الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصوم - السيد الخوئي ج 2

كتاب الصوم

السيد الخوئي ج 2


[ 1 ]

مستند العروة الوثقى كتاب الصوم محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله العالي تأليف الشيخ مرتضى البروجردي

[ 3 ]

الجزء الثاني شرائط وجوب الصوم إلى نهاية كتاب الاعتكاف

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين. وبعد: - فهذا هو الجزء الثاني من كتاب الصوم من (مستند العروة الوثقى) مع كتاب الاعتكاف ونسأله تعالى التوفيق لانهاء بقية الاجزاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[ 5 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم فصل في شرائط وجوب الصوم وهي أمور: الاول والثاني: والبلوغ، العقل، فلا يجب على الصبي والمجنون (1)، إلا أن يكملا قبل طلوع الفجر (2) دون ما إذا كملا بعده (3) فانه لا يجب عليهما وان لم يأتيا بالمفطر بل وان نوى الصبي الصوم ندبا. ] (1): - يدلنا على اعتبار الكمال من جهة البلوغ والعقل في كافة التكاليف التي منها وجوب الصوم - مادل من الروايات على رفع القلم عن الصبي، وعن المجنون، الكاشف عن ان المخاطب في اوامر الله تعالى ونواهيه انما هو البالغ العاقل، وغيره خارج عن موضوع التكليف. (2): - لاندراجهما بالكمال الحاصل قبل فعلية الخطاب في موضوع التكليف المستلزم لشمول الحكم - طبعا - لهما كغيرهما من مستجمعي شرائط التكليف. (3): - لاريب في عدم الوجوب وقتئذ فيما لو كان قد تناول المفطر قبل ان يتصف بالكمال، لجواز الافطار له آنذاك، ومعه

[ 6 ]

لا مقتضي لتكليفه بعدئذ بالامساك، بعد وضوح ان الصوم عبادة واحدة مركبة من مجموع الامساكات المحدودة من طلوع الفجر إلى الغروب، فإذا أفطر في بعض الوقت ولم يكن صائما فأمر غير الصائم بالامساك التادبي تعبدا يحتاج إلى الدليل ولم يقم عليه دليل الا فيمن افسد صومه غير الشامل لمثل المقام كما هو واضح. واما لو لم يكن متناولا فالظاهر ان الامر ايضا كذلك، لعدم عد الامساك السابق من الصوم بعد عدم كونه مأمورا به حالئذ حسب الفرض، والاجتزاء بالامساك بقية النهار بتنزيل الباقي منزلة المجموع، نظير ما ورد في المسافر الذي يقدم اهله قبل الزوال من تجديد النية في هذا الحال بدلا عن طلوع الفجر يحتاج إلى الدليل بعد كون الاجتزاء المزبور على خلاف القاعدة، ولم يرد عليه دليل في المقام. هذا فيما إذا لم يكن ناويا للصوم قبل ذلك. واما إذا كان ناويا للصوم الندبي وقلنا بمشروعية عبادات الصبي - كما هو الحق - فبلغ اثناء النهار، فهل يجب عليه اكمال هذا الصوم ويحسب له صوما اولا؟ احتاط الماتن في المقام بالاتمام والقضاء - على ما يقتضيه ظاهر عبارته - وان كان الاحتياط استحبابيا. اقول يقع الكلام تارة من حيث وجوب الاتمام وعدمه، واخرى من ناحية القضاء. اما الكلام من حيث الاتمام فالظاهر عدم وجوبه لعدم الدليل عليه، فان صومه وان كان مشروعا ومأمورا به حسب الفرض الا انه كان على صفة الندب، إذ المأمور بالصوم الواجب هو من كان بالغا وقت تعلق الخطاب، اعني من لدن طلوع الفجر، ومن البين ان الالتزام

[ 7 ]

بانقلاب الامر الندبي إلى الوجوبي في مرحلة البقاء يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه في المقام. ودعوى ان المرفوع انما كان هو الالزام حال الصبا وحين صغره، واما بعد البلوغ فالالزام باق على حاله. مدفوعة بان الصوم تكليف وحداني لاتبعض فيه متعلق بالامساك من الطلوع إلى الغروب على صفة الوجوب أو الاستحباب والذي كان ثابتا سابقا هو الامر الاستحباب ولم يتعلق الوجوبي من الاول. واما تعلقه بالامساك في جزء من النهار والاجتزاء به عن الكل فهو انما ثبت في موارد خاصة كالمسافر الذي يقدم اهله قبل الزوال، وليس المقام منها. واما قياس المقام بباب الصلاة فيما لو بلغ المصلي آخر الوقت اثناء الصلاة المحكوم حينئذ بوجوب الاتمام بلا كلام ففي غير محله. والوجه فيه ان الصلاة المأمور بها المحدودة مابين المبدء والمنتهى طبيعة واحدة، سواء أكان المتصدي لها هو الصبي - بعد البناء على شرعية عباداته - ام البالغ، غاية الامران الامر المتعلق بها قد يكون وجوبيا واخرى استحبابيا، فالاختلاف انما هو من ناحية الامر دون المأمور به. ومن ثم ذكرنا في كتاب الصلاة: ان الصبي لو بلغ في الوقت بعد ما صلى لم تجب عليه الاعادة، ولا وجه لدعوى ان ما اتى به كان مندوبا، واجزاؤه عن الواجب يحتاج إلى الدليل. لما عرفت من وحدة الطبيعة واختصاص الخطاب باقامة الصلاة - بحسب الانصراف العرفي - بمن لم يكن آتيا بها ومقيما لها، فلا جرم يجتزي بما اتى به بطبيعة الحال.

[ 8 ]

وبعبارة أخرى المأمور به إنما هو الكلي الطبيعي المحدود ما بين الحدين، خوطب به صنف وجوبا وصنف آخر ندبا، والطبيعة طبيعة واحدة، فإذا وجدت في الخارج صحيحة ومتقربا بها إلى الله تعالى لم يكن بعدئذ أي مقتض للاعادة، وإن طرأ وصف الوجوب حسب الفهم العرفي كما لا يخفى. ومثله مالو بلغ أثناء الصلاة مع سعة الوقت فانه لا يجب عليه القطع والاعادة، غايته انقلاب الامر بقاء إلى الوجوب، فيصح إذا كالبالغ مخيرا - مع الغض عن دليل حرمة القطع - بين الاكمال والاستيناف كما هو الحال في جميع موارد التخيير العقلي، فان الواجب ارتباطي وهو ما لم يفرغ عنه مخاطب بايجاد الطبيعة وامتثالها ويتحقق ايجادها تارة بتكميل هذا الفرد وتسليمه، وأخرى برفع اليد عنه والاتيان بفرد آخر. فان الصبي البالغ في الاثناء يشاطر البالغين في هذا المناط بعد ما عرفت من اتحاد الطبيعة، فيثبت التخيير المزبور في حقه أيضا حسبما عرفت. وأما لو بلغ أثناءها مع ضيق الوقت، فقد يتمكن من إدراك ركعة واحدة لو قطع وأخرى لا. لا ينبغي التأمل في انقلاب الامر إلى الوجوب في الفرض الاول لتمكنه من الاتيان بالطبيعة اما بالاتمام أو الاستيناف على حذو ما عرفت غير انه يتعين عليه اختيار الاول نظرا إلى قصور دليل الاجتزاء بالركعة عن الشمول لصورة التعجيز الاختياري وانه ما دام يتمكن من ادراك التمام في الوقت - وهو متمكن منه في المقام بالاتمام - لا ينتقل إلى البدل الذي هو وظيفة العاجز بطبعه عن ادراك المبدل منه. وأما في الفرض الثاني كما لو بلغ وهو في الركوع الرابع من صلاة

[ 9 ]

العصر، فالظاهر عدم وجوب الاتمام حينئذ بل له رفع اليد أو الاتمام ندبا، إذ الخطاب الوجوبي بالصلاة ذات الاربع إنما يتوجه نحو من يتمكن من الاتيان بها، أما بنفسها أو ببدلها ببركة دليل (من أدرك)، والمفروض عجزه عن الاتيان بشئ منهما، فانه لدى الشروع لم يكن بالغا، وبعد البلوغ لم يكن قادرا على الركعة فضلا عن الاربع نعم يمكنه إدراك الاربع باتمام هذا الفرد الذي كان شارعا فيه قبل بلوغه، إلا أن الكلام في شمول دليل الوجوب لمثله لما عرفت من استظهار اختصاصه بمن يتمكن ولو من الركعة بعد الاتصاف بالبلوغ. هذا ولو تنازلنا وبنينا على الوجوب في باب الصلاة فلا نكاد نلتزم به في باب الصوم للفرق الواضح بين الموردين، فان الواجب هناك انما هو الطبيعي الجامع بين الافراد الطولية المتخللة مابين الحدين - من الزوال إلى الغروب - ولقائل أن يقول ان هذا الطبيعي مقدور له ولو باتمام هذا الفرد فيشمله دليل الوجوب. وأما في المقام فالمأمور به إنما هو نفس هذا الفرد: أي الامساك من الطلوع إلى الغروب الذي قد مضى شطر منه حسب الفرض الممتنع تداركه. لاأقول إن المأمور به هو الموجود الخارجي ليندفع بما هو التحقيق من تعلق الاوامر بالطبايع دون الافراد. بل أقول: إن المأمور به هو طبيعي الامساكات المنضم بعضها إلى بعض والمرتبطة من المبدء إلى المنتهى فليس لطبيعي الصوم في هذا اليوم إلا فرد واحد ممتد. ومثله كيف يمكن ايجاده في الخارج بعد ما بلغ، والممكن إنما هو الاتيان ببقية الاجزاء غير ان الاجتزاء به عن الكل

[ 10 ]

[ لكن الاحوط مع عدم اتيان المفطر الاتمام والقضاء (1) إذا كان الصوم واجبا معينا ولافرق في الجنون بين الاطباقي والادواري إذا كان يحصل في النهار ولو في جزء منه وأما لو كان دور جنونه في الليل بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه. ] يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه في المقام حسبما عرفت وعلى الجملة الفرق بين البابين لعله في غاية الوضوح، لفعلية الامر بالصلاة سيما مع ادراك الركعة وله الامتثال إما باتمام هذا الفرد أو بايجاد فرد آخر. وأما في المقام فالامر الوجوبي غير موجود بعد البلوغ للعجز عن تمام المتعلق والاجتزاء بالبعض والضم بما سبق وان أمكن ولكنه موقوف على قيام الدليل ولا دليل عليه في المقام. (1): - قد عرفت حكم الاتمام واما الكلام من ناحية فقد احتاط في المتن بالجمع بينه وبين الاتمام. ولا يبعد أن يكون هذا سهوا من قلمه الشريف لعدم احتمال القضاء بعد فرض الاتمام وعدم تناول المفطر كي يحتاط بالجمع المزبور، إذ المفروض انه قد أتم صومه، فان كان مأمورا بالاتمام فقد فعل وإلا فلم يفت عنه شئ ليقضيه، وإنما يتجه القضاء فيما لو أفطر لاحتمال فوت الصوم الواجب عليه وقتئذ، لا فيما لم يفطر كما هو مفروض كلامه (قدس سره). وقد عرفت عدم الفوت في هذه الصورة أيضا لعدم وجوب الاتمام كما هو الحال في المجنون الذي أفاق أثناء النهار ولم يفطر فانه لا يجب عليه اتمام الصوم لعدم الدليل عليه.

[ 11 ]

[ " الثالث " عدم الاغماء فلا يجب معه الصوم ولو حصل في جزء من النهار (1) نعم لو كان نوى الصوم قبل الاغماء فالاحوط إتمامه. ] (1): - لم يرد نص في خصوص المقام يدل على اشتراط وجوب الصوم بعدم الاغماء، بل المسألة مبنية على المسألة المتقدمة في الفصل السابق من اشتراطه في صحة الصوم إلحاقا للاغماء بالجنون، فان تم ذلك فلا شك في دخله في تعلق الامر أيضا، واشتراط الوجوب به كالصحة، فلا أمر حال الاغماء بعد عجزه عن المأمور به. ولكنه لم يتم - كما تقدم - لعدم الدليل على الالحاق المزبور بعد ان كان مغايرا مع الجنون موضوعا لانحفاظ العقل معه وعدم زواله، وإنما الزائل الادراك كما في النوم غايته انه أشد منه، فلا مانع إذا من تكليفه بالصوم على ما تقدم في أول كتاب الصوم من ان النية المعتبرة فيه تفارق ما هو المعتبر في العبادات الوجودية في عدم لزوم انبعاث كل جزء من هذه العبادة عن داعي الامر، بل اللازم أن يكون على جانب من المفطرات وبعيدا عنها وإن استند ذلك إلى أمر غير اختياري من عجز أو حبس أو نوم ونحوها وكما يجتمع ذلك مع النوم يجتمع مع الاغماء أيضا بمناط واحد بلا فرق بين ما استند منهما إلى الاختيار أو ماكان بغلبة الله سبحانه. إذا فما ذكره (قدس سره) من الاحتياط فيما لو كان ناويا للصوم قبل الاغماء وجيه وفي محله.

[ 12 ]

[ " الرابع " عدم المرض الذي يتضرر معه الصائم (1) ولو برئ بعد الزوال ولم يفطر لم يجب عليه النية والاتمام واما لو برئ قبله ولم يتناول مفطرا فالاحوط ان ينوي ويصوم وان كان الاقوى عدم وجوبه. ] (1): - بلا خلاف فيه ولا اشكال كما نطق به الكتاب العزيز الظاهر في ان المريض والمسافر وظيفتهما القضاء تعيينا، كما ان غيرهما مكلف بالاداء كذلك، واطلاقه وان شمل عموم المرضى الا ان مناسبة الحكم والموضوع مضافا إلى النصوص المستفيضة دلتنا على الاختصاص بمريض خاص وهو الذي يضره الصوم، مشيرا في بعضها لتحديده بان الانسان على نفسه بصيرة وقد تقدمت سابقا، وهذا مما لا غبار عليه. وانما الكلام فيما لو برئ اثناء النهار ولم يستعمل المفطر، فهل يجب عليه تجديد النية ويحسب له صوم يومه، أو ان التكليف قد سقط بمرضه سواء افطر ام لم يفطر؟ اما إذا كان ذلك بعد الزوال فلا ينبغي الاشكال في عدم الوجوب لفوات المحل بحلول الزوال وعدم التمكن بعدئذ من التجديد، والمفروض انه لم يكن مكلفا إلى هذا الزمان، ولا دليل على قيام الباقي مقام الجميع كما هو واضح. واما إذا كان قبله فالمشهور هو الوجوب، بل عن جمع دعوى الاجماع عليه الحاقا له بالمسافر، بل في المدارك ان المريض اولى منه لكونه اعذر: ولكنه كما ترى فان النص مختص بالمسافر، والقياس لا نقول به

[ 13 ]

والاولوية لم نتحققها بعد عدم الاحاطة بمناطات الاحكام، ولم يثبت اجماع تعبدي يعول عليه في المسألة. إذا كان مقتضى القاعدة ما ذكره (قدس سره) من عدم الفرق بين ما قبل الزوال وما بعده في عدم وجوب الاتمام، فلا يجب عليه الامساك بعنوان الصيام بعد خروجه عن عموم الآية المباركة من الاول، ومن المعلوم ان الامساك بعد ذلك من غير المأمور بالصيام يحتاج إلى قيام الدليل ولم ينهض عليه أي دليل في المقام. نعم الاحوط ذلك فيجدد النية ويتم ثم يقضيه: ثم لا يخفى ان صور هذه المسألة ثلاث: إذ تارة يفرض انه كان مريضا واقعا وقد حصل البرء واقعا ايضا اثناء النهار بمعالجة أو دعاء ونحوهما قبل الزوال أو بعده. واخرى ينكشف لدى البرء عدم المرض من الاول، أو عدم كونه مضرا فكان اعتقاد الاضرار مبنيا على محض الخيال وجواز الافطار مستندا إلى الخطأ والاشتباه. وهذا على نحوين: إذ تارة يستند في جواز الافطار إلى حجة شرعية من خوف عقلائي، أو ظن الضرر، أو اخبار طبيب حاذق ثقة مع عدم بلوغ الضرر الثابت بالطريق الشرعي المسوغ للافطار حد الحرمة، حيث ذكرنا في بحث لاضرر عدم حرمة الاقدام على مطلق الضرر، عدا ما تضمن الالقاء في التهلكة وما في حكمه دون ما لم يكن كذلك كخوف الرمد ونحوه. واخرى يستند إلى الاعتقاد الجزمي بالضرر بحيث لا يحتمل معه الخلاف، أو استند إلى الحجة الشرعية ولكن الضرر كان بالغا حد الحرام كما لو أخبره الطبيب الماهر بان في صيامك خطر الموت.

[ 14 ]

ولا يخفى وضوح الفرق بين هذين النحوين لانحفاظ مرتبة الحكم الواقعي في الاول منهما بعد احتمال عدم اصابة الطريق، فلا مانع من بقاء الامر الواقعي لكونه قابلا للامتثال ولو من باب امكان الاحتياط واستحبابه، غايته أن مع قيام طريق ظاهري على خلافه يكون المكلف معذورا لدى التعويل عليه (كما هو شأن كل حكم واقعي قام على خلافه حكم ظاهري من غير أي تناف بينهما حسبما هو مقرر في محله. فهو مكلف لدى خطأ الطريق بالصوم واقعا وان كان مرخصا في الافطار ظاهرا. وهذا بخلافه على النحو الثاني لامتناع امتثال حكم يقطع بعدمه، أو قام الطريق الشرعي على حرمته فلا سبيل إلى امتثاله حتى من باب الاحتياط. ومن البين ان ما هذا شأنه يستحيل جعله من المولى الحكيم للزوم اللغوية، إذ أي أثر في جعل حكم لا يكون قابلا للامتثال بوجه من الوجوه، فلا جرم يكون الحكم الواقعي ساقطا وقتئذ بطبيعة الحال. وكيفما كان فقد عرفت ان صور المسألة ثلاث: منها: ما لو انكشف عدم المرض أو عدم الضرر من الاول، وكان مستندا في الضرر المتخيل إلى حجة شرعية ولم يكن بالغا حد الحرمة. وحيث قد عرفت آنفا بقاء الحكم الواقعي حينئذ على حاله للتمكن من امتثاله فالانكشاف المزبور يلازم طبعا إنكشاف الامر بالصوم من الاول وان كان معذورا ما دامت الحجة قائمة علي خلافه ونتيجة ذلك وجوب الامساك بقية النهار بلا فرق بين ما إذا كان الانكشاف قبل الزوال أم بعده لوحدة المناط وهو انكشاف كونه مأمورا بالصوم واقعا من الاول. بل يجب الامساك حتى لو كان قد أفطر قبل ذلك كما لا يخفى.

[ 15 ]

ولا شك حينئد في وجوب القضاء، كما لا اشكال في وجوبه أيضا وان لم يفطر فيما لو كان الانكشاف بعد الزوال، لفوات محل النية فلم يتم له صوم هذا اليوم. وأما لو انكشف قبل الزوال فلا نقص في ذات المأمور به من غير ناحية الاخلال بالنية اللازم رعايتها من لدن طلوع الفجر، حيث قد أخل بها جهلا بالموضوع، ولم يرد نص في خصوص المقام يسوغ التجديد، وانما ورد في غيره كالمسافر أو الجاهل بكون اليوم من رمضان وقد قدم أو علم قبل الزوال فان الحقناه به لفهم عدم الخصوصية فهو وإلا كان مقتضى القاعدة عدم إجزاء الناقص عن الكامل. ويجرى هذا في غير المريض أيضا، كمن قصد الافطار زعما منه بطريق شرعي ان المقصد الذي يزمع المسير إليه يبلغ المسافة الشرعية فانكشف الخلاف قبل الزوال وقبل أن يتناول المفطر، حيث يستبان له الامر بالصوم من الاول. وإن كان يجوز له الافطار بحسب الحكم الظاهري. وعلى الجملة المقتضي لصحة الصوم المزبور موجود إذ لا قصور في ذاته من غير جهة النية، فان تم الدليل على الالحاق المذكور من اجماع ونحوه فهو وإلا حكم بالبطلان والقضاء لهذه العلة. وقد عرفت عدم الدليل. ومنها: ما لو كان مستندا فيما تخيله من الضرر إلى القطع الوجداني، أو كان مستندا إلى الحجة الشرعية غير ان الضرر كان بالغا حينئذ حد الحرمة. وحيث قد عرفت امتناع الامتثال لانسداد باب الاحتياط وقتئذ إذ لا معنى للرجاء فيما قامت فيه الحجة على

[ 16 ]

الحرمة، كما لا معنى لخطاب القاطع على خلاف قطعه، فالامر الواقعي بالصوم ساقط من الاول لا محالة لوجود المانع عن فعليته وهو الاعتقاد الجزمى أو الطريق الشرعي القائم على التحريم. ومع ذلك كله لو انكشف الخلاف وجب عليه الامساك وإن لم يكن مكلفا بالصوم من الاول. وذلك من أجل ان الاستثناء في كلامه سبحانه إنما تعلق بموردين: المسافر والمريض وشئ منهما غير منطبق عليه حسب الفرض، فلا مانع إذا من اندراجه في مناط عقد المستثنى منه، وان لم يشمله خطابه فان ذلك مستند إلى وجود المانع المزبور كما عرفت لا إلى عدم تحقق المقتضي. وعليه فلا يجوز له الافطار بعد ذلك عامدا، فهو نظير من أبطل صومه المحكوم بوجوب الامساك بقية النهار. ويمكن الاستدلال له باطلاق جملة من الاخبار مثل ما ورد: من أن من جامع أهله نهار رمضان فعليه كذا، فان الخارج منه إنما هو المريض أو المسافر اللذان هما مورد للتخصيص من الاول. أما من لم يكن كذلك وانما كان مخطئا في اعتقاده فلا مانع فيه من التمسك بالاطلاق المزبور ويثبت الحكم في غير الجماع بالقطع بعدم الفرق. وبالجملة فالظاهر انه لا ينبغي الاستشكال في وجوب الامساك في هذه الصورة أيضا. فان كان الانكشاف بعد الزوال وجب القضاء أيضا، وان كان قبله ففي تجديد النية حينئذ وعدمه يجري الكلام المتقدم من الالحاق بالمسافر والجاهل وعدمه فلاحظ. ومنها: ما لو كان مريضا يضره الصوم واقعا، وفي أثناء النهار برئ بعلاج ونحوه بحيث لولاه كان المرض باقيا حقيقة إلى الغروب.

[ 17 ]

فان كان ذلك بعد الزوال فلا شك في عدم وجوب الامساك، وانه لا يحسب له صوم هذا اليوم لخروجه عن العمومات بالكتاب والسنة الناطقين بأن المريض غير مأمور بالصوم. نعم يكره له خصوص الجماع للنهي عنه تنزيها في نهار رمضان حتى ممن لم يكن مأمورا بالصيام على ما نطقت به النصوص. وان كان قبل الزوال فلا اشكال أيضا فيما لو كان قد أفطر قبل ذلك لما عرفت. وأما لو لم يفطر فهو على قسمين: إذ تارة يكون الافطار واجبا عليه ولو يشرب دواء ونحوه حفظا لنفسه عن التعريض للهلكة ونحوها بحيث يكون عاصيا في إمساكه وعدم إفطاره. وأخرى لم يكن واجبا وان كان سائغا لعدم البلوغ حد الضرر المحرم، أو كان بالغا ولكنه لم يتمكن ولو للعجز عن تحصيل الدواء مثلا، أو لغفلة أو نسيان ونحو ذلك بحيث لم يكن آثما في إمساكه، ولم يقع منه على وجه محرم لكونه معذورا فيه. لا شك في عدم المجال لتجديد النية في القسم الاول، ضرورة ان الامساك المنهي عنه لا ينقلب عما وقع ليكون مأمورا به ويتصف بالعبادية كما لو أمسك رياءا، فان دليل التجديد منصرف عن مثله قطعا. وأما في القسم الثاني: فيبتني جواز التجديد على الالحاق المزبور وعدمه حسبما عرفت. والاظهر عدم الالحاق لخروجه بالتخصيص بمقتضى الآية المباركة، وعدم كونه مكلفا بالصوم من الاول، ولو أفطر كان سائغا حتى واقعا فلا يشمله دليل التجديد ليجتزي بما بقي من النهار عن قضاء الصوم الواجب

[ 18 ]

[ (الخامس) الخلو من الحيض والنفاس (1) فلا يجب معهما وان كان حصولهما في جزء من النهار. (السادس) الحضر فلا يجب على المسافر (2) الذي يجب عليه قصر الصلاة بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشرا والمتردد ثلاثين يوما والمكاري ونحوه والعاصي بسفره فانه يجب عليه التمام إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة فكل سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم وبالعكس. (مسألة 1) إذا كان حاضرا فخرج إلى السفر (3) ] عليه تعيينا بمقتضى ظاهر الآية الكريمة، فان السقوط بذلك يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه، فالظاهر عدم الاجتزاء بتجديد النية بل يجوز له الافطار حتى ما بعد البرء لانه قد خصص من الاول. (1): كما تقدم البحث حول ذلك في شرائط الصحة، وعرفت دلالة النصوص على أن الدم يفطر الصائمة ولو قبل مغيب الشمس بلحظة الكاشفة عن إشتراط الوجوب بعدمه. (2): كما تقدم الكلام حوله مستقصى في الفصل السابق وعرفت أن السفر الذي يكون عدمه معتبرا في الصوم هو خصوص ما يكون محكوما فيه بقصر الصلاة لا مطلقا، فلا افطار فيما كان محكوما بالتمام للملازمة الثابتة من الطرفين فكلما قصرت أفطرت وكلما أفطرت قصرت حسبما مر. (3): قد عرفت استثناء المسافر كالمريض بنص الكتاب العزيز، وحينئذ فان كان مسافرا في تمام الوقت أو حاضرا كذلك فلا اشكال

[ 19 ]

[ فان كان قبل الزوال وجب عليه الافطار وان كان بعده وجب عليه البقاء على صومه وإذا كان مسافرا وحضر بلده أو بلدا يعزم على الاقامة فيه عشرة أيام فان كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر وجب عليه الصوم وان كان بعده أو تناول فلا، ] في تعين الافطار على الاول، كالصوم على الثاني. وأما لو تبعض فكان حاضرا في بعضه ومسافرا في بعضه الآخر، فقد يكون حاضرا يعرضه السفر وأخرى ينعكس فيصبح المسافر حاضرا أما بدخول بلده أو محل إقامته. فان كان الاول فقد تقدم البحث عنه مستقصى في الفصل السابق، وعرفت أن السفر إن كان بعد الزوال بقي على صومه مطلقا، وإن كان قبله يفصل بين تبييت النية وعدمه، وعرفت أن الاحوط مع عدم التبييت الجمع بين الاداء والقضاء فراجع ولا نعيد. وإن كان الثاني فالمعروف والمشهور من دون خلاف ظاهر عدا ما ينسب إلى اطلاق كلامي ابن زهرة والشيخ التفصيل بين القدوم بعد الزوال فلا صوم له مطلقا، وبين القدوم قبله فلا صوم له أيضا إن كان قد أفطر وإلا جدد النية وبقي على صومه. هذا ومقتضى إطلاق ما نسب إلى ابن زهرة من استحباب الامساك للمسافر إذا قدم أهله عدم وجوب الصوم حتى إذا كان القدوم قبل الزوال ولم يكن مفطرا. كما أن عكسه ينسب إلى إطلاق كلام الشيخ من أنه متى ما دخل بلده ولم يفعل ما ينقض الصوم أتم صومه ولا قضاء عليه الشامل لما إذا كان الدخول بعد الزوال.

[ 20 ]

ولكن الاطلاق على تقدير كونه مرادا لهما قول شاذ لا يعبأ به، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه، لمنافاته مع النصوص الكثيرة الواردة على طبق مقالة المشهور. منها موثقة أبي بصير: قال: سألته عن الرجل يقدم من سفره في شهر رمضان. فقال: إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتد به (1). فانها بعد ملاحظة ظهور (فعليه.. الخ) في الوجوب كالصريحة في المدعى. نعم لم يفرض فيها عدم الافطار قبل ذلك، ولكن يمكن استفادته من نفس الموثقة نظرا إلى التعبير ب‍ (صيام ذلك اليوم) لوضوح عدم تحقق الصيام المزبور إلا مع عدم سبق الافطار، وإلا لقال عليه صيام بقية النهار، فاسناد الصوم إلى تمام اليوم كاشف عن فرض عدم سبق الافطار كما لا يخفى. ومع الغض عن ذلك فغايته استفادة التقييد من الروايات الاخر. ومنها ما رواه الشيخ باسناده عن سماعة قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟، إلى أن قال إن قدم بعد زوال الشمس أفطر ولا يأكل ظاهرا، وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء (2). ولكنها ضعيفة السند وإن عبر عنها بالموثقة في بعض الكلمات، فان علي بن السندي الواقع في الطريق لم يوثق. نعم وثقه نصر بن الصباح، ولكنه بنفسه لم يوثق فلا أثر لتوثيقه. ودعوى أن المراد به هو علي الميثمي الثقة غير ثابتة لاختلاف


(1) الوسائل باب 6 من ابواب من يصح منه الصوم ح 6. (2) الوسائل باب 6 من ابواب من يصح منه الصوم ح 7.

[ 21 ]

الطبقة حسبما أشرنا إليه في المعجم. نعم مع الغض عن السند فالدلالة ظاهرة ولا مجال للمناقشة فيها بظهور المشية في التخيير فتعارض موثقة أبي بصير المتقدمة. إذ الظهور المزبور إنما يسلم لو كان التعبير هكذا: (فله صيام ذلك اليوم إن شاء) بدل قوله (فعليه.. الخ). أما التعبير ب‍ (على) فهو ظاهر في الوجوب، وحيث انه لا يجتمع مع المشية فلابد إذا من حملها على المشية السابقة على دخول البلد، يعني هو مخير ما دام في الطريق وقبل أن يدخل بين أن يفطر فلا يجب عليه الصوم وبين أن لا يفطر ويدخل البلد ممسكا فيجب عليه الصوم. فالمشية إنما هي باعتبار المقدمة وأن له اختيار الصوم باختيار مقدمته وهو الامساك قبل الحضور، كما له اختيار الافطار حينئذ لا باعتبار نفس الصوم لما عرفت من منافاة المشية فيه مع الظهور في الوجوب المستفاد من كلمة (عليه) وقد صرح بالتخيير المزبور في بعض الروايات الآخر كما ستعرف. ومنها: ما رواه الكليني بسنده عن يونس في حديث قال في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه. يعني إذا كانت جنابته عن احتلام (1) 5 وقد تضمنت قيدين لوجوب الصيام: الدخول قبل الزوال، وعدم الاكل الظاهر في انتفاء الوجوب طبعا بانتفاء أحد القيدين، فلا أمر بالاتمام لو دخل بعد الزوال، أو دخل قبله وقد أكل فهى من حيث الدلالة واضحة.


(1) الوسائل باب 6 من ابواب من يصح منه الصوم ح 5

[ 22 ]

وأما من حيث السند فهي على ما في الوسائل ((الطبعة الحديثة) من ذكر لفظة قال: مرة واحدة مقطوعة أي غير منسوبة إلى الامام عليه السلام وإنما هي فتوى يونس نفسه، ولها نظائر في الكافي ولا سيما عن يونس كما لا يخفى. ولكن الموجود في الكافي تكرار اللفظة فرواها هكذا: (عن يونس في حديث قال: قال.. الخ) فهي إذا مضمرة لا مقطوعة) ويجرى عليها حينئذ حكم ساير المضمرات المعتبرة نظرا إلى أن يونس لا يروي عن غير الامام عليه السلام بحيث ينقلها الكافي، وكذا الشيخ في كتابيه. على أن الصدوق رواها بعينها عن يونس عن موسى بن جعفر عليه السلام، فلا إشكال في السند أيضا، ومناقضة ابن الوليد في روايات محمد بن عيسى عن يونس مردودة لدى من تأخر عنه كما مر غير مرة. وأما قوله: (وهو جنب) فلا اطلاق له يشمل البقاء على الجنابة متعمدا لكي يكون مفطرا قبل الدخول ويتنافى مع مقالة المشهور، بل هو محمول على الجنابة الاحتلامية للتصريح بذلك في الذيل بقوله: (يعني.. الخ) سواء أكان ذلك من كلام الامام عليه السلام أم الراوي. أما على الاول فواضح، وكذا على الثاني الذي احتمله الشيخ لان الراوي وهو يونس يرويها عن الامام عليه السلام هكذا، وأنه (ع) إنما قال ذلك في فرض الاحتلام لا التعمد فيصدق طبعا في حكايته. ثم إنه قد يستظهر من جملة أخرى من النصوص خلاف ذلك فيدعى ظهورها في التخيير بين الصوم وعدمه الذي لا قائل به. ولكن الظاهر عدم الدلالة على ذلك، بل هي ناظرة إلى ما أشرنا

[ 23 ]

إليه من التخيير في المقدمة وقبل دخول البلد لا بعد ما دخل، فلا تكون منافية النصوص المتقدمة الظاهرة في الوجوب حينئذ. منها صحيحة رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار، قال: إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر (1). فانها ظاهرة في اختصاص الخيار بما قبل الدخول. ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يقدم من سفرفي شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار، قال: إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر (2). فان الخيار فيها مقيد بطلوع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله، فلا خيار فيما لو طلع الفجر وهو داخل، أو طلع وكان خارجا إلا أنه دخل أهله بعد ذلك، أي عند ارتفاع النهار وقبل الزوال. فهي أيضا واضحة الدلالة على أن الخيار إنما هو في ظرف عدم الدخول لا بعده. ومثلها صحيحته الاخرى وإن لم تكن بهذا الظهور عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر وهو يريد الاقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم، وإن دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه، وإن شاء صام (3) فان نفي الصيام عنه مستند إلى ما افترضه من كونه مسافرا حال الطلوع، ولا صيام على


(1) الوسائل باب 6 من ابواب من يصح منه الصوم ح 2. (2) الوسائل باب 6 من ابواب من يصح منه الصوم ح 3. (3) الوسائل باب 6 من ابواب من يصح منه الصوم ح 1.

[ 24 ]

[ وان استحب له الامساك بقية النهار (1) ] المسافر كما هو ظاهر. ومع ذلك فقد علق الصوم على مشيئته بقوله عليه السلام: وإن شاء صام، غير أنه لم تبين كيفيته في هذه الرواية، وقد أشير إليها في الروايات الاخر من اختيار الامساك وهو في الطريق إلى أن يدخل بلده قبل الزوال فيجدد النية ويصوم. إذا فالروايات بمجموعها تدل على مقالة المشهور حسبما عرفت. (1): أما بالنسبة إلى من دخل قبل الزوال مفطرا فقد دلت عليه جملة من الروايات التي منها موثقة سماعة، قال: سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل، قال: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا، ولا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل. ومعتبرة يونس قال: قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان وقد أكل قبل دخوله، قال: يكف عن الاكل بقية يومه وعليه القضاء (1). وأما بالنسبة إلى من دخل بعد الزوال فلم نجد عاجلا ما يدل على استحباب الامساك، بل لعل الوجه الاعتباري يقتضي التفصيل، واختصاص الاستحباب بالاول نظرا إلى أن الداخل ما قبل الزوال بما أنه كان في معرض الوجوب لفعليته عليه لو لم يفطر في الطريق فيستحب له التشبه بالصائمين مواساة بهم. وأما الداخل بعد الزوال فحاله من حيث عدم وجوب الصوم عليه معلوم سواء أكل أم لا. وكيفما كان فلم نعثر على ما يدل على الاستحباب في الثاني. نعم دلت رواية سماعة المتقدمة التي عرفت انها ضعيفة السند بعلي بن


(1) الوسائل ب 7 من ابواب من يصح ح 1، 2.

[ 25 ]

[ والظاهر ان المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده لا الخروج عن حد الترخص (1) وكذا في الرجوع المناط دخول البلد لكن لا يترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال والخروج عن حد الترخص بعده وكذا في العود إذا كان الوصول إلى حد الترخص قبل الزوال والدخول في المنزل بعده. ] السندي على عدم التجاهر بالاكل ظاهرا احتراما لشهر رمضان، ولكن هذا أمر آخر غير استحباب الامساك حتى في بيته الذى هو محل الكلام كما لا يخفى. (1): - تقدم في بحث صلاة المسافر ان مبدء المسافة الشرعية الامتدادية أو التلفيقية المحكوم فيها بوجوب التقصير هو أول زمان يتصف فيه المسافر بهذا الوصف العنواني - أعني كونه مسافرا - وهو زمان الخروج من البلد والشروع في الابتعاد عنه. فلا جرم كان البلد هو مبدء احتساب المسافة المزبورة حسبما هو مقتضى ظواهر الادلة، ولا تنافي بين ذلك وبين أن لا يكون هذا المسافر محكوما بالقصر إلا بعد بلوغه حد الترخص، فان ذلك من التخصيص في الحكم لا التحديد في الموضوع، فهو قبل بلوغ الحد مسافر لا يجب عليه القصر - لا أنه ليس بمسافر - كما لا يجوز له الافطار أيضا للملازمة بين الامرين حسبما مر. إذا فما دلت عليه الروايات المتقدمة من التفصيل بين الخروج إلى السفر قبل الزوال فيفطر أما مع التبييت أو مطلقا، أو بعده فيبقى على صومه، يراد به الشروع في السفر الذي عرفت ان الاعتبار فيه

[ 26 ]

[ (مسأله 2) قد عرفت التلازم بين اتمام الصلاة والصوم وقصرها والافطار لكن يستثنى من ذلك موارد أحدها الاماكن الاربعة فان المسافر يتخير فيها بين القصر والتمام في الصلاة وفي الصوم يتعين الافطار (1). الثاني: ما مر من الخارج إلى السفر بعد الزوال فانه يتعين عليه البقاء على الصوم مع أنه يقصر في الصلاة (2). الثالث: ما مر من الراجع من سفره فانه ان رجع بعد الزوال يجب عليه الاتمام مع انه يتعين عليه الافطار. ] بالخروج من البلد. هذا في الذهاب. وكذا الحال في الاياب فان المذكور في الروايات هو عنوان قدوم الاهل أو البلد، أو أرضا يريد الاقامة فيها. فهذا اعني مراعاة البلد نفسه هو الميزان والمدار في الصوم والافطار، ولا عبرة بحد الترخص، فإذا كان قدومه فيه بعد الزوال أفطر وإن كان قد بلغ حد الترخص قبل الزوال لما عرفت من أن هذا الحد حد للاحكام لا للسفر نفسه، فانه لا يصدق في الفرض المزبور أنه قدم بلده أو أهله قبل الزوال لكي يبقى على صومه كما هو واضح. (1): أخذا باطلاقات أدلة الافطار في السفر بعد اختصاص دليل التخيير بالصلاة خاصة، فيكون ذلك بمثابة التخصيص في دليل الملازمة. (2): تقدم في بحث صلاة المسافر أن العبرة في القصر والتمام بملاحظة حال الاداء لا حال تعلق الوجوب، فلو كان في أول الوقت حاضرا فسافر قصر في صلاته، وفي عكسه أتم، على ما استفدناه من الادلة حسبما تقدم في محله.

[ 27 ]

[ (مسألة 3) إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الافطار إلا بعد الوصول إلى حد الترخص (1) وقد مر سابقا وجوب الكفارة عليه ان أفطر قبله. (مسألة 4) يجوز السفر إختيارا في شهر رمضان بل ولو كان للفرار من الصوم. (2) ] وأما من حيث الصوم فقد تقدم قريبا أن الخروج إلى السفر بعد الزوال لا يقدح في صحة الصوم، والرجوع منه بعده يقدح. وبذلك يظهر الوجه في إستثناء المذكورين في المتن من حكم التلازم. (1): فكما أن الترخص حد للتقصير فكذلك حد للافطار، لما عرفت من القاعدة المتضمنة للملازمة بين الامرين، وحيث لا تقصير قبله قطعا فلا إفطار أيضا. بل تجب عليه الكفارة أيضا لو أفطر قبله كما في الجواهر وغيره عملا باطلاقات الكفارة لدى الافطار العمدي، وقد تقدم أن تعقب الافطار بالسفر لا يوجب سقوط حكمه، فلو أفطر في بلده أو قبل أن يرخص فيه فسافر لم تسقط الكفارة بذلك لاطلاق الادلة. (2): تقدم البحث حول هذه المسألة في المسألة الخامسة والعشرين من فصل ما يوجب الكفارة مستقصى وعرفت أن جملة من الروايات دلت على عدم الجواز وكلها ضعاف ما عدا رواية واحدة رواها في الخصال في حديث الاربعمائة (1) فانها معتبرة عندنا لان الذي يغمز فيه وهو الحسن بن راشد الواقع في سلسلة السند موجود في اسناد كامل الزيارات.


(1) الوسائل باب 3 من ابواب من يصح منه الصوم ح 4.

[ 28 ]

[ وأما غيره من الواجب المعين فالاقوى عدم جوازه إلا مع الضرورة كما أنه لو كان مسافرا وجب عليه الاقامة لاتيانه مع الامكان (1). ] ولكنها محمولة على الكراهة جمعا بينها وبين صحيحتي محمد بن مسلم والحلبي الصريحتين في الجواز فراجع ولا حظ. (1): قد عرفت أن صحة صوم رمضان كوجوبه مشروطة بالحضر، وأن المسافر موظف بعدة من أيام أخر، فهل الحكم يعم طبيعي الصوم المعين أما بالاصالة كنذر يوم معين، أو بالعرض كالقضاء المضيق على القول بالتضييق فكما ساغ له السفر اختيارا في رمضان ولو فرارا لا ناطة الوجوب بالحضور الملازم لسقوطه بالسفر لعدم لزوم تحصيل شرط التكليف. فكذا الحال في مطلق الموقتات المعينة فلا يجب عليه قصد الاقامة لو كان مسافرا وفاءا بنذره مثلا، كما لا يمنع عن السفر لو كان حاضرا لعدم استلزامه مخالفة النذر، ولا عصيانا لقضاء الواجب المعين ونحوه بعد اشتراط الوجوب في الجميع بالحضور وانتفاء الموضوع باختيار السفر. أو أن الحكم خاص بشهر رمضان والاشتراط فيه لا يلازم الاشتراط في غيره، فلا يجوز له السفر وتجب عليه الاقامة مقدمة للوفاء بالنذر ولامتثال الواجب المطلق المنجز عليه إلا لضرر أو ضرورة يسوغ معها ترك الواجب من أجل المزاحمة. فيه كلام بين الاعلام. والكلام يقع فعلا في النذر ونحوه مما وجب بالجعل والالتزام. ومنه يعرف الحال في غيره مما وجب بسبب آخر. فنقول: يفرض النذر في المقام على ثلاثة أقسام:

[ 29 ]

إذ تارة يتعلق بالصوم ولكن مشروطا بالحضور ومعلقا على الاقامة، فلا التزام بالصوم على تقدير السفر لقصور المقتضي من الاول، وهذا خارج عن محل الكلام قطعا، ويجوز له السفر اختيارا بلا إشكال، إذ ليس فيه أي مخالفة للنذر بعد أن كان التزامه النذري محدودا لا مطلقا كما هو واضح. وأخرى يتعلق النذر بكل من الصوم والاقامة فينذر البقاء في البلد والصيام في اليوم المعين، وهذا أيضا خارج عن محل الكلام، إذ لا ريب في أنه لو سافر فقد خالف نذره وكانت عليه كفارة الحنث وإنما الكلام في القسم الثالث: وهو ما لو تعلق النذر بالصوم من غير تعليق على الحضور ومن غير التزام به فلم يتعلق الانشاء النذري إلا بمجرد الصوم في اليوم الكذائي، غير أنه قد علم من الخارج دخل الحضور في صحة الصوم وبطلانه في السفر، فهل يحرم عليه السفر، وتجب الاقامة مقدمة للوفاء بالنذر أولا؟ نظرا إلى أن متعلق النذر لما كان هو الصوم الصحيح وهو متقوم بالحضور، فلا جرم كان وجوب الوفاء مشروطا به. فنقول لا ينبغي التأمل في أن مقتضى القاعدة مع الغض عن ورود نص خاص في المقام هو عدم الاشتراط تمسكا باطلاق دليل الوفاء بعد القدرة عليه بالقدرة على مقدمته وهو ترك السفر أو قصد الاقامة فيجب من باب المقدمة. ومن المعلوم أن ثبوت الاشتراط في صوم رمضان لدليل خاص لا يستلزم الثبوت في غيره بعد فرض اختصاص الدليل به وكون الصوم حقيقة واحدة لا ينافي اختصاص بعض الاقسام ببعض الاحكام كما لا يخفى. إذا فلو كنا نحن ودليل وجوب الوفاء بالنذر كان مقتضاه وجوب الوفاء وعدم جواز الخروج للسفر.

[ 30 ]

إلا أن هناك عدة روايات يستفاد منها أن طبيعي الصوم أيا ما كان مشروط وجوبا وصحة بالحضور كما هو الحال في صوم شهر رمضان، ولا ضير في الالتزام به حتى في موارد النذر، فانه وإن كان الالتزام النذري مطلقا إلا أنه قابل للتقييد من ناحية الشرع فيقيد من بيده الامر وجوب الوفاء بما التزم بما إذا كان مقيما حاضرا لا على سبيل الاطلاق لكي تجب الاقامة بحكم العقل مقدمة للوفاء. والعمدة منها روايتان كما ستعرف. وأما الاستدلال لذلك برواية عبد الله بن جندب، قال: سأل أبا عبد الله عليه السلام عباد بن ميمون وأنا حاضر عن رجل جعل على نفسه نذر صوم، وأراد الخروج في الحج، فقال عبد الله بن جندب: سمعت من زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه (فحضرته نية) في زيارة أبي عبد الله عليه السلام قال: يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك. (1) ففي غير محله لاختصاص موردها بالنذر، فيحتاج التعدي لمطلق الصوم إلى دليل آخر. هذا أولا. وثانيا أنها قاصرة السند لعدم ثبوت وثاقة يحيى بن المبارك على المشهور على أنها مرسلة فان كلمة (من زرارة) الموجودة في الوسائل هنا سهو قطعا إما من قلمه الشريف أو من النساخ، والصحيح كما في الكافي، والتهذيب، وفي الوسائل نفسه في كتاب النذر (2) (من رواه) بدل (من زرارة)، ولعل تشابه الحروف أوجب التصحيف.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب من يصح الصوم ح 5. (2) الوسائل باب 13 ج 16 ص 235.

[ 31 ]

إذا فلم يعلم من يروي عنه عبد الله بن جندب. فتتصف طبعا بالارسال. وهناك اشتباهان آخران من صاحب الوسائل في هذه الرواية: أحدهما: انه زاد في السند قوله: (عن أبي جميلة) مع أنه غير موجود في الكافي والتهذيب، ولم يذكره أيضا في كتاب النذر، بل رواها عبد الله بن جبلة عن اسحاق بن عمار بلا واسطة وهو الصحيح. ثانيهما: كلمة (أبا عبد الله عليه السلام) بعد قوله: سأل فانها مستدركة لعدم استقامة المعنى حينئذ، ضرورة أن المسؤول لو كان هو الامام عليه السلام فكيف تصدى ابن جندب للجواب بما سمعه مرسلا أو مسندا عن أبي عبد الله عليه السلام وهو (ع) بنفسه حاضر؟!. فالكلمة زيادة قطعا، ولذا لم تذكر لا في الكافي ولا في التهذيب ولا في نذر الوسائل، بل المسؤول إما أنه غير مذكور لو كانت النسخة (سأل عباد بن ميمون) كما في الكافي، أو أنه هو عبد الله بن جندب نفسه لو كانت النسخة (سأله عليه السلام) كما في التهذيب. وكيفما كان ففي هذه الرواية اشتباهات من صاحب الوسائل في المقام. وقد عرفت أنها مع اختصاصها بالنذر غير نقية السند، فلا تصلح للاستدلال بها بوجه، والعمدة روايتان كما عرفت. الاولى: صحيحة علي بن مهزيار في حديث قال: كتبت إليه - يعني إلى أبي الحسن عليه السلام - يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: قد وضع الله عنه

[ 32 ]

الصيام في هذه الايام كلها ويصوم يوما بدل يوم إن شاء الله. (1) قوله عليه السلام: يوما من الجمعة إما أن يراد به يوما معينا من الاسبوع أو خصوص يوم الجمعة، وعلى التقديرين فقد دلت على أن طبيعي الصوم الذي أوجبه الله - سواء أوجب بسبب النذر أم بغيره - مشروط وجوبه بالحضور وأنه ساقط في هذه الايام كلها التي منها أيام السفر وانه متى صادف هذه الايام يقضيه ويصوم يوما بدل يوم. وهذا هو معنى الاشتراط. الثانية: موثقة زرارة، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن أمي كانت جعلت عليها نذرا ان الله رد (أن يرد الله) عليها بعض ولدها من شئ كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة فأشكل علينا لمكان النذر، أتصوم أو تفطر؟ فقال: لا تصوم قد وضع الله عنها حقه، وتصوم هي ما جعلت على نفسها.. الخ (2) وأوردها عنه بسند آخر مع نوع اختلاف في المتن في كتاب النذر. (3) يعني ان الله تعالى قد وضع حقه المجعول ابتداءا فأسقط الصوم في السفر، فكيف بالحق الذي جعلته هي على نفسها بسبب النذر فانه أولى بالسقوط، فان جملة (وتصوم هي.. الخ) بمثابة الاستفهام الانكاري كما لا يخفى. إذا فهذه الرواية المعتبرة كسابقتها واضحة الدلالة على أن طبيعي الصوم بأي سبب وجب من نذر أو غيره مشروط وجوبه كصحته


(1) الوسائل باب 10 من ابواب النذر ح 1 ج 16 ص 233. (2) الوسائل باب 10 من ابواب من يصح منه الصوم ح 3. (3) الوسائل باب 13 ح 2 ج 16 ص 236.

[ 33 ]

بعدم السفر. ومن هنا ذهب جمع من المحققين إلى عدم الفرق في الاشتراط بين صيام رمضان وغيره وان الوجوب مطلقا مشروط بالحضور، ويسقط بالسفر استنادا إلى ما عرفت، غايته أن الروايات من حيث وجوب القضاء بعد ذلك وعدمه مختلفة. وذاك بحث آخر وكلامنا فعلا في الاشتراط وعدمه، وما ذكروه من الاشتراط هو الصحيح حسبما عرفت. ثم إنه قد صرح بعضهم بجريان هذا الحكم فيما وجب بالاجارة أيضا، فلو كان أجيرا لزيد في صوم يوم معين ساغ له السفر وسقط عنه وجوب الوفاء لان التكليف به كسائر أقسام الصيام مشروط بالحضر بمناط واحد. أقول: لا ريب في أن الاجير المزبور لو سافر ليس له أن يصوم للنهي عنه في السفر كما مر، إلا أن الكلام في جواز السفر وعدمه، وان وجوب الوفاء هنا هل هو مشروط أيضا أو انه مطلق؟ الظاهر هو الثاني، بل لا ينبغي التأمل فيه. وتوضيحه: انك قد عرفت في وجوه تصوير النذر في المقام انه يمكن إنشاؤه معلقا على الحضور، ومعه لا خلاف كما لا إشكال في جواز السفر لقصور المقتضي من الاول وعدم وجوب تحصيل شرط الوجوب. ولكن هذا لا يجري في باب الاجارة لقيام الاجماع على بطلان التعليق في العقود إلا فيما قام الدليل عليه كما في الوصية والتدبير. نعم لو جرى التعليق فيها كان التمليك من الاول معلقا على الحضر كما في النذر لعدم استحالة التعليق في المنشآت غير انه باطل في غير ما ثبت بالدليل كما عرفت. فلابد إذا من فرض الكلام في الاجارة المطلقة

[ 34 ]

[ (مسألة 5) الظاهر كراهة (1) السفر في شهر رمضان قبل أن يمضي ثلاثة وعشرون يوما إلا في حج أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه. ] غير المعلقة على الحضور، وإلا لكانت الاجارة باطلة في نفسها سواء أسافر أم لا. ومن البين ان الاجارة المزبورة غير مشمولة للنصوص المتقدمة لتدل على انسحاب الاشتراط إليها، كيف وقد ملك المستأجر العمل في ذمة الاجير بمجرد العقد من غير إناطة على الحضر حسب الفرض ومعه كيف يرخص الشارع في تضييع هذا الحق وعدم تسليم المال إلى مالكه. وبعبارة أخرى النصوص المذكورة ناظرة إلى ما تضمن الحكم التكليفي المحض وان ما كان حقا لله سبحانه أما ابتداء أو بعد الجعل والالتزام - كما في النذر - فهو مشروط بالحضور وساقط عند السفر، وأما ما تضمن الوضع أيضا وكان مشتملا على حق الناس فتلك الادلة قاصرة وغير ناهضة لاسقاط هذا الحق كي تكون بمثابة التخصيص في دليل وجوب تسليم المال وإيصاله إلى صاحبه كما لا يخفى. وعلى الجملة لا تحتمل دلالة هذه النصوص على الترخيص في إرتكاب الغصب. إذا فلا مناص للاجير المزبور من ترك السفر، ومن قصد الاقامة لو كان مسافرا مقدمة للصيام وتسليم العمل المملوك إلى مالكه فلاحظ. (1): - كما تقدم في المسألة الخامسة والعشرين من فصل ما يوجب الكفارة.

[ 35 ]

[ (مسألة 6) يكره للمسافر في شهر رمضان بل كل من يجوز له الافطار التملي من الطعام والشراب وكذا يكره له الجماع في النهار بل الاحوط تركه وان كان الاقوى جوازه. ] (1): تدل على الحكمين المذكورين في هذه المسألة من كراهية الجماع والامتلاء صحيحة ابن سنان يعني عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية له افله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال: سبحان الله أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان؟؟ إن له في الليل سبحا طويلا، قلت: أليس له أن يأكل ويشرب ويقصر؟ قال: ان الله تبارك وتعالى قد رخص للمسافر في الافطار والتقصير رحمة وتخفيفا لموضع التعب والنصب ووعث السفر، ولم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان إلى أن قال: وانى إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت وما أشرب كل الرى. (1) فقد دل ذيلها على كراهية الامتلاء والارتواء، واستحباب الاقتصار على مقدار الضرورة العرفية. وبما أن الظاهر منها ان الافطار ترخيص ورحمة ومنة على الامة، ولذلك حسن الاقتصار على مقدار الضرورة رعاية لحرمة شهر رمضان، فمن ثم يتعدى إلى مطلق موارد الترخيص من غير خصوصية للسفر كما لا يخفى. كما دل صدرها على النهي عن الجماع المحمول على الكراهة الشديدة جمعا بينها وبين نصوص اخر قد دلت على الجواز صريحا.


(1) الوسائل باب 13 من ابواب من يصح منه الصوم ح 5.

[ 36 ]

كصحيحة عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسافر في شهر رمضان أله أن يصيب من النساء؟ قال: نعم. وصحيحة أبي العباس البقباق عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يسافر ومعه جارية في شهر رمضان هل يقع عليها؟ قال: نعم، ونحوهما غيرهما (1). وقد تقدم جواز مواقعة الاهل لمن يقدم من السفر بعد الزوال، لصحيح ابن مسلم: عن الرجل يقدم من السفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أيواقعها؟ قال: لا بأس به (2).


(1) الوسائل باب 13 من ابواب من يصح منه الصوم ح 1، 4. (2) الوسائل باب 7 من ابواب من يصح منه الصوم ح 4.

[ 37 ]

[ فصل (وردت الرخصة في افطار شهر رمضان لاشخاص) الاول والثاني: الشيخ والشيخة إذا تعذر عليهما الصوم أو كان حرجا ومشقة فيجوز لهما الافطار (1)، ] (1): - لا اشكال كما لا خلاف في سقوط الصوم عمن كان حرجا ومشقة عليه وكلفة لا تتحمل عادة وإن كان قادرا عليه كالشيخ والشيخة. ويدل عليه - بعد عموم دليل نفي الحرج - الكتاب العزيز المعتضد بالروايات الخاصة الواردة في المقام الناطقة بأن وظيفته الفداء. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) (1) تضمنت الآية المباركة تقسيم المكلفين إلى أقسام ثلاثة. فمنهم من يتعين عليهم الصيام اداءا وهم الافراد العاديون من الحاضرين الاصحاء. حيث أن التعبير ب‍ (كتب) وكذا التعبير ب‍ (فليصمه) في ذيل الآية اللاحقة ظاهر في الوجوب التعييني. ومنهم من يتعين عليه القضاء: وهو المريض والمسافر.


(1) سورة البقرة الآية 183.

[ 38 ]

ومنهم من لا يجب عليه الصوم رأسا لا اداءا ولا قضاءا، بل يتعين في حقه الفداء، وهم الذين يقعون من أجل الصوم في الاطاقة أي في كلفة ومشقة كالشيخ والشيخة. فالصيام انما هو وظيفة القسمين الاولين فحسب دون الثالث. وظاهر الآية الكريمة ان الوجوب في كل من الاقسام الثلاثة تعييني حسبما عرفت. ثم أشار بقوله سبحانه: (ومن تطوع) إلى ان ما ذكر من الاقسام الثلاثة إنما هو حكم الصوم الواجب وأما التطوع فهو خير للمتطوع. ثم أكد سبحانه ما بينه من الصوم في القسمين الاولين بقوله تعالى: (وان تصوموا خير لكم) أي ان خيره ونفعه عائد اليكم لا إليه سبحانه الذي هو غني على الاطلاق. هذا - وقد يتوهم بل ذهب بعضهم إلى ان الآية المتقدمة أعني قوله تعالي: (وعلى الذين يطيقونه.. الخ) منسوخة بقوله سبحانه بعد ذلك: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) باعتبار ان الاطلاقة بمعنى القدرة. فكأن المتمكن من الصيام كان مخيرا في صدر الاسلام بينه وبين الفداء. ولكن الظاهر - كما أشرنا آنفا - ان الآية المباركة تشير إلى قسم آخر من المكلفين وان المجعول في حقهم من أول الامر لم يكن إلا الفداء، فان الاطاقة غير الطاقة، ومعناها المكنة مع المشقة، أي إعمال الجهد وكمال القدرة والقوة وغاية مرتبة التمكن، بحيث تتعقب بالعجز، وهو المعبر عنه بالحرج والمشقة، على ما فسرها به في لسان العرب وغيره.

[ 39 ]

وعليه فالآية الشريفة غير منسوخة بوجه، بل تشير إلى الاقسام الثلاثة حسبما عرفت، وان في كل قسم حكم تعييني يخصه وان في القسم الثالث وهو من يتمكن من الصيام مع الحرج الشديد والمشقة العظيمة المتضمنة لاعمال غاية الجهد والطاقة لا أمر بالصوم أصلا، بل يتعين الفداء ولاجل ذلك ذكر في الجواهر ناسبا له إلى اصحابنا وعلمائنا تعين الفدية في القسم الاخير، وانه لو صام لم يصح لعدم الامر حسبما اقتضاه ظاهر الكتاب - كما عرفت - والروايات على ما سيجئ. ولكن صاحب الحدائق (1) (قده) ذهب إلى صحة الصوم أيضا وعدم تعين الفداء، وان الحكم ترخيصي لا إلزامي، بل ذكر (قده) ان الصوم افضل مستشهدا له بقوله سبحانه: (وان تصوموا خير لكم) فجعله متمما لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه.. الخ) ومرتبطا به. ونقل عن مجمع البيان قوله: (وان تصوموا خير لكم) يعني من الافطار والفدية. ولا يبعد استظهار ذلك من عبارة الماتن (قدس سره) أيضا حيث عبر بعد قوله: وردت الرخصة.. الخ بقوله: (بل قد يجب) فكان الافطار لم يكن واجبا مطلقا وانما هو حكم ترخيصي ربما يصير واجبا كما لو استلزم الصوم ضررا محرما. ويشهد له ذيل عبارته أيضا حيث قال: (فيجوز لهما الافطار). وكيفما كان فهذا القول الذي صرح به في الحدائق من التخيير بين الصيام والفداء لا يمكن المصير إليه بوجه لكونه على خلاف ظاهر


(1) ج 13 ص 421.

[ 40 ]

الآية الكريمة جزما، فان في العدول من الخطاب في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام.. الخ) إلى الغيبة في قوله سبحانه: (وعلى الذين يطيقونه. الخ) دلالة واضحة على أن المراد من المعدول إليه طائفة أخرى غير المخاطبين بالصيام المنقسمين إلى صحيح حاضر ومريض أو مسافر، وان الصوم وظيفة لغير هؤلاء حسبما تقدم. وعليه فالعود ثانيا إلى الخطاب في قوله تعالى: (وان تصوموا خير لكم) كاشف عن رجوع هذه الفقرة إلى من خوطب أولا وكونه من متممات الخطاب السابق لا من متممات الغيبة المعدول إليها، وإلا لكان مقتضى السياق التعبير بلسان الغيبة أيضا بان يقال هكذا: (وان يصوموا خير لهم) بدل قوله سبحانه: (وان تصوموا خير لكم). وكأنه سبحانه وتعالى أشار بذلك إلى ان التكليف بالصيام - اداء أو قضاء - يعود نفعه وفائدته اليكم لا إليه سبحانه الذي هو غني عن عباده. فهو إذا خير لكم كما ورد نظيره في آية التيمم قال تعالى: (ولكن يريد ليطهركم) (1) إيعازا إلى أن الغاية من التيمم تطهير النفوس وتزكية القلوب من غير رجوع أي نفع من أعمال العباد وطاعاتهم إليه سبحانه. وعلى الجملة فهذه الفقرة تأكيد للخطاب السابق ومن ملحقاته، ولا علاقة ولا ارتباط لها بالجملة الغيابية المتخللة ما بين الخطابين لتدل على الترخيص وجواز الصيام فضلا عن أفضليته. إذا فالتكليف بالفداء في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه)


(1) سورة المائدة الآية 9.

[ 41 ]

الظاهر في الوجوب التعييني لا معدل عنه ولا محيص من الاخذ به بعد عدم اقترانه بما يوجب رفع اليد عنه وسلامته عن المعارض، فلا يصح الصوم من هؤلاء بتاتا، لان الموظف به اداء أو قضاء غيرهم حسبما عرفت. كما ان الروايات الواردة في المقام ظاهرة في ان الصدقة واجب تعييني لا تخييري، التى منها صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان، قال: يتصدق كل يوم بما يجزئ من طعام مسكين. وصحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام ولا قضاء عليهما (1) ونحوهما غيرهما مما تضمن الامر بالتصدق، بل لم يرد الامر بالصيام في شئ من الروايات حتى الضعيفة منها. هذا ومن جملة الروايات الواردة في المقام ما رواه المشايخ الثلاثة باسنادهم عن عبد الملك بن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان؟ قال: تصدق في كل يوم بمد حنطة (2). وقد وصفها في المدارك بالصحة، وتبعه غيره، وليس كذلك كما نبه عليه في الحدائق (3) فان عبد الملك المذكور مهمل في كتب الرجال، والذي وثقه النجاشي إنما هو عبد الملك بن عتبة النخعي،


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح الصوم منه ح 5، 1 (2) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح الصوم منه ح 4. (3) ج 13 ص 417.

[ 42 ]

[ لكن يجب عليهما في صورة المشقة (1). ] لا عبد الملك بن عتبة الهاشمي، قال (قده): والكتاب المنسوب إلى الهاشمي - والناسب هو الشيخ - ليس له وإنما هو للنخعي. وقد اشتبه الامر بينهما على صاحب المدارك مع تضلعه وسعة اطلاعه. وكيفما كان ففي ما عداها من الروايات غنى وكفاية. وعلى الجملة فهذه الروايات المعتضدة بظهور الآية والمقترنة بتسالم الاصحاب كما سمعت دعواه من الجواهر تكفينا في الدلالة على ابتناء الفداء على الالزام وعدم كفاية الصيام، وان كان التعبير بالترخيص في كلمات بعض الاصحاب ومنهم الماتن - كما تقدم - يشعر بخلافه، إذ لا عبرة به تجاه الدليل القائم على خلافه حسبما عرفت. (1): بعد ما عرفت من بطلان القول بالتخيير وعدم الاجتزاء بالصيام فاستقصاء الكلام في المقام يستدعي التكلم في جهات: الاولى في وجوب الفداء، وهو في الجملة مما لا اشكال فيه، وقد قامت عليه الشهرة العظيمة، بل ادعى الاجماع عليه. ولكن نسب إلى أبي الصلاح القول بالاستحباب، فكما لا يجب عليهما الصوم لا تجب الفدية أيضا. وهذا كما ترى مخالف لظاهر الامر الوارد في الكتاب والسنة حسبما تقدم. نعم ربما يستدل له بما رواه الشيخ باسناده عن ابراهيم بن أبي زياد الكرخي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود فقال: ليومئ برأسه إيماءا إلى أن قال: قلت فالصيام؟ قال: إذا كان في ذلك الحد فقد وضع الله عنه، فان كانت له مقدرة فصدقة مد من

[ 43 ]

[ بل في صورة التعذر أيضا التكفير بدل كل يوم (1). ] طعام بدل كل يوم أحب إلي، وإن لم يكن له يسار ذلك فلا شئ عليه (1). نظرا إلى أن ظاهر التعبير ب‍ (أحب) هو الاستحباب، وقد استدل بها في الجواهر أيضا لسقوط الصيام عنه. وكيفما كان فالاستدلال المزبور لا بأس به لو لا أن السند ضعيف فان الكرخي المعبر عنه تارة بابراهيم الكرخي، وأخرى بابراهيم بن أبي زياد، وثالثة بابراهيم بن أبي زياد الكرخي مجهول لم يرد فيه أي توثيق أو مدح، فكيف يمكن التعويل عليه في الخروج عن ظواهر النصوص. على أنه لا يبعد القول بعدم التنافي بين قوله (احب) وبين الوجوب، لان ظهوره في الاستحباب ليس بتلك المرتبة لجواز أن يراد أن اطاعة الله أحب إليه من معصيته، لا أن تركه جائز يعني بعد أن لم يتمكن من الصوم الواجب فاحب أن يعمل بوظيفته البدلية، فان من المعلوم أن الله ورسوله وأولياءه يحبون أن يعمل الناس بطاعاتهم وواجباتهم. وكيفما كان فيكفينا ضعف الرواية. إذا فالقول بعدم الوجوب في غاية الضعف. الجهة الثانية: - هل يختص وجوب الفداء بمن يشق عليه الصيام أي يتمكن منه مع المشقة الشديدة، وهو المراد بالاطاقة كما تقدم، أو يعم العاجز المعذور الذي لا يتمكن منه حتى مع المشقة؟


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 10.

[ 44 ]

المشهور هو الثاني واختاره في المتن. إنما الكلام في مستنده. أما الآية المباركة فهي قاصرة الدلالة على ذلك نظرا إلى توجيه الخطاب فيها إلى المتمكنين خاصة أما بلا مشقة أو عن المشقة كما هو معنى الاطاقة على ما مر وانه يجب الصوم على الاول إما اداءا كما في الصحيح الحاضر، أو قضاءا كما في المريض أو المسافر، والفداء على الثاني فهي ناظرة إلى بيان الوظيفة الفعلية لجميع المكلفين المتمكنين بشتى أنحائهم، وأما من لم يكن متمكنا من الصيام فهو خارج عن موضوع الآية المباركة رأسا. ومقتضى ذلك عدم توجيه تكليف إليه بتاتا لا أداءا ولا قضاءا ولا فداءا كما لا يخفى. وأما الروايات فهي على طائفتين: إحداهما ما يدعى اطلاقها المعذور، والاخرى ما وردت في خصوص العاجز. أما الطائفة الاولى: فالظاهر عدم صحة الاستدلال بها لانها بين ما لا اطلاق لها وبين ما هو شرح للآية المباركة - التى عرفت عدم الاطلاق فيها - من غير أن يتضمن حكما جديدا. فمن القسم الاول صحيحة عبد الله بن سنان (عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان، قال: يتصدق كل يوم بما يجزئ من طعام مسكين (1)، فانها في نفسها غير شاملة للعاجز، إذ الضعف في مقابل القوة لا في مقابل القدرة، وإنما المقابل لها العجز دون الضعف. وبالجملة الضعف غير العجز ولذا يقال ضعيف في كتابته أو في مشيه، ولا يقال عاجز بل هو قادر ولكن عن مشقة. على ان التعبير فيها ب‍ (طعام مسكين) المطابق للآية الشريفة لا ب‍ (المد) فيه اشارة إلى انها في مقام بيان ما ورد في الآية الكريمة


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 5.

[ 45 ]

التى عرفت انها خاصة بالضعيف ولا تعم العاجز. ومن القسم الثاني: صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام ولا قضاء عليهما، وان لم يقدرا فلا شئ عليهما (1). فان دعوى الاطلاق فيها للعاجز غير بعيدة إلا أنها وردت في سند آخر أيضا عن علاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام ولكن تفسيرا لقول الله عزوجل: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) (2)، قال الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش.. الخ (3). فيظهر من ذلك ان الامام عليه السلام لم يكن بصدد بيان حكم جديد، بل في مقام ذكر ما ورد في الآية الكريمة التي عرفت عدم الاطلاق لها. وليس لدينا أي رواية أخرى معتبرة تدلنا على لزوم الفداء للشيخ الكبير كي يتمسك باطلاقها. وأما الطائفة الثانية فهي روايتان: احداهما: ما رواه الشيخ باسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له الشيخ الكبير لا يقدر ان يصوم. فقال: يصوم عنه بعض ولده، قلت: فان لم يكن له ولد؟ قال: فأدنى قرابته، قلت: فان لم تكن له قرابة، قال: يتصدق بمد في كل يوم، فان لم يكن عنده شئ فليس عليه شئ (4)، فانها وردت في


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 1. (2) الصواب مسكين كما في الآية الشريفة. (3) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 3 (4) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 11

[ 46 ]

خصوص العاجز. ولكن الاستدلال بها ضعيف جدا. أما أولا فلضعف السند على المشهور، فان يحيى بن المبارك الواقع فيه لم يرد فيه توثيق ولا مدح. وأما ثانيا: فللقطع بعدم ورودها في صوم شهر رمضان، إذ أي معنى حينئذ لصيام بعض ولده أو قرابته عنه، فانه ان كان متمكنا وجب عليه الصيام عن نفسه، وإلا كان ساقطا عنه أيضا. فهذا لا ينطبق على صوم رمضان أبدا، مضافا إلى ان النيابة عن الحي في الصيام غير ثابتة، فانها تحتاج إلى دليل قاطع كما ثبت في الحج. فلابد إذا من فرض الرواية في مورد آخر ولا يبعد حملها على صوم النذر فانه المحكوم وجوبا أو استحبابا - بمد أو مدين بدل الصوم عن كل يوم على الخلاف المقرر في محله. ويمكن القول بانه مع العجز عن الصوم بنفسه يصوم عنه بعض ولده أو قرابته وإلا فيتصدق. والمهم انها ضعيفة الدلالة. الثانية: - ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن القاسم بن محمد - والظاهر انه الجوهري ولا بأس به - عن علي عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أيما رجل كان كبيرا لايستطيع الصيام أو مرض من رمضان إلى رمضان ثم صح فانما عليه لكل يوم أفطر فيه فدية اطعام، وهو مد لكل مسكين (1). وهي وان كانت واضحة الدلالة إلا أنها قاصرة السند جدا، فان الراوي عن أبي بصير هو قائده على بن أبي حمزة البطائني الذي ضعفه الشيخ قائلا: انه وضع أحاديث في ان موسى بن جعفر عليه السلام


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 12

[ 47 ]

[ بمد من طعام والاحوط مدان (1). ] لم يمت ليكون ذريعة إلى الامتناع عن اعطاء امواله (ع) إلى الرضا عليه السلام، فهي غير صالحة للاستدلال بها بوجه. ومن جميع ما ذكرنا تعرف ان الاظهر اختصاص الفداء بمن يشق عليه الصوم، ولا يشمل المعذور العاجز عنه رأسا فانه لا يجب عليه أي شئ. ويؤيده التعبير ب‍ (احب) في رواية الكرخي المتقدمة (1)، بناءا على ظهوره في الاستحباب وان كانت ضعيفة السند كما تقدم في ص 43 فلا حظ. (1): - الجهة الثالثة: في تحديد الفدية وانها مد أو مدان، فان الروايات في ذلك مختلفة، ففي بعضها التحديد بمد عن كل يوم كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام (2). وفي بعضها الآخر التحديد بمدين كما في صحيحة الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام (3). هذا ولو كان المروي عنه فيهما شخصا واحدا لكان لتطرق احتمال الاشتباه من أحد الناقلين مجال واسع، ولكنهما شخصان، فتلك عن الباقر عليه السلام، وهذه عن الصادق عليه السلام فلابد إذا من الجمع وقد ذكر له الشيخ وجهين على ما حكاه عنه في الوسائل، احدهما: الحمل على الاستحباب، والثاني: اختصاص المدين بالقادر، والمد الواحد بالعاجز.


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 10 (2) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 1 (3) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 2

[ 48 ]

[ والافضل كونهما من حنطة (1). والاقوى وجوب القضاء عليهما لو تمكنا بعد ذلك (2) ] ولكن الثاني كما ترى فانه جمع تبرعي عار عن كل شاهد بعد اتحاد الروايتين مضمونا بل وعبارة أيضا. فالمتعين إذا هو الاول. (1): الجهة الرابعة في جنس الفدية. قد ورد في غير واحد من الروايات تبعا للآية المباركة عنوان الطعام من غير اختصاص بجنس خاص، غير ان الوارد في رواية الهاشمي المتقدمة خصوص الحنطة (قال: تصدق في كل يوم بمد حنطة) (1)، وقد عرفت أنها ضعيفة السند ولا بأس بالعمل بها والحمل على الافضلية مع بقاء الاطلاقات على حالها. (2): - الجهة الخامسة: في وجوب القضاء وعدمه لو فرض عروض التمكن. فنقول: نسب إلى المشهور وجوب القضاء استنادا إلى عموم قضاء الفوائت وان لم ترد في المقام حتى رواية ضعيفة تدل على الوجوب. وخالف فيه جماعة آخرون - وهم كثيرون - فأنكروا وجوب القضاء وانه ليس عليه إلا الفداء وهو الصحيح. ويدلنا عليه: أولا قصور المقتضي لعدم صدق الفوت فانه انما يتحقق بأحد أمرين: أما فوت الفريضة المأمور بها، أو فوت ملاكها الملزم، وإن شئت فقل إما فوت الواجب الفعلي، أو الواجب الشأني المستكشف تحققه في ظرفه من الامر بالقضاء وان لم يتعلق به أمر فعلي في الوقت


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 4

[ 49 ]

لمانع خارجي من حيض أو نفاس، أو نوم أو نسيان ونحوها. والاول مفروض الانتفاء في المقام إذ لا أمر بالصيام حسب الفرض وعلى تقدير القول بالوجوب التخييري الراجع إلى تعلق الامر بالجامع بينه وبين الفداء لم يفت منه أي شئ أيضا بعد فرض الاتيان بالفرد الآخر. والثاني لاسبيل إلى احرازه من غير ناحية الامر بالقضاء كما ورد في الموارد المزبورة وهو أيضا مفروض الانتفاء لعدم ورود القضاء في المقام حتى في رواية ضعيفة حسبما عرفت. إذا فلم يتحقق الفوت فيما نحن فيه لا بالنسبة إلى التكليف، ولا بالاضافة إلى الملاك ومعه لا موضوع لوجوب القضاء بتاتا. وثانيا ان الآية الكريمة في نفسها ظاهرة في نفي القضاء عنه لانها تضمنت تقسيم المكلفين إلى من يجب عليه الاداء وهو الصحيح الحاضر، أو القضاء وهو المريض أو المسافر، أو الفداء وهو من لا يطيق. ومن المعلوم ان التفصيل قاطع للشركة. فالآية بمجردها كافية في الدلالة على نفي القضاء عن الشيخ والشيخة. وثالثا ان صحيحة محمد بن مسلم صريحة في ذلك، قال عليه السلام فيها: (.. ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم يمد من طعام ولا قضاء عليهما) (1). وحملها على ما إذا لم يتمكنا من القضاء إلى السنة الآتية كما ترى. ويؤيده توصيف الفداء بالاجزاء في صحيحتي عبد الله بن سنان والحلبي (2) الكاشف عن انه يجزي عن الصوم ولا حاجة معه إليه بوجه.


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 1 (2) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 5، 9

[ 50 ]

[ الثالث من به داء العطش فانه يفطر (1). ] وعلى الجملة فلم نر أي موجب للقضاء لقصور المقتضى، وعلى تقدير تماميته فظاهر الآية وصريح الصحيحة من غير معارض هو عدم الوجوب وان كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه. (1): الكلام هنا هو الكلام في الشيخ والشيخة بعينه لوحدة المستند، وانما يفترق عنه في جهة وهي احتمال اندراج المقام في عنوان المريض المحكوم بوجوب القضاء بعد البرء، فلو ارتفع داء العطش الناشئ من خلل في كبده ونحو ذلك بمعالجة أو مجئ فصل الشتاء - مثلا - لزمه القضاء حينئذ ولا يكفيه الفداء بخلاف الشيخ والشيخة فانهما يندرجان في عنوان من لا يطيق دون المريض كما تقدم. ويندفع بأن العطاش وان كان ناشئا من أمر عارض في البدن لا محالة إلا انه لا يندرج بذلك في عنوان المريض ليكون محكوما بالقضاء. وذلك لما أسلفناك من ان المريض المحكوم عليه بالافطار والقضاء هو الذي يضر به الصوم بحيث يوجب ازدياد المرض أو طول برئه، وذو العطاش ليس كذلك فانه لا يتضرر من ناحية الصوم، وإنما يقع من أجله في مشقة شديدة وحرج عظيم. فهو إذا يغاير المريض موضوعا، ويشارك الشيخ والشيخة في الاندراج تحت قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه.. الخ) كما يغايره حكما فلا يجب عليه إلا الفداء، كما لا يجب على المريض إلا القضاء لو تمكن. نعم يجب عليه أيضا الفداء لو لم يتمكن الا أن ذلك فدية التأخير لا فدية الافطار، وذلك امر آخر على ما سيجئ في محله ان شاء الله. والذي يرشدك إلى ذلك صحيحة محمد بن مسلم حيث جعل فيها ذو العطاش في مقابل المريض عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز

[ 51 ]

وجل: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش وعن قوله عزوجل: (فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا) قال: من مرض أو عطاش (1). حيث جعل ذو العطاش مرادفا للشيخ ومقابلا للمريض المذكور في الآية الكريمة قبل ذلك كما أن عطف العطاش على المرض في الذيل كاشف عن المغايرة. وقد وقعت المقابلة بينهما أيضا في بعض الروايات الضعيفة كرواية داود بن فرقد عن ابيه - وضعفها من أجل أبيه فانه لم يوثق - (في حديث) فيمن ترك صوم ثلاثة أيام في كل شهر، فقال ان كان من مرض فإذا برئ فليقضه، وان كان من كبر أو عطش فبدل كل يوم مد (2) ورواها أيضا عن أخيه (3). وعلى الجملة فلا ينبغي التأمل في خروج ذي العطاش عن عنوان المريض وموضوعه، وعدم صدق اسمه عليه عرفا. ومع الغض عن ذلك وتسليم الاندراج والصدق فلا شك في خروجه عنه حكما للتصريح في صحيحة ابن مسلم المتقدمة باندراجه كالشيخ الكبير تحت قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه.. الخ) فغايته استثناء هذا المريض عن بقية أقسامه في اختصاصه بالفداء وعدم وجوب القضاء عليه حسبما عرفت.


(1) الوسائل باب 15 من ابواب من يصح منه الصوم ح 3 (2) الوسائل باب 10 من ابواب الصوم المندوب ح 1 (3) الوسائل باب 11 من ابواب الصوم المندوب ح 8

[ 52 ]

[ سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر (1) أو كان فيه مشقة ويجب عليه التصدق بمد والاحوط مدان من غير فرق بين ما إذا كان مرجو الزوال أم لا والاحوط بل الاقوى وجوب القضاء عليه إذا تمكن بعد ذلك (2) كما ان الاحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة (3). ] (1) الكلام هنامن حيث اختصاص الحكم بمن يشق عليه الصبر أو الشمول للعاجز عنه، وكذا من حيث كون الفداء مدا أو مدين هو الكلام المتقدم في الشيخ والشيخة بعينه لوحدة المستند فلا نعيد. (2) بل الاقوى عدمه كما مر الكلام حوله آنفا فلاحظ. (3) بل قد أفتى بعضهم بالوجوب وعدم جواز الارتواء استنادا إلى موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه، قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروي (1). ولكنك خبير بان مورد الموثقة أجنبي عن محل الكلام، ضرورة ان المبتلى بداء العطاش لا يخاف على نفسه من هلكة أو ضرر كما تقدم وإنما يقع من جراء الصبر والامساك عن الشرب في ضيق وحرج ومشقة شديدة، وهو معنى الاطاقة فيندرج في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه.. الخ). وأما مورد الموثقة فهو من يصيبه العطش أثناء النهار لامر عارضي من شدة الحر أو هم عظيم ونحو ذلك بحيث يخاف على نفسه، ولاجله يضطر إلى الشرب حذرا من الهلاك أو ما في حكمه، فموضوعها


(1) الوسائل باب 16 من ابواب من يصح الصوم منه ح 1

[ 53 ]

[ الرابع: الحامل المقرب التي يضرها الصوم أو يضر حملها (1). ] الاضطرار لا التمكن مع المشقة الذي هو محل الكلام. ومن البين أن المضطر وان ساغ له الافطار إلا انه يلزمه الاقتصار على ما يندفع به الاضطرار فان الضرورات تقدر بقدرها، ويجب عليه الامساك بقية النهار وان بطل صومه شأن كل من هو مأمور بالصيام وقد عرضه البطلان لجهة من الجهات حسبما تقدم. وعلى الجملة مورد الموثقة من هو مأمور بالصيام وقد اضطر إلى الافطار، وحكمه الاقتصار والامساك بقية النهار ثم القضاء، وأين هذا من ذي العطاش المبحوث عنه في المقام الذي لم يكن مأمورا إلا بالفداء دون الصيام. إذا فلا يلزمه الاقتصار على مقدار الضرورة عملا باطلاق الادلة (1) استيعاب البحث يستدعي التكلم في جهات: الاولى: في جواز الافطار لها وهذا مما لا خلاف فيه ولا إشكال سواء أكان الضرر متوجها إليها أم إلى حملها من غير حاجة إلى ورود نص خاص، غايته ان الجواز يثبت لها على الاول بعنوان المرض بناءا على ما أسلفناك من أن أخذه في موضوع الحكم لم يكن بما هو وبوصفه العنواني بل بمناط التضرر من الصوم. فكل من أضره الصوم فهو محكوم بالافطار وان لم يكن مريضا بالفعل. وعلى الثاني من باب المزاحمة وحفظ النفس المحترمة بعد فرض عدم التمكن من الجمع بين الصوم وبين التحفظ على سلامة الحمل من السقط ونحوه. وهذا واضح.

[ 54 ]

الجهة الثانية: في وجوب القضاء وهو المشهور والمعروف، بل عن الخلاف دعوى الاجماع عليه. غير انه نسب إلى سلار وعلى بن بابويه العدم، وكأنهما استندا في ذلك إلى التعبير بالاطاقة في صحيحة محمد بن مسلم الواردة في خصوص المقام قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما ان تفطرا في شهر رمضان لانهما لا تطيقان الصوم (1)، المشعر بالدخول تحت قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه.. الخ) المحكوم عليه بالفداء دون القضاء. وهو كما ترى لما تقدم في تفسير الاطاقة من انها التمكن مع المشقة من غير أي تضرر من ناحية الصوم، وليس الحامل المبحوث عنها في المقام كذلك لانها تخاف الضرر علي النفس أو الحمل حسب الفرض، ولعل المراد بها في الصحيحة عدم القدرة غير ما هو المراد منها في الآية الكريمة. سيما وان الوارد فيها عدم الاطاقة لا الاطاقة كما في الآية المباركة. مع ان ذيلها صريح في وجوب القضاء، قال عليه السلام: (وعليهما قضاء كل يوم افطرتا فيه تقضيانه بعد) فعلى تقدير تسليم اندراجها في الآية المباركة يلتزم بالتخصيص لاجل هذا النص الخاص. وربما يتمسك لذلك أي لنفي القضاء - بما رواه الصدوق باسناده عن ابن مسكان عن محمد بن جعفر قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: ان امرأتي جعلت على نفسها صوم شهرين فوضعت ولدها وادركها الحبل فلم تقو على الصوم. قال: فلتتصدق مكان كل


(1) الوسائل باب 17 من ابواب من يصح منه الصوم ح 1

[ 55 ]

يوم بمد على مسكين (1). فكأنه استفيد من الامر بالفداء عدم وجوب القضاء. وفيه ما لا يخفى فان موردها الجعل على النفس ابتداءا بنذر أو شبهه فهي اجنبية عن محل الكلام. فكيف يتعدى منها إلى صيام شهر رمضان سيما بعد دلالة النص على وجوب القضاء فيه كما سمعت. على أنها ضعيفة السند - ظاهرا - فان ابن مسكان وان كان من أصحاب الصادق عليه السلام إلا أنه عاش طويلا ببركة دعاء الامام حتى أدرك الرضا (ع)، أو قريبا منه، ولذلك يروى عنه محمد بن سنان كثيرا، كما يروي هو أيضا عن ابن سنان. والمراد بأبي الحسن اما أن يكون هو الامام موسى بن جعفر (ع) الذي هو الاشهر وينصرف اللفظ إليه عند الاطلاق، أو الرضا (ع) دون الهادي (ع) لعدم امكان رواية ابن مسكان عنه (ع) بواسطة واحدة كما لا يخفى. إذا فمحمد بن جعفر الواقع في هذه الطبقة الذي يروى عنه ابن مسكان وهو يروي عن أبي الحسن (ع) مجهول، إذ لا نعرف في هذه الطبقة من يسمى بهذا الاسم ويكون ثقة، فان محمد بن جعفر الاشعري ثقة ولكنه في طبقة متأخرة. هذا مضافا إلى ان الاقتصار على ذكر المد وعدم ذكر القضاء لا يكون دليلا على عدم الوجوب بوجه كما لا يخفى، فهي إذا قاصرة سندا ودلالة، فلا يصح التعويل عليها بوجه. وعليه فلا مناص من الحكم بوجوب القضاء لصريح صحيح ابن مسلم، ولما ثبت من الخارج من ان كل من كان مأمورا بالصيام وقد


(1) الوسائل باب 17 من ابواب من يصح منه الصوم ح 2

[ 56 ]

أفطر لعارض من ضرر على نفسه أو على غيره لابد له من القضاء. فالقول بعدم الوجب ضعيف غايته. الجهة الثالثة: في وجوب الصدقة، وهي في الجملة مما لا اشكال فيه، وانما الكلام في أنها هل تختص بما إذا كان الخوف على الحمل أو انها تعم الخوف على النفس أيضا؟ الظاهر هو الاختصاص لانصراف النص إلى هذه الصورة خاصة وعدم الاطلاق لغيرها. والوجه فيه تقييد الحامل بالمقرب في كلامه عليه السلام في صحيح ابن مسلم المتقدم، إذ لو كان الخوف على النفس كافيا في وجوب الصدقة لم يكن إذا فرق بين المقرب وغيرها واصبح التقييد به لغوا محضا. فهذا القيد - وهو في كلامه عليه السلام - مانع عن التمسك بالاطلاق وكاشف عن الاختصاص المزبور كما لا يخفى. وعلى تقدير تسليم الاطلاق فلا ريب ان النسبة بين هذه الصحيحة وبين ما دل من الكتاب والسنة على أن المريض لا يجب عليه إلا القضاء عموم من وجه، لشمول الثاني للحامل المقرب وغيرها مع إختصاص المرض - أي الضرر كما مر - بنفسه وشمول الاول لما إذا كان الخوف على النفس أو الحمل مع الاختصاص بالحامل ففي مورد الاجتماع وهو الحامل التي تخاف على نفسها بتعارض الاطلاقان، فان مقتضى الاول وجوب الفداء، ومقتضى الثاني عدمه، فلا جرم يتساقطان. ومعه لم يبق لدينا بعدئذ دليل على وجوب التصدق. وأما القضاء فهو ثابت على التقديرين لاتفاق الطرفين عليه كما هو واضح. إذا فلا دليل على وجوب الفداء على الحامل التي تخاف على نفسها

[ 57 ]

[ فتفطر وتتصدق من مالها (1) بالمد أو المدين وتقضي بعد ذلك ] من الصوم دون ولدها، بل حالها حال سائر المرضى من الافطار ثم القضاء حسبما عرفت. الجهة الرابعة: في تحديد الفداء وانه مد أو مدان. تقدم في الشيخ والشيخة ان النصوص الواردة في ذلك مختلفة، وكان مقتضى الجمع الحمل على الاستحباب. وأما في المقام فلم يرد المدان في شئ من الروايات، وانما الوارد في صحيح ابن مسلم مد من الطعام من غير أي معارض. اللهم إلا أن يقال بالقطع بعدم الفرق في الفدية بين مواردها. وعليه فتكون هذه أيضا معارضة مع تلك الروايات، ويكون الاحتياط بالمدين في محله. (1) مراده (قده) واضح وان كانت العبارة قاصرة) فانه لاشك في عدم اشتراط الصدقة بكونها من مال المتصدق حتى في الصدقات الواجبة كزكاة المال أو الفطرة فانه يجوز الاداء من مال الغير إذا كان باذنه واجازته، وكذلك الحال في الكفارات واداء الديون ونحوها من الحقوق المالية، فلا يشترط في كفارة العتق مثلا أن يكون العبد ملكا للمعتق وهذا واضح. وغرضه (قده من العبارة ان التكليف بالصدقة - كالتكليف بالقضاء - متوجه إليها لا إلى زوجها لتثبت في ماله وتكون من النفقات الواجبة عليه. فهي المخاطبة بوجوب الفداء واخراج المد سواء أكان المد من مالها ام من مال غيرها وكانت مجازة عنه في التصدق، ووجهه ظاهر فانه المنسبق من الامر الوارد في ظاهر الدليل كما لا يخفى.

[ 58 ]

[ (الخامس) المرضعة القليلة اللبن (1) إذا أضر بها الصوم أو اضر بالولد ولا فرق بين أن يكون الولد لها أو متبرعة برضاعه أو مستأجرة ويجب عليها التصدق بالمد أو المدين أيضا من مالها والقضاء بعد ذلك و الاحوط بل الاقوى الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع تبرعا أو بأجرة من أبيه أو منها أو من متبرع. ] (1) لصحيح محمد بن مسلم المتقدم في الحامل المقرب، ولاجله يجري البحث السابق بخصوصياته هنا أيضا بمناط واحد بعد وحدة المستند. كما ان الكلام من حيث الاختصاص بخوف الضرر على الولد أو الشمول للخوف على النفس هو الكلام المتقدم بعينه. وقد عرفت أن الاظهر هو الاول نظرا إلى ان تقييد المرضعة بكونها قليلة اللبن قرينة واضحة على ذلك ضرورة عدم الفرق في الخوف على النفس بين كونها قليلة اللبن أو كثيرته، مرضعة أو غير مرضعة، فان الخوف المزبور أنى عرض ولاي شخص تحقق فهو داخل في عنوان المريض - حسبما مر - ومحكوم بالافطار والقضاء دون الفداء. فالنص إذا لا اطلاق له بل منصرف إلى خصوص صورة الخوف على الولد. ولو منعنا الانصراف وسلمنا الاطلاق يجري أيضا ما تقدم من المعارضة بينها وبين ما دل على نفي الفدية عن المريض من الكتاب - باعتبار ان التفصيل قاطع للشركة - ومن السنة وهي الروايات الكثيرة الواردة في إقتصار المريض على القضاء، وفي ان من استمر به المرض

[ 59 ]

إلى القابل يتصدق، الكاشف عن اختصاص الصدقة به، أما غير المستمر فعليه القضاء فحسب. وبما ان النسبة بينهما عموم من وجه ويتعارضان في مادة الاجتماع وهي المرضعة القليلة اللبن التى تخاف على نفسها حيث ان مقتضى الاول وجوب الفداء، ومقتضى الثاني عدمه فلا جرم يتساقطان، ويرجع في وجوب الفدية إلى اصالة العدم حسبما تقدم. نعم يختص المقام بالبحث عن أمرين. أحدهما: في ان الحكم هل يختص بالام أو يعم مطلق المرضعة بتبرع أو استيجار؟ الظاهر هو الثاني، بل لا ينبغي التأمل فيه لاطلاق النص. ثانيهما: في ان الحكم هل يختص بصورة الانحصار وعدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع، أو يعم صورة وجود المندوحة من مرضعة أخرى، أو الانتفاع من حليب الدواب أو من الحليب المصنوع كما هو المتداول في العصر الحاضر بحيث يمكن التحفظ على حياة الطفل من غير تصدي هذه المرأة بخصوصها للارضاع؟ ذهب جماعة إلى الثاني عملا باطلاق النص، وجماعة آخرون ومنهم الماتن إلى الاول وهو الاظهر. لا لمكاتبة علي بن مهزيار التي يرويها صاحب الوسائل عن ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب مسائل الرجال، قال: كتبت إليه يعني علي بن محمد (ع) اسأله عن امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان فيشتد عليها الصوم وهي ترضع حتى يغشى عليها ولا تقدر على الصيام، أترضع وتفطر وتقضي صيامها إذا أمكنها، أو تدع الرضاع وتصوم، فان كانت ممن لا يمكنها اتخاذ من يرضع ولدها

[ 60 ]

فكيف تصنع؟ فكتب: ان كانت ممن يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها وأتمت صيامها، وان كان ذلك لا يمكنها أفطرت وارضعت ولدها وقضت صيامها متى ما أمكنها. (1) فانها وان كانت واضحة الدلالة على الاختصاص بصورة الانحصار وعدم التمكن من الظئر، أما معه فتتم الصيام ولا تفطر، كما أنها مؤيدة لما ذكرناه من الاختصاص بصورة الخوف على الولد، أما مع الخوف على النفس كما هو مورد المكاتبة بشهادة قوله: (حتى يغشى عليها) فليس عليها الا القضاء دون الفداء. الا أنها ضعيفة السند لجهالة طريق ابن ادريس إلى الكتاب المزبور وتوضيحه: ان صاحب الوسائل تعرض في خاتمة الكتاب للكتب التي روى عنها وقسمها إلى قسمين: فقسم وصل الكتاب بنفسه إليه فروى عنه مباشرة كالكتب الاربعة وجملة من كتب الصدوق ونحو ذلك. وقسم آخر لم يصل إليه وإنما نقل عنه مع الواسطة، ومن جملته هذا الكتاب الحاوي لمجموعة روايات احمد بن محمد بن الجوهري، و عبد الله بن جعفر الحميري عن على بن مهزيار المسمى بكتاب (مسائل الرجال)، كما نص عليه صاحب الوسائل في المقام، أو (مشاغل الرجال)، كما صرح به في الخاتمة، ولعل الاصح هو الاول وكيفما كان فهذا الكتاب لم يصل بنفسه إلى صاحب الوسائل، وانما يروى عنه بواسطة ابن ادريس، وبما ان الفصل بينه وبين الحميري طويل فهو طبعا ينقل عنه مع الواسطة، وحيث انها مجهولة عندنا فلا جرم يتصف الطريق بالضعف، غايته ان يكون هو متيقنا


(1) الوسائل باب 17 من ابواب من يصح منه الصوم ح 3

[ 61 ]

بالصحة، ولكن يقينه لا يكون حجة علينا، فلا علم لنا إذا باستناد الكتاب المزبور إلى الحميري. ودعوى عدم الحاجة إلى معرفة الطريق فيما يرويه ابن ادريس الذي نعلم بأنه لا يعمل بأخبار الآحاد فلعله بلغه على سبيل التواتر أو بالطريق المحفوف بالقرينة القطعية. كما ترى فان التواتر بعيد جدا في المقام كما لا يخفى، والقرينة القطعية المحفوف بها الطريق غايتها أن تكون قطعية بالاضافة إليه كما سمعت، ومن الجائز عدم افادتها القطع لنا لو عثرنا عليها. وعلى الجملة فليس المستند في المسألة هذه المكاتبة لعدم كونها نقية السند. بل المستند فيها التعليل الوارد في صحيح ابن مسلم المتقدم، قال عليه السلام: الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما ان تفطرا في شهر رمضان لانهما لا تطيقان الصوم (1). فان نفي الحرج كناية عن نفي العقاب، لا الحرج المصطلح كما هو واضح، ومن البين اختصاص صدق عدم الاطاقة بصورة الانحصار والاضطرار إلى الارضاع، وإلا فمع وجود المندوحة والتمكن من الارضاع بلبن آخر لم يكن التصدي وقتئذ مصداقا لعدم الاطاقة، فانه نظير من يجلس اختيارا في الشمس طول النهار حيث انه وان لم يتمكن من الصوم حينئذ لشدة العطش إلا انه لا يندرج بذلك في عنوان من لا يطيق، ولا يصح اطلاق هذا الاسم عليه عرفا بعد تمكنه من الانحراف إلى الظل واستناد العجز المزبور إلى ارادته واختياره.


(1) الوسائل باب 17 من ابواب من يصح منه الصوم ح 1

[ 62 ]

فالصحيحة بلحاظ الاشتمال على التعليل قاصرة الشمول لهذه الصورة. فنبقى نحن والقواعد، ومن الواضح ان مقتضاها وجوب الصوم بعد فرض التمكن منه، إذ السقوط يحتاج إلى الدليل ولا دليل حسب الفرض.

[ 63 ]

[ (فصل) في طرق ثبوت هلال رمضان وشوال للصوم والافطار وهي أمور (1): الاول رؤية المكلف نفسه. ] (1) المستفاد من الآية المباركة: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) والروايات الكثيرة الناطقة بوجوب الصيام في شهر رمضان ان هذا الشهر بوجوده الواقعي موضوع لوجوب الصوم فلابد من احرازه بعلم أو علمي في ترتب الاثر كما هو الشأن في سائر الموضوعات الخارجية المعلق عليها الاحكام الشرعية، وقد دلت الروايات الكثيرة أيضا ان الشهر الجديد إنما يتحقق بخروج الهلال عن تحت الشعاع بمثابة يكون قابلا للرؤية. وعليه فان رآه المكلف بنفسه فلا إشكال في ترتب الحكم، أعني وجوب الصيام في رمضان، والافطار في شوال بمقتضى النصوص الكثيرة المتواترة سواء رآه غيره أيضا أم لا، على ما يقتضيه الاطلاق في جملة منها والتصريح به في البعض الآخر كما في صحيحة علي بن جعقر قال: سألته عمن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ فقال: إذا لم يشك فيه فليصم وحده، والا يصوم مع الناس إذا صاموا (1). ونحوه ما لو رآه غيره على نحو ثبتت الرؤية بالتواتر، إذ يدل عليه حينئذ كل ما دل على تعليق الافطار والصيام بالرؤية لوضوح عدم كون المراد بها رؤية الشخص بنفسه، إذ قد يكون أعمى أو يفوت عنه وقت الرؤية أو نحو ذلك من الموانع.


(1) الوسائل باب 4 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 2.

[ 64 ]

[ (الثاني): التواتر. (الثالث): الشياع المفيد للعلم وفي حكمه كل ما يفيد العلم ولو بمعاونة القرائن فمن حصل له العلم باحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به وان لم يوافقه أحد بل وان شهد ورد الحاكم شهادته. (الرابع) مضي ثلاثين يوما من هلال شعبان أو ثلاثين يوما هلال رمضان فانه يجب الصوم معه في الاول والافطار في الثاني. ] ويلحق به الشياع المفيد للعلم كما دلت عليه وعلى ما قبله النصوص المتظافرة التي لا يبعد دعوى بلوغها التواتر ولو اجمالا، التي منها موثقة عبد الله بن بكير بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صم للرؤية وافطر للرؤية، وليس رؤية الهلال أن يجئ الرجل والرجلان فيقولان رأينا انما الرؤية ان يقول القائل: رأيت فيقول القوم: صدق (1). فان تصديق القوم كناية عن شياع الرؤية بينهم من غير نكير، فيكون ذلك موجبا لليقين. ثم انه إذا لم يتحقق العلم الوجداني من رؤية الغير، ولم يره الشخص بنفسه فلا محالة ينتقل إلى الطريق العلمي. ولا شك في عدم الثبوت بخبر العدل الواحد، وان بنينا - كما هو الصحيح - على أن خبره بل خبر مطلق الثقة حجة في الموضوعات


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 14

[ 65 ]

[ (الخامس): البينة الشرعية (1) وهي خبر عدلين سواء شهدا عند الحاكم وقبل شهادتهما أو لم يشهدا عنده أو شهدا ورد شهادتهما فكل من شهد عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الاثر من الصوم أو الافطار ولا فرق بين أن تكون البينة من البلد أو من خارجه. ] إلا ما خرج بالدليل، مثل موارد القضاء ونحو ذلك نظرا إلى أن عمدة المستند في الحجية السيرة العقلائية التي لا يفرق فيها بين الموضوعات والاحكام. وذلك للروايات الكثيرة التي لا يبعد دعوى بلوغها حد التواتر الاجمالي الناطقة بعدم ثبوت الهلال كالطلاق بخبر العدل الواحد فضلا عن الثقة، التي ذكر جملة وافرة منها صاحب الوسائل في المقام، وجملة أخرى منها في كتاب الشهادات. وقد صرح فيها أيضا بعدم الثبوت بشهادة النساء، بل لابد من شهادة رجلين عادلين فان شهادة امرأتين وان كانت معتبرة في سائر المقامات مثل الدعوى على الاموال ونحو ذلك، وتكون قائمة مقام شهادة رجل واحد لكن لا عبرة بها، ولا بشهادة الرجل العدل الواحد في المقام، ولافي باب الطلاق بمقتضى هذه النصوص كما عرفت (1) وقع الكلام في حجية البينة، أعني شهادة رجلين عادلين في المقام، وانه هل يثبت الهلال بذلك أو ان حجيتها مختصة بغير المقام؟ المعروف والمشهور هو الحجية، ونسب المحقق إلى بعض إنكار الحجية هنا مطلقا، وانه لابد من الشياع المقيد للعلم، وهذا القول شاذ نادر، بل لم يعرف من هو القائل، وان كان المحقق لا ينقل

[ 66 ]

طبعا إلا عن مستند صحيح. وذهب جماعة إلى التفصيل بين ما إذا كانت في السماء علة من غيم ونحوه، وما إذا لم تكن فتكون البينة حجة في الاول دون الثاني. وكيفما كان فالمتبع هو الدليل. فنقول الروايات الدالة على حجية البينة على قسمين: (أحدهما) ما دل على الحجية بلسان مطلق ونطاق عام من غير اختصاص بالمقام. وقد تقدم الكلام حول ذلك مستقصى في كتاب الطهارة عند التكلم في ثبوت الطهارة والنجاسة بالبينة. وقلنا انه استدل على ذلك بقوله عليه السلام في موثقة مسعدة بن صدقة (والاشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة) وقد ناقشنا ثمة وقلنا: انه لاوجه لحمل هذه اللفظة على البينة الشرعية لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية ولا المتشرعية لهذه الكلمة، بل هي محمولة على المعنى اللغوي أعني مطلق الحجة كما هي مستعملة في ذلك في الكتاب العزيز كثيرا مثل قوله تعالى: (حتى تأتيهم البينة) وقوله تعالى: (بالبينات والزبر) إلى غير ذلك. ومما يرشدك إلى ان المراد بها في الموثقة ليس هو خصوص البينة الشرعية انه على هذا لم يكن الحصر حاصرا لامكان ثبوت الاشياء بغير هذين أعني الاستبانة وقيام البينة مثل الاقرار وحكم الحاكم ونحو ذلك فيكشف ذلك عن أن المراد مطلق الحجة. ويكون حاصل المعنى ان الاشياء كلها على هذا حتى تستبين أي تتضح بنفسها بالعلم الوجداني، أو أن تقوم به الحجة المعتبرة، أي الطريق العلمي من الخارج، فان البينة بمعنى ما يتبين به الامر فتحصل ان هذه الموثقة بمجردها قاصرة الدلالة على حجية البينة الشرعية، أعني شهادة العادلين.

[ 67 ]

بل الذي يدل على حجيتها على الاطلاق إلا ما خرج بالدليل مثل الشهادة على الزنا المتوقفة على شهادة أربعة عدول، ومثل الدعوى على الميت المحتاجة إلى ضم اليمين قوله صلى الله عليه و آله: (إنما اقضي بينكم بالايمان والبينات) بضميمة ما ثبت من الخارج بدليل قاطع انه صلى الله عليه وآله كان يقضي بالبينة، أعني بشهادة رجلين عادلين أو رجل وامرأتين: فبعد ضم الصغرى إلى الكبرى نستنتج ان شهادة العدلين مما يتبين بها الامر ويثبت بها الحكم والقضاء، فيكشف ذلك عن ثبوت كل شئ بها إلا ما خرج بالدليل كما عرفت ويتحقق بذلك صغرى للموثقة المتقدمة. فيكفي هذا الدليل العام لاثبات حجية البينة في المقام. نعم لا اعتداد بشهادة المرأة هنا حسبما عرفت. القسم الثاني: ما دل على حجية البينة في خصوص المقام وهي الروايات الكثيرة المتظافرة التي لا يبعد فيها دعوى التواتر الاجمالي المصرحة بذلك. منها صحيحة الحلبي: ان عليا عليه السلام كان يقول: لا اجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين، وصحيحة منصور بن حازم (فان شهد عندكم شاهدان مرضيان بأنهما رآياه فاقضه، ونحوهما غيرهما) (1). ولكن بازائها روايات قد يتوهم معارضها لما سبق لدلالتها على عدم حجية البينة فيما إذا لم تكن في السماء علة، ومن أجلها مال في الحدائق إلى هذا القول. وهذه روايات أربع وان لم يذكر في الجواهر ما عدا اثنتين منها بل قد يظهر من عبارته عدم وجود الزائد عليهما لقوله (قده) (ما عدا روايتين) فلا حظ.


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 1، 4

[ 68 ]

وكيفما كان فالروايات التي يتوهم فيها المعارضة أما لاجل الدلالة على عدم الحجية مطلقا، أو في خصوص عدم وجود العلة اربع كما عرفت. (احداها): رواية حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة فاخبرا انهما رأياه، واخبرا عن قوم صاموا للرؤية وافطروا للرؤية (1). ولكن الرواية ضعيفة السند اولا، لا من أجل اسماعيل بن مرار لوجوده في اسناد تفسير علي بن ابراهيم بل من اجل حبيب الخزاعي كما في التهذيب والاستبصار وجامع الرواة أو الجماعي كما في الجواهر، وعلى أي حال فالرجل مجهول. وأضاف في الوسائل نسخة (الخثعمي) ولكن الظاهر انه سهو من قلمه الشريف. وكيفما كان فهذا الرجل وان كان موثقا إلا أنه لم يثبت انه الراوي لعدم ثبوت هذه النسخة لو لم يثبت عدمها. فغايته ان الرجل مردد بين الموثق وغيره. فالرواية محكومة بالضعف على كل تقدير. و (ثانيا): انها قاصرة الدلالة وغير صالحة للمعارضة لان ظاهرها لزوم التعويل في أمر الهلال على العلم أو العلمي، وعدم جواز الاتكال على الاحتمال أو التظني إذ في فرض استهلال جماعة كثيرين وليس في السماء علة لو ادعى الهلال حينئذ رجلان قد يطمأن بخطأهما، فلا تكون مثل هذه البينة مشمولة لدليل الحجية. فلا ينافي ذلك حجية البينة في نفسها، ولاجل ذلك أجاز عليه السلام شهادة الرجلين


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 13

[ 69 ]

مع وجود العلة، وكون المخبر من خارج البلد لانتفاء المحذور المزبور حينئذ كما هو ظاهر. و (ثالثا): مع التسليم فغايته معارضة هذه الرواية مع الروايات الخاصة المتقدمة الناطقة بحجية البينة في خصوص الهلال فيتساقطان ويرجع بعدئذ إلى عمومات حجية البينة على الاطلاق حسبما تقدم. الثانية: رواية أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصوم للرؤية والفطر للرؤية وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون (1). وهي أيضا ضعيفة بالقاسم بن عروة فانه لم يوثق نعم ورد توثيقه في الرسالة الساسانية ولكن الرسالة لم يثبت بطريق صحيح ان مؤلفها الشيخ المفيد (قده). ومع الغض عن السند فالدلالة أيضا قاصرة، لانها في مقام بيان ان دعوى الرؤية بمجردها لا أثر لها وان كان المدعي خمسين رجلا لجواز تواطؤهم على الكذب، فان غاية ذلك الظن وهو لا يغني من الحق، فلا يسوغ التعويل عليه، بل لابد من الاعتماد على العلم أو ما هو بمنزلته، فلا تنافي بينها وبين ما دل على حجية البينة وانها بمثابة العلم تعبدا. وعلى الجملة فالرواية ناظرة إلى عدم كفاية الظن وكأنها على ما أشار إليه في الجواهر في ذيل رواية أخرى تعريض على العامة حيث استقر بناؤهم قديما وحديثا على الاستناد على مجرد دعوى الرؤية ممن يصلي ويصوم، ومعلوم ان هذا بمجرده غير كاف في الشهادة. فهذه الرواية أجنبية عن فرض قيام البينة، ولذا لم يفرض فيها ان الخمسين كان فيهم العدول.


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 12

[ 70 ]

الثالثة: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية. قال: والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو وينظر تسعة فلا يرونه إذا راه واحد رآه عشرة الاف. وإذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين. وزاد حماد فيه وليس أن يقول رجل هو ذا هو لا اعلم إلا قال ولا خمسون (1). والمذكور في الوسائل هنا أيوب والصحيح أبي أيوب كما صرح به لدى تعرضه للرواية في الباب الثالث من أحكام شهر رمضان الحديث 2. فكلمة (أبي) سقطت في نسخة الوسائل لا في خصوص هذه الطبعة وكيفما كان فحال هذه الرواية السابقة، فان سياقها يشهد بأنها في مقام بيان عدم الاكتفاء بالظن وعدم الاعتماد على الرأي الناشئ من كبر الهلال أو ارتفاعه ونحو ذلك. فلا أثر لكل ذلك وان كثر المدعون حتى زادوا على الخمسين مثلا ما لم يطمأن بصدقهم، واحتمل تواطؤهم على الكذب، ولذا لم يفرض فيها ان في المدعين عدولا أو ثقات. وأين هذا من حجية البينة، فانه لا تنافي بين هذه وبين دليل الحجية بوجه كما هو ظاهر جدا. بقي الكلام في الرواية الرابعة وهي صحيحة أبي أيوب ابراهيم بن عثمان بن الخزاز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني وليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد قد رأيته، ويقول الآخرون لم نره. إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 11

[ 71 ]

رآه مائة رآه الف. ولا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر (1). فربما يقال بأنها معارضة لما سبق لدلالتها على أن السماء إذا لم تكن فيها علة لا تقبل شهادة الاثنين حينئذ ولا الاكثر. ولكن التأمل يقضي بعدم المعارضة لانها بصدد بيان عدم جواز العمل بالظن كما عنون عليه السلام كلامه بذلك فالمقصود إنما هو المنع عن التظني في فريضة رمضان ولزوم تحصيل العلم، ولذا لم تفرض العدالة في الاقل من الخمسين، ولابد من حمل هذا العدد على المثال، وإلا فلا يمكن أن يقال ان الخمسين يوجب العلم، وتسعة وأربعين لا يوجبه. فالمراد التمثيل بعدد يستوجب حصول العلم عادة. وكيفما كان فهي مسوقة لبيان عدم حجية الظن، لا عدم حجية البينة، فلا تنافي دليل اعتبارها بوجه. ومما يؤكد ذلك انه عليه السلام حكم بقبول الشهادة إذا كانت في السماء علة فيما إذا قدم الشاهدان من خارج المصر، إذ نسأل حينئذ ان المحل الذي يقدم الشاهدان منه هل في سمائه أيضا علة أو لا؟ فعلى الاول كان حاله حال البلد فكيف لاتقبل شهادة الرجلين من البلد وتقبل من خارجه. وعلى الثاني وهو المتعين يلزمه قبول الشاهدين من البلد أيضا إذا لم يكن في سمائه علة، إذ التفكيك بينهما بقبول شاهدي الخارج دون الداخل مع تساويهما في عدم العلة غير قابل للتصديق. فلا تعارض الصحيحة حجية البينة أبدا، بل تؤكدها حسبما عرفت. ولو تنازلنا وسلمنا المعارضة فحيث لا يمكن حمل نصوص الحجية


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 10

[ 72 ]

[ وبين وجود العلة في السماء وعدمها (1) نعم يشترط توافقهما ] على ما إذا كانت في السماء علة وكانت البينة من الخارج للزوم التخصيص بالفرد النادر كما لا يخفى. فلا مناص من التساقط. والمرجع بعدئذ اطلاقات حجية البينة العامة. فما ذهب إليه المشهور من حجية البينة على الهلال من غير فرق بين ما إذا كانت في السماء علة أم لا هو الصحيح. (1) حسبما عرفت آنفا. نعم يستثنى من ذلك صورة واحدة جريا على طبق القاعدة من غير حاجة إلى ورود الرواية، وهي ما لو فرضنا كثرة المستهلين جدا، وليست في السماء أية علة، وادعى من بين هؤلاء الجم الغفير شاهدان عادلان رؤية الهلال وكلما دقق الباقون وامعنوا النظر لم يروا، فمثل هذه الشهادة والحالة هذه ربما يطمأن أو يجزم بخطئها، إذ لو كان الهلال موجودا والمفروض ان هذين لامزية لهما على الباقين فلماذا اختصت الرؤية بهما. فلا جرم تكون شهادتهما في معرض الخطأ، ولا سيما وان الهلال من الامور التي يكثر فيها الخطأ، ويخيل للناظر لدى تدقيق النظر ما لا واقع له وقد شوهد خارجا كثيرا ان ثقة بل عدلا يدعي الرؤية ويحاول إراءة الناس من جانب ومن باب الاتفاق يرى الهلال في نفس الوقت من جانب آخر. وعلى الجملة فنفس دليل الحجية قاصر الشمول من أول الامر لمثل هذه الشهادة لاختصاصها بما إذا لم يعلم أو لم يطمأن بخطأ الحجة، والسيرة العقلائية أيضا غير شاملة لمثل ذلك البتة. فهذه الصورة خارجة عن محل الكلام وأجنبية عما نحن فيه من غير حاجة إلى ورود نص خاص حسبما عرفت.

[ 73 ]

[ في الاوصاف (1) فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها نعم لو اطلقا أو وصف أحدهما واطلق الآخر كفى، ] (1) قد يفرض ان كلام من الشاهدين يخبر عن رؤية الهلال على سبيل الاطلاق. وأخرى يقيده أحدهما خاصة فيقول: رأيته وكان جنوبيا مثلا، ويطلق الآخر. وثالثة يقيد كل منهما بقيد يطابق الآخر، فيقول الآخر في المثال المزبور انه كان جنوبيا أيضا. وحكم هذه الصور واضح لصدق قيام البينة على شئ واحد كما هو ظاهر. ورابعة يقيد كل منهما بقيد يخالف الآخر. وهذا على نحوين، إذ تارة يكون القيد من الامور المقارنة غير الدخيلة في حقيقة الهلال كما لو أخبر أحدهما عن وجود سحابة قريبة منه بحيث انحلت شهادته إلى شهادتين: شهادة بأصل وجود الهلال، وشهادة أخرى بوجود السحاب قريبا منه، وأنكر الآخر وجود السحاب. وهذا أيضا لا إشكال في عدم قدحه في تحقق البينة الشرعية بعد اتفاقهما على الشهادة بأصل رؤية الهلال فغايته الغاء الضميمة التي هي مورد المعارضة، إذ لا ضير فيه بعد أن كانت أجنبية عن نفس الهلال وهذا نظير ما لو شهد أحدهما على الطلاق وان المطلق كان لابسا للباس أصفر، ويقول الآخر ان لباسه كان أبيض، فان هذه الحيثية أجنبية عن حريم الطلاق بالكلية، فيؤخذ بالشهادة على وقوع أصل الطلاق الذي هو مورد للاتفاق بلا اشكال. وأخرى يكون القيد من الخصوصيات الفردية ومتعلقا بشخص الهلال وحقيقته، كما لو شهد أحدهما بأنه كان جنوبيا، ويقول الآخر

[ 74 ]

بأنه كان شماليا، بحيث كانت لكل منهما شهادة واحدة متعلقة بفرد خاص مغاير لما تعلق بالفرد الآخر، ونحوه ما لو أخبر أحدهما بأنه كان مطوقا، أو كانت فتحته نحو الارض، وقال الآخر بأن فتحقه نحو السماء، أو أنه لم يكن مطوقا ونحو ذلك مما يتعلق بخصوصيات نفس الهلال دون الحالات المقارنة معه بحيث أن أحدهما يخبر عن فرد ويخبر الآخر عن فرد آخر. فبطبيعة الحال يقع التكاذب حينئذ بين الشهادتين لان ما يثبته هذا ينفيه الآخر وبالعكس، إذ لا يمكن أن يكون الهلال في آن واحد متصفا بخصوصيتين متضادتين. فمن يدعي الجنوبية ينفى الشمالية، فكل منهما مثبت وناف لمدلول الآخر، فلم يتفقا على شئ واحد لتتحقق بذلك البينة الشرعية. نعم قد يقال إنهما وان اختلفا في المدلول المطابقي وهو الاخبار عن فرد خاص من الهلال إلا أنهما متفقان في المدلول الالتزامي وهو الاخبار عن أصل وجود الهلال والكلي الجامع القابل للانطباق على كل من الفردين، ولا فرق في حجية البينة كغيرها مما هو من مقولة الحكاية بين المدلول المطابقي والالتزامي، فإذا سقطت المطابقة عن الحجية أما لاجل المعارضة أو لعدم حصول الشهادة الشرعية لا مانع من الاخذ بالمدلول الالتزامي. ولكنه يندفع بما تعرضنا له مستقصى في مبحث المياه عند التكلم حول الشهادة على النجاسة وثبوتها بالبينة، وقلنا ثمة ما ملخصه: ان الدلالة الالتزامية كما أنها تابعة للمطابقية في الوجود، أي في أصل الدلالة وتحققها كذلك تتبعها في الحجية، فان ذلك هو مقتضى ما هو المستند لحجية البينة وغيرها من السيرة العقلائية ونحوها، فانها ناطقة بانها تدور مدارها ثبوتا وسقوطا وجودا وحجية، فمع سقوط المطابقية

[ 75 ]

عن الحجية لا دليل على حجية الكلام في الدلالة الالتزامية حتى فيما إذا كان اللزوم بينا بالمعنى الاخص، بل هي تتبعها في السقوط لا محالة. فلو فرضنا قيام البينة على أن الدار التي هي تحت يد زيد لعمرو فلا شك في أن المال يؤخذ حينئذ منه ويعطى لعمرو لتقدم البينة على اليد. وهذه الشهادة الدالة بالمطابقة على أن الدار لعمرو لها دلالة التزامية باللزوم البين بالمعنى الاخص، وهي انها ليست لزيد لامتناع اجتماع ملكيتين مستقلتين على مال واحد. وحينئذ فلو فرضنا ان عمروا اعترف بان الدار ليست له فلا ريب في سقوط البينة عندئذ عن الحجية لتقدم الاقرار عليها بل على غيرها أيضا من سائر الحجج حتى حكم الحاكم. أفهل يمكن القول حينئذ بأن الساقط هو الدلالة المطابقية وهو كونها لعمرو دون الالتزامية، أعني عدم كونها لزيد فتوخذ الدار من يده، ويعامل معها معاملة مجهول المالك باعتبار ان البينة أخبرت بالالتزام بأنها ليست لزيد ولم يعرف مالكها؟ ليس كذلك قطعا. والسر فيه ما ذكرناه هناك من أن الشهادة على الملزوم وان كانت شهادة على اللازم ولا سيما في اللزوم البين بالمعنى الاخص كالمثال المتقدم إلا أنها ليست شهادة على اللازم مطلقا وأينما سرى بل حصة خاصة منه وهي اللازم لهذا الملزوم المجتمع معه في الوجود. فمن يخبر في المثال عن أن الدار لعمرو فهو يخبر طبعا عن عدم كونها لزيد ذاك العدم الذي هو لازم لملكية عمرو، لا انه يخبر عن عدم ملكية زيد على سبيل الاطلاق، فهو يخبر عن حصة خاصة من اللازم التى هي من شؤون الشهادة على الملزوم فإذا سقط الملزوم بمقتضى الاعتراف تبعه سقوط اللازم بطبيعة الحال، فيكون اعتراف المقر له إنكارا للازم. وكذلك الحال في بقية اللوازم، فمن أخبر عن أن هذا ثلج فقد أخبر عن بياضه لا

[ 76 ]

[ ولا يعتبر اتحادهما في زمان الروية (1) ] عن طبيعي البياض الجامع بين الثلج والقطن بل خصوص هذه الحصة المقارنة معه فإذا علمنا من الخارج ان ذاك الجسم لم يكن ثلجا ليس لنا أن نقول إنه أبيض. وعلى الجملة الاخبار عن الملزوم في باب الشهادة وغيرها إنما يكون إخبارا عن اللازم فيما هو لازم له، أي عن الحصة الخاصة الملازمة لهذا الملزوم لاعن الطبيعي. وعليه فمن يشهد برؤية الهلال في طرف الجنوب لا يخبر بالدلالة الالتزامية عن وجود جامع الهلال ليشاركه في هذا الاخبار من يشهد برؤيته في طرف الشمال فتتحقق بذلك البينة الشرعية، وإنما يخبر عن الحصة المقارنة لهذا الفرد، والمفروض عدم ثبوته لكونه شاهدا واحدا وهكذا الشاهد الآخر، فما يخبر به كل منهما غير ما يخبر به الآخر. إذا فلم تثبت رؤية الهلال بالبينة الشرعية لعدم تعلق الشهادتين بموضوع واحد، لا بالدلالة المطابقية ولا التزامية حسبما عرفت. ونظير ذلك ما لو ادعى كل من زيد وعمرو ان بكرا باعه داره ولكل منهما شاهد واحد فانه لا يثبت بذلك تحقق البيع، وتردد المالك بين زيد وعمرو بدعوى توافق الشاهدين على هذا المدلول الالتزامي، إذ ليس اللازم هو الجامع، بل الحصة الخاصة المغايرة للحصة الاخرى كما عرفت. (1) لعدم دخله فيما هو المناط في اعتبار الشهادة من وحدة المشهود به وهو وجود الهلال في ليلة كذا فكما لا يعتبر الاتحاد في زمان أداء الشهادة ولامكان الرؤية، فكذا لا يعتبر في زمان الرؤية، فلا مانع من أن يشهد أحدهما برؤيته بعد الغروب بربع ساعة والآخر بنصف

[ 77 ]

[ مع توافقهما على الرؤية في الليل (1) ] ساعة بعد أن كان أحد الوجودين ملازما للآخر. فان هذه الخصوصيات الزائدة أجنبية عن صحة الشهادة كما هو واضح. (1) ان أراد به الموافقة على الرؤية في ليلة واحدة كما لا يبعد، بل لعله ظاهر العبارة فهو وجيه فانه لو اختلفا فشهدا احدهما بروية هلال رمضان في ليلة السبت مثلا والآخر في ليلة الاحد لم تتم الشهادة على شئ منهما. أما الاول فواضح، وكذا الثاني، إذ هما وان اتفقا على كونه من رمضان إلا أن الاول يكذب بالدلالة الالتزامية ما يدعيه الثاني من كونها الليلة الاولى بل يراها الثانية، فلا يتفقان على هذه الدعوى. فخصوصية الليلة الاولى لم تثبت بشئ من الشهادتين كما هو واضح. وان أراد لزوم تعلق الشهادة برؤية الهلال في الليل في مقابل النهار بحيث لو شهد أحدهما برؤيته قبل الغروب بنصف ساعة، والآخر بعده بنصف ساعة مثلا لم ينفع. فهذا غير واضح، إذ لم يرد اعتبار الرؤية في الليل في شئ من النصوص. فلا مانع من قبول الشهادة المزبورة إلا إذا فرض التنافي بينهما، كما لو شهدا أحدهما برؤيته قبل الغروب بخمس دقائق قريبا من الافق بحيث لا يبقى فوقه أكثر من عشر دقائق مثلا، وشهد الآخر بأنه رآه بعد الغروب بساعة فان مثل هذه الشهادة لا تسمع، لرجوع ذلك إلى الخصوصيات الفردية المستلزمة لتكذيب أحدهما الآخر فان الفرد الذي يشهد به أحدهما غير الفرد الذي يشهد به الآخر. ومثله لا يحقق البينة الشرعية كما مر.

[ 78 ]

[ ولا يثبت بشهادة النساء (1) ] (1) لجملة من النصوص المعتبرة المصرحة بذلك التي منها صحيحة الحلبي؟ عن أبي عبد الله عليه السلام: ان عليا عليه السلام كان يقول: لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين. وصحيحة محمد بن مسلم قال: لا تجوز شهادة النساء في الهلال. ورواية شعيب بن يعقوب عن جعفر عن أبيه عليه السلام: إن عليا عليه السلام قال: لا أجيز في الطلاق ولا في الهلال إلا رجلين، ونحوها غيرها (1). والمراد بهذه الروايات نفي الحجية الشرعية عن شهادة النساء وقبول قولهن تعبدا على النحو الذي كان ثابتا في الرجال، وأما إذا بلغ إخبارهن حد التواتر بحيث لا يحتمل معه التواطؤ على الكذب أو حد الشياع المفيد للعلم فلا ينبغي التأمل في عدم كونه مشمولا لتلك النصوص فانها ناظرة إلى النهي عن العمل بشهادة النساء، لا عن العمل بالعلم الوجداني كما هو واضح. نعم هناك رواية واحدة ربما يستشعر منها التفصيل بين هلال رمضان وهلال شوال، وان الاول يثبت بشهادتين فيقيد بها إطلاق النصوص المتقدمة. وهي ما رواه الشيخ باسناده عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل قال لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين، ولا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة (2).


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان 1، 2، 9 (2) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 15

[ 79 ]

وقد رواها في الوسائل في موضعين أحدهما في هذا المقام، والآخر في كتاب الشهادات (1): وله (قده) سهو قلم واشتباه في كل من الموضعين. أما سهوه (قده) في المقام فلاجل انه (قده) رواها عن الشيخ عن على بن الحسن بن فضال عن محمد بن خالد. الخ) مع أن الشيخ رواها في التهذيب والاستبصار عن سعد بن عبد الله عن محمد ابن خالد وعلي بن حديد في سند، وعن سعد عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب والهيثم بن أبي مسروق النهدي في سند آخر، كلهم عن علي بن النعمان. وعلى التقديرين فقد رواها عن سعد لا عن ابن فضال. وأما سهوه في كتاب الشهادات: فهو انه يرويها عن داود بن الحصين بسندين أحدهما: وهو الذي أشار إليه بقوله وبالاسناد عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد.. الخ. مع ان الموجود في التهذيب والاستبصار رواية سعد بن عبد الله عن محمد بن خالد مباشرة لا بواسطة أحمد بن محمد. وكيفما كان فالرواية وان كانت معتبرة السند إلا أنها قاصرة الدلالة، إذ ليس مفادها ثبوت هلال رمضان بشهادتها لتدل على التفصيل بين الهلالين، بل غايتها عدم البأس بالصيام كما عبر (عليه السلام) بذلك، ولاشك في عدم البأس المزبور بان يصام رجاءا بقصد شعبان، أو بقصد الامر الفعلي حسبما تقدم في محله، وليس كذلك الفطر لحرمة الصوم يومئذ. فمن ثم عبر عليه السلام فيه بقوله: (لا تجوز شهادة النساء في الفطر) فهما يشتركان في عدم الثبوت


(1) الوسائل باب 24 من كتاب الشهادات حديث 36، ج 18 ص 266.

[ 80 ]

[ ولا بعدل واحد ولو مع ضم اليمين (1) ] بشهادة النساء وان افترقا في إمكان الاحتياط وجواز الصوم بعنوان الرجاء وعدمه حسبما عرفت. ومما يؤكد ذلك عدم ثبوت أي شئ بشهادة امرأة واحدة في كافة الابواب الفقهية، بل ولا رجل واحد إلا في بعض الموارد الخاصة مما قام عليه النص كما في الوصية، حيث انه يثبت الربع بشهادة المرأة الواحدة، وكما في القتل حيث انه يثبت بشهادتها ربع الدية، فكيف يمكن أن يقال بثبوت الهلال بشهادة امرأة واحدة سيما بعد ما تقدم في جملة من النصوص من التصريح بعدم ثبوته إلا بشهادة رجلين عادلين. إذا فلا تنهض هذه الرواية لمعارضة ما سبق بوجه. (1) تعميم عدم الكفاية لضم اليمين لعله من توضيح الواضحات، فان الاكتفاء بشاهد واحد في باب الهلال وان نسب إلى بعضهم كما ستعرف إلا ان ضم اليمين معه لم يعرف له أي وجه، إذ الروايات الواردة في كفاية ضم اليمين مع الشاهد الواحد أكثرها انما وردت في خصوص الدين، بل في بعضها التصريح بكلمة (فقط) أو (خاصة). فقد ورد انه قضى رسول الله صلى الله عليه وآله في الدين خاصة بشاهد ويمين. ومن ثم اختلف الفقهاء على أقوال ثلاثة: فخصه بعضهم بموارد الدين دون غيره من ساير الدعاوى المتعلقة بالاملاك. وتعدى بعضهم إلى مطلق الاموال. فلو ادعى أحد على أحد دينا أو عينا واقام شاهدا واحدا مع ضم اليمين ثبتت الدعوى. وهذا غير بعيد حسبما يستفاد من بعض الروايات.

[ 81 ]

[ (السادس) حكم الحاكم (1) ] وتعدى آخرون إلى مطلق الحقوق وان لم تتضمن دعوى مالية، مثل دعوى الزوجية ونحوها. فمورد هذه الاقوال هو الدعوى إما دينا، أو مالا، أو حقا، وأما إذا لم يكن شيئا من ذلك وكان خارجا عن مورد الدعوى رأسا كثبوت الهلال فلم ينسب إلى أحد من الفقهاء اعتبار شاهد واحد مع اليمين. وأما احتمال الاكتفاء بشاهد واحد فتدفعه النصوص المتقدمة المتعددة الناطقة باعتبار العدد التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) إن عليأ عليه السلام كان يقول: لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين (1). نعم قد يقال باستفادة الاكتفاء بشاهد واحد من صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين. الخ (2) لانطباق العدل على الشاهد الواحد. وفيه ان غايته الدلالة عليه بالاطلاق القابل للتقييد بالنصوص المتقدمة على أن النسخ مختلفة وفي بعضها (عدول) بدل (عدل) ورواها في الوسائل في موضع آخر (بينة عدل) (3) فلا تنهض لمقاومة ما سبق. (1) على المشهور كما نسب إليهم وخالف فيه بعضهم فأنكر وجود الدليل عليه. ويستدل للمشهور بطائفة من الروايات لا تخلو عن الخدش سندا


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 1 (2) الوسائل باب 5 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 11 (3) الوسائل باب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 6

[ 82 ]

أو دلالة على سبيل منع الخلو. منها صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا شهد عند الامام شاهدان انهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بافطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، وان شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم وأخر الصلاة إلى الغد فصلى بهم (1). دلت على أن الافطار يثبت بأمر الامام سواء أثبت الهلال عنده قبل الزوال أم بعده، وانما يفترقان في إقامة الصلاة، حيث أنها لا تشرع بعد الزوال. فمن ثم تؤخر إلى الغد. ولكن الصحيحة كما ترى أجنبية عن محل الكلام بالكلية، وإنما هي ناظرة إلى وجوب إطاعة الامام وانه متى أمر بالافطار وجب لكونه مفترض الطاعة بمقتضى قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم)) من غير حاجة إلى صدور حكم منه الذي هو إنشاء خاص لعدم فرضه في الحديث، وإنما المفروض مجرد قيام الشهود لديه وصدور الامر منه الذي هو غير الحكم بالضرورة. وهذه الاطاعة التي هي من شؤون الولاية المطلقة خاصة بمن هو امام بقول مطلق، أي لجميع الناس وكافة المسلمين المنحصر في الائمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولم ينهض لدينا ما يتكفل لا ثبات هذه الولاية المطلقة لغيرهم من الفقهاء والمجتهدين في عصر الغيبة لكي يثبت الهلال ويجب الافطار بأمرهم بعد وضوح عدم صدق عنوان الامام بمعناه المعهود عند المتشرعة عليهم ولا سيما بلحاظ فرض وجوب طاعته على جميع المسلمين.


(1) الوسائل باب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1

[ 83 ]

وعلى الجملة الرواية خاصة بالامام الذي هو شخص واحد وامام لجميع المسلمين وان كان التطبيق محمولا على التقية أحيانا كما في قوله ذاك إلى الامام (1) وناظرة إلى نفوذ أمره ووجوب طاعته. واثبات هذا المقام لنوابه العام من العلماء الاعلام والمراجع العظام دونه خرط القتاد. كما نص عليه شيخنا الانصاري (قده) في كتاب المكاسب، وباحثنا حوله ثمة بنطاق واسع بل في البلغة (2) انه غير ثابت بالضرورة ولا مساس لهذه الصحيحة بنفوذ حكم الحاكم والمجتهد الجامع للشرائط بجيث لوحكم وهو في بيته وان يقلده بل لم يعرفه أكثر الناس بأن هذه الليلة أول شوال وجب على الكل ترتيب الاثر عليه، وحرمت مخالفته فان هذا لا يكاد يستفاد من هذه الصحيحة بوجه. ومنها التوقيع الذي رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين واتمام النعمة عن محمد بن محمد بن عصام، عن محد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: أما ما سألت عنه ارشدك الله وثبتك.. إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتى عليكم وانا حجة الله.. الخ (3). فان أمر الهلال من الحوادث الواقعة فيرجع فيه إلى رواة الحديث وهم حكام الشرع ويكون قولهم حجة متبعة وحكمهم نافذا في الامة. وفيه انها قاصرة سندا ودلالة.


(1) الوسائل باب 57 من ابواب ما يمسك عند الصائم الحديث 5 (2) بلغة الفقيه ج 3 ص 218 (3) الوسائل باب 11 من ابواب صفات القاضي الحديث 9

[ 84 ]

أما السند فلجهالة ابن عصام، وكذا اسحاق بن يعقوب. وأما الدلالة فلاجمال المراد من الحوادث الواقعة فان المحتمل فيه أمور: أحدها: الامور التي تتفق خارجا ولم يعلم حكمها كما لو مات زيد وله ثياب أو مصاحف عديدة ولم يعلم ان الحبوة هل تختص بواحد منها أو تشمل الكل ونحو ذلك من موارد الشبهات الحكمية التي تتضمنها الحوادث وقد أمر عليه السلام بالرجوع فيها الظاهر في السؤال عن حكمها إلى رواة الحديث، فتكون حينئذ من أدلة حجية الخبر لو كان المراد هو الراوي، أو من أدلة حجية الفتوى لو كان المراد بالرواة هم العلماء. وعلى التقديرين تكون أجنبية عن محل الكلام. ومما يؤيد إرادة أحد الامرين الارجاع إلى الرواة بصيغة العموم لا إلى شخص معين. فان هذا هو حكم الجاهل بالمسألة الذي لا يعرف حكمها فيرجع إلى العالم أما لانه راو أو لانه مجتهد. ومن الظاهر ان في زمانهم عليهم السلام وما بعده بقليل كان المرجع لدى تعذر الوصول إلى الامام هم رواة الحديث فكانوا هم المسؤولون عن حكم الحوادث الواقعة. وعلي أي حال فالرواية على هذا الاحتمال أجنبية عما نحن بصدده البتة. ثانيها: الشبهات الموضوعية التي تقع موردا للنزاع والخصومة، كما لو ادعى زيد ملكية هذه الدار وأنكرها عمرو ونحو ذلك من ساير موارد الدعاوي، فتكون من أدلة نفوذ القضاء. وهذا الاحتمال وان كان بعيدا جدا بالنسبة إلى سابقه، وإلا لقال

[ 85 ]

(فارجعوها) بدل قوله (فارجعوا فيها) ضرورة ان في موارد المرافعات والدعاوي ترفع نفس الحادثة وأصل الواقعة إلى القاضي والحاكم الشرعي، فهي ترجع إليه، لا انه يرجع فيها إليه. على انه لا مدخل للراوي بما هو راو في مسألة القضاء وانهاء الحكم لعدم كونه شأنا من شؤونه، وظاهر التوقيع دخالة هذا الوصف العنواني في مرجعيته للحوادث الواقعة كما لا يخفى. إلا أنه على تقدير تسليمه أجنبي أيضا عن محل الكلام ولا ربط له بالمقام. ثالثها: مطلق الحوادث سواء أكانت من قبيل المرافعات أم لا التي منها ثبوت الهلال. وهذا الاحتمال هو مبنى الاستدلال، ولكنه لا مقتضي له بعد وضوح الطرق الشرعية المعدة لاستعلام الهلال من التواتر والشياع والبينة وعد الثلاثين من غير حاجة إلى مراجعة الحاكم الشرعي، ضرورة انه إنما يجب الرجوع إليه مع مسيس الحاجة، بحيث لو كان الامام عليه السلام بنفسه حاضرا لوجب الرجوع إليه. والامر بالرجوع في التوقيع ناظر إلى هذه الصورة. ومن البين ان مسألة الهلال لم تكن كذلك، فانه لا تجب فيها مراجعة الامام عليه السلام حتى في عصر حضوره وامكان الوصول إليه، بل للمكلف الامتناع عن ذلك والاقتصار على الطرق المقررة لاثباته، فان توفرت لديه وقامت الحجة الشرعية أفطر والا بقي على صومه، ولم يعهد في عصر أحد من الائمة عليهم السلام حتى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام المتصدي للخلافة الظاهرية مراجعة الناس ومطالبتهم اياه في موضوع الهلال على النهج المتداول في العصر الحاضر،

[ 86 ]

بالاضافة إلى مراجع التقليد إذ لم يذكر ذلك ولا في رواية واحدة ولو ضعيفة. وعلى الجملة قوله عليه السلام: (فهو حجتي عليكم) أي في كل ما انا حجة فيه، فلا تجب مراجعة الفقيه إلا فيما تجب فيه مراجعة الامام، ومورده منحصر في أحد أمرين: أما الشبهات الحكمية، أو باب الدعاوي والمرافعات. وموضوع الهلال خارج عنهما معا، ولا دلالة فيه على حجية قول الفقيه المطلقة وولايته العامة في كل شئ، بحيث لو أمر أحدا ببيع داره مثلا وجب اتباعه. فمحصل التوقيع وجوب الرجوع إلى الفقيه في الجهة التي يرجع فيها إلى الامام لا أن الولاية المطلقة ثابتة له، بحيث ان المناصب الثابثة للامام كلها ثابتة للفقيه. فان هذا غير مستفاد منه قطعا. ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة: قال عليه السلام فيها: (.. ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله (1)). ويرد على الاستدلال بها ضعف السند أولا وان تلقاها الاصحاب بالقبول ووسمت بالمقبولة لعدم ثبوت وثاقة ابن حنظلة، بيد انه وردت فيه رواية وصفه الامام عليه السلام فيها بقوله: (إذا لا يكذب علينا) الذي هو في أعلى مراتب التوثيق، لولا انها ضعيفة السند في


(1) الوسائل باب 11 من صفات القاضي حديث 1

[ 87 ]

نفسها كما مر ذلك مرارا إذا لاسبيل للاستدلال بها وان سميت بالمقبولة. وقصور الدلالة ثانيا حيث أنها تتوقف على مقدمتين: الاولى دلالتها على جعل منصب القضاء في زمن الغيبة، بل حتى في زمن الحضور للعلماء وهذا هو المسمى بالقاضي المنصوب في قبال قاضي التحكيم ويكون حكمه نافذا وماضيا على كل أحد، ولو طالب حضور أحد الخصمين وجب، وله الحكم عليه غيابا لو امتنع. وغير خفي ان المقبولة وان كانت واضحة الدلالة على نصب القاضي ابتداء ولزوم اتباعه في قضائه حيث أن قوله عليه السلام: (فليرضوا به حكما) بعد قوله: ((ينظران من كان منكم.. الخ) كالصريح في انهم ملزمون بالرضا به حكما باعتبار انه عليه السلام قد جعله حاكما عليهم بمقتضى قوله عليه السلام: (فاني قد جعلته حاكما) الذي هو بمثابة التعليل للالزام المذكور. الا أن النصب المزبور خاص بمورد التنازع والترافع المذكور في صدر الحديث، بلا فرق بين الهلال وغيره كما لو استأجر دارا، أو تمتع بامرأة إلى شهر فاختلفا في انقضاء الشهر برؤية الهلال وعدمه، فترافعا عند الحاكم وقضى بالهلال، فان حكمه حينئذ نافذ بلا إشكال. وأما نفوذ حكمه حتى في غير مورد الترافع كما لو شككنا ان هذه الليلة اول رمضان ليجب الصوم أو أول شوال ليحرم من غير أي تنازع وتخاصم. فلا تدل المقبولة على نفوذ حكم الحاكم حينئذ إلا بعد ضم مقدمة ثانية: وهي ان وظيفة لم تكن مقصورة على حسم؟ المنازعات فحسب، بل كان المتعارف والمتداول لدى قضاة العامة التدخل

[ 88 ]

في جميع الشؤون التي تبتلى بها العامة، ومنها التعرض لامر الهلال حيث انهم كانوا يتدخلون فيه بلا ريب، وكان الناس يعملون على طبق قضائهم في جميع البلدان الاسلامية. فإذا كان هذا من شؤون القضاء؟ عند العامة، وثبت ان الامام عليه السلام نصب شخصا قاضيا فجميع تلك المناصب تثبت له بطبيعة الحال فلهذا القاضي ما لقضاة العامة، ومنه الحكم في الهلال، كما هو المتعارف في زماننا هذا تبعا للازمنة السابقة لما بين الامرين من الملازمة الخارجية حسبما عرفت. ولكنك خبير بان هذه المقدمة أيضا غير بينة ولا مبينة لعدم كونها من الواضحات الوجدانيات، فان مجرد تصدي قضاة العامة لامر الهلال خارجا لا يكشف عن كونه من وظائف القضاء في الشريعة المقدسة، حتى يدل نصب أحد قاضيا على كون حكمه في الهلال ماضيا بالدلالة الالتزامية، ولعلهم ابتدعوا هذا المنصب لانفسهم كساير بدعهم، فلا يصح الاحتجاج بعملهم بوجه بعد أن كانت الملازمة المزبورة خارجية محضة ولم يثبت كونها شرعية. وملخص الكلام في المقام ان اعطاء الامام عليه السلام منصب القضاء للعلماء أو لغيرهم لم يثبت بأي دليل لفظي معتبر ليتمسك باطلاقه. نعم بما انا نقطع بوجوبه الكفائي لتوقف حفظ النظام المادي والمعنوي عليه ولولاه لاختلت نظم الاجتماع لكثرة التنازع والترافع في الاموال وشبهها من الزواج والطلاق والمواريث ونحوها. والقدر المتيقن ممن ثبت له الوجوب المزبور هو المجتهد الجامع للشرائط، فلا جرم يقطع بكونه منصوبا من قبل الشارع المقدس، أما غيره فلا دليل عليه. ومن ثم اعتبر الفقهاء الاجتهاد في القاضي المنصوب زائدا على بقية الشرائط باعتبار انه القدر المتيقن كما عرفت.

[ 89 ]

ونتيجة ذلك نفوذ حكم الحاكم في اطار خاص وهو باب المنازعات والمرافعات، فانه المتيقن من مورد الوجوب الكفائي المقطوع به. أما غيره فلا علم لنا به، وقد عرفت عدم ثبوت هذا المنصب لاحد بدليل لفظي ليتمسك باطلاقه. فان المقبولة وان دلت على نصب القاضي ابتداء لكن موردها الترافع على أنها ضعيفة السند كما مر. وأما غيرها مما تمسك به في المقام مثل ما ورد من أن مجاري الامور بيد العلماء بالله، أو أن العلماء ورثة الانبياء ونحو ذلك، فهي بأسرها قاصرة السند أو الدلالة كما لا يخفى فلا تستأهل البحث ما عدا: رواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: (إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه، وفي طريق الكليني قضائنا بدل قضايانا (1). فانها رويت بطريقين مع اختلاف يسير في المتن: أحدهما: ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن أبي الجهم عن أبي خديجة، وقد رواها صاحب الوسائل في الباب 11 من ابواب صفات القاضي الحديث 6. وهذا الطريق ضعيف لجهالة أبي الجهم، فانه مشترك بين ثلاثة أشخاص: أحدهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أجنبي عن مورد الرواية.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب صفات القاضي الحديث 5

[ 90 ]

الثاني: سويد ولم يوثق، على انه من أصحاب السجاد عليه السلام، وان بقي إلى زمان الصادق عليه السلام فكيف يروي عنه الحسين بن سعيد الذي لم يدرك الكاظم عليه السلام. الثالث: بكير بن أعين أخو زرارة وهو وان كان من الثقات الاجلاء إلا أنه مات في زمان الصادق عليه السلام، فكيف يمكن ان يروي عنه الحسين بن سعيد؟! إذا فأبو الجهم الذي يروي عنه الحسين بن سعيد مجهول لا محالة. الطريق الثاني: ما نقله الصدوق باسناده عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم وكان من الاحرى أن يذكره صاحب الوسائل في هذا الباب أيضا أي الباب 11 من ابواب صفات القاضي لا الباب 1 منه كما لا يخفى. وهذا الطريق معتبر لصحة طريق الصدوق إلى ابن عائذ وهو ثقة كما ان أبا خديجة ثقة أيضا على الاظهر وان ضعفه الشيخ فانه مبني على سهو منه واشتباه تقدمت الاشارة إليه، حاصله ان الرجل يكنى بأبي سلمة أيضا، والذي هو ضعيف هو سالم بن أبي سلمة لاسالم أبو سلمة فاشتبه أحدهما بالآخر. وكيفما كان فالرواية وان كانت معتبرة بهذا الطريق إلا أنها قاصرة الدلالة لكونها ناظرة إلى قاضي التحكيم، أي الذي يتراضى به المتخاصمان الذي لا يشترط فيه إلا معرفة شئ من أحكام القضاء لا إلى القاضي المنصوب ابتداءا الذي هو محل الكلام ويعتبر فيه الاجتهاد كما تقدم، والا فقاضي التحكيم لا يكون حكمه نافذا في غير خصم النزاع الذي رفعه المتخاصمان إليه ورضيا به حكما، لافي الهلال ولا في غيره بلا خلاف فيه ولا إشكال.

[ 91 ]

[ الذي لم يعلم خطأه ولا خطأ مستنده كما إذا استند إلى الشياع الظني (1). ] والمتحصل من جميع ما قدمناه لحد الآن انه لم ينهض لدينا دليل لفظي معتبر يدل على نصب القاضي ابتداءا، وإنما نلتزم به من باب القطع الخارجي المستلزم للاقتصار على المقدار المتيقن. وعلى تقدير التسليم فالملازمة بينه وبين نفوذ حكمه في الهلال غير ثابتة، فان مجرد تصدي قضاة العامة لذلك واتباع الناس لهم لا يدل على كون الملازمة ملازمة شرعية. بمعنى أن كل من كان قاضيا كان حكمه في الهلال أيضا ماضيا في الشريعة الاسلامية بعد أن لم يكن فعل القضاة حجة متبعة. ومن الجائز أن الشارع قد اقتصر فيه على الطرق المقررة لثبوته من الشياع والبينة والرؤية، وإلا فبالعمل بالاستصحاب بمقتضى قوله عليه السلام: صم للرؤية وأفطر للرؤية، كما هو الشأن في غيره من ساير الموضوعات الخارجية التي منها دخول الوقت، أفهل يحتمل ثبوت الغروب مثلا بحكم الحاكم ليجوز الافطار؟ كلا، بل على كل مكلف تتبع الطرق المتكلفة لاثباته. فليكن هلال رمضان وشوال أيضا من هذا القبيل من غير أية خصوصية فيه. ولاجل ذلك استشكلنا في ثبوت الهلال بحكم الحاكم، ومع ذلك كله فالاحتياط الذي هو سبيل النجاة مما لا ينبغي تركه. (1) يريد (قده) بذلك أن حكم الحاكم في الهلال كغيره من موارد المنازعات لا يغير الواقع ولا يوجب قلبه عما هو عليه وإنما هو طريق محض كساير الطرق الشرعية. وحينئذ فإذا علمنا بخطأه في حكمه وانه مخالف للواقع بالقطع الوجداني لم يكن حكمه حجة وقتئذ بالضرورة وان نسب ذلك إلى

[ 92 ]

بعض العامة لاختصاص أدلة الحجج بأسرها بموطن الجهل وظرف الشك، إذ لا سبيل للتعبد على خلاف القطع. وأما إذا لم نعلم خطأه في الحكم واحتملنا اصابته للواقع غير ان المستند الذي عول عليه نقطع بخطأه فيه وان كان معذورا لالتباس الامر عليه بجهة من الجهات بحيث لو تنبه إلى ما اطلعنا عليه لا ذعن بخطأه. كما لو استند في عدالة الشاهدين إلى أصالة العدالة، ونحن نقطع بأنهما مشهوران بالفسق وهو لا يعلم، أو جاءه عادل فشهد وخرج، ثم جاءه مرة أخرى ليؤكد شهادته الاولى وقد غير زيه لغرض من الاغراض، فتخيل القاضي انه رجل آخر، أو شهد عنده جماعة لا يفيد اخبارهم عند متعارف الناس الاطمئنان فضلا عن اليقين، بل غايته الشياع الظني ولكن القاضي لحسن اعتقاده بهم مع اعترافه بعدم حجية الشياع الظني حصل له اليقين. وهكذا سائر موارد الخطأ في المستند عن عذر، فان لا أثر لمثل هذا الحكم، ولا يصححه اعتقاد القاضي بمستند كهذا كما هو الحال في باب الطلاق، حيث انه لا يقع لدى شاهدين فاسقين وإن تخيل المطلق عدالتهما، إذ الموضوع هو العادل الواقعي لا من يعتقد المطلق عدالته، فكما لا يقع الطلاق جزما مع القطع بالفسق فكذا حكم الحاكم في المقام بمناط واحد. وبالجملة محل الكلام في ثبوت الهلال بحكم الحاكم ما إذا كان حكمه محتمل المطابقة للواقع وكان على مبنى صحيح. أما المبني على أساس فاسد فهو ساقط عن درجة الاعتبار بلا إشكال. نعم لو كانت الصحة وعدمها مختلفة باختلاف الانظار كما لو كان القاضي ممن يرى حجية الشياع الظني، أو عدم اعتبار طيب

[ 93 ]

[ ولا يثبت بقول المنجمين (1) ولا بغيبوبة الشفق في الليلة الاخرى (2). ] المولد في الشاهد إلى غير ذلك من المسائل الخلافية التي وقع الكلام فيها في موارد الترافع والشهادات، وقد أدى فتوى الحاكم إلى شئ، والمتخاصمين أو غيرهما إلى شئ آخر فبناءا على حجية حكم الحاكم كان حكمه نافذا حتى على من خالفه في الاعتقاد إذ المستند صحيح عنده بعد أن قضى على طبق فتواه وعلى حسب الموازين الشرعية التي أدى إليها نظره، فلا حرج عليه لو ساقته الادلة إلى حجية شهادة ابن الزنا مثلا، فلا مناص من إتباعه بعد ان لم يكن هذا من موارد الخطأ في الحكم ولا في المستند حسبما عرفت. (1) لتطابق النصوص حسبما يستفاد من مجموعها على حصر طريق الثبوت في أحد أمرين: أما الرؤية الاعم من رؤية الشخص بنفسه أو بغيره المستكشف من الشياع أو البينة ونحوهما. وأما عد الثلاثين فالثبوت بغيرهما يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه. على أن قول المنجم غايته الظن الذي لا يغني من الحق ولا يكون حجة بالادلة الاربعة إلا فيما قام الدليل عليه بالخصوص كما في باب القبلة حيث ورد انه يجزئ التحري ابدا إذا لم يعلم اين وجه القبلة (1)، ولم يقم عليه دليل في المقام. (2) يعني علو الهلال وارتفاعه عن الافق، بمثابة يغيب الشفق والهلال بعد باق. حيث ذهب بعضهم إلى أنه أمارة على أنها الليلة


(1) الوسائل باب 6 من ابواب القبلة الحديث 1

[ 94 ]

الثانية بعد وضوح انها الليلة الاولى في صورة العكس أعني غيبوبة الهلال قبل الشفق من دون رؤية في الليلة السابقة. ولكن المشهور انكروا ذلك، وذكروا ان المدار هو الرؤية ولا اعتبار بالغيبوبة. وتشهد للقول المزبور روايتان: إحداهما: ما رواه الشيخ باسناده عن اسماعيل بن الحسن (بحر) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين (1) هكذا في الوسائل الطبعة الجديدة، فكأن الرجل مردد بين اسماعيل بن الحسن، أو اسماعيل بن بحر. ولكن الظاهر انه من غلط النسخة، ولو كان جميع نسخ الوسائل كذلك فسهو من قلمه الشريف (قدس سره). بل الصحيح كما في الكافي، والفقيه، والتهذيب: اسماعيل بن الحر. نعم حكي عن بعض نسخ الكافي كما ذكره جامع الرواة وغيره وعن بعض نسخ التهذيب غير المطبوعة: اسماعيل بن الحسين بصورة النسخة، وإلا فالكل متفقون على ذكر الحر وليس من (بحر) عين ولا أثر. وعلى كل تقدير فالرواية ضعيفة السند، فان اسماعيل بن بحر غير مذكور أصلا، وابن الحر أو ابن الحسن مجهولان. الثانية: نفس الرواية باسناد الكليني عن الصلت الخزاز عن أبي عبد الله عليه السلام وهي أيضا ضعيفة لجهالة الصلت، وكذا عبد الله ابن الحسن أو ابن الحسين على اختلاف النسخ.


(1) الوسائل باب 9 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 3

[ 95 ]

[ ولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال (1) فلا يحكم بكون ذلك اليوم اول الشهر ] على انهما معارضتان بمعتبرة أبي علي بن راشد الصريحة في عدم العبرة بالغيبوبة، قال: كتب الي أبو الحسن العسكري عليه السلام كتابا وأرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وكان يوم الاربعاء يوم الشك فصام أهل بغداد يوم الخميس، وأخبروني انهم رأوا الهلال ليلة الخميس، ولم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل، قال فاعتقدت ان الصوم يوم الخميس وان الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء، قال: فكتب الي زادك الله توفيقا فقد صمت بصيامنا، قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه فقال لي: أو لم أكتب اليك إنما صمت الخميس، ولا تصم إلا للرؤية (1). فان أبي علي بن راشد الذي هو من أصحاب الجواد عليه السلام ثقة، والرواية مروية عن الهادي عليه السلام. وقوله عليه السلام: لليلة بقيت من شعبان فيه ايعاز إلى أن أول رمضان هو يوم الخمسين. وقوله فاعتقدت ان الصوم يوم الخميس، أي من إخبار الامام عليه السلام. وكيفما كان فهي صريحة في عدم العبرة بالغيبوبة المفروضة في موردها فعلى تقدير التعارض والتساقط كان المرجع العمومات الآمرة بانه: صم للرؤية وأفطر للرؤية. (1) قد يتفق رؤية الهلال في النهار، أما قبل الزوال أو بعده.


(1) الوسائل باب 9 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 1

[ 96 ]

وأما الرؤية قبل الغروب فكثيرة جدا ولا إشكال في انه هلال لليوم الآتي للزوم الرؤية في الليل في احتساب النهار من الشهر فهو تابع له، فلا أثر للرؤية آخر النهار، وكذلك الحال بعد الزوال ولو بقليل، فلا يثبت به ان هذا اليوم أول الشهر لما عرفت من أن العبرة بالرؤية في الليل واليوم تابع له. وأما إذا شوهد الهلال قبل الزوال فهل يكشف عن كونه متكونا وموجودا في الليل وان لم ير من باب الاتفاق فهذا اليوم اول الشهر، أو لا أثر له ولا اعتبار إلا بالرؤية في الليل كما عليه المشهور؟ لا ريب انا لو كنا نحن والنصوص المتقدمة مع الغض عن أي نص خاص وارد في المقام الناطقة بأنه صم للرؤية وافطر للرؤية كان مقتضاها اعتبار الرؤية في الليل، ضرورة انه المنصرف من الروية المتعقبة بالامر بالصوم الذي مبدؤه الامساك من طلوع الفجر فلا أثر للرؤية في النهار لاقبل الزوال ولابعده، ولاقبل الغروب. نعم بما أن هذه الرؤية تلازم الرؤية في الليلة الآتية بطبيعة الحال لسير القمر من المشرق إلى المغرب. فلا جرم يكون اليوم الآتي هو أول الشهر. وأما بالنظر إلى الروايات الخاصة الواردة في المقام فمقتضى جملة منها عدم العبرة بالرؤية في النهار وان كانت قبل الزوال لاطلاق بعضها وتقييد بعضها الاخر بوسط النهار، الظاهر فيما قبل الزوال بناءا على أن مبدأه طلوع الفجر حيث ان ما بين الطلوعين ساعة ونصف تقريبا، فيكون وسط النهار ما يقارب من ثلاثة أرباع الساعة قبل الزوال. فمن النصوص المقيدة موثقة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا

[ 97 ]

عبد الله عليه السلام عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: لا تصمه إلا أن تراه، فان شهد أهل بلد آخر انهم رأوه فاقضه، وإذا رأيته من وسط النهار فأتم صومه إلى الليل (1) وهي وان كان صدرها واردا في هلال رمضان ولكن ذيلها ظاهر في شوال، لامره بالاتمام بعد فرض كونه صائما الظاهر في كونه من رمضان. وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المومنين عليه السلام: إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد عليه عدل (وأشهدوا عليه عدولا) من المسلمين، وان لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل.. الخ (2). ومن المطلقة ما رواه الشيخ باسناده عن جراح المدايني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من رأى هلال شوال بنهار في شهر رمضان فليتم صيامه (صومه) (3). وهي وان كانت ضعيفة عند القوم: إذ لم يرد في جراح ولا في القاسم بن سليمان الواقع في السند مدح ولا توثيق في كتب الرجال، ولكنها معتبرة عندنا لوجودهما في اسناد كامل الزيارات. ورواها العياشي أيضا مرسلا (4). هذا ولكن الرواية المطلقة قابلة للتقييد. وأما المقيدة فالاستدلال بها متوقف كما عرفت على احتساب


(1) الوسائل باب 8 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 3 (2) الوسائل باب 8 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 1 (3) الوسائل باب 8 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 2 (4) الوسائل باب 8 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 8

[ 98 ]

مبدء النهار من طلوع الفجر. وهو كما ترى لا يساعده الفهم العرفي ولا المعنى اللغوي، فان مبدأ الصوم وان كان هو طلوع الفجر، ولكن النهار مبدؤه طلوع الشمس بلا إشكال كما أشير إليه في عدة من الروايات الواردة في باب الزوال وانه منتصف النهار وكنا ولا نزال نسمع منذ قراءة المنطق التمثيل للقضية الشرطية، بقولنا ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وإذا كان النهار موجودا فالشمس طالعة. إذا فوسط النهار مساوق للزوال. وعليه فالروايتان المقيدتان لا تدلان على أزيد من أن رؤية الهلال وسط النهار، أي عند الزوال وما بعده تستوجب احتساب اليوم من الشهر السابق. وهذا صحيح لا غبار عليه، ولا دلالة فيهما على الاحتساب منه حتى لو شوهد قبل الزوال الذي هو محل الكلام. فان الحمل على الوسط العرفي الشامل لما قبل الزوال ولو بقليل كالاحتساب من طلوع الفجر كل منهما بعيد غايته كما لا يخفى. إذا فلا مانع من الاخذ بجملة أخرى من النصوص قد دلت صريحا على التفصيل بين الرؤية قبل الزوال فلليلة الماضية، وبعده فللآتية بعد عدم صلاحية ما مر للمعارضة معها، فان غايتها الاجمال فلا تنهض للمقاومة، وتكفينا من هذه الطائفة روايتان معتبرتان: أحداهما: وردت في خصوص شوال وهي موثقة عبيد بن زرارة و عبد الله بن بكير، قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذاك اليوم من شوال، وإذا رؤي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان. والاخرى وردت في عامة الشهور، وهي صحيحة حماد بن عثمان

[ 99 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة (1). وقد عمل بهما جمع من الاصحاب، فلا يتوهم الاعراض ولا أن القول به مظنة خلاف الاجماع، نعم لم يلتزم به المشهور لكن لا لاجل ضعف في السند، بل لاجل ما تخيلوه من المعارضة مع ما دل على أن العبرة بالرؤية في الليل مثلا. وكيفما كان فلا نرى مانعا من العمل بهاتين الروايتين المعتبرتين السليمتين عن المعارض، وان كان القائل به قليلا، وبهما يقيد اطلاق معتبرة جراح المتقدمة وتحمل على الرؤية ما بعد الزوال، بل قريبا من الغروب كما هو الغالب، وإلا فالرؤية في يوم الشك عند الزوال قبله أو بعده مجرد فرض، بل لم نسمع به لحد الان، ولكن على تقدير التحقق ورؤيته قبل الزوال فهو لليلة الماضية، ويكشف عن كون هذا اليوم أول الشهر بمقتضى الروايتين حسبما عرفت سواء أكان ذلك من شهر رمضان أم شوال. وأما رواية محمد بن عيسى قال: كتبت إليه عليه السلام: جعلت فداك ربما غم علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ وكيف تأمرني في ذلك؟ فكتب عليه السلام: تتم إلى الليل فانه ان كان تاما رؤى قبل الزوال (2). فقد رواها الشيخ في التهذيب والاستبصار، وبين النسختين اختلاف فاحش، وان اتحد السند وكذا المتن من غير هذه الجهة.


(1) الوسائل باب 8 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 5، 6 (2) الوسائل باب 8 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 4

[ 100 ]

فرواها في التهذيب بالصورة التي نقلناها المذكورة أيضا في الوسائل ومقتضاها فرض يوم الشك من آخر شعبان وانه كان ممسكا خارجا أما من باب الاتفاق، أو انه كان صائما من شعبان قضاءا أو ندبا لبطلان الصوم فيه بعنوان رمضان، فأجاب عليه السلام، بأنه يتم الصيام المزبور إلى الليل ويبني على أن اليوم من رمضان فانه إذا كان الشهر أي شهر رمضان تاما يمكن أن يرى هلاله قبل الزوال، فيكون هذا هو اليوم الاول، وبعد ضم تسعة وعشرين يوما يكون الشهر تاما. وعليه فتكون هذه الرواية مطابقة مع الروايتين المتقدمتين في الدلالة على كشف الرؤية قبل الزوال عن كون أول الشهر. وأما في الاستبصار فرواها هكذا: (جعلت فداك ربما غم علينا الهلال في شهر رمضان.. الخ) ومقتضاها فرض يوم الشك من آخر رمضان، وأن الهلال المشكوك فيه هو هلال شوال لاهلال رمضان كما كان كذلك على رواية التهذيب فيسأل عن جواز الافطار يومئذ لرؤية الهلال قبل الزوال بعد وضوح وجوب الصوم في يوم الشك من الاخير لولا الرؤية، فأجاب عليه السلام بوجوب اتمام الصيام إلى الليل وانه لا أثر لتلك الرؤية، لان الشهر الذي هو فيه إذا كان تاما يمكن أن يرى فيه قبل الزوال هلال الشهر الآتي، فلا تكشف تلك الرؤية عن كون اليوم أول شوال، بل يبنى على أنه آخر رمضان. وعليه فتكون الرواية دالة على عكس المطلوب، وتكون معارضة مع الروايتين المتقدمتين بدلا عن أن تكون معاضدة. وعن غير واحد منهم صاحب الحدائق ترجيح هذه النسخة، وهو

[ 101 ]

[ ولا بغير ذلك مما يفيد الظن ولو كان قويا إلا للاسير والمحبوس (1) ] وان لم يكن ثابتا لدينا بدليل قاطع إلا أن المظنون ذلك، فان المعنى حينئذ أوفق، والتعبير أسلس والجملات متناسقة، أما النسخة الاخرى فغير غنية عن نوع من التأويل حسبما عرفت. والذي يسهل الخطب ان الرواية ضعيفة في نفسها وغير صالحة للاستدلال بها على أي تقدير. فان علي بن حاتم الواقع في السند الذي هو ثقة، وقيل في حقه أنه يروي عن الضعفاء رواها عن محمد ابن جعفر، وهذا الرجل الذي يروى عنه علي بن حاتم في غير مورد هو المكنى بابن بطة وهو ضعيف. فهي إذا ساقطة عن درجة الاعتبار حتى لو كانت النسخ منحصرة فيما في الاستبصار فلا تنهض لمعارضة الروايتين المتقدمتين. كما لا يعارضهما أيضا عموم: صم للرؤية وأفطر للرؤية، لعدم التنافي وإمكان الجمع بينهما عملا بصناعة الاطلاق والتقييد. والمتحصل من جميع ما قدمناه أن القول بثبوت الهلال برؤيته قبل الزوال الذي اختاره غير واحد هو الاقوى، لدلالة النص الصحيح عليه، السليم عن المعارض، بيد ان الفرض في نفسه نادر التحقق حيث لم نر ولم نسمع لحد الآن رؤيته قبل الزوال ولا بعده، اللهم إلا قريبا من الغروب بنصف ساعة أو ساعة فانه كثير شايع، ولكنه على تقدير التحقق فالحكم بالنظر إلى الادلة الشرعية هو ما عرفت. (1) أما الاسير والمحبوس فسيأتي البحث حولهما وانهما يتحريان ويعملان بالظن كما نطق به النص، وأما في غيرهما فالامر كما ذكره (قدس سره)، إذ الظن مع انه لادليل على حجيته بل الادلة

[ 102 ]

الاربعة قائمة على عدم حجيته مطلقا، قد ورد النص الخاص على عدم ححيته في المقام. ففي صحيحة الحزاز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظنى.. الخ (1). فلا يثبت به لاهلال رمضان ليجب الصوم، ولا شوال ليجب الافطار. بقي الكلام في أمور: أحدها: نسب إلى الشيخ الصدوق ان الهلال إذا كان مطوقا بان كان النور في جميع أطراف القمر كطوق محيط به فهو امارة كونه لليلتين، فيحكم بان السابقة هي الليلة الاولى ولو لم ير الهلال فيها، ومال إليه الفاضل الخراساني في الذخيرة، بل يظهر من الشيخ (قده) في التهذيب القول به، لكن في خصوص ما إذا كان في السماء علة من غيم أو ما يجري مجراه بحيث لا يمكن معها الرؤية مع عدم وضوح دليل على هذا التقييد. وكيفما كان فمستند المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة باسنادهم عن محمد بن مرازم عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا تطوق الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث (2). وعن العلامة في التذكرة على ما حكاه عنه في الجواهر (3) النقاش في السند ورميه بالضعف.


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 10 (2) الوسائل باب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2. (3) الجواهر ج 16 ص 375.

[ 103 ]

وهو وجيه في سند الصدوق لجهالة طريقه إلى ابن مرازم، وكأنه (قدس سره) قصر النظر عليه ولم يفحص عن بقية الطربق، وإلا فسند الشيخ والكليني كل منهما صحيح وخال عن شائبة الاشكال. فقد رواها الشيخ باسناده عن سعد، الذي هو سعد بن عبد الله على ما صرح به في التهذيب، وطريقه إليه صحيح عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن مرازم عن أبيه وكلهم ثقات عن أبي عبد الله (ع) ورواها الكليني عن أحمد بن إدريس، الذي هو أبو علي الاشعري شيخه ومن الثقات الاجلاء، عن محمد بن أحمد، وهو محمد أحمد بن يحيى من الثقات أيضا، عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن مرازم عن أبيه. فالرواية صحيحة السند قطعا ولا مجال للنقاش فيها بوجه، سيما وان الكليني صرح في صدر كتابه انه لا يذكر فيه إلا ما هو حجة بينه وبين ربه، وقد سمعت عمل الشيخ بها، وان حملها على صورة خاصة. نعم لم يعمل بها المشهور حيث لم يذكروا التطويق من علامات ثبوت الهلال. بل جعلها في الحدائق (1) معارضة مع النصوص الدالة على أن من أفطر يوم الشك لا يقضية إلا مع قيام البينة على الرؤية، حيث ان مقتضى هذه الصحيحة وجوب القضاء مع التطويق وان لم تثبت الرؤية بل قيل بمعارضتها أيضا مع ما دل على أن الصوم والافطار يكونان إلا بالرؤية. والجميع كما ترى، فان عدم العمل لا يكون قادحا بعد ان لم يكن بالغا حد الاعراض لما عرفت من عمل جمع من الاصحاب بها بل


(1) الحدائق ج 13 ص 290.

[ 104 ]

وان بلغ بناءا على ما هو الصحيح من عدم سقوط الصحيح بالاعراض عن درجة الاعتبار. وأما توهم المعارضة بتقريبيها فلا يخلو عن الغرابة، بداهة ان نصوص عدم القضاء كعمومات الرؤية أقصاها انها مطلقات غير آبية عن التقييد الذي هو ليس بعزيز في الفقه. فأي مانع من ان تكون الصحيحة مقيدة لاطلاقهما. وان شئت قلت إن ما دل على عدم وجوب القضاء ما لم تقم البينة لا يثبت عدم القضاء في خصوص التطويق ليكون النص الوارد فيه معارضا له، وانما هو حكم مطلق لا ينافي وجوبه إذا ثبت الهلال من طريق آخر غير البينة كشياع ونحوه. فان العبرة في القضاء بثبوت ان اليوم الذي أفطر فيه كان من شهر رمضان سواء أثبت بالبينة كما هو الغالب أم بسبب آخر. فإذا ثبت بمقتضى الصحيحة ان التطويق أيضا أمارة كالبينة فلا جرم يتقيد بها الاطلاق المزبور. وبعبارة أخرى البينة طريق إلى الواقع، والقضاء مترتب على الافطار في يوم هو من شهر رمضان بحسب الواقع، والنصوص المتقدمة الناطقة بالقضاء لدى قيام البينة على الرؤية لاتدل على حصر الطريق في البينة فإذا ثبت من طريق آخر، ولو كان ذاك الطريق هو التطويق إذا ساعده الدليل وجب القضاء إذا كان قد أفطر فيه، والمفروض مساعدته بعد قيام النص الصحيح الصريح. وكذا الحال بعينه بالاضافة إلى عمومات: صم للرؤية، وافطر للرؤية فانها مطلقات قابلة للتقييد ولا تكاد تدل على الحصر بوجه. إذا فليست بين الروايات أية معارضة بتاتا، غايته ارتكاب التقييد في تلك المطلقات، والالتزام بثبوت القضاء لدى تحقق التطويق أيضا

[ 105 ]

كثبوته لدى قيام البينة عملا بالصحيحة المتقدمة. هذا وغير بعيد ان تكون الصحيحة مسوقة للاخبار عن أمر تكويني واقعي لا لبيان تعبد شرعي وهو ان التطويق بمقتضى قواعد الفلك لا يكون في الليلة الاولى أبدا وانما هو في الليلة الثانية فحسب، فيكون الكشف فيه كشفا قطعيا حقيقيا لا طريقا مجعولا شرعيا. ولا بدع فانهم صلوات الله عليهم مرشدوا الخلق في كل من أمرى التكوين والتشريع. والشاهد على ذلك قوله عليه السلام في ذيلها: (وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث) فان من الواضح عدم ابتناء هذه الفقرة على التعبد وانما هي حكاية عن أمر تكويني خارجي لعدم حدوث الظل قبل الثلاث بالوجدان، فمن الجائز أن تكون الفقرة السابقة أيضا كذلك بمقتضى اتحاد السياق. ولعل هذا هو السر في عدم ذكر ذلك في كلمات المشهور حيث انهم بصدد عد الطرق الشرعية التعبدية لا الامر التكويني المورث لليقين الوجداني ولكنه بعيد كما لا يخفى. وكيفما كان فسواء أكانت الصحيحة ناظرة إلى بيان حكم شرعي أم أمر تكويني لم يكن بد من الاخذ والعمل بها ولا يسعنا رفضها وان لم يعمل بها المشهور بعد استجماعها شرائط الحجية من صحة السند وصراحة الدلالة، ولم يثبت الاعراض عنها، وعلى تقدير ثبوته لا يكون قادحا على الاقوى كما مر. إذا فالاظهر ثبوت الهلال بالتطويق تبعا لبعض الاصحاب وان كان على خلاف المشهور والله سبحانه أعلم بحقائق الامور. الامر الثاني: ذهب الصدوق في الفقيه إلى ان شهر رمضان تام لا ينقص أبدا كما ان شهر شعبان ناقص دائما لنصوص دلت على

[ 106 ]

ذلك صريحا التي منها ما رواه عن حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص والله أبدا. وعنه أيضا قال: قلت لابي عبد الله (ع): ان الناس يقولون إن رسول الله صلي الله عليه وآله صام تسعة وعشرين اكثر مما صام ثلاثين فقال: كذبوا ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبضه أقل من ثلاثين يوما ولا نقص شهر رمضان منذ خلق الله تعالى السماوات والارض من ثلاثين يوما وليلة. وروى الشيخ باسناده عن يعقوب بن شعيب عن أبيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان الناس يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وآله صام تسعة وعشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين يوما فقال: كذبوا ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله الا تاما، وذلك قول الله عزوجل: (ولتكملوا العدة) فشهر رمضان ثلاثون يوما، وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما لا ينقص أبدا، لان الله تعالى يقول: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) وذو الحجة تسعة وعشرون يوما، ثم الشهور على مثل ذلك شهر تام وشهر ناقص، وشعبان لا يتم أبدا (1) إلى غير ذلك من الاخبار الواردة بهذا المضمون الناطقة بثبوت شهر رمضان بالعدد وهو عده تاما أبدا، وشعبان ناقصا أبدا. قال في الفقيه بعد ذكر نبذ من هذه الاخبار ما لفظه: (من خالف هذه الاخبار وذهب إلى الاخبار الموافقة للعامة في ضدها أتقي كما يتقى العامة ويكلم إلا بالتقية كائنا من كان إلا أن يكون مسترشدا


(1) الوسائل باب 5 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 27، 24، 32

[ 107 ]

فيرشد ويبين له، فان البدعة إنما تماث وتبطل بترك ذكرها. ولا قوة إلا بالله) انتهى. ونسب هذا القول إلى الشيخ المفيد أيضا في بعض كتبه كما صرح بهذه النسبة في الحدائق أيضا. غير أن له رسالة خاصة خطية أسماها بالرسالة العددية وهي موجودة عندنا أبطل فيها هذا القول وأنكره أشد الانكار كتبها تأييدا لما ذهب إليه شيخه ابن قولويه من ان شهر رمضان كساير الشهور يصيبه ما يصيبها، ربما ينقص وربما لا ينقص، ولا ندري انه (قده) في أي كتاب من كتبه ذكر ما نسب إليه ونظن والله العالم انها نسبة كاذبة لاصراره على إبطال القول المذكور في الرسالة المزبورة كما سمعت، وذكر فيها ان رواة ان شهر رمضان كساير الشهور هم الرؤساء في الحلال والحرام، ولا يطعن عليهم في شئ، وهم الذين يؤخذ منهم الحلال والحرام، ثم تعرض لذكر جملة منهم. وكيفما كان فسواء أصحت النسبة أم لا فالقول المذكور في غاية الضعف والسقوط لعدم استقامة اسناد تلك الروايات. وقد ذكر في التهذيب ان أكثرها تنتهي إلى حذيفة بن منصور عن معاذ، وكتاب حذيفة معروف مشهور ولم يوجد فيه شئ من هذه الروايات، ولو كان الحديث صحيحا عنه لوجد طبعا في كتابه. هذا ومن الغريب ان الصدوق على إصراره في اختيار هذا القول بتلك المثابة التي سمعتها من مقالته ذكر بنفسه في باب ان الصوم والافطار للرؤية انه إذا افطر يوم الشك ثم ظهر انه من رمضان يقضيه، فانه كيف يجتمع هذا مع البناء على أن شهر شعبان ناقص دائما ورمضان تام أبدا.

[ 108 ]

وبالجملة لاشك ان ما دل على ان شهر رمضان كساير الشهور يصيبه ما يصيبها نصوص متواترة ولو إجمالا وجملة منها صحاح، فكيف يمكن رفع اليد عنها بالنصوص المعارضة لها التي لا تنهض للمقاومة ولا ينبغي الاعتناء بها تجاهها حتى لو تم اسنادها. على انها غير قابلة للتصديق في انفسها ضرورة ان حركة القمر حركة واحدة، كما ان الشمس ليست لها سرعة وبطوء باعتبار الشهور، فكيف يمكن تخصيص شهر من بينها بالتمام دوما، وآخر وهو (شعبان) بالنقص أبدا. نعم من الجائز ان السنين التي صام فيها رسول الله صلى الله عليه وآله كان الشهر فيها تاما من باب الصدقة والانفاق. وأما تمامية شهر رمضان مدى الاعوام والدهور ومنذ خلق الله السماوات والارض فشئ مخالف للوجدان والضرورة، وغير قابل للتصديق بوجه. ولذلك أصبحت المسألة كالمتسالم عليها بعد الشيخ الطوسي (قده) وانه لا عبرة بالعدد بل بالرؤية فقط، أما بنفسه أو بالشياع ونحوه. أضف إلى ذلك ما في هذه الروايات من التعليلات الواهية البين فسادها والمنزه ساحة الامام عليه السلام المقدسة عن التفوه؟ بها كالتعليل الوارد في رواية ابن شعيب المتقدمة لتمامية شهر ذي القعدة بقوله سبحانه (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) إذ ليت شعري أفهل يلزم من تمامية الشهر الذي كان فيه ميقات موسى (ع) التمامية في جميع السنين ومدى الدهور إلى غير ذلك مما تعرض له في الوافي، ونقلها بطولها في الحدائق (1).


(1) راجع الحدائق ج 13 ص 276.

[ 109 ]

الامر الثالث: قد ورد في عدة من الروايات ان من جملة الامارات عد خمسة أيام من هلال رمضان الماضية فاليوم الخامس هو اول الآتية. فإذا كان أول رمضان من هذه السنة يوم السبت ففي القادمة يوم الاربعاء. ولكنها ضعيفة السند بأجمعها من جهة أو أكثر. على أنها مخالفة للوجدان، بل بعضها غير قابل للتصديق. فمن جملتها ما رواه الكليني باسناده عن محمد بن عثمان الجدري (عيثم الخدري) عن بعض مشايخه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه عام أول (1). فان الجدري الذي لم يعلم ضبط الكلمة وحركاتها مجهول، وكذا عيثم الخدري على أنها مرسلة ونحوها غيرها. وأما مالا يكون قابلا للتصديق فهو رواية السياري قال: كتب محمد بن الفرج إلى العسكري عليه السلام يسأله عما روي من الحساب في الصوم عن آبائك عليهما السلام في عد خمسة أيام بين أول السنة الماضية والسنة الثانية الذي يأتي، فكتب صحيح ولكن عده في كل أربع سنين خمسا، وفي السنة الخامسة ستا فيما بين الاولى والحادث وما سوى ذلك فانما هو خمسة خمسة، قال السياري وهذا من جهة الكبيسة، قال وقد حسبه أصحابنا فوجدوه صحيحا. قال وكتب إليه محمد بن الفرج في سنة ثمان وثلاثين وماءتين: هذا الحساب لا يتهيأ لكل انسان.. الخ (2). فان مضمونها مضافا إلى قصور سندها بالسياري الذي هو ضعيف جدا غير منضبط في نفسه ولا يمكن تصديقه بعد فرض جهالة المبدء


(1) الوسائل باب 10 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 1. (2) الوسائل باب 10 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 2.

[ 110 ]

فانا لو فرضنا ان زيدا بلغ وكان أول رمضان ما بعد بلوغه يوم السبت فبالنسبة إليه بعد إلى أربع سنين خمسة أيام وبعده يعد ستة. وأما بالنسبة إلى شخص آخر بلغ بعد ذلك بسنة، فالسنة الخامسة للاول رابعة لهذا كما أنها ثالثة لمن بلغ بعده بسنتين وهكذا، وكذا الحال فيمن بلغ قبل ذلك، ولازمه اختلاف اول الشهر باختلاف الناس وعدم كونه منضبطا وهو كما ترى. ثم إن من جملة روايات الباب ما رواه ابن طاووس في الاقبال نقلا من كتاب الحلال والحرام لاسحاق بن ابراهيم الثقفي الثقة عن أحمد بن عمران بن أبي ليلى عن عاصم بن حميد عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: عدد اليوم الذي تصومون فيه وثلاثة أيام بعده وصوموا يوم الخامس فانكم لن تخطأوا (1). وهي أيضا كبقية الاخبار ضعيفة السند لجهالة طريق ابن طاووس إلى الكتاب المزبور أولا وجهالة ابن أبي ليلى ثانيا. وانما تعرضنا لها لنكتة، وهي ان كتاب الحلال والحرام قد نسب في نسخة الاقبال التي نقل عنها صاحب الوسائل إلى اسحق بن ابراهيم الثقفي كما هو كذلك في بعض النسخ الموجودة لدينا: التي منها النسخة الصغيرة المطبوعة بالقطع الوزيري. ويظهر من صاحب المستدرك ان النسخة الموجودة عنده أيضا كانت كذلك، حيث تعرض في رجاله لاسحاق بن ابراهيم الثقفي ووثقه اعتمادا على توثيق ابن طاووس الذي قال في حقه: (الثقفي الثقة) كما سمعت.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 8.

[ 111 ]

ولكن النسخة مغلوطة، فان الكتاب المزبور انما هو لابي اسحاق ابراهيم بن محمد الثقفي كما هو موجود في البعض الآخر من نسخ الاقبال لا لاسحاق بن ابراهيم الثقفي، بل لا وجود لهذا أصلا فيما نعلم. فالمؤلف كنيته أبو اسحاق لا ان اسمه اسحاق بل اسمه ابراهيم. وقد أوعز إلى ذلك المحدث المتتبع الشيخ أقا بزرك الطهراني (قده) في كتابه (الذريعة). الامر الرابع: ربما يعد من العلامات جعل رابع رجب أول رمضان باعتبار ما ورد في بعض الروايات من انه يعد من أول رجب ستون يوما فاليوم الستون هو اول رمضان. فكأن شهري رجب وشعبان أحدهما تام والآخر ناقص أبدا، فلا يكونان تامين حتى يكون أول رمضان اليوم الحادي والستين، ولا ناقصين حتى يكون اليوم التاسع والخمسين. وهذا أيضا غير قابل للتصديق، إذ قد يتفق ان كليهما تام أو ناقص كبقية الشهور، إذ لا خصوصية لهما من بينها. ولا مقتضي للالتزام بذلك عدا ما ورد في رواية واحدة رواها الصدوق في كتاب فضائل شهر رمضان عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن ابراهيم بن هاشم، عن حمزة بن يعلى، عن محمد بن الحسين بن ابي خالد رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا صح هلال رجب فعد تسعة وخمسين يوما وصم يوم الستين (1). ولكنها ضعيفة السند لجهالة ابن أبي خالد، مضافا إلى الرافع. فلا يصح التعويل على هذه العلامة بحيث لو كان أول رجب يوم


(1) الوسائل باب 10 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 7.

[ 112 ]

[ (مسألة 1): لا يثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية بل شهدا شهادة علمية (1). ] السبت كان اول رمضان يوم الثلاثاء دائما لعدم المقتضي له بعد ضعف المستند، بل عدم قبوله للتصديق حسبما عرفت. (1): ذكر الفقهاء في كتاب الشهادة انه لابد من أن يستند الشاهدان في شهادتهما إلى الحس دون الاجتهاد والحدس وإن كان بنحو العلم والقطع فلا تقبل الشهادة على الملكية أو الطلاق والزوجية ونحوها ما لم تستند إلى الحس، كما لا تقبل الشهادة على الهلال ما لم تستند إلى الرؤية وان كانت شهادة علمية. ويدل عليه أولا ان هذا مأخوذ في مفهوم الشهادة، إذ هي ليست بمعنى مطلق العلم وان استعملت بمعناه أحيانا، بل ما كان عن حضور، ومنه قوله تعالي: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه.. الخ) أي حضر كما فسر بذلك. فلاجل ان الشهادة من الشهود بمعنى الحضور، فلا جرم لا تصدق على ما لم يستند إلى الحس، إذ غايته انه عالم بالموضوع لا انه شاهد عليه وثانيا قد دلت الروايات الخاصة في المقام على اعتبار استناد الشهادة إلى الرؤية كصحيحة منصور بن حازم: (صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته فان شهد عندكم شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه، وصحيحة الحلبي قال: قال علي عليه السلام لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين، ونحوهما غيرهما (1). وبهما يقيد الاطلاق في بقية النصوص لو سلم انها مطلقة.


(1) الوسائل باب 11 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 4، 7.

[ 113 ]

[ (مسألة 2) إذا لم يثبت الهلال وترك الصوم ثم شهد عدلان برؤيته يجب قضاء ذلك اليوم (1)، وكذا إذا قامت البينة على هلال شوال ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان (2) أو رآه في تلك الليلة بنفسه. ] (1): لتحقق الفوت بمقتضى الشهادة وان كان معذورا في الترك بمقتضى استصحاب عدم دخول رمضان فيجب القضاء على حسب القاعدة من غير حاجة إلى ورود النص الخاص، مع ان صحيحة منصور بن حازم المتقدمة آنفا صريحة في ذلك. (2): إذ يستشكف بذلك انه افطر في اليوم الاول من رمضان وإلا كان الشهر ثمانية وعشرين يوما وهو مقطوع البطلان. فلا مناص من وجوب القضاء بعد فرض ثبوت الهلال من شوال بالبينة الشرعية أو رؤية الشخص نفسه في تلك الليلة. غايته انه كان معذورا في الافطار. وقد اتفق نظير ذلك في العصر المتأخر قبل ما يقرب من عشر سنين. وكيفما كان فالحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النص، وتؤيده مرسلة ابن سنان، قال: صام علي عليه السلام بالكوفة ثمانية وعشرين يوما شهر رمضان فرأوا الهلال فأمر مناديا ينادي: اقضوا يوما فان الشهر تسعة وعشرون يوما (1).


(1) الوسائل باب 14 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 1.

[ 114 ]

[ (مسألة 3) لا يختص اعتبار حكم الحاكم بمقلديه (1) بل هو نافذ بالنسبة إلى الحاكم الآخر أيضا إذا لم يثبت عنده خلافه. ] (1) قد عرفت الاشكال في نفوذ حكم الحاكم في امر الهلال، وعلى تقديره فلا يفرق فيه بين مقلديه ومقلدي غيره، بل حتى المجتهد الآخر وان كان اعلم والناس كلهم مقلدوه ولا مقلد لهذا المجتهد الحاكم أصلا بمقتضى اطلاق الدليل. وعلى الجملة الحاكم مرجع ينفذ حكمه، أما في خصوص مورد التنازع والخصومة أو في مطلق الامور العامة على الكلام المتقدم، وعلى التقديرين ينفذ حكمه على الكل عملا باطلاق المستند، إلا إذا ثبت خلافه فانه لا ينفذ حكمه حينئذ ضرورة انه طريق ظاهري محض كساير الطرق وان كان يتقدم على جميعها ما عدا اقرار المحكوم له، ولا موضوعية له بحيث يغير الواقع ويستوجب تبدلا فيه، وان نسب ذلك إلى بعض العامة، فلو ادعت المرأة الزوجية وأنكرها الزوج وترافعا عند الحاكم فحكم بالعدم بمقتضى الموازين الشرعية الثابتة لديه لا يجوز لمن يقطع بالزوجية تزويجها لما عرفت من انه طريق لا يغير الواقع عما عليه بوجه فلا جرم تختص طريقيته لغير العالم بالخلاف. ويدل على ذلك أي على كونه حكما ظاهريا قوله عليه السلام في صحيحة سعد وهشام بن الحكم على رواية الشيخ وسعد بن ابي خلف عن هشام بن الحكم على رواية الكليني وهي صحيحة على التقديرين عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنما أقضى بينكم بالبينات والايمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض

[ 115 ]

[ (مسألة 4) إذا ثبتت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده فان كانا متقاربين كفى (1) والا فلا الا إذا علم توافق أفقهما وان كانا متباعدين. ] فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فانهما قطعت له به قطعة من النار (1). وهي صريحة في ان حكمه صلى الله عليه وآله المستند إلى الموازين الشرعية لا ينفذ في حق من يعلم انه قطع له من مال أخيه وانه حينئذ قطعة من النار. وبالجملة فإذا ثبت خلاف الحكم كالمثال المتقدم، أو ثبت خلاف مستنده كما لو تخيل الحاكم عدالة الشاهد أو تعدده ونحن نعلم فسقه أو وحدته بحيث لو نبهنا الحاكم لقبل وتراجع لم يكن الحكم نافذا لما مر. نعم لو كانت الشبهة حكمية والمسألة خلافية كما لو كان الحاكم ممن يرى قبول شهادة ابن الزنا أو كفاية الشياع الظني كان حكمه نافذا حتى بالنسبة إلى من يخالفه في هذا المبنى، لان حكمه مطابق للموازين الشرعية المقررة عنده، وقد أدى نظره إلى ذاك المبنى بمقتضى بذل وسعه واجتهاده المستند إلى القواعد الشرعية ولم يثبت خلافه لدينا لجواز كون الصحيح بحسب الواقع هو ما أدى إليه نظره، فلا مقتضي لرد حكمه بعد اطلاق دليل النفوذ حسبما عرفت. (1) لاإشكال في عدم اعتبار كون الرؤية في نفس البلد، بل يكتفى برؤية الهلال في خارجه بمقتضى اطلاق الادلة، بل التصريح في بعضها بقبول الشهادة من الشاهدين اللذين يدخلان المصر ويخرجان.


(1) الوسائل باب 2 من ابواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1، ج 18 ص 169.

[ 116 ]

كما لا اشكال في كفاية الرؤية في بلد آخر إذا كان متحدا في الافق مع هذا البلد وان لم ير الهلال فيه للملازمة بينهما كما هو ظاهر فلا خصوصية لهذا البلد بعد ثبوت الهلال في بلد آخر متحد معه في الافق. كما لاإشكال أيضا في كفاية الرؤية في بلد آخر وان اختلفا في الافق فيما إذا كان الثبوت هناك مستلزما للثبوت هنا بالاولوية القطعية، كما لو كان ذاك البلد شرقيا بالاضافة إلى هذا البلد كبلاد الهند بالاضافة إلى العراق، إذ لا يمكن رؤية الهلال هناك من دون قبوله للرؤية هنا، مع انه متقدم وسابق عليها، والرؤية ثمة متفرعة على الرؤية هنا، فالثبوت هناك مستلزم للثبوت هنا بطريق اولى فالبينة القائمة على الاول تخبر بالالتزام عن الثاني. وهذا كله ظاهر. انما الكلام في عكس ذلك، أعني ما لو اختلف الافق وشوهد الهلال في البلاد الغربية فهل يكفي ذلك للشرقية كبلاد الشام بالاضافة إلى العراق أو لا؟ المعروف والمشهور هو الثاني، حيث ذهبوا إلى القول باعتبار اتحاد الافق. وذهب جمع من المحققين إلى الاول وان الثبوت في قطر كاف لجميع الاقطار، منهم العلامة في المنتهى، وصاحب الوافي والحدائق والمستند، والسيد الخونساري وغيرهم، ومال إليه في الجواهر، واحتمله الشهيد في الدروس. وهذا القول هو الصحيح إذ لا نرى أي وجه لاعتبار الاتحاد عدا قياس حدوث الهلال وخروج القمر عن تحت الشعاع بأوقات الصلوات، أعني شروق الشمس وغروبها، فكما أنها تختلف باختلاف الآفاق

[ 117 ]

وتفاوت البلدان بل منصوص عليه في بعض الاخبار بقوله عليه السلام: إنما عليك مشرقك ومغربك.. الخ. فكذا الهلال. ولكنه تخيل فاسد وبمراحل عن الواقع بل لعل خلافه مما لاإشكال فيه بين أهل الخبرة، وان كان هو مستند المشهور في ذهابهم إلى اعتبار الاتحاد. فلا علاقة ولا ارتباط بين شروق الشمس وغروبها، وبين سير القمر بوجه. وذلك لان الارض بمقتضى كرويتها يكون النصف منها مواجها للشمس دائما والنصف الآخر غير مواجه كذلك ويعبر عن الاول في علم الهيئة بقوس النهار، وعن الثاني بقوس الليل، وهذان القوسان في حركة وانتقال دائما حسب حركة الشمس أو حركة الارض حول نفسها على الخلاف في ذلك وان كان الصحيح بل المقطوع به في هذه الاعصار هو الثاني. وكيفما كان فيتشكل من هاتيك الحركة حالات متبادلة من شروق وغروب، ونصف النهار ونصف الليل، وبين الطلوعين وما بين هذه الامور من الاوقات المتفاوتة. وهذه الحالات المختلفة منتشرة في اقطار الارض ومتشتة في بقاعها دائما، ففي كل آن يتحقق شروق في نقطة من الارض وغروب في نقطة أخرى مقابلة لها. وذلك لاجل أن هذه الحالات انما تنتزع من كيفية اتجاه الكرة الارضية مع الشمس التي عرفت انها لا تزال في تبدل وانتقال، فهي نسبة قائمة بين الارض والشمس. وهذا بخلاف الهلال فانه انما يتولد ويتكون من كيفية نسبة القمر إلى الشمس من دون مدخل لوجود الكرة الارضية في ذلك بوجه. بحيث لو فرضنا خلو الفضاء عنها رأسا لكان القمر متشكلا بشتى

[ 118 ]

أشكاله من هلاله إلى بدره وبالعكس كما نشاهدها الآن. وتوضيحه ان القمر في نفسه جرم مظلم وانما يكتسب النور من الشمس نتيجة المواجهة معها، فالنصف منه مستنير دائما، والنصف الآخر مظلم كذلك، غير ان النصف المستنير لا يستبين لدينا على الدوام بل يختلف زيادة ونقصا حسب اختلاف سير القمر. فانه لدى طلوعه عن الافق من نقطة المشرق مقارنا لغروب الشمس بفاصل يسير في الليلة الرابعة عشرة من كل شهر بل الخامسة عشرة فيما لو كان الشهر تاما يكون تمام النصف منه المتجه نحو الغرب مستنيرا حينئذ لمواجهته الكاملة مع النير الاعظم، كما ان النصف الآخر المتجه نحو الشرق مظلم. ثم ان هذا النور يأخذ في قوس النزول في الليالي المقبلة، وتقل سعته شيئا فشيئا حسب اختلاف سير القمر إلى ان ينتهي في أواخر الشهر إلى نقطة المغرب بحيث يكون نصفه المنير مواجها للشمس، ويكون المواجه لنا هو تمام النصف الآخر المظلم. وهذا هو الذي يعبر عنه بتحت الشعاع والمحاق، فلا يرى منه أي جزء، لان الطرف المستنير غير مواجه لنا لاكلا كما في الليلة الرابعة عشرة، ولا بعضا كما في الليالى السابقة عليها أو اللاحقة. ثم بعدئذ يخرج شيئا فشيئا عن تحت الشعاع، ويظهر مقدار منه من ناحية الشرق ويرى بصورة هلال ضعيف، وهذا هو معنى تكون الهلال وتولده. فمتى كان جزء منه قابلا للرؤية ولو بنحو الموجبة الجزئية فقد انتهى به الشهر القديم، وكان مبدءا لشهر قمري جديد. إذا فتكون الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلا للرؤية ولو في الجملة، وهذا كما ترى امر واقعي وحداني

[ 119 ]

لا يختلف فيه بلد عن بلد، ولا صقع عن صقع لانه كما عرفت نسبة بين القمر والشمس لا بينه وبين الارض فلا تأثير لاختلاف بقاعها في حدوث هذه الظاهرة الكونية في جو الفضاء. وعلى هذا فيكون حدوثها بداية لشهر قمري لجميع بقاع الارض على اختلاف مشارقها ومغاربها وان لم ير الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي من شعاع الشمس، أو حيلولة الجبال وما أشبه ذلك. أجل إن هذا انما يتجه بالاضافة إلى الاقطار المشاركة لمحل الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه بان تكون ليلة واحدة ليلة لهما وان كانت اول ليلة لاحدهما وآخر ليلة للاخر المنطبق - طبعا - على النصف من الكرة الارضية دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عندما تغرب عندنا، بداهة ان الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بانه اول ليلة من الشهر بالنسبة إليهم. ولعله إلى ذلك يشير سبحانه وتعالى في قوله: (رب المشرقين ورب المغربين) باعتبار انقسام الارض بلحاظ المواجهة مع الشمس وعدمها إلى نصفين لكل منهما مشرق ومغرب، فحينما تشرق على أحد النصفين تغرب عن النصف الآخر وبالعكس. فمن ثم كان لها مشرقان ومغربان. والشاهد على ذلك قوله سبحانه: (ياليت بيني وبينك بعد المشرقين) الظاهر في ان هذا أكثر بعد وأطول مسافة بين نقطتي الارض، إحداهما مشرق لهذا النصف، والاخرى مشرق للنصف الآخر. وعليه فإذا كان الهلال قابلا للرؤية في أحد النصفين حكم بان هذه الليلة اول الشهر بالاضافة إلى سكنة هذا النصف المشتركين في

[ 120 ]

ان هذه الليلة ليلة لهم وان اختلفوا من حيث مبدء الليلة ومنتهاها حسب اختلاف مناطق هذا النصف قربا وبعدا طولا وعرضا، فلا تفترق بلاد هذا النصف من حيث الاتفاق في الافق والاختلاف في هذا الحكم لما عرفت من ان الهلال يتولد - أي يخرج القمر من تحت الشعاع - مرة واحدة. إذا فبالنسبة إلى الحالة الكونية وملاحظة واقع الامر الفرق بين أوقات الصلوات ومسألة الهلال في غاية الوضوح حسبما عرفت. هذا ما تقتضيه نفس الحالة الكونية. وأما بالنظر إلى الروايات فيستفاد منها أيضا ان الامر كذلك وان الثبوت الشرعي للهلال في قطر كاف لجميع الاقطار وان اختلفت آفاقها وتدلنا عليه أولا: اطلاقات نصوص البينة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشك في رمضان أو شوال وانه في الاول يقضى يوما لو أفطر، فان مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين ما إذا كانت الرؤية في بلد الصائم أو غيره المتحد معه في الافق أو المختلف. ودعوى الانصراف إلى أهل البلد كما ترى سيما مع التصريح في بعضها بأن الشاهدين يدخلان المصر ويخرجان كما تقدم فهي طبعا تشمل الشهادة الحاصلة من غير البلد على اطلاقها. وثانيا النصوص الخاصة: منها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال: ان كانت له بينة عادلة على أهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما (1).


(1) الوسائل باب 5 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 13.

[ 121 ]

دلت بمقتضى إطلاقها بوضوح على أن الرؤية في مصر كافية لسائر الامصار وان لم ير فيها الهلال من غير غيم أو أي مانع آخر ولم يقيد فيها بوحدة الافق مع ان آفاق البلاد تختلف جدا حتى في الممالك الصغيرة كالعراق فان شمالها عن جنوبها كشرقها عن غربها يختلف إختلافا فاحشا، فعدم التقييد والحالة هذه وهو - عليه السلام - في مقام البيان يكشف طبعا عن الاطلاق. ومنها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هلال شهر رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان قال: لا تصم الا ان تراه، فان شهد أهل بلد آخر فاقضه (1). دلت على كفاية الرؤية في بلد آخر سواء اتحد افقه مع البلد ام اختلف بمقتضى الاطلاق. ومنها صحيحة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان فقال: لا تصمه إلا أن تراه، فان شهد أهل بلد آخر انهم رأوه فاقضه (2). وهي في الدلالة كسابقتها. وأوضح من الجميع صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، فقال: لاتقضه الا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر وقال: لاتصم ذلك اليوم الذي يقضى الا ان يقضي أهل الامصار فان فعلوا فصمه (3).


(1) الوسائل باب 3 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 9. (2) الوسائل باب 8 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 3. (3) الوسائل باب 12 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 1.

[ 122 ]

فان في قوله عليه السلام: (جميع أهل الصلاة) دلالة واضحة على عدم اختصاص رأس الشهر القمري ببلد دون بلد، وانما هو حكم وحداني عام لجميع المسلمين على اختلاف بلادهم من حيث اختلاف الآفاق واتحادها، فمتى قامت البينة على الرؤية من أي قطر من أقطار هذا المجموع المركب، وهم كافة أهل الصلاة كفى. كما ان قوله عليه السلام في الذيل: (يقضى أهل الامصار) مؤكد لهذا المعنى وانه لا يختلف مصر عن مصر في هذا الحكم بل هو عام لجميع الاقطار والامصار وشامل لجميع بقاع الارض بمختلف آفاقها. إذا فمقتضى هذه الروايات الموافقة للاعتبار عدم كون المدار على اتحاد الافق، ولا نرى اي مقتض لحملها على ذلك، إذ لم يذكر أي وجه لهذا التقييد عدا قياس امر الهلال بأوقات الصلوات الذي عرفت ضعفه وانه مع الفارق الواضح بما لا مزيد عليه. ويؤكده ما ورد في دعاء صلاة يوم العيد من قوله عليه السلام: (أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا) فانه يعلم منه بوضوح ان يوما واحدا شخصيا يشار إليه بكلمة (هذا) هو عيد لجميع المسلمين المتشتتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها لا لخصوص بلد دون آخر. وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وانها خير من الف شهر وفيها يفرق كل أمر حكيم فانها ظاهرة في انها ليلة واحدة معينة ذات أحكام خاصة لكافة الناس وجميع أهل العالم، لا ان لكل صقع وبقعة ليلة خاصة مغايرة لبقعة أخرى من بقاع الارض. إذا فما ذهب إليه جملة من الاعاظم من عدم الاعتبار بوحدة الافق هو الاوفق بالاعتبار والرأي السديد الحقيق بالقبول حسبما عرفت.

[ 123 ]

تنبيه: غير خفي ان للقمر - على ما ذكره القدماء من الهيويين - حركتين: حركة في كل أربع وعشرين ساعة لها مشرق ومغرب، وحركة أخرى في تلك الدائرة يدور فيها حول الارض من المغرب إلى المشرق في كل شهر مرة واحدة، فيختلف مكانه في كل يوم عن مكانه في اليوم الآخر. ومن ثم قد يتفق مع الشمس طلوعا وغروبا وقد يختلف. فمع الاتفاق المعبر عنه بالمحاق وتحت الشعاع وهو طبعا في آخر الشهر بما ان النصف المستنير فيه بكامله نحو المشرق ومواجه للشمس لم ير منه أي جزء بتاتا. ثم بعدئذ يختلف المسير فينحرف الطرف المستنير إلى الشرق ويستبين جزء منه وبه يتكون الهلال الجديد - كما تقدم - الا ان هذا الانحراف المستتبع لتلك الاستبانة تدريجي الحصول لا محالة فلا يحدث المقدار المعتد به القابل للرؤية ابتداءا بل شيئا فشيئا، إذ كلما فرضناه من النور فهو طبعا قابل للقسمة، بناءا على ما هو الحق من امتناع الجزء الذي لا يتجزء. فلنفرض ان أول جزء منه واحد من مليون جزء من أجزاء النصف المستنير من القمر فهذا المقدار من الجزء متوجه إلى طرف الشرق غير انه لشدة صغره غير قابل للرؤية. ولكن هذا الوجود الواقعي لاأثر له في تكون الهلال وان علمنا بتحققه علما قطعيا حسب قواعد الفلك وضوابط علم النجوم، إذ

[ 124 ]

[ (مسألة 5) لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي المسمى بالتلغراف (1) في الاخبار عن الرؤية الا إذا حصل منه العلم بان كان البلدان متقاربين وتحقق حكم الحاكم أو شهادة العدلين برؤيته هناك. ] العبرة حسب النصوص المتقدمة بالرؤية وشهادة الشاهدين بها شهادة حسية عن باصرة عادية لاعن صناعة علمية أو كشفه عن علوه وارتفاعه في الليلة الآتية. ومنه تعرف انه لا عبرة بالرؤية بالعين المسلحة المستندة إلى المكبرات المستحدثة والنظارات القوية كالتلسكوب ونحوه، من غير ان يكون قابلا للرؤية بالعين المجردة والنظر العادي. نعم لا بأس بتعيين المحل بها ثم النظر بالعين المجردة، فإذا كان قابلا للرؤية ولو بالاستعانة من تلك الآلات في تحقيق المقدمات كفى وثبت به الهلال كما هو واضح. (1) يريد (قدس سره) بذلك ان البرقية وما شاكلها كالتلفون ونحوه لا يعتمد عليها من حيث هي، نظرا إلى عدم الثقة بالمخبر، فلم يعلم انه من الذي يبرق أو يخابر، ولاجله استدركه بانه إذا حصل العلم بأن كان المخبر ثقة والبلد متقاربا - بناء على اعتبار وحدة الافق - وقد أخبر عن حكم الحاكم - بناءا على نفوذه - أو عن الرؤية على سبيل التواتر أو الشياع المفيد للعلم، أو عن شهادة العدلين ترتب عليه الاثر وثبت الهلال ضرورة عدم تقوم الشهادة بكونها لفظية وبلا واسطة، بل تثبت ولو بواسطة البرق أو البريد ونحوهما.

[ 125 ]

[ (مسألة 6) في يوم الشك في انه من رمضان أو شوال يجب أن يصوم (1) وفي الشك في انه من شعبان أو رمضان يجوز الافطار ويجوز أن يصوم لكن لا بقصد انه من رمضان كما مر سابقا تفصيل الكلام فيه. ولو تبين في الصورة الاولى كونه من شوال وجب الافطار سواء كان قبل الزوال أو بعده. ولو تبين في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الامساك وكان صحيحا إذا لم يفطر ونوى قبل الزوال ويجب قضاؤه إذا كان بعد الزوال. ] وما ذكره (قدس سره) وجيه، فانه إذا لم يكن المتصدي للبرقية أو التلفون ونحوهما ثقة أو كان ولكنه كان عدلا واحدا لاأثر له الا إذا انضم إليه شاهد آخر من البلد، فان العبرة بقيام البينة أو شهادة جمع يحصل العلم من شهادتهم، ولا خصوصية لسبب دون سبب. (1) الفروع المذكورة في هذه المسألة قد تقدم الكلام حولها مستقصى في أوائل كتاب الصوم عند التكلم في أحكام يوم الشك وعرفت انه في يوم الشك من شوال لا يجوز الافطار لتعليقه كالصوم على الرؤية، كما انه في يوم الشك من رمضان لا يجب الصيام لما ذكر وان جاز بنية أخرى، كما انه في الاول يجب الافطار لو انكشف الخلاف قبل الزوال أو بعده لحرمة الصوم في العيدين وفساده، وفي الثاني يقضي لو أفطر ويمسك بقية النهار، وكذا لو لم يفطر وكان الانكشاف بعد الزوال بل وقبله على الاقوى بناءا على ما عرفت من

[ 126 ]

[ (مسألة 7) لو غمت الشهور ولم ير الهلال في جملة منها أو في تمامها حسب كل شهر ثلاثين (1) ما لم يعلم النقصان عادة. (مسألة 8) الاسير والمحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظن (2)، ] عدم الدليل على تجديد النية في مثل ذلك. وهذا كله تكرار محض وتفصيله يطلب من محله فلاحظ. (1) كما عليه المشهور وهو الصحيح، ويدل عليه مضافا إلى قوله (ع): (صم للرؤية وأفطر للرؤية) الدال على عدم جواز الصيام والافطار لدى الشك في الهلال بعض النصوص الخاصة المصرحة بعد الثلاثين مع عدم الرؤية لغيم ونحوه. فلو اطبقت السماء غيما شهر رجب وشعبان ورمضان عد ستون يوما من أول رجب ويصام في اليوم الواحد والستين، ويفطر في اليوم الواحد والتسعين. هذا فيما إذا لم يعلم بالنقصان عادة، والا كما لو اضيف في المثال شهر جمادي الثانية حيث يعلم حينئذ ان اليوم العشرين بعد المائة منذ غرة جمادي الآخرة لم يكن من رمضان قطعا لامتناع كون أربعة أشهر متواليات تامات عادة كنقصها كذلك، فاللازم حينئذ العمل على طبق العلم فيفطر في اليوم المذكور في المثال المزبور كما هو ظاهر. والحاصل ان عد الثلاثين امارة على دخول الشهر الجديد، ومعلوم ان حجية الامارة خاصة بظرف الشك، فمع العلم بالخلاف لا حجية لها. (2) على المشهور بل ادعي عليه الاجماع. والكلام فعلا فيما تقتضيه

[ 127 ]

وظيفته الفعلية من حيث تعيين وقت الصيام، وأما الاجتزاء به لدى انكشاف الخلاف فسيجئ حكمه. وقد عرفت ان المشهور هو العمل بالظن فانه وان لم يكن حجة في نفسه، بل قامت الادلة الاربعة على عدم حجيته لكنه فيما إذا لم يقم دليل على حجيته بالخصوص وإلا فهو المتبع كما في الظن بالقبلة، والظن بعدد الركعات ومنه المقام لصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: رجل أسرته الروم ولم يصح له شهر رمضان ولم يدر أي شهر هو، قال: يصوم شهرا يتوخى (يتوخاه) ويحسب فان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزه، وان كان بعد شهر رمضان اجزأه (1). ورواها الشيخ الكليني أيضا بطريق صحيح. وموردها وان كان هو الاسير لكن يتعدى منه إلى المحبوس لا لوحدة المناط كما قيل فانه قياس محض. بل لفهم المثالية من ذكر الاسير إذ لا يكاد يتأمل في ان العرف يفهم من مثل هذه العبارة ان نظر السائل معطوف إلى ما ذكره بعد ذلك من قوله: ولم يصح له شهر رمضان، فالمقصود بالذات من مثل هذا السؤال التعرف عن حكم من لم يعرف شهر رمضان ولم يميزه عما عداه، وانما ذكر الاسير تمهيدا ومن باب المثال من غير خصوصية فيه، ولا في خصوصية الاسير من كونه من الروم بحيث لو كان من الزنج أو من غيرهم من المشركين لم يعمه الحكم فان هذا غير محتمل جزما. إذا فالسؤال عن موضوع كلي ينطبق على الاسير تارة كما مثل به السائل، وعلى المحبوس أخرى، وعلى غيرهما ثالثة، كما لو غرقت السفينة فألقاها الموج في جزيرة لا يسكنها أحد أو لا يسكنها مسلم فلم يتعرف


(1) الوسائل باب 7 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

[ 128 ]

[ ومع عدمه تخيرا في كل سنة بين الشهور (1) فيعينان شهرا له ويجب مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين بان يكون بينهما أحد عشر شهرا ولو بان بعد ذلك ان ما ظنه أو اختاره لم يكن رمضان فان تبين سبقه كفاه لانه حينئذ يكون ما أتى به قضاء وان تبين لحوقه وقد مضى قضاه وان لم يمض أتى به ويجوز له في صورة عدم حصول الظن ان لا يصوم حتى يتيقن انه كان سابقا فيأتي به قضاءا. ] رمضان فانه يشمله الحكم قطعا مع عدم كونه من الاسير ولا المحبوس، فلاجل هذه الصحيحة يخرج عن عموم عدم حجية الظن حسبما عرفت. (1) على المشهور (1) حيث ذهبوا إلى التخيير في تعيين الشهر لدى فقد الظن وتساوي الاحتمالات، بل نسب ذلك إلى قطع الاصحاب. ويستدل له بانه يعلم إجمالا بوجوب صوم شهر من شهور السنة ولا يمكنه الاحتياط للتعذر أو للتعسر فهو مضطر إلى الافطار في بعض أطراف العلم الاجمالي غير المعين. وقد تقرر في الاصول ان مثل هذا الاضطرار لا يستوجب سقوط التكليف الواقعي المتعلق بالمعلوم بالاجمال لعدم تواردهما على محل واحد. فان متعلق الاضطرار هو الجامع بين الاطراف بمقتضى تعلقه بغير المعين منها، ومتعلق التكليف هو


(1) ما أثبتناه في هذا التعليق ملفق مما استفدناه من مجلس الدرس، وما أفاده دام ظله بعد اعادة النظر عند التقديم للطبع.

[ 129 ]

الشخص فلم يتعلق به الاضطرار ليرفعه، وفي مثله يتخير في اختيار أي طرف شاء، كما لو اضطر إلى شرب الواحد غير المعين من الاناءين المعلوم نجاسة أحدهما اجمالا. ويندفع بان لازم ذلك هو الاقتصار في الافطار على ما تندفع به الضرورة فانها تقدر بقدرها. فلو ارتفع الاضطرار بالافطار في خمسة أشهر أو ستة مثلا لزمه الصيام في الباقي عملا بالعلم الاجمالي المنجز فيتنزل عن الامتثال القطعي والاحتياط التام إلى التبعيض فيه والامتثال الاحتمالي على النهج الذي عرفت لا الصيام في شهر واحد مخيرا فيه والافطار في بقية الشهور كما عليه المشهور. وتفصيل الكلام في المقام - انا إذ لم نقل بالحرمة الذاتية لصوم يوم العيد - كما هو الصحيح - فلا مجال حينئذ للقول بالتخيير، بل لابد للمكلف من ان يصوم تمام الايام التي يعلم بوجود شهر رمضان فيها عملا بالعلم الاجمالي فيما إذا لم يكن في ذلك حرج أو ضرر. واما مع أحدهما فالحكم يبتني على مسألة الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الاجمالي غير المعين. فان قلنا بعدم التنجيز وان الاضطرار يرفع الحكم الواقعي فمقتضى القاعدة حينئذ هو سقوط التكليف رأسا وعدم وجوب أي شئ عليه وهو خلاف ما ذهب إليه المشهور في المقام. وان قلنا بالتنجيز وعدم سقوط التكليف الواقعي نظرا إلى أن الاضطرار انما تعلق بالجامع ومتعلق التكليف - وهو صوم شهر رمضان - لم يتعلق الاضطرار بتركه بالخصوص فلا موجب لسقوط التكليف - على ما اشبعنا الكلام حوله في محله - بل غاية ما هناك عدم وجوب الاحتياط التام لمكان الاضطرار، فيجوز له الافطار بمقدار

[ 130 ]

تندفع به الضرورة، بمعنى انه يجب عليه الصيام إلى أن يصل إلى حد الحرج أو الضرر فيجوز له الافطار بعد ذلك للقطع بعدم وجوب الصوم عليه حينئذ إذا لو كان شهر رمضان قبل ذلك فقد أتى به ولو كان بعده لم يجب صومه لارتفاعه بسبب الاضطرار هذا - وقد يقال في مفروض الكلام بعدم وجوب الصيام إلى أن يتيقن بدخول شهر رمضان عملا بالاستصحاب وبعد اليقين المزبور يجب الصوم أخذا باستصحاب بقاء الشهر إلى أن يتم، فلاجل هذا الاصل الموضوعي الحاكم يسقط العلم الاجمالي عن التنجيز. ويرده: انه لا مجال للاستصحاب المزبور أعنى استصحاب بقاء شهر رمضان بعد اليقين بدخوله لاندراج المقام في كبرى تحقق الحالتين السابقتين المتضادتين مع الشك في المتقدم منهما والمتأخر المحكوم فيها بتعارض الاستصحابين، فانه إذا علم بدخول شهر رمضان ولم يعلم انه دخل في هذا اليوم مثلا حتى يبقى إلى شهر أو انه قد دخل قبل ذلك وانصرم فهو - طبعا - يعلم بان أحد الشهرين السابقين على زمان اليقين لم يكن من شهر رمضان غير انه لم يميز المتقدم منهما عن المتأخر ولم يدر ان ذاك هل هو العدم السابق عليهما أو غيره، وكما ساغ له استصحاب بقاء رمضان ساغ له استصحاب عدم الخروج من ذاك الزمان فيتعارضان بطبيعة الحال. وان شئت قلت: العدم الازلي السابق عليهما قد انتقض بالعلم بدخول رمضان جزما وأما العدم المعلوم كونه من أحد الشهرين المتقدمين المردد بين أن يكون هو العدم الازلي الزائل - فيما لو كان دخول شهر رمضان بعده - أو عدما حادثا باقيا إلى الآن - لو كان دخول الشهر قبله - فهو قابل للاستصحاب الذي هو من سنخ

[ 131 ]

استصحاب القسم الرابع من أقسام استصحاب الكلي، فنقول مشيرا إلى ذاك الزمان انا كنا على يقين من عدم رمضان والآن كما كان، وبعد تعارض الاستصحابين كان المتبع العلم الاجمالي الذي مقتضاه الاحتياط والعمل على طبقه بقدر الامكان، وذلك: من أجل ان وجود شهر رمضان بعد ذلك مشكوك فيه والمرجع فيه - طبعا - هو أصالة البراءة، لكنها معارضة باستصحاب عدم دخوله إلى زمان اليقين به فيتساقطان، ومعه لم يكن بد من الاحتياط إلى أن يتيقن بانقضائه. توضيح المقام: - انه متى تردد شهر رمضان بين شهور فكل شهر ما عدا الشهر الاخير يشك فيه في دخول شهر رمضان فيجري فيه استصحاب عدم الدخول، وأما الشهر الاخير فاليوم الاول منه يتيقن بدخول شهر رمضان أما فيه أو فيما قبله ومع اليقين ينقطع الاستصحاب، ولكن لا يثبت كون هذا اليوم من شهر رمضان بداهة ان استصحاب عدم الدخول قبله لا يثبت به لازمه وهو كون هذا اليوم من رمضان، وبما ان هذا اليوم مسبوق بحالتين سابقتين متضادتين أحداهما دخول شهر رمضان والاخرى كون الشهر من غيره وبطبيعة الحال يشك في المتقدم منهما والمتأخر فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان وحينئذ بما ان كون هذا اليوم من شهر رمضان مشكوك فيه فوجوب الصوم فيه بخصوصه غير معلوم ومقتضى الاصل البراءة عنه ولكن جريان البراءة فيه والاستصحاب فيما قبله مخالف للعلم الاجمالي فيتساقطان لا محالة ونتيجة ذلك هو الاحتياط كما ذكرناه. ولمزيد التوضيح نقول: متى تردد شهر رمضان بين شهور فبطبيعة الحال لا يتيقن بدخول شهر رمضان الا في اليوم الاول من الشهر الاخير ولكنه لا يدرى ان هذا اليوم هل هو اليوم الاول، أو

[ 132 ]

ان شهر رمضان قد دخل قبل ذلك فهنا استصحابان. أحدهما: - استصحاب عدم دخول الشهر إلى زمان اليقين بدخوله، وهذا الاستصحاب لا يعارضه الا أصالة البراءة بالتقريب الآتي. ثانيهما: استصحاب بقاء عدم الشهر إلى ذلك اليوم أي يوم اليقين بدخوله فان اليقين بدخوله مع عدم العلم بزمان الدخول يلازم الشك في التقدم والتأخر بالنسبة إلى زمان الدخول بمعنى انه لا يدري ان شهر رمضان قد تحقق وانقضى فعدمه باق إلى هذا اليوم أو انه كان متأخرا وذلك العدم قد انقض فالباقي هو شهر رمضان ففي مثل ذلك يتعارض الاستصحابان لا محالة فيسقطان وتصل النوبة إلى أصالة البراءة عن وجوب الصوم في هذا اليوم فانا وان علمنا اجمالا بوجوب الصوم في هذا اليوم يقينا: إما تعيينا لكونه من رمضان أو تخييرا بينه وبين ساير الايام لو كان الشهر قد انقضى. وبعبارة أخرى نعلم بوجوبه أما اداء أو قضاء الا أن في موارد دوران الامر بين التعيين والتخيير تجرى البراءة عن التعيين. إذا فوجوب الصوم في خصوص هذا اليوم مشكوك فيه فتجري فيه البراءة عنه الا أنها معارضة بالاستصحاب الاول للعلم الاجمالي بمخالفة أحدهما حسبما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا كله على تقدير القول بعدم الحرمة الذاتية لصوم يوم العيد. وأما على القول بها فهناك صورتان: إذ تارة: - يعلم المكلف بأول كل شهر وآخره غير انه لا يميز رمضان عن غيره. فالحكم في هذه الصورة كما تقدم من تنجيز العلم الاجمالي المقتضى للاحتياط بقدر الامكان إلا في اليوم الاول من كل شهر وعاشره إذ هو كما يعلم اجمالا بوجوب الصوم في هذين اليومين من كل شهر لاحتمال كونهما من رمضان كذلك يعلم اجمالا بحرمته

[ 133 ]

لاحتمال كونهما من العيدين، وكما ان مقتضى العلم الاول وجوب الصوم في جميع الاطراف المحتملة، كذلك مقتضى العلم الثاني وجوب تركه في جميعها وبما أن المكلف لا يتمكن من الجمع بينهما فلا جرم ينتهي الامر إلى التخيير بمناط الدوران في هذين اليومين بين المحذورين. ونتيجة ذلك وجوب صوم يوم واحد مخيرا بين هذه الايام وترك صوم يوم آخر كذلك حذرا عن المخالفة القطعية، و يتخير في ساير الايام بين الافطار والصيام. وتارة أخرى: - لا يعلم بذلك أيضا، بمعنى ان كل يوم من الايام التي تمر عليه كما يحتمل أن يكون من شهر رمضان يحتمل أيضا أن يكون من يوم العيد فحينئذ بما انه لا يتمكن من الاحتياط فينتهى الامر أيضا إلى التخيير كسابقه. إذا فعليه أن يصوم شهرا واحدا لئلا تلزم المخالفة القطعية، كما ان عليه أن يترك الصوم يوما بعد هذا الشهر ويوما آخر بعد مضي سبعين يوما منه المحتمل كونهما يومي العيدين ويتخير في الباقي بين الصيام وتركه. وعلى الجملة فمستند المشهور على الظاهر هو ما اشرنا إليه من التنزل من الامتثال القطعي إلى الظني ومنه إلى الاحتمالي ومن ثم افتوا بالتخيير، وإلا فلا يحتمل انهم استندوا إلى مدرك آخر لم يصل الينا وانما مضوا على ما تقتضيه القواعد الاولية. ولكن عرفت ان المقام وان كان مندرجا في كبرى الاضطرار إلى الاقتحام في بعض أطراف العلم الاجمالي إلا أن حكم هذه الكبرى هو الاقتصار على مقدار الضرورة والاحتياط في الباقي لا التخيير بين جميع الاطراف ليكون له الخيار في تطبيق شهر رمضان على أي شهر شاء.

[ 134 ]

ومما ذكرنا يعلم فساد ما اختاره في المتن من جواز أن لا يصوم في صورة عدم حصول الظن حتى يتيقن انه كان سابقا فيأتي به قضاءا. فانه مبني بحسب الظاهر على عدم تنجيز العلم الاجمالي لدى تعلق الاضطرار ببعض الاطراف غير المعين وانه لا فرق بينه وبين تعلقه بالبعض المعين في عدم التنجيز على ما صرح به صاحب الكفاية. إذا لا ملزم له في الاتيان بالصوم فعلا، بل يؤخر حتى يتيقن بمضي رمضان ثم يقضيه. ولكنه بمراحل عن الواقع، بل فاسد جزما كما بيناه في الاصول، للفرق الواضح بين التعلق بالمعين وغير المعين، إذ في الاول يحتمل الاتحاد بين متعلقي الاضطرار والتكليف المعلوم بالاجمال المستلزم لسقوطه حينئذ فلا جزم معه بالتكليف الفعلي المنجز على كل تقدير الذي هو مناط التنجيز، وهذا بخلاف الثاني إذ لا يحتمل فيه الاتحاد أبدا، فان مرجع الاضطرار إلى البعض غير المعين إلى تعلقه بالجامع بين الاطراف، إذ لا خصوصية لطرف دون طرف حسب الفرض، فمتعلق الاضطرار هو الجامع، أما المعلوم بالاجمال فهو فرد معين وطرف خاص لا محالة، فلا علاقة ولا ارتباط ولا اتحاد بينهما بوجه كي يستوجب سقوط التكليف، فلا قصور في تنجيز العلم الاجمالي بوجوب صيام شهر من شهور السنة أبدا. ومعه كيف يسوغ له التأخير إلى أن يعلم بالمضي فيقضي. هذا كله حكم الوظيفة الفعلية قبل الانكشاف. وأما لو انكشف الحال فان تبين مطابقة المأتي به مع رمضان فلا إشكال. وان تبين تأخره عنه وان صومه كان واقعا في شهر ذي القعدة مثلا اجزأه وحسب له قضاءا، فانه وان نوى الاداء وهو يغاير

[ 135 ]

[ والاحوط اجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنه (1) من الكفارة والمتابعة والفطرة وصلاة العيد وحرمة صومه ما دام الاشتباه باقيا وان بان الخلاف عمل بمقتضاه. ] القضاء ويباينه في الماهية ولابد من تعلق القصد بكل منهما بالخصوص ولا يجزى أحدهما عن الآخر حسبما مر في محله، إلا انه يحكم في خصوص المقام بالاجزاء بمقتضى صحيحة عبد الرحمن المتقدمة المصرحة بذلك وبها يخرج عن مقتضى القواعد. فالمقام نظير صوم يوم الشك بعنوان القضاء أو الندب، وقد تبين بعد ذلك انه كان اول رمضان فانه يجزيه عن الاداء ويوم وفق له وان كان هو قد نوى القضاء. وأما لو تبين تقدمه عليه وانه كان شهر رجب مثلا فلا يجزي، إذ لا دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به بل الدليل قام على العدم، فان الصحيحة المتقدمة تضمنت التصريح بعدم الاجزاء حينئذ فلاحظ. (1) لو عين شهر رمضان بمقتضى ظنه فهل يترتب على مظنون الرمضانية جميع آثار رمضان الواقعي من الكفارة والفطرة وصلاة العيد ونحو ذلك، أو انه يقتصر على الصوم خاصة؟ لا إشكال في ترتيب آثار الواقع لدى انكشاف الخلاف. وانما الكلام فيما لو استمر الجهل ولم ينكشف الحال، والظاهر لا ينبغي التأمل في وجوب ترتيب الصوم بماله من الاحكام من الكفارة ونحوها على مظنون الرمضانية. فلو أفطر فيه متعمدا لزمته الكفارة. وانما الكلام في ترتيب ما هو لوازم الرمضانية كوجوب الفطرة بعد مضي ثلاثين يوما وكاستحباب صلاة العيد في غده، وكحرمة

[ 136 ]

[ (مسألة 9): إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر مثلا فالاحوط صوم الجميع (1) وان كان لا يبعد اجزاء حكم الاسير والمحبوس وأما ان اشتبه الشهر المنذور ] صومه لكونه يوم العيد، بدعوى قصور النص عن التعرض لمثل هذه اللوازم التي هي خارجة عن الصوم وأحكامه. ولكن الظاهر هو العموم لجميع تلك الآثار، وذلك لان المذكور في صحيحة عبد الرحمن: ولم يصح له شهر رمضان.. الخ وظاهره تنزيل هذا الشهر منزلة رمضان الواقعي لا تنزيل صومه منزلة صومه. فإذا يكون الظن حجة في تشخيص رمضان كالبينة ونحوها لافي مجرد وجوب الصوم. وعليه فقد أحرزنا بمقتضى الظن ان هذا الشهر شهر رمضان فإذا ضم ذلك إلى ما ثبت من الخارج من أن ما بعد الثلاثين من شهر رمضان (لدى عدم الرؤية) محكوم بالعيد وبأحكامه من الفطرة والصلاة والحرمة كان لازم ذلك بعد ضم أحد الدليلين إلى الآخر الذين هما بمثابة الصغرى والكبرى ترتيب ساير الآثار أيضا حسبما عرفت. (1) عملا بالعلم الاجمالي، ولم يستبعد (قده) إجراء حكم الاسير والمحبوس، وهذا هو الاظهر، لانا استفدنا - حسبما مر - من صحيحة عبد الرحمن ان ذكر الاسير انما هو من باب المثال، والا فالسؤال عن حكم موضوع كلي وهو من لم يصح له شهر رمضان، والاسير من أحد مصاديقه من غير خصوصية له في الحكم بوجه، ولذا تعدينا إلى أسير غير الروم وإلى غير الاسير كالمحبوس ونحوه. ومنه المقام فالحكم عام للجميع بمناط واحد.

[ 137 ]

[ صومه بين شهرين أو ثلاثة (1) فالظاهر وجوب الاحتياط ما لم يستلزم الحرج ومعه يعمل بالظن ومع عدمه يتخير. ] (1) لهذه المسألة صورتان: إحداهما: أن يكون الشهر المنذور صومه متعينا في نفسه، كما لو علم انه نذر صوم شهر رجب مثلا، ولكنه اشتبه بين شهرين أو أكثر فلم يدر ان هذا شهر رجب أو الآتي أو ما بعده، والظاهر ان عبارة المتن ناظرة إلى هذه الصورة. وحكمها الالحاق بشهر رمضان المشتبه بين الشهرين أو الشهور لوحدة المناط ولا ميز بينهما أبدا إلا من حيث الاخذ بالمظنون، إذ الظن ليس بحجة. وانما عملنا به في رمضان بمقتضى صحيحة عبد الرحمن ولا يمكن التعدي من موردها إلى المنذور فانه قياس لا تقول به. فحكم الظن هنا حكم الشك، وقد عرفت ان الحكم فيه وجوب الاحتياط إلى أن يتحقق الحرج وبعده لا يجب فان المنذور ان كان قبله فقد صامه وان كان بعده لم يجب لانه حرجي: هذا (وقد يقال) بجواز التأخير إلى الشهر الاخير عملا بأصالة عدم دخول ذلك الشهر وهو شهر رجب في المثال إلى أن يتيقن بدخوله وهو الشهر الاخير ويصوم بعده استنادا إلى أصالة عدم الخروج عن ذلك الشهر المقطوع دخوله فيه. ولكنه يندفع بمعارضة هذا الاصل بأصالة بقاء عدم ذاك الشهر المتيقن سابقا. بيان ذلك انه إذا دخل الشهر الثالث فكما ان لنا يقينا بدخول شهر رجب ونشك في انقضائه كذلك لنا يقين بان اليوم الاول من هذا الشهر أو اليوم الذي قبله ليس من شهر رجب ولكنا نشك في ان هذا العدم هل هو العدم الازلي الزائل جزما أو عدم حادث متيقن البقاء فيما ان ذلك العدم لا يقين بارتفاعه فيجري فيه الاستصحاب

[ 138 ]

ويعارض به استصحاب وجوده فيتساقطان فلا مناص من الاحتياط إلى ان يتحقق الحرج. ثانيتهما: أن يكون متعلق النذر مشكوكا في حد نفسه، فلا يدري انه نذر صوم شهر رجب أو شعبان أو جمادي الاخرة مثلا من غير ترديد في الموجود الخارجي وحكمه الاحتياط عملا بالعلم الاجمالي، بناءا على ما ذكرناه وذكره المحققون من عدم الفرق في تنجيز العلم الاجمالي بين الدفعي والتدريجي هذا فيما إذا لم يستلزم التعذر أو التعسر، والا سقط الاحتياط التام واندرج المقام تحت كبرى الاضطرار إلى الاقتحام في بعض أطراف العلم الاجمالي غير المعين. وقد ذكرنا في الاصول ان في مثله لا يسقط العلم الاجمالي عن التنجيز وان حكم جمع منهم صاحب الكفاية بالسقوط بزعم عدم الفرق بينه وبين الاضطرار إلى المعين كعدم الفرق بين سبق الاضطرار على العلم أو تأخره عنه. وذلك لعدم احتمال كون المعلوم بالاجمال موردا للاضطرار في المقام كما هو كذلك في المعين ضرورة ان متعلق الاضطرار إنما هو الجامع بين الاطراف، والتكليف الواقعي المعلوم بالاجمال متعلق بطرف واحد بخصوصه وتطبيق المكلف ذاك الجامع على طرف يحتمل كونه الواقع لا يكشف عن تعلق اضطرار بذاك الطرف بخصوصه كما هو ظاهر. فما هو الواجب واقعا لم يضطر إليه المكلف، وما اضطر إليه لم يتعلق به التكليف، فكيف يسقط عن التنجيز. إذا لا مقتضي لرفع الحكم الواقعي ولا سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز غايته سقوط الاحتياط التام من أجل العجز أو العسر والحرج فيرفع اليد عنه بمقدار تندفع به الضرورة نظرا إلى أن الضرورات تقدر بقدرها ويحتاط في بقية الاطراف فيتنزل إلى الاحتياط الناقص.

[ 139 ]

[ (مسألة 10): إذا فرض كون المكلف في المكان الذي نهاره ستة أشهر وليله ستة أشهر (1) أو نهاره ثلاثة وليله ستة أو نحو ذلك فلا يبعد كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيرا بين أفراد المتوسط وأما احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد كاحتمال سقوط الصوم وكون الواجب صلاة يوم واحد وليلة واحدة ويحتمل كون المدار بلده الذي كان متوطنا فيه سابقا ان كان له بلد سابق. ] (1) تعرض (قده) لحكم بعض البلدان التي لا يكون فيها يوم وليلة على النحو المتعارف. والظاهر انه لا يوجد بلد مسكون تكون السنة فيه كلها يوما واحدا وليلة واحدة إلا أن المكان موجود كما في قطبي الشمال والجنوب، فان الشمس على ما ذكره علماء الهيئة تميل من نقطة الشرق إلى الشمال إلى ما يعادل ثلاثة وعشرين درجة خلال ثلاثة أشهر وترجع في ثلاثة أشهر أيضا ويعبر عن هذه النقطة لدى شروعها في الميل نحو الشمال بالاعتدال الربيعي، ثم تبدأ في الميل إلى الجنوب ثلاثة أشهر رواحا، وثلاثة أشهر أخرى رجوعا، ويعبر عن تلك النقطة حينئذ بالاعتدال الخريفي، فهي في ستة أشهر تكون في طرف الشمال رواحا ومجيئا، وستة أشهر في طرف الجنوب كذلك في مدار ثلاثة وعشرين درجة من الجانبين كما عرفت. والدائرة المفروضة التي تمر بهاتين النقطتين الواقعة فيما بين الاعتدالين الربيعي والخريفي تسمى دائرة المعدل فيكون سير الشمس (أو بالاحرى سير الارض) ستة أشهر في النصف الشمالي من هذه الدائرة، وستة

[ 140 ]

أشهر في النصف الجنوبي منها، ويتكون من هذا الاختلاف الفصول الاربعة، كما يتفرع عليه نقصان الليل والنهار، ويتساويان في نقطتي الاعتدال الربيعي والخريفي غير المتحقق في طول السنة إلا مرتين أول الربيع وأول الخريف. هذا كله في البلاد التي تكون مائلة إلى طرفي الشمال أو الجنوب. أي لا تكون واقعة على القطب. وأما ما كان واقعا على نفس القطب أو ما يقرب منه. فبطبيعة الحال تكون هذه الدائرة أي دائرة المعدل أفقا له، وتسير الشمس فوق دائرة الافق ستة أشهر وتكون حركتها رحوية، أي تدور حول الافق مثل الرحى فيتصاعد عن الافق لدى سيرها الدوري ثلاثة أشهر وبعد ذلك تأخذ في الهبوط وتقرب من الافق خلال ثلاثة أشهر إلى أن تغيب في الافق فتبقى تحت الارض ستة أشهر على النهج الذي عرفت. ونتيجة ذلك ان من يقف على أحد القطبين أو حواليهما يرى الشمس ستة أشهر وهو النهار، ولا يراها ستة أشهر وهو الليل فمجموع السنة تنقسم بالاضافة إليه إلى يوم واحد وليلة واحدة، وبطبيعة الحال يكون ما بين الطلوعين بالنسبة إليه قريبا من عشرين يوما من أيامنا لانه ثمن اليوم تقريبا. والكلام في وظيفة مثل هذا الشخص. ذكر (قده) في المتن لذلك وجوها واحتمالات: أحدها: وهو الذي اختاره (قده) أن يكون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة مخيرا بين أفراد المتوسط فيصوم عند طلوع الفجر عندهم، ويفطر عند غروبهم فيصوم بصومهم ويصلي بصلاتهم.

[ 141 ]

الثاني: سقوط التكليف عنه رأسا لكون التكاليف متوجهة بحكم الانصراف إلى الساكنين في البلدان المتعارفة. الثالث: سقوط الصوم خاصة لانعدام الموضوع، أعني شهر رمضان فانه إنما يتحقق فيما إذا كانت السنة اثنى عشر شهرا لافي مثل هذا المكان الذي كلها فيه يوم واحد. وأما بالنسبة إلى الصلاة فيصلى في مجموع السنة مرة واحدة، فيصلي الفجر ما بين الطلوعين الذي عرفت انه يقرب من عشرين يوما، والظهرين في النهار بعد الزوال، والعشاءين في الليل. واحتمل رابعا أن يكون تابعا للبلد الذي كان متوطنا فيه سابقا ان كان له بلد سابق. هذا وقد يقال انه لا يتصور الدلوك في حق هذا الشخص أبدا، فلا يمكن تكليفه بصلاتي الظهرين المقيدتين بهذا الوقت فانه عبارة عن زوال الشمس عن دائرة نصف النهار وميلها بعد نهاية الارتفاع إلى جهة المغرب. وهذا انما يتحقق في حق من يفرض له مثل هذه الدائرة وأما من كانت هذه الدائرة أفقا له وكانت حركة الشمس رحوية بالاضافة إليه حسبما عرفت فلا يتصور الدلوك والزوال بالنسبة إليه بوجه، بل يقتصر في صلاته على الفجر والعشاءين. ويمكن الجواب: أولا بأن المراد من الدلوك وسط النهار كما صرح به في صحيحة حماد الواردة في تفسير الصلاة الوسطى، من أن المراد بها صلاة الظهر التي هي في وسط النهار، أو باعتبار توسطها بين الفجر والعصر (1). ولا شك في تحقق الدلوك بهذا المعنى بالاضافة إليه ضرورة انا لو قسمنا نهاره إلى قسمين فبعد مضي النصف الاول


(1) الوسائل باب 2 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 1.

[ 142 ]

وهو ثلاثة أشهر يتحقق وسط النهار بطبيعة الحال، ويفرض معه الزوال المأخوذ موضوعا لوجوب الظهرين. وثانيأ: بالالتزام بتحقق الدلوك في المقام أيضا حتى بمعناه المعهود، إذ لا يعتبر فيه زوال الشمس عن قمة الرأس وميلها عن كبد السماء لعدم نهوض أي دليل عليه من رواية أو غيرها، بل معنى الدلوك أخذ الشمس في الهبوط والاقتراب من الافق بعد نهاية الارتفاع والابتعاد عنه. وهذا كما ترى معنى عام يجتمع مع الحركة الرحوية كغيرها، إذ فيها أيضا تقترب من الافق بعد انتهاء البعد كالنزول من الجبل بعد الصعود عليه، وان لم يكن زواله عن قمة الرأس كما هو موجود عندنا. وكيفما كان فلا تمكن المساعدة على شئ من الوجوه الاربعة التي احتملها في المتن لخروجها باجمعها عن مقتضي الصناعة. أما التبعية للبلدان المتعارفة المتوسطة فلا مقتضى لها بعد التصريح في جملة من الروايات بقوله عليه السلام: (إنما عليك مشرقك ومغربك) فلا عبرة بمشرق بلد آخر، ولا بمغربه، كما لا اعتبار بفجره ولا بزواله. ومنه يظهر ضعف التبعية للبلد الذي كان يسكن فيه، إذ لا عبرة به بعد الانتقال إلى بلد آخر له مشرق ومغرب آخر ولا سيما وقد تبدل - طبعا - تكليفه في الطريق بمشرق ومغرب آخر. فما هو الموجب بعدئذ للرجوع إلى مشرق بلده ومغربه. وأما احتمال سقوط الصوم وحده أو هو مع الصلوات فهو أيضا مناف لاطلاقات الادلة من الكتاب والسنة الناطق وجوب الصلاة وكذلك الصيام لكافة الانام عدا ما استثنى من المسافر والمريض ونحوهما

[ 143 ]

غير المنطبق على المقام. قال سبحانه وتعالى: (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) وقال سبحانه: (الذين يقيمون الصلاة) وقال تعالى: (كتب عليكم الصيام.. الخ) وقال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). والنصوص المتواترة قد اطبقت على وجوبهما على سبيل الاطلاق وعلى كل مكلف، كحديث بناء الاسلام على الخمس، وان الصلاة بمنزلة الروح، وان من صلى خمسا كمن غسل بدنه في كل يوم خمسا، لا يبقى فيه شئ من القذارات. والحاصل ان وجوبهما على كل أحد في كل وقت بحيث لا يسعه التفويت والتضييع بوجه من الوجوه أمر مقطوع به لاتكاد نختلجه شائبة الاشكال. ومن البين ان المكث والبقاء في أحد القطبين الخاليين عن ليل ونهار متعارف من أحد موجبات التضييع والتفويت إذ لا تتيسر معه الصلاة والصيام على النهج المقرر شرعا بعد عدم الدليل على التبعية لساير البلدان المتعارفة حسبما عرفت ومنه تعرف ان مقتضى الصناعة حرمة البقاء في تلك المواطن ووجوب الهجرة إلى المناطق المتعارفة مقدمة للاتيان بتلك الواجبات وعدم الاخلال بها. ونظير ذلك ركوب طائرة تعادل سرعتها سرعة حركة الارض، أي تسير حولها في أربع وعشرين ساعة وكانت متجهة من الشرق إلى الغرب، فان مثل هذا المسافر لا يزال في حالة واحدة لا يرى طلوعا للشمس ولا غروبا لها، فلو كان الاقلاع بعد ساعة من طلوع الشمس واستمر السير شهرا مثلا فالوقت عنده دائما هو ساعة بعد طلوع

[ 144 ]

الشمس لا يشاهد زوالا ولا غروبا ولا فجرا فلا جرم تفوته الصلوات في أوقاتها كما لا يتمكن من أداء الصوم. ومن ثم يحرم عليه مثل هذا السفر المستلزم لتفويت الفريضة وعدم التمكن من أدائها. ونظيره أيضا السفر إلى كرة القمر التي يكون كل من نهارها وليلها خمسة عشر يوما ويكون مجموع الشهر فيها يوما وليلة، فلا يتيسر الصوم ولا الصلوات الخمس في أوقاتها. وعلى الجملة بعد ما علمنا من الخارج ان الصلاة والصيام من أركان الدين ولا يسوغ تركهما في أي وقت وحين، والتبعية لافق آخر ليس عليها برهان مبين. إذا لم يكن بد لهؤلاء الاشخاص من الامتناع عن السفر إلى هذه المناطق والهجرة عنها لو كانوا فيها، إذ لا يجوز لهم تفويت الفريضة إختيارا. ولو فرض الاضطرار إلى السكنى في مثل هذه البلاد فالظاهر سقوط التكليف بالاداء والانتقال إلى القضاء لعدم الدليل على التبعية لبلده ولا للبلدان المتعارفة كما تقدم، فانه كيف يصلي المغرب والشمس بعد موجودة، أو الظهرين وهي تحت الافق وقد دخل الليل. وأما إحتمال الاكتفاء بصلاة يوم واحد وليلة واحدة في مجموع السنة فهو ساقط جدا، لخروج مثل هذا اليوم عن موضوع الادلة المتكفلة لوجوب الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، فان المنسبق منها هو اليوم الذي يكون جزءا من السنة، والذي قد يكون نهاره أطول من ليله، وقد يكون أقصر، وقد يتساويان، وربما يكون التساوي في تمام السنة كما في المدن الواقعة على خط الاستواء. وأما اليوم الذي يستوعب السنة فاللفظ منصرف عنه جزما، بل

[ 145 ]

لا يكاد يطلق عليه اليوم عرفا، فهو غير مشمول لموضوع الادلة. فالصحيح ما عرفت من عدم جواز السكنى في هذه البلاد اختيارا ومع الاضطرار يسقط الاداء وينتقل الامر إلى القضاء وان كان الاحتياط بالجمع بينه وبين الاتيان بالصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة مما لا ينبغي تركه.

[ 146 ]

[ فصل (في احكام القضاء) يجب قضاء الصوم ممن فاته بشروط وهي البلوغ والعقل والاسلام فلا يجب على البالغ ما فاته أيام صباه (1) ] (1) هذا الحكم من القطعيات بل الضروريات الغنية عن تجشم الاستدلال بداهة ان القضاء لو كان واجبا على الصبيان بعد بلوغهم لاستقر عليه عمل المتشرعة وكان من الواضحات الاولية ولامر به الاولياء والائمة عليهم السلام صبيانهم مع انه لم يرد أي أمر به حتى على سبيل الاستحباب. على انه لا مقتضي له حتى مع الغض عن ذلك. فانه سبحانه قسم المكلفين في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام.. الخ) إلى ثلاثة أقسام: قسم يجب عليه الاداء وهو الصحيح الحاضر الذي وضع عليه قلم التكليف - طبعا - وقسم يجب عليه القضاء، وهو المريض أو المسافر، وقسم ثالث يجب عليهم الفداء وهم الذين لا يطيقون الصوم. ومعلوم ان الصغير خارج عن هذه العناوين، فان القلم مرفوع عنه حتى يحتلم. ثم قد ثبت بالادلة القاطعة الحاق جمع بالمريض والمسافر في وجوب القضاء، كمن ترك الصوم عامدا أو ناسيا أو جاهلا عن عذر أو غير عذر بحيث كان المقتضي ثابتا في حقه، غير انه لم يصم لمانع أما مع الاثم أو بدونه. وأما الصغير فلم ينهض أي دليل على وجوب قضائه بعد ما بلغ ومقتضى الاصل البراءة عنه.

[ 147 ]

[ نعم يجب قضاء اليوم الذي بلغ فيه قبل طلوع فجره (1) أو بلغ مقارنا لطلوعه إذا فاته صومه، وأما لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار فلا يجب قضاؤه وان كان أحوط (2). ] (1) بلا إشكال فيه ولا خلاف لاندراجه بذلك تحت قوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام... الخ) فإذا كان بالغا مأمورا بالصوم ولم يصم وجب عليه القضاء بطبيعة الحال سواء أكان البلوغ مقارنا للطلوع أم سابقا عليه لوحدة المناط. (2) مورد هذا الاحتياط ما لو أفطر أثناء النهار، إما قبل البلوغ أو بعده، وأما إذا لم يفطر بل صام استحبابا فبلغ في النهار وأتم صومه فمثله لا يحتمل في حقه القضاء بتاتا لانه ان كان مكلفا بالاداء فقد امتثله حسب الفرض وإلا فلا قضاء عليه حتى واقعا فمورد الاحتياط غير هذه الصورة جزما. هذا والظاهر عدم وجوب القضاء سواء تناول المفطر قبل البلوغ أم بعده، لعدم صدق الفوت بعد أن كان الصوم واجبا وحدانيا ارتباطيا محدودا ما بين الطلوع إلى الغروب. وهذا لم يكن مكلفا به ولو باعتبار فقد شرط البلوغ في جزء منه. فإذا لم يكن مكلفا بالصوم ولم يشمله الخطاب في قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام.. الخ) فلم يفت عنه أي شئ. ومعه لا موضوع لوجوب القضاء لو كان قد تناول المفطر كما لادليل على وجوب الامساك بعد بلوغه لو لم يكن متناولا. وعلى تقدير الالتزام بوجوب الامساك فلا دليل على وجوب قضائه، فان الثابت بحسب الادلة إنما هو قضاء الصوم لاقضاء الامساك الواجب

[ 148 ]

[ ولو شك في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده (1) فمع الجهل بتاريخهما لم يجب القضاء وكذا مع الجهل بتاريخ البلوغ وأما مع الجهل بتاريخ الطلوع بان علم انه بلغ قبل ساعة مثلا ولم يعلم انه كان قد طلع الفجر أم لا فالاحوط القضاء ولكن ] عليه خلال بضع ساعات وان لم يكن صوما، فالاحتياط المزبور وان كان حسنا هنا إلا أنه غير لازم المراعاة حسبما عرفت. (1) قد يفرض الشك في تاريخ كل من البلوغ والطلوع، وأخرى يكون أحدهما معلوم التاريخ. أما في صورة الجهل بالتاريخين فلا مجال لشئ من الاستصحابين، أما لعدم المقتضى لجريانهما كما هو خيرة صاحب الكفاية (قده) أو لوجود المانع وهو التعارض الموجب للتساقط وعلى التقديرين فلم يحرز تكليفه بالصوم ليجب القضاء لو أفطر ومقتضى الاصل البراءة عنه. وأوضح حالا ما لو كان تاريخ الفجر معلوما لجريان استصحاب عدم البلوغ إلى ما بعد الطلوع المنتج لعدم الوجوب من غير معارض وأما لو انعكس الامر فكان تاريخ البلوغ معلوما دون الطلوع. فبناء على ما هو الحق من عدم الفرق في تعارض الاستصحابين في الحادثين المتعاقبين بين الجهل بالتاريخين، أو العلم بأحدهما نظرا إلى أن المعلوم وان لم يجر فيه الاستصحاب بالنظر إلى عمود الزمان لعدم الشك فيه، إلا انه بالقياس إلى الزمان الواقعي للحادث الآخر فهو طبعا مشكوك التقدم عليه والتأخر عنه فلا مانع من جريان الاستصحاب بهذه العناية، ولا أساس للتفصيل بين المعلوم والمجهول كما فصلنا البحث حوله مستقصى في الاصول.

[ 149 ]

[ في وجوبه اشكال، وكذا لا يجب على المجنون ما فات منه أيام جنونه (1). ] فعلى هذا المبنى جرى عليه حكم مجهولي التاريخ وقد تقدم. وأما على المبني الآخر والالتزام بعدم الجريان في المعلوم بتاتا فاستصحاب عدم طلوع الفجر إلى ما بعد البلوغ وان كان سليما وقتئذ عن المعارض إلا أنه لاأثر له، إذ لا يثبت به كونه بالغا حال الفجر ليجب عليه الصوم ويجب قضاؤه لو فاته فانه من أوضح أنحاء الاصول المثبتة التي لانقول بحجيتها. فالاستصحاب المزبور غير جار في نفسه. ومعه كانت أصالة البراءة عن وجوب القضاء محكمة. والحاصل ان الاثر مترتب على البلوغ حال الفجر لاعلى عدم الفجر حال البلوغ، ولا يكاد يثبت الاول بالاستصحاب الجاري في الثاني إلا على القول بالاصل المثبت. فتحصل ان في شئ من فروض الشك لا يجب القضاء، وانما يجب فيما إذا أحرز البلوغ قبل الفجر أو عنده وقد افطر أو لم ينو الصوم (1) الدليل عليه هو الدليل المتقدم تقريره في الصبي حيث عرفت ان المستفاد من الآية المباركة ان المفروض في حقه الصوم اداء أو قضاء هو الذي كتب عليه الصيام، فغير المكتوب عليه لصغر أو جنون خارج عن الحكمين. نعم ثبت بدليل خاص وجوب القضاء في طائفة من غير المكلفين كالنائم والغافل والناسي ونحوهم الكاشف عن فوات الملاك عنهم وكفايته في وجوب القضاء عليهم وان لم يتعلق الامر بهم. وأما من لم يكن مكلفا ولم يثبت القضاء في حقه بدليل خارجي كالمجنون فلا مقتضى

[ 150 ]

[ من غير فرق بين ما كان من الله أو من فعله على وجه الحرمة أو على وجه الجواز (1) وكذا لا يجب على المغمى عليه سواء نوى الصوم قبل الاغماء أم لا (2)، ] لوجوب القضاء عليه سيما بعد ملاحظة ان العقل - كالبلوغ - مما له دخل في ملاك التكليف على ما يفصح عنه قوله عليه السلام: أول ما خلق الله العقل قال له: اقبل فاقبل، ثم قال له: ادبر فادبر، فقال: بك أثيب وبك أعاقب، وغير ذلك مما دل على اشتراطه به وارتفاع القلم عن فاقده. وبعبارة أخرى القضاء أما بالامر الاول أو بأمر جديد، فان كان الاول فلم يتعلق أمر بالمجنون حال جنونه ليجب قضاؤه، وان كان الثاني، فبما ان موضوعه الفوت ولم يفت عنه شئ لاخطابا ولا ملاكا بعد كون العقل شرطا في التكليف ودخيلا في المقتضى ولم يقم عليه دليل من الخارج. إذا لا مقتضي للقضاء بتاتا، سواء أقلنا بوجوبه على المغمى عليه أم لا. فلا يناط الحكم به ولا يكون مترتبا عليه. (1) لوحدة المناط في الكل بعد اطلاق الدليل، وعدم وجوب حفظ شرط التكليف، فانه بالاخرة مجنون بالفعل مرفوع عنه القلم وان حصل بتسبيبه المحرم فانه كالتسبيب إلى الموت، فكما ان الميت لا تكليف عليه وان كان موته بانتحاره فكذا لوجن المجنون باختياره. (2) خلافا لما نسب إلى جماعة من التفصيل بين ما كان مسبوقا بالنية وما لم يكن فيقضى في الثاني. وكأنه مبني على ما تقدم من عدم اشتراط الصوم بعدم الاغماء. فانه بناء عليه وان حال الاغماء حال النوم لا حال الجنون، غايته انه

[ 151 ]

نوم شديد لا يستيقظ بسرعة وقد كان مسبوقا بالنية صح صومه، ولم يكن أي موجب للقضاء، فانه كمن نوى الصوم ونام ولم يستيقظ إلا بعد الغروب أو قبله الذي لاقضاء عليه بلا كلام. وهذا خارج عن محل البحث. وأما بناء على الاشتراط كعدم الجنون، أو لم يكن ناويا للصوم قبل الاغماء، كما لو أغمي عليه من الليل واستمر إلى النهار، أو كان ناويا ولم تكن نيته نافعة كما لو أغمي عليه قبل الغروب من آخر شعبان واستمر إلى الغد حيث ان النية قبل شهر رمضان لا أثر لها جزما، وجامعه كل مورد حكم بعدم تحقق الصوم من المغمى عليه أما لخلل في النية أو لاشتراط الصوم بعدم الاغماء. فان هذا هو محل الكلام في وجوب القضاء. فربما يقال بالوجوب: تارة من أجل اندراجه في موضوع المريض فيشمله كل ما دل على وجوب القضاء عليه من الكتاب والسنة. وأخرى باستفادته مما دل على وجوب قضاء الصلوات الفائتة منه. وهذان الوجهان لا يرجعان إلى محصل وان صدرا من مثل العلامة على جلالته ومقامه لوضوح ان المغمى عليه يغاير عنوانه مع عنوان المريض عرفا. وعلى تقدير كونه منه فالروايات الخاصة الآتية صريحة في عدم وجوب القضاء، فتكون تخصيصا في أدلة المريض. وأما قياس الصوم بالصلاة ففيه أولا عدم ثبوت الحكم في المقيس عليه، فان الصلاة أيضا لا يجب قضاؤها على المغمى عليه كالصوم للنصوص الكثيرة المعتبرة الصريحة في ذلك، ولاجلها يحمل ما دل على

[ 152 ]

القضاء على الاستحباب جمعا. وثانيا لو سلم فلا ملازمة بينهما بعد أهمية الصلاة في الشريعة المقدسة. فلا موجب لقياس الصوم عليها. وثالثا على تقدير الملازمة فتكفينا الروايات الخاصة الناطقة بعدم القضاء في الصوم وهي كثيرة وجملة منها معتبرة. منها صحيحة أيوب بن نوح قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته أم لا؟ فكتب عليه السلام: (لا يقضى الصوم ولا يقضى الصلاة) (1) وصحيحة علي بن مهزيار قال: سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب عليه السلام: (لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة) (2). ونحوهما غيرهما. نعم بازائها روايتان: إحداهما: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام انه سأله عن المغمى عليه شهرا أو أربعين ليلة، قال: فقال: إن شئت أخبرتك بما آمر به نفسي وولدي ان تقضى كل ما فاتك (3) ولكنها منصرفة عن الصوم، إذ لا يكون أربعين يوما، فان دلت على وجوب القضاء فانما تدل عليه في الصلاة فحسب. ثانيتهما: ما رواه الشيخ عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يقضي المغمي عليه ما فاته) (4).


(1) الوسائل باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 (2) الوسائل باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 18 (3) الوسائل باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 4 (4) الوسائل باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 5

[ 153 ]

ولكن دلالتها إنما هي بالاطلاق القابل للتقييد. على أن السند ضعيف لضعف طريق الشيخ إلى ابن البختري. وكيفما كان فلو فرضنا صحة الروايتين وورودهما في خصوص الصوم لم يكن بد من حملهما على الاستحباب لصراحة النصوص المتقدمة في عدم الوجوب. ثم ان من جملة النصوص الدالة على عدم القضاء صحيحة علي بن مهزيار انه سأله يعني أبا الحسن الثالث عليه السلام عن هذه المسألة، يعني مسألة المغمى عليه، فقال: (لا يقضى الصوم ولا الصلاة وكلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر) (1). وههنا بحث قد تقدم الكلام حوله مستوفي في كتاب الصلاة، وهو ان عدم القضاء هل يختص بما إذا كان الاغماء مستندا إلى غلبة الله تعالى وخارجا عن اختيار المكلف أو يعمه وما استند إلى اختياره كما هو الحال في الجنون. فقد يقال بالاول نظرا إلى انصراف الاخبار إليه، ودلالة الصحيحة المشار إليها عليه باعتبار استفادة العلية المنحصرة منها ولكنك عرفت منع الاستفادة وان التقييد بغلبة الله مبني على أن الغالب في الاغماء هو ذلك لا الدلالة على العلية المنحصرة، فغايته انها لا اطلاق لها بحيث لو كان الدليل منحصرا بها لما أمكن الالتزام بالتعميم لا أنها تدل على الاختصاص وان كان موردها ذلك. فلا مانع إذا من الاخذ بالاطلاق في بقية الروايات. ودعوى الانصراف غير مسموعة وعهدتها على مدعيها. وكيفما كان فهذا البحث معنون في كتاب الصلاة، فبين قائل


(1) الوسائل باب 24 من أبواب من يصح منه الصوم ح 6

[ 154 ]

[ وكذا لا يجب على من أسلم عن كفر (1)، إلا إذا أسلم قبل الفجر ولم يصم ذلك اليوم فانه يجب عليه قضاؤه ] بالاختصاص، وقائل بالعدم ولم أر من تعرض له في المقام مع وحدة المناط والاشتراك في المستند فأما أن يلتزم بالاختصاص في كلا الموردين لاستظهار العلية المنحصرة أو لا يلتزم في شئ منهما، ولم يتضح وجه لتعرض الاصحاب له في ذاك الباب واهماله في المقام. (1) بلا خلاف فيه ولا إشكال. وهذا بناء على عدم تكليف الكفار بالفروع كما لم نستبعده وان كان على خلاف المشهور فظاهر لعدم المقتضى حينئذ للقضاء بعد عدم فوت الفريضة وعدم الدليل على فوات الملاك عنه. وأما بناء على المشهور من تكليفهم بالفروع كالاصول فيحتاج عدم وجوب القضاء إلى اقامة الدليل. ويدل عليه أولا السيرة القطعية، فان النبي الاكرم وكذا وصيه المعظم والمتصدين للامر من بعده لم يعهد منهم تكليف أحد ممن يتشرف بالاسلام بقضاء ما فاته من الصلاة أو الصيام. وثانيا طائفة من الاخبار وجملة منها معتبرة. منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام انه سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيام؟ قال: ليس عليه إلا ما أسلم فيه. وموثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام ان عليا كان يقول في رجل أسلم في نصف شهر رمضان: انه ليس عليه إلا ما يستقبل

[ 155 ]

وصحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام هل عليهم أن يصوموا ما مضى منه، أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر (1). ونحوها غيرها. فالحكم مما لا كلام فيه ولا غبار عليه. وإنما الكلام في ان الكافر هل هو مكلف بالقضاء وباسلامه يسقط عنه، أو أنه غير مكلف بخصوص هذا الفرع وان بنينا على تكليفه بساير الفروع كالاصول سواء أسلم أم بقي على كفره. المعروف هو الاول، واختار الثاني في المدرك وهو أول من ناقش في ذلك نظرا إلى أن التكليف بالقضاء كغيره مشروط بالقدرة، والكافر لا يتمكن منه أسلم أم لم يسلم. أما على الاول فواضح لدلالة النصوص على سقوط القضاء عنه باختيار الاسلام، وكذا على الثاني لعدم صحة العمل من الكافر واشتراط وقوعه في حال الاسلام، فهو غير قادر عليه في شئ من الحالتين، أما لسقوطه عنه أو لعدم صحته منه وما هذا شأنه لا يعقل تعلق التكليف به. وغير خفي ان كلامه هذا متين جدا. نعم يمكن أن يقال - بناء على تكليف الكفار بالفروع وتسليم قيام الاجماع عليه كما أدعى - ان الكافر وان لم يكن مكلفا بالقضاء بعد انقضاء شهر رمضان لامتناع توجيه الخطاب إليه كما ذكر إلا أن هذا الامتناع لاجل انتهائه إلى الاختيار باعتبار تمكنه من اختيار الاسلام في ظرف العمل فيصوم اداء: وان فاته فقضاء وقد فوته على نفسه بسوء اختياره. وقد تقرر


(1) الوسائل باب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 2، 4، 1

[ 156 ]

في محله ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. فهو لاجرم يستحق العقاب على تفويت الملاك الملزم على نفسه وان لم يكن مشمولا للخطاب: ولكنه يتوقف على إحراز وجود الملاك بعد سقوط الامر ليصدق التفويت بالاضافة إليه، وأني لنا باثباته بعد عدم السبيل إلى استكشافه من غير ناحية الامر المفروض سقوطه (1). وكيفما كان فلا إشكال في عدم وجوب القضاء على الكفار بعد الاسلام لما عرفت من الاخبار التي من أجلها يحمل الامر به الوارد في صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أسلم بعد ما دخل (من) شهر رمضان أيام (ما) فقال: ليقض ما فاته (2) على الاستحباب أو على محامل أخر كالمرتد كما فعله الشيخ (قده) وإلا فالحكم قطعي لا سترة عليه كما عرفت. هذا وربما يستدل لسقوط القضاء في المقام بالرواية المشهورة المعروفة من ان الاسلام يجب ما قبله ويهدم. ولكنها بعد الفحص التام والتتبع الكامل غير موجودة في كتب أحاديثنا جزما، ولا مأثورة عن أحد من المعصومين عليهم السلام قطعا، وانما هي مروية بغير طرقنا عن علي عليه السلام تارة وعن النبي صلى الله عليه وآله أخرى. نعم رويت في بعض كتبنا مرسلا كمجمع البحرين وغوالي اللئالي عنه صلى الله عليه وآله ومجرد كونها مشهورة في كتب المتأخرين - فان كتب السابقين أيضا خالية عنها - لا يستوجب اعتبارها بوجه. إذا فالرواية لا أساس لها ولا تستأهل


(1) تقدم البحث حوله بنطاق أوسع في الجزء الخامس من كتاب الصلاة. (2) الوسائل باب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 5.

[ 157 ]

[ ولو أسلم في أثناء النهار لم يجب عليه صومه وان لم يأت بالمفطر ولا عليه قضاؤه (1) من غير فرق بين ما لو أسلم قبل الزوال أو بعده. وان كان الاحوط القضاء إذا كان قبل الزوال (2). ] بحثا حولها. والعمدة انما هي النصوص الخاصة مضافا إلى السيرة القطعية حسبما عرفت. (1) بلا خلاف فيه ولا إشكال فيما لو أسلم بعد الزوال كما صرح به في صحيحة العيص المتقدمة النافية للصوم عن اليوم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر. وإنما الاشكال فيما لو أسلم قبل الزوال، فقد نسب إلى الشيخ وجوب الصوم حينئذ بعد تجديد النية لبقاء وقتها فيحسب له صوم هذا اليوم، ولو خالف ثبت عليه القضاء. وهو (قده) مطالب بالدليل، فان ظرف النية عند الفجر، وقيام الناقص مقام التام خلاف الاصل، ودليل التجديد خاص بالمسافر الذي يقدم أهله، ولا دليل على التعدي عن مورده. فمقتضى القاعدة عدم صحة الصوم منه اداء ولا وجوبه قضاء. على أن ذلك هو مقتضى اطلاق صحيحة العيص المتقدمة حيث تضمنت نفى القضاء إلا عن اليوم الذي أسلموا فيه قبل طلوع الفجر، فلا قضاء فيما لو أسلموا بعده سواء أكان قبل الزوال أم بعده، مع الافطار أم بدونه، فما ذكره (قده) لم يعرف له وجه صحيح. (2) مورد هذا الاحتياط ما لو أفطر قبل أن يسلم، أو لم يفطر ولم يجدد النية، أما لو جدد قبل أن يفطر فلا موضوع للاحتياط لانه

[ 158 ]

ان كان مأمورا بالصوم فقد فعل، وإلا فلم يفت عنه شئ كي يقضيه. فعبارة المتن لا تستقيم على اطلاقها، وقد تقدم نظيره في الصبي. بقي هنا شئ وهو أنه بعد الفراغ عن عدم وجوب القضاء ولا الاداء لليوم الذي أسلم فيه سواء أكان قبل الزوال أم بعده بمقتضى إطلاق صحيحة العيص الناطقة بانه يكلف بالصوم فيما إذا أسلم قبل الفجر كما مر. فهل يجب عليه الامساك بقية النهار تأدبا وان لم يكن مأمورا بالصوم؟ لا يبعد القول بالوجوب بناء على تكليف الكفار بالفروع كالاصول كما عليه المشهور حتى لو أسلم بعد الزوال فضلا عما قبله نظرا إلى أنه حال الكفر كان مأمورا بالصوم كبقية الفروع وكان مقدورا له بالقدرة على مقدمته وهي اختيار الاسلام. غايته انه عصى فبطل منه الصوم، والصوم الباطل محكوم صاحبه بوجوب الامساك بقية النهار كما استفيد من الروايات السابقة. ومن المعلوم ان نصوص المقام لا تنفي ذلك بداهة أنها ناظرة إلى حكمه من حيث الصوم بما هو صوم، لامن حيث وجوب الامساك الذي هو حكم تكليفي محض. نعم بناء على ما هو الاصح من عدم تكليفهم الا بالاصول لم يجب الامساك المزبور، إذ لم يكن مخاطبا بالصوم حال الكفر حسب الفرض. فتركه الصيام إلى زمان الاسلام لم يتضمن مخالفة لتكليف شرعي، وبعد ما أسلم لم يكن مأمورا بصوم هذا اليوم حسب الفرض أيضا. ومن البين ان دليل وجوب الامساك تعبدا خاص بمن وجب عليه الصوم وأبطله، أو لم يتم في حقه. أما من لم يكن مكلفا به من الاول كما لو بلغ الصبي أثناء النهار فلا دليل على وجوب الامساك بالاضافة إليه.

[ 159 ]

[ (مسألة 1) يجب على المرتد قضاء ما فاته أيام ردته سواء كان عن ملة أو فطرة (1). ] وبالجملة فعلى المسلك المشهور ينبغي القول بوجوب الامساك بقية النهار حتى لو كان اسلامه قبل الغروب بساعة أو أقل، لكونه مكلفا بالصوم من الاول وقد تركه باختياره حسبما عرفت. (1) بلا خلاف فيه، واستدل له في الجواهر بعموم (من فاتته فريضة فليقضها) ولكنه مرسل لم يذكر الا في بعض الكتب الفقهية والظاهر أنه لا أساس له. نعم ورد في باب الصلاة انه: (يقضى ما فاته كما فاته.. الخ) (1) ولكنه أجنبي عن محل الكلام، ولم نعثر على رواية معتبرة تتضمن الامر بقضاء ما فات بصورة عامة بحيث تشمل الصوم الفائت مطلقا ليتمسك بها في المقام. إذا فعمدة المستند في وجوب القضاء على المرتد شمول أدلة التكاليف له كغيره من المسلمين. فكما انهم مأمورون بالصلاة والصيام وغيرهما من ساير الاحكام، وبالقضاء لدى فواتها فكذا المرتد بعد قدرته على امتثالها بأن يتوب ويرجع إلى ما كان عليه. والنزاع المعروف في ان الكفار مكلفون بالفروع كالاصول أولا غير جار في المرتد يقينا، إذ لا موجب ولا وجه كما لا قائل بسقوط التكليف بالارتداد، بل هو مكلف فعلا كما كان مكلفا بالفروع سابقا بمقتضى اطلاقات الادلة، حتى الفطري منه بناء على ما هو الصحيح من قبول توبته واقعا وان لم تقبل ظاهرا، بمعنى ان آثار الارتداد من القتل وبينونة الزوجة وتقسيم التركة بين الورثة لن ترتفع بالتوبة،


(1) الوسائل باب 6 من ابواب قضاء الصلوات ح 1.

[ 160 ]

وأما فيما بينه وبين ربه فلا مانع من قبول توبته وغفران زلله؟ مع عظيم جرمه وذنبه، فان عفو ربه أعظم ورحمته أشمل وأتم، فيكون وقتئذ مشمولا للاحكام الاسلامية كما كان مأمورا بها سابقا بعد ان كان قادرا عليها بالقدرة على مقدمتها وهي التوبة حسبما عرفت. وأما المرتد الملي فالامر فيه أوضح لقبول توبته ظاهرا وواقعا، فانه يستتاب ثلاثة أيام، فان تاب كان كساير المسلمين وإلا قتل. إذا فالمرتد بقسميه وغيره سيان تجاه الاحكام الشرعية التي منها القضاء اما وحده أو مع الكفارة حسب اختلاف الموارد بمقتضى اطلاق الادلة فانها غير قاصرة الشمول له. وما في الحدائق (1) من زعم القصور بدعوى انه فرد نادر ينصرف عنه الاطلاق كما ترى. بداهة ان الفرد النادر لا يختص به المطلق، فلا يمكن تنزيله عليه لا انه لا يشمله، إذ لا مانع من شمول المطلق حصصا وأصنافا يكون بعضها نادر التحقق. وعليه فكل من وجب عليه الصوم ومنه المرتد بمقتضى الاطلاق تجب عليه الكفارة والقضاء لو افطر متعمدا أو القضاء فقط كما في موارد أخر. بل يجب القضاء على المرتد وان لم يرتكب شيئا من المفطرات لعدم كونه ناويا للصوم الذي هو أمر عبادي يعتبر قصده على الوجه الشرعي، حيث عرفت سابقا ان الاخلال بالنية أيضا من موجبات القضاء، فانه وان لم يتضمن اخلالا بذات الصوم ولكنه اخلال بالصوم المأمور به كما ورد النص في بعض موارده التي منها: من صام يوم الشك بنية رمضان.


(1) ج 13 ص 297.

[ 161 ]

[ (مسألة 2) يجب القضاء على من فاته لسكر (1) من غير فرق بين ما كان للتداوي أو على وجه الحرام. ] وكيفما كان فلا تحتاج المسألة إلى مزيد بينة وبرهان بعد أن كان المرتد وغيره سيان في المشمولية للاحكام من غير دليل مخرج عدا توهم شمول النصوص النافية للقضاء عن الكافر متى أسلم للمقام الذي لا ريب في فساده بعد وضوح انصرافها إلى الكافر الاصلي الذي يحدث فيه الاسلام، لا مثل المقام الذي مورده الرجوع إلى الاسلام لا حدوثه فيه فانه غير مشمول لتلك الاخبار كما لا يخفى. وما في الحدائق أيضا من عدم تمكن المرتد من القضاء لكونه محكوما بالقتل أما ابتداء كالفطري، أو بعد الاستتابة ثلاثة أيام كالملي فكيف يمكن تكليفه به. مردود بما لا يخفى، لوضوح ان المحكومية أعم من الوقوع فربما لا يتحقق القتل خارجا لعدم السلطة عليه كما في زماننا فيبقى سنين. أو يفرض الكلام في المرأة التي لا تقتل بالارتداد بل تحبس وتضرب ويضيق عليها حتى ترجع إلى الاسلام. وعليه فحال المرتد حال غيره ممن اشتغلت ذمته بالقضاء في وجوب تفريغها عنه مع التمكن، فان بقي حيا وجب، وان قتل سقط عنه لا لعدم المقتضى بل لوجود المانع وهو العجز إذ لا تكليف بعد القتل. (1) يظهر الحال هنا مما تقدم في الاغماء. فانا إذا بنينا على أن السكر كالاغماء لا ينافي الصوم وان حاله حال النوم فلا اشكال في الصحة فيما إذا كان مسبوقا بالنية. ومعه لم يفت عنه شئ كي يجب قضاؤه كما هو واضح.

[ 162 ]

[ (مسألة 3) يجب على الحائض والنفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض والنفاس وأما المستحاضة فيجب عليها الاداء وإذا فات منها فالقضاء (1). (مسألة 4) المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته وأما ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه (2). ] وأما إذا بنينا على المنافاة وان السكر مانع كالجنون كما هو الاظهر فلا جرم يبطل صومه ولا أثر لسبق النية سواء أكان معذورا فيه كما أو شربه قبل الفجر خطأ أو للتداوي أم كان آثما، فإذا بطل وجب قضاؤه كما في غيره من ساير الموانع على ما يستفاد من عدة من الاخبار من ان من كان مأمورا بالصوم ولم يصم أو أتى به على غير وجهه وجب عليه القضاء ولم ينهض دليل في المقام على أن السكران لا يقضى، كما ثبت مثله في المجنون والمغمى عليه حسبما تقدم. (1) بلا خلاف في شئ من ذلك نصا وفتوى. وقد دلت عليه النصوص الكثيرة حسبما مر التعرض إليها في محله من كتاب الطهارة (2) تقدم الكلام حول ذلك مستقصى في مباحث القضاء من كتاب الصلاة، وعرفت ان المخالف قد يأتي بوظيفته من صلاة أو صيام على طبق مذهبه، ولا شك حينئذ في عدم وجوب القضاء عليه بعد ما استبصر، والحكم وقتئذ بصحة جميع أعماله الصادرة منه وان كانت محكومة عندنا بالفساد في ظرفها، وانه يندرج بذلك تحت عموم قوله سبحانه: (أولئك الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات) وقد دلت عليه السيرة القطعية مضافا إلى النصوص المستفيضة. وأخرى يأتي بما يراه فاسدا في مذهبه بحيث يرى نفسه مشغول

[ 163 ]

الذمة وكأنه لم يفعل سواء أكان صحيحا في مذهبنا أم لا، والظاهر قصور النصوص عن الشمول لمثله، بل لا ينبغي التأمل فيه لانصراف مورد السؤال في تلك الاخبار إلى المخالف الذي يرى نفسه فارغ البال لو لا الاستبصار. وأما دون ذلك فهو كمن لم يصل أصلا بحيث كان فاسقا في مذهبه خارج عن مدلول تلك النصوص ومحكوم عليه بوجوب القضاء على المعروف المشهور بل المتسالم عليه عند الاصحاب أخذا باطلاق دليله. نعم يظهر من رواية الشهيد عدم الوجوب حيث روى في الذكرى نقلا من كتاب الرحمة لسعد بن عبد الله مسندا عن رجال الاصحاب، عن عمار الساباطي قال: قال سليمان بن خالد لابي عبد الله عليه السلام وانا جالس: إني منذ عرفت هذا الامر أصلي في كل يوم صلاتين أقضي ما فاتني قبل معرفتي؟ قال: (لا تفعل فان الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة) (1). ولكنها ضعيفة السند جدا لجهالة طريق الشهيد الى كتاب سعد بن عبد الله ولم توجد في غيره من كتب الاخبار، أضف إلى ذلك جهالة الرجال المتخللين ما بين سعد وعمار، فهي إذا ساقطة عن درجة الاعتبار، ولا يمكن التعويل عليها في الخروج عن مقتضى القواعد. وعلى الجملة مورد النصوص المتقدمة امضاء الاعمال السابقة على سبيل الشرط المتأخر وانها محكومة بالصحة على تقدير التعقب بالاستبصار فلا يجب عليه القضاء. وأما تصحيح عمل لم يأت به أصلا لعذر أو لغير عذر، أو أتى به فاسدا بحيث كان عنده في حكم العدم كي لا يجب قضاؤه كما في


(1) الوسائل باب 31 من ابواب مقدمة العبادات ح 4

[ 164 ]

[ (مسألة 5) يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم بان كان نائما قبل الفجر إلى الغروب من غير سبق نية (1) وكذا من فاته للغفلة كذلك. (مسألة 6) إذا علم انه فاته أيام من شهر رمضان ودار بين الاقل والاكثر (2) يجوز له الاكتفاء بالاقل ولكن ] الكافر فلم ينهض عليه أي دليل والنصوص المزبورة لا تقتضيه حسبما عرفت. (1) لبطلان الصوم غير المسبوق بالنية فوجب قضاؤه، أما مع السبق فلا يضر النوم لعدم منافاته مع عبادية الصوم كما تقدم. ثم انه في فرض عدم السبق لا حاجة في الحكم بالبطلان والقضاء إلى فرض استمرار النوم إلى الغروب كما صنعه في المتن، بل يكفي فيه الانتباه عند الزوال لعدم الدليل على جواز تجديد النية بعد الزوال في صوم الفريضة بلا إشكال، بل وكذا قبله على الاصح، بناء على ما عرفت سابقا من أن تجديد النية والاجتزاء بالناقص بدلا عن الكامل خلاف الاصل يقتصر فيه على مورد قيام الدليل كالمسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال ولم يحدث شيئا، وأما غيره ومنه المقام فهو باق تحت مقتضى الاصل الذي نتيجته البطلان حسبما عرفت. وعليه فيكفى مع عدم سبق النية الانتباه بعد الفجر ولو آنا ما لفوات محل النية حينئذ المستلزم للبطلان والقضاء وان وجب الامساك بقية النهار عليه ما تقدم. (2) لا يخفى ان هذا الترديد قد يستند إلى الشك في موجب القضاء وهو الافطار، أما عن غير عذر كما لو علم انه أفطر في عهد

[ 165 ]

[ الاحوط قضاء الاكثر خصوصا إذا كان الفوت لمانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك وكان شكه في زمان زواله كأن يشك في انه حضر من سفره بعد أربعة أيام أو بعد خمسة أيام مثلا من شهر رمضان. ] شبابه أياما مرددة بين الاقل والاكثر، أو عن عذر كما لو أكل مع الشك في طلوع الفجر اعتمادا على استصحاب الليل ثم انكشف الخلاف، وقد تكررت منه هذه الحادثة ولم يعلم عددها. واخرى يستند إلى الشك في مقدار ما هو المانع عن الصحة الموجب للفوت من سفر أو مرض ونحوهما. أما الاول فلا ريب ان المرجع فيه الاصل الموضوعي وهو أصالة عدم الافطار، وعدم حدوث تلك الحادثة زائدا على المقدار المتيقن، كما لو كان الشك في أصل الافطار. ومع الغض عنه فيرجع إلى الاصل الحكمي، أعني أصالة البراءة عن القضاء للشك في موضوعه وهو الفوت زائدا على المقدار المعلوم، كما هو الشأن في كل واجب دائر بين الاقل والاكثر، ولا سيما غير الارتباطيين منه كما في المقام. هذا وقد يقال ان الرجوع إلى البراءة انما يتجه فيما إذا كان المشكوك فيه هو التكليف الواقعي غير المنجز، وأما لو تعلق الشك بتكليف منجز بمعنى انا احتملنا تكليفا لو كان ثابتا واقعا لكان منجزا كما في الشبهات الحكمية قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الاجمالي، فان المرجع في مثله قاعدة الاشتغال بلا إشكال لعدم المؤمن في تركه. والمقام من هذا القبيل لان الزائد المشكوك فيه لو كان ثابتا واقعا

[ 166 ]

لكان معلوما في ظرفه فكان منجزا طبعا بالعلم. إذا فمتعلق الاحتمال هو التكليف المنجز الذي هو مورد لاصالة الاشتغال دون البراءة فيجب عليه الاحتياط إلا إذا كان عسرا فيتنزل عندئذ من الامتثال القطعي إلى الظني كما نسب إلى المشهور من ذهابهم إلى التصدي للقضاء بمقدار يظن معه بالفراغ. ويندفع بان هذه مغالطة واضحة ضرورة ان مورد الاشتغال انما هو احتمال التكليف المنجز بالفعل كالمثالين المذكورين لا ما كان منجزا سابقا وقد زال عنه التنجيز فعلا، فان صفة التنجيز تدور مدار وجود المنجز حدوثا وبقاء. ومن ثم لو تبدل العلم بالشك الساري سقط عن التنجيز بالضرورة فلو كان عالما بالنجاسة ثم انقلب إلى الشك فيها لم يكن مانع من الرجوع إلى قاعدة الطهارة أو استصحابها. والمفروض في المقام زوال العلم السابق لو كان وتبدله بالشك. فمتعلق الاحتمال ليس الا تكليفا غير منجز بالفعل جزما، إذ لا أثر للتنجيز السابق الزائل ومن هنا لا يشك أحد في الرجوع إلى البراءة عن المقدار الزائد على المتيقن فيما لو استدان زيد من عمرو مبلغا سجلاه في دفترهما عند الاستدانة ثم ضاع الدفتر ونسيا المبلغ، وتردد بين الاقل والاكثر مع ان الزائد على تقدير ثبوته كان منجزا سابقا لفرض العلم به في ظرف الاستدانة وليس ذلك إلا لما عرفت من ان المانع من الرجوع إلى البراءة إنما هو احتمال التكليف المنجز فعلا لاما كان كذلك سابقا كما هو ظاهر جدا. وعلى الجملة فلم يتعلق الاحتمال في المقام بالتكليف المنجز، بل بتكليف لعله كان منجزا سابقا ومن البين ان العبرة في جريان الاصل

[ 167 ]

بحال المكلف حال الجريان لا فيما تقدم وانصرم. وأما الثاني: أعني الشك من جهة المانع فقد يكون من أجل الشك في زمان حدوثه، وأخرى في مقدار بقائه وزمان زواله وارتفاعه. أما الاول: كما لو علم انه رجع عن السفر أو برئ من المرض في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان مثلا وشك في مبدء السفر أو المرض وانه كان اليوم الثامن عشر ليكون الفائت منه خمسة أيام أو العشرين ليكون ثلاثة فلا ريب في الرجوع حينئذ إلى الاصل الموضوعي النافي للقضاء وهو استصحاب عدم السفر، أو عدم المرض قبل يوم العشرين فان موضوع وجوب الصوم في أيام أخر هو المريض والمسافر فباستصحاب عدمهما ينتفي الحكم. (وبعبارة أخرى) ان مقتضى الاستصحاب ان الصوم كان واجبا عليه قبل يوم العشرين والمفروض علم المكلف بأنه قد صام كل ما كان واجبا عليه فلا موجب للقضاء. كما هو الحال لو تعلق الشك بأصل السفر أو المرض لا بكميتهما المنفي بالاصل بالضرورة. ومع الغض عن ذلك فيكفينا الاصل الحكمي وهو اصالة البراءة عن وجوب القضاء بعد الشك في موضوعه وهو الفوت زائدا على المقدار المعلوم كما لو شك في أصل الفوت وانه هل سافر، أو هل مرض ليفوت عنه الصوم أو لا؟ الذي هو مورد لاصالة البراءة عن وجوب القضاء بلا خلاف فيه ولا إشكال. وهذا واضح. وأما الثاني أعني الشك من حيث البقاء وزمان الارتفاع كما لو علم انه سافر أو مرض يوم الثامن عشر وشك في أنه هل حضر أو برئ يوم العشرين ليكون الفائت منه يومين، أو الحادي والعشرين ليكون ثلاثة فلهذا الفرض الذي جعل الماتن الاحتياط فيه بقضاء الاكثر

[ 168 ]

آكد صورتان. إذ تارة يفرض العلم بأنه قد أفطر في سفره أو مرضه كما انه صام في حضره أو صحته. وأخرى يفرض انه قد صام في سفره ومرضه أيضا وان لم يكن مشروعا، فلا يدري ان الصوم الصادر منه باطلا المحكوم عليه بالقضاء هل كان يومين أو ثلاثة. فبالنتيجة يشك في صحة صومه في اليوم الثالث وفساده؟ مقتضى اطلاق عبارة المتن جواز الاقتصار على الاقل في الصورتين فلا يجب عليه قضاء الاكثر في شئ منهما. وربما يعلل بان استصحاب بقاء السفر أو المرض إلى اليوم الاخير المشكوك فيه وان كان مقتضيا لفوات الصوم فيه الموجب لقضائه، إلا أن قاعدة الصحة في الصورة الثانية كقاعدة الحيلولة في الصورة الاولى الحاكمتين على الاستصحاب تقتضيان البناء على وقوع الفريضة في ظرفها صحيحة فلا يعتنى بالشك في أصل الصوم، ولا بالشك في صحته بمقتضى هاتين القاعدتين. ومعه لا مقتضي لوجوب القضاء. ويندفع بما هو المقرر في محله من اختصاص مورد القاعدتين بما إذا كان الامر محرزا، وكان الشك في مرحلة الامتثال، وما يرجع إلى فعل المكلف من حيث انطباق المأمور به عليه وعدمه وانه هل امتثل في ظرفه، أو ان امتثاله هل كان صحيحا مستجمعا للاجزاء والشرائط أو كان فاسدا. وأما إذا كان الامر مشكوكا من أصله فكان احتمال الفساد مستندا إلى احتمال فقدان الامر، ففي مثله لا سبيل لاجراء شئ من القاعدتين.

[ 169 ]

ومن ثم لو شك بعد الصلاة في دخول الوقت أو بعد الغسل في كونه جنبا لم يمكن تصحيحهما بقاعدة الفراغ بلا إشكال. والمقام من هذا القبيل بداهة ان الصوم المأتي به في الصورة الثانية وان كان مشكوك الصحة والفساد إلا أن منشأ الشك إحتمال السفر أو المرض الموجبين لانتفاء الامر. فلم يكن الامر محرزا لكي يتمسك بما يعبر عنه بأصالة الصحة، أو بقاعدة الفراغ. وهكذا الحال في الصورة الاولى، فان قاعدة الحيلولة وان بنينا على جريانها في مطلق الموقتات وعدم اختصاصها بمورد النص وهو الصلاة كما هو غير بعيد إلا أنها أيضا خاصة بفرض ثبوت الامر ولم يحرز في المقام أمر بالصوم بعد احتمال كونه مريضا أو مسافرا في اليوم المشكوك فيه الذي مضى وقته ودخل حائل، ولم يدر انه هل صام فيه أو لا. ومن البين ان القاعدة ناظرة إلى امتثال الامر المتيقن لا إلى اثبات الامر في ظرفه. إذا ففي كلتا الصورتين لا يجري أي من القاعدتين، بل المرجع أصالة البراءة عن وجوب القضاء الذي هو بأمر جديد يشك في حدوثه زائدا على المقدار المتيقن. وبعبارة أخرى الامر الثابت في الوقت قد سقط بخروجه يقينا، وقد تعلق أمر جديد بعنوان القضاء، وحيث ان موضوعه الفوت وهو مردد بين الاقل والاكثر، فلا جرم يقتصر على المقدار المتيقن، ويدفع الزائد المشكوك فيه بأصالة البراءة. وقد يقال: إن أصالة البراءة محكومة باستصحاب بقاء السفر أو المرض حيث ان مقتضى قوله سبحانه: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر.. الخ) ان المريض والمسافر موضوع لوجوب القضاء. فاستصحاب المرض أو السفر يستوجب ترتيب هذا الاثر. ومعه

[ 170 ]

لا يبقى مجال لاصالة البراءة. وربما يجاب عنه: بان المرض أو السفر بنفسهما لا يقتضيان القضاء جزما، وان أخذا موضوعا له في ظاهر الآية الكريمة. ومن ثم لو صام المسافر جهلا، أو صام المريض باعتقاد عدم الضرر وهو يضره واقعا ضررا لا يبلغ حد الحرمة صح صومهما، فلا يحتمل ان يكونا بمجردهما موضوعين لوجوب القضاء على حد سائر الاسباب الشرعية كالاستطاعة لوجوب الحج ليترتب الاثر على استصحابهما كما يترتب المسبب على مجرد ثبوت السبب بالاصل. بل المستفاد من مجموع الآيات ولو بضم الروايات: ان من شهد الشهر وكان صحيحا حاضرا يجب عليه الصوم وغيره وهو المريض أو المسافر غير مأمور به فهو طبعا لا يصوم، فإذا لم يصم يجب عليه القضاء. فهو أي القضاء تدارك لترك الصوم في ظرفه لا انه عمل مستقل مترتب على المرض أو السفر وإلا لم يكن قضاء كما لا يخفى. وقد عبر بلفظ (القضاء) في جملة من الروايات. إذا فالموضوع للقضاء انما هو عدم الصوم حال السفر أو المرض لا نفسهما. وعليه فلا أثر لاستصحابهما، إذ لا يترتب عليه ترك الصوم في ذلك اليوم الذي هو الموضوع للاثر إلا على القول بالاصل المثبت. ويندفع بامكان إجراء الاصل في ذاك العنوان العدمي أيضا. فكما يستصحب السفر يستصحب عدم الصوم في ذلك اليوم للشك في انه هل كان حاضرا فصام، أو مسافرا فتركه، فيستصحب العدم ويترتب عليه الاثر بطبيعة الحال. فالصحيح أن يقال: ان الموضوع للقضاء ليس هو السفر أو المرض ولا مجرد الترك، وإنما هو عنوان الفوت على حذو باب الصلاة.

[ 171 ]

ومثله غير قابل للاحراز بالاستصحاب. وتوضيحه ان المستفاد من قوله سبحانه: (فعدة من أيام أخر) انه يصوم بعدد ما لم يصمه من أيام سفره أو مرضه، وقد عبر في بعض الاخبار عن القضاء بالصوم يوما بدل يوم فيعلم انه عوض عما فاته فلم يكن أثرا لمجرد السفر نفسه. كيف ولازمه وجوب القضاء على المغمى عليه، أو المجنون لو سافرا في شهر رمضان، فان ما دل على نفي القضاء عنهما غايته الدلالة على أن الترك المستند إلى الجنون أو الاغماء لا يستوجب القضاء، فلا مقتضى من هذه الناحية وهذا لا ينافي وجود مقتض آخر وهو السفر. فاللازم الحكم بالقضاء عليهما مع السفر دون الحضر وهو كما ترى. إذا فلم يكن السفر بمجرده وكذا المرض موضوعا للحكم جزما. وبما ان من المقطوع به ان المغمى عليه أو المجنون أو الصبي لا يجب عليهم القضاء وان سافروا، والمريض أو المسافر يجب عليه، فيستكشف من ذلك ان مجرد الترك أيضا لم يكن موضوعا. وانما الموضوع الوحيد هو الترك مع ثبوت المقتضى والمقرون بالملاك الملزم، وهو المعبر عنه بالفوت. ومن ثم لا يصدق في حق المجنون ونحوه لعدم المقتضي، ويصدق في المريض والمسافر لثبوته نظرا إلى تحقق الملاك الملزم المصحح لصدق عنوان الفوت وان لم يكن الخطاب فعليا. إذا فيكون حال الصوم حال الصلاة في ان الموضوع للقضاء فيهما انما هو عنوان الفوت الذي هو أمر وجودي أو كالوجودي لكونه من قبيل الاعدام والملكات. وعلى أي حال فلا يمكن اثباته بأصالة

[ 172 ]

[ (مسألة 7) لا يجب الفور في القضاء (1) ] العدم أو باستصحاب السفر أو المرض الا على القول بحجية الاصول المثبتة. فان تم ما استظهرناه والا فلا أقل من تطرق احتماله من غير برهان على خلافه الموجب لتردد الموضوع بعد الجزم بعدم كونه هو السفر بنفسه حسبما عرفت بين أن يكون امرا عدميا وهو عدم الاتيان بالواجب في ظرفه ليمكن احرازه بالاستصحاب أو عنوانا وجوديا وهو الفوت كي لا يمكن. ومعه لا سبيل أيضا لاجراء الاستصحاب كما لا يخفى. وعلى الجملة فالصوم والصلاة أما انهما من واد واحد في ان الموضوع للقضاء في كليهما هو الفوت كما لعله الاقرب حسبما استظهرناه، أو انه مجهول في الصوم لعدم ذكره في شئ من الادلة، ومن الجائز أن يكون هو الفوت في جميع موارده من المرض والسفر والحيض والنفاس ونحوها، وحيث لم يحرز ما هو الموضوع للحكم الشرعي فلا مجال طبعا للتمسك بالاستصحاب. فيكون المرجع عندئذ اصالة البراءة حسبما ذكره في المتن. (1) لاطلاقات الادلة من الكتاب والسنة الشاملة لصورة المبادرة وعدمها. مضافا إلى التصريح في جملة من الروايات بالقضاء في أي شهر شاء التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضه في أي شهر شاء) (1).


(1) الوسائل باب 26 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 5 *

[ 173 ]

[ ولا التتابع نعم يستحب التتابع فيه (1) وان كان أكثر من ستة لا التفريق فيه مطلقا أو في الزائد على الستة. ] وفي صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كن نساء النبي صلى الله عليه وآله إذا كان عليهن صيام اخرن ذلك إلى شعبان. إلى أن قال: فإذا كان شعبان صمن وصام معهن) (1) (1) للتصريح بجواز التفريق وبأفضلية التتابع في صحيحة عبد الله ابن سنان (2) مضافا إلى عمومات المسارعة والاستباق إلى الخير. وهذا من غير فرق فيه بين ما إذا كان القضاء أقل من ستة أيام أو أكثر لاطلاق الدليل. بل ان صحيحة الحلبي المتقدمة تضمنت الامر بالتتابع المحمول على الاستحباب لما تقدم وجعل الخيار لمن لم يستطع ومورده ما إذا كان الفائت كثيرا كما يدل عليه قوله (ع): وليحص الايام. فقوله (ع) فان فرق فحسن.. الخ ناظر إلى انه إذا لم يتمكن من التتابع في الجميع فله الخيار في القضاء بان يصوم يوما ويفطر يوما أو يصوم يومين مثلا ويفطر يوما. فهي دلت على أفضلية التتابع حتى في ما زاد الفائت على ستة أو ثمانية أيام. غير ان موثقة عمار تضمنت الامر بالتفريق حتى فيما إذا كان الفائت صوم يومين كما انها تضمنت النهي عن المتابعة فميا إذا كان أكثر من ستة أيام، وفي بعض النسخ أكثر من ثمانية (3) وقد حملها الشيخ على


(1) الوسائل باب 27 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 4 (2) الوسائل باب 26 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 4 (3) الوسائل باب 26 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 6

[ 174 ]

[ (مسألة 8) لا يجب تعيين الايام (1) فلو كان عليه أيام فصام بعددها كفى وان لم يعين الاول والثاني وهكذا بل لا يجب الترتيب أيضا فلو نوى الوسط أو الاخير تعين ويترتب عليه أثره. ] الجواز وهو بعيد جدا لمنافاته مع قوله: (ليس له.. الخ) كما لا يخفى. ونحوه ما صنعه في الوسائل من الحمل على ما تضعف قوته فانه بعيد أيضا. والصحيح لزوم رد علمها إلى أهلها لمعارضتها للنصوص الكثيرة المصرحة بجواز التتابع، بل أفضليته التي لاريب في تقديمها لكونها أشهر وأكثر. ومع الغض وتسليم التعارض والتساقط فيكفي في الجواز بل الاستحباب عمومات المسارعة والاستباق إلى الخير كما عرفت. وأما ما نسب إلى المفيد من لزوم التفريق مطلقا فلا تجوز المتابعة حتى في الاقل من الستة. فلو كان عليه يومان فرق بينهما بيوم لزوما فلم نجد عليه أي دليل وان علله في محكي المقنع بحصول التفرقة بين الاداء والقضاء فانه كما ترى. (1) لاطلاق الادلة من الكتاب والسنة النافي لاعتبار التعيين كمراعاة الترتيب بعد أن لم يكن الفائت متعينا في نفسه ومتميزا عن غيره وان تعدد سببه. فان ما اشتغلت به الذمة قد يكون متصفا بخصوصية بها يمتاز عن غيره وان شاركه في الصورة كالظهرين، والاداء والقضاء، ونافلة الفجر وفريضته وهكذا، ففي مثله لم يكن بد من تعلق القصد باحدى الخصوصيتين كي تتشخص وتتميز عن غيرها في مقام التفريغ فلا يكفيه

[ 175 ]

الاتيان بأربع ركعات بلا قصد الخصوصية، بل لو فعل كذلك لم يقع عن أي منهما بعد تكافؤ النسبتين وعدم ترجيح في البين. فلا جرم يقع باطلا. وقد لا يكون متصفا بأية خصوصية حتى في صقع الواقع وفي علم الله سبحانه، ولا يمتاز عن غيره إلا في مجرد الاثنينية وكونهما فردين من طبيعة واحدة، وجب أحدهما بسبب، والآخر بسبب آخر، كما لو استدان من زيد درهما ثم استدان منه درهما آخر، فان الثابث في الذمة أولا، لا مايز بينه وبين ما ثبت ثانيا ضرورة ان ما استدانه وان كان معينا إلا أن ما اشتغلت به الذمة في كل مرة هو كلي الدرهم المماثل بلا اعتبار خصوصية الاولية أو الثانوية فلا تلزمه في مقام الوفاء رعاية هذه الخصوصية بأن يقصد اداء ما اشتغلت به الذمة اولا، بل له تركها كما له قصد عكسها لما عرفت من عدم تعلق التكليف إلا بالكلي الطبيعي من غير امتياز في البين، ولا اختلاف بين الدينين إلا في ناحية السبب دون المسبب والمقام من هذا القبيل. نعم قد يمتاز أحدهما عن الآخر بأمر خارجي وأثر جعلي، كما لو جعل لاحد الدينين رهنا أو لاحد القضاءين نذرا فنذر من فاته يومان من شهر رمضان أن لا يؤخر قضاء اليوم الثاني عن شهر شوال مثلا ففي مثله لا مناص من تعلق القصد بماله الاثر في حصول ذلك الاثر وترتبه خارجا من فك الرهن أو الوفاء بالنذر، إذ لو أدى الدين أو قضى الصوم من غير قصد تلك الخصوصية فهو طبعا يقع عما هو اخف مؤنة وهو الطبيعي المنطبق قهرا على العاري عن تلك الخصوصية فلا يحصل به الفك ولا البر بالنذر. والحاصل انه لا امتياز في نفس الطبيعة في أمثال المقام وانما هو

[ 176 ]

[ (مسالة 9) لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا يجوز قضاء اللاحق قبل السابق (1) بل إذا تضيق اللاحق بان صار قريبا من رمضان آخر كان الاحوط تقديم اللاحق (2) ولو أطلق في نيته انصرف إلى السابق (3) ] لامر خارجي قد يكون وقد لا يكون، فلا يلزم قصد الخصوصية في سقوط الطبيعة نفسها وان احتج لها لتلك الجهة الخارجية. وهذا سار في كل طبيعة وجبت على المكلف لسببين من غير لحاظ قيد في البين من الواجبات التعبدية وغيرها. فانه يكفي في الامتثال تعلق القصد بنفس الطبيعة من غير لزوم رعاية الترتيب ولا قصد ما اشتغلت به الذمة اولا لخروج كل ذلك عن حريم المأمور به كما ذكرنا ذلك فيمن اتفق له موجبان أو أكثر لسجدتي السهو وما شاكل ذلك. (1) لعين المناط المتقدم في المسألة السابقة فلا حظ (2) رعاية للقول بالتضييق ووجوب البدار إلى القضاء قبل مجئ الرمضان الثاني. (3) هذا صحيح لكن لامن جهة الانصراف على حد انصراف اللفظ إلى معناه ضرورة عدم خصوصية لاحد الرمضانين بما هما كذلك كي تنصرف النية إليه حسبما تقدم بل لاجل ان الثاني يمتاز بخصوصية خارجية زائدة على نفس الطبيعة وهي التضييق على القول أو الكفارة وما لم يقصد يكون الساقط هو الطبيعي الجامع المنطبق طبعا على الفاقد لتلك الخصوصية الذي هو الاخف مؤنة وهو الرمضان الاول، إذ يصدق حقيقة عند مجئ الرمضان الآتي انه لم يقصد قضاء شهر رمضان

[ 177 ]

[ وكذا في الايام (1). (مسألة 10) لا ترتيب بين صوم القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب كالكفارة والنذر ونحوهما (2) نعم لا يجوز التطوع بشئ لمن عليه صوم واجب (3) كما مر ] من هذه السنة فتثبت عليه الكفارة. نظير ما تقدم من استدانة درهم ثم استدانة درهم آخر وله رهن حيث عرفت انه ما لم يقصد الثاني في مقام الوفاء لا يترتب عليه فك الرهن، وانما تفرغ الذمة عن طبيعي الدرهم المدين المنطبق طبعا على العاري عن خصوصية الرهن، إذ الساقط في كلا الموردين انما هو الكلي بما هو كلي لا بما فيه من الخصوصية بل هي تبقى على حالها. وهذا هو منشأ الانصراف في أمثال المقام. (1) أي فتنصرف النية فيها أيضا إلى السابق وهو وجيه لو تضمن اللاحق خصوصية بها تمتاز عن السابق على حذو ما مر وإلا فلا معنى للانصراف بعد أن لم يكن بينهما تمييز حتى واقعا وانما هما فردان من طبيعة واحدة كما تقدم. (2) لعدم الدليل عليه وان نسب إلى ابن أبي عقيل المنع من صوم النذر أو الكفارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان فانه غير ظاهر الوجه، والمتبع اطلاقات الادلة المطابقة لاصالة البراءة بعد فقد الدليل على شرطية الترتيب حسبما عرفت. (3) أما مطلقا أو خصوص قضاء شهر رمضان على الخلاف المتقدم الذي مر البحث حوله في المسألة الثالثة من فصل شرائط صحة الصوم فلاحظ.

[ 178 ]

[ (مسالة 11) إذا اعتقد ان عليه قضاء فنواه ثم تبين بعد الفراغ فراغ ذمته (1) لم يقع لغيره وأما لو ظهر له في الاثناء فان كان بعد الزوال لا يجوز العدول إلى غيره وان كان قبله فالاقوى جواز تجديد النية لغيره وان كان الاحوط عدمه. ] (1) قد يكون التبين بعد الفراغ عن الصوم، وأخرى أثناء النهار، وعلى الثاني قد يكون بعد الزوال، وأخرى قبله. أما في الاول فلا ريب في عدم وقوعه عن الغير لفقد النية المعتبرة في الصحة، فان أقسام الصوم حقائق متباينة لتهاين الآثار واختلاف الاحكام وان اتحدت صورة، فلابد من تعلق القصد بكل منها بالخصوص، ولا دليل على جواز العدول بعد العمل، ولا ينقلب الشئ عما وقع، فيما وقع عن نية لا أمر به واقعا حسب الفرض، وما له أمر كصوم الكفارة مثلا لم يقصده فلم يقع عن نية فلا مناص من البطلان، إذ الاجتزاء بغير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى الدليل ولا دليل. وبهذا البيان يظهر البطلان في الثاني أيضا، فلا يمكن العدول بنيته إلى واجب آخر لعدم الدليل عليه بعد أن كان مخالفا لمقتضى القاعدة. نعم لو أراد الصوم الندبي جاز لاستمرار وقت نيته إلى الغروب، وليس هذا من العدول في شئ، بل هو من إبقاع النية في ظرفها لاستمراره إلى الغروب بعد تحقق الموضوع وهو عدم كونه مفطرا كما هو المفروض. وأما في الثالث فقد تقدم البحث عنه مستقصى في مبحث النية وانه هل يستفاد من الاخبار جواز تجديد النية قبل الزوال إذا كان

[ 179 ]

[ (مسالة 12) إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس ومات فيه لم يجب القضاء عنه (1) ولكن يستحب النيابة عنه في أدائه والاولى أن يكون بقصد إهداء الثواب. ] الاخلال عن جهل أو نسيان أم لا. وقد عرفت ما هوالحق، وقلنا: ان الصوم واجب واحد ارتباطي متقوم بالامساك من الفجر إلى الغروب عن نية فمتى أخل بالنية ولو بجزء من الوقت فقد أخل بالواجب ولم يكن مطابقا للمأمور به، فيحتاج الاجزاء حينئذ إلى الدليل ولا دليل، الا في المسافر الذي يقدم أهله ولم يحدث شيئا، فانه يعدل بنيته إليه. وأما فيما عدا ذلك فيحتاج القلب وتجديد النية إلى دليل، وحيث لا دليل عليه بوجه فيبقى تحت أصالة عدم الجواز بمقتضى القاعدة حسبما عرفت هذا في الواجب المعين. وأما الواجب غير المعين فلا إشكال في استمرار وقت النية فيه إلى الزوال حتى اختيارا كما ان صوم يوم الشك بنية شعبان يحسب من رمضان سواء أكان الانكشاف قبل الزوال أم بعده أم بعد الغروب بمقتضى النصوص. (1) سواء أكان الموت في شهر رمضان أم بعده مع استمرار العذر بحيث لم يتمكن من القضاء ويدل عليه في المريض عدة من الروايات منها. صحيحة محمد بن مسلم عن رجل أدركه رمضان وهو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: (ليس عليه شئ ولكن يقضى عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي). وصحيحة منصور بن حازم عن المريض في شهر رمضان فلا يصح

[ 180 ]

حتى يموت، قال: لا يقضى عنه.. الخ. وموثقة سماعة عن رجل دخل عليه شهر رمضان وهو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر شوال، قال: لا صيام عليه ولا يقضى عنه.. الخ (1) وغيرها. وفي الحائض والنفساء ذيل روايتي منصور وسماعة المتقدمتين وغيرهما فالحكم في الجملة مما لا إشكال فيه. إنما الكلام في ان نفي القضاء هل هو لعدم الوجوب فلا مانع من استحباب النيابة عنه، أو انه أمر غير مشروع؟ اختار الماتن الاول، وان الساقط انما هو الوجوب، فيستحب القضاء عنه، وان كان الاولى أن يصوم عن نفسه ثم يهدي ثوابه إليه. ولكن الظاهر من هذه الروايات سقوط القضاء رأسا وان ذمة الميت غير مشغولة أصلا، وحاله حال المجنون والمغمى عليه ونحوهما ممن لم يفت عنه شئ لتفرعه على التمكن ولا تمكن. فالسؤال والجواب ينظران إلى المشروعية وإلا فاحتمال الوجوب منفي قطعا إلا بالنسبة إلى الولي وانه يقضي عن أبيه أو أمه على كلام سيأتي. وأما ساير الناس كما هو منصرف السؤال في هذه الاخبار فلم يكن ثمة احتمال الوجوب كي تتكفل الروايات لنفيه. فهي ظاهرة في نفي المشروعية جزما. وتدل عليه صريحا صحيحة أبي بصير عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوال فاوصتني أو أقضي عنها، قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال: لا يقضى عنها فان الله لم يجعله عليها، قلت: فاني أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك، قال: كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله الله عليها، فان


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 2، 9، 1

[ 181 ]

اشتهيت ان تصوم لنفسك فصم (1). حيث علل عليه السلام عدم القضاء بان الله لم يجعله عليها وهو كالصريح في عدم المشروعية. إذا فالفتوى بالاستحباب كما صنعه في المتن مشكلة؟ جدا. ومن المعلوم ان أدلة النيابة والقضاء عن الغير أجنبية عن محل الكلام، إذ هو فرع اشتغال ذمة الغير وصدق الفوت عنه ليستناب ويقضى عنه. وإلا فهل يمكن التمسك بتلك الادلة لاثبات القضاء عن المجنون أو المغمى عليه؟ فحال المريض والحائض والنفساء العاجزين عن القضاء إلى أن عرض الموت حال هذين في عدم التكليف عليهم رأسا، فلم يفت عنهم شئ أصلا. ومعه كيف يقضى ويؤتى بالعمل النيابي بداعي سقوط ما في ذمة الغير الذي هو معنى النيابة، فانه إذا لم يكن في ذمته شئ فكيف يقصد النيابة. نعم لا بأس بالصوم عن نفسه واهداء الثواب إلى الميت كما ذكره في المتن ويشير إليه ذيل الصحيحة المتقدمة فلاحظ. ثم انه يظهر من تخصيص عبارة المتن بالمريض والحائض والنفساء ان الحكم لا يعم المسافر فيقضى عنه لو سافر في شهر رمضان ومات فيه أو بعده قبل أن يحضر بلده فيختص الاستثناء عما ذكره سابقا من لزوم القضاء عمن فاته الصوم بالطوائف الثلاث فحسب، فلا يلحق بهم المسافر. ولكن قد يقال بالالحاق لروايتين: إحداهما مرسلة ابن بكير في رجل يموت في شهر رمضان إلى أن قال: فان مرض فلم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك ولم يقضه، ثم مرض فمات فعلى وليه أن يقضي عنه، لانه قد صح فلم يقض


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 12

[ 182 ]

ووجب عليه (1). فان تعليل القضاء بقوله: لانه قد صح. الخ يكشف عن أن مورده من كان متمكنا منه فلم يقض فيستفاد منه سقوطه عمن لم يكن متمكنا منه فيعم المسافر الذي مات قبل أن يتمكن من القضاء. وفيه ما لا يخفى، فانه حكم مختص بمورده وهو المريض فقسمه إلى قسمين: قسم استمر به المرض فلا يقضى عنه، وقسم برئ منه وصح ولم يقض فمرض ومات فيقضى عنه، فلا وجه للتعدي عن مورده إلى كل من تمكن ولم يقض كالمسافر كما لا يخفى. على أنها ضعيفة السند بالارسال، فلا تصلح للاستدلال. الثانية: صحيحة أبي بصير المتقدمة (2) فان مقتضى عموم التعليل في قوله عليه السلام: فان الله لم يجعله عليها ان كل من لم يجعل الله عليه ذلك ومنه المسافر لا يقضى عنه. ويندفع بانه انما يتجه لو كان مرجع الضمير في قوله عليه السلام (لم يجعله) هو الصوم، ولم يثبت بل لا يمكن المساعدة عليه للزوم تخصيص الاكثر فان كثيرا ممن لم يجعل الله الصوم عليه يجب عليه أو عنه القضاء كالحائض والنفساء والمريض والمسافر إذا تمكنوا من القضاء. فالظاهر ان مرجع الضمير هو (القضاء) ويستقيم المعنى حينئذ وهو ان كل من لم يجعل الله عليه القضاء فلا يقضى عنه، لان القضاء عنه فرع ثبوت القضاء عليه. والمريض لا قضاء عليه بمقتضى النصوص المتقدمة. وأما المسافر فلم يرد فيه مثل تلك النصوص، بل


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 13 (2) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 12

[ 183 ]

[ (مسالة 13) إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر واستمر إلى رمضان آخر فان كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الاصح (1). ] مقتضى اطلاق الآية المباركة وجوب القضاء، فان تمكن يأتي به مباشرة والا فيقضى عنه. ولو تنازلنا وسلمنا ان للروايتين اطلاقا يعم المسافر فلابد من رفع اليد عنه للروايات الدالة على وجوب القضاء عن المسافر الذي مات في سفره، وهي: موثقة محمد بن مسلم في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان هل يقضى عنها؟ فقال: أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم. وصحيحة أبي حمزة الثمالي (الثقة الجليل القدر الذي أدرك أربعة أو خمسة من الائمة عليهم السلام) عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم. المؤيدتان برواية منصور بن حازم في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال: يقضى عنه.. الخ (1). وهذه الاخيرة ضعيفة بمحمد بن الربيع فانه لم يوثق، فلا تصلح الا للتأييد. (1) بل هو المعروف والمشهور بين المتأخرين بل القدماء أيضا فان مقتضى اطلاق الآية المباركة وكذا الروايات المتكاثرة وان كان هو


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 16، 4، 15

[ 184 ]

القضاء سواء استمر المرض إلى رمضان آخر أم لا، إلا أنه لابد من الخروج عنها للروايات الكثيرة الدالة على سقوط القضاء حينئذ والانتقال إلى الفداء التي لم يستبعد صاحب الجواهر بلوغها حد التواتر والروايات الواردة في المقام وان كانت متعددة لكن دعوى التواتر فيها بعيدة. وكيفما كان فمنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر، فقالا: إن كان برئ ثم توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين وعليه قضاؤه، وان كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وتصدق عن الاول لكل يوم بمد على مسكين وليس عليه قضاؤه. وصحيحة زرارة في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ولا يصح حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال: يتصدق عن الاول ويصوم الثاني.. الخ ونحوهما غيرهما كصحيحة على بن جعفر وغيرها (1). وبهذه النصوص يخرج عن عموم الكتاب بناء على ما هو الصحيح من جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد، وبناء على كون هذه النصوص متواترة فلا إشكال لثبوت تخصيصه بالخبر المتواتر بلا كلام وبازاء المشهور قولان آخران: أحدهما ما نسب إلى ابن أبي عقيل وابن بابويه وغيرهما من وجوب القضاء دون الكفارة وليس له مستند ظاهر سوى رواية أبي الصباح


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 1، 2، 9

[ 185 ]

الكناني قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل، قال: عليه أن يصوم وان يطعم كل يوم مسكينا، فان كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح، وان تتابع المرض عليه فلم يصح، فعليه ان يطعم لكل يوم مسكينا (1). حيث قسم عليه السلام المكلف على ثلاثة أقسام: قسم يجب عليه القضاء والفداء وهو الذي ذكره أولا وفسم يجب عليه القضاء خاصة وهو الذي استمر به المرض إلى رمضان قابل، وقسم يجب عليه الفداء فقط، وهو الذي تتابع أي استمر به المرض سنين عديدة. ففي القسم الثاني الذي هو محل الكلام حكم عليه السلام بالقضاء فقط. وفيه أولا انها ضعيفة السند بمحمد بن فضيل الراوي عن الكناني فانه كما تقدم مرارا مشترك بين الازدي الضعيف والظبي الثقة، وكل منهما معروف وله كتاب، ويروي عن الكناني وفي طبقة واحدة. وقد حاول الاردبيلي في جامعه لاثبات ان المراد به محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة وقد اسند إلى جده وأقام على ذلك شواهد لا تفيد الظن فضلا عن العلم، فانه أيضا معروف كذينك الرجلين وفي طبقة واحدة ولا قرينة يعبأ بها على ارادته بالخصوص. وعلى الجملة لا مدفع لاحتمال كون المراد به الازدي. وهذا وان كان مذكورا في اسناد كامل الزيارات بل قد أثنى عليه المفيد في رسالته العددية، إلا انه ضعفه الشيخ صريحا. وثانيا انها قاصرة الدلالة لتوقفها على أن يكون المراد من قوله: فان كان مريضا.. الخ استمرار المرض بين رمضانين وليس


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 3

[ 186 ]

كذلك. بل ظاهره ارادة المرض فيما بين ذلك، أي في بعض أيام السنة. وأما المرض المستمر المستوعب لما بين رمضانين فهو الذي أشير إليه أخيرا بقوله عليه السلام: وان تتابع المرض عليه.. الخ. الذي هو مورد كلام المشهور، وقد حكم عليه السلام حينئذ بالكفارة كما عليه المشهور. وكذا استدل صاحب المدارك بهذه الرواية لمذهب المشهور فهي من أدلتهم لا أنها حجة عليهم. وكيفما كان فالعمدة ما عرفت من ضعف السند. القول الثاني: ما نسب إلى ابن الجنيد من وجوب القضاء والكفارة معا. وهذا لم يعرف له أي مستند أصلا. نعم يمكن ان يستدل له بموثقة سماعة قال: سألته عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان قبل ذلك لم يصمه فقال: يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من طعام، وليصم هذا الذي أدركه، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فانى كنت مريضا فمر علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهن ثم أدركت رمضانا آخر فتصدقت بدل كل يوم مما مضى بمد من طعام ثم عافاني الله تعالى وصمتهن (1)، حيث جمع عليه السلام بين قضاء الماضي بعد الافطار عن الحالي وبين الصدقة وقد حملها الشيخ (قده) على استحباب القضاء جمعا بينها وبين صحيحة عبد الله بن سنان الظاهرة في الاستحباب قال: من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم، فأما أنا فاني صمت وتصدقت (2) ولا بأس بما ذكره


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 5 (2) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 4

[ 187 ]

[ وكفر عن كل يوم بمد والاحوط مدان (1)، ولا يجزئ ] بل الامر كذلك حتى مع الغض عن هذه الصحيحة للتصريح بنفي القضاء في الروايات المتقدمة ولا سيما صحيحة محمد بن مسلم (1) فهي محمولة على الاستحباب سواء أكانت صحيحة ابن سنان موجودة أم لا. فتحصل ان هذين القولين ساقطان، والصحيح ما عليه المشهور من سقوط القضاء والانتقال إلى الفداء وبذلك يخصص عموم الكتاب حسبما عرفت. (1) قد عرفت سقوط القضاء والانتقال إلى الفداء. وأما تحديده فالمذكور في النصوص مد عن كل يوم. وأما المدان فلم يرد في شئ من الاخبار، فليس له مستند ظاهر. نعم حكي ذلك عن بعض نسخ موثقة سماعة المتقدمة لكنه معارض بنسخ أخرى مصححة مشتملة على لفظة المد كما في الوسائل والتهذيب والاستبصار، فلا يبعد أن تكون نسخة المدين اشتباها من النساخ كما استظهر في الجواهر على أنه لا يلتئم حينئذ مع رسم (طعام) بالجر، فان اللازم حينئذ نصبه على التمييز بان يرسم هكذا (طعاما) اللهم الا أن يكون مشتملا على كلمة (من) أي (مدين من طعام) كما عن بعض النسخ. وكيفما كان فنسخة المدين لم تثبت وعلى تقدير الثبوت فهي معارضة بالروايات الكثيرة المشتملة على كلمة (مد) حسبما عرفت، فيكون ذلك من الدوران في التحديد بين الاقل والاكثر. ومقتضى الصناعة حينئذ حمل الزائد على الاستحباب كما لا يخفى. فيكون الواجب مدا واحدا والزائد عليه فضل.


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 1

[ 188 ]

[ القضاء عن التكفير (1)، نعم الاحوط الجمع بينهما (2) وان كان العذر غير المرض كالسفر ونحوه فالاقوى وجوب القضاء (3) وان كان الاحوط الجمع بينه وبين المد. ] (1) لظهور الامر بالكفارة الوارد في النصوص في التعيين وان وظيفة القضاء انقلبت إلى الفداء فلا مجال للاجزاء. وعن العلامة في التحرير الاجتزاء بها، وكأنه لحمل الفدية على البدل الترخيصي وهو كما ترى مخالف لظواهر النصوص كما عرفت. (2) خروجا عن خلاف ابن الجنيد القائل بذلك كما تقدم. (3) فلا يلحق بالمرض في الانتقال إلى الفداء عملا باطلاقات الكتاب والسنة الدالة على وجوب القضاء المقتصر في تقييدها على خصوص المرض لورود النصوص فيه. وأما السفر فلم يرد فيه أي نص عدا ما رواه الصدوق في العلل وفي العيون باسناده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا عليه السلام في حديث طويل قال فيه: (. ان قال فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يقو من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للاول وسقط القضاء. وإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء قيل.. الخ (1). وهذه الرواية وان كانت صريحة الدلالة في الحاق السفر بالمرض الا أن الشأن في سندها فقد وصفها في الجواهر بالصحة، وانها حاوية في نفسها لشرائط الحجية، غير انها ساقطة عنها من أجل هجر الاصحاب لها واعراضهم عنها، إذ الظاهر انه لم يقل بمضمونها أحد منا. فهي


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 8

[ 189 ]

متروكة مهجورة ولولاها لكانت موصوفة بالحجية. وتبعه على ذلك بعضهم. أقول لا أدري كيف وصفها (قده) بذلك مع ان الرواية ضعيفة السند جدا حتى مع الغض عن الهجر. فان للشيخ الصدوق إلى الفضل بن شاذان طريقين: أحدهما ما يرويه الفضل عن الرضا عليه السلام، والآخر ما يرويه من جوابه عليه السلام لمكاتبات المأمون. أما الاول فهو يرويه عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان. أما عبد الواحد فهو غير مذكور بتوثيق ولا مدح الا انه شيخ الصدوق، وقد تقدم غير مرة ان مجرد كون الرجل من المشيخة لا يقتضى التوثيق، ولم يلتزم الصدوق بان لا يروي إلا عن الثقة، بل كان يسير في البلاد ولم يكن همه إلا جمع الروايات وضبط كل ما سمع من أي محدث كان. كيف وفي مشايخه من نص على نصبه قائلا لم أر انصب منه حيث كان يصلي على النبي صلي الله عليه وآله منفردا بقيد الانفراد رفضا منه للآل عليهم صلوات الملك المتعال آناء الليل وأطراف النهار. وأما ابن قتيبة فهو أيضا لم يصرح فيه بالتوثيق. نعم هو من مشايخ الكشى. وقد عرفت آنفا ان هذا بمجرده لا يقتضى التوثيق ولا سيما وان الكشى يروى عن الضعفاء كثيرا كما نص عليه النجاشي عند ترجمته بعد الثناء عليه. وأما الثاني ففي طريقه جعفر بن علي بن شاذان عن عمه محمد بن شاذان، وجعفر هذا لم يوثق بل لم يذكر في كتب الرجال ولم تعهد

[ 190 ]

[ وكذا إن كان سبب الفوت هو المرض وكان العذر في التأخير غيره مستمرا من حين برئه إلى رمضان آخر (1) أو العكس فانه يجب القضاء أيضا في هاتين الصورتين على الاقوى والاحوط الجمع خصوصا في الثانية. ] له رواية ما عدا وقوعه في هذا الطريق. فتحصل ان الرواية من ضعف السند بمكان. ومعه كيف توصف بالصحة واستجماعها شرائط الحجية وانما العصمة لاهلها. وكيفما كان فالحاق السفر بالمرض غير ثابت لعدم الدليل عليه بوجه، بل مقتضى الاطلاقات هو العدم كما تقدم. (1) قد علم مما ذكرنا انه لو كان سبب الفوت والافطار هو المرض وكان العذر المستمر الموجب للتأخير من لدن برئه إلى حلول رمضان آخر غيره من السفر ونحوه وجب القضاء حينئذ أيضا، إذ النصوص الواردة في المرض المقيدة للاطلاقات موردها ما لو استمر به المرض إلى رمضان قابل فلا يشمل غير المستمر وان أفطر استنادا إلى أمر آخر، بل يبقى ذلك تحت الاطلاق. وأما لو انعكس الفرض بان كان سبب الافطار هو السفر، وسبب التأخير استمرار المرض بين رمضانين فالظاهر سقوط القضاء حينئذ والانتقال إلى الفداء. فان النصوص المتقدمة من صحاح محمد بن مسلم، وزرارة، وعلي بن جعفر وان لم تشمل هذه الصورة إذ موردها ما إذا كان العذر هو المرض حدوثا وبقاء فلا تشمل ما لو كان الاستمرار مستندا إليه دون الافطار، ولعل في سبيبته للافطار مدخلا للحكم. ولكن اطلاق صحيحة عبد الله بن سنان غير قاصر الشمول للمقام فقد روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أفطر شيئا من

[ 191 ]

رمضان في عذر ثم أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم. فأما انا فاني صمت وتصدقت (1). فان العذر يعم المرض وغيره بمقتضى الاطلاق، كما ان ظاهرها ولو بمعونة عدم التعرض لحصول البرء في البين استمرار المرض بين الرمضانين. ومع الغض والتنزل عن هذا الاستظهار فغايته الاطلاق لصورتي استمرار المرض وعدمه، فيقيد بما دل على وجوب القضاء لدى عدم الاستمرار. فلا جرم تكون الصحيحة محمولة بعد التقييد على صورة الاستمرار. فان قلت: اطلاق الصحيحة من حيث شمول العذر للسفر وغيره معارض باطلاق الآية المباركة الدالة على وجوب القضاء على المسافر سواء استمر به المرض إلى رمضان قابل أم لا، فكيف يمكن الاستناد إليها قلت: كلا لا معارضة بينهما وان كانت النسبة بين الاطلاقين عموما من وجه، إذ الصحيحة ناظرة إلى الآية المباركة، فهي حاكمة عليها شارحة للمراد منها، لا من قبيل الحكومة المصطلحة، بل بمعنى صلاحيتها للقرينية بحيث لو اجتمعا في كلام واحد لم يبق العرف متحيرا في المراد. فلو فرضنا ان الصحيحة كانت جزء من الآية المباركة بان كانت هكذا: (فان كنتم مرضى أو على سفر فعدة من أيام أخر، ومن كان معذورا فأفطر ثم استمر به المرض إلى رمضان آخر فليتصدق) لم يتوهم العرف أية معارضة بين الصدر والذيل، بل جعل الثاني قرينة للمراد من الاول، وان وجوب القضاء خاص بغير المعذور الذي استمر به المرض، أما هو فعليه الفداء ليس إلا. وهذا هو المناط الكلي في تشخيص الحكومة وافتراقها عن باب المعارضة كما نبهنا عليه في بعض مباحثنا الاصولية، فإذا لم يكن تعارض لدى


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 4

[ 192 ]

[ (مسالة 14) إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمدا في الترك (1) ولم يأت بالقضاء إلى رمضان ] الاتصال وفي صورة الانضمام لم يكن مع الانفصال أيضا. هذا أولا وثانيا لو سلمنا المعارضة فانما هي بالاطلاق المتحصل من جريان مقدمات الحكمة لا في الدلالة الوضعية. وقد ذكرنا في محله ان في تعارض الاطلاقين بالعموم من وجه يحكم بالتساقط ولا يرجع إلى المرجحات من موافقة الكتاب ونحوه لكون موردها ما إذا كانت المعارضة بين نفس الدليلين لا بين الاطلاقين. بل المرجع بعد التساقط أمر آخر من عموم أو أصل. ومقتضى الاصل في المقام البراءة عن القضاء الذي هو بامر جديد مدفوع بالاصل لدي الشك فيه إذ ليس لدينا عموم يدل على القضاء عدا ما سقط بالمعارضة المفروضة، ولكن يحكم بوجوب الفداء استنادا إلى عموم موثقة سماعة الآتية. (1) تعرض (قده) في هذه المسألة لحكم من لم يستمر به العذر، بل ارتفع أثناء السنة ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر، وقسمه إلى ثلاثة أقسام: إذ تارة يكون عازما على الترك إما عصيانا، أو لبنائه على التوسعة في أمر القضاء وعدم المضايقة. وأخرى يكون متسامحا لا عازما على الفعل ولا على الترك واتفق العذر عند الضيق. وثالثة يكون عازما على القضاء بعد ارتفاع العذر، فاتفق العذر عند الضيق. أما في القسمين الاولين فلا إشكال في وجوب الجمع بين القضاء

[ 193 ]

[ آخر وجب عليه الجمع بين الكفارة والقضاء بعد الشهر وكذا ان فاته لعذر ولم يستمر ذلك العذر بل ارتفع في أثناء السنة ولم يأت به إلى رمضان آخر متعمدا وعازما على الترك أو متسامحا واتفق العذر عند الضيق فانه يجب حينئذ أيضا الجمع وأما ان كان عازما على القضاء بعد ارتفاع العذر فاتفق العذر عند الضيق فلا يبعد كفاية القضاء لكن لا يترك الاحتياط بالجمع أيضا ولا فرق فيما ذكر بين كون العذر هو المرض ] والكفارة، لصحيحة محمد بن مسلم: (.. ان كان برئ ثم توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين وعلى قضاؤه.. الخ). وصحيحة زرارة: (.. فان كان صح فيما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا ويتصدق عن الاول) المؤيدتين برواية أبي بصير (1). وأما في القسم الثالث فلم يستبعد في المتن الاكتفاء بالقضاء، فكأنه استفاد من الادلة ان الموضوع للفداء والموجب له هو التسامح وعدم المبالاة بالقضاء والتهاون فيه، كما صرح بالاخير في رواية أبي بصير: (. فان تهاون فيه وقد صح فعليه الصدقة والصيام جميعا. الخ) (2) لا مجرد الترك. ومن الواضح عدم صدق ذلك مع العزم على القضاء وفيه أولا ان رواية أبي بصير ضعيفة السند بالراوي عنه وهو قائده


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 1، 2، 6 (2) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 6

[ 194 ]

علي بن أبي حمزة البطائني فقد ضعفه الشيخ صريحا وانه كذاب أكل من مال موسى عليه السلام الشئ الكثير، ووضع أحاديث في عدم موته عليه السلام ليتمكن من التصرف في أمواله عليه السلام. وثانيا بقصور الدلالة فان التهاون بمعنى التأخير في مقابل الاستعجال المجامع مع العزم على الفعل فانفق العذر فلا يدل بوجه على عدم المبالاة فضلا عن العزم على الترك. على أن صحيحة ابن مسلم ظاهرة في الاطلاق لقوله عليه السلام: ان كان برئ ثم توانى.. الخ) فان التواني ظاهر في التأخير في قبال المبادرة. وهذا كما يجتمع مع العزم على الترك أو التردد يجتمع مع العزم على الفعل أيضا بالضرورة فمفاد الصحيحة انه ان كان قد استمر به المرض ليس عليه حينئذ الا الفداء، وإلا بان برئ وأخر فالقضاء أيضا بأي داع كان التأخير ولو لاجل سعة الوقت مع عزمه على الفعل. ولو فرضنا اجمال هذه الصحيحة فتكفينا صحيحة زرارة فانها صريحة في ان الموضوع للحكم المزبور أعني القضاء والفداء معا مجرد عدم الصوم قال عليه السلام: (فان كان صح فيما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا وتصدق عن الاول) (1) ونحوها في صراحة الدلالة على الاطلاق وان المناط في الحكم مجرد عدم الصوم موثقة سماعة عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان آخر قبل ذلك لم يصمه، فقال: (يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من طعام وليصم هذا الذي أدركه فإذا


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 2

[ 195 ]

[ أو غيره فتحصل مما ذكر في هذه المسألة وسابقتها (1) ان تأخير القضاء إلى رمضان آخر إما يوجب الكفارة فقط وهي الصورة الاولى المذكورة في المسألة السابقة وإما يوجب القضاء فقط وهي بقية الصور المذكورة فيها وإما يوجب الجمع بينهما وهي الصور المذكورة في هذه المسألة. نعم الاحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضا كما عرفت. (مسألة 15) إذا استمر المرض إلى ثلاث سنين (2) ] أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه.. الخ) (1). دلت على وجوب الجمع بين القضاء والفداء مطلقا، خرج عنها صورة واحدة وهي ما لو استمر المرض فانه لا يجب حينئذ إلا الفداء فقط بمقتضى النصوص المتقدمة فيبقى الباقي تحت الاطلاق، وان مجرد عدم الصوم لدى عدم الاستمرار موجب للقضاء والكفارة سواء أكان عازما على الترك أم مترددا أم عازما على الفعل حسبما عرفت. (1) بل؟ قد تحصل مما ذكرناه فيهما ان تأخير القضاء إلى رمضان آخر يوجب الجمع بين القضاء والفداء ما عدا صورة واحدة وهي ما لو كان العذر استمرار المرض سواء أكان الفوت لاجل المرض أم السفر علي الاظهر حسبما عرفت مستقصى فلاحظ. (2) المستفاد من ظواهر الادلة ان تأخير القضاء عن السنة الاولى لا يوجب إلا كفارة واحدة سواء أصام في السنة الثانية أم أخر القضاء سنين عديدة بمقتضى الاطلاق فلا تتكرر الكفارة بتكرر السنين وان


(1) الوسائل باب 25 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 5

[ 196 ]

[ يعني الرمضان الثالث وجبت كفارة للاولى وكفارة أخرى للثانية ويجب عليه القضاء للثالثة إذا استمر إلى آخرها ثم برئ وإذا استمر إلى أربع سنين وجبت للثالثة أيضا ويقضي للرابعة إذا استمر إلى آخرها أي الرمضان الرابع واما إذا أخر قضاء السنة الاولى إلى سنين عديدة فلا تتكرر الكفارة بتكررها بل تكفيه كفارة واحدة. (مسألة 16) يجوز اعطاء كفارة أيام عديدة من رمضان واحد أو أزيد لفقير واحد (1) فلا يجب إعطاء كل فقير مدا واحدا ليوم واحد. ] نسب ذلك إلى العلامة في بعض كتبه، وإلى الشيخ في المبسوط ولكن لا دليل عليه. نعم لو استمر به المرض في السنة الثانية أيضا فحيث انه حدث حينئذ موجب جديد للكفارة وجبت عليه كفارة أخرى، ولو استمر في الثالثة فكذلك، وهكذا فيجري على كل سنة حكمها. وعلى الجملة مجرد تكرر السنة لا يستوجب تكرر الكفارة ما لم يتكرر السبب، أعني استمرار المرض في تمام السنة فان حدث هذا مكررا تكررت الكفارة بعدده والا فلا وهذا ظاهر. (1) بمقتضى اطلاق الادلة فان الواجب الاعطاء عن كل يوم مدا للفقير الصادق هذا الطبيعي على الواحد والكثير فيجوز اعطاء ثلاثين مدا عن ثلاثين يوما لفقير واحد، إذ لم يشترط في الكفارة عن اليوم الثاني الاعطاء لفقير آخر ولا يقاس هذا (أي كفارة التأخير)

[ 197 ]

[ (مسألة 17) لا تجب كفارة العبد على سيده (1) من غير فرق بين كفارة التأخير وكفارة الافطار ففي الاولى ان كان له مال واذن له السيد أعطى من ماله والا استغفر بدلا عنها وفي كفارة الافطار يجب عليه اختيار صوم شهرين مع عدم المال والاذن من السيد، وان عجز فصوم ثمانية عشر يوما، وان عجز فالاستغفار. ] على كفارة الافطار متعمدا في شهر رمضان، لان الواجب هناك اطعام ستين مسكينا لكل مد غير المنطبق على المسكين الواحد فانه اطعام لمسكين واحد ستين مرة لا إطعام لستين مسكينا ولا دليل على الاجتزاء بذلك. فالعدد في المقام وصف للكفارة تبعا للايام. وهناك وصف للفقير، ولاجله افترق المقامان فيكفى الواحد هنا ولا يكفى هناك. (1) لعدم الدليل بعد عدم كونه من النفقة الواجبة ومقتضى الاصل العدم. نعم لو كان للعبد مال أعطى من ماله بشرط اذن السيد، فان العبد وان كان يملك على الاصح إلا انه محجور عليه وان مولاه مالك له ولماله فانه عبد مملوك لا يقدر على شئ، فهو وماله تحت سيطرة المولى وسلطانه، ولا يكون شئ من تصرفاته نافذا بدون اذنه، ومن ثم لا يكون اقراره مسموعا فيما يرجع إلى الاموال حيث انه يؤول إلى الدعوى على المولى. فلو اعترف بقتل خطأ شبه عمد محكوم عليه بالدية أو باتلاف يستتبع الضمان أو بدين، لا يسمع شئ من ذلك ويتبع به إلى ما بعد العتق. وكذا الحال في كفارة الافطار فانه يجب عليه صوم شهرين مع عدم

[ 198 ]

[ (مسألة 18) الاحوط عدم تأخير القضاء إلى رمضان آخر مع التمكن عمدا وان كان لا دليل على حرمته (1) ] المال، أو عدم الاذن من السيد. هذا فيما إذا لم يكن صومه منافيا لحق المولى. وأما مع التنافي أو العجز عن ذلك، فقد ذكر في المتن انه يصوم بدله ثمانية عشر يوما، وان عجز فالاستغفار. وقد تقدم الكلام في كبرى هذه المسألة، وقلنا انه لا دليل على الانتقال إلى صوم ثمانية عشر يوما لدى العجز عن صوم الشهرين المتتابعين في الكفارة إلا فيما إذا كان الصوم المزبور متعينا عليه كما في كفارة الظهار، لاختصاص الدليل به دون ما إذا كان مخيرا بينه وبين غيره كما في المقام، وإلا فمقتضى الجمع بين الادلة الاستغفار والتصدق بما يطيق، وتكون الصدقة فيما نحن فيه باذن المولى بطبيعة الحال. وتمام الكلام قد تقدم في محله. (1) لا إشكال كما لا خلاف في التوسعة بالنسبة إلى السنة الاولى، فلا تجب المبادرة إلى القضاء بعد انقضاء رمضان بلا فصل قطعا، بل يجوز التأخير إلى نهاية السنة. وقد ورد في بعض الاخيار ان نساء النبي صلى الله عليه وآله كن يقضين ما فاتهن من صيام رمضان في شعبان كيلا يمنعن النبي صلى الله عليه وآله عن الاستمتاع. وأما بالنسبة إلى مجموع السنة فهل يجوز التأخير إلى السنة الاخرى اختيارا ولو مع التصدي لدفع الكفارة أو انه لا يجوز ذلك؟ فلو كان عليه عشرة أيام من هذه السنة وقد بقي من شهر شعبان عشرة وجب عليه المبادرة إلى القضاء، فلو أخر عامدا عصى وارتكب محرما المشهور هو الثاني، ولكن لم يظهر دليله كما نبه عليه في المتن.

[ 199 ]

والذي قيل أو يمكن أن يقال في مقام الاستدلال أمور: أحدها التعبير بالتواني في صحيحة ابن مسلم، وبالتهاون في رواية أبي بصير، فان هذين التعبيرين يشعران بالوجوب وانه لم يهتم به فتهاون وتسامح فيه. وفيه ما لا يخفى لوضوح ان غاية ما يدل عليه التعبيران ان هناك واجبا موسعا لم يسارع إلى امتثاله فتوانى وأخر وتهاون فليكن بمعنى تسامح ولكنه تسامح عن التعجيل لا عن اصل الامتثال. واين هذا من الاشعار بوجوب البدار فضلا عن الدلالة. على أن كلمة التهاون انما وردت في رواية أبي بصير الضعيفة يعلي بن أبي حمزة الذي نص الشيخ على تضعيفه في كتاب الغيبة كما تقدم. فلم يثبت صدورها. الثاني انه قد عبر عن التأخير بالتضييع الذي لا يصح اطلاقه إلا على ترك الواجب. وهذا يتلو سابقه في الضعف لصحة اطلاق التضييع في موارد ترك الراجح الافضل واختيار المرجوح ولا اشكال في ان التقديم راجح ولا أقل من جهة انه مسارعة إلى الخير واستباق إليه وهو مستلزم لكون التأخير تضييعا لتلك الفضيلة، وقد اطلق التضييع على تأخير الصلاة عن أول الوقت في غير واحد من النصوص. مضافا إلى ان هذا التعبير لم يرد الا في رواية أبي بصير، وخبر الفضل بن شاذان وكلاهما ضعيف كما تقدم. الثالث التعبير بكلمة الفدية أي الكفارة فكأنها ستر لامر فيه حزازة فيكشف عن مرجوحيته في نفسه. وهذا واضح الدفع.

[ 200 ]

أما أولا فلانها لم ترد إلا في رواية أبي بصير وهي ضعيفة كما عرفت وثانيا انها لم تطلق حتى في هذه الرواية على تأخير القضاء مع التمكن منه ليتوهم الحرمة إما من جهة التواني والتهاون أو البناء على العدم، وانما اطلقت بالاضافة إلى من استمر به المرض الذي لا يحتمل فيه الحرمة بوجه. قال عليه السلام: (إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان ثم صح فانهما عليه لكل يوم أفطره فدية طعام. الخ). وعلى الجملة لم يرد في شئ من الاخبار لفظ الفدية فضلا عن الكفارة ليستكشف منه الحرمة، وانما ورد لفظ الفدية في خصوص من استمر به المرض الذي لا اشكال في عدم الاثم والحرمة حينئذ كما هو ظاهر. هذا مع ان في جملة من روايات الاحرام ورد الامر بالفدية في موارد لا يحتمل الحرمة كمن أمر بيده على لحيته فسقطت شعرة بغير اختياره، فانه لا يكون حراما جزما. وأما الامر بالصدقة فقد ورد في صحيح ابن مسلم، وزرارة، وعلي بن جعفر ولكنه أعم من ترك الواجب فلا يدل على الوجوب بوجه. بل؟ ان هذا بنفسه واجب مستقل، فأي مانع من الالتزام بالتخيير بين أن يبادر فعلا إلى الصوم ولا شئ عليه وبين أن يؤخر بشرط ان يتصدق، فلا يكشف الامر بالصدقة عن وجوب المبادرة أو حرمة التأخير أبدا. وعلى الجملة فليس في شئ من هذه الاخبار اشعار فضلا عن الدلالة على الوجوب، بل ان رواية سعد بن سعد دالة على عدم الوجوب صريحا، قال: سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد ذلك فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو

[ 201 ]

[ (مسألة 19) يجب على ولي الميت قضاء ما فاته من الصوم (1). ] أكثر ما عليه في ذلك؟ قال: (أحب له تعجيل الصيام فان كان أخره فليس عليه شئ) (1). ولكنها أيضا ضعيفة السند بالارسال فلا يمكن الاستدلال بها. وكيفما كان فيكفينا في عدم الوجوب عدم الدليل على الوجوب، وليست المسألة اجماعية بحيث يقطع بقول المعصوم عليه السلام وانما استدل لها بما عرفت نعم رواية الفضل بن شاذان فيها دلالة على الوجوب لقوله عليه السلام: (.. لانه دخل الشهر وهو مريض فلم يجب عليه الصوم في شهره ولا في سنته للمرض الذي كان فيه ووجب عليه الفداء. الخ) دلت على وجوب الصوم في تلك السنة لدى عدم استمرار المرض وانه من أجل ترك الواجب أبدل بالفداء كما هو ظاهر. إلا أنها من أجل ضعف السند غير صالحة للاستدلال كما تقدم. فتحصل ان الاظهر ما ذكره في المتن من عدم الدليل على حرمة التأخير. فالاقوى ان وجوب القضاء موسع وان كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه والله سبحانه أعلم. (1) على المعروف والمشهور في الجملة وان وقع فيه الخلاف من بعض الجهات كتعيين الولي وانه الولد الاكبر أم غيره، وان الميت هل يختص بالاب أو يعم الام، وان الحكم هل يخص ما فاته لعذر أو يعم غيره. واستقصاء الكلام يستدعي البحث في جهات:


(1) الوسائل باب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 7

[ 202 ]

الاولى في أصل الوجوب وقد عرفت انه المشهور ولكن نسب الخلاف إلى ابن أبي عقيل فانكره وأوجب التصدق عنه أما من ماله أو من مال الولي، وأدعى تواتر الاخبار به ناسبا القول بالقضاء إلى الشذوذ. وقد استغرب هذه الدعوى منه غير واحد نظرا إلى عدم ورود رواية تدل على الصدقة ما عدا روايتين فكيف تنسب إلى التواتر، استدل له بأحداهما العلامة في التذكرة، وبالاخرى غيره. الاولى ما رواه في الفقيه عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قلت له رجل مات وعليه صوم، يصام عنه أو يتصدق؟ قال: يتصدق عنه فانه أفضل (1). وقد غفل صاحب الوسائل عن هذه الرواية فلم يذكرها في الباب المناسب (أعني باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان) ولا في غيره. وانما تعرض لها في الحدائق بعد ان وصفها بالصحة. وكيفما كان فيمكن الخدش في الاستدلال بها سندا تارة ودلالة أخرى. أما السند فبمناقشة كبروية غير مختصة بالمقام وهي ان الشيخ الصدوق (قده) ذكر في مشيخة الفقيه طريقه إلى جملة ممن روى عنه في كتابه، منهم ابن بزيع المزبور فقال: (وما كان فيه عن محمد بن اسماعيل بن بزيع فقد رويته عن محمد بن الحسن رضي الله عنه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، وطريقه إليه صحيح. انما الكلام في ان هذه الطرق التي يذكرها إلى هؤلاء الرجال هل تختص بمن يروى بنفسه عنه مثل أن يقول روى محمد بن اسماعيل بن


(1) الفقيه الجزء 3 باب النذور والكفارات ص 236

[ 203 ]

بزيع، أو روى عبد الله بن سنان، أو أنها تعم مطلق الرواية عنهم ولو لم يسند بنفسه تلك الرواية إلى الراوي، بل اسندها إلى راو مجهول عنه مثل أن يقول روى بعض أصحابنا عن عبد الله بن سنان، أو روي عن ابن سنان ونحو ذلك مما لم يتضمن اسناده بنفسه إلى ذلك الراوي. والمتيقن إرادته من تلك الطرق هو الاول. وأما شموله للثاني بحيث يعم ما لو عثر على رواية في كتاب عن شخص مجهول فعبر بقوله: روى بعض أصحابنا عن فلان، أو روي عن فلان فمشكل جدا، بل لا يبعد الجزم بالعدم، إذ لا يكاد يساعده التعبير في المشيخة بقوله: فقد رويته عن فلان كما لا يخفى. فهو ملحق بالمرسل. وحيث ان روايتنا هذه مذكورة في الفقيه بصيغة المجهول حيث قال (قده): وروي عن محمد بن اسماعيل فهي غير مشمولة للطريق المذكور في المشيخة عنه، بل هي مرسلة تسقط عن درجة الاعتبار وان عبر عنها صاحب الحدائق بالصحيحة حسبما عرفت. وأما الدلالة فلانه لم يفرض في الرواية ان القاضي عن الميت وليه أو ولده كي يكون السؤال عما يجب عليه بل ظاهره ان الميت رجل أجنبي، فالسؤال عن أمر استحبابي وهو التبرع عنه وان أيا من التبرعين والعبادتين المستحبتين أفضل، هل الصيام عنه أو الصدقة؟ ولا شك ان الثاني أفضل كما نطقت به جملة من النصوص، فان التصدق عن الميت أفضل الخيرات وأحسن المبرات. وعلى الجملة فالصوم المفروض في السؤال وان كان واجبا على الميت إلا أنه مستحب عن المتبرع. فإذا دار الامر بينه وبين الصدقة قدم الثاني. وأين هذا ممن كان واجبا عليه كالولي الذي هو محل الكلام.

[ 204 ]

فغاية ما تدل عليه هذه الرواية انه إذا دار الامر في الاحسان إلى الميت بين تفريغ ذمته وبين الصدقة عنه وكل منهما مستحب على المحسن كانت الصدقة أفضل فكيف يكون هذا منافيا لما دل على القضاء على خصوص الولي. الثانية: ما استدل به العلامة في التذكرة من صحيحة أبي مريم الانصاري التي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه شئ (قضاء)، وان صح ثم مرض ثم مات وكان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد وان لم يكن له مال صام عنه وليه) (1). كذا في روايتي الكليني والصدوق، وفي رواية الشيخ: (وان لم يكن له مال تصدق عنه وليه). وهي من حيث السند صحيحة كما عرفت. فان في طريق الكليني وان وقع معلى بن محمد وفيه كلام، الا أن الاظهر وثاقته لو قوعه في اسناد كامل الزيارات. على ان طريق الصدوق خال عن ذلك وفيه كفاية. فهي من جهة السند تامة، وقد دلت على أن الواجب انما هو التصدق بمال الميت ان كان والا فبمال الولي. وكيفما كان فلا يجب القضاء عنه. وأورد عليه في الجواهر (2) بابتناء الاستدلال على رواية الشيخ، وأما على رواية الكليني والفقيه فكلا لدلالتها حينئذ على وجوب الصيام على الولي المطابق لمذهب المشهور. ولا ريب ان الكافي والفقيه أضبط فتقدم روايتهما على رواية الشيخ لدى المعارضة. فتكون الرواية من أدلة المشهور، ولا تصلح سندا لابن أبي عقيل.


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 2 (2) ج 17 ص 36.

[ 205 ]

أقول: في كلامه (قده) مناقشتان: الاولى لا شك ان الكافي والفقيه أضبط إلا أن هذا إنما يوجب التقديم فيما إذا كانت هناك رواية واحدة مروية بزيادة ونقيصة أو نفي واثبات، أو تبديل لفظ بلفظ فيرجح حينئذ ما أثبته الاولان لا ضبطيتهما وكثرة اشتباه التهذيب كما نص عليه في الحدائق. وأما إذا كان التهذيب ناقلا لكلتا الروايتين، فروى تارة ما أثبته الكافي أو الفقيه بعين ما أثبتاه وروى ثانيا بكيفية أخرى بطريق آخر هو أيضا صحيح كما في المقام، فهذا ليس من الاختلاف في اللفظ ليرجع إلى قانون الاضبطية، بل هما روايتان مرويتان بطريقين لا يدرى أن الصادر عن المعصوم عليه السلام أي منهما، وان أبا مريم نقل بأي من الكيفيتين. فهذا أجنبي عن الترجيح بالاضبطية كما لا يخفى. الثانية: ان الرواية لو كانت مشتملة واقعا على كلمة (تصدق) كما ذكره العلامة ورواه الشيخ أمكن المناقشة حينئذ بان هذا لا ينافي القضاء، فيجب على الولي التصدق من مال الميت من جهة التأخير وإلا فمن ماله زيادة على القضاء، إذ لا دلالة في الرواية على نفي القضاء بوجه، بل لعل مقتضى المقابلة مع الصدر المشتمل على نفي القضاء لدى استمرار المرض ثبوت القضاء هنا أي في فرض عدم الاستمرار الذي تعرض له في الذيل فيمكن أن تجب الكفارة أيضا من جهة التواني، لانه صح ولم يقض اختيارا فيكون موته في البين بمنزلة استمرار المرض. وكيفما كان فبناء على هذه النسخة ليست في الرواية أية دلالة على نفي القضاء. وأما بناء على نسخة الكافي والفقيه التي رجحهما في الجواهر فهي

[ 206 ]

[ لعذر من مرض أو سفر أو نحوهما لا ما تركه عمدا أو أتى به وكان باطلا من جهة التقصير في أخذ المسائل (1) وان كان الاحوط قضاء جميع ما عليه وان كان من جهة الترك عمدا ] حينئذ واضحة الدلالة على عدم القضاء ابتداء حيث علق الصوم على ما إذا لم يكن له مال فوجوبه في مرتبة متأخرة عن التصدق. وهذا كما ترى ينطبق على مذهب ابن أبي عقيل القائل بعدم وجوب الصوم ابتداء. فالاستدلال له بناء على هذه النسخة أولى من النسخة الاخرى. والذي يسهل الخطب ان هذه النسخة لم تثبت أيضا فان الرواية كما عرفت مروية بطريقين كل منهما صحيح من غير ترجيح في البين. على انه لو ثبتت النسخة وتمت الصحيحة وكذا الرواية السابقة وأغمضنا عن كل مناقشة سندية أو دلالية وفرضنا دلالتهما على نفي القضاء كما يقوله ابن أبي عقيل فهما معارضتان للروايات الكثيرة المستفيضة جدا الصحيحة أكثرها سندا والصريحة دلالة على وجوب القضاء على الولي، وحملها على صورة عدم التمكن من الصدقة بعيد غايته كما لا يخفى. وبما أن أكثر العامة ذهبوا إلى الصدقة فلا محالة تحمل الروايتان على التقية. وعلى الجملة بعد فرض استقرار المعارضة والانتهاء إلى إعمال قواعد الترجيح لا ريب أن الترجيح مع نصوص القضاء لمخالفتها للعامة. فما ذكره ابن أبي عقيل لا يمكن المساعدة عليه بوجه. (1) الجهة الثانية: بعد الفراغ عن أصل الوجوب فهل يختص الحكم بمن فات عنه الصوم لعذر من مرض أو سفر، أو حيض أو نفاس على تقدير شمول الحكم للام ونحو ذلك، أو يعم مطلق الترك،

[ 207 ]

نعم يشترط في وجوب قضاء ما فات بالمرض أن يكون قد تمكن في حال حياته من القضاء وأهمل وإلا فلا يجب لسقوط القضاء حينئذ كما عرفت سابقا، ] ولو عامدا أو لكون صومه باطلا لجهل ولو عن تقصير؟؟ المشهور ما ذكره في المتن من الاختصاص ووجهه غير ظاهر. فان جملة من الروايات وان وردت في المعذور من مرض أو سفر كموثقة أبي بصير، ومرسلة ابن بكير (1) الا أن ذلك مورد لها لا أن الحكم مقيد به. ولا ريب ان الموردية لا تستدعى التخصيص، على أن الثانية مرسلة. إذا فليس في البين ما يمنع عن التمسك باطلاق بعض النصوص مثل صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام قال: (يقضي عنه أولى الناس بميراثه) (2) فانها تدل بمقتضى ترك الاستفصال على الاطلاق وشمول الحكم للمعذور وغيره، ونحوها مكاتبة الصفار (3) ودعوى ان الاطلاق منصرف إلى الغالب ومنزل عليه حيث ان الغالب في الترك ان يكون لعذر، غير مسموعة لمنع الغلبة أولا فان الترك متعمدا ولا أقل في أوائل الشباب أيضا كثير وان كان غيره أكثر، ولو سلم فليست بحيث توجب الانصراف وتمنع عن الاطلاق كما لا يخفى.


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 11، 13 (2) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 5 (3) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 3

[ 208 ]

[ ولا فرق في الميت بين الاب والام (1) على الاقوى ] فلم يبق إلا مجرد الاستبعاد وانه كيف يجب على الولد قضاء ما تركه أبوه عامدا، ولكنه لا يصلح مدركا لحكم شرعي بعد مساعدة الدليل. ومن الجائز أن يكون ذلك اداء لبعض حقوق الوالد أو الوالدين العظيمة. نعم انما يجب القضاء فيما إذا كان القضاء واجبا على الميت نفسه بان كان متمكنا ولم يقض وإلا فلا، لانه متفرع عليه ومتلقى منه، كما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم عن رجل أدركه رمضان وهو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: (ليس عليه شئ ولكن يقضى عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضى). واصرح منها صحيحة أبي بصير عن امرأة مرضت في شهر رمضان. إلى أن قال عليه السلام: كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله الله عليها) (1). (1) الجهه الثالثة: هل يختص الحكم بما فات عن الوالد أو يعم الوالدين؟ ذهب جماعة منهم الماتن إلى التعميم. ويستدل لهم بروايتين: إحداهما صحيحة أبي حمزة عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم. والاخرى موثقة محمد بن مسلم التي هي بمضمونها (2) ولكن موردهما مطلق المرأة، ولا نظر فيهما في مقام بيان أصل


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 2، 12 (2) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 4، 16

[ 209 ]

[ وكذا لا فرق بين ما إذا ترك الميت ما يمكن التصدق به عنه وعدمه (1) وان كان الاحوط في الاول الصدقة عنه برضاء الوارث مع القضاء، ] المشروعية لا الوجوب، نظير ما تضمنته صحيحة أبي بصير (1). وأما بقية الروايات فكلها مشتملة على لفظ الرجل، فلا وجه للتعدي إلى المرأة لعدم الدليل عليه بوجه. وأما الاستدلال له بقاعدة الاشتراك إلا ما خرج بالدليل مثل ستر البدن في الصلاة ونحوه فغريب جدا ضرورة ان مورد القاعدة ما لو كان الرجل موردا للحكم ومتعلقا له مثل أن يسأل عن رجل يتكلم في صلاته فيقول عليه السلام يعيد، ونحو ذلك مما تضمن حكما لموضوع تكليفا أو وضعا الزاما أو ترخيصا وكان الرجل متعلقا للخطاب وموردا للحكم فانه يتعدى إلى المرأة ما لم يثبت الاختصاص بقانون الاشتراك بين الرجال والنساء وتساويهما في الاحكام التي هي عامة لجميع المسلمين وأما لو كان الرجل بنفسه موضوعا لحكم متعلق بشخص آخر مثل ما لو ورد انه يجوز الاقتداء بالرجل فانه لا وجه حينئذ للتعدي وليس ذلك من قاعدة الاشتراك في شئ كما هو ظاهر. ومقامنا من هذا القبيل فان مقتضى ظواهر النصوص ان الفوت من الرجل موضوع لوجوب القضاء على الولي فلا يمكن التعدي من هذا الموضوع إلى المرأة التي هي موضوع آخر حسبما عرفت. (1) يشير بذلك إلى ما ورد في صحيحة أبي مريم الانصاري


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 12

[ 210 ]

المتقدمة (واسمه عبد الغفار بن القاسم وهو ثقة جليل القدر) من قوله عليه السلام: (وان لم يكن له مال صام عنه وليه) (1) على نسخة الكافي والفقيه حيث علق وجوب الصيام حينئذ على عدم مال للميت يتصدق به عنه. ولكن عرفت ان هذه النسخة غير ثابتة لمعارضتها مع نسخة التهذيب المروية بطريق آخر أيضا صحيح، المشتملة على قوله (تصدق) بدل قوله (صام) من غير ترجيح في البين لعدم كون المقام من موارد الترجيح بالاضبطية كما تقدم. على أن تقييد اطلاقات القضاء بهذه الصحيحة مستلزم لحمل هاتيك النصوص المتظافرة على الفرد النادر جدا بل لعله يكاد لم يقع خارجا لبعد فرض ميت لم يكن له أي مال يتصدق به عنه، ولا أقل من ثيابه الملاصقة ببدنه ولا سيما إذا كان الفائت عنه صيام يوم أو أيام قلائل. فالتقييد المزبور بعيد غايته. ومع الغض فغايته المعارضة بين الصحيحة وبين نصوص القضاء، ومقتضى الصناعة تقديم الثاني لمخالفتها للعامة. ومن ذلك يظهر انه لا فرق في وجوب الصيام على الولي بين ما إذا ترك الميت ما يمكن التصدق به عنه أم لا كما ذكره في المتن. نعم يبقى شئ وهو ان هذه الصحيحة وان كانت معارضة في ذيلها باعتبار اختلاف النسختين المرويتين بطريقين كما مر، الا أن صدرها المشتمل على وجوب التصدق عنه مكان كل يوم بمد فيما إذا كان له مال سليم عن المعارض لتطابق النسختين، وثبوت ذلك على التقديرين. فلا وجه لطرح الصحيحة بالنسبة إلى هذه الفقرة، ومقتضى الصناعة الجمع بينها وبين نصوص القضاء بالالتزام بوجوب


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 7

[ 211 ]

[ والمراد بالولي هو الولد الاكبر (1)، وان كان طفلا أو مجنونا حين الموت بل وان كان حملا. ] الامرين معا لعدم التنافي بينهما من هذه الجهة بوجه، فيلتزم بوجوب القضاء عنه وبوجوب التصدق بماله عملا بكلا الدليلين كما كان يجب ذلك على الميت نفسه حال حياته لفرض عدم استمرار مرضه، لسلامته عن المعارض كما عرفت. ولو لا ان هذا لم يعرف له قائل لكان القول به وجيها، غير ان عدم التزام أحد به يوهن المصير إليه. نعم هذا يوجب الاحتياط في المسألة ولو استحبابا كما ذكره في المتن فيتصدق قبل القضاء مع رضاء الورثة ورعاية حقوق الصغار ان كانوا فيهم. (1) على الاشهر بل المشهور شهرة عظيمة، وتدل عليه صحيحة حفص به البختري عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام قال: (يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا، إلا الرجال) (1) بتقريب قد تقدم في كتاب الصلاة، وملخصه انها ظاهرة في ان القاضي هو الاولى من جميع الناس بالميراث بقول مطلق وعلى نحو القضية الحقيقة، أي من كل من يفرض في الوجود، سواء أكان موجودا بالفعل أم معدوما. وهذا ينحصر مصداقه في الولد الاكبر فانه الاولى بميراث الميت من جميع البشر، حتى ممن هو في طبقته في الارث كالابوين فان لكل واحد منهما السدس، وكالبنات لان للذكر


(1) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 5

[ 212 ]

مثل حظ الانثيين، وكساير الاولاد الذكور لمكان اختصاص الاكبر بالحبوة بناء على ما هو الصحيح من عدم احتسابها من الارث، فهو الاوفر نصيبا من الكل. ولاجله كان هو الاولى بالميراث من جميع الناس بتمام معنى الكلمة. ومنه تعرف ان الصحيحة لو كانت عارية من الذيل المتضمن لنفي الانطباق على المرأة والاختصاص بالرجل لكانت بنفسها وافية لاثبات ذلك لما عرفت من ان سهم الذكر ضعف الانثى، فكان هو الاولى بطبيعة الحال، وان لم يفهم حفص بنفسه ذلك ولاجله تصدى للسؤال عن المرأة. ولا ضير فيه فان العبرة بروايته لابد رايته كما لا يخفى. ويدل عليه أيضا قوله عليه السلام في موثقة أبي بصير: (. يقضيه أفضل أهل بيته) (1) فان الظاهر من اضافة الافضل إلى أهل البيت ان المراد الافضلية من هذه الحيثية وبهذا العنوان أي بعنوان كونه من أهل البيت لا بلحاظ الضمائم الخارجية من العلم والتقى ونحوهما الذي قد ينطبق بهذا الاعتبار على الابعد أو الولد الاصغر. ومن المعلوم ان الافضل بهذا العنوان خاص بالولد الاكبر ولا يعم غيره حتى الاب لعدم كونه من أهل بيت الولد، بل الولد من أهل بيت أبيه. وتدل عليه أيضا مكاتبة الصفار حيث قال عليه السلام: يقضي عنه أكبر ولييه عشرة أيام ولاء انشاء الله تعالى (2) وان كانت قابلة للمناقشة من حيث تضمنها الولاء، ولم يقل باعتبار التوالي أحد، اللهم الا ان يحمل على الاستحباب، ومن حيث كون السؤال عن


(1) الوسائل باب 23 من أحكام شهر رمضان ح 11 (2) الوسائل باب 23 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 3

[ 213 ]

[ (مسألة 20) لو لم يكن للميت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة (1) وان كان الاحوط قضاء أكبر الذكور من الاقارب عنه. (مسألة 21) لو تعدد الولي اشتركا (2) وان تحمل أحدهما كفى عن الآخر كما انه لو تبرع أجنبي سقط عن الولي ] الجواز لا الوجوب الذي لا إشكال في ثبوته في حق الاجنبي فضلا عن أصغر الوليين، فكيف خص الجواز بالاكبر. فلابد من رد علمها من هذه الجهة إلى أهلها. وكيفما كان فالمكاتبة قابلة للمناقشة. والعمدة ما عرفت من الصحيحة والموثقة ولا سيما الصحيحة حسبما عرفت. ثم ان الماتن تعرض لجملة من الفروع المتعلقة بالمقام في طي مسائل نتعرض إليها وان كان جلها بل كلها قد تقدمت مستقصى في كتاب الصلاة. (1) لانتفاء الموضوع بعد ظهور الادلة في اختصاص الحكم بالولي المنحصر في الولد الاكبر، ومثله ما لو كانت أولاده منحصرة في البنات حسبما ظهر مما مر. (2) تقدم في مبحث الصلاة ان المستفاد من صحيحة حفص ان الولي هو طبيعي الاولى بالميراث وهو وان كان منحصرا في الولد الاكبر كما مر، الا أن هذا الطبيعي قابل للانطباق على الواحد والمتعدد كمن ولد له ولدان في ساعة واحدة إما من زوجتين أو من زوجة واحدة كما في التوأمين فان عنوان الولد الاكبر صادق حينئذ على كل منهما. فكيون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع بينهما ونتيجته كون

[ 214 ]

[ (مسألة 22) يجوز للولي أن يستأجر من يصوم عن الميت وان يأتي به مباشرة (1) وإذا استأجر ولم يأت به المؤجر أو أتى به باطلا لم يسقط عن الولي. ] الوجوب كفائيا يشتركان فيه، بمعنى انه لو قام به أحدهما سقط عن الآخر ولو خالفا عوقبا معا، كما انه لو تبرع الاجنبي سقط عنهما. وحينئذ فلو كان على الميت صوم يوم واحد أو ثلاثة أيام ونحوهما مما لا يقبل التكسير لعدم تبعض الصوم كان هو واجبا على الجامع لا على خصوص كل منهما، فان قام به أحدهما سقط عن الآخر وإلا أثما معا كما عرفت. (1) إما للقطع الخارجي بعدم الفرق إذ المقصود تفريغ ذمة الميت المتحقق بكل منهما من غير خصوصية للفاعل، وإما لاجل أن القطع وان سلمنا عدم حصوله، ومقتضى الجمود على ظواهر النصوص اعتبار المباشرة الا انه تكفينا في التعدي إلى التسبيب بالاستيجار أدلة النيابة وصحة التبرع من الاجنبي إذ الكلام هنا بعد الفراغ عن تمامية تلك الادلة حسبما تقدم في محله بضميمة ما دل على جواز استيجار الغير واستنابته عن الميت أخذا بعموم أدلة الاجارة بعد كون متعلقها في المقام عملا مشروعا سائغا حسب الفرض. فإذا كان الاستيجار المزبور صحيحا وأتى به الاجير خارجا فقد سقط ما في ذمة الميت بطبيعة الحال وبتبعه يسقط الوجوب عن الولي لان موضوعه بمقتضى صحيحة حفص: رجل يموت وعليه صلاة أو صيام، وهذا ليس عليه صيام بعدئذ فيخرج عن موضوع تلك الصحيحة. نعم يختص ذلك بما إذا أتى به المؤجر خارجا، وأما إذا لم يأت به

[ 215 ]

[ (مسالة 23) إذا شك الولي في اشتغال ذمة الميت وعدمه لم يجب عليه شئ (1) ولو علم به إجمالا وتردد بين الاقل والاكثر جاز له الاقتصار على الاقل. ] أو أتى به باطلا بحيث لم يتحقق التفريغ لم يسقط عن الولي، إذ لم يكن ذلك من قبيل الوجوب التخييري بين مجرد الاستيجار وبين المباشرة ليسقط الثاني باختيار الاول، بل الواجب معينا إنما هو التفريغ وابراء ذمة الميت، والتسبيب بالاستيجار طريق إليه، فإذا لم يتعقب بفعل الاجير خارجا فعلا صحيحا مستتبعا للتفريغ كان وجوده كالعدم ولم يسقط التكليف عن الولي، فلابد له من التصدي للتفريغ إما مباشرة أو باستيجار شخص آخر كما هو ظاهر. (1) لاصالة البراءة عن وجوب القضاء بعد الشك في تحقق موضوعه الذي هو الفوت كما استظهرناه سابقا الحاقا له بالصلاة أو الافطار أو دخول شئ في الجوف لدى المضمضة ونحو ذلك من العناوين الوجودية التي علق عليها عنوان القضاء في لسان الادلة، وليس موضوعه عنوانا عدميا ليمكن احرازه بالاستصحاب. وبالجملة الامر بالصوم اداء قد سقط بخروج الوقت يقينا وتعلق أمر جديد بالقضاء على تقدير الفوت وحيث ان التقدير مشكوك فالامر به مدفوع بأصالة البراءة. ومنه يظهر الحال فيما لو علم بالقضاء إجمالا وتردد بين الاقل والاكثر إذ الشك بالاضافة إلى الاكثر شك في أصل الفوت. وقد عرفت ان المرجع فيه أصالة البراءة. فلا جرم جاز له الاقتصار على الاقل كما ذكره في المتن.

[ 216 ]

[ (مسالة 24) إذا أوصى الميت باستيجار ما عليه من الصوم أو الصلاة سقط عن الولي بشرط اداء الاجير صحيحا وإلا وجب عليه (1). (مسالة 25) إنما يجب على الولي قضاء ما علم اشتغال ذمة الميت به أو شهدت به البينة أو أقر به عند موته (2) ] (1) إذ الايصاء بنفسه لم يكن مسقطا كالاستيجار حسبما عرفت في المسألة الثانية والعشرين وان حكي القول به عن بعض لكنه واضح الضعف، بل العبرة بتفريغ الذمة المنوط باداء الاجير صحيحا فبدونه يبقى تكليف الولي على حاله لبقاء موضوعه، أعني اشتغال ذمة الميت، إذ ليس هو من قبيل الحقوق القابلة للاسقاط ليسقط بالايصاء ونحوه، بل حكم شرعي لا مناص من امتثاله كما هو ظاهر. (2) لا إشكال في الوجوب مع العلم بالاشتغال أو قيام البينة. وأما مع الاقرار به عند الموت ففي الثبوت به تأمل بل منع، إذ لا أثر له بالاضافة إلى المقر نفسه، وانما يظهر الاثر في تعلق التكليف بغيره وهو الولي ومن المعلوم ان الاقرار لا يكون نافذا بالاضافة إلى الغير. ولا يقاس ذلك بالاقرار على الدين، فانه وان استلزم حرمان الورثة عن التركة فيكون ذا أثر بالاضافة إلى الغير أيضا، إلا أن ذلك من شؤون النفوذ على النفس لكون ذا أثر بالنسبة إليه أيضا. كيف وبعد الاقرار يطالب بالدين، فلو بقى حيا لطالبه المقر له، وإذا ثبت الدين بموجب الاقرار فلا حق بعدئذ للورثة، لان الارث بعد الدين

[ 217 ]

[ وأما لو علم انه كان عليه القضاء وشك في اتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمته (1) فالظاهر عدم الوجوب عليه باستصحاب بقائه نعم لو شك هو في حال حياته وأجرى الاستصحاب أو قاعدة الشغل ولم يأت به حتى مات فالظاهر وجوبه على الولي. ] بمقتضى قوله تعالى: (من بعد وصية توصون بها أو دين) ولا كذلك الاقرار بالقضاء لعدم مطالبته حينئذ بشئ بعد ان لم يكن موردا للدعوى مع أحد. (1) قد يعلم باشتغال ذمة الميت بالقضاء لدى موته، وأخرى يشك فيه، لا كلام على الاول سواء أكان العلم وجدانيا أم تعبديا من قيام البينة، أو الاقرار على ما اختاره في المتن حسبما مر. وعلى الثاني فقد يكون الشك في الحدوث وقد عرفت ان المرجع فيه أصالة البراءة. وأخرى في البقاء بأن يعلم بأصل الاشتغال وانه كان عليه القضاء ولكن يشك في تفريغ الذمة والاتيان به حال حياته وعدمه. وهذا على نحوين: إذ تارة يكون الشك من الميت نفسه حال حياته فيشك هو في انه هل أتى ما كان عليه أولا؟ ولا ينبغي التأمل في جريان الاستصحاب حينئذ الذي يعامل معه معاملة اليقين في ظرف الشك فيحرز به الاشتغال بالقضاء ويندرج تحت قوله عليه السلام في صحيحة حفص: رجل مات وعليه صلاة أو صيام، فيكون الثبوت عنده ولو ببركة الاستصحاب موضوعا للقضاء على الولي. وهذا الموضوع محرز لعلمنا

[ 218 ]

بأنه شك واستصحب حسب الفرض. وهذا واضح لا سترة عليه، بل هو المتيقن من جريان الاستصحاب في المقام كما لا يخفى. وأخرى لم يعلم حال الميت وانه كان شاكا أو متيقنا بالوجود أو بالعدم وانما يكون الشك من الولي فهل له أن يتمسك حينئذ بالاستصحاب ليحرز به انه مات وعليه القضاء ليجب عليه التصدي للقضاء، أو ان الاستصحاب ساقط في المقام والمرجع اصالة البراءة النافية للقضاء كما اختاره في المتن؟؟ قد يقال بابتناء ذلك على ما ورد من ان دعوى الدين على الميت تحتاج إلى ضم اليمين، ولا تثبت بمجرد البينة فان هذا مما لا إشكال فيه كما دلت عليه صحيحة الصفار وانما الاشكال في ان ضم اليمين لاى جهة، فهل هو من أجل التخصيص في دليل حجية البينة فلا تكون حجة في اثبات الدعوى على الميت ما لم تقترن باليمين، حيث ان الدعاوي مختلفة، فبعضها تثبت بشاهد واحد ويمين، وأخرى لابد فيها من شهادة رجلين عادلين، وثالثة يكتفى بشهادة رجل وامرأتين بل وشهادة النساء فقط كما في مثل دعوى القذف، ورابعة تعتبر فيها شهود أربعة كما في الزنا وما يلحق به من اللواط والسحق. فموارد الدعاوي مختلفة، فمن الجائز أن تختص الدعوى على الميت بعدم ثبوتها بمجرد البينة، بل لابد من ضم اليمين. بحيث يكون اليمين جزء من المثبت ويكون الدليل ملفقا منهما. أم انه لا تخصيص في دليل حجية البينة، بل هي بمجردها كافية في اثبات الدين على الميت من غير حاجة إلى ضم اليمين من هذه الجهة أي من جهة اثبات أصل الدين وانما هو لاجل ابقاء الدين بعد ثبوته، إذ لعل الميت وفى، أو أن الدائن أبرأ وعفا، وليس الميت حاضرا

[ 219 ]

ليدافع عن نفسه، كما ان الاستصحاب ساقط في خصوص المقام، فلابد إذا من اليمين فهو يمين استظهاري لدفع هذه الاحتمالات بعد أن لم يكن الاستصحاب جاريا هنا كما عرفت. فالتخصيص إنما هو في دليل الاستصحاب لا في دليل حجية البينة. فان قلنا بالثاني كما قال به جماعة الراجح إلى أن ما يثبت بالبينة شئ، وما يثبت باليمين شئ آخر. فلا فرق إذا بين البينة وبين غيرها من العلم الوجداني أو اقرار الورثة بالدين أو غير ذلك في ان الكل يحتاج إلى ضم اليمين لسريان الشك في البقاء بعد تطرق إحتمال الوفاء أو الابراء في الجميع، والمفروض سقوط الاستصحاب والغائه في هذا الباب، كما لا فرق بين دعوى الدين على الميت أو شئ آخر من صلاة أو صيام، إذ لا خصوصية للدعوى بل المناط اثبات اشتغال ذمة الميت بشئ وهو لا يمكن ان يدافع عن نفسه فيكون الاستصحاب ساقطا هنا أيضا لعين المناط. وأما بناء على الاول وان البينة وحدها لا تفي باثبات الدين بل بضميمة اليمين فالاستصحاب لم يزل باقيا على حجيته والبقاء مستند إليه دون اليمين وانما هو جزء من المثبت، ولذا لو أقر الوارث أو علم بالدين من الخارج لم تكن حاجة إلى اليمين لكونه متمما لدليلية البينة دون غيرها من الادلة. فعليه كان الاستصحاب جاريا في المقام. فهذا هو محل الكلام. والذي يستدل به على الثاني أي أن اليمين يمين استظهاري هو رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله الواردة فيمن يدعي حقا على الميت والمتضمنة للزوم اقامة البينة والحلف حيث صرح فيها بأن الاستحلاف

[ 220 ]

انما هو من أجل انا لا ندري لعله قد أوفاه (1). فهي صريحة في عدم حجية الاستصحاب في هذا الباب وان اليمين انما هو لاجل دفع احتمال سقوط ذمة الميت عن الحق الثابت عليه. ولكن الرواية ضعيفة السند، لان في سندها ياسين الضرير وهو مجهول. إذا لا دليل على سقوط الاستصحاب في مسألة الدين. نعم لا يثبت الدين بالبينة وحدها لصحيحة الصفار وغيرها كما مر، بل لابد من اليمين لكنه لاثبات أصل الدين، وأما بقاؤه فمستند إلى الاستصحاب، ولذلك لو أقر الوارث لا حاجة إلى ضم اليمين، فلم يكن هناك ما يوجب تخصيص دليل الاستصحاب وسقوطه عن الحجية في هذا الباب حتى لو سلمنا الحاق المقام بمسألة الدين. فلو علمنا باشتغال ذمة الميت بالصوم وشككنا في بقائه لم يكن مانع من التعلق بالاستصحاب. على انا لو سلمنا سقوطه عن الحجية في مسألة الدين وبنينا على أن اليمين استظهاري استنادا إلى تلك الرواية ولو لاجل انجبارها بعمل المشهور لم يكن أي وجه للتعدي عن موردها وهو الدين إلى المقام بعد أن لم يكن هناك دعوى من أحد على الميت، ولعل للدعوى خصوصية في اليمين الاستظهاري وعدم جواز التعلق بالاستصحاب. وعلى الجملة فلا نرى أي مانع من التمسك بالاستصحاب في المقام لاثبات وجوب القضاء على الولي فانه قد مات الميت وجدانا وعليه صيام بمقتضى الاستصحاب، فبضم الوجدان إلى الاصل يتم الموضوع فيترتب عليه حكمه من وجوب القضاء على الولد الاكبر.


(1) الوسائل باب 4 من ابواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1

[ 221 ]

[ (مسالة 26) في اختصاص ما وجب على الولي بقضاء شهر رمضان أو عمومه لكل صوم واجب قولان (1) مقتضى اطلاق بعض الاخبار الثاني وهو الاحوط. ] فتحصل انه لا فرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون الشاك هو الميت حال حياته أو كان هو الولي. ومعه لا تصل النوبة إلى البراءة حسبما عرفت. (1) هل يختص الوجوب بقضاء شهر رمضان كما هو مورد غير واحد من الاخبار، أو يعم كل صوم واجب من كفارة ونذر ونحوهما؟ ذهب جماعة كثيرون إلى الثاني، بل نسب ذلك إلى المشهور ظاهرا. ولكن عن جماعة منهم الشيخ التخصيص، ولم يعلم له وجه صحيح بعد الاطلاق في صحيحة حفص وغيرها. فان قوله: وعليه صلاة أو صيام يعم مطلق ما اشتغلت به الذمة بأي سبب كان. نعم تقدم في كتاب الصلاة عند التعرض لهذه الصحيحة ان المستفاد منها انسياقا أو انصرافا ما كان واجبا على نفس الميت ابتداء لا ما اشتغلت به ذمته بسبب آخر، كما لو كان عليه صلاة من ابيه فلم يأت بها حتى مات فانه لا يجب على الولي أن يقضى ما فات عن جده. فلا تعم الصحيحة ما كان واجبا على شخص آخر فانتقل إلى الميت بسبب من الاسباب لانصرافها عن مثل ذلك قطعا. ومثله ما لو كان واجبا عليه باجارة ونحوها فانه أيضا غير مشمول للصحيحة فهي خاصة بما فات عن الميت من حيث وجوبه عليه بنفسه، من غير فرق بين ما كان من شهر رمضان أو من غيره بمقتضى الاطلاق كما عرفت.

[ 222 ]

هذا وقد يستشهد للاطلاق أي عدم الاختصاص بقضاء شهر رمضان برواية الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الاول ويقضى الشهر الثاني (1). ولا يخفى ان مرجع الضمير في قوله (فعليه) غير مذكور في الرواية، فهو غير معلوم وان استظهر صاحب الوسائل عوده إلى الولي ولاجله ذكرها في باب قضاء الولي. على أنها مخدوشة في نفسها سندا ودلالة. أما السند فلاشتماله على سهل بن زياد ولم تثبت وثاقته لتعارض المدح والقدح فيه. وأما المتن فلعله والله العالم لا عامل به أبدا. فانه إذا وجب على الميت شهران متتابعان لاجل الكفارة فاما ان يجب على الولي تمام الشهرين، أو لا يجب شئ منهما، ولا معنى للتفكيك بالتصدق عن أحدهما وقضاء الشهر الآخر فان هذا مما لم يقل به أحد لعدم حصول التتابع بذلك اللازم على الميت والذي لابد للقاضي ولو تبرعا مراعاته سواء أكان هو الولي أم غيره. ويحتمل بعيدا أن تحمل الرواية على الشهرين المتتابعين من قضاء رمضان بمعنى انه فاته صوم شهر رمضان لعذر من مرض ونحوه، ثم استمر العذر إلى الرمضان الثاني فحصل التتابع من أجل فوات رمضانين من سنتين ولابد حينئذ من فرض برئه من مرضه بعد رمضان الثاني فلم يصم حتى مات فانه يتم الجواب حينئذ من لزوم التصدق عن الاول إذ لا قضاء له بعد فرض استمرار المرض حتى


(1) الوسائل باب 24 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 1

[ 223 ]

[ (مسالة 27) لا يجوز للصائم قضاء شهر رمضان إذا كان عن نفسه الافطار بعد الزوال بل تجب عليه الكفارة به (1) وهي كما مر اطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد ومع العجز عنه صيام ثلاثة أيام. ] لو كان الميت حيا، وانما يجب القضاء عن خصوص الثاني بعد ملاحظة الفرض المزبور. فان تم هذا التوجيه صح جوابه عليه السلام، وإلا فالرواية لا عامل بها كما عرفت. وعلى أي حال فلا يمكن الاستدلال بها بوجه. (1) أما الكفارة فقد مر الكلام فيها قريبا واستوفينا البحث عنها وأما الحكم التكليفي اعني عدم جواز الافطار بعد الزوال فقد دلت عليه بعد التسالم ظاهرا جملة من النصوص. منها صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال في الذي يقضي شهر رمضان: انه بالخيار إلى زوال الشمس فان كان تطوعا فانه إلى الليل بالخيار (1). دلت بمقتضى مفهوم الغاية وبمقتضى المقابلة، بل ومفهوم الشرط على عدم الجواز فيما بعد الزوال ومنها موثقة اسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الذي يقضى شهر رمضان هو بالخيار في الافطار ما بينه وبين أن تزول الشمس، وفي التطوع ما بينه وبين أن تغيب الشمس (2). دلت على المطلوب بمقتضى التحديد بالغاية والمقابلة وهي موثقة كما وصفناها،


(1) الوسائل باب 4 من ابواب وجوب الصوم ح 4 (2) الوسائل باب 4 من ابواب وجوب الصوم ح 10

[ 224 ]

[ أما إذا كان عن غيره باجارة أو تبرع فالاقوى جوازه وان كان الاحوط الترك كما ان الاقوى الجواز في ساير أقسام الصوم؟ الواجب الموسع وان كان الاحوط الترك فيها أيضا وأما الافطار قبل الزوال فلا مانع منه حتى في قضاء شهر رمضان عن نفسه إلا مع التعين بالنذر. أو الاجارة أو نحوهما ] فان طريق الشيخ إلى ابن فضال وان كان ضعيفا في نفسه إلا أنا صححناه بوجه آخر كما مر، وزكريا المؤمن موجود في اسناد كامل الزيارات وان يوثق صريحا في كتب الرجال فهي تامة سندا ودلالة. بل يمكن الاستدلال أيضا بموثقة عمار عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان إلى أن قال: سئل فان نوى الصوم ثم افطر بعد ما زالت الشمس. قال: قد أساء وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه (1). فانها إما ظاهرة في الحرمة أو لا أقل من ظهورها في مطلق المرجوحية القابل للانطباق على الحرمة. وعلى أي حال فهي غير منافية للنصوص المتقدمة وفيها غنى وكفاية وتؤيدها النصوص الدالة على وجوب الكفارة حينئذ كما تقدم سابقا فانها وإن كانت أعم من الحرمة كما في جملة من كفارات الاحرام الثابتة حتى مع كون الفعل محللا إلا أنها لا تخلو عن الاشعار والتأييد كما لا يخفى. ومن جميع هذه النصوص يظهر جواز الافطار قبل الزوال.


(1) الوسائل باب 29 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 4

[ 225 ]

[ أو التضييق بمجيئ رمضان آخر ان قلنا بعدم جواز التأخير إليه كما هو المشهور (1). ] (1) هل يختص الحكم المزبور أعني عدم جواز الافطار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان بما إذا كان القضاء عن نفسه أو يعم ما إذا كان عن غيره أيضا أما بتبرع أو باستيجار ونحوه؟ وهل يختص بقضاء شهر رمضان أو يعم مطلق الواجب الموسع من كفارة أو نذر ونحوهما؟ أما التبرع فلا سبيل لاحتمال شمول الحكم له ضرورة ان وصف التبرع يستدعي كون المتبرع بالخيار حدوثا وبقاء فان انقلاب الندب إلى الفرض بقاء وان كان ممكنا كما في الحج والاعتكاف إلا انه لا ريب في كونه على خلاف الاصل وموقوفا على قيام الدليل المعلوم فقده في المقام. فالنصوص المتقدمة غير شاملة لذلك قطعا. فله الافطار طول النهار حيثما شاء. وأما في القضاء الواجب عن الغير كما في الاجير أو الولي فالظاهر عدم شمول الحكم له أيضا لانصراف النصوص المتقدمة عن مثل ذلك، فان المنسبق منها ما كان القضاء عن نفسه لا عن الغير كما لا يخفى. فلا اطلاق لها يشمل ذلك، كما أنها قاصرة الشمول لساير أقسام الصوم الواجب الموسع من نذر أو كفارة ونحوهما، لاختصاص موردها بقضاء شهر رمضان فمقتضى أصالة البراءة هو الجواز في كلا الموردين. نعم قد يقال بالشمول استنادا إلى رواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: الصائم بالخيار إلى زوال الشمس قال: ان ذلك في الفريضة، فأما النافلة فله أن يفطر أي وقت شاء إلى غروب الشمس. ورواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صوم

[ 226 ]

النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل متى ما شئت. وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس، فليس لك أن تفطر (1). فان الفريضة في الاولى مطلق نعم كل صوم واجب سواء أكان قضاء شهر رمضان أم غيره، وسواء أكان القضاء عن نفسه أم عن غيره كما ان قضاء الفريضة في الثانية يعم ما كان عن نفسه أو عن غيره، وان لم يشمل ساير أقسام الصوم. ولكنهما غير صالحتين للاستدلال لضعف السند. أما الاولى فبمحمد ابن سنان، وأما الثانية فبعبد الله بن الحسين الراوي عن عبد الله بن سنان والذي يروي عنه النوفلي أو البرقي، فان المسمى بهذا الاسم الواقع في هذه الطبقة مجهول. فتحصل ان الاظهر اختصاص الحكم بقضاء شهر رمضان عن نفسه كما خصه به في المتن دون ما كان عن غيره ودون ساير أقسام الصوم فيجوز فيها الافطار بعد الزوال كقبله إلا أن يكون هناك مانع آخر كما في صوم النذر المعين أو الاجير في يوم معين، أو التضييق بمجئ رمضان آخر بناء على القول بالمضايقة لا مجرد ترتب الكفارة ونحو ذلك مما لا يسوغ له التأخير، فانه لا يجوز له الافطار حينئذ حتى قبل الزوال فضلا عما بعده للزوم تفويت الواجب اختيارا من غير مسوغ كما هو ظاهر، ولكن هذا امر عارضي اتفاقي، وإلا فوجوب الصوم من حيث هو لا يستدعي المنع عن الافطار لا قبل الزوال ولا بعده فيما عدا ما عرفت حسبما ذكر والله سبحانه أعلم.


(1) الوسائل باب 4 من ابواب وجوب الصوم ح 8، 9

[ 227 ]

[ فصل (في صوم الكفارة) وهو أقسام: منها ما يجب فيه الصوم مع غيره وهي كفارة قتل العمد (1). ] (1) بلا خلاف فيه ولا إشكال بل إجماعا كما نص عليه جماعة، وانما الكلام في ان هذا الحكم هل هو عام يشمل جميع موارد القتل العمدي أو يختص بما ثبتت فيه الدية ولا يجتمع مع القصاص؟ ظاهر إطلاق كلمات الاصحاب ومعاقد الاجماعات هو الاول، بل قد يظهر من المحقق إرساله ارسال المسلمات. ولكن المستفاد من النصوص هو الثاني فانها لا تدل على الكفارة الا لدى العفو عن القصاص والانتقال إلى الدية ويلحق به ما إذا لم يمكن تنفيذ القصاص لفقد بسط اليد في الحاكم الشرعي، أو ما إذا لم يكن مشروعا كما في قتل الوالد أو الحر عبدا فان الوالد أو الحر لا يقتل بالولد أو العبد. ففي هذه الموارد التي تستقر فيها الدية تثبت الكفارة. وأما فيما استقر عليه القصاص لعدم عفو أولياء المقتول فلا دلالة في شئ من النصوص على وجوب الكفارة حينئذ بان يكفر اولا ثم يقتل. بل قد يظهر من بعض النصوص خلافه وان توبة القاتل تتحقق

[ 228 ]

[ وكفارة من أفطر على محرم في شهر رمضان (1) فانه تجب فيها الخصال الثلاث، ومنها ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره وهي كفارة الظهار (2)، ] بمجرد الاقتصاص منه فتوبته قتله من غير حاجة إلى ضم شئ آخر فلا ذنب له بعدئذ ليكفر، فليس مورد التكفير إلا من تعلقت به الدية حسبما عرفت. هذا ولم أر من تعرض لهذه الجهة في هذه المسألة، فان كان هناك اجماع على الاطلاق وإلا فاثباته بحسب الصناعة في غاية الاشكال. (1) على إشكال تقدم سابقا لاجل المناقشة في مستند الحكم وهي رواية الهروي (1) حيث انها ضعيفة السند بعلي بن محمد بن قتيبة الذي هو من مشايخ الكشي، و عبد الواحد بن محمد بن عبدوس الذي هو شيخ الصدوق فانه لم تثبت وثاقتهما ومجرد كونهما من المشيخة لا يقتضيها كما مر مرارا، فان كان اجماع وإلا فالحكم محل تأمل، بل منع وان كان الاحوط ذلك. وتمام الكلام قد تقدم في محله فلاحظ ان شئت. (2) فان الواجب فيها اولا العتق ومع العجز عنه صوم شهرين، ومع العجز اطعام الستين كما هو صريح الآية المباركة: (والذين يظاهرون من نسائهم) إلى قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.. الخ) (2) وبمضمونها جملة وافرة من النصوص. نعم في جملة أخرى منها عطف هذه الخصال بلفظه (أو) الظاهرة


(1) الوسائل باب 10 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 (2) سورة المجادلة الآية 4

[ 229 ]

[ وكفارة قتل الخطأ (1) فان وجوب الصوم فيهما بعد العجز عن العتق، وكفارة الافطار في قضاء رمضان (2) فان الصوم فيها بعد العجز عن الاطعام كما عرفت، وكفارة اليمين وهي عتق رقبة (3) أو اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم وبعد العجز عنها فصيام ثلاثة أيام، ] في التخيير دون الترتيب. فلو كنا نحن وهذه لعملنا بها الا أن صراحة الآية المباركة وهاتيك النصوص مانعة عن الاخذ بهذه الظهور. فلا مناص من رفع اليد عنه وحمل كلمة (أو) على ارادة التقسيم لا التخيير، كما في قولك: الكلمة اسم أو فعل أو حرف. والمراد ان هذه الامور ثابتة في كفارة الظهار. فلا ينافي كون ثبوتها على سبيل الترتيب. (1) فيجب فيها العتق أولا ثم الصوم مع العجز عنه ثم الاطعام كما هو صريح الآية الشريفة قال تعالى في سورة النساء الآية 92: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) إلى قوله: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) نعم لا تعرض في الآية المباركة للاطعام، إلا ان النصوص المتظافرة ناطقة ووافية وبها الكفاية. هذا والمنسوب إلى المفيد وسلار التخيير بين الخصال ولم يعرف لهما أي مستند حتى رواية ضعيفة على أن الآية والنصوص المشار إليها حجة عليهما. (2) فان الواجب فيها أولا اطعام عشرة مساكين، ومع العجز عنه صيام ثلاثة أيام كما تقدم في المسألة الاولى من موجبات الكفارة. (3) هذا الحكم هو المقطوع به بين الاصحاب وهو صريح الآية

[ 230 ]

[ وكفارة صيد النعامة وكفارة صيد البقر الوحشي وكفارة صيد الغزال (1) فان الاول تجب فيه بدنة ومع العجز عنها صيام ثمانية عشر يوما والثاني يجب فيه ذبح بقرة ومع العجز عنها صوم تسعة أيام والثالث يجب فيه شاة ومع العجز عنها صوم ثلاثة أيام. ] الكريمة والنصوص المتظافرة، بل في بعضها التصريح بعدم اجزاء الصيام لدى التمكن من الاطعام. نعم في موثق زرارة تقديم الصيام على الاطعام عكس ما ذكر. قال: سألته عن شئ من كفارة اليمين فقال: يصوم ثلاثة أيام، قلت: إن ضعف عن الصوم وعجز؟ قال: يتصدق على عشرة مساكين.. الخ (1). لكنها وان تم سندها لا تنهض للمقاومة مع صريح الآية وتلكم النصوص المستفيضة الناطقة بأن الواجب اولا هو اطعام العشرة أو العتق أو الكسوة، وبعد العجز فصيام الثلاثة فلابد من طرحها أو رد علمها إلى أهلها أو تأويلها بوجه ما، مثل ما صنعه في الوسائل من حمل الاطعام هنا على ما دون المد كأن يعطى كل واحد من العشرة لقمة واحدة مثلا، فلا ينافي ما تضمنته تلك النصوص وكذا الآية من تقديم الاطعام على الصيام الذي يراد به مد لكل مسكين، وان كان هذا الحمل بعيدا جدا كما لا يخفى. (1) ما ذكره (قده) من الكفارة في هذه الموارد الثلاثة مما لا خلاف فيه ولا إشكال. فتجب في صيد النعامة بدنة، وفي البقر الوحشي بقرة، وفي الغزال شاة على ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة


(1) الوسائل باب 12 من ابواب الكفارات ح 6

[ 231 ]

قال تعالى: (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) (1) فان المماثلة تقتضي ما ذكر كما لا يخفى. والنصوص به متكاثرة متظافرة فلاحظ. كما ان ما ذكره (قده) من الانتقال لدى العجز عما ذكر إلى الصيام ثمانية عشر يوما في الاول وتسعة أيام في الثاني وثلاثة أيام في الثالث مما لا اشكال فيه أيضا كما أشير إليه في الآية الشريفة ونطقت به النصوص المستفيضة. وانما الكلام في جهتين: الاولى ظاهر اطلاق عبارة المتن عدم الواسطة بين الانعام وبين الصيام فينتقل لدى العجز عن البدنة أو البقرة أو الشاة إلى الصيام على التفصيل المتقدم. وليس كذلك قطعا، بل الواسطة ثابتة نصا وفتوى، فينتقل لدى العجز عن البدنة إلى اطعام ستين مسكينا، ومع العجز عنه إلى صيام ثمانية عشر يوما. كما ان الوظيفة بعد العجز عن البقرة اطعام ثلاثين مسكينا، ومع العجز صيام تسعة أيام، واللازم بعد العجز عن الشاة اطعام عشرة مساكين، فان لم يقدر فصيام ثلاثة أيام على ما صرح بذلك في جملة وافرة من النصوص التي منها صحيحة علي بن جعفر (2) وقد استقرت عليه فتوى الاصحاب كما عرفت. فلابد من تقييد اطلاق العبارة بذلك ولعل غرضه (قده) مجرد التعرض للانتقال إلى الصيام بعد العجز عن غيره كما هو عنوان هذا القسم من غير تعرض لخصوصيات المطلب فتدبر.


(1) سورة المائدة آية 95 (2) الوسائل باب 2 من ابواب كفارة الصيد ح 6

[ 232 ]

الثانية مقتضى اطلاق كلامه (قده) الناشئ من كونه في مقام البيان حصر موارد الانتقال إلى الصوم من كفارة الصيد في الموارد الثلاثة المذكورة في المتن، أعني صيد النعامة أو البقرة أو الغزال وليس كذلك بل الحكم ثابت في صيد الارنب أيضا بلا إشكال، للنصوص الكثيرة الدالة على أن حكمه حكم صيد الظبي أي ان فيه شاة وإلا فاطعام عشرة مساكين والا فصيام ثلاثة أيام، بل والثعلب أيضا كما أفتى به جماعة وان كان النص الوارد فيه ضعيفا، إما للاولوية من الارنب وإما لاطلاق الآية المباركة: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) فان الممائل حجما للثعلب فيما يكفر به عنه من النعم إنما هو الشاة، كما ان المماثل للبقر الوحشي هو البقر وللنعامة هو البدنة كما تقدم. وفي صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الابل فان لم يجد ما يشتري به بدنة فأراد أن يتصدق فعليه أن يطعم ستين مسكينا كل مسكين مدا، فان لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام، ومن كان عليه شئ من الصيد فداؤه بقرة، فان لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يجد فليصم تسعة أيام، ومن كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام (1). وهي كما ترى صريحة في اعطاء ضابط كلي، وهو ان كل صيد كان فداؤه بدنة ينتقل لدى العجز عنه وعن الاطعام إلى الصيام ثمانية عشر يوما. وكذا الحال فيما كان فداؤه بقرة أو شاة.


(1) الوسائل باب 2 من ابواب كفارة الصيد ح 11

[ 233 ]

[ وكفارة الافاضة من عرفات قبل الغروب عامدا (1) وهي بدنة وبعد العجز عنها صيام ثمانية عشر يوما، وكفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى أدمته (2) ونتفها رأسها فيه وكفارة شق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده فانهما ككفارة اليمين. ] وعليه فلو قلنا في مورد بثبوت البدنة كما في كفارة صيد فرخ النعامة على ما أفتى به جماعة ثبت فيه الصيام لدى العجز بمقتضى هذه الصحيحة. وعليه فكان الاحرى على الماتن أن يجعل صيد النعامة مثالا لما ثبتت فيه البدنة وكذا البقر والغزال لا أن يعبر بنحو يكون ظاهرا في الانحصار. (1) فان الواجب هو الوقوف في عرفات من الزوال على المشهور أو بعد ساعة منه على الاقوى إلى الغروب، فلا تجوز الافاضة قبل ذلك. فلو أفاض اثم وإن لم يفسد حجه لكون الركن منه هو مسمى الوقوف وقد حصل ووجبت عليه الكفارة وهي بدنة، وان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما. وهذا مما لا خلاف فيه ولا اشكال كما نطقت به صحيحة ضريس الكناسي (1). (2) على المشهور في الموارد الاربعة المذكورة في المتن من الخدش والنتف، والشق على الزوجة أو الولد، غير أن الخدش في كلمات الاصحاب مطلق غير مقيد بالادماء المذكور في النص - كما ستعرف - ولعلهم أهملوه تعويلا على ما بينهما من الملازمة، فان الخدش يستلزم الادماء غالبا كما نبه عليه في الجواهر.


(1) الوسائل باب 23 من ابواب احرام الحج والوقوف بعرفة ح 3

[ 234 ]

وكيفما كان فقد نسب الخلاف إلى ابن ادريس فانكر وجوب الكفارة في المقام، وانكر هذه النسبة في الجواهر قائلا ان ابن ادريس أفتى بالوجوب استنادا إلى الاجماع المدعى في المقام. وذكر (قده) انه لا خلاف في المسألة إلا من صاحب المدارك حيث ذهب إلى الاستحباب صريحا. وكيفما كان فمستند الحكم رواية خالد بن سدير اخى حنان بن سدير، عن رجل شق ثوبه على أبيه إلى أن قال: وإذا شق زوج على امرأته أو والد على ولده فكفارته حنث يمين، ولا صلاة لهما حتى يكفرا أو يتوبا من ذلك. فإذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا، وفي الخدش إذ أدميت وفي النتف كفارة حنث يمين.. الخ (1). ودلالتها على الحكم ظاهرة ولكن السند ضعيف لجهالة خالد بن سدير، فان هذا الرجل عنونه النجاشي بهذا العنوان من غير أن يذكره بمدح أو قدح مقتصرا على قوله: (له كتاب) لبنائه (قده) على ترجمة كل من له كتاب. وعنونه الشيخ هكذا: خالد بن عبد الله بن سدير، وذكر ان له كتابا ولم يتعرض أيضا لحاله بوجه، وقد ذكر ابن بابويه عن شيخه ابن الوليد ان الكتاب المنسوب إليه موضوع، وضعه محمد بن موسى الهمداني. هذا وقد زعم ابن داود اتحاد الرجلين وانهما شخص واحد، اسند تارة إلى جده، واخرى إلى أبيه. ولاجله حكى اسناد الوضع


(1) الوسائل باب 31 من ابواب الكفارات ح 1

[ 235 ]

المزبور في كلا الموردين. ولكنه كما ترى بعيد غايته، بل لعله مقطوع العدم. فان دعوى الاتحاد وان لم تكن بعيدة في نظائر المقام مما يمكن أن يسند فيه الشخص إلى أبيه تارة وإلى جده أخرى على ما تعرضنا له كثيرا في المعجم، لكنها غير محتملة في خصوص المقام، لتوصيف خالد بن سدير الواقع في السند بانه أخو حنان بن سدير. إذ على تقدير الاتحاد كان هو ابن أخي حنان، وهذا عمه لا انه أخوه بعد وضوح أن حنانا هو ابن سدير من غير واسطة وعليه فخالد بن عبد الله بن سدير شخص آخر وهو ابن أخي خالد بن سدير لا انه هو بنفسه اسند إلى أبيه مرة وأخرى إلى جده. وكيفما كان فالرجل مجهول سواء أكان شخصا واحدا أم شخصين بل هو من الجهالة بمكان إذ لم يذكر له في مجموع الروايات ما عدا هذه الرواية الواحدة المبحوث عنها في المقام، ولاجله كانت الرواية ضعيفة غاية الامر ان المشهور قد عملوا بها فتبتني المسألة على أن ضعف الخبر هل ينجبر بالعمل أو لا؟ وحيث ان الاظهر هو العدم كما هو المعلوم من مسلكنا كان الاوجه ما اختاره صاحب المدارك من انكار الوجوب، ولا يهمنا توصيف صاحب الجواهر هذا المسلك بكونه ناشئا من فساد الطريقة بعد ان ساعده الدليل القاطع حسبما أوضحناه في الاصول. فان هذا لو كان من فساد الطريقة والحال هذه فنحن نلتزم به ولا نتاحشى عنه. وأما الذهاب إلى الاستصحاب المصرح به في كلام صاحب المدارك بعد انكار الوجوب فهو مبني على القول بالتسامح في أدلة السنن. وحيث انا لا نقول به فالاظهر عدم ثبوت الاستحباب الشرعي أيضا،

[ 236 ]

[ ومنها ما يجب فيه الصوم مخيرا بينه وبين غيره (1) وهي كفارة الافطار في شهر رمضان وكفارة الاعتكاف، ] وان كان الاحتياط خروجا عن مخالفة المشهور، بل عن دعوى الاجماع المنقول مما لا ينبغي تركه. ومما ذكرنا يظهر الحال في كفارة جز المرأة شعرها في المصاب التي ذكرها الماتن في القسم الآتي، أعني ما يجب فيه الصوم مخيرا بينه وبين غيره، فان مستندها هي هذه الرواية - المتضمنة للتخيير بين الخصال الثلاث - وقد عرفت حالها. (1) ذكر (قده) لهذا القسم أيضا المحكوم بالتخيير في كفارته بين الخصال الثلاث موارد: منها كفارة جز المرأة شعرها في المصاب التي أشرنا إليها آنفا. ومنها كفارة الافطار في شهر رمضان، وقد تقدم الكلام حولها مستقصى، وعرفت ان في بعض النصوص الامر بالكفارة مرتبة لا مخيرة المحمول على الاستحباب جمعا. ومنها كفارة الاعتكاف، أي الافطار بالجماع في صوم الاعتكاف ومنه تعرف ان في العبارة مسامحة ظاهرة والامر سهل بعد وضوح المراد. وفيها قولان، فالمشهور على أنها مخيرة، وقيل انا مرتبة، ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار الواردة في المقام. ففي موثقتين - لسماعة ولا يبعد كونهما رواية واحدة مروية بطريقين - انها مخيرة ككفارة شهر رمضان. احداهما ما رواه الصدوق عنه قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن معتكف واقع أهله، فقال: هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان، والاخرى ما رواه الشيخ باسناده عنه عن أبي عبد الله

[ 237 ]

عليه السلام قال: سألته عن معتكف واقع أهله، قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا عتق رقبه أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا (1). وبازاء ذلك صحيحتان دلتا على أنها مرتبة كما في كفارة الظهار: احداهما صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المعتكف يجامع أهله، قال: إذا فعل فعليه ما على المظاهر. والاخرى صحيحة أبي ولاد الحناط عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم وهي معتكفة باذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها، فقال: إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضى ثلاثة أيام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فان عليها ما على المظاهر (2). ثم ان موثقة سماعة معتبرة بطريقيها. أما طريق الشيخ فلانه وان رواها باسناده عن علي بن الحسن بن فضال وهو ضعيف بابن الزبير إلا أننا صححنا أخيرا طريق الشيخ إليه بوجه مرت الاشارة إليه في بعض الابحاث السابقة. وملخصه ان الكتاب الذي وصل إلى الشيخ بوساطة شيخه أحمد بن عبدون عن ابن الزبير عن ابن فضال هو الذي وصل إلى النجاشي بعين هذا الطريق فالكتاب واحد لا محالة وقد وصل اليهما بوساطة شيخهما أحمد ابن عبدون وبما أن للنجاشي طريقا آخر إلى هذا الكتاب بعينه وهو صحيح فيحكم بصحة ما عند الشيخ أيضا. وأما طريق الصدوق فصحيح أيضا، وان عبر الاردبيلي عن


(1) الوسائل باب 6 من أبواب الاعتكاف ح 2، 5 (2) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف ح 1، 6

[ 238 ]

طريقه إلى عبد الله بن المغيرة بالحسن من أجل ابراهيم بن هاشم فان هذا غفلة منه (قده) لان له إليه طرقا ثلاثة: بعضها ما ذكره، وفي البعض الآخر ابراهيم بن هاشم وأيوب بن نوح معا، وأيوب هذا ثقة بلا إشكال. نعم لو كان الطريق منحصرا في الاول، أو لم يكن أيوب منضما إلى ابراهيم لتم ما ذكره. وكيفما كان فرواية سماعة موثقة بلا اشكال، وقد عارضتها صحيحتا زرارة وأبي ولاد كما عرفت. وقد جمع المشهور بينهما بحمل الصحيحتين على الاستحباب ويمكن الخدش فيه بان الموثقة غير صريحة في التخيير لجواز أن يكون المراد من قوله: بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان، وكذا قوله: عليه ما على الذي.. الخ. انهما متماثلان في ذات الكفارة والفرد المستعمل في مقام التكفير، وأما كيفية التكفير من كونه على سبيل الترتيب أو التخيير فغير صريحة فيها غايته انها ظاهرة بمقتضى الاطلاق في الثاني فيمكن رفع اليد عنه بصراحة الصحيحتين في انها كفارة الظهار؟ التي لا شك أنها على سبيل الترتيب فتكون الصحيحتان مقيدتين لاطلاق الموثقة، وتكون نتيجة الجمع بعد ارتكاب النقييد ان الكفارة هي كفارة الظهار. ولكنه يندفع بان ارتكاب التقييد مبني على تقديم ظهور المقيد على المطلق الذي هو من فروع تقديم ظهور القرينة على ذيها حيث أن المقيد بمثابة القرينة للمراد من المطلق عرفا بحيث لو جمعا في كلام واحد لم يبق العرف متحيرا ولا يرى بينهما تهافتا، كما لو قلنا في جملة واحدة اعتق رقبة، واعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة، فما هو قرينة حال الاتصال قرينة حال الانفصال، غاية الامر ان الاول مصادم للظهور،

[ 239 ]

والثاني مصادم للحجية بعد انعقاد أصل الظهور. فلاجل هذه النكتة يتقدم ظهور المقيد على المطلق حسبما فصلنا القول حوله في الاصول. وهذا الضابط كما ترى غير منطبق على المقام، إذ لو جمعنا بين الروايتين في الكلام وقلنا ان عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان وعليه ما على المظاهر لكان الكلام متدافعا وبقي العرف متحيرا لتناقض الصدر مع الذيل من غير تعيين أحدهما في القرينية، إذ كما يمكن أن يكون الثاني قرينة للاول بأن يراد به المماثلة في ذات الكفارة دون الكيفية كما مر يمكن العكس بأن يكون الاول قرينة للمراد من الثاني وانه الاستحباب كما ذكره المشهور لا الوجوب. فالانصاف ان الطائفتين متعارضتان ولا يمكن الجمع العرفي بينهما بوجه. ومع ذلك فالاقوى ما ذكره المشهور من انها كفارة الافطار في شهر رمضان دون الظهار. إما لترجيح موثقة سماعة على الصحيحتين نظرا إلى مخالفتها للعامة ولو في الجملة، حيث انهم اختلفوا في هذه المسألة. فعن جماعة منهم إنكار الكفارة رأسا فلا تترتب على جماع المعتكف عدا الحرمة الثابتة بنص الآية، ولا ملازمة بين التحريم والتكفير كما هو ظاهر. وعن آخرين ثبوتها وهم بين من يقول بأنها كفارة يمين، ومن يقول بأنها كفارة ظهار. وأما أنها كفارة شهر رمضان فلم يذهب إليه أحد منهم ولاجله كانت الموثقة أبعد منهم فكانت أقرب إلى الصواب وإما لانه بعد التعارض والتساقط يرجع إلى الاصل العملي ومقتضاه البراءة عن التعيين فان المقام من مصاديق الدوران بين التعيين والتخيير، وقد اختلف في هذه الكبرى على قولين حسبما بيناه في الاصول فمنهم من ذهب إلى التعيين نظرا إلى قاعدة الاشتغال إذ لا يحرز الخروج

[ 240 ]

[ وكفارة النذر (1)، ] عن عهدة التكليف المعلوم بالاجمال إلا بالاتيان بما يحتمل تعيينه. ومنهم من ذهب إلى التخيير - وهو الصحيح - إذ لم يعلم تعلق التكليف إلا بالجامع وأما خصوصية الفرد المحتمل تعينه كالعتق في المقام فتعلق التكليف به مشكوك من أصله، وهي كلفة زائدة مجهولة فيدفع بأصالة البراءة أما عقلا وشرعا كما هو الصحيح، أو شرعا فقط بناء على ما سلكه صاحب الكفاية من انكار جريان البراءة العقلية في باب الاجزاء والشرائط. فتحصل ان الاظهر ما عليه المشهور من انها كفارة شهر رمضان، فهي مخيرة لا مرتبة كما في الظهار وان كان الافضل ذلك كما تقدم في كفارة شهر رمضان للنص المحمول عليه فلاحظ. (1) تقدم الكلام حول هذه الكفارة سابقا عند البحث عن موجبات الكفارة. وملخصه: ان الاقوال في المسألة ثلاثة فقيل ولعله المشهور انها كفارة الافطار في شهر رمضان، وذهب جمع منهم المحقق إلى انها كفارة اليمين. وقيل بالتفصيل بين ما لو تعلق النذر بالصوم وحنث فكفارة شهر رمضان والا فكفارة اليمين، استحسنه صاحب الوسائل بعد أن نقله عن جمع من الاصحاب جمعا بين الاخبار. ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار ففي جملة منها انها كفارة اليمين كصحيحة الحلبي: إن قلت لله علي فكفارة يمين (1) ونحوها غيرها.


(1) الوسائل باب 23 من ابواب الكفارات ح 1

[ 241 ]

وفي صحيح جميل بن دراج عن عبد الملك بن عمرو انها كفارة رمضان قال: سألته عمن جعل لله عليه ان لا يركب محرما سماه فركبه، قال: لا، ولا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكينا) (1). وأما صحيحة ابن مهزيار: (.. رجل نذر أن يصوم يوما فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفارة؟ فكتب إليه يصوم يوما بدل يوم وتحرير رقبة مؤمنة (2). فظاهرها وهو تعين العتق مقطوع العدم إذ لم يقل به أحد من الاصحاب، فلابد من تأويله بكونه عدلا للواجب التخييري. وحينئذ فكما يمكن أن يكون عدلا للتخيير في كفارة رمضان يمكن أن يكون عدلا له في كفارة اليمين لتساويهما من هذه الجهة، فلا شهادة لهذه الصحيحة بشئ من القولين. والاقوى انها كفارة اليمين لسلامة نصوصها المستفيضة عما يصلح للمعارضة، فان المعارض، انما هو صحيح جميل كما عرفت، وهي غير نقية السند. نعم هي صحيحة إلى جميل، وأما من بعده أعني عبد الملك ابن عمرو فلم يرد فيه أي توثيق عدا ما رواه هو بنفسه عن الصادق عليه السلام انه دعا له ولدابته وهذا كما ترى غير صالح للتوثيق، فانه عليه السلام يدعو لجميع المؤمنين والمؤمنات على أنه لا يمكن اثبات التوثيق بما يرويه هو بنفسه كما هو ظاهر. ومما ذكرنا يظهر ضعف التفصيل بين الصوم وغيره الذي جعل وجها للجمع بين الاخبار كما مر، فان رواية جميل وان تضمنت كفارة


(1) الوسائل باب 23 من ابواب الكفارات ح 7 (2) الوسائل باب 23 من ابواب الكفارات ح 2

[ 242 ]

[ والعهد (1)، وكفارة جز المرأة شعرها في المصاب فان كل هذه مخيرة بين الخصال الثلاث على الاقوى ] رمضان لكن موردها ليس هو الصوم وان حملوها عليه مضافا إلى ضعفها كما عرفت. نعم مورد صحيحة ابن مهزيار ذلك، وكأنهم فهموا من العتق المذكور فيها ان المراد به ما هو عدل في كفارة شهر رمضان. ولاجله رأوا أن مقتضى الجمع بين الاخبار هو التفصيل المزبور، لكنك عرفت اجمال الصحيحة من هذه الجهة، إذ كما ان العتق عدل لما ذكر كذلك هو عدل في كفارة اليمين، فلم يظهر لهذا التفصيل أي مستند يعول عليه. (1) لروايات ثلاث: احداها ما رواه الشيخ باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل عاهد الله في غير معصية ما عليه ان لم يف بعهده؟ قال: (يعتق رقبة أو يتصدق بصدقة أو يصوم شهرين متتابعين) (1). أما من حيث السند فالظاهر انها معتبرة، فان المراد بمحمد بن أحمد المذكور في أول السند هو محمد بن أحمد بن يحيى كما صرح به في الاستبصار وتبعه في الوسائل، وان لم يقيده به في التهذيب. وأما العمركي فهو من الثقات الاجلاء. نعم محمد بن أحمد العلوي، أو الكوكبي، أو الهاشمي لم يوثق في كتب الرجال صريحا، ولكن النجاشي عند ترجمة العمركي والثناء عليه قال: روى عنه شيوخ أصحابنا منهم عبد الله بن جعفر الحميري،


(1) الوسائل باب 24 من ابواب الكفارات ح 1

[ 243 ]

وظاهر هذا التعبير انهم من الاكابر والاجلاء الممدوحين نظراء عبد الله ابن جعفر. ثم انه (قده) ذكر طريقه إلى كتاب العمركي وقد اشتمل الطريق على العلوي المزبور، فيظهر منه بعد ضم الكبرى إلى الصغرى انه من شيوخ الاصحاب. وعليه فتكون روايته معتبرة، ولا أقل من انها حسنة. ويؤيده ان الوليد لم يستثنه ممن يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى فكان فيه نوع اشعار بل شهادة على التوثيق وان كان هذا محل تأمل بل منع ذكرناه في محله. هذا مع ان الرجل مذكور في اسناد تفسير علي بن ابراهيم وقد بنينا على وثاقة من وقع في هذا الاسناد كالواقع في إسناد كامل الزيارات إلا ما خرج بالدليل. فلا ينبغي التأمل في اعتبار الرواية. وأما من حيث الدلالة فهي أيضا ظاهرة، فان الصدقة وان كانت مطلقة إلا أن المراد بها بقرينة ذكر العدلين أعني العتق وصيام الشهرين هي الصدقة المعروفة. أي اطعام الستين كما فهمه الاصحاب، ويؤيده التصريح به في الرواية الآتية. الثانية رواية أبي بصير عن أحدهما عليه السلام قال: من جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر لله طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا (1) ولكنها ضعيفة السند بحفص بن عمر الذي هو بياع السابري على ما صرح به في التهذيب (2) فانه لم يوثق وان كان والده وهو عمر بن محمد بن يزيد ثقة جليلا كما


(1) الوسائل باب 24 من ابواب الكفارات ح 2 ج 15 ص 577 (2) ج 8 ح 1170

[ 244 ]

نص عليه النجاشي. نعم المذكور في الاستبصار (1) حفص عن عمر بياع السابري بدل حفص بن عمر وهو أيضا مجهول. وكيفما كان فلا تصلح الرواية إلا للتأييد. الثالثة ما رواه صاحب الوسائل في آخر كتاب النذر عن أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبي جعفر الثاني عليه السلام: في رجل عاهد الله عند الحجر ان لا يقرب محرما أبدا فلما رجع عاد إلى المحرم، فقال أبو جعفر عليه السلام: (يعتق أو يصوم أو يتصدق على ستين مسكينا وما ترك من الذنب أعظم ويستغفر الله ويتوب إليه) (2). وقد صرح فيها بالتصدق على ستين مسكينا فتكون شارحة للمراد من الصدقة في رواية علي بن جعفر المتقدمة من غير حاجة إلى ضم القرينة الخارجية، التي تقدمت الاشارة إليها. نعم الصوم المذكور هنا مجمل ولكن يفسره التصريح بالستين في تلك الرواية فكل من فقرتي الروايتين قرينة للمراد من تلك الفقرة من الرواية الاخرى: والرواية هذه صحيحة السند فان أحمد بن محمد بن عيسى ثقة عظيم المنزلة جليل القدر، له كتب عديدة منها كتاب النوادر وطريق صاحب الوسائل إليه صحيح فانه ينتهي إلى الشيخ، وطريق الشيخ إليه طريق صحيح. وهو (قده) من أصحاب الرضا والجواد والهادي عليهم السلام وان لم نعثر على روايته عن الاول كما ان روايته عن الثاني قليلة جدا بل لم يرو عنه عليه السلام في نوادره ما عدا هذه الرواية، كما انه لم


(1) ج 4 ح 187 (2) الوسائل باب 25 كتاب النذر ح 4

[ 245 ]

[ وكفارة حلق الرأس في الاحرام (1) وهي دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو التصدق على ستة مساكين لكل واحد مدان ومنها ما يجب فيه الصوم مرتبا على غيره مخيرا بينه وبين غيره. ] يرو عنه عليه السلام في غيره الا رواية واحدة أيضا ذكرها في التهذيب (1) وفي الاستبصار (2) فمجموع ما رواه عن الجواد عليه السلام ليس إلا هاتين الروايتين. وكيفما كان فالرواية معتبرة مؤكدة لصحيحة ابن جعفر المتقدمة. (1) كما يشهد للتخيير المذكور في المنن قوله تعالى: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) (3) المفسر في جملة من النصوص بما اثبته في المتن التي عمدتها صحيحة زرارة (4) المؤيدة برواية حريز (5) حيث أنها وان كانت صحيحة بطريق الشيخ ولكنها مرسلة في طريق الكليني (قده) وحيث لا يحتمل تعدد الرواية سيما بعد وحدة الراوي عن حريز وهو حماد فلا جرم يتعارض الطريقان ومن ثم لا تصلح إلا للتأييد.


(1) التهذيب ج 5 ص 908 (2) الاستبصار ج 2 ص 298 (3) البقرة آية 196 (4) الوسائل باب 14 من بقية كفارات الاحرام ح 3 (5) الوسائل باب 14 من بقية كفارات الاحرام ح 1

[ 246 ]

[ وهي كفارة الواطئ امته المحرمة باذنه (1) فانها بدنة أو بقرة ومع العجز فشاة أو صيام ثلاثة أيام. ] (1) كما دلت عليه موثقة اسحاق بن عمار المتضمنة للتفصيل بين ما لو أحرمت باذنه أو بدون الاذن وانه لا شئ عليه على الثاني، وعلى الاول يفصل بين الموسر والمعسر، أي القادر والعاجز حسبما ذكره في المنن، قال: قلت لابي الحسن موسى عليه عليه السلام: أخبرني عن رجل محل وقع على أمة له محرمة إلى أن قال عليه السلام: إن كان موسرا وكان عالما انه لا ينبغي له وكان هو الذي أمرها بالاحرام فعليه بدنة، وان شاء بقرة، وان شاء شاة. وان لم يكن أمرها بالاحرام فلا شئ عليه، موسرا كان أو معسرا، وان كان أمرها وهو معسر فعليه دم شاة أو صيام (1). وقد تضمنت الموثقة التخيير بين أمور ثلاثة: بدنة أو بقرة أو شاة، وقد اقتصر في المتن على الاوليين ولا وجه له بعد اشتمال النص على الثالث وكونه مفتى به عند الاصحاب. ثم ان الصيام المذكور في النص مطلق غير محدود بحد فهو قابل للانطباق حتى على اليوم الواحد، إلا أن المستفاد من الروايات التي منها صحيحة زرارة الواردة في الحلق المشار إليها آنفا ان بدل التصدق بالشاة انما هو صيام ثلاثة أيام كما فهمه الاصحاب فاحتمال الاكتفاء باليوم الواحد كما في الجواهر ضعيف لا يعبأ به.


(1) الوسائل باب 8 من كفارات الاستمتاع ح 2

[ 247 ]

[ (مسألة 1) يجب التتابع في صوم شهرين (1) من كفارة الجمع أو كفارة التخيير ويكفى في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الاول ويوم من الشهر الثاني، ] (1) لا اشكال في وجوب التتابع فيما وجب كفارته صوم شهرين سواء أكانت كفارة مخيرة كشهر رمضان أم مرتبة كالظهار، أو كفارة جمع كالقتل العمدي للتقييد به في أدلتها من الكتاب والسنة حسبما مرت الاشارة إليها. وإنما الكلام فيما يتحقق به التتابع. لا ريب ان مقتضى الادلة الاولية لزوم مراعاته في تمام اجزاء الشهرين بان يكون كل يوم عقيب اليوم الآخر بلا فصل إلى آخر الستين كما هو المفهوم من لفظ التتابع عرفا، فإذا قيل صام زيد شهرين أو سنتين أو اسبوعين متتابعين، أو تعلق الامر بذلك فهو ظاهر في حصوله بين تمام الاجزاء. إلا أن هناك نصوصا عمدتها صحيحة الحلبي قد دلت صريحا على كفاية صيام شهر واحد وبعض من الشهر الثاني ولو يوما واحدا. فإذا فعل ذلك ساغ له التفريق بين بقية الشهر الثاني حتى عامدا، وبذلك يحصل التتابع المأمور به بين الشهرين، فكان المراد التتابع بين عنوان الشهرين لا بين تمام أجزائهما. فهي إذا بمفهومها المطابقي تكون حاكمة على الادلة الاولية وشارحة للمراد منها. روى الكليني بسنده الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام عن قطع صوم كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة القتل فقال: ان كان على رجل صيام شهرين متتابعين والتتابع أن يصوم شهرا ويصوم من الآخر

[ 248 ]

[ وكذا يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين (1) ] شيئا أو أياما. الخ (1) ومحل الاستشهاد من الصحيح هو هذا المقدار الذي اثبتناه. وأما ما تضمنه بعد ذلك من التعرض لحكم من أفطر عن عذر أو غير عذر فهو حكم آخر نتعرض له عند تعرض الماتن له فيما بعد. وعلى الجملة فلا إشكال في المسألة بعد أن أفتى المشهور على طبق الصحيحة، بل الظاهر انه مما لا خلاف فيه. وأما ما نسب إلى الشيخين والسيدين من حصول الكفارة بذلك مع كونه آثما في التفريق لو كان عامدا فغريب جدا إذ لم يظهر له أي مستند. فانا إذا بنينا على اعتبار صحيحة الحلبي وعملنا بمفادها ولاجله حكمنا بحصول الكفارة لكونها حاكمة وشارحة كما مر، فما هو الموجب للاثم بعد أن أتى المكلف بما هو الوظيفة المقررة في حقه من الاتيان بالتتابع على هذه الكيفية، قتضى دلالة الصحيحة، وان لم نعمل بها فهو وان كان آثما حينئذ كما ذكر الا أن الكفارة أيضا لم تحصل والذمة بعد لم تفرغ، فلابد من الاعادة لعدم تحقق المتابعة الموجب لعدم حصول الكفارة على وجهها. فالتفكيك بين الامرين با لتزام بالاثم وعدم الحاجة إلى الاعادة لم يعرف له وجه أبدا. بل إما لا أثم ولا إعادة، أو انه آثم وعمله باطل، والصحيح هو الاول حسبما عرفت. (1) على المشهور وناقش فيه غير واحد بان اعتبار التتابع هنا خلاف اطلاق الدليل بعد أن لم يكن الامر بالصوم بنفسه مقتضيا له،


(1) الوسائل باب 3 من بقية الصوم الواجب ح 9

[ 249 ]

ولذا قيدت نصوص الشهرين بالتتابع، فلو كان هذا مأخوذا في المفهوم لكان القيد توضيحيا وهو خلاف الاصل. وأجيب عنه تارة بما أرسله المفيد في المقنعة بعد تصريحه بالتتابع من مجئ الآثار عنهم عليهم السلام بذلك، ولكنه لم تصل لدينا من تلك الآثار والاخبار ولا رواية واحدة صحيحة ولا ضعيفة. إذ لم نعثر على أي خبر يدل على اعتبار التتابع في المقام. ومن هنا قد يقوى في الظن ان هذه الدعوى منه (قده) مبنية على الغفلة والاشتباه. والمعصوم من عصمه الله. ومع الغض عما ذكر فغايته انها رواية مرسلة ولا اعتماد على المراسيل وأخرى بما ذكره في الجواهر من أن المأمور به ليس مطلق الثمانية عشر ليطالب بالدليل على اعتبار التتابع، بل ما كان جزء من الشهرين حيث يظهر من دليلها ان المراد الاقتصار على هذا المقدار بدلا عن الاصل فاسقط الزائد لدى العجز ارفاقا وتخفيفا على المكلفين فتكون متتابعة لا محالة لاعتبارها إلى واحد وثلاثين يوما فتكون معتبرة في ثمانية عشر يوما منها بطبيعة الحال. ويندفع أولا بابتنائه على كون الثمانية عشر بدلا عن صيام الشهرين وهو غير ثابت، ومن الجائز كونه بدلا عن إطعام الستين، بل قد صرح بذلك في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام، ولم يقدر على العتق، ولم يقدر على الصدقة، قال: (فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام) (1) حيث ان صيام الثلاثة معادل لاطعام العشرة في كفارة اليمين فلا محالة يكون معادل


(1) الوسائل باب 9 من ابواب بقية الصوم ح 1

[ 250 ]

[ بل هو الاحوط في صيام ساير الكفارات (1) وان كان في وجوبه فيها تأمل وإشكال. ] اطعام الستين صيام الثمانية عشر فهو بدل عن الاطعام لا الصيام. وثانيا مع التسليم فانما يتجه ما ذكره (قده) لو كان هذا العدد بدلا عن الثمانية عشر الواقعة في مبدء الشهرين ومن الجائز كونه بدلا عما وقع في آخر الشهر الثاني أو وسطه، أو ما تلفق من الشهرين، فان جزء الشهرين طبيعي الثمانية عشر القابل للانطباق على كل ذلك، ومهما احتسبنا الجزئية واعتبرناها كان ما عداها زائدا قد أسقط ارفاقا فلا يتعين احتساب العدد المزبور من الشهر الاول ليشمله دليل التتابع كما لا يخفى. فتحصل ان الاظهر عدم اعتبار المتابعة في المقام لعدم الدليل عليه والاصل البراءة، وان كان الاحوط رعايتها حذرا عن مخالفة المشهور (1) كما هو المشهور أيضا بين الاصحاب، قال المحقق (قده) في الشرايع: انه يعتبر التتابع في جميع أقسام الصيام ما عدا موارد أربع: صوم النذر وأخويه من العهد واليمين فانه يتبع قصد الناذر في التتابع وعدمه، وصوم قضاء شهر رمضان، وصوم ثمانية عشر بدل البدنة الواجبة في كفارة الصيد، وصوم سبعة أيام بدل الهدي دون الثلاثة المكملة للعشرة. ففي هذه الموارد المستثناة يجوز التفريق حتى اختيارا، وما عدا ذلك مما يجب فيه الصوم مدة من ثلاثة أيام أو ثمانية عشر أو شهرين ونحو ذلك يجب فيه التتابع. واستدل له في الجواهر بانصراف الاطلاق إلى التتابع، فانه المنسبق عرفا من الصوم مدة من شهر أو سنة ونحوهما المؤيد بفتوى الاصحاب

[ 251 ]

بذلك. وهذا نظير ما ذكروه في ثلاثة الحيض، والاعتكاف، وعشرة الاقامة من اعتبار الاتصال والتوالي. فان المستند في الكل هو الانصراف المزبور. وأيده بما رواه الصدوق في العلل عن الفضل بن شاذان من تعليل التتابع في الشهرين بقوله: (وانما جعلت متتابعين لئلا يهون عليه الاداء فيستخف به، لانه إذا قضاه متفرقا هان عليه القضاء واستخف بالايمان (1) فان موردها وان كان كفارة الافطار في شهر رمضان إلا أنه يظهر من العلة عموم الحكم لكل كفارة وانها مبنية على التصعيب والتشديد كيلا تهون عليه المخالفة ولا يستخف بها. وقد أمضى (قده) ما ذكره المحقق واعترف به حيث قال (قده) أخيرا ما لفظه: (وحينئذ بان أن الكلية المزبورة في محلها في المعظم أو الجميع) (2). أقول: يقع الكلام تارة في أصل الكلية، وأخرى فيما ذكره من موارد الاستثناء. أما دعوى الكلية فلا تمكن المساعدة على اطلاقها، والانصراف المزبور بحيث يستند إلى حاق اللفظ لدى الاطلاق مما لم نتحققه. نعم ربما يستفاد التتابع من القرائن الخارجية أو الداخلية. وأما مع التجرد عنها وملاحظة نفس الامر المتعلق بالصوم مدة من الزمن من حيث هو، فلا يكاد ينصرف إلى التوالي والتتابع بوجه. ومما يرشدك إلى ذلك ملاحظة الجمل الخبرية، فإذا قلت: أقمنا في مشهد الرضا عليه السلام عشرة أيام، فهل ينصرف اللفظ إلى


(1) الوسائل باب 2 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 1 (2) راجع الجواهر ج 17 ص 68

[ 252 ]

الاقامة المتوالية، بحيث لو كنت قد خرجت خلالها إلى قرية وبت ثمة ليلة أو ليلتين وكان مجموع المكث في نفس البلد عشرة لم يسغ لك التعبير المزبور. أو لو استأجرت دارا وسكنت فيها سنة ثم خرجت وبعد شهرين مثلا استأجرتها ثانيا سنة أخرى وسكنت فيها ثم أخبرت انى سكنت الدار الفلانية سنتين، أفهل ينصرف اللفظ إلى المتتابعتين بحيث يكون الاخبار المزبور على خلاف منصرف الكلام. ولا ينبغي التأمل في عدم الفرق في ذلك بين الجمل الخبرية والانشائية. وعلى الجملة فدعوى الانصراف عرية عن الشاهد يدفعها اطلاق الكلام ولا شهادة في فتوى الاصحاب كما لا يخفى. كما لا شهادة في الموارد التي ذكرها ضرورة ان التتابع فيها مستفاد من القرائن الخارجية أو من نفس أدلتها. أما ثلاثة الحيض فللتصريح في دليله بان أقل الحيض ثلاثة، وأكثره عشرة. فان مثل هذا التعبير الوارد في مقام التحديد ظاهر في إرادة الاتصال والاستمرار كما لا يخفى. وأوضح حالا ثلاثة الاعتكاف للزوم المكث في المسجد وبطلانه بالخروج لا لعذر قبل استكمال الثلاثة وهذا بنفسه كما ترى يستلزم التتابع والتوالي. وكذا الحال في عشرة الاقامة لوضوح ان لكل سفر حكما يخصه وهو موضوع مستقل بحياله. فالمراد بقاطعية الاقامة للسفر أو لحكمه كونها كذلك بالنسبة إلى هذا السفر الخاص حينما دخل البلدة كما يكشف عنه قوله عليه السلام: (انا دخلت بلدة وأزمعت المقام عشرة أيام.. الخ) لا هو مع السفر اللاحق. وهذا بنفسه يستدعي

[ 253 ]

الاتصال والاستمرار إذ لو سافر أثناء العشرة فخرج ثم دخل فهذا سفر جديد له حكم مستقل مغاير لسابقه. وعلى الجملة لابد من قصر النظر على كل سفر بخصوصه وملاحظته بنفسه، فان أقام فيه في مكان عشرة أيام انقلب القصر إلى التمام وإلا بقى على قصره. وهذا يستلزم التتابع بطبيعة الحال، وكذا الحال في المتردد ثلاثين يوما كما يكشف عنه قوله عليه السلام: غدا أخرج أو بعد غد. وأما الاستشهاد برواية العلل ففيه أولا ان موردها كفارة الافطار في شهر رمضان، ولعل لهذا الشهر خصوصية استدعت مزيد الاهتمام بشأنه كما لا يبعد نظرا إلى أن الصوم في شهر رمضان مما بني عليه الاسلام، فهو من دعائم الدين وأركانه كما في الحديث. ولاجله كانت كفارته مبنية على التصعيب والتشديد، فلا يقاس به غيره، فلا وجه للتعدي إلى صيام ساير الكفارات. وغاية ما هناك ان يتعدى إلى خصوص صوم الثمانية عشر يوما بدل الشهرين من كفارة الافطار في شهر رمضان المخيرة، على كلام فيه قد تقدم، وحاصله منع البدلية عن الشهرين، بل هو بدل عن الجامع بين الخصال، أعني العتق والصيام، والاطعام لدى العجز عنه فانه الواجب لا الفرد بخصوصه، أو انه بدل عن خصوص الاطعام كما تضمنه النص حسبما مر. وعلى أي حال فليس هو بدلا عن الشهرين هنا، وانما يكون بدلا عنهما في موردين فقط: احدهما كفارة الظهار لدى العجز عن العتق وعن الاطعام وانتهاء النوبة بمقتضى الترتيب إلى الصيام. والآخر كفارة الجمع في قتل العمد، فانه لو عجز عن صيام

[ 254 ]

الشهرين في هذين الموردين يجب عليه صوم ثمانية عشر بدلا عن ذلك وكيفما كان فالتعدي عن مورد الرواية لا مقتضي له بوجه. وثانيا انها ضعيفة السند لضعف طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان، فان له إليه طريقين كلاهما ضعيف أحدهما بعبد الواحد بن عبدوس وابن قتيبة، والآخر بجعفر بن علي بن شاذان. فتحصل لحد الآن ان ما ادعاه (قده) من اعتبار التتابع لا دليل عليه، والاطلاقات تدفعه، بل قد قام الدليل على العدم وهو صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين (1) فكل مورد ثبت فيه اعتبار التتابع يخصص، وفي ما عداه يتمسك بعموم العام، بل لا يبعد أن لا تكون ناظرة إلى مثل التتابع في الشهرين المنصوص عليه في الكتاب والسنة، وكيفما كان فلا ضير في العمل بعموم الصحيحة بعد قوة السند ووضوح الدلالة، ولا وجه لما صنعه في الجواهر من الحمل على إرادة التفرقة على بعض الوجوه مثل فرض العذر ونحوه فانه تصرف في ظاهر اللفظ بلا موجب ومن غير قرينة تقتضيه كما لا يخفى. ومما ذكرنا تعرف اعتبار التوالي في ثلاثة أيام في كفارة اليمين للتصريح به في هذه الصحيحة وغيرها كصحيح الحلبي (صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات ولا تفصل بينهن) (2) وصحيحة علي ابن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن كفارة صوم اليمين أيصومها جميعا أو يفرق بينها؟ قال: يصومها جميعا (3). وكان على الماتن التعرض له إذ لا وجه لاهماله بعد فتوى الاصحاب


(1) الوسائل باب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 1 (2) الوسائل باب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 4 (3) الوسائل باب 12 من ابواب الكفارات ح 8

[ 255 ]

[ (مسألة 2) إذا نذر صوم شهر أو اقل أو أزيد لم يجب التتابع (1) الا مع الانصراف أو اشتراط التتابع فيه. ] به ودلالة النصوص المعتبرة عليه حسبما عرفت (1) قدمنا الكلام حول الكلية التي ادعاها في الشرايع. وأما الكلام في الموارد الاربع التي استثناها عنها. فأحدها ما تعرض له الماتن في هذه المسألة من النذر فلا يجب فيه التتابع ما لم يتقيد المنذور به كما هو المشهور. والوجه فيه ظاهر، فان وجوب الوفاء بالنذر لم يكن حكما ابتدائيا ليتكلم في دلالته في أمثال المقام على التتابع وعدمه وانما هو تابع لكيفية نذر الناذر وما قصده وجعله على نفسه، فان قصده مقيدا بالتتابع وجبت رعايته وفاء لنذره، ولا يجزى معه التفريق والا أتى به كيفما شاء. كما هو الحال في غير الصيام من الصلاة والصدقة ونحوهما. فلو نذر ان يصلي هذه الليلة خمسين ركعة مثلا جاز له التفريق طول الليل ان لم يقيد نذره بالمتابعة، والا وجبت متتالية. ولا عبرة هنا بالانصراف العرفي أيضا، فإذا كان قصده الاعم لم تجب المتابعة وان لم يصرح به بل اطلق اللفظ وكان منصرفا عرفا إلى التتابع لان العبرة بقصده لا بلفظه، والمفروض انه قصد الاعم منه ومن التفريق و هذا ظاهر. ولكن نسب الخلاف إلى ابي الصلاح وانه ان نذر صوم شهر مطلقا فشرع فيه وجب عليه الاتمام. وهذا كما ترى لم يظهر له أي وجه عدا ما احتمله الشيخ (قده) في رسائله وجها لما نسب إلى بعضهم من عدم جواز ابطال العمل ورفع اليد عنه استنادا إلى قوله تعالى: ولا تبطلوا اعمالكم. وقد أشرنا إلى فساده في محله وان الآية المباركة نظير الآية الاخرى: (ولا تبطلوا

[ 256 ]

صدقاتكم بالمن والاذى) ناظرة إلى عدم الاتيان بشئ يوجب بطلان العمل السابق بحبط ونحوه، لا انه متى شرع يجب عليه الاتمام المستلزم حينئذ لتخصيص الاكثر كما لا يخفى. على أن صدق الابطال في المقام يتوقف على اعتبار المتابعة وهو أول الكلام. ومما ذكرنا يظهر انه لا وجه لما نسب إليه (قده) حتى في النذر المشروط فيه التتابع فضلا عن المطلق لان متعلق النذر كلي طبيعي لا محالة. فله رفع اليد عن هذا الفرد والاتيان بفرد آخر متتابعا وهذا ظاهر. ونسب إلى ابني زهرة والبراج انه إذا نذر صوم شهر أو أكثر فشرع ثم حدث في البين عارض غير اختياري جاز له بعد زواله البناء على ما كان، وأما لو رفع اليد اختيارا فان كان قد تجاوز النصف جاز له البناء أيضا وإلا وجب على الاستيناف، فكأن النصفين من شهر واحد بمثابة الشهرين. فكما يكتفى هناك في حصول التتابع بصوم شهر وشئ من الشهر الثاني، فكذا يكتفى في المقام برعاية الاتصال في النصف الاول وجزء من النصف الثاني. ونسب هذا القول إلى المفيد أيضا ولكنه - كما في الجواهر - لم يصرح بانه وان لم يشترط التوالى كما صرحا (قدس سرهما) بذلك. وهذا أيضا لم يعرف وجهه، إذ بعد أن لم يكن المنذور مشروطا بالتتابع فلماذا لا يسوغ رفع اليد اختيارا حتى قبل النصف، رأي فرق في ذلك بين الاختياري وغيره. نعم يمكن حمل كلام المفيد على ما إذا كان قد اشترط التوالي وكأن هنا نوع ارفاق من الشارع بأنه ان كان العارض غير اختياري يبني وإلا يفصل حينئذ بين النصف الاول والثاني. وكيفما كان فكل هذا لا دليل عليه.

[ 257 ]

نعم هنا رواية واحدة إلا انها تنطبق على ما ذكروه، وهي ما رواه الكليني والصدوق بسندهما عن موسى بن بكر - وفي الجواهر (1) (بكير) بدل (بكر) وهو غلط من النسخة أو الطبعة - عن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له امر، فقال: (ان كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي، وان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما) (2). ورواها الشيخ أيضا باسناده عن الكليني ولكن باسقاط الفضيل، والظاهر انه سقط من قلمه الشريف، إذ هو (قده) لم يروها بنفسه مستقلا كي يمكن ان يقال انه رواها موسى بن بكر تارة مع الواسطة، واخرى بدونها، بل؟ رواها عن الكليني كما عرفت. والمفروض ان الكافي لم يروها الا مع الواسطة. ورواها أيضا بطريق آخر مع وساطة فضيل ولكن عن أبي جعفر عليه السلام. وكيفما كان فهي مروية تارة عن الصادق عليه السلام إما مع الواسطة كما في الكافي والفقيه، أو بدونها كما في التهذيب، وأخرى عن الباقر عليه السلام مع الواسطة. ومضمونها كما أشرنا لا ينطبق على ما ذكروه، إذ لم يفصل فيها بين الاختياري وغيره، بل لا يبعد ظهور لفظة (عرض) في عدم الاختيار أو الاعم منه كالسفر الاختياري. وكيفما كان فهي وان تضمنت التفصبل بين النصفين إلا انها لم تفصل في العارض بين الاختياري وغيره.


(1) ج 17 ص 72 (2) الوسائل باب 5 من بقية الصوم الواجب حديث 1

[ 258 ]

وأما نفس الرواية فلابد من حملها على نذر الصوم مع شرط التتابع، إذ مع الاطلاق يجوز التفريق مطلقا حتى اختيارا فضلا عن غيره. فلا وجه للاستيناف، ويبعد جدا بحسب الفهم العرفي ان يحكم في فرض الاطلاق بالاعادة والاستيناف الذي هو حكم على خلاف ما قصده الناذر وجعله على نفسه لما تقدم من ان الوجوب الناشئ من قبل النذر لم يكن حكما استقلاليا، بل هو تابع لكيفية قصد الناذر ونيته. على ان سند الرواية غير خال عن نوع من الاشكال، فان موسى ابن بكر لم يرد فيه توثيق ولا مدح غير ما رواه بنفسه من أن الصادق عليه السلام علمه بعد أن رأى عليه السلام فيه ضعفا وصفرة أن يأكل اللحم كبابا لا طبيخا. وهذا كما ترى لا دلالة فيه على شئ منهما. نعم روى في الكافي بسند معتبر عن جعفر بن - سماعة وهو جعفر ابن محمد بن سماعة الثقة - إنه كان يقول: لابد في الخلع من انضمام صيغة الطلاق، وانه كان يحتج في ذلك برواية موسى بن بكر عن أبي ابراهيم عليه السلام، فيظهر منها انه كان يعمل بروايته. ولكنا ذكرنا غير مرة ان العمل من أحد كابن الوليد وغيره، وكذا الصدوق حيث يقول لا أذكر الا ما كان حجة بيني وبين ربي لا يدل على حجية الرواية في نفسها ولا يكشف عن وثاقة الراوي بوجه، إذ لا ندري لعل العامل كان معتمدا على أصالة العدالة كما هو غير بعيد في كثير من القدماء حيث كانوا يكتفون بكون الراوي مؤمنا اثنى عشريا لم يظهر منه فسق. فاعتماد جعفر بن سماعة أو ابن الوليد أو غيرهما على رواية مع عدم العلم بما يعتبرونه في حجية الرواية لا يكون حجة لنا، بل مناط الحجية عندنا منحصر في أحد أمرين: إما ثبوت وثاقة

[ 259 ]

[ (مسألة 3) إذا فاته النذر المعين أو المشروط فيه التتابع فالاحوط في قضائه التتابع أيضا (1) ] الراوي، أو كونه ممدوحا حسن الظاهر، وأما مجرد عدم رؤية الفسق ولو من جهة عدم المعاشرة فلا يكون كافيا لدينا في حجيتها. هذا ولكن الذي يسهل الخطب ان الرجل أعني موسى بن بكر مذكور في اسناد تفسير علي بن ابراهيم وقد بنينا على وثاقة من وقع في هذا الاسناد لالتزامه كابن قولويه ان لا يروي إلا عن الثقة. إذا فالرواية معتبرة عندنا وهي ناظرة إلى صورة اشتراط التتابع لبعد الحكم بالاستيناف في فرض الاطلاق عن الفهم العرفي جدا، بعد أن كان على خلاف قصد الناذر كما سبق. وسيجئ مزيد البحث حول هذه الرواية عند تعرض الماتن للافطار فيما اشترط فيه التتابع لعذر من الاعذار، أو لغير عذر فارتقب. (1) الثاني من موارد الاستثناء القضاء. أما بالنسبة إلى قضاء شهر رمضان فلا إشكال في عدم وجوب التتابع، وقد دلت النصوص المستفيضة على جواز التفريق، بل لا يجب ذلك حتى في الاداء فضلا عن القضاء. فان الصوم وان كان واجبا في كل يوم من أيام شهر رمضان متواليا ومتعاقبا إلا أن ذلك من أجل ان كل يوم منه يجب صيامه بحياله واستقلاله المستلزم لحصول التتابع في الخارج بطبيعة الحال، لا من أجل أن التتابع في نفسه واجب كي يتوهم وجوبه في القضاء أيضا، ولذا لو أخل به فافطر يوما عصيانا أو لعذر لم يقدح فيما مضى ولم يمنع عن صحة الصوم فيما بقي من الايام بلا إشكال كما هو ظاهر جدا.

[ 260 ]

ونسب الخلاف إلى أبي الصلاح فاعتبر التتابع في قضاء شهر رمضان لا من حيث هو بل من أجل انه (قده) يعتبر الفورية في القضاء المستلزمة له قهرا. ولكنه مدفوع بما أسلفناك في محله من عدم الدليل على الفورية، فيجوز التأخير ما لم يصل حد التسامح والتهاون بل قام الدليل على جواز التأخير في خصوص المقام مثل ما دل على ان النبي صلى الله عليه وآله كان يأمر زوجاته بتأخير القضاء إلى شهر شعبان. وأما بالنسبة إلى قضاء الصوم المنذور فلا إشكال في عدم اعتبار التتابع فيما لم يكن معتبرا في أدائه، كما لو نذر أن يصوم أول جمعة من شهر رجب وآخر جمعة منه ففاتتاه معا فيجوز التفريق عندئذ قطعا كما هو ظاهر. وأما فيما كان معتبرا في الاداء كالنذر المشروط فيه التتابع فالمشهور على عدم اعتباره في القضاء. واستقرب الشهيد في الدروس وجوبه، وتردد فيه العلامة في القواعد من أن القضاء بأمر جديد ولا دليل على اعتبار المتابعة فيه، ومن أن القضاء هو الاداء بعينه ما عدا تغاير الوقت، فيتحدان في جميع الخصوصيات التى منها التتابع. والاقوى ما عليه المشهور لما عرفت من أن القضاء بأمر جديد حدث بعد سقوط الامر الاول المعتبر فيه التتابع، ولا دليل على اعتباره في هذا الامر الحادث، ومقتضى الاطلاق عدمه. ودعوى ان الدليل عليه وهو دليل القضاء، أعني قوله: (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته) لكون الفائت هنا متتابعا حسب الفرض يدفعها ان الرواية بهذا المتن نبوية لا يعتمد عليها. نعم ورد هذا

[ 261 ]

المضمون في صحيح زرارة: (يقضي ما فاته كما فاته.. الخ) (1) الا أن النظر في التشبيه مقصور على المماثلة من حيث القصر والتمام كما صرح بذلك في ذيل الصحيحة فلا اطلاق لها كي يقتضي الاتحاد من ساير الجهات حتى يستدعي اعتبار المتابعة في المقام. وعلى الجملة بعد أن كان القضاء بأمر جديد فثبوته في كل مورد منوط بقيام الدليل عليه، وإلا فلا يحتمل وجوب القضاء عن كل فائت. فلو نذر زيارة الحسين عليه السلام أول رجب وفاته لا يجب فضاؤه بلا إشكال. ولولا قيام الدليل على وجوب القضاء في الصوم المنذور لم نلتزم به لما عرفت من فقد الدليل العام على وجوب القضاء عن كل فائت، فان النبوي قد عرفت حاله، والصحيح مورده الصلاة كما عرفت. وانما التزمنا به للنص الخاص أعني قوله عليه السلام في صحيحة على بن مهزيار: (يصوم يوما بدل يوم) (2) وهذا كما نرى لا يدل إلا على أصل وجوب القضاء دون الخصوصيات الاخر المكانية والزمانية ونحوهما وان جعلها الناذر على نفسه. فلو نذر ان يصوم يوما من أيام الصيف الطويلة الشديدة الحر، أو أن يصوم في النجف الاشرف، أو أن يشتغل حال الصوم بالعبادة ففاته لعذر أو لغيره، فهل يحتمل عدم جواز القضاء في الشتاء أو في كربلا، أو بغير العبادة فشرط المتابعة مثل هذه الخصوصيات غير واجب المراعاة، فيجزي التفريق إذ يصدق معه انه صام يوما بدل يوم الوارد في النص.


(1) الوسائل باب 6 من ابواب قضاء الصلوات ح 1 (2) الوسائل باب 7 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 1

[ 262 ]

الثالث من موارد الاستثناء صوم الثمانية عشر بدل البدنة، أو التسعة بدل البقرة في جزاء الصيد، ولا يخفى ان هذا الاستثناء عجيب إذ لم يرد في المقام ولا رواية واحدة حتى ضعيفة تدل على المتابعة أو على عدمها فليس في البين عدا اطلاق الامر بالصوم في هذه المدة. فان تم الانصراف المدعى في المستثنى منه المبني عليه اشتراط التتابع هناك كما أسلفناك عن صاحب الجواهر، فلماذا لا تتم هذه الدعوى في المقام، وما الموجب للتمسك بالاطلاق في هذا المورد بخصوصه كي يستثنى عن تلك الضابطة الكلية المدعاة في كلام المحقق كما مر وان لم يتم - كما هو الحق على ما سبق - فلماذا ادعى هناك وشيد عليها بنيان تلك القاعدة والضابطة المزعومة. وعلى الجملة لم نجد اي فارق بين المقام وبين ساير أقسام الصيام كي يدعى وجوب التتابع فيها ويستثنى عنه هذا المورد، بل المناط فيهما واحد اطلاقا أو انصرافا حسب ما عرفت. الرابع صوم السبعة أيام بدل الهدي،، وهذا الاستثناء اعجب، وذلك لورود النص الصحيح الصريح في المتابعة السليم عما يصلح للمعارضة، إذ لم يرد هنا ما يدل على جواز التفريق كي يتم الاستثناء عدا رواية اسحق بن عمار الضعيفة السند بمحمد بن اسلم قال: قلت لابي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: اني قدمت الكوفة ولم أصم السبعة الايام حتى فزعت في حاجة إلى بغداد، قال: (صمها ببغداد، قلت: أفرقها؟ قال نعم) (1). وأما ما دل على وجوب المتابعة فروايات وفيها الصحيح. منها خبر الحسين بن زيد - وفي الجواهر يزيد بدل زيد وهو غلط منه أو


(1) الوسائل باب 55 من ابواب الذبح ح 1

[ 263 ]

من النساخ - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (السبعة الايام، والثلاثة الايام في الحج لا تفرق انما هي بمنزلة الثلاثة الايام في اليمين) (1). وهي ضعيفة بالحسين بن زيد فانه لم يوثق. ومنها ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد العلوي، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج والسبعة أيصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال: (يصوم الثلاثة لا يفرق بينها، والسبعة لا يفرق بينها، ولا يجمع السبعة والثلاثة جميعا) (2). وهذه الرواية وان وقع الكلام في سندها من أجل العلوي الواقع في الطريق إلا أن الاظهر أنها معتبرة إذ يستفاد حسن الرجل من عبارة النجاشي كما تقدم قريبا فتذكر. ومع الغض عن ذلك وتسليم ضعفها فتكفينا الرواية الثالثة التي هي نفس هذه الرواية بعين ألفاظها ولكن بطريق آخر صحيح قطعا، وهو ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر مباشرة كما نبه عليه في الوسائل في باب 55 من الذبح، وكأن صاحب الجواهر لم يلاحظ ذاك الباب واقتصر على ملاحظة ابواب الصوم. ولاجله ناقش في سند الرواية من أجل العلوي. وعلى أي تقدير فلاينبغي التأمل في وجوب المتابعة في السبعة، استنادا إلى هذه الصحيحة الصريحة في ذلك بعد سلامتها عما يصلح للمعارضة لضعف الخبر المزبور كما عرفت.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 2 (2) الوسائل باب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 5

[ 264 ]

[ (مسألة 4) من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم انه لا يسلم له بتخلل العيد (1) أو تخلل يوم يجب فيه صوم آخر من نذر أو اجارة أو شهر رمضان فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان بل يجب أن يصوم قبله يوما أو ازيد من رجب وكذا لا يجوز ان يقتصر على شوال مع يوم من ذي القعدة أو على ذي الحجة مع يوم من محرم لنقصان الشهرين ] هذا كله على مسلك المشهور من ضعف رواية اسحاق بن عمار لوقوع محمد بن اسلم في سندها فانه لم يرد فيه توثيق ولا مدح في كتب الرجال وأما بناء على ما اخترناه من ثبوت وثاقته (1) لوقوعه في اسناد تفسير علي بن ابراهيم وكامل الزيارات فهي معارضة للصحيحة والجمع العرفي يقتضي الحكم بجواز التفريق واستحباب المتابعة. والمتحصل من جميع ما قدمناه لحد الآن انه كان من الاحرى على المحقق وصاحب الجواهر أن يعكسا ما ادعياه من الضابطة وما استثني عنها فيذهبا إلى ما هو الحق من أن مقتضى القاعدة عدم اعتبار المتابعة لاطلاق الادلة إلا فيما قام الدليل الخاص على الاعتبار مثل الشهرين المتتابعين، ونحو ذلك بالعكس مما ذكراه حسبما عرفت بما لا مزيد عليه. (1) فلو شرع والحال هذه بان قصد بصومه امتثال الامر المتعلق بصوم الكفارة - مثلا - المعتبر فيه التتابع ارتكب محرما لمكان التشريع، إذ ما يأتي به بعنوان امتثال الامر لم يتعلق به أمر من قبل الشارع


(1) كما في المعجم ج 15 ص 91

[ 265 ]

[ بالعيدين نعم لو لم يعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتفق فلا بأس على الاصح وان كان الاحوط عدم الاجزاء، ويستثنى مما ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد (1) وهو صوم ثلاثة أيام بدل هدى التمتع إذا شرع فيه يوم التروية فانه يصح وان تخلل بينها العيد فيأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل أو بعد ايام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى، وأما لو شرع فيه يوم عرفة أو صام يوم السابع والتروية وتركه في عرفه لم يصح ووجب الاستيناف كساير موارد وجوب التتابع. ] بعد فرض عدم اتصافه بالتتابع من أجل التخلل المزبور، وما تعلق به الامر لم يقصده. ومنه يظهر عدم صحة الاجتزاء والاكتفاء به في مقام الامتثال هذا في فرض العلم واما من لم يعلم به من حين الشروع لغفلة أو خطأ في الاعتقاد بحيث كان معذورا فلا بأس يه كما ذكره في المتن. وسيجئ التعرض له مستقصى فيمن افطر لعذر. (1) بل موردان وقع الخلاف في كل منهما: أحدهما: ما إذا كان القتل في أشهر الحرم وقد اختلف فيه الاصحاب على أقوال. الاول: ما هو المشهور بينهم - على ما في الوسائل - من أن القاتل في أشهر الحرم يصوم في هذه الاشهر كفارة، ولا يضره تخلل العيد وأيام التشريق، والظاهر من صاحب الجواهر (قده) اختيار هذا القول حيث انه حمل رواية زرارة على ذلك، وعلى هذا

[ 266 ]

فيكون ذلك أيضا مستثنى من الحكم المزبور. الثاني: ما ذهب إليه الشيخ (قده) ونسب إلى الصدوق في المقنع والى أبي حمزة واختاره صاحب الحدائق من انه لا بد من الصوم حتى يوم العيد حيث ان القتل في أشهر الحرم يمتاز عن القتل في غيرها بامرين (أحدهما) ان ديته غليظة كما صرح بذلك في بعض الروايات وفسرت في رواية معتبرة أخرى بأنها دية كامله وثلث الدية (ثانيهما) انه لا بد من أن يكون صوم الشهرين المتتابعين في أشهر الحرم وان استلزم ذلك صوم يوم العيد وفي هذا أيضا نوع من التغليظ. وعلى هذا القول فليس هنا استثناء من الحكم المزبور وانما هو استثناء من حرمة الصوم يوم العيد وهذان القولان متفقان على صحة ما رواه زرارة في المقام ولزوم العمل بها ومختلفان من جهة كيفية استفادة الحكم منها. الثالث: - ما يظهر من الماتن والمحقق (قدهما) من عدم جواز الاتيان بهذا الصوم مع تخلل العيد وقد صرح الماتن (قده) فيما يأتي بأن الرواية ضعيفة سندا ودلالة. وقال المحقق (قده) في الشرايع (وكل من وجب عليه صوم متتابع لا يجوز أن يبتدئ زمانا لا يسلم فيه إلى ان قال وقيل القاتل في اشهر الحرم يصوم شهرين منها ولو دخل فيها العيد وأيام التشريق لرواية زرارة والاول أشبه). وقال في المعتبر ان الرواية التي هي مستند الحكم نادرة ومخالفة لعموم الاحاديث المجمع عليها المانعة عن الصوم يوم العيد ولا يمكن ارتكاب التخصيص فيها فلابد من رفضها. أقول: - أما ما ذكره المحقق فلا تمكن المساعدة عليه بوجه،

[ 267 ]

فان الرواية الواردة في المقام معمول بها على ما عرفت فكيف يمكن القول بأنها نادرة واما مخالفتها لعموم الاحاديث فلا بأس بها فانه لا مانع من تخصيص العمومات وان كثرت بل وان تواترت بل حتى عموم القرآن القطعي الصدور، لان المعارضة حينئذ بين الظاهر والنص ولا تعارض بينهما حقيقة بعد وجود الجمع العرفي لكون النص قرينة عرفية للتصرف في الظاهر، فلا مانع من ارتكاب التخصيص في المقام كيف والوارد في المقام اخبار آحاد دلت بعمومها على المنع عن صوم يوم العيد فتخصص بالنص الخاص الوارد في محل الكلام. وأما ما ذكره الماتن (قده) من ضعف سند الرواية ودلالتها فهو أيضا لا يمكن المساعدة عليه ولبيان ذلك لابد من التكلم في مقامين الاول في سند الرواية والثاني في دلالتها. أما المقام الاول: فتحقيق الحال فيه ان الروايات الواردة في محل الكلام وان كانت بعضها ضعيفة الا أن في الصحيح منها كفاية. فمنها: رواية زرارة عن أبي جعفر (ع) قال سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام قال (ع) تغلظ عليه الدية وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم قلت فانه يدخل في هذا شئ قال ما هو؟ قلت يوم العيد وأيام التشريق قال يصومه فانه حق لزمه (1). وهي ضعيفة بسهل بن زياد ومنها: ما رواه الشيخ باسناده عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن زرارة قال قلت لابي عبد الله (ع) في رجل قتل في الحرم قال عليه دية وثلث ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم قال قلت


(1) الوسائل باب 8 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 1

[ 268 ]

هذا يدخل فيه العيد وأيام التشريق فقال يصوم فانه حق لزمه (1). وهذه الرواية معتبرة جدا، فان طريق الشيخ إلى ابن أبي عمير صحيح وحال من ذكر في السند من جهة الجلالة والوثاقة معلوم فلا ينبغي التأمل في صحة الرواية. وقد رواها صاحب الوسائل عن زرارة عن أبى جعفر (ع) والظاهر انه سهو من قلمه الشريف وكأن الماتن (قده) لم يعثر عليها ولا على رواية أخرى لزرارة التي سنذكرها فحكم بضعف السند. نعم: هذه الرواية - باختلاف يسير - رواها محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن تغلب عن زرارة قال قلت لابي جعفر (ع) رجل قتل رجلا في الحرم قال عليه دية وثلث ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم ويعتق رقبة ويطعم ستين مسكينا قال قلت يدخل في هذا شئ قال وما يدخل؟ قلت العيدان وأيام التشريق قال يصوم فانه حق لزمه (2). وهي ضعيفة، فان ابن أبي عمير لا يمكن أن يروى عن أبان بن تغلب بلا واسطة وبما ان الواسطة مجهولة فالرواية ضعيفة ولكن ضعفها لا يسرى إلى ما رواه الشيخ (قده) فانهما روايتان أحداهما عن ابي عبد الله (ع) وهي التي رواها ابن أبي عمير عن أبان عثمان بلا واسطة وثانيتهما عن أبي جعفر (ع) وهي التي رواها ابن أبي عمير عن أبان بن تغلب مع الواسطة.


(1) التهذيب ج 10 ح 851، الوسائل باب 3 من ابواب ديات النفس ح 3 ج 19 ص 150 (2) الوسائل باب 8 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 2

[ 269 ]

ولو تنزلنا عن ذلك وبنينا على وحدة الروايتين فلابد من البناء على صحة ما ذكره الشيخ (قده) والالتزام بوقوع التحريف في نسخ الكافي اذلم تعهد رواية أبان بن تغلب عن زرارة ولا توجد له ولا رواية واحدة عنه في الكتب الاربعة غير هذه الرواية. ومع التنزل عن هذا أيضا يكفينا في المقام ما رواه الشيخ بسنده الصحيح عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن زرارة قال سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل قتل رجلا خطأ في أشهر الحرم فقال (ع) عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم قلت ان هذا يدخل فيه العيد وأيام التشريق قال يصومه فانه حق لزمه (1). ورواها الشيخ الصدوق (قده) باسناده عن ابن محبوب مثله غير انه رواها عن زرارة عن أبي جعفر (ع). فالمتحصل مما ذكرناه ان الرواية مما لا ينبغي الشك في صحة سندها ولا وجه للمناقشة في ذلك بوجه. وأما المقام الثاني: - فتوضيح الحال فيه أن الماتن صرح بضعف دلالة الرواية وقد تبع فيه صاحب الجواهر (قده) ولكنه لا موجب لذلك أصلا غير ما ذكره في الجواهر حيث انه ذكر في المقام روايتين أحداهما الرواية الاولى وذكر عن العلامة ان في طريقها سهلا وهو ضعيف. وثانيتهما ما رواه الكليني (قده) وناقش في دلالتها بقوله: (بل ارادة صوم الشهرين وانه لا يضر هذا الفصل بالتتابع أظهر من الاول - اي من جواز الصوم يوم العيد - لاتحاد ضمير (يصومه) والمتقدم فيه العيدان، مع انه ليس في هذه الاشهر إلا الاضحى إلا


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ديات النفس ح 4

[ 270 ]

أن يريد بالاخر يوم الغدير وان لم يحرم صومه) (1). أقول: - الظاهر انه (قده) غفل عن روايتين صحيحتين لزراره غير هذه الرواية فان المذكور فيهما كلمة (العيد) لا (العيدان) والمذكور في هذه الرواية أيضا كلمة (العيد) على ما في بعض النسخ وان كان المذكور في أكثرها (العيدان). واما اتحاد الضمير فلاجل أن مرجعه الداخل المستفاد من قوله (يدخل) سواء أكان المذكور في النسخة العيد أم العيدان على أن بعض نسخ الكافي كالوسائل خال عن الضمير وعلى كل حال فقد عرفت ان هذه الرواية ضعيفة وغير قابلة للاعتماد عليها وانما المعتمد غيرها وظهوره في وجوب صوم يوم العيد غى قابل للانكار. (تتميم) فيه أمران: الاول: - ذكر المحقق في كتاب الشرايع جواز التلفيق في صوم شهرين متتابعين، فيجوز له أن يصوم الشهر الاول مقدارا منه في شهر ومقدار امنه في الشهر الثاني. وذكر انه لا بد في التتميم من عد ثلاثين يوما وان كان الشهر الاول ناقصا. ويظهر من صاحب الجواهر (قده) (2) التسالم على جواز ذلك وان كان قد تنظر في لزوم العد ثلاثين يوما ان كان الشهر الاول ناقصا. ولكن الظاهر عدم جواز ذلك، فان الشهر حقيقة فيما بين الهلالين قال الله سبحانه: ان عدة الشهور عند الله أثنى عشر شهرا، وإطلاقه على ثلاثين يوما الملفقة من شهرين يحتاج إلى العناية فانه على خلاف المعنى الحقيقي وانما يصار إليه فيما إذا قامت قرينة عليه كما في قوله


(1) الجواهر الجزء 17 ص 89. (2) الجزء 33 ص 279.

[ 271 ]

تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) فان القرينة الخارجية وهي ندرة وقوع الموت في الآن الاول ما قبل هلال الشهر ولزوم اتصال العدة بالموت أو بالعلم به دلتنا على أن المراد بالشهر مقداره. ونحوه ما ورد في عدة طلاق المسترابة من أنها ثلاثة أشهر وكذا في نفس طلاقها من لزوم وقوعه بعد ثلاثة أشهر من وطيها رعاية لحصول شرط الوقوع في طهر غير المواقعة لما عرفت من ندرة وقوع الطلاق أو الوقاع في آن يرى الهلال بعده. وكذا نحو قولك مكثت في بلدة كذا شهرا أو كانت مدة سفري شهرا فان المراد في الجميع ما يعم التلفيق كالعشرة أيام المعتبرة في قصد الاقامة لما عرفت من القرينة الخارجية وإلا فاللفظ - مع قطع النظر عنها - ظاهر في معناه الحقيقي أعني ما بين الهلالين بداهة ان الملفق من نصفي الشهرين نصفان من شهرين لا أنه شهر واحد كما أن الملفق من سورتين نصفان مثلا من سورتين لا أنهما سورة واحدة ومن البين ان هذه القرينة مفقودة فيما نحن فيه إذ لم يدل اي دليل على جواز التلفيق. إذا فلا مناص من صوم شهر كامل هلالي ويوم أخر أو أكثر من الشهر الثاني. ويزيد ما ذكرناه وضوحا قول الامام عليه السلام في صحاح زرارة ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم فان أشهر الحرم رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم والملفق من شهرين منها وان قلنا بانه يطلق عليه الشهر حقيقة إلا أنه ليس من اشهر الحرم غايته انه واقع في أشهر الحرم:

[ 272 ]

والمتحصل انه يستفاد من هذه الروايات بوضوح ان اللازم صوم شهر هلالي كامل ولا يجزى التلفيق في مقام الامتثال وان كان لم نعثر على من تنبه لذلك والله العالم. الثاني: - إنه يظهر من صحاح زرارة ان كان يرى ان صوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم يلازم دخول العيد وأيام التشريق فيه وقد أقره الامام عليه السلام على ذلك وهذا ينافي ما تقدم من تحقق التتابع بصوم شهر كامل وشئ من الشهر الآخر فانه إذا وقع القتل في شهر محرم أو رجب أمكنه أن يصوم شهر ذي القعدة ويوما أو أياما قبل العيد ويصوم الباقي بعد أيام التشريق وإذا وقع القتل في ذي القعدة أو ذي الحجة فان قلنا بجواز التلفيق أمكنه ذلك غالبا وان لم نقل به أو لم يمكن كما إذا وقع القتل في آخر ذي الحجة يؤخر الصوم إلى السنة الاتية، وعلى كل تقدير فلا يستلزم صوم شهرين متتابعين دخول يوم العيد وايام التشريق وعليه فلا مناص من رفع اليد عن اطلاق ما دل على كفاية صوم شهر كامل وشئ من الشهر الآخر في حصول التتابع والالتزام بلزوم صوم ذي القعدة وذي الحجة بتمامهما أو صوم دي الحجة ومحرم كذلك في خصوص القتل في أشهر الحرم تحفظا على ما دلت عليه صحاح زرارة ولم نر في كلمات الفقهاء من تنبه لذلك أيضا. المورد الثاني: - ما ذكره في المتن وهو صوم ثلاثة أيام بدل هدى التمتع، فانه لو صام الثلاثة في اليوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة فلا اشكال فيه لحصول المتابعة، بل لا يبعد جواز الصوم من أول ذي الحجة لدلالة النصوص المعتبرة عليه.

[ 273 ]

وأما لو لم يصم كذلك أو ورد ليلة التروية ولم يتمكن من الهدي فالمعروف انه يجوز الصوم يوم التروية ويوم عرفة ويؤخر الثالث إلى ما بعد العيد، أو بعد أيام التشريق، لمن كان بمنى - لحرمة الصوم له في هذه الايام كيوم العيد - وهل يجب الاتصال حينئذ أو انه يجوز الفصل إلى نهاية ذي الحجة؟ كلام آخر خارج عن محل البحث وان أشار إليه وفي المتن بقوله (بلا فصل). والذي يهمنا فعلا البحث عن نفس التفريق وترك التتابع. وقد عرفت ان المشهور ذهبوا إلى جوازه استنادا إلى الروايتين الآتيتين. ولكن ناقش فيه صاحب المدارك بضعفهما سندا، فكيف يرفع اليد بهما عن الروايات الصحيحة الصريحة في أن من لم يتمكن أو لم يصم الثلاثة قبل العيد فليصمها بعد أيام التشريق هذا. والروايتان إحداهما: ما رواه الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم - وطريقه إليه صحيح - عن محمد بن أحمد عن مفضل بن صالح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام فيمن صام يوم التروية ويوم عرفة، قال: (يجزيه أن يصوم يوما آخر) (1) وهي ضعيفة السند بمفضل بن صالح أبي جميلة الذي ضعفه النجاشي وغيره صريحا. ومعه لا حاجة للتكلم حول محمد وأحمد وانهما من هما. وثانيتهما: ما رواه الشيخ عنه أيضا عن النخعي - وهو أيوب بن نوح - عن صفوان عن يحيى الازرق، عن ابي الحسن عليه السلام قال: سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعا وليس له هدى فصام يوم التروية ويوم عرفة، قال: (يصوم يوما آخر بعد أيام


(1) الوسائل باب 52 من ابواب الذبح ح 1

[ 274 ]

التشريق) (1) ورواها الصدوق أيضا باسناده عن يحيى الازرق. وقد نوقش في سندها بان يحيى الازرق مردد بين ابن حسان الضعيف وابن عبد الرحمن الثقة. ولا يبعد أن هذا هو الاول فان الصدوق يرويها عن يحيى الازرق كما عرفت، ثم يقول في المشيخة: وما أرويه عن يحيى الازرق فقد رويته عن... إلى أن يقول عن يحيى بن حسان الازرق. فيعلم من ذلك ان مراده مما أطلقه في الفقيه هو ابن حسان الضعيف فيكون هو المراد في رواية الشيخ أيضا كما لا يخفى. ولا يصغى إلى ما احتمله بعضهم من كون النسخة في المشيخة مغلوطة وان الصحيح عبد الرحمن بعد تطابق النسخ - فيما ندرى - على كلمة حسام كما ذكرناه. وما في خاتمة الوسائل نقلا عن مشيخة الفقيه (2) من قوله: (وما كان فيه عن يحيى بن حسان الازرق فقد رويته عن أبي - إلى قوله - عن يحيى بن حسان الازرق) حيث كرر ذكر حسان في الصدر والذيل غلط قطعا، إذ لم يرو الصدوق في الفقيه ولا رواية واحدة بعنوان يحيى بن حسان الازرق، بل كله بعنوان يحيى الازرق والصحيح ما أثبتناه من ذكر حسان في الذيل وحذفه عن الصدر. وكيفما كان فالمراد بالرجل في رواية الفقيه هو ابن حسان، فيكون كذلك في رواية الشيخ أيضا، إذ هي رواية واحدة لا فرق بينهما، غير أن الصدوق يرويها عن أبي ابراهيم عليه السلام والشيخ عن أبي الحسن عليه السلام الذى لا تأثير له في المطلوب بعد أن كان كل منهما كنية للامام موسى بن جعفر عليه السلام ولاجله يحكم بضعف الرواية.


(1) الوسائل باب 52 من ابواب الذبح ح 2 (2) الوسائل ج 19 ص 432

[ 275 ]

فيبتني على البحث المعروف من ان عمل المشهور هل يكون جابرا لها أم لا؟ وحيث لا نقول بالجبر فتسقط الرواية، ولا يبقى مستند لفتوى المشهور كما صرح به في المدارك. هذا ولكن الظاهر ان الرواية معتبرة، وان المراد بيحيى الازرق هو ابن عبد الرحمن الثقة دون ابن حسان الضعيف. أما اولا فلان ابن حسان من أصحاب الصادق عليه السلام كما نص عليه الشيخ في رجاله، وابن عبد الرحمن من أصحاب الكاظم عليه السلام، والرواية مروية عن موسى بن جعفر عليه السلام كما عرفت وثانيا ان ابن حسان لم ترو عنه في مجموع الفقه ولا رواية واحدة فليس هو من الرواة. وان عده الشيخ من أصحاب الصادق (ع). فان شأنه استقصاء كل من صاحب الامام عليه السلام وعاصره سواء أروى عنه أم لا حتى انه عد المنصور أيضا من أصحاب الصادق (ع) وأما يحيى بن عبد الرحمن فهو من الرواة المشهورين وله كتاب رواه عنه علي بن الحسن بن رباط وابن سماعة والقاسم بن اسماعيل القرشي فاشتهاره بين الرواة ولاسيما بضميمة عدم وجود رواية عن ابن حسان كما عرفت يستدعي انصراف اللفظ عند الاطلاق إليه. ويؤيده ان الشيخ روى في التهذيب في باب الخروج إلى الصفا (1) رواية عن صفوان، وعلي بن النعمان عن يحيى بن عبد الرحمن الارزق وروى في باب الزيادات في فقه الحج (2) نفس هذه الرواية بعين السند والمتن، ولكن عن يحيى الازرق، كما ان الصدوق ايضا رواها في الفقيه في باب حكم من قطع عليه السعي كذلك.


(1) التهذيب ج 5 ص 157 (2) التهذيب ج 5 ص 472

[ 276 ]

فيظهر ان المراد من يحيى الازرق عند الاطلاق هو ابن عبد الرحمن كما عرفت. ومن ذلك كله يظهر ان ما ذكره الفقيه في المشيخة من قوله: عن يحيى بن حسان الازرق - كما تقدم - إما غلط من النساخ أو سهو من قلمه الشريف، أو اجتهاد منه، فتخيل ان ما تلقاه من مشايخه عن يحيى الازرق يراد به ابن حسان وقد أخطأ فيه. ولو تنازلنا وسلمنا صحة نسخة المشيخة وعدم الخطأ والاشتباه فغايته أن يكون المراد بيحيى الازرق في رواية الصدوق هو ابن حسان بقرينة التصريح به في المشيخة. وأما في رواية الشيخ فكلا) إذ لا مقتضي له أبدا بعد انصراف المطلق إلى الفرد المشهور وساير القرائن التي تقدمت. فهو في رواية الشيخ يراد به ابن عبد الرحمن الثقة البتة. فغاية ما هناك أن تكون الرواية مروية عن الكاظم عليه السلام بطريقين عن رجلين. أحدهما طريق الصدوق باسناده عن أبان عن يحيى بن حسان. والآخر طريق الشيخ باسناده عن صفوان عن يحيى ابن عبد الرحمن، ولا ضير في روايتها عن الكاظم عليه السلام مرتين فإذا كان الطريق الثاني صحيحا كفى في اعتبار الرواية وان كان الطريق الاول ضعيفا. فتحصل انه لا ينبغى التأمل في صحة الرواية واعتبارها، وان مناقشة صاحب المدارك في غير محلها. فالاقوى ما عليه المشهور من صحة الاستثناء. ثم ان صاحب الجواهر ذكر في كتاب الصوم في بحث اشتراط التتابع (1) صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج.


(1) الجواهر ج 17 ص 83

[ 277 ]

قال: كنت قائما أصلي وابو الحسن قاعد قدامي وأنا لا أعلم فجاءه عباد البصري فسلم ثم جلس، فقال له: يا ابا الحسن ما تقول في رجل تمتع ولم يكن له هدي؟ قال: يصوم الايام التي قال الله تعالى، قال، فجعلت سمعي اليهما، فقال له عباد: وأي أيام هي؟ قال: قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة، قال: فان فاته ذلك، قال: يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك، قال: فلا تقول كما قال عبد الله بن الحسن، قال: فأي شئ قال؟ قال: يصوم ايام التشريق، قال: ان جعفرا كان يقول: ان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بديلا ينادي ان هذه أيام اكل وشرب فلا يصومن أحد، قال يا أبا الحسن ان الله قال: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) قال كان جعفر يقول: ذو الحجة كله من أشهر الحج (1). قال الشيخ (قده) في التهذيب بعد نقل الرواية كما ذكرناها ما لفظه: (ومن صام يوم التروية ويوم عرفة فانه يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق، ومتى لم يصم يوم التروية لا يجوز له أن يصوم يوم عرفة، بل يجب عليه ان يصوم بعد انقضاء أيام التشريق ثلاثة أيام متتابعات يدل على ذلك ما رواه موسى بن القاسم.. الخ (2) وهذه الزيادة كما ترى من عبارة الشيخ وليست جزء من الرواية، ولم يلحقها بها أحد لا صاحب الوسائل ولاغيره، إلا أن صاحب الجواهر (قده) جعلها جزء منها. ولاجله ذكرها في جملة الروايات المستدل بها للمشهور، ولكنه سهو منه (قده)، ولذا لم يذكرها في


(1) الوسائل باب 51 من ابواب الذبح ح 4 (2) التهذيب ج 5 ص 231

[ 278 ]

[ (مسألة 5) كل صوم يشترط فيه التتابع إذا افطر في أثنائه لا لعذر اختيارا يجب استينافه (1) وكذا إذا شرع فيه في زمان يتخلل فيه صوم واجب آخر من نذر ونحوه وأما ما ] باب الذبح، بل اقتصر على الروايتين المتقدمتين ثم لا يخفى انا إذا بنينا على تمامية مقالة المشهور من جواز التفريق استنادا إلى النص الذي عرفت صحته. فلا بد حينئذ من الاقتصار على مورده، أعني صيام يوم التروية وعرفة، تأخير الثالثة. وأما صيام يوم واحد قبل العيد أما التروية أو عرفة وتأخير يومين بحيث يكون التفريق بين يوم ويومين فالظاهر عدم جوازه لعدم الدليل على صحة التفريق بهذا النحو فيبقى تحت عمومات المنع. و بعبارة أخرى مقتضى اطلاق الادلة اعتبار المتابعة وعدم جواز التفريق مطلقا خرجنا عن ذلك في مورد واحد بموجب النص وهو تقديم يومين على العيد، وتأخير يوم فيرتكب التخصيص بهذا المقدار وأما عكس ذلك أعني تقديم يوم وتأخير يومين فلم يدل دليل على جواز هذا النوع من التفريق فيشمله عموم المنع. وقد ورد في بعض النصوص المنع عن صوم يوم التروية ويوم عرفة، وقد حمله الشيخ على ارادة صوم كل منهما على سبيل الانفراد وهو جيد ومؤيد لما ذكرناه من عدم جواز التفريق المزبور. (1) قد يكون التتابع شرطا في الصوم، وأخرى ممن قبيل الواجب في واجب من دون افتراض الاشتراط. أما الاول فكما في صوم الشهرين المتتابعين في كفارة رمضان أو الظهار، أو القتل حيث ان ظاهر الادلة بل صريحها تعلق أمر واحد

[ 279 ]

[ لم يشترط فيه التتابع وان وجب فيه بنذر أو نحوه فلا يجب استينافه وان اثم بالافطار كما إذا نذر التتابع في قضاء رمضان فانه لو خالف وأتى به متفرقا صح وان عصى من جهة خلف النذر ] بالمجموع المركب من المقيد وقيده، فليس الواجب صوم الشهرين على اطلاقه بل حصة خاصة منه المتصفة بالتتابع، فلو أخل بالقيد عامدا فصام الشهرين متفرقا فقد أخل بأصل الواجب لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه فلم تفرغ الذمة عن الكفارة بوجه. ودعوى ان التتابع حينئذ واجب تعبدي خلاف ظواهر الادلة جدا بل صريحها حسبما عرفت. وأما الثاني: فكما لو نذ ر أن يصوم ما فاته من قضاء شهر رمضان متتابعا فان الامر المتعلق بالقضاء موسع واطلاق دليله لا يتقيد بالنذر بحيث ينقلب قلم التشريع من الاطلاق إلى التضييق ضرورة أن النذر لا يكون مشرعا ولا يتغير ولا يتبدل به حكم ن الاحكام المجعولة بالجعل الاولي. غايته ان الناذر قد جعل على نفسه شيئا وقد أمضاه الشارع وهذا حكم آخر نشأ عن ملاك آخر فهو تكليف مستقل لا يترتب على مخالفته إلا الاثم والكفارة لو كان عامدا وإلا فلا شئ عليه. فلو قضى الناذر المزبور صيامه متفرقا فقد برئت ذمته عن القضاء وصح صومه وان عصى من جهة مخالفة النذر. وهذا مثل ما لو نذر أن يقضي ما فاته من صلواته متتابعا أو ان يصلى الظهر جماعة أو في المسجد أو أول الوقت، فانه لو أخل به صحت صلاته وان أثم من أجل حنث النذر ولزمته الكفارة مع العمد حسبما عرفت.

[ 280 ]

[ (مسألة 6) إذا افطر في اثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الاعذار كالمرض والحيص (1) والنفاس ] (1) يقع الكلام تارة فيما لو أفطر لعذر اثناء الشهرين المتتابعين، وأخرى فيما لو افطر في غير الشهرين من ساير أقسام الصوم المشروط فيه التتابع فهنا مقامان: أما المقام الاول فلا خلاف كما لا إشكال في انه يبني على ما مضى بل هو مورد للاجماع والاتفاق فلا يعني بالافطار المتخلل في البين المستند إلى عذر من الاعذار من مرض أو حيض أو نفاس ونحوها، بل يفرض كالعدم وينضم اللاحق إلى السابق. وقد دلت عليه جملة من النصوص معللا في بعضها بأنه مما غلب الله عليه، وليس على ما غلب الله عليه شئ التي منها صحيحة رفاعة عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا ومرض، قال: يبني عليه، الله حبسه، قلت: امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت وأفطرت أيام حيضها، قال: تقضيها، قلت: فانها قضتها ثم يئست؟ من المحيض، قال: لا تعيدها اجزأها ذلك. وصحيحة سليمان بن خالد عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فصام خمسة وعشرين يوما ثم مرض فإذا برئ يبنى على صومه ام يعيد صومه كله؟ قال: بل يبنى على ما كان صام، ثم قال: هذا مما غلب الله عليه، وليس على ما غلب الله عزوجل عليه شئ ونحوهما غيرهما (1) ولكن بازائها صحيحة جميل ومحمد بن حمران عن أبي عبد الله (ع) في الرجل الحريلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهرا


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 10، 12

[ 281 ]

ثم يمرض، قال: يستقبل فان زاد على الشهر الآخر يوما أو يومين بنى على ما بقي (1). والنكتة في التقييد بالحر ان كفارة العبد شهر واحد نصف الحر وقد حملت تارة على الاستحباب وهو كما ترى لما تكرر في مطاوي هذا الشرح من ان قوله: يستقبل أو يعيد ونحو ذلك ظاهر في الارشاد إلى الفساد، كما ان لا يعيد ارشاد إلى الصحة والاجزاء من غير أن يتضمن حكما تكليفيا ولا معنى لا ستحباب الفساد كما لا يخفى. وأخرى كما فعله الشيخ على ما إذا لم يبلغ المرض حدا يمنع عن الصوم. فقوله: يستقبل اي يسترسل في صيامه ولا يفطر. وهو أيضا بمكان من البعد وعري عن الشاهد، فان ظاهر كلمة يستقبل هو أنه يستأنف ويشرع من الاول. بل ان مفهوم الذيل يجعله كالصريح في ذلك كما لا يخفى. فهذان الحملان بعيدان عن المتفاهم العرفي جدا. وعليه فلو كنا نحن وهذه الصحيحة وكانت سليمة عن المعارض لالتزمنا بالتخصيص في النصوص المتقدمة لانها مطلقة من حيث الكفارة، ومن حيث العذر، وهذه خاصة بكفارة الظهار وبعذر المرض فيخصص ويلتزم بالاستيناف وعدم جواز البناء على ما مضى في خصوص هذا المورد فتأمل إلا أنها في موردها مبتلاة بالمعارض وهي صحيحة أخرى لرفاعة الواردة في الظهار بعينه، قال: المظاهر إذا صام شهرا ثم مرض اعتد بصيامه (2) ومعلوم ان المخصص المبتلى في مورده بالمعارض


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 3 (2) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 13

[ 282 ]

غير صالح للتخصيص إذا تسقط الروايتان بالمعارضة فيرجع إلى عموم الروايات المتقدمة المتضمنة للبناء على الاطلاق. نعم قد يتوهم معارضتها بصحيحة الحلبي التي هي أيضا مطلقة تشمل الظهار وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام عن قطع صوم كفارة اليمين وكفارة الظهار، وكفارة القتل، فقال: ان كان على رجل صيام شهرين متتابعين إلى أن قال: وان صام شهرا ثم عرض له شئ فافطر قبل أن يصوم من الآخر شيئا فلم يتابع أعاد الصوم كله (1) ويندفع بأن قوله عليه السلام: ثم عرض له شئ.. الخ. مطلق من حيث كون العارض أمرا غير اختياري ومما غلب الله عليه مثل المرض والحيض ونحوهما، أو اختياريا مثل ما لو عرض شئ يقتضى سفره اختيارا من عرس أو موت أو معالجة ونحو ذلك من الضروريات العرفية المستدعية للافطار الاختياري من غير أن يكون معذورا فيه شرعا، إذ يصدق معه أيضا انه عرض له شئ كما لا يخفى. فلا جرم تكون هذه الصحيحة أعم من النصوص المتقدمة الخاصة بمورد العذر الذي غلب الله عليه فتحمل هذه على غير مورد العذر من العوارض الاختيارية وتخصص بتلك النصوص فلا تعارض. فتحصل ان النصوص المتضمنة للبناء في مورد العذر سليمة عن المعارض، والمسألة اتفاقية كما عرفت. وأما المقام الثاني أعني حكم القطع من حيث البناء وعدمه في غير الشهرين المتتابعين من ساير أقسام الصيام المشروط فيها التتابع كصوم الشهر في كفارة الظهار من العبد الذي هو نصف كفارة الحر، وصوم الثمانية عشر بدل البدنة، أو التسعة أو الثلاثة ونحو ذلك. فيقع


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 9

[ 283 ]

الكلام تارة فيما لو قطع اختيارا، وأخرى لعذر من مرض أو حيض ونحوهما. أما الاول: فسيأتي الكلام حوله عند تعرض الماتن له في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى. وأما الثاني: فالاكثر بل المشهور هو البناء بعد ارتفاع العذر على ما قطع مطلقا كما هو الحال في الشهرين نظرا إلى عموم التعليل الوارد في ذيل صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة في صوم الشهرين من قوله عليه السلام: (وليس على ما غلب الله عزوجل عليه شئ) فانه يقتضي سريان الحكم لكل مورد غلب الله عليه من غير اختصاص بمورده فعموم العلة حاكم على الادلة الاولية وموجب لشمول الحكم لكل صوم مشروط فيه التتابع وانه يبنى في صورة العذر. وبازاء المشهور أقوال منها ما عن صاحب المدارك من انكار البناء مطلقا نظرا إلى اختصاص النصوص بالشهرين بأجمعها ما عدا رواية ابن أشيم الضعيفة (1) على المشهور فلابد من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النص فيبقى المكلف في غيره تحت العهدة إلى أن يتحقق الامتثال بالاتيان بالمأمور به على وجهه المقتضى لرعاية المتابعة عملا بعموم أدلتها. ويندفع بان مورد النصوص وان كان مخصوصا بالشهرين كما ذكره (قده) إلا أن التعليل المزبور الوارد في ذيل صحيحة سليمان ابن خالد قرينة عرفية على التعدي وارتكاب التخصيص في عمومات التتابع إذ لم يكن مختصا بمورده، وإلا لم يكن وجه للتعليل كما لا يخفى. فهو بحسب الفهم العرفي يقتضى التوسعة في نطاق الحكم وان كل ما كان مصداقا لغلبة الله فهو محكوم بالبناء


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 2

[ 284 ]

ومنها ما عن جماعة من التفصيل بين كل ثلاثة يجب تتابعها ككفارة اليمين ونحوها وبين غيرها فيختص البناء بالثاني. أما الاول فيجب الاستيناف إذا أفطر بينها لعذر أو لغير عذر إلا ثلاثة الهدي كما تقدم. ويندفع بعدم الدليل على الاختصاص عدا ما ورد في ذيل صحيحة الحلبي من قوله عليه السلام: (صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات ولا تفصل بينهن) ونحوه صحيح ابن سنان وخبر الجعفري (1) ولكنها مطلقة من حيث الاختيار والاضطرار فتقيد بمقتضى عموم التعليل المزبور وتحمل على ارادة عدم جواز الفصل اختيارا دون ما غلب الله عليه من مرض ونحوه، إذ لا قصور في صلوح التعليل المزبور لتخصيص هذه الادلة أيضا كغيرها حسبما عرفت. ومنها ما عن الشيخ (قده) في النهاية من التفصيل فيمن نذر ان يصوم شهرا متتابعا فعرض ما يفطر فيه بين بلوغ النصف وعدمه فيبني في الاول ويستأنف في الثاني. والظاهر ان مستنده في ذلك هي رواية موسى بن بكراما بواسطة الفضيل أو بدونه عن الصادق، أو أبي جعفر عليهما السلام على اختلاف طريق الكليني والشيخ حسب ما مر: " في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر فقال: ان كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقى، وان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما " (2) فانها وان لم يصرح فيها بنذر التتابع الا أن قوله عليه السلام في الجواب. " حتى


(1) الوسائل باب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 4، 1؟، 3 (2) الوسائل باب 5 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 1

[ 285 ]

يصوم شهرا تاما " يكشف عن تعلق النذر بالمتابعة. كيف ولولا ذلك لم يكن موقع للسؤال من أصله ضرورة وضوح عدم لزوم الاستيناف فيما لو كان مطلقا أو على سبيل التفريق كأن يصوم شهرا خلال أربعة أشهر كل شهر اسبوع مثلا كما هو ظاهر. ويندفع بان الرواية وان كان معتبرة السند لوجود موسى بن بكر في اسناد تفسير علي بن ابراهيم وان لم يوثق (1) صريحا في كتب الرجال كما تقدم. إلا أنها قاصرة الدلالة على المطلوب إلا بالاطلاق، إذ العارض المفروض في السؤال مطلق من حيث الاضطرار والاختيار، فكما انه يصدق مع العذر الذي يكون مما غلب الله عليه، كذلك يصدق مع عروض الضرورة العرفية المقتضية للافطار اختيارا، كما لو دعت الحاجة إلى السفر لاجل زفاف أو استقبال مسافر، أو معالجة، أو تجارة ونحو ذلك. ومقتضى الجمع بينها وبين التعليل في صحيحة ابن خالد المتقدمة ارتكاب التقييد، فنحمل هذه على العارض الاختياري إذا تكون هذه الرواية من أدلة التفصيل في العارض الاختياري بين بلوغ النصف وعدمه في صوم الشهر المشروط فيه التتابع الذي يقع الكلام حوله في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى، وأجنبية عن الافطار لعذر الذي هو محل الكلام.


(1) بل في المعجم ج 19 ص 37 استظهار وثاقته نظرا إلى شهادة صفوان بان كتابه مما لا يحتلف فيه أصحابنا

[ 286 ]

[ والسفر الاضطراري دون الاختياري (1) لم يحب استينافه بل يبني على ما مضى، ] (1) وقع الخلاف في السفر الواقع أثناء الصوم المشروط فيه التتابع من حيث القطع وعدمه على أقوال ثلاثة: فقد ذهب في المستند إلى أن السفر قاطع للتتابع من غير فرق بين الاختياري والاضطراري، بل استظهر الاجماع عليه، واختاره في محكي الوسيلة والسرائر، وظاهر الخلاف نظرا إلى استناده حتى الاضطراري منه إلى فعل العبد، فلا يكون مما غلب الله عليه. وبازاء ذلك ما قواه في الجواهر من عدم القطع مطلقا استنادا إلى أنه بعد السفر حتى الاختياري محبوس عن الصوم مقهور من قبل الله تعالى على الافطار. وذهب المحقق في المعتبر وتبعه جمع منهم الماتن (قده) إلى التفصيل بين السفر الاختياري فيقطع دون الاضطراري. أقول: مبنى النزاع هو الاختلاف في تفسير المراد مما غلب الله المذكور في التعليل الوارد في ذيل صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة. فصاحب المستند يفسره بما لا يكون لارادة العبد مدخل في تحقق السبب الموجب للافطار مثل المرض والحيض ونحوهما، أما السفر فهو فعل ارادي يفعله المكلف باختياره وان كان الباعث عليه هو الاضطرار والضرورة الملحة، فهو إذا ليس مما غلب الله عليه في شئ، بل هو بنفسه عامد في ترك التتابع، فلا تشمله الصحيحة، وعلى تقدير الشمول فهو معارض باطلاق قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: (.. وان صام شهرا ثم عرض له شئ فافطر قبل ان يصوم من

[ 287 ]

الآخر شيئا فلم يتابع أعاد الصوم كله) (1) فان العارض يشمل السفر أيضا، وبعد التساقط يرجع إلى عمومات أدلة التتابع. وصاحب الجواهر يفسره بما إذا كان الافطار المخل بالتتابع مما غلب الله وألزم عليه بحيث يكون هو الذى حبسه ومنعه عن الصوم سواء أكان السبب المؤدي للافطار المزبور اختياريا للمكلف أم اضطراريا، فهو (قده) يقصر النظر على المسبب أعني الافطار ويجعله مركزا لغلبة الله في قبال الافطار الذي يفعله المكلف من تلقاء نفسه كما ان نظر صاحب المستند مقصور على السبب فقط، الموجب للافطار حسبما عرفت. والصحيح لزوم الجمع بين النظرين وملاحظة كلا الامرين الذي نتيجته اختيار حد وسط بين القولين معتدل بين جانبى الافراط والتفريط، وهو الذي اختاره في المتن تبعا للمحقق، إذ لا وجه لقصر النظر على المسبب والغاء السبب ضرورة ان الافطار بعد اختيار السفر وان كان مما ألزم عليه الشارع الا ان هذا المقدار لا يكفي في جعله مما غلب الله بعد أن كانت تلك المقهورية الشرعية مستندة إلى اختيار المكلف فانه هو الذي أوقع نفسه في هذه الورطة باختيار مقدمتها وهو السفر من غير ضرورة تقتضيه. فمجرد الحبس التشريعي غير كاف في صدق الغلبة بعد أن كان مستندا ومسببا عن الاختيار التكويني فلا يكون الاخلال بالمتابعة حينئذ الا من قبل المكلف نفسه باختياره ما يؤدي إليه كما لا وجه لقصر النظر على السبب فان السفر وان كان فعلا اختياريا للعبد، الا أنه إذا كان مسبوقا بالاضطرار أو بالاكراه، أي كان


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 9

[ 288 ]

[ ومن العذر ما إذا نسي النية حتى فات وقتها (1) بان تذكر بعد الزوال ومنه أيضا ما إذا نسي فنوى صوما آخر ولم يتذكر الا بعد الزوال، ] الباعث عليه الالزام من قبل العقل أو الشرع بحيث لا يسعه التخلف عنه فهو لا جرم مقهور عليه في ارادته لا مفر منها ولا مخلص عنها، ومثله مصداق لغلبة الله بطبيعة الحال، أترى ان الصائم لو شاهد غريقا يمكنه استنقاذه المتوقف على الارتماس وهو حينئذ ملزم من قبل الشارع بهذا الارتماس مقهور عليه لا يكون ذلك مما غلب الله عليه كلا بل هو من أظهر مصاديق هذا العنوان في نظر العرف وان كان الارتماس فعلا اختياريا له. وعلى الجملة فالتعليل ينطبق على السفر أيضا فيما أذا كان اضطراريا كما ينطبق على الحيض والمرض بمناط واحد وبذلك يرتكب التقييد في اطلاق صحيح الحلبي المتقدم ويحمل على ما إذا كان العارض من سفر ونحوه امرا اختياريا بحيث لا يكون مما غلب الله عليه جمعا بينه وبين التعليل المزبور. فتحصل ان التفصيل المذكور في المتن بين السفر الاختياري والاضطراري هو المتعين، ويجري مثله في المرض والحيض بنفس المناط كما لا يخفى. (1) لصدق ما غلب الله عليه المذكور في التعليل على ما فات نسيانا، سواء أكان المنسي أصل النية أم عنوان الصوم. وناقش فيه في الحدائق بأن النسيان من الشيطان كما يفصح عنه قوله تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربه) فهو من غلبته لا من غلبة

[ 289 ]

[ ومنه أيضا ما إذا نذر قبل تعلق الكفارة صوم كل خميس فان تخلله في اثناء التتابع لا يضر به (1) ولا يجب عليه الانتقال ] الله تعالى الذي هو الموضوع في التعليل. ولعل الجواب عنه واضح. أما أولا فلان الآية المباركة ناظرة إلى قضية شخصية فلا تدل على أن النسيان من الشيطان دائما، وعلى سبيل الكبرى الكلية فان مفادها قضية خارجية لا حقيقية. وثانيا سلمنا ذلك لكن لا يلزم في صدق ما غلب الله أن يكون الفعل مستندا إليه تعالى مباشرة ومن غير وساطة اي مخلوق. فلو فرضنا ان شخصا ضرب الصائم فأمرضه، وبالنتيجة منعه عن التتابع أفلا يكون ذلك من غلبة الله وحبسه لمجرد استناد المرض إلى الضرب المستند إلى الضارب، بل كثيرا ما يستند المرض إلى نفس المريض من أجل عدم مبالاته في المأكل والملبس وعدم وقايته عن البرد أو الحر وان لم يعلم بترتب المرض حينما يأكل ما يضره أو ينام في معرض الاستبراد مثلا. وعلى الجملة فجميع الافعال الصادرة من العباد من الشيطان أو الانسان مستندة إليه تعالى على نحو يسلم عن الجبر ويكون أمرا بين الامرين على ما حققناه في الاصول في مبحث الطلب والارادة وعليه فالمراد من غلبة الله الواردة في التعليل ما يقابل الافطار الاختياري ولو كان بتوسط المخلوقين كما هو ظاهر. (1) لما عرفت من صدق غلبة الله الناشئ من وجوب الوفاء بالنذر المانع من إمكان التتابع فمثله لا يكون قادحا فيصوم نذرا، ثم يصوم بدله يوما آخر إلى أن تكمل الكفارة.

[ 290 ]

[ إلى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لاجل هذا التعذر نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلق الكفارة اتجه الانتقال إلى ساير الخصال. (مسالة 7) كل من وجب عليه شهران متتابعان من كفارة معينة أو مخيرة إذا صام شهرا ويوما متتابعا يجوز له التفريق في البقية ولو اختيارا؟ لا لعذر (1) وكذا لو كان من نذ ر أو عهد لم يشترط فيه تتابع الايام جميعهاو لم يكن المنساق منه ذلك، ] لكن هذا فيما لو تعلق نذره بعنوان خاص بان يصوم يوم الخميس بعنوان النذر، وأما لو كان متعلقه مطلقا غير معنون بأي عنوان فنذر أن يكون هذا اليوم صائما ولو بعنوان آخر من قضاء أو إجارة أو كفارة ونحو ذلك في قبال أن يكون مفطرا. فالظاهر ان هذا لا يوجب التخلل من أصله، بل يحسب من الكفارة أيضا، لعدم منافاته مع النذر بوجه. ومنه يظهر الحال في نذر صوم الدهر فلا يتجه الانتقال إلى ساير الخصال حتى في هذا الفرض لما عرفت من عدم المنافاة فيقع امتثالا لكل من النذر والكفارة بعنوانين حسبما عرفت. (1) كما سبق التعرض له في المسألة الاولى وقلنا ان عمدة المستند فيه صحيحة الحلبي المتضمنة لتفسير التتابع في الشهرين وشرحه، وان المراد به متى أطلق ضم جزء من الشهر الثاني إلى الاول فلا يضر التفريق بعدئذ حتى اختيارا (1). الحاكمة على جميع الادلة الاولية.


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 9

[ 291 ]

ولولاها لاشكل اثبات الحكم على سبيل العموم بحيث يشمل صيام الشهرين في الكفارة المعينة والمخيرة لاختصاص مورد النصوص بالاول. فان صحيحة منصور بن حازم موردها الظهار الذي يجب فيه صيام الشهرين معينا فقد روى عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان، قال: يصوم شهر رمضان ويسأنف الصوم، فان هو صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته (1). وكذلك الحال في موثقة سماعة: (قال: سألته عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أيفرق بين الايام؟ فقال: إذا صام اكثر من شهر فوصله ثم عرض له أمر فأفطر فلا بأس، فان كان أقل من شهر أو شهرا فعليه أن يعيد الصيام) (2) فانها أيضا ناظرة إلى الكفارة التعيينية من ظهار أو قتل نحوهما، إذ هي التي يصح ان يعبر عنها بما تضمنه الموثق من قوله: (عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين... الخ) الظاهر في الوجوب التعييني. أما في المخبرة فلا يصح ذلك لان الواجب حينئذ إنما هو الجامع بين الخصال الثلاث لا خصوص صيام الشهرين. ومن هنا مرانه لدى العجز عنه لا ينتقل إلى صوم الثمانية عشر الذى هو بدل عنه، كما ينتقل إليه في الكفارة المعينة لا ختصاص البدلية بمورد وجوب المبدل منه، ولا وجوب لصيام الشهرين في المخيرة. ومنه يظهر الحال في بقية النصوص المتضمنة لمثل هذا التعبير. وعلى الجملة فالنصوص غير وافية لا ثبات الحكم في الكفارة المخيرة


(1) الوسائل باب 4 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 1 (2) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 5

[ 292 ]

[ والحق المشهور بالشهرين الشهر المنذور فيه التتابع (1) فقالوا ] لولا التشبث بذيل الصحيحة المتقدمة التي هي حاكمة كما عرفت على جميع الادلة التي اعتبر فيها تتابع الشهرين وان المراد به في اصطلاح الشرع في كل مورد أخذ موضوعا لحكم من الاحكام هو التتابع بين عنواني الشهرين المتحصل من ضم جزء من الشهر الثاني إلى تمام الاول، لا بين أجزاء الشهرين بأسرها. ومنه يظهر الحال فيما لو نذر صوم شهرين متتابعين قاصدا به ما هو المفهوم الواقعي من هذا اللفظ في اصطلاح الشرع فانه يكتفي فيه أيضا بالتتابع في شهر ويوم بمقتضى حكومة صحيحة الحلبي كما عرفت. وأما لو اشترط الناذر تتابع الايام جميعها بان نذر صوم ستين يوما متصلا أو صوم شهرين مع توالي الايام بأسرها ولاسيما لو عين الشهرين كرجب وشعبان مثلا فلا ينبغى التأمل حينئذ في عدم الاكتفاء ولزوم الوفاء على حسب نذره، فان مورد الحكومة المزبورة ما إذا كان موضوع الحكم هذا العنوان الخاص اعني (شهرين متتابعين) لا ما يستلزمه من ساير العناوين كصوم الستين ونحو ذلك جمودا في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مقدار قيام الدليل. والحاصل ان غاية ما يسعنا انما هو الحاق النذر بمورد الصحيحة، أعني الكفارة لكن مع المحافظة على العنوان المذكور فيها قضاء للحكومة كما عرفت. وأما التعدي إلى عنوان آخر وان كان ملازما له فيحتاج إلى الدليل وحيث لا دليل فالمتبع اطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر. فما صنعه في المتن من التقييد بعدم الاشتراط هو الصحيح. (1) وهو الصحيح من غير اعتبار مجاوزة النصف هنا لصحيح موسى بن بكر، إما عن الفضيل أو بدونه حسب اختلاف طريقي

[ 293 ]

[ إذا تابع في خمسة عشر يوما منه يجوز له التفريق في البقية اختيارا وهو مشكل فلا يترك الاحتياط فيه بالاستيناف مع تخلل الافطار عمدا وان بقى منه يوم كما لا إشكال في عدم جواز التفريق اختيارا مع تجاوز النصف في ساير أقسام الصوم المتتابع. ] الكليني والشيخ كما تقدم عن الصادق عليه السلام وروايته أيضا عن الفضيل عن ابي جعفر عليه السلام في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له امر، فقال: ان كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضى ما بقي، وان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما (1) وقد عرفت فيما تقدم ان عروض الامر يعم السفر الاختياري واشباهه. ولا وجه للنقاش في سندها كما عن المدارك ليجاب بانجبار الضعف بالعمل، فان موسى بن بكر وان لم يوثق صريحا في كتب الرجال لكنه مذكور في اسناد تفسير علي بن ابراهيم كما تقدم. فالرواية معتبرة وقد أفتى بها المشهور فلا مانع من الفتوى على طبقها. فاستشكال الماتن في غير محله. ثم انه لا إشكال في عدم جواز التفريق الاختياري مع تجاوز النصف في ساير أقسام الصوم المشروط فيه التتابع كما نبه عليه في المتن، لعدم الدليل على الجواز في غير ما مر، فيرجع إلى ما تقتضيه القواعد من الاستيناف رعاية لشرطية التتابع.


(1) الوسائل باب 5 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 1

[ 294 ]

نعم حكى المحقق في الشرايع عن بعض وهو الشيخ، وابن سعيد، والعلامة في غير المنتهى كما نص عليه في الجواهر انه الحق بالشهر المنذور في كفاية المتابعة في النصف من وجب عليه صوم شهر في كفارة قتل الخطأ أو الظهار لكونه مملوكا، حيث ان كفارته نصف كفارة الحر مستدلا عليه بوجوه حكاها عن المختلف في الجواهر التي منها ان ذلك لا يزيد على النذر المتتابع فيثبت الحكم في الاضعف بطريق أولى. ثم قال المحقق: وفيه تردد. واعترض عليه في الجواهر بان الاولى الجزم بالعدم دون التردد، لضعف تلك الوجوه ومنع الاولوية ولا بد من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القواعد على المقدار المتيقن وهو النذر الذى هو مورد النص. أقول: ينبغي التفصيل بين الظهار وغيره فلا يحكم بالالحاق فيما عداه لما ذكره (قده) من عدم الدليل على التعدي ولزوم الاقتصار على المقدار المتيقن. أما في الظهار فلا مانع من الالحاق فان نصوص هذا الباب وان كان أكثرها واردا في الحر لتضمنها صوم الشهرين المتتابعين إلا أن بعضها مطلق يشمل العبد أيضا الذي كفارته شهر واحد، وهى صحيحة منصور بن حازم (في حديث) قال في رجل صام في ظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته (1) فان قوله عليه السلام في النصف يعم النصف من الشهرين كما في الحر، ومن الشهر الواحد كما في العبد، فلا قصور في شمولها له كالحر بمقتضى الاطلاق وان كان صدرها واردا في الحر. فان ذلك لا يقدح في التمسك باطلاق الذيل كما لا يخفى


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 4

[ 295 ]

وهي صحيحة سندا كما عرفت، ولا يقدح اشتماله على محمد بن اسماعيل المردد بين الثقة وغيره، لوجوده بعين هذا السند، أعني محمد ابن اسماعيل عن الفضل بن شاذان في كامل الزيارات، فالرجل موثق على كل تقدير وتعبير صاحب الجواهر عنها في غير هذا المقام - بالخبر لا يكشف عن الضعف لعدم التزامه (قده) بهذا الاصطلاح. وعلى الجملة فلا يبعد الالتزام بهذا الحكم أعني الاكتفاء بالتتابع في نصف الشهر وزيادة يوم في صوم الشهر في كفارة الظهار من العبد لصحة الرواية سندا، وكذا دلالة، فانها وان روى تمامها في الوسائل (1) وفيها: (فان هو صام.. الخ) فيكون صدرها واردا في الحر إلا أن مرجع الضمير هو طبيعي الرجل لا خصوص من حكم عليه بحكم الحر. وان شئت قلت: المتفاهم من قوله (ع): (فان هو صام في الظهار فزاد في النصف.. الخ) ان الاعتبار في باب الظهار بتجاوز النصف فهو المناط في التتابع من غير خصوصية للحرأو العبد، فتشمل باطلاقها تجاوز النصف من الشهرين أو الشهر الواحد. فلا مانع من التفريق الاختياري بعدئذ، ولم أر من تعرض لذلك، بل مقتضى حصر الاستثناء عن التفريق الاختياري في كلام المحقق في الشرايع في المواضع الثلاثة أعني الشهرين المتتابعين والشهر المنذور، وثلاثة الهدي وامضائه من صاحب الجواهر انهما لا يسوغان التفريق فيما ذكرناه. ولا وجه له بعد مساعدة الدليل حسبما عرفت.


(1) الوسائل باب 4 من ابواب بقية الواجب ح 1

[ 296 ]

[ (مسألة 8) إذا بطل التتابع في الاثناء لا يكشف عن بطلان الايام السابقة (1) فهي صحيحة وان لم تكن امتثالا للامر الوجوبي ولا الندبي لكونها محبوبة في حد نفسها من حيث انها صوم وكذلك الحال في الصلاة إذا بطلت في الاثناء فان الاذكار والقراءة صحيحة في حد نفسها من حيث محبوبيتها لذاتها. ] (1) من شرع في الصوم المشروط فيه التتابع فصام أياما ثم بطل تتابعه إما لعذر من الاعذار أو بدا له في الافطار بناء على ما عرفت من جواز الابطال وتبديل الامتثال، فهل يكشف ذلك عن بطلان الايام السابقة نظرا إلى ان ما قصد لم يقع، وما وقع لم يقصد، ولا عبادة الا عن قصد وان ترتب عليها الثواب من جهة الانقياد، أو انها محكومة بالصحة لكونها محبوبة في حد نفسها وان لم تكن امتثالا للامر الوجوبي ولا الندبي لعدم تعلق القصد بشئ منهما، كما هو الحال في الصلاة إذا بطلت في الاثناء، فان القراءة والذكر محكومة بالصحة إذ الاول قرآن تستحب تلاوته، وذكر الله حسن على كل حال؟ اختار السيد الماتن (قده) الثاني وهو الصحيح. والوجه فيه ما تكررت الاشارة إليه في مواضيع عديدة من مطاوي هذا الشرح، وتعرضنا له في الاصول في بحث مقدمة الواجب حيث قلنا ان الامر الغيري بناء على وجوب المقدمة توصلي لا يتوقف سقوطه على تعلق القصد به كما هو الشأن في جميع الاوامر الغيرية.

[ 297 ]

نعم لو تعلق بما هو عبادة في نفسه كالطهارات الثلاث وجب الاتيان بها على جهة العبادة وإلا بطلت لا لدخلها في الامر، بل لعدم حصول المتعلق فانه بنفسه عبادي حسب الفرض، فلابد من قصد الامر النفسي المتعلق بها) واما الامر الغيري المقدمي فهو توصلي كما عرفت لا دخل له في تحقق العبادة. ولذا تتحقق حتى مع فقده وانتفائه، كما لو توضأ للصلاة ولم يصل فان هذا الوضوء غير موصوف بالوجوب الغيري بناء على ما هو الصحيح تبعا لصاحب الفصول من اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة وانها ما لم تتعقب بالايصال الخارجي لم تكدتتصف بالوجوب المقدمي، ومع ذلك لاشك في كونه محكوما بالصحة، ليس الا من أجل كونه عبادة في نفسه، ففساد الامر الغيري وبطلانه لا يستدعي فساد متعلقه إذا كان عبادة في حد نفسه لان عباديته لم تنشأ من قبل هذا الامر لتتبعه في الفساد، بل هي ثابتة من ناحية أمرها النفسي كما عرفت. والامر الغيري يدعو إلى ما هو عبادة في نفسه. ومن هذا القبيل النذر المتعلق بالعبادة كصلاة الليل، فان العبادية لم تنشأ من ناحية الامر النذري لانه توصلي، بل هي مأخوذة في نفس المتعلق، فلو صلى بغير القربة لم يف لا لان الامر عبادي، بل لعدم حصول متعلق النذر في حد نفسه. وكذا الحال في العبادات الواقعة موردا للاجارة كالحج الاستيجاري أو الحلف، أو العهد أو الشرط في ضمن العقد، أو امر الوالد أو السيد ونحو ذلك من العناوين الثانوية، فان الامر الجائي من قبلها بأجمعها توصلي، وملاك العبادية انما هو الامر الثابت للمتعلقات بعناوينها الاولية. فلو فرض في مورد فساد الاجارة أو بطلان الشرط، أو عدم انعقاد الحلف

[ 298 ]

ونحو ذلك وقد أتى بالعبادة خارجا فهي محكومة بالصحة لا محالة وان لم يكن مصداقا للعنوان الثانوي لما عرفت من مناط العبادية شئ، ومورد البطلان شئ آخر، ولا يسري الفساد إلى ذاك المناط أبدا والامر بالكفارة فيما نحن فيه من هذا القبيل، ضرورة ان الامر بالتكفير توصلي لا تعبدي، فلا يعتبر في سقوطه قصد التقرب، وانما العبادية معتبرة في نفس المتعلق من الصوم والعتق - لقوله عليه السلام لا عتق الا ما قصد به الله - دون الاطعام فلو اطعم بعنوان الكفارة كفى وان لم يقصد به القربة وهذا أقوى شاهد على أن الامر الناشئ من قبل الكفارة توصلي في حد نفسه والا لما اختلفت الخصال الثلاث فيما ذكر كما لا يخفى. وعليه فصوم الشهرين الواقع متعلقا للامر بالكفارة عبادي لكن لا من ناحية هذا الامر الوجوبي الثابت بالعنوان الثانوي، بل من أجل الامر الاستحبابي المتعلق بنفس الصوم بعنوانه الاولي، فان الصوم في كل يوم ما عدا الايام المحرمة له أمر استحبابي مستقل، وانما نشأ هذا الجمع والارتباط أعني عنوان الشهرين، وكذا التتابع من ناحية الامر بالتكفير الذي هو توصلي كما عرفت. فلو صام يوما أو أياما ثم قطع إما اختيارا أو لعجز أو موت فبطل التتابع لم يكد يؤثر ذلك في بطلان ما وقع، فان ملاك عباديته الامر الاستحبابى النفسي المتعلق به بالعنوان الاولي لا التوصلي الثابت بالعنوان الثانوي، وقد تحقق على وجهه ولا ينقلب الشئ عما وقع عليه. فلا مناص من الحكم بالصحة. فإذا كان هناك أثر للصوم الصحيح يترتب وان لم يحسب من الكفارة كما ذكره في المتن والله سبحانه أعلم.

[ 299 ]

[ فصل (أقسام الصوم اربعة) نكتفي من هذا الفصل بذكر بعض المسائل التى هي مورد للخلاف أقسام الصوم أربعة: واجب وندب ومكروه كراهة عبادة ومحظور، والواحب أقسام: صوم شهر رمضان، وصوم الكفارة، وصوم القضاء، وصوم بدل الهدي في حج التمتع، وصوم النذر والعهد واليمين، والملتزم بشرط أو اجارة، وصوم اليوم الثالث من أيام الاعتكاف. أما الواجب فقد مر جملة منه. وأما المندوب منه فاقسام: منها ما لا يختص بسبب مخصوص ولا زمان معين كصوم أيام السنة عدا ما استثنى من العيدين وأيام التشريق لمن كان بمنى فقد وردت الاخبار الكثيرة في فضله من حيث هو ومحبوبيته وفوائده ويكفى فيه ما ورد في الحديث القدسي: الصوم لي وأنا اجازي به، وما ورد من أن الصوم جنة من

[ 300 ]

النار، وان نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله متقبل، ودعاؤه مستجاب. ونعم ما قال بعض العلماء من انه لو لم يكن في الصوم الا الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية لكفى به فضلاو منقبة وشرفا. ومنها ما يختص بسبب مخصوص وهي كثيرة مذكورة في كتب الادعية. ومنها ما يختص بوقت معين وهو في مواضع: منها وهو آكدها صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فقد ورد انه يعادل صوم الدهر ويذهب بوحر الصدر. وأفضل كيفياته ما عن المشهور ويدل عليه جملة من الاخبار، وهو أن يصوم أول خميس من الشهر وآخر خميس منه، وأول اربعاء في العشر الثاني، ومن تركه يستحب له قضاؤه، ومع العجز عن صومه لكبره ونحوه يستحب أن يتصدق عن كل يوم بمد من طعام أو بدرهم. ومنها صوم أيام البيض من كل شهر وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر على الاصح المشهور، وعن العماني انها الثلاثة المتقدمة. ومنها صوم يوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وهو السابع عشر

[ 301 ]

من ربيع الاول على الاصح، وعن الكليني انه الثاني عشر منه ومنها: صوم يوم الغدير وهو الثامن عشر من ذي الحجة ومنها: صوم يوم مبعث النبي صلى الله عليه وآله وهو السابع والعشرون من شهر رجب. ومنها: يوم دحو الارض من تحت الكعبة وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة. ومنها: يوم عرفة لمن لا يضعفه الصوم عن الدعاء. ومنها: يوم المباهلة وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة ومنها: كل خميس وجمعة معا أو الجمعة فقط ومنها: أول ذى الحجة بل كل يوم من التسع فيه. ومنها يوم النيروز. ومنها: صوم رجب وشعبان كلا أو بعضا ولو يوما من كل منهما. ومنها: اول يوم من المحرم وثالثه وسابعه. ومنها التاسع والعشرون من ذى القعدة. ومنها: صوم ستة أيام بعد عيد الفطر بثلاثة أيام أحدها العيد. ومنها: يوم النصف من جمادي الاولى. (مسألة 1) لا يجب اتمام صوم التطوع بالشروع فيه،

[ 302 ]

بل يجوز له الافطار إلى الغروب وان كان يكره بعد الزوال. (مسالة 2) يستحب للصائم تطوعا قطع الصوم إذا دعاه أخوه المؤمن إلى الطعام بل قيل بكراهته حينئذ. وأما المكروه منه: بمعنى قلة الثواب ففي مواضع أيضا: منها صوم عاشوراء (1). ومنها: صوم عرفة لمن خاف ان يضعفه عن الدعاء الذي هو أفضل من الصوم، وكذا مع الشك في هلال ذى الحجة خوفا من أن يكون يوم العيد، ] (1) عده (قده) من الصيام المكروه تبعا لغيره من بعض الاصحاب، ولكن المحقق (قده) في الشرايع جعله من الصيام المستحب، وأقر عليه في الجواهر قائلا بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر الغنية الاجماع عليه. نعم قيده المحقق بما كان على وجه الحزن لمصاب سيد شباب اهل الجنة ارواح العالمين فداه. ونبه في الجواهر بأن هذا التقييد لمتابعة الشيخ (قده) حيث انه جمع بين الاخبار المتعارضة بذلك وإلا فنصوص الباب عارية عن هذا القيد. وكيفما كان فحينما يتعرض المحقق للصيام المكروه لم يذكر منه صوم هذا اليوم لاهو ولا صاحب الجواهر فيظهر منهما انهما يريان الاستحباب أما على وجه الحزن أن مطلقا. وذهب في الحدائق إلى التحريم وانه تشريع محرم كيوم العيد لنصوص

[ 303 ]

سنتعرض إليها، وذكر ان ما بازائها من الاخبار محمول على التقية لمطابقتها لمذهب العامة من بني أمية وغيرهم، حيث كانوا يتبركون بالصوم في هذا اليوم شكرا على ما جرى على آل الله. هذه هي حال الاقوال وهي كما ترى بين مكروه، ومندوب، ومحظور. وأما بالنظر إلى الروايات الواردة في المقام: فقد ورد في جملة من النصوص المنع عن صوم هذا اليوم، وهى وان كثرت الا أن مرجعها إلى ثلاث روايات: إحداها: ما رواه الكليني عن شيخه الحسين كما (في الوسائل) أو الحسن (كما في الكافي) بن على الهاشمي، ولهذا الشخص روايات أربع رواها في الوسائل (1) الا اننا نعتبر الكل رواية واحدة لان في سند الجميع رجلا واحدا وهو الهاشمي، وحيث انه لم يوثق ولم يذكر بمدح فهي بأجمعهما محكومة بالضعف مضافا إلى ضعف الاولى بابن سنان أيضا، والثالثة بزيد النرسي على المشهور وان كان مذكورا في إسناد كامل الزيارات. وما في الوسائل في سند الرابعة من كلمة (نجية) غلط والصواب (نجبة) ولا بأس به. وكيفما كان فلا يعتد بشئ منها بعد ضعف أسانيدها. مضافا إلى ما ذكره في الجواهر من ان مفادها المنع عن الصوم باتخاذه كما يتخذه المخالفون يوم بركة وفرح وسرور، وان من فعل ذلك كان حظه من صيامه حظ ابن مرجانة وآل زياد الذى هو النار كما في هذه الاخبار، لا أن المنهي عنه مطلق صومه وبعنوانه الاولي كما في العيدين.


(1) الوسائل باب 21 من ابواب الصوم المندوب ح 2، 3، 4، 5

[ 304 ]

الثانية: رواية زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: لا تصم في يوم عاشوراء ولا عرفة بمكة ولا في المدينة، ولا في وطنك، ولا في مصر من الامصار (1). وهي ايضا ضعيفة السند بنوح بن شعيب وياسين الضرير. على أن صوم عرفة غير محرم قطعا، وقد صامه الامام عليه السلام كما في بعض الروايات نعم يكره لمن يضعفه عن الدعاء، فمن الجائز أن يكون صوم يوم عاشوراء ايضا مكروها لم يضعفه عن القيام بمراسيم العزاء الثالثة: رواية الحسين بن ابي غندر عن ابي عبد الله عليه السلام (2) وهي ضعيفة السند جدا لاشتماله على عدة من المجاهيل. فهذه الروايات بأجمعها ضعاف. نعم ان هناك رواية واحدة صحيحة السند وهي صحيحة زرارة، ومحمد بن مسلم جميعا انهما سألا أبا جعفر الباقر عليه السلام عن صوم يوم عاشوراء، فقال: كان صومه قبل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك (3). ولكنها كما ترى لا تتضمن نهيا، بل غايته ان صومه صار متروكا ومنسوخا بعد نزول شهر رمضان، ولعله كان واجبا سابقا، ثم أبدل بشهر رمضان كما قد تقتضيه طبيعة التبديل، فلا تدل على نفي الاستحباب عنه بوجه فضلا عن الجواز. ولقد سها صاحب الجواهر (قده) فألحق سند هذه الرواية بمتن الرواية التى بعدها التي كانت هي الاولى من روايات الهاشمي الضعاف


(1) الوسائل باب 21 من ابواب الصوم المندوب ح 6 (2) الوسائل باب 21 من ابواب الصوم المندوب ح 7 (3) الوسائل باب 21 من ابواب الصوم المندوب ح 1

[ 305 ]

المتقدمة فعبر عنها بصحيحة زرارة، ومحمد بن مسلم (1) مع انها رواية عبد الملك التي يرويها عنه الهاشمي كما سبق وانما العصمة لاهلها. وكيفما كان فالروايات الناهية غير نقية السند برمتها، بل هي ضعيفة بأجمعها، فليست لدينا رواية معتبرة يعتمد عليها ليحمل المعارض على التقية كما صنعه صاحب الحدائق. واما الروايات المتضمنة للامر واستحباب الصوم في هذا اليوم فكثيرة، مثل صحيحة القداح: " صيام يوم عاشوراء كفارة سنة " وموثقة مسعدة بن صدقة: " صوموا للعاشوراء التاسع والعاشر فانه يكفر ذنوب سنة " (2)، ونحوها غيرها، وهو مساعد للاعتبار نظرا إلى المواساة مع أهل بيت الوحي وما لا قوه في هذا اليوم العصيب من جوع وعطش وساير الآلام والمصائب العظام التي هي أعظم مما تدركه الافهام والاوهام. فالاقوى استحباب الصوم في هذا اليوم من حيث هو كما ذكره في الجواهر أخذا بهذه النصوص السليمة عن المعارض كما عرفت: نعم لا إشكال في حرمة صوم هذا اليوم بعنوان التيمن والتبرك والفرح والسرور كما يفعله أجلاف آل زياد والطغاة من بنى أمية من غير حاجة إلى ورود نص أبدا، بل هو من أعظم المحرمات، فانه ينبئ عن خبث فاعله وخلل في مذهبه ودينه، وهو الذى اشير إليه في بعض النصوص المتقدمة من أن أجره مع ابن مرجانة الذي ليس هو إلا النار، ويكون من الاشياع والاتباع الذين هم مورد العن في زيارة عاشوراء. وهذا واضح لا سترة عليه، بل هو خارج عن


(1) الجواهرج 17 ص 105 (2) الوسائل باب 20 من ابواب الصوم المندوب ح 3، 2

[ 306 ]

محل الكلام كما لا يخفى. وأما نفس الصوم في هذا اليوم أما قضاءا أو ندبا ولا سيما حزنا فلاينبغي التأمل في جوازه من غير كراهة فضلا عن الحرمة حسبما عرفت الرابعة: وهي التي رواها الشيخ في المصباح عن عبد الله بن سنان قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام يوم عاشوراء ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت: مم بكاؤك؟ فقال: أفي غفلة أنت؟ أما علمت أن الحسين عليه السلام أصيب في مثل هذا اليوم، فقلت: ما قولك في صومه؟ فقال لي: صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملا وليكن افطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فانه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله (1). وهي من حيث التصريح بعدم تبييت النية، وعدم تكميل الصوم، ولزوم الافطار بعد العصر واضحة الدلالة على المنع عن الصوم الشرعي وانه مجرد إمساك صوري في معظم النهار تأسيا بما جرى على الحسين وأهله الاطهار عليهم صلوات الملك المنتقم القهار. إلا أن الشأن في سندها والظاهر انها ضعيفة السند لجهالة طريق الشيخ إلى عبد الله بن سنان فيما يرويه في المصباح، فتكون في حكم المرسل. وتوضيحه: ان الشيخ في كتابي التهذيب والاستبصار التزم أن يروي عن كل من له أصل أو كتاب عن كتابه فيذكر أسماء أرباب الكتب أول السند مثل محمد بن على بن محبوب، ومحمد بن الحسن الصفار و عبد الله بن سنان ونحو ذلك، ثم يذكر في المشيخة طريقه إلى أرباب


(1) الوسائل باب 20 من ابواب الصوم المندوب ح 7

[ 307 ]

تلك الكتب لتخرج الروايات بذلك عن المراسيل إلى المسانيد وقد ذكر طريقه في كتابيه إلى عبد الله بن سنان وهو طريق صحيح. وذكر (قده) في الفهرست طريقه إلى أرباب الكتب والمجاميع سواء أروى عنهم في التهذيبين ام في غيرهما منهم عبد الله بن سنان وطريقه فيه صحيح ايضا. واما طريقه (قده) إلى نفس هذا الرجل لا إلى كتابه فغير معلوم، إذ لم يذكر لا في المشيخة ولا في الفهرست ولا في غيرهما لانهما معدان لبيان الطرق إلى نفس الكتب لا إلى أربابها ولو في غير تلكم الكتب. وهذه الرواية مذكورة في كتاب المصباح ولم يلتزم الشيخ هنا بان كل ما يرويه عمن له أصل أو كتاب فهو يرويه عن كتابه كما التزم بمثله في التهذيبين حسبما عرفت. وعليه فمن الجائز أن يروي هذه الرواية عن غير كتاب عبد الله ابن سنان الذي له إليه طريق آخر لا محالة، وهو غير معلوم كما عرفت. فان هذا الاحتمال يتطرق بطبيعة الحال ولا مدفع له، وهو بمجرده كاف في عدم الجزم بصحة السند. بل ان هذا الاحتمال قريب جدا، بل هو المظنون، بل المطمأن به، إذ لو كانت مذكورة في كتاب عبد الله بن سنان فلماذا أهملها في التهذيب والاستبصار مع عنوانه (قده) فيهما: صوم يوم عاشوراء ونقله ساير الروايات الواردة في الباب وبنائه (قده) على نقل ما في ذلك الكتاب وغيره من الكتب. فيكشف هذا عن ان روايته هذه عنه عن غير كتابه كما ذكرناه. وحيث أن طريقه إليه غير معلوم فالرواية في حكم المرسل، فهي أيضا ضعيفة السند كالروايات الثلاث المتقدمة. فصح ما ادعيناه من أن الروايات الناهية كلها ضعيفة السند فتكون الآمرة سليمة عن المعارض. فلم تثبت كراهة صوم يوم عاشوراء

[ 308 ]

[ ومنها صوم الضيف بدون اذن مضيفه (1) والاحوط تركه مع نهيه بل الاحوط تركه مع عدم اذنه أيضا. ومنها صوم الولد بدون اذن والده بل الاحوط تركه خصوصا مع النهي بل يحرم إذا كان إيذاء له من حيث شفقته عليه والظاهر جريان الحكم في ولد الولد بالنسبة إلى الجد والاولى مراعاة اذن الوالدة ومع كونه ايذاء لها يحرم كما في الوالد. ] فضلا عن الحرمة التي اختارها في الحدائق بل هي جائزة ندبا ولاسيما حزنا حسبما عرفت بما لا مزيد عليه. (1) عد (قده) من جملة الصيام المكروه بالمعنى المناسب للعبادة دون الكراهة المصطلحة المشتملة على نوع من المبغوضية والمرجوحية حسبما هو المحرر في محله صوم الضيف بدون اذن المضيف بل ذكر (قدس سره) ان الاحوط تركه ولاسيما مع النهي. فنقول: الاقوال في المسألة حسبما ذكرها في الجواهر (1) ثلاثة. فالمعروف والمشهور الكراهة مطلقا. وذهب جماعة كالشيخين والمحقق في المعتبر وابن ادريس في السرائر والعلامة في التبصرة وغيرهم إلى عدم الجواز فلا يصح الصوم بدون الاذن. واحتمل في الجواهر تنزيل كلامهم على صورة النهي ليتحد مع القول الثالث الذي اختاره المحقق في الشرايع من التفصيل بين عدم الاذن فيكره، وبين النهي فلا يصح ولا ينعقد،


(1) ج 17 ص 118.

[ 309 ]

والاقوى ما عليه المشهور كما يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في المقام. فمنها ما رواه الصدوق باسناده عن الفضيل بن يسار عن أبى عبد الله عليه السلام (وفي بعض النسخ أبي جعفر عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عله وآله: إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، ولا ينبغي للضيف أن يصوم الا باذنهم لئلا يعملوا له الشئ فيفسد عليهم، ولا ينبغي لهم أن يصوموا الا باذن الضيف لئلا يحشمهم فيشتهي الطعام فيتركه لهم (1) وهذه الرواية صحيحة السند لصحة طريق الصدوق إلى الفضيل، وان ناقش فيه الاردبيلي من أجل علي بن الحسين السعد آبادي، إذ أن هذا الرجل وان لم يوثق صريحا في كتب الرجال لكنه من مشايخ ابن قولويه الذين هم القدر المتيقن من عبارة التوثيق التي ذكرها في مقدمة كتابه - كامل الزيارات - وان استظهرنا منها التعميم لكل من وقع في اسناد هذا الكتاب سواء من يروي عنه بلا واسطة كمشايخه أم معها. وكيفما كان فلاينبغي التأمل في وثاقة الرجل. وكان الاحرى عليه (قده) أن يناقش في الطريق من أجل محمد ابن موسى بن المتوكل الذي لم يرد فيه اي توثيق يعتمد عليه في كتب الرجال، غير اننا بنينا على وثاقته، نظرا إلى أن ابن طاووس يروى حديثا يشتمل سنده عليه، ثم يقول (قده): وجميع رواته ثقات اتفاقا، ونحن وان لم نعول على توثيق المتأخرين إلا أن هذا التعبير من مثل ابن طاووس - الذي كل عبارات المدح دون شأنه - يورث


(1) الوسائل باب 9 من ابواب الصوم المحرم والمكروه ح 1

[ 310 ]

الاطمئنان بأن في جملة المتفقين بعض القدماء الذين نعتمد على توثيقهم ولا أقل من شخص أو شخصين. وهذا المقدار كاف في التوثيق. إذا لا ينبغي التأمل في صحة السند. وأما من حيث الدلالة فهي ظاهرة في الكراهة، إما لاجل ظهور كلمة لا ينبغي في ذلك كما هو المشهور - وان لم نلتزم به - أو لقرينتين في نفس الرواية تقتضيان ذلك. احداهما: التعليل بقوله: (لئلا يعملوا.. الخ) الذى يؤذن بوضوح بابتناء الحكم على التنزيه لاندفاع فساد الطعام إما بالتصدق أو بالتوسعة على الاهل أو الجيران أو الادخار في محل يؤمن من الفساد ونحو ذلك. فالمراد عدم بلوغ المضيف مقصده من إكرام الضيف فيفسد عليه غرضه. وهذا يناسب الكراهة والتنزيه كما هو ظاهر ثانيتهما: التذييل بقوله عليه السلام: " ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلا باذن الضيف " المتضمن لحكم عكس المسألة، إذ لم يقل أحد هنا بالحرمة، بل لم يتعرضوا للكراهة أيضا رغم دلالة الصحيحة عليها. فيكشف ذلك بمقتضى اتحاد السياق عن أن الحكم في الصدر ايضا مبني على الكراهة. ومنها ما رواه الصدوق أيضا باسناده عن نشيط بن صالح، عن هشام بن الحكم، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (من فقه الضيف ان لا يصوم تطوعا الا باذن صاحبه، ومن طاعة المرأة لزوجها ان لا تصوم تطوعا إلا باذنه وأمره ومن صلاح العبد وطاعته ونصيحته لمولاه ان لا يصوم تطوعا إلا باذن مولاه وأمره ومن بر الولد بابويه ان لا يصوم تطوعا الا باذن أبويه

[ 311 ]

وأمرهما. وإلا كان الضيف جاهلا، وكانت المرأة عاصية، وكان العبد فاسقا وكان الولد عاقا) (1). وهذه الرواية صحيحة السند ايضا على الاقوى، فان طريق الصدوق إلى نشيط بن صالح وان لم يكن مذكورا في مشيخة الفقيه، فالرواية في حكم المرسل لجهالة الطريق، إلا أن هذه الرواية بعينها مع اختلاف يسير غير ضائر أوردها في العلل عن نشيط مسندا باسناد صحيح، إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا أحمد بن هلال الذي رفضه كثير من الاصحاب وطعنوا في دينه لانه كان يتوقع الوكالة فلما خرج التوقيع باسم أبي جعفر محمد بن عثمان وكيل الناحية المقدسة توقف فيه ورجع عن التشيع إلى النصب، بل قيل انه لم يسمع شيعي رجع إلى النصب ما عداه وقد وهم من تخيل انه توقف على أبي جعفر الجواد عليه السلام، إذ لم يعهد الوقوف عليه عليه السلام من أحد. بل المراد بأبي جعفر هو محمد بن عثمان وكيل الناحية كما سمعت. وكيفما كان فلم يعملوا برواياته، وقد فصل الشيخ (قده) بين ما رواه حال الاستقامة وما رواه بعدها. والذي تحصل لدينا بعد التدبر في حاله ان الرجل فاسد العقيدة بلا إشكال، إلا أن ذلك لا يقدح في العمل برواياته، ولا يوجب سقوطها عن الحجية بعد أن كان المناط فيها وثاقة الراوي عندنا لا عدالته وعقيدته وتظهر وثاقة الرجل من عبارة النجاشي حيث قال في ترجمته: انه (صالح الرواية) فانها تكشف عن وثاقته في نفسه كما لا يخفى. إذا فالرواية محكومة بالصحة سندا.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب الصوم المحرم والمكروه ح 2

[ 312 ]

وأما من حيث الدلالة فالمتحصل من سياقها المبالغة في تحقق ما اشتملت عليه من الاوصاف فلسانها يفرغ عن الكراهة، وإلا فالجمود على ظاهرها غير قابل للتصديق للقطع بعدم عصيان المرأة، ولا فسق العبد، ولا عقوق الولد بمجرد عدم الاذن، ولم يقل بذلك أحد فيما نعلم. ومن هنا حملها المحقق على صورة النهي ليتحقق العصيان، والفسوق، والعقوق. فيراد من جهل الضيف مع نهي المضيف عدم تفقهه بما يجب عليه شرعا من رعاية حقه حينئذ. ولاجله ذهب إلى التفصيل بين النهي وعدم الاذن كما عرفت. ولكنه كما ترى إذ لا يتعين الحمل على صورة النهي، ومن الجائز أن يراد من عصيان المرأة وفسق العبد ما إذا كان الصوم منافيا لحق الزوج أو السيد فانه يحرم حينئذ حتى مع عدم النهي ويراد أيضا من العقوق ما إذا تأذى الوالد من صوم الولد لحرمته حينئذ وان لم ينه عنه. فالتفصيل المزبور ساقط، بل المنسبق من الصحيحة كما عرفت هي المبالغة المساوقة للكراهة. فالصوم مع عدم الاذن مكروه ما لم يستلزم التحريم بعنوان آخر من تضييع الحق أو التأذي حسبما عرفت ثم ان مورد الكراهة هو صوم التطوع كما قيدت به هذه الصحيحة فبناء على ما ذكرناه في الاصول - وان كان على خلاف المشهور - من دلالة الوصف على المفهوم لا بالمعنى المصطلح، بل بمعنى الدلالة على عدم كون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع، والا كان التقييد من اللغو الظاهر. فيكشف التقييد في هذه الصحيحة عن عدم تعلق الحكم بالطبيعي على سريانه غير انه يعارضها في ذكل الصحيحة الاولى الدالة على أن الموضوع هو الطبيعي. ونتيجة ذلك الاقتصار بعد التعارض على المقدار المتيقن المتفق عليه الطرفان وهو صوم التطوع،

[ 313 ]

[ واما المحظور منه ففي مواضع أيضا: أحدها صوم العيدين للفطر والاضحى (1) وان كان عن كفارة القتل في أشهر ] فيرجع فيما عداه من ساير أقسام الصيام إلى اطلاق أدلتها السليمة عما يدل على كراهتها فالاظهر اختصاص الحكم بصوم التطوع كما نبهنا عليه في التعليقة. فتدبر جيدا. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الاصح كراهة صوم التطوع من الضيف بدون اذن المضيف والولد بودن اذن الوالد، وكذا الزوجة والعبد بدون اذن الزوج والسيد، من غير فرق بين النهي وعدمه كل ذلك للاطلاق في صحيحة هشام المتقدمة المحمولة على ذلك بعد امتناع الاخذ بظاهرها من تحقق العقوق، والفسوق، والعصيان لدى عدم الاذن كما صرح بذلك الصدوق في العلل حيث قال (قده) بعد نقل الرواية ما مضمونه ان ظاهرها مقطوع البطلان وهو كذلك، إذ لم يقل أحد بوجوب الاستئذان في جميع المباحات فضلا عن المستحبات كالتطوع أو التنفل عن الوالد أو السيد أو الزوج بحيث لو صلى الولد صلاة الليل مثلا بغير اذن والده كان عاقا فاسقا، بل قد ذكرنا في محله جواز ذلك حتى مع نهيه فضلا عن اشتراط الاذن، الا أن يستوجب ذلك ايذاء الوالد أو الوالدة. ومعه يحرم حتى بدون النهي فالاعتبار فيهما بالايذاء، كما ان المدار في العبد والزوجة بالتنافي مع حق السيد أو الزوج. فحمل الصحيحة على صورة النهي الذي هو مستند تفصيل المحقق في الشرايع ساقط جدا حسبما عرفت. (1) لااشكال كما لا خلاف في حرمة صوم يومي العيدين حرمة تشريعية. فلا يجوز الصيام بقصد الامر، فانه تشريع محرم وقد دلت

[ 314 ]

[ الحرم والقول بجوازه للقاتل شاذ والرواية الدالة عليه ضعيفة سندا ودلالة. الثاني صوم أيام التشريق وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة لمن كان بمنى (1) ولافرق على الاقوى بين الناسك وغير ه (الثالث) صوم يوم الشك في انه من ] عليه النصوص المستفيضة. هذا ولم يفرق المشهور بين ماكان عن كفارة القتل في أشهر الحرم، وما لم يكن كذلك أخذا باطلاق دليل المنع. ولكن عن الشيخ والصدوق في المقنع، وابن حمزة الجواز حينئذ فيستثنى ذلك عن حرمة صوم العيد للنص الدال عليه. وقد تقدم البحث حول ذلك مستقصى في مطاوي المسألة الرابعة من الفصل السابق فراجع ولا نعيد (1) بلا خلاف معتد به اجده فيه كما في الجواهر، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه وقد تعدى كاشف الغطاء فاسرى الحكم إلى من كان بمكة ولا شاهد عليه. وتدل عليه جملة من النصوص التي منها معتبرة زياد بن أبي الخلال أي من يصنع الخل أو الحلال - كما في الوسائل - باعتبار ان صانع الخل يحلل الخمر بصنعه خلا. وأما ما في الجواهر من الحلال فغلط من النساخ ولا معنى له كما لا يخفى قال: قال لنا أبو عبد الله عليه السلام: لا صيام بعد الاضحى ثلاثة أيام، ولابعد الفطر ثلاثة أيام انها أيام أكل وشرب (1) ونحوها غيرها


(1) الوسائل باب 3 من ابواب الصوم المحرم والمكروه ح 1

[ 315 ]

وهي وان كانت مطلقة بالاضافة إلى من كان بمنى وغيره، إلا أنها مزلة على الاول بقرينة التقييد به في طائفة أخرى. كصحيح أبي أيوب " يصوم ذا الحجة كله إلا أيام التشريق في من... الخ " (1). وصحيحة معاوية بن عمار " عن صيام ايام التشريق فقال: أما بالامصار فلا بأس به وأما بمنى فلا ". وصحيحته الاخرى " عن صيام أيام التشريق، فقال: انما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن صيامها بمنى، فأما بغيرها فلا بأس " وموثقة عمار سألته عن الاضحى بمنى فقال: (أربعة أيام.. الخ) (2) فيظهر منها اختصاص الحكم بمن كان بمنى فيكون عيده أربعة أيام الحاقا لايام التشريق بالعيد كما تضمنته الموثقة، وأما في ساير الامصار فالعيد يوم واحد. ويقتضيه أيضا ما تقدم من نصوص التفرقة بين الثلاثة أيام بدل الهدي وانه لو صام يوم التروية وعرفة أخر الثالث إلى ما بعد أيام التشريق هذا. وللمحقق (قده) في الشرايع كلمة قد أشكل تفسيرها على الشارحين وهي قوله " على الاشهر " بعد أن عنون أيام التشريق لمن كان بمنى وان هذا القيد هل يرجع إلى أصل الصيام في هذه الايام أو إلى الاختصاص بمن كان بمنى مع انه لا خلاف (3) في شئ منهما،


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 8 (2) الوسائل باب 2 من ابواب الصوم المحرم والمكروه ح 1، 2، 4 (3) بل كل منهما محل للخلاف وقد مر الخلاف في الاول في ص 266 وفي الثاني في ص 314 لاحظ الجواهر ج 17 ص 123.

[ 316 ]

فكيف يقول على الاشهر الدال عل وجود الخلاف بل وشهرته غير أن هذا اشهر منه، أو انه يرجع إلى شئ آخر، وقد ذكروا في شرحها وجوها كلها بعيدة عن الصواب. وبالاخير لم يتضح المراد وهو أعرف بما قال. ثم ان مقتضى اطلاق الادلة عدم الفرق في الحرمة لمن كام بمنى بين الناسك وغيره غير أن بعضهم خص الحكم بالاول بدعوى الانصراف إليه، ولا نعرف له وجها بعد الاطلاقات ولا سيما التعليل في بعضها - كما مر - بأنها أيام أكل وشرب المقتضى للتعميم لكل من كان بمنى كما لا يخفى. ثم ان الماتن (قده) تعرض في المقام لفروع قد ظهر الحال فيها مما مر في محالها في مطاوي الابحاث السابقة فلا حاجة إلى شرحها. والحمد لله اولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين وكان الفراغ من كتاب الصوم في اليوم العاشر من شهر ذى القعدة الحرام من السنة الرابعة والتسعين بعد الالف والثلاثمائة من الهجرة النبوية في جوار القبة العلوية على صاحبهما أفضل الصلاة والسلام وأكمل التحية في النجف الاشرف.

[ 317 ]

[ شعبان أو رمضان بنية انه من رمضان واما بنية انه من شعبان فلا مانع منه كما مر الرابع: صوم وفاء نذر المعصية بان ينذر الصوم إذا تمكن من الحرام الفلاني أو إذا ترك الواجب الفلاني يقصد بذلك الشكر على تيسره واما إذا كان بقصد الزجر عنه فلا بأس به نعم يلحق بالاول في الحرمة ما إذا نذر الصوم زجرا عن طاعة صدرت منه أو عن معصية تركها. الخامس: صوم الصمت بان ينوي في صومه السكوت عن الكلام في تمام النهار أو بعضه بجعله في نيته من قيود صومه، واما إذا لم يجعله قيدا وان صمت فلا بأس به بل وان كان في حال النية بانيا على ذلك إذا لم يجعل الكلام جزء من المفطرات وتركه قيدا في صومه. ] [ السادس: صوم الوصال وهو صوم يوم وليلة إلى السحر أو صوم يومين بلا افطار في البين واما لو أخر الافطار إلى السحر أو إلى الليلة الثانية مع عدم قصد جعل تركه جزء من الصوم فلا بأس به وان كان الاحوط عدم التأخير إلى السحر مطلقا. السابع: صوم الزوجة مع المزاحمة لحق الزوج والاحوط تركه بلا اذن منه بل لا يترك الاحتياط مع نهيه عنه وان لم

[ 318 ]

يكن مزاحما لحقه. الثامن: صوم المملوك مع المزاحمة لحق المولى والاحوط تركه من دون اذنه بل لا يترك الاحتياط مع نهيه. التاسع: صوم الولد مع كونه موجبا لتألم الوالدين وأذيتهما. العاشر: صوم المريض ومن كان يضره الصوم. الحادي عشر: صوم المسافر الا في الصور المستثناة على ما مر. الثاني عشر: صوم الدهر حتى العيدين على ما في الخبر وان كان يمكن أن يكون من حيث اشتماله عليهما لا لكونه صوم الدهر من حيث هو. (مسألة 3) يستحب الامساك تأدبا في شهر رمضان وان لم يكن صوما في مواضع أحدها المسافر إذا ورد أهله أو محل الاقامة بعد الزوال مطلقا أو قبله وقد أفطر واما إذا ورد قبله ولم يفطر فقد مر انه يجب عليه الصوم. الثاني: المريض إذا برئ في أثناء النهار وقد أفطر وكذا لو لم يفطر إذا كان بعد الزوال بل قبله أيضا على ما مر من عدم صحة صومه وان كان الاحوط تجديد النية والاتمام ثم القضاء.

[ 319 ]

الثالث: الحايض والنفساء إذا طهرتا في أثناء النهار. الرابع: الكافر إذا أسلم في أثناء النهار أتى بالمفطر أم لا. الخامس: الصبي إذا بلغ في أثناء النهار. السادس: المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا في أثنائه. تم كتاب الصوم ولله الحمد ]

[ 321 ]

كتاب الاعتكاف

[ 323 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتكاف وهو اللبث في المسجد بقصد العبادة (1) بل لا يبعد كفاية قصد التعبد بنفس اللبث وان لم يضم إليه قصد عبادة أخرى خارجة عنه لكن الاحوط الاول ويصح في كل وقت ] (1) الاعتكاف لغة هو الاحتباس والاقامة على شئ بالمكان، كما حكاه في الحدائق عن اللغويين. وشرعا هو اللبث في المسجد للعبادة، كما صرح به الفقهاء على اختلاف تعابيرهم. إنما الكلام في ان اللبث هل هو بنفسه عبادة بحيث يكفي قصد التعبد بنفس اللبث، أو انه مقدمة لعبادة أخرى خارجة عنه من ذكر أو دعاء أو قراءة ونحوها. فلا اعتكاف من دون قصدها، فان العبارة المتقدمة عن الفقهاء قابلة للانطباق على كل من المعنيين كما لا يخفى. وتظهر الثمرة فيما لو اعتكف مقتصرا على أقل الواجب، أعني الفرائض اليومية فانه يصح على الاول دون الثاني. والاقوى هو الاول. ويدلنا عليه أولا ظاهر الكتاب. قال تعالى: (وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) (1).


(1) سورة البقرة الآية 125

[ 324 ]

[ يصح فيه الصوم (1) وأفضل أوقاته شهر رمضان (2). ] فان جعل الاعتكاف قسيما للطواف وللركوع والسجود أي الصلاة وعده قبالا لهما فيه دلالة واضحة علي انه بنفسه عبادة مستقلة وانه مشروع لنفسه من غير اعتبار ضم قصد عبادة أخرى معه، ومعه لا حاجة إلى التماس نص يدل عليه. وثانيا الاستشعار عن بعض الاخبار وعمدتها صحيحة داود بن سرحان قال: كنت بالمدينة في شهر رمضان فقلت لابي عبد الله (ع): إني أريد أن أعتكف فماذا أقول وماذا افرض على نفسي؟ فقال: لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لابد منها، ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك (1). فان ظاهرها السؤال عن حقيقة الاعتكاف قولا وفعلا، فلم يجبه عليه السلام بأكثر من العزم على اللبث، وانه متى خرج لحاجة ملحة يعود فورا بعد قضائها، فلا يعتبر في حقيقته شئ آخر وراء ذلك. (1) بلا خلاف ولا إشكال لاطلاق الروايات وعدم التقييد في شئ حتى الضعاف منها بوقت خاص. (2) للعناية بشأنه في هذا الشهر كما يفصح عنه موثق السكوني عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين وعمرتين) (2). وهذه الرواية معتبرة، إذ ليس في السند من يتأمل من أجله ما عدا


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 3 (2) الوسائل باب 1 من ابواب الاعتكاف ح 3

[ 325 ]

[ وأفضله العشر الاواخر منه (1) وينقسم إلى واجب ومندوب (2) والواجب منه ما وجب بنذر أو عهد أو يمين ] السكوني والنوفلي الراوي عنه. أما الاول وإن كان عاميا إلا أن الشيخ قد وثقه في كتاب العدة صريحا، ولا تعتبر في الراوي العدالة، بل تكفي الوثاقة. وأما الثاني أعني الحسين بن يزيد النوفلي فهو وان لم يوثق صريحا في كتب الرجال لكنه مذكور في اسناد كامل الزيارات. (1) لمزيد الاهتمام بشأنه في هذا الوقت كما يظهر من صحيحة أبي العباس البقباق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر رمضان في العشر الاول منه، ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثم اعتكف في الثالثة في العشر الاواخر ثم لم يزل صلى الله عليه وآله يعتكف في العشر الاواخر (1) فان مواظبة النبي صلى الله عليه وآله وكذا حكاية الامام عليه السلام لوضوح كونه (ع) في مقام الحث والترغيب لا مجرد نقل التاريخ تكشف عن مزيد الفضل في هذا الوقت. وهي معتبرة السند وان ناقش الاردبيلى في طريق الصدوق إلى داود بن الحصين باشتماله على الحكم بن مسكين وهو مهمل. فانه مذكور في اسناد كامل الزيارات. (2) فانه في أصل الشرع مستحب للسيرة القطعية. بل الضرورة، وفي الجواهر عليه اجماع المسلمين، وانما يجب بالعنوان الثانوي الطارئ عليه من نذر أو عهد أو شرط في ضمن عقد أو اجارة ونحوها.


(1) الوسائل باب 1 من أبواب الاعتكاف ح 4

[ 326 ]

[ أو شرط في ضمن عقد أو اجارة أو نحو ذلك والا ففي أصل الشرع مستحب ويجوز الاتيان به عن نفسه وعن غيره الميت. وفي جوازه نيابة عن الحي (1) قولان لا يبعد ذلك بل هو الاقوى ولا يضر اشتراط الصوم فيه فانه تبعي فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحي. ] (1) لا إشكال في جواز النيابة عن الميت في الاعتكاف وغيره من ساير العبادات للنصوص الدالة عليه، كما مر التعرض لها في بحث قضاء الصلوات عند التكلم حول النيابة عن الاموات (1). وأما النيابة عن الحي ففي جوازها في الاعتكاف قولان: قوى الجواز في المتن وان تضمن الصوم الذي لا يجوز الاستنابة فيه عن الحي في حد نفسه معللا بان وجوبه هنا تبعي، وإلا فحقيقة الاعتكاف هو نفس اللبث، فلا مانع من الاستنابة فيه وان استتبع الصوم. فالصوم في الاعتكاف نظير الصلاة في الطواف في ان الوجوب في كل منهما تبعي، ولا إشكال في جواز الاستنابة عن الحي في الثاني، فكذا الاول. ولا يخفى غرابة هذا الاستدلال. بل لم نكن نترقب صدوره من مثله. فان النيابة عن الحي في الحج منصوص عليها في الوجوبي والندبي، وفي بعض الاخبار جواز استنابة المتعددين عن شخص واحد، فلا يقاس عليه غيره من ساير العبادات بعد وجود الفارق وهو النص. وعليه فان نهض الدليل على جواز الاستنابة عن الحي على سبيل العموم قلنا به في المقام أيضا وإلا فلا. ولا أثر للاصالة والتبعية في ذلك أبدا، بعد وضوح كون الاستنابة في مثل ذلك على خلاف مقتضى القواعد فان الخطابات المتعلقة بالتكاليف الوجوبية أو الندبية متوجهة نحو ذوات


(1) تقدم البحث حوله مستوفي في الجزء الخامس من كتاب الصلاة من (مستند العروة الوثقى) ص 133

[ 327 ]

المكلفين فيلزمهم التصدي بأنفسهم ما داموا أحياء فلا معنى لان يصوم زيد قضاء عما وجب على عمر والحي. نعم هناك روايتان تقدمتا في باب قضاء الصلوات، ربما يستدل بهما على جواز النيابة عن الحي ومشروعيتها ما لم يقم دليل على الخلاف إحداهما ما رواه ابن طاووس في كتاب غياث سلطان الورى عن الحسين بن أبي الحسن العلوي الكوكبي في كتاب المنسك عن علي بن أبي حمزة البطائني قال: قلت لابي ابراهيم عليه السلام: أحج وأصلي واتصدق عن الاحياء والاموات من قرابتي وأصحابي، قال: نعم تصدق عنه وصل عنه ولك أجر بصلتك إياه (1). ولكنها ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة، كما ان الكوكبي مجهول، على أن طريق ابن طاووس إليه غير معلوم، فهي في حكم المرسل. الثانية: ما رواه في الكافي باسناده عن محمد بن مروان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين يصلي عنهما ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيد الله عزوجل ببره وصلته خيرا كثيرا (2). وهي أيضا ضعيفة السند فان محمد بن مروان مردد بين الثقة والضعيف، نعم من هو من أصحاب الهادي (ع) ثقة جزما، الا أن هذا من أصحاب الصادق (ع) وهو مردد كما عرفت. وهذا وان كان واردا في اسناد كامل الزيارات إلا انه لا ينفع بعد عدم الجزم بالاتحاد، واحتمال التعدد الناشئ عن التردد المزبور. وان كان لا يبعد الانصراف إلى الثقة وهو الذهلي المعروف الذي له كتاب كما نبه عليه سيدنا الاستاد دام ظله في المعجم ج 17 ص 244 على أن في السند محمد بن علي الذي هو الكوفي الصيرفي أبو سمينة بقرينة رواية.


(1) الوسائل باب 13 من ابواب قضاء الصلوات ح 9 (2) الوسائل باب 12 من ابواب قضاء الصلوات ح 1

[ 328 ]

[ ويشترط في صحته أمور: الاول الايمان فلا يصح من غيره (1). ] أحمد بن محمد بن خالد عنه كثيرا، وهو ضعيف جدا. وأما الحكم بن مسكين فهو من رجال كامل الزيارات كما تقدم. هذا مضافا إلى تطرق الخدش في الدلالة، فانها تتوقف على أن يكون مرجع ضمير التثنية (والديه) ليعم الحي والميت وهو غير ظاهر لجواز الرجوع إلى الاقرب، أعني (ميتين) كما يساعده الاعتبار فان مصاديق البر بهما حيين واضح، وإنما الذي يحتاج إلى التنبيه لخفائه هو البر وهما ميتان، فذكر عليه السلام: انه الصلاة والصيام والتصدق ونحوها. إذا لا دلالة فيها على جواز النيابة عن الحي بوجه: فهي ساقطة سندا ودلالة. (1) تقدم استقصاء الكلام حول اعتبار الايمان في العبادات في بحث تغسيل الميت عند التكلم في اشتراط الايمان في الغاسل فيما إذا كان الميت مؤمنا دون غيره، وإلا فيجوز تغسيل المخالف لمثله بقاعدة الالزام وقلنا ان هناك روايات كثيرة دلت على أن صحة العبادات بأسرها منوطة بالولاية، فغير الموالي للائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين أعماله كسراب بقيعة وجودها كالعدم ولا تنفعه الا الحسرة والندم. فإذا كان الحال هكذا في فاقد الايمان ففي فاقد الاسلام بطريق أولى علي أن الكافر ممنوع من اللبث في المسجد الذي يتقوم به الاعتكاف، ولا أقل من أجل كونه جنبا غالبا، مضافا إلى أنه مشروط بالصوم كما سيجئ، ولا يصح الصوم من الكافر كما مر.

[ 329 ]

[ الثاني: العقل فلا يصح من المجنون (1) ولو إدوارا في دوره ولا من السكران وغيره من فاقدي العقل. الثالث: نية القربة كما في غيره من العبادات (2) ] فظهر انه لا يصح الاعتكاف من غير المؤمن من غير فرق بين المخالف والكافر. (1) لعدم الاعتبار بقصده بعد أن كان مرفوعا عنه القلم، ومن هنا كان عمده خطأ وديته على العاقلة فقصده في حكم العدم، ولا عبادة إلا مع القصد. وقد ورد في النص ان اول ما خلق الله العقل وانه تعالى خاطبه بقوله: بك أثيب وبك أعاقب.. الخ. فالعقل إذ هو المناط في الثواب والعقاب والمدار في الطاعة والعصيان، فلا أثر لعبادة المجنون. وحديث رفع القلم وان كان واردا في الصبي أيضا حتى يحتلم، الا أنا استكشفنا مشروعية عباداته مما ورد من قوله عليه السلام: مروا صبيانكم بالصلاة والصيام. بل في بعضها الامر بضرب الصبي وتأديبه لو لم يصل لسبع، وقد ذكرنا في الاصول ان الامر بالامر بالشئ أمر بذلك الشئ. فنفس العبادة الصادرة من الصبي متعلق لامر الشارع بمقتضى هذا الدليل، غير أن الامر استحبابي لا وجوبي. ومن هنا كان المرفوع قلم الالزام لا قلم التشريع وبذلك افترق عن المجنون لعدم ورود مثل هذا الدليل فيه. ولاجله بنينا في محله على أن عبادات الصبي شرعية وليست بتمرينية، فيصح الاعتكاف منه دون المجنون. (2) للاجماع والتسالم على عباديته. بل هي من مرتكزات المتشرعة ويدلنا عليه قبل ذلك قوله تعالى: (ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين

[ 330 ]

[ والتعيين إذا تعدد ولو اجمالا (1) ] والركع السجود) فان أمر الله تعالى نبيه بتطهير البيت لا يكون إلا لان يتعبد فيه من طواف واعتكاف وركوع وسجود لا لمجرد اللبث والمكث ولو لغير العبادة من سكنى أو بيتوتة أو بيع ونحو ذلك. فالآية بنفسها ظاهرة الدلالة بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع في العبادية واعتبار قصد التقرب من غير حاجة إلى التشبث بالاجماع والارتكاز، وان كانا حاصلين أيضا كما عرفت. (1) تقدم في مطاوى بعض الابحاث السابقة ان اشتغال الذمة بعملين أو اكثر مشاركين في الصورة ومسانخين في الظاهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فتارة لا يترتب أثر على شئ منهما بخصوصة ولم يكن بينهما أي امتياز حتى واقعا ما عدا الاثنينية. وهذا كمن فات عنه يومان أو أيام من شهر رمضان، أو صلاتان من صلاة الآيات. ونظيره في الماليات من كان مدينا لزيد بدرهم، ثم صار مدينا له بدرهم آخر، فان الذمة في هذه الفروض مشغولة بمجرد صوم يومين أو قضاء صلاتين، أو اداء درهمين من غير خصوصية للسابق ولا للاحق، إذ لا يلزمه قصد خصوصية ما فاته أو استدانه اولا أو ثانيا بالضرورة. ففي مثل ذلك لا يجب عليه قصد التعيين لدي التصدى للقضاء أو الوفاء فانه فرع التعين، والمفروض انه لا تعين في البين حتى واقعا، ولا امتياز لاحدهما حتى في علم الله. فلو أتى بواحد منهما برئت ذمته عن واحد لا بعينه وبقيت مشغولة بواحد آخر مثله إلى أن يتحقق امتثاله خارجا وهذا ظاهر.

[ 331 ]

واخرى يترتب الاثر على أحدهما بالخصوص دون الآخر، وهذا كمن كان عليه صوم يومين قضاء أحدهما من رمضان هذه السنة، والآخر من السنة الماضية، فان الاول يختص بأثر وهو تعلق الكفارة لو حال الحول ولم يقضه بخلاف الثاني، فهما يشتركان في وجوب القضاء، ويمتاز أحدهما بالفداء. وحينئذ لابد في سقوط الكفارة من تعلق القصد بماله الاثر بخصوصه فلو صام قضاء وأطلق النية فلم يقيد بهذه السنة وقع قضاء عن السنة الماضية التي هي أخف مؤونة لان وقوعه عن هذه السنة يحتاج إلى عناية خاصة وقصد لها بالخصوص، والمفروض عدم مراعاتها، فبطبيعة الحال يقع عما لا عناية فيه فتستقر الكفارة عليه لو بقي كذلك إلى حلول السنة الجديدة. وثالثة: يترتب الاثر على كل منهما بالخصوص ويمتاز عن الآخر بعنوانه المخصوص، وهذا كما في الاداء والقضاء، والفريضة والنافلة ونحو ذلك. فان تفريغ الذمة عن كل منهما يتوقف على قصد عنوانه وإلا لم يقع امتثالا عن شئ منهما. فلو صلي في الوقت أربع ركعات من غير قصد الاداء والقضاء ولو اجمالا، أو صلى بعد الفجر ركعتين من غير قصد فريضة الفجر ولا نافلته لم يقع مصداقا لشئ منهما، لان كلا منهما متقوم بعنوانه الخاص. فلا مناص من قصده. وعلى ضوء هذه الكبرى الكلية نقول في المقام: ان من عليه اعتكافان فتارة لا يكون بينهما امتياز لعدم ترتب الاثر على شئ منهما، كما لو نذر ان رزقه الله ولدا اعتكف، ثم نذر ان شفى مريضه اعتكف فحصل الشرطان ووجب الاعتكافان، فانه يصح الاتيان حينئذ بكل منهما بلا تعيين، فلا حاجة هنا إلى قصد التعيين.

[ 332 ]

[ ولا يعتبر فيه قصد الوجه كما في غيره من العبادات (1) وان اراد أن ينوي الوجه ففي الواجب منه ينوي الوجوب وفي المندوب الندب ولا يقدح في ذلك كون اليوم الثالث الذي هو جزء منه واجبا لانه من أحكامه فهو نظير النافلة ] وأخرى يترتب الاثر على كل منهما، كما لو كان أجيرا في الاعتكاف عن زيد ثم صار أجيرا فيه عن عمرو أيضا، فان اللازم حينئذ قصد النيابة عن كل منها وتعيينه بالخصوص، والا لم يقع عن شئ منهما. وثالثة: يترتب الاثر على أحدهما دون الآخر كما لو كان أجيرا عن زيد وعليه نذر أيضا فوجب اعتكافان: أحدهما بالاجارة، والآخر بالنذر، فان الاول يفتقر إلى القصد، إذ ما لم يقصد النيابة عن الغير لا يقع عنه فهو من العناوين القصدية بخلاف الوقوع وفاء عن نذره، فانه يتحقق وان كان غافلا عن نذره، لان الامر بالوفاء توصلي فيتحقق كيفما اتفق. فلو نذر أن يصلي ليلة الجمعة صلاة الليل فصلى تلك الليلة اتفاقا غافلا عن نذره فانه قد وفى ولم يحنث وان لم يقصد عنوان الوفاء. هذا ولا ينبغي الشك في ان مراد الماتن حيث حكم بوجوب التعيين ليس هو القسم الاول لما عرفت من انه لا تعين فيه ليحتاج إلى التعيين بل مراده (قده) القسم الثاني أو الاعم منه ومما بعده كما لا يخفى. (1) قد عرفت ان الاعتكاف مندوب في أصل الشرع ويعرضه الوجوب بالعنوان الثانوي الطارئ من نذر أو يمين أو شرط ونحو ذلك. فهو إذا ينقسم إلى واجب ومستحب ولكن لا يجب قصد شئ

[ 333 ]

من الخصوصيتين لعدم الدليل على اعتبار قصد الوجه في شئ من العبادات كما تعرضنا له في محله في الاصول في مبحث التعبدي والتوصلي فلا يلزمه في المقام الا الاتيان بداع قربي وعلى وجه العبادة. فان الامر الناشئ من العنوان الثانوي كالنذر ونحوه وان كان توصليا إلا أنه حيث تعلق بما هو عبادة في نفسه فلا مناص من الاتيان به عباديا، لان الامر لا يدعو إلا إلى متعلقه، فلابد من الاتيان به على وجهه كما ذكرنا نظير ذلك في بحث مقدمة الواجب عند التكلم حول ما إذا كانت المقدمة عبادة كالطهارات الثلاث، فان الامر الغيري أيضا توصلي كما في المقام، وأشرنا هناك إلى أنه لا يلزم في تحقق العبادة قصد الامر الاستحبابي النفسي العبادي المتعلق بالطهارات. كيف وهو مغفول عنه عند عامة الناس كما لا يخفى. بل يكفي فيه الاضافة إلى المولى نحو اضافة الحاصلة بقصد امتثال الامر الغيري وان كان توصليا فان التوصلية غير مانعة عن امكان التقرب بالضرورة. فكما يمكن التقرب بالامر الندبي النفسي، كذلك يمكن بالامر الوجوبي الثابت بعنوان المقدمة، أو النذر أو الاجارة ونحو ذلك. وتمام الكلام في محله. وكيفما كان فلا يعتبر قصد الوجه. نعم لو أراد أن ينوى الوجه ففي الواجب منه ينوى الوجوب، وفي المندوب الندب. وأما بالاضافة إلى اليوم الثالث فيأتي به بعنوان التكملة والتتميم لما شرع ولا يجب فيه قصد الوجوب وان كان متصفا به، لان القائلين باعتبار قصد الوجه وهم المتكلمون وتبعهم بعض الفقهاء انما يقولون به في العبادات المستقلة لشبهة عرضت عليهم حاصلها ان الحركات والسكنات الحاصلة في مثل الصلاة والصيام والاعتكاف ونحوها من ساير العبادات لا تتصف في نفسها بالعبادية إلا بتوسيط انطباق عنوان حسن عليها. وحيث ان

[ 334 ]

[ إذا قلنا بوجوبها بعد الشروع فيها ولكن الاولى ملاحظة ذلك حين الشروع فيه بل تجديد نية الوجوب في اليوم الثالث ووقت النية قبل الفجر وفي كفاية النية في أول الليل كما في صوم شهر رمضان (1) اشكال، نعم لو كان الشروع فيه في أول الليل أو في أثنائه نوى في ذلك الوقت. ] ذلك العنوان الواقعي الذي هو المناط في الاتصاف بالحسن مجهول لدينا فلا مناص من قصد عنوان آخر به نشير إليه وليس هو الا الوجوب أو الندب. وهذه الشبهة وان كانت واهية تعرضنا لدفعها في محلها، إلا أنه يظهر منها ان مورد كلامهم إنما هو العبادات المستقلة المتأصلة دون الضمنية التي هي من اجزاء العمل وتابعة للمركب كما في المقام، حيث ان الاعتكاف في مجموع الثلاثة أيام عمل وحداني محكوم بالندب لدى الشروع وان وجب التكميل بعد يومين فانه حكم ثانوي عارضي نظير وجوب الاتمام في الحج بعد الاحرام مع كون الشروع فيه مستحبا، وكذا الحال في النافلة على القول بوجوب تكميلها بعد الشروع فيها. ففي امثال هذه الموارد لا يجب قصد الوجه قطعا، ولم يقل به أحد حتى القائلين بالاعتبار فيجزئ الاتيان حينئذ بعنوان الاكمال والاتمام حسبما عرفت. (1) لا اشكال فيه قطعا فيما إذا كانت النية التي حقيقتها الداعي باقية في أفق النفس إلى طلوع الفجر ولو ارتكازا وبصورتها الاجمالية التي لا تنافيها الغفلة الفعلية بحيث لو سئل عن سبب اللبث لم يحر في

[ 335 ]

الجواب كمن يشرع في عمل كالصلاة أو الذهاب إلى داره ويتمه جريا على الارتكاز الكامن في النفس وان ذهلت صورتها التفصيلية لانشغال الذهن بأمور أخر كما هو ظاهر بناء على تفسير النية بما عرفت. انما الاشكال فيما لو زالت النية عن صقع النفس بالكلية أو عرضه النوم ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر. أما في الاول فالظاهر البطلان للزوم مقارنة النية للعبادة، والتقديم على خلاف الاصل لا يصار إليه الا مع قيام الدليل كما في الصوم. وأما في الثاني فلا يبعد الصحة وان النصوص الواردة في الصوم الدالة على عدم قادحية النوم مطابقة لمقتضى القاعدة فيسرى مفعولها إلى المقام. وذلك فلاجل أن من دخل المسجد ناويا اللبث فيه من الفجر ثم نام عن هذه النية فذلك اللبث مستند إليه ويعد فعلا اختيارا صادرا عن قدرته وارادته وان حصل حال النوم الذي لا شعور له آنذاك لوضوح ان المقدور بالواسطة مقدور بالقدرة على مقدمته. فمن ينام وهو يعلم بترتب اللبث عليه فذلك اللبث فعل اختياري له. ومن هنا يعد من القتل العمدي فيما لو فعل باختياره فعلا يعلم بترتب القتل عليه، ولا دليل على اعتبار العبادية في المقام بازيد من هذا. وبالجملة فاللبث في المسجد حال النوم مع سبق النية مثل الوقوف بعرفة حال النوم مع سبقها في صحة الاسناد والاجتزاء في مقام الامتثال ومنه تعرف ان النص الوارد في الصوم وانه لا يضره النوم مطابق لمقتضى القاعدة كما أشرنا إليه. نعم لو نام في بيته ثم حمل إلى المسجد وبقي فيه نائما إلى الفجر لم يكف وان كان من نيته الذهاب والمكث قبل أن ينام. بل ان هذا أوضح إشكالا من الفرض الاول. أعني من غفل عن النية بالكلية،

[ 336 ]

[ ولو نوى الوجوب في المندوب أو الندب في الواجب اشتباها لم يضر الا إذا كان على وجه التقييد (1) لا الاشتباه في التطبيق ] لان العبادة يعتبر فيها القصد والارادة قبل اعتبار القربة، فهي تتقوم بقيدين: أحدهما في طول الآخر، ففي فرض الغفلة لم يكن المفقود عدا نية القربة مع صدور الفعل، أعني اللبث عن الاختيار والارادة. وأما هنا فلم يصدر منه أي فعل ارادي، فقد انعدم ما هو اعظم شأنا إذ لم يستند الفعل إليه بوجه. فهو كمن نام ثم حمل إلى السفر حال النوم، فكما لا يكون هذا السفر اختياريا له ومستندا إليه، فكذا اللبث في المقام. هذا كله فيما لو كان الشروع في الاعتكاف من الفجر، واما لو شرع فيه في أول الليل أو في اثنائه فوقت النية هو هذا الزمان، وهو مبدء الاعتكاف فلا يضره النوم بعدئذ قطعا كالنوم الحاصل خلال الثلاثة وقد تحققت المقارنة حينئذ ولا شك في صحة مثل هذا الاعتكاف لانه لا يكون أقل من ثلاثة أيام. وأما الاكثر منه فلا بأس به سواء أكان الزائد بعد الثلاثة أم قبلها بدخول الليلة الاولى أو مقدار منها كما سيجئ ان شاء الله تعالى. وقد أشار الماتن إلى ذلك بقوله: نعم لو كان الشروع فيه. الخ (1) قد أشرنا في مطاوي هذا الشرح مرارا إلى أنه لا أثر للتقييد في أمثال المقام، إذ مورده ما إذا كان هناك كلي ذو حصص ليقبل التضييق والتقييد بحصة دون أخرى، كما لو صلى بعنوان الاداء ثم بان أنه صلاها فانها لا تحسب قضاء لانه قيد الطبيعي بحصة خاصة فلا يقع عن غيرها إلا إذا كان ناويا للامر الفعلي واعتقد انه الاداء

[ 337 ]

[ الرابع: الصوم فلا يصح بدونه (1) وعلى هذا فلا يصح وقوعه من المسافر في غير المواضع التي يجوز له الصوم فيها. ] فانها تحسب حينئذ عن القضاء، ويكون من باب الاشتباه في التطبيق، ونحوه في باب المعاملات فيما لو باع مقيدا بصفة ولم يتصف كما ذكرناه في محله. وأما الجزئي الخارجي فلا توسعة فيه كي يقبل التضييق. فلو نوى الائتمام خلف الامام بتخيل انه زيد فبان انه عمرو، فهذا الائتمام جزئي خارجي وشئ وحداني ودائر أمره بين الوجود والعدم فلا معني لتقييده بوجود زيد في المحراب بحيث يتحقق على تقدير وجوده دون عدمه. فان هذا نظير ان تضرب أحدا مقيدا بكونه زيدا بحيث ينتفى بانتفائه، إذ لا محصل لذلك ضرورة وقوع الضرب خارجا سواء أكان المضروب زيدا أم عمروا كوقوع الائتمام بمن في المحراب سواء أكان هو زيدا أم عمروا، فلا معنى للتقييد في أمثال هذه الموارد. بل كلها من باب تخلف الداعي والخطأ في التطبيق الذي لا يكون قادحا في الصحة. ومقامنا من هذا القبيل، فان الاعتكاف الصادر منه جزئي خارجي قد تحقق سواء أكان واجبا أم مندوبا، فلا معنى لاناطة وجوده بتقدير دون تقدير كي يقبل التقييد. فالتخلف فيه يكون دائما من باب الاشتباه في التطبيق حسبما عرفت. (1) بلا خلاف فيه. بل في الجواهر ان الاجماع عليه بقسميه، وتشهد به جملة وافرة من النصوص وفيها الصحاح وقد تضمن بعضها نفي الطبيعة عن فاقد الصوم وانه لا اعتكاف الا بصوم، الذي يراد

[ 338 ]

به نفي الصحة نظير قولهم عليهم السلام لا صلاة الا بطهور، وبذلك يرتكب التقييد في اطلاق الآية المباركة. فمنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: لا اعتكاف إلا بصوم، ونحوها صحيح ابن مسلم، وفي موثقته: لا يكون الاعتكاف إلا بصيام، ونحوها موثقة عمر بن يزيد وعبيد ابن زرارة، وغيرها (1). فلا شك في اشتراط الاعتكاف بالصيام بمقتضى هذه النصوص ويترتب على هذا الاشتراط ما ذكره في المتن من عدم صحة الاعتكاف ممن لا يشرع في حقه الصيام كالمسافر، وكما في يومي العيدين، فان انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط. ولكن نسب إلى الشيخ وابن إدريس وابن بابويه جوازه في السفر نظرا إلى الاطلاق في أدلة الاعتكاف إذ لم يقيد شئ منها بالحضر. فتدل بالدلالة الالتزامية على مشروعية ما يتوقف عليه وهو الصوم. ولكنه كما ترى، بل لعل الجواب عنه أوضح من أن يخفى. ضرورة ان اطلاقات الاعتكاف: بعد أن كانت مقيدة بالصيام بمقتضى النصوص المتقدمة فتقيد بما هو شرط في الصوم، فكلما هو شرط في صحة الصوم شرط في صحة الاعتكاف بطبيعة الحال، بحيث لو جمعنا بين الدليلين في كلام واحد وقلنا: لا اعتكاف الا بصوم، ولا يجوز الصوم في السفر، فلا جرم كانت النتيجة انه لا يجوز الاعتكاف في السفر، ولم يكن في البين معارضة فضلا عن أن يتمسك باطلاق الاول ويقدم. ولاجل ذلك لم يلتزموا بصحة الاعتكاف في العيدين، ولم يتمسك


(1) الوسائل باب 2 من ابواب الاعتكاف ح 3، 6، 8، 9، 10

[ 339 ]

[ ولا من الحائض والنفساء (1) ولا في العيدين، بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لم يصح (2) وان كان غافلا حين الدخول. نعم لو نوى اعتكاف زمان يكون اليوم الرابع (3) أو الخامس منه العيد فان كان على وجه التقييد بالتتابع لم يصح وان كان على وجه الاطلاق لا يبعد صحته فيكون العيد فاصلا بين أيام الاعتكاف. ] أحد هنا باطلاقات الادلة لاثبات المشروعية والمسألتان من واد واحد. اللهم إلا أن يفرق بان حرمة الصوم في العيد ذاتية، وفي السفر تشريعية، فيمكن اثبات الامر في الثاني باطلاق الدليل دون الاول، إذ لا يكون الحرام مصداقا للواجب فتأمل. (1) لا يبعد أن تكون هذه العبارة سهوا من قلمه الشريف، ضرورة ان الاعتكاف متقوم باللبث في المسجد الممنوع في حق الحائض والنفساء، فلا يكون عدم الصحة منهما من آثار الاشتراط بالصوم كما هو ظاهر تفريع المتن، حيث جعل ذلك مترتبا عليه وعدهما في سياق عدم الصحة من المسافر وفي العيدين. فلو فرضنا صحة الصوم منهما كالمستحاضة لم يكد يصح الاعتكاف منهما أيضا لما عرفت. (2) لامتناع صوم اليوم الثالث المصادف للعيد الذي لا يفرق فيه بين الغفلة والالتفات، ولا يصح الاقتصار على اليومين لعدم مشروعية الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام كما سيجئ. (3) لو نوى الاعتكاف اربعة أيام مثلا فصادف العيد اليوم الرابع، فقد يكون ذلك على وجه التقييد بالتتابع بأن تكون نيته متعلقة

[ 340 ]

[ الخامس: أن لا يكون اقل من ثلاثة أيام (1) فلو نواه كذلك بطل ] بالثلاثة المقيدة بانضمام اليوم الرابع ينحو البشرط شئ، وأخرى يكون على وجه الاطلاق وبنحو اللابشرط. لاشك في البطلان على الاول، لان ما قصده يتعذر امتثاله، وما يمكن أعني الاقتصار على الثلاثة لم يتعلق به القصد. فما قصده لا يقع، وما يمكن ان يقع لم يقصد. وأما الثاني فلا مانع من صحته، فيقتصر على الثلاثة بعد أن كانت مقصودة حسب الفرض. وأما لو نوى الاعتكاف خمسة أيام مثلا فصادف العيد اليوم الرابع فان كان على وجه التقييد فالكلام هو الكلام بعينه، وان كان على وجه الاطلاق فلا شك في صحة الثلاثة ما قبل العيد كالبطلان فيه. إنما الكلام في اليوم الخامس فقد حكم في المتن بصحته أيضا والتحاقه بالثلاثة الاول، فيكون العيد فاصلا بين أيام الاعتكاف ولكنه مشكل فان الفصل المزبور يوجب انقطاع الاعتكاف المعتبر فيه الموالاة فلا يصلح اللاحق للانضمام إلى السابق كي يكون المجموع اعتكافا واحدا، كما لو أفطر أثناء الثلاثة فانه يمنع عن الالتحاق لاجل اعتبار التوالى في الاعتكاف. وعليه فيتعين أن يكون اليوم الخامس مبدءا لاعتكاف جديد ولاجله يعتبر ضم يومين آخرين إذ لا اعتكاف أقل من ثلاثة. نعم لا بأس بالاقتصار عليه بعنوان الرجاء فيعتكف اليوم الخامس ويلحقه بما سبق رجاء (1) بلا خلاف فيه. بل الاجماع عليه بقسميه كما في الجواهر

[ 341 ]

[ واما الازيد فلا بأس به وان كان الزائد يوما أو بعضه (1) ] وتشهد به صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام. ونحوها موثقة عمر بن يزيد التي رواها الشيخ باسناده عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن علي عن الحسن بن محبوب (1) فان طريق الشيخ إلى ابن فضال وان كان ضعيفا الا أن طريق النجاشي صحيح والكتاب واحد. كما تكررت الاشارة إليه. وأما محمد بن على فالمراد به هنا محمد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن بن محبوب كثيرا، ولا يراد به الكوفي الصيرفي الهمداني المعروف بأبي سمينة الذي استظهرنا ارادته من هذه الكلمة في رواية أخرى تقدمت وعرفت ضعفه، وذلك لاختلاف الراوي والمروي عنه في هذه الرواية عن تلك. وكيفما كان فالرواية معتبرة غاية الامر انها موثقة لا صحيحة من أجل علي بن الحسن بن فضال. (1) بلا خلاف فيه ويستدل به بمعتبرة ابي عبيدة عن ابي جعفر عليه السلام في حديث قال: من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار ان شاء زاد ثلاثة أيام أخر، وان شاء خرج من المسجد، فان أقام يومين بعد الثلاث فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أخر (2) فان مفهوم الشرطية الاخيرة جواز الخروج قبل استكمال


(1) الوسائل باب 4 من ابواب الاعتكاف ح 2، 5 (2) الوسائل باب 4 من ابواب الاعتكاف ح 3

[ 342 ]

[ أو ليلة أو بعضها، ولاحد لاكثره (1) ] اليومين بعد الثلاثة كأن يخرج في اليوم الرابع أو أثناء اليوم الخامس فيدل بالدلالة الالتزامية على جواز نية الاعتكاف هذا المقدار من الاول، وان ذلك مشروع من حين الشروع. ويندفع بأن المفهوم وان كان تاما إلا أن الدلالة الالتزامية ممنوعة ضرورة عدم استلزام جواز رفع اليد بقاء لمشروعيته حدوثا كي تسوغ نيته كذلك من اول الامر. الا ترى أن النافلة يجوز قطعها ورفع اليد عنها بعد الاتيان بركعة واحدة، ولايجوز أن ينوى الركعة حين الشروع أو نصفها وبالجملة مفاد المعتبرة جواز الخروج عن المسجد فيما إذا بدا له ذلك، ولا يدل هذا بوجه على جوازه من الاول لتدل على مشروعية الاعتكاف أربعة أيام مثلا. فالاولى الاستدلال لجواز الزيادة على الثلاثة باطلاقات مشروعية الاعتكاف من الكتاب والسنة إذ لم يرد عليها التقييد إلا التحديد من ناحية القلة دون الكثرة، فنفس الاطلاقات السليمة عن التقييد من طرف الزيادة وافية لاثبات المشروعية (1) وقد يستدل له ببعض النصوص المتعرضة للتحديد من طرف الاقل من دون تعرض للاكثر وفيه ما لا يخفى. فان عدم العترض أعم من عدم التحديد، فلا دلالة له على النفي بعد أن لم تكن في مقام البيان إلا من ناحية الاقل. فالاولى أن يستدل هنا أيضا بالاطلاقات كما عرفت أنفا.

[ 343 ]

[ نعم لو اعتكف خمسة أيام وجب السادس (1) بل ذكر بعضهم انه كلما زاد يومين وجب الثالث: فلو اعتكف ثمانية أيام وجب اليوم التاسع وهكذا وفيه تأمل، ] (1) لمعتبرة أبي عبيدة المتقدمة الصريحة في عدم جواز الخروج من المسجد متى أقام يومين بعد الثلاثه حتى يتم ثلاثة أيام اخر. فلا مناص من الالتزام به بعد وضوح الدلالة وصحة السند، ولا سيما وقد أفتى المشهور ظاهرا على طبقها، وسيجئ ان شاء الله تعالى في المسألة الخامسة ان من اتم اليومين الاولين وجب عليه الثالث، لصحيح محمد ابن مسلم الصريح في ذلك، فيما إذا لم يشترط على نفسه بنذر ونحوه لا كالاشتراط في باب الاحرام وسيجئ تفصيل الكلام حول ذلك قريبا ان شاء الله تعالى. فهذا أيضا مما لا مناص من الالتزام به وأما وجوب اليوم الثالث كلما زاد يومين لكي يجب اليوم التاسع لو اعتكف ثمانية أيام وهكذا فهو وان كان قد ذكره بعضهم. بل عن المسالك والمدارك عدم الفصل بين السادس وكل ثالث، إلا أن الماتن قد تأمل فيه وهو في محله. فان انقلاب النفل إلى الفرض على خلاف القاعدة لا يصار إليه من غير دليل وقد قام الدليل عليه في الفرضين الاولين بمقتضى معتبرة أبي عبيدة، وصحيحة ابن مسلم كما سمعت. وأما هنا فلم يقم عليه اي دليل فيبقي تحت مقتضى القاعدة من عدم الانقلاب كما هو ظاهر، إذ لا نقول بالقياس، والاصل البراءة.

[ 344 ]

[ واليوم من طلوع الفجر (1) إلى غروب الحمرة المشرقية (2) فلا يشترط ادخال الليلة الاولى (3) ولا الرابعة وان جاز ذلك كما عرفت ويدخل فيه الليلتان المتوسطتان. ] (1) فان مبدء اليوم وان كان هو طلوع الشمس حسبما حققناه في مباحث الاوقات من كتاب الصلاة كما مر مستقصى الا ان المراد به في خصوص المقام من طلوع الفجر لاجل الروايات الخاصة المتضمنة: انه لااعتكاف من غير صيام، حيث يظهر منها أن يوم الاعتكاف هو يوم الصوم، فانه وان أمكن التفكيك بان يصوم من الفجر وينوي الاعتكاف من طلوع الشمس لكنه بعيد عن الفهم العرفي جدا كما لا يخفى. فان العرف لا يكاد يشك في أن المستفاد من هذا الكلام ان يومهما واحد، فمن أجل هذه القرينة نلتزم بارادة خلاف الظاهر في خصوص المقام. (2) في العبارة (1) مسامحة واضحة كما أشرنا في التعليقة. فان الحمرة المشرقية تزول عن قمة الرأس وتنتقل من ناحية الشرق إلى الغرب، لا انها تغرب، فهي باقية غير أنها تذهب من مكان إلى مكان وليست بمستترة. كالقرص تحت الافق كي يطلق عليها الغروب. وكيفما كان فالمراد ان اليوم ينتهي بانتهاء زمان الصوم الذي هو عنده ذهاب الحمرة المشرقية، وقد تقدم في مبحث الاوقات ان الغروب الذي هو منتهى وقت الظهرين، اخر زمان الصوم ومبدء العشاءين انما يتحقق باستتار القرص لا بذهاب الحمرة فراجع. (3) لااشكال في دخول الليلتين المتوسطتين لاطلاقات الادلة،


(1) عبر بمثل هذا التعبير في الجواهر أيضا ج 17 ص 167

[ 345 ]

حيث لم يقيد دليل المنع عن الخروج من المسجد أو عن الجماع ونحوهما من موانع الاعتكاف بالنهار فيعم الليل أيضا فيكشف لا محالة عن الدخول. هذا أولا وثانيا: ان نفس التحديد بالثلاثة ظاهر بحسب الفهم العرفي في الاتصال والاستمرار. فانه المنصرف إلى الذهن في الامور القابلة للدوام والاستمرار كما في اقامة العشرة ونحوها. فلو قلت: مكثت في البلدة؟ الفلانية ثلاثة أيام كان المنسبق إلى الذهن الاتصال. فهو يستلزم دخول الليلتين المتوسطتين بطبيعة الحال. فما نسب إلى الشيخ من عدم الدخول غير قابل للتصديق. كما لا ينبغي الاشكال في خروج الليلة الاخيرة لا نتهاء اليوم بانتهاء النهار بمقتضى الفهم العرفي المؤيد برواية عمر بن يزيد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان المغيرية يزعمون ان هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة، فقال: كذبوا، هذا اليوم لليلة الماضية، ان اهل بطن نحلة حيث رأوا الهلال قالوا قد دخل الشهر الحرام (1) نعم هي ضعيفة السند بدهقان الذي اسمه عبد الله كما في الوسائل، أو عبيدالله كما في روضه الكافي، وكيفما كان فهو مجهول فلا تصلح الا للتأييد. فما ينسب إلى بعض الاصحاب من احتمال الدخول لا ينبغي الاصغاء إليه إنما الكلام في الليلة الاولى فالمشهور عدم الدخول، ولكن نسب الدخول إلى العلامة والشهيد الثاني كما في الليلتين المتوسطتين. والصحيح ما عليه المشهور. فان اليوم ظاهر لغة وعرفا في بياض النهار


(1) الوسائل باب 8 من ابواب أحكام شهر رمضان ح 7

[ 346 ]

[ وفي كفاية الثلاثة التلفيقية اشكال (1) ] في مقابل قوس الليل قال تعالى: سبع ليال وثمانية أيام. نعم قد يستعمل اليوم في مجموع القوسين، أعني أربعة وعشرين ساعة لقرينة خارجية تدل عليه مثل قولك: كان سفرنا عشرة أيام، وأما من غير القرينة على الخلاف ولا قرينة في المقام فظاهر اللفظ هو بياض النهار كما سمعت ودخول المتوسطتين انما كان لا جل اعتبار الاستمرار كما مر. فلاوجه لقياس الاولى عليهما كما هو ظاهر (1) والامر كما ذكره، بل أوضح مما ذكره. فان اليوم اسم حقيقي لغة وعرفا لبياض النهار الذي مبدؤه طلوع الفجر أو طلوع الشمس، ومنتهاه غروبها، ولاسيما في الاعتكاف المعتبر فيه الصوم الذي لا يكون إلا في تمام اليوم. أما الملفق من نصفين فهو نصفان من يومين وليس بيوم واحد، كما ان من يملك من كل من الدارين أو العبدين نصفا فهو مالك لنصفين من دارين أو من عبدين، وليس مالكا لدار واحدة أو لعبد واحد بكامله، وقيام الدليل على ارادة التلفيق المبني على نوع من العناية في بعض الموارد كالعدة ومدة الخيار وأقل الحيض ونحو ذلك لا يستدعى ارادته في المقام بعد عرائه عن مثل ذلك الدليل، فلا مناص من الاخذ بظاهر اللفظ من ارادة المعنى الحقيقي، أعني اليوم الكامل كما عرفت، فلا يجزى التلفيق بوجه هذا وقد سبق نظير ذلك في كتاب الصوم عند التكلم حول الشهرين المتتابعين وقلنا ان الشهر حقيقة فيما بين الهلالين دون المقدار فلا يجزى التلفيق. وأشرنا هناك إلى ان هذه المسألة أعني كون الشهر حقيقة فيما بين الهلالين، أو ان المراد ما يعم المقدار غير معنونة في كلماتهم، إذ لم نر من تعرض لذلك من قدماء الاصحاب.

[ 347 ]

نعم تعرض له المحقق في الشرايع على وجه يظهر منه انه أرسل ارادة الاعم من المقدار ارسال المسلمات وان جواز التلفيق من الواضحات حيث قال (قده) في أواخر كتاب الكفارات في المسألة الاولى من المقصد الرابع ما لفظه: (من وجب عليه شهران متتابعان فان صام هلالين فقد أجزأه ولو كانا ناقصين، وان صام بعض الشهر وأكمل الثاني اجتزأ به وان كان ناقصا، ويكمل الاول ثلاثين، وقيل يتم ما فات من الاول والاول أشبه) انتهى. فان الاجزاء في الفرض الاول، مما لا خلاف فيه ولا اشكال لكون الشهر حقيقة فيما بين الهلالين كما صرح به في الجواهر في شرح العبارة. وأما في الفرض الثاني فقد تكلم في كيفية التكميل فارغا عن جواز أصل التلفيق فكأنه أمر مسلم مفروغ عنه وكيفما كان فقد اختار هو أي المحقق (قده) الرجوع في التكميل إلى العدد، أعني مقدار الشهر وهو الثلاثون وان كان ناقصا، وذلك نظرا إلى انكساره فيتعذر اعتبار الهلال فيه، فيرجع إلى العدد. فلو صام عشرة أيام من آخر رجب وتمام شعبان أكمل رجب في شوال بعشرين يوما وان كان الشهر ناقصا واختار صاحب الجواهر (قده) القول الاخر وهو اتمام ما فات من الاول، فيكفى في الفرض المزبور صيام تسعة وعشرين يوما مع نقصان الشهر، لانه أقرب إلى الشهر الحقيقي. ثم حكى (قده) قولا ثالثا وهو انكسار الشهرين بانكسار الاول، لان الثاني لا يدخل حتى يكمل الاول فيتم من الثاني الذي يليه ثلاثين يوما أو مقدار ما فات

[ 348 ]

منه ويتم الثاني من الذي يليه كذلك. فيرد التلفيق على كل من الشهرين وتظهر الثمرة بين الاقوال الثلاثة فيما لو صام من آخر رجب يوما وهو ناقص ثم اتبعه بشعبان وهو مثله في النقص. فعلى قول المحقق يقضى تسعة وعشرين يوما من شوال، لان العبرة عنده بالعدد وهو ثلاثون. وعلى قول صاحب الجواهر يقضى ثمانية وعشرين يوما، لان العبرة بما فات من رجب وليس إلا ذلك وعلى القول الثالث يبطل التتابع ويجب استيناف الكل، لان مجموع ما صامه ثلاثون يوما وهو نصف الشهرين واللازم في حصول التتابع الزيادة على النصف ولو بيوم ولم تحصل. والصحيح ما عرفت من لزوم كون الشهرين هلاليين، لكون الشهر حقيقة فيه كما اعترف به في الجواهر على ما مر. فلاوجه لرفع اليد عن أصالة الحقيقة من غير قرينة. وعلى تقدير القول بالانكسار والتلفيق فلا مناص من اختيار القول الاخير، أعني ورود الكسر على الشهرين معا، إذ لا معنى للشروع في الشهر الثاني إلا بعد استكمال الشهر الاول. فما صامه من شعبان انما هو مكمل لما صام من رجب، إما مكمل الثلاثين اعني العدد أو مكمل لمقدار ما فات منه على الخلاف المتقدم بين المحقق وصاحب الجواهر، فلا يمكن عد شعبان شهرا بحياله، بل مكمل كما عرفت، ونتيجته ورود الكسر على الشهرين بطبيعة الحال المستلزم لا ستيناف التتابع في الفرض المزبور

[ 349 ]

نعم لو أمكن احتساب الزائد على الشهر قبل تحققه بان يكون صيام شعبان ويوم من رجب مصداقا لصيام شهر وزيادة لم يرد الكسر حينئذ على الشهر الثاني لكنه لا وجه له وان كان ذلك هو ظاهر عبارة الجواهر، بل صريح الوسائل حيث أخذه في عنوان الباب في كتابي الصوم والكفارات، فقال: باب إن من وجب عليه صوم شهرين متتابعين لم يجز له الشروع في شعبان الا أن يصوم قبله ولو يوما (1) غير انه (قدس سره) في كتاب الكفارات لم يأت برواية تدل على الاستثناء المأخوذ في العنوان. نعم في كتاب الصوم ذكر صحيحة منصور التى استدل بها في الجواهر أيضا عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان. قال: يصوم شهر رمضان ويستأنف الصوم فان هو صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته. ولكنها كما ترى قاصرة الدلالة على ما ذكراه من كفاية صيام يوم قبل شعبان زائدا عليه لوضوح ان قوله عليه السلام: (فزاد) ظاهر بمقتضى فاء التفريع في كون الزائد حاصلا بعد صيام النصف بأن يصوم النصف اولا وهو الشهر ثم يزيد عليه بيوم، وعليه فلا أثر لصيام يوم من رجب، لان الحاصل من ذي قبل لا يكاد يتصف بعنوان الزيادة على شعبان بوجه. وأصرح منها صحيحة أبي أيوب قال عليه السلام فيها: (ولا بأس إن صام شهرا ثم صام من الشهر الذي يليه أياما ثم عرضت


(1) الوسائل باب 4 من ابواب الكفارات وباب 4 من ابواب بقية الصوم الواجب

[ 350 ]

[ السادس: ان يكون في المسجد الجامع (1) فلا يكفي في غير المسجد ولا في مسجد القبيلة والسوق ولو تعدد الجامع تخير بينها ولكن الاحوط مع الامكان كونه في أحد المساجد الاربعة مسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ومسجد الكوفة ومسجد البصرة. ] علة أن يقطعه ثم يقضى بعد تمام الشهرين (1). فانها تنادي بلزوم كون الزائد من الشهر الذي يليه. فلا اعتبار بما صام من الشهر السابق بتاتا. ونتيجة ذلك ورود الكسر على الشهر الثاني أيضا كما ذكرناه. وعلى الجملة لم تحرر المسألة في كلماتهم بحيث تعنون وينقل الخلاف غير انه يظهر من المتأخرين كالمحقق وصاحب الجواهر وغيرهما المفروغية عن ارادة الاعم مما بين الهلالين الذي هو المعنى الحقيقي ومن المقدار الذي هو معنى مجازي ولم يلتزموا بخصوص الثاني لبنائهم على الاجتزاء بصيام الهلالين وان كانا ناقصين كما عرفت. وهذا يحتاج إلى قرينة واضحة فان الاستعمال في المعنى الاعم من الحقيقي والمجازي من أبعد المجازات لا يصار إليه من غير قرينة قاطعة وحيث انها منفية لدينا فلا مناص من الجمود على المعنى الحقيقي والاخذ بظاهر لفظ الشهر أعني مابين الهلالين حسبما عرفت بما لا مزيد عليه. (1) لا إشكال كما لا خلاف في لزوم ايقاع الاعتكاف في المسجد وانما الكلام في تشخيصه وتعيينه. فعن جماعة منهم المفيد والمحقق في


(1) الوسائل باب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب ح 8

[ 351 ]

المعتبر والشرايع والشهيدين وكثير من المتأخرين: انه كل مسجد جامع فلا ينعقد في مسجد القبيلة أو السوق. وعن جماعة آخرين منهم الشيخ انه لا يصح إلا في المساجد الاربعة المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. بل في محكى المنتهى انه المشهور، بل عن جماعة دعوى الاجماع عليه. وربما يقال بصحة الاعتكاف في كل مسجد تنعقد به الجماعة الصحيحة. ويدل على القول الاول جملة من النصوص التى منها: صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا اعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع. وصحيحة داود بن سرحان ان عليا عليه السلام كان يقول: لا أرى الاعتكاف الا في المسجد الحرام ومسجد الرسول أو مسجد جامع (1) فانها وان كانت ضعيفة بطريق الكليني والشيخ من أجل سهل بن زياد، ولكنها صحيحة بطريق الصدوق عن البزنطي عن داود بن سرحان. ومنها معتبرة على بن عمران (كما في التهذيب) عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: المعتكف يعتكف في المسجد الجامع (2). وهي معتبرة كما وصفناها لصحة طريق الشيخ إلى علي ابن الحسن بن فضال، من أجل صحة طريق النجاشي كما مر غير


(1) الوسائل باب 3 من ابواب الاعتكاف ح 1، 10 (2) الوسائل باب 3 من ابواب الاعتكاف ح 4

[ 352 ]

مرة، وعلي بن عمران ثقة، غيران الرواية رواها الشيخ (قده) في الاستبصار بعين السند والمتن إلا أنه ابدل على بن عمران ب‍ (علي ابن غراب) وهذا لم يوثق. ولاجله لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية من جهة تردد الراوي بين الثقة وغيره، ولا يحتمل تعدد الرواية بعد اتحاد السند والمتن ما عدا الراوي الاخير الذي اختلفت فيه نسخة التهذيب عن الاستبصار وكأن صاحب الوسائل استفاد انها روايتان ولذا ذكر الرواية عن الرجلين، وقد عرفت انها رواية واحدة فلولا روايتها في الاستبصار لصح بها الاستدلال. وأما بملاحظتها فلا تصلح إلا للتأييد نظرا إلى الترديد المزبور. ويستدل للقول الثاني بروايتين: احداهما مرسلة المفيد في المقنعة قال: روى انه لا يكون الاعتكاف الا في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي، قال: وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومسجد المدينة جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المومنين عليه السلام، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين عليه السلام (1) وضعفها بالارسال ظاهر ولا سيمامع وهنهابان مرسلها وهو المفيد لم يعمل بها، إذ المحكي عنه هو القول الاول كما عرفت. الثانية: وهي العمدة صحيحة عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه امام عدل صلاة جماعة، ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد


(1) الوسائل باب 3 من ابواب الاعتكاف ح 12

[ 353 ]

المدينة، ومسجد مكة (1) وقد رويت بطرق ثلاثة: أحدها طريق الكليني وهو ضعيف بسهل بن زياد. الثاني طريق الشيخ والظاهر انه معتبر لان المراد بمحمد بن على الواقع في السند هو محمد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن ابن محبوب. ومع الغض عن ذلك فالطريق الثالث وهو طريق الصدوق صحيح قطعا لصحة طريقه إلى الحسن بن محبوب بلا إشكال. فلا ينبغي التأمل في صحة السند ولا مجال للخدش فيه بوجه. إنما الكلام في الدلالة وهي مبنية على أن المراد بالامام العدل المذكور فيها من هو امام على جميع المسلمين من الموجودين والمعدومين. أعني الامام المعصوم عليه السلام ليكون الحكم منحصرا في المساجد الاربعة المذكروة في الصحيحة التي قد صلى المعصوم عليه السلام فيها. ولكنها غير ظاهرة في ذلك. بل الامام العدل كالشاهد العدل لا ينسبق إلى الذهن منه عند الاطلاق الا من يصح الاقتداء به في الجماعه في قبال من لا يصح كحكام الجور والائمة الفسقة المتصدين لاقامة الجماعات في بغداد آنذاك؟. ويؤكده انه لو اريد به المعصوم عليه السلام لزم ارتكاب التقييد في صحيحتي الحلبي وداود بن سرحان المتقدمتين بحمل المسجد الجامع على المسجد الذي صلى فيه المعصوم عليه السلام وهو حمل المطلق على الفرد النادر، ولا سيما في صحيحة داود حيث ذكر فيها مسجد الحرام، ومسجد الرسول. فيراد بالمسجد الجامع المذكور فيها خصوص مسجد الكوفة، ومسجد البصرة الذين قد صلى فيهما الامام المعصوم (ع)


(1) الوسائل باب 3 من ابواب الاعتكاف ح 8

[ 354 ]

وهو كما ترى ليس من الجمع العرفي في شئ ابدا، فلا مناص من أن يراد به امام الجماعة كما عرفت. وعليه فتكون مقتضى الصناعة تقييد مطلقات المسجد الجامع بما قد صلى فيه الامام العادل، فيكون مكان الاعتكاف مشروطا بأمرين: أحدهما كونه مسجدا، والثاني أن يكون قد صلى فيه الامام العادل ولكن حيث ان هذا خرق للاجماع المركب إذ لم يقل بهذا القول أحد فيما نعلم فلا مناص من حمل القيد على الافضلية والاستحباب. وملخص الكلام أن نصوص المقام على طوائف: فمنها ما جعل الاعتبار فيها بالمسجد الجامع في قبال مسجد القبيلة أو السوق كصحيحتي الحلبي وداود بن سرحان وغيرهما مما مر ومنها ما جعل الاعتبار فيها بالمساجد الاربعة كمرسلة المفيد وصحيحة عمر بن يزيد، لكن الاولى واضحة الضعف من غير جابر. والثانية قاصرة الدلالة الا على اعتبار كون المسجد الجامع مما قد صلى فيه الامام العادل جماعة، لا خصوص الامام الحقيقي المنصوب من قبل الله تعالى لينحصر في المساجد الاربعة للزوم حمل المطلق على الفرد النادر حينئذ الذي هو بعيد في صحيحة الحلبي وأشد بعدا في صحيحة داود بن سرحان كما تقدم، إذ قد ذكر فيها من المساجد اثنان، فيلزم حمل الجامع فيها على الاثنين الاخرين وهو كما ترى. فمفادها التقييد باقامة جماعة صحيحة من امام عادل في قبال أئمة الجور. وهذا مما لا قائل به، فان كان اجماع على خلافه كما لا يبعد فلا بد من حمل الرواية على الاستحباب، أورد علمها إلى أهله. والا فلا مناص من الاخذ بها وارتكاب التقييد حسبما عرفت.

[ 355 ]

ومنها ما تضمن التقييد بمسجد الجماعة، كصحيحة عبد الله بن سنان: لا يصلح العكوف في غيرها، يعنى غير مكة إلا أن يكون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، أو في مسجد من مساجد الجماعة. وصحيحة يحيى به العلاء الرازي: لا يكون الاعتكاف إلا في مسجد جماعة. وانما عبرنا بالصحيحة نظرا إلى أن أبان بن عثمان من أصحاب الاجماع وإلا ففي مذهبه كلام وان كان ثقة بلا إشكال. وصحيحة الحلبي: لا يصلح الاعتكاف الا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة (1). والظاهر ان الجماعة في هذه النصوص وصف لنفس المسجد لا للصلاة المنعقدة فيه، لتدل على اعتبار اقامة الجماعه، فمفادها أن يكون المسجد موردا لاجتماع الناس ومحلا لتجمعهم، إما لاقامة الجمعة أو لغيرها، وهو معنى كون المسجد جامعا في قبال مسجد السوق أو القبيلة، وعليه فيتحد مفادها مع مفاد نصوص الطائفة الاولى الدالة على اعتبار كون المسجد جامعا من صحيحتي الحلبي وداود بن سرحان وغيرهما. وأما رواية أبي الصباح الكناني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الاعتكاف في رمضان في العشر الاواخر قال: ان عليا: عليه السلام كان يقول: لا أرى الاعتكاف الا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، أو في مسجد جامع


(1) الوسائل باب 3 من ابواب الاعتكاف ح 3، 6، 7

[ 356 ]

(جماعة) (1). فليست هي مجمعا للامرين لتكون في قبال الطوائف المتقدمة كما توهم. فانها مذكورة في التهذيب المطبوع الذي بأيدينا بلفظ (جامع) فقط من غير اضافة جماعة في متن الرواية، وانما ذكر ذلك بعنوان النسخة كما في الوسائل (الطبعة الحديثة) فالصادر عن المعصوم عليه السلام ليس هو اللفظين معا، بل اما الجامع فتلحق بالطائفة الاولى، أو الجماعة فتلحق بالاخيرة التى هي أيضا ترجع إلى الاولى كما عرفت. فلا يكون مفادها شيئا آخر وراء النصوص المتقدمة على انها ضعيفة السند من أجل تردد محمد بن علي الراوي عن على بن النعمان بين ابن محبوب الثقة وبين الكوفي الصيرفي الهمداني الملقب بأبي سمينة الضعيف جدا كما تقدم. بقي الكلام فيما رواه العلامة في المنتهى نقلا عن جامع احمد بن محمد بن ابي نصر، عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا اعتكاف الا بصوم، وفي المصر الذي انت فيه (2). فانه قد يقال بظهورها في اعتبار كون المسجد مسجد البلد. ولكنها مخدوشة سندا ودلالة أما الاول فلجهالة طريق العلامة إلى جامع البزنطي فهي لا محالة في حكم المرسل. وأما الثاني فلا نها أو كانت بلسان النهي بأن كان التعبير هكذا: لا يعتكف.. الخ أمكن أن يراد بها النهي عن الاعتكاف في السفر، وان اللازم عليه أن يقيم فيعتكف في المصر الذي هو فيه، ولكنها بلسان النفي الظاهر في نفي الطبيعة،. وان طبيعي الاعتكاف


(1) الوسائل باب 3 من ابواب الاعتكاف ح 5 (2) الوسائل باب 3 من ابواب الاعتكاف ح 11

[ 357 ]

[ السابع: اذن السيد بالنسبة إلى مملوكه (1) سواء كان قنا أو مدبرا أو ام ولد أو مكاتبا لم يتحرز منه شئ ولم يكن اعتكافه اكتسابا واما إذا كان اكتسابا فلا مانع منه كما انه إذا كان مبعضا فيجوز منه في نوبته إذا هاياه مولاه من دون اذن بل مع المنع منه أيضا، ] لا يتحقق الا في المصر الذي هو فيه. وهذا كما ترى غير قابل للتصديق حتى لو كان المراد خصوص مسجد الكوفة بقرينة كون الراوي كوفيا أسديا كما قيل ضرورة جواز ايقاعه في ساير المساجد أيضا، ولا أقل من مسجدي الحرمين الشريفين فلا موقع للحصر بوجه فالمتحصل من النصوص بعد ضم بعضها إلى بعض جواز الاعتكاف في كل مسجد جامع وهو موجود في غالب البلدان ولا سيما بغداد البلدة العظيمة آنذاك التي كانت مقرا للخلافة ردحا من الزمن سواء أصلى فيها امام عادل أم لا بناء على قيام الاجماع على عدم اعتبار هذا الشرط كما مر، وان كان الافضل بل الاحوط كونه في أحد المساجد الاربعة (1) ظاهر كلامه (قدس سره) حيث جعل الاذن من السيد، وكذا الزوج والوالد والمستأجر شرطا برأسه ان هذا يعتبر بنفسه في الاعتكاف من حيث هو اعتكاف لا من حيث اشتماله على الصوم ليكون ذلك من شؤون اشتراطه في صحة الصوم المندوب، فان ذلك بحث آخر اجنبي عن محط نظره (قده) في المقام كما لا يخفى. فلو فرضنا ان صوم المعتكف كان وجوبيا غير مشترط بالاذن المزبور قطعا، أو بنينا على عدم اعتبار الاذن في صوم التطوع. كما

[ 358 ]

تقدم أو فرضنا حصول الاذن بالنسبة إلى الصوم دون الاعتكاف جرى هذا البحث أيضا وانه هل يشترط في صحة الاعتكاف الاذن من هؤلاء أولا؟ فنقول: لا ينبغي الشك في اعتبار اذن السيد بالنسبة إلى مملوكه الذي هو عبد محض سواء أكان قنا أم مدبرا أم ام ولد، أم مكاتبا لم يتحرر منه شئ إما لعدم ادائه شيئا من مال الكتابة، أو لكون الكتابة مشروطة وذلك لوضوح أن العبد بجميع منافعه مملوك لمولاه، فتصرفه في نفسه من حركاته وسكناته التي منها اللبث في المسجد كالتوقف في مكان آخر من سوق أو دار شخص كل ذلك منوط باذن المالك، وإلا فهو تصرف في ملك الغير بغير اذنه الذي لاريب في عدم جوازه كما هو ظاهر. نعم في العبد المكاتب إذا اعتكف بعنوان الاكتساب كما لو صار أجيرا لاحد لم يحتج حينئذ إلى الاذن لان ذلك هو مقتضى عقد الكتابة فيختص الافتقار إليه بما إذا لم يكن اعتكافه اكتسابا. هذا كله في العبد المحض. وأما المبعض كالمكاتب الذي تحرر منه شئ من نصف أو ثلث ونحوهما وقد هاياه مولاه أي قاسمه فجعل له يوما أو اسبوعا أو شهرا ونحو ذلك، وللعبد كذلك، ففي اعتكافه في نوبة مولاه هو الكلام المتقدم، وأما في نوبته فيجوز من غير اذن، بل حتى مع المنع عنه إذ لا حق له في المنع بعد فرض حصول المهاياة ولزومها كما هو واضح.

[ 359 ]

[ وكذا يعتبر اذن المستأجر بالنسبة إلى اجيره الخاص (1). ] (1) الظاهر ان مراده (قدس سره) بالاجير الخاص من كان جميع منافعه ومنها منفعة الاعتكاف مختصا بالمستأجر ومملوكا له كما لو اتخذ خادما له مدة معينة من شهر أو سنة، ولا ريب في اعتبار الاذن حينئذ في صحة الاعتكاف لعين الوجه المتقدم في العبد، إذ لا فرق بينهما الا ان العبد مملوك لمولاه عينا ومنفعة وهذا مملوك للمستأجر منفعة فقط. ومن المعلوم ان مناط الافتقار إلى الاذن انما هو مملوكية المنفعة المشتركة بينهما. وأما في غير الاجير الخاص بالمعنى المزبور كمن كان أجيرا لعمل معين كالسفر في وقت خاص فخالف واشتغل بالاعتكاف فالظاهر هو الصحة وان كان آثما في المخالفة لوضوح ان الامر بالشئ لا يقتضى النهي عن ضده، فيمكن حينئذ تصحيح العبادة بالخطاب الترتبى بأن يؤمر اولا بالوفاء بعقد الايجار. ثم على تقدير العصيان يؤمر بالاعتكاف من غير حاجة إلى الاذن الا في رفع الاثم لا في صحة الاعتكاف، نعم قد يتوهم عدم جريان الترتب في مثل المقام نظرا إلى ان مورده ما إذا كان المتزاحمان من الضدين الذين لهما ثالث كي يمكن الامر بأحدهما على تقدير عصيان الاخر مثل الصلاة والازالة، أما ما ليس لهما ثالث كالحركة والسكون فلا يجرى فيه الترتب بوجه، إذ لا معنى الامر بالسكون على تقدير عدم الحركة فانه من تحصيل الحاصل لرجوعه إلى قولك إذا سكنت فاسكن. ومقامنا من هذا القبيل، إذ الاجير مأمور بالخروج عن المسجد ليفي بعقد الاجارة من سفر ونحوه وهو مضاد للمكث الذي هو حقيقة

[ 360 ]

الاعتكاف من غير ثالث، إذا لا واسطة بين الخروج والمكث، فمرجع الخطاب الترتبي في المقام إلى قولك إذا لم تخرج أي مكثت في المسجد فامكث ولا محصل له. ولكنه مدفوع من وجوه: أما أولا فلان المأمور به انما هو الوفاء بالعقد الذي هو ضد للاعتكاف ولهما ثالث دون الخروج. نعم هو مقدمة للوفاء، ولا نقول بوجوب المقدمة الا عقلا لا شرعا كما هو محرر في الاصول. وثانيا سلمنا الوجوب الغيري الشرعي، لكن الواجب هو مخصوص المقدمة الموصلة، لا الطبيعي على سريانه واطلاقه كما حققناه في محله. وعليه فالواجب انما هو الخروج المتعقب بالوصول إلى ذى المقدمة من سفر ونحوه الذي هو مورد للعقد، ومن البديهي وجود الواسطة بين هذا الخروج وبين الاعتكاف وهو الخروج لغاية أخرى غير المتعقب بذي المقدمة. وثالثا سلمنا وجوب المقدمة على اطلاقها فكان الخروج مطلقا واجبا بالوجوب الغيري ولكنه انما يكون مضادا للاعتكاف من غير ثالث إذا كان الاعتكاف مفقوما بطبيعي المكث وليس كذلك، بل هو متقوم بالمكث ثلاثة أيام ومن المعلوم وجود الواسطة بين المكث ثلاثا وبين الخروج وهو المكث أقل من الثلاثة أو أكثر فيقال له: أخرج وإلا فامكث ثلاثا. وهذا نظير أن يقال: أسكن وإلا تحرك نحو الشرق أو إلى الكوفة أو حركة سريعة، فان الواسطة موجودة حينئذ وهي الحركة نحو الغرب أو كربلا أو البطيئة. فالتقييد بقيد يخرج الضدين عما لا ثالث لهما إلى ما لهما ثالث وهو متحقق في المقام كما عرفت.

[ 361 ]

[ واذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافيا لحقه (1). ] ورابعا مع الغض عن كل ذلك فلا ريب ان الاعتكاف عبادي، ومن المعلوم ان بين الخروج وبين المكث القربي واسطة وهو المكث لا لله فهما من الضدين الذين لهما ثالث بالضرورة: وعلى الجملة فلا ينبغي التأمل في جريان الترتب في المقام وامكان تصحيح الاعتكاف بذلك. هذا كله فيما إذا كان العمل المستأجر عليه منافيا للاعتكاف كما في السفر ونحو. وأما مع عدم المنافاة كما لو استؤجر علي عمارة المسجد أو كنسه ثلاثة أيام أو حفر بثر أو خياطه ثوب أو حياكة فرش ونحو ذلك مما يمكن ايقاعه في المسجد فلا اشكال في الصحة من غير حاجة إلى الاذن، بل هو خارج عن محل الكلام كما هو ظاهر جدا. (1) فيبطل اعتكافها حينئذ بدون اذنه، لا لوجوب الخروج عن المسجد الذي هو مناف للامر بالاعتكاف المضاد له لما عرفت آنفا من إمكان تصحيح الامر ولو بنحو الترتب. بل لا جل الروايات الكثيرة الدالة على عدم جواز خروجها عن البيت بدون اذن الزوج فيما إذا كان منافيا لحقه، دون غير المنافي كالخروج اليسير ولا سيما نهارا لملاقاة أبيها أو أمها أو لزيارة الحرم الشريف ونحو ذلك فان المستفاد من تلك الادلة بمقتضى الفهم العرفي ان المحرم ليس من الخروج بالمعنى المصدري المتحقق آنا ما اعني فتح الباب ووضع القدم خارج الدار. بل الحرام هو الكون خارج البيت والبقاء في غير هذا المكان. فالمنهى عنه هو المكث خارج الدار عند كونه منافيا لحق الزوج الذي هو القدر المتيقن من الادلة، فإذا كان المكث المزبور حراما فكيف يمكن

[ 362 ]

[ واذن الوالد أو الوالدة بالنسبة إلى ولدهما إذا كان مستلزما لا يذائهما (1) واما مع عدم المنافاة وعدم الايذاء فلا يعتبر اذنهم وان كان أحوط خصوصا بالنسبة إلى الزوج والولد. ] صرفه في الاعتكاف؟ فان الحرام لا يكون مصداقا للواجب والمبغوض لا يكاد يكون مقربا فلا يقع عبادة. وأما إذا لم يستلزم الاعتكاف الخروج من البيت بغير الاذن كما لو كان الزوج مقيما معها في المسجد لكونه مسكنا لهما مثلا، أو اذن في الخروج إلى المسجد، أو المكث خارج البيت ولكن نهاها عن عنوان الاعتكاف فلا دليل على البطلان حينئذ بوجه لعدم الدليل على وجوب اطاعته في غير ما يرجع إلى حقه. فالنهي حينئذ غير قادح فضلا عن اشتراط الاستيذان. نعم لو كان صومها تطوعا واعتبرنا في صحة صوم التطوع اذن الزوج بطل الاعتكاف ببطلان الصوم المعتبر فيه ولكن هذا بحث آخر غير مرتبط بالاعتكاف من حيث هو اعتكاف كما مرت الاشارة إليه. ثم ان هذا كله في اليومين الاولين من الاعتكاف. واما اليوم الثالث المحكوم بالوجوب فلا أثر لنهيه قطعا، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1). (1) أما إذا لم يستلزم الايذاء كما لو لم يكن عن اطلاع منهما بان كانا - مثلا - في بلد والولد يعتكف في بلد آخر فلا اشكال فيه. وأما مع الايذاء فهل يكون باطلا؟


(1) الوسائل الباب 59 من ابواب وجوب الحج ح 7

[ 363 ]

لاريب في عدم جواز ايذاء الوالدين فيما يرجع اليهما ويكون من شؤونهما كالسب والهتك والتعدي ونحو ذلك. بل ان الايذاء بهذا المعنى حرام بالاضافة إلى كل مؤمن. غايته انه فيهما آكد والعقوبة أغلظ وأشد. وأما الايذاء فيما يرجع إلى الشخص نفسه بان يعمل فيما يعود إلى نفسه ويتصرف في شأن من شؤونه، ولكن يترتب عليه الايذاء. فلا ريب أيضا في عدم حرمة هذا الايذاء بالاضافة إلى غير الوالدين كمن يفتح حانوتا في محل يتأذى منه رقيبه لمزاحمته له في جلب المشتري بطبيعة الحال، أو من يعمر دارا ويشيد قصرا يتأذى بذلك جاره لحسد أو رقابة ونحو ذلك من غير أن يكون من قصده الايذاء وانما هو قاصد للتجارة أو العمارة ليس إلا، فان هذا جائز بلا اشكال وان ترتب عليه الايذاء المزبور. وهل الحال كذلك بالاضافة إلى الوالدين أيضا، كما لو أراد الولد أن يتزوج بامرأة ولكن الام تتأذى لعدم تلائم أخلاقها معها خصوصا أو عموما أو انه أراد ان يتصدى لتحصيل العلوم الدينية والاب يتأذى لرغبته في تحصيل العلوم الحديثة كما يتفق ذلك في هذه الازمنة كثيرا: فهل يحرم مثل هذا الايذاء؟ الظاهر العدم كما في الوالدين حسبما عرفت لعدم الدليل على ذلك بوجه، وانما الواجب المعاشرة، الحسنة والمصاحبة بالمعروف على ما نطقت به الآية الكريمة وغيرها مثل ان لا يجادل معهما في القول ولا يقول لهما أف. وأما ارتكاب عمل عائد إلى شأن من شؤون نفسه وان ترتب عليه إيداؤهما من غير أن يكون ذلك من قصده فلم تثبت حرمته بدليل إذا لا مانع من الاعتكاف وان ترتب عليه ايذاؤهما بالمخالفة

[ 364 ]

[ الثامن: استدامة اللبث في المسجد (1) فلو خرج عمدا اختيارا لغير الاسباب المبيحة بطل من غير فرق بين العالم بالحكم والجاهل به (2). ] للامر والنهي الصادرين من أحدهما وان كان ذلك بداعي العطف والشفقة، نعم تستحب إطاعتهما من باب البر اليهما والاحسان. وحينئذ تقع المزاحمة بين الاستحباب الثابت بهذا العنوان وبين استحباب الاعتكاف في حد نفسه، فيقدم الاهم منهما والارجح. وقد عرفت ان الكلام في حكم الاعتكاف من حيث هو. واما من حيث تضمنه للصوم المندوب وتوقفه على الاذن فهو مطلب آخر أجنبي عما نحن بصدده. (1) فلا يكتفى بطبيعي اللبث كيفما كان، بل لابد من استمراره واستدامته ثلاثة أيام بلا خلاف فيه ولا اشكال، وقد دلت عليه جملة من النصوص التي منها صحيحتان لداود بن سرحان وحسنة كالصحيحة لبعد الله بن سنان (1). المتضمنة للمنع عن الخروج عن المسجد اختيارا الظاهر في المنع للوضعي اعني الارشاد إلى الفساد لا مجرد التكليف كما لا يخفى. وأظهرها الصحيحة الثانية لداود بن سرحان حيث إن السؤال فيها عن حقيقة الاعتكاف وماذا يفرضه المعتكف على نفسه لدى النية فبين عليه السلام انه لا يخرج من المسجد الا لحاجة، فيظهر من ذلك دخله في ماهية هذه العبادة. (2) أما الجاهل المقصر فلا اشكال في إلحاقه بالعالم لانه عامد بعد


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب الاعتكاف ح 1، 3، 5

[ 365 ]

فرض تقصيره في التعلم. وأما القاصر وهو الذي يكون جهله عن عذر كمن أخطأ في اجتهاده فبنى مثلا على أن الخروج اليسير من المسجد ولو لا لحاجة غير قادح في الصحة فخرج ورجع ثم تبدل رأيه وانكشف خطأه، فهل يكون هذا أيضا ملحقا بالعالم في الحكم بالبطلان؟ الظاهر نعم. والوجه فيه ما ذكرناه في الاصول عند التكلم حول حديث الرفع وملخصه: ان الحديث بفقراته التسع يوجب التقييد في الادلة الاولية فالجزئية أو الشرطية أو المانعية مرفوعة لدى الجهل بها، وحيث ان هذه الاحكام مما لا تنالها يد الجعل التشريعي استقلالا كما حقق في محله، وانما هي مجعولة بتبع جعل منشأ انتزاعها وهو تعلق الامر بالمركب من هذا الشئ، أو المقيد به أو المقيد بعدمه. فلا جرم كان رفعها برفع مناشئ انتزاعها. فيقال لدى الشك في جزئية السورة مثلا ان شمول الامر المتعلق بالمركب لهذا الجزء مشكوك فهو مرفوع فطبعا لا تكون جزء من الصلاة وحيث ان أصل الامر بالصلاة معلوم لدينا بالوجدان فلا محالة يكون الواجب هو الباقي من الاجزاء، فيحكم بصحتها لا جل العلم المقرون بالاصل المزبور. ولكن هذا الرفع مخصوص بحال الجهل ومراعى ببقاء هذه الحالة لان الحكومة حكومة ظاهرية والا فالواقع باق على حاله، ولا تغير ولا تبدل فيه بتاتا، ومن هنا يحسن الاحتياط في ظرف الجهل. والا فمع الانقلاب لا معنى للاحتياط كما لا يخفى. وعليه فمع انكشاف الخلاف وارتفاع الجهل لا مناص من الاعادة إذ الاجتزاء بالناقص عن الكامل يحتاج إلى الدليل ولا دليل الا في خصوص الصلاة فيما عدا الاركان بمقتضى حديث لا تعاد. وحيث لم

[ 366 ]

[ واما لو خرج ناسيا أو مكرها فلا يبطل وكذا لو خرج لضرورة (1). ] يرد مثل هذا الدليل في الاعتكاف كان اللازم الحكم بالفساد لدى انكشاف الخلاف. فلو اعتكف ولم يستدم اللبث جهلا وان كان عن قصور بطل ووجبت الاعادة لو كان الاعتكاف واجبا باجارة أو نذر ونحوهما عملا باطلاق الادلة. هذا مع انا ذكرنا في الاصول عند التكلم حول الحديث - حديث رفع التسعة - ان سنده ضعيف نظرا إلى ان الصدوق يرويه عن شيخه احمد بن محمد بن يحيى ولم يوثق، ومجرد الشيخوخة وروايته عنه كثيرا لا تقتضي التوثيق كما مر غير مرة، فانه يروي عن الثقة والضعيف، لان دأبه الرواية عن كل من سمع منه الحديث، ولم يلتزم بان لا يروى الا عن الثقة. نعم في بعض نسخ الخصال رواية هذا الحديث عن محمد بن احمد ابن يحيى الذي هو من الثقات، ولكن هذا الرجل من مشايخ الكليني ولا يمكن ان يروى عنه الصدوق لاختلاف الطبقة، وانما يروي هو عن ابنه احمد بن محمد بن احمد بن يحيى الذي عرفت انه مجهول. فهذه النسخة مغلوطة جزما، أو فيها تقديم وتأخير، والصحيح ما في الفقيه كما عرفت. (1): - قد عرفت حكم الخروج جهلا. واما الخروج اضطرارا لضرورة دعته إليه فلا اشكال في عدم قدحه في الصحة كما دلت عليه النصوص المعتبرة والصحاح والمتعددة التي منها صحيحة داود بن سرحان قال عليه السلام فيها: لا تخرج من المسجد

[ 367 ]

الا لحاجة لابد منها (1) ونحوها غيرها، وهل يعتبر في الحاجة بلوغها حد الضرورة واللابدية كما هو ظاهر هذه الصحيحة أو ان الامر أوسع من ذلك؟ سيأتي الكلام عليه عند تعرض الماتن. وعلى اي حال فالحاجة الملحة أعني الاضطرار هو القدر المتقين من تلك الادلة، فلا ريب في جواز الخروج لذلك. واما الخروج اكراها فلا ريب ايضا في جوازه لا لحديث رفع الاكراه وان ورد في رواية اخرى بسند صحيح كما سنذكره في رفع النسيان. بل لاجل ان الاكراه من مصاديق الاضطرار حقيقة، غايته ان الضرورة في مورده نشأت من توعيد الغير لا من الامور الخارجية كما في ساير موارد الاضطرار، ولا فرق بين المنشأين فيما هو المناط في صدق الاضطرار عرفا، فكما يصدر الاضطرار والحاجة إلى الخروج التي لا بد منها فيما لو كان له مال خارج المسجد في معرض الحرق أو الغرق كذلك يصدق مع توعيد الغير بالاحراق أو الاغراق لو لم يخرج وعليه فتشمله الادلة المتقدمة الواردة في صورة الاضطرار إلى الخروج واما الخروج نسيانا فالمشهور عدم قدحه ايضا، بل في الجواهر عدم الخلاف فيه. ويستدل له تارة بانصراف دليل النهي عن الخروج عن مثله حيث لا يصدر الفعل منه عن اختيار والتفات، وفيه ما لا يخفى فان الناسي يصدر عنه الفعل عن ارادة واختيار، غايته انه مستند إلى النسيان، فلا فرق بينه وبين ما يصدر عن الملتفت في ان كلا منهما مشمول للاطلاق، فالانصراف ممنوع جدا. واخرى بحديث رفع النسيان الوارد بسند صحيح بدعوى ان معنى


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 3.

[ 368 ]

رفعه فرض الفعل الصادر عن الناسي في حكم العدم " وكأنه لم يكن ومرجع هذا الرفع في عالم التشريع إلى رفع الحكم المتعلق به لولا النسيان. وعليه فالخروج الصادر عن المعتكف نسيانا في حكم العدم اي لا يترتب عليه اثره وهو البطلان، فإذا كان البطلان مرفوعا بمقتضى الحديث صح الاعتكاف بطبيعة الحال. وبمثل هذا البيان يقال في صورة الاكراه ايضا. ويندفع بان الصحة والبطلان بالاضافة إلى الواقعيات من الاحكام العقلية التي لا تكاد تنالها يد الجعل التشريعي لا وضعا ولا رفعا إذ هما من الامور التكوينية المنتزعة من مطابقة المأتي به مع المأمور به وعدمها فلا معنى لرفع البطلان بحديث النسيان. وعليه فلا بد وان يكون المرفوع إما مانعية الخروج الصادر نسيانا أو جزئية اللبث في المسجد حال الخروج المستند إلى النسيان حيث ان الواجب هو مجموع اللبثات والمكثات على سبيل الارتباط من اول اليوم الاول إلى آخر اليوم الثالث. فتكون الجزئية مرفوعة عن بعضها في بعض الاحوال. فالذي يعقل من رفع الاثر احد هذين. وحيث ان الجزئية والمانعية كالشرطية من الاحكام الوضعية التي لا تكون مستقلة بالجعل الا بتبع منشأ الانتزاع وضعا ورفعا كما تقدمت الاشارة إليه. فمعنى تعلق الرفع بهذه الامور تعلقه بمناشئ انتزاعها فرفع الجزئية عن اللبث مرجعه إلى رفع الامر المتعلق بالمركب منه، كما ان معنى رفع المانعية عن الخروج رفع الامر المتعلق بالمقيد بعدمه. وعليه فإذا كان هذا الامر مرفرعا فبأي دليل يثبت تعلق الامر بالباقي ليحكم بصحته بعد ان لم يكن شأن الحديث الا الرفع دون الوضع. ولا يقاس ذلك بما تقدم في الجهل ضرورة ان الجاهل بوجوب

[ 369 ]

[ عقلا أو شرعا أو عادة كقضاء الحاجة من بول أو غائط أو للاغتسال من الجنابة أو الاستحاضة ونحو ذلك (1) ] الاكثر يعلم اجمالا بتعلق التكليف بالجامع بينه وبين الاقل، ولذا يستحق العقاب لو ترك الكل لمخالفته التكليف المعلوم له بالوجدان. فوجوب الاقل لا بشرط وجداني، وصحة الباقي وتعلق الامر به ثابت بالعلم لا بالاصل وانما ينفى به الزائد المشكوك فيه. واما في المقام فليس للناسي مثل هذا العلم كما لا يخفى. وعلى الجملة لا يترتب على النسيان ما عدا المعذورية في ترك الجزء أو الاتيان بالمانع بمقتضى حديث الرفع واما صحة الباقي ليجتزى به عن الواقع لدى تبدله بالذكر فلا يمكن اثباتها بدليل، وان نسب ذلك إلى المشهور حسبما مر. بلى الاقوى البطلان. فلو انفق مثل ذلك في اعتكاف واجب اما باجارة أو نذر ونحوهما وجبت الاعادة كما تجب هي أو القضاء لو اتفق ذلك في الصلاة فيما إذا كان المنسي من الاركان. (1): - قد عرفت جواز الخروج للضرورة لتقييد الحاجة باللابدية في صحيحة الحلبي وصحيحتي داود بن سرحان (1). نعم صحيحة عبد الله بن سنان مطلقة قال عليه السلام فيها: ولا يخرج المعتكف من المسجد الا في حاجة (2) فتشمل الحاجة البالغة حد الضرورة وما دونها، الا انه لابد من حملها على ذلك جميعا ورعاية لصناعة الاطلاق والتقييد. ولا فرق بمقتضى الاطلاق بين ما إذا كانت الضرورة واللابدية عقلية


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 1، 2، 3. (2) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 5.

[ 370 ]

كما لو مرض فتوقف علاجه على الخروج أو شرعية كقضاء الحاجة لحرمة تلويث المسجد وكالاغتسال بناء على عدم جوازه فيه، أو عرفية بحيث يعد في نظر العرف من الضروريات، كما لو قدم ضيف كريم أو ذو منصب رفيع لا بد من الخروج عن المسجد لملاقاته. وعلى الجملة ففي موارد صدق الضرورة على اطلاقها لا شك في جواز الخروج بمقتضى هذه النصوص، وفيما عداها لا يجوز الا إذا قام الدليل عليه بالخصوص كعيادة المريض، أو الخروج للجنازة تشييعا أو عليه وهو صحيح الحلبي، وكذا صحيح ابن سنان الذي تضمن جواز الخروج للجمعة ايضا. ففي هذه الموارد المنصوصة يجوز الخروج وإن لم يكن من مصاديق الضرورة. واما التعدي عن ذلك إلى كل مورد كان الخروج راجحا شرعا كمشايعة المؤمن ونحو ذلك، فهو وان ذكره غير واحد لكنه يتوقف على تحصيل المناط القطعي كي تحمل تلك الموارد المنصوصة على المثالية لكل امر راجح فان تحصل هذا المناط لاحد فهو، والا كما هو الصحيح إذ لا سبيل لنا إلى الاحاطة بالمناطات الواقعية للاحكام الشرعية، فالتعدي حينئذ في غاية الاشكال: هذا وربما يستدل لجواز الخروج عن المسجد لقضاء حاجة المؤمن بما رواه الصدوق باسناده عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند الحسن بن علي عليهما السلام فاتاه رجل فقال له: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلانا له علي مال ويريد ان يحبسني، فقال والله ما عندي مال فاقضي عنك، قال: فكلمه، قال: فلبس عليه السلام نعله، فقلت له: يابن رسول الله أنسيت اعتكافك؟ فقال له: لم

[ 371 ]

انس ولكني سمعت أبي يحدث عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: من سعى في حاجة اخيه المسلم فكأنما عبد الله عزوجل تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله (1). ولكنها مخدوشة سندا ودلالة. اما الاول فلان ميمونا نفسه وان كان ممدوحا وهو من اصحاب علي عليه السلام الا ان طريق الصدوق إليه مشتمل على عدة من الضعاف فهي ضعيفة السند جدا. واما الثاني فلعدم دلالتها على خروجه عليه السلام باقيا على اعتكافه ولعله عليه السلام عدل عنه وتركه للاشتغال بالاهم، ولم يفرض فيها ان ذلك كان في اليوم الثالث كي لا يجوز النقض فلعله كان في اليومين الاولين، وهي قضية في واقعة، فلا معنى للتمسك بالاطلاق من هذه الجهة كما هو ظاهر والعمدة ما عرفت من ضعف السند. فتحصل انه لا دليل على جواز الخروج المطلق الحاجة وان كانت راجحة دنيا أو دينا، بل لابد من الاقتصار على مورد قيام النص حسبما عرفت. ثم ان كل مورد حكمنا فيه بجواز الخروج لابد من الاقتصار فيه على المقدار الذي لا يزول معه عنوان الاعتكاف بان يكون زمانه يسيرا كربع ساعة أو نصف ساعة مثلا. واما المكث الطويل خارج المسجد كما لو خرج لمحاكمة فاستوجب تمام النهار فضلا عما لو استوعب تمام الايام الثلاثة لضرورة دعته للخروج بعد ساعة من اعتكافه مثلا، فلا ينبغي التأمل في البطلان حينئذ للزوم صدق العنوان وبقائه في الحكم بالصحة كما هو ظاهر والمفروض انتفاؤه.


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 4.

[ 372 ]

[ ولا يجب الاغتسال في المسجد وان امكن (1) من دون تلويث وان كان احوط ] ثم ان القادح في الصحة انما هو الخروج الاختياري دون مالا يستند إلى الاختيار كما لو اخذو جر عن المسجد أو مشى في نومه وخرج عن المسجد كما ربما يتفق لبعض الاشخاص لانصراف النصوص عن ذلك. فانها ظاهرة ولا سيما بملاحظة استثناء الحاجة في الخروج الاختياري فان النهي عن الخروج في هذه النصوص وان لم يتضمن التكليف الا في اليوم الثالث وانما هو ارشاد إلى الفساد. الا ان المنسبق منها بحكم الانصراف ان المفسد انما هو الخروج المستند إلى الارادة والاختيار كما لا يخفى. واوضح من الكل الصحيحة الثانية لداود بن سرحان حيث سأل الامام عليه السلام عما يفرضه على نفسه ندى التصدي للاعتكاف فأجاب عليه السلام بقوله: لا تخرج.. الخ فان من الواضح ان افتراض الانسان والتزامه لا يكاد يتعلق الا بالامر الاختياري، وقد أقره عليه السلام على ذلك. فيكشف هذا من ان المراد بالخروج في الجواب هو الاختياري منه، فغير الاختياري لا مانع منه الا إذا بلغ حدا زال معه عنوان الاعتكاف كما مرت الاشارة إليه آنفا. (1): - قد يفرض الاغتسال عن حدث يجوز معه المكث في المسجد كمس الميت، واخرى عما لا يجوز كالجنابة. اما الاول فلا ينبغي الاشكال في جوازه في المسجد فيما إذا لم يستلزم مهانة أو هتكا للحرمة، كما لو كان هناك حوض فاغتسل فيه، أو ظرف تجتمع فيه الغسالة ثم تطرح خارج المسجد. بل لا يبعد تعينه حينئذ لعدم ضرورة تدعوه إلى الخروج بعد امكان الاغتسال في المسجد

[ 373 ]

من غير اي محذور، كما هو الحال في الوضوء أو الغسل المندوب، ولا ريب ان هذا هو الاحوط. واما الثاني فلا شك في وجوب الخروج فيما إذا استلزم التلويث، فان ذلك من موارد الضرورة الشرعية كما هو ظاهر. واما إذا لم يستلزم، فان امكن الاغتسال حال الخروج من غيران يستلزم مكثا زائدا على زمان الخروج، كما لو فرض ان زمانه دقيقتان وزمان الغسل ايضا دقيقتان أو اقل فالظاهر انه لا ينبغي التأمل في جواز الاغتسال ماشيا حالة الخروج، بل لا حاجة حينئذ إلى المشي " فيجوز واقفا أيضا، لان ذلك انما وجب عليه مقدمة للخروج كي يغتسل خارج المسجد ولا يبقى فيه جنبا، والمفروض ارتفاع الجنابة وحصول الاغتسال قبل تحقق الخروج. فلا مقتضي لوجوبه ولا خصوصية للمشي في ذلك بعد فرض اتحاد زمانه مع المكث ولزوم كونه باقيا في المسجد خلال الدقيقتين مثلا، سواء اكان ماشيا أم واقفا. وعلى الجملة ففي هذه الصورة لا موجب للاغتسال خارج المسجد فيجوز فيه. بل لعله يجب رعاية الاستدامة المكث بعد عدم ضرورة في الخروج، ولم يكن الخروج لاجل الغسل منصوصا ليتمسك باطلاق الدليل. فعدم الجواز حينئذ لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. واما إذا لم يمكن الاغتسال حال الخروج، أو كان زمانه أكثر من الزمان الذي يستوعبه نفس الخروج بان كان اكثر من الدقيقتين في المثال المزبور فالمتعين حينئذ الغسل خارج المسجد حذرا من اللبث المحرم وكان ذلك من موارد الضرورة الشرعية المسوغة للخروج كما تقدم. فالظاهر هو التفصيل بين امكان الاغتسال في المسجد في زمان لا يكون اكثر من زمان الخروج وعدمه. ففي الاول يغتسل في المسجد

[ 374 ]

[ والمدار على صدق اللبث فلا ينافيه خروج بعض اجزاء بدنه من يده أو رأسه أو نحوهما (1). (مسألة 1): - لو ارتد المعتكف في اثناء اعتكافه بطل وان تاب بعد ذلك (2) إذا كان ذلك في اثناء النهار بل مطلقا على الاحوط. ] حال المشي بل بدونه كما مر. وفي الثاني يتعين عليه الخروج حسبما عرفت. (1): - كما لو اخرج يده عن المسجد لاستلام شئ، أو رأسه من الروشن أو الجناح ونحوهما لرؤية الهلال أو الشفق أو غاية اخرى وان كانت غير ضرورية لصدق المكث في المسجد بعد كون معظم البدن فيه الذي هو المناط في تحقق البقاء المتقوم به الاعتكاف كما هو ظاهر جدا. (2): - وقلنا بقبول توبته فيما بينه وبين الله وان اجريت عليه الاحكام ظاهرا من البينونة والتقسيم والقتل كما في الفطري أو فرض الكلام في الملي الذي تقبل توبته بلا اشكال. وعلى اي حال فلا ريب في بطلان اعتكافه. اما إذا كان الارتداد في النهار فلوجوه: احدها ان الارتداد مانع عن صحة الصوم لاشتراطه حدوثا وبقاءا بالايمان فضلا عن الاسلام كما مر في محله، فإذا بطل بطل الاعتكاف ايضا لتقومه به. الثاني: ان الكافر يحرم عليه اللبث في المسجد ويجب اخراجه منه اجماعا وان كانت الآية الشريفة خاصة بالمشركين وبمسجد الحرام لكن الحكم مطلق من كلتا الناحيتين من غير خلاف فإذا كان المكث في

[ 375 ]

[ (مسألة 2): - لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف إلى غيره (1) وان اتحدا في الوجوب والندب ولا عن نيابة ميت إلى آخر أو إلى حي أو عن نيابة غيره إلى نفسه أو العكس. ] هذا الجزء من الاعتكاف (اعني حالة الارتداد) حراما فكيف يقع مصداقا للواحب، وهل يمكن التقرب بما هو مبغوض للمولى (1). الثالث ان الاعتكاف عبادة ولا تصح العبادة من الكافر لاشتراطها بالاسلام بل بالايمان كما نطقت به النصوص مضافا إلى عدم تمشي قصد القربة منه. وعلى الجملة فيبطل الاعتكاف بالارتداد، لاجل هذه الوجوه الثلاثة. واما لو كان الارتداد في الليل فيبتني البطلان على دخول الليلتين المتوسطتين في الاعتكاف وخروجهما عنه، وحيث انا استظهرنا الدخول لظهور الدليل في الاتصال والاستمرار فعليه يتجه البطلان بالارتداد استنادا إلى الوجهين الاخيرين من الوجوه الثلاثة المتقدمة لعدم جريان الاول كما هو ظاهر، ولعل خلاف الشيخ حيث منع (قده) عن البطلان بالارتداد محمول على مالو كان في الليل بناء على مسلكه من خروج الليل عن الاعتكاف. (1) سواء أكانا واجبين ام مستحبين ام مختلفين، عن نفسه أو عن غيره أو بالاختلاف كل ذلك لاجل أن العدول بالنية خلاف الاصل لا يمكن المصير إليه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص.


(1) هذا انما يتجه على المسلك المشهور من كون الكفار مكلفين بالفروع كالاصول لا على مسلكه دام ظله من انكار ذلك على ان وجوب اخراج غير المشرك من مطلق المسجد مبني عنده دام ظله على الاحتياط.

[ 376 ]

والوجه فيه ان الامر المتعلق بالمركب من عدة اجزاء كالصلاة وكالاعتكاف المؤلف من المكث في الايام الثلاثة ينحل لدى الدقة إلى اوامر ضمنية متعلقة بتلك الاجزاء. وحيث انها ارتباطية حسب الفرض فلا جرم كان كل امر مشروطا بشرط متأخر أو متقدم أو بهما معا، فالامر بالتكبير مشروط بنحو الشرط المتأخر بملحوقيته بالقراءة والركوع إلى آخر الصلاة، كما ان الامر بالركوع مشروط بكونه ملحوقا بالسجود ومسبوقا بالقراءة، والامر بالسلام مشروط بمسبوقيته بما تقدم من الاجزاء، فاتصاف كل واحد من اجزاء المركب بالجزئية لذلك المركب مشروط بالانضمام لساير اجزاء هذا المركب، اما بنحو الشرط المتأخر كالجزء الاول، أو المتقدم كالجزء الاخير أو بهما معا كما فيما بينهما من الاجزاء، فان هذا من شؤون فرض الارتباطية الملحوظة بينها كما لا يخفى. وعليه فلو عدل في الاثناء فأتى بالركوع مثلا عن صلاة اخرى لم يقع جزءا لا من المعدول عنه لعدم الملحوقية بما هو من اجزاء هذا المركب ولا من المعدول إليه لعدم المسبوقية كذلك، ومن هنا كان العدول بالنية على خلاف القاعدة، إذ النصف مثلا من عملين لا يكون عملا واحدا الا إذا قام الدليل الخاص على الاجتزاء به، كما ثبت في العدول عن الحاضرة إلى الفائتة، أو اللاحقة إلى السابقة، أو الفريضة إلى النافلة فيما لو اقيمت الجماعة على تفصيل مذكور في محالها، وحيث لم يقم مثل ذلك الدليل في المقام إذا لا يجوز العدول من اعتكاف آخر مطلقا، فلو اعتكف ندبا لم يسغ له العدول إلى اعتكاف آخر مندوب أو واجب بنذر أو اجارة عن حي أو ميت، أو لو كان اجيرا عن احد لا يجوز العدول عنه إلى ما كان

[ 377 ]

[ (مسألة 3): الظاهر عدم جواز النيابة عن اكثر من واحد في اعتكاف واحد (1) نعم يجوز ذلك بعنوان اهداء الثواب فيصح اهداؤه إلى متعددين احياء أو امواتا أو مختلفين ] اجيرا عن غيره أو إلى الاعتكاف عن نفسه وهكذا. (1): - فان النيابة في نفسها على خلاف القاعدة، إذ كيف يكون فعل احد موجبا لسقوط ذمة الغير عما اشتغلت به ويعتبر وقوعه عنه اللهم الا إذا قام الدليل على المشروعية فيقتصر حينئذ على مورد قيام الدليل وقد ثبتت المشروعية بالادلة لخاصة عن الاموات بل الاحياء ايضا في بعض الموارد كالحج المندوب، كما تقدمت الاشارة إليها في قضاء الصلوات وبحث النيابة عن الاموات، والمتيقن من تلك الادلة انما هي النيابة عن شخص واحد. واما الزائد عليه فيحتاج إلى قيام الدليل على قبول الفعل الواحد للاشتراك وقد قام الدليل عليه في باب الزيارات، وفي الحج المندوب، فيجوز النيابة فيهما عن شخص أو اشخاص ولم يثبت فيما عداهما، ومقتضى الاصل عدم المشروعية فمجرد عدم الدليل كاف في الحكم بالعدل استنادا إلى الاصل. نعم قد يتوهم الجواز مما ورد في بعض اخبار تشريع النيابة في العبادة من قول الصادق عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار: "... يدعو لوالديه بعد موتهما ويحج ويتصدق ويعتق عنهما ويصلي ويصوم عنهما (1). ولكن الظاهر منها بمقتضى الفهم العرفي ارادة كل منهما على سبيل الانفراد وبنحو الانحلال والاستغراق لاجمعا لتدل على جواز التشريك


(1) الوسائل باب 28 من ابواب الاحتضار ح 6.

[ 378 ]

[ (مسألة 4): لا يعتبر في صوم الاعتكاف ان يكون لاجله (1) بل يعتبر فيه ان يكون صائما اي صوم كان فيجوز الاعتكاف مع كون الصوم استيجاريا أو واجبا من جهة النذر ونحوه بل لو نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك ان يؤجر نفسه للصوم ويعتكف في ذلك الصوم ولا يضره وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف فان الذي يجب لاجله هو الصوم الاعم من كونه له أو بعنوان آخر بل لا بأس بالاعتكاف المنذور مطلقا في الصوم المندوب الذي يجوز له قطعه فان لم يقطعه تم اعتكافه وان قطعه انقطع ووجب عليه الاستيناف. ] في الفعل الواحد، كما هو الحال في استعمالاتنا في العرف الحاضر. فلو قلنا لاحد صل عن والديك أو صم عنهما، لا نريد به العموم المجموعي ابدا، بل المراد عن كل منهما مستقلا. إذا لا دليل على جواز النيابة عن اكثر من واحد في اعتكاف واحد، والمرجع اصالة عدم المشروعية كما عرفت. نعم لا بأس بالاتيان به رجاءا، كما انه لااشكال في جواز ذلك بعنوان اهداء الثواب لا النيابة كما نبه عليه في المتن. (1): - حقيقة الاعتكاف كما دلت عليه صحيحة ابن سرحان (1) عبارة عن نفس اللبث والعكوف. واما الصوم فهو خارج عن الحقيقة وانما هو شرط في الصحة، فهو من قبيل المقدمات المقارنة، نظير


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 3.

[ 379 ]

الطهارة والستر والاستقبال بالاضافة إلى الصلاة. وعليه فان انكرنا وجوب المقدمة الا عقلا من باب اللابدية كما هو الصحيح فواضح ان الصوم لم يتصف بالوجوب من اجل الاعتكاف بل هو باق على حكمه الثابت له في حد نفسه من الاستحباب أو الوجوب الاصلي كصوم رمضان، أو العرضي كما في النذر أو الاستيجار ونحو ذلك، ولا يحكم العقل الا بالاتيان بطبيعي الصوم تحصيلا للشرط وتحقيقا لما لايتم الواجب الا به باي عنوان كان بعد ان لم يؤخذ في دليل الاشتراط عنوان خاص بمقتضى الاطلاق. واما إذا بنينا على وجوب المقدمة شرعا فالامر كذلك ايضا، لان هذا وجوب غيري، والامر الغيري المقدمي توصلي لا تعبدي، فلا يجب قصد الامر الناشئ من قبل الاعتكاف ليجب الصوم من اجله ومناط العبادية شئ آخر غير هذا الامر وهو الامر النفسي العبادي المتعلق بالصوم اما الاستحبابي أو الوجوبي فحال الامر بالصوم هنا حال الامر المقدمي المتعلق بالطهارات التي تكون مناط عباديتها الاوامر النفسية المتعلقة بذواتها كما حققناه في الاصول. وعليه فلا يزيد الالتزام بوجوب المقدمة شرعا على انكارها في عدم وجوب قصد الصوم لاجل الاعتكاف على التقديرين، بل اللازم انما هو الاتيان بطبيعي الصوم وهو الشرط في الصحة، اي الصوم الاعم من كونه له أو بعنوان آخر ندبي أو وجوبي اصل كشهر رمضان، أو عرضي من نذر ونحوه. والروايات الحاكية لاعتكاف النبي صلى الله عليه وآله في العشر الاواخر من شهر رمضان دالة عليه بوضوح كما لا يخفى.

[ 380 ]

[ (مسألة 5): يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الاولين (1) ومع تمامهما يجب الثالث وأما المنذور فان كان معينا فلا يجوز قطعه مطلقا والا فكالمندوب. ] ويتفرع على ذلك ما سيذكره (قده) في المسألة السادسة من انه لو نذر الاعتكاف اما مطلقا أو في ايام معينة وكان عليه صوم واجب لنذر أو استيجار ونحوهما جاز له الصوم في تلك الايام وفاءا عن النذر أو الاجارة لما عرفت من ان الشرط في الصحة انما هو جامع الصوم المنطبق على ما كان واجبا بالنذر ونحوه، اللهم الا ان يكون نذر اعتكافه مقيدا بان يصوم لاجله فانه لم يجز حينئذ ان يصوم عن غيره من نذر ونحوه لكونه مخالفا لنذره كما هو ظاهر جدا. (1): - فصل (قده) في الاعتكاف المندوب بين اليومين الاولين فيجوز القطع ورفع اليد وبين اليوم الثالث، فلا يجوز بل يجب المضي والحق (قده) به المنذور ان كان مطلقا دون المعين فانه لا يجوز قطعه مطلقا حذرا من مخالفة النذر. وقد ذهب إلى هذا التفصيل جماعة من الاصحاب، وهناك قولان آخران: احدهما ما نسب إلى الشيخ والحلبي وابن زهرة من عدم جواز القطع مطلقا. وبازائه القول الآخر المنسوب إلى السيد والحلي والعلامة من الجواز مطلقا حتى في اليوم الاخير. ويستدل للقول الاول اعني عدم الجواز مطلقا، تارة بما دل على حرمة ابطال العمل كقوله تعالى: (ولا تبطلوا اعمالكم) والجواب عنه ما اشار إليه شيخنا الانصاري (قده) من ان الآية المباركة

[ 381 ]

اجنبية عما نحن فيه من رفع اليد اثناء العمل، بل هي ناظرة إلى حكم ما بعد الفراغ عن العمل، كما قد تقتضيه هيئة باب الافعال فان الابطال يستدعي فرض وجود عمل صحيح مفروغ عنه ليعرضه هذا الوصف، فمفادها حرمة الاتيان بعد العمل بما يوجب ابطاله، أي زوال اثره وحبط ثوابه فيتحد مفادها مع قوله تعالى: (ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى) فلا دلالة فيها بوجه على لزوم اتمام العمل وعدم جواز قطعه. على ان ذلك موجب لتخصيص الاكثر المستهجن لجواز القطع في جميع المستحيات ما عدا الحج المندوب وفي جملة من الواجبات كقضاء شهر رمضان الموسع والنذر المطلق ونحوهما. واخرى وهي اوجه من الاولى بما دل على وجوب الكفارة لو جامع خلال الثلاثة فانها تدل بالالتزام على حرمة القطع، إذا لا معنى للتكفير عن امر مباح. ويدفعه اولا ان الكفارة وان كانت ثابتة كما تقدم وسيأتي ان شاء الله الا انها لا تستلزم الحرمة بوجه كما في كفارة التاخير إلى ان ضاق الوقت عن قضاء شهر رمضان بحلول السنة الجديدة فانه جائز على الاقوى وان وجب الفداء، وكما في التكفير عن جملة من تروك الاحرام فيما لو اضطر إلى ارتكابها. وثانيا سلمنا الملازمة الا ان غايتها التلازم بين الكفارة وبين حرمة حصة خاصة من الابطال والقطع اعني الابطال بموجب الكفارة وهو الجماع لا مطلق الابطال ولو بشئ آخر كالخروج عن المسجد عمدا لا لحاجة إذ لا مقتضي للملازمة بين وجوب التكفير وبين حرمة طبيعي القطع على اطلاقه وسريانه كما هو اوضح من ان يخفى.

[ 382 ]

ويستدل للقول الآخر بان انقلاب النفل إلى الفرض على خلاف القاعدة فيرجع إلى اصالة البراءة عن الوجوب في تمام الثلاثة من غير فرق بين الاخير والاولين. وفيه ان هذا وجيه لولا قيام الدليل على التفصيل والاصل حجة حيث لا دليل على الخلاف، ومعه لا تصل النوبة إليه. وقد دلت صحيحة ابن مسلم صريحا على الوجوب في اليوم الثالث فقد روى عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا اعتكف يوما ولم يكن اشترط فله ان يخرج ويفسخ الاعتكاف وان اقام يومين ولم يكن اشترط فليس له ان يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة ايام (1). والمراد بالاشتراط التعيين على نفسه بنذر وشبهه لا كالاشتراط عند نية الاحرام في الحج كما لا يخفى. والا لم تتجه الشرطية الاولى وذلك لجواز الخروج سواء اشترط - بذلك المعنى - ام لا. وكيفما كان فهذه الرواية صحيحة السند واضحة الدلالة وقد افتى بمضمونها جماعة من الاصحاب فليس بمهجورة، ومعها لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى اصالة البراءة فلا مناص من الاخذ بها، ومن ذلك كله يظهر لك صحة التفصيل المذكور في المتن. ثم ان هذه الرواية رواها في الكافي باسناده عن ابن محبوب عن أبي ايوب، ورواها الشيخ باسناده عن الحسن عن أبي ايوب وهما (اي ابن محبوب والحسن) شخص واحد عبر الكليني بكنيته والشيخ باسمه، فالراوي عن أبي ايوب هو الحسن بن محبوب، وما في الوسائل (الطبعة الاخيرة) من ذكر كلمة (الحسين) بدل (الحسن) غلط من النساخ أو اشتباه منه (قده).


(1) الوسائل باب 4 من ابواب الاعتكاف ح 1.

[ 383 ]

[ (مسألة 6): لو نذر الاعتكاف في ايام معينة (1) وكان عليه صوم منذور أو واجب لاجل الاجارة يجوز له ان يصوم في تلك الايام وفاءا عن النذر أو الاجارة نعم لو نذر الاعتكاف في ايام مع قصد كون الصوم له ولاجله لم يجز عن النذر أو الاجارة. (مسألة 7): لو نذر اعتكاف يوم أو يومين فان قيد بعدم الزيادة بطل نذره (2) وان لم يقيده صح ووجب ضم يوم أو يومين. ] وكيفما كان فالرواية صحيحة بكلا الطريقين، فان طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال وان كان ضعيفا في نفسه الا انا صححناه بوجه آخر وهو صحة طريق النجاشي إليه مع وحدة الشيخ كما مرت الاشارة إليه مرارا. (1): - قد ظهر الحال فيها مما قدمناه في المسألة الرابعة فلاحظ. (2): - لا يخفى ان الاعتكاف متقوم بمجرد اللبث والعكوف وهو بنفسه عبادة ولا يعتبر فيه قصد غاية اخرى كما مرت الاشارة إليه في صدر الكتاب. نعم الاعتكاف المعهود عند المتشرعة المحكوم باحكام خاصة يشترط في صحته ان لا يكون اقل من ثلاثة ايام، ولذا كان له الفسخ ورفع اليد في اليومين الاولين دون اليوم الثالث كما مر آنفا. وعليه فلو نذر الاعتكاف يوما أو يومين فقد ذكر الماتن (قده) انه ان كان مقيدا بعدم الزيادة بان كان ملحوظا بشرط لابطل نذره

[ 384 ]

لعدم مشروعية المنذور بعد ان كانت الصحة مشروطة بالثلاثة كما عرفت. وان لم يقيد، اي كان مطلقا وملحوظا بنحو اللابشرط صح نذره ووجب التتميم ثلاثا، إذ لا وجه للبطلان بعد ان كان المطلق قابلا للانطباق على الفرد الصحيح. وهذا نظير ما لو نذر ان يتصدق على انسان فانه باطلاقه يشتمل من فيه الرجحان كالعبد الصالح ومن يكون التصدق عليه مرجوحا كالمشرك أو الضال المضل المبتدع الذي لا يكون النذر منعقدا بالاضافة إليه، الا انه يكفي في صحة النذر على المطلق اشتمال بعض افراده على الرجحان فينزل الاطلاق عليه. وما افاده (قده) مطابق لما ذكره جماعة من الاصحاب الا ان الحكم بالبطلان في الفرض الاول على اطلاقه قابل للمناقشة، بل لها مجال واسع، فانه انما يتجه لو كان متعلق النذر الاعتكاف المعهود المحكوم بالاحكام الخاصة من الاشتراط بالصوم، وكونه في المسجد الجامع وعدم كونه اقل من الثلاثة، وعدم جواز البيع والشراء ونحو ذلك مما تقدم بعضها ويأتي جملة منها. وبالجملة لو كان مراد الناذر الاعتكاف المجعول المصطلح عليه في لسان الشرع الذي كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله في العشر الاواخر من شهر رمضان المحكوم بالاحكام المزبورة تم ما ذكر. واما لو اراد به مجرد العكوف في المسجد والبقاء ولو ساعة فضلا عن يوم أو يومين فالظاهر صحته حيث انه بنفسه عبادة راجحة، كما يستفاد ذلك مما ورد من انه يستحب ان يكون الشخص اول داخل في المسجد وآخر خارج عنه حيث دل على ان مجرد المكث والكينونة فيه امر مرغوب فيه عند الشارع، ولذا حث على الازدياد واطالة المكث

[ 385 ]

[ (مسألة 8): - لو نذر اعتكاف ثلاثة ايام معينة أو ازيد فاتفق كون الثالث عيدا بطل من اصله (1) ولا يجب عليه قضاؤه (2) لعدم انعقاد نذره لكنه احوط. ] فإذا كان هذا راجحا ولا سيما إذا انضمت إليه عبادة اخرى من صلاة أو ذكر أو قرآن ونحو ذلك فلا نرى اي مانع من انعقاد هذا النذر وصحته بعد ان لم يعتبر فيه اي شئ ما عدا الرجحان المتحقق في المقام جزما حسبما عرفت. نعم لا يكون هذا الاعتكاف محكوما بتلك الاحكام فيجوز بلا صوم وفي مطلق المسجد ومع البيع والشراء بل وفي الليل ونحو ذلك حسبما يفترضه الناذر على نفسه المستلزم لوجوب العمل على طبقه فيصح نذره ولا يجب تتميمه ثلاثا كما لعله ظاهر جدا. (1): - سواء أعلم به بعد صوم اليومين الاولين أم قبله، إذ بعد ان كان الاعتكاف مشروطا بالصوم ولا يشرع الصوم يوم العيد فلا جرم كانت تلك المصادفة كاشفة عن عدم انعقاد النذر لعدم مشروعية متعلقه كما هو ظاهر. (2): - إذ هو تابع لعنوان الفوت، وحيث لم يتعلق به التكليف من اصله لعدم انعقاد نذره فلم يفت عنه شئ بتاتا حتى شأنا واقتضاءا لوجود مانع عن الفعلية كما في الحائض والمريض ونحوهما فلا موضوع للقضاء هنا ابدا حتى بناءا على صحة الاستدلال لا ثبات القضاء في كل فريضة بقوله عليه السلام: (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته) والاغماض عما فيه من الخدش سندا ودلالة لما عرفت من ان موضوعه الفوت غير المتحقق في المقام بوجه.

[ 386 ]

[ (مسألة 9): لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد (1) بطل إلا أن يعلم يوم قدومه قبل الفجر ولو نذر اعتكاف ثاني يوم قدومه صح ووجب عليه ضم يومين آخرين. نعم ذكر الماتن (قدس سره) ان القضاء احوط، ويكفي في وجهه مجرد تطرق الاحتمال واقعا وان لم يساعد عليه الدليل ظاهرا. كيف وقد ثبت القضاء في نظير المقام وهو الصوم المنذور المصادف للعيد، فانه يجب قضاؤه بمقتضى صحيحة علي بن مهزيار: رجل نذر ان يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو اضحى أو ايام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: " قد وضع الله عنه الصيام في هذه الايام كلها ويصوم يوما بدل يوم ان شاء الله تعالى " (1). فان القضاء الثابت بهذه الصحيحة بما انه على خلاف القاعدة إذ لا مقتضى له ابدا بعد انكشاف عدم انعقاد النذر لاجل المصادفة المزبورة كما عرفت. فلا بد من الاقتصار على موردها، ولا يسوغ التعدي عنه إلى المقام بوجه. الا ان ذلك ربما يؤكد فتح باب الاحتمال المذكور ويوجب تقوية احتمال القضاء في المقام نظرا إلى ان الاعتكاف يتقوم بالصوم. فإذا كان الصوم في نفسه حكمه كذلك فلا يبعد ان يكون الاعتكاف المشتمل عليه ايضا كذلك. والحاصل ان هذا الاحتياط استحبابي ويكفى في حسنه مجرد احتمال القضاء واقعا حسبما عرفت. (1): - فصل (قدس سره) في مفروض المسألة بين مالو علم


(1) الوسائل باب 10 من ابواب النذر ح 1.

[ 387 ]

قبل الفجر بيوم قدومه، وبين ما إذا لم يعلم، فيصح في الاول دون الثاني لعدم امكان الاعتكاف في ذلك اليوم، لان منتصف النهار مثلا لا يكون مبدءا لاحتساب الاعتكاف فيفوت المحل بطبيعة الخال، الا ان ينذر اعتكاف ثاني يوم قدومه. اقول: ما ذكره (قده) وجيه لو كان مراد الناذر الاعتكاف من طلوع الفجر. واما لو اراد الاعتكاف من ساعة قدومه صح مع الجهل ايضا، فيتلبس بالاعتكاف ساعة القدوم وان كان اثناء النهار ويضيف عليها ثلاثة ايام بحيث يكون اول ايام اعتكافه الثلاثة هو الغد وهذا النصف المتقدم زيادة على الثلاثة، إذا لا مانع من الزيادة عليها ولو ببعض اليوم سواء أكانت الزيادة سابقة على الثلاثة ام لاحقة بمقتضى اطلاق الادلة، ولا يعتبر الصوم فيما لو كان الزائد بعض اليوم لعدم الدليل عليه حينئذ كما لا يخفى. وقد يقال بمنع البطلان في صورة الجهل بعد امكان الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي، بل وجوبه عليه لعدم الفرق في تنجيزه بين الدفعي والتدريجي فيجب عليه الاعتكاف في جميع تلك الاطراف المحصورة المحتمل وقوع القدوم فيها. ويندفع بما هو المحقق في محله من ان العلم الاجمالي بنفسه لا يكون منجزا بالنسبة إلى الموافقة القطعية وان - كان كذلك بالاضافة إلى حرمة المخالفة القطعية - بل المناط في التنجيز تعارض الاصول ويكون المنجز في الحقيقة حينئذ هو نفس الاحتمال العاري عن المؤمن العقلي والشرعي وبعبارة اخرى ليس العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز، بل هو مقتض له فيتوقف على شرط وهو تعارض الاصول في تمام الاطراف، فلا تنجيز مع عدم المعارضة. بل المرجع حينئذ هو الاصل المفروض سلامته عن

[ 388 ]

المعارض. والمقام من هذا القبيل، لان تلك الايام المرددة والاطراف المحصورة المعلوم وقوع القدوم فيها اجمالا يجري في بعضها الاصل وهو استصحاب عدم القدوم من غير معارض، لعدم جريانه في اليوم الاخير من تلك الاطراف، إذ لا اثر له بعد العلم بتحقق القدوم آنذاك إما فيه أو فيما قبله، فيكون جريانه فيما عدا ذلك اليوم إلى زمان العلم بالخلاف سليما عن المعارض فيجرى الاستصحاب في كل يوم إلى ان يعلم بالقدوم، فان علم به في ذلك اليوم فهو، وان علم بقدومه قبل ذلك كان معذورا في الترك لاجل استناده إلى الآصل. ولتوضيح المقام نقول ان العلم الاجمالي بما انه يتعلق بالجامع وكانت الافراد مشكوكة بالوجدان فهو لا ينجز الا بالاضافة إلى متعلقه فتحرم مخالفته القطعية واما بالنسبة إلى الموافقة القطعية فهو مقتض للنجيز وليس بعلة تامة. والعبرة حينئذ بتعارض الاصول فان تعارضت كان العلم الاجمالي بل مجرد الاحتمال غير المقرون بالمؤمن الشرعي أو العقلي منجزا، والا انحل العلم وكان المرجع الاصل السليم عن المعارض. وهذا كما لو علم اجمالا ببطلان احدى صلاتيه من الحاضرة أو الفائتة فانه يرجع حينئذ بعد تعارض قاعدتي الفراغ فيهما إلى اصالة البراءة، أو قاعدة الحيلولة في الفائتة، وقاعدة الاشتغال في الحاضرة، فينحل العلم الاجمالي بالاصل المثبت والنافي الذين لا تعارض بينهما بوجه وكما لو علم اجمالا ببطلان وضوئه أو صلاته فانه يرجع حينئذ إلى قاعدة الفراغ في الوضوء السليمة عن المعارض للقطع ببطلان الصلاة على كل حال، اما لفقد الطهور أو لفقد الركن مثلا، فلا موقع لجريان القاعدة فيها، وبذلك ينحل العلم. وبالجملة ففي كل مورد كان الاصل في بعض الاطراف سليما عن

[ 389 ]

المعارض، إما لعدم جريانه في الطرف الآخر، أو لعدم معارضته معه لكون احدهما نافيا والآخر مثبتا، لم يكن العلم الاجمالي منجزا من غير فرق بين الدفعي والتدريجي. ومقامنا من هذا القبيل. أما مع عدم العلم بالقدوم حتى اجمالا " واحتمال عدم العود لموت أو لهجرة ونحو ذلك فظاهر فيرجع حينئذ إلى اصالة عدم القدوم لنفي الاعتكاف إلى ان يقطع بالخلاف. وأما مع العلم الاجمالي كما هو المفروض فاطرافه محصورة لا محالة. فلنفرض انها عشرة فعلم اجمالا بالقدوم في احدى هذه الايام وحينئذ فاصالة عدم القدوم لا تكاد تجرى بالاضافة إلى اليوم الاخير لا بلحاظ لازمه العقلي وهو حدوث القدوم في الايام السابقة لعدم حجية الاصول المثبتة، ولا بلحاظ نفسه لوضوح تقوم الاصل بالشك، وهو الآن يقطع بانه في اليوم الاخير وفي ظرف العمل متيقن بالقدوم، إما في نفسه ذلك اليوم أو فيما تقدمه، فهو غير شاك في القدوم آنذاك كي يجرى الاصل هناك بالضرورة، بل عالم بالقدوم إما في نفسه فيعتكف أو في سابقه فيكون معذورا في تركه. إذا كان الاستصحاب بالاضافة إلى كل واحد من الايام السابقة إلى اليوم التاسع جاريا وسالما عن المعارض، فيحرز في كل منها عدم القدوم ببركة الاستصحاب وينفى موضوع الاعتكاف بضم الوجدان إلى الاصل فانه يوم وجدانا ولم يقدم فيه زيد بالاستصحاب، فلا يجب الاعتكاف. وبالجملة العبرة في جريان الاصل بمراعاة الشك في ظرف العمل وهو النسبة إلى اليوم الاخير لاشك له في ظرفه، فلا معنى لجريان الاصل فيه، فيكون جريانه في كل واحد من الايام السابقة إلى ان يقطع بالخلاف سليما عن المعارض، فان حصل القطع في نفس اليوم

[ 390 ]

[ (مسألة 10): لو نذر اعتكاف ثلاثة ايام من دون الليلتين المتوسطتين لم ينعقد (1). (مسألة 11): لو نذر اعتكاف ثلاثة ايام أو ازيد لم يجب ادخال الليلة الاولى فيه (2) بخلاف ما إذا نذر اعتكاف شهر فان الليلة الاولى جزء من الشهر. ] اعتكف، وان تعلق بالايام السابقة كان معذورا في الترك لاجل استناده إلى الاصل. فتحصل ان العلم الاجمالي في المقام وكل ماكان نظيرا له من التدريجيات التي لا يجري الاصل في الفرد الاخير منها لا يكون منجزا ويختص التنجيز في التدريجي والدفعي بما إذا كانت الاصول جارية في تمام الاطراف، وساقطة بالمعارضة حسبما عرفت بما لا مزيد عليه. (1): - لعدم مشروعية الاعتكاف كذلك كما تقدم الا ان يريد مجرد اللبث والعكوف والمكث والبقاء - لا الاعتكاف الاصطلاحي المحكوم باحكام خاصة - فانه ايضا بنفسه عبادة كما تقدم، فيكون راجحا ولا سيما إذا كان مقرونا بعبادة اخرى من ذكر أو قراءة ونحوهما فلا مانع من انعقاد نذره حينئذ حتى لو تعلق بمكث ساعة في المسجد فضلا عن الايام الثلاثة ولو بغير الليالي فانه يتبع قصد الناذر كما هو ظاهر. (2): - لخروجها عما به قوام الاعتكاف فانه متقوم في اصل الشرع بالبدأة من الفجر وان ساغت الزيادة بادخال الليلة لكنها تحتاج إلى عناية زائدة وتعلق القصد بها، فبدونه ينزل على ما هو المجعول في اصل الشرع من خروج الليلة الاولى. وهذا بخلاف المتعلق باعتكاف الشهر، إذ الشهر حقيقة فيما بين الهلالين كما تقدم في كتاب الصوم،

[ 391 ]

[ (مسألة 12): لو نذر اعتكاف شهر يجزئه ما بين الهلالين وان كان ناقصا (1) ] فيعم الليلة لدخولها فيه. وبذلك افترق الشهر عن اليوم. هذا ولكن الصحيح ان الحكم بدخول الليلة في الشهر وخروجها تابع لقصد الناذر، فان قصد احدهما فهو. وأما لو اطلق نذر الشهر ولم يقصد الاما تحت هذه العبارة فلا يبعد الخروج حينئذ لان الشهر وان كان حقيقة فيما بين الهلالين كما ذكر الا ان مناسبة الحكم والموضوع تستدعي ارادة البدأة من الفجر، لان هذا هو المعتبر في الاعتكاف، وما يتقوم به في اصل الشرع بحسب الجعل الاولى والتقديم عليه بادخال الليلة يحتاج إلى عناية خاصة ومؤونة زائدة كما تقدم. فبدون رعايتها كما هو المفروض حيث اطلق ولم يقصد الا ما هو ظاهر اللفظ ينزل الكلام على ما هو اخف مؤونة كما لا يخفى. (1): - بل هو المتعين عليه وليس مجرد الاجزاء لما تقدم من ان الشهر حقيقة في ذلك لغة وعرفا وانه اسم لنفس الهلال باعتبار انه يشهد ويظهر بعد الخفاء ثم يبقى إلى ظهور الهلال الجديد " ولا جله كان اللفظ حقيقة فيما بين الهلالين، ومن ثم اشرنا في كتاب الصوم إلى لزوم مراعاته في صوم الشهرين المتتابعين، وعدم كفاية التلفيق. ففي المقام ايضا لا يجزئ الملفق من نصفي شهر أو اكثر لعدم صدق الشهر الذي هو حقيقة فيما بين الهلالين عليه بوجه. وعليه فلا يفرق في ذلك بين كون الشهر تاما أو ناقصا لصدق مابين الهلالين على التقديرين. نعم على تقدير النقص يجب تكميله بيوم بناءا على القول بانه كلما زاد على الثلاثة يومين وجب تكميلهما ثلاثا، فان الناقص يتألف من تسع

[ 392 ]

[ ولو كان مراده مقدار شهر وجب ثلاثون يوما (1). (مسألة 13) لو نذر اعتكاف شهر وجب التتابع (2) ] مرات ثلاثة ايام ويزيد عليها بيومين فوجب اليوم الثالث واما بناءا على انكاره لضعف مستنده كما سبق فلا حاجة إلى التكميل. وعلى اي حال فاضافة اليوم من اجل تكميل الاعتكاف لا لتكميل نقص الشهر. (1): - لان المنصرف من مقدار الشهر بحسب الظهور العرفي انما هو الثلاثون. فلو قال بقيت في بلدة كذا شهرا لا ينسبق إلى الذهن الا ذلك، بحيث لا يحسن منه هذا التعبير لو كان دخوله يوم العشرين وخروجه يوم التاسع عشر من الشهر القادم مثلا الا بنحو من العناية، والا فقد بقي تسعة وعشرين يوما لا مقدار الشهر، فانه خلاف ظاهر اللفظ بمقتضى الانصراف العرفي كما عرفت. ولولا هذا الانصراف فمجرد التقدير بالطبيعي الجامع بين الناقص والكامل بان نذر اعتكاف مقدار شهر من شهور السنة وهي مختلفة من حيث الكمال والنقص يستدعى الاجتزاء بالناقص لانطباق الطبيعة عليه، كما لو نذر أن يتصدق بما يعادل ربحه اما في هذا اليوم أو اليوم الماضي وهو لا يعلم بذلك فانكشف ان ربحه هذا اليوم خمسة دنانير وفي الامس ديناران، فانه يجزئ التصدق حينئذ بدينارين لما عرفت من ان تعليق الحكم على طبيعة مشتملة على فردين احدهما تام والآخر ناقص وهي منطبقة على كل منهما حسب الفرض يستدعي جواز الاجتزاء بالفرد الناقص. فالعمدة في المقام في الحمل على التمام اعني الثلاثين انما هو الانصراف والظهور العرفي حسبما عرفت (2): - لما عرفت من ان الشهر حقيقة فيما بين الهلالين فاجزاؤه

[ 393 ]

[ واما لو نذر مقدار الشهر جاز له التفريق ثلاثة ثلاثة إلى ان يكمل ثلثون يوما بل لا يبعد جواز التفريق يوما فيوما ويضم إلى كل واحد يومين آخرين بل الامر كذلك في كل مورد لم يكن المنساق منه هو التتابع. ] متتابعة بالذات، فلا جرم كان ملحوظا في المنذور فلا مناص من رعايته، فلو فرق ولفق ولو بان يعتكف في النصف الاول من شهر رجب في سنة والنصف الثاني منه في سنة اخرى حنث ولم يف بنذره لعدم الاتيان بمتعلقه كما هو ظاهر. هذا إذا تعلق النذر بعنوان الشهر كشهر رجب مثلا. واما إذا نذر اعتكاف مقداره فبما ان التتابع غير ملحوظ حينئذ في المنذور جاز التفريق والتوزيع كيفما شاء من التنصيف أو التثليث ونحوهما من انحاء التقسيط مرات عديدة " وان كانت عشر مرات كل مرة ثلاثة. بل لم يستبعد في المتن جواز التفريق يوما فيوما إلى ان يكمل الثلاثون " ولكن حيث ان الاعتكاف لا يكون اقل من ثلاثة ايام فيلزمه حينئذ ان يضم إلى كل واحد يومين آخرين فيكون المجموع تسعين يوما في ثلاثين وجبة كل وجبة ثلاثة احدها نذرا والآخران تكميلا. فكأنه (قده) يرى ان عشر وجبات غير مجزية وان بلغ مجموعها ثلاثين يوما. وهو مبني اما على دعوى لزوم قصد عنوان الوفاء في امتثال الامر النذري، وحيث لم يقصده الا في الواحدة من كل ثلاثة فلا يقع الباقي وفاءا عن النذر. ويدفعه ان العنوان المزبور غير لازم القصد، فان الوفاء هو

[ 394 ]

الانهاء والاتمام والاتيان بذات المتعلق كما في الوفاء بالعقد الذي يكون انهاؤه واتمامه بعدم الفسخ المساوق للزوم، وفي المقام بعدم حل النذر ولزوم العمل به، والامر الناشئ من قبل النذر توصلي لا تعبدي فلا يجب قصده والتقرب به. فمتى اتى بالمتعلق كيفما اتفق فقد ادى ما عليه ولا يعتبر شئ آخر ازيد من ذلك كما اوضحناه في محله عند التكلم حول معنى الوفاء. وعليه فاليومان الآخران يحسبان وفاءا عن النذر بطبيعة الحال، وان جئ بهما بعنوان التكميل فلا حاجة إلى الزيادة على الوجبات العشر أو يبتني على اخذ خصوصية في المنذور لا تنطبق الا على واحد من الايام الثلاثة، كما لو نذر ان يعتكف شهرا في افضل مكان من مواطن مسجد الكوفة كمقام ابراهيم عليه السلام وكان اعتكافه يوما في المقام ويومين في ساير اماكن المسجد، أو نذر ان يصوم في اعتكافه بعنوان الاعتكاف فصام يوم كذلك ويومين بعنوان النيابة أو الكفارة ونحوهما فحينئذ لا يحتسب من كل ثلاثة الا يوما واحدا. وبالجملة فكلام الماتن (قده) يبتني على احد هذين الامرين. واما إذا فرضنا ان متعلق النذر مطلق لم تؤخذ فيه اية خصوصية ما عدا تعلقه بمقدار الشهر كما هو المفروض في عبارة المتن وبنينا على عدم لزوم قصد عنوان الوفاء كما هو الصحيح حسبما عرفت فلم تكن حينئذ حاجة إلى ضم اليومين إلى كل واحد ليبلغ المجموع تسعين يوما. بل بمجرد الانضمام ولو كان بعنوان التكميل يحتسب وفاءا عن النذر وتبرء الذمة عنه لان الانطباق قهري والاجزاء عقلي، فيكتفى بالوجبات العشر البالغ مجموعها ثلاثين.

[ 395 ]

[ (مسألة 14): لو نذر الاعتكاف شهرا أو زمانا على وجه التتابع (1) سواء شرطه لفظا ام كان المنساق منه ذلك فاخل بيوم أو ازيد بطل وان كان ما مضى ثلاثة فصاعدا واستأنف آخر مع مراعاة التتابع فيه وان كان معينا وقد اخل بيوم أو ازيد وجب قضاؤه والاحوط التتابع فيه ايضا، ] (1): - إذا نذر الاعتكاف في مدة محدودة كشهر مثلا مقيدا بالتتابع اما للتصريح به أو لكونه المنساق من الكلام وقد اخل بهذا القيد، فقد يكون المنذور كليا، واخرى متعينا في زمان خاص كشهر رجب. فعلى الاول لا اشكال في البطلان لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، فلا ينطبق المنذور على المأتي به، ولا جله لا مناص من الاستيناف والاتيان بفرد آخر، مراعيا فيه التتابع كما في ساير موارد النذر، فلو نذر أن يقرأ سورة تامة متتابعا فقرأ واخل بالتتابع لم يجز ووجب الاستيناف، وهذا ظاهر لاسترة عليه. واما في الثاني فلا ريب في البطلان ايضا لما ذكر، بل العصيان ووجوب كفارة الحنث ان كان متعمدا، وإلا فلا شئ عليه، ولا فرق في ذلك بين ترك المنذور رأسا وبين الاخلال بقيد المتابعة. والمعروف والمشهور وجوب القضاء مع الترك بالمرة، وسيجئ البحث حول ذلك عند تعرض الماتن ان شاء الله. ولا كلام من هذه الناحية وانما الاشكال بعد الفراغ عن اصل القضاء في جهتين. احداهما إذا فاته الاعتكاف المنذور ولو بالاخلال بجميعه وعدم الاتيان بشئ منه حتى يوما واحدا اما لعذر أو لغير عذر فهل يعتبر

[ 396 ]

التتابع في القضاء كما كان معتبرا في المقضى، وقد تقدم نظير هذا البحث في قضاء الصوم المنذور المشروط فيه التتابع، وذكرنا ثمة انه لم يساعد الدليل وهو صحيحة علي بن مهزيار الاعلى اصل القضاء دون كيفيته واقمنا شواهد على عدم لزوم مطابقة القضاء مع الاداء في الخصوصيات. فلو فاته الصيام من ايام القيظ الشديدة الحر الطويلة النهار جاز القضاء من ايام الشتاء القصيرة، أو لو فات الصوم المنذور ايقاعه في بلد جاز القضاء في بلد آخر فلا تلزم مراعاة جميع الخصوصيات ومنها التتابع. وكيفما كان فذاك البحث جار في المقام ايضا وقد احتاط الماتن بالتتابع والظاهر ان الحكم في هذه المسألة مبني على ما يستند إليه في اصل القضاء. فان كان المستند فيه الدليل اللفظي كالنبوي: اقض ما فات كما فات كان اللازم اعتبار المتابعة ايضا، لان نفس الدليل يدل على لزوم كون القضاء مماثلا للاداء. وان كان المستند الدليل اللبى وهو الاجماع فالمتيقن منه اصل القضاء دون التتابع. وستعرف انشاء الله ضعف الاستناد إلى الدليل اللفظي. وعليه فان بنينا على تمامية الاجماع كما لاتبعد فغايته ثبوت اصل القضاء دون المتابعة فيرجع في نفيها إلى اصالة البراءة. وعلى الجملة لا ينبغي التأمل في ان الخصوصيات الملحوظة في الاعتكاف أو الصوم المنذورين من الزمانية والمكانية وغيرهما كالوقوع في فصل الصيف والنهار الطويل أو النجف الاشرف مثلا غير لازم المراعاة في القضاء لدى فوات المنذور لعذر أو لغيره. فلو نذر ان يعتكف في مسجد الكوفة ففاته ولو عن عمد فلا ريب في جواز قضائه

[ 397 ]

في اي مسجد جامع فليكن التتابع ايضا من هذا القبيل بعد قصور الدليل عن اثبات وجوبه في القضاء كالاداة حسبما عرفت. الجهة الثانية لو اخل بالتتابع المعتبر في المنذور، فهل يجب عليه قضاء المنذور من اصله، أو خصوص ما اخل به؟ فلو نذر الاعتكاف من اول رجل إلى يوم السادس مثلا متتابعا، فتابع في الاربعة واخل بالاخيرين، فهل يختص القضاء بهما نظرا إلى انه قد اتى بالباقي متتابعا وكان موافقا للمنذور، فلا وجه لقضائه، أو انه يجب قضاء الكل لعدم اغناء التتابع في البعض عن الكل بعد ان كان المجموع واجبا واحدا ارتباطيا لانتفاء المركب بانتفاء جزئه فالاخلال بالبعض اخلال بالمركب بطبيعة الحال، كما هو مقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الاجزاء؟؟ المشهور هو الثاني، اي قضاء المنذور بتمامه كما اختاره في المتن. ولكن على ضوء ما قدمناه في الجهة الاولى حول اعتبار التتابع يظهر الحال هنا ايضا وانه لا يجب إلا قضاء ما اخل به فقط فان المستند في القضاء لو كان دليلا لفظيا تضمن ان من فاته الاعتكاف المنذور وجب قضاؤه صح التمسك باطلاق الفوت الشامل لما فات رأسا أو ما فات ولو ببعض اجزائه باعتبار ان فوات الجزء يستدعي فوات الكل واتجه الحكم حينئذ بقضاء المنذور بتمامه. إلا انك عرفت ان المستند انما هو الاجماع، ومن المعلوم عدم ثبوته في المقام " كيف وقد ذهب جماعة من الاصحاب منهم صاحبا المدارك والمسالك إلى الاقتصار على قضاء ما اخل به وان ذهب المشهور إلى قضاء نفس المنذور. فالمسألة خلافية ولا اجماع في المقام على قضاء المنذور بتمامه كي نلتزم به. فعدم القول به لقصور في المقتضى لا لان

[ 398 ]

[ وان بقي شئ من ذلك الزمان المعين بعد الابطال بالاخلال فالاحوط ابتداء القضاء منه (1). (مسألة 15): لو نذر اعتكاف اربعة ايام فاخل بالرابع (2) ولم يشترط التتابع ولا كان منساقا من نذره وجب قضاء ذلك اليوم وضم يومين آخرين والاولى جعل المقضي اول الثلاثة وان كان مختارا في جعله ايا منها شاء. ] التتابع في البعض يغنى عن المركب ليرد عليه ما اورده في الجواهر من الايراد الظاهر وهو وضوح عدم الاغناء بعد فرض ارتباطية الاجزاء، وكون الاخلال بالبعض اخلالا بالكل كما مر. نعم لا مناص من قضاء ما اخل به فان المسألة وان كانت خلافية كما عرفت الا ان الكل مطبقون على وجوب القضاء في هذا المقدار على سبيل الاجماع المركب، فلا سبيل لتركه بعد قيام الاجماع عليه. (1): - رعاية للاداء في الزمان بقدر الامكان ولكنه استحسان لا يصلح مستندا للحكم الشرعي. بل لا يتم في نفسه، إذ بعد الاخلال بالتتابع في الزمان المعين المضروب لم يبق فرق بين الباقي وما بعده في ان الكل خارج عن الاجل المعين والوقت المضروب فيكون قضاءا لا محالة. نعم كان ذلك هو الاولى من باب استحباب الاستباق إلى الخير والمسارعة إليه والتعجيل فيه الذي هو امر مندوب مرغوب فيه في جميع الواجبات والمستحبات. (2): - لا اشكال في وجوب قضاء الرابع حينئذ بمعنى الاتيان دون القضاء بالمعنى المصطلح كما لا يخفى - وفي وجوب ضم يومين آخرين معه كما افاده لعدم مشروعية الاعتكاف اقل من الثلاثة.

[ 399 ]

وانما الاشكال في ان المقضي هل يتعبن جعله اول الثلاثة، أو انه مخير بين ذلك وبين جعله الوسط أو الاخير كما اختاره في المتن وان جعل الاول اولى، وقد افتى بمثل ذلك في الجواهر ايضا. والظاهر ان المسألة مبنية على لزوم قصد عنوان الوفاء في تفريغ الذمة عن المنذور، واما بناءا على ما عرفت من عدم لزوم القصد لكون الوفاء هو الانهاء واتمام ما التزم به والاتيان بمتعلق نذره، والامر الناشئ من قبله توصلي لا يعتبر في سقوطه قصد التقرب فلا حاجة حينئذ إلى التعيين من اصله لعدم المقتضي له، فيحسب واحد من الثلاثة وفاءا، والاخران متمما، ويمكن ان يقال بانطباق ذلك الواحد على الفرد الاول قهرا وبطبيعة الحال كما لا يخفى. بل حتى إذا قلنا بلزوم قصد الوفاء جاز له ان يقصد الوفاء بمجموع الثلاثة، لعدم الدليل على لزوم التشخيص والتعيين بوجه. وقد يقال انه بعد فرض عدم مشروعية الاعتكاف اقل من ثلاثة ايام فالامر بقضاء اليوم الفائت بنفسه امر بضم اليومين الاخرين، وبما ان المجموع عبادة واحدة واعتكاف واحد فالكل واجب بوجوب واحد نفسي ومصداق للوفاء بالنذر، فلا معنى للتعيين في اليوم الاول أو غيره، إذ الكل متعلق لامر واحد نفسي كما عرفت. ويندفع بان ضم اليومين لم يكن لمصلحة نفسية كي يكون الكل واجبا بالوجوب النفسي، وانما هو من اجل المقدمية تحصيلا لشرط الصحة في اليوم الفائت بعد امتناع وقوعه مجردا عنهما نظير بقية الواجبات المقيدة بشئ كاشتراط الصلاة بالطهور فان الامر بالواجب المقيد لا ينفك عن المقدمية. وبعبارة اخرى قد ذكرنا في محله ان جميع الواجبات المركبة

[ 400 ]

المتدرجة في الوجود كالصلاة لا ينفك اجزاؤها بالاسر عن القيدية والاشتراط، فلكل جزء حيثيتان: حيثية الامر النفسي الضمني المنبسط عليه من ناحية الامر بالمركب، وحيثية كونه قيدا في صحة الجزء الآخر على ما هو مقتضى فرض الارتباط الملحوظ بين الاجزاء، فالجزء من الصلاة ليس مطلق التكبير بل ماكان ملحوقا بالركوع، كما ان الركوع مشروط بكونه مسبوقا بالقراءة وملحوقا بالسجود. وهكذا الحال في ساير الاجزاء فانها برمتها مشروطة بالمسبوقية والملحوقية معا ما عدا الجزء الاول والاخير فانهما مشروطان بواحد منهما، إذ لا جزء قبل الاول ولا بعد الاخير، فلو تجرد الركوع مثلا عما تقدمه أو ما تأخره لم يقع مصداقا للواجب. وهكذا الحال في الاعتكاف فان كل يوم بالاضافة إلى اليوم الآخر مشروط بالمسبوقية أو الملحوقية أو هما معا فلا جرم كان ذلك قيدا في الصحة، وبما ان الاعتكاف المفروض في المقام ليس بواجب من غير ناحية النذر وهو لم يتعلق الا بيوم واحد كان انضمام اليومين الآخرين من جهة صحة المنذور فقط، من غير ان يتضمنا ملاك النفسية بوجه لانه لم ينشأ الا من قبل النذر وهو مختص بواحد منها فحسب. فلا محالة كان وجوبهما متمحضا في المقدمية. وحينئذ فان التزمنا بوجوب المقدمة وجب اليومان شرعا وكان المركب مؤلفا من الواجب النفسي والغيري، وإن انكرناه كما هو الصحيح على ما حقق في الاصول من عدم الوجوب الا عقلا من باب اللابدية بقيا على حكمهما الاول وان وجب الثالث بملاك التتميم الثابت في كل اعتكاف، ولا ضير في تركب الواجب من جزئين: احدهما واجب نفسي والاخر غيري، أو من واجب وغير واجب حكم العقل

[ 401 ]

[ (مسألة 16): لو نذر اعتكاف خمسة ايام وجب ] بوجوبة كما لا يخفى. وعليه فالواجب النفسي وما هو مصداق للوفاء انما هو واحد من الثلاثة. ثم ان الامتثال في المركبات التدريجية ومنها الاعتكاف انما يتحقق بالجزء الاخير فما لم يتعقب به يبطل من الاول فسقوط الاوامر الضمنية واتصافها بالامتثال دفعي وفي زمان واحد، وهو آن الفراغ من المركب وانما التدرج في نفس العمل وذات المتعلق كصيام الايام الثلاثة في الاعتكاف. وعليه فلا يعلم ان أيا من هذه الايام مصداق للوفاء وامتثال للامر النفسي، إذ لا ميز ولا تعين لواحد منها عن الآخر حتى في صقع الواقع وفي علم علم الله تعالى لما عرفت من ان الكل تتصف بالامتثال المستتبع لسقوط الامر في آن واحد، ومعه كيف يمكن التعيين بالقصد. نعم لا مانع منه وليس هو من التشريع ولكن لا ملزم له ولا حاجة إليه. وهذا نظير مالو كان زيد مدينا لعمرو بدرهم، أو كان قد نذر ذلك فدفع إليه درهمين قاصدا باحدهما الوفاء وبالآخر الهبة والعطاء فانه لا يتعين احدهما في احدهما بالخصوص لعدم التعين والامتياز حتى بحسب الواقع، فلا يتميز الوفاء عن العطاء ليتعين بالقصد. ومقامنا من هذا القبيل فان الاعتكاف عبادة واحدة، وليس هو في كل يوم عملا مستقلا لينطبق النذر على الاول، بل امتثال الكل في زمان واحد وبنسبة واحدة، وقد اتى بالجميع بقصد الوفاء عن ذلك اليوم، فلا تعين له في شئ منها ليتعين بالقصد حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

[ 402 ]

[ ان يضم إليها سادسا سواء تابع أو فرق بين الثلاثتين (1) ] (1): اما مع التفريق فظاهر لوجوب ضم الثالث إلى اليومين بعد الثلاثة، إذ لا اعتكاف اقل من الثلاثة. وكذا مع التتابع والاتيان بالمجموع في اعتكاف واحد لما تقدم عند التكلم حول الشرط الخامس من صحيحة أبي عبيدة المصرحة بانه ان أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة ايام اخر (1). وعن الاردبيلي عدم وجوب ضم السادس في صورة المتابعة نظرا إلى اختصاص دليل الضم وهو الصحيح المتقدم بالمندوب فلا يعم المنذور مع امكان التفرقة بان في المندوب قد تحقق الاعتكاف في اصل الشرع بالثلاثة الاول وليس ثمة ما يدل على اتصال الزائد وهو اليومان، بل هما بمثابة اعتكاف جديد، فلا جرم دعت الحاجة إلى التكميل، إذ لا اعتكاف اقل من الثلاثة، وهذا بخلاف المنذور، فان الخمسة حينئذ اعتكاف واحد عن امر وملاك واحد وهو النذر، فلانقص ليحتاج إلى التتميم، ولا بأس بالزيادة على الثلاثة. واعترض عليه غير واحد بان الصحيحة وان كانت مختصة بالمندوب الا ان المنذور ليس حقيقة اخرى غيره بل هما فردان من طبيعة واحدة، فإذا ثبت حكم لا حدهما ثبت للآخر بطبيعة الحال لاشتراكهما في الاحكام وعدم احتمال التفرقة فيها. وهذا كما ترى قابل للمناقشة، إذ لقائل ان يقول الحكم إذا كان خاصا بمورد ومتعلقا بفرد فكيف يسوغ لنا التعدي إلى الفرد الآخر وان اتحدا في الطبيعة: نعم لو كان الحكم متعلقا بالطبيعة عم جميع الافراد كما لو ورد (لااعتكاف اقل من ثلاثة ايام) دون ما كان خاصا


(1) الوسائل باب 4 من ابواب الاعتكاف حديث 3.

[ 403 ]

[ مسألة 17): - لو نذر زمانا معينا شهرا أو غيره وتركه نسيانا أو عصيانا أو اضطرارا وجب قضاؤه (1) ] بمورد وواردا في فرد بخصوصه كما في المقام. والصحيح فساد المطلب من اصله، وان الصحيحة غير مختصة بالمندوب - لا انه يسلم الاختصاص ويجاب بما لا يسلم عن النقاش - إذ لا موجب لتوهم الاختصاص عدا التعبير بقوله عليه السلام (فهو يوم الرابع بالخيار) نظرا إلى عدم الخيار بين القطع والاسترسال في الاعتكاف الواجب، ولزوم المضي فيه إلى ان يفرغ فيكشف ذلك عن ارادة المندوب. ولكنك خبير بان هذا لازم اعم لثبوت التخيير في الواجب الموسع ايضا كالمندوب فيجوز في كل منهما رفع اليد في اليوم الرابع والخامس كاليومين الاولين، فلا شهادة في هذا التعبير على ارادة المندوب بوجه نعم لاخيار في الواجب المعين بنذر ونحوه، كما لو نذر ان يعتكف من اول رجب من هذه السنة إلى اليوم الخامس، فانه يجب عليه الاتمام ولا خيار في شئ من الايام، ولكن لا يحتمل الفرق بين الواجب الموسع والمعين من هذه الجهة قطعا لعدم القول بالفصل، إذ لا قائل بالفرق بينهما، وان قيل بالفرق بين الواجب والمستحب كما عرفت. فالصحيح ان الصحيحة بنفسها وافية لاثبات الحكم في كل من المندوب والمنذور لكونه معلقا فيها على طبيعي الاعتكاف الشامل لجميع الافراد. نعم هي قاصرة عن الشمول للواجب المعين لكنه ملحق للقطع بعدم الفصل حسبما عرفت. (1): - العمدة في المقام انما هو الاجماع الذي ادعاه جمع من

[ 404 ]

الاعلام ومنهم من لا يعتنى بالشهرات والاجماعات المنقولة كصاحب المدارك حيث صرح بانه مقطوع به في كلام الاصحاب، ولا يبعد تحققه، بل هو الظاهر، فهو المستند في المسألة، ولولاه لكان الحكم في غاية الاشكال لضعف ساير ما يستدل له. فان ما يتوهم الاستدلال به من النصوص روايات ثلاث: ثنتان منها مرسلتان. احداهما النبوي المرسل: (اقض ما فات كما فات) والاخرى المرسل عنهم عليهم السلام: (من فاتته فريضة فليقضها) ولم يلتزم الاصحاب بمضمونها من وجوب القضاء لكل فريضة فائتة ليدعى الانجبار بالعمل على تقدير تسليم كبرى الانجبار. فان من نذر قراءة القرآن أو الدعاء أو زيارة الحسين عليه السلام - مثلا - في وقت معين ففاتته لعذر أو لغير عذر لم يلتزم احد بوجوب قضائها، والقضاء في الصوم المنذور المعين محل خلاف، وان كان عليه الاكثر للنص الخاص. وبالجملة فلم يعهد من احد منهم الالتزام بالقضاء فيما عدا الصوم والاعتكاف المنذورين. على ان لفظ الفريضة المذكورة في المرسلة منصرف إلى ما ثبت وجوبه في اصل الشرع وبحسب الجعل الاولي ولا يكاد يشمل ما التزم به الناذر على نفسه. فالرواية على تقدير صحتها منصرفة عن المقام قطعا. والثالثة صحيحة زرارة قال: قلت له رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر. قال: يقضي ما فاته كما فاته، ان كانت صلاة السفر اداها في الحضر مثلها... الخ (1) وهي كما ترى واضحة الدلالة بقرينة الصدر والذيل على ان المراد بالمماثلة في قوله عليه السلام: " يقضي ما فاته كما فاته " التماثل من


(1) الوسائل باب 6 من ابواب قضاء الصلوات ح 1.

[ 405 ]

حيث القصر والتمام وان العبرة في قضائهما برعاية حال الفوت لا حال الاداء فلا دلالة فيها على وجوب قضاء نفس الصلاة من غير هذه الناحية فضلا عن الدلالة على وجوب قضاء مطلق الفريضة الفائتة ليستدل بها على المقام. فالروايات قاصرة اما سندا أو دلالة. وربما يستدل بوجهين آخرين: احدهما الاستفادة مما دل على وجوب قضاء الصوم المنذور المعين لدى فوته لعذر أو لغيره كصحيحة ابن مهزيار الواردة في النذر كما تكررت الاشارة إليه فانها ترشدنا إلى ثبوته في الاعتكاف ايضا لمكان اشتماله على الصوم. وفيه ما لا يخفى من وضوح الفرق المانع من صحة القياس. فان الصوم بنفسه متعلق للنذر في الاول. واما في الثاني فهو شرط في صحة شئ آخر تعلق به النذر وهو الاعتكاف. فوجوبه في الاول للنذر، وفي الثاني للشرط، وثبوت القضاء في احدهما لا يسلتزم الثبوت في الآخر بوجه. فلو فرضنا ان احدا سقط عنه الامر بقضاء الاعتكاف المنذور لعجز ونحوه مما لا يرجى زواله، فهل يحتمل وجوب قضاء الصوم عليه استنادا إلى تلك الصحيحة الدالة على وجوب قضاء الصوم المنذور؟ ثانيهما ما ذكره كسابقه في الجواهر من انه قد ثبت القضاء لدى عروض ما يمنع عن اتمام الاعتكاف من حيض أو مرض وغيرهما مما قد اشتملت عليه النصوص والفتاوى فيكشف ذلك عن ثبوته عند فوت الاعتكاف باي نحو كان لعدم القول بالفصل. ويندفع بمنع ثبوت الحكم في المقيس عليه لو اريد به القضاء بالمعنى المصطلح. اعني الاتيان خارج الوقت الذي هو المبحوث عنه في المقام

[ 406 ]

لقصور النصوص عن اثبات ذلك بل مفادها الاعادة والاستيناف كما صرح بها في بعضها، فانها ناظرة إلى ان من كان معتكفا على النهج الشايع المتعارف من الاعتكاف الندبي أو الوجوبي بالوجوب الموسع لنذر وشبهه لو عرضه الحيض أو المرض ونحوهما مما يمنع عن الاتمام فلا جرم يبطل هذا الاعتكاف فيرفع اليد عنه يأتي بفرد أخر باعادة ذلك الاعتكاف واستينافه، وليست ناظرة إلى القضاء، الاصطلاحي للزوم حمل النصوص حينئذ على الواجب المعين بنذر ونحوه كي يتصور فيه الفوت ويتصف بالقضاء، ولا ريب انه فرد نادر جدا لا يمكن حمل المطلقات عليه، سيما وان مقتضى القاعدة حينئذ بطلان النذر لكشف العجز الطارئ عن عدم القدرة على الامتثال المستلزم لانحلال النذر بطبيعة الحال. فالمراد هو الاعادة لا محالة وان عبر بلفظ القضاء في بعضها. ولنعم ما صنع في الوسائل حيث عنون الباب الحادي عشر بقوله: (باب وجوب اعادة الاعتكاف ان كان واجبا). إذا لم يثبت القضاء من اصله ليدعى شموله للمقام بعدم القول بالفصل. فتحصل من جميع ما قدمناه ان المستند الوحيد في المسألة انما هو الاجماع. فان تم كما هو الاظهر حسبما مر، وإلا فالمسألة غير خالية عن الاشكال. هذا. ولا بأس بالاشارة إلى النصوص الدالة على وجوب قضاء الاعتكاف إذا فات بمرض أو حيض وهي ثلاثة وكلها معتبرة. احدها: صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فانه يأتي بيته ثم يعيد إذا برئ ويصوم (1).


(1) الوسائل باب 11 من ابواب الاعتكاف ح 1.

[ 407 ]

فان الامر بالاعادة لم يكن مولويا ليراد به وجوب القضاء وانما هو ارشاد إلى الفساد كما مر مرارا. وان الاعتكاف المأتي به قد بطل بعروض الطمث أو المرض المانعين عن الصوم المشروط به الاعتكاف فلا مناص من الاستيناف وجوبا ان كان ما شرع فيه واجبا وندبا ان كان مستحبا حسب اختلاف الموارد. وعلى التقديرين فهو اعادة لما سبق. وليس من القضاء المصطلح لتوقفه على فرض عروض الطمث أو المرض في الاعتكاف الواجب المعين بنذر وشبهه كي يفوت بخروج الوقت ولا ريب في انه فرض نادر جدا، فكيف يمكن حمل المطلق عليه. فان قلت الممنوع حمل المطلق على الفرد النادر لاشمول الاطلاق له فاي مانع من ان يراد المعنى الجامع بين الاداء والقضاء. قلت القضاء متقوم بالفوت، والاداء بعدمه ولا جامع بين المتناقضين فلا يمكن ارادتهما من دليل واحد مضافا إلى بعده عن الفهم العرفي جدا كما لا يخفى. إذا فالصحيحة غير ناظرة إلى القضاء بوجه. الثانية: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في المعتكفة إذا طمثت قال: ترجع إلى بيتهما فإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها (1) والتقريب كما سبق وان تضمنت التعبير بالقضاء " فانه بمعناه اللغوي اي مطلق الاتيان كما استعمل فيه كثيرا في الكتاب والسنة دون الاصطلاحي والا كان الاحرى ان يقول هكذا. " فقضت ما فاتها " بدل قوله عليه السلام: فقضت ما عليها. فان هذا التعبير ظاهر في انها تأتي بما عليها فعلا لا ما فاتها قبلا كما لا يخفى. فهذا التعبير مؤكد لما استظهرناه من ارادة الاستيناف ومطلق الاعادة دون القضاء. الثالثة: موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: واي


(1) الوسائل باب 11 من ابواب الاعتكاف ح 3.

[ 408 ]

امرأة كانت معتكفة ثم حرمت عليها الصلاة فخرجت من المسجد فطهرت فليس ينبغي لزوجها ان يجامعها حتى تعود إلى المسجد وتقضى اعتكافها (1) وقد ظهر الحال فيها مما مر. على ان مضمونها غير قابل للتصديق لظهورها في انها تقضى من حيث ما قطعت لانها باقية بعد على اعتكافها الاول، وذلك لتضمنها منع الزوج - اما تحريما كما نستظهره من كلمة! ليس ينبغي، أو تنزيها على ما يراه القوم - عن مجامعتها حتى تعود إلى المسجد، إذ لو كانت خارجة من الاعتكاف وغير متلبسة به فعلا فاي مانع من وطيها حتى لو كان الطهر قبيل الفجر، ولو كان الطهر اثناء النهار أو اوائل الليل فالامر اوضح لسعة الوقت إلى اول الفجر الذي هو مبدء الاعتكاف فلا يكون الوطى مزاحما ومنافيا له بوجه، فالمنع عن الجماع لا يجتمع الا مع فرض البقاء على الاعتكاف مدة حيضها إلى ان تعود إلى المسجد التي اقلها ثلاثة ايام، وربما تبلغ عشرة، وهذا غير قابل للتصديق كما ذكرناه لانمحاء صورة الاعتكاف في اقل من هذه المدة قطعا فانه مشروط باستدامة اللبث كما مر. ولذا تقدم انه لو خرج ولو لحاجة ضرورية وطالت المدة بحيث انمحت الصورة بطل الاعتكاف فلا بد من طرحها ورد علمها إلى اهله. فاتضح من جميع ما قدمناه ان الحكم بالقضاء في الحائض والمريض غير ثابت في حد نفسه وان كانت دعوى عدم القول بالفصل على تقدير الثبوت غير بعيدة لعدم احتمال الفرق بينهما وبين غيرهما كما لا يخفى. فالعمدة في المسألة انما هو الاجماع لضعف ما استدل به سواء حسبما عرفت.


(1) الوسائل باب 51 من ابواب الحيض ح 2.

[ 409 ]

[ ولو غمت الشهور فلم يتعين عنده ذلك العين عمل بالظن (1) ومع عدمه يتخير بين موارد الاحتمال. ] (1) فيتنزل عن الامتثال القطعي إلى الظني ان كان والا فالى الاحتمالي الذي نتيجته التخيير بين موارد الاحتمال. هذا وقد مر نظير هذا الفرع في كتاب الصوم وعرفت ان الظن لم ينهض دليل على اعتباره في المقام ما عدا صحيحة عبد الرحمن (1) وحيث ان موردها خصوص شهر رمضان والتعدي عنه قياس محض فلا دليل يعول عليه في الخروج عن اصالة عدم حجية الظن. إذا فيجرى عليه حكم الشك. وعرفت ايضا ان حكمه لزوم الاحتياط عملا بالعلم الاجمالي وذلك لاجل ان مقتضى الاستصحاب وان كان هو جواز التأخير إلى الشهر الاخير وبعده يستصحب بقاء الشهر المنذور. ولكنه معارض باصالة البراءة عن الوجوب في خصوص الشهر الاخير بعد معارضة استصحاب بقاء الشهر المزبور باستصحاب بقاء عدمه المردد بين كونه عدما ازليا زائلا أو عدما حادثا باقيا نتيجة الجهل بالمتقدم منهما والمتأخر وبعد التساقط كان المتبع هو العلم الاجمالي، ومقتضاه ما عرفت من وجوب الاحتياط إلى ان يبلغ حد الحرج بحيث يقطع معه بسقوط التكليف اما للامتثال سابقا أو لعروض المسقط - وهو الحرج - لاحقا. وعليه فالاظهر في المقام وجوب الاحتياط إلى زمان يكون الاعتكاف فيه حرجيا وان شئت مزيد التوضيح فراجع المسألة في كتاب الصوم (2)


(1) الوسائل باب 7 من ابواب احكام شهر رمضان ح 1. (2) ص 130 - 132 وص 137.

[ 410 ]

[ (مسألة 18): يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد (1) فلا يجوز ان يجعله في مسجدين سواء اكانا متصلين أم منفصلين نعم لو كانا متصلين على وجه يعد مسجدا واحدا فلا مانع ] (1): لظهور النصوص الدالة على لزوم الاعتكاف في مسجد الجامع في وحدة المسجد بحكم الانصراف كما صرح به في الجواهر، فان الحمل على ارادة الجنس بعيد عن مساقها غايته كما لا يخفى. ومع الغض عن هذا الانصراف فيمكن الاستدلال باطلاق طائفتين من الروايات. احداهما النصوص الدالة على ان من خرج عن المسجد لحاجة لزمه الرجوع بعد الفراغ عنها إلى مجلسه، فانه لو جاز الاعتكاف في مسجدين لم يلزمه الرجوع إلى نفس المكان بل جاز الدخول في مسجد آخر. ومقتضى اطلاق هذه النصوص عدم جواز المكث خارج المسجد الذي اعتكف فيه بعد انقضاء الحاجة من غير فرق بين مسجد آخر وسائر الامكنه بمقتضى الاطلاق، ثانيهما النصوص الدالة على ان من خرج عن المسجد لحاجة فحضرت الصلاة لا يجوز له ان يصلي (في غير مكة) إلا في المسجد الذي سماه، اي اعتكف فيه. فان مقتضى الاطلاق عدم جواز الصلاة حتى في مسجد آخر، فيكشف ذلك عن اعتبار وحدة المكان وعدم جواز الاعتكاف في مسجدين. وهذا من غير فرق فيه بين كون المسجدين متصلين أو منفصلين بمقتضى الاطلاق، وما عرفت من ظهور الادلة ولو بحكم الانصراف

[ 411 ]

[ (مسألة 19): لو اعتكف في مسجد ثم اتفق مانع من اتمامه فيه من خوف أو هدم أو نحو ذلك بطل (1) ووجب استينافه أو قضاؤه ان كان واجبا في مسجد آخر أو ذلك المسجد إذا ارتفع عنه المانع وليس له البناء سواء كان في مسجد آخر أو في ذلك المسجد بعد رفع المانع. ] في اعتبار الوحدة الا ان يكون الاتصال على نحو يعد المجموع مسجدا واحدا كما لو وسع المسجد بوقف الارض المتصلة والحاقها به كما سيأتي ان شاء الله لصدق الوحدة حينئذ كما هو ظاهر (1). (1): - لعدم التمكن من الاتمام لا في هذا المسجد بعد ارتفاع المانع لاعتبار الاتصال واستدامة اللبث المتعذر بعد حصول الفصل الفاحش، ولا في مسجد آخر لاعتبار وحدة المكان المعتكف فيه كما هو ظاهر مما تقدم. واحتمال جواز الاتمام في مسجد آخر كما عن الجواهر لم يعرف له اي وجه بعد فرض اشتراط الوحدة في المكان كما مر، وتعذر الشرط يستلزم تعذر المشروط المستلزم للبطلان بطبيعة الحال. وحينئذ فان كان الاعتكاف واجبا غير معين وجب الاستيناف، وان كان معينا كما لو


(1) وقد حررت هذه الابحاث مع مزيد من الحزن والاسى، وتشتت البال واضطراب الحال، لخطب نزل بي، وهو ارتحال سماحة آية الله، شيخنا الوالد - طاب ثراه - في بلدة (بروجرد) عن عمر يناهز الثالثة والثمانين فطيب الله رمسه ونور مضجعه، وجزاه عنا وعن الاسلام والمسلمين خيرا، ورفع له ذكرا، وكانت وفاته في اليوم الخامس عشر من شهر محرم الحرام من السنة الخامسة والتسعين بعد الالف والثلاثمائة من الهجرة.

[ 412 ]

[ (مسألة 20): سطح المسجد وسردابه ومحرابه منه ما لم يعلم خروجها (1) وكذا مضافاته إذا جعلت جزء منه كما لو وسع فيه. (مسألة 21) إذا عين موضعا خاصا من المسجد محلا نذر الاعتكاف في مكان خاص في زمان معين وجب القضاء لو قلنا بوجوبه حتى في هذه الموارد ولم نقل بانكشاف عدم الانعقاد من الاول بطرو العجز. وكيفما كان فيبتني الحكم على وجوب القضاء حتى في هذه الموارد. (1): - لا ريب في لزوم إحراز المسجدية في ترتيب آثارها التي منها جواز الاعتكاف ولو من اجل يد المسلمين حيث تلقوها كذلك جماعة عن جماعة وخلفا عن سلف، وبعد الاحراز يجوز الاعتكاف في اي جزء منه من سطح أو سرداب أو محراب ونحو ذلك مما يحتوي عليه سور المسجد ما لم يثبت خلافه بقرينة خارجية: ولعل مخالفة الشهيد حيث نسب إليه البطلان وتحقق الخروج عن المسجد بالصعود على السطح محمول على ذلك، اي ما لو علم بخروج السطح عن المسجد والا فهو بظاهره ظاهر الضعف، بل لا يحتمل من مثله دعوى اختصاص الاعتكاف بجزء خاص من المسجد لعدم خصوصية له بعد صدق عنوان المسجدية الذي هو الموضوع للحكم على الجميع بمناط واحد. ولذا لو اعتكف في نقطة معينة كحجرة من حجر المسجد فاراد الانتقال إلى حجرة اخرى جاز له ذلك بلا اشكال. ومنه يظهر الحال في مضافات المسجد إذا جعلت جزء منه كما لو وسع فيه فان الزائد بعدما الحق به محكوم بحكم الاصل كما هو ظاهر.

[ 413 ]

[ لا عتكافه لم يتعين (1) وكان قصده لغوا. (مسألة 22): قبر مسلم وهاني ليس جزءا من مسجد الكوفة على الظاهر (2). (مسألة 23): إذا شك في موضع من المسجد انه جزء منه أو من مرافقه لم يجر عليه حكم المسجد (3). (1): - لان موضوع الحكم كما في النصوص المسجد الجامع الذي هو عنوان صادق على جميع اجزائه بمناط واحد من غير خصوصية لبعض دون بعض. وعليه فلا اثر لتعلق القصد بالاعتكاف في محل خاص من المسجد، بل يصبح قصده لغوا بطبيعة الحال كما اشار إليه في المتن. (2): - سيجئ في المسألة الآتية انه لو شك في موضع انه جزء من المسجد ام لا لم يجر عليه حكم المسجد لاصالة العدم، الا انه في خصوص قبرهما عليهما السلام لا تصل النوبة إلى الشك كي يتمسك بالاصل، لان شاهد الحال وظاهر الامر يقتضى الجزم بالعدم، لان من المعلوم انهما عليهما السلام قتلا مظلومين مقهورين من قبل طاغوت الوقت، ومن هذا شأنه كيف يتيسر دفنه في المسجد الجامع المبني على نوع من التعظيم والتكريم، ومن الذي يتجرأ على ذلك في قبال تلك السلطة الجبارة التي تصدت لذلك الهتك المعروف في كيفية القتل ومابعده. (3): - فان عنوان المسجدية امر حادث لابد من احرازه في ترتيب الاحكام بعلم أو علمي ولو يد المصلين، والا فمع الشك في موضع منه انه جزء منه ام لا كمخزن في المسجد يجعل فيه الاثاث لم

[ 414 ]

[ (مسألة 24): لابد من ثبوت كونه مسجدا أو جامعا، بالعلم، الوجداني أو الشياع المفيد للعلم أو البينة الشرعية وفي كفاية خبر العدل الواحد اشكال (1). ] يعلم انه جزء أو وقف بعنوان آخر فالمرجع اصالة لعدم. (1): - هذا بحث كلي قد تعرضنا له في مطاوي هذا الشرح مرارا، وهو ان الموضوعات هل تثبت بخبر العدل الواحد - خبرا حسيا لا حدسيا - كما تثبت به الاحكام اولا، مثل الاخبار بالطهارة أو النجاسة أو دخول الوقت ونحو ذلك، ومنها المسجدية أو الجامعية فيما نحن فيه. وقلنا ان الاوجه ثبوت كل شئ بخبر الاحد الا ما ثبت خلافه بدليل خاص كما في الترافع حيث يحتاج إلى شاهدين عادلين، أو في الدعوى على الاموال المفتقرة إلى شاهد واحد ويمين، وقد يحتاج إلى شاهد وامرأتين كالدعوى في غير الاموال ايضا كالزواج، وقد يحتاج إلى اربعة رجال أو ثلاثة وامرأتين كما في الزنا إلى غير ذلك. فكلما دل الدليل على اعتبار العدد أو ضم اليمين يتبع والا فبما ان عمدة المستند لحجية خبر الواحد انما هي السيرة العقلائية الممضاة عند الشارع بعدم الردع التي لا يفرق فيها قطعا بين الموضوعات والاحكام كان خبر الواحد حجة في الشبهات الحكيمة والموضوعية بمناط واحد، إذ لا خصوصية للاحكام في ثبوت السيرة بالضرورة. واما رواية مسعدة بن صدقة: "... والاشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة " فغير صالحة للرادعية لا لاجل ضعف السند بحهالة مسعدة وان كنا نناقش فيها سابقا من هذه الجهة، وذلك

[ 415 ]

لوجوده في اسناد كامل الزيارات. بل لقصور الدلالة. وتوضيحه انه قد ذكر في موردها امثلة ثلاثة كلها مجرى لاصالة الحل. اي محكوم بالحلية في ظاهر الشرع. احدها الثوب ولعله سرقة فان هذا الاحتمال ملغى بمقتضى حجية يد المسلم الذي اشترى منه الثوب. الثاني: امرأة تحتك لعلها اختك أو رضيعتك وهو ايضا مدفوع باستصحاب عدم النسب أو الرضاع الذى يترتب عليه صحة النكاح. الثالث العبد ولعله حر قهر فبيع وهو ايضا لا يعتنى به بمقتضى حجية سوق المسلمين بل لو ادعى العبد بنفسه ذلك أيضا لا يسمع منه. وبعد ذلك كله يقول عليه السلام: ان الاشياء كلها على هذا، أي على اصالة الحل والجواز حتى يستبين، أي يظهر خلافه بنفسه وبالعلم الوجداني، أو تقوم به البينة، اي يقوم دليل من الخارج على الحرمة. وليس المراد بالبينة المعنى الاصطلاحي، اعني الشاهدين العادلين لتكون الرواية رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على حجية خبر الواحد في الموضوعات الخارجية، إذ لم تثبت لهذه اللفظة حقيقة شرعية في كلمات النبي صلى الله عليه وآله أو المعصومين عليهم السلام بل هي على معناها اللغوي، اعني مطلق الدليل وما يتبين به الامر. وبهذا المعنى استعمل في القرآن قال تعالى: (بالبينات والزبر) وقال تعالى: (حتى تأتيهم البينة) وكذلك قول النبي صلى الله عليه وآله: (إنما اقضي بينكم بالايمان والبينات) اي بالادلة، وقوله صلى الله عليه وآله: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) فان المراد مطالبة المدعي بالدليل في قبال المنكر. نعم ثبت من الخارج ان من احد الادلة شهادة العدلين لا ان شهادة العادلين بخصوها هي المراد من كلمة (البينة) فان

[ 416 ]

[ والظاهر كفاية حكم الحاكم الشرعي (1). ] الادلة كثيرة ومنها شاهد واحد ويمين كما تقدم. فلا تنحصر في البينة المصطلحة. والذي يدلنا على ذلك مضافا إلى ما عرفت من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية ان الادلة تثبت بها الحرمة كثيرة كحكم الحاكم " واقرار ذي اليد، والشياع المفيد للاطمئنان، والاستصحاب كاستصحاب عدم التذكية إلى غير ذلك، ولا ينحصر رفع اليد عن الحلية بالبينة المصطلحة فلما ذا خصت من بينها بالذكر في قوله عليه السلام (حتى يستبين أو تقوم به البينة) مع ان بعضها كالاقرار اقوى منها في الاعتبار ومقدم عليها. فيكشف ذلك كشفا قطعها عن ان المراد بالبينة في هذه الرواية كغيرها من موارد استعمالها في الكتاب والسنة مما تقدم هو مطلق الدليل والحجة لا خصوص البينة المصطلحة، وانما هي فرد من احد افراد الادلة. فيكون المعنى ان الاشياء كلها على الجواز إلى ان تثبت الحرمة اما بنفسها أو بقيام دليل شرعي من الخارج ومنه خبر الواحد الثابت حجيته بالسيرة العقلائية. ومعه فكيف تكون هذه الرواية رادعة عن السيرة. فالصحيح ان خبر الواحد حجة في الموضوعات مطلقا كالاحكام الا ان يقوم الدليل على خلافه حسبما عرفت. (1): - هذا ايضا بحث كبروي وان حكم الحاكم هل هو نافذ مطلقا اولا؟ وقد تقدم في بعض الابحاث السابقة عدم الدليل على ثبوت الولاية المطلقة ليكون حكمه نافذا في جميع الموارد بنحو الكلية، بل المتيقن منه مورد النزاع والترافع. فلو ادعى بعض الورثة وقفية بعض التركة بعنوان المسجدية وانكرها الباقون فرفع النزاع إلى الحاكم الشرعي فثبت عنده وحكم كان حكمه نافذا بلا اشكال وترتب عليه آثار

[ 417 ]

[ (مسألة 25): لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية أو الجامعية فبان الخلاف تبين البطلان (1). (مسألة 26): لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل والمرأة (2) فليس لها الاعتكاف في المكان الذي اعدته للصلاة في بيتها بل ولا في مسجد القبيلة ونحوها. (مسألة 27): الاقوى صحة اعتكاف الصبي المميز (3) ] المسجدية التي منها صحة الاعتكاف كما هو الحال في بقية الاوقاف الواقعة موردا للنزاع، واما بدون الترافع فلا دليل على نفوذ حكمه ومقتضى الاصل العدم. (1): - إذ العبرة بالواقع. ولا اثر للاعتقاد الذي هو خيال محض، والمشروط ينتفي بانتفاء شرطه كما هو واضح. (2): - لخلو الروايات عن التقييد بالرجل فالحكم فيها ثابت لطبيعي المعتكف وانه لا اعتكاف الا في مسجد جامع فان نفي الطبيعة يستدعي بمقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الرجل والمرأة، بل قد صرح في صحيحة داود بن سرحان بشمول الحكم للمرأة قال عليه السلام في ذيلها: " والمرأة مثل ذلك " (1) فانها صحيحة السند بطريق الصدوق وان كانت ضعيفة بالطريق الآخر من اجل سهل بن زياد. وكيفما كان فلا حاجة إلى الاستدلال بالصحيحة بعد اطلاق النصوص كما عرفت. فلا يقاس الاعتكاف بالصلاة التي ورد بلحاظها ان مسجد المرأة بيتها كما اشار إليه في المتن. (3): - قد تكرر البحث في مطاوي هذا الشرح حول عبادات


(1) الوسائل باب 3 من ابواب الاعتكاف ح 10.

[ 418 ]

[ فلا يشترط فيه البلوغ. ] الصبي وقلنا ان المشهور هي المشروعية وان غير واحد استدل لها بانها مقتضى الجمع بين ادلة العبادات وبين حديث رفع القلم عن الصبي نظرا إلى ان نتيجة ذلك نفى الالزام فيبقى اصل المحبوبية على حالها. وقلنا ان الجمع العرفي لا يقتضى ذلك لتوقفه على ان يكون المجعول في موارد الاحكام حكمين، ومدلول الامر منحلا إلى امرين: المحبوبية والالزام ليبقى الاول بعد نفي الثاني، نظير البحث المعروف من انه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، وليس الامر كذلك، بل مدلول الامر حكم واحد بسيط، وليس المدلول في مثل قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب.. الخ) الا كتابة واحدة لاكتابتين، إذ لا ينحل الوجوب إلى جنس وفصل كما هو المحرر في محله فإذا ارتفع فقد ارتفع الحكم من اصله. بل مقتضى الجمع العرفي بين حديث الرفع والمرفوع تخصيص تلك القوانين بالبالغين وانتفاء الحكم عن الصبي رأسا. ولكنا استفدنا المشروعية مما ورد من قوله عليه السلام: (مروا صبيانكم بالصلاة والصيام) نظرا إلى ان الامر بالامر بالشئ امر بذلك الشئ، بل في بعضها الامر بالضرب إذا بلغ السبع. وقد ورد النص في خصوص الحج باحجاج الصبي فيتكشف من ذلك كله الاستحباب والمشروعية، ولكن هذا كله خاص بالاحكام الالزامية مثل الصلاة والصيام ونحوهما. واما في الاحكام الاستحبابية ومنها الاعتكاف المبحوث عنه في المقام وكصلاة الليل ونحو ذلك فيكفي في اثبات المشروعية نفس الاطلاقات الاولية من غير حاجة إلى التماس دليل آخر.

[ 419 ]

[ (مسألة 28): لو اعتكف العبد بدون اذن المولى بطل (1) ولو اعتق في اثنائه لم يجب عليه اتمامه ولو شرع فيه باذن المولى ثم اعتق في الاثناء فان كان في اليوم الاول ] والوجه فيه ما ذكرناه في الاصول في مبحث البراءة من ان حديث الرفع لا يشمل المستحبات لان المرفوع في مقام الامتنان اما المؤاخذة أو حكم الزامي يكون قابلا للوضع ليرفع وليس هو الا وجوب الاحتياط لوضوح ان المكلف لا يتمكن من امتثال الواقع المجهول فوضعه بايجاب الاحتياط كما ان رفعه برفعه. ومن المعلوم ان شيئا منهما لا يجرى في المستحبات أما الاول فظاهر، وكذا الثاني لان استحباب الاحتياط ثابت جزما. وليس في رفعه اي امتنان ولاجل ذلك ذكرنا ان البراءة غير جارية في المستحبات: وهذا البيان الذي ذكرناه في حديث رفع التكليف جار في حديث رفع القلم عن الصبي بعينه لعدم الفرق بينهما الا من حيث ان الرفع هناك ظاهري وهنا واقعي. وهذا لا يكاد يؤثر فرقا فيما نحن بصدده بوجه. فتحصل ان حديث الرفع غير جار في المقام وامثاله من ساير المستحبات من اصله ليتكلم في تحقيق المرفوع وانه الالزام أو اصل المشروعية ليتصدى لاقامة الدليل على اثباتها. بل اطلاقات الادلة من الاول شاملة للصبي من غير مزاحم، فتستحب له قراءة القرآن والزيارة وصلاة الليل وغيرها، ومنها الاعتكاف بنفس الاطلاقات من غير حاجة إلى التمسك بمثل قوله عليه السلام: مروا صبيانكم بالصلاة والصيام، وانما نحتاج إلى ذلك في الاحكام الالزامية فقط حسبما عرفت. (1): - لما تقدم عند التعرض لبعض فروع هذه المسألة من ان

[ 420 ]

[ أو الثاني لم يجب عليه الاتمام الا ان يكون من الاعتكاف الواجب وان كان بعد تمام اليومين وجب عليه الثالث وان كان بعد تمام الخمسة وجب السادس. (مسألة 29): إذا اذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع عن اذنه (1) ما لم يمض يومان وليس له ] العبد مملوك فلا يجوز له التصرف في ملك الغير بغير اذنه. وعليه فلو اعتكف بغير الاذن ثم اعتق في الاثناء لم يجب عليه الاتمام، إذ لا موجب لاتمام الفاسد وان نسب إلى الشيخ وجوبه لبعده جدا وعرائه عن اي دليل. واما إذا كان باذن المولى فاعتق جرى عليه ما مر من انه لو كان لك في اليوم الاول أو اثناء الثاني فهو مخير بين الاتمام وعدمه، كما إذا كان حرا من الاول، وإذا كان بعد اليومين وجب الثالث لاطلاق الدليل الدال عليه وكذلك الحال في وجوب ضم السادس لو اعتق في الخامس على كلام تقدم. (1): - تقدم في المسألة السابقة بيان وظيفة العبد، واما بالاضافة إلى المولى فهل له الرجوع عن الاذن بعد تلبس العبد بالاعتكاف المشروع؟ الصحيح هو التفصيل - كما في المتن - بين مضي اليومين وعدمه، ففي الثاني يجوز له الرجوع إذا لا موجب لسلب سلطنة المولى بعد جواز رفع اليد اختيارا، وعدم الملزم للاتمام، وفي الاول لا يجوز لوجوب المضي (1) ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.


(1) فيه ان وجوب المضي فرع جواز اللبث المنوط بالاذن حدوثا وبقاء والا فهو تصرف في ملك الغير الذي هو محرم ومصداق لمعصية الخالق أيضا. وقد اجاب دام ظله بان مقتضى ذلك جواز منعه عن الفرائض اليومية ايضا، ولكنه لا يخلو عن تأمل فلاحظ.

[ 421 ]

[ الرجوع بعدهما لوجوب اتمامه حينئذ وكذا لا يجوز له الرجوع إذا كان الاعتكاف واجبا بعد الشروع فيه من العبد (1). ] (1): - كما لو نذر العبد ان يتم الاعتكاف متى شرع، وكان النذر باذن المولى وقد شرع فيه العبد، فانه ليس له الرجوع حينئذ لكونه على خلاف حقه سبحانه، وقد عرفت انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولا يخفى ان الكبرى وان كانت تامة ولكن التطبيق على المثال المزبور لا يتم على المختار من ان الاعتبار في صحة النذر بكون متعلقه راجحا في ظرف العمل مع قطع النظر عن تعلق النذر به بحيث لا يكون الامر الناشئ من قبله مزاحما لواجب أو محرم، والا فينحل النذر حينئذ من اصله. وهذا من خصوصيات النذر وشبهه، فيعتبر في متعلقه الرجحان حينما يقع خارجا، فإذا لم يكن كذلك ولو لامر عارض مزاحم لم ينعقد. وعليه فلا مانع من منع المولى، لان منعه يجعله مرجوحا مع قطع النظر عن تعلق النذر، فيخرج عن موضوع وجوب الوفاء بقاءا لما عرفت من ان الامر الناشئ من قبل النذر يعتبر فيه ان لا يكون مزاحما لواجب آخر، ومنه وجوب اطاعة المولى، فكيف يرتفع به ذلك الوجوب حتى تسوغ مخالفته، وقريب منه المثال المعروف من انه لو نذر ان يزور الحسين عليه السلام كل ليلة عرفة فعرضته الاستطاعة انحل النذر حينئذ، لان تفويت الحج غير مشروع، ولا يكون النذر مشرعا وإنما يقتضى وجوب ما هو مشروع في نفسه، وحال رجوع المولى عن الاذن حال عروض الاستطاعة في انه يوجب انحلال النذر.

[ 422 ]

[ (مسألة 30): يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لاقامة الشهادة (1) أو لحضور الجماعة أو لتشييع الجنازة وان لم يتعين عليه هذه الامور وكذا في ساير الضرورات العرفية أو الشرعية الواجبة أو الراجحة سواء كانت متعلقة بامور الدنيا أو الآخرة مما ترجع مصلحته إلى نفسه أو غيره ولا يجوز الخروج اختيارا بدون امثال هذه المذكورات. (مسألة 31): لو اجنب في المسجد ولم يمكن الاغتسال فيه وجب عليه الخروج (2) ولو لم يخرج بطل اعتكافه لحرمة لبثه فيه. ] والاولى ان يمثل لهذه الكبرى اعني عدم جواز الرجوع فيما إذا كان الاعتكاف واجبا بعد الشروع بالاجارة المشروطة فلو استؤجر العبد باذن المولى للاعتكاف واشترط عليه الاتمام متى شرع فيه فانه ليس له الرجوع حينئذ عن الاذن لوجوب الاتمام بمقتضى عقد الايجار ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يناط هذا الوجوب بالرجحان في ظرف العمل كما كان كذلك في النذر كما هو ظاهر. (1): - تقدم الكلام حول هذه المسألة وقلنا انه لا دليل على جواز الخروج لمطلق الحاجة، بل يعتبر كونها مما لابد منها ولو عرفا للتقييد بذلك في بعض النصوص، كما انه لا دليل على جواز الخروج لمطلق الامر الراجح من حضور مجلس تعزية أو فاتحة ونحو ذلك. نعم دل الدليل على الجواز في موارد خاصة مثل تشييع الجنازة ونحوه مما تقدم فيقتصر عليها ولا يتعدى عنها. (2): - بل وجب وان امكن الاغتسال حال المكث الا ان لا يزيد

[ 423 ]

زمانه على زمان الخروج فيجوز للعفو عن البقاء هذا المقدار بحكم الاضطراب كما تقدم سابقا. بل قد يشكل الخروج حينئذ لعدم الضرورة المسوغة. وكيفما كان فمتى وجب عليه الخروج ولم يخرج فقد حكم في المتن ببطلان الاعتكاف لحرمة لبثه فيه. ولكنه لا يتم على اطلاقه فان هذا المكث وان حرم ولا يكون جزءا من الاعتكاف جزما، لان الحرام لا يكون مصداقا للواجب، إلا أن البطلان لابد وأن يستند إلى احد امرين: اما الاتيان بمانع أو ترك جزء أو شرط عمدا، وقد يكون لغير العمد ايضا، والا فالبطلان بلا سبب غير معقول. اما المانع فلم يتحقق ضرورة ان ارتكاب الحرام لا يوجب البطلان فلو اعتاب أو افترى أو كذب اثناء اعتكافه أو ارتكب محرما آخر ومنه المكث في المسجد جنبا لم يقدح ذلك في صحة الاعتكاف قطعا، وان كان آثما لعدم تقيد الاعتكاف بعدم هذه الامور وهذا واضح. واما ترك الجزء ففيه تفصيل: وتوضيحه ان الامر الوحداني المتعلق بالاعتكاف والمكث في المسجد ثلاثة ايام قد خصص من الاول بمقدار الحاجة إلى الخروج وهو زمان الاغتسال بمقدماته من تحصيل الماء أو تسخينه أو الذهاب إلى الحمام ونحو ذلك مما يتوقف عليه الغسل. فليفرض انه يستوعب من الزمان مقدار نصف ساعة، فهذا المقدار مستثنى من الثلاثة ولا جزئية له فلا يجب المكث فيه، بل يحرم. وعليه فلو فرضنا انه لا يفرق الحال بالنسبة إلى هذا المقدار بين الخروج وعدمه لمساواتهما في عدم ارتفاع الجنابة قبل ذلك، كما لو فرضنا انه معتكف في مسجد الكوفة ولابد من تحصيل الماء من الشط اما ان يذهب بنفسه أو يبعث من يجئ به، وعلى التقديرين يستوعب

[ 424 ]

[ (مسألة 32): إذا غصب مكانا من المسجد سبق إليه غيره بان ازاله وجلس فيه فالاقوى بطلان اعتكافه (1) وكذا إذا جلس على فراش مغصوب. ] من الوقت مقدار نصف الساعة، فلو اختار الجلوس في المسجد وانتظر مجئ من ارسله لتحصيل الماء فهو لم يترك جزءا من الاعتكاف، لان المفروض ان هذا المقدار من الزمان لا يجب المكث فيه، غاية الامر انه كان يجب عليه الانتظار خارج المسجد فخالف وارتكب الحرام، وقد عرفت ان ارتكابه لا يوجب البطلان. نعم لو فرضنا انه جلس في المسجد زائدا على المقدار المذكور، فيما انه فوت على نفسه الاعتكاف في المقدار الزائد من الزمان فقد ترك جزءا من اللبث الواجب اختيارا وذلك موجب للبطلان. فتحصل انه لابد من التفصيل بين ما إذا كان مكثه موجبا لترك جزء من الاعتكاف عامدا، كما لو مكث اكثر من المقدار اللازم كنصف الساعة في المثال فيبطل، وبين ما إذا لم يكن كذلك إذ لم يفرق الامر بين الخروج وعدمه في ان كلا منهما لا يزيد على نصف ساعة مثلا فلا موجب حينئذ للبطلان حسبما عرفت. (1): - يبتني ما ذكره (قده) على ان السابق في المسجد الشاغل للمكان ذو حق بالاضافة إليه بحيث لا يجوز التصرف فيه الا باذنه كما في الاملاك فانه وان لم يكن ملكا له الا انه متعلق لحق الاختصاص. فعلى هذا يكون التصرف والمكث بغير الاذن محرما فيبطل الاعتكاف، إذ لا يقع الحرام مصدقا للواجب، فهو مفوت لجزء من الاعتكاف باشغال المكان.

[ 425 ]

واما لو قلنا انه لا يستفاد من الادلة ثبوت الحق بهذا المعنى كي لا يجوز التصرف بغير الاذن وإنما الثابت عدم جواز مزاحمته لكونه احق واولى، فلا تجوز ازالته عن المكان ومنعه عن الاستفادة، واما بعد الازالة وارتكاب المعصية فالمكان باق على الاباحة للجميع من غير حاجة إلى الاذن، فلا يكون المكث محرما ولا الصلاة أو الاعتكاف باطلا، فهذا هو منشأ الكلام في بطلان الاعتكاف في المقام وعدمه. فنقول الروايات الواردة في المقام ثلاث: احداها ما رواه الكليني باسناده عن محمد بن اسماعيل عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (من سبق إلى موضع فهو احق به يومه وليله) (1). وهي ضعيفة سندا ودلالة: اما السند فلاجل ان محمد بن اسماعيل وان كان ثقة لان المعروف ممن يسمى بهذا الاسم مردد بين ابن بزيع وابن ميمون وكلاهما ثقة، فلا اشكال من هذه الناحية. ولكنها مرسلة وهي ليست بحجة وان كان مرسلها ثقة فان كثيرا من الثقات لهم مراسيل ولا يعتمد عليها قطعا لان مجرد كون الراوي ثقة لا يستوجب حجية مراسيله الا إذا علم المراد من الواسطة من الخارج، ولم يعلم في المقام وهذا ظاهر. واما الدلالة فلانها تضمنت الاحقية يومه وليله وهذا لم يلتزم به احد من الفقهاء، بل الاحقية تدور مدار مقدار اشغال المكان من ساعة أو ساعتين أو اقل أو اكثر. نعم لو كان المكان هو السوق، فبما ان الكاسب يشتغل غالبا طول النهار فهو ستوعب اليوم ولكنه ينتهى بدخول الليل. وعلى اي حال فلم يثبت حق الاختصاص في


(1) الوسائل باب 56 من احكام المساجد ح 1.

[ 426 ]

الليل جزما سواءا أكان هو المسجد ام السوق، ما لم يكن شاغلا للمكان، فالتقييد المزبور مما لا قائل به. الثانية ما رواه الكليني باسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو احق به إلى الليل... الخ) (1). وربما يستشكل في سندها بان طلحة بن زيد لم يوثق ولكن الظاهر وثاقته وان كان من العامة. وذلك لاجل ان الشيخ ذكر في كتاب الفهرست عند ترجمته ان له كتابا معتمدا. فان الظاهر انه لا ينبغي الشك بحسب الفهم العرفي في ان الاعتماد من جهة وثاقته لا لخصوصية في الكتاب، إذ لو لم يكن ثقة فكيف يعتمد على كتابه وإنما تعرض للكتاب لاجل ان الغالب الرواية عن ارباب الكتب فيذكرون الطرق إلى تلك الكتب فالتعبير المزبور بمثابة ان يقول انه وان كان من العامة إلا انه ثقة يؤخذ برواياته. هذا مضافا إلى وقوعه في اسناد كامل الزيارات وتفسير القمى فالسند تام ولا مجال للخدش فيه. وكذلك الدلالة، إذ التقييد بالليل لاجل ان موضوع الكلام هو السوق وقد شبهه بالمسجد في ان السبق يوجب الاحقية. وبما ان المتعارف الخارجي قيام السوق إلى الليل واشتغال الكاسب في تمام النهار فلاجله حدده إلى الليل. فليس هذا التقييد امرا زائدا على ما يقتضيه نفس التعارف الخارجي. فلا ينبغي ان يستشكل بان الفقهاء لم يحددوه بهذا الحد، بل حددوه بالحاجة، إذ الحاجة بالاضافة إلى السوق الذي هو موضوع الكلام يقتضي التقييد بالليل كما عرفت. فالرواية تدل على ان السابق له الحق، غير ان الحق في السوق إلى الليل وفي المسجد


(1) الوسائل باب 56 من احكام المساجد ح 2.

[ 427 ]

بمقدار الحاجة. فلا اشكال من هذه الجهة. الرواية الثالثة: - مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سوق المسلمين كمسجدهم) يعني إذا سبق إلى السوق كان له مثل المسجد (1). وهى من حيث الدلالة اظهر من الكل لعدم التقييد باليوم والليل. فاشكال التقييد مرتفع هنا. واما السند فاعتباره يتوقف على ما ذهب إليه الاكثر من ان مراسيل ابن أبي عمير كمسانيد غيره، واول من ادعى ذلك فيما نعلم هو الشيخ الطوسي في كتاب العدة حيث ذكر جماعة كصفوان، وابن أبي عمير البزنطي، وقال: انا علمنا انهم لا يروون ولا يرسلون الا عن ثقة. ولاجله سوى الاصحاب بين مراسيلهم ومسانيدهم. فان تم ذلك كانت الرواية معتبرة وكافية في اثبات المطلوب، ولكنه لم يتم ولم تثبت هذه الدعوى إذ لم ينسبها إلى احد، وإنما هي اجتهاد من الشيخ نفسه حيث يقول علمنا من حالهم هكذا، فهو استنباط منه (قده). وقد ذكرنا في المعجم ان الشيخ (قده) بنفسه لم يلتزم بذلك حيث روى في التهذيب رواية عن ابن أبي عمير ثم قال اول ما فيها انها مرسلة. ونحن بعد التتبع عثرنا على روايات لابن أبي عمير يروي عن جمع من الضعفاء، وهكذا صفوان والبزنطي، بل قد رووا عمن لا شك في ضعفه بتضعيف الشيخ والنجاشي. وعليه فهذه الرواية ساقطة لضعفها سندا، وان كان الاستدلال بها اولى دلالة كما عرفت. وقد عرفت ضعف الرواية الاولى ايضا. والعمدة في المقام رواية طلحة التي عرفت انها نقية السند ظاهرة الدلالة، فلا بأس بالاستدلال بها.


(1) الوسائل باب 17 من ابواب آداب التجارة ح 2.

[ 428 ]

انما الكلام في المراد بالاحقية فهل معناها ان هذا المكان يعامل معه معاملة الملك في انه لا يجوز التصرف فيه الا بالاذن، أو ان المراد عدم جواز المزاحمة والمنع عن الاستفادة وان السابق اولى وأحق بان يستفيد؟؟ لاريب ان المعنى الاول يحتاج إلى مؤونة زائدة وقرينة واضحة بعد ان كان المكان وقفا للجميع من غير خصوصية لاحد، فان التخصيص بواحد بلا مقتض ما لم يدل عليه دليل قاطع. وبالجملة القدر المتيقن مما يستفاد من الاحقية هو عدم جواز المزاحمة والازالة عن المكان. واما بعد الازالة وارتكاب المعصية فلا تعرض في الرواية لجهة تصرفه أو تصرف غيره فيه. فلو ازال احدا عن المكان ثم جلس فيه شخص ثالث افهل يحتمل بطلان تصرفه لكونه في حكم الملك للسابق يتوقف على اذنه؟ لا يقول بذلك احد قطعا، فانه لو تم فهو خاص بالمزاحم. وبالجملة فلا دليل على حرمة المكث، بل المكان باق على وقفيته الاصلية. ونظير هذا ما ذكرناه في باب اولوية الولي في الصلاة على الميت وقلنا ان ما ورد من ان أولى الناس بميراثه اولى الناس بالصلاة عليه ليس معناه انه لا يجوز لغير الولي ان يصلى على الميت، بل المراد عدم جواز مزاحمته في الصلاة وانه اولى بذلك، والا فالوجب الكفائي ثابت لجميع المكلفين. وكيفما كان فاستفادة ثبوت الحق للشاغل السابق بحيث يتوقف التصرف لغيره على الاذن أو رفع اليد مشكلة جدا، ولا اقل من الاجمال والقدر المتيقن عدم جواز المزاحمة حسبما عرفت. واولى من ذلك عدم بطلان الاعتكاف بالجلوس على الفراش المغصوب، فان الجلوس امر والمكث امر آخر وان كانا متلازمين خارجا، فان حرمة احدهما لا تسري إلى الاخر بوجه فيبقى المكث

[ 429 ]

[ بل الاحوط الاجتناب عن الجلوس على ارض المسجد المفروش بتراب مغصوب على وجه لا يمكن ازالته (1) وان توقف على الخروج خرج على الاحوط واما إذا كان لابسا لثوب مغصوب أو حاملا له فالظاهر عدم البطلان. الذي يتقوم به الاعتكاف على ماكان عليه من الاباحة. فحال الجلوس المزبور حال اللباس المغصوب الذي التزم هو (قده) فيه بعدم البطلان لعدم سراية حرمة اللبس إلى المكث المعتبر في الاعتكاف فانهما من واد واحد. فكما ان الفرش يحرم الجلوس عليه كذلك اللباس يحرم لبسه، وكل منهما مغاير مع المكث الذي يتقوم به الاعتكاف، فلا وجه لسراية الحرمة إليه، كما لعله ظاهر جدا. فلا وجه لما صنعه في المتن من التفرقة بينهما، بل كل من الجلوس واللبس حرام مستقل وكلاهما اجنبي عن المكث الاعتكافي وان تقارنا خارجا فلا تسرى الحرمة منهما إليه بوجه، بل كل يبقى على حكمه حسبما عرفت، (1): - اما إذا امكن الازالة فحكمه حكم الفراش المغصوب، وقد تقدم. واما إذا لم يمكن كما لو صب فيه من السمنت ونحو ذلك بحيث لا يقبل القلع ولا يمكن الرد إلى المالك فكان في حكم التالف في انه لا ينتفع به وان قلع ورفع فقد ذكرنا في بحث المكاسب ان ما يعد من التالف يخرج بذلك عن المالية والملكية بطبيعة الحال الا انه متعلق لحق المالك فلو تلفت دابة زيد أو كسر كوزه فقد سقطت عن المالية وارتفعت الملكية. غاية الامر ان هذه الاجزاء التالفة متعلق لحق المالك. ونتيجة ذلك انه لا يجوز لاحد مزاحمته في الاستفادة منها للصرف في المزرعة

[ 430 ]

[ (مسألة 33): إذا جلس على المغصوب ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو مضطرا لم يبطل اعتكافه (1) ] ونحوها، واما عدم جواز التصرف فيها بغير الاذن فكلا، لان ذلك من آثار الملكية المفروض انتفاؤها. وعلى ذلك بنينا حكم الشوارع المستحدثة الني تنشئها الحكومة من غير رضا ملاكها اما مع العوض أو بدونه فانه لا مانع من التصرف فيها من غير حاجة إلى الاذن لخروجها عن الملكية بعد كونها في حكم التالف. نعم لا تجوز مزاحمته لو اراد ان يستفيد منها كما عرفت. وعليه فلا مانع من الجلوس على ارض المسجد أو الحرم المفروش بآجر أو سمنت مغصوب ولا يغلق باب المسجد بذلك فلا يجب الخروج وان كان احوط كما ذكره في المتن، فان ذلك كله ليس الا تصرفا في متعلق حق الغير ولا دليل على حرمته، وانما الحرام التصرف في اموال الناس لا حقوقهم، وانما الثابت عدم جواز المزاحمة مع الملاك حسبما عرفت، ولا مزاحمة في امثال المقام كما هو ظاهر. (1): - لو بنينا على بطلان الاعتكاف بالجلوس على المغصوب كما بنى عليه الماتن (قده) فهل الحال كذلك لو وقع عن اكراه أو اضطرار أو نسيان أو جهل؟ ذكرنا في محله ان الاكراه والاضطرار وكذا النسيان - فيما إذا لم يكن الناسي هو الغاصب - يوجب رفع الحكم الواقعي ومقتضى ذلك التخصيص في ادلة الاحكام الاولية في صقع الواقع، فلو كان مضطرا في البقاء في المكان المغصوب أو مكرها جاز له ذلك وكان حلالا حتى واقعا، وما من شئ حرمه الله الا وقد احله عند الضرورة. فلا

[ 431 ]

مانع من الصلاة هناك، إذ المانع ليس هو عنوان الغصب، بل الحرمة المضادة للوجوب والمانعة عن صلاحية التقرب، ولا حرمة في المقام لا ظاهرا ولا واقعا حسب الفرض. كما انه يجوز التوضي بالماء المغصوب ايضا لو كان كذلك، كما لو اجبره جائر باتلاف ماء الغير بأي نحو كان فصرفه في الوضوء. وكذا الحال في ناسي الغصبية إذا لم يكن الناسي هو الغاصب، كما لو غصب المكان أو الماء شخص واطلع عليه غيره ثم نسي فصلى فيه أو توضأ به، فانه يصح ذلك الحديث رفع النسيان الذي هو رفع واقعي بخلاف مالو كان هو الغاصب فعرضه النسيان فانه لا اثر لنسيانه حينئذ لاستناده االى سوء الاختيار. وعلى الجملة ففي جميع هذه الموارد يحكم بالصحة لان المانع انما هي الحرمة الفعلية وان لم تكن منجزة، وان المبغوض لا يكون مقربا. وكل ذلك منتف حسب الفرض. واما مع الجهل فالمعروف والمشهور انه ملحق بالنسيان والاضطرار ولكن الامر ليس كذلك علي ما حققناه في الاصول، إذ الجهل لا يرتفع به الحكم الواقعي. فمن كان شاكا في غصبية الماء مثلا - وهو متمكن من الاحتياط - فغاية ما هناك ان يحكم عليه بالحلية الظاهرية استنادا إلى قاعدة اليد أو اصالة الاباحة، واما الواقع فهو باق على حاله وقابل للامتثال ولو بالاحتياط، فهو حكم فعلي ثابت في حقه يتمكن من امتثاله. ومعه كيف يمكن ان يكون هذا الحرام الواقعي مصداقا للواجب ومقربا من المولى بمثل صرفه في الوضوء ونحوه مع ما بينهما من التضاد. فهذا داخل في الحقيقة في باب النهي عن العبادة، لا في باب اجتماع الامر والنهي كما اختاره في الكفاية وعليه المشهور، بل ادعى الاجماع

[ 432 ]

- كما في مفتاح الكرامة - على صحة الوضوء بالماء المغصوب جهلا ولكنها بمراحل عن الواقع إذ لا موقع لدعوى الاجماع التعبدي في مثل هذه المسألة المبنية عندهم على القواعد وقد عرفت ان مقتضاها البطلان لعدم الاندراج في باب اجتماع الامر والنهي بل هي من موارد النهي عن العبادة لكون الفعل بنفسه مصداقا للحرام الواقعي. فليس المانع من الصحة عدم قصد القربة كما توهمه في الكفاية حتى يقال بامكانه مع الجهل ولا الحرمة المنجزة كي يقال بارتفاعها في ظرف الجهل، بل المانع هو الحرمة الفعلية الواقعية وان لم تكن منجزة إذ لا اثر للعلم فيما هو ملاك المانعية من امتناع كون الحرام مصداقا للواجب، وانما تختص المانعية بالحرمة المنجزة في باب التزاحم. فمع الجهل يصح سواء أقلنا بالترتب ام لا، لان المزاحمة لا تكون الا مع العلم، وبدونه لا مزاحمة، فلا يزاحم الواقع بوجوده مطلقا، بل بوجوده المنجز. واما في باب التعارض كما في المقام فالفعل بنفسه حرام واقعا، ومعه كيف يقع مصداقا للواجب سواء أعلم به المكلف ام لا. ولا فرق في ذلك بين الواجب التعبدي والتوصلي لوحدة المناط. فلو انفق على الزوجة بمال مغصوب وهو لا يعلم لا يكفي، لامتناع كون الاطعام الحرام مصداقا للانفاق الواجب فيبقى مشغول الذمة لا محالة. وملخص كلامنا انه كلما كان شئ مصداقا للحرام الواقعي وكانت الحرمة فعلية وان لم تكن منجزة وكان الاحتياط ممكنا فهذا لا يعقل ان يكون مصداقا للواجب لما بينهما من التضاد في صقع الواقع، علم به المكلف أم لم يعلم فلا يكاد يمكن اجتماعهما في مورد واحد. ومعه لا مناص من الحكم بالبطلان

[ 433 ]

[ (مسألة 34) إذا وجب عليه الخروج لاداء دين واجب الاداء عليه أو لاتيان واجب آخر متوقف على الخروج ولم يخرج اثم ولكن لا يبطل اعتكافه على الاقوى (1) ] فبناءا على ما ذكره (قده) من بطلان الاعتكاف مع الجلوس على المغصوب لا يفرق فيه بين صورتي العلم والجهل. نعم لا يبطل مع النسيان أو الاضطرار أو الاكراه وكلما يكون رافعا للتكليف الواقعي حسبما عرفت. (1): - فان مثل هذا المكث الملازم لترك الواجب لا يضر لاعتكافه، إذ لا مانع من الامر به على نحو الترتب بأن يؤمر اولا بمزاحمة الاهم وهو الخروج، وعلي تقدير الترك يؤمر بالمكث بنية الاعتكاف وجوبا أو استحبابا بناءا على ما هو الصحيح من امكان الترتب. ولا فرق في ذلك بين القول بان الامر بالشئ يقتضى النهي عن ضده الخاص ام لا، إذ على القول بالاقتضاء يكون النهي تبعيا من باب ان ترك احد الضدين مقدمة للضد الآخر فيكون فعله منهيا عنه، ومن الواضح عدم المنافاة بين النهي التبعي وبين الامر، به على تقدير ترك ذي المقدمة، فيجرى الترتب في المقام حتى على القول بالاقتضاء فضلا عن القول بالعدم كما هو الصحيح. على انه يمكن تصحيح الاعتكاف حتى على القول بانكار الترتب والاكتفاء في البطلان بالنهي، بل بمجرد عدم الامر باعتبار انه عبادة يعتبر في صحته الامر ولا يمكن الامر بالضدين معا ولو مترتبا. والوجه في ذلك انه لاشك في الصحة على تقدير الخروج. فهذا المقدار من المكث خارج عن الاعتكاف ومستثني منه بمقتضى الامر

[ 434 ]

[ (مسألة 35) إذا خرج عن المسجد لضرورة فالاحوط مراعاة اقرب الطرق (1) ويجب عدم المكث الا بمقدار الحاجة والضرورة، ] المتعلق بالخروج، فطبعا تبقى بقية الاجزاء تحت الامر، وليس في البين عدا احتمال ان يكون الخروج دخيلا في صحة الاعتكاف، ولكنه احتمال بعيد، بل لعله مقطوع العدم، إذ لا شك في عدم كونه شرطا للاعتكاف ولا جزءا منه. فإذا صح الاعتكاف على تقدير الخروج صح على تقدير عدمه ايضا وان كان عاصيا. وبعبارة اخرى بعد ان لم يكن عدم المكث بمقدار الخروج قادحا - بشهادة الصحة لو خرج - فيبقى احتمال كون الخروج شرطا في الصحة وهو ساقط جزما كما عرفت، غايته انه ترك واجبات أو ارتكب محرما، ولا يضر ذلك بالصحة بالضرورة فلو بقى حتى انتفى موضوع الخروج من انقاذ غريق أو اطفاء حريق مثلا لم يكن اي موجب للبطلان. بل لا موجب حتى إذا كان المكث حراما بنفسه كما لو اجنب في المسجد ووجب الخروج للغسل فعصى ولم يخرج ولم يكن ذلك موجبا لتفويت مقدار من المكث الواجب على تفصيل تقدم سابقا، فان غايته ترك الواجب أو ارتكاب الحرام دون البطلان حسبما عرفت. (1): - بل هو الاقوى كما عليه المشهور ظاهرا، وعن الجواهر ونجاة العباد انه عبر ب‍ (ينبغي) الظاهر في عدم الوجوب ولا وجه له، إذ ليس معنى الخروج الذي سوغته الضرورة مجرد وضع القدم خارج المسجد ليتمسك باطلاقه، بل معناه الكون في الخارج وانما عبر بالخروج لعدم تحققه الا به.

[ 435 ]

[ ويجب ايضا ان لا يجلس تحت الظلال مع الامكان (1) بل الاحوط ان لا يمشي تحته ايضا، ] وعليه فإذا كان احد الطريقين يستوعب من الكون المزبور بمقدار عشر دقائق، والآخر ثلاثين دقيقة فطبعا يكون مقدار عشرين دقيقة خارج المسجد من غير حاجة تقتضيه، فلا يجوز لاختصاص الجواز بالخروج بمقدار الحاجة التي تتأدى بعشر دقائق حسب الفرض والزائد عليها ليس الا باشتهاء نفسه للتنزه ونحوه. وعلى الجملة فلا يجوز اختيار أبعد الطريقين فيما إذا كان التفاوت فاحشا. نعم في التفاوت اليسير الذي لا يلتفت إليه العرف كمتر مثلا بحيث يكون الاختلاف بمقدار الثواني لا بأس باختيار الابعد كما هو ظاهر. ومما ذكرناه تعرف عدم جواز المكث خارج المسجد ازيد من مقدار الحاجة، فلابد من الرجوع بعد قضائها لان هذا هو مقتضى تخصيص الخروج بمقدار الحاجة. وقد صرح في بعض النصوص بقوله: حتى يرجع إلى مجلسه. ثم ان الخروج للحاجة الذي دلت النصوص على جوازه منزل على المتعارف بعد عدم التعرض لكيفية خاصة، فلا يعتبر الاستعجال في المشي كالركض، كما لا يجوز الاهمال والتواني، (1): - للنهي عنه صريحا في صحيحة داود بن سرحان: (.. ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود مجلسك) (1). واما التقييد بالامكان فلاجل قصور المقتضى عن ازيد من ذلك، إذ المذكور في صدر الصحيحة: (وماذا افرض على نفسي) ومن البديهي ان لانسان لا يفرض على نفسه الا الامر الاختياري الذي هو


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 3.

[ 436 ]

[ بل الاحوط عدم الجلوس مطلقا (1) الا مع الضرورة. ] تحت قدرته وامكانه، فغير الممكن غير داخل في الفرض من اول الامر. ثم ان صاحب الوسائل عنون الباب الثامن بقوله: (باب ان المعتكف إذا خرج لحاجة لم يجز له الجلوس ولا المشي تحت الظلال.. الخ). ثم قال: وتقدم ما يدل على عدم جواز الجلوس والمرور ولم يذكر في هذا الباب ولا فيما تقدم عليه ما يدل على المنع عن المشي وانما تقدم المنع عن الجلوس فقط كصحيحة ابن سرحان المتقدمة آنفا. وأما المشي تحت الظلال فلم نجد رواية تدل على المنع عنه للمعتكف، وانما ورد ذلك في خصوص باب الاحرام، ولا ندري من اية رواية استفاد الحكم في المقام وهو اعرف بما قال. فالظاهر ان المشي المزبور لا بأس به وان كان تركه احوط. (1): - منشأ الاحتياط وجود روايتين يمكن ان يقال انهما تدلان على عدم جواز الجلوس مطلقا. احداهما صحيحة داود بن سرحان في حديث قال: (ولا ينبغي للمعتكف ان يخرج من المسجد الجامع الا لحاجة لابد منها ثم لا يجلس حتى يرجع.. الخ) (1). الثانية صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا ينبغي للمعتكف ان يخرج من المسجد الا لحاجة لابد منها ثم لا يجلس حتى يرجع.. الخ) (2) حيث تضمنتا المنع عن الجلوس مطلقا. ولكن العطف بكلمة ثم في قوله: (ثم لا يجلس) يستوجب ظهور الكلام في ارادة المنع بعد قضاء الحاجة وانه لا يجوز التأخير


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 1. (2) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 2.

[ 437 ]

[ (مسألة 36) لو خرج لضرورة وطال خروجه بحيث ] زائدا على مقدار الاحتياج، فلا تدل على المنع مطلقا، أي حتى قبل القضاء. وعليه فتكون اجنبية عن محل الكلام كما لا يخفى. نعم في ذيل صحيحة الحلبي هكذا: " ولا يخرج في شئ الا لجنازة أو يعود مريضا، ولا يجلس حتى يرجع.... الخ من غير ان يذكر هنا كلمة (ثم). وظاهر هذه الفقرة هو المنع مطلقا قبل القضاء وبعدها تحت الظلال وغيرها وحملها على الجلوس بعد العيادة أو الجنازة بلا موجب. ولكن لابد من رفع اليد عن هذا الاطلاق: اما لاجل انه خلاف المتعارف جدا فان التشييع بلا جلوس وان امكن ولكن العيادة بدونه غير ممكنة عادة للافتقار إلى المكث عند المريض والاستفسار عن صحته وانتظار يقظته لو كان نائما ونحو ذلك مما يستلزم الجلوس بطبيعة الحال. فلا مناص من حمل النهي على ارادة الجلوس بعد قضاء الحاجة فيخرج عن محل الكلام كما عرفت. واما لاجل التقييد بالظلال في صحيحة ابن سرحان المتقدمة، فان القيد وان لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح الا انه يدل على عدم تعلق الحكم بالطبيعي على اطلاقه، والا فكان القيد لغوا وبلا فائدة كما نبهنا عليه في الاصول فلو كان الجلوس مطلقا - في المقام - ممنوعا فما هو وجه الخصوصية في التقييد بالظلال، فلا جرم يحمل المطلق على المقيد لا لقانون الحمل عليه لعدم جريانه في النواهي كما لا يخفى، بل لاجل المفهوم بالمعنى الذي عرفت. إذا لا دليل على ممنوعية الجلوس على سبيل الاطلاق، بل المتيقن هو الجلوس تحت الظلال حسبما عرفت.

[ 438 ]

[ انمحت صورة الاعتكاف بطل (1). (مسألة 37): لا فرق في اللبث في المسجد بين انواع الكون (2) من القيام والجلوس والنوم والمشي ونحو ذلك فاللازم الكون فيه باي نحو ماكان. (مسألة 38): إذا طلقت المرأة المعتكفة في اثناء اعتكافها طلاقا رجعيا (3) وجب عليها الخروج إلى منزلها للاعتداد وبطل اعتكافها ويجب استينافه ان كان واجبا موسعا بعد الخروج من العدة واما إذا كان واجبا معينا فلا يبعد التخيير بين اتمامه ثم الخروج وابطاله والخروج فورا لتزاحم الواجبين ولا اهمية معلومة في البين واما إذا طلقت بائنا فلا اشكال لعدم وجوب كونها في منزلها في ايام العدة. ] (1): - كما ظهر وجهه مما مر، فان الصورة قوام العمل ومن اهم الشرائط، وبانتفائها ينتفي المشروط. (2): - لاطلاق الادلة بعد ان كان الواجب مجرد اللبث والمكث. (3): - اما إذا كان الطلاق بائنا أو مات عنها زوجها فلا اشكال فانها حينئذ كساير النساء اجنبية عن الزوج لها ما لهن وعليها ما عليهن. واما إذا كان رجعيا فيجب عليها الاعتداد في بيتها، ولا يجوز لها الخروج، كما لا يجوز له اخراجها ما لم تأت بفاحشة مبينة كتابا وسنة. ومن هنا قد يشكل الامر في المقام نظرا إلى ان مقتضى كونها مطلقة وجوب الرجوع إلى البيت للعدة، كما ان مقتضى كونها معتكفة عدم الخروج من المسجد.

[ 439 ]

والذي ينبغي ان يقال انه لا اشكال في وجوب الرجوع فيما إذا كان الاعتكاف استحبابيا مع عدم اذن الزوج بالبقاء، أو كان واجبا موسعا كما لو وقع الطلاق في اليومين الاولين مع عدم الاذن ايضا لعدم المزاحمة حينئذ كما هو ظاهر فيبطل الاعتكاف. كما لا ينبغي الاشكال - وان لم يتعرض له الاكثر - في ان الاعتكاف إذا كان مع الاذن حدوثا وبقاءا يجوز الاستمرار فيه وان كان مستحبا فضلا عن الواجب، وذلك لاجل بعض الاخبار السليمة عن المعارض الناطقة باختصاص النهي عن الخروج من البيت بما إذا كان بغير اذن الزوج. واما مع الاذن فيجوز لها الخروج، إذا فإذا فرضنا اذن الزوج بالبقاء في المسجد وكونها خارج البيت فلا مانع حينئذ من صحة اعتكافها. ويؤيده مادل من الاخبار على جواز حج الرجعية مع الاذن حتى الحج الاستحبابي. فالخروج مطلقا مع الاذن منصوص وكذلك الخروج لخصوص الحج وحال الاعتكاف حال الحج في انه مع رضاء الزوج لا ينبغي ان يستشكل في جوازه لاطلاق الاخبار وعدم المعارض كما عرفت. إنما الكلام في صورة واحدة وهي مالو كان الاعتكاف واجبا معينا كما في اليوم الثالث، أو كان واجبا بسبب آخر كالاجارة ونحوها وقد منع عنه الزوج فانه يجب الرجوع إلى البيت للاعتداد بمقتضى تلك الاخبار. كما انه يجب البقاء في المسجد للاعتكاف بمقتضى اطلاق دليله فيقع الاشكال في تقديم احد الدليلين بعد وضوح امتناع الجمع بين الامرين. والسيد الماتن (قده) ادرج المقام في الواجبين المتزاحمين من غير اهمية معلومة في البين ومن ثم حكم بالتخيير. وهذا منه (قده) مبني على ما يظهر من غير واحد بل لعله

[ 440 ]

المشهور من ان الاعتداد في البيت وعدم الخروج بغير الاذن من احكام العدة. واما لو انكرنا ذلك وبنينا على ان هذا من احكام الزوجية لا من احكام العدة، نظرا إلى ان المعتدة رجعية زوجة حقيقة لا انها بحكمها وان حال هذا الطلاق حال البيع في الصرف والسلم. فكما ان الانشاء من الآن ولكن امضاء الشارع منوط بالقبض وبه يتم البيع، فكذلك الطلاق ينشأ من الآن ولكن الفراق والبينونة لا تحصل الا بعد انقضاء العدة، وقبله ليس الا مجرد انشاء محض مع بقاء جميع آثار الزوجية من جواز النظر والكشف والتزيين والتمكين حتى ان الزوج لو قاربها معتقدا ان هذا زنا محرم لم يقع زنا بل يتحقق به الرجوع كما استفدنا ذلك من الرواية المعتبرة الناطقة بانه (إذا انقضت العدة فقد بانت). فحرمة الخروج من البيت بغير الاذن الثابتة للزوجة ثابتة للمعتمدة ايضا بمناط واحد وهو وجوب اطاعة الزوج من غير ان يثبت للمعتمدة بما هي كذلك حكم خاص. فعلى هذا المبنى - وهو الصواب - لا مزاحمة في البين لينتهي الامر إلى التخيير، إذ ليس للزوج المنع عن الاعتكاف الواجب، ولا عن غيره من ساير الواجبات لما ثبت من انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي بعض الاخبار ان المعتدة تخرج للحج ولشهادة الحق من غير توقف على الاذن. وعليه فالمتعين في المقام هو الاتمام ثم الخروج. نعم على المبنى الآخر الذي عليه الاكثر - كما مر - من ان الحكم المزبور من احكام العدة تعبدا صرفا من غير ان يكون بمناط اطاعة الزوج لانكار الزوجية الحقيقية عن المطلقة الرجعية وانما هي بحكمها في بعض الآثار فتستقر المزاحمة حينئذ. ومعه لا مناص من التخيير كما افيد.

[ 441 ]

[ (مسألة 39): قد عرفت ان الاعتكاف اما واجب معين (1) أو واجب موسع واما مندوب فالاول يجب بمجرد الشروع بل قبله ولا يجوز الرجوع عنه واما الاخيران فالاقوى فيهما جواز الرجوع قبل اكمال اليومين واما بعده فيجب اليوم الثالث لكن الاحوط فيهما ايضا وجوب الاتمام ] وملخص الكلام انا تارة نلتزم بان الاعتداد حكم خاص شرعي ثابت لذات العدة تعبدا من غير ان تكون الرجعية زوجة حقيقة، واخرى نبني على انكار التعبد الخاص وان ذلك من اجل انها حقيقة مصداق للزوجة لا انها بحكمها كما هو المعروف، وان انشاء الطلاق ما لم تنقض العدة لا اثر له ولا بينونة قبله. ولاجله لم يكن معنى الرجوع ارجاع الزوجية بعد زوالها كما هو كذلك في مثل الفسخ، بل هو رجوع عما انشأ وابطال لما انشأه والا فالزوجية بنفسها باقية حقيقة وليست بزائلة لتحتاج إلى الارجاع. فعلى الاول تقع المزاحمة بين الحكمين بعد عدم نهوض ما يقتضى جواز خروج الرجعية عن البيت بغير الاذن الا لواجب اهم، لا لمطلق الواجب ولم تثبت اهمية الاعتكاف، واحتمال الاهمية ثابت من الجانبين ولا يمكن صرف القدرة الا في احد الامتثالين، فلا جرم تنتهي النوبة إلى التخيير بحكومة العقل. واما على الثاني فالمتعين اتمام الاعتكاف وليس للزوج المنع عنه، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وهذا هو الصحيح كما عرفت. فما ذكره في المتن مبني على الوجه الاول دون الثاني. (1): - الاعتكاف اما واجب أو مندوب، والواجب اما موسع

[ 442 ]

[ بالشروع خصوصا الاول منهما. (مسألة 40): يجوز له ان يشترط حين النية الرجوع متى شاء (1) حتى في اليوم الثالث سواء علق الرجوع على عروض عارض اولا بل يشترط الرجوع متى شاء حتى بلا سبب عارض، ] أو مضيق. اما المضيق فيتعين من الاول. واما الموسع والمندوب فيجوز رفع اليد عنه في اليومين الاولين، ولا يجوز في اليوم الثالث، ولا مانع من ان يكون العمل مستحبا ابتداءا، وواجبا بقاءا كما في الحج والعمرة لقوله تعالى: (واتموا الحج والعمرة لله). بل قيل ولو ضعيفا ان الصلاة المستحبة ايضا كذلك. والحاصل انه لا مانع من استحباب الابتداء ووجوب الاتمام. وقد تقدم شطر من الكلام حول هذه المسألة في المسألة الخامسة فلاحظ. (1): - هذا الحكم في الجملة مما لا اشكال فيه ولا خلاف، وقد دلت عليه الروايات المتظافرة. وانما الاشكال في مقامين: احدهما هل يختص الحكم باليومين الاولين أو انه يعم الثالث ايضا فله أن يفسخ فيه؟ فيه كلام. فقد نسب إلى الشيخ في المبسوط منعه فيه نظرا إلى وجوبه حينئذ وعدم جواز رفع إليه عنه، ومثله لا يقع موردا للشرط. ولكنه كما ترى فان عمدة المستند في وجوب اليوم الثالث انما هي صحيحة محمد بن مسلم (1) وهي في نفسها مقيدة بعدم الاشتراط قال


(1) الوسائل باب 4 من ابواب الاعتكاف ح 1.

[ 443 ]

عليه السلام: (وان اقام يومين ولم يكن اشترط فليس له ان يفسخ... الخ). واما اليومان الاولان فله الفسخ بدون الشرط الا ان يكون قد اشترط الاستمرار كما اشير إليه في هذه الصحيحة، ومنه تعرف ان فائدة الشرط لا تظهر الا في اليوم الثالث. نعم لا يبعد ظهورها فيما لو شرع في الاعتكاف مترددا في الاتمام حيث لا يسوغ له ذلك فيه ولا في غيره من العبادات الا بعنوان الرجاء كما لا يجوز الايتمام مع التردد في الاتمام وان ساغ له الانفراد لو بدا له واما في المقام فيجوز مع الشرط حتى عن نية جزمية. وكفيما كان فما ذكره الشيخ من التخصيص بالاولين والمنع عن الثالث لم يعلم وجهه ابدا. ثانيهما هل يختص اشتراط الرجوع بصورة وجود العذر أو له ان يشترط الرجوع متى شاء حتى بلا سبب عارض؟ نسب الاول إلى جماعة ولكنه ايضا لا وجه له. بل الظاهر جواز الاشتراط مطلقا كما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث ان مفهومها جواز الرجوع مع الشرط، وهو مطلق من حيث العذر وعدمه. نعم استدل للاختصاص بالعذر بروايتن: احداهما صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (وينبغي للمعتكف إذا اعتكف ان يشترط كما يشترط الذي يحرم) (1). ومعلوم ان المحرم يشترط الاحلال مع العذر وانه يتحلل عندما حبسه الله. الثانية موثقة عمر بن يزيد - وقد تقدم غير مرة صحة طريق الشيخ إلى ابن فضال - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (واشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط في احرامك ان يحلك من اعتكافك عند


(1) الوسائل باب 9 من ابواب الاعتكاف ح 1.

[ 444 ]

[ ولا يجوز له اشتراط جواز المنافيات كالجماع ونحوه مع بقاء الاعتكاف على حاله (1) ويعتبر ان يكون الشرط المذكور حال النية (2) فلا اعتبار بالشرط قبلها أو بعد الشروع فيه وان كان قبل الدخول في اليوم الثالث، ] عارض ان عرض لك من علة تنزل بك من امر الله تعالى) (1). وهي اوضح دلالة من الاولى في الاختصاص بالعذر. ولكن شيئا منهما لا يستوجب تقييدا في اطلاق صحيحة ابن مسلم المتقدمة، إذ هما في مقام الامر الاستحبابي بهذا الشرط وانه يستحب ان يشترط هكذا كما يقتضيه التعبير ب‍ (ينبغي) في الاولى والامر بالشرط في الثانية فليكن المستحب كذلك. واما الصحيحة فهي في مقام بيان الجواز وعدمه وانه في اليوم الثالث ان لم يشترط لم يجز الخروج وإلا جاز ولا تنافي بين الحكمين ابدا لعدم ورودهما في موضع واحد. فغايته أن يكون موضوع الحكم الاستحبابي هو العذر، فلو تركه ترك امرا مستحبا، واما اصل الجواز الذي تنظر إليه الصحيحة فهو مطلق من حيث العذر وعدمه. (1): - لعدم الدليل على نفوذ مثل هذا الشرط بعد ان كان مقتضى الاطلاعات حرمة المنافيات شرط أو لم يشترط، والمتيقن من النفوذ هو اشتراط الفسخ فيرفع اليد عن المطلقات بهذا المقدار كما مر ويرجع في شرط جواز المنافي إلى اصالة عدم النفوذ. (2): - كما هو الحال في الاشتراط في باب الاحرام فان وقته وقت النية على ما نطقت به النصوص. ومن المعلوم اتحاد المقامين في


(1) الوسائل باب 9 من ابواب الاعتكاف ح 2.

[ 445 ]

[ ولو شرط حين النية ثم بعد ذلك اسقط حكم شرطه فالظاهر عدم سقوطه (1) وان كان الاحوط ترتيب آثار السقوط من الاتمام بعد اكمال اليومين. ] كيفية الاشتراط كما دلت عليه الروايات ايضا. مضافا إلى ان هذا هو مقتضى مفهوم نفس الشرط، فانه على ما ذكرناه في بحث الشروط من المكاسب بمعنى الارتباط، ومنه شريط المساحة وقد قال في القاموس: انه إلزام الشئ والتزامه في البيع ونحوه ومن هنا ذكرنا في محله ان الوجه في عدم وجوب الوفاء بالشروط الابتدائية ليس مجرد الاجماع وان كان محققا، بل هو عدم اطلاق لفظ الشرط عليه لعدم كونه مرتبطا بعقد أو ايقاع فلا يسمى شرطا ليشمله عموم (المؤمنون عند شروطهم) وانما هو وعد محض يستحب للمؤمن ان يفي به، فانه كدين في عهدته كما في بعض النصوص. وعليه ففي المقام لو اتى بالاشتراط اثناء النية فقد حصل الارتباط الملحوظ فيما بينه وبين الله. واما لو كان قبل الشروع أو بعده فهو شرط ابتدائي فلا دليل على اعتباره لا ختصاص الامضاء الشرعي بالقسم الاول فقط حسبما عرفت. (1): - هل الشرط في المقام من قبيل الحقوق القابلة للاسقاط كما في باب العقود والايقاعات اولا؟ فيه قولان اختار الماتن عدم السقوط، وان كان الاتمام مع الاسقاط هو مقتضى الاحتياط الذي هو حسن على كل حال. وما ذكره (قده) هو الصحيح. والوجه فيه ما تعرضنا له في مبحث الشروط من ان حقيقة الشرط

[ 446 ]

في مثل قولنا: بعتك على أن تخيط أو على ان يكون العبد كاتبا، ليس بمعنى تعليق العقد عليه بحيث انه لم ينشأ البيع لولا الخياطة أو الكتابة والا كان العقد باطلا من اصله لقيام الاجماع على بطلان التعليق في باب العقود والايقاعات. كما انه ليس ايضا بمعنى مجرد التزام مستقل مقارنا مع الالتزام البيعي اجنبيا عنه من غير ربط بينهما فان هذا وعد محض وليس من الشرط في شئ كما مر آنفا. فما هو المعروف من ان الشرط التزام في التزام لا نعقله. بل الصحيح في معنى الشرط تعليق الالتزام بالعقد بحصول الشرط من دون تعليق في نفس العقد بوجه. فينشئ البيع مثلا على كل حال ولكن الالتزام به بقاءا منوط بحصول الشرط، فالتعليق في اللزوم لا في نفس البيع ومرجعه لدى التحليل إلى جعل الخيار وانه يلتزم بالبيع على تقدير الخياطة، والا فله خيار الفسخ. فحقيقة الشرط في هذه الموارد على ما يساعده الارتكاز العقلائي ترجع إلى عدم التزام الشارط بالعقد إلا على تقدير خاص، فان التعليق في نفس العقد وإن كان باطلا كما عرفت الا انه في الالتزام الراجع إلى جعل الخيار لا بأس به، فلو تخلف الشرط صح العقد وثبت اختيار الفسخ. ولكن هذا يتجه في خصوص العقود القابلة للفسخ. واما ما لا يقبله كالطلاق والنكاح ونحوهما مما كان الخيار فيه على خلاف المرتكز العرفي فضلا عن الشرعي فليس معنى الشرط فيه التعليق في الالتزام، بل معناه التعليق في نفس العقد أو الايقاع، فيعلق المنشأ فيهما على التزام الآخر بالشرط. ولا بأس بمثل هذا التعليق الذي هو تعليق على امر حاصل، وانما لا يجوز فيما إذا كان على امر

[ 447 ]

مستقبل اما مشكوك أو معلوم الحصول. واما التعليق على الامر الحالي المعلوم الحصول كأن يقول: بعتك الدار على ان يكون فلان ابن زيد وهو كذلك فلا مانع منه، وفي المقام ايضا علق المنشأ على نفس الالتزام من الطرف الآخر وقد التزم حسب الفرض، والا فيبطل من اجل عدم المطابقة، فكان الشرط حاصلا والعقد صحيحا ونتيجته مجرد الحكم التكليفي، اعني وجوب الوفاء بالشرط بمقتضى عموم المؤمنون عند شروطهم. وعلى الجملة فالشرط المعقول مرجعه إلى احد هذين الامرين، اما تعليق الالتزام الراجع إلى جعل الخيار، أو تعليق المنشأ الراجع إلى الالزام بالوفاء، وبينهما عموم من وجه، فقد يفترق الاول كما في الشرط في ضمن الطلاق أو النكاح حسبما عرفت آنفا، وقد يفترق الثاني كما في بيع العبد على ان يكون كاتبا فانه لا يقبل الالزام بالوفاء لخروجه عن الاختيار. فمرجعه إلى جعل الخيار فقط، وقد يجتمعان كما في البيع بشرط الخياطة فانه يتضمن الالزام بالوفاء، والخيار مع التخلف. وعلى كلا التقديرين اي سواء رجع إلى جعل الخيار أم إلى ان الشارط يملك الالزام على المشروط له، فهو شئ قابل للاسقاط بمقتضى السيرة العقلائية، مضافا إلى النصوص الواردة في الموارد المتفرقة. ولكنه يختص بما إذا كان الشرط على النحو المعهود المألوف. اعني الشرط مع اشخاص آخرين في ضمن عقد أو ايقاع حسبما مر. واما الشرط مع الله سبحانه في ضمن عبادة وهي الاعتكاف في محل كلامنا فلم يدل اي دليل على جواز اسقاطه، فان الذي شرع له من الاول إنما هو هذا الاعتكاف الخاص. اعني ما فيه اختيار الفسخ والرجوع، فارجاع هذا إلى اللزوم وقلبه إليه ثانيا يحتاج إلى الدليل

[ 448 ]

[ (مسألة 41): كما يجوز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين عقد نيته كذلك يجوز اشتراطه في نذره (1) كأن يقول لله علي ان اعتكف بشرط ان يكون لي الرجوع عند عروض كذا أو مطلقا وحينئذ فيجوز له الرجوع وان لم يشترط حين الشروع في الاعتكاف فيكفي الاشتراط حال النذر في جواز الرجوع لكن الاحوط ذكر الشرط حال الشروع ايضا ولا فرق في كون النذر اعتكاف ايام معينة أو غير معينة متتابعة أو غير متتابعة فيجوز الرجوع في الجيمع مع الشرط المذكور في النذر ولا يجب القضاء بعد الرجوع مع التعين ولا الاستيناف مع الاطلاق. ] بعد كونه مخالفا لاطلاق الصحيحة التي دلت على انه مع الشرط يجوز له الفسخ اسقط ام لا. وبعبارة اخرى باب الشرط هنا يغاير الشرط في باب العقود، فان معناه في الاعتكاف تحديد الالتزام من الاول باعتكاف خاص، وهو الذي يجوز له الفسخ، فاسقاطه يحتاج إلى الدليل ولا دليل. بخلاف العقود فانه يرجع اما إلى جعل الخيار أو الزام المشروط عليه وكل منهما قابل للاسقاط. وهذا هو الفارق بين البابين فلاحظ. (1): - قد يفرض رجوع الشرط إلى النذر نفسه مع كون المنذور هو الاعتكاف المطلق فيشترط في ضمن النذر ان يكون له الرجوع في ذلك الاعتكاف، وقد يفرض رجوعه إلى الاعتكاف نفسه، بان يكون المنذور الاعتكاف الخاص وهو المشروط بجواز الرجوع فيه في مقابل المطلق.

[ 449 ]

لا ينبغي التأمل في ان الاول ليس محلا للكلام، ولا هو مراد للماتن، إذ لا خصوصية لنذر الاعتكاف حينئذ بل حكمه حكم نذر التصدق، أو صلاة الليل أو اي شئ آخر، إذا شرط في ذلك النذر أن يكون له الرجوع فيما يأتي به من المنذور وهذا الشرط باطل في الجميع، لكونه شرطا لامر غير سايغ لعدم جواز الرجوع في الاعتكاف المطلق مثلا الذي هو المنذور حسب الفرض، ولا نفوذ للشرط الا فيما إذا كان متعلقه سائغا في حد نفسه، وإلا فليس الشرط مشرعا ومحللا للحرام، بل يفسد بهذا الشرط الباطل النذر ايضا كما لا يخفى. فهذا الفرض غير مراد للماتن جزما. بل مراده (قده) الفرض الثاني اعني رجوع الشرط إلى الاعتكاف بان يكون المنذور الاعتكاف الخاص وهو الذي يكون له فيه حق الرجوع اي الاعتكاف المشروط دون المطلق، فحينئذ يصح ما ذكره (قده) من نفوذ الشرط لرجوعه في الحقيقة إلى مراعاة الشرط في نفس الاعتكاف، غايته ارتكازا واجمالا لا تفصيلا، لانه لو اتى بالاعتكاف بعنوان الوفاء بالنذر فلا جرم كان ناويا للاشتراط آنذاك بنية ارتكازية إذ لا يكون مصداقا للوفاء الا إذا كان حاويا لهذا الاشتراط، والا فالاعتكاف المطلق ليس له فيه حق الرجوع، والمفروض انه نذر اعتكافا له فيه هذا الحق. فبطبيعة الحال يكون الناوي للوفاء ناويا لذلك الاشتراط، غايته ان النية ارتكازية واجمالية ومن المعلوم عدم لزوم ذكر الشرط في ضمن الاعتكاف صريحا، بل يكفى البناء عليه والاشارة الاجمالية وهي حاصلة في المقام كما عرفت: فهو وان لم يكن مذكورا لفظا لكنه منوى ارتكازا، فلا حاجة بعد الاشتراط في النذر إلى ذكره ثانيا صريحا حين الشروع في الاعتكاف.

[ 450 ]

[ (مسألة 42): لا يصح ان يشترط في اعتكاف ان يكون له الرجوع في اعتكاف آخر له غير الذي ذكر الشرط فيه (1) وكذا لا يصح ان يشترط في اعتكافه جواز فسخ اعتكاف شخص آخر من ولده أو عبده أو اجنبي. ] ولا فرق في ذلك بين ان يكون المنذور الاعتكاف المعين أو غير المعين، مع التتابع أو بدونه، فيجوز له الرجوع في الجميع كما ذكره في المتن، ومعه لا يجب عليه القضاء في المعين، ولا الاستيناف في الموسع، لان ذلك هو مقتضى الوفاء بالنذر المتعلق بالاعتكاف المشروط حسبما عرفت. (1): - لعدم الدليل على نفوذ الشرط الواقع في غير الاعتكاف الذي يراد الرجوع فيه. ومقتضى الاصل العدم سواء أوقع الشرط في ضمن اعتكاف آخر ام في ضمن عقد آخر ونحوه، أو كان الشرط في اعتكافه فسخ اعتكاف الغير فانه لا اثر للشرط في شئ من ذلك لعدم الدليل كما عرفت. هذا ونسب إلى الجواهر احتمال نفوذه عملا بعموم " المؤمنون عند شروطهم " ولكنه واضح الدفع لان العموم ناظر إلى نفوذ الشرط على المشروط عليه، وان شرط المؤمن نافذ على نفسه لغيره، وانه عند شرطه. اي ملازم معه ولا ينفك عنه، نظير قوله عليه السلام: المؤمن عند عدته، لا أن من اشترط شيئا بالنسبة إلى شخص آخر يكون نافذا في حقه، كما لو باع داره لزيد واشترط ان يخيط له عمرو ثوبا، فان مثل هذا الشرط غير نافذ في حق ذلك الغير قطعا، والمقام من هذا القبيل، فان الشرط في الاعتكاف شرط على الله

[ 451 ]

[ (مسألة 43): لا يجوز التعليق في الاعتكاف فلو علقه بطل (1) الا إذا علقه على شرط معلوم الحصول حين النية فانه في الحقيقة لا يكون من التعليق. ] سبحانه وهو تعالى امضاه بالنسبة إلى نفس هذا الاعتكاف. واما بالنسبة إلى غيره فلا دليل على نفوذه كي يرتفع حكمه بالشرط، والعموم المزبور لا يرتبط بما نحن فيه مما هو شرط عليه سبحانه واجنبي عنه كما لعله ظاهر جدا. (2): - لاريب في جواز التعليق على امر معلوم الحصول، كما لو علق اعتكافه على ان يكون هذا مسجد الكوفة وهو يعلم انه مسجد الكوفة، فانه في الحقيقة ليس من التعليق في شئ وان كان كذلك صورة كما صرح به في المتن وهذا ظاهر. واما التعليق على امر مشكوك فالمشهور بطلانه كما اختاره في المتن بل ارسله في الجواهر ارسال المسلمات، وهو الصحيح، لا لاجل الاجماع على البطلان ليجاب عنه باختصاص مورده بالعقود والايقاعات ولم ينعقد اجماع في المقام، بل الوجه فيه ما ذكرناه عند البحث عن بطلان التعليق في العقود والايقاعات من مباحث المكاسب. وملخصه انا ذكرنا هناك ان التعليق في الافعال الخارجية الصادرة من المكلفين كالشرب والاقتداء والضرب ونحو ذلك امر غير معقول، إذ لا معنى لان يشرب هذا المايع معلقا على كونه ماءا، بداهة ان الشرب جزئي خارجي دائر امره بين الوجود والعدم، فاما ان يشرب أو لا يشرب، ومع الشرب فقد تحقق هذا المفهوم خارجا سواء أكان

[ 452 ]

المشروب ماءا ام غير ماء، فلا معنى لتعليق شربه الخارجي على تقدير دون تقدير نعم يمكن ان يكون الداعي على الشرب تخيل انه ماء فيتبين الخلاف، فيكون من باب التخلف في الداعي والاشتباه في التطبيق. لا من باب التعليق والتقييد. ونحوه الاقتداء معلقا على ان يكون الامام هو زيدا فبان انه عمرو فان الاقتداء فعل خارجي اما أن يتحقق اولا ولا يكاد يتحمل التعليق والتقدير بوجه. فان هذا نظير أن يضرب احدا معلقا على كونه زيدا فانه لا معنى لان يتقيد حصول الضرب بتقدير دون تقدير، إذ الضرب قد حصل خارجا بالضرورة، سواء أكان المضروب هو زيدا ام عمروا. وبالجملة فهذه الافعال لا تكاد تقبل التعليق ابدا، وانما هي من باب الاشتباه في التطبيق والتخلف في الداعي. كما ان الانشاء بما هو انشاء غير قابل للتعليق ايضا، فانه يوجد بمجرد ابراز ما في النفس من الاعتبار فلا معنى لقوله: بعتك ان كان هذا يوم الجمعة، ضرورة انه قد ابرز اعتبار البيع خارجا، سواء أكان اليوم يوم الجمعة أم لا، فقد تحقق الانشاء بمجرد الابراز من غير إناطته بشئ ابدا. فالتعليقات في باب العقود والايقاعات ترجع باجمعها إلى المنشأ دائما فان المنشأ قد يكون هو الملكية المطلقة، وكذا الزوجية والحرية ونحو ذلك. وقد يكون الملكية المقيدة اي المعلقة بما بعد الوفاة مثلا كما في الوصية، ونحوها الحرية المعلقة كما في التدبير فينشأ الحصة الخاصة من الملكية أو الحرية وهي الحاصلة بعد الموت. فالتعليق بهذا المعنى امر ممكن ومعقول.

[ 453 ]

وحينئذ فان قام الدليل على صحته يلتزم به كما في الوصية والتدبير والا فلا، كما لو قال بعتك داري معلقا على مضي شهر بحيث يكون المنشأ الملكية بعد الشهر، أو قالت المرأة: زوجتك نفسي بعد مضي شهر، فان هذا لا دليل على صحته، ولم يكن ممضى عند العقلاء، بل الاجماع قائم على بطلانه، بل لولا الاجماع ايضا لم يحكم بصحته لما عرفت من انه غير معهود عند العقلاء، فلا تشمله الاطلاقات، فلاجل ذلك يحكم ببطلان التعليق في باب العقود والايقاعات. وهذا البيان بعينه يجري في المقام ايضا، فان الاعتكاف اعني نفس اللبث فعل خارجي لا يقبل التعليق، فلا معنى لقوله: اعتكف ان كان هذا اليوم من رجب أو يوم الجمعة وهو لا يدري بذلك لتحقق المكث واللبث خارجا على التقديرين. فهو نظير ان يضرب احدا على تقدير انه زيد الذي عرفت بشاعته. كما لا معنى للتعليق بالنسبة إلى نفس الانشاء اي ابراز الالتزام بالاعتكاف لعين ما ذكر من تحقق الابراز على التقديرين. فالتعليق الممكن انما يتصور في مرحلة المنشأ أعني نفس الالتزام الذي تعلق به الانشاء فانه قد يلتزم بالاعتكاف مطلقا، واخرى معلقا على تقدير دون تقدير كما في ساير الالتزامات، الا انه لا دليل على صحته في المقام، فان المنصرف من الروايات لزوم صدور الاعتكاف على سبيل التنجيز وعمدتها صحيحة داود بن سرحان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام اني اريد ان اعتكف فماذا اقول وماذا افرض على نفسي.. الخ؟ حيث يستفاد منها بوضوح ان المعتكف لابد وان يفرض شيئا على نفسه ومن الواضح ان الذي يعلق لم يفرض على نفسه شيئا، بل التزم على تقدير دون تقدير. فلا يصدق انه فرض على نفسه، ولاجله يحكم بالبطلان لعدم الدليل على صحة مثل هذا الاعتكاف حسبما عرفت.

[ 454 ]

" فصل " " في احكام الاعتكاف " [ يحرم على المعتكف امور: احدها مباشرة النساء بالجماع في القبل أو الدبر (1) ] (1): - ليلا كان أو نهارا بلا خلاف فيه، بل ادعي الاجماع عليه بقسميه، وتشهد له جملة من النصوص. منها موثقة سماعة عن معتكف واقع اهله، فقال هو بمنزلة من افطر يوما من شهر رمضان، دلت على حرمة الوقاع لكونه بمنزلة الافطار في شهر رمضان وهو حرام وموثقته الاخرى عن معتكف واقع اهله، قال: عليه ما على الذي افطر يوما من شهر رمضان (1). وموثقة الحسن بن الجهم قال: سألته عن المعتكف يأتي اهله؟ فقال: لا يأتي امرأته ليلا ولا نهارا وهو معتكف (2) ونحوها غيرها وفي بعضها انه إذا جامع نهارا فعليه كفارتان: كفارة الصوم وكفارة الاعتكاف وفي الليل كفارة واحدة، والحكم مسلم لا خلاف فيه ولا غبار عليه. ومن المعلوم ان اطلاق الجماع في هذه النصوص يشمل المخرجين.


(1) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف ح 2، 5. (2) الوسائل باب 5 من ابواب الاعتكاف ح 1.

[ 455 ]

[ وباللمس والتقبيل بشهوة (1) ] (1): - على المشهور بين الفقهاء كما نسب إليهم، بل عن المدارك انه مما قطع به الاصحاب ولعله القياس على المحرم، والا فلا دليل عليه، ومقتضى الاصل العدم، وكأنه لا جله خص الحكم في التهذيب بالجماع. وكيفما كان فان تم الاجماع فهو المستند، وإلا فالاصل عدم الحرمة كما عرفت. واما قوله تعالى: (ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد) (1) فهو وان كان ظاهرا في ارادة الاعتكاف الشرعي كما في قوله تعالى: (ان طهرا ببتي للطائفين والعاكفين.. الخ) (2) كيف ولو كانت الآية المباركة ناظرة إلى بيان حكم المسجد من حيث هو مسجد لا إلى بيان حكم الاعتكاف لكان قوله تعالى: (وانتم عاكفون) زائدا ولزم الاقتصار على هذا المقدار (ولا تباشروهن في المساجد) كما لا يخفى. الا ان المراد بالمباشرة هو الجماع كما لعله الظاهر من اللفظ عرفا. كيف ولو اريد المعنى الاعم لشمل حتى مثل المخالطة والمحادثة واللمس والتقبيل بغير شهوة ايضا وهو غير محرم قطعا، فيكشف ذلك عن ارادة الجماع خاصة. فلا تدل الآية على حرمة غيره بوجه. بقي شئ وهو انه قد ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد وضربت له قبة من شعر وشمر الميزر وطوى فراشه. وقال بعضهم: واعتزل النساء. فقال أبو عبد الله


(1) سورة البقرة الآية 187. (2) سورة البقرة الآية 125.

[ 456 ]

[ ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة (1) فيحرم على المعتكفة ايضا الجماع واللمس والتقبيل بشهوة، ] عليه السلام: اما اعتزال النساء فلا (1). قوله عليه السلام: طوى فراشه لا يبعد ان يكون ذلك كناية عن ترك الجماع، لا انه صلى الله عليه وآله كان يطوي بساطه بحيث كان يجلس على التراب. واظن ان صاحب المدارك (قده) ايضا فسره بذلك. واما الاعتزال فليس المراد به ترك الجماع قطعا لانه صلى الله عليه وآله كان في المسجد فكيف نفاه عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله عند رد قول ذلك البعض، بل المراد ترك المجالسة والمخالطة معهن كما لا يخفى. وكيفما كان فليس المراد هنا الجماع يقينا ولو بقرينة ساير الروايات. (1): - بلا خلاف فيه، ويدلنا عليه: اولا قاعدة الاشتراك، فان الظاهر عرفا من مثل قوله: (عن معتكف واقع اهله) ان الحكم من آثار الاعتكاف، لا من آثار الرجولية كما في مثل قوله: رجل شك بين الثلاث والاربع، فانه ظاهر ايضا في انه من آثار الشك فيعم الرجل والمرأة بقاعدة الاشتراك، وثانيا قوله عليه السلام في ذيل صحيحة الحلبي: واعتكاف المرأة مثل ذلك (2). فان المشار إليه بكلمة ذلك هو اعتكاف الرجل - طبعا - المذكور في الصدر. وقد رواها المشايخ الثلاثة كلهم كذلك. فقد تضمنت تشبيه اعتكاف باعتكاف، وانه لا فرق بين الاعتكافين، وانهما متماثلان من جميع الجهات بمقتضى الاطلاق ويتساويان في جميع الاحكام. غاية الامر ان تلك الاحكام بعضها مذكور في هذه الصحيحة


(1) الوسائل باب 5 من ابواب الاعتكاف ح 2. (2) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 2.

[ 457 ]

والبعض الآخر كحرمة الجماع غير مذكور هنا ومستفاد من الادلة الاخر وهذا لا يضر باستفادة المساواة في جميع الاحكام بمقتضى اطلاق المماثلة ولا موجب للاقتصار على المذكورات في هذه الصحيحة فانه تقييد من غير مقيد يقتضيه بعد انعقاد الاطلاق في الذيل. نعم لا تتم هذه الدعوى في صحيحة داود بن سرحان لان المذكور في ذيلها هكذا: " والمرأة مثل ذلك " (1) فتضمنت تشبيه المرأة بالرجل، لا تشبيه اعتكافها باعتكافه كما في تلك الصحيحة، وكم فرق بين الامرين، فان تشبيه المرأة بالرجل ظاهر في ارادة ما ذكر من الاحكام، والا فلا معنى لتشبيهها به على سبيل الاطلقا. وهذا بخلاف الثاني فان تشبيه الاعتكاف بالاعتكاف يعطينا بمقتضى الاطلاق ان كل حكم ثبت لذاك الاعتكاف فهو ثابت لهذا ايضا ومعه لا مقتضي للتخصيص بالاحكام المذكورة في نفس هذه الصحيحة بل يعمها وما ثبت من الخارج كحرمة الجماع حسبما عرفت. وثالثا تدلنا عليه صحيحة أبي ولاد الحناط: " عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم وهي معتكفة باذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها، فقال: ان كانت خرجت من المسجد قبل ان تقضي ثلاثة ايام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فان عليها ما على المظاهر " (2). فانها ظاهرة في ان الموجب الكفارة انما هو الوقاع لا مجرد الخروج من المسجد. كيف وطبيعة الحال تقتضي ان يكون خروجها لحاجة لابد منها مسوغة لذلك، فان من كان زوجها غائبا وقد قدم من السفر


(1) الوسائل باب 7 من ابواب الاعتكاف ح 1. (2) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف ح 6.

[ 458 ]

[ والاقوى عدم حرمة النظر بشهوة إلى من يجوز النظر إليه (1) وان كان الاحوط اجتنابه ايضا. الثاني: الاستمناء على الاحوط (2) وان كان على الوجه الحلال كالنظر إلى حليلته الموجب له. ] ولا سيما إذا كان السفر طويلا كما في الازمنة السابقة لا مثل هذا الزمان الذي يمكن الخروج اول النهار والرجوع وسطه أو آخره فالحاجة العرفية تقتضي لزوم الخروج لملاقاته، فمثل هذا الخروج غير محرم ولا يوجب الكفارة قطعا. وعليه فان كانت مشترطة فلها رفع اليد، والا فهي باقية على اعتكافها، فلو مكنت نفسها عندئذ من الجماع فقد تحقق في حال الاعتكاف بطبيعة الحال. وقد دلت الصحيحة على حرمته ولزوم الكفارة كما في الرجل، غاية الامر انها دلت على ان الكفارة هي كفارة الظهار وهي محمولة على الاستحباب من هذه الجهة كما مر سابقا. وبالجملة فاحتمال ان موجب الكفارة هنا هو الخروج السابق على الوطي خلاف الظاهر جدا لما عرفت من ان مثل هذا الخروج جائز قطعا فلاحظ. (1): - وان نسبت الحرمة إلى بعض لعدم الدليل عليه. فانا لو سلمنا شمول المباشرة الواردة في الآية المبارك اللمس والتقبيل لكنه لا يشمل النظر جزما. فلا يقال لمن نظر إلى احد انه باشره فيرجع حينئذ إلى اصالة البراءة. (2): - وجه الاحتياط خلو نصوص الباب عن التعرض له، وانما هو منصوص في بابي الاحرام والصيام. وأما في المقام فالنصوص

[ 459 ]

[ الثالث: شم الطيب مع التلذذ وكذا الريحان واما مع ] مقصورة على الجماع، غير انه ادعي الاجماع على الالحاق. هذا ولكنا ذكرنا في كتاب الصوم انه يمكن استفادة الحكم على سبيل العموم بحيث يشمل المقام من موثقة سماعة المروية بطرق ثلاث كلها معتبرة، قال: سألته عن رجل لزق باهله فانزل، قال: عليه اطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين (1). فانها كما ترى لم تقيد بصوم رمضان، إذا فليس من البعيد ان يقال انها تدل على ان في كل مورد كان الجماع موجبا للكفارة فالاستمناء بمنزلته ومنه المقام. فان من الواضح الضروري انه لا يراد بها ثبوت الكفارة بمجرد اللزوق مطلقا حتى من غير مقتض لها من صوم أو احرام أو اعتكاف ونحوها، فان ذلك غير مراد قطعا كما هو ظاهر جدا، فيختص موردها بما إذا كان الجماع موجبا للكفارة فيكون الاستمناء بمنزلته فتشمل المقام. وبعبارة اخرى هذه الموثقة نزلت الاستمناء الجماع، فكما ان الجماع يوجب الكفارة، فكذلك الاستمناء، وعليه فلا مانع من الحكم بالالحاق، هذا. ولا فرق في حرمة الاستمناء على المعتكف بين الاستمناء المحلل في نفسه. كما لو خرج من المسجد لحاجة ضرورية فامنى بالنظر إلى حليلته وبين المحرم كما لو امني في امثال بغير ذلك. أو امني في المسجد ولو بذلك لحرمة الاجناب فيه من حيث هو فالحرمة في المقام تعم الصورتين - كما نبه عليه في المتن - وان كانت تتأكد في الصورة الثانية.


(1) الوسائل باب 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ح 4.

[ 460 ]

عدم التلذذ (1) كما إذا كان فاقدا لحاسة الشم مثلا فلا بأس به. الرابع: البيع والشراء (2) بل مطلق التجارة مع عدم الضرورة على الاحوط ولا بأس بالاشتغال بالامور الدنيوية من المباحات حتى الخياطة والنساجة ونحوهما وان كان الاحوط. ] (1): - اما إذا كان عدم التلذذ لاجل كونه فاقدا لحاسة الشم فلا ينبغي الاشكال في الجواز، لان موضوع الحكم في صحيحة أبي عبيدة التي هي مستند الحكم في المسألة هو الشم. فقد روى عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: " المعتكف لا يشم الطيب ولا يتلذذ بالريحان ولا يمارى ولا يشتري ولا يبيع.. الخ (1) ومن لم تكن له شامة لا يصدق معه عنوان الشم وهذا واضح. واما لو كان عدم التلذذ لاجل ان الشم تحقق بداع آخر من علاج أو اختيار ليشتريه بعد الاعتكاف وغير ذلك من الدواعي غير داعي التلذذ فهل يحرم ذلك ايضا كما هو مقتضى اطلاق الشم الوارد في الصحيحة، أو يختص بما إذا كان بداعي التلذذ؟ ادعى في الجواهر الانصراف إلى صورة الالتذاذ وهو غير بعيد، لان الظاهر عرفا من اضافة الشم إلى الطيب رعاية الوصف العنواني، اي شم الطيب ما هو طيب المساوق للتمتع والا لتذاذ، لا شم ذات الطيب بداع آخر، فان اللفظ منصرف عن مثل ذلك عرفا كما لا يخفى. ويعضده تقييد الريحان بالتلذذ - في الصحيحة - سيما بعد ملاحظة كونه في اللغة اسما لكل نبات طيب الرائحة. (2): - بلا خلاف فيه ولا اشكال في الجملة، كما دلت عليه


(1) الوسائل باب 10 من ابواب الاعتكاف ح 1 .

[ 461 ]

[ الترك الا مع الاضطرار إليها بل لا بأس بالبيع والشراء إذا مست الحاجة اليهما للاكل والشرب مع تعذر للتوكيل أو النقل بغير البيع. الخامس: المماراة اي المجادلة (1) على امر دنيوي أو ديني بقصد الغلبة واظهار الفضيلة واما بقصد اظهار الحق ورد الخصم من الخطأ فلا بأس به بل هو من افضل الطاعات فالمدار على القصد وللنية فلكل امرئ ما نوى من خير أو شر ] صحيحة أبي عبيدة المتقدمة. وهل يختص الحكم بذلك أو يعم مطلق المعاملة والتجارة، كالاجارة ونحوها؟ مقتضى الجمود على النص هو الاول، ولكن قيل ان البيع والشراء كناية عن مطلق التجارة، وهذا وان كان محتملا في نفسه إذ قد يستعمل بهذا المعنى ولا سيما في اللغة الفارسية فيطلق كلمة (خريد وفروش) على مطلق المعاملة الا ان اثباته مشكل كما لا يخفى. وعلى تقدير الثبوت فالظاهر اختصاصه بما يكون مثل البيع والشراء في الاشتمال على نوع من المبادلة في العين أو العمل أو المنفعة كالمصالحة والمزارعة والاجارة ونحوها لا مطلق التمليك والتملك ليعم مثل قبول الهدية فان الالتزام بحرمة مثل ذلك مشكل جدا. وعلى الجملة فالتعدي إلى مطلق التجارة بعيد، والى التملك الشبيه بالبيع والشراء غير بعيد الا ان اثباته مشكل. فمقتضى الجمود على ظاهر النص الاقتصار على البيع والشراء، فان قام اجماع على التعدي فهو والا فلا يبعد عدم الحرمة. (1): - من غير خلاف فيه، وتشهد له صحيحة أبي عبيدة

[ 462 ]

[ والاقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد وازالة الشعر ولبس المخيط ونحو ذلك وان كان احوط (1) ] المتقدمة. وهي كما نبه في المتن: الجدال لغاية فاسدة من اظهار الفضيلة ونحوها دون ماكان لغرض صحيح من احقاق حق أو ابطال باطل فانه عبادة راحجة، والفارق والقصد وان اتحدت صورة العمل. (1): - لا ريب ان ما يبطل الصوم يبطل الاعتكاف لتقومه به. واما غيره من بقية الافعال فلا مانع وان كان مما يحرم على المحرم كازالة الشعر ولبس المخيط ونحوهما. نعم عن الشيخ في المبسوط انه روى انه يجتنب ما يجتنبه المحرم، ولكن الرواية لم تثبت، بل نقطع بالجواز في بعضها كلبس المخيط ونحوه فان كيفية اعتكاف النبي صلى الله عليه وآله والائمة علهيم السلام منقولة لدينا ولم يذكر في شئ منها ترك المخيط أو لبس ثوبي الاحرام مع التعرض للخصوصيات التي منها انه صلى الله عليه وآله كان يطوى فراشه - باي معنى كان - فلو كان تاركا للمخيط أو لابسا لثوبي الاحرام لكان مرويا لدنيا بل بنحو التواتر كما لا يخفى. فلا ينبغي الاشكال في جواز ذلك، وكذا غيره من ساير تروك الاحرام. واما الاشتغال بالمباحات فلا ينبغي الشك في جوازه ايضا سواء أقلنا بان الاعتكاف بنفسه عبادة كما قربنا أم انه مقدمة للعبادة كما ذكره بعضهم، اما على الاول فواضح إذ لا موجب للاشتغال بعبادة اخرى زائدة على الفرائض اليومية فله صرف بقية وقته في المباحات، واما على الثاني فكذلك، إذ ليس المراد ان يعتكف ليعبد الله تعالى في تمام الايام الثلاثة، ولعل ذلك غير ميسور لغالب الناس، بل

[ 463 ]

[ (مسألة 1): لا فرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل والنهار (1) نعم المحرمات من حيث الصوم كالاكل والشرب والارتماس ونحوها مختصة بالنهار. (مسألة 2): يجوز للمعتكف الخوض في المباح (2) والنظر في معاشه مع الحاجة وعدمها. (مسألة 3) كلما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف (3) إذا وقع في النهار من حيث اشتراط الصوم فيه فبطلانه يوجب بطلانه وكذا يفسده الجماع سواء كان في الليل أو النهار وكذا اللمس والتقبيل بشهوة بل الاحوط بطلانه بساير ما ذكر من المحرمات من البيع والشراء وشم الطيب وغيرها مما ذكر بل لا يخلو عن قوة وان كان لا يخلو عن اشكال ايضا وعلى هذا فلو اتمه واستأنفه أو قضاه بعد ذلك إذا صدر منه احد المذكورات في الاعتكاف الواجب كان احسن واولى. ] ليعبده في الجملة: وعلى كل حال فما كان مباحا لغير المعتكف مباح له ايضا كما هو ظاهر. (1): - لاطلاق الدليل بخلاف الحرمة الناشئة من ناحية الصوم، فانها مختصة بوقت الصوم وهو النهار كما هو ظاهر. (2) كما تقدم آنفا. (3): - هل الحرمة الثابتة للمذكورات من الجماع والبيع والشراء والجدال ونحوها تكليفية ووضعية أو انها تكليفية فقط من غير أن

[ 464 ]

تستوجب البطلان، أو انها وضعية فقط دون ان تكون محرمة تكليفا كما لو خرج من المسجد بغير حاجة فانه يبطل اعتكافه ولكنه لم يرتكب محرما إذا كان في اليومين الاولين. نعم في اليوم الثالث يحرم لحرمة الابطال كما مر. فهل حكم تلك المذكورات حكم الخروج، أو انها محرمة تكليفا لا وضعا، حتى انه لو جامع في اليومين الاولين ارتكب محرما وصح اعتكافه وكذا غيره من ساير المذكورات؟؟ اما بالنسبة إلى الجماع فالظاهر انه لا شك في حرمته التكليفية والوضعية معا من غير فرق بين اليومين الاولين والاخير. والوجه فيه ان استفادة كلا الحكمين وان لم يمكن من نهي واحد نحو قوله عليه السلام: (المعتكف لا يأتي اهله) إذ هو في احدهما ارشادي، وفي الآخر مولوي، والارشاد ويرجع في الحقيقة إلى الاخبار وان كان بصورة الانشاء فمرجع قولنا: المصلي لا يتكلم أو يستقبل إلى ان التكلم مانع أو القبلة شرط، ولا يمكن الجمع بين الاخبار والانشاء في كلام واحد، فلا يدل علي التكليف والوضع معا. بل لابد من الحمل على احدهما. الا انه يستفاد ذلك مما دل على ان المجامع اهله معتكفا بمنزلة من افطر في شهر رمضان، فان عموم التنزيل يقتضى ثبوت كلا الحكمين. فكما ان الافطار في شهر رمضان محرم ومبطل، بل وموجب للكفارة فكذا في الاعتكاف فان التنزيل لا يختص بالكفارة وان ذكرت في الرواية بل مفاده عموم الاحكام. والظاهر انه لم يقع فيه اي خلاف من احد، وان الجماع حرام ومبطل من غير فرق بين اليومين الاولين أو الاخير في الليل أو في النهار، داخل المسجد أو خارجه.

[ 465 ]

واما غير الجماع من اللمس والتقبيل بشهوة فقد تقدم عدم حرمته فضلا عن كونه مبطلا، وعرفت ان الآية المباركة ظاهرة في المباشرة بمعنى الجماع، وكذا الروايات. واما غير ذلك من ساير الامور من البيع والشراء وشم الطيب والجدال ونحوها فالحكم فيه يبتني على ما ذكرناه في الاصول وتقدم في مطاوي هذا الشرح من ان النهي بحسب طبعه الاولي وان كان ظاهرا من التحريم التكليفي المولوي، اي اعتبار كون المكلف بعيدا عن الفعل في عالم التشريع، ولاجله يعبر عنه بالزجر، فكأن الناهي يرى المنهي محروما عن العمل وانه لا سبيل له إليه والطريق مسدود. الا ان هذا الظهور الاولي قد انقلب في باب المركبات من العبادات والمعاملات العقود منها والايقاعات إلى الارشاد إلى الفساد واعتبار عدمه في ذلك العمل، فلا يستفيد العرف من مثل قوله عليه السلام: نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر انه محرم إلهي كشرب الخمر، بل معناه ان الشارع الذي امضى ساير البيوع لم يمض هذا الفرد وانه يعتبر في الصحة ان لا يكون غرريا، فلا تستفاد الحرمة التكليفية بوجه الا إذا دل عليه دليل من الخارج، كما في الربا بقرينة قوله تعالى: (فاذنوا بحرب من الله). والا فنفس النهي لا يدل عليها بوجه. وكذلك الحال في باب العبادات، فانه لا يستفاد من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه الا البطلان وتقيد الصلاة بعدم ذلك. وهذا الكلام بعينه يجري في باب الاوامر ايضا، فان الامر بالصلاة إلى القبلة ظاهر في الشرطية لا الوجوب التكليفي، كما ان الامر بالاشهاد في الطلاق في قوله تعالى: (واشهدوا ذوي عدل منكم)

[ 466 ]

[ (مسألة 4): إذا صدر منه احد المحرمات المذكورة سهوا فالظاهر عدم بطلان اعتكافه الا الجماع (1) فانه لو جامع سهوا ايضا فالاحوط في الواجب الاستيناف أو القضاء مع اتمام ما هو مشتغل به وفي المستحب الاتمام. ] ظاهر في ذلك وان الطلاق بلا شاهد باطل لانه حرام، وهكذا غيرها فقد انقلب الظهور من المولوي إلى الارشادي ومن التكليفي إلى الوضعي،. وهذا يجري في جملة اخرى من الموارد كالامر بالغسل في مثل قوله: (اغسل ثوبك من ابوال مالا يؤكل لحمه) فانه ارشاد إلى النجاسة لا الوجوب التكليفي. وعلى الجملة لا تستفاد الحرمة التكليفية من النواهي الواردة في هذه الابواب بتاتا، بل هي ظاهرة في الوضعي فقط. وعليه فالنهي عن البيع أو الجدال ونحوهما في الاعتكاف ظاهر في البطلان فقط لا الحرمة التكليفية. نعم هي محرمة ايضا في اليوم الثالث من اجل الدليل الخارجي الدال على حرمة الابطال حينئذ كما تقدم. (1): - لا يخفى عدم وضوح الفرق بين الجماع وغيره في البطلان وعدمه. فان قسما من الاخبار الواردة في الجماع ناظر إلى اثبات الكفارة مثل قوله عليه السلام: (من جامع اهله وهو معتكف فعليه الكفارة) ولا ينبغي الشك في اختصاصها بالعامد، ضرورة ارتفاعها عن الناسي بمقتضى حديث الرفع، إذ معناه رفع الآثار المترتبة على العمل مع قطع النظر عن النسيان التي منها الكفارة. والقسم الآخر منها دل على عدم اتيان المعتكف اهله وهو نظير ما ورد في البيع والشراء من ان المعتكف لا يبيع ولا يشتري كما في

[ 467 ]

صحيحة أبي عبيدة وغيرها. فان ادعي الانصراف في تلك النصوص إلى العامد ففي الجماع ايضا كذلك. وإلا فالجميع على نسق واحد، فالتفصيل بينهما بلا وجه. اللهم الا ان يدعى قيام الاجماع في الجماع ولكنه غير متحقق. فالاظهر ان الحكم في الجميع واحد. ثم انك عرفت انعقاد الظهور الثانوي للنهي في باب المركبات في الارشاد إلى الفساد. فهل يختص ذلك بصدور الفعل عن عمد أو يعم السهو ايضا؟ ادعى في الجواهر الانصراف إلى صورة العمد ولكنه غير ظاهر، إذ لا مسرح لمثل هذه الدعوى في الاحكام الوضعية التي هي بمثابة الجمل الخبرية المتضمنة للارشاد إلى المانعية ونحوها، فمرجع قوله عليه السلام: (المعتكف لا يشم الطيب) إلى ان عدم الشم قد اعتبر في الاعتكاف غير المختص يحال دون حال، وانما تنجه تلك الدعوى في الاحكام التكليفية ليس إلا كما لا يخفى. ولولا التمسك بذيل حديث لا تعاد لما امكننا الحكم بصحة الصلاة الفاقدة لما عدا الاركان نسيانا فان حديث رفع النسيان انما يتكفل لرفع المؤاخذة والحرمة التكليفية وما يترتب عليها من الكفارة ونحوها، ولا تعرض له لصحة العمل بوجه، ولا بد في اثبات صحة الباقي من قيام دليل خارجي، وقد ثبت في باب الصلاة ولم يثبت في مثل المقام. ولو دل الحديث على الصحة لدل عليها في مورد الاكراه والاضطرار ايضا ولم تختص بالنسيان وهو كما ترى لضرورة فساد الاعتكاف بالجماع وان كان عن اكراه أو اضطرار. وتوهم ان الحديث يرفع القضاء قد مر الجواب عنه بانه ليس من

[ 468 ]

[ (مسألة 5): إذا فسد الاعتكاف بأحد المفسدات فان كان واجبا معينا وجب قضاؤه (1) وان كان واجبا غير معين وجب استينافه الا إذا كان مشروطا فيه أو في نذره الرجوع فانه لا يجب قضاؤه أو استينافه وكذا يجب قضاؤه إذا كان مندوبا وكان الافساد بعد اليومين واما إذا كان قبلهما فلا شئ عليه بل في مشروعية قضائه حينئذ اشكال (2). ] آثار الاتيان بهذا الفعل ليرتفع بل من آثار ترك المأمور به. ولذلك لم يقل احد في باب الصلاة بانه إذا كان مضطرا إلى التكلم لم تبطل صلاته. والمتحصل مما ذكرناه انه لا فرق بين الجماع وغيره والكل بلسان واحد. فان كان المستفاد المانعية ففي كلا الموردين، وان كان الحكم التكليفي ففي كلا الموردين ايضا. وعلى ما استطهرناه من انه ارشاد إلى المانعية فلا وجه لتقييده بالعمد، بل يعم غيره ايضا، ويلحق بالسهو الاكراه والاضطرار. (1): - إذ بالافساد يفوت الواجب المعين، فيشمله عموم وجوب قضاء الفوائت بناءا على ثبوت هذا العموم - وقد تقدم منعه - كما ان غير المعين الفاسد لم يقع مصداقا للامتثال، فلا. جرم وجب استينافه بعد عدم انطباق الطبيعي المأمور به عليه، هذا فيما إذا لم يشترط الرجوع والا لم يجب عليه القضاء ولا الاستيناف كما هو ظاهر. (2): - كما هو الحال في عامة النوافل غير الموقتة كالصلاة والصيام ومنها الاعتكاف، إذ بعد كون الاوامر في مواردها انحلالية،

[ 469 ]

[ (مسألة 6): لا يجب الفور في القضاء (1) وان كان احوط. (مسألة 7): إذا مات في اثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحو لم يجب على وليه القضاء وان كان احوط نعم لو كان المنذور الصوم معتكفا وجب على الولي قضاؤه لان الواجب حينئذ عليه هو الصوم ويكون الاعتكاف واجبا من باب المقدمة بخلاف ما لو نذر الاعتكاف فان الصوم ليس ] فكل وقت يصلح لوقوع العمل فيه فهو اداء للامر المتوجه في هذا الوقت لا انه قضاء لما سبق فلا يكاد يفهم معنى صحيح للقضاء في امثال هذه الموارد، الا إذا فرض ان للمستحب خصوصية زمانية كنوافل الليل فانها تقضى من اجل تلك الخصوصية. وعليه يحمل ما في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت بدر في شهر رمضان ولم يعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله فلما ان كان من قابل اعتكف عشرين، عشرا لعامه. وعشرا قضاءا لما فاته (1) حيث كان القضاء لا دراك الاعتكاف من شهر رمضان. (1): - لعدم الدليل عليه، كما ان الامر بنفسه لا يدل على الفور ومقتضى الاصل العدم. نعم لا بد وان لا يكون التأخير بمثابة يعد توانيا وتهاونا بحيث يؤدي إلى ترك الواجب فيعاقب عليه حينئذ، والا فالفورية بنفسها لم يقم عليها أي دليل فضلا عن الوجوب فورا ففورا.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب الاعتكاف ح 2.

[ 470 ]

[ واجبا فيه وانما هو شرط في صحته والمفروض ان الواجب على الولي قضاء الصلاة والصوم عن الميت لا جميع ما فاته من العبادات (1). ] (1): - تقدم حكم قضاء المكلف عن نفسه، فتعرض هنا لحكم قضاء الولي عن الميت فيما لو مات اثناء الاعتكاف فذكر (قده) انه لا يجب لعدم نهوض الدليل الا على وجوب ما فات عن الميت من خصوص الصلاة والصيام لا جميع ما فاته من العبادات، والاعتكاف وان تضمن الصوم الا ان حقيقته مجرد الكون في المسجد الذي هو اجنبي عن الصوم وان كان مشروطا به، فهو اجب بالتبع ولا دليل الا على قضاء الصوم الفائت الواجب بالاصالة. نعم لو كان الواجب بالذات هو الصوم نفسه ولو لاجل انه نذر أن يصوم معتكفا وجب القضاء على الولي لكون الامر حينئذ بالعكس إذ يكون الواجب هو الصوم والاعتكاف مقدمة له فهو الشرط لا انه المشروط. اما لو كان الواجب عبادة اخرى والصوم مقدمة له كما لو نذر أن يقرأ القرآن صائما فمات لم يجب قضاؤها على الولي وان كان مقيدا بالصيام، فما لم يكن الصوم واجبا في نفسه لم يجب قضاؤه على الولي اقول: قد يفرض الكلام في الواجب المعين كما لا يبعد ان يكون هذا هو محل كلامه لا تصاله بالمسألة السابقة المحكوم فيها بالقضاء في المعين، واخرى يفرض في غير المعين، وهذا على نحوين: إذ قد يفرض شروعه في الاعتكاف اول ازمنة التمكن، واخرى آخره لفرض سعة الوقت، ثم اعتكف فصادف موته، فالصور ثلاث.

[ 471 ]

[ (مسألة 8): إذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لم يبطل بيعه وشراؤه وان قلنا ببطلان اعتكافه (1) ] لا ينبغي الشك في عدم وجوب القضاء في الصورتين الاوليين لكشف الموت الطارئ عن عدم الوجوب من اول الامر لعدم انعقاد النذر بعد عدم التمكن من الوفاء في ظرفه وان لم يكن يعلم به فلم يفت عن الميت شئ ليجب على الولي قضاؤه حتى لو قلنا بوجوبه عن كل عبادة فائتة لاعتبار القدرة في متعلق النذر والمفروض هو العجز. نعم في الصورة الاخيرة يجرى ما ذكره (قده) من عدم الوجوب لعدم الدليل على القضاء عن كل ما فات عن الميت. إذا لابد من التفصيل وانه في القسمين الاولين لا يجب القضاء قطعا وفي الاخير يبتنى على تعميم حكم القضاء لكل فائتة أو اختصاصه بالصلاة والصيام. فتحصل ان الاظهر عدم وجوب القضاء مطلقا ولكن في الاولين لا موضوع للقضاء لعدم الفوت بتاتا وفي الاخير لا دليل عليه. (1): - لان تحريم المعاملة لا يدل على فسادها. إذ لا تنافي بين الحرمة وبين النفوذ الوضعي، كما لا تنافي بين ارتكاب الاثم وبين حصول الطهارة فيما لو غسل المتنجس بالماء المغصوب. فالبيع نافذ بمقتضى اطلاق الادلة، والنهي لا يدل على الفساد كما هو موضع في الاصول. بل قد يتوهم دلالته على الصحة كما عن أبي حنيفة، ووافقه في الكفاية نظرا إلى اعتبار القدرة في متعلق التكليف، فلو لم تقع المعاملة صحيحة فكيف يتعلق النهي بها، فالنهي يدل على الصحة لا انه دليل الفساد. ولكنه مدفوع بما اوضحناه في محله. ومحصله ان الاعتبار الشرعي

[ 472 ]

[ (مسألة 9): إذا افسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلا وجبت الكفارة (1) ]. الذي يتسبب إليه المكلف كاعتبار الملكية ونحوها فعل من افعال المولى، وخارج عن قدرة المتعاملين، فهو غير قابل لتعلق النهي به حتى قال انه يدل على الصحة أولا. بل الذي يمكن تعلق النهى به احد امرين: اما الاعتبار النفسي القائم بشخصي المتبايعين، أو ابرازه بمبرز ما من لفظ أو غيره، حيث ان البيع يتقوم بهذين الجزءين، فلا يكفى الاعتبار المحض، كما لا يكفي مجرد اللفظ بل هو اسم المجموع المركب من الكاشف والمنكشف. وهذا قد يكون ممضى عند الشارع أو العقلاء بحيث تترتب عليه الملكية الشرعية أو العقلائية، وقد لا يكون، وهو - اي الامضاء - امر آخر يعد من فعل الشارع أو العقلاء وخارج عن فعل المكلف، فلا يمكن تعلق الامر به أو النهي، وانما يتعلقان بفعله الذي هو منحصر في الاعتبار النفسي أو ابرازه حسبما عرفت. ومن البديهي ان النهي المتعلق بمثل ذلك اعم من الصحة والفساد لعدم دلالته بوجه على انه ممضى عند الشارع أو العقلاء أو ليس بممضى فكما لا يدل على الفساد لا يدل على الصحة ايضا. (1): - بلا خلاف ولا اشكال كما نطقت به الاخبار مصرحا في بعضها بعدم الفرق بين الليل والنهار، إذ هي من احكام الاعتكاف دون الصيام. وقد روى الصدوق مرسلا: انه ان جامع بالليل فعليه كفارة واحدة، وان جامع بالنهار فعليه كفارتان. وباسناده عن محمد بن سنان عن عبد الاعلى بن اعين قال:

[ 473 ]

[ وفي وجوبها في ساير المحرمات اشكال والاقوى عدمه (1) ] سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وطأ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان، قال: عليه الكفارة، قال: قلت: فان وطأها نهارا قال: عليه كفارتان (1). والاخيرة وان كانت ضعيفة السند بمحمد بن سنان كالاولى بالارسال لكنهما تؤيدان الاطلاقات المتضمنة لوجوب الكفارة من صحيحة زرارة وموثقة سماعة وغيرهما (2). كما ان التقييد برمضان في الاخيرة ليس الا من اجل انه مورد الرواية، ولا يدل على المفهوم لعدم احتمال الاختصاص بالضرورة. وكيفما كان فالاطلاقات تدلنا على وجوب الكفارة من غير فرق بين الليل والنهار، كما انها تتكرر في نهار رمضان بعنوانين، واما في غيره فكفارة واحدة وان كان مقتضى الاطلاق في مرسلة الصدوق هو التكرر في النهار مطلقا، فان حملت على نهار رمضان كما لا يبعد بقرينة ورورد جملة من الروايات في شهر رمضان والا فلا قائل بذلك منا ولا من غيرنا وهي رواية مرسلة. (1): - لاختصاص النصوص بالجماع ولم يحرز لدينا المناط ليلتزم بالالحاق، فالتعدي لا يخرج عن كونه قياسا باطلا كما لا يخفى. نعم قد يقال بالتعدي، تمسكا بصحيحة أبي ولاد بدعوى ان الظاهر منها ان الكفارة انما هي من جهة الخروج عن المسجد عامدا السابق على الوطي لا من جهته لبطلان الاعتكاف بالمكث في خارج المسجد بغير ضرورة، فالجماع وقع في غير حال الاعتكاف طبعا.


(1) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف ح 3، 4. (2) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف ح 1، 2، 3.

[ 474 ]

[ وان كان الاحوط ثبوتها بل الاحوط ذلك حتى في المندوب فيه قبل تمام اليومين (1)، ] ويندفع اولا بان الصحيحة كالصريحة في ان الكفارة انما هي من جهة الجماع - الواقع حال الاعتكاف - دون الخروج، بناء على ما عرفت من قضاء العادة بكون الخروج المزبور موردا للضروة العرفية المسوغة لارتكابه ولا كفارة في مثله قطعا. وثانيا مع التنازل وتسليم ان الخروج المزبور كان زائدا على المقدار المتعارف وقد بطل به الاعتكاف، فغايته ان الجماع المسبوق بمثل هذا الخروج (وان شئت فقل) الخروج المتعقب بالجماع موجب للكفارة، لا ان كل ما يفسد به الاعتكاف يستوجبها ليبني على ثبوتها على سبيل الاطلاق. (1): - هل الكفارة تختص بالاعتكاف الواجب أو انها تعم اليومين الاولين من المندوب؟ فيه وجهان بل قولان: احتاط الماتن في التعميم نظرا إلى اطلاق نصوص الكفارة بعد وضوح عدم منافاتها للندب. ومال في الجواهر إلى العدم مستظهرا ذلك من صحيحة أبي ولاد المتقدمة، عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم وهي معتكفة (1). حيث ان تعليق وجوب الكفارة فيها على عدم الاشتراط يكشف عن اختصاص الكفارة بمورد تعين الاعتكاف وعدم تزلزله. فلا تعم المندوب المحكوم بجواز الابطال ورفع اليد.


(1) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف ح 6.

[ 475 ]

[ وكفارته ككفارة شهر رمضان على الاقوى (1) وان كان الاحوط كونها مرتبة ككفارة الظهارة. (مسألة 10): إذا كان الاعتكاف واجبا وكان في شهر رمضان وافسده بالجماع في النهار (2) فعليه كفارتان احداهما للاعتكاف، والثانية للافطار في نهار رمضان وكذا اذا كان في صوم قضاء شهر رمضان وافطر بالجماع بعد الزوال فانه يجب عليه كفارة الاعتكاف وكفارة قضاء شهر رمضان وإذا نذر الاعتكاف في شهر رمضان وافسده بالجماع في النهار وجب عليه ثلاث كفارات احداها للاعتكاف والثانية لخلف النذر، والثالثة للافطار في شهر رمضان. وإذا جامع امرأته المعتكفة وهو معتكف في نهار رمضان فالاحوط ] اقول: لا موجب لما ذكره قدس سره فان الذي تدل عليه الصحيحة ان ابطال الاعتكاف بالجماع لا يوجب الكفارة إذا كان مع الاشتراط فيكون ذلك تخصيصا لما دل على ترتب الكفارة على جماع المعتكف من دون فرق بين اليومين الاولين واليوم الثالث فان جواز رفع اليد عن الاعتكاف في اليومين الاولين لا ينافي ترتب الكفارة على الجماع فيهما قبل رفع اليد عنه ووقوع الجماع حال الاعتكاف. فالنتيجة ابطال الاعتكاف بالجماع موجب الكفارة مطلقا إذا لم يكن اشتراط ومع الاشتراط لا كفارة كذلك. (1): - كما تقدم في فصل صوم الكفارة. (2): - إذا جامع المعتكف في غير شهر رمضان في الليل أو النهار وجبت عليه كفارة واحدة. وما في مرسلة الصدوق من الكفارتين

[ 476 ]

[ اربع كفارات، وان كان لا يبعد كفاية الثلاث احداها لاعتكافه واثنتان للافطار في شهر رمضان احداهما عن نفسه والاخرى تحملا عن امرأته، ولا دليل على تحمل كفارة الاعتكاف عنها، ولذا لو اكرهها على الجماع في الليل لم تجب عليه الا كفارته، ولا يتحمل عنها. هذا ولو كانت مطاوعة فعلى كل منهما كفارتان ان كان في النهار وكفارة واحدة ان كان في الليل. ] تم كتاب الاعتكاف لو واقع في النهار محمول على شهر رمضان كما تقدم، والا فهي مضافا إلى ضعف السند لم يقل بمضمونها احد من الاصحاب. وإذا جامع في نهار شهر رمضان وجبت كفارتان احداهما عن الاعتكاف، والاخرى كفارة الافطار في شهر رمضان، فيعمل بموجب كل من السببين بعد وضوح ان مقتضى الاصل هو عدم التداخل. ولو اكره زوجته الصائمة وجبت كفارة ثالثة وهي كفارة الاكراه. فيتحمل عنها كفارتها. ولو قلنا بالحاق الاعتكاف بالصيام في التحميل وجبت كفارة رابعة لو كانت الزوجة المكرهة معتكفة في شهر رمضان. لكن الاخير لم يثبت لعدم الدليل على الالحاق المزبور. نعم تسقط عنها الكفارة بحديث رفع الاكراه. اما التحمل فيحتاج إلى الدليل، ولا دليل عليه في المقام، وانما الثابت في خصوص شهر رمضان. ولو كان قد نذر الاعتكاف في شهر رمضان فجامع وجبت عليه

[ 477 ]

كفارة خامسة لتحقق موجب جديد وهي كفارة حنث النذر. ولكن هذا يتوقف على ان يكون الجماع موجبا للحنث وهو انما يتحقق في احد موردين: الاول ان يكون المنذور هو الاعتكاف المعين كما لو نذر ان يعتكف ليالى القدر من شهر رمضان فجامع. الثاني ان يعرضه التعيين بعد ان كان المنذور كليا في حد نفسه، كما لو نذر الاعتكاف ثلاثة ايام من شهر رمضان فأخره إلى الثلاثة الاخيرة من الشهر، أو انه اعتكف اوائل الشهر ولكنه يعلم بعدم تمكنه من الاعتكاف بعد ذلك لمانع خارجي يمنع عن المكث في المسجد مثلا. واما إذا لم يكن ثمة أي تعيين بتاتا لا بالاصالة ولا بالعرض فالجماع المزبور لا يستوجب حنث النذر لتثبت به الكفارة الخامسة. بل له الاستيناف والاتيان بفرد آخر يتحقق به الوفاء كما هو ظاهر والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين هذا تمام الكلام في كتاب الاعتكاف وبه ينتهي ما اردنا ايراده في هذا الجزء وقد لاحظه سيدنا الاستاد دام ظله بكامله. وربما اضاف أو عدل عما كان بانيا عليه، فاصبحت هذه المجموعة حصيلة ما استفدنا من محاضراته دام ظله في مجلس الدرس ومن ملاحظاته بعد المذاكرة معه عند والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين هذا تمام الكلام في كتاب الاعتكاف وبه ينتهي ما اردنا ايراده في هذا الجزء وقد لاحظه سيدنا الاستاد دام ظله بكامله. وربما اضاف أو عدل عما كان بانيا عليه، فاصبحت هذه المجموعة حصيلة ما استفدنا من محاضراته دام ظله في مجلس الدرس ومن ملاحظاته بعد المذاكرة معه عند التقديم للطبع، ويقع الكلام بعد ذلك في كتاب الزكاة انشاء الله تعالى. وقد حرره بيمناه الداثرة تلميذه الاقل مرتضى خلف العلامة سماحة آية الله العظمى الحاج الشيخ علي محمد البروجردي - طاب ثراه - في جوار العتبة المقدسة العلوية في النجف الاشرف، وكان الفراغ من البحث في يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع المولود من السنة الخامسة والتسعين

[ 478 ]

بعد الالف والثلاثمائة، ومن الطبع في ربيع الثاني من السنة الثالثة بعد الالف والاربعمائة من الهجرة النبوية على مهاجرها الاف التحية والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين هذا تمام الكلام في كتاب الاعتكاف وبه ينتهي ما اردنا ايراده في هذا الجزء وقد لاحظه سيدنا الاستاد دام ظله بكامله. وربما اضاف أو عدل عما كان بانيا عليه، فاصبحت هذه المجموعة حصيلة ما استفدنا من محاضراته دام ظله في مجلس الدرس ومن ملاحظاته بعد المذاكرة معه عند التقديم للطبع، ويقع الكلام بعد ذلك في كتاب الزكاة انشاء الله تعالى. وقد حرره بيمناه الداثرة تلميذه الاقل مرتضى خلف العلامة سماحة آية الله العظمى الحاج الشيخ علي محمد البروجردي - طاب ثراه - في جوار العتبة المقدسة العلوية في النجف الاشرف، وكان الفراغ من البحث في يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع المولود من السنة الخامسة والتسعين

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية