[ 94 ]

[ (مسألة 8): غلاء اسعار ما يحتاج إليه، أو اجرة المركوب في تلك السنة لا يوجب السقوط، ولا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكنه من القيمة. بل وكذا لو توقف على الشراء بازيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة. بل وكذا لو توقف على بيع املاكه باقل من ثمن المثل، لعدم وجود راغب في ] وبالجملة: ادلة نفي الضرر لا نظر لها إلى الاحكام الضررية كالزكاة والخمس، والجهاد والحج، ويجب تحمل الضرر في هذه الموارد ما لم يصل إلى حد الحرج والاحجاف. وفيه: ان الحج وان كان ضرريا، ولكن المجعول من الضرر ما يقتضيه طبعه مما يحتاج إليه المسافر إلى الحج، وأما الزائد على ما يقتضيه طبع الحج فهو ضرر اخر اجنبي عن الضرر اللازم من طبع الحج، والمرفوع بحديث لا ضرر، انما هو الضرر الزائد عما يقتضيه طبع الواجب، والذي لا يرتفع بلا ضرر انما هو الضرر اللازم منه مما يتقضيه طبعه. وبعبارة اخرى: ان حديث لا ضرر وان كان لا نظر له إلى الاحكام الضررية، ولكن بمقدار الضرر الذي يقتضيه طبع الحكم، وأما الضرر الزائد على ذلك فلا مانع من رفعه بحديث لا ضرر، وادلة الحج بالنسبة إلى هذا الضرر الزائد مطلقة، ولا مانع من شمول الحديث لهذه الزيادة، والقدر المسلم من تحمل الضرر في زاده وراحلته، ما كان مما يقتضيه العادة وطبع الحج في نفسه، وأما الزائد فلا دليل على تحمله إلا المطلقات وهي محكومة بلا ضرر.

[ 95 ]

[ القيمة المتعارفة، فما عن الشيخ: من سقوط الوجوب ضعيف نعم لو كان الضرر مجحفا بماله مضرا بحاله لم يجب، وإلا فمطلق الضرر لا يرفع الوجوب، بعد صدق الاستطاعة وشمول الادلة. فالمناط هو الاجحاف والوصول إلى حد الحرج الرافع للتكليف (1). (مسألة 9): لا يكفي في وجوب الحج وجود نفقة الذهاب فقط، بل يشترط وجود نفقة العود إلى وطنه ان اراده، وان لم يكن له فيه اهل ولا مسكن مملوك ولو بالاجارة، للحرج في التكليف بالاقامة في غير وطنه المألوف له (2). نعم إذا لم يرد العود أو كان وحيدا لا تعلق له بوطن، لم يعتبر وجود نفقة العود. لاطلاق الآية والاخبار في كفاية وجود نفقة الذهاب. وإذا اراد السكنى في بلد اخر غير وطنه لا بد من وجود النفقة إليه إذا لم يكن ابعد من وطنه وإلا فالظاهر ] (1) قد ظهر حال هذه المسألة مما ذكرنا في المسألة السابقة، فان غلاء اسعار ما يحتاج إليه، أو الشراء بازيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة وبيع املاكه باقل من ثمن المثل، ونحو ذلك مما يستلزم الحرج والاجحاف يوجب سقوط الوجوب، لان الضرر الزائد على المقدار المتعارف منفي بلا ضرر، إلا إذا كان الضرر يسيرا فانه لا عبرة به. (2) إذا لم يكن له نفقة العودة، وكان متمكنا من الذهاب فقط

[ 96 ]

[ كفاية مقدار العود إلى وطنه. ] فان كان بقائه في مكة المكرمة حرجيا، فلاريب في عدم وجوب الذهاب. وأما إذا لم يكن بقائه في مكة حرجيا، ويتمكن من ان يعيش هناك، كما يعيش في بلده لعدم وجود علاقة له بوطنه، فلا يعتبر تمكنه من نفقة العود، بل تكفي نفقة الذهاب، ويجب عليه الحج لانه مستطيع من الحج، والسفر إلى البيت، ولا دليل على اعتبار التمكن من نفقة العود في هذه الصورة. وأما إذا لم يرد الرجوع إلى بلده الذي سافر منه، بل اراد الرجوع إلى بلد اخر كمن يسافر من العرق إلى مكة ويريد العود إلى خراسان أو الشام، فهل يعتبر التمكن من نفقة العود إلى ذلك البلد الذي يريد الذهاب إليه ام لا؟ فصل في المتن بين ما إذا كان ذلك البلد الذي يريد المقام فيه ابعد من وطنه الذي سافر منه كخراسان وبين ما لم يكن ابعد كالشام ففي الصورة الاولى اكتفى بمقدار العود إلى وطنه، وفي الصورة الثانية اعتبر مقدار العود إلى البلد الذي يريد ان يقيم فيه. اقول: للمسألة صورتان: الاولى: ما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى وطنه، بل لابد له ان يذهب إلى بلد اخر، فحينئذ لابد من وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد الذي يريد ان يقيم فيه وان كان ابعد، هذا إذا لم يكن ذهابه إلى ذلك البلد حرجيا، وإلا فلا يجب عليه الخروج إلى الحج. الصورة الثانية: ما إذا اراد الرجوع إلى بلد اخر حسب رغبته الشخصية وميله الخاص. ذكر في المتن: ان العبرة في نفقة العود بالقرب والبعد.

[ 97 ]

[ (مسألة 10): قد عرفت انه لا يشترط وجود اعيان ما يحتاج إليه في نفقة الحج من الزاد والراحلة، ولا وجود أثمانها من النقود، بل يجب عليه بيع ما عنده من الاموال لشرائها. لكن يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه في ضروريات معاشه، فلا تباع دار سكناه اللائقة بحاله، ولا خادمه المحتاج إليه، ولا ثياب تجمله اللائقة بحاله (1). ] والظاهر: ان العبرة: بكثرة القيمة وعدمها، ولا عبرة بالبعد والقرب، فان كان الذهاب إلى بلد آخر يريد المقام فيه اختيارا يحتاج إلى صرف المال أقل من العود إلى وطنه يجب مراعاة ذلك ولو فرض ان طريقه أبعد. وان كان يحتاج إلى صرف المال أكثر من الرجوع إلى وطنه، فالعبرة بالمقدار المحتاج في العود إلى وطنه، ولا عبرة بكثرة القيمة اللازم صرفها في الذهاب إلى بلد آخر. فكان الاولى أن يعبر في المتن بزيادة القيمة والنفقة، لا القرب والبعد إذ لا عبرة بهما كما عرفت، وانما العبرة بما ذكرنا. (1) قد عرفت ان العبرة في الاستطاعة، بوجود الزاد والراحلة عينا أو ثمنا، وانه يكفي في تحققها وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما، سواء كان من النقود أو الاملاك، فالميزان وجود ما يحج به، نعم يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه الانسان في معاشه ومعائش عياله من الدار، والاثاث والثياب والفرش، والاواني، وفرس ركوبه، وغير ذلك مما ذكر في المتن ما يحتاج إليه، بحيث لو باع أحد هذه الامور وصرف ثمنه في الحج وقع في الحرج، فالعبرة في جميع

[ 98 ]

ذلك بالحرج، فإذا كان فقدان شئ من ذلك موجبا للحرج، لا يجب بيعه وتبديله بالزاد والراحلة، لان دليل نفي الحرج حاكم على جميع الادلة، ويرفع الالزام بالفعل أو الترك فكل شئ إذا كان فقده موجبا لوقوعه في الحرج، لا يجب بيعه وصرفه في الحج لاستلزام التكليف بصرف ذلك في الحج، الحرج والعسر، ومن ذلك الكتب مطلقا دينية كانت أو غيرها ككتب الطب ونحو ذلك مما يحتاج إليه في معاشة بحيث لو باعها بدلها بما يحج به لوقع في الحرج، فلا وجه لاختصاص الاسثناء بالكتب الدينية كما في المتن، ومنه الفرس المعد لركوبه في حوائجه وأغراضه، فان كان بيع الفرس أو فقدانه مستلزما لوقوع الشخص في الحرج والمشقة يسقط وجوب الحج ولا يجب بيعه فلا وجه لما عن كشف اللثام من التفصيل بين ما إذا كان الفرس صالحا لركوبه في طريق الحج فهو من الراحلة وإلا فهو أمر زائد يجب بيعه وتبديله بالزاد والراحلة، لما عرفت ان الميزان هو الحرج، وانه إذا استلزم فقد الفرس حرجا عليه، لعدم امكان استيفاء اغراضه وسد حوائجه به، فلا يجب بيعه سواء كان صالحا للسفر إلى الحج أم لا، كما لا وجه لما عن الشهيد من التوقف والتردد في استثناء ما يضطر إليه من أمتعة المنزل، والسلاح، وآلات الصنايع، لما عرفت من أن مجرد التمكن من الزاد والراحلة وتحصيلهما، لا يجدى في ثبوت الوجوب، بل الميزان مضافا إلى التمكن، والاستطاعة من حيث الزاد والراحلة، عدم استلزام الحرج في بيع ما يحتاج إليه في أمور معاشه ودنياه. ثم لافرق بين استلزام الحرج بالفعل، وبين حصوله في الزمان اللاحق، كثياب الشتاء بالنسبة إلى موسم الصيف، فان تبديل ما يحتاج إليه في الشتاء وان لم يستلزم الحرج بالفعل لكون الزمان

[ 99 ]

[ - فضلا عن ثياب مهنته - ولا أثاث بيته من الفراش والاواني وغيرهما مما هو محل حاجته، بل ولا حلى المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها ومكانها، ولا كتب العلم لاهله التي لابد له منها فيما يجب تحصيله. لان الضرورة الدينية أعظم من الدنيوية، ولا آلات الصنايع المحتاج إليها في معاشه، ولا فرس ركوبه مع الحاجة إليه، ولا سلاحه، ولا سائر ما يحتاج إليه. لاستلزام التكليف بصرفها في الحج العسر والحرج. ولا يعتبر فيها الحاجة الفعلية. فلا وجه لما عن كشف اللثام: من أن فرسه ان كان صالحا لركوبه في طريق الحج فهو من الراحلة، وإلافهو في ] حارا على الفرض، ولكنه يقع في الحرج في موسم الشتاء، وأدلة نفي الحرج لا قصور فيها عن شمولها لمطلق ما يستلزم منه الحرج، فعليا كان، أو استقباليا، لان الميزان هو حصول الحرج سواء كان بالفعل، أو في الزمان اللاحق، ومما ذكرنا يظهر الحال في حلى المرأة فانه مع حاجتها إلى لبسها، كما إذا كانت شابة لا يجب بيعها وتبديلها بالزاد والراحلة، لان صرفها في الحج حرجي عليها، وأما إذا كبرت وتقدم بها السن بحيث لا يناسب لها لبسها ففي هذه الصورة، يجب عليها بيعها وتبديلها بالزاد والراحلة لعدم الحاجة إليها، وعد استلزام الحرج من صرفها في الحج.

[ 100 ]

[ مسيره إلى الحج لا يفتقر إليه بل يفتقر إلى غيره، ولا دليل على عدم وجوب بيعه حينئذ. كما لا وجه لما عن الدروس: من التوقف في استثناء ما يضطر إليه، من أمتعة المنزل، والسلاح، وآلات الصنايع. فالاقوى استثناء جميع ما يحتاج إليه في معاشه، مما يكون إيجاب بيعه مستلزما للعسر والحرج. نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحج. وكذا لو استغنى عنها بعد الحاجة، كما في حلي المرأة إذا كبرت عنه، ونحوه. (مسألة 11): لو كان بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه، وكان عنده دار مملوكة، فالظاهر وجوب بيع المملوكة (1) إذا كانت وافية لمصارف الحج، أو متممة لها. ] (1) لو كان له دار مملوكة، ولكن يمكنه السكنى في الدار الموقوفة، فهل يجب عليه بيع المملوكة وصرف ثمنه في الحج أم لا؟ وجهان. أحدهما: عدم وجوب البيع لان الدار محل الحاجة، ومما يمكن الاحتياج إليه والاصل عدم وجوب البيع. ثانيهما: وجوب البيع وصرف ثمنه في الحج، أو تتميمه لمصارف الحج، وذلك لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم تكن السكنى في الدار

[ 101 ]

[ وكذا في الكتب المحتاج إليها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفايته، فيجب بيع المملوكة منها. وكذا الحال في سائر المستثنيات إذا ارتفعت حاجته فيها بغير المملوكة. لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم يكن ذلك منافيا لشأنه ولم يكن عليه حرج في ذلك. نعم لو لم تكن موجودة، وأمكنه تحصيلها لم يجب عليه ذلك، فلا يجب بيع ما عنده وفي ملكه. والفرق: عدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة، بخلاف الصورة الاولى، إلا إذا حصلت بلا سعي منه، أو حصلها مع عدم وجوبه، فانه بعد التحصيل يكون كالحاصل اولا. ] الموقوفة منافية لشأنه ولم يكن عليه حرج في ذلك، فلا حاجة إلى الدار المملوكة حينئذ، لسد حاجته بالوقف، فلا حرج في بيع المملوك، وعليه لا مجال للرجوع إلى اصالة عدم وجوب البيع. وقد استثنى المصنف (رحمه الله) من ذلك ما إذا لم تكن الدار الموقوفة موجودة بالفعل وأمكنه تحصيلها والسكنى فيها، لم يجب عليه بيع المملوكة لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة، بل ذلك من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب، والحاصل: فرق في المتن بين ما إذا كان بيده دار موقوفة يسكن فيها مثلا، وكان له دار مملوكة أيضا وبين ما إذا لم تكن الدار الموقوفة موجودة بالفعل ولم تكن تحت اختياره فعلا ولكن يمكنه تحصيلها والسكنى فيها، فاختار وجوب البيع في

[ 102 ]

[ (مسألة 12): لو لم تكن المستثنيات زائدة عن اللائق بحاله بحسب عينها، لكن كانت زائدة بحسب القيمة، وأمكن ] الصورة الاولى لصدق الاستطاعة، وعدم الوجوب في الصورة الثانية، لان تحصيل الدار الموقوفة لاجل السكنى فيها من قبيل تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب. ولكن الظاهر: عدم الفرق بين الصورتين، لصدق الاستطاعة في الصورة الثانية أيضا، لان المراد بالاستطاعة كما عرفت غير مرة، وجود ما يحج به عنده وهو حاصل في المقام، والذي يمنع عن صرفه في الحج العسر والحرج، والمفروض ان لا حرج عليه في صرفه في الحج بعد قدرته على تحصيل الدار الموقوفة، كما لو فرضنا انه وحيد لا عائلة له، وليس ذلك من تحصيل الاستطاعة حتى يقال بعدم وجوبه فان المفروض ان عنده ما يحج به بالفعل ويتمكن من ترك البيت والسكنى في المدرسة بدون استلزام مهانة عليه وإنما يحصل امرا آخر يسد حاجته به، ومثله يجرى في سائر الاشياء من الاثاث كالفرش والكتب، فإذا تمكن من تحصيل الكتب الموقوفة بلا حرج، ولم يكن استعمال الوقف له حرجا لم يكن منافيا لشأنه ومهانة عليه، يجب عليه بيع كتبه المملوكة، لصدق الاستطاعة بالزاد والراحلة قيمة، فلا يختص الحكم بالدار. والحاصل تحصيل الاستطاعة وان لم يكن واجبا قطعا، ولكن المقام ليس من باب تحصيل الاستطاعة بل الاستطاعة بالزاد والراحلة قيمة حاصلة بالفعل، فلابد من النظر إلى أن صرفها في الحج يوجب الحرج فلا يجب، وإلا فهو واجب لصدق الاستطاعة.

[ 103 ]

[ تبديلها بما يكون أقل قيمة مع كونه لايقا بحاله أيضا، فهل يجب التبديل للصرف في نفقة الحج أو لتتميمها؟ قولان، من صدق الاستطاعة، ومن عدم زيادة العين عن مقدار الحاجة، والاصل عدم وجوب التبديل. والاقوى الاول إذا لم يكن فيه حرج أو نقص عليه، وكانت الزيادة معتدا بها كما إذا كانت له دار تسوى ماءة، وأمكن تبديلها بما يسوى خمسين، مع كونه لا يقا بحاله من غير عسر، فانه يصدق الاستطاعة. نعم لو كانت الزيادة قليلة جدا بحيث لا يعتنى بها، أمكن دعوى عدم الوجوب (1) وان كان الاحوط التبديل ايضا. ] (1) لم يظهر لنا وجه لهذا التفصيل، فان الفرق بالتفاوت الكثير واليسير، إنما يؤثر في مثل ثبوت خيار الغين وعدمه، لما ذكرنا في محله ان عمدة دليل خيار الغين هو الاشتراط الضمني، وبناء العقلاء على تساوي العوضين من حيث المالية، وعدم التفاوت بينهما كثيرا، وإلا فيثبت خيار تخلف الشرط، وأما إذا كان التفاوت يسيرا فلا يعتنى به العقلاء ولا يوجب الخيار. وأما في المقام فقد عرفت ان الميزان في الاستطاعة هو التمكن من الزاد والراحلة عينا أو قيمة، والمفروض ان له زادا وراحلة بهذه الزيادة المترتبة على التبديل.

[ 104 ]

[ (مسألة 13): إذا لم يكن عنده من اعيان المستثنيات لكن كان عنده ما يمكن شرائها به من النقود أو نحوها، ففي جواز شرائها وترك الحج إشكال، بل الاقوى عدم جوازه، إلا أن يكون عدمها موجبا للحرج عليه، فالدار في ذلك هو الحرج وعدمه، وحينئذ فان كانت موجودة عنده لا يجب بيعها إلا مع عدم الحاجة، وإن لم تكن موجودة. لا يجوز شراؤها الا مع لزوم الحرج في تركه ولو كانت موجودة وباعها بقصد التبديل بآخر لم يجب صرف ثمنها في الحج. فحكم ثمنها حكمها. ولو باعها لا ] نعم يشترط أن لا يستلزم التبديل الحرج، فالتفاوت بالكثير وباليسير لا أثر له في ذلك بل لو كان التفاوت بواحد في الماءة وجب التبديل، كما لو فرض ان نفقة الحج ماءة دينارا وعنده بالفعل تسع وتسعون دينارا، يجب عليه بيع داره بمائة ليضيف دينارا واحدا إلى نفقة حجه، ويشترى بالباقي دارا أخرى مناسبا لشأنه، كما لو فرضنا ان داره تسوى عشرة آلاف دينارا وان مصرف حجه يبلغ مئتين دينارا يجب عليه بيع داره يأخذ مصرف حجه ويشتري بالباقي دارا أخرى، مع ان نسبة المئتين إلى العشرة آلاف قليلة جدا. فالصحيح عدم الفرق بين الصورتين لصدق الاستطاعة في كلتا الصورتين، إذ العبرة بالتمكن من الزاد والراحلة، وهو حاصل في المقام سواء كان التفاوت يسيرا أو كثيرا.

[ 105 ]

[ بقصد التبديل وجب - بعد البيع - صرف ثمنها في الحج. إلا مع الضرورة إليها على حد الحرج في عدمها (1). ] قد تقدمت بجملة من المستثنيات التي مما يحتاج إليه في معاشه وحياته، وانه لا يجب بيعها وصرف ثمنها في الحج، لا ستلزام ذلك العسر والحرج، هذا بالنسبة إلى الاعيان الموجودة، وهكذا بالنسبة إلى النقود، فلو كان عنده مقدار من النقود، ولم يكن عنده دار، ودار الامر بين صرف النقود في الحج، وبين أن يشتري بها دارا لسكناه، فلو كانت الدار مما يحتاج إليه بحيث لو صرف النقود في الحج وترك شراء الدار لوقع في الحرج، لا يجب عليه الحج بل يجوز له شراء الدار لسد حاجته وضرورته. وبعبارة أخرى: استثناء ما يحتاج إليه لا يختص بالاعيان الخارجية، بل يشمل ثمنها أيضا، فان كانت الدار المملوكة مما يحتاج إليه، بحيث لو باعها وقع في الحرج، لا يجب عليه بيعها وصرف ثمنها في الحج، وكذا من كان له مقدار من المال يكفي لشراء الدار، بحيث لو لم يشتر به دارا لوقع في الحرج، جاز له شراء الدار، ولا يجب عليه صرف المال في الحج، وكذا لو باع داره بقصد التبديل إلى دار أخرى، أو إلى ما يحتاج إليه في حياته، لا يجب عليه صرف الثمن في الحج بل يجوز له شراء ما يحتاج إليه بدلا عن الدار التي باعها. والحاصل: لا يجب عليه الحج في هذه الموارد الثلاثة. الاول: إذا كان ما عنده مما يحتاج إليه عينا. الثاني: ما إذا كان مما يحتاج إليه نقدا.

[ 106 ]

الثالث: ما إذا كان له كلا الامرين، كما إذا كان له دار وباعها بقصد التبديل، فانه قبل البيع له العين وبعده له النقد بالفعل قبل التبديل. وفي جميع هذه الصور لا يجب الحج، إذ لا يجب صرف المال في الحج، لاستلزامه الحرج على الفرض. وأما لو باعه داره لا بقصد التبديل بل لغاية من الغايات، ذكر في المتن انه يجب عليه صرف ثمنها في الحج إلا إذا كان صرفه فيه مستلزما للحرج، كما لو فرضنا ان صرف الثمن في الحج يستوجب أن لا يملك دارا أصلا. وهذا حرجى عليه. والحق هو التفصيل: لانه تارة: يبنى على صرف المال فيما يحتاج إليه في حياته، وان لم يكن مسانخا مع العين الاولى، كمن يبيع داره ليشتري بثمنها ثيابا لنفسه وعياله وغير ذلك مما يحتاج ويضطر إليه. وأخرى: يتردد في صرفه فيما يحتاج إليه من أنواع الحوائج، فهو غير بان على شئ فعلا. وثالثة: يبنى على التحفظ على المال وعدم صرفه في الحوائج. بل يريد ان يدخره، ففي الاول والثاني لا يجب عليه الحج، لان إلزامه بصرفه في الحج حرجي عليه، ومناف لمقاصده وأما في الثالث فلا حرج عليه في صرفه في الحج بعد فرض انه عازم على عدم صرفه في حوائجه. وبعبارة أخرى إلزامه بالحج حينئذ غير حرجي عليه، إذ لو صرف المال أو لم يصرفه يعيش عيشة حرجية فانه لو لم يحج أيضا لا يعيش إلا نكدا. نعم صرف المال مناف لعزمه وتصميمه بادخار المال وإلا فلا حرج عليه من ناحية الحج، وإنما الحرج نشأ من عزمه على إدخار المال وعدم صرفه في حوائجه، لا من الحكم الشرعي بوجوب الحج، كمن يقتنع بأن يسكن في الخربة ويعيش عيشة الفقراء من حيث

[ 107 ]

[ (مسألة 14): إذا كان عنده مقدار ما يكفيه للحج، ونازعته نفسه إلى النكاح، صرح جماعة بوجوب الحج وتقديمه على التزويج، بل قال بعضهم: وان شق عليه ترك التزويج. والاقوى - وفاقا لجماعة أخرى - عدم وجوبه، مع كون ترك التزويج حرجا عليه، أو موجبا لحدوث مرض (1). أو للوقوع في الزنا ونحوه. نعم لو كانت ] المسكن والمأكل والثياب، ويدخر الاموال. فمجرد الضرورة والحاجة لا يوجب سقوط الحج، بل صرف المال في الحوائج أو بنائه أو التحفظ على الا موال حتى يتروى في كيفية الصرف ونحو ذلك مما لو منع عن ذلك لوقع في الحرج كل ذلك يوجب سقوط الحج، وأما مجرد تصميه على التحفظ على المال وإدخاره وعدم صرفه في حوائجه، فلا يوجب سقوط الحج، فان صرفه في الحج لا يؤثر في حاله، لانه لو صرف أولم يصرف لعاش عيشة حرجية، فالحرج لم ينشأ من إلزامه بالحج، والمفروض وجود ما يحج به عنده فيجب عليه الحج.. (1) الامر كما ذكره بالنسبة إلى ترك التزويج، وحدوث المرض، فان الحج إذا استلزم الحرج والمشقة يرتفع وجوبه، سواء قلنا: بأن الاضرار بالنفس محرم أم لا، فان الميزان في سقوط الحج أن يكون الالزام به حرجيا، وان كان ايقاع النفس في الحرج والمشقة غير محرم، لحكومة دليل نفي الحرج على الحج. وأما بالنسبة إلى الوقوع في الزنا فليس الامر كذلك، لان مجرد

[ 108 ]

[ عنده زوجة واجبة النفقة ولم يكن له حاجة فيها، لا يجب أن يطلقها ويصرف مقدار نفقتها في تتميم مصرف الحج لعدم صدق الاستطاعة عرفا (1). (مسألة 15): إذا لم يكن عنده ما يحج به، ولكن كان له دين على شخص بمقدار مؤنته أو بما تتم به مؤنته، فاللازم اقتضاؤه وصرفه في الحج إذا كان الدين حالا وكان المديون باذلا، لصدق الاستطاعة حينئذ (2). وكذا إذا كان ] العلم بالوقوع في الزنا ليس مجوزا لترك الحج، لعدم استناده إلى الحج، وإنما يرتكبه بسوء اختياره واللازم عليه تركه، ولا ينافي ذلك كونه مكلفا باتيان الحج. وبعبارة أخرى: يلزم عليه أمران: ترك الزنا والحج، ومجرد العلم باتيان الزنا اختيارا لا يوجب سقوط الحج، بل يجب عليه الحج كما يحرم عليه الزنا. ونظير المقام ما لو علم الحاج انه لو صرف ماله في طريق الحج لسرق من اموال المسلمين ليتدارك ما صرفه من أمواله، ولا يتوهم أحد سقوط الحج في مثل ذلك، وبالجملة: العلم بارتكاب المحرم اختيارا لا يوجب سقوط الحج. (1) ويكون طلاقها لصرف مقدار نفقتها في الحج من باب تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب. (2) إذا لم يكن له مال خارجي يكفيه للحج، ولكن كان له دين على شخص آخر يفي للحج، ففي حصول الاستطاعة وعدمه بذلك تفصيل يتوقف على بيان صور المسألة.

[ 109 ]

[ مماطلا وأمكن إجباره باعانة متسلط، أو كان منكرا وأمكن إثباته عند الحاكم الشرعي وأخذه بلا كلفة ولا حرج. بل وكذا إذا توقف استيفاؤه على الرجوع إلى حاكم الجور - بناءا على ما هو الاقوى من جواز الرجوع إليه مع توقف استيفاء الحق عليه - لانه حينئذ يكون واجبا بعد صدق الاستطاعة لكونه مقدمة للواجب المطلق. ] الاولى: مااذا كان الدين حالا، وكان المديون باذلا، فاللازم مطالبته واقتضاؤه وصرفه في الحج، لصدق الاستطاعة بذلك، لعدم اختصاص عنوان الاستطاعة بالعين الخارجية، بل يشمل ملكية ذمة الغير أيضا، لان الميزان في الاستطاعة المعتبرة كما عرفت غير مرة هو التمكن من الزاد والراحلة ولو قيمة وبدلا ووجود ما يحج به عنده وكل ذلك صادق في المقام. الصورة الثانية: ما إذا كان الدين حالا، ولكن المديون غير باذل لمماطلته، أو كان غير معترف به وأمكن إجباره باعانة متسلط، أو اثباته بالرجوع إلى الحاكم حتى حاكم الجور - بناءا على جواز الرجوع إليه إذا توقف اثبات الحق واستيفاؤه عليه - فهل يجب الرجوع إلى الحاكم لاجباره وانقاذ حقه منه أم لا؟. إختار المصنف: الوجوب لان الواجب واجب مطلق فتجب مقدمته. وهو الصحيح: لان المفروض صدق الاستطاعة، وان له المال، ويتمكن من التصرف فيه، وصرفه في الحج ولو بمقدمة كالرجوع إلى متسلط أو الحاكم لا نقاذ ماله وحقه منه.

[ 110 ]

وهذا نظير ما إذا كان له مال مدفون في الارض، أو كان محروزا في صندوق، وتوقف التصرف فيه على حفر الارض، وفتح الصندوق بعلاج ونحوه، فانه لاريب في الوجوب، فان القدرة التكوينية إذا كانت متوقفة على مقدمات، لا يوجب ذلك سقوط الواجب، بل يجب عقلا تحصيل المقدمات، نعم لابد أن لا يكون فيه حرج وكلفة زائدة وإلا فيسقط لاجل الحرج. الصورة الثالثة: مااذا كان الدين مؤجلا، ولكن المديون يبذله لو طالبه قبل الاجل، فالظاهر أيضا هو الوجوب، لصدق الاستطاعة، وان له ما يحج به بالفعل وهو متمكن من صرفه فيه ولو بالمطالبة، ومجرد توقف التصرف على المطالبة لا يوجب عدم صدق الاستطاعة، فان ذلك كالموجود في الصندوق المحتاج فتحه إلى العلاج، أو المدفون في الارض المحتاج إخراجه إلى الحفر ونحوه، فان مقدمة الواجب المطلق واجبة بحكم العقل. نعم لو فرض انه لو طالبه لا يبذل لا يجب عليه الحج، كما لا يجب عليه المطالبة والسؤال. الصورة الرابعة: مالو شك في البذل له لو طالبه، ذكر المصنف (رحمه الله) في آخر المسألة ان الظاهر عدم الوجوب، وهو الصحيح، لانه يشك في الاستطاعة وهو مساوق للشك في التكليف ومقتضى الاصل البراءة. نعم يستثنى من ذلك ما لو شك في القدرة العقلية المأخوذة في ساير الواجبات المطلقة، وليس له الرجوع إلى أصالة البراءة بمجرد الشك في القدرة، بل عليه الفحص، فان القدرة العقلية غير دخيلة

[ 111 ]

في الملاك، وإذا ترك الواجب مع الشك في القدرة، وكان الوجوب ثابتا في الواقع فقد فوت على نفسه الملاك الثابت للواجب. ولعل هذا هو المرتكز في اذهان العقلاء، فان المولى إذا أمر عبده بشراء اللحم مثلا، ليس للعبد تركه معتذرا باحتمال عدم وجود اللحم في السوق، بل عليه الفحص، وهذا مما لا كلام فيه. وأما لو شك في القدرة الشرعية المأخوذة في الملاك، فيجوز له الرجوع إلى أصالة البراءة، لان المورد - بعد فرض دخل القدرة في الملاك - من موارد الشك في التكليف، والقدرة المأخوذة في الحج المفسرة في الروايات بالزاد والراحلة قدرة شرعية، بمعنى دخلها في الملاك، وهى قدرة خاصة مأخوذة في الحج، والقدرة الشرعية بهذا المعنى تغاير القدرة الشرعية المصطلحة التي يزاحمها جميع الواجبات المأخوذة فيها القدرة العقلية، فان القدرة المأخوذة في الحج بمعناها الخاص وسط بين القدرة الشرعية المصطلحة وبين القدرة العقلية المحضة، وليس حالها حال القدرة العقلية المأخوذة في سائر الواجبات. الصورة الخامسة: ما إذا كان المديون معسرا أو مماطلا لا يمكن إجباره، أو منكرا للدين ولم يمكن إثباته، فقد حكم في المتن بعدم الوجوب في جميع هذه الصور، لعدم كونه مستطيعا. أقول: ما ذكره على اطلاقه غير تام، وانما يتم في بعض الصور، فان الدين في مفروض المقام لو تمكن من بيعه نقدا بأقل منه كما هو المتعارف يجب عليه بيعه لصدق الاستطاعة، وان عنده ما يحج به. وقد عرفت أن المناط في صدق الاستطاعة وجود ما يحج به عينا أو بدلا وقيمة: بل حتى إذا كان الدين مؤجلا ولم يبلغ أجله وأمكن بيعه نقدا بمقدار يفي للحج على ما هو المتعارف، يجب عليه ذلك،

[ 112 ]

[ وكذا لو كان الدين مؤجلا، وكان المديون باذلا قبل الاجل لو طالبه. ومنع صاحب الجواهر الوجوب حينئذ، بدعوى: عدم صدق الاستطاعة. محل منع. وأما لو كان المديون معسرا أو مماطلا لا يمكن إجباره، أو منكرا للدين ولم يمكن إثباته، أو كان الترافع مستلزما للحرج، أو كان الدين مؤجلا مع عدم كون المديون باذلا فلا يجب، بل الظاهر عدم الوجوب لو لم يكن واثقا ببذله مع المطالبة. (مسألة 16): لا يجب الاقتراض للحج إذا لم يكن له مال، وان كان قادرا على وفائه بعد ذلك بسهولة، لانه تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب. نعم لو كان له مال غائب لا يمكن صرفه في الحج فعلا، أو مال حاضر لا راغب في شرائه، أو دين مؤجل لا يكون المديون باذلا له قبل الاجل، وأمكنه الاستقراض والصرف في الحج ثم وفائه بعد ذلك فالظاهر وجوبه لصدق الاستطاعة حينئذ عرفا (1). إلا إذا لم يكن واثقا بوصول الغائب أو حصول ] لصدق الاستطاعة. ويجرى ذلك في الاعسار أيضا إذا أمكن بيعه لمن وجب عليه الزكوة فيشتريه ويدفع المال إلى الدائن، ويحسب الدين على المديون من باب الزكوة.. (1) في هذه المسألة فرعان.

[ 113 ]

[ الدين بعد ذلك، فحينئذ لا يجب الاستقراض، لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة. ] الاول: انه لا يجب الافتراض للحج إذا لم يكن له مال بقدر ما يحج به، وان كان متمكنا من ادائه بسهولة وبغير مشقة، لانه تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب ومجرد التمكن من وفائه لا يوجب صدق الاستطاعة بالفعل. نعم لو استقرض يجب عليه الحج، لانه استطاع وصار واجدا للزاد والراحلة، بناءا على أن الدين بنفسه لا يمنع عن الاستطاعة. وبعبارة أخرى ايجاد الموضوع غير واجب عليه، ولكن لو أوجده يترتب عليه حكمه لفعلية الحكم بوجود موضوعه، كما انه لا يجب الاستيهاب قطعا ولكن لو استوهب يجب، لانه يكون واجدا ومستطيعا بالفعل. الثاني: انه إذا كان له مال غائب لا يمكن صرفه في الحج فعلا أو مال حاضر لا راغب في شرائه أو دين مؤجل لا يبذله المديون قبل الاجل، وتمكن من الا ستقراض والصرف في الحج ثم ادائه بعد ذلك ففي وجوب الاستقراض وعدمه وجهان. اختار المنصف (رحمه الله): الوجوب لصدق الاستطاعة حنيئذ عرفا. وفيه: ان للوضوع في الروايات، من كان له زاد وراحلة، ومن كان عنده ما يحج به، وإذا فرض ان المال الغائب لا يمكن صرفه في الحج، أو إذا لم يوجد لم يكن له مشعر، فليس عنده زاد

[ 114 ]

[ (مسألة 17): إذا كان عنده ما يكفيه للحج، وكان عليه دين ففي كونه مانعا عن وجوب الحج مطلقا - سواء كان حالا مطالبا به أو لا، أو كونه مؤجلا - أو عدم كونه مانعا إلا مع الحلول والمطالبة أو كونه مانعا إلا مع التأجيل أو الحلول مع عدم المطالبة، أو كونه مانعا إلا مع التاجيل وسعة الاجل للحج والعود أقوال (1) والاقوى كونه مانعا، ] وراحلة، ولا عنده ما يحج به، ويكون الاستقراض حينئذ تحصيلا للاستطاعة. نعم إذا أمكن بيع الدين المؤجل بالنقد فعلا كما هو المتعارف، أو بيع المال الغائب بلا ضرر عليه، وجب الاستقراض أو البيع لصدق الاستطاعة حينئذ، لما عرفت ان الاستطاعة لا تختص بالزاد والراحلة عينا، بل يكفي وجودهما قيمة وبدلا. فلابد من التفصيل بين ما لا يتمكن من تبديله وصرفه في الحج، وبين ما يتمكن ويجب الاستقراض في الثاني دون الاول لان العبرة بتحقق ما يحج به عنده عينا أو قيمة وبدلا حتى بالاستقراض، فوجب الاستقراض مطلقا كما في المتن محل منع. (1) إذا كان عليه دين، وكان له مال لا يفي إلا للدين أو الحج، فهل يقدم الحج أو الدين فقد اختلف العلماء في ذلك ذهب جماعة منهم كالمحقق والعلامة والشهيد إلى أن الدين بجميع أقسامه يمنع عن وجوب الحج، سواء كان الدين حالا مع المطالبة وعدمها أو مؤجلا سواء كان واثقا من الاداء بعد الحج أم لا.

[ 115 ]

[ إلا مع التأجيل والوثوق بالتمكن من اداء الدين إذا صرف ما عنده في الحج، وذلك لعدم صدق الاستطاعة في غير هذه الصورة وهي المناط في الوجوب، لا مجرد كونه مالكا للمال وجواز التصرف فيه باي وجه أراد، وعدم المطالبة في صورة الحلول أو الرضا بالتأخير لا ينفع في صدق الاستطاعة. نعم لا يبعد الصدق إذا كان واثقا بالتمكن من الاداء، مع فعلية ] ويستدل لهم بأن الموضوع في وجوب الحج هو الموسر ومن كان مديونا ليس بموسر، وفي الصحيح (من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عزوجل: ونحشره يوم القيمة أعمى) (1) وكذا فسرت الاستطاعة في بعض الاخبار كرواية عبد الرحيم القصير باليسار (قال - ع - ذلك القوة في المال، واليسار قال: فان كانوا موسرين فهم ممن يستطيع؟ قال: نعم) (2). وفيه: ان اليسار المأخوذ في موضوع الحج مقابل العسر ومن يتمكن من اداء دينه بعد الحج بسهولة ومن دون مشقة فهو موسر. وبعبار أخرى: من كان متمكنا من إداء الدين وترك الحج فهو ممن ترك الحج وهو موسر، ومجرد اشتغال الذمة بالدين لايمنع من صدق اليسار. ومنهم من ذهب كالسيد في المدارك إلى أن المانع عن وجوب الحج


(1) الوسائل: باب 6 وجوب الحج ح 7. (2) الوسائل: باب 9 وجوب الحج ح 3.

[ 116 ]

هو الدين الحال المطالب به وأما غير الحال أو غير المطالب به فغير مانع لتحقق الاستطاعة المقتضية للوجوب. وفيه: انه لو تم هذا التفصيل فلابد من التعميم للحال الذي لم يأذن له الدائن بالتأخير وان لم يكن مطالبا، لان العبرة بوجوب الاداء وهو غير متوقف على المطالبة، بل لو حل الدين ولم يأذن الدائن بالتأخير وجب الاداء وان لم يطالب، فالمانع هو وجوب الاداء ولا يختص ذلك بالحال المطالب به بل يشمل ما حل ولم يأذن له الدائن بالتأخير وان لم يطالب. ومنهم من ذهب إلى أن الدين يمنع عن وجوب الحج إلا المؤجل الذي وسع وقته للحج والعود واختاره كاشف اللثام. ولو تم ما ذكره لكان عليه أن يزيد قيدا آخرا وهو الحال الذي أذن له بالتأخير لعدم الفرق بينه وبين الموسع فلا يختص عدم المنع بالمؤجل الذي وسع وقته. وذهب صاحب المستند: إلى التخيير في بعض الصور وتقديم الحج في بعضها الآخر. وحاصل ما ذكره: ان كلا من اداء الدين والحج واجب وهو مطالب بامتثال الامرين، لانهما واجبان في عرض واحد وحيث لا يتمكن من الجمع بينهما يقع التزاحم بين الامرين فلا بد من إعمال قواعد باب التزاحم، هذا إذا كان الدين حالا مطالبا، وأما إذا كان مؤجلا فلا تزاحم في البين أصلا، ويجب الحج بلا إشكال سواء كان واثقا بالاداء بعد الحج أم لا، لان وجوب الحج فعلي ولا يزاحمه واجب آخر، وانما يتحقق التزاحم فيما إذا كان الدين حالا واللازم حنيئذ بعد عدم الترجيح التخيير بينهما في صورة المطالبة أو التأجيل مع عدم سعة الاجل الذهاب والعود. وأما في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير أو التأجيل مع سعة الاجل للحج والعود يقدم الحج

[ 117 ]

إذ لا مزاحم له بالفعل ويكون خطاب الحج خاليا عن المعارض. وفيه: ان ما ذكره لا يتم فيما إذا لم يكن واثقا باداء الدين بعد أعمال الحج، لان اداء الدين واجب ويجب عليه حفظ القدرة لا دائه، فان الدين وان كان مؤجلا لكن ليس له تفويت المال بحيث لا يتمكن من الاداء بل عليه التحفظ على قدرته فيقع التزاحم في هذه الصورة بين وجوب حفظ القدرة لاداء الدين ووجوب الحج فمجرد التأجيل لا يكفي لعدم التزاحم. فكلامه عليه الرحمة على اطلاقه غير تام بل يقيد بالوثوق بالاداء بعد الحج بمعنى انه لو وثق بالاداء بعد الحج يتقدم الحج وإلا يقع التزاحم. واختار المصنف (رحمه الله) وجها آخرا وهو: ان اداء الدين إذا كان واجبا عليه بالفعل كالحال. أو كان الدين مؤجلا لا يثق بالاداء بعد الحج فيسقط الحج لعدم صدق الاستطاعة، واما إذا كان مؤجلا يتمكن من الاداء بعد الحج، أو كان حالا واذن له بالتأخير يجب الحج لصدق الاستطاعة. وما ذكره هو الصحيح لا لما ذكره من صدق الاستطاعة وعدمه فان الاستطاعة فسرت في النصوص بالتمكن من الزاد والراحلة وتخلية السرب وهي قدرة خاصة والمفروض في المقام تحققها حتى في صورة الدين الحال المطالب، فان الدين بنفسه لا يكون مانعا من تحقق الاستطاعة المفسرة في الروايات، بل لان الاطلاقات الدالة على وجوب الحج تشمل المقام، فيقع التزاحم بين وجوب الحج ووجوب إداء الدين لان المفروض انه لا يمكن الجمع بين امتثال الحكمين فلابد من التخير أو الترجيح. ولكن المتعين سقوط الحج وتقديم اداء الدين، ولا مجال للتخيير فيما إذا كان الدين حالا مطالبا به، أو مؤجلا مع عدم الوثوق بالاداء بعد الحج، وذلك: للجزم بأهمية

[ 118 ]

الدين، فان الخروج عن عهدة حقوق الناس أهم من حق الله تعالى، بل لو كان محتمل الاهمية لتقدم لان محتمل الاهمية من جملة المرجحات في باب التزاحم. والحاصل: أن الاستطاعة بالمعنى المفسر في النصوص في المقام متحققه، ولكن الدين لاهميته معجز ومانع عن صرف المال في الحج، لا انه غير مستطيع كما ذكر في المتن، والحج وان كان من مباني الاسلام ومن الواجبات المهمة لكنه كذلك بالنسبة إلى من يجب عليه وعند فعلية الوجوب لا مطلقا ومن ثم لا يجب عند توقفه على ارتكاب بعض المحرمات المهمة كالزنا واللواط وقتل النفس وشرب الخمر. فتحصل: ان الدين بما هو دين لا يكون مزاحما للحج، وانما يزاحمه فيما إذا كان اداء الدين واجبا بالفعل كما إذا كان حالا، أو كان صرف المال في الحج منافيا للاداء في المستقبل، وحينئذ يقدم الدين لاهميته جزما أو إحتمالا، وأما إذا كان متمكنا من إدائه في وقته، أو كان حالا وأذن له بالتأخير فلا مزاحمة أصلا ولا ينبغى الاشكال في تقديم الحج. ويدل على ما ذكرنا أيضا صحيح معاوية بن عمار (قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل عليه دين أعليه أن يحج قال: نعم ان حجة الاسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين) (1) فان المستفاد منه ان الدين بنفسه لا يكون مانعا عن الحج فما ذهب إليه المحقق، وجماعة من ان الدين مطلقا مانع عن الحج لاوجه له. وأما إنكار المصنف (رحمه الله) أهمية الدين على الحج مستشهدا


(1) الوسائل: باب 11 وجوب الحج ح 1.

[ 119 ]

بتوزيع التركه على الحج والدين وعدم تقديم دين الناس، فان ذلك يدل على عدم أهمية الدين وإلا لزم تقديم الدين على الحج. ففيه: أولا: أن مورد التوزيع هو حال الوفاة، وذلك لا يكشف عن عدم الاهمية للدين حال الحيوة، فان الميت لا تكليف عليه وإنما يكون ضامنا ومديونا وهذا بخلاف الحى فانه مكلف باداء الدين والحج فلا يقاس أحدهما بالآخر. وبعبارة أخرى: حكم الدين حال الوفاة وضعي محض وأما حال الحياة فالحكم تكليفي أيضا، فلا يقاس الحكم التكليفى بالوضعي، فأحد البابين أجنبي عن الآخر. وثانيا: ان المصرح به في الروايات (1) كون الحج دينا وانه يخرج من صلب المال فهما سيان من هذه الجهة غاية الامر أحدهما دين الله والآخر دين الناس، فهو كأنه مدين لشخصين لا يفى المال إلا لاحدهما ويوزع المال بينهما قهرا، فلا يكون التوزيع حينئذ شاهدا على عدم أهمية دين الناس. وثالثا: ان التوزبع الذي استشهد به لم يدل عليه أي دليل، وإنما ذكره العلماء في كلماتهم، بل يظهر من صحيح بريد العجلي (2) - الوارد فيمن مات قبل أن يحرم انه يصرف جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام فان فضل من ذلك شئ فهو للدين ثم للورثة - عدم التوزيع وتقديم الحج على الدين، ولكن انما نلتزم بتقديم الحج على الدين في مورد الوفاة للنص، وأين هذا من تكليف نفس الشخص حال حيواته وكان عليه دين غير واثق بادائه في وقته أو انه حال مطالب به.


(1) الوسائل: باب 25 و 28 وجوب الحج. (2) الوسائل: باب 26 وجوب الحج ح 2.

[ 120 ]

ويدل أيضا على تقديم الحج على الدين حال الوفاة صحيح معاوية ابن عمار (رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكوة وعليه حجة الاسلام وترك ثلاثمائة درهم فأوصى بحجة الاسلام وان يقضى عنه دين الزكاة قال: يحج عنه من أقرب ما يكون ويخرج البقية في الزكاة) (1) ومورده وان كان عنوان الزكوة إلا انه لا خصوصية له لان الزكوة دين أيضا. ومع الغض عن الصحيحين لا بد من صرف المال في الدين لكونه أهم كما عرفت. وبعبارة أخرى: إذا كان المال وافيا للامرين فلا كلام في التوزيع وإلا فيقع التزاحم بينهما حيا كان صاحب المال أو ميتا، ولو كنا نحن ومقتضى القاعدة فلابد من صرف المال في الدين لا هميته، ولكن في مورد الوفاة يصرف المال في الحج بمقتضى النص، فالتوزيع الذي ذكره المصنف (رحمه الله) لا يجرى في المقام أصلا، بل يدور الامر بين تقديم الدين حسب ما تقتضيه القاعدة، أو تقديم الحج كما يقتضيه النص. فتلخص من جميع ما ذكرنا: ان الدين بنفسه لا يكون مانعا عن الحج، وإذا كان عنده مال يفي بنفقات الحج وكان عليه دين ولم يكن صرف المال في الحج منافيا لاداء الدين وجب عليه الحج، وإلا فيقدم الدين لا هميته. وأما إذا مات وعليه الدين وحجة الاسلام يتقدم الحج للنص. ثم ان الفرق بين ما ذكرنا وما ذكره المصنف (رحمه الله) بعد اشتراكنا معه في تقديم الدين فيما إذا كان صرف المال في الحج منافيا لاداء الدين لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة كما ذهب إليه المصنف


(1) الوسائل: باب 21 من ابواب مستحق الزكوة ح 2.

[ 121 ]

[ الرضا بالتأخير من الداين. والاخبار الدالة على جواز الحج لمن عليه دين لا تنفع في الوجوب، وفي كونه حجة الاسلام. وأما صحيح معاوية بن عمار عن الصادق (ع) (عن رجل عليه دين، أعليه أن يحج؟ قال: نعم ان حجة الاسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين). وخبر عبد الرحمان عنه (ع) انه (قال: الحج واجب على الرجل وان كان عليه دين) فمحمولان على الصورة التي ذكرنا، أو على من استقر عليه الحج سابقا. وان كان لا يخلو ] أو للتزاحم وتقديم الدين لكونه أهم كما هو المختار، هو عدم سقوط حج الاسلام عنه لو عصى ولم يؤد الدين وحج لانه غير مستطيع على مختاره، وسقوطه عنه بناءا على التزاحم لانه مستطيع على الفرض غاية الامر يجب عليه صرف المال في الدين فلو عصى وحج بالمال صح حجه على القول بالترتب. وأما ما ذكره جماعة من أن الحج مشروط بالقدرة الشرعية فيزاحمه أي واجب كان ويسقط الحج حينئذ. ففيه: ما عرفت من أن المعتبر في الحج حسب النصوص هو التمكن من الزاد والراحلة وتخلية السرب، والزايد على ذلك غير معتبر في الحج فإذا زاحمه واجب آخر لا يرتفع موضوع الاستطاعة بل لابد من إعمال قاعدة التزاحم من التخير إذا فرض كون الحج والواجب الآخر متساويين أو التعيين إذا كان أحدهما أهم، فما ذكره المصنف من أن الدين مانع ورافع لموضوع الاستطاعة لا أساس له.

[ 122 ]

[ من اشكال كما سيظهر. فالاولى الحمل الاول. وأما ما يظهر من صاحب المستند من أن كلا من اداء الدين والحج واجب، فاللازم - بعد عدم الترجيح - التخيير بينهما في صورة الحلول مع المطالبة، أو التأجيل مع عدم سعة الاجل للذهاب والعود وتقديم الحج في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير، أو التأجيل مع سعة الاجل للحج والعود ولو مع عدم الوثوق بالتمكن من إداء الدين بعد ذلك، حيث لا يجب المبادرة إلى الاداء فيهما، فيبقى وجوب الحج بلا مزاحم ففيه: انه لا وجه للتخيير في الصورتين الاوليين، ولا لتعيين تقديم الحج في الاخيرتين، بعد كون الوجوب تخييرا أو تعيينا - مشروطا بالاستطاعة الغير الصادقة في المقام، خصوصا مع المطالبة وعدم الرضا بالتأخير، مع أن التخيير فرع كون الواجبين مطلقين وفي عرض واحد. والمفروض ان وجب اداء الدين مطلق، بخلاف وجوب الحج فانه مشروط بالاستطاعة الشرعية. نعم لو استقر عليه وجوب الحج سابقا فالظاهر التخيير، ]

[ 123 ]

[ لانهما حينئذ في عرض واحد. وان كان يحتمل تقديم الدين ادا كان حالا مع المطالبة أو مع عدم الرضا بالتأخير، لاهمية حق الناس من حق الله. لكنه ممنوع ولذا لو فرض كونهما عليه بعد الموت يوزع المال عليهما ولا يقدم دين الناس. ويحتمل تقديم الاسبق منهما في الوجوب لكنه أيضا لا وجه له كما لا يخفى. (مسألة 18): لا فرق - في كون الدين مانعا من وجوب الحج - بين أن يكون سابقا على حصول المال بقدر الاستطاعة أو لا، كما إذا استطاع للحج، ثم عرض عليه دين، بان أتلف مال الغير - مثلا - على وجه الضمان من دون تعمد قبل خروج الرفقة، أو بعده قبل أن يخرج هو، أو بعد خروجه قبل الشروع في الاعمال. فحاله حال تلف المال من دون دين، فانه يكشف عن عدم كونه مستطيعا (1). ] (1) الامر كما ذكره سواء قلنا بالتزاحم كما هو المختار عندنا، أو بعدم صدق الاستطاعة كما هو مختار المصنف - رحمه الله -. وبالجملة: بناءا على ما ذكرنا يقع التزاحم بقاءا فان العبرة بالفعلية، فإذا عرض عليه دين بعد حصول الاستطاعة زاحمه بقاءا ويجري ما تقدم، من دون فرق بين كون الموجب للضمان والدين عمديا أو خطيئا، وإنما قيد في المتن بالعمد لعله لنكة وهي: ان الاتلاف إذا كان عن عمد يستقر الحج في ذمته لانه تفويت عمدي، وأما الخطاء فلا يوجب

[ 124 ]

[ (مسألة 19): إذا كان عليه خمس أو زكاة، وكان عنده مقدار ما يكفيه للحج لولاهما، فحالهما حال الدين مع المطالبة (1) لان المستحقين لهما مطالبون، فيجب صرفه فيهما ولا يكون مستطيعا. وان كان الحج مستقرا عليه سابقا تجئ الوجوه المذكورة، من التخيير أو تقديم حق الناس، أو تقدم الاسبق. هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمته، وأما إذا كانا في عين ماله فلا إشكال في تقديمهما على الحج، سواء كان ] الاستقرار، فالفرق انما هو من جهة الاستقرار وعدمه، وأما من جهة التكليف الفعلي فلا فرق بين العمد، وغيره. (1) لعدم الفرق بين الدين الشخصي وغيره كالجهة، فيجب عليه صرف المال فيهما وبالصرف نزول الاستطاعة كما هو الحال في سائر الديون على ما عرفت، هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمته. وأما إذا كان في عين ماله فلا ريب في تقديمهما على الحج لعدم صدق الاستطاعة حينئذ. ولكن عدم الاستطاعة غير مستند إلى وجوب الاداء وحرمة التصرف، وانما يستند إلى عدم وجدان المال للحج وعدم الموضع له، فانه ليس بمالك الزاد والراحلة لان المال ملك لشخص آخر على الفرض فالموضوع منفي، ولذا أو عزل الزكوة، لم يجب عليه الاداء فعلا ويجوز له التأخير ومع ذلك لا يجب عليه الحج. فيتبين ان عدم وجوب الحج غير مستند إلى الحكم التكليفي كوجوب الاداء، وحرمة التصرف. بل هو مستند إلى عدم تحقق الموضوع.

[ 125 ]

[ مستقرا عليه أو لا. كما انهما يقدمان على ديون الناس أيضا. ولو حصلت الاستطاعة والدين والخمس والزكاة معا فكما لو سبق الدين. (مسألة 20): إذا كان عليه دين مؤجل بأجل طويل جدا - كما بعد خمسين سنة - فالظاهر عدم منعه عن الاستطاعة (1) وكذا إذا كان الديان مسامحا في أصله كما في مهور نساء أهل الهند، فانهم يجعلون المهر ما لا يقدر الزوج على ادائه - كمائة ألف روبية، أو خمسين ألف - لاظهار الجلالة، وليسوا مقيدين بالاعطاء والاخذ، فمثل ذلك لا يمنع من الاستطاعة ووجوب الحج. وكالدين ممن بناؤه على الابراء، إذا لم يتمكن المديون من الاداء، أو واعده بالابراء بعد ذلك. (مسألة 21): إذا شك في مقدار ماله وانه وصل إلى ] (1) ما ذكره وان كان صحيحا في الجملة ولكنه لا يختص الحكم بالموارد المذكورة، فان العبرة كما عرفت في تقديم أحد الواجبين المتزاحمين على الآخر بأهميته، فكل مورد تحقق التزاحم وكان الدين أهم يمنع عن الحج وإلا فلا. وقد يتحقق التزاحم في الموارد المذكورة في المتن ويمنع الدين عن الحج، كما لو علم بعدم تمكنه من اداء الدين ولو بعد خمسين سنة لو حج فعلا، أو يحتمل ان الزوجة تطالبه بالمهر أو ورثتها يطالبونه بعد الوفاة، كما قد يحتمل عدم وفاء من وعده بالابراء، وبالجملة العبرة بالتزاحم، وعدمه لا بطول المدة، وقلتها:

[ 126 ]

[ حد الاستطاعة أو لا، هل يجب عليه الفحص اولا؟ وجهان، أحوطهما ذلك. وكذا إذا علم مقداره وشك في مقدار مصرف الحج وانه يكفيه اولا (1). ] (1) الشك في الاسطاعة يتصور على وجهين. الاول: ما إذا شك في وجدانه لمقدار مصارف الحج، بمعنى انه يعلم ان مصارف الحج خمسمائة دينار مثلا، ولكن لا يعلم بلوغ ماله هذا المقدار، الثاني: ما إذا علم مقدار المال ولكن لا يعلم مقدار نفقة الحج فيشك في ان ما عنده يكفيه للحج أم لا، ذكر المصنف " رحمه الله " ان الاحوط لزوم الفحص في الصورتين حتى يكشف الامر وتقدم نظير ذلك في باب الزكوة عند ما يشك في بلوغ النصاب وعدمه وهكذا في الخمس عند الشك في مقدار المؤنة. ولا يخفي ان الشبهة في المقام موضوعية ويجرى فيها الاصل العقلي والنقلي، والفحص يحتاج إلى دليل، بل في جملة من الموارد يجرى استصحاب عدم الزيادة وعدم بلوغ المال النصاب. ولكن شيخنا الاستاذ وجماعة ذهبوا إلى وجوب الفحص، بدعوى ان أمثال ذلك من الفحص لا يعد من الفحص عرفا، كالمراجعة إلى دفتر الحساب أو كالنظر إلى الافق لتبين الفجر ونحو ذلك، ولا مجال للرجوع إلى الاصل في أمثال ذلك. وفيه: انه لا يهمنا صدق عنوان الفحص وعدمه، وذلك لان الحكم لم يعلق على عنوان الفحص ولم يؤخذ الفحص في حكم من الاحكام حتى يقال: بأن هذا المقدار من الفحص ليس بفحص عرفا

[ 127 ]

أو هو فحص عرفا. وانما المهم صدق عنوان العالم والجاهل ولا واسطة بينهما، فان كان عالما لا يجري في حقه الاصل بخلاف ما إذا كان جاهلا نعم انما يجب الفحص في الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي، والشبهات الحكمية وفي ما إذا ثبت وجوبه بدليل خاص في الشبهات الموضوعية. وبالجملة: متى صدق عنوان الجاهل لا يجب عليه الفحص ويجوز له الرجوع إلى الاصل حتى في مثل مراجعة الدفتر والنظر إلى الفجر لاطلاق أدلة الاصول. نعم قد لا يصدق الجاهل في بعض موارد الفحص اليسير كالذي يتمكن من النظر إلى الافق بفتح عينيه ليرى الفجر فلا يجرى استصحاب بقاء الليل. وقد يستدل لوجوب الفحص بأنه لو لا الفحص لزمت المخالفة القطعية كثيرا. وفيه: أولا: النقض بموارد الشك في الطهارة والنجاسة فانه يعلم بمخالفة الاصول الجارية في موارده للواقع كثيرا. وثانيا بالحل: وحاصله: ان المكلف بالنسبة إلى نفسه لا يعلم بوقوعه في الخلاف وإلا لكان من العلم الاجمالي الجاري في التدريجيات ويجب الفحص حينئذ. نعم قد يعلم بتحقق المخالفة بالنسبة إلى سائر الناس، يعني قد يعلم بأن الاصول التي يجريها الناس كثير منها مخالفة للواقع، ولكن لا أثر لذلك بالنسبة إلى نفسه. والحاصل: استلزام اجراء الاصول المخالفة العملية كثيرا بالنسبة إلى نفسه ممنوع لعدم حصول العلم له بالمخالفة. وأما بالنسبة إلى الناس

[ 128 ]

[ (مسألة 22): لو كان بيده مقدار نفقة الذهاب والاياب وكان له مال غايب لو كان باقيا يكفيه في رواج أمروه بعد العود، لكن لا يعلم بقائه أو عدم بقائه، فالظاهر وجوب الحج بهذا الذي بيده استصحابا لبقاء الغائب، فهو كما لو شك، ان أمواله الحاضرة تبقى إلى ما بعد العود ] فالمخالفة معلومة كثيرا ولكن لا اثر لذلك. وقد يستدل عليه: برواية زيد الصائغ الورادة في تصفية الدراهم المغشوشة مع الشك في مقدارها (1) فان تصفية الدراهم المغشوشة لا تكون إلا لاجل اعتبار الفحص. ولكن الرواية ضعيفة سندا ودلالة، أما ضعف السند فيزيد الصائغ، وأما ضعف الدلالة فلانه لا موجب للتصفية والتمييز بين المس والرصاص والفضة إذ يمكن أعطاء الزكوة بنسبة المال الموجود فيخلص من الزكوة ولا حاجة إلى تخليص الدراهم وعلاجها وتصفيتها والظاهر ان الرواية في مقام بيان كيفية التخليص وتعليمها. وبالجملة له التخلص من الزكوة أما باخراج الزكوة من المال بالنسبة، وأما بتخليص الفضة وتصفيتها. على أن موردها العلم والشك في المقدار لقوله فيها: (وان كنت لا اعلم ما فيها من الفضة الخالصة إلا انى اعلم ان فيها ما يجب فيه الزكاة قال: " ع " فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثم تزكى ما خلص من الفضة) ولا يشمل المورد الذي يشك في أصل الوجود كما في المقام هذا مع انه لا موجب للتعدي من مورد الرواية إلى غيره.


(1) الوسائل: باب 7 زكاة النقدين ح 1.

[ 129 ]

[ أو لا فلا يعد من الاصل المثبت (1). (مسألة 23): إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحج، يجوز له - قبل أن يتمكن من المسير - أن يتصرف فيه بما ] (1) إذا كان له ما يحج به ذهابا وإيابا من الزاد والراحلة، وكان له مال لامرار معاشه ورواج أمره بعد العود والرجوع، لكن لا يعلم بقائه ويحتمل تلفه. ذكر " قده ": انه لا يسقط وجوب الحج بمجرد إحتمال تلف المال الذي يحتاج إليه في العود، لاستصحاب بقاء المال وعدم تلفه. والامر كما ذكره من عدم سقوط الحج لكن لا لما ذكره من التحليل بالاستصحاب فان التعليل عليل والاصل مثبت، لان مجرى الاستصحاب لابد من أن يكون حكما شرعيا أو موضوعا لذي حكم شرعي وبقاء المال إلى زمان العود ليس بحكم شرعي ولا بموضوع لذي حكم شرعي فان الموضوع للحكم الشرعي هو الرجوع إلى الكفاية واستصحاب بقاء المال إلى زمان العود لا يثبت هذا الموضوع إلا على المثبت. بل الوجه في وجوب الحج وعدم سقوطه إطلاق الروايات الدالة على تحقق الاستطاعة بالزاد والراحلة والمفروض وجود الزاد والراحلة عنده، وتحقق الاستطاعة بالمعنى الشرعي المفسر في النصوص، ولم يؤخذ الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة في شئ من الادلة، وانما اعتبرنا ذلك - كما سيأتي إن شاء الله تعالى بدليل نفي الحرج مؤيدا ببعض الروايات الضعيفة. ومجرد احتمال الوقوع في الحرج لا ينافي صدق الاستطاعة بالفعل ولا يوجب سقوط الحج، بل لابد من إحرازه في سقوط الحج. وهذا نظير احتمال سرقة أمواله في طريق الحج، فان مجرد الاحتمال لا أثر له في سقوط الحج.

[ 130 ]

[ يخرجه عن الاستطاعة، وأما بعد التمكن منه فلا يجوز، وان كان قبل خروج الرفقه (1). ولو تصرف بما يخرجه عنها بقيت ذمته مشغولة به. والظاهر صحة التصرف - مثل الهبة، والعتق وان كان فعل حراما، لان النهي متعلق بامر خارج. نعم لو كان قصده في ذلك التصرف الفرار من الحج لا لغرض شرعى أمكن أن يقال بعدم الصحة. ] (1) لا ينبغي الريب في عدم جواز تعجيز نفسه بعد وجوب الحج بشرائطه وحدوده، وان كان الواجب متأخرا، لان الميزان في عدم جواز تعجيز النفس عن اتيان الواجب، وعدم جواز تفويت الملاك، هو تنجيز الوجوب وفعليته، وان كان زمان الواجب متأخرا. فيقع الكلام في المقام تارة: في الحكم التكليفي: وأخرى: في الوضعي وثالثة: في عدم اختصاص عدم جواز التعجيز بهذه السنة وشموله للسنة الآتية. أما التكليفي: فقد عرفت انه لا يجوز له التعجيز والتفويت بعد التنجيز وان كان الواجب متأخرا، لان الميزان في تقبيح العقل للتفويت والتعجيز، هو فعلية الوجوب وتنجيزه سواء كان الواجب فعليا أو استقباليا. إنما الكلام في مبدء هذا الوجوب فقد ذكر جماعة: ان مبدئه خروج الرفقة، فلا يجوز له تعجيز نفسه عند خروج الرفقة، ويجوز قبله وان كان متمكنا من المسير. وذكر المصنف (رحمه الله) ان مبدئه هو التمكن من المسير ولاعبرة بخروج الرفقة، فلا يجوز له

[ 131 ]

تعجيز نفسه بالتمكن من المسير ولو كان خروج الرفقة متأخرا. وذهب بعضهم إلى أن العبرة بأشهر الحج لان التكليف في هذه الاشهر منجز ولايجوز تفويت الاستطاعة فيها. والظاهر انه لا دليل على شئ من ذلك. بل مقتضى الآية الكريمة والروايات المفسرة للاستطاعة، تنجز الوجوب بحصول الزاد والراحلة، وما يحج به وتخلية السرب وصحة البدن، بحيث لا يكون الحج حرجيا، من دون فرق في حصول ذلك بين أشهر الحج وخروج الرفقة والتمكن من المسير، ومتى حصلت الاستطاعة بالمعنى المتقدم، تنجز الوجوب عليه في أي وقت كان، وأشهر الحج انما هي ظرف الواجب لا انها ظرف الوجوب. فلو فرضنا انه صحيح المزاج والطريق مفتوح وعنده ما يحج به من الزاد والراحلة، يجب عليه الحج من أول حصول الاستطاعة، فان الواجب تعليقي بمعنى كون الوجوب فعليا والواجب استقباليا، فلا يجوز له التفويت ولو كان قبل أشهر الحج أو قبل خروج الرفقة، ولذا لو فرضنا انه لا يتمكن من المسير في شهر شوال لبعد المسافة، وعدم الوصول إلى الحج لو سافر في شهر شوال كما في الازمنة السابقة بالنسبة إلى بعض البلاد، وكان متمكنا من المسير في شهر رجب ويمكنه الوصول يجب عليه الحج وليس له تركه معتذرا بأنه في شهر شوال لا يتمكن من المسير لبعد الطريق. والحاصل: ان الوجوب غير محدد بزمان خاص. وبما ذكرنا يظهر الحال في الجهة الثالثة وهي عدم جواز تعجيز نفسه في هذه السنة إذا تمكن من الحج في السنة الثانية، ويجب عليه إبقاء المال إلى العام المقبل، ولا يجوز له تفويت المال في هذه السنة، لان

[ 132 ]

العبرة بتحقق الاستطاعة متى حصلت ولم تكن محددة بزمان خاص، من خروج الرفقة أو اشهر الحج أو التمكن من المسير. واما الجهة الثانية وهي صحة التصرفات المعجزة الموجبة لفقد الاستطاعة مثل الهبة والعتق، أو بيع المال بثمن زهيد لا يفي للحج، فقد فصل في المتن بين ما إذا كان قصده من ذلك التصرف الفرار من الحج فلا يصح وبين ما إذا كان قصده لغرض آخر فيصح وان كان التصرف ملازما ومقرونا لترك الحج، وقد اخذ هذا مما ذكره الفقهاء في عدة مسائل. منها ما لو كان مدينا وسافر. فقد ذكروا انه لو كان سفره بقصد الفرار عن اداء الدين كان السفر محرما ويجب عليه التمام وان سافر بقصد آخر كالزيارة والسياحة فالسفر مباح وان كان ملازما لعدم اداء دينه، لان السفر لم يكن موجبا لعدم اداء دينه. وقد طبق - رحمه الله - هذه الكبرى على المقام، لان عنوان الهبة أو البيع لم يكن محرما في نفسه، وإنما الحج تركه مبغوض ومحرم وهو غير منطبق على الهبة أو البيع بل البيع أو الهبة ملازم لترك الحج، وذلك لا يوجب حرمة الهبة أو البيع. بخلاف ما إذا وهب أو باع بقصد الفرار عن الحج والتوصل إلى الحرام، فانه يكون البيع حينئذ محرما وفاسدا على مبناه من ان النهي عن المعاملة يقتضى الفساد. اقول: قد ذكرنا في الاصول ان النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد. وملخص ما ذكرنا هناك. ان ما يتصور وجوده في المعاملة، وما يتعلق به النهي امور ثلاثة لا رابع لها، لان النهي اما ان يتعلق بالمبرز (بالكسر) أو المبرز (بالفتح) أي إعتبار نفس المالك واما يتعلق بالاعتبار الشرعي، أو العقلائي. والاعتبار القائم بنفس المالك

[ 133 ]

الذي يبرزه بمبرز من اللفظ، أو الاشارة، يكون موضوعا لاعتبار الشرع أو العقلاء، فان المالك يعتبر في نفسه شيئا كملكية هذه الدار لزيد ثم يبرزه بمبرز يعتبره الشارع أو العقلاء وليس وراء ذلك شئ يسمي بالسبب أو المسبب فالموضوع لاعتبار الشارع أو العقلاء، انما هو المبرز (بالكسر) والمبرز (بالفتح) المسمى عندهم بالمسبب، ومن الواضح ان الاعتبار الشرعي أو العقلائي، خارج عن تحت اختيار البايع أو المشتري لانه ليس بفعله. وبعبارة اخرى الملكية المترتبة على العقد خارجة عن اختيار البايع فانها راجعة إلى الشارع أو العقلاء ولا معنى لتعلق النهي بذلك فان الفعل ليس بفعله حتى يتصور تعلق النهي به. فما عن أبي حنيفة من ان النهي عن المعاملة يدل على الصحة لا اساس له اصلا، إذ لا يتصور النهي عن ذلك حتى يقال بدلالته على الصحة وانما يصح تعلق النهي بالمبرز (بالكسر) أو المبرز (بالفتح) أو بالمجموع المركب بينهما الذي هو البيع حقيقة. ولا يخفي: ان مجرد النهي لا يقتضي الفساد بل اقصاه دلالته على المبغوضية والحرمة كما هو الحال في المحرمات التوصلية كغسل الثوب بالماء المغصوب، فانه وان كان محرما ولكن يطهر الثوب بلا اشكال، والبيع المحرم من هذا القبيل. والحاصل مجرد الحرمة لا يدل على الفساد، وانما يدل عليه لو تعلق النهي بعنوان البيع أو عنوان الهبة ارشادا إلى الفساد كالنهي عن بيع الغرر، أو النهي عن بيع ما ليس عنده ونحو ذلك ولذا قد تكون المعاملة جائزة ومع ذلك فاسده لاجل ارشاد النهي وعدم مولويته. فتلخص أن المعاملات في المقام صحيحة على التقديرين ولكن

[ 134 ]

[ والظاهر ان المناط في عدم جواز التصرف المخرج هو التمكن من تلك السنة، فلو لم يتمكن فيها، ولكن يتمكن في السنة الاخرى لم يمنع عن جواز التصرف، فلا يجب ابقاء المال إلى العام القابل إذا كان له مانع في هذه السنة، فليس حاله حال من يكون بلده بعيدا عن مكة بمسافة سنتين. (مسألة 24): إذا كان له مال غايب بقدر الاستطاعة - وحده أو منضما إلى ماله الحاضر - وتمكن من التصرف في ذلك المال الغايب، يكون مستطيعا ويجب عليه الحج (1) وان لم يكن متمكنا من التصرف فيه - ولو بتوكيل من يبيعه هناك - فلا يكون مستطيعا إلا بعد التمكن منه أو الوصول في يده. ] يستقر عليه الحج لان التعجيز اختياري. (1) لان العبرة في الاستطاعة بالتمكن من التصرف في المال، فلو كان المال غايبا وتمكن من التصرف فيه ببيع أو اجارة أو الاقتراض ثم الاداء منه يكون مستطيعا ويستقر عليه الحج، لان الميزان ان يكون عنده ما يحج به سواء كان المال حاضرا أو غايبا، ولو تلف المال في هذه الصورة ولم يحج فقد استقر عليه الحج وعليه الاتيان ولو متسكعا. واما إذا لم يكن متمكنا من التصرف فيه فلا يكون مستطيعا، لان العبرة كما عرفت بالتمكن من التصرف ولا يجدي مجرد الملكية فالمحقق للاستطاعة هو التمكن من التصرف. ومن هنا يظهر انه لا فرق بين

[ 135 ]

[ وعلى هذا فلو تلف في الصورة الاولى بقى وجوب الحج مستقرا عليه، ان كان التمكن في حال تحقق سائر الشرائط ولو تلف في الصورة الثانية لم يستقر، وكذا إذا مات مورثه وهو في بلد اخر. وتمكن من التصرف في حصته أو لم يتمكن فانه على الاولى يكون مستطيعا بخلافه على الثاني. (مسألة 25): إذا وصل ماله إلى حد الاستطاعة، لكنه كان جاهلا به، أو كان غافلا عن وجوب الحج عليه ثم تذكر بعد ان تلف ذلك المال، فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه إذا كان واجدا لسائر الشرائط حين وجوده والجهل والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة (1) غاية الامر: انه معذور في ترك ما وجب عليه، وحينئذ فإذا مات قبل التلف أو بعده وجب الاستيجار عنه ان كانت له تركة بمقداره. ] الحضور والغياب فيما إذا لم يكن متمكنا من التصرف فلو كان المال حاضرا وموجودا في الصندوق الحديدي بحيث لا يمكن فتحه واخذ المال منه لا يكون مستطيعا، وكذا لو مات مورثه في بلده، وانتقل المال إلى الوارث، ولكن توقف التصرف فيه على اثبات نسبه، وانحصار الوراثة وامثال ذلك من المقدمات، فان الاستطاعة لا تتحقق بمجرد الملكية وانما تتحقق بالتمكن من التصرف. (1) الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كانت الغفلة عن وجوب الحج

[ 136 ]

مستندة إلى تقصير منه كترك التعلم، وبين ما إذا كانت غير مستندة إلى التقصير ككثرة الاشتغال والابتلاء الموجبة للغفلة، فان كانت الغفلة مستندة إلى تقصيرمنه فالامر كما ذكره في المتن، وان كانت غير مستندة إلى التقصير فلا يجب عليه الحج واقعا، لان حديث الرفع في حقه رافع واقعي، وقد ذكرنا في محله ان حديث الرفع بالنسبة إلى غير ما لا يعلمون رفع واقعي، وفي الحقيقة تخصيص في الادلة الاولية والحكم غير ثابت في حقه واقعا، ففي فرض الغفلة لا يجب عليه الحج لعدم ثبوته في حقة وفي فرض الالتفات وان امكن تكليفه بالحج لكن المفروض انه لا مال له بالفعل، ففي هذه الصورة الحق مع المحقق القمي - رحمه الله - من عدم الوجوب، وكذلك يفصل في مورد الجهل بوصول المال إلى حد الاستطاعة بين الجهل البسيط، والمركب، فان كان الجهل جهلا بسيطا، فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه، لان الحكم بعدم الوجوب في فرض الجهل حكم ظاهري لا ينافي وجوب الحج واستقراره عليه واقعا، فإذا انكشف وتبين الخلاف يجب عليه اتيان الحج لاستقراره عليه، لان العلم بالاستطاعة لم يؤخذ في الموضوع، وانما الموضوع وجود ما يحج به واقعا والجاهل بالجهل البسيط يتمكن من اتيان الحج ولو احتياطا، فلا مانع من توجه التكليف إليه واقعا. وأما في مورد الجهل المركب فلا يتوجه إليه التكليف واقعا لعدم تمكنه من الامتثال ولو على نحو الاحتياط، فان من كان جازما بالعدم ومعتقدا عدم الاستطاعة لا يمكن اثبات الحكم في حقه، فان الاحكام وان كانت مشتركة بين العالم والجاهل ولكن بالجهل البسيط الذي يتمكن من الامتثال لا الجهل المركب والجزم بالعدم الذي لا يتمكن من الامتثال ابدا فهو كالغفلة، ففي هذه الصورة الحق مع المحقق

[ 137 ]

[ وكذا إذا نقل ذلك المال إلى غيره - بهبة أو صلح - ثم علم بعد ذلك انه كان بقدر الاستطاعة. فلا وجه لما ذكره المحقق القمي في اجوبة مسائله: من عدم الوجوب، لانه لجهله لم يصر موردا وبعد النقل والتذكر ليس عنده ما يكفيه، فلم يستقر عليه - لان عدم التمكن - من جهة الجهل والغفلة - لا ينافي الوجوب الواقعي، والقدرة التي هي شرط في التكاليف القدرة من حيث هي، وهي موجودة والعلم شرط في التنجز لا في اصل التكليف. (مسألة 26): إذا اعتقد انه غير مستطيع فحج ندبا فان قصد امتثال الامر المتعلق به فعلا، وتخيل انه الامر الندبي اجزء عن حجة الاسلام، لانه حينئذ من باب الاشتباه في التطبيق. وان قصد الامر الندبي على وجه التقييد لم يجز عنها، وان كان حجه صحيحا (1) وكذا الحال إذا علم ] القمي أيضا. وبالجملة: وما ذكره المحقق القمي من عدم وجوب الحج انما يصح فيما إذا كانت الغفلة غير مستندة إلى التقصير وفيما إذا كان الجهل جهلا مركبا، وأما إذا كانت الغفلة مستندة إلى التقصير أو كان الجهل بسيطا فالحق مع المصنف - رحمه الله -. (1) الظاهر هو الاجزاء مطلقا، وليس المقام من موارد التقييد وانما

[ 138 ]

[ باستطاعته ثم غفل عن ذلك. واما لو علم بذلك وتخيل عدم فوريتها فقصد الامر الندبي فلا يجزي، لانه يرجع إلى التقييد. ] هو من موارد التخلف في الداعي، وذلك لان التقييد انما يتصور في الامور الكلية التي لها سعة، وقابلة التقسيم إلى الانواع، والاصناف، كالصلاة حيث ان لها انواعا، واصنافا كصلاة الفجر، ونافلتها، ونحو ذلك من الاقسام، وأما الامر الخارجي الجزئي الذي لا يقبل التقسيم فلا يتصور فيه التقييد. نظير ذلك ما ذكروه من التفصيل في باب الاتيمام إلى زيد فبان انه عمرو، وقلنا هناك: ان ذلك غير قابل للتقييد، لان الاتيمام قد تعلق بهذا الشخص المعين وهذا غير قابل للتقسيم ولا سعة فيه حتى يتصور فيه التقييد والتضيق. وهكذا الامر في المقام، فان الامر بالحج المتوجه إليه في هذه السنة امر شخصي ثابت في ذمته وليس فيه سعة حتى يتضيق ويتقيد، والثابت في ذمته ليس إلا حجة الاسلام وقد اتى بها. فان حج الاسلام ليس إلا صدور هذه الاعمال من البائع الحر المستطيع الواجد لجميع الشرائط والمفروض حصولها، فالصادر منه هو حجة الاسلام وان كان جاهلا به ولا يعتبر قصد هذا العنوان في صحة الحج، غاية ما في الباب تخيل جواز الترك وعدم الوجوب، ومجرد تخيل الجواز غير ضائر في صحة العمل، كما لو فرضنا انه صام في شهر رمضان ندبا بنية القربة، وكان جاهلا بوجوب الصوم فيه، فانه لاريب في الاكتفاء به، وعدم وجوب القضاء عليه. بل لو فرضنا انه لو علم بالوجوب لم يأت به في هذه السنة ويؤخره لغرض من الاغراض نلتزم بالصحة أيضا لانه من باب تخلف الداعي وليس من التقييد بشئ.

[ 139 ]

[ (مسألة 27): هل تكفي في الاستطاعة الملكية المتزلزلة للزاد والراحلة وغيرهما - كما إذا صالحه شخص ما يكفيه للحج بشرط الخيار له إلى مدة معينة، أو باعه محاباة كذلك وجهان اقواهما العدم، لانها في معرض الزوال، إلا إذا كان واثقا بانه لا يفسخ (1). ] وبالجملة: التقييد انما يتصور في الامور الموسعة الكلية، وأما الامور الشخصية فلا يتحقق فيها التقييد نظير الافعال الخارجية الحقيقية كالاكل، فان الاكل يتحقق على كل تقدير ولا معنى للتقيد فيه. هذا كله فيما إذا اعتقد انه غير مستطيع فحج ندبا، أو علم ياستطاعته ثم غفل عن ذلك. وأما الفرض الثالث وهو مالو علم بالوجوب وتخيل عدم فوريته فحج ندبا، فذكر - رحمه الله - انه لا يجزي لانه يرجع إلى التقييد، والامر كما ذكره لا لذلك، بل لان في المقام امرين احدهما وجوبي والاخر ندبي مترتب على الاول وفي طوله لا في عرضه، فان الامر بالضدين إذا كان على نحو الترتب لا استحالة فيه، لان الامر الثاني مترتب على عدم الاتيان بالاول ولو كان عن عصيان، وقد ذكرنا في محله ان كل مورد امكن جريان الترتب فيه يحكم بوقوعه لان امكانه مساوق لو قوعه، فما حج به صحيح في نفسه إلا انه لا يجزي عن حجة الاسلام لان الامر الفعلي لم يقصد وانما قصد الامر الندبي المترتب على مخالفة الامر الفعلي. ولا يقاس هذا الفرض بالفرضين السابقين لوحدة الامر فيهما بخلاف المقام الذي تعدد الامر فيه على نحو الترتب. (1) ذكر - قده - ان الاقوى عدم الاكتفاء بالملكية المتزلزلة في

[ 140 ]

[ وكذا لو وهبه واقبضه إذا لم يكن رحما، فانه ما دامت العين موجودة له الرجوع. ويمكن ان يقال بالوجوب هنا، حيث ان له التصرف في الموهوب فتلزم الهبة (مسألة 28): يشترط في وجوب الحج - بعد حصول الزاد والراحلة - بقاء المالي إلى تمام الاعمال، فلو تلف بعد ] تحقق الاستطاعة، فلا يجب الحج بحصول الملكية المتزلزلة إلا مع الوثوق بعدم زوالها، وعلل ذلك: بان الملكية المتزلزلة في معرض الزوال فلا تثبت بها الاستطاعة. اقول: لم يؤخذ هذا المعنى - وهو عدم كون المال في معرض الزوال - في موضوع الاستطاعة. بل الموضوع - كما عرفت بما لا مزيد عليه - ان يكون عنده ما يحج به، وعنده الزاد والراحلة، وهذا المعني صادق في المقام، حتى مع علمه بالزوال، فلو حصل له زاد وراحلة ولو بالملكية المتزلزلة، يجب عليه الحج لتحقق الاستطاعة، ولو علم ان المالك يفسخ ويسترجع المال فان كان متمكنا من ادائه بلا حرج فلا كلام، وان استلزم ادائه الحرج يسقط وجوب الحج لنفي الحرج، ولو شك في الرجوع يستصحب عدمه، واظهر من ذلك ما ذكره اخيرا من انه لو وهبه المال واقبضه ولم يكن رحما، فانه يجب عليه التصرف فيه تصرفا لا يجوز رده، بان يعمل في المال عملا تزول به سلطنة المالك على الرد، لتحقق الاستطاعة، وان عنده ما يحج به، وعنده الزاد والراحلة، فيجب عليه حفظ القدرة بالتصرف المانع عن رجوع المالك، فان الحج يستقر عليه بمجرد ملكيته لشئ يتمكن به الحج فيجب عليه التحفظ على ذلك لئلا يرجع المالك = فتزول استطاعته.

[ 141 ]

[ ذلك ولو في اثناء الطريق كشف عن عدم الاستطاعة (1). وكذا لو حصل عليه دين قهرا، كما إذا اتلف مال غيره خطاء وأما لو اتلفه عمدا فالظاهر كونه كاتلاف الزاد والراحلة عمدا في عدم زوال استقرار الحج، (مسألة 29): إذا تلف - بعد تمام الاعمال - مؤنة عوده إلى وطنه أو تلف ما به الكفاية من ماله في وطنه - بناءا على اعتبار الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة فهل يكفيه عن حجة الاسلام أولا وجهان؟ لا يبعد الاجزاء (2) ويقربه ما ورد ] (1) مقتضى الروايات الدالة على اعتبار الاستطاعة بقائها إلى تمام الاعمال، لان الحج عبارة عن مجموع هذه الاعمال، ولابد من اقترانها بالاستطاعة، فلو تلف المال قبل ان يتم الاعمال سواء كان قبل الشروع فيها أو في الاثناء، كشف عن عدم الاستطاعة. وأما اتلاف مال الغير الذي يوجب الدين عليه قهرا، فان كان من باب الاتفاق، والخطاء يجرى فيه احكام الدين المتقدمة من كون الدين مؤجلا أم حالا مطالبا به غير مأذون في التأخير. وقد عرفت ان مجرد الدين غير ضائر في صدق الاستطاعة، وأما إذا كان الاتلاف عمديا فالظاهر كونه كاتلاف نفس الزاد والراحلة في عدم زوال استقرار الحج، لان الواجب تعليقي، ويجب عليه حفظ القدرة لفعلية الوجوب. (2) لان المعتبر انما هو اتيان الاعمال عن استطاعة، والمفروض تحقق ذلك، ولا تعتبر مؤنة العود في الاستطاعة ولذا لو كان له مؤنة الذهاب إلى مكة فقط وتمكن من البقاء فيها بلا حرج وجب عليه الحج

[ 142 ]

[ من ان من مات بعد الاحرام ودخول الحرم اجزئه عن حجة الاسلام. بل يمكن ان يقال بذلك إذا تلف في اثناء الحج أيضا. (مسألة 30): الظاهر عدم اعتبار الملكية في الزاد والراحلة فلو حصلا بالاباحة اللازمة كفى في الوجوب لصدق ] فلا اثر لتلف المال للعود كما لا اثر لتلف ما به الكفاية في وطنه، وانما اعتبرنا مؤنة الاياب لاجل الحرج في البقاء في مكة وعدم عوده إلى وطنه، وهكذا بالنسبة إلى الرجوع إلى ما به الكفاية، فانه لم يدل دليل على اعتباره، وانما التزمنا بذلك لنفي الحرج، ولا يجرى في المقام لانه خلاف الامتنان إذ لا امتنان في الحكم بالفساد بعد اتيان الاعمال، كما هو الحال في موارد الوضوء، أو الغسل الحرجي، فانه إذا توضوء أو اغتسل ثم علم بان وضوئه أو غسله لم يكن واجبا لكونه حرجيا، لا نحكم بفساد الوضوء أو الغسل لان الحكم بفساده خلاف الامتنان، وتحديث نفي الحرج انما يجرى في مورد الامتنان، كرفع الوجوب والالزام، ولا امتنان في الحكم بالفساد بعد اتيان الاعمال. ثم ان المصنف - ره قرب - الاجزاء في المقام بما ورد فيمن مات بعد الاحرام ودخول الحرم انه يجزيه عن حجة الاسلام. ولكن لم يظهر لنا وجه التقريب والتأئيد، لان تلك الادلة دلت على اجزاء الجزء، والبعض عن الكل، ومحل الكلام هو الاتيان بتمام الاعمال ولكن انكشف عدم الاستطاعة. وبعبارة اخرى مورد تلك الروايات اتيان بعض الاعمال واجزائه عن الكل، والمفروض في المقام هو الاتيان بجميع الاعمال ولكن البحث عن اجزاء غير الواجب عن الواجب فالمورد مختلف فلا وجه للتقريب.

[ 143 ]

[ الاستطاعة (1) ويؤيده الاخبار الواردة في البذل فلو شرط احد المتعاملين على الاخر - في ضمن عقد لازم - ان يكون له التصرف في ماله بما يعادل مائة ليرة مثلا، وجب عليه الحج، ويكون كما لو كان مالكا له. ] (1) الظاهر ان الاستطاعة لا يعبتر فيها ملكية الزاد والراحلة، فان الاستطاعة عبارة عن القدرة على الزاد والراحلة ولاتمكن من التصرف فيهما، ولا ريب في صدق الاستطاعة بذلك وان لم يكن ما يحج به ملكا له. وربما يناقش: في صدق الاستطاعة بانها بالنظر إلى الروايات (1) المفسرة لها ليست مجرد التمكن من التصرف واباحته، فان مقتضى قوله - ع - له زاد وراحلة، هو اعتبار الملك لظهور اللام في ذلك، فلا يكفي مجرد الاباحة، وأما الاكتفاء بالبذل فقد ثبت بدليل خاص. وأما ما في صحيح الحلبي (إذا قدر الرجل على ما يحج به) (2) وفي صحيح معاوية (إذا هو يجد ما يحج به) (3) مما ظاهره الاعم من الملك، فاللازم تقييده بالملك لحمل المطلق على المقيد. وفيه: ان المطلق انما يحمل على المقيد إذا وردا في متعلقات الاحكام كقولنا اعتق رقبة واعتق رقبة مؤمنة لا في موضوعاتها لعدم التنافي كنجاسة الخمر، والمسكر. وبعبارة اخرى: انما يحمل المطلق على المقيد لاجل التنافي بينهما


(1) الوسائل: باب 8 من ابواب وجوب الحج. (2) الوسائل: باب 6 من ابواب وجوب الحج ح 3. (3) الوسائل: باب 6 من ابواب وجوب الحج ح 1.

[ 144 ]

[ (مسألة 31): لو اوصى له بما يكفيه للحج فالظاهر ] ولذا يحمل المطلق على المقيد في المثال الاول بعد احراز وحدة المطلوب لحصول التنافي بينهما حينئذ وهذا بخلاف المثال الثاني لعدم التنافي بين الحكم بنجاستهما أو حرمتهما معا. والمقام من قبيل الثاني، فان قوله: (له زاد وراحلة) وان كان ظاهرا في الملكية إلا انه لا ينافي ثبوت الاستطاعة في غير مورد الملك أيضا. كموارد الاباحة وجواز التصرف، فلا موجب لحمل المطلق المستفاد من صحيح الحلبي، وصحيح معاوية على المقيد كقوله: (له زاد وراحلة) مما ظاهره الملك. وأما قياس الاباحة المالكية بالاباحة الشرعية كالانفال والمباحات الاصلية في عدم تحقق الاستطاعة بذلك. ففي غير محله، لعدم صدق الاستطاعة بمجرد الاباحة الشرعية وجواز التصرف، ومن الواضح عدم صدق الاستطاعة وعدم كونه واجدا للزاد والراحلة بمجرد اباحة الاسماك في البحر والانفال له، وانما يصدق انه واجد ومستطيع بصيد الاسماك خارجا وحيازة المباحات والاستيلاء عليها خارجا، ومجرد الاباحة الشرعية لا يحقق موضوع الاستطاعة، وهذا بخلاف المقام الذي يجوز له التصرف من قبل المالك فعلا ومستول على المال ومسلط عليه فانه يصدق انه مستطيع ومما ذكرنا: ظهر ان تقييد الاباحة باللازمة غير لازم بل الاباحة إذا حصلت يصدق عنوان الاستطاعة سواء كانت لازمة أو جائزة، فان قوله: (له زاد وراحلة) (أو عنده ما يحج به) صادق على المقام مطلقا من دون فرق بين الاباحة اللازمة وغير اللازمة.

[ 145 ]

[ وجوب الحج عليه بعد موت الموصي (1). خصوصا إذا لم يعتبر القبول في ملكية الموصى به وقلنا بملكيته ما لم يرد، فانه ليس له المرد حينئذ. ] (1) لصدق الاستطاعة بذلك، هذا بناءا على ان الوصية التمليكية ايقاع لا عقد ولا حاجة إلى القبول من الموصى له كما هو المختار، فالامر واضح لانه بمجرد موت الموصي يصدق على الموصى له انه مستطيع. نعم له الرد لان التمليك القهري مخالف لسلطنته، وذلك يقتضى سلطنته على الرد، لا على احتياجها إلى القبول، ويؤيد أو يدل على انها ايقاع انتقال القبول والرد إلى ورثة الموصى له، ولو كانت عقدا لاحتاجت إلى قبول نفس الموصى له، ولا ينتقل القبول إلى الوارث، وكان مقتضى القاعدة بطلان الوصية حينئذ. وبالجملة بمجرد الوصية التمليكية تحصل الاستطاعة وليس له الرد لانه ازالة للاستطاعة وتفويت لها. هذا كله بناءا على ان الوصية من الايقاعات لا من العقود. وأما بناءا على انها من العقود وتحتاج إلى القبول فلم يظهر لنا الوجه في صدق الاستطاعة بمجرد الوصية، لانه ما لم يتحقق القبول، لم يكن واجدا للزاد والراحلة وان كان قادرا على التحصيل بواسطة القبول، والمفروض ان الحج واجب على الواجد بالفعل لا على من كان قادرا على الايجاد والتحصيل، والزامه بالقبول من تحصيل القدرة الذي لا يجب. نظير الهبة فانه قبل القبول غير واجد للمال، والزامه بقبولها تحصيل للقدرة وهو غير واجب.

[ 146 ]

[ (مسألة 32): إذا نذر قبل حصول الاستطاعة ان يزور الحسين - ع - في كل عرفة، ثم حصلت لم يجب عليه الحج (1). بل وكذا لو نذر ان جاء مسافره ان يعطي الفقير كذا مقدارا، فحصل له ما يكفيه لا حدهما، بعد حصول المعلق عليه، بل وكذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة - ان يصرف مقدار مائة ليرة مثلا في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك فان هذا كله مانع عن تعلق وجوب الحج به. وكذا إذا كان عليه واجب مطلق فوري. ] (1) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين: الاول: في تزاحم الحج والنذر فقد نسب إلى معظم الاصحاب بل إلى المشهور، تقديم النذر على الحج فيما إذا نذر قبل حصول الاستطاعة عملا راجحا لا يجتمع مع الحج كما إذا نذر زيارة الحسين عليه السلام في كل عرفة، وكذا لو نذر ان جاء مسافره ان يعطي الفقير كذا مقدارا من المال، فحصل له ما يكفيه لاحدهما بعد حصول المعلق عليه ومجئ المسافر، وكذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة ان يصرف مقدرا من المال في تعزية الحسين - ع - أو الزيارة أو في امر خيري اخر، والمفروض ان المال لا يكفي للنذر والحج معا فقد ذكروا ان هذا كله مانع عن تعلق وجوب الحج به، ويقدم النذر، لان وجوب الوفاء بالنذر يزيل الاستطاعة ويرفعها، ويصبح عاجزا عن اتيان الحج، فان العجز الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب،

[ 147 ]

ويكون معذورا في ترك الحج، لانه مأمور بالوفاء بالنذر، فيكون ترك الحج حينئذ سائغا. أقول: هذا الكلام انما نشاء من التزامهم باخذ القدرة الشرعية في الحج، ومقتضاه ان كل واجب يزاحم الحج، يرفع موضوع الاستطاعة حتى مثل وجوب رد التسليم. ولكن لا اساس لما التزموا به اصلا، لان الاستطاعة المعتبرة في الحج ليست إلا ملكية الزاد والراحلة وصحة البدن وتخلية السرب على ما فسرت في النصوص المعتبرة - وأما اشتراطه بعدم مزاحمته لواجب اخر فلم يثبت. نعم يتحقق التزاحم بين الحج وواجب اخر فيما إذا لا يتمكن من الجمع بينهما كاداء الدين، إلا انه في خصوص المقام لا تصل النوبة إلى التزاحم. لان الوفاء بالنذر ليس واجبا ابتدائيا نظير وجوب الصلاة والصوم ونحوهما من الواجبات الالهية، وانما هو واجب امضائي بمعنى انه الزام من الله تعالى بما التزم المكلف به على نفسه، كالعقود فانها الزام من المكلف على نفسه والله تعالى الزمه بما التزمه على نفسه وامره تعالى بالوفاء به، فالحكم بوجوب الوفاء للنذور أو العقود نشأ من التزام المكلف على نفسه شيئا، والله تعالى الزمه بهذا الالتزام وامره بالوفاء فان الناذر يلزم على نفسه شيئا والله تعالى يلزمه بالعمل به على نحو ما التزم به، والمفروض انه التزم على نفسه، عملا لله تعالى فلابد من ان يكون العمل الملتزم به لله سبحانه في نفسه قابلا للاضافة إليه تعالى ومرتبطا به. ومن هنا اعتبروا الرجحان في متعلق النذر، قالوا: ولا ينعقد فيما لا رجحان فيه ولا يرتبط به تعالى اصلا كنذر الاكل أو بناء البيت ونحو ذلك من المباحات الاصلية التي لا ترتبط به تعالى.

[ 148 ]

ولعل هذا هو المراد من قولهم في النذران لا يكون محللا للحرام ومحرما للحلال، مع ان هذا لم يرد في النذر، وانما ورد في الشرط. وبالجملة النذر هو التزام المكلف على نفسه شيئا لله تعالى، نظير ما يلتزم شخص على نفسه شيئا لشخص اخر - فلابد ان يكون العمل الملتزم به في نفسه قابلا للاضافة والاستناد إليه تعالى، ولا يكفي مجرد الرجحان في نفسه بل لابد في صحة اضافة العمل إليه تعالى من ملاحظة سائر الملازمات والمستلزمات كأن لا يكون العمل مستلزما لترك واجب أو اتيان محرم، وإلا فلا يكون قابلا للاضافة إليه سبحانه ولا ينعقد النذر وان كان العمل في نفسه راجحا وعلى ذلك فصرف المال في التعزية أو الصدقة وان كان راجحا في نفسه ولكنه إذا استلزم ترك الحج يكون غير مشروع لانه تفويت للاستطاعة وتعجيز للنفس عن اتيان الحج، وكذلك زيارة الحسين - ع - يوم عرفة وان كانت راجحة في نفسها ولكنها إذا كانت ملازمة لترك الواجب - كالحج - لا يمكن اضافتها إلى الله سبحانه فان نذر زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة في الحقيقة يرجع إلى نذر ترك الحج نظير نذر قرائة القرآن من اول طلوع الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس بحيث تفوت عنه صلاة الفجر، أو ينذر سجدة طويلة تستغرق في جميع الوقت بحيث يفوت عنه الصلاة المكتوبة في الوقت. والحاصل: لابد في انعقاد النذر من قابلية اضافة العمل المنذور إلى الله تعالى مضافا إلى الرجحان الثابت في نفسه، فإذا استلزم العمل ترك واجب أو اتيان محرم، لا يمكن اضافته إليه تعالى، فدليل وجوب الوفاء بالنذر من اصله قاصر لا يشمل امثال هذه الموارد لانه ليس من باب التكاليف الابتدائية بل انما هو من باب الامضاء والالزام بما التزم المكلف على نفسه، فلابد ان يكون ما التزم به قابلا للالتزام

[ 149 ]

والاستناد إلى الله تعالى وإلا فلا ينعقد النذر وينحل كما إذا نذر صوم يوم الذي يجئ مسافره فصادف يوم العيد ولاريب في انحلال النذر في امثال هذه الموارد، والمقام من قبيل ذلك فلا تصل النوبة إلى التزاحم فضلا عن ان يرفع النذر موضوع الاستطاعة. فتحصل: من جميع ما تقدم ان النذر لا يزاحم الحج لان وجوبه مطلق غير مشروط بشئ غير الاستطاعة المفسرة في النصوص والقدرة الشرعية المصطلحة غير مأخوذة فيه، بخلاف النذر فانه مشروط بان لا يكون محللا للحرام ومحرما للحلال. ويؤيد بل يؤكد ما ذكرنا: انه لو صح النذر لم يختص بزيارة الحسين - ع - يوم عرفة أو صرف المال في التعزية التصدق ونحو ذلك، بل يشمل كل شئ فيه رجحان، كما لو نذر قرائة سورة معينه في بيته أو في المسجد الفلاني في اول ذي الحجة مثلا، أو يصلي في مسجد من مساجد بلده في يوم عرفة ونحو ذلك من الامور الراجحة التي يفوت بها الحج، ولو صح ذلك لامكن لكل احد ان يحتال في سقوط الحج بنذر هذه الامور، ويدفع وجوب الحج عن نفسه بذلك وهذا مقطوع البطلان ولا يمكن الالتزام به ابدا. ثم انه لو عصى ولم يحج فهل يجب الوفاء بالنذر بدعوى ان المزاحم عن الوفاء بالنذر كان هو الحج والمفروض انه لم يأت به فلا مانع من وجوب اتيان متعلق النذر بنحو الترتب؟ الظاهر عدم وجوب اتيان متعلق النذر حتى في مثل الفرض، لعدم جريان الترتب في امثال المقام، لان الترتب انما يجرى في الواجبين الفعليين الذين يشتمل كل منهما على ملاك ملزم غاية الامر لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال، وهذا انما يختص بما إذا

[ 150 ]

كان الواجب واجبا ابتدائيا اصليا كالصلاة وازالة النجاسة، وأما إذا كان الواجب واجبا امضائيا وتابعا لما التزم به المكلف على نفسه فلا يجري فيه الترتب، لان ما التزم به المكلف انما هو مطلق مستلزم لترك الحج وهذا غير قابل للامضاء، وأما المشروط يعني المقيد بترك الحج فلم ينشائه ولم يلتزم به، فما هو قابل للامضاء لم يلتزمه ولم ينشائه وما التزم به غير قابل للامضاء. ونظير ذلك من كان مستطيعا وآجر نفسه للغير فان صحته مطلقا غير ممكن ومقيدا لم ينشائه فتكون الاجارة فاسدة ويرجع إلى اجرة المثل. ومما ذكرنا ظهر انه لو نذر اتيان عمل من الاعمال المنافية للحج على تقدير ترك الحج صح نذره. هذا تمام الكلام فيما إذا كان وجوب الحج كساير الواجبات الالهية التي لم تؤخذ القدرة الشرعية المصطلحة فيها. وأما بناءا على المشهور من اخذ القدرة الشرعية في الحج وان كان مقتضاه تقدم كل واجب عليه ومزاحمته له لعدم بقاء الموضوع للحج فيما زاحمه واجب آخر، لكن في خصوص النذر لا يمكن الالتزام بذلك لان ما ذكروه من اخذ القدرة الشرعية في الحج وتقدم كل واجب عليه، لو صح فانما يصح في الواجبات الابتدائية، وأما النذر فليس واجبا ابتدائيا وانما هو واجب امضائي كما عرفت ويجب الوفاء به فيما هو قابل للامضاء ولا قابلية له للامضاء في المقام لا ستلزامه ترك الحج فلا يشمله دليل وجوب الوفاء، كما هو الحال في العمل بالشرط في العقود فان الشرط إذا كان محرما للحلال ومحللا للحرام لا يجب العمل به وان اتى به في ضمن العقد اللازم. هذا وقد يقال باخذ القدرة الشرعية في موضوع وجوب الحج

[ 151 ]

تمسكا بصحيح الحلبي (قال - ع - إذا قدر على ما يحج به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعة من شرايع الاسلام) (1) بدعوى ظهوره في ان مطلق العذر رافع للوجوب، والوفاء بالنذر عذر، فيكون رافعا للوجوب. وفيه: ان الرواية لم تبين الصغرى، وانما تعرضت لترك الحج بلا عذر. وأما كون الشئ الخاص عذرا فلابد من اثباته من الخارج، كما ثبت العذر في موارد الحرج والضرر والزائدين على ما يقتضيه الحج ولم يثبت من الخارج كون الوفاء بالنذر عذرا، فالحج كساير الواجبات الشرعية في عدم اخذ القدرة الشرعية فيه، هذا من ناحية وجوب الحج. وأما الوفاء بالنذر فقد عرفت انه ليس بواجب ابتدائي وانما هو واجب امضائي والزام بما التزم المكلف على نفسه، وحينئذ لابد ان يكون الفعل قابلا للاضافة إليه تعالى، وهو المراد بالراجح في كلماتهم، فالعمل المستلزم لترك الواجب لا يمكن امضائه إذ لا يمكن استناده إليه تعالى، فان الالتزام بشئ التزام بلوازمه، وإذا التزم بزيارة الحسين - ع - في يوم عرفة، فهو التزام بترك الحج حقيقة وهذا غير راجح قطعا، ولذا ذكرنا في باب مقدمة الواجب واقتضاء الامر النهي عن ضده ان انكار وجوب المقدمة أو نفي الاقتضاء، انما هو بحسب الامر الاعتباري، بمعني ان الامر بالشئ لا يلازم الامر بمقدمته في مقام الاعتبار لعدم الملازمة بين الاعتبارين ويمكن التفكيك بينهما وكذا في باب الاقتضاء. وأما بحسب الامر التكويني الخارجي فلا ريب ان الشوق إلى ذي المقدمة يقتضي الشوق إلى مقدمته الموصلة، وان الشوق


(1) الوسائل: باب 6 وجو ب الحج ح 3.

[ 152 ]

إلى شئ يقتضي الشوق إلى ترك ضده، فان من يشتاق إلى اكل اللحم مثلا لا ريب في اشتياقه إلى التعرض للسوق لشراء اللحم، وكذا من اشتاق وجود شئ يشتاق إلى ترك ضده، فالفعل المستلزم لترك الواجب بالنظر إلى قيده لا يمكن استناده واضافته إليه تعالى، ولا يشمله دليل وجوب الوفاء بالنذر سواء كان سابقا أو لا حقا لان النذر مشروط بعدم تفويت الحج به وعدم استلزامه لترك الواجب، والحج يتقدم لانه مطلق. وقد يناقش فيما ذكرنا: بانه لو اعتبر في انعقاد النذر ووجوب الوفاء به بان لا يكون مستلزما لترك واجب اخر فلازمه عدم انعقاد النذر فيما إذا تعلق بما يستلزم تفويت ما هو اهم كما إذا نذر ان يصلي في مسجد محلته، فاللازم عدم انعقاده، لانه يستلزم تفويت الصلاة في المسجد الاعظم أو الحرم الشريف وكذا لو نذر ان يزور مسلما - ع - فاللازم عدم انعقاده لانه يستلزم ترك زيارة الحسين - ع - التي هي ارجح واهم. وهكذا. وهذا امر لا يمكن الالتزام به. وفيه ما لا يخفي: لان الميزان في صحة انعقاد النذر كما - عرفت - ان يكون الفعل المنذور قابلا للاضافة إليه تعالى، والمستحب المستلزم لترك مستحب اخر اهم، وارحج، صالح للاضافة إليه تعالى. نعم لو نذر ترك الراجح أو الاهم في نفسه لا ينعقد النذر، كما إذا نذر ترك زيارة الحسين - ع -. وأما إذا نذر شيئا راجحا في نفسه. فلا مانع من انعقاده واضافته إليه تعالى وان كان مستلزما لترك ما هو اثوب وارجح، إذ لا يلزم ان يكون متعلق النذر اثوب وارجح وانما اللازم رجحانه وصحة

[ 153 ]

الاضافة إليه تعالى، فكل من الفعلين الراجحين قابل لتعلق النذر به واضافته إليه تعالى وان كان احدهما ارجح من الاخر كزيارة الحسين - ع - بالنسبة إلى زيارة مسلم - ع -. وبالجملة: لا ينبغي الربب في تقدم الحج على النذر، ولو قلنا بتقدم النذر لا مكن الاحتيال في سقوط الحج بالمرة عن كل مسلم مستطيع. وهذا بديهي البطلان. هذا كله بناءا على ان وجوب الحج مطلق لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعية، وأما على القول بانه مشروط بالقدرة الشرعية كما زعمه المشهور، فيتقدم الحج على النذر ايضا وان كان لا يتقدم على ساير الواجبات المزاحمة له، وذلك لان وجوب الواجب في غير النذر رافع لموضوع الاستطاعة فان جعل الواجب وان كان لا ينافي جعل وجوب الحج ولكن ينافيه في مرحلة المجعول، وأما في النذر فالتنافي متحقق في مرحلة الجعل، لان النذر واجب امضائي ووجوب الحج صالح لرفع موضوع النذر، فالحج يتقدم على النذر على كل تقدير سواء كان مطلقا أو مشروطا. فلا يقاس النذر في المقام بساير الواجبات الابتدائية، فان التزاحم في تلك الواجبات يتحقق، لان كلا من الواجبين مقدور في ظرف ترك الاخر، وحيث لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال يقع التزاحم، وأما في الواجبات الامضائية فدليل الامضاء قاصر الشمول عن النذر المستلزم لترك واجب أو ارتكاب محرم، فالنذر على نحو الاطلاق غير قابل للامضاء لعدم قابليته للاضافة إليه سبحانه وفي فرض ترك الواجب وان كان صالحا للاضافة ولكنه لم ينشائه الناذر والالزام انما يتعلق بما التزم به على نفسه، وإلا فيتخلف المنشاء عن الالزام، وتخلف المنشاء عن الالزام انما ثبت في موارد

[ 154 ]

خاصة بالنص ولا يمكن التعدي عن تلك الموارد كاعتبار القبض في الهبة شرعا مع ان الواهب وهب مطلقا، وكذا اعتبار القبض في بيع الصرف والسلم، وتوقف العقد على بنت الاخ أو الاخت على اذن العمة والخالة أو توقف العقد على البكر على اذن الولي، بناءا على اعتباره، فان تخلف الامضاء عن المقصود انما ثبت في هذه الموارد وأما في غيرها فلا نلتزم به لعدم الدليل عليه ومنه المقام. ونظير المقام مالو اجر نفسه من الفجر إلى طلوع الشمس لعمل من الاعمال كالكتابة أو نسج الثوب، فانه لا يمكن الحكم بصحة الاجارة ووجوب الوفاء بالعقد لان شموله على نحو الاطلاق لا يمكن لاستلزامه ترك الواجب وعلى نحو التقييد لا دليل عليه. ومما ذكرنا يظهر انه لو عصى ولم يأت بالحج لا يمكن تصحيح نذره بالترتب لان مطلقه غير قابل للاستناد ومقيده لم ينشاء. المقام الثاني: فيما إذا تزاحم الحج مع واجب مطلق فوري، ذكر - رحمه الله - انه إذا كان عليه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة، ولم يمكن الجمع بينه وبين الحج ثم حصلت الاستطاعة، يقدم ذلك الواجب وان لم يكن اهم من الحج لان العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب، وأما لو حصلت الاستطاعة اولا ثم حصل واجب فورى اخر لا يمكن الجمع بينهما، يكون من باب المزاحمة فيقدم الاهم منهما. اقول: بناءا على ما سلكه من اخذ القدرة الشرعية في الحج لا اثر للتقدم الزماني وعدمها، لان الواجب المتقدم كما يدفع موضوع وجوب الحج، فكذا الواجب المتأخر يرفع موضوع وجوب الحج، إذ لا فرق بين الدفع والرفع وفي انتفاء الموضع حدوثا أو بقاءا فالتفصيل

[ 155 ]

[ قبل حصول الاستطاعة، ولم يمكن الجمع بينه وبين الحج ثم حصلت الاستطاعة، وان لم يكن ذلك الواجب اهم من الحج، لان العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب. وأما لو حصلت الاستطاعة اولا ثم حصل واجب فوري آخر لا يمكن الجمع بينه وبين الحج. يكون من باب المزاحمة فيقدم الاهم منهما، فلو كان مثل انقاذ الغريق قدم على الحج، وحينئذ فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحج فيه والا فلا. إلا ان يكون الحج قد استقر عليه سابقا، فانه يجب عليه ولو متسكعا. (مسألة 33): النذر المعلق على امر قسمان: تارة يكون التعليق على وجه الشرطية، كما إذا قال: ان جاء مسافري فلله على ان ازور الحسين - ع - في عرفة، وتارة: يكون على نحو الواجب المعلق، كان يقول: لله على ان ازور الحسين - ع - في عرفة عند مجئ مسافري، فعلى الاول يجب الحج إذا حصلت الاستطاعة قبل مجئ مسافره، وعلى الثاني لا يجب، فيكون حكمه حكم النذر المنجز، في انه لو ] بين سبق الواجب على الاستطاعة وتأخره في غير محله. نعم على مسلكنا يقع التزاحم، ويقدم الاهم كما عرفت تفصيل ذلك

[ 156 ]

[ حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافيا لها لم يجب الحج سواء حصل المعلق عليه قبلها أو بعدها. وكذا لو حصلا معا لا يجب الحج، من دون فرق بين الصورتين، والسر في ذلك: ان وجوب الحج مشروط والنذر مطلق، فوجوبه يمنع من تحقق الاستطاعة (1). ] (1) ذكره - قده - ان النذر المعلق على شئ: تارة يكون على نحو الواجب المعلق. واخرى: على نحو الواجب المشروط. فان كان على نحو التعليق يقدم النذر على الحج مطلقا سواء حصلت الاستطاعة قبل مجئ المعلق أو بعده، لان وجوب النذر فعلي واسبق من وجوب الحج والعبرة بالاسبق زمانا - مثلا - لو نذر ان يزور الحسين - ع - في عرفة عند مجئ مسافره وحصلت الاستطاعة قبل مجئ المسافر يقدم النذر وحاله حال النذر المنجز في انه لو حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافيا لها لم يجب الحج. وكذا لو حصلا معا لا يجب الحج، لان وجوب النذر الفعلي يمنع من تحقق الاستطاعة وأما إذا كان التعليق على نحو الشرطية، يجب الحج إذا حصلت الاستطاعة قبل مجئ مسافره، وذلك لعدم الوجوب الفعلي للنذر، لان الوجوب في الواجب المشروط متأخر وانما الانشاء فعلي، فحينئذ لامانع من فعلية وجوب الحج. أقول: قد ذكرنا في بحث الاصول ان الواجب المعلق وان كان امرا معقولا ولكنه يرجع إلى الواجب المشروط غاية الامر انه مشروط

[ 157 ]

[ (مسألة 34): إذا لم يكن له زاد وراحلة، ولكن قيل له: (حج وعلى نفقتك ونفقة عيالك وجب عليه. وكذا لو قال: حج بهذا المال وكان كافيا له - ذهابا وايابا - ولعياله، فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها، من غير فرق بين ان يبيحها له أو يملكها اياه، ولا بين ان يبذل عينها أو ثمنها، ولا بين ان يكون البذل واجبا عليه بنذر أو يمين أو نحوهما، أو لا، ولا بين كون الباذل موثوقا به أو لا على ] بالشرط المتأخر. فعلى ما سلكه المصنف - رحمه الله - من أخذ القدرة الشرعية في الحج لا بد من التفصيل بين الشرط المقارن، والمتأخر، فان كان الشرط مثل مجئ المسافر اخذ شرطا مقارنا وكانت الاستطاعة قبل حصول الشرط وجب الحج وان كان الشرط اخذ شرطا متأخرا وكان وجوب الوفاء بالنذر فعليا سقط وجوب الحج وان كانت الاستطاعة قبل حصول الشرط لان وجوب الوفاء بالنذر اسبق من الاستطاعة فعلا فرق بين الواجب التعليقي والمشروط بالشرط المتأخر والعبرة في سقوط الحج انما هي بتقدم وجوب الوفاء بالنذر على الاستطاعة. وأما على ما سلكناه فلا فرق بين جميع الاقسام ويقدم الحج لكونه مطلقا لم يعتبر فيه سوى الاستطاعة المفسرة بالزاد والراحلة، بخلاف النذر فانه مشروط بعدم كونه محللا للحرام، ومحرما للحلال وان يكون قابلا للاضافة إليه تعالى، فينحل النذر.

[ 158 ]

[ الاقوى (1). والقول بالاختصاص بصورة التمليك ] (1) في هذه المسألة امور: الاول: لا خلاف بين الاصحاب في وجوب الحج بالبذل سواء قيل له حج وعلي نفقتك، أو اعطاه المال ليحج به، فإذا رفض ولم يأت بالحج استقر عليه الحج، وقد ادعى عليه الا جماع ويدل عليه عدة من الروايات المعتبرة منها: صحيحة العلاء ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد (قال سألت أبا عبد الله - ع - عن قول الله عزو جل ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال يكون له ما يحج به، قلت: فمن عرض عليه فاستحيي؟ قال: هو ممن يستطيع) (1). نقل صاحب الوسائل هذه الرواية عن الصدوق، ثم قال وزاد الصدوق (قلت: فمن عرض عليه فاستحيى) الخ. ولكن هذه الزيادة موجودة في رواية الشيخ عن محمد بن مسلم أيضا، وليست مختصة برواية الصدوق. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم على ما رواه الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب عن صفوان عن العلا بن رزين عن محمد بن مسلم (قال: قلت لابي جعفر - ع - فان عرض عليه الحج فاستحيي، قال: هو ممن يستطيع الحج ولم يستحيى ولو على حمار اجدع ابتر قال: فان كان يستطيع ان يمشي بعضا ويركب بعضا فليفعل (2). تنبيه حول سنده هذه الصحيحة: روى صاحب الوسائل هذه


(1) الوسائل: باب 8 وجوب الحج ح 2. (2) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 1.

[ 159 ]

الرواية بهذا السند ولكن الموجود في نسخ التهذيب (1) المتدوالة الموجودة عندنا: موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب عن صفوان ولعل نسخة التهذيب الموجودة عند صاحب الوسائل كانت مطابقة لما في الوسائل والصحيح ما اثبته في الوسائل ونسخة التهذيب مغلوطة، وذلك فان موسى بن القاسم وان كان قد يروي عن جده معاوية بن وهب احيانا، وقد صرح في بعض الروايات برواية موسى بن القاسم عن جده معاوية بن وهب، ولكن في هذا السند لا يمكن ان يروي عن جده معاوية بن وهب لان معاوية بن وهب في هذا السند روى عن صفوان وروايته عنه غير ممكنة عادة، لان معاوية بن وهب اقدم طبقة من صفوان لكونة من اصحاب الصادق - ع - وصفوان من اصحاب الكاظم والرضا - عليهما السلام -، وكيف يمكن رواية من كان من اصحاب الصادق - ع - عن اصحاب الكاظم والرضا - ع -؟ فالثابت في السند كما في الوسائل فان رواية موسى بن القاسم عن صفوان كثيرة جدا. ومنها: صحيج الحلبي في حديث (قال: قلت له فان عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: نعم ما شأنه يستحيى ولو يحج على حمار اجدع أبتر) (2). ومنها: صحيح معاوية ابن عمار في حديث (قال: فان كان دعاه قوم ان يحجوه فاستحيي فلم يفعل فانه لا يسعه إ لا ان يخرج ولو على حمار اجدع ابتر) (3)


(1) التهذيب: الجزء 5 ص 3. (2) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 5. (3) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 3.

[ 160 ]

وربما يقال: لا مجال للعمل بكثير من هذه الروايات لعدم امكان العمل بها والالتزام بمضمونها. لانها تدل على وجوب الحج بالبذل وان استلزم العسر والحرج وكان مخالفا لشأنه وشرفه بالركوب على حمار اجدع ابتر وان يمشي بعضا ويركب بعضا، والمتسالم عندهم عدم وجوب الحج ولو بالبذل في الفرض المزبور. وفيه: ما اشرنا إليه سابقا، ان هذه الا خبار ولو بقرينة الصحيحة الاخيرة، محمولة على من استقر عليه الحج بالبذل وانه ليس له رفض البذل ولا يسعه ذلك، وإذا رفض واستحيى يستقر عليه الحج وعليه ان يحج ولو متسكعا. وبالجملة الامر بتحمل العسر والمشقة في هذه الروايات بعدما استطاع بالبذل واستحيى ولم يقبل وترك الحج، فانه يستقر عليه الحج حينئذ، وليس المراد من النصوص وجوب الحج عليه وان بذل له حمار اجدع ابتر يستحيى ان يركبه. ويمكن ان يستدل: لكفاية الاستطاعة البذلية بنفس الآية الشريفة (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فان الظاهر منها كفاية مطلق الاستطاعة والقدرة، إلا ان الروايات فسرتها بانها ليست هي القدرة الفعلية بل هي قدرة خاصة كالتمكن من الزاد والراحلة مع تخلية السرب وصحة البدن فاطلاق الآية يشمل الاستطاعة البذلية لصدق الا ستطاعة المفسرة على البذل أيضا. وريما يناقش في الاستدلال بالآية: بان الا ستطاعة المذكورة فيها وان كانت في نفسها صادقة على البذل، ولكن الروايات فسرتها بملكية الزاد والراحلة لظهور اللام في قوله - ع - (له زاد وراحلة) - في الملكية وبعض الروايات وان كان مطلقا ولكن وجب تقييدها بما

[ 161 ]

دل على الملكية، فلا تشمل البذل وإباحة الزاد والراحلة. وفيه: أولا: ما عرفت من انه لا مو جب لحمل المطلق على المقيد، وتقييد اطلاق ما يحج به بالملكية، لعدم التنافي بين حصول الاستطاعة بالملكية، وحصولها بالاباحة والبذل، كما يقتضيه اطلاق قوله: (ما يحج به أو عنده ما يحج)، وانما يحمل المطلق على المقيد للتنافي بينهما كما إذا وردا في متعلقات الاحكام بعد احراز وحدة المطلوب، وأما مجرد المخالفة في الموضوع من حيث السعة والضيق فلا يوجب التقييد، فلا منافاة بين حصول الاستطاعة بالملك وحصولهما بالاباحة والبذل. وثانيا: ان الروايات المفسرة للاية مختلفة في بعضها عبر بمن له زاد وراحلة الظاهر في الملكية وفي بعضها ورد ما يحج به، أو عنده ما يحج به، أو يجد ما يحج به الظاهر في الاعم من الملك والاباحة، فيقع التعارض في الروايات المفسرة والمرجع اطلاق الآية، والقدر المتيقن في الخروج عن اطلاقها من لا مال له، ولا بذل له، وهذا ممن لا يجب عليه الحج قطعا وان كان قادرا عليه بالقدرة العقلية، ويبقى الباقي وهو من أبيح له المال للحج مشمولا للاية. وثالثا: إن حرف اللام لا تدل على الملكية، وانما تدل على الاختصاص وهو أعم من الملكية - كما في قوله تعالى: (لله الامر من قبل ومن بعد) (1). وبالجملة: نفس الآية الشريفة متكفلة لوجوب الحج بالبذل والروايات لا تخالف ذلك خصوصا صحيحة معاوية بن عمار الظاهره


(1) الروم: الآية: 4.

[ 162 ]

بل الصريحة في كفاية البذل على وجه الاباحة كما هو الحال في الضيف فلا ينبغي الريب في ثبوت الاستطاعة بالبذل والاباحة. الامر الثاني: الظاهر ثبوت الاستطاعة بمطلق البذل، ولا يعتبر فيه قيد وشرط آخر. لظاهر الروايات. ونسب إلى بعضهم: اعتبار كون البذل على وجه التمليك، فلا يكفى مجرد الاباحة وجواز التصرف ولم يعلم وجهه، فان اطلاق النصوص يدفعه بل الاباحة أظهر دخولا في اطلاق الروايات من التمليك، فان قوله: فان عرض عليه الحج أو قوله: (دعاه قوم أن يحجوه) (1) ظاهر في خصوص الاباحة. ونسب إلى بعضهم: القول باختصاص البذل بما إذا كان البذل واجبا عليه بنذر أو يمين ونحو ذلك، فلو كان البذل غير واجب لا يجب الحج على المبذول له. كما عن العلامة - رحمه الله - معللا بأنه لا يمكن تعليق الواجب على غير الواجب. ولعله - قد سره - أراد معنى لم يظهر لنا واقعه، وإلا فهذا الكلام لا ينبغي صدوره من مثل العلامة - رحمه الله - وهو أجل شأنا من هذا الكلام. وكيف يمكن القول بعدم جواز تعليق الواجب بغير الواجب، فان تعليق الواجب بغير الواجب في الاحكام كثير جدا فان وجوب القصر معلق على السفر المباح ووجوب التمام معلق على الاقامة حتى المباحة، وكذا وجوب الصوم معلق على الاقامة، ووجوب الانفاق على الزوجة معلق على النكاح الجائز في نفسه. وهكذا وهكذا. بل دخول غير الواجب في موضوع الروايات أظهر، لان البذل غير الواجب أكثر وأغلب من البذل الواجب، وأما اعتبار الوثوق في استمرار البذل، فلم يعرف وجهه أيضا وحال البذل حال المال


(1) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 3.

[ 163 ]

الموجود المو جب للاستطاعة، ولا يعتبر الوثوق بالبقاء في المال فهكذا في البذل لعدم الفرق بين البابين من هذه الجهة، فلو شك في تلف المال أو ظن به، لا يسقط الواجب ولا يوجب ذلك رفع اليد عن الواجب وكذلك الحال في البذل. نعم لو اعتقد عدم الاستمرار أو كان واثقا به، لا يجب الحج، لان مرجع ذلك إلى عدم تحقق البذل وعدم عرض الحج عليه ويكون وعده حينئذ مجرد كلام وصورة للبذل ولا واقع له، كالمال الموجود الذي يعلم بتلفه فانه لا يجب الحج حينئذ من أول الامر. والحاصل: انه لا فرق بين البذل، والمال الموجود في حصول الاستطاعة بهما ولا يعتبر الوثوق بالبقاء فيهما. فكلا الامرين من هذه الجهة من باب واحد. الثالث: لا فرق في حصول الاستطاعة بالبذل بين بذل نفس المال، أو بذل بدله، لصدق عرض الحج على ذلك، فما عن بعضهم من اشتراط بذل عين الزاد، والراحلة ولو بذل أثمانهما لم يجب عليه القبول، مما لا وجه له أصلا. الرابع: لو كان له بعض النفقة فبذل له البقية والمتمم يجب عليه القبول أيضا، لصدق الاستطاعة بذلك، لان الاستطاعة لا تنحصر ببذل تمام النقة. بل لو بذل له المتمم يصدق ان عنده ما يحج به أو يجد ما يحج به. هذا مضافا إلى الارتكاز العقلائي بيانه: ان الحج يجب بالاستطاعة المالية، وكذلك يجب بالاستطاعة البذلية، فيجب الحج بالجامع بين المال الموجود الوافي للحج وبين البذل الوافي للحج، والعبرة بتحقق الجامع، ولا فرق في وجود الجامع بين وجوده في ضمن كل فرد مستقلا أو منضما، فان الميزان

[ 164 ]

وجود الجامع، ولا اشكال في تحققه بوجوده في كل فرد بالاستقلال أو بضم بعض الفردين بالفرد الآخر. الخامس: هل تعتبر نفقة العود في الاستطاعة البذلية أم لا؟ إختار المصنف اعتبارها فلو بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب عليه الحج، وما ذكره - رحمه الله - على اطلاقه غير تام. بل يجرى فيه جميع ما تقدم في الاستطاعة المالية، ولا خصوصية البذل فان البذل محقق للاستطاعة، فان استلزم عدم العود الحرج يعتبر بذل نفقة العود، وان كان بقاءه في مكة أو ذهابه إلى بلد آخر غير حرجي فلا تعتبر نفقة العود، فالميزان هو الحرج وعدمه وحال نفقة العود في المقام كنفقة العود في الاستطاعة المالية. ودعوى: ان ادلة البذل منصرفة عما لم يبذل نفقة العود والاياب لا شاهد عليها، وعهدتها على مدعيها. السادس: هل يعتبر نفقة العيال في الاستطاعة البذلية أم لا؟ ذكر المصنف انه لو لم يبذل نفقة العيال لم يجب الحج. ولا يخفي ان نصوص البذل غير متعرضة لنفقة العيال، فلابد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة، فان كان الانفاق واجبا والسفر يمنعه من الا نفاق يدخل المقام في باب التزاحم، ويقدم الاهم، ولا يبعد ان يكون الانفاق على العيال أهم لانه من حقوق الناس. نعم إذا لم يتمكن من الانفاق عليهم أصلا حتى مع عدم السفر بحث يكون الانفاق متعذرا عليه حج أو لم يحج، يقدم الحج بلا اشكال لعدم المزاحمة حينئذ. وإذا لم يكن الانفاق واجبا ولكن كان عدم الانقاق حرجيا له، لا يجب الحج لنفي الحرج.

[ 165 ]

[ ضعيف. كالقول بالاختصاص بما إذا وجب عليه. أو بأحد الامرين: من التمليك أو الوجوب. وكذا القول بالاختصاص بما إذا كان موثوقا به. كل ذلك لصدق الاستطاعة، واطلاق المستفيضة من الاخبار. ولو كان له بعض النفقة فبذل له البقية وجب ايضا. ولو ذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب وكذا لو لم يبذل نفقة عياله. إلا إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود، أو كان لا يتمكن من نفقتهم مع ترك الحج أيضا. (مسألة 35): لا يمنع الدين من الوجوب في الاستطاعة البذلية (1) نعم لو كان حالا، وكان الديان مطالبا، مع فرض تمكنه من ادائه لو لم يحج ولو تدريجا، ففي كونه مانعا أو لا وجهان (2). ] (1) وجهه ظاهر، لان المفروض انه لا يصرف مالا حتى يمنعه الدين وانما يحج ويسافر مجانا. (2) الظاهر عدم الفرق بين أقسام الدين، والعبرة بالمزاحمة، فلو علم انه لو حج لا يتمكن من اداء دينه أصلا، يسقط وجوب الحج سواء كان الدين مؤجلا أو حالا مطالبا، لوجوب حفظ القدرة لاداء مال الغير. ولو علم بالتمكن من الاداء بعد الرجوع فلا يكون الدين مانعا.

[ 166 ]

[ (مسألة 36): لا يشترط الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة البذلية (1). ] وبالجملة: العبرة بالتزاحم ولا يختص المنع عن الحج بما ذكره من كون الدين حالا مطالبا، بل لو كان مؤجلا وكان السفر منافيا لادائه يتقدم الدين فلو علم انه لو لم يحج وبقى في بلده تمكن من اداء دينه في وقته دفعة أو تدريجا، وأما إذا حج لا يتمكن من الاداء حتى تدريجا يسقط وجوب الحج. للزوم التحفظ على القدرة للاداء. (1) سيجئ البحث في اعتبار الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة المالية وستعرف ان شاء الله تعالى ان عمدة الدليل على اعتباره نفي الحرج، وأما رواية أبي الربيع الشامي الاتية (1) فموردها الاستطاعة المالية لقوله: (هلك الناس إذا إذا كانت الاستطاعة بمجرد الزاد والراحلة ثم يرجع فيسأل الناس بكفه. فقيل له فما السبيل؟ فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقى بعضا لقوت عياله). فان الظاهر من الرواية صدرا وذيلا كون موردها الاستطاعة المالية، ولا اطلاق لها يشمل مورد الاستطاعة البذلية فلابد من الرجوع إلى ما يقتضيه نفي الحرج. والحاصل: الظاهر عدم اعتبار الرجوع إلى الكفاية هنا لصدق الاستطاعة بمجرد عرض الزاد والراحلة بدون الرجوع إلى كفاية. نعم لو فرضنا تحقق الحرج، والوقوع في العسر إذا سافر للحج ولم يرجع إلى كفاية، كما إذا كان كسبه منحصرا في أيام الحج وإذا سافر فيها اختل امر مؤنة سنته، ومعاشه، واعاشة عائلته، ووقع في


(1) الوسائل: باب 9 وجوب الحج ح 1.

[ 167 ]

[ (مسألة 37): إذا وهبه ما يكفيه للحج لان يحج وجب عليه القبول على الاقوى، بل وكذا لو وهبه وخيره بين أن يحج به أو لا. وأما لو وهبه ولم يذكر الحج لا تعيينا ولا تخييرا فالظاهر عدم وجوب القبول، كما عن المشهور (1) ] الضيق في بقية أيام السنة فحينئذ يسقط وجوب الحج. ولو كانت الاستطاعة ملفقة من المال والبذل كما لو كان له مال لا يفي بمصارف الحج وبذل له ما يتمم ذلك وجب عليه القبول ويجرى عليها ما يجرى على الاستطاعة المالية ويعتبر حينئذ الرجوع إلى الكفاية، لان المفروض ان له مالا فيشمله قوله (ع) يحج ببعض ويبقى بعضا لقوت عياله. (1) لو وهب له المال ليحج به وجب عليه القبول لاطلاق دليل البذل، وصدق العرض على ذلك ولا يختص العرض بالبذل، والاباحة، ولو ملكه مالا وخيره بين الحج وغيره كزيارة الرضا (عليه السلام) ذكر المصنف (رحمه الله) انه يجب عليه القبول كالاول، وأما لو وهبه ولم يذكر الحج لا تعيينا ولا تخييرا فلا يجب القبول. أقول: ما ذكره من عدم وجوب القبول في الهبة المطلقة صحيح، لان الاستطاعة تحصل بأحد أمرين. إما أن يكون له مال يكفيه للحج أو يبذل له ذلك، وشئ من الامرين غير صادق في المقام، والقبول تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب. وأما القول بوجوب القبول على تقدير الهبة مع التخيير بين الحج وغيره فهو مبني على دعوى صدق الاستطاعة حينئذ فان عرض شئ

[ 168 ]

[ (مسألة 38): لو وقف شخص لمن يحج - أو أوصى أو نذر كذلك - فبذل المتولي - أو الوصي أو الناذر - له وجب عليه لصدق الاستطاعة. بل اطلاق الاخبار، وكذا لو أوصى له بما يكفيه للحج بشرط أن يحج، فانه يجب عليه بعد موت الموصي (1). ] آخر أيضا لا يضر بصدق عرض الحج لان عرض الحج غير مشروط بعدم عرض غيره، إذ لا معنى لعوض الحج إلا بذل مال يفي للحج والتعيين لا خصوصية له. ولكن الظاهر عدم صحة ذلك فان التخيير يرجع إلى أن بذله للحج مشروط بعدم صرفه المبذول في جهة أخرى أو الابقاء عنده ولا يجب على المبذول له تحصيل الشرط، وان شئت قلت ان موضوع الوجوب هو البذل للحج والهبة مع التخيير المزبور بذل للجامع بين الحج وغيره والبذل للجامع لا يكون بذلا للحج بشخصه والا وجب القبول في الهبة المطلقة ايضا فانها لا تنفك عن التخيير في صرف الموهوب في الحج أو غيره. (1) قد عرفت ان الاستطاعة تتحقق بأحد أمرين إما بالاستطاعة المالية وإما بالبذلية، فلو وقف شخص لمن يحج أو اوصى بمال لمن يحج أو نذر كذلك وبذل المتولي أو الوصي المال، يصدق عنوان الاستطاعة وان لم يكن الباذل مالكا، فان اطلاق أخبار العرض والبذل يشمل المقام ولا تختص بما إذا كان الباذل مالكا وكذلك يصدق عنوان الاستطاعة البذلية فيما لو أوصى له بما يكفيه للحج بشرط أن يحج، فيجب عليه الحج بعد موت الموصي.

[ 169 ]

[ (مسألة 39): لو أعطاه ما يكفيه للحج خمسا أو زكاة وشرط عليه ان يحج به فالظاهر الصحة، ووجوب الحج عليه إذا كان فقيرا، أو كانت الزكاة من سهم سبيل الله (1) ] (1) يقع الكلام في مقامين: أحدهما في حصول الاستطاعة، ووجوب الحج فيما إذا اعطاه من الزكوة أو الخمس بعنوان الفقر وشرط عليه الحج. ثانيهما: فيما إذا أعطاه الزكاة من سهم سبيل الله ليحج بها. أما الاول: فالظاهر عدم صحة الشرط. ويتوقف بيان ذلك على توضيح معنى الشرط، وذكر الاقسام المتصورة له. فنقول: ان الشرط في ضمن عقد ليس هو مجرد الالتزام بشئ المقارن للعقد، وانما هو أمر مربوط به، والربط المتصور فيه على وجوه. الاول: تعليق المنشأ بأمر متوقع الحصول، كتعليق البيع على مجئ مسافره أو نزول المطر، بمعنى ان المنشأ ليس هو التمليك على الاطلاق بل حصة خاصة منه وهو التمليك على تقدير مجئ المسافر مثلا وهذا هو التعليق الذي أجمعوا على بطلانه في جميع العقود والايقاعات إلا الوصية والتدبير. الثاني: أن يعلق المنشأ على الالتزام بشئ لا على نفس ذلك الشئ، كتعليق البيع على التزام المشتري بعمل كالخياطة مثلا، فالالتزام بها هو المعلق عليه، لا نفس الخياطة، ولا بأس بهذا التعليق لانه تعليق على أمر حاصل معلوم الوجود، فالالتزام من المشتري متحقق على الفرض، فيكون نظير التعليق بكون هذا اليوم يوم الجمعة مع

[ 170 ]

العلم بأنه يوم الجمعة وامثال ذلك من الامور الحاصلة المعلومة، والفرق بينه وبين الاول انه في الاول يعلق المنشأ على امر خارجي متوقع الحصول، وفي الثاني يعلق المنشأ على الالتزام بأمر خارجي، والالتزام من المشترى حاصل بالفعل، ولا مانع من الشرط على النحو الثاني بل يجب الوفاء به عملا بأدلة وجوب الوفاء بالشرط كقوله ع: (المؤمنون عند شروطهم) (1) وهذا جار في جميع العقود ومنه باب النكاح، فلو اشترطت الزوجة بأن حق السكنى لها أو اشترطت الانفاق عليها بمقدار كذا ونحو ذلك من الشروط، ويجب عليه الوفاء فان الشرط يرجع إلى تعليق الزوجية المنشأة على التزام الزوج بما اشترط عليه، ولو قبل الزوج النكاح من دون التزامه بذلك بطل النكاح. الثالث: ان يكون التزام البايع بالبيع معلقا على الفعل الخارجي كالخياطة مثلا، لا نفس البيع والمنشأ، فان في البين أمرين أحدهما انشاء الملكية ونفس البيع، ثانيهما الالتزام بذلك، فالتعليق يرجع إلى الالتزام لا إلى المنشاء والشرط في هذه الصورة معناه انه لو حصلت الخياطة خارجا فهو ملتزم بالبيع والا فلا، ويرجع ذلك إلى جعل الخيار له عند التخلف، وهذا يجرى في كل عقد قابل للفسخ كالبيع والاجارة واضرابهما، أما مثل النكاح فلا يؤثر هذا الشرط في فسخه، لان له رافعا خاصا كالطلاق، وان ذهب بعضهم إلى جريان ما ذكر حتى في مثل النكاح. وبالجملة الشرط الصحيح يتصور بأحد أمرين إما تعليق المنشأ على الالتزام وإما تعليق الالتزام بالعقد على الامر الخارجي، وأما تعليق


(1) الوسائل: باب 6 من ابواب الخيار وباب 40 من المهور

[ 171 ]

المنشأ على الامر الخارجي فهو باطل بالاجماع. وهذا ما يرجع إلى الشرط والتعليق بحسب الكبرى. وأما في المقام فلا يجرى شئ مما ذكر، لان التعليق لا معنى له في المقام اصلا لعدم قابلية تعليق الفعل الخارجي كالاعطاء على شئ، وانما تعليق يتصور في الامور الاعتبارية. وأما الامور الخارجية التكوينية فغير قابلة للتعليق. بل إما تقع وتحصل في الخارج، وأما لا تقع ولا تحصل، فهي تتصف بالوجود والعدم، كالاكل والضرب والاعطاء، فان الاكل اما أن يتحقق في الخارج وأما لا يتحقق، وهكذا الاعطاء الخارجي لا معني لتعليقه، ويرجع الاعطاء المشروط إلى مجرد الالتزام المقارن له دون أن يرتبط أحدها بالآخر. وأما الملكية الشرعية وان كانت قابلة للتعليق ولكنها ليست بيد المكلف، وانما هي بيد الشارع. فما هو تحت يده ليس قابلا للتعليق كالاعطاء، وما هو قابل للتعليق كالمكلية الشرعية ليس بيد المكلف حتى يعلقه، وأما تعليق الالتزام بالاعطاء على الحج، فلا أثر له، لان ما كان لله ليس له الرجوع فيه، وهذا النحو من التعليق والالتزام في اعطاء الزكوة ليس بيده، لان المفروض ان ما اعطاه حسب زكوة أو خمسا، وليس له الرجوع لو لم يحج، فالتعليق في نفس العمل وهو الاعطاء أو التعليق في الالتزام كل منهما غير قابل في المقام نعم يبقى الالتزام المقارن من المعطى له في صرف ما أخذه في الحج لكنه لا يؤثر ذلك شيئا ولا يجب على الفقير العمل به فانه يدخل في باب الوعد لا محالة. نعم إذا أخذ الزكوة أو الخمس واستطاع بذلك، يجب عليه الحج ان لم يقع في الحرج. وللتوضيح نزيد في البيان وان إستلزم التكرار في

[ 172 ]

الجملة ولكن لا يخلو من فائدة. فنقول: ان الشرط ليس هو مجرد الالتزام الابتدائي المقارن للعقد وانما هو مرتبط به نحو ارتباط والتزام في ضمن التزام، وهو يرجع إلى أحد أمرين على سبيل منع الخلو، اما تعليق المنشأ على الالتزام وهو امر حاصل بالفعل فيجب الوفاء به، وإما تعليق الالتزام بالمنشأ على أمر خارجي الذي مرجعه إلى جعل الخيار لنفسه، وأما تعليق نفس المنشأ على أمر خارجي فقد عرفت انه باطل بالاجماع. وقد يجتمع الامران في مورد واحد وقد يفترقان. أما مورد الاجتماع فهو مالو باعه داره واشترط على المشتري خياطة ثوبه مثلا وقبل المشتري ذلك، فان المنشأ وهو بيع الدار معلق على التزام المشتري بالخياطة يجب عليه الوفاء به وكذلك التزام البايع بالبيع معلق على الخياطة وأثره ثبوت الخيار للبايع إذا تخلف المشتري. وأما مورد الافتراق فقد يكون التعليق بالنحو الاول من تعليق المنشأ على الالتزام كما في الايقاعات والعقود التي لا تقبل الفسخ كالنكاح فانه غير قابل للفسخ ولا يجرى فيه الخيار، لانه دائمي لا يزول إلا بمزيل ورافع خاص، فإذا علق النكاح على شئ يرجع التعليق فيه إلى تعليق المنشاء على التزام الآخر فيجبر على الوفاء به فالثابت ليس إلا مجرد حكم تكليفي وهو وجوب الوفاء على المشروط عليه ولا يوجب تخلفه الخيار وجواز الفسخ. خلافا لصاحب الجواهر - الذي مال أو التزم بجريان الخيار في النكاح أيضا - وكذلك باب الايقاعات كالابراء والطلاق فان الشرط فيها يرجع إلى تعليق المنشاء على الالتزام ويجب الوفاء به ولو لم يتحق الوفاء منه في الخارج عصيانا لا يضر ذلك يتحقق الابراء أو الطلاق، لان الابراء قد تحقق وهو غير قابل للعود

[ 173 ]

غاية الامر يجب على المبرء له الوفاء بما اشترط عليه. وقد ينعكس الامر بمعنى ان الشرط يرجع إلى تعليق الالتزام لا المنشاء، وأثره جعل الخيار لنفسه عند التخلف كالتعليق على الامور الخارجة عن تحت الاختيار نظير التعليق على كون العبد كاتبا أو كون الفراش منسوجا بنسج البلد الفلاني وأمثال ذلك. ثم ان جميع ما ذكرنا انما يجرى في الامور القابلة للتعليق كالامور الاعتبارية، واما التكوينية فهي غير قابلة للتقييد، لان التقييد انما يصح في مورد الاطلاق والسعة، والامر الخارجي التكويني في نفسه مضيق وغير قابل لعروض التقييد عليه، نظير الايتمام الخارجي بالامام الحاضر، فان الايتمام قد حصل وتحقق خارجا سواء كان الامام زيدا أو عمروا، وانما الدواعي تختلف باختلاف الموارد. وبالجملة: الامور التكوينية الخارجية تتصف بالوجود والعدم، ولا يجرى فيها التعليق، ولا معنى لان يقال: ان الايتمام الخارجي معلق على كون الامام زيدا أو ان الاكل الخارجي معلق على ان يكون المأكول ملك نفسه، فان الايتمام والاكل قد تحققا خارجا على كل تقدير. وأما المقام الذي وجب عليه الخمس أو الزكوة، فانما يجب عليه الاعطاء والاداء والايتاء، والذي تحت اختياره ليس إلا الاعطاء الخارجي وهذا غير قابل للتعليق، واما الملكية الشرعية فليست تحت يده واختياره وانما هي بيد الشارع. وبعبارة اخرى: انما يجب على الشخص تفريغ ذمته من الزكوة اما بالعزل أو بنفس الاعطاء الخارجي، والفعل الخارجي الصادر منه كالاداء والاعطاء غير قابل للتقييد والتعليق، واما التزامه بذلك فغير قابل للتعليق ايضا، لان مرجعه إلى جعل الخيار وجواز الاسترداد،

[ 174 ]

وما اعطاه من الزكوة غير قابل للرجوع لان ما كان لله لا يرجع كما في النص (1 *) فمرجع هذا الشرط إلى الالتزام المقارن للاعطاء وهو غير واجب الوفاء به ولا يصدق عليه عرض الحج وبذله. ولو تنزلنا عن جميع ذلك: وفرضنا امكان التعليق في المقام لكن ليس لمن عليه الزكاة أو الخمس هذا الاشتراط لعدم الولاية له على ذلك، وانما الثابت في حقه لزوم الاعطاء وابراء ذمته من الدين بادائه إلى مستحقه، نعم له حق التطبيق في الاداء إلى مستحقه، وله ان يختار خصوص الفقير الفلاني أو السيد الفلاني ولم تثبت له الولاية بأزيد من ذلك. لو صح ذلك لجاز له ان يشترط على المستحق امورا اخر فيعطى خمسه، أو زكوته للمستحق ويشترط عليه خياطة ثوبه وزيارة الحسين (عليه السلام) أو يصلي أو يصوم عن والده ونحو ذلك وهذا ضروري البطلان. هذا تمام الكلام في اعطاء الزكوة من باب الفقر. المقام الثاني: إعطاء الزكوة له من سهم سبيل الله للحج. لا ينبغي الشك في انه إذا اعطى الزكاة لشخص غير مستطيع من سهم سبيل الله ليحج بها وقلنا بجواز ذلك مطلقا أو في خصوص ما كانت فيه مصلحة عامة على الكلام المتقدم في بحث الزكاة وجب على المعطى له قبولها وصرفها في الحج لانه يكون بذلك مستطيعا ولكن تقدم الاشكال في جواز صرفها في غير ما كانت فيه مصلحة عامة فراجع.


(1 *) الوسائل: باب 3 الهبات ح 1 و 2 وباب 6 الهبات ح 3.

[ 175 ]

[ (مسألة 40): الحج البذلي مجز عن حجة الاسلام، فلا يجب عليه إذا استطاع مالا بعد ذلك على الاقوى (1). ] (1) المشهور والمعروف بين الاصحاب اجزاء الحج البذلي عن حجة الاسلام، ولا يجب عليه الحج ثانيا إذا استطاع مالا بعد ذلك. خلافا للشيخ في الاستبصار (1 *) فأوجبه ثانيا إذا ايسر بعد ذلك، واستدل بصحيح الفضل بن عبد الملك البقباق لقوله (ع): (وان ايسر فليحج) (2 *) ونحوه خبر ابي بصير: (فان ايسر بعد ذلك كان عليه الحج) (3 *) ولكنه ضعيف بعلي بن ابي حمزة البطائني. وذكر الشيخ في الاستبصار ان صحيح معاوية الدال على الصحة وانها حجة تامة لا ينافي صحيح الفضل الدال على الوجوب إذا ايسر واستطاع لان صحيح معاوية اخبر ان ما حجه بالبذل صحيح ويستحق بفعلها الثواب وهذا مما لا كلام ولا خلاف فيه، بل ذكر - قده - ان الوجوب إذا ايسر مطابق للاصول الصحيحة التي تدل عليها الدلائل، والاخبار. وفي التهذيب (4 *) عكس الامر فانه ذكر: صحيح معاوية بن عمار (5 *) الذي هو صريح في الاجزاء ثم ذكر صحيح الفضل وقال - رحمه الله - انه محمول على الاستحباب.


(1 *) الاستبصار: ج 2 ص 143. (2 *) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 6. (3 *) الوسائل: باب 21 وجوب الحج ح 5. (4 *) التهذيب: ج 5 ص 7. (5 *) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 2.

[ 176 ]

ولاريب ان ما ذكره في الاستبصار ضعيف، لان الحكم المستفاد من صحيح معاوية ان كان مقتصرا بالصحة فلا ينافي وجوب الحج ثانيا ولكن المستفاد منه صريحا الاجزاء عن حجة الاسلام لقوله: (هل يجزي ذلك عنه عن حجة الاسلام ام هي ناقصة؟ قال: بل هي حجة تامة) ولو كان واجبا ثانيا لكان واجبا بوجوب آخر، وهذا مما لا يمكن الالتزام به لان حج الاسلام في العمر مرة واحدة، كما صرح بذلك في صحيح هشام بن سالم (وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون اكثر من ذلك) (1 *). فما ذكره في التهذيب من حمل صحيح البقباق على الندب هو الصحيح. ويؤيده أو يؤكده التصريح في بعض الروايات بعدم الوجوب مرة ثانية. كصحيح جميل بن دراج (في رجل ليس له مال حج عن رجل أو احجه غيره ثم اصاب مالا هل عليه الحج فقال: يجزي عنهما جميعا) (2 *). ويحتمل عود الضمير في قوله (عنهما) إلى ما أتى به من الحج والى ما لم يأت به، بمعنى ان ما حجه يجزي ويكون صحيحا ويجزي أيضا عن الحج إذا استطاع وأيسر أي لا يجب عليه الحج ثانيا إذا أيسر. ويحتمل عوده وارجاعه إلى الشخصين أي النائب والمبذول له، ولكن في مورد النائب نلتزم بالحج عليه إذا أيسر لاجل دليل آخر الدال على عدم سقوطه عنه.


(1 *) الوسائل: باب 3 وجوب الحج ح 1. (2 *) الوسائل: باب 21 وجوب الحج ح 6.

[ 177 ]

[ (مسألة 41): يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الاحرام، وفي جواز رجوعه عنه بعده وجهان (1) ولو وهبه للحج فقبل فالظاهر جريان حكم الهبة عليه في جواز الرجوع قبل الاقباض وعدمه بعده، إذا كانت لذي رحم، أو بعد تصرف الموهوب له. ] (1) لاريب في جواز الرجوع قبل الاحرام، سواء كان اعطاء المال له على نحو البذل واباحة التصرف، أو كان على نحو الهبة إذا لم تكن لذي رحم، أو لم يتصرف فيها تصرفا ما نعا عن الرجوع. لقاعدة سلطنة الناس على أموالهم وجواز الرجوع في الهبة. انما الكلام: في جواز الرجوع بعد الاحرام. ففيه وجهان: الاول: جواز الرجوع لان المال باق على ملك مالكه والمفروض انه لم يمكله وانما أباح له التصرف فله الرجوع إلى ماله وملكه. ولو فرضنا انه خرج عن ملكه بالهبة، فله الرجوع أيضا إذا لم تكن لذي رحم أو قبل تصرف الموهوب له، ولا موجب لا لزامه بالا ستمرار بالبذل. وبعبارة أخرى: المال المبذول يجوز الرجوع إليه وان خرج عن ملكه بالهبة ما لم تكن هناك جهة ملزمة فضلا عما إذا لم يخرج. الثاني: عدم جواز الرجوع لوجوب اتمام العمل على المبذول له، وإذا وجب عليه الاتمام فليس للباذل الرجوع، لانه يستلزم تفويت الواجب عليه، وعدم تمكنه من الاتمام الذي يجب عليه، نظير من اذن لغيره في الصلاة في ملكه، فانه بعد ما شرع في الصلاة ليس

[ 178 ]

للآذن الرجوع عن اذنه، لانه يستلزم تفويت الواجب عليه، من وجوب اتمام الصلوة وحرمة قطعها، فلا أثر لمنع المالك. أقول: الحكم بعدم جواز الرجوع عن الاذن لم يثبت في المقيس عليه، لعدم ثبوت حرمة قطع الصلاة، ولو سلمنا حرمة القطع فلا تشمل المقام، لان الدليل على وجوب اتمام الصلاة، وحرمة قطعها ليس إلا الاجماع المدعي، والقدر المتيقن منه غير المقام، بل إذا رجع المالك عن اذنه فليس للمصلي الاتمام لانه يستلزم الغصب. وأما عدم جواز الرجوع عن البذل بعد الاحرام، ففيه اولا: ان عدم جواز الرجوع يتوقف على الالتزام بوجوب الاتمام حتى بعد رجوع الباذل. ويمكن المناقشة في ذلك: بان الاستطاعة شرط للحج حدوثا وبقاءا، وإذا لم يستمر الباذل في بذله، ينكشف عن عدم استطاعته من اول الامر، نظير ما إذا سرق ماله في الطربق، فان الحج مشروط بالاستطاعة حدوثا وبقاءا، وإذا زالت الاستطاعة بقاءا بسرقة امواله وفقدانها، أو برجوع للباذل عن بذله ارتفع وجوب الحج، وإذا لم يكن واجبا لا يجب عليه الاتمام، والمفروض انه لم يأت به ندبا حتى يتمه وانما دخل في الاحرام بعنوان انه مستطيع، وانه حج الاسلام الواجب عليه، ثم ينكشف انه لم يكن واجبا ولم يكن بحج الاسلام، فله أن يرفع يده ويذهب إلى بلاده، واتمامه بعنوان آخر يحتاج إلى دليل. وبعبارة أخرى: انما يجب الاتمام فيما إذا أتى به من أول الامر بعنوان المستحب، واما إذا أتى به عنوان الوجوب ثم انكشف عدمه فلا دليل على وجوب الاتمام. وثانيا: لو فرضنا وجوب الاتمام على المبذول له الا أن ذلك

[ 179 ]

لا يوجب استمرار البذل على الباذل، والمفروض ان المال، ماله ولم يصدر منه ما يوجب خروجه عن ملكه، فيجوز له التصرف في ماله متى شاء. نعم: إذا قلنا بوجوب الاتمام على المبذول له يكون الباذل ضامنا لان الباذل اذن له في الاحرام والاذن في الشروع اذن في الاتمام قهرا، لان الاذن في الشئ اذن في لوازمه، وكل عمل يقع بأمر الغير يقع مضمونا عليه، وثبوت الضمان عليه لا ينافي جواز رجوعه عن البذل واسترداد المال الموجود غاية الامر يضمن له مصاريفه لقيام السيرة على ضمان العمل الذي صدر بأمر الآمر. وبالجملة: مقتضى القواعد ضمان الباذل لمصاريف العمل، لا عدم جواز رجوعه إلى المال المبذول، وضمان العمل شئ وعدم جواز رجوعه أمر آخر، ومن هنا يظهر: انه لا يمكن التمسك بقاعدة الغرور لعدم جواز الرجوع لان أقصى ما تدل عليه القاعدة ضمان الغار لمصاريف العمل الذي وقع بأمره فيضمن ما يصرفه المبذول له في سبيل اتمام الحج، لانه مغرور من هذه الجهة، لا عدم جواز رجوعه الباذل عن بذله، كما ان القاعدة المزبورة لا تقتضي جواز تصرف المبذول له في المال بعد رجوع الباذل. هذا: مضافا إلى ان قاعدة الغرور. لم تثبت على اطلاقها، وانما وردت في موارد خاصة ولا دليل عليها سوى النبوي المرسل في الكتب الفقهية. نعم وردت في بعض روايات التدليس لفظ الغرور كما في رواية محمد بن سنان الواردة فيمن نظر إلى امرأة فاعجبته إلى أن قال (وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالى الوليدة كما غر الرجل

[ 180 ]

[ (مسألة 42): إذا رجع الباذل في أثناء الطريق، ففي وجوب نفقة العود عليه أو لا وجهان (1). (مسألة 43): إذا بذل لاحد اثنين أو ثلاثة فالظاهر الوجوب عليهم كفاية فلو ترك الجميع استقر عليهم الحج (2) فيجب على الكل، لصدق الاستطاعة بالنسبة إلى الكل. نظير: مااذا وجد المتيممون ماء يكفي لواحد منهم، فان تيمم الجميع يبطل. ] وخدعه) (1) ولكنها ضعيفة بمحمد بن سنان على أن صدق الغرور يتوقف على علم الغار، وجهل المغرور كون الغار قاصدا لايقاع المغرور في خلاف الواقع. واما إذا لم يكن عالما بذلك وانما يرجع عن البذل من باب الاتفاق، كما لو علم الباذل بان ماله لا يفي للبذل، فلا يصدق عليه انه غره وخدعه. فتلخص ان مقتضى القواعد جواز الرجوع إلى ماله ولكنه ضامن لما يصرفه في سبيل الاتمام للسيرة العقلائية. الظاهر ضمان الباذل لمصارف العود، لانه وقع بأمره واذنه حيث ان السفر وقع باذنه، والاذن في الشئ اذن في لوازمه، ويدل على ذلك السيرة العقلائية وان كان له الرجوع في المال المبذول وهذا لا ينافي ضمان مصارف العود كما عرفت ذلك بما لا مزيد عليه. ما ذكره هو الصحيح وان كان بين المقام وباب التيمم فرق ما. وربما يقال بان الاستطاعة إما ملكية أو بذلية وشئ منهما غير


(1) الوسائل: باب 7 العيوب من كتاب النكاح، ح 1.

[ 181 ]

متحقق في المقام. أما انتفاء الملكية فواضح، وأما البذلية فلعدم شمول نصوص البذل للمقام، لان البذل أو عرض الحج انما يتحقق بالنسبة إلى الشخص الخاص، وأما العرض لواحد لا بعينه فغير مشمول للروايات ولا يقاس المقام بباب التيمم، لان وجدان الماء موجب للبطلان وكل واحد واجد للماء على تقدير عدم أخذ الآخر، والاستطاعة في باب الحج ليست كذلك، فالتنظير في غير محله. وفيه: ان البذل للجامع بما هو جامع وان كان لا معنى له، لعدم امكان تصرف الجامع في المال، وانما التصرف يتحقق بالنسبة إلى الشخص إلا أن البذل في المقام يرجع في الحقيقة إلى البذل إلى كل شخص منهما أو منهم غاية الامر مشروطا بعدم أخذ الآخر لعدم الترجيح في الفردين المتساويين كما إذا بذل الوالد مالا لاحد أولاده وقال لهم يحج به أحدكم، فان معنى ذلك إن من أخذه منكم يجب عليه الحج ولا يجب على الآخر، وأما إذا لم يأخذه واحد منهم فالشرط حاصل في كل منهم ويستقر عليهم الحج. نظير مسألة التيمم. نعم يبقى بيان الفرق بين مسألة التيمم والمقام. وحاصله: انه في باب التيمم يجب السبق إلى أخذ الماء إذا كان أحدهم متمكنا من الغلبة وأخذ الماء وطرد الباقي، لكونه واجدا للماء لقدرته على الماء وتمكنه منه بخلاف الآخر فانه غير قادر وغير متمكن من الماء. وأما في المقام فلا يجب التسابق لاخذ المال، لان المفروض ان البذل على نحو الواجب المشروط وتحصيل الشرط غير واجب. والحاصل: ان البذل في المقام يرجع إلى الشخص، فان الامور الاعتبارية كالملكية وان كانت قابلة للتعلق بالكل كالصاع من الصبرة، كما ان موضوعها يعنى المالك، قد يكون شخصيا كزيد وعمرو.

[ 182 ]

[ (مسألة 44): الظاهر ان ثمن الهدى على الباذل. واما الكفارات فان أتى بموجبها عمدا اختيارا فعليه، وان أتى بها اضطرارا، أو مع الجهل أو النسيان فيما لا فرق فيه بين العمد وغيره ففي كونه عليه أو على الباذل وجهان (1). ] وقد يكون كليا كالجهات بل قد يكون ميتا كثلث الميت وقد يكون جامدا كالوقف على المسجد. وأما الامر الخارجي التكويني كالبذل وعرض الحج فلا يمكن تعلقه بالكلي الجامع، فلابد من إرجاع ذلك إلى الشخصي غاية الامر مشروطا بعدم صرف الآخر ولو بنحو الشرط المتأخر بمعنى انه لو لم يأخذه الآخر أو لم يصرفه الآخر وجب عليه الصرف، فان سبق أحدهم وأخذه وصرفه في الحج يسقط الحج من الآخر، وأما لو لم يصرفه لم يسقط عن الآخر بل يجب عليه الاخذ منه والصرف في الحج لان الشرط - وهو عدم الصرف - حاصل فيجب عليه الحج بالفعل لفعلية الشرط. فما ذكره المصنف هو الصحيح وان مال إلى خلافه صاحب الجواهر. (1) أما الكفارات العمدية فليس شئ منها على الباذل، لان الباذل لم يلتزم بشئ من ذلك، وانما صدر موجبها من المبذول له باختياره فهي عليه: وأما غير العمدية - وان كانت قليلة جدا لان كفارات الحج أكثرها في صورة العمد ولكن بعضها أعم من العمد والخطاء كالصيد - فقد توقف المصنف - ره - فيها في كونها عليه أو على الباذل. والظاهر: انه لا موجب للتوقف بل حالها حال

[ 183 ]

الكفارات العمدية، لان الباذل انما بذل مصارف الحج وتعهده بنفقاته، والكفارات ليست من أجزاء الحج وأعماله ولم يلتزم الباذل بشئ من الكفارات ولم يصدر موجبها بأمره واذنه. وبالجملة: الباذل انما هو ملتزم بمصارف الحج لا بهذه الامور الخارجة عن أعماله. وأما ثمن الهدي: فلا بد أولا من تحقيق ان بذل الحج دون الهدى هل يوجب الحج عليه وهل يجب عليه القبول ولو بان يلتزم المبذول له بثمن الهدى أو يأتي ببدله وهو الصوم، اولا يجب إلا مع بذل ثمن الهدى؟ الظاهر: انه لا بد من بذل ثمن الهدى لان عرض الحج وبذله انما يتحقق ببذل تمام اجزائه وواجباته، وإلا فلم يعرض عليه الحج بل عرض بعض الحج. نعم إذا كانت الاستطاعة ملفقة من الملكية والبذلية يجب عليه صرف ماله في الهدى. واما الاستطاعة المتمحضة في البذل فلا بد من بذل الهدى أيضا، لان الظاهر من عرض الحج - كما عرفت - عرض تمام الحج لا بعضه ولا ينتقل الامر إلى البدل وهو الصوم، لانه في مورد العذر. وبالجملة: نلتزم في الاستطاعة البذلية ببذل ثمن الهدى أيضا، لانه من الحج، كما نلتزم بوجدان ثمنه في الاستطاعة الملكية، فانه لا يصدق عنوان الاستطاعة إلا بالتمكن من الهدى. ومن لم يكن متمكنا من ثمن الهدى من أول الامر لا يكون مستطيعا ولا ينتقل الامر إلى البدل، فان قوله: ما يحج به أو يقدر على مال يحج به أو يجد ما يحج به وغير ذلك من التعابير الواردة في النصوص انما يختص بما إذا حصل المال بمقدار جميع مصارف الحج، فإذا كان المال لا يفي بتمام المصارف، يسقط وجوب الحج وكذلك الحال في

[ 184 ]

[ (مسألة 45): انما يجب بالبذل الحج الذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة، فلو بذل للافاقي بحج القرآن أو الافراد أو لعمرة مفردة لا يجب عليه. وكذا لو بذل للمكي لحج التمتع لا يجب عليه. ولو بذل لمن حج حجة الاسلام ] البذل فإذا بذل الباذل دون ثمن الهدى فلم يبذل له الحج ولا يجب عليه القبول ولا يكون حجه حج الاسلام إذا قبل، لعدم حصول الاستطاعة للحج بالبذل الناقص. (فرع): لو بذل ثمن الهدى والتزم به ثم رجع وعدل عنه فلا ريب في وجوب اتمام الحج على المبذول له، وليس حاله كما إذا رجع الباذل عن بذله بعد الاحرام في عدم وجوب الاتمام وجواز رفع اليد عن الاحرام، لما عرفت من أن الاتمام انما يجب بالعنوان الذي أوقعه وأتى به أو لا، فهناك ينقلب ندبا ولا دليل على وجوب الاتمام حينئذ فان ما بدأ به أتى به بعنوان حجة الاسلام، وبقاءا ليس بحج الاسلام. بخلاف المقام فانه متمكن من اتمام حجة الاسلام ولو بشراء الهدى أو الصوم، ولو عجز عنهما يجرى عليه حكم العاجز عنهما. والحاصل لا يسقط عنه الحج لانه متمكن من الاتمام، فان ما أتى به من الاعمال السابقة فقد أتى به بعنوان حج الاسلام فهو متمكن من اتمام الحج بالعنوان الذي أوقعه أولا وعليه الهدى أو بدله. وإذا أتمه بشراء الهدى فله الرجوع إلى الباذل لانه ضامن لانه هو الذي أوقعه في هذه الاعمال وكان ايتانها بأمره واذنه، وان كان له الرجوع فيما بذله بمقدار الهدى، لما عرفت من ان ضمان المصارف لا ينافي جواز الرجوع فيما بذله.

[ 185 ]

[ لم يجب عليه ثانيا. ولو بذل لمن استقر عليه حجة الاسلام وصار معسرا وجب عليه. ولو كان عليه حجة النذر أو نحوه ولم يتمكن فبذل له باذل وجب عليه (1). ] (1) ذكر في هذه المسألة أمورا: الاول: يجب بالبذل الحج الذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة، فلو بذل للآفاقى حج القران أو الافراد، ولاهل مكة حج التمتع لا يجب، كما لو كان له مال لا يفي للحج الذي هو وظيفته، وبذل له باذل مصارف الحج الذي ليس من وظيفته فما هو واجب عليه غير مستطيع له وما هو مستطيع له غير واجب عليه. وبالجملة: البذل لا يغير وظيفته من وجوب حج التمتع أو القران والافراد وانما البذل يوجب دخوله في موضوع الاستطاعة، وببركة الروايات التزمنا بان الاستطاعة ليست منحصرة بالمالية، بل هي اوسع من ذلك وأعم من المالية والبذلية، فلا فرق بين المستطيع المالي والبذلي في الوظائف المقررة له. إلا من حيث توسعة الاستطاعة، واما من حيث الوظيفة المقررة له فلا فرق بين حصول الاستطاعة بالمال أو بالبذل. الثاني: لو بذل له مصرف العمرة المفردة لا يجب عليه القبول لانه لو كان له مال لا يجب عليه القبول فكيف بالبذل، والسر ما ذكرنا من أن البذل لا يغير وظيفته المبذول له، ولذا لا يجب بالبذل الحج على من حج حجة الاسلام. الثالث: لو استقر عليه الحج ووجب عليه الاتيان ولو معسرا،

[ 186 ]

[ وان قلنا (1) بعدم الوجوب لو وهبه لا للحج لشمول الاخبار من حيث التعليل فيها: بانه بالبذل صار مستطيعا. ولصدق الاستطاعة عرفا. ] متسكعا، وجب عليه قبول البذل، لا لاجل شمول أخبار البذل للمقام، فان تلك الادلة في مقام بيان اعتبار الاستطاعة الخاصة في الحج، وأما وجوب الحج في المقام فلم يعتبر فيه الاستطاعة الخاصة المفسرة في الرويات، بل حاله حال سائر الواجبات الالهية من اعتبار القدرة العقلية فيها، فيفترق وجوب الحج على من استقر عليه عن وجوب حجة الاسلام، ولذا لو وهب له مال على نحو الاطلاق يجب عليه القبول، وكذا لو فرض انه يتمكن من بيع ماله من شخص بأزيد من قيمته المتعارفة ويتمكن بذلك من أن يذهب إلى الحج وجب عليه البيع منه ولو بالاستدعاء منه لان المفروض ان هذا الحج ليس حجا استطاعيا حتى يقال بعدم وجوب البيع لانه تحصيل للاستطاعة، وانما وجب عليه الاتيان به لا شتغال ذمته ولزوم تفريغها بحكم العقل كوجوب الاتيان بساير الواجبات الالهية بل يجب عليه الحج ولو بتحصيل الاستطاعة بالكسب في الطريق. ولذا لو وجب عليه الحج بنذر وشبهه ولم يتمكن من ادائه وجب عليه التحصيل بالكسب أو بقبول الهدية والسر ما ذكرنا. من أن الاستطاعة الخاصة انما هي معتبرة في حج الاسلام، وأما سائر أقسام الحج الواجبة فلا يعتبر فيها إلا القدرة العقلية المعتبرة في ساير الواجبات. (1) هذه العبارة إلى آخرها لا ترتبط بهذه المسألة أصلا وانما هي من ذيل المسألة الآتية ويناسب ضبطها في ذيل تلك المسألة، وذكرها

[ 187 ]

[ (مسألة 46): إذا قال له: (بذلت لك هذا المال مخيرا بين أن تحج به أو تزور الحسين - ع - وجب عليه الحج (1). (مسألة 47): لو بذل له مالا ليحج بقدر ما يكفيه، فسرق في أثناء الطريق سقط الوجوب (2). (مسألة 48): لو رجع عن بذله في الاثناء، وكان في ذلك المكان يتمكن من أن ياتي ببقية الاعمال من مال نفسه أو حدث له مال بقدر كفايته، وجب عليه الاتمام واجزئه عن حجة الاسلام (3). ] هنا من اشتباه النساخ. وقد اشتبه الامر على كثير من الاعلام ولذا أشكلوا عليه بأن التعليل بشمول الاخبار وصدق الاستطاعة لا يرتبط بما ذكره في هذه المسألة، بل ذكر بعضهم بأنه ما كان يؤمل من المصنف - رحمه الله - صدور مثل ذلك منه. فالتعليل بشمول الاخبار، وصدق الاستطاعة يرجع إلى وجوب الحج إذا خيره بينه وبين زيارة الحسين (عليه السلام). (1) تقدم الكلام في ذلك في المسألة السابعة والثلاثين فلا نعيد. (2) لانه ينكشف عدم ثبوت الاستطاعة من أول الامر. نعم إذا استطاع بمال آخر أو بذل آخر في الاثناء وجب الحج. (3) لو رجع عن بذله في الاثناء وتمكن المبذول له من الاتمام من مكان الرجوع، كما إذا كان له مال من الاول كما في الاستطاعة الملفقة

[ 188 ]

[ (مسألة 49): لا فرق في الباذل بين ان يكون واحدا أو متعددا، فلو قالا له: (حج وعلينا نفقتك) وجب عليه (1). ] أو تجدد له المال في الاثناء يجب عليه الاتمام. وظاهر عبارة المصنف - رحمه الله - جواز رجوع الباذل عن بذله حتى بعد الاحرام، لقوله: - من ان يأتي ببقية الاعمال - وقد اشكل سابقا في جواز الرجوع بعد الاحرام وذكر أن فيه وجهين في مسألة (41) ولم يرجح أحد الوجهين على الآخر، وفي المقام جزم بجواز الرجوع. وكيف كان: لو رجع قبل الاحرام فلا اشكال فيه أصلا، فان كان المبذول له متمكنا من الحج كما إذا كان له المال من الاول، أو تجدد له المال، يجب عليه الحج وإلا فلا. وان كان الرجوع بعد الاحرام سواء كان الرجوع له جائزا أم لا فالامر كذلك، بناء على أن الاستطاعة التدريجية كافية في ثبوت الحج، وقد عرفت ان الباذل وان جاز له الرجوع فيما بذله حتى بعد الاحرام، ولكنه يضمن ما صرفه المبذول له في الاعمال، لانها وقعت بأمره واذنه، والاذن في الشئ اذن في لوازمه. ثم لا يخفي: ان مجرد التمكن من الاتمام لا يجدي في وجوب الحج عليه وأجزائه عن حجة الاسلام بل لابد من ملاحظة الحرج، في اتمامه، ان لم يستلزم الاتمام وصرف ما عنده من المال الحرج والمشقة يجب الحج، وان استلزم الحرج فلا يجب عليه الاتمام بل يرجع من مكانه إلى بلاده. (1) لاطلاق روايا ت عرض الحج، كصحيح الحلبي (فان عرض

[ 189 ]

[ (مسألة 50): لو عين له مقدار ليحج به، واعتقد كفايته فبان عدمها وجب عليه الاتمام في الصورة التي لا يجوز له الرجوع. إلا إذا كان ذلك مقيدا بتقدير كفايته (1). ] عليه ما يحج به فاستحيي من ذلك، أهو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: نعم) فان (1 *) المستفاد منه ان الموضوع لوجوب الحج، عرض ما يحج به، ولا ريب في صدقة على ما إذا كان الباذل متعددا، هذا مضافا الى خصوص صحيح معاوية بن عمار قال: (فان كان دعاه قوم ان يحجوه فاستحيى) (2 *) فانه صريح في كون الباذل متعددا. (1) أما فيما يجوز له الرجوع كقبل الاحرام، فلا إشكال في عدم وجوب اتمام ما بذله على الباذل، اعتقد كفايته أم لا. انما الكلام: فيما لا يجوز الرجوع للباذل عن بذله، كما إذا تلبس المبذول له بالاحرام وقد أعطاه مقدارا من المال معتقدا كفايته للحج فبان عدمها، فهل يجب على الباذل تتميم ما بذله أم لا؟ قسمه في المتن إلى قسمين. أحدهما: ما يبذل له الحج ولم يكن بذله مقيدا بهذا المقدار، ولكن من باب التطبيق طبق بذله على هذا المقدرا فالبذل مطلق من هذه الجهة، وفي هذه الصورة اختار وجوب التتميم إذا انكشف عدم كفاية ما أعطاه.


(1 *) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 5. (2 *) الوسائل: باب 10 وجوب الحج ح 3.

[ 190 ]

[ (مسألة 51): إذا قال: (اقترض وحج وعلى دينك ففي وجوب ذلك عليه نظر، لعدم صدق الاستطاعة عرفا. نعم لو قال: (اقترض لي وحج به) وجب مع وجود المقرض كذلك (1). ] ثانيهما: ما إذا كان البذل مقيدا بهذا المقدار ومعلقا عليه، فإذا انكشف عدم الكفاية ينكشف عدم بذل الحج له واقعا، وانما تخيل انه بذل له، فلم يكن المبذول له مستطيعا من أول الامر، فلا يجب عليه تتميم البذل. ولا يخفي: ان ما ذكره - ره - مبنى على عدم جواز الرجوع للباذل عن بذله بعد تلبس المبذول له بالاحرام. وقد ناقشنا في ذلك وذكرنا ان الظاهر جواز الرجوع للباذل عن بذله وان قلنا بوجوب الاتمام على المبذول له. نعم على الباذل ضمان ما صرفه المبذول له في الاتمام راجع مسألة (41) فعليه لا فرق في عدم وجوب التتميم على الباذل في جميع الموارد المتقدمة. (1) لم يظهر وجه الفرق بين الصورتين، وذلك لعدم وجوب الاقتراض لانه من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب، والاستطاعة غير حاصلة في الصورتين، لان المستفاد من الآية والروايات المفسرة لها، ان الاستطاعة تتحقق بأحد أمرين: أما الاستطاعة المالية أو البذلية وكلاهما مفقود في المقام. أما المالية فمفقودة على الفرض.

[ 191 ]

[ (مسألة 52): لو بذل له مالا ليحج به فتبين بعد الحج انه كان مغصوبا، ففي كفايته للمبذول له عن حجة الاسلام وعدمها وجهان، أقواهما العدم. أما لو قال: (حج وعلى نفقتك)، ثم بذل له مالا فبان كونه مغصوبا، فالظاهر صحة الحج واجزائه عن حجة الاسلام (1) لانه استطاع بالبذل. وقرار الضمان على الباذل في الصورتين. عالما كان بكونه مال الغير أو جاهلا. ] وأما البذلية فلعدم صدق العرض والبذل على الامر بالاقتراض، وايجاد مقدمة البذل باقتراض غير واجب كتحصيل المال والاستطاعة نعم لو افترض يجب الحج حينئذ لحصول الاستطاعة، كما إذا أكتسب، وحصل الاستطاعة، الا ان الكلام في وجوب الاقتراض والكسب لتحصيل الاستطاعة. (1) ذكر في هذه المسألة صورتين لبذل المغصوب. الاولى: لو بذل له مالا مغصوبا ليحج به فتبين بعد الحج انه كان مغصوبا فهل يكفي للمبذول له عن حجة الاسلام أم لا؟ ذهب بعضهم إلى الاجزاء لجواز التصرف في المال المبذول، لفرض جهله بالغصب. ولكنه واضح الدفع لان الجواز جواز ظاهري، وليس للباذل بذل هذا المال لان المفروض انه لم يكن له واقعا، فالبذل غير سائغ وغير ممضى شرعا في الواقع فلم يتحقق منه البذل الموجوب للاستطاعة وانما تحقق منه في الخارج بذل المال المغصوب وهو غير موجوب للاستطاعة.

[ 192 ]

الصورة الثانية: ما لو قال له (حج وعلى نفقتك) ولكنه أدى من المال المغصوب، بمعنى انه التزم بالبذل وفي مقام الاعطاء والتطبيق الخارجي أعطى مالا مغصوبا، ولم يكن بذل الحج مقيدا به، نظير البيع الكلي واداء المال المغصوب. ذهب في المتن إلى الصحة والاجزاء لانه استطاع بالبذل. وفيه: ان هذه الصورة كالصورة السابقة في عدم الاجزاء، لان البذل الموجب للاستطاعة لا يتحقق بمجرد القول والوعد، وانما تتحقق الاستطاعة البذلية بالبذل والاعطاء الخارجيين ولو تدريجا، ولذا لو قال حج وعلى نفقتك ولم يعطه شيئا من المال خارجا لا يجب عليه الحج قطعا مع ان البذل الانشائي قد تحقق. ويكشف ذلك عن ان الموجب للاستطاعة البذلية انما هو البذل الخارجي والمفروض انه غير متحقق في الخارج. وبعبارة أخرى: الاستطاعة البذلية لا تتحقق باعطاء مال الغير، وانما تتحقق باعطاء المال غير المغصوب وهو غير حاصل في المقام، والمفروض ان الاستطاعة المالية مفقودة أيضا، فلا موجب للحج أصلا لا الاستطاعة المالية ولا البذلية، فالصورتان مشتركتان في الحكم. انما الكلام: في ضمان هذا المال المغصوب الذي أتلفه المبذول له، والظاهر ان الباذل والمبذول له كلاهما ضامن لقاعدة على اليد. أما الباذل فلانه غاصب والمال تحت يده وسلطانه، وذلك يوجب الضمان سواء كان عالما أو جاهلا بكونه مال الغير. وأما المبذول له فلانه أتلف المال، والمالك المغصوب منه له أن يرجع إلى أيهما شاء، وإذا رجع إلى الباذل فليس للباذل الرجوع إلى المبذول له لان المفروض ان الباذل قد سلط المبذول له على المال مجانا وبغير ضمان وليس له الرجوع بعد التسليط المجاني، فان

[ 193 ]

[ (مسألة 53): لو اجر نفسه للخدمة في طريق الحج باجرة يصير بها مستطيعا وجب عليه الحج ولا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير، لان الواجب عليه - في حج نفسه - افعال الحج وقطع الطريق مقدمة توصيلة، باي وجه اتى بها كفى ولو على وجه الحرام. أو لا بنية الحج (1). ] المال بقاءا للباذل، لانه بعد ما أعطى الباذل البدل إلى المالك يصير المبدل ملكا له، والمفروض انه سلط المبذول له عليه مجانا كما لو أعطاه المال ابتداءا مجانا، فالاتلاف مستند إلى أمره وتسليطه المجاني. وأما إذا رجع المالك إلى المبذول له وأعطاه البدل صار المال ملكا له بقاء فيرجع المبذول له إلى الباذل لانه فوت المال على مالكه الجديد - وهو المبذول له - فالباذل ضمان على كل حال إما للمالك الاول وهو المغصوب منه وإما للمالك الثاني وهو المبذول له، فلا موجب لسقوط الضمان عن الباذل إصلا. والحكم بالضمان لا يتوقف على قاعدة الغرور حتى يفرق بين العلم والجهل، بل العبرة بالسيرة العقلائية ومقتضاها الضمان على الاطلاق، ونظير ذلك ما إذا أضاف شخص أحدا وقدم طعاما مغصوبا للضيف فان المالك المغصوب منه له الرجوع إلى المضيف والضيف فإذا رجع إلى المضيف ليس للمضيف الرجوع إلى الضيف لانه سلطه عليه مجانا، وإذا رجع إلى الضيف له الرجوع إلى المضيف للسيرة العقلائية على كون المال المغصوب ملكا لمن أعطى البدل، فحينئذ يكون المضيف ممن أتلف المال على الضيف ويكون ضامنا له. (1) لو أجر نفسه للخدمة في طريق الحج كالطبخ، ونحوه يصير

[ 194 ]

[ ولذا لو كان مستطيعا قبل الاجارة جاز له اجارة نفسه للخدمة في الطريق بل لو آجر نفسه لنفس المشي معه، بحيث يكون العمل المستاجر عليه نفس المشي صح أيضا، ولا يضر بحجه نعم لو آجر نفسه لحج بلدي لم يجز له ان يؤجر نفسه لنفس المشي، كاجارته لزيارة بلدية أيضا. اما لو آجر للخدمة في الطريق فلا بأس وان كان مشيه للمستأجر الاول. فالممنوع وقوع الاجارة على نفس ما وجب عليه اصلا أو بالاجارة. ] بها مستطيعا، أو آجر نفسه لمجرد المشي مع المستأجر من دون خدمة له، وصار بها مستطيعا وجب عليه الحج، ولا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير، لان الخدمة، أو المشي ليس من اعمال الحج وافعاله بل قطع الطريق مقدمة توصلية، والواجب انما هو نفس الاعمال لا المقدمات فالمستأجر عليه غير الواجب والواجب لم يقع عليه عقد الاجارة، وقد يشكل: بان ظاهر الآية الشريفة وجوب السفر وجوبا نفسيا فان المراد بحج البيت هو الذهاب إليه والسعي نحوه، فيكون وجوبه كساير افعال الحج، واعماله فلا يجوز اخذ الاجرة عليه، وتكون الاجارة فاسدة: وفيه اولا، ان المستفاد من الآية الشريفة مطلوبية نفس اعمال الحج، والمناسك، لا السفر بنفسه ولذا يجب السفر عليه من خصوص بلده، ولو كان السفر بنفسه واجبا، لزم عدم كفاية السفر من بلد آخر إذا استطاع منه في بلده وهذا مقطوع البطلان، وكذا لاريب في

[ 195 ]

[ (مسألة 54): إذا استؤجر - أي: طلب منه اجارة نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعا لا يجب عليه القبول، ولا يستقر ] اجزاء الحج وسقوطه إذا استطاع في بلده أو مكان آخر وقصد الحج من الميقات وذلك يكشف عن عدم وجوب السفر بنفسه وعن عدم دخوله في افعال الحج. وثانيا: ان ذلك يستفاد من بعض النصوص، كصحيحة معاوية ابن عمار (الرجل يمر مجتازا يريد اليمن أو غيرها من البلدان وطريقه بمكة، فيدرك الناس، وهم يخرجون إلى الحج، فيخرج معهم إلى المشاهد أيجزيه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال: نعم) (1). وثالثا: لو تنزلنا عما تقدم فقد ذكرنا في محله ان وجوب المشي لا ينافي اخذ الاجرة عليه إذا كان الواجب توصليا، والسفر لو سلم وجوبه فهو واجب توصلي. بل لو كان واجبا تعبديا لم يكن منافيا لقصد القربة المعتبرة فيه لا مكان قصد القربة للخروج عن عهدة الاجارة. نعم لو كان المشي مملوكا لشخص كما لو استؤجر لحج بلدي، لم يجز له ان يؤجر نفسه لشخص آخر في نفس المشي، لان المشي ملك للاول ولا يجوز ان يؤجره لشخص آخر كما هو الحال في ساير موارد الاجارة. ولكن يمكن اجارته لخصوصية خاصة للمشي لا لنفس المشي فان الاجارة الاولى تتعلق بمطلق المشي والسير والاجارة الثانية تتعلق بخصوصية خاصة من المشي ككونه ملازما له أو يسلك طريقا خاصا ونحو ذلك من الخصوصيات.


(1) الوسائل: باب 22 وجوب الحج، ح 2.

[ 196 ]

[ الحج عليه فالواجب عليه مقيد بالقبول ووقوع الاجارة. وقد يقال بوجوبه إذا لم يكن حرجا عليه (1)، لصدق الاستطاعة ولانه مالك لمنافعه فيكون مستطيعا قبل الاجارة، كما إذا كان مالكا لمنفعة عبده أو دابته، وكانت كافية في استطاعته. وهو كما ترى إذ نمنع صدق الاستطاعة بذلك، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في بعض صوره كما إذا كان من عادته اجارة نفسه للاسفار. ] (1) واستدل له بوجهين: الاول: صدق الا ستطاعة العرفية. الثاني: ان كل شخص مالك لمنافع نفسه كما يملك منافع الاعيان من العقار والدواب والعبيد فيكون مستطيعا قبل الاجارة، وقد عرفت ان الا ستطاعة تحصل بوجود ما يحج به عينا أو بدلا، فكما ان من يملك من العقار أو منافعها ما يفي بمصاريف حجه يجب عليه الحج، وكذلك من يملك منافع نفسه يجب عليه تبديلها بالاثمان باجارة ونحوها ليحج بها. ويندفع الاول: بان العبرة في الاستطاعة الموجبة للحج ليست بالاستطاعة العرفية أو العقلية، وانما العبرة بالاستطاعة الشرعية المفسرة في الروايات وهي استطاعة خاصة من وجود الزاد والراحلة عينا أو بدلا - سواء حصلت بالملك أو بالبذل - وكلاهما مفقود في المقام ولا اطلاق للآية من هذه الجهة. ويندفع الثاني: بان الانسان وان كانت له القدرة والسلطنة على

[ 197 ]

[ (مسألة 55): يجوز لغير المستطيع ان يؤجر نفسه للنيابة عن الغير، وان حصلت الاستطاعة بمال الاجارة قدم الحج النيابي (1)، فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب عليه لنفسه، وإلا فلا. (مسألة 56): إذا حج لنفسه أو عن غيره تبرعا أو بالاجارة مع عدم كونه مستطيعا لا يكفيه عن حجة الاسلام فيجب عليه ] منافع نفسه ولكن لا تتحقق بذلك الملكية الاعتبارية نظير ملكية منافع الدار والعقار، والدواب، ولا يقال له: انه ذو مال باعتبار قدرته على اعماله، ومنافعه، ولذا تسالم الفقهاء على انه لو حبس شخص حرا لا يضمن منافعه التى فاتت منه بالحبس بخلاف ما لو حبس عبدا فانه يضمن منافعه الفائتة. ومما يدلنا: على ان الانسان ليس بمالك لمنافعه بالملكية الاعتبارية انه لو كان مالكا لها، لا يتوقف وجوب الحج عليه على طلب الاستيجار منه، بل يجب عليه بنفسه ان يتصدى لذلك، ويجعل نفسه معرضها للايجار كما لو كان مالكا للدار، والعقار في لزوم العرض وهذا مقطوع الخلاف. فالصحيح ما ذكره في المتن من عدم وجوب الحج عليه لعدم وجوب القبول عليه إذا طلب منه اجارة نفسه، لان ذلك من تحصيل الاستطاعة، وهو غير واجب. (1) لانه يجب عليه تسليم العمل المستأجر عليه إلى من يستحقه، كما لو آجر نفسه لساير الاعمال من البناء والخياطة، فان وجوب تسليم

[ 198 ]

[ الحج إذا استطاع بعد ذلك (1) وما في بعض الاخبار: من اجزائه عنها، محمول على الاجزاء ما دام فقيرا، كما صرح به في بعضها الاخر، فالمستفاد منها: ان حجة الاسلام مستحبة على غير المستطيع وواجبة على المستطيع، ويتحقق الاول بأي وجه اتى به ولو عن الغير تبرعا أو بالاجارة، ولا يتحقق الثاني إلا مع حصول شرائط الوجوب. ] ما عليه من الاعمال، ينافي وجوب الحج ويزاحمه. هذا إذا كان الحج النيابي مقيدا بالعام الحاضر، وأما إذا لم يكن مقيدا به بل كانت الاجارة مطلقة وفرضنا حصول الاستطاعة بمال الاجارة قدم الحج عن نفسه إذا لم يكن مزاحما لاتيان الحج النيابي في السنين الآتية بان علم انه لو حج في هذه السنة عن نفسه يتمكن من الحج النيابي في العام القابل، وأما إذا كان مزاحما بحيث لو صرف المال في هذه السنة في حج نفسه عجز عن الحج النيابي في السنة الاتية، قدم الحج النيابي، والحاصل: ان حال الحج النيابي حال الديون في المزاحمة وعدمها فلا بد من مراعاة التمكن من اتيان الحج النيابي في السنين الآتية. (1) فرض الماتن في هذه المسألة صورتين. الاولى: المتسكع إذا حج لنفسه. الثانية: الحج عن غيره تبرعا أو اجارة اما الاولى: فلا ريب في عدم اجزاء حجه عن حجة الاسلام، لان اطلاق الادلة الدالة على وجوب الحج بالاستطاعة المالية، أو البذلية يقتضى وجوب الحج عليه، وعدم سقوطه عنه ولا دليل على سقوطه بالحج الندبي التسكعي. وأما الصورة الثانية فقد ورد في عدة من النصوص اجزائه

[ 199 ]

[ (مسألة 57): يشترط في الاستطاعة - مضافا إلى مؤنة الذهاب والاياب - وجود مايمون به عياله حتى يرجع فمع ] عن حج الاسلام، وعمدتها صحيحتان لمعاوية بن عمار. (قال: حج الصرورة يجزي عنه، وعمن حج عنه). وفي صحيحتة الاخرى: (عن رجل حج عن غيره يجزيه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال: نعم) (1) ولا يعارضهما رواية آدم بن علي: (من حج عن انسان ولم يكن له مال يحج به اجزئت عنه حتى يرزقه الله ما يحج به ويجب عليه الحج (2) فانها ظاهرة في عدم الاجزاء، ووجوب حج الاسلام عل النائب إذا تمكن واستطاع. ومقتضى الجمع بينها، وبين الصحيحتين، هو الحمل على الاستحباب لصراحتهما في السقوط وظهور رواية آدم في الوجوب. ولكن رواية آدم لضعفها لا تصلح للمعارضة، لان آدم بن على مجهول، ومحمد بن سهل لم يوثق ولم يرد فيه مدح، ومحمد بن سهل هو ابن اليسع الاشعري القمي وما ذكره البهبهاني من وثاقته وورود المدح فيه لم يثبت. ولكن الذي يهون الامر ان الحكم بالاجزاء، وسقوط حج الاسلام معلوم البطلان، لم يذهب إليه احد من علماء الامامية - رض - بل تسالموا على عدم الاجزاء وعدم العمل بالصحيحين: بل ذكر في الجواهر (3) انه يمكن تحصيل الاجماع على ذلك. وبالجملة الحكم بعدم الاجزاء معلوم من الخارج ولاجله نرفع اليد


(1) الوسائل باب 21 وجوب الحج، ح 2 و 4. (2) الوسائل باب 21 وجوب الحج، ح 1. (3) الجواهر: ج 17 ص: 271.

[ 200 ]

[ عدمه لا يكون مستطيعا (1) والمراد بهم من يلزمه نفقته لزوما. عرفيا وان لم يكن ممن يجب عليه نفقته شرعا على الاقوى فإذا كان له اخ صغير أو كبير فقير لا يقدر على التكسب وهو ملتزم بالانفاق عليه أو كان متكفلا لانفاق يتيم في حجره ولو اجنبي يعد عيالا له فالمدار على العيال العرفي. (مسألة 58): الاقوى وفاقا لاكثر القدماء اعتبار الرجوع إلى كفاية من تجارة أو زراعة أو صناعة أو منفعة ملك له من بستان أو دكان أو نحو ذلك بحيث لا يحتاج إلى التكفف ] عن الصحيحين ونرد علمهما إلى اهلهما.. (1) الظاهر انه لا خلاف في اشتراط الاستطاعة بوجود ما يمون به عياله حتى يرجع لعدم صدق الاستطاعة بدون ذلك فان قوله - ع -: يجب الحج إذا كان عنده ما يحج به - لا يصدق إلا إذا كان مالكا لمؤنة عياله ممن يجب عليه نفقته شرعا وليس له تفويت حقهم فانه حق مالى يجب ادائه فحاله حال الديون. ويؤيده خبر أبي الربيع الشامي (قال سأل أبو عبد الله - ع - عن قول الله عزوجل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فقال ما يقول: الناس؟ قال: فقلت له: الزاد، والراحلة قال: فقال أبو عبد الله - ع -: قد سئل أبو جعفر - ع - عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد، وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغنى به عن الناس ينطلق إليهم، فيسلبهم أياه لقد هلكوا إذا فقيل له: فما السبيل؟ قال فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقى

[ 201 ]

[ ولا يقع في الشدة والحرج (1). ويكفي كونه قادرا على التكسب اللائق به أو التجارة باعتباره ووجاهته وان لم يكن له رأس مال يتجر به، نعم قد مر عدم اعتبار ذلك في الاستطاعة البذلية ولا يبعد عدم اعتباره أيضا فيمن يمضى امره بالوجوه اللائقة به كطلبة العلم من السادة وغيرهم فإذا حصل لهم مقدار مؤنة الذهاب والاياب ومؤنة عيالهم إلى حال الرجوع وجب عليهم بل وكذا الفقير الذي عدته وشغله اخذ الوجوه ولا يقدر على التكسب إذا حصل ] بعضها لقوت عياله) (1). وأما بالنسبة إلى غير واجب النفقة ممن التزم بالانفاق عليه فما ذكره من تعميم العيال له مشكل فان خبر أبي الربيع الشامي لو كان معتبرا سندا امكن ان يكون مدركا لتعميم الحكم للعيال العرفي. ولكن الخبر ضعيف بأبي الربيع الشامي لعدم توثيقه في الرجال (2) فالعبرة بحصول العسر، والحرج إذا لم ينفق على من لا تجب عليه نفقته شرعا. (1) ذهب اكثر القدماء إلى اعتبار الرجوع إلى الكفاية خلافا لجماعة


(1) الوسائل: باب 9 وجوب الحج، ح 1. (2) ذهب سيدنا الاستاد - دام ظله - اخيرا إلى وثاقة أبي الربيع الشامي لانه من رجال تفسير علي بن ابراهيم فالخبر معتبر ولكن الذي يسهل الامر ان مفاد الخبر لا يزيد عما يقتضيه ادلة نفي الحرج.

[ 202 ]

[ له مقدار مؤنة الذهاب، الاياب له ولعياله. وكذا كل من لا يتفاوت حاله قبل الحج وبعده إذا صرف ما حصل له من مقدار مؤنة الذهاب والاياب من دون حرج عليه. ] آخرين: والصحيح هو الاول لا دلالة نفي الحرج فان من يرجع إلى بلاده ولم يجد ما يصرفه على نفسه، أو عياله ولم يكن قادرا على التكسب اللائق بحاله من التجارة، والصناعة، ونحو ذلك مما يعيش به حسب وجاهته، واعتباره يقع في الحرج، والمشقة وذلك منفي في الشريعة. ولذا لا نعتبر ذلك في الحج البذلى لعدم صرف مال المبذول له في الحج ويكون حاله بعد الحج كحاله قبل الحج. نعم لو وقع في الحرج من جهات اخرى كما لو فرضنا ان الشخص كسوب في خصوص أشهر الحج ولو ذهب إلى الحج لا يتمكن من الكسب، ويتعطل امر معاشه في طول السنة يسقط الوجوب بالبذل أيضا. وكيف كان العبرة بحصول الحرج بعد الرجوع سواء كان الحج ماليا، أو بذليا. وأما إذا لم يقع في الحرج كالكسوب الذي يرجع، ويشتغل بكسبه العادي، أو ينفق عليه من كان ينفق قبل الحج - كبعض الطلبة والسادة الذين يعيشون بالرواتب المعينة من قبل المراجع والعلماء - (حفظهم الله) فلا يسقط عنهم الوجوب فمن حصل منهم على مؤنة الذهاب، والاياب، ومؤنة عياله إلى زمان الرجوع يجب عليه الحج فان حاله قبل الحج، وبعده سواء: والعمدة هو حصول الحرج وعدمه. اما الروايات فكلها ضعيفة. منها: خبر أبي الربيع الشامي المتقدم على ما رواه المفيد في المقنعة

[ 203 ]

[ (مسألة 59): لا يجوز للوالد ان يأخذ من مال والده ويحج به. كما لا يجب على الوالد ان يبذل له. وكذا لا يجب على الولد بذل المال لوالده ليحج به. وكذا لا يجوز للوالد الاخذ من مال ولده للحج والقول بجواز ذلك أو وجوبه - كما عن الشيخ - ضعيف (1) وان كان يدل عليه صحيح سعيد بن يسار قال: (قلت لابي عبد الله - ع -: الرجل يحج من مال ابنه وهو صغير، قال: نعم يحج منه حجة الاسلام قلت: وينفق منه، قال: نعم ثم قال: ان مال الولد لوالده ان رجلا اختصم هو ووالده إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقضى ان المال والولد للوالد. وذلك لاعراض الاصحاب عنه. ] بزيادة قوله: (ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا) (1). ومنها: ما رواه في الخصال باسناده عن الاعمش. (وان للانسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه بعد حجه) (2). وفي سندها عدة من المجاهيل. ومنها مرسلة الطبرسي (والرجوع إلى كفاية اما من مال أو ضياع أو حرفة) (3) وضعفها بالارسال. (1) لاريب في عدم وجوب البذل على الولد للوالد ليحج به،


(1) قد تقدم ان الخبر معتبر ولكن مدلوله لا يزيد عما يقتضيه ادلة نفي الحرج. (2) الوسائل: باب 9 وجوب الحج، ح 4. (3) الوسائل: باب 9 وجوب الحج، ح 5.

[ 204 ]

وكذلك العكس، للاصل، وعدم الدليل على ذلك فان الناس مسلطون على اموالهم. وأما الاخذ من مال احدهما، فالولد لا يجوز له الاخذ من مال والده شيئا، للاطلاقات الدالة على عدم جواز التصرف في مال احد إلا باذنه (1) وللنصوص الخاصة، كصحيحة محمد بن مسلم (ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه). وصحيحة سعيد بن يسار: وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلا باذنه) (2). انما الكلام: في جواز اخذ الوالد من مال ولده للحج، أو وجوب ذلك كما حكي عن الشيخ - ره - بل نسبه إلى اصحابنا قال: - ره - (روى اصحابنا إذا كان له ولد له مال وجب عليه ان يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به ويجب عليه اعطائه) واستدل الشيخ في الخلاف (3) على ما ذهب إليه. اولا: بالاخبار المروية في هذا المعنى. قال: وذكرنا في الكتاب الكبير أي التهذيب وليس في الاخبار ما يخالفها، وثانيا: (بقوله صلى الله عليه واله) (انت ومالك لابيك) فإذا كان مال الابن مال الاب فقد وجد الاستطاعة فوجب عليه الحج. اقول: ليس في كتاب التهذيب من الاخبار الدالة على ما ذهب إليه - قده - إلا صحيحة سعيد بن يسار والمقدار الموجود منها لا يدل على مذهب الشيخ لان المذكور فيها الولد الصغير، ومن المعلوم


(1) الوسائل: باب 3 الانفال، ح 6. (2) الوسائل: باب 78 ما يكتسب به، ح 1 و 4. (3) الخلاف: ج 1 كتاب الحج مسألة 8.

[ 205 ]

جواز تصرف الولي في مال الصغير إذا كان بالمعروف. على ان السؤال في الصحيح عن الجواز، وعدمه لا الوجوب فهذه الصحيحة لا تفيد الشيخ. فقد روى في الصحيح عن سعيد ابن يسار (ايحج الرجل من مال ابنه وهو صغير؟ قال: نعم قلت: يحج حجة الاسلام وينفق منه؟ قال: نعم بالمعروف، ثم قال: نعم يحج منه، وينفق منه ان مال الولد للوالد) (1) ومحل الاستشهاد ذيل الحديث فان الظاهر منه ان مال الولد للوالد من جهة الولاية بل بحكم الشارع بذلك فيجب عليه الحج لانه ذو مال. ورواه أيضا بسند اخر وفي ذيله: (ان رجلا اختصم هو ووالده إلى النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فقضى ان المال والولد للوالد) (2). والمستفاد منه عدم اختصاص جواز الاخذ بمورد الحج لان مال الولد لوالده يتصرف فيه ما يشاء من الحج، والا نفاق. ومما يدل على جواز التصرف في مال الولد للوالد مطلقا من دون اختصاص بالحج. صحيح محمد بن مسلم: (عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه، قال: يأكل منه ما يشاء من غير سرف وقال: في كتاب علي عليه السلام ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء وله ان يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها. وذكر ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال لرجل، (انت ومالك لابيك). (3)


(1) الوسائل: باب 78 ما يكتسب به، ح 4. (2 الوسائل: باب 36 وجوب الحج، ح 1. (3) الوسائل: باب 78 ما يكتسب به ح 1.

[ 206 ]

وصحيح علي بن جعفر سأله (عن الرجل يكون لولده الجارية) أيطأها؟ قال: ان احب وان كان لولده مال واجب ان يأخذ منه فليأخذ) (1). فهذه جملة من الروايات الدالة على جواز اخذ الوالد من مال ولده للحج أو مطلقا. وبازائها روايات: تدل على عدم الجواز إلا عند الحاجة، والاضطرار، أو عند عدم انفاق الولد. منها: صحيح ابن سنان قال: (سألته يعني أبا عبد الله - ع - ماذا يحل للوالد من مال ولده؟ قال: أما إذا انفق عليه ولده باحسن النفقة فليس له ان يأخذ من ماله شيئا، وان كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له ان يطأها إلا ان يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه، ثم قال: فان كان للرجل ولد صغار لهم جارية فاحب ان يقتضيها فليقومها على نفسه قيمة ثم ليصنع بها ما شاء ان شاء وطأ وان شاء باع) (2). ومنها صحيح أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر - ع - (ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال لرجل انت، ومالك لابيك ثم قال أبو جعفر - ع - ما احب ان يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لابد منه ان الله لا يحب الفساد) (3). ونوقش في السند بان الحسن بن محبوب لم يدرك الثمالي فتكون الرواية مرسلة ضعيفة.


(1) الوسائل: باب 78 ما يكتسب به، ح 10. (2) الوسائل: باب 78 مما يكتسب به، ح 3. (3) الوسائل: باب 78 مما يكتسب به، ح 2.

[ 207 ]

فان ثبت ذلك ففي غيرها غنى وكفاية. ومنها: صحيحة الحسين بن أبي العلاء (قال: قلت لابي عبد الله - عليه السلام - ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف إذا اضطر إليه، قال: فقلت له: فقول رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) للرجل الذي اتاه فقدم اباه فقال له: انت ومالك لابيك؟ فقال: انما جاء بابيه إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي عن امي فاخبره الاب انه قد انفقه عليه، وعلى نفسه وقال: انت ومالك لابيك، ولم يكن عند الرجل شئ أو كان رسول الله (صلى الله عليه واله) يحبس الاب للابن؟ (1). ويظهر من نفس الرواية انه لا يمكن الاخذ بظاهر قول رسول الله (صلى الله عليه واله)، وإطلاقه، لانه ورد في قضية شخصية ومورد خاص، وليس في مقام بيان الحكم الشرعي على اطلاقه، فلا بد من حمل كلامه صلى الله عليه وآله على حكم أدبي اخلاقي، ونحو ذلك من المحامل، فان صدر الرواية صريح في عدم الجواز إلا بمقدار الضرورة وعدم السرف، واجاب - ع - عما اعترض عليه السائل الذي استشهد بكلام النبي (صلى الله عليه واله) بان حكم النبي (صلى الله عليه واله) وقضائه، انما كان في واقعة خاصة فلا يمكن الاخذ بظاهر كلامه صلى الله عليه وآله واطلاقه. وبالجملة: ظاهر هذه الروايات عدم جواز التصرف للوالد في مال ولده فتقع المعارضة بين الطائفتين ومما يؤيد، أو يؤكد: دلالة هذه الروايات على عدم الجواز، امره - ع - بتقويم جارية الوالد إذا اراد الولد وطؤها ولو كانت الجارية مال الوالد، لما احتاج جواز


(1) الوسائل: باب 78 مما يكتسب به، ح 8.

[ 208 ]

[ مع امكان حمله على الاقتراض من ماله، مع استطاعة من مال نفسها أو على ما إذا كان فقيرا، وكانت نفقته على ولده، ] وطئها إلى التقويم، وحساب القيمة الولد. وهكذا الحال في صحيحة اسحاق بن عمار، (قال: سألته عن الوالد يحل له من مال ولده إذا احتاج إليه، قال: نعم، وان كان له جارية فاراد ان ينكحها قومها على نفسه، الحديث) (1). فان التقويم يكشف عن عدم كونها ملكا ومالا للوالد، غاية الامر للوالد الولاية على اخذ الجارية بعد التقويم إذا لم يمسها الابن. وكيف كان: تقع المعارضة بين الطائفتين، ولا بد من اعمال قواعد التعارض، ومقتضاها الترجيح بموافقة الكتاب والسنة الدالة على عدم جواز التصرف في مال احد إلا باذنه. فالنتيجة تقديم الطائفة الثانية، ولو ناقشنا في الترجيح بالكتاب في خصوص المقام، فلا تصل النوبة إلى التخيير لما ذكرنا في محله، انه لادليل على التخيير بين الخبرين المتعارضين، فيتحقق التعارض بين الطائفتين، وتتساقطان، والمرجع بعد ذلك هو العمومات والاطلاقات العامة الدالة على عدم جواز التصرف في مال احد إلا باذنه. نعم يجوز للوالد وطي جارية ولده بعد التقويم وله الولاية في خصوص ذلك، حتى إذا كان الولد كبيرا لاطلاق النص وحمله على كون الولد صغيرا بعيدا جدا لذكر الرجل في صحيح اسحاق بن عمار المتقدم - وان كان (للرجل جارية فابوه املك بها ان يقع عليها) - إذ من الواضح ان الرجل لا يطلق على الصبي والولد الصغير.


(1) الوسائل: باب 79 مما يكتسب به، ح 2.

[ 209 ]

[ ولم يكن نفقة السفر إلى الحج ازيد من نفقته في الحضر إذ الظاهر الوجوب حينئذ. (مسألة 60): إذا حصلت الاستطاعة لا يجب ان يحج من ماله (1)، فلو حج في نفقة غيره لنفسه اجزئه، وكذا لو حج متسكعا، بل لو حج من مال الغير غصبا صح واجزئه. نعم إذا كان ثوب احرامه وطوافه وسعيه من المغصوب لم يصح. وكذا إذا كان ثمن هديه غصبا (2). ] (1) لعدم وجوب الصرف من ماله، وانما إذا توقف عليه اتيان الحج فإذا حج من دون ان يصرف من امواله لاريب في صحته والاجزاء عن حجة الاسلام، وكذا لو حج متسكعا، ومضيقا على نفسه بالاقتصاد والتقتير في مركبه ومسكنه ومأكله، إذ لا دليل على وجوب صرف المال حسب شؤنه، واعتباره. بل لو كان جميع مصارفه من الحرام حتى مركوبه صح الحج واجزء، ولا يضر صرف المال من الحرام في صحة الحج واجزائه وذلك لان صرف المال بنفسه ليس واجبا حتى يعتبر ان يكون من الحلال. (2) ما ذكره عن اطلاقه غير تام. فيقع الكلام في موارد اربعة: احدها: ان ثوب الاحرام إذا كان من الحرام لا يضر بصحة الحج لان لبس ثوب الاحرام واجب مستقل آخر، ويتحقق الاحرام ولو كان الثوب مغصوبا، ولذا لو احرم عاريا صح، فاحرامه بالمغصوب كالاحرام عاريا. وقد ذكر المصنف - ره - في المسألة الخامسة والعشرين من كيفية

[ 210 ]

[ (مسألة 61): يشترط في وجوب الحج الاستطاعة البدنية فلو كان مريضا لا يقدر على الركوب، أو كان حرجا عليه - ولو على المحمل أو الكنيسة - لم يجب (1) وكذا لو تمكن ] الاحرام ان لبس الثوبين ليس شرطا في تحقق الاحرام، بل هو واجب تعبدي اخر. ثانيها: ان ثوب الطواف إذا كان مغصوبا لم يصح حجه وطوافه لان الستر معتبر في الطواف وحاله حال الصلاة في اعتباره بالثوب الساتر. ثالثها: ان السعي لا يعتبر فيه الستر ويصح حتى عريانا فلا يضر بالسعي إذا كان ثوبه من المغصوب إلا ما يقال بالنسبة إلى الحركات الملازمة للتصرف في الثوب المغصوب، نظير ما قيل في لباس المصلي غير الساتر إذا كان مغصوبا. ولكن قد ذكرنا هناك ان هذا النوع من التصرف لا يضر بصحة الصلاة وكذا بصحة السعي، لان الصادر من المكلف فعلان مستقلان احدهما مقارن للاخر وجودا وخارجا ولا اتحاد بينهما، فلا مانع من ان يكون احدهما مصداقا للواجب والآخر محرما رابعها: ان ثمن الهدي ان كان من عين المال المغصوب بان اشتراه به فلاريب في بطلان البيع وعدم دخول الهدي في مكله، فيكون تاركا للهدي عمدا وسنذكر في محله - ان شاء الله تعالى - ان الظاهر بطلان حجه وطوافه. واما إذا اشتراه بالذمة ووقعت المعاملة على كلي الثمن كما هو الشايع في المعاملات، ولكن في مقام الاداء ادى الثمن من الحرام، صح هديه وحجه واجزء وان بقى مشغول الذمة بالثمن. (1) لا خلاف في اعتبار صحة البدن وخلو المكلف من المرض الذي

[ 211 ]

[ من الركوب على المحمل لكن لم يكن عنده مؤنته. وكذا لو احتاج إلى خادم ولم يكن عنده مؤنته. ] يضر الحج معه ويدل عليه الروايات المفسرة للاستطاعة كصحيحة هشام الواردة في تفسير الآية الشريفة (من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه) ونحوها صحيحة محمد الخثعمي وغيرها (1) فلو كان مريضا لا يقدر على الركوب ولو على المحل أو الكنيسة لم يجب الحج، والحق بذلك مالو كان مريضا لا يقدر على ركوب الدابة، ولا يقدر على السفر منفردا ولكن يتمكن من الركوب على المحمل أو الكنيسة أو ان يستصحب معه خادما ومساعدا ولكن لم يكن عنده مؤنته. وهل سقوط وجوب الحج فيما الحق انما هو لاجل المرض أو لاجل قلة المال، وعدم وفائه؟ وتظهر الثمرة في وجوب الاستنابة، فان السقوط لو كان مستندا إلى عدم التمكن المالي وعدم وفائه، يسقط الحج بالمرة، لعدم كونه مستطيعا فلا تجب الاستنابة، واما إذا كان مستندا إلى المرض تجب الاستنابة كما في النصوص، والظاهر ان المقام من القسم الثاني، وذلك لان الواجب هو طبيعي الحج باي نحو كان ولا يختص بنحو دون آخر والمفروض انه مستطيع من حيث الاستطاعة المالية بالركوب على الدابة والسفر إلى الحج وانما يمنعه المرض من ذلك فمباشرة الحج بنفسه غير مقدورة له لاجل المرض ولكنه متمكن من التسبيب فيشمله ما دل على وجوب استنابة المريض إذا كان موسرا ولم يتمكن من المباشرة (كقوله لو ان رجلا اراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع


(1) الوسائل: باب 8 وجوب الحج، ح 7 و 4.

[ 212 ]

[ (مسألة 62): ويشترط ايضا: الاستطاعة الزمانية، فلو كان الوقت ضيقا لا يمكنه الوصول إلى الحج أو امكن لكن بمشقة شديدة لم يجب (1). وحينئذ فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب، والا فلا. ] الخروج فليجهز رجلا من ماله ثم ليبعثه مكانه). وفي صحيح الحلبي (ان كان موسرا، وحال بينه وبين الحج مرض فان عليه ان يحج عنه من ماله صرورة لا مال له) (1). (1) إذا كان الزمان قصيرا جدا بحيث لا يمكنه الوصول إلى الحج فهو عاجز عن اتيان الحج وغير مستطيع له فلا يجب عليه الحج لانه مشروط بالقدرة العقلية مضافا إلى القدرة الشرعية الخاصة المفسرة في الروايات. فان الحج كساير التكاليف الالهية مشروط بالقدرة وعدم العجز عن اتيانه، فإذا كان المكلف عاجز اعن اتيانه لضيق الوقت ونحوه، لا يتوجه إليه التكليف، واما إذا كان الزمان قصيرا بحيث يتمكن من اتيان الحج بمشقة شديدة فالوجوب مرفوع أيضا لنفي الحرج وعليه لا يجب الحج إذا استطاع في وقت لا يسع للذهاب أو انه يسع ولكن بمشقة شديدة. وهذا مما لا كلام فيه. انما الكلام: فيما ذكره المصنف اخيرا بقوله: (وحينئد فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب وإلا فلا). فان الظاهر من هذا الكلام عدم وجوب ابقاء الاستطاعة إلى العام القابل، وجواز تفويتها اختيارا فلا يجب الحج حينئذ وانما يجب إذا بقيت اتفاقا.


(1) الوسائل: باب 24 وجوب الحج، ح 5 و 2 وغيرهما.

[ 213 ]

[ (مسألة 63): ويشترط ايضا: الاستطاعة السربية بان لا يكون في الطريق مانع لا يمكن معه الوصول إلى الميقات أو إلى تمام الاعمال والا لم يجب (1) وكذا لو كان غير مأمون بان يخاف على نفسه، أو بدنه، أو عرضه، أو ماله - وكان الطريق منحصرا فيه، أو كان جميع الطرق كذلك. ] ولكن الصحيح كما تقدم: وجوب ابقاء الاستطاعة وعدم جواز تفويتها اختيارا، لما عرفت من ان وجوب الحج غير مقيد بزمان وانما الواجب مقيد بزمان خاص، فالوجو ب حالي والواجب استقبالي كما هون شأن الواجب المعلق، ولذا لو كان اتيان الحج ما يتوقف على قطع المسافة ازيد من سنة واحدة، كما كان يتفق ذلك احيانا في الازمنة السابقة وجب الذهاب، وذكرنا أيضا: ان الاستطاعة الموجبة للحج غير مقيدة بحصولها في اشهر الحج أو بخروج الرفقة، بل متى حصلت وجب الحج ويجب عليه التحفظ على الاستطاعة - مثلا - لو استطاع في الخامس من شهر ذي الحجة - حتى في زماننا هذا - ولم يتمكن من السفر إلى الحج في هذه السنة - يجب عليه ابقاء المال إلى السنة الآ تية ليحج به وليس له تفويت المال حتى يقال ان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحج وإلا فلا. (1) الظاهر انه لا خلاف في اشتراطها، ويدل عليه نفس الآية الشريفة (من استطاع إليه سبيلا) فان المستفاد من الاستطاعة السبيلية تخلية السرب والامان من الخطر في الطريق.

[ 214 ]

[ ولو كان هناك طريقان، إحدهما اقرب لكنه غير مأمون، وجب الذهاب من الابعد المأمون (1) ولو كان جميع الطرق مخوفا إلا انه يمكنه الوصول إلى الحج بالدوران في البلاد - مثل ما إذا كان من اهل العراق، ولا يمكنه إلا ان يمشي إلى كرمان ومنه إلى خراسان، ومنه إلى بخارا، ومنه إلى الهند، ومنه إلى بوشهر، ومنه إلى جده مثلا، ومنه إلى المدينة ومنها إلى مكة - فهل يجب أو لا؟ وجهان، اقواهما عدم الوجوب (2) لانه يصدق عليه انه لا يكون مخلي السرب. ] مضافا إلى الروايات المعتبرة المفسرة للآية الشريفة المتضمنة لتخلية السرب (1) وكذا لا يجب الحج إذا كان الطريق غير مأمون ومخوفا بان يخاف على نفسه، أو بدنه، أو عرضه أو ماله، فان خوف الضرر بنفسه - كما قد يستفاد من بعض الروايات - طريق عقلائي إلى الضرر، ولا يلزم ان يكون الضرر معلوما جزما، بل جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضرر، فالحكم في مورد خوف الضرر مرفوع واقعا حتى لو انكشف الخلاف وتبين عدم وجود المانع في الطريق، كما هو الحال في غير مورد الحج كمورد التيمم فانه لو خاف من استعمال الماء وتيمم وصلي ثم انكشف الخلاف بعد الوقت صح تيممه وصلاته واقعا. (1) لعدم اختصاص الوجوب باقرب الطرق. (2) بل الاقوى هو الوجوب، لان الواجب هو الطبيعي ولا


(1) الوسائل: باب 8 وجوب الحج، ح 4 و 7.

[ 215 ]

[ (مسألة 64): إذا استلزم الذهاب إلى الحج تلف مال له في بلده معتد به لم يجب (1) وكذ إذا كان هناك مانع شرعي من استلزامه ترك واجب فوري سابق على حصول الاستطاعة ] يختص بطريق دون اخر وطبيعي السبيل إذا كان مأمونا يجب اتخاذه وان كان خصوص بعض الطرق - ولو كان عاديا - مخوفا فيجب الحج باي طريق كان ولو بالدوران في البلاد، ما لم يستلزم الضرر الزائد والحرج الشديد في سلوك الطريق غير المتعارف وإلا فيرتفع الوجوب لنفي العسر والحرج. والحاصل: يجب الذهاب إلى الحج ولو من الطريق غير المتعارف إذ لم يقيد الوجوب والذهاب إلى الحج بالسير العادي ودعوى الانصراف إليه أو دعوى عدم صدق تخلية السرب عرفا مما لا شاهد عليه. (1) لقاعدة نفي الضرر، فان الاستطاعة الموجبة للحج وان فسرت في الروايات بالزاد، والراحلة، وصحة البدن، وتخلية السرب فحسب، ولكن دليل نفي الضرر حاكم على جميع الادلة - إلا في موارد خاصة - ومقتضاه سقوط الواجب في موارد الضرر فيكون ممن يعذره الله تعالى في الترك. ودعوى: ان الحج كالتكاليف المبنية على الضرر كالزكاة، والخمس، والجهاد، ونحوها، من الاحكام الضررية التي لا يجري فيها دليل نفي الضرر. بل ادلة هذه الاحكام مخصصة لادلة نفي الضرر فيجب تحمله. فاسدة: بان الحج وان كان حكما ضرريا في نفسه لكن بالنسبة إلى المقدار اللازم مما يقتضيه طبع الحج، واما الضرر الزائد عن ذلك

[ 216 ]

[ أو لا حق مع كونه اهم من الحج كانقاذ غريق أو حريق. وكذا إذا توقف على ارتكاب محرم كما إذا توقف على ركوب دابة غصبية أو المشي في الارض المغصوبة (1). (مسألة 65): قد علم مما مر انه يشترط في وجوب الحج - مضافا إلى البلوغ، والعقل، والحرية - الاستطاعة المالية. والبدنية، والزمانية، والسربية، وعدم استلزامه الضرر، أو ترك واجب أو فعل حرام، ومع فقد احد هذه لا يجب. فبقى الكلام في امرين: احدهما: إذا اعتقد تحقق جميع هذه مع فقد بعضها واقعا ] الذي ليس من شؤن الحج ولا من مقتضيات طبعه فلا مخصص له ولا مانع من شمول دليل نفي الضرر له. (1) هذا أيضا من موارد التزاحم فتلاحظ الاهمية، لما عرفت غير مرة ان الاستطاعة المعتبرة في الحج ليست إلا الاستطاعة الخاصة المفسرة في الروايات، وحيث ان دليل الحج ودليل الواجب أو الحرام مطلقان ولا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال يقع التزاحم، فيرجع إلى مرجحات باب التزاحم من تقديم الاهم، أو التخيير في المتساويين. نعم لو قيل: باعتبار الاستطاعة الشرعية بالمعنى المصطلح عند المشهور، في وجوب الحج، لامكن القول بعدم وجوبه إذا استلزم مانعا شرعيا كترك واجب أو ارتكاب محرم، ولكن قد عرفت بما لا مزيد عليه انه لا اساس لهذا الكلام اصلا.

[ 217 ]

[ أو اعتقد فقد بعضها وكان متحققا، فنقول: إذا اعتقد كونه بالغا أو حرا - مع تحقق سائر الشرائط - فحج ثم بان انه كان صغيرا أو عبدا، فالظاهر - بل المقطوع - عدم اجزائه عن حجة الاسلام (1). ] (1) قد يعتقد المكلف عدم وجود الشرائط، ويكون اعتقاده مطابقا للواقع ولا يحج، فلا كلام. وكذا لو اعتقد وجودها وطابق الواقع وحج. انما الكلام فيما إذا لم يطابقا. فيقع الكلام في موارد: الاول: ما لو اعتقد كونه بالغا أو حرا فحج مع تحقق سائر الشرائط، ثم تبين انه كان صغيرا أو عبدا. فالظاهر عدم الاجزاء عن حجة الاسلام، لعدم الامر بحج الاسلام، والاعتقاد خطاءا لا يحدث ولا يوجد تكليفا. فما اتى به من الحج حج ندبي غير حجة الاسلام، واجزاء حج الصبي أو العبد عن حج الاسلام للبالغ والحر يحتاح إلى دليل خاص وهو مفقود في البين. واما إذا اعتقد كونه غير بالغ أو عبدا - مع تحقق سائر الشرائط - واتى به، ثم بان الخلاف وانه كان بالغا أو حرا اجزئه عن حجة الاسلام، لانه قصد الامر الفعلي وامتثل الامر الفعلي المتوجه إليه وان تخيل انه الامر الندبي. انما الكلام: فيما إذا اعتقد كونه غير بالغ أو عبدا مع تحقق سائر الشرائط وترك الحج ثم تبين كونه بالغا أو حرا فهل يستقر عليه الحج مع بقاء سائر الشرائط ام لا؟. ذكر في المتن انه يستقر عليه الحج مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجة.

[ 218 ]

اقول: يقع الكلام في مقامين: احدهما: انه لو فرضنا استقرار الحج عليه فلا وجه للتحديد في بقاء سائر الشرائط بذي الحجة بل لابد من التحديد إلى تمام الاعمال وسيأتي في مسألة (81) ما يتحق به استقرار الحج. ومما يشهد لاعتبار بقاء الشرائط إلى تمام الاعمال في استقرار الحج انه لو انتفت الاستطاعة في اثناء الاعمال - كما إذا سرق أو تلف ماله - يكشف ذلك عن عدم الاستطاعة الموجبة للحج، فالتحديد بذي الحجة مما لا وجه له اصلا ولذا نحتمل الغلط في عبارة المصنف. والعبارة الصحيحة مع بقاء الشرائط إلى الحج أي (إلى اعمال الحج وافعاله). ثانيهما: في ثبوت الاستقرار وعدمه، ذكر السيد المصنف انه لو ترك الحج مع بقاء الشرائط فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه. ولكن الظاهر عدمه. وذلك لان موضوع وجوب الحج هو المستطيع ومتى تحقق عنوان الاستطاعة صار الحكم بوجوب الحج فعليا لفعلية الحكم بفعلية موضوعه. وإذا زالت الاستطاعة وارتفع الموضوع يرتفع وجوب الحج لارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه حتى بالاتلاف والعصيان نظير القصر والتمام بالنسبة إلى السفر والحضر، فلو كنا نحن والادلة الاولية لوجوب الحج على المستطيع، لقلنا بعدم وجوبه وعدم الاستقرار عليه لزوال الاستطاعة على الفرض، فان هذه الادلة انما تتكفل الوجوب ما دامت الاسستطاعة باقية، فإذا انتفت وزالت لا مورد لوجوب الحج لزوال موضوعه. وانما نقول: بالاستقرار في مورد التسويف والاهمال، للروايات الخاصة الذامة للتسويف - وان من سوف الحج وتركه عمدا فقد ضيع شريعة من شرائع الاسلام ومات

[ 219 ]

يهوديا أو نصرانيا (1) وإذا فيجب عليه الحج ولو متسكعا حتى لا يموت يهوديا أو نصرانيا. وهذه الروايات لا تشمل المقام لعدم صدق التسويف على المعتقد بالخلاف وانه صغير لا يجب عليه الحج، لان الظاهر من التسويف هو ترك الحج مع اعتقاد وجوبه عليه وتحقق العصيان منه بترك الحج ومن يترك الحج لا عتقاد كونه صبيا وغير مكلف به لا يصدق عليه عنوان التسويف والاهمال والعصيان هذا اولا. وثانيا: فانا قد ذكرنا في المباحث الاصولية ان الاحكام وان كانت تشمل الجاهل ولكن لا تشمل المعتقد بالخلاف، لانه غير قابل لتوجه الخطاب إليه، فهو غير مأمور بالحكم واقعا، فلا يكون وجوب في البين حتى يستقر عليه. ففي زمان الاعتقاد بالخلاف، وانه صغير، أو عبد لا يحكم عليه بالوجوب لعدم قابليته للتكليف بالحج، وفي زمان انكشاف الخلاف، والعلم بالبلوغ، أو الحرية لا يكون مستطيعا على الفرض حتى يجب عليه الحج. وثالثا: انما يستقر الحج إذا لم يكن الترك عن عذر، واما إذا كان الترك مستندا إلى العذر فلا موجب للاستقرار والاعتقاد بالخلاف من احسن الاعذار، فان بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة يجب الحج وإلا فلا. المورد الثاني: إذا اعتقد كونه مستطيعا مالا وان ما عنده يكفيه فحج ثم بان الخلاف، فقد ذكر السيد قدس سره ان في اجزائه عن حجة الاسلام وعدمه وجهين: من عدم الاجزاء لفقد الشرط واقعا وانه غير واجد للمال.


(1) الوسائل: باب 6 و 7، وجوب الحج.

[ 220 ]

ومن ان القدر المتيقن من عدم الاجزاء غير هذه الصورة، لان دليل عدم الاجزاء انما هو الاجماع، والقدر المسلم منه، مالو علم بعدم الاستطاعة وحج، واما لو جهل بذلك واعتقد الاستطاعة وحج ثم انكشف الخلاف فلا يشمله الاجماع. وفيه: ان ما ذكر انما يتم لو كان الاجزاء على طبق القاعدة وكان عدم الاجزاء لاجل الاجماع، فيؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو غير هذه الصورة فيتعين القول بالاجزاء. ولكن الامر ليس كذلك، فان الاجزاء على خلاف القاعدة، ويحتاج إلى الدليل الخاص، وذلك لان اطلاق الآية والنصوص يقتضي وجوب الحج عند فعلية موضوعه سواء حج سابقا ام لا، وسقوط الحج حينئذ مناف لاطلاق الادلة، فمقتضى القاعدة عدم الاجزاء. وبالجملة: ما جاء به حج غير واجب واجزائه عن الواجب يحتاج إلى الدليل، والاعتقاد بالخلاف لا يوجب انقلاب الامر من الندبي إلى الوجوب، وانما تخيل انه واجب ومأمور به، فما اتى به لم يكن واجبا واقعا واجزائه عن الواجب لابد ان يستند إلى الدليل. فالاقوى عدم الاجزاء. نعم لو ترك الحج والحال هذه - أي كان معتقدا بالاستطاعة - فقد تجرء واما الاستقرار فلا دليل عليه. ولو انعكس الامر بان اعتقد انه لا مال له ولم يحج ثم بان الخلاف وكان المال وافيا بالحج ذكر في المتن انه يستقر عليه الحج. اقول: إذا بقيت الاستطاعة إلى العام القابل فلا كلام. انما الكلام فيما إذا زالت الاستطاعة ويجرى فيه ما تقدم في اعتقاد الصغر وقد عرفت ان ترك الحج حينئذ مستند إلى العذر، لانه قاطع بعدم

[ 221 ]

الوجوب فلا يتوجه إليه التكليف. فالظاهر عدم الاستقرار. المورد الثالث: وهو اعتقاد الضرر وعدمه. فانه قد يعتقد عدم الضرر وعدم الحرج، ويحج ثم ينكشف الخلاف وقد ينعكس الامر أي يعتقد الضرر والحرج ويترك الحج ثم ينكشف عدم ثبوت الضرر في الواقع. اما إذا اعتقد الضرر أو الحرج وترك الحج فبان الخلاف فالحكم ما تقدم من عدم الاستقرار، لما عرفت من عدم شمول اخبار التسويف للمعتقد بعدم التكليف. لعدم امكان توجه التكليف إليه، ويشمله ادلة العذر. واما إذا اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحج فبان الخلاف، ذكر في المتن ان الظاهر كفايته واجزائه عن حج الاسلام، ولا يقاس المقام باعتقاد الاستطاعة وانكشاف الخلاف، والظاهر انه - قدس سره - يعتمد في ذلك على ما اشتهر بينهم من ان دليل نفي الضرر ينفي الوجوب والالزام واما اصل المحبوبية فغير منفي وبذلك يصح الحج. وفيه: ما ذكرناه في الاصول بما لا مزيد عليه من ان الوجوب والاستحباب ليسا بسنخين من الحكم وليسا مجعولين مستقلين وانما المجعول امر واحد، غاية الامر انه ان لم يقترن بالترخيص خارجا ينتزع منه الوجوب ويحكم العقل بتفريغ الذمة منه، وان اقترن بالترخيص ينتزع منه الاستحباب. فالحكم المجعول شئ واحد وليس في البين امران حتى يقال: بان احدهما يرتفع والاخر يبقى بل إذا ارتفع يرتفع المحبوبية برأسه فإذا ارتفع المجعول برأسه فلا مجال لبقاء المحبوبية. وبعبارة اوضح دليل نفي الضرر يرفع المجهول الشرعي الذي هو بسيط غير مركب فلا مجال لدعوى ان المحبوبية باقية وغير مرتفعة. ولكن الامر كما ذكر من الاجزاء والكفاية. وذلك لعدم شمول دليل

[ 222 ]

نفي الضرر للمقام، لانه امتناني ولا امتنان في الحكم بالبطلان بعد العمل. وبالجملة لا مانع من الحكم بصحة الحج واجزائه إلا من جهة تحمل الضرر الواقعي فإذا فرضنا عدم شمول دليل نفي الضرر للمقام فلا مانع اصلا من الحكم بالصحة والاجزاء. نعم إذا كان الضرر من الضرر المحرم كالهلاك ونحوه فلا نلتزم بالصحة لا لدليل نفي الضرر، بل لان تحمل الضرر مبغوض واقعا ولا يمكن التقرب به، ولكن هذا لا يتصور في الحج لعدم الضرر في نفس اعمال الحج وافعاله. فما ذكره - ره - من الاجزاء صحيح لا لاجل ان دليل نفي الضرر لا ينفي المحبوبية، بل لاجل عدم جريان دليل نفي الضرر لكونه امتنانيا لا يشمل مثل الحكم بالبطلان ولا يعم ما إذا انكشف الخلاف بعد العمل. المورد الرابع: ما إذا اعتقد وجود المانع كالعدو، واللص أو الضرر، أو الحرج - فترك الحج فبان الخلاف، فهل يستقر عليه الحج أولا؟ وجهان: اختار في المتن عدم الاستقرار وعلله: بانه يكفي في باب الضرر الخوف وهو حاصل بمجرد الاعتقاد بوجود المانع، واستثنى من ذلك ما إذا كان اعتقاده على خلاف روية العقلاء وبدون الفحص والتفتيش فحينئذ يستقر عليه الحج لانه يعتبر مقصرا. اقول: الظاهر ان ما ذكره لا يتم على مسلكه من شرطية هذه الامور واقعا، فان الخوف بوجود العدو أو الضرر وان كان طريقا عقلائيا إلى وجوده ولكن الحكم بعدم الوجوب في ظرف الجهل بتحقق الشرط حكم ظاهري لا واقعي، فيكون المقام نظير ما إذا اعتقد عدم المال وترك الحج ثم بان الخلاف، وقد اختار هناك الاستقرار ولازمه

[ 223 ]

القول بالاستقرار هنا لعدم الفرق بين البابين. نعم بناءا على ما قلنا من ان الاعتقاد بالعدم عذر مسوغ للترك لعدم امكان توجه التكليف إلى المعتقد بالخلاف لا مقتضى للاستقرار، لعدم شمول اخبار التسويف مورد العذر في الترك، لان الظاهر منها صورة التقصير في الترك، ومن اعتقد عدم الشرط وترك الواجب لا يصدق عليه المقصر. ولذا ذكرنا في التعليقة ان الاقوى عدم الاستقرار حتى إذا كان اعتقاده على خلاف روية العقلاء. المورد الخامس: في المانع الشرعي كاستلزام الحج ترك واجب اهم أو ارتكاب محرم كذلك، فان اعتقد عدم مانع شرعي فحج فبان الخلاف فالظاهر الاجزاء كما في المتن، لان عدم وجود المانع الشرعي من الواجب أو الحرام لم يؤخذ في موضوع الحج، وانما اعتبرناه لاجل التزاحم، ومن الواضح ان التزاحم بين الواجبين يتوقف على التنجز ووصول التكليفين، ولا عبرة بمجرد الوجود الواقعي، لان التزاحم انما هو لاجل عدم القدرة على امتثال الواجبين وعدم امكان الجمع بينهما في مقام الامتثال، ومن المعلوم، ان ذلك انما يتحقق بعد الوصول واما إذا كان جاهلا باحد الواجبين فلا معنى لعدم القدرة على امتثالهما. وبعبارة اخرى: التزاحم انما يتوقف على وصول الواجبين واما إذا لم يصل احدهما فلا تزاحم اصلا فإذا لا مانع من فعلية التكليف بالمهم كما لو لم يعلم بنجاسة المسجد وصلى فانه لا ريب في صحة صلاته لعدم تصور التزاحم بين الصلاة وازالة النجاسة فلا حاجة في الحكم بالصحة إلى الترتب، لانه انما يتصور في مورد التزاحم وعصيان الاهم وتركه، ومع الجهل بوجوب الازالة لا مزاحم حتى تحتاج إلى الترتب. وان اعتقد وجود المانع الذي هو اهم من الحج فترك الحج رعاية

[ 224 ]

[ وان اعتقد كونه غير بالغ أو عبدا مع تحقق سائر الشرائط واتى به اجزئه عن حجة الاسلام كما مر سابقا. وان تركه مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجة فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه. فان فقد بعض الشرائط بعد ذلك كما إذا تلف ماله وجب عليه الحج ولو متسكعا. وان اعتقد كونه مستطيعا مالا وان ما عنده يكفيه فبان الخلاف بعد الحج ففي اجزائه عن حجة الاسلام وعدمه وجهان. من فقد الشرط واقعا. ومن ان القدر المسلم من عدم اجزائه حج غير المستطيع عن حجة الاسلام غير هذه الصورة. وان اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال وكان في الواقع كافيا وترك الحج، فالظاهر الاستقرار عليه وان اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحج فبان الخلاف فالظاهر كفايته. وان اعتقد المانع من العدو، أو الضرر أو الحرج، فترك الحج، فبان الخلاف فهل يستقر الحج أو لا؟ وجهان. والاقوى عدمه لان المناط من الضرر الخوف وهو حاصل الا إذا كان اعتقاده على خلاف روية العقلاء وبدون الفحص والتفتيش. وان اعتقد عدم مانع شرعي ] لطلب الاهم فبان الخلاف ذكر (قده) ان الظاهر هو الاستقرار، وقد عرفت ان الظاهر عدمه كما تقدم نظيره، لعدم توجه التكيف إليه واقعا، فهو معذور في ترك الحج، فلا يشمله ادلة التسويف والتقصير.

[ 225 ]

[ فحج فالظاهر الاجزاء إذا بان الخلاف وان اعتقد وجوده فترك فبان الخلاف فالظاهر الاستقرار. ثانيهما: إذا ترك الحج مع تحقق الشرائط متعمدا، أو حج مع فقد بعضها كذلك. اما الاول فلا اشكال في استقرار الحج عليه مع بقائها إلى ذي الحجة. واما الثاني فان حج مع عدم البلوغ أو مع عدم الحرية فلا اشكال في عدم اجزائه إلا إذا بلغ أو انعتق قبل احد الموقفين على اشكال في البلوغ قد مر (1). ] (1) لا خلاف ولا اشكال في استقرار الحج عليه إذا تركه عمدا وبلا عذر مع تحقق جميع الشرائط وبقائها إلى آخر الاعمال - وقد تقدم الاشكال في التحديد بذى الحجة -. وكيف كان قد عرفت ان مقتضى النصوص ان تارك الحج عن غير معذور يموت يهوديا أو نصرانيا فلا جل الفرار عن ذلك لا بد من اتيانه ولو متسكعا. انما البحث فيما لو حج مع عدم كونه واجدا للشرائط. فيقع البحث في مسائل. الاولى: لو حج مع عدم البلوغ أو مع عدم الحرية، فلاريب في عدم الاجزاء للقاعدة والنصوص الخاصة التي تقدمت في اوائل الكتاب من انه إذا بلغ الصبي أو اعتق العبد عليه حجة الاسلام. نعم ورد في خصوص العبد انه إذا انعتق قبل احد الموقفين يجزى حجه عن حج الاسلام، ولم يرد في الصبي نص إذا بلغ قبل احد الموقفين،

[ 226 ]

ومقتضى اطلاق الادلة عدم اجزاء حجه إذا بلغ قبل احدهما. الثانية: لو حج متسكعا ومع عدم الاستطاعة المالية ثم استطاع ذكر - ره - ان الظاهر مسلمية عدم الاجزاء ولا دليل عليه إلا الاجماع وإلا فمقتضى القاعدة هو الاجزاء لان الحج طبيعة واحدة ولا اختلاف في حقيقته، غاية الامر قد تجب وقد تستحب، فالاختلاف في الامر المتعلق به لا في المأمور به فإذا وجدت الطبيعة لا معنى لا تيانها ثانيا، وحال الحج حال الصلاة الصادرة من الصبي إذا بلغ في اثناء الوقت فانه لا يجب عليه اتيان الصلاة مرة ثانية لحصول الطبيعة المأمورة بها منه غاية الامر في حال عدم التكليف، ليس الامر من باب اجزاء المستحب عن الواجب حتى يقال: بانه لا دليل عليه. والحاصل: ان ماهية الواجب والمستحب متحدة فإذا اتى بها فقد امتثل هذه الطبيعة في الخارج ولا مجال لاتيانها ثانيا. نعم لو ثبت تعدد ماهية حج المتسكع والمستطيع وكان الحج ماهيتين وطبيعتين مختلفتين نظير صلاة الظهر والعصر أو الاداء والقضاء - تم ما ذكر من عدم الاجزاء لان احداهما غير الاخرى وان كانتا متشابهتين صورة. هذا ملخص ما افاده (قدس سره). اقول: قد يكون المطلوب على نحو صرف الوجود، وقد يكون على نحو مطلق الوجود، بمعنى ان كل فرد من افراد الطبيعة له امر مستقل واما إذا كان المطلوب صرف الوجود، فالطبيعة المأمور بها واحدة وانما الاختلاف في الطلب وجوبا واستحبابا باعتبار المكلفين فمن اتى بالطبيعة لا يؤمر بها ثانيا، والمطلوب في باب الصلاة هو صرف الوجود بمعنى ان المأمور به اتيان الصلاة من الزوال إلى الغروب فإذا أتى بالطبيعة في هذه المدة لا معنى لاتيانها ثانيا، لانها حاصلة غاية الامر اتى بالمأمور به في حال عدم التكليف، فالاجزاء على القاعدة

[ 227 ]

[ وان حج مع عدم الاستطاعة المالية فالظاهر مسلمية عدم الاجزاء ولا دليل عليه الا الاجماع، وإلا فالظاهر ان حجة الاسلام هو الحج الاول، وإذا اتى به كفى ولو كان ندبا، كما إذا اتى الصبي صلاة الظهر مستحبا - بناء على شرعية عباداته فبلغ في اثناء الوقت فان الاقوى عدم وجوب اعادتها ودعوى: ان المستحب لا يجزي عن الواجب ممنوعة، بعد اتحاد ماهية الواجب والمستحب. نعم لو ثبت تعدد ماهية حج المتسكع والمستطيع تم ما ذكر، لا لعدم اجزاء المستحب عن الواجب. ] واعادتها ثانيا بعد البلوغ تحتاج إلى دليل اخر. واما الحج فالمطلوب فيه الطبيعة على نحو مطلق الوجود، لان اطلاق مادل على وجوب الحج على تقدير حصول الاستطاعة يقتضى وجوبه متى حصلت الاستطاعة سواء حج قبل ذلك ام لا. والامر في عام الاستطاعة غير الامر الندبي المتقدم على عام الاستطاعة، وكل سنة له امر وتكليف وما اتى به في السنة الماضية غير ما امر به في السنة الحالية وإذا حصلت الاستطاعة في السنة الجديدة يوجد امر جديد ويحدث تكليف جديد لا بد من امتثاله، ولا مسقط للامر الجديد المتوجه إليه في السنة الجديدة، ولا دليل على سقوطه بما اتى به قبل ذلك. فالمقام نظير صلاة الصبي في اليوم السابق على البلوغ بالنسبة إلى صلاة بعد البلوغ في اليوم الثاني ولا معنى لسقوط الصلاة عنه في اليوم الثاني إذا بلغ بمجرد

[ 228 ]

[ بل لتعدد الماهية. وان حج مع عدم امن الطريق، أو مع عدم صحة البدن مع كونه حرجا عليه، أو مع ضيق الوقت كذلك، فالمشهور بينهم عدم اجزائه عن الواجب. وعن الدروس: الاجزاء إلا إذا كان إلى حد الاضرار بالنفس وقارن المناسك فيحتمل عدم الاجزاء، ففرق بين حج المتسكع وحج هؤلاء، وعلل الاجزاء: بان ذلك من باب تحصيل الشرط فانه لا يجب لكن إذا حصله وجب. وفيه: ان مجرد البناء على ذلك لا يكفي في حصول الشرط. ] صلاته في اليوم السابق على البلوغ، لان كل يوم له امر جديد وتكليف مستقل لابد من امتثاله، والخروج عن عهدته. وبالجملة الحج في عام الاستطاعة له امر جديد ويحدث بسبب حصول الاستطاعة تكليف جديد مستقل لابد من امتثاله، ولا دليل على سقوطه باتيانه في العام الماضي قبل الاستطاعة. فيكفينا في وجوب الحج واتيانه ثانيا وعدم سقوطه بما حج سابقا قبل الاستطاعة، نفس اطلاق الادلة، فان مقتضاه كما عرفت وجوب الحج سواء حج سابقا ام لا فعدم الا جزا على القاعدة والاجزاء يحتاج إلى دليل وهو مفقود في البين. الثالثة: إذا حج مع عدم امن الطريق أو مع المرض وعدم صحة البدن أو مع الضرر والحرج كما إذا سافر في ضيق الوقت واستلزم الحرج. فهل يجزى حجه أم لا؟. المشهور بينهم عدم الاجزاء. وعن الشهيد في الدروس الاجزاء إلا

[ 229 ]

إذا وصل إلى حد الاضرار بالنفس، فيحتمل عدم الاجزاء. وعلل الاجزاء بان ذلك من باب تحصيل الشرط وهو غير واجب لكن إذا حصله وجب لحصول الشرط. واورد عليه في المتن: بان المقدمات قبل الميقات إذا كانت مقترنة بهذه الامور دون الاعمال، ففي هذه الصورة لا اشكال في الاجزاء وان كان لا يجب الحج من الاول، ولا قائل بعدم الاجزاء في هذه الصورة. وان كانت الاعمال من الميقات مقترنة بهذه الامور، من الضرر، أو الحرج، أو عدم امن الطريق فاللازم القول بعدم الاجزاء لان المفروض ان نفس الاعمال فاقدة للشرط. ولكنه - قده - مع ذلك اختار ما ذهب إليه الشهيد من الاجزاء لا لما ذكره، بل لان الضرر والحرج إذا لم يصلا إلى حد الحرمة انما يرفعان الوجوب والالزام لا اصل الطلب، فإذا تحملهما واتى بالمأمور به كفى، لان دليل نفي الضرر يرفع الاحكام الوجوبية الضررية واما الاحكام الندبية الضررية فلا يرفعها. وبعبارة اوضح: يجب على هذا الشخص حج الاسلام ولكن يرتفع وجوبه بالضرر أو الحرج، واما الاستحباب فلا يرتفع فما اتى به انما هو حج الاسلام وان ارتفع وجوبه بالضرر. اقول: اما في فرض اقتران المقدمات قبل الميقات بهذه الامور بدون اقتران الاعمال من الميقات بها، فلا ينبغي الريب في الاجزاء فيها حتى إذا اقترنت المقدمات بالمحرم من هذه الامور كالالقاء في التهلكة ونحو ذلك، كما إذا كان سفره محرما ولكن بعد الوصول إلى الميقات ادى الاعمال على وجه مشروع واجدا للشرائط، ففي مثله لا موجب لعدم الاجزاء اصلا، وان كان الحج لا يجب عليه من اول الامر إذ

[ 230 ]

[ مع ان غاية الامر حصول المقدمة التي هو المشي إلى مكة ومنى وعرفات. ومن المعلوم ان مجرد هذا لا يوجب حصول الشرط، الذي هو عدم الضرر أو عدم الحرج. نعم لو كان الحرج أو الضرر محل المشي إلى الميقات فقط ولم يكونا حين الشروع في الاعمال تم ما ذكره، ولا قائل بعدم الاجزاء في هذه الصورة. هذا ومع ذلك فالاقوى ما ذكره في الدروس لا لما ذكره، بل لان الضرر والحرج إذا لم يصلا إلى حد الحرمة انما يرفعان الوجوب والالزام لا اصل الطلب، فإذا تحملهما واتى بالمأمور به كفى ] لا يجب عليه تحمل هذه المقدمات المقترنة بالضرر أو الحرج. واما لو كانت الاعمال مقترنة بها فما ذكره من الامثلة فمختلفة وليس جميعها من باب واحد بيان ذلك: انه لو كان الطريق غير مأمون أو كان المكلف مريضا فحاله حال من حج ولم يكن له مال وحج متسكعا، لان المأخوذ في موضوع وجوب الحج كما في النصوص تخلية السرب وصحة البدن فإذا تحمل وحج والحال هذه لا يكون حجه مصداقا للواجب لانتفاء موضوعه. والحاصل: انه يجري في فقدان الامن في الطريق أو صحة البدن ما يجري في فقدان الاستطاعة المالية لاخذ ذلك كله في موضوع وجوب الحج كما في الروايات المفسرة للاستطاعة. وأما اقتران الاعمال بالضرر أو الحرج فحيث لم يؤخذ عدم الضرر

[ 231 ]

[ (مسألة 66): إذا حج مع استلزامه لترك واجب أو ارتكاب محرم لم يجزه عن حجة الاسلام، وان اجتمع سائر الشرائط، لا لان الامر بالشئ نهى عن ضده لمنعه أو لا، ] أو الحرج في موضوع وجوب الحج وانما قلنا بعدم الوجوب في موردهما لحكومة دليلهما على ساير الاحكام الشرعية. فلو قلنا بما ذكره قدس سره من ان المرفوع هو الالزام مع بقاء اصل الطلب نظير صلاة الصبي فالمأمور به على حاله غاية الامر لا وجوب له، فلو تحمل الضرر أو الحرج واتى بالمأمور به كفى. وأما إذا قلنا: بان الوجوب امر بسيط لان الاحكام امور اعتبارية والاعتبار امر بسيط، فليس في البين امران يبقى احدهما ويرتفع الاخر ودليل نفي الضرر أو الحرج يرفع المجعول برأسه فلا مجال لثبوت اصل الطلب وبقائه. نعم لا مانع من الالتزام بالاستحباب بادلة اخرى والاستحباب إذا كان ضرريا لا يشمله دليل نفي الضرر إذا لم يصل إلى حد الحرمة لعدم الامتنان في رفعه. فالحج الصادر منه حال الضرر أو الحرج يقع مستحبا بدليل آخر ولم يكن بحج الاسلام الواجب المستفاد من قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) فانه مرفوع عن هذا الشخص، فحال هذا الحج حال الحج الصادر منه متسكعا في احتياج الاجزاء إلى دليل خاص وليس في البين دليل، والحاصل: ان الحكم بالكفاية والاجزاء انما هو بالنسبة إلى الامر الاستحبابي ولا دليل على كفايته بالنسبة إلى الامر الوجوبى.

[ 232 ]

[ ومنع بطلان العمل بهذا النهي ثانيا، لان النهي متعلق بامر خارج. بل لان الامر مشروط بعدم المانع، ووجوب ذلك الواجب مانع. وكذلك النهي المتعلق بذلك المحرم مانع ومعه لا امر بالحج (1). ] (1) حاصل ما ذكره في هذه المسألة، انه إذا استلزم حجه ترك واجب، أو ارتكاب محرم لم يجزه عن حجة الاسلام وان اجتمع سائر الشرائط، لا لان الامر بالشئ يقتضى النهي عن ضده، والنهي يقتضي الفساد، فان الاقتضاء ممنوع، وعلى تقدير تسليمه، هذا النهي لا يقتضى الفساد لتعلقه بامر خارج لا بنفس العبادة. بل لان الامر بالحج مشروط بعدم المانع، ووجوب ذلك الواجب مانع. فالحج غير واجب في حقه ولم يكن بمأمور به، ومع عدم الامر بالحج لا يمكن القول بالصحة. نعم لو استقر عليه الحج وتوقف الاتيان به على ترك واجب أو فعل حرام، تكون المسألة من صغريات مسألة اقتضاء الامر للنهي عن ضده ويمكن القول بالاجزاء هنا لمنع الاقتضاء اولا ومنع كون النهي المتعلق بامر خارج موجبا للبطلان ثانيا، ولا يجرى في الحج المستقر ما ذكر في الحج الابتدائي. اقول: ما ذكره من عدم اقتضاء الامر بشئ للنهي عن ضده صحيح. واما منعه دلالة هذا النهي على الفساد لتعلقه بامر خارج، فهو انما يتم إذا اريد بالضد الضد العام وهو الترك، واما لو فرض تعلقه بالضد الخاص فالنهي متعلق بنفس الحج لا بامر خارج.

[ 233 ]

[ نعم لو كان الحج مستقرا عليه، وتوقف الاتيان به على ترك واجب أو فعل حرام دخل في تلك المسألة، وامكن ان يقال بالاجزاء، لما ذكر: من منع اقتضاء الامر بشئ للنهي عن ضده، ومنع كون النهي المتعلق بأمر خارج موجبا للبطلان. ] والحاصل انه إذا اريد بالضد الضد الخاص كما هو مقتضى ادلتهم حيث قالوا ان ترك احد الضدين مقدمة للضد الآخر، ومقدمة الواجب واجبة، فترك هذا الضد واجب، وإذا كان تركه واجبا كان فعله حراما فانه لو تم ذلك وسلمنا ان مقدمة الواجب واجبة وسلمنا أيضا ان ترك احد الضدين مقدمة للواجب الاخر، كان الضد بنفسه منهيا عنه لا ان النهي تعلق بامر خارج بل تعلق بنفس العبادة وبنفس الحج لان ترك هذا الضد مقدمة لذلك الواجب والمفروض ان مقدمة الواجب واجبة فيكون ترك هذا واجبا وفعله حراما ومبغوضا هذا. ولكن قد ذكرنا في محله ان النهي التبعي المقدمي لا يدل على الفساد حتى لو التزمنا باقتضاء الامر بشئ للنهي عن ضده. وكيف كان فما ذكر من الفساد وعدم الاجزاء، غير تام لان القول بالبطلان مبني على عدم الالتزام بالترتب أو عدم جريانه في باب الحج واما إذا التزمنا بالترتب وجريانه في الحج، فلا موجوب للبطلان إذا الامر بالحج موجود ولو بالترتب وان كان الواجب الاخر اهم من الحج، واما إذا لم يكن الواجب الاخر اهم فلا ريب في تقدم الحج. وبعبارة اخرى: الامر بالحج موجود على كل تقدير سواء كان الحج اهم من الواجب الآخر فهو مأمور به بطبعه وان كان غيره اهم

[ 234 ]

[ (مسألة 67): إذا كان في الطريق عدو لا يندفع إلا بالمال فهل يجب بذله ويجب الحج أو لا؟ اقوال (1). ثالثها: الفرق بين المضر بحاله وعدمه، فيجب في الثاني دون الاول. ] فهو مأمور به أيضا على نحو الترتب. وما ذكره شيخنا الاستاد - قده - من ان الترتب لا يجرى في باب الحج لان المأخوذ في موضوعه القدرة الشرعية المصطلحة فيكون الواجب الآ خر سالبا للقدرة ورافعا لموضوع الحج. ففيه: ما ذكرناه مرارا من ان الحج كساير الواجبات والاحكام الالهية من عدم اخذ القدرة الشرعية المصطلحة في موضوعه وانما المعتبر فيه الاستطاعة المفسرة بأمور خاصة مذكورة في النصوص وما ذكروه من اعتبار الاستطاعة الشرعية - بمعنى عدم مزاحمته لواجب اخر - لم يؤخذ في موضوع الحج ولم يدل عليه أي دليل، فلا مانع من الحكم بصحة الحج واجزائه في فرض العصيان وترك الواجب الاهم لتعلق الامر بالحج على نحو الترتب. ومما ذكرنا ظهر: انه لا فرق بين الحج الفعلي والحج المستقر وحالهما على حد سواء وعلى الترتب لا مانع من الاجزاء في القسمين، (1) الاول: سقوط الحج وعدم وجوب بذل المال كما عن الشيخ وجماعة. الثاني: وجوب بذل المال كما عن المحقق واختاره في المدارك. الثالث: التفصيل بين المضر بحاله والمجحف به فلا يجب فيه بذل المال ويسقط لحج وبين ماكان يسيرا غير مضر بحاله فيجب البذل وهو المحكي عن المحقق في المعتبر.

[ 235 ]

[ (مسألة 68): لو توقف الحج على قتال العدو لم يجب، حتى مع ظن الغلبة عليه والسلامة. وقد يقال: بالوجوب في هذه الصورة (1). ] وقد يستدل: للاول: بان الاستطاعة - وهي تخلية السرب - غير حاصلة وتحصيلها غير واجب. ويستدل للثاني: بان المفروض حصول الاستطاعة المالية وإذا تمكن من دفع العدو وازالته بالمال وجب. وكلاهما مخدوش فيه. والصحيح ان يقال: إذا كان بذل المال حرجيا يرتفع وجوبه لنفي الحرج ويسقط وجوب الحج، وان لم يكن دفعه حرجيا ومشقة عليه، وانما يتضرر به وينقص ماله. فحينئذ لا بد من التفصيل: بين ما إذا كان الضرر كثير ا ومعتدا به فلا يجب بذله لحكومة دليل نفي الضرر على جميع الادلة. وقد قلنا سابقا ان دليل لا ضرر يجري في الحج ونحوه من الاحكام الضررية إذا كان الضرر اللازم ازيد مما يقتضيه طبع الحج. وبين ما إذا كان الضرر يسيرا أو قد لا يعد عرفا من الضرر في بعض صوره كبذل خمسة دنانير بالنسبة إلى خمسمائة دينار التي يصرفها في الحج فلا يبعد القول بوجوب الحج ولزوم تحمل ذلك الضرر اليسير لصدق تخلية السرب على ذلك ونظير ذلك بذل المال لاخذ جواز السفر ونحو ذلك بل ربما تعد هذه الامور من مصارف الحج، وشؤونه. (1) الذي ينبغي ان يقال: انه قد يفرض كونه متمكنا من قتال العدو ودفعه من دون استلزام ضرر أو حرج، ويطمئن بالغلبة

[ 236 ]

[ (مسألة 69): لو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه إلا مع خوف الغرق أو المرض عقلائيا (1) أو استلزامه ] والسلامة، فلا ينبغي الريب في عدم سقوط وجوب الحج عنه لصدق تخلية السرب، ومجرد وجود شخص في الطريق مانع عن الحج يمكن دفعه بسهولة، لا يوجب صدق عدم تخلية السرب. وقد يفرض كون السفر خطرا بحيث يخاف على نفسه أو على ما يتعلق به فلا اشكال في سقوط الحج لصدق عدم تخلية السرب وعدم الامان في الطريق وان ظن بالغلبة والسلامة. لعدم حصول الامان بالفعل فيصدق عدم تخلية السرب، ومجرد الظن بالغلبة والسلامة لا يوجب كون الطريق مأمونا، فما احتمله بعضهم من الوجوب في صورة ظن الغلبة والسلامة، ضعيف جدا، وبالجملة لا يجب عليه القتال أو الوقوع في الحرج لدفع العدو، لان الشرط - وهو تخلية السرب - غير حاصل وتحصيله غير واجب. (1) لاريب في عدم اختصاص وجوب الحج بطريق دون طريق لان المطلوب هو الاتيان بالحج، من دون اختصاص بطريق، فلو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه. نعم إذا خاف على نفسه من الغرق، أو المرض لا يجب الحج وان كان خوفا غير عقلائي، لان الملاك في سقوط الحج هو حصول الحرج. وإذا بلغ خوفه إلى حد يكون السفر وركوب البحر حرجا عليه يسقط وجوب الحج لنفي الحرج، وان كان منشأ الخوف والحرج امرا غير عقلائي - كما قد يتفق ذلك في الشخص الذي يتخوف كثيرا -. وبالجملة: دليل نفي الحرج لا يختص بموارد الخوف العقلائي

[ 237 ]

[ الاخلال بصلاته، أو ايجابه لاكل النجس أو شربه. ولو حج مع هذا صح حجه، لان ذلك في المقدمة، وهي المشي إلى الميقات، كما إذا ركب دابة غصبية إلى الميقات (1). (مسألة 70): إذا استقر عليه الحج، وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة وجب عليه اداؤها، ولا ] وانما العبرة بتحقق الحرج وعدمه فإذا كان تحمل الخوف حرجيا عليه يسقط الوجوب وان كان منشأ الخوف امرا غير عقلائي. وإلا يجب عليه السفر بالركوب في البحر ولا فرق بينه وبين السفر غير البحري (1) قد عرفت بما لا مزيد عليه ان الاستطاعة المعتبرة في الحج ليست هي الاستطاعة الشرعية بالمعني المصطلح، لتكون هذه الامور دخيلة في الاستطاعة. بل الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج ليست إلا العقلية غاية الامر انها استطاعة خاصة فسرت بالنصوص بالزاد والراحلة وبقية المذكورات في النصوص. وأما الاخلال ببعض ما يعتبر في الصلاة فلا بأس به إذا اتى بها حسب وظيفته الفعلية، لا سيما إذا اخل بذلك قبل الوقت، فانه بعد الوقت مكلف بما هو وظيفته من القيام، أو الجلوس، أو الايماء، أو التيمم، والمفروض عدم ترك الصلاة برأسها. وأما الاضطرار إلى اكل النجس أو شربه فلا بأس به لاهمية الحج وان كان لا يجوز اكل النجس أو شربه اختيارا، ولكن لو دار صرف قدرته في الاهم أو المهم فلا ريب في لزوم صرف قدرته في الاهم كما حقق ذلك في باب التزاحم.

[ 238 ]

[ يجوز له المشي إلى الحج قبلها. ولو تركها عصى، واما حجه فصحيح إذا كانت الحقوق في ذمته لا في عين ماله. وكذا إذا كانت في عين ماله ولكن كان ما يصرفه في مؤنته من المال الذي لا يكون فيه خمس أو زكاة أو غيرهما أو كان مما تعلق به الحقوق ولكن كان ثوب احرامه، وطوافه، وسعيه، وثمن هديه من المال الذي ليس فيه حق بل وكذا إذا كانا مما تعلق به الحق من الخمس والزكاة إلا انه بقى عنده مقدار ما فيه منهما. بناء على ما هو الاقوى، من كونهما في العين على نحو الكلي في المعين، لا على وجه الاشاعة (1). ] (1) ما ذكره صحيح، ولكن تقدم الكلام في ان ثوب الاحرام لو كان حراما لا يضر بصحة الحج والاحرام، لان لبس ثوبي الاحرام واجب مستقل لا يضر الاخلال به بصحة الاحرام والحج وانما ترك واجبا آخر وهو لبسهما، ولذا يتحقق الاحرام عاريا. وإما ثوب السعي فلا تضر حرمته بالسعي لعدم اعتبار اللبس فيه اصلا. وإما الطواف فالمعتبر فيه الستر كالصلاة فان كان الساتر مغصوبا أو محرما يفسد طوافه وحجه إذا اقتصر عليه. وأما الهدي فان اشتراه بثمن في الذمة ودفع إلى البائع من المال المغصوب أو المحرم فلا ريب في صحة الهدي. وان اشتراه بنفس الثمن المغصوب أو المحرم يكون الهدي باطلا، لان الهدي لم يكن لنفسه فيفسد حجه إذا اقتصر عليه لان المستفاد من الادلة ترتب بقية

[ 239 ]

[ (مسألة 71): يجب على المستطيع الحج مباشرة فلا يكفيه حج غيره عنه تبرعا أو بالاجارة إذا كان متمكنا من المباشرة بنفسه (1). (مسألة 72): إذا استقر الحج عليه، ولم يتمكن من المباشرة لمرض لم يرج زواله أو حصر كذلك أو هرم بحيث لا يقدر أو كان حرجا عليه فالمشهور وجوب الاستنابة عليه. بل ربما يقال: بعدم الخلاف فيه وهو الاقوى - وان كان ربما يقال: بعدم الوجوب - وذلك لظهور جملة من الاخبار ] اعمال الحج على الهدي، وإذا أتى بها ولم يسبقها الهدي وقعت فاسده. وأما ما ذكره من جواز التصرف في المال الذي تعلق به الخمس بعينه إذا بقى عنده مقدار ما فيه الخمس، فانما يتم على مختاره من تعلق الخمس أو الزكاة بالمال على نحو الكلي في المعين. وأما على المختار عندنا من انه من قبيل الاشاعة فلا يجوز التصرف في ما تعلق به ما لم يؤد الحق وان بقي مقدار ما فيه الخمس والزيادة، لان المفروض ان المال مشترك فيه والشركة تمنع عن التصرف في المال نعم يجوز التصرف في المال الزكوي وما تعلق به الزكاة إذا ابقى منه مقدار الزكاة لان المالك له حق الافراز والتقسيم، وذلك للنص ولم يرد نص في باب الخمس من هذه الجهة. (1) هذه المسألة من الواضحات التي لا حاجة إلى ذكرها ولعله (قدس سره) ذكرها تمهيدا للمسألة الآتية.

[ 240 ]

[ في الوجوب، واما ان كان موسرا من حيث المال ولم يتمكن من المباشرة مع عدم استقراره عليه ففي وجوب الاستنابة وعدمه قولان، لا يخلو اولهما عن قوة، لاطلاق الاخبار المشار إليها، وهي وان كانت مطلقة من حيث رجاء الزوال وعدمه لكن المنساق من بعضها ذلك مضافا إلى ظهور الاجماع على عدم الوجوب مع رجاء الزوال، والظاهر فورية الوجوب كما في المباشرة، ومع بقاء العذر إلى ان مات يجزيه حج النائب فلا يجب القضاء عنه وان كان مستقرا عليه، وان اتفق الارتفاع بعد ذلك فالمشهور انه يجب عليه مباشرة وان كان بعد اتيان النائب، بل ربما يدعي عدم الخلاف فيه، لكن الاقوى عدم الوجوب لان ظاهر الاخبار ان حج النائب هو الذي كان واجبا على المنوب عنه فإذا اتى به فقد حصل ما كان واجبا عليه ولا دليل على وجوبه مرة اخرى، بل لو قلنا باستحباب الاستنابة فالظاهر كفاية فعل النائب بعد كون الظاهر الاستنابة فيما كان عليه، ومعه لا وجه لدعوى ان المستحب لا يجزئ عن الواجب إذ ذلك فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجبا والمفروض في المقام انه هو، بل يمكن ان يقال إذا ارتفع العذر في اثناء عمل النائب بأن كان الارتفاع ]

[ 241 ]

[ بعد احرام النائب انه يجب عليه الاتمام ويكفي عن المنوب عنه، بل يحتمل ذلك وان كان في اثناء الطريق قبل الدخول في الاحرام، ودعوى ان جواز النيابة ما دامي، كما ترى بعد كون الاستنابة بامر الشارع وكون الاجارة لازمة لا دليل على انفساخها خصوصا إذا لم يمكن ابلاغ النائب المؤجر ذلك، ولا فرق فيما ذكرنا من وجوب الاستنابة بين من عرضه العذر من المرض وغيره وبين من كان معذورا خلقة، والقول بعدم الوجوب في الثاني وان قلنا بوجوبه في الاول ضعيف، وهل يختص الحكم بحجة الاسلام أو يجري في الحج النذري والافسادي ايضا؟ قولان، والقدر المتيقن هو الاول بعد كون الحكم على خلاف القاعدة، وان لم يتمكن المعذور من الاستنابة ولو لعدم وجود النائب أو وجوده مع عدم رضاه الا بازيد من اجرة المثل ولم يتمكن من الزيادة أو كانت مجحفة سقط الوجوب، وحينئذ فيجب القضاء عنه بعد موته ان كان مستقرا عليه ولا يجب مع عدم الاستقرار، ولو ترك الاستنابة مع الامكان عصى بناءا على الوجوب ووجب القضاء عنه مع الاستقرار، وهل يجب مع عدم الاستقرار ايضا أو لا وجهان؟ ]

[ 242 ]

[ اقواهما نعم: لانه استقر عليه بعد التمكن من الاستنابة، ولو استناب مع كون العذر مرجو الزوال لم يجزئ عن حجة الاسلام فيجب عليه بعد زوال العذر، ولو استناب مع رجاء الزوال وحصل اليأس بعد عمل النائب فالظاهر الكفاية وعن صاحب المدارك عدمها ووجوب الاعادة لعدم الوجوب مع عدم اليأس فلا يجزئ عن الواجب، وهو كما ترى، والظاهر كفاية حج المتبرع عنه في صورة وجوب الاستنابة، وهل يكفي الاستنابة من الميقات كما هو الاقوى في القضاء عنه بعد موته، وجهان؟ لا يبعد الجواز حتى إذا امكن ذلك في مكة مع كون الواجب عليه هو التمتع، ولكن الاحوط خلافه لان القدر المتيقن من الاخبار الاستنابة من مكانه كما ان الاحوط عدم كفاية التبرع عنه لذلك ايضا (1). ] (1) ذكر في هذه المسألة امورا. الامر الاول: من استقر عليه واهمل حتى مر ض أو هرم أو حبس بحيث لا يتمكن من الحج، فهل يسقط عنه التكليف بالحج للعذر العارض أم لا؟ المعروف والمشهور وجوب الا ستنابة وانقلاب تكليفه ووظيفته من المباشرة إلى النيابة وهو الصحيح، وقد دلت عليه النصوص فيها الصحيح وغيره.

[ 243 ]

منها: صحيح معاوية بن عمار (ان عليا عليه السلام رأى شيخا لم يحج قط ولم يطق الحج من كبره فأمره ان يجهز رجلا فيحج عنه) (1) ولاريب في دلالته على الوجوب لظهور الامر فيه. ومنها: صحيح عبد الله بن سنان - ان أمير المؤمنين - (صلوات الله عليه) امر شيخا كبيرا لم يحج قط ولم يطق الحج لكبره ان يجهز رجلا يحج عنه (2). ومنها: صحيح الحلبي وان كان موسرا وحال بينه وبين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره الله فيه فان عليه ان يحج عنه من ماله صرورة لامال له (3). والرواية الاخيرة مطلقة من حيث الاستقرار وعدمه والمستفاد منها وجوب الاستنابة إذا حال بينه وبين الحج عذر وان كان طارئا في سنة الاستطاعة، ولكن ظاهر الاوليين وجوب الاستنابة في مورد الاستقرار. وقد يقال: بحملها على الاستحباب لوجهين: احدهما: اشتمالها على امور لم تعتبر في النائب، ككونه رجلا وصرورة لجواز نيابة المرأة عن الرجل ونيابة غير الصرورة وذلك يوجب حملها على الاستحباب، والتفكيك بين القيد والمقيد في الوجوب بالغاء القيد والالتزام بوجوب اصل الاستنابة بعيد. ثانيهما: ان المستفاد من بعض الروايات الحاكية لحكم أمير المؤمنين (عليه السلام) استحباب النيابة وانها اختيارية لتعليقها على مشية الرجل مع ان الواقعة واحدة ولا يمكن الاختلاف في الحكم فيها، فتكون هذه الرواية قرينة على عدم ارادة الوجوب من الروايات الاخر. ففي خبر سلمة أبي حفص عن أبي عبد الله - ع - (ان رجلا اتى عليا ولم يحج


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 24 وجوب الحج، ح 1 و 6 و 2.

[ 244 ]

قط فقال: انى كنت كثير المال، وفرطت في الحج حتى كبرت سنى فقال: فتستطيع الحج؟ فقال لا فقال له علي (عليه السلام) ان شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك) (1) ونحوه خبر ميمون القداح (ان شئت ان تجهز رجلا ثم ابثعه يحج عنك) (2). والجواب عن الثاني: ان المعلق على المشية تفريغ الذمة، يعني إذا شئت تفريغ ذمتك والخلاص من ذلك فعليك كذا، لا الاستنابة حتى يقال: بان تعليقها على مشيته يدل على الاستحباب لان الوجوب لا معنى لتعليقه على المشية. هذا ضمافا إلى ضعف الروايتين سندا، اما الاولى فبسملة أبي حفص والثانية بسهل بن زياد وبجعفر بن محمد الاشعري الذي لم يوثق ولم يثبت كونه جعفر بن محمد بن عبد الله الذي هو من رجال كامل الزيارة. وعن الاول: بانه لا بأس بالغاء القيد خاصة إذا كان خلاف المتسالم عليه على انه انما يتم في خصوص صحيح الحلبي الذي اخذ فيه الصرورة. مضافا إلى انه لا مانع من الالتزام بالقيد وكون النائب عن الحي رجلا صرورة ويمكن ان يقال ان ذكر الرجل من باب المثال ومحمول على الغالب والمراد به الشخص، وقد وقع نظير ذلك في كثير من موارد الاحكام ولا يراد بالرجل المذكور في النصوص خصوص الرجل المقابل للمرأة. وبالجملة لا موجب لرفع اليد عن ظهور الروايات في الوجوب. ثم ان الحكم لا يختص بمن استقر عليه الحج بل لو كان موسرا من حيث المال ولم يتمكن من المباشرة مع عدم استقراره عليه تجب عليه الا ستنابة كما في المتن لاطلاق صحيح الحلبي كما عرفت، وان كان


(1) و (2) الوسائل: باب 24 وجوب الحج ح 3 و 8.

[ 245 ]

مورد بعض الروايات ذلك، كالروايات الواردة في الشيخ الكبير الذي لم يحج. ثم انه بعد الفراغ عن لزوم الا ستنابة مطلقا أو في خصوص من استقر عليه الحج، يلزم كون النائب صرورة كما في صحيح الحلبي ان لم يكن اجماع على الخلاف بل يلزم ان يكون رجلا كما في رواية الشيخ الكبير ولذا ذكرنا في المناسك ان الاحوط لزوما استنابة الرجل الصرورة إذا كان المنوب عنه رجلا حيا، كما في الروايات. الامر الثاني: هل يختص وجوب الاستنابة: بألياس عن زوال العذر، أو يعم الراجي للزوال؟ أيضا فيه خلاف المشهور الاختصاص باليأس بل ربما ادعى الاجماع على عدم الوجوب مع رجاء الزوال، وذكر السيد في المتن ان المنساق من بعض الروايات اعتبار اليأس من زوال العذر. اقول: لم يرد في شئ من الروايات اليأس أو رجاء الزوال بل المذكور فيها عدم التمكن وعدم الطائفة والحيلولة بينه وبين الحج بمرض ونحوه. والظاهر ان المأخوذ في وجوب الاستنابة عدم الطاقة وعدم الاستطاعة واقعا كما في الروايات الواردة في الشيخ الكبير وإما صحيح الحلبي فان اريد بالحج المذكور فيه حج هذه السنة الذي حال بينه وبين الحج مرض أو حصر، فمقتضاه وجوب الاستنابة في هذه السنة حتى مع العلم بزوال العذر في السنة الآتية، وهذا مقطوع الخلاف، إذ لا نحتمل وجوب الاستنابة عليه في هذه السنة وعدم اتيان الحج بنفسه في السنة الاتية عند زوال العذر، فالمراد بالحج المذكور في صحيح الحلبي الذي حال المرض بينه وبين الحج هو مطلق الحج من دون ان يختص بسنة دون اخرى فان الواجب هو الطبيعي والفورية

[ 246 ]

واجب اخر، ومفاد صحيح الحلبي مفاد الرواية الواردة في الشيخ الكبير الذي لم يطق الحج ومضمونهما واحد فموضوع وجوب الاستنابة عدم التمكن من المباشرة واقعا، وإما اليأس من زوال العذر فهو طريق عقلاني لعدم التمكن من اتيانه واقعا. كما انه تجوز له الاستنابة في فرض رجاء الزوال لاستصحاب بقاء العذر. ولكن ذلك حكم ظاهري، كالحكم الثابت في الاعذار المسوغة للتيمم، والصلاة عن جلوس ونحو ذلك لجريان استصحاب العجز وبقاء العذر. وبالجملة موضوع وجوب الاستنابة هو عدم الطاقة وعدم القدرة واقعا ولكن اليأس عن زوال العذر، أو استصحاب بقاء العذر أو الاطمينان ببقاء ذلك كل ذلك طرق إلى الواقع. وأما صحيح ابن مسلم: (لو ان رجلا اراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلا من ماله ثم ليبعثه مكانه) (1) فهو وان كان مطلقا من حيث اليأس وعدمه لاطلاق قوله: (فلم يستطع الخروج) ولكنه اجنبي عن المقام لان مورده الحج التطوعي الارادي، ويشمل مالو وجب عليه الحج ولكن لا يتمكن من اتيانه مباشرة كما هو محل الكلام. وبالجملة: العبرة في وجوب الاستنابة انما هي بعدم التمكن من اتيان الحج وعدم الطاقة على اتيانه في واقع الامر، ولذا لو استطاع في هذه السنة ومنعه مانع عن الاتيان بالحج واستناب ثم تمكن من الاتيان به في السنة الاتية، لا نحتمل سقوط الحج عنه بمجرد النيابة في السنة الماضية، ويترتب على ذلك الامر الاتي وهو: الامر الثالث: إذا استناب مع قيام الطريق إلى عدم التمكن من


(1) الوسائل: باب 24 وجوب الحج، ح 5.

[ 247 ]

اتيانه، كما إذا حصل له اليأس من زوال العذر واطمئن ببقائه أو استصحب بقائه، وبعد ذلك اتفق ارتفاع العذر وتمكن من مباشرة الحج، فهل يجزي الحج النيابي عن حجه ام لا؟ فيه خلاف. ذهب المشهور إلى عدم الاجزاء، وقوي بعضهم الاجزاء كالمصنف (رحمه الله) بدعوى ان تكليف هذا الشخص تبدل إلى النيابي والحج الصادر من النائب هو الحج الذي كان على المنوب عنه، فإذا اتى به النائب فقد حصل ما كان على المنوب عنه، ولا دليل على وجوب اتيانه ثانيا، بل لو قيل: باستصحاب النيابة حينئذ فالظاهر اجزاء فعل النائب عن المنوب عنه، لان ما يأتي به النائب هو بعينه ما وجب على المنوب عنه، وقد اتى النائب بما وجب على المنوب عنه، فلا مجال حينئذ لدعوى ان المستحب لا يجزي عن الواجب، إذ ذلك فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجبا على المنوب عنه، والمفروض في المقام انه هو. بل يمكن ان يقال: انه إذا ارتفع العذر في اثناء عمل النائب بعد الاحرام يجب عليه الاتمام ويكفي عن المنوب عنه. بل يحتمل ذلك وان كان في اثناء الطريق قبل الدخول في الاحرام. اقول: قد عرفت ان موضوع الحكم بوجوب الاستنابة هو عدم القدرة واقعا، وإما اليأس أو عدم رجاء الزوال فليس مأخوذا فيه، وانما تجب الاستنابة اعتمادا على الاصل وهو استصحاب بقاء العذر، أو اعتمادا على حجة اخرى كالاطمينان ببقاء العذر واليأس من زواله والتكليف الواقعي لم ينقلب وهو باق على حاله ولم يقيد بسنة خاصة وموضوع اجزاء فعل النائب هو عدم قدرة المنوب عنه على المباشرة، والمفروض تمكنه من المباشرة ومعه لا مجال للاجزاء، لعدم اجزاء الحكم

[ 248 ]

الظاهري عن الواقعي، وقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) ظاهر في لزوم المباشرة على المستطيع، وهذا الشخص داخل في عنوان المستطيع واقعا، ولو في السنة الآتية، ودليل وجوب الاستنابة لا يشمل مثل هذا الشخص واقعا. فتلخص من جميع ما تقدم: ان موضوع وجوب الاستنابة هو واقع العذر ولا بد من احرازه بالطرق العقلائية كالاطمينان أو اليأس من زوال العذر فانه أيضا طريق عقلائي، ولو انكشف الخلاف بقي الواقع على حاله فهو ممن يطيق الحج ويتمكن من اتيانه غاية الامر انه لا يعلم بذلك وكذا الحال في مورد رجاء الزوال، لاستصحاب بقاء العذر بناءا على جريان الاستصحاب في الامر الاستقبالي، فيستصحب بقاء العجز وعدم تجدد القدرة، إلا ان الحكم حينئذ حكم ظاهري ومقتضى القاعدة عدم الاجزاء عن الواقع وتجب المباشرة على المنوب عنه بعد انكشاف الخلاف. وان شئت قلت: ان عدم الطاقة لم يؤخذ في موضوع وجوب الاستنابة فان عدم الطاقة المذكور في روايات الشيخ الكبير انما هو من باب بيان المورد، وانما المأخوذ في موضوع وجوب الاستنابة هو الحيلولة بينه وبين الحج بالعذر، كما هو المستفاد من صحيح الحلبي والمراد بالحج الذي حال دونه المرض هو طبيعي الحج، ولذا لو علم بارتفاع العذر إلى السنة الآتية لا تجب الاستنابة بلا خلاف، ولا يمكن اثبات عنوان الحيلولة باستصحاب بقاء العذر إلا على الاصل المثبت، لان عنوان الحيلولة امر وجودي لا يمكن اثباته باستصحاب بقاء العذر ولا اصل في المقام يحرز به الحيلولة، فمع رجاء الزوال لا تجب الاستنابة لعدم احراز عنوان الحيلولة.

[ 249 ]

نعم لا بأس بالاستنابة رجاءا وإذا انكشف بقاء العذر وعدم زواله يجزي وإلا فلا، فوجوب الاستنابة يختص بصورة اليأس من زوال العذر أو الاطمينان الشخصي ببقائه أو غير ذلك من الطرق القائمة على بقائه كاخبار الطبيب ونحوه. الامر الرابع: لا ريب في اجزاء حج النائب إذا استمر العذر إلى ان مات المنوب عنه ولا يجب القضاء بعد موته، وإما إذا اتفق ارتفاع العذر بعد الاعمال فقد ذكر انه لا تجب المباشرة على المندوب عنه بل وكذا لو ارتفع العذر في اثناء العمل بعد احرام النائب فانه يجب عليه الاتمام ويكفي عن المنوب عنه، بل احتمل الاكتفاء إذا ارتفع العذر اثناء الطريق قبل الدخول في الاحرام. وفيه ما لا يخفى فانه لو قلنا بعدم الاجزاء بعد ارتفاع العذر وبعد تمام الاعمال فالامر واضح في المقام جدا، وان قلنا بالاجزاء فلا نقول به في هاتين الصورتين وهما ارتفاع العذر في الاثناء وارتفاعه قبل الدخول في الاحرام، وذلك لانفساخ الاجارة، لان ارتفاع العذر كاشف عن عدم مشروعية النيابة والاجارة، لما عرفت ان موضوع وجوب النيابة والاجارة هو عدم الطاقة وعدم التمكن أو الحيلولة بينه وبين الحج، والمفروض حصول التمكن وعدم ثبوت الحيلولة وانما احتمل بقاء العذر وتخيل الحيلولة، وما لم يحرز موضوع النيابة لا تصح الاجارة وتنفسخ قهرا، سواء امكن اخبار النائب ام لا. وبعبارة اخرى: الاجارة محكومة بالفساد لانها وقعت على عمل غير مشروع لتعلقها بعمل الحي الذي يطبق الحج ولايجوز الاستيجار عليه فتجب على المستأجر المباشرة والاتيان بالحج بنفسه ويجب على الاجير اتمام الحج عن نفسه.

[ 250 ]

الامر الخامس: هل يختص وجوب الاستنابة بالعذر الطارئ أو يعم العذر الخلقي الاصلي؟ فيه خلاف، ربما يقال: باختصاصه بالعذر الطارئ وسقوط الفرض عن المعذور خلقة بالمرة. ولا نعرف وجها لهذا التفصيل اصلا لاطلاق صحيح الحلبي المتقدم فان عنوان الحيلولة صادق على المعذور خلقة واصالة وكذلك قوله: (من يعذره الله فيه) وكذا لا فرق بين مالو عرض العذر قبل الاستطاعة ثم استطاع وما إذا حصل بعد الاستطاعة لاطلاق صحيح الحلبي. الامر السادس: إذا لم يتمكن المعذور من الاستنابة لعدم وجود النائب أو وجوده مع عدم رضاه إلا باخذ مال كثير يبلغ الحرج والاجحاف، أو يبلغ حد الضرر الزائد على المتعارف، لا تجب الاستنابة لعدم القدرة، أو لنفي الحرج أو لنفي الضرر بناءا على ما ذكرنا من جريانه حتى في الاحكام الضررية إذا كان الضرر اللازم ازيد من المتعارف الذي يقتضيه طبع الحج. ولو مات والحال هذه فوجد النائب أو رضي باخذ الاجرة المتعارفة فهل يجب القضاء عنه ام لا؟ لا ريب في وحوب القضاء عنه إذا كان الحج مستقرا عليه إذ لا دليل على سقوطه بعد الاستقرار واهماله وتسويفه في الاتيان، ومجرد عدم التمكن من اتيانه في زمان حياته لا يوجب سقوط القضاء عنه. انما الكلام فيما إذا لم يستقر عليه الحج فمات في عام الاستطاعة وعدم التمكن من الاستنابة. والظاهر عدم وجوب القضاء عنه لعدم تنجز التكليف عليه مباشرة للعذر من المرض والحصر، وعدم وجوب الاستنابة عليه في زمان حياته لعدم وجود النائب أو لامر آخر من الضرر أو الحرج فالحج

[ 251 ]

لا يجب عليه لا مباشرة ولا نيابة فلا موضوع لوجوب القضاء عنه. ثم انك قد عرفت ان موضوع وجوب الاستنابة هو الحيلولة بينة وبين الحج بالعذر ولا عبرة باليأس أو رجاء الزوال إلا من باب الطريقية، يترتب على هذا انه لو استناب مع رجاء الزوال وحصل اليأس بعد عمل النائب فالظاهر هو الاجتزاء، لان الموضوع وهو الحيلولة الواقعية متحقق غاية الامر انه لا يعلم به ولا يدري بتحققه واقعا. فما ذكره السيد في المدارك من عدم الاجزاء لعدم وجود اليأس حين الاستنابة والمفروض عدم الوجوب مع عدم اليأس. ضعيف، لان اليأس وان لم يكن موجودا حين الاستنابة ولكن لا عبرة به لانه لم يكن قيدا في الوجوب ولم يكن مأخوذا في الموضوع وانما هو طريق إلى وجود العذر وتحقق الحيلولة والمفروض انها حاصلة واقعا، فموضوع وجوب الاستنابة متحقق. الامر السابع: لو تبرع عنه متبرع فهل يجزي ام لا؟ ذهب في المتن إلى الاول. والظاهر هو الثاني. وذلك لان المستفاد من النصوص لزوم الاحجاج والارسال إلى الحج والتجهيز إليه، ونشك في سقوط ذلك بفعل الغير تبرعا ومقتضى الاصل عدمه، بل مقتضي الاطلاق المتسفاد من الروايات وجوب الاستنابة، وان يكون حج الغير مستندا إليه بالتسبيب، فان الواجب عليه اتيان الحج مباشرة أو تسبيبا وشئ منهما لا يصدق على الحج التبرعي، فان الظاهر من قوله - ع -: (ليجهز رجلا) كما في روايات الشيخ الكبير ان يكون الحج الصادر من الغير بامره وتسببيه ولا دليل على سقوطه بفعل الغير تبرعا. وقد ذكرنا نظير ذلك في باب الخمس من عدم سقوطه بتبرع الغير.

[ 252 ]

الامر الثامن: هل تكفي الاستنابة من الميقات أو تلزم من البلد وجهان؟ اظهرهما الكفاية، لان المذكور في صحيح معاوية بن عمار، والحلبي وابن سنان (ان يجهز رجلا ليحج عنه وان يحج عنه من ماله) ولم يؤخذ الا بتداء من مكان خاص، أو من بلده، فلو اعد مالا وجهز رجلا ليحج عنه من أي مكان كان صدق انه جهز رجلا للحج عنه. وبالجملة المستفاد من النصوص الاحجاج وارسال شخص للحج عنه ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بالنسبة إلى الاماكن. نعم في صحيح ابن مسلم ورد قوله: (ليبعثه مكانه). وربما يقال: ظاهر البعث هو الارسال من مكانه ولكن قد عرفت ان هذه الصحيحة اجنبية عن المقام لا ختصاصها بالحج الارادي التطوعي مع ان البعث لا يختص ببلد خاص ويصدق البعث بالارسال من أي بلد شاء، فلو كان من اهالي النجف الاشرف - مثلا - وارسل شخصا من البصرة أو المدينة المنورة للحج عنه يصدق انه بعث رجلا للحج عنه مكانه. الامر التاسع: هل يختص وجوب الاستنابة بحج الاسلام أو يعم الحج النذرى والافسادي؟. اما الحج الافسادي فان قلنا: بان الحج الاول الفاسد ليس بحج الاسلام وان وجب اتمامه تعبدا وحج الاسلام انما هو ما يحجه في القابل فحينئذ لا ريب في وجوب الاستنابة لانه هو حج الاسلام بعينه وقد استقر عليه في ذمته، فيجري فيه الحكم بوجوب الاستنابة. وان كان حج الاسلام هو الاول والحج الثاني من باب العقوبة، والكفارة، فحينئذ لا بأس بهذا البحث. وقد استشكل المصنف - ره - في المقام ولكن في المسألة الحادية

[ 253 ]

عشر من الفصل الآتي جزم بالتعميم. وكيف كان فالظاهر عدم وجوب الاستنابة فان الروايات لا يستفاد منها ذلك، اما روايات الشيخ الكبير فموردها حج الاسلام كما هو واضح جدا فان موردها الشيخ الذي لم يحج قط فلا يتصور في حقه الحج الافسادي والعقوبتي. واما صحيح الحلبي فظاهره أيضا حج الاسلام لقوله: (وان كان موسرا) فان اليسار يناسب حج الاسلام الاصلي المعتبر فيه اليسار، فتعميم الحكم للحج العقوبتي يحتاج إلى دليل وهو مفقود. نعم صحيح ابن مسلم مطلق من حيث اقسام الحج من الاصلي والعقوبتي لقوله: (لو ان رجلا اراد الحج) ولكن قد عرفت انه اجبني عن المقام لان مورده الحج التطوعي الارادي ولا يشمل الحج الواجب باصل الشريعة. واما الحج النذري: فان كان مقيدا بسنة معينة أو كان غير معين وعجز عن المباشرة، فمقتضي القاعدة بطلان النذر لعدم القدرة على الامتثال فلا مورد للاستنابة، واما نذر الصوم إذا صادف يوم العيد أو السفر فانما وجب قضائه للنص (1) وإلا فمقتضى القاعدة هو البطلان ولم يرد أي نص في المقام. وإذا استقر عليه الحج النذري وتنجز ولكنه تركه اختيارا أو عصيانا ثم عجز عن المباشرة، فالظاهر عدم وجوب الاستنابة لان الروايات الدالة على وجوب الاستنابة موردها الحج الاصلي وهي اجنبية عن الحج النذري فحاله حال الحج العقوبتي وهو معذور عند الله ولا يتمكن من الاتيان بنفسه ولا دليل على وجوب الاستنابة فيه.


(1) الوسائل: باب 13 من كتاب النذر ح 1.

[ 254 ]

[ (مسألة 73): إذا مات من استقر عليه الحج في الطريق فان مات بعد الاحرام ودخول الحرم اجزئه عن حجة الاسلام فلا يجب القضاء عنه، وان مات قبل ذلك وجب القضاء عنه وان كان موته بعد الاحرام على المشهور الاقوى (1) ] (1) يقع الكلام تارة: فيمن استقر عليه الحج واخرى فيمن لم يستقر عليه الحج. اما الاول فان مات بعد الاحرام ودخول الحرم فلا ريب في الاجزاء عن حجة الاسلام ولا يجب القضاء عنه بلا خلاف بيننا ويدل عليه النصوص. منها: صحيح ضريس عن أبي جعفر (ع) (قال في رجل خرج حاجا حجة الاسلام) فمات في الطريق، فقال: ان مات في الحرم فقد اجزئت عنه حجة الاسلام وان مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام) (1). وظاهر الاخبار وان كان عدم الفرق بين الا ستقرار وعدمه ولكن كلامنا فعلا فيمن استقر عليه الحج وسيأتي حكم من لم يستقر عليه قريبا (ان شاء الله تعالى). نعم ظاهر صحيح زرارة عدم الاجزاء قبل ان ينتهي إلى مكة والاجزاء إذا انتهى إليها (قال: قلت: فان مات وهو محرم قبل ان ينتهي إلى مكة، قال: يحج عنه ان كان حجة الاسلام) (2) إلا انه


(1) الوسائل باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 1. (2) الوسائل باب 26 من ابواب وجوب الحج ح 3.

[ 255 ]

لابد من رفع اليد عن ظهوره لصراحة تلك الروايات في الاجزاء بدخول الحرم فانها اقوى دلالة من صحيح زرارة لان دلالتها بالمنطوق ودلالته بالمفهوم. ويحتمل ارادة الحرم من كلمة مكة المذكورة في صحيحة زرارة وشمولها للحرم باعتبار توابعها ونواحيها مع العلم بان الفصل بين الحرم ومكة قليل جدا يبعد دعوى شمول مكة لذلك كما هو الحال في اطلاق ساير اسامي البلاد والامكنة. وأما إذا مات قبل دخول الحرم وبعد الاحرام فالمشهور عدم الاجزاء ويجب القضاء عنه لاشتغال ذمته بالحج ولا دليل على الاجزاء بمجرد الاحرام والدليل انما دل على الاجزاء بعد الاحرام ودخول الحرم. خلافا لما عن الشيخ وابن ادريس فقالا بالاجزاء وليس لهما دليل إلا اشعار بعض الاخبار كصحيح بريد العجلي (قال: وان كان مات وهو صرورة قبل ان يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام) (1) فان قوله: (قبل ان يحرم) ويراد به قبل الاحرام ومفهوم ذلك الاجزاء إذا مات بعد الاحرام فالميزان بالاحرام وعدمه لا بدخول الحرم وغيره. وما احتمله المصنف (رحمه الله) من ان قوله: (قبل ان يحرم) يراد به قبل ان يدخل الحرم كما يقال: (انجد) إذا دخل نجد (وايمن) إذا دخل اليمن بعيد جدا. ولكن يرد على الاستدلال بصحيح بريد وجوه. الاول: ان اطلاق مفهوم ذيله المستشهد به على الاجزاء يعارض اطلاق مفهوم صدره الدال على عدم الاجزاء لقوله (ع) في الصدر (ان كان صرورة ثم مات في الحرم فقد اجزء عنه حجة الاسلام)


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 256 ]

فيعلم ان الملاك في الاجزاء وعدمه بدخول الحرم وعدمه، ومقتضى القاعدة التساقط والرجوع إلى ادلة اخرى دالة على وجوب القضاء على المستقر، ولا معارض لتلك الادلة إلا هذه الصحيحة الساقطة بالمعارضة بين صدرها وذيلها. الثاني: ان صحيح زرارة بصراحة منطوقه يدل على عدم الاجزاء ان مات قبل مكة المراد به قبل الحرم كما عرفت وان كان محرما فيعلم ان الميزان هو دخول الحرم فترفع اليد عن مفهوم صحيح بريد. الثالث: ان صحيح بريد لا يدل بمفهومة على الاجزاء وانما يدل على ان لو مات قبل الاحرام (جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الاسلام) واما إذا مات بعد الاحرام فهذا الحكم - وهو جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الاسلام - مرتفع. وبعبارة اخرى: يدل الصحيح على انه لو مات في الطريق قبل الاحرام يصرف امواله التي معه في حجة الاسلام واما لو مات بعد الاحرام فلا دلالة له على الاجزاء وان لم يكن له مال ولا جمل ولا نفقة وانما غايته ان الحكم بصرف الاموال في حجة الاسلام مرفوع، واما الاجزاء بعد الاحرام أو عدمه فهو ساكت عنه فلم ينعقد له اطلاق من هذه الناحية فلابد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة والادله الاولية وهو اخراج حجه من صلب ماله ومن امواله الاخر غير ما اخذ معه في الطريق. ثم ان الظاهر من الروايات اختصاص الحكم بالاجزاء بمن كان محرما ودخل الحرم واما من ترك الاحرام نسيانا أو عصيانا ودخل الحرم فلا تشمله النصوص وانما تدل على الاجزاء إذا اجتمع الامران وهما: دخول الحرم والاحرام،

[ 257 ]

[ خلافا لما عن الشيخ وابن ادريس فقالا بالاجزاء حينئذ أيضا ولا دليل لهما على ذلك إلا اشعار بعض الاخبار كصحيحة بريد العجلي. حيث قال فيها - بعد الحكم بالاجزاء (إذا مات في الحرم - وان كان مات وهو صرورة قبل ان يحرم - جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الاسلام -) فان مفهومه الاجزاء إذا كان بعد ان يحرم، لكنه معارض بمفهوم صدرها وبصحيح ضريس، وصحيح زرارة، ومرسل المقنعة مع انه يمكن ان كون المراد من قوله: (قبل ان يحرم) قبل ان يدخل في الحرم كما يقال: انجد أي دخل في نجد وايمن إذا دخل في اليمن فلا ينبغي الاشكال في عدم كفاية الدخول في الاحرام كما لا يكفي الدخول في الحرم بدون الاحرام، كما إذا نسيه في الميقات ودخل الحرم ثم مات. لان المنساق من اعتبار الدخول في الحرم كونه بعد الاحرام ] ويدل على ذلك مضافا إلى الانصراف وان المنساق من اعتبار الدخول في الحرم كونه بعد الاحرام، جملة من الروايات كقوله: في صحيح ضريس المتقدم (خرج حاجا حجة الاسلام) فان المراد بقوله: (حاجا) هو الدخول محرما، وإلا لم يكن بحاج، واوضح منه مفهوم صحيح زرارة المتقدم قال: (قلت فان مات وهو محرم قبل ان ينتهى إلى مكة) فيعلم ان العبرة في الاجزاء بالاحرام ودخول الحرم.

[ 258 ]

[ ولا يعتبر دخول مكة، وان كان الظاهر من بعض الاخبار ذلك، لاطلاق البقية في كفاية دخول الحرم والظاهر عدم الفرق بين كون الموت حال الاحرام أو بعد الاحلال كما إذا مات بين الاحرامين. وقد يقال. بعدم الفرق ايضا بين كون الموت في الحل، أو الحرم بعد كونه بعد الاحرام ودخول الحرم. وهو مشكل لظهور الاخبار في الموت في الحرم (1). ] (1) ما ذكره وان كان احوط، ولكن لا يبعد الاجزاء إذا مات في الخارج، إذا لا خصوصية للموت في الحرم، والموت في الحرم انما جعل مقابلا للموت خارج الحرم في النص باعتبار انه ان مات بعد الدخول في الحرم يجزي وان مات قبل الدخول في الحرم لا يجزي فموضوع القضاء وعدم الاجزاء هو الموت قبل الدخول في الحرم ولا يشمل الموت خارج الحرم بعد الدخول فيه والخروج منه. واوضح من ذلك دلالة صحيح زرارة حيث لم يؤخذ في الاجزاء الموت في مكة لان المذكور فيه الموت قبل الانتهاء إلى مكة ويدل بمفهومه على الاجزاء لو مات بعد الانتهاء إلى مكة ومقتضى اطلاقه عدم الفرق بين ما لو مات في الحرم أو مات في خارجه بعد الدخول فيه. فتلخص من جميع ما تقدم: انه لو مات من استقر عليه الحج قبل الاحرام يجب الحج عنه وكذا لو مات بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم كما لا ريب في الاجزاء ان مات بعدهما.

[ 259 ]

[ والظاهر عدم الفرق بين حج التمتع والقران والافراد (1) كما ان الظاهر انه لو مات في اثناء عمرة التمتع اجزئه عن حجه ايضا. بل لا يبعد الاجزاء - إذا مات في اثناء حج القران أو الافراد - عن عمرتهما وبالعكس لكنه مشكل، لان الحج والعمرة فيهما عملان مستقلان بخلاف حج التمتع فان العمرة فيه داخلة في الحج، فهما عمل واحد. ثم الظاهر اختصاص حكم الاجزاء بحجة الاسلام فلا يجري الحكم في ] (1) لان العبرة في الاجزاء بكون الحجة حجة الاسلام من دون فرق بين اقسام الحج، كما انه لا مانع من الحكم بالاجزاء عن حجة الاسلام إذا مات في اثناء عمرة التمتع، لان حجة الاسلام عمل واحد مركب من العمرة والحج. وأما العمرة المفردة لو مات في اثنائها فالظاهر عدم الاجزاء لانه على خلاف القاعدة والمفروض انه لم يأت بالمأمور به وانما احرم ودخل الحرم ولم يأت ببقية الاعمال واجزاء ذلك عن بقية الاعمال يحتاج إلى دليل، والنص خاص بالحج ولا يشمل العمرة المفردة. وأما من كانت وظيفته حج القران والافراد ومات في اثناء الحج فيجزي عن حجه لاطلاق النصوص. وإما الاجزاء عن عمرتهما فمشكل لان الحج والعمرة فيهما عملان مستقلان واجزاء احدهما عن الاخر يحتاج إلى الدليل، والدليل انما قام بالنسبة إلى العمل الواحد وهو حج التمتع فان العمرة فيه داخلة في الحج وهما عمل واحد.

[ 260 ]

[ حج النذر والافساد إذا مات في الاثناء (1) بل لا يجري في العمرة المفردة ايضا وان احتمله بعضهم. وهل يجري الحكم المذكور فيمن مات مع عدم استقرار الحج عليه، فيجزئه عن حجة الاسلام إذا مات بعد الاحرام ودخول الحرم، ويجب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك؟ وجهان، بل قولان: (2) ] (1) لما عرفت من ان الاجزاء على خلاف القاعدة ويحتاج إلى دليل خاص ولا دليل على ذلك في المقام والدليل انما هو في مورد حج الاسلام، والحج النذري والافسادي ليسا بحج الاسلام، بناءا على ان حج الاسلام في مورد الحج الافسادي هو الاول والثاني من باب العقوبة، فيجب القضاء عنه فان قلنا بانه يخرج من صلب المال كالحج الاصلي فهو وإلا فان اوصى يخرج من الثلث. (2) الظاهر عدم الفرق في الحكم المذكور بين من استقر عليه الحج وبين من لم يستقر عليه لاطلاق النصوص وعدم اختصاصها بمن استقر الحج عليه، فمن لم يستقر الحج عليه إذا مات في عام الاستطاعة بعد الاحرام ودخول الحرم أجزائه عن حجة الاسلام ولا يجب القضاء عنه وإما إذا مات قبل ذلك فيقضى عنه لاطلاق قوله (ع) في صحيح ضريس (في رجل خرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق، وان مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام). ولا مانع من الالتزام بوجوب القضاء عنه إلا ما قيل: من ان الموت في عام الا ستطاعة يكشف عن عدم الاستطاعة كما إذا عرض عارض اخر غير الموت في عام الاستطاعة أو مات في بلده فان ذلك يكشف عن عدم الاستطاعة

[ 261 ]

[ من اطلاق الاخبار في التفصيل المذكور، ومن انه لا وجه لوجوب القضاء عمن لم يستقر عليه بعد كشف موته عن عدم الاستطاعة الزمانية ولذا لا يجب إذا مات في البلد قبل الذهاب أو إذا فقد بعض الشرائط الاخر مع كونه موسرا. ومن هنا ربما يجعل الامر بالقضاء فيها قرينة على اختصاصها بمن استقر عليه، وربما يحتمل اختصاصها بمن لم يستقر عليه. وحمل الامر بالقضاء على الندب. وكلاهما مناف لاطلاقها مع انه على الثاني يلزم بقاء الحكم فيمن استقر عليه بلا دليل مع انه مسلم بينهم، والاظهر الحكم بالاطلاق. اما بالتزام وجوب القضاء في خصوص هذا المورد من الموت في الطريق - كما عليه جماعة - وان لم يجب إذا مات مع فقد سائر الشرائط، ] فلا موضوع لوجوب القضاء عنه وقوله - ع - (فليقض عنه وليه) يحمل على الجامع بين الوجوب والاستحباب وانما التزمنا بوجوب القضاء عمن استقر الحج عليه لدليل خارجي آخر كالاجماع ونحوه. وفيه: ان انكشاف عدم الاستطاعة بالموت في اثناء الطريق - عام الاستطاعة - وان كان امرا صحيحا في نفسه ولكن مع ذلك لا ينافي وجوب القضاء في خصوص من احرم ومات، واختصاص الحكم بوجوب القضاء بمن استقر الحج عليه، بلا موجب بعد اطلاق النصوص خصوصا ان اكثر من يخرج إلى الحج لا سيما في الازمنة السابقة ممن

[ 262 ]

[ أو الموت وهو في البلد. واما بحمل الامر بالقضاء على القدر المشترك واستفادة الوجوب فيمن استقر عليه من الخارج، وهذا هو الاظهر. فالاقوى جريان الحكم المذكور فيمن لم يستقر عليه ايضا. فيحكم بالاجزاء إذا مات بعد الامرين واستحباب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك. ] استطاع في نفس السنة التي حج فيها، فقوله - ع - (ان مات دون الحرم فليقض عنه وليه) يشمل من لم يتسقر الحج عليه ولا سيما بملاحظة كثرة ذلك في الزمان السابق. وبالجملة مقتضى اطلاق النص وجوب القضاء عمن لم يستقر الحج عليه إذا مات بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم، ولا اجماع على عدم الوجوب ولامانع من الالتزام بذلك فانه حكم تعبدي يؤخذ به حسب ما يقتضيه اطلاق الدليل ولا موجب للتقييد بمن استقر الحج عليه بل لا يبعد القول بوجوب القضاء لو مات قبل الاحرام ويخرج مصارفه من جمله وزاده ونفقته كما في صحيح بريد العجلي المتقدم ولا يخرج من صلب ماله قال: - ع - (وان كان مات وهو صرورة قبل ان يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام) (1). والحاصل مقتضى التعبد بظاهر النص ان مات قبل الاحرام يصرف ما معه من الجمل والزاد والنفقة في الحج عنه وان كان ممن لم يستقر الحج عليه، وان لم يكن معه مال من الجمل والزاد والنفقة فلا يخرج من صلب المال فتحصل من مجموع ما ذكرنا: ان من لم


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 263 ]

[ (مسألة 74): الكافر يجب عليه الحج إذا استطاع لانه مكلف بالفروع لشمول الخطابات له ايضا. ولكن لا يصح منه مادام كافرا كسائر العبادات، وان كان معتقدا لوجوبه وآتيا به على وجهه مع قصد القربة، لان الاسلام شرط في الصحة (1). ] يستقر الحج ان خرج حاجا ومات بعد الاحرام والحرم فلا ريب في الاجزاء ولا يجب القضاء عنه وان مات بعد الاحرام وقبل دخول الحرم يجب القضاء عنه، وان خرج حاجا ومات قبل الاحرام يصرف جمله وزاده ونفقته التي اخذها معه في حج الاسلام كما في صحيح بريد ولا يخرج من صلب ماله. نعم إذا مات في بلده لا يجب القضاء عنه ويكشف الموت عن عدم الاستطاعة. (1) ان قلنا بان الكافر غير مكلف بالفروع كما استظهرناه من بعض الروايات المعتبرة (1) واخترناه فلا اشكال في المقام، فان أسلم وكانت استطاعته باقية أو استطاع من جديد يجب عليه الحج. ولو قلنا بانه مكلف بالفروع كما هو المشهور وأسلم واستطاع أو كانت استطاعته باقية أيضا لا اشكال في وجوب الحج عليه لفعلية موضوعه، وان زالت استطاعته واسلم لا يجب عليه الحج متسكعا لان الاسلام يجب ما قبله كما هو الحال في ساير عباداته من الصلاة والصيام إذ لا يجب على الكافر قضاء ما فاته من عباداته إذا اسلم، وهذا امر متسالم عليه وقد قامت السيرة القطعية على ذلك من زمن النبي الاكرم (صلى الله عليه


(1) اصول الكافي: ج 1 ص 180 ح 3.

[ 264 ]

وآله وسلم) وزمن الائمة (عليهم السلام). وروايات الجب (1) وان كانت ضعيفة السند ولم ترو من طرقنا ولكن لا حاجة إليها فان الحكم بعدم وجوب القضاء على الكفار إذا اسلم متسالم عليه ولا ينبغي الريب فيه اصلا. وقد يشكل في الحكم بعدم الوجوب في خصوص الحج لان الحج غير موقت بوقت ليتصور فيه القضاء. والحكم بعدم وجوب القضاء انما يصح في العبادات الموقتة، والحج غير موقت بوقت خاص، فيجب عليه الحج حيث تمكن، نظير ما لو اسلم الكافر في اثناء الوقت فانه يجب عليه الصلاة حسب ما يتمكن، ولا يجرى فيه حديث الجب. وفيه: ان الحج وان لم يكن مقيدا بسنة خاصة ولم يكن موقتا على نحو الواجبات الموقتة ولا يجري فيه القضاء على نحو الواجبات الموقتة إلا ان موضوعه الاستطاعة وإذا زالت الاستطاعة زال الوجوب لعدم فعلية الحكم بعدم فعلية موضوعه، وانما التزمنا بوجوب الحج متسكعا وبعد زوال الاستطاعة على من استقر عليه الحج واهمل حتى زالت الاستطاعة للنصوص الخاصة وهي: اخبار التسويف (2). وإلا لو كنا نحن ومقتضى القاعدة الاولية لقلنا بعدم وجوب الحج متسكعا على من اهمل وزالت استطاعته لولا الحكم بزوال موضوعه، فالوجوب الثابت بعد زوال الاستطاعة لم يكن بالوجوب الاول وانما هو وجوب اخر ثبت بدليل آخر، وحاله حال الصلاة والصيام في كون الوجوب الثاني بدليل اخر وبأمر جديد، وهذه النصوص لا تشمل المقام لعدم شمول التسويف والاهمال له.


(1) مسند احمد ج 4 ص 199. (2) الوسائل باب 6 من أبواب وجوب الحج.

[ 265 ]

[ ولو مات لا يقضي عنه لعدم كونه اهلا للاكرام والابراء (1) ولو اسلم مع بقاء استطاعته وجب عليه، وكذا لو استطاع بعد اسلامه. ولو زالت استطاعته ثم اسلم لم يجب عليه على الاقوى لان الاسلام يجب ما قبله كقضاء الصلاة والصيام، حيث انه واجب عليه حال كفره كالاداء وإذا سلم سقط عنه ودعوى: انه لا يعقل الوجوب عليه، إذ لا يصح منه إذا اتى به وهو كافر ويسقط عنه إذا اسلم. مدفوعة: بانه يمكن ان يكون الامر به حال كفره امرا تهكميا ليعاقب لا حقيقيا لكنه مشكل (2). ] (1) لو مات كافرا لا يقضي عنه ولا يخرج من تركته، لعدم وجوب الحج عليه مباشرة - لعدم صحته منه لان الاسلام شرط في الصحة - ولا نيابة لعدم الدليل على ذلك، وسيأتي في بحث النيابة اشتراط كون المنوب عنه مسلما ولا تصح النيابة عن الكافر إلا في الناصب إذا كان ابا للنائب كما في النص (1). (2) وقع الكلام في استحقاق الكافر العقاب بتركه قضاء ما فاته من الواجبات ولا اثر عملي لهذا البحث لانه بحث كلامي لا فقهي، ومع ذلك وقع الخلاف فيه بين الفقهاء. ذهب المشهور إلى انه يعاقب، ولكن السيد في المدارك اشكل في ذلك، وذكر انه لا يعقل الوجوب عليه لانه مادام كافرا لا يتمكن من


(1) الوسائل باب 20 من أبواب النيابة في الحج ح 1.

[ 266 ]

[ بعد عدم امكان اتيانه به لا كافرا ولا مسلما. والاظهر ان يقال: انه حال استطاعته مأمور بالاتيان به مستطيعا وان تركه فمتسكعا، وهو ممكن في حقه لا مكان اسلامه واتيانه مع الاستطاعة ولا معها ان ترك فحال الاستطاعة مأمور به في ذلك الحال، ومأمور على فرض تركه حالها بفعله بعدها وكذا يدفع الاشكال في قضاء الفوائت. فيقال: انه في الوقت مكلف بالاداء مع تركه بالقضاء وهو مقدور له بان يسلم فيأتي بها اداءا ومع تركها قضاءا. فتوجه الامر. ] ادائه لان الاسلام شرط في الصحة وإذا اسلم يسقط عنه التكليف بالقضاء، فهذا التكليف غير قابل للامتثال ولا يمكن ان يكون داعيا وما لم يكن كذلك لا يصح العقاب على مخالفته. وبعبارة اخرى في حال الكفر لا يعقل الوجوب عليه لعدم التمكن من جهة فقدان الشرط وهو الاسلام وإذا حصل الشرط زال الوجوب. وقد تصدى جماعة لجوابه ولا يرجع جميعه إلى محصل وقد تعرضنا لذلك مفصلا في بحث قضاء الصلاة. واجاب المصنف في المقام عن الاشكال بجوابين. احدهما: ان الامر به حال كفره تهكمي استهزائي صوري ليعاقب لا حقيقي. وهذا منه عجيب، فان الامر إذا كان صوريا لا حقيقيا كيف توجب مخالفته العقاب. ثانيهما: انه يمكن توجه التكليف إليه غلى نحو للواجب المعلق فيصح عقابه.

[ 267 ]

[ بالقضاء إليه انما هو في حال الاداء على نحو الامر المعلق فحاصل الاشكال: انه إذا لم يصح الاتيان به حال الكفر ولا يجب عليه إذا اسلم، فكيف يكون مكلفا بالقضاء ويعاقب على تركه، وحاصل الجواب: انه يكون مكلفا بالقضاء في ] بيان ذلك: انه مكلف بالاداء في الوقت وبالقضاء في خارج الوقت وكلاهما متوقف على الاسلام وهو مقدور له، فيتمكن من اتيانه اداءا وقضاءا بمعنى انه لو كان مسلما يجب عليه الاداء في الوقت والقضاء في خارجه، وإذا ترك الاسلام في الوقت فوت على نفسه شرط صحة الاداء والقضاء وحيث انه ترك المقدمة اختيارا يصح عقابه. وبعبارة اخرى: هذا الشخص لو كان مسلما وترك الاتيان بالواجب في الوقت وجب عليه القضاء ولو تركه ايضا استحق العقاب، فهو مكلف بالقضاء في وقت الاداء على نحو الوجوب المعلق، ومع تركه الاسلام في الوقت فوت على نفسه الاداء والقضاء اختيارا فيستحق العقاب عليه. وفيه: ان الوجوب المعلق وان كان ممكنا في نفسه لكن ثبوته يحتاج إلى دليل ولا دليل في المقام بل الدليل على عدمه لان القضاء موضوعه الفوت وما لم يتحقق الفوت لا يؤمر بالقضاء. والصحيح في الجواب عن اصل الاشكال ان يقال: انه بناءا على تكليف الكفار بالفروع ان الكافر وان كان لا يمكن تكليفه بالقضاء إلا انه يعاقب بتفويته الملاك الملزم على نفسه اختيارا. وتفصيل الكلام في محله.

[ 268 ]

[ وقت الاداء على نحو الوجوب المعلق، ومع تركه الاسلام في الوقت فوت على نفسه الاداء والقضاء، فيستحق العقاب عليه. وبعبارة اخرى كان يمكنه الاتيان بالقضاء بالاسلام في الوقت إذا ترك الاداء وحينئذ فإذا ترك الاسلام ومات كافرا يعاقب على مخالفة الامر بالقضاء وإذا اسلم يغفر له وان خالف ايضا واستحق العقاب. (مسألة 75): لو احرم الكافر ثم اسلم في الاثناء لم يكفه ووجب عليه الاعادة من الميقات، ولو لم يتمكن من العود إلى الميقات احرم من موضعه (1) ولا يكفيه ادارك احد الوقوفين مسلما، لان احرامه باطل. (مسألة 76): المرتد يجب عليه الحج، سواء كانت استطاعته حال اسلامه السابق أو حال ارتداده ولا يصح منه ] (1) لان الاسلام شرط لصحة جميع اجزاء الحج، فلو احرم كافرا لم ينعقد احرامه صحيحا لفقد شرطه فيجب عليه الرجوع إلى الميقات والاحرام من جديد، وان لم يتمكن من العود إلى الميقات احرم من مكانه وموضعه على تفصيل سيأتي في محله (ان شاء الله) ولو ادرك احد الموقفين مسلما لا يجزي لبطلان احرامه واعماله السابقة ولا دليل على الاجتزاء بذلك، والنص انما ورد في خصوص العبد إذا ادرك احد الموقفين حرا.

[ 269 ]

[ فان مات قبل ان يتوب يعاقب على تركه ولا يقضي عنه على الاقوى لعدم اهليته للاكرام وتفريغ ذمته كالكافر الاصلي (1) وان تاب وجب عليه وصح منه وان كان فطريا على الاقوى من قبول توبته سواء بقيت استطاعته أو زالت قبل توبته فلا تجري فيه قاعدة حب الاسلام لانها مختصة بالكافر الاصلي بحكم التبادر. ولو احرم في حال ردته ثم تاب وجب عليه الاعادة كالكافر الاصلي. ولو حج في حال اسلامه ثم ارتد ] (1) ما ذكرناه في الكفار من تكليفه بالفروع وعدمه وصحة عقابه وعدمها، انما يختص بالكافر الاصلي، وإما المرتد بكلا قسميه، الفطري والملي، فهو محكوم بالحج جزما ويعاقب على تركه سواء كانت استطاعتة حال اسلامه السابق أو حال ارتداده. اما إذا استطاع حال اسلامه فلا كلام. وإما إذا استطاع حال ارتداده يجب الحج عليه أيضا بناءا على المشهور من تكليف الكفار بالفروع، وإما بناءا على ما استظهرناه من عدم تكليف الكفار بالفروع، فيختص ذلك بالكافر الاصلي، واما المرتد الذي له سابقة الاسلام فمقتضى الادلة الاولية تكليفه بالفروع ولا دليل على عدم تكليفه بها كما ورد في الكافر الاصلي. نعم لا يصح منه الحج ونحوه من العبادات لتوقف صحتها على الاسلام، فان مات قبل ان يتوب يعاقب على تركه ولكن لا يقضي عنه لعدم الدليل على وجوب القضاء عنه واختصاصه بغيره، وسيأتي ان المنوب عنه يعتبر ان يكون مسلما. وان تاب وجب عليه الحج وصح منه وان كان الارتداد فطريا، سواء بقيت الاستطاعة أو زالت

[ 270 ]

[ لم يجب عليه الاعادة على الاقوى ففي خبر زرارة عن أبي جعفر (ع) من كان مؤمنا فحج ثم اصابته فتنة ثم تاب ] قبل توبته، وحديث الجب لا يجرى فيه لانه مختص بالكافر الاصلي بحكم التبادر كما في المتن، أو ان الجب لاجل السيرة القطعية من زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وزمن الائمة (عليهم السلام) وهي غير جارية في المرتد، فالقضاء واجب عليه ولا يسقط عنه شئ مما تقدم وان كان مرتدا فطريا، بناءا على اجراء حكم الاسلام عليه وقبول توبته في غير الاحكام الثلاثة: من تقسيم امواله ومفارقة زوجته وقتله وإما سائر الاحكام فتجري في حقه وتصح منه. وبالجملة: المرتد الفطري إذا تاب حاله حال سائر المسلمين لاطلاق الادلة وللقطع الخارجي بانه ليس كالبهائم، ومجرد التلبس بالكفر لا يوجب خروجه عن دائرة التكليف بالمرة. نعم يترتب عليه الاحكام الثلاثة للنص (1). ولو احرم حال ردته وكفره ثم تاب وجب عليه الاعادة كالكافر الاصلي لفقدان شرط الصحة وهو الاسلام. ولو حج واحرم في حال اسلامه ثم ارتد ثم اسلم لم يجب عليه الاعادة. والكفر المتوسط لا يوجب بطلان الاعمال السابقة علي الكفر ويكفينا اطلاق الادلة، مضافا إلى بعض النصوص الخاصة (2) وآية الحبط مختصة بمن مات على كفره لقوله تعالى: (قيمت وهو كافر) (3).


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب حد المرتد ح 3. (2) الوسائل: باب 30 من أبواب مقدمة العبادات ح 1. (3) البقرة: الآية 217.

[ 271 ]

[ يحسب له كل عمل صالح عمله ولا يبطل منه شئ (1) وآية الحبط مختصة بمن مات على كفره بقرينة الآية الاخرى وهي قوله تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه قيمت وهو كافر فاؤلئك حبطت اعمالهم) (1) وهذه الآية دليل على قبول توبة المرتد الفطري فما ذكره بعضهم من عدم قبولها منه لا وجه له. ] (1) التعبير عنه بالخبر مشعر بالضعف في السند ولعله لاجل طريق الشيخ واسناده إلى الحسين بن علي وهو الحسين بن علي بن سفيان البزوفري فان طريق الشيخ إليه غير مذكور في الفهرست ولا في المشيخة فيكون الطريق إليه مجهولا فضعف الرواية من هذه الجهة وإلا فجميع رجال السند ثقات والحسين بن علي البزوفري ثقة جليل القدر من اصحابنا كما وصفه النجاشي هذا ولكن الرواية صحيحة وطريق الشيخ إلى البزوفري وان لم يذكر في الفهرست بل لم يتعرض لاسمه اصلا ولا في المشيخة وان ذكر الشيخ في رجاله انه ذكره في الفهرست ولكن غير موجود في الفهرست اما غفلة من الشيخ أو الناسخ لكتاب الفهرست غفل عن ذكره. وكيف كان ذكر الشيخ طريقه إليه في رجاله وذكره فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام) وقال: (الحسين ابن علي بن سفيان البزوفري خاصي يكنى أبا عبد الله له كتب روى عنه التلعكبري واخبرنا عنه جماعة منهم محمد بن محمد النعمان المفيد) (2) والطريق


(1) البقرة: 217. (2) رجال الشيخ ص: 461.

[ 272 ]

[ (مسألة 77): لو احرم مسلما ثم ارتد ثم تا ب لم يبطل احرامه على الاصح كما هو كذلك لو ارتد في اثناء الغسل ثم تاب وكذا لو ارتد في اثناء الاذان أو الاقامة أو الوضوء ثم تاب قبل فوات الموالاة، بل وكذا لو ارتد في اثناء الصلاة ثم تاب قبل ان يأتي بشئ أو يفوت الموالاة على الاقوى من عدم كون الهيئة الاتصالية جزءا فيها، نعم لو ارتد في اثناء الصوم بطل وان تاب بلا فصل (1). (مسألة 78): إذا حج المخالف ثم استبصر لا يجب عليه الاعادة بشرط ان يكون صحيحا في مذهبه. وان لم يكن صحيحا في مذهبنا (3) من غير فرق بين الفرق لاطلاق الاخبار، وما دل على الاعادة من الاخبار محمول على الاستحباب بقرينة بعضها الآخر من حيث التعبير بقوله (ع): يقضي احب الي وقوله (ع): والحج احب الي. ] إلى كتبه صحيح فالرواية صحيحة. (1) ظهر حكم هذه المسألة مما ذكرنا في المسألة السابقة غير بطلان الصوم بالارتداد وقد تعرضنا له في كتاب الصوم. (2) كما هو المشهور والمعروف، وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة ذكرها صاحب الوسائل في باب الزكاة (1) ومدلولها عدم اعادة


(1) الوسائل باب 3 من أبواب المستحقين للزكاة.

[ 273 ]

ما صدر منه من العبادات كالصلاة والصيام والحج إلا الزكاة لانه وضعها في غير مواضعها، وبازائها نصوص اخر تدل على عدم الفرق بين الزكاة وغيرها من العبادات في لزوم الاعادة إذا استبصر وعرف الولاية وقد ذكر صاحب الوسائل هذه الروايات في كتاب الحج وعمدتها روايتان: الاولى: رواية أبي بصير (قال: وكذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج وان كان قد حج) (1). الثانية: رواية علي بن مهزيار (قال: كتب ابراهيم بن محمد بن عمران الهمداني إلى أبي جعفر (ع) اني حججت وانا مخالف وكنت صرورة فدخلت متمتعا بالعمرة إلى الحج قال: فكتب إليه أعد حجك (2). ولكنهما لا تقاومان النصوص المتقدمة لضفعهما سندا بسهل بن زياد، مضافا إلى امكان حملهما على الاستحباب لان التصريح بالاجزاء وعدم وجوب الاعادة في عباداته في تلك النصوص يوجب رفع اليد عن ظهور الروايتين في الوجوب ويشهد لذلك بعض الاخبار المصرحة بالاستحباب كصحيح بريد العجلي الوارد في المخالف، والناصب (قال: في حق المخالف قد قضى قريضته ولو حج لكان احب الي وقال: في حق الناصب يقضي احب الي) (3). وفي صحيح عمر بن اذينة (قال: قد قضى فريضة الله والحج احب الي) (4)


(1) الوسائل باب 23 من أبواب وجوب الحج ح 5. (2) الوسائل باب 23 من أبواب وجوب الحج ح 6. (3) الوسائل باب 23 من أبواب وجوب الحج ح 1: (4) الوسائل باب 23 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 274 ]

ونحوه ما في صحيحة اخرى لعمر بن اذينة (قال: يحج احب الي) (1). وبالجملة: لا ينبغي الاشكال في الحكم بالاجزاء وعدم وجوب الاتيان عليه مرة ثانية، انما الكلام في موضوع هذا الحكم، فهل هو العمل الصادر منه الصحيح عنده، أو الصحيح عندنا؟ أو مطلقا وان كان فاسدا عنده؟ أو عندنا؟ اما احتمال اختصاص الحكم بالاجزاء بما إذا كان العمل صحيحا عندنا، بدعوى: ان الروايات ناظرة إلى تصحيح عمله من ناحية فقدان الولاية وإما إذا كان فاسدا من جهات اخر ومخالفا للواقع من غير جهة الولاية فلا تشمله النصوص، ولعل كلام المحقق ناظر إلى هذا الاحتمال لقوله في الشرايع. (إلا ان يخل بركن منه) (2) فان المراد بذلك هو الاخلال بالركن عندنا، ففيه: هذا الاحتمال يستلزم حمل النصوص الكثيرة على الفرد النادر أو على مالا يتفق في الخارج اصلا إذ لا اقل من مخالفة اعمالهم للواقع من جهة الوضوء. وأما إذا كان العمل صحيحا عنده وفاسدا عندنا فهو القدر المتيقن من النصوص الدالة على الاجزاء. وأما إذا كان فاسدا عنده وعندنا فربما يقال: بشمول الروايات الدالة على عدم الاجزاء لذلك أيضا لان الحكم بالاجزاء منة منه تعالى ومقتضى الامتنان الغاء وجوب القضاء بعد الاستبصار وان كان العمل فاسدا عنده وعندنا، وفيه: ان السؤال في الروايات متمحض من ناحية الايمان والاستبصار وفساد العقيدة، فانما يسئل عن اعادة الحج أو الصلاة أو غيرهما من العبادات لاجل اختلاف العقيدة وتبديلها وإلا


(1) الوسائل باب 23 من أبوا ب وجوب الحج ح 3. (2) شرايع: ص: 64 ط الحجري.

[ 275 ]

[ (مسألة 79): لا يشترط اذن الزوج للزوجة في الحج إذا كانت مستطيعة ولا يجوز له منعها منه (1) وكذا في الحج الواجب بالنذر ونحوه إذا كان مضيقا. ] فلا يرى نفسه مأمورا بالاعادة لو بقى على حالة الاولى وعقيدته السابقة بل يرى عمله صحيحا. وبعبارة اخرى انما يسئل عن الاعادة وعدمها لا لاجل خلل في الصلاة والحج وانما يسئل عن ذلك لاجل اختلاف العقيدة وتبدل الرأي ولو كان العمل فاسدا على مذهبه لا يقال: انه حج أو حججت أو صلى ونحو ذلك، فالنصوص لا تشمل ما كان فاسدا عنده. ولو اتى بالصحيح عندنا وبالفاسد في مذهبه فان لم يتمشى منه قصد القربة فلا ريب في عدم شمول النصوص له، لعدم صدق العبادة من الصلاة والحج على ذلك، وان تمشي منه قصد القربة كما لو قلد من يجوز العمل على طبق المذهب الجعفري كالشيخ شلتوت (1) لا يبعد شمول النصوص الدالة على الاجزاء لذلك، ولا يلزم في الحكم بالصحة ان يكون العمل موافقا لمذهبه الفاسد، لعدم اختصاص النصوص بما إذا كان العمل صحيحا في مذهبه وفاسدا عندنا، لما عرفت ان السؤال فيها ناظر إلى جهة الايمان والاستبصار وان لم يكن العمل فاسدا واقعا بل كان صحيحا في الواقع. (1) لا ينبغي الاشكال في عدم اعتبار اذن الزوج للزوجة في حجة الاسلام ولا خلاف في ذلك، ويدل عليه جملة من النصوص (2) هذا


(1) هو صاحب الفضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الازهر. (2) الوسائل باب 59 من أبواب وجوب الحج.

[ 276 ]

في الحج المستقر واضح وإما إذا لم يستقر عليها الحج فقد يقال: ان حق الزوج مانع عن تحقق الاستطاعة. وفيه: ما ذكرناه غير مرة ان الاستطاعة المعتبرة في الحج ليست الا الاستطاعة المفسرة في الروايات ولم يؤخذ فيها عدم مزاحمة الحج لحق الغير، على انه لو وقع التزاحم يقدم الحج لانه اهم. مضافا إلى النصوص الخاصة الواردة في المقام الدالة على انه لاطاعة له عليها في حجة الاسلام (1) وحملها على الحج المستقر بلا موجب. وأما الحج الواجب بالنذر ونحوه من العهد واليمين أو غير ذلك فقد الحقه المصنف - ره - بحج الاسلام إذا كان مضيقا، ولكن النصوص الواردة في المقام موردها حجة الاسلام والحاق غيرها بها والتعدي عن موردها يحتاج إلى الدليل ولا دليل. فلا بد من ملاحظة القواعد في كل مورد من الواجبات. اما النذر فهو واجب يشترط الرجحان في متعلقه في ظرف العمل بمعنى ان النذر انما ينعقد ويجب الوفاء به إذا كان المنذور راحجا في ظرف العمل به وإما إذا كان مرجوحا ومحرما في نفسه فلا ينعقد من الاول وينحل ولا يجب الوفاء به ويقدم الواجب الاخر عليه فان العمل لابد ان يكون في نفسه راجحا مع قطع النظر عن تعلق النذر به وعليه إذا فرضنا ان خروج الزوجة من البيت من دون اذن الزوج محرم كما في النصوص المعتبرة (2) فلا ينعقد نذرها للحج المستلزم للخروج من البيت. وأما إذا كان سبب الوجوب غير النذر كالاجارة فلو فرضنا ان المرأة تزوجت بعد اجارة نفسها للحج عن الغير فلا ريب في تقدم


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب وجوب الحج. (2) الوسائل: باب 79 من أبواب مقدمات النكاح.

[ 277 ]

[ واما في الحج المندوب فيشترط اذنه (1) وكذا الموسع قبل تضيقه على الاقوى بل في حجة الاسلام يجوز له منعها من الخروج مع اول الرفقة، ] الاجارة وليس للزوج منعها لان هذه المدة التي تعلقت بها الاجارة ملك للغير وليس للزوج حق المعارضة. فالحاق ساير اقسام الحج الواجب بحج الاسلام على الاطلاق لا نعرف له وجها بل لابد من التفصيل على النحو الذي ذكرناه. (1) بلا كلام لان الخروج من بيتها بدون اذن الزوج محرم وعليها الاستيذان منه في الخروج من البيت. لا لما ورد في بعض الروايات جواز منع الزوج زوجته عن الحج المندوب لان ذلك اعم من اعتبار الاذن من الزوج بل لعدة من النصوص (1) منها: صحيحا محمد بن مسلم وعلى بن جعفر الدالان على اعتبار الاذن وانه لا يجوز لها الخروج إلا باذنه ولاسيما إذا كان الخروج منافيا لحق الزوج. ومن ذلك يظهر ان الواجب إذا كان موسعا له المنع عن الاتيان به في سنة خاصة وان لم يكن له المنع عن اصل الحج فان مادل على المنع من الخروج بدون اذنه يشمل ما لو اختارت اتيان الحج الموسع في سنة خاصة، وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر الواجبات الموسعة فان الزوج له حق المنع في التطبيق على الافراد إذا زاحم حقه ولم يكن له المنع عن اصل الواجب ولذا للزوج ان يمنع زوجته عن اتيان الصلاة في اول الوقت أو وسطه إذا زاحم حقه وليس له حق المنع عن اصل الصلاة وكذا له المنع من خروجها مع اول الرفقة أو الثانية فيما إذا تعددت


(1) الوسائل: باب 79 من ابواب مقدمة النكاح ح 1 - 5.

[ 278 ]

[ مع وجود الرفقة الاخرى قبل تضيق الوقت. والمطلقة الرجعية كالزوجة في اشتراط اذن الزوج مادامت في العدة (1)، ] القوافل، وليس للزوجة اختيار الرفقة الاولى إذا لم يأذن لها الزوج، والروايات التي دلت على ان الزوج ليس له المنع انما هي بالنسبة إلى اصل الحج لا في الخصوصيات بل هي داخلة في صحيحتي ابن مسلم وعلي ابن جعفر الدالتين على المنع واعتبار الاذن من الزوج في الخروج من البيت هذا كله في المتزوجة. وإما المتوفي عنها الزوج فهي خارجة عن ادلة اعتبار الاذن لعدم الزوج لها. مضافا إلى النصوص الدالة (1) على جواز حج المرأة مطلقا واجبا كان أو مندوبا في عدة الوفاة وكذلك البائنة لا نقطاع عصمتها منه ولازمه جواز الخروج من بيتها بدون اذنه فلا مانع من شمول اطلاقات الحج لها. (1) فانها زوجة حقيقة والبينونة انما تحصل بعد العدة فيجري عليها عليها ما يجرى على الزوجة غير المطلقة، هذا على ما يقتضيه القاعدة، وأما بحسب الروايات فهي على طوائف. الاولى: ما دل على انها لا تحج وهي مطلقة تشمل حتى حج الاسلام مع الاذن وعدمه كصحيحة معاوية بن عمار في حديث (قال: - عليه السلام - لا تحج المطلقة في عدتها) (2) فتكون موافقة لاطلاق الآية المباركة الدالة على انها لا تخرج من البيت ولا يخرجها الزوج قال عز من قائل: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ان


(1) الوسائل: باب 61 من ابواب الحج. (2) الوسائل: باب 60 من أبواب وجوب الحج ح 3.

[ 279 ]

يأتين بفاحشة مبينة) (1). ولربما كانت الحكمة في الحكم بعدم الخروج من البيت انها تبقى في البيت لعله يحصل التلائم بين الزوجين فيرجع بها. الثانية: مادل على انها تحج وهي أيضا مطلقة وتعم جميع اقسام الحج وجميع الحالات لصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما - ع - (قال: المطلقة تحج في عدتها) (2) الثالثة: مادل على انه (ان كانت صرورة حجت في عدتها وان كانت حجت فلا تحج حتى تقضى عدتها) كما في خبر منصور بن حازم (3) والمستفاد منه ان حج الاسلام لا يتوقف على الاذن. الرابعة: مادل على ان المطلقة تحج في عدتها باذن الزوج كما في صحيح معاوية بن عمار (المطلقة تحج في عدتها ان طابت نفس زوجها) (4). ولا يخفى ان خبر منصور وان كان ضعيفا سندا للارسال (5) ولكن التفصيل المذكور فيه يستفاد من ادلة اخرى التي دلت على ان حج الاسلام لا يعتبر فيه اذن الزوج ولا طاعة له عليها فيه وإما الخروج من البيت لغير حج الاسلام فيعتبر فيه الاذن.


(1) الطلاق الآية 1. (2) الوسائل باب 60 من أبواب وجوب الحج ح 1. (3) الوسائل باب 60 من أبواب وجوب الحج ح 2. (4) الوسائل باب 23 من أبواب العدد ح 2. (5) والعجب عن غير واحد حديث عبروا عن خبر منصور بالصحيح كصاحب الجواهر والحدائق والمستمسك مع ان الخبر مرسل لان أبا عبد الله البرقي يرويها عمن ذكره عن منصور. كما ان من الغريب ان صاحب الحدائق نسب الرواية إلى الفقيه مع انها غير موجودة فيه وإنما رواها الشيخ في التهذيب.

[ 280 ]

[ بخلاف البائنة لانقطاع عصمتها منه وكذا المعتدة للوفاة، فيجوز لها الحج واجبا كان أو مندوبا. والظاهر ان المنقطعة كالدائمة في اشتراط الاذن (1) ولا فرق في اشتراط الاذن بين ان يكون ممنوعا من الاستمتاع بها - لمرض أو سفر أو لا (2) (مسألة 80): لا يشترط وجود المحرم في حج المرأة إذا كانت مأمونة على نفسها وبضعها كما دلت عليه جملة من الاخبار (3). ] والحاصل: مادل على انها لا تحج مطلقا يخصص بحجة الاسلام وفي غيرها تحج مع الاذن وما دل على انها تحج مطلقا خصص في غير حجة الاسلام بصورة الاذن من الزوج. (1) لانها زوجة حقيقة واطلاق الادلة يقتضى عدم الفرق بين الدائمة والمنقطعة ويجري عليها جميع ما يجري على الدائمة إلا ما خرج بالدليل كالتوراث ووجوب النفقة والقسمة. (2) لان اعتبار الاذن من اثار الحق الثابت للزوج ومن اثار الزوجية ولا يدور ذلك مدار امكان الاستمتاع وعدمه. (3) منها صحيح سليمان بن خالد في المرأة تريد الحج ليس معها محرم هل يصلح لها الحج فقال: نعم إذا كانت: مأمونة (1). ومنها صحيحة معاوية بن عمار (عن المرأة تحج إلى مكة بغير ولي؟ فقال: لا بأس تخرج مع قوم ثقات) (2).


(1) و (2) الوسائل باب 58 من أبواب وجوب الحج ح 2 - 3.

[ 281 ]

[ ولا فرق بين كونها ذات بعل أو لا (1). ومع عدم امنها يجب عليها استصحاب المحرم ولو بالاجرة مع تمكنها منها. ومع عدمه لا تكون مستطيعة. وهل يجب عليها التزويج ] وصحيحة أبي بصير عن المرأة تحج بغير وليها (فقال: ان كانت مأمونة تحج مع اخيها المسلم) (1). والمثنى الذي روى عن أبي بصير في هذه الرواية هو مثنى الحناط الثقة بقرينة روايته عن أبي بصير ورواية عبد الرحمن بن الحجاج عنه. (1) لاطلاق النصوص وخصوص صحيح معاوية بن عمار (عن المرأة تحج بغير ولي؟ قال لا بأس وان كان لها زوج أو أخ أو ابن اخ فابوا ان يحجوا بها وليس لهم سعة فلا ينبغي لها ان تقعد ولا ينبغي لهم ان يمنعوها) (2). وإذا لم تكن مأمونة يجب عليها استصحاب من تثق به وتطمئن إليه محرما كان أو غيره ولا خصوصية لاستطحاب المحرم كما في المتن ولو بالاجرة لان الاستطاعة المفسرة بتخلية السرب والا من في الطريق حاصلة وان كانت متوقفة على بعض المقدمات الوجودية كبذل المال ونحوه فيجب تحصيله نظير تحصيل جواز السفر وشراء الزاد وتهيئة مقدمات السفر، ونحوها من المقدمات الوجودية. والحاصل لاريب في لزوم تحصيل هذه المقدمات وتهيئتها ولا بصرف المال في تحصيلها إذا لم تكن حرجية، وليس ذلك من قبيل تحصيل الاستطاعة حتى يقال: بان تحصيلها غير واجب.


(1) و (2) الوسائل باب 58 من أبواب وجوب الحج ح 5 - 4.

[ 282 ]

[ تحصيلا للمحرم؟ (1) وجهان، ولو كانت ذات زوج وادعى عدم الامن عليها وانكرت قدم قولها مع عدم البينة (2) أو القرائن الشاهدة. والظاهر عدم استحقاقه اليمين عليها. الا ان ترجع الدعوى إلى ثبوت حق الاستمتاع له عليها بدعوى ان حجها حينئذ مفوت لحقه مع عدم وجوبه عليها. ] (1) ولو بتزويج بنتها حتى تسافر مع صهرها ذكر في المتن ان فيه وجهين والظاهر هو الوجوب لعدم الفرق في وجوب تحصيل المقدمات الوجودية بين المالية وغيرها إذا لم يكن فيها الحرج والمهانة وإلا فلا يجب نظير بذل المال لاجل استصحاب المحرم فانه يفصل بين الحرج وعدمه. (2) يمكن تصوير الاختلاف بين الزوجين على وجهين احدهما: ما إذا ادعى الزوج عدم الامن وخوفه عليها وانكرت وادعت انها غير خائفة. وبعبارة اخرى الزوج يعترف بعدم خوف المرأة ولكنه يدعي خوفه بنفسه عليها. ثانيهما: دعوى الزوج كذب المرأة في دعواها الامن ويدعي انها خائفة واقعا ولكن لا تظهر خوفها. فيقع الكلام في موردين: أما لاول: فلاريب في عدم سماع دعوى الزوج وليس له عليها يمين وذلك لعدم ترتب الاثر الشرعي على خوفه وانما الاثر يترتب على خوفها والمفروض انها غير خائفة فيجب عليها السفر وليس للزوج منعها من الحج بعدما تنجز عليها التكليف وان كان الزوج خائفا

[ 283 ]

عليها، وحاله من هذه الجهة كالاجانب في عدم تأثير خوفه نظير ما إذا كان الزوج خائفا من اغتسالها ولكن هي غير خائفة فان المتعين عليها حينئذ الغسل ولا ينتقل الامر إلى التيمم. وبالجملة: لا عبرة بخوف الزوج في تنجيز الحكم على الزوجة وانما العبرة بخوف الزوجة نفسها. وأما الثاني: وهو مالو ادعى الزوج كذب المرأة في دعواها الامن وانها خائفة واقعا. فالزوج يدعي عدم وجوب الحج عليها لحصول خوفها وهي تدعي وجوب الحج عليها وعدم خوفها فيكون الزوج مدعيا والزوجة منكرة لان الزوج يدعي تحقق الخوف لها وهي تنكر حصوله لها فالمقام من باب المدعي والمنكر أو التداعي. ولا يخفي: ان تفسير المدعي والمنكر لم يرد في شئ من الروايات وانما هو مما اصطلح عليه الفقهاء. والعبرة في تشخيص المدعي والمنكر إلى الصدق العرفي، فان الذي يطالب شخصا ويلزمه بشئ هو المدعي غالبا والمطالب (بالفتح) هو المنكر، وقد يكون المطالب (بالكسر) منكرا كما إذا طالب شخصا بدينه والمطالب (بالفتح) المديون يعترف بالدين ولكن يدعي انه دفعه إلى الدائن المطالب (بالكسر) وهو ينكر ذلك وانه لم يصل إليه المال فيكون المطالب (بالكسر) منكرا. وبالجملة تعيين المدعي والمنكر وتشخيصهما بالصدق العرفي. وأما في المقام فان الزوج يدعي كذب المرأة في حصول الامن لها فيكون مدعيا وعليه الاثبات ويرجع الامر إلى الترافع إلى الحاكم فان ثبت الدعوى لا تخرج الزوجة إلى الحج وإلا فللزوج احلافها فان حلفت فالقول قولها ولها رد الحلف إلى الزوج ولو امتنع من الحلف فلا تثبت

[ 284 ]

[ فحينئذ عليها اليمين على نفي الخوف. وهل للزوج - مع هذه الحالة - منعها عن الحج باطنا إذا امكنه ذلك وجهان في صورة عدم تحليفها. واما معه فالظاهر سقوط حقه (1). ] دعواه وليس له ان يمنعها عن حجها. وربما يقال: ان الدعوى المذكورة فيها جهتان: الاولى: لحاظ الخوف وعدمه ويكون الزوج مدعيا والزوجة منكرة الثانية: لحاظ استحقاق النفقة وعدمه، فان المرأة تنكر الخوف وتطالب الزوج بالنفقة في السفر كالحضر ولكن الزوج يدعي الخوف ويطالب بالاستمتاع والامتناع من السفر فكل واحد يطالب ويدعي شيئا فالمقام من باب التداعي. وفيه: ان الدعوي الثانية ليست في عرض الدعوى الاولى بل هي في طولها ومترتبة عليها وانما تطالب بالنفقة لان سفرها سفر من لا خوف فيه حسب ما تدعيه فالعبرة بالدعوى الاولى. ووجوب الانفاق عليها وعدمه يدوران مدار ثبوت الدعوى الاولى وعدمه فالدعوى الثانية ليست دعوى مستقلة في عرض الدعوى الاولى ليكون المقام من التداعي. (1) هل يجوز للزوج في حال النزاع والاختلاف بينهما منعها عن الحج باطنا بان يعمل عملا حتى لا تتمكن من السفر؟ ذكر (قده) ان فيه وجهين في صورة عدم تحليفها وأما لو احلفها فليس للزوج منعها عن السفر باطنا. اقول: تارة يفرض ان الزوجة آمنة غير خائفة ولكن الزوج يدعي خوفه عليها فحينئذ يصدق قولها وليس للزوج منعها عن السفر

[ 285 ]

[ ولو حجت بلا محرم مع عدم الامن، صح حجها ان حصل الامن قبل الشروع في الاحرام وإلا ففي الصحة اشكال، وان كان الاقوى الصحة (1). ] وليس له احلافها إذ لا عبرة بخوف الزوج لان خوفه لم يؤخذ في موضوع حكمها. وبالجملة: بعد فعلية وجوب الحج وتنجيزه عليها ووجد انها لشرائط الحج لا حق للزوج عليها وليس له منعها عن اداء ما تنجز عليها. فلا مجال لقوله (فيه وجهان). واخرى: نفرض ان الزوج يدعي كذب المرأة في دعواها الامن ويدعي انها خائفة واقعا. فحينئذ لاشك في جواز منعها لان الزوج يعتقد انها غير مستطيعة وان الحج غير واجب عليها بل هو مندوب واذنه يعتبر في الحج الندبي فله المنع بل ربما يجب كما إذا كان الخطر مهما جدا. هذا كله إذا لم يصل الامر إلى الترافع إلى الحاكم وإلا فيترتب اثر الحكم في مقام الترافع كساير موارد الحكم الصادر في ذلك المقام. فظهر انه لابد من التفصيل على الوجهين السابقين في اختلاف الزوجين. (1) والصحيح ان يقال: ان الخوف الحاصل قد يكون في خصوص الطريق قبل الوصول إلى الميقات، وقد يكون من الميقات وما بعده. فان كان على النحو الاول فلاريب في الحكم بالصحة، لاقتران جميع الاعمال بالشرائط المعتبرة كالامن وعدم الخوف، والمفروض زوال الخوف بالوصول إلى الميقات، نعم لا يجب عليها الحج من اول الامر

[ 286 ]

ولا يلزم عليها تحمل السفر المستلزم للخطر بل ربما يكون السفر أو الخروج من الدار محرما فالاستطاعة حينئذ غير حاصلة، وإما لو تحملت السفر المستلزم للخوف وزال الخوف عند الميقات فقد حصلت الاستطاعة هناك ويجب عليها الحج وصح حجها، لعدم خلل في افعاله واجزائه. وان كان على النحو الثاني وكان الخوف حاصلا من الميقات وما بعده فربما تخيل بعضهم ان المقام من باب التزاحم ولابد من اعمال قواعده بين السفر والحج والاول وان فرض تقدمه لاهميته ولكن في فرض العصيان واتيان الحج يحكم بصحته بناءا على الترتب. وفيه أن التزاحم انما يقع بين فعلين كواجبين أو واجب وحرام فيلاحظ الاهم بينهما ويجرى الترتب في فرض عصيان الاهم وترك امتثاله واما الفعل الواحد كما في المقام فلا يقع فيه التزاحم فان الخروج من الدار إذا كان محرما عليها لخوفها لا يمكن ان يكون مصداقا للواجب حتى يجري فيه الترتب. وبعبارة اخرى: إذا كان الخروج من بيتها محرما كما هو المفروض قبقائها في كل مكان محرما لانه من مصاديق الخروج، فيكون وقوفها في عرفة أو المشعر وطوافها وسعيها وغير ذلك من الاعمال كل ذلك يكون محرما، لانه من مصاديق الخروج المحرم ولا يمكن ان يكون مصداقا للواجب، والتزاحم انما يقع بين فعلين واجبين أو واجب وحرام ويجري الترتب بترك الاهم نسيانا أو عصيانا واتيان الواجب الاخر المهم كالمثال المعروف من وجوب ازالة النجاسة عن المسجد والصلاة وفي المقام يكون المأتي به من مصاديق الحرام فلا يمكن ان يكون مصداقا للواجب حتى يجرى الامر الترتبي، فالاظهر هو البطلان: نعم لو تمشى منها قصد القربة ولم يكن الخطر موجودا في الواقع

[ 287 ]

[ (مسألة 81): إذا استقر عليه الحج - بان استكملت الشرائط واهمل حتى زالت أو زال بعضها - صار دينا عليه ووجب الاتيان به باي وجه تمكن (1). وان مات فيجب ان يقضي عنه ان كانت له تركة. ويصح التبرع عنه. واختلفو فيما به يتحقق الاستقرار. ] لا بأس في الحكم بالصحة وان كانت خائفة بالفعل لان المفروض وجدان الشروط واقعا وان لم تعلم به المرأة لان العبرة بوجدان الشروط واقعا ولا يضر عدم حصول الامن لها بالفعل لان الامن طريق إلى احراز الواقع وقد فرضنا حصول الشرط واقعا وان لم يقم عندها طريق. بخلاف مالو تمشى منها قصد القربة ووقعت في الخطر وكان خائفة فلا يمكن الحكم بالصحة لان الخطر الموجود واقعا يكشف عن عدم الاستطاعة. فتلخص: ان العبرة في الحكم بالصحة بالامن الواقعي والامن الحاصل لها طريق إلى الواقع. ومما يدل على ذلك أيضا صحيح معاوية بن عمار المتقدم (عن المرأة تحج إلى مكة بغير ولي؟ فقال: لا بأس تخرج مع قوم ثقات). حيث علق وجوب الحج عليها يكون القوم ثقات. ومن المعلوم ان الوثوق طريق إلى الواقع لا انه مأخوذ في الحكم. (1) قبل ان يذكر ما به يتحق الاستقرار ذكر امورا ثلاثة: الاول: ان الحج يستقر عليه إذا استكملت الشرائط ذمته له ولو اهمل حتى زالت أو زال بعضها، لان الواجب تنجز عليه وصار فعليا في حقه بعد استكمال الشرائط، وإذا فوت الواجب على

[ 288 ]

نفسه فالاشتغال على حاله. الثاني: انه إذا اشتغلت ذمته به ولم يأت به حتى زالت الاستطاعة يجب عليه الاتيان به بأي وجه تمكن. ولكن لا تساعد عليه الادلة الاولية لزوال الموضوع وهو الاستطاعة ومقتضى القاعدة لزوال الوجوب بارتفاع موضوعه نظير المسافر والحاضر بالنسبة إلى القصر والتمام، وانما نلتزم بوجوب الاتيان بالحج بعد زوال الاستطاعة لادلة خاصة كالنصوص الدالة على ان من استطاع ولم يحج ومات مات يهوديا أو نصرانيا، فالوجوب الثابت وجوب ناشئ من النص وهو وجوب جديد، فالحكم باتيانه بأي وجه تمكن ولو مع الحرج لا يمكن الالتزام به، لانه تكليف جديد وحاله حال سائر التكاليف الالهية التي ترتفع بالحرج ففي فرض الاهمال وان وجب عليه الحج بعد زوال الاستطاعة تفريغا لذمته ولكن الالتزام بلزوم الاتيان به حتى مع الحرج لا دليل عليه بل مقتضى ادلة نفي الحرج عدم لزوم الاتيان به إذا كان حرجيا، ويكون عاصيا في ترك الحج والاهمال به، والتوبة رافعة له كما في ساير المعاصي. الثالث: انه إذا مات من استقر عليه الحج يجب ان يقضي عنه من صلب ماله كما في النصوص المعتبرة بل يظهر من بعضها تقدمه على سائر الديون ثم ذكر - ره - ويصح التبرع عنه ويسقط الحج عنه بذلك، لعدم الدليل على لزوم الاستيجار وانما يلزم الاستيجار لتفريغ ذمته فإذا أتى به متبرع عنه فقد حصل الفراغ. ثم ذكر الخلاف، فيما يتحقق به الاستقرار وانه متى يستقر عليه الحج فذهب بعضهم: إلى ان الحج يستقر عليه إذا كانت الاستطاعة باقية إلى حين خروج الرفقة، فلو اهمل ولم يخرج معهم استقر عليه

[ 289 ]

الحج وان زالت الاستطاعة بعد ذلك، لانه كان مأمورا بالخروج معهم. وفيه: ان هذا حكم ظاهري لا واقعي وانما تخيل ثبوت الوجوب عليه واما في الواقع فالوجوب غير ثابت فلا موجب للاستقرار ولذا لو علم بالمرض أو سرقة امواله ونفقته بعد خروج الرفقة لا يجب الخروج معهم بل ينكشف عدم الاستطاعة من الاول، نعم مع الجهل بزوال الاستطاعة وحدوث المرض ونحوه يكون الاهمال منه تجريا وإلا ففي واقع الامر لا وجوب عليه. وذهب جماعة: إلى ان الاستقرار يتحقق ببقاء الاستطاعة إلى زمان يمكن فيه الاحرام ودخول الحرم فلو زالت الاستطاعة بعد مضي هذا الزمان يستقر عليه الحج. وفيه: انه لا نعرف لذلك وجها، فان العبرة باعمال الحج وافعاله لا بالاحرام ودخول الحرم، ولذا لو علم بالموت بعد ذلك لا يجب عليه الخروج بل لا يصح منه الاحرام فانه لو علم بالموت قبل الطواف والسعي وقبل الاشتغال بالاعمال أو قبل ان ينتهي من عمله لا يصح منه الاحرام فان الاحرام حينئذ لا ينعقد للعمل الناقص. نعم لو مات اتفاقا بعد الاحرام ودخول الحرم يجزي عن الحج للنص وهذا حكم تعبدي ثبت في مورده بدليل خاص. وذهب اخرون: إلى انه يستقر عليه الحج بعد مضي زمان يمكن فيه الاتيان بالاركان جامعا للشرائط. وإذا زالت الاستطاعة بعد مضي هذا الزمان يستقر عليه الوجوب ويقضى عنه من تركته إذا مات، أو يجب عليه متسكعا، فيكفي بقائها إلى مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه الطواف وسعيه. وفيه: ان الشرائط معتبرة في جميع اعمال الحج وافعاله ولا تختص

[ 290 ]

بالاركان بل هي معتبرة حتى بعد الانتهاء من الاعمال كتخلية السرب فانه معتبرة ذهابا وايابا، ولو علم بعدم تخلية السرب ايابا لا يجب عليه الحج من الاول. ولو اغمضنا عن ذلك كان اللازم بقاء الاستطاعة إلى ما قبل طواف النساء يعني يعتبر في الاستقرار بقاء الاستطاعة إلى مضي زمان من يوم النحر يمكن فيه طواف الحج وسعيه ولا عبرة بطواف النساء لانه ليس من اعمال الحج انما هو عمل مستقل في نفسه يجب الاتيان به ولو تركه عمدا لا يفسد حجه. فلا وجه لما ذكره المشهور من ان الاستقرار يتحقق بمضي زمان يمكن فيه الاتيان بجميع افعال الحج حتى مثل طواف النساء والمبيت في منى مستجمعا للشرائط، وهو إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجة لما عرفت من عدم العبرة باعتبار بقاء الاستطاعة بالنسبة إلى غير اعمال الحج كطواف النساء والمبيت في منى فانهما ليسا من اعمال الحج واجزائه وانما هما واجبان مستقلان في انفسهما ومن تركهما حتى عمدا لا يفسد حجه. والصحيح: من الاقوال ما ذكره المصنف - رحمه الله - من ان العبرة ببقاء الاستطاعة إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه بالنسبة إلى الاستطاعة المالية والبدنية والسربية، ولذا لو كان عالما بحدوث المرض عند العود وقبل الوصول إلى وطنه ولو بعد انتهاء جميع الاعمال لا يجب عليه الحج من الاول ولا يستقر عليه إذا زالت الاستطاعة قبل امكان الرجوع إلى مقره فان فقد بعض هذه الشروط يكشف عن عدم الوجوب واقعا من اول الامروان وجوب الخروج مع الرفقة كان حكما ظاهريا. نعم بعض الشرائط لا يعتبر بقائه إلى العود إلى وطنه بل يكفي بقائه إلى اخر الاعمال وان زال عند العود، كالعقل فانه معتبر حال العمل ولا يضر بصحة العمل فقده بعده فمن جن بعد العمل تصح

[ 291 ]

[ على اقوال: فالمشهور مضي زمان يمكن فيه الاتيان بجميع افعاله مستجمعا للشرائط وهو إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجة. وقيل: باعتبار مضي زمان يمكن فيه الاتيان بالاركان جامعا للشرائط. فيكفي بقاؤها إلى مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه الطوافان والسعي. وربما يقال: باعتبار بقائها إلى عود الرفقة. وقد يحتمل كفاية بقائها إلى زمان يمكن فيه ] اعماله السابقة على الجنون، فلو علم بالجنون بعد العمل لا يسقط عنه الحج، وهكذا بالنسبة إلى الموت فانه لو فرض تحقق الموت بعد تمام الاعمال كفى بقاء الشرائط إلى آخر الاعمال لعدم الحاجة حينئذ إلى نفقة العود إذ الميت لا يحتاج إلى نفقة العود، فلو علم بتحقق الموت بعد تمام الاعمال يجب عليه الذهاب وان لم يكن له نفقة العود. وملخص الكلام: ان الاستقرار يتحقق ببقاء الاستطاعة إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه وإلا فيكشف عن عدم الوجوب واقعا، ولذا لو علم بالموت في الاثناء لا يجب الخروج إلى الحج لان حدوث الموت في الاثناء يكشف عن عدم الوجوب وإما إذا علم بالموت بعد تمام الاعمال يجب الخروج لان الموت بعد الاعمال غير ضائر بصحة الاعمال السابقة، فالحكم بوجوب الخروج في فرض الجهل حكم ظاهري ولو لم يخرج يكون متجريا، فالذي يحقق الاستقرار هو الوجوب الواقعي لا الظاهري المنكشف خلافه، ويستثنى من بقاء الشرائط إلى زمان العود الحياة، والعقل ويكفى بقائهما إلى اخر الاعمال، ولا دليل على اعتبار بقائهما إلى زمان العود إلى وطنه.

[ 292 ]

[ الاحرام ودخول الحرم. وقد يقال بكفاية وجودها حين خروج الرفقة فلو اهمل استقر عليه وان فقدت بعد ذلك لانه كان مأمورا بالخروج معهم. والاقوى اعتبار بقائها إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه بالنسبة إلى الاستطاعة المالية، والبدنية، والسربية، واما بالنسبة إلى مثل العقل فيكفي بقائها إلى آخر الاعمال وذلك لان فقد بعض هذه الشرائط يكشف عن عدم الوجوب عليه واقعا، وان وجوب الخروج مع الرفقة كان ظاهريا. ولذا لو علم من الاول ان الشرائط لا تبقى إلى الاخر لم يجب عليه نعم لو فرض تحقق الموت بعد تمام الاعمال كفى بقاء تلك الشرائط إلى آخر الاعمال لعدم الحاجة حينئذ إلى نفقة العود والرجوع إلى كفاية وتخلية السرب ونحوها. ولو علم من الاول بانه يموت بعد ذلك فان كان قبل تمام الاعمال لم يجب عليه الشي وان كان بعده وجب عليه هذا إذا لم يكن فقد الشرائط مستندا إلى ترك المشي وإلا استقر عليه كما إذا علم انه لو مشى إلى الحج لم يمت أو لم يقتل أو لم يسرق ماله مثلا فانه حينئذ يستقر عليه الوجوب لانه بمنزلة تفويت الشرط على نفسه (1). ] (1) جميع ما تقدم انما هو فيما إذا كان فقدان الشرائط بنفسه

[ 293 ]

[ واما لو شك في ان الفقد مستند إلى ترك المشي أو لا، فالظاهر عدم الاستقرار (1) للشك في تحقق الوجوب وعدمه واقعا. هذا بالنسبة إلى استقرار الحج لو تركه. ] وبطبعه، وأما إذا كان للفقدان مستندا إلى نفسه وتفويته واهماله استقر عليه الحج، لانه بمنزلة تفويت الشرط على نفسه الذي لا يوجب رفع الحكم. (1) بل الظاهر الاستقرار لاحراز موضوعه باستصحاب بقاء الصحة أو باصالة السلامة التي بنى عليها العقلاء، فلا يكون ترك الحج حينئذ مستند إلى العذر لاحراز موضوع الاستقرار بالاصل. نعم إذا كان الترك مستندا إلى عذر من الاعذار فلا يوجب الاستقرار والمقام نظير الشك في القدرة في عدم جواز تفويت الواجب بمجرد الشك في القدرة، فإذا علم المكلف بوجوب الخروج ولو بالتكليف الظاهري المحرز بالاصل ليس له الترك، ومجرد احتمال عدم التطابق للواقع لا يسوغ له الترك ما لم يكن مستندا إلى العذر، فما لم يحرز العذر لا يجوز له مخالفة التكليف الظاهري. فلا فرق في الاستقرار بين مخالفة التكليف الظاهري والواقعي، ويشمله روايات التسويف والاهمال المتقدمة ولا تختص بمخالفة الحكم الواقعي وانما تشمل كل مورد لم يكن الترك مستندا إلى العذر سواء كان مخالفة للحكم الظاهري أو الواقعي، ولا مجال في المقام للرجوع إلى البرائة بل المرجع هو استصحاب بقاء الشرائط أو اصالة السلامة العقلائية، وإلا لكان لكل احد ترك الحج باحتمال فقدان الشرط، فلا عبرة بمجرد احتمال الفقدان ما لم يصل إلى حد العذر.

[ 294 ]

[ واما لو كان واجدا للشرائط حين المسير فسار ثم زال بعض الشرائط في الاثناء فاتم الحج على ذلك الحال، كفى حجه عن حجة الاسلام إذا لم يكن المفقود مثل العقل. بل كان هو الاستطاعة البدنية أو المالية أو السربية ونحوها على الاقوى (1) (مسألة 82): إذا استقر عليه العمرة فقط، أو الحج فقط - كما فيمن وظيفته حج الافراد والقران - ثم زالت استطاعته فكما مر يجب عليه أيضا باي وجه تمكن وان مات يقضي عنه (2) ] (1) الظاهر انه لا وجه للحكم بالكفاية على الاطلاق بل لابد من التفصيل بيان ذلك: ان الشرط إذا كان اعتباره من باب المزاحمة واهمية الواجب الاخر على الحج كحفظ النفس ونحوه فزواله غير ضائر بالحج من الاول فضلا عن المزاحمة في الاثناء لامكان تصحيح الحج بالامر الترتبي. وكذا لو كان الشرط مأخوذا في الحج للحرج مثل الرجوع إلى الكفاية ولم يكن اتمام الحج بعد زوال الشرط حرجيا - كما هو الحال في زماننا فان الحاج يتفق من اول الامر مع من يتكفل بقائه في مكة وعوده إلى وطنه - فيحكم بالاجتزاء أيضا لان رفع الحرج امتناني لا يشمل رفع الحكم بعد العمل إذ لا امتنان في الحكم بالفساد بل هو خلاف الامتنان، وانما يرفع الحكم من الاول للامتنان. وإما ارتفاعه والحكم بعدم الاجتزاء بالعمل بعد صدوره فلا امتنان فيه اصلا. وأما إذا كان زوال الشرط مستلزما لحرج جديد وكان فقده كاشفا عن عدم الوجوب من الاول فالظاهر عدم الكفاية، فالصحيح هو التفصيل. (2) ما ذكرناه مما يتحقق به الاستقرار لا يختص بحج التمتع بل

[ 295 ]

[ (مسألة 83): تقضى حجة الاسلام من اصل التركة إذا لم يوص بها (1) سواء كانت حج التمتع أو القران أو الافراد. ] يجري في حج الافراد والقران والعمرة، اما بالنسبة إلى اقسام الحج فلا ينبغي الاشكال فيه لشمول الادلة لذلك وعدم اختصاصها بحج التمتع لان حجة الاسلام لا تختص بالتمتع وجميع الروايات الدالة على وجوب قضاء حجة الاسلام تشمل اقسام الحج كل حسب وظيفته. واما العمرة أي عمرة الافراد والقران فهل تستقر عليه إذا تركها بعد الحج وزالت الاستطاعة ويجب عليه الاتيان متسكعا، وان مات يقضى عنه ام لا؟ وربما يقال: بعدم الدليل على ذلك سوى الاجماع وإما الادلة فغير ظاهرة الدلالة. وفيه: ان نفس الروايات الدالة على استقرار حجة الاسلام تشمل العمرة المفردة لحج الافراد والقران من دون قصور في دلالتها. وذلك لان المذكور في النصوص حجة الاسلام وهي لا تختص بالتمتع بل تشمل الافراد والقران، فان المكلفين مختلفون في اداء حجة الاسلام ووظيفة بعضهم القران والافراد وهما من حجة الاسلام والعمرة واجبة عليه أيضا. هذا مضاف إلى صحيح زرارة في حديث (قلت فان مات وهو محرم قبل ان ينتهي إلى مكة قال: يحج عنه ان كان حجة الاسلام ويعتمر انما هو شئ عليه) (1) فقد صرح فيه بقضاء العمرة. نعم يجب الاتيان بها فيما إذا لم يكن حرجيا كما تقدم في استقرار الحج. (1) ويدل عليه جملة من النصوص المعتبرة.


(1) الوسائل باب 26 من أبواب الحج ح 3.

[ 296 ]

منها: موثقة سماعة بن مهران (قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها وهو موسر فقال: يحج عنه من صلب ماله) (1). ومنها: صحيحة ابن مسلم (عن رجل مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها أيقضى عنه؟ قال: نعم) (2) ونحوها صحيحة اخرى عنه (3). ومنها معتبرة رفاعة (عن رجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها أيقضى عنه؟ قال: نعم) (4). وفي صحيحة الحلبي قال: يقضى عن الرجل حجة الاسلام من جميع ماله. (5) ومجموع الروايات تدل على لزوم القضاء وخروجها من اصل التركة. وربما يقال: بانها معارضة بصحيح معاوية بن عمار لقوله (ع) في ذيله (ومن مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يترك إلا قدر نفقة الحمولة وله ورثة فهم احق بما ترك فان شاؤا أكلوا وان شاؤا حجوا عنه) (6). فانه صريح في عدم وجوب الحج عنه ورجوع المال إلى الورثة فلا بد من طرحه أو تأويله. وفيه: ان صدره صريح في اخراجه من الاصل إذا كان قد اوصى به لقوله: (في رجل توفى واوصى بان يحج عنه، قال: ان كان صرورة فمن جميع المال انه بمنزلة الدين الواجب) فيكون المراد


(1) (2) (3) (4) (5) الوسائل باب 28 من أبواب وجوب الحج ح 4 - 5 - 2 - 6 - 3. (6) الوسائل باب 25 من ابواب وجوب الحج ح 4.

[ 297 ]

[ وكذا إذا كان عليه عمرتهما. وان اوصى بها من غير تعيين كونها من الاصل أو الثلث فكذلك ايضا (1). واما ان اوصى باخراجها من الثلث وجب اخراجها منه وتقدم على الوصايا المستحبة وان كانت متأخرة عنها بالذكر. وان لم يف الثلث بها اخذت البقية من الاصل. ] من الذيل بقرينة الصدر ان ما تركه من المال لا يفي لمصارف الحج وانما يفي بمقدار الحمولة واجرة الحمل والركوب فحينئذ لا يجب القضاء عنه لعدم وفاء المال فيرجع المال إلى الورثة فان شاؤا حجوا عنه من مالهم. (1) ان اوصى بالحج ولم يقيده باخراجه من الثلث فحاله حال الدين الذي يخرج من اصل المال، ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار وغيره (عن رجل مات فأوصى ان يحج عنه قال: ان كان صرورة فمن جميع المال) (1). وفي صحيح الحلبي: (فان اوصى ان يحج عنه رجل فليحج ذلك الرجل. وفي حديث عنه قال: يقضى عن الرجل حجة الاسلام من جميع ماله (2). وان قيده بالثلث واوصى بامور اخر أيضا ووفى المال للصرف في الجيمع فلا كلام. وان لم يف يقدم الحج على سائر الوصايا ويدل على ذلك روايات كثيرة ذكر اكثرها في باب الوصايا (3)


(1) (2) الوسائل باب 25 من ابواب وجوب الحج ح 1 - 2 - 3. (3) الوسائل باب 65 من أبواب الوصايا.

[ 298 ]

وذكر صاحب الوسائل روايتين منها في كتاب الحج (1). وبالجملة لاريب بحسب النصوص في تقديم الحج على ساير الوصايا فيما إذا لم يف المال الموصى به للجميع، إلا ان الكلام فيما يقتضيه القاعدة فان مقتضاها هو التوزيع بالسوية حسب موارد الوصية كما افتى به أبو حنيفة وسفيان الثوري. كما في صحيح معاوية بن عمار قال: (ان امرأة هلكت واوصت بثلثها يتصدق به عنها ويحج عنها ويعتق عنها فلم يسع المال ذلك، فسألت أبا حنيفة وسفيان الثوري فقال: كل واحد منهما: انظر إلى رجل قد حج فقطع به فيقوى به، ورجل قد سعى في فكاك رقبة فبقي عليه شئ فيعتق ويتصدق بالبقية فاعجبني هذا القول، وقلت للقوم يعني اهل المرأة: اني قد سألت لكم فتريدون ان اسأل لكم من هو اوثق من هولاء؟ قالوا: نعم فسألت أبا عبد الله (ع) عن ذلك فقال: (ابدء بالحج فان الحج فريضة فما بقي فضعه في النوافل، ثم قال معاوية بن عمار فاتيت أبا حنيفة فقلت أني قد سألت فلانا (يعني الصادق - ع -) فقال لي: كذا وكذا، قال: فقال: هذا والله الحق واخذ به) (2) والرواية معتبرة لان زكريا المؤمن ثقة لكونه من رجال كامل الزيارات ولم يرد فيه تضعيف وما ذكره النجاشي انه كان مختلط الامر في حديثه لا يدل على الضعف وانما يدل على انه كان يروي عن الضعفاء، وبالجملة مقتضى القاعدة انه لو اوصى بمال للحج ولامور متعددة يقسم المال بينها بالسوية، وما دل على خروج الحج من اصل المال انما هو فيما إذا لم يوص وأما إذا اوصى به وبغيره كالصدقة والعتق يخرج الحج من


(1) الوسائل با ب 30 من أبواب وجوب الحج ح 1 - 2. (2) الوسائل باب 30 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 299 ]

[ والاقوى ان حج النذر - ايضا - كذلك بمعنى انه يخرج من الاصل. كما سيأتي الاشارة إليه (1): ] الثلث ويصرف ثلث الثلث وهو التسع في الحج فان الصرف تابع لجعل الموصي فان كان ثلث الثلث غير واف للحج يكمل من اصل المال فكأنه بالنسبة إلى الحج لم يوص. وليس المقام من باب المزاحمة حتى نقول بتقديم الحج لاهميته بل وجوبه من باب الايصاء. والحاصل: لو لم تكن روايات خاصة من العترة الطاهرة (ع) كان التوزيع والتثليث بين الحج والعتق والصدقة وجيها ولكن بحسب الروايات يقدم الحج. (1) واستدل لذلك بوجوه منها انه دين الله ودين الله احق ان يقضى كما في رواية الخثعمية (1) وقد صرح المصنف بذلك في المسألة الثالثة من صلاة الاستيجار. وفيه: مضافا إلى ضعف السند. ان اطلاق الدين على بعض الواجبات الشرعية اعم من الحقيقي والمجازي لان الاستعمال اعم منهما ولكن الاحكام المترتبة على الدين الحقيقي لا تشمل التكاليف الشرعية لانصرافه إلى دين الناس وحقهم. ومنها الاجماع على ان الواجب المالي يخرج من الاصل. وفيه: لو سلمانا ثبوت الاجماع فهو على الواجب المالي بنفسه أي ما كان واجبا ماليا نفسيا بحتا كالزكاة والخمس ونحوهما لا ماكان صرف المال مقدمة له. بل ثبوت الاجماع في جيمع الواجبات المالية النفسية كالكفارات غير معلوم.


(1) مستدرك الوسائل ج 2 باب 18 من أبواب وجوب الحج ح 3.

[ 300 ]

[ ولو كان عليه دين أو خمس أو زكاة وقصرت التركة، فان كان المتعلق به الخمس أو الزكاة موجودا قدم لتعلقهما بالعين فلا يجوز صرفه في غيرهما وان كانا في الذمة فالاقوى ان التركة توزع على الجميع بالنسبة (1) كما في غرماء المفلس. ] ومنها ان النذر بنفسه يقتضي كونه دينا لان الجعل على الذمة يوجب كونه دينا عليه لله تعالى لقوله لله علي كذا فالمنذور يكون دينا لله على الناذر بمقتضى جعله. وفيه: انه لم يثبت كونه كالدين المتعارف الثابت في الذمة وقوله (لله علي كذا) لا يدل على كونه دينا كساير الديون فان ذلك نظير قوله (لله علي صلاة أو صوم) فانه دال على اشتغال ذمته بالواجب الالهي ومجرد كون الشئ واجبا لا يقتضي كونه دينا حقيقيا ثابتا في الذمة بحيث تكون ذمته مملوكة كالدين المتعارف بالملكية الاعتبارية بل اطلاق جملة من الروايات المفصلة بين حج الاسلام وغيره الدالة على ان حج الاسلام يخرج من الاصل وغيره من الثلث، يشمل الحج النذري فان المستفاد من تلك النصوص ان الخارج من الاصل هو حج الاسلام لا غير ولو اوصى بالحج النذري يخرج من الثلث ولا حاجة إلى الرواية مع انها موجودة. (1) الحكم بالتوزيع على الجميع هنا وعدم جواز التخصيص ببعض الديون كما هو الحال في غرماء المفلس هو التسالم عليه بينهم بلا خلاف ويدل عليه موثقة علي بن رئاب عن زرارة (1) (قال): سألت أبا عبد الله (أبا جعفر) (عليه السلام) عن رجل مات وترك عليه


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب الدين والقرض ح 5.

[ 301 ]

[ وقد يقال: بتقديم الحج على غيره وان كان دين الناس لخبر معاوية بن عمار الدال على تقديمه على الزكاة (1) ] دينا وترك عبدا له مال في التجارة وولدا وفي يد العبد مال ومتاع وعليه دين استدانه العبد في حياة سيده في تجارة (ته) وان الورثة وغرماء الميت اختصموا فيما في يد العبد من المال والمتاع وفي رقبة العبد فقال: أرى ان ليس للورثة سبيل على رقبة العبد، ولا على ما في يده من المتاع والمال إلا ان يضمنوا دين الغرماء جميعا فيكون العبد وما في يده من المال للورثة فان أبوا كان العبد وما في يده للغرماء يقوم العبد وما في يديه من المال، ثم يقسم ذلك بينهم بالحصص، فان عجز قيمة العبد وما في يديه عن اموال الغرماء رجعوا على الورثة فيما بقي لهم ان كان الميت ترك شيئا، قال: وان فضل من قيمة العبد وما كان في يديه عن دين الغرماء رده على الورثة). (1) لو كان عليه دين أو خمس أو زكاة وكانت التركة كافية للصرف فيها وفي الحج فلا كلام. ولو قصرت التركة فهل يتقدم الحج ام لا؟. قد يفرض ان العين موجودة وقد يفرض انها في الذمة. اما في الصورة الاولى فلا ريب في تقديم الخمس أو الزكاة لتعلقهما بالعين فلا يجوز صرف المال في غيرهما سواء قلنا بالاشاعة أو بالتشريك في المالية كما هو المختار عندنا، لان التركة بتمامها ليست للميت بل هو شريك مع ارباب الخمس أو الزكاة والحج انما يخرج من ماله لا من مال شريكه. وأما في الصورة الثانية ففقد اختار السيد المصنف - رحمه الله -

[ 302 ]

توزيع التركة على الجميع بالنسبة لبطلان الترجيح فان كان المال وافيا للجميع فلا كلام وان لم يف المال إلا ببعض الافعال كالطواف أو السعي فقط سقط وجوب الحج لعدم جريان التبعيض فيه هذا ولكن الظاهر تقدم الحج على الزكاة والخمس بل على كل دين من ديون الناس لصحيح معاوية بن عمار (قال قلت له رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجة الاسلام وترك ثلاثمائة درهم فأوصى بحجة الاسلام وان يقضى عنه دين الزكاة قال: يحج عنه من اقرب ما يكون ويخرج البقية من الزكاة (1)، ونحوه صحيحه الاخر (2) الا ان فيه (وعليه من الزكاة سبعمائة درهم). وصاحب الجواهر ناقش في الخبر الثاني سندا ولكن يكفينا الاول ولافرق بينهما دلالة ومتنا إلا في مقدار الزكاة. مع ان الخبر الثاني صحيح السند أيضا لان منشأ الضعف اما من جهة محمد بن عبد الله بن زرارة الذي روى عنه ابن فضال ويروي هو عن ابن أبي عمير وهو ممن لم يؤثق وإما من جهة طريق الشيخ إلى ابن فضال لضفعه بابن الزبير القرشي، ولكن لا يضر ضعف طريق الشيخ إلى ابن فضال بعدما كان طريق النجاشي إليه صحيحا والكتاب واحد مع ما فصلنا الكلام فيه في محله. وإما محمد بن عبد الله بن زرارة فقد نقل النجاشي في ترجمة الحسن بن علي بن فضال عن علي بن الريان في قصة عدول الحسن بن فضال إلى الحق ان محمد بن عبد الله بن زرارة اصدق عندي لهجة من احمد بن الحسن بن علي بن فضال فانه رجل فاضل دين مضافا إلى انه من رجال كامل الزيارات.


(1) و (2) الوسائل باب 21 من أبواب من المستحقين للزكاة ج 2 وباب 42 الوصايا ح 1.

[ 303 ]

[ ونحوه خبر اخر لكنهما موهونان باعراض الاصحاب. مع انهما في خصوص الزكاة وربما يحتمل: تقديم دين الناس لاهميته والاقوى ما ذكر من التحصيص، وحينئذ فان وفت حصة الحج به فهو والا فان لم تف الا ببعض الافعال كالطواف فقط أو هو مع السعي فالظاهر سقوطه. وصرف حصته في الدين أو الخمس أو الزكاة. ومع وجود الجميع توزع عليها وان وفت بالحج فقط أو العمرة فقط ففى مثل حج القران والافراد تصر ف فيها مخيرا بينهما (1). ] ثم ان مورد الصحيحين وان كان هو الزكاة ولكن الظاهر عدم الفرق بينها وبين الخمس لان الخمس بدل الزكاة وهو من هذه الجهة محكوم بحكم الزكاة مضافا إلى ان الزكاة اهم من الخمس فلو كان الحج مقدما على الزكاة يقدم على الخمس بطريق اولى. وأما تقديم الحج على الدين الشخصي فيدل عليه صحيح بريد العجلي المتقدم (عن رجل خرج حاجا ومعه جمل له ونفقة وزاد فمات في الطريق قال ان كان صرورة ثم مات في الحرم فقد اجزء عنه حجة الاسلام وان كان مات وهو صرورة قبل ان يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام فان فضل من ذلك شئ فهو للورثة ان لم يكن عليه دين) (1) ودلالته صريحة في تقديم الحج على الدين. (1) بعد ما عرفت ان الحج كالدين فان كانت التركة وافية للحج


(1) الوسائل باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 2.

[ 304 ]

والعمرة فلا كلام، وان لم تف إلا لاحدهما فقط فهل يقدم الحج ام لا؟ يقع الكلام تارة: في حج الافراد والقران واخرى في التمتع. اما الاول فهل يتخير بين الحج والعمرة لوجوب كل واحد عليه مستقلا أو يقدم الحج لاهميته وجهان؟. والظاهر هو التخيير لعدم ثبوت اهمية الحج على العمرة لان كل واحد منهما فريضة من فرائض الله تعالى، ولا منشأ لاهمية الحج على العمرة وعلى فرض تسليم الاهمية فانما هي فيما إذا كان المكلف بنفسه مباشرا ولا يتمكن من الجمع بينهما فيقدم مقطوع الاهمية أو محتملها والمفروض في المقام ان المكلف مات ولم يباشر العمل بنفسه وانما استقر عليه الحج والعمرة معا واشتغلت ذمته بفريضتين من فرائض الله وكون احدهما في نفسه اهم من الاخر لا يؤثر في اشتغال الذمة بالاهم. (وقد نظر (دام ظله) المقام بمن كان مدينا لمؤمن ولكافر ذمي وفرضنا انه لا يتمكن من ادائهما وكون احدهما مؤمنا والاخر كافرا لا يؤثر في تقديم احدهما من جهة الاشتغال وتفريغ الذمة). وأما الثاني وهو حج التمتع فان كان المال لا يفي إلا لاحدهما من العمرة أو الحج فهل يجري ما تقدم في حج الافراد من التخيير أو يتعين صرف المال في الحج الافرادي لاهمية الحج أو لا يصرف في شئ منهما؟ وجوه: اما احتمال التخيير فضعيف جدا لعدم جريانه في خصوص حج التمتع لارتباطه بالعمرة ولا يصح بدونها وإما عدم الصرف في شئ منهما فلتعذر قضاء ما وجب عليه فيعطي المال لورثته. وذكر بعضهم ان الحج يتقدم فيأتي بحج الافراد بدلا عن حج التمتع بدعوى: امكان استفادته من الرواية الآتية.

[ 305 ]

اقول نتكلم تارة فيما تقتضيه القاعدة واخرى فيما يقتضيه النص. اما الاول: فمقتضى القاعدة عدم وجوب صرف المال في شئ منهما لان حج التمتع عمل واحد ارتباطي وان كان الاحلال متوسطا في البين. وبعبارة اخرى: الواجب انما هو صرف المال في حج الاسلام وهو مركب من امرين: احدهما يرتبط بالاخر ولا وجه لصرف المال في احدهما ولا مجال لجريان قاعدة الميسور في الامور الارتباطية فلا بد من ايصال المال إلى الورثة. وأما الآخر فقد يقال: ان المستفاد من النص وجوب صرف المال في الحج لما روى عن علي بن مزيد (فرقد. كا) صاحب السابري (قال: اوصى إلي رجل بتركته فأمرني ان احج بها عنه فنظرت في ذلك فإذا هي شئ يسير لا يكفي للحج فسألت أبا حنيفة وفقهاء اهل الكوفة فقالوا: تصدق بها عنه إلى ان قال: فلقيت جعفر بن محمد (ع) في الحجر وحكي له القصة وحكم (ع) بالضمان إذا تصدق بها ان كان المال بمقدار يمكن ان يحج به من مكة (1). وقوله: (يحج به من مكة) يراد به حج الافراد. وبالجملة المستفاد من الرواية ان المال إذا كان لا يفي لحج التمتع المركب من الحج والعمرة المرتبط احدهما بالاخر يصرف المال في حج الافراد الذي لم يرتبط احدهما بالاخر ويحرم له من مكة فانها ميقات الحج. وفيه: اولا ضعف السند بعلي بن مزيد أو فرقد فانه مجهول. وثانيا: ضعف الدلالة لان مورد النص الوصية بالحج ولا ريب ان العمل بالوصية مرغوب فيه مهما امكن فان لم يمكن العمل بنفس الوصية


(1) الوسائل: باب 37 من أبواب الوصايا ح 2:

[ 306 ]

[ والاحوط تقديم الحج. وفي حج التمتع الاقوى السقوط وصرفها في الدين وغيره. وربما يحتمل فيه ايضا التخيير أو ترجيح الحج لاهميته أو العمرة لتقدمها. لكن لا وجه لها بعد كونهما في التمتع عملا واحدا وقاعدة الميسور لا جابر لها في المقام (مسألة 84): لا يجوز للورثة التصرف في التركة قبل استئجار الحج إذا كان مصرفه مستغرقا لها بل مطلقا على الاحوط إلا إذا كانت واسعة جدا فلهم التصرف في بعضها حينئذ مع البناء على اخراج الحج من بعضها الاخر كما في الدين فحاله حال الدين (1). ] فالاقرب فالاقرب ولا شك ان الحج وحده اقرب إلى نية الموصي. ومحل كلامنا غير الوصية وهو ما إذا دار الامر بين صرف المال في الحج وبين ايصاله إلى الورثة والتعدي من مورد النص إلى المقام يحتاج إلى الدليل. وقد عرفت ان مقتضى القاعدة بعد تعذر الاتيان بالعمل هو سقوط الوجوب وانتقال المال إلى الورثة أو إلى وصية اخرى لو كانت. (1) يقع الكلام في صورتين: الاولى: ما إذا كان مصرف الحج مستغرقا للتركة كالدين المستغرق. الثانية: ما إذا كانت التركة ازيد من الدين أو من مصرف الحج. اما الصورة الاولى: فلا يجوز للورثة التصرف في المال المتروك لعدم انتقال المال إلى الورثة لان المستفاد من الآية المباركة والنصوص تأخر مرتبة الارث عن الدين وقد حقق في محله ان المال ينتقل إلى

[ 307 ]

الغرماء من نفس الميت لا من الورثة ويكون المال باقيا على ملك الميت والغرماء يتلقون المال من الميت لا من الورثة ولا مانع اصلا من ملك الميت، فتكون الورثة اجنبية عن المال بالمرة وحالهم حال الاجانب في التصرف في التركة على حد سواء. نعم للوراث ولغيره التبرع باداء الدين أو بإتيان الحج كما ان للدائن الابراء فحينئذ لا يبقى موضوع للدين ويجوز للورثة التصرف في التركة لارتفاع موضوع الدين بالتبرع أو بالابراء. هذا كله على ما يقتضيه التحقيق من عدم انتقال التركة إلى الورثة إذا كان الدين مستغرقا. وإما على القول الاخر الذي ذهب إليه جملة من الاعلام من انتقال المال إلى الورثة. فكذلك لا يجوز لهم التصرف في التركة لانها متعلقة لحق الغير فعلى كل من القولين لا يجوز للورثة التصرف في التركة. وأما الثانية: فالصحيح فيها جواز التصرف في غير مقدار الدين ومصارف الحج فان المال على القول الصحيح لا ينتقل إلى الورثة بمقدار الدين وانما ينتقل المال إليهم في المقدار الزائد على الدين وقد عرفت انه لا مانع من ملكية الميت فالميت يملك كليا معينا من التركة والوارث يملك الباقي من المال المتروك ويجوز له التصرف بالمقدار الذي يملكه وله تطبيق الكلي على الافراد الخارجية نظير بيع صاع من صبرة فمقتضى القاعدة جواز التصرف. مضافا إلى السيرة القطعية القائمة على جواز التصرف للورثة وان كان الميت مديونا، وحمل السيرة على ما إذا كان الميت غير مديون اصلا حمل على فرد نادر جدا فان الاموات حتى الاغنياء قد يخلفون الدين ولا اقل من مهر زوجته. وذهب جماعة إلى عدم جواز التصرف حتى في فرض زيادة التركة

[ 308 ]

[ (مسألة 85): إذا اقر بعض الورثة بوجوب الحج على ] على الدين ولم يفرقوا بين المستغرق وغيره في المنع عن التصرف كما ان المصنف احتاط في ذلك. ولعله لاجل ان المال متعلق حق الغرماء ولا يكون متشخصا ولكن قد عرفت ان الميت بنفسه يملك وينتقل المال المساوي أو بمقدار الدين إلى الغرماء رأسا والبقية تنتقل إلى الورثة ويجوز لهم التصرف في المقدار الزائد على نحو جواز التصرف فيما إذا باع صاعا من صبرة. وأما ما فصله المصنف (رحمه الله) من عدم جواز التصرف حتى إذا كانت التركة ازيد من الدين وجوازه إذا كانت التركة واسعة كثيرة جدا فلم يظهر لنا وجهه ولعله اعتمد على السيرة وعلى ان القدر المتيقن منها ما إذا كانت التركة واسعة جدا هذا كله ما يقتضيه القاعدة وكذلك النص فان المستفاد منه التفصيل بين الاستغراق وعدمه من دون فرق بين كون التركة واسعة جدا ام لا كما في موثق عبد الرحمن ابن الحجاج بالحسن بن محمد ب‍ سماعة عن أبي الحسن - ع - (عن رجل يموت ويترك عيالا وعليه دين اينفق عليهم من ماله؟ قال: ان كان يستيقن ان الذي ترك يحيط بجميع دينه فلا ينفق وان لم يكن يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال (1). ونحوه خبر البزنطي (2) وعبر عنه (بالصحيح) في كلمات بعضهم بزعم ان البزنطي اسند إلى الامام - ع - وسأل عنه ولكن الموجود في التهذيب (باسناد له) أي: بطريق له والطريق مجهول عندنا فيصبح الخبر ضعيفا.


8 (1) و (2) الوسائل: باب 29 من أبواب الوصايا، ح 2 و 1.

[ 309 ]

[ المورث وانكره الاخرون لم يجب عليه الا دفع ما يخص حصته بعد التوزيع وان لم يف ذلك بالحج لا يجب عليه تتميمه من حصته. كما إذا اقر بدين وانكره غيره من الورثة فانه لا يجب عليه دفع الازيد. فمسألة الاقرار أو الدين مع انكار الاخرين نظير مسألة الاقرار بالنسب. حيث انه إذا اقر احد الاخوين باخ آخر وانكره الاخر لا يجب عليه الا دفع الزائد عن حصته فيكفي دفع ثلث ما في يده. ولا ينزل اقراره على الاشاعة على خلاف القاعدة للنص (1). ] (1) ذكر في هذه المسألة فروعا ثلاثة: الاول اعتراف بعض الورثة بالدين. الثاني: اعترافه بالحج على المورث. الثالث: اعترافه بالنسب. اما الاول: فالمستفاد من الآية المباركة والنصوص تأخر الميراث عن الدين والوصية وثبوت الدين في التركة على نحو الكلي في المعين ولا ينتقل مقدار الدين إلى الورثة بل ينتقل إلى الغرماء رأسا، ولذا لو تلف بعض المال بعد موته فضلا عن ما قبل الموت يخرج الدين من بقية المال، ولا ينقص من الدين شئ، وهذا دليل قطعي على ان ثبوت الدين في التركة ليس على نحو الاشاعة بل هو على نحو الكلي في المعين كما يقتضيه اطلاق الآية والنصوص، فإذا اعترف بعض الورثة بالدين وانكره الاخر أو لم يعترف به يأخذ من المال المتروك بمقدار اعترافه

[ 310 ]

وعليه ان يعطى تمام الدين الذي اعترف به ويكون الباقي له، وما اخذه المنكر يكون مشتركا بينه وبين الاخ المعترف وإذا كان ذلك الاخ جاحد وغاصبا يجوز للاخ المعترف ان يأخذ من اخيه الجاحد حصة الدين بالنسبة مقاصة وان كان جاهلا يرجع امرهما إلى الحاكم. وبالجملة: مقتضى القاعدة لزوم اداء تمام الدين على المعترف من حصته ولو بتمام حصته وله مطالبة الاخرين ببقية حصته من التركة واقامة الدعوى عليهم. نعم لا يجب عليه تتميمة من مال آخر إلا إذا كان اجماع على الخلاف من لزوم التحصيص في الدين على حسب نسبة الحصص. ولو لم يثبت الاجماع - كما هو غير ثابت - فلا بد من الرجوع إلى ما يقتضيه القاعدة. مضافا إلى موثق اسحاق بن عمار (في رجل مات فاقر بعض ورثته لرجل بدين قال: يلزم ذلك في حصته) (1). وظاهره لزوم تمام الدين في حصته. وذكر صاحب الوسائل عن الشيخ انه حمله على انه يلزم بقدر ما يصيب حصته بشهادة خبر أبي البختري (قال قضى على - عليه السلام - في رجل مات وترك ورثة فاقر احد الورثة بدين على ابيه انه يلزم ذلك في حصته بقدر ما ورث ولا يكون ذلك في ماله كله إلى ان قال وكذلك ان اقر بعض الورثة باخ أو اخت انما يلزمه في حصته) (2). ولكن الخبر ضعيف سندا. بل ودلالة. اما الاول فبأبي البختري الذي قبل فيه: انه من اكذب البرية وأما الثاني فلاحتمال ان يراد من العبارة عدم وجوب التتميم من ماله الشخصي بمعنى ان يلزم على المقر دفع الدين من حصته ولا يلزم عليه دفعه من ساير امواله الشخصية.


(1) و (2) الوسائل: باب 26 من أبواب الوصايا، ح 3 و 5.

[ 311 ]

وأما الثاني: وهو الاعتراف بالحج فقد ذكر المصنف - رحمه الله - انه لا يجب على المعترف إلا دفع ما يخص حصته بعد التوزيع وان لم يف ذلك بالحج لا يجب عليه تتميمه من حصته. اقول: ان كان ثبوت الحج في التركة على نحو الكلي في المعين نظير الدين فيجب على المعترف ان يخرج الحج مما اخذه من التركة وعليه ان يتعهد بجميع مصارف الحج ولو مطالبة الاخر من بقية حصته من التركة كما تقدم في الدين، وإما بناءا على ما ذكره من اخراجه من حصته بالنسبة بعد التوزيع، فالخارج من ارثه نصف مصارف الحج وحينئذ لا يتصور فيه الوفاء للحج حتى يقال: بانه ان لم يف ذلك بالحج لا يجب عليه التتميم، لان المعترف به في الحقيقة انما هو نصف مصارف الحج وهو غير واف للحج دائما فلا مجال لقوله: (وان لم يف لا يجب عليه تتميمه)، وليس الحج كالدين في امكان التبعيض واخراجه بالمقدار الممكن لانه واجب ارتباطي بخلاف الدين فانه غير ارتباطي يجري فيه التبعيض. وبالجملة: لو اعترف احد الورثة بالحج وانكره الآخرون فلا موضوع للحج لعدم امكان اتيانه بالنصف المعترف به وعدم جريان التبعيض فيه فان لم يعط الآخرون من حصتهم للنصف الاخر يسقط وجوبه بالمرة. فيقع الكلام حينئذ في المقدار الثابت في حصته فهل يجوز له التصرف فيه لانه يرجع إلى كونه ارثا يرجع لان المانع هو الحج والمفروض سقوطه أو انه يجب عليه صرف في جهات الميت؟ الاقرب فالاقرب؟ الظاهر هو الثاني لان المقدار المعترف به لم ينتقل إلى الوارث من اول الامر وانما هو باق على ملك الميت وكذلك المقدار الذي اخذه

[ 312 ]

المنكر باق على ملك الميت فمجموع المالين ملك للميت يملك مقدارا من هذا ومقدارا من ذاك غاية الامر الوارث الاخر جاحد أو جاهل معذور لعدم اعترافه باشتغال ذمة الميت وكيف كان: لا يجوز للوارث المعترف التصرف في هذا المقدار من المال لبقائه على ملك الميت وحيث انه لا يفي للحج فلابد من صرفه في جهات الميت الاقرب فالاقرب. هذا تمام الكلام في الاقرار بالدين والحج وقد عرفت انهما يخرجان من تمام حصة المعترف إذا كانت وافية ويكون الباقي من التركة بعد اداء الدين والحج مشتركا بين الورثة ويجوز للمعترف الاخذ من المنكر على موازين القضاء من اقامة الدعوى عليه، وأما بالنسبة إلى الغاصب فيقتص منه. وأما الثالث: وهو الاعترف بالنسب كما لو اعترف احد الشريكين في الارث بالنسب لشخص ثالث مشترك معهما كما إذا كان هناك اخوان وارثان فاقر احدهما بان زيدا أيضا اخوهما وانكره الاخر. ذكر المصنف ان المقر يدفع إلى المقر له المقدار الزائد عما يستحقه والزائد عن حصته باعتقاده واعترافه فيكفى دفع ثلث ما في يده ولا يجب عليه التنصيف كما لو فرضنا ان المال المتروك ستة دنانير وبعد التنصيف بينه وبين اخيه اقر احدهما بان زيدا اخ لهما أيضا يجب على المقر اعطاء دينار واحد إلى المقر له ويبقى الديناران للمقر ولايكون المقر له شريكا مع المقر حتى يلزم على التنصيف بينه وبين المقر له. أقول: التقسيم قد يكون مع الغاصب وهذا بحث طويل وقد ذكر في محله ان الغاصب لا يصح معه التقسيم فلو كان المال مشتركا بين اخوين واخذ الغاصب نصف المال بعنوان انه مال زيد فتلف لا يختص بزيد ويحسب التالف عليهما والباقي لهما ولا اثر لنية الغاصب وتقسيمه

[ 313 ]

والقاعدة تقتضي هناك الاشاعة والتلف من مال الاخوين معا. وإما في باب الاعتراف بالنسب قالقاعدة تقتضي اعطاء المقر الزائد عن حصته للمقر له بالنسبة حسب اعترافه ولايكون المقر له شريكا للمقر فيجب على المقر دفع ثلث ما في يده لا نصفه. وإما النص المشار إليه في المتن فهو خبر أبي البختري الذي قد عرفت ضفعه سندا ودلالة ولو كانت القاعدة مقتضية للاشتراك لزم الالتزام بالاشاعة في المقام ولا اثر لوجود هذا الخبر الضعيف. والحاصل إذا اعترف احد الشريكين في الارث بثالث فمرجع ذلك إلى الاعتراف بان لكل واحد منهم ثلث المال فإذا فرضنا ان المال قسم إلى قسمين بين الاخوين ثم اعترف احدهما باخ ثالث معناه: ان المال الذي بيد الاخ المنكر ثلثه للمقر له وثلثه للمقر وثلثه للاخ نفسه وكذا الحال في المال الذي اخذه المقر ثلثه لنفسه وثلثه لا خيه وثلثه للمقر له لا ازيد فالثلث الذي عنده للاخ والثلث عند الاخ للاخ الآخر ويقع التبادل بين هذين الثلين بالتراضي بينهما - وعلى سبيل المثال - لنفرض ان المال المتروك ستون دينارا وقسم إلى قسمين وكل واحد من الاخوين اخذ ثلاثين دينارا فإذا اعترف احدهما باخ ثالث معناه ان عشرة دنانير له وعشرة لاخيه وعشرة للمقر له وكذا ما عند اخيه فالعشرة الثانية التي عنده تكون له بالتبادل وعوضا من العشرة التي عند اخيه فطبعا يكون له عشرون دينارا ويجب عليه دفع العشرة الزائدة إلى المقر له ولا يكون شريكا مع المقر في المال الذي عند المقر له حتى يأخذ النصف ولا يجب عليه تنصيف الثلاثين فالفرق بين التقسيم في باب الغصب والتقسيم في المقام ظاهر وبينهما بون بعيد ولا يقاس احدهما بالاخر وما ذكرناه في المقام مما تقتضيه القاعدة ولا حاجة

[ 314 ]

[ (مسألة 86): إذا كان على الميت الحج ولم تكن تركته وافية به، ولم يكن دين فالظاهر كونها للورثة ولا يجب صرفها في وجوه البر (1) عن الميت لكن الاحوط التصدق عنه للخبر عن الصادق (ع) (عن رجل مات واوصى بتركته ان احج بها فنظرت في ذلك فلم يكفه للحج فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها فقال (ع) ما صنعت بها؟ قلت تصدقت بها فقال (ع) ضمنت إلا ان يكون يبلغ ما يحج به من مكة فان كان لا يبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان). ] إلى النص. (1) لان المانع عن الانتقال إلى الوارث هو الحج والمفروض عدم امكان الحج به فلا مانع وينتقل ما ترك إلى الوراث حسب الاطلاقات ولا يقاس الحج بالدين لانه انحلالي غير ارتباطي بخلاف الحج فانه واجب ارتباطي لا يمكن فيه التبعيض. ولا دليل على وجوب التصدق بالمال المتروك إذا لم يف المال للحج. نعم ورد النص بالتصدق في باب الوصية (1) ولكنه ضعيف السند مضافا إلى انه مختص بمورد الوصية ولا يشمل المقام والحكم في باب الوصية لزوم الصرف في وجوه البر إذا تعذر العمل بها لان الوصية بنفسها تقتضي صرف المال بعد تعذر صرفه في الجهة المعينة من قبل الميت في جهات اخر الاقرب فالاقرب إلى غرضه فان الوصية تمنع


(1) الوسائل: باب 37 من أبواب الوصايا، ح 2.

[ 315 ]

من انتقال المال إلى الورثة وتوجب بقاء المال على ملك الميت فلا بد من صرفه في شؤنه وجهاته. وبعارة اخرى: إذا تعذر ما عينه الميت لا يوجب انتقال المال إلى الورثة لان غرض الميت ايصال الثواب إلى نفسه غاية الامر عين مصرفا خاصا لذلك ولو تعذر ذلك ينتقل الامر إلى نحو اخر من ايصال الثواب. فمرجع الوصية في امثال هذه الموارد تنحل إلى امرين وتكون على نحو تعدد المطلوب حسب المتفاهم العرفي والقرينة العامة فلو تعذر احدهما يتعين الاخر كما هو الحال في غير المقام من موارد الوصية. كما إذا اوصى بصرف المال في بناء حسينية أو مدرسة دينية أو اقامة التعزية في بلد معين وتعذر ذلك لا ينتقل المال إلى الورثة بل يصرف في الاقرب فالاقرب وهكذا الحال في الوصية بالحج إذا لم يف المال للتمتع يصرف في الافراد لانه اقل مصرفا من التمتع وان لم يف له أيضا يصرف في سائر وجوه البر من التصدق ونحوه مما هو اقرب إلى غرض الميت وهذا بخلاف الحج الثابت في ذمة الميت الذي فرض عدم الوصية به فانه لو لم يف المال له فلا مانع من انتقال المال إلى الورثة حسب العمومات ولا دليل على الاستثناء. وإما إذا لم يكن العمل بالوصية كليا فيدخل المقام في كبرى ان المال لا يمكن ايصاله إلى مالكه فيعامل معه معاملة مجهول المالك من التصدق ونحوه. فتحصل: ان الحج الواجب على الميت لو تعذر الاتيان به لعدم وفاء المال له ينتقل المال إلى الورثة لان المانع عنه كان هو الحج والمفروض عدم امكان الاتيان به فيدخل في عمومات الارث وهذا بخلاف باب الوصية سواء كانت على نحو تعدد المطلوب أو وحدته فانه لو تعذر العمل بها يصرف المال في وجوه اخر ولا ينتقل إلى الورثة لان المستثنى من الارث نفس

[ 316 ]

[ نعم لو احتمل كفايتها للحج بعد ذلك أو وجود متبرع يدفع التتمة لمصرف الحج وجب ابقائها (1). ] الوصية لا الموصى به والمال باق على ملك الميت فان امكن الايصال إليه بصرفه في الجهات المعينة أو القريبة إلى غرضه فهو وإلا يعامل معه معاملة مجهول المالك. وأما ما ذكره المصنف وغيره من صرف المال في التصدق ابتداءا بمجرد تعذر الحج للخبر المتقدم فهو لا ينطبق عليه الخبر المذكور لان المستفاد منه الحج من مكة الذي هو اقل مصرفا من حج التمتع وان لم يتمكن من ذلك فيتصدق به (2) لعل وجهه رجوع ذلك إلى الشك في القدرة ولا تجرى البراءة في مثل ذلك بل يجرى الاشتغال. ولكن الظاهر ان مرجع الشك في المقام إلى الشك في الحكم الوضعي لا التكليفي حتى يكون مبينا على الشك في القدرة. فان الشك يرجع إلى الشك في انتقال المال إلى الورثة وعدمه للشك في وفاء المال وعدمه فان المال في صورة الوفاء باق على ملك الميت وعلى تقدير عدم الوفاء ينتقل إلى الورثة فلو شك في الوفاء وعدمه في السنة الاتية أو وجود متبرع لا مانع من استصحاب العدم بناءا على جريان الاستصحاب في الامر الاستقبالي وبذلك يتحقق موضوع الانتقال إلى الورثة نعم لو تصرفوا ثم انكشف الخلاف وظهر وفاء المال للحج فيما بعد أو وجد المتبرع يكشف ان الاستصحاب لم يكن مطابقا للواقع ويكون ضامنا لما اتلفه وهذا امر اخر وكلامنا فعلا في جواز التصرف وعدمه ولذا ذكرنا في التعليقة ان الظاهر عدم وجوب الابقاء ولكن لو ظهر الخلاف

[ 317 ]

[ (مسألة 87): إذا تبرع بالحج عن الميت رجعت اجرة الاستئجار إلى الورثة (1) سواء عينها الميت أو لا. والاحوط صرفها في وجوه البر أو التصدق عنه خصوصا فيما عينها الميت للخبر المتقدم. (مسألة 88): هل الواجب الاستئجار عن الميت من الميقات أو البلد. المشهور وجوبه من اقرب المواقيت إلى مكة ان امكن، وإلا فمن الاقرب إليه فالاقرب وذهب جماعة إلى وجوبه من البلد مع سعة المال وإلا فمن الاقرب إليه فالاقرب وربما يحتمل قول ثالث وهو الوجوب من البلد مع سعة المال ] وتحقق كفايتها أو وجد المتربع كان ضامنا لما اتلفه. (1) لان التبرع يوجب سقوط الحج عنه وابراء ذمته منه كما هو الحال في الدين ويدل على صحة التبرع بالحج صحيح معاوية بن عمار الوارد فيمن مات ولم يحج حجة الاسلام فتبرع عنه شخص اخر هل يجزي ذلك عنه؟ (قال بل هي حجة تامة) (1). وبالجملة لا مانع من رجوع المال واجرة الاستئجار إلى الورثة لان المانع كان هو الحج والمفروض ارتفاعه. هذا فيما إذا لم يوص بالحج واما إذا اوصى بالحج وتبرع شخص به لا ينتقل المال الموصى به إلى الورثة بل يصرف في وجوه البر عنه وقد تقدم وجه ذلك قريبا.


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب وجوب الحج، ح 1.

[ 318 ]

[ وإلا فمن الميقات (1). وان امكن من الاقرب إلى البلد فالاقرب، والاقوى هو القول الاول، وان كان الاحوط القول الثاني لكن لا يحسب الزائد عن أجرة الميقاتية على الصغار من الورثة. ولو اوصى بالاستئجار من البلد وجب ويحتسب الزائد عن أجرة الميقاتية من الثلث، ولو اوصى ولم يعين شيئا كفت الميقاتية إلا إذا كان هناك انصراف إلى البلدية أو كانت قرينة على إرادتها كما إذا عين مقدار يناسب البلدية ] (1) قد عرفت انه لا خلاف في انه إذا استقر عليه الحج ثم مات يقضى ويستأجر عنه من اصل المال. انما وقع الخلاف في المكان الذي يجب الاستئجار منه فهل يجب الاستئجار عنه من البلد أو الميقات أو فيه تفصيل؟ نسب إلى الشيخ انه من البلد ونسب إلى المشهور انه من اقرب الاماكن والمواقيت إلى مكة أن امكن وإلا فمن غيره مراعيا الاقرب فالاقرب. وذهب جماعة إلى وجوب الاستئجار عنه من البلد مع سعة المال وان لم يسع فمن الاقرب إلى البلد فالاقرب اختاره في الدروس وهنا قول رابع نسب إلى جماعة - وفي صحة النسبة كلام - وهو الوجوب من البلد مع سعة المال ولو ضاق المال فمن الميقات وان كان الاستئجار من الاقرب إلى البلد فالاقرب ممكنا. والفرق بين هذا القول وسابقه هو ان القول السابق لو ضاق المال عن البلد يراعي الاقرب فالاقرب إلى بلده وهذا القول إذا لم يسع المال من البلد ينتقل الامر إلى الميقات رأسا وان وسع المال من البلاد القريبة لبلده.

[ 319 ]

والذي ينبغي ان يقال: انه يقع الكلام في موارد ثلاثة: الاول في القضاء عن الميت. الثاني: في الاستئجار عن الحي. الثالث: في الوصية بالحج. اما الاول: فالثابت بالادلة وجوب اخراج الحج من صلب المال. وإما ابتدائه من البلد أو الميقات فلم يرد فيه أي نص. نعم ورد في الوصية بالحج والحج عن الحي وهما اجنبيان عن المقام فلابد في مقامنا هذا من الرجوع إلى ما تقتضيه الادلة والروايات ومقتضاها وجوب الحج عنه والحج اسم للاعمال الخاصة والمناسك المعروفة من الاحرام إلى التقصير أو إلى طواف النساء في حج التمتع وإما المقدمات وطي المسافات فهي خارجة عن الحج والخارج - من عمومات الارث واطلاقاتها - إنما هو اجرة الحج نفسه فالواجب حينئذ الاستئجار من الميقات، وبما ان المواقيت مختلفة في القرب والبعد وكثرة الاجرة وقلتها، يكون الواجب هو الجامع بين الافراد ومقتضي ذلك جواز التطبيق على الاقرب والابعد فطبعا يكون الواجب في المقام هو مورد الاقل اجرة سواء كان اقرب أو ابعد من حيث المكان، ولا موجب لتطبيق الجامع على الاكثر قيمة بعد امكان تطبيقه على الاقل وسقوط الواجب به. فالصحيح ما اختاره المصنف تبعا للمشهور، وان كان الاحوط الاستئجار من البلد مع سعة المال لكن يحسب الزائد عن اجرة الحج الميقاتي من حصة الكبار لا الصغار. وأما ما اختاره ابن ادريس والدروس من وجوب الاستئجار من البلد مع سعة المال وإلا فمن الاقرب إلى البلد فالاقرب. فاستدل عليه بانه كان يجب عليه صرف المال من البلد لو كان حيا فلما مات سقط

[ 320 ]

الحج عن بدنه وبقى في ماله ما كان يجب عليه لو كان حيا من مؤنة الطريق من بلده، وادعى تواتر الاخبار بذلك. ففيه: ان صرف المال من البلد وان كان واجبا ولكنه واجب مقدمي لانفسي، ولذا لو فرضنا انه ذهب شخص مستطيع إلى المدينة أو الميقات لغاية اخرى غير الحج وحج من هناك اجزئه عن حجة الاسلام. وأما ما ادعاه من تواتر الاخبار بذلك فغير ثابت، ولعل نظره إلى الروايات الواردة في الوصية بالحج. الثاني: وهو الاستئجار والنيابة عن الحي فالظاهر هو الاجتزاء عن الميقات وعدم وجوب الاتيان به من البلد كما هو مقتضى الاطلاقات وقد تقدم ذلك مفصلا، ويؤكد ذلك صحيح حريز فانه صريح في كفاية الاستنابة من غير البلد (عن رجل اعطى رجلا حجة يحج بها عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال: لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه) (1). الثالث: مورد الوصية بالحج وفيه قد يفرض الكلام فيما لا يفي المال للحج البلدي وقد يفرض فيما إذا وفي المال به. اما في الاول: فيجب عليه الميقاتي وذلك فانه إذا قلنا بان الواجب في فرض سعة المال ووفائه هو الحج الميقاتي أيضا فالامر واضح وان قلنا بانه الحج البلدي فلما عرفت انفا ان الوصية بالحج ونحوه من باب تعدد المطلوب وتنحل إلى امرين فإذا عجز عن احدهما يتعين الاخر لان غرض الميت الموصي وصول الثواب إليه فإذا لا يمكن ايصال الثواب إليه على النحو الذي عينه واوصاه يجب ايصال الثواب إليه على الطريق الاخر فان ذلك اقرب لغرض الميت ولابد من صرف ماله في جهاته


8 (1) الوسائل: باب 11 من أبواب النيابة في الحج، ح 1.

[ 321 ]

لبقاء المال على ملكه ولا ينتقل إلى الورثة مضافا إلى صحيحة علي بن رئاب عن رجل اوصى ان يحج عنه حجة الاسلام ولم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهما (قال: يحج عنه من بعض المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قرب) (1). وأما الثاني وهو ما إذا وفي المال للحج البلدي واوصى بالحج فهل يحج عنه من البلد، أو الميقات؟ فالروايات مختلفة ففي بعضها انه يحج عنه من البلد كما في خبر البزنطى الذي عبر عنه الصحيح (قال سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يموت فيوصي بالحج من اين يحج عنه؟ قال: على قدر ماله ان وسعه ماله فمن منزله وان لم يسعه ماله فمن الكوفة فان لم يسعه من الكوفة فمن المدينة) (2). ولكن الخبر مخدوش سندا ودلالة: اما من حيث السند فبمحمد بن عبد الله الذي روى عنه البزنطي وقد تكرر ذكره في الرجال تارة محمد بن عبد الله الاشعري واخرى محمد بن عبد الله القمي وثالثة محمد بن عبد الله بن عيسى الاشعري وعده الشيخ من اصحاب الرضا (ع) وزيدت كلمة (ثقة) في النسخة المطبوعة وبقية النسخ خالية عنها وكل من نقل عن الشيخ كالقهبائي وغيره لم يذكروا التوثيق والنسخة الطبوعة لم تثبت صحتها فوثاقة الرجل غير ثابتة. وأما الدلالة فقد اشتمل الخبر على امر لم يقل به احد، إذ لو كانت العبرة بصرف المال في المقدمات فلابد من ملاحظة البلاد الاقرب فالاقرب لا الطفرة من بلد الموصى الظاهر انه (خراسان) - بقرينة روايته عن


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب النيابة في الحج، ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب النيابة في الحج، ح 3.

[ 322 ]

[ (مسألة 89): لو لم يمكن الاستئجار إلى من البلد وجب وكان جميع المصرف من الاصل (1). ] الرضا (ع) - إلى الكوفة ومنها إلى المدينة بل اللازم بناءا على ملاحظة الاقرب فالاقرب من البلاد ملاحظة البلاد الواقعة في الطريق كنيشابور وسبزوار، وطهران وهكذا لا انه يحج عنه من الكوفة وان لم يسعه فمن المدينة مع تحقق مسافة بعيدة بين ذلك. وبالجملة: هذا النحو من ملاحظة البلاد لا قائل به اصلا ولا يساعده الاعتبار. وفي بعضها انه يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه أي قبل الميقات كما في خبر سهل بن زياد عن البزنطي عن زكريا بن ادم " عن رجل مات واوصى بحجة أيجوز ان يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال: اما ما كان دون الميقات فلا بأس) (1). وهو صريح في جواز الحج عنه من غير البلد ويعارض الخبر السابق ولكنه أيضا ضعيف بسهل. ففي باب الوصية بالحج لم يرد نص معتبر يعتمد عليه فلابد من الرجوع إلى ما يقتضيه القاعدة ففي فرض سعة المال وكفايته للبلدي يحج عنه من البلد لظهور الوصية في الحج البلدي سواء كان الموصى به حج الاسلام ام لا، وان لم يكن للوصية ظهور وكانت مجملة يخرج الحج من الميقات ويخرج من صلب المال لا من الثلث لان حج الاسلام يخرج من الاصل وغيره من الثلث. (1) إذا قلنا: بان الواجب هو الحج البلدي فلا اشكال في احتساب جميع المصرف من الاصل وان قلنا: بان الواجب هو الميقاتي والزائد غير واجب فان لم يمكن الاستئجار إلا من البلد كما إذا لم يوجد اجير


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب النيابة في الحج، ح 4.

[ 323 ]

[ (مسألة 90): إذا اوصى بالبلدية، أو قلنا بوجوبها مطلقا فخولف واستؤجر من الميقات أو تبرع عنه متبرع برئت ذمته وسقط الوجوب من البلد وكذا لو لم يسع المال إلا من الميقات (1) ] من الميقات وجب البلدي أيضا ويجب جميع المصرف من البلد من الاصل لان ذلك وجب مقدمة لتفريغ ذمته. (1) لان المقدمات الخارجية لا دخل لهافي صحة الاعمال فان الحج اسم لاعمال مخصوصة ووجوب الاتيان من البلد لو قلنا به فهو واجب اخر لا دخل له في صحة الاعمال هذا بالنسبة إلى برائة ذمة الميت وسقوط الواجب عنه. وأما بالنسبة إلى انتقال التركة إلى الوارث ففيه تفصيل حاصله: انه في مورد الحج الثابت في ذمة الميت إذا خولف واستؤجر من الميقات أو تبرع عنه متبرع ينتقل ما تركه من الاموال بازاء الحج أو المقدمات إلى الورثة إذ لم يبق موضوع لوجوب الحج أو اتيان المقدمات حتى يصرف المال في ذلك فلا مانع من الانتقال نظير الدين إذا تبرع عنه متبرع وأما في مورد الوصية بالحج فالمال الزائد لا يجب صرفه في الحج ثانيا لان موضوع الوصية قد انتفي، ولكنه لا ينتقل إلى الورثة بل هو باق في ملك الميت ويصرف في وجوه البر الاقرب فالاقرب في نظر الميت وجهاته، لما عرفت بما لا مزيد عليه ان الوصية بالحج ونحوه من باب تعدد المطلوب وتنحل إلى امرين وإذا تعذر احدهما يصرف المال في الاخر. انما الكلام في صحة الاجارة إذا خالف الوصية واستأجره من

[ 324 ]

[ (مسألة 91): الظاهر ان المراد بالبلد هو البلد الذي مات فيه (1) كما يشعر به خبر زكريا بن ادم - ره - سألت أبا الحسن (ع) عن رجل مات واوصى بحجة أيجزيه ان يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال ماكان دون الميقات فلا بأس به. مع انه اخر مكان كان مكلفا فيه بالحج. وربما يقال انه بلد الاستيطان، لانه المنساق من النص والفتوى وهو كما ترى. وقد يحتمل البلد الذي صار مستطيعا فيه، ويحتمل التخيير بين البلدان التي كان فيها بعد الاستطاعة. والاقوى ما ذكرنا وفاقا لسيد المدارك - ره - ونسبه إلى ابن ادريس - ره - ايضا وان كان الاحتمال الاخير - وهو التخيير - قويا جدا. ] الميقات، والظاهر فساد الاجارة لان المرخص من التصرف في مال الميت انما هو الاستئجار من البلد وإما من غيره فغير مأذون فيه ولكن المؤجر يضمن للمستأجر اجرة المثل وفساد الاجارة لا ينافي صحة العمل الصادر من المستأجر وفراغ ذمة الميت به. فظهر ان المال الزائد في مورد الحج الثابت في ذمة الميت ينتقل إلى الورثة وفي مورد الوصية باق على ملك الميت ويصرف في جهاته. ولا يخفى ان عبارته (قده) موهمة لا نتقال المال إلى الورثة في كلا الموردين وقد عرفت خلافه. (1) لو قلنا بوجوب الحج من البلد مطلقا أو في خصوص مورد الوصية فهل هو بلد الموت أو بلد السكنى، أو البلد الذي صار فيه

[ 325 ]

[ (مسألة 92): لو عين بلدة غير بلده - كما لو قال: استأجروا من النجف أو من كربلاء تعين (1). (مسألة 93): على المختار من كفاية الميقاتية لا يلزم ان يكون من الميقات أو الاقرب إليه فالاقرب. بل يكفي كل بلد دون الميقات (2) لكن الاجرة الزائدة على الميقات - مع امكان الاستئجار منه - لا يخرج من الاصل ولا من الثلث إذا ] مستطيعا، أو احد البلدان التي انتقل إليها بعد الاستطاعة؟ وجوه: فان تم ما ذكره ابن ادريس من وجوب صرف المال من البلد الذي لو كان حيا لوجب الحج منه فالمراد من البلد بلد الموت لانه اخر مكان وجب عليه الحج فيه، ولكنه غير تام كما تقدم. فالظاهر ان المراد بالبلد هو بلد الاستيطان لانه المنصرف والمتفاهم عرفا والذي يسهل الخطب انه لا اثر للكلام والنقض والابرام في مورد الحج الثابت في ذمة الميت بعد عدم وجود رواية في المقام تدل على اعتبار كون الحج من البلد وأما في باب الوصية فالمتبع الظهور العرفي كما تقدم. (1) هذا انما يتم بناءا على عدم وجوب الحج من البلد، فحينئذ يتعين عليه العمل بالوصية بالاستئجار من البلد الذي عينه، وأما بناءا على القول الاخر من وجوب الحج من البلد فهذه الوصية لا اثر لها لانها على خلاف السنة وعلى خلاف ما هو الواجب شرعا بل لابد من الحج من البلد الذي مات فيه أو بلد الاستيطان على الخلاف المتقدم. (2) لاريب في جواز الا ستئجار من أي بلد شاء ولو من دون

[ 326 ]

[ لم يوص بالاستئجار من ذلك البلد إلا إذا اوصى باخراج الثلث من دون ان يعين مصرفه. ومن دون ان يزاحم واجبا ماليا عليه. ] الوصية بناء على كفاية الميقاتية، فان الحج الميقاتي انما يكتفي به لا انه يجب الحج منه بحيث لو حج من غيره لم يكن مجزيا. وبعبارة اخرى: كفاية الميقاتية لا تنافي الاكتفاء بالحج البلدي أيضا وأما الاجرة الزائدة على الميقات فلا تخرج من الاصل لان الخارج منه انما هو الاجرة الواجبة، وكذا لا يؤخذ الزائد من الثلث إذا لم يوص به لان الثلث انما يوخذ منه إذا اوصى به وإلا فيرجع إلى الورثة. نعم لو اوصى بمطلق الثلث وصرفه في مطلق وجوه البر ولم يعين مصرفا خاصا له يجوز للوصي الاستئجار من أي بلد شاء لما فيه من الفضل وكثرة الاجر والثواب. وأما إذا عين مصرفا خاصا له يلزم صرفه فيه رعاية لمصلحة الميت ونظره. لكن هذا فيما إذا لم يزاحمه واجب مالي اخر. وأما إذا زاحمه واجب مالى اخر فليس للوصي صرف الثلث في مطلق وجوه البر. وقد ورد في باب الوصية انه لو اوصى بواجب وغيره وفرض ان الثلث لا يفي بهما يقدم الواجب ولا يقع التزاحم لان المستحب لا يزاحم الواجب والحج من غير الميقات من افراد غير الواجب، وما ورد في عبارة المصنف من قوله: (واجبا ماليا) فالمراد به الواجبات التي يبذل بازأئها المال كالصلاة والصيام ونحوهما التي تخرج من الاصل على رأيه ان لم يوص باخراجها من الثلث وإلا فمن الثلث.

[ 327 ]

[ (مسألة 94): إذا لم يكن الاستئجار من الميقات وامكن من البلد وجب (1)، وان كان عليه دين الناس أو الخمس أو الزكاة فيزاحم الدين ان لم تف التركة بهما بمعنى انها توزع عليهما بالنسبة. ] (1) لانه من باب وجوب مقدمة الواجب لتوقف تفريغ الذمة على ذلك ولو كان عليه دين من ديون الناس أو من الخمس أو الزكاة فان وفى المال بهما فلا كلام في الاخراج من الاصل وان لم يف ووقع التزاحم بينهما. ذكره - قدس سره - ان التركة توزع عليهما بالنسبة. فيقع الكلام في جهتين: الاولى: في توزيع التركة بالنسبة قد عرفت ان التقسيط والتبعيض لا اثر لهما في المقام لان الخارج من اصل المال هو اجرة الحج، وإذا فرضنا عدم وفاء المال الباقي بعد اخراج الدين بالنسبة للحج فلا فائدة في التوزيع فطبعا يسقط وجوب الحج - مثلا - لو فرضنا ان الميت مديون بالف دينار وخلف الف دينار وفرضنا اجرة الحج بمقدار خمسمائة دينار فإذا دفعنا الدين بالنسبة أي ثلثي الدين لم يبق عنده ما يفي لاجرة الحج. الثانية: ان مقتضى بعض النصوص المعتبرة كصحيحة بريد العجلي المتقدمة تقدم الحج على دين الناس فلا وجه للتقسيط اصلا، والحاصل: لو قلنا بتقدم الحج على الدين فلا كلام كما هو الصحيح وأما بناء على عدم التقدم فمقتضى القاعدة الاولية مع قطع النظر عن خصوصية المقام هو التقسيط كما لو اوصى بامور كثيرة أو كان الواجب

[ 328 ]

[ (مسألة 95): إذا لم تف التركة بالاستئجار من الميقات لكن امكن الاستئجار من الميقات الاضطراري - كمكة أو ادنى الحل - وجب (1) نعم لو دار الامر بين الاستئجار من البلد أو الميقات الاضطراري قدم الاستئجار من البلد ويخرج من اصل التركة، لانه لا اضطرار للميت مع سعة ماله. ] عليه امورا كثيرة والمال لا يفي للجميع، ولكن التقسيط في خصوص المقام غير ممكن لان المفروض عدم وفاء المال والحج غير قابل للتبعيض فيسقط الحج ولابد من صرف المال حينئذ في جهات الميت فما ذكره المصنف من التوزيع لايتم على كلا القولين من تقدم الحج مطلقا أو عدمه. (1) ذكر الفقهاء - ره - ان من تجاوز الميقات ولم يحرم منه لجهل أو نسيان ففيه صور: إذ لو امكنه الرجوع إلى الميقات وجب وان لم يمكنه فان لم يدخل الحرم من مكانه وان دخل الحرم وامكنه الرجوع إلى ادنى الحل وجب وإلا فيحرم من مكانه. ويمكن اجراء هذا الحكم في العالم العامد أيضا. ولكن مورد ذلك حسب ما يستفاد من النصوص من تجاوز عن الميقات بلا احرام عذرا أو عمدا ولا اطلاق لها حتى يشمل المقام. فان امكن الحج من سائر المواقيت فهو وإلا فيسقط الحج لعدم الدليل على الاجتزاء بالميقات الاضطراري. نعم لو دار الامر بين الاستئجار من البلد أو الميقات الاضطراري يتعين البلد إذ لا اضطرار للميت مع سعة ماله، وقد عرفت ان الاستئجار

[ 329 ]

[ (مسألة 96): بناءا على المختار من كفاية الميقاتية لا فرق بين الاستئجار عنه وهو حي أو ميت، فيجوز لمن هو معذور بعذر لا يرجى زواله - ان يجهز رجلا من الميقات كما ذكرنا سابقا ايضا فلا يلزم ان يستأجر من بلده على الاقوى، وان كان الاحوط ذلك (1). (مسألة 97): الظاهر وجوب المبادرة إلى الاستئجار في سنة الموت خصوصا إذا كان الفوت عن تقصير من الميت (2) وحينئذ فلو لم يمكن إلا من البلد وجب وخرج من الاصل ولا يجوز التأخير إلى السنة الاخرى ولو مع العلم بامكان الاستئجار من الميقات توفيرا على الورثة. كما انه لو لم يمكن من الميقات إلا بازيد من الاجرة المتعارفة في سنة الموت وجب، ولا يجوز التأخير إلى السنة الاخرى توفيرا عليهم. ] من الميقات مجز لا انه يتعين فيجزى الاستئجار من أي بلد امكن. (1) قد تقدم مفصلا ان الحج عن الحي لا يختص بالحج عنه من البلد، لان الاجزاء من الميقات لا يختص بالميت بل يشمل الحج عن الميت والحي معا وقد عرفت التفصيل في المسألة الثانية والسبعين فلا داعي للتكرار. (2) وذلك لان المال باق على ملك الميت وهو امانة شرعية بيد الورثة أو الوصي ولا يجوز فيه التصرف أو ابقائه إلا بدليل، فالواجب

[ 330 ]

[ (مسألة 98): إذا اهمل الوصي أو الوارث الاستئجار فتلفت التركة، أو نقصت قيمتها فلم تف بالاستئجار ضمن (1) كما انه لو كان على الميت دين، وكانت التركة وافية وتلفت بالاهمال ضمن. ] صرفه في الحج في اول ازمنة الامكان، وأما وجه الخصوصية بفرض التقصير فهو لاجل رفع العقاب عن الميت إذا قصر في اتيان الحج يعاقب فإذا بادر إلى الاستئجار يرتفع العقاب عنه. وبالجملة: لو وجب المبادرة إلى الاستئجار ففي صورة التقصير اولى بالوجوب ومما ذكرنا انه ليس للوصي أو الورثة تأخير الاستيجار توفيرا للورثة وجلبا لمنفعتهم بل تجب المبادرة ولو استلزم زيادة الاجرة. ودعوى: ان ذلك ضرر على الورثة ممنوعة لان المال لم ينتقل إليهم وانما يجب عليهم صرف المال لترفيع ذمة الميت وذلك غير ضرري عليهم نعم. يستلزم ذلك تفويت منفعة لهم ولا دليل على عدم جواز تفويت المنفعة عن الغير. (1) لانه تفويت وتفريط في الامانة الشرعية وتكون يده حينئذ يد خيانة موجبة للضمان، وأما بالنسبة إلى نقصان القيمة فقد يلاحظ بالنسبة إلى ازالة صفة من الصفات كزوال طراوة العين وجودتها وذلك يوجب الضمان لان اتلاف الصفات موجب للضمان كاصل المال حسب تبعية الصفات للعين فان اليد على العين يد على الصفات أيضا تبعها ولكن كلام السيد المصنف غير ناظر إلى ذلك وانما نظره إلى النقصان بحسب القيمة السوقية وتنزلها وذلك غير

[ 331 ]

[ (مسألة 99): على القول بوجوب البلدية وكون المراد بالبلد الوطن إذا كان له وطنان الظاهر وجوب اختيار الاقرب إلى مكة (1) إلا مع رضى الورثة بالاستئجار من الابعد، نعم مع عدم تفاوت الاجرة الحكم للتخيير. (مسألة 100): بناءا على البلدية الظاهر عدم الفرق بين اقسام الحج الواجب فلا اختصاص بحجة الاسلام، فلو كان عليه حج نذري لم يقيد بالبلد ولا بالميقات يجب الاستئجار من البلد بل وكذا لو اوصى بالحج ندبا اللازم الاستئجار من البلد إذا خرج من الثلث (2). ] موجب للضمان فان الذي تحت يده يجب عليه رده وهو عين المال وصفاتها بالتبع وأما القيمة السوقية فلا تقع تحت اليد فلا موجب للضمان بالنسبة إليها. ولكن مع ذلك يجب الاستئجار وتتميم الاجرة من بقية التركة لو كانت. (1) أي الاقل قيمة واجرة وذلك لان الواجب هو طبيعي الحج وإذا كانت الاجرة مختلفة فطبعا يكون الاقل هو الواجب ولا وجه لتطبيقه على الاكثر قيمة فالمناط والعبرة بالاقل اجرة لا بالابعد والاقرب مكانا، فلو كان الابعد مكانا اقل قيمة يتعين الحج منه والزائد غير واجب سواء كان ابعد أو اقرب بحسب المكان أو كانا متساويين مكانا ففي جيمع الصور يتعين اختيار الاقل قيمة. (2) قد ذكرنا في بعض المسائل المتقدمة، انه لم يرد أي نص في

[ 332 ]

[ (مسألة 101): إذا اختلف تقليد الميت والوارث في اعتبار البلدية أو الميقاتية فالمدار على تقليد الميت، وإذا علم ان الميت لم يكن مقلدا في هذه المسألة فهل المدار على تقليد الوارث أو الوصي أو العمل على طبق فتوى المجتهد الذي كان يجب ] ابتداء الحج من البلد أو الميقات وانما الوارد في النصوص وجوب الحج عن الميت ولزوم تفريع ذمته من غير تعرض لمبدء الحج. نعم ورد ذكر البلد في النص في باب الوصية بالحج وذكرنا هناك ان النص غير معتبر، فالمتبع في باب الوصية وهو الرجوع إلى القاعدة ومقتضاها هو العمل على طبق ظهور الوصية ان كان لها ظهور وإلا فيكتفي بالميقاتي ويجوز له الاحجاج من البلد أيضا لدخوله تحت مطلق الخيرات والمبرات. وأما في مورد حجة الاسلام فان تم ما ذكره ابن ادريس من وجوب صرف المال من البلد إذا كان حيا وكذا بعد الموت لان الساقط هو الحج عن بدنه ويبقى الوجوب في ماله فحينئذ يجب الحج من البلد ولكن قد عرفت ان كلامه غير تام لان وجوب صرف المال من البلد وجوب مقدمي غيري لا نفسي فلا دليل على وجوب البلدية عن الميت. وأما الحج النذري فان قلنا بعدم خروجه من الاصل وانما يخرج من الثلث فلا كلام لان صرف ثلثه في الحج البلدي لا محذور فيه اصلا لبقاء الثلث على ملك الميت ويصرف في جهاته مما يترتب الثواب عليه اكثر، وان قلنا بانه يخرج من الاصل فيجرى فيه كلام ابن ادريس مع الاشكال عليه.

[ 333 ]

[ عليه تقليده ان كان متعينا والتخيير مع تعدد المجتهدين ومساواتهم؟ وجوه (1). ] (1) في المقام فروع، فان الاختلاف قد يتحقق بين تقليد الميت والوارث في اصل وجوب الحج وعدمه كما إذا كان الميت مقلدا لمن يقول بعدم اشتراط الرجوع إلى الكفاية، والوارث مقلدا لمن يقول باشتراطه وقد يكون بالعكس وقد يقع الاختلاف بينهما في الفروع المترتبة على اصل الوجوب بعد الفراغ عنه كما إذا كان الميت مقلدا لمن يعتبر الحج من البلد والوارث لمن يكتفى بالميقاتية أو بالعكس وهكذا الاختلاف بين الميت والوصي. اما في باب الوصية فلا اثر للاختلاف بينهما لان الوصية نافذة بالنسبة إلى الثلث ويجب على الوصي تنفيذها حسب وصية الميت ونظره ولا اثر لنظر الوصي سواء كان الاختلاف بينهما موجودا بالنسبة إلى اصل الوجوب أو المكان، فلو كان الميت ممن لا يرى الوجوب لانه يعتبر الرجوع إلى الكفاية وهو غير حاصل له ومع ذلك اوصى بالحج يجب على الوصي تنفيذ الوصية لما عرفت بما لا مزيد عليه ان المال مال الميت يجب صرفه فيما عينه ولا اثر لنظر الوصي وكذا لو انعكس الامر وكان الوصي يعتقد عدم الوجوب. والحاصل: يجب على الوصي تنفيذ الوصية سواء وافق رأيه رأي الميت ام خالف، وان لم يوص بالحج وعين مصرفا خاصا للثلث يجب صرفه فيما عينه ولا يجوز له التبديل والتغيير ولا عبرة بنظر الوصي اصلا كالوكيل، ولو لم يعين مصرفا خاصا بل جعل صرفه على نظر الوصي كما إذا اوصى بصرف ثلثه في مطلق الخيرات حسب نظر الوصي فلا بأس بصرف المال في الحج لانه من جملة الخيرات واعظمها.

[ 334 ]

ثم انه لو علم ان الميت كان مقلدا فالمتبع رأي مقلده (بالفتح) وان لم يكن مقلدا فالمتبع رأي المتعين للتقليد ان كان وإلا فان تعدد المجتهدون وكانوا متساويين واختلفت ارائهم يتنجز عليه احتمال وجوب البلدية لما ذكرنا في باب الاجتهاد والتقليد من تنجيز الواقع عليه وحيث يتردد بين الامرين يجب الاخذ باحوط القولين. وأما الاختلاف بين الميت والوارث فان كان الاختلاف في الوجوب بان يرى الوارث الوجوب دون الميت، ذكر في المتن ان العبرة بتقليد الميت ونظره. وفيه: ان المال المتروك حسب نظر الوارث لم ينتقل إليه بل هو باق على ملك الميت فلا يجوز له التصرف فيه ومجرد عدم اعتقاد الميت الوجوب لا يؤثر في جواز التصرف لعدم العبرة بنظره. وحال المقام حال الدين الثابت في تركة الميت حسب اعتقاد الوارث فانه لو علم بثبوت الدين على الميت ولكنه غفل عنه أو اعتقد عدمه لا ريب ان المال لا ينتقل إلى الوارث ولا يجوز للوارث التصرف فيه لان المال مال الغير ومجرد عدم اعتقاد الميت للدين أو غفلته عنه لا يجوز التصرف للوارث بل عليه الاداء. وبالجملة: نظر الميت ورأيه في امثال المقام ساقط بالمرة. ولو علم الوارث بعدم وجوب الحج عليه فالمال حسب نظره قد انتقل إليه ويجوز له التصرف في ماله ولا اثر لرأي الميت وتقليده فالعبرة في كلا الموردين بتقليد الوارث ونظره لا الميت، وله ان يعامل مع المال حسب تكليفه ووظيفته. أما لو اختلف الورثة في التقليد بحسب اصل الوجوب أو المكان احتمل في المتن امرين: احدهما: ان يعمل كل على تقليده فمن يعتقد البلدية يؤخذ من حصته بمقدارها بالنسبة فيخرج مصرف الميقاتي من مجموع المالين ويخرج

[ 335 ]

نصف مصرف البلدي من حصته وهكذا لو اختلفا في اصل الوجوب يخرج من حصة المعترف بالحج نصف مقدار مصرفه. ثانيهما الرجوع والترافع إلى الحاكم نظير ما إذا اختلف الولد الاكبر مع الورثة في الحيوة أوفي مقدارها. أقول: أما الاحتمال الاول: فمبنى على ثبوت الحج في التركة على سبيل الاشاعة كما صرح به في بعض الفروع السابقة واختار هناك دفع المعترف بالحج ما يخص حصته بعد التوزيع. وبالجملة: لو التزمنا بالاشاعة يتعين الاحتمال الاول إذ لا نزاع في البين وكل واحد من الورثة يعمل عى طبق وظيفته فان الوارث المعترف يرى ان مقدار من المال للمورث فيخرجه ويصرفه في شؤنه سواء عمل الاخر بذلك ام لا، كما لو اختلفا في اصل ثبوت الوصية واعترف احدهما بالوصية وانكرها الاخر فان كلا من الورثة يؤخذ نصيبه ويعمل على طبق وظيفته ولا مورد للترافع لعدم حق لاحدهما على الاخر ليطالب منه الترافع إلى الحاكم. وأما الاحتمال الثاني: فمبنى على ان الحج عن الميت واجب في صلب المال، والارث انما هو بعد الحج ولا ينتقل المال إليه قبل الحج وانما ينتقل إليه بعده كالدين فالوارث الاخر الذي يرى عدم وجوب الحج لم ينتقل إليه المال حسب اعتقاد الوارث المعترف وله مطالبة الوارث الاخر بالمال فله الرجوع إلى الحاكم. والحاصل: بناءا على الاحتمال الاول لا وجه للترافع إلى الحاكم لعدم النزاع بل كل يعمل على طبق وظيفته وإما إذا قلنا: بان ثبوت الحج كالكلي في المعين نظير الدين فلا ينتقل المال إلى الورثة إلا بعد الحج واداء الدين فله مطالبة الاخر بالحج لينتقل إليه المال وإلا فلا ينتقل

[ 336 ]

[ (مسألة 102): الاحوط في صورة تعدد من يمكن استئجاره استئجار من اقلهم اجرة مع احراز صحة عمله مع عدم رضى الورثة أو وجود قاصر فيهم (1) سواء قلنا بالبلدية أو الميقاتية، وان كان لا يبعد جواز استئجار المناسب لحال الميت من حيث الفضل والاوثقية مع عدم قبوله إلا بالازيد وخروجه من الاصل كما لا يبعد عدم وجوب المبالغة في الفحص عن اقلهم اجرة وان كان احوط. (مسألة 103): قد عرفت ان الاقوى كفاية الميقاتية لكن الاحوط الاستئجار عن البلد بالنسبة إلى الكبار من الورثة بمعنى عدم احتساب الزائد عن اجرة الميقاتية على القصر ان كان فيها قاصر. ] إليه المال ما لم يؤد الحج. ولذا ذكرنا في التعليقة ان هذا الاحتمال هو المتعين بناءا على وجوب الاحجاج عن الميت على الوارث. (1) لان استئجار اكثرهم يستلزم التصرف في مال الغير من دون رضاه. نعم لا يبعد جواز استئجار المناسب لحال الميت شرفا ورفعة وان استلزم الازيد اجرة، لان الروايات الدالة على الحج عن الميت منصرفة إلى المتعارف مما يناسب مقامة وشرفه، والحاصل الوارث بمنزلة نفس الميت من حيث الضعة والشرف في الاسستئجار وعدمه. ولا تجب المبالغة في الفحص عن اقلهم اجرة لان الاذن محمول على المتعارف.

[ 337 ]

[ (مسألة 104): إذا علم انه كان مقلدا ولكن لم يعلم فتوى مجتهده في هذه المسألة فهل يجب الاحتياط أو المدار على تقليد الوصي أو الوارث؟ وجهان أيضا (1). (مسألة 105): إذا علم استطاعة الميت مالا ولم يعلم تحقق سائر الشرائط في حقه فلا يجب القضاء عنه (2). لعدم العلم بوجوب الحج عليه لاحتمال فقد بعض الشرائط. (مسألة 106): إذا علم استقرار الحج عليه ولم يعلم انه اتى به ام لا فالظاهر وجوب القضاء عنه، لاصالة بقائه في ] (1) قد عرفت انه لا عبرة بنظر الميت في مورد العلم برأيه فضلا عن الجهل به. والمتبع لانما هو نظر الوارث وأما في مورد الوصية فالمتبع نظر الميت فان ثبت ظهور للوصية فهو وإلا فالظاهر كفاية الميقاتي لان الزائد غير ثابت والاصل عدم الوصية به. نعم لا بأس بالاتيان بالبلدي بعنوان مطلق الخيرات والمبرات. (2) لعدم العلم باستقرار الحج عليه ومجرد احراز المال لا يكفي في وجوب الحج بل لا بد من توفر سائر الشرائط ولو شك في وجودها فالاصل عدمه. نعم بعض الشرائط يمكن اثياته بالاصل كما لو شك في الرجوع إلى الكفاية لان مستند هذا الاشتراط هو خوف الوقوع في الحرج والاصل عدمه. وبالجملة لابد من احراز الوجوب بالوجدان أو بالامارة أو بالاصل وإلا فلا يجوز الحج عنه من ماله إذا كان له ورثة قصر.

[ 338 ]

[ ذمته. ويحتمل عدم وجوبه عملا بظاهر حال المسلم (1) وانه لا يترك ما وجب عليه فورا وكذا الكلام إذا علم انه تعلق به خمس أو زكاة أو قضاء صلوات أو صيام ولم يعلم انه اداها أو لا. ] (1) قد ذكرنا في باب قضاء الصلاة ان الوجهين الذين اشار اليهما انما يجريان فيما إذا علمنا بثبوت القضاء عليه ولكن شك في اتيانه وعدمه وأما إذا شك في اصل اتيان العمل وعدمه وانه هل اتى بالواجب أو لم يأت به ليجب عليه القضاء فاصالة عدم الاتيان لا تثبت وجوب القضاء لان موضوعه الفوت ولا يثبت عنوان الفوت باصالة عدم الاتيان إلا على المثبت. وأما في باب الواجبات المالية كالزكاة والخمس فان كانت العين موجودة وشك في اداء زكواتها امكن ان يقال: الاصل بقاء الزكاة فيها. وإما إذا كانت العين تالفة وشك في ان المالك ادى زكاتها واتلفها أو اتلفها من دون ان يؤد زكاتها لا يترتب الضمان على استصحاب عدم الاداء لان موضوعه الاتلاف واستصحاب عدم الاتيان لا يثبته إلا على المثبت. وقد تعرضنا للبحث عن ذلك مفصلا في المسألة الخامسة من ختام كتاب الزكاة. ولكن الظاهر انه لا مانع من جريان الاستصحاب في المقام ومقتضاه اشتغال ذمة الميت بالحج فيجب القضاء عنه ويخرج من اصل المال. لان موضوعه وجوب الحج عليه وعدم الاتيان به وهو ثابت بالاصل ولا عبرة بظاهر حال المسلم خصوصا إذا كان غير صالح لانه لا يوجب سوى الظن وهو غير حجة. وقد يقال: بان الحج دين كما صرح بذلك في بعض النصوص

[ 339 ]

المعتبرة (1) وقد ثبت في باب الدين على الميت انه لا يثبت باستصحاب عدم الاتيان إلا ان يضم باليمين فيكون مادل على اعتبار اليمين في باب الدين مخصصا لادلة الاستصحاب المستفاد من ذلك والمستفاد من ذلك عدم حجية الاستصحاب في باب الدين على الميت. وفيه: ان مادل على اعتبار ضم اليمين في اثبات الدين على الميت انما هو روايتان. الاولى: مكاتبة الصفار إلى أبي محمد (أي العسكري) (عليه السلام) (هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل؟) ثم ذكر في ذيله (أو تقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد اخر عدل فوقع: نعم من بعد يمين) (2). وقد روى هذه الرواية المشايخ الثلاثة ولكن يظهر من الصدوق ان الراوي هو الصفارو المكاتب شخص آخر. وكيف كان الرواية معتبرة سندا والمستفاد منها ثبوت الدين على الميت مع الحلف وعدم ثبوته بشاهدة العدلين فقط فتكون الرواية مخصصة لحجية البينة كما ورد التخصيص عليها في مورد ثبوت الزنا فانه لا يثبت إلا بضم عدلين آخرين فالحلف في المقام جزء المثبت للدين فلا تخصيص على الاستصحاب وبعبارة اخرى اليمين جزء متمم لدليل حجية البينة فحجية البينة ورد عليها التخصيص لا الاستصحاب، فلا يستفاد من الرواية عدم حجية الاستصحاب في المقام. الرواية الثانية: عن ياسين الضرير عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (قال قلت للشيخ (عليه السلام) وان كان المطلوب بالحق قد مات


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب وجوب الحج ح 4. (2) الوسائل: باب 28 من أبواب الشهادات ح 1.

[ 340 ]

[ (مسألة 107): لا يكفي الاستئجار في برائة ذمة الميت والوارث بل يتوقف على الاداء، ولو علم ان الاجير لم يؤد وجب الاستئجار ثانيا (1) ويخرج من الاصل ان لم يمكن استرداد الاجرة من الاجير. ] فاقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو لقد مات فلان وان حقه لعليه فان حلف وإلا فلا حق له لانا لا ندري لعله قد اوفاه ببينة لا نعلم موضعها) الحديث (1): وهي واضحة الدلالة على ان الحلف ناظر إلى بقاء الدين لا إلى اصل الحدوث لان الشك تارة يتعلق باصل ثبوت الدين واخرى يتعلق بالاداء وهو محل الكلام ويظهر من الرواية عدم الاكتفاء بالاستصحاب بل لابد من الحلف على عدم الاداء. ولكن الرواية ضعيفة السند بياسين الضرير فانه لم يوثق، فليس في البين إلا المكاتبة المتقدمة وقد عرفت عدم دلالتها على عدم حجية الاستصحاب وان اعتبار اليمين ليس لعدم حجية الاستصحاب بل كونه متمما للاثبات وجزءا للدليل المثبت للدين في مقام الشك. ولذا لو علمنا وجدانا بثبوت الدين على الميت وشك في الاداء وعدمه لا مانع من استصحاب عدم الاتيان ولا حاجة إلى الحلف. (1) لان الواجب على الوارث أو الوصي هو الحج عنه وما لم يؤد لمن يسقط الوجوب ومجرد الاستئجار لا يوجب السقوط فلابد من الاستئجار ثانيا لتفريغ ذمة الميت ويخرج من الاصل.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب كيفية الحكم ح 1.

[ 341 ]

[ (مسألة 108): إذا استأجر الوصي أو الوارث من البلد غفلة عن كفاية الميقاتية ضمن ما زاد عن اجرة الميقاتية للورثة أو لبقيتهم (1). (مسألة 109): إذا لم يكن للميت تركة وكان عليه الحج لم يجب على الورثة شئ وان كان يستحب على وليه بل قد يقال: بوجوبه للامر به في بعض الاخبار (2). (مسألة 110): من استقر عليه الحج وتمكن من ادائه ليس له ان يحج عن غيره تبرعا أو باجارة وكذا ليس له ان يحج تطوعا ولو خالف فالمشور البطلان بل ادعى بعضهم عدم الخلاف فيه وبعضهم الاجماع عليه. ولكن عن سيد المدارك التردد في البطلان. ] (1) ويكون التصرف في الزائد فضوليا فان رضى الورثة فهو وإلا ضمن الزائد. انما الكلام في صحة الاجارة وفسادها. فان كانت الاجارة على ذمته أي ذمة الوصي لكن بداعي اخذ الاجرة من التركة فالاجارة صحيحة ويضمن للمستأجر تمام الاجرة وليس له الرجوع إلى الورثة سوى مقدار اجرة الميقاتية، وان كانت الاجارة على ذمة الميت بحيث يجعل ذمة الميت مشغولة بالاجرة أو كانت الاجرة بعين التركة فالاجارة بالنسبة إلى الزائد فضولية وتكون باطلة والمستأجر يرجع إليه باجرة المثل. (2) لاريب ان المستفاد من النصوص الامرة بالحج واخراجه من

[ 342 ]

[ ومقتضى القاعدة الصحة وان كان عاصيا في ترك ما وجب عليه كما في مسألة الصلاة مع فورية وجوب ازالة النجاسة عن المسجد إذ لا وجه للبطلان إلا دعوى ان الامر بالشئ نهي عن ضده وهي محل منع، وعلى تقديره لا يقتضي البطلان لانه نهي تبعي، ودعوى انه يكفي في عدم الصحة عدم الامر مدفوعة بكفاية المحبوبية في حد نفسه في الصحة - كما في مسألة ترك الاهم والاتيان بغير الاهم من الواجبين المتزاحمين - أو دعوى ان الزمان مختص بحجتة عن نفسه فلا يقبل لغيره وهي أيضا مدفوعة بالمنع إذ مجرد الفورية لا يوجب الاختصاص ] صلب المال واصله ونحو ذلك انما هو وجوب الاحجاج عنه إذا كان له مال واما إذا لم يكن له مال يفي للحج فلا يدل شئ من هذه النصوص على وجوب الحج عنه وما ورد في صحيح ضريس من قضاء الولي له محمول على ما إذا كان له مال بقرينة ساير الروايا ت مضافا إلى ان موردها من خرج حاجا حجة الاسلام وكان مستطيعا ومات في الطريق وفصل (عليه السلام) بين من مات في الحرم فقد اجزئت عنه حجة الاسلام وبين من مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام (1) فالامر بقضاء الولى عنه انما هو فيما إذا كان المنوب عنه ممن وجب عليه حجة الاسلام ولا اطلاق له يشمل من مات مفلسا لامال له.


(1) الوسائل باب 26 من أبواب وجوب الحج ح 1.

[ 343 ]

[ فليس المقام من قبيل شهر رمضان حيث انه غير قابل لصوم آخر. وربما يتمسك للبطلان في المقام بخبر سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن موسى (ع) عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحتاج به عن نفسه فان كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزي عنه حتى يحج من ماله وهي تجزي عن الميت ان كان للصرورة مال وان لم يكن له مال. وقريب منه صحيح سعيد الاعرج وهما كما ترى بالدلالة على الصحة اولى فان غاية ما يدلان عليه انه لا يجوز له ترك حج نفسه واتيانه عن غيره واما عدم الصحة فلا. نعم يستفاد منهما عدم اجزائه عن نفسه فتردد صاحب المدارك في محله. بل لا يبعد الفتوى بالصحة لكن لا يترك الاحتياط هذا كله لو تمكن من حج نفسه. واما إذا لم يتمكن فلا اشكال في الجواز والصحة عن غيره بل لا ينبغي الاشكال في الصحة. إذا كان لا يعلم بوجوب الحج عليه لعدم علمه باستطاعته مالا أو لا يعلم بفورية وجوب الحج عن نفسه فحج عن غيره أو تطوعا. ثم على فرض صحة الحج عن الغير ولو مع التمكن والعلم بوجوب الفورية لو آجر نفسه لذلك فهل الاجارة أيضا صحيحة أو باطلة مع كون حجه صحيحا عن الغير؟ الظاهر بطلانها وذلك لعدم قدرته شرعا ]

[ 344 ]

[ على العمل المستأجر عليه لان المفروض وجوبه عن نفسه فورا وكونه صحيحا على تقدير المخالفة لا ينفع في صحة الاجارة خصوصا على القول بان الامر بالشئ نهي عن ضده لان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وان كانت الحرمة تبعية فان قلت: ما الفرق بين المقام وبين المخالفة للشرط في ضمن العقد مع قولكم بالصحة هناك كما إذا باعه عبدا وشرط عليه ان يعتقه فباعه حيث تقولون بصحة البيع ويكون للبايع خيار تخلف الشرط قلت: الفرق ان في ذلك المقام المعاملة على تقدير صحتها مفوتة لوجوب العمل بالشرط فلا يكون العتق واجبا بعد البيع لعدم كونه مملوكا له بخلاف المقام حيث انا لو قلنا بصحة الاجارة لا يسقط وجوب الحج عن نفسه فورا فيلزم اجتماع امرين متنافيين فعلا فلا يمكن ان تكون الاجارة صحيحة وان قلنا ان النهي التبعي لا يوجب البطلان فالبطلان من جهة عدم القدرة على العمل لا لاجل النهي عن الاجارة نعم لو لم يكن متمكنا من الحج عن نفسه يجوز له ان يؤجر نفسه للحج عن غيره. وان تمكن بعد الاجارة عن الحج عن نفسه لا تبطل اجارته بل لا يبعد صحتها لو لم يعلم باستطاعته أو لم يعلم بفورية الحج عن نفسه فآجر نفسه للنيابة ولم يتذكر ]

[ 345 ]

[ إلى ان فات محل استدراك الحج عن نفسه كما بعد الفراغ أو في اثناء الاعمال. ثم لا إشكال في ان حجه عن الغير لا يكفيه عن نفسه بل اما باطل كما عن المشهور أو صحيح عمن نوى عنه كما قويناه. وكذا لو حج تطوعا لا يجزئه عن حجة الاسلام في الصورة المفروضة بل اما باطل أو صحيح ويبقى عليه حجة الاسلام. فما عن الشيخ من انه يقع عن حجة الاسلام لا وجه له إذ الانقلاب القهري لا دليل عليه. ودعوى ان حقيقة الحج واحدة والمفروض اتيانه بقصد القربة فهو منطبق على ما عليه من حجة الاسلام. مدفوعة بان وحدة الحقيقة لا تجدى بعد كون المطلوب هو الاتيان بقصد ما عليه وليس المقام من باب التداخل بالاجماع. كيف وإلا لزم كفاية الحج عن الغير ايضا عن حجة الاسلام بل لا بد من تعدد الامتثال مع تعدد الامر وجوبا وندبا أو مع تعدد الواجبين، وكذا ليس المراد من حجة الاسلام الحج الاول بأي عنوان كان كما في صلاة التحية وصوم الاعتكاف فلا وجه لما قاله الشيخ - قده - اصلا. نعم لو نوى الامر المتوجه إليه فعلا وتخيل انه امر ندبي غفلة عن كونه مستطيعا امكن القول بكفايته عن حجة الاسلام لكنه خارج عما قاله الشيخ. ثم ]

[ 346 ]

[ إذا كان الواجب عليه حجا نذريا أو غيره وكان فوريا فحاله ما ذكرنا في حجة الاسلام من عدم جواز حج غيره وانه لو حج صح أولا وغير ذلك من التفاصيل المذكورة بحسب القاعدة (1). ] (1) يقع الكلام تارة: فيمن يتمكن من اداء حج نفسه، واخرى فيمن لا يتمكن وعلى كل تقدير قد يعلم بوجوب الحج على نفسه وقد لا يعلم بذلك ففي جميع الصور لو حج تطوعا عن نفسه أو حج عن الغير نيابة تبرعا أو اجارة فهل يصح الحج ام لا؟. اما الصورة الاولى: وهي ما إذا تمكن من اداء حج نفسه وكان عالما بالوجوب. فيقع البحث فيها من حيث الحكم التكليفي، ومن حيث الحكم الوضعي اما من حيث الحكم التكليفي فلا ريب في كونه عاصيا في ترك ما وجب عليه وانه فوت على نفسه اختيارا ما هو من اعظم الواجبات الالهية الذي هو من مباني الاسلام. واما من حيث الحكم الوضعي فهل يحكم بصحة ما اتى به من الحج التطوعى أو النيابي أو يحكم بفساده؟ نسب إلى المشهور البطلان وادعى صاحب الجواهر عدم الخلاف في بطلان الحج النيابي خاصة وفصل بعضهم بين الحج النيابي والتطوعي فذهب إلى البطلان في النيابي وإلى الصحة فيما إذا حج عن نفسه تطوعا وذهب اخر إلى الصحة مطلقا وان كان عاصيا في ترك حج الاسلام كما عن الشيخ في الخلاف.

[ 347 ]

اما القائلون بالتفصيل فيمكن الاستدلال لهم بالوجوه المذكورة للفساد وبعض الوجوه المذكورة للصحة. وأما القائلون بالفساد فاستدلوا بوجوه: الاول: ان الامر بالشئ يقتضى النهي عن ضده والنهي يدل على الفساد. وعن شيخنا البهائي انه يكفي في الحكم بالفساد عدم الامر ولا نحتاج إلى النهي. وإذا كان احد الضدين مأمورا به فالضد الاخر لا امر به لعدم امكان الامر بالضدين معا والمفروض في المقام ان الامر تعلق بالحج عن نفسه ولم يتعلق بضده من سائر اقسام الحج من التطوعي أو النيابي. اقول: قد ذكرنا في بحث الاصول مفصلا ان الدعوى الاولى مبينة على مقدمتين: احداهما اثبات مقدمية ترك احد الضدين لوجود الضد الاخر. ثانيهما: اثبات الوجوب الشرعي للمقدمة. وكلتا المقدمتين ممنوعة فان الضدين في مرتبة واحدة لا يتصور فيهما المقدمية. على انه لو ثبت المقدمية لا نلتزم بوجوب المقدمة شرعا وعلى القول بالوجوب النهي في المقام لا يقتضى الفساد لانه نهي عرضي تبعي على انه لو كان ترك احد الضدين واجبا للمقدمية فلا يقتضى حرمة وجود هذا الضد لان الحكم الشرعي لا ينحل إلى حكمين فان الواجب ما يكون فعله واجبا ولايكون تركه بمحرم وكذا الحرام ما يكون فعله مبغوضا ومتهيا عنه ولا يكون تركه واجبا فان الوجوب ينشاء من مصلحة ملزمة في الفعل والحرمة تنشاء من مفسدة في الفعل مضافا إلى ذلك كله ان المنصف بالوجوب انما هو المقدمة الموصلة لا كل مقدمة فالواجب

[ 348 ]

هو ترك الضد الموصل إلى الواجب. وأما ما ذكره البهائي (رحمه الله) فقد اجاب عنه غير واحد بكفاية المحبوببة في حد نفسه في الحكم بالصحة وان لم يؤمر به بالفعل لمانع من الموانع. وما ذكروه من حيث الكبرى تام ولكن اثبات الصغرى ممنوع إذ لا يمكن احراز المحبوبية إلا عن طريق الامر ولا كاشف عن الملاك إلا الامر فان لم يكن امر في البين كما هو المفروض لا يمكن اثبات المحبوبية. فكلام البهائي في نفسه صحيح وحاصله انه لو لم يكن في البين امر لا يمكن الحكم بالصحة. والصحيح في الجواب عنه: ان الامر موجود لان الامر بالضدين انما يمتنع جمعا وعرضا وأما الامر الترتبي الطولي فلا مانع منه اصلا، لان اعتبار القدرة في التكاليف انما هو بحكم العقل ويسقط التكليف عند عدم التمكن وعدم القدرة والتقييد بالقدرة عقلا انما هو بمقدار الضرورة. وغير المقدور انما هو الجمع بين الضدين والامر بهما عرضا وأما الامر الطولي في عرض عصيان الامر الآخر فلا مانع عنه فيأتي به بداعي الامر المتوجه إليه ولا موجب للتقييد بل لامانع من الاخذ باطلاق هذا الامر وهذا الترتب الذي قلنا بانه من اوضح الممكنات ولذا ذكرنا ان الترتب لا يحتاج إلى دليل بخصوصه بل نفس اطلاق الامر بالمهم يكفى، وذكرنا ان إمكانه مساوق لوقوعه. وينطبق ذلك على المقام تماما ففي فرض عصيان الامر باتيان حج نفسه يأتي بالحج النيابي بداعي الامر المتوجه ولا مانع من فعليته في فرض عصيان الامر بضده الاهم. ولكن شيخنا الاستاد - ره - ذكر ان الترتب لا يجري في الحج لان الترتب انما يجري في الواجبين المقيدين بالقدرة العقلية واما إذا كان احد الواجبين مقيدا بالقدرة الشرعية فلا يجري فيه الترتب لانه

[ 349 ]

في فرض العصيان لا يبقى موضوع للواجب المقيد بالقدرة الشرعية ولا امر له اصلا كما هو الحال في الوضوء فانه مقيد بالقدرة الشرعية بالتمكن من استعمال الماء شرعا، فلو وجب صرف الماء في واجب اخر اهم وعصاه وتوضوء به لا يحكم بصحة وضوئه بالامر الترتبي لانه في فرض العصيان لا موضوع لوجوب الوضوء اصلا والعصيان لا يحقق موضوع الوضوء وهكذا الحج فان المأخوذ فيه القدرة الشرقية بمعنى انه اخذ في موضوعه عدم عصيان واجب اخر اهم فإذا عصى لا يتحقق موضوع الحج اصلا. وفيه اولا: ان القدرة الشرعية غير مأخوذة في الحج وانما المأخوذ فيه أمور خاصة مذكورة في النصوص من الزاد والراحلة وخلو السرب وصحة البدن. ولذا ذكرنا انه لو زاحم الحج واجبا اهم وتركه واتي بالحج كان الحج صحيحا ولا فرق بين الحج وسائر الواجبات المقيدة بالقدرة العقلية. وثانيا: لو سلمنا اخذ القدرة الشرعية في الحج فانما هي مأخوذة في حج الاسلام لافي سائر اقسام الحج من التطوعي والنيابي والنذري فلا مانع من جريان الامر الترتبي في الحج التطوعي أو النيابي والحكم بصحته. الوجه الثاني: ان هذا الزمان مختص بحج نفسه وغير قابل لغير حج الاسلام نظير شهر رمضان الذي يختص بصوم نفس شهر رمضان وغير قابل لصوم اخر حتى صوم النذر في السفر والحاصل زمان الاستطاعة يختص بحج الاسلام وغير قابل لوقوع حج آخر فيه: وفيه: ان ذلك مجرد دعوى لا شاهد علهيا غاية الامر ان الحج فوري وليس له التأخير، ومجرد ذلك لا يقتضى عدم قابلية زمان الاستطاعة لحج اخر. الثالث: الاخبار كصحيح سعد بن أبي خلف (عن الرجل الصرورة

[ 350 ]

يحج عن الميت؟ قال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه فان كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزى عنه حتى يحج من ماله وهي تجزى عن الميت ان كان للصرورة مال وان لم يكن له مال) (1). وصحيح سعيد الاعرج (عن الصرورة أيحج عن الميت؟ فقال نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به فان كانه له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله وهو يجزى عن الميت كان له مال أو لم يكن له مال) (2). ومحل الاستشهاد في الصحيح الاول قوله: (فان كان ما يحج به عن نفسه فليس يجزى عنه) بدعوى: ارجاع: الضمير في قوله (فليس يجزي عنه) إلى الميت المنوب عنه والمستفاد من ذلك ان من كان له مال ولم يحج يجب الحج على نفسه وليس له ان يحج عن غيره ولا يجزى عن غيره ان حج عنه. وفيه: ان الظاهر من الصحيحة صحة الحج الذي حج به عن الغير وانما المستفاد منها مجرد الحكم التكليفي وعدم جواز الحج عن الغير لانه يوجب تفويت الحج عن نفسه ولا دلالة فيها على فساد ما حج به عن الغير كما هو المدعي فان الضمائر في قوله - ع - (عنه) و (له) و (ماله) كلها راجع إلى شخص واحد هو النائب ومقتضى ذلك كله ان ما حج به عن الغير لا يجزى عن النائب ولا يقع عن نفسه لا انه لا يقع عن المنوب عنه بل مقتضى ذيل الصحيحة صحة العمل الذي أتى به عن الميت وانه يقع عنه وتبرء ذمته وانما النائب لا تبرء ذمته عن الحج الواجب على نفسه فالصحيحة على خلاف المطلوب ادل. واوضح من ذلك الصحيحة الثانية فانها واضحة في الحكم التكليفي


(1) و (2) الوسائل باب 5 من أبواب النيابة ح 1 - 3.

[ 351 ]

وانه لا يجوز للمستطيع ان يحج عن الغير وأما فساد الحج فلا يستفاد منها. وبالجملة: المستفاد من الصحيحين ان ما حج به عن الغير لا يجزي عن نفسه وأما بالنسبة إلى الميت فيجزى عنه ولا دلالة فيهما على فساد الحج بالمرة اصلا. ثم انه لو كان مدرك عدم الصحة وعدم الاجزاء عن الميت هو الوجه الاول أي اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده أو الوجه الثالث وهو الاخبار. فيختص الحكم بالفساد بالتمكن من اتيان حج نفسه وأما العاجز عنه ولو كان مستقرا عليه وكان متمكنا في الازمنة السابقة فيصح الحج النيابي الصادر منه لعدم وجود المانع عن الحكم بالصحة لان المانع على الوجه الاول هو فعلية الامر بالاهم وهو حج نفسه والمفروض عدم فعليته للعجز عنه فلا امر به ليكون مقتضيا للنهي عن ضده وهكذا لو كان جاهلا بالوجوب جهلا عذريا لعدم فعلية الامر حينئذ وعدم تنجزه لان الذي يوجب العجز في باب التزاحم بين التكليفين هو الحكم الواصل لا الحكم الواقعي. وكذلك النص المتقدم فانه يدل على ان المانع هو التكليف الفعلي الواصل، وفي فرض الجهل عذرا أو عدم تمكنه من اداء حج نفسه لم يكن التكليف واصلا فلا مانع، وأما إذا كان الجهل غير عذري كالجهل بفورية وجوب الحج عن نفسه فذكر في المتن انه يحكم بالصحة، وهو مشكل لان الجهل بالفورية جهل في الشبهة الحكمية وليس بعذر على الاطلاق بل لابد من التفصيل بين كونه مع التقصير فهو في حكم العمد وبين كونه عذريا فلا مانع من الحكم بالصحة. وأما إذا كان مدرك الفساد هو الوجه الثاني وهو اختصاص زمان الاستطاعة بحجته عن نفسه وعدم قابليته لغيرها نظير عدم قابلية

[ 352 ]

شهر رمضان لصوم اخر فلا يفرق في الحكم بالفساد بين جميع الصور ولا يؤثر الجهل بالحكم في الصحة كما إذا صام في شهر رمضان بصوم اخر جهلا فانه يحكم بالفساد لان المفروض عدم قابلية هذا الزمان لواجب آخر. ثم على فرض صحة الحج عن الغير ولو مع التمكن والعلم بوجوب الفورية إذا آجر نفسه لذلك فهل الاجارة أيضا صحيحة أو باطلة فيستحق اجرة المثل لا المسمى؟ اختار المصنف البطلان وان كان حجه عن الغير صحيحا واستدل بوجهين: الاول: ان منعلق الاجارة بل كل عقد لابد من ان يكون مقدور التسليم. ولا قدرة له شرعا على المستأجر عليه في المقام لانه يجب عليه صرف قدرته في الواجب عن نفسه فالعمل المستأجر عليه غير مقدور له. الثاني: ان الضد منهى عنه ولو بالنهي التبعي وان حكمنا بصحته من جهة المحبوبية الذاتية إلا انه لا منافاة بين المحبوبية الذاتية والمبغوضية الفعلية الناشئة عن النهي التبعي فإذا كان العلم مبغوضا شرعا لا يصح تعلق الاجارة به لان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وان كانت الحرمة تبعية. ويرد على الاول: ان القدرة التكوينية حاصلة وجدانا والنهي الشرعي لا ينفي القدرة التكوينية. وان اريد من عدم القدرة عدم القدرة الشرعية باعتبار تعلق النهي به وان الممنوع شرعا كالممتنع عقلا ففيه: ان القدرة الشرعية حاصلة أيضا بالامر الطولي الترتبي ولو لم يكن مقدورا اصلا لما تعلق به الامر. فالعمل بنفسه ليس بمنهي عنه وانما وجب تركه مقدمة لواجب اهم. وبما ذكرنا يظهر الجواب عن الوجه الثاني لما عرفت من ان الله

[ 353 ]

لم يحرم هذا الشئ أي الضد وانما اوجب تركه من باب وجوب المقدمة الموصلة. وأما الرواية (ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) فقد ذكرنا في بحث المكاسب انها ضعيفة السند وان كان مضمونها صحيحا ومطابقا للقواعد لان الشئ إذا كان محرما شرعا لا تصح المعاملة عليه لعدم امضاء الشارع المعاملة الواقعة على الحرام، وبالجملة مقتضى ما ذكره المصنف من ثبوت المحبوبية الذاتية للضد صحة الاجارة الواقعة عليه. ولكن الظاهر مع ذلك فساد الاجارة. بيان ذلك. ان دليل نفوذ الاجارة بل كل عقد تابع لما ينشئه المنشاء ان مطلقا فمطلق وان مشروطا فمشروط فان الحكم الصادر في المعاملات، المستفاد من قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) انما هو امضاء لما صدر من المنشئ في الخارج ولا يخالفه إلا في بعض الموارد كبيع السلم والصرف فان المنشئ انشاء على الاطلاق والشارع يقيده بلزوم القبض وكذلك الهبة فان التمليك فيها يحصل بعد القبض. وبالجملة: ادلة نفوذ المعاملات حيث انها احكام امضائية تابعة للمنشاء من حيث الاطلاق والتقييد. إذا عرفت ذلك فنقول: ان الاجارة في المقام اما تتعلق بالحج مطلقا أو تتعلق به على فرض العصيان للحج الواجب على نفسه. اما الاول فغير قابل للامضاء لان المفروض الامر بالحج عن نفسه غير ساقط والتكليف به باق على حاله فكيف يأمره باتيان الحج المستأجر عليه وكيف تنفذ الاجارة في عرض ذلك الواجب الاهم الذي لم يسقط الامر به والحكم بنفوذ الاجارة وصحتها يستلزم الامر الضدين في عرض واحد.

[ 354 ]

وأما الثاني وهو تعلق الاجارة على نحو التقييد بفرض العصيان فامر ممكن في نفسه ولكنه يبطل العقد من جهة التعليق. والحاصل الانشاء المطلق غير قابل للامضاء وما هو قابل له وهو الانشاء في فرض العصيان غير صحيح لانه من التعليق الباطل. هذا تمام الكلام في المتمكن العالم بالحكم. وأما غير المتمكن من اداء الحج عن نفسه ولو استقر عليه من السابق كما إذا فقد المال بالمرة بحيث لا يتمكن من الحج متسكعا أيضا فلا مانع من استئجاره على الحج عن غيره لان الامر الاول المتعلق بالحج عن نفسه ساقط على الفرض لعدم القدرة فلا مانع حينئذ من تعلق الاجارة بالحج عن الغير. وبعبارة اخرى: المعجز هو الامر بالحج عن نفسه فإذا زال فلم يبق في البين مانع. نعم لو قلنا بان الزمان غير قابل لوقوع حج الغير لاختصاص هذا الزمان بالحج عن نفسه ولو متسكعا فلا تصح الاجارة أيضا لعدم قابلية الزمان ولكن هذه الدعوى غير تامة. ثم ان المصنف - ره - بعد ما اختار صحة الحج عن الغير واختار فساد الاجارة الواقعة عليه. اشكل على نفسه بانه ما الفرق بين المقام وبين تخلف الشرط في ضمن العقد مع قولكم بالصحة هناك غاية الامر يثبت للمشروط له الخيار عند التخلف كما إذا باعه عبدا وشرط عليه ان يعتقه فباعه واجاب بان البيع هناك مفوت للشرط ورافع لموضوعه فلا يكون العتق واجبا بعد البيع لعدم كونه مملوكا له بخلاف المقام فانه لو قلنا بصحة الاجارة فلا يرتفع موضوع وجوب الحج عن نفسه لبقاء وجوب الحج عن نفسه حتى بعد الاجارة فيلزم حنيئذ اجتماع امرين متنافيين فلابد من رفع اليد عن صحة الاجارة إذ لا يمكن الحكم بصحتها. وتوضيح ما ذكره، ان الشرط في ضمن العقد لو قلنا بانه يوجب

[ 355 ]

قصر سلطنة المشروط عليه كما عن شيخنا النائيني بمعنى ان المالك المشروط عليه له ملكية خاصة تقتصر على مورد العمل بالشرط وتقصر سلطنته عن سائر انحاء التصرفات، فلاريب في فساد التصرفات المنافية للشرط لعدم السلطنة عليها فيقع البيع الصادر منه باطلا إذا اشترط عليه عتق العبد. وهكذا الاجارة في المقام لعدم السلطنة على العمل المستأجر عليه. وأما إذا قلنا بعدم قصر السلطنة المطلقة ثابتة للمشروط عليه غاية الامر يجب عليه الوفاء بالشرط لان الشرط في ضمن العقد يرجع حقيقة إلى التعليق في الالتزام لا إلى اصل الانشاء فان الانشاء مطلق، والملكية المنشأة الثابتة للمشروط عليه ملكية مطلقة غير محدودة والشرط يوجب تعليقا في الالتزام لا في اصل البيع. فلا موجب للفساد إن شئت قلت: أن الشرط في ضمن العقد يوجب الحلال البيع مثلا إلى امرين: احدهما: تمليك المال له. ثانيهما: التزامه بالبيع والشرط يرجع إلى الثاني ويجعل التزامه معلقا على شئ سواء كان فعلا من الافعال كالخياطة أو وصفا ككتابة العبد فالشرط لا يرجع إلى التعليق في الانشاء وانما يرجع إلى التعليق في الالتزام بمعنى انه يلتزم بمضمون العقد على تقدير وجود الشرط وإلا فلا التزام منه بالوفاء ومرجع ذلك إلى جعل الخيار لنفسه عند التخلف. ولو خالف المشروط عليه كما إذا باع العبد ولم يعتقه صح البيع وان ارتكب امرا محرما لعدم الوفاء بالتزامه، نعم لو كانت السلطنة مقصورة يفسد البيع لعدم السلطنة عليه فالفرق بين المقامين واضح لثبوت السلطنة في المعاملة المشروطة فان الشرط كما عرفت لا ينفي السلطنة والتصرف المنافي للشرط يقع صحيحا وان يثبت الخيار للمشروط له، وهذا بخلاف المقام فان السلطنة غير ثابتة لان وجوب الامر بالحج

[ 356 ]

عن نفسه باق على حاله فلا يمكن الحكم بصحة الاجارة للحج الاخر لا ستلزامه الامر بالضدين أو لعدم قدرته على العمل المستأجر عليه كما في المتن. ولو آجر نفسه للحج ثم تمكن بعد الاجارة عن الحج عن نفسه ذكر في المتن ان الاجارة صحيحة والتمكن المتأخر لا يكشف عن بطلان الاجارة. وفيه: ان عدم التمكن انما يوجب سقوط التكليف مادام العجز باقيا لا إلى الابد ولو عاد التمكن عاد التكليف وتجدد القدرة يكشف عن البطلان من الاول والعبرة في صحة الاجارة بمشروعية العمل حال العمل وزمانه لاحال الاجارة، فان كان العمل حال الايجار جائزا وعند العمل غير جائز بطلت الاجارة من الاول. نعم إذا حصل التمكن بعد الفراغ من العمل بحيث لا يتمكن من التدارك لامانع من الحكم بصحة الاجارة، ثم ذكر المصنف - رحمه الله - انه لا اشكال في ان حجه عن الغير لا يكفيه عن نفسه بل اما باطل كما عن المشهور أو صحيح عمن نوى عنه وكذا لوحج تطوعا لا يجزيه عن حجة الاسلام. يقع الكلام تارة في الحج عن الغير واخرى في الحج التطوعي. اما الاول: فلا ينبغى الريب في عدم اجزاء حجه عن الغير عن حج نفسه لان هنا امرين مستقلين لاوجه الاجزاء احدهما عن الاخر اصلا ولابد من الرجوع إلى ما يقتضيه القاعدة من تقديم الاهم وامتثاله وهو الحج عن نفسه ولو خالف وترك الاهم واتي بالمهم وهو الحج عن الغير عصى ولكن صح حجه عن الغير بناءا على الامر الترتبي. وما ذكرناه لا يختص بباب الحج بل يجري في جميع الواجبات والتكاليف كالصلاة فان الصلاة قضاءا عن الغير لاتجزي عن صلاة نفسه قطعا وليس

[ 357 ]

المقام من باب التداخل بلاشك من دون حاجة إلى الاجماع ونحوه، لاختلاف الحقيقة واستقلال كل منهما بالامر، ومجرد التشابه صورة في الافراد لا يجدي في وحدة الحقيقة وهكذا حج الاسلام تختلف حقيقته عن حج الغير ومجرد الاشتراك في الاعمال والمناسك لا يوجب وحدة الحقيقة فلا ريب انه لو صلى عن الغير أو حج عنه لا معنى لاجزاء ذلك عن عمل نفسه. وأما الثاني: وهو الحج التطوعي فاختار المصنف - ره - عدم اجزائه عن حج الاسلام كالحج عن الغير ونسب إلى الشيخ انه يقع عن حجة الاسلام. واورد عليه المصنف - ره - بان المطلوب هو الاتيان بالواجب بقصد ما عليه ومجرد الاتيان بذات الاعمال الواجبة لا يجدي في سقوط الواجب ما لم يقترن بذلك القصد. ولكن الظاهر ان ما ذكره الشيخ من الاجزاء عن حجة الاسلام هو الصحيح. بيان ذلك. ان المستفاد من الروايات ان المكلف يقسم إلى قسمين البالغ وغير البالغ والحر والعبد وكل منهما له الامر بالحج احد الامرين وجوبي والاخر ندبي والامر الندبي متوجه إلى شخص والوجوبي إلى شخص آخر وليس شخص واحد يتوجه إليه الامران، وكذلك المستطيع وغير المستطيع فان المستطيع يتوجه إليه الامر الوجوبي بحجة الاسلام وغير المستطيع يتوجه إليه الامر الندبي فالمستطيع له امر واحد وهو الامر بحج الاسلام ولا يعتبر علمه بذلك كما لا يضر عدم علمه به ولذا لو كان مستطيعا وعلم بوجوب الحج ولكن لا يعلم بانه حجة الاسلام التي تختص بالمستطيع لاريب في الاجزاء، وعلى ما ذكرنا لو اتي المستطيع بالحج التطوعي تشريعا بطل حجه بالمرة حتى بعنوان التطوع ولا يقع عن حجة الاسلام كما لا يقع تطوعا، لان العمل مبغوض لا يمكن

[ 358 ]

التقرب به ولا اضافته إليه تعالى. وأما إذا أتى به لا تشريعا بل مشتبها كما قد يتفق ذلك لبعض العوام كما لو فرض انه لا يعلم بوجوب اتيان حج الاسلام فورا ويحج في هذه السنة بقصد التطوع بداع من الدواعي العقلائية بان يتعلم كيفية اتيان الاعمال حتى يأتي بها عن بصيرة في السنة التي يحج حج الاسلام، فلا مانع من الحكم بالصحة واجزائه عن حجة الاسلام، لان الامر المتوجه إلى المستطيع انما هو امر واحد متعلق بحج الاسلام وليس في البين امر آخر بفرد آخر مغاير للامر بحج الاسلام. والمفروض اتيان المكلف بذات المأمور به وقصد القربة أو ضاف العمل إلى المولى. وليس حج الاسلام إلا الحج الاول الصادر من المستطيع وليس المقام من باب التداخل لان التداخل انما يتحقق في مورد تعدد الامر وأما إذا لم يكن إلا امر واحد وطبيعة واحدة وهو الامر الوجوبي المسمى بحجة الاسلام فلا معنى للتداخل، غاية الامر ان المكلف يتخيل ان ما اتى به امر ندبي إلا انه لا اثر لخياله ووهمه وذكرنا في محله ان قصد الوجوب والندب غير لازم وانما المعتبر في صحة العبادة قابلية الفعل في نفسه للاضافة إليه تعالى والمفروض تحقق ذلك فلا موجب للبطلان، ولذا لو حج وتخيل انه غير مستطيع أو تخيل انه غير بالغ ثم انكشف الخلاف لا اشكال في الاجزاء لانه ليس في البين إلا امر واحد وقد اتى بجميع الاعمال ولا مناسك واضافها إلى المولى غاية الامر يتخيل انه امر ندبي وهو غير ضائر: بل التعبير بالاجزاء فيه مسامحة لان ما أتى به هو ذات الواجب بنفسه لا انه مغاير للحج الاستطاعتي حتى يقال بالاجزاء أو عدمه. والحاصل حج الاسلام ليس إلا الحج الذي يصدر من المستطيع بقصد نفسه في سنة الاستطاعة وهذا العنوان ينطبق على الحج الذي أتى به في سنة الاستطاعة وجميع

[ 359 ]

ما ذكرنا في حج الاسلام يجرى في الحج النذري أو غيره من الحج الواجب عليه الذي كان وجوبه فوريا فان حاله حال حج الاسلام من عدم اجزاء الحج عن الغير عن حج نفسه ولو خالف وحج عن الغير صح ام لا؟ على التفصيل المتقدم هذا تمام الكلام في شرائط وجوب حجة الاسلام.

[ 360 ]

[ فصل في الحج الواجب بالنذر والعهد واليمين ويشترط في انعقادها البلوغ، والعقل، والقصد، والاختيار (1) فلا تنعقد من الصبي وان بلغ عشرا وقلنا بصحة عبادته وشرعيتها لرفع قلم الوجوب عنه وكذا لا تصح من المجنون والغافل والساهي والسكران والمكره. والاقوى صحتها من الكافر وفاقا للمشهور في اليمين خلافا لبعض وخلافا للمشهور في النذر وفاقا لبعض وذكروا في وجه الفرق عدم اعتبار قصد القربة في اليمين واعتباره في النذر ولا تتحقق القربة في الكافر وفيه اولا ان القربة لا تعتبر في النذر بل هو مكروه وانما تعتبر في متعلقه حيث ان اللازم كونه راجحا شرعا. وثانيا ان متعلق اليمين أيضا قد يكون من العبادات وثالثا انه يمكن قصد القربة من الكافر أيضا. ودعوى عدم امكان. ] (1) لا يخفي ان اعتبار هذه الامور من الواضحات، اما اعتبار القصد فلان النذر واخويه هو الالتزام بشئ لله تعالى وهو تابع للقصد وإلا لا يتحقق الالتزام، فما يصدر من الساهي والنائم والسكران والخاطئ

[ 361 ]

لا عبرة به. وكذا يعتبر البلوغ والعقل فلا عبرة بما يصدر من الصبي والمجنون للنصوص الدالة على ان الصبي لا يؤخذ بافعاله ولحديث رفع القلم عنهما (1). وكذا يعتبر الاختيار ولا ينعقد من المكره لان الاكراه يرفع الحكم المتعلق به الاكراه. انما الكلام في انعقاد ذلك من الكافر فقد نسب إلى المشهور صحة اليمين الصادرة منه وبطلان النذر وقال: بعضهم بالبطلان مطلقا وقال: آخرون بالصحة مطلقا ومنهم المصنف - ره - وجميع ذلك مبني على تكليف الكافر بالفروع كما هو المشهو وإما بناءا على اختصاص الاحكام بالمسلمين وعدم تكليف الكافر بها كما قويناه فلا مجال لهذا الاختلاف كما هو واضح. ثم انه لو قلنا: بتكليف الكافر بالفروع كما عليه المشهور فقد يقال: بعدم انعقاد النذر من الكافر لاعتبار التقرب في النذر لانه بنفسه قربي وعبادي ولا تتحقق القربة من الكافر. وفيه: انه لا دليل على كون النذر قربيا بل يظهر من بعض الروايات انه مكروه لقوله - ع - في جواب من جعل على نفسه شكرا لله ركعتين: (اني لاكره الايجاب ان يوجب الرجل عن نفسه) (2). ولو قلنا: بحمل الرواية على الارشاد وان المكلف لا يكلف نفسه ازيد مما مكلفه الله تعالى. يستفاد منها كون النذر مباحا وغير راجح. وبالجملة لادليل على كون النذر امرا عباديا قربيا نظير الصلاة والصيام ونحوهما من الافعال العبادية وإذا لم يكن عباديا فلا مانع من صدوره من الكافر. وأما متعلقه فلا دليل أيضا على كونه قربيا وانما


(1) الوسائل باب 4 من أبواب العبادات ح: 11 و 12. (2) الوسائل باب 6 من أبواب النذر ح 1.

[ 362 ]

غاية ما يستفاد من الادلة ان يكون متعلقه صالحا لذلك وقابلا للاضافة إليه تعالى ولا يستفاد منها ان يكون عباديا حين العمل بحيث لا يتحقق العمل به إلا بقصد العبادة بل المستفاد منها قابلية الفعل للاضافة إليه تعالى وراجحا في نفسه كاعطاء الدرهم إلى الفقير فانه يمكن ايقاعه على وجه العبادة بان يعطيه قربة إلى الله تعالى ويمكن ان يقع لا على وجه القربة فلو اعطى الدرهم للفقير ولم يقصد به القربة فقد وفي بنذره لان الامر بالوفاء توصلي نعم قد يتعلق النذر بالامر العبادي كماقد يتفق في اليمين ويتعذر صدوره من الكافر لعدم تحقق القربة منه. ولكن المعتبر هو امكان صدوره منه حين العمل لا حين النذر فلو نذر الكافر امرا عباديا يجب عليه الاتيان لانه عندما كان كافرا وان لم يكن متمكنا من الاتيان ولكن يتمكن منه حين العمل وفي ظرفه لتمكنه من الاسلام فيكون العمل المنذور مقدورا له غاية الامر بواسطة التمكن من الاسلام والمقدور بالواسطة مقدور، وان اسلم صح ان اتى به ويجب عليه الكفارة لو خالف وحديث الجب المشهور لا يجري في المقام لانصرافه عنه. وأما لو قلنا بانه لامانع من جريان حديث الجب في المقام ودعوى: الانصراف غير تامة، فلا يمكن الحكم بالصحة لانه حين كفره لا يصح منه العمل وحين اسلامه يسقط وجوبه لحديث الجب. وبعبارة اخري: تكليفه بالوفاء بالنذر غير معقول لانه حين الكفر لا يتمكن من الامتثال وبعد اسلامه يسقط عنه على الفرض، وقد مر التفصيل هذا الاشكال في باب قضاء الصلاة على الكافر. والذي ينبغى ان يقال: ان حديث الجب غير ثابت فلا يمكن الاعتماد عليه في شي ء من الاحكام. ولكن الثابت قطعا من السيرة النبوبة والائمة عليهم السلام، عدم مؤاخذة الكافر بمخالفته للاحكام

[ 363 ]

[ اتيانه للعبادات لاشتراطها بالاسلام، مدفوعة بامكان اسلامه ثم اتيانه فهو مقدور لمقدورية مقدمته فيجب عليه حال كفره كسائر الواجبات ويعاقب على مخالفته، ويترتب عليها وجوب الكفارة فيعاقب على تركها أيضا. وان اسلم صح ان اتى به ويجب عليه الكفارة لو خالف ولا يجري فيه قاعدة حب الاسلام لانصرافها عن المقام. نعم لو خالف وهو كافر وتعلق ] الاسلامية حال كفره وعدم مطالبته بقضائها ولم يؤمر احد ممن اختار الاسلام بقضاء الصلوات والصيام وغير ذلك من الواجبات فنتيجة الجب حاصلة ومما ذكرنا عرفت انه لا مجال لدعوى انصراف الجب أو عدمه عن المقام لان الانصراف أو عدمه من شؤن الدليل اللفظي والمفروض ان الجب ثبت بالسيرة القطيعة ولكنها مختصة بالاحكام التي جاءت بها الشريعة الاسلامية، وأما غير ذلك من الاحكام العقلائية الثابتة مع قطع النظر عن الاسلام كالديون فلا يشملها الجب ولا السيرة فلو كان الكافر مديونا حال كفره ثم اسلم يجب عليه وفاء دينه ولا يسقط ذلك عنه بالاسلام. وأما الالتزام بالوفاء بالنذر فان كان ثابتا في كل شريعة ولم يكن من مختصات الاسلام فحاله حال الدين وان لم يكن كذلك - كما هو الصحيح. إذا لم يثبت ذلك في الشرائع السابقة - فيكون من الاحكام المختصة بالاسلام ويرفعه الجب المستفاد من السيرة ويسقط وجوبه بعد اختيار الاسلام. ومما ذكرنا يظهر الحال في ثبوت الكفارة فانها من الاحكام المختصة بالاسلام قطعا فيسقط وجوبها بالاسلام فلا يجب عليه الكفارة لو خالف النذر وهو كافر.

[ 364 ]

[ به الكفارة فأسلم لا يبعد دعوى سقوطها عنه كما قيل. (مسألة 1): ذهب جماعة إلى انه يشترط في انعقاد اليمين من مملوك اذن المولى وفي انعقاده من الزوجة اذن الزوج وفي انعقاده من الولد اذن الوالد لقوله - ع - لا يمين لولد مع والده ولا للزوجة مع زوجها ولا للملوك مع مولاه. فلو حلف احد هؤلاء بدون الاذن لم ينعقد (1). ] (1) ذكر جماعة انه لا ينعقد اليمين من الولد مع والده إلا باذنه وكذا الزوجة مع زوجها والمملوك مع مولاه واعتبروا اذنهم في انعقاد اليمين إما خصوص الاذن السابق أو الاعم منه ومن اللاحق. وذهب آخرون إلى عدم اعتبار اذنهم في انعقاده وانما لهم حل اليمين ولهم الحق في فسخه وحله ومنهم المصنف (ره) وتظهر الثمرة بين القولين فيما إذا حلف الولد من دون اذن الوالد واجازته فانه ينعقد اليمين على القول الثاني وان كان لهم محله وأما على القول الاول فلا ينعقد اصلا. ومنشاء الاختلاف ما يستفاد من صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) (قال: قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) لا يمين للولد مع والده ولا لمملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها (1). وادعى المصنف (ره) ان المنساق والمنصرف من الصحيح المذكور انه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الاب أو الزوج ولازمه جواز حلهم له وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به.


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب الايمان ح 2.

[ 365 ]

ولا يستفاد منه عدم الانعقاد من الاول. وذكر أيضا وجها آخر تبعا لصاحب الجواهر لدلالة النص على مجرد جواز حلهم لليمين. وحاصله: انه لابد من تقدير كلمة الموجود أو المنع والمعارضة في هذه الجملات (لا يمين للولد مع والده ولا يمين لممولك مع مولاه كما هو الحال في نظائرها كقولنا: (لاإله إلا الله)، و (لارجل في الدار) فقد ذكروا ان المقدر في تلك الجمل كلمة الموجود وقولنا: (لا اله إلا الله) تقديره لا اله موجود إلا الله وقولنا: (لا رجل) تقديره لا رجل موجود في الدار. وأما في هذه الجملات فيمكن تقدير الوجود أو المنع والمعارضة. فيدور الامر بين التقديرين فان قلنا: ان المقدر هو الوجود معناه: عدم انعقاد اليمين مع الوالد إلا باذنه وان قلنا: بان المقدر هو المنع والمعارضة معناه: لا يمين مع منع المولى ومزاحمته ومعارضته فلا تدل هذه الجملات إلا على جواز حل اليمين لا اعتبار اذنهم فيه وليس تقدير كلمة الوجود اولى من تقدير كلمة المعارضة بل تقديرها اولى لانصراف النص المذكور إلى عدم جواز المزاحمة للوالد والمولى. فان ثبت دعوى الظهور في تقدير كلمة المعارضة والانصراف إليها فلا كلام وإلا تصبح هذه الفقرات مجملة للترديد بين تقدير الموجود أو المعارضة، فلابد من الاخذ بالقدر المتيقن وهو عدم الصحة مع المعارضة والنهي، نظير دوران الامر بين التخصيص بالاقل والاكثر فيما إذا كان الخاص مجملا مرددا بينهما فانه يؤخذ بالاقل المتيقن ويرجع في الاكثر إلى العمومات. وبالجملة لا دليل على تخصيص المطلقات الدالة على الوفاء باليمين

[ 366 ]

إلا بالمقدار المتيقن وهو صورة المزاحمة. ويرده: ان ما ذكره من تقدير الموجود في (لا) النافية للجنس فيه مسامحة واضحة، وذلك لان الوجود والعدم انما يعرضان لنفس الماهية والماهية بنفسها قد تكون موجودة وقد تكون بنفسها معدومة من دون أي واسطة في البين والماهية بنفسها هي المعروضة عروضا ذاتيا أوليا، وقولنا: (الانسان موجود) (والعنقاء معدوم) معناه ان هذه الماهية بنفسها موجودة وتلك بنفسها معدومة ولا يعرض الوجود للموجود ولا العدم للمعدوم بل الخارج ظرف لنفس فكلمة (لا) النافية كليس التامة. فاليمين في هذه الفقرات بنفسها معروضة للنفي ولا حاجة إلى التقدير حتى يقال: بالدوران بين التقديرين فان المستفاد من كلمة (لا) ان نفس الماهية ومعدومة لا الوجود. ولو تنزلنا عن ذلك وقلنا: بان النفي لايرد على الماهية وانما يرد على الوجود وان قولنا: (لارجل في الدار) تقديره لارجل موجود في الدار فالتقدير لازم إلا انه بناءا على تقدير كلمة المعارضة في هذه الفقرات لابد من تقدير الوجود أيضا وقولنا: (لا يمين مع المعارضة) تقديره لا وجود لليمين مع المعارضة للوالد بل لو فرضنا ان كلمة المعارضة كانت مصرحة لاحتاج إلى تقدير كلمة الوجود فليس المقام دائرا بين التقديرين بل على كلا التقديرين لابد من تقدير كلمة الوجود. هذا مضافا إلى ان كلمة (مع) تدل على المقارنة الزمانية كما يقال: (صاحبت مع زيد في سفره) فيكون النفى في هذه الفقرات واردا على المعية واقتران طبيعي اليمين للوالد والوجود مستفاد من نفس كلمة (مع) فمعية اليمين الصادرة، من الولد للوالد منتفية والمعنى: ان يمين الولد لا تجتمع مع الوالد ولا حاجة إلى التقدير حتى يتردد

[ 367 ]

الامر بين التقديرين فيكون النص ظاهرا في الغاء اليمين ما دام الوالد حيا ولكن المتفاهم منه عرفا ان الغاء اليمين من جهة رعاية الوالد فلو اذن أو اجاز تنعقد اليمين لا انه لا تنعقد له يمين بالمرة مع وجود الوالد. وقد يقال: ان قوله (مع والده) وكذا قوله (مع زوجها ومع مولاه) قرينة على تقدير كلمة المعارضة إذ لو كان المراد نفي الوجود وان وجود الوالد مانع كان قوله (مع والده) زائدا لا حاجة إليه لان الولد طبعا يكون له والد وكذا الزوجة والعبد لابد ان يكون لهما زوج وسيد فذكر الوالد والزوج والسيد بملاحظة المعارضة والممانعة. وفيه: انه لو لم يقدر هذه الكلمات كانت اليمين الصادرة من الولد باطلة بالمرة ويكون المعنى عدم انعقاد يمين الولد دائما حتى يموت والده ويفقده مع ان الامر ليس كذلك قطعا لان غاية ما يستفاد من النص توقف انعقاد يمين الولد على اذن الوالد أو اجازته. والحاصل ان المستفاد من النص ان امر اليمين الصادرة من الولد أو الزوجة أو العبد راجع إلى الوالد، والزوج، والسيد وانه يعتبر في في انعقاد اليمين اذنهم ولا موجب لرفع اليد عن ظهور النص في عدم الانعقاد بدون الاذن. ثم انه هل المعتبر خصوص الاذن السابق كما استظهره المصنف (ره) من كلماتهم أو الاعم منه ومن اللاحق؟ مقتضى اطلاق النص عدم الفرق فان المستفاد منه ان الامر راجع إليهم وذلك لا يفرق بين الاذن السابق أو الاجازة اللاحقة إذ المقصود عدم استقلال الولد في يمينه واللازم عليه مراجعة ابيه في الالتزام باليمين سواء استأذن منه أو استجاز. ودعوى: ان اليمين ايقاع ولا تجرى الفضولية فيه اجماعا فلا تؤثر الاجازة اللا حقة.

[ 368 ]

[ وظاهرهم اعتبار الاذن السابق، فلا تكفي الاجازة بعده. مع انه من الايقاعات وادعى الاتفاق على عدم جريان الفضولية فيها. وان كان يمكن دعوى ان القدر المتيقن من الاتفاق مااذا وقع الايقاع على مال الغير - مثل الطلاق والعتق ونحوهما - لا مثل المقام مما كان في مال نفسه غاية الامر اعتبار رضا الغير فيه. ولا فرق فيه بين الرضا السابق واللاحق خصوصا إذا قلنا: ان الفضولي على القاعدة. وذهب جماعة إلى انه لا يشترط الاذن في الانعقاد لكن للمذكورين حل يمين الجماعة إذا لم يكن مسبوقا بنهي أو اذن بدعوى: ان المنساق من الخبر المذكور ونحوه انه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الاب أو الزوج. ولازمه جواز حلهم له وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به. ] مدفوعة: بان الاجماع دليل لبي يؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو الايقاع الواقع على مال الغير، وامره كطلاق زوجة الغير، وعتق عبده، ونحو ذلك من الامور الاجنبية عن نفسه فان الاجازاة اللاحقة لا توثر وأما إذا كان الايقاع متعلقا بفعل نفسه مالا كان، أو غيره - غاية الامر قد يفرض فيه حق للغير وقد يكون منوطا برضا الاخر - فلا دليل على عدم تأثير الاجازة اللاحقة. والاول كعتق المفلس عبده المرتهن فانه لو اعتقه يصح عتقه باجازة المرتهن لان المعتبر في صحة العتق رضامن له الحق ولو حصل متأخرا،

[ 369 ]

والثانى وهو ما لو فرض انه لاحق للغير عليه وانما اعتبر الشارع رضاه وهذا مجرد حكم شرعي ثابت في البين وخارج عن الفضولية رأسا كتوقف تزويج بنت الاخ أو الاخت على رضا العمة أو الخالة. فان المعتبر رضاهما من دون فرق بين الاذن السابق أو اللاحق. والمقام من قبيل ذلك لان الحلف يتعلق بفعل نفسه وانما اعتبر فيه رضا الوالد ولافرق في حصوله قبل اليمين، أو بعده. ويدل على الاكتفاء بذلك مضافا إلى ما تقدم: مادل على تزويج العبد وانه إذا اجاز السيد صح معللا بانه لم يعص الله وانما عصى سيده فان المستفاد من ذلك ان كل مورد اعتبر فيه رضا احد وكان للعقد في نفسه سائغا يرتفع المنع بحصول رضاه وله الحق في امضاء ذلك حسب الحكم الشرعي فإذا رضي بذلك واجاز صح سواء تقدم رضاه، أو تأخر وليس ذلك كمعصية الله اصالة في انه معنى للحوق رضاالله تعالى ومقتضى التعليل تعميم الحكم في جميع الموارد المشابهة. ثم ذكر المصنف (ره) ان جواز الحل أو التوقف على الاذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلقا، بل انما هو فيما كان المتعلق منافيا لحق الوالد أو الزوج ومزاحما له وأما لم يكن مزاحما لحقه فلا كما إذا حلف الولد ان يقرأ كل يوم جزءا من القرآن أو نحو ذلك واستشهد باستثناء جماعة الحلف على فعل الواجب أو ترك القبيح، وحكموا بالانعقاد فيهما. ولو كان المراد اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا الاستثناء، فيعلم من ذلك ان الحكم بالتوقف على الاذن انما هو في مورد المزاحمة والمنافاة ولذا لا عبرة بذلك في مورد فعل الواجب وترك الحرام. وفيه مالا يخفي: إذ لو كان الحكم بالتوقف مختصا بموارد المزاحمة لاستثنوا موارد كثيرة مما لم تكن منافية لحق الوالد والسيد كما لو حلف

[ 370 ]

[ وعلى هذا فمع النهي السابق لا ينعقد ومع الاذن يلزم ومع عدمهما ينعقد ولهم حله ولا يبعد قوة هذا القول، مع ان المقدر كما يمكن ان يكون هو الوجود يمكن ان يكون هو المنع والمعارضة أي - لا يمين مع منع المولى مثلا -، فمع عدم الظهور في الثاني لا اقل من الاجمال والقدر المتيقن هو عدم الصحة مع المعارضة والنهي بعد كون مقتضى العمومات الصحة، واللزوم. ثم ان جواز الحل أو التوقف على الاذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلقا كما هو ظاهر كلماتهم، بل انما هو فيما كان المتعلق منافيا لحق المولى أو الزوج وكان مما يجب فيه طاعة الوالد إذا امر، أو نهى، واما ما لم يكن كذلك فلا، كما إذا حلف المملوك ان يحج إذا اعتقه المولى أو حلفت ] ان يقرأ السورة الفلانية عند النوم أو يقرأ الآية الفلانية عند القيام من النوم وغير ذلك من الافعال والاعمال غير المنافية لحق احد من الناس. ولعل منشأ استثناء فعل الواجب وترك الحرام هو ان الولد ليس له ان يجعل على نفسه شيئا مقابل والده وليس له ان يلتزم بشئ في قباله، وهذا ينصرف عما لو كان قد جعل الله عليه شيئا من التكاليف. وبعبارة اخرى انما نقول بان الولد ليس له ان يجعل على نفسه شيئا في قبال والده في الامورات المباحة المرخصة. وأما إذا جعل الله عليه شيئا من اتيان الواجب أو ترك الحرام فليس للوالد حق في المقام. ولكن هذا أيضا غير تام لان الجعل باليمين ولو في مورد الواجب

[ 371 ]

[ الزوجة ان تحج إذا مات زوجها أو طلقها، أو حلفا ان يصليا صلاة الليل مع عدم كونها منافية لحق المولى أو حق الاستمتاع من الزوجة، أو حلف الولد ان يقرأ كل يوم جزءا من القرآن، أو نحو ذلك مما لا يجب طاعتهم فيها للمذكورين فلا مانع من انعقاده وهذا هو المنساق من الاخبار فلو حلف الولد ان يحج إذا استصحبه الوالد إلى مكة مثلا لا مانع من انعقاده. وهكذا بالنسبة إلى المملوك والزوجة. فالمراد من الاخبار انه ليس لهم ان يوجبوا على انفسهم باليمين ما يكون منافيا لحق المذكورين ولذا استثنى بعضهم الحلف على فعل الواجب أو ترك القبيح وحكم بالانعقاد فيهما ولو كان المراد اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا الاستثناء. هذا كله في اليمين. واما النذر فالمشهور بينهم انه كاليمن في المملوك والزوجة. والحق بعضهم بهما الولد ايضا. وهو مشكل لعدم الدليل عليه خصوصا في الولد الا القياس على اليمين بدعوى تنقيح المناط وهو ممنوع، أو بدعوى ان المراد ] أو الحرام جعل ثانوي التزم على نفسه وهذا مما لم يجعله الله عليه فحاله من هذه الجهة حال المباحات من عدم الجعل على نفسه في قبال والده والظاهر: عدم الفرق في عدم انعقاد اليمين بين ما ينافي حق الوالد ومالا ينافي لاطلاق قوله: (لا يمين للولد مع والده الخ). بل لو

[ 372 ]

[ من اليمين في الاخبار ما يشمل النذر لاطلاقه عليه في جملة من الاخبار. منها خبران في كلام الامام (ع)، ومنها اخبار في كلام الراوي وتقرير الامام (ع) له، وهو ايضا كما ترى. فالاقوى في الولد عدم الالحاق، نعم في الزوجة والمملوك لا يبعد الالحاق باليمين لخبر قرب الاسناد عن جعفر (ع) عن ابيه (ع) ان عليا (ع) كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا باذن مولاه، وصحيح ابن سنان عن الصادق (ع) ليس للمرأة مع زوجها امر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا باذن زوجها إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها: وضعف الاول منجبر بالشهرة واشتمال الثاني على مالا تقول به لا يضر. ] كان منافيا كان باطلا في نفسه لانه مرجوح وقد اعتبر الفقهاء - ره - في متعلق اليمين ان لا يكون مرجوحا. هذا كله في اليمين. وأما النذر فذكر المصنف - ره - ان المشهور بينهم انه كاليمين في المملوك والزوجة، والحق بعضهمم بهما الولد أيضا، واستشكل فيه بدعوى عدم الدليل عليه خصوصا في الولد إلا القياس على اليمين. اقول: هذا غريب منه (ره) لانه خص توقف انعقاد اليمين على الاذن بما إذا كان منافيا لحق الوالد أو السيد أو الزوج وذلك لا يفرق فيه بين النذر واليمين لاعتبار الرجحان في متعلق النذر وإذا كان متعلق النذر منافيا لحق الوالد مثلا فلا رجحان فيه ولا ينعقد، فالنذر كاليمين

[ 373 ]

في عدم انعقاده إذا كان متعلقه منافيا لحق هولاء لكونه مرجو حافلا حاجة في الحاق النذر باليمين إلى دليل خاص حتى يقال بعدم الدليل، بل نفس الادلة الاولية الدالة على وجوب الوفاء بالنذر كافية في عدم انعقاده إذا كان منافيا لحق الوالد لانها تدل على لزوم الرجحان في متعلق النذر فالبحث عن لحوق النذر باليمين وعدمه ساقط على مسلكه (ره) نعم انما يتم هذا البحث على ما اخترناه من توقف انعقاد اليمين مطلقا على الاذن أو ان لهم الحل سواء كان متعلقه منافيا لحقهم ام لا. والظاهر: عدم اللحوق من هذه الجهة باليمين لان مقتضى الاطلاقات الدالة على الوفاء بالنذر انعقاد النذر ولزوم الوفاء به وعدم توقفه على الاذن وانما خرجنا عن ذلك في خصوص اليمين لدليل خاص وهو مفقود في النذر. نعم قد اطلق في عدة من الروايات اليمين (1) على النذر ولكن قد ذكرنا غير مرة ان الاطلاق اعم من الحقيقة والمتفاهم عرفا تغاير اليمين والنذر وثبوت الحكم في الاهم يحتاج إلى الدليل ومجرد الاطلاق في بعض الموارد لا اثر له. نعم للوالد حل نذره لان متعلق النذر يعتبر فيه الرجحان حتى بقاءا إذا نهاه الاب عن اتيان المتعلق يصبح مرجوحا فينحل، فيختلف اليمين عن النذر من ان اليمين يتوقف على الاذن، وأما النذر فلا وانما للوالد حله والحاصل نذر الوالد لا ينعقد مع نهي والده كما ينحل بنهيه عنه بعد النذر. وتفصيل الكلام يقتضى البحث في موارد ثلاثة: الاول: نذر الولد وقد عرفت انه غير ملحق باليمين وينعقد ولو


(1) الوسائل: باب 8 و 17 من ابواب النذر.

[ 374 ]

من دون اذن الاب لعدم الدليل على الالحاق ومجرد اطلاق اليمين على النذر في بعض الاخبار لا اثر له لان الاستعمال اعم من الحقيقة بل المتفاهم عرفا ان النذر واليمين مفهومان متغايران ولا يتعدى حكم احدهما إلى الآخر إلا بالدليل. والمستفاد من الادلة عدم انعقاد نذر الولد إذا كان منافيا لحق الوالد لانه مرجوح وقد اعتبر الرجحان في متعلق النذر وأما إذا لم يكن منافيا لحقه ينعقد ولا يعتبر فيه اذنه وانما له الحل فإذا حله ونهاه عن العمل به ينحل لانه بقاءا يكون المتعلق مرجوحا. وبعبارة اخرى وجوب الوفاء بالنذر واجب مشروط برجحان متعلقه حدوثا وبقاءا فإذا نهاه الوالد عن العمل بالنذر يكون مرجوحا فينحل وأما جواز الحل للوالد فهو على مقتضى القواعد الاولية لان دليل الوفاء لا يشمله فله حله متى شاء. الثاني: نذر العبد وهو كاليمين لمعتبر الحسين بن علوان (ليس على المملوك نذر إلا ان يأذن له سيده) (1) بل المستفاد منه ان الحكم بالتوقف على الاذن في النذر اشد من اليمين، لما عرفت ان المراد بتوقف اليمين على الاذن عدم استقلال المملوك في يمينه ولزوم مراجعته إلى السيد في امر يمينه وعدم مزاحمته له وذلك لا يفرق بين تحصيل الرضا والاذن منه قبل اليمين أو بعده، ولكن مقتضى الجمود على ظاهر اللفظ في النذر اعتبار الاذن السابق المقابل للاجازة اللاحقة لان ظاهر كلمة الاذن الواردة في النص هو الرضا السابق. ثم ان المصنف وصف هذا الخبر بالضعف وذكر انه منجبر بالشهرة وقد ذكرنا غير مرة ان الانجبار لا اساس له ولم يعلم اعتماد المشهور على هذا الخبر ولو علم فلا اثر له فدعوى الانجبار ممنوعة كبرى وصغرى


(1) الوسائل: باب 15 كتاب النذر ح 2.

[ 375 ]

إلا ان الخبر ليس بضعيف بل هو معتبر فان الضعف المتوهم هو من ناحية الحسين بن علوان ولكنه موثق لان الكشي يمدحه والنجاشي يوثقه لقوله: (الحسن بن علوان الكلبي واخوه الحسن يكنى أبا محمد ثقة) وقد زعم بعضهم ان التوثيق راجع إلى الحسن اخيه ولكنه فاسد بل التوثيق راجع إلى الحسين نفسه لانه المقصود في الترجمة وكثيرا ما جرت عادة النجاشي ان يذكر شخصا من اقارب المترجم في ضمن ترجمة الشخص الذى عنونه. على ان العلامة ذكر عن ابن عقدة ان الحسن كان اوثق من اخيه واحمد عند اصحابنا. وفي كلامه دلالة على وثاقة الحسين أيضا مضافا إلى ذلك ان الحسين من رجال تفسير علي بن ابراهيم القمي. المورد الثالث: نذر الزوجة وقد استدل على الحاق نذرها باليمين وانه يعتبر الاذن من زوجها في انعقاده، بصحيح ابن سنان (ليس للمرأة مع زوجها امر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا باذن زوجها إلا في حج أو زكاة أوبر والديها أو صلة رحمها) (1). وفيه اولا: ان النص اخص من المدعى لان مورده عدم انعقاد النذر في مالها بدون اذن الزوج فالتوقف انما هو في الامور المالية ولا يشمل ما إذا تعلق النذر بغير الاموال كامور العبادة ونحوها فاسراء الحكم إلى النذر المتعلق بغير الاموال من القياس الذي لانقول به. وثانيا: انه لا يمكن الاخذ بظاهر النص ولابد من حمله على الجهة الاخلاقية لاشتماله على ما لا يقول به احد لان عدة من المذكورات لااشكال في عدم توقفها على اذن الزوج كالصدقة من مالها والهبة من


(1) الوسائل باب 15 كتاب النذر ح 1.

[ 376 ]

مالها ونحو ذلك من التصرفات في اموالها الشخصية ولم يلتزم احد باعتبار اذن الزوج في صحة هذه التصرفات. فلابد من حمل الرواية على الجهة الاخلاقية والتأدب بالنسبة إلى الزوج واحترامه. وقد اجاب غير واحد عن هذا الاشكال بان اشتمال النص على مالا نقول به في بعض الموارد لا يوجب سقوطه عن الحجية في مورد آخر وقد وقع نظير ذلك في كثير من الادلة. وفيه: ان الامر وان كان كذلك لكن فيما إذا كان هناك جمل متعددة على اشكال في ذلك أيضا واما إذا كانت جميع الفقرات بيانا لصغريات تعود إلى كبرى واحدة فالمتبع ظهور تلك الكبرى. والمقام كذلك إذ ليس في البين جملات متعددة متكررة مستقلة بل ذكر في اول الكلام كبرى كلية وهي (انه ليس للمرأة مع زوجها امر) ثم ذكر عدة من الامور بيانا لصغرى هذه الكبرى والمتبع ظهور هذه الكبرى، وقد عرفت انه لا يمكن الاخذ باطلاقها إذ لا يقال به احد من الاصحاب فلابد من حملها على حكم اخلاقي تأدبي. وبالجملة لا دليل على توقف نذر الزوجة على اذن الزوج فيما لا ينافي حقه. ولا سيما في نذر الزوجة امرا لا يتعلق بمالها. ومما يشهد على ان المذكورات في صحيح ابن سنان المتقدم ليست جملا متعددة مستقلة وانما جميعها صغرى لكبري واحدة والتي هي (انه ليس للمرأة مع زوجها امر) استثناء الحج والزكاة فان الظاهر ان الاستثناء استثناء حقيقي غير منقطع وذلك يكشف عن ان المستثنى منه كبرى كلية واحدة وهي انه ليس لها أي شئ من الامور سوى الحج والزكاة فحينئذ لابد من حمل تلك الكبرى على الاخلاق والآداب إذ لم يلتزم احد بمضمونها فان

[ 377 ]

[ ثم هل الزوجة تشمل المنقطعة أو لا؟ وجهان (1) وهل الولد يشمل ولد الولد أو لا كذلك؟ وجهان (2). ] توقف جميع الامور على اذن الزوج مقطوع البطلان. (1) جزم بعضهم باختصاص الحكم بالدائمة لدعوى الانصراف إليها وبان اطلاق الزوجة على المنقطعة على سبيل المجاز دون الحقيقة لانها في الحقيقة مستأجرة كما في بعض الروايات (1) وكلا الدعويين باطل، فان الزوجية حقيقة واحدة وهي العلقة المخصوصة بين الرجل والمرأة غاية الامر فرد منها دائمي والفرد الآخر موقت والتعبير بالاستيجار من باب المسامحة، ولذا لو اقتصرنا على مجرد الاستيجار من دون ثبوت العلقة الزوجية لكان ذلك من الزنا. والحاصل جميع احكام الزوجة مترتبة على المنقطعة سوى الارث ومقدار العدة وبعض الفروق الجزئية ومجرد افتراقهما في بعض الاحكام لا يوجب اختصاص الزوجية بالدائمة فان المنقطعة زوجة حقيقة فلا وجه لدعوى الانصراف وما ذكرنا يعرف ان اطلاق الزوجة عليها ليس من باب المجاز. (2) قيل بالشمول لكونه ولدا حقيقة. وقيل بالعدم لعموم الادلة المقتضية للصحة بدون الاذن وانما خرجنا عنه في خصوص الولد. والتحقيق هو التفصيل. وحاصله: انه إذا كان اعتبار الاذن في اليمين أو النذر من باب رعاية حقوق الوالد، فلا فرق بين الوالد والجد فان الجد له حقوق على حفيده وإذا نهاه عن العمل بالنذر يصبح المتعلق مرجوحا فلا ينعقد أو ينحل، وان قلنا باعتبار الاذن في اصل


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب المتعة.

[ 378 ]

[ والامة المتزوجة عليها الاستيذان من الزوج والمولى بناءا على اعتبار الاذن (1) وإذا اذن المولى للمملوك ان يحلف أو ينذر الحج لا يجب عليه اعطاء ما زاد عن نفقته الواجبة من مصارف الحج (2) وهل عليه تخلية سبيله لتحصيلها أو لا؟ وجهان (3). ] الانعقاد سواء كان منافيا لحق الوالد ام لا فشمول الحكم لولد الولد مشكل، لان الولد وان كان اعم من الولد والحفيد لكون الولد من يتولد من الانسان ولا ريب ان الحفيد متولد من الجد أيضا بالواسطة إلا ان الوالد لا يصدق على الجد وانما يصدق على الوالد بلا واسطة خاصة. نعم عنوان الاب يصدق علي الوالد والاجداد ويقال آبائك وقد اطلق في الآيات الكريمة وغيرها الآباء على الاجداد (1)، فعنوان الوالد والاب يفترق احدهما عن الآخر والوالد يختص بالوالد بلا واسطة والموجود في النص الوالد وشموله للجد مشكل أو ممنوع. (1) لان المفروض انها مجمع بين العنوانين ويحكم عليها بحكمهما، واذن احدهما دون الاخر لا يجدي. (2) لعدم الدليل على وجوب تحمل المولى هذه المصارف الزائدة على النفقة الواجبة، وانما غاية ما يجب عليه رفع الموانع من قبله. (3) أما منع العبد من التكسب لتحصيل مصارف الحج فيقتضيه القاعدة لان العبد لا يقدر على شئ وامره بيد مولاه فله منعه من التكسب حسب ولايته وسلطانه عليه، وأما وجوب التخلية عليه فيستدل له بان الاذن في الشئ اذن في لوازمه، ويقع الكلام في


(1) قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل: البقرة الآية: 133 وغيرها من الآيات الكثيرة.

[ 379 ]

مقامين بعد الفراغ عن تسليم هذه الكبرى الكلية وهي ان الاذن في الشئ اذن في لوازمه، فانها غير قابلة للانكار لان الاذن في الملزوم يستلزم الاذن في لازمه قهرا وهذه من القضايا اللاتي قياساتها معها. احدهما: ان هذه الكبرى هل تنطبق على المقام ام لا؟ ثانيهما: انه هل يجب على المولى إذا اذن في نذر الحج ان يلتزم بذلك بحيث لا يجوز له العدول عن اذنه أوله العدول عن اذنه. أما الاول: فالظاهر ان هذه الكبرى غير منطبقة على المقام لان التكسب ليس من لوازم الاذن في الحج بحيث يستلزم الاذن في نذر الحج الاذن في التكسب لامكان عتقه فيما بعد فيتمكن من اتيان الحج أو ينتظر وجود من يبذل له مصارف الحج ونحو ذلك مما يتمكن من اتيانه. وبالجملة: اتيان الحج لم يكن متوقفا على التكسب حتى يكون الاذن فيه اذنا في التكسب بل الاذن في الحج لا يقتضئ إلا رفع المانع من قبله. والحاصل: ليس النذر ملزوم للتكسب حتى يكون الاذن فيه اذنا في التكسب وبتعبير آخر النذر بنفسه لا يستلزم صرف المال والتكسب بل لابد في النذر من ملاحظة حصول شرائط الوفاء به وما يتوقف عليه من القدرة ونحوها من الشرائط الاخر المعتبرة العامة فان كان متمكنا من الاتيان فهو وإلا فلا يجب عليه الاتيان. وأما الثاني: فالظاهر جواز العدول له عن الاذن وان صرح به، نظير رجوع الباذل عن بذله للحج لعدل الدليل على عدم جواز العدول له. وبالجملة المستفاد من الادلة ان نذر العبد لا ينعقد إلا باذن المولى ولو اذن ينعقد النذر واما وجوب الاتيان على العبد فيتوقف على حصول الشرائط المعتبرة كالتمكن ونحوه، ولو رجع المولى عن اذنه لا يتمكن العبد من الاتيان فينتظر تجدد الاذن والتمكن من الامتثال.

[ 380 ]

[ ثم على القول بان لهم الحل هل يجوز مع حلف الجماعة التماس المذكورين في حل حلفهم ام لا وجهان (1). (مسألة 2): إذا كان الوالد كافرا ففي شمول الحكم له وجهان اوجههما العدم للانصراف ونفي السبيل (2). (مسألة 3): هل المملوك المبعض حكمه حكم القن أو لا وجهان؟. لا يبعد الشمول، ويحتمل عدم توقف حلفه على الاذن في نوبته في صورة المهاياة خصوصا إذا كان وقوع المتعلق في نوبته (3). ] (1) اقواهما الجواز لاطلاق ما يقتضى جواز الحل لهم فلا مانع من التماسه. (2) فان هذا الحكم ونظائره من باب احترام الوالد ولا حرمة للكافر نعم إذا كان النذر ونحوه مخالفا للمعروف بالنسبة إلى الوالد لا ينعقد لان معاملة المعروف مع الولد واجبة حتى إذا كان كافرا كما هو المتسفاد من الآيات (1) والروايات. وأما الاستدلال بنفي السبيل كما في المتن ففيه ان المراد بهذه الآية اما نفي السبيل في امر الآخرة أو عدم السبيل للكافر من جهة الحجة والسلطان في المعارف الالهية. (3) والذي ينبغي ان يقال: ان موضوع الحكم ان كان عنوان الحر فلاريب في عدم صدقه على المبعض لعدم كونه حرا وانما بعضه حر وكذا لو كان الحكم ثابتا لعنوان العبد فانه غير صادق على المبعض لانه مركب من العبد والحر، والمفروض ان الحكم بالتوقف ثابت لعنوان العبد أو المملوك وهو غير صادق على المبعض، فيشمله اطلاق


(1) لقمان: الآية 15.

[ 381 ]

وجوب الوفاء بالنذر. وبعبارة اخرى يجب الوفاء بالنذر على كل احد وانما خرج عنه العبد وهو غير صادق على المبعض فلا مانع من الرجوع إلى اطلاق ادلة وجوب الوفاء بالنذر. هذا كله من جهة النذر بنفسه يعني: ان النذر بما هو نذر يجب الوفاء به تعبدا ولا يتوقف نذر المبعض على اذن سيده، وأما إذا كان منافيا لحق المولى فلا ينعقد من دون اذنه لمنافاته لحقه، نعم إذا كان متعلقه يصادف نوبته وايامه لا مانع من الانعقاد لعدم حق للمولى في نوبته وايامه ولا يكون منافيا لحقه. وقد تصل من جميع ما ذكرنا: ان اعتبار الاذن في النذر واليمين قد يكون بلحاظ حق الغير ومراعاته فان كان متعلقه منافيا لحق الوالد أو السيد لا ينعقد لاعتبار الرجحان في متعلق النذر وفي متعلق اليمين لابد ان لا يكون مرجوحا وذلك لا يفرق بين الولد والعبد والزوجة، وقد يكون اعتبار الاذن في النذر على الاطلاق وبلحاظه في نفسه مع قطع النظر عن منافاته لحق هؤلاء فقد عرفت بما لا مزيد عليه انه لادليل على ذلك إلا في نذر العبد وأما الولد فقد ذكرنا ان غاية ما يستفاد من الادلة جواز حل الوالد نذر ولده لا توقف نذره على اذن الوالد، وأما الزوجة فقد تقدم المناقشة في دليله. ومما ذكرنا يظهر الحال في المبعض من ان نذره لو كان منافيا لحق المولى لا ينعقد لا لدليل خاص بل لاطلاق مادل على لزوم الرجحان في متعلق النذر. وأما لو قلنا بان اعتبار الاذن في النذر من باب الدليل التعبدى الدال على اعتبار الاذن في النذر في نفسه فقد عرفت ان مقتضى اطلاق الادلة وجوب الوفاء وقد خرج منه عنوان المملوك وهو غير

[ 382 ]

[ (مسألة 4): الظاهر عدم الفرق في الولد بين الذكر والانثى (1) وكذا في المملوك والمالك لكن لا تلحق الام بالاب. ] صادق على المبعض المركب من العبد والحر، كما انه لا يشمله سائر الاحكام الثابتة للعبد من الديات والقصاص والحدود فانها مختصة بالعبد التام ولا تشمل المبعض، وعنوان الحر وان كان يصدق عليه أيضا إلا ان مقتضى اطلاق ادلة وجوب الوفاء بالنذر وجوبه على المبعض أيضا إذ لا مخصص له بالنسبة إليه وانما خرج عن المطلقات عنوان المملوك والعبد وهو غير صادق على المبعض المركب من الحر والعبد. (1) لاشتراك الولد بينهما لغة، فان الولد ما يتولد من الانسان سواء كان ذكرا أو انثى، قال الله تعالى: يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) (1) ولا عبرة بالاستعمال الدارج للولد في خصوص الذكر نعم الابن يختص بالذكر كما ان البنت تختص بالانثى وكذا المولى المملوك يطلقان على الذكر والانثى فلا فرق بين العبد والامة كما لا فرق بين المولى والمولاة، على ان المستفاد من النص ان الحكم بتوقف النذر على الاذن من جهة المملوكية وعدم التصرف في سلطان المالك ورعاية حقوقه وذلك لا خصوصية له بالرجل أو المرأة. وقد ورد كثير من احكام الحج وغيره في مورد الرجل ولا تختص به بل تشمل المرأة حسب الفهم العرفي. وأما الام فلا تلحق بالاب بناءا على ان الاذن معتبر في النذر في نفسه لقصر الدليل بالوالد ولا يشمل الوالدة نظير توقف تزويج البكر على اذن الوالد ولا يتوقف على اذن الام.


(1) النساء: الآية 11.

[ 383 ]

[ (مسألة 5): إذا نذر أو حلف المملوك باذن المالك ثم انتقل إلى غيره بالارث أو البيع أو نحوه بقي على لزومه (1). ] وأما على ما ذكره المصنف - ره - من ان اعتبار الاذن من جهة رعاية حق الوالد وعدم منافاته لحقوقه فلا فرق بين الوالدين. (1) قد يكون متعلق نذره، غير مناف لحق المولى الثاني في ظرف العمل وقد يكون منافيا لحقه. أما الاول: فلا مانع من انعقاد نذره ويبقى على لزومه ولا يعتبر الاذن من المولى الثاني لانه حين النذر لم يكن مولاه حتى يعتبر اذنه والمفروض عدم منافاته لحقه حين الاتيان بالمتعلق كما إذا نذر ان يقرأ القرآن عند النوم أو بعض الادعية عند الخروج من البيت ونحو ذلك مما لا ينافي حق المولى اصلا. وأما الثاني: فالظاهر عدم انعقاده لعدم الفرق بين المولى الاول والثاني في لزوم رعاية حقهما. فلو كان النذر منافيا لحق المولى الثاني ولو بقاءا ينحل لانه مرجوح بقاءا وفي ظرف العمل. والمعتبر رجحانه في ظرف العمل فالصحيح هو التفصيل. إلا ان المصنف اختار انعقاد نذره وعدم اعتبار اذن المولى الثاني مطلقا. بدعوى: انه لا يبقى حق للمولى الثاني بعد انعقاد النذر وليس له المنع عن العمل بالنذر بعدما صار واجبا عليه إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وبعبارة اخرى طاعة السيد وان كانت واجبة لكنها مشروطة بالقدرة الشرعية، يعني تجب طاعته فيما إذا لم يكن هناك مانع شرعي وأما إذا كان هناك مانع شرعي كالنذر السابق فلا تجب طاعته، والمفروض

[ 384 ]

انعقاد النذر باذن المالك حين النذر فيجب الوفاء به على العبد وليس للسيد الثاني المنع عنه لعدم وجوب طاعته فيما وجب أو حرم على العبد ويرد عليه ان هذه الجملة (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) لم ترد في نص معتبر وانما رواها المحقق مرسلا في المعتبر وحكي ذلك عنه صاحب الوسائل (1) ورواها الصدوق أيضا بسندين ضعيفين. احدهما: ما رواه في الفقيه باسناده عن اسماعيل بن الفضل عن ثابت بن دينار أبي حمزة الثمالي وطريقه إلى اسماعيل بن الفضل ضعيف. ثانيهما: ما رواه في الخصال بسند آخر ضعيف (2). في ضمن ذكره (عليه السلام للحقوق الواجبة والمندوبة، فلا يمكن الاعتماد على هذه الجملة وان كان مضمونها من الكبرى المسلمة التي لاريب في صحتها إذ من الواضح جدا عدم وجوب طاعة المخلوق في الموارد التي تستلزم معصية الخالق، كعدم وجوب طاعته في موارد الواجبات والمحرمات الالهية، إلا انه ليس معنى هذه الجملة اخذ القدرة شرعا في موضوع الحكم ليقيد وجوب طاعة المولى بما إذا لم يكن هناك مانع شرعي، وانما القدر المسلم سقوط وجوب طاعة المولى في موارد التكاليف الالهية وان الواجب أو الحرام لا يسقط بامر أي احد، واين هذا من اخذ القدرة الشرعية في موضوع الحكم. فمعنى الجملة انه في موارد معصية الخالق لا طاعة لمخلوق. إلا ان الكلام في تحقق المعصية وتحقيق الصغرى، فلابد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة الاولية فان قلنا بان العبد لا يقدر على شئ وقلنا بان العبرة في لزوم النذر بظرف العمل لا بظرف النذر فلا اثر


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب وجوب الحج ح 7. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب جهاد النفس ح 1.

[ 385 ]

[ (مسألة 6): لو نذرت المرأة أو حلفت حال عدم الزوجية ثم تزوجت وجب عليها العمل به وان كان منافيا للاستمتاع بها وليس للزوج منعها من ذلك الفعل كالحج ونحوه (1)، بل وكذا لو نذرت انها لو تزوجت بزيد مثلا صامت كل خميس وكان المفروض ان زيدا ايضا حلف ان يواقعا كل خميس إذا تزوجها فان حلفها أو نذرها مقدم على حلفه وان كان متأخرا في الايقاع لان حلفه لا يؤثر شيئا في تكليفها. بخلاف نذرها فانه يوجب الصوم عليها لانه متعلق بعمل نفسها فوجوبه عليها يمنع من العمل بحلف الرجل. ] لهذا النذر المنافي لحق المولى الثاني فينحل النذر في ظرف العمل، ولا اثر للاذن الصادر من المالك الاول حال النذر، لان المفروض ان النذر بقاءا ينافي حق المولى الثاني فيكون مرجوحا بقاءا فينحل لعدم الرجحان لمتعلقه في ظرف العمل. (1) قد عرفت مما تقدم حال نذر المرأة إذا لم تكن متزوجة ثم تزوجت أو كانت متزوجة ونذرت باذن زوجها ثم طلقت وتزوجت بزوج آخر وكان نذرها منافيا لحق الزوج الجديد، فان نذرها ينحل لكونه مرجوحا في ظرف العمل، وقد عرفت ان العبرة بالرجحان في ظرف العمل، فلو نذرت المرأة الصوم يوم الخميس وكان منافيا لحق الزوج الجديد وينحل وان كانت حين النذر لم تكن متزوجة أو كانت مأذونة من الزوج الاول

[ 386 ]

ولو حلف الزوج على خلاف حلفها كما إذا حلف ان يواقعها كل خميس إذا تزوجها فان قلنا بانه لا اثر لحلف الزوجة إذا كان منافيا لحق الزوج ولو بقاءا فالامر ظاهر لانحلال نذرها أو حلفها لكونه مرجوحا في ظرف العمل، بل لا حاجة إلى حلف الزوج لانحلال نذرها أو حلفها بمجرد المنافاة لحق الزوج، وأما على ما اختاروا من لزوم حلف الزوجة وعدم انحلاله بعد انعقاده صحيحا في حال النذر فهل يتقدم حلف الزوج أو الزوجة أو يسقطان معا؟ ذكر المصنف - ره - وغيره ان حلف الزوجة مقدم على حلفه وان كان حلف الزوجة زمانه متأخرا، لان المفروض ان حلفها صدر وهي غير متزوجة أو باذن من الزوج الاول فيصح ويجب عليها العمل به ولا اثر لحلف الزوج لان حلفه لا يحدث تكليفا بالنسبة إلى الزوجة وان كان حلفه متقدما على حفلها بخلاف حلفها أو نذرها فانه يوجب الصوم عليها لانه متعلق بعمل نفسها، ووجوبه عليها يمنع من العمل بحلف الرجل وليس له مطالبة الزوجة بالعمل بحلفه لانه من المطالبة لترك الواجب أو الاتيان بالحرام. ويرده: ان حلف الزوج كما لا يحدث تكليفا للزوجة كذلك حلف الزوجة لا يؤثر شيئا في تكلفيه فان وجوب الصوم عليها مثلا في يوم كذا لا يوجب تكليفا للزوج، بل يجب على كل منهما العمل بالنذر مهما امكن. فنذر الزوجة ونذر الزوج يقتضيان حكمين متوجهين إلى شخصين فهما متزاحمان بالنسبة إلى شخصين لا إلى شخص واحد حتى يقع التزاحم بين الخطابين ويقدم الاهم أو يتخير عند التساوي كما تقتضيه قاعدة التزاحم بين الخطابين بالنسبة إلى شخص واحد بل المقام من باب التزاحم بين الحكمين بالنسبة إلى شخصين نظير واجدي الماء حيث يلزم كل

[ 387 ]

[ (مسألة 7): إذا نذر الحج من مكان معين كبلده أو بلد آخر معين فحج من غير ذلك المكان لم تبرأ ذمته ووجب عليه ثانيا، نعم لو عينه في سنة فحج في تلك السنة من غير ذلك المكان وجب عليه الكفارة لعدم امكان التدارك، ولو نذر ان يحج من غير تقييد بمكان ثم نذر نذرا آخر ان يكون ذلك من مكان كذا وخالف فحج من غير ذلك المكان برئ من النذر الاول ووجب عليه الكفارة لخلف النذر الثاني، كما انه لو نذر ان يحج حجة الاسلام من بلد كذا فخالف فانه يجزئه عن حجة الاسلام ووجب عليه الكفارة لخلف النذر (1). ] منهما ان يعمل بوظيفته لان الحكم في الطرفين مشروط بالقدرة والتمكن فيجب الصوم على الزوجة إذا كانت متمكنة منه ويجب على الزوج وطيها في اليوم الذي حلف إذا كان متمكنا من ذلك، ولا موجب لسقوط التكليف عن كل من الطرفين وعلى كل منهما ان يعمل بوظيفته، وذلك يستلزم المغالبة والمسابقة قهرا إلى اتيان ما وجب عليه فهذه تمتنع عن التمكين للزوج وذلك يحملها على التمكين ليواقعها لان كلا من الواجبين مشروط بالقدرة شرعا وأي منهما كان اقوى يعمل بوظيفته ولا موجب لتقديم حلف الزوجة على حلف الزوج ولا العكس بل عليهما ان يتسابقا إلى اتيان ما وجب عليهما نظير المتيممين الواجدين للماء (1) في هذه المسألة أمور: الاول: لو نذر الحج من مكان معين كبلده أو بلد آخر عينه

[ 388 ]

فحج من غير ذلك المكان لم تبرأ ذمته ولا يجزي عن المنذور ووجب عليه الحج ثانيا من ذلك المكان المعين وفاءا لنذره، كما إذا نذر ان يصلي ركعتين في مسجد خاص أو في الحرم الشريف فصلى في مكان آخر فانه لا تجزي عن الامر الناشئ من النذر بل لابد من الصلاة في الحرم الشريف أو في المسجد المعين، نظير ما لو نذر ان يعطي درهما لزيد فاعطاه لعمرو ونحو ذلك، فان الامر الناشئ من النذر اوجب عليه الاتيان بحصة خاصة وفرد خاص من الطبيعة فلا يجزي عنه اتيان الطبيعة في ضمن فرد آخر لم يتعلق به النذر، ولا يتحقق الامتثال بالنسبة إلى الامر النذري إلا باتيان متعلقه. الثاني: لو عينه في سنة خاصة من مكان خاص فحج في تلك السنة من غير ذلك المكان لا يجب عليه الحج ثانيا لعدم امكان التدارك لان المفروض انه قيد الحج بسنة خاصة ولم يكن مطلقا حتى يمكن التدارك باتيانه في سنة اخرى. نعم يجب عليه الكفارة فقط لانه خالف نذره. والحاصل: لو كان نذره مطلقا وغير مقيد بزمان خاص فخالف واتى به من غير ذلك المكان المعين المنذور يجب عليه الحج ثانيا لانه لم يمتثل الامر النذري المتعلق بحصة خاصة من الطبيعة وليس عليه الكفارة وان كان الحج مقيدا بزمان خاص من مكان خاص فخالف واتى بالحج من غير ذلك المكان يسقط وجوب الحج ثانيا لعدم امكان تداركه لانه كان مقيدا بسنة خاصة وقد فوت على نفسه، وانما يجب عليه الكفارة فقط لانه حنث باتيان الحج من غير ذاك المكان المعين هذا كله إذا كان النذر واحدا. الثالث: ما إذا كان النذر متعددا احدهما تعلق بالحج مطلقا من

[ 389 ]

غير تقييد بمكان والاخر تعلق بالاتيان به من مكان خاص وخالف فحج من غير ذلك المكان ذكر في المتن انه تبرأ ذمته من النذر الاول لانه تعلق بطبيعي الحج وقد تحقق، غاية الامر قيده بنذر ثاني ووجوب آخر بايجاده في ضمن حصة خاصة فمتعلق نذر كل منهما يغاير الآخر وقد حصل الامتثال بالنسبة إلى النذر الاول وأما بالنسبة إلى النذر الثاني فقد خالفه ويجب عليه الكفارة وهكذا لو نذر ان يأتي بحج الاسلام من بلد كذا فخالف وحج من غير ذلك البلد فانه يجزيه عن حجة الاسلام ولكن يجب عليه الكفارة لخلف النذر. اقول: يقع الكلام في جهتين: الاولى: في صحة النذر الثاني وعدمها. لاريب في صحة النذر إذا كان متعلقه امرا راجحا كما إذا نذر ان يصلي في المسجد أو في الحرم الشريف أو يأتي بها جماعة ونحو ذلك من العناوين الراجحة فان الامر الاول تعلق باصل الطبيعة المطلقة والثاني تعلق بايقاعها في ضمن فرد راجح فلو اتى بالطبيعة في ضمن غير ذلك الفرد امتثل بالنسبة إلى الامر الاول لانه لم يكن مقيدا وانما تعلق بالطبيعي الجامع بين الصلاة جماعة وفرادى وأما بالنسبة إلى الامر الثاني فقد خالف ووجب عليه الكفارة وأما إذا لم يكن متعلقه راجحا كما إذا لم يكن للمكان المنذور رجحان فلا ينعقد كما هو كذلك في المقام لان اتيان الحج من بلده أو من بلد خاص لارجحان فيه شرعا فلا ينعقد النذر بالنسبة إليه. نعم لا يبعد صحته فيما إذا تعلق بالخروج مع القافلة الاولى للرجحان فيه لاحتمال عدم الوصول إلى الحج لو اخر السفر إلى القوافل اللاحقة. والحاصل: لو تعلق النذر بحصة خاصة لابد من ثبوت الرجحان في تلك الحصة وإلا فلا ينعقد كما إذا نذر ان يصلى صلاته اليومية في غرفة

[ 390 ]

خاصة من داره لعدم رجحان في ذلك، نعم لو تعلق النذر بنفس الخاص ينعقد لثبوت الرجحان في اصل الفرد الخاص كما إذا نذر ان يصلي ركعتين في هذه الغرفة المعينة. وبالجملة: ما ذكره المصنف من انعقاد النذر الثاني على اطلاقه غير تام بل لابد من التفصيل بين ما كان متعلقه راجحا وعدمه. الجهة الثانية: قد عرفت انه لو نذر اولا ان يحج من غير تقييد بمكان ثم نذر ثانيا ان يكون ذلك من مكان خاص فحج من غير ذلك المكان صح حجه وبرأ من النذر الاول لامتثاله ووفائه له لان المفروض كان متعلقه مطلقا ولم يكن مقيدا بمكان خاص وأما بالنبسة إلى النذر الثاني فقد خالفه ويجب عليه الكفارة. وقد يقال: ببطلان العمل الصادر منه بدعوى ان النذر في المقام في الحقيقة يرجع إلى ان لا يحج إلا من بلد كذا وقوله (لله علي ان أحج حج الاسلام من بلد كذا) يرجع إلى قوله (لله علي ان لا احج إلا من بلد كذا)، أو لا يصلي في أي مكان إلا في المسجد أولا يصلي إلا جماعة فإذا حج من غير ذلك البلد أو صلى في غير ذلك المسجد أو صلى فرادى يقع الفعل الصادر منه مبغوضا لانه موجب لتفويت المنذور ولا يمكن تداركه، وإذا وقع مبغوضا يقع فاسدا إذ لا يمكن ان يكون الحرام مصداقا للواجب فيبقى النذر بحاله. والحاصل: لو حج من غير البلد المعين فقد فوت الموضوع وعجز نفسه عن اداء المنذور وهذا التعجيز حرام والحرام لا يكون مصداقا للواجب فلا يمكن القول بصحة الحج من غير ذلك البلد فيجب عليه الاتيان بالمنذور بعد ذلك ولا تجب عليه الكفارة لانها انما تجب بترك المنذور لا بتفويته.

[ 391 ]

وفيه: ان النذر في المقام يتعلق بايقاع الطبيعة في ضمن هذا الفرد الخاص وأما عدم ايقاعها في ضمن فرد آخر فهو من باب الملازمة بين وجود احد الضدين وعدم الضد الآخر لا من جهة تعلق النذر بذلك وإلا لا ينعقد النذر من اصله لان ترك الصلاة في غير المسجد أو ترك الحج من بلد كذا لا رجحان فيه، كما لارجحان بخصوصه لا بتداء الحج من بلد خاص. وأما ما ذكر من التعجيز وتفويت الموضوع عن اداء المنذور باتيان هذا الفرد والحج من غير البلد المعين المنذور فليس إلا من جهة المضادة بين المنذور وغيره، وعدم امكان الجمع بين الضدين وليس ذلك من التعجيز بشئ، بل ذلك لاجل ملازمة خارجية بين الضدين فان وجود كل ضد ملازم لعدم الضد الآخر. هذا مضافا إلى ان التعجيز لا يعقل ان يكون محكوما بالحرمة لانه يستلزم من وجوده عدمه، وذلك لان التعجيز انما يتحقق إذا كان المأتي به صحيحا إذ لو كان باطلا وفاسدا لا تعجيز ولو كان صحيحا سقط الامر، فالتعجيز متوقف على صحة المأتي به وإذا كان صحيحا لا يمكن ان يكون المعجز محرما بعنوان التعجيز. والحاصل في المقام امران: احدهما تعلق النذر بمطلق الطبيعة والثاني تعلقه باتيان الطبيعة في ضمن فرد خاص، فلو فرضنا انه اتى بمتعلق النذر الاول فان كان فاسدا لا يكون معجزا، وان كان صحيحا ومسقطا للامر لا يكون مبغوضا ومحرما، فالتعجيز يتوقف على الصحة والصحة تستلزم سقوط الامر وعدم كونه مبغوضا وما يستلزم من وجوده عدمه محال. والحل ما ذكرناه من ان الحج من البلد المعين المنذور والحج من غير هذا البلد من قبيل الضدين ولا يستلزم وجوب

[ 392 ]

[ (مسألة 8): إذا نذر ان يحج ولم يقيده بزمان فالظاهر جواز التأخير إلى ظن الموت أو الفوت، فلا يجب عليه المبادرة الا إذا كان هناك انصراف فلو مات قبل الاتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصيا، والقول بعصيانه مع تمكنه في بعض تلك الازمنة وان جاز التأخير لا وجه له. وإذا قيده بسنة معينة لم يجز التأخير مع فرض تمكنه في تلك السنة، فلو اخر عصى وعليه القضاء والكفارة وإذا مات وجب قضائه عنه، كما ان في صورة الاطلاق إذا مات بعد تمكنه منه قبل اتيانه وجب القضاء عنه، والقول بعدم وجوبه بدعوى ان القضاء بفرض جديد، ضعيف لما يأتي، وهل الواجب القضاء من اصل التركة أو من الثلث، قولان، فذهب جماعة إلى القول بانه من الاصل لان الحج واجب مالي واجماعهم قائم على ان الواجبات المالية تخرج من الاصل، وربما يورد عليه بمنع كونه واجبا ماليا وانما هو افعال مخصوصة بدنية وان كان قد يحتاج إلى بذل المال في مقدماته كما ان الصلاة أيضا قد تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء والساتر والمكان ونحو ذلك، وفيه ان الحج في الغالب محتاج ] احدهما حرمة الآخر وانما هو من باب الملازمة الخارجية.

[ 393 ]

[ إلى بذل المال بخلاف الصلاة وسائر العبادات البدنية، فان كان هناك اجماع أو غيره على ان الواجبات المالية من الاصل يشمل الحج قطعا، واجاب صاحب الجواهر - ره - بان المناط في الخروج من الاصل كون الواجب دينا والحج كذلك فليس تكليفا صرفا كما في الصلاة والصوم، بل للامر به جهة وضعية فوجوبه على نحو الدينية بخلاف سائر العبادات البدنية فلذا يخرج من الاصل، كما يشير إليه بعض الاخبار الناطقة بانه دين أو بمنزلة الدين، قلت: التحقيق ان جميع الواجبات الالهية ديون لله تعالى سواء كانت مالا أو عملا ماليا أو عملا غير مالي، فالصلاة والصوم أيضا ديون لله ولهما جهة وضع فذمة المكلف مشغولة بهما، ولذا يجب قضائهما فان القاضي يفرغ ذمة نفسه أو ذمة الميت، وليس القضاء من باب التوبة أو من باب الكفارة، بل هو اتيان لما كانت الذمة مشغولة به ولا فرق بين كون الاشغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قوله (لله علي ان اعطي زيدا درهما) دين الهي لا خلقي، فلا يكون الناذر مديونا لزيد بل هو مديون لله بدفع الدرهم لزيد ولا فرق بينه وبين ان يقول (لله علي ان احج) أو (ان اصلي ركعتين) فالكل دين الله ودين الله احق ان يقضى - كما ]

[ 394 ]

[ في بعض الاخبار - ولازم هذا كون الجميع من الاصل نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمة به بعد فوته لا يجب قضائه لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه ولا بعد موته سواء كان مالا أو عملا مثل وجوب اعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة، فانه لو لم يعطه حتى مات لا يجب عليه ولا على وارثه القضاء لان الواجب انما هو حفظ النفس المحترمة وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته، وكما في نفقة الارحام فانه لو ترك الانفاق عليهم مع تمكنه لا يصير دينا عليه لان الواجب سد الخلة وإذا فات لا يتدارك فتحصل ان مقتضى القاعدة في الحج النذري إذا تمكن وترك حتى مات، وجوب قضائه من الاصل لانه دين إلهي، إلا ان يقال بانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات، وهو محل منع، بل دين الله احق ان يقضى، واما الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث فاستدلوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالتين على ان من نذر الاحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه، وإذا كان نذر الاحجاج كذلك مع كونه ماليا قطعا فنذر الحج بنفسه اولى بعدم الخروج من الاصل. وفيه ان الاصحاب لم يعملوا بهذين الخبرين في موردهما فكيف يعمل ]

[ 395 ]

[ بهما في غيره. وأما الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناءا على خروج المنجزات من الثلث، فلا وجه له بعد كون الاقوى خروجها من الاصل، وربما يجاب عنها بالحمل على صورة عدم اجراء الصيغة، أو على صورة عدم التمكن من الوفاء حتى مات، وفيهما ما لا يخفى خصوصا الاول (1) ] (1) ذكر - قده - انه لو نذر الحج ولم يقيده بزمان فله التأخير إلا إذا ظن الموت أو الفوت، فما لم يظن الموت أو الفوت لا يجب عليه المبادرة إلا إذا كان هناك انصراف إلى الفورية، فلو مات في صورة جواز التأخير لا يكون عاصيا لعدم كون التكليف منجزا عليه والعصيان انما يتحقق فيما إذا كان التكليف منجزا، فان القول بجواز التأخير له وعصيانه لا يجتمعان لان العصيان يدور مدار التنجيز لا الترك الواقعي، اقول: ما ذكروه من عدم دلالة الامر على وجوب المبادرة صحيح لما حقق في الاصول من ان الامر انما يدل على ايجاد الطبيعة من دون دلالته على الفور أو التراخي إلا ان الفقهاء - ره - قيدوا جواز التأخير في المقام بظن الموت أو الفوت أي: إذا ظن الموت أو الفوت لا يجوز له التأخير وانما يجوز له التأخير فيما إذا لم يظن الموت أو الفوت فان ظن الموت أو الفوت يجب عليه المبادرة ان تمكن من اتيان ما وجب عليه من الواجبات وإلا فيوصي بذلك سواء كان من الواجبات العبادية ام غيرها كالديون.. هذا ولكن لا دليل على اعتبار الظن في المقام وعليه لو قلنا بجواز

[ 396 ]

التأخير يجوز له التأخير مطلقا وان ظن الموت أو الفوت. ولكن الظاهر عدم جواز التأخير إلا مع الاطمينان باتيان الواجب في آخر الوقت أو يكون التأخير مستندا إلى العذر لا لدلالة الامر على الفور لما عرفت من عدم دلالته إلا على ايجاد الطبيعة، بل لان مقتضى حكم العقل - بعد اشتغال ذمة العبد بالواجب - افراغ ذمته عما وجب عليه وخلاص نفسه عن تكليف المولى فان التكليف إذا وصل وتنجز عليه ليس له التأخير عن ادائه ما لم يكن هناك مؤمن من العذر في التأخير أو حصول الاطمينان له بالوفاء في آخر الوقت، وان لم يحصل احد الامرين فليس له التأخير بعد حكم العقل بلزوم تفريغ الذمة وتسليم ما عليه إلى المولى، فلا يجوز له التأخير إلى ظن الموت كما لا يجب عليه المبادرة إذا حصل له الاطمينان بالوفاء. ومما ذكرنا يظهر الفرق بين القول بالفورية وبين المختار فانه على الاول يجب عليه الاتيان فورا وان حصل له الاطمينان باتيان الواجب في آخر الوقت لدلالة الامر على الفور. وأما على ما ذكرنا فلا يجب عليه المبادرة إذا حصل له الاطمينان بالاتيان، كما انه ظهر الفرق بيننا وبين القائلين بجواز التأخير فانهم جوزوا التأخير في صورة الشك وعدم الاطمينان بالاتيان ولكنا لم نجوز التأخير في هذه الصورة وانما نجوزه في صورة الاطمينان. وبالجملة: لابد من احراز الخروج عن عهدة التكليف من حصول المؤمن اما بالقطع أو الاطمينان العقلائي أو قيام طريق شرعي كالبينة أو كان معذورا في التأخير، فلو كان شاكا في امكان الامتثال لا يجوز له التأخر وان لم يظن الموت، فالقول بجواز التأخير إلى ظن الموت على اطلاقه لا وجه له.

[ 397 ]

وربما يقال: بقيام طريق معتبر على امكان الامتثال في آخر الوقت وهو استصحاب حياته أو قدرته إلى آخر الوقت فلا يكون عاصيا إذا مات لقيام الطريق في المقام واستناد التأخير إلى العذر. وفيه لو صح ذلك لصح اجراء الاستصحاب حتى مع الظن بالموت فلا وجه لتقييد جواز التأخير بظن الموت. على ان الاستصحاب مثبت لان الواجب على المكلف حسب حكم العقل كما عرفت هو احراز الخروج عن عهد ة التكليف والاستصحاب لا يحقق الا متثال واحرازه فيما بعد بل هو لازم عقلي لبقاء الحياة والقدرة والحاصل: لا يجوز له التأخير مع الشك بل ولا مع الظن بالاتيان وانما يجوز له التأخير عند قيام طريق معتبر على امكان الاتيان كالبينة والاطمينان ونحو ذلك من الطريق المعتبرة والجامع حصول المؤمن له. وأما ثبوت القضاء فقد ذكر في المتن انه إذا قيد المنذور بسنة معينة لم يجز له التأخير فلو اخر عصى وعليه القضاء والكفارة، وإذا مات وجب قضائه عنه، كما انه في صورة الاطلاق إذا مات وجب القضاء عنه. اقول: اما ثبوت الكفارة فلا ريب فيه لثبوتها عند المخالفة والحنث، واما ثبوت القضاء على نفسه أو على وليه بعد موته فيما إذا كان المنذور مقيدا بزمان خاص أو مطلقا ففيه كلام. نعم وجوب القضاء على نفسه فيما إذا كان المنذور صوم يوم معين منصوص بالخصوص (1) انما الكلام في غير الصوم كنذر الحج أو نذر صلاة الليل وغير ذلك من العبادات فهل يجب عليه القضاء لو ترك المنذور الموقت ام فيه تفصيل بحسب الموارد، اختار المصنف - ره - وجوب القضاء على نفسه وعلى وليه بعد موته. وهل الواجب القضاء


(1) الوسائل: باب 10 أبواب النذر ح 1.

[ 398 ]

من اصل التركة أو من الثلث؟ قولان: إختار الاول واستدل على اصل القضاء وعلى انه من اصل التركة، بما حاصله: ان جميع الواجبات الالهية ديون لله تعالى سواء كانت مالا أو عملا ماليا أو عملا غير مالي، فالصلاة والصوم والحج والنذر ديون لله ولها جهة وضع توجب اشتغال الذمة بها، وليست احكاما تكليفية صرفة فذمة المكلف مشغولة بها كالديون المالية، وما دام لم يمنثل التكليف لم يسقط الدين ووجب ادائه بنفسه أو بالاتيان عنه فوجوب القضاء من باب تفريغ الذمة وليس من باب التوبة أو من باب الكفارة بل هو تفريغ لنفس الواجب الثابت في الذمة، والذمة مشغولة بذلك التكليف إلى ان يؤتي بالواجب سواء بنفسه أو بعد موته بالاستيجار أو بالتبرع عنه، وليس الواجب مجرد تكليف محض بحيث لا يقبل بقاء شغل الذمة به بعد فوته نظير نفقة الاقارب فانه لو ترك الانفاق عليهم - مع تمكنه - لا يصير دينا عليه لان الواجب سد الخلة وإذا فات لا يتدارك فالحج النذري دين الهي، ومقتضى القاعدة في الدين هو القضاء من اصل المال، وقد اطلق الدين على الواجبات الالهية في الروايات، وان دين الله احق ان يقضى كما في رواية الخثعمية المعروفة (1) وانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات محل منع. ويرد عليه: ان رواية الخثعمية ضعيفة سندا ودلالة وقد تقدمت في بعض المسائل السابقة (2) واطلاق الدين على الوجبات الالهية ليس على نحو الحقيقة حتى يشمله الآية الكريمة (من بعد وصية يوصى بها


(1) المستدرك: باب 18 من أبواب وجوب الحج. (2) مسألة 83 من وجوب الحج.

[ 399 ]

أو دين) (1) فان الاطلاق والاستعمال اعم من الحقيقة والمجاز، فالخروج من اصل التركة لا يمكن اثباته. وأما وجوب اصل القضاء فيتوقف على اشتغال الذمة، والكلام في تحقق الصغرى، فان ثبت اشتغال الذمة بذلك بدليل معتبر كما ورد في الصوم والصلاة والحج لابد من التفريغ اما بنفسه أو بالاستيجار عنه بعد موته أو بالتبرع عنه. والحاصل: متى ثبت اشتغال الذمة يجب التفريغ عنه باتيانه بنفسه أو بالاتيان عنه ولو من الاجنبي. وأما إذا لم يثبت الاشتغال كما في المقام اعني الواجبات النذرية فلا دليل على وجوب القضاء لعدم ثبوت اشتغال الذمة على نحو الديون وبعض الواجبات المنصوصة، وليس القضاء نفس العمل الواجب سابقا حتى يقال بعدم الحاجة يقال بعدم الحاجة إلى امر جديد، بل العمل الواجب سابقا قد فات، وهذا العمل الواقع في خارج الوقت عمل آخر مغاير له حقيقة وانما هو مشابه له صورة، ولو كان واجبا لكان بدليل مستقل غير الدليل الاول، فوجوب الحج المنذور بسنة خاصة في غير ذلك الزمان يحتاج إلى دليل مستقل آخر وكذلك وجوب الصلاة المقيدة بوقت خاص في غير ذلك الوقت يحتاج إلى الدليل. وبالجملة إذا خرج الوقت فقد فات الواجب فكيف يمكن ان يقال باشتغال الذمة بذلك بمجرد الوجوب الاول: بل لابد في وجوبه في الوقت الثاني من دليل آخر. فتحصل من جميع ما ذكرنا: ان الواجبات الالهية ليست حالها حال الدين، فإذا مات المكلف يقضى عنه من الثلث ان اوصى به وإلا فلا نعم الحج يقضى من اصل التركة سواء اوصى به ام لا للنص وقد


(1) سورة النساء الآية 11.

[ 400 ]

ذكرنا تفصيل هذا البحث في قضاء الصلاة. الحاصل: ان الاقول في المسألة ثلاثة: الاول: ما اختاره المصنف - ره - من وجوب القضاء في مطلق الواجبات سواء كانت متعلقة للنذر ام لا، وسواء كان المنذور الحج ام غيره. الثاني: ما ذهب إليه بعضهم، من التفصيل من وجوب القضاء في متعلق النذر سواء كان الحج أم غيره وأما إذا لم يكن الواجب متعلقا للنذر فلا يجب القضاء. الثالث: ما ذهب إليه الشيخ صاحب الجواهر - قده - من التفصيل بين نذر الحج وغيره، وان المنذور لو كان الحج يجب القضاء ولو كان غيره لا يجب، فالقضاء ثابت في نذر الحج سواء كان نذر الحج مطلقا أو مقيدا بسنة خاصة. ولا يخفي: انه لم يرد أي نص في المقام يدل على وجوب القضاء بالنسبة إلى الناذر ولا بالنسبة إلى وليه حال موت الناذر، فلابد من البحث على ما يقتضيه القاعدة. فنقول: اما ما اختاره المصنف - ره - فقد عرفت انه مبني على ان جميع الواجبات الالهية ديون لله تعالى ولها جهة وضع، وذمة المكلف مشغولة بها، ولا يسقط ما في ذمته إلا بتفريغ الذمة وتسليم العمل إلى المولى اما بالاتيان بنفسه أو بالقضاء عنه نظير الديون الشخصية للناس. وفيه: ما تقدم ان ما ذكره من حيث الكبرى مسلم، فان الايجاب والتكليف يقتضيان اشتغال ذمة المكلف، بل ذكرنا في الاصول ان الوجوب ليس إلا اعتبار شئ على ذمة المكلف وابرازه بمبرز كما هو الحال في ساير الاعتبارات الملزمة إلا ان الكلام في الصغرى اعني بقاء

[ 401 ]

اشتغال الذمة بعد الوقت، وان الاعتبار بعد الوقت موجود ام لا، ومجرد حدوث الاعتبار والتكليف في الوقت لا يكفي لبقاء ذلك بعد الوقت فان الحدوث بدليل والبقاء بدليل آخر، فان البقاء أيضا يحتاج إلى دليل مستقل كالحدوث، والدليل الاول الدال على اتيانه في الوقت والاشتغال به لا يتكفل اتيانه والاشتغال به خارج الوقت بل لابد من امر جديد. وبالجملة: لادليل على وجوب القضاء على نفسه فضلا على وليه من تركته لان القضاء بامر جديد ولا دليل عليه في الموردين، وأما اطلاق الدين على بعض الواجبات لا يجعل الواجب دينا حقيقيا وانما هو من باب الاستعمال وهو اعم من الحقيقة والمجاز. وأما القول الثاني: فقد ادعى ان النذر بخصوصه يوجب كون المنذور دينا على الناذر لان مفاد صيغة النذر جعل المنذور لله تعالى وتمليكه اياه ولا فرق بين ان يقول (لزيد علي درهم) لله علي كذا) فان هذه الصيغة توجب كون متعلقها دينا ثابتا في الذمة فيجري عليه احكام الدين، كما هو الحال في خصوص الحج الواجب بالاصل من معاملة الدين الحقيقي معه. وفيه: ان النذر لا يدل إلا على التزام لمكلف بالمنذور وقوله (لله علي) معناه: انه التزم على نفسي بكذا لله تعالى، وهذا لا يوجب اطلاق الدين عليه إلا على سبيل التجوز، فالدين المتعارف الحقيقي غير ثابت وهو غير مقصود للناذر لان مقصوده حسب مفاد الصيغة ليس إلا التزامه بذلك الشئ المنذور، لا ملكية الشئ المنذور لله تعالى، بل لا يمكن التميلك المتعارف بالنسبة إلى الله تعالى، فان الملكية الاعتبارية لا معنى لها بالنسبة إليه سبحانه إلا بمعنى التكليف والالزام والايجاب وجوب الوفاء بالشئ بمعنى لزوم انهائه ونحو ذلك، وإلا فالملكية

[ 402 ]

الاعتبارية الثابتة للاشياء الخارجية غير ثابتة لله تعالى، وانما هو مالك الملوك والاكوان، وجميع الامور طرا بيده وتحت سلطانه وقدرته ومشيته من دون اعتبار أي جاعل، وملكه تعالى وسلطانه ليس بالاعتبار فان احاطته احاطة وجودية، لارتباط جميع الموجودات بنفس ذواتها به بنفسه وجودها فهي ثابتة له بذواتها من دون حاجة إلى اعتبار ثبوتها له، وهي محاطة له تعالى بنفس وجودها الارتباطي به ومقهورة تحت قهره وسلطانه، والاعتبار في مورد الثبوت الحقيقي لغو واضح. وبالجملة: النذر بل كل واجب لا يوجب إلا الالتزام باتيان متعلقه ولزوم ادائه في الخارج، وأما كون متعلقه دينا حقيقيا ثابتا في الذمة يجب تفريغها عنه في الوقت أو خارجه، فغير ثابت. نعم ورد القضاء في خصوص الصوم المنذور المقيد بيوم خاص إذا صادف يوم العيد أو ايام مرضه أو سفره، كما في صحيح ابن مهزيار (1) ولو لا النص لكان النذر باطلا، لعدم الرجحان في متعلقه حين العمل والرواية على خلاف القاعدة ويجب الاقتصار على موردها. ولا يمكن التعدي عنه إلى ساير الموارد. وأما ما ذكره في الجواهر: من الفرق بين نذر الحج وبين تعلق النذر بغيره بوجوب القضاء في الاول دون الثاني، بدعوى: ان الحج يمتاز عن ساير الواجبات الالهية، لان المستفاد من النصوص ان الحج سبيله سبيل الدين أو هو بمنزلته، فوجوبه على نحو الدينية بخلاف ساير العبادات البدنية، فلابد من القضاء اما بنفسه أو يقضي عنه وليه بعد موته من اصل المال. ففيه: انا لا نرى فرقا بين الامرين، إلا ما قيل من ان الحج


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب النذر ح 1.

[ 403 ]

واجب مالي واجماعهم قائم على خروج الواجبات المالية من الاصل بخلاف الواجبات كالصلاة والصوم ونحوهما من الواجبات البدنية ولكن من الواضح ان الحج أيضا ليس بواجب مالى وانما المال يصرف في مقدماته، وإلا فافعال الحج كالطواف والسعي والوقوف ليست بواجبات مالية إلا الهدي فانه واجب مالي. وبالجملة: حال الحج كساير الواجبات الالهية البدنية، والواجب المالي ما وجب فيه صرف المال اولا وبنفسه كالديون، ومجرد صرف المال في تحصيل الواجب وصرفه في المقدمات لا يجعل الواجب واجبا ماليا. على انه لو كان الحج واجبا ماليا، فلا بد من التفصيل بين الحج وغيره من الواجبات لا التفصيل بين نذر الحج ونذر غير الحج إذا لا خصوصية للنذر حينئذ، بل لو كان الحج في ضمن عقد لازم مثلا أوصار واجبا بسبب آخر غير النذر، يلزم خروجه من اصل المال، لامتياز الحج عن سائر الواجبات، مع انه لم يلتزم احد من الفقهاء بذلك ولم يتعرضوا لذلك اصلا. وأما بحسب الروايات فقد ورد تنزيل الحج منزلة الدين في موردين: أحدهما: حجة الاسلام، فان النصوص دلت على انها دين أو بمنزلته، بل المستفاد منها تقديم حج الاسلام على الديون الشخصية، وهذا مما لا كلام فيه (1). ثانيهما: نذر احجاج الغير لا نذر الحج عن نفسه، كما في صحيحة ضريس قال: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجة الاسلام نذر نذرا في شكر ليحجن به رجلا إلى مكة فمات الذي نذر قبل ان يحج حجة الاسلام، ومن قبل ان يفي بنذره الذي نذر،


(1) الوسائل: باب 25 وجوب الحج.

[ 404 ]

قال: ان ترك مالا يحج عنه ججة السلام من جميع المال واخرج من ثلثه ما يحج به رجلا لنذره وقد وفى بالنذر، وان لم يكن ترك مالا إلا بقدر ما يحج به حجة الاسلام حج عنه بما ترك، ويحج عنه وليه حجة النذر، انما هو مثل دين عليه) (1). والظاهر ان اطلاق لفظ الدين على نذر احجاج الغير انما هو بلحاظ تشبيهه بالدين من حيث قيام الولي بذلك، يعنى: كما ان ولي الميت له التصدي لاداء ديونه كذلك له ان يقوم بالحج عنه في مورد نذر الاحجاج إذا لم يتمكن هو من ذلك، ولو كان دينا حقيقيا لزم خروجه من الاصل لا من الثلث. وبالجملة: لم يطلق الدين على مطلق الحج إلا على هذين الموردين فحال الحج حال سائر الواجبات، فلا فرق بين الحج وغيره، والقضاء غير ثابت على نفسه فضلا على الولي بعد موته. ثم انه ذهب جماعة، إلى وجوب القضاء من الثلث، واستدلوا، بصحيحة ضريس المتقدمة وصحيحة ابن أبي يعفور (2) الدالتين على ان من نذر الاحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه، ولو كان نذر الاحجاج كذلك مع كونه ماليا محضا فنذر الحج بنفسه اولى بعدم الخروج من الاصل، وفيه: اولا ان الاصحاب اعرضوا عن هذين الخبرين، ولم يفت احد بالحكم المذكور من موردهما، فحينئذ ان قلنا بعدم وجوب القضاء اصلا كما هو المختار فلا كلام، ولو قيل بالقضاء فلا بد من الخروج من الاصل، لانه واجب مالي، وحاله حال ساير الديون، كما اختاره جماعة اخرى.


(1) الوسائل: باب 29 وجوب الحج ح 1. (2) الوسائل: باب 29 وجوب الحج ح 1 و 3.

[ 405 ]

وثانيا: لو لم نقل بسقوط الخبر المعتبر عن الحجية بالاعراض كما هو الصحيح عندنا، نلتزم بالخروج من الثلث في خصوص مورد الخبرين، وهو نذر الاحجاج، ولا وجه للتعدي من مورد هما إلى الحج المنذور بنفسه، والاولوية المدعاة ممنوعة، لان الحج المنذور النفسي يمتاز عن سائر الواجبات لكونه واجبا ماليا وحاله حال الدين في الخروج من الاصل، وأما نذر الاحجاج فهو مجرد تسبيب إلى العمل وإلى اتيان افعال الحج، ولا يصح اطلاق الدين عليه في نفسه. ودعو ى: ان الا حجاج واجب مالي محض، واضحة الدفع، لامكان احجاج الغير بدون بذل المال له اصلا، كما إذا التمس من احد ان يحج أو يلتمس من شخص آخر ان يحج الغير ونحو ذلك من التسبيبات إلى حج الغير من دون بذل المال. وبالجملة: لو كنا نحن والقاعدة لقلنا بعدم وجوب قضاء نذر الاحجاج لا من الاصل ولا من الثلث، كساير الواجبات المنذورة التي لا يجب قضائها لا من الاصل ولا من الثلث، والحكم المذكور في الخبرين حكم على خلاف القاعدة، ويقتصر على موردهما، والاولوية المذكورة ممنوعة كما عرفت، لان الحج النذري يمتاز عن ساير الواجبات فانه كالدين فيخرج من الاصل، ولا يقاس بنذر الاحجاج الذي يمكن عدم صرف المال فيه اصلا، فالتعدي بلا موجب. والحاصل: لو كان الميزان في الواجب بالمالية فنذر الحج النفسي اولى في كونه ماليا ودينا من نذر الاحجاج الذي يمكن ان يؤتى به من دون صرف المال فيه اصلا، فيدور الامر بين القولين المتقدمين من خروج الحج النذري النفسي من الاصل، ومن عدم وجوب القضاء اصلا لامن الاصل ولا من الثلث كما هو المختار عندنا.

[ 406 ]

[ (مسألة 9): إذا نذر الحج مطلقا أو مقيدا بسنة معينة ولم يتمكن من الاتيان به حتى مات لم يجب القضاء عنه، لعدم وجوب الاداء عليه حتى يجب القضاء عنه (1)، فيكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره. (مسألة 10): إذا نذر الحج معلقا على امر كشفاء مريضه أو مجئ مسافره فمات قبل حصول المعلق عليه هل يجب ] ثم انه قد اجاب بعضهم عن الخبرين، بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناءا على خروج المنجزات من الثلث وفيه: ان هذا تقيد لا موجب له على ان الاقوى خروج المنجزات من الاصل. وربما يحملان على النذر بدون اجراء الصيغة، أو على صورة عدم التمكن من الوفاء حتى مات. وفيه: مضافا إلى ان ذلك تقييد لا موجب له، انه على ذلك لا يجب الخروج لا من الاصل ولا من الثلث لفرض البطلان فينحصر الجواب اما: بسقوطهما عن الحجية بالاعراض كما التزم به المشهور، أو بالعمل بهما في خصوص موردهما وهو نذر الاحجاج لعدم العبرة بالاعراض كما هو الصحيح عندنا. (1) فان القضاء فرع ثبوت الاداء، فإذا لم يجب الاداء لعدم القدرة في وقته لا يجب القضاء، والنذر ليس إلا التزام نفساني لله تعالى في الامور المقدورة فالالتزام بنفسه يقتضي ذلك مع قطع النظر عن اشتراط التكاليف بالقدرة.

[ 407 ]

[ القضاء عنه ام لا (1). المسألة مبنية على ان التعليق من باب الشرط أو من قبيل الوجوب المعلق، فعلى الاول لا يجب لعدم الوجوب عليه بعد فرض موته قبل حصول الشرط وان كان متمكنا من حيث المال وسائر الشرائط، وعلى الثاني يمكن ان يقال بالوجوب لكشف حصول الشرط عن كونه واجبا عليه من الاول، الا ان يكون نذره منصرفا إلى بقاء حياته حين حصول الشرط. ] (1) قد ذكرنا في الاصول ان الواجب المشروط يفترق عن الواجب المعلق بعدم فعلية الوجوب قبل حصول الشرط في الواجب المشروط، بخلاف الواجب المعلق فان الوجوب فيه فعلي قبل حصول المعلق عليه ولكن الواجب استقبالي، كما في وجوب الصوم من الليل، فان قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (1). يدل على وجوب الصوم بمشاهدة الهلال وحلول الشهر وان كان زمان الواجب النهار الآتي، فالواجب المشروط يمتاز عن الواجب المعلق من هذه الجهة، وأما من حيث اشتراط الوجوب في كلا الواجبين بالقدرة في ظرف العمل فمما لا كلام فيه، وبالموت ينكشف عدم الوجوب، إذ لا معنى للوجوب الفعلي مع عدم القدرة على الواجب في ظرف العمل، فان التكليف بغير المقدور غير ممكن سواء كان من الآن أو فيما بعد، والمفروض في المقام عدم القدرة على الواجب في ظرفه لحصول الموت فلا معنى لجعل الوجوب عليه حتى على نحو التعليق فلا يجب القضاء جزما.


(1) البقرة: 185.

[ 408 ]

[ (مسألة 11): إذا نذر الحج وهو متمكن منه فاستقر عليه ثم صار معضوبا لمرض أو نحوه أو مصدودا بعدو أو نحوه، فالظاهر وجوب استنابته حال حياته لما مر من الاخبار سابقا في وجوبها، ودعوى اختصاصها بحجة الاسلام، ممنوعة - كما مر سابقا - وإذا مات وجب القضاء عنه وإذا صار معضوبا أو مصدودا قبل تمكنه واستقرار الحج عليه أو نذر وهو معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكنه من حيث المال ففي وجوب الاستنابة وعدمه حال حياته ووجوب القضاء عنه بعد موته قولان، اقواهما العدم وان قلنا بالوجوب بالنسبة إلى حجة الاسلام إلا ان يكون قصده من قوله (لله علي أن أحج) الاستنابة (1). ] (1) ذكر في هذه المسألة فرعين: الاول: إذا نذر الحج وهو متمكن منه فاستقر عليه ثم عرض له عارض ومانع عن اتيانه كالمرض ونحوه، حكم (قده) بوجوب استنابته حال حياته، كما هو الحال في حجة الاسلام من وجوب الاستنابة حال الحياة إذا استقر عليه الحج وتمكن منه مالا ولكن لا يتمكن من الاتيان به لمرض أو هرم ونحوهما من الموانع، لاطلاق الاخبار المتقدمة الآمرة (1) بالاستنابة وعدم اختصاصها بحجة الاسلام


(1) الوسائل: باب 24 وجوب الحج.

[ 409 ]

[ (مسألة 12): لو نذر ان يحج رجلا في سنة معينة فخالف مع تمكنه وجب عليه القضاء والكفارة، وان مات قبل اتيانهما يقضيان من اصل التركة لانهما واجبان ماليان بلا اشكال، والصحيحتان المشار اليهما سابقا الدالتان على الخروج من الثلث ] وإذا مات ولم يستنب وجب القضاء عنه من تركته. وفيه: ان المستفاد من تلك الاخبار وجوب الاستنابة في خصوص حج الاسلام، ولا يستفاد منها وجوب الاستنابة في غير حجة الاسلام من الحج النذري والافسادي، وقد تقدم من المصنف في مسألة (72) من الفصل السابق خلاف ما ذكره هنا، وبين المسألتين تهافت. وبالجملة: لادليل على وجوب الاستنابة في غير حجة الاسلام، كما لادليل على القضاء وان قلنا بوجوب الاستنابة ولم يستنب حتى مات، لما عرفت من عدم الدليل على وجوب القضاء إلا في موارد خاصة منصوصة كحج الاسلام ونذر الاحجاج. الفرع الثاني: ما لو نذر في حال المرض مع فرض تمكنه من حيث المال أو نذر فصار مريضا أو مصدودا قبل تمكنه واستطاعته المالية واستقرار الحج عليه، ففي وجوب الاستنابة وعدمه قولان: اختار العدم وهو الصحيح، لان عدم التمكن فيما بعد يكشف عن بطلان النذر وعدم انعقاده، فانه يعتبر في انعقاد النذر التمكن من المنذور في ظرفه وإلا فلا ينعقد ولا يصح الالتزام به، وأما وجوب الاستنابة في حج الاسلام فيما إذا منعه مانع فللنص ولا نص في المقام، وأما نذر الاحجاج والاستنابة فهو خارج عن محل البحث وسنذكره في المسألة الآتية ان شاء الله.

[ 410 ]

[ معرض عنهما كما قيل، أو محمولتان على بعض المحامل، وكذا إذا نذر الاحجاج من غير تقييد بسنة معينة مطلقا أو معلقا على شرط وقد حصل وتمكن منه وترك حتى مات فانه يقضى عنه من اصل التركة، واما لو نذر الاحجاج باحد الوجوه ولم يتمكن منه حتى مات ففي وجوب قضائه وعدمه وجهان أوجههما ذلك (1). ] (1) ذكر في هذه المسألة فروعا. لانه: تارة ينذر ان يحج الغير في سنة معينة. واخرى: ينذر احجاج الغير مطلقا من غير تقيد بسنة معينة، وفي كل منهما قد يتمكن من ذلك وقد لا يتمكن. فيقع الكلام في موارد: المورد الاول: لو نذر ان يحج الغير في سنة معينة فخالف مع تمكنه، ذهب في المتن إلى وجوب القضاء والكفارة، وان مات قبل اتيانهما يقضيان من اصل المال، لانهما واجبان ماليان والواجب المالي يخرج من الاصل بلا اشكال. اقول: اما الكفارة فلاريب في ثبوتها لتحقق الحنث بالمخالفة، وأما وجوب القضاء فلم يرد أي نص في المقام يدل على وجوبه، وأما الصحيحتان المتقدمتان، صحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور - فموردهما نذر احجاج الغير من غير تقييد بسنة معينة ومحل الكلام نذر الاحجاج المقيد بسنة معينة فلا يكون مشمولا للخبرين، فلابد من الرجوع إلى ما يقتضيه القاعدة، ومقتضاها عدم وجوب القضاء لا عليه

[ 411 ]

ولا بعد موته، لان الواجب يفوت بفوات وقته، ووجوبه في خارج الوقت يحتاج إلى دليل آخر وامر جديد، نظير نذر حجه نفسه الموقت فانه لا يجب قضائه أيضا إذا فات وقته، لان الذي التزم به لا يمكن وقوعه في الخارج، لخروج وقته، وما يمكن وقوعه في الخارج لم يلتزم به ولا دليل على اتيانه، ثم انه على فرض وجوب القضاء لادليل على خروجه من اصل المال، لان الذي يجب خروجه من الاصل الديون ولو كانت ديونا شرعية، واما مطلق الواجب المالي فلا دليل على خروجه من الاصل حتى الكفارات، فان الواجب في الكفارات هو اطعام الفقراء، أو عتق العبد، وإذا خالف وترك الاطعام، لا يكون مدينا لاحد، وانما ترك واجبا من الواجبات، فليس حال الكفارة حال الديون والمظالم والزكاة والخمس وهكذا الحج فانه بحكم الدين وبمنزلته شرعا للنصوص. وبالجملة: الاجماع قائم على خروج الدين من الاصل سواء كان دينا خلقيا وانسانيا كالدين الشخصي، والمظالم فانها أيضا دين ولا فرق بينها وبين الشخصي المعين، غاية الامر ان الدائن غير معلوم في المظالم. ام كان دينا إليها كالزكاة والخمس ويلحق بهما الحج حسب النص فموارد الديون المستخرجة من الاصل منحصرة بهذه الامور، واما غير ذلك من الواجبات فلا يخرج من الاصل وان كان يحتاج إلى صرف المال. المورد الثاني: إذا نذر الاحجاج من غير تقييد بسنة معينة مطلقا أو معلقا على شرط وقد حصل وتمكن منه فمات اتفاقا قبل الوفاء بالنذر، اما الكفارة فغير ثابتة لعدم حصول الحنث، وهل يقضى عنه من اصل التركة ام لا، المعروف بينهم القضاء عنه من الاصل، واختاره المصنف للاجماع على الخروج من الاصل، واما الصحيحتان المتقدمتان الدالتان

[ 412 ]

[ لانه واجب مالي اوجبه على نفسه فصار دينا، غاية الامر انه ما لم يتمكن معذور، والفرق بينه وبين نذر الحج بنفسه انه لا يعد دينا مع عدم التمكن منه واعتبار المباشرة بخلاف الاحجاج فانه كنذر بذل المال كما إذا قال (لله علي ان اعطي الفقراء مائة درهم) ومات قبل تمكنه، ودعوى كشف عدم التمكن عن عدم الانعقاد ممنوعة، ففرق بين ايجاب مال على نفسه أو ايجاب عمل مباشري وان استلزم صرف المال فانه لا يعد دينا عليه بخلاف الاول. ] على الخروج من الثلث فمعرض عنهما. وفيه: ان الاجماع لم يتم، نعم قامت الشهرة على الخروج من الاصل، وهي ليست بحجة فلو قلنا بمقالة المشهرو من سقوط الرواية من الحجية بالاعراض عنها لا يجب الخروج من الثلث لسقوط الروايتين عن الحجية بالاعراض ولا من الاصل لعدم الدليل وعدم تمامية الاجماع وان لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا. مقتضى الصحيحتين الخروج من الثلث، وعد ذلك من جملة خيرات الميت وميراته التي تصرف للميت كما هو صريح صحيح ابن أبي يعفور المتقدم. المورد الثالث: ما لو نذر الاحجاج مطلقا، أو مقيدا بسنة معينة ولم يتمكن منه من الاول حتى مات، فهل يجب القضاء عنه من اصل المال ام لا؟ وجهان، اختار المصنف الوجوب، بدعوى: ان الواجب واجب مالي وهو دين عليه، بخلاف نذر الحج بنفسه فانه لم يكن واجبا ماليا ودينا عليه، لان متعلقه اتيان عمل من الاعمال، ولو لم يتمكن منه

[ 413 ]

[ (مسألة 13): لو نذر الاحجاج معلقا على شرط كمجئ المسافر أو شفاء المريض فمات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك وتمكنه منه قبله، فالظاهر وجوب القضاء عنه إلا ان يكون مراده التعليق على ذلك الشرط مع كونه حيا حينه، ويدل على ما ذكرنا خبر مسمع بن عبد الملك ] لا يجب قضائه. والحاصل: نذر الاحجاج يفترق عن نذر الحج بنفسه فان الاول واجب مالي ويعد من الدين بخلاف الثاني لان متعلقه عمل مباشري ولا يعد ذلك من الدين مع عدم التمكن منه، وان كان مستلزما لصرف المال. وفيه: ان النذر المتعلق بالمال إذا كان على نحو نذر النتيجة كما إذا نذر ان يكون مدينا لزيد أو كون هذا المال له بنفسه النذر، فالامر كما ذكره، فان النذر حينئذ يوجب كون المال دينا عليه، والتمكن غير دخيل في كونه دينا، غاية الامر ما لم يتمكن معذور، فحاله حال ساير الديون المستخرجة من الاصل. ولكن لانقول بصحة نذر النتيجة لعدم الدليل عليها اصلا، ويرجع النذر في الحقيقة إلى نذر الفعل، والمنذور هو الاعطاء والبذل، فإذا فرضنا انه لم يتمكن منه يكشف ذلك عن عدم انعقاد النذر في ظرفه، لاعتبار القدرة في ظرف العمل بالنذر. وبالجملة: لافرق بين النذرين فان النذر في امثال المقام يرجع إلى تعلقه بالفعل وإلى الاعطاء والبذل فمتعلق النذر في كلا التقديرين فعل من الافعال غاية الامر في القسم الثاني يحتاج إلى صرف المال غالبا بخلاف الاول.

[ 414 ]

[ فيمن كان له جارية حبلى فنذر ان هي ولدت غلاما ان يحجه أو يحج عنه، حيث قال الصادق (ع) بعد ما سئل عن هذا (ان رجلا نذر في ابن له ان هو ادرك ان يحجه أو يحج عنه فمات الاب وادرك الغلام بعد فاتى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله عن ذلك فامر رسول الله صلى الله عليه وآله ان يحج عنه مما ترك ابوه) وقد عمل به جماعة، وعلى ما ذكرنا لا يكون مخالفا للقاعدة كما تخيله سيد الرياض وقرره صاحب الجواهر وقال ان الحكم فيه تعبدي على خلاف القاعدة (1). ] هذا على ما يقتضيه القاعدة، وأما مقتضى خبر مسمع الآتى فيجب القضاء من الثلث وسيأتى توضيح ذلك في المسألة الآتية. (1) قد عرفت مما تقدم ان مقتضى القاعدة بطلان النذر مطلقا سواء تعلق بالحج مباشرة أو بالاحجاج مطلقا أو معلقا، لان الموت يشكف عن عدم القدرة، فلا ينعقد النذر من اصله، وقد عرفت أيضا ان نذر الاحجاج لا يجعله مدينا، بل لو تعلق النذر بنفس اعطاء المال وبذله لا يكون مدينا غاية الامر يجب عليه اعطاء المال كما يجب عليه الاحجاج. وبالجملة: متعلق النذر في كلا الموردين عمل وفعل من الافعال، ولا يصير مدينا حتى يجب قضائه من الاصل، وبالموت ينكشف البطلان وعدم الانعقاد، نعم مقتضى صحيح مسمع المذكور (1) في المتن


(1) الوسائل: باب 16 النذر ح 1.

[ 415 ]

[ (مسألة 14): إذا كان مستطيعا ونذر ان يحج حجة الاسلام انعقد على الاقوى وكفاه حج واحد (1) وإذا ترك ] وجوب القضاء في نذر الاحجاج وقد عمل به المشهور، فوجوب القضاء مما لا كلام فيه. انما الكلام في انه يخرج من الاصل أو من الثلث، ولم يصرح في خبر مسمع بشئ منهما وانما المذكور فيه انه يخرج مما ترك ابوه ومقتضى اطلاقه جواز الخروج من الاصل، ويعارضه ما تقدم من الصحيحتين (صحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور) الدالتين على الخروج من الثلث ومقتضى الجمع بينهما وجوب القضاء من الثلث، وقد ذكرنا غير مرة ان الصحيحتين وان اعرض عنهما الاصحاب ولم يعملوا بهما في موردهما إلا انه لا عبرة بالاعراض ولا يوجب سقوط الخبر عن الحجية. فتلخص من جميع ما ذكرنا ان نذر الحج المباشري لا يجب القضاء عنه لا من الاصل ولا من الثلث لعدم الدليل، وأما نذر الاحجاج يجب قضائه من الثلث ولو كان بالتعليق ومات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك كما هو مورد صحيح مسمع، وإذا وجب القضاء في مورد نذر الاحجاج المعلق، وجب قضائه في نذر الاحجاج المطلق بطريق اولى. بل يمكن ان يقال بشمول خبر مسمع لنذر الاحجاج المطلق أيضا لان المستفاد من الخبر صدرا وذيلا ومن تطبيق الامام (ع) ما نقله عن النبي صلى الله عليه وآله على ما سأله السائل، ان نذر الاحجاج مما يجب قضائه بعد الموت سواء كان مطلقا أو معلقا وسواء مما تمكن منه ام لا. (1) لتأكد الواجبات الاصلية بتعلق النذر بها، نظير اشتراط

[ 416 ]

[ حتى مات وجب القضاء عنه والكفارة من تركته، وإذا قيده بسنة معينة فاخر عنها وجب عليه الكفارة، وإذا نذره في حال عدم الاستطاعة انعقد أيضا ووجب عليه تحصيل الاستطاعة مقدمة الا ان يكون مراده الحج بعد الاستطاعة. (مسألة 15): لا يعتبر في الحج النذري الاستطاعة الشرعية ] اتيان الواجب أو ترك الحرام في ضمن عقد لازم، فانه لاريب في صحة هذا الاشتراط وانعقاده، فإذا اتى بحج الاسلام فقد اتى بالوظيفتين وإذا ترك يجب القضاء من الاصل، واما كفارة الحنث فان تم اجماع على الخروج من الاصل فهو وإلا فلاوجه لخروجها لا من الاصل ولا من الثلث لانها من جملة الواجبات التي تسقط بموت صاحبها كما عرفت. واما نذر حج الاسلام في حال عدم الاستطاعة فيتصور على وجهين: احدهما: التعليق على تقدير الاستطاعة، بمعنى ان يكون مراده من النذر اتيان الحج بعد الاستطاعة والامر فيه واضح لوجوب الحج بعد حصول الاستطاعة اصالة ونذرا. ثانيهما: نذر الحج من دون التعليق على الاستطاعة، وحينئذ يجب عليه تحصيل الاستطاعة والقدرة ومقدمة لاداء النذر والوفاء به من باب وجوب تحصيل المقدمة للواجب، وان كان تحصيل الاستطاعة لاداء حج الاسلام غير واجب، لانه انما يجب فيما إذا حصل التمكن بنفسه ولا يجب تحصيل القدرة له.

[ 417 ]

[ بل يجب مع القدرة العقلية (1)، خلافا للدروس، ولا وجه له إذ حاله حال سائر الواجبات التي تكفيها القدرة عقلا. (مسألة 16): إذا نذر حجا غير حجة الاسلام في عامه وهو مستطيع لم ينعقد، إلا إذا نوى ذلك على تقدير زوالها فزالت، ويحتمل الصحة مع الاطلاق ايضا إذا زالت حملا لنذره على الصحة (2). ] (1) الحج النذري حاله حال ساير الواجبات الالهية المقيدة بالقدرة العقلية ويجب الاتيان به متى حصلت القدرة عقلا، ولم يكن في البين ضرر وحرج كما هو الشأن في جميع الواجبات، نعم يعتبر فيه زائدا على بقية الواجبات ان لا يكون محرما للحلال ومحللا للحرام، كما انه في خصوص حج الاسلام يعتبر امر زائد على القدرة العقلية، وهي قدرة خاصة المعبر عنها إصطلاحا بالقدرة الشرعية المفسرة في الروايات بامور خاصة وبعبارة اخرى اعتبار القدر الشرعية بالمعنى المذكور انما يختص بحج الاسلام، واما غير ذلك من موارد الحج الواجب فلا دليل على اشتراطه بها. فما عن الدروس من اعتبار القدرة الشرعية حتى في الحج النذري لا وجه له اصلا، ولم يعلم صحة الانتساب إليه والعبارة المحكية عنه غير ظاهرة فيما نسب إليه فراجع. (2) لو نذر حجا غير حجة الاسلام في عام الاستطاعة. فتارة: يكون نذره مقيدا بزوال الاستطاعة، بمعنى انه ينذر حجا آخرا مغايرا لحج الاسلام، فلا ريب في صحة النذر ويجب الوفاء به إذا زالت الاستطاعة، لتحقق موضوعه، فوجوب الوفاء بالنذر يدور

[ 418 ]

مدار وجود الاستطاعة وعدمها، واخرى: يكوم مطلقا وغير مقيد بزوال الاستطاعة. احتمل في المتن الصحة إذا زالت الاستطاعة حملا لنذره على الصحة. وفيه: انه لا نعرف وجها لا جراء الحمل على الصحة في المقام، لان الحمل على الصحة انما يجري في الشبهات الموضوعية سواء كانت في العبادات أو العقود أو الايقاعات، فلو شك فيما مضى من اعماله تحمل على الصحة، والحمل على الصحة في المعاملات نظير قاعدة الفراغ في العبادات، وأما الشبهات الحكمية فلا مجال لجريان اصالة الصحة فيها، لان الحكم الشرعي لا يحرز باصالة الصحة، نظير مالو شك في اعتبار العربية في صحة العقد وعدمه، والمقام من الشك في الشبهات الحكمية، للشك في صحة النذر وعدمها بحسب الحكم الشرعي، وانه هل يعتبر في صحة النذر شرعا ان لا يكون في عام الاستطاعة ام لا يعتبر، هذا ولكن الظاهر صحة النذر لاطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر بناءا على تفسير الاطلاق برفض القيود وعدم لحاظها، والخارج من الاطلاق انما هو النذر المزاحم للواجب أو الحرام، فإذا زالت الاستطاعة ينكشف عدم مزاحمة نذره لهما، وان كان هو لا يعلم بذلك ولكن في واقع الامر لا منافاة ولا مزاحمة بين النذر والحج الواجب، لانتفاء موضوعه وهو الاستطاعة، فالاطلاق يكفي في صحة النذر من دون حاجة إلى التقييد بالزوال. وبعبارة اخرى: المتحقق في الخارج مقدور له واقعا، ويكفي في صحة النذر، ان يكون متعلقه مقدورا في ظرفه ولم يكن مستلزما لترك الواجب أو فعل الحرام، وان كان الناذر حين النذر لا يعلم بذلك. هذا كله إذا زالت الاستطاعة.

[ 419 ]

[ (مسألة 17): إذا نذر حجا في حال عدم الاستطاعة الشرعية ثم حصلت له فان كان موسعا أو مقيدا بسنة متأخرة قدم حجة الاسلام لفوريتها، وان كان مضيقا بان قيده بسنة معينة وحصل فيها الاستطاعة أو قيده بالفورية قدمه (1)، وحينئذ فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت وإلا فلا لان المانع الشرعي كالعقلي، ويحتمل وجوب تقديم النذر ولو مع كونه موسعا لانه دين عليه بناءا على ان الدين ولو كان موسعا يمنع عن تحقق الاستطاعة خصوصا مع ظن عدم تمكنه من الوفاء بالنذر ان صرف استطاعته في حجة الاسلام. ] وأما إذا لم تزل وكانت باقية يظهر من المتن بطلان النذر. والصحيح ان يقال: ان هذا النذر على اطلاقه لا ينعقد لا نه يستلزم ترك الواجب، وأما بناء على الترتب بان يكون نذره متعلقا بالاتيان بحج آخر غير حجة الاسلام على تقدير تركه لها وفي ظرف تركه، فلا مانع من انعقاده، لعدم استلزامه ترك الواجب. نعم إذا التزم مقيدا بترك الواجب بمعنى انه يلتزم بهذا الفعل المستلزم لترك الواجب فلاريب في بطلانه. (1) إذا نذر حجا في حال عدم الاستطاعة ثم استطاع، فقد يكون متعلق النذر مقيدا بسنة متأخرة عن الاستطاعة، وقد يكون في سنة الاستطاعة بان قيده بسنة معينة وحصل فيها الاستطاعة، وقد يكون موسعا ومطلقا، فهذه ثلاث صور.

[ 420 ]

أما الاولى: فلاريب في انه يجب عليه اتيان حجة الاسلام في عام الاستطاعة، واتيان الحج النذري في السنة اللاحقة لعام الاستطاعة. وأما الثانية: فقد ذكر في المتن انه يقدم النذر على حجة الاسلام وحينئذ فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت وإلا فلا، لان الوفاء بالنذر مانع شرعا عن تحقق الاستطاعة الشرعية، والمانع الشرعي كالعقلي، فهو غير مستطيع شرعا فيقدم الحج النذري. وفيه: ما عرفت غير مرة من ان حج الاسلام غير مقيد بالقدرة الشرعية المصطلحة وانما المعتبر في حج الاسلام قدرة خاصة مفسرة في الروايات بالزاد والراحلة وتخلية السرب. ولكن مع ذلك لابد من التفصيل بان متعلق النذر ان كان مقيدا لغير حج الاسلام، فالاستطاعة المتأخرة تكشف عن بطلان النذر، وأما أذا كان مطلقا واعم من حج الاسلام ولم يكن مقيدا بغير حج الاسلام فيكفي حجة واحدة عنهما للتداخل وتأكد وجوب حجة الاسلام، ويكون المأتى به مما ينطبق عليه الحج النذري وحج الاسلام معا. وأما الثالثة: وهي ما إذا كان متعلق النذر موسعا، اختار، لولا تقديم حج الاسلام لفوريته والمفروض ان النذر موسع وغير مقيد بسنة خاصة فيأتي به في أي عام شاء، واحتمل اخيرا وجوب تقديم النذر ولو كان موسعا لان النذر دين عليه والدين مانع عن الحج. ولكن قد عرفت بما لا مزيد عليه ان وجوب النذر لا يزاحم حج الاسلام. وأما تقديم حج الاسلام، ففية تفصيل، وهو ان متعلق النذر إذا كان حجا آخرا مغايرا لحج لاسلام فيقدم حج الاسلام، ويأتي بالنذر في السنة المتأخرة، وان كان متعلقه هو الجامع وطبيعي الحج فيكفي حجة واحدة عنهما ويجزى حج الاسلام عن النذر إذا نوى

[ 421 ]

[ (مسألة 18): إذا كان نذره في حال عدم الاستطاعة فوريا ثم استطاع واهمل عن وفاء النذر في عامه وجب الاتيان به في العام القابل مقدما على حجة الاسلام وان بقيت الاستطاعة إليه لوجوبه عليه فورا ففورا، فلا يجب عليه حجة الاسلام الا بعد الفراغ عنه (1)، لكن عن الدروس انه قال بعد الحكم بان استطاعة النذر شرعية لا عقلية، (فلو نذر ثم استطاع صرف ذلك إلى النذر فان اهمل واستمرت الاستطاعة إلى العام القابل وجب حجة الاسلام ايضا) ولا وجه له، نعم لو قيد نذره بسنة معينة وحصل فيها الاستطاعة فلم يف به وبقيت الاستطاعة إلى العام المتأخر امكن ان يقال بوجوب حجة الاسلام ايضا، لان حجه النذري صار قضاءا موسعا، ففرق بين الاهمال مع الفورية والاهمال مع التوقيت بناءا على تقديم حجة الاسلام مع كون النذر موسعا. ] بها امتثال النذر أيضا. (1) حاصل ما ذكره في هذه المسألة، انه لو نذر في حال عدم الاستطاعة فوريا، كهذه السنة مثلا، ثم استطاع واهمل عن وفاء النذر في عامه، ولم يأت به في هذه السنة، وجب الاتيان به في السنة اللاحقة مقدما على حجة الاسلام وان بقيت الاستطاعة إلى السنة اللاحقة، وذلك لان النذر مانع شرعا عن تحقق الاستطاعة الشرعية،

[ 422 ]

فان النذر كما يكون مانع عن حج الاسلام ومقدما عليه في نفس السنة السابقة، هكذا يكون مقدما عليه في السنة اللاحقة، بنفس الملاك الذي اوجب تقديمه على حج الاسلام في السنة السابقة، وانما يجب عليه حج الاسلام بعد الفراغ من النذر. ونسب إلى الدروس الخلاف، وان فصل بين السنة الاولى واللاحقة ففي السنة الاولى يقدم النذر على حجة الاسلام، ولو اهمل ولم يأت بالنذر في السنة السابقة ففي السنة الثانية يقدم حج الاسلام على النذر وأورد عليه: بانه لا وجه له لان السنة الثانية كالاولى من دون فرق بينهما لاشتراك الملاك بينهما، فلو قلنا بان النذر يزاحم حج الاسلام ويقدم عليه فلا فرق بين السنة الاولى والثانية، فالتفصيل لا وجه له. ثم ذكر المصنف، انه لو قيده بسنة معينة وحصل فيها الاستطاعة ولكنه اهمل وترك الحج وبقيت الاستطاعة إلى العام المتأخر امكن ان يقال بتقديم حج الاسلام لان الحج النذري صار قضاءا موسعا، وحج الاسلام مضيق والواجب المضيق يقدم على الموسع. اقول: ما نسبه إلى الدروس غير صحيح، ويظهر من المصنف - قدس سره - انه لم يتأمل في عبارته، بل الشهيد - ره - يريد معنى آخر، حاصله: ان السنة السابقة تختلف حالها عن السنة الثانية، لانه في السنة الاولى لو وفي بنذره يكشف ذلك عن عدم الاستطاعة في هذه السنة فان بقيت الاستطاعة إلى السنة الثانية وجب حج الاسلام، وأما إذا فرضنا انه اهمل ولم يأت بالنذر في السنة الاولى ففي السنة الثانية يجب عليه الوفاء بالنذر ولكن يستقر عليه حج الاسلام لانه فوته عليه اختيارا لانه كان بامكانه ان يأتي بالنذر في السنة الاولى فحينئذ يكون معذورا

[ 423 ]

[ (مسألة 19): إذا نذر الحج واطلق من غير تقييد بحجة الاسلام ولا بغيره وكان مستطيعا أو استطاع بعد ذلك فهل ] في ترك حج الاسلام، ولو اهمل ولم يأت بالنذر في السنة الاولى يستقر عليه حج الاسلام، فمقصود الشهيد - ره - انه لو اهمل ولم يأتي بالنذر في السنة الاولى يجب عليه اتيانه في السنة الثانية، ويجب عليه حج الاسلام في السنة الثالثة، لاستقرار حج الاسلام عليه بترك النذر في السنة الاولى فيجب عليه اتيان حج الاسلام ولو متسكعا في السنين الآتية والاهمال في السنة الاولى بترك النذر لا يوجب سقوط حج الاسلام. والذي يدل على ما ذكرنا من تفسير كلامه - ره - كلمة (أيضا) بعد قوله: (وجب حجة الاسلام)، فانها صريحه في ان حج الاسلام مضافا إلى الحج النذري واجب والاهمال في السنة الاولى لا يوجب سقوط حج الاسلام. وأما ما ذكره اخيرا من ان الحج النذري إذا كان مقيدا بسنة معينة وحصل فيها الاستطاعة فلم يف به وبقيت استطاعته إلى العام المتأخر وجب عليه حج الاسلام ويقدم على النذر لان قضاء الحج النذري موسع وحج الاسلام مضيق. ففيه: أنه ينافي ما تقدم منه - ره - من ان الواجب الموسع إذا كان دينا يقدم على الحج لان الدين يمنع عن وجوب الحج خصوصا إذا كان صرف المال في حج الاسلام يوجب العجز عن اداء الدين. ولا يخفى ان هذه الفروع المذكورة في هذه المسائل مبتنية على تقدم النذر على حج الاسلام، وعد عرفت بما لا مزيد عليه من ان النذر في جميع الصور لا يزاحم الحج ويقدم حج الاسلام مطلقا، فلا مجال لهذه الفروع.

[ 424 ]

[ يتداخلان فيكفي حج واحد عنهما أو يجب التعدد أو يكفي نية الحج النذري عن حجة الاسلام دون العكس، اقوال، اقواها الثاني (1) لاصالة تعدد المسبب بتعدد السبب، والقول بان الاصل هو التداخل ضعيف. ] (1) قد جعلوا هذه المسألة مبتنية على مسألة التداخل، ولذا ذهب جماعة منهم المصنف - ره - إلى عدم التداخل لاصالة تعدد المسبب بتعدد السبب كما هو الحال في ساير الواجبات، وأما صحيحتا رفاعة ومحمد بن مسلم (عن رجل نذران يمشي إلى بيت الله الحرام فمشى هل يجزية عن حجة الاسلام قال - ع - نعم) () 1 فظاهرهما كفاية الحج النذري عن حجة الاسلام مع عدم الاستطاعة وهو غير معمول به. واختار بعضهم التفصيل والاكتفاء بنية الحج النذري عن حجة الاسلام دون العكس، لان القاعدة الاولية تقتضي عدم التداخل وانما يقال باكتفاء الحج النذري للنص، وذهب جماعة: إلى التداخل والاكتفاء بحج واحد عنهما. والظاهر ان مسألتنا هذه غير مبتنية على مسألة التداخل، لان التداخل انما يجري فيما إذا تعدد الشرط واتخذ الجزاء كما يقال: (إذا ظاهرت فاعتق) (وإذا أفطرت فاعتق) فيقع البحث المعروف من ان هذه الامور المتعددة الموجبة للجزاء هل هي اسباب حقيقية ام هي معرفات؟ ذهب جماعة إلى انها معرفات وانه لا يجب إلا جزاءا واحدا عند تعدد الشرط، وذهب آخرون إلى عدم التداخل وان كل سبب يقتضي


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب وجوب الحج ح 1 و 2 و 3.

[ 425 ]

مسببا مستقلا فلابد من تعدد الجزاء بتعدد السبب، وهو الصحيح السبب، وهو الصحيح، لان الظاهر من كل قضية شرطية حدوث الحكم بحدوث هذه الامور المعبر عنها بالشرط، وقد ذكرنا في محله ان اطلاق الاسباب والمعرفات في باب الاحكام الشرعية مما لا اساس له اصلا، إذ ليست هذه الامور اسبابا للاحكام الشرعية فانها افعال اختيارية للمولى ولا يكون لفعل المكلف أوأى امر خارجي دخل في تحققها، بل هي موضوعات وموارد للحكم الشرعي. وبالجملة: هذا البحث يجري في تلك المسائل، وأما في باب النذر فيتبع التعدد والوحدة قصد الناذر والشارع انما يمضي ما التزمه الناذر على نفسه، فان النذر انما هو التزام المكلف بشئ على نفسه، فلا بد من النظر إلى متعلق نذره، فان كان التزامه متعلقا بالجامع وبطبيعي الحج فينطبق ما التزم على نفسه على حج الاسلام قهرا، لان المفروض ان متعلق نذره مطلق وغير مقيد بفرد خاص فلا موجب للتعدد، واصالة عدم التداخل لا تجري في المقام، فان، بعد ما كان المقصود من النذر هو المطلق والطبيعي فينطبق منذوره على المأتي به وان قصد به حج الاسلام فيكون المأتي به مما يصدق عليه متعلق النذر ولا فرق في ذلك بين التصريح بالاطلاق وعدمه. فما ذكره من عدم التداخل في صورة عدم التصريح بالاطلاق لا وجه له، وقد صرح الماتن - ره - في آخر المسألة بكفاية حج واحد إذا صرح بالا طلاق، ومن الواضح عدم الفرق بين التصريح بالاطلاق وعدمه بعد ما كان المقصود هو الجامع الصادق على حج الاسلام، والصحيحتان مؤكدتان لما ذكرنا. وما ذكره من ان ظاهرهما كفاية الحج النذري عن حجة الاسلام

[ 426 ]

[ واستدل الثالث بصحيحتي رفاعة ومحمد بن مسلم: (عن رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله فمشى هل يجزئه عن حجة الاسلام قال (ع) نعم)، وفيه أن ظاهرهما كفاية الحج النذري عن حجة الاسلام مع عدم الاستطاعة وهو غير معمول به، ويمكن حملهما على أنه نذر المشي لا الحج ثم أراد أن يحج فسأل (ع) عن أنه هل يجزئه هذا الحج الذي أتى به عقيب هذا المشي ام لا فأجاب (ع) بالكفاية، نعم لو نذر ان يحج مطلقا أي حج كان كفاه عن نذره حجة الاسلام بل الحج النيابي وغيره أيضا لان مقصوده حينئذ حصول الحج منه في الخارج بأي وجه كان. ] مع عدم الاستطاعة وهو غير معمول به. ففيه: ان الظاهر منهما الاتيان بالحج ماشيا وفاءا لنذره في حال الاستطاعة، ثم يسئل عن الاجتزاء به عن حج الاسلام، فالصحيح هو الاكتفاء بحج واحد عنهما. وهل يحتاج التداخل والاكتفاء بحج واحد إلى النية لهما فلو قصد احدهما دون الآخر لا يجزي لعدم القصد، ام لا. وجهان: الظاهر هو الثاني، لعدم اعتبار قصد اعتبار قصد العنوان في اتيان المنذور، ولا يلزم الاتيان به بعنوان انه متعلق النذر، وانما يلزم الاتيان به في الخارج به، لان وجوب الوفاء بالنذر توصلي لا يعتبر في اتيانه وسقوطه قصد العنوان بخصوصه، فلو نذران يصوم اليوم المعين

[ 427 ]

[ (مسألة 20): إذا نذر الحج حال عدم استطاعته معلقا على شفاء ولده فاستطاع قبل حصول المعلق عليه فالظاهر تقديم حجة الاسلام (1) ويحتمل تقديم المنذور إذا فرض حصول المعلق عليه قبل خروج الرفقة مع كونه فوريا، بل هو المتعين ان كان نذره من قبيل الواجب المعلق. ] وصام ذلك اليوم وغفل عن انه متعلق نذره، أو غفل عن النذر بالمرة صح صومه، وكذا لو نذر ان يصلي صلاة الليل وصلاها ولكنه نسي النذر وهكذا لو نذر ان يعطي دينارا لزيد واعطاه غافلا عن انه مورد النذر، ففي جميع هذه الموارد ونحوها لا يعتبر قصد العنوان في سقوط النذر وامتثاله بل مجرد اتيان متعلق النذر كاف في سقوطه، ولو عكس الامر وقصد عنوان النذر بخصوصه ولم يقصد حج الاسلام، نلتزم بالاكتفاء عن حج الاسلام أيضا، كما إذا حج ويزعم انه غير مستطيع ثم علم بالا ستطاعة، فانه لاريب في الاكتفاء به عن حج الاسلام وان اتي به بقصد عنوان النذر. وبتعبير آخر الحج الصادر في اول سنة الاستطاعة من حج الاسلام سواء قصد هذا العنوان ام لا، بل لو فرضنا ان لم يعلم بهذا العنوان ولم يسمع به وحج كفى عنهما ويؤكد ذلك الصحيحتان: وبالجملة: قصد العنوان غير لازم ويكتفي بالحج الواحد سواء قصد العنوانين أو قصد احدهما. (1) لان الميزان عنده - ره - في تقديم احد الواجبين على الآخر تقدم سبب الوجوب ولذا قدم حجة الاسلام في الصورة الاولى لان

[ 428 ]

[ (مسألة 21): إذا كان عليه حجة الاسلام والحج النذري ولم يمكنه الاتيان بهما اما لظن الموت أو لعدم التمكن إلا من احدهما، ففي وجوب تقديم الاسبق سببا أو التخيير أو تقديم حجة الاسلام لاهميتها وجوه، اوجهها الوسط واحوطها الاخير (1) وكذا إذا مات وعليه حجتان ولم تف تركته إلا لاحدهما. واما ان وفت التركة فاللازم استئجارهما ولو في عام واحد. ] سببها اسبق، وأما لو حصل شفاء ولده المعلق عليه قبل خروج الرفقة يقدم الحج النذري لاسيما إذا كان نذره من قبيل الواجب المعلق، لان سبب وجوب النذر اسبق من الاستطاعة، فان الوجوب ثابت من اول النذر وان كان المعلق عليه متأخرا زمانا عن الاستطاعة، وحينئذ يكون معذورا في ترك حج الاسلام لكون النذر مانعا عن تحقق الاستطاعة، فان بقيت إلى السنة اللاحقة يجب حج الاسلام وإلا فلا. ويرد عليه: ما ذكرناه غير مرة، من ان الوجوب الناشئ من النذر بجميع صوره لا يزاحم حج الاسلام الواجب بالاصالة، فان النذر لا يوجب تفويت الواجب الاصلي. فالمتعين تقديم حجة الاسلام في كلتا الصورتين. (1) لو استقر عليه الواجبان الحج النذري وحج الاسلام معا وعجز عن اتيانهما، فهل يقدم الاسبق سببا، أو يتخبر بينهما، أو يقدم حج الاسلام وجوه؟. ذكر في المتن ان الاوجه هو التخيير، والاحوط تقديم حج

[ 429 ]

الاسلام للاهمية: وفيه: ان بالحكم التخيير لا يجتمع مع الاحتياط بتقديم حج الاسلام لان المقام من موارد التزاحم، والتخيير فرع تساوي الاحتمالين في الاهمية والاحتياط فرع انحصار احتمال الاهمية في احدهما. والحاصل، لابد من اعمال قاعدة التزاحم في المقام، فان كان الواجبان متساويين يحكم بالتخير بينهما، وان احرز الاهمية في احدهما أو احتملت يقدم ذلك، وفي المقام حيث نحتمل اهمية حج الاسلام - ولذا احتاط في تقديمه على الحج النذري - يتعين التقديم ولا تصل النوبة إلى التخيير، وإذا احتملنا الاهمية في كل من الواجبين فالحكم هو التخيير أيضا، فلا وجه لكون حج الاسلام احوط. وبالجملة: لو احرز التساوي في كل من الواجبين المتزاحمين أو احتمل الاهمية في كل منهما فالحكم هو التخيير، وإذا كان احدهما محرز الاهمية أو محتملها يقدم جزما، ولا ريب في تقديم حج الاسلام لانه اهم قطعا ولا اقل احتمالا. ولو مات وعليه حجتان الحج النذري وحج الاسلام ولم تف التركة إلا لاحدهما فان قلنا بعدم وجوب قضاء الحج النذري، كما هو المختار أو قلنا بخروجه من الثلث فلا مزاحمة اصلا بين الحجين، بل يتعين قضاء حج الاسلام عنه من الاصل. وأما بناءا على وجوب قضاء النذر وخروجه من اصل المال وكونه كالدين، فمقتضى القاعدة هو تقسيط المال بين النذر وحج الاسلام لانه دين أيضا، ولكن المفروض عدم امكان ذلك في المقام لعدم وفاء المال لهما، والحج غير قابل للتبعيض، قلابد من تقديم احدهما والمتعين تقديم حج الاسلام على كل دين سواء كان دينا الهيا أو دينا شخصيا

[ 430 ]

[ (مسألة 22): من عليه الحج الواجب بالنذر الموسع يجوز له الاتيان بالحج المندوب قبله (1). (مسألة 23): إذا نذر ان يحج أو يحج انعقد ووجب عليه احدهما على وجه التخيير، وإذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيرا، وإذا طرء العجز من احدهما معينا تعين الآخر، ولو تركه ايضا حتى مات يجب القضاء عنه مخيرا ايضا، لان الواجب كان على وجه التخيير فالفائت هو الواجب المخير ولا عبرة بالتعيين العرضي، فهو كما كان عليه كفارة الافطار في شهر رمضان وكان عاجزا عن بعض الخصال ثم مات فانه يجب الاخراج عن تركته مخيرا وان تعين عليه في حال حياته في احداها فلا يتعين في ذلك المتعين (2). ] انسانيا للنص (1)، ولا فرق بين الحياة والممات. هذا كله لو قلنا بخروج الواجب بالنذر من الاصل لكونه دينا، وأما إذا قلنا بخروجه من الثلث فلا موضوع للبحث ويجب تقديم حج الاسلام بلا اشكال. (1) لعدم الدليل على المنع، وانما قام الدليل على المنع من التطوع بالصوم لمن كان عليه الصوم الواجب، وقد وقع الكلام في التطوع بالصلاة لمن كان عليه الفريضة واخترنا الجواز في محله. (2) ذكره - قده - انه إذا نذر ان يحج بنفسه مباشرة أو يحج غيره


(1) الوسائل: باب 11 وجوب الحج ح 1.

[ 431 ]

[ نعم لو كان حال النذر غير متمكن الا من احدهما. معينا ولم يتمكن من الآخر إلى ان مات امكن ان يقال باختصاص القضاء بالذي كان متمكنا منه، بدعوى ان النذر لم ينعقد بالنسبة إلى ما لم يتمكن منه بناءا على ان عدم التمكن يوجب عدم الانعقاد، لكن الظاهر ان مسألة الخصال ليست كذلك فيكون الاخراج من تركته على وجه التخيير وان لم يكن في حياته متمكنا الا من البعض اصلا، وربما يحتمل في الصورة المفروضة ونظائرها عدم انعقاد النذر بالنسبة إلى الفرد الممكن أيضا بدعوى ان متعلق النذر هو احد الامرين على وجه التخيير ومع تعذر احدهما لا يكون وجوب الآخر تخييريا، بل عن الدروس اختياره في مسألة ما لو نذر ان رزق ولدا ان يحجه أو يحج عنه إذا مات الولد قبل تمكن الاب من احد الامرين، وفيه: ان مقصود الناذر اتيان احد الامرين من دون اشتراط كونه على وجه التخيير، فليس النذر مقيدا بكونه واجبا تخييريا حتى يشترط في انعقاده التمكن منهما: ] انعقد ووجب عليه احدهما على وجه التخيير، وإذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيرا بناءا على ثبوت وجوب القضاء في الحج النذري وإذا طرء العجز من احدهما معينا تعين الآخر، كما هو الحال في جميع الواجبات التخييرية، فان العجز عن احد الواجبين التخيير بين لا يوجب

[ 432 ]

سقوط الواجب الآخر بالضرورة، لان المفروض ان الواجب هو الجامع وهو احد الامرين. ولو تعين عليه احدهما وتركه أيضا حتى مات يجب القضاء عنه، بناءا على وجوب القضاء، وهل الواجب في القضاء التعيين أو التخير، بمعنى انه لو تعين عليه احد الواجبين بطرو العجز وتركه أيضا، هل يقضى عنه ما تعين عليه أو يقضى عنه مخيرا؟. ربما يقال: بقضاء المتعين عليه، لان الواجب عليه في حال حياته خصوص هذا العدل، والفائت عنه مما هو وظيفته خصوص هذا الفرد. واجاب عنه، بان الواجب عليه اصالة كان على وجه التخيير والفائت هو الواجب المخير ولا عبرة بالتعيين العرضي، فان التعيين الطاري القهري في حال الحياة، لا يوجب التعيين حال القضاء، نظير كفارة الخصال الثابتة للافطار في شهر رمضان، فانه لو كان عاجزا عن بعض الخصال حال حياته ثم مات، يجب الاخراج من تركته مخيرا. توضيحه: ان العجز عن بعض افراد لا يوجب التعيين في الباقي لان المتمكن منه من افراد الواجب، انما وجب عليه من باب العنوان الكلي، بمعنى ان الواجب الاصلي عليه شرعا هو العنوان الكلي وانما تعين عليه هذا الفرد بخصوصه بحكم العقل لعجزه عن الفرد الآخر، والخصوصية الفردية غير دخيلة في الحكم الشرعي وانما الخصوصية للالزام العقلي، نظير تعين وجوب الصلاة بآخر الوقت لمن ترك الصلاة قبل ذلك، فان تعين ذلك بآخر الوقت غير دخيل في الحكم وفي الوقت المحدد لها، وانما تعين الوجوب بهذا الوقت بحكم العقل، وإلا فالواجب هو اتيان الصلاة من الزوال إلى الغروب، والخصوصيات الفردية من حيث الزمان أو المكان غير دخيلة في الواجب، ولا فرق بين الواجبات التخييرة الطولية بحسب الزمان والواجبات التخييرية العرضية بحسب الافراد.

[ 433 ]

وبالجملة: ما فات عنه هو الجامع، والذي فات عنه يجب قضائه ولا يقاس المقام، بقضاء المسافر صلاته قصرا إذا تركها في موارد التخيير، فان المسافر يجب عليه القصر إلا المتمكن من القصر والتمام في موارد التخيير فيما إذا وسع الوقت لهما، وأما إذا ضاق الوقت عن التمام يتعين عليه القصر ولا يثبت له التخير لعدم تمكنه من التمام والقصر، فإذا تعين عليه القصر كما إذا فرضنا انه لم يصل فالفائت عنه ما تعين عليه القصر، ويجب قضاء ما فات عنه. وبعبارة اخرى، وظيفة المسافر انما هي الصلاة قصرا، وانما يتخير بينهما فيما إذا وسع الوقت لهما، وأما إذا اخر الصلاة بحيث لا يسع الوقت للتمام يتعين عليه القصر، وإذا ترك الصلاة فالفائت عنه هو القصر ويجب قضائه. على ان التخير ثابت في الاداء لافي القضاء، والسر ما ذكرناه: من ان الواجب التخييري لا ينقلب إلى التعيين شرعا بتعذر بعض الافراد وانما يتعين بعض الافراد بحكم العقل بعد العجز عن اتيان الفرد الآخر. والحاصل: طرو العجز على احدهما في حال حياته لا يوجب تعين القضاء به، لان وجوب احدهما المعين وجوب عقلي، لتوقف الامتثال على اتيان الفرد المقدور، وإلا فالواجب عليه اولا واصالة انما هو الجامع بين الامرين. هذا كله فيما لو كان متمكنا من الفردين حال النذر. وأما لو كان حال النذر غير متمكن إلا من احدهما معينا ولم يتمكن من الآخر إلى ان مات - كما إذا كان شيخا كبيرا أو مريضا لا يتمكن من الحج مباشرة ولكنه متمكن من الاحجاج - ففيه وجوه ثلاثة: الاول (انعقاد النذر ويتخير في القضاء وان لم يتمكن من احدهما

[ 434 ]

في حال حياته، كما في مسألة الخصال، فان الاخراج من تركته على وجه التخيير وان لم يكن في حال حياته متمكنا إلا من البعض. الثاني: ان النذر ينعقد بالنسبة إلى المقدور وأما بالنسبة إلى غيره فلا، لاعتبار التمكن قي متعلق النذر، فيختص القضاء بالذي كان متمكنا منه. الثالث: ما نسب إلى الشهيد - ره - من عدم انعقاد النذر حتى بالنسبة إلى الفرد المقدور، لان متعلق النذر هو احد الفردين على وجه التخيير ومع تعذر احدهما لا يكون الوجوب تخييريا، فما تعلق به النذر غير قابل للصحة لعدم التمكن منه وما هو قابل لذلك لم ينذره. والصحيح هو الوجه الاول: وذلك لان الوجوب التخييري سواء كان اصليا ككفارة الخصال أو كان التزاميا وعرضيا كتعلق النذر باحد شيئين انما يتعلق بالجامع بين الامرين أو الامور، والخصوصيات الفردية غير دخيلة في الواجب، فالواجب التخييري الشرعي من حيث الخصوصيات كالتخيير العقلي بين الافراد الطولية أو العرضية، فان هذه الخصوصيات غير دخيلة في الواجب، والتمكن وعدمه انما يلاحظان بالنسبة إلى متعلق الوجوب ونفس المأمور به، لا بالنسبة إلى الخصوصيات الخارجة عن المأمور به التي لا دخل لها في متعلق التكليف، والنذر إذا كان متعلقا باحد امرين وبالجامع بينهما يكون الواجب شرعا هو الجامع لان الشارع يمضي ما التزم الناذر على نفسه. والحاصل: ان الوجوب التخييري ما تعلق بالجامع بين الامرين، نظير وجوب اعطاء الزكاة لطبيعي الفقير، وهكذ ا لو نذر ان يعطي درهما للفقير، ففي كلا الموردين يتعلق الوجوب بالجامع، والمكلف مخير في تطبيق الحكم على أي فرد شاء، والتطبيق بحكم العقل فالتخيير

[ 435 ]

الشرعي كالعقلي من هذه الجهة سواء كان تخييريا اصليا ككفارة الخصال، أو تخييريا جعليا كموارد النذر، فان التخيير العقلي ما تعلق الوجوب بالجامع الذي له عنوان خاص، والتخيير الشرعي ماكان له جامع انتزاعي وهو عنوان احدهما، وإلا ففي الواقع لافرق بينهما في الغاء الخصوصيات في كلا الموردين، ولا شبهة في صحة تعلق الامر بالعنوان الانتزاعي، كعنوان احدهما، لانه مقدور للمكلف وان كان بعض الافراد غير مقدور له. وبالجملة: الجامع الذي تعلق به الواجوب مقدور له والعبرة بالتمكن منه وان كان بعض افراده غير مقدور له، والملتزم به في باب النذر باحد الامرين هو الجامع لا التخيير حتى يقال بان ما التزم به غير قابل للجعل لان مع تعذر احدهما لا يكون وجوب الآخر تخييريا، وما هو قابل له غير ملتزم به وهو الفرد الممكن خاصة، بل الذي التزم به هو الجامع وهو مقدور له وان كان تمكنه في ضمن فرد دون آخر. وأما ما ذكر من انعقاد النذر بالنسبة إلى المقدور فقط واختصاص القضاء به، ففيه: ما عرفت من ان القدرة معتبرة في متعلق النذر لا في الامر الخارج عنه كالخصوصيات، والمفروض ان متعلق النذر هو الجامع الانتزاعي بينهما وهو مقدور له. وبما ذكرنا ظهر انه إذا مات الناذر، لا يختص وجوب القضاء بالنسبة إلى ما كان مقدورا له، بل لو كان مقدورا للوارث يأتي به قضاءا عن الميت وان لم يكن مقدورا للميت، كما لو نذر الميت ان يعطي درهما للفقير ولم يكن متمكنا من اعطائه إلى زيد، وكان متمكنا من اعطائه إلى عمرو خاصة ومات قبل الاعطاء، لا يجب على الوارث ان يعطي الدرهم إلى عمرو بخصوصه، وذلك لان الملتزم به اعطاء

[ 436 ]

[ (مسألة 24): إذا نذر ان يحج أو يزور الحسين (ع) من بلده ثم مات قبل الوفاء بنذره وجب القضاء من تركته (1) ولو اختلفت اجرتهما يجب الاقتصار على اقلهما اجرة إلا إذا تبرع الوارث بالزائد اجرة فلا يجوز للوصي اختيار الازيد وان جعل الميت أمر التعيين إليه، ولو اوصى باختيار الازيد اجرة خرج الزائد من الثلث. ] الدرهم إلى الفقير الجامع بين الافراد وهو صادق على كل من زيد وعمرو. وبما ذكرنا ظهر أيضا فساد ما نسب إلى الدروس من بطلان النذر وعدم انعقاده اصلا، إذا لا وجه له بعد ما عرفت ان متعلق النذر هو الجامع وهو مقدور له. (1) هذا بناء على ما تقدم منه - ره - من الواجبات الالهية كسائر الديون العرفية، تخرج من الاصل ثم انه لو فرض التساوي بين اجرة الحج واجرة الزيارة، فلا كلام في ان الوصي أو الوارث مخير بينهما، ولو اختلفت اجرتهما، ذكر - ره - انه يجب الاقتصار على اقلهما اجرة، ولا يجوز له اختيار الاكثر، لان الميت مديون بالجامع ويمكن تطبيقه على الاقل وتبرأ ذمته بذلك، فليس له اختيار الاكثر حتى لو جعل الميت امر التعيين إلى الوصي، وبعبارة اخرى ما يخرج من الاصل هو الجامع وهو صادق على الاقل يزاحم حق الوارث في الاكثر، ثم ذكر انه لو اوصى باختيار الازيد اجرة خرج الزائد من الثلث، القول: لا فرق بين ما ذكره اخيرا وبين مالو جعل امر التعيين بيد الوصي فان كلا منهما وصية بالزيادة، غاية الامر تارة

[ 437 ]

[ (مسألة 25): إذا علم ان على الميت حجا ولم يعلم انه حجة الاسلام أو حج النذر وجب قضاؤه عنه من غير تعيين وليس عليه كفارة (1). ولو تردد ما عليه بين الواجب بالنذر أو بالحلف وجبت الكفارة ايضا، وحيث انها مرددة بين كفارة النذر وكفارة اليمين فلا بد من الاحتياط، ويكفي حينئذ اطعام ستين مسكينا لان فيه اطعام عشرة ايضا الذي يكفي في كفارة الحلف. ] تستفاد الوصية بالزيادة من جعل الخيار له، واخرى يصرح بذلك، ومجرد ذلك غير فارق، فالتفصيل غير فاصل، فللوصي ان يعطي الاكثر فيما لو جعل امر التعيين إليه، ولكن يخرج الزائد من الثلث لانه محسوب من وصايا الميت، فلا فرق بين الموردين. (1) إذا قلنا بعدم وجوب قضاء الحج النذري كما هو المختار، لا يجب القضاء عنه اصلا، إذ لا نعلم باشتغال ذمته على كل تقدير، فالعلم الاجمالي غير منجز، وأما بناءا على وجوب قضاء الحج النذري كما اختاره المصنف وغيره فالقضاء عنه متعين، لثبوت القضاء عليه على كل تقدير، فيتنجز بالعلم الاجمالي، واما الكفارة فلا لعدم العلم بكون الفائت حجا نذريا، فان الكفارة انما تترتب على حنث النذر وهو غير ثابت. نعم لو علمنا بمخالفته على تقدير ثبوت الحج النذري في ذمته، يكون وجوب الكفارة طرفا للعلم الاجمالي، لانه حينئذ يعلم اجمالا اما بوجوب القضاء عنه لو كان الفائت حج الاسلام، أو بوجوب الكفارة

[ 438 ]

عليه إذا كان الفائت الحج النذري، وان لم نقل بوجوب قضاء الحج النذري، ولا طريق لنا إلى اثبات احدهما إلا بالقرعة، هذا فيما إذا قلنا بوجوب الكفارة من مال الميت، واما إذا قلنا بسقوط وجوبها بالموت وانها ليست كالدين، فكل من الطرفين غير ثابت، لان الحج النذري لا يجب قضائه كما هو المختار، والمفروض عدم وجوب الكفارة وسقوطها بالموت، فيصبح حج الاسلام مشكوكا فيه فينفي بالاصل ولو تردد ما عليه بين الواجب بالنذر أو بالحلف، فان لم نعلم بالمخالفة العمدية، واحتملنا المعذورية فلا شئ عليه، لان الكفارة انما تثبت بالمخالفة العمدية واحراز الحنث، واما إذا علم بالترك عمدا وان تركه كان عن تقصير، فان قلنا بخروج الواجبات المالية من اصل المال، فتخرج الكفارة من الاصل وإلا فلا. ثم انه بناءا على اتحاد الكفارتين وعدم المغايرة بينهما كما هو الاظهر تخرج كفارة واحدة من التركة، بناءا على عدم سقوط الواجبات المالية بعد الموت، واما بناءا على مغايرة كفارة النذر لكفارة الحلف، فقد ذكر في المتن انه لابد من الاحتياط، لان الشك حينئذ من المتباينين ومقتضى القاعدة هو الاشتغال، إلا انه يكفي اطعام ستين مسكينا لان فيه اطعام العشرة الذي هو كفارة الحلف. وربما يقال: بان المسألة من صغريات الشك بين الاقل والاكثر، وينحل العلم الاجمالي بوجوب الاقل والشك في الاكثر، فتجري البرائة عن الاكثر ويكتفي باطعام العشرة، فانه القدر المتيقن والزائد مشكوك فيه ينفي بالاصل. وفيه: ان ما اشتهر من ان الاقل هو المتيقن فيه مسامحة واضحة، فان العبرة في جريان البرائة في مسألة الشك بين الاقل والاكثر بالعلم

[ 439 ]

بكون الاقل موردا للتكليف والشك في اطلاقه وتقييده، فالمتيقن هو الطبيعي المهمل لا على نحو بشرط شئ ولا اللا بشرط القسمي، مثلا لو شك في جزئية السورة للصلاة: فيرجع الشك إلى ان بقية الاجزاء مطلقة من حيث السورة أو مقيدة بها، فكل من الاطلاق والتقييد غير معلوم وليس الاقل متيقنا، فالمراد بكون الاقل متيقنا هو الجامع الطبيعي المهمل، واما الطبيعي المطلق فلا نعلم به كما لا نعلم بالطبيعي المقيد، فالعلم الاجمالي الدائر بين الاقل والاكثر هو العلم بوجوب الاقل على سبيل الاهمال. هذا: ولكن مع ذلك تجري البرائة في المقام بملاك آخر، وهو ان الاطلاق ارفاق للمكلف ولا كلفة فيه بخلاف التقيد فان فيه تضييفا عليه وحيث انه مشكوك فيه يدفع بالاصل. وتوضيح ذلك: ان الميزان في جريان البرائة عن الاكثر في الشك بين الاقل والاكثر، ان يكون التكليف متعلقا بالاقل قطعا ونشك في اطلاقه وتقييده وتجري البرائة عن التقييد، مثلا: نعلم ان غير السورة من اجزاء الصلاة واجب ونشك في تقييد هذه الاجزاء بالسورة أو اطلاقها فنجري البرائة عن التقييد، وأما لو كان متعلق التكليف في أحدهما مغايرا للآخر، فتعلق التكليف بكل منهما غير معلوم وإن كان أحدهما أقل من الآخر، ومجردان أحدهما أقل لا يجدي في جريان البرائة عنه مثلا: لو علم إجمالا بانه مدين لزيد أو لعمرو، ولكن على تقدير كونه مدينا لزيد دينه أقل من دين عمرو، فلا تجري البرائة في المقام، ولا يعد ذلك من باب الشك بين الاقل والاكثر، بل الشك حينئذ بين المتباينين، لان تعلق التكليف بكل من الاقل والاكثر غير معلوم، وهكذا الحال في مسئلتنا فان التكليف لم يعلم تعلقه باطعام عشرة مساكين

[ 440 ]

[ (مسألة 26): إذا نذر المشي في حجه الواجب عليه أو المستحب إنعقد مطلقا حتى في مورد يكون الركوب أفضل، لان المشي في حد نفسه أفضل من الركوب بمقتضى جملة من الاخبار، وإن كان الركوب قد يكون أرجح لبعض الجهات فان أرجحيته لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حد نفسه، (1) وكذا ينعقد لو نذر الحج ماشيا مطلقا ولو ] حتى يقال بأن الشك في إطلاقه وتقييده، بل التكليف تعلق بالجامع المردد بين اطعام العشرة والجامع بين إطعام الستين وعدليه فالشك في المقام بين المتباينين. نعم بحسب الخارج تكون العشرة في ضمن الستين وإلا فهما في الحقيقة متباينان، والعبرة في الملاك الذي لاجله تجرى البرائة، إنما هي بملاحظة نفس التكليف ومتعلقه، لا بملاحظة التطبيق الخارجي. ثم إن الاحتياط الذي ذكره باطعام ستين إنما يصح بالنسبة إلى نفس المكلف، وأما إذا كان الاطعام عن الميت وخروجه من تركته فكيف يمكن الاحتياط باعطاء الاكثر.؟ ولا موجب لالزام الوارث بشئ زائد على دين الميت، بل يجب حينئذ الرجوع إلى القرعة، لان العلم الاجمالي قد تعلق بثبوت دين علي الميت مردد بين متباينين ولا وجه للتصرف الزائد في ملك الميت. وقد مر نظير هذه المسألة في بحث الزكوة في المسألة السادسة من الختام ومسألة - 30 - من الخمس وقربنا في التعليقة الرجوع إلى القرعة. (1) ذكر في هذه المسألة أمرين:

[ 441 ]

[ مع الاغماض من رجحان المشي لكفاية رجحان أصل الحج في الانعقاد، إذ لا يلزم أن يكون المتعلق راجحا بجميع قيوده وأوصافه، فما عن بعضهم من عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل لا وجه له، وأضعف منه دعوى الانعقاد في أصل الحج لا في صفة المشي فيجب مطلقا، لان المفروض نذر المقيد فلا معنى لبقائه مع عدم صحة قيده. ] الاول: إذا نذر المشي في الحج الواجب أو المستحب إنعقد، لان المشي في الحج محبوب وراجح في نفسه لجملة من الاخبار (1). وقد حج الحسن (عليه السلام) ماشيا مرارا وتساق معه الرحال والمحامل، وإن كان الركوب في بعض الموارد أفضل من جهات آخر فان المعتبر في النذر أن يكون متعلقه راجحا في نفسه وإن كان غيره أفضل وأرجح منه، فان أرجحية غيره لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حد نفسه. الثاني: أن ينذر الحج ماشيا مطلقا، فانه ينعقد أيضا ولو فرضنا إن المشي في الحج غير راجح أصلا، لان متعلق النذر ليس هو المشي ليلاحظ رجحانه، وإنما المتعلق حصة خاصة من الحج وهي راجحة في نفسها وإن كان وجود غيرها أرجح، نظير ما إذا نذر أن يصلي ركعتين في غرفته فانه ينعقد، وإن كان إتيان الصلاة في الغرفة من حيث هو لا رجحان فيه أصلا، إلا أنه لاريب في أن إيقاع الصلاة في أي مكان راجح في نفسه وإن كان إتيانها في المسجد أو الحرم أفضل،


(1) الوسائل: باب 32 وجوب الحج.

[ 442 ]

[ (مسألة 27): لو نذر الحج راكبا إنعقد ووجب ولا يجوز حينئذ المشي وإن كان أفضل، لما مر من كفاية رجحان المقيد دون قيده (1). نعم لو نذر الركوب في حجه في مورد يكون المشي أفضل لم ينعقد، لان المتعلق حينئذ الركوب لا الحج راكبا، وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ في كل يوم أو فرسخين، وكذا ينعقد لو نذر الحج ] وبالجملة: لابد من ملاحظة الرجحان في متعلق النذر بنفسه، ولا يعتبر كونه أفضل من غيره، ولذا لو نذر زيارة مسلم بن عقيل (ع) ينعقد وإن كان زيارة الحسين (ع) أفضل بكثير، وكذا لو نذر أن يعطي درهما لشخص ينعقد وان كان إعطائه لشخص آخر أفضل لفقره ونسبه وحسبه. والحاصل، لا يعتبر في إنعقاد النذر ورجحان متعلقه بملاحظة جميع خصوصياته، بل يكفي رجحان أصل المنذور وإن كان غيره أفضل. وهنا قولان آخران: أحدهما: ان النذر ينعقد بالنسبة إلى أصل الطبيعة وأصل الحج، وأما بالنسبة إلى الخصوصية وصفة المشي فلا ينعقد، فيكون الحج واجبا والمشي إليه غير واجب. وفيه: إن الامر يدور بين صحته وبطلانه وأما التبعيض فلا وجه له، لان نذر الحج ماشيا إلتزام واحد وليس من قبيل تعدد النذر وإنحلاله كما أن القول الآخر وهو البطلان برأسه لاوجه له أيضا. (1) قد يتعلق النذر بالحج راكبا، فلا ريب في صحته وإنعقاده

[ 443 ]

[ حافيا، وما في صحيحة الحذاء من أمر النبي صلى الله عليه وآله بركوب أخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت الله حافية، قضية في واقعة، يمكن أن يكون لمانع من صحة نذرها من إيجابه كشفها أو تضررها أو غير ذلك. ] وإن لم يكن الحج راكبا أرجح من جميع الجهات، فلا يجوز المشي حينئذ وإن كان أفضل، لما عرفت من كفاية رجحان المقيد دون قيده وكفاية رجحان ما، في متعلقه، وقد يتعلق بالركوب في حجه فان لم يكن الركوب في مورد راجحا لم ينعقد، لتعلق النذر بخصوصية غير راجحة، كما لو نذر أن يصلي صلاة الفجر دائما في البيت. نعم لو تعلق النذر بالطبيعي وكان راجحا ينعقد وإن وجد في ضمن خصوصية غير ر اجحة، كما لو نذر أن يصلي ركعتين في غرفته، وبالجملة، لابد من ملاحظة المتعلق، فانه إذا كان راجحا ينعقد النذر وإن كان غيره أفضل، وإن لم يكن راجحا لا ينعقد، وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ كل يوم أو فرسخين، أو نذر أن يمشي يوما دون يوم. والحاصل، لا فرق في إنعقاد النذر وصحته بين تعلقه بالمشي في الحج إذا كان المشى راجحا في نفسه، وبين تعلقه بالحج ماشيا. وأما نذر الحفاء في الحج، فلاريب في إنعقاده، لانه من مصاديق المشي الراجح، كما لاريب في إنعقاده لو تعلق بالحج حافيا، هذا على حسب ما يقتضيه القاعدة، وأما في صحيحة الحذاء من أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بركوب أخت عقبة بن عامر مع كونها

[ 444 ]

ناذرة أن تمشى إلى بيت الله حافية (1)، فقد إستدل به على عدم إنعقاد نذر الحفاء في الحج. وقد أجاب عنه غير واحد بحمل الصحيحة على قضية شخصية، وإنها قضية في واقعة، يمكن أن يكون لمانع من صحة نذرها من إيجابه كشفها أو تضررها أو غير ذلك، فلا يصح الاستدلال بها. ولكن الظاهر من إستشهاد الامام (ع) في حكم نذر الرجل المشي حافيا، بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بيان حكم كلي مشترك غير مختص بمورده، وإلا لكان جواب الامام (ع) أجنبيا لا يناسب السؤال. وبالجملة: لا ينبغي الريب في ظهور الصحيحة في عدم إنعقاد نذر الحفاء في الحج. وربما يقال: بأن الصحيحة معارضة برواية سماعة وحفص (2) الدالة على إنعقاد النذر بالمشي حافيا والجمع بينهما يقتضى حمل الرواية على الاستحباب. وفيه: إن الحمل على الاستحباب لا معنى له في أمثال المقام، لان الكلام في الانعقاد وعدمه وصحة النذر وعدمها، ولا معنى للحمل على الاستحباب في الحكم الوضعي، فمقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى دليل آخر. على أن رواية سماعة وحفص بكلا طريقيه ضعيفة السند، لان احمد بن عيسى يرويها عن سماعة وحفص تارة وعن محمد بن قيس أخرى


(1) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح: 4. (2) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح: 10.

[ 445 ]

ولا ريب في سقوط الوسائط بينه وبين الرواة. والصحيح أن يقال: إن صحيحة الحذاء يعراضها صحيحة يعارضها صحيحة رفاعة وحفص المروية في كتاب النذر قال: سئلت - قالا سئلنا - أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حافيا، قال: فليمش فإذا تعب فليركب) (1). فالمرجع هو عموم وجوب الوفاء بالنذر (2). وللمجلسي (قدس سره) كلام في المقام لا بأس بنقله، وحاصله: أن المستفاد من صحيح رفاعة وحفص الوارد في باب النذر بطلان النذر بالحفاء، فان قوله (ع) (فليمش) معناه أنه يمشي مشيا متعارفا متنعلا بلا حفاء فهذه الخصوصية ساقطة لا أصل المشي كما اختاره في الدروس، وصحيحة الحذاء أيضا دالة على مرجوحية الحفاء وبطلان النذر بالنسبة إليه، فالروايتان متفقتان على سقوط خصوصية الحفاء وبطلان النذر بالنسبة إليه، وأما المشي المتعارف فيقع التعارض بين صحيح الحذاء وصحيح رفاعة لان المستفاد من صحيح الحذاء مرجوحية المشي أيضا لامره (ص) أخت عقبة بن عامر بالركوب وقال صلى الله عليه وآله فان الله غني عن مشيها وحفاها. وأما صحيح رفاعة فيدل على سقوط الحفاء فقط وبقاء المشي على رجحانه لقوله (ع) (فليمش) وبعد التعارض لا يمكن الرجوع إلى الادلة العامة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر، لان المفروض أن النذر مقيد بالحفاء والمنذور هو المشي حافيا والعمل ببعض المنذور دون البعض الآخر لا دليل عليه، فلم يبق موضوع للوفاء بالنذر، فالنتيجة


(1) الوسائل: باب 8 كتاب النذر ح: 2. (2) كقوله تعالى في صورة الحج، الآية 29: وليوفوا نذورهم.

[ 446 ]

[ (مسألة 28): يشترط في انعقاد النذر ماشيا أو حافيا تمكن الناذر وعدم تضرره بهما فلو كان عاجزا أو كان مضرا ببدنه لم ينعقد (1). نعم لا مانع منه إذا كان حرجا لا يبلغ حد الضرر لان رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، هذا إذا كان حرجيا حين النذر وكان عالما به، وأما إذا عرض الحرج بعد ذلك فالظاهر كونه مسقطا للوجوب. ] سقوط النذر. هذا كله: بناءا على ما ذكره المجلسي (قدس سره) من حمل قوله: (ع) (فليمش) في صحيح رفاعة على المشي المتعارف بلا حفاء. وأما إذا كان المراد من المشي الذي أمر به هو المشي الخاص المقيد بالحفاء الذي تعلق به النذر، فمعناه: أنه إذا نذر المشي حافيا فليمش حافيا حسب نذره وفاء له وإذا تعب فليركب، فيكون صحيح رفاعة معارضا لصحيح الحذاء الدال على مرجوحية المشي حافيا ويتساقطان والمرجع حينئذ الادلة العامة لوجوب الوفاء بالنذر، وهذا المعني الذي ذكرناه مما أحتمله المجلسي أيضا ولكن قال: (أنه بعيد). والظاهر أنه لا بعد فيه بل هذا هو المتفاهم عرفا. فالنتيجة إنعقاد النذر بالمشي حافيا لعموم وجوب الوفاء بالنذر. ثم لا يخفي أن مورد صحيحة الحذاء تعلق النذر بالمشي حافيا، ولا تشمل تعلق النذر بالحج حافيا ومورد كلام المصنف (ره) هو الثاني فالصحيحة أجنبية عن مورد كلامه. (1) يعتبر في متعلق النذر كونه مقدورا للناذر، فلو تعلق بأمر

[ 447 ]

غير مقدور له لا ينعقد، لان النذر هو الالتزام بشئ على نفسه، فلو كان الشئ غير مقدور له لا يمكن أن يلتزم به على نفسه، وأما لو كان المتعلق ضرريا وقلنا بحرمة تحمل الضرر مطلقا شرعا، أو بحرمة تحل الضرر الموجب للهلاك ونحوه وكان الضرر الموجود في البين كذلك، بلا ينعقد النذر أيضا، لان المتعلق حينئذ بمنزلة غير المقدور فلا رجحان فيه، فان الممنوع شرعا كالممتنع عقلا والمفروض ان النذر لا يحلل الحرام، وأما إذا لم نقل بحرمة الاضرار بالنفس مطلقا كما هو المختار عندنا، فحاله حال الحرج، وأما إذا كان المتعلق حرجيا، فيتصور على نحوين: أحدهما: ما إذا كان الحرج متحققا حين النذر وهو عالم به، ثانيهما: ما إذا طرأ الحرج بعد النذر ولا يعلم به حين النذر. أما الثاني: فلا ريب في شمول دليل نفي الحرج له، لانه التزم بالمتعلق من دون التفات إلى الحرج الطارئ، والشارع ينفيه فحاله حال بقية الاحكام الحرجية المرتفعة بدليل نفي الحرج. وأما الاول: فالمعروف بينهم إنعقاد النذر، وعلله المصنف بأن رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، ومقتضى دليل نفي الحرج نفي اللزوم، لان اللزوم هو الذي يؤدي إلى الحرج، وأما المحبوبية والمطلوبية فباقية فلا مانع من الانعقاد. وفيه: أن الكلام في نفي الحرج وأنه من باب الرخصة لا العزيمة إنما يبحث عنه في موارد الاحكام الشرعية إذا طرئها الحرج كما إذا توضأ أو إغتسل بالوضوء أو الغسل الحرجيين، فقد وقع الكلام في صحته وبطلانه، وأختاروا الصحة بدعوى: إن المنفي هو الوجوب وأما أصل المطلوبية والرجحان فباق على حاله لان ذلك مما يقتضيه

[ 448 ]

الامتنان، ولكن قد ذكرنا غير مرة، أن الاحكام الشرعية بسائط ولا تنحل إلى حكمين، فإذا إرتفع الوجوب يرتفع الحكم كلية، وضم دليل نفي الحرج إلى دليل الحكم لا يقتضى بقاء المطلوبية والرجحان، على أن ما ذكروه لا يفيد المقام، لان مقتضى شمول الرفع له إرتفاع وجوب الوفاء بالنذر، ولازمه عدم إنعقاد النذر، مع أنهم ملتزمون بإنعقاد النذر في مورد الحرج ومعنى إنعقاد وجوب الوفاء به، فلا فرق بين كون رفع الحرج على نحو الرخصة أو العزيمة، فإن مقتضى الرفع على كل تقدير منهما، عدم وجوب الوفاء بالنذر وعدم إنعقاده، فأبتناء المقام على أن النفي في الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، مما لا محصل له أصلا. بل هذه المسألة أعني: شمول نفي الحرج للنذر الحرجي وعدمه، مبتنية على أمر آخر، وهو ان دليل نفي الحرج هل يختص بالاحكام الاصلية الابتدائية أو يعم الاحكام الثانوية الالتزامية؟ ربما يقال، بالاختصاص بالاحكام الاصلية، لان دليل نفي الحرج إمتناني ومفاده إن الله تعالى لم يجعل في حق أحد حكما حرجيا وأما إذا التزم المكلف بنفسه بما هو حرجي عليه فلم يكن الحرج ناشئا من حكم الشارع وجعله، بل نشأ من التزام المكلف. وفيه: ان الوقوع في الحرج في موراد الالتزام والنذر مستند إلى الزام الشارع أيضا، فإن الشئ مستند إلى الجزء الاخير من العلة التامة، فوجوب المشئ في نذر المشي إلى الحج إنما نشاء من الشارع والحرج آتيا من قبله، ونذر المكلف والتزامه بشئ مقدمة لالزام الشارع، لان إلتزامه من دون ضم الزام الشارع لا أثر له. وبما ذكرنا يظهر الحال في الضرر غير المحرم.

[ 449 ]

[ (مسألة 29): في كون مبدأ وجوب المشي أو الحفاء بلد النذر أو الناذر أقرب البلدين إلى الميقات أو مبدأ الشروع في السفر أو أفعال الحج أقوال، (1) والاقوى أنه تابع للتعيين أو الانصراف ومع عدمهما فأول أفعال الحج إذا قال (لله علي ان أحج ماشيا). ] والحاصل: إن حديث نفي الضرر أو الحرج يرفع الوجوب بحذافير ه. (1) إختلف الاصحاب في مبداء وجوب المشى أو الحفاء ومنتهاه: أما المبدأ: فهل هو من بلد النذر أو بلد الناذر، أو أقرب البلدين إلى الميقات. أو ان المبدأ هو الشروع في السفر، أو أفعال الحج؟ أقوال وآراء. والظاهر أنه يتبع قصد الناذر، وليس في البين دليل تعبدي يرجع إليه، بل المتبع قصد الناذر، ولو فرض أنه لم يقصد إلا مفهوم هذا اللفظ، فيختلف الحكم، فإن قال: (لله علي أن أحج ماشيا)، فالمبدأ أول أعمال الحج وأفعاله، ولو قال: (لله علي أن أمشي إلى بيت الله) فالمبدأ أول زمان الشروع من أي بلد كان، فإن المفهوم العرفي يختلف حسب اختلاف الالفاظ. وأما المنتهي: أعني آخر المشي فقد اختلف فيه أيضا. فذهب المصنف (ره) إلى أن منتهاه مع عدم التعيين رمي الجمار لا طواف النساء، لان طواف النساء وإن كان واجبا، ولكنه عمل

[ 450 ]

مستقل خارج عن أعمال الحج وأفعاله، ولذا لا يضر تركه عمدا في الحج وإن ترك واجبا. وذهب بعضهم: إلى أن المنتهى طواف النساء. وذهب آخرون إلى أنه الافاضة من عرفات. والصحيح: أنه تابع لقصده أيضا. فإن كان قصده المشي إلى بيت الله الحرام فالوصول إليه كاف ولا يلزم عليه أن يأتي ببقية الاعمال ماشيا، وإن كان قصده المشي في جميع ما وجب عليه في الحج حتى طواف النساء فينعقد النذر حسب إلتزامه وقصده، وأما إذا لم يقصد إلا معنى هذا اللفظ، فالظاهر أنه يعتبر المشي في جميع أعمال الحج أعني إلى تمام رمي الجمار، وأما إلى طواف النساء فلا، لانه خارج من أعمال الحج، ثم ان المصنف ذكر أن الانتهاء برمي الجمار، يستفاد من جملة من الاخبار. (1) والظاهر إن الاخبار على قسمين: أحدهما: ما لم يذكر فيه رمي الجمار، وإنما المذكور فيه الجمرة وهي تنطبق على العقبة وغيرها، وفي بعضها ذكر رمي الجمرة العقبة ولكنه ضعيف السند. ثانيهما: ما ذكر فيه أن المنتهي هو الافاضة من عرفات، وكلاهما على خلاف القاعدة، لانها تقتضي العلم بالنذر حسب ما قصده الناذر، وأما أمضاء النذر بمقدار واسقطاه بمقدار آخر، فيحتاج إلى الدليل، نظير التبعيض في الصوم فإن القاعدة تقتضي التكميل، والروايات من الجانبين صحيحة، فتقع المعارضة بينهما وتسقط، فيرجع


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب وجوب الحج ح: 1 - 7.

[ 451 ]

[ (مسألة 30): لا يجوز لمن نذر الحج ماشيا أو المشي في حجه أن يركب البحر لمنافاته لنذره، وإن إضطر إليه لعروض المانع من سائر الطرق سقط نذره، كما أنه لو كان منحصرا فيه من الاول لم ينعقد، ولو كان في طريقه نهر أو شط، لا يمكن العبور إلا بالمركب فالمشهور (1) أنه يقوم فيه لخبر السكوني، والاقوى عدم وجوبه، لضعف الخبر عن إثبات الوجوب والتمسك بقاعدة الميسور لا وجه له، وعلى فرضه فالميسور هو التحرك لا القيام. ] إلى ما تقتضيه القاعدة من كون المنتهى هو رمي الجمار، لانه مما التزم به على نفسه، فالصحيح ما ذكره المصنف لا للاخبار بل للقاعدة. (1) لو اتفق له في طريقه الاحتياج إلى السفينة، فالمشهور أنه يقوم فيها ولا يجلس، استدلوا له بوجهين: الاول: قاعدة الميسور، لان القيام ميسور المشى الذي يصدر حال القيام. وفيه: ما ذكرناه مرارا من كون قاعدة الميسور مخدوشة كبرى وصغرى فإن القيام ليس بميسور المشي بل هو أمر مغاير له وإن كان المشي يلازم القيام. الثاني: خبر السكوني أن عليا (عليه السلام) سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فعبر في المعبر، قال: فليقم في المعبر قائما حتى

[ 452 ]

[ (مسألة 31): إذا نذر المشي فخالف نذره فحج راكبا فان كان المنذور الحج ماشيا من غير تقييد بسنة معينة وجب عليه الاعادة ولا كفارة إلا إذا تركها أيضا، وإن كان المنذور الحج ماشيا في سنة معينة فخالف وأتى به راكبا وجب عليه القضاء والكفارة، وإذا كان المنذور المشي في حج معين وجبت الكفارة دون القضاء لفوات محل النذر (1) والحج صحيح في جميع الصور خصوصا الاخيرة لان النذر لا يوجب شرطية المشي في أصل الحج، وعدم الصحة من حيث النذر لا يوجب عدمها من حيث الاصل فيكفي في صحته الاتيان به بقصد القربة. ] يجوزه) (1) وأورد عليه المصنف بضعف الخبر، ولكن قد ذكرنا غير مرة أن الخبر معتبر لان السكوني موثق وإن كان عاميا وكذلك النوفلي لانه من رجل كامل الزيارات، فلا بأس بالعمل بالخبر تعبدا خصوصا مع عدم إعراض الاصحاب عنه فما ذهب إليه المشهور هو الاقوى. (1) يقع الكلام من ناحيتين: الاولى: من حيث القضاء والكفارة. الثانية: من حيث صحة الحج الذي أتى به راكبا، ويظهر حكمهما


(1) الوسائل: باب 37 من وجوب الحج ح: 1.

[ 453 ]

من بيان الصور المذكورة في المتن. الصورة الاولى: ما إذا تعلق النذر بالحج ما شيا في سنة ما من غير تقييد بسنة معينة، فخالف فحج راكبا. ذكر المصنف أنه يجب عليه الاعادة ولا كفارة عليه. وأما وجوب الاعادة والاتيان عليه فواضح، لانه لم يأت بالمنذور فيجب عليه اتيان الحج ماشيا وفاءا لنذره، ولا يخفي أن التعبير بالاعادة فيه مسامحة واضحة، لان الاعادة وجود ثانوي للاول لخلل فيه ومقامنا ليس كذلك، لانه إنما يجب عليه الاتيان لعدم اتيانه بالمنذرو أصلا، نظير ما لو نذر إعطاء درهم لزيد فأعطاه إلى عمرو، فانه يجب عليه اعطاء الدرهم لزيد وفاءا لنذره وليس ذلك من الاعادة، فالصحيح أن يقال: أنه لو نذر المشي فخالف وحج راكبا، يجب عليه إتيان الحج ماشيا في السنين المقبلة، ولا يجزي ما حجه راكبا عن الحج ماشيا. وأما عدم الكفارة فلعدم الحنث، لان المفروض عدم تقييد الحج بسنة خاصة، نعم لو أخره إلى أن عجز عن الاتيان يجب عليه الكفارة لتحقق الحنث حينئذ. الثانية: ما إذا كان المنذور الحج ماشيا في سنة معينة فخالف وأتى به راكبا ذكر - رحمه الله - أنه يجب عليه القضاء والكفارة. أما الكفارة فللحنث، وأما وجوب القضاء فمبني على ما تقدم من وجوب قضاء الحج المنذور. الثالثة: ما إذا كان المنذور المشي في حج معين كالحج النيابي أو الحج الاستحبابي فخالف وحج راكبا، وجبت الكفارة لحصول الحنث وأما القضاء فغير واجب لفوات محل النذر، وسقوط الحج المعين

[ 454 ]

[ وقد يتخيل البطلان من حيث أن المنوي وهو الحج النذري لم يقع وغيره لم يقصد، وفيه: أن الحج في حد نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف، ألا ترى أنه لو صام أياما بقصد الكفارة ثم ترك التتابع لا يبطل الصيام في الايام السابقة أصلا، وإنما تبطل من حيث كونها صيام كفارة وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قرائته وأذكاره التي أتى بها من حيث كونها قرآنا، أو ذكرا. ] بالاتيان به فلا موضوع للقضاء والتدارك. هذا كله من ناحية القضاء والكفارة. وأما من ناحية صحة الحج الذي أتى به راكبا، فقد ذكره (ره) ان الحج صحيح في جميع الصور خصوصا الاخيرة، وعللها بأن النذر لا يوجب تقييد الواجب، والتخلف في النذر لا يوجب التخلف في الحج، كما أن عدم الصحة من حيث النذر لا يقتضى بطلان أصل الحج فيكفي في صحته الاتيان به بقصد القربة وإن كان مخالفا لنذره. وأظن أن كلمة (خصوصا) سهو من قلمه الشريف، إذ لا خصوصية لصورة الاخيرة من حيث الصحة، والصحيح أن يقال: حتى الاخيرة. وأما الصحة في الصورة الاولى: وهي ما إذا كان المنذور طبيعي الحج من حيث السنة، ومن حيث أنواع الحج، فلا ينبغي الريب في الصحة ولا موجب لتوهم الفساد اصلا. وأما الثانية: وهي ما إذا قيد المشي بسنة معنية وحج راكبا،

[ 455 ]

[ وقد يستدل للبطلان إذا ركب في حال الاتيان بالافعال بأن الامر باتيانها ماشيا موجب للنهي عن إتيانها راكبا، وفيه: منع كون الامر بالشئ نهيا عن ضده، ومنع إستلزامه البطلان على القول به، مع أنه لا يتم فيما لو نذر الحج ماشيا مطلقا من غير تقييد بسنة معينة ولا بالفورية لبقاء محل الاعادة. ] فيحكم بصحته أيضا، فإن الحج في نفسه محبوب ومأمور به ولا موجب لبطلانه من جهة مخالفة النذر. وسيأتي الكلام فيما استدل به على البطلان. وأما الثالثة: فربما يتخيل فيها البطلان، لان نذره تعلق بالمشئ في حج خاص والنذر يوجب تقييد الواجب، وما أتى به مخالف للمأمور به فيقع فاسدا، نظير ما لو نذر أن يصلي جماعة أو في المسجد فخالف وصلى فرادى، أوفي بيته، فانهم حكموا ببطلان الصلاة لانه لم يأت بالمأمور به وما أتى به لم يؤمر به. وفيه ان: الحج الذي أتي به كالحج النيابي واجب مطلق، كالامر بالصلاة فانه أيضا مطلق من حيث الجماعة والفرادي، والنذر لا يوجب تقييدا في متعلق الوجوب كما أنه لا يمنع من انطباق الطبيعي على المأتى به، وإن كان مخالفا لنذره، فالقاعدة تقتضي الحكم بالصحة لانطباق الطبيعي عليه. فتحصل: أن الحج في جميع الصور الثلاثة، محكوم بالصحة، وإنما يتخيل البطلان في الصورة الاخيرة، ولكنه فاسد كما عرفت. ثم انه قد استدل لبطلان الحج الصادر منه راكبا في جميع الصور المتقدمة، بوجهين آخرين:

[ 456 ]

الاول: ان الامر بإتيان الحج ماشيا موجب للنهي عن إتيانه راكبا والنهي يقتضى الفساد. وفيه: أولا، منع كون الامر بالشئ مقتضيا للنهي. وثانيا: ان النهي تبعي، ودلالته على الفساد ممنوعة. وثالثا: أنه لا يجري هذا الدليل في الصورة الاولى، فهو أخص من المدعى، لتعلق النذر فيها بطبيعي الحج وفي سنة مامن دون تقييد بسنة معينة، فليس الحج راكبا ضدا للطبيعي، فلا مضادة بين المأمور به وبين ما أتى به أصلا. الثاني: أن المنوي وهو الحج النذري لم يقع وغيره لم يقصد. وبعبادة أخرى: لا ينطبق المنوي على الموجود الخارجي، والموجود الخارجي لم يكن منويا. وأجاب عنه في ا لتمن: من أن الحج في نفسه مطلوب، وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف، نظير مالو صام أياما بقصد الكفارة ثم ترك التتابع فلا يبطل صيامه في الايام للسابقة وإنما يبطل من حيث كونه كفارة، فيقع صوما مستحبا قريبا في نفسه، وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قرائته واذ كاره التي اتى بها من حيث كونها قرآنا واذكارا ودعاءا. اقول: لاوجه اصلا، لتنظير المقام بصوم الكفارة إذا ابطل تتابعه. لان المفروض في المقام انه قصد الحج راكبا من اول الامر. ولم يأت به بداعي الوفاء بالنذر، بخلاف صوم الكفارة فانه من الاول قصد صوم الكفارة، ولكن في الاثناء ابطل التتابع، فحينئذ يصح ان يقال: ان صومه السابق يقع مستحبا في نفسه أو يقع باطلا، ويجري فيه الكلام المعروف (ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع)، إلا ان هذا الكلام لا مجال لجريانه في مقامنا، إذلا يمكن ان يقال: ان المنوي

[ 457 ]

غير واقع، بل المنوي واقع في الخارج، لان المفروض انه قصد لحج راكبا وهو واقع خارجا، نظير لو نذر ان يصلى في المسجد فخالف وصلى في داره، فان المنوي واقع وان لم يأت بما كان واجبا عليه، فالمنوي وما وقع في الخارج متحدان ومغايران لما وجب عليه بالنذر، فلو قلنا بالبطلان فانما هو لاجل المخالفة، لا لان ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع، وتحقق التخالف بين المنوي وما وقع في الخارج وبين ما وجب عليه بالنذر، لا يوجب بطلان المأتي به، وانما يلزم عليه الاتيان بما وجب عليه بالنذر، واما كون المأتي به صحيحا ام لا؟ فهو اجنبي عن هذه القضية، (ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد) بل ما قصد وقع وما وقع قصد. نعم لوحج من اول الامر ماشيا ثم ركب في اثناء العمل، يمكن ان يقال ان ما وقع لم يكن منويا وما نواه لم يقع لاختلاف المنوي اولا بما في الواقع. الا ان الصحيح: انه لا مجال لهذا الكلام في هذه الصورة أيضا، لان الامر النذري امر توصلي في طول الامر العبادي وليس في قباله فان الامر العبادي في مرتبة سابقة على الامر النذري، ولا يقاس المقام بصوم الكفارة والصوم المستحب في نفسه، فان احدهما في عرض الآخر، بخلاف المقام لان الامر النذري في طول الامر العبادي، وقد قصدهما معا من اول الامر على الفرض، نظير النذر المتعلق بصلاة الليل ونحوها من المستحبات النفسية التي يصليها لداعيين ولأمرين، الامر النفسي العبادي والامر النذري التوصلي، ونخلف الامر النذري لا يضر بالامر النفسي العبادي المتعلق بالصلاة ويحكم بصحتها وكذا لو نذر ان يصلي بكيفية خاصة، أوفي مكان خاص وخالف فصلي في غير

[ 458 ]

[ (مسألة 32): لو ركب بعضا ومشى بعضا فهو كما لو ركب الكل لعدم الاتيان بالمنذور (1)، فيجب عليه القضاء ] ذلك المكان، فانه من الاول قاصد لصلاة الليل فلا يصح ان يقال: ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، وكذلك التخلف في نذر الحج ماشيا، بان خالف وحج راكبا، فان الامر بالحج مقصود من الاول وانما تخلف الامر النذري، وهو غير ضائر في الحكم بصحته. والجملة: إذا كان الامر ان طوليين وقصدهما معا، فالمأتي به مقصود من اول الامر غاية الامر في الاثناء حصل التخلف، فلا مجال للكلام المعروف (ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد) فانه انما يختص بما إذا لم يأت بالشئ من الاول طبقا لقصده. ولو فرضنا ان المنوي لم يقع وسلمنا جريان هذا الكلام فانه انما يتم في غير الصورة الاخيرة، ولا يتم فيها لان متعلق النذر فيها من المشي في طبيعي الحج هو مقصود من الاول وانما التخلف حصل في فعل آخر وهو المشي المتعلق للنذر، ولاربط له بفساد الحج والاعمال الصادرة منه. فان المشي فعل اجنبي عن الحج وتركه لا يضر بالعمل المأتي به، بدعوى ان المنوي لم يقع والواقع لم يقصد، بل هنا أمران مستقلان احدهما: الامر بالحج الآخر الامر بالمشي واحدهما اجنبي عن الآخر، والتخلف في احدهما لا يوجب بطلان الآخر. فتحصل: مما ذكرنا انه لافرق في الصحة بين نذر المشي في الحج وبين نذر الحج في جميع الصور المتقدمة، والتخلف في النذر لا يوجب بطلان الحج الصادر منه حتى لو قيل ببطلان صوم الكفارة إذا اخل بالتتابع. (1) ويكون آثمااذا كان النذر مقيدا بسنة خاصة، ويجب عليه

[ 459 ]

[ أو الاعادة ماشيا، والقول بالاعادة والمشي في موضع الركوب ضعيف لا وجه له. ] القصاء والكفارة على ما تقدم، واما إذا كان النذر مطلقا من حيث الزمان فيجب عليه الاتيان ماشيا في السنين الآتية، ولا يكتفي بما اتي به ملفقا من المشي والر كوب. وربما قيل: بانه يقضي ويمشي مواضع الركوب فيحصل المشي في سفره إلى الحج بالتلفيق بين السنة الماضية واللاحقة، فلا يجب عليه المشي في تمام سفره في الحج الثاني. وفيه ما لا يخفي: لعدم صدق الحج ماشيا على الملفق. ثم ان هنا رواية معتبرة: وهي رواية ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن - ع - (قال: سأله عباد بن عبد الله البصري عن رجل جعل لله عليه نذرا على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام فمشى نصف الطريق أو اقل أو اكثر، فقال: ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فيتصدق به) (1). وربما يستفاد منها عدم وجوب الامام إذا مشى بعض الطريق، ويتصدق بنفقة الحج من ذلك المواضع. واجيب عن ذلك: بان الرواية مهجورة لا مجال للعمل بها، وقد ذكرنا مرارا وكرارا ان العبرة باعتبار الرواية ولا يضر هجرها والرواية معتبرة ورجال السند كلهم ثقات حتى عبد الرحمان بن حماد فانه من رجال كامل الزيارات. والصحيح ان يقال: ان الرواية لا تدل على ما قيل من عدم


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب النذر ح: 2.

[ 460 ]

[ (مسألة 33): لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره لتمكنه منه أو رجائه سقط، وهل يبقى حينئذ وجوب الحج راكبا أو لا بل يسقط ايضا؟ فيه اقوال: (1) احدها: وجوبه راكبا مع سياق بدنه. (الثاني): وجوبه بلا سياق. (الثالث): سقوطه إذا كان الحج مقيدا بسنة معينة أو كان مطلقا مع اليأس عن التمكن بعد ذلك وتوقع المكنة مع الاطلاق وعدم اليأس. (الرابع): وجوب الركوب مع تعيين السنة أو اليأس في صورة الاطلاق وتوقع المكنة مع ] وجوب الاتمام وجواز الترك اختيارا، والاكتفاء بالتصدق، بل الظاهر منها انها نظير الرواية (1) التي دلت على وجوب صرف جمله ونفقة حجه وزاده في الاحجاج عن مالك هذه الامور إذا مات في بعض الطريق. والفرق ان مورد تلك الرواية فيما له جمل ومورد روايتنا هذه مالا جمل له، وبالجملة: المستفاد من الرواية انه لو مات الناذر في بعض الطريق يتصدق بنفقته، ولا تدل على جواز ترك الحج اختيارا بمجرد المشى في بعض الطريق والتصدق بنفقة الحج، ويدل على ذلك قوله: (ينظر) فانه ظاهر في ان المتصدق غير الناذر، فالمراد ان الناذر مات وينظر شخص آخر في نفقته، وإلا لو كان المراد وجوب التصدق على نفس الناذر لقال: يتصدق بنفقته. وعلى كل: لا دلالة للرواية على مخالفة النذر في مورد السؤال. (1) لو نذر المشي في الحج وكان عاجزا عنه من الاول وغير


(1) الوسائل: باب 26 وجوب الحج ح: 2.

[ 461 ]

[ عدم اليأس. (الخامس): وجوب الركوب إذا كان بعد الدخول في الاحرام وإذا كان قبله فالسقوط مع التعيين وتوقع المكنة مع الاطلاق، ومقتضى القاعدة وان كان هو القول الثالث الا ان الاقوى بملاحظة جملة من الاخبار هن القول الثاني بعد حمل ما في بعضها من الامر بسياق الهدي على الاستحباب. ] متمكن منه، فلا ينعقد، لاعتبار القدرة في متعلقه، وان كان متمكنا من المشي حين النذر ثم طرأ العجز، فلاريب في سقوط المشي للعجز عنه. وهل يبقى حينئذ وجوب الحج راكبا ام يسقط ذلك أيضا؟ فيه اقوال خمسة: مذكورة في المتن، وذكر المصنف - ره - ان مقتضى القاعدة هو القول الثالث، ولكن مقتضى جملة من الاخبار هو القول الثاني. فيقع الكلام تارة: فيما تقتضيه القاعدة، واخرى: فيما تقتضيه الاخبار. اما الاول، فمقتضى القاعدة هو القول الخامس مع زيادة فيه، بمعنى انه إذا كان النذر مقيدا بسنة معينة وطرء العجز عن المشي قبل الاحرام، يفسد النذر لعدم القدرة على متعلقه، وان كان مطلقا ينتظر المكنة، وان طرء العجز عن المشي بعد الاحرام يتم احرامه راكبا ولا يجوز له رفع اليد عن الاحرام، لوجوب اتمام الحج والعمرة كتابا (1) واجماعا وقد ذكرنا ان النذر لا يوجب تقييدا في الامر بالحج، بل هنا امران.


(1) واتموا الحج والعمرة لله. البقرة الآية: 196.

[ 462 ]

احدهما: الامر التوصلي الدال على الوفاء بالنذر. ثانيهما: نفس الامر الحجي، وله ان يأتي بداعي الامر الحجي واجزائه عن الامر النذري المتعلق بالحج ماشيا، يحتاج إلى الدليل. والحاصل: إذا كان النذر مقيدا بسنة معينة وطرء العجز بعد الاحرام بسقط الامر النذري للعجز وان وجب عليه اتمام الحج راكبا. وان كان مطلقا يجب عليه الاتيان بالحج ثانيا مشيا في السنين اللاحقة، فالنذر سواء كان مقيدا بسنة خاصة أو كان مطلقا، يجب عليه اتمام الحج الذي شرع فيه، ولا يكتفي به عن الحج النذري لان الحج النذري كما عرفت اما يسقط، واما يجب اتيانه في العام القابل. وأما الثاني: اعني ما يقتضيه الروايات فهي مختلفة. منها: ما دل على وجوب الحج راكبا مع يساق بدنة أو الهدي، كصحيح الحلبي (1) (رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله وعجز عن المشي، قال: فيركب وليسق بدنة، فان ذلك يجزى عنه) وفي صحيح ذريح المحاربي (عن رجل حلف ليحجن ماشيا فعجز عن ذلك فلم يطقه، قال: فليركب وليسق الهدي) (2). ومنها: ما دل على وجوب الحج راكبا بلا يساق ولا هدى كصحيح رفاعة، (رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله، قال: فليمسش قلت: فانه تعب، قال: فليركب) (3). ومنها: صحيح محمد بن مسلم قال سألته عن رجل جعل عليه مشيا إلى بيت الله فلم يستطع قال: يحج راكبا.


(1) و (2) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح: 1 و 2. (3) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح 1.

[ 463 ]

ومنها صحيحة الآخر بمضمونه (1). وأما ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن محمد بن مسلم وسماعة وحفص وخبر محمد بن قيس (2) فكلها ضعيفة وذلك لان احمد بن عيسى لاريب في الفصل بينه وبينهم، وكيف كان: لاريب في تعارض الطائفتين، وذكر المصنف وغيره، ان الجمع العرفي يقتضي حمل ما دل على وجوب السياق على الاستحباب بقرينة السكوت عنه في صحيح رفاعة الذي هو في مقام البيان، فان السكوت في مقام البيان ظاهر في عدم الوجوب وبعبارة اخرى: لاريب في ان صحيح رفاعة ومحمد بن مسلم يدلان على عدم الوجوب فيعارض الصحيحين المتقدمين ومقتضى الجمع العرفي حمل الصحيحين على الاستحباب. وفيه: ان السكوت في مقام البيان وان كان ظاهرا في عدم الوجوب إلا انه لا يزيد على الاطلاق اللفظي، وهو لا ينافي التقيد بدليل آخر فكيف بالسكوت. وبالجملة: الظهور اللفظي بلغ ما بلغ من القوة قابل للتقييد، نظير قوله - ع - (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء (3). مع ورود التقييد على ذلك بساير المفطرات، فمقتضى القاعدة، هو الالتزام بالتقييد والعمل بالصحيحين ولا اجماع على الخلاف.


(1) الوسائل: باب 8 كتاب النذر ح: 1 و 3. (2) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح: 9 - 11. (3) الوسائل: باب 1 مما يمسك عنه الصائم ح: 1.

[ 464 ]

هذا كله مع قطع النظر عن رواية عنبسة (1) واما بالنظر إليها فالقول الثني هو الاقوى لظهور الرواية في الاستحباب، وعدم وجوب السياق لقوله: (اني احب ان كنت مؤسرا ان تذبح بقرة) والرواية معتبرة، لان الشيخ رواها في كتاب النذر بطريق صحيح وعنبسة ثقة لكونه من رجال كامل الزيارات، فلابد من حمل الصحيحين على الاستحباب لصراحة الرواية في الاستحباب وجواز الترك. ثم انه لا فرق في ذلك بين عروض العجز عن المشي في الاثناء أو حدوثه من الاول، ومن غير فرق بين ان يكون العجز قبل الدخول في الاحرام أو بعده، ومن غير فرق بين كون النذر مطلقا أو مقيدا بسنة معينة وكان اليأس حاصلا بالفعل، لاطلاق النصوص. وأما إذا لم يكن مأيوسا فسيأتي الكلام فيه عن قريب (ان شاء الله تعالى). فالمتحصل من روايات المقام، امران. احدهما: ما إذا كان متمكنا من المشي ثم طرء العجز عنه في الاثناء أو حدث مانع آخر، فانه ينعقد نذره وينتقل الامر إلى البدل وهو الحج راكبا، وهذا هو القدر المتيقن من الروايات. ثانيهما: من يرجو التمكن من المشي ويتوقع المكنة منه فمشى ثم انكشف الخلاف وظهر انه كان عاجزا من الاول، فان القاعدة تقتضي بطلان النذر، لان العبرة في انعقاده بالواقع وبالقدرة في ظرف العمل، فإذا ظهر العجز في وقت العمل ينكشف بطلانه من الاول ولكن مقتضى اطلاق الروايات عدم البطلان وانتقال الواجب إلى البدل وهو الحج راكبا، فلا موجب لاختصاص الروايات بالاول، لاسيما


(1) الوسائل: باب 8 كتاب النذر ح: 5.

[ 465 ]

مثل اطلاق صحيح الحلبي (رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله وعجز عن المشي، قال: فليركب) (1). فان الظاهر من قوله: (وعجز عن المشي) انه مشى مقدارا ثم عجز عنه ولا اقل من الاطلاق، فانه يشمل مورد الرجاء وتوقع المكنة من المشي وكشف الخلاف، وظهور العجز من الاول، ولا يختص بالعجز الطارى ء، ولا مانع من التعبد بظاهر الروايات ولا موجب لرفع اليد عن ذلك، نظير قضاء نذر الصوم المعين إذا صادف مانعا من الموانع. نعم لو علم بالعجز من الاول ولم يكن راجيا اصلا للتمكن من المشي، فلاريب في بطلان النذر، لعدم امكان الالتزام على نفسه بشئ غير مقدور، فان النذر هو الالتزام بشئ لله ولابد ان يكون متعلقه مقدورا أو متوقع القدرة، واما إذا كان غير مقدور بالمرة فلا يصح الالتزام به. ثم ان المصنف - رحمه الله - احتاط بالاعادة فيما إذا كان النذر مطلقا ولم يكن مأيوسا من المكنة بل كان يرجو التمكن من المشي وكان ذلك قبل الشروع في الذهاب والسفر، ومع ذلك سافر راكبا ثم برء وتمكن من المشي في السنة الآتية. اقول: الاحتياط في محله، بل لا مقتضى للاجزاء فيجب عليه الحج ماشيا في السنة التي تمكن منه، لعدم شمول الروايات الدالة على الاجزاء، والانتقال إلى الحج راكبا، لهذه الصورة وانصرافها عنها، وذلك لان موضوع الروايات هو العجز عن المشي وعدم الاستطاعة منه، وهو غير حاصل في المقام لان المنذور على الفرض


(1) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح: 3.

[ 466 ]

[ بقرينة السكوت عنه في بعضها الآخر مع كونه في مقام البيان مضافا إلى خبر عنبسة الدال على عدم وجوبه صريحا فيه من غير فرق في ذلك بين ان يكون العجز قبل الشروع في الذهاب او بعده وقبل الدخول في الاحرام أو بعده، ومن غير فرق ايضا بين كون النذر مطلقا أو مقيدا بسنة مع توقع المكنة وعدمه، وان كان الاحوط في صورة الاطلاق مع عدم اليأس من المكنة وكونه قبل الشروع في الذهاب الاعادة إذا حصلت المكنة بعد ذلك، لاحتمال انصراف الاخبار عن هذه الصورة والاحوط اعمال قاعدة الميسور ايضا بالمشي بمقدار المكنة، بل لا يخلو عن قوة، للقاعدة، مضافا إلى الخبر (عن رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله حافيا قال (ع): فليمش فإذا تعب فليركب) ويستفاد كفاية الحرج والتعب في جواز الركوب وان لم يصل إلى حد العجز، وفي مرسل حريز (إذا حلف الرجل ان لا يركب أو نذر ان لا يركب فإذا بلغ مجهوده ركب). ] مطلق وغير مقيد بسنة معينة، والمفروض انه قد حصل له التمكن في السنة الآتية، ولم يكن اليأس عن المشي حاصلا له في هذه السنة بل كان يرجو زوال العذر ويتوقع المكنة من المشي، فلا موجب للاجزاء اصلا. والحاصل: ما لم يتحقق الموضوع ولم يحرز موضوع سقوط الواجب

[ 467 ]

لا مجال للاجزاء، من دون فرق بين كون الرجاء حاصلا قبل الشروع في السفر أو بعده، ولذا ذكرنا في التعليقة ان الاظهر هو الاعادة. نعم لو اعتقد انه غير قادر وانه عاجز عن المشي، أو قامت امارة على ذلك، فحج راكبا ثم انكشف الخلاف، يبتنى الاجزاء وعدمه على القاعدة المعروفة من ان الامر الظاهري أو الخيالي يجزى. عن الامر الواقعي ام لا؟ وقد حقق في محله عدم الاجزاء، فانه على خلاف الاصل ويحتاج إلى الدليل، وموضوع الروايات الدالة على الاجزاء انما هو العجز لاخياله. وبيان آخر: ان الذي يظهر من الروايات، اجزاء الحج الذي اتى به راكبا عن الحج المنذور مشيا، لان الظاهر منها كونها في مقام بيان الامتثال وكيفيته وانه كيف يفي بنذره بعد حصول العجز فان قوله: - ع - (فليمش فإذا تعب فليركب) ظاهره انه مشى مقدارا ثم تعب فأمره بالركوب، فالامر بالركوب ليس عملا مستقلا، بل هو بيان لكيفية الامتثال الا جتزاء بما اتى به، وليس المراد انه يتم عمله هذا ثم يأتي بالحج ماشيا في السنة اللاحقة، واوضح من ذلك قوله: - ع - في معتبرة عنبسة (فبلغ جهده) أو (فبلغ فيه مجهوده فلا شئ عليه) فان الظاهر من ذلك، ان المكلف أعمل قدرته وجهده واتى بالمشي بمقدار امكانه وجهده ولكنه شق عليه اتمامه فأمره - ع - بالاقتصار على ما فعله والاجتزاء به، فيظهر من ذلك كله انه لو طرء العجز بعد الشروع في السفر يجزى عمله وان كان يرجو الزوال، واما لو طرء العجز قبل الشروع في السفر في صورة الاطلاق وكان عدم اليأس حاصلا قبل الشروع في الذهاب، فالروايتان منصرفتان عن هذه الصورة ولا تشملا ها، وانما تشملان ما إذا مشى وعجز عن

[ 468 ]

المشي. فالصحيح ما ذكره المصنف - رحمه الله - من التفصيل. فرع: لو تمكن من المشي بمقدار فهل يجب عليه ذلك ام يسقط المشي بالمرة؟ وجهان: اختار المصنف: الاول لوجهين: احدهما: قاعدة الميسور. ثانيهما: النص وهو خبر رفاعة (1) ومرسل حريز (2). اقول: اما قاعدة الميسور فقد ذكرنا كرارا ومرارا انها مخدوشة كبرى وصغرى ومقتضى القاعدة هو سقوط المشي بالمرة والانتقال إلى الركوب كما يقتضيه صحيح الحلبي المتقدم (3) واما الخبر الذي استدل به فهو خير رفاعة الذي ذكره صاحب الوسائل. تارة: عن سماعة وحفص في باب الحج، وذكر المعلق على الوسائل انه رفاعة بدل سماعة إلا ان الخبر ضعيف للفصل بين احمد بن محمد بن عيسى ورفاعة. واخرى: في باب النذر بسند صحيح عن رفاعة وحفص (4) (عن رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله حافيا قال فليمش فإذا تعب فليركب) وكل من الخبرين لا يفيده لان موردهما الحفاء، وقد تقدم الكلام في نذر الحفاء واما خبر حريز فضعيف لارساله. فالاولى: ان يستدل بصحيحة اخرى لرفاعة لم يذكر فيها الحفاء (قال: قلت لابي عبد الله - ع -: رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله


(1) و (2) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح: 10 و 12. (3) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح: 3. (4) الوسائل: باب 8 النذر ح: 2.

[ 469 ]

[ (مسألة 34): إذا نذر الحج ماشيا فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي من مرض أو خوف أو عدو أو نحو ذلك فهل حكمه حكم العجز فيما ذكر أو لا لكون الحكم على خلاف القاعدة؟ وجهان، ولا يبعد التفصيل بين المرض ومثل العدو باختيار الاول في الاول والثاني في الثاني، وان كان الاحوط الالحاق مطلقا (1). ] قال: فليمش، قلت: فانه تعب، قال: فإذا تعب ركب) (1) وبمعتبرة عنبسة المتقدمة. ثم انه يستفاد من النص كفاية الحرج والمشقة في الانتقال إلى الركوب، لان التعبير بالتعب في صحيح رفاعة والجهد في معتبرة عنبسة ظاهر في كفاية المشقة، فلا يختص الانتقال إلى الركوب بمورد العجز عن المشي. (1) الروايات الواردة في المقام مختلفة، ففي بعضها ذكر عنوان التعب كما في صحيح رفاعة، وهذا العنوان لا يشمل العدو في الطريق أو الحر أو البرد الشديدين ونحو ذلك من الموانع، وذكر في بعضها الآخر عنوان العجز وعدم الاستطاعة، كما في صحيح الحلبي وابن مسلم المتقدمين، وهذا العنوان يشمل عدم التمكن من المشي من أي سبب كان، سواء كان ن لضعف في بدنه أو كسر، أو جرح، أو وجع يمنعه من المشي - وان كان قويا في بدنه ولا يتعب من المشي في نفسه وانما يعجز عنه لاسباب خارجية كالجرح والكسر ونحو ذلك للصدق


(1) الوسائل: باب 34 وجوب الحج ح: 1.

[ 470 ]

العرفي في جميع هذه الموارد، وكذا يشمل ما إذا لم يتمكن من المشي لوجود بحر، أو نهر في الطريق لا يمكنه العبور منه، أو وجود مانع آخر في الارض كالشوك أو الحر الشديد بحيث يمنع من وضع قدمه على الارض. نعم لو فرض ان المرض لا يمنعه من المشي وانما يبطأ برأه، أو يحدث له مرض آخر بسب المشئ وإلا فهو متمكن من المشي بالفعل وكذا لو لم يتمكن من المشي لخوف العدو في الطريق فلا يصدق عنوان العجز أو التعب أو عدم الطاقة المأخوذ في النصوص على هذه الموارد ولا اقل من الشك في صدقه نعم معتبرة عنبسة تشمل جميع هذه الموارد لقوله - ع - (فبلغ جهده) فان المستفاد من ذلك ان الميزان بلوغ هذا المقدار من الجهد، فيشمل جميع الموانع عن المشي فتلتزم بسقوط وجوب المشي خاصة وبقاء اصل وجوب الحج المنذور، وبالجملة لا مانع من شمول بعض الروايات الدالة على عدم سقوط الحج بالمرة لجميع هذه الموارد.

[ 471 ]

بانتهاء بحثنا عن وجوب الحج وشرائطه والحج والواجب بالنذر تكون قد اكملنا طباعة الجزء الاول من كتاب (معتمد العروة) وسنبدء بعونه تعالى في الجزء الثاني من البحث عن النيابة في الحج، والى الله القدير اضرع ان يوفقني لطباعة بقية الاجزاء لا كمال هذا البحث القيم، ومن الله اسئل ان يديم ظل سيدنا الاستاذ الامام الخوئي متعنا بطول بقائه الشريف لمواصلة تدريسه لبقية البحوث الفقهية، انه سميع مجيب، وصلى الله على سيد نا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. رضا الموسوي الخلخالي 20 ربيع الاول سنة 1405 ه‍. المقدار من الجهد، فيشمل جميع الموانع عن المشي فتلتزم بسقوط وجوب المشي خاصة وبقاء اصل وجوب الحج المنذور، وبالجملة لا مانع من شمول بعض الروايات الدالة على عدم سقوط الحج بالمرة لجميع هذه الموارد.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية