الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصوم - السيد الخوئي ج 1

كتاب الصوم

السيد الخوئي ج 1


[ 1 ]

كتاب الصوم مستند العروة الوثقى محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله العالي الجزء الاول تأليف الشيخ مرتضى البروجردي

[ 2 ]

هوية الكتاب الكتاب: مستند العروة الوثقى - كتاب الصوم - محاضرات آية الله العظمى الخوئى المؤلف: الشيخ مرتضى الروجردى المؤلف: الشيخ مرتضى الروجردى الناشر: لطفي عدد المطبوع: 2000 سنة الطبع: 1364 السعر: المطبعة: العلمية - قم

[ 3 ]

كتاب الصوم مباحث النية إلى نهاية شرائط صحة الصوم

[ 5 ]

الجزء الاول

[ 8 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. وبعد فيقول العبد الاثيم المفتقر إلى عفو ربه الكريم مرتضى بن علي محمد ابن ابراهيم البروجردي النجفي عامله الله بلطفه الخفي هذا ما تيسر لي ضبطه من مباحث الصوم شرحا على العروة الوثقى للسيد الطباطبائي اليزدي طاب ثراه وهي نتيجة ما تلقيته من الابحاث القيمة والدروس الراقية التي القاها سماحة سيدنا الاستاد العلامة علم العلم وبدر سمائه قبلة المشتغلين وخاتمة المجتهدين المحقق المدقق زعيم الحوزة العلمية ومرجع الامة الذي القت إليه الرياسة الدينية ازمتها آية الله العظمى حضرة المولى الحاج السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي متع الله المسلمين بطول بقائه الشريف. وقد بذلت أقصى وسعي في الاحتفاظ برموز الدرس ودقائقه وكل ما أفاده في مجلس البحث وخارجه تذكرة لنفسي وتبصرة لغيري واسأله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وان ينفعني به واخواني من رواد العلم والفضيلة وان ينظروا إليه بعين الرضا والقبول وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[ 9 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصوم وهو الامساك عما يأتي من المفطرات بقصد القربة (1) وينقسم إلى الواجب والمندوب والحرام والمكروه، بمعنى قلة الثواب، والواجب منه ثمانية: صوم شهر رمضان، وصوم القضاء، وصوم الكفارة على كثرتها، وصوم بدل الهدى ] (1) لاريب في وجوب الصوم في الشريعة المقدسة كتابا وسنة بل وضرورة، بل قد عد في بعض الاخبار من مباني الاسلام (1). كما لا ريب في أن المطلوب فيه هو الاجتناب عن أمور معينة يأتي تفصيلها قد أشير إلى بعضها في قوله تعالى كلوا واشربوا حتى.. الخ فالمطلوب هنا أمر عدمي وهو الترك، كما هو الحال في تروك الاحرام، ومع وضوح ذلك فلا يهمنا تحقيق مفهوم الصوم اللغوي أو الشرعي وانه الكف أو الامساك أو التوطين ونحو ذلك مما قيل، فان البحث عنه قليل الجدوى وانما المهم بيان تلك المفطرت التي يجب الاجتناب عنها وستعرف الحال فيها ان شاء الله تعالى.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب مقدمة العبادات

[ 10 ]

[ في الحج وصوم النذر والعهد واليمين وصوم الاجارة ونحوها كالشروط في ضمن العقد، وصوم الثالث من أيام الاعتكاف وصوم الولد الاكبر عن أحد أبويه ووجوبه في شهر رمضان من ضروريات الدين (1) ومنكره مرتد يجب قتله ] نعم ينبغي التعرض لبيان الفرق بين العبادات الوجودية والعدمية فيما هو متعلق القصد والارادة حيث انهما يمتازان عن الآخر في كيفية النية. فان الواجب إذا كان فعلا من الافعال لابد في تحقق الامتثال من تعلق القصد وصدوره عن ارادة واختيار، وهذا بخلاف الترك فانه يكفي فيه مجرد عدم الارتكاب وان لم يستند إلى الاختيار لنوم أو غفلة، أو كان ذلك من جهة العجز وعدم القدرة، لحبس أو مرض، كمن به داء لا يتمكن معه من الجماع من عنن ونحوه، أو كان طعام لا يمكن الوصول إليه عادة كالمختص بالملك، أو ما هو في أقصى البلاد، أو كان مما لا يقبله الطبع ويشمئز منه ولو كان مباحا، ففي جميع ذلك يكفي في تحقق النية مجرد العزم على الترك على تقدير تمامية مقدمات الفعل وتحقق مبادئ وجوده، من القدرة والالتفات والرغبة، فيعزم على أنه لو تم ذلك كله لامسك عن الفعل على سبيل القضية الشرطية، إذ لو اعتبر فيها كون جميع التروك مستندا إلى القصد الفعلي كما في العبادات الوجودية لزم بطلان الصوم في الموارد المزبورة، مع ان صحتها كادت تكون ضرورية. (1) كما نص عليه جمع من الاصحاب. وعليه فمنكره منكر للضروري فيجري عليه حكمه، وقد تقدم في كتاب الطهارة عند البحث عن الكفر والاسلام ان انكار الضروري بمجرده ومن حيث هو لا يستوجب الكفر وانما يستوجبه من حيث رجوعه إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله المؤدي إلى انكار

[ 11 ]

[ ومن أفطر فيه لامستحلا عالما عامدا (1) ] الرسالة، وهو يختص بما إذا كان المنكر عالما بالحكم وبضروريته، فلا يحكم بكفر الجاهل بأحدهما لكونه جديد العهد بالاسلام أو نحوه ممن ليس له مزيد اطلاع بالاحكام وعليه فيعتبر في الحكم بالارتداد صدور الانكار ممن يعلم بضرورية الحكم وحينئذ فان كان فطريا يقتل، وان كان مليا يستتاب، فان تاب وإلا يقتل ان كان رجلا، أما المرأة فلا تقتل أصلا بل تحبس ويضيق عليها في المأكل والمشرب وتعزر عند أوقات الصلاة إلى أن يقضي الله عليها. (1) هذا في قبال المنكر المستحل المتقدم بيان حكمه آنفا ثم ان المفطر غير المستحل تارة يكون معذورا كالمريض والمسافر، وأخرى غير معذور كالفساق، وثالثة مشتبه الحال. أما الاول فلا اشكال فيه، واما الاخير الذي هو مردد بين المعذور وغيره فلا يجري عليه شئ لما هو المعلوم من الشرع من أنه لايقام الحد بمجرد الاحتمال، وقد اشتهر ان الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه الجملة وإن لم ترد في شئ من الروايات ما عدا رواية مرسلة ولفظها هكذا: (الحد يدرأ بالشبهة)، ولكن الحكم متسالم عليه بينهم إذ من المعلوم من الشرع أنه ليس بناء الاسلام على اجراء الحد في موارد الشبهة، كما يظهر ذلك بملاحظة الموارد المتفرقة التي منها مورد صحيحة بريد العجلي الآتية المتضمنة للسؤال عن موجب الافطار، فانها تدل على أنه لو ادعى شبهة يقبل قوله ويدرأ عنه الحد أو التعزيز، وإلا فما هي فائدة السؤال. انما الكلام في غير المعذور ممن يفطر عصيانا، فقد ذكر في المتن: انه يعزر بخمسة وعشرين سوطا، فان عاد عزر ثانيا، وان عاد قتل في الثالثة، والاحوط في الرابعة من أجل الاحتياط في باب الدماء.

[ 12 ]

أقول: اما أصل التعزير فقد دلت عليه صحيحة بريد العجلي، قال: سئل أبو جعفر (ع) عن رجل شهد عليه شهود انه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام، قال: يسئل هل عليك في افطارك اثم؟ فان قال: لا، فان على الامام أن يقتله، وان قال: نعم، فان على الامام أن ينهكه ضربا. (1) وأما التحديد بخمسة وعشرين سوطا فلم يرد إلا في رواية مفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع) في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة فقال عليه السلام: إن كان استكرهها فعليه كفارتان، وان كانت طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة، وان كان اكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد وان كان طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا وضربت خمسة وعشرين سوطا (2). ولكن موردها الجماع ولا دليل على التعدي إلى سائر المفطرات، على انها ضعيفة السند من جهات ولا أقل من جهة مفضل الذي هو ثابت الضعف، من أجل تضعيف النجاشي وغير اياه صريحا. نعم قد عمل بها المشهور، فان قلنا ان الرواية الضعيفة تنجبر بعمل المشهور فلا بأس بالعمل بها في موردها، وان أنكرنا هذه الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا فالرواية ساقطة، إذا لا دليل على تحديد التعزير بخمسة وعشرين، بل هو موكول إلى نظر الامام فله التعزير كيفما شاء ما لم يبلغ حد الحد الشرعي. ثم ان التعزيز كما هو ثابت في المرة الاولى ثابت في المرة الثانية أيضا بمقتضى اطلاق الدليل، اعني صحيح بريد المتقدم.


(1) الوسائل باب 2 احكام شهر رمضان حديث 1 (2) الوسائل باب 12 ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 13 ]

[ يعزر بخمسة وعشرين سوطا فان عاد عزر ثانيا فان عاد قتل على الاقوى (1) ] (1) قد عرفت ثبوت التعزير في المرتين الاوليين، وأما في الثالثة فيجب قتله كما عليه المشهور وقد دلت عليه صريحا موثقة سماعة قال: سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان وقد أفطر ثلاث مرات وقد رفع إلى الامام ثلاث مرات، قال: يقتل في الثالثة (1). ويدل عليه أيضا عموم صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي (ع) قال: أصحاب الكبائر كلها إذا اقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة (2). ومورده وان كان هو الحد، إلا انه لا خصوصية له، إذ يفهم منه عرفا أن من أجري عليه حكم الله مرتين سواء أكان هو الحد أم التعزير يقتل في الثالثة. فبمقتضى الموثقة الواردة في خصوص المقام، والصحيحة الواردة في مطلق الكبائر يحكم بوجوب القتل في المرة الثالثة، أما من بعد التعزيزين أو من بعد الحدين حسب اختلاف الموارد. وأما ما ذكره في المتن من ان الاحوط قتله في الرابعة فلا وجه له بعد نهوض الدليل على وجوب القتل في الثالثة كما عرفت، ولا تعطيل في حدود الله فلا سبيل للاحتياط وان كان مورده الدماء. نعم روى الشيخ في المبسوط مرسلا (ان اصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة) ولكن المرسل ليس بحجة ولا سيما مع عدم الجابر، على أنه معارض بالصحيح المتقدم وفي خصوص المقام بالموثق كما سبق فلا ينهض للمقاومة معهما.


(1) الوسائل باب 2 احكام شهر رمضان حديث 2 (2) الوسائل باب 5 من ابواب مقدمات الحدود حديث 1

[ 14 ]

[ وان كان الاحوط قتله في الرابعة وانما يقتل في الثالثة أو الرابعة إذا عزر في كل من المرتين أو الثلاث (1) وإذا ادعى شبهة محتملة في حقه درئ عنه الحد (2) ] (1) فلا يجزئ مجرد الارتكاب الخارجي بلغ عدده ما بلغ ما لم يرفع الامر إلى الامام مرتين ويجري عليه التعزيز في كل منهما فحينئذ يحكم بالقتل في الرفع الثالث، كما دلت عليه موثقة سماعة المتقدمة حيث حكم فيها بالقتل في الثالثة من الرفع لا من مجرد الافطار. وكما تدل عليه أيضا صحيحة بريد المتقدمة حيث ان المفروض فيها الافطار ثلاثة أيام، فقد حصل منه الافطار ثلاث مرات على الاقل كل يوم مرة، ولو فرض اكثر زاد عليه بكثير ومع ذلك حكم عليه السلام بالتعزير لكونه أول مرة يرفع أمره إلى الامام، فليس الافطار ثلاثة أيام بنفسه موضوعا للقتل، بل الموضوع هو الرفع كما صرح به في الموثق، وكذا ما تقدم في الصحيح من ان أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة، أي في الثالثة من الرفع، لا من ارتكاب الكبيرة للتصريح باجراء الحد عليهم مرتين. (2) - قدمنا ان الحكم المزبور من القتل أو التعزير مخصوص بغير المشتبه، أما هو فلا شئ عليه، وقلنا أنه يمكن استفادة ذلك من نفس صحيحة بريد، وتقريب الاستدلال انه عليه السلام حكم بالسؤال من المفطر وانه هل عليك في افطارك اثم أم لا؟ وانه يعزر مع الاعتراف، ويقتل مع الانكار. ومن المعلوم ان انكار الاثم على نحوين، فتارة ينكره للاستحلال وأخرى لاجل انه يرى نفسه معذورا لشبهة يدعيها محتملة في حقه، ولا

[ 15 ]

[ (فصل - في النية) يجب في الصوم القصد إليه مع القربة والاخلاص (1) كسائر العبادات ] - ريب في اختصاص القتل بالاول ضرورة انه مع الاعتراف لم يحكم بالقتل فكيف يحكم به مع دعوى العذر وإذ خص (ع) التعزير بالمعترف فمدعي العذر لا تعزير أيضا عليه كما لم يكن عليه قتل فلابد أن يطلق سراحه ويخلى سبيله فلا يقتل ولا يعزر. وبالجملة فالاقسام ثلاثة: منكر مستحل يقتل، ومعترف بالفسق يعزر ومن لا هذا ولا ذاك الذي لم تتعرض له الصحيحة يخلى سبيله ولا شئ عليه. (1) - لاريب في ان الصوم من العبادات فيعتبر فيه كغيره قصد القربة والخلوص، فلو صام رياء أو بدون قصد التقرب بطل. ويدلنا على ذلك - مضافا إلى الارتكاز في أذهان عامة المسملن، وان سنخه سنخ الصلاة والحج وغيرهما من سائر العبادات - ما ورد في غير واحد من النصوص من ان الاسلام بني على خمس: الصلاة، والزكاة، والصوم والحج، والولاية. إذ من الواضح البديهي أن مجرد ترك الاكل والشرب في ساعات معينة لا يصلح لان يكون مبنى الاسلام وأساسه، بل لابد أن يكون شيئا عباديا يتقرب به ويضاف إلى المولى، ولا سيما مع اقترانه بمثل الصلاة والولاية المعلوم كونها قربية، ويؤكده ما في ذيل بعض تلك النصوص من قوله عليه السلام: (أما لو أن رجلا قام ليله، وصام نهاره، وتصدق بجميع

[ 16 ]

[ ولا يجب الاخطار بل يكفي الداعي (1) ويعتبر فيما عدا شهر رمضان حتى الواجب المعين أيضا القصد إلى نوعه (2) ] ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه، وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ماكان له على الله حق في ثوابه. الخ " (1). فان من المعلوم من مثل هذا اللسان الذي لا يكاد يخفى على العارف بأساليب الكلام ان المراد بالشرط صيام الدهر بعنوان العبادة والاتيان بالمأمور به على وجه ما عدا جهة الولاية لا مجرد الامساك المحض، وهذا واضح لا غبار عليه. (1) كما تكرر البحث عنه في مطاوي هذا الشرح ولا سيما عند البحث حول نية الوضوء فلاحظ. (2) ذكرنا غير مرة أنه لا يعتبر في العبادة إلا أمران: أحدهما الاتيان بذات المأمور به والآخر قصد التقرب والاضافة إلى المولى نحو اضافة، فإذا تحقق الامران بأي نحو كان سقط الامر العبادي ولا يلزم أزيد من ذلك. ولكن تحقق الذات يختلف حسب اختلاف الموارد، إذ تارة يكون من الامور غير المعنونة بشئ كما في القيام والقعود والمشي ونحوها من الافعال الخارجية، ففي مثله يكفي الاتيان بنفس هذه الامور. وأخرى يكون معنونا بعنوان خاص به وقع تحت الامر وتعلق به التكليف، وان كانت نفس الذات الخارجية مشتركة بين أمرين أو امور، وهنا لا مناص من تعلق القصد بنفس العنوان تحقيقا لحصول الذات المأمور بها. وهذا كما في الظهرين فانهما وان اشتركتا في الصورة إلا ان كلا منهما


(1) الوسائل باب 1 مقدمة العبادات حديث 2 نقلا عن المحاسن كما في التعليق

[ 17 ]

[ من الكفارة أو القضاء أو النذر مطلقا كان أو مقيدا بزمان معين من غير فرق بين الصوم الواجب والمندوب ففي المندوب أيضا يعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيام البيض مثلا أو غيرها من الايام المخصوصة فلا يجزي القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع من غير فرق بين ما إذا كان ما في ذمته متحدا أو متعددا ففي صورة الاتحاد أيضا يعتبر تعيين النوع ويكفي التعيين الاجمالي كأن يكون ما في ذمته واحدا فيقصد ما في ذمته وان لم يعلم انه من أي نوع وان كان يمكنه الاستعلام أيضا بل فيما إذا كان ما في ذمته متعددا أيضا يكفي التعيين الاجمالي كأن ينوي ما اشتغلت ذمته به أولا أو ثانيا أو نحو ذلك ] تتقوم بعنوان به تمتاز عن الاخرى كما كشف عن ذلك قوله عليه السلام: " إلا ان هذه قبل هذه "، إذ لولا مراعاة العنوان من الظهرية والعصرية لم يكن أي معنى للقبلية والبعدية، لوضوح ان كل من أتى بثمان ركعات فطبعا تقع أربعة منها قبل الاربعة كما هو الحال في نفس الركعات من الصلاة الواحدة، فان الركعة الاولى واقعة قبل الثانية، وهي قبل الثالثة وهكذا. فعلمنا من هذا الحكم دخالة العنوان، فلو اخل به فقدم العصر أو أتى بذات الاربعة من غير قصد الظهر ولا العصر بطل ولم يقع مصداقا لشئ منهما. كما أن مسألة العدول أيضا كاشفة عن ذلك كشفا قطعيا، وإلا فلا معنى لمفهوم العدول هنا كما لا يخفى.

[ 18 ]

وكما في فريضة الفجر ونافلته حيث حكم عليهما بأن النافلة وقتها إلى طلوع الحمرة المشرقية وبعد ذلك تقدم فريضة الفجر مع أنهما متساويتان في الصورة، فعلمنا بذلك ان لكل منهما عنوانا به تمتاز عن الاخرى. وكما في مطلق الفريضة والنافلة من الصلاة والصيام حيث ورد النهي - تحريما أو تنزيها على الخلاف - عن التطوع في وقت الفريضة. فعلمنا ان هناك طبيعتين أمرنا باحداهما ونهينا عن الاخرى وان كانتا مشتركتين في الصورة ولا ميز بينهما إلا بعنوان الفريضة والنافلة. وهكذا الحال في الاداء والقضاء، وفي القضاء عن النفس أو الغير من الولي أو من الاجنبي باستيجار أو تبرع ونحوهما، فلو صلى أو صام من غير قصد الفريضة ولا النافلة أو بلا قصد الاداء ولا القضاء، أو قصد القضاء ولكن لا عن نفسه ولا عن غيره لم يقع مصداقا لشئ من ذلك. وقد وقع الكلام في جواز القضاء عن الغير باستيجار ونحوه ممن ذمته مشغولة بالقضاء عن نفسه. فيعلم من ذلك ان القضاء عن النفس وعن الغير طبيعتان كل منهما محكوم بحكم مغاير للآخر وان اتحدا صورة. وهكذا الحال في موارد صوم الكفارة والنذر، فان المعتبر تعلق القصد بكل من العنوانين فلو صام نذرا لا يقع عن الكفارة وبالعكس، كما أنه لو صام بلا قصد لا يقع عن شئ منهما. بل وكذا الحال لو كان الاختلاف من حيث التقييد بالزمان كصوم أيام البيض أو أول الشهر، فلو صام من غير قصد لجهل ونحوه لم يقع امتثالا لهذا الامر، وان كان هو صحيحا في نفسه، كما لو صلى في مكان ولم يدر أنه مسجد فطبعا لم يقصد الامر بالصلاة في المسجد، فهذه الخصوصية لم تقع. وعلى الجملة ففي جميع هذه الموارد نستكشف اختلاف الحقايق من

[ 19 ]

[ واما في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم وإن لم ينو ] اختلاف الآثار والاحكام وان اتحدت في الصورة، فلابد من قصد تلك العناوين رعاية لتحقق الذات المأمور بها، فكل خصوصية ملحوظة في المأمور به لا مناص من تعلق القصد بها حسبما عرفت. هذا كله في غير النافلة والنذر. وأما لو نذر صوم يوم أما مطلقا كصوم يوم من رجب، أو مقيدا كيوم أول جمعة منه، فهل يعتبر في سقوط الامر وتحقق الوفاء تعلق القصد بعنوان النذر؟ فلو اتفق أنه صام نافلة غافلا عن نذره حنث أم أنه يكتفي بذلك ولا حاجة إلى مراعاة القصد المزبور؟ لا يبعد المصير إلى الثاني بل لعله الظاهر، فان الامر النذري توصلي لا يحتاج سقوطه إلى قصد هذا العنوان، كما هو الحال في العهد واليمين والشرط في ضمن العقد ونحو ذلك. ومناط العبادية انما هو الامر النفسي الاستحبابي العبادي المتعلق بذات المتعلق وفي رتبة سابقة على الامر الناشئ من قبل النذر ونحوه دون هذا الامر، فانه توصلي كما عرفت فلا يجب قصده، فلو نذر أن يصلي نافلة الليل في ليلة خاصة فغفل، ومن باب الاتفاق صلى تلك الليلة برئت ذمته وتحقق الوفاء وان كان غافلا عنه. والحاصل أن ما ذكرناه: من أنه ربما يؤخذ في متعلق الامر عنوان قصدي كعنوان الظهر والعصر والقضاء والكفارة ونحو ذلك لا يجري في مثل النذر والنافلة لعدم أخذه في المتعلق بل المتعلق هو نفس النافلة وقد حصلت حسب الفرض والامر بالوفاء بالنذر توصلي ومناط العبادية شئ آخر كما عرفت ولا يكون النذر مشرعا، وإنما يتعلق بشئ مشروع في نفسه وعبادي قبل تعلق النذر به.

[ 20 ]

[ كونه من رمضان (1) بل لو نوى فيه غيره جاهلا أو ناسيا له أجزأ عنه. نعم إذا كان عالما به وقصد غيره لم يجزه ] (1) - هل يصح صوم آخر في شهر رضمان ليتردد فيحتاج إلى قصد التعيين أو انه لا يصح بل هو متعين فيه بالذات فلا يحتاج إلى القصد؟ فنقول إن للمسألة صورا: احداها ما إذا كان المكلف في نفسه ممنوعا من الصيام بلا فرق بين رمضان وغيره، في رمضان أو في غيره لفقد شرط أو وجود مانع من مرض أو سفر أو حيض أو نفاس ونحو ذلك، ولا اشكال في بطلان صومه والحال هذه بأي عنوان كان، فلو صام وهو في السفر ولو عن نذر - غير متقيد بالسفر - بطل، لان مادل على عدم جواز الصيام في السفر - إلا ما استثنى كما في بدل الهدي - يدل على عدم مشروعيته في نفسه من غير خصوصية لصوم رمضان. ولا حاجة إلى الاستدلال كما في الجواهر بالنبوي " ليس من البر الصيام في السفر " بل النصوص الصحيحة قد دلت على ذلك، التي منها صحيحة صيقل قال: كتبت إليه يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو اضحى أو ايام تشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه، أو كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه قد وضع الله عنك الصيام في هذه الايام كلها، ويصوم يوما بدل يوم (1). فيعلم منها: ان هذه الموارد التي منها السفر غير صالحة للصيام لا لاجل رمضان بل للمانع العام الشامل لغيره أيضا.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 2

[ 21 ]

الثانية: ما إذا كان الصوم سائغا من المكلف في حد نفسه، ولكنه لا يصح ايقاع صوم رمضان بالخصوص لكونه مسافرا، فهل يصح منه صوم يوم آخر لم يكن السفر مانعا عنه كما لو كان ناذرا صوم يوم في السفر إما مطلقا، أو على تقدير خاص، مثل أن نذر أن يصوم في اليوم الذي يولد له ولد وان كان في السفر، فولد له وهو في السفر وصادف أنه من شهر رمضان، فهل يصح منه الصوم حينئذ وفاء عن نذره أو لا؟ أما دعوى عدم الصحة استنادا إلى المزاحمة فغير قابلة للاصغاء، إذ المفروض عدم وقوع رمضان منه، ليكون طرفا للمزاحمة لسقوطه عن المسافر، وتعين القضاء عليه، فلابد إذا من البحث عن مانع آخر. وقد قيل بل ادعي الاجماع عليه أن أيام رمضان لا تقبل أي صوم ما عدا صوم رمضان، فان كان المكلف معذورا منه انتفى عنه كل صوم في هذا الشهر، فحال أيام رمضان حال الليالي بالنسبة إلى ساير أقسام الصيام. وعليه فلا يصح صوم النذر في الفرض المزبور. ويندفع بعدم تحقق الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم (ع) ولم ترد رواية تدل على المنع والآية المباركة أيضا لا تقتضيه، فان قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر.. الخ) ناظر إلى أن المسافر لا يجب عليه صوم رمضان، لا أنه لا يصح منه صوم آخر وان الشهر لا يكون قابلا لما عداه، فهي أجنبية عن التعرض لصوم النذر وغيره بالكلية فليس لدينا أي دليل يدل على المنع، فنبقى نحن ومقتضى القاعدة، ولا ريب ان مقتضاها هو الجواز أخذا باطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر المتعلق بالصوم في السفر - بعد الفراغ عن صحة هذا النذر في نفسه كما هو المفروض - الشامل لما إذا كان السفر في رمضان. وعليه فالاقوى صحة الصوم المزبور بل وجوبه عملا بالنذر إلا ان

[ 22 ]

[ كما لا يجزى لما قصده أيضا بل إذا قصد غيره ] يقوم اجماع على الخلاف وقد عرفت الحال فيه. الثالثة: ما إذا كان مكلفا بالصيام من شهر رمضان. والبحث هنا يقع في جهات: الاولى: هل الصوم في شهر رمضان معنون بعنوان خاص يجب قصده لذى التصدى لامتثاله فلا يكفي مجرد صوم الغد أو انه عار عن العنوان وغير متقيد بشئ؟ فصل في المتن بين صورتي العلم بعدم صحة غير رمضان في رمضان والجهل بذلك فيكفي صوم الغد في الاول ولا حاجة إلى قصد خصوصية رمضان بعنوانه الخاص، بل يكفي تعلق القصد بطبيعي الصوم، وهذا بخلاف الثاني إذ مع الجهل وتخيل صحة صوم آخر فيه، فللصوم في هذا الشهر أقسام بنظره ولم يقصد قسما خاصا، ولاجله احتاط في كفاية صوم الغد واعتبر حينئذ تعيين كونه من رمضان. ولكن الظاهر عدم الفرق بين القسمين. اما في القسم الاول فلا ينبغي الاشكال في الصحة، فان الملتفت إلى أنه لا يصح منه أي صوم إلا رمضان وقد قصد طبيعي الصوم وتقرب بذلك فلا جرم يكون هذا منه اشارة اجمالية ونية ارتكازية إلى صوم رمضان بطبيعة الحال. ولو تنازلنا عن هذا البيان وفرضنا عدم استقامته أمكن تصحيح الصوم المزبور بوجه آخر يظهر منه الحال في القسم الثاني أيضا بمناط واحد وهو أنه لم يظهر من شئ من الادلة لا الكتاب ولا السنة أخذ عنوان شهر رمضان في صحة صومه حتى يلزم قصده، بل اللازم تعلق القصد بنفس الصوم، مع العلم بأن غدا من رمضان كما هو ظاهر قوله تعالى: (فمن شهد منكم

[ 23 ]

[ عالما به مع تخيل صحة الغير فيه ثم علم بعدم الصحة وجدد نيته قبل الزوال لم يجزه أيضا بل الاحوط عدم الاجزاء إذا كان ] الشهر فليصمه) أي من علم بالشهر يصوم ذلك الشهر، بحيث يكون الشهر ظرفا للصوم لا قيدا مأخوذا في العنوان ليلزم تعلق القصد به. نعم يعتبر ان لا يقصد عنوانا آخر من العناوين المضادة لرمضان كالكفارة أو النيابة أو القضاء ونحو ذلك مما لا ينطبق عليه، وأما إذا لم يقصد شيئا منها وقصد طبيعي الصوم غدا القابل للانطباق على رمضان فلم يدل أي دليل على عدم الاجتزاء به، فالقيد المعتبر عدمي لا وجودي، أي يعتبر أن لا يؤخذ عنوان آخر لا أن يؤخذ عنوان رمضان ولا فرق في ذلك بين العالم والجاهل من الشاك أو المعتقد بالخلاف، فمتى قصد الطبيعي ولم يقيده بعنوان آخر صح وكان مصداقا للواجب. وبعبارة أخرى الصوم في شهر رمضان كالصوم في ساير الايام، غاية الامر ان الصوم في ساير الايام بعنوان أنه صوم مستحب وهنا واجب، ولم يؤخذ في شئ منهما عنوان آخر وراء نفس الطبيعة. نعم قد يقصد عنوان آخر مضاد ولاجله لا يقع عن رمضان وذلك أمر آخر نتكلم فيه. فتحصل أن صوم رمضان لا يتوقف الا على نية طبيعي الصوم المقيد بعدم قصد عنوان آخر وبقصد التقرب وكلا الامرين حاصل حسب الفرض والعلم والجهل في ذلك شرع سواء. الجهة الثانية: لو قصد الملتفت إلى أن غدا من رمضان وهو مكلف به صوما آخر من قضاء أو كفارة ونحوهما سواء كان عالما بتعين رمضان عليه أم جاهلا بذلك فهل يصح صومه؟ أما بالنسبة إلى صوم رمضان والاجتزاء به عنه فلا ينبغي الشك في

[ 24 ]

[ جاهلا بعدم صحة غيره فيه وان لم يقصد الغير أيضا بل قصد الصوم في الغد مثلا فيعتبر في مثله تعيين ] عدم الصحة لعدم اتيانه بالمأمور به، فاته كان متقيدا بعدم قصد عنوان آخر حسبما عرفت في الجهة السابقة والمفروض قصده فما هو المأمور به لم يأت به، وما أتى به لم يكن مأمورا به من رمضان، والاجزاء يحتاج إلى الدليل ولا دليل وهذا ظاهر. وأما بالنسبة إلى الصوم الآخر الذي قصده فالمشهور والمعروف هو عدم الصحة، بل قد ادعي الاجماع والتسالم على أن شهر رمضان لا يقبل صوما غيره، ولكن من المحتمل بل المظنون، بل المقطوع به ولا أقل من الاطمئنان أن اكثر من ذهب إلى ذلك إنما ذهبوا بناء منهم على امتناع الامر بالضدين فانه مأمور بالصيام من رمضان على الفرض فكيف يؤمر في عين الحال بصوم آخر مضاد له سواء قلنا بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده أم لا. أما على الاول فواضح، وكذا على الثاني اذلا أقل من عدم الامر كما ذكره شيخنا البهائي فتفسد العبادة من أجل عدم الامر بها. ولكن بناء على ما سلكناه في الاصول وسلكه من سبقنا من جواز الامر بالضدين على سبيل الترتب - بأن يؤمر بأحدهما مطلقا، وبالآخر على تقدير ترك الاول من غير أي محذور فيه حسبما فصلنا القول فيه في محله، وشيدنا تبعا لشيخنا الاستاد (قده) أساسه وبنيانه - كان مقتضي القاعدة هو الحكم بالصحة في المقام: بأن يؤمر أولا بصوم رمضان ثم بغيره على تقدير تركه فان هذا ممكن في نفسه حتى على القول بان الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده فضلا عن عدمه، إذ هو نهي غيري لا يقتضي الفساد بوجه وقد

[ 25 ]

أشرنا في محله إلى ان امكانه مساوق لوقوعه من غير حاجة إلى التماس دليل بالخصوص. وعليه فالحكم بالفساد مشكل جدا لعدم تمامية الاجماع، بل الجزم بعدم التمامية ومقتضى القاعدة هو الحكم بالصحة حسبما عرفت. ثم ان المحقق الهمداني (قده) ذكر أنه لو قصد الملتفت إلى رمضان صوما غيره جهلا بحيث تمشى منه قصد القربة وقع عن رمضان دون ما نواه نظرا إلى أنه لا يعتبر في رمضان قصد الخصوصية ولا تتقوم حقيقته بشئ عدا الامساك في هذا الوقت متقربا إلى الله تعالى وقد حصل، وقصد الخلاف زائد يلغى ولا يكون قادحا فانه من باب الخطأ في تشخيص الامر المتوجه إليه، فكان الداعي هو ما تخيله لا ما أمر به ولا ضير فيه بعد حصول الفعل على الوجه الذي تعلق به الطلب كما عرفت. ويندفع بما اسلفناه قريبا من أن صوم رمضان وإن لم يكن مقيدا بخصوصية وجودية إلا أنه مقيد بعنوان عدمي وهو عدم قصد الخلاف من ساير أقسام الصيام المانع عن انطباق الطبيعي على رمضان وهو غير متحقق في المقام. وعلى الجملة اما أن يتعلق القصد بطبيعي الصوم على الاطلاق أو بالمقيد برمضان، أو بالمقيد بخلافه ولا رابع، فان الاهمال في الواقعيات أمر غير معقول، والصحة تتوقف على تعلق القصد بأحد النحوين الاولين وهما منفيان في المقام لفرض تعلق النية بالخلاف الذي هو النحو الثالث الباطل، ولا يصححه حديث الخطأ إذ بعد أن أوجب فقد القيد العدمي المزبور المانع عن الانطباق على رمضان فكيف يقع عنه. نعم يصح عما نواه على سبيل الترتب على النحو الذي عرفت، ويكون عاصيا في صورة العلم، معذورا في صورة الجهل كما هو ظاهر.

[ 26 ]

[ كونه من رمضان كما ان الاحوط في المتوخي أي المحبوس (1) ] الجهة الثالثة: لو قصد في رمضان غيره جاهلا أو ناسيا ثم انكشف الخلاف فهل يجزئ عنه؟ أما في الجاهل بالحكم فقد عرفت أنه لا يجزئ وان علم بالحال أثناء النهار وجدد النية قبل الزوال كما ذكره في المتن، لان صوم رمضان مقيد بقيد عدمي، وهو أن لا ينوي غيره كما مر، والمفروض أنه نوى ذلك، ولا دليل على اجزاء غير المأمور به عن المأمور به، كما لا دليل على جواز التجديد في المقام بعد كونه خلاف الاصل. وأما في الجاهل بالموضوع أي ان هذا اليوم من رمضان كما لو صام في يوم الشك بعنوان شعبان ثم بان انه من رمضان فقد دلت الروايات المستفيضة على الاجتزاء والصحة وان ذلك يوم وفق له. وهل يلحق به الناسي كما لو رأى الهلال ثم ذهل وغفل وصام تطوعا مثلا ثم ذكر أثناء النهار، فهل له العدول؟ الظاهر هو اللحوق، فانه وان كان خارجا عن مورد النصوص إلا أن الفهم العرفي من تلك الاخبار يقتضي عدم الفرق بينه وبين الجهل، وان هذه الخصوصية ملغاة وغير دخيلة في مناط الحكم، ولذا لو فرضنا عدم جهله بل كان عالما قاطعا بأن غدا من شعبان فصامه تطوعا ثم بان الخلاف قبل الزوال فلا اشكال في شمول الحكم له وان كان خارجا أيضا عن مورد تلك النصوص، ضرورة ان مثل التعبير بقوله: يوم وفق له، يدلنا بوضوح على عدم خصوصية للجهل في ثبوت هذا الحكم بوجه كما لا يخفي. (1) - لا يخفى ان مثل المحبوس ونحوه ممن لا علم له بشهر رمضان ولا يمكنه الاستعلام بما انه يعلم اجمالا بوجوب صيام شهر في مجموع السنة

[ 27 ]

[ الذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظن أيضا ذلك أي اعتبار قصد كونه من رمضان، بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوة مسألة: 1 لا يشترط التعرض للاداء والقضاء (1) ] فمقتضى القاعدة هو الاحتياط بصيام الجميع تحصيلا للقطع بالفراغ، ولكن الاجماع قائم على عدم وجوبه في حقه مضافا إلى أن الامر فيه دائر بين محذورين إذ كل يوم كما يحتمل أن يكون من رمضان يحتمل أيضا أن يكون من الايام التي يحرم صومها كالعيدين، وعليه فلا مناص من التنزل عن الامتثال القطعي إلى التوخي والامتثال الظني إن امكن، وإلا فالى الامتثال الاحتمالي، وحينئذ فصومه بحسب الواقع دائر بين امور ثلاثة لانه اما ان يقع قبل رمضان أو فيه أو بعده. فإذا انكشف الحال وكان الاول فهو تطوع ولا يجزئ عن رمضان إذ لا دليل على الاجزاء قبل حلول الايجاب. وان كان الثاني فهو المطلوب ويجزي حتى مع عدم تبين الحال واستمرار الجهل، فيكف بما إذا علم به وظهر. وان كان الثالث كان قضاء. وعلى ذلك فالمأتي به مردد بين التطوع ورمضان وقضائه، ولاجله لابد من تعيين انه من رمضان ليحسب منه إما اداء أو قضاء، وإلا فلو لم يعين وقصد طبيعي الصوم لم يقع عنه بل كان نافلة وتطوعا، فمن هذه الجهة احتاط (قدس سره) بالتعيين، بل ذكر ان وجوبه لا يخلو من قوة. (1) نفى (قدس سره) اشتراط جملة من الامور في تحقق العبادة لعدم دخلها في مسمى الطاعة، وهو وجيه في الجملة لا بالجملة لعدم خلو بعضها من المناقشة.

[ 28 ]

[ ولا الوجوب والنذر ولا سائر الاوصاف الشخصية، بل لو نوى شيئا منها في محل الآخر صح، إلا إذا كان منافيا للتعيين مثلا إذا تعلق به الامر الادائي فتخيل كونه قضائيا فان قصد الامر الفعلي المتعلق به واشتبه في التطبيق فقصده قضاء صح وأما إذا لم يقصد الامر الفعلي بل قصد الامر القضائي بطل لانه مناف للتعيين حينئذ وكذا يبطل إذا كان مغيرا للنوع كما إذا قصد الامر الفعلي لكن بقيد كونه قضائيا مثلا أو بقيد مغير للنوع ويرجع إلى عدم قصد الامر الخاص. ] أما التعرض للاداء والقضاء فمما لابد منه ضرورة اختلاف متعلق أحدهما عن الآخر، فان الاول هو العمل المأتي به في الوقت المضروب له والثاني هو الفعل في خارج الوقت ويتعلق به أمر آخر على تقدير ترك الاول فهما متعددان أمرا ومتغايران متعلقا، فإذا تعدد المأمور به فلا مناص من قصده ولو اجمالا ليمتاز عن غيره، فلو صام وهو لا يدري أنه أداء أو قضاء ولكن قصد الامر الفعلي الذي هو نوع تعيين للمأمور به ولو بالاشارة الاجمالية كفى، أما لو قصد أحدهما مرددا أو معينا وبقيد كونه أداء مثلا ثم انكشف الخلاف بطل، لعدم تعلق القصد بالمأمور به، وغيره لا يجزئ عنه. وأما نية الوجوب والندب فغير معتبرة كما ذكره في المتن، لانهما خصوصيتان قائمتان بنفس الامر ولا يختلف متعلق أحدهما عن الآخر. فليست هذه الخصوصية مأخوذة في المتعلق كما في الاداء والقضاء لتلزم

[ 29 ]

رعايتها وانما هي من عوارض الامر نفسه مع وحدة المتعلق وهو الصوم الكذائي، فلو تخيل أن صوم شهر رمضان مستحب فصام بقصد القربة وامتثال الامر فقد تحققت العبادة، كما لو تخيل ان صلاة الليل واجبة فصلى بتخيل الوجوب فانها تصح، وان كان ذلك بنحو التقييد، بحيث لو كان يعلم انها غير واجبة لم يكن ليقوم في جوف الليل إذ لا أثر للتقييد في أمثال المقام من الموجودات الخارجية ولا الجزئيات الحقيقية، وانما يتجه التقيد في العناوين الكلية، كما تكررت الاشارة إليه في مطاوي هذا الشرح. ومن ثم حكمنا بصحة الاقتداء خلف من في المحراب بعنوان انه زيد فبان أنه عمرو وان كان ذلك بنحو التقييد إذ لا يعقل التقييد لدى التحليل، فان الاقتداء جزئي خارجي دائر أمره بين الوجود والعدم ولا اطلاق فيه كي يقيد. وجميع هذه الموارد وما شاكلها انما هي من باب تخلف الداعي دون التقييد. وكيفما كان فليس الوجوب والاستحباب مثل الاداء والقضاء فانهما من خصوصيات الامر، وهذان من خصوصيات المأمور به، وهذا هو الفارق الموجب للزوم تعلق القصد بالثاني دون الاول فلا يقاس أحدهما بالآخر. هذا على مسلك المشهور من كون الوجوب والاستحباب مجعولين شرعا - وأما على ما هو للتحقيق من أنهما بحكومة العقل ومنتزعان من اقتران طلب المولى بالترخيص في الترك وعدمه، وانه على الثاني يستقل العقل بمقتضى قانون العبودية والمولوية بوجوب الطاعة دون الاول فالامر أوضح لعدم كونهما حينئذ لامن خصوصيات المأمور به ولا من خصوصيات الامر. وأما سائر الخصوصيات والاوصاف الشخصية فمن الضروري عدم لزوم تعلق القصد بها لعدم دخلها في المأمور به كالامر بوجه ولا يخلو عنها أي فرد فان صيام رمضان هذا العام بقيد أنه عام ثلاثة وتسعين بعد الالف

[ 30 ]

[ مسألة 2: إذا قصد صوم اليوم الاول من شهر رمضان فبان أنه اليوم الثاني مثلا أو العكس صح (1) وكذا لو قصد اليوم الاول من صوم الكفارة أو غيرها فبان الثاني مثلا أو العكس وكذا إذا قصد قضاء رمضان السنة الحالية فبان انه قضاء رمضان السنة السابقة وبالعكس. ] والثلاثمائة وفي الخريف من الفصول لا مدخل له في الصحة لتلزم النية، وما اكثر تلك الخصوصيات فلو قصدها واخطأ لم يقدح في الصحة. وقد تقدم ان العبادة تتقوم بركنين: الاتيان بذات العمل، وقصد القربة الخالصة، ولا يعتبر شئ آخر أزيد من ذلك. (1) - لان خصوصية اليوم الاول أو الثاني من صوم رمضان أو غيره وكذا كون القضاء من هذه السنة أو السابقة بأن كان حدوث الامر بالقضاء سابقا أو لاحقا كل ذلك من قبيل الاوصاف الشخصية التي عرفت في المسألة السابقة عدم اعتبارها في النية لعدم دخلها في الامر ولا في المتعلق فلا يلزم قصدها، بل لا يضر قصد الخلاف خطأ بعد أن أتى بذات العمل متقربا وهذا نظير مالو أجنب واعتقد أن عليه غسلا سببه حدث في هذا اليوم فبان انه اليوم الآخر أو بالعكس، فان ذلك لا يضر بالصحة بوجه كما هو ظاهر. نعم لو كان عليه قضاءان أحدهما من هذه السنة والآخر من السنة السابقة فحيث ان أحدهما - وهو القضاء عن السنة الحالية - يختص بأثر وهو سقوط الكفارة - لثبوتها لو لم يقض حتى مضى الحول - فنحتاج في ترتب الاثر إلى تعلق القصد بهذه السنة بالخصوص، وإلا فلو نوى طبيعي القضاء

[ 31 ]

[ مسألة 3: لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل فلو نوى الامساك عن أمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى (1) مسألة 4: لو نوى الامساك عن جميع المفطرات ولكن تخيل ان المفطر الفلاني ليس بمفطر (2) فان ارتكبه ] من غير القصد المزبور وقع عما هو أخف مؤونة وهي السنة السابقة المشاركة مع هذه السنة في أصل القضاء دون الحالية، لاحتياجها كما عرفت إلى عناية زائدة ولحاظ الخصوصية حتى تؤثر في سقوط كفارة التأخير والمفروض عدمها فهو امتثال لمطلق الطبيعة المنطبق قهرا على السابقة لكونها خفيفة المؤونة، ولا يكون مصداقا لامتثال الشخص ليترتب عليه الاثر. وهذا نظير مالو كان مدينا لزيد بعشرة دنانير وقد كان مدينا له أيضا بعشرة أخرى بعنوان الرهانة، فأدى عشرة لطبيعي الدين من غير قصد فك الرهن، فحيث انه لم يقصد هذه الخصوصية فلا جرم كانت باقية، وينطبق الطبيعي على الاول الاخف مؤونة بطبيعة الحال. (1) - فيما إذا كان ضم غير المفطر ونية الامساك عن الكل من باب الاحتياط ومقدمة للامساك عن جميع المفطرات المعلومة اجمالا لا من باب التشريع، وذلك لكفاية النية الاجمالية بعد تحقق الصوم منه متقربا، إذ لا دليل على لزوم معرفتها بالتفصيل، وهكذا الحال في باب تروك الاحرام. (2) - أما البطلان في فرض ارتكاب ما تخيل عدم مفطريته كالارتماس فلاستعمال المفطر وان لم يعلم به لعدم اناطته بالعلم فيجب القضاء، وفي ثبوت الكفارة بحث سيجيئ في محله ان شاء الله تعالى.

[ 32 ]

[ في ذلك اليوم بطل صومه وكذا ان لم يرتكبه ولكنه لاحظ في نيته الامساك عما عداه واما ان لم يلاحظ ذلك صح صومه في الاقوى. ] وأما فرض عدم الارتكاب فهو على نحوين: إذ تارة يلاحظ في، نيته الامساك عما عداه، بحيث تكون النية مقصورة على ما عدا الارتماس ومقيدة بعدم الاجتناب عنه، ولا ريب في البطلان حينئذ أيضا لانه لم ينو المأمور به تماما وعلى وجهه المقرر شرعا، فانه الامساك عن أمور، ومنها الارتماس ولم يتعلق القصد بهذا المجموع وانما نوى بعضه وجزءا منه الذي هو مأمور ضمنا لا استقلالا وهو لا يكفي عن نية الكل كما هو واضح. واخرى لم يلاحظ ذلك بل نوى الامساك من غير تقييد وقد حكم الماتن (قدس سره) بصحته في هذه الصورة، ولكنه لايتم على اطلاقه بل ينبغي التفصيل فانها أيضا على قسمين: إذ تارة ينوي الامساك اجمالا عن كل ما يكون مفطرا في الشريعة أو ما هو موجود في الرسالة غير أنه لا يعلم ان الارتماس مثلا مفطر أو انه يعتقد عدمه، كما ربما يتفق ذلك لكثير من عوام الناس، فان العلم التفصيلي بجميع المفطرات خاص بذوي الفضل وبعض الاخيار، أما غالب العوام فلا يدرون بها ولا يسعهم تعدادها ومع ذلك يقصدون الصوم الذي أمر به الشارع، وهنا يحكم بالصحة كما ذكره الماتن، لان عدم ارتكاب الارتماس مثلا داخل في المنوي حينئذ اجمالا لا تفصيلا وهو كاف كما تقدم. وأخرى تلاحظ النية مهملة من هذه الناحية بحيث لم يكن الارتماس منويا بالكلية لا تفصيلا ولا اجمالا، ولا ينبغي التأمل في البطلان حينئذ

[ 33 ]

[ مسألة 5: النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نية النيابة (1) وان كان متحدا. نعم لو علم باشتغال ذمته بصوم ولا يعلم انه له أو نيابة عن الغير يكفيه أن يقصد ما في الذمة (2). مسألة 6: لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره (3) واجبا كان ذلك الغير أو ندبا سواء كان مكلفا بصومه أو لا كالمسافر ونحوه فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغير سواء كان عالما بانه رمضان، أو جاهلا، وسواء كان عالما بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلا، ولا يجزى عن رمضان أيضا إذا كان مكلفا به مع العلم والعمد نعم يجزى عنه مع الجهل، أو النسيان كما مر ولو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي ايضا لم يصح قضاء، ولم يجز عن رمضان أيضا مع العلم والعمد. ] كما في الصورتين الاوليين لعدم قصد المأمور به على وجهه الراجع إلى عدم قصد الامتثال كما هو ظاهر. (1) - إذ بعد أن رخص الشارع في النيابة وتفريغ ذمة الغير - الذي هو أمر على خلاف القاعدة كما لا يخفى - من الميت أو الحى كما في الحج في بعض الموارد فانما تتحقق النيابة ويقع الفعل عن المنوب عنه بالقصد والاضافة إليه، والا فبدونه لا يتحقق عنه، بل يقع فعل نفسه عن نفسه بطبيعة الحال. (2) لرجوعه إلى قصد النيابة على تقديرها، وهو كاف كما لا يخفى. (3) - تقدم الكلام حول هذه المسألة مستقصى فلاحظ ان شئت ولا نعيد.

[ 34 ]

[ مسألة 7: - إذا نذر صوم يوم بعينه لاتجزئه نية الصوم بدون تعيين انه للنذر ولو اجمالا كما مر (1) ولو نوى غيره فان كان مع الغفلة عن النذر صح وان كان مع العلم والعمد ففي صحته اشكال ] (1) - قد يفرض تعلق النذر بطبيعى الصوم على وجه الاطلاق من غير تقييد بقسم خاص. وأخرى يكون مقيدا بحصة خاصة ونوع معين كقضاء أو كفارة ونحوهما. أما الاول فلا اشكال فيما إذا صام قاصدا به عنوان الوفاء بالنذر. وأما إذا صام من غير قصد الوفاء، بل نوى مجرد القضاء أو التطوع ونحو ذلك فهل يسقط به النذر؟ حكم في المتن بعدم السقوط وانه لابد من تعيين أنه للنذر ولو اجمالا. وليس له وجه ظاهر، فان الامر الناشئ من قبل النذر توصلي لا يجب قصده، غاية الامر انه لا يتحقق الامتثال من غر قصد فلا يستحق الثواب، أما السقوط فلا ينبغي التأمل فيه. وربما يقال إن النذر كالدين في اعتبار الملكية للغير في الذمة، فكأن الناذر يملك بالنذر عمله لله تعالى ويكون سبحانه مالكا لعمله على ذمته، كما ان الدائن يملك ما في ذمة المدين، فكما أنه في الدين يلزم في وفائه قصد أدائه وإلا كان عطاءا ابتدائيا، فكذلك في الوفاء بالنذر فلابد من تعلق القصد كي يكون تسليما للدين. ويندفع بأنه لا معنى للملكية الاعتبارية له بسحانه كما لا يخفى، ولو أريد أنه كالدين في وجوب تفريغ الذمة عنه وان امتثاله مطلوب من العبد فهذا لا يختص بالنذر بل جميع الواجبات الالهية من هذا القبيل.

[ 35 ]

ولو فرضنا صحة ذلك فانما يتم في نذر الكلي كما لو نذر صوم يوم من هذا الشهر فان انطباقه على الفرد يتوقف على القصد كما هو الحال في الدين الذي هو من أجل تعلقه بالذمة كلي دائما ولا يتصور فيه التشخص فلا جرم احتاج إلى القصد. وأما النذر الشخصي المعين كما هو المفروض في المقام فانه متعين بنفسه من غير حاجة إلى التعيين فلا يلزمه قصد الوفاء، وهذا نظير الوديعة التي لا تتعلق إلا بالشخص، فلو أرجعها الودعي إلى صاحبها غافلا وبلا التفات إلى انها امانة ووديعة فقد دفع الامانة وان لم يكن قاصدا للعنوان. وقد يقال أيضا إن الامر بالوفاء بالنذر وان كان توصليا إلا انه انما يفترق عن التعبدي من جهة لزوم قصد القربة وعدمه واما من ناحية قصد العنوان فيما إذا كان متعلقا للامر فهما سيان، ولابد من قصده على كل حال، وإلا لم يأت بالواجب، ومن المعلوم ان المأمور به في المقام هو عنوان الوفاء بالنذر فلا مناص من قصده. ومن هذا القبيل وجوب رد السلام فانه وان كان توصليا إلا أنه لابد من تعلق القصد بعنوان رد التحية ولا يكفي من غير قصد. ويندفع بأن الوفاء بالنذر كالوفاء بالبيع، وليس إلا عبارة عن انهاء التزامه، أي الاتيان بما تعلق به نذره، وما التزم به، فليس هو عنوانا زائدا على نفس الفعل الخارجي ليتوقف على القصد، فكما ان الوفاء بالعقد ليس معناه إلا العمل بمقتضاه والقيام به وانهاء العقد وعدم الفسخ ولا يتضمن عنوانا آخر وراء العمل الخارجي، فكذا الوفاء بالنذر لا يراد به إلا الاتيان بما تعهد به والزمه على نفسه، فلو فعل ذلك فقد وفي بنذره إذ الانطباق قهري والاجزاء عقلي. ويؤيد ذلك بل يعينه ويؤكده ان الامر بالوفاء ليس حكما ابتدائيا

[ 36 ]

مجعولا من قبل الشارع لكي يدعي - فرضا - تعلق الوجوب بعنوان الوفاء وانما هو التزام من قبل المكلف نفسه فالتزم بشئ والزمه الله سبحانه بالعمل بما التزم وأقر مقره. من المعلوم ان المكلف انما التزم بالاتيان بذات الصوم لا بعنوان الوفاء فلا يكون الواجب عليه أيضا إلا هذا الذي تعلق به التزامه نظير الوفاء بالشرط في ضمن العقد كالخياطة، فانه لا يجب عليه قصد عنوان الوفاء بلا شرط. والحاصل ان الوجوب لو كان ابتدائيا أمكن فيه تلك الدعوى (وان كان على خلاف الظهور العرفي) ولكنه امضاء لما التزمه الناذر وافترضه على نفسه وجعله على ذمته، كما عبر بمثل ذلك في بعض الروايات من أنه جعل على نفسه صوما، فليس الوفاء بالنذر عنوانا خاصا وأمرا زائدا على الاتيان بما تعلق به النذر. وعليه فيسقط الامر وان لم يقصد عنوان الوفاء. وأما الثاني: أعني ما لو كان المنذور المعين مقيدا بحصة خاصة ومعنونا بعنوان خاص كصوم القضاء أو الكفارة أو التطوع ونحو ذلك. فان أتى بتلك الحصة وقصد العنوان الخاص ولكن لم يقصد عنوان الوفاء بالنذر لغفلة ونحوها، فالكلام هو الكلام المتقدم من عدم لزوم قصد هذا العنوان فانه توصلي، والعبادية انما نشأت من الامر المتعلق بنفس المنذور الثابت بعنوان القضاء أو الكفارة ونحوهما، والمفروض تعلق القصد بذاك العنوان فقد أتى بنفس المنذور، وما تعلق به التزامه فلا حنث أبدا وانما يحنث لو لم يأت بالمتعلق، وقد عرفت انه قد أتى به على ما هو عليه، غايته انه لم يترتب عليه ثواب امتثال النذر لفقد القصد. وأما إذا لم يقصد تلك الحصة فصام بعنوان آخر غير العنوان الخاص المأخوذ في متعلق النذر، فكان المنذور هو صوم القضاء، فصام بعنوان

[ 37 ]

[ مسألة 8: - لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها وقضاء رمضان السنة الماضية (1) لا يجب عليه تعيين انه من أي منهما بل يكفيه نية الصوم قضاء وكذا إذا كان عليه ] الكفارة مثلا، فقد حنث وخالف نذره، ولم يسقط أمره لعدم الاتيان بمتعلقه. وبذلك افترق هذا القسم غن القسم الاول، لان المنذور هناك كان هو طبيعي الصوم على سعته وأطلاقه، فيتحقق الوفاء بأي فرد كان، وأما هنا فقد تعلق بحصة خاصة، والمفروض عدم الاتيان بها فلم يتحقق الوفاء. وهل يحكم حينئذ بصحة الصوم المأتي به خارجا كصوم الكفارة في المثال المزبور. لا ينبغي الاشكال في الصحة إذا كان ذلك مع الغفلة عن النذر لانه عبادة في نفسه، وليس هناك أي مانع عن صحته ما عدا المزاحمة مع الوفاء بالنذر، فإذا لم يكن الامر بالوفاء فعليا لغفلة ونحوها فلا مزاحمة ولم يكن أي محذور من تعلق الامر به فيقع صحيحا لا محالة. وأما مع العلم والعمد فيدخل المقام تحت الكبرى الكلية من أن الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده أو لا؟ وعلى الثاني فهل يمكن تعلق الامر بالضد على سبيل الترتب أو لا؟ وعلى الثاني فهل يمكن تصحيح العبادة من طريق الملاك أو لا؟ والحاصل أنه لا خصوصية للمقام، ولا يزيد على تلك الكبرى بشئ وحيث ان التحقيق امكان الامر بالضدين على نحو الترتب فلا مانع من الالتزام بالصحة في المقام، وان كان عاصيا من جهة مخالفة النذر. (1) - مر الكلام حول ذلك في ذيل المسألة الثانية فلاحظ ولا نعيد.

[ 38 ]

[ نذران كل واحد يوم أو أزيد وكذا إذا كان عليه كفارتان غير مختلفتين في الآثار. مسألة 9: - إذا نذر صوم يوم خميس معين ونذر صوم يوم معين من شهر معين فاتفق في ذلك الخميس المعين (1) يكفيه صومه ويسقط النذران فان قصدهما اثيب عليهما وان قصد أحدهما اثيب عليه وسقط عنه الآخر. ] (1) - حكم (قدس سره) بكفاية صوم واحد في سقوط النذرين وانه يثاب عليهما إن قصدهما، وإلا فعلى أحدهما. وهذا مبني على ما تقدم من ان الامر النذري توصلي ولا يلزم قصد العنوان فطبعا يسقط الامران، وأما الثواب فمترتب على الامتثال، وهو متقوم بالقصد كما ذكره (قدس سره). إلا ان الكلام في ان مثل هذا النذر هل هو صحيح؟ أو ان الثاني يلغى؟ يتصور ذلك على نحوين: إذ تارة يتعلق النذر بعنوانين بينهما عموم من وجه، ومن باب الاتفاق اجتمعا وانطبق أحدهما على الآخر، كما لو نذر ان يعطى درهم لعالم البلد، ونذر أيضا ان يعطي درهما لمن هو اكبر سنا في هذا البلد، فتعلق النذر بكل من العنوانين على سبيل القضية الحقيقية ومن باب المصادفة انطبقا على شخص واحد ولا ريب في صحة النذرين حينئذ، فلو دفع إليه الدرهم فقد وفى بهما وسقط الامران. ففي المقام لو نذر الصيام في أول خميس من رجب مثلا، ثم نذر الصيام أيضا اول يوم يولد له ولد أو يشفى المريض أو يقدم المسافر ونحو ذلك بحيث يمكن افتراق كل منهما عن الآخر ولكن من باب الاتفاق

[ 39 ]

[ مسألة 10: - إذا نذر صوم يوم معين فاتفق ذلك اليوم في أيام البيض مثلا (1) فان قصد وفاء النذر وصوم أيام البيض اثيب عليهما وان قصد النذر فقط اثيب عليه فقط وسقط الآخر ولايجوز أن يقصد أيام البيض دون وفاء النذر. ] اجتمعا في يوم واحد صح النذران وسقط الامران بصيام واحد لوقوعه وفاء عنهما. وظاهر عبارة الماتن بل صريحها ارادة هذه الصورة، لقوله فاتفق.. الخ الظاهر في انه أمر اتفاقي قد يكون وقد لا يكون. وتارة أخرى يتعلق النذر بعنوانين أيضا، ولكن معنون أحدهما هو بعينه معنون الآخر فتعلق النذران بشئ واحد خارجا قد أشير إليه بكل منهما كما لو نذر ان يعطي درهما لاكبر ولد زيد، ونذر أيضا أن يعطي درهما لوالد خالد وفرضنا انهما شخص واحد فتعلق النذران بشئ واحد على سبيل القضية الخارجية دون الحقيقة كما في الصورة الاولى فكان المتعلقان عنوانين لمعنون واحد وحيث ان الموضوع الواحد غير قابل لتعلق النذر به مرتين ولا يمكن أن يكون الشخص الواحد محكوما بحكمين فطبعا يكون النذر الثاني ملغى أو يقع تأكيدا للاول، فلا ينعقد بحياله، ولكنك عرفت ان مراد الماتن انما هي الصورة الاولى لا غير. (1) - حكم (قدس سره) حينئذ بترتب الثواب عليهما مع قصدهما أو على النذر فقط لو اقتصر عليه ولا يجوز العكس. ولكن ظهر مما سبق ان الثواب المتقوم بالامتثال وان لم يتحقق إلا بالقصد ولكن الامر الناشئ من قبل النذر توصلي يسقط بمجرد الاتيان بمتعلقه ولا حاجة إلى قصد عنوان الوفاء، غاية الامر انه بدونه لا يثاب

[ 40 ]

[ مسألة 11: - إذا تعدد في يوم واحد جهات من الوجوب (1) أو جهات من الاستحباب أو من الامرين فقصد الجميع اثيب على الجميع وان قصد البعض دون البعض اثيب على المنوي وسقط الامر بالنسبة إلى البقية. مسألة 12: - آخر وقت النية في الواجب المعين رمضانا كان أو غيره عند طلوع الفجر الصادق (2) ويجوز التقديم في أي جزء من أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه ] عليه. وعليه فلو قصد أيام البيض دون وفاء النذر فقد وفى ولم يحنث، ولذا لا يحكم عليه بالكفارة وان اختص الثواب بالاول. (1) - قد ظهر الحال في هذه المسألة أيضا مما مر وان الثواب يتقوم بالقصد، فيثاب بمقدار ما قصد ويسقط الامر بالنسبة إلى الباقي، وهذا لا اشكال فيه بعد أن كان العمل واحدا. وانما الكلام في أن السقوط هل هو على وجه العصيان فيما إذا تضمن غير المنوي جهة وجوبية؟ الظاهر العدم لانه قد أتى بمتعلقه على وجهه، ولا حاجة إلى قصد عنوانه الخارجي بعد ان كان متعلق الامر منطبقا على المأتي به خارجا وان لم يتحقق الامتثال بالنسبة إليه. (2) - تعرض (قدس سره) لحكم النية من حيث المبدء والمنتهى فذكر (قده) ان منتهى وقتها عند طلوع الفجر، بحيث يقع أول جزء من الصوم عن نية، ومبدؤه من أول الليل إلى آخره، فلو كان باقيا على نيته ولو اجمالا ونام لم يكن به بأس.

[ 41 ]

وقد نسب الخلاف إلى السيد المرتضى (قدس سره) من كلتا الناحيتين أما من الناحية الاولى فقد عزي إليه القول بجواز التأخير إلى ما قبل الزوال اختيارا، بل نسب إلى ابن الجنيد جوازه إلى ما قبل الغروب ولو بقليل. وقد يقال: ان ما نسب اليهما مطابق للقاعدة، نظرا إلى أن عبادية الصوم لم تثبت إلا بالاجماع، لفقد الدليل اللفظي، إذا يقتصر على المقدار المتيقن وانه لابد من تحقق النية ولو في الجملة وفي آخر الوقت أو ما قبل الزوال، فلا تعتبر النية من الاول لولا أن ارتكاز عبادية الصوم من المتشرعة يمنعنا عن ذلك، إذ الارتكاز قائم على عباديته من أول جزئه إلى آخره لا في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية. وفيه أولا ما تقدم في صدر الكتب من أن عبادية الصوم ثابتة بالدليل اللفظي وهو ما دل على عده من مباني الاسلام، إذ من البديهي بحسب الظهور العرفي ان الاسلام لا يبتني على ذات الصوم ومجرد الامساك عن الاكل والشرب بأي داع كان، بل الذي يكون أساسه ومبناه هو الصادر على جهة العبادة وبداعي القربة. وثانيا: لو لم يتم ذلك وفرضنا ان الارتكاز أيضا لم يثبت، فهذا البحث أجنبي عن محل الكلام، لان كلامنا في نية الصوم لا في نية القربة وقد تقدم غير مرة في الاصول وغيره ان العبادة إنما تفترق عن غيرها وتمتاز عنها بقصد القربة، واما قصد عنوان العمل فمشترك فيه بين العبادي والتوصلي، فما لم يقصد لم يتحقق الواجب وان كان توصليا، كما في رد السلام فانه متقوم بقصد رد التحية الا أن يثبت من الخارج ترتب الغرض على ذات العمل، وعدم الحاجة إلى القصد كما في غسل الثوب، حيث علمنا ان الغاية انما هي الطهارة وازالة النجاسة الحاصلة من الغسل ولو بداع آخر كازالة الوسخ مثلا، فان علم ذلك في مورد فهو وإلا فلا يكاد يسقط الامر

[ 42 ]

من غير قصد عنوان العمل ونيته ما لم يقم عليه دليل بالخصوص، من غير فرق في ذلك بين التعبدي والتوصلي. وعليه فلو لم يكن المكلف قاصدا للصوم وفي، أثناء النهار قصده ولو آنا ما بعد طلوع الفجر كان إجزاؤه مخالفا للقاعدة، ومحتاجا إلى قيام الدليل لعدم صدور هذا المجموع عن قصد ونية، فسواء التزمنا بأن الصوم بجميع أجزائه عبادي، أم قلنا إنه يكفي فيه قصد القربة في الجملة، لابد من قصد عنوان الصوم ونيته قبل العمل جزما ما لم يقم دليل على الاجزاء. فلو صح ما نسب إلى السيد أو ابن الجنيد، كان ذلك باطلا بلا ارتياب حسبما عرفت. وأما من الناحية الثانية أعني من حيث المبدء، فان المعروف جواز التقديم في أي جزء من أجزاء الليل كما ذكره في المتن ولكن نسب إلى السيد (قده) التوقيت بآخر جزء من الليل المتصل بالنهار، ولعله يريد بيان آخر جزء من الوقت الذي به تنتهي المدة المحدودة، لا لزوم الايقاع في هذا الوقت فلا خلاف. ولو أراد ذلك فيرده عدم الدليل عليه أولا، وقيام الدليل على العدم ثانيا، وهو ما يستفاد من الروايات الكثيرة المعتضدة بالسيرة القطعية من جواز النوم إلى ما بعد طلوع الفجر، ولا سيما روايات البقاء على الجنابة حتى يستيقظ بعد الفجر، المتضمنة للتفصيل بين النومة الاولى والثانية. وبالجملة لا اشكال في جواز النوم اختيارا إلى ما بعد الفجر، ومعه كيف يمكن القول بأن وقت النية آخر جزء من الليل. ونسب إلى ابن أبي عقيل توقيت النية من أول الليل إلى النصف، وإلى بعض العامة أنه من منتصف الليل إلى آخره، وكل ذلك كما ترى لا دليل عليه، إذ لم يرد في البين عدا النبوي: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ونحوه روايتان أخريان، ولكن من الظاهر ان المراد

[ 43 ]

عدم الاجتزاء بالنية الحادثة في النهار، فلو استيقظ بعد الفجر ونوى الصوم لا يكفي، بل اللازم ايقاعها في الليل، واما انها أوله أو وسطه أو آخره فلا دلالة له عليه بوجه، على أن النبوي كالخبرين ضعيف السند فلا يمكن الاعتماد عليه ابدا. فالصحيح أنه ليس لها وقت خاص، بل اللازم صدور الصوم عن نية سابقة فتمتد من أول الليل إلى طلوع الفجر، ففي أي وقت نوى وكان مستمرا في نيته الارتكازية بالمعنى المتقدم سابقا المجامع مع النوم والغفلة الفعلية كفى ويحكم معه بالصحة. بقى الكلام فيما لو قدم النية على الليل، كما لوم نام عصرا ناويا صوم الغد ولم يستيقظ إلا بعد الفجر، أو بعد الغروب من اليوم الآتي، أو بعد يومين كما اتفق لبعض، فهل يحكم حينئذ بالصحة؟ نظرا إلى تحقق الامساك خارجا عن نية سابقة أو لا. الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان النوم في شهر رمضان، وما كان في غيره، فان كان الثاني، كما لو نام في اليوم الاخير من شعبان قاصدا صوم الغد ولم يستيقظ إلا بعد الفجر فالظاهر فساد صومه حينئذ، لانه في زمان نيته لم يكن بعد مأمورا بالصوم، لعدل حلول الشهر الذي هو زمان تحقق الوجوب، فكيف ينوي الامتثال، وفي زمان الامر لم يكن قابلا له، له لان النائم لا يؤمر بشئ، فلا أمر له بالصوم، لا في زمان التفاته ولا في زمان عدم التفاته، وان كان الصوم بالاخرة منتهيا إلى الاختيار إلا أنه لم يكن مأمورا به كما عرفت. وان كان الاول، كما لو نام عصر اليوم الاول من شهر رمضان ناويا صوم الغد، فحينئذ إن قلنا بالانحلال وان أمر كل يوم يحدث عند غروب ليلته، فالكلام هو الكلام فان الامر بالصوم لم يكن حادثا قبل

[ 44 ]

[ ومع النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعين الآخر يجوز متى تذكر إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر (1) واجزأه عن ذلك اليوم ولا يجزئه إذا تذكر بعد الزوال ] النوم وبعده لا يكون قابلا للتكليف. وأما إذا بنينا على أن تلك الاوامر كلها تحدث دفعة في اول الشهر وانه يؤمر في الليلة الاولى بصيام الشهر كله على نحو الواجب التعليقي كما هو الصحيح، على ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وكذا الروايات، فالظاهر حينئذ هو الحكم بالصحة، لوجود الامر سابقا، وقد حصلت النية على الفرض، والفعل مستند إلى الاختيار كما تقدم، فلا مانع من الصحة. فتحصل ان النية يمكن تقديمها على الليل أيضا، لكن مع وجود الامر لا بدونه حسبما عرفت من التفصيل. (1) - قد عرفت أن آخر وقت النية عند طلوع الفجر، وانه يجوز التقديم في أي جزء من اجزاء الليل بل يجوز التقديم على الليل على تفصيل تقدم. هذا حكم العالم العامد. وأما الناسي أو الغافل أو الجاهل فالكلام فيهم يقع تارة في صوم رمضان، واخرى في الواجب غير المعين، وثالثة في الواجب المعين من غير رمضان، كالموسع إذا تضيق وقته ونحو ذلك ورابعة في الصوم المندوب. فهنا مسائل أربعة: الاولى: المشهور والمعروف بل ادعي عليه الاجماع في كلام غير واحد من الاصحاب ان الجاهل بكون اليوم من شهر رمضان أو الغافل أو الناسي يجدد النية ما بينه وبين الزوال، فيتسع وقت النية في حق هؤلاء إلى

[ 45 ]

ما بعد العلم والالتفات، وعن ابن أبي عقيل الحاق الناسي بالعالم. ويستدل للمشهور بوجوه: أحدها ما ورد في المريض والمسافر من أنه إذا برئ من مرضه أو قدم أهله قبل الزوال ولم يتناول المفطر يجدد النية ويصوم ويحسب له، مع ان المريض والمسافر لم يكونا مكلفين بالصوم من أول الامر، وكان يجوز لهما استعمال المفطر، غير أنهما من باب الاتفاق لم يستعملاه، فيكف بمن هو مكلف به واقعا وان لم يعلم به فعلا كالجاهل والناسي، فان الحكم حينئذ ثابت بطريق أولى. هذا. وللمناقشة فيه مجال واسع: فان مبدء الصوم في المريض والمسافر زمان ورود البلد، أو برء المريض لا طلوع الفجر الذي هو مبدء الصوم لغيرهما من سائر المكلفين، ففي الحقيقة هما مكلفان بنية الامساك خلال تسع ساعات مثلا، وغيرهما خلال ست عشرة ساعة مثلا، أي طول النهار من مبدئه إلى منتهاه، وقد ثبت بالدليل الخاص أن هذا بمنزلة الصوم من طلوع الفجر، فهما، ليسا مكلفين بالامساك حتى واقعا إلا من الآن، وهذا بخلاف الجاهل ونحوه فانه مأمور بالامساك من طلوع الفجر وان لم يعلم به ولم يأت بهذا المأمور به حسب الفرض، لخلو قطعة من الزمان عن النية، استنادا إلى الاستصحاب الذي هو حكم ظاهري. ومعه كيف يجتزئ بهذا الناقص عن المأمور به الواقعي، فان ما كان واجبا عليه وهو الامساك من طلوع الفجر عن نية لم يأت به، وما أتي به وهو نية الامساك من الآن لم يكن مأمورا به. فبأي دليل يكون مجزئا؟! نعم هو مأمور بالامساك لا بالصوم. وعلى الجملة دليل الاجزاء خاص بمورده، وهو من لم يكن مأمورا بالامساك من طلوع الفجر أعني المريض والمسافر، فكيف يتعدى إلى غيره ممن هو مأمور به من الاول، فان ذاك الدليل لا يقتضي مثل هذا

[ 46 ]

التعدي بوجه. ثانيها: وهو اغرب من سابقه، التمسك بحديث الرفع، بدعوى ان اعتبار النية في هذا المقدار من الزمان اعني حال الجهل والنسيان مرفوع بالحديث، والمفروض مراعاتها في الباقي فيحكم بالصحة. وفيه ان الرفع بالاضافة إلى ما لا يعلمون رفع ظاهري كما هو محرر في الاصول، فهو بحسب الواقع مأمور بالصيام وان جاز له الافطار في مرحلة الظاهر استنادا إلى الاستصحاب، أو إلى قوله (ع): (صم للرؤية وافطر للرؤية) فالحكم الواقعي المتعلق بالصوم من طلوع الفجر باق على حاله، وقد تركه حسب الفرض. ومعه كيف يحكم بالاجزاء لدى انكشاف الخلاف، ومعلوم ان الحكم الظاهري لا يقتضيه. هذا في الجهل، وأما بالاضافة إلى النسيان فالرفع فيه واقعي على ما ذكرناه في محله، من أن نسبة الرفع إلى الفقرات المذكورة في الحديث مختلفة، فانه ظاهري فيما لا يعلمون وواقعي فيما عداه، فالناسي غير مكلف بالصوم حال نسيانه حتى واقعا. نعم لا اشكال في كونه مكلفا بالامساك من زمان التفاته إلى الغروب، لاطلاق الروايات، فان الخارج عنها عناوين خاصة كالمريض والمسافر ونحوهما، وليس الناسي منها، لكن وجوب الامساك شئ، ووجوب الصوم المحدود ما بين الطلوع والغروب الذي هو المأمور به أصالة - لولا النسيان - شئ آخر، وحديث رفع النسيان لا يكاد يتكفل اجزاء الاول عن الثاني كما ذكرنا ذلك في أجزاء الصلاة وانه لو نسي جزء منها ولو استوعب نسيانه الوقت لا دليل على كون الاتيان بالباقي مجزئا عن الصلاة التامة. وبعبارة أخرى حديث الرفع شأنه رفع التكليف لا وضعه واثباته بالاضافة إلى الباقي ليدل على صحته والاجتزاء به.

[ 47 ]

ثالثها: ما روي مرسلا من ان ليلة الشك أصبح الناس فجاء اعرابي فشهد برؤية الهلال فأمر صلى الله عليه وآله مناديا ينادي (من لم يأكل فليصم، ومن اكل فليمسك). وهذه الرواية غير صحيحة عندنا لانها مروية من طرق العامة، فهي مرسلة عامية لا يمكن التعويل عليها بوجه. ودعوى انجبارها بعمل المشهور كما عن المحقق الهمداني وغيره غير قابلة للتصديق، إذ لم يعلم بل لم يظن استناد المشهور إليها، ومن الجائز استنادهم إلى احد الوجهين المتقدمين، أو الوجه الآتي اعني النصوص الواردة في غير رمضان واستفادة حكمه منها لا إلى مثل هذه الرواية النبوية الضعيفة المرسلة. على أن الرواية في نفسها غير قابلة للتصديق، فان الهلال لا يثبت بشاهد واحد، كما سيجيئ ان شاء الله تعالى فضلا عن اعرابي مجهول، فكيف اعتمد النبي صلى الله عليه وآله على قوله، فمضمونها مما يطمئن بكذبه، مع ان موردها الجاهل فلماذا يتعدى إلى الناسي، بل اللازم الحاقه بالعالم، كما عن ابن أبي عقيل على ما تقدم. وما عن الهمداني (قده) - من التعدي استنادا إلى الاولوية القطعية - لا نعرف له وجها أصلا، فان الاحكام الشرعية تعبدية خاصة بمواردها. رابعها: الروايات الآتية الواردة في غير شهر رمضان من القضاء أو النذر أو الصوم المستحب المتضمنة لجواز تجديد النية قبل الزوال فيدعى استفادة حكم رمضان منها. وهذا الوجه يتلو الوجوه السابقة في الضعف، إذ تلك النصوص وردت في موارد خاصة، وليست لدينا ولا رواية ضعيفة تتضمن الاطلاق الشامل لشهر رمضان، فكيف يتعدى عن مواردها. إذا فمقتضى القاعدة ان لا يجتزى بهذا الصوم وان وجب الامساك بقية النهار كما عرفت، فان جواز تجديد النية يحتاج إلى الدليل ولا دليل

[ 48 ]

[ وأما في الواجب غير المعين (1) فيمتد وقتها اختيارا من أول الليل إلى الزوال دون ما بعده على الاصح ولافرق في ذلك بين سبق التردد أو العزم على العدم. ] وحينئذ فان تم الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم (ع) على التجديد كما ادعاه غير واحد فهو، وإلا - كما هو الصحيح، نظرا إلى احتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه المتقدمة، حيث ان تطرق هذا الاحتمال غير قابل للانكار وجدانا، ومعه كيف يمكن تحصيل الاجماع القطعي - فالحكم بالاجزاء مشكل جدا، بل الظاهر عدم الجزاء فلا بد من القضاء، إذ قد فات عنه الصوم في هذا اليوم. (1) المسألة الثانية: في الصوم الواجب غير المعين من قضاء أو كفارة أو نذر ونحوها، وتدل على جواز تجديد النية وامتداد وقتها إلى الزوال ولو اختيارا فضلا عن الغفلة والنسيان طائفة من الاخبار ذكرها صاحب الوسائل في الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم ونيته، ولعل منها يظهر حكم المعين كما ستعرف. فمنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: قلت له: ان رجلا اراد ان يصوم ارتفاع النهار أيصوم؟ قال: نعم (1). وهذه الصحيحة لا يبعد ظهورها في النافلة لمكان التعبير ب‍ - أراد - الظاهر في أن له ان لا يريد، والمنصرف في مثله هو التطوع، ولو بني على اطلاقها شملت الواجب غير المعين، حيث انه بميله وارادته يطبق الواجب على هذا اليوم ويجعله مصداقا له. فهذه الصحيحة اما خاصة بالنافلة أو عامة لها ولغير المعين، لاجل


(1) الوسائل باب 2 من ابواب وجوب الصوم الحديث 1

[ 49 ]

تعليق الحكم على رغبته وارادته. ومنها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن عليه السلام في الرجل يبدو له بعدما يصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان ولم يكن نوى ذلك من الليل، قال: نعم ليصمه وليعتد به إذا لم يكن أحدث شيئا (1). فان التعبير بقوله - يبدو - ظاهر في عدم كون القضاء متعينا عليه. فموردها الواجب غير المعين. ولو بنينا على أن قضاء رمضان لا يتضيق أبدا، بل غايته الفداء كما لا يبعد، فالامر أوضح، إذ عليه لا يتصور الوجوب التعييني في القضاء. ومنها رواية صالح بن عبد الله عن أبي ابراهيم (ع) قال: قلت له رجل جعل لله عليه الصيام شهرا فيصبح وهو ينوي الصوم ثم يبدو له فيفطر ويصبح وهو لا ينوي الصوم، فيبدو له فيصوم فقال: هذا كله جائز (2) وموردها أيضا هو الواجب بنذر غير معين بقرينة حكمه (ع) بجواز الافطار ولكنها ضعيفة بصالح فانه لم يوثق. ومنها: صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال: قال علي عليه السلام (إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا ولم يفطر فهو بالخيار إن شاء صام وان شاء أفطر) (3). ولا يبعد ظهورها في الواجب غير المعين، لمكان التعبير بالفرض وبالذكر الكاشف عن ان عليه فرضا ولكنه لم يفرضه، أي لم يطبقه ولم يعينه في هذا اليوم لعدم قصده الصوم ثم ذكر الصيام فحكم (ع) بأنه مخير في التطبيق وعدمه، ومع الغض عن ذلك فلا شك ان اطلاقها يشمل الواجب غير المعين كالمندوب. ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت ابا الحسن


(1) (2) (3) الوسائل باب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 2، 4، 5

[ 50 ]

موسى عليه السلام عن الرجل يصبح ولم يطعم ولا يشرب ولم ينو صوما وكان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ فقال: نعم، له أن يصوم ويعتد به من شهر رمضان (1) وهي ظاهرة الدلالة، وقد رويت بسندين احدهما ضعيف لاشتماله على علي بن السندي فانه لم يوثق. نعم ذكر الكشي توثيقا له عن نصر بن صباح، ولكن نصرا بنفسه ضعيف فلا أثر لتوثيقه، والسند الآخر معتبر ولاجله يحكم بصحة الرواية. ومنها: صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين (ع) يدخل إلى أهله فيقول عندكم شئ وإلا صمت، فان كان عندهم شئ أتوه به وإلا صام (2) ولا يخفى أن أحمد بن محمد المذكور في السند يراد به أحمد بن محمد ابن عيسى لا احمد بن محمد بن خالد البرقي، وإلا لقال عن أبيه لا عن البرقي كما لا يخفى. وعلى التقديرين فالرواية معتبرة السند، وإما من حيث الدلالة فلا يبعد أن موردها الصوم تطوعا، إذ من البعيد جدا أن أمير المؤمنين (ع) كان عليه صوم قضاء أو كفارة ونحوهما، فسياق العبارة يقتضي ارادة التطوع ويؤكده ان الدخول إلى الاهل يكون بحسب الغالب بعد صلاة الظهر لاجل صرف الغذاء كما هو المتعارف، وإلا فيبعد الدخول قبل ذلك لصرف الطعام ولا سيما مع التعبير بلفظ - كان - الظاهر في الاستمرار وان ذلك كان من عادته عليه السلام وديدنه - وستعرف ان شاء الله تعالى ان نية الصوم بعد الزوال خاص بالمندوب، وعليه فلا تعتبر هذه الرواية مستندا في المقام وان كانت صحيحة السند ويكفينا غيرها.


(1) (2) الوسائل باب 2 من ابواب وجوب الصوم الحديث 6، 7

[ 51 ]

ومنها: صحيحة أخرى لهشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له الرجل يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: ان هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى (1). فان الذيل المتضمن للاحتساب من الوقت الذي نوى خاص بالنافلة بطبيعة الحال فتدل على مشروعيه النية بعد الزوال وانه يثاب عليها، من غير أن يكون ذلك من الصوم الحقيقي في شئ، إذ لم يعهد صوم نصف اليوم أو ثلثه مثلا كما هو ظاهر. واما الصدر المتضمن لاحتساب اليوم بتمامه فاطلاقه يشمل الواجب غير المعين كالنافلة، ومنها مرسلة البزنطي (2). غير ان ضعفها من جهة الارسال يمنع عن صلاحية الاستدلال. ومنها: ما رواه الشيخ باسناده عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، وان كان نوى الافطار فليفطر. الخ (3) وهي واضحة الدلالة في جواز تجديد النية في الواجب غير المعين، غير ان سندها لا يخلو من الخدش، وان عبر عنها بالموثقة في كلمات غير واحد، منهم المحقق الهمداني (قده) وغيره اغترارا بظاهر السند غفلة عن ان الشيخ لا يروى عن علي بن الحسن بن فضال بلا واسطة بل له إليه طريق لا محالة، وحيث أن في الطريق علي بن محمد بن الزبير القرشي ولم يوثق فالرواية محكومة بالضعف. والمتلخص من جميع ما ذكرناه: ان لا شك في جواز تجديد النية في الواجب غير المعين بمقتضى هذه النصوص.


(1) و (2) و (3) الوسائل باب 2 من ابواب وجوب الصوم الحديث 8، 9، 10

[ 52 ]

وأما المسألة الثالثة، اعني الواجب المعين فلا يظهر حكمه من هذه النصوص، وان ادعى المحقق الهمداني (قدس سره) ان اطلاق بعضها شامل له، إذ ليس فيها ما يشمله بوجه للتعبير فيها بيريد أو بداله ونحو ذلك مما هو ظاهر في غير المعين، فالمعين وكذا شهر رمضان خارج عن منصرف هذه النصوص قطعا. ومع ذلك كله فالظاهر الحاق المعين بغير المعين في غير صورة العلم والعمد - اما معه فباطل كما تقدم - فلو كان جاهلا أو ناسيا بأن هذا هو اليوم الثالث من الاعتكاف، أو اليوم الاول من الشهر - وقد نذر صوم اليوم الاول منه - فلم يكن ناويا للصوم ثم التفت أثناء النهار جاز بل وجب عليه تجديد النية، ويجتزئ بصومه وذلك لاستفادة حكمه من النصوص المتقدمة بالاولوية القطعية، إذ لو جاز تجديد النية في فرض كون المأمور به هو الطبيعي الجامع وأمكن تطبيقه على هذا الفرد الناقص - الفاقد للنية في مقدار من اليوم - مع امكان الاتيان به بعدئذ في فرد آخر كامل، فجوازه فيما لو كان مأمورا بهذا الفرد بخصوصه غير القابل للتبديل بفرد آخر بطريق أولى، إذ لا يحتمل الصحة والاجزاء في الاول وعدمها في الثاني، بل هذا اولى منه بالصحة كما لا يخفى. نعم يختص الحكم بالمعين من غير رمضان ولا ينسحب إليه لاختصاص مورد الاولوية بالواجب الذي ينقسم إلى قسمين معين وغير معين كالنذر والقضاء ونحوهما فيقال حينئذ أنه لو ثبت الحكم في غير المعين ففي المعين منه بطريق أولى كما عرفت، واما صوم رمضان فهو معين دائما ولا ينقسم إلى القسمين، ومثله لا يكون موردا للاولوية كما لا يخفى. فلا دليل على جواز تجديد النية فيه بل الاظهر لزوم القضاء وان وجب الامساك كما تقدم سابقا. والمتلخص من جميع ما ذكرناه أنه في الواجب غير المعين بل المعين

[ 53 ]

من غير رمضان يجوز تجديد النية، ولا فرق في ذلك بين ما إذا لم يكن ناويا للصوم، أو كان ناويا للعدم، بأن كان بانيا على الافطار ثم بدا له ان يصوم قبل ان يفطر، لاطلاق النصوص المتقدمة، بل أن منصرف اكثرها هو الثاني، فان ارادة الغفلة أو النسيان من قوله في كثير منها: اصبح ولم ينو الصوم بعيد، وابعد منه ارادة التردد، بل الظاهر من عدم نية الصوم بمقتضى الفهم العرفي هو نية الافطار وعدم الصوم، ولو لم تكن النصوص - ولو بعضها - ظاهرة في ذلك فلا أقل من الاطلاق كما ذكرناه، إذا لا فرق بين القسمين كما ذكره في المتن. إنما الكلام في أن هذا الحكم اعني جواز تجديد النية هل هو ثابت إلى ما قبل الغروب أو انه محدود بالزوال؟ المعروف والمشهور بين القدماء والمتأخرين هو الثاني، فلا يجوز له التجديد لو كان التذكر أو الالتفات بعد الزوال، ونسب الاول إلى ابن الجنيد، فساوى بين الواجب والمندوب في ذلك كما ستعرف. استدل على القول المشهور برواية عمار المتقدمة (1)، المصرحة بالتحديد إلى الزوال، ولكنك عرفت ان الرواية ضعيفة السند، وان عبر عنها بالموثقة في كلمات الهمداني وغيره غفلة عن أن الشيخ لا يرويها عن ابن فضال بلا واسطة، ولا بواسطة مشهورة معروفة، بل له إليه طريق كغيره من أصحاب المجاميع والكتب، كما نبه عليه في آخر كتابي التهذيب والاستبصار، حيث ذكر ان ما يرويه عنهم فانما يرويه عن كتبهم بالطرق التي وصلت إليه من مشايخه، ثم ذكر طرقه لكى تخرج الرواية بذلك عن الارسال، وحيث ان في طريقه إلى ابن فضال علي بن محمد بن الزبير القرشي ولم يوثق، فتصبح الرواية ضعيفة فتسقط عن صلاحية الاستدلال.


(1) الوسائل باب 2 من ابواب وجوب الصوم الحديث 10

[ 54 ]

نعم يمكن أن يستدل له بصحيحة هشام بن سالم المتقدمة (1)، المتضمنة للتفصيل بين تجديد النية قبل الزوال وما بعده، وانه على الاول يحسب له يومه، فيكون ذلك بمنزلة النية من طلوع الفجر، وأما على الثاني فلا يحسب له إلا من الوقت الذي نوى، الذي هو أقل من نصف اليوم بطبيعة الحال، لدخول ما بين الطلوعين في الصوم. وحيث أن من المعلوم ان هذا المقدار لا يجزئ في الصوم الواجب من قضاء أو كفارة ونحوهما، فلا جرم يختص الذيل بالنافلة، لعدم تنزيله منزلة صوم اليوم الكامل كما في الصدر، فيكون مفاده ان هذا العمل أمر مشروع ويثاب عليه، وان لم يكن من الصوم الحقيقي في شئ. ونتيجة ذلك تحديد الحكم بما قبل الزوال كما عليه المشهور هذا. وربما يعارض ذلك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة (2) حيث حكم عليه السلام فيها بجواز تجديد النية بعد ذهاب عامة النهار الملازم بطبيعة الحال لما بعد الزوال، وإلا فعند الزوال لم يذهب إلا نصف النهار، لا عامته أي اكثره. ولكنه يندفع بما عرفت من دخول ما بين الطلوعين في نهار الصوم، وان لم يكن داخلا في النهار المحسوب مبدؤه من طلوع الشمس، وبهذا الاعتبار صح التعبير بذهاب عامة النهار فيما لو جدد النية قبيل الزوال بمقدار نصف ساعة مثلا، إذ يزيد حينئذ على ما بعد الزوال بمقدار ساعة تقريبا، فيكون ما مضى اكثر مما بقى. فغاية ما هناك أن تكون هذه الصحيحة مطلقة بالاضافة إلى ما قبل الزوال وما بعده، لا انها تختص بالثاني، فإذا يقيد الاطلاق بصحيحة هشام المتقدمة المصرحة بالتحديد بالزوال، فهما


(1) (2) الوسائل باب 2 من ابواب وجوب الصوم الحديث 8، 6

[ 55 ]

[ واما في المندوب (1) فيمتد إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الاقوى. ] من قبيل المطلق والمقيد القابل للجمع العرفي، وليسا من قبيل المتعارضين ليتصدى للعلاج. وربما تعارض أيضا بمرسلة البزنطي المصرحة بجواز التجديد عصرا (1) وهي وان كانت واضحة الدلالة، ولا يعبأ بما نقله صاحب الوسائل عن بعضهم من الحمل على من نوى صوما مطلقا فصرفه إلى القضاء عند العصر لبعده جدا كما لا يخفي. إلا ان ضعفها من جهة الارسال يمنع عن صلاحية الاستدلال، وما يقال من عدم الضير فيه بعد أن كان المرسل هو البزنطي الذي لا يروي ولا يرسل هو واضرابه إلا عن الثقة، كما ذكر الشيخ في العدة مدفوع بما تقدم مرارا، من ان هذه الدعوى وان صدرت عن الشيخ إلا أنه لا أساس لها من الصحة. كيف وقد عدل هو (قدس سره) عنها في كتاب التهذيب فكأن ذاك اجتهاد منه (قده) في وقته، فلا يمكن الركون إليه بعد عرائه عن الدليل. فتحصل ان ما ذكره المشهور من التفصيل بين الزوال ومابعده هو الصحيح استنادا إلى صحيحة هشام السليمة عما يصلح للمعارضة حسبما عرفت. (1) المسألة الرابعة: في صوم التطوع، وقد ذكر غير واحد من الفقهاء: ان وقت النية بمتد فيه إلى أن يبقى إلى الغروب زمان يمكن تجديدها فيه، ولكن نسب إلى جماعة بل نسب إلى المشهور ان حال المندوب حال الفريضة من التحديد إلى الزوال، غايته أنه يثاب بمقدار امساكه.


(1) الوسائل باب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 9

[ 56 ]

ويدل على القول الاول صحيحة هشام بن سالم المتقدمة (1) الحاكية لفعل أمير المؤمنين عليه السلام من انه كان يدخل إلى أهله فان وجد شيئا وإلا صام، حيث عرفت أن التعبير ب‍ (كان) ظاهر في الاستمرار، ولا شك ان الاتيان إلى البيت غالبا انما هو بعد الزوال، لاجل تناول الغذاء فتدل على جواز تجديد النية بعد الزوال. ويدل عليه أيضا صريحا موثقة ابى بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة؟ قال: هو بالخيار ما بينه وبين العصر، وان مكث حتى العصر ثم بدا له ان يصوم وإن لم يكن نوى ذلك، فله أن يصوم ذلك اليوم ان شاء (2). فهذه الموثقة صريحة الدلالة على امتداد الوقت إلى الغروب. كما كانت الصحيحة المتقدمة ظاهرة فيها. إلا انهما معارضتان بروايتين دلتا على اختصاص الوقت بما قبل الزوال ولعل المشهور اعتمدوا عليهما. احداهما: ما رواه الشيخ باسناده عن ابن بكير، عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس هو جنب، ثم أراد الصيام بعدما اغتسل ومضى ما مضى من النهار؟ قال: يصوم ان شاء، وهو بالخيار إلى نصف النهار (3). دلت بمفهوم الغاية الذي هو أوضح المفاهيم على ارتفاع الحكم بعد الزوال، ولكنها ضعيفة السند بأبى عبد الله الرازي الجاموراني الذي ضعفه ابن الوليد والشيخ الصدوق وغيرهما، واستثنوا من روايات يونس ما يرويه


(1) الوسائل باب 2 من ابواب وجوب الصوم الحديث 7 (2) الوسائل باب 3 من ابواب وجوب الصوم حديث 1 (3) الوسائل باب 20 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 3

[ 57 ]

عنه. فهي غير قابلة للاستناد. ثانيهما: موثقة ابن بكير عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح، أيصوم ذلك اليوم تطوعا؟ فقال: أليس هو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار؟! (1). وهذه الرواية المعتبرة لم يتعرض لها الهمداني ولا غيره، بل اقتصروا على الرواية الاولى الضعيفة مع انها أولى بالتعرض. وكيفما كان فقد دلت على المفروغية عن التحديد بنصف النهار بحيث كأنه من المسلمات، فتكون معارضة بالمعتبرتين الدالتين على امتداد الوقت إلى العصر. والذي ينبغي ان يقال: ان هذه الموثقة غايتها الظهور في عدم الجواز إذ الامام (ع) بنفسه لم يذكر أمد الخيار ابتداء، بل أوكله إلى ما يعلمه السائل وجعله مفروغا عنه بقوله (ع): أليس. الخ، فهي ظاهرة في تحديد النية للصوم بجميع مراتبه بنصف النهار ولا تزيد على الظهور في التحديد المزبور، ولكن موثقة ابي بصير صريحة في جواز التجديد بعد العصر، فطبعا ترفع اليد عن ظهور تلك الرواية، وتحمل على ارادة تحديد نية الصوم بمرتبته العليا ومحصل المراد ان تجديد النية بعد الزوال لا يبلغ في الفضل مرتبته قبل الزوال، فان الثاني بمنزلة النية من الفجر ويحتسب له تمام اليوم، بخلاف الاول فانه يحسب له بمقدار ما نوى، فيكون دونه الفضيلة لا محالة. ولو أغمضنا عن ذلك فصحيحة هشام كالصريحة فيما ذكرناه، وتكون شاهدة للجمع بين الروايتين، حيث دلت على أنه ان نوى الصوم قبل الزوال حسب له يومه، وان نواه بعده حسب له من هذا الوقت، أي


(1) الوسائل باب 20 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 58 ]

[ مسألة 13: لو نوى الصوم ليلا ثم نوى الافطار ثم بدا له الصوم قبل الزوال فنوى وصام قبل أن يأتي بمفطر صح على الاقوى (1) الا أن يفسد صومه برياء ونحوه فانه لا يجزئه لو أراد التجديد قبل الزوال على الاحوط. ] بمقدار نصف يوم أو اقل. فتحمل موثقة ابي بصير على مجرد المشروعية وان لم يكن صوما تاما، وانه يثاب على هذا الصوم الناقص، كما ان موثقة ابن بكير تحمل على ارادة صوم اليوم الكامل فلا تنافي بينهما. فتحصل ان ما ذكره جماعة - وان نسب إلى المشهور خلافه - من جواز تجديد النية إلى الغروب ومشروعيته هو الصحيح، ولا أقل من جوازه رجاء. (1) - لا يخفى ان هنا مسألتين ربما اختلطت احداهما بالاخرى في كلمات بعضهم. إذ تارة يتكلم في ان النية المعتبرة في الصوم هل يلزم فيها الاستمرار بأن يكون الامساك في كل آن مستندا إلى النية، بحيث لو تخلف في آن فنوى الافطار ثم رجع أخل بصحة صومه لفقد النية في ذاك الآن، فحال تلك الآنات حال الاجزاء الصلاتية المعتبر فيها صدور كل جزء عن النية وإلا بطلت صلاته، أو ان نية الصوم اول الامر بضميمة عدم تناول المفطر خارجا كافية في الصحة؟ ولا يعتبر فيها الاستدامة؟ وهذه المسألة سيتعرض لها الماتن في مطاوي المسائل الآتية عند البحث عن ان نية القطع أو القاطع هل يكون مبطلا أولا؟ والاقوال المعروفة فيها ثلاثة: البطلان مطلقا، وعدمه مطلقا، والتفصيل بين نية القطع ونية

[ 59 ]

القاطع. وسيجئ البحث حول ذلك مستقصى ان شاء الله تعالى. وهي اجنبية عن محط نظره (قده) وما هو محل الكلام في المقام. واخرى يتكلم في ان التخيير في تجديد النية الثابت في الواجب غير المعين ولو اختيارا إلى ما قبل الزوال - على ما تقدم - هل يختص بما إذا لم يكن ناويا للصيام من اول الامر أو يعم الناوي أيضا؟ فمن اصبح بنية الصوم ثم نوى الافطار ثم بدا له الصوم قبل الزوال هل يصح منه مثل هذا التجديد المسبوق بنية الصيام اولا؟ وهذا هو محل كلامه (قده) في هذه المسألة وهو من فروع المسألة السابقة ومن متمماتها. حيث تعرض هناك أولا لوقت النية في الواجب المعين مفصلا بين صورتي العلم والجهل، وانه عند طلوع الفجر في الاول، وإلى الزوال في الثاني، ثم تعرض لوقتها في غير المعين وانه يمتد ولو اختيارا إلى الزوال، ونبه ثمة على عدم الفرق في ذلك بين سبق التردد والعزم على العدم فحكم بالمساواة بين من لم يكن ناويا ومن كان بانيا على العدم، فتعرض في هذه المسألة لحكم من كان بانيا على الفعل وعازما على أن يصوم وانه لو عدل عن نيته ونوى الافطار، لفرض كون الواجب موسعا، ثم بدا له وجدد النية قبل ان يستعمل المفطر، فهل يسوغ مثل هذا التجديد أولا؟ وهذا كما ترى من شؤون المسألة السابقة ومتمماتها ولا ربط له بمسألة استدامة النية واستمرارها المبحوث عنها في المسائل الآتية. ومعلوم أن الصحيح حينئذ هو ما ذكره (قده) من جواز التجديد إذ بعد ما رفع اليد عما نواه من الصوم أولا فمرجعه إلى عدم كونه ناويا للصوم فعلا، إذ قصد العنوان مما لابد منه في البقاء على الصوم، فهو حينما قصد الافطار خرج عن هذا العنوان وصدق عليه انه ليس بصائم، فيشمله اطلاق النصوص المتقدمة الدالة على جواز تجديد النية لغير ناوي الصوم وانه بالخيار إلى ما قبل الزوال، ومن الواضح ان نية الصوم السابقة

[ 60 ]

[ مسألة 14: إذا نوى الصوم ليلا لا يضره الاتيان بالمفطر بعده قبل الفجر مع بقاء العزم على الصوم (1) ] الزائلة لا تزيد على عدمها فلا تقدح في الاندراج تحت اطلاق النصوص وأما نية الافطار فلا تضر إلا من حيث فقد نية الصوم، والمفروض ان غير الناوي ما لم يستعمل المفطر محكوم بجواز التجديد فلا مانع من الحكم بصحة الصوم بمقتضى تلك الاخبار. نعم يشترط في ذلك أن لا يكون قد افسد صومه برياء ونحوه، فلا يجزئه لو اراد التجديد قبل الزوال على الاحوط كما ذكره في المتن، بل الظاهر ذلك، والوجه فيه قصور النصوص عن الشمول لذلك، لان النظر فيها مقصور على تنزيل غير الصائم - أي من كان فاقدا للنيه فقط - منزلة الصائم، وان من لم يكن ناويا إلى الآن لو جدد النية فهو بمنزلة الناوي من طلوع الفجر فيحتسب منه الباقي، ويفرض كأنه نوى من الاول. وأما تنزيل الصائم على الوجه المحرم لرياء ونحوه منزلة الصائم على الوجه المحلل فهو يحتاج إلى مؤونة زائدة ودليل خاص، وهذه النصوص غير وافيه باثبات ذلك بوجه، ولا تكاد تدل على انقلاب ما وقع حراما - لكونه شركا في العبادة - إلى الحلال، وصيرورته مصداقا للمأمور به، بل مقتضى ما ورد في روايات الرياء من قوله تعالى: انا خير شريك. الخ ان هذا العمل غير قابل للانقلاب، وانه لا يقبل الاصلاح بوجه، وان ما وقع على وجه مبغوض يبقى كذلك ولا ينقلب إلى المحبوب فلا يكون مقربا أبدا. (1) - المستفاد من الآية المباركة: أن الصوم الواجب على جميع المسلمين - كما وجب على الامم السابقة - مبدؤه الامساك من طلوع الفجر

[ 61 ]

[ مسألة 15: يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكل يوم ] فهو مرخص في الاكل والشرب ليلا، قال تعالى: (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) كما أن الوارد في الاخبار هو المنع عن تناول المفرطات في النهار، فلا مانع من استعمالها طول الليل، فالامر وان كان فعليا في الليل إلا أن متعلقه صوم الغد والامساك من طلوع الفجر، وقد تقدم سابقا ان النية المعتبرة في باب الصوم تغاير النية المعتبرة في غيره من ساير العبادات الوجودية، وأنها عبارة عن العزم والبناء على ترك استعمال المفطرات في ظرفها غير المنافي لكونه نائما أول الفجر بل مجموع النهار. وعليه فلا مانع من الاكل والشرب ليلا مع فرض كونه ناويا للامساك. هذا ما يستفاد من الادلة ومع ذلك نسب إلى الشهيد (قده) المنع عن الاتيان بالمفطر في الليل بعد النية، وانه لو أتى به لزمه تجديد النية وهو كما ترى لم يظهر له أي وجه، لوضوح عدم منافاة الاتيان به لا للنية على ما عرفت من معناها ولا للمنوى، إذ المأمور به هو الامساك في النهار لا في الليل إذ لم ترد ولا رواية واحدة تدل على لزوم الامساك فيه حتى بعد النية، بل قد قام الدليل على العدم، وقد ثبت استحباب الجماع في الليلة الاولى الشامل باطلاقه حتى لما بعد النية. فكلام الشهيد عار عن كل دليل كما هو ظاهر. وملخص الكلام في رد مقالة الشهيد: ان ناوي الصيام في الليل إن نواه من الآن فهو تشريع محرم، وان نواه من الفجر فلا ينافيه تناول المفطر قبله كي يحتاج إلى تجديد النية كما هو أظهر من أن يخفى.

[ 62 ]

[ نية على حدة (1). والاولى ان ينوي صوم الشهر جملة ويجدد النية لكل يوم ويقوي الاجتزاء بنية واحدة للشهر كله لكن لا يترك الاحتياط بتجديدها لكل يوم ] (1) - تقدم شطر من الكلام حول هذه المسألة، وذكرنا ان ظاهر الآية المباركة تعلق الامر بصوم شهر رمضان بكامله من أول الامر على نحو الواجب التعليقي، ولكن من الضروري عدم كون المجموع واجبا واحدا ارتباطيا، بحيث لو أفطر يوما لعصيان ونحوه بطل الكل كما هو شأن الواجب الارتباطي، بل هناك اوامر عديدة قد تعلقت بأيام متعددة، كل منها واجب مستقل بحياله على سبيل الانحلال الحقيقي، وإن حدث الكل من أول الشهر. وعليه فلا فرق بين أن ينوي لكل يوم في ليلته نظرا إلى تعلق الامر به بخصوصه، وبين أن يقتصر على نية واحدة للكل في الليلة الاولى مع بقاء تلك النية وارتكازها في ذهنه إلى آخر الشهر، نظرا إلى حلول جميع تلك الاوامر في الليلة الاولى، فيصح كلا الامرين كل باعتبار. والحاصل إن ظرف العمل متأخر عن زمان حدوث الامر وبينهما فاصل زماني، فالواجب تعليقي على كل حال، غاية الامر ان الفصل قد يكون قليلا وبمقدار بضع ساعات فيما لو نوى صوم الغد بخصوصه، وقد يكون اكثر فيما لو نوى صوم الايام الآتية، فلا فرق بينهما من هذه الجهة وله اختيار أي منهما شاء، فيمكن نية الكل جملة مع بقاء النية الارتكازية في أفق النفس إلى آخر الشهر، كما يمكن نية الغد بخصوصه

[ 63 ]

[ وأما في غير شهر رمضان من الصوم المعين فلابد من نية لكل يوم إذا كان عليه أيام كشهر أو أقل أو اكثر (1). ] لتردده في صوم بعد الغد لاجل احتمال السفر ونحوه مثلا، فيوكل نية الايام الآتية إلى ظرفها. نعم الاحوط الاولى الجمع بين الامرين، فينوي صوم الشهر جملة ويجدد النية لكل يوم لما ذكره بعضهم من لزوم النية في كل ليلة. وعلى كل حال فلا يحتمل أن يكون صوم شهر رمضان واجبا واحدا ارتباطيا كي تجب نية الكل من الاول، لاجل عدم جواز تفريق النية على أجزاء العبادة الواحدة ضرورة انها واجبات عديدة استقلالية، ولكل يوم حكم يخصه من الثواب والعقاب والكفارة والافطار، والاطاعة والعصيان ونحو ذلك مما هو من شؤون تعدد العبادة، غاية الامر ان هذه الاوامر قد حدثت بأجمعها من الاول على سبيل الانحلال، وبهذا الاعتبار صحت النية بكل من النحوين فله قصد الجميع من الاول، كما أن له نية كل يوم بخصوصه حسبما عرفت. (1) - كأن هذه المسألة مما وقع التسالم عليها، بل صرح في الجواهر بعدم وجدان الخلاف، وبذلك يفترق رمضان عن غيره من الواجب المعين بنذر ونحوه إذا كان عليه أيام عديدة كشهر أو أقل أو اكثر فيجتزئ بنية واحدة في الاول دون الثاني. أقول: لو كان الاجتزاء في شهر رمضان ثابتا بدليل خاص وكان مقتضى القاعدة عدم الاجتزاء، لكان اللازم ما ذكر من الاقتصار على رمضان جمودا في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مقدار قيام الدليل لكنك عرفت أن الحكم فيه هو مقتضى القاعدة. من غير أن يستند إلى

[ 64 ]

دليل بالخصوص حيث إن الامر بصوم الشهر كله قد حدث من الاول بمقتضى قوله تعالى: (ومن شهد منكم الشهر فليصمه)، وكذا الروايات فتعلق عندما هل هلال الشهر ثلاثون أو تسعة وعشرون أمرا بعدد الايام على سبيل الواجب التعليقي وإن انشئ الكل بانشاء واحد، ولكنها تنحل إلى أوامر عديدة استقلالية لكل منها اطاعة وعصيان مغاير للآخر، ولاجله كان مقتضى القاعدة جواز الاكتفاء بنية واحدة على ما سبق في معنى النية المعتبرة في باب الصوم من العزم والبناء على عدم الاتيان بالمفطرات في ظرفها غير المنافي لكون الترك غير اختياري له لنوم أو عجز ونحو ذلك، فكيتفي باستناد الترك إلى الصائم بنحو من الاستناد، أي يبني على أن لا يرتكب تلك الامور باختياره قاصدا به التقرب. ومن هنا ذكرنا فيما تقدم عدم الحاجة إلى تجديد النية في الليلة الثانية فلو نام نهار اليوم الاول ولم يستيقظ إلا بعد الفجر من اليوم الثاني صح صومه استنادا إلى النية الحاصلة في الليلة الاولى، الباقية بطبيعة الحال، فإذا كان هذا مقتضى القاعدة في صوم رمضان ثبت في غير رمضان أيضا بمناط واحد، ولا نظن أن هناك اجماعا تعبديا استند إليه الفقهاء في الحكم بالتفرقة، بل إنهم بنوا ذلك على مقتضى القاعدة حسبما أدى إليه نظرهم والا فالاجماع التعبدي لعله مقطوع العدم. وقد عرفت أن القاعدة تقتضي الاجتزاء حتى في غير رمضان، لفعلية الامر المتعلق بالواجب المتأخر، كما في نذر صوم شهر مثلا، وكوجوب صوم اليوم الثالث من الاعتكاف، فلو اعتكلف يومين كان الامر بالثالث ثابتا من الاول، فيكتفي بتلك النية السابقة، فلو نام في اليوم الثاني ولم يستيقظ إلا بعد الفجر من الثالث صح صومه، وإن لم يجدد النية ليلته.

[ 65 ]

[ مسألة 16: يوم الشك في انه من شعبان أو رمضان يبني على أنه من شعبان (1) فلا يجب صومه وان صام ينويه ندبا أو قضاء أو غيرهما ] والحاصل أنه لافرق بين رمضان وغيره في جواز الاجتزاء بنية واحدة لعدم ورود رواية خاصة في الاول، ومقتضى القاعدة الصحة في الجميع لكن على ما بيناه سابقا - من اعتبار صدور النية بعد فعلية الامر لا قبلها - لا تكفي النية قبل حلول رمضان فلاحظ. (1) فيجوز صومه بهذا العنوان لاصالة عدم دخول رمضان، ومنه تعرف عدم جواز صومه بعنوان رمضان فضلا عن عدم وجوبه، لانه من الملتفت تشريع محرم، مضافا إلى النصوص الخاصة الناهية عن الصوم بهذا العنوان، بل ورد في بعضها أنه لا يجزئ وإن انكشف كونه من رمضان فلابد من قضائه، لان ما أتى به منهي عنه، فلا يقع مصداقا للمأمور به. وعلى الجملة لا شك في صحة صوم هذا اليوم، وانه في نفسه أمر مشروع ما لم يقصد به رمضان، وإلا فهو ممنوع، وقد دلت الاخبار المتظافرة على الحكم من كلا الطرفين مضافا إلى كونه مقتضى القاعدة حسبما عرفت. نعم ورد في بعض النصوص كخبر الاعشى (1) النهي عن صوم يوم الشك، وقد نسب إلى المفيد (ره) القول بكراهة الصوم في هذا اليوم، وكأنه حمل النهي المزبور عليها جمعا بينه وبين ما دل على جواز الصوم وانه يحسب من رمضان، ولكنه كما ترى، فان ما دل على المنع


(1) الوسائل باب 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته الحديث 2

[ 66 ]

مطلق يكشف القناع عنه ما تضمن التفصيل بين قصد شعبان فيجوز، وقصد عنوان رمضان فلا يجوز، كموثقة سماعة، قال عليه السلام فيها: (. إنما يصام يوم الشك من شعبان ولا يصومه من شهر رمضان. الخ) وفي رواية الزهري: (وصوم يوم الشك أمرنا به ونهينا عنه، أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه الخ) (1) ونحوهما غيرهما. وعليه فالروايات الناهية محمولة على القسم الاخير بطبيعة الحال، فلا موجب للحمل على الكراهة، بل قد ورد في بعض الاخبار الحث على صوم هذا اليوم بعنوان شعبان وأنه إن كان من رمضان أجزأه، ويوم وفق له، وإلا فهو تطوع يؤجر عليه. نعم هناك رواية واحدة قد يظهر منها المنع وان لم يكن بعنوان الشك، وقد نسب إلى المفيد (ره) القول بكراهة الصوم في هذا حمل النهي المزبور عليها جمعا بينه وبين ما دل على جواز الصوم وانه يحسب من رمضان، وهي صحيحة عبد الكريم بن عمرو المقلب ب‍ - كرام - قال: قلت لابي عبد الله (ع): إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم، فقال: (صم، ولا تصم في السفر، ولا العيدين، ولا أيام التشريق، ولا اليوم الذي يشك فيه) (2). فان الظاهر ان المراد من اليوم الذي يشك فيه ما تردد بين شعبان ورمضان، وإلا فليس لنا يوم آخر تستعمل فيه هذه اللفظة وقد دلت صريحا على النهي، مع أن المفروض صومه بعنوان الوفاء بالنذر، لا بعنوان رمضان كما لا يخفى. ويندفع بعدم ظهور الرواية في ورودها في فرض النذر، بل ظاهرها مجرد الجعل على النفس والالتزام بالصوم خارجا، ولو أراد النذر لقال:


(1) الوسائل باب 5 من وجوب الصوم الحديث 4 و 8 (2) الوسائل باب 6 من ابواب وجوب الصوم الحديث 3

[ 67 ]

إني جعلت لله على نفسي.. الخ كما لا يخفى، ومن المعلوم ان متعلق هذا الجعل هو الصوم الذي لا يكون واجبا في نفسه، وإلا فالواجب كرمضان غني عن الجعل المزبور. وعليه فالنهي الوارد فيها قابل للحمل على الصوم بعنوان رمضان. وبعبارة أخرى التزم هذا الجاعل أن يصوم طيلة حياته، إن واجبا فلوجوبه وإن ندبا فلالتزامه به. وبما أن الصوم يوم الشك مظنة قصد الوجوب فمن الجائز أنه عليه السلام منعه عن الصوم بهذا القصد وبعنوان رمضان. وأما الصوم ندبا حسب التزامه وقراره فالرواية غير ظاهرة في المنع عنه بوجه. ومع الغض عما ذكرناه وتسليم بعده عن الرواية لكونها ظاهرة في المنع المطلق، فهي معارضة للروايات السابقة الدالة على مشروعية الصوم في هذا اليوم، بل محبوبيته، وحيث انها لا تقاوم تلك النصوص الكثيرة المتواترة فلا مناص من طرحها أو حملها على التقية لالتزام العامة - على ما قيل - بترك الصوم في هذا اليوم. وعلى الجملة لا ينبغي التأمل في صحة الصوم في يوم الشك وأنه مشروع في حد نفسه للنصوص المتواترة، والممنوع هو صومه بعنوان رمضان، فلا تقاومها هذه الرواية وإن صح سندها، فان كانت قابلة للتأويل حسبما ذكرناه فهو وإلا فلتطرح. أو تحمل على التقية. وقد عرفت أن الصحة هي مقتضى الاستصحاب الموضوعي أيضا، أعني أصالة بقاء شعبان، وعدم دخول رمضان، فالحكم مطابق للقاعدة، حتى وإن لم ترد رواية أصلا، كيف والروايات الصريحة في الجواز كافية ووافية حسبما عرفت. ثم إن مقتضى الاستصحاب والروايات عدم الفرق في صحة الصوم

[ 68 ]

من شعبان بين أن يقصد به التطوع، أو ينوي الوجوب من نذر أو كفارة أو استيجار ونحو ذلك، بل قد لا يشرع التطوع كما لو كان عليه القضاء ولو من السنين السابقة، فان المتعين حينئذ التصدي له، ولا يسوغ له صوم التطوع كما سيجئ في محله ان شاء الله تعالى. فالثابت في حقه بمقتضى الامرين المزبورين جواز الصوم على نحو ما يقتضيه تكليفه من التطوع - إن لم يكن عليه واجب مطلقا أو خصوص القضاء - وإلا فيقصد الواجب، ولم يرد في شئ من الاخبار ما يدل على الاختصاص بالتطوع عدا رواية واحدة، وهي رواية بشير النبال، قال: سألته (ع) عن صوم يوم الشك؟ فقال: (صمه فان يك من شعبان كان تطوعا، وان يك من شهر رمضان فيوم وفقت له) (1) ولكنها كما ترى غير دالة على الانحصار، بل إن موردها ذلك - أي من لم يكن عليه صوم واجب - بقرينة ذكر التطوع بضميمة ما سيجئ من عدم مشروعية التطوع ممن عليه الفريضة فلا تدل على عدم جواز قصد الوجوب ممن كان عليه صوم واجب بوجه، كما هو ظاهر جدا، على أنها ضعيفة السند ببشير النبال فلا تصلح للاستدلال، وبقية الاخبار غير مذكور فيها التطوع كما عرفت، وإنما ذكر فيها الصوم على أنه من شعبان، وهو كما يمكن أن يكون بنية الندب، يمكن أن يكون بنية القضاء، أو واجب آخر. ومنه تعرف أن الاجزاء أيضا كذلك فيحسب له من رمضان لو تبين كون اليوم منه، سواء أصام تطوعا أم وجوبا، لاطلاق نصوص الاجتزاء من هذه الجهة، والعمدة منها روايتان. احداهما صحيحة سعيد الاعرج قال: قلت لابي عبد الله (ع): إني صمت اليوم الذي يشك فيه فكان من شهر رمضان أفأقضيه؟ قال:


(1) الوسائل باب 5 من ابواب وجوب الصوم الحديث 3

[ 69 ]

[ ولو بان بعد ذلك أنه من رمضان أجزأ عنه ووجب عليه تجديد النية إن بان في اثناء النهار ولو كان بعد الزوال (1) ] لا، هو يوم وفقت له، والاخرى موثقة سماعة قال عليه السلام فيها: ". وإنما ينوي من الليل أن يصوم من شعبان، فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه. الخ " (1). وكلتاهما مطلقة من حيث التطوع وعدمه فلا يختص بالاول لا تكليفا ولا وضعا. (1) خلافا لما نسب إلى بعضهم من عدم وجوب التجديد، استنادا إلى اطلاق النص والفتوى وهو كما ترى، فان مورد الروايات هو الانكشاف بعد انقضاء اليوم. وليس في شئ منها فرض انكشاف الحال أثناء النهار الذي هو محل الكلام كي يتمسك باطلاقه، والظاهر أن كلمات الاصحاب أيضا ناظرة إلى ذلك. وكيفما كان فلا شك في الاجتزاء بما سبق من الاجزاء، وإن كانت فاقدة للنية لاستفادة حكمها من النصوص بالاولوية القطعية، إذ لو حكم بالاجتزاء فيما إذا انكشف الحال بعد انقضاء النهار الذي هو مورد النصوص، مع كون المجموع حينئذ فاقدا للنية، ففي مورد الانكشاف في الاثناء المستلزم لفقد النية في البعض فقط بالطريق الاولى، ولا سيما مع التعليل بأنه يوم وفق له، المقتضي لشمول كلتا الصورتين كما لا يخفى. وأما لزوم تجديد النية بالنسبة إلى الآنات الباقية من النهار بعد انكشاف الحال فهذا أيضا ينبغي أن لا يستشكل فيه، إذ لا يخلو الحال من القول بعدم الحاجة إلى النية بقاء فلا يضره الخلو منها، بحيث لو نوى المفطر ساغ له ذلك، أو الاستمرار على النية السابقة - نية الصوم من شعبان ندبا


(1) الوسائل باب 5 من ابواب وجوب الصوم حديث 2، 4

[ 70 ]

[ ولو صامه بنية أنه من رمضان لم يصح وان صادف الواقع (1) ] أو قضاءا أو غيرهما - أو تجديد النية بعنوان رمضان ولا رابع. أما الاول: فباطل جزما، كيف والصوم عبادة لا تصح بدون النية وقصد العنوان في تمام الآنات ومجموع الاجزاء بالضرورة حسبما مر في محله. وأما الثاني فكذلك للقطع فعلا بعدم الامر بالصوم من شعبان، بمقتضى فرض انكشاف الخلاف، فكيف يمكن البقاء والاستمرار على نيته السابقة فان نية التطوع مثلا كانت مستندة إلى الحكم الظاهري، وهو استصحاب بقاء شعبان الذي موضوعه الجهل وقد ارتفع، فهو عالم فعلا بعدم الاستحباب وعدم الامر بالصوم من شعبان، فكيف يمكن نيته؟! فلا مناص من الاخير وهو المطلوب. وعليه فيجتزئ فيما مضى من اليوم بالنية السابقة من باب الاحتساب المستفاد من الاولوية القطعية كما مر، ويجدد النية فيما بقي، وبذلك يصح صومه ويلتئم جزؤه اللاحق بالسابق. وبعبارة أخرى يستكشف بعد ظهور الخلاف أنه كان مأمورا واقعا بنية رمضان من أول الفجر، غاية الامر انه كان معذورا فيما سبق وقد اكتفى به الشارع تعبدا، أما الآن فما بعد فلا عذر، ومعه لا مناص من تجديد النية من غير حاجة إلى قيام دليل عليه، بل هو مطابق لمقتضى القاعدة حسبما عرفت. (1) أشرنا فيما مر إلى أن الروايات الواردة في صوم يوم الشك على طوائف ثلاث: منها ما تضمن المنع المطلق، وأنه لا يجزئه، وعليه القضاء وإن تبين

[ 71 ]

كون اليوم من رمضان. ومنها ما دل على الامر به مطلقا، وانه يوم وفق له، ويجزئه لو كان منه وهما متعارضتان بالتباين. وهناك طائفة ثالثة جامعة بين الامرين وشاهدة للجمع بين الطائفتين حيث تضمنت التفصيل بين صومه من شعبان فيجوز ويجزئ، وبين صومه بعنوان رمضان فلا يجوز ولا يجتزي به وإن كان منه، فتحمل الطائفة الاولى على الثاني، والثانية على الاول، وبذلك يرتفع التنافي من البين ويتصالح بن الطرفين. فمن الطائفة الاولى صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان؟ فقال: عليه قضاؤه، وإن كان كذلك (1). وكونها من هذه الطائفة مبني على أن يكون قوله من رمضان متعلقا بقوله يشك لا بقوله يصوم كما لا يخفى. ونحوهما صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال في يوم الشك: من صامه قضاه وإن كان كذلك، يعني من صامه على أنه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه، وإن كان يوما من شهر رمضان، لان السنة جاءت في صيامه على أنه من شعبان ومن خالفها كان عليه القضاء (2). قوله يعني. الخ يحتمل أن يكون من كلام الشيخ، ويحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة، كما يحتمل أيضا أن يكون من كلام الامام عليه السلام، وان كان الاخير بعيدا كما سنبين. وكيفما كان فيكفي كون الصدر من الامام (ع) فيتحد مفادها مع الصحيحة السابقة.


(1) (2) الوسائل باب 6 من ابواب وجوب الصوم الحديث 1، 5

[ 72 ]

وهذه الرواية صحيحة بلا اشكال، وإن عبر عنها بالخبر في كلام الهمداني المشعر بالضعف. ومنها صحيحة عبد الكريم بن عمرو - الملقب ب‍ (كرام) - المتقدمة قال (ع) فيها: " لا تصم في السفر، ولا العيدين، ولا أيام التشريق ولا اليوم الذي يشك فيه (1) ونحوها غيرها. ثم لا يخفى أن قوله عليه السلام في الصحيحتين الاوليين (وإن كان كذلك) لم يظهر له وجه لوضوح اختصاص القضاء بما إذا كان كذلك، أي كان يوم الشك من رمضان، وإلا فلو كان من شعبان، أو لم يتبين الحال أبدا لا يجب القضاء. فحق العبارة أن يقال: قضاه إن ثبت أنه من رمضان، لا وإن كان من رمضان. إلا أن يقال إن المراد من قوله: قضاه المدلول الالتزامي وهو البطلان الذي هو ثابت على تقديري كونه من رمضان وعدمه. أما الثاني فواضح لان ما قصد وهو الصوم بعنوان رمضان لم يقع، وما وقع لم يقصد، وكذا الاول الذي هو الفرد الخفي، ولذا احتيج إلى كلمة إن الوصلية، فهو بمثابة أن يقول: لم يعتد به وإن كان من رمضان. وبالجملة بما أن القضاء مترتب على البطلان فاريد من الكلام المعنى الالتزامي دون المطابقي أعني نفس القضاء، إذ لا محصل للعبارة حينئذ حسبما عرفت، لعدم موضوع للقضاء لو لم يكن من رمضان فقوله: (وإن) اشارة إلى تعميم البطلان - الملزوم لوجوب القضاء - لبعض الموارد لا تعميم نفس وجوب القضاء، وانما تعرض للقضاء لثبوته ولو في الجملة وفي بعض الموارد. والظاهر أن التفسير المذكور في صحيحة هشام بقوله: يعني من صامه


(1) الوسائل باب 6 من وجوب الصوم حديث 3

[ 73 ]

إلى قوله لان السنة، انما هو من الشيخ أو بعض الرواة لتوضيح هذا المعنى ففسره بما يرجع إلى البطلان، وأن المراد من القضاء المدلول الالتزامي، يعني بطلان الصوم الذي لازمه القضاء ولو في خصوص هذا المورد، أعني ما إذا كان اليوم من رمضان واقعا، والا فلا يحتمل ثبوت القضاء على كل تقدير كما عرفت. وعليه فالمظنون قويا أن التفسير المزبور قد صدر من أحدهما لا من الامام نفسه كما لا يخفى، خصوصا مع التعبير بكلمة (يعني) لا (أعني). وبازاء هذه الطائفة طائفة أخرى تضمنت الامر بالصوم في هذا اليوم وانه لو انكشف أنه من رمضان يحتسب منه، وانه يوم وفق له، فتدل لا محالة على المشروعية، وهي كثيرة كما لا تخفى على من لاحظها. والروايات الجامعة بين الطائفتين المصرحة بالتفصيل بين الصوم من شعبان فيجوز، ومن رمضان فلا يجوز فهي عديدة عمدتها موثقة سماعة، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل صام يوما ولا يدري أمن شهر رمضان هو أو من غيره؟. إلى أن قال (ع): انما يصام يوم الشك من شعبان، ولا يصومه من شهر رمضان (1). وهي كما ترى واضحة الدلالة على أن متعلق الامر شئ ومتعلق النهي شئ آخر، وبما أنها جامعة بين الامرين، فبها يجمع بين الطائفتين المتخاصمتين ويرتفع التعارض من البين. هذا ولو فرضنا عدم وجود شئ من هذه الروايات لحكمنا أيضا بالبطلان، لو صام يوم الشك بعنوان رمضان وإن صادفه، لانه مع الالتفات


(1) الوسائل باب 5 من أبواب وجوب الصوم الحديث 4

[ 74 ]

[ مسألة 17: صوم يوم الشك يتصور على وجوه (1). الاول: أن يصوم على أنه من شعبان. وهذا لااشكال فيه، سواء نواه ندبا، أو بنية ما عليه من القضاء أو النذر أو نحو ذلك. ولو انكشف بعد ذلك انه كان من رمضان اجزأ عنه، وحسب كذلك. الثاني: ان يصومه بنية انه من رمضان: والاقوى بطلانه وان صادف الواقع. ] تشريع محرم، نظرا إلى أن مقتضى الاستصحاب عدم حدوث رمضان، فكيف يصوم بهذا العنوان؟! نعم لا يثبت به البطلان في فرض الغفلة، أو اعتقاد جواز الصوم بهذا العنوان، لعدم التشريع حينئذ، وأما مع الالتفات فباطل ولا حاجة إلى النص. (1) ذكر (قدس سره) أن فيه وجوها أربعة. تقدم الكلام حول الوجهين الاولين الذين يجمعهما الجزم بالعنوان من شعبان أو رمضان مستقصى فلا نعيد. وأما الوجهان الآخران المشتملان على نوع من الترديد، فقد فصل (قدس سره) بينهما من حيث الصحة والفساد. فذكر (قده): أنه ان صام على انه إن كان من رمضان كان واجبا، وان كان من شعبان كان ندبا أو قضاء بطل لكونه من الترديد في النية. وأما ان قصد صوم هذا اليوم بقصد ما في الذمة، اي بقصد الامر الفعلي المتوجه إليه على ما هو عليه، إذ الصوم في هذا اليوم مأمور به

[ 75 ]

[ الثالث: ان يصومه على انه إن كان من شعبان كان ندبا أو قضاء مثلا. وان كان من رمضان كان واجبا. والاقوى بطلانه أيضا. الرابع: ان يصومه بنية القربة المطلقة، بقصد ما في الذمة وكان في ذهنه أنه إما من رمضان أو غيره، بأن يكون الترديد في المنوي لا في نيته فالاقوى صحته وان كان الاحوط خلافه. ] جزما، لعدم كونه من الايام المحرمة كيوم العيد ونحوه، وان لم يعلم خصوصية ذلك الامر من الوجوب أو الندب، فيقصد الامر الفعلي بقصد القربة المطلقة، فقد حكم (قده) بالصحة حينئذ لكونه من الترديد في المنوي لا في النية، كما في الصورة السابقة. اقول: يقع الكلام أولا في بيان الفرق بين الصورتين وصحة التفكيك بينهما موضوعا، واخرى في صحة التفصيل حكما فهنا جهتان: أما الجهة الاولى فمبنى الصورة الاولى على الامتثال الاحتمالي، بمعنى أن الباعث له على الصيام إنما هو احتمال رمضان، وأما الطرف الآخر: أعني الصوم الندبي من شعبان فلا يهتم به، بل قد يعلم ببطلانه لعدم كونه مأمورا به في حقه، كما لو كان عبدا أو زوجة أو ولدا قد منعه المولى أو الزوج أو الوالد عن الصوم الندبي، بناء على الافتقار إلى الاذن منهم فيصوم يوم الشك برجاء أنه من رمضان لا على سبيل البت والجزم ليكون من التشريع، فيتعلق القصد بعنوان رمضان، لكن لا بنية جزمية، بل ترديدية احتمالية وانه إن كان من رمضان فهو، وإلا فليكن تطوعا أو قضاءا مثلا، أولا هذا ولا ذاك، بل باطلا كما في صورة الحاجة إلى الاذن على

[ 76 ]

ما سمعت، فلا يدوعوه إلى الصيام إلا مجرد احتمال رمضان. وأما الصورة الثانية فليس فيها رجاء أبدا، بل هو قاصد للامر الفعلي الجزمي الجامع بين الوجوب والاستحباب للقطع بتعلق الامر بالصوم في هذا اليوم، غاية الامر أن الخصوصية مجهولة، وصفة المنوي مرددة بين الوجوب والاستحباب لترددها بين رمضان وشعبان، فتلغى تلك الخصوصية في مقام تعلق القصد، ولم يقصد رمضان لا جزما ولا احتمالا، بل يقصد طبيعي الصوم بداعي طبيعي الامر. وهذا هو الذي سماه بالترديد في المنوي دون النية عكس الصورة السابقة. وأما الجهة الثانية: فالظاهر صحة ما ذكره (قدس سره) من التفصيل بين الصورتين بالبطلان في الاولى، والصحة في الثانية. أما الاول: فلان الامتثال الاحتمالي والعبادة الرجائية وان كانت محكومة بالصحة كما في ساير موارد الرجاء والاحتياط إلا انها محكومة بالفساد في خصوص المقام، نظرا إلى أن المستفاد من اطلاق الروايات الواردة في المقام بطلان الصوم في يوم الشك بعنوان رمضان، ولو كان ذلك على سبيل الاحتمال والرجاء، بل لا يبعد أن يقال: إن الروايات ناظرة إلى نفس هذه الصورة، إذ من البعيد الاهتمام فيها بأمر أما لا يقع خارجا، أو نادر الوقوع جدا، وهو الصوم في يوم الشك بعنوان رمضان بنية جزمية تشريعية، أفهل يظن صدور ذلك من رواة هذه الاحاديث، نظراء محمد ابن مسلم، وهشام بن سالم واضرابهم من الاكابر، كي يهتم ذلك الاهتمام البليغ بردعهم ومنعهم؟ فمن القريب جدا ان النهي في هذه النصوص ناظر إلى ما هو المتعارف الخارجي، ولا سيما عند العوام من الصيام في نحو هذه الايام بعنوان الاحتياط والرجاء كي لا يفوتهم الصوم من رمضان. وبالجملة فالروايات اما مختصة بالرجاء، أو انها مطلقة عن هذه

[ 77 ]

الجهة. وعلى التقديرين فتدل على البطلان في هذه الصورة. وأما الثاني: فلان الصيام في الصورة الثانية غير مشمول للنصوص الناهية، لانها إنما نهت عن صوم تعلق بعنوان رمضان إما جزما، أو ولو احتمالا حسبما عرفت، وهذا لم يقصده حسب الفرض، وإنما قصد الطبيعي، وقد ذكرنا سابقا أن المأمور به في شهر رمضان هو طبيعي الصوم ولم يؤخذ فيه إلا خصوصية عدمية، وهى عدم قصد عنوان آخر وهي حاصلة في المقام، لفرض عدم تعلق القصد بعنوان آخر مناف لرمضان. وعليه فلو انكشف بعدئذ أن اليوم من رمضان فقد أجزأ، لانه قد أتى بمتعلق الامر على ما هو عليه، فلا يدخل هذا الفرض في الاخبار الناهية بوجه. فان قلت: إن تلك الاخبار التي منها موثقة سماعة كما تضمنت النهي عن الصوم بعنوان رمضان كذلك تضمنت الامر به بعنوان شعبان الظاهر في حصر الصحة في هذا العنوان وهو غير منوي حسب الفرض فلا مناص من الحكم بالبطلان، نظرا إلى خروج هذا الفرض عن العقد الايجابي، وإن لم يكن داخلا في العقد السلبي كما ذكر. قلت: لا ينبغي التأمل في أن الحصر المزبور اضافي، والمقصود نفي الصوم بعنوان رمضان، لا حصر الصوم المشروع بعنوان شعبان، فالحصر انما هو بلحاظ ما هو المتعارف الخارجي من الصوم في مثل هذا اليوم، إما بعنوان رمضان أو شعبان. وأما الصوم بالعنوان الجامع وبقصد ما في الذمة - الذي هو المبحوث عنه في المقام - فليس بمتعارف كما لا يخفى - فتخصيص شعبان بالذكر يراد به - ان لا يكون من رمضان، لا لخصوصية في شعبان نفسه. فلو

[ 78 ]

[ مسألة 18: لو أصبح يوم الشك بنية الافطار، ثم بان له انه من الشهر (1) فان تناول المفطر وجب عليه القضاء، وامسك بقية النهار وجوبا تأدبا. وكذا لو لم يتناوله ولكن كان بعد الزوال وان كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر جدد النية واجزأ عنه. ] فرضنا أن شخصا محبوسا جهل بالشهور وعينها بعدد الزوج والفرد، ثم علم اجمالا بمقتضى هذا الحساب أن هذا اليوم إما أنه آخر رجب أو اول رمضان، فهو طبعا يصوم بعنوان رجب، للقطع بعدم شعبان، والمفروض عدم الجواز بعنوان رمضان، والاستصحاب ايضا ينفيه، فلو صام كذلك وصادف من رمضان فهو يوم وفق له، وتشمله نصوص الصحة بالضرورة فيكشف ذلك عما ذكرناه من عدم خصوصية لشعبان، وانما يراد النهي عن قصد رمضان ولو رجاء كما مر. وعليه فلو صام بقصد الجامع ملغيا عنه كل خصوصية صح ولم يدخل في الاخبار الناهية بوجه حسبما عرفت. (1) قد يفرض ذلك مع تناول المفطر، واخرى بدونه. وعلى الثاني فقد يكون قبل الزوال، واخرى بعده. اما في صورة عدم التناول فقد تقدم من الماتن جواز تجديد النية فيما إذا كان الانكشاف قبل الزوال، والاجتزاء به عن رمضان الحاقا له بالمريض والمسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال. وعرفت ان هذا الحكم وان كان هو المعروف بينهم الا انه لا دليل عليه بحيث يجتزأ بنية الامساك بقية النهار عن الامساك من طلوع الفجر

[ 79 ]

المتقوم به الصوم، ليكون الصوم الناقص بدلا عن الكامل، فان هذا على خلاف القاعدة، يقتصر فيه على مورد قيام الدليل، وهو خاص بالمريض والمسافر دون غيرهما وان لم يتناول المفطر، فلا وجه للتعدى عنهما بوجه. وأما في صورة التناول فلا اشكال في البطلان لانه قد أحدث شيئا وافطر، ولا معنى للصوم في جزء من اليوم، فانه متقوم شرعا بالامساك من الفجر، ولم يتحقق حسب الفرض، فلا مناص من القضاء. وهل يجب عليه الامساك إلى الغروب تأدبا كما ذكره في المتن؟ الظاهر أنه من المتسالم عليه بينهم، بل لعله من الواضحات التي يعرفها حتى عوام الناس، فانهم لا يشكون في أن من كان مكلفا بالصوم وإن لم يكن منجزا عليه لجهله فافطر ولو لعذر وجب عليه الامساك بقية النهار وجوبا تأدبيا، كما عبر به في المتن وإن لم يحسب له الصوم. فان تم الاجماع - والظاهر أنه تام - فلا كلام، وإلا فاثباته بحسب الصناعة مشكل، لعدم الدليل عليه بوجه، إذ الواجب بعد ان كان ارتباطيا وقد عرضه البطلان الموجب لسقوط الامر بالصوم في هذا اليوم، فبأي موجب يلزمه الامساك في بقية النهار، فلولا قيام الاجماع لكفى في نفي هذا الوجوب أصالة البراءة عنه. وبعبارة اخرى الامساك المزبور لو ثبت فليس هو بعنوان الصوم، بل بعنوان آخر ولذا عبر (قده) عنه بالتأدب، وهذا يفتقر اثباته إلى دليل آخر، غير ادلة وجوب الصوم وحيث لا دليل، فالمرجع اصالة البراءة لولا الاجماع على الوجوب. نعم يمكن ان يستفاد ذلك من الاخبار الواردة في الجماع، فان الروايات الواردة في ساير المفطرات كلها مقيدة بالصائم، مثل قوله (ع) (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ)، ومثل قوله عليه السلام

[ 80 ]

[ مسألة 19: لو صام يوم الشك بنية انه من شعبان ندبا أو قضاء أو نحوهما ثم تناول المفطر نسيانا وتبين بعده انه من رمضان اجزأ عنه ايضا، ولا يضره تناول المفطر نسيانا (1) كما لو لم يتبين. وكما لو تناول المفطر نسيانا بعد التبين. ] (من افطر متعمدا فعليه. الخ) فان الافطار فرع الصوم، واذ لا صوم - كما في المقام - فلا افطار ونحوها غيرها، فانها برمتها واردة في خصوص الصائم، فالتعدي إلى غيره ممن ابطل صومه كي يجب عليه الامساك لا دليل عليه. ولكن خصوص الروايات الواردة في الجماع مطلقة لم يؤخذ في موضوعها عنوان الصائم بل المذكور فيها: ان من إتى اهله في شهر رمضان فعليه كذا، ونحو ذلك مما يقرب من هذا التعبير، فتدلنا على أن الحكم عام للصائم ولغيره، وقد خرج عنها بالدليل القطعي بعض الموارد كالمسافر والمريض، والشيخ والشيخة، واما غير ذلك ممن كان مأمورا بالصوم فأفسده اما العذر أو عصيان فهو مشمول لتلك الاطلاقات، فيجب عليه الامساك عن الجماع، وبعدم القول بالفصل القطعي يثبت في سائر المفطرات أيضا، فان تم هذا التقريب أو الاجماع المزبور - وكلاهما تام - والا فلا دليل عليه. (1) لما سيأتي ان شاء الله تعالى في محله من اختصاص المفطر بالتناول العمدي، وأما غيره فرزق رزقه الله ولا يقدح في الصحة بوجه، فلا فرق إذا بين التبين وبين ما إذا لم يتبين رأسا في عدم البطلان على التقديرين ضرورة انه إذا لم يكن قادحا في فرض عدم الانكشاف فالانكشاف لا يزيد

[ 81 ]

[ مسألة 20: لوم صام بنية شعبان ثم افسد صومه برياء ونحوه لم يجزئه عن رمضان، وإن تبين له كونه منه قبل الزوال (1). مسألة 21: إذا صام يوم الشك بنية شعبان، ثم نوى الافطار، وتبين كونه من رمضان قبل الزوال قبل ان يفطر فنوى صح صومه (2) واما ان نوى الافطار في يوم من شهر رمضان عصيانا، ثم تاب فجدد النية قبل الزوال لم ينعقد ] عليه بشئ. واوضح حالا منهما ما لو تبين ثم تناول المفطر نسيانا، إذ بعد التبين وتجديد النية، فهذا الصوم يقع من رمضان، وصريح النصوص عدم بطلانه بالتناول السهوي، وهذا كله واضح. (1) إذ بعد أن بطل الصوم بالرياء المفسد لم يبق حينئذ موضوع للعدول وتجديد النية، لاختصاص النصوص بما إذا كان الصوم صحيحا في نفسه، فيبدل الصحيح بصحيح آخر، دون الباطل غير القابل للتبديل فان الحرام لا يقع مصداقا للواجب، فلا يشمله شئ من نصوص التجديد ومعه لا مناص من القضاء. (2) فان النية الاولى بعد تعقبها بنية الافطار بمنزلة العدم، فهو كمن لم ينو الصوم أصلا، وقد تقدم ان من ترك النية جهلا أو نسيانا يجددها قبل الزوال، ولكنه مبني على مسلكه (قدس سره) من الحاق ذلك بالمريض والمسافر في جواز التجديد المزبور، وقد بينا ضعف المبنى وبطلان القياس، فلا دليل على التعدي، فالحكم بالصحة مشكل جدا، بل يمسك تأدبا، ولا بد من القضاء.

[ 82 ]

[ صومه، وكذا لو صام يوم الشك بقصد واجب معين، ثم نوى الافطار عصيانا. ثم تاب فجدد النية بعد تبين كونه من رمضان قبل الزوال. ] واولى بعدم الصحة مالو نوى الافطار في يوم من شهر رمضان عصيانا ثم تاب فجدد النية قبل الزوال، للاخلال بالنية عامدا الموجب للبطلان كما تقدم. وأما الفرع الثالث المذكور في المتن وهو: مالو صام يوم الشك بقصد واجب معين كنذر ونحوه، ثم نوى الافطار عصيانا، ثم تاب فجدد النية فقد حكم الماتن (قدس سره) بعدم الصحة فيه أيضا، نظرا إلى أنه قد أبطل صومه بنية الافطار بعد أن كان واجبا معينا، والباطل لا يقوم مقام الصحيح، فليس له العدول. وهذا وجيه على مسلكنا من عدم الدليل على تجديد النية، فيمن لم يكن ناويا للصوم من الاول أو في الاثناء لجهل ونحوه. وأما بناء على مسلكه (قدس سره) من جواز التجديد فالظاهر هو الحكم بالصحة، لانه بعد تبين كون اليوم من رمضان ينكشف أنه قد ابطل - بنية الافطار - صوما لم يكن ثابتا في حقه إلا بحسب الحكم الظاهري المنتهي امده بانشكاف الخلاف، وإلا فهو واقعا مكلف بصيام رمضان، ومثل هذا الابطال لا يكاد يضر بصحة الصوم بعنوان رمضان، فان حاله حال غير الناوي من أصله، الذي يسوغ له التجديد حسب الفرض. وبعبارة واضحة، هنا موضوعان: صوم بعنوان رمضان، وصوم بعنوان آخر من نذر أو كفارة ونحوهما. ولكل موضوع حكمه، والمفروض أنه نوى الصوم بعنوان آخر واجب معين وقد أفسده بنية الافطار. بل

[ 83 ]

[ مسألة 22: لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعين بطل صومه (1) سواء نواهما من حينه أو فيما يأتي. ] لنفرض انه ارتكب محرما أيضا للتجري، فغايته أن حاله حال من لم ينو الصوم من أول الفجر، فإذا انكشف الخلاف وان اليوم من رمضان وأنه مكلف به واقعا وان ما نواه كان محكوما بحكم ظاهري مغي بعدم انكشاف الخلاف وقد انكشف، فأي مانع حينئذ من تجديد النية والاتيان بعنوان رمضان الذي لم يكن فاقدا إلا النية، بعد فرض نهوض الدليل على جواز التجديد في امثال المقام كما يراه (قده). ولا يقاس المقام بالرياء المحرم، ضرورة ان الصوم الريائي بنفسه محرم والمحرم لا يقوم مقام الواجب. واما في المقام فالحرمة لو كانت فانما هي في نية الافطار، لا في نفس الصوم كما لا يخفى. فما ذكره (قده) يتم على مسلكنا من عدم الدليل عل تجديد النية لا على مسلكه (قده) حسبما عرفت. (1) الفرق بين نية القطع والقاطع واضح، فان الصائم قد ينوي تناول المفطر فيحرك عضلاته نحو الطعام ليأكله فيقوم ويذهب ليشتري خبزا مثلا ويأكله. فهذا قد نوى القاطع، سوءا تحقق الاكل خارجا ام لا، واخرى ينوي القطع، أي ان لا يكون صائما باعتبار ان الصوم قصدي فيرفع اليد عن قصده وينوي أن لا يمسك عن المفطرات، من دون ان يقصد تناول المفطر، بل نفس عدم نية الامساك. هذا هو الفرق الموضوعي. واما بحسب الحكم فقد يفصل بينهما، فيدعى ان نية القطع تضر بالصوم للاخلال النية كما عرفت، بخلاف نية القاطع فانها لا تنافيه، بل هي تؤكد الصوم حين يبني على القطع فيما بعد، فهو بالفعل صائم لا محالة

[ 84 ]

ليتصف بعدئذ بالقطع، فان بداله وجدد النية قبل تناول المفطر فلا مانع من الصحة. وببالي ان صاحب الجواهر يقوي هذا التفصيل، كما انه قد يفصل ايضا بين نية الاتيان بالمفطر فعلا، وبين الاتيان فيما بعد، ببطلان الصوم في الاول، دون الثاني. والظاهر ان كلا التفصيلين مبنيان على شئ واحد، وهو الخلط بين امرين، إذ الكلام يقع تارة في عنوان الصوم المقابل للافطار، واخرى في صحة الصوم وفساده. اما الاول: اعني اصل الصوم الذي هو عبارة عن الامساك عن نية فالذي ينافيه إنما هو نية القطع، إذ معه لا يكون صائما بالفعل، لعدم كونه قاصدا للصوم، واما لو نوى القاطع فهو ممسك فعلا، ولم يرفع اليد عن صومه بوجه، فعنوان الصوم باق إلى ان يرتفع بمفطر، ومن هنا لا يترتب شئ من الكفارات على النية المحضة ما لم تتعقب باستعمال المفطر خارجا، فان نوى ان يأكل فلا شئ عليه ما لم يأكل، لان الكفارة مترتبة على عنوان المفطر، وليست النية مفطرة، وانما هي نية المفطر لا واقعه. فبالنسبة إلى عنوان الصوم والافطار الامر كما ذكر، والتفصيل المزبور بهذا المعنى صحيح، وكذلك التفصيل الثاني كما لا يخفى. ولكن ليس كلامنا في اصل الصوم، بل في المعنى الثاني، اعني الصوم الصحيح القربي، الذي هو عبارة عن نية الامساك الخاص المحدود فيما بين الفجر إلى الغروب، ولا شك ان كلا من نيتي القطع والقاطع الحالي أو الاستقبالي تنافيه، ضرورة انه كيف يجتمع العزم على الامساك إلى الغروب مع نية القاطع ولو بعد ساعة، فنية القاطع فضلا عن القطع ولو فيما بعد لا تكاد تجتمع مع القصد إلى الصوم الصحيح، فهو نظير من شرع في الصلاة بانيا على ابطالها في الركعة الثالثة، فان مثله غير قاصد لامتثال الامر

[ 85 ]

[ وكذا لو تردد (1) نعم لو كان تردده من جهة الشك في بطلان صومه وعدمه لعروض عارض، لم يبطل وان استمر ذلك إلى ان يسأل. ولافرق في البطلان بنية القطع أو القاطع أو التردد بين ان يرجع إلى نية الصوم قبل الزوال ام لا. ] الصلاتي المتعلق بمجموع الاجزاء بالاسر بطبيعة الحال، وان لم يكن بالفعل قاطعا للصلاة. فما ذكره في المتن من الحكم بالبطلان مطلقا هو الصحيح، والتفصيل مبني على الخلط بين أصل الصوم وبين الصوم الصحيح المأمور به حسبما عرفت. (1) قد عرفت أن الصوم المأمور به عبارة عن الامساك الخاص، المحدود فيما بين الطلوع إلى الغروب، وبما أن الواجب ارتباطي فلابد وأن يكون قاصدا للصيام في تمام هذه الاجزاء، فلو نوى الافطار في الزمان الحاضر أو فيما بعده إلى الغروب فهو غير ناو للصوم ومعه يبطل، ولا أثر للرجوع بعد ذلك بداهة أن مقدارا من الزمان لم يكن مقرونا بالنية، وقد عرفت اعتبارها في تمام الاجزاء والآنات، بمقتضى افتراض الارتباط بين أجزاء المركب. ومنه تعرف أنه لا فرق في البطلان بين البناء على الافطار وبين التردد فيه، ضرورة أن المتردد أيضا غير ناو للصوم فعلا فيبطل، نظرا إلى أن المعتبر هو نية الصوم، لا أن المبطل هو نية الافطار، والبطلان في هذه الصورة إنما هو لاجل فقدان نية الصوم، لا لاجل خصوصية لنية الافطار كما هو ظاهر، فإذا لم يكن ناويا ولو لاجل التردد فلا مناص من الحكم بالبطلان.

[ 86 ]

[ واما في غير الواجب المعين فيصح لو رجع قبل الزوال (1) ] نعم لو لم يكن ترديده لامر راجع إلى فعله الاختياري، بل كان مستندا إلى الشك في صحة الصوم المسبب عن الجهل بالحكم الشرعي، كما لو استيقظ في نهار رمضان محتلما شاكا في بطلان الصوم بذلك لجهله بالمسألة المستلزم للترديد في النية بطبيعة الحال مع العزم على الصوم على تقدير الصحة واقعا فمثله لا يستوجب البطلان بوجه، إذ وإنما هو في حكم الشارع، فلا يدري أن الشارع يعتبر هذا صوما أولا. وعليه فلا مانع من أن يسترسل في النية، ويتم صومه رجاء إلى أن يسأل عن حكم المسألة، فهو، في المقدار الفاصل بين تردده ومسألته بان على الاجتناب عن المفطرات على تقدير صحة الصوم. وهذا النوع من الترديد لا بأس به، بعد أن لم يكن راجعا إلى فعله من حيث الاجتناب وعدمه، بل كان عائدا إلى الحكم الشرعي، فينوي احتياطا ثم يسأل في النهار إن امكن وإلا ففي الليل، ويبني على الصحة لو تبين عدم قدح ما تخيل أو توهم كونه مفطرا، كما لو سافر من دون تبييت نية السفر، ولم يدر أنه يوجب الافطار أولا، فامسك رجاء، ثم سأل فظهر انه لال يوجبه. والحاصل ان هذا يجري في جميع موارد الشك " في صحة الصوم وبطلانه ولا يكون مثل هذا الترديد مضرا، لعدم تعلقه بفعل المكلف بل يتعلق بفعل الشارع، ومثله لا بأس به. (1) - كما لو صام عن كفارة أو نذر غير معين ثم تردد أو بنى على الافطار " ثم رجع وعزم على الصوم فانه يصح صومه، لان غاية ما يترتب على نية الافطار أو الترديد انه غير صائم، ولكن المفروض انه

[ 87 ]

[ مسألة 23: - لا يجب معرفة كون الصوم هو ترك المفطرات مع النية أو كف النفس عنها معها (1). مسألة 24: - لا يجوز العدول من صوم إلى صوم، واجبين كانا أو مستحبين أو مختلفين (2) ] لم يفطر، وبما ان زمان نية الصوم في الواجب غير المعين ممتد إلى الزوال كما سبق في محله فله تجديد النية " لان المقام لا يشذ عمن لم يكن ناويا للصوم من الاول، فكما ان غير الصائم يسوغ له التجديد، فكذا الصائم الذي ابطل صومه بالاخلال بالنية، من غير تناول المفطر بمناط واحد كما هو ظاهر. وهذا بخلاف الصوم الواجب المعين، فانه لا فرق في بطلانه بنية القطع أو القاطع، أو الترديد بين ان يكون ذلك قبل الزوال أو بعده، لاعتبار النية فيه من طلوع الفجر إلى الغروب، ولا يجتزئ في مثله بالتجديد قبل الزوال. (1) بعدم الدليل على اعتبار معرفة مفهوم الصوم وحقيقته التفصيلية في تحقق العبادة، وانه امر وجودي: هو الامساك وكف النفس " ليكون التقابل بينه وبين الافطار من تقابل التضاد، أو انه امر عدمي هو الترك ليكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة. فان الباني على ترك المفطرات كاف نفسه عن المفطرات ايضا، فكلا الامرين موجودان بطبيعة الحال، ولا دليل على لزوم تحقيق الموضوع ومعرفته بعد الاتيان بما هو المأمور به. واقعا - عند المولى - باختياره وارادته بقصد القربة، فمجرد قصد عنوان الصوم الذي هو فعل اختياري له كاف، سواء أكان وجوديا ام عدميا. (2) لعدم الدليل على جواز التبديل في الاثناء، إلا في باب الصلاة

[ 88 ]

[ وتجديد نية رمضان إذا صام يوم الشك بنية شعبان ليس من باب العدول (1) بل من جهة ان وقتها موسع لغير العالم به إلى الزوال. ] في موارد خاصة، كالعدول من الحاضرة إلى الفائتة، أو من اللاحقة إلى السابقة - كالمترتبتين - أو من الفريضة إلى النافلة، كما في المنفرد الذي اقيمت عنده الجماعة ونحو ذلك. وأما فيما عدا ذلك فالعدول المستلزم للتبديل المزبور في مقام الامتثال - بأن يكون حدوثا بداعي امتثال امر، وبقاء بداعي امتثال امر آخر - مخالف للقاعدة لابد في مشروعيته من قيام الدليل عليه، ضرورة ان كلا من الامرين قد تعلق بالمجموع المركب من عمل خاص، فكان الامساك من الفجر إلى الغروب بعنوان النذر مثلا مأمورا بأمر، وبعنوان الكفارة بأمر آخر، فلكل صنف أمر يخصه، فالتلفيق بأن يأتي بالنصف من هذا والنصف الآخر من الآخر يحتاج إلى الدليل، وحيث لا دليل عليه في باب الصوم لم يكن العدول مشروعا فيه. (1) هذا تدارك منه (قده) لما افاده من عدم جواز العدول في الصوم بان هذا لا ينافي ما تقدم من تجديد نية رمضان إذا صام يوم الشك بنية شعبان، لان ذلك ليس من باب العدول، بل من باب التوسعة في وقت النية إلى الزوال بالنسبة إلى الجاهل. ولكن الظاهر ان هذا سهو من قلمه الشريف ووجهه ظاهر، إذ قد تقدم منه (قده) قبل مسائل قليلة: ان تجديد النية فيما إذا انكشف أن يوم الشك من رمضان لا يكون محدودا بما قبل الزوال، بل هو ممتد إلى الغروب، بل ما بعد الغروب أيضا، وأنه يوم وفق له ويحسب من رمضان

[ 89 ]

قهرا، فليس ذلك من باب تجديد النية إلى الزوال والتوسعة في الوقت، وإلا فقد استشكلنا فيه وقلنا انه لا دليل عليه كما سبق، بل لاجل أن الشارع اكتفى بالصوم المأتي به بنية شعبان ندبا أو نذرا أو غيرهما وجعله بدلا عن رمضان، وهذا عدول قهري، نظير ما ورد في الظهرين من انه إذا صلى العصر قبل الظهر نسيانا ثم التفت بعد الصلاة احتسب ظهرا، وانه اربع مكان اربع، فقد جعله الشارع مكانه، لا أن المكلف يجعله ويعدل إليه. وعلى الجملة فالمكلف إنما ينوي صوم رمضان من زمان الانكشاف اما ما سبق عليه فهو من باب حكم الشارع بالانطباق القهري، فهو يجعله مصداقا للصوم الواجب ويجتزى به، وليس هذا من باب التوسعة في الوقت، ولا من جهة العدول، إذ العدول فعل اختياري للمكلف، وهو بهذا المعنى غير متحقق في المقام، بل يحسب له من صوم رمضان قهرا عليه كما عرفت. فهذا من باب الاجتزاء والاحتساب من الشارع، من غير ربط له بمسألة العدول، ولا التوسعة في الوقت بتاتا. نعم يتجه ما ذكره (قدس سره) بالنسبة إلى صوم غير شهر رمضان كما لو صام ندبا أو نذرا غير معين فأراد ان يعدل إلى صوم الكفارة مثلا أو بالعكس جاز له ذلك فيما قبل الزوال، فيجرى هنا التعليل الذي ذكره (قدس سره) من ان ذلك ليس من باب العدول، وانما هو من باب التوسعة في وقت النية، إذ بعد أن رفع اليد عن الصوم الاول بطل وكان كمن لم يكن ناويا للصوم، والمفروض انه لم يفطر بعد، فيندرج تحت أدلة جواز التجديد إلى ما قبل الزوال. نعم لا يجوز ذلك في قضاء شهر رمضان إذ لا يجوز العدول منه إلى التطوع جزما. والحاصل انه بعد ما تقدم من أن الواجب غير المعين لا يلزم فيه ايقاع النية قبل الفجر بل يجوز التأخير ولو اختيارا إلى ما قبل الزوال،

[ 90 ]

فرفع اليد عن صوم إلى صوم آخر ليس من باب العدول والتبديل في مقام الامتثال ليكون نقضا على ما قدمناه من عدم جواز العدول في باب الصوم بل من باب التوسعة في الوقت، باعتبار ان ما سبق لا يحتاج إلى النية بل المعتبر طبيعي الامساك وإن لم يكن ناويا آنذاك. وكان الاولى أن يقول (قده) هكذا: انه في شهر رمضان لا يكون التجديد من باب العدول، بل من باب الانطباق القهري بحكم الشارع واكتفائه بذلك، لا أن المكلف بنفسه يعدل اختيارا. وأما في غير شهر رمضان فلا يجوز العدول بعد الزوال وقبله، وان جاز فهو ليس من باب العدول وتبديل الامتثال، بل من باب التوسعة في وقت النية. ولكنه (قده) ذكر هذه العلة لتجديد النية في شهر رمضان وقد عرفت انه سهو من قلمه الشريف جزما، لعدم كونه حينئذ من باب التوسعة في الوقت بوجه حسبما عرفت بما لا مزيد عليه والله سبحانه أعلم،

[ 91 ]

[ " فصل " (فيما يجب الامساك عنه في الصوم من المفطرات) الاول والثاني الاكل والشرب (1) من غير فرق في ] (1) اجماعا من جميع المسلمين، بل وضرورة، وقد نطق به الكتاب العزيز والسنة القطعية، بل يظهر من بعض النصوص انهما الاساس في الصوم وباقي المفطرات ملحق بهما. وهذا في الجملة مما لا اشكال فيه، إنما الكلام في جهات: الاولى: لا ينبغي الاشكال بل لا اشكال في عدم الفرق في مفطرية الاكل والشرب بين ما كان من الطريق العادي المتعارف، وما كان من غير الطريق المتعارف، كما لو شرب الماء من انفه مثلا، فان العبرة في صدق ذلك بدخول المأكول أو المشروب في الجوف من طريق الحلق سواء أكان ذلك بواسطة الفم أم الانف، ولا خصوصية للاول، ومجرد كونه متعارفا لا يقتضي التخصيص بعد اطلاق الدليل وتحقق الصدق، والظاهر انه لم يستشكل أحد في ذلك. ولكن ذكر بعض من قارب عصرنا (1) في رسالته العملية أنه لا بأس بغير المتعارف، فلا مانع من الشرب بطريق الانف، وهو كما ترى لا يمكن المساعدة عليه بوجه، ولم ينسب الخلاف إلى احد غيره كما سمعت، وذلك لاطلاقات الادلة. ودعوى الانصراف إلى ما اعتمد على الفم لا يصغى إليها أبدا، لعدم


(1) وهو الفاضل الايرواني (قده)

[ 92 ]

[ المأكول والمشروب (1) بين المعتاد كالخبز والماء ونحوهما وغيرها كالتراب والحصى وعصارة الاشجار ونحوها. ] دخل الفم في صدق الاكل أو الشرب بعد أن كان الدخول في الجوف من طريق الحلق، ومن هنا لا يحتمل جواز شرب المحرمات كالخمر أو المايع المتنجس من طريق الانف بدعوى انصراف النهي إلى المتعارف وهو الفم، بل قد يظهر من بعض روايات الاكتحال عدم الفرق، لتعليل المنع بمظنة الدخول في الحلق، وفي بعضها انه لا بأس به ما لم يظهر طعمه في الحلق. فإذا كان الدخول فيه من طريق العين مانعا، فمن طريق الانف الذي هو اقرب بطريق اولي. وعلى الجملة لا ينبغي التشكيك في عدم الفرق في صدق الاكل ومفطريته وكذا الشرب بين ما كان من الطريق المتعارف وغيره، فلا فرق في ذلك بين الفم والانف قطعا. (1) الجهة الثانية: المعروف والمشهور بل المتسالم عليه، بل المرتكز في اذهاب عامة المسلمين انه لا فرق في المأكول والمشروب بين المتعاد منهما كالخبز والماء " وغير المتعاد كالحصى والتراب والطين، ومياه الانوار، وعصارة الاشجار ونحو ذلك، مما لم يكن معدا للاكل والشرب، ولم ينسب الخلاف حتى إلى المخالفين ما عدا اثنين منهم، وهما الحسن بن صالح، وأبو طلحة الانصاري. وقد ادعى السيد (قده) في محكي الناصريات الاتفاق عليه بين المسلمين، وان الخلاف المزبور مسبوق بالاجماع وملحوق به، ومع ذلك نسب الخلاف إلى السيد نفسه في بعض كتبه وإلى ابن الجنيد، وانهما خصا المفطر بالمأكول والمشروب العاديين.

[ 93 ]

وسواء صحت النسبة أم لم تصح فهذا التخصيص لا يمكن المساعدة عليه بوجه، وذلك لاطلاقات الادلة من الكتاب والسنة، فان الوارد فيهما المنع عن الاكل والشرب من غير ذكر للمتعلق، ومن المعلوم ان حذف المتعلق يدل على العموم. ودعوى الانصراف إلى العادي منهما عرية عن كل شهاد، بعد وضوح صدق الاكل والشرب بمفهومهما اللغوي والعرفي على غير العادي كالعادي بمناط واحد ومن غير أية عناية. فكما يقال زيد اكل الخبز، يقال إنه أكل الطين أو اكل التراب بلا فرق بينهما في صحة الاستعمال بوجه وقد ورد في بعض النصوص النهي عن اكل التراب إلا التربة الحسينية - على مشرفها آلاف الثناء والتحية - بمقدار الحمصة. وعلى الجملة فحقيقة الاكل والشرب ليس إلا ادخال شئ في الجوف من طريق الحق سواء أكان ذلك الشئ من القسم العادي المتعارف المعهود اكله وشربه أم لا، ولا يختص الصدق بالاول بالضرورة. ودعوى الانصراف ساقطة كما عرفت، ويؤيده ما سيجئ إن شاء الله من مفطرية الغبار الداخل في الحلق، وانه مثل الاكل والشرب كما في النص، ومن المعلوم ان الغبار اجزاء دقيقة من التراب أو ما يشبه ذلك وعلى أي حال فقد ألحق بالمأكول مع عدم كونه متعارفا، ويؤ كده أيضا ما اشرنا إليه من تعليل المنع في روايات الاكتحال بكونه مظنة الدخول في الحلق، إذ من المعلوم أن الكحل ليس من سنخ المأكول والمشروب غالبا. فيعلم من ذلك أن الاعتبار في المنع بالدخول في الجوف من طريق الحلق سواء أكان الداخل مما يؤكل ويشرب أم لا. نعم ربما يستدل لما نسب إلى السيد من الاختصاص بالمأكول والمشروب العاديين، تارة بما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن مسلم قال:

[ 94 ]

سمعت أبا جعفر (ع) يقول: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال، الطعام والشراب والنساء والارتماس " (1)، وفي رواية أخرى أربع خصال (بدل ثلاث) والمعنى واحد، وإنما الفرق من حيث عد الطعام والشراب خصلة واحدة أو خصلتين. وكيفما كان فمقتضى الحصر في الثلاث أو الاربع عدم الضير في استعمال ما عدا ذلك، ومن المعلوم عدم صدق الطعام والشراب على مثل التراب والطين وعصارة الشجر ونحو ذلك، مما لم يتعارف اكله وشربه فلا مانع من تناوله بمقتضى هذه الصحيحة. وبذلك تقيد اطلاقات الاكل والشرب الواردة في الكتاب والسنة، وتحمل على ارادة المتعارف من المأكول والمشروب. ويندفع بأن الظاهر من الصحيحة أن الحصر لم يرد بلحاظ ما للطعام والشراب من الخصوصية ليدل على الاختصاص بالمتعارف وانما لوحظ بالقياس إلى سائر الافعال الخارجية والامور الصادرة من الصائم من النوم والمشي ونحو ذلك، وإن تلك الافعال لا تضره مادام مجتنبا عن هذه الخصال، وأما ان المراد من الطعام والشراب هل هو مطلق المأكول والمشروب، أم خصوص المعتاد منهما؟ فليست الصحيحة بصدد البيان من هذه الجهة بوجه كي تدل على حصر المفطر في الطعام والشراب العاديين، بل انما ذكرا في قبال سائر الافعال كما عرفت. على أنه لم يظهر من الصحيحة أن المراد من الطعام والشراب الاعيان أي الشئ الذي يطعم والشئ الذي يشرب، إذ من الجائز استعمالهما في المعنى المصدري - أي نفس الاكل والشرب - لا الذات الخارجية - أي المطعوم والمشروب - لتدل على الاختصاص.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 95 ]

وعليه فتكون حال هذه الصحيحة حال ساير الادلة المتضمنة للمنع عن الاكل والشرب الشامل لمطلق المأكول والمشروب حسبما عرفت، فإذا كانت الصحيحة محتملة لكل من المعنيين فتصبح مجملة، ومثلها لا يصلح لتقييد المطلقات. ويستدل له أخرى بما رود في دخول الذباب في الحلق من نفي البأس معللا بأنه ليس بطعام، وكذا ما ورد في بعض روايات الاكتحال من نفي البأس للتعليل المزبور. فيظهر من هاتين الروايتين أن المفطر هو الطعام، ولاجله لا يضر الكحل والذباب بالصوم لعدم كونهما منه وإن صدق المأكول، إذ لا اعتبار به ما لم يصدق الطعام. وفيه مالا يخفى، أما مسألة الكحل فالجواب عنها ظاهر، لان قوله عليه السلام: انه ليس بطعام، يريد به أنه ليس بأكل فلا يكون الاكتحال مفطرا، لانه ليس مصداقا للاكل، لا ان الكحل ليس بطعام: ولاجله لا يكون مضرا، وإلا فلو فرضنا أن الكحل طعام كما لو اكتحل بطحين الحنطة أو بالعسل - الذي هو نافع للعين حسبما جربناه - أفهل يحتمل أنه يبطل صومه لانه طعام؟ كلا، فان الطعام يبطل الصوم اكله، لا كل فعل متعلق به وإن لم يكن اكلا وهذا واضح. وأما مسألة الذباب فلا يراد أيضا من قوله عليه السلام: إنه ليس بطعام، إن الذباب ليس بطعام، ولذلك لا يضر دخوله الحلق، كيف ولو فرضنا أن شخصا اكل من الذباب كمية وافرة وبمقدار الشبع كنصف كيلو مثلا أفهل يحتمل أن صومه لا يبطل بذلك باعتبار أن الذباب لا يكون طعاما لا يكون ذلك بالضرورة، فان الذباب كسائر الحشرات لو فرضنا أن شخصا تغذى به بطل صومه بلا اشكال. بل مراده (ع) بذلك ان دخول الذباب في

[ 96 ]

[ ولا بين الكثير والقليل (1) كعشر حبة الحنطة أو عشر قطرة من الماء أو غيرها من المايعات حتى انه لو بل الخياط الخيط بريقه أو غيره ثم رده إلى الفم وابتلع ما عليه من الرطوبة بطل صومه الا إذا استهلك ما كان عليه من الرطوبة بريقه على وجه لاتصدق عليه الرطوبة الخارجية وكذا لو استاك واخرج المسوال من فمه وكان عليه رطوبة ثم رده إلى الفم فانه لو ابتلع ما عليه بطل صومه الا مع الاستهلاك على الوجه المذكور ] الحلق اتفاقا وبغير اختيار لا يكون من الاكل في شئ، ولاجله لا يكون مفطرا، لا أنه لو اكل الذباب باختياره لا يبطل صومه لانه ليس طعاما أي مأكولا متعارفا، فان هذا لا يفهم من الصحيحة بوجه، كما هو ظاهر جدا. إذا فاحتمال اختصاص المأكول والمشروب بالمتعارف منهما ساقط أيضا. (1) الجهة الثالثة: لا فرق في مفطرية المأكول والمشروب بين القليل والكثير بلا خلاف ولا اشكال، وتدل عليه اطلاقات الادلة من الكتاب والسنة، مضافا إلى استفادته من الاخبار الخاصة الواردة في الموارد المتفرقة، مثل ما ورد في المضمضة: من أن ما دخل منها الجوف ولو اتفاقا يفطر فيما عدا الوضوء، فان من المعلوم ان الداخل منها قليل جدا. وما ورد من النهي عن مص الخاتم، والنهي عن مص النواة، وكذا ذوق الطعام لمعرفة طعمه ونحو ذلك من الموارد الكثيرة من الاسئلة والاجوبة الواردة في النصوص التي يظهر منها بوضوح عدم الفرق بين القليل والكثير، فيما إذا صدق عليه الاكل مضافا إلى ارتكاز المتشرعة وكونه من المسلمات عندهم.

[ 97 ]

فاتضح من جميع ما ذكرناه لحد الآن عدم الفرق في الاكل والشرب بين كونه من الطريق العادي وغيره، وعدم الفرق في المأكول والمشروب بين المتعارف وغيره، وعدم الفرق أيضا بين القليل والكثير، كل ذلك لاطلاق الادلة السليم عما يصلح للتقييد حسبما عرفت بما لا مزيد عليه. ثم ان الماتن (قده) رتب على ما ذكره من عدم الفرق بين القليل والكثير ان الخياط لوبل الخيط بريقه أو غيره ثم رده إلى الفم فليس له أن يبتلع البلة الموجودة على الخيط، إذ بالخروج عن الفم صارت البلة من الرطوبة الخارجية فلا يجوز ابتلاعها وإن قلت، إلا إذا استهلكت بريقه على وجه لا يصدق عليها الرطوبة الخارجية، على ما سيجئ من عدم البأس بابتلاع الريق والبصاق المتجمع في الفم، فبعد فرض الاستهلاك الموجب لانعدام الموضوع لا بأس ببلع الريق، فانه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. وقد يستشكل في ذلك بمنع تحقق الاستهلاك بعد فرض الاتحاد في الجنس، فانه إنما يتصور في غير المتجانسين على ما ذكروه في الشركة، كامتزاج التراب في الماء، أو وقوع قطرة من البول في كر من الماء مثلا الموجب لزوال الموضوع وانعدامه. وأما المزج الحاصل في المتجانسين - كما في المقام - فهو موجب لزيادة الكمية والاضافة على مقدارها فكان الريق أو الماء عشرة مثاقيل مثلا فصارف أحد عشر مثقالا، وإلا فالمزيج باق على ماكان لا أنه زال وانعدم. فلا يتصور في مثله الاستهلاك. ويندفع بأن هذا انما يتم بالنظر إلى ذات المزيج فلا يعقل الاستهلاك بملاحظة نفس الممتزجين المتحدين في الجنس وذاتهما، فانها طبيعة واحدة قد زيدت كميتها كما أفيد. وأما بالنظر إلى الوصف العنواني الذي بملاحظته جعل موضوعا لحكم من الاحكام بأن كان الاثر مترتبا على صنف خاص من الطبيعة فلا مناص

[ 98 ]

من الالتزام بالاستهلاك من هذه الجهة. فلو فرضنا أن ماء البئر لا يجوز التوضي به، فمزجنا مقدارا منه بماء النهر، فالاستهلاك بالنظر إلى ذات الماء غير متصور، إذ لا معنى لاستهلاك الماء في الماء كما ذكر، وأما بالنظر إلى الخصوصية أعني الاضافة إلى البئر فالاستهلاك ضروري، بمعنى أن هذه الاضافة غير باقية بعد الامتزاج فيما إذا كان المزيج قليلا، ولا موضوع لتلك الحصة الخاصة فلا يطلق على الممتزج أن هذا ماء البئر، أو ان فيه ماء البئر، فالماء بما هو ماء وإن لم يكن مستهلكا، ولكن بما هو ماء البئر مستهلك بطبيعة الحال. ومن هذا القبيل مالو أخذنا مقدارا من الماء المغصوب والقيناه في الماء المباح بحيث كان الاول يسيرا جدا في قبال الثاني، كما لو القينا مقدار كر من الماء المغصوب في البحر، أن مقدار قطرة منه في الكر، افهل يمكن التفوه بعدم جواز الاستعمال من البحر أو من الكر، بدعوى حصول الامتزاج، وامتناع الاستهلاك في المتجانسين. فان هذه الدعوى صحيحة بالنظر إلى ذات الماء، وأما بالنظر إلى صفة الغصبية والاضافة إلى ملك الغير فغير قابلة للتصديق إذ لا موضوع بعدئذ لمال الغير كي يحرم استعماله، فالاستهلاك بهذا المعنى ضروري التحقق لعدم بقاء القطرة - مثلا - على حالها. وملخص الكلام أنه قد يلاحظ الاستهلاك بالنسبة إلى ذات الشئ، واخرى بالنظر إلى صنف خاص وصفة مخصوصة، والاول ليس متصورا في المتجانسين، واما الثاني أعني الاضافة الخاصة التي هي الموضوع للاثر فهي مستهلكة لا محالة، إذ لا موضوع لها بقاء. ومقامنا من هذا القبيل، فان الريق مادام كونه في الفم يجوز ابتلاعه، وإذا خرج لا يجوز، فهناك صنفان محكومان بحكمين، فإذا امتزج

[ 99 ]

[ وكذا يبطل بابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين اسنانه (1). ] الصنفان على نحو تحقق معه الاستهلاك - لا بما هو ريق، بل بما هو ريق خارجي - جاز ابتلاعه، فالبلة الموجودة على الخيط المستهلكة في ريق الفم على وجه لا يصدق عليها الرطوبة الخارجية يجوز ابتلاعها كما ذكره في المتن لانقطاع الاضافة وانعدام الموضوع حسبما عرفت. ويدل عليه - مضافا إلى كونه مطابقا للقاعدة كما عرفت - الروايات الواردة في جواز السواك بالمسواك الرطب، وفي بعضها جواز بله بالماء والسواك به بعد النفض، إذ من الملعوم انه لا ييبس مهما نفض، بل يبقى عليه شئ ما من الرطوبة، ومع ذلك حكم عليه السلام بجواز السواك به وليس ذلك إلا من أجل استهلاك تلك الرطوبة في ريق الفم. ويؤيده بل يؤكده ما ورد من جواز المضمضة، بل الاستياك بنفس الماء وانه يفرغ الماء من فمه ولا شئ عليه، فانه تبقى لا محالة اجزاء من الرطوبة المائية في الفم إلا انه من جهة الاستهلاك في الريق لا مانع من ابتلاعها. (1) - لعدم الفرق بينه وبين الطعام الخارجي، غايته انه بقى بين الاسنان برهة من الزمان فيصدق الاكل على ابتلاعه، بعدما عرفت من عدم الفرق بين القليل والكثير بمقضى اطلاق الادلة، فإذا ابتلعه متعمدا بطل صومه. هذا. وقد يتوهم عدم البطلان استنادا إلى ما ورد في صحيح ابن سنان: عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ من الطعام أيفطر ذلك؟ قال: لا، قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه، قال: لا يفطر ذلك (1)


(1) الوسائل باب 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 9

[ 100 ]

[ مسألة 1: لا يجب التخليل بعد الاكل لمن يريد الصوم ] حيث دلت صريحا على جواز ازدراد مايخرج من الداخل إلى فضاء الفم فإذا جاز ذلك جاز ابتلاع مايخرج من بين الاسنان إلى الفم بمناط واحد. وأنت خبير بأن هذا قياس محض، مع وجود الفارق، فانا لو عملنا بالصحيحة في موردها فغايته جواز ابتلاع مايخرج من الداخل فيكون حكمه حكم مايخرج من الصدر أو ينزل من الرأس مما هو أمر داخلي موجود في الباطن فيقال انه لا بأس برجوعه بعد الخروج، وأين هذا من الطعام الخارجي الذي لم يدخل بعد في الجوف وكان باقيا بين الاسنان، فالتعدي عن مورد الصحيحة إلى بلع مادخل فمه من الخارج قياس واضح على ان الصحيحة لا عامل بها في موردها - على ما قيل - ولا بد من رد علمها إلى أهلها. مع أن للمناقشة في دلالتها مجال لجواز أن يكون السؤال ناظرا إلى الازدراد أي الابتلاع قهرا ومن غير اختيار كما لعله الظاهر، والا فالابتلاع العمدي الاختياري بعيد جدا فان الطبع البشري لا يرغب في ابتلاع مايخرج من جوفه، بل يشمئز منه غالبا، فكيف يقع السؤال عنه، فيكون ذلك قرينة على اختصاص مورد السؤال بالابتلاع القهري، وكأن الداعي للسؤال توهم ان القلس حيث كان بالاختيار فيكون ذلك موجبا لابطال الازدراد وان لم يكن اختياريا لانتهائه إليه. وعلى الجملة بما أن الانسان حتى غير الصائم فضلا عن الصائم الملتفت يتنفر بحسب طبعه عن ابتلاع ما في فمه الخارج من جوفه، فلاجله يكون منصرف الرواية السؤال عن الابتلاع القهري، ولا أقل من احتمال ذلك فلا يكون لها ظهور في الازدراد الاختياري فيرتفع الاشكال من أصله. وكيفما كان فمورد الرواية خارج عن محل الكلام كما عرفت.

[ 101 ]

[ وان احتمل أن تركه يؤدي إلى دخول البقايا بين الاسنان في حلقه ولا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهوا نعم لو علم ان تركه يؤدي إلى ذلك وجب عليه وبطل صومه على فرض الدخول (1). ] (1) - لا ريب في عدم وجوب التخليل على الصائم بما هو تخليل لحصر المفطرات في امور ليس منها ترك التخليل كما هو ظاهر. إنما الكلام فيما إذا احتمل أن تركه يؤدي إلى دخول البقايا بين الاسنان في حلقه، أما بغير اختياره كما في حالة النوم، أو لاجل نسيانه الصوم وإن كان الدخول اختياريا. والظاهر عدم وجوبه حينئذ أيضا فلا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهوا كما ذكره في المتن لعدم الدليل عليه، بعد أن كان مقتضى الاستصحاب عدم الدخول، ومن المعلوم ان الدخول نسيانا أو بغير اختيار لا أثر له لما سيجئ إن شاء الله تعالى من اختصاص قدح استعمال المفطرات بصورة العمد، فما يحتمل وقوعه لا يكون مفطرا وما هو المفطر وهو المستند إلى العمد لا يحتمل وقوعه حسب الفرض، فلا قصور في اطلاقات العفو عن تناول المفطر نسيانا أو بغير اختيار وانه رزق رزقه الله عن الشمول للمقام. وليس ترك التخليل موجبا للتفريط الملحق بالعمد قطعا لانصراف الاطلاقات عنه، إذ هو إنما يستوجبه في صورة العلم بالترتب لا مع الاحتمال المحض كما هو محل الكلام. وعلى الجملة حال البقايا بين الاسنان حال المأكول أو المشروب الخارجي، فكما لا يجب على الصائم اخراج الكوز الموجود في الغرفة وإن

[ 102 ]

احتمل أن بقاءه يؤدي إلى شرب الماء نسيانا أو بغير اختيار بالضروة، فكذا لا يجب التخليل في المقام بمناط واحد، وهو الشك في التناول المحكوم بالعدم بمقتضى الاستصحاب، بعد عدم كون الترك مصداقا للتفريط كما سمعت فتشمله اطلاقات عدم البأس فيما لو تناوله أو ابتلعه بعد ذلك سهوا. ومما ذكرنا تعرف وجوب التخليل فيما إذا علم أن تركه يؤدي إلى دخول البقايا في الحلق سهوا أو بغير اختيار لما عرفت من كون الترك حينئذ مصداقا للتفريط فلا تشمله اطلاقات العفو، إذ لا يقال حينئذ انه رزق رزقه الله، بعد فرض سبق العلم بالترتب، بل لو دخل الحلق بعد ذلك ولو بغير اختياره كان مصداقا للافطار الاختياري لانتهائه إلى المقدمة الاختيارية وهي ترك التخليل، إذ لا يعتبر الاختيار حال العمل، فلو القى نفسه في الماء من شاهق عالما بكونه موجبا للارتماس، أو وضع فمه في مسيل ماء ونام مع العلم باستلزامه دخول الماء في الجوف أفطر بلا اشكال، وإن كان في ظرف العمل فاقدا للاختيار لانتهائه إليه، وقد تقرر أن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فما ذكره في المتن من الحكم بالبطلان في صورة العلم بالترتب هو الصحيح، ولكنه (قده) قيده بفرض الدخول في الجوف ولا وجه له بل الظاهر البطلان مع العلم المزبور وإن لم يتحقق الدخول خارجا، وذلك لفقد نية الصوم المعتبرة في صحته إذ لا يجتمع هذا العلم مع نية الامساك في مجموع النهار لوضوح كمال التنافي بينهما بالضرورة، إذ كيف يمكن العزم على الامساك عن الاكل من طلوع الفجر إلى الغروب مع تركه التخليل عالما باستلزامه لدخول البقايا في الجوف، فان معنى هذا عدم كونه عازما على الامساك كما هو ظاهر.

[ 103 ]

[ مسألة 2: لا بأس ببلع البصاق وان كان كثيرا مجتمعا بل وان كان اجتماعه بفعل ما يوجبه كتذكر الحامض مثلا (1) لكن الاحوط الترك في صورة الاجتماع خصوصا مع تعمد السبب. ] نعم لا تترتب الكفارة إلا عند تحقق الدخول - ولعله مراد الماتن (قده) وإن كان بعيدا عن العبارة - لانها متفرعة على الافطار الخارجي، ومن احكام واقع الاكل لانيته، إذ هي لا تقتضي إلا مجرد بطلان الصوم لفقدان النية، ولا تستوجب الكفارة بوجه كما هو ظاهر. فتحصل أن التخليل غير واجب وإن احتمل أن تركه يؤدي إلى الدخول القهري أو السهوي، ومع العلم بذلك يجب، ولو تركه حينئذ بطل صومه وإن لم يتفق الدخول، ومع اتفاقه تجب الكفارة أيضا حسبما عرفت. (1) بلا خلاف فيه من أحد، بل الظاهر هو التسالم عليه لقيام السيرة العملية من المتشرعة على ذلك، إذ لم يعهد منهم الاجتناب عنه، ومن المعلوم جدا عدم كونه مشمولا لاطلاقات الاكل والشرب فانها منصرفة عن مثله بالضرروة، إذ المنسبق إلى الذهن منها ارادة المطعوم والمشروب الخارجي، لا ما يشمل المتكون في جوف الانسان بحسب طبعه وخلقته، ولذا لو نهى الطبيب مريضه عن الاكل والشرب في هذا اليوم أو في ساعة خاصة لا يفهم منه المنع عن ابتلاع البصاق جزما، فلا ينبغي التأمل في انصراف المطلقات عن بلع البصاق المجتمع وان كان اجتماعه بفعل ما يوجبه، كتذكر الحامض مثلا،

[ 104 ]

[ مسألة 3: لا بأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط وما ينزل من الرأس ما لم يصل إلى فضاء الفم، بل الاقوى جواز الجر من الرأس إلى الحلق وان كان الاحوط تركه، وأما ما وصل منهما إلى فضاء الفم فلا يترك الاحتياط فيه بترك الابتلاع (1). ] ومع التنزل وتسليم منع الانصراف فلا أقل من عدم ظهور الادلة في الاطلاق والمرجع حينئذ أصالة البراءة عن وجوب الامساك عنه، فهي إما ظاهرة في عدم الشمول بمقتضى الانصراف كما عرفت، أو انها غير ظاهرة في الشمول، ومجملة من هذه الجهة، وعلى التقديرين لا يمكن الاستناد إليها في المنع عن البلع. هذا مضافا إلى دلالة بعض النصوص على الجواز، وهو خبر زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام في الصائم يتمضمض، قال: لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات (1)، ولكن الرواية ضعيفة بأبي جميلة المفضل ابن صالح فلا تصلح إلا للتأييد ولا حاجة إليها بعد أن كان الحكم مطابقا لمقتضى القاعدة حسبما عرفت. نعم الاحوط الترك مع تعمد السبب، فان المستند لو كان هو الاجماع والسيرة العملية فشمولهما لهذه الصورة غير ظاهر، بل المتيقن من موردهما غير ذلك كما لا يخفى. نعم لو كان المستند قصور الاطلاقات والرجوع إلى أصل البراءة لم يكن فرق حينئذ بين الصورتين. وعلى أي حال فالاحتياط مما لا ينبغي تركه. (1) - يقع الكلام تارة فيما إذا لم يصل ذلك إلى فضاء الفم،


(1) الوسائل باب 31 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 105 ]

وأخرى فيما إذا وصل. أما الموضع الاول فالظاهر جواز الابتلاع بل جواز الجر من الرأس إلى الحلق كما ذكره في المتن، لعدم الدليل على المنع، فان الوارد في النصوص عنوانان: الاكل والشرب، والطعام والشراب، ومرجع الثاني إلى الاول كما مر، وإلا فالطعام والشراب لا يحرم شئ من الاستعمالات المتعلقة بهما بالاضافة إلى الصائم ما عدا الاكل والشرب كما هو ظاهر. ومن المعلوم أن الاكل والشرب لا يصدق على ابتلاع مايتكون في الجوف من الصدر أو الرأس ما لم ببلغ فضاء الفم، وانما هو انتقال من مكان إلى مكان، دون أن يصدق عليه الاكل بمفهومه العرفي، ولا الازدراد بوجه، بل هو منصرف عن مثله قطعا، ولا أقل من الشك في الصدق والمرجع حينئذ أصالة البراءة، فالحكم بالجواز في هذه الصورة مطابق لمقتضى القاعدة، من غير حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص، لقصور الاطلاقات عن الشمول له، إما جزما أو احتمالا حسبما عرفت. وأما الموضع الثاني فلا يبعد - بل هو الظاهر - صدق الاكل على ابتلاع ما وصل إلى فضاء الفم مما خرج من الصدر أو نزل من الرأس، وعليه فمقتضى اطلاقات الاكل والازدراد بطلان الصوم به. نعم في موثق غياث بن ابراهيم: " لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته " (1) فان الازدراد لو لم يكن ظاهرا فيما وصل إلى فضاء الفم فلا أقل من شموله له بالاطلاق. لكن الشأن في تفسير النخامة. فظاهر المحقق في الشرايع: انها خصوص مايخرج من الصدر لجعله النخامة قسيما لما ينزل من الرأس، وعن بعض اللغويين وهو صاحب مختصر الصحاح عكس ذلك وانها اسم لما ينزل من الرأس.


(1) الوسائل باب 39 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 106 ]

واما مايخرج من الصدر فيختص باسم النخاعة، وعن جماعة أخرى من اللغويين كصاحب القاموس، والمجمع، والصحاح وغيرهم انهما مترادفتان فالنخامة هي النخاعة وزنا ومعنى، وهي اسم لمطلق مايخرج من أقصى الحلق من مخرج الخاء المعجمة سواء أكان مبدؤه الصدر أم الرأس. فان ثبت التفسير الاخير عم الحكم كليهما، وإلا نظرا إلى أن قول اللغوي غاية ما يوجبه الظن وهو لا يغني من الحق، فان تم ما استظهره المحقق (قده) من الاختصاص - وهو من أهل الاستظهار والاطلاع - اختص الحكم بما يخرج من الصدر، وإن لم يتم ذلك أيضا واحتملنا العكس كما سمعت عن صاحب المختصر، فحيث أن المعنى حينئذ مردد بين أمرين أو أمور والتفاسير متعارضة من غير ترجيح في البين، فلا مناص من الاحتياط بالاجتناب عن كلا الامرين، لعدم وضوح المراد مما حكم فيه بجواز الازدراد. والحاصل ان مقتضى الاطلاقات وجوب الاجتناب عن كل ما صدق عليه الاكل الشامل لما وصل إلى فضاء الفم مما خرج من الصدر أو نزل من الرأس كما عرفت. وقد ثبت الجواز في النخامة بمقتضى الموثقة التي هي بمنزلة التخصيص لتلك العمومات، وحيث ان الخروج عنها يستدعي الركون إلى دليل قاطع ودليل المخصص هنا مجمل لتردده بين ما ذكر فلا محيص عن الاحتياط نظرا إلى العلم الاجمالي - بمقتضى تلك المطلقات - بوجوب الاجتناب عن أحد الامرين، مما خرج من الصدر أو نزل من الرأس، إذ الخارج أحدهما والآخر باق تحت المطلقات لا محالة وهو غير متعين حسب الفرض. فما ذكره في المتن من وجوب الاحتياط بترك الابتلاع فيهما معا هو الصحيح، وإن شئت قلت يحتمل أن يكون الخارج خصوص ما خرج من

[ 107 ]

[ مسألة 4: المدار صدق الاكل والشرب وان كان بالنحو غير المتعارف (1)، فلا يضر مجرد الوصول إلى الجوف إذا لم يصدق الاكل والشرب كما إذا صب دواء في جرحه أو شيئا في اذنه أو احليله فوصل إلى جوفه، نعم إذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنه موجب للبطلان ان كان متعمدا لصدق الاكل والشرب حينئذ. ] الصدر، أو خصوص ما نزل من الرأس، أو الجامع بينهما، وحيث لم يثبت شئ من ذلك فالمتبع عموم دليل المنع، إذ لم يثبت الجواز الا لعنوان مجمل وهو لا ينفع في الخروج عن عموم المنع، للزوم التحويل فيه على ما يفيد القطع، ولاجله كان الاحتياط في محله. نعم لو خالف لم تجب عليه الكفارة لعدم العلم بحصول موجبها. والعلم الاجمالي المزبور لا يقتضيه كما هو ظاهر، فأصالة البراءة محكمة، وكذلك القضاء لعدم احراز الفوت إلا إذا بنينا على أن موضوعه فوت الوظيفة الفعلية الاعم من العقلية والشرعية كي يشمل موراد مخالفة العلم الاجمالي. (1) - كما لو شرب من أنفه على ما تقدم مفصلا، من عدم دخل الطريق العادي في صحة اطلاق الاكل والشرب المتقوم بحسب الصدق العرفي بدخول شئ في الجوف من طريق الحلق سواء أكان ذلك على النهج المتعارف أم غيره، ومجرد الغلبة الخارجية لا تستدعي الانصراف بنحو يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق، فإذا لا فرق في المنع بين الدخول في الحلق من طريق الفم أو الانف، أو غيرهما كما لو فرضنا ثقبا تحت الذقن مثلا

[ 108 ]

[ مسألة 5: لا يبطل الصوم بانفاذ الرمح أو السكين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف وان كان متعمدا (1). الثالث: الجماع وان لم ينزل للذكر والاثنى قبلا أو دبرا صغيرا كان أو كبيرا حيا أو ميتا واطئا أو موطوءا، وكذا ] بحيث يصل المطعوم أو المشروب من طريقه إلى الحلق، فالعبرة بدخول الحلق وعدمه كيفما كان، كما تشير إليه صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن الصائم هل يصلح له أن يصب في اذنه الدهن؟ قال: إذا لم يدخل حلقه فلا بأس (1). ولا يبعد فرض ثقب في اذن الصائم - المفروض في السؤال - يصل إلى حلقه لمرض فيها، ولاجله كان يصب فيها الدهن، وإلا فلا طريق من الاذن السالمة إلى الحلق. وعلى أي حال فالمدار على الدخول في الحلق كيفما اتفق، ومنه تعرف عدم البأس بالدخول في الجوف من غير هذا الطريق إلا أن يقوم عليه دليل بالخصوص، فيقتصر على مورده كما في الاحتقان بالمائع. وأما ما عدا ذلك فلا ضير فيه لعدم كونه من الاكل والشرب في شئ كما لو صب دواء في جرحه أو شيئا في اذنه أو احليله فوصل إلى جوفه ونحوه مالو انفذ رمحا أو سكينا أو نحوهما بحيث وصلا إلى الجوف كما ذكره الماتن في المسألة الآتية، فان شيئا من ذلك لا يوجب البطلان لخروجه عن الاكل والشرب حسبما عرفت. (1) كما ظهر مما مر آنفا.


(1) الوسائل باب 24 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5

[ 109 ]

[ لو كان الموطوء بهيمة، بل وكذا لو كانت هي الواطئة (1) ] (1) - لا اشكال كما لا خلاف بين المسلمين في مفطرية الجماع في الجملة وإن لم ينزل، بل لعله من الضروريات، وقد نطق به الكتاب العزيز قال تعالى: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " واستفاضت به النصوص التي منها الصحيحة المتقدمة التي رواها المشايخ: (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال) وعد منها النساء. ولا شك في تحققه بوطئ المرأة قبلا، بل هو القدر المتيقن من الادلة وكذا دبرا مع الانزال، فانه بنفسه سبب للافطار وموجب للبطلان بلا اشكال، بل وبدون الانزال أيضا للاطلاقات، فان الحكم في الروايات مترتب على عنوان الجماع واتيان الاهل، والمذكور في الصحيحة المتقدمة النساء، وكل ذلك يعم الدبر كالقبل فانه أحد المأتيين كما في النص. ودعوى الانصراف إلى الثاني بلا موجب. ويدل عليه أيضا الروايات المتعددة التي يستفاد منها أن موضوع الحكم هو الجنابة، وإلا فالجماع بما هو لا خصوصية له، ومنها رواية القماط عمن اجنب في شهر رمضان في أول الليل فنام حتى أصبح، قال: لا شئ عليه، وذلك ان جنابته كانت في وقت حلال (1). دلت على أن الاعتبار في البطلان بوقوع الجنابة في وقت حرام، فالعبرة بحصول الجنابة نفسها وقد تقدم في بحث الاغسال من كتاب الطهارة ان وطئ المرأة دبرا - وان لم ينزل - موجب للجنابة جاز ذلك أم لم يجز، فيكون ذلك موجبا لبطلان الصوم - مع العمد - بطبيعة الحال. إنما الكلام في الايلاج في دبر الغلام وفرج البهيمة، فقد تردد فيه


(1) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 110 ]

المحقق وعلق الحكم بالبطلان على كونه موجبا للجنابة، حيث ذكر أنه يتبع وجوب الغسل. فان قلنا به بطل الصوم وإلا فلا، وما ذكره (قده) هو الصحيح ولقد أجاد فيما أفاد لما عرفت آنفا من دلالة النصوص على دوران البطلان مدار تحقق الجنابة، وقد تقدم في كتاب الطهارة البحث عن ذلك، وقلنا انه لم يدل دليل على تحققها بالوطئ في دبر غير المرأة - من غير انزال - وعليه فلا يكون موجبا لبطلان الصوم. بل لعل الصحيحة المتقدمة الحاصرة لما يجتنبه الصائم في ثلاث أو اربع خصال تدل على عدم البطلان، لان المذكور فيها النساء لا مطلق الوطئ فتدل باطلاقها على عدم البطلان بوطئ الذكر، بعد أن كان مجتنبا عن النساء. وكيفما كان فالحكم في المقام يتبع ما تقدم في بحث الاغسال، فان قلنا ان وطئ الغلام يوجب الغسل بطل الصوم، وإن لم نقل به كما هو الصحيح لعدم الدليل عليه إلا بعض الاجماعات التي ادعيت في كلمات بعضهم فلا، إذ ليس هناك شئ آخر - ما عدا الجنابة - يكون بعنوانه مضرا بالصوم. ومن هنا يظهر الحال في وطئ البهيمة من غير انزال، ولا قصد انزال، فان الكلام فيه هو الكلام. فان قلنا بأنه موجب للغسل وتتحقق به الجنابة بطل الصيام، والا كما هو الصحيح لعدم الدليل عليه كما مر في محله فلا. وأشكل من هذين مالو كانت البهيمة هي الواطئة لعدم قيام أي دليل على تحقق الجنابة بذلك على ما سبق في محله فلاحظ،

[ 111 ]

[ ويتحقق بادخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها فلا يبطل بأقل من ذلك (1) بل لو دخل بجملته ملتويا ولم يكن بمقدار الحشفة لم يبطل وان كان لو انتشر كان بمقدارها. ] (1) - والوجه فيه ما عرفت آنفا من أنه وان كان المذكور في الروايات هو الجماع، أو اتيان النساء، أو مجامعة الاهل ونحو ذلك من العناوين إلا انه يستفاد من روايات عديدة ان العبرة في الحقيقة بنفس الجنابة وتحقق موجب الغسل فهو الموضوع، ولا اعتبار بالجماع بما هو جماع وقد تقدم في بحث الاغسال أن محقق الجنابة إنما هو دخول الحشفة بمقتضى قوله (ع): إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فلا يجب الغسل لا عليه ولا عليها بايلاج الاقل من ذلك فلا يبطل صومه ولا صومها هذا فيمن كانت له حشفة. وأما في مقطوعها فالتعدي إليه مبني على فهم التقدير من الرواية المتقدمة وهو لا يخلو من الاشكال كما تقدم في بحث الاغسال. إذا فاطلاقات اتيان الاهل والجماع والايلاج الصادقة على ايلاج الاقل من مقدار الحشفة محكمة لعدم الدليل على اعتبار التحديد بالمقدار في مقطوع الحشفة، فان رواية التقاء الختانين موضوعها فرض وجود الحشفة فلا يعم عدمها. ثم انا استشهدنا فيما مر لهذه الدعوى - أعني دلالة النصوص على كون العبرة بنفس الجنابة لا بالجماع بما هو جماع وان لم يستوجبها - بصحيحة ابن أبي نصر عن القماط (1). وتقريب الاستدلال ان الجنابة المذكورة في السؤال إما أن يراد بها


(1) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 112 ]

ما استندت إلى الانزال أو إلى الجماع ولا ثالث، ولا يمكن حمل الصحيحة على الاول لان منشأه إما الاستمناء وهو محرم مطلقا ولا يختص بوقت دون وقت، فلا معنى لقوله عليه السلام: إن جنابته كانت في وقت حلال، أو الاحتلام وهو محلل مطلقا، فلا يناسبه أيضا الجواب المزبور، أو الملاعبة والعبث بالزوجة، ومن البعيد جدا ارادتها بالخصوص من الصحيحة كما لا يخفى. فلا مناص من أن يراد بها الجنابة المسببة عن الجماع أو ما يعمه والاخير. وعلى أي تقدير فالجماع مفروض في مورد الصحيحة لا محالة، وقد علل عليه السلام نفي البأس في الجواب بقوله: إن جنابته كانت في وقت حلال الدال بمقتضى التعليل على البطلان فيما لو كانت في وقت حرام وهو النهار، فجعل الاعتبار بنفس الجنابة، وأنها توجب البطلان تارة، ولا توجبه أخرى مع أن الجنابة المقرونة بالجماع مسبوقة به دائما إذ الدخول تدريجي الحصول لامتناع الطفرة، فيدخل مقدار من الحشفة أولا ثم تمامها، وبذلك تتحقق الجنابة. فلو كان الجماع المتحقق قبل ذلك هو المقتضي للبطلان كان اللازم استناده إليه لا إلى الجنابة المتأخرة عنه، إذ الشئ يستند إلى أسبق علله فاناطة الحكم بها واستناد الافطار إليها يدل بوضوح على انها بنفسها تمام الموضوع في المفطرية، وبذلك تتقيد اطلاقات الجماع والنساء واتيان الاهل ونحو ذلك مما ورد في الكتاب والسنة ويحمل على اختصاص المفطرية بما كان موجبا للجنابة وهو المشتمل على ادخال الحشفة بتمامها دون مالا يستوجبها. وأوضح دلالة من هذه الصحيحة ما رواه الكليني باسناده عن يونس في حديث قال في المسافر يدخل اهله وهو جنب قبل الزوال، ولم يكن

[ 113 ]

[ مسألة 6: لافرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الانزال وعدمه (1). ] اكل فعليه أن يتم صومه ولاقضاء عليه، يعني إذا كانت جنابته من احتلام (1). دلت على ان الجنابة غير الاختيارية الناشئة من الاحتلام غير مانعة عن تجديد النية بعد فرض عدم استعمال المفطر من اكل ونحوه، فتدل بمفهوم الشرط على مانعية الجنابة الاختيارية، فتكون هي بنفسها موجبة للبطلان وموضوعا للافطار. وأما سند الرواية فليس فيه من يغمز فيه عدا محمد بن عيسى بن عبيد الذي استثناه الصدوق تبعا لشيخه ابن الوليد ممن ينفرد بروايته عن يونس وقد تقدم غير مرة ان هذا اجتهاد من ابن الوليد ورأي ارتآه، وقد انكر عليه جمع ممن تأخر عنه كابن نوح وغيره وقالوا من مثل العبيدي وانه ليس في اقرانه مثله، فلا وجه للمناقشة من هذه الجهة. نعم الرواية مقطوعة على طريق الكافي كما في الوسائل حيث أسندها إلى يونس نفسه دون الامام عليه السلام، ولكن المظنون قويا ان نسخة الكافي مشتملة على السقط، اما من الكليني نفسه أو من النساخ، فانها مروية في الفقية، عن يونس عن موسى بن جعفر عليه السلام. وكيفما كان ففي رواية الصدوق غنى وكفاية فهي معتبرة السند واضحة الدلالة حسبما عرفت. (1) - بلا اشكال فيه، فان الانزال عنوان آخر لا ربط له بمفطرية الجماع، وظاهر الادلة ان الجماع بنفسه موضوع مستقل للحكم بالبطلان وان كان ذلك من أجل ايجابه للجنابة حسبما مر، بل مقتضى اطلاق الادلة مفطرية الجماع وان كان قاصدا عدم الانزال.


(1) الوسائل باب 6 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 5

[ 114 ]

[ مسألة 7: - لا يبطل الصوم بالايلاج في غير أحد الفرجين (1) بلا انزال الا إذا كان قاصدا له فانه يبطل وان لم ينزل من حيث أنه نوى المفطر. مسألة 8: - لا يضر ادخال الاصبح ونحوه لا بقصد الانزال (2). مسألة 9: - لا يبطل الصوم بالجماع إذا كان نائما أو كان مكرها بحيث خرج عن اختياره كما لا يضر إذا كان سهوا (3). ] (1) - كالتفخيذ ونحوه لتقوم الجماع بالايلاج في أحد المخرجين، فغيره ليس من الجماع في شئ ولا موجبا للجنابة، فلا يكون مفطرا، إلا إذا كان قاصدا للانزال فيبطل صومه حينئذ وان لم ينزل، من أجل أنه نوى المفطر، وهو بنفسه موجب للبطلان كما تقدم. (2) - ضرورة ان بطلان الصوم يدور مدار تحقق ما يوجب الجنابة فادخال الآلة في غير المخرجين وادخال غير الآلة في أحد المخرجين كل ذلك لا يوجب البطلان والحكم واضح. (3) - لان المعتبر في مفطرية الجماع كغيره من ساير المفطرات صدوره عن عمد واختيار على ما سيجئ ان شاء الله تعالى في محله، ولاجل ان الجماع الصادر حال النوم كالصادر حال السهو ونسيان الصوم غير مستند إلى العمد، فلا يكون شئ منهما موجبا للبطلان وكذلك الحال فيما لو كان مكرها عليه، لا بمعنى التوعيد عليه من جائز أو مكره، ولو نفس

[ 115 ]

[ مسألة 10: - لو قصد التفخيذ مثلا فدخل في أحد الفرجين لم يبطل (1) ولو قصد الادخال في احدهما فلم يتحقق كان مبطلا من حيث أنه نوى المفطر. مسألة 11: - إذا دخل الرجل بالخنثى قبلا لم يبطل صومه ولا صومها، وكذا لو دخل الخنثى بالانثى ولو دبرا أما لو وطئ الخنثى دبرا بطل صومهما، ولو دخل الرجل بالخنثى ودخلت الخنثى بالانثى بطل صوم الخنثى دونهما، ولو وطأت كل من الخنثيين الاخرى لم يبطل صومهما (2). ] الزوجة بحيث هدد بايقاعه في ضرر لو لم يفعل، لصدور الفعل حينئذ عن ارادته واختياره، وغاية ما يقتضيه دليل رفع الاكراه انما هو رفع الحرمة لا رفع المفطرية كي يقتضي الصحة، وتعلق الامر بالعمل على ما سيجئ التعرض له ان شاء الله تعالى مفصلا في مسألة مستقلة في مطاوي المسائل الآتية، بل بمعنى سلب الاختيار عنه، كما لو شدت يداه ورجلاه واوقع في هذا العمل بحيث صدر منه من غير أي اختيار، فان مثله لا يوجب البطلان لما عرفت من اعتبار الاختيار فيه. (1) - لعدم استناد الدخول حينئذ إلى الاختيار، فانه قصد عنوانا فاتفق غيره من غير قصد، وقد عرفت آنفا اعتبار الاختيار في الحكم بالافطار. وأما عكس ذلك أعني مالو قصد الادخال في أحدهما فاتفق عدم تحققه فهو مبطل من حيث انه نوى المفطر كما علم مما مر. (2) - قد تلاحظ الخنثى مع الرجل وأخرى مع الانثى، وثالثة مع خنثى مثلها.

[ 116 ]

[ مسألة 12: - إذا جامع نسيانا أو من غير اختيار ثم تذكر أو ارتفع الجبر وجب الاخراج فورا فان تراخى بطل صومه (1). ] أما الاول فلا اشكال في بطلان صومهما فيما إذا كان الوطئ في دبر الخنثى بناء على المشهور من البطلان وتحقق الجنابة بالايلاج في دبر الرجل كالانثى. وأما بناء على ما تقدم من المحقق (قده) من التردد في ذلك لعدم الدليل عليه كما عرفت فلا وجه للبطلان بعد احتمال كون الخنثى ذكرا ما لم يتحقق الانزال كما هو المفروض. وأما إذا كان الوطئ في قبلها، أو كانت هي الواطئة فلا يبطل صومه ولا صومها للشك في تحقق الجنابة بعد احتمال كون ثقبها أو آلتها عضوا زائدا مغايرا للخلقة الاصلية، ولا جنابة إلا بالايلاج بآلة أصلية في أحد المخرجين الاصليين الحقيقيين على ما تقتضيه ظواهر الادلة، فبالنتيجة يشك في حصول الجماع المفطر فيرجع إلى أصالة العدم. وأما الثاني فكذلك سواء ادخلت الخنثى في قبل الانثى أم دبرها لاحتمال كون آلتها عضوا زائدا لا يترتب على ايلاجه أي أثر. ومنه يظهر الحال في الثالث سواء أكانت الخنثى واطئة لمثلها أم موطوءة لاحتمال مساواتهما في الذكورة والانوثة، فلا يكون الداخل أو المدخول فيه حينئذ من الخلقة الاصلية كما هو ظاهر. (1) - فانه وان كان معذورا حدوثا لكنه عامد بقاء، وظاهر الادلة مثل قوله عليه السلام: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب اربع خصال شمول المفطرية للاعم منهما لصدق عدم الاجتناب عن الجماع بقاء، ونتيجته بطلان الصوم مع التراخي كما أفاده (قده).

[ 117 ]

[ مسألة 13: - إذا شك في الدخول أو شك في بلوغ مقدار الحشفة لم يبطل صومه (1). (الرابع): من المفطرات الاستمناء أي انزال المني متعمدا (2) بملامسة أو قبلة أو تفخيذ أو نظر أو تصوير ] (1) - لا يخفى ان الشاك المزبور لو كان قاصد للدخول بطل صومه من حيث انه نوى المفطر سواء دخل أم لا، ولو لم يكن قاصدا صح وان اتفق الدخول لعدم العمد حينئذ، كما لو كان قاصدا للتفخيذ فدخل من باب الاتفاق، فالبطلان وعدمه دائران مدار القصد وعدمه، لا مدار الدخول الخارجي كما تقدم في المسألة العاشرة. فأي أثر يترتب على الشك في الدخول، أو الشك في البلوغ ليرجع في نفيه إلى الاصل فانه مع القصد يبطل وان لم يدخل أو لم يبلغ الحشفة، وبدونه يصح وان دخل وبلغ كما عرفت. نعم تظهر الثمرة في ترتب الكفارة لا في بطلان الصوم المفروض في العبارة. إذا لابد من فرض كلامه (قده) فيما إذا كان الاثر - وهو البطلان - مترتبا على واقع الدخول لا على قصده، كما لو جامع قبل مراعاة الفجر ثم ظهر سبق طلوعه وانه كان في النهار، فانه يبطل الصوم حينئذ ويجب القضاء دون الكفارة كما سيجئ ان شاء الله تعالى في محله. فإذا شك في هذا الفرض في تحقق الدخول أو في بلوغ الداخل مقدار الحشفة كان المرجع اصالة عدم الدخول، أو عدم البلوغ ونتيجته نفي البطلان الذي هو من آثار نفس الدخول الواقعي لا مجرد قصده كما عرفت. (2) - بلا خلاف فيه ولا اشكال من غير فرق بين أسباب الانزال من الملامسة أو القبلة أو التفخيذ أو النظر أو غير ذلك من الافعال التي

[ 118 ]

[ صورة الواقعة أو تخيل صورة امرأة أو نحو ذلك من الافعال التي يقصد بها حصوله فانه مبطل للصوم بجميع افراده، واما لو لم يكن قاصدا للانزال وسبقه المني من دون ايجاد شئ مما يقتضيه لم يكن عليه شئ. ] يقصد بها حصوله، وما في كلام المحقق وغيره من عدم البأس بالنظر وان انزل لابد وان يحمل على مااذا لم يقصد به خروج المني فاتفق الامناء قهرا حيث ان خروجه بمثل النظر قليل جدا ونادر التحقق خارجا. وكيفما كان فلا ينبغي الاشكال في أصل الحكم، وان التصدي لخروج المني بأي سبب كان - ما عدا الجماع فانه موضوع مستقل انزل أم لم ينزل كما تقدم - موجب للبطلان بل الكفارة أيضا، كما في الجماع على ما ورد في عدة من الروايات، ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني، قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع، وفي موثقة سماعة قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال عليه السلام: عليه اطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين (1). وهاتان الروايتان كغيرهما من روايات الباب تدلان على ان اخراج المني بأي سبب كان موجب للبطلان كنفس الجماع وان كان المذكور في أحديها العبث بالاهل، وفي الاخرى اللزوق، إذ لا خصوصية لهما كما يشير إليه التعبير بكلمة (حتى) في الصحيحة وبفاء التفريع في الموثقة فانهما يكشفان عن أن المقصود بالسؤال هو الانزال المترتب على العبث أو اللزوق من غير خصوصية لهما إلا المقدمية، فذكرهما ليس إلا من باب المثال لما


(1) الوسائل باب 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 4

[ 119 ]

يترتب عليه الامناء والانزال، فيعلم من ذلك عموم الحكم لجميع الافعال التي يقصد بها حصوله، ومن المعلوم جدا ان حكمه عليه السلام بالكفارة ولا سيما مع التنظير بالجماع إنما هو من أجل فساد الصوم وانه يترتب عليه ما يترتب على الجماع لا مجرد الكفارة المحضة مع صحته، فانه بعيد عن الفهم العرفي كما لا يخفى. ويستفاد البطلان من بعض الروايات الاخر، منها صحيحة الحلبي عن رجل يمس من المرأة شيئا أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال: إن ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني (1). قوله أو ينقضه عبارة أخرى عن الفساد إذ هو والنقض شئ واحد كما هو ظاهر، وقد منعه عليه السلام عن المس ولو تنزيها مخافة أن يسبقه المني، وليس ذلك إلا من جهة ان سبقه موجب للفساد، نظرا إلى ان السؤال كان عن فساد الصوم وانتقاضه. وعلى الجملة فهذه الروايات تدلنا على ان الكفارة لا تترتب على الفعل مجردا، ومن غير فساد بل هي من أجل بطلان الصوم فتترتب عليه مثل ما تترتب على الجماع. هذا كله فيما إذا كان الفعل اختياريا. وأما إذا كان خارجا عن الاختيار، بان لم يكن قاصدا للانزال وسبقه المني من دون ايجاد شئ مما يقتضيه كما في الاحتلام في النوم أو في اليقظة بأن اتفق خروج المني بطبعه ومن غير سبب لم يكن عليه شئ بلا خلاف فيه ولا اشكال، فان المفطر انما هو الفعل الاختياري كما تقدم وسيأتي ان شاء الله تعالى، ويشير إليه قوله عليه السلام لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. فان الواجب هو الاجتناب والابتعاد الذي هو فعل اختياري، فنفس وجود


(1) الوسائل باب 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 120 ]

[ مسألة 14: - إذا علم من نفسه أنه لو نام في نهار رمضان يحتلم فالاحوط تركه وان كان الظاهر جوازه خصوصا إذا كان الترك موجبا للحرج (1). ] هذه الامور خارجا من غير قصد من الفاعل لا يوجب البطلان فلا بأس بالاحتلام، ونحوه مما هو خارج عن الاختيار. (1) - قد عرفت ان المفطر انما هو الفعل الاختياري ولاجله لا يكون الاحتلام مضرا لعدم استناده إلى الاختيار، بل الظاهر عدم البأس به وان انتهى إلى الاختيار، كمن علم من عادته أو حالته انه لو نام يحتلم فانه يجوز له النوم في نهار رمضان، وان كانت الجنابة حينئذ مستندة إلى اختياره، ضرورة ان الممنوع في الروايات لا يشمله فانه الجماع أو العبث بألاهل، أو اللزوق، أو اللصوق ونحو ذلك وشئ منها لا يصدق على الاحتلام كما هو ظاهر. نعم الجنابة الاختيارية بنفسها مانعة على ما استفدناه من صحيحة القماط المتقدمة وغيرها وهي صادقة على مثل الاحتلام المزبور المنتهى إلى الاختيار لفرض العلم بترتب الجنابة على النوم نظير ما تقدم من وجوب التخليل لمن علم بأن تركه يؤدي إلى دخول البقايا بين اسنانه إلى الجوف، فلو كنا نحن وهذه الصحيحة وغيرها مما دل على مفطرية الجنابة الاختيارية لحكمنا بالبطلان في المقام ولكنا لا نقول به أخذا باطلاق نصوص الاحتلام التى هي بمنزلة المخصص لهذه الصحيحة وغيرها، فقد وردت جملة من الروايات تضمنت عدم البأس بالاحتلام بعنوانه، ومقتضى الاطلاق فيها عدم الفرق بين ما استند إلى الاختيار وعدمه، ولا سيما وان الاول أمر عادي يتفق خارجا للمريض وغيره، وليس نادرا بحيث لا يشمله الاطلاق.

[ 121 ]

[ مسألة 15: يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات وان علم بخروج بقايا المني في المجرى ولا يجب عليه التحفظ بعد الانزال من خروج المني ان استيقظ قبله خصوصا مع الاضرار والحرج (1). ] ففي صحيحة عبد الله بن ميمون القداح: ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ والاحتلام والحجامة (1) ونحوها غيرها وان كانت ضعيفة السند مثل ما رواه الصدوق في العلل باسناده عن عمر بن يزيد، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لاي علة لا يفطر الاحتلام الصائم، والنكاح يفطر الصائم؟ قال: لان النكاح فعله، والاحتلام مفعول به (2). فان في السند حمدان ابن الحسين والحسين بن الوليد وكلاهما مجهولان، والعمدة ما عرفت من صحيحة القداح. (1) - لو احتلم الصائم فاستيقظ بعد حركة المني وقبل خروجه، فهل يجب عليه التحفظ؟ ذكر (قده) أنه لا يجب خصوصا مع الاضرار أو الحرج، والامر كما ذكره (قده). فان هذه الجنابة وان كانت اختيارية، إذ يمكنه المنع عنها بالتحفظ عن خروج المني الذي هو المحقق للجنابة، لا مجرد النزول والحركة من المبدء، فهي جنابة عمدية لا محالة إلا أنه يجري هنا أيضا ما تقدم في النوم الاختياري من أنه لا يمنع عن صدق الاحتلام، فهذه بالآخرة جنابة عن احتلام، وقد صرح بعدم قدحه في صحيحة القداح المتقدمة، إذ ليس مراده عليه السلام نفس الاحتلام بما هو احتلام، بل باعتبار خروج المني


(1) (2) الوسائل باب 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 4

[ 122 ]

فمرجعه إلى أن الخروج المستند إلى الاحتلام لا يضر بالصوم، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين صورتي الافراغ حال النوم أو بعد اليقظة بعد ان كان منشأه النوم، فان هذا أيضا أمر عادي، بل لعله كثير التحقق خارجا فيشمله الاطلاق لا محالة، ومقتضاه ان هذه الجنابة وان كانت عمدية إلا انها غير قادحة. وأولى من الامرين مالوا استيقظ بعد خروج المني ولكن مقدارا من المني باق في المجرى كما هو مقتضى طبيعة الحال، فهل يجوز له اخراجه بالبول ونحوه أم يلزمه الامساك إلى انتهاء النهار، نظرا إلى انه انزال اختياري؟ الظاهر هو الجواز كما ذكره في المتن، بل هو أولى مما سبق، إذ لا يترتب على مثل هذا الخروج جنابة جديدة، إذ المفروض أنه جنب وهذه بقية المني الموجودة في المجرى فلا يترتب عليها جنابة اخرى، ومن المعلوم أن الادلة المتضمنة لقادحية الامناء منصرفة عن المقام، كما ان دليل قدح الجنابة ظاهر في الاحداث ولا يعم البقاء، فلا ينبغي الاشكال في الجواز في محل الكلام. يبقي الاشكال في صورة واحدة تعرض لها في المسألة الآتية، وهي مالو بقي شئ في المجري لا يخرج إلا بالاستبراء ببول ونحوه فهل يجوز له أن يغتسل قبل الاستبراء مع علمه بخروج البقايا بعد الغسل ببول ونحوه أولا، نظرا إلى أنه اجناب عمدي واحداث لجنابة جديدة؟؟ ولا يبعد أن يقال بالجواز هنا أيضا، نظرا إلى انصراف الادلة حتى مثل صحيحة القماط المتقدمة عن مثل هذه الجنابة التي وجد سببها قبلا، وهذا متمم للسابق، فان المنسبق من تلك الادلة انما هو الاجناب العمدي مثل الجماع والاستمناء والملاعبة ونحو ذلك، ولا يعم مثل المقام الذي

[ 123 ]

يكون الخارج فيه بعد الاغتسال هو بقية ما خرج قبل الاغتسال ولا فرق بين خروج هذه البقية قبل الاغتسال أو بعده الا في ان الثاني يوجب الجنابة دون الاول، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه، لان المفروض ان الجنابة السابقة ارتفعت، وهذه بالآخرة جنابة جديدة فيشكل احداثها من الصائم وان كان الاشكال ضعيفا كما عرفت. وملخص الكلام في هذه المسألة انا لو كنا نحن وصحيحة الفضلاء المتضمنة أنه: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (1) لحكمنا بعدم مفطرية ما عدا الجماع من موجبات الجنابة، إلا أن صحيحة القماط دلتنا على بطلان الصوم بمطلق الجنابة حيث سأل أبا عبد الله عليه السلام عمن اجنب في شهر رمضان في أول الليل فنام حتى أصبح، قال عليه السلام، لا شئ عليه وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال (2). فجعل الاعتبار في البطلان بوقوع الجنابة في وقت حرام وهو النهار، سواء أكان سببها محللا أم محرما كما أنها لو وقعت في وقت محلل وهو الليل - بمقتضى قوله تعالى، أحل لكم ليلة الصيام الرفث - لم توجب البطلان، وان كانت الجنابة في نفسها محرمة كالمقاربة حال الحيض. وعلى الجملة فيستفاد منها ان المفطر مطلق الجنابة الواقعة في النهار الشامل لفروض الاحتلام المذكورة في المقام، فتكون هذه الصحيحة مخصصة للصحيحة الاولى. غير أنه ورد مخصص على هذا المخصص وهي روايات الاحتلام، كصحيحة الحلبي وغيرها المصرحة بعدم قادحيته للصوم، فتصبح أدلة قدح الجنابة مختصة بغير الاحتلام.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (2) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 124 ]

[ مسألة 16: إذا احتلم في النهار واراد الاغتسال فالاحوط تقديم الاستبراء إذا علم انه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل فتحدث جنابة جديدة (1). مسألة 17: لو قصد الانزال باتيان شئ مما ذكر ولكن لم ينزل بطل صومه من باب نية ايجاد المفطر (2). مسألة 18: إذا اوجد بعض هذه الافعال لا بنية الانزال لكن كان من عادته الانزال بذلك الفعل بطل صومه أيضا إذا انزل واما إذا اوجد بعض هذه ولم يكن قاصدا للانزال ولا كان من عادته فاتفق انه انزل فالاقوى عدم البطلان وإن كان الاحوط القضاء خصوصا في مثل الملاعبة والملامسة والتقبيل (3). ] وبما أن هذه الروايات مطلقة تشمل جميع فروض الاحتلام المتقدمة فلاجله يحكم بعدم مفطرية كل جنابة منتهية إلى الاحتلام أخذا باطلاق هذه النصوص حسبما عرفت. (1) قد ظهر الحال فيها مما قدمناه في المسألة السابقة فلاحظ. (2) كما تقدم سابقا. (3) أشرنا فيما مر إلى أنه لو لم يكن هناك غير صحيحة ابن مسلم الحاصرة للمفطرات في الخصال الثلاث أو الاربع لحكمنا بعدم مفطرية غير الجماع مما يتعلق بالنساء من اللمس والتقبيل واللعب ونحوها وان أمنى، إذ المراد من النساء المعدود فيها من احدى الخصال خصوص مقاربتهن كما

[ 125 ]

صرح به في بعض الاخبار (1) لا مطلق الفعل المتعلق بهن. غير انه قد وردت في المقام روايات مختلفة وهي على طوائف ثلاث: منها ما دلت على الجواز مطلقا كموثقة سماعة سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القبلة في شهر رمضان للصائم أتفطر؟ قال: لا، (2) ونحوها غيرها مما يظهر منه اختصاص المنع بغشيان النساء. وبازائها مادل على المنع مطلقا كما في صحيحة علي بن جعفر عن الرجل أيصلح أن يلمس ويقبل وهو يقتضى شهر رمضان؟ قال: لا، وصححيته الاخرى عن الرجل هل يصلح له وهو صائم في رمضان أن يقلب الجارية فيضرب على بطنها وفخذها وعجزها؟ قال: ان لم يفعل ذلك بشهوة فلا بأس به، وأما بشهوة فلا يصلح (3). وورد أيضا في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع (4). وهناك طائفة ثالثة تضمنت التفصيل بين خوف خروج المني فلا يجوز وبين الوثوق بعدم الخروج فلا بأس به، وبها يجمع بين الطائفتين الاوليين. فمنها صحيحة الحلبي عن رجل يمس من المرأة شيئا أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال: إن ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة ان يسبقه المني. وموثقة سماعة عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان، فقال: ما لم يخف على نفسه فلا بأس. وأوضح منها صحيحة منصور بن حازم


(1) الوسائل باب 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 16 (2) الوسائل باب 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 14 (3) الوسائل باب 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 20، 19 (4) الوسائل باب 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 126 ]

[ الخامس: - تعمد الكذب على الله تعالى أو رسوله أو الائمة صلوات الله عليهم (1). ] قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في الصائم يقبل الجارية والمرأة؟ فقال: أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس، وأما الشاب الشبق فلا لانه لا يؤمن والقبلة احدى الشهوتين. الخ. وأوضح من الكل صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام انه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال: اني أخاف عليه فليتنزه من ذلك، إلا أن يثق أن لا يسبقه منية (1). فانها صريحة في أن المستثني من المنع خصوص صورة الوثوق بعدم السبق، فتخصص مادل على عدم الافطار بذلك، كما انها تخصص مادل على البطلان من رواية ترتب الكفارة بالانزال مطلقا بذلك أيضا وانه يفطر إذا لم يكن واثقا من نفسه لا مطلقا. فالجمع بين الروايات يقتضي ما ذكرناه، لا ما ذكره المصنف كما لا يخفى. وأما تخصيصه الاحتياط بالثلاثة التي ذكرها في المتن فلاجل ورودها في النص حسبما عرفت. (1) لا اشكال كما لا خلاف في حرمة الكذب على الله ورسوله والائمة عليهم السلام، بل مطلقا في حالة التعمد والاختيار. وانما الكلام في مفطريته للصوم. فالمنسوب إلى جماعة من القدماء بل المشهور بينهم المفطرية إذا كان على أحد العناوين الثلاثة، بل ادعى السيد قيام الاجماع عليه. ولكن المشهور بين المتأخرين عدم الافطار به وان كان محرما. غايته انه يوجب نقصا في كمال الصوم لا ابطالا لحقيقته. ويستدل للمفطرية بطائفة من الاخبار التي لا اشكال في اعتبار أسانيدها


(1) الوسائل باب 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1، 6، 3، و 13

[ 127 ]

وان كانت من قسم الموثق، ولم تكن صحيحة بالمعنى المصطلح، وانما البحث في دلالتها وكيفية الجمع بينها وبين مادل على حصر المفطرية في الخصال الثلاث أو الاربع كصحيحة ابن مسلم المتقدمة فمنها ما رواه الشيخ باسناده عن على بن مهزيار، عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سألته عن رجل كذب في رمضان؟ فقال: قد افطر وعليه قضاؤه، فقلت: فما كذبته؟ قال: يكذب على الله وعلى رسوله (1). ورواها الشيخ أيضا عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى عن سماعة، قال: سألته عن رجل كذب في شهر رمضان؟ فقال، قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد (2). وهي في كلتا الروايتين مضمرة، وجملة - قد أفطر وعليه قضاؤه - موجودة فيهما معا، والسند واحد إلى عثمان بن عيسى، غير ان الراوي عنه تارة علي بن مهزيار، وأخرى الحسين بن سعيد، والظاهر انهما رواية واحدة إذ من البعيد جدا ان عثمان بن عيسى سمع الحديث عن سماعة وقد سأل هو الامام مرتين وأجابه (ع) بجوابين، تارة مع الزيادة، واخرى بدونها بل هي في الحقيقة رواية واحدة نقلت بالمعنى كما لا يخفى. وعلى أي حال فهي موثقة. ومنها موثقة أبي بصير التي رواها المشايخ الثلاثة مع اختلاف يسير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم، قال: قلت له: هلكنا، قال: ليس حيث تذهب إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم السلام. ومنها موثقته الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام: ان الكذب


(1) الوسائل باب 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (2) الوسائل باب 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2، 4

[ 128 ]

على الله وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم السلام يفطر الصائم (1). هذه في مجموع الروايات التي استدل بها على مفطرية الكذب لا بمعناه الشامل بل على الله ورسوله خاصة، وفي بعضها أضيف اليهما الائمة عليهم السلام كما عرفت. غير ان المشهور بين المتأخرين هو عدم البطلان كما سمعت، نظرا إلى انهم ناقشوا في تلك الروايات من وجوه: احدها انها ضعيفة السند لا يمكن التعويل عليها. وفيه ان الرواة كلهم ثقات ولا يعتبر في حجية الرواية اكثر من ذلك. نعم بناء على اعتبار كون الراوي عدلا اماميا كي تتصف الرواية بالصحة بالمعنى المصطلح كما يراه صاحب المدارك، يتجه الاشكال لكن المبنى سقيم، كما بين في محله. المناقشة الثانية: ان هذه الرواية منافية لما دل على حصر المفطرات في الثلاث أو الاربع كما تقدم في صحيحة ابن مسلم " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ " فلابد من حملها على ارادة الافساد والابطال بالنسبة إلى مرتبة القبول والكمال من غير اخلال بأصل الصوم وحقيقته. ويؤكد ذلك ما ورد في جملة من الروايات من بطلان الصوم بالغيبة والنميمة والسباب وما شاكل ذلك من كل فضول وقبيح مما ينبغي أن يمسك عنه الصائم، مع وضوح عدم قدحها في الصحة، وانما هي تخل بالكمال نظرا إلى ان الفرد الكامل من الصوم هو الذي يتضمن امساك عامة الجوارح مما حرم الله عليها، أما الصوم الصحيح فيكفي فيه الامساك عن الامور المعينة فحسب. ومقتضى ذلك مع قرينية التأكيد المزبور حمل اخبار الكذب على الله


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2، 4

[ 129 ]

والرسول والائمة عليهم السلام على اخلاله بكمال الصوم لا يحقيقته، فلا يكون الكذب مفطرا. والجواب ان الرواية الحاصرة أقصاها أن تكون دلالتها بالاطلاق فلا مانع من رفع اليد عنه بما دل على أن الكذب أو غيره أيضا مفطر على ما هو مقتضى صناعه الاطلاق والتقييد كما في غير المقام مما يأتي من المفطرات. وهذا نظير ما دل من الاخبار على ان ناقض الوضوء هو ما خرج من الاسفلين، ولكن دلت الادلة الاخرى على أن زوال العقل والنوم والاستحاضة مبطل أيضا، فلا منافاة بوجه بين الحصر وبين الادلة المقيدة، إذ هو لا يزيد على الظهور الذي لا مانع من رفع اليد عنه بعد قيام الدليل على التقييد. وأما بقية الاخبار الدالة على أن الغيبة والسب ومطلق الكذب مضر بالصوم فهي بحسب السند ضعيفة، ولو فرض وجود الموثق فيها فهي محمولة على نقض الكمال دون الحقيقة، وان أوهمه قول السائل هلكنا وذلك لقيام التسالم حتى من العامة - عدا من شذ - على عدم كونها مفطرا، فقياس المقام عليه مع الفارق الواضح كما لعله ظاهر. المناقشة الثالثة: ان بعض تلك النصوص كموثقة أبى بصير مشتمل على مالا يقول به أحد من علماء الفريقين، وهو نقض الوضوء بالكذب على الله أو الرسول، فلا بد من الحمل على النقض بالعناية بارادة نقض مرتبة الكمال، حيث ان الشخص المتطهر لا ينبغي له أن يكذب على الله ورسوله، لانه لا يلائم روحانيته الحاصلة من الوضوء. فبقرينة اتحاد السياق تحمل ناقضيته للصوم على ذلك أيضا، أي على ارادة مرتبة الكمال لا الحقيقة كي يفسد به الصوم. والجواب عنها: أولا ان رفع اليد عن الظهور في جملة لقرينة لا يستوجب رفع اليد عن الظهور في جملة أخرى على ما أوضحناه في الاصول

[ 130 ]

ولاجله انكرنا قرينية اتحاد السياق نظير ما ورد من الامر بالغسل للجمعة والجنابة، فان طبيعة الامر تقتضي الايجاب عقلا وقيام القرينة على الاستحباب في الجمعة لا يصرف ظهوره عن الوجوب في الجناية. وكذا الحال في المقام فان ناقضية الكذب للوضوء إذا حملت على الكمال لقرينة خارجية لا توجب صرف المفطرية للصوم عن الحقيقة إلى الكمال أيضا، بل لابد من حمله في الصوم على الافطار الحقيقي. وثانيا: ان هذه الزيادة لم تذكر إلا في بعض الروايات، فغايته انها توجب الاجمال في الرواية المشتملة عليها نظرا إلى انها توجب عدم انعقاد الظهور في ارادة الافطار الحقيقي دون غيرها مما لا يشتمل على هذه الزيادة كموثقة أبي بصير الاخرى. (1) لوضوح عدم سراية الاجمال من رواية إلى رواية أخرى عارية عن سبب الاجمال، فأي مانع من التمسك بظهور مثل هذه الرواية الخالية عن تلك الزيادة. وثالثا ان هذه الزيادة لم تثبت حتى في نفس الرواية المدعى اقترانها بها، فان موثقتي سماعة قد عرفت ان الظاهر اتحادهما، ومعه لم تحرز صحة النسخة المشتملة على الزيادة، وأما موثقة أبى بصير (2) التي رواها المشايخ الثلاثة فهي خالية من تلك الزيادة أيضا على رواية الصدوق، كما انها خالية أيضا في احدى روايتي الكليني كما نبه عليه في الوسائل (وهي المذكورة في أصول الكافي في باب الكذب). ومعه لا وثوق بتحققها ليناقش في قدحها في الظهور كما لا يخفى. المناقشة الرابعة: انه ورد في موثقة سماعة " عن رجل كذب في شهر رمضان، فقال: قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد "،


(1) (2) الوسائل باب 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4، 2

[ 131 ]

وجملة " وهو صائم " ظاهرة في أن صومه لم يبطل بسبب الكذب، فيكون ذلك قرينة على التصرف في قوله عليه السلام قد أفطر وعليه قضاؤه بالحمل على نفي الكمال لا الحقيقة، فلا يكون الكذب مفطرا لحقيقة الصوم، وإلا لما كان معنى لقوله عليه السلام بعد ذلك " وهو صائم ". وبعبارة أخرى جملة " وهو صائم " ظاهرة في التلبس الفعلي بالصوم وإذا كان صومه صحيحا كان ذلك قرينة على التصرف في جملة " قد أفطر وعليه قضاؤه " فلابد من التصرف هنا وفي ساير الروايات الاخر بحمل الافطار فيها على العناية والتنزيل. والجواب عنها أولا ان هذه الموثقة وسابقتها التي رواها علي بن مهزيار هي رواية واحدة كما سبق مرددة بين الزيادة والنقيصة، فلم ندر أن سماعة اخبر بأيتهما ومعه لا تكون تلك الجملة ثابتة من أصلها. وثانيا على فرض تعدد الرواية وان سماعة سأل الامام عليه السلام مرتين وأجاب كذلك، فليس في هذه الجملة دلالة على أن الصوم صحيح لان جملة (وهو صائم) وجملة (قد افطر وعليه قضاؤه) متهافتتان بحسب الفهم العرفي، نظير قوله: صحت صلاته، وبطلت، لان قوله. " وهو صائم " معناه أن صومه صحيح لا يحتاج إلى القضاء، لاحتياج موضوع القضاء إلى الفوت ولا فوت معه. ومقتضى قوله: " قد أفطر وعليه قضاؤه " ان صومه غير صحيح، فهذا تناقض صريح بين الجملتين ولا محالة تصبح الرواية مجملة. وعليه فلابد من حمل جملة (وهو صائم) على أحد أمور: الاول: أن يراد بالصوم معناه اللغوي، أعني مطلق الامساك وتكون الجملة في مقام الامر. وحاصل المعنى ان الصوم وان بطل ووجب عليه

[ 132 ]

القضاء إلا أنه يجب عليه الامساك عن بقية المفطرات تأدبا، فان ذلك من أحكام الابطال في شهر رمضان، فقوله: " وهو صائم " أي يبقى على امساكه وان وجب عليه القضاء. وهذا الوجه بعيد لما ذكرناه في الاصول في بحث الاوامر من ان استعمال الجملة الاسمية ك‍ " زيد قائم " في مقام الطلب غير معهود في اللغة العربية، بل مناف للذوق العربي كما لا يخفى. وانما المتعارف استعمال الجملة الفعلية ماضيها ومضارعها مثل أعاد ويعيد ونحو ذلك. الثاني: أن تعود الجملة إلى الصدر، حيث ان الراوي سأل عن مطلق الكذب في شهر رمضان من غير فرض كون السائل صائما، ولعل في ذهنه أن لشهر رمضان أحكاما خاصة، ومن الجائز أن تكون للكذب في هذا الشهر الشريف خصوصية من كفارة ونحوها، وان لم يصدر في حال الصوم، فقيده الامام عليه السلام بأنه قد أفطر وعليه القضاء إذا كان صائما وأما غير الصائم كالمسافر والمريض والشيخ ونحو ذلك فلا شئ عليه من هذه الناحية ما عدا الاثم. وهذا الوجه أبعد من سابقه جدا، ولا يكاد يساعده الفهم العرفي لعدم معهودية التعبير عن هذا المقصود بمثل ذلك كما لا يخفى. الثالث: أن يحمل قوله (وهو صائم) على حقيقته، أي على مرتبة من الصحة، ويحمل قوله " أفطر " على الادعاء والتنزيل، فهو مفطر حكما وتنزيلا ولكنه صائم واقعا. وهذا الوجه وان أمكن ثبوتا إلا انه مشكل اثباتا، إذ لا وجه للتفرقة بينهما بحمل الصوم على معناه حقيقي، والافطار على الادعائي لظهور كل منهما في حقيقته.

[ 133 ]

[ سواء كان متعلقا بأمور الدين أو الدنيا (1). ] الرابع: أن يحمل على ارادة الصوم الاضافي، أي إذا كان ممسكا من غير هذه الناحية فهو مفطر من جهة الكذب، وان كان هو صائما من غير هذه الناحية. وهذا مع بعده في نفسه لعله أقرب من غيره. وكيفما كان فلا يحتمل ظهور قوله: " وهو صائم " في صحة الصوم للزوم المناقضة، فان تم الوجه الاول وإلا فغاية الامر أن تصبح الرواية مجملة فتسقط عن الحجية، ويرد علمها إلى أهلها. وحينئذ فيرجع إلى بقية الروايات الواضحة الدلالة على المفطرية والمعتبرة السند كما عرفت. فالصحيح ما عليه المشهور من القدماء من بطلان الصوم بتعمد الكذب على الله ورسوله والائمة عليهم السلام، بل ادعى السيد ان الاجماع عليه كما مر. (1) أخذا باطلاق النصوص، وما عن كاشف الغطاء من التخصيص بالاول استنادا إلى الانصراف غير ظاهر، وعهدته على مدعيه، إذ لم تثبت هذه الدعوى على نحو توجب رفع اليد عن ظهور الادلة في الاطلاق بعد صدق عنوان الكذب حتى على ما يرجع إلى أمر دنيوي، كالاخبار عن نوم امير المؤمنين عليه السلام في ساعة معينة - كاذبا - مثلا. نعم بعض الروايات الواردة في غير باب الصوم تضمنت انه (من كذب علينا فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله فقد كذب على الله)، وهي كما ترى ظاهرة في الكذب المتعلق بأمر ديني، باعتبار ان الرسول يخبر عن الله والائمة عن الرسول فإذا نسب شيئا إلى الامام فبالدلالة الالتزامية نسبه إلى الرسول وأيضا إلى الله تعالى. ولاجله يختص بأمر الدين الصالح للانتساب

[ 134 ]

[ وسواء كان بنحو الاخبار أو بنحو الفتوى (1) ] إلى الجميع. ومن ثم ورد في بعض الاخبار أنه إذا سمعتم شيئا منا فلا بأس بأن تنسبوه إلى أمير المؤمنين عليه السلام وبالعكس وهذا ليس إلا لاجل انهم بمنزلة متكلم واحد ويفرغون عن لسان واحد، فما يقوله الامام السابق يقوله اللاحق بعينه وبالعكس. وعلى الجملة فهذه الروايات وان ظهر منها اختصاص الكذب بالاحكام ولا تشمل الامور الدنيوية إلا ان ذلك لاجل القرينة لوضوح أن من كذب على علي عليه السلام في أمر تكويني لا يكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما روايات المقام المتعرضة للمفطرية فهي عارية عن مثل هذه القرينة وقد عرفت منع الانصراف فلا مناص من الاخذ بالاطلاق بعد صدق الكذب عليهم في كلا الموردين - أي المتعلقة بالدين والدنيا - بمناط واحد حسبما عرفت. (1) لعدم الفرق بينهما في صدق عنوان الكذب على الله ورسوله بعد أن كانت الفتوى معدودة من طرق اثبات الحكم في الشريعة، فلا فرق بين قوله: قال الله كذا، أو ان هذا حلال، في أن كليهما اخبار عن الله تعالى، غايته ان أحدهما صريح والآخر غير صريح. هذا فيما إذا أخبر عن الواقع وأفتى بما في الشرع. وأما إذا اخبر عن رأيه وفهمه واسنده إلى اجتهاده فهذا ليس من الكذب على الله في شئ وانما هو كذب على نفسه لو لم يكن مطابقا لرأيه. وهكذا لو نقل الفتوى عن الغير أو الرواية عن الراوي كذبا، كأن يقول قال: زرارة انه قال الصادق عليه السلام فانه كذب على ذلك الغير أو على الراوي لا على الله أو على الامام عليه السلام. ومن هذا القبيل

[ 135 ]

[ بالعربي أو بغيره من اللغات (1) من غير فرق بين أن يكون بالقول أو الكتابة أو الاشارة أو الكناية أو غيرها مما يصدق عليه الكذب (2) مجعولا له أو جعله غيره وهو اخبر به مسندا إليه لا على وجه نقل القول (3) واما لو كان على وجه الحكاية ونقل القول فلا يكون مبطلا. ] ما لو نقل عن مؤلف وليس فيه، كما لو قال: حكي في البحار عن الصادق عليه السلام كذا فانه كذب على المجلسي لا على الامام (ع)، فلا يترتب عليه إلا الاثم دون البطلان. (1) للاطلاق بل لا ينبغي التعرض له، إذ لا يتوهم في مثل المقام اختصاص الحكم بلغة دون لغة فضلا عن وجود القول به. (2) للاطلاق أيضا فان المناط في المفطرية عنوان الكذب على الله أو الرسول أو الائمة عليهم السلام الصادق على الجميع بنسق واحد، فلو سئل عن شئ فأجاب انه حلال أو حرام مشيرا برأسه ناسبا إلى الرسول صلى الله عليه وآله كان كاذبا، وكذا لو أجاب بالكتابة أو الكناية لعدم الدليل على التقييد بالقول الصريح. وبعبارة أخرى المعتبر في الجملة الخبرية قصد الحكاية مع مبرز ما، فلو قصد الحكاية عن ثبوت شئ لشئ ناسبا ذلك إلى الائمة عليهم السلام وقد أبرزه في الخارج بكتابة أو كناية أو صراحة أو باحدى الدلالات الثلاث على نحو يكون الكلام دالا عليه فجميعه داخل في الكذب وموجب للافطار بطبيعة الحال. (3) فان الاعتبار بالقول الصادر منه كذبا سواء أكان جاعلا له بنفسه

[ 136 ]

[ مسألة 19: الاقوى إلحاق باقي الانبياء والاوصياء بنبينا صلى الله عليه وآله فيكون الكذب عليهم أيضا موجبا للبطلان بل الاحوط الحاق فاطمة الزهراء سلام الله عليها بهم أيضا (1) ] أم جعله غيره كما لو قال: قال أمير المؤمنين (ع) كذا كما ذكره الطبري مثلا. نعم لو نسبه إلى الجاعل فقال: فلان يقول ان رسول الله صلى الله عليه وآله فعل كذا، فهذا نقل للكذب وليس منه. (1) ان كان الكذب على الانبياء عليهم السلام بما انهم رسل من الله تعالى ليكون معنى قوله ان عيسى عليه السلام حرم كذا، ان الله تعالى حرمه وان هذا الحكم ثابت في الشريعة العيسوية فلا ريب في انه موجب للبطلان، لرجوعه إلى الكذب على الله تعالى، إذ الاخبار عنهم بهذا الاعتبار إخبار عنه تعالى، ولو بنحو الدلالة الالتزامية، وقد تقدم عدم الفرق في صدق الكذب بين انحاء الدلالات كما لا فرق بين زمن دون زمن ولو كان متعلقا بما قبل الخلقة وكان في الحقيقة عائدا إلى الكذب على الله تعالى فانه أيضا محرم ومفطر. وأما إذا كان الكذب راجعا إلى نفس النبي أو الوصي بلا ارتباط له إليه تعالى كما لو أخبر عن عيسى (ع) أنه ينام نصف ساعة مثلا، أو ان موسى (ع) اكل الشئ الفلاني وما شاكل ذلك فلا دليل على بطلان الصوم به. والوجه فيه ان كلمة الرسول المذكورة في الاخبار بقرينة الاقتران بالائمة عليهم السلام يراد منها خصوص نبينا محمد صلى الله عليه وآله لا طبيعي الرسول، فليس فيها اطلاق يشمل كل رسول ليكون الكذب عليه مفطرا.

[ 137 ]

[ مسألة 20: - إذا تكلم بالخبر غير موجه خطابه إلى احد أو موجها إلى من لا يفهم معناه فالظاهر عدم البطلان (1) وان كان الاحوط القضاء. مسألة 21: إذا سأله سائل هل قال النبي صلى الله عليه وآله كذا ] ومنه يظهر الحال في الكذب على الصديقة الزهراء سيدة النساء سلام الله عليها، فانه ان رجع إلى الكذب على الله أو الرسول أو الائمة عليهم السلام كان مفطرا، وإلا فلا دليل عليه فاطلاق الحكم في كلا الموردين مبني على الاحتياط. (1) هذا لا يخلو من الاشكال فان الجملة الخطابية، إما خبرية أو انشائية، والخبرية إما صادقة أو كاذبة وشئ منها لا يتوقف على وجود من يسمع الكلام، فلو تكلم بجملة خبرية عربية والمخاطب جاهل باللغة لم يكن ذلك مضرا بصدق الاخبار أو كذبه. نعم لا يصدق انه أخبره بذلك ولكن يصدق انه أتى بجملة خبرية، فان المدار فيها بقصد الحكاية عن ثبوت شئ لشئ وصدقها وكذبها يدور مدار مطابقة المخبر به مع الواقع وعدمها، وهذا كما ترى لا يتوقف على وجود سامع ومخاطب. وبما أن الموجود في الاخبار عنوان الكذب لا عنوان الاخبار يصدق ذلك بمجرد عدم المطابقة وان لم يكن عنده أحد، فان سمعه أحد أيضا يقال أخبره، وإلا فهو كذب فقط، ولذا لو كتب اخبارا كاذبة ولم يكن هناك من يقرؤها بل ولن يتفق ان يقرأها أحد يصدق أنه كذب على الله أو رسوله أو الائمة عليهم السلام، فيكشف ذلك عن صدق عنوان الكذب ولو لم يكن عنده أحد بل تكلم لنفسه بالاكاذيب.

[ 138 ]

[ فأشار (نعم) في مقام (لا) أو (لا) في مقام (نعم) بطل صومه (1). مسألة 22: إذا أخبر صادقا عن الله أو عن النبي صلى الله عليه وآله مثلا ثم قال: كذبت، بطل صومه وكذا إذا اخبر بالليل كاذبا ثم قال في النهار: ما اخبرت به البارحة صدق (2). مسألة 23: إذا اخبر كاذبا ثم رجع عنه بلا فصل لم يرتفع عنه الاثر فيكون صومه باطلا بل وكذا إذا تاب بعد ذلك فانه لا تنفعه توبته في رفع البطلان (3) ] (1) لما تقدم من أن المناط في صدق الكذب قصد الحكاية مع عدم المطابقة بأي مبرز كان فيعم الاشارة وغيرها. (2) لكونه من الكذب غير الصريح في كلا الموردين الذي لا فرق بينه وبين الصريح في شمول الاطلاق، ولا موجب لدعوى الانصراف إلى الثاني كما لا يخفى. ومن المعلوم أن محل الكلام ما إذا كان المقود نفي الواقع المطابق للخبر، لا نفي الخبر المطابق للواقع وإلا كان من الكذب على نفسه لا عليه تعالى كما هو ظاهر. (3) فان الرجوع - وان لم يكن عن فصل - وكذا التوبة لا يغير الواقع ولا ينقلب الشئ عما هو عليه، فقد صدر الكذب بمجرد الفراغ من الكلام وتحقق المبطل فيترتب عليه الاثر بطبيعة الحال، وغاية ما تنفعه التوبة رفع الاثم دون البطلان.

[ 139 ]

[ مسألة 24: - لافرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوبا في كتاب من كتب الاخبار أو لا فمع العلم بكذبه لا يجوز الاخبار به وإن أسنده إلى ذلك الكتاب (1) الا ان يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الاخبار بل لا يجوز الاخبار به على سبيل الجزم مع الظن بكذبه بل وكذا ] نعم ان للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء، فلو كان الرجوع قبل انعقاد الظهور واستقراره للكلام وفراغه منه فذيل كلامه بما يخرجه عن الظهور في الكذب على الله، كما لو رجع وندم فاردف الكلام المقصود به الكذب بقوله هكذا قاله فلان خرج ذلك عن الكذب على الله ودخل في الكذب على ذلك الشخص المنقول عنه، فلا يكون مبطلا من هذه الناحية ولا تترتب عليه الكفارة لعدم وجود المفطر خارجا وان كان الظاهر هو البطلان حينئذ أيضا من اجل نية المفطر وقصده التي قد عرفت انها بنفسها تستوجب البطلان لفرض تعلق القصد به أولا، ولا أثر للرجوع في ازالته كما هو ظاهر. (1) إذ المناط في صدق الكذب قصد الحكاية عن الواقع مع عدم المطابقة له، فمتى تحقق ذلك فقد كذب وابطل صومه سواء أكان ذلك مكتوبا في كتاب من كتب الاخبار أم لا، أسنده إلى ذلك الكتاب أم أخبر به ابتداء ومن غير اسناد، إذ لا دخالة لشئ من ذلك في تحقق ما هو المناط في الكذب حسبما عرفت. نعم لو كان الاخبار على نحو الحكاية عن ذلك الكتاب لا الحكاية عن الواقع لم يكن كذبا لصدقه في هذه الحكاية.

[ 140 ]

[ مع احتمال كذبه إلا على سبيل النقل والحكاية (1) فالاحوط لناقل الاخبار في شهر رمضان مع عدم العلم بصدق الخبر أن يسنده إلى الكتاب أو إلى قول الراوي على سبيل الحكاية. ] (1) يقع الكلام في الاخبار الجزمي تارة مع العلم بكذب الخبر واخرى مع الظن به وثالثة مع الشك. أما مع العلم به والقطع بمخالفته للواقع، فان فسرنا الكذب بأنه الاخبار على خلاف الاعتقاد كما قيل به واستشهد له بقوله تعالى، (والله يشهد ان المنافقين لكاذبون) حيث حكم تعالى عليهم بالكذب بمجرد المخالفة لا عتقادهم، وان كان ما أخبروا به من رسالة النبي صلى الله عليه وآله مطابقا للواقع فقد تحقق البطلان في المقام بمجرد الاخبار وان انكشف بعد ذلك انه كان مطابقا للواقع لتحقق موضوعه بتمامه وهو التعمد إلى الاخبار بما يعتقد خلافه الذي هو المناط في الكذب حسب الفرض. وان فسرناه - كما هو الظاهر - بأنه الاخبار على خلاف الواقع، وان الاعتقاد طريق إليه والآية المباركة لا تنافيه - لما قيل في محله من ان تكذيبهم راجع إلى قولهم: نشهد انك. الخ - فحينئذ ان كان مخالفا للواقع فقد تعمد الكذب وبطل صومه، واما إذا انكشف انه مطابق للواقع فهو وان لم يرتكب المفطر لانتفاء الكذب فلا كفارة عليه، إلا أنه مع ذلك يبطل صومه من أجل نية المفطر فالصوم باطل على كل حال طابق الواقع أم خالف وانما الفرق من حيث ترتب الكفارة وعدمه. وأما مع الظن فحيث انه لا دليل على حجيته فيلحق بالشك، وحكمه عدم جواز الاخبار بدون العلم بالواقع على صورة الجزم، سواء اكان

[ 141 ]

ظانا به أم بعدمه أم شاكا، وهذا مما لا كلام فيه حسبما دلت عليه الآيات التي منها قوله تعالى: (أتقولون على الله ما لا تعلمون). وانما الكلام في ابطاله للصوم، فربما يقال بعدم البطلان، نظرا إلى الشك في مخالفته للواقع الموجب للشك في حصول الافطار به فيرجع إلى أصالة البراءة، بل لا حاجة إلى التمسك بالاصل للعلم بعدم المفطرية واقعا لانه ان كان مطابقا للواقع فلا كذب أصلا، وان كان مخالفا فلا تعمد إليه فان المفطر خصوص التعمد إليه كما سيجئ ان شاء الله تعالى المنتفي في المقام بعد فرض الشك في المطابقة. أقول: بل الظاهر هو البطلان لصدق العمد بعد تنجز الاحتمال لاجل كونه من اطراف العلم الاجمالي الذي لا مجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة، حيث انه يعلم اجمالا بكذب أحد الامرين اما ذاك الخبر المفروض أو نقيضه، وان أحد الاسنادين إلى الامام عليه السلام مخالف للواقع جزما فمثلا لو فرض ان الخبر المشكوك مطابقته للواقع هو ان الصادق (ع) قال: ان الشئ الفلاني حرام، فيعلم اجمالا بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع أما هذا الخبر أو خلافه وهو انه (قال الصادق (ع) الشئ الفلاني - بعينه - حلال) وان أحدهما كذب قطعا، فبالعلم الاجمالي يتنجز الواقع لا محالة، ولا مجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة. ونتيجة ذلك انه يكون قد تعمد الكذب اختيارا على تقدير كون الخبر مخالفا للواقع نظير مالو علم اجمالا ان احد الاناءين خمر فشرب أحدهما وصادف الواقع، فان الاقدام مع الاحتمال غير المقرون بالمؤمن الموجب لتنجز الواقع كاف في صدق العمد إلى شرب الخمر. ففي أي مورد أقدم مع تنجز الواقع فقد تعمد سواء أكان في موارد العلم الاجمالي أو الشبهات قبل الفحص.

[ 142 ]

[ مسألة 25: - الكذب على الفقهاء والمجتهدي والرواة وان كان حراما لا يوجب بطلان الصوم (1) الا إذا رجع إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله. مسألة 26: إذا اضطر إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله في مقام التقية من ظالم لا يبطل صومه به (2). ] ففي المقام إذا انكشف مخالفة الخبر للواقع واتصافه بالكذب، فقد تعمد الكذب حينئذ وبطل صومه، بل هو باطل وان لم ينكشف، لانه مع هذا العلم الاجمالي قاصد للكذب على تقدير مخالفة الواقع كما عرفت. فيوجب ذلك اخلالا بنية الصوم لان اللازم على الصائم نية الامساك عن جميع المفطرات في جميع الآنات، وعلى جميع التقادير، والمفروض انه غير ناو للامساك عن الكذب على تقدير كون الخبر المزبور مخالفا للواقع، فلم تقع النية على وجهها. فتحصل ان الاخبار الجزمي مع احتمال المخالفة أيضا موجب للبطلان سواء انكشف الواقع أم لا، لعدم تعلق قصده بالصوم الصحيح. ومنه يظهر الجواب عما افيد من انه غير عامد للكذب فلاحظ. (1) لفقد الدليل بالنسبة إليهم ومقتضى الاصل البراءة كما هو واضح. (2) من الواضح عدم الملازمة ين المفطرية وبين الحرمة لجواز حصول الافطار بالتناول الحلال كما في صورة الاضطرار إلى الاكل أو الشرب أو الارتماس في الماء لانقاذ نفس محترمة، بل قد يجب كما في الفرض الاخير فمجرد الحلية ولو لاجل التقية كما في المقام لا تنافي البطلان بعد اطلاق الدليل، إلا أن تقوم قرينة على الخلاف كما في خصوص المقام، حيث ان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون الوجه في مفطرية الكذب

[ 143 ]

[ كما انه لا يبطل مع السهو أو الجهل المركب (1). ] تشديد الامر على الصائم ليكون على حذر منه. وهذا كما ترى ينصرف إلى الكذب الحرام فلا يعم المحلل لاجل الاضطرار أو التقية بوجه. ويؤيده ما في موثقة أبي بصير المتقدمة من قوله. هلكنا. الخ فانه منصرف إلى الكذب المتداول المتعارف الوجب للهلكة كما لا يخفى. فلاجل ذلك يمكن أن يدعى الانصراف الموجب لصرف الظهور ولا أقل من أن لا يكون للكلام ظهور في الاطلاق فينتهي الامر إلى الشك والمرجع حينئذ أصالة البراءة. فان قلت: مقتضى ما ذكرت عدم مفطرية الكذب بالاضافة إلى الصبي لصدوره عنه حلالا بمقتضى مادل على رفع قلم التكليف عنه وان عمده وخطأه واحد. قلت: كلا فان المرفوع عنه انما هو قلم المؤاخذة والالزام لا كل شئ ليشمل الاجزاء والشرائط والموانع فلا بد في صومه من الاتيان به على حد ما يأتي به البالغون كما هو مقتضى قوله عليه السلام: مروا صبيانكم بالصلاة والصيام، ومن هنا لو تكلم في صلاته بطلت، وان لم يرتكب محرما، فيعتبر في صومه أيضا الاجتناب عن الكذب على الله ورسوله كالبالغ. وبالجملة ففرق واضح بين مثل هذا الكذب غير الحرام وبين موارد انصراف الدليل الذي قلنا إنه منصرف عن الكذب المباح، أولا أقل من عدم الظهور في الاطلاق، بحيث يكون كالمحفوف بما يحتمل للقرينية كما لا يخفى فلاحظ. (1) لاعتبار العمد في حصول الافطار به كما في سائر المفطرات على ما سيأتي ان شاء الله تعالى.

[ 144 ]

[ مسألة 27: - إذا قصد الكذب فبان صدقا دخل في عنوان قصد المفطر (1) بشرط العلم بكونه مفطرا. مسألة 28: - إذا قصد الصدق فبان كذبا لم يضر كما اشير إليه (2). مسألة 29: - إذا اخبر بالكذب هزلا بأن لم يقصد المعنى اصلا لم يبطل صومه (3) السادس ايصال الغبار الغليظ إلى حلقه (4) ] (1) فيبطل صومه من اجل نية المفطر، لكن بشرط العلم بكونه مفطرا كما ذكره في المتن لاعتبار تعلق القصد بالمفطر بوصفه العنواني ليتنافى مع قصد الصوم، ولا يكفي مجرد القصد إلى ذات المفطر كما سيجيئ توضيحه في محله ان شاء الله تعالى. (2) أي في ذيل المسألة السادسة والعشرين من اعتبار العمد وعدم البطلان بالسهو أو الجهل المركب فلاحظ. (3) لتقوم الخبر بقصد الحكاية عن الواقع المفقود في المقام فلا موضوع للكذب بتاتا كما هو ظاهر. (4) اختلفت الانظار في مفطرية الغبار، فعن جماعة منهم صاحب الوسائل انه موجب للافطار ويترتب عليه القضاء والكفارة إذا كان عن عمد ونسب إلى المشهور القضاء دون الكفارة، والقائل بالمفطرية بين من يقول بها مطلقا، أي غليظا كان أم خفيفا كما في الشرايع، وبين من يقيده بخصوص الغليظ وذهب جماعة كالصدوق والسيد والشيخ وغيرهم إلى عدم المفطرية مطلقا، وليس في المقام اجماع تعبدي كاشف عن رأي الامام (ع)

[ 145 ]

وان ادعى ذلك، وانما هناك شهرة الفتوى بالمفطرية حسبما عرفت. ومحل البحث بين الاعلام ما إذا لم يبلغ الغبار من الغلظة حدا يصدق عليه اكل التراب أو الطحين إذا كان غبار الدقيق مثلا، والا فهو مشمول لاطلاقات أدلة الاكل كما هو ظاهر لا ريب فيه. ولا يخفى انه لو لم يكن في البين نص خاص على المفطرية أو عدمها لكان مقتضى الصحيحة المتقدمة الحاصرة للمفطرية في الامور الاربعة عدم الافطار إذ ليس الغبار با كل ولا شرب، فلابد من النظر فيما ورد من النص في المقام لنخرج على تقدير صحة الاستدلال به عن مقتضى تلك الصحيحة. روى الشيخ (قده) باسناده عن الصفار عن محمد بن عيسى عن سليمان بن جعفر (حفص) المروزي قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة، أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فان ذلك مفطر مثل الاكل والشرب والنكاح. (1) وهذه الرواية معتبرة سندا، إذ الراوي انما هو سليمان بن حفص لا سليمان بن جعفر فانه لا وجود له بتاتا، على ان الراوي عنه هو محمد بن عيسى بن عبيد وهو يروى كثيرا عن ابن حفص ولا يبعد ان الاشتباه نشأ من مشابهة كلمة حفص مع جعفر في كيفية الكتابة. وكيفما كان فسليمان بن حفص موثق والرواية معتبرة، كما انها واضحة الدلالة لتضمنها ان الغبار بمثابة الاكل والشرب في مفطريته للصائم بل ترتب الكفارة عليه. غير أنه نوقش في الاستدلال بها من وجوه. أحدها: ما عن صاحب المدارك من المناقشة في سندها تارة بالاضمار واخرى باشتماله على عدة من المجاهيل ولاجله حكم عليها بالضعف.


(1) الوسائل باب 22 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 146 ]

أقول: اما الاضمار فغير قادح بعد أن أثبتها مثل الشيخ في كتب الحديث ولا سيما وانه ينقلها عن كتاب الصفار - لتصريحه في آخر التهذيب بأن كلما يرويه فيه من رواية فهي منقولة عن كتاب من بدأ سندها به - وهل يحتمل أن مثل محمد بن الحسن الصفار يورد في كتابه الموضوع للاحاديث الشريفة حديثا عن غير المعصوم عليه السلام مضمرا اياه. وعلى الجملة ان سليمان وان لم يكن بدرجة زرارة في الجلالة إلا أن الراوي للرواية هو الصفار في كتابه الذي هو مشهور وعليه العمل والاعتماد كما نص عليه الصدوق، ولا يحتمل أن الصفار يروي عن غير المعصوم عليه السلام كما لا يخفى. وأما الاشتمال على المجاهيل فقد أجيب بأن الضعف من هذا الناحية مجبور بعمل الاصحاب حيث انهم أفتوا على طبقها. وأنت خبير بما فيه، إذ ليس المشهور بين الفقهاء الحكم على طبقها من لزوم القضاء والكفارة، بل صرح في الحدائق بأن الفقهاء أفتوا بالقضاء فقط دون الكفارة وبعضهم أفتى بعدم المفطرية رأسا. نعم ذكر الشيخ في كتبه وكذا صاحب الوسائل ان الغبار مفطر، ولكنه ليس بمشهور كما عرفت. وبالجملة فدعوى الانجبار ممنوعة صغرى مضافا إلى المنع الكبروي كما هو المعلوم من مسلكنا. فالاحسن في الجواب ان ينكر على صاحب المدارك وجود المجاهيل في السند، فان طريق الشيخ إلى الصفار صحيح، وهو يرويها عن محمد بن عيسى بن عبيد، وهو - وان كان محلا للخلاف - ليس بمجهول بل من المعاريف وثقة على الاظهر، وان استثناه إن الوليد والصدوق، إلا ان ابن نوح وغيره اشكل عليه قائلا: انه من يكون مثل محمد بن عيسى

[ 147 ]

كما مر مرارا. وكيفما كان فلا شك في أنه من المعاريف وليس مجهولا جزما، إنما المجهول هو سليمان بن حفص، حيث لم يوثق في كتب الرجال، فكان على صاحب المدارك أن يناقش من ناحيته فقط، ولكنه مع ذلك ثقة على الاظهر لوقوعه في أسناد كامل الزيارات. فالمناقشة في السند ساقطة من أصلها. هذا وقد ادعى في الرياض ان الرواية مقطوعة، فان اراد بالقطع الاضمار ولو على خلاف الاصطلاح فلا مشاحة فيه، وان أراد المصطلح من المقطوعة فلا قطع في السند بوجه كما لا يخفى. ثانيها: المناقشة في الدلالة نظرا إلى انها اشتملت على امور لم يلتزم بها الفقهاء من مفطرية المضمضة والاستنشاق متعمدا، وشم الرائحة الغليظة فتسقط الرواية بذلك عن درجة الاعتبار، وغاية ما يمكن أن يوجه به ذلك تقييد المضمضة والاستنشاق - بقرينة ساير الاخبار وبمناسبة الحكم والموضوع - بما إذا أدى إلى وصول الماء إلى الحلق، إلا ان شم الرائحة الغليظة غير قابل لمثل هذا الحمل، ولا يمكن الالتزام في مثله بالبطلان بوجه، فلابد من حمل الرواية على التنزه والاستحباب. والجواب ان اشتمال الرواية على بعض ما ثبتت فيه ارادة الاستحباب لقرينة قطعية خارجية لا يستوجب رفع اليد عن ظهور غيره في الوجوب فالامر بالكفارة في هذه الرواية محمول على الاستحباب فيما عدا الغبار من المضمضة ونحوها للعلم الخارجي بعدم البطلان كما ذكر. أما فيه فيحمل على ظاهره من الوجوب الكاشف عن البطلان ولا مانع من التفكيك في رواية واحدة بعد قيام القرينة. ثالثها: ان هذه الموثقة معارضة بموثقة أخرى دلت على عدم المفطرية فتسقط بالمعارضة ويرجع عندئذ إلى مادل على حصر المفطر في الخصال

[ 148 ]

الاربع التي ليس منها الغبار أو انها تحمل على الاستحباب. وهي موثقة عمرو بن سعيد عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه، فقال: جائز لا بأس به، قال: وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه؟ قال: لا بأس (1). والجواب أنه لا تعارض بين الروايتين إلا بنحو اطلاق والتقييد الممكن فيه الجمع بحمل أحدهما على الآخر، فان موثقة سليمان ظاهرة في صورة التعمد في ايصال الغبار إلى الحلق بقرينة التقييد بالعمد في الصدر أي في المضمضة والاستنشاق الكاشف عن ان الكلام ناظر إلى فرض التعمد إلى هذه الامور، واحتمال التفكيك بينهما وبين الشم والغبار المنافي لوحدة السياق مستبعد بل مستبشع جدا كما لا يخفى. وبقرينة فرض الكلام في الكنس الذي هو وسيلة اختيارية لتعمد ادخال الغبار في الحلق باعتبار كونه معرضا لاثارته وبقرينة ايجاب الكفارة التي لا تكاد تجتمع مع عدم العمد كما لا يخفي. فبهذه القرائن يستظهر اختصاص الموثقة بصورة العمد. وأما موثقة عمرو بن سعيد فهي مطلقة من حيث العمد وغيره، ولو كان ذلك من أجل هبوب الرياح المثيرة للعجاج كما في فصل الربيع. وظهور صدرها في العمد لمكان قوله: يتدخن. الخ الظاهر في الاختيار لا يستدعي كون الذيل كذلك للفصل بينهما بقوله قال: وسألته. الخ فلا قرينية في البين، كما كان كذلك في الموثقة المتقدمة. إذا فيمكن الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد، فتقيد هذه الموثقة بتلك الموثقة وتحمل على صورة عدم التعمد. واما ما تصدى له صاحب الوسائل من الجمع بين الروايتين بحمل


(1) الوسائل باب 22 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 149 ]

الاولى على الغبار الغليظ والثانية على الخفيف. فهو جمع تبرعي عري عن الشاهد، إذ كلمة الغبار الواردة فيهما معا لها ظهور واحد، اما في الغليظ أو الخفيف أو الاعم منهما، فالتفرقة بينهما تحكم بحت. وما قيل من أن الغلظة مستفادة من فرض الكنس المشتمل على الغبار الغليظ غالبا غير واضح، لاختلاف موارد كنس البيوت وجدانا، فرب بيت يكنس في كل يوم أو يومين فيخف غباره، وربما يبقى بدون تنظيف اياما عديدة كشهر مثلا فيغلظ، فليس لهذا ضابط ولا شهادة له على المطلوب بوجه. والصحيح هو ما عرفت في وجه الجمع من حمل المانعة على العمد والمجوزة على غيره من غير فرق بين الغلظة وغيرها. ومنه تعرف انه على القول بالبطلان - كما هو الصحيح عملا بالموثقة السليمة عن المعارض حسبما عرفت - لا يفرق فيه بين الغليظ والخفيف، كما اختاره الماتن عملا باطلاق النص، إلا إذا بلغ من الخفة والقلة حدا لا يصدق معه عرفا انه دخل الغبار في حلقه، فانه لا يضر حينئذ لانصراف النص عن مثله. واما مع فرض الصدق فلا يفرق بين الامرين كما عرفت. نعم ينبغي أن يقتصر على الغبار الناشئ من الكنس الذي هو مورد الرواية وما هو مثله مما فيه اثارة إما منه أو من غيره حتى يصدق أنه باختياره دخل في الحلق، إذ لا يحتمل اختصاص البطلان بصورة مباشرة الصائم للكنس كما هو ظاهر. وأما لو كان باثارة الهواء كما يتفق كثيرا في فصل الربيع ولا سيما في هذه البلاد وامثالها حيث يكثر فيها العجاج خصوصا في الصحاري والبراري فالموثقة قاصرة عن اثبات البطلان في مثل ذلك، بل الظاهر عدم البطلان كما حكي التصريح به عن كاشف الغطاء.

[ 150 ]

[ والاقوى الحاق البخار الغليظ ودخان التنباك ونحوه (1) ولا بأس بما يدخل في الحلق غفلة أو نسيانا أو مع ترك التحفظ ] كيف ولو كان التحفظ عن مثل ذلك واجبا بحيث كان بتركه متعمدا مفطرا لكان على الاصحاب التعرض له، بل كان من الواضحات لشدة الابتلاء به خصوصا لسكنة هذه البلاد التي كان يسكنها الائمة (ع) أيضا، ولا سيما في فصل الربيع الذي قد يصادف شهر رمضان، مع أنه لم ترد بذلك ولا رواية ضعيفة ولم يتعرض له أحد من الاصحاب. وعلى الجملة فمضافا إلى أن الرواية المتقدمة في نفسها قاصرة نفس عدم ورود الرواية بذلك وعدم تعرض الاصحاب مع كثرة الابتلاء دليل على العدم، ولذلك ترى ان كاشف الغطاء أفتى بعدم البطلان فيما كان الغبار الداخل في الحلق باثارة الهواء وانه لا يجب التحفظ عن ذلك كما تقدم. فما في المتن من تعميم الحكم لذلك حيث قال: " بل أو باثارة الهواء مع التمكن منه وعدم تحفظه. الخ " غير ظاهر. نعم لا فرق في الغبار بين الحلال كالدقيق أو الحرام كالتراب، فان المذكور في الرواية وان كان هو غبار الكنس الظاهر في التراب، إلا ان المفهوم عرفا بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع عدم الفرق بين الامرين كما لا يخفى. (1) كما حكي ذلك عن جماعة من المتأخرين، ومستند الالحاق، أما في البخار فهو مشاركته مع الغبار في مناط المفطرية، إذ كما ان الغبار أجزاء دقيقة منتشرة في الهواء حاملة لشئ من التراب تدخل جوف الانسان يصدق معها الاكل، فكذلك البخار أجزاء دقيقة مائيه منتشرة في الهواء تدخل

[ 151 ]

جوف الانسان يصدق معها الشرب. وفيه مالا يخفى ضرورة أنه أشبه شئ بالقياس، ومن الواضح ان ثبوت الحكم في الغبار لم يكن لاجل صدق عنوان الاكل وان ألحق به في النص، إلا انه الحاق تنزيلي حكمي لا حقيقي. كيف ولا يصدق الاكل على الغبار، كما لا يصدق الشرب على البخار عرفا بالوجدان، وانما ثبت الحكم فيه بالتعبد المحض للنص الخاص، ولم يرد مثل هذا التعبد في البخار كي يلحق بالشرب حكما فلا وجه لقياسه على الغبار بتاتا. بل يمكن دعوى استقرار سيرة المسلمين على عدم التجنب عن البخار لدخولهم الحمامات في شهر رمضان وعدم التحفظ من البخار وان كان غليظا، وهذه السيرة القطعية المستمرة المتصلة بزمن المعصومين عليهم السلام بضميمة عدم ردعهم عنها - وهي بمرأى منهم ومسمع - الكاشف عن امضائهم عليهم السلام كافية في الحكم بالجواز كما لا يخفى. وأما في الدخان فهو دعوى أنه يستفاد من النص الوارد في الغبار ان كلما يدخل جوف الانسان من غير الهواء الذي لابد منه ومنه الدخان يكون مفطرا. ولكنها كما ترى عرية عن كل شاهد، إذا لا دليل على البطلان، بل يمكن اقامة الدليل على العدم وهو موثقة عمرو بن سعيد المتقدمة حيث قال فيها: ". فتدخل الدخنة في حلقه، فقال: جائز لا بأس به ". اللهم إلا أن يفرق بينه وبين ما تقدمه من البخار باستقرار سيرة المتشرعة على التحرز عن الدخان من مثل التنباك والترياك والتتن حال الصوم، بحيث أصبح البطلان به كالمرتكز في أذهانهم، بل قد يدعى بلوغ تناوله من الاستبشاع حدا يكاد يلحقه بمخالفة الضروري. ولكن التعويل على مثل هذه السيرة والارتكاز مشكل جدا، لعدم

[ 152 ]

[ بظن عدم الوصول ونحو ذلك (1). السابع: الارتماس في الماء (2) ] احراز الاتصال بزمن المعصومين عليهم السلام وجواز الاستناد إلى فتاوى السابقين، لو لم يكن محرز العدم كمالا يخفى. إذا لم يبق لدينا دليل يعتمد عليه في الحكم بالمنع، بعد وضوح عدم صدق الاكل ولا الشرب عليه. وعليه فمقتضتى القاعدة هو الجواز وان كان الاحتياط بالاجتناب مما لا ينبغي تركه رعاية للسيرة المزبورة حسبما عرفت والله سبحانه أعلم. (1) لاعتبار العمد في حصول الافطار كما سيأتي التعرض له في محله إن شاء الله تعالى المنفي في هذه الفروض. (2) اختلفت الانظار في حكم ارتماس الصائم في الماء، فالمشهور بين الاصحاب هو المفطرية بل ادعى عليه الاجماع وان كانت الدعوى موهونة بعد الخلاف المحقق بينهم. وذهب جماعة منهم الشيخ والعلامة والشهيد الثاني، والمحقق في الشرايع وصاحب المدارك وغيرهم إلى الحرمة التكليفة من غير أن يكون مفطرا، فلا يستوجب ارتكابه القضاء ولا الكفارة ولا يترتب عليه عدا الاثم. وقيل بانتفاء الاثم أيضا، بل غايته الكراهة كما عن السيد المرتضى وابن ادريس وغيرهما. وكيفما كان فالمتبع هو الروايات الخاصة الواردة في المقام. فنقول قد ورد في جملة من النصوص المعتبرة النهي عن الارتماس كصحيح حريز عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يرتمس الصائم ولا المحرم رأسه في الماء، وصحيح الحلبي عنه عليه السلام، قال، الصائم يستنقع في الماء

[ 153 ]

ولا يرمس رأسه، وغيرها (1). ومعلوم ان النهي هنا ظاهر في الارشاد إلى الفساد الذي هو ظهور ثانوي منعقد في باب المركبات من العبادات والمعاملات مثل النهي عن التكلم في الصلاة وغير ذلك دون الحرمة التكليفية. بل في بعض الاخبار التصريح بمفطرية الارتماس، وهي مرفوعة الخصال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خمسة أشياء تفطر الصائم، الاكل والشرب، والجماع والارتماس في الماء والكذب. الخ (2) غير أن سندها ضعيف للرفع. بل في بعض الروايات المعتبرة ظهور قريب من الصراحة، وهي صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء والارتماس في الماء (3). إذ من الواضح: ان المراد الاضرار بالصوم من حيث هو صوم لا بذات الصائم، ولا معنى له إلا الاخلال والافساد. وان شئت قلت ظاهر الصحيحة دخل الاجتناب عن تلك الامور في طبيعي الصوم وان كان تطوعا، إذ لا مقتضي للتقييد بالفريضة، وحيث لا يحتمل حرمة الارتماس في الصوم المندوب تكليفا بعد فرض جواز ابطاله اختيارا فلا مناص من أن يراد بالاضرار الابطال دون الحرمة التكليفية إذا فلهذه الروايات قوة ظهور في المفطرية. ولكن بازائها موثقة اسحاق بن عمار الظاهرة في عدم الافطار،


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 8، 7 (2) الوسائل باب 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 6 (3) الوسائل باب 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 154 ]

قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: ليس على قضاؤه ولا يعودن (1). وربما يناقش في سندها نظرا إلى أن عمران بن موسى الواقع في الطريق يدور امره بين أن يكون هو الخشاب المجهول الحال أو الزيتوني الاشعري القمي المعروف الثقة، ومع هذا الترديد كيف يحكم بالتوثيق. هذا ولم يستبعد الاردبيلي اتحادهما لقرب مرتبتهما، ولكن الظاهر ان عمران بن موسى الخشاب لا وجود له أصلا، والمسمى بهذا الاسم شخص واحد وهو الزيتوني الثقة، فان جامع الرواة وان ذكر في ترجمة عمران بن موسى الخشاب ما يقرب من خمسين رواية إلا انه ليس في شئ منها تصريح بالخشاب ولا الزيتوني، وكلها بعنوان عمران بن موسى ما عدا رواية واحدة ذكرها الشيخ في التهذيب بعنوان عمران بن موسى الخشاب فتخيل ان جميع تلك الروايات عنه، وهو وهم نشأ من سقط كلمة (عن) في نسخة التهذيب والصحيح عمران بن موسى عن الخشاب الذي هو حسن بن موسى الخشاب، ويروي عمران بن موسى عنه كثيرا. فالخشاب شخص آخر يروي عمران عنه، لا أنه لقب لعمران نفسه كما توهم. والذي يكشف عنه بوضوح أن الشيخ يروي هذه الرواية عن ابن قولويه في كامل الزيارات وهي مذكورة بعين السند والمتن في الكامل، لكن باضافة كلمة (عن) فالسقط من الشيخ جزما فان جميع نسخ التهذيب على ما قيل خالية عن كلمة (عن) فالاشتباه من قلمه الشريف، والمعصوم من عصمه الله تعالى. وكيفما كان فليس لدينا شخص مسمى بعمران بن موسى الخشاب


(1) الوسائل باب 6 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 155 ]

لتوجب جهالته وهنا في النسد، وانما هو شخص واحد مسمى بعمران بن موسى الزيتوني الاشعري القمي المشهور الذي هو ثقة كما عرفت، فلا مجال للنقاش في السند بوجه. إذا فهذه الموثقة الظاهرة بل الصريحة في عدم البطلان تعارض النصوص المتقدمة، وقد تصدى غير واحد للجمع بينهما بأحد وجهين: الاول ما ذهب إليه جماعة ونسب إلى بعض الاكابر من حمل الطائفة الاولى - بقرينة نفي القضاء في هذه الرواية والنهي عن العود الظاهر في مجرد الحرمة - على الحرمة التكليفية. ولكنه كما ترى لاباء جملة منها - ولا سيما صحيحة ابن مسلم التي هي كالصريحة في البطلان كما مر - عن ذلك كما لا يخفي. الثاني: حمل النهي في تلك الطائفة على الكراهة الوضعية، فان الاضرار بالصوم قد يكون حقيقيا كالاكل والشرب، واخرى مسامحيا كانه يبطل به الصوم كالارتماس، نظرا إلى أنه يستوجب مرتبة من البطلان كمرتبة عدم القبول مثلا فيحمل الاضرار في الارتماس على الاضرار ببعض مراتبه وان كان اصل الصوم صحيحا. ولكن هذا اضعف من الوجه الاول، إذ الكراهة الوضعية لا نتعقل لها معنى صحيحا، وهل بامكان العرف ان يجمع بين قوله صحيح وقوله باطل، أو بين قوله يعيد، وقوله لا يعيد، فان معنى اضرار الارتماس بالصوم ان صومه باطل كما لو اكل أو شرب، ومعنى ليس عليه قضاؤه كما في موثقة اسحاق: ان صومه صحيح، ومعه كيف يمكن الجمع بينهما. وعلى الجملة فكراهة البطلان كاستحباب البطلان لا يرجع االى محصل ولا يساعده الفهم العرفي بوجه. إذا لا محيص عن الاذعان باستقرار المعارضة بين هذه الموثقة وبين النصوص المتقدمة.

[ 156 ]

[ ويكفي فيه رمس الرأس فيه (1) وان كان سائر البدن خارجا ] وحينئذ فان قلنا بأن الطائفة المانعة روايات مستفيضة مشهورة بحيث يعلم أو يطمأن بصدور بعضها عن الامام عليه السلام ولو اجمالا. وهذه رواية شاذة لا تنهض للمقاومة معها فتطرح بطبيعة الحال. وان أغمضنا عن ذلك فلا محالة تصل النوبة إلى الترجيح الذي هو منحصر في الترجيح بموافقة الكتاب أو مخالفة العامة. أما الكتاب فلدى عرضهما عليه لم نجد فيه شاهدا لشئ منهما، بل لم يذكر فيه من أحكام الصوم إلا الشئ اليسير كالاجتناب عن الاكل والشرب بمقتضى قوله تعالى: " كلوا واشربوا حتى يتبين.. الخ "، وعن النساء بمقتضى قوله تعالى: " احل لكم ليلة الصيام الرفث. الخ " وأما غير ذلك ومنه الارتماس فليس فيه منه عين ولا أثر. وأما العامة فالذي يظهر منهم - كما في الفقه على المذاهب الاربعة - ان احدا منهم لم يقل بالبطلان. نعم الحنابلة منهم ذهبوا إلى الكراهة إذا لم يكن الارتماس للتبريد أو للغسل وهذا هو المناسب لقوله عليه السلام في الموثقة: ولا يعودن أي انه لا يبطل. ولذا لا قضاء عليه، ولكن لا يعودن إلى ذلك لمكان الكراهة. إذا فتكون الموثقة موافقة لهم فتحمل على التقية وتطرح لان الرشد في خلافهم، ويكون الرجحان للطائفة المانعة. فظهر مما ذكر ان الاقوى ما هو المشهور من مفطرية الارتماس وبطلان الصوم به للنصوص المتقدمة السليمة عن المعارض المكافئ حسبما عرفت. (1) لذكره بالخصوص في جملة من النصوص كصحيح ابن مسلم " لا يغمس رأسه في الماء " وصحيح الحلبي ". ولا يرمس رأسه " وغيرهما (1)،


(1) الوسائل باب 3 ما يمسك عنه الصائم الحديث 2، 7

[ 157 ]

[ عنه من غير فرق بين ان يكون رمسه دفعة أو تدريجا (1) على ] وظاهرها ان لغمس الرأس خصوصية في الحكم. نعم في جملة أخرى الاقتصار في النهي على الارتماس من غير تعرض لمتعلقه. وحينئذ فاما أن يكون المراد رمس جميع البدن ومنه الرأس، فلا يكفي غمس الرأس وحده، فيكون تخصيص الرأس في تلك الروايات بالذكر باعتبار غلبة الغمس بذلك لجريان العادة لدى التصدي للارتماس على أن يرمس الشخص رجله أولا ثم شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الرأس، فتحمل الروايات المتعرضة للرأس على هذا المعنى وتتم دلالتها على غمس تمام البدن. أو يكون المراد رمس خصوص الرأس الذي قد يكون بالنحو المذكور وقد يكون برمس الرأس فقط مع كون البدن خارج الماء، فيحصل الافطار بكل منهما. ولا ينبغي الشك في أن المتعين بحسب المتفاهم العرفي انما هو الثاني لان الظاهر من ذكر الرأس ان له خصوصية في الحكم - كما عرفت - لا أنه كناية عن رمس جميع البدن، فانه مناف للعناية الخاصة المعطوفة نحو الرأس الموجبة لتخصيصه بالذكر. إذا فلا وجه للتوقف في المسألة كما عن الشهيد، أو المنع كما عن ظاهر الميسي بل العبرة في الحكم بالافطار بغمس الرأس وجودا وعدما فيفطر برمسه وان كان ساير البدن خارجا ولا يفطر بعدمه، وان كان ساير البدن ما عداه منغمسا. (1) مقتضى اطلاق النصوص انه لا فرق في مبطلية الارتماس بين الدفعة والتدريج بعد أن فرض انه استوعب الماء تمام الرأس ولو آناما لصدق

[ 158 ]

[ وجه يكون تمامه تحت الماء زمانا واما لو غمسه على التعاقب لا على هذا الوجه فلا بأس به وإن استغرقه والمراد بالرأس ما فوق الرقبة بتمامه (1) فلا يكفي غمس خصوص المنافذ في البطلان وان كان هو الاحوط وخروج الشعر لا ينافي صدق الغمس (2). ] الرمس على التقديرين. نعم لو كان التدرج على نحو التعاقب بحيث لم يبق كله تحت الماء في زمان واحد لم يكن به بأس وان استغرق كما لو رمس الطرف الايمن أولا ثم اخرجه ورمس الطرف الايسر لعدم صدق الارتماس حينئذ المنوط باستيعاب الماء تمام الرأس في زمان واحد كما عرفت. ولعل هذا هو مراد من اعتبر الدفعة لا ما يقابل التدريج بالمعنى الاول فانه لا اشكال في عدم جوازه. (1) لانه الظاهر من لفظ الرأس في العرف واللغة، وعليه فلو أدخل رأسه في الماء إلى حد اذنيه بحيث كانت خصوص المنافذ تحت الماء لم يكن به بأس، لعدم صدق غمس الرأس الذي هو المناط في الحكم كما عرفت. ومنه يظهر ضعف ما عن المدارك من الميل إلى البطلان بغمس المنافذ وان كانت منابت الشعر خارجة عن الماء. (2) لوضوح خروج الشعر عن مفهوم الرأس فيصدق رمسه بادخال تمامه في الماء وان كان الشعر خارجا فانه فوق الرأس لا جزء منه كما هو ظاهر.

[ 159 ]

[ مسألة 30: لا بأس برمس الرأس أو تمام البدن في غير الماء من ساير المايعات بل ولا رمسه في الماء المضاف (1) وان كان الاحوط الاجتناب خصوصا في الماء المضاف. ] (1) أما الارتماس في غير المائع كالدقيق والرمل والتراب ونحو ذلك فلا اشكال ولا خلاف في عدم المبطلية كما هو ظاهر. وانما الكلام في اختصاص الحكم بالماء المطلق أو شموله لكل ماء ولو كان مضافا أو لكل مائع وان لم يكن ماء كالحليب والدبس والزيت ونحوها. أما غير الماء من المايعات فلا دليل على سريان الحكم إليه، عدا توهم الاطلاق في بعض الروايات الخالية عن لفظ الماء، كما في روايتي حنان والحلبي (1). وفيه مضافا إلى ذكر الماء في صدر الروايتين لدى التعرض للاستنقاع الظاهر في ارادة الرمس في خصوص الماء، انه على فرض تسليم الاطلاق فيكفي في التقييد الروايات الاخر المقيدة بالماء التي منها صحيح ابن مسلم: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء (2). حيث دلت باطلاقها على ان الارتماس في غير الماء لا يضر. وأما الارتماس في الماء المضاف فشمول الحكم له غير ظاهر بعد اختصاص الادلة بالماء الذي هو حقيقة في الماء المطلق، ولا يستعمل في


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 6، 7 (2) الوسائل باب 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 160 ]

[ مسألة 31: لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثم رمسه في الماء فالا حوط بل الاقوى بطلان صومه (1) نعم لو ادخل رأسه في اناء كالشيشة ونحوها ورمس الاناء في الماء فالظاهر عدم البطلان. ] المضاف إلا مجازا وبنحو من العناية، فهو خلاف الظاهر لا يصار إليه من غير قرينة. ودعوى ان لفظ الماء الوارد في لروايات منزل على الغالب لغلبة الارتماس فيه وتعارف استعماله في الغسل والغسل - لا شاهد عليها، بل مقتضى الجمود على ظواهر النصوص ان لهذا العنوان مدخلا في تعلق الحكم وله خصوصية فيه، ولا قرينة على رفع اليد عن هذا الظهور عدا ما يتوهم من أنه لا فرق بين المطلق والمضاف سوى اضافة شئ إلى الماء، وهذا لا يستوجب فرقا فيما هو مناط المنع عن الرمس والغمس من امكان الدخول في الجوف، وان كان بينهما فرق في ازالة الحدث والخبث. وفيه مالا يخفى فان الاحكام تعبدية ومناطاتها لا تنالها عقولنا الناقصة، ومن الجائز أن تكون للماء خصوصية في هذا الحكم كما في الازالة. فالظاهر اختصاص الحكم بالمطلق ولا يكاد يشمل المضاف فضلا عن ساير المايعات. (1) ونحوه ما لو شد رأسه بما يمنع من وصول الماء إلى البشرة كالنايلون المتداول في زماننا. والظاهر انه لا ينبغى التأمل في البطلان لصدق الرمس والغمس كما هو الحال في ساير أعضاء الجسد، فلو شد يده أو لطخ رجله فادخلها الماء

[ 161 ]

[ مسألة 32: - لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه وكان ما فوق النافذ من رأسه خارجا عن الماء كلا أو بعضا لم يبطل صومه على الاقوى وان كان الاحوط البطلان برمس خصوص المنافذ كما مر (1). مسألة 33: لا بأس بافاضة الماء على رأسه (2) وان ] صدق أنه غمس يده أو رجله، ولا يقاس ذلك بباب الاغسال المعتبر فيها وصول الماء إلى البشرة، فان ذلك انما هو من باب دخله في مفهوم الغسل واما في المقام فالاعتبار بصدق الارتماس الذي لا يفرق فيه بين المماسة مع البشرة وعدمها بمقتضى الاطلاق. ودعوى الانصراف عن الثاني عهدتها على مدعيها، والظاهر انه لا كلام في صدق الارتماس، غايته انه قد يتوهم الانصراف عن المورد الذي لا يصل الماء إلى البشرة وقد عرفت منعه. نعم لو فرضنا ان الحاجب منفصل عن البشرة كما لو ادخل رأسه في الحب وغمس أو دخل جوف وعاء كالغواصين فانه لا يصدق عليه أنه ارتمس أو غمس رأسه في الماء نظير مالو أدخل يده في اناء في الماء فانه لا يصدق عليه انه غمس يده في الماء، إذا فيفرق بين صورتي الاتصال والانفصال. والحاصل ان المدار على الصدق العرفي وهو يختلف باختلاف المقامات وقد عرفت ان علل الاحكام غير مكشوفة لدينا، فلا مجال لان يقال بأن المناط تأثر البشرة بالماء، ولا تتأثر في الفرض الاول أيضا كالثاني. (1) ظهر حكم المسألة مما مر. (2) إذ مضافا إلى عدم صدق الارتماس الذي هو المناط في الابطال قد دل الدليل على جوازه بالخصوص، وهي صحيحة ابن مسلم، قال (ع)

[ 162 ]

[ اشتمل على جميعه ما لم يصدق الرمس في الماء نعم لو ادخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصب من عال إلى السافل ولو على وجه التسنيم فالظاهر البطلان لصدق الرمس وكذا في الميزاب إذا كان كبيرا وكان الماء كثيرا كالنهر مثلا. (مسألة 34: في ذي الرأسين إذا تميز الاصلي منهما فالمدار عليه (1) ومع عدم التمييز يجب الاجتناب عن رمس كل منهما لكن لا يحكم ببطلان الصوم الا برمسهما ولو متعاقبا ] الصائم يستنقع في الماء ويصب على رأسه. الخ (1). نعم لو صدق الرمس في مورد أبطل سواء أكان الماء واقفا أم جاريا بنحو التسنيم أو التسريح كان الغمس من الاعلى أو الأسفل أو الاطراف فلو كان ماء غزير جاريا من سطح جبل وان كان نزوله على وجه التسنيم فوقف تحته على نحو صدق الرمس عليه بطل صومه، وكذا لو كانت هناك خزانة ماء لها ثقب من أحد الاطراف أو من تحتها فادخل رأسه فيها فسد صومه، والمناط صدق عنوان الارتماس بأي نحو كان لاطلاق الادلة، (1) لا اشكال في الحكم فيما لو تميز الاصلي، أو علم أن كلا منهما أصلي بحيث يتكلم ويسمع ويرى من كل منهما، كما قد يتفق في بعض الحيوانات من شواذ الخلقة، فالمدار على رمس المتميز في الاول وعلى رمس كل واحد وان لم يومس الآخر في الثاني. انما الاشكال مع عدم التمييز


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 2

[ 163 ]

بحيث علم ان أحدهما أصلي والآخر عضو زائد واشتبه أحدهما بالآخر. والكلام يقع تارة في حكم الارتماس في نفسه، وأخرى في بطلان الصوم وعدمه. أما الاول فلا ينبغى التأمل في وجوب الاجتناب عن رمس كل منهما عملا بالعلم الاجمالي المتعلق بحرمة رمس الرأس الواقعي المردد بينهما المقتضي للاحتياط عقلا كما في ساير موارد تنجيز العلم الاجمالي. وأما الثاني فقد حكم في المتن بعدم بطلان الصوم برمس أحدهما، ولعل في العبارة تسامحا ونظره الشريف معطوف إلى حيثية الكفارة، فانها لا تثبت بعد احتمال كون المرموس هو العضو الزائد، وان كان العمل في نفسه محرما كما عرفت ومعاقبا عليه على تقدير المصادفة للرأس الاصلي. بل مطلقا بناء على استحاقق المتجري للعقاب، وعلى أي تقدير فتعلق الكفارة منوط بتحقق المفطر وهو مشكوك حسب الفرض فيرجع في نفيها إلى أصالة البراءة. ونظير المقام ما ذكره الشيخ (قده) في باب العلم الاجمالي، والفقهاء في باب الحدود من أن من شرب احد المايعين المعلوم خمرية أحدهما اجمالا فهو وان كان آثما ومستحقا للعقاب إلا أنه لا يجري عليه الحد، لانه منوط بشرب الخمر واقعا ولم يحرز، وكذلك لا يحكم بنجاسة الملاقي لاحدهما لعدم احراز الملاقاة للنجس فان الكل من واد واحد، وضابطه انه لو شك في تحقق موضوع ذي حكم يرجع في نفي حكمه إلى أصالة البراءة. وأما من ناحية صحة الصوم والاجتزاء به في مقام الامتثال فالظاهر هو البطلان لعروض الخلل من ناحية النية، إذ على تقدير كون المرموس أصليا لم يكن ناويا للصوم بطبيعة الحال للتنافي بينهما، فلم يكن ناويا للصوم على كل تقدير، بل على تقدير خاص وهو عدم كون المرموس أصليا، وهذا

[ 164 ]

لا ينفع، بل لابد للصائم أن يكون ناويا لصومه في جميع الحالات، وعلى جميع التقادير كما لا يخفى. وعليه فيفرق بين الكفارة وبين البطلان فلا يحكم بالاول، لعدم احراز الافطار، ويحكم بالثاني لانثلام النية وعدم الجزم بها بعد تنجز التكليف الواقعي عليه بمقتضي العلم الاجمالي. ومن ذلك كله يظهر الحال في المسألة الآتية، وهي مالو علم اجمالا بأن احد المائعين ماء فانه بعينه مثل مالو علم اجمالا بأن احد العضوين رأس فيجري فيه ما مر من التفصيل بين الكفارة والبطلان، بعدما كان العلم الاجمالي منجزا، والاصول متعارضة حتى اصالة عدم كون هذا المايع ماء بنحو العدم الازلي وان لم يثبت بها كونه مضافا، فان الاثر مترتب على كون المرتمس فيه ماء فيجري الاصل فيما هو مورد الاثر ويسقط بالمعارضة. نعم لو فرض في مورد عدم تنجز التكليف الواقعي، كما لو شك ابتداء في كون مايع ماء أو غيره أو في كونه ماء مطلقا أو مضافا كما سيتعرض له في مسألة 38 الآتية فلا بأس بالارتماس فيه. أما بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية فواضح فيستصحب عدم كون المرتمس فيه ماء مطلقا. وأما على القول بعدم الجريان فتكفينا أصالة البراءة عن لزوم الاجتناب عن هذا لفرد المشكوك مائيته بشبهة مصداقية زائدا على الافراد المتيقنة بعد سلامتها عن المعارض، لكون الشبهة بدوية كما هو المفروض. ولا يجرى مثل ذلك فيما نحن فيه، أي في ذي الرأسين لمعارضة الاصل من الطرفين حسبما عرفت.

[ 165 ]

[ مسألة 35: إذا كان مايعان يعلم بكون احدهما ماء يجب الاجتناب عنهما (1) ولكن الحكم بالبطلان يتوقف على الرمس فيهما. ] (1) قد ظهر الحال فيها مما قدمناه آنفا فلاحظ، وقد عرفت ان حكم الكفارة يفترق عن بطلان الصوم، فلا كفارة لعدم احراز موضوعها ويبطل الصوم للاخلال بالنية، وإذا بطل الصوم فلابد من القضاء. ويقرر الوجه فيه من جهتين: الاولى: ما أشرنا إليه من أن الصوم لابد فيه من نية الامساك عن جميع المفطرات، وعلى جميع التقادير، ومن يرد الارتماس في احد المايعين غير عازم على الصوم على الاطلاق، بل على تقدير دون تقدير، وهذا كاف في المفطرية بعد أن لم يكن له معذر في الارتكاب بمقتضى العلم الاجمالي. نعم لو كان له عذر كما في الشبهة البدوية لم يكن به بأس، اما بجريان الاستصحاب في العدم الازلي أو لاصالة البراءة كما مرت الاشارة إليه. الثانية ما ذكرناه في بحث الصلاة من أن عنوان الفوت المترتب عليه القضاء كما يحرز بالوجدان أو الامارة أو الأصل المعتبر، كذلك ربما يحرز بقاعدة الاشتغال لان العبرة بفوت الوظيفة الفعلية الاعم من الشرعية والعقلية، فلو شك في أصل الصلاة وهو في الوقت أو اقتضت الوظيفة تكرارها في ثوبين مثلا، أو تكرار الوضوء من ما يعين وقد اقتصر على أحدهما وجب عليه القضاء للاخلال بما تقتضيه قاعدة الاشتغال المحقق لعنوان الفوت وان احتمل عدمه في صقع الواقع، إلا أنه لا مؤمن له بعد فرض تساقط الاصول، ومقامنا كذلك إذ هو مأمور بالاجتناب عن الارتماس

[ 166 ]

[ مسألة 36: لا يبطل الصوم بالارتماس سهوا أو قهرا أو السقوط في الماء من غير اختيار (1). مسألة 37: إذا القى نفسه من شاهق في الماء بتخيل عدم الرمس فحصل لم يبطل صومه (2). مسألة 38: إذا كان مايع لا يعلم انه ماء أو غيره أو ماء مطلق أو مضاف لم يجب الاجتناب عنه (3). مسألة 39: إذا ارتمس نسيانا أو قهرا ثم تذكر أو ارتفع القهر وجب عليه المبادرة إلى الخروج والا بطل صومه (4) ] في الماء فإذا ارتمس في أحد المايعين المحتمل كونه ماء أو بأحد العضوين المحتمل كونه رأسا فامساكه عن الارتماس مشكوك فيه، ولا أصل مؤمن حسب الفرض فقد فاتته الوظيفة الفعلية الثابتة بمقتضى قاعدة الاشتغال، ومعه لا مناص من القضاء. (1) لما سيجئ في محله ان شاء الله تعالى من اعتبار العمد والاختيار في المفطرية. (2) لعدم حصول العمد المعتبر في الافطار كما هو واضح. (3) قد ظهر الحال فيها مما قدمناه في ذيل المسألة الرابعة والثلاثين فلاحظ. (4) لا يخفى ان الجمود على النصوص يقتضي عدم لزوم المبادرة إلى الخروج، لان ظاهرها احداث الارتماس ولا تعم الابقاء كما هو الشأن


(1) الوسائل باب 26 من ابواب الجنابة الحديث 12

[ 167 ]

[ مسألة 40: إذا كان مكرها في الارتماس لم يصح صومه (1) بخلاف ما إذا كان مقهورا. ] في جميع الجمل الفعلية من الماضي والمضارع والامر فلو أصغى إلى آية التلاوة وهو في السجود لم يكفه البقاء بل لابد من احداثه ثانيا ولاجله ذكرنا في محله أنه لا يكفي في تحقق الغسل الارتماسي مجرد البقاء تحت الماء ناويا إذ الظاهر من قوله (ع) في صحيح الحلبي " إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله " (1) هو احداث الارتماس لا مطلق الكون تحت الماء: وعليه ففي المقام لا مانع من الارتماس حدوثا لفرض العذر ولابقاء لعدم الدليل على المنع هذا. ولكن مناسبة الحكم والموضوع - التي هي كقرينة داخلية يعول عليها في كثير من المقامات - تقتضي عدم الفرق في المقام بين الحدوث والبقاء بمقتضى الفهم العرفي الحاكم بلزوم الاجتناب عن الكون تحت الماء، بلا فرق بين حصول ذلك حدوثا أو بقاء، وكذا الحال في الجماع، فان العرف يفهم أن الممنوع انما هي هذه الحالة، من غير فرق بين إحداثها وإبقائها، ولا يحتمل الاختصاص بالاول. وعليه فيجب الخروج من الماء فورا كما في المتن. (1) إذ الاكراه لا يوجب سلب الارادة، فالفعل المكره عليه صادر عن عمد وقصد - وإن لم يكن عن طيب النفس - فيشمله اطلاق الادلة


(1) الوسائل باب 26 من الجنابة الحديث 12.

[ 168 ]

[ مسألة 41: إذا ارتمس لانقاذ غريق بطل صومه وان كان واجبا عليه. مسألة 42: إذا كان جنبا وتوقف غسله على الارتماس (1) انتقل إلى التيمم إذا كان الصوم واجبا معينا وان كان مستحبا أو كان واجبا موسعا وجب عليه الغسل. ] ومن الواضح ان أدلة نفي الاكراه مفادها نفي العقاب والمؤاخذة ولا تنهض لاثبات الصحة، لان شأنها الرفع دون الوضع. ومنه يظهر الحال في وجوب الرمس لانقاذ الغريق الذي تعرض له في المسألة الآتية، فان وجوب الانقاذ لا يستدعي إلا وجوب الارتماس، ولا يستلزم صحة الصوم مع الارتماس المزبور بوجه، وهذا بخلاف ما إذا كان مقهورا في الارتماس فانه يوجب زوال الارادة والاختيار، وانتفاء العمد والقصد، ومثله لا يوجب البطلان ولاجله يفرق بين القهر والاكراه. (1) لا ينبغي التأمل في لزوم انتقاله حينئذ إلى التيمم فيما إذا كان الصوم واجبا معينا لعجزه شرعا عن الاغتسال بعد فرض حرمة الارتماس ومن الواضح عدم المزاحمة بين ماله البدل وبين مالا بدل له. وأما في الواجب الموسع أو الصوم المستحب فبما ان الافطار سائغ في حقه فهو قادر على الارتماس، فيجب عليه الاغتسال بمقتضى دليله، ومعه يحكم ببطلان صومه، وهذا مما لا اشكال فيه. إنما الكلام في أن صومه هل يبطل بمجرد التكليف بالغسل ووجوبه عليه؟ أو من حين القصد إلى الغسل من باب نية القطع، أو حين تحقق الغسل والارتماس خارجا؟؟.

[ 169 ]

[ مسألة 43: - إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم ] الظاهر هو الاول لامتناع الامر بالصوم المشتمل على الاجتناب عن الارتماس بعد فرض فعلية الامر بالارتماس، المتوقف عليه الاغتسال، لاستحالة الامر بالضدين، ولا يمكن تصحيحه بالترتب لاختصاصه بالضدين الذين لهما ثالث، دون مالا ثالث لهما كالحركة والسكون، أو النقيضين كما في المقام، إذ مع ترك أحدهما فالآخر حاصل بطبيعة الحال، فكيف يمكن الامر به حينئذ، وهل هذا إلا من تحصيل الحاصل. وعلى الجملة بعد فرض تعلق الامر بالارتماس لتوقف الغسل عليه كيف يمكن الامر بالصوم المشتمل على ترك الارتماس، فان الامر الضمني بالترك لا يكاد يجتمع مع الامر بالفعل بوجه، ولا يعقل في مثله الترتب كما عرفت هذا. ولكن التحقيق جريان الترتب في المقام نظرا إلى وجود الضد الثالث فان ذاتي الارتماس وعدمه وان كانا مما لا ثالث لهما إلا ان المعتبر في الصوم ليس هو مطلق الترك، بل خصوص الترك القربي لفرض كون الصوم من العبادات، ومن الواضح ان الارتماس وتركه لله بينهما واسطة وهو تركه لا لله. وعليه فتارك الارتماس يمكن أن يؤمر حينئذ بأن يكون تركه لله على نحو الخطاب الترتبي وقد مر في محله في الاصول ان مجرد امكان الترتب كاف في الوقوع ولا حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص فيؤمر حينئذ باتمام صيامه والكف عن المفطرات التي منها الارتماس عن قربة على تقدير تركه، نظير مالو كان مأمورا اثناء الصلاة بالتكلم لانقاذ الغريق مثلا وان كان يبطل صلاته، فلو عصى ولم يتكلم صحت صلاته بالامر الترتبي.

[ 170 ]

[ الواجب المعين (1) بطل صومه وغسله إذا كان متعمدا وان كان ناسيا لصومه صحا معا واما إذا كان الصوم مستحبا أو واجبا موسعا بطل صومه وصح غسله. مسألة 44: إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي (2) ] (1) حكم (قده) ببطلان الصوم والغسل في صورة العمد، وبصحتهما مع النسيان، وبصحة الغسل دون الصوم في الواجب الموسع أو الصوم المستحب، والوجه في ذلك كله ظاهر، أما الاول فلاجل فرض الارتماس العمدي الذي هو مفطر للصوم المعين كما مر، وبما أنه منهي عنه حينئذ فلا يتحقق به الغسل. (ولكنه خاص بما تضمن النهى المزبور كصوم شهر رمضان حيث يحرم فيه الافطار حتى بعد نية الابطال نظرا إلى وجوب الامساك عليه تأدبا، واما غيره من اقسام الصوم الواجب المعين فحيث لا وجوب فلا يحرم الارتماس بعد تحقق البطلان بمجرد نيته ومعه لا موجب لبطلان الغسل). واما الثاني فلفرض كون الارتماس سهويا فلا ينتقض به الصوم، وحيث لا يكون مفطرا فلا نهي عنه فلا مانع من صحة الغسل. وأما الثالث - الذي هو مفروض في صورة العمد - فلبطلان الصوم بالارتماس العمدي، وبما أنه غير منهي عنه لفرض جواز ابطال الصوم المستحب أو غير المعين فلا مانع من وقوعه غسلا. (2) هذه المسألة مبنية على ما اشتهر بين المتأخرين - إذ لم نعرف من تعرض له من القدماء - من جواز الغسل الارتماسي بتحريك البدن في الماء. وأما على المختار من عدم الجواز لاعتبار إحداث الارتماس كما أشرنا إليه في محله فلا مجال لعقد هذه المسألة من أصلها كما لا يخفى، وعليه نقول: أما إذا لم يكن الصوم من رمضان ولا من الواجب المعين فلا اشكال في صحة الغسل حال المكث، أو حال الخروج لجواز

[ 171 ]

[ فان لم يكن من شهر رمضان ولا من الواجب المعين غير رمضان يصح له الغسل حال المكث في الماء أو حال الخروج وان كان من شهر رمضان يشكل صحته حال المكث لوجوب الامساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضا بل يشكل صحته حال الخروج أيضا لمكان النهي السابق كالخروج من الدار الغصبية إذا دخلها عامدا ومن هنا يشكل صحة الغسل في الصوم الواجب المعين ايضا سواء كان في حال المكث أو حال الخروج. ] نقض مثله باستعمال المفطر، فحاله حال الارتماس الصادر من غير الصائم والمفروض حينئذ جواز الاغتسال في الحالتين. وأما إذا كان من شهر رمضان فلا ينبغي الاشكال في عدم الصحة حال المكث لما تقدم من أن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع حرمة الارتماس على الصائم حدوثا وبقاء بعد ملاحظة ما سيجئ في محله إن شاء الله تعالى من وجوب الامساك عن المفطرات في شهر رمضان حتى بعد البطلان فيحرم تناول المفطر بعد الافطار أيضا، حيت إذا لم ينو الصوم كما في اكثر الفساق. وعليه فلدى حدوث الارتماس وان بطل الصوم إلا انه يحرم البقاء أيضا. ومعه لا مجال للاغتسال لامتناع أن يكون الحرام مصداقا للواجب. وأما حال الخروج فيبتنى على الخلاف المعروف في حكم الخروج ممن توسط الارض الغصبية بسوء الاختيار، وقد بنينا في محله على أنه وإن كان لازما عقلا من باب أخف القبيحين وأقل المحذورين وغير محرم فعلا لمكان الاضطرار وعدم القدرة على تركه، إلا انه يقع مبغوضا ومبعدا من المولى

[ 172 ]

[ مسألة 45: لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب (1) فان كان ناسيا للصوم وللغصب صح صومه وغسله وان كان عالما بهما بطلا معا وكذا ان كان متذكرا للصوم ناسيا للغصب وان كان عالما بالغصب ناسيا للصوم صح الصوم دون الغسل. ] ومعاقبا عليه، لانتهائه إلى سوء الاختيار، والممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار نظير من ألقى نفسه من الشاهق، وعليه يحكم ببطلان الغسل - الذي هو واجب عبادي - حال الخروج، لعدم امكان التقرب بمبغوض المولى المستند إلى سوء الاختيار وهو الارتماس عامدا كما هو المفروض. نعم على القول باباحة الخروج من غير مبغوضية يصح الغسل في المقام لكن المبنى فاسد كما هو موضح في محله. هذا كله في صوم شهر رمضان. وأما غيره من الواجب المعين فالماتن (قده) قد الحقه به إلا انه لا دليل عليه، إذ لم ينهض دليل يقتضى حرمة تناول المفطر بعد تحقق الافطار في غير شهر رمضان والمفروض في المقام تحقق المفطر في أول آن من الارتماس، فبعده لا دليل على حرمته بقاء ولا خروجا، فعلى القول بصحة الغسل الارتماسي بهذا النحو وهو تحريك البدن تحت الماء لا مانع من صحة الغسل حينئذ في حالتي المكث أو الخروج. (1) أقول قد يكون الصائم في هذا الحال متذكرا للصوم والغصب وقد يكون ناسيا لهما، وقد يكون متذكرا لاحدهما ناسيا للآخر. لا اشكال في بطلان الصوم والغسل في صورة العلم بهما، أما الصوم فلتعمد الارتماس، وأما الغسل فلكونه بماء معلوم الغصبية كما هو ظاهر.

[ 173 ]

ونحوه مالو كان متذكرا للصوم فقط، إذ يكفي في بطلان الغسل حينئذ مجرد الالتفات إلى كونه مصداقا للافطار المحرم. وأما عكسه أعني مالو كان متذكرا للغصب فقط، فيفصل فيه بين الصوم الغسل، فيصح الاول لعدم العمد إلى المفطر، ويبطل الثاني لعدم إباحة الماء، وهذا كله ظاهر. إنما الكلام فيما لو كان ناسيا لهما معا، فقد حكم في المتن بصحة صومه وغسله حينئذ، والظاهر أن مراده (قده) من النسيان بقرينة المقابلة مع العالم ما يعم الجهل. ولا اشكال في صحة الصوم حينئذ لعدم القصد إلى المفطر، وأما الغسل ففي صحته مع الجهل تأمل بل منع، كما تعرضنا له في الاصول. وملخصه أن المشهور ومنهم صاحب الكفاية ذهبوا إلى صحة الغسل أو الوضوء بالماء المغصوب جهلا، نظرا إلى أن المانع من التقرب إنما هي الحرمة نجزة، لا مجرد الوجود الواقعي، وحيث لا تنجز مع الجهل فلا مانع من فعلية الحكم الآخر، وهو الامر بالغسل أو الوضوء لعدم المانع من التقرب حينئذ، وقد زعموا أن المقام مندرج في باب اجتماع الامر والنهي، الذي هو من صغريات باب التزاحم ومن المعلوم أنه لا تزاحم إلا في صورة العلم دون الجهل، ولذلك ألحقوا الجهل بالنسيان المحكوم فيه بالصحة بلا كلام. ولكن التحقيق هو البطلان لكون المقام من باب التعارض دون التزاحم وليس التركيب فيه انضماميا ليكون من موارد اجتماع الامر والنهي، حتى يتجه التفصيل بين الحرمة المنجزة بالعلم فلا يمكن التقرب عندئذ، لكونهما بايجاد واحد، وبين صورة الجهل فيمكن التقرب حينئذ بالامر بل التركيب اتحادي، ضرورة أن الغسل أو الوضوء بالماء المغصوب متحد

[ 174 ]

[ مسألة 46: لا فرق في بطلان الصوم بالارتماس بين أن يكون عالما بكونه مفطرا أو جاهلا (1). ] مع التصرف فيه، فهو من باب النهي عن العبادة لا من باب الاجتماع فلا يكون إلا من باب التعارض دون التزاحم، فإذا قدم جانب النهي كان تخصيصا في دليل الواجب، فيخرج مورد الحرمة بحسب الواقع عن مورد الوجوب، إذ الحرام لا يكون مصداقا للواجب. ومن الواضح عدم الفرق في ذلك بين صورتي العلم والجهل، إذ التركيب اتحادي والتخصيص واقعي ولا يناط ذلك بعلم المكلف أو جهله، ولذلك نقول: بأنه على المشهور المنصور من أن نفقة الزوجة على الزوج دين عليه لا مجرد وجوب كما في الانفاق على الوالدين أو الولد، فلو انفق على زوجته من مال مغصوب لم تبرأ ذمته وإن كان عن جهل، إذ الحرام لا يكون مصداقا للواجب. وعليه فلا مناص من الالتزام ببطلان الغسل في المقام وإن كان جاهلا بالغصبية. نعم يحكم بصحته مع النسيان، إذ التكليف مرفوع عن الناسي حتى واقعا لامتناع توجيه الخطاب إليه، فالرفع في الجهل يغاير الرفع في النسيان فانه في الاول ظاهري وفي الثاني واقعي، إذا لا مانع من كونه مشمولا لدليل الامر. وعليه فيفرق بين الجهل والنسيان ولا يكونان من واد واحد. ولكن هذا فيما إذا لم يكن الناسي هو الغاصب نفيه، وإلا بطل أيضا لصدور الفعل مبغوضا بالنهي السابق الساقط لانتهائه إلى سوء الاختيار ومن المعلوم عدم امكان التقرب بالمبغوض. (1) لاطلاق الادلة كما هو الشأن في ساير المفطرات أيضا لعدم

[ 175 ]

[ مسألة 47: لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل ولا بالارتماس في الثلج (1). مسألة 48: - إذا شك في تحقق الارتماس بنى على عدمه (2). الثامن البقاء على الجنابة عمدا إلى الفجر الصادق (3) ] التقييد بالعلم في شئ منها، كما سيأتي التعرض له في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى. (1) لما مر سابقا من أن الموضوع في الادلة إنما هو الماء، ولو فرضنا التعدي ببعض المناسبات إلى الماء المضاف لم يكن وجه للتعدي إلى مالا يصدق عليه الماء بوجه كالوحل والثلج كما هو ظاهر. (2) استنادا إلى أصالة العدم لكنها إنما تنفع لنفي الاثر المترتب على الارتماس كالكفارة. وأما البطلان وعدمه فلا يدوران مدار الارتماس الخارجي، بل الاعتبار فيهما بنفس القصد، فمتى تحقق بطل الصوم - من باب نية القطع - وإن لم يتعقب بالارتماس، ومتى لم يتحقق صح وإن اتفق الارتماس خارجا، الاختصاص المفطر بالارتماس العمدي، فلا أثر للارتماس وعدمه من هذه الجهة كي يكون الشك فيه موردا للاصل وقد مر نظير ذلك في الشك في تحقق الجماع للشك في دخول مقدار الحشفة. (3) على المعروف والمشهور بل ادعي عليه الاجماع في كلمات غير واحد، بل تكرر نقل الاجماع في كلمات بعضهم، وان نسب الخلاف إلى بعض كالصدوقين والكاشاني والاردبيلي والداماد لكنه ضعيف لا يعبأ به فكأن المسألة من المتسالم عليها بينهم تقريبا، وقد ادعى في الرياض تواتر

[ 176 ]

الاخبار بذلك. وكيفما كان فلا اشكال في أن الاخبار الدالة على البطلان متظافرة وهي على طوائف ثلاث، لا يبعد بلوغ المجموع حد التواتر ولو اجمالا. منها مادل على لزوم القضاء فيمن بقي على الجنابة ناسيا حتى مضى الشهر كله، أو أيام منه، وفي بعضها انه لو اغتسل للجمعة قضى ما تقدمه لاجتزائه عن الجنابة، فانها تدل على البطلان ولزوم القضاء لو تعمد البقاء بطريق أولى، وإلا فلو لم يكن البقاء عامدا موجبا للبطلان لم يكن وجه للقضاء عند السنيان. فيستفاد منها أن حكم الصوم بالاضافة إلى نسيان الجنابة كحكم الصلاة بالنسبة إلى نسيان النجاسة في الثوب أو البدن، فكما أن الثاني موجب للبطلان فكذا الاول. وسنتعرض لهذه النصوص عند تعرض الماتن للمسألة إن شاء الله تعالى. ومنها مادل على القضاء، بل الكفارة أيضا فيمن تعمد النوم جنبا حتى مطلع الفجر، فانها تدل أيضا على البطلان مع تعمد البقاء. نعم يعارضها مادل على عدم البأس بذلك لكنه محمول على النومة الاولى، أو على غير صورة العمد. وسيأتي التعرض لهذه النصوص أيضا في محلها. ومنها مادل على البطلان في خصوص المقام، أعني البقاء على الجنابة عامدا كصحيحة أبي بصير في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. الخ (1) فان الحكم بالكفارة ظاهر عرفا في البطلان لبعد كونه تعبديا بحتا مع فرض صحة الصوم. واصرح منها صحيحة المروزي أعني سليمان بن حفص، وما في بعض النسخ من ذكر جعفر بدل حفص غلط لعدم وجوده في الرجال


(1) الوسائل باب 6؟ من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 177 ]

بتاتا، والرجل المزبور موثق لوجوده في أسانيد كامل الزيارات، قال إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتى صبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم.. الخ (1) فانها قد تضمنت القضاء صريحا. نعم بازائها روايات قد يتوهم معارضتها لما سبق من الطوائف الثلاث. منها صحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاة الليل في شهر رضمان ثم يجنب ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر (2). ولكن مضمونها - كما ترى - غير قابل للتصديق، فان العتبير ب‍ (كان) ظاهر في الاستمرار والدوام، فكأنه صلى الله عليه وآله كان يواظب على ذلك، ولا شك في أنه أمر مرجوح على الاقل. نعم وقوعه اتفاقا مرة أو مرتين لا بأس به، أما الاستمرار عليه فغير محتمل، فلابد من رد علمها إلى أهلها أو حملها على التقية. كما قد يؤيدها رواية اسماعيل بن عيسى قال: سألت الرضا (ع) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمدا حتى يصبح أي شئ عليه؟ قال: لا يضره هذا ولا يفطر ولا يبالي، فان أبي (ع) قال: قالت عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح جنبا من جماع غير احتلام.. الخ (3) فان الاستشهاد بكلام عائشة ظاهر في النقية كما لا يخفى. ومع الغض عما ذكر فهي خبر واحد لا تنهض للمقاومة مع النصوص المتقدمة التي لا يبعد فيها دعوى التواتر ولو اجمالا كما مر، فتكون هذه على خلاف السنة القطعية، ومثلها يسقط عن الحجية.


(1) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 3 (2) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 5 (3) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 6

[ 178 ]

فهذه الرواية وان كانت صحيحة السند فان حبيب بن معلى الخثعمي وثقة النجاشي صريحا وقال إنه ثقة ثقة إلا أن مضمونها غير قابل للتصديق أولا، وثانيا انها موافقة لمذهب العامة، لان المتسالم عليه بينهم جواز البقاء على الجنابة عامدا، فهي محمولة على التقية لا محالة، وثالثا انها على خلاف السنة القطعية، فلابد من طرحها أورد علمها إلى أهلها. ومنها رواية حماد بن عثمان انه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل وأخر الغسل حتى يطلع الفجر، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجامع نساءه من أول الليل ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر، ولا أقول كما يقول هؤلاء الاقشاب يقضي يوما مكانه (1). وهذه الرواية لم يذكرها الصدوق في الفقيه، وإنما ذكرها في المقنع الذي هو كتاب فتوى، وإن كانت فتاواه متخذة غالبا من مضامين الاخبار وكيفما كان فقد ذكرها فيه مرسلا لعدم ذكره الواسطة بين حماد والامام عليه السلام - مع انها لابد من وجودها - فهي ضعيفة السند أولا. وثانيا يرد عليها ما أوردناه على الرواية السابقة من أن مضمونها غير قابل للتصديق بل ان مضمون هذه مقطوع العدم، إذ المفروض فيها جنابته صلى الله عليه وآله من أول الليل حتى مطلع الفجر، لا من بعد صلاة الليل - كما في السابقة - إذا فمتى كان يصلي صلاة الليل ووجوبها عليه من مختصاته صلى الله عليه وآله. ولا يبعد أن يكون المراد على تقدير صحة الرواية هو الانكار بأن يكون معنى قوله كان رسول الله صلى الله عليه وآله. الخ أكان رسول الله على سبيل الاستفهام الانكاري وان هذا الامر هو الذي يقوله هؤلاء الاقشاب أما أنا فلا أقول ذلك، بل أقول إنه يقضي يوما مكانه فيكون قوله (ع)


(1) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3

[ 179 ]

يقضي يوما. الخ جملة ابتدائية إنشائية لا مقولا للقول. وعليه فتكون الصحيحة على خلاف المطلوب ادل. وثالثا مع الغض عن كل ما ذكر فهي خبر واحد لا تقاوم النصوص السابقة القطعية الصدور كما مر فلا مناص من الطرح. ومنها صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل فأخر الغسل حتى طلع الفجر فقال: يتم صومه ولا قضاء عليه (1) ونحوها رواية أبي زينبة (2) وإن لم تكن نقية السند، والعمدة هي الصحيحة. والجواب انها وإن كانت صحيحة السند ظاهرة الدلالة إلا ان دلالتها بالاطلاق الشامل للعمد ولغير العمد، إذ ليست هي صريحة في الاول. نعم لو كان المذكور فيها " يطلع الفجر " بصيغة المضارع بدل " طلع " لكان لدعوى الاختصاص بالاول وجه وانه أخر الغسل لغاية طلوع الفجر أي لان يطلع الفجر كمن ينتظره ويترصده، لكن المذكور - طلع - بصيغة الماضي، ومثله صادق على من اخر الغسل برجاء بقاء الوقت فاتفق الطلوع من غير أن يكون متعمدا في التأخر، فيقيد هذا الاطلاق بالنصوص المتقدمة كصحيحة أبي بصير الدالة على البطلان في صورة العمد. وتحمل هذه على غير العامد عملا بصناعة الاطلاق والتقييد. فان تم هذا النوع من الجمع الدلالي فهو، وإلا فلا اشكال في ان الترجيح مع تلك النصوص لوجهين: أحدهما انها قطعية الصدور، بل هي متواترة ولا أقل اجمالا كما مر، وهذه خبر واحد لا تنهض للمقاومة، وقد ذكر في بحث التعارض ان أول المرجحات عرض الرواية على الكتاب


(1) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4 (2) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5

[ 180 ]

[ في صوم شهر رمضان أو قضائه (1) دون غيرهما من الصيام الواجبة والمندوبة على الاقوى (2) وان كان الاحوط تركه في غيرهما أيضا خصوصا في الصيام الواجب موسعا كان أو مضيقا. ] والسنة القطعية فيطرح المخالف لهما. ثانيهما ان هذا الصحيحة موافقة لمذهب العامة، وتلك النصوص مخالفة فتحمل هذه على التقية. فتحصل ان ما عليه المشهور بل المتسالم عليه تقريبا - من بطلان الصوم - بالبقاء على الجنابة متعمدا إلى طلوع الفجر، وانه يجب عليه القضاء حينئذ بل الكفارة أيضا - هو الصحيح وخلاف الصدوقين، ومن حذا حذوهما شاذ لا يعبأ به. (1) إذ مضافا إلى القاعدة المقررة المستفادة من بعض النصوص من مساواة القضاء مع الاداء في الماهية واتحادهما في الاجزاء والشرائط ما لم يقم دليل على الخلاف يدل عليه في خصوص المقام جملة من النصوص كصحيحة عبد الله بن سنان انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أول الليل ولا يغتسل حتى يجيئ آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع، قال: لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره ونحوها صحيحته الاخرى، وقريب منهما موثقة سماعة (1). فعلي تقدير عدم تمامية القاعدة المزبورة فالنصوص الخاصة وافية باثبات المطلوب. (2) أما في المندوبة فلا اشكال في عدم القدح كما لا خلاف فيه ظاهرا


(1) الوسائل باب 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1، 2، 3

[ 181 ]

وتدل عليه جملة من النصوص كصحيحة حبيب بن معلى الخثعمي الذي وثقة النجاشي صريحا وقال انه ثقة ثقة، قال: قلت لابي عبد الله (ع) أخبرني عن التطوع وعن صوم هذه الثلاثة الايام إذا أجنبت من أول الليل فاعلم اني أجنبت فانام متعمدا حتى ينفجر الفجر اصوم أو لا أصوم؟ قال: صم، ونحوها موثقة ابن بكير المؤيدة بروايته الاخرى، وإن كانت الثانية ضعيفة السند بأبي عبد الله الرازي (1). فيستفاد من هذه النصوص أن الصوم المندوب يفارق صوم رمضان وقضائه، فلا يعتبر فيه عدم البقاء جنبا، فيكون حاله معه حال صلاة النافلة بالاضافة إلى الفريضة حيث لا يعتبر فيها الاستقراء ولا القيام المعتبرين في الفريضة. وهذا ظاهر لا سترة عليه. إنما الكلام في الصوم الواجب من غير رمضان وقضائه كالمنذور ونحوه سواء أكان موسعا أم مضيقا، وانه هل يلحق بصوم رمضان فلا يجوز فيه البقاء عامدا أم يلحق بالصوم المندوب فيجوز؟ الظاهر هو الثاني لقصور المقتضي، فان النصوص بأجمعها خاصة بصوم رمضان أو قضائه وواردة في هذين الموردين، وليس هناك نص مطلق يشمل كل صوم واجب، ولا وجه للالحاق والتعدي إلا دعوى الغاء خصوصية المورد وأن ذلك القيد معتبر في طبيعي الصوم الواجب من غير خصوصية لرمضان وأنى لنا باثبات ذلك بعد كون الالغاء على خلاف ظواهر الادلة، فلا دليل على الالحاق، بل لعل الدليل قائم على العدم، حيث ان الظاهر من صحيحة ابن مسلم التي رواها المشايخ الثلاثة " ولا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء " (2) عدم


(1) الوسائل باب 20 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 2، 3 (2) الوسائل باب 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 182 ]

[ وأما الاصباح جنبا من غير تعمد فلا يوجب البطلان (1) إلا في قضاء شهر رمضان (2) على الاقوى وان كان الاحوط ] اعتبار الاجتناب عن الزائد على هذه الخصال في طبيعي الصوم واجبا كان أو مستحبا، غايته أنه قام الدليل على اعتبار الاجتناب عن البقاء على الجنابة عامدا في صوم رمضان وقضائه فيقتصر على مورده وينفى الاعتبار فيما عداه بمقتضى إطلاق هذه الصحيحة. فتحصل ان الاظهر ما ذكره في المتن من عدم الاعتبار في غيرهما من الصيام الواجبة والمندوبة وإن كان الاحوط تركه مطلقا كما أشار إليه في المتن خروجا عن شبهة الالحاق والخلاف. ومراده (قده) من كون الاحوط ترك البقاء في المندوب المبادرة إلى الاغتسال قبل طلوع الفجر وعدم البقاء عامدا، لا ترك الصوم لو بقي ليلزم التفويت في الصوم المندوب الذي دل الدليل على صحته، فان الاحوط حينئذ هو الفعل لا الترك كما هو ظاهر جدا. (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال لتقييد البطلان في النص والفتوى بصورة العمد كما في صحيحة ابي بصير المتقدمة، وقد عرفت ان اطلاق صحيحة العيص النافية للبأس عن البقاء جنبا منزل على غير صورة العمد. (2) أي الموسع فلا يصح مع الاصباح جنبا ولو عن غير عمد، فكأنه يمتاز عن شهر رمضان نفسه، لاجل كونه من الواجب المعين بخلاف قضائه الموسع. ويدل على الحكم جملة من النصوص كصحيحة ابن سنان عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أول الليل ولا يغتسل حتى يجيئ آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع، قال: لا يصوم ذلك اليوم ويصوم

[ 183 ]

[ الحاق مطلق الواجب غير المعين به في ذلك (1) واما الواجب المعين رمضانا كان أو غيره فلا يبطل بذلك. كما لا يبطل مطلق الصوم واجبا كان أو مندوبا معينا أو غيره بالاحتلام في النهار (2) ولا فرق في بطلان الصوم بالاصباح جنبا عمدا ] غيره، وصحيحته الاخرى قال: كتب أبي إلى أبى عبد الله (ع) وكان يقضي شهر رمضان وقال: إني اصبحت بالغسل وأصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر، فأجابه (ع): لاتصم هذا اليوم وصم غدا ونحوهما غيرهما (1) فان اطلاقهما يشمل العامد وغيره لو لم يكن منصرفهما الثاني كما لا يخفى. (1) وهل يلحق بالقضاء غيره من الصيام الواجب الموسع كالكفارة والنذر ونحوهما - بناء على ان الاصباح فيها جنبا عامدا موجب للبطلان، وأما على القول بعدم البطلان في صورة العمد - كما هو الصحيح على ما مر - ففي غير العمد بطريق أولى - بدعوى ان المستفاد من صحيحتي ابن سنان المتقدمتين كون الموضوع الصوم الواجب غير المعين من غير خصوصية للقضاء. الظاهر عدم الالحاق، فان التعدي عن مورد النص والغاء خصوصية المورد كما ذكر يحتاج إلى القطع بعدم الفرق وهو مشكل جدا، مخالف لظاهر الدليل فلا مناص من الاقتصار على مورده. (2) بلا خلاف ولا اشكال كما تدل عليه جملة من النصوص التي منها صحيحة عبد الله بن ميمون: ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ،


(1) الوسائل باب 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 2

[ 184 ]

[ بين ان تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام (1) ولا بين ان يبقى كذلك متيقظا أو نائما بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل (2). ] والاحتلام، والحجامة، وموثقة ابن بكير عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان يتم صومه كما هو، فقال: لا بأس، وصحيحة العيص بن القاسم عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل قال: لا بأس (1) وغيرها، بل مقتضى الاطلاق فيها جواز البقاء على الجنابة إلى آخر النهار، كما لو صلى الظهرين عند الزوال ثم نام واحتلم فاستيقظ وبقي كذلك إلى الغروب فلا تجب المبادرة إلى الغسل كما هو ظاهر. (1) إذ العبرة في العمد بنفس البقاء على الجنابة لا بموجب الجنابة والبقاء في مورد الاحتلام بعد ما استيقظ مستند إلى العمد والاختيار وإن لم يكن سبب الجنابة اختياريا ويقتضيه الاطلاق في صحيحة أبى بصير (2)، بل في صحيحة الحلبي (3) وصحيحة البزنطي (4) التصريح بعدم الفرق بين الجماع والاحتلام. (2) ما تقدم إلى هنا كان حكم الاصباح جنبا متيقظا وقد عرفت أن حكمه التفصيل بين العامد وغيره، وأما الاصباح جنبا نائما فحكمه كذلك وإنما افردنا كلا منهما بالذكر توضيحا للمقام، فان الروايات الواردة في النائم أيضا على طوائف ثلاث كما تقدم في المستيقظ. فمنها مادل على عدم البطلان مطلقا كرواية أبي سعيد القماط عمن


(1) الوسائل باب 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 2، 3 (2) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 (3) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (4) الوسائل باب 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4

[ 185 ]

أجنب في شهر رمضان في أول الليل فنام حتى أصبح، قال: لا شئ عليه، وذلك ان جنابته كانت في وقت حلال (1). وقد عبر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد، وناقش فيه السبزواري في الكفاية بأن أبا سعيد القماط لم يوثق في كتب الرجال. وقد أورد عليه في الحدائق بأن أبا سعيد هو خالد بن سعيد القماط كنيته أبو سعيد وقد وثقه النجاشي صريحا. ولكن الصحيح ما ذكره السبزواري، فان ابا سعيد المزبور مشترك بين اخوين خالد بن سعيد وصالح بن سعيد، ولكل منهما كتاب، وكل منهما مكنى بهذه الكنية، وقد وثق النجاشي الاول ولم يرد توثيق في الثاني إذا فابو سعيد بعنوانه مجمل مردد بين الثقة وغيره، وكان على السبزواري أن يذكر ان سبب الضعف هو الاشتراك لا عدم التوثيق كي يسلم عن اعتراض الحدائق. وكيفما كان فالرواية محكومة بالضعف كما عرفت. نعم ان السند المزبور بعينه مذكور في أسانيد كامل الزيارات، ولكنه أيضا لا يجدي لجوازان يكون المراد به هو الثقة دون الآخر غير الموثق، كي يكون ذكره في الكامل دليلا على توثيقه كما لا يخفى. فلا يمكن الحكم بوثاقته. هذا ولكن الظاهر صحة الرواية لما أشرنا إليه في المعجم من أن الكليني روى رواية صحيحة ذكر فيها هكذا: عن أبى سعيد القماط وصالح ابن سعيد، فيظهر من ذلك أي من هذا العطف ان الاشهر منهما في هذه الكنية انما هو خالد بن سعيد دون أخيه صالح، بحيث تنصرف الكنية عند الاطلاق إلى الاول الثقة كما ذكره صاحب الحدائق. هذا مع أن صالح بن سعيد نفسه مذكور في أسانيد كتاب تفسير


(1) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 186 ]

على بن ابراهيم، وقد بنينا اخيرا على وثاقة اسانيد هذا التفسير ككتاب كامل الزيارات لالتزامه أيضا بأن لا يروي إلا عن ثقة. وعليه فعلى تقدير تسليم الاجمال في المراد من أبى سعيد القماط وانه أي من الاخوين فالرواية أيضا محكومة بالصحة لتردد اللفظ بين ثقتين لا بين الثقة وغيره. وعلى كل حال فالرواية موصوفة بالصحة كما وصفها بها غير واحد حسبما عرفت. وكيفما كان فيكفينا في المقام صحيحة اخرى، وهي صحيحة علي ابن رثاب، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان فينام ولا يغتسل حتى يصبح، قال: لا بأس يغتسل ويصلي ويصوم (1). وبازائها - وهي الطائفة الثانية - ما دل على البطلان مطلقا التي منها صحيحة ابن مسلم عن الرجل تصيب الجنابة في رمضان ثم ينام، انه قال: ان استيقظ قبل أن يطلع الفجر فان انتظر ماء يسخن أو يستسقى فطلع الفجر فلا يقضي صومه (2). دلت بالمفهوم على أنه ان لم يستيقظ قضى صومه. وهناك طائفة ثالثة دلت على البطلان في مورد العمد كصحيحة البزنطي عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو اصابته جنابة ثم ينام حتى يصبح متعمدا، قال: يتم ذلك اليوم وعليه قضاؤه (3)، وصحيحة الحلبي في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من أهله ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح، قال: يتم صومه ذلك ثم يقضيه. الخ (4).


(1) الوسائل باب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 7 (2) الوسائل باب 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (3) الوسائل باب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4 (4) الوسائل باب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 187 ]

[ ومن البقاء على الجنابة عمدا الاجناب قبل الفجر متعمدا في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم (1). وأما لو وسع التيمم خاصة فتيمم صح صومه وان كان عاصيا في الاجناب (2). ] وحيث ان هذه الطائفة أخص من الاولى فتخصصها، ثم هي تخصص الطائفة الثانية وبذلك ترتفع المعارضة فتحمل الاولى على غير العامد. والثانية على العامد بشهادة الطائفة الثالثة فتكون النتيجة هي النتيجة المتقدمة في المتيقظ من التفصيل بين العمد وغيره. (1) إذ لا فرق في اتصاف الفعل بالعمد واسناده إلى الاختيار بين ان يكون اختياريا بنفسه أو بمقدمته وان خرج عن الاختيار في ظرفه فان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالبقاء في المقام اختياري باختيارية مقدمته وهو الاجناب كما في القاء النفس من الشاهق. (2) ينبغي التكلم في مقامين: أحدهما ان من كان فاقدا للماء بطبعه أو عاجزا عن استعماله لمرض يمنع عن الغسل دون الصوم هل يسوغ التيمم حينئذ لاجل صومه؟ قد يقال بالعدم نظرا إلى ان التيمم لا يرفع الجنابة بل هو يدل عن الغسل فيما يكون مشروطا بالطهارة، وإلا فالجنابة باقية على حالها كما يفصح عنه ما ورد في النص من قوله: " رجل جنب أم قوما. الخ " فان المفروض ان الامام كان قد دخل في الصلاة مع التيمم ومع ذلك وصف بأنه جنب وحيث ان المفطر هو البقاء على الجنابة غير المرتفعة بالتيمم كما عرفت فوجوده كالعدم، فلا أثر للتيمم في المقام بوجه. ولكنه يندفع بما سيأتي توضيحه قريبا ان شاء الله تعالى من أن المستفاد

[ 188 ]

من الادلة ان المفطر انما هو البقاء على حدث الجنابة لا الجنابة نفسها، وقد استفيد من قوله (ع): " رب الماء ورب الصعيد واحد " ونحوه من أخبار التيمم انه في كل مورد امر بالاغتسال وتعذر الماء فالتيمم يقوم مقامه، فهو احد الطهورين ويرتفع به الحدث ولو رفعا موقتا أو انه فعل يستباح به الدخول فيما يكون الحدث مانعا عنه. ويعضده قيام السيرة القطعية من المتشرعة على الاجناب الاختياري في ليالي رمضان مع العلم بوجوب الصوم عليهم حتى مع عدم التمكن من الاغتسال لفقد الماء أو لمرض جلدي وغيره مما يضره استعماله ولا يتركون المضاجعة من أجل ذلك لعدم احتمال التخصيص في دليل حلية الرفث بالاضافة إليهم، بل يجنبون أنفسهم اختيارا ويتيممون ويصومون ويحكم بصحة صومهم قطعا، المقام الثاني: بعد الفراع عن مشروعية التيمم للصوم كما عرفت. فهل يختص بمن كان فاقدا أو عاجزا عن الاستعمال بطبعه أو انه يعم موارد التعجيز الاختياري أيضا كمن أجنب نفسه عمدا في وقت لا يسع الغسل أو انه كان جنبا فاخر الغسل عامدا إلى ان ضاق الوقت عنه فهل يسوغ التيمم عندئذ ويكون مشروعا في حقه أو لا؟ الظاهر عدم المشروعية لقصور المقتضي، فان المستفاد من قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء. الخ " (1) بحسب الفهم العرفي هو عدم الوجدان بالطبع، لا ان يجعل الانسان نفسه غير واجد بان يريق الماء أو يجنب نفسه كما في المقام. نعم في خصوص باب الصلاة التزمنا بالمشروعية وجعلنا ضيق الوقت وان استند إلى العمد من المسوغات لقيام الدليل الخارجي عليه وهو ما استفيد من صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة من ان الصلاة لا تترك بحال،


(1) سورة المائدة الآية 6

[ 189 ]

[ وكما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمدا كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض والنفاس إلى طلوع الفجر (1) فإذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمم ومع تركهما عمدا يبطل صومها. ] وبما انها مشروطة بالطهارة، والتراب أحد الطهورين، والمفروض العجز عن الآخر، فلا محالة تستكشف المشروعية عندئذ. وأما في باب الصوم فلم يرد مثل هذا الدليل، وقد عرفت ان دليل المشروعية أيضا قاصر الشمول لا مثال المقام في حد نفسه، إذا فكما انه عاص في تعجيز نفسه كذلك لا يصح صومه أيضا لكونه من مصاديق البقاء على الجنابة عامدا. والحاصل انه لا يمكن ان يستفاد من الادلة قيام التيمم مقام الغسل في موارد التعجيز الاختياري عن تحصيل الطهارة المائية: إلا إذا قام عليه دليل بالخصوص، وقد قام في باب الصلاة بالتقرير المتقدم، ولم يقم في باب الصوم. إذا فصحته مع التيمم في غاية الاشكال، فلاجل ذلك احتطنا في المسألة بأن يتيمم ويصوم احتياطا ويقضي يوما مكانه. (1) على المشهور بل قيل انه لا خلاف فيه. ويستدل له في الحيض بما رواه الشيخ باسناده عن ابي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: ان طهرت بليل من حيضتها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم (1). واستشكل فيها غير واحد، منهم الشيخ في النهاية والمحقق في


(1) الوسائل باب 21 ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 190 ]

المعتبر والاردبيلي وصاحب المدارك بضعف السند. وأجيب عنه تارة بالانجبار بعمل المشهور، وفيه مالا يخفى. إذ مضافا إلى منع الكبرى كما هو الملعوم من مسلكنا لم تتحق الصغرى أيضا في المقام، كيف وان الكثير من قدماء الاصحاب لم يتعرضوا في كتبهم لهذه المسألة، ومعه كيف يحرز الانجبار بعمل المشهور. واخرى بأن علي بن الحسن بن فضال الراوي للحديث وان كان فطحيا ولاجله لم تكن الرواية صحيحة بالمعنى المصطلح إلا اننا لا نصافق صاحب المدارك على اعتبار الصحة بهذا المعنى في الحجية، بل يكفي فيها مجرد الوثاقة المتصف بها الرجل، فالرواية معتبرة وان لم تكن من قسم الصحيح بل الموثق. وفيه ان هذا انما ينفع لو كان منشأ الاشكال منحصرا في وجود ابن فضال، لكن الاشكال فيمن قبله فان في طريق الشيخ إليه علي بن محمد بن الزبير ولم يذكر بمدح ولا قدح، فالرواية غير موثقة لهذه العلة. وثالثة بأنه لابد من العمل بكتب بنى فضال لما اشتهر في حقهم من أنه " خذوا مارووا وذروا ما رأوا "، كما روي ذلك عن الحسن العسكري عليه السلام. ولكن الظاهر انه لا أصل لهذه الرواية، واظن ان منشأ الاشتهار ما ذكره الشيخ الانصاري (قده) في أول صحيفة من كتاب الصلاة عند الجواب عن الاشكال في رواية داوود بن فرقد بابن فضال بأنا أمرنا بالاخذ برواياتهم فاشتهر ذلك. وأما رواية العسكري (ع) فالاصل فيها ما ذكره الشيخ في كتاب الغيبة انه سئل الحسين بن روح عن كتب الشلمغاني فأجاب بأني أقول فيها ما قال العسكري (ع) في كتب بني فضال: خذوا مارووا وذروا ما رأوا

[ 191 ]

ولكن الظاهر عدم صحة الرواية فانها مروية عن خادم الحسين بن روح وهو مجهول حتى اسما، مع انا لو فرضنا صحة هذه الرواية فيبقى الاشكال المتقدم وهو انه لم يثبت ان الرواية موجودة في كتب بني فضال لضعف الطريق من أجل علي بن محمد بن الزبير كما عرفت. فهذه الوجوه كلها ساقطة. نعم يمكن تصحيح الرواية بوجه آخر تعرضنا له في المعجم، وملخصه انه لو كان كتاب رواه شخصان طريق أحدهما إليه صحيح وطريق الآخر ضعيف وشيخ الروايين شخص واحد كشف ذلك عن صحة رواية الثاني عنه أيضا، وان لشيخ الرواية إلى الكتاب طريقين أحدهما صحيح والآخر ضعيف نقل أحدهما لاحد الروايين والآخر للراوي الآخر، إذ لا يحتمل أن يكون ما أخبره شخص واحد لاحدهما مغايرا لما اخبر به الآخر، وإلا كان ذلك منه خيانة في النقل كما لا يخفى. وعليه فطريق الشيخ إلى كتاب علي بن الحسن بن فضال وان كان ضعيفا إلا أن طريق النجاشي إليه صحيح وبما ان شيخهما شخص واحد وهو أحمد بن محمد بن عبدون، وطبع الحال يقتضي ان ما نقله للشيخ هو بعينه ما نقله للنجاشي من غير زيادة ونقيصة، فلا جرم يستلزم ذلك صحة طريق الشيخ أيضا حسبما عرفت. هذا ومع الغض عن ذلك وتسليم ضعف الرواية فيمكننا اثبات الحكم بطريق الاولوية القطعية فانه سيجئ ان شاء الله تعالى في المسألة الآتية ان المستحاضة لو تركت غسلها بطل صومها ووجب عليها القضاء لصحيحة علي بن مهزيار الناطقة بذلك (1)، وهو يستلزم ثبوت الحكم في الحائض التي هي أعظم شأنا منها بطريق أولى كما لا يخفى. بل ربما يظهرمن صدر


(1) الوسائل باب 18 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 192 ]

[ والظاهر اختصاص البطلان بصوم رمضان (1) ] الصحيحة مغروسية الحكم في ذهن السائل لقوله امرأة طهرت من حيضها فكأن اشتراط الطهارة من الحيض في صحة الصوم أمر مسلم مفروغ عنه وانما السؤال الذي من أجله سيقت الصحيحة عن حكم المستحاضة فقط فتدبر. وكيفما كان فلا اشكال في المسألة. هذا كله في الحيض. وأما النفاس فانه وان تقدم في محله من كتاب الطهارة ان ما ورد من أنه حيض محتبس غير نقي السند، إلا انه يستفاد من النصوص المختلفة في الموارد المتفرقة اتحاد حكمهما، إلا ما ثبت الاختلاف من الخارج في بعض الخصوصيات كتحديد الاقل فيه بلحظة، وفي الحيض بثلاثة. وعلى أي حال فحكم النفاس في المقام حكم الحيض بلا اشكال، فلو اخرت الغسل عامدة بعدما طهرت كان ذلك بمثابة البقاء على الجنابة في بطلان الصوم ولزوم القضاء والكفارة. (1) لا يخفى ان القيود الوجودية أو العدمية المأخوذة في المأمور به قد تكون ملحوظة في نفس الطبيعة وتعد من مقوماتها فعندئذ لابد من مراعاتها في جميع الافراد على الاطلاق من غير فرق بين الواجب والمستحب والاداء والقضاء وغير ذلك. وهذا كما في اجزاء الصلاة وشرائطها وموانعها. فإذا دل الدليل على اخذ القيد بهذا النحو ثبت في جميع الموارد حيت المستحب، إلا إذ نص على خلافه كما في الاستقرار ونحوه في الصلوات المستحبة. وأخرى تكون ملحوظة في قسم خاص من غير دخل في أصل الطبيعة، فحينئذ يختص الحكم بذلك المورد ولا وجه للتعدي.

[ 193 ]

هذا وقد استفدنا من مثل قوله عليه السلام في صحيحة ابن مسلم: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب اربع خصال.. الخ ان الاجتناب عن تلك الاربع من مقومات الصوم ودخيل في حقيقته وطبيعته وقد ثبت من الخارج ان مثل ترك تعمد الكذب على الله ورسوله أيضا كذلك. أما ترك البقاء على الجنابة وكذا حدث الحيض والنفاس فهو ثابت لبعض الافراد ولحصة خاصة من الصوم وهو الواجب في رمضان لاختصاص الدليل به كما عرفت، فالتعدي إلى غيره من الواجب فضلا عن المندوب يحتاج إلى دليل وهو مفقود، وحيث لا اطلاق في الادلة فمع الشك في الاعتبار يرجع إلى اصالة البراءة. ودعوى التعدي إلى خصوص القضاء نظرا إلى ظهور الدليل في اتحاده مع المقتضي في جميع الخصوصيات ما عدا الزمان كما ترى، لقصور الدليل عن اثبات الاتحاد في جميع الخصوصيات فانه أول الكلام. ومثل قوله (ع) " اقض ما فات كما فات " ناظر إلى القصر والتمام والمماثلة من حيث عدد الركعات لا في تمام الخصوصيات كما اشرنا إليه في محله، وإلا فقد يكون شئ معتبرا في الاداء لا في القضاء، وربما ينعكس الامر كما مر في قضاء شهر رمضان وانه يضره البقاء على الجنابة ولو من غير عمد، بخلاف شهر رمضان نفسه فان المفطر فيه خصوص البقاء العمدي. نعم ظاهر الامر بالقضاء اتحاده مع المقضى في الخصوصيات التي لها دخل في أصل الطبيعة وما به قوامها ماخلا خصوصية الزمان دون غيرها من ساير الاوصاف، فما كان كذلك لابد من مراعاته خارج الوقت أيضا وإلا فلا، وعلى ذلك فلا دليل على اعتبار الخلو من حدث الحيض والنفاس عند طلوع الفجر ولزوم الاغتسال إذا طهرت في غير شهر رمضان حتى في

[ 194 ]

[ وان كان الاحوط الحاق قضائه به أيضا بل الحاق مطلق الواجب بل المندوب أيضا واما لو طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار فصومها صحيح (1) واجبا كان أو ندبا على الاقوى مسألة 49: يشترط في صحة صوم المستحاضة - على الاحوط - الاغسال النهارية التي للصلاة دون ما لا يكون لها (2) فلو ] قضائه، لاختصاص النص بالشهر نفسه، وإن كان الاحتياط في محله. (1) لان المأخوذ في النص أعني موثق أبي بصير عنوان التواني غير الصادق في هذه الفروض، وهكذا لو اشتغلت بمقدمات الغسل فطلع الفجر في الاثناء، أو انها لم تشتغل وأخرته باعتقاد سعة الوقت، ففي جميع هذه الموارد بما أنه لا يصدق التواني لا يشملها النص فيحكم بصحة صومها. (2) على المشهور بل ادعي الاجماع عليه، ويستدل له بصحيحة علي ابن مهزيار قال: كتبت إليه عليه السلام: امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير ان تعمل ما تعمل المسحاضة من الغسل لكل صلاتين هل يجوز (يصح) صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب عليه السلام تقضي صومها ولا تقضي صلاتها لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر فاطمة عليها السلام والمؤمنات من نسائه بذلك (1). واشتمالها على مالا يقول به الاصحاب من عدم قضاء الصلاة غير قادح في الاستدلال ضرورة ان التفكيك بين فقرات الحديث في الحجية غير عزيز فتطرح تلك الفقرة وتحمل على خطأ الراوي واشتباهه في النقل. وأما


(1) الوسائل باب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 195 ]

[ استحاضت قبل الاتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل كالمتوسطة أو الكثيرة فتركت الغسل بطل صومها واما لو استحاضت بعد الاتيان بصلاة الفجر أو بعد الاتيان بالظهرين فتركت الغسل إلى الغروب لم يبطل صومها ولا يشترط فيها الاتيان باغسال الليلة المستقبلة وان كان احوط وكذا لا يعتبر فيها الاتيان بغسل الماضية بمعنى انها لو تركت الغسل الذي ] الحمل على الاستفهام الانكاري كما في الوسائل فبعيد غايته لعدم سبق ما يقتضي التفصيل حتى يحتاج إلى الانكار كما لا يخفى. كما ان إشتمالها على أمر فاطمة عليها السلام التي استفاضت النصوص بأنها روحي فداها وصلوات الله عليها لم تكن تر حمرة أصلا غير قادح أيضا إذ يمكن أن يكون المراد فاطمة أخرى وهي بنت أبي حبيش المذكورة في روايات أخر، أو ان المراد أمر الزهراء سلام الله عليها لاجل أن تعلم المؤمنات لا لعمل نفسها. مع ان هذه الكلمة ساقطة في رواية الفقيه والعلل والمذكور فيهما هكذا: كان يأمر المؤمنات.. الخ. وعلى الجملة فالرواية صحيحة السند، وقد عمل بها الاصحاب، وهذه الامور لا تستوجب وهنا فيها فلا مجال للتوقف في المسألة، ولا مناص من الجزم بالاشتراط. إنما الكلام في انها هل تعم المستحاضة المتوسطة أيضا أم انها تختص بالكثيرة، وانها هل تعم الاغسال الليلية أم تختص بالنهارية؟ أما التعميم الاول فلا وجه له بعد تقييد الغسل في الصحيحة بقوله: (لكل صلاتين) الذي هو من مختصات الكثيرة.

[ 196 ]

[ للعشائين لم يبطل صومها لاجل ذلك نعم يجب عليها الغسل حينئذ لصلاة الفجر فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة وكذا لا يعتبر فيها ما عدا الغسل من الاعمال وان كان الاحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من الاغسال والوضوءات وتغيير الخرقة والقطنة ولا يجب تقديم غسل المتوسطة والكثيرة على الفجر وان كان احوط ] ودعوى ان المستفاد من النص مانعية مطلق الحدث الاكبر الشامل للمتوسطة عرية عن الشاهد فيدفع اشتراط الخلو منها على تقدير الشك بأصالة البراءة، مضافا إلى الصحيحة الحاصرة كما تقدم. وأما التعميم الثاني فهو الظاهر من الصححية إذ لا وجه لتخصيص الغسل بالنهاري بعد شمول قوله - من الغسل لكل صلاتين - للاغسال الليلية أيضا. بل الظاهر شمولها لغسل الفجر أيضا وان كان اللفظ المزبور قاصر الشمول، فالمراد انها لم تعمل بوظيفتها من الغسل للصلوات، فان المرتكز في ذهن السائل ان الغسل انما يلزم باعتبار رفعه لحدثها، وان هذا الحديث نظير حدث الحيض والنفاس يضر بالصوم ولو باعتبار حدثيته بالنسبة إلى الصلاة، ولاجله يعم الاغسال الثلاثة برمتها، إذ لا يحتمل الفرق في ذلك بين الغسل للفجر وبينه للظهرين والعشاءين. نعم لو كانت جملة لكل صلاتين مذكورة في كلام الامام عليه السلام أمكن التفكيك بينهما ولكنه ليس كذلك. وليس المراد اختصاص البطلان بما لو تركت الجيمع في شهر رمضان بحيث لو اغتسلت في بعض الايام أو اتت ببعض اغسال الليل أو النهار لم يكن

[ 197 ]

عليها قضاء، فان ذلك بعيد عن الفهم العرفي جدا، بل المراد انها لم تعمل بوظيفتها ولم ترفع حدثها بالغسل. وعليه فإذا لم تغتسل لليلة الماضية حتى طلع الجفر فهي بماثبة الحائض التي دخلت في الصبح مع الحدث. ومن ذلك يظهر دخل الغسل لليلة الماضية. واما دخل الغسل لليلة الآتية في صحة صوم اليوم الماضي فهو وان كان بمكان من الامكان كما حققناه في الاصول من جواز الشرط المتأخر، إلا انه بعيد عن أذهان العرف، فلا يستفاد ذلك من الصحيحة بوجه. ثم ان الظاهر من الصحيحة ان الدخيل في صحة الصوم انما هو الغسل للصلاة بان تعمل المستحاضة ما هو وظيفتها من الاغسال، لا ان الغسل معتبر بنفسه للصوم كي يكون البقاء على حدث الاستحاضة مضرا. وعليه فلو اغتسلت بعد الفجر لصلاة الصبح كفى، ولا يلزمها الغسل قبل الفجر للصوم كي يتكلم في انه يغني عن الغسل لصلاة الفجر، بل يجوز لها ان تبقي على حدثها وتغتسل بعد الفجر، بل قد يتأمل في مشروعيته قبل الفجر ولو بنية الصلاة مع قطع النظر عن كون الصلاة واجبا مشروطا من أجل لزوم الموالاة بين هذا الغسل وبين أداء الصلاة، لاستمرار الدم الذي هو موجب للحدث أيضا، وان شئت فقل انه لا دليل على مشروعية الغسل للصوم من حيث هو حتى يتكلم في أنه هل يجزى عن الغسل للصلاة أولا؟ فان الظاهر من الصحيحة لزوم ان تعمل المستحاضة ما تعمله في غير شهر رمضان من الاغسال الثلاثة فلو عملت هذا العمل لم يحكم ببطلان صومها، فلا دليل على أن بقاء الحدث مضر ليجب عليها غسل آخر - وعليه فلو استحاضت بعدما صلت العشاءين وكان الدم مستمرا إلى ما بعد طلوع الفجر، ثم اغتسلت للصبح، وبعده للظهرين والعشاءين صح صومها لما عرفت من ان اعتباره في الصوم انما هو بملاحظة الصلاة.

[ 198 ]

[ مسألة 50: الاقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلا قبل الفجر حتى مضى عليه يوم أو ايام (1) ] ثم أن المعتبر في الصوم نفس الاغسال لاصحة الصلاة فلو اغتسلت للصلاة ولم تصل، أو صلت وفقدت شرطا من شرائط الصلاة من قبيل تبديل الخرقة وما شاكل ذلك صح صومها، إذ لم يظهر من الصحيحة لزوم الاتيان بجميع أعمال المستحاضة، بل خصوص الغسل منها كما عرفت. ثم ان هذا كله بالنسبة إلى شهر رمضان، وأما غيره من الواجب مطلقا حتى القضاء والمندوب فلا دليل على اعتبار الغسل فيه، لاختصاص النص بالاول، وقد عرفت عدم جواز التعدي الا فيما كان مأخوذا في ماهية الصوم لا في حصة خاصة، فالمرجع في غيره اطلاق حصر النواقض مضافا إلى أصل البراءة. (1) كما صرح به جملة من الاصحاب، بل نسب إلى الاكثر أو الاشهر، والعمدة في المسألة صحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسى أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان قال: عليه أن يقضي الصلاة والصيام، المؤيدة بمرسلة الصدوق، ونحوها رواية ابراهيم بن ميمون (1)، وهذه الاخيرة مروية بطرق ثلاثة، أحدها طريق الكليني وفيه سهل بن زياد، والآخران طريق الشيخ والصدوق وهما صحيحان إلى ابن ميمون لكن ابن ميمون نفسه غير موثق، فالعمدة هي صحيحة الحلبي كما عرفت، وقد دلت على القضاء صريحا المستلزم لبطلان الصوم. ودعوى معارضتها بحديث رفع النسيان كما ترى، على أن مفاد الحديث


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3، 2، 1

[ 199 ]

[ والاحوط الحاق غير شهر رمضان من النذر المعين ونحوه به وان كان الاقوى عدمه (1) ] رفع المؤاخذة والعقاب المستتبع لنفي الحكم التكليفي لا اثبات الحكم الوضعي ليكون مفاده تصحيح العمل الناقص وتعلق الامر بالباقي كي لا يحتاج إلى الاعادة أو القضاء، فان هذا أجنبي عن مفاد الحديث رأسا كما ذكرناه في الاصول، ونحوها في الضعف دعوى المعارضة بينها وبين النصوص الدالة على عدم القضاء فيمن نام جنبا حتى أصبح بزعم ان النسبة بينهما عموم من وجه، فان هذه النصوص تعم الناسي، كما ان صحيحة الحلبي تشمل النائم. إذ فيه ان تلك النصوص مفادها عدم البطلان من ناحية النوم، وعدم اقتضائه له لا اقتضاؤه العدم فلا تنافي اقتران النوم بما يقتضي البطلان وهو سبق النسيان كما هو ظاهر. (1) لم يتعرض (قده) لحكم غير المعين من ساير أقسام الصيام. وكيفما كان فالاقوى ما ذكره (قده) من عدم الالحاق. أما في غير القضاء من الواجب المعين أو الموسع فظاهر لعدم الدليل على التعدي عن مورد النص بعد أن لم يكن القيد المذكور فيه راجعا إلى أصل الطبيعة وحقيقة الصيام في نفسه، وإنما كان ناظرا إلى فرد خاص منه وهو شهر رمضان. وأما في القضاء فالتعدي مبني على أحد أمرين، أما دعوى تبعيته للاداء استنادا إلى مادل على اتحاد المقضي وقضائه في الخصوصيات، أو دعوى دخول النسيان في صحيحي ابن سنان المتقدمين في قضاء رمضان وكلاهما كما ترى. أما الاولى فلعدم الدليل على التبعية إلا في الخصوصيات المعتبرة في

[ 200 ]

[ كما ان الاقوى عدم الحاق غسل الحيض والنفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك (1) وان كان أحوط. ] أصل الطبيعة دون الدخيلة في فرد منها كما تقدم. وأما الثانية فلان روايات الباب (1) منها ما كان مورده خصوص العمد كموثقة سماعة بقرينة حكمه (ع) بالقضاء في شهر رمضان، فيكون الذيل واردا في مورد الصدر لا محالة، ومنها كصحيحتي ابن سنان ما شمل غير العمد أيضا، إلا أن التأخير كان باختياره، فهو أخر الغسل باعتقاده وفاء الوقت فاتفق طلوع الفجر وأين هذا من التأخير غير الاختياري، المستند إلى النسيان كما هو محل الكلام فان الحكم بالقضاء في الاول لا يستلزم الحكم به في الثاني بوجه كما هو ظاهر جدا، فهما قاصرتا الشمول لصورة النسيان فالاقوى ما ذكره في المتن من عدم الالحاق وان كان الالحاق أحوط. (1) لخروجهما عن مورد النص المختص بشهر رمضان فلا دليل على التعدي عدا ما ذكره في الجواهر من الاقوائية من الجنابة المستتبعة لثبوت الحكم فيهما بالاولوية القطعية، وكأنه (قده) أخذه مما ورد في النص الوارد في المرأة الجنب التي فاجأها الحيض من قوله (ع)، جاءها ما هو أعظم، لكنه كما ترى لا شهادة فيه على أولوية الحائض من الجنب في كل حكم ثبت له. ولعله النظر في الاعظمية إلى بعض الاحكام الثابتة للحائض دون الجنب كحرمة الوطئ، وعدم صحة الطلاق ونحو ذلك أو لاجل ان الحائض لمكان تلوثها بالدم تكون القذارة العرفية فيها اعظم من الجنب. وكيفما كان فلا دلالة فيها على أولوية الحائض من الجب في


(1) الوسائل باب 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 3، 1، 2

[ 201 ]

[ مسألة 51: إذا كان المجنب ممن لا يتمكن من الغسل لفقد الماء أو لغيره من اسباب التيمم وجب عليه التيمم (1) فان تركه بطل صومه وكذا لو كان متمكنا من الغسل وتركه حتى ضاق الوقت. ] كل حكم ثبت له كما لا يخفي. (1) هذه هي المسألة التي أشرنا إليه قريبا عند قول الماتن، وأما لو وسع التيمم خاصة.. الخ وقلنا ان الماتن سيتعرض إليها وانها غير تلك المسألة فان المبحوث عنه هناك مشروعية التيمم لدى التعجيز الاختياري وان ضيق الوقت هل هو من مسوغات التيمم في باب الصوم كما هو كذلك في باب الصلاة أولا؟. وأما في المقام فمحل الكلام هو ان من كان فاقدا للماء بطبعه أما تكوينا كمن كان في بر قفر أو تشريعا بحيث لا يتمكن من استعمال الماء كالكسير والجريح ونحوهما ممن يضره الاغتسال ولا يضره الصوم وهم - بطبيعة الحال - افراد كثيرون لو اجنب هذا الفاقد ليلا في شهر رمضان فهل يصح منه التيمم لاجل الصوم؟ المشهور ذلك، ونسب إلى بعضهم الاستشكال فيه، بل عن بعض التصريح بالمنع لخلو النصوص عن التيمم لاجل الصوم رأسا. والظاهر ان المسألة مبنية على ان المانع عن صحة الصوم هل هو الجنابة بنفسها أو انه حدث الجنابة ثم ان التيمم هل هو رافع أو مبيح؟ ونعني بالرفع الرفع الموقت المحدود بزمان ارتفاع العذر والتمكن من الاغتسال، فتعود الجنابة حينئذ بنفس السبب السابق لا بموجب جديد. فبناء على أن

[ 202 ]

المانع هو نفس الجنابة التي هي امر واقعي أو اعتباري لا تحدثه المتفرع عليها، واختيار ان التيمم مبيح لا رافع لم يبق عندئذ موقع للتيمم إذ ليس شأنه الرفع على الفرض، فالجنابة التى هي المانع عن صحة الصوم باقية على حالها وغير مرتفعة بالتيمم. وعليه فأي فائدة تترتب على التيمم والحال هذه، بل يصبح حينئذ لغوا محضا. وأما على القول بأن المانع هو حدث الجنابة لا نفسها، أو ان التيمم رافع صح التيمم حينئذ وترتب عليه الاثر. أما على الثاني فظاهر وكذا على الاول، فان معنى كون التيمم مبيحا انه يستباح به الدخل فيما هو مشروط بالطهارة ومرجع مانعية الحدث إلى اشتراط الطهارة كما لا يخفي هذا وقد تقدم في كتاب الطهارة في مبحث التيمم - بعد تحرير محل النزاع وتحليل معنى الرفع والاباحة - ان الاظهران التيمم رافع لكن لحدث الجنابة لا لنفسها فهو جنب متطهر وقد استشهدنا عليه بامور منها اطلاق الجنب على امام أم القوم متيمما في موثقة (1) ابن بكير وغيرها وتمام الكلام في محله. انما المهم هنا تحقيق أن المانع هل هو الجنابة بنفسها أو انه حدثها كي يكون التيمم هنا مشروعا على الثاني دون الاول حسبما عرفت. مقتضى الجمود على ظواهر النصوص هو الاول، وان المعتبر في صحة الصوم عدم البقاء على الجنابة نفسها دون الحدث المتفرع عليها: لاناطة الحكم في كثير منها بذات الجنابة كما لا يخفي على من لاحظها. هذا ومقتضى الاطلاق فيها ان المعتبر في الصحة هو الخلو من الجنابة مطلقا من غير فرق بين حالتي التمكن من رفعها بالاغتسال وعدمه فهو شرط في الصحة حتى مع فقد الماء أو العجز عن استعماله إلا أنه لابد من


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب صلاة الجماعة الحديث 3

[ 203 ]

تقييدها بحال التمكن للضرورة والسيرة القطعية القائمة على عدم سقوط الصوم عن هؤلاء العاجزين وهم كثيرون - كما عرفت - فلا تكون الجنابة مانعة الا في ظرف التمكن من استعمال الماء، ولم يعتبر عدمها في ظرف العجز. وقد يقال ان ارتكاب التقييد في هذه النصوص مخالف للظهور فانه على خلاف الاصل، والاطلاق غير ممكن الاخذ لما ذكر، فلا مناص من اختيار ان المانع هو حدث الجنابة مطلقا - لا نفسها - المرتفع بالتيمم بالمعنى المجامع للقول بالاباحة كما مر. ويندفع بعدم الضير في الالتزام بمثل هذا التقييد، إذ ليس المانع بمقتضى النصوص إلا تعمد البقاء على الجنابة لا نفس البقاء، ومن الواضح ان التعمد لا يتحقق الا مع التمكن من الاغتسال، اما العاجز فهو مجبور على البقاء ومثله لا يكون من المتعمد بوجه، فالنصوص بانفسها تستوجب مثل هذا القييد، ومعه لا يكون الالتزام به مخالفا للظهور. والتحقيق ان المانع انما هو حدث الجنابة لا نفسها، وذلك من أجل مناسبة الحكم والموضوع وما هو المرتكز في اذهان المتشرعة والسيرة القائمة منهم على قيام التيمم مقام الطهارة المائية في كل مورد طرأ العجز عنها الذي منه المقام، مضافا إلى الاطلاق في عموم بدلية التراب مثل قوله عليه السلام: رب الماء ورب الصعيد واحد، فان المستفاد من ذلك أن في كل مورد وجب الغسل ولم يتمكن منه المكلف يقوم التيمم مقامه، وكفى بهذا العموم مستندا في المسألة، وان لم يرد فيها نص بالخصوص وعليه فالاقوى ما هو المشهور من وجوب التيمم في المقام.

[ 204 ]

[ مسألة 52: - لا يجب على من تيمم بدلا عن الغسل ان يبقى مستيقظا حتى يطلع الفجر (1) فيجوز له النوم بعد التيمم قبل الفجر على الاقوى وان كان الاحوط البقاء مستيقظا لاحتمال بطلان تيممه بالنوم كما على القول بأن التيمم بدلا عن الغسل يبطل بالحدث الاصغر. مسألة 53: لا يجب على من اجنب في النهار، بالاحتلام أو نحوه من الاعذار ان يبادر إلى الغسل فورا (2) وان كان هو الاحوط. مسألة 54: لو تيقظ بعد الفجر من نومه فرأى نفسه محتلما لم يبطل صومه (3) سواء علم سبقه على الفجر أو علم ] (1) مما قدمناه في المسألة السابقة يظهر الحال في هذه المسألة فيجوز له النوم قبل الفجر بناء على أن التيمم رافع ولايجوز على القول بالاستباحة - أي كونه رافعا لحدث الجنابة - لانتقاض التيمم به حينئذ، وحيث ان المختار هو الثاني حسبما عرفت فالاظهر عدم جواز النوم اختيارا. (2) لعدم الدليل عليه، بعد أن لم تكن الجنابة غير الاختيارية قادحة في صحة الصوم كما تقدم فيجوز أن يبقى جنبا إلى آخر النهار ما لم يضر بصلاته كما هو ظاهر. (3) ما ذكره (قده) في هذه المسألة كله ظاهر مما تقدم. نعم تعرض في المقام إلى ما لم تسبق الاشارة إليه. وهو انك قد عرفت فيما مر أن البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر قادح في صوم قضاء رمضان ولو

[ 205 ]

[ تأخره أو بقى على الشك لانه لو كان سابقا كان من البقاء على الجنابة غير متعمد ولو كان بعد الفجر كان من الاحتلام في النهار نعم إذا علم سبقه على الفجر لم يصح منه صوم قضاء رمضان مع كونه موسعا واما مع ضيق وقته فالاحوط الاتيان به وبعوضه. ] لم يكن عن تعمد، وبذلك امتاز عن صوم نفس رمضان الذي يختص القدح فيه بصورة العمد كما مر، فهل يختص ذلك بالقضاء الموسع أو يعم المضيق أيضا؟ كما لو كان عليه قضاء يوم من هذه السنة وهو في آخر يوم من شعبان؟ قد يقال بالاختصاص نظرا إلى ان الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان التى هي مستند الحكم في المسألة: " لاتصم هذا اليوم وصم غدا " (1). ان مفروض الكلام هو المورد الذي يمكن فيه صوم الغد فيختص بالموسع بطبيعة الحال، ويرجع فيما عداه إلى عموم حصر المفطر. اللهم إلا أن يقال ان الغد لا خصوصية له، بل المقصود بالافهام بيان فساد الصوم والحاجة إلى صوم يوم آخر مكانه، اما الغد ان أمكن وإلا فيوم آخر غيره، ولكنه مخالف للجمود على ظاهر النص كما لا يخفى. ويندفع بأن المستند لو كان منحصرا في تلك الصحيحة لكان لما ذكر وجه، إلا أن صحيحته الاخرى كافية في اثبات الاطلاق، حيث قال عليه السلام: " لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره " (2) فان اطلاق الغير


(1) الوسائل باب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 (2) الوسائل باب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 206 ]

[ مسألة 5 من كان جنبا في شهر رمضان في الليل لا يجوز له ان ينام قبل الاغتسال إذا علم انه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال (1) ولو نام واستمر إلى الفجر لحقه حكم البقاء متعمدا فيجب عليه القضاء والكفارة واما ان احتمل الاستيقاظ جاز له النوم وان كان من النوم الثاني أو الثالث أو الازيد فلا يكون نومه حراما وان كان الاحوط ترك النوم الثاني فيما زاد وان اتفق استمراره إلى الفجر غاية الامر وجوب القضاء، أو مع الكفارة في بعض الصور كما سنبين. ] يشمل الغد وغيره، فهي غير قاصرة الشمول للمضيق، فالاقوى سريان الحكم لمطلق القضاء. (1) قد يفرض الكلام في صورة العلم بعدم الاستيقاظ، واخرى في صورة الشك واحتمال الاستيقاظ. أما الاولى فلا اشكال في حرمة النوم حينئذ ولزوم القضاء والكفارة لو استمر إلى الفجر، لكونه الفرد الظاهر من مصاديق البقاء على الجنابة عامدا، إذ لا يعتبر في صدق العمد الاستيقاظ، ولا يكون النوم عذرا مع العلم المزبور بالضرورة، بل ان اكثر نصوص البقاء عامدا موردها النوم وانه أجنب ثم نام متعمدا كما في صحيحة الحلبي وغيرها (1). وأما الثانية أعني النوم مع احتمال الاستيقاظ فيقع الكلام فعلا في حكمه التكليفي وانه حرام اولا، وأما الوضعي أعني القضاء أو الكفارة فسيأتي التعرض له في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى.


(1) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 207 ]

أما إذا كان معتاد الانتباه فلا ينبغي التأمل في الجواز لكونه ممن يطمئن بالاستيقاظ. وأما مع عدمه فالمشهور هو الجواز مطلقا للاصل، وعن جماعة المنع مطلقا، وقد يستدل له برواية ابراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه قال: سألته عن احتلام الصائم إلى أن قال: ان اجنب ليلا في شهر رمضان، فلا ينام إلا ساعة حتى يغتسل.. الخ (1). وفيه انها على تقدير تسليم دلالتها ضعيفة النسد بالارسال. وربما يفصل بين النومة الاولى فيجوز دون الثانية. ويستدل له بصحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجنب في أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان، قال: ليس عليه شئ قلت فانه استيقظ ثم نام حتى أصبح قال فليقض ذلك اليوم عقوبة (2). فان تعليل القضاء في النومة الثانية بالعقوبة كاشف عن الحرمة. ويندفع بأن العقوبة المستلزمة للحرمة هي العقوبة الاخروية دون الدنيوية كما في المقام فان القضاء كجريمة شرعت في حقه جزاء لتوانيه ومسامحته في الغسل، كما ورد نظيره في نسيان النجاسة وان من صلى في النجس ناسيا أعاد صلاته عقوبة، مع ان الصلاة في النجس ليست بمحرم جزما. هذا والصحيح حرمة النوم مطلقا، لان النوم المحتمل فيه عدم الاستيقاظ محكوم بالاستمرار إلى الفجر بمقتضى الاستصحاب فهذا نوم مستمر إلى الصباح تعبدا، وقد صدر باختياره فهو عامد إليه، فيندرج تحت النصوص المتضمنة ان من تعمد النوم إلى الفجر وهو جنب قد أبطل صومه وعليه القضاء والكفارة. ويستغفر ربه.


(1) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4 (2) الوسائل باب 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 208 ]

[ مسألة 56: نوم الجنب في شهر رمضان في الليل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به إذا اتفق استمراره إلى طلوع الفجر على اقسام (1) فانه اما ان يكون مع العزم على ترك الغسل واما ان يكون مع التردد في الغسل وعدمه واما ان يكون مع الذهول والغفلة عن الغسل واما ان يكون مع البناء على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتفاق الاستمرار. فان كان مع العزم على ترك الغسل (2) أو مع التردد فيه لحقه حكم تعمد ] (1) قسمة (قده) إلى أقسام أربعة: إذ تارة ينام مع العزم على ترك الغسل كما هو الحال في الفسقة والفجرة غير المعتنين بأمر الدين، وأخرى مع التردد في الغسل وعدمه، لاجل برودة الهواء وتثاقله في تسخين الماء ونحو ذلك مما لا يصل إلى حد العذر الشرعي، وثالثة مع الذهول والغفلة عن الغسل بالكلية، كما لو كان أول ليلة من رمضان مثلا وكان غافلا عن الصيام ولاجله ذهل عن الاغتسال، وكانت عادته الغسل بعد طلوع الفجر، ورابعة مع العزم على الاغتسال حين الاستيقاظ فاتفق استمرار النوم إلى ما بعد الفجر. (2) أما القسم الاول فلا اشكال كما لا خلاف في كونه من تعمد البقاء على الجنابة بل هو الفرد الظاهر منه إذ لا فرق في صدق التعمد والاستناد إلى الاختيار بين أن يبقى حال العزم على ترك الغسل نائما أو مستيقظا ولا يكون النوم مع العزم المزبور عذرا له بوجه كما هو ظاهر، بل ان مورد اكثر نصوص العمد هو النوم كما تقدم. وأما القسم الثاني فالظاهر الحاقه بالعمد في بطلان الصوم لاستلزام

[ 209 ]

[ البقاء جنبا بل الاحوط ذلك ان كان مع الغفلة والذهول ايضا (1) وان كان الاقوى لحوقه بالقسم الاخير. ] الترديد فقد النية فان الصوم عبارة عن الامساك عن المفطرات - التي منها تعمد البقاء على الجنابة - عن نية، ومن الواضح عدم تحقق هذه النية مع التردد في الغسل، إذ هو مستلزم للتردد في البقاء متعمدا المستلزم للتردد في الصوم المأمور به. ومعه كيف تتمشى منه النية، فان النية متقومة بالعزم والجزم المنافيين للترديد كما هو ظاهر، فلا مناص من البطلان ووجوب القضاء. وهل يلحق به في الكفارة أيضا؟ الظاهر نعم لصدق العمد في ترك الغسل حقيقة لو بقي على تردده إلى ان طلع الفجر، إذ لا يعتبر في صدقه القصد إلى الترك، بل يكفي فيه عدم القصد إلى الفعل إلى ان مضى الوقت نظير من تردد في عمل كالسفر إلى الحج مثلا واستمر في ترديده إلى أن فات الوقت فانه يصدق في حقه انه ترك الحج متعمدا، إذ يكفي في استناد الترك إلى الاختيار والعمد عدم نية الفعل، ولا يلزم فيه نية الترك كما عرفت. وعليه فيندرج المقام في نصوص العمد المتضمنة للكفارة من صحيحة أبي بصير وغيرها لصدق انه ترك الغسل متعمدا حتى اصبح كما ورد في الصحيحة. (1) وأما القسم الثالث فظاهر عبارة الماتن (قده) الحاقه بالاولين في القضاء والكفارة احتياطا وان ذكر (قدس سره) ان الاقوى لحوقه بالقسم الاخير. والظاهر هو التفصيل في المسألة، فان الالحاق في الكفارة لا وجه له أبدا حتى من باب الاحتياط، إذ الذاهل ليس من العامد في

[ 210 ]

[ وان كان مع البناء على الاغتسال (1) أو مع الذهول على ما قويناه فان كان في النومة الاولى بعد العلم بالجنابة فلا شئ عليه ] شئ، ولم يصدر منه تقصير كي يحتاج إلى التكفير. واما القضاء فالظاهر ثبوته في حقه إذ الذهول والغفلة لا ينفكان عن النسيان لانه علم بالجنابة حينما يجامع، أو حينما انتبه عن نومة الاحتلام ثم طرأ عليه الذهول والغفلة فهو مسبوق بالعلم دائما، ولا نعني بالنسيان إلا هذا وعليه فتشمله النصوص المتقدمة في الناسي المتضمنة وجوب القضاء على من نسي الجنابة حتى مضى عليه يوم أو ايام. (1) وأما القسم الرابع فالمشهور أنه لا شئ عليه في النومة الاولى بعد العلم بالجنابة كما ذكره في المتن، وان عليه القضاء في الثانية، والكفارة في الثالثة. ولتفصيل الكلام في المقام نقول: أما في النومة الاولى فالظاهر صحة الصوم كما ذكر ولا قضاء عليه فضلا عن الكفارة. فان الروايات في المقام مختلفة وعلى طوائف ثلاث: الاولى ما دلت على صحة الصوم مطلقا، وهي ما رواه الصدوق باسناده عن أبى سعيد القماط انه سئل أبو عبد الله عليه السلام عمن أجنب في شهر رمضان في أو ل الليل فنام حتى أصبح، قال: لا شئ عليه وذلك ان جنابته كانت في وقت حلال، وباسناده عن العيص بن القاسم انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل قال: لا بأس (1). الثانية مادل على بطلانه مطلقا كموثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام وقد علم بها ولم


(1) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 2

[ 211 ]

[ وصح صومه وان كان في النومة الثانية (1) بأن نام بعد العلم ] يستيقظ حتى يدركه الفجر، فقال: عليه أن يتم صومه ويقضي يوما آخر (1). وصحيحة سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (ع) قال: إذا اجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم ولا يدرك فضل يومه (2). وقد دلت الاخيرة على ثبوت الكفارة أيضا مضافا إلى القضاء. الثالثة ما تضمنت التفصيل بين المتعمد وغيره وخصت البطلان بالاول كصحيحة الحلبي في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من اهله ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح، قال: يتم صومه ذلك ثم يقضيه. الخ (3) وصحيحة أبي بصير في رجل اجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: يعتق رقبة. الخ (4). وقد اشرنا فيما مر إلى ان المقام من موارد انقلاب النسبة فان الطائفتين الاوليين متعارضتان بالتباين، ولكن الثالثة أخص من الاولى فتتقيد بها وبعدئذ تنقلب النسبة بينها وبين الثانية من التباين إلى العموم والخصوص المطلق فتتقيد الثانية بها، فتكون النتيجة اختصاص البطلان والحكم بالقضاء بل الكفارة بصورة العمد، واما إذا كان عن غير عمد فلا شئ عليه. وعليه ففي النومة الاولى بعد البناء على الاستيقاظ والاغتسال كما هو المفروض بما أنه لا يصدق العمد ولا سيما في معتاد الانتباه فلا شئ عليه. (1) وأما في النومة الثانية فالمعروف بين الاصحاب هو القضاء فقط


(1) الوسائل باب 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5 (2) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 (3) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (4) الوسائل باب 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 212 ]

[ بالجنابة ثم انتبه ونام ثانيا مع احتمال الانتباه فاتقق الاستمرار وجب عليه القضاء فقط دون الكفارة على الاقوى. ] وزاد بعضهم الكفارة، والاظهر هو الاول وتدلنا عليه صحيحتان: الاولى صحيحة معاوية بن عمار - المتقدمة - قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجنب في أول الليل ثم نام حتى يصبح في شهر رمضان قال: ليس عليه شئ، قلت: فانه استيقظ ثم نام حتى أصبح قال: فليقض ذلك عقوبة (1). فان الصدر ناظر إلى النومة الاولى، حتى لو فرضنا ان جنابته كانت احتلامية، إذ لا تعد النومة التي اجنب فيها من النومة الاولى، بل هي نومة واحدة مستمرة فهي نومة الجنابة، لا انها نومة أولى بعد الجنابة، فالنومة الاولى هي ما ينام بعد الاستيقاظ من نومة الجنابة أو بعد الجنابة إذا كانت بغير احتلام. وحمل قوله ثم ينام على النومة التي اجنب فيها باعتبار الاستمرار ليكون ما ثبت فيه القضاء هي في الحقيقة النومة الاولى بعد الانتباه خلاف ظاهر كلمة (ثم) كما لا يخفى. وعلى الجملة فالنومة التي ليس فيها شئ هي النومة التي بعد الجنابة ولو عن احتلام كما قد تعينه صحيحة العيص الواردة في هذا المورد " عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل، قال: لا بأس " (2) حيث دلت على أن النومة التي كانت بعد نومة الجنابة والاستيقاظ منها هي التي لا بأس بها. وعليه فلابد من أن يحمل الصدر بمقتضى الروايات المقيدة المتقدمة


(1) الوسائل باب 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (2) الوسائل باب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 213 ]

في حكم النومة الاولى على صورة عدم العمد فإذا يكون المراد من الذيل هي هذه الصورة أيضا، فتدل على ثبوت القضاء في النومة الثانية لغير العامد، أي العازم على الاغتسال لدى الانتباه الذي هو محل الكلام. وبعبارة أخرى دلت الجملة الثانية أعني قوله: فانه استيقظ. الخ على أن النومة الثانية تغاير الاولى حكما، ومعه لا يمكن حمل الثانية على العامد العازم على ترك الغسل، إذ لا يفرق حينئذ بين الاولى والثانية في ثبوت القضاء على التقديرين، والمفروض ثبوت الفرق كما عرفت، فلا مناص من ان يكون الموضوع في الجملتين صورة عدم العمد، فيتجه الاستدلال حينئذ حسبما ذكرناه، فالنوم الثاني حتى مع عادة الانتباه وقصد الاغتسال موجب للقضاء. ويكشف عن ارادة هذه الصورة - اي عدم العمد - التعبير بالعقوبة في ذيل الصحيحة الكاشف عن ان ذلك لاجل تسامحه وتساهله في الاغتسال فاحتاج إلى نوع من التنبيه، كما في ناسي النجاسة كي يتحفظ ولا ينسى بعدئذ، وإلا فلو لم يكن عازما وكان متعمدا في ترك الغسل كان القضاء حينئذ على القاعدة، لانه ترك الواجب اختيارا، وفوته على نفسه عامدا ومثله يستوجب القضاء بطبيعة الحال، فلا وجه للتعبير بالعقوبة والتعليل بها كما لا يخفى، الثانية صحيحة ابن ابى يعفور قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يجنب في شهر رمضان ثم (حتى) يستيقظ، ثم ينام ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح قال: يتم يومه (صومه) ويقضي يوما آخر، وان لم يستيقظ حتى يصبح اتم صومه (يومه) وجاز له (1). وهي على هذه النسخة المذكورة في الوسائل مطابقة مضمونا مع


(1) الوسائل باب 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 214 ]

صحيحة معاويه بن عمار المتقدمة. ولكنها في نسخة اخرى وردت هكذا: " الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ، ثم ينام حتى يصبح قال، يتم صومه. الخ ". وعلى هذا لا تعرض فيها لحكم النومة الثانية التي هي محل الكلام. وليس الاختلاف من جهة اختلاف نسخ الوسائل، بل من جهة اختلاف المصادر، فان النسخة الاولى المشتملة على تلك الزيادة مطابقة للفقيه، والثانية للتهذيبين، فيدور الامر بين الزيادة والنقيصة، ولا يبعد أن يكون الترجيح مع الفقيه، فانه اضبط لكثرة ما في التهذيب والاستبصار من الاشتباه الناشئ من الاستعجال في التأليف حتى ادعى صاحب الحدائق انه قلما توجد رواية خالية عن الخلل سندا أو متنا. وهذه مبالغة منه واضحة فان روايات الشيخ المطابقة مع الكافي وغيره من المصادر كثيرة جدا. نعم اشتباهاته غير عزيزة ومن ثم كان الفقيه اضبط، والنفس إليه لدى الدوران اركن، وان كان ذلك لا يفيد الجزم بل غايته الظن. وكيفما كان فان لم تثبت الزيادة ففي صحيحة معاوية غنى وكفاية، وتكون الرواية عندئذ من الاخبار المطلقة الدالة على القضاء إذا نام بعد الجنابة حتى اصبح المحمولة على صورة العمد جمعا بينها وبين ما تقدم. وان ثبتت كان حالها حال صحيحة معاوية، بل الدلالة فيها اظهر إذ قد فرض فيها حينئذ نومات ثلاثة: نومة الجنابة، ونومة بعد الاستيقاظ عنها، والنومة الاخيرة المفروض استمرارها حتى الصباح. وقوله (ع) في الذيل: وان لم يستيقظ. الخ لا يحتمل رجوعه إلى نومة الجنابة كي تكون هي التي لا شئ فيها. كيف ولازمه ترك التعرض لما هو الاولى بالذكر وهي النومة المتوسطة بين نومة الجنابة وبين النومة الاخيرة التي ثبت فيها القضاء، فان الاعراض عن حكم هذا والتعرض لما هو واضح لدى

[ 215 ]

كل أحد لعله مستبشع يصان عنه كلام الحكيم. فلا مناص من رجوعه إلى النومه الثانية أي الاولى بعد الاحتلام. أما الاخيرة فالمفروض استمرارها إلى الصباح فلا معنى للرجوع إليها كما هو ظاهر. فمحصل الرواية ان النومة الاولى بعد اليقظة من نومة الجنابة إذا استمرت إلى الصباح لا شئ فيها وهو جائز، وأما النومة الثانية ففيها القضاء. ولكنه مع ذلك كله يمكن أن يكون قوله: وان لم يستيقظ. الخ راجعا إلى الصدر أي إذا لم يستيقظ من الجنابة أصلا حتى اصبح فلا شئ عليه، ولعل هذا أوفق، فيكون مفهومها انه إذا استيقظ بعد الجنابة ونام حتى أصبح فعليه شئ كالقضاء، ويكون موافقا لما ذكره الشيخ في التهذيبين، فان ما نقله الشيخ أقل تعقيدا مما نقله الصدوق كما لا يخفى. وتكون الرواية على هذا من الروايات المطلقة التي دلت على لزوم القضاء في النوم الاول بعد العلم بالجنابة، فيعامل معها معاملتها من التقييد بصورة العمد كما مر. وكيفما كان فلا يظهر من رواية الصدوق في الفقيه رجوع الذيل إلى الصدر أو إلى الجملة الوسطى، ومعه تكون مجملة بالنسبة إلى هذا الحكم في النومة الثانية، والمرجع حينئذ في الحكم بوجوب القضاء هي صحيحة معاوية بن عمار، وفيها الكفاية كما تقدم. وقد تبين من مطاوي ما ذكرناه ان المراد من النومة الاولى والثانية والثالثة هي النومات الواقعة بعد العلم بالجنابة، أو الانتباه من نومة الاحتلام وإن نومة الاحتلام بنفسها ملغاة في الحساب. وقد أشرنا فيما مر إلى ان صحيحة العيص شاهدة لذلك، حيث يقول " عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن

[ 216 ]

[ وان كان في النومة الثالثة (1) فكذلك على الاقوى وان كان الاحوط ما هو المشهور من وجوب الكفارة أيضا في هذه الصورة بل الاحوط وجوبها في النومة الثانية أيضا بل وكذا في النومة الاولى أيضا إذا لم يكن معتاد الانتباه ولا يعد النوم الذي احتلم فيه من النوم الاول بل المعتبر فيه النوم بعد تحقق الجنابة فلو استيقظ المحتلم من نومه ثم نام كان من النوم الاول لا الثاني. ] يغتسل، قال: لا بأس (1)، حيث صرح فيها بأن النومة التي تحققت بعد الاستيقاظ من نومة الاحتلام لا بأس بها، أي لا قضاء عليه، فالنومة الثانية التي فيها القضاء هي النومة التي بعدها. وقد تحصل من جميع ما تقدم ان الصحيح ما عليه الاصحاب من وجوب القضاء في النومة الثانية. وأما زيادة الكفارة التي ذهب إليها بعضهم فلا مستند لها عدا ما يدعى من القاعدة الكلية من أن كل ما ثبت فيه القضاء ثبتت فيه الكفارة أيضا ولكنها كما ترى مجرد دعوى بلا بينة ولا برهان، وقد ثبت التفكيك في كثير من الموارد كما تقدم وسيأتي التي منها صورة نسيان غسل الجنابة حتى مضى يوم أو أيام فان فيها القضاء دون الكفارة كما سبق. هذا كله في النومة الثانية. (1) وأما النومة الثالثة فلا اشكال كما لا خلاف في ثبوت القضاء


(1) الوسائل باب 13 ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 217 ]

فيها بل هي أولى من الثانية في هذا الحكم المبني على العقوبة - كما في صحيح معاوية - المترتبة على التسامح والتساهل بمقتضى الفهم العرفي كما لا يخفى. وأما الكفارة فالمشهور وان ذهبوا إليها إلا أنه لم ترد فيها أية رواية صحيحة ولا ضعيفة وقد استندوا فيها إلى ما تقدم في وجه وجوبها في النوم الثاني من دعوى الملازمة التي عرفت ما فيها. والعمدة في المقام دعوى الاجماع المتكررة في كلام غير واحد كابني حمزة وزهرة وجامع المقاصد وغيرهم، لكنها غير صالحة للاعتماد. لعدم حجية الاجماع المنقول كما هو محرر في الاصول، ولا سيما من مثل ابني حمزة وزهرة، فان مبنى أمثال هؤلاء في دعوى الاجماع يغاير مبنانا كما لا يخفى. وأما تحصيل الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم (ع) في مثل هذه المسألة التي وجد فيها خلاف جماعة معتد بها من الاصحاب كالفاضلين وصاحب المدارك وغيرهم فمشكل جدا، بل لعله مقطوع العدم والقائلون بالوجوب من القدماء جماعة معدودون وأشخاص معلومون لم يبلغوا حدا يستكشف معه رأي المعصوم (ع). والحاصل ان الاجماع المحقق بعد ذهاب فحول من المتأخرين إلى الخلاف غير معلوم، بل معلوم العدم. ومن ذلك يظهر أن دعوى الاجماع على وجوب الكفارة من مثل جامع المقاصد الذي هو شرح على قواعد العلامة المنكر لها، وقد أنكرها

[ 218 ]

[ مسألة 57: - الاحوط الحاق غير شهر رمضان من الصوم المعين به (1) في حكم استمرار النوم الاول أو الثاني أو الثالث حتى في الكفارة في الثاني والثالث إذا كان الصوم مما له كفارة كالنذر ونحوه. مسألة 58: إذا استمر النوم الرابع أو الخامس فالظاهر ان حكمه حكم النوم الثالث (2). ] أيضا المحقق في المتعبر، وتردد في الشرايع لا يخلو من الغرابة، وكأنه مدعيه يد الاجماع ممن سبق المحقق، وقد عرفت ان مخالفة هؤلاء الاعاظم مانعة من الاعتماد عليه، كما وعرفت أيضا أنه لا تلازم بين القضاء والكفارة فانها حكم من أفطر عامدا، وليس هذا منه. وكيفما كان فالظاهر عدم وجوب الكفارة في النومة الثالثة أيضا وإن كان الاحوط ذلك لماعرفت، بل هي الاحوط في النومة الثانية أيضا للقول بها، بل الاولى في غير المعتاد لاحتمال العمد. (1) هذا الاحتياط الوجوبي ينافي ما تقدم منه (قده) من أن ابطال البقاء على الجنابة متعمدا خاص بشهر رمضان وقضائه ولا يسرى إلى غيرهما من الصوم المعين، وما أفاده (قده) هناك هو الصحيح كما مر للزوم الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النص وهو شهر رمضان وقضائه والمرجع في غيرهما عموم حصر المفطر المطابق لاصالة البراءة. (2) لقضاء الفهم العرفي بعدم الفرق بين الثالث وغيره في مثل المقام ولاجله يتعدى عن النوم الثاني االى الثالث في وجوب القضاء مع عدم ورود نص فيه كما تقدم.

[ 219 ]

[ مسألة 59: الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الاحكام المذكورة (1). مسألة 60: الحق بعضهم الحائض والنفساء بالجنب في حكم النومات والاقوى عدم الالحاق (2) وكون المناط فيهما صدق التواني في الاغتسال فمعه يبطل وان كان في النوم الاول ومع عدمه لا يبطل وان كان في النوم الثاني أو الثالث. مسألة 61: إذا شك في عدد النومات بنى على الاقل (3) ] (1) لان الموضوع هو واقع الجنابة والاستصحاب محرز لها بحكم الشارع تعبدا فيترتب عليه حكمها وليس الموضوع الجنابة المعلومة بحيث يكون العلم جزءا للموضوع كي تبتني المسألة على قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية، إذ لا دليل على أخذ العلم جزءا للموضوع في المقام، بل هو على خلاف ظواهر الادلة كما لا يخفي. حيث ان مقتضاها ترتب الاحكام على نفس الجنابة وذاتها، وليس الحكم بعدم البطلان فيمن أصبح جنبا جاهلا كاشفا عن دخل العلم في الموضوع وانما هو من أجل ان الجنابة الواقعية انما تكون مفطرة مع العمد، ولا عمد مع الجهل فلاحظ. (2) لاختصاص النص بالجنب، ولا وجه للتعدي، بل العبرة فيهما بصدق التواني وعدمه على ما ورد في النص الوارد فيهما كما تقدم، فمع صدقه يحكم بالقضاء وإن كان في النومة الاولى ولا يحكم به مع عدم الصدق وإن كان في النومة الثانية أو الثالثة، بل الزائد عليها أيضا. (3) استنادا إلى أصالة عدم حدوث الزائد على المقدار المتيقن، فان

[ 220 ]

[ مسألة 62: - إذا نسى غسل الجنابة ومضى عليه ايام وشك في عددها يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر المتيقن (1) وان كان الاحوط تحصيل اليقين بالفراغ. مسألة 63: يجوز قصد الوجوب في الغسل وان أتى به في اول الليل (2) لكن الاولى مع الاتيان به قبل آخر الوقت ان لا يقصد الوجوب بل يأتي به بقصد القربة. ] موضوع القضاء بحسب النصوص هو من نام بعد العلم بالجنابة واستيقظ ثم نام واستيقظ بعد الفجر، والمتيقن انما هو النومة الاخيرة، واما سبق نومة اخرى عليها ليتحقق معه موضوع القضاء فمشكوك فيرجع في نفيه إلى أصالة العدم، وهكذا الحال في جانب الكفارة المترتبة على النومة الثالثة. (1) لقاعدة الفراغ الجارية في صوم المقدار الزائد على المتيقن وقوعه حال الجنابة، وقد ذكرنا في محله ان الشك ان كان في أصل الوجود الذي هو مجرى قاعدة التجاوز اعتبر فيه التجاوز عن المحل الموقوف على الدخول في الغير المترتب عليه، وأما إذا كان في صحة الموجود الذي هو مجرى قاعدة الفراغ كما في المقام فيكفي فيه مجرد الفراغ والانتهاء عن العمل، فإذا مضت عليه أيام ثلاثة مثلا وعلم بكونه جنبا في يومين منها، واحتمل أن يكون قد اغتسل في اليوم الثالث الذي صام فيه بنى على صحة الصوم حينئذ لاصالة الصحة، أعني قاعدة الفراع الحاكمة على الاستصحاب كما هو مقرر في محله. (2) ان اريد به الوجوب العقلي الباعث على فعل المقدمة قبل الوقت لتوقف الواجب عليه وعدم حصول الامتثال بدونه، فهو حق لا محيص

[ 221 ]

عن الاعتراف به كما ستعرف. وأما لو أريد به الوجوب الشرعي المولوي فيما أن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها، والمفروض عدم وجوب ذي المقدمة قبل الوقت فلا وجوب لمقدمته عندئذ بطبيعة الحال، فكيف يمكن أن ينوي الوجوب بفعل المقدمة قبل الوقت كالغسل في المقام. ولهم في التفصي عن هذا الاشكال السيال أعني كيفية تصوير وجوب المقدمة قبل مجئ وقت ذيها وجوه: منها الالتزام بالوجوب التعليقي والتفكيك بين زماني الوجوب والواجب وأن الوقت شرط لنفس الواجب لا لوجوبه، فالوجوب فعلي، والواجب استقبالي فيجب صوم الغد - في المقام - من أول الليل، بل من أول الشهر كما هو ظاهر قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فإذا كان الوجوب حاليا وثابتا قبل مجيئ وقت الواجب وبنينا على وجوب المقدمة شرعا ترشح الامر من ذيها إليها لا محالة، فبعد الالتزام بهاتين الدعويين أعني الوجوب التعليقي ووجوب المقدمة شرعا يتصف الغسل في المقام بالوجوب الشرعي. ومنها انه وان أنكرنا الوجوب التعليقي وبنينا على أن الوجوب مشروط بالوقت كنفس الواجب فلا وجوب لذي المقدمة قبل مجيئ وقته، إلا أنه لا مانع من التفكيك بين المقدمة وذيها في الوجوب، بأن تجب المقدمة فعلا من غير أن يجب ذوها إلا بعد حين، فبعين الملاك الذي من أجله وجبت المقدمة، أعني توقف ذيها عليها يمكن أن يكون وجوبها سابقا على وجوبه فيما إذا رأى المولى ان الدخيل في الواجب انما هو المقدمة السابقة وجودا على وقته دون اللاحقة، وحديث ترشح وجوب المقدمة من ذيها المستلزم لتأخر وجوبها عن جوبه كلام مشهور لا أساس له من

[ 222 ]

الصحة إذ كيف يعقل ترشح الوجوب من وجوب، وأن يكون فعل اختياري معلولا لفعل اختياري آخر، وهل وجوب ذي المقدمة بنفسه مشرع كي يكون علة لوجوب المقدمة ويكون وجوبها مترشحا من وجوبه كل ذلك لا يكون، بل الوجوب الغيري كالوجوب النفسي، كل منهما فعل اختياري لنفس الفاعل أعني المولى الذي بيده الحكم، لا ان الاول معلول للثاني كي يكون فعلا لفعل الفاعل ومعلولا لمعلوله بل كل منهما بحياله فعله مستقلا، غاية الامر أنهما متلازمان في الوجود، ويكون وجوب أحدهما لاجل الآخر لا بملاك قائم بنفسه. وعليه فإذا كانا فعلين للفاعل من غير ترشح في البين ولا علية ولا معلولية فأي مانع من أن يوجب المولى المقدمة فعلا ويوجب ذيها بعد ذلك متأخرا فيما إذا كان هناك ملاك لتقديم الاول - كما في المقام - كي يتمكن المكلف من الاتيان بالواجب في ظرفه، فعين ملاك المقدمية المستلزم لاصل الوجوب مستلزم لتقديم الوجوب وسبقه على وجوب ذي المقدمة. ومنها ما ذكره شيخنا الاستاد (قده) من الالتزام بالوجوب التهيؤي حيث انه (قده) لما أنكر الواجب التعليقي واعترف تبعا للمشهور بالوجوب الترشحي المستلزم لامتناع تقدم وجوب المقدمة على وجوب ذيها - كما عرفت - التجأ إلى الالتزام بوجوب المقدمة في امثال المقام وجوبا نفسيا تهيئيا متوسطا بين الوجوب الغيري والوجوب النفسي الاصطلاحي، فهو واجب نفسا لغاية التخفظ على واجب آخر في ظرفه والتهيؤ لامتثاله فليس هو بواجب غيري، لفرض وجوبه قبل وجوب ذي المقدمة - ولا شئ من الواجب الغيري كذلك - ولا بواجب نفسي لعدم كون مخالفته مستوجبا لعقاب آخر غير العقاب على ترك الواجب الآخر وهو الصوم عن طهارة فيما نحن فيه، ولا موافقته مستوجبا للثواب، بل هو مرحلة بين

[ 223 ]

المرحلتين، فمن جهة يشبه الواجب الغيري لقيام ملاكه بالغير، ومن جهة أخرى يشبه النفسي لعدم توقفه على واجب آخر ولا ترشحه منه حسبما عرفت بل هو نوع وجوب فائدته فائدة الواجب الغيري، قد انبعث هو والواجب الآخر عن ملاك واحد، نظير الاوامر الضمنية في باب المركبات، وعليه فالغسل في المقام واجب بهذا الوجوب التهيؤي فلا مانع من الاتيان به بقصد هذا الوجوب. ولكن هذه الوجوه الثلاثة المذكورة في المقام كلها ساقطة. أما الاول فلانا وان التزمنا في محله بامكان الواجب التعليقي وانه لامانع من التفكيك بين زماني الوجوب والواجب، وليست الارادة التشريعية على حد الارادة التكوينية التي يمتنع فيها تخلف الارادة عن المراد كما فصلنا القول حول ذلك في الاصول مستقصى إلا ان الاتيان بالغسل بنية الوجوب الشرعي في المقام مبني على ذلك وعلى الالتزام بوجوب المقدمة شرعا كما عرفت. وقد بينا في الاصول ان مقدمة الواجب لا وجوب لها شرعا وانما هي واجبة بالوجوب العقلي المحض من باب اللابدية العقلية، إذ بعد حكومة العقل بذلك وادراكه لزوم الاتيان بالمقدمة لتوقف ذيها عليها وعدم التمكن من اتيانه بدونها، فأي فائدة بعد هذا للوجوب الشرعي المولوي وهل هذا إلا من اللغو الظاهر والحكم بالجزافي الذي تصان عنه ساحة الحكيم. ومن ذلك يظهر الجواب عن الوجه الثاني أيضا لتوقفه على وجوب المقدمة شرعا وهو ممنوع. وأما الثالث فلا نعقل معنى للوجوب التهيؤي وراء الوجوب الغيري ولا موقع لهذا الوجوب من ناحية المولى بعد استقلال العقل بلزوم الاتيان بالواجب وبكل ما يتوقف عليه الذي منه الغسل في المقام لاجل الصوم المشروط بالطهارة.

[ 224 ]

[ مسألة 64: فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم فيصح صومه مع الجنابة أو مع حدث الحيض أو النفاس (1). مسألة 65: - لا يشترط في صحة الصوم الغسل لمس ] فتحصل ان الاقوى عدم وجوب الغسل كغيره من المقدمات قبل الوقت بالوجوب الشرعي، فلا يمكن الاتيان به بهذه النية. نعم هو واجب بالوجوب العقلي المقدمي كما تقدم فلا مانع من الاتيان به بهذا القصد، أي بقصد كونه مما يتوقف عليه الواجب، وكونه مقدمة له الذي هو عنوان قربي لاشتماله على نحو اضافة إلى المولى، وقد ذكرنا غير مرة أنه يكفي في العبادية وحصول القربة مجرد الاضافة إلى المولى نحو اضافة فكما ان الاتيان بالغسل لاستحبابه النفسي عبادة ولو مع الغفلة عن مقدميته للصوم كذلك الاتيان به بعنوان المقدمية عبادة موجبة للتقرب ولو مع الغفلة عن الاستحباب النفسي كما عرفت. (1) فان رفع الحدث انما هو ملحوظ شرطا للواجب، أي لصحة الصوم لا لنفس الوجوب، إذ الصوم واجب على كافة المكلفين ولا يختص وجوبه بالمتطهر، وليست شرطية الطهارة للصوم كشرطية السفر في القصر الذي هو دخيل في أصل الوجوب كما هو ظاهر. وبما ان المانع عن الصحة انما هو تعمد البقاء على الجنابة أو الحيض أو النفاس كما تقدم فبطبيعة الحال يختص الاشتراط المزبور بصورة التمكن من رفع الحدث والقدرة على استعمال الطهور، فالعاجز لا يكون متعمدا في البقاء بالضرورة، ولاجله يكون الاشتراط المزبور ساقطا عنه.

[ 225 ]

[ الميت (1) كما لا يضر مسه في اثناء النهار. مسألة 66: لا يجوز اجناب نفسه في شهر رمضان (2) إذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمم بل إذا لم يسع للاغتسال ولكن وسع للتيمم. ولو ظن سعة الوقت فتبين ضيقه فان كان بعد الفحص صح صومه وان كان مع ترك الفحص فعليه القضاء (3) على الاحوط ] (1) فان المس المزبور وان كان موجبا للحدث الاكبر ولاجله يجب الغسل عنه للصلاة، إلا انه لا دليل على قادحية كل حدث اكبر في الصوم وانما الوارد في النص خصوص حدث الجنابة والحيض والنفاس كما تقدم ومقتضى عموم حصر المفطر ان لا يكون تعمد البقاء عليه إلى الفجر قادحا في الصحة مضافا إلى أصالة البراءة. ومنه يظهر عدم قادحية مسه أثناء النهار. (2) كما مر الكلام حول ذلك مستقصى فلا نعيد. (3) لموثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل اكل أو شرب بعدما طلع الفجر في شهر رمضان، قال: ان كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثم عاد فرأى الفجر فليتم صومه ولا اعادة عليه، وان كان قام فأكل وشرب ثم نظر إلى الفجر فرأى انه قد طلع الفجر فليتم صومه ويقضي يوما آخر، لانه بدأ بالاكل قبل النظر فعليه الاعادة (1) فان موردها وان كان هو الاكل والشرب، إلا انه يستفاد من التعليل المذكور في الذيل المتعقب بالتفريع بقوله: فعليه الاعادة ان علة الحكم بالاعادة


(1) الوسائل باب 44 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3

[ 226 ]

[ (التاسع) من المفطرات الحقنة بالمايع (1) ولو مع الاضطرار إليها لرفع المرض ولا بأس بالجامد وان كان الاحوط اجتنابه أيضا ] البدءة بالاكل قبل النظر. فيعلم من ذلك ان المبادرة إلى ارتكاب المفطر أياما كان - إذ لا يحتمل خصوصية للاكل - قبل الفحص والنظر موجب للبطلان والقضاء. واظهر منها موثقة ابراهيم بن مهزيار الواردة في محل الكلام، أعني الاجناب قال: كتب الخليل بن هاشم إلى أبي الحسن عليه السلام: رجل سمع الوطئ (1) والنداء في شهر رمضان فظن ان النداء للسحور فجامع وخرج فإذا الصبح قد أسفر، فكتب بخطه يقضي ذلك اليوم ان شاء الله تعالى (2) فانها واضحة الدلالة على المطلوب، حيث انه جامع من غير أن يفحص عن الفجر وينظر إليه. وأما من حيث السند فابراهيم بن مهزيار الذي هو اخو علي بن مهزيار وان كان مجهولا في كتب الرجال، وقد ذكر لتوثيقه وجوه عديدة كلها مزيفة كما نبهنا عليها في المعجم، إلا ان الرجل مذكور في أسانيد كامل الزيارات ولاجله يحكم بوثاقته وصحة الرواية. (1) استقصاء الكلام في المقام يستدعي التكلم في جهات. الاولى لا اشكال كما لا خلاف في حرمة الاحتقان بالنسبة إلى الصائم ولم ينسب الخلاف إلا إلى ابن الجنيد حيث حكي عنه استحباب الاجتناب عنه، ولعله لما ورد من عدم البأس في استدخال الصائم الدواء (3) ولكنه


(1) أي وطئ الاقدام ومشيها (2) الوسائل باب 44 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 (3) الوسائل باب 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 227 ]

مطلق يشمل الاستدخال بالاحتقان وغيره فهو قابل للتقييد بالنصوص الآتية الصريحة في المنع عن الاحتقان كما ستعرف. الثانية هل يختص المنع بالمايع أو يعم الجامد أيضا؟ نسب الاول إلى المشهور وعن المحقق في المعتبر والعلامة في المختلف، وصاحب المدارك التصريح بالتعميم، وأطلق القول بعدم الجواز جماعة كالمفيد والصدوق والسيد وغيرهم، وان كان لا يبعد انصراف الاطلاق في كلامهم إلى المايع. وكيفما كان فيدل على أصل الحكم اعني حرمة الاحتقان وعلى اختصاصه بالمايع صحيحة ابن أبى نصر عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان، فقال، الصائم لا يجوز له أن يحتقن (1). فان الاحتقان ظاهر بحكم الانصراف في المايع، وعلى تقدير الاطلاق وشموله للجامد فهو مقيد بموثقة الحسن بن فضال قال: كتبت إلى أبي الحسن (ع): ما تقول في اللطف يستدخله الانسان وهو صائم، فكتب (ع) لا بأس بالجامد (2). وفي رواية الشيخ في التلطف من الاشياف، فانها صريحة في الجواز في الجامد، فيقيد بها اطلاق الصحيح لو كان ثمة اطلاق. ثم ان هذه الرواية مروية بطريقين أحدهما طريق الشيخ باسناده المعتبر عن أحمد بن محمد الذي يدور أمره بين احمد بن محمد بن خالد البرقي واحمد ابن محمد بن عيسى وكلاهما ثقة، وهو يروي عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه - وهما أيضا ثقتان - عن أبي الحسن عليه السلام، والطريق معتبر. ثانيهما طريق الكليني وهو ما رواه عن شيخه احمد بن محمد، وهذا غير أحمد بن محمد الذي كان في طريق الشيخ فان هذا هو شيخ الكليني


(1) الوسائل باب 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 4 (2) الوسائل باب 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 228 ]

ويدور أمره بين أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة وبين أحمد بن محمد بن عاصم الكوفي وكلاهما ثقة، وهو يروي عن علي بن الحسين (كما في الكافي وما في الوسائل من ذكر الحسن وجعل الحسين نسخة أخرى في غير محله) وهذا مجهول وهو يروي عن محمد بن الحسين بن أبى الخطاب عن أبيه، وابوه مهمل. فظهر ان هذا الطريق غير الطريق الاول، فان أحمد بن محمد هناك غيره هنا، والواسطة بينه وبين الامام في الاول رجلان كلاهما ثقة، وهنا ثلاثة وفيهم المجهول والمهمل، فهذا الطريق ضعيف لا محالة. فما ذكره المحقق الهمداني (قده) من التعبير عن الرواية بموثقة الحسن بن فضال المروية عن الكافي في غير محله لما عرفت من ان ما رواه في الكافي ليس بموثقة ولا مروية عن ابن فضال وان موثقة ابن فضال انما رواها الشيخ هذا. ولكن ذكر في الوافي رواية الكليني على طبق رواية الشيخ وبعين ذلك السند، وذكر ان في بعض النسخ روايته بسند آخر وهو الذي ذكرناه ورجع هو (قده) تلك النسخة الموافقة للتهذيبين وما ذكره (قده) حسن لانه إذا كانت نسخ الكافي مختلفة وكانت الرواية موجودة في التهذيب يستكشف من ذلك ان الصحيح هو ما كان موافقا للتهذيب، إذا فالرواية رواية واحدة رواها الشيخ (قده) ورواها الكليني (قده) أيضا. ويتم ما عبر به المحقق الهمداني (قده). الثالثة: قد عرفت حرمة الاحتقان بالمايع بمقتضى الصحيحة فهل يستوجب ذلك البطلان وفساد الصوم فيجب قضاؤه أو ان الحرمة تكليفية محضة كما عن ابن ادريس والمحقق في المعتبر والشيخ في جملة من كتبه، وقواه صاحب المدارك، وتردد فيه المحقق في الشرائع، والاظهر الاول

[ 229 ]

[ مسألة 67: إذا احتقن بالمائع لكن لم يصعد إلى الجوف بل كان بمجرد الدخول في الدبر فلا يبعد عدم كونه مفطرا (1) وان كان الاحوط تركه. ] لظهور النهي في باب المركبات كالامر في الارشاد إلى المانعية أو الجزئية أو الشرطية نظير النهي عن لبس مالا يؤكل في الصلاة فينقلب الظهور الاولي إلى ظهور ثانوي، فقوله (ع) في الصحيح: لا يجوز. الخ أو البأس المستفاد من مفهوم الموثق - بالمعنى الذي نقول به في مفهوم الوصف - ظاهر في البطلان والفساد كما هو الحال في ساير المركبات الارتباطية. بل الظاهر وجوب الكفارة أيضا لاندراجه فيمن أفطر متعمدا كما مال إليه في الجواهر، لو لم ينعقد اجماع على عدمه. وما عن المحقق الهمداني (قده) - من منع الاندراج لانصراف الافطار إلى الاكل والشرب فلا كفارة فيما عداهما إلا إذا قام الدليل عليه بالخصوص كالجماع ونحوه، ولا يكون مطلق افساد الصوم افطارا، ولذا لا يقال لمن أفسد صومه برياء أو بعدم النية أو بنية القاطع ونحو ذلك انه أفطر فلا يكون الاحتقان مفطرا كي يوجب الكفارة وان أوجب البطلان كما مر في غير محله - فان الافطار يقابل الصوم ويناقضه، فكلما وجب الصوم والامساك عنه ومنه الاحتقان فارتكابه افطار. ولا نعرف أي وجه للتخصيص بالاكل والشرب. هذا ولا فرق في مفطرية الحقنة بين الاختيار والاضطرار لمعالجة مرض لاطلاق الدليل بل ظاهر النص هو الثاني كما لا يخفى. (1) بل هو الظاهر فان الدخول في حواشي الدبر وأوائل المدخل

[ 230 ]

[ مسألة 68: الظاهر جواز الاحتقان بما يشك في كونه جامدا أو مائعا (1) وان كان الاحوط تركه. ] من غير صعود إلى الجوف لا يعد من الاحتقان عرفا لانصراف اللفظ عنه فلا يشمله النص، (1) كالدبس الغليظ مثلا فانه يشك في تعلق التكليف بالاجتناب عنه، ومقتضى الاصل عدمه، ولكن هذا مبني على انصراف الاحتقان إلى المايع، وان الجامد ليس من الاحتقان في شئ كما هو الصحيح حسبما عرفت، إذ عليه يشك في صدق الاحتقان على استعمال هذا الموجود الخارجي وانه حرام ومفسد للصوم أم لا، والمرجع في مثله من الشبهة البدوية التحريمية هو البراءة كما هو ظاهر. وأما على المبنى الآخر وان الاحتقان في حد نفسه يعم المايع والجامد وقد خرجنا عن الاطلاق بما دل على عدم البأس في استعمال الجامد كموثقة ابن فضال المتقدمة وقيدنا الاطلاق بالموثقة ولولاها لقلنا بالبطلان مطلقا. فبناء على هذا المبنى يجب الاحتناب عن المشكوك فيه ولا يجوز استعماله نظرا إلى ما هو الصحيح - على ما بيناه في الاصول - من أن المخصص إذا كان عنوانا وجوديا فالباقي تحت العام أو المطلق بعد التخصيص أو التقييد هو ما لم يكن بذاك العنوان الخاص، فهو غير معنون بعنوان وجودي بل بعنوان عدمي وعليه فالباقي تحت العام في المقام بعد اخراج الجامد هو كل احتقان لا يكون بجامد - لا الاحتقان المعنون بكونه بالمايع -. فالموضوع للبطلان مركب من جزئين الاحتقان وان لا يكون جامدا والاول محرز بالوجدان والثاني بأصالة عدم كونه جامدا ولو بأصل العدم الازلي فيلتئم الموضوع ويترتب الحكم من الحرمة والبطلان، ولا يعارض بأصالة عدم كونه مايعا

[ 231 ]

[ (العاشر) تعمد القئ وان كان للضرورة (1) من رفع مرض أو نحوه. ] لعدم ترتب الاثر عليه حسبما عرفت، إذ ليس المايع موضوعا للحكم وانما الموضوع هو الجامد. وعلى الجملة فما ذكره (قده) مبني على إنصراف الاحتقان في نفسه إلى المايع وأما إذا كان باطلاقه يشمل الجامد وقد خرج عنه بدليل خارجي منفصل، فبما أن القيد أمر وجودي فلدى الشك مقتضي الاصل عدمه، وبه يحرز ان هذا احتقان بما ليس بجامد فلا يجوز. (1) المعروف والشمهور أن تعمد القئ مفسد لصوم، وخالف فيه ابن الدريس فزعم انه حرام تكليفا فقط، وعن السيد المرتضى (قده) نسبة الكراهة إلى الفقهاء وانه ينقص الصوم وهذان القولان لا نعرف لهما أي مستند، إذ لم يرد في شئ من الاخبار حتى الضعيفة النهي كي يؤخذ بظاهره من التحريم أو يحمل على الكراهة، بل الوارد فيها التصريح بالقضاء ونحوه مما هو صريح في البطلان، فاما أن يعمل بهذه الاخبار - ولا بد أن يعمل بها فانها روايات مستفيضة فيها الصحيح والموثق - فلا بد من الحكم بالبطلان عندئذ أو لا يعمل بها بزعم انها أخبار آحاد كما يراه ابن ادريس، فلا دليل حينئذ على الحرمة أو الكراهة أيضا كما لا يخفى. وعلى الجملة فلا ينبغي التأمل في الحكم بالبطلان، لجملة من الروايات المعتبرة التي منها صحيحة الحلبي: إذا تقيأ الصائم فقد أفطر وان ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه، وصحيحته الاخرى إذا تقيأ الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم، وإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه، وموثقة سماعة: ان كان شئ يبدره فلا بأس، وان كان شئ يكره نفسه عليه

[ 232 ]

فقد أفطر وعليه القضاء، ونحوها موثقة مسعدة بن صدقة وغيرها (1)، وبازائها صحيحة عبد الله بن ميمون ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ والاحتلام والحجامة (2). ولكنها كما ترى لا تعارض الصحاح المتقدمة بوجه لان هذه مطلقة من حيث كون القئ اختياريا أو غير اختياري، وقد نطقت تلك النصوص بالتفصيل بين العمد وغيره، وانه ان ذرعه أو كان شئ يبدره فلا بأس به وانما القادح هو التقيؤ وما يكره نفسه عليه دون القئ فتكون مقيدة لاطلاق هذه الصحيحة، وان المراد منها هو القئ غير الاختياري كالاحتلام الذي هو جنابة غير اختيارية فهو الذي لا يبطل دون غيره. يبقى الكلام في الكفارة ولم يتعرض لها الماتن هنا ولا في الاحتقان مع تعرضه لها في ساير المفطرات المتقدمة، وانما تعرض لذلك في فصل مستقل يأتي فيما بعد ان شاء الله تعالى. وقد ذكر هناك أن ما ذكرناه من المفطرات توجب الكفارة أيضا، إذا كانت عن عمد حتى الاحتقان والقئ وهذا القول أعني وجوب الكفارة فيهما شاذ والمشهور عدم الوجوب. بل ربما يقال انه اجماعي، فان تم الاجماع القطعي التعبدي الكاشف عن قول المعصوم (ع) ودون اثباته خرط القتاد - فهو ونلتزم من أجله بالقضاء فقط كما اقتصر عليه في نصوصهما وإلا كما هو الصحيح، فالظاهر وجوب الكفارة أيضا كما ستعرف. هذا وقد أصر المحقق الهمداني (قده) على عدم وجوب الكفارة ونسب إلى صاحب الجواهر انه أفتى به في نجاة العباد، وان مال إلى الوجوب في الجواهر نظرا إلى اطلاق قوله عليه السلام: من أفطر متعمدا


(1) الوسائل باب 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 3، 5، 6 (2) الوسائل باب 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 7

[ 233 ]

فعليه الكفارة. والوجه في ذهابه إلى عدم الوجوب امران: أحدهما دعوى انصراف الافطار الوارد في النص المزبور إلى الاكل والشرب دون غيرهما مما يبطل الصوم إلا إذا قام الدليل بالخصوص على ثبوت الكفارة فيه مثل الجماع والبقاء على الجنابة ونحوهما مما مر وإلا فغيرهما غير مشمول لاطلاق النص وحيث لا دليل على الكفارة في القئ ولا الاحتقان والمفروض انصراف النص عنهما فلاجله يحكم بالعدم. وجوابه ظهر مما مر حيث عرفت ان الصوم والافطار ضدان لا ثالث لهما، فكل من ليس بصائم فهو مفطر لا محالة. نعم قد يكون صائما بصوم غير صحيح، أما لعدم النية أو لاجل الرياء، أو لانه نوى المفطر ولم يستعمله ونحو ذلك فهو ليس بمفطر بل هو صائم وان كان صومه فاسدا لاحد هذه الامور. وعلى الجملة فساد الصوم شئ وعدمه شئ آخر، وحيث لا واسطة بين الصوم والافطار فغير الصائم مفطر بطبيعة الحال، إذ كلما اعتبر عدمه في الصوم فإذا ارتكبه الشخص فهو ليس بصائم، ولا وجه للاختصاص بالاكل والشرب، لوضوح ان الصوم ليس هو الامساك عنهما فقط، ولذا عبر هنا وفي روايات الاحتقان بقوله، فقد أفطر، ومع هذا الاطلاق كيف يمكن القول بأنه صائم أو غير مفطر، وحمل الافطار على معنى آخر كوجوب القضاء كما ذكره الهمداني (قده) بعيد جدا وخروج عن ظاهر اللفظ من غير شاهد. فإذا تحققت الصغرى وانه قد أفطر بمقتضى التصريح به في هذه النصوص ضمت إليها الكبرى وهي ان من أفطر فعليه الكفاة كما ذكر في النص المتقدم ونتيجته الحكم بالكفارة. ثانيهما ما ذكره في الجواهر من ان الاقتصار في الاخبار على القضاء وعدم

[ 234 ]

[ ولا بأس بما كان سهوا (1)، أو من غير اختيار (2) ] التعرض للكفارة في شئ منها مع كونه عليه السلام في مقام البيان فيه شهادة على عدم الوجوب، وإلا لاشير إليها ولو في بعضها، بل ذكر (قده) ان ذلك كالصريح في العدم. وفيه ان السكوت في مقام البيان وان كان ظاهرا في عدم الوجوب كما ذكر إلا أنه لا يتجاوز عن كونه ظهورا اطلاقيا قابلا للتقييد كساير المطلقات، وكفى بالنص المزبور الوارد على سبيل العموم مقيدا. وقد تقدم في نصوص البقاء على الجنابة ما تضمن القضاء فقط، ولم يذكر فيه الكفارة مع كونه عليه السلام في مقام البيان، فكما ان ذلك الاطلاق يقيد بالنصوص الاخر المصرحة بلزوم الكفارة هناك، فكذا في المقام وكون التقييد بلسان العموم أو الخصوص لا يستوجب فرقا بين المسألتين كما هو ظاهر. فتحصل انه ان تم الاجماع على العدم فلا كلام، وإلا فالظاهر وجوب الكفارة في المقام، وفي الاحتقان كما ذكره الماتن وغيره. (1) لاختصاص البطلان فيه وفي غيره من ساير المفطرات بصورة العمد، وأما إذا صدر ساهيا عن صومه فلا بأس به، كما سيأتي التعرض إليه مفصلا في الفصل الآتي ان شاء الله تعالى. (2) فان موضوع الحكم هو الفعل الاختياري المعبر عنه في النصوص بالتقيؤ وان كان ذلك لضرورة من رفع مرض ونحوه كما مر. وأما الصادر بغير اختيار المعبر عنه بالقئ فلا شئ عليه كما صرح بذلك في جملة من النصوص المقدمة المفصلة بين ما ذرعه أو بدره، وبين ما تقيأ أو اكره نفسه عليه كما في صحيحة الحلبي وغيرها مما مر. وعلى الثاني

[ 235 ]

[ والمدار على الصدق العرفي (1) فخروج مثل النواة أو الدودة لا يعد منه. مسألة 69: لو خرج بالتجشؤ شئ ثم نزل من غير اختيار لم يكن مبطلا (2) ولو وصل إلى فضاء الفم فبلعه اختيارا بطل صومه وعليه القضاء والكفارة بل تجب كفارة الجمع إذا كان حراما من جهة خباثته أو غيرها. ] أعني الفعل غير الاختياري حمل نفى البأس عن القئ الوارد في صحيحة عبد الله بن ميمون جمعا بينها وبين نصوص المنع كما سبق. (1) لدوران الحكم مداره في كافة موضوعات الاحكام فخروج مثل الدرهم أو الذبابة أو النواة أو الدودة ونحوه لا يعد من القئ في شئ لانتفاء الصدق العرفي. (2) لا ريب في أن التجشؤ مفهوم مغاير مع القئ عرفا، وهو المعبر عنه في بعض الروايات بالقلس، وعليه فلا مانع من خروج شئ بسببه، وقد دلت عليه النصوص أيضا، كما لا مانع من نزوله ثانيا بغير اختيار، وقد دلت عليه أيضا بعض الصحاح والموثقات. انما الكلام فيما لو وصل بالتجشؤ شئ إلى فضاء الفم ثم بلعه اختيارا فقد حكم الماتن (قده) حينئذ بالطلان نظرا إلى ما تقدم في مفطرية الاكل من عدم الفرق في صدقه بين ما دخل فضاء الفم من الخارج أو من الداخل كالموجود من بقايا الطعام بين الاسنان، فانه يصدق الاكل والازدراد على ابتلاعه أيضا، فما يصعد من الجوف ويصل إلى فضاء الفم لا يجوز

[ 236 ]

ابتلاعه ثانيا لصدق الاكل عليه، فيشمله عموم دليل مفطريته فيبطل الصوم بذلك، بل يوجب الكفارة أيضا بعد فرض كونه افطارا عمديا بل ذكر (قدس سره) أنه يوجب كفارة الجمع من جهة خباثته، فيكون من الافطار على الحرام، أو فرض حرمته من جهة أخرى ككونه مغصوبا أو نجسا. هذا ملخص ما أفاده (قده) في المقام. أقول أما ما ذكره (قده) من البطلان بل الكفارة فتقتضيه الادلة الاولية التي دلت على أن الاكل أو الشرب متعمدا مبطل للصوم وموجب للكفارة، فما ذكر مطابق لمقتضى القاعدة إلا ان صحيحة عبد الله بن سنان دلت صريحا على جواز ازدراده ثانيا، قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ من الطعام أيفطر ذلك؟ قال: لا، قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ قال: لا يفطر ذلك (1). فتكون هذه حيحة تخصيصا في دليل مفطرية الاكل أو الشرب، فان ثبت اجماع قطعي على خلاف ذلك فهو، وإلا فالصحيحة لا موجب لرفع اليد عنها، إلا إذا قلنا بأن اعراض المشهور عن الصحيح يسقطه عن الحجية فيبتني الحكم على تلك الكبرى، وإلا فتحصيل الجزم بكون مضمونها على خلاف الاجماع بالنسبة إليه مشكل جدا، بل لعله مقطوع العدم. فالفتوى بالبطلان حينئذ مشكل والاحتياط مما لا ينبغي تركه. وأما ما ذكره (قده) من كفارة الجمع بناء على حصول البطلان بذلك وعدم العمل بصحيحة ابن سنان المتقدمة فهو مبني على أمرين: أحدهما كون الابتلاع المزبور من الافطار على الحرام، ثانيهما ان كل افطار على الحرام يجب فيه كفارة الجمع. اما الكبرى فسيجيئ البحث عنها عند


(1) الوسائل باب 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 9

[ 237 ]

تعرض الماتن لها وسنناقش فيها كما ستعرف، فهي غير مسلمة. وعلى تقدير تسليمها فالصغرى أعني حرمة ابتلاع ما يخرج من الجوف إلى الفم ممنوعة، فيما إذا كانت الحرمة من جهة الخباثة، أما إذا كانت من جهة اخرى كالنجاسة أو الغصبية فلا كلام فيها، ويتمحض الاشكال حينئذ من ناحية الكبرى كما عرفت. والوجه فيما ذكرناه من المنع ان الحرمة في المقام من الجهة المزبورة تتوقف على أمرين صدق الخبيث على ما يبتلعه وحرمة اكل الخبيث كبرويا وكلا الامرين قابل للمناقشة. أما الصغرى فلان صدق الخبيث - أي ما يتنفر منه الطبع - على ما يخرج بالتجشؤ إلى فضاء الفم ممنوع نعم هو خبيث بالاضافة إلى غير هذا الشخص لا بالاضافة إليه نفسه كما هو الشأن في كل طعام حتى القسم الراقي منه الموغرب لكل احد، فانه بعد أن أدخله في فمه ومضغة فلو أخرجه بعدئذ يتنفر منه الطبع، ولكن هو بنفسه لا يتنفر طبعه منه مادام باقيا في فمه - والا لمات الانسان جوعا - فحاله حال البصاق الذي هو خبيث أي يتنفر منه الطبع بعد الخروج عن الفم حتى طبع صاحبه، واما قبله فليس كذلك بالضرورة. وأما منع الكبرى - بعد تسليم الصغرى وانه مصداق للخبيث - فلانه لم يدل أي دليل على حرمة اكل الخبيث إلا ما قيل من دلالة الآية المباركة عليها، قال تعالى في وصف نبية صلى الله عليه وآله ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث (1). ولكن من المقطع به انه ليس المراد من الآية المباركة أنه صلى الله عليه وآله يحل لهم الطيبات أي الاجسام والذوات الطيبة التي تشهيها الطباع وترغب فيها وتلتذ منها، ويحرم الخبائث


(1) سورة الاعراف الاية 157

[ 238 ]

[ مسألة 70: لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار (1) فسد صومه ان كان الاخراج منحصرا في القئ وان لم يكن منحصرا فيه لم يبطل إلا إذا اختار القئ مع امكان الاخراج بغيره ويشترط أن يكون مما يصدق القئ على اخراجه واما لو كان مثل درة أو بندقة أو درهم أو نحوها مما لا يصدق معه القئ لم يكن مبطلا. ] من الاجسام التي يتنفر منها الطبع، فان الآية المبارمة بصدد توصيف النبي الامي الذي يجدونه في التوارة وبيان كماله، ولا يعد ذلك التحليل ولا هذا التحريم كمالا له التبة بل المراد - والله العالم - الاعمال الطيبة والاعمال الخبيثة كما ورد في آية أخرى وهي قوله تعالى: وكانت تعمل الخبائث (1) فالآية المباركة بصدد بيان ان دين النبي الاكرم صلى الله عليه وآله متم الاديان ومكمل الاخلاق وشريعته خاتمة الشرايع، ولاجله أحل كل فعل طيب، وحرم كل فعل خبيث، ولا ارتباط لها بالذوات الطيبة والخبيثة بوجه، لعدم انسجام ذلك مع سياق الآية المباركة حسبما عرفت. فلا دليل على حرمة اكل الخبيث أي ما ينفر عنه الطبع. فتحصل انه على تقدير عدم العمل بصحيحة ابن سنان المتقدمة والالتزام ببطلان الصوم بابتلاع ما يخرج بالتجشؤ وثبوت الكفارة، لا دليل على كفارة الجمع لتوقفها على صدق الخبيث عليه وعلى حرمة اكل الخبيث وكلاهما ممنوع بل كبرى كفارة الجمع لدى الافطار بالحرام أيضا ممنوعة كما عرفت. (1) كما لو كان مالا للغير ولم يتلف كذهب أو جوهر وأمكن اخراجه


(1) سورة الانبياء الآية 74

[ 239 ]

ورده إلى صاحبه وحينئذ فان لم يصدق القئ على اخراجه كما لو كان مثل الدرهم أو البندقة ونحو ذلك فلا اشكال كما لا إشكال فيما لو صدق ولكن لم ينحصر الاخراج فيه، بل أمكن بغير القئ أيضا، لعدم التنافي بين الصوم وبين الامر باخراجه، فهو متمكن من امتثال كلا الامرين باختياره الطريق الآخر غير المبطل للصوم. انما الكلام فيما إذا انحصر الاخراج في القئ، فقد حكم - (قده) حينئذ ببطلان الصوم وان لم يتقيأ كما هو ظاهر عبارته (قده)، وقد تقدم الكلام في نظيره في غير مورد. وتفصيل الحال أن الامر بالصوم مطلقا مع الامر بالقئ مما لا يجتمعان فانه تكليف بالمتناقضين، إذ الاول متقوم بالامساك عن القئ فكيف يؤمر بالقئ وبالامساك عنه، وهذا ظاهره إنما الكلام في أنه هل يمكن ذلك على نحو الترتب كما في سائر موارد المتضادين مثل الصلاة والازالة ونحوهما، حيث ذكرنا في محله ان الامر الترتبي أمر معقول، ومجرد امكانه كاف في الوقوع من غير حاجة إلى التماس دليل عليه بالخصوص، بل يكفي فيه اطلاقات الادلة، فهل يمكن في المقام الامر بالقئ أولا وعلى تقدير العصيان يؤمر بالامساك عنه لاجل الصوم. لعل المشهور عدم الامكان كما ذكره الماتن فان الافطار والامساك ضدان لا ثالث لهما، إذ لا واسطة بين القئ وبين الامساك عن القئ فكل منهما مفروض الوجود لدى ترك الآخر بطبيعة الحال. ومعه كيف يمكن الامر بأحدهما لدى ترك الآخر وهل هذا الا من تحصيل الحاصل، نظير الامر بالسكون وبالحركة على تقدير ترك السكون، فان ترك السكون هو الحركة. فمعناه تحرك عند الحركة وهو كما ترى فلا مناص من الالتزام ببطلان الصوم في المقام سواء تقيأ أم لم يتقيأ.

[ 240 ]

[ مسألة 71: إذا اكل في الليل ما يعلم انه يوجب القئ في النهار من غير اختيار فالاحوط القضاء (1). ] ولكن الصحيح - كما مر سابقا - امكان الترتب في امثال المقام لكونهما من الضدين اللذين لهما ثالث، فان المأمور به بالخطاب الترتبي هو الامساك التعبدي لا طبيعي الامساك، فالواجب هي الحصة الخاصة منه، ولاجله كان لهما ثالث وهو الامساك لا بقصد القربة. وعليه فلا مانع من أن يؤمر أولا بالقئ، وعلى تقدير عصيانه يؤمر بالامساك عنه عن قربة نظير أن يقال قف والا تحرك نحو الجانب الشرقي فان تحصيل الحاصل الممتنع هو الامر بالحركة مطلقا لا مقيدا بقيد خاص كالتقييد بالعبادية في المقام. وعليه فلا يكون الصوم باطلا في المقام إلا بالتقيؤ خارجا لا بمجرد الامر به. (1) كما لو شرب قبل الفجر بنصف ساعة دواء يعلم بترتب القئ عليه بعد ساعة، وكان وجه الاحتياط ان المقدمة لما كانت اختيارية فهذا التقيؤ مستند إلى العمد لانتهائه إلى الاختيار، ولكن الظاهر من الادلة ولا سيما موثق سماعة: ان المفطر انما هو التقيؤ العمدي حال الصوم، بحيث يمكنه القئ ويمكنه تركه حال كونه صائما، وهذا غير متحقق في المقام، لانه حال شرب الدواء ليس بصائم، وحين الصوم لا يتعمد التقيؤ فيشمله قوله عليه السلام ان ذرعه أو بدره.. الخ، فهو نظير من اكل أو شرب دواء يعلم أنه يحتلم في النهار فان هذا ليس بمبطل قطعا فلا مانع من العمد إليه. وبعبارة أخرى ليس موضوع الحكم التقيؤ العمدي مطلقا حتى يصدق العمد من أجل انتهائه إلى الاختيار، بل الموضوع للبطلان، تقيؤ الصائم

[ 241 ]

[ مسألة 72: إذا ظهر أثر القئ وامكنه الحبس والمنع وجب إذا لم يكن حرج وضرر (1). مسألة 73: إذا دخل الذباب في حلقه وجب اخراجه مع امكانه (2) ولايكون من القئ ولو توقف اخراجه على القئ سقط وجوبه وصح صومه. مسألة 74: يجوز للصائم التجشؤ اختيارا وان احتمل ] عامد وهو غير متحقق في المقام، فالاظهر عدم البطلان. (1) لصدق العمد إلى القئ مع فرض التمكن من الحبس من غير ضرر لكونه اختياريا له فيجري عليه حكم المتعمد كما هو ظاهر. (2) لكونه في حد نفسه من المحرمات نظرا إلى عدم كونه من المذكى فلا يجوز ابتلاعه والتمكين من وصوله إلى الجوف، سواء صدق عليه الاكل أم لا كما لا يخفى. فما لم يدخل المعدة ليس له أن يبتلعه، بل يجب اخراجه حذرا عن ارتكاب الحرام، وحينئذ فان أمكن اخراجه بغير القئ فلا اشكال، وأما لو توقف على القئ فلا محالة يقع التزاحم بين الحكمين، أعني حرمة الابتلاع وحرمة ابطال الصوم بالتقيؤ، ولا يمكن الجمع بينهما، فاما ان يتقيأ مقدمة لترك الحرام، أو يرتكب الحرام مقدمة للامساك عن القئ الواجب. وقد ذكر (قده) أنه يبتلعه ويصح صومه، والوجه فيه أن الصوم من الفرائض التي بني عليها الاسلام، فهو أهم في نظر الشرع من ابتلاع الذباب الذي هو جرم صغير، وليست حرمته في الاهمية كوجوب الصوم، ولا أقل أنه محتمل الاهمية دون الآخر فيتقدم الصوم لا محالة، وما ذكره (قده) وجيه جدا وفي محله.

[ 242 ]

[ خروج شئ من الطعام معه، واما إذ علم بذلك فلا يجوز (1) مسألة 75: إذا ابتلع شيئا سهوا فتذكر قبل أن يصل إلى الحلق (2) وجب اخراجه وصح صومه واما ان تذكر بعد الوصول إليه فلا يجب بل لا يجوز إذا صدق عليه القئ وان شك في ذلك فالظاهر وجوب اخراجه أيضا مع امكانه عملا باصالة عدم الدخول في الحلق. ] (1) تقدم أن المبطل انما هو التقيؤ، وأما التجشؤ المعبر عنه بالقلس أيضا فلا بأس به، هذا فيما إذا لم يعلم بخروج شئ إلى الفم، واما إذا علم بذلك فقد حكم (قده) بعدم الجواز حينئذ، لكنه لم يظهر لنا وجهه فان الروايات مختصة بالقئ، فكل ما ليس بقئ لا بأس به، والمفروض ان التجشؤ ليس منه، فيشمله عموم " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب " فان هذا العموم هو المحكم ما لم يثبت التخصيص كما في الكذب ونحوه، على أن الدليل على عدم البأس بالتجشؤ موجود بل قد تضمن التصريح بعدم البأس وان نزل قهرا ما خرج من الجوف إلى الفم. نعم في الرجوع الاختياري كلام قد تقدم، وأما غير اختياري فلا ينبغي أن يكون محلا للكلام. فتحصل ان الظاهر عدم البطلان في التجشؤ الاختياري سواء علم برجوع شئ إلى فضاء الفم وعوده إلى الداخل أم لا، أخذا بعموم حصر المفطر كما عرفت. (2) قد عرفت ان المفطر انما هو الاكل العمدي، فالسهوي منه لا ضير فيه. وعليه فلو ابتلع سهوا فتذكر فان كان ذلك قبل الوصول

[ 243 ]

[ مسألة 76: إذا كان الصائم بالواجب المعين مشتغلا بالصلاة الواجبة فدخل في حلقه ذباب أو بق أو نحوهما أو شئ من بقايا الطعام الذي بين اسنانه (1) وتوقف اخراجه ] إلى منتهى الحلق بحيث يصدق تعمد الاكل على ابتلاع مثله بقاء، وان لم يكن كذلك حدوثا فلا اشكال حينئذ في وجوب الاخراج وعدم جواز الابتلاع لاستلزامه بطلان الصوم، وأما لو كان ذلك بعد الوصول إليه فلا يجب الاخراج لعدم كون الابتلاع بعد الوصول إلى هذا الحد مصداقا للاكل، وانما كان اكلا قبل ذلك والمفروض عدم التعمد إليه، فما هو اكل لا عمد فيه، وما تعمد إليه لم يكن من الاكل في شئ فلا يجب الاخراج بل لا يجوز إذا صدق عليه القئ لانه تعمد إليه، وهو بنفسه موجب للبطلان. هذا كله في فرض العلم، وأما لو شك في ذلك وانه هل وصل الحد ودخل الحلق كي لا يجب الاخراج أو لا كي يجب، فقد ذكر الماتن وجوب اخراجه حينئذ أيضا مع امكانه، استنادا إلى اصالة عدم الدخول في الحلق. أقول الظاهر ان هذا الاصل مما لا أصل له ضروره ان الموضوع للبطلان انما هو الاكل والشرب، وعدم الدخول في الحلق في نفسه مما لا أثر له. نعم لازم عدم الدخول المزبور كون ابتلاعه اكلا أو شربا، ومن المعلوم ان هذا اللازم لا يثبت بالاصل المذكور إلا على القول بحجية الاصول المثبتة الذي هو خلاف التحقيق ولا يقول به السيد (قده) أيضا. (1) فان امكن اخراجه من غير ابطال الصلاة فلا اشكال، والا بأن توقف الاخراج على الابطال ولو لاجل التكلم ب‍ (أخ) ونحو ذلك

[ 244 ]

[ على ابطال الصلاة بالتكلم ب‍ (اخ) أو بغير ذلك فان امكن التحفظ والامساك إلى الفراغ من الصلاة وجب وان لم يمكن ذلك ودار الامر بين ابطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالاخراج فان لم يصل إلى الحد من الحلق كمخرج الخاء وكان مما يحرم بلعه في حد نفسه كالذباب ونحوه وجب قطع الصلاة باخراجه ] فان تمكن من التحفظ والامساك إلى الفراغ من الصلاة فلا اشكال أيضا فيلزمه الحفظ حذرا عن قطع الصلاة. وأما إذا لم يتمكن من ذلك أيضا بحيث دار الامر بين ابطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالاخراج فللمسألة صور، إذ الداخل في الحلق قد يكون شيئا يحرم اكله في نفسه كالذباب - لكونه من غير المذكي كما مر - واخرى مما يحل اكله - مع قطع النظر عن الصوم - كبقايا الطعام، وعلى التقديرين فاما ان يكون قد وصل الحد من الحلق كمخرج الخاء بحيث لا يصدق الاكل على ابتلاعه، واخرى لم يصل، فكان الابتلاع مصداقا للاكل فالصور اربع: الاولى: ما إذا حرم اكله في نفسه ولم يصل الحد من الحلق، اما إذا كان ذلك في سعة الوقت ولو بادراك ركعة منه فلا ينبغي التأمل في لزوم قطع الصلاة، إذ لا مزاحمة حينئذ بينهما وبين الصيام، ومعلوم ان دليل حرمة القطع على تقدير تماميته غير شامل للمقام فانه الاجماع وهو دليل لبي لا يعم موارد الحاجة إلى القطع والفرار عن الحرام اعني ابطال الصيام من أظهر مصاديق الحاجة. وأما في الضيق فتقع المزاحمة بين الصلاة وبين الصيام مقرونا بالاجتناب عن الحرام، بمعنى أنه يدور

[ 245 ]

[ ولو في ضيق الوقت الصلاة وان كان مما يحل بلعه في ذاته (1) كبقايا الطعام ففي سعة الوقت للصلاة ولو بادراك ركعة منه يجب القطع والاخراج وفي ضيق الوقت يجب البلع وابطال الصوم تقديما لجانب الصلاة لاهميتها وان وصل إلى الحد ] الامر بين ترك الصلاة وبين ترك الصيام المنضم إلى ارتكاب الحرام أعني ابتلاع ما هو محرم في نفسه، فالامر دائر بين ترك واجب وبين ترك واجب مع فعل محرم، ولا ينبغي التأمل في أن الثاني أهم، فان الصلاة وان كانت في نفسها أهم من الصوم بوحدته الا انه بعد فرض انضمامه إلى فعل المحرم يكون المجموع أعني فعل الصوم المنضم إلى ترك الابتلاع المحرم أهم من فعل الصلاة وحدها، أما قطعا أو لا اقل من احتماله - ولا عكس - فيتقدم لا محالة فيجب عليه رفع اليد عن الصلاة، والمحافظة على الصيام وعلى الاجتناب عن الاكل الحرام، ثم التصدي لقضاء الصلاة خارج الوقت. (1) الثانية ما إذا حل أكله مع عدم الوصول إلى الحلق كبقايا الطعام وحيث ان الامر دائر حينئذ بين ابطال الصلاة وبين ابطال الصيام فقط والمفروض ضيق الوقت حتى عن الركعة، واما مع السعة فقد ظهر حكمه مما مر - فلا مناص من اختيار الثاني، إذ لا ريب ان الصلاة أهم من الصوم، كيف وانها عمود الدين وأساس الاسلام وبها يمتاز المسلم عن الكافر كما ورد كل ذلك في النص، ومع التنزل فلا أقل من كون المقام من موارد الدوران بين التعيين، والتخيير، إذ لا يحتمل تقديم الصوم جزما والمقرر في محله ان الدوران المزبور في المسألة الفقهية مورد للبراءة في غير

[ 246 ]

[ فمع كونه مما يحرم بلعه (1) وجب اخراجه بقطع الصلاة وابطالها على اشكال وان كان مثل بقايا الطعام (2) لم يجب وصحت صلاته وصح صومه على التقديرين لعدم عد اخراج مثله قيئا في العرف. مسألة 77: قيل يجوز للصائم ان يدخل اصبعه في حلقه ويخرجه عمدا وهو مشكل (3) مع الوصول إلى الحد فالاحوط الترك. ] موارد المزاحمة وأما فيها كالمقام فالمتعين هو تقديم محتمل التعين وهو الصلاة كما عرفت. (1) ومما ذكرنا يظهر الحال في الصورة الثالثة وهي ما إذا حرم اكله في نفسه - أي التمكين من وصوله إلى الجوف - مع وصوله الحد من الحلق فان الابتلاع المزبور لا يضر بالصوم بعد فرض وصوله الحد لعدم صدق الاكل فتتمحض المزاحمة بين وجوب الصلاة وبين حرمة اكل ذلك الشئ كالذباب بمعنى والتمكين من ايصاله الجوف كما عرفت، ولا شك ان الاول أهم فيتقدم فيبتلعه ويتم صلاته. (2) وأوضح حالا الصورة الرابعة أعني ما إذا حل اكله في نفسه وقد وصل الحد من الحلق إذ لا مزاحمة ههنا اصلا فانه محلل الاكل فلا ضير في ابتلاعه في نفسه والمفروض وصول الحد فلا يضر بصومه أيضا، فلا موجب لتوهم رفع اليد عن الصلاة أبدا فيبتلعه ويتمها ولا شئ عليه كما هو ظاهر. (3) لا يخفى انه ليس وجه استشكال الماتن (قده) احتمال صدق

[ 247 ]

[ مسألة 78: لا بأس بالتجشؤ القهري وان وصل معه الطعام إلى فضاء الفم ورجع (1) بل لا بأس بتعمد التجشؤ ما لم يعلم انه يخرج معه شئ من الطعام وان خرج بعد ذلك وجب القاؤه ولو سبقه الرجوع إلى الحلق لم يبطل صومه وان كان الاحوط القضاء. فصل في اعتبار العمد والاختيار في الافطار المفطرات المذكورة ما عدا البقاء على الجنابة (2) ] القئ على خروج الاصبع من الحلق، كيف وقد ذكره هو (قده) قبل عدة مسائل ان القئ أمر عرفي لا يكاد يصدق على مثل خروج الدرة أو النواة ونحوهما، فليس مطلق خروج الشئ من الجوف معدودا من القئ. فيظهر من ذلك ان استشكاله (قده) في المقام ليس من هذه الجهة، بل هو من اجل احتماله صدق الاكل بناء على ما تقدم منه (قده) من عدم الفرق فيه بين المأكول العادي وغير العادي الذي لا يكون متعارفا فيشمل مثل الاصبع، وهذا أيضا كما ترى، لانصراف مفهوم الاكل عن مثل ذلك - أعني أدخال الاصبع في الجوف واخراجه - قطعا، فلو ادخل يده في حلقه لداع كاخراج عظم السمك مثلا، لا يقال عرفا انه اكل اصبعه بالضرروة، فأدلة الاكل ايضا منصرفة عن ذلك جزما فلا موجوب للحكم بالبطلان. (1) يظهر حال هذه المسألة مما مر في مطاوي المسائل السابقة فلا حاجة إلى الاعادة فانها تكرار محض. (2) تقدم حكم البقاء على الجنابة، وعرفت انه قد يوجب البطلان

[ 248 ]

[ - الذي مر الكلام فيه تفصيلا - انما توجب بطلان الصوم إذا وقعت على وجه العمد والاختيار واما مع السهو وعدم القصد فلا توجبه. ] ولو بدون العمد كما في النومة الثانية، بل الكفارة أيضا على قول كما في النومة الثالثة. وأما غير ذلك من ساير المفطرات فشئ منها لا يوجب البطلان، إلا إذا حدث عن القصد والعمد، فإذا لم يكن قاصدا كما لو دخل شئ في جوفه قهرا عند المضمضة أو غيرها، أو زلت قدمه فارتمس في الماء بغير اختياره، أو كان قاصدا ولكن لم يكن عامدا كما في الناسي لصومه فانه متعمد في ذات الفعل كالاكل مثلا ولكنه غير متعمد في الافطار لم يبطل صومه. والظاهر ان هذا الحكم من الواضحات المتسالم عليها بين الفقهاء ولم يقع فيه خلاف، كما صرح به غير واحد. ويدلنا عليه، أما بالنسبة إلى غير القاصد أي من صدر عنه الفعل من غير اردة واختيار قصور المقتضى للبطلان أولا فانه الذي يحتاج إلى الدليل، أما الصحة فهي مقتضى القاعدة أخذا بقوله عليه السلام: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ فان المأمور به هو الاجتناب ولا شك في تحققه لدى صدور الفعل بغير اختيار لوضوح ان معنى الاحتناب أن لا يفعله متعمدا، ويكون بعيدا عنه وعلى جانب منه، فهو فعل اختياري، فلو ارتكب الفعل - كالاكل - عن قصد يصدق انه لم يجتنب عنه بخلاف مالو صدر عنه بغير قصد واختيار فانه يصدق معه الاجتناب بلا ارتياب. وعلى الجملة فعدم الدليل على البطلان يكفي في الحكم بالصحة. نعم في البقاء على الجنابة قام الدليل على

[ 249 ]

البطلان في النومة الثانية، وأما في المقام فلم يدل عليه دليل حسبما عرفت هذا أولا: وثانيا على تقدير الحاجة إليه يكفينا ما ورد في الناسي وهي عدة روايات - كما سيجئ - دلت على الصحة معللا في جملة منها بأنه رزق رزقه الله، فإذا ثبتت الصحة في الناسي مع كونه متعمدا وقاصدا إلى ذات الفعل ففيما لا قصد فيه الصادر بغير ارادة واختيار بطريق أولى، وتؤيده الروايات الواردة في خصوص بعض المفطرات المصرحة بتخصيص الحكم بصورة العمد مثل ما ورد في الكذب، وفي القئ حسبما مر في محله. هذا وربما يستدل لذلك بالنصوص المتضمنة للقضاء على من أفطر متعمدا، فيقال انها تدل على اعتبار العمد في القضاء كالكفارة. ولكن هذه النصوص بأجمعها تضمنت التقييد بالعمد في كلام السائل دون الامام عليه السلام فلاحظ (1). ومثله لا دلالة له على المفهوم ليقتضي نفي القضاء عن غير المتعمد. نعم خصوص رواية المشرقي تضمنت التقييد بالعمد في كلام الامام عليه السلام قال. سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمدا ما عليه من الكفارة؟ فكتب: من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوما بدل يوم (2). وقد ذكرنا في محله في الاصول ان الجزاء إذا كان مشتملا على أمرين - كما في المقام وهما الكفارة والقضاء - فلا يبعد دعوى انصرافه عرفا إلى أن كل واحد منهما مترتب على الشرط مستقلا فمفهومه ان من لم يتعمد فليس عليه كفارة ولا قضاء، لا ان الجزاء هو المجموع المركب منهما


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 11 (2) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 11

[ 250 ]

ليكون مفهومه نفي المجموع لدى نفي العمد غير المنافي لثبوت القضاء حينئذ حتى لا يدل على تقييد القضاء بالعمد. فالانصاف ان الدلالة غير قاصرة، إلا أن النسد لا يخلو من الخدش، فان المشرقي وهو هشام ابن ابراهيم أو هاشم بن ابراهيم - على الخلاف في ضبطه - العباسي لم يوثق ولم يذكر بمدح، بل فيه شئ فلا يعتمد عليه ولاجله تسقط الرواية عن الاستدلال، فالعمدة ما ذكرناه من قصور المقتضى والاولوية المؤيدة بما عرفت. واما بالنسبه إلى الناسي عن الصوم غير العامد إلى الافطار فتدل على عدم البطلان حينئذ عدة من الروايات وفيه الصحاح والموثقات: منها صحيحة الحلبي (1) عن رجل نسي فأكل وشرت ثم ذكر قال: لا يفطر انما هو شئ رزقه الله فليتم صومه، رواها المشايخ الثلاثة والسند في جميعها صحيح، وموثقة عمار (2) عن الرجل ينسى وهو صائم فجامع أهله، فقال: يغتسل ولا شئ عليه، وصحيحة زرارة (3) في المحرم يأتي أهله ناسيا، قال: لا شئ عليه انما هو بمنزلة من أكل في شهر رمضان وهو ناس. فان التنزيل يدل على مفروغية الحكم في المنزل عليه وموثقة سماعة (4) عن رجل صام في شهر رمضان فأكل وشرب ناسيا قال: يتم صومه وليس عليه قضاء، وصحيحة محمد بن قيس (5) عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان امير المؤمنين عليه السلام يقول: من صام فنسى فأكل وشرب فلا يفطر من أجل انه نسي فانما هو رزق رزقه


(1) الوسائل باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (2) الوسائل باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 (3) الوسائل باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4 (4) الوسائل باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5 (5) الوسائل باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 9

[ 251 ]

[ من غير فرق بين أقسام الصوم (1) من الواجب المعين والموسع والمندوب. ولافرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه والعالم (2) ] الله تعالى فليتم صيامه، إلى غير ذلك من الروايات. وهذه الروايات وان كان موردها الاكل والشرب والجماع، ولم ترد في غيرها من المفطرات مثل الارتماس ونحوه، إلا انه لابد من الحاق الباقي بما ذكر لاجل التعليل المذكور فيها، كما في صحيحتي ابن قيس والحلبي. فيظهر ان هذا حكم لجميع المفطرات. على ان أساس الصوم متقوم بالاجتناب عن الاكل والشرب والجماع وكل ذلك مذكور في القرآن قال تعالى: كلوا واشربوا.. الخ، وقال تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث.. الخ، فإذا كان الحكم ثابتا في الاساس بمقتضى هذه النصوص المشتملة على كل ذلك ففي غيره بطريق أولى للقطع بعدم الفرق من هذه الجهة. (1) فان النصوص المتقدمة وان ورد بعضها في خصوص رمضان كصحيحة زرارة المتقدمة (1) وبعضها في خصوص النافلة كصحيحة أبي بصير " رجل صام يوما نافلة فأكل وشرب ناسيا، قال: يتم يومه ذلك وليس عليه شئ (2) ولكن بقية الاخبار مطلقة فلا موجب لتقييد الحكم ببعض أقسام الصوم. (2) ذكر (قده) انه لا فرق في البطلان في صورة العمد بين العالم والجاهل، كما لا فرق في الجاهل بين القاصر والمقصر، وانما يفترقان


(1) الوسائل باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4 (2) الوسائل باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 252 ]

في العقاب فقط لمكان العذر، فلو شرب الجاهل الدواء بتخيل أنه لا يضر أو اكل مقدارا قليلا من الحبوب بزعم ان بلعه غير قادح في الصحة بطل صومه سواء ان قاصرا أم مقصرا. والظاهر ان هذا الحكم متسالم عليه بين معظم الفقهاء، ولكن نسب الخلاف إلى ابن ادريس فخص البطلان بالعالم، وأما الجاهل فلا كفارة عليه ولا قضاء، واختاره صاحب الحدائق مصرا عليه. أما الكلام في الكفارة فسيجيئ قريبا ان شاء الله تعالى. وأما القضاء فلا شك انه مقتضى الاطلاقات في أدلة المفطرية كغير المقام من ساير الابواب الفقهية من العبادات والمعاملات، فان مقتضى الاطلاق فيها عدم الفرق بين العالم والجاهل فيبطل مطلقا إلا ما خرج بالدليل وإذا بطل وجب قضاؤه بطبيعة الحال، وكذلك قوله تعالى: كلوا واشربوا خطاب عام لجميع المكلفين من العالمين والجاهلين. وبازاء هذه المطلقات روايتان: احداهما موثقة زرارة وأبي بصير قالا جميعا سألنا أبا جعفر عليه السلام عن رجل أتى أهله في شهر رمضان وأتى أهله وهو محرم وهو لا يرى الا ان ذلك حلال له؟ قال: ليس على شئ (1)، والاخرى صحيحة عبد الصمد الواردة فيمن لبس المخيط حال الاحرام جاهلا أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه (2). فانها بعمومها تشمل المقام. وقد ذكرها الشيخ الانصاري في الرسائل في أصالة البراءة بلفظة ايما رجل.. الخ ولكن المذكور في الوسائل ما عرفت. وكيفما كان فقد استدل بهاتين الروايتين على نفي القضاء عن الجاهل بدعوى أن النسبة بينهما وبين المطلقات المتقدمة عموم من وجه، إذ هما


(1) الوسائل باب 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 12 (2) الوسائل باب 45 من تروك الاحرام حديث 3

[ 253 ]

خاصتان بالجاهل عامتان من حيث القضاء والكفارة على العكس من المطلقات فانها خاصة بالقضاء عامة من حيث العالم والجاهل فيتعارضان في مورد الاجتماع وهو الجاهل من حيث الحكم بالقضاء فانه غير واجب بمقتضى الروايتين، وواجب بمقتضى الاطلاقات وبعد تساقط الاطلاقين المتعارضين وان كان بالعموم من وجه على ما بيناه في بحث التعادل والتراجيح يرجع إلى الاصل وهو اصالة البراءة من تقيد الصوم بذلك كما هو الشأن في الدوران بين الاقل والاكثر. ويندفع أولا بأن الاطلاقات السابقة تتقدم، وذلك من أجل أن تقييد الحكم بالعلم به وان كان أمرا ممكنا في نفسه بأن يؤخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، بل هو واقع كما في باب القصر والتمام والجهر والاخفات وما ذكر من استحالته لاستلزام الدور قد أجبنا عنه في محله. فهو في نفسه أمر ممكن ولكن لا شك أنه بعيد عن الاذهان العرفية بمثابة ذهب جماعة كثيرون إلى استحالته واحتاجوا إلى التشبث بتوجيهات عديدة في موارد الوقوع كالمثالين المزبورين منها ما ذكره صاحب الكفاية (قده) من الالتزام باختلاف المرتبة في الملاك بحيث لا يمكن استيفاء المرتبة الراقية بعد اشتغال المحل بالدانية ولاجله يعاقب. وعلى الجملة تقييد الحكم في هذه المطلقات بالعالمين به مما يأباه الفهم العرفي جدا ولا يساعد عليه بوجه، بل هو يرى ان الحكم - كغيره - له نحو ثبوت وتقرر قد يعلم به الانسان واخرى يجهله اما عن قصور أو تقصير، فلا مناص من التحفظ على هذه الاطلاقات وتقييد الروايتين بنفي الكفارة فقط. وثانيا لو أغمضنا عن ذلك وفرضنا ان التقييد غير بعيد فهاتان الروايتان قاصرتان عن الاطلاق في نفسهما ولا تعمان القضاء بوجه، بل تختصان

[ 254 ]

بنفي الكفارة فقط. أما صحيحة عبد الصمد فالامر فيها واضح ضرورة ان لبس المخيط لا يستوجب بطلان الحج ليحتاج إلى القضاء حتى في صورة العلم والعمد بل غايته الاثم والكفارة فهو تكليف محض، ولا يستتبع الوضع لتدل على نفي القضاء مع الجهل. فان قلت التأمل في الصحيحة صدرا وذيلا يشهد بأنها ناظرة إلى نفي فساد الحج الذي افتى به العامة وانه ليس عليه الحج من قابل، كما أنه ليس عليه بدنة فهي مسوقة لنفي كلا الحكمين لدى الجهل بمقتضى تفريع قوله: أي رجل.. الخ على الامرين معا لا خصوص الثاني. قلت: الصحيحة، وان كانت مسوقة لنفي ما زعمه المفتون من العامة من فساد الحج إلا أنه لا يحتمل أن يكون نفي الفساد فيها من آثار الجهل ومتفرعا عليه لما عرفت من الصحة وان لبس المخيط عالما عامدا بلا خلاف فيه ولا اشكال، وانه لا يترتب عليه الا الاثم والكفارة بالضرورة من غير حاجة إلى القضاء قطعا، فيعلم من هذه القرينة الواضحة ان نظره (ع) في قوله: أي رجل ركب.. الخ إلى نفي الكفارة فقط، فهذا التفريع مترتب على خصوص ذلك دون نفي القضاء. وأما الموثقة وكذا الصحيحة ان لم يتم ما قدمنه فيها فلاجل ان المنفي في ظرف الجهل انما هو الاثر المترتب على الفعل وانه ليس عليه شئ من ناحية فعله الصادر عن جهل لا ما يترتب على الترك ومن المعلوم ان الاثر المترتب على الفعل أعني الافطار انما هو الكفارة فقط فهي المنفي، وأما القضاء فليس هو من آثار الفعل وإنما هو من آثار ترك الصوم وعدم الاتيان به في ظرفه على وجهه فهو أثر للعدم لا للوجود: نعم لاجل الملازمة بين الامرين أعني الافطار وترك الصوم الناشئة من كون الصوم والافطار ضدين لا ثالث لهما صح اسناد أثر أحدهما إلى الآخر مجازا وبنحو

[ 255 ]

من العناية، فيقال ان الافطار موجب للقضاء، مع ان الموجب لازمه وهو ترك الصوم كما عرفت. وهذا نظير من أحدث في صلاته أو تكلم متعمدا فانه موجب للبطلان إلا ان الاعادة أو القضاء ليس من آثار الحدث أو التكلم، بل من آثار ترك الصلاة وعدم الاتيان بها على وجهها الذي هو لازم فعل المبطل فتسند الاعادة إليه تجوزا ومسامحة، فيقال من تكلم في صلاته متعمدا فعليه الاعادة كما ورد في النص، وهكذا الحال في الصحيحة فان مفادها انه لا شئ عليه من ناحية ركوبه الامر بجهالة، فلا أثر للفعل الذي ارتكبه، وذلك الاثر هو الكفارة المترتبة على الافطار، وأما القضاء، فهو من آثار ترك الصوم فلا تشمله الصحيحة بوجه، إذا فليس للروايتين اطلاق من الاول بل هما ينفيان الآثار المترتبة على الفعل ولا ينظران إلى بقية الآثار المترتبة على ملازم هذا الفعل، فلا تعارض حتى تصل النوبة إلى تساقط الاطلاقين والرجوع إلى الاصل العملي. وتوضيح المقام انا قد ذكرنا في الاصول عند التكلم حول حديث الرفع. ان المرفوع لابد أن يكون احد امرين اما الحكم المتعلق بالشئ أو الحكم المترتب على الشئ بحيث يكون هذا الشئ الذي تعلق به النسيان أو الاكراه أو غيرهما موضوعا بالاضافة إليه، فمعنى رفعه في عالم التشريع عدم كونه متعلقا للحكم الثابت له في حد نفسه أو عدم كونه موضوعا للحكم المترتب عليه في حد نفسه، فبحسب النتيجة يفرض وجوده كالعدم وكأنه لم يكن فإذا اضطر أو نسى أو اكره على شرب الخمر مثلا فمعنى رفعه ان هذا الشرب لا يكون متعلقا للحرمة الثابتة له في حد نفسه، كما انه لا يكون موضوعا للحكم الآخر المترتب عليه كوجوب الحد، فهو ايضا مرفوع عنه، فيكون ذلك تخصيصا في أدلة الاحكام الاولية وموجبا

[ 256 ]

لاختصاصها بغير هذه الموارد المذكورة في الحديث. واما لو فرضنا ان الموضوع للحكم شئ آخر غاية الامر انه ملازم بحسب الوجود مع متعلق الاضطرار أو الاكراه ونحوهما فلا يكاد يرتفع الحكم عن ذلك الموضوع بحديث الرفع. فلو فرضنا انه مضطر أو مكره على التكلم في الصلاة، فغايته ان حرمة القطع على تقدير القول بها مرفوعة واما وجوب الاعادة أو القضاء المترتب على عدم الاتيان بالمأمور به الذي هو لازم التكلم فلا يتكفل الحديث لرفعه بوجه، فانه حكم مترتب على موضوع آخر لا ربط له بمتعلق الاكراه أو الاضطرار وان كانا متقارنين بحسب الوجود الخارجي ضرورة ان عدم الاتيان بالصلاة من لوازم التكلم لا عينه، فان الاتيان بها والتكلم ضدان واحدهما لازم لعدم الآخر، فلا يكاد يرتفع بالحديث بوجه، بل مقتضى الاطلاقات عدم الفرق في مبطلية التكلم بين الاختيار وغيره، ولاجل ذلك لم يذهب أحد من الفقهاء - فيما نعلم - إلى عدم بطلان الصلاة لدى التكلم عن اكراه أو اضطرار بل هو من الكلام العمدي قاطع للصلاة وموجب للاعادة بلا اشكال، لعدم الاتيان بالمأمور به. ومقامنا من هذا القبيل فان صحيحة عبد الصمد تنفي الآثار المترتبة على لبس المخيط في صورة الجهل من الاثم والكفارة لا ما يترتب على شئ آخر، فلا تدل على نفي الاعادة المترتبة على عدم الاتيان بالمأمور به وكذلك الحال في الموثقة فان مفادها انه ليس عليه شئ في فعله، ومن المعلوم ان القضاء ليس من آثار الفعل، أعني ارتكاب المفطر في ظرف الجهل، بل هو من آثار عدم الاتيان بالمأمور به. فإذا لا يمكن التمسك بهاتين الروايتين للقول بأن الاتيان جهلا لا يوجب البطلان، وانما يصح الاستدلال بهما لنفي الكفارة فقط كما سيجيئ التعرض لها قريبا ان شاء الله تعالى.

[ 257 ]

[ ولا بين المكره وغيره (1) فلو اكره على الافطار فافطر مباشرة فرارا عن الضرر المترتب على تركه بطل صومه على الاقوى نعم لو وجر في حلقه من غير مباشرة منه لم يبطل. ] ولاجل ذلك لم يحتمل أحد انه إذا تكلم في صلاته جاهلا بالمبطلية لم تبطل صلاته مع أن ذلك هو مقتضى عموم الصحيحة: أي رجل ركب امرا.. الخ فلو تم الاستدلال بها في المقام لصح في باب الصلاة أيضا بمناط واحد، وهو كما ترى لايتم في كلا الموردين، والسر ما عرفت من أن الاعادة والقضاء من آثار ترك المأمور به لا من آثار فعل المبطل أو المفطر. فتحصل ان الصحيح ما ذكره الماتن من عدم الفرق في البطلان بالافطار العمدي بين العالم والجاهل على ان تقييد المفطرية بالعلم بعيد عن الاذهان العرفية في حد نفسه كما مر. وقد ظهر مما ذكرنا ان المفطرية والمبطلية ثابتة لنفس هذا الفعل، فالاكل مثلا عن جهل هو المبطل حقيقة، ولكن القضاء غير مترتب عليه وانما هو مترتب على لازمه وهو عدم الاتيان بالمأمور به، والمرفوع في الروايتين انما هو الاثر المترتب على الفعل لا الترك، والقضاء من آثار الترك لا الفعل كما عرفت بما لا مزيد عليه. (1) فلو تناول المفطر باختياره ولكن بغير طيب النفس، بل لاكراه الغير ودفعا لضرره وتوعيده بطل صومه لصدوره عن العمد والاختيار فتشمله اطلاقات الادلة، فان الاختيار له معنيان: تارة يطلق في مقابل عدم الارادة، واخرى في قبال الاكراه، أي بمعنى الرضا وطيب النفس

[ 258 ]

وبما ان الفعل في المقام صادر عن الارادة فهو اختياري له بالمعنى الاول فيكون مصداقا للعمد المحكوم بالمفطرية في لسان الادلة: نعم التحريم مرفوع في ظرف الاكراه بمقتضى حديث الرفع، واما المفطرية فلا يمكن رفعها بالحديث ضرورة ان الامر بالصوم قد تعلق بمجموع التروك من أول الفجر إلى الغروب، وليس كل واحد من هذه التروك متعلقا لامر استقلالي بل الجميع تابع للامر النفسي الوجداني المتعلق بالمركب ان ثبت ثبت الكل والا فلا، فان الاوامر الضمنية متلازمة ثبوتا وسقوطا بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بينها كما في اجزاء الصلاة وغيرها من ساير العبادات. فإذا تعلق الاكراه بواحد من تلك الاجزاء فمعنى رفع الامر به رفع الامر النفسي المتعلق بالمجموع المركب لعدم تمكنه حينئذ من امتثال الامر بالاجتناب عن مجموع هذه الامور فإذا سقط ذلك الامر بحديث الرفع فتعلق الامر حينئذ بغيره، بحيث يكون الباقي مأمورا به - كي تكون النتيجة سقوط المفطرية عن خصوص هذا الفعل - يحتاج إلى الدليل، ومن المعلوم ان الحديث لا يتكفل باثباته، فان شأنه الرفع لا الوضع، فهو لا يتكفل لنفي المفطرية عن الفعل الصادر عن اكراه لينتج كون الباقي مأمورا به ومجزيا، كما هو الحال في الصلاة، فلو اكره على التكلم فيها فمعناه أنه في هذا الآن غير مأمور بالاتيان بالمقيد بعدم التكلم واما الامر بالباقي فكلا واما القضاء فان كان من الاحكام المترتبة على نفس الفعل، اعني ارتكاب المفطر كالكفارة فلا مانع من نفيه لحديث رفع الاكراه، ولكنك عرفت انه من آثار ترك المأمور به وعدم الاتيان به في ظرفه الملازم لفعل المفطر فلا مجال حينئذ للتمسك بالحديث، لان المكره عليه هو الفعل وليس القضاء من آثاره، فاطلاق دليل القضاء على من فات عنه الواجب في وقته هو المحكم. فالتفرقة بين الكفارة والقضاء واضحة.

[ 259 ]

[ مسألة 1: إذا اكل ناسيا فظن فساد صومه فافطر عامدا بطل صومه (1) ] هذا فيما إذا كان ارتكاب المفطر بارادته واختياره ولكن عن اكراه واما إذا لم يكن باختياره كما لو اوجر في حلقه فلا اشكال في عدم البطلان لان الواجب انما هو الاجتناب كما في الصحيحة: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب.. الخ الذي هو فعل اختياري، وهذا حاصل في المقام ضرورة ان الصادر بغير قصد وارادة بل كان بايجار الغير وادخاله غير مناف لصدق الاجتناب كما هو ظاهر جدا. (1) بعد ما ذكر (قده) البطلان مع العمد من غير فرق بين العلم والجهل وعدم البطلان مع النسيان تعرض (قده) لصورة اجتماع النسيان مع الجهل مترتبا كما لو اكل أولا ناسيا ثم انه لاجل زعمه فساد صومه بذلك أفطر ثانيا عامدا، فكان افطاره مستندا إلى جهله بصحة صومه وتخليه فساده، وقد حكم (قده) حينئذ ببطلان الصوم لا فطارد العمدي وان استند إلى الجهل لما مر من عدم الفرق - بعد فرض العمد - بين العلم والجهل. وهذا بناء على ما تقدم من ان الجاهل كالعامد لا اشكال فيه. وأما بناء على الحاقه بالساهي فهل هذا مثل الجاهل بالحكم، أو ان بين المقام وبين الجاهل بالمفطرية فرقا. قد يقال بالفرق وان القول بالصحة في الاول لا يلازم القول بالصحة هنا. نظرا إلى ان موضوع الموثقة أو الصحيحة هو الصائم مع الجهل بكون هذا مفطرا ومحل الكلام بعكس ذلك، فانه يعلم بالمفطرية ويجهل بصومه، فالتعدي إلى المقام بلا موجب. وعليه فحتى لو قلنا بعدم البطلان هناك لاجل الموثقة أو الصحيحة نلتزم بالبطلان

[ 260 ]

[ وكذا لو اكل بتخيل ان صومه مندوب يجوز ابطاله فذكر انه واجب (1) ] هنا، ولعله لاجل ذلك تردد المحقق (قده) في المسألة الاولى مع جزمه هنا بالبطلان. ولكن الظاهر عدم الفرق. اما أولا فلان دليل الصحة في تلك المسألة لم يكن منحصرا بالموثقة ليقال ان الموضوع فيها هو الصائم مع الجهل بالمفطرية والمقام بعكس ذلك. فمع الغض عن هذه تكفينا صحيحة عبد الصمد " أي رجل ركب امرا بجهالة.. الخ " فانها غير قاصرة الشمول للمقام، فان من اكل معتقدا فساد صومه يصدق في حقه أنه ركب أمرا بجهالة، فإذا كان قوله عليه السلام فيها لا شئ عليه شاملا للقضاء ولاجله حكم بالصحة في فرض الجهل لم يكن عندئذ فرق بين المقامين وشملهما الصحيحة بنطاق واحد كما لا يخفى. وثانيا ان الموثقة بنفسها أيضا شاملة للمقام، إذ لم يؤخذ فيها شئ من الامرين لا عنوان كونه صائما ولا كونه جاهلا بالمفطرية، بل الموضوع فيها اتيان الاهل في شهر رمضان وهو لا يرى ان هذا محرم عليه، وهذا كما ترى صادق على الموردين معا، فكما ان من يعلم صومه ويجهل بالمفطرية - كتخيل ان شرب الدواء مثلا لا بأس به - مشمول له، فكذا عكسه إذ يصدق في حقه أيضا أنه جامع أواكل وهو يرى ان هذا حلال له ولو لاجل اعتقاد عدم كونه صائما، فكلا الفرضين مشمول للموثق بمناط واحد، وعلى القول بأن الجاهل لا قضاء عله نلتزم به في المقام أيضا. (1) أو تخيل أنه واجب موسع، فانه لا ينبغي الشك في البطلان لاطلاق أدلة المفطرية بعد وضوح قصور الموثق عن الشمول للمقام،

[ 261 ]

[ مسألة 2: إذا افطر تقية من ظالم بطل صومه (1) ] إذ الظاهر من قوله عليه السلام: وهو لا يرى إلا ان هذا حلال له، الحلية من كلتا الجهتين، أي تكليفا ووضعا، كما هو منصرف لفظ الحلية بقول مطلق لا مجرد التكليف فقط كما في المقام، وكذا الحال في صحيحة عبد الصمد، فان الجهالة فيها عامة للتكليف والوضع وفي المقام ارتكب ما يعلم بأنه مفطر، غاية الامر يجهل بموضوع صومه المستلزم للجهل بحرمة الافطار. فشئ من الروايتين لا يشمل المقام قطعا كما هو ظاهر جدا. (1) إذا اقتضت التقية تناول المفطر كالارتماس في الماء، أو الافطار لدى سقوط القرص وقبل ذهاب الحمرة وغير ذلك مما هو محل الخلاف بيننا وبين العامة، وقد ارتكب على طبق مذهبهم تقية، فهل يبطل الصوم بذلك، كما عرفت الحال في الاكراه على ما سبق حيث عرفت انه رافع للحرمة التكليفية فقط، وأما الصوم فمحكوم بالفساد لعدم الدليل على الاجزاء أو أن للتقية خصوصية لاجلها يحكم بصحة العمل أيضا وعدم بطلانه؟ تقدم الكلام حول ذلك بالمناسبة في مطاوي بعض الابحاث السابقة وذكرنا ان روايات التقية وهي كثيرة جدا على قسمين. أحدهما وهو الاكثر مادل على وجوب التقية تكليفا، كقوله (ع) من لا تقية له لا دين له، وقوله (ع): التقية ديني ودين آبائي، إلى غير لك من الاخبار الآمرة بالتقية بهذا اللسان أو بغيره، نظير التقية من الكفار في قوله تعالى: الا ان تتقوا منهم تقاة.. الخ. فان هذه الروايات لا تدل على صحة العمل أبدا، بل غايتها الحكم التكليفي، وان من الواجبات الالهية التقية وعدم اظهار المخالفة، فيجوز كل ما لم يكن جائزا في نفسه، بل قد يجب بالعنوان الثانوي.

[ 262 ]

ثانيهما مادل على صحة العمل وانه يؤجر عليه، بل يكون أجره زائدا على عمله. وهذا كما في باب الصلاة ومقدماتها من الوضوء وغيره فقد ورد في بعض النصوص انه لو صلى معهم تقية يكون ثواب جميع المصلين له، وان الرحمة الالهية تنزل من السماء فان لم تجد أهلا رفعت والا أصابت أهلها، وان كان شخصا واحدا، ولاجله كان ثواب جميع من في المسجد لذلك المتقى. وبالجملة دلت النصوص الكثيرة على الاجزاء في باب الصلاة، بل في بعضها التصريح بعدم الحاجة إلى الاعادة متى رجع إلى بيته، فاستكشفنا من هذه النصوص ان الصلاة أو الوضوء تقية تقوم مقام العمل الصحيح بل تزيد عليه كما عرفت. وأما غير الصلاة ومقدماتها من الحج أو الصوم ونحوهما فلم نجد أي دليل يدل على الاجزاء فان غاية ما يستفاد من الادلة - في باب الصوم - جواز الافطار معهم للتقية، وان من لا تقية له لا دين له. ومن الواضح ان هذا بالاضافة إلى الصحة وحصوص الاجزاء، أي سقوط الاعادة أو القضاء لازم أعم، ومن الجائز أن يكون ذلك من قبيل الاكراه المسقط للتكليف فقط دون الوضع كما عرفت. فيكون التحفظ والاتقاء واجبا في نفسه من غير استلزام لصحة العمل بوجه كي يكون محسوبا له وموردا للامتثال، إذ لا مانع من أن يكون مأمورا به ومع ذلك لا يكون مجزيا كما في موارد الاكراه والاضطرار. وملخص الكلام ان النصوص الكثيرة قد دلت على مشروعية التقية بل وجوبها بل كونها من أهم الواجبات الالهية، حتى سلب الدين ممن لا تقية له، إلا ان هذه الروايات أجنبية عن باب الاجزاء بالكلية، فان الوجوب بعنوان التقية لا يستلزم الصحة، والتكليف لا يلازم الوضع أبدا

[ 263 ]

ومقتضى القاعدة أعني اطلاق أدلة الاجزاء والشرائط والموانع هو البطلان وعدم الاجزاء. نعم ثبت الاجزاء في خصوص باب الصلاة ومقدماتها بأدلة خاصة، غير الادلة الاولية المتكفلة لمشروعية التقية أو وجوبها، فلو سجد مثلا على مالا يصح السجود عليه، أو أمن أو تكتف في صلاته أو غسل رجله، أو نكس في وضوئه كل ذلك يجزى ولا حاجة إلى الاعادة للادلة الخاصة، فكل مورد قام الدليل فيه بالخصوص على الاجزاء فهو المتبع، وأما غير ذلك ومنه الصيام في المقام فلا يجزئ، ومقتضى القاعدة حينئذ هو البطلان حسبما عرفت. ولكن قد يقال انه يستفاد الاجزاء بصورة عامة من بعض نصوص التقية وعمدتها روايتان. الاولى: مادل على ان التقية في كل شئ ما عدا ثلاثة التي منها المسح على الخفين وهي ما رواه في الكافي باسناده عن أبي عمر الاعجمي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث انه قال: لا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين، وفي صحيح زرارة قال: قلت له في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن احدا شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج، قال زرارة ولم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن احدا (1). فانه يستفاد من الاستثناء بقرينة ان المسح على الخفين ليس في نفسه من أحد المحرمات ان الحكم عام للوضع والتكليف، وان المسح على الخفين لا يجزي ولكن غيره يجزي، فهي تدل على الاجزاء في ساير موارد التقية، كما تدل على الجواز بمعنى أن المستثنى منه أعم من الحكم التكليفي


(1) الوسائل باب 25 من ابواب الامر بالمعروف الحديث 3، 5

[ 264 ]

والوضعي باعتبار استثناء المسح. ويرد عليه أولا إن سند رواية الاعجمي غير خال من الخدش، فان صاحب الوسائل يرويها عن الكافي وعن المحاسن عن أبي عمر الاعجمي وهو مجهول. نعم يرويها معلق الوسائل في الطبعة الجديدة عن كتاب المحاسن هكذا (عن هشام وعن أبى عمر الاعجمي) وعلى هذا تكون الرواية صحيحة من أجل ضميمة هشام، ولكن هذه النسخة معارضة بالنسخة التي كانت عند صاحب الوسائل العارية عن (الواو) كما عرفت فلم يبق وتوثق بهذه النسخة. ولو سلمنا ان جميع نسخ المحاسن كذلك إلا انها معارضة برواية الكافي حيث انها أيضا خالية من الواو كما سمعت إذا فيشك في كيفية السند ومعه تسقط الراية عن درجة الاعتبار. وثانيا مع الغض عن السند فهي معارضة في موردها بما دل على جريان التقية في المسح على الخفين أيضا كما تقدم في محله. وثالثا أن نفي الاتقاء في ذلك اما لعدم الموضوع للتقية لامكان المسح على الرجلين أو غسل الرجلين لعدم كون المسح على الخفين متعينا عندهم وعدم كون الامر منحصرا فيه، بل هو ليدهم سائغ جائز لا أنه واجب لازم، كما ان الامر في شرب النبيذ والمسكر أيضا كذلك فانه لا يجب عندهم فله أن يمتنع، أو أن المراد انه (ع) هو بنفسه لا يتقي لعدم الحاجة إليها وعدم الابتلاء، ولذا اسنده إلى نفسه (ع) كما اشير إليه في ذيل صحيح زرارة المتقدم. وقد مر الكلام حول ذلك في محله مستقصى. ورابعا مع الغض عن كل ذلك فهي في نفسها قاصرة الدلالة على الاجزاء والصحة، فان الاستثناء في قوله عليه السلام: التقية في كل شئ إلا.. الخ استثناء عما ثبت، والذي ثبت هو الوجوب، ويكون حاصل المعنى أن التقية التي لها كمال الاهمية بحيث ان من لا تقية له لا دين له

[ 265 ]

وهي ديني ودين آبائي، وبطبيعة الحال كانت واجبة موردها غير هذه الثلاثة، فالتقية فيها حتى في المسح الخفين غير واجب، ولا يكون تركها حراما. وأين هذا من الدلالة على الاجزاء فلا تعرض فيها الا لبيان مورد وجوب التقية وانه غير هذا الثلاثة. ومن الواضح ان الوجوب في غير الثلاثة وعدمه فيها لا يستدعى ارادة الاعم من الحكم الوضعي ورفع اليد عن الظهور في الاختصاص بالحكم التكليفي كما عرفت. والحاصل انه ليس في هذه الرواية الناظرة إلى أدلة التقية أي دلالة على الاجزاء، بل غايته ان تارك التقية فاسق إلا في هذه الموارد الثلاثة فهي أجنبية عن الدلالة على الاجزاء والصحة بالكلية. الرواية الثانية ما رواه في الكافي باسناده عن أبي الصباح ". ثم قال: ما صنعتم من شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فانتم منه في سعة " (1). وهذه الرواية من حيث السند معتبرة فان الظاهر ان المراد بأبى الصباح هو ابرهيم بن نعيم المعروف بالكناني الذي قال الصادق عليه السلام في حقه انه ميزان لا عين فيه وهو ثقة جدا ومن الاجلاء، وسيف بن عميرة أيضا موثق، وكذا علي بن الحكم وان قيل انه مردد بين اشخاص. واما من حيث الدلالة فربما يستظهر من عمومها ان كل عمل يؤتى به في حال التقية، فالمكلف في سعة من ناحيته ولا يلحقه شئ، ولا يترتب عليه أثر ومنه القضاء في المقام، وهذا كما ترى مساوق للصحه والاجزاء. ولكن الجواب عن هذا أيضا قد ظهر مما مر فان غاية ما تدل عليه انما هو السعة من ناحية ارتكاب العمل فلا تلحقه تبعة من هذه الجهة. لا من ناحية ترك الواجب لتدل على الاجزاء والاكتفاء بالعمل الناقص


(1) الوسائل ج 16 باب 12 من ابواب الايمان ص 162 الحديث 2

[ 266 ]

عن الكامل. فلو فرضنا ان الفعل المتقى فيه كان له أثر لولا التقية كالكفارة لو كان يمينا والبينونة لو كان طلاقا، والمؤاخذة لو كان شربا للخمر أو النبيذ - لو جرت التقية فيه - وكما لو لاقى الماء جسما أصابه الدم وقد أزيل عنه العين ولو بالبصاق حيث يرونه طاهرا حينئذ فاضطر إلى شرب ذلك الماء تقية. ففي جميع هذه الموارد لا يترتب الاثر المترتب على الفعل في حد نفسه من المؤاخذة وغيرها، فلا تترتب الكفارة ولا المؤاخذة على ارتماس الصائم لو صدر منه تقية. وأما القضاء فليس من آثار الفعل لينتفي أيضا ويكون في سعة من ناحيته، وانما هو من آثار ترك المأمور به، ولا تعرض للرواية للتوسعة من هذه الناحية أبدا لتدل على الصحة والاجزاء بل يمكن أن يقال ان مفاد هذه الرواية خصوصا بقرينة ما كان محلا للابتلاء سابقا من الحلف امام القضاة وحكام الجور لانجاء نفس مؤمن أو ماله من ظالم كما ربما يشير إليه ما ورد من قوله (ع) إحلف بالله كاذبا وانج اخاك، ليس إلا رفع التكليف والتوسعة من ناحية المؤاخذة فقط، نظير قوله عليه السلام: الناس في سعة مالا يعلمون، ولا نظر فيها إلى جهة اخرى حتى مثل الكفارة، وكيفما كان فقد تحصل ان شيئا من أدلة التقية لا تفي بالاجزاء فيما عدا باب الصلاة ومقدماتها فلابد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة وقد عرفت ان مقتضاها عدم الاجزاء عملا باطلاق أدلة الاجزاء والشرائط والموانع هذا. وربما يقرب الاجزاء في المقام وغيره بأن مادل على مشروعية التقية بل وجوبها وانها من الدين انما هو باعتبار انطباقها على نفس العمل المأتي به

[ 267 ]

خارجا الفاقد للجزء أو الشرط أو المشتمل على المانع، فإذا كان العمل بنفسه مصداقا للتقية وواجبا بل من الدين كما نطقت به النصوص كان لا محالة مأمورا به بالامر الاضطراي ومن المقرر في محله اجزاؤه عن الامر الواقعي ولا سيما بالنسبة إلى القضاء لعدم فوات شئ منه فلا موضوع له. وبالجملة الوضوء مع غسل الرجلين مثلا لو كان مأمورا به بنفسه فهو بأمر اضطراري والاجزاء في مثله لا يحتاج إلى دليل خاص، بل هو مقتضى القاعدة في كافة الاوامر الاضطرارية بالنسبة إلى المأمور به الواقعي. ولكن هذا التقريب يتوقف على احراز أن التقية الواجبة تنطبق على ذات العمل وهو غير واضح، ومن المحتمل جدا أن يكون الواجب هو الاتقاء وحفظ النفس، ويكون العمل مقدمة له وما به تتحقق التقية فلا دلالة حينئذ على الاجزاء، نظير التكلم في الصلاة مثلا تقية من مشرك كي لا يعلم باسلامه فيقتله، فانه لا يمكن القول بصحة العمل وكونه مجزيا وان ساغ له التكلم لمكان الاضطرار والتقية، بل ان تطرق هذا الاحتمال بمجرده كاف في سقوط الاستدلال كما لا يخفى. ثم انا لو فرضنا تمامية نصوص التقية ولا سيما الروايتين المتقدمتين في الدلالة على الاجزاء فلا يفرق الحال بين مالا يرونه مفطرا حال الصوم كالارتماس، وبين ما يرونه مفطرا إلا انهم لا يرون وجوب الصوم وقتئذ كالاكل مثلا في يوم عيدهم لشمول الادلة لكلا القسمين بمناط واحد فان الصوم عبارة عن الامساك عن مجموع المفطرات في مجموع النهار، وكما انه مضطر في القسم الاول إلى ارتكاب خصوص الارتماس تقية مع التمكن عن الاجتناب عن بقية المفطرات في ساير الآنات، فكذا في القسم الثاني فانه يضطر أيضا إلى خصوص الاكل مثلا في هذه الساعة

[ 268 ]

[ مسألة 3: إذا كانت اللقمة في فمه واراد بلعها لنسيان الصوم فتذكر وجب اخراجها وان بلعها مع امكان القائها بطل صومه بل تجب الكفارة أيضا وكذا لو كان مشغولا بالاكل فتبين طلوع الفجر. مسألة 4: إذا دخل الذباب أو البق أو الدخان الغليظ أو الغبار في حلقه من غير اختياره لم يبطل صومه وان امكن اخراجه وجب ولو وصل إلى مخرج الخاء (1). ] الخاصة كي لا تتبين لهم المخالفة مع القدرة على الاجتناب عن سائر المفطرات في بقية النهار، ولا يكون هذا من باب ترك الواجب رأسا حتى يقال إن الادلة انما تدل على اجزاء الفعل الناقص عن الكامل لا إجزاء الترك رأسا عن الفعل، ضرورة ان في هذا القسم أيضا لم يترك المأمور به بالكلية، وانما هو من قبيل الفعل الناقص حسبما عرفت. نعم لو اقتضت التقية في مورد ترك المأمور به رأسا، كما لو فرضنا ان ترك الصلاة من أول الفجر إلى طلوع الشمس مورد للتقية لم يكن هذا الترك موجبا للاجزاء كما هو واضح، ولكن الافطار في يوم العيد ليس من هذا القبيل قطعا كما عرفت. فعلى القول بالاجزاء لا يفرق بين القسمين الا انك عرفت عدم تمامية الادلة الا في موارد خاصة. هذا ملخص ما أردنا ايراده في مسألة التقية في الصوم فلاحظ وتدبر (1) ما ذكره (قده) في هذه المسألة وسابقتها واضح لا سترة عليه وقد ظهر الحال فيهما من مطاوي ما تقدم فلا حاجة إلى الاعادة:

[ 269 ]

[ مسألة 5: إذا غلب على الصائم على العطش بحيث خاف من الهلاك يجوز له ان يشرب الماء مقتصرا على مقدار الضرورة (1) ] (1) ينبغي التكلم في جهات الاولى لا اشكال في جواز الشرب حينئذ بمقتضى القاعدة حفظا من التهكلة من غير حاجة إلى نص خاص، إذ مامن شئ حرمه الله إلا واحله عند الضرورة مضافا إلى حديث رفع الاضطرار فجواز الشرب بمقدار تندفع به الضرروة وقاية للنفس من خوف الهلاك مما لا ينبغي التأمل فيه مضافا إلى ورود النص الخاص بذلك وهو موثقة عمار في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه، قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروى، المؤيدة برواية مفضل بن عمر وان كانت ضعيفة السند، قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان لنا فتيات وشبانا لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش قال: فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون (1). وقد يقال ان المذكور في الموثقة العطاش، أي من به داء العطش فتكون الرواية من أخبار باب ذي العطاش الاجنبي عما نحن فيه. ويندفع بأن الرواية وان ذكرت في الوسائل وفي المدارك عن الكافي كما ذكر ولكن الظاهر انه تصحيف والنسخة الصحيحة العطش بدل العطاش كما في التهذيب والفقيه، لاجل ان ذا العطاش لا يروى مهما شرب فما معنى نهيه عن الارتواء كما في الموثقة على ان الصوم ساقط عنه لدخوله فيمن يطيقونه، فهو مأمور بالكفارة لا بالصوم، ومورد الموثق هو الصائم كما لا يخفى، فالظاهر ان العطاش اشتباه اما من الكافي أو


(1) الوسائل باب 16 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 1، 2

[ 270 ]

[ ولكن يفسد صومه بذلك (1) ويجب عليه الامساك بقية النهار (2) إذا كان في شهر رمضان. واما في غيره من الواجب الموسع (3) والمعين فلا يجب الامساك وان كان احوط في الواجب المعين. ] من قلم النساخ، والصحيح ما اثبته الشيخ نقلا عن الكليني وعن عمار نفسه بلفظ العطش كما عرفت. (1) الثانية هل يفسد الصوم بالشرب المزبور فيجب قضاؤه أولا؟ الظاهر ذلك، بل لا ينبغي التأمل فيه لعموم أدلة المفطرية بعد فرض صدور الافطار عن العمد والاختيار وان كان مضطرا إليه، فان دليل الاضطرار انما يرفع الحكم التكليفي، فغايته جواز الشرب الذي كان محرما في نفسه، وأما صحة الصوم ليجتزئ بالامساك عن الباقي فلا دليل عليها بوجه. (2) الثالثة هل يجب عليه الامساك بقية النهار؟ الظاهر ذلك كما اختاره في المتن، وان لم يعلم ذهاب المشهور إليه، فان مورد كلامهم في وجوب الامساك التأدبى من كان مكلفا بالصوم وأفطر عصيانا لا من كان مأمورا بالافطار من قبل الشارع كما في المقام: وكيفما كان فيدلنا على الوجوب الموثقة والرواية المتقدمتان لتحديد الشرب فيهما بقدر ما يمسك والنهي عن الارتواء، ومن الواضح عدم احتمال الفرق بين الشرب وبين ساير المفطرات، فيعلم من ذلك وجوب الامساك بقية النهار عن الجميع. (3) الرابعة هل يختص الحكم المزبور بشهر رمضان أو يلحق به

[ 271 ]

[ مسألة 6: لا يجوز للصائم ان يذهب إلى المكان الذي يعلم اضطراره فيه إلى الافطار (1) باكراه أو ايجار في حلقه أو نحو ذلك ويبطل صومه لو ذهب وصار مضطرا ولو كان بنحو الايجار بل لا يبعد بطلانه بمجرد القصد إلى ذلك فانه كالقصد إلى الافطار. ] غيره من الصوم الواجب الموسع والمعين. أما في الموسع فلا اشكال في عدم الالحاق لجواز الافطار وعدم وجوب الامساك من الاول فيجوز له رفع اليد والتبديل بيوم آخر، وأما المعين فالظاهر عدم الالحاق فيه أيضا لان وجوب الامساك بعد فرض بطلان الصوم حكم على خلاف القاعدة ولابد من الاقتصار في مثله على المقدار المتيقن، والمتيقن مما دلت عليه الموثقة انما هو شهر رمضان، فانه المستفاد منها بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع وإلا فلم يذكر فيها الصوم رأسا، فهي اما منصرفة إلى شهر رمضان أو مجملة والمتيقن منها ذلك. وكيفما كان فليس لها اطلاق يعول عليه في شمول الحكم لغيره أيضا. وهكذا الحال في رواية المفضل فانها منصرفة بمناسبة الحكم والموضوع إلى صوم رمضان على انها ضعيفة السند لا تصلح للاستدلال حتى لو كانت مطلقة من هذه الجهة. (1) أما إذا كان الاضطرار بالاكراه على الافطار فلا اشكال في عدم الجواز وفي البطلان لو اكره عليه لصدور الفعل حينئذ عن عمد واخيتار، وقد تقدم عدم الفرق فيه بين المكره وغيره، بل يبطل بمجرد القصد إلى ذلك لانه بمثابة القصد إلى الافطار - كما ذكره في المتن - الموجب لزوال نية الصوم نعم لا تترتب الكفارة على مجرد زوال النية ما لم يقترن باستعمال المفطر

[ 272 ]

[ مسألة 7: إذا نسى فجامع لم يبطل صومه (1) وان ] خارجا كما تقدم. وأما إذا كان بنحو الايجاز فربما يستشكل فيه نظرا إلى أنه غير مفطر، فالعمد إلى الذهاب في مورده عمد إلى غير المفطر وبذلك يفترق عن الاكراه الذي يصدر في مورده الفعل بارادة واختيار، فيكون مفطرا والعمد إلى الذهاب حينئذ عمد إلى المفطر، فالمقام نظير من علم انه لو نام يحتلم أوانه لو اكل شيئا في الليل يحتلم في النهار، فكما ان النوم أو الاكل جائز وان ترتب عليه الاحتلام لعدم كون ذلك عمدا إلى المفطر، فكذا الذهاب في المقام بنفس المناط. ولكنه بمراحل عن الواقع لوضوح الفرق بين الموردين فان المفطر لو كان هو خروج المني على اطلاقه لكان القياس في محله ولكن المفطر انما هو الجماع أو الاستمناء أو البقاء على الجنابة وشئ من ذلك غير صادق على الاحتلام، فالعمد إليه ليس عمدا إلى المفطر كما ذكر، وأما في المقام فالمفطر هو الشراب والطعام ولابد للصائم من الاجتناب عنهما بمقتضى قوله عليه السلام: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ ولا ينبغي التأمل في عدم صدق الاجتناب عن الطعام فيما إذا ذهب باختياره إلى مكان يعلم بايجار الطعام أو الشراب في حلقه، فان مثل هذا يقال في حقه انه جائع يريد ان يحتال لرفع جوعه. وعلى الجملة يصدق على هذا الشخص العامد في الذهاب أنه عامد إلى الافطار، فلا يكون ناويا للصوم فيبطل لفقد النية، بل تجب الكفارة أيضا لو تحقق خارجا لاستناد الافطار إليه وانتهائه إلى اختياره. (1) اما عدم البطلان لدى النسيان فظاهر مما مر، وأما وجوب المبادرة إلى الاخراج مع التذكر فالظاهر ان الامر كذلك حتى على القول

[ 273 ]

[ تذكر في الاثناء وجب المبادرة إلى الاخراج والا وجب عليه القضاء والكفارة. فصل: - في امور لا بأس بها للصائم لا بأس للصائم بمص الخاتم أو الحصى ولا بمضغ الطعام للصبي ولابزق الطائر ولا بذوق المرق ونحو ذلك مما لا يتعدى إلى الحلق (1) ولا يبطل صومه إذا اتفق التعدي إذا كان من غير قصد ولا علم بأنه يتعدى قهرا أو نسيانا اما مع العلم بذلك من الاول فيدخل في الافطار العمدي. ] بأن دليل المفطرية ظاهر في الحدوث ولا يعم البقاء كما لا يبعد دعوى ذلك في مثل الارتماس، فلو ارتمس ناسيا فتذكر في الاثناء امكن القول بعدم وجوب المبادرة لجواز أن لا يصدق الارتماس عرفا على البقاء، واما في المقام فلابد من المبادرة إلى الاخراج لان تركه مناف للاجتناب المأمور به في الصحيحة " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ " فان الواجب بمقتضى هذه الصحيحة الاجتناب عن النساء ومعنى ذلك ان يكون على جانب منها وبعيدا عنها، ومن لم يبادر إلى الاخراج لم يجتنب عن النساء في هذه الحالة بالضرورة فيبطل صومه بل تجب عليه الكفارة أيضا. (1) ذكر (قده) عدة امور لا بأس بارتكابها للصائم كمص الخاتم أو الحصى أو مضغ الطعام للصبي أو زق الطائر أو ذوق المرق وجواز هذه الامور مضافا إلى انه يقتضيه عموم حصر المفطر المذكور في صحيحة ابن مسلم التي رواها المشايخ الثلاثة لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ

[ 274 ]

[ وكذا لا بأس بمضغ العلك ولا ببلع ريقه (1) وان وجد له طعما فيه ما لم يكن ذلك بتفتت أجزاء منه بل كان لاجل المجاورة. ] فان مقتضاها جواز ارتكاب كل شئ ما عدا الخصال الاربع وما الحق بها بالادلة الاخر وليس المذكورات منها، قد ورد النص الخاص على الجواز في كل واحد منها بالخصوص كما لا يخفى على من لاحظها. نعم في ذوق المرق تعارضت روايات الجواز التي منها صحيحة الحلبي سئل عن المرأة الصائمة تطبخ القدر فتذوق المرق تنظر إليه. فقال لا بأس به، مع رواية دلت على المنع وهي صحيحة سعيد الاعرج عن الصائم أيذوق الشئ ولا يبلعه؟ قال: لا (1). وعن الشيخ حمل الثانية على عدم الحاجة، والاولى على صورة الاحتياج إلى الذوق كالطباخ ونحوه ولكنه كما ترى جمع تبرعي لا شاهد عليه بوجه، ومقتضى الجمع العرفي هو الحمل على الكراهة لصراحة الاولى في الجواز فيرفع اليد عن ظهور احداهما بصراحة الاخرى. ثم انه لو تعدى ما في فمه إلى الحلق الدى الذوق أو المضغ فان كان ذلك بحسب الاتفاق من غير سبق القصد والعلم به فلا اشكال في عدم البطلان لخروجه عن العمد الذي هو المناط في الافطار كما مر، وأما لو كان عالما بأنه يتعدى قهرا أو نسيانا فلاجل اندراجه حينئذ في الافطار العمدي لمكان الانتهاء إلى الاختيار يبطل صومه بل تجب الكفارة أيضا. (1) لما عرفت من عموم حصر المفطر مضافا إلى صحيح ابن مسلم


(1) الوسائل باب 37 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 2

[ 275 ]

قال: قال أبو جعفر عليه السلام يا محمد إياك أن تمضغ علكا فاني مضغت اليوم علكا وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا (1). فان تعليله (ع) التحذير بما وجده في نفسه عند مضغه (ع) دليل قاطع على الجواز وإلا فلا يحتمل ارتكابه (ع) للحرام، غايته أنه مكروه ولاجله حذره عنه، وعليه يحمل النهي الوارد في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت: الصام يمضغ العلك، قال: لا (2). وبالجملة فلا اشكال في جواز المضغ وجواز بلع الريق المجتمع حال المضغ وان وجد له طعما بمقتضى الاطلاق بل وصريح صحيح ابن مسلم ولكن فيما إذا كان ذلك لاجل المجاورة كما هو المتعارف عند مضغه، دون ما إذا كان بتفتت أجزائه لصدق الاكل المفطر حينئذ. وقد يقال بعدم البأس في صورة التفتت فيما إذا كانت الاجزاء المتفتتة مستهلكة في الريق، إذ لا موضوع حينئذ كي يصدق معه الاكل، نظير استهلاك التراب اليسير في الدقيق المصنوع منه الخبز فانه لا مانع من أكله ولا يعد ذلك اكلا للتراب المحرم لانتفاء الموضوع بنظر العرف، وإنما يتجه المنع في المقام في فرض عدم الاستهلاك. ويندفع بأن الممنوع لو كان هو الاكل لامكن المصير إلى ما افيد، إلا ان الواجب على الصائم انما هو الاجتناب عن الطعام والشراب أي المأكول والمشروب بمقتضي صحيحة ابن مسلم: (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ) ولا ينبغي الريب في عدم صدق الاجتناب عن المأكول فيما إذا بلع الاجزاء المتفتتة من العلك وان كانت مستهلكة في الريق فان الاستهلاك المزبور غير مجد في صدق الاجتناب وان منع عن


(1) الوسائل باب 36 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (2) الوسائل باب 36 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 2

[ 276 ]

[ وكذا لا بأس بجلوسه في الماء ما لم يرتمس رجلا كان أو امرأة (1) وان كان يكره لها ذلك. ] صدق الاكل، فلو فرضنا ان الصائم أخذ من السكر مقدارا يسيرا كحبة مثلا فمزجه بريقه إلى أن استهلك ثم أخذ حبة اخرى وهكذا إلى أن استكمل مثقالا من السكر طول النهار على سبيل التدريج بحيث أمكنه ايصال المثقال في جوفه ولكن على النهج المزبور، أو عمد إلى مقدار نصف استكان من الماء فأخذ منه قطرة فقطرة ومزجها بريقه فاستهلك وابتلع أفهل يمكن أن يقال أن هذا الشخص اجتنب عن الطعام في الاول وعن الشراب في الثاني نعم لا يصدق الاكل والشرب إلا أنه يصدق عدم الاجتناب عن المأكول والمشروب قطعا، فيضر بصومه بمقتضى الصحيحة المتقدمة ويوجب البطلان بل الكفارة، فلا فرق إذا بين الاستهلاك وعدمه، ولا موقع لهذا التفصيل. (1) أما الرجل فلا خلاف فيه ولا اشكال كما نطقت به النصوص المعتبرة، وأما في المرأة فالمعروف والمشهور ذلك، ولكن نسب إلى أبي الصلاح وجوب القضاء، وعن ابن البراج وجوب الكفارة أيضا والمستند فيه ما رواه الصدوق وغيره باسناده عن حنان بن سدير أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الصائم يستنقع في الماء، قال: لا بأس، ولكن لا ينغمس والمرأة لا تستنقع في الماء لانها تحمل الماء بقبلها (1). ونوقش في سندها بأن حنان بن سدير واقفي ولاجله تحمل الرواية على الكراهة ولكن الرجل موثق والوقف لا يضر بالوثاقة: فلا وجه للطعن في السند ولا للحمل على الكراهة من هذه الجهة. نعم لابد من الحمل عليها لوجهين آخرين: أحدهما ان هذه المسألة كثيرة الدوران ومحل الابتلاء غالبا لاكثر النساء


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 6

[ 277 ]

[ ولا ببل الثوب ووضعه على الجسد (1). ] فلو كان الاستنقاع مفطرا لهن لاشتهر وبان وشاع وذاع وكان من الواضحات فكيف ذهب المشهور إلى الخلاف، بل لم ينسب القول بذلك لغير ابى الصلاح وابن البراج كما عرفت. ثانيهما: ان لسان التعليل بنفسه يفيد الكراهة، إذ ظاهره ان الاستنقاع بنفسه لا يقدح، وانما القدح من ناحية حمل الماء بالقبل بحيث لو تمكنت من شد الموضع بما يمنع من دخول الماء فيه لم يكن باس في استنقاعها، مع ان دخول الماء في القبل ليس من قواطع الصوم في حد نفسه حتى عند أبي الصلاح وابن البراج، كيف والنساء لا يسلمن من ذلك عند الاستنجاء غالبا ولم يستشكل أحد في ذلك ولا ينبغى الاستشكال فيه، فانه ليس من الاكل ولا الاحتقان ولا غيرهما من سائر المفطرات، فنفس هذا التعليل يشعر بابتناء النهي على التنزيه والكراهة كما لا يخفي. (1) قد دلت جملة من الروايات على المنع: منها ما رواه الشيخ باسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن الحسن بن بقاع عن الحسن الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول قال: ولا، لا يشم الرياحين (1). فان طريق الشيخ إلى ابن فضال الذي هو ضعيف في نفسه يمكن تصحيحه بأن شيخه وشيخ النجاشي واحد وطريقه إليه معتبر، فيكون هذا الطريق أيضا معتبرا بحسب النتيجة، إذ لا يحتمل أن يروي للنجاشي غير الذي رواه للشيخ وهذا من طرق التصحيح كما مر نظيره قريبا، والحسن بن بقاع - والصواب - بقاح - كما ذكره في الوسائل في باب 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 13 - موثق ولكن


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 10

[ 278 ]

الحسن بن زياد الصيقل لم تثبت وثاقته فالرواية ضعيفة النسد، وان كانت ظاهرة الدلالة على المنع. ومنها: رواية المثنى الحناط والحسن الصيقل (1) وهي أيضا ضعيفة بالارسال وجهالة ابن زياد. ومنها: رواية عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لاتلزق ثوبك إلى جسدك وهو رطب وأنت صائم حتى تعصره (2) حيث يظهر منه التفصيل بين المبلول الذي يقبل العصر فلا يلزق وبين مالا يقبل فلا بأس به، ولكنها أيضا ضعيفة السند بجهالة عبد الله بن الهيثم. ومنها: وهي العمدة ما رواه الكليني باسناده عن الحسن بن راشد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الحائض تقضي الصلاة؟ قال: لا قلت، تقضي الصوم؟ قال: نعم، قلت من أين جاء ذا؟ قال: ان أول من قاس ابليس، قلت والصائم يستنقع في الماء؟ قال: نعم، قلت فيبل ثوبا على جسده؟ قال: لا، قلت: من أين جاء ذا؟ قال: من ذلك. الخ (3). وهي بحسب الدلالة واضحة ولكن نوقش في سندها بان الحسن بن راشد ضعيف، وليس الامر كذلك، فان هذا الاسم مشترك بين ثلاثة، أحدهم الحسن بن راشد أبو علي وهو من الاجلاء ومن أصحاب الجواد (ع)، الثاني الحسن بن راشد الطفاوي الذي هو من أصحاب الرضا (ع) وقد ضعفه النجاشي صريحا، الثالث الحسن بن راشد الذي يروي عن جده يحيى كثيرا وهو من أصحاب الصادق (ع) وادرك الكاظم (ع) أيضا، وهذا لم يذكر بمدح ولا قدح في كتب الرجال رأسا، والذى ذكر - وذكر بالقدح كما عرفت - انما هو الطفاوي


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4 (2) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 (3) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5

[ 279 ]

[ ولا بالسواك باليابس بل بالرطب ايضا (1) لكن إذا أخرج المسواك من فمه لا يرده وعليه رطوبة والا كانت كالرطوبة الخارجية لا يجوز بلعها الا بعد الاستهلاك في الريق وكذا لا بأس بمص لسان الصبي أو الزوجة إذا لم يكن عليه رطوبة ] الذي هو من أصحاب الرضا ولم يدرك الصادق (ع)، والراوي لهذه الرواية انما هو الاخير الذي يروي عن الصادق (ع)، وهو وان لم يذكر في كتب الرجال ولكنه مذكور في أسانيد كامل الزيارات، وهذا غير الطفاوي الضعيف جزما. وعليه فلا بأس بسند الرواية، لكن لابد من حمل النهي الوارد فيها على الكراهة، إذ مضافا إلى ان الحرمة لو كانت ثابتة لشاع وذاع وكان من الواضحات لكون المسألة كثيرة الدوران ومحلا للابتلاء غالبا يدل على الجواز صريحا أو ظاهرا صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: قال الصائم يستنقع في الماء ويصب على بالمروحة وينضح البوريا تحته ولا يغمس رأسه في الماء (1) فان التبرد بالثوب ظاهر بقرينة ما سبقه وما لحقه في ان منشأ التبريد بل الثوب بالماء لامنعه عن اشراق الشمس على البدن، ولا برودته بحسب جنسه لكونه من الكتان مثلا ونحو ذلك، فان ذلك كله خلاف سياق الرواية جدا، فانها ناظرة صدرا وذيلا إلى استعمال الماء، فيظهر أن منشأ التبريد كون الثوب مبلولا، ولاجل ذلك يحمل النهي في موثق ابن راشد على الكراهة. (1) إذ مضافا إلى أنه مقتضى الاصل وعموم حصر المفطر قد دلت


(1) الوسائل باب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 280 ]

[ ولا بتقبيلها أو ضمها أو نحو ذلك. مسألة 1: إذا امتزج بريقه دم واستهلك فيه يجوز بلعه على الاقوى (1) وكذا غير الدم من المحرمات والمحللات والظاهر عدم جواز تعمد المزج والاستهلاك بالبلع (2) سواء كان مثل الدم ونحوه من المحرمات أو الماء ونحوه من المحللات فما ذكرنا من الجواز انما هو إذا كان ذلك على وجه الاتفاق ] النصوص المعتبرة على الجواز من غير فرق بين اليابس والرطب، وان كان الثاني مكروها للنهي في بعضها المحمول عليها جمعا. نعم لو اخرج المسواك من فمه وعليه رطوبة فبما انها تعد بعدئذ رطوبة خارجية، لو أدخله ثانيا لم يجز ابتلاعها كما تقدم نظيره في الخيط المبلول بالريق إلا بعد الاستهلاك في الريق على تفصيل يأتي في المسألة الآتية. وأما التقبيل والضم فقد دلت عليه النصوص، وكذا مص لسان الزوجة أو الزوج فلاحظ. (1) إذ لا موضوع له بعد فرض الاستهلاك ليحرم بلعه سواء اكان الممزوج محرما في نفسه كالدم أم محللا كبقايا الطعام بين الاسنان، بل كل ما دل على جواز ابتلاع الريق مما مر يشمل المقام بمقتضى الاطلاق لعدم خروج المستهلك فيه عن كونه مصداقا لابتلاع الريق حسب الفرض. (2) لما تقدم في العلك من ان هذا وان لم يصدق عليه الاكل أو الشرب لفرض الاستهلاك إلا أن التكليف غير مقصور على المنع عن الاكل والشرب، بل الصائم مكلف بمقتضى قوله: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ بالاجتناب عن الطعام والشراب ومعنى الاجتناب أن يكون

[ 281 ]

[ فصل يكره للصائم امور (احدها) مباشرة النساء لمسا وتقبيلا وملاعبة خصوصا لمن تتحرك شهوته بذلك بشرط أن لا يقصد الانزال ولا كان من عادته (1) والا حرم إذا كان في الصوم الواجب المعين (الثاني) الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما مما يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق وكذا ذر مثل ذلك في العين. (الثالث) دخول الحمام إذا خشى منه الضعف. (الرابع) اخراج الدم المضعف بحجامة أو غيرها وإذا علم بادائه إلى الاغماء المبطل للصوم حرم بل لا يبعد كراهة كل فعل يورث الضعف أو هيجان المرة. ] على جانب منه وبعيدا عنه، ومن الواضح ان المتعمد المزبور غير مجتنب عن ذلك فان من جعل الماء في فيه قطرة فقطرة فمزجه بريقه حتى استهلك فبلع وكذا السكر ونحوه بحيث أوصل إلى جوفه كمية من الطعام أو الشراب ولو تدريجا يصح أن يقال عرفا انه لم يجتنب عن الطعام والشراب وان لم يصدق عليه الاكل والشرب، فلم يصدر منه الصوم المأمور به. فما ذكره (قده) من التفرقة بين الاستهلاك الاتفاقي فيجوز، وما كان مقصودا من الاول فلا يجوز هو الصحيح حسبما عرفت وجهه. (1) أما مع قصد الانزال فلا ينبغي الاشكال في البطلان لمنافاة القصد إلى المفطر مع نية الصوم كما هو ظاهر. وأما مع فرض العادة فالظاهر

[ 282 ]

[ (الخامس) السعوط مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق والا فلا يجوز على الاقوى. (السادس) شم الرياحين خصوصا النرجس والمراد بها كل نبت طيب الريح. (السابع) بل الثوب على الجسد. (الثامن) جلوس المرأة في الماء بل الاحوط لها تركه. (التاسع) الحقنة بالجامد. (العاشر) قلع الضرس بل مطلق ادماء الفم. (الحادي عشر) السواك بالعود الرطب. (الثاني عشر) المضمضة عبثا وكذا ادخال شئ آخر في الفم لا لغرض صحيح. ] ان الامر كذلك وان احتمل عدم خروج المني لان جريان العادة يوجب الاطمئنان بالخروج، فهو قاصد لفعل يترتب عليه خروج المني وان لم يتعلق القصد به ابتداء. وهذا نظير ما ذكره في القتل العمدي من أنه لو قصد القتل أو قصد فعلا يترتب عليه القتل فهو قتل عمدي، لا انه شبه العمد وغيره خطأ. فيكفي في صدق العمد إلى الشئ قصد فعل يترتب عليه ذلك الشئ عادة بحيث يطمأن بحصوله خارجا. بل تقدم في بحث الاستمناء ان مجرد الشك كاف ولا يحتاج إلى الاطمئنان، فمجرد احتمال خروج المني احتمالا عقلائيا بحيث لا يبقى معه وثوق بعدم الخروج موجب للبطلان، وذلك

[ 283 ]

[ (الثالث عشر) انشاد الشعر ولا يبعد اختصاصه بغير المراثى أو المشتمل على المطالب الحقة من دون اغراق أو مدح الائمة (ع) وان كان يظهر من بعض الاخبار التعميم. (الرابع عشر) الجدال والمراء واذى الخادم والمسارعة إلى الحلف ونحو ذلك من المحرمات والمكروهات في غير حال الصوم فانه تشتد حرمتها أو كراهتها حاله. فصل فيما يوجب الكفارة المفطرات المذكورة كما انها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفارة (1) إذا كانت مع العمد والاختيار من غير كره ولا ] لتعليق جواز المباشرة والملاعبة في صحيحة ابن مسلم وزرارة على ما إذا كان واثقا من نفسه بعدم خروج المني (1). واليه يشير ما في صحيح منصور من الجواز في الشيخ الكبير دون الشاب الشبق، لحصول الوثوق في الاول دون الثاني غالبا. فيظهر من ذلك ان مجرد الاحتمال كاف في عدم الجواز إلا ان يثق ويطمئن من نفسه بعدم الخروج. هذا ولا حاجة للتعرض إلى بقية المكروهات التي أشار إليها في هذا الفصل لوضوحها فلاحظ. (1) قد ورد في غير واحد من النصوص وجوب الكفارة على من أفطر متعمدا كصحيحة عبد الله بن سنان وغيرها كما لا يخفى على من لاحظها ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أقسام المفطرات، وان الاعتبار بنفس الافطار الذي هو مضاد للصوم ولا ثالث لهما، فان الافطار في نظر العرف في مقابل الاجتناب عن خصوص الاكل والشرب، ولكن الشارع اعتبر


(1) الوسائل باب 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 13

[ 284 ]

الصوم مؤلفا من الاجتناب عن عدة امور اخر أيضا زائدا على ذلك من الارتماس والجماع والكذب والحقنة ونحو ذلك مما تقدم. فمتى تحقق الامساك بهذا النحو كان صائما والا فهو مفطر، فيندرج حينئذ تحت اطلاق هذه النصوص الدالة على ثبوت الكفارة على من أفطر. ودعوى الانصراف إلى خصوص الاكل والشرب كما في الجواهر غير مسموعة، بعد كون الصوم في نظر الشرع مؤلفا من مجموع تلك التروك ومضادا للافطار من غير ثالث كما عرفت. والاقتصار في بعض الاخبار على القضاء لا يدل على نفي الكفارة، غاية الامر انها ساكتة عنها وغير متعرضة لها فتثبت بعموم النصوص المشار إليها، وقد تقدم التعرض لذلك عند التكلم عن كل واحد من هذه الامور. وعلى الجملة فالظاهر ان الحكم المزبور عام لجميع المفطرات. نعم مجرد بطلان الصوم ووجوب القضاء لا يلازم الكفارة، كما لو فرضنا أنه أبطل صومه بعدم النية، أو بنية الخلاف فنوى أن لا يصوم، أو نوى على وجه محرم كالرياء، ففي جميع ذلك وان بطل صومه لعدم وقوعه عن نية صحيحة فلم يأت بالمأمور به على وجهه، فهو صائم بصوم فاسد، إلا انه لا تثبت الكفارة لعدم تحقق الافطار المأخوذ موضوعا لهذا الحكم في تلك النصوص، فهو غير مفطر بل صائم، غاية الامر أن صومه فاقد للنية، ولاجله يجب القضاء دون الكفارة. ومن هذا القبيل البقاء على الجنابة غير متعمد كما إذا كان في النومة الثانية أو الثالثة على ما تقدم الكلام فيه فانه يجب القضاء حينئذ دون الكفارة لعدم الدليل عليها بعد عدم تحقق الافطار. ثم ان الكفارة تختص بحال العمد والاختيار فلا تجب على غير العامد كالناسي فانه رزق رزقه الله، بل ليس عليه القضاء أيضا كما

[ 285 ]

[ اجبار من غير فرق بين الجميع حتى الارتماس والكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله بل والحقنة والقئ على الاقوى نعم الاقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من الجنب بعد الانتباه بل والثالث وان كان الاحوط فيها أيضا ذلك خصوصا الثالث ولا فرق ايضا في وجوبها بين العالم والجاهل والمقصر والقاصر على الاحوط (1) وان كان الاقوى عدم وجوبها على الجاهل خصوصا القاصر والمقصر غير الملتفت حين الافطار نعم إذا كان جاهلا بكون الشئ مفطرا مع علمه بحرمته كما إذا لم يعلم ان الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله من المفطرات فارتكبه حال الصوم فالظاهر لحوقه بالعالم في وجوب الكفارة. ] تقدم، كما لا تجب على غير المختار أي غير القاصد كمن أوجر في حلقه بغير اختياره كما هو واضح. وأما في فرض الاكراه والاضطرار فقد تقدم ان مقتضى الاطلاق هو البطلان، ولكن لا كفارة عليه لحديث الرفع فلاحظ. (1) نسب إلى المشهور عدم الفرق فيما تثبت فيه الكفارة بين العالم بالحكم وبين الجاهل به كما لو اعتقد ان شرب الدواء مثلا لا يضر بالصوم لاختصاص المفطر بالمأكول المتعارف، ولكن الاقوى ما اختاره في المتن من عدم الوجوب، ولاسيما في الجاهل القاصر أو المقصر غير الملتفت كالغافل حين الافطار، وان كان المشهور هو الاحوط، والوجه فيه ما تقدم من موثق زرارة وأبى بصير في رجل أتى أهله

[ 286 ]

وهو في شهر رمضان، أو أتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلا ان ذلك حلال له، قال عليه السلام: ليس عليه شئ (1). فانه يعم الجاهل حتى المقصر إذ هو وان كان معاقبا لتقصيره الا انه بالاخرة حين الارتكاب لا يرى إلا أنه حلال له فليس عليه شئ. نعم يختص مورد الموثق بالملتفت فلا يشمل الغافل الذي لا يلتفت أصلا إذ لا يصدق في حقه أنه لا يرى إلا أن ذلك حلال له كما هو ظاهر. ولكن تكفينا في ذلك صحيحة عبد الصمد " أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه " (2)، فانها بعمومها تشمل الغافل والجاهل القاصر والمقصر. فلو فرضنا انه قصر في السؤال إلى أن جاء وقت العمل فغفل أو بنى على انه حلال فهو بالنتيجة جاهل فعلا بالحكم وغير عالم بأنه مفطر أو انه حرام على المحرم فتشمله الصحيحة. إذا فالصحيح ما ذكره (قده) من أنه لا كفارة على الجاهل حتى المقصر، ولا تنافي بين عدم الكفارة وبين العقاب فيعاقب لاجل تقصيره ولا كفارة عليه لمكان جهله. ثم ان الظاهر من الموثق وكذا الصحيحة أن يكون جاهلا بالتحريم بقول مطلق، بحيث يكون منشأ الركوب هو الجهالة كما هو المترائى من قوله: ركب أمرا بجهالة، وانه لا يرى إلا أن هذا حلال له. وعليه فلو فرضنا انه مع جهله بالحكم الواقعي عالم بالحكم الظاهري أعني وجوب الاحتياط كما لو كانت الشبهة من الشبهات الحكمية قبل الفحص التي لا يسع فيها الرجوع إلى البراءة فاقتحم فيها ثم انكشف الخلاف، فان شيئا من الروائتين لا يشمل ذلك بتاتا، إذ قد كان الحكم الظاهري


(1) الوسائل باب 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 12 (2) الوسائل باب 45 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3

[ 287 ]

معلوما لديه وكان مكلفا بالاحتياط والاجتناب عقلا بل ونقلا للنصوص الآمرة بالوقوف عند الشبهة المحمولة على ما قبل الفحص ومع ذلك قد ركب هذا الامر لتجريه لا لجهله، فلا يصدق انه ارتكبه بجهالة، ولا أنه يرى أنه حلال له، بل عن علم بالحرمة وبوجوب الاجتناب، غاية الامر ان الوجوب ظاهري لا واقعي. والحاصل انه وان عممنا الحكم بالنسبة إلى الجاهل القاصر والمقصر حسبما عرفت، الا أنه لابد أن يكون الجاهل على نحو لم يؤمر بالاجتناب عن هذا الشئ أمرا فعليا فلا يشمل الجاهل الملتفت المتردد بين الامرين بحيث لا يدري أن هذا مفطر أم لا ويحكم عقله بالاحتياط، إذ ليس له والحال هذه أن يرتكب، فلو ارتكب دخل في الافطار متعمدا، فيحكم عليه بوجوب الكفارة. نعم لو كان مقصرا من الاول فلم يسأل إلى أن جاء وقت العمل وكان حينئذ غافلا أو معتقدا بالجواز لم يكن عليه حينئذ شئ كما عرفت. ثم ان الظاهر من الجهالة في الصحيح، وكذا الحلية في الموثق، هي الجهالة المطلقة، الحلية بكل معنى الكلمة الشاملة للتكليفية والوضعية، بحيث يكون مطلق العنان له أن يفعل وان لا يفعل فلو كان عالما بالحرمة التكليفية جاهلا بالوضعية كمن لم يعلم بمفطرية الاستمناء أو الكذب على الله ورسوله مع علمه بحرمتهما، أو لم يعلم بأن السباب من تروك الاحرام مع العلم بحرمته في نفسه، فالظاهر انه غير داخل في شئ من الروايتين إذ كيف يصح أن يقال انه ركب أمرا بجهالة، أو لا يرى إلا ان هذا حلال له، بل هو يرى انه حرام حسب الفرض، وان لم ير الحرمة من الجهة الاخرى، وكان جاهلا بالاخلال بالصيام أو الاحرام، وقد عرفت ان مقتضى الاطلاق اعتقاد الحلية بتمام معنى الكلمة الشاملة للتكليفية والوضعية

[ 288 ]

[ مسألة 1: تجب الكفارة في اربعة اقسام من الصوم الاول صوم شهر رمضان وكفارته مخيرة (1) بين العتق وصيام شهرين متتابعين واطعام ستين مسكينا على الاقوى وان كان الاحوط الترتيب فيختار العتق مع الامكان ومع العجز عنه فالصيام ومع العجز عنه فالاطعام. ] فلو ارتكب وجبت عليه الكفارة، إذ لا يشمله قوله: وهو لا يرى إلا انه حلال له، فانه يعلم بالحرمة وان لم يعلم بالمفسدية. فما ذكره في المتن من الحاق هذه الصورة بالعالم في وجوب الكفارة وهو الصحيح فلاحظ. (1) لا إشكال في وجوب الكفارة على من أفطر في شهر رمضان متعمدا، إنما الكلام في تعيينها وانها ماهي؟ فالمعروف والمشهور انه مخير - فيما لو أفطر بحلال كما هو محل الكلام - بين الخصال الثلاث، أعني العتق وصيام شهرين متتابعين، واطعام ستين مسكينا، ونسب إلى بعض القدماء كالسيد المرتضى والعماني لزوم مراعاة الترتيب فيجب عليه العتق معينا، فان لم يتمكن فالصيام، وإلا فالاطعام، ومنشأ الخلاف اختلاف النصوص الواردة في المقام، فانها على طوائف أربع. الاولي: مادل على التخيير صريحا كصحيحة عبد الله بن سنان: في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا فان لم يقدر تصدق بما يطيق، وموثقة سماعة عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا، قال: عليه عتق رقبة، أو اطعام ستين مسكينا، أو صوم شهرين

[ 289 ]

متتابعين.. الخ (1) فان الاخيرة واردة في اتيان الاهل الذي هو من أهم المفطرات، فإذا ثبت التخيير في مثله، ثبت في سائر المفطرات بطريق أولى. وبمضمونها موثقته الاخرى الواردة في المعتكف (2) ونحوها غيرها. الثانية: ما اقتصر فيه على التصدق كموثقة سماعة عن رجل لزق بأهله فانزل، قال عليه السلام: عليه اطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين (3) ولا يخفى لزوم رفع اليد عن ظاهر الموثقة - وما بمضمونها - على كل تقدير، أي سواء بنينا على التخيير كما عليه المشهور، أم قلنا بالترتيب غاية الامر أنه على الاول يرفع اليد عن الظهور في التعيين ويحمل على التخيير وتكون النتيجة التقييد ب‍ (أو) جمعا بينها وبين النصوص المتقدمة، وعلى الثاني يتقيد بصورة العجز عن العتق والصيام، إذ لم ينقل القول بظاهرها من تعين الاطعام من أحد، فهو خلاف الاجماع المركب. الثالثة: مادل على وجوب العتق تعيينا، دلت عليه رواية المشرقي عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمدا ما عليه من الكفارة؟ فكتب من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوما بدل يوم (4). وهذه الرواية موافقة للقول بمراعاة الترتيب، ولكنها مخالفة للقول المشهور، فلابد من تقييدها بالعدلين الآخرين مع العطف ب‍ (أو) فهي معارضة لاخبار التخيير غير انها ضعيفة السند جدا: فانها وإن كانت صحيحة إلى ابن أبي نصر البزنطي ولكن المشرقي بنفسه الذي هو هشام بن ابراهيم، أو هاشم بن ابراهيم العباسي لم يوثق فلا تصل


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 13 (2) الوسائل باب 6 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5 (3) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 12 (4) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 11

[ 290 ]

النوبة إلى المعارضة كي يتصدى للعلاج. الرابعة: مادل على الترتيب صريحا وهي روايتان: احداهما صحيحة علي بن جعفر عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: عليه القضاء وعتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا، فان لم يجد فليستغفر الله، والاخرى رواية عبد المؤمن بن الهيثم (القاسم) الانصاري الواردة فيمن أتى أهله في شهر رمضان قال صلى الله عليه وآله: اعتق رقبة، قال: لا أجد قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا اطيق، قال: تصدق على ستين مسكينا. الخ (1). ولكن لا يمكن الاعتماد عليهما في قبال نصوص التخيير. أما الاخيرة فلضعف السند، فان عبد المؤمن لم يوثق، وقد رويت بطريق آخر هو أيضا ضعيف لمكان عمرو بن شمر، فالعمدة انما هي الصحيحة، ولكنها لا تقاوم النصوص المتقدمة الصريحة في التخيير، فانها انما تدل على الوجوب التعييني بالظهور الاطلاقي - كما ذكر في الاصول - وتلك قد دلت على التخيير بالظهور الوضعي على ما تقتضيه كلمة (أو) وحملها على التنويع باعتبار اختلاف الحالات أو الاشخاص خلاف الظاهر جدا، فانها قد وردت في فرض رجل واحد كما انها ظاهرة في ارادة حالة واحدة لاحالات عديدة وأطوار مختلفة كما لا يخفى، ولا ريب في تقديم الظهور الوضعي على الاطلاقي، ولاجله تحمل الصحيحة على الافضلية كرواية المشرقي المتقدمة لو صح سندها. ولو سلمنا المعارضة بين الطائفتين فالترجيح مع نصوص التخيير لمخالفتها مع العامة كما قيل فتحمل الصحيحة على التقية، فان ثبت ذلك


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 9، 5

[ 291 ]

[ ويجب الجمع بين الخصال ان كان الافطار على محرم (1) كاكل المغصوب وشرب الخمر والجماع المحرم ونحو ذلك. ] - كما لا يبعد ويؤيده ان العلامة نسب هذا القول اعني لزوم الترتيب إلى أبي حنيفة والاوزاعي وغيرهما من العامة - فهو وإلا فلا يمكن الترجيح بكثرة العدد لعدم كونها من المرجحات، بل تستقر المعارضة حينئذ والمرجع بعد التساقط الاصل العملي ومقتضاه البراءة عن التعيين لاندراج المقام في كبرى الدوران بين التعيين والتخيير، والمقرر في محله انه كلما دار الامر بينهما في المسألة الفقهية يحكم بالتخيير لان التعيين كلفة زائدة يشك في ثبوتها زائدا على المقدار المعلوم، اعني جامع الوجوب - فتدفع بأصالة البراءة. فتحصل ان ما هو المشهور من التخيير بين الامور الثلاثة هو الصحيح. (1) قال المحقق في الشرايع بعد اختيار التخيير بين الخصال مطلقا الذي هو المشهور وحكاية الترتيب عن السيد وابن أبي عقيل كما مر ما لفظه " وقيل يجب بالافطار بالمحرم ثلاث كفارات " فيظهر من نسبة هذا القول - وهو التفصيل بين الحلال والحرام بالتخيير أو الترتيب في الاول والجمع في الثاني - إلى القيل ان القائل به قليل، بل عنه في المعتبر انه لم يجد عاملا بكفارة الجمع. والظاهر انه لا ينبغي التأمل في ان هذا القول حدث بين المتأخرين عن زمن العلامة وتبعه جماعة ممن تأخر عنه منهم صاحب الحدائق. وأما القدماء فلم ينسب إليهم ذلك ما عدا الصدوق في الفقيه حيث أفتى به صريحا فهو قول على خلاف المشهور، وإلا فالمشهور القائلون بالتخيير لا يفرقون في ذلك بين الافطار على الحلال والحرام. وكيفما كان فيقع الكلام في مستند هذا القول. ويستدل له بأمور.

[ 292 ]

أحدها موثقة سماعة عن رجل أتى اهله في رمضان متعمدا، فقال: عليه عتق رقبة، واطعام ستين مسكينا وصيام شهرين متتابعين الخ (1). بعد حملها - كما عن الشيخ قدس سره - على اتيان الاهل على وجه محرم كحال الحيض وبعد الظهار قبل الكفارة، واحتمل (قده) أيضا أن يكون المراد بالواو التخيير دون الجمع، كما احتمل أيضا الحمل على الاستحباب جمعا بينها وبين نصوص التخيير. والجواب عنها ظاهر، أما أولا فبأن هذه الموثقة مروية في كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن عيسى عن عثمان بن عيسى عن سماعة بلفظة أو دون الواو كما تقدم نقلها قريبا، فانها عين الرواية (2) السابقة، فلعل نسخة الشيخ المشتملة على الواو مغلوطة، ولا يبعد ان يقال ان كتاب احمد بن محمد بن عيسى أقرب إلى الصحة لكونه أقدم وكيفما كان فلم يثبت صدورها بلفظة الواو كي تصلح للاستدلال. وثانيا لو سلم اشتمالها على كلمة الواو فبما ان حملها على التخيير وكونها بمعنى (أو) خلاف الظاهر، فهي معارضة لا محالة لنصوص التخيير والجمع بينهما بحمل هذه على الافطار بالحرام، وتلك بالحلال جمع تبرعي لا شاهد له بعد أن كان التعارض بالاطلاق. نعم لو ثبت من الخارج كفارة الجمع في الافطار بالحرام كان ذلك شاهدا للجمع المزبور، وخرج عن كونه تبرعيا، والا فبنفس هذه الرواية لا يمكن اثبات كفارة الجمع في المحرم، إذ لا وجه لحمل أحد المطلقين المتعارضين على صنف والآخر على صنف آخر من غير قرينة تقتضيه، فاما ان تلغى هذه الموثقة لعدم مقاومتها مع نصوص التخيير كما لا يخفي أو تحمل على الافضلية.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 (2) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 13

[ 293 ]

ثانيها: ما اعتمد عليه الصدوق في الفقيه حيث أفتى بهذا المضمون لوجوده في رواية أبي الحسين محمد بن جعفر الاسدي فيما ورد عليه من الشيخ أبى جعفر محمد بن عثمان العمري، يعني عن المهدي عليه السلام فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا بجماع محرم عليه: أو بطعام محرم عليه، ان عليه ثلاث كفارات (1). ولا يخفي ان التفسير المزبور أعني قوله - يعني عن المهدي عليه السلام - من كلام صاحب الوسائل، وإلا فعبارة الفقيه خالية من ذلك. ومن هنا قد يناقش في الاستدلال بالرواية بأنها مقطوعة، إذ لم يسندها العمري إلى الحجة (ع)، ولعله كان فتوى منه، فكيف اعتمد عليه الصدوق. ولكن هذا كما ترى بعيد غايته، إذ لا يحتمل أن يكون ذلك فتوى العمري نفسه الذي هو نائب خاص، وكيف يستند الصدوق إلى هذه الفتوى المجردة، فتفسير الوسائل في محله والامر كما فهمه لكن عبارته توهم انه من الصدوق وليس كذلك كما عرفت. وكيفما كان فلا اشكال من هذه الجهة، وانما الاشكال في طريق الصدوق إلى الاسدي إذ هما ليسا في طبقة واحدة، فطبعا بينهما واسطة، وبما أنه مجهول فيصبح الطريق مرسلا ولذا عبر عنها بالمرسلة فلا يعتمد عليها، كما لم يعتمد عليها الفقهاء ايضا على ما تقدم، بل سمعت من المعتبر انه لم يجد عاملا بذلك. وكيفما كان فلو كان معروفا وموردا للاعتماد لنقل الفتوى بمضمونها عن القدماء ولم ينقل عن غير الصدوق كما عرفت. ثالثها: وهي العمدة ما رواه الصدوق بنفسه ورواه الشيخ أيضا في التهذيب عن الصدوق عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري عن


(1) الوسائل باب 10 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3

[ 294 ]

علي بن محمد بن قتيبة عن حمدان بن سليمان عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام، يابن رسول الله قد روي عن آبائك عليهم السلام فيمن جامع في شهر رمضان أو افطر فيه ثلاث كفارات وروي عنهم أيضا كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعا متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، واطعام ستين مسكينا وقضاء ذلك اليوم، وان كان نكح حلالا أو افطر على حلال فعليه كفارة واحدة، وان كان ناسيا فلا شئ عليه (1). ولا اشكال فيها من جهة الدلالة انما الكلام في السند مع قطع النظر عن ان المشهور لم يعملوا بهذه الرواية، حيث ان القول بالجمع حدث بعد العلامة كما تقدم: فنقول قد ناقش فيها صاحب المدارك من جهة أشخاص ثلاثة، عبد الواحد، وابن قتيبة والهروي واما حمدان بن سليمان فلا اشكال في وثاقته وجلالته. أما مناقشته في الهروي فمبنية على مسلكه من اعتبار العدالة في الراوي وهذا الرجل وهو ابو الصلت وان كان ثقة بلا اشكال كما نص عليه النجاشي الا ان الشيخ صرح بأنه عامي فلاجله لا يعتمد على روايته. وفيه أولا انا لا نعتبر العدالة في الراوي، فلا يلزم أن يكون اماميا بل تكفي مجرد الوثاقة وان كان عاميا - وثانيا ان ما ذكره الشيخ وهم يقينا كما تعرض له علماء الرجال فان ابا الصلت الهروي من خلص شيعة الرضا عليه السلام ومن خواصه، فتوصيف الشيخ اياه بأنه عامي اشتباه جزما وانما العصمة لاهلها، فالمناقشة من هذه الجهة ساقطة.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 295 ]

وأما علي بن محمد بن قتيبة فلم يرد فيه أي توثيق أو مدح، وانما هو من مشايخ الكشي وقد روى عنه في رجاله كثيرا، ولاجله قيل إنه اعتمد عليه في كتابه، وهذا يكفي في الوثاقة، بل قيل انه من مشايخ الاجازة المستغنين عن التوثيق. أما الثاني فممنوع صغرى وكبرى، فان الرجل ليس من مشايخ الاجازة وانما هو شيخ للكشي فقط. وهذا المقدار لا يجعله شيخا للاجازة فان معنى ذلك أن يكون للشخص تلاميذ يجيز لهم في رواية كتاب أو كتابين كما لا يخفى. على ان كون الشخص من مشايخ الاجازة لا يقتضي الوثاقة - كبرويا - بوجه فان شيخ الاجازة راو في الحقيقة غايته على نحو الاجمال لا التفصيل فيعطى الكتاب لتلميذه ويقول انت مجاز عني في روايته فهو لا يزيد على الراوي بشئ يعتني بشأنه كي يقتضي الاغناء عن التوفيق. وأما الاول أعني كونه شيخا للكشي فصحيح كما عرفت بل هو يروى عنه في كتابه كثيرا كما تقدم الا ان ذلك لا يستدعي التوثيق بوجه، فان النجاشي عندما يترجم الكشي يعظمه ويقول ولكن يروى عن الضعفاء كثيرا فليس هو ممن يروى عن الثقات دائما كي تكون روايته عن شخص وان كثرت كاشفة عن توثيقه أو الاعتماد عليه. وعلى الجملة الرواية عن الشخص لا تستلزم الاعتراف بوثاقته بعدما سمعت عن النجاشي التصريح بأن الكشي يروي عن الضعفاء كثيرا، فان شأن المحدث الحديث عن كل من سمع منه. وعليه فكيف يعتمد على روايته عن ابن قتيبة، ويستدل بذلك على توثيقه بعد جواز كونه من أولئك الضعفاء. وأما عبد الواحد بن عبدوس فقد عمل الصدوق بروايته، وقد صرح في مورد من العيون بعد ذكر رواية عنه ورواية عن غيره ان روايته اصح

[ 296 ]

[ الثاني صوم قضاء شهر رمضان (1) إذا افطر بعد الزوال وكفارته اطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد فان لم يتمكن فصوم ثلاثة أيام والاحوط اطعام ستين مسكينا. ] فلا اشكال في انه يرى صحة رواية الرجل لتصريحه بذلك لا لمجرد انه شيخه، ففي مشايخه احمد بن حسين أبو نصر الذي يقول الصدوق في حقه انه لم أر انصب منه لانه كان يقول: اللهم صل على محمد فردا، كي لا يدخل فيه الآل عليهم الصلاة والسلام، فهو محدث ينقل عن كل أحد ولم يلتزم أن يروي عن الثقات فحسب، بل له مشايخ كثيرون لعل عددهم يبلغ الثلاثمائة وفيهم البر والفاجر، بل الناصب بالحد الذي سمعت وعلى الجملة فهو يصحح الرواية عن الرجل المزبور كما عرفت. ولكن التصحيح غير التوثيق فان معناه حجية الرواية والاعتماد عليها ولعل ذلك لبناء الصدوق على اصالة العدالة الذي كان معروفا عند القدماء بل انه (قده) لم ينظر في سند الرواية بوجه، وانما يعتمد في ذلك على ما رواه شيخه ابن الوليد كما صرح (قده) بذلك فهو تابع له ومقلد من هذه الجهة، ومن المعلوم ان ذلك لا يكفي في الحجية عندنا. نعم لو وثقة أو مدحه كفى، ولكنه لم يذكر شيئا من ذلك وانما هو مجرد التصحيح والعمل بروايته الذي لا يجدي بالنسبة الينا. وعليه فتصبح الرواية ضعيفة بهذا الرجل وبمن تقدمه اعني ابن قتيبة فهي غير قابلة لتقييد المطلقات الدالة على التخيير في الكفارة من غير فرق بين الحلال والحرام. (1) لا اشكال في جواز الافطار في صوم قضاء شهر رمضان فيما قبل الزوال، وعدم جوازه فيما بعده، فله تجديد النية امساكا أو افطارا

[ 297 ]

إلى أن تزول الشمس، وبعده يجب عليه البناء على ما نوى، فلا يجوز له الافطار بعدئذ، والظاهر ان هذا الحكم - اعني التفصيل بين ما قبل الزوال ومابعده في جواز الافطار وعدمه - متسالم عليه، وتدل عليه جملة من الاخبار كموثقة أبى بصير عن المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الافطار، فقال: لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال (1) وموثقة عمار عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الافطار فليفطر. الخ (2). وغيرهما. فالافطار بعد الزوال محرم بلا اشكال. أما الكلام في الكفارة وفي مقدارها فالمعروف المشهور وجوبها وانها اطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد، ونسب الخلاف إلى العماني فانكر الوجوب وهو شاذ. ويستدل على وجوبها بعدة من الاخبار: منها رواية بريد العجلي في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: ان كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شئ عليه انه يوم مكان يوم، وان كان أتى أهله بعد زوال الشمس فان عليه أن يتصدق على عشرة مساكين. الخ (3) وهي وان كانت واضحة الدلالة إلا ان سندها ضعيف بالحارث بن محمد الواقع في الطريق، فانه قد ورد في الروايات بعناوين مختلفة: الحارث ابن محمد، الحارث بن محمد الاحول، الحارث بن محمد بن النعمان، وغير ذلك، وكلها عناوين لشخص واحد، روى عن بريد العجلي


(1) الوسائل باب 4 من ابواب وجوب الصوم ونيته الحديث 2 (2) الوسائل باب 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته الحديث 10 (3) الوسائل باب 29 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 1

[ 298 ]

ويروى عنه الحسن بن محبوب ولكنه مجهول لم يوثق، فالرواية ضعيفة إلا على القول بالانجبار بعمل المشهور. وقد ذكرنا مرارا أن ذلك يتوقف على أمرين اثبات اعتماد المشهور على الرواية وكونه موجبا للجبر. وعلى تقدير تحقق الصغرى في المقام فالكبرى غير مسلمة عندنا. ومنها صحيحة هشام بن سالم: رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان، فقال: ان كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شئ عليه يصوم يوما بدل يوم، وان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم واطعم عشرة مساكين، فان لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك (1). وهذه معتبرة السند واضحة الدلالة، غير انها تضمنت التحديد بالعصر بدلا عن الزوال وهذا لا قائل به والوجه فيه وضوح ان المراد بالعصر وقت صلاة العصر لا فعلها خارجا، كما عبر في الشرطية الثانية بقوله بعد العصر أي بعد دخول وقته. فاما ان كلمة العصر تصحيف عن الظهر لسهو اما من الراوي أو من الشيخ (ره) الذي يكثر منه الاشتباه بسبب الاستعجال في التأليف وكثرته بل قال صاحب الحدائق في حقه (قده) - وان لم يخل كلامه من المبالغة - انه قلما توجد رواية في التهذيبين خالية من الخلل في السند أو المتن. أو يقال: ان المراد بالعصر هو ما بعد زوال الشمس نظرا إلى اشتراك الصلاتين في الوقت، إلا ان هذه قبل هذه، بل لا يبعد أن يقال ان هذا الوقت يعتبر في نظر العرف عصرا كما ان ما قبل الزوال يعتبر صباحا. وكيفما كان فالصحيحة ظاهرة في المطلوب الا من هذه الجهة التي لابد من توجيهها بمثل ما عرفت. ثم ان هذه الصحيحة والرواية السابقة قد دلتا على وجوب الكفارة


(1) الوسائل باب 29 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 2

[ 299 ]

وعلى تحديدها باطعام عشرة مساكين. وبازائهما مادل على عدم الكفارة أصلا وما دل ان كفارته كفارة شهر رمضان فتعارضان هاتين الطائفتين. اما ما دل على نفي الكفارة رأسا - الذي نسب القول به إلى العماني كما مر - فهو ذيل موثقة عمار المتقدمة قال فيها ". سئل فان نوى الصوم ثم افطر بعد ما زالت الشمس قال قد اساء وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي اراد ان يقضيه (1). وقد ذكرنا غير مرة ان طريق الشيخ إلى ابن فضال وان كان ضعيفا إلا ان طريق النجاشي صحيح وشيخهما واحد وهو كاف في التصحيح، وقد دلت على نفي الكفارة، وانه ليس عليه إلا القضاء، فيحمل مادل على الكفارة كصحيحة هشام المتقدمة على الاستحباب. وفيه أولا انها انما تنفي الكفارة بالاطلاق لا بالصراحة. فمن المحتمل أن تكون ناظرة إلى نفي قضاء آخر، بمعنى أن يكون هناك قضاءان قضاء لشهر رمضان وقضاء لقضائه الذي أفسده بالافطار بعد الزوال فيكون المنفي هو القضاء الثاني - لا الكفارة - وانه ليس عليه من القضاء الا الاول كما قد يؤيده التوصيف بقوله عليه السلام: ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه وهذا الحكم - وان اصبح الآن من الواضحات، بحيث لا مجال لاحتمال تعدد القضاء - لعله في عصر صدور هذه الاخبار وفي بدء الامر كان محتملا فان تعلم الاحكام تدريجي، وكثير من الاحكام الواضحة لدينا اليوم كان يسأل عنها اكابر الاصحاب، وانما بلغ حد الوضوح بعد تلك الاسئلة والاجوبة وورود النصوص المتكاثرة كما لا يخفى، فمن الجائز أن يكون الامام عليه السلام قد تصدى في هذه الرواية إلى أن هذا القضاء لا ينشأ منه قضاء آخر، ولم يكن عليه السلام بصدد نفي الكفارة فغايته الدلالة على


(1) الوسائل باب 29 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 4

[ 300 ]

النفي بالاطلاق الذي لا يقاوم التصريح بالثبوت في صحيحة هشام فيجمع بينهما بذلك، أو يقال بأنها ناظرة إلى نفي سائر أقسام الكفارة. وثانيا لو سلم كونها صريحة في نفي الكفارة على وجه لم يمكن الجمع المزبور فلا ريب في كونها معارضة حينئذ مع صحيحة هشام الصريحة في الكفارة، ولا مجال للجمع بالحمل على الاستحباب كما ذكر، فانه انما يتجه في مثل ما لو ورد الامر بشئ وورد في دليل آخر انه لا بأس بتركه فيرفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب، ويحمل على الاستحباب دون مثل المقام فان الامر بالكفارة ونفيها يعدان في العرف من المتعارضين. إذ مورد الكفارة ارتكاب الحرام ولا سيما مع التصريح بعدم الجواز وانه قد اساء كما في الموثقة، فكيف يمكن حمل الامر بها على الاستحباب الكاشف عن عدم ارتكاب الذنب فاستحباب الكفارة مما لا محصل له كما لا يخفى. فليس مثل هذين الدليلين من الظاهر والنص ليرفع اليد عن أحدهما بالآخر كما في سابقه، بل هما عرفا من المتعارضين، ولا شك ان الترجيح حينئذ مع صحيحة هشام، أما لان مضمونها متسالم عليه بين الفقهاء، إذ لم ينسب الخلاف في ثبوت الكفارة إلا إلى العماني كما سمعت فتطرح الموثقة حينئذ لكونها مهجورة وعلى خلاف السنة القطعية، أو لاجل انها - أي الموثقة - محمولة على التقية لموافقة مضمونها مع العامة فان جمهور العامه لا يرون الكفارة، وانما هي من مختصات الامامية ولا يبعد أن يكون هذا هو الاوجه. وأما مادل على ان الكفارة هي كفارة شهر رمضان فروايتان كما ستعرف. وقد نسب هذا القول إلى الصدوق والى والده، ولكن العبارة المنقولة عن رسالة ابن بابويه وعن المقنع للصدوق لا تفيد ذلك، بل الظاهر من العبارتين التخيير بين الكفارتين لانهما عبرا بعبارة الفقه الرضوي كما

[ 301 ]

نص عليه في الحدائق (ج 13 ص 213). وأما في كتاب الفقيه فقد ذكر كلتا الروايتين، ذكر أولا ما دل على أنه عشرة مساكين، ثم قال: وروي أنه كفارة شهر رمضان - مشيرا بذلك إلى الرواية الآتية - وبما أنه (قده) التزم بصحة روايات كتابه، وانه لا يروي فيه إلا ما يراه حجة بينه وبين الله، فالظاهر أنه عمل بهما. وعلى الجملة فالمستفاد من كلاميهما أنهما يقولان بالتخيير ولعله من أجل رفع اليد عن ظهور كل من الروايتين في الوجوب التعييني وحملهما على التخييري. وكيفما كان فلا يمكن المصير إلى هذا القول لا تعيينا ولا تخييرا فان مادل على أنها كفارة الافطار في شهر رمضان روايتان كما عرفت: احداهما رواية حفص بن سوقة عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل، قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان (1) والاخرى موثقة زرارة عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء قال: عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رضمان، لان ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان (2). أما الرواية فمرسلة لا يمكن الاعتماد عليها حتى على مسلك الانجبار، إذ لا عامل بها ما عدا الصدوقين كما عرفت. وأما الموثقة فلا مناص من اسقاطها ورفع اليد عنها، فان ظاهرها بمقتضى التنزيل كون اليوم من شهر رمضان ولم يلتزم به أحد لا الصدوقان ولا غيرهما، إذ مقتضى ذلك عدم الفرق في القضاء بين ما قبل الزوال وما بعده، كما هو الحال في شهر رمضان وليس كذلك قطعا، وبعبارة أخرى ليس مفاد الموثق حكما تعبديا بل هو مشتمل على التنزيل الذي


(1) الوسائل باب 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 (2) الوسائل باب 29 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 3

[ 302 ]

لا قائل به كما عرفت. فظاهره غير ممكن الاخذ ورفع اليد عن هذا الظاهر والحمل على ارادة التنزيل بلحاظ ما بعد الزوال لا تساعده الصناعة كما لا يخفى. فلا بد من طرحها أو حملها على التقية، لان مضمونها منسوب إلى بعض العامة كقتادة حيث انه نسب إليه القول بالكفارة وان أفطر قبل الزوال فلعل الموثقة صدرت تقية منه. فيبقى ما دل على انه الكفارة اطعام عشرة مساكين بلا معارض. ومما ذكرناه تعرف ان القول بالتخيير - كما استظهرناه من عبارة الصدوقين - أيضا مناف للاخذ بهذا الموثق، إذ كيف يمكن الحكم بالتخيير بعدما اشتمل عليه الموثق من التنزيل المزبور، فان الحكم في المنزل عليه تعييني لا تخييري بين الخصال وبين اطعام عشرة مساكين كما هو ظاهر. ثم انه نسب إلى ابن البراج وابن ادريس وغيرهما ان كفارته كفارة اليمين - اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة -، ونسب إلى ابي الصلاح انها صيام ثلاثة أيام أو اطعام عشرة مساكين، ولم يوجد لهما أي مدرك أو رواية ولو ضعيفة، وهما اعرف بما افتيا به. فتحصل من جميع ما ذكرناه ان ما عليه المشهور واختاره في المتن من أن الكفارة اطعام عشرة مساكين هو الصحيح. ثم انك قد عرفت في صدر المسألة انه لا اشكال في جواز الافطار في صوم قضاء شهر رمضان فيما قبل الزوال، ولكن نسب الخلاف في ذلك إلى ابن أبى عقيل وأبي الصلاح فمنعا من ذلك استنادا إلى صحيحة ابن الحجاج قال: سألت عن الرجل يقضي رمضان أله أن يفطر بعدما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال: إذا كان نوى ذلك من الليل وكان

[ 303 ]

[ الثالث صوم النذر المعين وكفارته ككفارة افطار شهر رمضان (1) ] من قضاء رمضان فلا يفطر ويتم صومه (1)، ولكن لا مناص من حمل الصحيحة على الاستحباب للنصوص المعتبرة المتظافرة الصر يحة في جواز الافطار قبل الزوال، وحملها على من بدا له في الصيام بعدما أصبح فمثله يجوز له الافطار قبل الزوال دون من بيت النية من الليل حمل لتلك المطلقات الكثيرة على الفرد النادر كما لا يخفى. على أن صحيحة جميل موردها التبييت، قال عليه السلام في الذي يقضي شهر رمضان أنه بالخيار إلى زوال الشمس.: الخ (2). فان التعبير ب‍ (الذي يقضي) ظاهر فيمن شغله ذلك، فلا يمكن حمله على من بدا له في القضاء ولم يكن ناويا له من الليل كما لا يخفى، فلا محيص عن حمل الصحيحة المتقدمة على الاستحباب حسبما عرفت. (1) المشهور والمعروف وجوب الكفارة فيمن أفطر في صوم النذر المعنى كما فرضه في المتن أو غير المعين الذي عرضه التعيين لاجل الضيق، كما لو نذر صوم يوم من رجب فلم يصم إلى أن بقي منه يوم واحد فلا فرق بين المعين بالذات أو بالعرض، ونسب الخلاف إلى ابن أبي عقيل كما في المسألة السابقة، وانه يرى اختصاص الكفارة بشهر رمضان. ولا يبعد أن يقال أنه (قده) غير مخالف في المسألة وانما لم يصرح بالكفارة هنا لعدم خصوصية للصوم، وانما هي كفارة لمطلق مخالفة النذر سواء تعلق بالصوم أم بغيره من الصلاة ونحوها، فليست الكفارة هنا من شؤون الصوم ليتعرض لها بالخصوص، ولم ينسب إليه الخلاف في


(1) الوسائل باب 4 من ابواب وجوب الصوم الحديث 6 (2) الوسائل باب 4 من ابواب وجوب الصوم الحديث 4

[ 304 ]

وجوب الكفارة لحنث النذر، فمن الجائز انه أهمله في المقام تعويلا على المذكور في كفارة النذر. فالظاهر ان المسألة اتفاقية، ولا خلاف في أصل الكفارة. إنما الخلاف في مقدارها، فالمشهور انها كفارة شهر رمضان من التخيير بين الخصال الثلاث وذهب جماعة إلى أنها كفارة اليمين - أي اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام - وقيل بالتفصيل بين مالو تعلق النذر بالصوم فكفارة رمضان وما تعلق النذر بغيره من الصلاة ونحوها، فكفارة اليمين اختاره صاحب الوسائل جمعا بين الاخبار. وكيفما كان فقد استدل للمشهور بعدة روايات: منها صحيحة جميل بن دراج عن عبد الملك بن عمرو عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عمن جعل الله عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه، قال: لا ولا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة، أو ليصم شهرين متتابعين، أو ليطعم ستين مسكينا (1). ولكنها ضعيفة السند، وليست الشهرة بمثابة تبلغ حد الجبر على القول به، فان المسألة خلافية وان كان الاكثر ذهبوا إلى ذلك، ووجه الضعف ان السند وان كان صحيحا إلى جميل إلا أن الراوي بعده وهو عبد الملك ضعيف إذ لم يرد في حقه أي توثيق أو مدح عدا ما حكى عن الصادق (ع) من دعائه له ولدابته ولا شك ان هذا مدح عظيم إذ يكشف عن شدة حبه عليه السلام له بمثابة يدعو لدابته فضلا عن نفسه ولكن الراوي لهذه الرواية هو عبد الملك نفسه حيث قال: قال لي الصادق عليه السلام، إني لادعو لك ولدابتك، ولا يمكن اثبات المدح أو التوثيق لاحد برواية يرويها هو نفسه للزوم الدور كما لا يخفى


(1) الوسائل باب 23 من ابواب الكفارات الحديث 7

[ 305 ]

فهذه الرواية لاجل ضعف السند ساقطة وغير صالحة للاستدلال. ومنها ما رواه الكليني في الصحيح عن أبي علي الاشعري عن محمد ابن عبد الجبار عن علي بن مهزيار قال: وكتب إليه يسأله: يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفارة؟ فكتب إليه: يصوم يوما بدل يوم، وتحرير رقبة مؤمنة (1) ومرجع الضمير في قوله - وكتب إليه - هو الهادي (ع) المذكور في الكافي فيما قبل هذه الرواية. والمراد بالاشعري هو احمد ابن ادريس الذي هو شيخ الكليني. أقول هذه الرواية غير موجودة في الكافي بهذا السند وانما السند سند لرواية أخرى مذكورة قبل ذلك بفصل ما، والظاهر انه اشتبه الامر على صاحب الوسائل عند النقل فجعل سند رواية لمتن رواية أخرى وكيفما كان فالرواية صحيحة ولكن بسند آخر وهو محمد بن يعقوب عن محمد بن جعفر الرزاز عن ابن عيسى بن ابن مهزيار كما ذكره صاحب الوسائل في كتاب الصوم في الباب السابع من بقية الصوم الواجب الحديث 1، والموجود في الكافي محمد بن عيسى بدل ابن عيسى، ولعل لفظة محمد قد سقطت في الوسائل عند الطبع. وعلى أي حال فالرواية صحيحة أما بهذا السند أو بذاك السند ومحمد بن جعفر الرزاز الواقع في هذا السند هو شيخ الكليني وهو ثقة ومن الاجلاء، كنيته أبو العباس، وقد ذكر الاردبيلي في جامعه الروايات التي رواها في ذيل ترجمة محمد بن جعفر الاسدي فكأنه تخيل أنهما شخص واحد وليس كذلك، فان الاسدي وإن كان أيضا شيخا للكليني، ولكنه غير الرزاز هذا كنيته ابو العباس كما عرفت، وذاك كنيته ابو الحسين، هذا قرشي من موالي بني مفتوح على ما يصرح به


(1) الوسائل باب 23 من ابواب الكفارات الحديث 2

[ 306 ]

أبو غالب الزراري، وذاك من بني أسد. وقد توفي الرزاز في سنة 316 على ما ذكره أبو غالب المزبور في رسالته وهو خال أبيه. وأما الاسدي فتوفى على ما ذكره النجاشي في سنة 312. وكيفما كان فما ذكره الاردبيلي اشتباه في التطبيق ولا أثر له، فان كلا منهما ثقة، فالرواية صحيحة على كل تقدير ومؤيدة برواية الحسين بن عبيدة ورواية الصيقل الموافق مضمونها مع الصحيحة (1). ولكن لا يمكن الاستدلال بشئ منها. أما الاخيرتان فلضعفهما سندا، إذ لم يوثق الصيقل ولا ابن عبيدة. وأما الصحيحة فلانها قاصرة الدلالة، نظرا إلى أن تحرير الرقبة الوارد فيها لا دلالة فيه بوجه على انه كفارة رمضان، ضرورة أن التحرير بعينه غير واجب قطعا إذ لم يقل به أحد، فوجوبه تخييري لا محالة، وكما ان كفارة رمضان مخيرة بين تحرير الرقبة وغيره فكذا كفارة اليمين مخيرة أيضا بين التحرير، والكسوة، والاطعام فهو عدل للوجوب التخييري في كل من الكفارتين. ومعه كيف يمكن الاستدلال بها على أن المراد كفارة رمضان بخصوصها. وبالجملة ظاهر الصحيحة تعين العتق وهو غير محتمل فلابد من الحمل على ارادة التخييري لكن لا دلالة فيها على أنه التخيير في أي الكفارتين. إذا يبقى ما دل على أن كفارة النذر هي كفارة اليمين سليما عن المعارض كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن قلت لله علي فكفارة يمين، وما رواه الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داوود عن حفص بن غياث


(1) الوسائل باب 7 من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 2، 3

[ 307 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن كفارة النذر، فقال: كفارة النذر كفارة اليمين.. الخ (1) وهذه الرواية موثقة، إذ القاسم بن محمد هو الجوهري الذي هو ثقة على الاظهر، وسليمان المنقري ثقة أيضا وإن قيل انه عامي، وكذا حفص بن غياث فانه وإن كان عاميا، إلا أن الشيخ ذكر إن كتابه معتبر، وقال في العدة إن أصحابنا عملوا بروايات جماعة منهم حفص بن غياث. فتحصل أن ما ذكره جماعة من أن الكفارة في المقام هي كفارة اليمين هو الصحيح للنص الدال عليه السليم عما يصلح للمعارضة حسبما عرفت، وتفصيل صاحب الوسائل بين الصوم وغيره لم يظهر له أي وجه، لان مادل على أنها كفارة رمضان هو رواية عبد الملك ولا اختصاص لها بنذر الصيام. ثم ان هناك صحيحة اخرى لابن مهزيار رواها في الوسائل عن الكليني قال: كتب بندار مولى ادريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فان أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب إليه وقرأته لا تتركه إلا من علة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلا أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى (2). ولا يخفى ان هذه الرواية بسندها المذكور في الوسائل غير موجودة في الكافي، وانما هي مذكورة فيه بسند آخر وهو: " عن أبي على الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن علي بن مهزيار " وهذه هي الرواية التي أشرنا إليها عند التكلم في مكاتبة ابن مهزيار


(1) الوسائل باب 23 من ابواب الكفارات الحديث 1، 4 (2) الوسائل باب 7 من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 4

[ 308 ]

السابقة وقلنا إن صاحب الوسائل اشتبه في سندها، فأخذ السند من رواية والحقه بمتن المكاتبة، فان الرواية المأخوذ عنها ذلك السند هي هذه الرواية. وكيفما كان فهي صحيحة السند، ولكن مفادها وهو التصدق على سبعة مساكين مما لم يقل به احد لعدم انطباقه لا على كفارة رمضان ولا على كفارة اليمين. ومن هنا قد يقوى في النظر ان في العبارة تصحيفا وان صحيحها العشرة فابدلت بالسبعة سهوا من النساخ كما حكى ذلك عن الشهيد (قدس سره) والذي يشهد لذلك أولا أقل من أن يوقعنا في الريب ان عبارة الصدوق في الفقيه - في كتاب النذر - الذي من شأنه التعبير فيه بمتون الاخبار مطابقة لمتن هذه الرواية من غير اختلاف إلا من ناحية أن الضمائر هناك للغياب وهنا للتكلم والخطاب، ومن المستبعد جدا انها مع هذه المطابقة لم تكن متخذة من متن هذه الرواية وقد تضمنت التعبير بالعشرة بدلا عن السبعة، وعبارته في المقنع أيضا كذلك، أي مشتملة على كلمة (عشرة) على ما حكاه عنه الشهيد في المسالك، ومن المعلوم من دأبه (قده) في هذا الكتاب أنه يذكر متن الرواية بعنوان الفتوى كما يفعل ذلك في الفقيه أيضا حسبما عرفت. وكيفما كان فلم تثبت صحة النسخة وان متن الصحيحة هل هو العشرة أو السبعة؟ فغايته الاجمال، فلا يمكن أن يعارض بها صحيحة الحلبي وموثقة غياث الصريحتين في أن الكفارة هي كفارة اليمين حسبما عرفت، لو لم ندع الاطمئنان بأن الصحيح هو العشرة كما في كلام الصدوق فانه أقرب إلى الصحة لانطباقه على ساير الروايات.

[ 309 ]

[ الرابع صوم الاعتكاف (1) وكفارته مثل كفارة رمضان مخيرة بين الخصال ولكن الاحوط الترتيب المذكور ] (1) لااشكال كما لا خلاف في وجوب الكفارة بالجماع في صوم الاعتكاف، إنما الاشكال في تعيين المقدار، فالمشهور بل عن بعض دعوى الاجماع عليه انها ككفارة شهر رمضان مخيرة بين الخصال الثلاث، وعن جماعة منهم صاحب المدارك انها كفارة الظهار، ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار حيث تضمن بعضها انها كفارة شهر رمضان كموثقة سماعة: عن معتكف واقع أهله، فقال: هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان، وموثقته الاخرى عن معتكف، واقع أهله قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا (1). وبازاء الموثقتين صحيحتان دلتا على أنها كفارة الظهار، احداهما صحيحة زرارة، عن المعتكف يجامع أهله، قال: إذا فعل فعليه ما على المظاهر، والاخرى صحيحة أبي ولاد الحناط عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم وهي معتكفة باذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت إلى زوجها حتى واقعها، فقال: إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضي ثلاثة أيام ولم تكن اشترطت في اعتكافها، فان عليها ما على المظاهر (2) هذا. وصاحب المدارك ومن حذا حذوه ممن لا يعملون بالموثقات ولا يرون حجية غير الصحاح لاعتبارهم العدالة في الراوي طرحوا الموثقتين لعدم الحجية وعملوا بالصحيحتين فافتوا بأن الكفارة هي كفارة الظهار.


(1) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف حديث 2، 5 (2) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف حديث 1، 6

[ 310 ]

وأما بناء على ما هو الصواب من عدم الفرق في الحجية بين الصحيح والموثق فلا محالة تقع المعارضة بين الموثقتين والصحيحتين ويدور الامر بين العمل باحدى الطائفتين، ولكن الظاهر هو الاخذ بالموثقتين والحكم بانها كفارة شهر رمضان كما عليه المشهور، وذلك من أجل أن هذه الكفارة هي كفارة الظهارة بعينها ولا فرق بينهما إلا من حيث التخيير والترتيب، فالاولى مخيرة بين الخصال، والثانية يعتبر فيها الترتيب فيجب العتق أولا، ومع العجز فالصيام، ولو عجز أيضا فالاطعام. وعليه فيجمع بين الطائفتين بحمل الامر بالترتيب على الافضلية، فان الموثقتين صريحتان في التخيير، والصحيحتان ظاهرتان في وجوب الترتيب، فيرفع اليد عن الظاهر بالنص ويحمل على الندب فتأمل. بل لو فرضنا عدم ورود الصحيحتين لقلنا أيضا بأفضلية الترتيب لورود الامر به في صحيحة علي بن جعفر التي تقدمت في نصوص كفارة شهر رمضان المحمول على الافضلية جمعا كما مر سابقا، فإذا كان صوم الاعتكاف بمنزلة شهر رمضان كما نطقت به الموثقتان ثبتت الافضلية هنا أيضا، ونحو هذه الصحيحة رواية المشرقي المتضمنة للامر بالعتق (1) فانها أيضا محمولة على الاستحباب أو على الوجوب التخييري جمعا كما مر. نعم ناقشنا سابقا في سند هذه الرواية من أجل أن المشرقي هو هاشم أو هشام بن ابراهيم العباسي غير الثقة وقد اعتمدنا في ذلك على ما ذكره الاردبيلي في جامعه تبعا للميرزا وللتفريشي من الاتحاد، ولكنه وهم، والصواب انهما شخصان كما نبهنا عليه في المعجم، فان المشرقي هو هشام بن ابراهيم الختلي البغدادي الذي وثقه النجاشي


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 11

[ 311 ]

[ هذا وكفارة الاعتكاف مختصة بالجماع فلا تعم ساير المفطرات (1) ] صريحا، وهو غير هشام بن ابراهيم العباسي، الذي قيل في حقه انه زنديق، وقد أقمنا في المعجم شواهد على التعدد. إذا فرواية المشرقي صحيحة السند من غير غمز فيه. فتحصل ان من جامع في صوم الاعتكاف وجبت عليه كفارة شهر رمضان أعني التخيير بين الخصال وإن كان الافضل الترتيب، بل هو الاحوط كما ذكره في المتن. (1) كما هو المشهور وهو الصحيح إذ لا ملازمة بين الحرمة وبين وجوب الكفارة أو ارتكب فانها تحتاج إلى الدليل ولا دليل عليها في غير الجماع، وعدم الدليل كاف في الحكم بالعدم استنادا إلى أصالة البراءة، ولكن ذهب المفيد والسيدان والعلامة في التذكرة إلى وجوب الكفارة مطلقا، بل في الغنية دعوى الاجماع على الالحاق بالجماع وهو كما ترى، ولا عبرة بالاجماع المنقول سيما اجماعات الغنية المعلوم حالها حيث يدعي الاجماع اعتمادا على اصل أو قاعدة يري انطباقه على المورد، ونسب إلى الشيخ في كتابيه والعلامة في التذكرة أيضا الحاق خصوص الاستمناء بالجماع. وهو أيضا لا دليل عليه. ودعوى الاجماع على الالحاق موهونة، سيما بعد مخالفة مثل المحقق وغيره. نعم ثبت الالحاق في خصوص شهر رمضان بالنص الدال على أنه عليه مثل ما على الذي يجامع كما سبق في محله. وأما ان كل حكم متعلق بالجماع ثابت للاستمناء كي يحكم بالكفارة في المقام فلا دليل عليه بوجه. فالاقوى اختصاص الحكم بالجماع حسبما عرفت.

[ 312 ]

[ والظاهر انها لاجل الاعتكاف لا للصوم (1) ولذا تجب في الجماع ليلا أيضا، واما ما عدا ذلك من أقسام الصوم ] (1) فتجب الكفارة وان لم يكن صائما كما لو جامع ليلا، وذلك لاجل أن موضوع الحكم في النصوص وهي الموثقتان والصحيحتان هو عنوان المعتكف، لا عنوان الصائم، ومقتضى الاطلاق دوران الحكم مدار ذاك العنوان سواء أكان صائما أم لا، وتؤيده رواية عبد الاعلى ابن أعين عن رجل وطأ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان، قال: عليه الكفارة، قال: قلت فان وطأها نهارا؟ قال: عليه كفارتان ونحوها مرسلة الصدوق (1). ولكن الرواية ضعيفة السند لا تصلح إلا للتأييد لا من أجل ضعف عبد الاعلى نفسه فانه وان لم يذكر في كتب الرجال إلا انه وثقة المقيد في رسالته العددية المدونة لبيان أن شهر رمضان قد ينقص وقد لا ينقص في قبال من ذهب - كالصدوق - إلى أنه لا ينقص أبدا فذكر (قده) بعد أن سرد طائفة من الروايات الدالة على ذلك أن رواة هذه الاخبار - ومنهم عبد الاعلى بن أعين - من أكابر الفقهاء ولا يطعن عليهم بشئ، ويكفي هذا المدح البليغ في التوثيق كما لا يخفي بل من أجل وقوع محمد بن سنان في السند، وأما المرسلة فحالها ظاهر. إذا فالعمدة هي الاطلاقات المتقدمة الشاملة لحالتي الصوم وعدمه، الظاهرة في أن موضوع التكفير نفس الاعتكاف ولا مدخل للصوم في ذلك حسبما عرفت.


(1) الوسائل باب 6 من ابواب الاعتكاف الحديث 4، 3

[ 313 ]

[ فلا كفارة في افطاره (1) واجبا كان كالنذر المطلق والكفارة أو مندوبا فانه لا كفارة فيها وان افطر بعد الزوال. مسألة 2: تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين (2) وازيد من صوم له كفارة ولا تتكرر بتكرره في يوم واحد في غير الجماع وان تخلل التكفير بين الموجبين أو اختلف جنس الموجب على الاقوى وان كان الاحوط التكرار مع احد الامرين بل الاحوط التكرار مطلقا. ] (1) بلا اشكال فيه ولا خلاف سواء أكان واجبا ولو معينا كالصوم الاستيجاري أم مندوبا لان وجوب الكفارة حكم آخر يحتاج ثبوته إلى الدليل ولا دليل عليه فيما عدا المواضع الاربعة المتقدمة فيرجع إلى أصالة البراءة. (2) لا ينبغي الاشكال في تكرار الكفارة بتكرر الافطار فيما إذا كان ذلك في يومين فما زاد سواء اتحد الجنس كما لو أفطر بالاكل في كل من اليومين أم اختلف بان اكل في يوم وشرب في اليوم الآخر وسواء تخلل التكفير في البين أم لا، وذلك لاطلاق الادلة بعد أن كان كل يوم موضوعا مستقلا للحكم، والتداخل على تقدير القول به إنما يجدي فيما لو اجتمع الموجبان في اليوم الواحد كما سيجئ. فحال تعدد الافطار في يومين حال تكرره في سنتين الذي لا يحتمل فيه وحدة الكفارة بالضرورة. وهذا ظاهر جدا. إنما الكلام فيما لو تعدد الموجب في يوم واحد، فهل تتعدد الكفارة حينئذ أيضا أولا؟ أو يفصل بين اختلاف الجنس ووحدته

[ 314 ]

أو بين تخلل التكفير في البين وعدمه؟؟ فيه أقوال، ومحل الكلام فعلا ما عدا الجماع وما يلحق به من الاستمناء. المشهور والمعروف عدم التعدد وأنه ليست عليه إلا كفارة واحدة وإن كان آثما في التكرير، وذهب جماعة منهم المحقق والشهيد الثانيان إلى التعدد مطلقا، وعن العلامة في المختلف التكرر بشرط تغاير الجنس أو تخلل التكفير ومع انتفائهما فكفارة واحدة، وكأنهم بنوا النزاع على أن الاصل هو التداخل أو عدمه أو يفصل بين التغاير أو التخلل، فالاصل عدم التداخل، وإلا فالاصل هو التداخل، ولاجل ذلك بنى ثاني الشهيدين والمحققين على أصالة عدم التداخل مطلقا، ولكن العلامة بنى على أصاله التداخل إلا في الموردين المزبورين. والظاهر ان شيئا من ذلك لايتم فلا تجب في المقام إلا كفارة واحدة على جميع التقادير، أي سواء قلنا بأن الاصل هو التداخل أو عدمه أو التفصيل، وذلك لان الاسباب في محل الكلام لا يتصور فيها التعدد كي يبحث عن تداخلها وعدمه، إذ الكفارة لم تترتب في شئ من النصوص على عنوان الاكل أو الشرب أو الارتماس ونحوها من ذوات المفطرات ما عدا الجماع وما يلحق به كما ستعرف - وإنما ترتبت على عنوان الافطار مثل قوله عليه السلام من أفطر متعمدا فعليه الكفارة. فالافطار هو السبب والموجب لتعلق الكفارة، ومن البديهي أن لا معنى للافطار بعد الافطار، إذ هو نقض الصوم وهدمه المتحقق بأول وجود لاستعمال ما يجب الامساك عنه، فان الصوم والافطار متضادان على ما مر مرارا وأحدهما مقابل للآخر حتى في الاستعمال الدارج في ألسنة العوام، فيقال على فطورك أي عند رفع

[ 315 ]

[ واما الجماع فالاحوط بل الاقوى تكريرها بتكرره (1) ] اليد عن الامساك، فالصائم هو الممتنع عن تلك الامور، ويقابله المفطر وهو غير الممتنع، فإذا نقض صومه فقد أفطر فليس هو بصائم بعد ذلك، ولو فرض أنه وجب عليه الامساك حينئذ أيضا فهو حكم آخر ثبت بدليل آخر، فعنوان الصوم والافطار مما لا يجتمعان أبدا بحيث يقال له فعلا أنه مفطر صائم، وعليه فقد تحقق الافطار بالوجود الاول وتعلقت الكفارة وانتقض الصوم وانعدم، ومعه لا يتصور افطار ثان كي يبحث عن تداخله أو عدمه مطلقا أو مع التفصيل، فكأنهم استفادوا أن الكفارة مترتبة على تناول ذات المفطر من عنوان الاكل والشرب ونحو ذلك، مع أنه لم يوجد ما يدل عليه حتى رواية ضعيفة، بل الموجود ترتب الكفارة على عنوان الافطار الذي له وجود واحد لا يقبل التكرير حسبما عرفت، من غير فرق في ذلك بين اتحاد الجنس واختلافه، أو تخلل التكفير وعدمه كما هو ظاهر جدا. (1) فان المذكور في بعض النصوص وان كان هو ترتب الكفارة على جماع الصائم المنتفي لدى تحقق الجماع الثاني إلا ان الموضوع للحكم في جملة كثيرة منها هو عنوان الجماع أو الوقاع الشامل باطلاقه لحالتي التلبس بالصوم وعدمه، بحيث يظهر منها ان الموضوع للكفارة هو الجماع في نهار شهر رمضان ممن هو مكلف بالصوم سواء أكان صائما بالفعل أم لا، ولاجله كان تكرر السبب وتعدد الموجب متصورا في المقام، وعليه فتبتني المسألة على أن مقتضى الاصل لدى اجتماع الاسباب هل هو التداخل أو عدمه؟ وبما ان المحقق في محله هو العدم

[ 316 ]

[ مسألة 3: لافرق في الافطار بالمحرم الموجب لكفارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصلية كالزنا وشرب الخمر أو عارضية كالوطئ حال الحيض أو تناول ما يضره (1). ] أخذا باطلاق أدلة الاسباب الظاهرة في الانحلال، وإن كل فرد سبب مستقل لترتب الاثر عليه سواء لحقه أو سبقه فرد آخر أم لا فلا مناص من الالتزام بتعدد الكفارة في المقام عملا بأصالة عدم التداخل المقتضية لوجوب التكرار، ودعوى الانصراف في النصوص المذكورة إلى الجماع المفطر فغيره - وهو الجماع اللاحق - خارج عن منصرف تلك النصوص مما لم نتحققها ولم نعرف لها وجها أبدا فانها بلا بينه ولا شاهد فاطلاق الجماع في تلك النصوص السليم عما يصلح للتقييد هو المحكم. ويلحق بالجماع الاستمناء فان الكفارة المتعلقة به مترتبة أيضا على عنوان الامناء لاجل العبث بالاهل ونحوه الشامل للصائم بالفعل وعدمه الصادق على الوجود الاول وما بعده. فالاظهر تكرر الكفارة في الجماع كما نسب إلى السيد المرتضى وقواه في المستند، بل وفي الاستمناء أيضا حسبما عرفت استنادا إلى أصالة عدم التداخل، فالحكم مطابق لمقتضى القاعدة، وأما النصوص الخاصة الدالة على ذلك فكلها ضعيفة ولا تصلح إلا للتأييد وهي روايات ثلاثة احداها رواية الجرجاني المشتمل سندها على عدة من المجاهيل والاخرى مرسلة صاحب كتاب شمس المذهب المشتملة على الارسال من جهات. والثالثة مرسلة العلامة عن الرضا عليه السلام ان الكفارة تتكرر بتكرر الوطئ فلاحظها إن شئت (1). (1) وذلك لاطلاق الدليل هذا وقد ذكرنا في محله ان حرمة الاضرار تختص بالضرر المعتد به المؤدي إلى الهلاك أو ما بحكمه لا مطلقا


(1) الوسائل باب 11 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 2، 3

[ 317 ]

[ مسألة 4: - من الافطار بالمحرم الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله بل ابتلاع النخامة إذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في الخبائث لكنه مشكل (1). ] هذا الاشكال في محله، بل الاظهر هو عدم الحرمة لمنع الكبرى أولا، إذ لا دليل على حرمة اكل الخبائث كلية، والآية المباركة غير دالة على ذلك كما مر التكلم حوله قريبا، ومنع الصغرى ثانيا فان الخبيث هو ما يتنفر منه الطبع، والنخامة ما لم تخرج عن فضاء الفم مما يقبله الطبع ولا يتنفره لتعارف ابتلاعه كثيرا من غير أي اشمئزاز فنخامة كل أحد غير خبيثة بالاضافة إليه، ما لم تخرج عن فضاء فمه ولاجله كان الافطار به افطارا بالحلال لا بالحرام. نعم لا اشكال في الخباثة بالاضافة إلى شخص آخر أو بعد الخروج عن فضاء الفم هذا. وربما يستدل لجواز الابتلاع برواية الشيخ عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تنخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم يمر بداء في جوفه الا ابرأته (1). ورواها الصدوق مرسلا إلا انه قال: من تنخم، ورواها الصدوق أيضا في ثواب الاعمال مسندا، ولكنها ضعيفة السند بطرقها الثلاثة وإن عبر عنها في بعض الكلمات بالصحيحة. أما طريق الشيخ فلاجل اشتماله على أبي اسحاق النهاوندي الذي ضعفه النجاشي صريحا، وأما مرسلة الصدوق فظاهرة الضعف، وأما ما رواه في ثواب الاعمال فلاجل


(1) الوسائل باب 20 من ابواب احكام المساجد حديث 1

[ 318 ]

[ مسألة 5: - إذا تعذر بعض الخصال في كفارة الجمع وجب عليه الباقي (1) ] اشتمال سنده على محمد بن حسان عن أبيه، وقد قال النجاشي في حق محمد بن حسان انه يعرف وينكر بين بين، يروي عن الضعفاء كثيرا فيظهر منه نوع خدش فيه كما لا يخفى. ومع الغض عنه فيكفي في الضعف جهالة أبيه حسان فانه لم يوثق، فلا يعتمد على الرواية بوجه. (1) مثل مالو تعذر العتق كما في هذه الايام فانه يجب عليه الصيام والاطعام، وربما يورد عليه بأن التكليف بالجمع مساوق لفرض الارتباطية، ومقتضى القاعدة في مثله سقوطه بالعجز عن المجموع ولو للعجز عن بعض أجزائه، إذ العجز عن الجزاء عجز عن المركب فلا دليل على وجوب الاتيان بالباقي إلا ان تثبت قاعدة الميسور ولكنها أيضا محل اشكال أو منع. ويندفع أولا بانا لا نحتمل من مذاق الشرع سقوط الكفارة في المقام. كيف ولازمه أن يكون الافطار على الحرام اهون من الافطار على الحلال لثبوت الكفارة في الثاني وإن حصل العجز عن البعض فيكون هو اسوء حالا من الاول، وهذا لعله مقطوع العدم كما لا يخفى. وثانيا إن التعبير بكفارة الجمع الظاهر في الارتباطية لم يرد في شئ من النصوص وإنما هو مذكور في كلمات الفقهاء تلخيصا في العبارة، وأما النص فالعبارة الواردة فيه كما في رواية الهروي هكذا فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، وصيام شهرين متتعابعين واطعام

[ 319 ]

[ مسألة 6: إذا جامع في يوم واحد مرات وجب عليه كفارات بعددها (1) وان كان على الوجه المحرم تعددت كفارة الجمع بعددها. مسألة 7: - الظاهر ان الاكل في مجلس واحد يعد افطارا واحدا (2) وان تعددت اللقم فلو قلنا بالتكرار مع التكرر في يوم واحد لا تتكرر بتعددها وكذا الشرب إذا كان جرعة فجرعة. ] ستين مسكينا، ونحوها رواية العمري، وقريب منهما موثقة سماعة (1) وهذه العبارة كما ترى ظاهرة في الاستقلال وانه يجب عليه كفارات ثلاث وتثبت أحكام ثلاثة: عتق وصيام واطعام من غير ملاحظة الوحدة والارتباطية بينها فانها لا مقتض ولا موجب وعليه فإذا تعذر البعض كان الباقي على حاله بمقتضى القاعدة كما هو الشأن في ساير الواجبات الاستقلالية. (1) لما عرفت من تعدد الكفارة بتكرر الجماع استنادا إلى أصالة عدم التداخل ولاجله تتكرر كفارة الخصال في الحلال والجمع في الحرام لتكرر الموجب. (2) فان العبرة في وحدة الاكل أو الشرب بالصدق العرفي ولا شبهة أن العرف يقضي بالوحدة مع اتحاد المجلس وان تعددت اللقم وتكررت الجرع، فلا يرى ذلك إلا افطارا واحدا، فلا تتكرر الكفارة بتعدد اللقم أو الجرع، وان قلنا بالتكرار مع التكرر في يوم واحد.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 و 2 و 3

[ 320 ]

[ مسألة 8: - في الجماع الواحد إذا ادخل واخرج مرات لا تتكرر الكفارة (1) وان كان احوط. مسألة 9: - إذا افطر بغير الجماع ثم جامع بعد ذلك يكفيه التكفير مرة (2) ] (1) فانها وان تكررت بتكرره إلا أن مثل هذا لا يعد تكرارا للجماع لما عرفت آنفا من أن العبرة في الواحدة والتعدد بالصدق العرفي وما هو المتعارف خارجا، ولا ريب أن الفرض يعد لدى العرف جماعا واحدا وان تضمن ادخالات واخراجات عديدة، فدليل التكرر بالتكرار منصرف عن هذه الصورة قطعا، ولذا حكم بكفارة واحدة في صحيحة جميل من (1) غير استفصال عن وحدة الادخال وتعدده وكذا في ساير النصوص. (2) هذا لا يستقيم بناء على ما سبق منه وقويناه من تكرر الكفارة بتكرر الجماع ولا استثنائه عما عداه من ساير المفطرات، إذ لو كان المستند فيه النصوص الخاصة الدالة على تكرر الكفارة امكن دعوى انصرافها إلى صورة تكرر الجماع فقط، فلا تعم الجماع المسبوق بمفطر آخر الذي هو محل الكلام ولكنك عرفت ضعف تلك النصوص بأجمعها وان العمدة ما تقتضيه القاعدة من أصالة عدم التدخل بعد ان كانت الكفارة معلقة في النصوص على الجماع من حيث هو، لا بما أنه مفطر فان مقتضى الاطلاق سببية كل فرد لكفارة مستقلة سواء أكان مسبوقا بجماع آخر أم ملحوقا به أم لم يكن ولاجله تتكرر


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 321 ]

[ وكذا إذا افطر أولا بالحلال ثم افطر بالحرام تكفيه كفارة الجمع (1). ] الكفارة بتكرر الجماع، إذ لا تختص بالجماع المفطر كي لا ينطبق إلا على الوجود الاول. وهذا الاطلاق كما يعم الجماع المتكرر كذلك يشمل الجماع المسبوق بمفطر أخر بمناط واحد، لما عرفت من ان كل فرد سبب مستقل، والمفروض عدم الاختصاص بالجماع المفطر، فلو أفطر بالاكل مثلا ثم جامع تكررت الكفارة، احداهما للافطار العمدي والاخرى لنفس الجماع. نعم ما ذكره (قده) من كفاية التكفير مرة يتم في صورة العكس، أعني مالو افطر بالجماع ثم تناول غيره من الاكل ونحوه لان غير الجماع لا يوجب الكفارة إلا من حيث الافطار. ولا معنى للافطار عقيب الافطار. فما أفاده (قده) لا يستقيم على اطلاقه. (1) هذا أيضا لا يستقيم على اطلاقه لفرض حصول الافطار بالمحلل، فلا يكون تناول المحرم مفطرا، إذ لا معنى للافطار عقيب الافطار فلا تأثير له في الكفارة بوجه، فتكفيه إحدى الخصال كفارة لما ارتكبه من الحلال. هذا فيما إذا كان المحرم غير الجماع، مثل تناول الخمر أو المغصوب ونحوهما. وأما إذا كان هو الجماع فبما انه سبب مستقل لكفارة الجمع - على القول به - من غير فرق بين كونه مفطرا أم لا، فاللازم حينئذ هو الجمع بين كفارة الجمع للجماع المحرم وبين احدى الخصال تكفيرا للافطار بالحلال، وليس له الاقتصار على الثاني كما لا يخفى.

[ 322 ]

[ مسألة 10: - لو علم انه أتى بما يوجب فساد الصوم وتردد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفارة أيضا (1) لم تجب عليه وإذا علم انه افطر اياما ولم يدر عددها (2) يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم. ] نعم يتجه ذلك في صورة العكس، أعني ما لو افطر أولا بالحرام جماعا كان أم غيره، ثم بحلال أو حرام غير الجماع، فانه تكفيه حينئذ كفارة الجمع لعدم تأثير الثاني، إذ لا افطار بعد الافطار، وأما لو كان الثاني هو الجماع لزم ضم كفارة اخرى إلى كفارة الجمع إذ هو بنفسه سبب مستقل والاصل عدم التداخل كما مر. ومنه تعرف انه لو أفطر بالجماع الحلال أولا ثم بمثله ثانيا لزمه تكرير التكفير باحدى الخصال، كما انه لو أفطر بالجماع الحرام أولا ثم بمثله ثانيا لزمته كفارة الجمع مكررا ولو اختلفا فبالاختلاف. والحاصل ان مقتضى ما عرفت من تكرر الكفارة بتكرر الجماع وعدمه فيما عداه هو التفصيل على النحو الذي سمعت فلاحظ وتدبر. (1) تعرض (قده) في هذه المسألة لفروع الشك، فمنها: انه لو علم الاتيان بما يفسد الصوم، وتردد بين ما يوجب القضاء فقط وما يوجب الكفارة أيضا حيث ان المفطرات مختلفة من هذه الجهة كما مرت الاشارة إليها سابقا ويأتي تفصيلها لاحقا إن شاء الله تعالى فلا اشكال حينئذ في عدم وجوب الكفارة اقتصارا على المقدار المتيقن ودفعا للزائد المشكوك فيه بالاصل كما هو الشأن في الدوران بين الاقل والاكثر الاستقلاليين وهذا ظاهر. (2) ومنها انه لو علم بافطاره أياما ولم يدر عددها، فتارة

[ 323 ]

يكون الشك من ناحية الكفارة واخرى من ناحية القضاء، وعلى التقديرين يجوز له الاقتصار على المقدار الملعوم كما أفاده في المتن. أما الاول فلاصالة البراءة عن وجوب الكفارة - الذي هو حكم جديد - زائدا على المقدار المعلوم، وهذا من غير فرق بين كون النسيان الفعلي مسبوقا بالذكر في ظرفه وعدمه إذ العبرة في جريان الاصل بظرف الشك والحالة الفعلية، ولا عبرة بالعلم السابق الزائل لدوران التنجيز مدار وجود المنجز حدوثا وبقاء كما هو مقرر في الاصول. وأما الثاني فقد يقال إن التكليف بالصوم قد تنجز في ظرفه ويشك في الخروج عن عهدته للشك في حصول الامتثال بعدد الاشتغال ومعلوم ان قاعدة الحيلولة المقررة في الصلاة غير جارية في الصوم فلا مناص من الاحتياط في القضاء بالاتيان بالمشكوك فيه قضاء لقاعدة الاشتغال. ولا يخفى أن هذا التقرير وجيه لو قلنا بتبعيه القضاء للاداء، بدعوى انحلال الامر الحادث في الوقت إلى أمرين: أمر بالطبيعي الجامع، وأمر آخر بايقاع ذاك الطبيعي في الوقت، فإذا خرج الوقت وشك في الامتثال فالامر الثاني ساقط جزما، وأما الاول فبما أنه يشك في سقوطه فلا محيص عن الاحتياط تحصيلا للقطع بالفراغ، إلا أن هذا المبنى بمعزل عن التحقيق، والصواب ان القضاء بأمر جديد - كما سبق في محله - وانه ليس في الوقت إلا أمر واحد متعلق بالطبيعة الخاصة وهي الاتيان بالعمل في وقته، وأن الانحلال على خلاف ظواهر الادلة جدا، إذ لا يستفاد من قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) إلا وجوب الصوم في هذا الشهر لا وجوب طبيعي الصيام ووجوب ايقاع

[ 324 ]

[ وإذا شك في أنه افطر بالمحلل أو المحرم كفاه احدى الخصال (1). وإذا شك في ان اليوم الذي افطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه (2) وقد افطر قبل الزوال لم تجب عليه ] هذا الطبيعي في شهر رمضان، فانه بعيد عن المتفاهم العرفي غايته وهكذا الحال في ساير المؤقتات. وعليه فالامر الواحد الحادث في الوقت ساقط عند خروجه جزما إما بالامتثال أو بخروج الوقت المستلزم لزوال الموضوع ويحدث بعدئذ أمر جديد متعلق بالقضاء، وبما أن موضوعه الفوت فثبوته منوط باحرازه، ومع الشك في كمية الفائت يشك لا محاله في تعلق الامر بالقضاء زائدا على المقدار المعلوم، ومعه يرجع في نفي المشكوك فيه إلى أصالة البراءة ومن المعلوم ان أصالة عدم الاتيان بالمأمور به في الوقت لا يثبت عنوان الفوت لعدم حجية الاصول المثبتة. وعليه فيقتصر في القضاء على المقدار المعلوم. (1) ومنها أنه لو شك في أنه أفطر بالمحلل أو بالمحرم فانه تكفيه احدى الخصال للقطع بوجوبها على كل حال، والشك في الزائد عليها فيرجع في نفيه إلى أصل البراءة كما هو الحال في كل مورد دار الامر فيه بين التعيين والتخيير في مقام الجعل الذي مرجعه لدى التحليل إلى الدوران بين الاقل والاكثر كما لا يخفى. (2) ومنها: أنه لو شك في أن اليوم الذي أفطر فيه هل كان من شهر رمضان أو كان من قضائه وهذا على نوعين، إذ قد يفرض

[ 325 ]

[ الكفارة وان كان قد افطر بعد الزوال كفاه اطعام ستين مسكينا بل له الاكتفاء بعشرة مساكين. ] حصول الافطار قبل الزوال واخرى بعده. أما الاول فمرجعه إلى الشك في تعلق الكفارة من أصلها، إذ لا كفارة في الافطار قبل الزوال في قضاء رمضان، فيرجع في نفيها إلى أصالة البراءة، وهذا ظاهر فليس عليه إلا القضاء فحسب. وأما الثاني فثبوت الكفارة معلوم غير انها مرددة بين إحدى الخصال الثلاث لو كان ذلك اليوم من شهر رمضان، وبين اطعام عشرة مساكين لو كان من قضائه، وحينئذ فلا اشكال في فراغ الذمة وبراءتها باطعام ستين مسكينا، لانه اما عدل للواجب التخييري أو مشتمل على الواجب - وهو عشرة مساكين - وزيادة غير قادحة كما هو واضح جدا. وهل له الاكتفاء بعشرة مساكين؟ احتمله في المتن بدعوى انا نعلم بوجوبها اجمالا اما تعيينا أو في ضمن ستين مسكينا تخييرا بينه وبين العتق والصيام. فالصدقة على العشرة مما يعلم بتعلق الطلب بها المردد بين التعيين والتخيير ويشك في وجوب الزائد عليها فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. ويندفع بعدم كون المقام من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير ليؤخذ بالمتيقن في مقام الجعل ويدفع الزائد بالاصل، وذلك لما ذكرناه في محله من الاصول عن تصوير الواجب التخييري من أن متعلق الوجوب إنما هو الجامع الانتزاعي المنطبق على كل من الطرفين أو الاطراف، وليس الطرف بنفسه متعلقا للتكليف بوجه، وإنما هو

[ 326 ]

محقق للامتثال ومسقط للامر المتعلق بالجامع من أجل انطباقه عليه. وعليه ففي المقام نعلم اجمالا بتعلق الطلب أما بالعنوان الجامع، أعني احدى الخصال من اطعام الستين وأخويه، أو باطعام عشرة مساكين. ومن الضروري ان العشرة مباينة مع الجامع المزبور وليس أحدهما متيقنا بالاضافة إلى الآخر ليؤخذ به ويدفع الزائد بالاصل. نعم العشرة متيقنة بالاضافة إلى الستين، ولكن الستين ليس متعلقا للتكليف جزما، وانما المتعلق هو الجامع المنطبق عليه وعلى غيره والجامع مباين مع العشرة وعليه فكما ان مقتضى الاصل عدم تعليق التكليف بالجامع كذلك مقتضاه عدم تعلقه بالعشرة فيسقطان بالمعارضة فلابد من الاحتياط ويتحقق بأحد أمرين: اما بالحمع بين العشرة وبين العتق أو الصيام، وأما باختيار الستين للقطع بتحقق الامتثال في ضمنه، اما لكونه عدلا للواجب التخييري أو لاجل اشتماله على العشرة وزيادة، فالستون متيقن في مقام الامتثال لا في مقام تعلق التكليف، وأما العشرة فليست بمتيقنة حتى في مقام تعلق التكليف لما عرفت من المباينة بينها وبين الجامع، ومن هنا لم يجز الاقتصار عليها، ودفع الزائد بالاصل، إذ من الجائز أن يكون الواجب هو الجامع ولا مؤمن بالنسبة إليه لما عرفت من أن أصالة عدم وجوبه معارضة بأصالة عدم وجوب العشرة. ولتوضيح المقام نقول إنه في موارد الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطين قد يقال بالانحلال نظرا إلى أن تعلق التكليف بالاقل معلوم على كل تقدير، وأما تعلقه بالزائد عليه وهو الاكثر فمشكوك يدفع بأصالة البراءة، وعلى ضوء ذلك يقال في المقام بأن تعلق الامر بالتصدق على عشرة مساكين معلوم، وأما الزائد عليه وهو الستون تخييرا بينه وبين العتق والصيام فمشكوك يرجع في نفيه إلى أصل البراءة.

[ 327 ]

ولكنه بمراحل عن الواقع كما فصلنا البحث حوله في الاصول ضرورة ان الاقل بوصف كونه أقل مشكوك فيه إذ هو طرف للعلم فكيف يكون متيقنا، وإنما المتيقن هو ذات الاقل الجامع بين اللابشرط وبين بشرط شئ - أي بشرط الانضمام إلى الزائد - فان هذا الوجوب المهمل المردد بين الوصفين المزبورين هو الذي يتيقن بوجوده على كل تقدير، ولاريب في أن هذا الوجوب الجامع هو نفس العلم الاجمالي بعينه، فكيف ينحل به العلم الاجمالي، وهل هذا إلا انحلال الشئ بنفسه، فالانحلال بهذا النحو - انحلالا حقيقيا - أمر غير معقول. نعم التزمنا ثمة بالانحلال على وجه آخر بحيث يترتب عليه نتيجة الانحلال الحقيقي واسميناه بالانحلال الحكمي، بتقريب ان المناط في تنجيز العلم الاجمالي معارضة الاصول المستوجبة لتطرق احتمال العقاب من غير مؤمن الواجب دفعه بحكم العقل القاضي بلزوم دفع الضرر - أي العقاب - المحتمل، فمتى تعارضت الاصول في الاطراف تنجر العلم الاجمالي، بل كان نفس الاحتمال غير المقترن بالمؤمن منجزا حسبما عرفت. وأما إذا اختص بعض الاطراف بالاصل دون الآخر بحيث انتفت المعارضة لم يكن العلم في مثله منجزا، كما لو علم بفقدا الركن من صاحبة الوقت أو من الفائتة فان قاعدة الفراغ الجارية في كل منهما تسقط بالمعارضة إلا ان الاولى تختص بقاعدة الاشتغال دون الثانية فان المرجع فيها قاعدة الحيلولة الراجعة إلى أصالة البراءة عن القضاء وبذلك ينحل العلم الاجمالي، وموارد الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين من هذا القبيل، فان وجوب الاقل على نحو بشرط شئ

[ 328 ]

[ مسألة 11: إذا افطر متعمدا ثم سافر بعد الزوال لم تسقط عنه الكفارة بلا اشكال (1) وكذا إذا سافر قبل الزوال للفرار عنها بل وكذا لو بداله السفر لا بقصد الفرار على الاقوى وكذا لو سافر فافطر قبل الوصول إلى حد الترخص واما لو أفطر متعمدا ثم عرض له عارض قهري من حيض أو نفاس أو مرض أو جنون أو نحو ذلك من الاعذار ففي السقوط وعدمه وجهان بل قولان أحوطهما الثاني وأقواهما الاول. ] فيه كلفة ومشقة فيدفع بأصالة البراءة، وأما وجوبه بنحو اللا بشرط وعلى سبيل الاطلاق فهو عين التوسعة فلا يمكن دفعه بأصالة البراءة المقررة لرفع الضيق واثبات السعة امتنانا على الامة، وحيث اختص أحد الطرفين بالاصل دون الآخر فقد حصلت نتيجة الانحلال وسقط العلم الاجمالي عن التنجيز. هذا كله في موارد الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين. وأما في محل الكلام فلا سبيل لهذا التقريب لما عرفت من أن اطعام العشرة واحدى الخصا - اللذين هما طرفا العلم الاجمالي - متباينان والاصل الجاري في كل منهما معارض بمثله، وإذ كانت الاصول متعارضة فلا محال ينتجز العلم الاجمالي ومعه لا مناص من الاحتياط على النحو الذي عرفت، فليس له الاقتصار على اطعام العشرة بوجه، لعدم حصول البراءة بذلك أبدا. (1) هل تسقط الكفارة بعروض ما يبطل معه الصوم من السفر والحيض ونحوهما أولا أو يفرق في ذلك بين الموانع الاختيارية

[ 329 ]

والاضطرارية، أو يفرق في الاختيارية بين ما كان لاجل الفرارا عن الكفارة وغيره؟ لا اشكال كما لا خلاف في عدم السقوط بالسفر بعد الزوال لوجوب اتمام الصوم حينئذ وصحته، فلا أثر له في رفع الكفارة جزما وهذا ظاهر. وأما إذا سافر قبل الزوال بحيث كانت وظيفته الافطار إما مطلقا أو مع تبييت النية فهل هذا الحكم المتأخر، أعني البطلان اللاحق يستوجب سقوط الكفارة الثابتة على تقدير عدم السفر؟ كأن المتسالم عليه عند الاصحاب " بل مما ادعى عليه الاجماع هو عدم السقوط ولا سيما إذا سافر اختيارا للفرار عنها، وهذا هو الصحيح. والوجه فيه أن المستفاد من قوله تعالى، كلوا واشربوا. إلى قوله " فمن كان منكم مريضا أو على سفر. الخ " أن كل مكلف مأمور في شهر رمضان بالامساك عن الاكل والشرب من بعد طلوع الفجر. وقد قيل أن حقيقة الصوم هو الكف عن خصوص الطعام والشراب وقد الحق بهما بقية المفطرات - وباتمام الصيام إلى الليل وقد استثنى من ذلك المريض والمسافر وظاهره من كان كذلك بالفعل وأما من يكون مسافرا فيما بعد فهو غير داخل في الاستثناء، بل تشمله الآية المباركة من النهي عن الاكل والشرب بعد طلوع الفجر فهو مأمور بالامساك ما لم يتلبس بالسفر. وكذلك الروايات حيث تضمنت المنع عن تناول المفطر قبل أن يخرج المسافر إلى حد الترخص فإذا تناوله يصدق أنه أفطر في شهر رمضان متعمدا وقد اخذ الافطار كذلك موضوعا لوجوب الكفارة في غير واحد من النصوص، فان المأخوذ في لسان بعضها وإن كان هو عنوان الصائم الذي ربما يتأمل في صدقه على من سيتلبس بالسفر

[ 330 ]

ولكن المذكور في اكثرها هو عنوان الرجل كما في صحيحة جميل وغيرها، وكذا في نصوص الجماع المتضمنة انه رجل جامع أو أتى أهله في شهر رمضان ونحو ذلك، فان هذه العناوين صادقة على من تناول المفطر من الاكل أو الشرب أو الجماع ونحو ذلك، فهو رجل مأمور بالامساك بمقتضى الآية والروايات، وقد أفطر متعمدا في شهر رمضان، ومعنى أفطر انه نقض هذا العدم وقلبه إلى الوجود فان الافطار مقابل للامساك الذي هو صوم لغوي، ولا يتوقف صدقه على تحقق الصوم الصحيح الشرعي، بل كل من كان مأمورا بالامساك سواء أكان ذلك مصداقا للصوم الشرعي أيضا أم لا فأول ما يتناوله مما ينتقض به العدم وينثلم به الترك فهو افطار، فيصح أن يقال انه أفطر أي أتى بشئ يضاد الامساك وينافيه. فهذه الاطلاقات وافيه لاثبات الكفارة في المقام، إذ يثبت بها أن الممنوع عن الاكل والشرب إذا أفطر، أي رفع اليد عما كان عليه من الامتناع تعلقت به الكفارة سواء أتى بعدئذ بما يكون مبطلا للصوم في حد نفسه كالسفر أم لا. بل يمكن أن يقال انها تدل على المطلوب بأزيد من الدلالة الاطلاقية، فان السفر أو كان مسقطا للكفارة لاشير إليه في هذه الاخبار الواردة في مقام البيان، ولا سيما مثل صحيحة جميل (1) المشتملة على اضطراب السائل بقول: هلكت وأهلكت. الخ فانه أسهل طريق للتخلص من الكفارة التي هي تكليف شاق لاغلب الناس، فنفس السكوت وعدم التعرض لهذا المفر في شئ من النصوص أقوى شاهد على عدم تأثيره في سقوط الكفارة.


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 331 ]

وكيفما كان فلا شك أن مقتضى اطلاق الادلة من الكتاب والسنة وجوب الامساك من لدن طلوع الفجر لكل مكلف في شهر رمضان ما لم يكن مسافرا آنذاك. ثم إن هذا قد يكون مأمورا بالاتمام إلى الليل، واخرى لا كما لو عرضه السفر قبل الزوال. وعلى أي حال فلو أفطر وهو في البلد ففي الوقت الذي أفطر هو مأمور بالصوم، لا بالصوم المعهود المتعارف حتى يقال إنه ينكشف بالسفر عدمه، بل بالصوم اللغوي، أي بالامساك عن الاكل والشرب ما لم يسافر، فحينما أفطر كان افطاره مقرونا بالامر بالصوم فيشمله جميع ما ورد من أن من أفطر في شهر رمضان متعمدا فعليه الكفارة. فهذه الاطلاقات كافيه لاثبات المطلوب. مضافا إلى ورود النص الخاص بذلك، وهي صحيحة زرارة ومحمد ابن مسلم قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام أيما رجل كان له مال فحال عليه الحول فانه يزكيه، قلت له: فان وهبه قبل حله بشهر أو بيوم، قال: ليس عليه شئ أبدا. قال: وقال زرارة عنه أنه قال: إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في اقامته ثم خرج في أخر النهار في سفر فاراد بسفره ذلك ابطال الكفارة التي وجبت عليه، وقال: انه حين رأى هلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شئ بمنزلة من خرج ثم أفطر. الخ (1). حيث دلت على أن من حال الحول على ماله وجبت عليه الزكاة ولا تسقط بعدئذ بالهبة، فان الهبة اللاحقة لا تؤثر في سقوط الزكاة السابقة، فهو نظير ما لو افطر الانسان فوجبت عليه الكفارة في شهر رمضان ثم سافر آخر النهار


(1) الوسائل باب 12 من ابواب زكاة الذهب والفضة الحديث 2

[ 332 ]

فكما أن السفر اللاحق لا يؤثر في سقوط الكفارة السابقة فكذا فيما نحن فيه. ومنه تعرف أن المشار إليه في قوله: إنما هذا. الخ هو الصدر، أعني من حال الحول على ماله قبل أن يهب الذي هو المقصود بالبيان والمسوق له الكلام دون ما بعده الذي فرض فيه الهبة قبل حلول السنة الواقع كجملة مستأنفة كما لا يخفى. وانما قيد (ع) السفر بآخر النهار لانه أوقع في التشبيه بمحل الكلام وأتم، إذ المشبه هو الهبة بعد حلول الحول واستقرار الوجوب وتعين الزكاة على نحو لا يمكن التخلص عنها، ولاجل ذلك كان الاوقع تشبيهه بمن سافر آخر النهار، أي بعد الزوال، بحيث كان الصوم متعينا في حقه ولا يمكن التخلص عنه بأي وجه بخلاف ما قبله لعدم استقرار الوجوب عليه بعد لامكان التخلص عنه حينئذ بالسفر فمن أجل هذه النكتة شبهه عليه السلام بالسفر بعد الزوال، والا فالذي يظهر من ذيل الرواية ان العبرة في، الكفارة بجواز الافطار وعدمه، وأنه لو أفطر في زمان لا يسوغ له الافطار ثم سافر وان كان قبل الزوال لم تسقط عنه الكفارة. حيث قال عليه السلام في الذيل ولكنه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شئ، بمنزلة من خرج ثم أفطر. الخ حيث شبه عليه السلام الهبة قبل حلول الحول المانعة عن تعلق التكليف بالزكاة بالصائم الذي خرج عن بلده ثم أفطر فقيد الافطار بالخروج عن البلد، ومعلوم أن هذا حكم ما قبل الزوال وإلا فبعده لا يجوز الافطار خرج أم لم يخرج. وعلى الجملة قد تضمن الذيل نفي البأس عن الهبة قبل حلول الحول، لانه وهبه في وقت حلال إذ لم يكن التكليف بالزكاة متوجها إليه وقتئذ، فهو بمنزلة الصائم الذي خرج إلى السفر وأفطر بعد

[ 333 ]

خروجه - الذي لا يكون إلا قبل الزوال بطبيعة الحال كما عرفت - فان هذا الافطار لا يوجب الكفارة لوقوعه في وقت حلال لعدم كونه مكلفا بالصوم عندئذ. فيظهر من تقييد الافطار بالخروج أنه لو أفطر قبل الخروج لم تسقط عنه الكفارة وإن خرج وسافر لوقوع الافطار حينئذ في وقت غير حلال. فيظهر من ذيل الصحيحة بوضوح أن العبرة في الكفارة وعدمها بكون الافطار في وقت سائغ وعدمه، فان أفطر في زمان لم يكن الافطار جائزا في حقه كما لو كان قبل خروجه أو كان بعد الزوال - وان كان بعد خروجه - لم تسقط عنه الكفارة وأما إذا أفطر في زمان يجوز له الافطار كما لو أفطر بعد خروجه قبل الزوال سقطت أي لم تتعلق به الكفارة حينئذ، فالصحيحة واضحة الدلالة على المطلوب، فلا بأس بالاستدلال بها، ولا وجه للمناقشة فيها. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في المسألة، وأن السفر لا يسقط الكفارة. هذا. والظاهر عدم الفرق في ذلك بين ما إذا كان السفر لاجل الفرار أو لغاية أخرى كان اختياريا أو اضراريا لوحدة الملاك في الجميع وهو حصول الافطار في زمان قد أمر فيه بالامساك. وهذا يجري في غير السفر أيضا من ساير الموانع من الحيض والنفاس والجنون بل الموت فلو كان يعلم بموته بعد ساعة إما لكونه محكوما بالاعدام، أو لذهابه إلى الجهاد وميدان القتال لم يجز له الافطار حينئذ بزعم أنه غير متمكن من اتمام الصوم، بل هو مأمور بالامساك، فلو أفطر تعلقت به الكفارة، وكذا الحال في ذات العادة التي تعلم بتحيضها بعد ساعة من النهار، فانه لا يجوز لها الافطار قبل ذلك. ويدل على حكم هذه بالخصوص مضافا إلى ما سمعت من اطلاق الآية المباركه والروايات

[ 334 ]

[ مسألة 12: لو افطر يوم الشك في آخر الشهر ثم تبين انه من شوال فالاقوى سقوط الكفارة (1) وان كان الاحوط عدمه وكذا لو اعتقد انه من رمضان ثم افطر متعمدا فبان انه من شوال أو اعتقد في يوم الشك في اول الشهر انه من رمضان فبان انه من شعبان. ] خصوص الاخبار الواردة في الحيض للتصريح في بعضها - وهي روايتان - انها تفطر حين تطمث. فيستفاد من هذا التقييد عدم جواز الافطار قبل ذلك لان الحيض انما يمنع عن الصوم من حين حدوثه، أما قبله فهي مأموره بالامساك، فلو أفطرت لزمتها الكفارة كما عرفت. (1) فان موضوع الحكم بالكفارة في الادلة انما هو الافطار في شهر رمضان، ومعلوم أن اللفظ موضوع للمعنى الواقعي لا الاعتقادي وإن كان مخطئا فيه، فلو اعتقد بامارة أو غيرها أن هذا اليوم من رمضان ومع ذلك أفطر متعمدا ثم انكشف أنه من شعبان أو تبدل الاعتقاد بالشك بناء على ما هو الصحيح من عدم حجية قاعدة اليقين، فكان المرجع استصحاب بقاء شعبان أو عدم دخول رمضان لم يكن أثر لافطاره فلابد في الكفارة من الاعتقاد الجزمي أو قيام حجة معتبرة على كون اليوم من شهر رمضان من غير انكشاف الخلاف في شئ منهما. وكذلك لو أفطر يوم الشك في كونه آخر رمضان أو أول شوال فان وظيفته الشرعية حينئذ هو الامساك بمقتضى قوله (ع) صم للرؤية وافطر للرؤية، فلو خالف وافطر ثم انكشف أنه من شوال أو اعتقد ذلك فتخيل أن هذا اليوم من رمضان جزما فافطر

[ 335 ]

[ مسألة 13: قد مر ان من افطر في شهر رمضان عالما عامدا ان كان مستحلا فهو مرتد (1) بل وكذا ان لم يفطر ولكن كان مستحلا له وان لم يكن مستحلا عزر بخمسة وعشرين سوطا فان عاد بعد التعزير عزر ثانيا فان عاد كذلك قتل في الثالثة والاحوط قتله في الرابعة. مسألة 14: إذا جامع زوجته في شهر رمضان وهما صائمان مكرها لها كان عليه كفارتان وتعزيران خمسون سوطا (2) فيتحمل عنها الكفارة والتعزير. واما إذا طاوعته ] ثم تبين خلافه لم تجب عليه الكفارة. وملخص الكلام أنه لا أثر للاعتقاد ولا للحجة الشرعية إذا انكشف خلافها، فان الحكم الظاهري انما يكون حجة ما دام موجودا فإذا تبدل باليقين بالخلاف فلا أثر له. نعم استحقاقا العقاب من جهة التجري امر آخر، بل ربما يكون ذلك منافيا للعدالة، وأما من حيث الكفارة فلا أثر له بوجه كما عرفت. (1) وقد تقدم الكلام حول ذلك مستقصى في أول كتاب الصوم فلاحظ. (1) أما مع المطاوعة فلا اشكال في أن على كل منهما كفارة وتعزيرا، وأما مع الاكراه فقد يفرض استمرار الاكراه إلى نهاية العمل، واخرى انضمامه مع المطاوعة اما بتقدم الاول، بأن تكون مكرهة في الابتداء مطاوعة في الاثناء أو عكس ذلك، فالصور ثلاث

[ 336 ]

[ في الابتداء فعلى كل منهما كفارته وتعزيره وان اكرهها في الابتداء ثم طاوعته في الاثناء (1) فكذلك على الاقوى وان ] وقد حكم (قده) في الصورة الاولى بتحملهما عنها فعليه كفارتان وتعزيران، وأما في الاخيرتين فعلى كل منهما كفارة وتعزيز، وإن كان الاحوط في الصورة الثانية كفارة منها وكفارتين منه. أقول يقع الكلام تارة فيما تقتضيه القواعد الاولية مع قطع النظر عن الرواية الخاصة الواردة في المقام، واخرى فيما تقتضيه الرواية. أما بالنظر إلى القاعدة فلا شك في أن مقتضاها وجوب الكفارة على الزوج فقط، وسقوطها عن الزوجة المكرهة لاجل حديث الرفع فان الافطار الذي هو موضوع للكفارة إذا كان مرفوعا بالحديث لكونه مكرها عليه، فمعناه عدم ترتب أثر عليه فلا تتعلق به الكفارة. نعم هو مبطل لصدوره عن القصد والاختيار، ولذا يجب القضاء لكونه من آثار ترك المأمور به لا فعل المفطر، فلا يرتفع بالحديث كما سبق في محله. وإن صدر الفعل عنها على وجه سائغ لكونه مكرها عليه. وعلى الجملة فمقتضى الحديث سقوط الكفارة عنها، ومعه لا وجه لتحمل الزوج عنها، فان انتقال الكفارة من أحد إلى آخر لا مقتضي له وعلى خلاف القاعدة فلا يصار إليه، ما لم يقم عليه دليل بالخصوص. وعليه فليس على الزوج المكره إلا كفارة واحدة، ولا شئ على الزوجة أبدا. هذا كله مع استمرار الاكراه. (1) وأما لو اكرهت أولا ثم طاوعت في الاثناء أو بالعكس فمقتضى الاطلاقات ثبوت الكفارة عليها حينئذ، لقصور الحديث عن

[ 337 ]

[ كان الاحوط كفارة منها وكفارتين منه، ولا فرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة. ] شمول الفرض، إذ هو بلسان الامتنان ومعلوم ان الامتنان مخصوص بما إذ لم يستند الفعل إلى فاعله إلا على سبيل الاكراه، وأما الملفق منه ومن الاختيار باعتبار اختلاف الحالات فكان مختارا في بعضه ومكرها في بعضها الآخر، بحيث لم يصدق عليه الاكراه المحض وبالقول المطلق، فمثله غير مشمول للحديث، إذ لا امتنان في رفعه بالاضافة إلى غير حالة الاكراه، فان الجماع وان كان بمجموعه فعلا واحدا عرفا وموجودا بوجود واحد، ومن هنا قلنا إنه لا تتعدد الكفارة بتعدد الادخال والاخراج كما سبق، إلا أن هذا الفعل الواحد له اضافتان ومنسوب إلى فاعله باسنادين باعتبار اختلاف الحالتين، فهو مكره في بعض الوقت ومختار في البعض الآخر، والحديث منصرف عن مثل ذلك جزما، فإذا لم يكن في جميع أحواله مكرها لم يشمله الحديث، ألا ترى أنه لو اكره على شرب الماء بمقدار قليل فشرب حتى شبع وارتوى، أو على طبيعي شرب الخمر الصادق على جرعة واحدة فشرب وجبة واحدة مشتملة على جرع عديدة، أفهل يحكم بعدم وجوب الكفارة في الاول، أو بعدم استحقاق الحد في الثاني؟ بدعوى ان الشرب المزبور موجود واحد مستمر لا يتعدد بتعدد الجرع كلا فانه وان كان وجودا واحدا إلا ان الضرورات تقدر بقدرها، فلا اكراه إلا في جزء من هذا العمل، وأما الزائد عليه فهو فعل اختياري مستند إلى فاعل مختار فيشمله حكمه من الحد والكفارة ونحو ذلك، ومثله مالو اكره على ضرب أحد سوطا فضربه عشرة اسواط

[ 338 ]

وعلى الجملة فحديث الرفع انما يرفع الفعل الصادر عن اكراه حدوثا وبقاءا دون ما كان كذلك حدوثا فقط أو بقاء كذلك، فلو كانت مكرهة على الجماع في الابتداء ثم طاوعته بقاء يصدق عليها انها تعمدت الجماع، فيرجع إلى اطلاقات الكفارة بعد أن لم يكن مثله مشمولا للحديث كما عرفت. ولو كان بالعكس فالامر أوضح، فلو طاوعته أولا ثم اكرهت فحدوث الجماع كان باختيارها فافطرت عمدا واختيارا فيشملها في هذا الآن اطلاق دليل الكفارة لا أثر للاكراه اللاحق في رفع الكفارة السابقة كما هو ظاهر جدا. فتحصل أن مقتضى القاعدة والادلة الاولية عدم وجوب أزيد من كفارة واحدة على الزوج، إذ لا دليل على تحمل الكفارة عن الغير بوجه. وأما الزوجة المكرهة فلا شئ عليها مع الاكراه المحض المستمر إلى الآخر أخذا بحديث الرفع، وأما لو طاوعته ولو في الجملة أما في أول الجماع أو في وسطه أو الآخر، فحديث الرفع قاصر الشمول لذلك، ومقتضى الاطلاقات تعلق الكفارة حينئذ بها أيضا لصدوق انها جامعت اختيارا، كما ان على كل منهما التعزيز حسبما عرفت. هذا ما تقتضيه القاعدة الاولية. وأما بالنظر إلى النص الخاص الوارد في المقام فقد روى الكليني في الكافي عن علي بن محمد بن بندار، عن ابراهيم بن اسحاق الاحمر عن عبد الله بن حماد، عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة، فقال: إن كان استكرهها فعليه كفارتان، وإن كان طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة، وان كان اكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، وإن كان طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة

[ 339 ]

وعشرين سوطا (1). قال المحقق في المعتبر على ما نقل عنه صاحب الوسائل: إن سند هذه الرواية ضعيف لكن علماءنا ادعوا على ذلك اجماع الامامية فيجب العمل بها. أقول لا اشكال في أن الرواية ضعيفة السند كما ذكره (قده) إلا انه لم يعلم أن تضعيفه مستند إلى أي راو من رواة السند. أما علي بن محمد بن بندار الذي هو شيخ الكليني ويروى عنه كثيرا فهو بهذا العنوان لم يرد فيه توثيق ولا مدح، ولكن الظاهر أن هذا هو علي بن محمد بن أبي القاسم بندار (وبندار لقب لجده أبي القاسم) وقد وثقه النجاشي صريحا. وأما ابراهيم بن اسحاق الاحمر فهو ضعيف جدا - كما تقدم سابقا - ضعفه النجاشي والشيخ. وأما عبد الله بن حماد: فهو عبد الله بن حماد الانصاري كما صرح به في الكافي عند ذكر الرواية في كتاب الحدود، وأشار إليه في الوسائل أيضا (2). وقد ذكر النجاشي انه من شيوخ أصحابنا وهو كما ترى مدح بليغ، وظاهره أنه معتمد عليه عند الاصحاب، ويرجع إليه بما أنه راو كما لا يخفي، على أنه مذكور في اسناد كامل الزيارات. وأما المفضل بن عمر: ففيه كلام طويل الذيل تعرضنا له في المعجم، وهو الذي نسب إليه كتاب التوحيد، والظاهر انه ثقة، بل من كبار الثقاة، وإن وردت فيه روايات ذامة إذ بازائها روايات


(1) الوسائل باب 12 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (2) الوسائل باب 12 من ابواب بقية الحدود الحديث 1

[ 340 ]

مادحة تتقدم عليها لوجوه تعرضنا لها في محله. نعم ذكر النجاشي أنه فاسد المذهب مضطرب الحديث قال: وقيل إنه كان خطابيا والظاهر أنه أراد بهذا القائل ابن الغضائري على ما نسب إليه. وكيفما كان فقد عده الشيخ المفيد (قده) في ارشاده من شيوخ أصحاب أبي عبد الله عليه السلام وخاصته وبطانته ومن ثقات الفقهاء الصالحين. وعده الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة من السفراء الممدوحين وذكر في التهذيب في باب المهور والاجور رواية عن محمد بن سنان عن مفضل بن عمر ثم ناقش في سندها من أجل محمد بن سنان فحسب، وهو كالصريح في العمل برواية مفضل وعدم الخدش من ناحيته، وعده ابن شهر اشوب من ثقات أبي عبد الله عليه السلام ومن بطانته، أضف إلى ذلك الروايات المعتبرة الواردة في مدحه كما مر، وما خصه الصادق عليه السلام من كتاب التوحيد. وبعد هذا كله فلا يعبأ بكلام النجاشي من أنه فاسد المذهب، كما أن ما ذكره من أنه مضطرب الرواية غير ثابت أيضا، وعلى تقدير الثبوت فهو غير قادح بوثاقة الرجل، غايته أن حديثه مضطرب، أي قد ينقل مالا يقبل التصديق أو يعمد على أشخاص لا ينبغي الاعتماد عليهم. فالظاهر أن الرجل من الاجلاء الثقاة، حتى أن الشيخ مضافا إلى عده اياه من السفراء الممدوحين اعتمد عليه في التهذيب كما عرفت. وعلى أي حال فلا ينبغي الاشكال في ضعف الرواية بابراهيم الاحمر كما مر، ورواها الصدوق بطريق آخر وهو أيضا ضعيف بمحمد بن سنان. وعليه فتارة ندعي أن ضعفها منجبر بعمل الاصحاب فنعامل معها معاملة الرواية المعتبرة، وأخرى نلتزم بعدم حجيتها لعدم تمامية

[ 341 ]

مسلك الانجبار كما لا يبعد أن يكون هذا هو المستفاد من كلام المحقق في المعتبر حيث تمسك بالاجماع كما تقدم نقله عن صاحب الوسائل. فان كان المدرك هو الاجماع والغينا الرواية عن درجة الاعتبار، فما ذكره الماتن من اختصاص التحمل بالاكراه المستمر هو الصحيح، فان هذا هو المتيقن من مورد الاجماع فلابد من الاقتصار عليه في الحكم المخالف لمقتضي القاعدة، فيرجع فيما عداه مما اشتمل على المطاوعة سابقا أو لاحقا إلى ما تقتضيه القواعد من تعلق الكفارة والتعزير بكل منهما حسبما عرفت، إذ المخرج عن الاطلاقات الاولية المثبتة للكفارة لكل من جامع، إنما هو الاجماع المفروض قصوره عن الشمول للمقام، فتكون هي المحكم بطبيعة الحال. والظاهر أن الماتن اعتمد على ذلك فيتجه ما ذكره (قده) من عدم الفرق بين صورتي الاشتمال على المطاوعة واختصاص التحمل بالاكراه المستمر كما عرفت. وأما إذا كان المدرك هو الرواية بناء على اعتبارها ولو لاجل الانجبار، فاللازم حينئذ لتفصيل بين الصورتين: فان كانت مطاوعة من الاول لم يكن أي أثر للاكراه اللاحق بل تجب على كل منهما الكفارة أخذا باطلاق قوله عليه السلام " وان طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة " الصادق عليها إذا طاوعت في ابتداء الجماع سواء استمرت كذلك أم تبدل طوعها كرها فصرف وجود الجماع الصادق على أول جزء من الدخول المحقق للجنابة إذا صدر عنها حال كونها مطاوعة فهو محكوم بالكفارة عملا باطلاق الرواية، وعروض الاكراه بعد ذلك لا يوجب رفع المطاوعة الواقعة في ظرفها، إذ الشئ

[ 342 ]

لا ينقلب عما هو عليه فلا يقتضى رفع الحكم الثابت عليها كما هو ظاهر جدا. وأما إذا انعكس الامر فكانت مكرهة من الاول مطاوعة في الاثناء فالظاهر حينئذ تعدد الكفارة على الزوج نظرا إلى اندراجه تحت اطلاق قوله عليه السلام: " إن كان استكرهها فعليه كفارتان "، إذ لا وجه لاختصاصه باستمرار الاكراه إلى الفراغ، بل صرف وجود الجماع عن كره، الصادق على أول جزء منه ولو آناما مشمول لاطلاق العبارة، وحصول المطاوعة بعدئذ لا أثر له في نفي ما تحقق فيصدق من غير أية عناية انه اكره زوجته على الجماع فالرواية مطلقة من حيث استمرار الاكراه أو التبدل بالمطاوعة فتتعلق به الكفارتان لا محالة، ولكن لا دلالة للرواية على نفي الكفارة عن الزوجة المستكرهة بل هي ساكتة من هذه الجهة، واقصى ما تدل عليه تعلق الكفارتين بالزوج، فيرجع في الزوجة إلى ما تقتضيه القواعد الاولية. وقد عرفت أن مفادها فيما نحن فيه، أي في الاكراه المتعقب بالمطاوعة تعلق الكفارة بها، لعدم كونه مشمولا لحديث رفع الاكراه، وهذا هو منشأ احتياط الماتن حيث قال: وإن كان الاحوط كفارة منها وكفارتين منه، وهذا هو الصحيح على تقدير العمل بالرواية، إذ لا ينبغي التأمل في شمول اطلاقها لهذه الصورة، لعدم العبرة بمرحلة البقاء لتؤثر المطاوعة اللاحقة في رفع حكم الاكراه السابق، فلو فرضنا انهما ماتا في الآن الثاني أو كان حدوث الجماع في آخر جزء من النهار ووقع بقاء في الليل فانه يصدق انه اكرهها في نهار رمضان فتتعلق به الكفارتان اخذا باطلاق الرواية وبما انها ساكتة عن حكم الزوجة فلا مناص من الالتزام بثبوت الكفارة عليها أيضا بمطاوعتها في الاثناء

[ 343 ]

[ مسألة 15: لو جامع زوجته الصائمة وهو صائم في النوم لا يتحمل عنها الكفارة ولا التعزير (1) كما انه ليس عليها شئ ولا يبطل صومها بذلك. ] عملا بالقواعد العامة حسبما عرفت. ثم انه لا فرق في الزوجة فيما ذكرناه بين الدائمة والمنقطعة لوحدة المناط واطلاق النص كما أشار إليه في المتن والمتحصل من جميع ما قدمناه انه ان تم الاجماع في المسألة فهو المتبع، ويقتصر على المتيقن من مورده، والا فلا دليل عليها لضعف الرواية، وعدم تمامية القول بالجبر فالحكم مبني على الاحتياط. (1) فان التحمل عن الغير على خلاف القاعدة، وقد ثبت ذلك بالاجماع أو بالرواية كما تقدم والمتيقن من الاول ما إذا كانت المرأة المكرهة شاعرة كزوجها كما أن مورد الثاني هو ذلك، ففرض الجماع وهي نائمة غير مشمول للدليل المخرج فيبقى تحت مقتضى القواعد، فلا يتحملها الزوج عنها وانما عليه كفارته، وأما الزوجة فلا شئ عليها لا الكفارة ولا التعزيز ولا القضاء لعدم بطلان الصوم بعد فقد القصد والاختيار كما هو ظاهر. وهل الحكم كذلك فيما لو اجبر زوجته على الجماع على نحو كانت مسلوبة الارادة والاختيار لكنها شاعرة لا نائمة كما لو شد يديها ورجليها فوطأها وهي لا تتمكن من الدفاع عن نفسها أولا. أما إذا كان المستند هو الاجماع فالمتيقن منه غير المقام، وهو الاكراه المتعارف، أعني صدور الفعل عن المكره بالاختيار دفعا لضرر المكره وتوعيده فمورد الاجبار المنتفي فيه الاختيار غير مشمول له بل المرأة

[ 344 ]

[ وكذا لا يتحمل عنها إذا اكرهها على غير الجماع من المفطرات (1) حتى مقدمات الجماع وان أوجبت انزالها. مسألة 16: إذا اكرهت الزوجة لاتتحمل عنه شيئا. مسألة 17: لا تلحق بالزوجة الامة إذا اكرهها على الجماع وهما صائمان (2) فليس عليه الا كفارته وتعزيره ] المجبورة في حكم النائمة في أنه لا كفارة ولا تعزير ولا بطلان ولا تحمل حسبما تقدم. واما لو كان المستند هو الرواية فقد يقال بأن شمولها للمقام غير بعيد إذ الاستكراه المذكور فيها أعم من الاكراه الاصطلاحي ومن الاجبار المقابل للاختيار، لانه مقابل للمطاوعة فيشمل القسمين. وهذا وإن كان محتملا في نفسه إلا أن دعوى ظهور اللفظ فيه مشكلة إذ لم يعلم أن المراد به المعنى الجامع أو خصوص الاكراه الاصطلاحي المتعارف، فلم يثبت شمول الحكم لمورد الاجبار، ومجرد الشك كاف في الرجوع إلى أصالة العدم. (1) لاختصاص النص وكذا الاجماع بالجماع فلا دليل على التحمل في الاكراه على غيره من ساير المفطرات حتى الملاعبة وغيرها من مقدمات الجماع وإن أدت إلى امنائها، وهذا من غير فرق بين الزوجة وغيرها فلو اكره غيره على الاكل أو الشرب لم يتحمل عنه لاصالة العدم بعد عدم الدليل على التحمل كما هو ظاهر. ومما ذكرنا يظهر الحال في المسألة الآتية فلاحظ. (2) لخروجها عن معقد الاجماع وقصور الرواية عن الشمول لها

[ 345 ]

[ وكذا لا تلحق بها الاجنبية إذا اكرهها عليه على الاقوى وان كان الاحوط التحمل عنها خصوصا إذا تخيل انها زوجته فاكرهها عليه. ] لان المذكور فيها (امرأته) وظاهر هذه الكلمة عرفا هي الزوجة فشمولها للامة المملوكة غير معلوم، بل معلوم العدم، وكذا الحال في الاجنبية لعين ما ذكر، ودعوى الاولوية القطعية فيها نظرا إلى أن تشريع الكفارة لتخفيف الذنب الذي هو في الزنا أعظم فالكفارة الزم مدفوعة بأن للزنا أحكاما خاصة من الرجم أو الجلد ومهر المثل على المكره، فمن الجائز الاكتفاء بها عن الكفارة. على أن اللواط أعظم من الزنا جزما ولم يثبت هذا الحكم في الاكراه عليه بالضرورة، فليس كل محرم مستدعيا لتعلق هذا الحكم فلا موجب للتعدي عن مورد الدليل. وأما ما ذكره في المتن من الاحتياط في التحمل ففي محله، لكن قوله (قده) خصوصا. الخ لم نعرف له وجها، فان الجماع مع الا جنبة بتخيل انها زوجته لا يعدو عن كونه وطئ شبهة وموضوع الحكم انما هو الجماع مع الزوجة الواقعية لا الخيالية. ومن المعلوم ان جريان حكم الزوجة على الموطوءة بالشبهة يحتاج إلى الدليل ولا دليل على الالحاق إلا في بعض الاحكام مثل الحاق الولد ونحو ذلك. وعلى الجملة لا خصوصية للموطوءة شبهة، بل هي كالاجنبية في الخروج عن مورد النص فلا موجب للتعدي إلى شئ منهما.

[ 346 ]

[ مسألة 18: إذا كان الزوج مفطرا بسبب كونه مسافرا أو مريضا أو نحو ذلك وكانت زوجته صائمة لا يجوز له اكراهها على الجماع (1) وان فعل لا يتحمل عنها الكفارة ولا التعزير وهل يجوز له مقاربتها وهي نائمة اشكال. ] (1) اما مع مطاوعتها فلا اشكال في تعلق الكفارة بها، وأما مع الاكراه فيقع الكلام في جهتين. تارة في أن الزوج هل يتحمل كفارتها كما كان يتحمل لدى كونه صائما؟ وقد ظهر الحال في هذه الجهة مما تقدم وانه لا تحمل في المقام، إذ هو على خلاف القاعدة، والنص أو الاجماع يختص بما إذا كانا صائمين معا، ففرض صوم الزوجة فقط خارج عن الدليل المخصص باق تحت مقتضى القواعد. وأخرى في جواز هذا العمل في نفسه وأنه هل يسوغ للزوج المفطر اكراه زوجته الصائمة على الجماع أو أنه حرام؟ ادعى بعضهم حرمته باعبتار أنه لا يجوز لاحد أن يكره غيره فيما ليس له عليه حق، إذ ليس لاحد السلطنة على غيره باجباره إلا لاجل احقاق حقه المشروع الثابت له عليه. كما لو اكره الغريم المماطل على اداء الدين، وأما فيما لاحق له كما في المقام حيث ان الزوج ليس له حق الانتفاع في هذا الحال، فلا يسوغ له الاجبار، لان حرمة الافطار عليها مانع عن ثبوت هذا الحق، إلا أن يقال بعدم المانعية. فبنوا المسألة على المناقشة الصغروية وأن وجوب الصوم عليها هل يمنع الزوج عن حق الانتفاع من البضع أولا؟ فعلى تقدير المنع

[ 347 ]

وانتفاء الحق لا يجوز له الاجبار والا جاز. ولكن الظاهر أن الكبرى في نفسها غير تامة وإن سلمنا الصغرى وبنينا على المانعية إذ لا دليل على حرمة اكراه الغير على ما ليس له فيه الحق على نحو الكبرى الكلية. نعم لو كان العمل المكره عليه محرما كشرب الخمر أن كان المتوعد عليه شيئا لا يسوغ ارتكابه في حد نفسه كما لو هدده بالقتل أو الضرب أو الهتك، أو خوفه بنحو ذلك من أقسام الايذاء التي لا يجوز ارتكابها شرعا، من أجل أن تخويف المؤمن حرام وإن لم يكن في البين أي اكراه كان الاكراه المزبور حراما حينئذ كما هو ظاهر. وأما لو لم يكن لا هذا ولا ذاك فيلزمه ويكرهه على عمل سائغ - وان لم يكن له فيه الحق - بتوعيده بما هو أيضا سايغ في حد نفسه، كما لو فرضنا أن الزوجة تعمل عملا غير مناف لحق الزوج من كتابة أو خياطة أو مطالعة ونحو ذلك مما لا ينافي حق الاستمتاع ولكن الزوج لا يعجبه ذلك العمل ولا يرضى به فيهددها بالطلاق أو بالتسرى عليها، أو بترك الانفاق على ابنتها التي هي ربيبته ونحو ذلك مما هو سايغ على الزوج ومرخص في ارتكابه شرعا، فلا دليل على حرمة مثل هذا الاكراه، فان الاكراه من حيث هو اكراه لا حرمة فيه لعدم كونه ظلما ولا تعديا، وانما هو الزام وتوعيد للغير بأن يفعل كذا أو يترك كذا، فإذا فرضنا ان الفعل المكره عليه يصدر عن المكره على وجه سايغ والاكراه أيضا بشئ هو سايغ للمكره كما لو كانت المرأة مستطيعة ولكن الزوج لا تسمح له نفسه بذهابها إلى الحج فيعدم موضوع الاستطاعة بالاكراه، فيقول: إن ذهبت إلى الحج طلقتك أو تزوجت عليك أخرى وكل من الطلاق

[ 348 ]

والتزويج حرج عليها وهو أمر سايغ في الشريعة المقدسة، حتى ابتداء ومن غير اكراه، أفهل هناك مانع من جواز هذا الاكراه؟ والمقام من هذا القبيل فان تمكين الزوجة الصائمة وان كان حراما إلا انه بالاكراه يرتفع موضوع الحرمة بمقتضى حديث الرفع فيصدر عنها الفعل بنحو سائغ، فإذا اكرهها الزوج بالتوعيد بشئ هو سائغ له من الطلاق ونحوه فاي مانع من هذا الاكراه. وعلى الجملة لم يقم أي دليل على هذه الكبرى، أعني عدم جواز الاكراه على ما ليس له فيه حق، فانه وإن لم يكن له حق في العمل المكره عليه إلا انه قد يكون له حق آخر وهو الحق فيما به يتحقق الاكراه والتوعيد نظرا إلى حليته وجوازه وانه أمر سائغ له حلال عليه مرخص في ارتكابه شرعا، كالطلاق أو التزويج بامرأة أخرى ونحوهما مما عرفت. فهذه الكبرى غير ثابتة ولا نناقش في المسألة من هذه الجهة، وانما الذي ينبغي التكلم فيه هو أنه هل يجوز الاكراه على أمر محرم في نفسه ولو كان المتوعد عليه مباحا، فان الحرام الصادر عن المكره وإن كان حلالا حال الاكراه بمقتضى حديث رفع الاكراه إلا ان الشأن في انه هل يجوز ايجاد موضوع الجواز بالاكراه أولا؟ فلابد من البحث عن هذه النكتة التي هي مبنى المسألة، لا البحث عن جواز الاكراه فيما لا حق له الذي لا ينبغي التأمل في جوازه حسبما عرفت. فنقول الظاهر عدم الجواز، فان الشارع أو المولى العرفي إذا نهى شخصين أو جماعة عن ارتكاب عمل يفهم العرف من ذلك أن المبغوض للمولى هو صدور هذا العمل وتحققه خارجا من غير خصوصية لجهة الاصدار، وان المتصدي له هل هو الفاعل بالمباشرة أو

[ 349 ]

بالتسبيب، ولا ينبغي التأمل في أن هذا هو مقتضى الفهم العرفي، فلو منع المولى شخصين عن الدخول عليه فاكره احدهما الآخر واجبره على الدخول يعاقب المكره على فعله التسبيبي وإن كان المكره معذورا في عمله. وعليه فالمستفاد مما دل على حرمة الجماع حال الصوم ان الشارع لا يرضى بتحقق هذا الفعل في الخارج وأن مطلق وجوده مبغوض له، وقصارى ما يقتضيه حديث رفع الاكراه هو رفع المؤاخذة والعقاب دون المبغوضية، فالفاعل بالمباشرة معذور في ايجاد هذا المبغوض بمقتضى الحديث، وأما الفاعل بالتسبيب فقد أوجد المبغوض للمولى من غير عذر، وبذلك يكون مرتكبا للحرام بطبيعة الحال. وعلى هذا الاساس بنينا في كتاب الطهارة على عدم جواز تقديم الطعام أو الشراب النجس إلى المكلف الجاهل ليأكله أو يشربه، فان المباشر وان كان معذورا لجهله - كما هو معذور في المقام من جهة الاكراه حسبما عرفت - إلا ان الفاعل بالتسبيب غير معذور في التصدي لايجاد مبغوض المولى خارجا، حيث انه يستفاد من دليل المنع عن اكل النجس أو شربه عدم رضا الشارع بتحقق هذا العمل خارجا. وقد عرفت ان الفهم العرفي يقتضي عدم الفرق بين الفاعل بالمباشرة أو بالتسبيب. نعم يتوقف ما ذكرناه على ما إذا كان المقتضي للحرمة محرزا كما في المقام، وأما لو شك في تحققه لفقد ما يحتمل دخله فيه فضلا عما علم الدخل كصدور الفعل عن الفاعل المختار فسبب أحد في صدوره عمن لا شعور له ولا اختيار، لم يبعد الحكم بالجواز حينئذ، بل لعله الاظهر كما لو قارب المفطر زوجته الصائمة وهي نائمة، فان

[ 350 ]

[ مسألة 19: من عجز عن الخصال الثلاث في كفارة مثل شهر رمضان تخير بين أن يصوم ثمانية عشر يوما أو يتصدق بما يطيق (1) ] الظاهر انه لا بأس بهذا الجماع - وان استشكل فيه في المتن - لكونه من التسبيب نحو صدور الفعل عمن لا ارادة له ولا اختيار فلا يصدر عنه على صفة المبغوضية كي يحرم التسبب إليه، ولا أقل من الشك في ذلك، والمفروض أن الزوج مفطر لا يحرم عليه الجماع من حيث هو، فلا حرمة في المقام لا من حيث المباشرة ولا من ناحية التسبيب كما أشرنا إليه في التعليق. (1) كما لعله المشهور بناء منهم على أنه مقتضى الجمع بين مادل على ان البدل حينئذ هو صوم الثمانية عشر يوما كرواية أبي بصير عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق ولا ما يتصدق، ولا يقوى على الصيام قال: يصوم ثمانية عشر يوما، لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام (1). ورواية أبي بصير كما في التهذيب، وأبي بصير وسماعة بن مهران كما في الاستبصار عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام، (ولم يقدر على العتق) (2)، ولم يقدر على الصدقة، قال: فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام (3). وهي وان كانت ضعيفة السند عند القوم لعدم توثيق اسماعيل بن مرار ولا عبد الجبار في كتب الرجال ولكنها معتبرة


(1) الوسائل باب 8 من ابواب الكفارات الحديث 1 (2) هذه الجملة غير مذكورة في الاستبصار كما اشار إليها معلق الوسائل (3) الوسائل باب 9 من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 1

[ 351 ]

عندنا لكون الاول مذكورا في اسناد تفسير علي بن ابراهيم، والثاني في اسناد كامل الزيارات. وبين مادل على انه التصديق بما يطيق كصحيحة عبد الله بن سنان في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فان لم يقدر تصدق بما يطيق، وصحيحته الاخرى في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم يجد ما يتصدق به على ستين مسكينا، قال: يتصدق بقدر ما يطيق (1): فرفعوا اليد عن ظهور كل منهما في الوجوب التعييني بصراحة الاخرى في جواز الآخر وحماوه على التخيير. ولكنه كما ترى لعدم ورود الطائفتين في موضوع واحد لتتحقق المعارضة ويتصدى للجمع أو العلاج فان رواية أبي بصير الاولى صريحة في أن موردها الظهار الذي كفارته العتق متعينا، فان عجز فصيام شهرين، فان عجز فاطعام الستين، وأين هذا من كفارة شهر رمضان المخيرة بين الخصال الثلاث التي هي محل الكلام. ولعل وجوب صوم الثمانية عشر مع التصريح بأن لكل عشرة مساكين ثلاثة ايام من أجل أن الواجب أخيرا بمقتضى الترتيب هو اطعام الستين فهو الفائت من المظاهر المزبور بعد عجزه عن الاولين فلذلك جعل بدل كل عشرة مساكين صوم ثلاثة أيام حذو ما في كفارة اليمين حيث أن الواجب فيها أولا اطعام عشرة مساكين، فان عجز فصيام ثلاثة أيام. فيظهر منها بدلية الثلاثة عن العشرة، فيصير المجموع في المقام ثمانية عشر يوما كما في الرواية. وكذا الحال في روايته الثانية، فان الظاهر منها أيضا ذلك لان قوله: كان عليه صيام شهرين. الخ


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 3

[ 352 ]

لا ينطبق على كفارة شهر رمضان، إذ ظاهره التعيين ولا تعين للصيام في هذه الكفارة فانها تخييرية، والواجب إنما هو الجامع، وإنما يتعين في كفارة الظهار لدى العجز عن العتق بمقتضى الترتيب الملحوظ هنالك فيصح حينئذ أن يقال: انه كان عليه الصيام - أي سابقا - وإن كان فعلا عاجزا عنه وعن الاطعام أيضا كما هو المفروض في الرواية. ويؤيده قوله عليه السلام اخيرا: عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام، حيث يظهر منه أن الفائت منه هو اطعام الستين ولاجله حوسب بدل كل عشرة ثلاثة، وهذا إنما ينطبق على كفارة الظهار المنتيهة اخيرا إلى تعين الاطعام لا شهر رمضان حسبما عرفت آنفا. وان ابيت عما استظهرناه من الاختصاص بالظهار فغايتها الاطلاق فتقيد بصحيحتي ابن سنان المتقدمتين الصريحتين في أن البدل في كفارة شهر رمضان هو التصدق بما يطيق، فتحمل رواية أبي بصير على كفارة الظهار خاصة، فلا وجه للحكم بالتخيير أبدا، بل يعمل بكل من الروايتين في موردهما ويحكم بوجوب الصوم ثمانية عشر يوما في كفارة الظهار معينا وبوجوب التصدق بما يطيق معينا أيضا في كفارة شهر رمضان، بل لا وجه له حتى لو فرضنا ورود الروايتين معا في مورد واحد، أي في خصوص كفارة شهر رمضان لعدم كونه من الجمع العرفي في شئ. نعم هو متجه فيما إذا أحرزنا وحدة المطلوب، وأن التكليف المجعول في البين ليس إلا تكليفا واحد مرددا بين هذا أو ذاك، كما لو ورد الامر بالقصر في رواية وورد الامر بالتمام في نفس ذلك المورد في رواية أخرى، أو ورد الامر بالظهر في دليل وبالجمعة

[ 353 ]

[ ولو عجز أتى بالممكن منهما (1) وان لم يقدر على شئ منهما استغفر الله ولو مرة بدلا عن الكفارة. ] في دليل آخر، فانه حيث يعلم من الخارج أنه لم تجب في يوم واحد إلا صلاة واحدة لم يحتمل الجمع بين الامرين، فكذلك يجمع بين الدليلين برفع اليد عن ظهور كل منهما في الوجوب التعييني بصراحة الآخر في جواز الاتيان بالآخر فيحمل على الوجوب التخييري. وهذا النوع من الجمع مما يساعده الفهم العرفي في مثل هذا المورد. وأما فيما لم تحرز وحدة المطلوب واحتملنا تعدده وجدانا كما في المقام حيث أن من الجائز أن يكون البدل المجعول في ظرف العجز عن الكفارة شيئين الصيام ثمانية عشر يوما، والتصدق بما يطيق، فمقتضى الجمع العرفي بين الدليلين حيئنذ هو الالتزام بكلا الامرين معا لا أحدهما مخيرا كما لا يخفى ولاجله التزمنا بوجوب ضم الاستغفار إلى التصدق بما يطيق لورود الامر به في صحيحة علي بن جعفر حيث تضمنت بعد الامر بالترتيب في كفارة شهر رمضان المحمول على الاستحباب كما تقدم سابقا قوله عليه السلام ".. فان لم يجد فليستغفر الله (1). فان مقتضى الجمع العرفي بين هذه الصحيحة وبين صحيحتي ابن سنان المتقدمتين المتضمنتين للتصدق بما يطيق هو الجمع بين الامرين وضم أحدهما إلى الآخر. وهذا هو الاقوى. (1) في العبارة مسامحة ظاهرة، إذ لا معنى للاتيان بالممكن من الصدقة لدى العجز عن التصدق بما يطيق، ويريد بذلك - والله العالم - أنه لدى العجز أتى بالممكن منهما، أي من مجموع


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 9

[ 354 ]

الامرين من الصوم ثمانية عشر يوما، ومن التصدق بما يطيق، والممكن من هذا المجموع هو الصوم دون هذا العدد بمقدار ما يتيسر ولو يوما واحدا. فقوله (قده) منهما، أي من المجموع لا من الجميع وكل واحد من الامرين ليتوجه الاشكال المزبور. نعم العبارة قاصرة عن افادة ذلك، ولاجله قلنا ان فيها مسامحة ظاهرة. وأما توجيهها بأن المراد من التصدق بما يطيق التصدق على الستين بأقل من المد فيكون البدل حال العجز عن ذلك هو الاتيان بما يمكنه من هذا العدد فبعيد غايته ولا تتحمله العبارة بوجه كما لا يساعده الدليل. وكيفما كان فلم يعرف مستند لما ذكره (قده) من الاتيان بالممكن منهما إلا قاعدة الميسور التي هي غير تامة في نفسها، كما تعرضنا له في محله فمقتضى القاعدة حينئذ - بناء على ما اختاره من الوجوب التخييري - سقوط التكليف رأسا لمكان العجز. وأما ما ذكره (قده) من الانتقال إلى الاستغفار لدى العجز عن البدل فهو أيضا لا يمكن المساعدة عليه، إذ لم يجعل هو بدلا عن البدل في شئ من النصوص، وإنما جعل بدلا عن نفس الكفارة في صحيحة ابن جعفر المتقدمة، فهو في عرض التصدق بما يطيق وكلاهما بدل عن الكفارة لدى العجز عنها، ولذا قلنا بوجوب الجمع بينهما، لا أنه في طول التصدق ليكون بدلا عنه كما ذكره في المتن. وكيفما كان فلا ينبغي الاشكال في كفاية الاستغفار مرة واحدة عملا باطلاق الصحيحة.

[ 355 ]

[ وان تمكن بعد ذلك منها أتى بها (1). ] (1) لو عجز عن الكفارة فانتقل إلى البدل وهو الصوم ثماينة عشر يوما، أو التصدق بما يطيق حسبما ذكره، أو خصوص التصدق بضميمة الاستغفار كما هو المختار ثم تجددت القدرة عليها فهل يجتزئ بما أتى به من البدل أو تجب الكفارة حينئذ؟ اختار الثاني في المتن وهو الصحيح، فان دليل البدلية إنما يقتضي الاجزاء فيما إذا كان المبدل منه من الموقتات، فلو كان له وقت معين وكان عاجزا عن الاتيان به في وقته وقد جعل له بدل فمقتضى دليل البدلية بحسب الفهم العرفي وفاء البدل بكل ما يشتمل عليه المبدل منه من الملاك الذي نتيجته الاجزاء، فلا حاجة إلى التدارك والقضاء لو تجددت القدرة بعد خروج الوقت. ومن المعلوم أن المبدل منه في المقام غير موقت بزمان خاص ولا فوري، بل يستمر وقته مادام العمر. وعليه فلا ينتقل إلى البدل إلا لدى العجز المستمر فلو تجددت القدرة كشف ذلك عن عدم تحقق موضوع البدل، وعدم تعلق الامر به من الاول، وانما كان ذلك أمرا خياليا أو ظاهريا، استنادا إلى استصحاب بقاء العجز - بناء على جريانه في الامور الاستقبالية كما هو الصحيح - وكل ذلك يرتفع لدى انكشاف الخلاف ويعلم به ان الواجب عليه من الاول كان هو الكفارة نفسها، غاية الامر أنه كان معذورا في تركها إلى الآن لمكان العجز وقد عرفت أن العجز غير المستمر لا يؤثر في سقوط الامر عن الواجب غير الموقت فيجب الاتيان به حينئذ بطبيعة الحال.

[ 356 ]

[ مسألة 20: - يجوز التبرع بالكفارة عن الميت صوما كانت أو غيره وفي جواز التبرع بها عن الحي اشكال (1) والاحوط العدم خصوصا في الصوم. ] (1) لا اشكال في جواز التبرع بالكفارة عن الميت، وهل هي تخرج - على تقدير عدم التبرع - من الاصل أو الثلث؟ فيه كلام ليس هنا محل ذكره وكيفما كان فلا شك في جواز التبرع بها كغيرها من ساير الصدقات ونحوها من وجوه البر والخير عنه، وأنه يصل ثوابها إليه وينتفع بها، ويقال له: إن هذا هدية من أخيك فلان للنصوص الكثيرة الدالة على ذلك التي تقدمت في كتاب الصلاة في مبحث القضاء وقد ذكر صاحب الوسائل اكثر هذه النصوص في أبواب المحتضر. وأما التبرع بها عن الحي ففيه كلام فجوزه جماعة ومنعه آخرون ولعله المشهور كما في الجواهر، وفصل بعضهم ومنهم المحقق في الشرايع بين الصوم فلا يجوز وبين غيره من العتق والاطعام فيجوز، فالاقوال في المسألة ثلاثة. ولابد من التكلم في جهات: الاولى: هل يعتبر في العتق والاطعام أن يكونا من خالص ماله، أو يجوز التصدي لذلك ولو من مال غيره المأذون في التصرف فيه بحيث يكون هو المعتق والمتصدق وان لم يكن المال له، وإنما هو مرخص في التصرف فيه. الظاهر أنه لا ينبغي الشك في الجواز لاطلاق الروايات فان الواجب عليه هو عتق النسمة واطعام الستين بحيث يكون الفعل

[ 357 ]

صادرا عنه ومستندا إليه، وأما كونهما من ملكه وماله فلم يعتبر ذلك في شئ من النصوص، فلو أباح له أحد في التصرف في ماله فاطعم أو اعتق منه كفى في مقام الامتثال بمقتضى الاطلاق. وأما ما ورد من أنه لا عتق الا في ملك، فاما ان يراد به عدم جواز عتق غير المملوك - وهو الحر - أو يراد أنه لابد وأن يستند إلى المالك ولو بأن يكون باذنه، وأما لزوم صدور العتق من نفس المالك فلا دلالة له عليه بوجه كما لا يخفى، ولا شك أن العتق الصادر ممن هو مأذون من المالك كما يستند إلى المعتق باعتبار انه من قبله يستند إلى المالك أيضا من جهة صدوره بأذنه، فيصح أن يقال إن العتق وقع في الملك باعتبار صدوره باذن المالك. أو هذا الكلام جار في غير المقام أيضا مثل النذر فلو نذر أن يعتق أو يطعم جاز له الاخراج من مال غيره المأذون في التصرف فيه، إذا لم يتعلق النذر بخصوصية الاخراج من خالص المال. وعليه فلو كان المفطر فقيرا لا مال له وكان والده ثريا وهو مرخص في التصرف في ماله جاز له الصرف منه في الكفارة ويصح معه أن يقال إنه اعتق نسمة أو اطعم الستين وإن لم يكن ذلك من مال نفسه. ويؤيده ما ورد في قصة الاعرابي الذي واقع في نهار رمضان وادعى العجز عن الكفارة من قول النبي صلى الله عليه وآله له: خذ هذا التمر وتصدق به، فان هذا وإن أمكن أن يكون من باب التمليك إلا ان ذلك غير ظاهر من الرواية، ولعله ظاهرها التصدق من مال رسول الله صلى الله عليه وأله. وعليه فهي مؤكدة للمطلوب

[ 358 ]

وكيفما كان فالاطلاقات كافية من غير حاجة إلى ورود دليل خاص حسبما عرفت. الثانية هل يعتبر التصدي للعتق أو الاطعام مباشرة أو يجوز التوكيل فيهما؟ الظاهر أنه لا ينبغى الاشكال في جواز التوكيل، فان فعل الوكيل فعل الموكل نفسه عرفا وينتسب إليه حقيقة ومن غير أية عناية، ويكفي في ذلك اطلاق الادلة بعد عدم الدليل على اعتبار المباشرة. وقد ذكرنا في بعض مباحث المكاسب ان الوكالة على طبق القاعدة في موردين، وفي غيرهما يحتاج إلى قيام دليل بالخصوص. أحدهما: الامور الاعتبارية بأسرها، من البيع والهبة، والطلاق والنكاح، والعتق ونحوها، فان الامر الاعتباري وإن توقف تحققه على الاعتبار النفساني مع ابرازه بمبرز، وبهذا الاعبتار يكون فعلا ممن صدر منه مباشرة إلا انه لكونه خفيف المؤنة يكفي في انتسابه إليه انتهاؤه إليه اما لمباشرته في ايجاده أو لتسبيبه فيه بتفويضه إلى غيره، فلو وكل أحدا في تولي البيع مثلا فاعتبره الوكيل وإبرزه خارجا ينسب البيع حيئنذ إلى الموكل حقيقة ومن غير أية عناية كما ينسب إلى الوكيل لان البيع ليس إلا الاعتبار بضميمة الابراز وقد تحققا معا بفعل الوكيل مباشرة، والموكل تسبيبا، فيصح أن يقال حقيقة أن الموكل باع أو أعتق أو وهب أو نحو ذلك من سائر العقود والايقاعات، وهذا أمر عرفي عقلائي لا حاجة فيه إلى قيام دليل عليه بالخصوص. ثانيهما: كل ما هو من قبيل القبض والاقباض والاخذ والاعطاء فانها وإن كانت من الامور التكوينية إلا انها بمنزلة الامور الاعتبارية في أن الوكالة تجرى فيها بمقتضى السيرة العقلائية، مضافا إلى استفادة

[ 359 ]

ذلك من بعض الروايات، فلو وكل أحدا في تسلم ما يطلبه من الغريم فأخذه، كان قبضه حقيقة بالنظر العرفي، فلو تلف لم يضمنه المديون بل تفرغ ذمته بمجرد الدفع إلى الوكيل وإن لم يصل إلى الموكل وكذلك الحال في الاقباض. فلو وكل أحدا في أن يعطي زكاته أو دينا آخر لزيد برئت ذمته بمجرد الدفع، ونحوه ما لو باع في مكان ووكيل أحدا في أن يقبض المبيع في مكان آخر. بالجملة ففي هذه الموارد ينسب الفعل إلى الموكل حقيقة، فهو أيضا قابض من غير أية عناية. وأما ساير الامور التكوينية غير ما ذكر من الاكل والشرب والنوم ونحو ذلك فهي غير قابلة للتوكيل ولا يستند الفعل فيها إلى غير المباشر بوجه من الوجوه، فلا يصح أن يقال زيد نام فيما لو طلب من عمرو أن ينام عنه وهكذا الحال في ساير الافعال. نعم لا بأس بالاسناد المجازي في بعض الموارد كما لو أمر بضرب أحد أو قتله فانه قد ينسب الفعل حينئذ إلى الآمر بضرب من العناية وإلا فالفعل الخارجي غير منتسب إلى الآمر انتسابا حقيقيا. وكيفما كان فجريان الوكالة في غير ما ذكرناه يحتاج إلى الدليل فان نهض كما في الحج حيث ثبت بالدليل الخاص جواز التوكيل فيه وأن حج الوكيل حج للموكل والمستنيب فهو، وإلا كما في غير مورد الحج فلا مجال لجريان الوكالة فيه، فلا يصح التوكيل في مثل الصوم والصلاة ونحوهما مما هو واجب عبادي أو غير عبادي. وعليه ففي مقامنا هذا أعني خصال الكفارة يجري التوكيل في اثنتين منها: وهما العتق والاطعام، لان الاول أمر اعتباري، والثاني من قبيل الاقباض والاعطاء. وأما الثالث وهو الصوم فغير قابل لذلك

[ 360 ]

لعدم الدليل عليه ومقتضى اطلاق الدليل صدور الصوم من المفطر مباشرة لامن شخص آخر فلا يجري فيه التوكيل هذا تمام الكلام في التوكيل. الجهة الثالثة في التبرع عن الغير وقد سبق أن الاقوال فيه ثلاثة: الجواز مطلقا، والمنع مطلقا والتفصيل بين الصوم وغيره. أما الجواز مطلقا فمبني على أمرين أحدهما دعوى ان الكفارة كغيرها من الواجبات الالهية دين كسائر الديون فيجري عليها حكمه ثانيهما ان كل دين يجوز التبرع فيه من غير اذن ولا توكيل. وأما المنع مطلقا فيستدل له بأن ظاهر الامر والخطاب المتوجه إلى شخص بشئ وجوب مباشرته له، أو ما في حكمها من التوكيل فيما يجري فيه التوكيل، وأما السقوط بفعل المتبرع فهو خلاف ظاهر الاطلاق فلا يصار إليه من غير دليل، ولا دليل عليه في المقام. وأما التفصيل فوجهه ان كل ما يقبل التوكيل يقبل التبرع أيضا وبما انك عرفت قبول العتق والاطعام للتوكيل دون الصيام فالامر بالنسبة إلى التبرع أيضا كذلك. والصحيح من هذه الاقوال هو القول الثاني أعني المنع المطلق الذي عرفت أن صاحب الجواهر نسبه إلى المشهور بعد أن قواه، ويظهر وجهه من تزييف القولين الآخرين. أما القول بالجواز مطلقا بدعوى أن حقوق الله دين وكل دين يجوز فيه التبرع فهو ممنوع صغرى وكبرى كما تقدم التعرض له في كتاب الصلاة، فان لفظ الدين وإن اطلق على بعض الواجبات كالصلاة والحج في بعض الروايات التى منها بواية الخثعمية المتضمنة لقول النبي صلى الله عليه وآله: دين الله أحق بالقضاء، فاطلق لفظ الدين

[ 361 ]

على الحج، غير أنها ضعيفة السند لكونها مروية من طرق العامة لا من طرقنا. نعم أطلق عليه في بعض رواياتنا المعتبرة، بل عومل معه معاملة الدين وجعل بمنزلته، ولذا يخرج من الاصل كما صرح به في بعض الاخبار، إلا أنه لا ينبغي الشك في أن الاطلاق المزبور حتى لو ثبت في جميع الواجبات الالهية فانما هو مبني على ضرب من المسامحة والعناية باعتبار كونها ثابتة في الذمة، وإلا فالمنسبق من هذا اللفظ بحسب الظهور العرفي خصوص الدين المالي لا مطلق الواجب الالهي. ولو سلمنا الصغري فالكبرى ممنوعة، إذ لم يثبت جواز التبرع عن الغير في كل دين وإنما ثبت ذلك في خصوص الديون المالية بمقتضى السيرة العقلائية وبعض الروايات الواردة في الموارد المتفرقة مثل ما ورد من أن من وظائف الابن اداء دين أبيه، وأن دين المؤمن العاجز عن الوفاء على الامام يقتضيه من الزكاة من سهم الغارمين ونحو ذلك، وأما ان مطلق ماكان واجبا وان عبر عنه بالدين يصح التبرع به عن الغير فلم يقم عليه أي دليل، بل لعله خلاف الاجماع والضرورة في كثير من الموارد من الصلاة والصيام ونحوهما. نعم ثبت ذلك في خصوص الحج لدى العجز فهو بمنزلة الدين ولذا يخرج من أصل المال كما ذكر، وأما في غيره فلا، فلم تثبت الكبرى على اطلاقها. وكيفما كان فالقول بالجواز المطلق ضعيف جدا. وأما القول بالتفصيل: فالمنع في الصوم جيد لما عرفت من أنه عبادة قد خوطب المفطر بأدائها، فسقوطها بفعل الغير بدلا عنه يحتاج إلى الدليل ولا دليل ومقتضى الاطلاق العدم.

[ 362 ]

وأما الجواز في العتق والاطعام فمبنى كلام المحقق على ما يظهر من كلماتهم ان جريان الوكالة والنيابة فيهما كما تقدم يكشف عن عدم اعتبار المباشرة، ومقتضى عدم اعتبارها جريان التبرع أيضا فيهما، إذ لا خصوصية للاستنابة بعد فرض عدم اعتبار المباشرة. ولكنه أيضا ضعيف للفرق الواضح بين التوكيل والتبرع، فان فعل الوكيل فعل الموكل بنفسه ومستند إليه حقيقة ومن غير أية عناية لعدم الفرق في صحة الاسناد بين المباشرة والتسبيب فيما إذا كان الفعل قابلا للتوكيل كما في الامور الاعتبارية وبعض التكوينية حسبما مر، فالبيع أو الهبة أو الطلاق الصادر من الوكيل مستند إلى الموكل حقيقة فبيعه بيعه، كما ان قبضه قبضه وعطاؤه عطاؤه بالسيرة العقلائية، ومن ثم لو وكل أحدا في قبض ماله من الدين برئت ذمة المدين بمجرد الدفع إلى الوكيل، وان تلف المال ولم يصل إلى الموكل لانه بادائه إلى الوكيل قد اداءه إلى الموكل حقيقة، وعليه فلو كان المكلف مأمورا ببيع الدار مثلا أو بالعتق أو بالاطعام ونحو ذلك مما يقبل التوكيل فلا فرق حينئذ بين التصدي له بنفسه مباشرة وبين الاستنابة والتوكيل فيه لانه هو البايع والمعتق والمطعم على التقديرين. وأما لو تبرع به شخص آخر من غير توكيل وتسبيب فما هو الدليل على سقوط الواجب عن المكلف المتوجه إليه الخطاب؟ فان مقتضي الاطلاق وعدم اشتراط التكليف بعدم الصدور من الغير هو عدم السقوط بفعله، ومعلوم أن مجرد قصد الغير النيابة عن المكلف والاتيان من قبله لا يصحح اسناد الفعل إليه، كما كان كذلك في مورد التوكيل والتسبيب فلا يقاس فعل المتبرع بفعل الوكيل، فان فعله فعل الموكل حقيقة، وليس كذلك فعل المتبرع بعد أن لم يكن

[ 363 ]

[ مسألة 21: من عليه كفارة إذا لم يؤدها حتى مضت عليه سنين لم تتكرر (1). مسألة 22: الظاهر ان وجوب الكفارة موسع فلا تجب المبادرة إليها (2) نعم لا يجوز التأخير إلى حد التهاون ] ببعث المتبرع عنه. وعلى الجملة لا علاقة ولا ارتباط لفعل المتبرع بالمتبرع عنه، ومجرد قصد النيابة لا يحقق الاضافة ولا يجعل الفعل فعله ولا يسنده إليه عرفا بوجه. فلا مقتضي لكونه مسقطا للتكليف، إلا فيما قام الدليل عليه بالخصوص، وإلا فمقتضي الاطلاق عدم السقوط، وانه لابد من صدوره من نفس المأمور إما مباشرة أو تسبيبا، ولا ينطبق شئ منهما على فعل المتبرع كما هو ظاهر جدا. فتحصل أن الاظهر ما عليه المشهور من المنع مطلقا، أي من غير فرق بين الصوم وغيره. (1) فان السبب الواحد له مسبب واحد، ولا دليل على أن التأخير من موجبات الكفارة فلا مقتضى للتكرر كما هو أوضح من أن يخفي. (2) أفاد (قده) ان وجوب الكفارة ليس بفوري فيجوز التأخير ما لم يصل إلى حد التهاون والاهمال كما هو الحال في بقية الواجبات غير الموقتة. هذا وربما تحتمل الفورية نظرا إلى انها كفارة للذنب رافعة له، فحكمها حكم التوبة التي تجب المبادرة إليها عقلا لمبغوضية البقاء على الذنب كحدوثه بمناط واحد، إذا فيجب التسرع إلى تفريغ الذمة عن الذنب بفعل الكفارة كما في التوبة.

[ 364 ]

أقول الظاهر عدم تمامية شئ من الامرين. أما تحديد التأخر بعدم التهاون فلعدم الدليل عليه، بل العبرة في مقدار التأخير أن لا يصل إلى حد لا يطمأن معه بأداء الواجب نظرا إلى أن التكليف بعد أن صار فعليا وبلغ حد التنجز وجب الاطمئنان بالخروج عن عهدته قضاء لحكم العقل بأن الاشتغال اليقنيي يستدعي البراءة اليقينية، فلابد من اليقين أو ما في حكمه من الاطمئنان بحصول الامتثال اما فعلا أو فيما بعد، وأما لو لم يطمئن بذلك فاحتمل العجز لو أخر وجبت المباردة حينئذ ولم يسغ له التأخير لماعرفت من حكومة العقل بلزوم احراز الطاعة للتكليف المنجز. وهذا يجري في جميع الواجبات غير الفورية وان كانت موقتة، فلو احتمل انه بعد ساعة من الزوال لا يمكن من الامتثال بحيث زال عنه الاطمئنان وجبت المبادرة إلى أداء الفريضة ولا يسعه التأخير اعتمادا على امتداد الوقت إلى الغروب الواجب وان كان هو الكلي الجامع والطبيعي الواقع بين الحدين لكن لابد بحكم العقل من احراز الامتثال المفقود مع الاحتمال المزبور، فالعبرة بالاطمئنان دون التهاون وكان عليه (قده) أن يعبر هكذا " نعم لا يجوز التأخير إلا مع الاطمئنان من الاداء ". وأما ما ذكر وجها للفورية من أن البقاء على الذنب كحدوثه فهو انما يستقيم في مثل التوبة فان العزم على المعصية بل التردد فيها مبغوض، ولابد للمؤمن من أن يكون بانيا على عدم العصيان فلو ارتكب فلابد من التوبة أي الندم على ما فعل والعزم على أن لا يفعل وهذا كله واجب دائما لكونه من لوازم الايمان ومن شؤون الاطاعة والعبودية وإلا كان متجريا، ولاجله كان وجوب التوبة فوريا. وأما الكفارة فليست هي من التوبة في شئ وإن اطلق عليها

[ 365 ]

[ مسألة 23: إذا افطر الصائم بعد المغرب على حرام من زنا أو شرب الخمر أو نحو ذلك لم يبطل صومه (1) وان كان في أثناء النهار قاصدا لذلك. ] هذا اللفظ في بعض النصوص وإنما هي واجبة استقلالا شرعت عقوبة على ما فعل، ويعبر عنها بالغرامة أو الجريمة في اللغة الدارجة وليست رافعة لاثر الذنب بوجه، كيف ولو فرضنا شخصا ثريا يفطر كل يوم متعمدا ويكفر عنه مع عزمه على العود في اليوم الآخر أفيحتمل ارتفاع أثر الذنب بالنسبة إليه بمجرد تكفيره؟ وعلى الجملة الكفارة شئ والتوبة شئ آخر والرافع لاثر الذنب خصوص الثاني بمقتضي النصوص الكثيرة التي منها قوله عليه السلام: التائب من الذنب كمن لاذنب له، وقد قال تعالى: " فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " (1) وأما الاول فلم يدل أي دليل على كونه رافعا للذنب وإنما هو واجب آخر جعل تأديبا للمكلف وتشديدا في حقه كي لا يعود، ويرتدع عن الارتكاب ثانيا كما في كفارة الاحرام فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر. وعليه فمقتضى اطلاقات الادلة العارية عن التقييد بالفورية هو التوسعة وعدم التضييق في الكفارة فله التأخير ولكن إلى حد يطمأن معه بالامتثال حسبما ذكرناه. (1) لعدم الموجب للبطلان بعد خروج الفرض عن منصرف النص قطعا، فان موضوع الحكم بحسب منصرف الدليل هو افطار


(1) سورة الفرقان الآية: 71

[ 366 ]

[ مسألة 24: مصرف كفارة الاطعام الفقراء (1) ] الصائم وهذا قد خرج عن صومه بانتهاء أمده. ومنه تعرف عدم القدح ولو كان قاصدا لذلك في أثناء النهار، لتعلق القصد حينئذ بما هو خارج عن ظرف الصوم كما هو ظاهر. (1) استقصاء البحث حول هذه المسألة يستدعي التكلم في جهات: الاولى: الظاهر تسالم الفقهاء - إلا من شذ منهم - على جواز دفع الكفارة إلى الفقير، فان المذكور في الآية المباركة والنصوص وان كان هو المسكين الذي قد يطلق على من هو اشد حالا من الفقير إلا أن المراد منه إذا استعمل منفردا هو الفقير كما ادعاه غير واحد، ويناسبه المعنى اللغوي فان المسكنة في اللغة على معان منها الفقر والذل والضعف، فيطلق المسكين على الفقير في مقابل الغني، وعلى الذليل في مقابل العزيز، وعلى الضعيف في مقابل القوي. إذا فاعتبار شئ أخر زائدا على الفقر بأن يكون اسوء حالا منه لا دليل عليه، ومقتضى الاصل العدم. بل قد يدل عليه قوله (ع) في موثقة اسحاق بن عمار الواردة في كفارة الاطعام: ". قلت فيعطيه الرجل قرابته ان كانوا محتاجين؟ قال: نعم. الخ " (1) حيث يظهر منها أن مجرد الحاجة التي هي مناط الفقر كاف في كونه مصرف الكفارة ولا يعتبر ازيد من ذلك فيكون هذا بمثابة التفسير للفظ المسكين، وقد عرفت أن الحكم كالمتسالم عليه بين الاصحاب وقد ادعى عليه الاجماع ونفي الخلاف في غير واحد من الكلمات، فما عن بعض من الاستشكال فيه في غير محله.


(1) الوسائل باب 16 من ابواب الكفارات الحديث 2

[ 367 ]

[ اما باشباعهم (1) واما بالتسليم إليهم كل واحد مدا (2) والاحوط مدان. ] (1) الثانية لا اشكال في اعتبار الاشباع في الاطعام لانه المنصرف إليه اللفظ بحسب المتفاهم العرفي فلا يجدي الاقل من ذلك وان صدق عليه اللفظ، إذ يصح أن يقال لمن أعطى لقمة بل اقل انه اطعم، لكنه خلاف المنصرف عند الاطلاق، فان المنسبق منه هو الاطعام المتعارف البالغ حد الاشباع، وقد صرح بذلك في صحيحة أبي بصير الواردة في كفارة اليمين التي لا يحتمل الفرق بينها وبين المقام كما لا يخفى، حيث قال عليه السلام: يشبعهم به مرة واحدة. الخ (1) على ان طعم بفتح العين بمعنى شبع، فلو كان الاطعام مشتقا من هذه المادة لكان الاشباع معتبرا في مفهومه كما هو ظاهر قوله تعالى: (ويطعمهم من جوع). وكيفما كان فلا اشكال في أن الاطعام المجعول عدلا للخصال يتحقق بأحد أمرين إما بالتسبيب إلى الاكل ببذل الطعام خارجا ليأكله أو بالتسليم والاعطاء لصدق الاطعام على كل منهما، فالواجب هو الجامع بينهما فيتخير بين الامرين. فان اختار الاول فحده الاشباع كما عرفت، وإن لم يذكر له تحديد في نصوص الباب. (2) وأما إذا اختار الثاني فالمصرح به في غير واحد من النصوص المعتبرة ان حده مد لكل مسكين وهو المشهور بين جمهور الاصحاب


(1) الوسائل باب 14 من ابواب الكفارات الحديث 5

[ 368 ]

ما عدا الشيخ وبعض ممن تبع فذكر انه مدان لكل مسكين، بل ادعى في الخلاف الاجماع عليه وهو لا يخلو من غرابة بعد مخالفة اكثر الاصحاب واطباق نصوص الباب على الاجتزاء بمد واحد إذ لم يرد المدان في شئ منها. نعم ورد ذلك في كفارة الظهار وحينئذ فان بنينا على عدم الفصل بينها وبين المقام كما لا يبعد بل لعله الاظهر لعدم احتمال التفكيك بين الموردين من هذه الجهة ولا قائل به أيضا، فاللازم حمل الامر بالمدين على الافضلية جمعا بينه وبين نصوص الباب المصرحة بالاجتزاء بالمد كما عرفت. فيرفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب بصراحة غيره في جواز المد الواحد فهو من قبيل الدوران بين الاقل و الاكثر فيقتصر في الوجوب على الاقل الذي هو المتيقن ويحمل الزائد على الاستحباب. وأما إذا بنينا على الفصل بين المقامين فغايته الاقتصار في المدين على مورده وهو الظهار، فلا وجه للتعدي عنه إلى المقام بعد عدم ورود ذلك في شئ من روايات الباب حسبما عرفت. وكيفما كان فلا اختلاف في نصوص المقام من حيث التحديد بالمد كما عرفت. نعم هي مختلفة من حيث التحديد بالصاع، ففي جملة منها انها عشرون صاعا وفي بعضها خمسة عشر صاعا وفي بعضها الآخر كصحيحة جميل انها عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا هذا (1). ولا يبعد أن يكون الصاع مثل الرطل الذي تقدم في مبحث الكر ان له اطلاقات ويختلف باختلاف البلدان، فالرطل المكي يعادل رطلين عراقيين ورطلا ونصفا من المدني، فتسعة أرطال مدنية تساوي


(1) الوسائل باب 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 369 ]

[ من حنطة أو شعير أو ارز أو خبز أو نحو ذلك (1) ولا يكفي ] ستة أرطال مكية واثني عشر عراقية. وبهذا يرتفع التنافي المترائى بين نصوص الكر، فيحمل مادل على أنه الف وماتا رطل على العراقي، وما دل على انه ستمائة رطل على المكي وما دل على أنه تسعمائة على المدني وقد أقمنا شواهد على ذلك حسبما مر في محله. وعليه فلا يبعد أن يكون الصاع أيضا كذلك فيختلف باختلاف البلدان، كما هو الحال في كثير من الاوزان مثل الحقة والمن، فالمن الشاهي ضعف التبريزي، وحقة اسلامبول ثلث حقة النجف تقريبا ونحوهما غيرهما. وفي صحيحة جميل المقدمة شهادة على ذلك حيث صرح فيها بأن صاعه (ع) يساوي صاعي النبي صلى الله عليه وآله - والصاع المعروف هو أربعة امداد. وعليه يحمل مادل على انه خمسة عشر صاعا الذي يساوي ستين مدا. وعلى كل حال فهذا الاختلاف غير قادح بعد التصريح في غير واحد من الاخبار بأن الاعتبار بستين مدا لكل مسكين مد، فالعبرة بهذا الوزن الواقعي الذي هو مقدار معين معلوم سواء أكان مساويا لعشرة أصوع أم لخمسة عشر أم لعشرين فان ذلك لا يهمنا والجهل به لا يضرنا. (1) الثالثة مقتضى الاطلاق في هذه الاخبار انه لا فرق في الاطعام وفي اعطاء المد بين أنواع الطعام فيجتزي بكل ما صدق عليه انه طعام من خبز أو شعير أو ارز ونحو ذلك، فالعبرة بالاطعام الخارجي بحيث يقال انه اطعم أو أعطى مدا من الطعام من أي قسم كان

[ 370 ]

[ في كفارة واحدة اشباع شخص واحد مرتين أو أزيد أو اعطاؤه مدين أو ازيد بل لابد من ستين نفسا (1). ] فمتى صدق الاطعام أو صدق انه تصدق بمد من الطعام يجتزئ به بمقتضى الاطلاق. نعم في روايات كفارة اليمين اختصت الحنطة والشعير والخل والزيت بالذكر فلو فرضنا أنا التزمنا بالاختصاص هناك فلا وجه للتعدي عنه إلى المقام بعد أن لم تكن في نصوص الباب دلالة بل ولا اشعار باعتبار طعام خاص، فكل ما صدق عليه الطعام ولو كان مثل الماش العدس ونحو ذلك يجتزئ به عملا بالاطلاق. الرابعة لا يخفى أن الظاهر مما رود في غير واحد من الاخبار من أنه يعطي لكل مسكين مد أن الاعطاء على وجه التمليك لا مجرد الاباحة في الاكل، فان ظاهر الاعطاء له تخصيصه به من جميع الجهات لا من جهة الاكل فقط وهذا مساوق للتملك. ويؤيده بل يؤكده اطلاق لفظ الصدقة عليه في بعض الاخبار. ومعلوم أن الفقير مالك للصدقة، بل ان نفس المقابلة بين الاطعام وبين الاعطاء المذكورة في النصوص لعلها ظاهرة في ذلك، وأنه مخير بين بذل الطعام واباحة الاكل وبين اعطاء المد وتمليكه له فيتصرف فيه كيفما يشاء من أكله أو هبته أو بيعه وصرف ثمنه في حاجياته حتى بيعه من المعطي نفسه، والظاهر تسالم الاصحاب على ذلك من غير خلاف فيدفع للفقير بعنوان التمليك لا بعنوان التوكيل ليحتفظ به حتى يأكله. (1) الخامسة لا يخفى ان الروايات صريحة في الامر باطعام ستين

[ 371 ]

[ نعم إذا كان للفقير عيال متعددون ولو كانوا اطفالا صغارا (1) يجوز اعطاؤه بعدد الجميع لكل واحد مدا. ] مسكينا ومن المعلوم أن الستين لا ينطبق على الاقل منه كالخمسين أو الاربعين أو الثلاثين ونحو ذلك ومقتضاه لزوم مراعاة هذ العدد واطعام ستين شخصا فلا يجدي التكرار بالنسبة إلى شخص واحد بأن يطعم فقيرا ستين مرة أو فقيرين ثلاثين مرة أو ثلاثة عشرين مرة أو نحو ذلك بل لابد من المحافظة على عدد الستين عملا بظاهر النص. ويدل عليه مضافا إلى ما عرفت من عدم الصدق موثقة اسحاق ابن عمار المتقدمة قال: سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن اطعام عشرة مساكين أو اطعام ستين مسكينا أيجمع ذلك لانسان واحد يعطاه؟ قال: لا ولكن يعطى انسانا انسانا كما قال الله تعالى. الخ (1). (1) السادسة لا فرق في المسكين بين الصغير والكبير ولا بين الرجل والمرأة، فلا يعتبر البلوغ ولا الرجولية لاطلاق الادلة، بل قد يظهر من بعض الروايات المفروغية من ذلك، ففي صحيح يونس بن عبد الرحمن: " ويتمم إذا لم يقدر على المسلمين وعيالاتهم تمام العدة التي تلزمه أهل الضعف ممن لا ينصب " (2). فيظهر منها المفروغية عن جواز اعطاء العيال بما فيهم من الصغار والنساء ونحوها صحيحة الحلبي الواردة في كفارة اليمين عن أبي عبد الله (ع) في قوله الله عزوجل، " من أوسط ما تطعمون أهليكم " قال هو كما يكون أو يكون في البيت من يأكل المد، ومنه من يأكل اكثر


(1) الوسائل باب 16 من ابواب الكفارات الحديث 2 (2) الوسائل باب 18 من ابواب الكفارات الحديث 1

[ 372 ]

من المد، ومنهم من يأكل أقل من المد فبين ذلك. الخ (1) وفي صحيحة يونس الاخرى التصريح بعدم الفرق بين الصغار والكبار والنساء والرجال وانهم في ذلك سواء (2). وعلى الجملة فيظهر من هذه الروايات وغيرها المفروغية عن أصل الحكم وهو الذي يقتضيه اخذ عنوان المسكين موضوعا للحكم في النصوص من غير تقييده في شئ منها بالبلوغ أو الرجولية. هذا ومن المعلوم انه لا بد وأن يكون الاعطاء للصغار اعطاء صحيحا ممضى عند الشارع ليصدق أنه أعطى المسكين، وإلا فلا أثر له، فلو أعطى الامداد لرئيس العائلة وفيهم الكبار والصغار فهو انما يحتسب عليهم ويعد اعطاء لهم فيما إذا كان المعطى وكيلا عن الكبار وليا على الصغار فيكون الدفع إليه دفعا إليهم بمقتضى الوكالة والولاية وإلا فلا أثر له لعدم تسلم المسكين حينئذ لا بنفسه ولا بوكيله ولا بوليه، والحاصل انه لابد من تحقق الاعطاء اما للمسكين مباشرة أو لمن يقوم مقامه وكالة أو ولاية، فلو لم يكن المعطى وكيلا عن زوجته أو عن أولاده الكبار ولا وليا على الصغار فليس الدفع إليه دفعا لهم فالبلوغ وإن لم نعتبره في المقام إلا انه يعتبر أن يكون الاعطاء للصغير اعطاء صحيحا شرعيا بأن يعطي توليه مثلا بما هو ولي كما هو الحال في زكاة الفطرة. هذا وقد ظهر لك مما تقدم ان الاطعام قد يتحقق باعطاء الطعام وأخرى ببذله ليؤكل من دون أن يملك كما في قوله تعالى: واطعمهم


(1) الوسائل باب 14 من ابواب الكفارات الحديث 3 (2) الوسائل باب 17 من ابواب الكفارات الحديث 3

[ 373 ]

من جوع، إذ ليس المراد به اعطاء الطعام تمليكا، بل رفع الجوع ببذل الطعام ليأكل، فالمكلف مخير بين الاعطاء وبين الاطعام الخارجي ويظهر من اللغويين أيضا صحة اطلاقه على كل منهما فهو اسم للاعم من التسبيب إلى الاكل ببذل الطعام فيكون المسبب الباذل هو المطعم ومن الاعطاء والتمليك والواجب هو الجامع بينهما، ولذلك أطلق الاطعام في موثقة سماعة على اعطاء الطعام لكل مسكين مد فانه أيضا اطعام لا أنه بذل له، فالاطعام مفهوم جامع بين التسليم وبين البذل ولعل هذا المعنى الجامع هو المراد من قوله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا.. الخ ". وحينئذ فان كان على سبيل الاعطاء فحده مد لكل مسكين من غير فرق بين الصغير والكبير والرجل والمرأة لاطلاق الادلة حسبما مر. وأما إذا كان بنحو البذل فلم يذكر له حد في هذه الاخبار، فهو ينصرف بطبيعة الحال إلى الاطعام المتعارف الذي حده الاشباع وإن اختلفت الكمية الموصلة إلى هذا الحد بحسب اختلاف الناس، فقد يأكل احد مدا وآخر أقل، وثالث اكثر، ولاجل كون الحد الوسط هو المد فقد جعل الاعتبار في الاعطاء بذلك، كما اشير إليه في صحيحة الحلبي (1). وإن كان الغالب في زماننا - ولعله في السابق أيضا كذلك - ان الانسان العادي لا يأكل المد بل ولا نصفه. وكيفما كان فلا اشكال في انصراف الاطعام إلى الاشباع كما في قوله تعالى: واطعمهم من جوع، وقد تقدم ان طعم بفتح العين بمعنى شبع. وعليه فالاشباع معتبر في مفهوم الاطعام لو كان مأخوذا من


(1) الوسائل باب 14 من ابواب الكفارات الحديث 3

[ 374 ]

هذه المادة وهو المناسب لقوله تعالى: اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون اهليكم (1) إذ من المعلوم ان اطعام الاهل بالاشباع. ويدل عليه ما في صحيحة أبي بصير الواردة في كفارة اليمين من التصريح بالاشباع قال: سألت أبا جعفر (ع) عن أوسط ما تطعمون أهليكم قال: ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك قلت: وما أوسط ذلك؟ فقال الخل والزيت والتمر والخبز يشبعهم به مرة واحدة. الخ (2) إذ لا يحتمل اختصاص ذلك بكفارة اليمين لعدم احتمال الفرق بين اطعام عشرة مساكين وبين اطعام الستين من هذه الجهة بالضرورة فانه تفسير للاطعام الذي لا يفرق فيه بين مقام ومقام كما هو ظاهر. وأما الاكتفاء بالاشباع مرة واحدة فهو - مضافا إلى التصريح به في هذه الصحيحة - مقتضى الاطلاق في ساير الادلة لصدق المفهوم وانطباق الواجب الملحوظ على نحو صرف الوجود عليها، فلو دعا ستين مسكينا واطعهم مرة واحدة يصح أن يقال انه اطعم ستين مسكينا، فما لم يكن دليل على اعتبار الزيادة على ذلك فمقتضى الاطلاق الاكتفاء بما تصدق عليه الطبيعة. نعم روى العياشي في تفسير الآية المباركة الواردة في كفارة اليمين انه يشبعهم يوما واحدا ولكنه مضافا إلى الارسال محمول على الافضلية لصراحة صحيحة أبي بصير المتقدمة بكفاية المرة الواحدة كما عرفت. وهل يعتبر في البذل أن يكون من يبذل له كبيرا أو يجزي الصغير أيضا كما كان كذلك في الاعطاء؟ لا شك أن مقتضى الاطلاق الاكتفاء بكل ما صدق عليه اطعام المسكين وان كان صغيرا فانه أيضا


(1) سورة المائدة الآية 91 (2) الوسائل باب 14 من ابواب الكفارات الحديث 5

[ 375 ]

مسكين اطعمه، إلا أنه ربما لا يتحقق هذا الصدق بالاضافة إلى الصغير الذي لا يأكل إلا قليلا جدا كمن كان عمره ثلاث سنين ونحوه ممن كان في أوان اكله، فان صدق اطعام المسكين بالنسبة إليه مشكل جدا، بل ممنوع عرفا، فلو دعا عشرة رجال وكان معهم ابن ثلاث سنين أو أربع لا يقال انه اطعم أحد عشر شخصا كما لا يخفي. أما إذا كان الصبي اكبر من ذلك بحيث يقارب طعامه طعام الكبار صدق على اطعامه انه اطعام المسكين، بل قد يأكل المراهق المقارب للبلوغ اكثر مما يأكله ابن أربعين سنة، فالبلوغ غير معتبر هنا جزما كما هو معتبر في بعض الموارد مثل الطلاق والبيع والنكاح ونحوها لعدم دلالة أي دليل عليه، بل العبرة بصدق اطعام المسكين فان صدق كمن كان عمره أربعة عشر سنة كفى وشمله الاطلاق من غير حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص، وإن لم يصدق كالصغير جدا لم يكف مثل مالو جمع ستين مسكينا صغيرا تتراوح أعمارهم بين الثلاث والاربع سنين فان النص من الكتاب والسنة منصرف عن مثل ذلك قطعا، وكذا الحال فيما لو شك في الصدق كما لو كان عمره اكثر من ذلك بقليل، فما نسب إلى المفيد من عدم كفاية اطعام الصغير صحيح لو أراد هذا الفرض دون الاول. وعلى الجملة فالحكم دائر مدار الصدق العرفي فكل ما صدق عليه جزما إطعام المسكين كفى، وما لم يصدق أو شك في الصدق لا يجتزئ به. هذا هو مقتضى القاعدة، وأما بالنظر إلى النصوص الخاصة فهناك روايات وردت في كفارة اليمين. ومنها صحيحة يونس المصرحة

[ 376 ]

بعدم الفرق بين الكبير والصغير (1)، ولكنها ناظرة إلى صورة الاعطاء وأجنبية عن محل الكلام. والعمدة روايتان: احداهما موثقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال ; لا يجزي اطعام الصغير في كفارة اليمين ولكن صغيرين بكبير، والاخرى موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عليه السلام ان عليا عليه السلام قال: من أطعم في كفارة اليمين صغارا وكبارا فليزود الصغير بقدر ما أكل الكبير (2). هذا والمحقق في الشرايع فصل في الصغير بين المنضم إلى الكبير وبين المنفرد عنه، فالاول كما في صغار العائلة يحسب مستقلا، وفي الثاني كل صغيرين بكبير، ولا يعرف لما ذكره (قده) وجه أصلا فان صحيحة يونس الآمرة بالتتميم (3) ليست في مقام البيان من هذه الجهة، بل غاية ما تدل عليه كفاية احتساب العائلة بما فيها من الصغار في الجملة، ولم يعلم ان مورد السؤال هو الاعطاء أو الاطعام، ولم يرد أي دليل يقتضي التفصيل بين الانضمام والانفراد، بل ان موثقة السكوني المزبورة الآمرة بالتزويد لعل شمولها لصورة الانضمام أولى لقوله عليه السلام صغارا وكبارا أي هما معا - كما ذكره في الجواهر فليس هنا دليل على الاجتزاء بالصغير وحده واحتسابه مستقلا، وأما موثقة غياث فهي مطلقة من حيث الانضمام وعدمه بل إن حملها على عدم الانضمام كما عن بعض في غاية البعد، إذ قلما يتفق خارجا أن يجمع أحد الصغار فقط فيطعهم.


(1) الوسائل باب 17 من ابواب الكفارات الحديث 3 (2) الوسائل باب 17 من ابواب الكفارات الحديث 1، 2 (3) الوسائل باب 18 من ابواب الكفارات الحديث 1

[ 377 ]

[ مسألة 25: - يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر وحاجة بل ولو كان للفرار من الصوم لكنه مكروه (1). ] إذا فالروايتان - وهما معتبرتان لان غياثا وثقه النجاشي وإن كان بتريا، والنوفلي الذي يروي عن السكوني مذكور في اسناد كامل الزيارات - مطلقتان من حيث الانضمان وعدمه، ومقتضى الصناعة حينئذ الاخذ بهما والحمل على التخيير جمعا، فيتخير بين احتساب صغيرين بكبير وبين تزويد الصغير بقدر ما اكل الكبير، فلو اكل ثلث ما اكل الكبير يعطى له الثلثان الباقيان، أما فعلا أو في مجلس آخر. هذا فيما إذا تعدينا عن مورد الروايتين وهو كفارة اليمين إلى المقام. وأما إذا لم نتعد ما هو الاظهر - إذ لم نعرف له وجها أصلا بعد أن لم يكن هنا اجماع على عدم الفصل بين الكفارتين من هذه الجهة لعدم كون المسألة منقحة في كلماتهم كما صرح به في الجواهر - فيرجع حينئذ إلى ما ذكرناه أولا في بيان مقتضى القاعدة من التفصيل بين صدق اطعام المسكين وعدمه، فيجتزئ بصغير واحد مع الصدق ولا يجتزئ بجمع من الصغار فضلا عن الصغيرين بدونه. (1) المشهور جواز السفر في شهر رمضان من غير حاجة ونسب الخلاف إلى الحلبي فمنعه إلا لضرروة فهو عنده محرم يسوغه الاضطرار. والكلام يقع تارة فيما يستفاد من الآية المباركة، وأخرى بالنظر إلى الروايات الخاصة الواردة في المقام أما الاول: فقد قال تبرك وتعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان

[ 378 ]

منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين. الخ) (1) والمستفاد منها تقسيم المكلفين إلى أقسام ثلاثة: قسم يجب عليه الصيام متعينا وقسم يتعين في حقه القضاء وهو المريض والمسافر، وقسم لا يجب عليه لا هذا ولا ذاك وانما تجب عليه الفدية فقط، وهم الذين يطيقونه أي من يكون الصوم حرجا عليه كما هو معنى الاطاقة كالشيخ والشيخة وبما ان موضوع الحكم الثاني هو المريض والمسافر فبمقتضى المقابلة وان التفصيل قاطع للشركة بكون موضوع الحكم الاول هو من لم يكن مريضا ولا مسافرا فيكون المكلف بالصيام هو الصحيح الحاضر، فقد أخذ في موضوع الحكم أن لا يكون المكلف مسافرا فيكون الوجوب مشروطا به بطبيعة الحال لان الموضوع كما ذكرناه في الواجب المشروط هو ما كان مفروض الوجود عند تعلق الحكم سواء أكان غير اختياري كدلوك الشمس بالاضافة إلى وجوب الصلاة، أم كان اختياريا كالسفر والحضر والاستطاعة ونحوها. فمعنى قولنا: المستطيع يحج انه على تقدير تحقق الاستطاعة، وعند فرض وجودها يجب الحج فلا يجب التصدي لتحصيله لعدم وجوب تحصيل شرط الوجوب. وعليه فيجوز للحاضر السفر ولا يجب على المسافر الحضر لعدم وجوب تحصيل شرط التكليف لا حدوثا ولا بقاء، فلو كنا نحن والآية المباركة لقلنا بجواز السفر في شهر رمضان ولو لغير حاجة، لان الواجب مشروط ولا يجب تحصيل الشرط كما عرفت. وأما بالنظر إلى الروايات الخاصة الواردة في المقام فقد دلت روايتان معتبرتان على جواز السفر ولو من غير حاجة على ما هو صريح


(1) سورة البقرة الآية 180

[ 379 ]

احداهما وظاهر الاخرى. فالاولى صحيحة الحلبي عن الرجل يدخل شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعدما يدخل شهر رمضان أن يسافر فسكت فسألته غير مرة، فقال: يقيم أفضل الا أن تكون له حاجة لابد له من الخروج فيها، أو يتخوف على ماله (1)، وهي كما ترى صريحة في جواز السفر من غير حاجة مع أفضلية الاقامة - لدرك فضل الصيام في شهر رمضان الذي هو من أهم أركان الاسلام، وقد تضمن بعض الادعية المأثورة طلب التوفيق لذلك بدفع الموانع من مرض أو سفر الا مع الحاجة فلا أفضلية حينئذ للاقامة. والثانية صحيحة محمد بن مسلم عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان وهو مقيم وقد مضى منه أيام، فقال: لا بأس بأن يسافر ويفطر ولا يصوم (2). وهذه ليست في الدلالة كالسابقة فانها انما تدل بالاطلاق على جواز السفر ولو من غير حاجة، فهي قابلة للحمل على فرض الحاجة كما قد لا يأباه التعبير ب‍ - (يعرض) فليست صريحة في السفر الاختياري كما في صحيحة الحلبي. وبازاء هاتين الصحيحتين عدة روايات: منها رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخروج إذا دخل شهر رمضان، فقال: لا، الا فيما أخبرك به خروج إلى مكة أو غزو في سبيل الله أو مال تخاف هلاكه أو أخ تخاف هلاكه (3). وقد عبر عنها بالصحيحة ولكنها ضعيفة السند جدا، فان في


(1) الوسائل باب 3 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 1 (2) الوسائل باب 3 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 2 (3) الوسائل باب 3 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 3

[ 380 ]

السند علي بن أبي حمزة البطائني وكان وافقيا كذابا متهما بل كان أحد عمد الواقفة وكان يكذب على الامام في بقاء موسى بن جعفر (ع) وانه لم يمت طمعا فيما بيده من أمواله (ع)، وقد ضعفه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة صريحا، وروي في حقه روايات ذامة منها قول الامام عليه السلام له: انك لا تفلح أبدا. فالرواية ساقطة عن درجة الاعتبار لا تصلح للاستدلال بوجه. ومنها ما رواه في الخصال في حديث الاربعمائة قال: ليس للعبد أن يخرج إلى سفر إذا دخل شهر رمضان لقول الله عزوجل (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (1). وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة عند القوم إلا انها معتبرة عندنا إذ ليس في السند من يغمز فيه إلا الحسن بن راشد جد القاسم بن يحيى ولكنه لا بأس به، فان هذا الاسم مشترك بين أشخاص ثلاثة أحدهم الطفاوي وهو ضعيف، والآخر من أصحاب الجواد وهو ثقة والثالث هو جد القاسم بن يحيى الواقع في هذا السند، ولم يرد في حقه توثيق في كتب الرجال ولكنه مذكور في أسناد كامل الزيارات بنفس العنوان المذكور في سند هذه الرواية أي (القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد). وعليه فالرواية معتبرة على المختار وواضحة الدلالة على المنع لكنها محمولة على الكراهة جمعا بينها وبين صحيحة الحلبي المتقدمة المصرحة بالجواز مع أفضلية البقاء، بل قد يقال انه لا يكون أفضل فيما إذا كان السفر لزيارة الحسين عليه السلام، كما قد يستظهر ذلك من رواية أبي بصير، يدخل علي شهر رمضان فاصوم بعضه فتحضرني


(1) الوسائل باب 3 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 4

[ 381 ]

نية زيارة قبر أبي عبد الله عليه السلام فازوره وأفطر ذاهبا وجائيا أو أقيم حتى أفطر وأزوره بعدما أفطر بيوم أو يومين، فقال له. أقم حتى تفطر، فقلت له: جعلت فداك فهو أفضل؟ قال، نعم أما تقرأ في كتاب الله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه (1). بناء على أن السؤال ناظر إلى أنه هل يخفف الزيارة فيقتصر على الاقل الممكن بأن يذهب صباحا ويزور ويرجع مساء مثلا أو أنه يقيم هناك يوما أو يومين؟ فأجاب عليه السلام بأن الاقامة أفضل وأنه لا بأس بفوات الصيام عنه، لانه مكتوب على من شهد الشهر، أي كان حاضرا في بلده وهذا ليس كذلك وعليه فيعد هذا من خصائص زيارة الحسين عليه السلام. ولكن الامر ليس كذلك، بل السؤال ناظر إلى أنه هل يخرج إلى زيارته عليه السلام ويفطر في ذهابه وايابه - بطبيعة الحال - أو أنه يقيم في وطنه ولا يخرج حتى يفطر، أي يكمل صيامه لشهر رمضان ويفطر بحلول عيد الفطر، ويؤجل الزيارة بعدما افطر من شوال بيوم أو يومين فأجاب عليه السلام بأنه يقيم، وان هذا - أي الاقامة في البلد واختيار الصيام على الخروج للزيارة - أفضل لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). وبالجملة فالرواية دالة على خلاف ما ذكر، ومضمونها مطابق لبقية الروايات الدالة على أن الافضل ترك السفر من غير ضرورة غير أنها ضعيفة السند بالحسن بن جميلة أو جبلة فانه مجهول، ولولا ضعفها لكانت مؤكدة لتلك النصوص. ومنها رواية الحسين بن المختار عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) الوسائل باب 3 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 7

[ 382 ]

قال: لا تخرج في رمضان إلا للحج أو العمرة، أو مال تخاف عليه الفوت، أو لزرع يحين حصاده (1). وهي ضعيفة السند بعلي ابن السندي فانه لم يوثق الا من قبل نصر بن صباح ولكنه بنفسه غير موثق فلا أثر لتوثيقه. نعم قيل هو علي بن اسماعيل الثقة وليس كذلك لاختلاف الطبقة حسبما فصلنا القول حوله في المعجم ولم يتعرض له الشيخ والنجاشي مع كثرة رواياته، ولا يخلو ذلك من الغرابة. وكيفما كان فالصحيح - على ما يقتضيه الجمع بين النصوص - هو جواز السفر على كراهة بل مقتضى الاطلاق ولا سيما في صحيحة الحلبي هو الجواز وان كان لغاية الفرار عن الصيام كما ذكره في المتن. ثم ان السيد الماتن (قده) كرر هذه المسألة في فصل شرائط وجوب الصوم الآتي - غير أنه قيد الكراهة هناك بما قبل مضي ثلاثة وعشرين يوما من شهر رمضان فلا كراهة بعد ذلك وكأن الايام الباقية في الاهمية دون الماضية، ولم يعرف له أي وجه ما عدا رواية واحدة ضعيفة السند جدا للارسال ولسهل بن زياد، وهي الرواية السادسة من روايات الباب الثالث من أبواب من يصح منه الصوم من الوسائل، فلا موجب لرفع اليد بها عن اطلاقات النصوص المتضمنة لافضلية البقاء أو كراهة الخروج ولا سيما مع التعليل فيها بقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه. الخ المقتضي لعدم الفرق بين ما قبل الثالث والعشرين وما بعده، فالاظهر ثبوت الكراهة مطلقا.


(1) الوسائل باب 3 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 8

[ 383 ]

[ مسألة 26: المد ربع الصاع وهو ستمائة مثقال وأربعة عشر مثقالا وربع مثقال (1) وعلى هذا فالمد مائة وخمسون مثقالا وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وربع ربع المثقال وإذا اعطى ثلاثة ارباع الوقية من حقة النجف فقد زاد ازيد من واحد وعشرين مثقالا إذ ثلاثة ارباع الوقية مائة وخمسة وسبعون مثقالا. ] (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال كما تعرضنا له في مبحث الكر وقلنا انه بحسب الوزن الف ومأتا رطل عراقي، وان كل رطل منه مائة وثلاثون درهما، وكل عشرة دراهم خمسة مثاقيل وربع بالمثقال الصيرفي فالرطل ثمانية وستون مثقالا وربع المثال، فإذا ضرب هذا في تسعة - لكون الصاع تسعة أرطال عراقية - يكون المجموع ستمائة وأربعة عشر مثقالا وربع المثقال وزن الصاع بالمثقال الصيرفي، والمد ربعه كما صرح به في جملة من الاخبار التي منها ما تقدم في نصوص الكفارة. وعليه فالواجب ربع هذا المقدار وهو مائة وخمسون مثقالا وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وربع ربع المثقال كما أثبته في المتن، المساوي لثلاثة أرباع الكيلو تقريبا.

[ 384 ]

[ فصل يجب القضاء دون الكفارة في موارد احدها ما مر من النوم الثاني (1) بل الثالث وان كان الاحوط فيهما الكفارة أيضا خصوصا الثالث الثاني إذا ابطل صومه بالاخلال بالنية مع عدم الاتيان بشئ من المفطرات (2) أو بالرياء أو بنية القطع أو القاطع كذلك. ] (1) كما تقدم الكلام حوله مستقصى. (2) فان الصوم والافطار متقابلان ومن الضدين الذين لا ثالث لهما كما تقدم، لان المكلف اما أن يرتكب شيئا مما اعتبر الامساك عنه أولا، والاول مفطر والثاني صائم، وحيث أن المفروض عدم الارتكاب فليس بمفطر فلا تجب الكفارة، بل هو صائم غاية الامر أن الصوم قد يكون صحيحا واخرى باطلا لاجل الاخلال بما اعتبر فيه من النية كما لو لم ينو الصوم أصلا أو نواه ولكن لا لداع قربي بل لغاية أخرى اما مباح كاصلاح مزاجه ومعالجة نفسه بالامساك، أو محرم كالرياء ففي جميع ذلك يفسد الصوم اما لفقد النية أو لفقد القربة، فانه عبادة لابد فيها من قصد المأمور به بداع قربي، ولاجل ذلك يجب

[ 385 ]

[ الثالث إذا نسى غسل الجنابة ومضى عليه يوم أو ايام كما مر (1). الرابع من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثم ظهر سبق طلوعه وانه كان في النهار (2) سواء كان قادرا على المراعاة ] عليه القضاء دون الكفارة لفرض عدم استعمال المفطر الذي هو الموضوع لوجوبها. ومما ذكرنا يظهر الحال في البقاء، فلو قصد الصوم متقربا وفي الاثناء قصد الافطار أو ما يتحقق به الافطار، أي نوى القطع أو القاطع حكم ببطلان صومه بقاء فيجب القضاء دون الكفارة وقد مر التعرض لذلك في مبحث النية. (1) - فيجب القضاء بمقتضى الروايات المتقدمة، وكأنه للعقوبة كما في نسيان النجاسة في الصلاة المحكوم معه بوجوب الاعادة دون الكفارة لعدم العمد، وقد تقدم الكلام حول ذلك كله مستقصى. (2) لا إشكال في جواز فعل المفطر حينئذ تكليفا إذا كان معتقدا عدم دخول الفجر أو شاكا وقد اعتمد على الاستصحاب. إنما الكلام في الحكم الوضعي وأنه هل يجب عليه القضاء حينئذ أو لا؟. يقع الكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة، وأخرى بالنظر إلى النصوص الخاصة الواردة في المقام. أما الاول: فقد يقال إن الاصل يقتضي عدم القضاء لانه ارتكب ما ارتكب على وجه محلل وبترخيص من الشارع، وما هذا

[ 386 ]

شأنه لا يستدعي القضاء ما لم يدل عليه دليل بالخصوص، ولا دليل عليه في المقام. ولكن الظاهر ان مقتضى الاصل هو القضاء لانه تابع لفوت الفريضة في وقتها، وقد فانت في المقام حسب الفرض، لان حقيقة الصوم هو الامساك عن المفرات في مجموع الوقت، أي فيما بين الحدين من المبدء إلى المنتهى، ولم يتحقق هذا في المقام، إذ لم يجتنب عن بعضها في بعضه فقد فوت الواجب على نفسه، غاية الامر انه كان معذورا في هذا التفويت من جهة استناده فيه إلى حجة، ومثله لا يستتبع إلا رفع الحكم التكليفي دون الوضعي أعني القضاء لما عرفت من أنه تابع لعنوان الفوت وقد تحقق بالوجدان من غير فرق بين كونه على وجه محلل أو محرم. وعليه ففي كل مورد دل الدلين على الاجتزاء وعدم الحاجة إلى القضاء فهو وكان على خلاف مقتضى القاعدة فيقتصر على مورده تعبدا وإلا كان مقتضى الاصل هو القضاء، وليكن هذا - أي كون مقتضى الاصل هو القضاء - على ذكر منك لتنتفع به في جملة ة من الفروع الآتية. هذا ما تقتضيه القاعدة. وأما بالنظر إلى الروايات، فقد روى الحلبي والرواية صحيحة عن أبي عبد الله (ع)، انه سئل عن رجل تسحر ثم خرج من بيته وقد طلع الفجر وتبين، فقال: يتم صومه ذلك ثم ليقضه، وقد تضمنت القضاء مطلقا، أي من غير فرق بين مراعاة الفجر وعدمها، ولكن موثقة سماعة فصلت بين الامرين قال: سألته عن رجل اكل أو شرب بعدما طلع الفجر في شهر رمضان، قال: إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فاكل ثم عاد فرأى

[ 387 ]

[ أو عاجزا عنها لعمى أو حبس أو نحو ذلك (1) أو كان غير عارف بالفجر ] الفجر فليتم صومه ولا اعادة عليه، وإن كان قام فاكل وشرب ثم نظر إلى الفجر فرأى أنه قد طلع الفجر فليتم صومه ويقضي يوما آخر، لانه بدأ بالاكل قبل النظر فعليه الاعادة (1) فتكون الموثقة مقيدة لاطلاق الصحيحة المطابق لمقتضى القاعدة، فيلتزم باختصاص القضاء بمن لم يراع الفجر ولم يفحص عنه، أما من نظر وفحص ولم ير فأكل ثم تبين الخلاف فلا قضاء عليه أخذا بالموثقة، وبذلك يخرج عن اطلاق الصحيحة وعن مقتضى القاعدة. والظاهر أن الحكم في الجملة مما تسالم عليه الاصحاب وإنما الاشكال في جهات: (1) الاولى هل يختص الحكم بالقادر على الفحص أو يعم العاجز عنه؟ فيجب القضاء على تارك النظر وإن كان مستندا إلى عدم التمكن منه إما لعمى أو حبس أو لوجود مانع من غيم أو جبل أو نحو ذلك. قد يقال بالاختصاص فلا يجب القضاء على العاجز لانصراف النص إلى المتمكن من النظر. ويندفع بأن القضاء هو المطابق لمقتضى الاصل كما عرفت. وعليه فلو سلمنا الانصراف كما لا يبعد دعواه بالنسبة إلى الموثقة، بل ان موردها المتمكن كما لا يخفى، فغايته عدم التعرض لحكم العاجز فهي ساكتة عن بيان حكمه، لا أنها تدل على عدم وجوب القضاء بالنسبة إليه، فيرجع فيه الي ما تقتضيه القاعدة.


(1) الوسائل باب 44 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1، 3

[ 388 ]

[ وكذا مع المراعاة وعدم اعتقاد بقاء الليل بان شك في الطلوع أو ظن فأكل ثم تبين سبقه بل الاحوط القضاء حتى مع اعتقاد بقاء الليل (1) ] على أن اطلاق صحيحة الحلبي غير قاصر الشمول لذلك، فانها تعم القادر والعاجز الناظر وغير الناظر خرج عنها بمقتضى الموثقة القادر الناظر فيبقى غيره مشمولا للاطلاق، فمفادها مطابق لمقتضى القاعدة حسبما عرفت. فالصحيح الحاق العاجز بالقادر. (1) الجهة الثانية: الناظر إلى الفجر لا يخلو أمره من أحد أقسام فاما أن يتيقن بالفجر أو يعتقد العدم ولو اطمئنانا، أو يبقى شاكا كما في الليلة المقمرة أو من جهة وجود الانوار الكهربائية ونحو ذلك. أما الاول فحكمه ظاهر، وأما الثاني فهو القدر المتيقن من مورد موثقة سماعة الحاكمة بعدم الاعادة وقد تسالم عليه الفقهاء كما مر ولا وجه للمناقشة فيه غير أن عبارة المتن تفيد الاحتياط بالقضاء حتى في هذه الصورة، ولا نعرف له وجها صحيحا بعد التسالم على نفي القضاء، وصراحة موثقة سماعة المتقدمة في عدم الاعادة، بل وكذا صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: آمر الجارية تنظر الفجر فتقول لم يطلع بعد، فآكل ثم انظر فأجد قد كان طلع حين نظرت، قال: اقضه، أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شئ (1). أللهم إلا أن يقال إن مراده (قده) بذلك مالو اعتقد بقاء الليل من سبب آخر غير النظر إلى الفجر كالنظر إلى الساعة ونحو


(1) الوسائل باب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 389 ]

ذلك، ولابد من حمل كلامه (قده) على ذلك لجلالته وعلو مقامه. وحينئذ فيحتمل القول بعدم وجوب القضاء نظرا إلى أن النظر المذكور في الموثق طريق إلى حصول الاعتقاد ولا موضوعية له، فإذا حصل الاعتقاد من طريق آخر كفى ذلك في عدم الوجوب ولكنه ضعيف، فان الجمود على اطلاق الصحيح وظاهر الموثق يقتضي التحفظ على موضوعية النظر. وبعبارة أخرى مقتضى القاعدة واطلاق صحيح الحلبي أن كل من اكل أو شرب بعد طلوع الفجر يحكم بفساد صومه وعليه الاتمام والقضاء، خرجنا عن ذلك بمقتضى موثقة سماعة وصحيحة معاوية في خصوص الناظر إلى الفجر بنفسه، وأما الحاق غيره به وهو مطلق المعتقد من أي سبب كان فيحتاج إلى دليل وحيث لا دليل عليه فيبقى تحت الاطلاق. فما ذكره (قده) من الاحتياط بالقضاء مع اعتقاد بقاء الليل وجيه فيما إذا لم يراع الفجر بل هو الاظهر، وأما مع المراعاة فلا قضاء عليه حسبما عرفت. وأما الثالث: أعني صورة الشك فقد حكم في المتن بوجوب القضاء وهو الصحيح لخروجه عن منصرف الموثق، فان الظاهر من قوله عليه السلام: (نظر فلم ير) - والمفروض أنه لم يكن ثمة مانع من النظر من غيم ونحوه - هو حصول الاطمئنان ببقاء الليل لا أن حاله بعد النظر كحاله قبله كي يبقى على ما كان عليه من الشك، فان ظاهر التفريع في قوله: فلم ير، أن عدم الرؤية مترتب على النظر ومتفرع عليه، فلا يراد به الشك الذي كان حاصلا من ذي قبل لعدم ترتبه عليه.

[ 390 ]

[ ولا فرق في بطلان الصوم بذلك بين صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب والمندوب (1) بل الاقوى فيها ذلك حتى مع المراعاة واعتقاد بقاء الليل. ] وعلى الجملة الظاهر من الموثق بحسب الفهم العرفي حصول الاعتقاد ولا أقل من الاطمئنان بعدم دخول الفجر، من أجل أنه لو كان لبان، وان عدم الدليل العدم كما هو المتعارف عادة فيمن فحص ونظر ولم يكن مانع في البين كما هو المفروض في المقام، إذ مع فرض وجود المانع فيما فائدة النظر المعلق عليه الحكم، فهذا النظر مثل التبين في قوله تعالى: " حتى يتبين لكم الخيط. الخ " أي بمرتبة قابلة للنظر، فإذا نظر ولم يتبين أي لم ير لم تكن الغاية حاصلة لكشفه عن عدم طلوع الفجر، فلا أثر للنظر بما هو نظر، بل الموضوع في سقوط القضاء النظر الذي يترتب عليه الاطمئنان بالعدم إذا فالتعدي من مورد الاطمئنان إلى مورد الشك يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه، ولا أقل من أنه يشك في أن مورد الشك داخل تحت الموثق أولا، ومعه يبقى مشمولا لمقتضي القاعدة ولا طلاق صحيح الحلبي لعدم نهوض دليل على الخروج، ونتيجته الحكم بالقضاء كما ذكره في المتن. (1) الجهة الثالثة: هل يختص الحكم بشهر رمضان أو يعم غيره من أقسام الصيام، أو يفصل بين الواجب المعين وبين غيره من الموسع والمستحب، فيلحق الاول خاصة بصوم رمضان، أو يفصل في الواجب المعين بين مالا قضاء له كصوم الاستيجار، وبين ماله القضاء؟ وجوه نسب إلى بعضهم الالحاق على الاطلاق فيحكم

[ 391 ]

بالصحة مع المراعاة استنادا إلى أصالة عدم البطلان بالافطار الحاصل حال الجهل. وقد ظهر ضعفه مما مر لوضوح أن الصوم الشرعي عبارة عن الامساك المحدود بما بين الحدين ولم يتحقق بالوجدان فلم يحصل المأمور به، وإجزاء الناقص عن الكامل يحتاج إلى دليل ولا دليل نعم لا كفارة عليه لانها مترتبة على العمد ولا عمد مع الاعتماد في بقاء الليل على الاستصحاب أو إخبار الثقة ونحو ذلك. وعلى الجملة مقتضى القاعدة بعد فرض عدم حصول المأمور به هو البطلان، ولم يدل دليل على الاكتفاء بالناقص بدلا عن الكامل إلا في شهر رمضان ولا دليل على الحاق غيره به. نعم قد يقال بالاجزاء في خصوص المعين، فإذا راعى الفجر واعتقد بقاء الليل لم يكن عليه قضاء، ويستدل له بصحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة (1) حيث دلت على أن الناظر لو كان هو الصائم صح صومه ولاقضاء عليه كما في نسخة الكافي التي هي اضبط من الفقيه المتضمن لقوله: لم يكن عليك شئ، وإن لم يكن فرق بينهما بحسب النتيجة، إلا انه بناء على نسخة الكافي فالامر واضح. وكيفما كان فقد دلت على الصحة حينئذ، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين كون الصوم من رمضان أو من غيره المعين. وفيه انه لو سلم دلالة الصحيحة على الاطلاق فهي مختصة بالصوم الواجب الذي ثبت فيه القضاء دون مالا قضاء له وإن كان معينا كما في الصوم الاستيجاري في يوم معين. فهذه الصحيحة لو تمت دلالتها اختصت بصوم فيه قضاء من


(1) الوسائل باب: 46 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 392 ]

رمضان أو غيره، وأما مالا قضاء له كالمندوب أو غير المعين، أو المعين الذي لا قضاء له مثل ما عرفت فهو غير مشمول للصحيحة جزما، على أنه لا يمكن الالتزام فيها بالاطلاق لغير رمضان، بل هي مختصة به للامر فيها باتمام الصوم - على نسخة الكافي التى هي اضبط كما مر - الذي هو من مختصات شهر رمضان فانه الذي يجب فيه الاتمام وإن كان الصوم فاسدا دون غيره لعدم الدليل عليه بوجه بل ذيل صحيحة الحلبي دال على العدم، حيث قال عليه السلام: فان تسحر في غير شهر رمضان بعد الفجر افطر. الخ (1). وهي مطلقة من حيث المراعاة وعدمها. نعم اطلاق الصدر محمول على المراعاة جمعا بينه وبين موثقة سماعة المفصلة بين المراعاة وعدمها التي هي بمثابة التقييد للاطلاق المزبور، وأما اطلاق الذيل فلا معارض له فيدل على البطلان وعدم وجوب الاتمام في غير رمضان من غير فرق بين المراعاة وعدمها. وعلى الجملة فصحيحة معاوية خاصة بشهر رمضان من أجل تضمنها الامر بالاتمام المنفي عن غيره بمقتضى صحيحة الحلبي كما عرفت بل وبمقتضي القاعدة، إذ بعد عدم تحقق المأمور به خارجا المستلزم لعدم الاجزاء فالتكليف بالامساك تعبدا حكم جديد يحتاج إلى دليل خاص ولا دليل إلا في صوم شهر رمضان فحسب. إذا فصحيحة معاوية لا تدل على الصحة في غير رمضان حتى مع المراعاة، ويكفي في اثبات البطلان الاصل، إذ بعد أن لم يتحقق المأمور به خارجا فاجزاء الناقص عن الكامل يحتاج إلى الدليل ولا دليل، فلا يمكن الاستدلال بالصحيحة على الصحة في الواجب المعين


(1) الوسائل باب 45 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 393 ]

[ الخامس الاكل تعويلا على من اخبر ببقاء الليل وعدم طلوع الفجر مع كونه طالعا (1). ] حتى فيما له قضاء فضلا عما لا قضاء له فما ذكره في المتن من أن الاقوى هو البطلان في غير رمضان بجميع أقسامه حتى فيما كان مراعيا للفجر هو الصحيح. (1) أما عدم الكفارة فلتقومها بالعمد ولا عمد حسب الفرض وأما القضاء فعلى القاعدة كما علم مما مر، فان المأمور به هو الامساك مابين الحدين ولم يتحقق ولا دليل على إجزاء الناقص عن الكامل. هذا مضافا إلى صحيحة معاوية بن عمار الآمرة بالقضاء لدى إخبار الجارية غير المطابق للواقع. ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين حجية قول المخبر وعدمها ولكن نسب إلى جماعة كالمحقق والشهيد الثانيين وصاحبي المدارك والذخيرة عدم القضاء فيما لو عول على من يكون قوله حجة كالبينة ونحوها وهو كما ترى ضرورة أن القضاء تابع لفوت الواجب في ظرفه، وحجية البينة ونحوها من الاحكام الظاهرية، مغياة بعدم انكشاف الخلاف، فمع الانكشاف وتبين الفوات لا مناص من الالتزام بالقضاء. نعم إذا بنينا على أن القضاء على خلاف القاعدة وأن مقتضى الاصل عدمه كان لما ذكروه وجه، فان مورد الصحيحة إخبار الجارية لا قيام البينة أو إخبار العدل أو الثقة فليقتصر في القضاء على مورد النص، لكن المبنى فاسد كما مر غير مرة. فالصحيحة وإن لم تدل على القضاء فيما إذا كان المخبر بينة عادلة إلا أن القاعدة تقتضيه وهي لا تختص بمورد دون مورد غاية الامر إنه كان معذورا في ترك الواجب في ظرفه لاجل الاستناد إلى الاستصحاب ونحوه.

[ 394 ]

[ السادس الاكل إذا اخبره مخبر بطلوع الفجر لزعمه سخرية المخبر أو لعدم العلم بصدقه (1). السابع الافطار تقليدا لمن اخبر بدخول الليل وان كان جائزا له لعمى أو نحوه وكذا إذا اخبره عدل بل عدلان بل الاقوى وجوب الكفارة ايضا إذا لم يجز له التقليد (2) ] (1) فلم يعتمد على إخباره اما لعدم الوثوق به، أو لتخيله عدم ارادة الجد، وإنما هو بداعي الاستهزاء والسخرية وقد ظهر حكمه مما مر، فان الكفارة انما تثبت فيما لو اكل وكان قول المخبر حجة فانه حينئذ افطار لدى ثبوت الفجر بحجة شرعية، وأما إذا لم يكن قوله حجة كما هو المفروض اما لعدم الثقة أو لزعم السخرية فلا كفارة لعدم العمد بعد جواز الافطار استنادا إلى الاستصحاب. وأما القضاء فهو ثابت بمقتضى القاعدة بعد عدم تحقق الامساك في الزمان المقرر له شرعا. هذا مضافا إلى صحيحة العيص الواردة في المقام عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت فنظر إلى الفجر فناداهم انه قد طلع الفجر فكف بعض وظن بعض أنه يسخر فأكل فقال: يتم صومه ويقضي (1)، (2) أما إذا لم يكن خبر المخبر حجة إما لعدم كونه ثقة أو لاجل البناء على عدم اعبتار خبر الثقة في الشبهات الموضوعية فلا شك في وجوب القضاء بل الكفارة أيضا وإن لم ينكشف الخلاف فضلا عن الانكشاف، نظرا إلى عدم جواز الافطار ما لم يحرز


(1) الوسائل باب 47 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 395 ]

دخول الليل بحجة شرعية، استنادا إلى استصحاب بقاء النهار، أو عدم دخول الليل، فهذا الافطار محكوم شرعا بوقوعه قبل الليل أو في النهار الذي هو موضوع لوجوب القضاء، وكذا الكفارة، إلا إذا كان جاهلا بالمسألة فتخيل ان اخبار كل مخبر بالنقضاء النهار يسوغ الافطار فانه لا كفارة حينئذ بناء على أن الجاهل لا كفارة عليه. وأما إذا كان خبره حجة، أما لحجية خبر الثقة، أو لفرض قيام البينة فأفطر استنادا إليها ثم انكشف الخلاف، فقد ذهب صاحب المدارك (قده) حينئذ إلى عدم وجوب القضاء لانه عمل بوظيفته بمقتضى قيام الحجة الشرعية، فإذا كان الافطار بحكم الشارع وبترخيص منه لم يكن أي وجه للقضاء فضلا عن الكفارة. ولكنه واضح الدفع ضرورة ان الحكم الشرعي المزبور ظاهري مغي بعدم انكشاف الخلاف، والبينة لا تغير الواقع ولا توجب قلبه فهذا الافطار قد وقع في النهار، ومثله محكوم بالبطلان بمقتضى اطلاق ما دل على وجوب الامساك فيما بين الفجر إلى الغروب غايته انه معذور في ذلك لاجل قيام الحجة. وعلى الجملة الجواز التكليفي ظاهرا لا يلازم الصحة الواقعية فبعد تبين الخلاف ينكشف عدم الاتيان بالوظيفة، فلا مناص من القضاء إلا إذا تعدينا عن مورد النص الآتي الوارد فيمن أفطر بظن دخول الوقت ولكن التعدي لاوجه له. ودعوى القطع بعدم الخصوصية مجازقة ظاهرة، فلابد من الاقتصار على مورد النص. وملخص الكلام انه في كل مورد جاز الافطار بحكم ظاهري اما من أول الوقت الستنادا إلى استصحاب بقاء الليل أو من آخره استنادا إلى قيام حجة معتبرة على دخول الليل ثم انكشف الخلاف

[ 396 ]

الثامن: الافطار لظلمة قطع بحصول الليل منها فبان خطأه ولم يكن في السماء علة وكذا لو شك أو ظن بذلك منها بل المتجه في الاخيرين الكفارة ايضا لعدم جواز الافطار حينئذ ولو كان جاهلا بعدم جواز الافطار فالاقوى عدم الكفارة وان كان الاحوط اعطأوها، نعم لو كانت في السماء علة فظن دخول الليل فافطر ثم بان له الخطأ لم يكن عليه قضاء فضلا عن للكفارة (1)، ومحصل المطلب ان من فعل المفطر بتخيل عدم طلوع الفجر أو بتخيل دخول الليل بطل صومه في جميع الصور الافي صورة ظن دخول الليل مع وجود علة في السماء من غيم أو غبار أو بخار أو نحو ذلك


= فافطاره هذا وإن كان مشروعا لكونه مسموحا به من قبل الشارع إلا أنه لا محيص عن القضاء بمقتضى القاعدة بعد فوات الفريضة في ظرفها وعدم الدليل على اجزاء الناقص عن الكامل. نعم لا كفارة عليه لفقد العمد كما هو ظاهر. (1) لو أفطر بمظنة دخول الليل لظلمة ونحوها فبان خطأه فهل يجب القضاء حينئذ؟ اختلفت كلمات الفقهاء في هذه المسألة اختلافا عظيما، ولا تكاد تجتمع على شئ واحد كما أشار إليه في الجواهر والحدائق، بل لم يعلم المراد من بعض الكلمات كالشرايع حيث عبر بالوهم ولم يعلم انه يريد به الظن أو الشك أو الجامع بينهما، وفصل بعضهم كابن ادريس بين الظن القوي والضعيف. =

[ 397 ]

من غير فرق بين شهر رمضان وغيره من الصوم الواجب والمندوب، وفي الصور التي معذورا شرعا في الافطار كما إذا قامت البينة على ان الفجر قد طلع ومع ذلك أتى بالمفطر أو شك في دخول الليل أو ظن ظنا غير معتبر ومع ذلك افطر يجب الكفارة ايضا فيما فيه الكفارة.


= وكيفما كان فلابد من التكلم في مقامين: أحدهما في أصل جواز الافطار وعدمه. والاخر في وجوب القضاء لو أفطر. اما الاول فلاينبغي الاشكال في عدم جواز الافطار ما لم يتيقن ولو يقينا تعبديا مستندا إلى حجة شرعية بدخول الوقت لاستصحاب بقاء النهار وعدم دخول الليل الذي هو موضوع لوجوب الامساك فلو أفطر والحال هذه فان انكشف انه كان في الليل فال اشكال، غايته انه يجري عليه حكم المتجرى، وإن لم ينكشف فضلا عمالو انكشف الخلاف وجبت عليه الكفارة والقضاء، لانه افطر في زمان هو محكوم بكونه من النهار شرعا بمقتضى التعبد الاستصحابي. وقد تعرضنا لهذه المسألة في كتاب الصلاة واستشهدنا بجملة من الروايات الدالة على عدم جواز الاتيان بالصلاة ما لم يثبت دخول الوقت بدليل شرعي، ولا يكفي الظن به لعدم الدليل على حجية إلا في يوم الغيم لو رود النص على جواز الاعتماد حينئذ على الامارات المفيدة للظن كصياح الديك ثلاث مرات ولاء، وذاك الكلام يجري بعينه في المقام أيضا بمناط واحد. وأما الثاني فبالنسبة إلى الصلاة لا إشكال في وجوب الاعادة،

[ 398 ]

لوقوعها في غير وقتها كما تقدم في بحث الاوقات. وأما بالنسبة إلى الصوم ففيه خلاف عظيم كما مر حتى انه نسب إلى فقيه واحد قولان في كتابين بل في كتاب واحد، والمتبع هو الروايات الواردة في المقام. فقد دلت جملة منها على عدم القضاء وهي: صحيحة زرارة قال: قال ابو جعفر عليه السلام: وقت المغرب إذا غاب القرص فان رأيته بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة، ومضى صومك وتكف عن الطعام إن كنت قد أصبت منه شيئا. ومعتبرته الاخرى التي هي اما صحيحة أو في حكم الصحيحة لمكان اشتمال السند على ابان بن عثمان عن أبي جعفر عليه السلام في حديث انه قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فافطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك قال: ليس عليه قضاء. ورواية أبي الصباح الكناني عن رجل صام ثم ظن ان الشمس قد غابت وفي السماء غيم فأفطر ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب، فقال: قد تم صومه ولا يقضيه. ورواية زيد الشحام في رجل صائم ظن أن الليل قد كان وأن الشمس قد غابت وكان في السماء سحاب فافطر ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب، فقال: تم صومه ولا يقضيه (1). وبازائها الموثقة التي رواها الكليني تارة عن أبي بصير وسماعة وأخرى عن سماعة خاصة مع اختلاف يسير في المتن عن أبي عبد الله عليه السلام في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا انه الليل فافطر بعضهم ثم إن السحاب انجلى


(1) الوسائل باب 51 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1، 2، 3، 4

[ 399 ]

فإذا الشمس، فقال: على الذي أفطر صيام ذلك اليوم، إن الله عزوجل يقول: واتموا الصيام إلى الليل، فمن اكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه لانه اكل متعمدا (1). وفي السند الآخر فظنوا بدل فرأوا، فان مقتضى استدلاله عليه السلام بالآية المباركة ان الواجب من الصيام ليس هو طبيعي الامساك، بل خصوص مابين الحدين فيجب الانهاء إلى الليل، وحيث لم يتحقق ذلك لفرض افطاره قبله وإن لم يعلم به وجب عليه القضاء لعدم الاتيان بالواجب على ما هو عليه، ولاجله فرع عليه قوله عليه السلام: فمن اكل.. الخ إيعازا إلى عدم حصول المأمور به في مفروض السؤال، فهي تدل على وجوب القضاء في محل الكلام وموردها السحاب والغيم الذي هو القدر المتيقن من الظن. هذا وقد نسب في الجواهر إلى المعظم انهم استدلوا لما ذهبوا إليه من القضاء بهذه الموثقة بعد الطعن في بقية الروايات بضعف الدلالة في صحيحة زرارة نظرا إلى أن مضي الصوم لا يستلزم عدم القضاء، فان مضى بمعنى فعل وانقضى وهو لا يدل على نفي القضاء بوجه، وضعف السند في بقية الروايات فلا يمكن أن يعارض بها الموثقة. ثم اعترض (قده) على ذلك بأن المضي مساوق للنفوذ الملازم للصحة فلا معنى القضاء، فالمناقشة في الدلالة واهية، وذكر (قده) ان الطعن في السند في غير محله، فان روايات المقام كلها صحاح كما يظهر بمراجعة الرجال.


(1) الوسائل باب 50 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1

[ 400 ]

أقول اما اعتراضه على تضعيف الدلالة ففي محله، إذ لا معنى الممضي إلا الصحة الملازمة لنفي القضاء كما ذكره مضافا إلى أن روايته الاخرى التي هي معتبرة على كل حال، أما صحيحة أو مصححة كما مر مصرحة بنفي القضاء، وكأن المناقش قصر نظره على الصحيحة الاولى فحاول التشكيك في مفادها وغفل عن الاخرى المصرحة بالمطلوب. وأما منعه من ضعف السند بدعوى أن تلك الروايات جميعها صحاح فلا يخلو من غرابة. أما رواية الكناني فمخدوشة بأن الراوي عنه أعني محمد بن فضيل مشترك بين الظبي الثقة والازدي الضعيف وكلاهما في عصر واحد وفي طبقة واحدة وليس في البين أي مميز كما صرح به الشهيد الثاني في مقام آخر. نعم حاول الاردبيلي في جامعه اثبات ان محمد بن فضيل هذا هو محمد بن القاسم بن فضيل الذي هو ثقة ومن أصحاب الرضا (ع) فنسب إلى جده ولم يذكر والده، وأقام شواهد على ذلك وكلها على تقدير صحتها وتماميتها لا تفيد اكثر من الظن الذي لا يغني من الحق شيئا وإن اطال الكلام فيها، إذ بعد أن كان الظبي والازدي أيضا من أصحاب الرضا ولهما روايات كثيرة فكيف يمكن الجزم بأن المراد به ما ذكره من غير أية قرينة تقتضيه، وما ذكره من الشواهد لا تخرج عن حدود الظن كما عرفت. وعليه فيعامل مع الرواية معاملة الضعيف بطبيعة الحال. وتوضيح المقام ان الاصل فيما ذكره الاردبيلي هو ما في رجال السيد التفريشي حيث ذكر عند ترجمة ابراهيم بن نعيم العبدي - الذي هو اسم لابي الصباح الكناني - انه روى عنه محمد بن الفضيل وذكر

[ 401 ]

أن الصدوق في كتاب الفقيه روى كثيرا عن محمد بن فضيل عن الكناني ولم يذكر في المشيخة طريقه إليه، وإنما ذكر فيها طريقه إلى محمد ابن القاسم بن فضيل مع أنه لم يرو عنه في الفقيه إلا في موضعين. ومن البعيد عقد الطريق لاجل هذين الموضعين واهماله الطريق إلى من روى عنه كثيرا أعني محمد بن فضيل، فلاجل هذه القرينة يستكشف أن مراده من محمد بن فضيل هو محمد بن القاسم بن فضيل. ثم استدرك اخيرا هذا الكلام وقال لعل الصدوق لم يذكر في المشيخة طريقه إلى محمد بن فضيل كما لم يذكر طريقه إلى الكناني أيضا مع انه روى كثيرا عنه أيضا فلا يمكن استكشاف أن مراده به هو محمد بن القاسم بن فضيل. أقول ما ذكره اخيرا هو الصحيح فان الصدوق يروي في موارد كثيرة لعلها تقرب من مائة مورد روايات عن أشخاص ولم يذكر طريقه إليهم في المشيخة وهم أجلاء معروفون منهم الكناني الذي يروي عنه اكثر مما يروي عن محمد بن فضيل، ومنهم بريد ويونس بن عبد الرحمن، وجميل بن صالح، وحمران بن أعين وغيرهم من الاجلاء المشهورين المعروفين الذين روى عنهم في الفقيه كثيرا وأهملهم في المشيخة اما غفلة وخطأ أو لامر آخر لا تدري به فليكن محمد بن فضيل من قبيل هؤلاء، كما أنه ربما ينعكس الامر فيذكر طريقه في المشيخة إلى من لم يرو عنه في الفقيه أصلا ولا رواية واحدة، وعلى الجملة فلا يمكن استكشاف ان المراد من محمد بن فضيل هو محمد بن القاسم بن فضيل بوجه. وعليه فرواية زيد الكناني في المقام ضعيفة كما ذكرناه. وأما رواية زيد الشحام فهي ضعيفة جدا لان في السند أبا جميله مفضل بن صالح الذي صرح بضفعه كل من تعرض له من علماء

[ 402 ]

الرجال، وليت شعري كيف يدعي صاحب الجواهران الروايات كلها صحاح وفيها هذه الرواية وهي بهذه المثابة من الضعف. وبالجملة فهاتان الروايتان ضعيفتان والعمدة هي الثلاثة الباقية أعني صحيحتي زرارة الواقعتين بازاء موثقة سماعة. أما الموثقة فهي واضحة الدلالة على الوجوب كما سبق. والمناقشة فيها بأنها غير ناظرة إلى القضاء في مفروض السؤال بل إلى الاتمام والامساك بعد ظهور الشمس لقوله تعالى = ثم أتموا الصيام إلى الليل. والقضاء المذكور بعد ذلك بيان لحكم الآخرين ممن يأكل قبل أن يدخل الليل ساقطة جدا، فان سياقها يشهد بأنها ناظرة إلى القضاء، فان الامام عليه السلام أثبت الصغرى مستشهدا بالآية المباركة، ثم تعرض لحكم آخر مترتب على هذا الحكم فذكر أولا أن أمد الامساك هو ما بين الحدين لقوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل، ثم بين أن من اكل قبله كان عليه القضاء، فهذا الشخص أيضا يجب عليه القضاء لانه أكل واقعا قبل الليل وإن لم يعلم به. فالمناقشة في دلالة الموثقة غير مسموعة جزما ولا تقبل التأويل بوجه. وهذا الحكم أعني وجوب القضاء مطابق لمقتضى القاعدة، فانه وإن جاز الاكل بظن الوقت إذا لم يتمكن من العلم، أما في خصوص الغيم كما هو الصحيح أو مطلقا على الخلاف المقرر في محله إلا أنه حيث لم يتحقق المأمور به على وجهه ولا دليل على اجزاء الناقص عن الكامل فلا مناص من القضاء. وأما الصحيحتان اللتان هما بازاء الموثقة وكلتاهما عن أبي جعفر عليه السلام فلا يبعد بل من المطمأن به انهما رواية واحدة نقلها زرارة بالمعني بكيفيتين مع نوع مسامحة في التعبير إذ قد فرض في أولاهما

[ 403 ]

رؤية القرص بعد الغيبوبة فانه بظاهره غير معقول، إذ كيف ترى الشمس بعد غيابها في الافق فلابد من فرض قيام الحجة على السقوط اما العلم الوجداني وإن كان بعيدا غايته كما لا يخفى. أو الظن المعتبر فيتحد مفادها مع الصحيحة الاخرى المصرحة بالظن بالغيبوبة التي لا مناص من أن يراد بها الظن المعتبر كما قيدناه به، وإلا فغير المعتبر تجب معه الاعادة سواء رأى الفرض بعد ذلك وأبصر الشمس أم لا لعدم كونه محرزا حينئذ لدخول الوقت بحجة شرعية ولا شك ولا كلام في أن الظن مطلقا ليس حجة في الوقت وقد وردت روايات دلت على لزوم احراز دخول الوقت فلابد من فرض حجية الظن في المقام بحيث لم تكن حاجة إلى الاعادة أو لم ير القرص بعد ذلك. وقد ذكرنا في بحث الصلاة ان الظن حجة إذا كان في السماء مانع من خصوص الغيم كما هو الصحيح أو مطلق العلة. وعليه فتحمل الصحيحة بطبيعة الحال على ما إذا كان في السماء مانع أما السحاب أو الاعم منه فتجب اعادة الصلاة لدى انكشاف الخلاف دون الصوم، وإن أفطر على ما نطقت به الصحيحة الثانية وأما الاولى فليست صريحة في فرض الافطار وإنما يستفاد ذلك من اطلاق قوله عليه السلام مضى أي سواء اكل وشرب أم لا، ولعل التعبير بالمضي حتى مع عدم الافطار لاجل فقدان النية، إذ بعد فرض قيام الظن المعتبر على غيبوبة القرص كما عرفت تزول نية الصوم بطبيعة الحال سواء أفطر أم لا. وعلى الجملة فالمتحصل من هاتين الصحيحتين ان افطاره كان سائغا جائزا بعد فرض حجية الظن المخصوص بما إذا كانت في السماء علة وأنه لا قضاء عليه بعد انكشاف الخلاف، فتكونان معارضتين

[ 404 ]

[ مسألة 1: إذا اكل أو شرب مثلا مع الشك في طلوع الفجر ولم يتبين أحد الامرين لم يكن عليه شئ (1) نعم ] لا محالة لموثقه سماعة الدالة على وجوب القضاء في نفس هذا الفرض أعني ما إذا كانت في السماء علة، وحيث أن الترجيح مع هاتين الصحيحتين لمخالفتهما لمذهب جمهور العامة حيث انهم ذهبوا إلى القضاء تطرح الموثقة أو تمحل على التقية. وحاصل الكلام ان التأويل غير ممكن لا في الموثقة ولا في الصحيحتين فان كلا منهما ظاهر الدلالة بل قريب من الصراحة فهما متعارضتان لا محالة وحيث ان الموثقة موافقة لمذهب لعامة تطرح ويكون العمل على طبق الصحيحتين (1) يقع الكلام تارة من حيث الحكم التكليفي وانه هل يجوز الاكل والشرب حال الشك، أو انه لابد من الاحتياط ليتيقن بالامتثال وأخرى من حيث الحكم الوضعي أعني القضاء. أما الاول فالظاهر أنه لا ينبغي الاشكال في جوازه عملا باستصحاب بقاء الليل وعدم دخول الفجر مضافا إلى قوله تعالى: كلوا واشربوا حتى يتبين. الخ فان ظاهر الآية المباركة جواز الاكل ما لم يتبين والتبين وإن كان مأخوذا في الموضوع على نحو الطريقية إلا أن الاعتبار بنفس هذا الطريق، فما لم يتبين لا مانع من الاكل. وتدل عليه أيضا صحيحة الحلبي قال عليه السلام فيها: وكان بلال يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله وابن أم مكتوم وكان أعمى يؤذن بليل ويؤذن بلال حين يطلع الفجر، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب فقد

[ 405 ]

[ لو شهد عدلان بالطلوع ومع ذلك تناول المفطر وجب عليه القضاء بل الكفارة ايضا وان لم يتبين له ذلك بعد ذلك ولو شهد عدل واحد بذلك فكذلك على الاحوط (1). ] اصبحتم (1). حيث دلت على عدم الاعتناء باذان ابن ام مكتوم الاعمى الذى لا يفيد أذان مثله إلا الشك وانه لا مانع من الاكل حينئذ ما لم يؤذن بلال العارف بالوقت. وعلى الجملة فالحكم التكليفي مما لا اشكال فيه. وانما الاشكال في الحكم الوضعي وهو القضاء بالنسبة إلى بعض الموارد وهو مالو اكل شاكا أو غافلا غير مراع للوقت ثم علم بدخول الفجر، ثم شك في المتقدم منهما، أي من الاكل والطلوع والمتأخر فان المسألة تدخل حينئذ في الحادثين المتعاقبين الذين يشك في السابق منهما واللاحق، ولا يبعد أن يقال حينئذ بتعارض الاستصحابين كما هو الشأن في كل حادثين كذلك، فيعارض استصحاب بقاء الاكل إلى طلوع الفجر باستصحاب عدم الطلوع إلى نهايه الفراغ من الاكل ويرجع بعد المعارضة إلى أصالة البراءة عن وجوب القضاء للشك فيه إذ لم يحرز الافطار في النهار الذي هو الموضوع لوجوب القضاء، هذا كله فيه إذا لم يثبت الفجر بحجة شرعية. (1) اما إذا ثبت ذلك بحجة شرعية فلا يجوز تناول المفطر ولو تناول وجب القضاء بل الكفارة أيضا إذ قيام الحجة الشرعية بمثابة العلم الوجداني، فيكون الافطار معه من الافطار العمدي فيشمله حكمه.


(1) الوسائل باب 42 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 406 ]

وهل يعتمد في ذلك على إخبار العدل الواحد؟ استشكل فيه الماتن واحتاط بعدم الاكل ولكن صرح في المسألة الثانية انه استحبابي لا وجوبي لعدم ثبوت شهادة العدل الواحد في الموضوعات. ولكن الظاهر هو الحجية كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الطهارة، فان عمدة الدليل على حجية خبر الواحد إنما هي السيرة العقلائية التي لا يفرق فيها بين الشبهات الحكمية والموضوعية، ولاجله يلتزم بالتعميم إلا فيما قام الدليل على الخلاف مثل موارد اليد فان الدعوى القائمة على خلافها لا يكتفي فيها بشاهد واحد بل لابد من رجلين عدلين أو رجل وامرأتين، أو رجل مع ضم اليمين حسب اختلاف الموارد في باب القضاء، ونحوه الشهادة على الزنا فانه لا يثبت إلا بشهود أربعة ونحو ذلك من الموارد الخاصة التي قام الدليل عليها بالخصوص، وفيما عدا ذلك يكتفي بخبر العدل الواحد مطلقا بمقتضى السيرة العقلائية بل مقتضاها الاكتفاء بخبر الثقة المتحرز عن الكذب وإن لم يكن عادلا. ويمكن استفادة ذلك من عدة موارد تقدمت في كتاب الطهارة كما يمكن استفادته في مقامنا - أعنى كتاب الصوم - أيضا من بعض الاخبار. منها صحيحة العيص المتقدمة (1) إذ لولا حجية قول المخبر بطلوع الفجر لما حكم عليه السلام بوجوب القضاء على من اكل لزعمه سخرية المخبر، ولم يفرض في الصحيحة طلوع الفجر واقعا. نعم لابد من تقييده بما إذا كان المخبر ثقة كما لا يخفى. ومنها صحيحة الحلبي المتقدمة (2) المتضمنة للامر بالكف عن الطعام


(1) الوسائل باب 47 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1 (2) الوسائل باب 42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 407 ]

والشراب إذا أذن بلال فانها واضحة الدلالة على المطلوب، ضرورة أن بلال يحتمل فيه الخطأ لعدم كونه معصوما، غايته أنه ثقة أخبر بدخول الوقت وأيضا قد وردت روايات كثيرة دلت على جواز الدخول في الصلاة عند سماع أذان العارف بالوقت، ومن الضروري ان الاذان لا خصوصية له وانما هو من أجل انه إخبار بدخول الوقت. وعلى الجملة فالظاهر حجية قول الثقة في الموضوعات كالاحكام ولا أقل من أن ذلك يقتضي الاحتياط الوجوبي لا الاستحبابي كما صنعه في المتن. هذا من حيث أول الوقت، وأما من حيث آخره فالكلام في ثبوته بشهادة العدلين بل العدل الواحد بل الثقة العارف بالوقت كأذان المؤذن هو الكلام المتقدم، إذ لا فرق من هذه الجهة بين وقت ووقت وأما بالنسبة إلى الشك فلا ينبغى الاشكال في عدم جواز الافطار ما لم يتيقن بدخول الليل، ولو أفطر وجب عليه القضاء بل الكفارة، مادام الشك باقيا ولم ينكشف خلافه، والوجه فيه أن المستفاد من الآية المباركة " ثم أتموا الصيام إلى الليل " بمقتضى التقييد بالغاية ان وجوب الامساك مقيد بقيد عدمي وهو عدم دخول الليل، فيجب الامساك ما لم يدخل الليل، فإذا شك في الدخول كان مقتضى الاستصحاب عدمه فيترتب عليه الحكم كما اشير إلى ذلك في موثقة سماعة المتقدمة (1). وما ورد في بعض الاخبار من أن من أفطر في نهار رمضان فعليه كذا، يراد بالنهار ما يقابل الليل، فهو بمثابة التفسير


(1) الوسائل باب 50 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 408 ]

للآية لا أن هناك قيدا آخر وجوديا بل القيد هو عدم الليل كما عرفت. وعلى الجملة مقتضى مفهوم الغاية انه ما لم يدخل الليل لا يجوز الافطار، ومن الظاهر ان الليل أمر وجودي منتزع من غيبوبة القرص، فإذا شك فيه كان مقتضى الاصل عدمه فيجب الامساك إلى أن يحرز دخوله. ولو تنزلنا عن ذلك وبنينا على أن القيد أمر وجودي وان الواجب هو الامساك المقيد بالنهار، وموضوع القضاء والكفارة هو الافطار المقيد بوقوعه في النهار، فالامر على هذا المبنى أيضا كذلك والنتيجة هي النتيجة. والسر فيه ما اشرنا إليه في بعض تنبيهات الاستصحاب من أنه لا معنى لظرفية الزمان للحاث الزماني إلا مجرد الاقتران في الوجود بأن يكون ذلك الشئ موجودا والزمان أعني الامد الموهوم أيضا موجودا، إذ لا نعقل معنى لتقييد الفعل بالظرفية سوى ذلك، فمعنى وقوع الافطار في النهار تحققه مقارنا لوجود النهار ونحوه الصلاة عند دلوك الشمس أو الصوم في شهر رمضان ونحو ذلك فمعنى القيدية في جميع ذلك أن يكون ذلك الزمان موجودا وهذا الفعل أيضا موجود فإذا شككنا في المقام في بقاء النهار نستصحب وجوده بعد ضمه إلى الافطار المعلوم بالوجدان يلتئم الموضوع وينتج انه أفطر والنهار موجود فيترتب عليه الاثر، لا حاجة إلى اثبات أن هذا الجزء من الزمان جزء من النهار ليكون مثبتا بالاضافة إليه لعدم الدليل على لزوم احرازه بوجه. وعلى الجملة الفعل المقيد بالزمان مرجعه إلى لحاظه في الموضوع على نحو مفاد كان التامة، أي وجوده والزمان موجود وهذا قابل

[ 409 ]

[ مسألة 2: يجوز له فعل المفطر ولو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر ولم يشهد به البينة ولا يجوز له ذلك إذا شك في الغروب عملا بالاستصحاب في الطرفين، ولو شهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب فالاحوط ترك المفطر عملا بالاحتياط للاشكال في حجية خبر العدل الواحد وعدم حجيته الا ان الاحتياط في الغروب الزامي وفي الطلوع استحبابي نظرا للاستصحاب (1). التاسع: ادخال الماء في الفم للتبرد بمضمضة أو غيرها فسبقه ودخل الجوف فانه يقضي ولا كفارة عليه وكذا لو ادخله عبثا فسبقه، وامالو نسي فابتلعه فلا قضاء عليه ايضا وان كان احوط، ولا يلحق بالماء غيره على الاقوى وان كان عبثا كما لا يلحق بالادخال في الفم الادخال في الانف ] للاستصحاب لدى الشك في بقاء الزمان، وإنما يمتنع لو كان ملحوظا على نحو مفاد كان الناقصة، ولاجله يجري الاستصحاب فيما لو صلى عند الشك في بقاء الوقت ومن هذا القبيل استصحاب بقاء رمضان في يوم الشك، فانه وإن لم يمكن اثبات أن هذا اليوم من رمضان إلا أنه يمكن أن نقول إن رمضان كان والآن كما كان فيجب الامساك، كما هو الحال في غيره من الافعال المقيدة بالزمان حسبما عرفت. (1) هذه المسألة يظهر وجهها مما تقدم فلا نعيد.

[ 410 ]

[ للاستنشاق أو غيره وان كان احوط في الامرين (1). ] (1) اما إذا نسي فابتلع فلا شئ عليه كما تقدم، فانه رزق رزقه الله بعد أن لم يكن قاصدا للافطار بوجه. وأما فيما لو قصد المضمضة مثلا فدخل بغير اختياره فعدم الكفارة حينئذ واضح لانها مترتبة على العمد والقصد ولا عمد حسب الفرض. وأما القضاء فمقتضى القاعدة عدمها أيضا لانها مترتبة على بطلان الصوم ولا بطلان إلا مع الاختيار في الافطار ولو لعذر والمفروض عدمه في المقام، فالقاعدة تقتضي عدم القضاء كعدم الكفارة. على طبق هذه القاعدة وردت موثقة عمار سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء وهو صائم قال (ع): ليس عليه شئ إذا لم يتعمد ذلك. قلت: فان تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء، قال (ع): ليس عليه شئ، قلت: فان تمضمض الثالثة قال: فقال (ع) قد أساء ليس عليه شئ ولا قضاء (1). وقوله عليه السلام: قد أساء محمول على الكراهة حذرا من أن يجعل نفسه في معرض الدخول في الحلق. ومقتضى الاطلاق في هذه الموثقة عدم الفرق بين ما إذا تمضمض في وضوء أو عبثا ولكن لابد من تقييده بالوضوء جمعا بينها وبين موثقة سماعة المصرحة بالقضاء فيما إذا كان عبثا قال: سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض


(1) الوسائل باب 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5

[ 411 ]

به من عطش فدخل حلقه، قال: عليه قضاؤه، وإن كان في وضوء فلا بأس به (1). فتحمل تلك الموثقة على التمضمض للوضوء. فان قلت: كيف تحمل عليه مع التعبير فيها ب‍ (أساء) الظاهر في الكراهة كما ذكر مع ان استحباب المضمضة ثلاثا حال الوضوء لا يفرق فيه بين الصائم وغيره. قلت: لا يبعد الالتزام بالكراهة في المرة الثالثة للصائم المتوضي فيما لو سبقه الماء في المرتين الاوليين عملا بظاهر هذه الموثقة بعد التقييد المزبور، فان الروايات الواردة في استحباب المضمضة في الوضوء لم يرد شئ منها في خصوص الصائم ولا ما يعمه وغيره، بل قد يظهر من بعض الاخبار عدم الاستحباب مطلقا للصائم، وإن كانت الرواية غير نقية السند، وربما يستفاد من بعضها ان المضمضة مستحبة في نفسها لا لاجل المقدمية للوضوء. وكيفما كان فدعوى الكراهة في المرة الثالثة حال الصوم للمتوضئ مع فرض السبق في المرتين الاوليين غير بعيدة بمقتضى هذه الموثقة كما عرفت. فتحصل أنه لو تمضمض عبثا فدخل الماء جوفه يحكم بالقضاء عملا بموثقة سماعة التي بها يخرج عن مقتضى القاعدة وعن اطلاق موثق عمار ولكن لابد من الاقتصار على مورد الموثقة من التمضمض بالماء، فلا يتعدى إلى التمضمض بالمايع المضاف أو إلى الاستنشاق جمودا في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النص، إلا أن يحصل الجزم بعدم الخصوصية.


(1) الوسائل باب 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4

[ 412 ]

ولا يبعد دعواه بالنسبة إلى المضمضة وأنه لا خصوصية لها. بل من جهة أنها مصداق للعبث بالماء في مقابل الوضوء الذي هو بداعي امتثال الامر الالهي الوجوبي أو الاستحبابي، ولاجله قوبل بين الامرين في الموثقة. وعليه فلا يبعد دعوى شمول الحكم لما إذا ادخل الماء في فمه لغرض آخر غير المضمضة كتطهير أسنانه الجعلية فدخل الحلق بغير اختياره فيتعدى إلى هذه الصورة أيضا بمقتضى الفهم العرفي ويحكم بالقضاء. ثم إنه يظهر من الموثقة نفي القضاء في الغسل أيضا كالوضوء فيما لو دخل الماء حلقه بغير اختياره عند المضمضة أو غيرها كما لعله يتفق كثيرا لا لاجل ان المراد بالوضوء في الموثقة مطلق الطهارة فانه بعيد جدا كما لا يخفى، بل لاجل أن وقوع الوضوء في مقابل العبث يكشف عن عدم الخصوصية له وأن العبرة بما لا عبث فيه الشامل للغسل فلا يكون لقوله: وان كان في وضوء فلا بأس به مفهوم ليدل على ثبوت البأس في غير الوضوء، فغايته أن يكون الغسل مسكوتا عنه فيبقى تحت مقتضى القاعدة من عدم القضاء كما عرفت. وعلى الجملة فالرواية قاصرة الشمول للغسل فان موردها العبث ولا يراد الحصر من الوضوء، بل هو في مقابل العبث. فما ذكره الماتن من عدم البطلان في الغسل هو الصحيح على ما يشير إليه في المسألة الآتية، فحال الغسل من يعثر فيرتمس في الماء ويدخل في جوفه بغير اختياره في أن مقتضى القاعدة فيه عدم القضاء لصدوره من غير اختيار،

[ 413 ]

[ مسألة 3: لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه القضاء سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة على الاقوى (1) بل لمطلق الطهارة وان كانت لغيرها من الغايات من غير فرق ] (1) كما هو المشهور حيث لم يفرقوا في الوضوء بين ماكان لفريضة أو نافلة أو غاية أخرى حتى الكون على الطهارة - بناء على ثبوت استحبابه النفسي عملا باطلاق الوضوء الوارد في موثقة سماعة المتقدمة ولكن صحيحة الحلبي فرقت بين وضوء الفريضة وغيرها. فقد روى عن أبي عبد الله (ع) في الصائم يتوضا للصلاة فيدخل الماء حلقه، فقال: إن كان وضوء لصلاة فريضة فليس عليه شئ وإن كان وضوء لصلاة نافلة فعليه القضاء (1). وهي صيححة السند وقد عمل بها جماعة فليست مهجورة معرضا عنها حتى يقال بسقوطها عن الحجية بالاعراض فعلى تقدير تسليم الكبري فالصغرى غير متحققة في المقام هذا مضافا إلى منع الكبرى على مسلكنا ومقتضاها تقييد موثقة سماعة وحملها على الوضوء للفريضة فبالنتيجة يفصل بين الوضوء وغيره وفي الوضوء بين ماكان للفريضة وغيرها وهذا هو الصحيح فتقيد موثقة عمار المتقدمة بموثقة سماعة، وتقيد هي بصحيحة الحلبي وتكون النتيجة اختصاص الحكم بوضوء الفريضة لكون كل من هذه الروايات أخص من سابقتها فيؤخذ باخص الخاصين ومورد هذه الصحيحة وإن لم يكن هو المضمضة، لكنها القدر المتيقن منها فان ما يكون معرضا بحسب المتعارف الخارجي للدخول في الحلق لدى الوضوء إنما هو المضمضة فلا يمكن حمل الصحيحة على غيرها فلا يتوهم أن النسبة


(1) الوسائل باب 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

[ 414 ]

[ بين الوضوء والغسل وان كان الاحوط القضاء فيما عدا ما كان لصلاة الفريضة خصوصا فيما كان لغير الصلاة من الغايات. مسألة 4: يكره المبالغة في المضمضة مطلقا وينبغي له ان لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات، مسألة 5: لا يجوز التمضمض مطلقا مع العلم بأنه يسبقه الماء إلى الحلق أو نسي فيبلعه. العاشر سبق المني بالملاعبة أو الملامسة إذا لم يكن ذلك من قصده ولا عادته على الاحوط وان كان الاقوى عدم ] بينها وبين موثقة عمار عموم من وجه لكونها خاصا من حيث الوضوء عاما من حيث المضمضة عكس الموثقة فان الامر وان كان كذلك صورة، ولكنه بحسب لواقع عموم مطلق، لما عرفت من امتناع حملها على غير المضمضة. ثم إن موثقة سماعة وإن كان موردها المضمضة ولذا قلنا انه لا بأس بالاستنشاق بمقتضى القاعدة من غير مخصص كما مر، إلا أن هذه الصحيحة مطلقة تشمل المضمضة وغيرها من الاستنشاق ونحوه. وعليه فلا يبعد التعدي إلى غير المضممة، فكما دخل حلقه بغير اختيار حال الوضوء للفريضة سواء كان بسبب المضمضة أم غيرها فلا بأس به، وإن كان في غير وضوء الفريضة ففيه القضاء. فما صنعه الشهيد الاول من التعدي إلى الاستنشاق هو الصحيح أخذا باطلاق الصحيحة، ولو نوقش في الصحيحة من جهة احتمال الهجر والاعراض فلا شك ان التعدي أحوط.

[ 415 ]

[ وجوب القضاء أيضا (1). ] (1) تقدم الكلام في ذلك مفصلا في بحث مفطرية الاستمناء وملخص ما ذكرناه ان الملاعب ونحوه إن كان قاصدا للانزال من الاول فهو داخل في الاستمناء حقيقة فيشمله حكمه من القضاء والكفارة ويلحق به من كانت عادته ذلك أي خروج المني عند الملاعبة، فانه وإن لم يكن قاصدا للمني ولكنه في حكم القاصد بعد فرض جريان العادة. وأما من لم يكن قاصدا ولا كانت عادته كذلك فان احتمل عند الملاعبة خروج المني احتمالا معتدا به فسبقه المنى وجب عليه القضاء دون الكفارة، وأما إذا لم يحتمله كذلك بل كان واثقا من نفسه بعدم الخروج كما صرح به في بعض الاخبار فاتفق سبق المني صح صومه ولا قضاء عليه حينئذ فضلا عن الكفارة.

[ 416 ]

[ فصل " في الزمان الذي يصح فيه الصوم " وهو النهار من غير العيدين (1) ] (1) اما ان مورده النهار فضروري وتدل عليه الآية المباركة قال تعالى: (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط.. الخ) إلى قوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) فيظهر منها ان ظرف الصوم في الشريعة الاسلامية متخلل مابين طلوع الفجر إلى الليل وهو معنى النهار والاخبار مطبقة على ذلك، وفي بعضها انه إذا طلع الفجر فقد دخل وقت الصلاة والصيام وهذا من الواضحات. وأما استثناء العيدين من أيام السنة فقد نطقت به جملة وافرة من النصوص، وإنه لايشرع الصيام في هذين اليومين حتى ورد في بعضها أن من جعل على نفسه صوم كل يوم حتى يظهر القائم عجل الله تعالى فرجه لا يصح نذره بالاضافة إلى يومي العيدين، وقد ورد في روايات النذر ان من نذر صوم يوم معين فصادف العيد أو السفر ينحل نذره لان الله قد وضع عنه الصيام في هذه الايام. والظاهر ان اقتصاره (قده) في الاستثناء على العيدين من أجل ان ذلك حكم لعامة المكلفين فان صوم أيام التشريق أيضا حرام، ولكن لمن كان بمنى لا لغيره، فاليوم المحرم صومه على كل أحد هو يوما العيدين كما ذكره (قده).

[ 417 ]

[ ومبدؤه طلوع الفجر الثاني ووقت الافطار ذهاب الحمرة من المشرق (1). ] (1) تقدم الكلام من حيث المبدء والمنتهى في مبحث الاوقات من كتاب الصلاة مفصلا إذ لا فرق بين الصوم والصلاة من هذه الجهة، وقلنا ان المبدء هو الفجر المعترض في الافق المعبر عنه في الآية المباركة بالخيط الابيض، والمشبه في بعض النصوص بنهر سورا وبالقبطية البيضاء. وأما المنتهى فالمستفاد من اكثر الاخبار ان الاعتبار بغروب الشمس أي بغيبوبة القرص تحت الارض أي تحت دائرة الافق ودخولها في قوس الليل. وقلنا في محله أن ما في جملة من الاخبار من التعبير بارتفاع الحمرة يراد به الحمرة من دائرة الافق من ناحية المشرق، حيث ان الشمس حينما تغيب يظهر آنذاك سواد من ناحية المشرق وبذلك ترتفع الحمرة من تلك الناحية كما لاحظنا ذلك مرارا، وهو مقتضى طبع كروية الارض، وقد أشير إلى ذلك في بعض الاخبار بأن المشرق مطلق على المغرب. هذا ولكن نسب إلى المشهور ان العبرة بذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس أو عن ربع الفلك، والظاهر من عبارة المحقق في الشرايع عدم صحة النسبة حيث قال بعد اختيار الاستتار وقيل بالحمرة المشرقية، فيظهر من الاسناد إلى القيل ان ذلك قول غير مشهور، وكيفما كان فالجمود على ظواهر النصوص يقتضي بأن الاعتبار بسقوط القرص ولكن الاحوط رعاية ذهاب الحمرة المشرقية ولو

[ 418 ]

[ ويجب الامساك من باب المقدمة (1) في جزء من الليل في كل من الطرفين ليحصل العلم بامساك تمام النهار. ] لاجل احتمال ذهاب المشهور إليه، ولكن هذا الاحتياط إنما هو بالنسبة إلى الصوم وصلاة المغرب، وأما تأخير الظهرين إلى ما بعد السقوط فغير جائز كما ذكرناه في محله. (1) أي العلمية كما يشير إليه لحكومة العقل بلزوم احراز الامتثال بعد تنجز التكليف ووصوله فان الاشتغال اليقيني يستدعي فراغا مثله فلا يكتفي باحتمال الامتثال بل لابد من الجزم به المتوقف على دخول جزء من غير الواجب وضمه إلى الواجب ليحصل بذلك الجزم بتحقق المأمور به، ولاجل ذلك يحكم بوجوب ضم مقدار من خارج الحد في غسل الوجه واليدين في الوضوء. وعليه يبتني وجوب الاجتناب عن أطراف العلم الاجمالي في الشبهات التحريمية، ووجوب الاتيان بها في الشبهات الوجوبية. فهذه الكبرى أعني حكم العقل بوجوب المقدمة العلمية من باب الاحتياط وتحصيلا للجزم بالامتثال مما لا غبار عليها. إنما الكلام في تطبيقها على المقام فقد طبقها عليه في المتن ولاجله حكم (قده) بوجوب الامساك في جزء من الليل في كل من الطرفين، ولكن الظاهر انه لايتم على اطلاقه. اما من حيث المنتهى فالامر كما ذكر فلا يجوز الافطار إلا بعد مضي زمان يتيقن معه بدخول الليل، ويكفي فيه استصحاب بقاء النهار وعدم دخول الليل ومع الغض عنه يدل عليه قوله تعالى:

[ 419 ]

(ثم أتموا الصيام إلى الليل) فلابد من اليقين بدخول الليل ليحرز امتثال الامر بالاتمام إلى الليل وعليه فلا مناص من الاحتياط. وأما من حيث المبدء فلا نرى وجها للاحتياط بالامساك في جزء من الليل ليتيقن بحصول الامساك من أول جزء من الفجر بعد جريان استصحاب بقاء الليل وعدم طلوع الفجر الذي نتيجته جواز الاكل ما لم يتيقن بالفجر فانه بهذا الاستصحاب الموضوعي يحرز عدم دخول النهار شرعا وبقاء الليل تعبدا، ومعه لا مجال للرجوع إلى الاحتياط المزبور كما لا يخفى. هذا مضافا إلى قوله تعالى، (كلوا واشربوا حتى يتبين. الخ) حيث جعلت الغاية التبين، فما لم يتبين وكان شاكا جاز له الاكل والشرب ولم يجب الامساك وان كان الفجر طالعا واقعا فهو في مرحلة الظاهر مرخص في لاكل إلى أن يتبين الفجر وينكشف. نعم لو لم يراع الفجر بنفسه ثم انكشف الخلاف وجب القضاء ولا يجب مع المراعاة وهذا حكم آخر لا ربط له بوجوب الامساك تكليفا لدى الشك وعدمه الذي هو محل الكلام كما لا يخفى، نعم يتجه الاحتياط المزبور فيما لو سقط الاستصحاب فارتفع المؤمن الشرعي، كما لو علم من نفسه انه لو لم يحتط بالامساك في جزء من الليل واستمر في التعويل على الاستصحاب لاطفر في جزء من النهار يقينا ولو في يوم واحد من مجموع الشهر، كما لا يبعد حصول هذا العلم لغير واحد من الاشخاص فهو يعلم بحصول الافطار اما في هذا اليوم أو في الايام الآتية، ففي مثله لا يجوز الرجوع إلى الاستصحاب لسقوطه في أطراف العلم الاجمالي بناء على ما هو الصحيح من عدم الفرق في تنجيزه بين الدفعي والتدريجي فلا مناص في مثله

[ 420 ]

[ ويستحب تأخير الافطار حتى يصلي العشاءين لتكتب صلاته صلاة الصائم (1). ] من الاحتياط بعد فقد المؤمن الشرعي، واما من لم يحصل له مثل هذا العلم الاجمالي أو فرض الكلام في آخر الشهر من غير التفات إلى ما قبله، أو في صوم آخر من نذر ونحوه فلا وجه في مثله لتحصيل المقدمة العلمية بعد جريان الاستصحاب حسبما عرفت فلا يجب الامساك في جزء من الليل لا شرعا كما هو ظاهر، ولا عقلا بعد فرض وجود المؤمن. (1) فقد دل على استحباب التأخير صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام إنه سئل عن الافطار أقبل الصلاة أو بعدها؟ قال: فقال إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، وإن كان غير ذلك فليصل ثم ليفطر، وعلى انه تكتب الصلاة صلاة الصائم موثقة زرارة وفضيل (وهي موثقة باعتبار علي بن الحسن بن فضال) عن أبي جعفر عليه السلام في رمضان تصلي ثم تفطر إلا أن تكون مع قوم ينتظرون الافطار، فان كنت تفطر معهم فلا تخالف عليهم فافطر ثم صل والا فابدء بالصلاة، قلت: ولم ذلك؟ قال لانه قد حضرك فرضان الافطار والصلاة فابدء بأفضلهما، وأفضلهما الصلاة، ثم قال: تصلي وانت صائم فتكتب صلاتك تلك فتختم بالصوم أحب إلي (1). والمشار إليه في قوله عليه السلام (تلك) هي الصلاة وأنت صائم المذكورة قبل ذلك فان الامر بالصوم وان كان ساقطا بانتهاء


(1) الوسائل باب 7 من ابواب آداب الصائم الحديث 1، 2

[ 421 ]

[ إلا أن يكون هناك من ينتظره للافطار (1) أو تنازعه نفسه على وجه يسلبه الخضوع والاقبال (2) ولو كان لاجل القهوة والتتن والترياك فان الافضل حينئذ الافطار ثم الصلاة مع المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الامكان ] أمده المتحقق بدخول الليل الا أنه مقابل للافطار كما تقدم سابقا فما لم يفطر فهو صائم، وإن لم يكن صومه فعلا مأمورا به. وبهذا الاعتبار صح أن يقال ان صلاته تكتب صلاة الصائم. ومنه يظهر الوجه في اطلاق الفرض على الافطار في قوله (ع) لانه قد حضرك فرضان.. الخ فان وجوب الافطار معناه انتهاء أمد الصوم وعدم جواز قصده في الليل، فلاجله وجب عليه الافطار. ثم إن مقتضى اطلاق الموثقة الحاكمة بالبدءة بالصلاة وانها أفضل من الافطار شمول الحكم للعشاءين معا لاشتراكهما في الوقت بمقتضى قوله عليه السلام: في بعض النصوص: وإذا غاب القرص فقد وجب الصلاتان إلا أن هذه قبل هذه كما تقدمت في مبحث الاوقات من كتاب الصلاة، فنفس المناط الذي اقتضى تقديم المغرب يقتضي تقديم العشاء أيضا، لتساويهما في الوقت، والاطلاق المزبور غير قاصر الشمول لهما حسبما عرفت، وإن لم يرد تنصيص بذلك. (1) كما صرح به في صحيحة الحلبي وموثقة زرارة وفضيل المتقدمتين وغيرهما. (2) كما دلت عليه مرسلة المفيد في المقنعة، قال: " وإن كنت ممن تنازعك نفسك للافطار وتشغلك شهوتك عن الصلاة، فابدء

[ 422 ]

[ مسألة 1: لا يشرع الصوم في الليل ولاصوم مجموع الليل والنهار بل ولا ادخال جزء من الليل منه الا بقصد المقدمية (1). ] بالافطار ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة " (1). وهي وإن لم تصلح للاستدلال لمكان الارسال إلا أن مضمونها مطابق للواقع، لوقوع المزاحمة حينئذ بين فضيلة الوقت وبين مراعاة الخضوع وحضور القلب في الصلاة وكل منهما مستحب قد حث الشارع عليه ولكن لا يبعد أن يقال إن الثاني أهم والملاك فيه أتم، فان الاقبال والحضور بمثابة الروح للصلاة، وقد ورد في بعض النصوص ان مقدار القبول تابع لمقدار الحضور، فقد تقبل منها ركعة واخرى ركعتان، وثالثة اكثر أو أقل لعدم كونه حاضر القلب إلا بهذا المقدار، بل ينبغى الجزم بأهمية الثاني وتقديمه فيما لو تمكن من الجمع بين الامرين بأن يفطر أولا ثم يصلي مع الخضوع والاقبال في آخر وقت الفضيلة الذي يستمر زهاء ثلاثة أرباع الساعة تقريبا، إذ لا مزاحمة حينئذ إلا بين الخضوع وبين اول وقت الفضيلة لانفسه ولم يدل أي دليل على أهمية الثاني بالنسبة إلى مراعاة الخضوع والاقبال بل المقطوع به خلافه، وكيفما كان فينبغي له المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الامكان كما ذكره في المتن. (1) ما ذكره (قده) في هذه المسألة من الضروريات المسلمة كما أشير إليه في موثقة زرارة وفضيل المتقدمة حيث أطلق فيها الفرض على الافطار بعد انتهاء النهار ونحوها غيرها فلاحظ.


(1) الوسائل باب 7 من ابواب آداب الصائم الحديث 5

[ 423 ]

[ فصل " في شرائط صحة الصوم " (1) وهي امور: الاولى: الاسلام والايمان (2) فلا يصح من غير المؤمن ولو في جزء من النهار فلو أسلم الكافر في أثناء النهار ولو قبل الزوال لم يصح صومه وكذا لو ارتد ثم عاد إلى الاسلام بالتوبة. ] (1) وهي بين ما يكون شرطا في الصحة وما هو شرط في تعلق التكليف، وعلى أي حال فهي معتبرة في الصحة اما لكونها شرطا للامر أو للمأمور به. (2) فلا يصح الصوم كغيره من العبادات من الكافر وإن كان مستجمعا لسائر الشرائط، كما لا يصح ممن لا يعترف بالولاية من غير خلاف. أما الاول فالامر فيه واضح بناء على ما هو الصحيح من أن الكفار غير مكلفين بالفروع، وانما هم مكلفون بالاسلام، وبعده يكلفون بساير الاحكام كما دلت عليه النصوص الصحيحة على ما مر التعرض له في مطاوي بعض الابحاث السابقة، إذ بناء على هذا المبنى يختص الخطاب بالصيام بالمسلمين، فلم يتوجه تكليف بالنسبة إلى الكافر ليصح العمل منه فانه خارج عن الموضوع. وأما بناء على أنهم مكلفون بالفروع كتكليفهم بالاصول فلا

[ 424 ]

شك في عدم الصحة من المشركين ضرورة ان الشرك يوجب حبط الاعمال السابقة على الشرك بمقتضى قوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك) فضلا عن الصادرة حال الشرك. وأما غير المشركين من ساير فرق الكفار فيدل على عدم الصحة منهم الاجماع المحقق بل الضرورة بل قد يستفاد ذلك من بعض الايات قال تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم مل ء الارض ذهبا. الخ) (1) فيظهر منها أن الكفر مانع عن قبول النفقة كما صرح بذلك في آية أخرى قال تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله وبرسوله. الخ) (2) فإذا كان الكفر مانعا عن قبول النفقة فهو مانع عن الصوم وغيره من ساير العبادات بطريق أولى كما لا يخفى. وكيفما كان فسواء تمت الاستفادة من الآيات المباركة أم لا تكفينا بعد الاجماع المحقق كما عرفت النصوص الكثيرة الدالة على بطلان العبادة من دون الولاية فانها تدل على البطلان من الكفار بطريق أولى فان الكافر منكر للولاية وللرسالة معا، وقد عقد صاحب الوسائل لهذه الاخبار بابا في مقدمة العبادات وهي وإن كان بعضها غير نفي السند وبعضها قاصر الدلالة إلا أن فيها ما هو تام سندا ودلالة كصحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كل من دان الله عزوجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا امام له من الله فسعيه غير مقبول وهو ضال متحير والله شانئ لاعماله. الخ (3)


(1) سورة آل عمران الآية: 91 (2) سورة التوبة الآية: 54 (3) الوسائل باب 29 من ابواب مقدمة العبادات الحديث 1

[ 425 ]

[ وان كان الصوم معينا وجدد النية قبل الزوال على الاقوى (1) الثاني العقل فلا يصح من المجنون (2) ولو أدوارا وان كان جنونه في جزء من النهار. ] فان من يكون الله شانئا لاعماله ومبغضا لافعاله كيف يصح التقرب منه وهو ضال متحير لا يقبل سعيه، فكل ذلك يدل على البطلان. وفي ذيل الصحيحة أيضا دلالة على ذلك كما لا يخفي على من لاحظها، فإذا بطل العمل ممن لا امام له وكان كالعدم، فمن لا يعترف بالنبي بطريق أولى، إذ لا تتحقق الولاية من دون قبول الاسلام. ومما ذكرنا يظهر الحال في اعتبار الايمان في صحة الصوم وانه لا يصح من المخالف لفقد الولاية وقد تعرضنا لهذه المسألة بنطاق أوسع في بحث غسل الميت، عند التكلم حول اعتبار الايمان في الغاسل الذي هو فرع الاسلام، فلو لم يكن مسلما أو كان ولكن لم يكن بهداية الامام وارشاده لم يصح تغسيله فراجع ان شئت. (1) فان الاسلام معتبر في جميع أجزاء الصوم الارتباطية من طلوع الفجر إلى الغروب بمقتضى اطلاق الادلة فالكفر في بعضها موجب لبطلان الجزء المستلزم لبطلان الكل فلا ينفعه العود إلى الاسلام بعد ذلك وإن جدد النية فان الاكتفاء بتجديد النية قبل الزوال حكم مخالف للقاعدة للزوم صدورها قبل الفجر وقد ثبت الاكتفاء بذلك في موارد خاصة كالمريض الذي يبرء قبل الزوال، أو المسافر الذي يقدم أهله ولا دليل على الاجتزاء بالتجديد في المقام كما هو ظاهر. (2) والوجه فيه ان المجنون غير مكلف بالصوم كساير الواجبات

[ 426 ]

من العبادات وغيرها، فهو مرفوع عنه القلم، وحاله حال ساير الحيوانات، لا عبرة بعمله للادلة الدالة على اشتراط التكليف بالعقل الذي هو أول ما خلق الله وقال له: أقبل فأقبل، ثم قال: ادبر فادبر، فقال تعالى: بك أثيب وبك أعاقب كما هو مضمون الروايات. ومنه تعرف أنه لا وجه لقياس الجنون بالنوم وان كان القلم مرفوعا عنه أيضا وذلك لما علمناه من الخارج ومن اطلاق الادلة من أن الصوم غير متقيد بعدم النوم، بل قد ورد ان نوم الصائم عبادة فعبادية الصوم بمعنى لا يكاد يتنافى مع النوم، فانه بمعنى البناء على الاجتناب عن المفطرات وعدم ارتكابها متعمدا بأن يكون على جانب منها وبعيدا عنها كما دل عليه قوله عليه السلام: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب. الخ وان يكون ذلك لله تعالى، فلو نوى الاجتناب المزبور قبل الفجر لله تعالى فقد أتى بالعبادة وان نام بعد ذلك، لحصول هذا المعنى حال النوم أيضا فليست العبادية في الصوم وكذا في تروك الاحرام بالمعنى المعتبر في العبادات الوجودية، أي وقوع كل جزء بداعي امتثال الامر حتى ينافيه النوم، ودليل رفع القلم عن النائم معناه أنه لو ارتكب شيئا حال النوم فهو مرفوع عنه ولا يؤاخذ به، وهذا كما ترى أجنبي عن محل الكلام. وعلى الجملة التكليف بالصوم مشروط بعدم الجنون وغير مشروط بعدم النوم، فلو فرضنا ان جنونه أدواري فكان ملتفتا قبل الفجر فنوى وقصد الصوم ثم جن أثناء النهار ولو في جزء منه بطل صومه وان كانت النية متحققة لفقد شرط التكليف. ثم ان مقتضى الاطلاق في دليل اشتراط الصوم بالعقل ورفع

[ 427 ]

[ ولا من السكران ولا من المغمى عليه ولو في بعض النهار وان سبقت منه النية على الاصح (1). ] التكليف عن المجنون عدم الفرق بين الاطباقي والادواري، فلو جن في بعض النهار قبل الزوال أو بعده صومه فان الواجب واحد ارتباطي يختل باختلال جزء منه، واللازم اتصاف الصائم بالعقل في مجموع الوقت من الفجر إلى الغروب فلو جن في جزء منه من الاول أو الوسط أو الاخير فهو غير مأمور بالصوم ولا يجب عليه الامساك بعدئذ. ودعوى الاكتفاء بتجديد النية، فيما لو ارتفع جنونه قبل الزوال غير مسموعة لما عرفت من أنه حكم على خلاف القاعدة يحتاج إلى قيام دليل عليه، وقد ثبت في المسافر والمريض ونحوهما ولم يثبت في المقام ومقتضى اطلاق مادل على أن المجنون غير مكلف بشئ انه لا يعتد بصومه سواء جدد النية أم لا. (1) هل السكران والمغمى عليه في بعض الوقت أو في كله يلحق بالمجنون أو يلحق بالنائم؟ لا يبعد الثاني، فان الدليل على عدم صحة الصوم من المجنون إذا كان هو اشتراط التكليف بالعقل كما ذكرنا، فمثل هذا الاشتراط لم يرد في السكران ولا المغمى عليه ولا سيما إذا كان السكر والاغماء بالاختيار، فإذا كان التكليف مطلقا من هذه الجهة ولم يكن مشروطا بعدمهما فلا اشكال إلا من ناحية النية. وقد عرفت أن النية المعتبرة في الصوم تغاير ما هو المعتبر في العبادات الوجودية وانها سنخ منى لا تنافي النوم فإذا لا تنافي السكر والاغماء أيضا لعين المناط.

[ 428 ]

[ الثالث: عدم الاصباح جنبا أو على حدث الحيض والنفاس بعد النقاء من الدم على التفصيل المتقدم (1). الرابع: الخلو من الحيض والنفاس في مجموع النهار فلا يصح من الحائض والنفساء إذا فاجأهما الدم ولو قبل الغروب بلحظة أو انقطع عنهما بعد الفجر بلحظة (2) ويصح من المستحاضة إذا أتت بما عليها من الاغسال النهارية. ] وعلى الجملة فحال السكران والمغمى عليه حال النائم من هذه الناحية، فان تم اجماع على بطلان صومهما - ولم يتم - فهو وإلا فمقتضى الاطلاقات شمول التكليف لهما، وصحة العمل منهما كمن غلب عليه النوم فالحكم بالبطلان فيهما مبني على الاحتياط، والا فلا يبعد صحة صومهما من غير فرق بين المستمر وغيره. (1) كما تقدم الكلام حوله مستقصى في مبحث المفطرات وقد عرفت أن الاخبار دلت على الكفارة حينئذ فضلا عن القضاء فلاحظ. (2) بلا خلاف فيه ولا اشكال فلو رأت الدم في جزء من النهار ولو لحظة من الاول أو الاخير أو الوسط فضلا عن مجموعه بطل صومها كما دلت عليه النصوص المتضافرة الناطقة بأن نفس رؤية الدم توجب الافطار، وهي قوية السند واضحة الدلالة ومنها صحيحة الحلبي عن امرأة أصبحت صائمة فلما ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت أتفطر؟ قال: نعم، وإن كان وقت المغرب فلتفطر قال: وسألته عن امرأة رأت الطهر في أول النهار في شهر رمضان فتغسل (لم تغتسل) ولم تطعم، فما تصنع في ذلك اليوم؟ قال:

[ 429 ]

تفطر ذلك اليوم، فانما فطرها من الدم (1). وقد دلت على الحكم من الطرفين، ونحوها غيرها كما لا يخفى: على من لاحظها. نعم يستفاد من بعضها استحباب الامساك من غير أن تعتد بالصوم كموثقة عمار في المرأة يطلع الفجر وهي حائض في شهر رمضان، فإذا أصبحت طهرت وقد أكلت ثم صلت الظهر والعصر كيف تصنع في ذلك اليوم الذي طهرت فيه؟ قال: تصوم ولا تعتد به (2) ونحوها معتبرة محمد بن مسلم عن المرأة ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال، قال: تفطر، وإذا كان ذلك بعد العصر أو بعد الزوال فلتمض على صومها ولتقض ذلك اليوم (3) هذا ولكن رواية أبي بصير تضمنت التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده، وانها لو رأت الدم بعد الزوال تعتد بصوم ذلك اليوم، فتكون معارضة للنصوص المتقدمة فقد روى عن أبي عبد الله (ع) قال: إن عرض للمرأة الطمث في شهر رمضان قبل الزوال فهي في سعة أن تأكل وتشرب، وإن عرض لها بعد زوال الشمس فلتغتسل ولتعتد بصوم ذلك اليوم ما لم تأكل وتشرب (4). وهي كما ترى واضحة الدلالة معتبرة السند إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا يعقوب بن سالم الاحمر الذي هو عم علي بن اسباط حيث انه لم يتعرض له في كتب الرجال بمدح أو ذم، ولكن وثقه المفيد في رسالته العددية صريحا حيث ذكر جماعة من رواة ان شهر رمضان


(1) الوسائل باب 25 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 1 (2) الوسائل باب 28 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 2 (3) الوسائل باب 28 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 3 (4) الوسائل باب 28 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 4

[ 430 ]

[ الخامس: ان لا يكون مسافرا (1) ] قد ينقص وقد يكمل كبقية الشهور، ومنهم الرجل وقال في حقهم انهم فقهاء اعلام امناء على الحلال والحرام لا يطعن فيهم بشئ. وهذا كما ترى من أعلى مراتب التوثيق. فالظاهر أن السند مما لا اشكال فيه كالدلالة. ولكن الذي يهون الخطب انها رواية شاذة لا عامل بها، بل قد بلغت من الهجر مرتبة لم يتعرض لها في الجواهر بل ولا صاحب الحدائق مع أن دأبه التعرض لكل رواية تناسب المسألة وإن ضعفت أسانيدها. وعليه فلا تنهض للمقاومة مع الصحاح المتقدمة كصحيحة الحلبي وغيرها الصريحة في أنها تفطر حين تطمث من غير فرق بين ما قبل الزوال ومابعده، والمسألة مسلمة لا خلاف فيها، وقد عالج الشيخ تلك الرواية بحملها على وهم الرواي فكأن العبارة كانت هكذا (ولا تعتد) فتخيل انها (ولتعتد) ولكنه كما ترى بعيد غايته لعدم مناسبته مع قوله فلتغتسل، ولقوله: ما لم تأكل وتشرب كما هو ظاهر. ولا بأس بحمل الاعتداد فيها على احتساب الثواب - كما ذكره في الوسائل - لا بعنوان رمضان فلا ينافي وجوب القضاء لعدم التصريح فيها بنفيه فتمسك استحبابا وتحتسبها لا صوما فتوافق مضمونا مع صحيحة ابن مسلم المتقدمة المتضمنة انها تمضي على صومها وتقضي. وكيفما كان فلا مناص اما من طرح الرواية أو حملها على ما ذكر ولا شك ان الثاني أولى. (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال وقد دلت عليه النصوص الواردة

[ 431 ]

في الابواب المتفرقة مما دل على اشتراطه في أصل الصوم أو في رمضان أو في قضائه أو صوم النذر أو الكفارة مما يبلغ مجموعها حد التواتر ولو اجمالا على أنا في غنى عن الاستدلال بالاخبار في خصوص شهر رمضان بعد دلالة الآية المباركة على تعيين القضاء على المسافر الظاهر في عدم مشروعية الصيام منه. قال سبحانه: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه "، ثم قال تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) ثم عقبة بقوله عز من قائل: (وعلى الذين يطيقونه فدية. الخ) فيظهر من التأمل في مجموع هذه الآيات انه سبحانه قسم المكلفين على طوائف ثلاث لكل حكم يخصها، فذكر أولا وجوب الصوم على من شهد الشهر وهو الحاضر في البلد فهو مأمور بالصيام، ولا شك ان الامر ظاهر في الوجوب التعييني. ثم أشار تعالى إلى الطائفة الثانية بقوله: فمن كان.. الخ فبين سبحانه ان المريض والمسافر مأمور بالصيام في عدة أيام أخر أي بالقضاء وظاهره ولا سيما بمقتضى المقابلة تعين القضاء فلا يشرع منهما الصوم فعلا، وأخيرا أشار إلى الطائفة الثالثة بقوله: وعلى الذين. الخ وهم الشيخ والشيخة ونحوهما ممن لا يطيق الصوم إلا بمشقة عظيمة وحرج شديد وأن وظيفتهم شئ آخر لا الصيام ولا القضاء بل هي الفدية. ثم أشار بعد ذلك إلى أن هذه التكاليف انما هي لمصلحة المكلف نفسه ولا يعود نفعها إليه سبحانه فقال: " وان تصوموا خير لكم) أي تصوموا على النهج الذي شرع في حقكم من الصيام في الحضر والقضاء في السفر. فالمتحصل من الآية المباركة عدم مشروعية الصوم من المسافر

[ 432 ]

كما أنها لاتشرع من المريض وان المتعين في حقهما القضاء، فهي وافية باثبات المطلوب من غير حاجة إلى الروايات كما ذكرناه، وعلى انها كثيرة ومتواترة كما عرفت. وهي طوائف. فمنها ما وردت في مطلق الصوم مثل قوله عليه السلام: ليس من البر الصيام في السفر كما في مرسلة الصدوق (1). ومنها ما ورد في خصوص شهر رمضان مثل قوله (ع) في رواية يحيى بن أبي سعيد: الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر في الحضر (2). وبعضها في خصوص القضاء وانه ليس للمسافر أن يقضي الا أن ينوي عشرة أيام وجملة منها في النذر وأخرى في الكفارة فلا اشكال في المسألة. ولكن نسب إلى المفيد الخلاف تارة في خصوص صوم الكفارة وأخرى في مطلق الصوم الواجب ما عدا رمضان وانه جوز الاتيان به في السفر ولم يعرف له أي مستند على تقدير صدق النسبة إلا على وجه بعيد غايته بأن يقال انه (قده) غفل عن الروايات الواردة في المقام، وقصر نظره الشريف على ملاحظة الآية الكريمة التي موردها شهر رمضان فلا يتعدى إلى غيره في المنع، وهو كما ترى مناف لجلالته وعظمته فانه كيف لم يلتفت إلى هاتيك الاخبار المتكاثرة البالغة حد التواتر كما سمعت. وبالجملة فلم يعرف لما نسب إليه وجه صحيح ولا غير صحيح ولا يبعد عدم تمامية النسبة.


(1) الوسائل باب 1 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 11 (2) الوسائل باب 1 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 5

[ 433 ]

[ سفرا يوجب قصر الصلاة (1) مع العلم بالحكم في الصوم الواجب الا في ثلاثة مواضع: أحدها صوم ثلاثة أيام بدل هدي التمتع (2). الثاني صوم بدل البدنة ممن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا وهو ثمانية عشر يوما (3). ] (1) فان موضوع الافطار هو السفر الموجب للتقصير للملازمة بين الامرين كما دل عليها قوله عليه السلام في صحيحة معاوية ابن وهب: إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت، ونحوها موثقة سماعة: ليس يفترق التقصير عن الافطار، فمن قصر فليفطر (1). (2) لدى العجز عنه بلا خلاف فيه ولا اشكال على ما نطقت به النصوص وقبلها الكتاب العزيز قال تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) فيشرع صوم الثلاثة ايام في سفر الحج على تفصيل مذكور في محله من حيث الاتيان به قبل العيد أو بعده وغير ذلك مما يتعلق بالمسألة، وبذلك يخرج عن عموم منع الصوم في السفر، وقد دلت على ذلك من الاخبار صحيحة معاوية بن عمار وموثقة سماعة وغيرهما، لاحظ الباب السادس والاربعين من أبواب الذبح من كتاب الوسائل. (3) حيث ان الوقوف بعرفات لما كان واجبا إلى الغروب فلو أفاض قبله عامدا كانت عليه كفارة بدنة، فان عجز عنها صام


(1) الوسائل باب 4 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 1، 2

[ 434 ]

الثالث: صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصة أو سفرا وحضرا (1) ] ثمانية عشر يوما مخيرا بين الاتيان به في سفر الحج أو بعد الرجوع إلى أهله على المشهور في ذلك كما دلت عليه صحيحة ضريس الكناني عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل ان تغيب الشمس، قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله (1). والراوي هو ضريس بن عبد الملك بن أعين الثقة، فهي صحيحة السند كما انها ظاهرة الدلالة، إذ لا ينبغي الشك في ظهورها في جواز الصوم في السفر ولو لاجل ان الغالب ان الحاج لا يقيم بمكة بعد رجوعه من عرفان عشرة، أيام، وعلى فرض تحققه في جملة من الموارد فلا اشكال ان الاقامة في الطريق عشرة أيام نادرة جدا، فلا يمكن تقييد اطلاق الصحيحة بها بل لابد من الاخذ بالاطلاق. على انا لو سلمنا عدم الندرة فلا أقل من اطلاق الصحيحة وهو كاف في المطلوب بناء على ما هو المحرر في الاصول من أن اطلاق المخصص مقدم على عموم العام، ففي المقام بعد أن خصص العام المتضمن لمنع الصيام في السفر بهذه الصحيحة التي موضوعها خاص وهو ثمانية عشر يوما بدلا عن البدنة فاطلاقها الشامل لصورتي قصد الاقامة وعدمه مقدم بحسب الفهم العرفي على اطلاق دليل المنع فالمناقشة في المسألة والتشكيك في مدلول الصحيحة في غير محلها. فالصحيح ما هو المشهور من صحة الاستثناء المزبور. (1) بحيث كان السفر ملحوظا حال النذر اما بخصوصه ومتقيدا به


(1) الوسائل باب 23 من ابواب احرام الحج والوقوف بعرفة حديث 3

[ 435 ]

أو الاعم منه ومن الحضر، وهذا الاستثناء أيضا متسالم عليه بين الاصحاب كما صرح به غير واحد، ولكن المحقق في الشرايع قد يظهر منه التردد حيث توقف في الحكم، وكانه لضعف الرواية في نظره التي هي مستند المسألة كما صرح به في المعتبر وهي صحيحة علي بن مهزيار قال: كتب بندار مولى ادريس يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت فان انا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب إليه وقرأته: لا تتركه الا من علة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلا أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى (1). ولا ندري ما هو وجه الضعف الذي يدعيه المحقق فان ابن مهزيار من الاجلاء الكبار والطريق إليه صحيح والمراد ب‍ (احمد بن محمد) هو أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري و عبد الله بن محمد اخوه فلا اشكال في السند بوجه، ويحتمل قريبا ان نظره (قده) في التضعيف إلى بندار مولى ادريس صاحب المكاتبة فانه مجهول، ولكنه واضح الدفع ضرورة ان الاعتبار بقراءة ابن مهزيار لا بكتابة بندر، فالكاتب وان كان مجهولا، بل ولو كان اكذب البرية إلا أن ابن مهزيار الثقة بخبرنا أنه رأى الكتاب وقرأ جواب الامام عليه السلام: وهو المعتمد والمستند، وهذا أوضح من أن يخفى على من هو دون المحقق فضلا عنه ولكنه غير معصوم فلعله غفل عن ذلك، أو أنه أسرع في النظر فتخيل ان بندار واقع في السند. ويحتمل بعيدا أن يكون نظره في التضعيف إلى الاضمار وهو


(1) الوسائل باب 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث 4

[ 436 ]

أيضا واضح الدفع، إذ لو كان المسؤول غير الامام عليه السلام كيف يرويه ابن مهزيار وهو من الطبقة العليا من الرواة ويثبته أصحاب المجامع في كتبهم كساير المضمرات. وبالجملة تعبير الكاتب بقوله يا سيدي، وعناية ابن مهزيار بالكتابة والقراءة والرواية ونقلها في المجامع ربما يورث الجزم بأن المراد هو الامام عليه السلام كما في ساير المضمرات. ويمكن أن يكون نظره (قده) في التضعيف إلى متن الرواية اما من أجل عطف المرض على السفر مع ان جواز الصوم حال المرض وعدمه لا يدوران مدار النية بل يناطان بالضرر وعدمه، فإذا كان بمثابه يضره الصوم فهو غير مشروع ولا يصححه النذر وان نواه. ويندفع بأن هذه القرينة الخارجية تكشف عن ان الاشارة في قوله عليه السلام: الا ان تكون نويت ذلك ترجع إلى خصوص السفر لا مع المرض. أو من أجل اشتمال ذيلها على ان كفارة حنت النذر التصدق على سبعة مساكين مع أنه معلوم البطلان فانه اما كفارة رمضان أو كفارة اليمين، أعني عشرة مساكين على الخلاف المتقدم في ذلك. ويندفع بأن غايته سقوط هذه الفقرة من الرواية عن الحجية لوجود معارض أقوى فيرفع اليد عنها في هذه الجملة بخصوصها والتفكيك بين فقرات الحديث في الحجية غير عزيز كما لا يخفي فلا يوجب ذلك طرح الرواية من أصلها. على ان هذه الرواية في نسخة المقنع مشتملة على لفظ (عشرة. بدل (سبعة) فلعل تلك النسخة مغلوطة كما تقدم في محله. وكيفما كان فلا اشكال في الرواية ولا نعرف أي وجه لتضعيفها لا سندا ولا

[ 437 ]

متنا، وقد عمل بها المشهور فلا مناص من الاخذ بها هذا. على انا أسلفناك فيما مر ان هذه الروية رواها الكليني بسند آخر قد غفل عنه صاحب الوسائل فاقتصر على نقل الرواية بالسند المذكور عن الشيخ ولم يروها بذاك السند عن الكافي، وانما الحق ذاك السند برواية أخرى لا وجود لها مع هذا السند وكأن عينه قد طفرت من رواية إلى أخرى حين النقل وذاك السند هو " الكليني عن أبي على الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن علي بن مهزيار ". وهذا السند كما ترى عال جدا نقى عن كل شبهة، فعلى تقدير التشكيك في السند المتقدم - ولا موقع له كما عرفت، فان أحمد بن محمد الواقع في السند مرد بين ابن عيسى وابن خالد وكلاهما ثقة وفي طبقة واحدة يروي عنهما الصفار ويرويان عن ابن مهزيار ولكن بقرينة اقترانه باخيه عبد الله بن محمد الملقب ب‍ (بنان) يستظهر انه محمد بن عيسى - فلا مجال للتشكيك في هذا السند بوجه فانه صحيح قطعا، وقد عرفت ان صاحب الوسائل فاته نقلها بهذا السند فلم يذكره لا هنا ولا في كتاب النذر. هذا وقد علق المجلسي في المرآة عند نقل هذه الرواية بالسند الصحيح فنقل عن المدراك استضعاف المحقق لها وبعد ان استغرب ذلك احتمل وجوها لتضعيفه تقدم ذكرها مع تزبيفها من الاضمار وقد عرفت ان ابن مهزيار من الطبقة العليا الذين لا يقدح اضمارهم، ومن عطف المرض على السفر وقد عرفت ان القرينة الخارجية وهي الاجماع على عدم صحة الصوم حال المرض وان نذر تقتضي رجوع الاشارة إلى الاول فحسب، هذا ان تم الاجماع كما لا يبعد فيرفع اليد عن ظاهر الرواية من رجوع الاشارة اليهما معا، وأما ان لم يتم

[ 438 ]

[ دون الذر المطلق (1) ] فلا نضايق من الاخذ بظاهرها من جواز الصوم حال المرض إذا لم يكن شديدا بحيث يصل الخوف معه حد الوقوع في الهلكة، وقد ذكرنا عند التكلم حول حديث لا ضرر انه لم يدل دليل على عدم جواز الاضرار بالنفس ما لم يبلغ الحد المذكور. وعليه فوجوب الصوم مرفوع حال المرض امتنانا، فأي مانع من ثبوته بالنذر عملا باطلاقاته بعد أن كان سائغا في نفسه حسبما عرفت فالعمدة في المنع إنما هو الاجماع الذي عرفت انه لا يبعد تحققه، وإلا فلا مانع من الالتزام في المرض بما يلتزم به في السفر عملا بظاهر الرواية. والحاصل ان هذا ليس حكما بديهيا ليخدش في الرواية بأنها مشتملة على ما هو مقطوع البطلان فلا يوجب ذلك وهنا فيها بوجه. ومن ذكر كلمة السبع وقد عرفت انها مذكورة في نسخة المقنع بلفظ (عشرة) مع امكان التفكيك في الحجية كما مر. ومحصل الكلام انا لا نرى وجها صحيحا لتضعيف الرواية ولا سيما مع هذا السند العالي المذكور في الكافي فلا وجه للمناقشة فيها بوجه ولعل التضعيف المزبور من غرائب ما صدر عن المحقق وهو أعرف بما قال والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. (1) فلا يجوز الصوم حينئذ حال السفر كما هو المشهور، وقد دلت عليه عدة من الروايات وجملة منها معتبرة. منها صحيحة كرام قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام اني جعلت على نفسي ان أصوم حتى يقوم القائم فقال: صم ولا تصم

[ 439 ]

[ بل الاقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر أيضا (1) ] في السفر. الخ. وموثقة مسعدة بن صدقة في الرجل يجعل على نفسه أياما معدودة مسماة في كل شهر، ثم يسافر فتمر به الشهور، انه لا يصوم في السفر ولا يقضيها إذا شهد. وموثقة عمار عن الرجل يقول لله علي ان الصوم شهرا أو اكثر من ذلك أو أقل فيعرض له أمر لابد له أن يسافر، أيصوم وهو مسافر؟ قال: إذا سافر فليفطر. الخ، ونحوها غيرها (1). ولكنها معارضة بمعتبرة ابراهيم بن عبد الحميد عن الرجل يجعل الله عليه صوم يوم مسمى، قال، يصوم أبدا في السفر والحضر (2)، وبما أن المعارضة بالتباين فتكون صحيحة ابن مهزيار المتقدمة المفصلة بين نية السفر بخصوصه عند النذر فيجوز، وبين الاطلاق وعدم النية فلا يجوز، وجها للجمع بين الطائفتين فتحمل المعتبرة على الفرض الاول، والروايات الاول على الثاني، فتكون النتيجة ان الصوم المنذور غير جائز في السفر ما لم يكن منويا. (1) وان نسب إلى الاكثر جوازه، بل أخذه صاحب الوسائل في عنوان بابه. فقال: (باب جواز الصوم المندوب في السفر على كراهة). ومعلوم ان مراده بالكراهة أقلية الثواب كما هو الحال في ساير العبادات المكروهة.


(1) الوسائل باب 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 9، 10، 8 (2) الوسائل باب 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 7

[ 440 ]

وكيفما كان فيدل على عدم الجواز عدة أخبار: منها صحيح البزنطي قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصيام بمكة والمدينة ونحن في سفر قال: أفريضة؟ فقلت، لا ولكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة، قال: فقال: تقول اليوم وغدا فقلت: نعم، فقال: لا تصم (1). وموثقة عمار عن الرجل يقول: لله علي أن أصوم. إلى أن قال: لا يحل الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، والصوم في السفر معصية (2). وهذه تفترق عن السابقة في عدم امكان الحمل على الكراهة، لمكان التعبير بالمعصية الظاهر في عدم المشروعية، لا مجرد النهي القابل للحمل عليها كما في الاولى. ونحوهما غيرهما، لكنها ضعاف السند، ويعضدهما عمومات المنع، مثل قوله (ع): ليس من البر الصيام في السفر وغير ذلك. وبازائها جملة من الاخبار دلت على الجواز: منها مرسلة اسماعيل بن سهل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج أبو عبد الله (ع) من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان فكان يصوم ثم دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فافطر، فقيل له تصوم شعبان وتفطر شهر رمضان؟ فقال: نعم، شعبان إلي ان شئت صمت وان شئت لا، وشهر رمضان عزم من الله عزوجل على الافطار (3). وهي واضحة الدلالة بل صريحة في الجواز في النافلة، ولكن سندها بلغ من الضعف غايته فان مجموع


(1) الوسائل باب 12 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 2 (2) الوسائل باب 10 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 8 (3) الوسائل باب 12 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 4

[ 441 ]

من في السند ما عدا الكليني وعدة من أصحابنا بين مجهول أو مضعف إذ حال سهل معلوم ومنصور ضعفه أصحابنا كما في النجاشي، وابن واسع مجهول، واسماعيل اما مهمل أو ضعيف مضافا إلى انها مرسلة فلا تصلح للاستناد بوجه. ونحوها مرسلة الحسن بن بسام الجمال (1) المشتملة على نظير تلك القصة، بل الظاهر انها عينها، ولعل الرجل المرسل عنه فيهما واحد. وكيفما كان فهي أيضا ضعيفة بالارسال وجهالة الجمال وضعف سهل. فهاتان الروايتان غير قابلتين للاعتماد، ولا يمكن الجمع بينهما - لو تم سندهما - وبين ما تقدم من الصحيح والموثق بالحمل على الكراهة المنسوب إلى الاكثر واختاره في الوسائل كما مر - لاباء لفظ المعصية الوارد في الموثقة عن ذلك جدا كما تقدم فلابد من تقديمهما على هاتين الروايتين لموافقتهما مع عمومات المنع، إذ ان التخصيص يحتاج إلى الدليل ولا دليل بعد ابتلاء المخصص بالمعارض. والعمدة في المقام صحيحة سليمان الجعفري قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: كان أبي (ع) يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف، ويأمر بظل مرتفع فيضرب له (ع) (2). ولكنها أيضا حكاية فعل مجمل العنوان، إذ لم يذكر وجه صومه (ع)، ولعله كان فرضا ولو بالنذر، فان الصوم يوم عرفة وإن كان مرجوحا لمن يضعف عن الدعاء فيكون هو أهم لدي المزاحمة ولكنه (ع) لم يضعفه، فلعله كان (ع) ناذرا، فليست


(1) الوسائل باب 12 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 5 (2) الوسائل باب 12 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 3

[ 442 ]

[ إلا ثلاثة أيام للحاجة في المدينة (1) والافضل اتيانها في الاربعاء والخميس والجمعة (2). ] هي إلا في مقام بيان أنه (ع) كان يصوم هذا اليوم وأنه مشروع. وأما انه كان فريضة بالنذر ونحوه أو نافلة فلا دلالة لها على ذلك بوجه، فلتحمل على النذر جمعا بينها وبين ما تقدم من المنع عن الصوم في السفر حتى النافلة. ولو سلم فغايته أن يكون يوم عرفة مستثنى عن هذا الحكم فلا تكون الصحيحة دليلا على الجواز في كل يوم على سبيل الاطلاق كما لا يخفى. فتحصل أن الاظهر ما ذكره في المتن من عدم الجواز. (1) بلا خلاف فيه لما رواه الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الاربعاء، وتصلي ليلة الاربعاء عند اسطوانة أبي لبابة، وهي اسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من السماء، وتقعد عندها يوم الاربعاء، تم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ليلتك ويومك وتصوم يوم الخميس ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله، ومصلاه ليلة الجمعة فتصلي عندها ليلتك ويومك، وتصوم يوم الجمعة. الخ وقريب منها ما رواه الكليني بسند صحيح عنه، وما رواه أيضا في الصحيح عن الحلبي المؤيد بالمرسل المروى عن مرار ابن قولويه (1). (2) بل هو الاحوط بل الاظهر، فان النصوص كلها قد وردت


(1) باب 11 من ابواب المزار الحديث 1، 4، 3، و 5

[ 443 ]

[ وأما المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصح صومه ويجزئه (1) ] في هذه الايام الثلاثة بخصوصها، فالتعدي إلى غيرها يحتاج إلى الغاء خصوصية المورد ولا دليل عليه. ودعوى القطع بعدم الفرق لا تخلو من المجازفة، وليست ثمة رواية مطلقة كي يقال ببقاء المطلق على اطلاقه في باب المستحبات، وحمل المقيد على أفضل الافراد. وعليه فلا موجب لرفع اليد عن مطلقات المنع بعد اختصاص التقييد بمورد خاص، فلا مناص من الالتزام بعدم جواز الصيام فيما عدا تلك الايام. (1) فيختص الحكم بالبطلان بالعالم بالحكم كما تقدم نظيره في الصلاة، فكما أنه لو أتم الجاهل بالحكم صحت صلاته، فكذا لو صام، فان الافطار كالقصر والصيام كالتمام. وقد دلت عليه عدة أخبار معتبرة: منها صحيحة العيص عن أبي عبد الله (ع) قال: من صام في السفر بجهالة لم يقضه، وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال: إن كان لم يبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء، وقد أجزأ عنه الصوم. وبهذه الاخبار ترفع اليد عن اطلاق مادل على البطلان كصحيحة معاوية بن عمار قال: سمعته يقول: إذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزئه وعليه الاعادة (1) فتحمل على العالم.


(1) الوسائل باب 2 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 5، 6، 2، 1

[ 444 ]

[ حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة (1) إذ الافطار كالقصر والصيام كالتمام في الصلاة ] (1) تقدم في كتاب الصلاة حكم الجاهل إذا صلى تماما وكانت النتيجة انه ان كان جاهلا بأصل الحكم صحت صلاته حتى إذا انكشف الخلاف في الوقت، فضلا عن خارجه، وهل يستحق العقاب على ترك التعلم؟ فيه كلام مذكور في محله، واما إذا كان عالما بأصل الحكم جاهلا بالخصوصيات، فان كان الانكشاف في الوقت أعاد وان كان في خارجه لحق بالناسي، فلا يجب عليه القضاء. هذا في الصلاة. واما الصوم فبما أنه تكليف وحداني مستوعب للوقت فلا تتصور في مثله الاعادة، وإنما الكلام هنا في القضاء فقط. وقد عرفت ان النصوص المتقدمة وجملة منها صحاح دلت على عدم القضاء على من صام في السفر جهلا، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين الجاهل بأصل الحكم والجاهل بالخصوصيات مثل مالو تخيل عدم كفاية المسافة التلفيقية في التقصير، أو عدم لزوم تبييت النية ونحو ذلك فيصدق انه صام بجهالة حسبما ورد في تلك النصوص، ولا ينافيه ما ورد في البعض الآخر منها من اناطة عدم القضاء بعدم بلوغ نهي رسول الله صلى الله عليه وآله لوضوح ان المراد بلوغ النهي عن شخص هذا الصوم بماله من الخصوصيات لا عن طبيعي الصوم في السفر الذي مرجعه إلى انه ان كان مشرعا في صومه فقد عصى وعليه القضاء وإلا فلا قضاء عليه، ومن المعلوم عدم انطباق ذلك على المقام. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في أن مقتضى اطلاق النص والفتوى عدم الفرق في المقام بين الجهل بأصل الحكم أو بخصوصياته فالاعتبار

[ 445 ]

[ لكن يشترط أن يبقى على جهله إلى آخر النهار واما لو علم بالحكم في الاثناء فلا يصح صومه (1) وأما الناسي فلا يلحق بالجاهل في الصحة (2) ] بنفس العلم والجهل، فان صام عن علم بطل، وان كان عن جهل بأن اعتقد الصحة ولو لاجل الجهل بالخصوصية صح، وهل يعاقب على ترك التعلم؟ فيه بحث وهو كلام آخر كما مر. (1) كما هو الحال في الصلاة أيضا، فكما ان صحتها تماما مشروطة باستمرار الجهل إلى نهاية لعمل لانها واجب واحد ارتباطي فلو التفت في الاثناء فقد أتم بعلم لا بجهالة، ومثله غير مشمول للنصوص فكذلك في الصوم بمناط واحد فلو التفت اثناء النهار قبل الزوال أو بعده فليس له أن يتم صومه إذ لا دليل على جوازه بعد أن كان مأمورا بالافطار بمقتضى اطلاقات السفر واختصاص نصوص الحصة بما إذا تحقق الصيام بتمامه خارجا عن جهل. وبالجملة فالحكم في كلا المقامين مشروط بعدم انكشاف الحال في أثناء العمل. (2) لاختصاص نصوص الصحة بالجاهل، فالحاق الناسي والحكم فيه بالاجزاء يحتاج إلى الدليل وحيث لا دليل فيبقي تحت اطلاقات المنع كما هو الحال في الصلاة، نعم لا حاجة فيها إلى القضاء كما تقدم في محله بخلاف المقام. وكيف كان فمقتضى اطلاقات الكتاب والسنة أن المسافر غير مأمور بالصيام، بل هو مأمور بالافطار والقضاء، فكلما دل الدليل على الصحة يقتصر عليه ويلتزم بالتخصيص وفيما عداه يرجع إلى الاطلاق ولم يرد دليل في الناسي.

[ 446 ]

[ وكذا يصح الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال (1) ] (1) فان مقتضى اطلاق الآية المباركة وكذا نصوص الملازمة بين القصر والافطار وان كان هو عدم الفرق بين ما قبل الزوال وما بعده كما هو الحال في المريض بلا كلام، إلا انه قد وردت عدة روايات دلت على أن الافطار حكم السفر قبل الزوال، وأما من يسافر بعده فيبقى على صومه. والروايات الواردة في المقام على طوائف، كما ان الاقوال في المسألة أيضا كثيرة، فقد نسب إلى جماعة كثيرين من فقائنا الاعاظم قدس سرهم ما ذكره في المتن من التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده، فيصح الصوم في الثاني دون الاول، من غير فرق فيهما بين تبييت النية وعدمه. وذهب جمع آخرون إلى أن العبرة بتبييت النية ليلا من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده، فان بيت نية السفر افطر ولو خرج بعد الزوال وإلا صام وان خرج قبله. وعن الشيخ في المبسوط انه ان خرج بعد الزوال يتم صومه مطلقا، وان خرج قبله يفطر بشرط التبييت والا فيصوم، فخص التفصيل بين التبيبت وعدمه بما قبل الزوال. وعن ابن بابويه والسيد المرتضى (قدهما) ان المسافر يفطر مطلقا قبل الزوال وبعده مع التبييت وعدمه. وهذا القول ضعيف جدا، وان كان يعضده اطلاق الآية المباركة لمنافاته مع جميع اخبار الباب إذ هي على اختلاف السنتها - كما ستعرف - قد دلت على أنه يبقى على صومه في الجملة، غاية الامر

[ 447 ]

انها اختلفت في الخصوصيات وان ذلك بعد الزوال أو بدون التبييت ونحو ذلك، فالافطار المطلق الذي هو ظاهر الآيه مناف لهاتيك النصوص باسرها فهو غير مراد جزما. نعم قد دلت عليه رواية عبد الاعلى مولى آل سام في الرجل يريد السفر في شهر رمضان، قال يفطر وان خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل، المؤيدة بمرسلة المقنع، قال وروي إن خرج بعد الزوال فليفطر وليقض ذلك اليوم (1). أما المرسلة فحالها معلوم، ولعلها ناظرة إلى نفس هذه الرواية وأما الرواية فضعيفة السند من جهة عبد الاعلى فانه لم يوثق. نعم له مدح ذكره الكشي، ولكن الراوي له هو نفسه فلا يعول عليه. على ان الرواية مقطوعة، إذ لم ينسب مضمونها إلى الامام حتى بنحو الاضمار، ولعلها فتوى عبد الاعلى نفسه فهي ساقطة جدا، فكيف يرفع اليد بها عن النصوص المستفيضة كما ستعرف. فهذا القول ساقط جزما، وهناك أقوال أخر لا يهمنا ذكرها. والعمدة ما عرفت من الاقوال الثلاثة، والعبرة بما يستفاد من الروايات الواردة في المقام وهي كما عرفت على طوائف. فمنها ما دل على ان الاعتبار بالزوال فان خرج قبله يفطر وان خرج بعده بقى على صومه. ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك بين تبييت النية وعدمه، وهذه روايات كثيره واكثرها صحاح مثل صحيحة الحلبي عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم قال: فقال: إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وان خرج بعد الزوال فليتم يومه، ونحوها صحيحة


(1) الوسائل باب 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 14، 15

[ 448 ]

محمد بن مسلم، ومصحح عبيد بن زرارة وموثقه (1). ومنها ما دل على أن الاعتبار بتبييت النية، فان بيت ليلا افطر وإلا صام، ومقتضى اطلاقها أيضا عدم الفرق بين ما قبل الزوال وما بعده. وهذه الروايات كلها ضعاف ما عدا صحيحة رفاعة الآتية، وموثقة علي بن يقطين في الرجل يسافر شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال: إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدث نفسه من الليل ثم بدا له السفر من يومه أتم صومه (2). فانها وان كانت مروية بطريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال الذي هو ضعيف لاشتماله على علي بن محمد بن الزبير القرشي، إلا اننا صححنا هذا الطريق أخيرا نظرا إلى ان الشيخ الطوسي يروى كتاب ابن فضال عن شيخه عبد الواحد أحمد بن عبدون، وهذا شيخ له وللنجاشي معا، وطريق النجاشي إلى الكتاب الذي هو بواسطة هذا الشيخ نفسه صحيح. ولا يحتمل ان الكتاب الذي أعطاه للنجاشي غير الكتاب الذي أعطاه للطوسي فإذا كان الشيخ واحدا والكتاب أيضا واحد وكان أحد الطريقين صحيحا فلا جرم كان الطريق الآخر أيضا صحيحا بحسب النتيجة غايته أن لعبد الواحد طرقا إلى الكتاب نقل بعضها إلى الشيخ والبعض الآخر إلى النجاشي، وكان بعضها صحيحا دون الآخر. وقد صرح النجاشي انه لم يذكر جميع طرقه.


(1) الوسائل باب 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 2، 3، 4 (2) الوسائل باب 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 10

[ 449 ]

وكيفما كان فهذه الرواية معتبرة، وما عداها بين مرسل وضعيف وقد وصف في الحدائق رواية صفوان (1) بالصحة، فقال: " وصحيحة صفوان عن الرضا (ع) " (2) مع انها مرسلة. وقد عرضتها على سيدنا الاستاذ دام ظله فلم يجد لها محملا عدا السهو والغفلة - وانما العصمة لاهلها - أما منه أو من النساخ. وكيفما كان فهاتان الطائفتان متعارضتان حيث جعل الاعتبار في أولاها بالزوال سواء بيت النية أم لا بمقتضى الاطلاق، وفي ثانيتهما بالتبييت كان قبل الزوال أم بعده على ما يقتضيه الاطلاق أيضا فتتعارضان لا محالة موردين: أحدهما مالو سافر قبل الزوال ولم يبيت النية فان مقتضى الاولى الافطار، ومقتضي الثانية الصيام. ثانيهما مالو سافر بعد الزوال وقد بيت النية فان مقتضى الاولى الصيام، والثانية الافطار فلابد من رفع اليد عن احدى الطائفتين بعد إن لم يمكن الجمع بينهما وسنتعرض لذلك هذا. وهناك روايات أخرى قد تضمنت طائفة منها ان الاعتبار في الافطار بتحقق السفر خارجا قبل الفجر، فلو سافر بعده يصوم سواء كان قبل الزوال أم بعده، وسواء بيت النية أم لا بمقتضى الاطلاق ومنها موثقة سماعة عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ قال: إذا طلع الفجر ولم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم، وان خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر ولا صيام عليه (3)،


(1) الوسائل باب 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 11 (2) الحدائق الجزء 13 ص 405 (3) الوسائل باب 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 8

[ 450 ]

وطائفة أخرى وهي رواية واحدة تضمنت التخيير بين الافطار والصيام لو سافر بعد الفجر وهي صحيحة رفاعة عن الرجل يريد السفر في رمضان، قال: إذا اصبح في بلده ثم خرج فان شاء صام وان شاء أفطر (1). ولا يخفى ان هذه الروايات المتضمنة للتفرقة بين ما قبل الفجر وما بعده وانه لو سافر بعده يصوم، اما معينا أو مخيرا بينه وبين الافطار لم ينسب القول بمضمونها إلى أحد منا، ولا شك انها منافيه لجميع النصوص المتقدمة المستفيضة فهي معارضة لكلتا الطائفتين فلابد أما من طرحها أو حملها - ولو بعيدا - على من لم يبيت النية لو بنينا على أن العبرة بتبييتها. وعلى أي فالخطب فيها هين. انما المهم العلاج بين الطائفتين المتقدمتين، فقد يقال بتقديم الطائفة الاولى التي جعل الاعتبار فيها بالزوال نظرا إلى انها أصح سندا، وانها مخالفة لمذهب العامة، والطائفة الاخرى موافقة لهم حسبما نقله في الحدائق عن العلامة في المنتهى من أنه حكى عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك والاوزاعي وأبي ثور وجمع آخرين منهم انهم جعلوا الاعتبار في الصيام والافطار بتبييت النية وعدمه. والتحقيق انه لا معارضة بين الطائفتين على نحو تستوجب الرجوع إلى المرجحات لدى التصدي للعلاج، إذ المعارضة إنما نشأت من اطلاق الطائفتين كما سمعت، وإلا فالالتزام بأصل التفصيل المشتمل عليه كل منهما في الجملة مما لا محذور فيه. وعليه فيرفع اليد عن اطلاق الطائفة الاولى الناطقة بالافطار لو سافر قبل الزوال وتحمل على مالو كان مبيتا للنية بشهادة صحيح


(1) الوسائل باب 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 7

[ 451 ]

رفاعة الصريح في وجوب الصوم على من سافر قبل الزوال من غير تبييت، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح، قال: يتم صومه (يومه) ذلك (1). فان قوله (ع): يعرض ظاهر في عروض السفر وحدوث العزم عليه من غير سبق النية فتكون هذه الصحيحة كاشفه عن ان الطائفة الثانيه المتضمنة للتفصيل بين التبييت وعدمه ناظرة إلى هذا المورد، أعني ما قبل الزوال، فيكون الحكم بالصيام لو سافر بعد الزوال الذي تضمنته الطائفة الاولى سليما عن المعارض. ونتيجة ذلك هو التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده وانه في الاول يحكم بالافطار بشرط التبييت، وفي الثاني بالصيام مطلقا. وهذا هو التفصيل المنسوب إلى الشيخ في المبسوط كما سبق وهو الصحيح فيكون الافطار في السفر مشروطا بقيدين: وقوعه قبل الزوال وتبييت النية ليلا، فلو سافر بعده أو سافر قبله ولم يبيت النية بقى على صومه، فتكون هذه الصحيحة وجه جمع بين الطائفتين فلا تصل النوبة إلى إعمال قواعد الترجيح. نعم يتوقف ذلك على رواية الصحيحة بلفظ (حين يصبح) لا (حتى يصبح) كما لا يخفى، ولكن لا ينبغي التأمل في أن الصحيح هو الاول كما هو موجود في الوسائل وفي الوافي، وطريق الفيض (ره) إلى التهذيب معتبر، وان الثاني غلط وان كان مذكورا في نسخة التهذيب المطبوعة حديثا، وفي بعض الكتب الفقهية مثل المعتبر والمنتهى لعدم انسجام العبارة حينئذ ضروره أن من خرج قبل الفجر حتى أصبح وهو مسافر فلا خلاف ولا اشكال في وجوب الافطار عليه، وعدم


(1) الوسائل باب 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 5

[ 452 ]

جواز الصوم حينئذ مورد للاتفاق، فكيف يحكم (ع) بأنه يتم صومه؟! فهذه النسخة غير قابله للتصديق بتاتا. وملخص الكلام ان المعارضة بين الطائفتين معارضة بالاطلاق لا بالتباين بمعنى انه لا يمكن العمل باطلاق كل من الطائفتين، وإلا فأصل التفرقة في الجملة مما لا معارض له، إذ لا مانع من الالتزام بذاتي التفصلين أعني التفكيك بين التبيت وعدمه، وبين ما قبل الزوال وما بعده بنحو الموجبة الجزئية وإنما يمتنع الالتزام بهما على سبيل الاطلاق لما بينهما من التضاد، فالاشكال من ناحيه الاطلاق فقط لا أصل الحكم، فإذا رفعنا اليد عن اطلاق الطائفة الاولى بالنسبة إلى ما قبل الزوال بمقتضى صحيح رفاعة وقيدناه بالتبييت كان الاطلاق في الجملة الثانية من هذه الطائفة. أعني بالنسبة إلى ما بعد الزوال باقيا على حاله وسليما عن المعارض، إذ لو كان الحكم فيها أيضا كذلك لم يكن فرق بين ما قبل الزوال وما بعده مع ان هذه الطائفة صريحة في التفرقة بين الامرين. وعلى الجملة فبهذه العملية الناتجة من بركة صحيحة رفاعة ترتفع المعارضة من البين وكنا قد عملنا بكلتا الطائفتين ففرقنا بين ما قبل الزوال وما بعده بالحكم بالصيام في الثاني مطلقا، وبالافطار في الاول بشرط التبييت، كما وفرقنا أيضا بين التبييت وعدمه حسبما تضمنته الطائفة الثانية بالافطار في الاول دون الثاني لكن في مورد خاص وهو ما قبل الزوال. وهذا نوع جمع بين الاخبار ينحسم به الاشكال. ولو أغمضنا النظر عن هذه الصحيحة كانت النتيجة أيضا كذلك فان المعارضة بين الطائفتين انما هي بالاطلاق لا بالتباين ليرجع إلى

[ 453 ]

المرجحات حسبما عرفت فلا بد إما من رفع اليد عن اطلاق الطائفة الاولى الناطقة بالبقاء على الصوم فيما لو سافر بعد الزوال وتقييدها بمقتضى الطائفة الثانية بما إذا لم يبيت النية، وأما إذا كان ناويا للسفر من الليل فيفطر حينئذ، أو ان نعكس الامر فيبقى هذا الاطلاق على حاله توقيد الطائفة الثانية المفصلة بين تبييت النية وعدمه بما قبل الزوال كي تكون النتيجة انه ان سافر بعد الزوال يصوم مطلقا وان سافر قبله يصوم أيضا ان لم يبيت النية وإلا فيفطر، فأحد هذين الاطلاقين لا مناص من رفع اليد عنه، وظاهر ان المتعين هو الثاني، إذ لا محذور فيه بوجه، ونتيجته ما عرفت بخلاف الاول، إذ نتيجته الالتزام بأنه ان سافر قبل الزوال أفطر مطلقا، وان سافر بعده أفطر بشرط التبييت وإلا بقى على صومه، وهذا مما لم يقل به أحدا أبدا، ولا وجه له أصلا كما لا يخفى، ولا يمكن الحاق ما قبل الزوال بما بعده في الاشترط المزبور، والا بطل الفرق بين ما قبله وما بعده مع ان تلك الطائفة صريحة في التفرقة. وبعبارة أخرى الطائفة الاولى صريحة في التفرقة بين ما قبل الزوال وما بعده في الجملة، كما ان الثانية صريحة أيضا في التفرقة بين التبييت وعدمه في الجملة أيضا ولا موجب لرفع اليد عن أصل التفرقة لعدم المعارضة من هذه الجهة، وانما المعارضة من ناحية الاطلاق فحسب كما مر غير مرة، فلابد من رفع اليد عن احدهما والمتعين ما عرفت لسلامته عن المحذور، بخلاف العكس فانه غير قابل للتصديق. ونتيجة ما ذكرناه ان للافطار قيدين. كون السفر قبل الزوال وكونه مبيتا للنية من الليل فمع فقد أحدهما يبقى على صومه، ومع

[ 454 ]

[ كما انه يصح صومه إذا لم يقصر في صلاته كناوى الاقامة عشرة أيام أو المتردد ثلاثين يوما وكثير السفر والعاصي بسفره وغيرهم ممن تقدم تفصيلا في كتاب الصلاة (1) السادس عدم المرض أو الرمد (2) الذي يضره الصوم ] ذلك كله فالاحوط مع عدم التبيت اتمام الصوم ثم القضاء كما نبهنا عليه في التعليقة. (1) فان السفر الذي يجب فيه الافطار هو السفر الذي يجب فيه القصر، كما ان مالا قضر فيه لا افطار فيه، وقد دل على هذه الملازمة غير واحد من النصوص كصحيحة معاوية بن وهب: إذا قصرت افطرت وإذا افطرت قصرت (1) وغيرها. فهذه قاعدة كلية مطردة، فلو فرضنا انتفاء القصر لجهة من الجهات اما لعدم كونه ناويا للاقامة، أو لانه كثير السفر كالمكاري، أو ان سفره معصية ونحو ذلك مما يتم معه المسافر صلاته وجب عليه الصوم أيضا، وقد ورد التصريح بذلك في عدة من الاخبار الواردة في نية الاقامة وان المسافر لو نوى اقامة عشره أيام أتم وصام، وفيما دونه يقصر ويفطر. وعلى الجملة فهذه الملازمة ثابتة من الطرفين الا ما خرج بالدليل كالسفر بعد الزوال كما تقدم أن بدون تبييت النية على كلام، فان قام الدليل على التفكيك فهو والا فالعمل على الملازمة حسبما عرفت. (2) بلا خلاف فيه، بل هو في الجملة من الضروريات وقد


(1) الوسائل باب 4 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 1

[ 455 ]

[ لايجابه شدته أو طول برئه أو شدة ألمه أو نحو ذلك سواء حصل اليقين بذلك أو الظن بل أو الاحتمال للخوف بل لو خاف الصحيح من حدوث المرض لم يصح منه الصوم ] نطق به قبل النصوص المستفيضة الكتاب العزيز قال تعالى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " بناء على ما عرفت من ظهور الامر في الوجوب التعييني، ولذلك استدل في بعض الاخبار على عدم الصحة من المريض ولزوم القضاء لو صام بالآية المباركة كما في حديث الزهري (1) والنصوص مذكورة في الوسائل باب 20 من ابواب من يصح منه الصوم. هذا ومقتضى اطلاق الادلة عموم الحكم لكل مريض ولكنه غير مراد جزما، بل المراد خصوص المرض الذي يضره الصوم للانصراف أولا، ولاستفادته من الروايات الكثيرة ثانيا، حيث سئل في جملة منها عن حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار؟ فأجاب عليه السلام بألسنة مختلفة مثل قوله (ع): هو أعلم بنفسه إذا قوى فليصم كما في صحيحة محمد بن مسلم، وقوله (ع): هو مؤتمن عليه مفوض إليه فان وجد ضعفا فليفطر وان وجد قوة فليصمه كما ورد في موثقة سماعة، وقوله (ع): الانسان على نفسه بصيرة ذاك إليه هو اعلم بنفسه كما في صحيحة عمر بن اذينة، وغير ذلك (2). فيستفاد من مجموعها انه ليس كل مرض مانعا، وانما المانع خصوص المرض


(1) الوسائل باب 22 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 1 (2) الوسائل باب 20 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 3، 4، 5

[ 456 ]

المضر ولذا احيل تشخيصه إلى المكلف نفسه الذي هو على نفسه بصيرة. ثم انه لا فرق في الضرر بين أقسامه من كونه موجبا لشدة المرض أو طول البرء أو شدة الالم ونحو ذلك للاطلاق. انما الكلام في طريق احراز الضرر، فالاكثر كما حكى عنهم على انه الخوف الذي يتحقق بالاحتمال العقلائي المعتد به وذكر جماعة اعتبار اليقين أو الظن، بل عن الشهيد التصريح بعدم كفاية الاحتمال والصحيح هو الاول لانه مضافا إلى ان الغالب عدم امكان الاحراز والخوف طريق عقلائي كما في السفر الذي فيه خطر تكفينا صحيحة حريز عن أبي عبد الله (ع) قال: الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر (1). فإذا ثبت الاكتفاء بالخوف في الرمد وهو في عضو واحد من الجسد، ففى المرض المستوعب لتمام البدن الذي هو أشد وأقوى بطريق أولى كما لا يخفى. على أن التعبير بالخوف وارد في موثقة عمار أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه، قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروى (2). إذ لا وجه لتخصيص الخوف المذكور فيها بخوف الهلاك بل يعم ما دونه أيضا من خوف المرض والاغماء ونحو ذلك كما لا يخفى. وعلى الجملة فالمستفاد من الادلة ان العبرة بمجرد الخوف، ولا يلزم الظن أو الاطمئنان فضلا عن العلم، بل لا يبعد أن يكون هذا طريقا عقلائيا في باب الضرر مطلقا كما يفصح عنه ما ورد في مقامات


(1) الوسائل باب 19 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 1 (2) الوسائل باب 16 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 1

[ 457 ]

أخر غير الصوم. مثل ما ورد في لزوم طلب الماء وفحصه للمتيمم على الخلاف في مقدار الفحص في الفلاة من أنه يكف عن الفحص إذا خاف من اللص أو السبع، فيدل على سقوطه لدى كونه في معرض الخطر، وإلا فلا علم ولا ظن بوجود اللص أو السبع، ولذا عبر بالخوف. ومثل ما ورد في صحيحتين في باب الغسل من أنه إذا خاف على نفسه من البرد يتيمم، فيكون هذا الخوف بمجرده محققا للفقدان المأخوذ في موضوع وجوب التيمم، ومعلوم انه ليس بمعنى الخوف من الهلاك فقط، بل الغالب فيه خوف المرض والضرر ونحو ذلك. فمن استقصاء هذه الموارد يكاد يطمئن الفقيه بأن الاعتبار بمجرد الخوف وهو كاف في احراز الضرر المسوغ للافطار، ولا يعتبر الظن فضلا عن العلم. بقي هنا شئ وهو ان موضوع الحكم في الكتاب والسنة هو المريض وظاهره - بطبيعة الحال - هو المريض الفعلي كما في المسافر فالمحكوم بالافطار هو من كان مريضا أو مسافرا بالفعل فإذا ما هو الدليل على جواز الافطار للصحيح الذي يخاف من حدوث المرض لو صام؟ الدليل عليه أمران: الاول انه يستفاد ذلك من نفس هذه الاخبار، فان تجويز الافطار للمريض لا يستند إلى مرضه السابق ضرورة عدم تأثيره فيما مضى، إذ لا علاقة ولا إرتباط للصوم أو الافطار الفعليين بالاضافة إلى المرض السابق، وإنما هو من أجل سببية الصوم وايجابه للمرض بقاء بحسب الفهم العرفي، ولا أثر له في رفع السابق كما هو ظاهر.

[ 458 ]

[ وكذا إذا خاف من الضرر في نفسه (1). ] وعليه فلا فرق بين الوجود الثاني والوجود الاول، أي الحدوث لوحدة المناط فيهما. الثاني انه يستفاد ذلك من صحيحة حريز المتقدمة الواردة في الرمد فان قوله (ع): إذا خاف على عينيه من الرمد. الخ ظاهر في الحدوث، أي يخاف انه إذا صام يحدث الرمد، لا أنه يخاف من شدته أو بطئ برئه ونحو ذلك كما لا يخفى. فإذا كان الحكم في الرمد كذلك ففي غيره بطريق أولى. (1) فان المستفاد من بعض الاخبار ان العبرة ليس بالمرض بما هو، بل بالضرر، وانما ذكر المريض في الآية المباركة لانه الفرد الغالب ممن يضره الصوم. وعليه فلو أضره الصوم أفطر وان لم يكن مريضا. مثل ما ورد من الافطار فيمن به رمد في عينه، أو صداع شديد في رأسه ولو يوما واحدا، أو حمى شديدة ولو يوما أو يومين، ومع ان هؤلاء لا يصدق عليهم المريض عرفا إذا لم يكن مستمرا كما هو المفروض، وانما هو أمر موقت عارض يزول بسرعة. ومن هنا يتعدى إلى كل من كان الصوم مضرا به وان لم يصدق عليه المريض كمن به قرح أو جرح بحيث يوجب الصوم عدم الاندمال أو طول البرء ونحو ذلك من انحاء الضرر، ففي جميع ذلك يحكم بالافطار لهذه الاخبار. وبالجملة فبين المرض والافطار عموم من وجه، فقد يكون مريضا لا يفطر لعدم كون الصوم مضرا له، وقد يفطر ولا يصدق

[ 459 ]

عليه المريض كمن به رمد، أو صداع، أو حمى حسبما عرفت. فالعبرة بالضرر وطريق احرازه الخوف كما ذكرناه. وعليه فلو صام المريض مع كون الصوم مضرا به فان كان الضرر بالغا حد الحرمة الشرعية كالالقاء في الهلكة فلا شك في البطلان لانه مصداق للحرام، ولا يكون الحرام واجبا ولا المبغوض مقربا، وأما لو كان دون ذلك كمن يعلم بأنه لو صام يبتلى بحمى يوم أو أيام قلائل وبنينا على عدم حرمة مطلق الاضرار بالنفس، فلو صام حينئذ فالمتسالم عليه بطلان صومه أيضا، فحاله حال المسافر في أن الخلو من المرض ليس شرطا في الوجوب فقط بل في الصحة أيضا. وتدل عليه - بعد الآية المباركة بناء على ما عرفت من ظهور الامر في قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) في الوجوب التعييني - جملة من الاخبار، كموثقة سماعة: ما حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار. الخ (1) حيث عبر بالوجوب. وقد ورد في بعض نصوص صلاة المسافر بعد الحكم بأن الصوم في السفر معصية، ان الله تعالى تصدق على المسافر والمريض بالغاء الصوم والصدقة لا ترد. وقد تقدم في حديث الزهري - وان كان ضعيفا - الاستدلال بالآية المباركة على القضاء فيما لو صام المريض وغير ذلك من الاخبار الدالة على عدم صحة الصوم من المريض والمسافر. وبازائها رواية عقبة بن خالد عن رجل صام شهر رمضان وهو مريض، قال: يتم صومه ولا يعيد يجزيه (2).


(1) الوسائل باب 20 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 4 (2) الوسائل باب 22 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 2

[ 460 ]

[ أو غيره أو عرضه أو عرض غيره أو في مال يجب حفظه وكان وجوبه أهم في نظر الشارع من وجوب الصوم وكذا إذا زاحمه واجب آخر أهم منه (1). ] وهذه الرواية ضعيفة عند القوم لان في سندها محمد بن عبد الله ابن هلال، وعقبة بن خالد وكلاهما مجهولان، ولكنها معتبرة على مسلكنا لوجودهما في اسناد كامل الزيارات فلا نناقش في السند، ولا يبعد حملها على من لا يضربه الصوم كما صنعه الشيخ (قده)، لما عرفت من ان النسبة بين الاطفار والمرض عموم من وجه، فليس الافطار حكما لكل مريض، بل لخصوص من يضره الصوم فيقيد اطلاق الرواية بالمريض الذي لا يضره الصوم. فان أمكن ذلك والا فغايته انها رواية شاذة معارضة للروايات المستفيضة الصريحة في عدم الصحة فلابد من طرحها ولا سيما وان هذه مخالفة لظاهر الكتاب وتلك موافقة له، ولا شك ان الموافقة للكتاب من المرجحات لدى المعارضة. (1) تقدم الكلام فيما لو كان الصوم مضرا بحاله لمرض ونحوه. وأما لو ترتب عليه محذور آخر، كما لو توقف على تركه حفظ عرضه أو عرض غيره أو حفظ مال محترم يجب حفظه كوديعة أو عارية، أو مال كثير جدا بحيث علمنا ان الشارع لا يرضى بتلفه فان حرمة مال المسلم كحرمة دمه، فتوقف حفظه من الغرق أو الحرق مثلا على الافطار، أو توقف حفظ نفسه أو نفس غيره عليه كما لو هدده جائر بالقتل لو صام ونحو ذلك مما كان مراعاته أهم

[ 461 ]

في نظر الشارع من الصوم فلا اشكال ان ذلك من موارد التزاحم، وبما ان المفروض أهمية الواجب الآخر فيتقدم لا محالة. انما الكلام في طريق ثبوت المزاحمة وكيفية احرازها، فهل يكفي فيه مجرد الاحتمال العقلائي المحقق للخوف كما في المرض على ما سبق، أو انه لابد من احراز وجود المزاحم بعلم أو علمي؟؟ الظاهر هو التفصيل بين ما كان الواجب الآخر مما اعتبر فيه عنوان الحفظ كحفظ النفس أو العرض، أو المال ونحو ذلك وبين غيره من سائر الواجبات أو المحرمات كالانفاق على العائلة. ففي الاول يكتفى بمجرد الخوف، لان نفس هذا العنوان يقتضي المراعاة في موارد الاحتمال ضرورة ان ارتكاب شئ يحتمل معه التلف ينافي المحافظة. فلو جعلت الوديعة - مثلا - في معرض التلف لا يصدق انه تحفظ عليها وان لم تتلف اتفاقا. ومن هنا ذكرنا في محله انه لا يجوز كشف العورة في مورد يحتمل فيه وجود الناظر المحترم، بل لابد من الاطمئنان بالعدم، وإلا لم يكن من الذين هم لفروجهم حافظون فتأمل. وعلى الجملة معنى الحفظ الاجتناب عما يحتمل معه التلف، فهو بمفهومه يقتضي الاعتناء بالاحتمال المحقق للخوف. وعليه فيجوز بل يجب الافطار مع الاحتمال لعدم اجتماع الصوم مع الحفظ المأمور به الذي هو أهم حسب الفرض. وأما في الثاني فلا مناص من احراز وجود المزاحم بعلم أو علمي، إذ الصوم واجب ولا يكاد يرتفع وجوبه الا بالتعجيز الحاصل من قبل المولى الذي لا يتحقق الا بالتكليف المنجز دون المحتمل. وبعبارة اخرى انما يرفع اليد في المتزاحمين عن احد الواجبين

[ 462 ]

لا لعدم الجعل فيه من الاول، بل لعدم القدرة على الامتثال بعد لزوم تقديم الاهم، حيث ان امتثاله معجز عن المهم، فإذا لم يكن الاهم واصلا فماذا يكون عذرا في ترك المهم. وعليه فلا يسوغ الافطار الا إذا احرز الواجب الآخر بحجة معتبرة. وكيفما كان فلا اشكال في سقوط التكليف بالصوم فيما لو زاحمه واجب آخر أهم سواء أكان مما اعتبر فيه عنوان الحفظ أم لا، كما لو وقعت المزاحمة بين الصوم وبين الانفاق على العائلة، لان تعلق التكليف بالصوم وجوبا تعينيا حسبما تضمنته الآية المباركة من تقسيم المكلفين إلى أقسام ثلاثة: من يجب عليه الصوم فقط، ومن يجب عليه القضاء، ومن يجب عليه الفداء، كما مرت الاشارة إليه انما هو حكم المكلف ابتداء وإلا فهذا الوجوب كغيره من ساير التكاليف مشروط بالقدرة فإذا كان هناك واجب آخر أهم ولم يمكن الجمع فهو طبعا يتقدم، ومعه يسقط هذا الوجوب لمكان العجز. انما الكلام فيما لو عصى فترك الواجب الاهم وصام فهل يحكم بصحته أولا؟ ظاهر كلام الماتن حيث ذكر هذا - أعني عدم الابتلاء بالمزاحم الاهم - في شرائط الصحة كعدم المرض والسفر هو البطلان فهو شرط في الوجوب والصحة معا لا في الاول فقط. وهذا منه مبني على عدم جريان الترتب وانكاره، إذ عليه يكفي في البطلان عدم تعلق الامر بالصوم، إذ الامر بالشئ يقتضي عدم الامر بضده لا محالة، ولا يتوقف ذلك على دعوى اقتضائه للنهي عن الضد، ولا على دعوى مقدمية ترك أحد الضدين لوجود الضد آخر، بل يكفي في المقام مجرد عدم الامر كما عرفت المستلزم لعدم احراز الملاك أيضا، إذ لا كاشف عنه من غير ناحية الامر والمفروض عدمه،

[ 463 ]

[ ولا يكفي الضعف وان كان مفرطا ما دام يتحمل عادة (1) نعم لو كان مما لا يتحمل عادة جاز الافطار ] فلا يمكن تصحيح العبادة بوجه. وأما بناء على المختار من صحة الترتب وامكانه بل لزومه ووقوعه وان تصوره مساوق لتصديقه حسبما فصلنا القول حوله في الاصول وشيدنا أساسه وبنيانه فلا مناص من الحكم بالصحة بمقتضى القاعدة، إذ المزاحمة في الحقيقة إنما هي بين الاطلاقين لا بين ذاتي الخطابين فلا مانع من تعلق الامر بأحدهما مطلقا، وبالآخر على تقدير عصيان الاول ومترتبا عليه فالساقط إنما هو اطلاق الامر بالمهم وهو الصوم، واما أصله فهو باق على حاله، إذ المعجز ليس نفس الامر بالاهم بل امتثاله. فعلى ما ذكرناه كان الاولى ذكر هذا في شرائط الوجوب لا في شرائط الصحة، فان الوجوب مشروط بعدم المزاحمة بالاهم والا فهذه المزاحمة لا تستوجب فساد الصوم بعد البناء على الترتب. (1) قد يفرض ان الضعف جزئي لا يعتنى به وحكمه ظاهر وأخرى يكون اكثر من ذلك ولكن لا يبلغ حد الحرج، لكونه مما يتحمل عادة وان كان مفرطا، وهذا أيضا لا يضر بالصوم بمتقضى اطلاق الادلة من الكتاب والسنة بعد أن لم يكن المتصف به مريضا حسب الفرض وانما هو صحيح اعتراه الضعف ولم يخرج عن عموم الآية الا المريض والمسافر. وعلى الجملة مجرد الضعف لا يستوجب السقوط ولا سيما مع كثرته في الصائمين، حيث ان الغالب منهم يعتريهم مثل هذا الضعف

[ 464 ]

من جوع أو عطش، خصوصا أيام الصيف البالغة ما يقرب من ست عشرة أو سبع عشرة ساعة، بل سمع في بعض البلدان انه قد يصل طول النهار إلى احدى وعشرين ساعة، ويكون مجموع الليل ثلاث ساعات. وكيفما كان فمقتضى اطلاق الادلة عدم قدح الضعف المزبور كما عرفت. نعم في موثقة سماعة الواردة في حد المرض: " فان وجد ضعفا فليفطر " (1) ولكن من الواضح انه ليس المراد به مطلق الضعف، بل بقرينة المقابلة بقوله (ع) (وان وجد قوة فليصمه) يراد به الضعف عن الصوم الذي هو كناية عن تضرر المريض المفروض في السؤال وانه ممن لا يقوى على الصيام، فمرجع الموثقة إلى تفويض أمر المريض إلى نفسه من حيث تشخيص التمكن من الصيام وعدمه لانه مؤتمن عليه، فان وجد قوة صام وان وجد ضعفا أي لم ير من نفسه قوة على الصيام فليفطر، فلا دلالة لها على ان كل ضعف ولو من غير المريض موجب للافطار بل موضوعه المريض فقط كما هو ظاهر. هذا كله فيما إذا كان الضعف مما يتحمل عادة. وأما إذا لم يتحمل بأن بلغ حد الحرج فلا شك في جواز الافطار حينئذ بمقتضى عموم دليل نفي الحرج، وهو المراد من قوله تعالى: (والذين يطيقونه) فان الاطاقة هو اعمال القدرة في أقصى مرتبتها المساوق للحرج الغالب حصوله في الشيخ والشيخة.


(1) الوسائل باب 20 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 4

[ 465 ]

[ ولو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم ففي الصحة اشكال (1) فلا يترك الاحتياط بالقضاء ] (1) وهو في محله بل لعل الاظهر العدم، فان الحكم بالصحة يتوقف على احد أمرين: اما اثبات تعلق الامر بالصوم، أو ان يستكشف بدليل قطعي أو ما في حكمه انه محبوب وواجد للملاك وان لم يؤمر به لمانع، وشئ منهما لا يمكن احرازه في المقام. أما الامر فواضح ضرورة ان ظاهر الآية المباركة بقرينة المقابلة بين المريض وغيره اختصاص الامر بالصوم بالصحيح الحاضر، فالمريض أو المسافر غير مأمور بذلك جزما. وأما الملاك فلا طريق إلى احرازه - لعدم علمنا بالغيب - إلا من ناحية الامر والمفروض انتفاؤه، وليس المقام من باب المزاحمة قطعا ليكون الملاك محرزا، كيف وفي ذاك الباب قد تعلق تكليفان كل منهما مطلق، غايته انه لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال. واما في المقام فليس الا أمر واحد متعلق بالمقيد بغير المريض والمسافر، ومعه كيف يمكن استكشاف الملاك في فاقد القيد، وإذ لم يثبت الامر ولم يحرز الملاك فلا مناص من الحكم بالبطلان لخروج المريض عن حريم موضوع الامر بالصوم واقعا سواء علم به أم جهل. نعم لو فرضنا ان عدم تعلق الامر بالمريض لم يكن لاجل تقيد موضوع الحكم بعدمه، وإنما كان ذلك مستندا إلى قاعدة نفي الضرر اتجه الحكم بالصحة فيما لو صام باعتقاد عدم الضرر. ومن هنا التزمنا في محله بصحة الوضوء أو الغسل الضرريين فيما إذا اعتقد عدم الضرر وذلك لان هذه القاعدة إنما شرعت بلسان

[ 466 ]

الامتنان ولا امتنان في الحكم بفساد العمل الصادر باعتقاد عدم الضرر بل هو على خلاف الامتنان فلا يكون مشمولا للقاعدة. وبالجملة الضرر الواقعي ما لم يصل لا يكون رافعا للتكليف لعدم الامتنان، فإذا كان التكليف باقيا على حاله وقد أتى به المكلف على وجهه فلا مناص من الحكم بالصحة، وأما في المقام فقد عرفت أن البطلان لم يكن بدليل نفي الضرر وانم هو لاجل التخصيص في دائرة الموضوع وتقييده بغير المريض إذا لا وجه للحكم بصحة صوم المريض، بمجرد اعتقاد عدم الضرر بل لابد أما من الحكم بالبطلان جزما، أو لا أقل من الاحتياط اللزومي كما صنعه في المتن. وملخص الكلام ان الصوم باعتقاد عدم الضرر مع انكشاف الخلاف قد يفرض في موارد التزاحم، واخرى في مورد الحكومة وثالثة في مورد التخصيص. لا اشكال في الصحة في مورد المزاحمة مع الجهل بالاهم، فان المعجز هو التكليف الواصل ولم يصل فيقع المهم على ما هو عليه من المحبوبية وتعلق الامر به، بل هو كذلك حتى مع الوصول والتنجز غايته انه عصى في ترك الاهم فيصح المهم بناء على الترتب. وأما في مورد الحكومة اعني ارتفاع الامر بالصوم بلسان نفي الضرر الحاكم على جميع الادلة الاولية من الواجبات والمحرمات فحاله - مع عدم الاصول كما هو المفروض - حال التزاحم فان تشريع نفي الضرر إنما هو لاجل الامتنان، فكل تكليف من قبل المولى ينشأ منه الضرر فهو مرفوع. وأما لو فرضنا جهل المكلف بكون الحكم ضرريا فامتثله ثم انكشف

[ 467 ]

الخلاف فهو غير مشمول لدليل نفي الضرر إذ لا امتنان في رفعه حينئذ ضرورة استنباد الوقوع في الضرر الواقعي في مثله إلى جهل المكلف نفسه لا إلى الزام الشارع، فنفي الحكم بعد هذا مخالف للامتنان إذ لازمه البطلان ولا امتنان في الحكم بالفساد، فلا مناص من الالتزام بالصحة. وأما في مورد التخصيص الراجع إلى تضييق منطقة الحكم من لدن جعله وثبوته في بعض الموارد دون بعض كما في المقام حيث خصت الآية المباركة التكليف بالصيام بالاصحاء دون المرضى فلو اخطأ المكلف وتخيل عدم مرضه أو عدم الاضرار به فصام ثم انكشف الخلاف فمقتضى القاعدة هو البطلان، لان هذا مأمور واقعا بالافطار والقضاء واجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل ولا دليل. ولو انعكس الفرض فاعتقد ان الصوم مضر ومع ذلك صام ثم انكشف الخلاف فهل يحكم بالصحة أو بالفساد؟ الظاهر هو الحكم بالصحة، لعين ما ذكر لانه مأمور بالصوم واقعا وقد أتى به، فلا قصور لا من ناحية الامر ولا من ناحية الانطباق على العمل، غاية الامر ان الاشكال من جهة النية وتمشي قصد القربة مع اعتقاد الضرر الموجب لاعتقاد سقوط الامر فلابد من فرضه على نحو يتمشى منه ذلك، كما لو تخيل ان رفع الحكم عن المريض ترخيصي لا الزامي فاعتقد انه مخير بين الصوم وعدمه لا أن تركه عزيمة، وإلا فلو لم تصحح النية ولم يقصد القربة بطل العمل لا لخلل فيه في نفسه، بل لامر خارجي وهو فقدان النية كما عرفت، واما مع مراعاتها فلا مناص من الحكم بالصحة.

[ 468 ]

[ وإذا حكم الطبيب بان الصوم مضر وعلم المكلف من نفسه عدم الضرر يصح صومه وإذا حكم بعدم ضرره وعلم المكلف أو ظن كونه مضرا وجب عليه تركه ولا يصح منه (1). ] (1) قد عرفت ان المستفاد من الآية المباركة والروايات ان موضوع الافطار هو المرض ولكن لا من حيث هو بل بما انه مضر فالعبرة في الحقيقة بالضرر، ولذا تقدم ان النسبة عموم من وجه، وقد عرفت ان طريق احرازه الخوف ولكنه غير منحصر فيه. فلو فرضنا ثبوته بطريق آخر من بينة أو نحوها ترتب الحكم لعدم دلالة رواية الارمد على الحصر. وعليه فلو أخبر الطبيب بالضرر وهو حاذق ثقة وجب اتباعه لقيام السيرة العقلائية على الرجوع إلى أهل الخبرة من كل فن. فقول الطبيب حجة وان لم يحصل الخوف، كما انه لو حصل الخوف الوجداني من قوله وان لم يكن حاذقا ترتب الافطار فكما ان الضرر يثبت بالخوف يثبت بقول الطبيب من أهل الخبرة نعم إذا اطمأن بخطأه فضلا عن العلم الوجداني بالخطأ الذي فرضه في المتن لم يسمع قوله، فان قوله بما هو ليس بحجة وإنما هو طريق إلى الواقع فلو علم، بخلافه أو اطمأن بخطأه فليس له الافطار. ولو انعكس الامر فأخبر بعدم الضرر ولكن قام طريق آخر على الضرر وهو خوف المكلف نفسه فضلا عن علمه أو ظنه وجب عليه ترك الصوم حينئذ ولم يصح منه لدلالة النصوص المتقدمة على انه مؤتمن عليه مفوض إليه وإن الانسان على نفسه بصيرة فمع تشخيصه الضرر لا يصغى

[ 469 ]

[ مسألة 1: يصح الصوم من النائم ولو في تمام النهار إذا سبقت منه النية في الليل واما إذا لم تسبق منه النية فان استمر نومه إلى الزوال بطل صومه ووجب عليه القضاء إذا كان واجبا وان استيقظ قبله نوى وصح كما انه لو كان مندوبا واستيقظ قبل الغروب يصح إذا نوى (1). ] إلى قول الطبيب الذي يطمأن بخطأه، بل يكفي مجرد الخوف كما عرفت، لرجوع الامر إلى المكلف نفسه. وعلى الجملة مقتضى اطلاق الادلة ان العبرة بالحالة الوجدانية وبذلك تتقيد حجية قول الطبيب بما إذا لم تكن على خلاف هذه الحالة، فإذا حصل الخوف لم يجز الصوم وان أخبر الطبيب بعدم الضرر، إلا إذا علم وجدانا بعدم الضرر بحيث لا يعتريه الخوف حسبما عرفت. (1) تقدم في مبحث النية: ان النية المعتبرة في باب التروك تغاير ما هو المعتبر في الافعال، فان اللازم في الثاني صدور كل جزء من الفعل عن قصد وارادة مع نية القربة، وأما في الاول فليس المطلوب الا مجرد الاجتناب عن الفعل كما صرح به في صحيحة محمد بن مسلم: (لا يضر الصائم ما صنع إذ اجتنب.. الخ) ومعنى ذلك أن يكون بعيدا عنه وعلى جانب وطرف ولا يقرب منه. وهذا يكفي فيه بناؤه الارتكازي على عدم الارتكاب ولو كان ذلك لاجل عدم الداعي من أصله، أو عدم القدرة خارجا كالمحبوس الفاقد للمأكول أو المشروب فاللازم فيه الاجتناب على نحو لو تمكن

[ 470 ]

[ مسألة 2: - يصح الصوم وسائر العبادات من الصبي المميز على الاقوى من شرعية عباداته ويستحب تمرينه عليها ] من الفعل لم يفعل مع كونه لله. وهذا هو معنى كونه على جانب منه. وهذا المعنى كما ترى لا يتنافى مع النوم بوجه حتى في تمام النهار بشرط سبق النية المزبورة من قبل الفجر، مضافا إلى بعض النصوص المتضمنة ان نوم الصائم عبادة، وإلى جريان السيرة القطعية عليه. وهذا مما لا اشكال فيه. انما الكلام فيما إذا لم يكن مسبوقا بالنية. أما إذا كان الانتباه بعد الزوال، فالظاهر انه لا ينبغي الاشكال في عدم الصحة لا من رمضان ولا من قضائه. نم لا مانع من تجديد النية في الصوم المندوب فان وقته واسع إلى ما قبل الغروب. وأما إذا كان قبل الزوال، فقد ورد النص على جواز تجديد النية ما لم يحدث شيئا في جملة من الموارد، منها القضاء، بل مطلق الواجب غير المعين كما تقدم في محله مفصلا. وأما بالنسبة إلى شهر رمضان فلم يدل أي دليل على جواز التجديد الا في المسافر الذي يقدم أهله ولم يفطر، فالحاق غيره به قياس محض بعد فقد الدليل. فما ذكره الماتن وغيره من الصحة في رمضان إذا انتبه قبل الزوال ونوى لا يمكن المساعدة عليه بوجه، فان الصوم هو الامساك عن نية من الفجر إلى الغروب ولم يتحقق في المقام حسب الفرض، وإجزاء غير المنوي عن المنوي يحتاج إلى دليل ولا دليل إلا في موارد خاصة ليس المقام منها حسبما عرفت.

[ 471 ]

[ بل التشديد عليه لسبع من غير فرق بين الذكر والانثى في ذلك كله (1). ] (1) قد تكرر التعرض لهذه المسألة في مطاوي هذا الشرح غير مرة في باب الصلاة وغيرها، وقلنا ان الصحيح ما ذكره الماتن من شرعية عبادات الصبي واستحبابها، لا لاطلاقات الادلة بدعوى شمولها للصبيان، ولا يرفع حديث الرفع الذي هو في مقام الامتنان الا الوجوب فيبقى الاستحباب على حاله، إذ لا منة في رفع، إذ فيه ان الحديث ناظرا إلى رفع ما قد وضع في الشريعة وان الوضع في مثل قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام.. الخ) ونحو ذلك غير شامل للصبيان. ومن المعلوم ان المجعول والمكتوب وما وضعه الله على عباده حكم وحداني بسيط، فإذا كان هذا المجعول مرفوعا عن الصبي وقلم الكتابة مرفوعا عنه فبأي دليل يكتب الاستحباب والمشروعية. بل لاجل ان الامر بالامر بالشئ أمر بذلك الشئ بحسب المتفاهم العرفي، وقد أمر الاولياء بأمر الصبيان بقوله (ع): (مروا صبيانكم بالصلاوة والصيام) وفي صحيح الحلبي: إنا نأمر صبياننا لخمس سنين وانتم مروهم لسبع سنين، هذا محمول على اختلاف الطاقة حسب اختلاف الصبيان. وكيفما كان فالعمدة في اثبات المشروعية عدم كونها صورية تمرينية هي هذه الاخبار التي تدل على تعلق الامر الشرعي بنفس تلك الافعال بمقتضى الفهم العرفي حسبما عرفت.

[ 472 ]

[ مسألة 3: - يشترط في صحة الصوم المندوب مضافا إلى ما ذكر ان لا يكون عليه صوم واجب من قضاء أو نذر أو كفارة أو نحوها (1). ] (1) يقع الكلام تارة فيما إذا كان عليه قضاء شهر رمضان وأخرى فيما إذا كان عليه صوم واجب آخر غيره من كفارة أو نذر ونحوهما. أما في الاول فلا اشكال في عدم صحة الصوم المندوب لصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن ركعتي الفجر، قال: قبل الفجر - إلى أن قال: أتريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدء بالفريضة، فكأن الحكم في المقيس عليه أمر مقطوع به مفروغ عنه وصحيحة الحلبي المروية عن الكافي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أيتطوع؟ فقال: لا، حتى يقتضي ما عليه من شهر رمضان. المؤيدتين برواية أبي الصباح الكناني عن رجل عليه من شهر رمضان أيام أيتطوع؟ فقال: لا، حتى يقتضي ما عليه من شهر رمضان (1). وان كانت الرواية ضعيفة السند لما مر من ان الراوي عن الكناني وهو محمد بن الفضيل مردد بين الثقة وغيره، ومحاولة الاردبيلي لاثبات أنه محمد بن القاسم بن الفضيل غير مسموعة. وكيفما كان ففي الصحيحتين غنى وكفاية.


(1) الوسائل باب 28 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 1 و 5 و 6

[ 473 ]

وأما في الثاني، أعني غير القضاء من مطلق الصوم المفروض فيستدل له بما رواه في الفقيه باسناده عن الحلبي وباسناده عن أبي الصباح الكناني جميعا عن أبي عبد الله (ع): انه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام وعليه شئ من الفرض (1). فان الفرض المذكور فيها يعم القضاء وغيره، فلابد من الاخذ بهذا الاطلاق لعدم التنافي بينه وبين الصحيحتين المتقدمتين، الواردتين في خصوص القضاء لكونهما مثبتتين، فلا يكون ذلك من موارد حمل المطلق على المقيد كما هو ظاهر. ولكن قد يناقش فيه بأن الموجود في الفقيه شئ آخر غير ما هو المذكور في الوسائل، فان الصدوق قد أخذ الاطلاق في عنوان بابه فقال (باب الرجل يتطوع بالصيام وعليه شئ من الفرض) وقال: وردت الاخبار والآثار عن الائمة عليهم السلام انه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام وعليه شئ من الفرض، وممن روى ذلك الحلبي وابو الصباح الكناني عن أبي عبد الله (ع). ولاجل ذلك احتمل أن يكون المعني بالروايتين في كلامه (قده) هو روايتا الكافي والتهذيب عن الحلبي والكناني المتقدمتان آنفا عن الوسائل (2) الواردتان في القضاء، ولكن الصدوق اجتهد وفهم ان الحكم لا يختص بالقضاء، بل يعم مطلق الفرض. وبعبارة أخرى لم يذكر الصدوق هذا بعنوان الرواية وانما ذكره بعنوان الفتوى، فقال: (باب كذا) وبعده يقول: (وممن روى ذلك..) فمن المحتمل أو المظنون قويا انه يشير إلى الروايتين


(1) الوسائل باب 28 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 2 (2) الوسائل باب 28 من ابواب احكام شهر رمضان حديث 5 و 6

[ 474 ]

الواردتين في خصوص القضاء بعد اعمال الاجتهاد فيهما باستنباط الاطلاق. وعليه فليس في البين دليل يعتمد عليه في الحكم بعدم الجواز في غير القضاء الذي عليه المشهور. اقول الظاهر ان المناقشة في غير محلها، إذ الاحتمال المزبور من البعد بمكان، لتصريحه بأنه وردت به الاخبار والآثار، فكيف يمكن أن يقصد بهذا التعبير الذي هو بصيغة الجمع خصوص هاتين الروايتين المرويتين في الكافي؟ والذي يكشف كشفا قطعيا عن عدم كونه ناظرا إلى هاتين الروايتين أن طريق الصدوق إلى الحلبي بجميع من في سلسلة السند مغاير مغايرة تامة مع طريق الكليني إليه في تمام افراد السند بحيث لا يوجد شخص واحد مشترك بينهما، ومعه كيف يمكن أن يريد به تلك الرواية المروية في الكافي. نعم طريقه إلى الكناني مجهول، وأما إلى الحلبي فصحيح باسناد مباين لاسناد الكليني وان كان طريقه إليه أيضا صحيحا. وكيفما كان فالظاهر أن هذه رواية أخرى ولا مانع من عنوان الباب بنحو ما عرفت بعد أن عقبه بقوله: روى ذلك الحلبي، الظاهر في أن الحلبي روى عين ما ذكره لا مضمون ما عنونه بحيث يكون المروي شيئا آخر هو مدرك استنباطه واجتهاده، فان هذا خلاف الظاهر جدا، والصدوق في عدة موارد من كتاب الفقيه يفعل كذلك بأن يعنون الباب ثم يقول: رواه فلان وفلان. وعليه فالظاهر ان ما في الفقيه رواية أخرى بسند آخر مغايرة لما في الكافي فلا مانع من الاخذ باطلاقها: فما ذكره الماتن تبعا للمشهور من عدم صحة الصوم المندوب ممن عليه مطلق الفرض

[ 475 ]

[ مع التمكن من أدائه واما مع عدم التمكن منه كما إذا كان مسافرا وقلنا بجواز الصوم المندوب في السفر أو كان في المدينة واراد صيام ثلاثة أيام للحاجة فالاقوى صحته (1) ] هو الصحيح. (1) بعد الفراغ عن عدم جواز الصوم المندوب ممن عليه الواجب اما مطلقا أو خصوص القضاء على الخلاف المتقدم، فهل يختص ذلك بمن كان متمكنا من أداء الواجب، أو يعم غير المتمكن سواء كان عدم التمكن مستندا إلى اختيار المكلف نفسه فله تحصيل القدرة لكون مقدمتها اختيارية كما لو كان مسافرا يتمكن من قصد الاقامة والاتيان بالصوم الواجب بعد ذلك، أم كان العجز لامر خارج عن الاختيار كما لو كان الواجب عليه صوم الكفارة شهرين متتابعين ولم يتمكن من ذلك لحلول شهر رمضان خلالهما المانع من حصول التتابع فهل يجوز له حينئذ التصدي للصوم المندوب؟؟ لعل المعروف هو الجواز، ولكن ناقش فيه بعضهم، منهم صاحب الجواهر (قده) نظرا إلى اطلاق دليل المنع الشامل لصورتي التمكن من أداء الواجب وعدمه. ولا يبعد ان ما ذكره المشهور هو الصحيح لانصراف الدليل إلى فرض التمكن، فكأن الامام (ع) في مقام بيان قضية معروفة في الاذهان بحكم الارتكاز من أولوية الفريضة وعدم مزاحمتها بالنافلة وإن تفريغ الذمة من الواجب أهم من الاشتغال بالمستحب لا أن ذلك مجرد تعبد صرف.

[ 476 ]

[ وكذا إذا نسي الواجب وأتى بالمندوب فان الاقوى صحته إذا تذكر بعد الفراغ (1) ] ومن الواضح ان مورد الارتكاز هو من كان متمكنا من الواجب ولا يعم العاجز بوجه، فدليل المنع منصرف عنه بطبيعة الحال. (1) كما هو المشهور أيضا لما عرفت من الانصراف إلى فرض التمكن المنتفي لدى النسيان. هذا وصاحب الجواهر وافق المشهور هنا، فانه وإن احتمل العدم لكنه أخيرا أفتى بالصحة، وحينئذ يسأل عن الفارق بين المقام وبين عدم التمكن من غير ناحية النسيان حيث خالف المشهور ثمة كما مر ووافقهم فيما نحن فيه. والظاهر أن نظره الشريف في التفرقة إلى أن الموضوع في النهي عن صوم التطوع هو من عليه القضاء أو من عليه الفرض كما تضمنته النصوص، وهذا الموضوع مطلق يشمل صورتي التمكن من أداء الفريضة وعدمه، فان العجز عن الاداء مانع خارجي لا يوجب سقوط التكليف غايته انه لا يتمكن من امتثاله فعلا، فالمسافر لم يسقط عنه وجوب القضاء بسفره ولكن لا يمكن ايجاده فعلا. لان السفر مانع عن الصحة، فالواجب مشروط بقصد الاقامة أو دخول البلد وبما أنه موسع يجوز له التأخير، لا أن الوجوب مشروط بشئ فأصل الوجوب موجود بالفعل ومتحقق في صورتي التمكن الفعلي من اداء الواجب وعدمه، فلاجله يشمله اطلاق النهي عن التطوع لصدق أن عليه الفرض كما عرفت، والانصراف الذي يدعيه المشهور يمنعه (قده).

[ 477 ]

[ واما إذا تذكر في الاثناء قطع (1) ويجوز تجديد النية حينئذ ] وهكذا الحال فيمن لم يتمكن من التتابع لدخول شعبان، فان التكليف بالكفارة لم يسقط، غايته انه يجب الامتثال متأخرا، فالتكليف بالكفارة أو القضاء موجود لكن مشروطا لا مطلقا فيشمله اطلاق الدليل حسبما عرفت. وأما في فرض النسيان فالتكليف غير موجود من أصله لامتناع توجيه الخطاب نحو الناسي فهو مرفوع عنه حتى واقعا ما دام ناسيا لحديث رفع النسيان، فيختص وجوب القضاء كساير التكاليف بغير الناسي. فهو إذا لا قضاء عليه وليس عليه فرض، فلا يشمله دليل النهي عن التطوع ممن عليه القضاء، أو من عليه الفرض. وعلى الجملة النسيان يوجب رفع التكليف من أصله، وبعد الذكر يحدث تكليف جديد - وأما العجز عن الفرد مع سعة الوقت كما هو الفرض، فهو لا يوجب سقوط التكليف من الاصل حتى ما دام العجز باقيا، غايته انه لا يتمكن من الاتيان فعلا، فان متعلق التكليف هو الطبيعي لا خصوص هذا الفرد الذي هو مورد للعجز كما هو الحال في الصلاة، فانه لو عجز عن الاتيان بتمام أجزائها في ساعة معينة لم يستوجب ذلك سقوط الامر كما هو ظاهر. وكيفما كان فما ذكره المشهور من الصحة في كلتا الصورتين أعني صورتي العجز والنسيان هو الصحيح لما عرفت من الانصراف وان كان الامر في النسيان اظهر من غيره حسبما بيناه: (1) لصدق ان عليه الفرض بعدما تذكر فيشمله اطلاق النهي

[ 478 ]

[ للواجب مع بقاء محلها كما إذا كان قبل الزوال ولو نذر التطوع على الاطلاق صح وان كان عليه واجب فيجوز ان يأتي بالمنذور قبله بعد ما صار واجبا وكذا لو نذر اياما معينة يمكن اتيان الواجب قبلها واما لو نذر اياما معينة لا يمكن اتيان الواجب قبلها ففي صحته اشكال من انه بعد النذر يصير واجبا ومن ان التطوع قبل الفريضة غير جائز فلا يصح نذره ولا يبعد ان يقال انه لا يجوز بوصف التطوع وبالنذر يخرج عن الوصف ويكفي في رجحان متعلق النذر رجحانه ولو بالنذر وبعبارة اخرى المانع هو وصف الندب وبالنذر يرتفع المانع (1) ] عن التطوع فليس له الاتمام ندبا وحينئذ فان كان التذكر قبل الزوال جاز له تجديد النية والعدول به إلى القضاء لما عرفت في محله من التوسعة في أمر النية بالنسبة إليه بل حتى لو كان عازما على عدم الصوم فبدا له فيه ولم يحدث شيئا، فانه يجوز التجديد فيما بينه وبين الزوال. وأما إذا كان التذكر بعد الزوال فقد فات محل العدول إليه فلا مناص من رفع اليد والحكم بالبطلان لما عرفت من عدم جواز الاتمام ندبا بعد أن كان مشمولا لاطلاق دليل النهي. (1) نذر التطوع ممن عليه الفرض على أقسام ثلاثة: فتاره يتعلق النذر بالطبيعي كأن يصوم يوما من هذا الشهر أو

[ 479 ]

من هذه السنة، فكان المتعلق مطلقا وهو متمكن من تفريغ الذمة عن الفرض، ثم الاتيان بالمنذور، واخرى يتعلق بشخص يوم معين كالعاشر من هذا الشهر مثلا مع فرض التمكن المزبور، وثالثة يتعلق بالشخص، ولا يمكن اتيان الواجب قبله كما لو نذر أول شعبان ان يصوم يوم العاشر منه، وعليه من القضاء خمسة عشر يوما. لا اشكال في صحة النذر وانعقاده في القسمين الاولين لان متعلقه مقدور عقلا وراجح شرعا، ومن الواضح ان اشتغال الذمة بالواجب ان كان مانعا فانما يمنع عن جواز التطوع قبل تفريغ الذمة عن الفريضة لا عن صحة النذر من أصله، فلا يتصور في البين أي موجب لبطلان النذر، وإنما الكلام في أنه هل يجوز الاتيان بالمنذور قبل الواجب كما اختاره في المتن أو انه يتعين العكس وستعرف الحال في ذلك. وأما في القسم الثالث ففي انعقاد النذر اشكال من أن متعلقه ليس براجح لولا النذر لكونه من التطوع في وقت الفريضة، فهو غير مشروع في نفسه ومن انه بالنذر يخرج عن وصف التطوع ويصير واجبا، ويكفي في رجحان المتعلق رجحانه ولو بالنذر، وهذا هو الذي اختاره الماتن أخيرا، وقد عنون (قده) المسألة هنا وفي باب الصلاة بناء على عدم جواز التطوع في وقت الفريضة في الصلاة أيضا كما قد تدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة: أتريد أن تقايس. الخ وعبارته (قده) في كلا المقامين قاصرة، إذ لا شك ولا ريب في أن الرجحان لابد وان يكون مع قطع النظر عن النذر وإلا لجاز تعلق النذر بكل ما هو غير مشروع في نفسه كالصلاة بغير وضوء أو إلى غير القبلة بل بكل ما هو منهي عنه كالكذب وشرب الخمر، فيقال انه راجح من قبل النذر وهذا مما لا يلتزم به أي فقيه، بداهة ان غير المشروع

[ 480 ]

لا يكون مشروعا بالنذر، إذ كيف يجعل لله ما يبغضه الله، أو لم يرده الله كصلاة ست ركعات بسلام واحد مثلا. وهذا واضح لا يحتاج إلى دليل. ولذا كتبنا في التعليقة في بحث الصلاة ان في العبارة قصورا، وهذا الظاهر غير مراد جزما، بل يريد أن متعلق النذر راجح في نفسه، وإنما كان هناك أمر آخر موجبا لعدم جوازه وهو يرتفع بالنذر تكوينا كما سيتضح ذلك إن شاء الله تعالى. وكيفما كان فإذا بنينا على صحة النذر في القسم الاخير فالامر في الاولين واضح، إذ الاشكال فيهما لم يكن إلا من ناحية جواز الاتيان بالمنذور قبل الواجب، وإلا فقد عرفت أن النذر فيهما منعقد في نفسه قطعا، فإذا بنينا على الصحة هنا المستلزم لجواز ايقاع المنذور قبل الواجب مع الضيق ففيهما - مع سعة الوقت - بطريق أولى. وأما إذا بنينا هنا على عدم الصحة نظرا إلى اعتبار الرجحان اللازم حصوله قبل النذر المفقود في المقام لعدم كون العمل قابلا للتقرب بعد كونه مبغوضا للمولى لكونه من التطوع في وقت الفريضة المنهى عنه. فهل الامر في القسمين الاولين أيضا كذلك فلا يصح الاتيان بالمنذور خارجا قبل تفريغ الذمة عن الفريضة وان كان النذر في حد نفسه صحيحا كما عرفت أو انه يصح؟ اختار الثاني في المتن نظرا إلى انه بعد فرض صحة النذر فما يأتي به مصداق للمنذور الذي هو محكوم بالوجوب وليس من التطوع في شئ فلا تشمله الادلة الناهية عن التطوع في وقت الفريضة. ولكن قد يناقش فيه بانه بناء على عدم الصحة في القسم الاخير لا يصح ذلك في الاولين أيضا، لان تعلق النذر بالتطوع قبل

[ 481 ]

الفريضة لو كان ممنوعا كما هو المفروض في هذا المبنى لم يكن ذلك مشمولا للاطلاق أيضا، فلا محالة يتقيد المنذور بالتطوع المأتي به بعد الفريضة فلابد من الاتيان بالواجب من باب المقدمة ليتمكن من الوفاء بالنذر. ومعه كيف يكون مصداقا للواجب حتى يقال انه ليس بتطوع وهكذا الحال في القسم الثاني فان نذر اليوم المعين لا يمكن ان يشمل اطلاقه الاتيان به قبل الواجب، بل لابد من تقييده بما بعده، فلو أتى به قبله لم يكن وفاء للنذر. وعلى الجملة إذا كان تقييد النذر بالاتيان بالمنذور قبل الفريضة ممتنعا كان الاطلاق أيضا ممتنعا فلا مناص من التقييد بالخلاف. ومن أجله لم يسغ له التقديم على الواجب. أقول هذه دعوى كبروية وهي استلزام استحالة التقييد استحالة الاطلاق قد تعرضنا لها في الاصول في بحث التعبدي والتوصلى وانكرنا الاستلزام، بل قد يكون التقييد مستحيلا والاطلاق ضروريا وقد ينعكس، فلا ملازمة بين الامكانين في شئ من الطرفين، لان التقابل بين الاطلاق والتقييد ليس من تقابل العدم والملكة، وإن أصر عليه شيخنا الاستاذ (قده) وإنما هو من تقابل التضاد، فان معنى الاطلاق ليس هو الجمع بين القيود ولحاظها بأجمعها، بل معناه رفض القيود برمتها وعدم دخالة شئ من الخصوصيات في متعلق الحكم بحيث لو أمكن بفرض المحال وجود الطبيعة معراة عن كل خصوصية لكفى، فالحاكم اما ان يلاحظ القيد أو يرفضه ولا ثالث. وعلى تقدير تسليم كونه من تقابل العدم والملكة فالامر أيضا كذلك. أي لا ملازمة بين الامرين، وان اعتبرت معه قابلية المحل فان قابلية كل شئ بحسبه، والقابلية الملحوظة هنا نوعية لا شخصية

[ 482 ]

وإلا لاتجه النقض بعدة موارد ذكرنا أمثلتها في الاصول كالعلم والجهل والغنى والفقر، والقدرة والعجز، فان التقابل بين هذه الامور من العدم والملكة مع أن استحالة بعضها تستلزم ضرورة الآخر، فان علمنا بذات الباري مستحيل والجهل به ضروري، وغنانا عنه تعالى مستحيل والفقر ضروري، كما ان القدرة على الطيران إلى السماء مستحيل والعجز ضروري والحل ما عرفت من أن القابلية النوعية كافية وان تعذرت الشخصية فان علم الممكن بنوع المعلومات ممكن وان كان علمه بشخص ذاته تعالى مستحيلا، وكذا الحال في ساير الامثلة. وعلى الجمله فمعنى الاطلاق رفض القيود لا الجمع بينها، وعليه فقد تعلق النذر في المقام بطبيعي التطوع غير الملحوظ فيه الوقوع قبل الواجب أو بعده بتاتا، ولا ريب ان هذا الطبيعي مقدور له وإن كان بعض أفراده غير مقدور قبل فعلية النذر ضرورة ان الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور، وبعد انعقاد النذر ينقلب غير المقدور إلى المقدور وينطبق عليه الطبيعي المنذور بطبيعة الحال، إذ متعلق النذر هو نفس الطبيعي لا المقيد بما بعد الفريضة، وبعد صحة النذر يتصف بالوجوب فيخرج عن كونه تطوعا في وقت الفريضة. وبعبارة أخرى إذا لم يؤخذ قيد في متعلق النذر كما هو الفرض وكان لا بشرط فبعد أو طرأ عليه وصف الوجوب خرج عن موضوع التطوع في وقت الفريضة، ومعه لامانع من الاتيان به قبل الواجب بعد أن كان بنفسه مصداقا للواجب: نعم لو قلنا بأن استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق لاشكل الامر، إذ المنذور يتقيد لا محالة بما بعد الفريضة فلا ينطبق على المأتي به قبلها.

[ 483 ]

فتحصل من جميع ما سردناه ان ما ذكره الماتن من جواز الاتيان بالمنذور قبل الفريضة هو الصحيح، فان الاطلاق مرجعه إلى رفض القيود لا الجمع بينها، فمركز التكليف هو الطبيعي الجامع المنطبق على الافراد الخارجية، وما يؤتى به خارجا انما هو مصداق للطبيعي المأمور به، وليس هو بنفسه واجبا، ولا يستكشف وجوب الفرد بماله من الخصوصية حتى بعد الانطباق لما عرفت من تعلق الامر بالكلي الجامع، فإذا فرضنا ان بعض أفراده لم يكن مقدورا قبل النذر ولكنه مقدور بعده ينطبق الطبيعي عليه بطبيعة الحال، وقد عرفت ان الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور، فإذا كان الجامع مقدورا وتعلق به النذر والمأمور به هو الطبيعي الملغي عنه كل خصوصية فهو لا محالة قابل للانطباق على ما يؤتى به بعدها بمناط واحد، فان الممنوع انما هو التطوع، وهذا وان كان تطوعا قبل النذر ولكنه ليس منه بعده بوجه، فلا وجه لتقييد متعلق النذر بما بعد الفريضة أبدا بعد ان لم يكن هناك مانع من التطبيق على كل منهما. أما الكلام في القسم الاخير، أعني مالو تعلق النذر بالتطوع في يوم معين ولم يمكن اتيان الواجب قبله فالظاهر هو الانعقاد كما ذكره الماتن، لا لما يترائى من ظاهر عبارته من كفاية الرجحان الآتي من قبل النذر إذ قد عرفت ما فيه انه غير قابل للتصديق بوجه بل لثبوت الرجحان في متعلق النذر في نفسه، غير انه مقترن بمانع يرتفع بعد النذر تكوينا. وتوضيحه انه قد يفرض تعلق النذر بعنوان التطوع بما هو تطوع بحيث يكون الوصف العنواني ملحوظا حين النذر فيجعل لله على نفسه أن يأتي خارجا بما هو مصداق للتطوع بالفعل، وأخرى متعلق بذات

[ 484 ]

ما هو تطوع في نفسه وان كان الوصف مخلوعا عنه فعلا. أما الاول فهو نذر لامر مستحيل سواء كانت الذمة مشغولة بالفريضة وكان عليه صوم واجب أم لا، ضرورة ان المنذور يجب الوفاء به بعد انعقاد النذر، فينصف فعلا بصفة الوجوب بطبيعة الحال. ومعه كيف يمكن الاتيان به بالفعل على صفة التطوع والاستحباب فان الوجوب والاستحباب متضادان لا يمكن اجتماعهما بحدهما في موضوع واحد. فلو نذر الاتيان بنافلة الليل مثلا على قيد الاستحباب الفعلي فهو نذر لامر غير مقدور، فلا ينعقد النذر في نفسه، بل هو باطل فليس هذا الفرض محل كلامنا، وهذا ظاهر جدا. فلا مناص من فرض تعلق النذر على الوجه الثاني، أعني تعلقه بما هو تطوع في ذاته، ومع قطع النظر عن النذر فان الصوم كذلك فانه عبادة في نفسه وجنة من النار، كما ان الصلاة خير موضوع وقربان كل تقي، فهو أمر عبادي وراجح في حد نفسه، غير ان التصدي إلى هذه العبادة ممنوع ممن عليه الفريضة لما دل على النهي عن التطوع من مثل هذا الشخص. ولكن الظاهر من دليل النهي اختصاصه بما هو تطوع بالفعل لظهور القضايا بأسرها في الفعلية، فالممنوع هو الموصوف بالتطوع فعلا وحين الاتيان به خارجا لا ما هو كذلك شأنا وذاتا، وبما أن النذر بوجوده الخارجي يزيل هذا الوصف تكوينا ويوجب قلب التطوع فرضا والندب وجوبا، فأي مانع من انعقاده وصحته بعد ارتفاع المانع بطبيعة الحال. غايته ان من عليه الفريضة قد أتى بما هو تطوع في طبعه وفي حد نفسه. وهذا غير مشمول لدليل النهي قطعا حسبما عرفت آنفا

[ 485 ]

[ مسألة 4: الظاهر جواز التطوع بالصوم إذا كان ما عليه من الصوم الواجب استيجاريا (1) وان كان الاحوط تقديم الواجب. ] فانه مخصوص بالتطوع الفعلي وهو منفي تكوينا وعلى الجملة فلا منافاة بين متعلق النذر وبين متعلق دليل النهي ولا مصادمة بينهما بوجه. والظاهر ان هذا هو مراد الماتن (قده)، وان كانت العبارة قاصرة هنا وفي باب الصلاة، فيكفى الرجحان حين العمل، ولا يلزم الرجحان الفعلي حين النذر، فلو كان راجحا في نفسه آنذاك مقرونا بمانع فعلي يزول تكوينا بالنذر بحيث يتصف النذر بالرجحان الفعلي حين الاتيان به خارجا لكفى. ونظير ذلك مالو علم المريض من نفسه انه لو نذر صوم الغد يزول مرضه تكوينا بحيث يرتفع المانع بنفس وجود النذر خارجا فهل ترى أن هناك مانعا من انعقاد النذر وصحته؟ كلا، فانه وان لم يكن راجحا فعلا حين النذر لعدم مشروعية الصوم حال المرض إلا انه راجح ذاتا، فانه جنة من النار، والمفروض ارتفاع المانع بنفس النذر حسبما عرفت. (1) بل لا ينبغي الاشكال فيه لانصراف نصوص المنع عن التطوع ممن عليه الفرض عن مثل المقام حتى لو بنينا على التعدي لمطلق الفرض ولو كان من غير قضاء رمضان، لظهور قوله عليه السلام في صحيح الحلبي المتقدم ". لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان. الخ "

[ 486 ]

وكذا في رواية الكناني ". وعليه شئ من الفرض. الخ " فيما إذا كان الصيام واجبا على المتطوع بنفسه، لا ما إذا وجب على الغير وكان الواجب على هذا تفريغ ذمته بالنيابة عنه بمقتضى عقد الاستيجار فان النائب يؤدي ما هو فرض غيره. ولا يجب عليه بالاستيجار إلا ذلك، أي قصد النيابة عنه، فليس عليه صوم أبدا، ومثله خارج عن منصرف النصوص المتقدمة، ونحوه مالو استأجره الولي أو الوصي احتياطا فوجبت عليه النيابة بالاستجار سواء كان الصيام واجبا واقعا على المنوب عنه أم لا. وعلى الجملة بناء على التعدي فانما يتعدى إلى مورد يكون الصوم واجبا على نفس المتطوع، وأما إذا لم يكن الصوم صومه وان وجب عليه الاتيان بصوم شخص آخر فالدليل منصرف عنه جزما، فلا ينبغي التأمل في جواز التطوع من الاجير كما ذكره في المتن. هذا تمام الكلام في شرائط صحة الصوم، ويقع الكلام بعد ذلك في شرائط وجوب الصوم ان شاء الله تعالى.

[ 487 ]

والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. حرره بيمناه الدائرة شرحا على العروة الوثقى تقريرا لابحاث سيدنا الاستاد زعيم الحوزة العلمية ومرجع الطائفة فخر الشيعة ومحيي ونبينا محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. حرره بيمناه الدائرة شرحا على العروة الوثقى تقريرا لابحاث سيدنا الاستاد زعيم الحوزة العلمية ومرجع الطائفة فخر الشيعة ومحيي الشريعة المحقق الاوحدي سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي متع الله الاسلام والمسلمين بطول بقائه الشريف تلميذه الاقل العبد الجاني الفاني مرتضى خلف العلامة الفقيه الورع الثبت سماحة آية الله الكبرى الحاج الشيخ علي محمد البروجردي النجفي دام ظله في جوار القبة العلوية على مشرفها آلاف الثناء والتحيه وكان الفراغ في يوم الاحد الخامس من شهر ربيع الثاني سنة 1394 ه‍

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية