الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصلاة - السيد الخوئي ج 8

كتاب الصلاة

السيد الخوئي ج 8


[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (12) مستند العروة الوثقى محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله العالي كتاب الصلاة للعلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مرتضى البروجردي الجزء الثامن

[ 4 ]

سنة الطبع 1367

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين

[ 7 ]

(فصل) في صلاة المسافر لا اشكال في وجوب القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط الآتية (1)،


(1): - لا اشكال كما لا خلاف بين المسلمين في مشروعية التقصير للمسافر لدى استجماع الشرائط الآتية في الجملة وان وقع النقاش من بعضهم في بعض الخصوصيات. كما لا اشكال ولا خلاف أيضا بين الخاصة في وجوب ذلك - مع مراعاة تلك الشرائط على اجمالها - وان التشريع على سبيل العزيمة لا الترخيص. ويدل على ذلك مضافا إلى الاجماع بل الضرورة النصوص الكثيرة المتظافرة جدا التي لا يبعد دعوى بلوغها حد التواتر كما لا يخفى على من لاحظها. وربما يستدل له بالكتاب العزيز، قال تعالى: وإذا ضربتم في الارض

[ 8 ]

فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ان يفتنكم الذين كفروا.. الآية (1). وفيه انها غير دالة على المشروعية فضلا عن الوجوب، فانها ناظرة إلى صلاة الخوف والمطاردة بقرينة التقييد بقوله تعالى: إن خفتم وما ورد في الآية الاخرى المتصلة بها من بيان كيفية هذه الصلاة فالمراد من الضرب في الارض الضرب إلى القتال والحركة نحو العدو، ولا مساس لها بالضرب لاجل السفر، فهي اجنبية عن صلاة المسافر بالكلية. ومع الغض عن ذلك وتسليم كونها ناظرة إلى صلاة المسافر فغايته الدلالة على اصل المشروعية لمكان التعبير بنفي الجناح دون الوجوب. نعم طبق الامام (ع) هذه الآية المباركة على صلاة المسافر في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وبين أن المراد بها الوجوب مستشهدا بنفي الجناح الوارد في آية السعي. قالا: قلنا لابي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي؟ فقال: إن الله عزوجل يقول: وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة. فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا له: قال الله عزوجل: وليس عليكم جناح، ولم يقل افعلوا. فكيف أوجب ذلك فقال: أو ليس قد قال الله عزوجل في الصفا والمروة: فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما، ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض، لان الله عزوجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه صلى الله عليه وآله وكذلك التقصير في السفر شئ صنعه النبي صلى الله عليه وآله وذكره الله تعالى


(1) سورة النساء الآية 101.

[ 9 ]

باسقاط الركعتين الاخيرتين من الرباعيات (1)، واما الصبح والمغرب فلا قصر فيهما، واما شروط القصر فامور: في كتابه.. الخ (1). ولعل التعبير بنفي الجناح في الموردين لاجل وقوعه موقع توهم الحظر حيث ان اهل الجاهلية كانوا يعبدون ما على الصفا والمروة من الاصنام ولاجله قد يتوهم الحظر في الطواف بهما، كما ان الصلاة الواجبة على الحاضر اربع ركعات فربما يتوهم الحظر في تقصير المسافر فدفعا للتوهمين عبر بنفي الجناح. وكيفما كان فالآية في حد نفسها مع قطع النظر عن الروايات غير ظاهرة في الوجوب فيما نحن فيه كما ذكرناه وان كان الحكم مسلما بل ضروريا بمقتضى النصوص المتظافرة بل المتواترة كما مر. (1): - لا اشكال كما لا خلاف في ان المراد بالتقصير الوارد في الكتاب والسنة هو اسقاط الركعتين الاخيرتين من الرباعيات دون غيرها من المغرب والفجر، كما نطقت به النصوص الكثيرة الواردة في المسافر. وتدل عليه صريحا صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) انه قال: عشر ركعات ركعتان من الظهر وركعتان من العصر وركعتا الصبح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الاخيرة لا يجوز فيهن الوهم.. إلى أن قال فرضها الله عزوجل إلى أن قال فزاد صلى الله عليه وآله في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة وركعة في المغرب للمقيم والمسافر (2).


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب صلاة للمسافر، ح 2. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها، ح 12.

[ 10 ]

الاول: المسافة وهي ثمانية فراسخ امتدادية ذهابا وايابا (1) حيث دلت على ان الفرض الاولي في جميع الصلوات ركعتان وان النبي صلى الله عليه وآله زاد المقيم فقط ركعتين في الظهر والعصر والعشاء، وله للمسافر ركعة في المغرب. ومنه يظهر ان الوجه في اطلاق القصر على صلاة المسافر هو الاقتصار في صلاته على الفرض الاولي الالهي والاكتفاء بتلك الركعتين، وإلا فلم يفسر القصر صريحا في مورد وان المراد به التقليل في الركعة أو الركعتين أو جزء معين. ويدل عليه أيضا الروايات الواردة في اقتداء الحاضر بالمسافر أو العكس، وانه عند كون الامام مسافرا يسلم على الركعتين ويقدم احد المأمومين مكانه ويستنيبونه عنه. مضافا إلى المعهودية الخارجية والتسالم المقطوع به في كيفية التقصير. هذا كله في اصل وجوب التقصير على المسافر. واما شروطه فامور حسب ما ذكره في المتن. (1): - لا اشكال كما لا خلاف بين المسلمين - إلا من شذ من العامة - في اعتبار المسافة وانها ثمانية فراسخ لا اقل من ذلك ولا اكثر - حدا -. والنصوص بها متكاثرة، بل لعلها متواترة ولو اجمالا وفيها الصحاح والموثقات على اختلاف السنتها من التعبير بثمانية فراسخ أو بريدين - وكل بريد اربعة فراسخ - أو اربعة وعشرين ميلا - وكل فرسخ ثلاثة اميال - أو السير في بياض النهار المنطبق في السير العادي على ثمانية فراسخ. ففي موثقة سماعة: عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في

[ 11 ]

أو ملفقة من الذهاب والاياب (1) مسيرة يوم، وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ. وصحيح أبي أيوب سألته عن التقصير قال: فقال في بريدين أو بياض يوم. وفي صحيح ابن الحجاج (ثم اومأ بيده اربعة وعشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ. وفي رواية الفضل: انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا اكثر (1)، وغيرها. (1): - كما عليه المشهور للنصوص الكثيرة الدالة على الحاق المسافة التلفيقية بالامتدادية وان الثمانية فراسخ التي هي موضوع لوجوب التقصير يراد منها ما يشمل التلفيق من بريد ذاهبا وبريد جائيا، كصحيحة معاوية بن وهب قلت لابي عبد الله عليه السلام: ادنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة؟ فقال (ع): بريد ذاهبا وبريد جائيا (2)، ونحوها غيرها. ولم ينسب الخلاف إلا إلى الكليني من الاكتفاء بالاربعة الامتدادية مطلقا، ولكنه ضعيف جدا محجوج عليه بتلك النصوص. ولا يبعد أن يكون مراده (قده) بيان خط السير الذي يقع فيه الذهاب والاياب فيكون من القائلين بالثمانية الملفقة ويرتفع الخلاف في المسألة. كما ان الاطلاق في بعض النصوص المتضمن للاكتفاء بمطلق الاربعة مقيد بذلك ايضا عملا بصناعة الاطلاق والتقييد. وهذا في الجملة مما


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 8، 7، 15، 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب المسافر، ح 2.

[ 12 ]

إذا كان الذهاب اربعة أو ازيد (1)، بل مطلقا على الاقوى وان كان الذهاب فرسخا والاياب سبعة، وان كان الاحوط


لا غبار عليه. وإنما الكلام يقع في جهات: الجهة الاولى: هل التقصير في الفرض المزبور ثابت على سبيل الوجوب التعييني أو انه مخير بينه وبين التمام؟ المشهور كما في الجواهر هو الاول، بل عن الصدوق نسبته إلى دين الامامية فيما إذا كان من قصده الرجوع ليومه، وعن الشيخ في كتابي الاخيار التهذيب والاستبصار القول بالتخيير، ونسب إلى جماعة التخيير مطلقا، أي وان لم يرجع ليومه. ولا يخفى ان القول بالتخيير وإن كان له وجه غير وجيه فيما إذا لم يكن من قصده الرجوع ليومه كما ستعرف. إلا انه في قاصد الرجوع ليومه لم يكن له وجه اصلا، إذا لم يرد هنا ما يدل على التمام كي يكون التخيير مقتضى الجمع بين الاخبار، وظاهر السؤال عن التقصير الوارد في اخبار المقام السؤال عن اصل التقصير لا عن جوازه كما لا يخفى. واما التعبير بنفي الجناح في الآية المباركة فقد عرفت ان الآية في حد نفسها غير ظاهرة في صلاة المسافر بل ناظرة إلى صلاة الخوف والمطاردة فلا تصلح للاستدلال، على انها مفسرة بارادة الوجوب، نظير نفي الجناح الوارد في آية السعي ولعل النكتة في هذا التعبير وقوعه موقع توهم الحظر كما مر. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في تعيين التقصير في هذا الفرض. (1): - الجهة الثانية: هل يعتبر في المسافة التلفيقية عدم كون *

[ 13 ]

الذهاب اقل من اربعة فراسخ فيجب التمام لو كان أقل وان كان المجموع الملفق من الذهاب والاياب ثمانية، كما لو كان الذهاب ثلاثة والاياب خمسة. أو انه لا يعتبر ذلك بل يكفي التلفيق كيفما اتفق، وكذلك الحال في الاياب فهل يعتبر عدم كونه اقل من الاربعة أو يكفي ولو كان ثلاثة والذهاب خمسة مثلا؟ قد يقال بالثاني وان ذكر الاربعة ذهابا وايابا في النصوص من باب المثال، وإلا فالمدار على مطلق الثمانية التلفيقية كيفما اتفقت وانها ملحقة بالثمانية الامتدادية. ولكنه لايتم فانا لو كنا نحن والادلة الاولية لاقتصرنا على الثمانية الامتدادية، غير ان الادلة الاخرى من صحيحة زرارة وغيرها دلتنا على ثبوت التقصير في بريد ذاهبا وبريد جائيا، وان المراد من تلك الثمانية ما يعم الملفقة. إلا ان مورد هذه النصوص تلفيق خاص وهو المشتمل على اربعة واربعة اي بريد في بريد، فالمسافة المحكومة بالالتحاق بالثمانية الامتدادية هي خصوص الملفقة من الاربعتين كما يفصح عنه بوضوح صحيح معاوية بن وهب ادنى ما يقصر فيه المسافر فقال (ع): بريد ذاهبا وبريد جائيا. فان التعبير بالادنى كالصريح في عدم كفاية الاقل من هذا الحد، ولم يعلق الحكم في شئ من الادلة على عنوان الثمانية التلفيقية كي يتمسك بالاطلاق ويحكم بكفاية التلفيق كيفما كان. وليس في اليمين ما يتوهم منه ذلك عدا ما قد يقال من استفادته من قوله عليه السلام في ذيل صحيحة ابن مسلم: انه إذا ذهب بريدا ورجع

[ 14 ]

بريدا فقد شغل يومه (1). بدعوى دلالته على ان المدار في التقصير شغل اليوم وان كل سفر كان شاغلا ليومه فهو موضوع لوجوب التقصير فيعم ما لو كان الذهاب أو الاياب اقل من الاربعة بعد ان كان السفر مستوعبا ليومه، فتدل على كفاية الثمانية الملفقة كيفما تحققت. ولكنه كما ترى إذ ليس مفاد الصحيحة الا الحاق السفر المتضمن لبريد ذاهبا وبريد جائيا بالمسافة الامتدادية وادراجه في ذلك الموضوع بلسان الحكومة، وان هذه المسافة بمثابة تلك في شغل اليوم، لا ان كل سفر شاغل لليوم موجب للتقصير. كيف ولازمه وجوب القصر فيما لو سافر ثلاثة فراسخ ثم رجع فرسخين - بحيث لا يرجع إلى حد الترخص - ثم سافر ثلاثة فراسخ اخرى بحيث بلغ المجموع ثمانية واستوعب يومه، أو لو سافر فرسخا ورجع إلى ثلاثة ارباع الفرسخ ثم سافر فرسخا ثم عاد وهكذا إلى ان بلغ الثمانية مع انه واضح الفساد. وعلى الجملة ليس شغل اليوم بعنوانه وعلى اطلاقه وسريانه موضوعا لوجوب التقصير في شئ من الادلة، بل العبرة بالثمانية الامتدادية الملازمة في السير العادي مع المركوب العادي في الوقت العادي مع شغل اليوم، وقد طبقها الامام عليه السلام تعبدا وعلى سبيل الحكومة على الملفق من الاربعتين. فليس التعليل المذكور في ذيل الصحيحة إلا تعليلا تعبديا ناظرا إلى الحاق صورة خاصة من التلفيق بالامتداد، فلا يدل بوجه على الاكتفاء بمطلق التلفيق كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

[ 15 ]

في صورة كون الذهاب اقل من اربعة مع كون المجموع ثمانية الجمع، والاقوى عدم اعتبار كون الذهاب والاياب في يوم واحد أو ليلة واحدة (1)، أو في الملفق منهما مع اتصال ايابه بذهابه، وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعدا في الاثناء، بل إذا كان من قصده الذهاب والاياب ولو بعد تسعة ايام يجب عليه القصر، فالثمانية الملفقة كالممتدة في ايجاب القصر إلا إذا كان قاصدا للاقامة عشرة ايام في المقصد أو غيره، أو حصل احد القواطع الاخر، فكما انه إذا بات في اثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفقة فيقصر ويفطر،


هذا ويظهر من عبارة الماتن (قده) ان محل الخلاف في اعتبار الاربعة وعدم كفاية الاقل منها انما هو في خصوص الذهاب واما الاياب فلا اشكال في كفاية الاقل، وانه لو ذهب خمسة ورجع ثلاثا لا كلام حينئذ في وجوب التقصير. وليس كذلك فان مناط الاشكال واحد، إذ الصحيحة الدالة على عدم كفاية الاقل من الاربعة المشتملة على التعبير بكلمة (ادنى) وهي صحيحة معاوية بن وهب المقدمة مشتركة بين الذهاب والاياب. وقد تحصل من جميع ما مر ان الاظهر اعتبار كون كل من الذهاب والاياب اربعة فراسخ فصاعدا، فلا يجزي الاقل في شئ منهما وان بلغ المجموع ثمانية فراسخ ملفقة. (1) الجهة الثالثة: قد عرفت ان الروايات المستفيضة وفيها الصحاح *

[ 16 ]

ولكن مع ذلك الجمع بين القصر والتمام والصوم وقضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته احوط، ولو كان من قصده الذهاب والاياب ولكن كان مترددا في الاقامة في الاثناء عشرة ايام وعدمها لم يقصر، كما ان الامر في الامتدادية ايضا كذلك.


دلت على أن التقصير في الصلاة وكذا الافطار لا يتوقف على المسافة الامتدادية، بل يمكن التلفيق من اربعة واربعة. وهذا فيما إذا كان في يوم واحد أو مع ليلته لا اشكال فيه بل ذكر الصدوق في الامالي ان التقصير حينئذ من دين الامامية كما مر، وان ما نسب إلى الشيخ وجماعة من القول بالتخيير لم نعرف وجهه كما تقدم. وأما إذا لم يقصد الرجوع ليومه فلا اشكال في التمام فيما إذا تخلل في سفره احد القواطع كاقامة عشرة ايام لعدم تحقق السفر الشرعي منه حينئذ إلا بناءا على ما نسب إلى الكليني من الاكتفاء بالاربعة من غير ضم الاياب. واما إذا لم يتخلل فكان عازما على الرجوع قبل العشرة فهل يقصر حينئذ أو يتم أو يتخير بينهما أو فصل بين الصوم فلا يفطر وبين الصلاة فيقصر أو يتخير فيه وجوه بل اقوال. نسب إلى المشهور كما في الجواهر التخيير، بل عن الامالي نسبته إلى دين الامامية. وذهب جماعة إلى وجوب التمام، ومال إليه شيخنا الانصاري في بعض مؤلفاته على ما نسبه إليه الهمداني (قده) واختاره الفاضلان والسيد المرتضى والحلي وغيرهم.

[ 17 ]

والمعروف بين متأخري المتأخرين تعين القصر وان حكمه حكم من يرجع ليومه. وهذا القول منسوب إلى ابن أبي عقيل أيضا، رواه صاحب الوسائل عن كتابه نقلا عن العلامة وغيره، وانه نسب ذلك إلى آل الرسول (1). قال صاحب الوسائل بعد هذه الحكاية ما لفظه: " وكلام ابن أبي عقيل هنا حديث مرسل عن آل الرسول، وهو ثقة جليل " انتهى هذه هي حال الاقوال في المسألة. اما القول بالتمام فقد استدل له باصالة التمام وانه هو الفرض الاولي المجعول في الشريعة المقدسة من وجوب سبعة عشرة ركعة على كل مكلف في كل يوم خرجنا عن ذلك بما ثبت من وجوب التقصير على المسافر، ففي كل مورد ثبت القصر فهو، واما إذا لم يثبت أو تعارض الدليلان ولم يمكن الترجيح فالمرجع بعد التساقط اصالة التمام لا محالة. هذا ما تقتضيه القاعدة، وقد وردت هناك روايات دلت على التقصير في البريد مقيدا بالرجوع - اي بريد ذاهبا وبريد جائيا -. فان قلنا بانها منصرفة في حد نفسها إلى الرجوع ليومه فلا اشكال إذ المقتضى للتقصير في غير مريد الرجوع ليومه قاصر في نفسه فلا دليل على القصر فيه، ومعه يكون المحكم اطلاقات التمام. وان منعنا الانصراف وقلنا بانعقاد الاطلاق فيكفي في التقييد قوله ع في ذيل صحيحة ابن مسلم: إذا ذهب بريدا أو رجع بريدا فقد شغل يومه (2).


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاه المسافر، ح 14. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

[ 18 ]

حيث يظهر منه ان المدار على شغل اليوم وان موضوع الحكم هو السفر الشاغل ليومه فعلا ولو ملفقا من الذهاب والاياب، وان هذا هو حد القصر فيختص بطبيعة الحال بما إذا رجع ليومه، فلا تقصير فيما إذا رجع لغير يومه. وحينئذ فيعارض هذه الاخبار ما دل على وجوب القصر حتى فيما إذا رجع لغير يومه، وعمدته اخبار عرفات، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى أصالة التمام كما ذكرناه. وفيه مضافا إلى ان ارتكاب التقييد بارادة الرجوع ليومه من مجموع هذه الروايات بعيد جدا. وكيف يمكن ذلك في مثل ما رواه الصدوق قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اتى ذبابا قصر، وذباب على بريد، وانما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ (1). فان التعبير ب‍ (كان) الذي هو للاستمرار مشعر بان ذلك كان مما يفعله صلى الله عليه وآله مستمرا ويصدر منه مرات عديدة، إذ لم يقل رأيت - مثلا - حتى يقال انه اتفق مرة واحدة، ومن البعيد جدا انه صلى الله عليه وآله في جميع اسفاره إلى ذباب كان يرجع ليومه أو ليلته، بل كان يبيت ثمة بطبيعة الحال. ان هذه الصحيحة (صحيحة ابن مسلم) غير صالحة للتقييد في نفسها، لان شغل اليوم غير موضوع للحكم في شئ من الاخبار إذ الاخبار الواردة في مسيرة يوم انما وردت في مقام بيان تقدير السير لا في فعلية المسير في اليوم فليس مفادها الدلالة على اعتبار السير الفعلي، إذا لا توجد رواية تدل على لزوم وقوع ثمانية فراسخ في يوم واحد. بل لما سئل الراوي عن اختلاف سير القوافل وان بعضها تسير


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 15.

[ 19 ]

عشرة فراسخ، بل لعل الفرس في حال العدو يسير اثني عشر فرسخا اجاب (ع) بان العبرة بثمانية فراسخ المنطبقة في السير العادي مع المركوب العادي على ما يشغل يومه ويستوعب بياض النهار. فليس مسير اليوم أو بياض النهار أو شغل اليوم بعناوينها موضوعا للحكم حتى يطبقه الامام (ع) على المسافة التلفيقية ولو بنحو الحكومة بل المراد السفر الذي يكون شاغلا لليوم ولو شأنا المنطبق على ثمانية فراسخ ولو كانت ملفقة من بريد ذاهبا وبريد جائيا سواء وقع ذلك في يوم واحد فكان شاغلا ليومه فعلا أم لا. فليس المدار على الشغل الفعلي، بل الاعتبار بالسير الذي يكون محدودا بكونه شاغلا لليوم ولو شانا وفي حد طبعه المنطبق على ثمانية فراسخ، ولذا عبر بثمانية فراسخ بدل شغل اليوم في صحيحة زرارة الواردة في مورد صحيح ابن مسلم المتقدمة اعني بريد ذاهبا وبريد جائيا (1). فالمراد من صحيحة ابن مسلم انه اتى بشئ شاغل ليومه، وهذا هو الحد الموجب للتقصير لا انه شاغل فعلا كي يختص بمريد الرجوع ليومه فلا تكون مقيدة لتلك الاخبار كي تتحقق المعارضة بينها وبين اخبار عرفات كما افيد حتى يرجع إلى اصالة التمام. وهذا الوجه هو عمدة المستند لهذا القول، وقد عرفت ضعفه. وقد استدل أيضا ببعض الروايات الاخر. منها: موثقة عمار قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ ويأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ اخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك (اي لا يتعدى عن هذا المقدار) ثم ينزل في ذلك الموضع، قال: لا يكون مسافرا حتى


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب المسافر، ح 14 و 15.

[ 20 ]

يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة (1). قالوا: إن العادة قاضية برجوع هذا الشخص الخارج لحاجة ما دون العشرة وعدم قصده للاقامة ومتضى الاطلاق لزوم التمام سواء رجع ليومه أم لغير يومه، والمتيقن خروجه عن الاطلاق بمقتضى النصوص المتقدمة هو الاول، فيبقى الثاني مشمولا للاطلاق. وفيه: ان الاطلاق وان كان مسلما إلا ان ما دل على خروج الراجع ليومه بعينه يدل على خروج الراجع لغير يومه، لان دليل المقيد - وهي الروايات الدالة على التقصير في بريد ذاهبا وبريد جائيا - مطلق أيضا يشمل باطلاقه كلتا الصورتين، فلا موجب لرفع اليد عن هذا الاطلاق وتخصيصه بالراجع ليومه. وعليه فتحمل الموثقة القاضية بالتمام على قاصد العشرة أو المتردد في المسافة. ومنها: ما رواه الشيخ باسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: ان لي ضيعة قريبة من الكوفة وهي بمنزلة القادسية من الكوفة، فربما عرضت لي حاجة انتفع بها أو يضرني القعود عنها في رمضان فاكره الخروج إليها لاني لاادري اصوم أو افطر، فقال لي: فاخرج فاتم الصلاة وصح فاني قد رأيت القادسية (1). فان المسافة بين القادسية والكوفة خمسة عشر ميلا، أي خمسة فراسخ كما هو المعلوم من الخارج المصرح به في البحار نقلا عن المغرب كما في الحدائق، ومن البعيد جدا ان يريد السائل الرجوع ليومه بان يقطع عشرة فراسخ ذهابا وايابا كما لا يخفي، وبما ان له حاجة فيرجع لا محالة


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

[ 21 ]

عند قضائها بعد يوم أو يومين ونحو ذلك بطبيعة الحال كما هو الغالب. فيكون موردها ما إذا خرج إلى ما دون المسافة قاصدا الرجوع لغير يومه وما قبل عشرة ايام كما هو محل الكلام، وقد حكم عليه السلام بالتمام فتعارض ما دل على لزوم التقصير حينئذ من اخبار عرفات وغيرها فيرجع بعد التعارض إلى اصالة التمام. وهذه هي عمدة المستند لهذا القول بعد ما عرفت من الوجه الاول. وفيه: اولا انها معارضة في موردها بموثقة ابن بكير الواردة في نفس هذا الموضوع، اعني الخروج إلى القادسية وقد صرح فيها بلزوم التقصير. قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القادسية اخرج إليها اتم الصلاة أو اقصر؟ قال وكم هي؟ قلت: هي التي رأيت، قال: قصر (1). فانهما وردتا في موضوع واحد وهي القادسية وما ضاهاها. ومقتضى الاطلاق فيهما عدم الفرق بين ما لو قصد الرجوع ليومه اولا، قصد الاقامة عشرة ايام اولا، كانت الضيعة أو القادسية وطنا له ولو شرعا اولا، فهما متعارضتان بالاطلاق في مورد واحد. ولا ينبغي الريب في ان مريد الرجوع ليومه خارج عن اطلاق الرواية الاولى بمقتضى نصوص المسافة التلفيقية الدالة على لزوم التقصير في بريد ذاهبا ومريد جائيا فانه القدر المتيقن منها، ومقتضى الاطلاق فيها عدم الفرق بين بريد الرجوع ليومه أو لغير يومه كما ذكرناه، إذ لا موجب للتخصيص بالاول. وعليه فتكون هذه النصوص شاهدة للجمع بين الروايتين، فتحمل


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 7.

[ 22 ]

الموثقة على ما لو قصد الرجوع ليومه أو غير يومه. ورواية عبد الرحمن على ما لو قصد الاقامة، أو كانت الضيعة وطنه الشرعي فيرتفع التنافي لتعدد الموردين. وعلى الجملة الاستدلال برواية ابن الحجاج يتوقف على التمسك بالاطلاق، فإذا رفعنا اليد عنه لاجل المعارضة مع الموثقة فلا دلالة لها على التمام في قاصد الرجوع لغير يومه حتى يتوهم المعارضة مع اخبار عرفات. وثانيا: لو سلمنا دلالة هذه الرواية بل وغيرها على التمام كدلالة اخبار عرفات وغيرها على القصر فلا تعارض بينهما لتصل النوبة إلى التساقط والرجوع إلى اصالة التمام لامكان الجمع الدلالي بالحمل على التخيير، فان كلا منهما ظاهر في الوجوب التعييني فيرفع اليد عنه ويحمل على التخييري. وبعبارة اخرى اتصاف الوجوب بالتعيينية مستفاد من الاطلاق دون اللفظ كما حرر في الاصول، فكلتاهما تدلان على الوجوب بالمطابقة ولا معارضة بينهما في هذه الدلالة. وانما تتعارضان في الدلالة الالتزامية المستفادة من الاطلاق، وهي الدلالة على كون الوجوب تعيينيا فيرفع اليد عن كل منهما من اجل المعارضة ونتيجته الحمل على الوجوب التخييري. وعلى الجملة فلا تعارض بين نفس الروايتين ليلتزم بالتساقط ويرجع إلى أصالة التمام بل بين الاطلاقين ومقتضى الصناعة ارتكاب التقييد المستوجب للحمل على التخيير كما عرفت. وثالثا: ان هذه الرواية - رواية عبد الرحمن بن الحجاج - ضعيفة

[ 23 ]

السند وان عبر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد لضعف طريق (1) الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال بعلي بن محمد بن الزبير فانه لم يوثق، وكأن التعبير المزبور ناش عن ملاحظة ظاهر السند حيث انه سند عال مع الغفلة عن التدقيق في طريق الشيخ إلى ابن فضال فان الفصل بينهما يقرب من مأتي سنة، فلا يمكن روايته عنه بلا واسطة، وفي الطريق من عرفت. فلا جرم تكون الرواية محكومة بالضعف. فما ذكرناه من المعارضة وسقوط الاطلاقين مبني على تسليم صحة الرواية، وإلا فهي ضعيفة لا يعتنى بها في نفسها، فلا تصل النوبة إلى المعارضة، بل المتبع موثقة ابن بكير السليمة عن المعارض الصريحة في تحتم التقصير الموافقة مع اخبار عرفات. والمتحصل من جميع ما قدمناه انه لم توجد هناك رواية معتبرة تدل على التمام في محل الكلام، لتقع المعارضة بينها وبين اخبار عرفات وغيرها مما دل على لزوم التقصير ليتصدى للعلاج. فالصحيح ان القول بالتمام مما لا اساس له بل الامر دائر بين التقصير أو التخيير. بقي شئ - وهو ان القائل بالتمام - قد يدعي ان اخبار عرفات معرض عنها بين الاصحاب لعدم التزامهم بمضمونها من الحكم بالقصر فتسقط عن الحجية، فيبقى اخبار التمام سليمة عن المعارض. وفيه: اولا ان الاعراض لا يوجب سقوط الصحيح عن الحجية كما حققناه في محله ولا سيما في مثل المقام، فان تلك الاخبار كثيرة


(1) هكذا افاده دام ظله سابقا ولكنه بنى اخيرا على صحته لوجود طريق آخر معتبر للنجاشي بعد فرض وحدة الشيخ حسبما أو عز إليه في معجم الرجال ج 1 ص 76.

[ 24 ]

صحاح متظافرة، بل ادعى بعضهم تواترها اجمالا بحيث يقطع بصدور بعضها عن المعصوم عليه السلام. وثانيا: ان الاصحاب لم يعرضوا عن تلك الاخبار بل حملوها على الوجوب التخييري لزعم المعارضة بينهما وبين اخبار التمام كما ذكرناه، فرفعوا اليد عن اطلاقها لاعن اصلها كما لا يخفى. واما القول بالتخيير - فمبنى على احد امرين على سبيل منع الخلو: احدهما: دعوى تمامية الروايات المستدل بها على التمام، ومعارضتها مع اخبار عرفات، والجمع بينهما بالحمل على التخيير بعد سقوط الاطلاق من الطرفين كما مر. ولكنه مبني على وجود رواية معتبرة دالة على التمام في قاصد الرجوع لغير يومه وهي مفقودة كما عرفت فاخبار عرفات لا معارض لها. ثانيهما: ان يقال ان الاخبار الدالة على ثبوت التقصير في المسافة التلفيقية وان رجع لغير يومه كاخبار عرفات وغيرها معارضة بما دل من الاخبار الكثيرة على تحديد التقصير بثمانية فراسخ امتدادية لا اقل من ذلك فانها ظاهرة في اختصاص لزوم التقصير بالثمانية الامتدادية، وعدم ثبوته فيما دونها، كما ان تلك ظاهرة في تعين التقصير لدى التلفيق فيرفع اليد عن هذا الظهور وتحمل نصوص التلفيق على التخيير وان المراد بها جواز القصر لاتعينه بقرينة نصوص الامتداد النافية للزوم القصر عما دون الثمانية. بذلك يتم التخيير المنسوب إلى المشهور. وفيه: اولا انه لا معارضة بين الطائفتين ليتصدى للعلاج، فان نصوص التلفيق حاكمة على اخبار الامتداد وشارحة للمراد من الثمانية وانها اعم من التلفيقية، كما يكشف عنه بوضوح قوله (ع) في صحيحة زرارة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اتى ذبابا قصر، وذباب على بريد، وانما

[ 25 ]

فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ (1). فانها دالة على تحقق الثمانية بالتلفيق، وان نصوصها وان كانت ظاهرة في السير الامتدادي، إلا ان موضوع الحكم اعم منه ومن التلفيق. ومعه فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الوجوب في التعييني. إذ لا تعارض بين الحاكم والمحكوم ليحتاج إلى الجمع كما هو ظاهر جدا. وثانيا: ان هذا الوجه لو تم لعم وكان سندا لما نسب إلى الشيخ في التهذيب والاستبصار والمبسوط من الحكم بالتخيير حتى لو رجع ليومه الذي قلنا سابقا انه لا وجه له فيحكم بالتخيير في التلفيق مطلقا رجع ليومه اولا، فيبقى التفصيل المنسوب إلى المشهور من تعين التقصير فيمن رجع ليومه، والتخيير في غير يومه عريا عن الشاهد، فان هذه الاخبار مطلقة من حيث الرجوع ليومه أو غير يومه كما هو ظاهر. فيكف يمكن التفكيك بينهما. وعلى الجملة هذا التقرير انما يصح وجها لكلام الشيخ لا لمقالة المشهور من التفصيل المزبور كما هو واضح. وثالثا: ان الروايات الواردة فيمن رجع لغير يومه وعمدتها اخبار عرفات آبية عن الحمل على التخيير جدا فانها كالصريح في تعين القصر وقد عرفت انها غير معرض عنها عند الاصحاب بل اعتمدوا عليها وحملوها بزعم على التخيير مع اباء السنتها عن الحمل عليه كما عرفت فلا يكون من الجمع العرفي في شئ. وهذه الاخبار كثيرة، منها صحيحة معاوية بن عمار انه قال لابي عبد الله عليه السلام: ان اهل مكة يتمون الصلاة بعرفات فقال:


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 15.

[ 26 ]

ويلهم أو ويحهم واي سفر اشد منه، لا تتم (1) فان التعبير بالويل أو الويح لا يستقيم مع التخيير. ودعوى ان الويل راجع إلى التزامهم بالتمام لعله خلاف صريح الرواية لظهورها في رجوعه إلى نفس العمل اي لا تعمل كعملهم لا إلى شئ آخر خارج عنه. ومنها: صحيحة زرارة المشتملة على قصة عثمان وامره عليا (ع) ان يصلي بالناس بمنى تماما وامتناعه (ع) عن ذلك اشد الامتناع إلا ان يصلي قصرا كما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى آخر القصة (2). فلو كان الحكم هو التخيير فما هو الوجه في هذا الامتناع والاصرار عليه. فتحصل ان الاظهر ما عليه اكثر المتأخرين، ونسبه ابن أبي عقيل إلى آل الرسول من تعين القصر وان لم يرجع ليومه، وان الثمانية فراسخ لا فرق فيها بين الامتداد والتلفيق مطلقا. نعم تضمن الفقه الرضوي التصريح بالتفصيل المنسوب إلى المشهور من تعين التقصير في الراجع ليومه، والتخيير في غير يومه. لكن عرفت مرارا انه لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها، ولعل الكتاب مجموعة فتاوى لفقيه مجهول. ولو سلمنا كونه رواية معتبرة فلا مناص من طرحها لمعارضتها لاخبار عرفات التي هي روايات مستفيضة مشهورة قد دلت على تعين التقصير كما عرفت، بقي الكلام في صحيحة عمران بن محمد قال: قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك ان لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 1. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

[ 27 ]

فراسخ فربما خرجت إليها فاقيم فيها ثلاثة ايام أو خمسة ايام، أو سبعة ايام، فاتم الصلاة أم اقصر؟ فقال: قصر في الطريق واتم في الضيعة (1). اقول: هذه الرواية لابد من رد علمها إلى اهله وان كانت صحيحة فان ما تضمنته من التفصيل بين الضيعة والطريق لم يظهر له وجه ابدا. إذ الضيعة ان كانت وطنا له ولو شرعا من اجل اقامته فيها ستة اشهر ولذلك حكم عليه السلام فيها بالتمام فلماذا يقصر في الطريق بعد ان لم يكن حينئذ قاصدا للمسافة، فانه لا يستقيم إلا بناءا على ما نسب إلى الكليني، واختاره بعض المتأخرين - كما في الحدائق - من كفاية اربعة فراسخ من دون ضمن الاياب، ولكنه مناف للروايات الكثيرة المتضمنة لتحديد المسافة بالثمانية ولو تلفيقية كما تقدم، فلا مناص من طرح الرواية حينئذ لمخالفتها مع الاخبار المتواترة. وان لم تكن الضيعة وطنا له فكان قاصدا للسفر الشرعي ولاجله يقصر في الطريق فلماذا يتم في الضيعة. اللهم إلا إن يقال كما قيل بانها محمولة على التقية، حيث ان العامة لا يكنفون بهذا الحد - اعني ثمانية فراسخ - في تحقق المسافة كما تقدم وبما انه لا موجب للتقية في الطريق بطبيعة الحال لعدم الابتلاء بالمخالف غالبا فلا مناص ثمة من التقصير، واما في الضيعة فالمخالف موجود غالبا ولا اقل من وجود فلاح ونحوه ومن ثم حكم (ع) بالتمام تقية وإلا فلم يظهر وجه لهذا التفكيك فانه خلاف المقطوع به البتة. نعم إذا فرضنا ثبوت التخيير المنسوب إلى المشهور امكن العمل حينئذ بهذه الصحيحة بان يقال الحكم هو التخيير لمريد الرجوع لغير يومه، ولكن القصر في الطريق افضل، كما ان الاتمام في الضيعة افضل


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 14.

[ 28 ]

وان كان مخيرا بينهما في كل منهما. ولكن التخيير غير ثابت في نفسه كما تقدم. فلا مناص من طرحها ورد علمها إلى اهله، أو حملها على التقية كما عرفت بقي الكلام فيما نسب إلى الشيخ وابن البراج كما في الجواهر من التفصيل بين الصوم والصلاة فلا يجوز الافطار، ويتخير في الصلاة بين القصر والتمام، ونسب ذلك إلى المفيد ووالد الصدوق وسلار أيضا ولكن النسبة غير ثابتة ظاهرا كما في الجواهر. وكيفما كان فهل يمكن الالتزام بهذا التفصيل؟ الظاهر انه مما لا مناص من إلالتزام به بناءا على القول بالتخيير، فانا لو بنينا على تعين القصر - كما هو الصحيح حسبما عرفت - فالملازمة حينئذ ثابتة بين القصر والافطار، وانه كل ما قصرت افطرت وبالعكس وعليه لا مجال لهذا التفصيل ابدا. واما لو بنينا على التخيير كما عليه المشهور فجواز التقصير حينئذ حكم ارفاقي ثبت بدليل خاص وإلا فهو خارج عن موضوع السفر الشرعي حقيقة كما لا يخفى، ولم تثبت الملازمة بين جواز التقصير، وبين جواز الافطار، وانما مورد الملازمة ما إذا كان التقصير واجبا تعيينا لا ما إذا كان جائزا. كما انه لم تثبت الملازمة بين جواز الاتمام وجواز الصيام، ومن هنا يجوز الاتمام في مواطن التخيير، ولم يثبت جواز الصيام ثمة بالضرورة بل يتعين في حقه الافطار - بعد كونه مسافرا حقيقة - بمقتضى الاطلاق في قوله تعالى: فعدة من ايام اخر. وعلى الجملة فجواز القصر لا يلازم جواز الافطار كما ان جواز التمام لا يلازم جواز الصيام، بل كل تابع لقيام الدليل عليه، وقد ثبت التخيير المستلزم

[ 29 ]

لجواز التقصير في المقام بدليل خارجي حسب الفرض، ولم يثبت الجواز بالاضافة إلى الافطار، فلا وجه للتعدي عن مورد الدليل، وقد عرفت ان مركز الملازمة انما هو وجوب التقصير لاجوازه. فهذا التفصيل بناءا على القول بالتخيير جيد جدا، بل لا مناص من الالتزام به لما عرفت من عدم اندراج المقام بناءا على هذا القول في موضع المسافر كي يجوز في حقه الافطار، ودليل جواز التقصير المبني على الارفاق والتسهيل لا يستلزمه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص ولا دليل عليه في المقام كما عرفت. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الصحيح من هذه الاقوال ما اختاره المتأخرون، بل لعله المتسالم عليه بينهم من تعين التقصير فيمن قصد اربعة فراسخ وان رجع لغير يومه ما لم يتخلل احد القواطع من قصد الاقامة ونحوه. لحكومة اخبار الباب المطلقة من حيث الرجوع ليومه أو غير يومه على اخبار الامتداد ودلالتها على ان الثمانية المأخوذة موضوعا لوجوب التقصير اعم من الامتداد والتلفيق فتحتم التقصير الثابت هناك ثابت هنا أيضا. مضافا إلى اخبار عرفات الصريحة في ذلك مع ان المفروض فيها المبيت، فالقول بالتخيير فضلا عن التمام لا مجال له اصلا. بقي شئ وهو ان موضوع البحث في المقام وما هو مورد للنقض والابرام هو من كان قاصدا للرجوع ولكن لغير يومه فكان عازما على العود دون عشرة ايام كما ذكره ابن أبي عقيل ناسبا له إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله على ما تقدم عند نقل كلامه. فموضوع البحث عند القائل بالتخيير كالصدوق وغيره بل المشهور كما مر هو هذا كما ان القائل بالتمام يدعيه في هذا الموضوع كالقائل

[ 30 ]

بالتقصير فمحل الكلام بين الاعلام ومركز الاقوال من التمام أو التقصير أو التخيير هو هذا المورد. كما ان مورد الروايات من اخبار عرفات وغيرها مما ورد فيمن ذهب بريدا ورجع بريدا التي عرفت حكومتها على اخبار الثمانية الامتدادية ونحو ذلك من ساير الاخبار أيضا كذلك، اي مالو كان قاصدا للرجوع ولو لغير يومه. واما لو لم يقصد الرجوع اصلا بل قصد البقاء في رأس اربعة فراسخ، أو كان مترددا في العود، فالظاهر ان المشهور لا يلتزمون هنا بالتخيير لعدم قصده ثمانية فراسخ من الاول. فان غاية ما ثبت باخبار عرفات وغيرها هو التعدي من الامتداد إلى التلفيق المنوط بقصد الرجوع، واما من غير قصده رأسا فليس هناك اي دليل على التقصير لاتعيينا ولا تخييرا. إلا بناءا على ما نسب إلى الكليني (قده)، واختاره بعض المتأخرين كما في الحدائق من كفاية اربعة فراسخ من غير ضم الاياب، وإلا فالمشهور لم يلتزموا بذلك بل اعتبروا في المسافة قصد ثمانية فراسخ، غايته انهم فرقوا في ذلك بين الامتدادية والتلفيقية فحكموا في الاول بتحتم التقصير وفي الثاني بالتخيير، واما في مسافة اربعة فراسخ من غير قصد الرجوع اصلا فلم يلتزم احد بالتخيير، ولا ينبغي ان يلتزم به إذ لا وجه له هنا بتاتا، لما عرفت من ان التخيير مبني على احد امرين: اما دعوى الجمع بين اخبار عرفات وروايات التمام الواردة فيمن يرجع دون عشرة ايام كرواية ابن الحجاج. ومعلوم ان مورد الجميع هو قصد الرجوع.

[ 31 ]

أو دعوى الجمع بينها وغيرها مما دل على التقصير في المسافة التلفيقية وبين اخبار الثمانية الامتدادية. وهذا أيضا مورده قصد الرجوع كما هو ظاهر. فلو فرضنا ان السفر لم يكن ثمانية فراسخ لا امتدادا ولا تلفيقا فليس هناك اي دليل على التخيير. ومع ذلك كله فقد نسب صاحب الحدائق (قده) إلى القائلين بالتخيير انهم يقولون به سواء رجع لغير يومه أم لم يقصد الرجوع اصلا، وزعم ان التخصيص بالاول غلط محض. واليك نص عبارته قال (قده): " وينبغي ان يعلم ان مرادهم بقولهم في صورة التخيير (ومن لم يرد الرجوع من يومه) انه اعم من ان لم يرد الرجوع بالكلية، فالنفي متوجه إلى القيد والمقيد، أو اراد الرجوع ولكن في غير ذلك اليوم فالنفي متوجه إلى القيد خاصة وما ربما يتوهم من التخصيص بالصورة الثانية غلط محض كما لا يخفى على المتأمل (1). انتهى موضع الحاجة. والظاهر ان الغلط هو ما زعمه، إذا كيف يلتزم بالتخيير من غير موجب. نعم لو كان مستند القول بالتخيير هو الفقه الرضوي فقط وقلنا باعتباره وقطعنا النظر عن ساير الروايات الدالة على تحديد المسافة بالثمانية ولو تلفيقية كان لهذه الدعوى حينئذ مجال فان المذكور فيه هكذا: " وان سافرت إلى موضع مقدار اربعة فراسخ ولم ترد الرجوع من يومك فانت بالخيار، فان شئت اتممت وان شئت قصرت " فيدعي ان اطلاق هذه العبارة شامل لما إذا لم يرد الرجوع اصلا، بان يتعلق النفي بمجموع القيد والمقيد. ولكن ذلك كله فرض في فرض فان الرضوي لا نعتبره، والروايات


(1) الحدائق: ج 11 ص 313.

[ 32 ]

(مسألة 1): الفرسخ ثلاثة اميال (1)، والميل اربعة الاف ذراع بذراع اليد الذي طوله اربع وعشرون اصبعا، كل اصبع عرض سبع شعيرات، كل شعيرة عرض سبع شعرات من اوسط شعر البرذون. (مسألة 2): لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيرا لا يجوز القصر، فهي مبنية على التحقيق لا المسامحة العرفية، نعم لا يضر اختلاف الاذرع المتوسطة في الجملة كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعية.


مطبقة على نفي التقصير في اقل من الثمانية ولو ملفقة كما تقدم فهذه الدعوى سهو من صاحب الحدائق جزما. ويترتب على هذا ما ذكره في المتن من انه لو قصد اربعه فراسخ ولكنه كان مترددا في العود ما دون العشرة بان احتمل الاقامة في الاثناء عشرة ايام لم يقصر، لانه غير قاصد فعلا لثمانية فراسخ ولو ملفقة. كما ان الامر في الثمانية الامتددية أيضا كذلك، فلو خرج من النجف قاصدا كربلاء ولكنه يحتمل توقفه في خان النصف عشرة ايام فيما انه غير قاصد فعلا للثمانية لا يحكم عليه بالتقصير. فكما انه مع العلم بتخلل الاقامة في الاثناء لم يقصر، فكذا مع الشك لاشتراكهما في انتفاء قصد المسافة فعلا. فلا مناص من التمام من غير فرق في ذلك بين الامتداد والتلفيق. (1): - لا يخفى ان للميل اطلاقين: *

[ 33 ]

احدهما: ما هو منسوب إلى القدماء من اهل الهيئة، وهو الدارج بالفعل بين الغربيين من تحديده بربع الفرسخ، فكل فرسخ اربعة اميال. وعلى هذا الاصطلاح جرى ما نشاهده حتى الآن من تحديد المسافة بين كربلاء والمسيب بعشرين ميلا، اي خمسة فراسخ الموضوعة من. من زمن احتلال الانكليز. ثانيهما: ما هو الدراج بين الفقهاء والمحدثين المطابق للسان الروايات من تحديده بثلث الفرسخ، فكل فرسخ ثلاثة اميال، وهذا الاختلاف مجرد اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح. وقد ورد الاطلاق الثاني في كثير من الاخبار، مثل قوله (ع) في صحيحة ابن الحجاج: " ثم اومأ بيده اربعة وعشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ " ونحوها صحيحة العيص (1)، وفي صحيحة الشحام: يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثنى عشر ميلا (2) ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها. واما تحديد الميل فلم يذكر في شئ من النصوص ما عدا رواية واحدة وهي مرسلة الخزاز المشتملة على تحديده بثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع (3) وهو خلاف ما هو المشهور بين الفقهاء واللغويين من تحديده باربعة الآف ذراع، ولعل المراد من الذراع في الرواية معنى آخر، فان لها أيضا اصطلاحات. وكيفما كان فقد حدد الفقهاء الميل باربعة آلاف ذراع بذراع اليد، الذي طوله اربع وعشرون اصبعا كل اصبع عرض سبع شعيرات، كل


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 15 و 14. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 3. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 13.

[ 34 ]

شعيرة عرض سبع شعرات من اوسط شعر البرذون كما ذكره في المتن. ولكنك خبير بان الاحكام الشرعية لاتبتني على مثل هذه التدقيقات العقلية التي لا تندرج تحت ضابط معين وربما يوجب الاختلاف اليسير بين شعرة وشعرة، أو شعيرة ومثلها، أو ذراع وذراع آخر الفرق الكثير بالاضافة إلى المجموع، إذ لا ريب ان هذه الامور تختلف صغرا وكبرا، طولا وقصرا. فإذا فرضنا ان ذراعا مع ذراع آخر وكلاهما متعارف اختلفا في جزء من مائة فطبعا ينقص من ستة وتسعين الف اصبع الحاصل من ضرب اربعة الاف في اربعة وعشرين الشئ الكثير. بل لو كان الاختلاف في جزء من عشرة لنقص من هذا المجموع عشرة وهو يقرب من عشرة الاف اصبع فيتحقق البون الشاسع بين التقديرين. وهكذا لو لوحظ الاختلاف بين الشعرتين أو الشعيرتين مع فرض كونهما متعارفتين. وعلى الجملة لا نعرف وجها لهذه التدقيقات، ولا يترتب على تحقيقها اثر شرعي، بل العبرة بصدق الفرسخ أو الميل عرفا، والمنصوص تشير إلى الامر العادي المتعارف من مسيرة يوم، أو بياض النهار، أو شغل اليوم، أو مسير الجمال، أو ثمانية فراسخ، ونحوها من العناوين التي يعرفها اهل العرف والمحاورة. فالمدار على الصدق العرفي فكلما علم انه مسافة فلا اشكال. وإذا شك فان كانت الشبهة حكمية كما لو ذرع فكان مسافة بذراع ولم يبلغ المسافة بذراع آخر وكلاهما متعارف فلا مناص حينئذ من الرجوع إلى اصالة التمام الذي هو الفرض الاولي المجعول على كل

[ 35 ]

(مسألة 3): لو شك في كون مقصده مسافة شرعية (1) اولا بقي على التمام على الاقوى


مكلف من غير تقيده بقيد خاص بحيث لو خلق انسان في مكان دفعة واحدة لوجب عليه التمام بلا كلام، والتقصير استثناء عن العام وتخصيص له شرع بعنوان آخر، ولدى استجماع شرائطه. وعليه فمع الشك في التخصيص الزائد لابد من الاخذ بالاكثر الذي يتيقن معه بالسفر، والرجوع فيما عداه إلى أصالة التمام كما عرفت. وان كانت الشبهة موضوعية كما لو شك في ان ما بين الكوفة والحلة مثلا، مسافة أولا فالمرجع حينئذ الاستصحاب، وسيجئ التعرض له ان شاء الله تعالى تبعا للماتن. إذا لا يبقى مجال لهذه التدقيقات بوجه. ثم انا لو احرزنا المسافة تحقيقا لم يجز القصر لو نقص عن ذلك بان قصد المسافر اقل من ذلك ولو يسيرا كعشر الفرسخ، أو جزء من خمسين مثلا، بل المتعين حينئذ هو التمام، فان التحديدات الشرعية مبنية على التحقيق ولا يتسامح فيها، كما هو الحال في الكر، أو قصد الاقامة ونحو ذلك، فلا يكتفي بالاقل لمنافاته مع التحديد، كما اشار إليه الماتن في المسألة الثانية فلاحظ وتدبر. (1): - قد تكون الشبهة حكمية، واخرى موضوعية. اما الحكمية فقد تقدم الكلام فيها آنفا، ونتعرض إليها أيضا عند تعرض الماتن في بعض المسائل الآتية. واما الموضوعية التي هي محل كلامنا في هذه المسألة فهل يجب فيها البقاء على التمام عملا بالاستصحاب، أو يجب الجمع رعاية للعلم الاجمالي بتعلق تكليف دائر بين القصر لو كانت مسافة شرعية، أو التمام لو *

[ 36 ]

لم تكن؟ وجهان، واما احتمال القصر فساقط كما هو ظاهر. والاقوى هو الاول كما ذكره في المتن لانحلال العلم الاجمالي المزبور باستصحاب عدم عروض ما يوجب التقصير. ولا يتوقف ذلك على جريان الاستصحاب في العدم الازلي بان يقال ان الواجب على كل مكلف بحسب الجعل الاولي هو التمام: وقد خرج عن هذا العام ما إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ، ومن المقرر في محله ان الباقي تحت العام بعد التخصيص بالعنوان الوجودي هي الافراد الواقعية غير المعنونة بشئ ما عدا عدم كونها معنونة بعنوان الخاص فإذا نفينا ذلك بمقتضى الاصل شمله حكم العام بضم الوجدان إلى الاصل فوجب التمام. فان الاستصحاب وان كان حجة في الاعدام الازلية كما بيناه في محله، لكنا في غنى عنه في المقام بجريان الاستصحاب بنحو العدم النعتي. وتوضيحه ان الموضوع لوجوب التقصير لو كان هو نفس المسافة الخارجية البالغة حد الثمانية فراسخ والبعد الموجود بين البلدين الموصوف بذلك لانجه حينئذ ما افيد، فيقال ان المسافة لم تكن ثابتة في الازل لا ذاتها ولا وصفها، وبعد العلم بتحقق ذات المسافة يشك في تحقق وصفها فيستصحب العدم، وبذلك يندرج في موضع العام الذي هو عبارة عن كل من لم يكن في هذه المسافة الخاصة. الا ان الامر ليس كذلك، بل الموضوع لوجوب القصر على ما يستفاد من الروايات، بل الآية المباركة - لو كانت ناظرة إلى صلاة المسافر لاصلاة الخوف كما تقدم - هو السفر والسير بمقدار ثمانية فراسخ لانفس المسافة الخارجية الموصوفة بالثمانية ويشك المكلف في ان سيره في هذه المسافة التي يريد قطعها أو التي قطعها هل يبلغ هذا

[ 37 ]

بل وكذا لو ظن كونها مسافة (1). (مسألة 4): تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار (2) وبالشياع المفيد للعلم، وبالبينة الشرعية، وفي ثبوتها بالعدل الواحد اشكال، فلا يترك الاحتياط بالجمع


الحد، أو هل بلغ هذا أو لا فيستصحب عدمه نعتا حيث انه لم يكن سائرا هذا المقدار قبل الآن يقينا والآن كما كان. فلا حاجة إلى التشبث باستصحاب العدم الازلي بعد ان لم يكن الموضوع نفس الارض والمسافة الخارجية، بل السير المحدود بذلك الحد المسبوق بالعدم نعتا كما عرفت. (1): - إذا لا عبرة بالظن، فانه لا يغني عن الحق شيئا، بعد ان لم يقم دليل على اعتباره، فهو ملحق بالشك في كونه موردا للاصل إلا إذا بلغ الظن من القوة مرتبة الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي، بحيث يكون احتمال الخلاف موهوما لا يلتفت إليه العقلاء، فان الاطمئنان حجة عقلائية قاطعة للعذر كما لا يخفي. (2): - لا اشكال في ثبوتها بالعمل الحاصل من اي سبب كان من اختبار أو شياع ونحوهما، كما لا اشكال في ثبوتها بالبينة الشرعية لعموم دليل اعتبارها كما تقدم البحث حوله في باب النجاسات إلا ما خرج بالدليل، كما في الشهادة على الزنا الذي لا يثبت إلا بشهادة اربعة. واما العدل الواحد فالاقوى هو الثبوت به أيضا وان استشكل فيه الماتن لما ذكرناه في محله من عدم الفرق في حجيته بين الاحكام والموضوعات لبناء العقلاء على العمل به بل بمطلق خبر الثقة في كلا الموردين *

[ 38 ]

(مسألة 5): الاقوى عند الشك وجوب الاختبار (1) أو السؤال لتحصيل البينه، أو الشياع المفيد للعلم الا إذا كان مستلزما للحرج.


الا فيما قام الدليل عليه بالخصوص كما في الترافع الموقوف على البينة، والزنا الموقوف على الاربعة كما مر. (1): - اما في الشبهة الحكمية فسيتعرض له في المسألة السابعة والكلام فعلا متمحض في الشبهة الموضوعية فهل يجب الفحص عن المسافة لدى الشك بالاختبار أو السؤال؟ ذكر (قده) ان الاقوى هو الوجوب. هذا وقد تقرر في محله من الاصول عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية وجواز الرجوع إلى الاصل ابتداءا بل قد ورد النهي عن الفحص في بعض الموارد كما في باب التزويج وانها ذات بعل، أو تحقق الرضاع بينه وبينها أولا ونحو ذلك. نعم قد يقال بوجوب الفحص في خصوص المقام ونحوه مما يوجب ترك الفحص والرجوع إلى الاصل الوقوع في خلاف الواقع غالبا، كما في الفحص عن الاستطاعة في الحج، وعن بلوغ المال حد النصاب في الزكاة، أو الزيادة على المؤنة في الخمس، وعن طلوع الفجر في الصوم ونحو ذلك، ومنه المقام اعني الفحص عن المسافة فان تركه والاستناد إلى الاصل في امثال هذه الموارد بما انه موجب للوقوع في مخالفة الواقع غالبا فلا مناص من الاختبار والتفتيش. ولكنه لا يتم إلا فرض حصول العلم الشخصي بترك الواقع اما *

[ 39 ]

(مسألة 6): إذا تعارض البينتان فالاقوى سقوطهما (1) ووجوب التمام، وان كان الاحوط الجمع.


فعلا أو فيما بعد لو لم يفحص، وانه لو ترك الفحص عن الفجر مثلا لافطر يوما من مجموع شهر رمضان، اما اليوم الحاضر أو غيره من الايام اللاحقة فانه يجب الفحص حينئذ لعدم الفرق في تنجيز العلم الاجمالي بين الدفعي والتدريجي، ولكن كيف وانى يحصل العلم في شئ من هذه الموارد حتى في مثل الاستطاعة والنصاب. نعم ربما يحصل العلم بالوقوع في خلاف الواقع اما منه أو من غيره من ساير المكلفين التاركين للفحص. إلا ان مثل هذا العلم لا يكون منجزا كما لا يخفى. على انه لا يختص بامثال المقام، بل يعم جميع الشبهات باسرها، فنعلم جزما بان الاستصحابات الجارية في مواردها من باب الطهارة والنجاسة والحدث ونحوها لا تكون كلها مطابقة للواقع، كما ان الفقيه يعلم بان في العاملين بفتواه من البقاء على الوضوء لدى الشك في الحدث من يقع في خلاف الواقع قطعا. وهكذا. فالانصاف عدم الفرق بين موارد الشبهات الموضوعية ولا ميز بين مقام ومقام، ولا يجب الفحص في شئ منها. (1): - على ما هو الاصل في المتعارضين ما لم يدل دليل على الاخذ باحدهما ترجيحا أو تخييرا كما في الخبرين حسبما تعرضنا له في الاصول في بحث التعادل والتراجيح، وحيث لا دليل في البينتين فمقتضى القاعدة هو التساقط.

[ 40 ]

(مسألة 7): إذا شك في مقدار المسافة شرعا (1) وجب عليه الاحتياط بالجمع الا إذا كان مجتهدا وكان ذلك بعد الفحص عن حكمه، فان الاصل هو الاتمام.


نعم قد يقال بلزوم تقديم بينة الاثبات لكشفها عن الواقع، فلا تقاومها شهادة النفي التي غايتها عدم العلم به. وفيه ان بينة النفي أيضا ترجع إلى الاثبات لو كانت مستندة إلى الحس، فتدعى احداهما انها ذرعت المسافة فكانت ثمانية فراسخ، والاخرى تدعي انها ذرعتها فكانت سبعة فراسخ ونصف - مثلا - فكل منهما يثبت شيئا وينفي غيره فكلناهما ترجعان إلى بينة الاثبات ومشمولتان لعموم دليل حجية الشهادة فيتعارضان. نعم لو كان مستند بينة النفي هو الاصل فكانت تخبر عن الحكم الظاهري لا الواقعي اتجه حينئذ ترجيح بينة الاثبات الحاكمة عليها لانتفاء موضوع الاصل بقيام الدليل، فتكون تلك البينة حجة حتى على نفس البينة النافية المعولة على الاصل، لما عرفت من انتفاء الموضوع بعد قيام الدليل الحاكم كما تقدم توضيح ذلك كله في بحث النجاسات (1) - اي بشبهة حكمية، اما الموضوعية فقد تقدمت في المسألة الخامسة، ولا ريب حينئذ في عدم جواز الرجوع إلى الاصل قبل الفحص كما تقرر في الاصول فلا مناص من الاحتياط بالجمع أو الرجوع إلى الادلة ان كان مجتهدا، أو إلى المجتهد ان كان مقلدا. نعم بعد ما فحص المجتهد ويئس كان المرجع اصالة التمام كما تقدم.

[ 41 ]

(مسألة 8): إذا كان شاكا في المسافة ومع ذلك قصر (1) لم يجزئ بل وجب عليه الاعادة تماما، نعم لو ظهر بعد ذلك كونه مسافة اجزأ إذا حصل منه قصد القربة مع الشك المفروض، ومع ذلك الاحوط الاعادة أيضا. (مسألة 9): لو اعتقد كونه مسافة فقصر ثم ظهر عدمها وجبت الاعادة (2)، وكذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فاتم ثم ظهر كونه مسافة فانه يجب عليه الاعادة.


(1): - إذا قصر مع شكه في المسافة رجاءا بحيث تمشى منه قصد القربة فان بنينا على لزوم الجزم بالنية في صحة العبادة فلا اشكال في البطلان مطلقا. وان بنينا على عدم لزومه كما هو الصحيح لعدم الدليل عليه حسبما هو موضح في محله، فتارة ينكشف الخلاف أو يبقى شاكا، واخرى ينكشف كونه مسافة وان ما صلاه كان مطابقا للواقع. فعلى الاول: وجبت الاعادة تماما لانه الوظيفة الواقعية، أو الظاهرية المقررة في ظرف الشك بمقتضى الاستصحاب كما مر، ولم يأت بها حسب الفرض، ولا دليل على اجزاء القصر غير المأمور به عما هو المأمور به أعني التمام. فلا مناص من الاعادة. وعلى الثاني: كان مجزيا للاتيان بالوظيفة الواقعية على وجهها، إذ لا يعتبر في حصول القربة المعتبرة في صحة العبادة إلا الاضافة من المولى نحو اضافة المتحققة بالاتيان بقصد الرجاء. (2): - إذ لا دليل على اجزاء الامر الخيالي الخطئي عن الواقع *

[ 42 ]

(مسألة 10): لو شك في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثم بان في اثناء السير كونه مسافة يقصر، وان لم يكن الباقي مسافة (1).


وكذا الحال لو قامت البينة بحيث تحقق معه الامر الظاهري فان اجزاءه مغيي بعدم انكشاف الخلاف والمفروض هو الانكشاف فلا مناص من الاعادة في الوقت أو الفضاء في خارجه. واما لو انعكس الفرض فاعتقد أو قامت البينة على عدم كونه مسافة فاتم ثم ظهر كونه مسافة، فان كان الانكشاف في الوقت وجبت الاعادة لعين ما مر. واما إن كان في خارجه فالاقوى عدم وجوب القضاء لصحيح العيص ابن القاسم الصريح في ذلك وسيجئ التعرض له ان شاء الله تعالى في مطاوي بعض المسائل الآتية. (1): - إذ العبرة بمقتضى اطلاق الادلة بقصد واقع الثمانية وان لم يعلم به والمفرض صدور هذا القصد. فلو قصد السير من النجف إلى الحلة جاهلا بكونه مسافة أو معتقدا بالعدم وهو مسافة واقعا فقد قصد السفر في مسافة هي في الواقع ثمانية، فلا مناص من التقصير. نعم لو كان موضوع الحكم بالقصر قصد عنوان الثمانية فيما انه موقوف على احراز العنوان ليتمكن من قصده فمع الشك لا احراز فلا موضوع. ولكن عرفت ان الموضوع واقع الثمانية لا عنوانها، فقد تحقق موضوع الحكم بالتقصير واقعا وان لم يعلم به، فان العلم انما يعتبر في *

[ 43 ]

(مسألة 11): إذا قصد الصبي مسافة ثم بلغ في الاثناء وجب عليه القصر وان لم يكن الباقي مسافة (1)، وكذا يقصر إذا اراد التطوع بالصلاة مع عدم بلوغه، والمجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد المسافة ثم افاق في الاثناء يقصر، واما إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمقدار بلوغ المسافة من حين افاقته.


تعلق القصد بالعنوان دون المعنون وما هو الواقع كما هو واضح. (1): - فان البلوغ أو العقل غير دخيلين في اناطة التقصير بقصد المسافة، إذ هما شرط في الحكم بالوجوب لا في متعلقه، والقصد المزبور دخيل في نفس المتعلق، فذات الصلاة الصادرة عن اي متصد لها على ما يقتضيه اطلاق الادلة يعتبر فيها التقصير مع قصد المسافة، والاتمام مع عدمه. غاية الامر انها تتصف بالوجوب لو صدرت من البالغ العاقل، وبالاستحباب لو صدرت من غيره، فلو تطوع الصبي القاصد للمسافة بالصلاة تعين عليه القصر وكانت صلاته محكومة بالاستحباب بناءا على شرعية عباداته، لكون قصده مشمولا لاطلاق الادلة كما عرفت. ونتيجة ذلك انه لو بلغ في الاثناء انقلب التطوع بالوجوب، وإن لم يكن الباقي مسافة لتحقق القصد الذي هو شرط في نفس القصر لا في وجوبه من اول الامر كما مر. ومنه يظهر الحال في المجنون القاصد للمسافة الذي يفيق في الاثناء فان قصده أيضا معتبر كالصبي بمقتضى الاطلاق فيجب عليه القصر لو افاق *

[ 44 ]

(مسألة 12): لو تردد في اقل من اربعة فراسخ ذاهبا وجائيا مرات حتى بلغ المجموع ثمانية لم يقصر (1)، ففي التلفيق لابد ان يكون المجموع من ذهاب واحد واياب واحد ثمانية. (مسألة 13): لو كان لبلد طريقان والا بعد منهما مسافة (2) فان سلك الابعد قصر وان سلك الاقرب لم يقصر إلا إذا


وان لم يكن الباقي مسافة، إلا إذا بلغ جنونه حدا لا يحصل منه القصد بحيث كان ملحقا بالحيوانات. ففي مثله يعتبر بلوغ المسافة من حين افاقته كما ذكره في المتن. (1): - كما لو تردد في مسافة فرسخين أو فرسخ واحد فذهب ثم عاد إلى ما دون حد الترخص، ثم ذهب وعاد إلى ان بلغ الثمانية فانه لا يكفي في ثبوت التقصير لما تقدم عند التكلم حول المسافة التلفيقية من ان العبرة ليست بمطلق شغل اليوم أو السير ثمانية كيفما اتفق، بل الروايات تشير إلى سير القوافل والجمال على النحو المتعارف المقدر بالثمانية الا متدادية وما يلحق بها من بريد ذاهبا وبريد جائيا. فمورد التلفيق الثابت بدليل الحكومة خاص بما إذا تلفقت الثمانية من ذهاب واحد وإياب واحد، اما بشرط أن لا يكون كل منهما اقل من اربعة، أو بدون هذا الشرط مع فرض بلوغ المجموع ثمانية. وعلى اي تقدير فالثمانية الملفقة من تكرر الذهاب والاياب غير مشمولة لنصوص التلفيق جزما، فلا جرم يتعين فيها التمام. (2): - لا ريب في وجوب التقصير حينئذ لو سلك الابعد، وكذا *

[ 45 ]

كان اربعة أو اقل واراد الرجوع من الابعد. (مسألة 14): في المسافة المستديرة الذهاب فيها الوصول إلى المقصد والاياب منه إلى البلد (1) وعلى المختار يكفي كون المجموع مسافة مطلقا وان لم يكن إلى المقصد اربعة، وعلى القول الاخر يعتبر ان يكون من مبدأ السير إليه اربعة مع كون المجموع بقدر المسافة.


الاقرب مع فرض كونه اربعة لكفاية التلفيق من بريدين كما مر. كما لا ريب في وجوب التمام لو سلك الاقرب وكان دون الاربعة واراد الرجوع منه، لعدم بلوغ الثمانية ولو ملفقا كما هو واضح. واما لو اراد الرجوع من الابعد فالظاهر هو التقصير لكون الرجوع هنا بنفسه مسافة، فلا ينافي ما قدمناه من اشتراط التلفيق بعدم كون كل من الذهاب والاياب اقل من الاربعة، فان ذلك خاص بما إذا لم يكن كل منهما بنفسه مسافة، وإلا فالعبرة بها ولا حاجة معها إلى مراعاة التلفيق كما هو ظاهر جدا. (1): - قد عرفت ان المستفاد من النصوص لزوم التقصير على المسافر الذي يريد قطع مسافة تبلغ ثمانية فراسخ امتدادية، أو ملفقة من الذهاب والاياب اما مطلقا أو شريطة ان لا يكون كل منهما اقل من اربعة فراسخ كما تقدم. ولا ينبغي الشك في عدم اعتبار كون المسافة بالخط المستقيم، إذ كثيرا ما يكون الطريق معوجا موجبا للانحراف يمينا وشمالا بحيث يتشكل منه الخط المنكسر مرة أو مرتين بل مرات عديدة كما في الجبال والاودية.

[ 46 ]

فلو فرضنا مثلثا واراد السير من زاوية إلى زاوية اخرى لا بنحو الاستقامة، بل على سبيل الانكسار بحيث كان الطريق واقعا في ضلعين منه، فكان بلده في زاوية ومقصده في زاوية اخرى والطريق إليها مار على الزاوية الثالثة الموجب بطبيعة الحال لتضاعف البعد عما لو كان السير بنحو الاستقامة. أو فرضنا نصف دائرة وأراد الانتقال من نقطة إلى اخرى مسامتة لها ولكن لا بالخط المستقيم بل بنحو الانحراف والاستدارة، اما لمانع من وجود بحر ونحوه أو لغرض آخر فتوقف الوصول إلى المقصد على قطع تلك المسافة. ففي جميع ذلك إذا كان السير بالغا حد المسافة الشرعية اعني ثمانية فراسخ لزمه التقصير، وان كان البعد الواقع بين بلده ومقصده اقل من ذلك بكثير لو كان بنحو الخط المستقيم كل ذلك لاطلاق الروايات الشامل لما تضمن الانحراف بل هو الغالب في سير الجمال والقوافل التي هي مورد النصوص ولا سيما في البلاد الجبلية. والروايات تشير إلى هذا السير العادي المتعارف، و إلا فقلما تجد طريقا سليما عن الانحراف عريا عن نوع من الاستدارة أو الانكسار إلا في الطرق البحرية أو الجوية كما لا يخفى. اما طريق البر وهو مورد الروايات فشذ ما يسلم عن الاعوجاج الموجب لازدياد السير، وقد كانت المسافة بين النجف وكربلاء مقدارا معينا، واخيرا بعد ما غير الطريق وجعل من حي الحسين (ع) زاد الانحراف فاضيف على المسافة ما يقرب من نصف الفرسخ فخرج آخر الطريق من الخط المستقيم إلى الخط المنكسر. وكيفما كان فالمدار في وجوب التقصير. بصدق امرين كونه مسافرا

[ 47 ]

وان يكون مسيره ثمانية فراسخ وأن كان البعد لو قدر بنحو الاستقامة لعله لا يزيد على ثلاثة فراسخ مثلا، إذ لا عبرة بالخط المستقيم كما عرفت، فعليه إذا فرضنا ان حركة هذا المسافر كانت في دائرة تامة فسار في مسافة مستديرة فلها صورتان: إذ (تارة) تكون الدائرة خارجة عن البلد فيكون واقعا على جانب منها ملاصقا لنقطة من نقاطها أو داخلا أو خارجا شيئا ما، كما لو خرج من النجف إلى الديوانية ثم الحلة ثم كربلاء ثم رجع إلى النجف بحيث تشكلت من سيره دائرة حقيقية أو ما يشبهها. واخرى تكون الدائرة حول البلد بحيث يكون البلد مركزا لها. اما الصورة الاولى فلا ينبغي الشك في وجوب القصر إذا بلغ به السير ثمانية فراسخ ولو ملفقة من الذهاب والاياب. ولا فرق في ذلك بين ان يكون له مقصد يروم السفر إليه. ام لم يكن له مقصد اصلا، كما لو سافر لامتحان فرسه، آو اختبار سيارته أو غاية اخرى من الغايات المباحة من غير ان يكون له أي مقصد ما عدا نفس السير، فوجود المقصد وعدمه سيان، ولا يناط به ملاحظة الذهاب والاياب، بل هما ينتزعان من مراعاة البعد والقرب بالاضافة إلى البلد. فانه لدى خروجه منه يتباعد عنه شيئا فشيئا إلى ان يبلغ نصف الدائرة المحاذي للبلد والنقطة المسامتة له التي هي منتهى البعد. وبعدئذ يسير في النصف الثاني فيأخذ في الاقتراب ويدنو شيئا فشيئا إلى ان يصل إلى البلد. فكلما يتباعد فهو ذهاب، وكلما يتقارب فهو إياب سواء أكان له مقصد أم لا، وسواء أكان مقصده - على تقدير وجوده - واقعا على

[ 48 ]

رأس منتهى البعد أم قبله ام بعده، فان ذلك كله اجنبي عن ملاحظة الذهاب والاياب المعلق عليهما التلفيق في لسان الروايات، إذ لا يفرق ذلك في واقع الذهاب والاياب المنتزع مما عرفت. نعم قد يطلق الاياب على مجرد الخروج عن المقصد وان كان قبل ذلك، كما لو كان مقصده في فرسخين والمفروض ان منتهى البعد اربعة مثلا، فيقال حينئذ انه يرجع. لكنه مبني علي المسامحة، يراد منه انه يرجع عن مقصده لا انه يرجع عن سفره، والاعتبار بالثاني دون الاول كما لا يخفى، والا فكلما يبعد فهو ذاهب وكلما يقرب فهو راجع آئب. فما في المتن من جعل المدار على الوصول إلى المقصد في غير محله. بل قد عرفت عدم لزوم فرض مقصد من اصله، فإذا كان كل منهما اعني من مبدء السير إلى منتهى البعد والعود عنه اربعة فراسخ فقد تحققت المسافة التلفيقية الموجبة للتقصير، وإذا كان كل منهما بنفسه ثمانية فراسخ فلا اشكال. وعلى الجملة: بعد ان لم يعتبر في السفر أن يكون بالخط المستقيم بل لعله لا يتفق في البر إلا نادرا كما مر فحال السير في الدائرة حال السير في غيرها من غير اي اشكال فيه كما هو الحال في المثلث فانه يقصر إذا بلغ مجموع الضلعين ثمانية فراسخ، فالمسافة المستديرة والمسافة المستقيمة والمسافة المنكسرة كلها شرع سواء فيما هو مناط للتقصير حسبما عرفت. واما الصورة الثانية أعني ما لو كان البلد مركزا للدائرة فخرج عن بلده بالخط المستقيم مثلا إلى ان بلغ الدائرة فسار فيها وطاف حول البلد بحيث تكون نسبته إلى البلد في جميع الحالات على حد سواء إلى ان وصل إلى المكان الذي شرع منه في السير.

[ 49 ]

فهل يكون حكمه التقصير أيضا إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ كما في الصورة الاولى؟ الظاهر هو التفصيل. إذ تارة تكون الدائرة قريبة من البلد جدا بحيث لا يصدق معها عنوان السفر لكونها من توابعه وملحقاته كما لو خرج من النجف إلى آخر ضواحيه ثم طاف حوله لغاية الزراعة أو التفرج ونحوهما من الغايات المشروعة. فحينئذ لا اشكال في لزوم التمام وان بلغ به السير عشرة فراسخ، بل عشرين لفرض كبر البلد، لان سيره خارج البلد كسيره داخل البلد في عدم صدق عنوان المسافر عليه، ولا بد في التقصير من صدق هذا العنوان لما تقدم من عدم كون العبرة بمطلق شغل اليوم كيفما اتفق. ولذا قلنا انه لو ذهب فرسخا ورجع ثم ذهب ورجع إلى ان بلغ المجموع ثمانية لا يكفى في التقصير لما عرفت من لزوم امرين في وجوب القصر: صدق السفر، وكونه ثمانية فراسخ، فإذا لم يصدق المسافر كما في المقام لكون بعده عن البلد بمقدار نصف الفرسخ مثلا لم يجب التقصير، واخرى تكون الدائرة بعيدة بمقدار يصدق معه عنوان المسافر كما لو بعد عن البلد مقدار ثلاثة فراسخ مثلا ثم دار حول البلد فالظاهر حينئذ وجوب التقصير فيما إذا بلغ مجموع سيره ثمانية فراسخ ولو ملفقا فانه حينما يشرع في البعد فهو ذاهب ويمتد ذلك إلى ان يصل منتهاه وهي النقطة المقابلة من الدائرة مع النقطة التي دخل فيها، وحينما يتجاوز عن هذه النقطة يشرع في القرب ويتحقق معه الرجوع والاياب إلى ان يصل سيره في الدائرة إلى النقطة التي دخل فيها، فإذا كان كل منهما اربعة فراسخ بحيث تلفقت منهما الثمانية وجب التقصير لما عرفت من عدم اعتبار كون السير في الخط المستقيم، وان العبرة بمطلق الثمانية *

[ 50 ]

(مسألة 15): مبدأ حساب المسافة سور البلد (1) أو آخر البيوت فيما لا سور فيه في البلدان الصغار والمتوسطات، وآخر المحلة في البلدان الكبار الخارقة للعادة، والاحوط مع عدم بلوغ المسافه من آخر البلدان الجمع وان كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلة.


سواء أكانت الخطوط مستقيمة أم مستديرة بشرط صدق عنوان المسافر عليه، والمفروض تحققة في المقام. فلا مناص من التقصير حسبما عرفت. فإذا فرضنا ان مجموع سيره في الدائرة ست ساعات فالسير في الثلاث الاولى ذهاب، وفي الثلاث الثانية اياب، فإذا بلغ كل منهما اربعة فراسخ وجب عليه القصر. (1): - المستفاد من نصوص التحديد بالثمانية ان مبدء الاحتساب هو اول زمان يتلبس المسافر بالوصف العنواني، ويتصف عرفا بكونه مسافرا وهو بحسب المتفاهم العرفي انما يتحقق بالخروج من البلد، وإلا فعند ما يسير في البلد ولم يخرج بعد عنه فهو مريد السفر وليس بمسافر فان السفر هو البروز والخروج، ومنه المرأة السافرة اي البارزة الكاشفة لما ينبغي كشفه. فصدق عنوان السفر متقوم بالخروج من البلد، ويختلف صدقه حسب اختلاف الموارد، ففيما له سور يتحقق بالخروج عن السور، وفيما لا سور له بالتجاوز عن آخر البيوت، وفيمن كان من سكنة البوادي القاطنين في بيت من شعر أو قصب يتحقق بالخروج من المنزل، فمبدأ الاحتساب يكون هو السور أو آخر البيوت أو المنزل حسب اختلاف الموارد كما *

[ 51 ]

ذكره في المتن. هذا ما يقتضيه التبادر والفهم العرفي من نصوص التحديد. ويستفاد ذلك أيضا من بعض النصوص الخاصة. ففي صحيحة زرارة " وقد سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذي خشب وهو مسيرة يوم من المدينة (1) حيث جعل مبدء الاحتساب بلد المدينة، اي اول نقطة من حدودها لا منزله صلى الله عليه وآله أو غير ذلك. ولا يخفى ان هذه الرواية رواها الصدوق في الفقيه في ذيل رواية يرويها عن زرارة ومحمد بن مسلم وطريقه إلى ابن مسلم وان كان ضعيفا لكن طريقه إلى زرارة صحيح ولا يقدح ضم غيره معه، فالرواية موصوفة بالصحة. ولكن صاحب الوسائل كأنه تخيل ان هذه العبارة من كلام الصدوق فنسبها إليه، حيث قال قال: وقد سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى آخر ما مر، وليس كذلك قطعا، فان في ذيل هذه العبارة قرينة واضحة تشهد بانها من كلام الامام (ع) حيث قال بعد ذلك: (وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله قوما صاموا حين افطر العصاة قال فهم العصاة إلى يوم القيامة، وانا لنعرف ابناءهم وابناء ابنائهم إلى يومنا هذا " (2). فان هذه الدعوى اعني معرفة العصاة وابنائهم وابناء ابنائهم لا تكاد تصدر من غير الامام (ع) كما هو ظاهر. وكيفما كان فهي رواية صحيحة عن الامام (ع) كما ذكرناه دلت على ان المبدء نفس البلد. هذا ويستفاد من موثقة عمار ان المدار على احد الامرين من القرية


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 4. (2) الحدائق: ج 11 ص 296 نقلا عن الفقيه، ج 1 ص 278.

[ 52 ]

أو المنزل قال (ع): " لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قرينته ثمانية فراسخ.. الخ (1): ولكن بما ان التخيير بين الاقل والاكثر لا معنى له كما لا يخفى، فهي محمولة على ان المسافران كان في قرية فالعبرة بقريته، وإلا كما في اهل البوادي الساكنين في بيوت الشعر فمن منزله. فالعبرة باحد الامرين حسب اختلاف الموردين على ما يقتضيه طبع السفر عرفا، بمقتضى سير الجمال والدواب، فان الساكنين في القرى أو البلدان يتحقق الركوب منهم السفر في آخر القرية أو البلد غالبا واما سكنة البر فمن منازلهم. وكيفما كان فالمستفاد من الروايات ومن نفس نصوص التحديد هو ما عرفت، ولا شك ان مقتضى الاطلاق عدم الفرق في البلدان بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، وان العبرة في جميعها بنفس البلدة. ولكن الماتن (قده) تبعا لغيره جعل المدار في البلدان الكبار الخارقة للعادة بآخر المحلة، وليس له وجه ظاهر، بل هو مخالف للاطلاق كما عرفت، وقد كانت الكوفة في زمانهم عليهم السلام كبيرة جدا، كما يشهد به التاريخ وغيره ومع ذلك كان مبدء الاحتساب نفس البلدة، كما يشهد به حديث القادسية حسبما تقدم. وعلى الجملة مقتضى الجمود على ظواهر النصوص تعميم الحكم لما إذا كانت البلدة صغيرة كالمدينة، أو كبيرة كالكوفة، أو متوسطة كغيرهما، بعد ان لم يكن دليل على التقييد بالمحلة في البلدان الكبيرة نعم ربما يفرض بلوغ البلدة من الكبر حدا خارقا للعادة جدا بحيث يصدق علي السير فيها عنوان السفر، كما لو بلغ طولها خمسين فرسخا أو


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

[ 53 ]

الشرط الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج (1) فلو


مائة، أو مأتين - وان لم يوجد مصداق لها لحد اليوم وربما يتفق في الاجيال القادمة -. ففي مثل ذلك لا مناص من الالتزام بالتقصير من لدن صدق عنوان المسافر عليه المتحقق بالخروج من محلته أو نواحيها لان موضوع الحكم صدق هذا العنوان كما تقدم، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين ما لو اتفق الصدق على السير في نفس البلدة أو في خارجها، فمتى صدق هذا العنوان وكان قاصدا الثمانية امتدادية أو تلفيقية وجب التقصير وان كان مورد الصدق هو السير في نفس البلد. واما إذا لم يبلغ الكبر هذا الحد بحيث لا يصدق معه عنوان السفر كالبلدان الكبار في عصرنا الحاضر مثل بغداد وطهران وبعض البلاد الغربية فلا موجب للالتزام فيها بالاحتساب من آخر المحلة، إذ لا دليل عليه بوجه مع انه لا ضابط له إذ قد يكون منزله في اول المحلة، واخرى في وسطها، وثالثة في آخرها، ويلزم في الفرض الاخير أن يكون المبدء حيطان الدار، ولا شاهد عليه اصلا كما لا يخفى. وعلى الجملة فالميزان الكلي في الاحتساب اول نقطة يصدق معها عنوان المسافر وهو في البلاد المتعارفة بل الكبار الحاضرة انما يتحقق بالخروج عن البلد اما عن سوره أو آخر بيوته، وفي غيره عن منزله حسبما عرفت، ولا اعتبار بالخروج عن المحلة بوجه إذ لا شاهد عليه في شئ من الاخبار. (1): - هل المدار في التقصير على مجرد قطع المسافة خارجا من غير اعتبار القصد بوجه.

[ 54 ]

قصد اقل منها وبعد الوصول إلى المقصد قصد مقدارا آخر يكون مع الاول مسافة لم يقصر، نعم لو كان ذلك المقدار مع ضم العود مسافة قصر من ذلك الوقت، بشرط ان يكون عازما على العود، وكذا لا يقصر من لا يدري اي مقدار يقطع كما لو طلب عبدا آنفا أو بعيرا شاردا، أو قصد الصيد ولم يدر انه يقطع مسافة أولا، نعم يقصر في العود إذا كان مسافة، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة وان لم يكن اربعة، كأن يقصد في الاثناء ان يذهب ثلاثة فراسخ والمفروض ان العود يكون خمسة أو ازيد، وكذا لا يقصر لو خرج ينتظر رفقه ان تيسروا سافر معهم والا فلا، أو علق سفره على حصول مطلب في الاثناء قبل بلوغ الاربعة ان حصل يسافر والا فلا، نعم لو اطمأن بتيسر الرفقة أو حصول المطلب، بحيث يتحقق معه العزم على المسافة قصر بخروجه عن محل الترخص.


أو على نفس القصد على نحو تمام الموضوع سواء ابلغ سيره خارجا حد المسافة الشرعية أم لا، نظير قصد الاقامة الذي هو الموضوع التمام سواء أكمل العشرة أم لا، فكما ان العبرة هناك بقصد العشرة لا واقعها فكذا في المقام بقصد المسافة لا وقوعها. أو على مجموع الامرين منضما من القصد المقترن بالقطع الخارجي *

[ 55 ]

فلا يكفي احدهما منعزلا عن الآخر؟؟ وجوه واحتمالات ثلاثة تتطرق في المسألة ولا رابع لها كما لا يخفى. مقتضى الجمود على ظواهر غير واحد من النصوص المتضمنة للتحديد بثمانية فراسخ امتدادية، أو بريد ذاهبا وبريد جائيا هو الاول، فلو كنا نحن وهذه الاخبار لالتزمنا بان المدار على واقع الثمانية سواء أكانت مقصودة أم لا. الا ان صحيحة زرارة ظاهرة في ان العبرة بنفس القصد، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلوا، وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال: تمت صلاته ولا يعيد (1). فلو كنا نحن وهذه الصحيحة لكانت دالة على ان الثمانية كاقامة العشرة يراد بها القصد الموجود في افق النفس لحكمه (ع) بالتقصير على مجرد ارادة السفر، وان لم يبلغ سيره الثمانية خارجا. إلا ان هذه الصحيحة معارضة في موردها بصحيحة أبي ولاد المتضمنة لاعادة الصلاة التي صلاها قصرا إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ المسافة (2) فتسقطان بالمعارضة، فنبقى نحن وتلك الروايات الاولية الدالة على ان العبرة بنفس المسافة الخارجية، سواء أكانت مقرونة بالقصد ام لا. لكنا علمنا من موثقة عمار عدم كفاية الثمانية بمجردها، بل في خصوص ما إذا كانت مقصودة من مبدء السفر حيث قال (ع): لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليقم


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة المسافر ح 1. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 56 ]

الصلاة (1). فانه (ع) حكم بالتمام مع ان المفروض في السؤال قطع الاكثر من ثمانية فراسخ، لكن عاريا عن قصدها من اول الامر، بل كان ذلك بعزمين وقصدين. فعلق (ع) التقصير على مجموع الامرين من القصد والمسافة الخارجية. وبذلك تقيد الاطلاقات الاولية مؤيدا بعدة من الروايات ولكنها ضعاف، والعمدة هي الموثقة. فظهر من ذلك كله ان المدار على مجموع الامرين من قصد الثمانية من اول الامر مقرونا بواقع الثمانية على سبيل الشرط المتأخر. فلو قصد ولم يبلغها لمانع خارجي، أو بلغها ولم يكن قاصدا لها من الاول وجب عليه التمام، كما لو خرج لطلب الضالة، أو الغريم أو الصيد فبلغ الثمانية اتفاقا فانه لا يكفي في وجوب التقصير إلا إذا كان الرجوع مسافة أو كان الباقي بضميمة الرجوع مسافة تلفيقية، بشرط عدم كون كل منهما اقل من اربعة فراسخ على المختار وبغير هذا الشرط على مختار الماتن كما تقدم. وكذا الحال فيما لو خرج ينتظر رفقة ان تيسروا سافر معهم وإلا فلا، أو علق سفره على حصول مطلب في الاثناء قبل بلوغ الاربعة ان حصل سافر وإلا فلا، بحيث لم يتحقق معه العزم على المسافة، فانه يتم لانتفاء فعلية القصد وعدم تنجيزه، إلا إذا كان مطمئنا بتيسر الرفقة، أو حصول المطلب بحيث حصل العزم فانه يقصر لدى خروجه عن حد الترخص كما اشار إليه في المتن.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 57 ]

(مسألة 16): مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير (1) فيقصر وان كان من قصده ان يقطع الثمانية في ايام وان كان ذلك اختيارا لا لضروره من عدو أو برد أو انتظار رفيق أو نحو ذلك، نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم السفر لم يقصر كما إذا قطع في كل يوم شيئا يسيرا جدا للتنزه أو نحوه والاحوط في هذه الصورة ايضا الجمع.


(1): - إذ لا دليل على تقييد السير بالاتصال والاستمرار، فلو قصد قطع المسافة خلال ايام عديدة كأن يمشي كل يوم نصف فرسخ بحيث يكمل الثمانية خلال ستة عشر يوما مثلا وجب للتقصير أيضا لاطلاق الادلة، سواء أكان ذلك لاختيار أم ضرورة تقتضيه من برد أو عدو ونحو ذلك. هذا وقد استثنى (قده) من ذلك ما لو كان بطء السير بمثابة لا يصدق معه اسم السفر عرفا، كما لو قطع كل يوم شيئا يسيرا جدا كمقدار بستان مثلا لاجل التنزه والتفرج في اوراده واشجاره والتمتع من مياهه ونحو ذلك فانه لا يقصر وان كان قاصدا من الاول للثمانية فما زاد، كما لو قصد من الكوفة إلى كربلاء عن طريق البساتين على النهج المزبور، إذ هو تحديد للمسافر لا لكل من يقطع الثمانية كيفما كان، وهذا العنوان منفي في المقام. اقول: ما افاده (قده) صحيح على تقدير عدم صدق اسم المسافر عرفا، فالكبرى مسلمة لااشكال فيها لكن الشأن في الصغرى.

[ 58 ]

فان المنع عن صدق اسم السفر فيما ذكره من الفرض مشكل جدا بل ممنوع، كيف والسفر هو البروز والخروج، ومنه المرأة السافرة اي الكاشفة، ولا ريب ان من بعد عن وطنه فراسخ عديدة ولو بحركة بطيئة، وفي خلال ايام كثيرة فهو بارز خارج غريب في هذا المحل بحيث لو سئل لقبل انه مسافر قطعا. نعم المشي إلى توابع البلد ليس من السفر في شئ. واما مع الابتعاد الكثير ولو على سبيل التدريج فلا ينبغي التأمل في صدق اسم المسافر عليه جزما. ولكن مع ذلك لا يثبت في حقه القصر لا لعدم صدق اسم السفر بل لكونه من المقيم حقيقة، فان المراد به كما سيجئ ان شاء الله تعالى ليس من يقصد الاقامة في مكان واحد شخصي، بل يشمل المحل وتوابعه فلا ينافي الحركة إلى الاسواق والشوارع، بل إلى خارج البلد لتشييع جنازة أو تفرج ونحو ذلك، كما لا ينافي الحركة إلى توابع المحل في سكنة البوادي لتحصيل حطب أو سقي دابة ونحوهما، فان كل ذلك لا ينافى مع عنوان الاقامة وقصدها. وعليه فإذا فرضنا ان هذا الخارج خرج قاصدا للثمانية بانيا على ان يمشي كل يوم عشرة امتار مثلا أو كما حكي عن الدرويش الفلاني من مشيه كل يوم بمقدار العصا، اي مترا واحدا فمثل هذا الشخص مقيم دائما ولاجله يجب عليه التمام. وبعبارة اخرى الخارج بقصد ان يمشي في كل يوم عشرة امتار مثلا فهو لا محالة قاصد للاقامة في كل مائة عشرة ايام، إذ هو كذلك في الماءة الثانية والثالثة وهكذا، فهذا المقدار من المساحة مورد لقصد الاقامة دائما لما عرفت من عدم منافاته مع الحركة في خلالها، إذ،

[ 59 ]

(مسألة 17): لا يعتبر في قصد المسافة ان يكون مستقلا (1) بل يكفي ولو كان من جهة التبعية للغير لوجوب الطاعة كالزوجة والعبد، أو قهرا كالاسير والمكره ونحوهما، أو اختيارا كالخادم ونحوه بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام،


لا يراد بها الاقامة في مكان شخصي. ولو فرضنا ذلك فيمن لا يتمكن من المشي كالاعرج فالامر اظهر إذ لا شك حينئذ في كونه مسافرا غايته ان حركته بطيئة. وعلى الجملة فالمتعين في الفرض المزبور هو التمام لكن لكونه من المقيم، لا لعدم كونه مسافرا. نعم لو فرضنا الحركة اكثر من ذلك بحيث لا يصدق معه المقيم تعين التقصير حينئذ، بعد ما عرفت من صدق اسم السفر عليه. فالمتجه هو التفصيل بين صدق عنوان المقيم وعدمه حسبما عرفت. (1): - فان مقتضى اطلاق الادلة المتضمنة لاناطة التقصير بقصد المسافة عدم اعتبار الاستقلال في القصد المزبور فيشمل ما إذا كان تابعا لقصد الغير سواء أكانت التبعية واجبة كما في الزوجة والعبد ام مباحة مع الاختيار كما في الخادم، أو الاكراه كالاسير، أو الاضرار كمن شدت يداه ورجلاه واخذ قهرا، كل ذلك للاطلاق بعد صدق قصد المسافة الذي هو الموضوع للحكم. نعم يعتبر في ذلك علم التابع بمقصد المتبوع وانه يريد المسافة، اما مع جهله بذلك فهو باق على التمام، إذ الاعتبار بفعلية القصد المنفي

[ 60 ]

عن التابع لان تعلق قصده بالمسافة منوط بقصد المتبوع، فيقصد على تقدير قصده وإلا فلا، وحيث انه لا يدري فلا جرم ليس له قصد فعلي. فحاله حال طالب الضالة أو الصيد، أو الخارج لاستقبال احد ونحوه ممن لم يعلم ببلوغ السير حد المسافة الشرعية، فان هؤلاء لا يقصرون لعدم احرازهم للسفر الموجب لانتفاء القصد. هذا ولكن المنصوب إلى جماعة منهم الشهيد (قده) تعين القصر فيما إذا كان المتبوع قاصدا للمسافة واقعا. نظرا إلى ان التابع بمقتضى فرض التبعية قاصد لما يقصده المتبوع لان قصده تابع لقصده ومرتبط بارادته، فإذا كان المتبوع قاصدا للمسافة فالتابع أيضا قاصد لها واقعا، وان كان هو لا يدري بذلك. فهو نظير من قصد مسافة معينة كما بين الكوفة إلى الحلة بزعم انها سبعة فراسخ وهي في الواقع ثمانية، فانه يجب عليه التقصير حينئذ لكونه قاصدا للمسافة بحسب الواقع، إذ المدار على واقع الثمانية لا عنوانها غايته انه جاهل بذلك فيكون معذورا في الاتمام ويجب عليه الاعادة قصرا بعد انكشاف الحال، وان لم يكن الباقي مسافة. وعلى الجملة لو سئل التابع عن مقصده لاجاب بان قصدي ما يقصده متبوعي، فإذا كان مقصوده واقعا هي الثمانية فهو أيضا قاصد لها بطبيعة الحال فلا مناص من التقصير. هذا ما ذكره الشهيد (قده) وجماعة وهو مختار الماتن (قده) أيضا كما سيصرح به في المسألة العشرين الاتية. ولكنه لايتم: لما عرفت من لزوم فعلية القصد المتعلق بواقع الثمانية وثبوته على كل تقدير، المنفي في حق التابع لكونه معلقا على تقدير خاص وهو قصد المتبوع للثمانية، وإلا فهو غير قاصد لها.

[ 61 ]

ومنه تعرف بطلان التنظير وضعف قياس المقام بقاصد المسافة الواقعية جاهلا بها، فان القياس مع الفارق، ضرورة ان القصد هنا تعليقي وهناك تنجيزي. فان من قصد السير من الكوفة إلى الحلة المشتمل على بعد ثمانية فراسخ وان جهل بها فهو في الحقيقة قاصد فعلا للثمانية قصدا تنجيزيا لتعلق قصده بالذهاب إلى الحلة على كل تقدير، والمفروض ان هذه المسافة ثمانية واقعا، فهو لا محالة قاصد للثمانية منجزا بطبيعة الحال. فلا مناص من التقصير. وهذا بخلاف التابع فانه لا يقصد الثمانية إلا على تقدير كونها مقصودة للمتبوع، فليس له قصد فعلي تنجيزي ثابت على كل تقدير كما كان كذلك في مورد التنظير. وعلى الجملة مقتضى فرض التبعية اناطة القصد بالقصد وتعليقه عليه فيقول التابع الخارج مع متبوعه عن النجف مثلا جاهلا بمقصده إن متبوعي إن كان قاصدا للكوفة فقد قصدتها، وان قصد ذا الكفل فكذلك وان قصد الحلة فكذلك، فكل ذلك تقدير وتعليق على قصده، وإلا فهو فاقد للقصد الفعلي بتاتا. فبالنتيجة لا يكون قصده للمسافة إلا على تقدير قصد المتبوع لها. فالمقام اشبه شئ بطالب الضالة، أو الصيد، أو الغريم أو الخارج لاستقبال الحاج ونحو ذلك ممن لا يقصد المسافة إلا على تقدير دون تقدير فهو يخرج لطلب الصيد مثلا مهما وجده، اما على رأس الفرسخين أو الثمانية فيسير في مساحة واقعية حاوية لمقصده مرددة بين المسافة وغيرها فكما يجب التمام هناك بلا كلام، فكذا في المقام بمناط واحد.

[ 62 ]

ويجب الاستخبار مع الامكان (1) نعم في وجوب الاخبار على المتبوع اشكال، وان كان الظاهر عدم الوجوب


(1): - ينبغي التكلم في جهات: الاولى هل يجب على التابع الجاهل بمقصد متبوعه الاستخبار لدى التمكن منه؟ حكم (قده) بالوجوب، والظاهر العدم، فان الوجوب مبني على امرين: احدهما: دعوى كون الوظيفة الواقعية الثابتة في حق التابع هي القصد لو كان متبوعه قاصدا للمسافة، وان كان التابع جاهلا بها، كما ان وظيفته التمام لو لم يقصدها. وعليه لا مناص من الفحص والسؤال تحقيقا للامتثال والاتيان بالوظيفة الواقعية على وجهها. ثانيهما: وجوب الفحص في طائفة من الشبهات الموضوعية وهي التي يؤدي ترك الفحص فيها إلى الوقوع في مخالفة الواقع غالبا كما في باب الاستطاعة، وبلوغ المال حد النصاب ونحوهما، ومنه المقام اعني التحقيق عن المسافة كما تقدم، ولكن شيئا منهما لا يتم. اما الاول: فلما عرفت من دوران القصر مدار القصد الفعلي التنجيزي الثابت على كل تقدير، وهو مفقود بالاضافة إلى التابع بالوجدان لكونه معلقا على قصد المتبوع وهو مشكوك حسب الفرض. ومعه لا قصد فلا قصر. فالوظيفة المقررة في حق التابع حتى في صقع الواقع انما هي التمام فانها وظيفة كل من لم يكن قاصدا للمسافة فعلا، والتابع من ابرز مصاديقه كما لا يخفى. فليس هناك واقع مردد مجهول ليلزم الفحص

[ 63 ]

عنه مقدمة للامتثال. نعم بالفحص يتبدل الموضوع الموجب لتبدل الحكم فينقلب غير القاصد إلى القاصد لو انكشف صدور القصد من المتبوع فيحدث عندئذ وجوب القصر، لا انه ينكشف به واقع مجهول ليلزم الفحص عنه، إذ لا جهالة في الحكم الواقعي الثابت في حقه فعلا الذي هو التمام كما عرفت. ومن المعلوم عدم الدليل على لزوم هذا التبديل وقلب الموضوع وتغييره كما هو ظاهر جدا. واما الثاني: فلما تقدم من منع استلزام ترك الفحص للوقوع في خلاف الواقع غالبا حتى في امثال هذه الموارد فان الشك في المسافة أو في قصد المتبوع، وكذا الاستطاعة، والنصاب ونحو ذلك ليس مما يكثر الابتلاء به كي يوجب العلم اجمالا بالمخالفة لو لم يفحص كما لا يخفي. فشأن هذه الموارد شأن ساير موارد الشبهات الموضوعية في اشتراك الكل في عدم وجوب الفحص بمناط واحد، ولا تمتاز عنها بشئ. الجهلة الثانية: لا يخفى ان الشك في المسافة يمتاز عن غيره من ساير موارد الشبهات الموضوعية في اختصاصه بعدم وجوب الفحص حتى لو بنينا على ثبوت القصر واقعا وسلمنا وجوب الفحص فيما يوجب تركه الوقوع في مخالفة الواقع غالبا كما في الشك في الاستطاعة. وبلوغ المال حد النصاب ونحو ذلك. لاختصاص المقام بعدم احتمال الوقوع في خلاف الواقع بتاتا. ضرورة ان الشاك الباني على التمام استنادا إلى اصالة التمام لا يخلو اما ان ينكشف له الخلاف في الوقت أو في خارجه، أو لا ينكشف

[ 64 ]

رأسا ولا رابع. فعلى الاول يعيدها قصرا فلم يفته الواقع كما هو واضح. وعلى الثاني فهو محكوم بالجزاء لصحيحة العيص بن قامم الصريحة في عدم القضاء لو اتم في موضع التقصير جهلا، كما سنتعرض له في محله ان شاء الله تعالى مفصلا، فلم يفته الواقع أيضا. وعلى الثالث فالاجزاء فيه بطريق أولى، إذ مع القطع بالخلاف وحصول الانكشاف لم يجب القضاء، فما ظنك بالشك! فعلى جميع التقادير لا يحتمل الوقوع في مخالفة الواقع كي يجب الفحص عنه. وعليه فلا مقتضى لسؤال التابع وفحصه عن مقصد متبوعه بوجه حتى لو سلمنا وجوب القصد عليه واقعا، إذا كان متبوعه قاصدا للمسافة واقعا لعدم احتمال استلزام تركه الوقوع في محذور مخالفة الواقع على اي حال كما عرفت فاحتمال وجوب الفحص هنا ساقط جزما. الجهة الثالثة: بناءا على وجوب الفحص والاستخبار هل يجب الاخبار على المتبوع؟ الظاهر العدم كما ذكره في المتن، إذ لا مقتضى له بوجه، فان التسبيب إلى وقوع الغير في الحرام الواقعي وان كان محرما كمباشرته مثل ما لو قدم طعاما متنجسا إلى الغير فاكله بزعم الطهارة لاستناد ارتكاب الحرام حينئذ إلى السبب كاستناده إلى المباشر لدى علمه بالحرمة ولافرق بينهما في مناط التحريم كما حرر في محله. إلا ان ايجاد المانع عن صدور الحرام الواقعي عمن يفعله جاهلا به غير لازم قطعا، فلا يجب الاعلام بنجاسة الطعام لمن يأكله من تلقاء نفسه جاهلا بنجاسته، إذ لا تسبيب حسب الفرض، ولم يصدر منه منكر بعد اعتقاد الطهارة ليلزم ردعه من باب النهي عن المنكر، *

[ 65 ]

(مسألة 18): إذا علم التابع بمفارقه المتبوع قبل بلوغ المسافة (1) ولو ملفقة بقي على التمام، بل لو ظن ذلك فكذلك نعم لو شك في ذلك فالظاهر القصر خصوصا لو ظن العدم لكن الاحوط في صورة الظن بالمفارقة والشك فيها الجمع.


ومجرد صدور الحرام الواقعي عن المعذور لا ضمير فيه. وعليه فلا بأس بترك الاخبار وعدم الاعلام في المقام بعد ان لم يكن المتبوع هو السبب في وقوع التابع في الحرام الواقعي. هذا كله بناءا على وجوب القصر واقعا على التابع الذي يكون متبوعه قاصدا للمسافة وهو لا يدري، وإلا فقد عرفت انه غير مكلف حينئذ إلا بالتمام حتى واقعا. هذا مضافا إلى ما عرفت في الجهة الثانية من عدم وقوع التابع الجاهل في خلاف الواقع على اي تقدير اما لاعادته في الوقت، أو للاجزاء وعدم القضاء، فلا موضوع لوجوب الاخبار بوجه. (1): - فلا اشكال حينئذ في البقاء على التمام لفقد القصد المعتبر في القصر، وعدم تحققه رأسا لا استقلالا ولا تبعا كما هو واضح. واما الظن فقد الحقه بالعلم في المتن، وفرق بينه وبين الشك الذي استظهر فيه القصر. ولكن التفرقة كما ترى في غير محلها، إذ بعد البناء على عدم حجية الظن وانه لا يغني عن الحق. فلا جرم يكون محكوما بحكم الشك فالحاقه به احرى من الحاقه بالعلم بمقتضى الصناعة كما لا يخفى. واما الشك في المفارقة فقد استظهر فيه القصر كما عرفت، ولعله *

[ 66 ]

(مسألة 19): إذا كان التابع عازما على المفارقة مهما امكنه (1) أو معلقا لها على حصول امر كالعتق أو الطلاق ونحوهما فمع العلم بعدم الامكان وعدم حصول المعلق عليه يقصر، واما مع


لاجل ما يقتضيه طبع التبعية إذ هي كالمقتضي لقصد المسافة، فلا يعتنى باحتمال المفارقة الذي هو بمثابة الشك في عروض المانع بعد احراز المقتضي. ولكن الظاهر تعين التمام لما تقدم من ان المدار في القصر على حصول القصد الفعلي ولو تبعا، ومن المعلوم ان احتمال المفارقة فضلا عن الظن بها مناف لفعلية القصد، فهو بالاخرة مردد في قصد المسافة فعلا، وانما يقصدها معلقا على عدم المفارقة، وإذ لا قصد فلا قصر لكونه مشروطا بالتعقب بالمسافة خارجا على سبيل الشرط المتأخر، والمفروض الشك في حصول الشرط. نعم لو كان الاحتمال المزبور موهوما بحيث لا ينافي الاطمئنان بطي المسافة وقطعها وجب القصر حينئذ لكون الاطمئنان حجة عقلائية وعلما عاديا. بل قلما يتفق العلم الوجداني، ولا يكاد ينفك القصد عن مثل هذا الاحتمال غالبا، لجواز حصول ما يمنعه من السير من العوارض الاتفاقية من برد أو لص أو عدو ونحو ذلك، كما هو الحال في قصد الاقامة إذ من الجائز عروض ما يمنعه من البقاء من مرض أو تسفير، أو وصول برقية تدعوه للرجوع ونحو ذلك من الاحتمالات، فان بابها واسع لا يسده شئ. (1): - لاريب حينئذ في وجوب التقصير مع العلم بعدم الامكان *

[ 67 ]

ظنه فالاحوط الجمع وان كان الظاهر التمام، بل وكذا مع الاحتمال الا إذا كان بعيدا غايته بحيث لا ينافي صدق قصد المسافة، ومع ذلك أيضا لا يترك الاحتياط.


أو بعدم المعلق عليه من العتق والطلاق ونحوهما كما افاده (قده) لحصول القصد الفعلي التنجيزي غايته العزم على المفارقة قبل بلوغ المسافة معلقا على تقدير يقطع بعدم وقوعه غير المنافي لفعلية القصد المزبور الذي هو تمام الموضوع لوجوب القصر كما هو واضح. واما مع الشك في الامكان أو في حصول المعلق عليه فضلا عن الظن بهما فالظاهر حينئذ هو التمام كما ذكره في المتن لانتفاء فعلية القصد مع فرض التردد المزبور، لوضوح التنافي بينهما، إذ كيف يتمشى منه قصد المسافة مع تجويزه المفارقة، أو حصول المعلق عليه. فلا قصد إلا على سبيل التعليق. وقد عرفت ظهور الادلة في لزوم الفعلية وتنجيز القصد. نعم يتعين التقصير فيما إذا كان الاحتمال المذكور بعيدا غايته بحيث لا ينافي صدق قصد المسافة لعدم العبرة بالاحتمالات البعيدة غير الملتفت إليها عند العقلاء التي لا يسلم قصد عن تطرقها لا في المقام ولا في قصد الاقامة إلا ما شذ لقلة موارد العلم الوجداني بالبقاء على القصد السابق والنية الاولية جدا. فان باب احتمال طرو العوارض غير المترقبة المانعة عن البقاء على العزم السابق واسع لا يسده شئ كما تقدم، حتى في مثل الصلاة لجواز عروض ما يوجب قطعها.

[ 68 ]

(مسألة 20): إذا اعتقد التابع ان متبوعه لم يقصد المسافة أو شك في ذلك، وفي الاثناء علم انه قاصد لها فالظاهر وجوب القصر عليه (1) وان لم يكن الباقي مسافة، لانه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة واقعا، فهو كما لو قصد بلدا معينا واعتقد عدم بلوغه مسافة فبان في الاثناء انه مسافة، ومع ذلك فالاحوط الجمع (مسألة 21): لا اشكال في وجوب القصر إذا كان مكرها على السفر، أو مجبورا عليه (2)، وأما إذا أركب على الدابة


(1): - بل الظاهر وجوب التمام ما لم يكن الباقي مسافة، وقياسه بما لو قصد بلدا معينا كالحلة معتقدا عدم بلوغه مسافة غير واضح كما مر التعرض له ولكلام الشهيد في المسألة السابعة عشرة لتعلق القصد بواقع الثمانية فراسخ في المقيس عليه قصدا منجزا من غير تعليق على شئ وان كان هو جاهلا به. واما في المقام فقصد المسافة معلق على قصد المتبوع ومنوط به ودائر مداره، وليس قصدا فعليا على سبيل الاطلاق كما في المثال، فهو من قبيل تردد المقصد بين مسافات مختلفة، نظير تردد مكان الضالة بين امكنة عديدة مرددة بين القريبة والبعيدة الذي عرفت ان مثله مانع من وجوب التقصير، فكما ان طالب الضالة قاصد للمسافة على تقدير الحاجة، فكذا التابع قاصد لها على تقدير قصد المتبوع كما هو ظاهر. (2): - السفر كساير الافعال الاختيارية يتصور على وجوه اربعة: *

[ 69 ]

أو القي في السفينة من دون اختياره، بان لم يكن له حركة سيرية، ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالايصال إلى المسافة اشكال، وان كان لا يخلو عن قوة.


الاول: ان يصدر عن المسافر باختيار وارادة وطوع منه ورغبة، بلا اكراه من احد ولا اضطرار. الثاني: ان يكون مكرها عليه فيسير باختياره وارادته ولكن من غير طيب النفس، بل باكراه من الغير وتوعيد منه على العقوبة، ولولاه لما سافر، نظير المعاملة المكره عليها. الثالث: ان يكون مضطرا عليه لضرورة تدعوه إليه من معالجة مريض أو مضايقة دين ونحو ذلك، وهو المراد من المجبور في عبارة المتن، فهو يسافر عن قصد واختيار غير انه لا يرضى به إلا بالعنوان الثانوي لما يترتب عليه من رفع الضرورة الملحة، نظير البيع الاضطراري المحكوم بالصحة من اجل ان البطلان على خلاف الامتنان بخلاف البيع المكره عليه كما هو محرر في محله. وكيفما كان فلا ينبغي الاشكال في وجوب التقصير في هذه الصور الثلاث بمقتضى اطلاق الادلة، إذ لا يلزم إلا السير إلى المسافة مع قصدها المتحقق في جميع هذه الفروض، ولم يقيد شئ من الادلة بالاختيار المقابل للاكراه أو الاضطرار كما هو ظاهر. انما الكلام في الصورة الرابعة: وهي ما إذا لم يكن السير باختياره ابدا، كما لو اخذ وشدت يداه ورجلاه مثلا والقي في السفينة ونحوها فهل يحكم عليه أيضا بالقصر أو انه محكوم بالتمام لانتفاء الارادة وسلب الاختيار؟ *

[ 70 ]

الظاهر هو الاول لاطلاق الادلة الشامل لصورتي الاختيار وعدمه بعد التلبس بمجرد القصد وان لم يستند إلى الاختيار مثل قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر، بضميمة ما ثبت من الخارج من الملازمة بين الافطار والتقصير، ونحوه النصوص الدالة على لزوم التقصير في بريدين أو بريد ذاهبا وبريد راجعا، أو مسيرة يوم أبو بياض النهار، فانها مطلقة من حيث الاختيار وعدمه. بل لو كنا نحن وهذه المطلقات لحكمنا بكفاية قطع المسافة كيفما اتفق ولو لا عن قصد، إلا انه قد ثبت من الخارج تقييده بالقصد، فبهذا المقدار نرفع اليد عن الاطلاق. واما الزائد عليه اعني تقييد القصد بصدوره عن الاختيار فمدفوع باصالة الاطلاق بعد خلو دليل التقييد عن اعتناق هذه الخصوصية. ولمزيد التوضيح ينبغى التعرض لادلة التقييد بالفصد لتستبين صحة ما ادعيناه من عدم التقييد بالاختيار. فمنها الاجماع المدعى على اعبتار قصد المسافة في وجوب التقصير. وهو لو تم وكان اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع) لم يقتض إلا اعتبار طبيعي القصد الجامع بين الاختيار وغيره المساوق لمجرد العلم نظير اعتبارهم القصد في اقامة العشرة الذي لايراد به هناك إلا هذا المعنى جزما. ومن ثم حكموا بالتمام فيمن اجبر على المكث في مكان عشرة ايام كما في المحبوس وان كان فاقدا للاختيار. وكيف يحتمل تقييدهم القصد فيما نحن فيه بالاختيار مع ذهاب المشهور إلى وجوب التقصير على المكره على السفر، بل في المستند دعوى الاجماع عليه، ويقتضيه اطلاق كلامهم في الاسير كما لا يخفى. وهذا كله يكشف عن ان مرادهم بالقصد اعم من مجرد العلم كما عرفت

[ 71 ]

لا خصوص الحصة الاختبارية. ومنها: موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال فيها: " لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة (1). دلت على لزوم قصد المسافة من المنزل، فلا قصر بدون هذا القصد وان بلغ به السير هذا الحد شيئا فشيئا كما هو المفروض في السؤال. فبهذا المقدار تقيد المطلقات ولا دلالة لها بوجه على لزوم صدور القصد المزبور عن الارادة والاختيار، بل هي مطلقة يكتفى حتى لو صدر لا عن اختيار. ودعوى انسباق الاختيار من الافعال ظهورا أو انصرافا غير مسموعة كما حقق في محله. هذا. وربما يستدل على المدعى من كفاية العلم في تحقق القصد وعدم الحاجة إلى الاختيار بما رواه الشيخ الكليني باسناده عن اسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (ع) عن قوم خرجوا في سفر فلما انتهوا إلى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصروا من الصلاة، فلما صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على اربعة تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلا به، فاقاموا ينتظرون مجيئه إليهم وهم لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم، فاقاموا على ذلك اياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال: إن كانوا بلغوا مسيرة اربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم، أقاموا ام انصرفوا وان كانوا ساروا أقل من اربعة فراسخ فليتموا الصلاة قاموا أو انصرفوا فإذا امضو فليقصروا.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب المسافر حديث 3.

[ 72 ]

ورواه الشيخ الصدوق في العلل بسنده عن محمد بن علي الكوفي عن محمد بن اسلم (مسلم) نحوه وزاد قال: ثم قال (ع) هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا، قال: لان التقصير في بريدين: إلى أن قال قلت: أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه اذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ قال: بلى، إنما قصروا في ذلك الموضع لانهم لم يشكوا في مسيرهم وان السير يجد بهم فلما جاءت العلة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا (1) ومثله رواه البرقي في المحاسن عن محمد بن اسلم (مسلم). حيث يظهر من قوله (ع): لانهم لم يشكوا في مسيرهم، ان العبرة في وجوب التقصير بعدم الشك في السفر، فكل من يعلم به ولم يشك في سيره قصر والا فلا، سواء أكان بالاختيار أم بدونه. اقول: اما السند فهو على طريق الكليني بظاهره خال عن الخدش لعدم اشتماله على من يغمز فيه عدا محمد بن اسلم الذي هو الطبري الجبلي وهو من رجال كامل الزيارات (2) لكن الاستشهاد لم يكن بمنقه. نعم: هو ضعيف على طريق الصدوق المشتمل على محمد بن علي الكوفي حيث ان الظاهر ان المراد به في المقام هو أبو سمينة المشتهر بالكذب سيما مع التصريح به في طريق البرقي (3) ولا اقل من احتمال ذلك فتسقط الرواية بذلك عن درجة الاعتبار. ومنه تعرف امكان تطرق الخدش في طريق الكليني أيضا لعدم


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة المسافر حديث 10 و 11. (2) معجم رجال الحديث ج 15 ص 91. (3) المحاسن ص 255 ط نجف.

[ 73 ]

احتمال تعدد الرواية كما لا يخفى فيدور الامر بين حذف الرجل في هذا الطريق وبين زيادته في طريق الصدوق ومعه لا يبقى وثوق بصحة السند وأما ما في بعض نسخ العلل والمحاسن من ذكر (محمد بن مسلم بدلا عن (محمد بن اسلم) فليس المراد به الثقفي المعروف قطعا، فانه يروي عن الباقرين عليهما السلام بلا واسطة، لا عن ابي الحسن (ع) مع الواسطة كما في المقام. على انه من غلط النساخ جزما، إذ لم تعهد رواية محمد بن علي الكوفي عن محمد بن مسلم، وقد روى عن محمد بن اسلم في مواضع كثيرة كما يظهر بمراجعة المعجم. وكيفما كان فقد عرفت ان الرواية غير نقية السند. واما الدلالة: فالظاهر انها أيضا قاصرة نظرا إلى ان تلك الجملة المستشهد بها قد وردت في مقام رفع استبعاد المسائل عن انهم كيف يتمون وقد قصروا قبل ذلك؟ فأجاب (ع) بانهم إنما قصروا آنذاك حسب وظيفتهم الفعلية، حيث لم يشكوا في المسير، وكانوا يعتقدون السفر، فلما انكشف الخلاف اتموا، فهي مسوقة لذب الاستبعاد المزبور عنهم، وليست في مقام بيان انه لا يلزم في السفر شئ آخر، وان الموضوع هو العلم فقط، ولعل القصد بمعنى الاختيار أيضا معتبر، وليس المقام مقام ذكره فالعمدة ما ذكرناه. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الادلة الاولية تقتضي وجوب التقصير لمن سافر ثمانية فراسخ سواء أقصد أم لا، وسواء أكان باختياره ام لا ولكن الادلة الخارجية دلتنا على اعتبار القصد في وجوب التقصير، وبذلك يرفع اليد عن المطلقات بهذا المقدار، ويكون الموضوع هو *

[ 74 ]

الثالث: استمرار قصد المسافة فلو عدل عنه قبل بلوغ الاربعة أو تردد اتم (1)، وكذا إذا كان بعد بلوغ الاربعة لكن كان عازما على عدم العود، أو كان مترددا في اصل العود وعدمه، أو كان عازما على العود لكن بعد نية الاقامة هناك عشرة ايام، واما إذا كان عازما على العود من غير نية الاقامة عشرة ايام فيبقى على القصر وان لم يرجع ليومه، بل وان بقي مترددا إلى ثلاثين يوما، نعم بعد الثلاثين، مترددا يتم.


القصد وثمانية فراسخ، ولم نجد في تلك المقيدات التي اعتبرت القصد ما يدل على اختصاص ذلك بالاختياري، بل هي مطلقة سواء احصل عن ارادة واختيار أم لا، ولازم ذلك ان من سافر بلا اختيار كما في محل الكلام يجب عليه التقصير لدخوله تحت المطلق حسبما عرفت. (1): - بلا خلاف بل اجماعا كما ادعاه غير واحد فيعتبر القصد المزبور حدوثا وبقاءا، فلو عدل عنه في الاثناء قبل بلوغ الاربعة رجع إلى التمام، وكذا بعده إلا إذا كان عازما على العود بحيث تتشكل منه المسافة التلفيقية بدلا عن الامتدادية. ويدل على الحكم نفس الادلة الاولية المتكفلة لاناطة التقصير بثمانية فراسخ، إذ مقتضى هذا التحديد انه لو قلت المسافة عن الثمانية بان عزمها ثم بدا له في الاثناء انتفى عنه حكم التقصير ورجع إلى التمام لانتفاء ما كان الاعتبار به في ثبوته اعني ثمانية فراسخ ولو ملفقة.

[ 75 ]

نعم ان نفس هذه الروايات دلتنا على وجوب التقصير بمجرد التجاوز عن حد الترخص من دون انتظار بلوغ الثمانية، ولاجله ربما يترائى نوع تداع بين الحكمين كما لا يخفى. إذا لابد من الالتزام بالشرط المتأخر، وان الحكم بالتقصير لدى بلوغ حد الترخص مشروط ببلوغ السير إلى نهاية الثمانية مستمرا، فعدوله في الاثناء يكشف عن عدم ثبوت الحكم لانتفاء الموضوع واقعا وان كان به جاهلا. وهل يعيد حينئذ ما صلاه قصرا أو انه يجزى كما لعله المشهور؟ فيه كلام وسنبحث عنه ان شاء الله تعالى عند تعرض الماتن له في مسألة مستقلة قريبا. وكيفما كان فقد عرفت ان نفس الادلة الاولية وافية لاثبات هذا الاشتراط، فالحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى التماس نص خاص. مضافا إلى استفادته من صحيحة أبي ولاد قال: قلت لابي عبد الله (ع) اني كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصد ابن هبيرة وهو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء فسرت يومي ذلك اقصر الصلاة، ثم بدالي في الليل الرجوع إلى الكوفة، فلم ادر اصلى في رجوعي بتقصير أو بتمام، وكيف كان ينبغي ان اصنع؟ فقال: ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت ان تصلي بالتقصير لانك كنت مسافرا إلى ان تصير إلى منزلك، قال: وان كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فان عليك ان تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل ان تؤم من مكانك ذلك لانك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصرت، وعليك إذ رجعت ان تتم الصلاة حتى

[ 76 ]

تصير إلى منزلك (1). وقد تضمنت الصحيحة احكاما ثلاثة: الاول: ان من عدل عن سفره قبل بلوغ الاربعة يتم صلاته. الثاني: انه يعيد ما صلاه قصرا تماما لعدم تحقق السفر منه. الثالث: انه إذا اراد الرجوع بعد بلوغ الاربعة قصر. وهذا الاخير اجنبي عن محل الكلام، والامران الاولان يعطيان اعتبار الاستمرار في القصد، وان القصد البدائي لا يكفي في ثبوت التقصير. ولكن صحيحة زرارة تعارض هذه الصحيحة في الحكم الثاني حيث قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال: تمت صلاته ولا يعيد (2). فدلت على عدم اعادة ما صلاه قصرا على خلاف هذه الصحيحة ولابد من التساقط في هذه الفقرة، أو التقديم. وكيفما كان فهذا حكم آخر خارج عن نطاق هذا البحث، وهذه غير متعرضة لما دلت عليه صحيحة أبي ولاد في حكمها الاول، اعني الحكم بالتمام فيمن عدل قبل بلوغ المسافة، فهي في هذا الحكم الذي هو محل الكلام سليمة عن المعارض، وهي صريحة الدلالة على اعتبار الاستمرار في القصد كما عرفت.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة المسافر حديث 1. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

[ 77 ]

ويعضدها رواية اسحاق بن عمار، ورواية المروزي المتقدمتان (1) فلاحظ. ولكنهما ضعيفتا السند كما تقدم، فلا تصلحان إلا للتأييد، وان كانت الثانية معتبرة على مسلكنا لوقوع المروزي في اسناد كامل الزيارات والعمدة هي هذه الصحيحة. إذا يعتبر استمرار القصد، فلا يكفي لو عدل، بل وكذا لو تردد للشك في تحقق الشرط. (بقي شئ) وهو انه لو قصد المسافة وفي الاثناء عدل أو تردد ومع ذلك سار شيئا فشيئا مترددا إلى أن بلغ المسافة فكانت قطعة من سيره فاقدة للعزم والجزم، فهل يقصر حينئذ نظرا إلى انه قصد المسافة وقد قطعها خارجا فيشملها اطلاقات الادلة الدالة على اناطة التقصير بقصد الثمانية وطيها؟؟ الظاهر هو الحكم بالتمام لاجل قوله (ع) في موثقة عمار المتقدمة (... لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ (2) فان التعبير بصيغة المضارع في قوله (حتى يسير) يعطينا لزوم التلبس الفعلي بكون سيره من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، وهذا لا يكون إلا مع استمرار القصد، بان يكون القصد المزبور محفوظا من لدن خروجه من المنزل وحتى النهاية، وإلا ففي حال الرجوع عن عزمه أو التردد لا يصدق انه متلبس فعلا بالسير من منزله أو قريته إلى ثمانية فراسخ. فتحقيقا للتلبس الفعلي المستفاد من التعبير بالمضارع لابد من مراعاة


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة المسافر حديث 10، باب 2 حديث 4. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

[ 78 ]

(مسألة 22): يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع وان عدل عن الشخص (1)، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه إلى آخر يبلغ ما مضى وما بقي إليه مسافة، فانه يقصر حينئذ على الاصح، كما انه يقصر لو كان من اول سفره قاصدا للنوع دون الشخص، فلو قصد احد المكانين المشتركين في بعض الطريق، ولم يعين من الاول احدهما بل أوكل التعيين إلى ما بعد الوصول إلى آخر الحد المشترك كفى في وجوب القصر.


القصد المزبور في جميع آنات السير بان يكون متصفا بهذا العنوان (اي عنوان انه يسير من منزله إلى ثمانية فراسخ) في جميع الحالات وحتى نهاية المسافة، فكما يعتبر القصد من الاول يعتبر في الاثناء أيضا، فلو تردد لم يصدق انه سار من منزله إلى ثمانية فراسخ، بل يصدق انه سار من منزله إلى فرسخين مثلا ثم سار الباقي مترددا. وبالجملة مورد القصد اي العلم لا يقبل عروض الشك، ومبد هذا العلم من منزله، ومنتهاه نهاية الثمانية فراسخ، فمتى تحقق يقصر وإلا لم يكن مسافرا، بل يندرج تحت عمومات وجوب التمام على كل مكلف حسبما عرفت. (1): - فلو قصد مسافة معينة امتدادية وفي الاثناء عدل إلى مكان آخر يبلغ المجموع مما مضى وما بقى إليه المسافة فبدل الامتداد *

[ 79 ]


بامتداد آخر، أو بدا له في الرجوع وقد بلغ اربعة فراسخ، فبدل الامتداد بالتلفيق، أو كان قاصدا للنوع دون الشخص من اول سفره فقصد احد المكانين المشتركين في بعض الطريق واوكل التعيين إلى ما بعد الوصول إلى آخر الحد المشترك ففي جميع ذلك يحكم بالتقصير لعدم الدليل على اعتبار الاستمرار في شخص القصد، بل المدار على بقاء قصد نوع المسافة وكليها. ويدلنا على ذلك الاطلاقات الاولية المتضمنة لاناطة التقصير بقطع الثمانية المعبر عنها بمسيرة يوم، أو بياض النهار، ونحو ذلك مما ذكر في لسان الروايات خرجنا عن ذلك بمقتضى موثقة عمار الدالة على عدم كفاية الثمانية على اطلاقها، بل لابد وان تكون مقصودة من اول الامر مع استمرار هذا القصد كما تقدم، فلا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، اي يكون قاصدا لذلك من ابتداء سيره إلى بلوغ الثمانية. فبهذا المقدار ترتكب التقييد في تلك الاطلاقات. وأما الزائد على ذلك اعني لزوم استمراره على شخص الثمانية التي عينها في ابتداء سفره فلا تدل الموثقة عليه بوجه، بل ظاهرها اعتبار البقاء على مجرد قصد الثمانية في مقابل من يقطعها بقصدين وعزمين المفروض في السؤال. فلو قصد النوع من الاول، أو بدل شخصا بشخص آخر. فلا ينبغي التأمل في كونه مشمولا لاطلاق الموثقة، إذ يصدق حينئذ انه سار من منزله ثمانية فراسخ كما لا يخفى. ولو اغمضنا عن ذلك وسلمنا ظهورها في لزوم البقاء على شخص القصد الذي لازمه انتفاء القصر في الفروض المذكورة لكونها من قبيل *

[ 80 ]

ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. فلا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور بصحيحة أبي ولاد الصريحة في التقصير لدى العدول من الامتداد إلى التلفيق. حيث قال (ع): "... ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت ان تصلي بالتقصير لانك كنت مسافرا إلى ان تصير في منزلك... الخ " (1). فانها كما ترى صريحة في عدم لزوم الاستمرار في شخص القصد وكفاية البقاء على نوعه ولاجله حكم (ع) بالتقصير لدى التبدل بالتلفيق مع ان قصده في ابتداء السفر كان متعلقا بخصوص المسافة الامتدادية. ومن ثم اعترف الشيخ (قده) بجواز العدول عن شخص القصد لكن في خصوص ما لو عدل عن الامتداد إلى التلفيق الذي هو مورد هذه الصحيحة ولم يلتزم بالقصر فيما لو عدل عن الامتداد إلى امتداد مثله جمودا على مورد النص. لكن الظاهر هو التعميم، اما اولا فبالاولوية القطعية، إذ الاصل في المسافة هي الامتدادية والتلفيق ملحق بها بدليل الحكومة ومنزل منزلتها بمقتضى قوله (ع): إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه المذكور في صحيح ابن مسلم كما تقدم، فإذا ثبت الحكم في التلفيق وهذا شأنه ففي الامتداد الذي هو الاساس بطريق أولى كما لا يخفى. وثانيا مع الغض عن ذلك فيكفينا في التعدي عن مورد الصحيحة ما اشتمل ذيلها من التعليل بقوله (ع) لانك كنت مسافرا إلى ان


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

[ 81 ]

تصير في منزلك. فان مقتضى عموم العلة انسحاب الحكم لكل مورد يصدق معه كونه مسافرا إلى أن يصير في منزله، ولا ريب في صدق هذا العنوان لدى تبدل الامتداد بامتداد آخر كصدقه عند تبدله بالتلفيق بمناط واحد. على ان الظاهر انه لا اشكال عندهم في ان من خرج قاصدا لكلي المسافة ونوع الثمانية على ان يعينها فيما بعد انه يقصر في الحد المشترك من الطريق. فيظهر من ذلك كله ان الاعتبار في الاستمرار بالبقاء على قصد النوع فلا يضره العدول عن شخص القصد فانه غير دخيل في موضوع الحكم. نعم لا تشمل الصحيحة ما لو عدل عن الامتداد إلى امتداد آخر، وكان ذلك قبل بلوغ اربعة فراسخ كما لو خرج بقصد الثمانية الشخصية وبعد مضي ثلاثة فراسخ عدل عن مقصده وعزم مكانا آخر يبلغ خمسة فراسخ بحيث كان مجموع الباقي مع الماضي ثمانية امتدادية، فان هذا الفرض غير مشمول للصحيحة بوجه لاختصاصها بما إذا كان العدول بعد الخروج بريدا. لكن التقصير ثابت هنا أيضا لعدم القول بالفصل، فان القائل بجواز تبديل الامتداد بالامتداد لا يفرق بين ما لو كان ذلك بعد مضي اربعة فراسخ ام قبله كما لا يخفي. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في عموم الحكم لجميع هذه الفروض وان المدار في الاستمرار على النوع دون الشخص كما عرفت.

[ 82 ]

(مسألة 23): لو تردد في الاثناء ثم عاد إلى الجزم (1) فاما أن يكون قبل قطع شئ من الطريق، أو بعده ففي الصورة الاولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة ولو ملفقة، وكذا ان لم يكن مسافة في وجه لكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع، واما في الصورة الثانية فان كان ما بقي مسافة ولو ملفقة يقصر ايضا والا فيبقى على التمام، نعم لو كان ما قطعه حال الجزم اولا مع ما بقي بعد العود إلى الجزم بعد اسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد مسافة ففي العود إلى التقصير وجه لكنه مشكل، فلا يترك الاحتياط بالجمع.


(1): - لو تردد في اثناء المسافة أو بدا له في الرجوع ثم عاد إلى الجزم السابق فحصل له البداء عن البداء الاول فهل يبقى حينئذ على القصر أو يجب التمام، أو ان فيه تفصيلا كما ذكره في المتن؟ وحاصله انه لا اشكال في البقاء على القصر فيما إذا كان الباقي بنفسه مسافة ولو ملفقة، سواء قطع شيئا من الطريق بين البداءين ام لا. واما إذا لم يكن بنفسه مسافة إلا بضميمة ما مضى حال الجزم السابق فحينئذ ان لم يقطع شيئا من الطريق حال تردده أو حال ما بدا له في الرجوع ففي البقاء على القصد ايضا وجه ذكره صاحب الجواهر ولكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع.

[ 83 ]

واما إذا قطع شيئا فيبقى على التمام إلا إذا كان الباقي بعد العود إلى الجزم بضميمة ما قطعه حال الجزم الاول بعد اسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد، أو حال ما بدا له في الرجوع مسافة، فان في العود حينئذ إلى التقصير وجها ولكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع. اقول: ينبغي التكلم في ضمن مسائل: الاولى: لا يبغي التأمل في لزوم التقصير فيما إذا كان الباقي بعد الجزم الثاني بنفسه مسافة ولو ملفقة كما افاده الماتن فانه انشاء لسفر جديد بعد انقطاع حكم الاول بالترديد. إلا انه لايتم على اطلاقه كما قد يقتضيه ظاهر عبارته من ثبوت القصر بمجرد العود إلى الجزم، بل لابد في ذلك من التلبس بالسير ولو شيئا ما ليتصف بكونه مسافرا الذي هو الموضوع لوجوب التقصير في النصوص، وإلا فلم يثبت في شئ من الادلة وجوب القصر بمجرد العزم على السفر من قبل تلبسه بالسير خارجا. نعم لا يشترط في ذلك الخروج عن حد الترخص لعدم الدليل على اعتبار هذا الشرط في كل من وجب عليه التمام، بل هو خاص بمن خرج عن وطنه ومنزله، ولم يثبت فيما عدا ذلك، حتى من خرج عن محل قصد فيه الاقامة عشرة ايام فانه يقصر بمجرد الخروج عن المحل والتلبس بشئ من السير، كما سيجئ التعرض له في محله عند تعرض الماتن ان شاء الله تعالى. وبالجملة: فاطلاق كلام الماتن في المقام لا يمكن المساعدة عليه. الثانية: لا اشكال في وجوب التمام حال التردد أو العزم على الرجوع لفقد القصد المعتبر في القصر كما هو ظاهر، واما بعد العود إلى الجزم

[ 84 ]

والمفروض عدم كون الباقي بنفسه مسافة ولو ملفقة، ولم يقطع بعد شيئا من الطريق فهل يجب القصر حينئذ كما اختاره في الجواهر أو انه يتعين التمام؟ ربما يقال باندراج المقام في كبرى الدوران بين الرجوع إلى عموم العام أو استصحاب حكم المخصص، فان المسافر من لدن خروجه من منزله إلى نهاية ثمانية فراسخ محكوم بوجوب القصر في كل مكان من الامكنة المتخللة في هذه المسافة خرجنا عن ذلك في النقطة التي عرض الترديد أو العزم على الرجوع فانها محكومة بالتمام بلا إشكال. واما فيما بعد هذه الحالة اعني حالة العود إلى الجزم السابق فيشك في حكمه وانه هل هو التمام استنادا إلى استصحاب حكم الخاص أو انه القصر عملا بعموم العام؟ وحيث ان الصحيح هو الثاني لكون العموم في المقام انحلاليا استغراقيا لا مجموعيا ليكون حكما وحدانيا مستمرا. فلا مناص من الحكم بالتقصير. اقول: لا ينبغي التأمل في انه بناءا على اعتبار الاستمرار في قصد المسافة ولزوم الانبعاث في قطع الثمانية عن قصد وحداني مستمر كما دلت عليه موثقة عمار - على ما تقدم - فما يقطعه حال العود إلى الجزم غير قابل للانضمام إلى ما قطعه حال الجزم السابق لتخلل التردد أو العزم على الرجوع بين الجزمين، فان الوظيفة الواقعية في هذه الحالة - اعني حالة التردد أو العزم على الخلاف - هي التمام بالضرورة لفقد القصد، وبها يستكشف ان الوظيفة الواقعية كانت هي التمام من اول الامر، ومن لدن خروجه من المنزل لفقد شرط الاستمرار بعروض

[ 85 ]

التردد، وان ما تخيله من القصر كان خيالا محضا. فلا قصر لا في الحالة السابقة ولا اللاحقة، كما هي منفية عن الحالة الفعلية - اي التردد - فهو منفي عن الكل ومفقود في جميع الحالات بمناط واحد، وهو انتفاء شرط الاستمرار في القصد عن الجميع، لا أن بعض الافراد محكوم بحكم العام وقد خرج فرد في حالة ونشك في بقاء حكمه في الحالة الاخرى كي يبتني على الرجوع إلى الاستصحاب أو عموم العام، بل لم يكن القصر باقيا في شئ من الحالات ولا في مكان من الامكنة وان تخيل هو ثبوته سابقا، بل الوظيفة هي التمام من اول الامر كما عرفت. ولو بنينا على ثبوت القصر سابقا حتى واقعا كما عليه المشهور - ولا نلتزم به كما ستعرف - فانما هو لدليل خاص، وهي صحيحة زرارة الدالة على الاجزاء بزعمهم، وإلا فمقتضى القاعدة الاولية هو التمام واقعا بعد انكشاف فقد شرط القصر كما عرفت. ومما يؤكد ما ذكرناه من انقطاع اللاحق عن السابق وعدم قبول الانضمام بعد تخلل التردد أو العزم على الرجوع في البين ما اتفقوا عليه من غير خلاف - كما قيل - من ان قصد الاقامة عشرة ايام قبل بلوغ الثمانية قاطع لحكم السفر، فلو خرج من النجف قاصدا كربلاء وبانيا على اقامة عشرة ايام في خان النصف لم يقصر بل يتم في طريقه كله فلولا اعتبار الاستمرار في القصد مضافا إلى اعتبار الاتصال في القطع الخارجي فلماذا لم يحكم بالقصر فيما قبل محل الاقامة وما بعدها مع فرض بلوغ المجموع حد المسافة. فهذا مما يدلنا على عدم صلاحية انضمام اللاحق بالسابق بعد تخلل التردد أو العزم على الخلاف الموجب

[ 86 ]

لفقد الاتصال وقطع الاستمرار في قصد المسافة. وعلى الجملة تخلل التردد في الاثناء فضلا عن العزم على الرجوع موجب لانتفاء موضوع القصر لزوال شرطه وهو الاستمرار في القصد فليست الوظيفة الواقعية في جميع تلك الحالات إلا التمام. هذا اولا. وثانيا مع الغض عن ذلك فلا شك في ان الوظيفة الواقعية حال التردد أو العزم على الرجوع إنما هي التمام بالضرورة لفقد قصد المسافة وقتئذ كما هو ظاهر. وحينئذ فتكفينا في وجوب التمام بعد العود إلى العزم السابق الروايات الكثيرة المستفيضة - وقد تقدمت - الدالة على ان المكلف بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلا بعد قصد ثمانية فراسخ، وانه لا يقصر في اقل من ذلك. قال: قلت في كم التقصير؟ قال (ع): في بريدين ثمانية فراسخ، وفي بعضها التصريح بانه لا أقل من ذلك. فان قوله: في كم التقصير ظاهر في ان السؤال عمن هو مكلف فعلا بالتمام، وانه متى يخاطب بالقصر وتنقلب وظيفته إليه فأجاب (ع) بان حد ذلك ما إذا قصد ثمانية فراسخ، أو بريدا ذاهبا وبريدا جائيا فلا تقصير ما لم يقصد المسافة من حين كونه مكلفا بالتمام، والمفروض في المقام انه مكلف بالتمام واقعا حال التردد كما عرفت وانه لم يقصد الثمانية من هذا المكان بعد عوده إلى الجزم السابق، بل قصد الاقل من ذلك، فلا قصر في حقه بمقتضى هذه النصوص. وهذه كبرى كلية نستدل بها في كثير من المسائل الآتية: وهي ان كل من خوطب بالتمام لجهة من الجهات التي منها التردد أو العزم على الرجوع - كما في المقام - فلا تنقلب وظيفته إلى القصر إلا إذا

[ 87 ]

قصد من مكانه السير ثمانية فراسخ ولو ملفقة، وإلا فهو باق على التمام، نعم ربما يستدل للتقصير في المقام برواية اسحاق بن عمار الواردة في قوم ترددوا في السير اثناء الثمانية حيث قال (ع) فيها " وان كانوا ساروا أقل من اربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما اقاموا، فإذا مضوا فليقصروا (1). بحيث حكم (ع) بالتقصير لدى المضي والعود إلى الجزم السابق. ولكنها قاصرة الدلالة، إذ لم يفرض فيها كون الباقي من السير بعد العود إلى الجزم السابق اقل من المسافة - كما هو محل الكلام - فان مورد السؤال عن قوم خرجوا في سفر.. الخ ولم يقيد بكونه ثمانية يشترط لا، ولعله كان اكثر منها بكثير، بحيث كان الباقي بعد العود إلى الجزم بنفسه ثمانية فراسخ أو اكثر. نعم اطلاقها بمقتضى ترك الاستفصال يشمل ما إذا كان الباقي اقل من المسافة فلا تدل على حكم المقام إلا بالاطلاق القابل للتقييد بمقتضى النصوص الدالة على انه لا يقصر - بعد الحكم بالتمام - إلا بعد قصد الثمانية، بل لا مناص من ارتكاب التقييد على ما عرفت آنفا عند بيان الكبرى الكلية، فتكون اجنبية عن محل الكلام. فالرواية ساقطة عن الاستدلال لضعفها سندا كما تقدم ودلالة، والمتعين هو الحكم بالتمام حسبما ذكرناه. الثالثة: لو عاد إلى الجزم السابق وقد قطع شيئا من الطريق مترددا فلا اشكال حينئذ في وجوب التمام فيما إذا لم يكن الباقي مع ما قطعه حال الجزم السابق مسافة كما لو قطع ثلاثة فراسخ ثم مشى فرسخين


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة المسافر حديث 10.

[ 88 ]

(مسألة 24): ما صلاة قصرا قبل العدول عن قصده لا يجب اعادته في الوقت فضلا عن قضائه خارجه (1).


مترددا وكان الباقي أيضا ثلاثة، إذ لم يقطع حينئذ تمام الثماينة عن قصد كما هو ظاهر جدا. واما إذا كان المجموع من السابق واللاحق بعد اسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد أو حال العزم على الرجوع مسافة. فقد ظهر حكم هذا الفرض مما تقدم في الفرض السابق اعني ما لو عاد إلى الجزم قبل قطع شئ من الطريق وانه لابد هنا أيضا من التمام للاخلال بشرط الاستمرار في القصد المعتبر في القصر، ولما دل على انه لا قصر بعد الحكم بالتمام إلا مع قطع الثمانية المفقود في المقام. بل ان الحكم هنا اوضح من الفرض السابق لان الاخلال هناك لم يكن إلا في استمرار القصد، وإلا فنفس السير ثمانية فراسخ كان متصلا ولم يفصل بين اجزائها ما هو فاقد للقصد لفرض عدم قطعه شيئا من الطريق حال التردد. واما في المقام فلا القصد مستمر ولا السير الخارجي متصل فكان احرى بالتمام، ولاجله قيل - كما في الجواهر - بالتفصيل بين الفرضين وانه يلتزم بالقصر في الاول دون الثاني، وان كان التفصيل في غير محله كما علم مما سبق. (1): - على المشهور بل لم ينسب الخلاف إلا إلى الشيخ في الاستبصار حيث فصل بعد نقل الاخبار بين الاعادة في الوقف والقضاء خارجه فحكم بوجوب الاول دون الثاني، ولعل ذلك مجرد جمع منه *

[ 89 ]

بين الاخبار لا انه فتواه، فان الاستبصار كتاب حديث غير معد للفتوى وعليه فلا خلاف في المسألة. وكيفما كان فيستدل للمشهور بصحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين قال: تمت صلاته ولا يعيد (1). ولكنه قابل للمناقشة، فانا لو كنا نحن وهذه الصحيحة لحكمنا بنفي الاعادة وصحة الصلاة لصراحتها في ذلك ولاسيما بعد التعبير بكلمة (تمت) الدالة على تمامية الصلاة، وعدم خلل فيها والتزمنا من اجلها باحد امرين. اما ان الموضوع للقصر مجرد قصد المسافة وإن لم يتعقب بسير الثمانية خارجا كما هو الحال في قصد الاقامة بلا كلام فانه بنفسه موضوع للتمام وان لم يقم عشرة ايام. أو ان الشارع اجتزى بغير المأمور به عن المأمور به في مقام الامتثال فيكون القصر حينئذ مسقطا عن الواجب تعبدا، وكيفما كان فكنا نلتزم بالاجزاء باحد الوجهين: ولكنها معارضة بروايتين: احداهما صحيحة أبي ولاد الصريحة في وجوب القضاء الواردة فيمن سافر في النهار ولم يسر بريدا ورجع في الليل من نيته وبدا له ان يرجع، قال: "... فان عليك ان تقضي


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

[ 90 ]

كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام... الخ (1) فانها بدلالتها على وجوب القضاء تدل على وجوب الاعادة فيما إذا كان الرجوع عن القصر في الوقت بالاولوية القطعية. ودعوى الجمع بينهما بالحمل على الاستحباب ساقطة جزما لما مر غير مرة من ان الامر بالاعادة لم يكن نفسيا ليقبل الحمل على الاستحباب وانما هو ارشاد إلى الفساد، ولا معنى لاستحباب الفساد، والصحيحة وان لم تتضمن الامر بالاعادة صريحا إلا أن قوله (ع): وعليك أن تقضي.. الخ في قوة الامر بها لدلالتها على خلل في الصلاة اقتضى الاتيان بها ثانيا، فهي بمثابة الامر بالاعادة كما هو ظاهر جدا. ثانيتهما: موثقة سليمان بن حفص المروزي المتضمنة للامر بالاعادة صريحا قال (ع): وان كان قصر ثم رجع عن نيته اعاد الصلاة (2). وهذه الرواية وان رميت بالضعف في كلمات غير واحد لعدم توثيق المروزي في كتب الرجال، ولكنه موجود في اسانيد كامل الزيارات فلا ينبغي التأمل في صحة الرواية. نعم قد يتأمل في ذلك نظرا إلى ان الموجود في الكامل رواية المروزي عن الرجل ولم يعلم المراد به وانه الامام (ع) أو شخص آخر مجهول. وتوثيق ابن قولويه خاص بمن يقع في اسانيد ما يرويه عن المعصوم (ع) دون غيره، كما نبه عليه في صدر الكتاب. ويندفع بان المراد به الرجل المعهود، كما يقتضيه تعريف الرجل وإلا لقال عن رجل - منكرا - ولا يحتمل ان يراد به العهد الذهني،


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة المسافر حديث 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة المسافر حديث 4.

[ 91 ]

أي طبيعي الرجل في مقابل المرأة كما هو ظاهر، فلابد وان يراد به العهد الخارجي، وليس هو إلا الامام (ع) كما يكنى عنه عليه السلام بذلك احيانا في لسان الاخبار، بل قد ورد عن نفس المروزي عن الرجل موصوفا بقوله (ع) كما في الكافي (1). فقد ورد في جميع ذلك هكذا: (عن المروزي عن الرجل (ع) بل قد صرح باسم الامام في التهذيب (2) فذكر هكذا: (عن سليمان بن حفص المروزي عن الرجل العسكري (ع). وعليه فلا ينبغي التأمل في ان المراد بالرجل المذكور في الكامل هو المعصوم (ع)، فيشمله توثيق ابن قولوية، فتكون الرواية موصوفة بالصحة كما ذكرنا، فتتعارض هذه الصحيحة كصحيحة أبى ولاد مع صحيحة زرارة النافية للاعادة كما عرفت. ولا شك ان عمل المشهور مطابق مع صحيحة زرارة. وحينئذ فان جعلنا عملهم مرجحا للرواية، أو قلنا ان الاعراض موجب لسقوط الصحيحة عن الحجية فيتعين العمل بصحيحة زرارة، والا - كما هو الصحيح - فالروايات متعارضة متساقطة. والمرجع حينئذ ما تقتضيه القاعدة من لزوم الاعادة عملا بالروايات الكثيرة الدالة على انه لا تقصير في اقل من بريدين، أو ثمانية فراسخ وبما انه لم يقطع هذا المقدار حسب الفرض لمكان العدول عن القصد قبل بلوغ المسافة فالوظيفة الواقعية لم تكن إلا التمام وان تخيل انها


(1) راجع الكافي ج‍ 3 ص 344. والتهذيب ج‍ 10 رقم 481، والاستبصار ج‍ 4 رقم 945. (2) ج 2 برقم 445.

[ 92 ]

القصر فلا مناص من اعادتها بعد عدم قيام الدليل على الاجزاء حسبما عرفت. وملخص الكلام في المقام ان صحيحة زرارة دلت بالدلالة المطابقية على نفي الاعادة عمن قصر في موضوع البحث لزعمه انه يقطع المسافة ولم يقطعها خارجا، وبمقتضى الدلالة الالتزامية دلت على نفي القضاء أيضا، إذ ان نفي الاعادة في الوقت يستوجب نفي القضاء خارجه بالاولوية القطعية، ضرورة ان القضاء تابع للفوت، وعدم الاعادة في الوقت كاشف قطعي عن عدم فوت شئ منه والالزم الامر بالتدارك الممكن في الوقت لقبح تفويت الغرض الملزم كما هو واضح. فعدم الاعادة يستلزم عدم القضاء بطريق اولى. واما صحيحة أبى ولاد فالامر فيها بالعكس فانها دلت بالدلالة المطابقية على وجوب القضاء خارج الوقت، لان موردها هو ذلك، إذ المفروض في السؤال انه بدا له في الليل الرجوع إلى الكوفة فيسأل لا محالة عن حكم ما صلاه في النهار الذي خرج وقته بدخول الليل. وعليه فتدل المطابقة على وجوب القضاء وبما ان الحكم بالقضاء يستلزم الحكم بالاعادة بالاولوية القطعية لكشفه عن فوت ملاك ملزم يجب تداركه وان فاتت مصلحة الوقت، فوجوبه مع المكان درك هذه المصلحة بطريق اولى. فالصحيحة تدل بالدلالة الالتزامية على وجوب الاعادة إذا كان الرجوع عن قصده قبل خروج الوقت. إذا تقع المعارضة بينها وبين صحيحة زرارة على سبيل المباينة للتنافي بين الدلالة المطابقية من كل منهما مع الدلالة الالتزامية من الاخرى، فتدل صحيحة زرارة على نفي الاعادة بالمطابقة، وعلى نفي القضاء بالالتزام كما تدل صحيحة أبي ولاد على وجوب القضاء بالمطابقة،

[ 93 ]

ووجوب الاعادة بالالتزام فتتعارضان في مدلوليهما تعارضا كليا. واما المعارضة بين صحيحة زرارة وصحيحة المروزي فظاهرة جدا، إذ الاعادة مورد للنفي في الاولى وهي بنفسها مورد للاثبات في الثانية. وبعد استقرار المعارضة فان كان ثمة ترجيح لاحد الطرفين فهو، وإلا فيتساقطان ويرجع بعدئذ إلى ما تقتضيه القواعد الاولية. هذا وصاحب الحدائق نقل عن بعض مشايخه المحققين انه احتمل حمل صحيحتي أبي ولاد والمروزي على التقية لموافقتهما مع مذهب العامة فيكون الترجيع مع صحيحة زرارة (1). ولكن في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي ما لفظه: " إذا خرج يقصد سفرا بعيدا يوجب قصد الصلاة ثم بدا له فرجع كان ما صلاه ماضيا صحيحا، ولا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها " ولم يذكر خلافا في المسألة وعليه كان الموافق لمذهب العامة هي صحيحة زرارة، فتكون هي المحمولة على التقية دون الصحيحتين والترجيح معهما لا معها. ومع الاغماض عن ذلك فحيث لا ترجيح لشئ من الطرفين فيتساقطان والمرجع حينئذ عموم ما دل على عدم التقصير في اقل من بريدين ثمانية فراسخ الذي لازمه وجوب الاعادة والقضاء معا، إذ المأمور به وهو التمام لم يأت به، وما اتى به من القصر لا أمر به إلا امرا خياليا خطئيا بزعم قطع المسافة وقد انكشف خلافه. ومن البديهي ان الامر الخيالي غير مجز عن الواقع. فتحصل ان وجوب القضاء فضلا عن الاعادة لو لم يكن اقوى


(1) لاحظ الحدائق ج‍ 11 ص 336.

[ 94 ]

الرابع: ان لا يكون من قصده في اول السير أو في اثنائه اقامة عشرة ايام قبل بلوغ الثمانية، وان لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك (1) والا اتم لان الاقامة قاطعة لحكم السفر والوصول إلى الوطن قاطع لنفسه، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصدا للمسافة، وكذا يتم لو كان مترددا في نية الاقامة، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية، نعم لو لم يكن ذلك من قصده ولا مترددا فيه الا انه يحتمل عروض مقتض لذلك في الاثناء لم يناف عزمه على المسافة فيقصر، نظير ما إذا كان عازما على المسافة الا انه لو عرض في الاثناء مانع من لص أو عدو أو مرض أو نحو ذلك يرجع، ويحتمل عروض ذلك، فانه لا يضر بعزمه وقصده.


فلا ريب انه احوط. (1): - اما المرور على الوطن فلا اشكال في كونه قاطعا للسفر، وخروجه بذلك عن عنوان المسافر، وكذا لو كان مترددا فيه لعدم قصد المسافة المتصلة. وقد دلت موثقة عمار على انه لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله ثمانية فراسخ، فالاعتبار بالابتعاد من المنزل وهو مبدء المسافة، فالمرور عليه يقطعه بطبيعة الحال، ويكون الخروج منه مبدءا لمسافة جديدة، مضافا إلى ما سنذكره في غير الوطن.

[ 95 ]

واما قصد الاقامة في الاثناء فلا شك في قادحيته في قصد المسافة ولزوم التمام معه، وانما الكلام بين الاعلام في انه هل يكون قاطعا للحكم مع بقاء الموضوع كي يكون تخصيصا في ادلة التقصير على المسافر أو انه قاطع للموضوع ومخرج للمقيم عن عنوان المسافر ويدخله في الحاضر؟ فقد ذهب جماعة إلى الثاني وان الاقامة في الاثناء تخرج المسافر عن كونه مسافرا شرعا، وان صدق عليه انه مسافر عرفا، فكان ذلك تصرفا شرعيا في موضوع السفر، وإذا لم يكن المقيم مسافرا كان حاضرا بطبيعة الحال، ولاجله يجب عليه التمام من باب التخصص لا التخصيص. ولكنه بعيد عن الصواب، إذ لم يظهر من شئ من الادلة تنزيل المقيم منزلة الحاضر ليكون من قبيل التصرف في الموضوع نظير قوله: الفقاع خمر، بل الظاهر منها انه مع وصف كونه مسافرا محكوم بالتمام كما في المتردد بعد الثلاثين، وكما في سفر الصيد أو المعصية ونحوهما فان الكل محكوم بالتمام تخصيصا لا تخصصا كما هو ظاهر. نعم في خصوص المقيم بمكة وردت رواية واحدة صحيحة دلت على انه بمنزلة اهلها، وهي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع): قال: من قدم قبل التروية بعشرة ايام وجب عليه اتمام الصلاة وهو بمنزلة اهل مكة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت اتم الصلاة، وعليه اتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر (1). ولولا تذيلها بقوله (ع): فإذا خرج... الخ لامكن ان يقال


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

[ 96 ]

ان التنزيل من جهة اتمام الصلاة فحسب - غير المنافي للقطع الحكمي - لا من ساير الجهات. ولكن الذيل يشهد بان نطاق التنزيل اوسع من ذلك، وان المراد انه بمنزلة المتوطن، لانه بعد ما حكم (ع) بالتقصير في خروجه إلى منى - لكونه في طريق عرفات وهي مع العود إلى مكة مسافة تلفيقية - حكم عليه السلام بالاتمام إذا زار البيت، وكذا في رجوعه إلى منى وهي دون المسافة وهذا كله من شؤون المرور على الوطن وإلا فلماذا يتم في مكة لدى عودته إليها مع عدم قصد الاقامة، وهكذا في منى مع انه في طريق السفر. فيكشف ذلك عن تنزيل مكة منزلة الوطن لمن قدمها قبل التروية بعشرة ايام قاصدا الاقامة فيها وانها قاطعة للموضوع لا للحكم. ولكن الصحيحة موردها - كما عرفت - خصوص مكة. وحينئذ فان كان هناك اجماع على خلاف مضمونها وانه لا فرق بين مكة وغيرها في ان من خرج عن محل الاقامة إلى المسافة وعاد يحتاج إلى تجديد قصدها، وإلا بقي على التقصير فلا مناص حينئذ من طرح الرواية ورد علمها إلى اهله: وان لم يتم الاجماع عملنا بالرواية واقتصرنا على موردها، اعني خصوص مكة من غير ان يتعدى إلى ساير البلدان لعدم الدليل، ولا غرو فان لهذه البقعة المقدسة من اجل شرافتها ورفعة شأنها احكاما خاصة مثل التخيير بين القصر والتمام للمسافر ونحو ذلك، فليكن هذا الحكم أيضا من هذا القبيل، فيلتزم بالقطع الموضوعي والتنزيل منزلة الوطن في خصوص مكة.

[ 97 ]

ولكن الظاهر لزوم طرح الرواية لا لمجرد الاجماع المزبور ليناقش في كونه تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم، ولا من اجل الاعراض ليورد بعدم كونه مسقطا للصحيح عن الاعتبار على مسلكنا، بل من اجل ما اسميناه بالدليل الخامس. فان هذه المسألة اعني الاقامة بمكة قبل يوم التروية عشرة ايام كثيرة الدوران ومحل للابتلاء جدا ولاسيما في الازمنة السالفة الفاقدة للمراكب السريعة المتداولة في العسر الحديث، فكانوا يضطرون للاقامة المزبورة طلبا للاستراحة من وعثاء السفر، كما اشير إليه في الاخبار، فلو كان الحكم الذي تضمنته الصحيحة ثابتا لكان شائعا ذايعا، ومن الواضحات من غير اي خلاف فيه مع انه لم يقل به احد فيما نعلم، بل لعل الا جماع على خلافه كما عرفت. ولاجله تسقط الرواية عن درجة الاعتبار ويرد علمها إلى اهله. وكيفما كان فهي على تقدير الحجية تختص بموردها، والتعدي يحتاج إلى القطع بعدم الفرق بين مكة وغيرها، وانى لنا بذلك. إذا فلا دليل على ان قصد الاقامة قاطع لموضوع السفر في غير مكة بتاتا، بل ظاهر الادلة كما عرفت انه قطع حكمي وتخصيص في ادلة القصر، فهو مسافر يتم في محل الاقامة، فإذا حكم عليه بالتمام يحتاج العود إلى القصر إلى قصد مسافة جديدة، ولا ينضم ما قبله إلى ما بعده، لما اشرنا إليه من الضابط العام، والقاعدة الكلية المستفادة من الروايات من ان من حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر ما لم يستأنف قصد المسافة الشرعية.

[ 98 ]

(مسألة 25): لو كان حين الشروع في السفر (1)، أو في اثنائه قاصدا للاقامة، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده، أو كان مترددا في ذلك وعدل عن ترديده إلى الجزم بعدم الامرين، فان كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه أو مع التلفيق بضم الاياب قصر والا فلا، فلو كان ما بقى بعد العدول إلى المقصد اربع فراسخ وكان عازما على العود ولو لغير يومه قصر في الذهاب والمقصد والاياب، بل وكذا لو كان اقل من اربعة، بل ولو كان فرسخا فكذلك على الاقوى من وجوب القصر في كل تلفيق من الذهاب والاياب وعدم اعتبار كون الذهاب اربعة أو ازيد كما مر.


(1): - مما قدمناه آنفا واوضحناه سابقا من لزوم استمرار القصد واتصال السير يظهر حال هذه المسألة والمسألة الآتية اللتين لافرق بينهما إلا من حيث حصول القصد أو التردد من الاول أو في الاثناء. ولاجله كانت كلمة (أو في اثنائه) في هذه المسالة سهوا من قلمه الشريف أو قلم الناسخ. وكيفما كان ففي كلتا المسألتين لا ينضم ما بعد العدول إلى ما قبله لفقد شرط الاستمرار كما عرفت. فالعبرة في احتساب المسافة بما بقي *

[ 99 ]

(مسألة 26): لو لم يكن من نيته في اول السفر الاقامة أو المرور على الوطن وقطع مقدارا من المسافة ثم بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية ثم عدل عما بدا له وعزم على عدم الامرين فهل يضم (1) ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول عما بدا له مسافة فيقصر إذا كان المجموع مسافة ولو بعد اسقاط ما تخلل بين العزم الاول والعزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئا؟ اشكال خصوصا في صورة التخلل فلا يترك الاحتياط بالجمع نظير ما مر في الشرط الثالث. الخامس: من الشروط ان لا يكون السفر حراما والا لم يقصر (2) سواء كان نفسه حراما كالفرار من الزحف، واباق العبد،


بعد العدول، فان كان كذلك ولو ملفقة قصر والا اتم. وقد عرفت فيما سبق عدم كفاية مطلق التلفيق، بل لابد وان لا يكون كل من الذهاب والاياب اقل من الاربعة خلافا للماتن (قده) فلاحظ. (1): - استشكل (قده) في الضميمة ولكن الصحيح هو العدم كما ظهر مما تقدم، فيجب البناء على التمام، إذ بمجرد البداء والبناء على المرور على الوطن ينقطع سفره ويكون حكمه للتمام واقعا، لفقد استمرار القصد وحينئذ يحتاج التقصير إلى قصد مسافة جديدة، والمفروض ان الباقي ليس بمسافة. فلا مناص من بقائه على التمام حسبما عرفت. (2): - ذكر الفقهاء من غير خلاف بينهم ان سفر المعصية لا تقصير *

[ 100 ]

فيه، وقد تسالموا عليه وادعي الاجماع في كلمات غير واحد، وهو على قسمين: الاول: ان يكون السفر بنفسه حراما كسفر الزوجة بدون اذن زوجها في غير الواجب فيما إذا كان منافيا لحق الزوج، وكالفرار من الزحف ونحوهما مما كان نفس السفر والابتعاد من الوطن مبغوضا للشارع ومحكوما بالحرمة. الثاني: ان يكون السفر بنفسه مباحا إلا انه مقدمة لغاية محرمة، كما لو سافر لاجل سرقة أو شراء خمر أو قتل نفس محترمة، أو زنا أو اعانة ظالم ونحو ذلك. ومقتضى اطلاق النص والفتوى شمول الحكم لكلا القسمين، إلا ان المنسوب إلى الشهيد الثاني في الروض انه استشكل في القسم الاول بدعوى قصور الروايات عن الشمول له، إلا ان يتمسك بالاولوية. ولكن الظاهر ان ذلك مستفاد من نفس الروايات من غير حاجة إلى التمسك بالاولوية، أو دعوى التسالم فانها وافية لاثبات الحكم في كلا القسمين بنطاق واحد. فمنها: ما رواه الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب، عن أبي ايوب، عن عمار بن مروان، عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول من سافر قصر وافطر إلا ان يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله، أو رسول لمن يعصي الله، أو في طلب عدو، أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم من المسلمين (1). هكذا في الوسائل والفقيه، ولكن في الحدائق (رسولا) بالنصب


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة المسافر حديث 3.

[ 101 ]

وهو الصحيح. وكيفما كان فيقع الكلام تارة في سند الرواية، واخرى في دلالتها. اما السند فقد عبر عنها في الحدائق بالصحيح عن عمار بن مروان المشعر بضعف الرجل، وكأنه من اجل تردده بين اليشكري الثقة الذي وثقه النجاشي وغيره، وهو معروف وله كتاب يرويه محمد بن سنان وبين الكلبي الذي ذكره الصدوق في المشيخة حيث قال: " وما كان فيه عن عمار بن مروان الكلبي فقد رويته عن محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن محبوب، عن أبي ايوب الخزاز، عن عمار بن مروان ". فان كان الكلبي هو اليشكري فلا كلام، وان كان غيره - وقد روى عن كل منهما الخزاز إذ لا شهادة في ذلك على الاتحاد بوجه، لجواز ان يروي شخص عن شخصين أو اشخاص كلهم مسمون باسم واحد كما هو ظاهر - فهو مجهول الحال لم يذكر في شئ من كتب الرجال، ولم يقع في اسناد كامل الزيارات ليشمله التوثيق العام. وحيث لم يثبت الاتحاد فلا جرم كان الرجل محتمل الاشتراك بين الموثق وغيره فلم يبق وثوق بصحة الرواية. ومن هنا استشكلنا في المال المخلوط بالحرام الذي حكم المشهور بتخميسه، إذ ليس لهم مستند معتد به عدا رواية عمار بن مروان الناطقة بذلك، وذكرنا ان الاحوط الدفع بينة الاعم من الخمس والمظالم (1).


(1) كما صرح دام ظله بذلك في تعليقته الانيقة المطبوعة سنة 1380 - *

[ 102 ]

ولكن الظاهر اختصاص الاشكال بتلك الرواية ونحوها مما اشتمل على السند المتقدم عن المشيخة لما عرفت من التردد بين الموثق وبين من هو مجهول تمام الجهالة. واما هذه الرواية المبحوث عنها في المقام فلم يروها الصدوق عن عمار بن مروان ابتداءا ليشمله السند المتقدم كي يتوجه عليه الاشكال المزبور، بل رواها عن ابن محبوب عن الخزاز عن ابن مروان. ولا اشكال ان عمار بن مروان لدى الاطلاق ينصرف إلى المعروف الذي له كتاب، وهو اليشكري الثقة دون الكلبي المجهول المذكور في سند آخر. ومما يؤكد ذلك ان طريق الصدوق إلى الكلبي المتقدم عن المشيخة يختلف عن طريقه إلى هذه الرواية فان في الاول محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وهو الراوي عن الحسن بن محبوب، وفي هذه سعد بن عبد الله عن احمد بن عيسى عن ابن محبوب، فالراوي عنه غير ذلك الراوي وان اشتركا في بعض من وقع في الطريقين كمحمد بن موسى ابن المتوكل والحسن بن محبوب. وكيفما كان فالظاهر ان عمار بن مروان في هذه الرواية لايراد به الا اليشكري الثقة، فهي صحيحة لا ينبغي النقاش في سندها. هذا والموجود في الكافي في طبعتيه محمد بن مروان بدل عمار بن مروان ولا يبعد انه الذهلي البصري فنسخة الكافي تغاير الفقيه، وكلتاهما تنتهي إلى الحسن بن محبوب عن أبى ايوب.


= ولكنه - دام ظله - عدل عن ذلك في الطبعة الاخيرة، ووافق المشهور في وجوب التخميس، وان شئت التوضيح فراجع ما ضبطناه عنه في كتاب الخمس من مستند العروة الوثقى ص 133 - 124.

[ 103 ]

وفي هامش الوافي ان في بعض نسخ الكافي محمد بن مروان، فيعلم من ذلك ان هذا من اختلاف النسخ لا اختلاف الرواية. والظاهر ان في نسخة الكافي تحريفا (1) والصواب هو عمار بن مروان كما في الفقيه والتهذيب فان الشيخ روى نفس هذه الرواية في التهذيب عن الكليني وكذا صاحب الحدائق، فيعلم ان النسخة التي كانت عندهما كانت مطابقة للفقيه. ولو فرضنا ان جميع نسخ الكافي كانت عن محمد بن مروان فليس بالامكان ان نرفع اليد بها عن رواية الفقيه، لان في طريق الكافي سهل بن زياد وهو ضعيف، فلا يعارض بها الرواية الصحيحة. ولو تنازلنا وفرضنا أن الصحيح محمد بن مروان فهو أيضا موثق عندنا لوقوعه في اسناد كامل الزيارات. وعلى جميع التقارير فما في مصباح الفقيه للهمداني (قده) من ضبط حماد بن مروان فهو غلط جزما فانه اما عمار أو محمد حسبما عرفت فتحصل ان السند مما لا اشكال فيه. واما الدلالة فقد سبق ان الشهيد (قده) ناقش في شمولها للقسم الاول من قسمي سفر المعصية، اعني ما لو كان السفر بنفسه حراما ولكنه لاوجه له كما مر، فان قوله (ع): " أو في معصية الله " غير قاصر الشمول له لانطباق هذا العنوان على السفر الحرام انطباق الكلي على مصداقه، وقد شاع اطلاق مثل هذا الاستعمال لبيان ادخال الفرد في الكلي كما يقال: زيد في العلماء، اي انه احد مصاديقهم.


(1) وان استظهر - دام ظله - خلافه في المعجم ج 12 ص 281 وان التحريف في المشيخة لا في الكافي.

[ 104 ]

وقد ورد انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أي في عمل هو بنفسه مصداق لمعصية الخالق. فالسفر في معصية الله يعم ما كان السفر بنفسه حراما وداخلا في كبرى معصية الله ومصداقا لها. بل يمكن قلب الدعوى بان يقال ان الرواية ظاهرة في خصوص ما كان السفر بنفسه حراما، إذ هو الذي يكون مصداقا لمعصية الله دون ما كانت غايته محرمة، فان هذا القسم داخل فيما ذكره فيما بعد قوله: أو في معصية الله، إذ الامثلة التي يذكرها بعد ذلك كلها من قبيل القسم الثاني اعني ما كانت الغاية محرمة، فذاك القسم مذكور فيما بعد فلا وجه لادراجه في قوله (ع): أو في معصية الله. وكيفما كان فلو لم تكن العبارة ظاهرة فيما نقول فلا اقل من الشمول فالتشكيك في ذلك في غير محله جزما. ولو اغمضنا عن هذه الرواية فتكفينا في الدلالة على التعميم ما رواه الصدوق بنفس هذا السند المعتبر عن أبي عبد الله (ع) قال: لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلا في سبيل حق (1)، فان من الضروري ان السفر الحرام ليس في سبيل حق فلا افطار فيه بمقتضى الحصر وهذه الرواية وان رواها الكليني عن ابن أبي عمير مرسلا ولا نعمل بالمراسيل، وإلا ان الصدوق (قده) رواها في ذيل الرواية المتقدمة عن عمار بن مروان فهي جزء من تلك الصحيحة. ولكن صاحب الوسائل تخيل ان الذيل من كلام الصدوق فجعلها رواية مستقلة مرسلة، وليس كذلك، بل هي تتمة لما سبق، وجملة وقال (ع) من كلام عمار بن مروان لا من كلام الصدوق نفسه،


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة المسافر حديث 1.

[ 105 ]

وسفر الزوجة بدون اذن الزوج (1) في غير الواجب، إذ لم يعهد في مراسيله مثل هذا التعبير، ولو اراد ذلك لعبر هكذا: (وقال الصادق (ع)، أو وقال رسول الله ونحو ذلك) كما عبر بمثله في الرواية اللاحقة فالظاهر ان الرواية ليست بمرسلة، بل مسندة بالسند الصحيح المتقدم كما عرفت فتدبر. وتدل عليه أيضا موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج إلى الصيد ايقصر أو يتم؟ قال: يتم لانه ليس بمسير حق (1). فان السفر المحرم باطل وليس بحق فلا تقصير فيه بمقتضى التعليل. وعلى الجملة فلا ينبغي النقاش في الكبرى التي ذكرها في المتن من عدم التقصير في سفر المعصية بقسميه لدلالة الاخبار عليها حسبما عرفت. وانما الكلام في بعض الصغريات التي عدها الماتن مثالا للقسم الاول اعني ما لو كان السفر بنفسه حراما. وستعرف الحال فيها في التعاليق الآتية. (1): - هذا لا دليل على حرمته على الاطلاق، بل حتى مع النهي فضلا عن عدم الاذن، إلا إذا كان موجبا للنشوز ومنافيا لحق الزوج، فان هذا المقدار مما قام عليه الدليل: وعليه يحتمل ما ورد في بعض الاخبار من حرمة الخروج بغير الاذن، فان المراد بحسب القرائن خروجا لا رجوع فيه بنحو يصدق معه النشوز. وتفصيل الكلام موكول إلى محله. وكيفما كان فلا دليل على ان مطلق الخروج عن البيت بغير الاذن محرم عليها ولو بان تضع قدمها خارج الباب لرمي النفايات مثلا، أو


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر حديث 4.

[ 106 ]

وسفر الولد مع نهي الوالدين (1) في غير الواجب وكما إذا كان السفر مضرا لبدنه (2)، وكما إذا نذر عدم السفر مع


تخرج لدى غيبة زوجها - لسفر أو حبس ونحو ذلك - إلى زيارة اقاربها أو زيارة الحسين (ع) مع تسترها وتحفظها على بقية الجهات. فان هذا مما لا دليل عليه بوجه. (1): - هذا أيضا لا دليل على حرمته ما لم يبلغ حد الايذاء، إذ لم ينهض دليل على وجوب اطاعة الوالدين على سبيل الاطلاق على حد اطاعة العبد لسيده. نعم تجب المعاشرة الحسنة والمصاحبة بالمعروف على ما نطقت به الآية المباركة، فلا يجوز العداء والايذاء، واما الوجوب والتحريم بمجرد الامر والنهي فضلا عن لزوم الاستيذان في كافة الافعال، وان لم يترتب على تركه الايذاء خصوصا لو صدر من غير اطلاع منهما اصلا، فهو عار عن الدليل. اجل قد ورد في بعض النصوص انه إن امراك أن تخرج من اهلك ومالك فافعل، ولكن احدا لا يستريب في ان هذا حكم اخلاقي، وليس بتكليف شرعي كما هو واضح جدا. (2): - وهذا أيضا لا دليل على حرمته ما لم يبلغ حد الالقاء في التهلكة المنهي عنه في الآية المباركة وإلا فدون ذلك من الاضرار سيما إذا كان الضرر يسيرا كحمى يوم أو يومين، ولاسيما إذا كان الغرض خطيرا من تجارة أو زيارة ونحو ذلك مما كان مهما عند العقلاء واستقر بناؤهم على الاقتحام وعدم الاعتناء بتلك الاضرار فلم تثبت حرمته *

[ 107 ]

رجحان تركه ونحو ذلك، أو كان غايته امرا محرما (1) كما إذا سافر لقتل نفس محترمة، أو للسرقة، أو للزنا، أو لاعانة ظالم، أو لاخذ مال الناس ظلما ونحو ذلك. واما إذا لم يكن لاجل المعصية لكن تتفق في اثنائه مثل الغيبة وشرب الخمر والزنا ونحو ذلك مما ليس غاية للسفر، فلا يوجب التمام بل يجب معه القصر والافطار.


بوجه كما لا يخفى. هذا كله فيما إذا كان السفر محرما في نفسه. (1): - واما ما كانت غايته محرمة، اعني القسم الثاني من سفر المعصية فلا اشكال في عدم التقصير فيه، بل هو المتيقن من الاخبار، وقد ذكر كثير من الامثلة في الروايات المتقدمة حسبما عرفت. وقد دل عليه صريحا ما رواه الشيخ باسناده عن أبي سعيد الخراساني قال: دخل رجلان على أبي الحسن الرضا (ع) بخراسان فسألاه عن التقصير، فقال لاحدهما: وجب عليك التقصير لانك قصدتني، وقال للآخر: وجب عليك التمام لانك قصدت السلطان (1). هذا فيما إذا كان السفر لتلك الغاية المحرمة، واما إذا لم يكن لاجلها بل اتفق ارتكاب الحرام في الاثناء كما قد يتفق في الحضر من دون ان يكون غاية للسفر من الكذب والغيبة، وشرب الخمر ونحو ذلك

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة المسافر حديث 6.

[ 108 ]

(مسألة 27): إذا كان السفر مستلزما لترك واجب كما إذا كان مديونا وسافر مع مطالبة الديان، وإمكان الاداء في الحضر دون السفر (1) ونحو ذلك، فهل يوجب التمام ام لا؟ الاقوى التفصيل بين ما إذا كان لاجل التوصل إلى ترك الواجب، أو لم يكن كذلك، ففي الاول يجب التمام دون الثاني، لكن الاحوط الجمع في الثاني.


فلا يستوجب التمام كما نبه عليه في المتن لقصور الادلة عن الشمول له، فيرجع إلى اصالة القصر على المسافر كما هو ظاهر. (1): - لا يخفى ان هذه المسألة لا تبتني على النزاع المعروف في مسألة الضد من ان احدهما هل هو مقدمة لترك الآخر، أو أن عدمه مقدمة لوجود الآخر اولا، بل يحكم بوجوب التمام في المقام فيما إذا سافر لغاية التوصل إلى ترك الواجب كما ذكره في المتن وان أنكرنا المقدمية في تلك المسألة رأسا. فان العقل كما يحكم بقبح المعصية وحسن الطاعة ولذلك كان الامر والنهي المتعلقان بهما ارشاديا كذلك يحكم بقبح تعجيز النفس عن اداء الواجب، بان يفعل ما يتعذر معه الامتثال ويكون من قبيل ان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار. وهذا كما لو ذهب إلى مكان يعلم بان هناك من يصده عن صلاة الفريضة، أو يجبره على ارتكاب الجريمة من شرب خمر ونحوه. فان هذا كله قبيح عقلا، وان كان التكليف في ظرفه ساقطا شرعا لقبح *

[ 109 ]

(مسألة 28): إذا كان السفر مباحا لكن ركب دابة غصبية، أو كان المشي في ارض مغصوبة فالاقوى فيه القصر (1) وان كان الاحوط الجمع.


خطاب العاجز إلا ان العقاب في محله لانتهائه إلى الاختيار حسبما عرفت. وعليه فتعجيز النفس عن اداء الدين المطالب باختيار السفر مع التمكن منه في الحضر قبيح عقلا لكونه امتناعا بسوء الاختيار، ومعه لم يكن سفره مسير حق جزما. فلا جرم يكون موردا لوجوب التمام ومشمولا للادلة المتقدمة. هذا فيما إذا قصد بسفره ذلك، اي التوصل إلى ترك الواجب، واما لو لم يكن بهذا القصد بل لغاية اخرى مباحة أو راجحة كزيارة الحسين (ع) فمجرد التلازم الواقعي مع ترك الواجب لا يستوجب اتصاف السير بالباطل، ولا يخرجه عن مسير الحق، ليكون مشمولا لتلك الادلة، فان التعجيز القبيح وان ترتب في هذه الصورة أيضا وتحقق خارجا الا انه لا ينطبق على نفس السفر ما لم يكن لتلك الغاية القبيحة. فالسفر إذا لم يكن معصية وقبيحا لا بنفسه ولا بغايته ليكون مصداقا للمسير بغير الحق، بل هو باق تحت اصالة القصر حسبما عرفت. ونتيجة ذلك كله صحة التفصيل المذكورة في المتن، وان كان الاحتياط بالجمع في الصورة الثانية مما لا ينبغي تركه. (1): - قد عرفت انتفاء القصر فيما إذا كان السفر بنفسه أو بغايته معصية. وأما لو كان مقرونا بالمعصية كما لو ركب دابة غصبية أو مشي *

[ 110 ]

في ارض مغصوبة، أو كان ثوبه أو محمول آخر أو نعل دابته غصبيا فهل الحكم هو التمام أيضا في الجميع كما عن الجواهر، أو يفصل بين سلوك الارض المغصوبة وبين غيره ويختص التمام بالاول كما عن المحقق الهمداني أو يحكم بالتقصير مطلقا كما قواه في المتن؟؟ وجوه اقواها الاخير. والوجه: فيه ان السفر بعنوانه الاولي اعني الابتعاد عن الوطن والانتقال ببدنه إلى خارج البلد لا يكون بما هو محرما ما لم ينطبق عليه بعض العناوين الموجبة لذلك من نهي الوالد أو الزوج، أو الالقاء في التهلكة وما شاكل ذلك مما تقدم، أو يكون لغاية محرمة قد نهى الشارع عنها فيجب التمام في كل من هاتين الحالتين بمقتضى النصوص كما مر اما إذا لم يكن السفر موردا لانطباق شئ من الحالتين، فلم يكن محرما لا بعنوانه - الاولي أو الثانوي - ولا بغايته بل كان مقارنا وملازما لعنوان محرم من غير انطباق عليه بوجه، فهو خارج عن نطاق تلك الادلة ومحكوم باصالة القصر. ولاريب ان الامثلة المتقدمة كلها من هذا القبيل، ضرورة ان الغصب انما ينطبق على التصرف في الدار، أو الكون في الارض الغصبية أو استصحاب مال الغير لا على نفس السفر والابتعاد عن الوطن اعني الحركة السيرية الخاصة من بلد إلى بلد، وانما هو عنوان مقارن معه ولا يسرى حكم المقارن إلى مقارنه كما هو موضح في الاصول في مبحث اجتماع الامر والنهي. وعلى الجملة الركوب على الدابة أو الكون في المكان المغصوب الشاغل للمكان والفضاء شئ، والسفر والابتعاد وانتقال الجسد من مكان إلى مكان شئ آخر، وليس السير تصرفا زائدا على نفس

[ 111 ]

(مسألة 29): التابع للجائر إذا كان مجبورا (1) أو مكرها على ذلك، أو كان قصده دفع مظلمة أو نحوها من الاغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصر، واما إذا لم يكن كذلك


الكون ليكون بحياله مصداقا للغصب، ولذلك قلنا بجواز الصلاة في المكان المغصوب للمحبوس فيه، لعدم كون الهيئة الركوعية أو السجودية تصرفا آخر زائدا على اشغال الفضاء الذي لابد منه على اي حال. وتمام الكلام في محله. وعلى: الجملة فهما عنوانان متغايران مأخوذان من مقولتين متباينتين فلا انطباق ولا اتحاد، بل مجرد التقارن والتلازم، ولا يسري حكم الملازم إلى صاحبه. واوضح حالا مقارنة اللباس المغصوب مع المسافر، أو حمل شئ مغصوب معه فان هذا أجبني عن مفهوم السفر بالكلية، فهو كالنظر إلى الاجنبية، لا دخل له في الحقيقة بوجه، ولا يرتبط بالسفر بتانا فما يتحقق به السفر مباح وسائغ وان قورن بنقل مال الغير معه غصبا. واوضح مثال لذلك ما لو سافر مع صديق له يروي له قصصا مكذوبة فهل يكون السفر محرما بذلك؟! وكل هذا يختلف عما لو كان السفر بنفسه مضرا للبدن، فانه يكون محرما لانطباقه على نفس السفر بخلاف حمل المغصوب أو ركوبه أو الدخول في الارض المغصوبة فان ذلك كله اجنبي عن حقيقة السفر التي هي الابتعاد عن الوطن ولذلك وجب التمام في الاول دون الثاني حسبما عرفت. (1): - أي مضطر إلى ذلك كما لو توقفت معيشته على تبعيته ولم *

[ 112 ]

بان كان مختارا وكانت تبعيته اعانة للجائر في جوره وجب عليه التمام وان كان سفر الجائر طاعة، فان التابع حينئذ يتم مع ان المتبوع يقصر. (مسألة 30): التابع للجائر المعد نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر فسافر امتثالا لامره (1) فان عد سفره اعانة للظالم في ظلمه كان حراما ووجب عليه التمام، وان كان من حيث هو مع قطع النظر عن كونه اعانة مباحا، والاحوط الجمع واما إذا لم يعد اعانة على الظلم فالواجب عليه القصر.


لكن له مندوحة، أو كان مكرها، أو كان من قصده دفعه المظلمة كما كان موقف علي بن يقطين مع طاغوت عصره فانه يقصر حينئذ لعدم كون سفره معصية، لا بنفسه ولا بغايته كما هو ظاهر. واما لو انتفى كل ذلك فكان مختارا في سفره، واتصفت التبعية بكونها اعانة للجائر في جوره فكان التابع معدودا من اعوان الظلمة لكونه كاتبا للجائر أو موجبا لمزيد شوكته مثلا الذي هو محرم بلا اشكال وجب التمام حينئذ على التابع لحرمة سفره وان كان المتبوع بنفسه يقصر لعدم قصده المعصية، أو كون سفره طاعة كما لو كان في سبيل حج بيت الله الحرام. (1): - كما لو كان له خادم يخدمه في اموره الشخصية فأمره بالسفر، فتارة لا يرتبط السفر بجوره ولا يعد اعانة على ظلمه كما لو *

[ 113 ]

(مسألة 31): إذا سافر للصيد فان كان لقوته وقوت عياله قصر (1)، بل وكذا لو كان للتجارة، وان كان الاحوط فيه الجمع، وان كان لهوا كما يستعمله ابناء الدنيا وجب عليه التمام


لو امره بالحج عنه، ففي مثله يجب القصر، إذ لا معصية في سفره بوجه، واخرى يعد السفر المباح في حد ذاته اعانة للظالم في ظلمه المستوجب لحرمته الفعلية كما لو حكم بحكم جوري وبعث خادمه لايصال هذا الحكم إلى البلد الفلاني لتنفيذه، فيكون مثل هذا السفر معصية وحراما، ولا شك في وجوب التمام عندئذ. ولا ندري ما هو وجه الاحتياط بالجمع المذكور في المتن، فان السفر ان كان حراما وجب التمام والا فالقصر، والمفروض في المقام هو الاول كما صرح (قده) به. فما هو وجه الاحتياط بعد هذا. (1): - قسم (قده) سفر الصيد إلى ثلاثة اقسام: الاول: أن يسافر للصيد لينتفع بثمنه، ويعبر عنه بالصيد للتجارة. الثاني: ان يسافر للصيد لقوت نفسه وعياله وضيوفه. الثالث: ان تكون الغاية من سفر الصيد التلهي لا الانتفاع بالثمن ولا التقوت به وانما يقصد الترف والانس كما هو شأن الملوك والامراء وغيرهم من ابناء الدنيا ويسمى بصيد اللهو. اما في القسم الاخير فلا خلاف كما لا اشكال في عدم التقصير، ولم ينسب الخلاف إلى احد الا على تفصيل يأتي ان شاء الله تعالى. وانما الكلام في انه حرام أيضا، ولاجله يتم أو انه تعبد محض؟ نسب إلى المشهور كما عن السرائر الحرمة. وخالف المقدس البغدادي فانكر الحرمة لعدم الدليل على حرمة *

[ 114 ]

اللهو إلا في موارد خاصة من اللعب اللهوي كالقمار، واستعمال النرد والشطرنج والمزمار ونحو ذلك من الموارد المنصوصة. واما غير ذلك ومنه صيد اللهو فلا دليل على حرمته. وجعل (قده) ذلك بمثابة التنزه في البساتين والتفرج بالمناظر الجميلة وغيرها مما قضت السيرة القطعية باباحتها، فكما ان اللهو في غير الصيد مباح فكذا في الصيد. وقد نقل صاحب الجواهر كلام المقدس بطوله، لكي يظهر انه بفتواه خالف النص والفتوى، بل قال (قده) " كانه اجتهاد في مقابلة النص " (1). وادعى المحقق الهمداني (قده) ان مقالة المقدس إنما تخالف الفتاوى دون النصوص، إذ النصوص انما دلت على وجوب التمام فقط، ولا ملازمة بينه وبين حرمة السفر. وبعبارة اخرى ليس في الاخبار ما يدل على التحريم عدا الاشعار في بعضها وهي صحيحة حماد الآتية لمكان اقتران الباغي بالسارق الكاشف عن الحرمة بمقتضى وحدة السياق. ولابد لنا من عرض الاخبار لنرى مدى دلالتها. فمنها ما رواه الكليني باسناده عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عزوجل: فمن اضطر غير باغ ولا عاد. قال: الباغي الصيد، والعادي السارق، وليس لهما أن ياكلا الميتة إذا اضطرا إليها هي عليهما حرام، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما ان يقصرا في الصلاة. (2)


(1) الجواهر ج 14 ص 264. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 2.

[ 115 ]

وسند الرواية معتبر وان اشتمل عى معلى بن محمد لوجوده في اسناد كامل الزيارات. نعم عبر عنه النجاشي بانه مضطرب الحديث والمذهب ولكن اضطراب المذهب لا يضر بوثاقة الرجل كا لا يخفى. واما اضطراب الحديث فقد فسره علماء الرجل بعدم الاستقامة، وعدم كون الاحاديث على نسق واحد، بل بعضها معروفة وبعضها منكرة غير مقبولة، فهو يحدث بكل ما سمع وعن اي شخص كان. وهذا لا يقتضى طعنا في وثاقة الرجل بنفسه بوجه كما هو ظاهر. إذا فتوثيق ابن قولويه سليم عن المعارض. ومع الغض عن ذلك فهذه الرواية بعينها ينقلها الشيخ في التهذيب في أبواب الاطعمة المحرمة بسند صحيح لا اشكال فيه (1). واما الدلالة فالظاهر انها قاصرة لان الباغي ان كان من البغي بمعنى الظلم فهو مفسر في بعض الروايات بالخروج على الامام فيخرج من محل الكلام، ولا يمكن ارادته في المقام، إذ لا معنى لظالم الصيد، فلا بد وان يكون من البغية بمعنى الطلب، اي طالب الصيد ولكنه لا يدل على الحرمة. ووقوعه في سياق السارق المحكوم بحرمة عمله لا يقتضيها نظرا إلى الحكم عليهما - الباغي والعادي - بمنع اكل الميتة حتى حال الاضطرار، ومعلوم ان ذلك ليس بمناط التحريم ليدعى اشتراكهما فيه بمقتضى وحدة السياق، وإلا فمن البديهي ان القاتل اعظم إثما من السارق، وشارب الخمر اشد فسقا من طالب الصيد وهكذا من يرتكب ساير المحرمات في السفر أو الحضر ومع ذلك لايمنع من اكل الميتة لدى الاضطرار بلا خلاف فيه ولا اشكال.


(1) الوسائل: باب 56 من أبواب الاطعمة المحرمة ح 2 ج 16 ص 479.

[ 116 ]

فيعلم من ذلك بوضوح ان هذا حكم تعبدي خاص بهذين الموردين - طالب الصيد والسارق - فلا تدل على الحرمة بوجه، بل لا اشعار فضلا عن الدلالة كما لا يخفى. ومنها: رواية ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يتصيد اليوم واليومين والثلاثة أيقصر الصلاة؟ قال: لا، إلا ان يشيع الرجل اخاه في الدين، فان التصيد (الصيد) مسير باطل لا تقصر الصلاة فيه، وقال: يقصر إذا شيع اخاه (1). دلت على ان عدم قصر الصلاة ليس حكما تعبديا، بل من اجل انه باطل، وظاهر البطلان الحرمة، والا فالبطلان في الفعل الخارجي لا معنى له بعد وضوح عدم ارادة البطلان في باب العقود والايقاعات فالمسير الباطل اي ليس بحق المساوق لقولنا ليس بجائز وهو معنى الحرمة فهي من حيث الدلالة تامة لكن السند سقيم بسهل بن زياد فلا تصلح للاستناد. ومنها: موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصر أو يتم؟ قال: يتم لانه ليس بمسير حق (2). ولا نقاش في سندها، كما لا ينبغي التأمل في دلالتها، حيث دلت على ان الاتمام ليس لعنوان الصيد، بل من اجل انه ليس بحق المساوق لكونه معصية. ولا ادري كيف عبر المحقق الهمداني عن مفادها بالاشعار بعد وضوح دلالتها بصراحة التعليل - كما عرفت - في ان عدم التقصير ليس لموضوعية للصيد، بل من اجل عدم كونه مسير الحق اي ليس


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 7. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 4.

[ 117 ]

بسايغ مرخص فيه فيكون حراما بطبيعة الحال. ولا بعد في الالتزام بذلك كما اشار إليه في الجواهر حيث قال: ان البغدادي استبعد مالا بعد فيه، إذ اي مانع من الالتزام بالتفكيك بين الصيد وغيره من ساير اقسام اللهو مما قام الاجماع والسيرة بل الضرورة على جوازه بعد مساعدة النص فيبني على استثناء هذا الفرد من ساير أقسامه. ولا يبعد ان يكون السبب ان قتل الحيوان غير المؤذي جزافا وبلا سبب سد لباب الانتفاع به للآخرين في مجال القوت أو الاتجار ففيه نوع من التبذير والتضييع، فلا يقاس بساير انواع اللهو. وكيفما كان فما ذكره المشهور من حرمة صيد اللهو ودخوله في سفر المعصية هو الصحيح. واما القسم الثاني: اعني السفر الذي يتصيد فيه لقوت نفسه وعياله فلا اشكال في جوازه، ولم يستشكل فيه أحد بل الآية المباركة قد نطقت بجوازه صريحا، قال تعالى: احل لكم صيد البحر وطعامه. والروايات الدالة على ذلك كثيرة جدا مذكورة في باب الصيد والذباحة، بل ربما يكون واجبا لو توقف القوت أو الانفاق الواجب عليه. كما لا اشكال في تقصير الصلاة فيه. وتدلنا على ذلك جملة من الروايات التي تستوجب ارتكاب التقييد فيما سبق من المطلقات من صحيحتي حماد وعمار بن مروان وغيرهما مما دل على الاتمام في سفر الصيد بحملها على غير هذا النوع من الصيد جمعا. فمنها: موثقة عبيد بن زرارة المتقدمة، عن الرجل يخرج إلى الصيد ايقصر أو يتم؟ قال: يتم لانه ليس بمسير حق (1). فان التعليل يخصص كما انه يعمم، ويستفاد منه اختصاص التمام


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 4.

[ 118 ]

بمسير ليس بحق، واما الحق السايغ كما في المقام التقصير فيه، وبه يقيد تلك المطلقات. ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عمن يخرج عن اهله بالصفورة والبزاة والكلاب يتنزه الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصر من صلاته اولا؟ قال: إنما خرج في لهو لا يقصر (1) فان كلمة إنما تفيد الحصر فتدل على ثبوت التقصير في الصيد لغير اللهو كما في المقام. ومنها: ما رواه الشيخ باسناده عن اسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر عن ابيه، قال: سبعة لا يقصرون إلى أن قال والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل (2). فان الوصف وان لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح، الا انه يدل على عدم تعلق الحكم بالطبيعة المطلقة. وإلا لاصبح القيد لغوا، فلا يكون مطلق الصيد موجبا للتمام، بل خصوص اللهوي ويبقى غيره تحت اصالة القصر للمسافر. وتؤيده مرسلة عمران بن محمد بن عمران القمي عن بعض اصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة أيقصر أو يتم؟ فقال: إن خرج لقوله وقوت عياله فليفطر وليقصر، وان خرج لطلب الفضول فلا، ولا كرامة (3). فانها صريحة في المطلوب، وان لم تصلح للاستدلال من جهة


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 1. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 5. (3) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 5.

[ 119 ]

الارسال. وبهذه النصوص يرتكب التقييد في المطلقات المتقدمة وتحمل على غير الصيد للقوت حسبما عرفت. واما القسم الاول: اعني سفر الصيد للتجارة فلا اشكال في جوازه كما ظهر مما مر، وإنما الكلام في انه هل يقصر ويفطر أو يتم ويصوم أو يفصل بينهما فيتم الصلاة ويفطر؟ فيه وجوه: اما الاتمام والصوم فلا قائل به اصلا، وان كان موجودا في الفقه الرضوي ولكنه لا يعتنى به كما سنبين ولكن التفصيل منسوب إلى ثلة من الاكابر من قدماء الاصحاب، فقد نقله العلامة في المختلف عن الشيخ في النهاية والمبسوط، والمفيد، والصدوق، وابن براج، وابن حمزة، وابن ادريس. ونسب التقصير في الصلاة والصوم إلى السيد المرتضى، وابن أبى عقيل، وسلار، واختاره هو بنفسه وهو المشهور بين المتأخرين فيعلم من ذلك ان المسألة خلافية وليست باجماعية، وان كان القائل بالتفصيل من القدماء اكثر. هذا وقد نقل العلامة في المختلف عن ابن ادريس انه روى اصحابنا باجمعهم انه يتم الصلاة ويقصر الصوم، وحكى نظيره عن المبسوط وانه قال: إذا كان للتجارة دون الحاجة فقد روى اصحابنا انه يتم الصلاة ويفطر الصوم. وقد تعرض العلامة لهذه المسألة في غير المختلف أيضا كالتحرير والمنتهى ولكنه تعرض إليها في هذا الكتاب تفصيلا وبنطاق أوسع. اقول: يقع الكلام اولا في أن ما حكاه الشيخ وابن ادريس من انه روى اصحابنا هل هذه رواية مرسلة كي يلتزم بحجيتها بناءا على مسلك الجبر بالعمل، أو أنه ليست هناك رواية مرسلة اصلا.

[ 120 ]

الظاهر هو الثاني، لان ابن ادريس اسند الرواية إلى جميع الاصحاب مصرحا بكلمة (باجمعهم) وكذا الشيخ على ما يقتضيه التعبير باجمع المضاف، مع انها لم توجد في شئ من الكتب لا الحديثية ولا الاستدلالية حتى ان الشيخ بنفسه أيضا لم يذكرها لا في التهذيب ولا الاستبصار ولا غيرهما، وكيف تنسب رواية إلى الكل وإلى جميع الاصحاب وهي لا توجد في مصدر من المصادر، ولم ينقلها ولا واحد منهم. وهل هذا إلا صريح الكذب المنزهة عنه ساحتهم المقدسة. وعلى الجملة لو عبرا بمثل انه روى كذا أو وردت رواية، أو روى بعض الاصحاب ونحو ذلك لامكن أن يقال ان هناك رواية دلت على التفصيل بين الصلاة والصيام ولم تصل الينا، ولكن مع ذلك التعبير ولا سيما التأكيد بكلمة باجمعهم في كلام ابن ادريس لا يمكن ان لا تروى ولا تذكر في شئ من الكتب. فلاجل هذه القرينة القاطعة، وكذا بعد ملاحظة المختلف يظهر ان الشيخ وابن ادريس استدلا بهذه الروايات الموجودة بايدينا المضبوطة في الكتب الاربعة وغيرها ولاجله صح ان يقال إنه روى اصحابنا باجمعهم. وكيفما كان فقد استدل بعدة من الروايات: منها: مرسلة عمران بن محمد بن عمران القمي قال: قلت له الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة يقصر أو يتم؟ فقال: إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصر، وان خرج طلب الفضول فلا، ولا كرامة (1). يقول العلامة: ان الشيخ (قده) استدل بهذه الرواية على التفصيل المذكور نظرا إلى ان مفهومها انتفاء التقصير فيما إذا لم يكن خروجه


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 5.

[ 121 ]

لقوته وقوت عياله الشامل لما إذا كان للتجارة بمقتضى الاطلاق. ولكنه (قده) لم يتعرض للجزء الآخر من الدعوى وهو الافطار بل اقتصر على اتمام الصلاة فقط. ولابد من تتميمه بان يقال إن مفهوم القضية الشرطية وان كان هو انتفاء التقصير والافطار معا إلا ان الثاني ثابت قطعا بمقتضى الاجماع إذ لا قائل بوجوب الصيام في سفر الصيد للتجارة، فلاجله يرفع اليد عن المفهوم بالاضافة إلى الصوم ويقتصر على الصلاة. وعليه فيصح أن يقول الشيخ وابن ادريس: انه روى اصحابنا باجمعهم، " يعني في خصوص الصلاة للرواية الموجودة واما الافطار فللاجماع ". ولكن الاستدلال واضح الضعف. اولا لارسال الرواية وثانيا: ان مفهوم قوله (ع): إن خرج لقوته وقوت عياله. الخ، ان خروجه إن كان لغير القوت فلا يفطر ولا يقصر، وهذا مطلق يشمل الخروج لللهو وللتجارة فليقيد بالاول، ويراد من الخروج للفضول هو اللهو فقط. وبذلك قد تحفظنا على اطلاق الجزاء واخذنا بكلا الجزئين وراعينا الملازمة بين الصلاة والصيام وابقيناها على حالها. ولا بشاعة في هذا التقييد بعد أن قيدنا اطلاقات الاتمام في سفر الصيد بما إذا لم يكن للقوت لاجل التعليل بعدم كونه مسير الحق كما مر. ويشهد له في المقام قوله (ع): فلا ولا كرامة، إذ لا موجب لنفي الكرامة عن التجارة وهي محبوبة ومرغوب فيها وراجحة شرعا، بل قد تجب لو توقف الانفاق عليها. فهذا التعبير يكشف عن ان المراد خصوص صيد اللهو كما ذكرنا إذا فلا دلالة في هذه الرواية على التفصيل في صيد التجارة بوجه.

[ 122 ]

فالاستدلال ضعيف جدا وان صح قول الشيخ انه روى اصحابنا كما عرفت، غاية الامر انه اعتقد انها تدل على التفصيل المزبور ولا نقول به. ومنها موثقة عبيد بن زرارة المتقدمة: " عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصر أو يتم؟ قال: (ع): يتم لانه ليس بمسير حق (1)، وقد ادعى العلامة (قده) دلالتها على الاتمام في سفر الصيد مطلقا ولكن خرج ما كان لاجل القوت اما للاجماع القطعي أو لخبر عمران القمي المتقدم، فيبقى الباقي محكوما بالتمام ومنه سفر التجارة. غير انه (قده) ناقش بضعف السند نظرا إلى ان ابن بكير فطحي. ولكن الامر بالعكس فانها نقية السند لوثاقة الرجل وان كان فطحيا فاسد المذهب، إلا انها قاصرة الدلالة إذ التعليل ببطلان المسير يستدعي التخصيص بصيد اللهو المحكوم بالحرمة فلا تعم التجارة التي هي محل الكلام. ومنها: رواية ابن بكير المتقدمة أيضا: " عن الرجل يتصيد اليوم و اليومين والثلاثة أيقصر الصلاة؟ قال: لا إلى ان قال: فان التصيد مسير باطل... الخ (2) بعين التقريب المتقدم مع جوابه، مضافا إلى انها ضعيفة السند بسهل بن زياد. فهذه الروايات الثلاث لا يتم الاستدلال بشئ منها. اضف إلى ذلك كله ما دل على الملازمة بين القصر والافطار كما في صحيحة معاوية بن عمار: " إذا قصرت افطرت، وإذا افطرت قصرت " (3)


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 4. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 7. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1.

[ 123 ]

ولا فرق بين صيد البر والبحر (1) كما لا فرق بعد فرض


اثبتت التلازم بين الامرين إلا ان يدل دليل على التخصيص، ولا دليل عليه في المقام لعدم نهوض رواية تدل على التفصيل. نعم هو موجود في الفقه الرضوي كما مرت الاشارة إليه، فقد تعرض لصيد التجارة في موضعين وذكر في احدهما التفصيل المذكور وفي موضع آخر قال انه يتم صلاته ويصوم. ولكن الاستدلال به في غاية الضعف، اولا للتدافع والتناقض في نفس الكتاب بين مورديه حسبما عرفت. وثانيا: ما اشرنا إليه مرارا من عدم الاعتبار بهذا الكتاب بتاتا، إذ لم يثبت كونه رواية فضلا عن حجيتها. ولا يحتمل ان يكون هذا مدركا للقول بالتفصيل في المسألة جزما كيف وقد عبر ابن ادريس بأنه روى اصحابنا باجمعهم، وكذا الشيخ كما مر، ولم يجمع الاصحاب على رواية الفقه الرضوي بالضرورة، بل ان الشيخ بنفسه لم يستند إليها في شئ من كتبه، وكذا ابن ادريس وغير واحد من الاصحاب. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الاقوى ما عليه جميع المتأخرين وبعض المتقدمين كالمرتضى وسلار من الحكم بالتقصير صلاة وصياما في سفر الصيد للتجارة كالقوت لانهما مسير حق، فيبقيان تحت أصالة القصر حسبما عرفت. (1): - اما في القصد للقوت أو التجارة فلا اشكال فيه لاطلاق الادلة. واما في الصيد اللهوي فربما يدعى الاختصاص بالاول كما احتمله في الجواهر نظرا إلى ان ذلك هو المتعارف بين المترفين والامراء وابناء *

[ 124 ]

كونه سفرا بين كونه دائرا حول البلد وبين التباعد عنه (1)


الدنيا الذين يخرجون مع الصقور والبزاة والكلاب فيكون ذلك موجبا لانصراف النصوص إليه. فالمقتضي قاصر بالاضافة إلى صيد البحر. ويندفع بما هو المقرر في محله من ان التعارف الخارجي لا يستوجب الانصراف المانع عن التمسك بالاطلاق. ونصوص المقام وان كان مورد بعضها خصوص البر كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عمن يخرج عن اهله بالصقورة والبزاة والكلاب. الخ (1). إلا ان جملة اخرى منها مطلقة تشمل البر والبحر كصحيحة عمار بن مروان وموثقة عبيد بن زرارة وغيرهما، فاطلاقات النصوص محكمة. مضافا إلى ما في بعضها من التعليل بانه ليس بمسير حق المشترك بين البر والبحر، فلا فرق في وجوب التمام بين الامرين. (1): - المستند في هذا التفصيل المنسوب إلى بعض الفقهاء صحيحتان: احداهما صحيحة عبد الله بن سنان: " عن الرجل يتصيد فقال: ان كان يدور حوله فلا يقصر، وان كان تجاوز الوقت فليقصر " والاخرى صحيحة العيص بن القاسم التي هي بنفس المضمون (2). ولكنه كما ترى فان المراد من الدوران، الدوران حول البلد الذي لا يبلغ حد المسافة كما هو المتعارف كثيرا في الصيد حول البلد، ولاجله يتم الصلاة، في مقابل الشق الثاني المشار إليه بقوله: وان كان تجاوز الوقت، اي تجاوز الحد المعين في الشرع والميقات المضروب للسفر،

(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 1. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 2 و 8.

[ 125 ]

وبين استمراره ثلاثة ايام وعدمه (1) على الاصح. اعني المسافة المقررة التي هي ثمانية فراسخ ولو ملفقة، فيجب التقصير حينئذ. ففي الحقيقة هاتان الروايتان تعدان من الروايات المطلقة الدالة على التقصير في سفر الصيد مطلقا في قبال ما دل على التمام في هذا السفر مطلقا، فتتعارض الطائفتان على نحو التباين. ولكن الطائفة الثالثة المفصلة بين الصيد للقوت فيقصر وبين الصيد لهوا فيتم تكون شاهدة جمع بين الطائفتين وتوجب انقلاب النسبة من التباين إلى العموم المطلق، فتحمل اخبار التمام على صيد اللهو، واخبار القصر على القوت أو التجارة. وبالجملة لا دلالة للصحيحتين على التفصيل المزبور بوجه كما لا يخفي. ثم لا يخفى ان المراد من تجاوز الوقت ما لو كان ذلك منويا من لدن خروجه للصيد، لا ما لو بلغ به السير كذلك صدفة للزوم المحافظة على ساير شروط القصر، إذ لا يحتمل ان يكون حال الصائد اوسع من غيره، إذ هو في معرض التضييق لا التوسعة كما هو ظاهر. (1): - لاطلاق الادلة، نعم ورد التفصيل بينهما في خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة ايام، وإذا جاوز الثلاثة لزمه (1). ولكنها من جهة الارسال ولا سيما مع عدم الانجبار غير صالحة للاستدلال، فلا يمكن رفع اليد بها عن المطلقات. والمظنون الواسطة وهو علي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي بصير لان الصدوق يرويها باسناده عن أبي بصير والراوي عنه هو علي بن


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 126 ]

(مسألة 32): الراجع من سفر المعصية ان كان بعد التوبة يقصر (1)، وان كان مع عدم التوبة فلا يبعد وجوب التمام عليه لكون العود جزءا من سفر المعصية، لكن الاحوط الجمع حينئذ.


أبي حمزة وهو ضعيف. وكيفما كان فالاعتبار في سفر الصيد من حيث القصر والتمام بكونه مسير حق وعدمه فيقصر في الاول كما في القوت والتجارة، ويتم في الثاني كما في اللهو بلا فرق بين الثلاثة وغيرها بمقتضى اطلاق النصوص حسبما عرفت. (1): - قد يفرض انقطاع الرجوع عن الذهاب بالاقامة عشرا أو المررو على الوطن، ولا ريب في كونه حينئذ سفرا جديدا لا يرتبط بالذهاب أبدا ولا بد معه من التقصير لو كان مسافة وهذا ظاهر. واخرى لا ينقطع ولا ينفصل عنه ولكنه يتوب في رجوعه عما ارتكبه من المعصية ولا ريب في التقصير ايضا لانه سفر سائغ مباح. وثالثة: لا ينقطع ولا يتوب فهل يلحق الرجوع حينئذ بالذهاب في لزوم التمام نظرا إلى انه جزءا من سفر المعصية كما في المتن فيلحقه حكمه بعد وحدة الموضوع عرفا أو انه يقصر أو يحتاط بالجمع؟ وجوه. احسنها اوسطها، بل لا ينبغي التأمل فيه لخروج العود عن سفر المعصية موضوعا، فان التمام قد انيط في لسان الروايات بسفر يكون معصية بنفسه أو بغايته بحيث ان مسيره لم يكن مسير حق، وشئ من ذلك لا ينطبق على الرجوع، إذا ليس هو بذاته معصية كما هو واضح *

[ 127 ]

(مسألة 33): اباحة السفر كما انها شرط في الابتداء شرط في الاستدامة ايضا (1) فلو كان ابتداء سفره مباحا فقصد المعصية في الاثناء انقطع ترخصه ووجب عليه الاتمام وان كان قد قطع مسافات،


ولا بغايته فان مقصده العود إلى البلد والاهل. بل ربما تكون الغاية راجحة أو واجبة كتحصيل القوت والانفاق على الاهل والعيال، فلا يصدق على الرجوع انه مسير ليس بحق الا ان يقصد به معصية اخرى فيكون فردا آخر لسفر المعصية محرما بنفسه أو بغايته. وعلى الجملة وحدة السفر خارجا وكون الاياب جزء من الذهاب عرفا - لو سلمناها - لا دخل لها في صدق سفر المعصية والاتصاف بهذا العنوان الذي هو المناط في تعلق الحكم بالتمام في لسان الروايات، فان السفر الواحد يمكن أن يتبعض حكما لزوال العنوان واختلاف الموضوع حسبما عرفت، فلا يصدق الرجوع عن الصيد مثلا انه طالب الصيد ولا ان مسيره ليس بحق إلا ان يقصد به المعصية مستقلا، فيكون حكمه حينئد حكم الذهاب لكن لا من حيث انه رجوع عن سفر المعصية، بل لاجل انه بنفسه سفر المعصية فلاحظ. نعم الاحتياط بالجمع استحبابا لا باس به. اما الوجوب فلا وجه له ابدا. (1): - لوحدة المناط في الموردين بمقتضى اطلاق الادلة فتنقطع الرخصة لو عدل إلى المعصية بقاء لعدم كون مسيره وقتئذ مسير حق بل يصدق عليه ان سفره إلى صيد أو في معصية الله، أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين ونحو ذلك مما هو مذكور في صحيحة *

[ 128 ]

عمار بن مروان المتقدمة. وهذا مما لا ريب فيه ولا اشكال. انما الكلام فيما لو قطع المسافة الشرعية خارجا بنية سائغة كما لو سافر إلى كربلاء سفرا مباحا فوجب عليه القصر ثم سافر منها إلى بغداد بقصد المعصية من غير ان ينقطع السفر الثاني عن الاول باقامة العشرة أو المرور على الوطن والا فمع الانقطاع لا ريب في وجوب التمام في السفر الثاني، فهل يحكم حينئذ بالقصر كما كان اولا، أو بالتمام لانه سفر المعصية؟ الذي يظهر من الجواهر هو عدم الخلاف في الثاني، وانه يتم لكونه من سفر المعصية كما عرفت. ولكن استشكل فيه شيخنا الانصاري (قده) واحتمل ان يكون الحكم هو القصر نظرا إلي ان سفر المعصية بالاضافة إلى التقصير من قبيل عدم المقتضي لا المقتضي للعدم، فغايته انه لا يقتضي القصر لا انه يقتضي التمام كما يقتضيه الحضور في الوطن كي يكون مزيلا للقصر الثابت سابقا بسبب آخر، فإذا لم يكن له إلا عدم الاقتضاء فلا يعارض ما كان مقتضيا للقصر ولا يزاحمه بوجه. وعلى الجملة متى تحقق السفر بنية سائغة وقطعت المسافة فقد حكم بالقصر وهو باق ما لم ينقطع بقاطع مقتض للتمام: وليس منه سفر المعصية فانه لا يقتضيه كما لا يقتضي القصر أيضا كما عرفت، بل التمام هو مقتضى الوضع الاول وقد خرج عنه السفر حيث ثبت القصر ولم ينقطع فالواجب هو التقصير لعدم حدوث الموجب للتمام. وهذا التقريب وان كان له وجه في بادي الرأي إلا ان دقيق النظر يقضي بخلافه لما هو المقرر في محله من ان الحكم المتعلق بعنوان تابع لفعلية ذلك العنوان حدوثا وبقاءا كما هو الشأن في جميع القضايا الحقيقية الا

[ 129 ]

إذا قام الدليل بالخصوص على كفاية مجرد الحدوث في بقاء الحكم كما في الوطن الشرعي - على القول به - حيث دل الدليل على ان من سكن في مكان له فيه ملك ستة اشهر اتم صلاته مهما دخله وان اعرض عنه، وكما في المحدود حيث لا يصلح لامامة الجماعة ولو صار ورعا تقيا، فثبوت الحد آناما يوجب سلب هذا المنصب عنه مؤبدا. وحيث ان المفروض في المقام ان مطلق السفر لم يكن موضوعا للقصر بل حصة خاصة منه وهو المعنون بعدم كونه سفر النصوص المتقدمة فلابد وان يكون الموضوع باقيا بقيوده ليحكم عليه بالقصر، فلو تبدل بعضها ولو بقاءا تغير الحكم حتما، وبما ان السفر المباح الموجب للقصر لم يبق في المقام محتفظا بقيوده بل تبدل إلى سفر المعصية فلا جرم ينقلب حكمه إلى التمام. لا لاجل ان سفر المعصية يقتضيه ليدعى انه لا اقتضاء فيه، بل لاجل زوال مقتضى القصر بقاءا بارتفاع موضوعه الموجب للعود إلى التمام الذي هو مقتضى الوضع الاول كما مر. ونظير المقام ما لو قطع المسافة ثم اتصف بكونه مكاريا ونحوه ممن شغله السفر. أو بدا له في طلب الصيد لهوا فانه يحكم عليه بقاءا بوجوب التمام بلا كلام لانتفاء الموضوع الاول وانقلابه بموضوع آخر. فما ذكره الشيخ الانصاري (قده) لا يتم ولا يمكن المساعدة عليه بوجه، بل الصحيح ما ذكره المشهور من الانقلاب من القصر إلى التمام حسبما عرفت. بقي شئ: وهو انه لو عدل عن قصده السائغ إلى الحرام فهل ينقلب الحكم إلى التمام بمجرد العدول المزبور أو لابد معه من الحركة والسفر خارجا؟

[ 130 ]

ولو لم يقطع بقدر المسافة صح ما صلاه قصرا (1)، فهو كما لو عدل عن السفر وقد صلى قبل عدوله قصرا حيث ذكرنا


الظاهر هو الثاني إذ المستفاد من النصوص ان المحكوم بالتمام الذى يرتفع معه موضوع القصر هو من يكون سفره معصية أو غاية لمعصية، لا مجرد قصد المعصية ونيتها ولو لم يتلبس بالسفر خارجا، والمفروض ان هذا المسافر بعد لم يسافر للمعصية، بل هو قاصد لارتكاب المعصية. وعليه فما دام في محله يجب عليه التقصير فإذا شرع في السفر اتم فلاحظ. (1): - كما لو عدل بعد ما جاوز حد الترخص وصلى قصرا عن نية السفر المباح إلى الحرام، وقد ألحقه (قده) بما لو عدل عن اصل السفر، وقد صلى قبل العدول قصرا، حيث سبق منه (قده) انه لا تجب اعادتها. ولكن الظاهر وجوب الاعادة في الموردين معا، فلا يتم الحكم لا في المقيس ولا في المقيس عليه كما مرت الاشارة إليه. فان الحكم بالصحة ان كان مستندا إلى دعوى كفاية مجرد القصد في تحقق القصر من غير حاجة إلى واقع المسافة كما هو الحال في الاقامة حيث ان الموجب للانقلاب من القصر إلى التمام مجرد قصدها حتى واقعا، ولا حاجة إلى اقامة عشرة ايام خارجا، بحيث لو بدا له فعدل أو مات فلم يقم عشرة صح ما اتى به حتى في الواقع ونفس الامر. ففيه ان هذا خلاف ظواهر نصوص المسافة جزما، فانها برمتها تدل على التحديد بنفس المسافة وانه لا يقصر الا في بريدين، أو بريد *

[ 131 ]

سابقا انه لا يجب اعادتها، واما لو كان ابتداء سفره معصية فعدل في الاثناء إلى الطاعة (1) فان كان الباقي مسافة فلا اشكال في القصر وان كانت ملفقة من الذهاب والاياب، بل


ذاهبا وبريد جائيا، فالموضوع هو نفس البريدين لا قصدهما، فلا يقاس المقام بقصد الاقامة الذي قام النص الخاص بكفاية مجرد القصد في ذلك الباب. نعم استفدنا من قوله (ع) في موثقة عمار المتقدمة: " لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ " (1) لزوم القصد أيضا من الاول، فكان كل من القصد وثمانية فراسخ جزء الموضوع وكلاهما تمام الموضوع. واما الاكتفاء بالقصد المجرد من غير ضم المسافة كما كان كذلك في باب الاقامة فتأباه نصوص المقام جدا كما عرفت. وان كان مستندا إلى صحيحة زرارة المتضمنة لعدم الاعادة فيمن صلى قصرا قبل العدول التى تقدمت سابقا. ففيه مضافا إلى معارضتها بصحيحة أبي ولاد فلا يتم الحكم في المقيس عليه كما تقدم في محله، انه لو سلم فالحكم مخصوص بمورده وهو العدول عن اصل السفر، فلا وجه للتعدي عنه إلى المقام. اعني العدول عن المباح إلى الحرام فانه يحتاج إلى القطع بعدم الفرق، وعهدته على مدعيه. فالاظهر في الموردين لزوم الاعادة تماما. (1): - لا اشكال في لزوم التقصير حينئذ فيما إذا كان الباقي

(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 132 ]

وان لم يكن الذهاب اربعة على الاقوى، واما إذا لم يكن مسافة ولو ملفقة فالاحوط الجمع بين القصر والتمام، وان كان الاقوى القصر بعد كون مجموع ما نواه بقدر المسافة ولو ملفقة، فان المدار على حال العصيان والطاعة فما دام عاصيا يتم، وما دام مطيعا يقصر من غير نظر إلى كون البقية مسافة أولا.


مسافة ولو ملفقة، لانه بحياله موضوع مستقل للقصر. نعم يعتبر في التلفيق ان لا يكون الذهاب اقل من اربعة على خلاف خيرة الماتن من الاكتفاء به مطلقا كما تقدم في محله. واما إذا لم يكن بنفسه مسافة ولو ملفقة - بعد ان كان مجموع ما نواه بقدر المسافة كما هو المفروض - فقد ذكر في المتن ان الاقوى حينئذ هو القصر أيضا. وكأنه مبني على ان التقييد بالاباحة المستفاد من نصوص الباب راجع إلى اطلاق الحكم بالترخص واختصاصه بغير سفر المعصية مع بقاء الموضوع بحاله، فهو مسافر يجب عليه التمام حال العصيان، كما يجب القصر حال الطاعة، وليس قصد المعصية كالمرور على الوطن، أو كقصد حال الاقامة قاطعا للموضوع ورودا أو حكومة، بل هو كقصد الاطاعة من حالات المسافر وعوارضه، فما دام عاصيا يتم، وما دام مطيعا يقصر، فلاجله لا ينظر إلى كمية الباقي بعد فرض تحقق الموضوع وكون المجموع مسافة في كلتا الحالتين. ولكنه كما ترى لما هو المقرر في الاصول من ان تخصيص العام يرجع لدى التحليل إلى تقييد الموضوع نظرا إلى استحالة الاهمال في *

[ 133 ]

الواقعيات، فاما ان يكون الموضوع الذي ثبت له الحكم مطلقا أو مقيدا وحيث لا سبيل إلى الاول لعدم اجتماعه مع التخصيص فلا جرم بتعين الثاني. وهذا من غير فرق فيه بين المخصصات المتصلة أو المنفصلة، وان كان الاول اوضح حالا كما لا يخفى. والمخصص في المقام مضافا إلى وروده في ادلة منفصلة قد ورد متصلا بالعام أيضا وهو قوله (ع) في صحيحة عمار بن مروان المتقدمة: من سافر قصر وافطر إلا ان يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله... الخ (1). والمتحصل بعد ملاحظة التخصيص ان الموضوع للحكم بالتقصير هو حصة خاصة من المسافر، وهو المسافر في غير معصية الله دون الطبيعي على سعته واطلاقه، فلابد من ملاحظة المسافة في خصوص هذا الموضوع دون غيره ولاجله ينضم الباقي بما سبقه مما صرفه في معصية الله لخروجه عن موضوع الحكم. هذا ولو تنازلنا عما ذكر والتزمنا بما ادعاه بعض الاكابر من عدم استلزام التخصيص تقيد الموضوع وتعنونه وجواز مراعاته مهملا، فتكفينا في المقام القاعدة الكلية التي اسلفناك غير مرة وتمسكنا بها في غير مورد واستفدناها من غير واحد من النصوص: من ان كل من كان محكوما بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلا إذا قصد المسافة الشرعية ولو ملفقة المفقود فيما نحن فيه لفرض عدم قصدها بعد العود إلى الطاعة والحكم عليه بالتمام. والظاهر ان المسألة متسالم عليها بين الفقهاء، والقول بالقصر وضم الباقي بما سبق مما تفرد به الماتن (قده).


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 134 ]

(مسألة 34): لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية (1) فمع استقلال داعي المعصية لا اشكال في وجوب التمام سواء كان داعي الطاعة أيضا مستقلا أو تبعا، واما إذا كان داعي الطاعة مستقلا وداعي المعصية تبعا، أو كان


(بقي شئ) وهو انه لو كان ابتداء سفره مباحا ثم عدل في الاثناء إلى المعصية فانقلب الحكم إلى التمام حسبما عرفت انقلابا واقعيا أو ظاهريا واخيرا عاد إلى الطاعة ولم يكن الباقي مسافة فهل ينضم إلى الماضي، اعني المسافة الاولى، ويستثنى المتخلل فيحكم بالقصر إذا كان المجموع مسافة؟. ذهب بعضهم إلى الانضمام، والمشهور عدمه وهو الاظهر لوجهين: الاول: ما ورد في موثقة عمار من قوله (ع) لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ (1) الظاهر في لزوم كون الثمانية مقصودة من لدن خروجه من المنزل، ولاجله اعتبرنا الاتصال والاستمرار كما تقدم وهو مفقود فيما نحن فيه. الثاني: الكبرى الكلية المشار إليها آنفا من ان كل من حكم عليه بالتمام كما في المقام لا بد في قلبه إلى القصر من قصد مسافة جديدة فما لم يقصدها يبقى على التمام ولاجله لا ينضم الباقي بما سبق. (1): - لا كلام في وجوب التمام مع استقلال داعي العصيان سواء أكان داعي الطاعة أيضا مستقلا ام انه كان تبعا، ضرورة صدق سفر المعصية على التقديرين وهذا واضح.

(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 135 ]

بالاشتراك ففي المسالة وجوه، والاحوط الجمع، وان كان لا يبعد وجوب التمام خصوصا في صورة الاشتراك بحيث لولا اجتماعهما لا يسافر.


واما لو انعكس الامر فكان قصد المعصية تبعا بحيث لم يكن له اثر في توليد الداعي إلى السفر في نفس المسافر وانما يقع في سفره من باب الصدقة والانفاق كالكذب والسب والغيبة والنميمة، وشرب الخمر ونحوهما مما يقع في الطريق أو المقصد وكان موجبا لتأكد الداعي وتقويته لا في اصل تحققه. أو كان لكل من القصدين دخل في تحقق الداعي في نفس المسافر على سبيل الاشتراك بحيث لم يكن كل منهما داعيا مستقلا لو كان منعزلا عن الآخر، فهل يقصر في هاتين الصورتين أو يتم، أو يفصل بينهما؟ الظاهر: هو التفصيل فيقصر في الصورة الاولى لعدم صدق سفر المعصية لا بنفسه ولا بغايته على ما يصدر من العاصي في الاسفار من باب التصادف والاتفاق مما لا يكون مقصودا إلا تبعا. وعلى تقدير الشك فبما ان المخصص منفصل - وان كان المتصل أيضا موجودا كما في صحيحة عمار بن مروان - فيقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو ما لا يكون داعي العصيان تابعا. واما في الصورة الثانية فالواجب هو التمام نظرا إلى ان الغاية وان لم يصدق عليها انها محرمة - بقول مطلق - لفرض تركبها من الطاعة والمعصية على سبيل الاشتراك، ولاجل ذلك لو كنا نحن وصحيحة عمار لامكن ان يقال بقصورها عن شمول الفرض، إذ لا يصدق عليه ما ورد *

[ 136 ]

(مسألة 35): إذا شك في كون السفر معصية أولا مع كون الشبهة موضوعية (1) فالاصل الاباحة الا إذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة، أو كان هناك اصل موضوعي كما إذا كانت الحلية مشروطة بامر وجودي كأذن المولى وكان مسبوقا بالعدم، أو كان الشك في الاباحة والعدم من جهة الشك في حرمة الغاية وعدمها وكان الاصل فيها الحرمة.


فيها من قوله (ع): ".. أو في معصية الله " فيرجع إلى عمومات القصر للشك في التخصيص الزائد إلا ان موثقة عبيد بن زرارة كافية في الدلالة على لزوم التمام في المقام لاناطته فيها بصدق ان ليس بمسير حق، الصادق فيما نحن فيه جزما. وعلى الجملة الغاية المشتركة وان لم تكن محرمة إلا انها ليست بمحللة أيضا ولا مصداقا للمسير الحق فلا مناص من الحكم بالتمام. (1): - اما إذا كانت الشبهة حكمية فاللازم هو الفحص والنظر في الادلة ان كان مجتهدا، والرجوع إليه ان كان مقلدا فيجب فيها التقليد أو الاجتهاد أو الاحتياط حسبما تقتضيه الوظيفة. واما إذا كانت موضوعية فالمرجع اصالة الحل من غير خلاف فيه حتى من الاخباريين القائلين بوجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية، إلا إذا كان هناك اصل موضوعي حاكم على اصالة الاباحة كاصالة عدم الاذن ممن يعتبر اذنه كالمولى أو الزوج أو المالك ونحو ذلك بعد أن كان مسبوقا بالعدم، أو كانت الحالة السابقة هي الحرمة *

[ 137 ]

(مسألة 36): هل المدار في الحلية والحرمة على الواقع أو الاعتقاد أو الظاهر من جهة الاصول اشكال (1)، فلو اعتقد كون السفر حراما بتخيل ان الغاية محرمة فبان خلافه، كما إذا سافر لقتل شخص بتخيل أنه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم، فهل يجب عليه اعادة ما صلاة تماما أولا؟ ولو لم يصل وصارت قضاءا فهل يقضيها قصرا أو تماما؟ وجهان والاحوط الجمع، وان كان لا يبعد كون المدار على الواقع إذا لم نقل بحرمة التجري، وعلى الاعتقاد ان قلنا بها، وكذا لو كان مقتضى الاصل العملي الحرمة، وكان الواقع خلافه أو العكس


فيكون استصحابها حاكما على اصالة الاباحة. وعلى الجملة مقتضى القاعدة الاولية في الشبهات الموضوعية هي الحلية استنادا إلى اصالة الاباحة ما لم يوجد دليل حاكم عليها. (1): - الظاهر دوران وجوب التمام مدار الحرمة الواقعية المنجزة فلا يكفي مجرد الثبوت في الواقع قبل بلوغه إلى المكلف وتنجزه عليه كما لا يكفي مجرد الاعتقاد أو الظاهر المستند إلى الاصل مع مخالفته للواقع، بل لابد من اجتماع الامرين معا، وبفقد احدهما ينتفي التمام ويثبت القصر. وتوضيحه ان المسافر تارة يعتقد الحرمة أو الحلية ويكون اعتقاده مطابقا للواقع، ولا اشكال في المسألة حينئذ وانه يتم في الاول، ويقصر في الثاني، واخرى يكون مخالفا وله صورتان: *

[ 138 ]

فهل المناط ما هو في الواقع أو مقتضى الاصل بعد كشف الخلاف؟ وجهان والاحوط الجمع، وان كان لا يبعد كون المناط هو الظاهر الذي اقتضاه الاصل اباحة أو حرمة.


الاولى: ان يكون السفر حراما في الواقع ويعتقد جوازه اما بنفسه كما لو كان السفر منهيا من قبل الاب أو الزوج ولم يعلم به الولد أو الزوجة أو بغايته كما لو سافر لتزويج امرأة هي رضيعته، أو ذات بعل، أو لقتل شخص محقون الدم وهو لا يعلم. والواجب حينئذ هو القصر لعدم اتصاف سفره بالباطل، أو بكونه في معصية الله، لا بنفسه ولا بغايته بعد عدم تنجز الواقع في حقه، بل هو مسير حق قد رخص فيه الشرع والعقل، ومجرد اتصافه بالحرمة الواقعية لا يوجب صدق المعصية، ولا سلب اسم مسير الحق عنه، كما ان ارتكاب الحرام الواقعي لا يستوجب زوال العدالة بوجه. وعليه فدليل الاتمام قاصر الشمول للمقام، ولا اقل من انصرافه عنه وانسباق الحرمة المنجزة من دليل الاتمام في سفر المعصية. ومع التنزل فلا اقل من الشك في الشمول فيقتصر في المخصص المنفصل على المقدار المتيقن، ويرجع فيما عداه إلى عمومات الترخص لكل مسافر. الصورة الثانية عكس ذلك، بان يكون السفر حلالا في الواقع، حراما في الاعتقاد أو بحسب الحكم الظاهري، اما بنفسه كما لو اعتقد الولد أو الزوجة نهي الوالد أو الزوج أو كان مستصحبا ثم بان الخلاف، أو بغايته كما لو سافر لقتل شخص بتخيل انه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم، أو

[ 139 ]


سافر التزويج بمن يعتقد انها ذات بعل فبان انها خلية ونحو ذلك من الامثلة. والظاهر وجوب القصر هنا أيضا، لان الحرمة المزعومة خيالية صرفة لا واقع لها، فلم يكن السفر سفر المعصية ولا المسير مسيرا باطلا، فان الخيال والاعتقاد، أو الحكم الظاهري المنكشف خلافه لا يغير الواقع ولا يوجب قلبه عما هو عليه. فهو سفر حق وان جهل به المسافر، إلا إذا بنينا على حرمة التجري شرعا فيجب التمام حينئذ لصدق ان السفر في معصية الله ولو بالعنوان الثانوي. ولكن المبنى فاسد جزما كما هو محرر في الاصول، فان التجري لا يكشف إلا عن سوء النية وخبث السريرة، وهذا لا يستوجب إلا اللوم والذم واستحقاق العقاب عقلا دون الحرمة شرعا، فلا يكون من العناوين الثانوية بوجه. وعليه فأدلة التمام قاصرة الشمول المقام ولو انصرافا، ولا أقل من الشك في الشمول فيرجع إلى اطلاقات القصر. وعلى هذا فلو صلى تماما جريا على اعتقاده ثم انكشف الخلاف في الوقت أو في خارجه وجبت عليه الاعادة أو القضاء قصرا كما انه لا تجب اعادة ما صلاه قصرا في الصورة الاولى لكون القصر هي الوظيفة الواقعية في كلتا الصورتين حسبما عرفت. فتحصل ان اتمام الصلاة يتوقف على امرين: ثبوت الحرمة الواقعية للسفر، وكون الحرمة منجزة عليه. فإذا تخلف احدهما وجب القصر. هذا كله فيما إذا كان التخلف في عنوان المقصود بان اعتقد حرمته وهو في الواقع مباح، أو بالعكس. واما لو كان المقصود حراما واقعا وظاهرا اعتقادا ومعتقدا ولكنه لم يتحقق خارجا لمانع ولو بغير اختيار المكلف، كما لو سافر لشرب *

[ 140 ]

(مسألة 37): إذا كانت الغاية المحرمة في اثناء الطريق لكن كان السفر إليها مستلزما لقطع مقدار آخر من المسافة فالظاهر ان المجموع بعد من سفر المعصية (1) بخلاف ما إذا لم يستلزم.


الخمر، أو لقتل النفس ولم يهيأ له، أو لعدم المقتضي كما لو ندم وتاب فهو خارج عن محل الكلام، ولا اشكال حينئذ في وجوب التمام لان العبرة بقصد الحرام الواقعي المنجز وقد سافر بهذا القصد حسب الفرض، فالسفر سفر في معصية الله لانبعاثه عن ذلك القصد وان لم تتحقق نفس المعصية خارجا، فان الاعتبار بالقصد دون المقصود، وكم فرق بين الموردين فلا حظ وتدبر (1): - لا يخفى ان قطع مقدار آخر من المسافة زائدا على ما فيه الغاية المحرمة الواقعة في اثناء الطريق يتصور على نحوين: (فتارة) يكون السفر الزائد مقدمة المعصية كما لو اراد السفر من النجف إلى المحمودية لارتكاب محرم هناك ولكن الوسائط النقلية تحمله اولا إلى بغداد ثم إلى المحمودية بحيث لا يمكنه الوقوف فيها ابتداءا، بل لا بد من المضي عنها ثم العودة إليها فتلك القطعة الزائدة مقدمة للوصول إلى الحرام فتكون من سفر المعصية بلا كلام، ولا ريب حينئذ في وجوب التمام. والظاهر ان الماتن لا يريد هذه الصورة لوضوحها وعدم قبولها النزاع بعد دخولها في سفر المعصية حسبما عرفت. (واخرى) لا يكون السفر الزائد مقدمة للحرام ولكنه يستلزمه خارجا *

[ 141 ]

(مسألة 38): السفر بقصد مجرد التنزه ليس بحرام ولا يوجب التمام (1). (مسألة 39): إذا نذر ان يتم الصلاة في يوم معين أو يصوم يوما معينا وجب عليه الاقامة، ولو سافر وجب عليه القصر على


كما لو سافر إلى لبنان لمعصية ولكن البقاء فيه يستلزم سفرا آخر اما لجريان العادة أو لضغط من قبل الحكومة ونحو ذلك، بحيث لا يمكن التخلف عنه. وهذا هو مراد الماتن (قده) في مفروض المسألة، فهل يتم في السفر اللازم أيضا أو انه يقصر؟ حكم الماتن (قده) بالتمام لوحدة السفر وعد اللازم جزءا من سفر المعصية، فهو نظير ما تقدم منه (قده) سابقا من الحكم بالاتمام لدى الرجوع عن سفر المعصية، لكون العود من متممات السفر واجزائه. ولكن الظاهر هو القصر، لانفصال احد السفرين عن الآخر ولكل حكمه، ولا عبرة بالوحدة المسامحية العرفية فان موضوع التمام ما كان معصية بنفسه أو بغايته لا بلازمه. وهذا اللازم - كالرجوع - مسير حق لا باطل فلا تشمله تلك الادلة، ومع الشك في التخصيص الزائد فالمرجع عمومات القصر. (1): - لاطلاقات ادلة القصر بعد ان كان السفر سائغا والحكم مورد للاجماع والتسالم، بل السيرة القطعية كما في الجواهر. وهما ظاهر لا غبار عليه.

[ 142 ]

ما مر (1) من ان السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام الا إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب، والاحوط الجمع.


(1): - فرع (قده) هذه المسألة على ما تقدم في المسألة السابعة والعشرين المتضمنة للمضادة بين السفر وبين الاتيان بواجب آخر وجعلهما من واد واحد، وانه إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب كان من سفر المعصية ووجب التمام وإلا فلا. وينبغي التكلم في جهات: الاولى: لو نذر الصيام أو اتمام الصلاة في يوم معين فهل تجب عليه الاقامة لو كان مسافرا ولا يسوغ السفر لو كان حاضرا كي يتمكن من اداء الواجب والوفاء بالنذر؟ مقتضى القاعدة ذلك لحكومة العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجز المتوقف على ما ذكر بمقتضى المقدمية، الا أن النص الخاص قد ورد بخلاف ذلك في الصيام خاصة، ولاجله يفرق بينه وبين الصلاة. وهي صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إليه - يعنى إلى أبى الحسن (ع) - يا سيدي رجل نذر ان يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو اضحى أو ايام التشريق، أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: قد وضع الله عنه الصيام في هذه الايام كلها ويصوم يوما بدل يوم ان شاء الله. الخ (1).

(1) الوسائل: باب 10 من أبواب النذور والعهد ح 1.

[ 143 ]


فيظهر منها ان الصوم المنذور لا يزيد على صيام شهر رمضان في جواز السفر ولو بقصد الفرار وعدم وجوب الاقامة لان الله تعالى قد وضع الصيام في هذه الايام، غايته انه يقضي يوما بدل يوم. ولولا التعرض فيها للقضاء لالتزمنا بانحلال النذر لانكشاف بطلانه فيما لو صادف ايام العيد ونحوه مما لا يشرع فيه الصوم، فلا فوت ليجب القضاء الا انها صريحة في ذلك، فيجب الالتزام به تعبدا. وكيفما كان ففي نذر الصوم المعين يجوز السفر، ولا تجب الاقامة بمقتضى هذه الصحيحة. واما الصلاة فحيث لم يرد فيها مثل هذا النص فلابد من الجري فيها على مقتضى القواعد حسبما عرفت الجهة الثانية: هل النذر المتعلق باتمام الصلاة في يوم معين المتوقف على عدم السفر كما مر يندرج في كبرى المسألة المتقدمة، اعني السفر المستلزم لترك واجب ويتفرع عليها كي يجري عليه حكمها من وجوب التمام إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب، والا فالقصر كما اختاره في المتن أو لا يندرج؟ قد يقال بالثاني نظرا إلى ان موضوع البحث في تلك المسألة انما هو الاستلزام الناشئ من التضاد الذاتي بين فعل الواجب والسفر، لا الناشئ من مقدمية ترك السفر للواجب كما في المقام، حيث ان ترك السفر مقدمة شرعا للاتمام لكونه مشروطا به ولاجله ينحل النذر إليه، ويكون مرجع النذر المتعلق باتمام الصلاة إلى نذر ترك السفر والاتيان بالصلاة التامة، فينحل النذر إلى نذرين، فلو خالف وسافر كان السفر بنفسه معصية يجب فيه التمام وان انكرنا قضية الاستلزام *

[ 144 ]


في تلك المسألة. ويندفع بما هو المقرر في محله من عدم وجوب المقدمة شرعا وان لزم الاتيان بها عقلا من باب اللابدية فليس في البين إلا وجوب واحد متعلق بذيها، اعني الذات المقيدة وهي الصلاة التامة المشروطة بترك السفر، واما نفس القيد والشرط فلم يتعلق به وجوب آخر ليحرم السفر ويندرج في سفر المعصية. وانحلال النذر إلى النذرين غير قابل للتصديق فيما نحن فيه. كيف ولازمه تعدد الكفارة بترك الواجب المنذور ومقدمته لتكرر الحنث وهو كما ترى، فنذر الاتيان بالصلاة لا ينحل إلى نذرها ونذر الوضوء المشروط به، وليس في مخالفته الا كفارة واحدة بالضرورة، كما ليس الاعقاب واحد، فان الدخيل في النذر انما هو التقيد لا ذات القيد. ولاجله لم يكن الا مخالفة واحدة وهي لا تستيع الا كفارة واحدة وعقابا واحدا كما عرفت. إذا فترك السفر لا يكون متعلقا للنذر ليكون فعله محرما، بل هو داخل في كبرى الاستلزام كما اثبته في المتن. الجهة الثالثة لو بنينا في تلك المسألة اعني مسألة استلزام السفر لترك الواجب على وجوب التمام ولو في خصوص ما قصد به الفرار عن اداء الواجب كما اختاره الماتن وقويناه فهل نقول به في المقام أيضا؟ الظاهر هو العدم فيقصر في المقام حتى لو سافر بقصد مخالفة النذر لامتناع التمام، إذ يلزم من وجوده عدمه ضرورة انه لو أتم - من جهة كونه سفر المعصية - فبالاتمام قد وفى بالنذر، ومع الوفاء لا عصيان فلا موضوع للاتمام. وبعبارة اخرى لو أتم لم يخالف نذره، وإذا لم يخالف لم يتصف *

[ 145 ]

(مسألة 40): إذا كان سفره مباحا لكن يقصد الغاية المحرمة في حواشي الجادة فيخرج عنها لمحرم ويرجع إلى الجادة (1) فان كان السفر لهذا الغرض كان محرما موجبا للتمام، وان لم يكن كذلك وانما يعرض له قصد ذلك في الاثناء فما دام خارجا عن الجادة يتم وما دام عليها يقصر، كما انه إذا كان السفر


سفره بالمعصية، وإذا لم يكن سفره معصية فلا يجب فيه التمام لانتفاء الموضوع، فيلزم من شمول دليل التمام للمقام عدم الشمول، أو فقل يلزم من فرض المخالفة عدمها وهو امر غير معقول، ولاجله يستحيل شمول ادلة التمام للمقام، فيبقى تحت اطلاقات القصر وان كان عاصيا بسفره ويكون ذلك تخصيصا في ادلة التمام في سفر المعصية. ومن هذا القبيل ما لو سافر لغاية محرمة وهي اتمام الصلاة في السفر تشريعا فان هذا وان كان سفر معصية إلا انه لا يمكن ان يشمله دليل الاتمام لعين المحذور المزبور، إذ يلزم من الاتمام عدم التشريع، ومن عدمه انتفاء المعصية، وبانتفائها ينتفي التمام لوجوب القصر في السفر المباح. وعلى الجملة ففي كل مورد يلزم من فرض شمول الدليل عدم الشمول يستحيل الشمول. وعليه فأدلة التمام لا يعقل شمولها لامثال المقام بل تبقى تحت اطلاقات القصر حسبما عرفت. (1): - لا ريب في وجوب التمام فيما لو كان السفر لاجل هذه الغاية لكونه من سفر المعصية كما ذكره (قده)، وهذا واضح. واما لو عرض القصد المزبور في الاثناء فعزم بعد ما قطع شطرا من الطريق على الخروج من الجادة لغاية محرمة.

[ 146 ]

لغاية محرمة وفي اثنائه يخرج عن الجادة ويقطع المسافة أو اقل لغرض آخر صحيح يقصر ما دام خارجا، والاحوط الجمع في الصورتين:


فان كان الخروج قليلا جدا بحيث لا ينقطع به عرفا نفس السير الاول المباح كما لو عاداه شخص اثناء الطريق فنزل ليقتله ومشى لذلك خطوات خارج الجادة، أو نزل في قرية ثم خرج إلى المواضع التي حولها ليسرق متاعا أو يشرب ماءا غصبا، أو خرج إلى بستان خارج القرية بغير اذن اهله ونحو ذلك من السير اليسير الذي لا يعتنى به ولا يضر بصدق كونه في سفر مباح، فلا ريب في بقائه على التقصير خروجا ورجوعا كما هو ظاهر وهو خارج عن محل الكلام. واما إذا كان الخروج عن الجادة بمقدار يعد عرفا جزءا من السفر وقطعة من المسافة المحدودة فقد ذكر في المتن انه يتم مادام خارجا عن الجادة، ويقصر ما دام عليها. وقد مر نظيره في المسألة الثالثة والثلاثين من جعل المدار في القصر والتمام على حال الطاعة والعصيان بناءا منه (قده) على ان الاباحة قيد في الحكم بالترخص لا في السفر الذي جعل موضوعا له: وقد عرفت ما فيه وانه لا مناص من رجوعه إلى الموضوع. وعليه فالحكم بالاتمام لدى خروجه عن الجادة واضح لكونه من سفر المعصية وقتئذ. واما العود إلى القصر بعد رجوعه إلى الجادة فيتوقف على كون الباقي مسافة ولو ملفقة للقاعدة الكلية التي اسلفناك غير مرة من ان *

[ 147 ]

(مسألة 41): إذا قصد مكانا لغاية محرمة فبعد الوصول إلى المقصد قبل حصول الغرض يتم (1)، وأما بعده فحاله حال العود عن سفر المعصية في انه لو تاب يقصر، ولو لم


من حكم عليه بالتمام لا يعود إلى القصر إلا مع قصد المسافة على ما يستفاد ذلك من مثل قوله: في كم التقصير؟ قال عليه السلام: في بريدين بالتقريب المتقدم في محله. ومنه يظهر الحال في عكس ذلك، اعني الفرض الثاني وهو ما لو كان السفر لغاية محرمة وفي الاثناء يخرج عن الجادة لغاية مباحة، كما لو سافر إلى بغداد بنية فاسدة وفي الاثناء ذهب إلى زيارة الحسين (ع) ثم عاد إلى الجادة فقد ذكر في المتن انه يقصر حينئذ ما دام خارجا سواء قطع المسافة ام الاقل منها. واما في الاقل فهو مبني على ما سبق من رجوع القيد إلى الحكم و كفاية كون المجموع مسافة، وقد عرفت ما فيه، فلا تقصير فيما إذا كان الحلال اقل من المسافة. واما في قطع المسافة فلا ريب في القصر لانه قصد لسفر مباح، ولكنه يختص بما إذا كان الخروج بنفسه مسافة لا بضميمة الرجوع، فلا يكفي التلفيق في المقام، إذ هو في رجوعه يقصد الوصول إلى الغاية المحرمة التي كان قصدها من الاول، فهذا الرجوع بنفسه سفر المعصية، ولاجله يسقط عن صلاحية الانضمام. (1): - من سافر إلى محل لغاية محرمة فلا يخلو بعد الوصول اما انه ارتكبها أو انه بعد لم يرتكب.

[ 148 ]

يتب يمكن القول بوجوب التمام لعد المجموع سفرا واحدا والاحوط الجمع هنا وإن قلنا بوجوب القصر في العود بدعوى عدم عده مسافرا قبل ان يشرع في العود. (مسألة 42): إذا كان السفر لغاية لكن عرض في اثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرم منضما إلى الغرض


لا اشكال في البقاء على التمام في الثاني لصدق سفر المعصية ما لم ينته منها وقبل حصولها وهذا واضح واما في الاول فقد مر حكمه من حيث الرجوع وانه يقصر اما مطلقا أو في خصوص ما لو تاب على الخلاف المتقدم. واما حال البقاء فهل هو ملحق بالعود لانتهاء سفر المعصية بانتهائها فيقصر لو تاب، وإلا فيتم لعد المجموع سفرا واحدا كما ذكره في المتن، أو انه يبقى على التمام ما لم يشرع في العود؟ الظاهر هو الثاني سواء أتاب ام لم يتب لما تقدم من القاعدة الكلية من ان من حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر ما لم يقصد مسافة جديدة. وما ذكره في المتن مبني على ما سلكه من رجوع شرطية الاباحة إلى الحكم، فموضوع القصر محقق لكن الحكم منوط بحال الطاعة، وبعد الفراغ عن الحرام تعود هذه الحالة فيعود القصر. وقد عرفت ضعفه وأن الاباحة شرط الموضوع نفسه، فالمسافة التي قطعها حال المعصية لا اثر لها، بل لا بد من استيناف قصد مسافة جديدة والتلبس بالسير خارجا في الانتقال إلى القصر، فمتى شرع في العود مع كونه بنفسه مسافة يقصر وإلا بقي على التمام.

[ 149 ]

الاول (1)، فالظاهر وجوب التمام في ذلك المقدار من المسافة لكون الغاية في ذلك المقدار ملفقة من الطاعة والمعصية، والاحوط الجمع خصوصا إذا لم يكن الباقي مسافة.


(1): - حكم (قده) حينئذ بوجوب التمام في القطعة الملفقة من الطاعة والمعصية وهو الصحيح بناءا على ما تقدم من صدق سفر المعصية عليها، كما ان ما صنعه (قده) من الاحتياط الاستحبابي بالجمع في محله أيضا لاحتمال اختصاص التمام بالغاية المنحصرة في العصيان وعدم شموله للملفق وان كان على خلاف التحقيق حسبما عرفت فيما سبق. واما ما يظهر من المتن من آكدية الاحتياط فيما إذا لم يكن الباقي مسافة حيث قال: خصوصا إذا لم يكن... الخ، فلم يظهر وجه لهذه الخصوصية. والظاهر ان العبارة سهو من قلمه الشريف لعدم وضوح الفرق بينه وبين ما إذا كان الباقي مسافة فيما هو بصدده من الاحتياط في القطعة الملفقة لعدم تأثير له في ذلك ابدا، فانه مبني كما عرفت على الترديد في صدق سفر المعصية على الملفق وعدمه، ولا ربط لذلك بكمية الباقي، فمع الصدق يتم وان كان الباقي مسافة، ومع عدمه يقصر وان لم يكن الباقي مسافة. نعم هذه الخصوصية إنما تنفع بالقياس إلى الاحتياط بالجمع في نفس الباقي فان في الحاقه بما سبق إذا لم يكن بنفسه مسافة، وعدم الالحاق كلاما قد سبق. ومن هنا يتجه الاحتياط فيه، وان كان الاظهر التمام كما علم مما تقدم. واما إذا كان بنفسه مسافة فلا شك في وجوب القصر *

[ 150 ]

(مسألة 43): إذا كان السفر في الابتداء معصية فقصد الصوم ثم عدل في الاثناء إلى الطاعة (1) فان كان العدول قبل الزوال وجب الافطار، وان كان بعده ففي صحة الصوم ووجوب اتمامه إذا كان في شهر رمضان مثلا وجهان، والاحوط الاتمام والقضاء،


ولا يجري الاحتياط فيه حتى استحبابا. (1): - لا شك في لزوم الافطار فيما إذا كان العدول قبل الزوال فان سفره حدوثا وان لم يكن شرعيا لفقد قيد الاباحة وعدم كونه مسير الحق، ومن ثم كان يجب عليه الصيام كالاتمام آنذاك إلا انه بقاءا مصداق للسفر الشرعي، فهو كمن سافر ابتداء لغاية محللة قبل الزوال المحكوم بوجوب الافطار كتابا وسنة مضافا إلى ما دل على الملازمة بين قصر الصلاة والافطار، وقد مر لزوم التقصير في مثل هذا الفرض فكذلك الافطار. إنما الكلام فيما إذا كان العدول المزبور بعد الزوال، فان في الافطار وعدمه حينئذ ترددا ينشأ من محكومية الصوم بالصحة لدى الزوال لفقد قيد الاباحة وقتئذ الدخيل في موضوع السفر، فحصوله بعدئذ بمنزلة الخروج إلى السفر بعد الزوال المحكوم باتمام الصوم بلا اشكال وان وجب التقصير في الصلاة لانتفاء الملازمة بين التقصير والافطار في خصوص هذا المورد بمقتضى النصوص ومن ان الظاهر من تلك النصوص احداث السفر وانشائه من البلد بعد الزوال فهو حكم للحاضر الذي خرج إلى السفر، ومجرد كونه *

[ 151 ]

ولو انعكس بان كان طاعة في الابتداء وعدل إلى المعصية في الاثناء (1)، فان لم يأت بالمفطر وكان قبل الزوال صح صومه، والاحوط قضاؤه أيضا، وان كان بعد الاتيان بالمفطر أو بعد الزوال بطل، والاحوط امساك بقية النهار تأدبا ان كان من شهر رمضان


محكوما بالتمام ولو في السفر لا يجعله بمنزلة الحاضر في الوطن. فالحاق المقام بما لو سافر ابتداءا بعد الزوال قياس لا نقول به، فاللازم حينئذ الحكم بالافطار عملا بعموم ثبوته لكل مسافر، المعتضد بما دل على الملازمة المذكورة وانه كلما قصرت افطرت. وعلى الجملة فالتردد بين هذين الوجهين من غير ترجيح اوجب الاشكال في المسألة، ولاجله كان مقتضى الاحتياط اللازم الجمع بين الاتمام والقضاء كما ذكره في المتن، وان كانت دعوى الالحاق المزبور غير بعيدة، بل لعلها مظنونة. وكيفما كان فالاحتياط حسن في محله ولا ينبغي تركه. (1): - تارة يفرض العدول قبل قطع المسافة بنية سائغة، واخرى بعده. لا ينبغي التأمل في لزوم البقاء على الصيام في الشق الاول لكشف عدوله عن عدم تحقق السفر الشرعي، وانتفاء موضوع القصر من اول الامر، إذ الموضوع للحكم لم يكن هو مجرد القصد، بل المتعقب بقطع المسافة بنية صالحة المنفى حسب الفرض وان تخيل تحققه لدى تلبسه بالسفر، ولاجله كان معذورا لو افطر، فهو محكوم بالصيام واقعا *

[ 152 ]

(مسألة 44): يجوز في سفر المعصية الاتيان بالصوم


سواء أفطر ام لم يفطر، وسواء أكان عدوله قبل الزوال ام بعده. ولعل عبارة الماتن غير ناظرة إلى هذه الصورة. بل نظره (قده) معطوف إلى الشق الثاني ولا ريب في بطلان الصوم حينئذ لو كان قد تناول المفطر، أو كان العدول بعد الزوال. اما الاول فواضح، وكذا الثاني إذ هو بمثابة من سافر اول النهار وحضر بعد الزوال المحكوم بالافطار بلا اشكال وان لم يستعمل المفطر في سفره وهذا ظاهر. إنما الكلام فيما لو عدل قبل الزوال ولم يتناول المفطر فان في صحة الصوم حينئذ تأملا. من ان العدول إلى الحرام بمنزلة الوصول إلى المنزل قبل الزوال، إذ به ينعدم قيد الاباحة المعتبر في الترخص أو في موضوعه على الخلاف المتقدم فيجب عليه حينئذ تجديد النية واتمام الصوم كما هو الحال في الراجع إلى بلده قبل الزوال ومن ان الصوم الشرعي هو الامساك في مجموع النهار المسبوق بالنية قبل طلوع الفجر، والاكتفاء بتجديدها قبل الزوال مخالف للقاعدة فيقتصر فيه على مقدار قيام النص ومورده المسافر الذي يصل بلده أو محل اقامته قبل زوال الشمس، والتعدي عنه إلى المقام قياس لا نقول به. فلا دليل على جواز التجديد فيما نحن فيه، ومقتضى عموم منع الصيام في السفر البقاء على الافطار. ولاجل التردد بين هذين الوجهين كان مقتضى الاحتياط اللازم الجمع بين الصيام والقضاء كما نبه عليه الاستاد - دام ظله - في تعليقته.

[ 153 ]

الندبي ولا تسقط عنه الجمعة ولا نوافل النهار (1) والوتيرة فيجرى عليه حكم الحاضر. السادس: من الشرائط ان لا يكون ممن بيته معه (2) كأهل البوادي من العرب والعجم الذين لا مسكن لهم معينا بل يدورون في البراري وينزلون في محل العشب والكلا ومواضع القطر واجتماع الماء لعدم صدق المسافر عليهم، نعم لو سافروا المقصد آخر من حج أو زيارة أو نحوهما قصروا، ولو سافر احدهم لاختيار منزل، أو لطلب محل القطر أو العشب وكان مسافة ففي وجوب القصر أو التمام عليه اشكال، فلا يترك الاحتياط بالجمع.


(1): - لظهور ما دل على سقوط هذه الاحكام عن المسافر في خصوص السفر الشرعي المحكوم عليه بالقصر دون التمام فينصرف عن السفر الحرام، ويؤيده قوله (ع): (.. يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة) (1) فانه كالصريح في دوران السقوط مدار قصر الصلاة وعدمه. (2): - وإلا اتم صلاته ولو كان طيلة حياتة في سفر ورحيل بلا خلاف فبه، ويدل عليه مضافا إلى عدم صدق المسافر عليه كما ذكره في المتن، إذ السفر مأخوذ من السفور والبروز المتوقف على فرض

(1) الوسائل: باب 21 اعداد الفرائض ح 4.

[ 154 ]


سكونة في البلد، وان يكون للشخص قرار واستقرار كي يصدق السفر متى خرج وبرز، فلا يشمل دائم الحركة ومن لا مقر معين له. موثقه اسحاق بن عمار قال: سألته عن الملاحين والاعراب هل عليهم تقصير؟ قال: قال: لا، بيوتهم معهم، ولا يضرها الاضمار فان جلالة ابن عمار تأبى عن الرواية عن غير الامام (ع). المؤيدة بمرسلة الجعفري: " الاعراب لا يقصرون وذلك ان منازلهم معهم (1) وهذا الحكم في الجملة مما لا اشكال فيه. انما الاشكال فيما لو خرج هذا الدوار لغاية اخرى كاختيار منزل يقيم فيه اياما، أو طلب محل القطر أو العشب أو لامر واجب، أو مستحب من حج أو زيارة وكان مسافة، فهل يقصر أو يتم، أو يفصل بين الغاية الدنيوية كتحصيل مكان فيه عشب فيتم، والاخروية كالزيارة فيقصر؟ الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان بيته معه في هذه الحركة أيضا كأن يجعل احد موارد سيره الحج أو الزيارة مثلا فيبقى حينئذ على التمام، نظرا إلى ان وضعه الجديد بمسافة الجديدة لا يختلف عن السابق ويصدق عليه في كلتا الحالتين ان بيوتهم معهم، المذكور في الموثق. وبين ما لو ابقى بيته من خيم وفسطاط وامتعة ونحوها وخرج بنفسه لمقصده كساير المسافرين فيجب القصر لصدق عنوان السفر حينئذ، وعدم شمول الموثق له بعد ان لم يكن بيته معه. فهذا هو المناط في الحكم بالقصر أو التمام. " فرع " لو كان له مقر اتخذه مسكنا ولكنه حين السفر يأخذ بيته معه،

(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 5 و 6.

[ 155 ]

(السابع): ان لا يكون ممن اتخذ السفر عملا وشغلا له (1) كالمكاري والجمال والملاح والساعي والراعي ونحوهم، فان هؤلاء يتمون الصلاة والصوم في سفرهم الذي هو عمل لهم وان استعملوه لانفسهم كحمل المكاري متاعه أو اهله من مكان إلى مكان آخر،


فله بيت متنقل سيار فيه من الاثاث ما يحتاج إليه من خيم وفراش ومتاع ونحوها من لوازم البيت، ويسير لغاية دنيوية، أو اخروية، فهل يقصر في هذه الصورة، أو يتم نظرا للبيت الذي استصحبه؟ الظاهر وجوب القصر لصدق اسم المسافر عليه عرفا، غايته انه مسافر متمكن يأخذ معه جميع وسائل الراحة، ومثله لا يكون مشمولا للموثق ولا للمرسل لظهورهما فيمن يكون بيته ومنزله معه، لا من يأخذ معه ما يحتاج إليه في سفره فليس هذا ممن بيته معه فانه منصرف عن ذلك كما لا يخفى. نعم لو كان لهذا الشخص بيتان بيت مستقر وآخر غير مستقر، فله مقر في الشتاء مثلا، ورحلة في الصيف يطلب العشب والكلا ولا يستقر في مكان، فهذا في حكم ذي الوطنين، وهو في الحقيقة مورد لانطباق عنوانين، عنوان المتوطن، وعنوان من بيته معه حسب اختلاف الزمانين فيتم أيضا إذا ارتحل من مقره فانه بعد في بيته ولكن في بيته الآخر ولاجله يجب التمام في كلا البيتين. (1): - كما دلت عليه صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع) اربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري، والكري *

[ 156 ]

والراعي، والاشتقان لانه عملهم (1)، ورواه الصدوق في الخصال مثله إلا انه ترك لفظ (قد) ولعله الانسب. وكيفما كان فالحكم في الجملة مما لا اشكال فيه ولا خلاف، وان اختلفت كلماتهم في كيفية التعبير عن هذا الشرط. فالمشهور عبروا بان لا يكون سفره اكثر من حضره. وعبر جمع آخرون بان لا يكون كثير السفر، ولعل المراد منهما واحد، وان كان التعبير الثاني اولى كما لا يخفى. وعبر غير واحد ومنهم الماتن بان لا يكون السفر عملا له وهذا التعبير هو المطابق النص وهو الصحيح المتقدم. واما كثرة السفر فلم ترد في شئ من النصوص وبين العنوانين عموم من وجه، إذ قد يكثر السفر الزيارة أو السياحة ونحوهما من غير ان يتخذه عملا له، وربما يكون عملا ولكنه يقل لاختصاصه بوقت خاص كفصل الربيع مثلا، وقد يجتمعان كما لو كان السفر عمله طول السنة. فالتعبير الاخير موافق التعليل الوارد في صحيحة زرارة المتقدمة المنطبق على العناوين الاربعة المذكورة فيها من المكاري، والكري، والراعي، والاشتقان: فان السفر عمل لهؤلاء وشغل لهم على تأمل في بعضها كما سيأتي. اما المكاري فهو الذي يكري دابته السفر، واما الكري فهو الذي يكري نفسه للخدمة في السفر اما لشخص المكاري لاجل اصلاح دابته ونحوها، ويكون بمثابة الصانع لسائق السيارة في يومنا هذا أو لساير المسافرين القيام بحوائجهم في الطريق. واما الاشتقان فقد فسره الصدوق بالبريد ولم بعرف له وجه وان


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 2.

[ 157 ]

ورد ذلك في مرفوعة ابن أبي عمير (1) إذ مضافا إلى ضعف السند لم يتضح كون التفسير من الامام (ع) لجواز كونه تكملة من الصدوق نفسه لا منه عليه السلام ولا من ابن أبي عمير. والظاهر ان الكلمة غير عربية كما ذكره الشهيد وانها معرب (دشت بان) اي امير البيادر. وكيفما كان فالمستفاد من هذه الصحيحة المعللة لتمامية الصلاة بقوله (ع) لانه عملهم، ان الاعتبار في وجوب التمام بعنوان كون السفر عملا، فلا عبرة بكثرة السفر، ولو تضمن السنة كلها ما لم يثبت العمل، وهذا مما لا ينبغي الريب فيه. كما لا ريب أيضا في وجوب التمام في الموارد المنصوصة وان لم يكن السفر عملا لهم كالاشتقان في الصحيح المتقدم، وكالموارد المذكورة في معتبرة اسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر عن أبيه قال: سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته، والامير الذي يدور في امارته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق والراعي، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر والرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل (2). فان من المعلوم ان هؤلاء ليس شغلهم السفر وإنما السفر مقدمة لاعمالهم. فهذه العناوين المذكورة في الروايات ملحقة بمن شغله السفر في وجوب التمام بلا كلام، سواء أصدق عليهم ان نفس السفر عملهم أم لا، وكأنهم بمنزلة من بيته معه. وانما الكلام في ان الحكم هل يختص بذلك أو يعم كل من كان له عمل خاص، وكان السفر له كالطبيب الذي يذهب كل يوم


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 12. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 9.

[ 158 ]

إلى بلد للطبابة، والمعلم أو المتعلم الذي يذهب كل يوم أو كل اسبوع الدراسة ويرجع، وكذا البناء والمعمار ونحوهم ممن شغلهم في السفر لا ان شغلهم السفر كما في المكاري والملاح، فهل يجب عليهم التمام أيضا مع فرض بلوغ سفرهم حد المسافة الشرعية أو انهم يقصرون ولا يتعدى عن الموارد المنصوصة؟ قد يقال بالاختصاص وعدم التعدي رعاية التعليل الوارد في صحيح زرارة، واقتصارا في غير مورده على مقدار قيام النص، فيرجع فيما عدا ذلك ممن كان السفر مقدمة لعمله إلى اطلاقات القصر لكل مسافر. وقد يقال بالتعميم والتعدي نظرا إلى الارتكاز العرفي، وفهم عدم خصوصية للجابي وللتاجر ونحو هما ممن ورد اسمه في النص وان ذلك ليس الا من اجل الحاق من كان السفر مقدمة لعمله بمن كان السفر عملا له. وحينئذ فكل من كان على هذه الشاكلة يتم صلاته. وغير خفي ان التعدي استنادا إلى ما ذكر من الارتكاز وفهم عدم الخصوصية في غاية الاشكال والصعوبة، وعهدة هذه الدعوى على مدعيها فان اقصى ما يمكن اخراجه من تحت اطلاقات القصر هو عنوان العمل ومن جاء اسمه في الخبر، ولعل هناك خصوصية لانفهمها، فكيف يمكننا التعدي إلى الفاقد لها بعد جهلنا بمناطات الاحكام. ومع ذلك كله فالاظهر هو التعدي. اما اولا: فلقرب دعوى صدق عنوان من عمله السفر الوارد في النص على من عمله في السفر، فمثلا لا يبعد ان يقال عرفا الطبيب الذي يسافر كل يوم لبلد آخر لطبابته ان السفر عمل له، ولو كان ذلك الاطلاق بنحو من العناية غير البعيدة عن الفهم العرفي، فلاندعي *

[ 159 ]

ولا فرق بين من كان عنده بعض الدواب يكريها إلى الاماكن القريبة من بلاده فكراها إلى غير ذلك من البلدان البعيدة (1) وغيره


الالحاق بل ندعي التوسعة في الاطلاق، وان المقام بنفسه مشمول للنص وكم فرق بين الامرين كما هو واضح. وثانيا: لو اغمضنا النظر عن ذلك بدعوى ان الصدق المزبور مسامحي لا يعبأ به. فنستظهر من نفس صحيحة زرارة بالرغم من اشتمالها على التعليل ان موضوع الحكم اعم. وذلك من اجل تضمنها ذكر اشخاص لا يكون السفر الا مقدمة لعملهم، ولم يكن بنفسه عملا لهم كالراعي فان شغله الرعي وطلب الماء والعشب للغنم ومكانه - غالبا ولا سيما في القرى - معين فيذهب كل يوم إلى ذلك المكان لاجل رعي غنمه، كما يذهب الطبيب أو المعلم إلى بلد خاص لطبابته ودراسته، وكذا الاشتقان فانه على ما فسرناه يقصد بسفره امارة البيادر وحفظها والنظر عليها، فليس السفر بنفسه شغلا لا للراعي ولا للاشتقان بل هو مقدمة للعمل. ومع ذلك نرى ان الامام عليه السلام يطلق على هؤلاء بان السفر عمل لهم ويعلل التمام بذلك. فيعلم منه بوضوح انه عليه السلام وسع موضوع حكم التمام وجعله شاملا لما كان السفر مقدمة العمل من دون ان يقتصر على ما كان بنفسه عملا وبالجملة: ما هو الفرق بين الراعي الذي يبحث عن العشب ليرعى غنمه ويعود ليلا إلى بلده وبين الطبيب الذي يخرج إلى مكان طبابته كل يوم ويعود؟ فانهما يشتركان بالضرورة في ان شغلهم في السفر، لا أن شغلهم السفر، فالحكم بالتمام يعمهما بمناط واحد حسبما عرفت. (1): - لا ريب في وجوب البقاء على التمام مع تحقق المسافة، *

[ 160 ]

الشرعية بالسفر الذي هو شغله أؤ مقدمة لشغله وقد سافر بهذا العنوان إلى البلدان البعيدة كالمكاري الذي يكري دابته أو سيارته ما بين النجف وكربلاء فاتفق ان اكراها إلى البصرة أو الحج فسافر إلى تلك البلاد النائية بعنوان كونه مكاريا فلا يلزم انحفاظ شخص السفر بل يبقى على التمام، وان تبدل القريب بالبعيد أو بالعكس بمقتضى اطلاق الادلة. وهذا واضح لا سترة عليه، وسيشير الماتن إليه في مطاوي المسائل الآتية. وانما البحث يقع في موردين: احد هما: انه لو كان مكاريا أو سائقا داخل البلد فقط، أو خارجه، ولكن في توابع البلد وضواحيه مما يلحق به بحيث لا يصدق معه اسم السفر حتى عرفا كالسائق ما بين النجف والكوفة مثلا فاتفق ان اكرى دابته أو سيارته خارج البلد متجاوزا حد المسافة الشرعية كما لو اكراها إلى كربلاء: فهل يقصر حينئذ أو يبقى على التمام باعتبار ما تلبس به من عنوان المكاراة أو السياقة؟ الظاهر لزوم التقصير عليه بل لا ينبغي التأمل فيه لخروجه عن موضوع التمام، فانه كما عرفت عبارة عمن عمله السفر أو عمله في السفر، والمكاراة المفروضة خارجة عن كلا العنوانين، فانها وان كانت شغلا له الا انه ليس سفرا ولا في السفر، فلا يشملها الحكم وهذا واضح. المورد الثاني: ما لو كان السفر شغلا له ولكنه سفر عرفي لا شرعي لكونه فيما دون حد المسافة الشرعية الامتدادية أو التلفيقية كالمكاري بين النجف إلى خان النصف مع كونه احد منزليه أو يقيم فيه عشرة ايام فتكون المسافة اقل من ثمانية أو إلى مكان آخر اقل من الاربعة كالخان الاول مع قصد الرجوع وعدم المنزل، فاتفق السفر لمثل هذا

[ 161 ]

الشخص إلى المسافة الشرعية، فهل يتم حينئذ بنفس الملاك السابق من احتمال كون عنوان المكاري مما يفرض عليه التمامية، أو يقصر لان السفر الذي هو عمله ليس من السفر الشرعي، بل عرفي على الفرض؟ تعرض الماتن (قده) لمثل هذه الصورة في المسألة الثامنة والاربعين الآتية بالنسبة لمن يكون عمله الاحتطاب فيما دون حد المسافة على نحو يصدق عليه السفر العرفي، فاختار لزوم التمام فيما لو تجاوز حد المسافة. ولكن الظاهر وجوب القصر في كلا الموردين، لان ما دل على وجوب التمام لمن عمله السفر بما انه بمثابة الاستثناء عن عموم وجوب القصر، فهو لا جرم ظاهر في السفر الذي يكون موضوعا للقصر - لولا كونه عملا - المختص بالسفر الشرعي البالغ حد المسافة، ولا يعم العرفي بوجه، ففي مثله كما في المقام وكذا الحطاب لابد من التقصير لو تحقق السفر الشرعي عملا بعمومات القصر لكل مسافر. وربما تشهد لذلك موثقتان لاسحاق بن عمار. الاولى قال فيها: سألت أبا ابراهيم عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الايام، أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال: نعم. والثانية عنه قال: سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب، وقلت يختلفون كل ايام كلما جاءهم شئ اختلفوا، فقال، عليهم التقصير إذا سافروا (1). والمراد بالاختلاف الذهاب والاياب كلما جاءهم شئ اي عرضهم شغل وحاجة. والظاهر منهما ان السؤال ناظر إلى المكارين الذين يختلفون اطراف البلد لدون المسافة بحيث لا يصدق عليهم المسافر شرعا، ولذلك سئل عن حالهم فيما لو كانوا في سفر شرعي غير الذي هم عليه كل يوم


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب صلاة المسافر ح 2 و 3.

[ 162 ]

وكذا لا فرق بين من جد في سفره (1) بان جعل المنزلين منزلا واحدا وبين من لم يكن كذلك،


فيكون منطبقا على محل الكلام. وحملهما على فرض حصول الاقامة عشرة ايام فصاعدا كما في الوسائل أو على ما إذا سافر لقصد آخر غير المكاراة كسفر زيارة ونحوها كما في الحدائق بعيد جدا، إذ لا شاهد على شئ منهما، بل الصحيح هو المعنى الذي بيناه غير البعيد عن سياق الكلام حسبما عرفت فلاحظ. (1): - قد وردت في المسألة روايات كثيرة ثلاث منها نقية السند وهي: صحيحة محمد بن مسلم عن احد هما (ع) قال: المكاري والجمال إذا جد بهما السير فليقصروا. وصحيحة الفضل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المكارين الذين يختلفون، فقال: إذا جدوا السير فليقصروا. وصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن اخيه، قال: سألته عن المكارين الذين يختلفون إلى النيل هل عليهم اتمام الصلاة؟ قال: إذا كان مختلفهم فليصوموا وليتموا الصلاة، إلا ان يجد بهم السير فليفطروا وليقصروا (1). وظاهر هذه النصوص اختصاص التمام الثابت فيمن شغله السفر بمن لم يجد به السير، وإلا فحكمه القصر فتكون منافية للنصوص المتقدمة المنضمنة لوجوب التمام على سبيل الاطلاق.

(1) الوسائل: باب 13 من أبواب صلاة المسافر حديث 1 و 2 و 5.

[ 163 ]

وقد حملت على محامل عديدة كلها بعيدة عن الصواب. منها: ما عن العلامة (قده) من الحمل على ما لو قصد المكاري اقامة عشرة ايام نظرا إلى انه بعد هذه الفترة المستوجبة للاعتياد على الراحة يصعب عليه المسير بعدئذ، فطبعا يجد به السير أو بدأ به، ويكون عسرا وشاقا، فلاجله يقصر، فيكون المراد السفرة الاولى بعد العشرة لاختصاص الجد بها كما لا يخفى. وهذا كما ترى حمل بعيد عن ظاهر النصوص لا نعرف له وجها ابدا. ومنها: ما عن الشهيد في الذكرى من الحمل تارة على ما لو انشأ المكاري والجمال سفرا غير صنعتهما كالحج مثلا بغير مكاراة أو ما شاكل ذلك مما لا يكون في نطاق عمله فيجد في السير، واخرى على ما إذا كانت المكاراة فيما دون المسافة ويكون جد السير بمعنى قصد المسافة. ومنها: ما عن الشهيد في الروض من الحمل على المكاري اول اشتغاله بالمكاراة فيقصد المسافة قبل تحقق الكثرة، ولاجله يجهد عليه السير ويتعب. ومنها: ما عن الشيخ والكليني (قدهما) من حمل ذلك على ما إذا اسرع في السير فجعل المنزلين منزلا فسار سيرا غير عادي، ولاجله وقع في جد وجهد. واستشهد الشيخ (قده) لذلك بامرين: احدهما ما رواه في الكافي قال: وفي رواية اخرى المكاري إذا جد به السير فليقصر، قال: ومعنى جد به السير جعل المنزلين منزلا (1). الثاني: مرفوعة عمران بن محمد عن أبي عبد الله (ع) قال: الجمال


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب صلاة المسافر ح 4.

[ 164 ]

والمكاري إذا جد بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين ويتما في المنزل (1). وفي كلا الامرين ما لا يخفى فان الاول اجتهاد من الكليني نفسه (2) فهو دراية لا رواية، فلا شهادة فيه ولم يتضح مستنده في هذا التفسير فان (الجد) لغة بمعنى الشدة، واحد مصاديقها في المقام جعل المنزلين منزلا لا انها تختص به، وربما يكون جد السير من اجل الحر أو البرد، أو كون الطريق وعرا أو مخوفا ونحو ذلك. والثاني: مضافا إلى ضعف السند من اجل الرفع والارسال وجهالة حميد بن محمد قاصر الدلالة لعدم التعرض لتفسير الجد بجعل المنزلين منزلا، بل غايته التفصيل بالتقصير فيما بين المنزلين والاتمام في نفس المنزل. وهذا كما ترى اجنبي عما نحن بصدده. وعلى الجملة فهذه الوجوه كلها بعيدة وخلاف الظاهر جدا. ولعله لذلك عمل بظاهرها جماعة من المتأخرين كصاحب المدارك، والحدائق، والمعالم وغيرهم، نظرا إلى صحة اسانيدها ووضوح الدلالة فيها، فلا وجه لطرحها أو صرفها عن ظهورها وما المانع من الالتزام بالتخفيف في حق مثل هذا الشخص الذي يجد في سيره، اي يسرع زائد على المقدار المتعارف، ويقع من اجله في كلفة ومشقة، فكان الشارع راعى حال هذا المتكلف حيث ان المكاري كان بمنزلة من بيته معه ولاجله يتم، ولكن إذا صادف مثل هذه الكيفية من السير يتسامح في حقه بالترخص فتكون هذه الروايات مخصصة لادلة التمامية المفروضة على المكاري. هذا


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب صلاة المسافر ح 3. (2) كون التفسير من الكليني نفسه غير واضح وان اوهمه عبارة الوسائل، بل ظاهر الكافي ج 3 ص 437 خلافه.

[ 165 ]

والمدار على صدق اتخاذ السفر عملا له عرفا (1) ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرر ذلك منه من مكان غير بلده إلى


ولكن الظاهر انه لا سبيل للاخذ بهذه النصوص رغم صحة اسانيدها لمهجوريتها عند الاصحاب وعدم العامل بها إلى زمان صاحب المدارك والمعالم، وبعدهما المحقق الكاشاني، وصاحب الحدائق، حتى ان الكليني لم يعتن بها ولم يذكر شيئا منها، بل اشار إليها بقوله: وفي رواية ان المكاري إذا جد به السير.. الخ المشعر بالتمريض والتوقف وانها موهونة عنده، وإلا كان عليه ان يذكرها ولا سيما مع صحة اسانيدها. فيفهم من التعبير عدم اعتنائه بشأنها. هذا والمسألة كثيرة الدوران ومحل للابتلاء غالبا حتى ان بعض اصحاب الائمة عليهم السلام كان شغله ذلك كصفوان الجمال، فلو كان القصر ثابتا للمكاري المجد في السير لاشتهر وبان وشاع وذاع وكان من الواضحات كيف ولا قائل به إلى زمان صاحب المدارك كما عرفت. فيستكشف من هذه القرينة العامة التي تكررت الاشارة إليها في مطاوي هذا الشرح وتمسكنا بها في كثير من المقامات عدم ثبوت القصر للمكاري المزبور. إذا لابد من رد علم هذه الروايات إلى اهله، أو حملها على بعض المحامل المتقدمة. ولا ينافي هذا ما هو المعلوم من مسلكنا من عدم سقوط الصحيح بالاعراض عن درجة الاعتبار لعدم اندراج المقام تحت هذه الكبرى، بل مندرجة تحت تلك الكبرى المشار إليها آنفا بعد كون المسألة عامة البلوى وكثيرة الدوران حسبما عرفت. (1): - قد عرفت ان من عمله السفر محكوم بالتمام، وانما الكلام *

[ 166 ]

مكان آخر، فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدد السفر ثلاث مرات أو مرتين، فمع الصدق في اثناء السفر الواحد أيضا يلحق الحكم وهو وجوب الاتمام، نعم إذا لم يتحقق الصدق إلا بالتعدد يعتبر ذلك.


في محقق هذا العنوان وانه هل ينوط بتكرر السفر للعمل مرتين أو ثلاث، أولا هذا ولا ذاك بل يدور مدار الصدق العرفي ولو كان ذلك في سفرة واحدة؟ احتمل الشهيد الثاني التكرار إلى ثلاث سفرات فلا يتم قبلها كما لا يقصر بعدها، مستدلا عليه بانصراف النصوص إلى الغالب المتعارف وهو هذا المقدار. وفيه منع الانصراف المدعى كما لا يخفى. واختار العلامة في المختلف اعتبار السفرتين لتوقف صدق الاختلاف عليه، وهو أيضا غير واضح. واختار الماتن اناطة الامر إلى الصدق العرفي وهو الصحيح. وتفصيل الكلام ان الروايات الواردة في المقام على طوائف ثلاث. الاولى: ما علق الحكم فيها على المكاري والجمال والملاح ونحو ذلك من العناوين الخاصة. الثانية: ما دلت على ذلك بعناية كون السفر عملا لهم. الثالثة: ما دلت على عنوان الاختلاف المقتضى لتكرار السفر على نحو يصدق معه الاختلاف والذهاب والاياب فلا تكفي الواحدة وهي صحيحة هشام عن أبي عبد الله (ع) قال: المكاري والجمال الذي

[ 167 ]

يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان (1). وحينئذ نقول: لو كنا نحن والطائفة الاولى لحكمنا بالتمام متى تحققت ذوات العناوين وان لم يتصف المتلبس بها بكونها عملا له، كمن كانت له سيارة يستعملها في حوائجه الشخصية فصادف ان شاهد في سفره كثرة الزوار مثلا وغلاء الاجرة فكارى سيارته في تلك السفرة فانه يطلق عليه المكاري في هذه الحالة وان لم يكن ذلك عملا له، وهكذا الحال في ساير العناوين من الملاح والجمال ونحو هما. إلا ان الطائفة الثانية خصت هذه العناوين بمن كان السفر شغلا وعملا له. إذا فيدور الحكم مدار صدق هذا العنوان الذي ربما يتفق بسفرة واحدة خصوصا إذا كانت طويلة، بل قد يتفق في أثناء السفر الواحد لا من الاول، كما لو سافر وصادف انه اشترى دوابا فكاري بها وبنى على الاشتغال بالمكاراة. وربما لا يصدق إلا لدى تعدد السفرات كما هو الحال في ساير العناوين من الحرف والصناعات، كما لو كانت له سيارة فكراها لا بقصد المزاولة للعمل بل لاجل غرض آخر، ثم اتفق بعد ايام كذلك ثم بعد ايام اخرى كذلك فتكرر منه العمل على حد صدق عليه المكاري عرفا. وعلى الجملة يدور الحكم بعد لحاظ التقييد المزبور على الصدق العرفي الذي قد يتوقف على التكرر، وقد لا يتوقف حسبما عرفت، الا ان الطائفة الثالثة اعتبرت عنوان الاختلاف المتقوم بالتكرر مع البناء على الاستمرار على ذلك كما لا يخفى. ومن ثم قد يتوهم المعارضة بينها وبين الطائفة المتقدمة.


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 168 ]

ولكن الصحيح عدم المعارضة لابتنائها على ان يكون للوصف - اعني التقييد بالاختلاف - مفهوم، والمحقق في محله عدمه، فلا يدل على ان غير هذا المورد غير محكوم بهذا الحكم ليتنافى مع ما سبق. نعم ذكرنا في الاصول ان له مفهوما بمعنى آخر وهو الدلالة على عدم تعلق الحكم بالطبيعي على اطلاقه وسريانه وإلا لا صبح التقييد بالوصف لغوا محضا، واما ان الحكم خاص بهذا المورد ومنفى عما عداه كما هو معنى المفهوم اصطلاحا فكلا، فغايته ان طبيعي المكاري غير محكوم بالتمام لا انه خاص بمن يختلف، ومن الجائز ثبوته لغير هذا الفرد كمن كان شغله السفر وان لم يختلف، فلا معارضة بين الطائفتين بوجه. ونتيجة ذلك عدم اعتبار صدق الاختلاف والتردد بانيا عليه، والاكتفاء بمجرد صدق كون السفر شغله وعملا له عرفا، ولو كان ذلك في سفرة واحدة أو في سفرات من غير نية الاستمرار ليصدق الاختلاف كما لو اتفق انه كارى دابته أو سيارته بقصد مرة واحدة من دون تكرار فاتفق مرة اخرى واتفق ثالثة وفي كل لا ينوي الاستمرار إلا انه صادف مصادفة، فان هذا يصدق عليه طبعا ان شغله السفر بحيث لو سئل عن عمله لاجاب بانه المكاراة وان لم يكن بانيا عليها. وهكذا لو لم يختلف ولم يتردد، بل كان ذلك في سفر واحد ولم يعد إليه ابدا كما لو كارى دابته أو سيارته لسفر طويل يستوعب سنة مثلا وليس قصده إلا هذه المرة فانه يصدق عليه ان شغله في هذه السنة المكاراة وان لم يشتمل على العود والتردد والذهاب والاياب ليصدق الاختلاف.

[ 169 ]

(مسألة 45): إذا سافر المكاري ونحوه ممن شغله السفر سفرا ليس من عمله كما إذا سافر للحج أو للزيارة يقصر (1) نعم لو حج أو زار لكن من حيث انه عمله كما إذا كرى دابته للحج أو الزيارة وحج أو زار بالتبع أتم. (مسألة 46): الظاهر وجوب القصر على الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص اشهر الحج (2)، بخلاف من كان متخذا ذلك عملا له في تمام السنة، كالذين يكرون داوبهم من الامكنة البعيدة ذهابا وايابا على وجه يستغرق ذلك تمام السنة أو معظمها فانه يتم حينئذ.


فالعبرة إذا بالصدق العرفي بكون السفر عملا له ومهنة لا بالاختلاف وعدمه حسبما عرفت. (1): - قد ظهر حال هذه المسألة من مطاوي ما سبق، وعرفت انه في مجال السفر الجديد الخارج عن مهنته لا يصدق عليه كون هذا السفر عملا له، فيكون المرجع إذا اطلاقات القصر لكل مسافر. (2): - قد عرفت ان المدار في الحكم بالتمام على صدق عنوان عملية السفر الذي قد يتحقق بمرة واخرى بمرات حسب اختلاف الموارد وانه ليس المناط السفر الرابع كما عن الشهيد الثاني، أو السفر الثالث كما عن العلامة في المختلف. وعليه ففي المكاري إذا كانت الفترات بين سفراته يسيرة كيومين أو ثلاثة مثلا لم تضر بصدق العنوان واما إذا كانت كثيرة أو طويلة

[ 170 ]

فربما يقدح في الصدق، فيختلف الصدق باختلاف الفترات طولا وقصرا قلة وكثرة. ومنه تعرف حكم الحملدارية وهي اصطلاح تطلق على اولئك الاشخاص الذين يرافقون الحجاج الكرام لبيت الله الحرام لتعليمهم مناسك حجهم وارشادهم في سفرهم بكل ما يحتاجون إليه. فان المدة التي يستوعبها الحملدار في سفره على نحوين: فتارة: تكون قصيرة كما في زماننا هذا حيث لا يتجاوز العشرين يوما أو ما قارب، ولا يصدق على مثل ذلك كون السفر عملا له قطعا ولذا يتعين عليه القصر بلا اشكال. واخرى: تطول المدة ولربما استمرت إلى شهور عديدة كما في الازمنة السابقة، ويتكرر منه العمل في كل ستة وحينئذ فيصدق على مثل هذا الحملدار ان عمله في السفر فيجب عليه التمام إذا فيختلف هذا العنوان تبعا لقلة المدة وكثرتها. فان علمنا بالحال واحرزنا الصدق أو عدمه فلا كلام، واما لو شك في ذلك فقد تكون الشبهة موضوعية واخرى حكمية مفهومية. اما في الموضوعية - وهي فرض نادر - كما لو شك في كيفية خروجه في هذه السفرة وانه هل خرج مكاريا أو حاجا؟ فلا شك في وجوب القصر لعدم احراز انطباق عنوان المخصص عليه والاصل عدمه، فيدخل تحت عنوان كلي المسافر المحكوم عليه بالقصر. وهذا واضح. واما في الحكمية المستندة إلى الجهل بسعة المفهوم وضيقه المستوجب للشك في صدق عنوان عملية السفر كما في الحملدارية التي تستوعب من كل سنة ثلاثة اشهر مثلا التي كانت تتفق في الازمنة السابقة من العراق إلى مكة.

[ 171 ]

(مسألة 47): من كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء أو بالعكس الظاهر وجوب التمام عليه ولكن الاحوط الجمع (1). (هخامش) * فيحتمل ان يكون الحكم حينئذ هو القصر نظرا إلى الشك في التخصيص الزائد في ادلة وجوب القصر الثابت لكل مسافر فان الخارج منها من كان عمله السفر ويشك في دائرة هذا العنوان سعة وضيقا فيقتصر على المقدار المتيقن، ويرجع فيما عداه إلى عموم العام. ويحتمل التمام ووجهه ان الخارج عن اطلاقات القصر عناوين خاصة كالمكاري والجمال والملاح ونحوها وهذه العناوين المقيدة في انفسها مطلقة أيضا، غاية الامر انها قيدت بعنوان عملية السفر بمقتضى التعليل الوارد في صحيح زرارة كما مر لان العلة تضيق كما انها توسع حسبما عرفت. وبما ان هذا المقيد - الثاني - يشك في مفهومه سعة وضيقا كما هو المفروض فلاجله يشك في تخصيص الخاص بالزائد على المقدار المعلوم. فلا محيص حينئذ من الاقتصار على المقدار المتيقن المحرز كونه مصداقا لعملية السفر والرجوع فيما عداه إلى اطلاق عنوان الخاص من المكاري ونحوه، ونتيجته الحكم بالتمام. هذا ولاجل التردد بين هذين الاحتمالين كتبنا في التعليقة ان: " فيه اشكال والاحتياط بالجمع لا يترك " وان كان التمام اقرب الاحتمالين، لاوجهية التقرير الثاني من الاول كما لا يخفى. ومن ثم لو ضاق الوقت ولم يتمكن من الجمع كان المتعين اختيار التمام. (1): - قد ظهر الحال في هذه المسألة من مطاوي ما قدمناه فانه *

[ 172 ]

(مسألة 48): من كان التردد إلى ما دون المسافة عملا له كالحطاب ونحوه قصر إذا سافر ولو للاحتطاب الا إذا كان يصدق عليه المسافر عرفا وان لم يكن بحد المسافة الشرعية، فانه يمكن ان يقال بوجوب التمام عليه إذا سافر (1) بحد المسافة خصوصا فيما هو شغله من الاحتطاب مثلا. (مسألة 49): يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام


يجب التمام لصدق ان عمله السفر حال الاشتغال بالمكاراة وان لم يصدق في الحالة الاخرى فيشمله اطلاق الادلة بعد وضوح ان كون السفر عملا غير متوقف على قصد الدوام والاستمرار، فلو كان بمقدار يتحقق معه الصدق العرفي كفى وان كان موقتا، ولكن الاحتياط بالجمع حسن على كل حال كما ذكره في المتن. (1): - ولكنه بعيد كما مرت الاشارة إليه في اوائل هذا الشرط وعرفت ان الاظهر وجوب القصر في هذا الفرض أيضا، نظرا إلى ان المستفاد من ادلة المقام بعد ملاحظة ان لسانها لسان الاستثناء من ادلة القصر ان التمام حكم من كان عمله السفر الموجب القصر في حد نفسه - اي لولا كونه عملا له - فيختص طبعا بالسفر الشرعي البالغ حد المسافة ولا يعم ما دون ذلك، ولا اثر للسفر العرفي بوجه. إذا لا فرق فيمن كان عمله التردد إلى ما دون المسافة بين من صدق عليه المسافر عرفا وبين من لم يصدق في وجوب القصر لو سافر على التقديرين.

[ 173 ]

ان لا يقيم في بلده أو غيره عشرة ايام (1)، والا انقطع حكم عملية السفر وعاد إلى القصر،


(1): - المشهور ان المكاري ونحوه ممن شغله السفر يشترط في بقائه على التمام ان لا يقيم في بلده أو غيره عشرة ايام والا انقطع عنه حكم عملية السفر واصبح كساير المسافرين فيقصر في السفرة الاولى بل الثانية والثالثة على خلاف في الاخيرتين. ويستدل له بوجوه: احدها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) قال: المكاري والجمال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان (1) بدعوى ان المراد بالتقييد بعدم الاقامة هي الاقامة الشرعية التي حدها عشرة ايام لا مطلق الاقامة ولو في الجملة لتحققها من كل مكار غالبا ولو يوما أو بعض اليوم. ويندفع: بان المنسبق إلى الذهن من مثل هذه العبارة ان قوله (ع): وليس له مقام: بيان لقوله - الذي يختلف - وتفسير له لا انه تقييد آخر زائدا على ما تقدمه، والمقصود اختصاص الحكم بالتمام بالمكاري الذي يتصف فعلا بصفة المكاراة، وهو الذي يختلف في سيره ويتردد في سفره، فلم يكن له مقر ولا مقام في قبال من يكون مستقرا ومقيما في مكان واحد ولم يسافر إلا احيانا واتفاقا. فالرواية ناظرة إلى جهة اخرى واجنبية عما نحن فيه كما لا يخفى. ثانيها: ما رواه الشيخ باسناده عن يونس، عن بعض رجاله

(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 174 ]

عن أبى عبد الله (ع) قال: سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم، قال: أيما مكار اقام في منزله أو في البلد الذي يدخله اقل من مقام عشرة ايام وجب عليه الصيام والتمام ابدا وان كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله اكثر من عشرة ايام فعليه التقصير والافطار (1). والخدش في دلالتها بظهورها في اعتبار الاكثر من عشرة ايام في انقطاع حكم عملية السفر وهو خلاف المدعى من كفاية العشرة نفسها مدفوع بظهور الشرطية الثانية في كونها تصريحا بمفهوم الشرطية الاولى فنعم العشرة وما فوقها. وقد ورد نظير هذا التعبير في الذكر الحكيم قال تعالى: فان كن نساء فوق اثنتين، أي الثنتان فما زاد، ونظيره أيضا ما ورد من عدم العفو عن الدم الزائد على الدرهم، المراد به الدرهم فما زاد، كما تعرض إليه صاحب الجواهر (قده) في بحث النجاسات، ومثل هذا التعبير شايع متعارف كما لا يخفى. فدلالتها على المدعي تامة غير انها ضعيفة السند من وجهين: احدهما: من حيث اشتماله على اسماعيل بن مرار ولم يوثق، وربما يجاب عنه بانه من رجال نوادر الحكمة لمحمد بن احمد بن يحيى قان هذه الرواية قد رواها الشيخ في التهذيب من كتابه، وقد استثنى ابن الوليد شيخ الصدوق وتبعه القميون من رجال النوادر جماعة، فصرح بعدم العمل برواياتهم، بل قد صرح الصدوق بضعف بعضهم ولم يذكر الرجل في تلك الجماعة، فعدم الاستثناء يكشف عن الاعتماد برواياته المستلزم بطبيعة الحال لتوثيقه.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 175 ]

ويندفع بان عدم الاستثناء وان دل على العمل بروايات الرجل كما ذكر إلا انه لا يدل على توثيقه بنفسه لجواز ان يكون مبنى ابن الوليد على اصالة العدالة كما هو مسلك العلامة، إذ لم يظهر لنا مبناه في هذا الباب. وعلى الجملة: العمل بمجرده اعم من التوثيق بعد تطرق الاحتمال المزبور، فلا يجدى ذلك لمن يرى - كما هو الصحيح - اعتبار وثاقة الراوي في العمل بروايته. ثانيهما: من حيث الارسال فان يونس يرويها عن بعض رجاله وهو مجهول. ودعوى انه من اصحاب الاجماع الذين اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم قد تقدم الجواب عنها مرارا وقلنا انه ليس المراد من معقد هذه الاجماع الذي ادعاه الكشي عدم النظر إلى من بعد هؤلاء ممن وقع في السند بحيث يعامل معه معاملة الصحيح وان كان الراوي مجهولا أو كذابا فان هذا غير مراد جزما. بل المراد اتفاق الكل على جلالة هؤلاء ووثاقتهم بحيث لم يختلف في ذلك اثنان، وبذلك يمتازون عن غير اصحاب الاجماع، فلا يتأمل في الرواية من ناحيتهم لا انه يعمل بالرواية ويحكم بصحتها على الاطلاق، كيف وقد ظفرنا على رواية هؤلاء عمن هو مشهور بالكذب والضعف كما اشرنا إلى جملة من ذلك في كتابنا (معجم الرجال) فراجع ان شئت. نعم: لو تم ما ادعاه الشيخ في العدة من الاجماع على ان مراسيل ابن أبي عمير واضرابه بمنزلة المسانيد بدعوى ان هؤلاء لا يروون إلا عن الثقة حكم في المقام بصحة الرواية لكنه لايتم وكيف والشيخ (قده) نفسه

[ 176 ]

لم يعمل بمراسيل ابن أبي عمير في كتاب التهذيب. فيظهر ان تلك الدعوى اجتهاد منه كما نبهنا عليه في الكتاب المزبور. فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الرواية وان كانت تامة الدلالة الا انها ضعيفة السند من جهة اسماعيل بن مرار اولا ومن جهة الارسال ثانيا. هذا ولكن المناقشة من الجهة الاولى قابلة للدفع نظرا إلى ان اسماعيل بن مرار مذكور في اسانيد كتاب التفسير لعلي بن ابراهيم وقد التزم هو في تفسيره - كجعفر بن محمد بن قولويه في كامله - بأن لا يروي إلا عن الثقة، فكانت هذه منه شهادة عامة بتوثيق كل من وقع في اسناد التفسير ولابد من الاخذ به فانه لا يقل عن توثيق مثل النجاشي، بل هو اعظم لكون عهده اقرب. نعم: المذكور في الطبعة الجديدة من التفسير المذكور اسماعيل بن ضرار في موضع، واسماعيل بن فرار في موضع آخر، وكلاهما غلط من الناسخ، والصحيح اسماعيل بن مرار كما في الطبعة القديمة منه. فالعمدة في المناقشة السندية انما هي الجهة الثانية اعني الارسال وإلا فالرواية معتبرة من غير هذه الناحية. ثالثها: ما رواه الشيخ أيضا باسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة ايام أو اقل قصر في سفره بالنهار واتم صلاة الليل وعليه صيام شهر رمضان، فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة ايام أو اكثر قصر في سفره وافطر (1). ومحل الاستشهاد ذيل الرواية اعني قوله: فان كان له مقام. الخ


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب صلاة المسافر ح 6.

[ 177 ]

واما صدرها المشتمل على التفصيل بين النهار والليل لدى الاستقرار خمسة ايام فسيقع الكلام حول ذلك قريبا ان شاء الله تعالى. وقد دل الذيل بوضوح على انقطاع الحكم لدى الاقامة عشرة ايام وان الواجب حينئذ التقصير في سفره والافطار كساير المسافرين. نعم: قد يناقش في دلالتها بان ظاهرها التقصير والافطار في السفر إلى البلد الذي يقيم فيه عشرة ايام، لا في السفر من البلد الذي اقام فيه عشرة الذي هو محل الكلام. فما هو ظاهر الرواية من التقصير والافطار في السفر الذي يتعقب باقامة العشرة لا قائل به، بل هو مقطوع البطلان ومخالف للاجماع، إذ لم يتحقق بعد ما يوجب انقطاع حكم عملية السفر كما هو واضح، وما هو محل الكلام من قاطعية العشرة لحكم التمام اي وجوب التقصير والافطار في السفر الواقع بعد ذلك لاتدل عليه الرواية بوجه. ولكن هذه المناقشة لعلها واضحة الدفع، فان هذه الشرطية اعني قوله: فان كان له مقام.. الخ في مقابل الشرطية الاولى المذكورة في الصدر، وظاهر المقابلة انه لا اختلاف بين الصدر والذيل إلا من حيث الاقامة خمسة وعشرة، فهما ينظران إلى موضوع واحد، وبما ان المراد من السفر في الصدر السفر من البلد الذي اقام فيه خمسة بالضرورة لاإلى ذلك البلد، فكذا الحال في الذيل فيراد به التقصير في سفره من البلد الذي يذهب إليه ويقيم عشرة، كما يؤيده التعبير بقوله: فان كان له مقام... الخ بصيغة الماضي، اي عندما اقام في ذلك البلد عشرة ايام قصر بعدئذ في سفره، فلا يراد إلا السفر الحاصل بعد تلك الاقامة لا قبلها كما هو ظاهر. فالانصاف ان الرواية واضحة الدلالة على المطلوب من قاطعية *

[ 178 ]

في السفرة الاولى خاصة دون الثانية فضلا عن الثالثة (1)، وان كان الاحوط الجمع فيهما،


الاقامة عشرة ايام لحكم عملية السفر، واما من حيث السند فقد عرفت ان اسماعيل بن مرار الواقع في السند موثق بتوثيق علي بن ابراهيم، ولاجله يحكم بصحة الرواية. ومع الغض عن ذلك فتكفينا هذه الرواية على طريق الصدوق المحكومة حينئذ بالصحة جزما فانه (قده) قد رواها بعين المتن المتقدم عن الشيخ غير انه اضاف بعد قوله: عشرة ايام أو اكثر قوله.. وينصرف إلى منزله ويكون له مقام عشرة ايام أو اكثر (1) - والظاهر ان هذه الاضافة ناظرة إلى اختلاف المورد من حيث الذهاب إلى بلد آخر أو الرجوع إلى منزله فتعتبر الاقامة عشرة ايام فيما لو ذهب إلى بلد آخر، أو الاقامة كذلك فيما لو انصرف ورجع إلى منزله، لا انه يعتبر في الحكم بالانقطاع مجموع الامرين معا. والمتحصل من جميع ما ذكرناه ان الحكم بالانقطاع باقامة عشرة ايام مما لا ينبغي التأمل فيه لصحيحة عبد الله بن سنان بطريقي الشيخ والصدوق. (1): - لا اشكال في الانقطاع والرجوع إلى القصر في السفرة الاولى فانها القدر المتيقن من النص كما لا اشكال في عدمه والرجوع إلى التمام في الرابعة وما زاد. إنما الكلام في السفرة الثانية بل الثالثة على ما نسب الخلاف فيها أيضا إلى بعضهم فذهب جماعة ومنهم الماتن (قده) إلى الرجوع في

(1) الوسائل: باب 12 من أبواب صلاة المسافر ح 5.

[ 179 ]

الثانية فضلا عن الثالثة إلى التمام، واختصاص الحكم بالسفرة الاولى التي هي المتيقن من مورد النص ويرجع فيما عداها إلى عموم وجوب التمام ونسب التعميم إلى جماعة آخرين. والاقوى هو الاول، ويدلنا عليه. اولا: اطلاق قوله (ع): في صحيحة عبد الله بن سنان: المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة ايام أو اقل... الخ فان هذه الشرطية باطلاقها تشمل السفرة الثانية والثالثة وهكذا. والمذكور فيها من التفصيل بين الصوم والصلاة، وبين صلاة الليل والنهار وان كان محمولا على التقية أو على النوافل أو غير ذلك مما ستعرف، فلم تكن من هذه الناحية خالية عن الاجمال إلا انها على اي حال دالة على ان الحكم الثابت في مفروض الشرطية الثانية اعني التقصير والافطار لدى اقامة عشرة ايام لم يكن ثابتا في مورد الشرطية الاولى، اي اقامة الخمسة أو اقل فانها في هذا المقدار من الدلالة ظاهرة بل صريحة. ومقتضى الاطلاق كما عرفت شموله للسفرة الثانية أيضا فيما إذا تحققت بعد اقامة خمسة ايام أو اقل: واما إذا وقعت بعد اقامة عشرة ايام اخرى فهي بنفسها تعد من السفرة الاولى كما لا يخفى. وثانيا: ان الصحيحة المتقدمة بنفسها دالة على الاختصاص بالسفرة الاولى لان ظاهر قوله (ع) في الشرطية الثانية: قصر في السفر وافطر ارادة السفرة الواقعة عقيب اقامة العشرة وتلوها لاكل سفر حيثما تحقق. ومع الغض عن ذلك وتسليم الاجماع من هذه الناحية فالمرجع عموم وجوب التمام الثابت لكل مكار لان هذه الصحيحة بمثابة التخصيص *

[ 180 ]

ولا فرق في الحكم المزبور بين المكاري والملاح والساعي وغيرهم ممن عمله السفر (1).


لذلك العام، ومن المقرر في محله لزوم الاقتصار في المخصص المجمل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن الذي هو السفر الاول في المقام فيرجع فيما عداه إلى عموم العام المتضمن لوجوب التمام هذا. وربما يستدل لوجوب التمام في السفرة الثانية بالاستصحاب بدعوى انه بعد ما عاد من السفرة الاولى إلى وطنه حكم عليه بالتمام بلا كلام وبعد ما خرج منه إلى السفرة الثانية يشك في انقلا به إلى القصر فيستصحب، وفيه اولا: انه من الاستصحاب في الشبهات الحكيمة ولا نقول به. وثانيا: ان هذا من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي، فان التمام الثابت آنذاك انما هو بعنوان كونه في الوطن وهذا الفرد من كلي وجوب التمام قد زال وارتفع بالخروج إلى السفرة الثانية قطعا ولو ثبت الوجوب بعدئذ فهو بعنوان كونه مكاريا الذي هو تخصيص في ادلة وجوب القصر، وهذا فرد آخر من التمام مغاير لما كان ثابتا سابقا يشك في حدوثه مقارنا لارتفاع الفرد السابق. فذاك الفرد المتيقن معلوم الارتفاع وهذا الفرد مشكوك الحدوث والكلي الجامع بينهما غير قابل للاستصحاب لما عرفت من كونه من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي والمقرر في محله عدم جريانه. فتحصل ان الاظهر هو الاختصاص بالسفرة الاولى ووجوب التمام فيما عداها لا لاستصحاب بل للدليل اللفظي حسبما عرفت. (1): - لا يخفى ان مقتضى الاطلاق في الادلة الاولية وجوب

[ 181 ]

التقصير على كل مسافر خرجنا عن ذلك في المكاري ونحوه ممن شغله السفر بمقتضى النصوص الدالة على وجوب التمام عليهم كما سبق فكان هذا تخصيصا في الدليل الاولى. وقد ورد على هذا المخصص مخصص آخر في خصوص المكاري وانه إذا سافر بعد اقامة عشرة ايام وجب عليه القصر والافطار، فان هذا من التخصيص دون التخصيص لوضوح عدم خروج المكاري باقامة العشرة عن كونه مكاريا ولاسيما في الازمنة السابقة التي كانت تطول فيها مدة الاسفار، فكان المكاري يسافر من العراق إلى خراسان مدة شهرين تقريبا، وبعد عوده إلى بلده يبقى لعله شهرا ثم يأخذ في السفرة الاخرى وهكذا. وعلى الجملة دليل انقطاع عملية السفر باقامة العشرة وهي صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة ليس إلا تخصيصا في دليل وجوب التمام كما عرفت. وبما ان مورده المكاري بخصوصه فمقتضى الجمود على مورد النص الاقتصار عليه في الحكم بالتقصير دون التعدي إلى مطلق من عمله السفر كالملاح والساعى ونحوهما، بل اللازم في مثل ذلك التمام وان اقاموا عشرة ايام الا ان يكون هناك اجماع على الملازمة بين المكاري وغيره - كما ادعى - وان كل من كان عمله السفر وظيفته التقصير بعد اقامة عشرة ايام، وانما ذكر المكاري في النص من باب المثال دون خصوصية فيه. لكن الشأن في اثبات الاجماع وان ادعاه صاحب الجواهر وغيره فان المسألة لم تكن محرزة في كلمات القدماء وانما تعرض لها المتأخرون فالقول بالاختصاص بالمكاري الذي حكاه المحقق في الشرايع. وإن لم *

[ 182 ]

اما إذا أقام اقل من عشرة ايام بقي على التمام (1)، وان كان الاحوط مع اقامة الخمسة الجمع


يعرف قائله هو الاوفق بالجمود على مقتضى ظاهر النص. ومع التنزل فلا اقل من اجمال النص وتردده بين ان يكون المراد خصوص المكاري أو مطلق من عمله السفر، ومن المعلوم لزوم الاقتصار في المخصص المجمل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن الذي هو المكاري، والرجوع فيما عداه إلى عموم وجوب التمام على من شغله السفر حسبما عرفت من ان النص المزبور مخصص لذلك العموم وليس من التخصيص في شئ لوضوح عدم التنافي بين اقامة العشرة وبين كون شغله السفر. (1): - إذا اقام المكاري أو غيره بناءا على تعميم الحكم لمطلق من شغله السفر اقل من عشرة ايام فالمشهور وجوب التمام استنادا إلى عمومات التمام عليهم، وخصوص صحيحة ابن سنان التي انيط التقصير فيها باقامة العشرة المستلزم لوجوب التمام لو اقام دونها. وحكي عن الاسكافي ان إقامة الخمسة كالعشرة موجبة للتقصير والافطار. وهذا لم يعرف له مستند اصلا. ونسب إلى الشيخ واتباعه، وإلى الوسيلة والنهاية: انه لو اقام خمسة ايام قصر في صلاته نهارا دون صومه وأتم ليلا واستدل له بما في صدر صحيحة ابن سنان: " المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة ايام أو اقل قصر في سفره بالنهار واتم صلاة الليل، وعليه

[ 183 ]

صيام شهر رمضان... الخ (1). وفيه: ان ظاهر الصحيحة جريان الحكم المزبور حتى في اقامة الاقل من خمسة أيام كثلاثة أو يومين ولم يقل به احد من الاصحاب حتى الشيخ نفسه، فانه اعتبر الخمسة ولم يكتف بالاقل، فما هو ظاهر الصحيحة لا قائل به، وما يقول به الشيخ لادليل عليه فلا بد من رد علم الصحيحة في هذه الفقرة إلى اهله لشذوذها بل ومخالفتها لما دل من النصوص الكثيرة على الملازمة بين التقصير والافطار، فهي من هذه الناحية مجملة. ويمكن حملها على التقية حيث نسب مضمونها إلى بعض العامة، أو حملها على ارادة النوافل وانه يقصر في نوافل النهار ويتم في النوافل الليلة. وكيفما كان فما اشتمل مضمونها من التفصيل بين الصوم والصلاة والتفصيل بين صلاة النهار والليل مطروح أو مأول فلا تصلح للاستدلال في قبال عمومات التمام. هذا وقد احتاط الماتن (قده) بالجمع لدى اقامة الخمسة حذرا عن شبهة الخلاف المتقدم لكن كان الاولى والاحسن بل المنعين تخصيص الاحتياط المزبور بالصلوات النهارية، اما الليلية فلا وجه للاحتياط فيها بل يتعين التمام كما هو صريح الصحيحة المتقدمة. وبالجملة: مورد الخلاف الموجب للاحتياط انما هي الصلوات النهارية التي يجب فيها التمام بمقتضى العمومات وعليه المشهور، والقصر بمقتضى الصحيحة، وعليه الشيخ واتباعه اما الليلية فالمتعين فيها التمام على كل حال سواء اخذنا بالصحيحة أم لا، والشيخ أيضا لا يقول بالقصر فيها، فلا مقتضى للاحتياط بالاضافة إليها بوجه كما هو ظاهر جدا.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب صلاة المسافر ح 6.

[ 184 ]

ولا فرق في الاقامة في بلده عشرة بين ان تكون منوية أولا (1) بل وكذا في غير بلده أيضا، فمجرد البقاء عشرة يوجب العود إلى القصر، ولكن الاحوط مع الاقامة في غير بلده بلا نية الجمع في السفر الاول بين القصر والتمام.


(1): - لا اشكال كما لا خلاف في عدم اعتبار كون العشرة منوية فيما أو اقامها في بلده كما يقتضيه اطلاق النص ومعاقد الاجماعات. واما لو اقامها في غير بلده فالمشهور بل عن الشهيد الثاني في الروض والعلامة، والمحدث المجلسي دعوى الاجماع على اعتبار النية فيها، فيفصل بين البلد وغيره في اعتبار النية وعدمه، فلا ينقطع حكم السفر باقامة العشرة غير المنوية في غير بلده. وهذا هو الصحيح لا لان ذلك هو مقتضى مناسبة الحكم والموضوع بدعوى ان المناسب لوقوعه عدلا لحضور العشرة في بلده هي العشرة المنوية في غير بلده فانها الموجب لترك التلبس بالسفر الذي هو عمله لا مطلق المكث عشرة كيفما كان. وبعبارة اخرى اقامة العشرة المذكورة في النص مسوقة لبيان ما يتحقق به الخروج عن السفر وهذا يتحقق بالاقامة في بلده مطلقا وفي غيره مع النية. فالتفصيل مما يقتضيه تناسب الحكم الموضوع. ولا لان ذلك هو مقتضى الانصراف بدعوى ان القاطع لحكم السفر والموجب لقلب القصر إلى التمام هو قصد اقامة عشرة ايام في غير بلده لا مطلق اقامتها فينصرف الذهن في المقام من اقامة العشرة إلى تلك العشرة المعهودة وهي المنوية المقصودة.

[ 185 ]

وعلى الجملة ليس الوجه في تخصيص العشرة في غير بلده بالعشرة المنوية شيئا من هذين الامرين وان كان كل منهما صالحا للتأييد. بل الوجه في ذلك استفادته من نفس صحيحة ابن سنان حيث عبر في صدرها عن المكث في المنزل بالاستقرار فيعلم ان المدار فيه بمطلق القرار والبقاء الصادق مع النية وبدونها مضافا إلى الاجماع على عدم اعتبار النية بالنسبة إليه كما سبق. واما بالاضافة إلى البلد الذي يذهب إليه فقد عبر بلفظ المقام حيث قال (ع): فان كان له مقام... الخ والمقام مشروب في مفهومه القصد والنية، حيث انه من باب الافعال من اقام يقيم، ومعناه اتخاذ مكان محلا ومقرا له، فمعني أقام زيد في مكان كذا انه اتخذه محلا ومسكنا له اما دائما أو موقتا بوقت محدود، ومن المعلوم ان الاتخاذ لا يتحقق إلا مع القصد والنية ولا يكاد يصدق على مجرد المكث والبقاء كيفما كان. فاختلاف التعبير بين الموردين بنفسه كاشف عن التفصيل المزبور بين البلد وغيره. وان ابيت عن ظهور الصحيحة فيما ادعينا. فلا اقل من الاحتمال المورث للاجمال وتردد لفظ المقام بين اعتبار النية في مفهومه وعدمه فيكون من موارد المخصص المجمل الدائر بين الاقل والاكثر المحكوم بلزوم الاقتصار فيه على المقدار المتيقن في الخروج عن عمومات التمام وهي العشرة المنوية، فيرجع فيما عداها إلى عموم العام. وهذا هو عمدة الوجه في اعتبار النية في غير البلد، وإلا فالاجماع المدعى في المقام غير صالح للاعتماد نظرا إلى ان المسألة لم تكن محررة ولا معنونة في كلمات الاصحاب، بل لم يعرف من تعرض لها إلى زمان المحقق في النافع، فهي من المسائل المستحدثة في كتب المتأخرين *

[ 186 ]

(مسألة 50): إذا لم يكن شغله وعمله السفر لكن عرض له عارض فسافر اسفارا عديدة لا يلحقه حكم وجوب التمام (1) سواء كان كل سفرة بعد سابقها اتفاقيا، أو كان من الاول قاصدا لاسفار عديدة، فلو كان له طعام أو شئ آخر في بعض مزارعه أو بعض القرى واراد ان يجلبه إلى البلد، فسافر ثلاث مرات أو ازيد بدوابه أو بدواب الغير لا يجب عليه التمام، وكذا إذا اراد ان ينتقل من مكان إلى مكان فاحتاج إلى اسفار متعددة في حمل اثقاله واحماله. (مسألة 51): لا يعتبر فيمن شغله السفر اتحاد كيفيات


والمهملة لدى القدماء السابقين، ومع هذا الاهمال والاعراض لم يبق وثوق بنقل الاجماع بحيث يعتمد عليه في رفع اليد عن اطلاق النص على تقدير ثبوته. لكنك عرفت عدم الاطلاق من اصله بالاضافة إلى غير البلد، بل هو اما ظاهر في اعتبار النية أولا اقل من الاجمال حسبما ذكرناه. ومنه تعرف ضعف ما في المتن من الحاق غير البلد به في عدم اعتبار النية فلاحظ. (1): - إذ ليست العبرة في وجوب التمام بمجرد الكثرة وتكرر السفر مرات عديدة، بل المدار على صدق كون السفر عملا وشغلا له - كما في النص - المنوط عرفا باتخاذه حرفة وصنعة له كما في المكاري ونحوه وهو غير حاصل في الفرضين المذكورين في المتن كما هو ظاهر جدا.

[ 187 ]

وخصوصيات اسفاره من حيث الطول والقصر ومن حيث الحمولة ومن حيث نوع الشغل (1)، فلو كان يسافر إلى الامكنة القريبة فسافر إلى البعيدة، أو كانت دوابه الحمير فبدل بالبغال أو الجمال، أو كان مكاريا فصار ملاحا أو بالعكس يلحقه الحكم وان اعرض عن احد النوعين إلى الآخر أو لفق من النوعين، نعم لو كان شغله المكاراة فاتفق انه ركب السفينة للزيارة أو بالعكس قصر لانه سفر في غير عمله بخلاف ما ذكرناه اولا فانه مشتغل بعمل السفر غاية الامر انه تبدل خصوصية الشغل إلى خصوصية اخرى، فالمناط هو الاشتغال بالسفر وان اختلف نوعه.


(1): - فان شيئا من هذه الخصوصيات غير دخيل فيما هو موضوع الحكم من كون السفر شغله وعملا له الصادق في جميع هذه الفروض على نحو صدقه في السفر السابق عليه. فلو بدل سفره الطويل بالقصير كما لو كان مكاريا من العراق إلى خراسان فابدله إلى المكاراة بين النجف والحلة، أو كانت دوابه الحمير فابدلها بالبغال أو الجمال، أو كان مكاريا في يوم وجمالا في يوم آخر وملاحا في يوم ثالث، وكريا في يوم رابع وهكذا، أو اعرض عن نوع واشتغل بنوع آخر ففي جميع ذلك وجب عليه التمام، لما عرفت من ان المناط هو الاشتغال بالسفر وكونه عملا له وان تبدلت خصوصياته واختلفت انواعه اخذا باطلاق الدليل كما هو ظاهر.

[ 188 ]

(مسألة 52): السائح في الارض الذي لم يتخذ وطنا منها يتم (1) والاحوط الجمع. (مسألة 53): الراعي الذي ليس له مكان مخصوص يتم (2).


(1): لاستفادة ذلك مما ورد في الاعراب واهل البوادي من الحكم بالتمام معللا بان بيوتهم معهم، فان المفهوم عرفا من هذا الكلام ان المستند في التمام عدم توطنهم في مكان معين وعدم اتخاذهم محلا خاصا مقرا ومستقرا لهم، بل هم دائما في نقل وانتقال، يطلبون القطر ومنبت العشب وإلا فنقل البيت معهم لا خصوصية له في هذا الحكم بوجه، وهذا المعنى بعينه متحقق في السائح في الارض الذي لم يتخذ وطنا منها سواء اتخذ بيته معه ام لا، بان اتخذ في كل منزل بيتا، وورد في كل بلد فندقا فيجب عليه التمام بعين المناط المزبور. والسر في ذلك كله عدم صدق عنوان المسافر لاعلى السائح ولا على الاعراب لاختصاص مفهومه بمن كان له حضر ومقر يستقر فيه فيخرج ويبرز عنه فان السفر هو البروز والخروج المتوقف صدقه على ان يكون له وطن ومقر يسكن فيه لكي يبرز ويخرج عنه، وهو منفي عن مثل السائح ونحوه كما عرفت. (2): - بلا اشكال ولا خلاف للروايات الكثيرة التي عد فيها الراعي ممن يجب عليهم التمام في السفر معللا بان السفر عملهم التي منها صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع) اربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر المكاري، والكري والراعي، والاشتقان لانه عملهم، ونحوها غيرها (1). هذا ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين ان يكون رعيه في جهة

(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 2.

[ 189 ]

(مسألة 54): التاجر الذي يدور في تجارته يتم (1). (مسألة 55): من سافر معرضا عن وطنه لكنه لم يتخذ


خاصة بان يذهب للرعي إلى مكان مخصوص ويرجع ثم يذهب إليه ويعود وهكذا، أو في جهات عديدة فيذهب إلى مكان ثم إلى آخر ومنه إلى ثالث وهكذا، لصدق الاشتغال بالرعي وان السفر عمله في كلتا الصورتين. كما كان هذا هو الحال في المكاري والجمال والملاح ونحو ذلك. فانه يجب التمام سواء أكانت المكاراة في منطقة خاصة كما بين النجف وكربلاء، أو كان المكاري متجولا في مناطق عديدة كل ذلك لاطلاق النص وصدق ان شغله السفر وانه عمله في الجميع بمناط واحد. فما في المتن من تقييد الرعي بعدم كونه في مكان مخصوص غير ظاهر الوجه. نعم لابد من تقييد الرعي ببلوغه حد المسافة الشرعية كي يتصف بان السفر عمله، واما من كان رعيه فيما دونها فاتفق خروجه إلى حد المسافة فانه يجب عليه التقصير كساير المسافرين لعدم كون مثله ممن شغله السفر كما هو ظاهر، وتقدمت الاشارة إليه سابقا. (1): - بلا خلاف ولا اشكال ايضا كما دلت عليه موثقة السكوني حيث قال: سبعة لا يقصرون الصلاة وعد منها التاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق (1). فهو باعتبار دورانه في التجارة يكون من مصاديق من شغله السفر الذي يجب عليه التمام كالمكاري ونحوه.

(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 9.

[ 190 ]

وطنا غيره يقصر (1).


(1): - لابد وان يكون مراده (قده) من خرج معرضا عن وطنه بانيا على اتخاذ وطن اخر ولم يستوطن بعد فانه يجب عليه التقصير ما لم يتخذ الوطن الجديد لصدق عنوان المسافر عليه بالضرورة، إذ لا فرق بين قصر السفر وطوله كما مر، ومن الواضح عدم اندراجه في احد العناوين الموجبة للتمام من كون بيته معه أو عمله السفر ونحو ذلك فحاله حال ساير المسافرين المحكوم عليهم بوجوب القصر كما هو واضح جدا. واما لو اعرض بانيا على عدم اتخاذ الوطن رأسا بان يكون سائحا في الارض فلا ينبغي التأمل في وجوب التمام عليه لكونه في حكم من بيته معه إذ لا عبرة بالبيت كما مر، والماتن أيضا لا يريده جزما لتصريحه فيما مر بوجوب التمام على من يسيح في الارض. وبالجملة: لا يصدق اسم المسافر في مفروض المقام لاختصاصه بمن كان له وطن قد خرج عنه، وهذا لا وطن له حقيقة بل مسكنه مجموع الكرة الارضية، فلا يندرج في عنوان المسافر، وفي مثله لا مناص من الالتزام بالتمام. هذا ولو تردد المعرض المزبور في التوطن وعدمه فخرج وهو لا يدري هل يتخذ وطنا جديدا أولا، فهل يحكم عليه بالقصر نظرا إلى انه خرج عن وطنه مسافرا، أو التمام باعتبار عدم صدق اسم المسافر عليه لاختصاصه بمن كان له وطن يسافر عنه ويرجع إليه المنفي في المقام بعد فرض الاعراض؟ فيه وجهان. والاظهر الاول كما هو مقتضى اطلاق كلام الماتن (قده) وذلك *

[ 191 ]

(مسألة 56): من كان في ارض واسعة قد اتخذها مقرا الا انه كل سنة مثلا في مكان منها يقصر إذا سافر عن مقر سنته (1).


لصدق عنوان المسافر عليه حقيقة، إذ لا يعتبر في الصدق المزبور العود إلى الوطن فلو خرج عن وطنه بقصد التوطن في مكان آخر، أو خرج مجاهدا وهو يعلم انه يقتل لا اشكال في انه مسافر يجب عليه التقصير فالعود والرجوع غير مأخوذ في مفهوم السفر قطعا، فانه مسافر وجدانا عاد أو لم يعد. وحيث لم يرد دليل على التخصيص في المقام ولم يكن ممن بيته معه ولا ممن شغله السفر وقد عرفت كونه مسافرا بالوجدان بعد الخروج عن وطنه فلا مناص من الحكم بالتقصير. (1): - لو اتخذ ارضا واسعة كجزيرة تستوعب عشرة فراسخ في عشرة مثلا مقرا له إلا انه يسكن كل سنة في ناحية منها فينتقل بعد السنة من شمالها إلى جنوبها أو من شرقها إلى غربها، فلو سافر حينئذ من مقره الذي يسكن فيه وجب عليه القصر لصدق المسافر عليه حقيقة. إذ لا يعتبر في صدق السفر إلا الخروج عن مقره ومستقره سواء أكان ذلك وطنه أيضا ام لا لعدم العبرة بالخروج عن الوطن بخصوصه في وجوب القصر بعد عدم وروده في شئ من الادلة، بل الميزان هو الخروج عن المنزل أو الاهل أو المقر كما تضمنتها النصوص، وكل ذلك صادق في المقام غايته ان هنا مقره الموقت المحدود بسنة مثلا لا المقر الدائمي، ومن الواضح عدم الفرق بين المقر الموقت والدائم من *

[ 192 ]

(مسألة 57): إذا شك في انه اقام في منزله أو بلد آخر عشرة ايام أو اقل بقي على التمام (1).


هذه الجهة بمقتضى اطلاق الدليل. فلا يلحق ذلك بمن بيته معه كي لا يصدق عليه المسافر، بل هو مسافر غايته من مقره السنوي لا الدائمي. إذا فلا ينبغي التأمل في صحة ما افاده في المتن من وجوب القصر لدى سفره عن مقر سنته. (1): - لان اقامة العشرة القاطعة لعملية السفر اما في خصوص المكاري أو الاعم منه - بناءا على تعميم القاطعية لمطلق من شغله السفر كما تقدم - مشكوك فيها، والاصل عدمها، ونتيجته البقاء على التمام كما ذكره (قده). هذا. ولابد وان يفرض محل كلامه (قده) فيما إذا كان الشك في مبدء الدخول في البلد الذي يشك في مقدار الاقامة فيه فان هذا هو الذي يشك فيه عادة كما لو خرج من كربلاء يوم عاشوراء ولا يدري انه دخلها اول محرم كي يكون هذا يوم التاسع من اقامته، أو انه دخلها قبل محرم بيوم حتى يكون هذا اليوم العاشر فيكون منشأ الشك في اقامة العشرة الترديد في اليوم الذي دخله، ولا ريب ان المرجع حينئذ هو ما عرفت من اصالة عدم بقاء العشرة، اي اصالة عدم الدخول في البلد فيما قبل محرم، فيرجع إلى عموم وجوب التمام على المكاري بعد نفي عنوان المخصص باصالة العدم. واما إذا فرضنا ان منشأ الشك الترديد في اليوم الاخير الذي خرج منه - وان كان هذا مجرد فرض لعله لا يكاد يتحقق خارجا *

[ 193 ]

(الثامن): الوصول إلى حد الترخص (1) وهو المكان الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد ويخفي عنه اذانه، ويكفي تحقق احدهما مع عدم العلم بعدم تحقق الآخر، واما مع العلم بعدم تحققه فالاحوط اجتماعهما، بل الاحوط مراعاة


الا نادرا - كما لو شك بعد خروجه من كربلاء وقطعه مقدارا من الطريق كأن بلغ خان النخيلة مثلا وهو يعلم بدخوله البلد يوما قبل محرم وان هذا هو اليوم العاشر منه - في ان خروجه هل كان في هذا اليوم ليكون قد اكمل العشرة في كربلاء، أو كان في اليوم السابق وقد بات الليلة الماضية في الخان المزبور لتكون اقامته تسعة ايام ففي مثله لا مانع من استصحاب البقاء في كربلاء إلى هذا اليوم فيحكم بتحقق القاطع ولزوم القصر عليه في السفرة الاولى. لكن هذا مجرد فرض بعيد التحقق جدا لاستناد الشك المزبور إلى الترديد في مبدء الدخول غالبا كما عرفت. فاطلاق كلام الماتن - المنزل على ما هو المعهود المتعارف من الشك - في الحكم بالبقاء على التمام هو الصحيح. هذا إذا لم نقل باعتبار النية في اقامة العشرة، واما لو قلنا بالاعتبار في غير بلده كما هو الصحيح على ما تقدم فشك في العشرة من اجل الشك في نيتها كان المرجع حينئذ اصالة عدم النية بلا اشكال، ويحكم بالبقاء على التمام قطعا كما هو ظاهر جدا. (1): - المعروف والمشهور بل ادعى الاجماع عليه في كلمات غير واحد انه يعتبر في التقصير ان يبلغ المسافر حد الترخص، فلا يجوز *

[ 194 ]

اجتماعهما مطلقا، فلو تحقق احدهما دون الآخر اما يجمع بين القصر والتمام، واما يؤخر الصلاة إلى ان يتحقق الآخر،


له التقصير، كما لا يجوز له الافطار قبل ذلك، ونسب الخلاف إلى ابن بابويه والد الصدوق (قده) وانه يرى جواز التقصير حينما يخرج من منزله، ولا يعتبر بلوغه الحد المزبور. والذي يمكن ان يكون دليلا له ومدركا لهذا الحكم روايات ثلاث. احداها: مرسلة حماد عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يخرج مسافرا قال: يقصر إذا خرج من البيوت (1). ثانيها: مرسلة ولده الصدوق قال: روى عن أبي عبد الله (ع) انه قال: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى ان تعود إليه (2). فان الصدوق قد وجدها في كتاب من الكتب بطبيعة الحال قبل أن يثبتها في الفقيه، فيمكن ان يكون والده (قده) أيضا ظفر بها واستند إليها لا انه استند إلى مرسلة ولده كما هو ظاهر. ثالثها: ما رواه الشيخ باسناده عن علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (ع) في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال: إذا حدث نفسه في الليل بالسفر افطر إذا خرج من منزله... الخ (3). فهذه الروايات الثلاث يمكن ان تكون سندا للقول المحكي عن ابن بابويه.

(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 9. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 5. (3) الوسائل: باب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1.

[ 195 ]

والمنسوب إليه انه (قده) يرى جواز الافطار والتقصير من حين الخروج من المنزل وان لم يخرج بعد من البلد. فان اراد (قده) هذا المعنى فتدل عليه روايتان من الروايات الثلاث، وهما مرسلة الصدوق، ورواية ابن يقطين المصرح فيهما بالخروج من المنزل. ولكن الروايتين مضافا إلى ضعف سند الاولى منهما للارسال مقطوعتا البطلان في حد انفسهما ولو مع الغض عن السند، ولعل ابن بابويه أيضا لا يقول بذلك، ضرورة ان الافطار والتقصير من احكام المسافر ومن لم يخرج من البلد لم يتلبس بعد بالسفر ولم يتصف بكونه مسافرا فان السفر من السفور بمعنى البروز والخروج والظهور من البلد، فالخارج من منزله ما لم يخرج من بلده لا يحتمل اتصافه بعنوان المسافر فكيف يشمله حكمه. فهذا الاحتمال مقطوع البطلان. وان اراد (قده) جواز الافطار والتقصير من حين الخروج من البلد فهذا ممكن في حد نفسه لصدق المسافر عليه بمجرد ذلك وتدل عليه مرسلة حماد المتقدمة لمكان التعبير بالخروج من البيوت المساوق للخروج من البلد. ولكنها من جهة ارسالها لا يمكن الاعتماد عليها في مقابل صحيحتي عبد الله بن سنان ومحمد بن مسلم وغيرهما من الروايات المعتبرة الدالة على اعتبار حد الترخص، فاما ان تلغى الرواية وتحمل على التقية كما نسب مضمونها إلى بعض العامة، أو تقيد بما إذا كان خروجه من البيوت بمقدار يبلغ الحد المزبور، اي لا يسمع الاذان أو تخفى عليه الجدران كما تضمنته تلك النصوص الدالة على اعتبار حد الترخص. والعمدة ان الرواية في حد نفسها ضعيفة من جهة الارسال فهي

[ 196 ]

مطروحة على كل حال. فلا ينبغي التأمل في سقوط هذا القول ولزوم اعتبار حد الترخص. انما الكلام في بيان هذا الحد وتحقيق مقداره. المعروف والمشهور بين القدماء، بل قيل بين القدماء والمتأخرين انه عبارة عن احد الامرين: من عدم سماع الاذان أو خفاء الجدران، اي الاستتار عن البيوت بحيث لا يميز بعضها عن بعض وان رأى شبحا منها. ونسب إلى جماعة من المتأخرين اعتبار الامرين معا من الخفاء وعدم السماع. ونسب إلى الشيخ الصدوق في كتاب المقنع اعتبار خفاء الجدران فقط، ونسب إلى الشيخ المفيد وسلار وجماعة اعتبار خفاء الاذان فقط ففي المسألة وجوه واقوال. والذي ينبغي ان يقال اولا ان عنوان خفاء الجدران لم يرد بهذا اللفظ في شئ من الروايات وانما هو مذكور في كلمات الفقهاء (قدهم) فالتعبير لهم. واما المذكور في الروايات فهو التواري عن البيوت كما في صحيحة محمد بن مسلم (1) أي تواري المسافر عن اهل البيوت بحيث لا يرونه. ومن المعلوم ان معرفة هذا الامر متعذر بالاضافة إلى المسافر، إذا لا طريق له إلى احراز انهم يرونه أو لا يرونه ولاجل ذلك عبر الفقهاء بلازم هذا الامر وهو خفاء الجدران، حيث ان المسافر إذا نظر إلى جدران البيوت فلم يرها وخفيت عنه يظهر له بوضوح ان اهل البيوت أيضا لا يرونه وانه متستر ومتواتر عنهم لما بينهما من الملازمة، فجعلوا هذا معرفا لذلك ولا بأس به.


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 197 ]

وعلى اي حال فيقع الكلام في أن هذين الامرين أعني عدم سماع الاذان والتواري عن البيوت الذي معرفه خفاء الجدران كما عرفت هل يعتبران معا أو احدهما مخيرا أو معينا؟ قد وقع الخلاف في ذلك كما سمعت لاجل اختلاف الاخبار إذ هي بين ما اعتبر فيها التواري عن البيوت كما في صحيحة ابن مسلم المتقدمة وبين ما اعتبر فيها عدم سماع الاذان كما في صحيحة ابن سنان قال: سألته عن التقصير، قال: إذ كنت في الموضوع الذي تسمع فيه الاذان فاتم، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الاذان فقصر وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك (1). ونحوها غيرها مما دلت عليه مفهوما ومنطوقا، اي من حيث القصر والتمام. وقد ادرجوا المقام في باب الشرطيتين المتعارضتين، ولاجله مثلوا في الاصول بذلك، حيث ان مفهوم قوله: إذا لم تسمع الاذان فقصر عدم التقصير مع سماع الاذان سواء أخفيت الجدران، أم لا، كما ان مفهوم قوله: إذ خفى الجدران فقصر عدم التقصير مع عدم الخفاء سواء أسمع الاذان أم لا، فتقع المعارضة بينهما لا محالة، اي بين منطوق كل منهما ومفهوم الآخر. فذكروا ان القاعدة هل تقتضي تقييد منطوق كل منهما بمفهوم الآخر، أم انها تقتضي تقييد منطوق كل منهما بمنطوق الآخر ليرجع المعنى إلى قولنا: إذ خفى الاذان وخفي الجدران، فقصر الذي لازمه اعتبار كلا الامرين في التقصير لاجل رفع اليد عن اطلاق كل من المنطوقين.


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 198 ]

ونظير ذلك ما ورد (1) في تذكية الحيوان (تارة) ما مضمونه أنه إذا تحركت الذبيحة فكل، (واخرى) انه إذا خرج الدم الكثير فكل، فطبعا تقع المنافاة بين مفهوم كل منهما مع الآخر فهل المعتبر كلا الامرين أو ان المعتبر احدهما فقط دون الآخر. وقد ذكرنا في الاصول انه لا تعارض بين المنطوقين أنفسهما بوجه إذ لا تنافي بين ثبوت التقصير لدى خفاء الاذان وبين ثبوته عند خفاء الجدران أيضا وانما لمعارضة نشأت من انعقاد المفهوم ودلالة القضية الشرطية على العلية المنحصرة، حيث دلت احداهما على انحصار علة الجزاء في هذا الشرط الذي لازمه انتفاؤه لدى انتفائه، والمفروض ان الاخرى اثبتت الجزاء لدى تحقق الشرط الآخر فتتعارضان لا محالة، ففي الحقيقة لا معارضة بين نفس المنطوقين وان اندفعت المعارضة بتقييد كل من المنطوقين بالآخر إلا انه لا مقتضى لذلك لما عرفت من عدم المعارضة بينهما، فرفع اليد عن اطلاق كل من المنطوقين بلا وجه. وعلى الجملة فالمعارضة ليست إلا بين منطوق كل منهما ومفهوم الآخر، اي اطلاق المفهوم لااصله كما لا يخفى. فنرفع اليد عن اطلاقه في كل منهما ونقيده بمنطوق الآخر فيكون مفهوم قوله (ع): إذا خفى الاذان فقصر بعد ارتكاب التقييد المزبور انه إذا لم يخف الاذان لا تقصر، إلا إذا خفي الجدران. ونتيجة ذلك اعتبار احد الامرين من خفاء الاذان أو خفاء الجدران في الحكم بالتقصير إذ التقييد المذكور لا يستدعي إلا التقييد ب‍ (أو) لا بالواو. فلا وجه لتقييد المنطوق بالمنطوق المستلزم للعطف بالواو كي


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب الذبائح ج 16 ص 321.

[ 199 ]

يرجع النتيجة إلى اعتبار الامرين معا، فان هذا بلا موجب كما عرفت. ولكن هذا اعني تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر وبيان انه لا معارضة إلا بالاطلاق والتقييد انما يتجه فيما إذا كانت القضيتان مسوقتين لبيان موضوع الحكم كما في مثال الذبيحة المتقدم حيث انيطت الحلية في احد الدليلين باراقة الدم الكثير، وفي الآخر بحركة الذبيحة - كما ورد ذلك عن علي عليه السلام - فجعل موضوع التذكية في احدهما الاراقة، وفي الآخر الحركة، فتقع المعارضة حينئذ بين منطوق كل منهما ومفهوم الآخر، فيجري الكلام المتقدم من التقييد ب‍ - أو - أو بالواو على النحو الذي عرفت. وأما إذا فرضنا ان المذكور في الشرطيتين لم يكن بنفسه موضوعا للحكم وانما هو بيان ومعرف لحد يكون هو الموضوع واقعا كما هو الحال في المقام فلا يجري فيه ما ذكر. وبيانه: ان الاخبار تشير إلى بيان حد خاص من الابتعاد يكون هو المبدأ للتقصير والافطار فان مبدء احتساب المسافة وان كان هو البلد نفسه كما تقدم، ويتصف المسافر بكونه مسافرا من لدن خروجه عن البلد حيث انه مسافر حينئذ حقيقة، إذ السفر هو البروز والظهور عن البلد، وهذا قد برز وخرج إلا ان فعلية الحكم المزبور منطوة ببلوغه مقدارا خاصا من البعد، وكأنه من اجل ان توابع البلد ملحق به فلا يقصر إلا لدى الابتعاد عن البلد ونواحيه بحيث ينقطع عن البلد رأسا فحدد له حد خاص من البعد. فالنصوص مسوقة لبيان كمية البعد وجعل الخفاء أو عدم السماع علامة وكاشفا عن بلوغ تلك الكمية، وإلا فسماع الاذان أو خفاء الجدران لا خصوصية ولا موضوعية لشئ منهما في الحكم

[ 200 ]

إذ قد لا يكون للبلد مؤذن، أو يقع السفر في غير موقع الاذان كما هو الغالب، أو قد يقع السفر في الليل فيتوارى عن البيوت وتخفى الجدران بعد سير خطوات قليلة، أو يكون المسافر اعمى، أو يوجد غيم غليظ يمنع عن الرؤية وغير ذلك من الفروض التي لا يتحقق معها السماع ولا الخفاء، ومع ذلك يثبت الافطار والتقصير جزما. فليس لهذين العنوانين بما هما كذلك مدخلية في الحكم قطعا، بل هما معرفان لبلوغ الموضع الخاص من البعد الذي هو الحد والموضوع الواقعي، اعني الابتعاد من البلد بمقدار لا يسمع الاذان، أو تخفى الجدران كما يظهر ذلك بوضوح من قوله في رواية اسحاق بن عمار أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه اذان مصرهم الذي خرجوا منه (1) حيث دل صريحا على ان العبرة ببلوغ موضع لا يسمع الاذان اي بهذا المقدار من الابتعاد. نعم الرواية ضعيفة السند وان عبر عنها بالموثقة في كلام جماعة لان في سندها محمد بن علي الكوفي الملقب بأبي سمينة ولم يوثق، فلا تصلح إلا للتأييد. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في ان الروايات في مقام بيان الحد. فعليه لا يجري في مثله الكلام المتقدم، اعني تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر لتكون العبرة باحدهما، إذ لا يمكن ان يكون للشئ حدان إلا إذا فرضنا تطابقهما في الصدق بحيث لا ينفك احدهما عن الآخر ومن الضروري اختلافهما في المقام وحصول احدهما وهو عدم سماع الاذان قبل خفاء الجدران دائما، فان شعاع البصر ومدى إبصاره أبعد بكثير من مدى الامواج الصوتية، ولذا ربما يرى الانسان


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 11.

[ 201 ]

في البيداء شخصا من بعيد ويناديه باعلى صوته فلا يسمع وهذا واضح لكل احد. على ان الاذان لم يعهد وقوعه في آخر البلد، بل يقع بطبيعة الحال في وسطه أو في المسجد الواقع في وسط المحلة الاخيرة فنفس البلد يشغل مقدارا من البعد لا محالة، ولو فرض وقوعه في مصر كما هو مورد الرواية المتقدمة سيما إذا كان من البلدان الكبيرة فربما لا يصل الصوت إلى آخر البلد فضلا عن خارجه، أو انه ينقطع لدى الابتعاد عنه قليلا كمأة متر أؤ مأتين مع ان الجدران أو البيوت بعد ظاهرة لا تخفى إلا بعد طي مسافة بعيدة. والحاصل: انه لا ينبغي التأمل في ان شعاع الصوت اقصر من شعاع البصر فينقطع السماع اولا ثم بعد مدة تخفى الجدران ويتوارى عن البيوت. فعليه لا يمكن الالتزام بان الحد احد الامرين إذ مرجعه إلى ان العبرة بالاول، اعني عدم السماع، كما لا يمكن الالتزام بأنه مجموع الامرين، إذ مرجعه إلى ان العبرة بالاخير وهو التواري والخفاء بل لابد وان يكون الحد اما هذا أو ذاك، فطبعا تقع المعارضة بين الدليلين لتعذر الجمع بينهما بارتكاب التقييد في المفهوم أو المنطوق لا بنحو العطف بالواو، ولا بنحو العطف ب‍ (أو) فلابد من العلاج. وملخص الكلام: ان الروايات ظاهرة في انها مسوقة لبيان المعرف وان العبرة بنفس البعد كما فهمه الفقهاء ولا عبرة بالتواري الاصلي منه والتبعي من جبل أو غيم أو ظلمة أو عمى ونحو ذلك، كما لا عبرة بعدم السماع، وبما انه يحصل قبل الخفاء دائما فيقع التنافي بين الحدين

[ 202 ]

والمعارضة بين الدليلين، فلابد من التصدي لعلاجها. فنقول: يمكن ان يقال في مقام الجمع بين الاخبار ان الحد الواقعي هو بلوغ البعد بمقدار لا يسمع الاذان كما تضمنته النصوص الكثيرة، إلا ان معرفة ذلك وتشخيصه لكل احد مما لا يتيسر غالبا، فان السفر في وقت الاذان نادر جدا ولا سيما في الازمنة السابقة التي كان السير فيها بواسطة الدواب والجمال، مع انه ليس كل بلد يؤذن فيه بحيث يسمع أذانه من دون مانع من ريح عاصف أو مطر هاطل ونحوهما. فحيث ان فهم الحد المزبور وان هذا موضع يسمع فيه الاذان أو لا يسمع صعب على المسافر جدا، كان التعليق على عدم السماع قليل الجدوى لكونه من التعليق على امر لا يقع خارجا غالبا. فمن ثم ذكر في صحيح ابن مسلم ضابط آخر يسهل تناوله لكل احد، ويكون كاشفا قطعيا عن حصول ذلك الحد لكونه القدر المتيقن من البعد اللازم رعايته وهو التواري عن البيوت الذي هو اخص من عدم سماع الاذان لكون البعد في مورده ازيد كما مر. فإذا بلغ المسافر موضعا خفيت عليه الجدران وتواري عن البيوت إذا نظر إليها - وهذا شئ يعرفه كل احد - فقد احرز بلوغه، بل وتجاوزه عن الموضع الذي لا يسمع فيه الاذان الذي هو الحد الواقعي للترخص وبذلك تندفع المعارضة بين هذه الصحيحة وبين تلك الاخبار التي جعل فيها المدار على عدم سماع الاذان. فان امكن الجمع بهذا النحو فهو، والا فتصل النوبة إلى المعارضة ولا ينبغي الشك حينئذ في تقديم تلك الاخبار لكثرتها وشهرتها، بل ومعروفية التحديد بخفاء الاذان ومغروسيته في الاذهان عند اصحاب الائمة بحيث كان امرا مسلما مفروغا عنه كما يظهر من رواية *

[ 203 ]

وفي العود عن السفر ايضا ينقطع حكم القصر إذا وصل إلى حد الترخص (1).


اسحاق بن عمار المتقدمة المشتملة على قول السائل. أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه اذان مصرهم؟ وان كانت الرواية ضعيفة السند كما مر، فلا تصلح الا للتأييد هذا. مع ان تلك الاخبار موافقة للنصوص الكثيرة المتضمنة لوجوب التقصير على كل مسافر، للزوم الاقتصار في مقام التخصيص على المقدار المتيقن وهو بلوغ الموضع الذي لا يسمع فيه الاذان، إذ لاريب ان تلك الاخبار بمثابة التخصيص في ادلة عموم القصر لكل مسافر. ومن ثم لو لم يرد دليل على اعتبار حد الترخص لقلنا بوجوب التقصير من اول خروج المسافر من البلد اخذا بتلك العمومات لصدق المسافر عليه من لدن خروجه. فإذا عارض المخصص دليل آخر اعم وهو ما دل على اعتبار المواراة التي تتحقق دائما بعد خفاء الاذان كما عرفت يقتصر في التخصيص على المقدار المتيقن للشك في وجوب التمام في المقدار المتخلل ما بين خفاء الاذان وخفاء الجدران زائدا على المقدار المعلوم ثبوته وحصول التخصيص به وهو ما قبل خفاء الاذان، فيكون الترجيح بحسب النتيجة مع اخبار الاذان لمطابقتها مع السنة القطعية، اعني عمومات التقصير. فلا ينبغي التأمل في ان الاعتبار بالابتعاد حدا لا يسمع معه الاذان، فيقصر المسافر متى بلغ هذا الحد وان لم يكن بعد متواريا عن البيوت. (1): - قد عرفت اعتبار حد الترخص في الذهاب، فهل يعتبر

[ 204 ]

ذلك في الا باب أيضا، وعلى تقدير الاعتبار فهل هو نفس الحد المعتبر في الذهاب أو انه يفترق عنه؟ المعروف والمشهور اعتباره في الاياب كالذهاب، وخالف فيه جماعة منهم صاحب الحدائق حيث خص الاعتبار بالذهاب، اما في الاياب فوافق ابن بابويه في انكار اعتبار الحد. وذهب جماعة منهم صاحبا المدارك والذخيرة إلى التخيير بين القصر والتمام لدى وصوله في رجوعه إلى حد الترخص إلى ان يدخل منزله. والمحقق في الشرايع جعل حد الترخص في الذهاب احد الامرين من خفاء الاذان أو الجدران، وفي الاياب خصه بالاول: فالكلام يقع تارة في اعتباره، واخرى في تشخيصه وميزانه. اما الاول فالظاهر انه لا ينبغي التأمل في اعتباره في الاياب كالذهاب للتصريح به في ذيل صحيحة عبد الله بن سنان بقوله (ع): " وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " (1) ولكونه مقتضى الاطلاق في صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا سمع الاذان أتم المسافر (2) فانه يشمل الرجوع كالشروع، فمقتضى هاتين الصحيحتين المؤيدتين بغيرهما من الروايات عدم الفرق بين الذهاب والاياب، وان المسافر متى بلغ هذا الحد كأنه خرج عن عنوان المسافر. ولكن صاحب الحدائق (قده) اصر على عدم الاعتبار في الاياب (3) استنادا إلى جملة من النصوص - وفيها الصحيح والموثق - الناطقة بان المسافر يقصر حتى يدخل بيته أو منزله أو اهله على اختلاف السنتها التي منها صحيح العيص بن القاسم عن أبي عبد الله (ع) قال: لا يزال


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 3. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 7. (3) الحدائق ج 11 ص 412.

[ 205 ]

المسافر مقصرا حتى يدخل بيته، وصحيح معاوية بن عمار: ان اهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم اتموا وإذا لم يدخلوا منازلهم قصروا، ونحوهما غيرهما مما هو مذكور (1) في محله. وذكر (قده) ان الشهيد في الروض تبعا للعلامة في المختلف، وكذلك الشيخ حمل هذه الروايات على دخول حد الترخص باعتبار ان من وصل إلى هذا الموضع يخرج من حكم المسافر فيكون بمنزلة من يصل إلى منزله، واستبعده (قده) بمخالفته لما هو المصرح به في بعض هذه النصوص من وجوب التقصير حتى بعد دخول البلد وانه لا يتم حتى يدخل اهله ومنزله كما في صحيحة اسحاق بن عمار (2) وغيرها. وما افاده (قده) من الاستبعاد متين جدا. وكيف يمكن المصير إلى الحمل المزبور مع فرض السائل في الصحيحة المذكورة ان المسافر دخل الكوفة ولم يدخل اهله. وحكمه عليه السلام بالتقصير حتى يدخل اهله، ونحوها موثقة ابن بكير وغيرها، فلابد إذا من النظر حول هذه الاخبار فنقول: ان هذه الروايات معارضة لصحيحة ابن سنان المتقدمة المصرحة باعتبار حد الترخص في الاياب كالذهاب، ولابد من ترجيحها على تلك الروايات بالرغم من كثرتها وصحة أسانيد جملة منها. اما اولا: فلان هذه الاخبار مقطوعة البطلان في انفسها حتى مع قطع النظر عن المعارضة، ضرورة ان التقصير خاص بالمسافر ولا يعم غيره ممن لم يتلبس بهذا العنوان، ولا شك ان المسافر لدى رجوعه عن السفر يخرج من هذا العنوان بمجرد دخوله البلد سواء


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 4 و 1. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 206 ]

أدخل منزله أم لا، إذ الاعتبار في السفر بالسير من البلد إلى البلد لا من البيت إلى البيت، فكيف يمكن الالتزام بما تضمنته هذه الاخبار من التقصير حتى بعد دخول البلد المستلزم للخروج عن عنوان السفر ولا سيما بعد المكث فيه يوما أو يومين إلى ان يدخل اهله كما تضمنه بعضها، وهل هذا إلا الحكم بالتقصير لغير المسافر المقطوع بطلانه. فلا مناص من طرح هذه الروايات، أو حملها على التقية لموافقتها للعامة كما احتمله صاحب الوسائل فهي ساقطة عن درجة الاعتبار في انفسها. وثانيا: مع الغض عما ذكر فالترجيح مع صحيحة ابن سنان لموافقها مع السنة القطعية وهي العمومات الدالة على وجوب التمام على كل مكلف المقتصر في الخروج عنها على المقدار المتيقن وهو المسافر، ومخالفة هذه لها فلا ينبغي التأمل في تقدم الصحيحة عليها. نعم قد يعارض الصحيحة ما رواه الشيخ عن البرقي في المحاسن باسناده عن حماد عن أبي عبد الله (ع) قال: المسافر يقصر حتى يدخل المصر (1)، حيث ان ظاهرها ان الاعتبار بدخول المصر لا بلوغ حد الترخص، فيمكن ان يقال حينئذ انها مقدمة على تلك الصحيحة - اي صحيحة ابن سنان - لموافقتها مع ما دل على وجوب القصر على كل مسافر، إذ لم يفرض فيها دخول البيت بل دخول المصر. ولكنه يندفع اولا: بان الرواية مرسلة فان حمادا يرويها عن رجل عن أبي عبد الله (ع) كما اثبتها كذلك في الحدائق وفي نفس المصدر اعني محاسن البرقي فما هو الموجود في نسخة الوسائل الطبعة الجديدة وطبعة عين الدولة من حذف كلمة (عن رجل) الظاهر في صحة الرواية


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 8.

[ 207 ]

سقط اما من قلم صاحب الوسائل أو من النساخ. وكيفما كان فالرواية ضعيفة السند من جهة الارسال فلا يعتمد عليها. وثانيا: على تقدير صحتها فيمكن الالتزام هنا بالجمع المتقدم عن الشيخ وغيره بالاضافة إلى صحيح ابن سنان والنصوص المتقدمة الذي منعناه ثمة، فانه لا مانع من الالتزام به في خصوص هذه الرواية لاجل التعبير فيها بدخول المصر لا دخول المنزل أو البيت كما كان مذكورا في تلك الاخبار بان يقال ان صحيحة ابن سنان صريحة في اعتبار حد الترخص، وهذه الرواية ظاهرة في العدم ظهورا قابلا للتصرف بان يراد من المصر المعنى الجامع الشامل لحد الترخص اي المصر ونواحيه وتوابعه، فان من بلغ في رجوعه إلى حد يسمع فيه اذان المصر يصح ان يقال ولو بضرب من العناية التي لا يأباها العرف انه دخل المصر فلا تنافي بينها وبين الصحيحة المتقدمة الصريحة في اعتبار الحد المزبور ولاشك ان هذا الجمع مما يساعده الفهم العرفي. فتحصل ان ما ذكره المشهور بل معظم الفقهاء من اعتبار حد الترخص في الاياب كالذهاب هو الصحيح. هذا كله في اصل اعتبار الحد. واما الثاني: اعني تشخيص هذا الحد، فالظاهر انه لا ينبغي التأمل في انحصاره هنا في عدم سماع الاذان كما سمعته عن المحقق في الشرايع فان خفاء الجدران المعبر عنه في النص بالتواري من البيوت لم يرد الا في رواية واحدة وهي صحيحة ابن مسلم المتقدمة، قال: قلت: لابي عبد الله عليه السلام الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال: إذا توارى من البيوت وموردها كما ترى هو الشروع في السفر والسؤال عن


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 208 ]

من وطنه أو محل اقامته (1) وان كان الاحوط تأخير الصلاة إلى الدخول في منزله أو الجمع بين القصر والتمام إذا صلى قبله بعد الوصول إلى الحد. (مسألة 58): المناط في خفاء الجدران البيوت (2) لا خفاء الاعلام والقباب والمنارات بل ولا خفاء سور البلد إذا كان له سور، ويكفي خفاء صورها واشكالها وان لم يخف اشباحها.


مبدء التقصير، فينحصر لا محالة في الذهاب، ولا يعم الاياب بوجه إذا كان المتعين هنا التحديد بعدم سماع الاذان الوارد في صحيحة ابن سنان المصرحة بكون الاياب كالذهاب السليمة عن المعارض كما هو ظاهر. (1): - كأنه (قده) جعل اعتبار حد الترخص في محل الاقامة امرا مفروغا عنه فتعرض لتعميمه للذهاب والاياب كالوطن، لكنك ستعرف ان شاء الله تعالى عند تعرض الماتن له في مسألة مستقلة عدم اعتبار الحد المزبور في محل الاقامة وانه خاص بالوطن وعلى تقدير الاعتبار في الذهاب لا يعتبر في الاياب فانه لا دليل عليه فيه بوجه، وتمام الكلام في محله. (2): - قد عرفت ان التعبير بخفاء الجدران لم يرد في شئ من النصوص، وانما الوارد في صحيحة ابن مسلم التواري من البيوت، اي تواري المسافر عن البيوت المستلزم لتواري اهل البيوت عنه لتساوي النسبة، فلا عبرة بالجدار بل المدار بكون اهل البيوت متوارين عنه *

[ 209 ]

(مسألة 59): إذا كان البلد في مكان مرتفع بحيث يرى من بعيد بقدر كونه في الموضع المستوي (1) كما انه إذا كان في موضع منخفض يخفى بيسير من السير أو كان هناك حائل يمنع عن رؤيته كذلك يقدر في الموضوع المستوي، وكذا إذا كانت البيوت على خلاف المعتاد من حيث العلو أو الانخفاض فانها ترد إليه لكن الاحوط خفاؤها مطلقا وكذا إذا كانت على مكان مرتفع فان الاحوط خفاؤها مطلقا.


الا ان يقال ان الغالب عدم وجود انسان خارج البلد فجعل الجدار بدل الانسان فإذا لم يميز المسافر جدارا عن جدار فطبعا لا يميز انسانا عن انسان فاعتبر الجدران نظرا إلى عدم حضور الانسان دائما فإذا خفيت كشف ذلك عن التواري عن البيوت بطبيعة الحال. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في عدم كون العبرة بخفاء الاعلام والقباب والمنارات التي ربما لا تخفي حتى بعد بلوغ المسافة الشرعية كما هو المشاهد في القبة العلوية على مشرفها الآف الثناء والتحية، حيث يمكن النظر إليها من بعد اربعة فراسخ أو ازيد. وعلى اي حال فهي خارجة عن البيوت واهلها الوارد في النص، وكذا الحال في سور البلد لعدم كونه منه، والمدار على خفاء صورها واشكالها على نحو تتميز عما عداها ولا عبرة بخفاء الاشباح كما هو ظاهر جدا. (1): - ما افاده (قده) من لزوم التقدير حينئذ هو الصحيح الذي لا ينبغي التأمل فيه ضرورة ان الصحيحة المتكلفة للمواراة ناظرة *

[ 210 ]

[ مسألة 60): إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير (1) نعم في بيوت الاعراب ونحوهم ممن لا جدران لبيوتهم يكفي خفاؤها ولا يحتاج إلى تقدير الجدران (2). (مسألة 61): الظاهر في خفاء الاذان كفاية عدم تمييز فصوله (3)، وان كان الاحوط اعتبار خفاء مطلق الصوت حتى المتردد بين كونه أذانا أو غيره فضلا عن المتميز كونه اذانا مع عدم تميز فصوله.


إلى التحديد بحسب البعد المكاني بحيث يكون عدم الرؤية مستندا إليه لا إلى الموانع الاخر من الانخفاض أو الارتفاع، أو وجود حائل مانع عن الرؤية الفعلية من غيم أو جبل ونحو ذلك. وبعبارة اخرى لا يحتمل ان يكون التواري بنفسه موضوعا للحكم، بل المراد وصول المسافر في بعده حدا من اجله يتوارى عن البيوت - ويتحقق في مقدار ثمن الفرسخ تقريبا - فلا عبرة بالرؤية الفعلية أو عدمها الناشئة من الجهات الاخر. (1): - إذ العبرة - كما ظهر مما سبق - بالبعد المكاني فلابد إذا من التقدير. (2): - فان الاعتبار بالتواري عن البيوت أو اهلها وهو حاصل في بيوت الاعراب. (3): - فلا يعتبر عدم تمييز الاذان عن غيره فضلا عن خفاء مطلق الصوت، فان المحتملات في السماع ثلاثة:

[ 211 ]

احدها: سماع الاذان وتمييزه عن غيره سواء أميز فصوله أم لا. ثانيها: سماعه مع تمييز الفصول بعضها عن بعض. ثالثها: ان يكتفى بسماع الصوت فقط وان لم يشخص ان المسموع اذان أو غيره من قرآن ونحوه، وان كان يعلم من الخارج انه اذان. والظاهر: من هذه الوجوه هو الاول وان يكون السماع بعنوان الاذان، فان الاحتمال الاخير اعني كون الاعتبار بسماع الصوت مطلقا ساقط لعدم كونه سماعا للاذان وانما هو سماع صوت يعلم من الخارج انه اذان فان السماع هو ادراك الشئ واحساسه بآلة السمع خاصة لامن طريق آخر، فانا ربما نعلم بان زيدا يتكلم الآن في داره ولا يطلق عليه السماع بالضرورة. نعم الاذان المذكور في النص لا خصوصية له، وانما هو مثال لاظهر افراد الصوت المرتفع فمن الجائز ان نضع مكانه القرآن أو الشعر أو الدعاء ونحو ذلك، إلا ان النص يدل على لزوم كون ذلك المسموع اياما كان أذانا أو غيره مدركا بحاسة السمع، بحيث يسمع الاذان أو يسمع القرآن ونحو ذلك، فلابد من تمييزه عما عداه، وإلا كان ذلك من سماء الصوت لا من سماع الاذان مثلا. وقد عرفت دلالة النص على اعتبار سماع هذه الخصوصية الجامعة بين الاذان وغيره. وكيفما كان فالاحتمال الاخير ساقط كما عرفت. وكذلك الاحتمال الثاني اعني تمييز الفصول بعضها عن بعض، فان هذا تقييد بلا دليل، إذ لم يرد في الروايات الاسماع الاذان الصادق حتى مع عدم التمييز المذكور، كما لو سمع كلمة (اشهد) ولم يميز انها شهادة بالتوحيد أو بالرسالة، أو سمع الحيعلات من دون تمييز فانه يصدق على مثله سماع الاذان كما لا يخفى. والتقييد المذكور مدفوع *

[ 212 ]

(مسألة 62): الظاهر عدم اعتبار كون الاذان في آخر البلد في ناحية المسافر في البلاد الصغيرة والمتوسطة (1) بل المدار أذانها وان كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة، نعم في البلاد الكبيرة يعتبر كونه في اواخر البلد من ناحية المسافر. (مسألة 63): يعتبر كون الاذان على مرتفع معتاد في اذان ذلك البلد (2) ولو منارة غير خارجة عن المتعارف في العلو. (مسألة 64): المدار في عين الرائي واذن السامع على المتوسط في الرؤية والسماع في الهواء الخالي عن الغبار والريح ونحوهما من الموانع عن الرؤية أو السماع فغير المتوسط يرجع


بالاطلاق، فتعين الاحتمال الاول. فتحصل ان الاظهر هو القول المتوسط بين الافراط والتفريط، فلا يكفي مطلق الصوت، ولا يعتبر التمييز للفصول بل العبرة بسماع الاذان وان لم يميز فصوله: ومنه يظهر ما في اختيار المتن فلاحظ. (1): - فان البلد الصغير أو المتوسط لو كان بحيث يسمع الاذان من خارجه لا مانع من كونه مشمولا للاطلاق وان كان الاذان في وسطه على مأذنة مرتفعة، فلا يعتبر لحاظه في آخر البلد. نعم في البلدان الكبيرة حيث لم يسمع الاذان الصادر من وسطها من الخارج لا مناص من اعتبار الاذان الصادر في آخر المحلة في ناحية المسافر كما هو ظاهر. (2): - كما هو الشأن في ساير التقديرات الشرعية التي لها مراتب مختلفة، فان المتبع في كل ذلك هو الحد العادي المتعارف المتوسط بين *

[ 213 ]

إليه، كما ان الصوت الخارق في العلو يرد إلى المعتاد المتوسط. (مسألة 65): الاقوى عدم اختصاص اعتبار حد الترخص بالوطن فيجري في محل الاقامة ايضا (1)، بل وفي المكان الذي بقي ثلاثين يوما مترددا، وكما لا فرق في الوطن بين ابتداء السفر والعود عنه في اعتبار حد الترخص كذلك في محل الاقامة، فلو وصل في سفره إلى حد الترخص من مكان عزم على الاقامة فيه ينقطع حكم السفر ويجب عليه ان يتم، وان كان الاحوط التاخير إلى الوصول إلى المنزل كما في الوطن، نعم لا يعتبر حد الترخص في غير الثلاثة كما إذا ذهب لطلب الغريم أو الآبق بدون قصد المسافة ثم في الاثناء قصدها فانه يكفي فيه الضرب في الارض.


الافراط والتفريط، ومنه تعرف الحال في المسألة الآتية. (1): - هل يعتبر حد الترخص في غير الوطن من محل الاقامة أو المكان الذي بقي فيه ثلاثين يوما مترددا أو انه خاص بالوطن فيقصر ويفطر فيما عداه بمجرد الخروج من البلد. يقع الكلام تارة في الذهاب، واخرى في الاياب ولنعبر عنهما بالخروج والدخول الذي هو اوسع من الاياب لشمول البحث لمجرد الدخول وان لم يكن عودا كما لا يخفى. فهنا مقامان: اما المقام الاول: فقد نسب إلى الاكثر اعتبار حد الترخص وانه

[ 214 ]

لا فرق فيه بين الوطن وغيره، وناقش فيه غير واحد بعدم الدليل على التعميم. والظاهر: عدم الاعتبار، فانا لو بنينا على ان قصد الاقامة قاطع لموضوع السفر وموجب للخروج عن عنوان المسافر عرفا كما قيل به وقربه غير واحد بحيث لا يعمه دليل التقصير في حد نفسه لخروجه عنه بالتخصص لا التخصيص صح حينئذ ما نسب إلى الاكثر بل المشهور من الالحاق بالوطن في اعتبار حد الترخص لاندراجه في اطلاق صحيحة ابن مسلم " الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال: إذا توارى من البيوت (1). لدلالتها على ان كل من يريد التلبس بالسفر بعد ان لم يكن متصفا به لا يحكم عليه بالتقصير إلا بعد التجاوز عن حد الترخص، فتكون حاكمة على ادلة القصر، ومن الواضح ان هذا العنوان صادق على المقام إذ بعد فرض خروج المقيم عن موضوع المسافر فهو ممن يريد التلبس بانشاء سفر جديد بعد ان لم يكن كذلك فيشمله الاطلاق بطبيعة الحال فهذه الصحيحة بنفسها كافية لاثبات اعتبار حد الترخص لقاصد الاقامة. واما لو بنينا - كما هو الصحيح - على عدم خروج المقيم من موضوع المسافر وان الحكم بوجوب التمام عليه تخصيص في ادلة القصر لا تخصص فهو مسافر يجب عليه التمام كالمسافر في صيد اللهو أو السفر الحرام ونحو ذلك. فعلى هذا المبنى لا يكون المقيم المزبور مشمولا للصحيح لعدم كونه ممن يريد السفر بل هو مسافر بالفعل حقيقة لعدم خروجه بقصد الاقامة عن كونه مسافرا وغريبا حسب الفرض فحينئذ يطالب بالدليل على اعتبار حد الترخص في حقه بعد ان كان مقتضى اطلاق وجوب القصر لكل مسافر التقصير بمجرد الخروج من محل الاقامة ولو


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 215 ]

بخطوة أو خطوتين. وقد استدل لذلك بوجوه: احدها: الوجه الاعتباري بدعوى ان الغرض من تشريع حد الترخص تعيين الموضع الذي يجب فيه التمام وتمييزه عن غيره المبني على التحاق توابع البلد به، وان المسافر ما لم يتجاوز ذلك الحد كانه لم يخرج بعد من البلد ولم يصدق عليه عنوان المسافر ولو بضرب من الاعتبار وان كان مبدء المسافة هو البلد نفسه، وهذا المناط كما ترى يشترك فيه الوطن ومحل الاقامة. وفيه ما لا يخفى: فان الوجه الاعتباري لا يصلح سندا للحكم الشرعي مع انه لا ينبغي التأمل في كونه مسافرا عرفا حينما يخرج من البلد فيطلق عليه المسافر جزما من لدن حركة السيارة ونحوها. فالحكم تعبدي محض لا يمكن التعويل فيه إلا على الروايات وهي العمدة في المقام. ثانيها: رواية حماد: إذا سمع الاذان أتم المسافر فقيل ان اطلاقها يشمل الخروج من محل الاقامة. وفيه اولا: انها ضعيفة السند بالارسال، فان حمادا يرويها عن رجل عن أبي عبد الله (ع) كما في الحدائق، وفي نفس المصدر اعني محاسن البرقي، فما في الوسائل من حذف كلمة عن رجل سقط منه أو من النساخ، فهي ضعيفة وان عبر عنها بالصحيحة في غير واحد من الكلمات. وثانيا: انها قاصرة الدلالة على المطلوب لعدم الاطلاق لها جزما، افهل يحتمل ان يكون المراد وجوب التمام على اي مسافر في اي مكان سمع الاذان فيه حتى لو كان مارا في طريقه على قرية فسمع اذانها أو


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 7.

[ 216 ]

سمع في اثناء الطريق أذان نفسه أو صاحبه؟ كلا، فان هذا مقطوع البطلان. بل ظاهرها ارادة مسافر خاص في مكان مخصوص وهو المسافر في اول سفره وابتداء تلبسه بعنوان المسافر بعد ان لم يكن كذلك، ولا تعمم من كان مسافرا من ذي قبل، وقد عرفت ان المقيم مسافر ولا يكون بخروجه من محل الاقامة منشأ لسفر جديد، بل هو ابقاء للسفر واستمرار فيه، فيخصص مورد الرواية بمن خرج من وطنه ومسكنه بطبيعة الحال ولا تعم المقيم بوجه. كما لا يحتمل أيضا ان يكون المراد ان من كان محكوما بالتمام في سفره لا ينقلب إلى القصر ما دام يسمع الاذان، إذ لا يتم هذا على اطلاقه جزما لضرورة عدم اعتبار حد الترخص فيمن خرج للصيد أو لطلب الغريم، وفي اثناء الطريق بدا له في السفر أو سافر للمعصية ثم ندم في الاثناء فسافر للطاعة ونحو ذلك ممن كان محكوما بالتمام لانتفاء شرط من شرائط القصر، ثم اتفق حصوله كمن كان مكاريا وفي اثناء الطريق عزم على السفر لغاية اخرى كالزيارة مثلا ففي جميع ذلك لا يعتبر حد الترخص قطعا ولم ينقل القول به عن احد، بل يقصر من مكانه ومن لدن حصول شرطه. وعلى الجملة لا اطلاق للرواية، وعلى تقديره لا يمكن الاخذ به، بل هي خاصة بمن خرج من بلده ووطنه، فلا تشمل الخروج من محل الاقامة كما عرفت. ثالثها: صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن التقصير قال إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الاذان فاتم، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الاذان فقصر وإذا قدمت من

[ 217 ]

سفرك فمثل ذلك (1) فاستدل باطلاقها كالرواية المتقدمة. وهو أيضا ممنوع لعدم الاطلاق لها في نفسها، بل هي ناظرة مثل الرواية المتقدمة إلى اول الشروع في السفر وابتداء التلبس به لا من كان محكوما به قبل ذلك، فتختص لا محالة بالخروج من الوطن. بل هذه اولى بمنع الاطلاق بقرينة قوله (ع) في ذيلها: " وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " فانه يجعلها كالصريح في كون الصدر ناظرا إلى ابتداء الشروع في السفر لعدم كون العود إلى محل الاقامة قدوما من السفر، بل القدوم منه بالدخول في الوطن، فيكون مورد الصدر الخروج منه فقط، فلا تعم الخروج من محل الاقامة جزما. واما صحيحة ابن مسلم المتقدمة (2) فقد عرفت انها اوضح في عدم الدلالة على الاطلاق لكونها سؤالا عمن يريد السفر، فهي ناظرة إلى الحاضر الذي يريد احداث السفر وانشائه، فأجاب عليه السلام بانه لا يقصر إلا مع تواري البيوت، فهي اجنبية عمن كان مسافرا وقد قصد الاقامة، وعلى الجملة فشئ من هذه الروايات لا تدل بوجه على اعتبار حد الترخص في محل الاقامة. نعم الذي يمكن ان يستدل به على ذلك ما ورد من ان المقيم عشرا بمكة بمنزلة اهلها، وهي صحيحة زرارة قال: من قدم قبل التروية بعشرة ايام وجب عليه اتمام الصلاة، وهو بمنزلة اهل مكة (3). فيدعي ان عموم التنزيل يقتضي شمول جميع احكام الوطن وجريانها


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 3. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 1. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 218 ]

على المقيم عشرا التي منها اعتبار حد الترخص. ولكن قد مر الكلام حول هذه الصحيحة سابقا وقلنا انها مهجورة لا يمكن العمل بها حتى في موردها وهو مكة فضلا عن التعدي إلى غيرها لتضمنها ما لم يقل به احد من الاصحاب حيث حكم (عليه السلام) اولا بالتقصير إذا خرج إلى منى، وهذا ظاهر لكونه قاصدا لعرفات التى هي مسافة شرعية. واما حكمه (ع) بالتمام لدى عوده إلى مكة وكذا في رجوعه إلى منى حتى ينفر الذي هو بمقدار فرسخ فلم ينقل القول به عن احد، إذ بعد السفر عن مكة يسقط حكم الاقامة لما عرفت من ان الفصل بين مكة ومنى فرسخ واحد، ومحل الاقامة إنما يكون بمنزلة مكة ما دام مقيما لا بعد الخروج وانشاء السفر ثم العود إليه، فالرواية مهجورة. وعلى تقدير العمل بها لكونها صحيحة يقتصر على موردها وهو مكة فيلتزم بان المقيم فيها بمنزلة اهلها من جميع الجهات فبأي دليل يتعدى عنها إلى غيرها، ولابد في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة من الاقتصار على مورد النص. فالمتحصل من جميع ما ذكرناه انه ليس لدينا اي دليل يدل على اعتبار حد الترخص في محل الاقامة كي يرتكب التخصيص في ادلة القصر لاختصاص الادلة من صحيح ابن مسلم ويره بمن ينشئ السفر الذي هو خاص بالوطن فيرجع فيما عداه إلى عمومات القصر على كل مسافر الصادق بمجرد الخروج من محل الاقامة وان لم يبلغ حد الترخص. هذا كله في الخروج من محل الاقامة. واما المقام الثاني اعني الرجوع والدخول فيه فاظهر حالا إذ لا دليل على اعتبار حد الترخص في الرجوع إلا صحيحة ابن سنان وهي خاصة

[ 219 ]

بالوطن كما عرفت، ولاسيما بملاحظة ذيلها، فلو التزمنا بالاعتبار في الخروج من محل الاقامة استنادا إلى بعض الوجوه المتقدمة لا نلتزم في الرجوع لانحصار دليله فيما يختص بالوطن فقط. نعم: لو تم عموم التنزيل حتى قبل الاقامة امكن دعوى الاعتبار حينئذ ولكنه واضح الفساد ضرورة ان عموم المنزلة على القول به يختص بمن قدم البلد واتصف بعنوان المقيم فيدعى انه ما دام مقيما فهو بمنزلة المتوطن لا من لم يدخل بعد ويريد الدخول والاقامة بعد ما دخل أو رجع فانه غير مشمول للتنزيل بالضرورة، فحتى على تقدير العمل بصحيحة زرارة والالتزام بعموم المنزلة لا نقول به في المقام لاختصاصه بالمحل الذي اقام فيه، لا المحل الذي يريد الاقامة فيه. فتحصل انا لو التزمنا باعتبار حد الترخص في محل الاقامة ذهابا لا نلتزم به ايابا البتة. هذا كله حكم محل الاقامة. واما المكان الذي بقي فيه ثلاثين يوما مترددا فهل يعتبر فيه حد الترخص أولا؟ اما الاياب فلا يمكن فرضه هنا، إذ لا معنى للدخول في بلد يعلم ببقائه فيه ثلاثين يوما مترددا كما هو ظاهر. فيختص محل البحث بالذهاب وقد ظهر من جميع ما تقدم انه لا موجب لاعتباره هنا أيضا لعدم الدليل عليه بوجه. نعم ورد في الصحيحة هذا المضمون ان من بقي شهرا في مكة فهو بمنزلة اهلها (1)، فربما يدعى ان مقتضى عموم التنزيل جريان احكام الاهل بتمامها التي منها اعتبار حد الترخص؟ ويندفع اولا: ان المتبادر من التنزيل ان يكون بلحاظ اظهر الآثار.


(1) راجع الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة المسافر ح 6.

[ 220 ]

(مسألة 66): إذا شك في البلوغ إلى حد الترخص بنى على عدمه فيبقى على التمام في الذهاب وعلى القصر في الاياب (1)


وهو في المقام اتمام الصلاة فلا يشمل غيره، ولاسيما مثل حد الترخص الذي ربما لا يعرفه اكثر الناس، وثانيا: ان الموضوع في النص من بقي، وظاهره اعتبار الوصف العنواني في التنزيل وان الباقي ما دام باقيا فهو بمنزلة الاهل، فمع خروجه من مكة يزول العنوان، فلا موضوع حتى يشمله عموم المنزلة كي يحكم باعتبار حد الترخص. (وبعبارة اخرى) ليس التنزيل بلحاظ ذات الباقي، بل بوصف انه باق فلا يشمل ما بعد الخروج وزوال العنوان. وثالثا: مع الغض عن كل ذلك فلعل هذا من مختصات مكة كساير خصائصها، فلا مقتضي للتعدي من مورد النص من غير دليل ظاهر. فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الاظهر اختصاص اعتبار حد الترخص بالوطن فلا يعم غيره من محل الاقامة أو المكان الذي أقام فيه ثلاثين يوما. ومع ذلك كله فالاحتياط بالجمع أو تأخير الصلاة مما لا ينبغي تركه. (1): - إذا كان حد الترخص معلوما فيما يعتبر فيه الحد ذهابا أو ايابا فلا اشكال. واما لو شك في ذلك لجهة من الجهات المانعة عن الاحراز من ظلمة أو عمى أو عدم كونه وقت الاذان ونحو ذلك فلا ريب ان الشبهة موضوعية يجرى فيها الاستصحاب اعني اصالة عدم بلوغ البعد المقرر شرعا، فيتم في الذهاب كما انه يقصر في الاياب عملا بالاستصحاب، فكل منهما في حد نفسه مورد للاصل. ولكن قد يكون هناك علم اجمالي يمنع عن الرجوع إليه من اجل

[ 221 ]

المعارضة وهذا امر آخر لا ربط له بجريان الاستصحاب في حد نفسه كا هو الحال في ساير الشبهات الموضوعية التي يجرى فيها الاستصحاب لولا الابتلاء بالعلم الاجمالي الموجب لسقوطه من جهة المعارضة. فعليه لو فرض حصول العلم الاجمالي في المقام كما لو اتفق عروض الشك بعينه في الاياب عندما وصل إلى نفس المكان الذي شك فيه في الذهاب ففي مثله لا يمكن الجمع بين الاستصحاب للعلم الاجمالي بمخالفة احدهما للواقع. فان هذا المكان ان كان بالغا للبعد المقرر شرعا وكان مصدقا لحد الترخص واقعا فالاستصحاب الجاري في الذهاب المترتب عليه التمام مخالف للواقع، وإلا بان كان دون حد الترخص فالاستصحاب في الاياب المترتب عليه القصر ساقط، فيعلم اجمالا بالمخالفة في احد الاستصحابين المترتب عليه العلم الاجمالي بفساد احدى الصلاتين بطبيعة الحال، فماذا تقضيه القاعدة وما هي الوظيفة حينئذ؟ فنقول: قد يفرض حصول العلم الاجمالي من اول الامر كما لو علم عند شكه في الذهاب بابتلائه بنفس هذا الشك في الاياب، واخرى يفرض حصوله متأخرا. اما في الاول: فلا شبهة في تعارض الاستصحابين وتساقطهما بناءا على ما هو الصحيح من عدم الفرق في تنجيز العلم الاجمالي بين الدفعي والتدريجي، وان العبرة بفعلية الحكم ولو في ظرفه فلا مناص حينئذ من احد الامرين اما الجمع أو تأخير الصلاة إلى بلوغ الحد الجزمي رعاية للعلم الاجمالي المزبور بعد سقوط الاستصحابين بالمعارضة. واما في الثاني: كما لو شك في الذهاب ومن باب الاتفاق حصل له نفس ذلك الشك في الاياب من دون علم به من الاول، فهو على

[ 222 ]

قمسين: إذ قد يفرض الكلام مع بقاء الوقت، واخرى مع فواته. اما الاول: كما لو صلى الظهر في ذهابه تماما ويريد ان يصلي العصر في ايابه قصرا عملا بالاستصحاب في كل منهما، فلا ريب حينئذ في سقوط الاستصحابين بالمعارضة. ولا مجال لتصحيح الظهر بقاعدة التجاوز لوضوح اختصاصها بالشك في الصحة المستند إلى فعل المكلف من احتمال ترك جزء أو شرط أو الاتيان بمانع دون ما هو خارج عن اختياره كما في المقام، فان صحة الظهر الصادرة تماما وفسادها مستند إلى كون ذلك المحل مصداقا لحد الترخص وعدمه الذي لا مساس له بفعل المكلف بوجه. فلا مؤمن لصحة الظهر لانحصاره في الاستصحاب المفروض سقوطه بالمعارضة، فلا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال القاضية بلزوم اعادة الظهر قصرا والاتيان بالعصر قصرا وتماما لعدم اصل يحرز به احد الامرين كما عرفت. واما الثاني: اعني فرض خروج الوقت كما لو كان رجوعه في الليل فكان شكه بالنسبة إلى العشاءين والمفروض انه صلى الظهرين في ذهابه تماما عملا بالاستصحاب. فان بنينا على ان من اتم في موضع القصر لعذر من الاعذار من جهل أو نسيان متعلق ببعض خصوصيات الحكم أو موضوعه مثل المقام ومثل ما لو اتم بزعم ان المسافة الكذائية لا تبلغ الثمانية فراسخ ونحو ذلك وجامعه غير العالم العامد ثم انكشف الخلاف خارج الوقت لا يجب عليه القضاء - كما لا يبعد الالتزام به - فعلى هذا المبنى لا اثر للعلم الاجمالي المزبور للعلم بصحة ما صلاه تماما على كل حال سواء أكان ذلك الموضع حدا للترخص ام لا، فلا موقع لذلك الاستصحاب إذ لا

[ 223 ]

اثر له بعد العلم التفصيلي بصحة التمام. فيبقى الاستصحاب بلحاظ حال الاياب سليما عن المعارض فيصلي العشاءين قصرا ولا شئ عليه، إذ لا يحدث من ذلك العلم الاجمالي ببطلان التمام أو القصر لصحة الاول على كل تقدير كما عرفت. واما لو بنينا على وجوب القضاء لاختصاص دليل الاجتزاء بالجاهل باصل الحكم دون خصوصياته أو الجاهل بالموضوع فلا محالة يتحقق العلم الاجمالي ببطلان احد الاستصحابين، فان مقتضى الاستصحاب الاول صحة التمام وعدم الحاجة إلى القضاء، ومقتضى الثاني وجوب القصر وصحته ولا يمكن الجمع، وبعد سقوط الاستصحابين بالمعارضة تصل النوبة إلى الاصول الاخر. وقد عرفت ان قاعدة التجاوز لا مجرى لها بالاضافة إلى الصلاة السابقة لاختصاصها باحتمال الخلل المستند إلى الفعل الاختياري المفقود في المقام. كما لا مجال للرجوع إلى قاعدة الحيلولة لاختصاصها بالشك المتعلق باصل الاتيان بالصلاة دون من علم بانه صلى تماما وشك في صحتها كما في المقام، فينتهي الامر إلى الاصول العلمية ومقتضاها البراءة عن قضاء السابقة والرجوع إلى قاعدة الاشتغال بالنسبة إلى الحاضرة. اما الاول: فلان القضاء بامر جديد وموضوعه الفوت ولم يحرز لا وجدانا لجواز صحة السابقة ووقوع التمام قبل بلوغ حد الترخص واقعا، ولا تعبدا لعدم اصل يحرز به الفوت، فحيث انه مشكوك فيه فلا محالة يشك في تعلق الامر بالقضاء فيرجع إلى اصالة البراءة. واما الثاني: فلان الشك في الحاضرة اعني العشاءين شك في الوقت وهو مورد لقاعدة الاشتغال بعد عدم المؤمن عن شئ من القصر *

[ 224 ]


(مسألة 67): إذا كان في السفينة أو العربة فشرع في الصلاة قبل حد الترخص بنية التمام ثم في الاثناء وصل إليه (1) فان كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة اتمها قصرا وصحت، بل وكذا إذا دخل فيه قبل الدخول في الركوع وان كان بعده فيحتمل وجوب الاتمام لان الصلاة على ما افتتحت، لكنه مشكل فلا يترك الاحتياط بالاعادة قصرا أيضا، وإذا شرع في الصلاة في حال العود قبل الوصول إلى الحد بنية القصر ثم في الاثناء وصل إليه اتمها تماما وصحت

والتمام المعلوم وجوب احدهما اجمالا، إذ المؤمن المعين للقصر كان هو الاستصحاب والمفروض سقوطه بالمعارضة، فلابد اما من الجمع أو التأخير إلى ان يصل حد الترخص الجزمي عملا بالعلم الاجمالي وقاعدة الاشتغال كما عرفت. فتحصل ان فروع المسألة مختلفة وينبغي التفصيل في شقوقها على النهج الذي ذكرناه. (1): - لاريب في صحة الصلاة حال السير في سفينة أو غيرها كما نطق به النص بقوله: أما ترضى ان تصلي صلاة نوح (1)، فلو شرع فيها عند خروجه من البلد تماما لكونه قبل حد الترخص فبلغ الحد اثناءها فهل يتمها تماما لانه شرع فيها كذلك - والصلاة على ما افتتحت - أو قصرا نظرا إلى انها الوظيفة الفعلية بعد تبدل الموضوع؟

(1) الوسائل: باب 14 من أبواب القيام ح 9.

[ 225 ]

لا اشكال في انه يتمها قصرا لو كان ذلك قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة لانقلاب الموضوع بعد وضوح ان العبرة في القصر والتمام بزمان العمل وظرف الامتثال، والمفروض انه لم يفرغ بعد عن العمل ولم يسقط التكليف وقد جاوز فعلا حد الترخص، فوظيفته الفعلية قد انقلبت إلى القصر وهو مأمور بها فلا بد من إتمامها كذلك كما هو ظاهر جدا. وكذا الحال فيما لو كان ذلك بعد الدخول في قيام الركعة الثالثة وقبل الدخول في ركوعها كما افاده في المتن غايته ان القيام زائد حينئذ واقع في غير محله فيهدمه ويلحقه حكم القيام السهوي. فحال المقام حال من كان ناويا للاقامة في بلد فشرع في الصلاة بنية التمام وفي الاثناء بدا له في السفر وعدل عن قصد الاقامة فانه يتمها قصرا لتبدل الحكم بتبدل موضوعه. وهذا كله واضح لا سترة عليه. إنما الكلام فيما لو كان الوصول إلى حد الترخص بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة بحيث لا يمكن معه الاتمام قصرا لفوات المحل. ض ض وقد احتمل الماتن (قده) حينئذ وجوب الاتمام نظرا إلى ما ورد من ان الصلاة على ما افتتحت الدال على ان الاعتبار بحال الافتتاح وقد كان هو التمام آنذاك فيتمها كذلك، واخيرا استشكل فيه وحكم بالاحتياط بالاعادة قصرا أيضا. اقول: الروايات الناطقة بان الصلاة على ما افتتحت ناظرة - بشهادة موردها - إلى التخلف في النية واجنبية عن التبدل في ساير الخصوصيات فموردها من اتم الصلاة بنية مغايرة لما نواه اولا كمن شرع في الصلاة بنية الفريضة فغفل واتمها نافلة أو بالعكس أو شرع بقصد الاداء واتم سهوا بعنوان القضاء إلى غير ذلك من الامثلة التي يجمعها تغيير النية *

[ 226 ]

والاحوط (1) في وجه اتمامها قصرا ثم اعادتها تماما. السابقة ساهيا فيحكم حينئذ بالصحة وان العبرة بحالة الافتتاح. ولعل السر ان ذلك من باب الاشتباه والخطأ في التطبيق، والا فمن يتم صلاته فانما يتمها على النية الاولى حسب طبعه وارتكازه. وكيفما كان فتلك الروايات ناظرة إلى هذا المورد، وأين ذلك من محل الكلام الذي انقلب الموضوع واقعا وتبدل التمام إلى القصر في صقع الواقع، فهي اجنبية عما نحن فيه، والاستشهاد بها في غير محله جزما، وعليه فالظاهر لزوم رفع اليد عن هذه الصلاة لعدم امكان اتمامها صحيحة، ولا مناص من اعادتها قصرا حسب ما تقتضيه الوظيفة الفعلية بعد انقلاب الموضوع وتبدله كما عرفت، فما ذكره (قده) من الاحتياط وان كان في محله إلا انه لا ملزم له. ومما ذكرنا يظهر حال عكس المسألة وانه لو شرع في الصلاة في حال العود قبل الوصول إلى الحد بنية القصر ثم في الاثناء وصل إليه اتمها تماما كما افاده في المتن لكونه مقتضى وظيفته الفعلية بعد فرض تبدل الموضوع وانقلابه، ولا يتصور هنا فوات محل العدول كما في سابقه لحصول الزيادة في الوظيفة لا النقص كما هو ظاهر. (1): - هذا الاحتياط لا وجه له ابدا، إذ بعد البناء على انه يتمها تماما كما افتى (قده) بذلك كيف يسوغ الاتمام قصرا؟! وهل هذا إلا من ابطال الفريضة اختيارا المحرم عنده، ولا اقل من كونه خلاف الاحتياط. وعلى الجملة فهذا الاحتياط على خلاف الاحتياط قطعا. نعم: لو اريد الاحتياط كان مقتضاه اعادتها تماما بعد اتمامها كذلك رعاية لاحتمال فساد الاولى استنادا إلى ما دل على ان الصلاة على ما افتتحت *

[ 227 ]

(مسألة 68): إذا اعتقد الوصول إلى الحد فصلى قصرا ثم بان انه لم يصل إليه وجبت الاعادة أو القضاء تماما (1) وكذا في العود إذا صلى تماما باعتقاد الوصول فبان عدمه وجبت الاعادة أو القضاء قصرا، وفي عكس الصورتين بأن اعتقد عدم الوصول فبان الخلاف ينعكس الحكم فيجب الاعادة قصرا في الاولى وتماما في الثانية.


والمفروض انه افتتحها قصرا، وان كان الاحتمال المزبور ضعيفا غايته كما عرفت. (1): - لعدم كون القصر الذي اتى به مأمورا به بعد فرض انكشاف الخلاف ولا دليل على الاجزاء، وحيث ان المفروض عدم بلوغه حد الترخص فهو مأمور حينئذ بالتمام، فلابد من اعادتها تماما ان كان الانكشاف في الوقت، والقضاء كذلك ان كان في خارجه. وهذا هو مراده (قده) من الحكم بالتمام في الموردين، اعني ما إذا كان الانكشاف في الوقت قبل وصول حد الترخص واراد الاعادة في محل الانكشاف فانه يتعين عليه التمام حينئذ، كما انه لو بقي في ذلك المكان إلى ان خرج الوقت ثم انكشف الخلاف فحيث ان للفريضة فاتته تماما فلا بد من قضائها تماما أيضا. ولا يريد (قده) بذلك الاعادة تماما حتى إذا بلغ حد الترخص، أو القضاء تماما حتى فيما إذا بلغ الحد وخرج الوقت بعد ذلك فان هذا غير محتمل بالضرورة، لبداهة وجوب القصر حينئذ اعادة وقضاءا، *

[ 228 ]

(مسألة 69): إذا سافر من وطنه وجاز عن حد الترخص ثم في اثناء الطريق وصل إلى ما دونه إما لاعوجاج الطريق أو لامر آخر (1) كما إذا رجع لقضاء حاجة أو نحو ذلك فما دام


وما ذكرناه ظاهر من عبارته كما يتضح بأدنى تأمل. هذا ولو انعكس الفرض بان اعتقد عدم الوصول إلى الحد فاتم ثم انكشف الخلاف، فان كان الانكشاف في الوقت فلا اشكال في لزوم الاعادة لعدم الدليل على اجزاء التمام عن القصر في محل الكلام. نعم ثبت ذلك في الجاهل بالحكم وانه لا يعيد، ومقامنا من الخطأ في الموضوع دون الجهل بالحكم كما هو ظاهر. واما إذا كان الانكشاف في خارج الوقت فعلى الكلام الآتي في محله ان شاء الله تعالى من ان من أتم في موضع القصر من غير علم وعمد هل يجب عليه القضاء أو انه يحكم بالاجزاء ولا قضاء عليه؟ وتفصيله موكول إلى محله ان شاء الله تعالى. هذا كله في الذهاب. ومنه يظهر الحال في الاياب فانه يجري فيه ما مر بعينه، فلو صلى في رجوعه من سفره قصرا باعتقاد عدم الوصول إلى حد الترخص ثم انكشف الخلاف فحيث ان صلاته فاسدة لعدم الدليل على الاجزاء وجبت عليه الاعادة تماما في الوقت وفي خارجه. ولو انعكس الامر بان اعتقد بلوغ الحد فاتم ثم انكشف الخلاف وجبت الاعادة في الوقت بلا اشكال، واما القضاء فعلى الكلام الآتي في محله ان شاء الله تعالى حسبما اشرنا إليه. (1): - إذا خرج المسافر من وطنه وبعد ما جاوز حد الترخص *

[ 229 ]

هناك يجب عليه التمام، وإذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر إذا كان الباقي مسافة (1)، وأما إذا سافر من محل الاقامة وجاز عن الحد ثم وصل إلى ما دونه، أو رجع في الاثناء لقضاء حاجة بقي على التقصير، وإذا صلى في الصورة


رجع ثانيا إلى ما دونه اما لكون الطريق معوجا أو لغاية اخرى من قضاء حاجة ونحوها فقد حكم (قده) بالتمام حينئذ، وبالقصر لو جاوزه بشرط كون الباقي مسافة: اقول: ينبغي التكلم في جهات: الاولى: لا اشكال في وجوب التمام عندما رجع إلى ما دون حد الترخص عملا باطلاق ما دل على وجوبه قبل الحد الشامل لما إذا جاوز الحد ورجع، فما دون هذا المقدار من البعد محكوم بوجوب التمام من غير فرق بين من كان فيه ولم يتجاوزه أو جاوزه ثم عاد إليه بمقتضى الاطلاق. وهذا واضح لا سترة عليه. نعم يختص ذلك بما إذا سافر من وطنه، ولا يشمل السفر من محل الاقامة. لما تقدم من عدم اعتبار حد الترخص فيه، وعلى تقدير الاعتبار لا يعم مثل المقام كما لا يخفى. (1): - الثانية: هل يعتبر في التقصير لدى التجاوز عن المحل الذي رجع إليه لحاظ المسافة بينه وبين المقصد بان يكون الباقي بنفسه مسافة أو يكفى كونه كذلك ولو بضميمة ما قطعه من البلد؟ الظاهر هو الثاني، بل لا ينبغي التأمل فيه، إذ لا وجه لالغاء البعد المتحقق بينه وبين البلد بعد ان لم يكن الرجوع إلى ما دون حد الترخص

[ 230 ]

رجوعا عن نية السفر التي نواها اولا وانشاءا للسفر من هذا المكان كما هو المفروض، غاية ما هناك ان تلغى المسافة التي قطعها في ذهابه عن هذا المحل ورجوعه، فليفرض ان هذا المقدار في حكم العدم وكأنه لم يكن، واما المقدار الذي قطعه من البلد إلى هذا الموضع والبعد المتخلل بينهما فلا موجب لالغائه بوجه كما عرفت. فما افاده في المتن من اشتراط كون الباقي مسافة غير ظاهر. الثالثة: هل العبرة في احتساب المسافة - فيمن رجع إلى ما دون حد الترخص - مراعاة البعد المتخلل بين البلد والمقصد فلا اعتبار بما قطعه في ذهابه ورجوعه أو ان هذا المقدار أيضا محسوب من المسافة؟ الظاهر هو التفصيل بين ما كان الرجوع لاجل اعوجاج الطريق وبين غيره من قضاء حاجة ونحوها. ففي الاول: كما لو كان الطريق جبليا: أو كان سيره في جزيرة أو شبهها بحيث كان الطريق في نفسه معوجا لا موجب للالغاء لما ذكرناه سابقا من عدم اعتبار كون البعد الملحوظ بين البلد والمقصد على نحو الخط المستقيم، فان المدار على قطع ثمانية فراسخ: أو مسيرة يوم، أو بياض النهار ونحو ذلك من التعابير الواردة في النصوص، وان كان ذلك على نحو الخط المنكسر أو المنحني وما يشابههما من الاشكال الهندسية كما يتفق ذلك في كثير من الطرق ولاسيما الجبلية منها فليس المدار على مجرد البعد، بل على قطع الطريق وسيره سواء أكان ذلك بنحو الخط المستقيم ام لا. ومن هنا ذكرنا سابقا انه لو كان لمقصده طريقان احدهما مسافة دون الآخر يقصر عند سلوكه الطريق الاول ويتم في الاخر مع ان البعيد بين البلد والمقصد واحد على التقديرين.

[ 231 ]

وعلى الجملة بعد البناء على عدم اعتبار الاستقامة فيما يقطعه من المسافة، والمفروض ان العبرة في مبدء احتسابها بالخروج من نفس البلد لا بالتجاوز عن حد الترخص وان كان التقصير منوطا به كما تقدم سابقا لا مناص من احتساب ما قطعه في ذهابه ورجوعه إلى ما دون حد الترخص المستند إلى اعوجاج الطريق، ومن الواضح ان الحكم بالتمام بعد الرجوع لا ينافي الاحتساب المزبور وان يكون هذا المقدار جزءا من المسافة كما كان هو الحال فيما دون الحد قبل ان يذهب ويرجع فانه يتم مع ان ما بينه وبين البلد محسوب من المسافة بالضرورة. فلا تنافي بين الامرين بوجه كما هو ظاهر جدا. واما في الثاني اعني ما لو كان الرجوع لا لاجل الاعوجاج بل لغرض آخر من قضاء حاجة ونحوه كما لو خرج إلى الكوفة ثم رجع في طريقه إلى كربلاء إلى ما دون حد الترخص من النجف لنوم أو عزيمة أو حاجة اخرى فلا ينبغي الشك في ان هذا المقدار من الذهاب المتعقب بالرجوع ملغى لعدم كونه من السير المعتبر في تحقق المسافة على ما بيناه سابقا من لزوم كون السير بعدا امتداديا غير الصادق على الذهاب بعد فرض تعقبه بالاياب. فلا جرم يسقط هذا المقدار عن الاحتساب. ولكن الظاهر عدم سقوطه مطلقا بل الساقط خصوص الذهاب فقط دون الرجوع، فلو فرضنا انه ذهب إلى الكوفة من طريق ثم رجع من طريق آخر إلى ما دون حد الترخص من النجف قاصدا به مكانا من الامكنة كالذهاب إلى كربلاء وقد قصد السفر من نفس محل الرجوع فلماذا لا يحسب هذا من المسافة مع عدم الموجب لالغائه بوجه، والمتحصل من جميع ما ذكرناه ان رجوعه ان كان سفريا أي واقعا في طريقه وسفره من اجل اعوجاج الطريق وانحرافه فحينئذ يحسب *

[ 232 ]

الاولى بعد الخروج عن حد الترخص قصرا (1) ثم وصل إلى ما دونه، فان كان بعد بلوغ المسافة فلا اشكال في صحة صلاته، واما إذا كان قبل ذلك فالاحوط وجوب الاعادة وان كان يحتمل الاجزاء الحاقا له بما لو صلى ثم بدا له في السفر قبل بلوغ المسافة.


الذهاب والاياب معا كما لو خرج من النجف قاصدا كربلاء ولكن الطريق العادي المستقيم كان مسدودا لمانع من الموانع فذهب إلى الكوفة ومنها إلى السهلة ورجع منها إلى خارج النجف (المحل المعد للبنزين) ثم توجه نحو كربلاء فانه لا موجب لالغاء هذا المقدار من السير، بل الذهاب والاياب كلاهما محسوبان من المسافة بعدما عرفت من عدم اعتبار استقامة الطريق، واما ان كان الرجوع لا لاجل الاعوجاج فطبعا يسقط الذهاب ويلغى كما عرفت دون الرجوع بل يكون مبدء سفره من حين ما يرجع في المثال المتقدم. (1): - الرابعة: لو قصر في المورد الذي لا يكون محكوما بالقصر كالذهاب في الفرض المتقدم كما لو سافر من النجف وعندما بلغ الكوفة قصر ولم يعلم برجوعه ثم بدا له فرجع إلى ما دون حد الترخص فهل يعيد صلاته. لا ينبغي الشك في دخول الفرض في المسألة المتقدمة سابقا اعني من سافر وقصر في الطريق، ثم بدا له في السفر قبل بلوغ المسافة، فان قلنا ثمة بعدم الحاجة إلى الاعادة استنادا إلى صحيحة زرارة كما تقدم فكذلك *

[ 233 ]

(مسألة 70): في المسافة الدورية حول البلد دون حد الترخص في تمام الدور أو بعضه مما لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة يتم الصلاة (1).


في المقام بل الحكم هنا اولى، إذ المفروض في تلك المسألة انه بدا له في اصل السفر، واما في المقام فهو بعد على نية السفر وانما بدا له في الطريق فقط فعدل عن طريق إلى آخر، فالصحة هناك تستلزم الصحة هنا بطريق اولى كما لا يخفي. واما لو لم نقل بالصحة هناك لاجل المعارضة كما اسلفناك لم نقل بها هنا أيضا، إذ الاجزاء يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه، ومن هنا كانت الاعادة احوط كما ذكره في المتن. (1): - حكم (قده) بوجوب التمام في المسافة الدورية حول البلد مع فرض كونها دون حد الترخص سواء أكان ذلك في تمام الدور أو في بعضه فيما إذا لم يكن السير قبل المرور بحد الترخص أو بعده في نفسه مسافة وان كان المجموع بمقدار المسافة نظرا إلى ان المرور المزبور يوجب انقطاع حكم السفر وعدم صلاحية انضمام السير الواقع ما بعد المرور بما قبله فلاجله يحكم بالتمام، وانما يحكم بالقصر فيما إذا كان الباقي من كل منهما مع قطع النظر عن الآخر مسافة في حد نفسه. اقول: تبين سابقا انه لا فرق في وجوب التقصير بين المسافة الدورية والامتدادية نظرا إلى ان المناط في القصر مسير ثمانية فراسخ وقطع الطريق بهذا المقدار سواء أكان البعد أيضا بالغا هذا الحد أم لا فليست العبرة بملاحظة الابتعاد والامتداد، بل الاعتبار بحال السير وما

[ 234 ]

يقطعه من الطريق. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى تبين في المسألة السابقة ان الرجوع إلى حد الترخص والمرور به كما في الطريق الاعوجاجي لا يقطع السفر وان وجب التمام وقتئذ، فان مبدء احتساب المسافة هو الخروج من نفس البلد لا بلوغ حد الترخص فالرجوع إليه لا يمنع عن احتساب ما قبله وانضمامه بما بعده، وبعد البناء على هذين الامرين يظهر لك بوضوح وجوب التقصير في المسافة الدورية حول البلد خارج حد الترخص وان مر بالحد في بعض الدور واثنائه فانه بمثابة الرجوع إليه في الطريق الاعوجاجي غير المانع عن الانضمام وغير القاطع لحكم السفر وان وجب التمام في خصوص هذه الحالة بالتعبد الشرعي الذي مرجعه إلى التخصيص في ادلة القصر فهو مسافر يتم في هذه النقطة فقط، ويقصر في خارج الحد من غير فرق بين الخرج الحاصل قبل المرور أو بعده. نعم لو كانت المسافة الدورية حول البلد دون حد الترخص في تمام الدور يتعين التمام حينئذ لعدم صدق اسم المسافر عليه فانه بمنزلة السير ثمانية فراسخ في داخل البلد فاللازم هو التفصيل في المسألة بين ما إذا كانت المسافة الدورية بتمامها دون حد الترخص، فالمتعين حينئذ هو التمام، وبين ما إذا كان بعضها دون الحد، فالاظهر حينئذ هو القصر وان كان الاحتياط هنا مما لا ينبغي تركه كما أشار إليه سيدنا الاستاد - دام ظله - في تعليقته الشريفة.

[ 235 ]

" فصل " في قواطع السفر موضوعا أو حكما وهي امور احدها الوطن: فان المرور عليه قاطع للسفر (1)، وموجب للتمام ما دام فيه، أو فيما دون حد الترخص منه ويحتاج في العود إلى القصر بعده إلى قصد مسافة جديدة ولو ملفقة مع التجاوز عن حد الترخص، والمراد به المكان الذي اتخذه مسكنا


(1): - لا شك ان المرور بالوطن قاطع لموضوع السفر وموجب لزوال عنوان المسافر لما بينه وبين الحاضر من التضاد والمقابلة فيجب التمام ما دام فيه، ويحتاج العود إلى القصر إلى انشاء السفر وقصد مسافة جديدة امتدادية أو تلفيقية فيقصر حينئذ بعد خروجه من حد الترخص كما تقدم. وهذا الحكم اعني انقطاع موضوع السفر بالمرور على الوطن مما لا خلاف فيه ولا اشكال، ولا ينبغي ان يكون فيه خلاف فان التقصير مترتب على عنوان المسافر المنتفي بطبيعة الحال بالحضور في الوطن كما مر. على انه تدل عليه عدة من الروايات المعتبرة المتضمنة لاناطة التقصير بما إذا لم يدخل المسافر منزله أو بلده أو قريته ونحو ذلك من التعابير التي منها صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) في الرجل *

[ 236 ]

ومقرا له دائما (1) بلدا كان أو قرية أو غيرهما، سواء كان مسكنا لابيه وامه ومسقط رأسه، أو غيره مما استجده، ولا يعتبر فيه بعد الاتخاذ المزبور حصول ملك له فيه، نعم يعتبر فيه الاقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفا انه وطنه والظاهر ان الصدق المذكور يختلف بحسب الاشخاص والخصوصيات فربما يصدق بالاقامة فيه بعد القصد المزبور شهرا أو اقل، فلا يشترط الاقامة ستة اشهر وان كان احوط، فقبله يجمع بين القصر والتمام إذا لم ينو اقامة عشرة ايام.


يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر؟ قال: يقصر انما هو المنزل الذي توطنه (1) حيث دلت بوضوح على لزوم التمام فيما إذا كان المرور بالمنزل الذي توطنه. وهذه الرواية رواها في الوسائل عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) كما هي كذلك في التهذيب أيضا ولكنها مروية في الاستبصار عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن ابي عبد الله (ع) كما نبه عليه معلق الوسائل. وكيفما كان فهي صحيحة سواء رواها حماد عن أبي عبد الله (ع) مع الواسطة أم بدونها ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها. (1): - لا ريب في ان الوطن بماله من المعنى العرفي الذي ينافيه السفر يتحقق باحد امرين: احدهما ما كان مقرا له ومسكنه الاصلي ومسقط رأسه باعتبار تبعيته لابويه، فهو محله ابا عن جد، ولا يعد

(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 8.

[ 237 ]

غريبا في هذا المكان بوجه. ثانيهما: ما كان كذلك بالاتخاذ بأن انتقل عن مقره الاصلي واتخذ مكانا آخر مقرا ومسكنا دائميا له فاصبح وطنا له بالاتخاذ، فان معنى وطن اي اقام وسكن، فهذا أيضا وطن، غايته ان الاول وطن اصلي وهذا وطن اتخاذي. وهل يعتبر في الوطن الاتخاذي نية البقاء إلى الابد وما دام العمر أو يكفي قصد ذلك مدة طويلة كثلاثين أو عشرين بل عشر سنين مثلا؟ فيه كلام سنتعرض له عند تعرض الماتن له فيما بعد، وستعرف ان الاظهر عدم اعتبار نية الدوام وان نسب ذلك إلى المشهور، بل يكفي في وجوب التمام البقاء بمقدار لا يصدق عليه عنوان المسافر عرفا. وكيفما كان فلا اشكال في انه متى صدق عليه ان هذا وطنه ومسكنه لحقه حكمه سواء أكان ذلك بالاصالة ومستندا إلى التبعية والوراثة ام كان بالجعل والاتخاذ. وهل يعتبر الملك في الوطن الاتخاذي بان تكون له دار يسكن فيها أو يكفي مجرد السكنى سواء أكان بايجار أو عارية أو وقف كما في المدارس، أو كان ضيفا على احد ونحو ذلك من انحاء السكونة؟ الظاهر بل المقطوع به عدم اعتبار الملكية لعدم الدليل عليه، بل الدليل على عدمه وهو اطلاق الروايات، فان العبرة بصدق الوطن غير الدائر مدار الملك بالضرورة. نعم: يعتبر ذلك في الوطن الشرعي على القول بثبوته كما ستعرف ان شاء الله تعالى وهذا امر آخر. واما في الوطن العرفي الاتخاذي فلا يعتبر الملك عينا بل ولا منفعة كما في العارية ونحوها، واطلاقات الروايات كافية ووافية.

[ 238 ]

بل قيل ان اكثر المواطنين في الوطن الاتخاذي ليس لهم ملك بحسب الغالب ولعله كذلك والالتزام بوجوب القصر عليهم ما دام العمر فيما إذا لم يقصدوا اقامة عشرة ايام كما لو خرج في كل تسعة ايام يوما للزيادة مثلا كما ترى، بل هو غريب لا يمكن المصير إليه. وعلى الجملة فكما لا يعتبر الملك في الوطن الاصلي جزما لا يعتبر في الوطن الاتخاذي أيضا بمناط واحد. وهل يفتقر الحكم بالتمام في الوطن الاتخاذي إلى البقاء مدة حتى يصدق انه مستوطن فيه واتخذه مسكنا له أو انه يكتفى بمجرد النية فيتم من اول دخوله البلد إذا كان ذلك بقصد السكونة والاستيطان؟ الظاهر: هو الاول فيعتبر البقاء خارجا بمقدار يصدق معه انه متوطن فيه بحيث لو سئل عن سبب مجيئه هذا البلد لاجاب بانه استوطنه واتخذه مسكنا له بخلاف المقتصر على مجرد النية من دون مضي المدة المزبورة فانه يجيب بانه بان وعازم على الاستيطان والوجه فيه ان الاستيطان ليس اسما لنفس النية فقد بل للعمل الخارجي الناشئ عن القصد والنية، فلا جرم يفتقر إلى الاقامة الخارجية تحقيقا للصدق المزبور. نعم: يختلف حدها حن حيث القصر والطول باختلاف الاشخاص والخصوصيات كما نبه عليه في المتن، فرما يكفى باقامة يوم واحد كما لو اشترى في ذلك اليوم دارا أو دكانا ونقل اثاثه أو كتبه واشتغل بالدرس أو التدريس أو التجارة ونحو ذلك مما هو من لوازم البقاء وشؤون الاستيطان، وربما يحتاج إلى اقامة شهر أو اقل أو اكثر حسب اختلاف الاشخاص ومراعاة المناسبات والخصوصيات. وعلى الجملة لا ينبغي التأمل في ان مجرد النية العارية عن الاقامة أو عن ترتيب اي اثر خارجي غير كافية في صدق الوطن الاتخاذي، *

[ 239 ]

(مسألة 1): إذا اعرض عن وطنه الاصلي أو المستجد وتوطن في غيره (1)، فان لم يكن له فيه ملك اصلا أو كان ولم يكن قابلا للسكنى، كما إذا كان له فيه نخلة أو نحوها، أو كان قابلا له ولكن لم يسكن فيه ستة اشهر بقصد التوطن الابدي يزول عنه حكم الوطنية فلا يوجب المرور عليه قطع حكم السفر، واما إذا كان له فيه ملك قد سكن فيه بعد


فانها عزم وبناء على الاستيطان لانفسه، واما حد الاقامة ومقدارها فيختلف باختلاف الاشخاص حسبما عرفت، ولا يشترط كونها ستة اشهر كما اشار إليه في المتن، وانما يعتبر ذلك في الوطن الشرعي على تقدير ثبوته: ثم ان في هذين الوطنين - الاصلي والاتخاذي - اللذين يجمعهما عنوان الوطن العرفي انما يثبت الحكم ما دام لم يعرض عنهما، فلو تحقق الاعراض وزال العنوان صار كاحد البلدان لدوران الحكم مدار بقاء الموضوع سواء اتخذ مكانا آخر واستوطن محلا غيره ام لا، فلو اتفق المرور عليه اثناء السير لا يصدق المرور على الوطن إلا بضرب من العناية باستعمال المشتق فيما انقضى، اي ما كان وطنا سابقا دون الوطن الفعلي الذي هو الظاهر من تعليق التمام على المرور عليه في الروايات. نعم: هناك قسم ثالث من الوطن يسمى بالوطن الشرعي لا يضره الاعراض، بل يتم كلما دخله سنتكلم فيه في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى. (1): - قد عرفت ان الوطن القاطع للسفر بالمرور عليه قد يكون *

[ 240 ]

اتخاذه وطنا له دائما ستة اشهر، فالمشهور على انه بحكم الوطن العرفي وان اعرض عنه إلى غيره، ويسمونه بالوطن الشرعي ويوجبون عليه التمام إذا مر عليه ما دام بقاء ملكه فيه، لكن الاقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الاعراض، فالوطن الشرعي غير ثابت، وان كان الاحوط الجمع بين اجراء حكم الوطن وغيره عليه، فيجمع فيه بين القصر والتمام إذا مر عليه ولم ينو اقامة عشرة ايام، بل الاحوط الجمع إذا كان له نخلة أو نحوها مما هو غير قابل للسكنى وبقي فيه بقصد التوطن ستة اشهر، بل وكذا إذا لم يكن سكناه بقصد التوطن بل بقصد التجارة مثلا.


اصليا لكونه مسقط رأسه ومسكن ابيه وامه، واخرى اتخاذيا اعني ما استجده واستوطنه وسكن فيه بقصد الاقامة الدائمية. وعرفت انه لا يعتبر في هذين ان يكون له ملك فيه فضلا عن ان يكون قابلا للسكنى، بل لعل الغالب سيما في الاتخاذي العدم كما تقدم كما لا تعتبر الاقامة ستة اشهر، بل المدار على السكونة فيه على انه وطنه ومقره ومحل اقامته على سبيل الدوام والاستمرار. وعرفت أيضا زوال حكم الوطنية بالانصراف والاعراض عن ذلك المحل الاصلي أو الاتخاذي سواء اتخذ وطنا آخر غيره أم لم يتخذ بعد لانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه فينقطع عنه الحكم، ولا يكون المرور عليه بعد ذلك قاطعا للسفر.

[ 241 ]

وهل هناك قسم آخر من الوطن كلما دخل فيه المسافر اتم، ولا ينافيه الاعراض، أو انه منحصر في الاولين ولا ثالث؟ نسب إلى المشهور ان هناك قسما ثالثا اسموه بالوطن الشرعي، وهو ما إذا كان له في بلد أو قرية ملك قد سكن فيه - بعد ان اتخذه وطنا له دائما - ستة اشهر ففي مثله يتم كلما دخل فيه وان اعرض عنه إلى ان يزول ملكه، هكذا نسب إلى المشهور، صحت النسبة ام لم تصح ولابد لنا من مراجعة الاخبار والنظر في الروايات الواردة في المقام لنري مدى دلالتها وما هو المستفاد منها. فنقول ومنه الاستعانة: الروايات الواردة في المقام كثيرة ومختلفة غاية الاختلاف، فقد تضمنت جملة منها وفيها الصحاح ان من كانت له ضيعة أو قرية يتم الصلاة متى دخلها وان لم يستوطنها، فجعل فيها مجرد الملك مناطا للاتمام. وهذه الروايات على كثرتها ان كانت قابلة للتقييد بما دل على اعتبار الاستيطان باقامة ستة اشهر فهو وإلا - كما هو كذلك في بعضها - فهي معارضة بطائفة اخرى دلت على لزوم التقصير في موردها - كما ستعرف - فلابد من حملها على التقية لموافقتها مع العامة كما قيل، أو طرحها لمخالفتها مع اطلاقات التقصير التي هي روايات متواترة وسالمة عما يصلح للتخصيص بعد ابتلاء المخصص بالمعارض، فيكون المرجع تلك الاطلاقات، وتكون هذه الروايات ساقطة اما للتقية أو لمخالفتها للسنة القطعية. واليك بعض هذه الروايات: فمنها: صحيحة اسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يسافر من ارض إلى ارض وإنما ينزل قراه وضيعته قال:

[ 242 ]

إذا نزلت قراك وارضك فاتم الصلاة، وإذا كنت في غير ارضك فقصر (1) دلت على ان مجرد كون الارض قريته وضيعته كاف في وجوب التمام، ومنها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض فيخرج فيطوف فيها أيتم أم يقصر؟ قال: يتم (2). رواها: المشايخ الثلاثة، غير ان نسخة الكافي تفترق عن الفقيه والتهذيب في ان المذكور فيها بدل (فيطوف) (فيقيم) وحينئذ لابد وان يكون المراد الاقامة في مجموع تلك الضياع بان يقيم ليلة هنا وليلة هناك مثلا لا الاقامة عشرة ايام في ضيعة واحدة لوضوح وجوب التمام حينئذ من غير فرق بين الضيعة وغيرها، فالسؤال غير ناظر إلى ذلك قطعا لعدم خفائه على احد سيما بعد كون السائل مثل ابن الحجاج الذي هو من الاعاظم. وعليه فقد دلت على ان مجرد ملك الضيعة كاف في وجوب التمام وان لم يقم فيها ستة اشهر بمقتضى الاطلاق. ومنها: صحيحة عمران بن محمد قال قلت لابي جعفر الثاني (ع): جعلت فداك ان لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ فربما خرجت إليها فاقيم فيها ثلاثة ايام أو خمسة ايام أو سبعة ايام فاتم الصلاة أو اقصر؟ فقال: قصر في الطريق واتم في الضيعة (3). وهي كما ترى صريحة في ان مجرد كون الضيعة ملكا له موجب للاتمام متى دخلها، ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 2. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 12. (3) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 14.

[ 243 ]

وبأزائها صحاح آخر دلت على وجوب القصر في هذا الموضوع بعينه. منها: صحيحة علي بن يقطين قال: قلت لابي الحسن الاول (ع): الرجل يتخذ المنزل فيمر به أيتم أو يقصر؟ قال: كل منزل لا تستوطنه فليس للك بمنزل، وليس لك ان تتم فيه. وصحيحته الاخرى عن رجل يمر ببعض الامصار وله بالمصر دار وليس المصر وطنه أيتم صلاته أو يقصر؟ قال، يقصر الصلاة، والصيام مثل ذلك إذا مر بها. وصحيحتة الثالثة: ان لي ضياعا ومنازل بين القرية والقريتين الفرسخ والفرسخان والثلاثة، فقال: كل منزل من منازلك لاتستوطنه فعليك فيه التقصير. وصحيحة حماد بن عثمان المروية عن الحلبي في بعض نسخ التهذيب كما اشار إليه معلق الوسائل عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر؟ قال: يقصر انما هو المنزل الذي توطنه، وغيرها (1). فقد دلت على وجوب القصر في محل الكلام وان مجرد الملك لا يؤثر في الحكم بالتمام. وعليه فالطائفة الاولى لو لم يمكن تقييدها بما سيجئ من اقامة ستة اشهر - كما سمعت - اما محمولة على التقية أو مطروحة بعد الابتلاء بالمعارض والمخالفة مع السنة القطعية وهي الروايات المتواترة الدالة على وجوب القصر لكل مسافر كما عرفت. ومن ذلك يظهر الحال في موثقة عمار التي جعل فيها المدار على مطلق الملك وان لم يكن قابلا للسكنى كنخلة واحدة عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها، قال:


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 6 و 7 و 10 و 8.

[ 244 ]

يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة، ولا يقصر وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها (1). فاتضح من جميع ما ذكرناه لحد الآن انه إذا اعرض عن وطنه ولم يكن فيه ملك اصلا، أو كان ولم يكن قابلا للسكنى أو كان ولكن لم يسكن فيه ستة اشهر لم يثبت التمام في شئ من ذلك عملا باطلاقات التقصير السليمة عما يصلح للتخصيص. انما الكلام في صورة واحدة حكم المشهور فيها بالاتمام حتى بعد الاعراض واسموها بالوطن الشرعي، وهي ما لو كان له ملك قد سكنه ستة اشهر بقصد التوطن الابدي فانه يتم كلما دخله وان لم يقم عشرة ايام ما دام الملك باقيا. ويستدل له بصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن (ع) قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، فقال: لا بأس ما لم ينو مقام عشرة ايام إلا ان يكون له فيها منزل يستوطنه، فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: ان يكون فيها منزل يقيم فيه ستة اشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها (2). وهذه الصحيحة هي عمدة مستند المشهور حيث تضمنت تفسير الاستيطان بان يكون له منزل يقيم فيه ستة اشهر. واورد على هذا الاستدلال غير واحد من الاعاظم منهم المحقق الهمداني (قده) فانكروا دلالة الصحيحة على الوطن الشرعي، بل هي ناظرة إلى الوطن العرفي، وانه يجوز ان يكون الشخص ذا وطنين بأن يبني على الاقامة في محل من قرية أو ضيعة ستة اشهر في كل سنة


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 5. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 11.

[ 245 ]

وبذلك يصبح هذا المحل وطنة العرفي في قبال الوطن الاصلى فهي مسوقة لبيان كيفية اتخاذ المتوطن وطنا ثانيا مستجدا، وان الوطن كما يكون بالاصل يمكن ان يكون بالاتخاذ والجعل الذي يتحقق بالاقامة في كل سنة ستة اشهر. فلا دلالة لها على وطن آخر غير العرفي. وقربوا ذلك بانا لو فرضنا ان ابن بزيع لم يسأل ثانيا عن الاستيطان لكان الامام (ع) يقتصر بطبيعة الحال على الجواب الاول الذي هو ظاهر في الاستيطان العرفي ولم يكن امرا مجهولا لا لابن بزيع ولا لغيره من اهل العرف، غير انه من باب الاتفاق استوضحه ثانيا، فلو كان المراد معنى آخر - غير العرفي - لكان الجواب مشتملا على نوع من الاجمال والابهام غير المناسب لمقام الامام عليه السلام. ويؤيده: التعبير بصيغة المضارع في المفسر والمفسر، اعني قوله: يستوطنه، وقوله (ع) يقيم، الظاهر في الدوام والاستمرار والتلبس بالحال، بان تكون الاقامة والاستيطان ستة اشهر مستمرة في كل سنة كما قيده بذلك الصدوق في الفقيه الذي لا ينطبق إلا على المعنى العرفي فلو كان المراد الوطن الشرعي بان يناط الاتمام متى دخل باقامة الاشهر الستة المنقضية وان اعرض عنها كما يزعمه المشهور كان اللازم التعبير بصيغة الماضي بان يقال استوطنه واقام فيه دون المضارع كما لا يخفي. هكذا اورده جماعة من المحققين ومنهم المحقق الهمداني (قده) مصرا عليه. اقول: الظاهر ان ما فهمه المشهور من دلالة الصحيحة على ثبوت الوطن الشرعي هو الصحيح، وان الامام (ع) بصدد بيان معنى آخر للوطن غير العرفي. ولو فرضنا ان ابن بزيع لم يسأل لكان عليه (ع) البيان والتوضيح وقد التفت ابن بزيع إلى انه معنى آخر ولذلك سأل واستوضح.

[ 246 ]

بيان ذلك ان الامام عليه السلام لما اجاب اولا بقوله: لا بأس ما لم ينو مقام عشرة ايام استثني عن ذلك بقوله (ع) إلا ان يكون له، اي لصاحب الضيعة فيها، اي في الضيعة منزل يستوطنه، أي يستوطن المنزل - على ما يقتضيه تذكير الضمير -. وهذا اعني استيطان المنزل امر لا يعرفه اهل العرف ولم يكن معهودا عند ابن بزيع ولا عند غيره ضرورة ان المتعارف من مفهوم الاستيطان لدى الاطلاق انما هو استيطان البلد أو القرية أو الضيعة لا استيطان المنزل، إذ لا يتوقف التوطن بحسب مفهومه العرفي على وجود منزل للمتوطن فضلا عن الاقامة فيه فلو فرضنا ان شخصا لم يكن له منزل اصلا بل يعيش في الطرق والشوارع العامة أو يكون ضيفا أو كلا على غيره في بلدة طيلة حياته لا شك ان ذاك البلد وطنه ومسكنه. ولاجل هذه الجهة - والله العالم - التفت ابن بزيع إلى انه (ع) بصدد بيان معنى آخر للوطن فسأله متعجبا بقوله: ما الاستيطان؟ نظرا إلى ان وجود المنزل غير لازم في الوطن العرفي جزما، وعلى تقديره لا يعتبر الاقامة فيه قطعا، وقد اعتبر الامام (ع) كلا الامرين بمقتضى لام التمليك في قوله (ع): إلا ان يكون له... الخ، وتذكير الضمير في قوله يستوطنه، فلاجل ذلك احتاج إلى السؤال والاستيضاح لعدم كون الوطن بهذا المعنى معهودا عنده ولا عند غيره من اهل العرف والمحاورة كما عرفت. ففسر (ع) مراده من الاستيطان واوضحه بقوله (ع): ان يكون فيها، اي في الضيعة منزل يقيم فيه، اي في المنزل ستة اشهر وانه متى تحقق ذلك يتم فيها اي في الضيعة متى دخلها وان لم يدخل منزله. ولاجل ذلك جعل الضمير في قوله (ع) يقيم فيه مذكرا، وفي

[ 247 ]

قوله (ع) يتم فيها مؤنثا ايعازا إلى ان الاستيطان والاقامة في المنزل ستة اشهر موضوع للتمام متى دخل الضيعة وان لم يدخل منزله، وبذلك تصبح تلك الضيعة وطنه الشرعي، وهذا كما ترى معنى آخر للوطن غير العرفي إذ العرفي منه لا يتوقف على المنزل فضلا عن السكنى فيه. ويؤيده: بل يؤكده ويعينه التقييد بستة اشهر ضرورة ان هذا غير معتبر في صدق العنوان العرفي لتحققه بما دون ذلك جزما كما لو كان له منازل فاقام في كل منها في كل سنة ثلاثة اشهر أو اربعة، فانه لا اشكال في ان جميع ذلك اوطان له، فلو كان عليه السلام بصدد بيان الوطن العرفي كان اللازم التنبيه على الفرد الخفي، اعني اقامة اربعة اشهر أو ثلاثة فانه المحتاج إلى البيان دون الستة التي هي من اوضح انحائه واظهر افراده من غير حاجة إلى بيانه. فالتقييد المزبور كاشف قطعي عن كونه عليه السلام بصدد بيان معنى آخر مغاير للوطن العرفي، وهو ما كان مشتملا على الملك اولا وعلى السكونة فيه ثانيا، وان تكون السكونة ستة اشهر ثالثا، وبذلك يتحقق الوطن الشرعي. وملخص الكلام في المقام ان الامام عليه السلام علق الحكم بالاتمام على استجماع قيود ثلاثة لا يعتبر شئ منها في صدق الوطن العرفي وهي الاقامة ستة اشهر وان تكون في المنزل كما يقتضيه تذكير الضمير في (يستوطنه) وان يكون المنزل ملكا له كما يقتضيه لام التمليك في قوله (ع): إلا ان يكون له... الخ. وبما ان من الواضح ان الوطن العرفي الاتخاذي لا يكون منوطا بشئ من ذلك لجواز اتخاذ مواطن عديدة شتائية وصيفية وربيعية وخريفية يقيم في كل منها في كل سنة ثلاثة اشهر كجواز التوطن في بلد لا ملك

[ 248 ]

له فيه اصلا فضلا عن السكونة فيه، فلا يكون المذكور في الصحيحة منطبقا على الوطن العرفي بوجه. وقد عرفت وجه استفسار ابن بزيع والنكتة الباعثة لاستيضاحه وانها الاستغراب الناشئ من تقييد الاستيطان بالمنزل الذي هو امر لم يتعاهده العرف من معنى الوطن لا ابن بزيع ولا غيره وانه كان عليه عليه السلام التفسير والبيان وان لم يسأل معناه لكونه مجهولا عند اهل العرف كما عرفت. ومن المعلوم ان تفسيره (ع) راجع إلى مادة الاستيطان، وإلا فهيئة الاستفعال التي هي بمعني الاتخاذ واضح لا يحتاج إلى السؤال، ففسر عليه السلام نفس الوطن، وانه عبارة عن الاقامة ستة اشهر في المنزل المملوك له، وانه بذلك تصبح القرية أو الضيعة أو البلد وطنه الشرعي المحكوم بلزوم الاتمام متى دخل، فتدل الصحيحة على مذهب المشهور بوضوح. ومنه تعرف ان الاتخاذ والقصد مما لابد منه رعاية لهيئة الاستفعال ومتعلقه الاقامة ستة اشهر كما يقتضيه رجوع التفسير إلى لمادة حسبما ذكرناه واما تعبير الامام (ع) بصيغة المضارع في قوله (ع): يستوطنه وقوله (ع) يقيم، فالظاهر ان الوجه فيه المفروغية عن أن هذا السائل لم يكن ساكنا في تلك الضيعة قبل ذلك فاراد عليه السلام بيان قضية حقيقية والتعرض لحكم كلي وان صاحب الضيعة لا يتم فيها إذا لم يقصد الاقامة فيها عشرة ايام إلا بعد ان يقيم ستة اشهر، فإذا انقضت تلك المدة اتم متى دخل، ولذا عبر بصيغة الماضي بعد ذلك بقوله: فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها. إذا من الواضح انه لا يحتمل أن يتم فعلا إذا كان يقيم ستة اشهر فيما بعد بحيث تكون الاقامة اللاحقة مناطا للاتمام الفعلي، بل لابد

[ 249 ]

من انقضاء تلك المدة ثم بعدئذ يحكم بالاتمام، فالتعبير بالمضارع من اجل ان تلك الاقامة في الاشهر الستة لم تكن مفروضة ومتحققة قبل ذلك فاراد عليه السلام بيان انه إذا كان كذلك فيما بعد يتوجه إليه الخطاب بالاتمام متى دخل. وعلى الجملة لا ينبغي التأمل في عدم دلالة المضارع على الاستمرار في المقام لعدم اعتبار شئ من القيود الثلاثة المتقدمة في الوطن العرفي حسبما عرفت. وما اشبه المقام بالاستفتاء عن الفقيه والاجابة عنه بالصورة التالية: " امرأة في دارنا لها زوج ولها ابنة صغيرة، واننى مبتلى بالنظر إلى شئ من بدنها أو لمسه بغير شهوة، قال ليس لك ذلك، إلا ان تعقد على ابنتها، قلت وما العقد على ابنتها، قال تتزوجها ولو ساعة فإذا كان ذلك جاز لك النظر واللمس بغير شهوة متى شئت ". فان من الواضح الجلي عدم ارادة الاستمرار والتوالي في العقد والتزويج وان عبر عنهما بصيغة المضارع. على ان في دلالة هذه الصيغة بمجردها على التجدد والاستمرار نوعا من التأمل وان اشتهرت على الالسن، ورب شهرة لا اصل لها، وهل يحتمل التجدد في المثال المزبور، أو في مثل قوله تعالى " فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها فلا جناح عليهما ان يتراجعا " الآية (1) فتدبر جيدا هذا. ويؤكد ما ذكرناه بل يعينه التعبير بصيغة الماضي في صحيحة سعد بن أبي خلف قال: سأل علي بن يقطين أبا الحسن الاول عليه السلام عن الدار تكون للرجل بمصر والضيعة فيمر بها، قال: ان كان مما


(1) سورة البقرة الآية 230.

[ 250 ]

قد سكنه اتم فيه الصلاة، وان كان مما لم يسكنه فليقصر (1). حيث علق (ع) الحكم بالتمام على ما إذا سكنه سابقا وان اعرض عنه، غايته انها مطلقة من حيث تحديد السكونة بستة اشهر وان تكون في منزله المملوك فيقيد بكلا الامرين بمقتضى صحيحة ابن بزيع. وكيفما كان فلا ينبغي التأمل في دلالة الصحيحة بوضوح على ثبوت الوطن الشرعي كما يقوله المشهور ويتحقق بوجود منزل مملوك له في محل قد سكنه ستة اشهر عن قصد ونية كما تقتضيه هيئة الاستيطان باعتبار دلالة الاستفعال على الاتخاذ المتقوم بالقصد. فإذا تحقق ذلك اتم المسافر صلاته كلما دخله إلى ان يزول ملكه. بقى هنا امران، احدهما: انه نسب إلى المشهور اعتبار قصد التوطن الابدي في تحقق الوطن الشرعي وانه متى مضى على هذا العزم والقصد ستة اشهر يحكم بالاتمام متى دخل، وان اعرض فلا تكفي الاقامة الفاقدة لقصد التوطن الدائم. ولكن هذه النسبة لم نتحققها ولم يثبت ذهاب المشهور إليها، وعلى تقدير الثبوت لا دليل عليه بوجه، فانا قد ذكرنا ان التفسير المذكور في الصحيح ناظر إلى مادة الاستيطان لا هيئته، وان نفس الوطن عبارة في نظر الشرع عن الاقامة ستة اشهر في منزله المملوك، غايته بشرط ان تكون عن قصده ونيته بمقتضى وضع الهيئة، واما قصد التأبيد فليس في الصحيحة ما يدل عليه. نعم: لو كان التفسير راجعا إلى الهيئة من غير نظر إلى المادة صح ما ذكر باعتبار اشراب التأبيد في مفهوم الوطن بمقتضى الفهم العرفي


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 9.

[ 251 ]

لكنك عرفت ان هيئة الاستفعال واضحة المفاد لا اجمال فيها كي تحتاج إلى التفسير والسؤال، وانما الاجمال كله في نفس المادة بالتقريب الذي تقدم، فالتفسير راجع إليها خاصة، ولازمة كما عرفت كفاية الاقامة الخارجية ستة اشهر عن قصد ونية من غير حاجة إلى قصد التأبيد والتوطن الدائم. ثانيهما: ان التحديد بستة اشهر الوارد في الصحيح ظاهر في الاتصال كما هو الحال في ساير التحديدات الشرعية كالتحديد بعشرة في قصد الاقامة، وبالثلاثة في اقل الحيض، وفي صوم الحج، وبثلاثين يوما مترددا ونحو ذلك فان كلها ظاهر بمقتضى الفهم العرفي في اعتبار الاتصال والاستمرار، فلا يكفى مع التقطيع والتلفيق في الحكم بالاتمام في المقام ولا اقل من الشك في ذلك والاجمال في اعتبار الاتصال. وبما ان الحكم المزبور على خلاف القاعدة الاولية الدالة على لزوم التقصير على كل مسافر فلابد من الاقتصار في التخصيص على المقدار المتيقن وهو المشتمل على الاتصال كما هو ظاهر. نعم: الاسفار الجزئية غير المنافية للاقامة العرفية لا بأس بها كمن يقيم في النجف الاشرف وفي كل شهر يزور الحسين (ع) يوما مثلا فان المدار في الاقامة في المنزل المذكورة في النص - التي ينافيها السفر - بما هو المتعارف الخارجي وسيجئ انشاء الله تعالى في قصد الاقامة انه لا ينافيه الخروج من المنزل الدرس أو الكسب أو تشييع الجنازة ونحو ذلك، بل إلى خارج البلد ونواحيه للتفرج والتنزه ونحوهما، فلا يلزم عدم الخروج من البيت. فإذا كانت الاقامة كذلك فالسفر المنافي لها كما في المقام أيضا كذلك فانه محمول على المتعارف غير الشامل للسفر الجزئي الواقع في الزمان *

[ 252 ]

(مسألة 2): قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي (1) وانه منحصر في العرفي فنقول: يمكن تعدد الوطن العرفي بان يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنى فيهما ابدا في كل منهما مقدارا من السنة بان يكون له زوجتان مثلا كل واحدة في بلدة يكون عند كل واحدة ستة اشهر أو بالاختلاف، بل يمكن الثلاثة ايضا بل لا يبعد الازيد ايضا. (مسألة 3): لا يبعد ان يكون الولد تابعا لابويه (2) أو


القليل كما عرفت. نعم هذا السفر الجزئي ينافي قصد اقامة العشرة للتحديد هناك بعدم الخروج من البلد بخلاف المقام. (1): - بل قد عرفت ثبوت الوطن الشرعي وتحققه بوجود منزل مملوك في محل قد سكنه ستة اشهر متصلة عن قصد ونية وانه يتم المسافر صلاته كلما دخله وان اعرض عنه إلا ان يزول ملكه فلا ينحصر في العرفي. نعم: ما ذكره من امكان تعدد الوطن العرفي بان يكون له منزلان أو ثلاثة بل اربعة يسكن في كل منها مقدارا من السنة بقصد السكونة الابدية اما على التساوي أو بالاختلاف، بان يسكن اربعة اشهر في منزل، وثمانية في منزل آخر ونحو ذلك ولاسيما إذا اكد التوطن الدائم باختيار زوجة في كل منها وشراء دار وعقار واثاث ونحوها من لوازم المعيشة فهو امر ظاهر لا ينبغي التأمل فيه بعد صدق التوطن العرفي في الجميع بمناط واحد. (2): - ما ذكره (قده) من تبعية الولد لابويه أو احدهما في الوطن *

[ 253 ]

احدهما في الوطن ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرهما وان لم يلتفت بعد بلوغه إلى التوطن فيه ابدا فيعد وطنهما وطنه له ايضا إلا إذا قصد الاعراض عنه سواء كان وطنا اصليا لهما ومحلا لتولده أو وطنا مستجدا لهما كما إذا اعرضا عن وطنهما الاصلي واتخذا مكانا آخر وطنا لهما وهو معهما قبل بلوغه ثم صار بالغا، واما إذا أتيا بلدة أو قرية وتوطنا فيها وهو معهما مع كونه بالغا فلا يصدق وطنا له الا مع قصده بنفسه.


ما لم يعرض بعد بلوغه من مقرهما وان ذلك يعد وطنا له بالتبع هو الصحيح، نظرا إلى ما تقدم من ان الوطن بعنوانه لم يكن موضوعا لحكم من الاحكام الشرعية بل الموضوع انما هو المسافر وغير المسافر، فكل مكلف محكوم بالاتمام إلا ان يكون مسافرا، فالحاضر في بلده سواء أكان وطنه الاصلي أو الاتخاذي يتم لا لاجل انه وطنه، بل لانه ليس بمسافر. ومن هنا ذكرنا سابقا انه لا يبعد أن يكون الحكم بالاتمام فيمن بيتة معه كالاعراب، لهذه العلة اي لعدم كونه مسافرا لا لخصوصية فيه. وكيفما كان فالمناط في الاتمام عدم صدق المسافر، لا صدق عنوان الوطن. ولا ينبغي التأمل في انطباق هذا الضابط على الولد بعد فرض تبعيته لابويه في المسكن، فان هذا منزله ومقره ومحل اهله وعشيرته، ومن هذا شأنه لا يصدق عليه المسافر بوجه، كما كان هو الحال في ابويه من غير فرق بين ما إذا كان وطنا اصليا لهما أو مستجدا اتخاذيا.

[ 254 ]

فلا يحتاج الولد بعد فرض التبعية المزبورة إلى قصد التوطن، بل لو كان غافلا عن ذلك بالكلية ولم يلتفت بعد بلوغه بل طيلة حياته إلى ان هذا وطنه فلم يصدر عنه القصد رأسا لم يكن قادحا لما عرفت من ان موضوع الحكم من لم يكن مسافرا الصادق عليه بالوجدان لا من كان متوطنا كي يتأمل في صدقه عليه. نعم: لو بلغ واعرض كان مستقلا كساير المكلفين. فلو اعرض الوالدان وهو متردد في الاعراض لا يكفي توطنهما المستجد في توطنه بل لابد من قصده بنفسه فلا اثر للتبعية وان كان معهما بعد فرض البلوغ والاستقلال، والحاصل ان المدار على صدق المسافر وعدمه. يبقى الكلام فيما لو اعرض عن بلده وهو غير بالغ فهل يترتب اثر عليه؟ الظاهر العدم لعدم نفوذ افعاله في نظر الشرع من غير مراجعة الولي فهو مولى عليه لا يكون مستقلا في فعله ولا مالكا لامره كما عبر بمثل ذلك فيما ورد في نكاح الصبية بقوله (ع): الصبية غير مالكة لامرها، فليس له الاستقلال في اتخاذ المكان، بل الولاية لوليه في جميع شؤونه وجهاته التي منها المسكن ومنوط بما يراه مصلحة له. ويؤيده ما ورد بعد سؤال الراوي متى يخرج الولد عن اليتم من قوله (ع): لا يجوز امر الغلام حتى يحتلم (1). وعلى الجملة المستفاد من الادلة ان الشارع قد الغى كافة افعال الصبي عن درجة الاعتبار وفرضها كالعدم ما لم يبلغ حد البلوغ وان كان العرف لا يفرق بن البالغ وغيره، بل العبرة عندهم بالتمييز وعدمه، فاعراض الصبي واتخاذه وطنا آخر لنفسه في حكم العدم فانه عمل صادر من غير


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب مقدمة العبادات،

[ 255 ]

(مسألة 4): يزول حكم الوطنية بالاعراض والخروج (1) وان لم يتخذ بعد وطنا آخر فيمكن ان يكون بلا وطن مدة مديدة. (مسألة 5): لا يشترط في الوطن اباحة المكان الذي فيه (2) فلو غصب دارا في بلد واراد السكنى فيها أبدا يكون وطنا له، وكذا إذا كان بقاؤه في بلد حراما عليه من جهة كونه


اهله كما هو الحال في المجنون. فما ذكره الماتن (قده) من نفي البعد عن تبعية الولد لابويه هو الصحيح، بل هو واضح مع عدم الاعراض، وكذا مع الاعراض إذا كان قبل البلوغ فان قصده كلا قصد كما عرفت. (1): - لتقوم صدق الوطن بماله من المفهوم العرفي بالاستقرار والسكونة في المحل بحيث يعد البلد مقره ومسكنه وبعد الاعراض المتعقب بالخروج يزول هذا العنوان بطبيعة الحال، فلا يقال انه من اهل البلد الفلاني، بل يقال انه كان من اهل ذاك البلد سواء اتخذ وطنا آخر ام لم يتخذ، اما لانه لا يريد الاتخاذ رأسا بحيث يكون سائحا في الارض أو من الذين بيوتهم معهم، أو لانه بان على الاتخاذ ولكنه لم يتخذ بعد. وعلى اي تقدير فقد زال حكم الوطن الاول بالاعراض والخروج فلا يكون وطنه فعلا بل كان كذلك سابقا. (2): - لعدم الدليل على التقييد بعد وضوح عدم دخل الحلية في *

[ 256 ]

قاصدا لارتكاب حرام، أو كان منهيا عنه من احد والديه أو نحو ذلك. (مسألة 6): إذا تردد بعد العزم على التوطن ابدا (1) فان كان قبل ان يصدق عليه الوطن عرفا بان لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق فلا اشكال في زوال الحكم وان لم يتحقق الخروج والاعراض، بل وكذا إن كان بعد الصدق في الوطن المستجد، واما في الوطن الاصلي إذا تردد في البقاء فيه وعدمه ففي زوال حكمه قبل الخروج والاعراض اشكال لاحتمال صدق الوطنية ما لم يعزم على العدم فالاحوط الجمع بين الحكمين. * (هامشم) * صدق الوطن بماله من المفهوم العرفي الشامل للسكونة المحرمة كالمحللة بمناط واحد من غير فرق بين ما إذا كان المسكن حراما كما لو غصب دارا في بلد وعزم على السكنى فيها أبدا، أو كان اصل السكنى محرما كما لو كان بقاؤه في بلد حراما عليه من جهة من الجهات كنذر أو شرط في ضمن عقد، أو النهي عنه من احد ابويه فبما كان النهي نافذا ولازم الاطاعة ونحو ذلك، فانه في جميع ذلك لو عصى وارتكب الحرام كان ذلك المكان محله ومسكنه بحيث لو خرج منه يقال سافر عن محله، ولو رجع يقال دخل اهله ومنزله. وعلى الجملة فالعبرة في صدق الوطن بعدم كونه مسافرا عرفا، والحلية والحرمة اجنبيتان عن الصدق المزبور. (1): - تقدم سابقا ان مجرد العزم على التوطن واتخاذ محل مقرا

[ 257 ]

له لا يكفي في ترتيب احكام الوطنية إلا بعد مضي زمان أو التصدي لترتيب آثار بحيث يصدق معه عنوان الوطن عرفا وان هذا محله ومسكنه ومقره ومنزله، فالنية بمجردها ما لم ينضم إليها الصدق المزبور لا اثر لها بتاتا. وعليه فلو تردد بعد العزم والنية وقبل حصول الصدق لا اشكال في عدم ترتيب احكام الوطن، إذ مع عدم التردد لم تثبت تلك الاحكام، فكيف بما إذا تردد فهي منفية هنا بطريق اولى. وهذا واضح وان كانت عبارته (قده) قاصرة وغير خالية عن المسامحة لاجل تعبيره (قده) بزوال الحكم الذي هو فرع الحدوث مع انه لا حكم اولا كي يزول. ومراده (قده) بالزوال عدم ترتيب الاحكام بمجرد النية السابقة المتعقبة بالتردد فكأنه زوال للحكم الاقتضائي لا الفعلي وكيفما كان فالامر سهل ولا اشكال في المسألة. واما إذا حصل التردد بعد تحقق الصدق المزبور فقد ذكر (قده) انه يزول عنه الحكم في الوطن المستجد، فلو سافر ورجع مع فرض تردده لا يجرى عليه حكم الوطن، إذ كما يعتبر القصد في الوطن الاتخاذي حدوثا يعتبر بقاءا أيضا لانه إنما صار وطنا بجعله وقصده فهو متقوم به ودائر مداره فإذا زال القصد بالتردد زالت الوطنية بطبيعة الحال. واما في الوطن الاصلي فقد استشكل (قده) في زوال الحكم بالتردد من احتمال تقومه بالقصد كما في المستجد ومن جواز كونه وطنا في طبعه فهو باق على وضعه ما لم يلحقه الاعراض فلا اثر للتردد، ولاجله احتاط في هذه الصورة. هذا والذي ينبغي ان يقال انه لا فرق بين القسمين ولا اثر للتردد في شئ منهما، فانا ذكرنا سابقا ان الحكم بالتمام لم يثبت لعنوان الوطن *

[ 258 ]

(مسألة 7): ظاهر كلمات العلماء رضوان الله عليهم


حتى يدور مداره ويبحث عن انه متقوم بالقصد أم لا بل هو ثابت لكل مكلف لم يكن مسافرا صدق عليه المتوطن أولا، فالحكم منوط بالسفر وعدمه لا بالوطن وعدمه، فان التمام هي الوظيفة الاولية لكل مكلف خرج منه عنوان المسافر، فيكون الموضوع بعد التخصيص من لم يكن مسافرا. وعليه: ففي الوطن الاصلي لا ينبغي الاشكال في عدم الزوال بمجرد التردد ضرورة عدم استيجابه لانقلاب الحاضر بالمسافر، بل يقال في حقه انه يحتمل ان يسافر لا انه مسافر بالفعل، فهو بعد في منزله وفي مقره ومسكنه، فكيف يحتمل زوال الحكم بمجرد الترديد. بل الحال كذلك حتى مع العزم على الاعراض فضلا عن التردد فيه، فلا يزول الحكم بالعزم المزبور ما لم يتحقق الخروج والاعراض ولم يتلبس بالانتقال لما عرفت من عدم صدق المسافر عليه قبل ذلك بل هو عازم على السفر لا انه مسافر وزوال الحكم بالتمام منوط بفعلية السفر لا بنيته. وعلى الجملة فالجزم بالاعراض لا يوجب الزوال والانقلاب، فكيف بالتردد. بل الحال كذلك في الوطن المستجد بعين المناط المتقدم، فان التردد في الاعراض عن الوطن الاتخاذي ما لم يقترن بالهجرة والاعراض الخارجي لا يوجب صدق عنوان المسافر بل الجزم به كذلك فضلا عن الشك. فتحصل ان الاظهر عدم زوال الحكم بالعزم على عدم التوطن فضلا عن التردد من غير فرق بين الوطن الاصلي والاتخاذي.

[ 259 ]

اعتبار قصد التوطن ابدا في صدق الوطن العرفي، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدة مديدة كثلاثين سنة أو ازيد، لكنه مشكل (1)، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك، والاحوط في مثله اجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط.


(1): - استشكل (قده) فيمن عزم على السكنى في محل مدة مديدة كثلاثين أو عشرين سنة بل عشر سنوات من غير قصد التوطن الابدي في انه هل يجرى عليه حكم الوطن باعتبار صدق الوطن العرفي بمثل ذلك أو لا يجري نظرا إلى اعتبار قصد التوطن الدائم كما نسبه إلى ظاهر كلمات المشهور فيحكم عليه بالقصر لو سافر ورجع ما لم ينو مقام عشرة ايام، واخيرا احتاط (قده) باجراء كلا الحكمين. اقول: مما قدمناه في المسألة السابقة يظهر حكم هذه المسألة أيضا حيث عرفت ان الوطن بعنوانه لم يؤخذ موضوعا للحكم بالتمام في شئ من الادلة كي يتصدى لتحقيق حدوده وموارد صدقه، بل الموضوع للتمام بعد التخصيص بادلة التقصير الثابت لعنوان المسافر كل مكلف لم يكن مسافرا سواء أصدق عليه المتوطن ام لا، فالاعتبار في اجراء الحكمين بصدق عنوان المسافر وعدم صدقه لا المتوطن وعدمه. ولا ينبغي التأمل في ان القاطن في محل مدة طويلة لغاية من الغايات من طبابة أو تجارة أو دراسة كطلبة العلم الساكنين في النجف الاشرف لا يصدق عليه عنوان المسافر، بل يعد هذا المحل مسكنه ومقره ولا سيما إذا اشتدت علائقه باختيار زوجة وشراء دار وترتيب اثاث وغير ذلك من لوازم المعيشة وشؤونها بحيث لو سئل أين تسكن؟ لاجاب بأني *

[ 260 ]

(الثاني): من قواطع السفر (1). أسكن النجف الاشرف مثلا وان كان عازما على الاعراض بعد مدة طويلة كانقضاء دور الدراسة مثلا فيصح سلب اسم المسافر عنه فعلا على سبيل الحقيقة، ولو خرج إلى كربلاء يقال انه سافر إلى كربلاء أو رجع من سفره، فلا يتصف بالمسافر إلا لدى انشاء سفر جديد، وبدونه لا يتصف بعنوان المسافر بوجه. وكأن استشكاله (قده) نشأ من تخيل ان الحكم بالتمام منوط بصدق عنوان الوطن وليس كذلك، بل هو موقوف على عدم كونه مسافرا الذي لا ينبغي التأمل في انطباقه على هؤلاء كما عرفت وان لم يكونوا متوطنين. واما حد الصدق من حيث كمية المدة فهو موكول بنظر العرف ولا يبعد عدم صدق المسافر بنية الاقامة خمس سنوات. فمن عزم على الاقامة هذه المدة في النجف مثلا يتم مادام فيه وان سافر ليالي الجمع أو ايام الزيارات إلى كربلاء ولم ينو الاقامة عشرة ايام بعد رجوعه إلى النجف الاشرف. (1): - ظاهر العبارة ان اقامة العشرة قاطعة لنفس السفر لا لحكمه وقد تقدم الكلام حول ذلك مستقصى وقلنا ان القائل بالقطع الموضوعي ان اراد به قطع السفر عرفا فهو خلاف الوجدان جزما، فان المقيم مسافر بلا اشكال ضرورة عدم كون محل الاقامة مقره ومسكنه بل هو منزل من منازل سفره احتاج إلى الاقامة فيه عشرة ايام أو اكثر. وان اراد به القطع تنزيلا بمعنى ان المقيم بمنزلة المتوطن في نظر الشرع، ففيه انه لا دليل على هذا التنزيل بوجه إلا رواية واحدة تضمنت ان المقيم عشرا بمكة بمنزلة اهلها، وقد تقدم انها اما مطروحة *

[ 261 ]

العزم على اقامة عشرة ايام (1).


أو مخصوصة بموردها لتضمنها ما لا يقول به احد من الاصحاب في غير مكة جزما بل وفيها أيضا ظاهرا وهو اتمام المقيم حتى بعد الخروج والعود فاما ان تطرح أو يخصص الحكم بموردها وهو مكة، فلا دليل على عموم التنزيل. وان اراد قطع موضوع الحكم بالقصر فهو حق لا محيص عنه، لان تخصيص الحكم مرجعه إلى تقييد الموضوع لا محالة ضرورة انه بعد خروج المقيم عن حكم المسافر يكون موضوع الحكم بالقصر المسافر الذي لا يكون مقيما فيتقيد الموضوع بغير المقيم بطبيعة الحال، ولا يمكن بقاؤه على اطلاقه لمنافاة الاطلاق مع التقييد، فإذا صار المسافر مقيما انقطع موضوع الحكم بالقصر. الا ان القطع بهذا المعنى مرجعه إلى التخصيص بداهة ان رفع موضوع الحكم بما هو موضوع عبارة اخرى عن رفع الحكم نفسه. وهذا امر واضح غى قابل للنزاع. وهذا الاخير هو الصحيح، اي ان الاقامة قاطعة لموضوع الحكم بالقصر بما هو موضوع الراجع إلى التخصيص ورفع الحكم نفسه لا قطع الموضوع بذاته. فالمقيم مسافر محكوم عليه بالتمام تخصيصا. (1): - لا ريب ان المسافر لدى خروجه من البلد يحتاج في اثناء السير إلى نوع من المكث والاقامة بمقدار ما تقتضيه الحاجة لمأكله ومشربه ونومه واستراحته ونحو ذلك لعدم جريان العدة على الاسترسال في السير واستمراره بين البلد والمقصد كما هو ظاهر. فالاقامة نوعا ما وبنحو الموجبة الجزئية مما تقتضيه طبيعة السفر.

[ 262 ]

واما الزائد على ذلك كما لو اقام يوما أو يومين أو اكثر للزيارة أو التجارة ونحوهما من الاغراض التي هي زيادة على مقتضى طبع السفر فقد حددت تلك الاقامة الزائدة في الروايات الكثيرة بعشرة ايام وبما دونها، فالاقل محكوم بحكم السفر وان لم يكن متشاغلا فعلا بالسير والحركة لعدم عروض موجب التمام، فان العود إليه يحتاج إلى الدليل ولا دليل. واما إذا كانت الاقامة عشرة ايام فما زاد في مكان واحد من بلد أو قرية أو فلاة أو جزيرة ونحو ذلك فقد تضمنت النصوص المستفيضة انقلاب الحكم حينئذ من القصر إلى التمام، وعلى ما ذكرنا آنفا تكون هي تخصيصا في ادلة القصر لكل مسافر فهو مسافر محكوم بوجوب التمام إلا ان يسافر سفرا جديدا، وهذه الروايات قد علق الحكم في كثير منها على قصد الاقامة ونيتها (1). نعم في بعضها وهي صحيحة زرارة تعليق الحكم باليقين قال (ع) فيها: إذا دخلت ارضا فايقنت ان لك بها مقام عشرة ايام فاتم الصلاة... الخ (2) فيستفاد منها كفاية العلم بالبقاء واليقين به من غير حاجة إلى العزم والقصد بل يتم حتى مع العزم على الخروج متى تهيأ مع فرض علمه بالعدم خلال العشرة كما في المحبوس أو من منعته الحكومة عن الخروج لمنع قانوني أو لعدم تكميل جواز السفر ونحو ذلك. فاطلاق هذه الصحيحة يشمل المختار والمكره والمضطر على البقاء إذا كانوا عالمين به. والظاهر: ان الحكم مما لا اشكال فيه وانه لا يعتبر العزم والنية،


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة المسافر. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 9.

[ 263 ]

متواليات (1) في مكان واحد من بلد أو قرية، أو مثل بيوت الاعراب أو فلاة من الارض، أو العلم بذلك وان كان لا عن اختيار، ولا يكفي الظن بالبقاء فضلا عن الشك والليالي المتوسطة داخلة بخلاف الليلة الاولى والاخيرة (2)، فيكفى


بل يكفي مجرد العلم بالاقامة، وقد تقدم نظير ذلك في حدوث السفر وانه يكفي في السفر الموجب للقصر مجرد العلم به وان لم يكن عن قصد واختيار كالمجبور الذي اخذ والقي في السفينة أو الطائرة فتحركت قهرا عليه مع علمه بقطع المسافة الشرعية، فكما لا يعتبر العزم والاختيار في نفس السفر لا يعتبر في اقامة العشرة القاطعة لحكمه بمناط واحد، والعبرة في كليهما بمجرد العلم واليقين كما عرفت. (1) فلا تكفي العشرة المتفرقة المتخلل بينها السفر لظهور التحديد بالزمان في الاتصال والاستمرار - ما لم تقم قرينة على الخلاف - كما هو الحال في نظائر المقام من ساير التحديدات الشرعية كستة اشهر في الوطن الشرعي على ما مر، وثلاثة ايام في الحيض ونحو ذلك. (2): - فان المدار في احتساب الايام ببياض النهار، ولا عبرة بالليالي فان اليوم وان كان ربما يطلق على مجموع الليل والنهار المركب من اربع وعشرين ساعة إلا انه خلاف الظاهر بحسب المتفاهم العرفي، والمنسبق منه عند الاطلاق ما يقابل الليل، ومنه قوله تعالى: سبع ليال وثمانية ايام فتأمل. وعليه: فلا عبرة بالليلة الاولى والاخيرة لخروجهما عن مفهوم اليوم الوارد في نصوص الباب، ولا موجب للتبعية، فلو دخل اول

[ 264 ]

النهار وخرج آخر اليوم العاشر اتم صلاته وان لم يتخلل في البين إلا تسع ليال. نعم الليالي المتوسطة داخلة ولا مناص من احتسابها لا لدخوله في مفهوم اليوم بل لاجل اعتبار الاتصال والاستمرار في الايام كما عرفت. وهل الاعتبار في احتساب مبدء اليوم بطلوع الشمس أو بطلوع الفجر؟ تقدم الكلام حول ذلك في اوائل كتاب الصلاة، وقلنا ان الظاهر انه ليس الشارع اصطلاح جديد في لفظي اليوم والليل بل يطلقان على ما هما عليه من المعنى العرفي والمستفاد من لفظ اليوم بحسب المتفاهم العرفي هو المعنى المساوق للنهار الذي هو عبارة عما يتخلل بين طلوع الشمس وغروبها على ما اشتهر في المنطق من التمثيل بقولهم: كلما طلعت الشمس فالنهار موجود، فالاعتبار في صدق اليوم والنهار بهذه الدائرة التي تدور فيها الشمس حيث يتشكل بطبيعة الحال من مسيرتها قوسان قوس تدور فيه الشمس ولا ترى وهو الليل وقوس تدور فيه وترى وهو النهار، وقد يتساويان كما في اول يوم من الربيع والخريف غالبا، وقد يختلفان كما في ساير الايام حسب اختلاف فصول السنة، فاليوم والليل متقابلان ينتزعان من كون الشمس في قوس الرؤية وعدمه، وحيث ان ما بين الطلوعين خارج عن قوس الرؤية فهو محسوب من الليل وخارج عن النهار، فيكون مبدء اليوم طلوع الشمس لا طلوع الفجر وينتهي بغروبها. والاختلاف في مفهوم الغروب وانه عبارة عن استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية غير قادح في المقام. فانا لو بنينا على جواز تأخير الظهرين إلى زوال الحمرة اختيارا - ولا نقول به - والتزمنا بكونه مبدءا لوقت العشاءين فلا شك ان هذا حكم تعبدي يقتصر على مورده وإلا فلا ينبغى التأمل في دخول الليل وتحققه عرفا بمجرد غروب *

[ 265 ]

عشرة ايام وتسع ليال، ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الاصح (1)، فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الاول إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى، ويجب عليه الاتمام، وان كان الاحوط الجمع ويشترط وحدة محل الشمس واستتارها عن الانظار. وعلى الجملة فالعبرة بطلوع الشمس وغروبها، فلو دخل قبل طلوع الشمس آناما وخرج كذلك بعد الغروب من اليوم العاشر فقد بقي عشرة ايام بكاملها، ولا يضره النقص بمقدار ما بين الطلوعين من الاول وما بين الاستتار وزوال الحمرة من الاخير والظاهر ان هذا كله مما لا اشكال فيه. (1) - إذ الظاهر ان المراد من اليوم الاعم من الملفق من نصفين فيكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر، فان من دخل البلدة عند الزوال وخرج لدى الزوال من الغد يصح ان يقال انه بقي في تلك اليلدة يوما كاملا: وعليه فالداخل عند الزوال الخارج زوال اليوم الحادي عشر يتم لصدق بقاء عشرة ايام من غير اية عناية، فلا تعتبر العشرة غير الملفقة بعد الصدق العرفي المزبور وفقد الدليل على التقييد. ولعله يشهد لذلك انه فلما يتفق دخول المسافر اول النهار إلا نادرا بل الغالب دخوله اثناء النهار أو في الليل. وعليه فلا موجب لاسقاط هذه الساعات بعد الاطلاق في دليل الاقامة عشرة ايام، بل هي محسوبة بطبيعة الحال ومقتضاه تلفيق يوم منها ومن يوم الخروج *

[ 266 ]

الاقامة (1)، فلو قصد الاقامة في امكنة متعددة عشرة ايام لم ينقطع حكم السفر كأن عزم على الاقامة في النجف والكوفة أو في الكاظمين وبغداد، أو عزم على الاقامة في رستاق من قرية إلى قرية من غير عزم على الاقامة في واحدة منها عشرة ايام، ولا يضر بوحدة المحل فصل مثل الشط بعد كون


(1) هل يعتبر في محل الاقامة وحدة المكان بحيث لو قصد الاقامة في الامكنة المتعددة عشرة ايام كالنجف والكوفة أو الكاظمية وبغداد ونحو ذلك مما ذكره في المتن لم ينقطع حكم السفر أولا. ويقع الكلام تارة في اصل الاعتبار، واخرى في تحديد المقدار وبيان ضابط الوحدة وميزانها. اما نفس الاعتبار فالظاهر انه مما لا خلاف فيه ولا اشكال لظهور النصوص في اناطة انقلاب القصر بالتمام بالاقامة الوحدانية الممتدة عشرة ايام المتقومة بالوحدة المكانية بطبيعة الحال، فلا تجدى اقامة العشرة المتفرقة في الامكنة المتعددة، إذا لا يصدق معه انه اقام في البلد الفلاني أو المحل الكذائي عشرة ايام كما هو ظاهر جدا. نعم: ربما يستفاد كفاية ذلك مما رواه الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض فيخرج فيقيم فيها أيتم أم يقصر؟ قال: يتم (1). حيث دلت على وجوب التمام لدى الاقامة في الضياع

(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة المسافر ح 12.

[ 267 ]

المتفرقة الواقعة في الامكنة المتعددة فلا تعتبر الوحدة في محل الاقامة. ويرده اولا عدم ظهور الصحيحة في ارادة الاقامة الشرعية اعني عشرة ايام التي هي محل الكلام لعدم قرينة على التخصيص بذلك، بل ظاهرها ان صاحب الضياع محكوم بالاتمام متى اقام فيها سواء أكانت اقامته في مجموع تلك الضياع عشرة ايام أم اقل أم اكثر، فتكون من قبيل الروايات الدالة على ان مجرد الملك كاف في الحكم بالاتمام متى دخله التي تقدمت سابقا وعرفت لزوم تقييدها بمقتضى صحيحة ابن بزيع بسبق اقامة ستة اشهر كي تتصف الضيعة بالوطن الشرعي فهي اجنبية عما نحن فيه. وثانيا: انها مروية بعين المتن في الفقيه والتهذيب غير ان المذكور فيها " يطوف " بدل " يقيم ". وعليه فتكون اظهر فيما ذكرناه من الدلالة على ان مجرد الطواف والمرور بمطلق الملك موجب للاتمام فلا ربط لها بالاقامة الشرعية المبحوث عنها في المقام. وكيفما كان فالصحيحة غير مخالفة لما ذكرناه من اعتبار الوحدة في محل الاقامة مع ان الظاهر ان المسألة مما لا خلاف فيها كما عرفت. إنما الكلام في بيان المراد من الوحدة المكانية وتشخيص ضابطها بعد القطع بعدم ارادة الوحدة الحقيقية ضرورة جواز تردد المقيم في بلد من داره إلى المسجد، أو السوق أو الحمام ونحوها. فلا يراد الاقامة في منزل خاص كالمحبوس، بل لعله لا يتحقق ذلك إلا في مثل المحبوس ونحوه، وإلا فالفاعل المختار يخرج بطبيعة الحال إلى خارج الدار بل خرج البلد احيانا. فنقول، قد ورد التعبير عن محل الاقامة في الروايات بالسنة مختلفة كالبلد أو البلدة أو المدينة أو الضيعة أو المكان أو الارض ولا شك

[ 268 ]

ان المراد بالاقامة في الاخيرين ما يقابل الارتحال، فان المسافر بحسب طبعه ينزل اثناء السير في مكان أو ارض فيرتحل فلا يكون مقيما في ذلك المحل، بل الغاية من النزول الاستراحة أو الاكل أو الشرب اما ليلا أو نهارا حسب اختلاف الفصول مما يقتضيه طبع السفر. ولكن قد يتعلق نظره بالاقامة في مكان خاص أو ارض كذلك فلا يرتحل فاعتبرت هذه الاقامة التي هي في مقابل الارتحال مناطا للاتمام إذا كانت عشرة ايام. فيستفاد من مجموع الروايات ان المناط في وحدة المحل صدق الاقامة العرفية فيه على نحو لا يعد التباعد عنه ارتحالا عن ذلك المكان سواء اكان بلدا أم قرية أم ضيعة أم غيرها من بر أو ساحل بحر ونحو ذلك. فالعبرة بصدق الاقامة عرفا في مكان واحد في قبال الارتحال عنه الذي يختلف سعة وضيقا حسب اختلاف الموارد وخصوصيات الامكنة. ثم ان الصدق المزبور ان كان محرزا فلا اشكال كما لو اقام في بلد بل بر أو ساحل بحر بحيث يصدق معه عرفا انه مقيم في ذلك المكان وان دعت الحاجة إن التعدي والمشي يمينا وشمالا لبعض حاجياته من تحصيل ماء أو كلاء ونحو ذلك لعدم اعتبار المكث في مكان شخصي وحداني كما عرفت. كما لا اشكال أيضا إذا كان عدمه محرزا مثل ما لو اقام في مكان من البر ليلة، وفي مكان آخر ليلة اخرى بينهما مسافة ربع الفرسخ مثلا وهكذا أو اقام عند عشيرتين متباعدتين بربع الفرسخ عشرة ايام بحيث لا يصدق عرفا انه اقام في مكان واحد عشرة ايام فان كان الصدق محرزا من الطرفين فلا اشكال. واما إذا شك في ذلك فقد تكون الشبهة موضوعية كما لو قصد *

[ 269 ]

المجموع بلدا واحدا كجانبي الحلة وبغداد ونحوهما، ولو كان البلد خارجا عن المتعارف في الكبر (1) فاللازم قصد الاقامة في المحلة منه إذا كانت المحلات منفصلة، بخلاف ما إذا


الاقامة في محلتين ولم يعلم ان احداهما منفصلة عن الاخرى أو متصلة، واخرى حكمية كما لو علم بالانفصال في المثال ولكنه كان قليلا كعشر الفرسخ مثلا بحيث يشك ان هذا المقدار موجب للاخلال وقادح في صدق الوحدة المكانية ام لا. والمتعين في كلتا الصورتين - اللتين يجمعها الشك في ان هذه الاقامة هل هي مصداق لاقامة عشرة ايام في مكان واحد التي هي الموضوع لانقلاب الحكم من القصر إلى التمام اولا - هو القصر. اما في الاولى فواضح لان هذا الموضوع عنوان حادث مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه. واما في الثانية: فللزوم الرجوع حينئذ إلى اطلاقات القصر على كل مسافر بعد وجوب الاقتصار في المخصص المجمل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن الذي يقطع معه بصدق الاقامة عشرة ايام، وحيث انه مشكوك فيه في المقام فالمرجع عموم ادلة القصر كما عرفت ما لم يحرز الصدق. (1) - فصل (قده) في البلاد الخارجة عن المتعارف في الكبر بين ما كانت المحلات منفصلة فاللازم قصد الاقامة في المحلة منها وبين ما إذا كانت متصلة فاجرى عليها حكم ساير البلاد إلا إذا كانت كبيرة جدا بحيث لا يصدق وحدة المحل كالقسطنطينية ونحوها.

[ 270 ]

كانت متصلة الا إذا كان كبيرا جدا بحيث لا يصدق وحدة المحل وكان كنية الاقامة في رستاق مشتمل على القرى مثل قسطنطينية ونحوها.


اقول: لا يمكن المساعدة على ما افاده (قده) فان العبرة في وحدة المحل بالصدق العرفي كما عرفت وهو حاصل في المقام وان خرج البلد عن المتعارف في الكبر. نعم في موارد الشك يرجع إلى الاطلاق أو الاستصحاب كما مر، إلا ان المقام ليس من موارد الشك إذ لا قصور في اطلاق الادلة عن الشمول لمثل ذلك، فان الحكم بالتمام قد علق فيها على الاقامة في البلد أو الضيعة ونحو ذلك، والضياع وان كانت صغيرة غالبا إلا ان البلاد تشمل الصغيرة والكبيرة بمقتضى الاطلاق. وقد كانت البلاد الكبيرة الخارجة عن المتعارف في الكبر غير عزيزة في عصرهم عليهم السلام كبغداد والكوفة ونحوهما، بل كانت مساحة الكوفة اربعة فراسخ في اربعة كما يحدثنا التاريخ، فلا يضر ذلك بصدق الاقامة في مكان واحد أو بلدة واحدة بعد ما عرفت من عدم ارادة الاقامة في منزل شخصي قطعا. نعم لو فرضنا بلوغ سعة البلد مقدارا خارقا للعادة جدا، كما لو فرض بلد طوله مائة فرسخ مثلا أو خمسين (الذي هو مجرد فرض لا وقوع له خارجا لحد الآن) ففي مثله لا ينبغي الشك في عدم صدق الاقامة في مكان واحد، بل لو انتقل من جانب إلى جانب آخر فهو مسافر يجب عليه التقصير لو كان سيره بمقدار المسافة الشرعية، فيعتبر حينئذ الاقامة في محلة خاصة، ولا تكفي الاقامة في المحلات وان *

[ 271 ]

(مسألة 8): لا يعتبر في نية الاقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد على الاصح (1)، بل لو قصد حال نيتها الخروج إلى بعض بساتينها ومزارعها ونحوها من حدودها مما لا ينافي صدق اسم الاقامة في البلد عرفا جرى عليه حكم


كانت متصلة، إذ لا يصدق عليه المقيم في مكان أو ارض واحد، وان كان البلد واحدا حسب الفرض، واما فيما لم يبلغ هذا المقدار من السعة وان كان كبره خارجا عن المتعارف كما هو محل الكلام مثل ما لو كان طوله ثلاثة فراسخ أو اربعة كالقسطنطينية ونحوها، فالظاهر ان ذلك غير قادح في صدق الاقامة في مكان واحد. وملخص الكلام ان العبرة في وحدة محل الاقامة بالصدق العرفي وهو حاصل في امثال هذه الموارد سواء أكانت المحلات متصلة ام منفصلة فيصح ان يقال ان زيدا اقام في قسطنطينية مثلا عشرة ايام وان لم يكن مستقرا في مكان واحد بل كان ينتقل من مكان إلى مكان ومن جانب إلى آخر، فان هذا لم يكن انتقالا سفريا بل انتقال في ضمن سفره فلا دخل للكبر والصغر في هذا الحكم بوجه بعد اطلاق الدليل وتحقق الصدق العرفي. (1) - هل يعتبر في صدق الاقامة في البلد - بعد البناء على اعتبار الوحدة المكانية في محل الاقامة كما سبق - قصد عدم التجاوز عن خطة السور فيما له سور أو عن آخر البيوت فيما لا سور له فيلزمه المكث في نفس البلد بحيث يضره ادنى الخروج ولو قليلا كما عن بعضهم، أو انه لا يعتبر المداقة في ذلك فلا مانع من قصده حال نية الاقامة *

[ 272 ]

المقيم حتى إذا كان من نيته الخروج عن حد الترخص، بل إلى ما دون الاربعة إذا كان قاصدا للعود عن قريب بحيث لا يخرج عن صدق الاقامة في ذلك المكان عرفا، كما إذا كان من نيته الخروج نهارا والرجوع قبل الليل.


الخروج إلى بعض نواحي البلد وضواحيه من بساتينه ومزارعه ونحو ذلك مما لا ينافي صدق اسم الاقامة في البلد عرفا بل لا يضره الخروج إلى حد الترخص بل ما دون المسافة إذا كان قاصدا للعود عن قريب، كما لو خرج من النهار ورجع قبل الليل كما ذكره في المتن؟ الظاهر: ابتناء المسألة على تفسير لفظ الاقامة الوارد في اخبار الباب - كما ذكره غير واحد - فان فسر بكون المحل محطا لرحله لم يضره الخروج حتى إلى ما دون المسافة في تمام النهار فضلا عن بعضه إذ بالاخرة يكون مرجعه ومبيته نفس البلد الذي هو محط للرحل ومحل للاقامة، وان فسر بما هو ظاهر اللفظ بحسب المتفاهم العرفي من كونه محلا لاقامة المسافر نفسه لا لرحله إذ ربما لا يكون له رحل اصلا فحينئذ يضره ادنى الخروج وان كان قليلا. وتوضيح الحال في المقام انه لا ينبغى الاشكال في قادحية الخروج عن محل الاقامة بمقدار المسافة، كما لو اقام في النجف خمسة ايام ثم خرج يوما إلى الحلة ثم رجع فبقى خمسة اخرى بحيث صار المجموع عشرة فان الظاهر عدم الخلاف في عدم تحقق الاقامة الشرعية بذلك، وان احتمل بعضهم عدم القدح بذلك لما عرفت من لزوم الاستمرار والاتصال في اقامة عشرة ايام الذي يضره تخلل السفر الموجب للتقطيع

[ 273 ]

بطبيعة الحال. نعم: ربما يستفاد ذلك وكفاية اقامة العشرة ولو منفصلة من رواية الحضيني قال فيها: " اني اقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة، قال: انو مقام عشرة ايام واتم الصلاة (1) إذ كيف يمكن قصد اقامة العشرة لمن دخل مكة قبل التروية بيوم أو يومين مع لزوم خروجه إلى عرفات التي هي مسافة تلفيقية. ولاجل ذلك احتمل الشيخ اختصاص الحكم بموردها وهو مكة، وان في خصوص هذا البلد لا مانع من الاقامة المنقطعة بان يبقى ثلاثة قبل التروية وسبعة ايام بعد الرجوع عن الموقف والفراغ عن الاعمال، ولكن الذي يهون الخطب ان الرواية ضعيفة السند وليست بحجة في نفسه لجهالة الحضيني وعدم ثبوت وثاقته فلا تصل النوبة إلى الحمل المزبور. وكيفما كان فلا ينبغي الاشكال في ان نية الاقامة لا تكاد تجتمع مع نية الخروج إلى المسافة، بل لا تجتمع حتى مع الشك في ذلك للزوم العزم على الاقامة واليقين بها كما صرح به في الروايات الذي يضره مجرد الاحتمال والترديد. واما الخروج إلى ما دون المسافة فهو على قسمين إذ تارة لا يكون عازما على الخروج حال نية الاقامة بوجه وانما يبدو ذلك فيما بعد فقصد الاقامة في خصوص البلد عشرة ايام وبعد ان صلى صلاة تامة بدا له في الخروج إلى ما دون المسافة، واخرى يكون عازما عليه من اول الامر. اما في القسم الاول فلا ينبغي التأمل في عدم انقلاب الحكم ولزوم البقاء على التمام في البلد وخارجه سواء أكمل العشرة في محل الاقامة ام لا، كما لو اقام في النجف يوما وبعدما صلى اربعا خرج إلى الكوفة


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب صلاة المسافر ح 15.

[ 274 ]

وبقي فيها ثمانية ثم رجع وبقي يوما آخر في النجف فانه يبقى على التمام في جميع ذلك بلا اشكال فيه ولا خلاف ظاهرا، فان العبرة في الاقامة التي هي موضوع التمام بقصدها ونيتها لا الاقامة الخارجية، فمتى تحققت النية وتعقبت بصلاة واحدة تامة كانت وظيفته البقاء على التمام وان عدل عن نيته وعزم على السفر والخروج إلى حد المسافة فضلا عما دونها فهو محكوم بالتمام ما لم يتلبس بالسفر خرجا على ما نطقت به صحيحة أبى ولاد قال (ع): " ان كنت دخلت المدينة وحين صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك ان تقصر حتى تخرج منها... الخ (1) فان المراد من الخروج فيها الخروج السفري كما لا يخفى. هذا مضافا إلى الكبرى الكلية التي تكررت الاشارة إليها من ان من حكم عليه بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلا مع قصد ثمانية فراسخ ولو تلفيقية. فالمقيم في محل الكلام باق على التمام بمقتضى هذا الضابط العام ما لو ينو سفرا جديدا. وهذا كله ظاهر لا سترة عليه. وانما الكلام في القسم الثاني اعني ما إذا كان عازما على الخروج من اول الامر وحال نية الاقامة فدخل النجف مثلا وقصد الاقامة عازما على الخروج إلى الكوفة خلال العشرة وقد عرفت انهم بنوا المسألة على تفسير الاقامة بمحط الرحل أو باقامة المسافر نفسه وانه على الاول لا يضر الخروج حتى طول النهار فضلا عن الساعات فيما إذا رجع في الليل بحيث كان مبيته في البلد، إذ يصدق حينئذ ان البلد محل رحله، واما على الثاني فيضر الخروج حتى دقيقة واحدة. ولكن الظاهر هو التفصيل واختيار الحد الوسط بين الافراط والتفريط فان التفسير الاول خلاف الظاهر جدا. ضرورة ان محل الاقامة محل لاقامة المسافر


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 275 ]

نفسه لا لاقامة رحله كيف وربما لا يكون له رحل اصلا. فالمتعين انما هو التفسير الثاني لكن لا بذلك الضيق بل مع نوع من التوسعة. فان الجمود على ظاهر لفظ الاقامة عشرة ايام الوارد في الروايات وان كان يقتضي الاستيعاب الذي يضره ادنى الخروج عن خطة السور ولو دقيقة واحدة إلا ان المتفاهم عرفا ما هو الاوسع من ذلك نظرا إلى ان العادة جارية على ان المقيم في بلد ربما يخرج عنه إلى خارج البلد بل ما دون حد المسافة لتشييع جنازة أو قضاء حاجة، أو سقي دابة، أو معاجلة مريض ونحو ذلك من الاغراض الداعية إلى الخروج ولا يبقى مستقرا في البلد كالمحبوس من غير فرق بين ما إذا كانت الاقامة دائمية كالمتوطن أو موقتة كما في المسافر المقيم. فحال الاقامة في البلد حال الاقامة في الدار والسكونة فيها، فكما لا ينافيه الخروج عن الدار إلى الصحن الشريف أو السوق أو الدرس ونحوها، فكذلك لا ينافي الاقامة الدائمية أو الموقتة في البلد الخروج عن ضواحيه وتوابعه وان تجاوز حد الترخص بل بلغ إلى ما دون المسافة كما لو كان ضيفا في بستان بعيد عن البلد بمقدار ثلاثة فراسخ مثلا لما عرفت من جريان العادة الخارجية عن التباعد عن البلد والخروج عنه وان هذا المقدار مما يتسامح فيه عرفا، ولا يكون منافيا لصدق الاقامة في البلد، فيكون هذا التعارف والتسامح العرفي كاشفا عن ان المراد بالاقامة في البلد ما يشمل ذلك. ولكن المتيقن من مورد التعارف الخارجي المزبور ما إذا كان الخروج قليلا وفي زمان قصير كساعة أو ساعتين أو ازيد في الجملة كثلاث ساعات مثلا، واما الزائد على ذلك كخمس ساعات مثلا فضلا عن *

[ 276 ]

(مسألة 9): إذا كان محل الاقامة برية قفراء (1) لا يجب التضييق في دائرة المقام، كما لا يجوز التوسيع كثيرا بحيث يخرج عن صدق وحدة المحل، فالمدار على صدق الوحدة عرفا، وبعد ذلك لا ينافي الخروج عن ذلك المحل إلى اطرافه بقصد العود إليه وان كان إلى الخارج عن حد الترخص، بل إلى ما دون الاربعة كما ذكرنا في البلد، فجواز نية الخروج إلى ما دون الاربعة لا يوجب جواز توسيع محل الاقامة كثيرا فلا يجوز جعل محلها مجموع ما دون الاربعة بل يؤخذ على المعارف وان كان يجوز التردد إلى ما دون الاربعة على وجه لا يضر بصدق الاقامة فيه.


تمام النهار فلم يثبت في مثله التعارف ولا المسامحة العرفية لو لم يكن ثابت العدم. ومن الظاهر ان المرجع في مورد الشك عمومات ادلة القصر للزوم الاقتصار في المخصص المجمل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن الذي يقطع معه بصدق الاقامة عشرة ايام وهو المشتمل على الخروج في الزمان القليل الذي هو مورد للتسامح العرفي جزما، فيرجع في الزائد المشكوك إلى عموم تلك الادلة واطلاقها. (1) - يظهر الحال في هذه المسألة مما قدمناه في المسألة السابقة فلاحظ ولا حاجة إلى الاعادة.

[ 277 ]

(مسألة 10): إذا علق الاقامة على امر مشكوك الحصول (1) لا يكفي، بل وكذا لو كان مظنون الحصول فانه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها، نعم لو كان عازما على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضر.


(1): - افاد (قده) ان اقامته لو كانت معلقة على امر مشكوك الحصول وثابتة في تقدير دون تقدير، فيما ان العزل الفعلي على البقاء المعتبر فهيا مفقود حينئذ لمنافاته مع التعليق المزبور بطبيعة الحال فلا جرم ينتفى عنه قصد الاقامة، فلا يكفي ذلك في الحكم بالتمام. وهذا بخلاف ما إذا كان عازما فعلا على البقاء، ولكنه احتمل حدوث مانع يمنعه عنه فانه لا يضر ولا يكون قادحا في حصول قصد الاقامة. فكأن مرجع كلامه (قده) إلى التفصيل في ذلك الامر المشكوك الحصول بين ما إذا كان وجوده أو عدمه دخيلا في تحقق المقتضي وهو العزم على البقاء، وبين ما إذا كان من قبيل الموانع بعد تمامية المقتضي فيكون الاول قادحا دون الثاني. اقول: لا يمكن المساعدة على ما افاده (قده) بوجه، ولا فرق بين الصورتين، بل الاعتبار بكون الاحتمال في الامر المشكوك الحصول موهوما أو عقلائيا، فان كان موهونا لا يعتد به العقلاء لا أثر له وان كان دخيلا في المقتضي كما هو ظاهر، إذ الاحتمال الموهوم وجوده في حكم العدم. وان كان عقلائيا كان قادحا سواء أتعلق بالمقتضي أم بالمانع. اما الاول فظاهر كما اعترف به في المتن. واما الثاني فلضرورة عدم تمشي قصد الاقامة والعزل عليها الذي

[ 278 ]

هو بمعنى توطين النفس على البقاء مع فرض تطرق هذا الاحتمال، فان البقاء كساير الافعال الاختيارية يتوقف على امرين: تمامية المقتضى وانتفاء المانع، ومع احتمال وجود المانع وحصوله احتمالا عقلائيا كيف يمكن تعلق النية به وقصده والعزم عليه، فمن كان معرضا لوجع في بطنه مثلا فدخل بلدا واحتمل عوده الموجب للخروج عنه لاجل المعالجة خلال العشرة كيف يتمشى منه العزم على البقاء، اعني توطين النفس وعقد القلب عليه بعد احتمال عروض المرض الذي يضطر من اجله على الخروج، نعم مجرد الميل بالبقاء والرغبة الشديدة امر ممكن إلا انه لا يكفي في تحقق القصد الذي هو بمعنى العزم جزما والا لزم الحكم بالتمام لمن كان مائلا وراغبا في اقامة العشرة مع قطعه بعدم الاقامة خارجا وهو كما ترى. وعلى الجملة فاحتمال حدوث المانع عقلائيا مساوق مع تعليق الاقامة على امر مشكوك في انتفاء العزم الفعلي وكونه ثابتا في تقدير دون تقدير، كما انهما مشاركان في حصول العزم الفعلي لدى كون الاحتمال موهوما، كمن احتمل وصول برقية تلجئه على الخروج، أو ان السلطة الحكومية لا تسمح له بالبقاء، فلا فرق بين الصورتين بوجه. ويمكن تقرير هذا المطلب بوجه آخر وهو ان الوارد في غير واحد من الاخبار تعليق الحكم بالتمام على قصد الاقامة أو العزل أو النية أو الاجماع الذي هو بمعنى العزم على اختلاف السنتها، وورد في صحيحة زرارة تعليقه على اليقين قال: إذا دخلت ارضا فايقنت ان لك بها مقام عشرة ايام. ". الخ (1) والنسبة بين هذه


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 9.

[ 279 ]

الصحيحة وساير الاخبار وان كانت هي العموم من وجه ابتداء لجواز حصول اليقين بالبقاء من غير عزم كما في المجبور على الاقامة الذي هو فاقد للقصد والعزم، بل قد يكون عازما على الخروج متى فسخ له المجال مع يقينه بالبقاء قهرا عليه. وجواز حصول العزم من غير يقين حسب ما فرضه في المتن من العزم على البقاء وان احتمل حدوث المانع الموجب لانتفاء اليقين بطبيعة الحال. الا انه لا يمكن تقديم تلك الاخبار على الصحيحة لتكون النتيجة ان العزم بنفسه كاف في الحكم بالتمام وان تجرد عن اليقين، وانما يعتبر اليقين في مورد تخلى عن العزم والقصد كما في المجبور فكل منهما موضوع مستقل بحياله. وذلك لمنافاته مع مورد الصحيحة، إذ السؤال فيها عمن قدم البلدة الظاهر في كونه بارادته واختياره، كما ان قوله (ع): إذ دخلت ارضا... الخ ظاهر في كونه عن قصد واختيار، فكيف يمكن الحمل على ما إذا تيقن بالبقاء من غير عزم واختيار الذي هو في نفسه فرد نادر ومناف لمورد الصحيحة كما عرفت. وكيف يمكن ارتكاب التقييد في قوله (ع) وان لم تدر ما مقامك بها... الخ بما إذا كان عازما على البقاء، فان فرض العزم من غير يقين من الافراد النادرة كما لا يخفى. فلا بد من جعل هذه الصحيحة مقيدة لتلك الاخبار ومعاملة العموم والخصوص المطلق بينهما فتكون النتيجة موضوعية العزم المقيد باليقين وعدم كفاية العاري عنه، وان كان اليقين أيضا بمجرده كافيا سواء اقترن بالعزم والقصد أم لا كما في المكره والمجبور.

[ 280 ]

(مسألة 11): المجبور على الاقامة عشرا، والمكره عليها يجب عليه التمام وان كان من نيته الخروج على فرض رفع الجبر والاكراه، لكن بشرط ان يكون عالما (1) بعدم ارتفاعهما، وبقائه عشرة ايام كذلك. (مسألة 12): لا تصح نية الاقامة في بيوت الاعراب (2) ونحوهم ما لم يطمئن بعدم الرحيل عشرة ايام الا إذا عزم على المكث بعد رحلتهم إلى تمام العشرة. (مسألة 13): الزوجة والعبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج والسيد والمفروض انهما قصدا العشرة (3).


(1) لما عرفت من دلالة الصحيحة المتقدمة على ان مجرد اليقين بالبقاء كاف في التمام وان كان عاريا عن العزم والقصد. (2) - قد عرفت دلالة النصوص على ان المسافر انما يتم فيما إذا كان عازما على اقامة العشرة أو متيقنا بها، فبدون العزم أو اليقين يبقى على القصر. وعليه فالنازل في بيوت الاعراب لا تصح منه نية الاقامة بعد فرض كونهم في معرض الارتحال لفقد العزم واليقين حينئذ إلا إذا كان مطمئنا أو واثقا بعدم رحيلهم خلال العشرة، أو كان عازما على البقاء في هذه المدة وإن ارتحلوا فتصح نية الاقامة في هاتين الصورتين كما هو ظاهر (3) - ذكر (قده) انه لا يعتبر في قصد الاقامة القصد إليها تفصيلا بل القصد الاجمالي كاف في تحقق الاقامة كما في التابع - مثل *

[ 281 ]

لا يبعد كفايته في تحقق الاقامة بالنسبة اليهما وان لم يعلما حين القصد ان مقصد الزوج والسيد هو العشرة، نعم قبل العلم بذلك عليهما التقصير ويجب عليهما التمام بعد الاطلاع وان لم يبق الا يومين أو ثلاثة، فالظاهر وجوب الاعادة أو القضاء عليهما بالنسبة إلى ما مضى مما صليا قصرا، وكذا الحال إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه وكان مقصدهم العشرة فالقصد الاجمالي كاف في تحقق الاقامة، لكن الاحوط الجمع في الصورتين بل لا يترك الاحتياط.


الزوجة والعبد - إذا قصد المقام بمقدار ما قصده متبوعه، والمفروض ان المتبوع قاصد لاقامة العشرة واقعا فان هذا يكفي في تحقق الاقامة بالاضافة إلى التابع وان كان هو جاهلا بها، فمتى علم بالحال وحصل له الاطلاع وجب الاتمام وان كان الباقي اقل من عشرة ايام، كما يجب عليه قضاء ما صلاه قصرا حال الجهل، لان ذلك مستند إلى الحكم الظاهري بمقتضى الاستصحاب الجاري آنذاك وإلا فبحسب الواقع مكلف بالتمام من اول الامر وان كان معذورا في تركه لجهله. فلا جرم يتعين القضاء لدى انكشاف الخلاف ثم ألحق (قده) بالتابع الرفيق وانه لو قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه وكان مقصدهم عشرة كفى ذلك في تحقق الاقامة. اقول: لا يمكن المساعدة على ما افاده (قده) بوجه فان موضوع الحكم بحسب الروايات هو قصد الاقامة والعزم عليها واليقين بها. ومن

[ 282 ]

الواضح ان هذا لا يتحقق مع فرض الجهل بقصد المتبوع، إذ مرجعه إلى الترديد والتعليق في قصد التابع وانه ثابت في تقدير دون تقدير، فلا قصد الا على تقدير قصد المتبوع الذي هو امر مجهول، فهو فعلا متردد وجدانا في اقامة عشرة ايام ولابد من فعلية القصد واليقين في الحكم بالتمام على ما هو ظاهر النصوص، وعلى الجملة لا فرق بين اناطة القصد بقصد المتبوع وبين اناطته بساير الامور الحادثة التي لا يدري بتحققها كوصول البرقية أو مجئ المسافر أو شفاء المريض ونحو ذلك مما يجوز ان يقع ويجوز ان لا يقع في أن الكل مشتمل على التعليق ومنوط بتقدير دون تقدير وهو عين الشك والترديد الممتنع اجتماعه مع القصد واليقين الفعليين بالضرورة وان فرضنا حصول المعلق عليه بحسب المصادفة الواقعية، فكان المتبوع قاصدا للعشرة، أو المسافر قادما، أو البرقية واصلة بعد اقامة العشرة ونحو ذلك، إذ لا عبرة بالاقامة الخارجية بل الموضوع في الادلة قصد العشرة ونيتها المفقود في المقام وجدانا حسبما عرفت. فما ذكره (قد) من كفاية القصد الاجمالي وانه لا فرق بينه وبين التفصيلي لا نعرف له معنى محصلا بعد رجوع الاجمال إلى الترديد لا محالة الموجب لزوال القصد. نعم لا يعتبر في قصد اقامة العشرة ان تكون العشرة بعنوانها مقصودة بل العبرة حسبما يستفاد من الادلة بتعلق القصد بواقع العشرة التي هي اسم لهذا الزمان الخاص، فإذا قصد الاقامة في هذه الكمية المعينة من الزمان كفى وان لم يعلم عنوانها، كما لو قصد اقامة مائتين واربعين ساعة أو كذا مقدارا من الدقيقة ولم يدر انطباقها على عشرة ايام لجهله أو غفلته عن ان كل اربعة وعشرين ساعة يوم واحد، فإذا قصد ذلك

[ 283 ]

فقد قصد واقع العشرة بطبيعة الحال. فالعبرة بالمعنون دون العنوان، وكما لو دخل كربلاء وقصد الاقامة إلى النصف من شعبان مثلا ولكنه لم يدر ان هذا اليوم الذي ورد فيه هل هو اليوم الخامس من الشهر لتكون مدة الاقامة عشرة أو السادس لتكون تسعة، فإذا كان بحسب الواقع هو اليوم الخامس فقد قصد العشرة على واقعها وان جهل عنوانها. وهذا نظير ما تقدم سابقا في قصد المسافة من ان العبرة في التقصير بقصد واقع الثمانية فراسخ وان جهل الاتصاف بهذا العنوان، اي قصد السير في مسافة هي ثمانية فراسخ بحسب الواقع وان لم يدر بها، أو كان معتقدا بالعدم كما لو قصد الحركة من النجف إلى الحلة فقصد السير في هذه المسافة المعينة التي هي ثمانية فراسخ واقعا وان كان لا يدري أو يزعم انها سبعة فانه يجب عليه التمام لصدق السير في مسافة هي ثمانية فراسخ. وكذلك الحال في المقام فان العبرة بقصد الاقامة في زمان هو عشرة ايام، فمتى تحقق ذلك وجب التمام وان لم يلتفت إلى عنوان العشرة لعدم كونه مترددا بالاضافة إلى عمود الزمان، بل هو قاصد للاقامة من الآن إلى النصف من شعبان في المثال المتقدم، أو إلى الساعة المأتين والاربعين المنطبقة بحسب الواقع على العشرة اياما وان كان جاهلا بالانطباق فلا يكون موردا لان يقول غدا اخرج أو بعد غد المذكور في صحيحة زرارة (1) مناطا لفقد قصد الاقامة. وعلى الجملة فقد تعلق القصد هنا بنفس الزمان الموصوف بكونه عشرة واقعا وان لم يعلم به، أو كان معتقدا للخلاف فانه من باب الخطأ في التطبيق كما في مثال الحلة. وهذا المقدار يكفي بمقتضى الادلة


(1) لاحظ الوسائل: باب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 284 ]

(مسألة 14): إذا قصد المقام إلى آخر الشهر مثلا وكان عشرة كفى وان لم يكن عالما به حين القصد (1)، بل وان كان عالما بالخلاف، لكن الاحوط في هذه المسألة ايضا الجمع بين القصر والتمام بعد العلم بالحال لاحتمال اعتبار العلم حين القصد


واما إذا تعلق القصد بامر زماني لا بالزمان نفسه كما لو قصد المكث في هذا البلد إلى ان تصل البرقية أو تقضى حاجته التي يمكن تحققها خلال عشرة ايام ففي مثله لا مناص من التقصير حتى إذا كان ذلك الحادث مستوعبا للعشرة بحسب الواقع وبقي في البلد مقدارها إذ لم تكن هذه العشرة مقصودة له لا بواقعها ولا بعنوانها، ويصح له ان يقول لا ادري غدا اخرج أو بعد غد، فلم يتحقق منه قصد اقامة العشرة بوجه الفرض عدم تعلق القصد بنفس الزمان، بل بالزماني القابل للانطباق على العشرة وما دونها. ومقامنا من هذا القبيل فان التابع علق قصده بقصد المتبوع الذي هو حادث زماني ونوى الاقامة بمقدار ما نواه القابل للانطباق على العشرة وعلى ما دونها، فليست العشرة مقصودة له بوجه وان كان المتبوع قد قصدها واقعا، بل المقصود متابعة المتبوع أو الصديق فيبقى عشرة ان بقي والا فلا. فبالنتيجة يصح ان يقول لا ادري غدا اخرج أو بعد غد الذي هو عين الترديد المنافي لنية الاقامة وقصدها والمأخوذ موضوعا القصر في صحيحة زرارة المتقدمة كما هو ظاهر جدا. (1): - مما قدمناه في المسألة السابقة يظهر الحال في هذه المسألة بوضوح لما عرفت من ان الاعتبار بقصد واقع المقام عشرة ايام وان لم

[ 285 ]

يقصد عنوانه، وان هناك فرقا واضحا بين تعلق القصد بالاقامة في زمان هو عشرة ايام وان لم يعلم بها وبين تعليقه على امر زماني صادف العشرة واقعا فيتم في الاول بعد انكشاف الحال، ويقضي ما فاته حال الجهل لكون العبرة بواقع العشرة لا بعنوانها كما في قصد المسافة، ويقصر في الثاني لكونه من المتردد الفاقد لقصد العشرة رأسا. وعلى ضوء ذلك نقول: ان مسألتنا هذه تتصور على وجهين: فتارة يقصد البقاء إلى آخر الشهر أو إلى اوله كمن ورد كربلاء في اليوم الحادي والعشرين من جمادي الثانية ونوى الاقامة إلى اول يوم من رجب ولكنه لا يدري ان الهلال هل يهل في ليلة السبت مثلا أو الاحد للترديد في نقصان الشهر وتمامه فانه يقصر حينئذ وان صادف عدم النقص لان الشك من هذه الجهة يرجع طبعا إلى التردد في ذات العشرة نظرا إلى ان ظهور الهلال المعلق عليه الاقامة حادث زماني لا يدرى انه يتقدم أو يتأخر، فهو نظير البقاء معلقا على مجئ زيد مثلا الممكن حصوله بعد العشرة وقبلها، ففي مثله حيث لا يقين بالعشرة لا ذاتا ولا وصفا لا عنوانا ولا معنونا ولا قصد إليها رأسا، فلا مناص من التقصير وان صادف البقاء عشرة ايام خارجا. واخرى: يقصد البقاء إلى زمان معين معلوم وحد مبين مقطوع، يتصف واقعا بالعشرة وهو لا يدري فلا تردد بالاضافة إلى نفس الزمان ومدته وانما الترديد في لونه وصفته وانها عشرة أو تسعة وفي الواقع عشرة، كما لو نوى الاقامة إلى آخر الشهر الذي هو يوم معين لعدم احتمال النقص في الشهر ولكنه لا يدري ان هذا اليوم هل هو يوم العشرين لتكون مدة الاقامة عشرة، أو الواحد والعشرين لتكون تسعة؟ وكان في الواقع يوم العشرين.

[ 286 ]

(المسألة 15): إذا عزم على اقامة العشرة ثم عدل عن قصده (1) فان كان صلى مع العزم المذكور رباعية بتمام بقي على التمام ما دام في ذلك المكان، وان لم يصل اصلا، أو صلى مثل الصبح والمغرب أو شرع في الرباعية لكن لم يتمها وان دخل في ركوع الركعة الثالثة رجع إلى القصر، وكذا لو اتى بغير الفريضة الرباعية مما لا يجوز فعله للمسافر كالنوافل والصوم ونحوهما، فانه يرجع إلى القصر مع العدول، نعم الاولى الاحتياط مع الصوم إذا كان العدول عن قصده بعد


أو ورد كربلاء قاصدا البقاء إلى النصف من رجب ولكنه يشك في ان هذا اليوم الذي ورد فيه هل هو اليوم الخامس من الشهر أو السادس وفي الواقع كان هو اليوم الخامس، ففي مثل ذلك لا اثر لهذا الترديد ولا ضير فيه، فانه تردد في العنوان والا فالمعنون اعني واقع العشرة وذاتها ونفس الزمان المتصف بها مقصود له، ولم يتعلق القصد بالحادث الزماني كرؤية الهلال في الفرض السابق، فهو بعينه نظير قصد الاقامة مائتين واربعين ساعة جاهلا بانطباقها على عشرة أيام الذي مثلنا به سابقا، وقد عرف ان العبرة بقصد واقع المقام عشرة ايام المتحقق في المقام وان لم يقصد عنوانه. وعليه فيتعين في حقه التمام، وقضاء ما صلاه قصرا قبل الاستعلام استنادا إلى الاستصحاب الذي هو حكم ظاهري. (1) - لا ينبغى الشك في ان مقتضى القاعدة الاولية مع قطع *

[ 287 ]

الزوال، وكذا لو كان العدول في اثناء الرباعية بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، بل بعد القيام إليها وان لم يركع بعد.


النظر عن النص الخاص الوارد في المقام هو لزوم العود إلى القصر متى ما عدل عن القصد سواء أتى برباعية تامة ام لا، لظهور نصوص الاقامة في دوران الحكم مدار قصد الاقامة ونيتها حدوثا وبقاءا كما هو الشأن في ساير الاحكام المتعلقة بالعناوين الخاصة مثل الحاضر والمسافر ونحو ذلك مما هو ظاهر في دخل العنوان في ثبوت الحكم للمعنون ودورانه مداره نفيا واثباتا، فلا يكون الحدوث كافيا في البقاء ما لم يدل عليه دليل بالخصوص. فلو كنا نحن وتلك النصوص لم يكن شك في ظهورها في انه يتم ما دام كونه ناويا للاقامة الذي لازمه الحكم بالتقصير لو عدل عنها لانه مسافر لا نية له من غير فرق بين ما إذا صلى تماما، ورتب الاثر على نية الاقامة أولا كما لو دخل البلد عند طلوع الشمس ونوى ثم عدل قبل الزوال فان هذا غير داخل في نصوص الاقامة لظهورها في الاتمام حينما هو ناو للاقامة لا من كان ناويا قبل ذلك فيتعين عليه القصر نعم لو صلى تماما ثم عدل لا يعيد لان الموضوع هو النية بنفسها لا الاقامة الخارجية وقد كانت متحققة آنذاك. واما بالنظر إلى الروايات فقد تضمنت صحيحة أبي ولاد ان من نوى الاقامة وصلى فريضة واحدة بتمام فهو محكوم بالاتمام وان عدل بعد ذلك عن قصده، ويحتاج العود إلى القصر إلى انشاء سفر جديد، قال: قلت لابي عبد الله (ع) اني كنت نويت حين دخلت المدينة ان اقيم

[ 288 ]

بها عشرة ايام واتم الصلاة ثم بدا لي بعد ان لا اقيم فيها، فما ترى لي اتم أو اقصر؟ قال: إن كنت دخلت المدينة وحين صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك ان تقصر حتى تخرج منها، وان كنت حين دخلتها على نيتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك ان لا تقيم فانت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشر واتم، وان لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك وبين شهر فإذا مضى لك شهر فاتم الصلاة (1). دلت بوضوح على ان نية الاقامة بمجرد حدوثها مشروطا بتعقبها بفريضة رباعية كاف في البقاء على التمام ما دام في ذلك المكان وان عدل عن قصده، وبذلك ترفع اليد عن ظهور نصوص الاقامة في الدوران مدار الحدوث والبقاء كما مر. وبازائها رواية الجعفري المتضمنة للتقصير بعد العدول وان صلى اربعا. قال: لما ان نفرت من منى نويت المقام بمكة فاتممت الصلاة حتى جاءني خبر من المنزل فلم اجد بدا من المصير إلى المنزل، ولم ادر أتم أم اقصر، وابو الحسن (ع) يومئذ بمكة فأتيته فقصصت عليه القصة، قال: ارجع إلى التقصير (2). ولكنها غير صالحة لمعارضة الصحيحة لضعف سندها بجهالة الراوي اولا، وبعدم العمل بها من احد من فقهائنا ثانيا، كيف وموردها وهو مكة من مواطن التخيير فلماذا يتعين عليه التقصير، فالرواية موهونة بالاعراض وعدم العامل بها. والعمدة ما عرفت من جهالة الجعفري وعدم ثبوت وثاقته فتقصر عن مقاومة الصحيحة.


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 1. (2) الوسائل: باب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 2.

[ 289 ]

وكيفما كان فالحكم في الجملة مما لا اشكال فيه. اعني ما إذا صلى فريضة تماما. واما إذا عدل قبل ذلك فان لم يصل اصلا فلا اشكال في تأثير العدول والرجوع إلى القصر لعدم تحقق الموضوع كما هو ظاهر، ونحوه ما لو صلى فريضة غير رباعية كالفجر والمغرب وان احتمله في الحدائق بعيدا بدعوى ان المراد فعل مطلق الفريضة بعدما قصد التمام في المقصورات منها. ولكنه كما ترى لتقييد الفريضة في الصحيحة بالتمام المختص بما يصلح للانقسام إليه وإلى القصر، فلا ينطبق على مثل المغرب والفجر غير المنقسم اليهما وغير المتصف بشئ منهما. واما إذا رتب على نية الاقامة اثرا آخر غير الصلاة التامة مما لا يجوز فعله للمسافر كنوافل الظهرين أو الصيام مع كون العدول بعد الزوال أو الشروع في الرباعية والعدول قبل ان يتمها اما بعد الدخول في ركوع الثالثة بحيث لا يمكنه العدول بها إلى القصر أو ولو كان حال القيام إلى الثالثة. فهل يتعدى عن مورد النص إلى هذه المذكورات كلا أو بعضا أو لا؟ الظاهر عدم التعدي والاقتصار على الفراغ عن الصلاة التامة التي هي مورد الصحيحة، إذ لا وجه للتعميم عدا دعوى حمل الرباعية على المثالية وكون المراد مطلق ترتيب الاثر على الاقامة الذي اظهره الصلاة التامة من غير خصوصية فيها. ولكنها عرية عن الشاهد وقول بلا دليل ومخالف جدا لظاهر الصحيحة من دخل الخصوصية من غير قرينة تدعو إلى الغائها، ولا سيما ان المذكور فيها " صليت " بصيغة الماضي الظاهر في الوقوع وتحقق

[ 290 ]

الصلاة خارجا حال العدول الذي لا يكون إلا بالفراغ والاتمام، وإلا فمع عروض العدول اثناء الصلاة لا يقال انه صلى، بل يقال يصلي، وكم فرق بين التعبيرين. وعلى الجملة لابد من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النص ما لم يقم على التعدي برهان قاطع وهو مفقود في المقام حسبما عرفت. فلا مجال لانسحاب الحكم إلى شئ من المذكورات وعليه: فلو عدل عن النية بعدما قام إلى الثالثة، فحيث ان الوظيفة الواقعية انقلبت إلى القصر بمقتضى تأثير العدول فلا جرم يتصف القيام بالزيادة فيهدم ويرجع إلى القصر، ولا ضمير فيها بعد كونها في حكم الزيادة السهوية، لانه فعلها جريا على الاعتقاد السابق فكان معذورا كالساهي. واما لو كان العدول بعد الدخول في ركوع الثالثة فحيث لا سبيل إلى العدول بها إلى القصر لفوات المحل، فلا يمكن اتمامها قصرا، كما لا يمكن تماما لانقلاب التكليف، فلا مناص من رفع اليد والاستيناف قصرا. فان قلت: حينما شرع في هذه الصلاة كانت محكومة بالصحة لتعلق الامر بالتمام واقعا الكاشف عن صحة الاقامة فما الذي اسقط الامر المتعلق بهذا الفرد المحكوم بالصحة. قلت: لم يتعلق الامر بشخص هذا الفرد ولا بغيره من ساير الافراد صحيحة كانت أو فاسدة، بل انما المأمور به هو الطبيعي الجامع القابل للانطباق على الافراد الخارجية، فالاتيان بفرد خارجا وان كان صحيحا لا يكشف عن تعلق الامر به لعدم دخل للخصوصية بالضرورة، وإنما هو فرد ومصداق الطبيعة المأمور بها فيما إذا كان قابلا لانطباقها عليه وعليه فلو بدا له في الاثناء وعدل عن نية الاقامة الموجب لانقلاب الوظيفة الواقعية عن التمام إلى القصر، فيما ان الطبيعة المأمور بها غير *

[ 291 ]

(مسألة 16): إذا صلى رباعية بتمام بعد العزم على الاقامة لكن مع الغفلة عن اقامته ثم عدل فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (1)، وكذا لو صلاها تماما لشرف البقعة كمواطن التخيير ولو مع الغفلة عن الاقامة، وان كان الاحوط الجمع بعد العدول حينئذ، وكذا في الصورة الاولى.


قابلة لانطباق، إذ لا يمكن الامتثال بهذا الفرد لا تماما لفرض الانقلاب ولا قصرا لزيادة الركوع المانعة عن صلاحية العدول. فلا جرم يسقط عن الفردية للوظيفة الواقعية الفعلية. غاية الامر ان المكلف كان يتخيل الانطباق جريا على النية السابقة المعدول عنها فانكشف الخلاف بعد تبدل الموضوع. فلا مناص من رفع اليد والا عادة قصرا كما ذكرناه. فتحصل انه لابد من الاقتصار في البقاء على التمام وان تردد في نية الاقامة أو عدل عنها على ما إذا صلى رباعية وفرغ عنها، فلا يكفي الشروع وان دخل في ركوع الثالثة فضلا عما إذا دخل في قيامها، وفضلا عما إذا رتب على الاقامة اثرا آخر غير صلاة الفريضة من نافلة أو صيام جمودا في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النص. (1): لكفاية النية الارتكازية الحاصلة حال الغفلة بمقتضى اطلاق الصحيح، فان موضوع الحكم الاتيان برباعية صحيحة مطابقة للامر الواقعي الفعلي مع سبق العزم على الاقامة ونيتها، بحيث تكون الصحة من آثار تلك النية واقعا وان لم يلتفت إليها تفصيلا وهو حاصل في المقام ما لم يكن مترددا أو عازما على الخلاف حين العمل كما هو المفروض لاستناد الفعل حينئذ إلى تلك النية الباقية في صقع الارتكاز وان كان غافلا عنها *

[ 292 ]

(مسألة 17): لا يشترط في تحقق الاقامه كونه مكلفا بالصلاة (1) فلو نوى الاقامة وهو غير بالغ ثم بلغ في اثناء العشرة وجب عليه التمام، بقية الايام، وإذا اراد التطوع بالصلاة قبل البلوغ يصلي تماما، وكذا إذا نواها وهو مجنون إذا كان ممن يتحقق منه القصد، أو نواها حال الافاقة ثم جن ثم افاق وكذا إذا كانت حائضا حال النية فانها تصلي ما بقي بعد الطهر من العشرة تماما، بل إذا كانت حائضا تمام العشرة يجب عليها التمام ما لم تنشئ سفرا.


كما لو صلى جماعة فاتى بالتمام لمحض متابعة الامام غفلة عن ان الوظيفة الفعلية هي ذلك، فانه مشمول لاطلاق الصحيح كما عرفت. ونحوه، ما لو اتم لشرف البقعة كمواطن التخيير غافلا عن نية الاقامة فانه أيضا مورد لاطلاق النص، غاية الامر انه اختار التمام لتخيله التخيير فانكشف انه متعين في حقه واقعا لكونه ناويا للاقامة من غير رجوع عن نيته لا بالتردد ولا بالعزم على العدم. وبعبارة اخرى يعتبر في البقاء عل التمام وان رجع عن نيته امران قصد الاقامة وتعقبه بصلاة تامة وكلا الامرين متحقق في كلتا الصورتين وان غفل حين العمل عن النية أو اعتقد التخيير فان ذلك غير قادح بمقتضى الاطلاق بعد وقوع الصلاة التامة خارجا بقصد الامر ووجود الامر الواقعي بالاضافة إليها وان لم يكن عالما به تفصيلا. (1) - لا ريب ان مقتضى الاطلاق في ادلة الاقامة عدم الفرق *

[ 293 ]

(مسألة 18): إذا فاتته الرباعية بعد العزم على الاقامة ثم عدل عنها بعد الوقت (1)، فان كانت مما يجب قضاؤها واتى بالقضاء تماما ثم عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على


في تحققها بين من كان مأمورا بالصلاة ومن كانت ساقطة عنه لحيض أو نفاس ونحوهما كعدم الفرق في المأمور بين من وجبت عليه ومن لم تجب كغير البالغ فان هذه الادلة بمثابة التخصيص في ادلة التقصير وان المقيم خارج عن موضوع دليل القصر بحيث لو خوطب بالصلاة فانما يخاطب بها تماما بمقتضى الوظيفة الاصلية وان كان الامر ساقطا فعلا لعذر كالحيض، أو كان ثابتا ولكن لا على نحو الوجوب بل الاستحباب كالصبي المميز بناءا على المختار من شرعية عباداته، فلو طهرت عن الحيض وقد بقى من العشرة يوم واحد، أو بلغ الصبي اثناء العشرة وجب التمام في الباقي كما يستحب له تماما قبل البلوغ. وكذا الحال في المجنون لو تحقق منه القصد، أو نوى الاقامة حال الافاقة ثم جن ثم افاق فانه يتم في الباقي وان كان دون العشرة، وكذا لو استمر الجنون أو الحيض تمام العشرة فانه يتم بعد ذلك ما لم ينشئ سفرا جديدا. والحاصل: ان ناوي الاقامة خارج عن موضوع دليل السفر فمتى تمشى منه القصد أو كان عالما بذلك فهو محكوم بالتمام بمقتضى الوظيفة الاصلية وان منع فعلا عن اصل التكليف أو عن وجوبه مانع بمقتضى الاطلاق في ادلة الاقامة كما عرفت. (1): - هل الرباعية المأخوذة موضوعا للبقاء على التمام بعد قصد *

[ 294 ]

التمام، واما ان عدل قبل اتيان قضائها ايضا فالظاهر العود إلى القصر وعدم كفاية استقرار القضاء عليه تماما، وان كان الاحوط الجمع حينئذ ما دام لم يخرج، وان كانت مما لا يجب قضاؤه كما إذا فاتت لاجل الحيض أو النفاس ثم عدلت عن النية قبل اتيان صلاة تامة رجعت إلى القصر، فلا يكفي مضي وقت الصلاة في البقاء على التمام


الاقامة خاصة بالادائية، أو تعم القضائية اعني الفائتة بعد العزم على الاقامة كما لو لم يصل الظهرين مثلا في الوقت عصيانا أو لعذر ثم قضاهما أو احداهما خارج الوقت وبعد ذلك عدل عن نية الاقامة أو تردد فيها، فهل يكفي ذلك في البقاء على التمام أو لابد من الاتيان بالتمام اداءا؟ قد يقال بالاكتفاء نظرا إلى اطلاق الصحيحة كما ذكره الماتن وغيره بل احتمل بعضهم ونسب إلى صاحب الجواهر (قده) الاكتفاء وان لم يقصد للقضاء فيجتزى بمجرد استقرار القضاء تماما في الذمة بعد نية الاقامة وان لم يأت بها خارجا فلا اثر للعدول بعد ذلك. اقول: اما الاحتمال المزبور ففي غاية السقوط لعدم كون الاستقرار بمجرده موضوعا للحكم في شئ من الادلة، بل الموضوع في الصحيحة انما هي الصلاة الخارجية لقوله (ع): وصليت بها صلاة فريضة بتمام... الخ كما هو ظاهر جدا. واما الاكتفاء باتيان القضاء استنادا إلى اطلاق الصحيحة ففيه منع

[ 295 ]

الاطلاق، إذا المستفاد من قوله (ع) في ذيل الصحيحة: " ولم تصل فيها صلاة فريضة بتمام حتى بدا لك ان لا تقيم فانت في تلك الحال بالخيار " ان موضوع الحكم الاتيان بالرباعية التي لو لم يأت بها حتى بدا له كان مخيرا بين نية الاقامة والاتمام وعدم النية والتقصير وهذا كما ترى شأن الصلاة الادائية ضرورة ان الفائتة حال العزم على الاقامة يجب قضاؤها تماما بمقتضى قوله (ع): اقض ما فات كما فات سواء أعدل بعد ذلك عن نية الاقامة أم لا، وليس ذلك موردا للتخيير المزبور بوجه. وبعبارة اخرى: يستفاد من الصحيحة بوضوح ان موضوع الحكم بالبقاء على التمام وان عدل، الاتيان بالصلاة التامة التي يستند اتمام الصلاة إلى نية الاقامة حالها بحيث لو كان العدول قبله لزمه التقصير لا إلى النية السابقة المتحققة في ظرفها، وهذا يختص بالصلاة الادائية بالضرورة، وإلا فما فاتت بعد العزم على الاقامة يجب قضاؤها تماما سواء أعدل عن نيته قبل الاتيان بالقضاء أم اثناءها، أم بعدها أم لم يعدل اصلا لتبعية القضاء للاداء في الفوت ان قصرا فقصرا وان تماما فكذلك، والمفروض فواتها تماما لكونه ناويا للاقامة في الوقت وحال الفوت، ومن المعلوم ان نية الاقامة بمجردها موضوع للاتمام لا الاقامة الخارجية فان القصد واليقين بنفسه تمام الموضوع في هذا الحكم فإذا خرج الوقت ولم يصل فقد استقر التمام في ذمته سواء قضاها في هذا المكان ام في مكان آخر ولو حال السفر. وعلى الجملة: فتمامية هذه الصلاة لا تدور مدار نية الاقامة حال الصلاة، بل النية السابقة التي وجدت وانعدمت كافية في وجوب التمام وتعينه إلى الابد من غير دخل لبقاء تلك النية في تماميتها بل يتم وان *

[ 296 ]

(مسألة 19): العدول عن الاقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه (1) وليس كاشفا عن عدم تحققها من الاول فلو فاتته حال العزم عليها صلاة أو صلوات ايام ثم عدل قبل ان يصلي صلاة واحدة بتمام يجب عليه قضاؤها تماما، وكذا إذا صام يوما أو اياما حال العزم عليها ثم عدل قبل ان يصلي صلاة واحدة بتمام فصيامه صحيح، نعم لا يجوز له الصوم بعد العدول لان المفروض انقطاع الاقامة بعده.


رجع فعلا عن قصده. واين هذا من الصلاة المفروضة في الصحيحة الموصوفة بانه ان رجع قبلها صلى قصرا، وان لم يرجع يصلي تماما التي هي شأن الصلاة الادائية. فلا اطلاق للصحيحة بالاضافة إلى الرباعية القضائية بوجه، بل هي خارجة عن الموضوع، ووجودها كالعدم في انه إذا رجع عن القصد يتعين في حقه القصر بمقتضى مفهوم الشرطية الاولى المصرح به في الصحيحة، اعني قوله (ع): وان كنت حين دخلتها على نيتك المقام ولم تصل فيها صلاة فريضة بتمام... الخ. (1): - قد اشرنا فيما مر ان التمام لدى حصول قصد الاقامة حكم واقعي لكون القصد بنفسه تمام الموضوع في هذا الحكم ولايكون حدوثه منوطا بفعل التمام خارجا وانما هو شرط في البقاء عليه وان عدل على ما دلت عليه الصحيحة. ويترتب على ذلك ان العدول قبل فعل التمام قاطع للاقامة من حينه *

[ 297 ]

(مسألة 20): لا فرق في العدول عن قصد الاقامة بين ان يعزم على عدمها أو يتردد فيها (1) في انه لو كان بعد الصلاة تماما بقي على التمام، ولو كان قبله رجع إلى القصر. (مسألة 21): إذا عزم على الاقامة فنوى الصوم ثم عدل


ولا يكون كاشفا عن عدم تحققها من الاول، ولذا ذكرنا فيما سبق انه لو فاتته الفريضة في الوقت حال عزمه على الاقامة ثم عدل قبل ان يصلي صلاة واحدة بتمام وجب عليه قضاؤها تماما وان وجب القصر فيما بعد لتحقق موضوعه واقعا آنذاك وزواله بعدئذ. وكذا الحال لو صام يوما أو اياما حال العزم ثم عدل قبل ان يصلي فريضة تامة فانه يقطع الاقامة من الحين ونتيجته عدم جواز الصوم غدا لكونه مسافرا غير مقيم ولا يشكف عن القطع من الاول، فلا يكون الصوم الصادر منه باطلاق، بل يصح لتعلق الامر به واقعا بعد تحقق موضوعه وهو نية الاقامة الحاصلة حال العمل، فحال العدول في المقام حال الفسخ في العقد، فكما انه يرفع العقد من حين وقوع الفسخ ولا يكشف عن البطلان من الاول فكذا فيما نحن فيه. (1): - للاطلاق في صحيح ابي ولاد المتقدم فان صدره وان كان ظاهرا في العازم على العدم إلا ان اطلاق الذيل يشمل المتردد حيث جعل الحكم دائرا مدار نية المقام عشرا وعدمها، فان عدم النية يعم التردد ونية العدم فهما سيان في انه لو كان بعد الصلاة تماما بقي على التمام، ولو كان قبله رجع إلى القصر.

[ 298 ]

بعد الزوال قبل الصلاة تماما (1) رجع إلى القصر في صلاته لكن صوم ذلك اليوم صحيح لما عرفت من ان العدول قاطع من حينه لا كاشف، فهو كمن صام ثم سافر بعد الزوال.


(1): - اما إذا كان العدول بعد الغروب فلا اشكال في صحة الصوم في ذلك اليوم لتعلق الامر به واقعا بعد تحقق موضوعه وهو كونه ناويا للاقامة، كما اشرنا إليه آنفا، وقد عرفت ان العدول قاطع من حينه لا كاشف عن الخلل من الاول. نعم لا يجوز له صوم الغد لزوال الموضوع وارتفاعه بقاءا كما مر. واما إذا عدل في اثناء النهار والمفروض عدم الاتيان بفريضة تامة فقد يكون ذلك قبل الزوال واخرى بعده، اما إذا كان قبل الزوال فلا ينبغي الاشكال في بطلان الصوم كما لو دخل البلد قبل الفجر ونوى الاقامة وصام ثم عدل قبل الزوال فانه مسافر غير مقيم، ومثله لا يشرع الصوم في حقه، كما هو الحال فيمن سافر قبل الزوال، فجواز الصوم فضلا عن وجوبه مشكل حينئذ بل ممنوع. واما إذا كان بعد الزوال فمن حيث الصلاة يرجع إلى القصر كما هو ظاهر بعد فرض كون العدول قبل الاتيان بصلاة تامة لكن صوم ذلك اليوم محكوم بالصحة كما ذكره في المتن لما عرفت من أن العدول قاطع من حينه لا كاشف، فكان مأمورا بالصوم واقعا حال النية لتحقق موضوعه، فهو بمنزلة من صام ثم سافر بعد الزوال. هذا وظاهر عبارة المتن حيث قال: فهو كمن صام... الخ يشبه القياس، حيث اجرى حكم من سافر بعد الزوال على من عدل عن نية *

[ 299 ]

(مسألة 22): إذا تمت العشرة لا يحتاج في البقاء على


الاقامة بعده، ومن اجله اورد عليه بعدم الدليل على انسحاب ذلك الحكم إلى المقام بعد تعدد الموضوع. لكن العبارة غير خالية عن نوع من المسامحة، وواقع المطلب شئ آخر، وهو استفادة حكم المقام من نصوص ذلك الباب بالاولوية القطعية. وتوضيحه: انه قد دلت الروايات المتكاثرة كصحيحة ابن مسلم الواردة في خصوص شهر رمضان، وصحيحة الحلبي المطلقة من هذه الجهة وغيرهما من الصحاح: ان من صام ثم سافر بعد الزوال وجب عليه صوم ذلك اليوم ولا يفسده السفر، وبذلك يرتكب التقييد في اطلاق قوله تعالى: ومن كان منكم مريضا أو على سفر... الخ وان السفر يمتاز عن بقية الموانع مثل الحيض ونحوه في انه لو كان عارضا بعد الزوال لم يمنع عن صحة الصوم، وانما يمنع لو حصل قبل الزوال. وعليه فإذا كان هذا شأن السفر نفسه فكان واقع السفر الخارجي المسبوق بالنية بطبيعة الحال غير مانع عن صحة الصوم، افهل يحتمل أن النية المجردة غير المقترنة فعلا بالسفر الخارجي بل كان محض العدول عن قصد الاقامة والبناء على ان يسافر ولا يقيم أو التردد فيه تمنع عن الصحة؟ لا يكون ذلك قطعا إذ لا تزيد النية على نفس السفر المشتمل عليها بالضرورة، فإذا لم يكن السفر نفسه مانعا لم تكن نيته فضلا عن التردد فيه مانعة بطريق اولى فنفس تلك النصوص تدل على حكم المقام بالفحوى والاولوية القطعية.

[ 300 ]

التمام إلى اقامة جديدة بل إذا تحققت باتيان رباعية تامة فكذلك (1)، فما دام لم ينشئ سفرا جديدا يبقى على التمام. (مسألة 23): كما ان الاقامة موجبة للصلاة تماما ولوجوب أو جواز الصوم، كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر (2)، ولوجوب الجمعة ونحو ذلك من احكام الحاضر.


(1): - لاطلاق ادلة الاقامة في الفرض الاول، واما في الثاني فللتصريح في صحيح أبي ولاد بوجوب الاتمام ما لم خرج، المراد به الخروج السفري كما مر، فما دام لم ينشئ سفرا جديدا يبقى على التمام كما ذكره في المتن. (2): - إذا المستفاد من ادلتها بمقتضى الانصراف ان السقوط من شؤون التقصير في الصلاة يدور مداره وجودا وعدما كما يكشف عنه قوله (ع) في الصحيح: يا بني إذا صلحت النافلة تمت الفريضة: وكذا الحال في وجوب الجمعة، اما مطلقا أو فيما بعد النداء كما هو المختار وغير ذلك من احكام الحاضر فانها باجمعها ظاهرة بمقتضى الانصراف المزبور في اختصاص السقوط بحال السفر المحكوم فيه بوجوب القصر، فمتى ارتفع حكم القصر وانقلب إلى التمام اما لاجل قصد الاقامة أو لبقاء ثلاثين يوما مترددا أو لكونه من سفر المعصية ونحو ذلك مما يوجب رفع القصر عن المسافر عادت تلك الاحكام. هذا بناءا على المختار من كون قصد الاقامة قاطعا لحكم السفر من باب التخصيص. واما بناءا على التخصص وقطعه لموضوع السفر فالامر اظهر لكونه حينئذ بمنزلة الحاضر المتوطن المحكوم عليه بتلك الاحكام.

[ 301 ]

(مسألة 24): إذا تحققت الاقامة وتمت العشرة اولا (1) وبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ولو ملفقة فللمسألة صور: الاولى: ان يكون عازما على العود إلى محل الاقامة واستيناف اقامة عشرة اخرى، وحكمه وجوب التمام في الذهاب والمقصد والاياب ومحل الاقامة الاولى (2) وكذا إذا كان عازما على الاقامة في غير محل الاقامة الاولى مع عدم كون ما بينهما مسافة.


لكن القطع الموضوعي خلاف التحقيق، ولم يرد دليل على التنزيل المزبور فيما عدا مكة، مع انه لا يمكن الالتزام به فيها أيضا كما مر ذلك كله مستقصى. (1): - اي سواء تمت العشرة ام لم تتم كما سيصرح بهذه التسوية في أواخر المسألة، وذلك لان في حكم الاتمام ما لو صلى رباعية بتمام كما تقدم. هذا وقد خص (قده) عنوان المسألة بما إذا بدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ولو ملفقة، لكنه (قده) لم يلتزم بذلك في جميع صور المسألة بل المفروض في بعضها الخروج إلى مقدار المسافة كما ستعرف والامر سهل. (2): - ذلك لما تضمنته صحيحة أبي ولاد المتقدمة من ان من نوى الاقامة وصلى رباعية تامة فهو محكوم بوجوب التمام حتى يخرج، بناءا على ما عرفت من ظهور الغاية في ارادة الخروج السفري لا مطلق الخروج عن البلد، فما دام لم ينشئ سفرا جديدا يبقى على التمام وليس له التقصير وان خرج إلى ما دون المسافة بمقتضى اطلاق الصحيحة. هذا مضافا إلى الكبرى الكلية والضابط العام المتكرر ذكره في *

[ 302 ]

(الثانية): ان يكون عازما على عدم العود إلى محل الاقامة (1) وحكمه وجوب القصر إذا كان ما بقي من محل اقامته إلى مقصده مسافة، أو كان مجموع ما بقي مع العود إلى بلده أو


غير مقام من ان من كان محكوما بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلا عند قصد المسافة ولو ملفقة على ما استفدناه من صحيحة ابن مسلم: في كم التقصير؟ قال (ع) ثمانية فراسخ حسبما تقدم بيانه سابقا، والمفروض في المقام عدم قصد المسافة فتشمله هذه الكلية. فعلى تقدير التشكيك في دلالة الصحيحة المتقدمة واجمالها من حيث ارادة الخروج السفري وعدمه تكفينا هذه الكبرى. وهذا من غير فرق بين كون الاقامة قاطعة لموضوع السفر أو لحكمه كما هو ظاهر. ومنه تعرف ضعف ما قد يقال بوجوب القصر في الذهاب والمقصد والاياب واختصاص التمام بمحل الاقامة نظرا إلى انه القدر المتيقن من دليل رفع الاقامة لحكم السفر، فيرجع في ما عداه إلى عمومات القصر لكل مسافر. إذ فيه ان الكبرى الكلية المزبورة بل وصحيحة أبي ولاد المتقدمة مخصصة لعمومات القصر لدلالتها على عدم ارتفاع حكم التمام ما لم يقصد المسافة، فهي المرجع دونها كما لعله ظاهر جدا. ثم انه لافرق في هذه الصورة بين عزم العود إلى محل الاقامة أو العزم على الاقامة في غير محل الاقامة الاولى مع كون الفصل بينهما دون المسافة كما ذكره في المتن لاتحاد مناط البحث وكونها من واد واحد. (1): - فان لم يكن بينه وبين المقصد مسافة بقي على التمام - وان *

[ 303 ]

بلد آخر مسافة، ولو كان ما بقي اقل من اربعة على الاقوى من كفاية التلفيق ولو كان الذهاب اقل من اربعة.


لم يتعرض له في المتن - كما عرفت من الكبرى الكلية ومن صحيحة أبي ولاد. وان كان ما بينهما مسافة وهو الذي تعرض إليه في المتن واشرنا إلى انه خروج عن مقسم هذه الصور كان حكمه القصر استنادا إلى عمومات التقصير لكل مسافر بعد فرض كونه قاصدا للمسافة الشرعية سواء أكانت امتدادية كما لو كان البعد المتخلل ما بين محل الاقامة ومقصده ثمانية فراسخ، والتعبير عن ذلك بما بقي من محل الاقامة - كما في المتن - باعتبار ما صدر منه من سفره قبل نية الاقامة كما هو واضح، أم كانت تلفيقية كما لو كان مجموع ما بقي من محل الاقامة إلى المقصد بضميمة العود منه إلى بلده أو بلد آخر يقيم فيه عشرة ايام ثمانية فراسخ لكن بشرط عدم كون ما بقي اقل من اربعة فراسخ لما عرفت سابقا من اختصاص دليل التلفيق بذلك وانه لا يلحق بالامتداد إلا إذا كان كل من الذهاب والاياب اربعة لقوله (ع) في الصحيح أدنى ما يقصر فيه الصلاة بريد في بريد، وما في المتن من التوسعة وعدم رعاية هذا الشرط مبنى علي مسلكه من الاكتفاء بمطلق التلفيق ولو كان الذهاب اقل من اربعة. وقد عرفت ضعفه في محله. نعم: قد يناقش في عد ذلك من التلفيق فيما إذا كان الرجوع إلى غير بلده نظرا إلى انه من مصاديق الامتداد ونوع من انواعه إذ

[ 304 ]

لا يعتبر فيه ان يكون السير على نحو الخط المستقيم، بل يشمل المنكسر أيضا كما مر. ولكن الصحيح كونه من التلفيق كما ذكره في المتن، فان الامتداد عبارة عن الابتعاد بان يسلك طريقا كلما يسير فيه يبتعد عن بلده أو عن محل اقامته، وهذا هو الذي قلنا انه لا تعتبر فيه الاستقامة بل يجوز ان يكون السير فيه بنحو الخط المنكسر أو المنحني أو اللولبي وغير ذلك من الاشكال الهندسية لاطلاق الادلة وعدم خلو الاسفار الخارجية عن مثل ذلك غالبا سيما في الاماكن الجبلية، أذ قلما يوجد فيها ما يكون بنحو الخط المستقيم. فلو كان المسير من بلده إلى مقصده على شكل القوس لكونه على ساحل البحر مثلا وكان ثمانية فراسخ قصر في صلاته وان كان البعد الملحوظ بين الجانبين بنحو الخط المستقيم اقل من ذلك بطبيعة الحال لكون المدار على السير الخارجي الابتعادي باي شكل كان كما تقدم سابقا. فهذا هو الامتداد. واما إذا كان السير مشتملا على الابتعاد والاقتراب ومتضمنا للذهاب والاياب فيبعد ثم يعود ويقرب كما هو المفروض في المقام ولاسيما إذا كان العود في نفس الخط الذي ابتعد فيه كما لو خرج من النجف إلى ذي الكفل ثم عاد منه إلى بلد آخر واقع في عرضه بحيث كان مقدار من الطريق مشتركا فيه بين الذهاب والاياب، فلا ينبغي التأمل في ان ذلك معدود من التلفيق وليس هو من الامتداد في شئ لفرض اشتماله على الابتعاد والاقتراب. ومن هنا ذكرنا في المسافة الدورية انه كلما يبتعد عن المحل فهو ذهاب إلى ان يصل إلى منتهى البعد وهي النقطة الموازية للبلد، وكلما *

[ 305 ]

(الثالثة): ان يكون عازما على العود إلى محل الاقامة من دون قصد إقامة مستأنفة (1) لكن من حيث انه منزل من منازله في سفره الجديد، وحكمه وجوب القصر أيضا في الذهاب والمقصد ومحل الاقامة.


يأخذ في الاقتراب فهو اياب ويكون المجموع من مصاديق التلفيق، ويقصر إذا كان كل منهما اربعة فراسخ. وعلى الجملة لا يعتبر في التلفيق ان يكون العود إلى نفس المحل الذي خرج منه، بل المناط الاشتمال على الذهاب والاياب والابتعاد والاقتراب وان كان العود إلى محل آخر غير بلده وهو متحقق في المقام حسب الفرض فلا مناص عن عده من التلفيق، فتحصل ان ما ذكره الماتن من احتساب ذلك من مصاديق المسافة التلفيقية هو الصحيح غير ان الحكم بالقصر حينئذ مشروط بما إذا لم يكن الذهاب اقل من اربعة فراسخ لعدم الدليل على ما اختاره من الاكتفاء بمطلق التلفيق حسبما عرفت. (1): - لخروجه معرضا عنه ومنشئا لسفر جديد، وانما يعود إليه لوقوعه في طريقه وكونه منزلا من منازل سفره وربما يبيت فيه ليلة أو ليلتين كسائر منازله، كما لو خرج عن النجف إلى الكوفة قاصدا كربلاء المستلزم للعود إليه والمرور عنه لوقوعه في الطريق أو انه اختار العود وان كان له طريق آخر. وقد حكم (قده) حينئذ بوجوب القصر أيضا في الذهاب والمقصد والاياب ومحل الاقامة. وهذا مبني على ما سلكه (قده) من ضم الذهاب إلى الاياب مطلقا وان كان اقل من اربعة فراسخ، إذ عليه

[ 306 ]

يتلبس بالسفر إلى كربلاء مثلا من حين خروجه من النجف لكن بهذا الترتيب المستلزم للعود إليه بما انه منزل من منازله فهو مسافر وقاصد للمسافة الشرعية التلفيقية من لدن خروجه عن محل الاقامة الموجب لانقطاع الحكم بالتمام الثابت آنذاك لكونه مغيى بعدم الخروج السفري بمقتضى صحيحة أبي ولاد وقد حصلت الغاية فوجب القصر مطلقا. ولكن بناءا على ما عرفت من عدم الاكتفاء بمطلق التلفيق وان الذهاب المتعقب بالاياب لا يعد من المسافة الشرعية إلا إذا كان اربعة فراسخ المفقود في مفروض المسألة، فذهابه هذا يلغي ولا يحسب جزءا من السفر وان خرج معرضا عن المحل، فلا مناص من الاتمام فيه. وبعبارة: اخرى: محقق السفر الشرعي - ثمانية فراسخ - هو الابتعاد بهذا المقدار المنطبق على الامتداد بحسب ظاهر الدليل. فكفاية الابتعاد المتعقب بالرجوع المعبر عنه بالتلفيق يحتاج إلى الدليل ولا دليل إلا في صورة خاصة وهو ما إذا كان الذهاب اربعة، فالاقل من ذلك لا يعد جزءا من السفر في نظر الشرع وان قصده المسافر وخرج عن محل اقامته معرضا وعازما على السفر. فلا مناص فيه من الاتمام كما عرفت وكذا الحال في المقصد إذ ما دام فيه لم يكن شارعا في السفر لتقومه بالمشي والسير الخارجي وعدم كفاية القصد والنية المجردة. واما في الاياب ومحل الاقامة فهل الحكم هو التمام أيضا أو القصر؟ قد يقال بالاول نظرا إلى ان المستفاد من صحيحة أبي ولاد ان المقيم في بلد محكوم بالتمام حتى يخرج من البلد، فلا ينقلب الحكم إلى القصر إلا إذا تحقق الخروج والسفر من نفس البلد، والاياب وان كان سفرا الا انه سفر من المقصد كالكوفة في المثال لا من بلد الاقامة فلا يقصر فيه لانحصار موجب التقصير بسفر خاص وهو الذي يكون مبدؤه البلد

[ 307 ]

نفسه على ما هو ظاهر قوله (ع) حتى يخرج، اي يخرج من محل الاقامة إذا يتم في الاياب وفي محل الاقامة إلى ان يخرج منه، ومتى خرج عنه ينقلب الحكم حينئذ إلى القصر. وعليه فيجب التمام في جميع الحالات من الذهاب والمقصد والاياب ومحل الاقامة. اما في الاولين فلما مر، واما في الاخيرين فلهذه النكتة. ولكنه كما ترى لا يمكن المساعدة عليه بوجه. إذ لا دلالة في الصحيحة على اختصاص الغاية بالسفر الذي يكون مبدؤه محل الاقامة، بل ظاهر قوله (ع): حتى يخرج، هو التلبس بالخروج السفري ولو كان ابتدائه من مكان آخر وإلا فلو فرضنا انه خرج عن محل الاقامة كالنجف مثلا إلى الكوفة لا بقصد السفر، بل لغاية الغايات كزيارة مسلم (ع) بانيا على الرجوع ثم بدا له السفر من الكوفة إلى الحلة، أفهل يمكن القول بعدم التقصير لانه ليس سفرا من محل الاقامة؟ لا يحتمل ذلك جزما، فيكشف ذلك عن ان الغاية مطلق الخروج السفري، اي حتى ينشئ سفرا جديدا سواء أكان من محل الاقامة ام من غيره. ومع التنزل وتسليم ان الصحيحة مجملة من هذه الجهة فتكفينا اطلاقات القصر في السفر خرج عنها ناوي الاقامة واما غيره فيبقى تحت الاطلاق وبما ان الخارج من الكوفة بقصد السفر إلى الحلة أو إلى كربلاء من طريق النجف المستلزم للعود إلى محل الاقامة شارع في السفر فهو محكوم بالقصر لا محالة بمقتضى الاطلاقات السليمة عما يصلح للتقييد. فتحصل ان الاظهر هو التفصيل في هذه الصورة بين الذهاب والمقصد فيتم كما مر وجهه، وبين الاياب ومحل الاقامة فيجب القصر.

[ 308 ]

(الرابعة): ان يكون عازما على العود إليه من حيث انه محل اقامته (1) بان لا يكون حين الخروج معرضا عنه بل اراد قضاء حاجة في خارجه والعود إليه ثم انشاء السفر منه ولو بعد يومين أو يوم بل أو اقل، والاقوى في هذه الصورة البقاء على التمام في الذهاب والمقصد والاياب ومحل الاقامة ما لم ينشئ سفرا، وان كان الاحوط الجمع في الجميع خصوصا في الاياب ومحل الاقامة. (الخامسة): ان يكون عازما على العود إلى محل الاقامة لكن مع التردد في الاقامة بعد العود وعدمها (2)، وحكمه


(1): - فلم يخرج معرضا بل لقضاء حاجة وبعده يعود ويبقى يوما أو يومين بحيث يكون هذا البقاء متمما للاقامة السابقة وجزءا منها ثم بعد ذلك ينشئ السفر منه ولا ريب حينئذ في البقاء على التمام في الذهاب والاياب والمقصد ومحل الاقامة كما افاده في المتن ما لم ينشئ سفرا جديدا لانه وان كان بانيا على السفر إلا انه بان عليه بعد العود إلى محل الاقامة لا من هذا الحين، فلا يكون خروجه هذا خروجا سفريا، فلو خرج وان بات ليلة أو ليلتين ثم رجع يقال بحسب الصدق العرفي انه رجع إلى محل الاقامة لاستكمال اقامته وإنما ينشئ السفر بعد ذلك فلا مناص من الاتمام في جميع تلك الحالات، إذ لا قصر إلا مع قصد السفر فعلا المنفي حسب الفرض. (2): - فيخرج فعلا لا بعنوان السفر بل مترددا فلا يدري انه *

[ 309 ]

ايضا وجوب التمام، والاحوط الجمع كالصورة الرابعة. (السادسة): ان يكون عازما على العود مع الذهول عن الاقامة وعدمها (1)، وحكمه ايضا وجوب التمام، والاحوط الجمع كالسابقة. (السابعة): ان يكون مترددا في العود وعدمه أو ذاهلا عنه (2)، ولا يترك الاحتياط بالجمع فيه في الذهاب والمقصد والاياب ومحل الاقامة إذا عاد إليه إلى ان يعزم على الاقامة.


يرجع فيقيم أو انه ينشئ السفر من المقصد، وانما يرجع لكونه منزلا من منازل سفره، وحكمه أيضا هو التمام في جميع تلك الحالات لعدم كونه مع هذا الترديد قاصدا فعلا لسفر جديد الذي هو المناط الوحيد في انقلاب الحكم إلى القصر. نعم لو اتفق انه رجع قاصدا للسفر قصر كما هو واضح. (1): - فهي عين الصورة السابقة ولكن مع الغفلة والذهول عن الاقامة وعدمها - بدلا عن الترديد - فلم يلتفت إلى انه يرجع ويقيم أولا يقيم، والكلام هو الكلام المتقدم، فان القصر يحتاج إلى قصد السفر والغافل لم ينشئ سفرا جديدا، فلا فرق بين الملتفت المتردد وبين الغافل من هذه الجهة. (2): - وبهذا تمتاز هذه الصورة عن الصور المتقدمة. حيث انه كان عازما فيها على العود اما لانه محل اقامته أو انه منزل من منازله أو مع الترديد في الاقامة، أو الذهول عنها، أو كان عازما على عدم *

[ 310 ]

أو ينشئ السفر، ولا فرق في الصور التي قلنا فيها بوجوب التمام بين ان يرجع إلى محل الاقامة في يومه أو ليلته أو بعد ايام، هذا كله إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة بعد العشرة أو في اثنائها بعد تحقق الاقامة، واما إذا كان من عزمه الخروج في حال نية الاقامة فقد مر انه ان كان من قصده الخروج والعود عما قريب وفي ذلك اليوم من غير ان يبيت خارجا عن محل الاقامة فلا يضر بقصد اقامته ويتحقق معه فيكون حاله بعد ذلك حال من بداله، واما ان كان من قصده الخروج إلى ما دون المسافة في ابتداء نيته مع البيتوتة هناك ليلة أو ازيد، فيشكل معه تحقق الاقامة، والاحوط الجمع من الاول إلى الآخر الا إذا نوى الاقامة بدون القصد المذكور جديدا أو يخرج مسافرا.


العود كما في الصورة الثانية واما هنا فهو متردد في اصل العود وعدمه ومن الجائز انه يسافر من مقصده ولا يرجع، أو انه غافل عن ذلك. وقد توقف الماتن (قده) عن الفتوى في هذه الصورة واحتاط بالجمع في الذهاب والمقصد والاياب ومحل الاقامة إذا عاد إليه إلى ان يعزم على الاقامة أو ينشئ السفر. ولم يظهر وجه توقفه (قده) بل اللازم هو الحكم بالتمام في جميع المواضع الاربعة كما في الصور الثلاث المتقدمة لوحدة المناط إذ لو

[ 311 ]

كان مترددا في العود وعدمه أو غافلا فمرجعه إلى التردد في السفر أو غفلته عنه، ومعنى ذلك انه لم ينشئ فعلا سفرا جديدا فلم يخرج عن البلد قاصدا للسفر ومعرضا عن المحل ومعلوم ان من هذا شأنه وظيفته التمام لاناطة القصر بقصد السفر الفعلي المنفي حسب الفرض كما في الصور المتقدمة. وعلى الجملة لم يظهر وجه للتفكيك بين هذه الصورة وبين ما لو كان عازما على العود مع التردد في الاقامة أو الغفلة عنها الذي حكم (قده) فيه بالتمام مع ان الملاك هو الملاك بعينه، فان الملاك الجامع بين هذه الصور والضابط العام هو ان من كان مقيما في محل وتحققت منه الاقامة ولو بالاتيان برباعية تامة فحكمه الاتمام إلى ان يسافر سفرا جديدا بشرائطه من قصد المسافة واستمرار القصد ونحو ذلك. فما لم يتحقق ذلك يبقى على التمام وهذا الملاك كما ترى منطبق على هذه الصورة كالصور المتقدمة الثلاث من غير فرق بينهما بوجه. نعم الاحتياط في موارد الاختلاف حسن جدا إلا ان الفتوى هو ما ذكرناه. ثم ان جميع ما ذكرناه من الصور انما هو فيما إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة اما بعد العشرة أو في اثنائها بعد تحقق الاقامة برباعية تامة من غير فرق بين ما لو رجع إلى محل الاقامة ليومه أو ليلته أو بعد ايام. واما إذا كان عازما على الخروج حال نية الاقامة من اول الامر فقد مر حكمه سابقا، وعرفت انه ان كان الخروج في زمن يسير كساعتين أو ثلاث ساعات بحيث لا يضر عرفا بصدق الاقامة في مكان واحد لم يكن به باس. واما إذا كان بمقدار يقدح في الصدق المزبور كما لو خرج طول *

[ 312 ]

(مسألة 25): إذا بدا للمقيم السفر ثم بداله العود إلى محل الاقامة (1) والبقاء عشرة ايام، فان كان ذلك بعد بلوغ اربعة فراسخ قصر في الذهاب والمقصد والعود، وان كان قبله فيقصر حال الخروج بعد التجاوز عن حد الترخص إلى حال العزم على العود ويتم عند العزم عليه ولا يجب عليه قضاء ما صلى قصرا وأما إذا بدا له العود بدون اقامة جديدة بقي على القصر حتى في محل الاقامة لان المفروض الاعراض عنه، وكذا لو ردته


النهار فضلا عن مبيت الليل أيضا، أو كان في زمان يشك معه في الصدق كما لو خرج بمقدار خمس ساعات أو ست كان المرجح حينئذ عموم ادلة القصر للزوم الاقتصار في الشبهة المفهومية للمخصص المجمل الدائر بين الاقل والاكثر على المقدار المتيقن الذي يحرز معه صدق الاقامة عشرة ايام في مكان واحد غير القادح فيه خروج الساعات اليسيرة كما عرفت. واما فيما شك معه في الصدق فضلا عما إذا احرز العدم فالمرجع عمومات التقصير كما تقدم. (1): - قد يفرض حصول البداء بعد بلوغ اربعة فراسخ واخرى قبل ذلك. اما في الاول فلا اشكال في القصر في الذهاب ومحل البداء والاياب ومحل الاقامة ما لم يقصد فيه اقامة مستأنفة لزوال الاقامة الاولى بحدوث سفر جديد متحصل من المسافة التلفيقية ضرورة ان الاتمام للمقيم كان مغيى بمقتضى صحيحة أبي ولاد بعدم الخروج السفري وقد تحقق بعد

[ 313 ]

كونه اعم من التلفيق، فلا بد من التقصير في جميع تلك المواضع حتى في محل الاقامة إلا إذا اقام فيه عشرة اخرى وهذا ظاهر. واما في الثاني فلم يتحقق منه السفر الشرعي، وحينئذ ان كان عازما على اقامة عشرة اخرى في محل الاقامة فبما انه لم يتخلل السفر الموجب للقصر بين الاقامتين اتم في محل البداء وفي الاياب. وهل يعيد ما صلاه قصرا في ذهابه المستند إلى عزم السفر آنذاك؟ فيه كلام قد تقدم فيمن خرج للسفر ثم رجع قبل ان يبلغ الاربعة وقد صلى قصرا، وعرفت ان مقتضى القاعدة حينئذ هو الاعادة، لان العزم على السفر مع التبلس به خارجا وان كان مسوغا للتقصير لكنه مشروط في صقع الواقع ببلوغ السير حد المسافة الشرعية، فما لم يتعقب بهذا المقدار لم يتحقق موضوع القصر وان اعتقد هو تحققه لبنائه على الاسترسال في السير، فانه حكم اعتقادي مضروب في مرحلة الظاهر مغيى بطبيعة الحال بعدم انكشاف الخلاف، فمع الكشف تجب الاعادة رعاية للوظيفة الواقعية. الا ان صحيحة زرارة تضمنت نفي الاعادة على خلاف القاعدة فلو كنا نحن وهذه الصحيحة لاخذنا بمقتضاها ولكنها معارضة في موردها بصحيحة أبي ولاد المثبتة لها، إذا يرجع إلى ما تقتضيه القاعدة السليمة عما يصلح للتخصيص. ومن ثم تقدم (1) ان الاحوط ان لم يكن اقوى وجوب الاعادة، واما إذا لم يكن عازما على اقامة جديدة فقد اختار في المتن لزوم البقاء على القصر حتى في محل الاقامة نظرا إلى انه بخروجه واعراضه قد ارتفع حكم الاقامة السابقة، فيحتاج ضم الاقامة الثانية التي هي


(1) في المسألة الرابعة والعشرين من صدر المبحث.

[ 314 ]

دون العشرة إلى دليل يتكلف الالتحاق والانضمام وحيث لادليل وهو مسافر بالفعل وجدانا كان المرجع عمومات القصر لكل مسافر. وبعبارة: اخرى هذا مسافر حكم عليه بالتمام حينما كان في محل الاقامة وما دام كونه مقيما فيه وقد زال هذا الحكم بخروجه وسفره واعراضه فيحتاج استعادة الحكم بعد العود إلى هذا الموضع غير قاصد لاقامة مستأنفة إلى الدليل، فان هذه الاقامة في نفسها لا اثر لها بعد فرض كونها دون العشرة، ولا دليل على ضمها إلى السابقة بعد الانفصال بينهما بالاعراض، فعمومات القصر هي المحكمة ومقتضاها القصر في محل البداء وفي الاياب وفي محل الاقامة. ولكنه غير سديد ولا يمكن المساعدة عليه بوجه، إذ لم يدل دليل على ان الاعراض مسقط للاقامة ورافع لحكمها، بل مقتضى اطلاق دليل المخصص، اعني صحيحة أبي ولاد الدالة على انه يتم حتى يخرج انه ما لم يتحقق الخروج يبقى على التمام سواء اعرض ام لم يعرض، وقد عرفت ان المراد به الخروج السفري لا مطلق الخروج، فالغاية هو السفر لا الاعراض، إذ المحكم اطلاق دليل المخصص لا عموم العام. ومن الواضح ان المراد بالسفر المجعول غاية للحكم بالتمام هو واقع السفر لاخياله واعتقاده ولم يتحقق في المقام حسب الفرض وإنما هو خيال محض وخيال السفر لا اثر له، وقد عرفت ان الحكم بالقصر لدى الخروج بقصد السفر كان حكما ظاهريا مراعى بعدم انكشاف الخلاف، ومع كشفه يتبين انه حكم اعتقادي لا واقعي لعدم كونه من المسافر في شئ بعد حصول البداء، وعدم قطع المسافة الشرعية ومعه كيف يمكن الرجوع إلى عمومات القصر، بل المرجع اطلاق دليل المخصص المقتضى للبقاء على التمام ما لم يتحقق السفر الجديد المنفي في المقام كما عرفت.

[ 315 ]

الريح أو رجع لقضاء حاجة كما مر سابقا (1). (مسألة 26): لو دخل في الصلاة بنية القصر ثم بداله الاقامة في اثناءها اتمها واجزأت (2)، ولو نوى الاقامة ودخل في الصلاة بنية التمام فبداله السفر، فان كان قبل


فتحصل ان الاظهر الحاق هذه الاقامة بالاقامة السابقة فيبقى على التمام في محل الاقامة وفي الاياب وفي موضع البداء. وقد تقدم حكم تقصيره في الذهاب: نعم لو فرضنا ان العود إلى محل الاقامة كان بعنوان الاستطراق وبما انه منزل من منازل سفره من غير عدول عن اصل السفر اتجه الحكم بالقصر حينئذ في جميع تلك المواضع ووجهه ظاهر. ثم انه لا فرق فيما ذكرناه بين ما إذا كان العود إلى محل الاقامة لحصول البداء، أو لاجل ان الريح ردته أو رجع لقضاء حاجة كما نبه عليه في المتن وهو واضح، فان الكل من باب واحد. (1): - لم يسبق منه (قده) التعرض لحكم هذه المسألة اعني العود إلى محل الاقامة. نعم تقدم في المسألة التاسعة والستين من الفصل الاول حكم العود إلى ما دون حد الترخص اما لاعوجاج الطريق أو لغير ذلك لا إلى البلد نفسه وعرفت ثمة ان الاظهر هو التفصيل بين الوطن ومحل الاقامة فيعود إلى التمام في الاول دون الثاني. وكيفما كان فلم يمر سابقا حكم العود إلى محل الاقامة نفسه الذي هو محل الكلام في المقام، وكأن مراده (قده) انه تقدم نظير المقام لا عينه فلاحظ (2): - فان وظيفة القصر قد انقلبت إلى التمام بتبدل الموضوع *

[ 316 ]

الدخول في الركعة الثالثة اتمها قصرا واجتزأ بها، وان كان بعده بطلت ورجع إلى القصر ما دام لم يخرج، وان كان الاحوط اتمامها تماما واعادتها قصرا والجمع بين القصر والاتمام ما لم يسافر كما مر.


ولا موجب لرفع اليد عما بيده بعد امكان تتميمه مطابقا للوظيفة الفعلية فان القصر والتمام كيفيتان وخصوصيتان لعمل واحد، فالواجب شئ واحد وهو طبيعي صلاة الظهر مثلا غاية الامر ان المصلي لدى لانتهاء من الركعة الثانية يلاحظ حالته الفعلية فان كان مسافرا قصر وسلم، وإلا الحق بهما الركعتين الاخيرتين، ولا يلزم ان يكون هذا معلوما من الاول لعدم الدليل عليه بعد تحقق الطبيعي المأمور به على وجهه على التقديرين كما هو ظاهر. ونحوه الحال في عكس المسألة، اعني ما لو كان ناويا للاقامة فدخل في الصلاة بنية التمام ثم بدا له السفر أو تردد فيه فان الوظيفة تنقلب حينئذ إلى القصر على ما مر من ان عدم الانقلاب والبقاء على التمام وان عدل مشروط بالفراغ عن الصلاة التامة المفقود في مفروض الكلام. وعليه: فان كان العدول قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة اتمها قصرا واجتزأ بها، غايته هدم القيام الزائد لو كان ذلك حال القيام إلى الثالثة، ولا بأس به بعد ان لم يكن عامدا في الزيادة كما مر سابقا، وان كان بعد الدخول في الركوع، فحيث ان هذه الصلاة لا تقبل العلاج فلا مناص من رفع اليد والاستيناف قصرا. ثم ان جملة (ما دام لم يخرج) المذكورة في المتن من سهو القلم أو *

[ 317 ]

(مسألة 27): لا فرق في ايجاب الاقامة لقطع حكم السفر واتمام الصلاة بين ان تكون محللة أو محرمة (1) كما إذا قصد الاقامة لغاية محرمة من قتل مؤمن أو سرقة ماله، أو نحو ذلك كما إذا نهاه عنها والده أو سيده أو لم يرض بها زوجها. (مسألة 28): إذا كان عليه صوم واجب معين غير رمضان كالنذر أو الاستيجار أو نحوهما وجب عليه الاقامة مع الامكان (2).


غلط النساخ كما نبه عليه - دام ظله - في تعليقته الانيقة وان لم يتعرض له في الدرس ووجهه ظاهر فلاحظ. (1): - لاطلاق الادلة فان التقييد بالمحلل إنما ورد في السفر المحكوم بالقصر كما مر، واما الاقامة القاطعة لحكم السفر فلم يرد فيها مثل هذا التقييد والمرجع الاطلاق، على ان الفارق موجود، فان القصر مبني على التخفيف غير المناسب لمرتكب الحرام بخلاف الاتمام، فانه لو ثبت في حق المقيم حلالا ففي المقيم حراما بطريق اولى، فان الحرمة لو لم تكن مقتضية للتشديد فلا ريب انها لا تقتضي التخفيف. وكيفما كان فحكم المسألة ظاهر وانما هو مجرد تنبيه من الماتن ونعم التنبيه. (2): - فصل (قده) بين الصوم الواجب المعين من رمضان وبين غيره مما وجب لنذر أو استيجار أو شرط في ضمن عقد ونحو ذلك في انه لو صادف السفر وجب قصد الاقامة في الثاني دون الاول نظرا إلى ان الحضور شرط للوجوب في رمضان على ما يقتضيه ظاهر

[ 318 ]

قوله تعالى: من شهد منكم الشهر فليصمه، وغيره من النصوص، وان وجب القضاء بنص خاص، ولا تنافي بين الامرين كما لا يخفى. ومن المعلوم عدم لزوم التصدي لتحصيل شرط الوجوب. واما في النذر ونحوه فالوجوب مطلق إلا إذا قيده الناذر بالحضور فان النذور تتبع القصود من حيث الاطلاق والتقييد، والسعة والضيق لعدم كون الوجوب في موردها حقا إلهيا ابتدائيا، بل هو تابع لكيفية قصد الناذر، فإذا كان مطلقا من حيث الحضر والسفر، اي نذر طبيعي الصوم في اليوم المعين لا مشروطا بكونه حاضرا كما هو المفروض في محل الكلام كان الوجوب ايضا مطلقا لا محالة، غاية الامر ان الواجب مقيد بالحضر باعتبار ما دل على عدم صحة الصوم في السفر، فهو شرط لوجود الواجب وصحته لا لوجوبه، ولاجل ذلك وجبت عليه الاقامة لو صادف السفر تحقيقا لشرط الواجب اللازم تحصيله بحكم العقل بعد فرض اطلاق الوجوب. وعلى الجملة بما ان النذر وشبهه قد تعلق بمطلق الصوم غير مشروط بالحضر وهو اختياري. فلا جرم يجب الوفاء به مطلقا، وحيث ان صحته متوقفة على الاقامة وهي مقدورة، فلا مناص من قصدها لوجوب تحصيل المقدمة ولو عقلا تحقيقا لامتثال الواجب الفعلي على وجهه. وهذا الذي ذكره (قده) هو مقتضى القاعدة الاولية حسبما بيناه الا ان هناك روايات خاصة دلت على عدم وجوب الاقامة حتى في النذر، بل جواز السفر اختيارا كما في رمضان، ويقتضي المنذور بعد ذلك ومرجعها إلى التخصيص في دليل وجوب الوفاء بالنذر، وبذلك نرفع اليد عن مقتضى القاعدة.

[ 319 ]

وهذه الروايات قد عقد لها صاحب الوسائل بابا في كتاب الصوم وهو الباب العاشر من أبواب من يصح منه الصوم وذكر جملة منها فيه كرواية عبد الله بن جندب عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه فحضرته نية في زيارة أبي عبد الله (ع) قال: يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك. واغلب ما ذكر في هذا الباب وان كانت معتبرة عندنا الا ان العمدة في المقام روايتان أوردهما في كتاب النذر. احداهما: صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إليه يعني إلى أبي الحسن (عليه السلام) يا سيدي رجل نذر ان يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو اضحى أو ايام التشريق، أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه، وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: قد وضع الله عنه الصيام في هذه الايام كلها، ويصوم يوما بدل يوم ان شاء الله... الخ (1) دلت بوضوح على عدم وجوب الاقامة، بل جواز احداث السفر ابتداءا، فإذا جاز حدوثا جاز بقاءا بطريق اولى. فلا يجب الوفاء بالنذر في هذه الصورة. ثانيتهما: التي هي اوضح دلالة صحيحة زرارة قال: ان امي كانت جعلت عليها نذرا نذرت لله في بعض ولدها في شئ كانت تخافه عليه ان تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه عليها فخرجت معنا إلى مكة فاشكل علينا صيامها في السفر فلم تدر تصوم أو تفطر، فسألت أبا جعفر (ع) عن ذلك؟ فقال: لا تصوم في السفر، ان الله قد وضع عنها حقه في السفر وتصوم هي ما جعلت على نفسها... الخ (2).


(1) الوسائل: ج‍ 16 باب 10 من أبواب النذر ح 1. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب النذر ح 2.

[ 320 ]

دلت على ان حق الله موضوع في السفر، فكيف بالحق الذي جعلته هي على نفسها لاجل النذر فانه اولى بالوضع والسقوط. فيستفاد منها ان الصوم المجعول من قبل الشخص نفسه بنذر وشبهه من عهد أو يمين - وان كان مورد النص هو الاول - مشروط وجوبه بالحضر فتجوز المسافرة ولا تجب الاقامة كما في صوم رمضان المجعول من قبل الله تعالى ابتداءا من غير فرق بينهما. فلا يجب الوفاء بما اوجبه على نفسه في خصوص هذا المورد، بل يسافر ويقضي كما في صحيح ابن مهزيار. وهل يلحق بالنذر وشبهه مما اوجبه على نفسه الصوم الذي هو متعلق لحق الغير ومملوك له كما في الاستيجار والشرط في ضمن العقد ونحوهما؟ الظاهر عدم الالحاق لعدم الدليل على التعدي عن مورد النص إلى ما كان متضمنا لحق الغير بحيث يرتكب التخصيص في دليل وجوب تسليم الملك إلى صاحبه، اعني الصوم المعين الذي ملكه المستأجر على ذمة الاجير. كما لاوجه للالتزام ببطلان الاجارة بعد وقوعها صحيحة جامعة للشرائط. فان كل ذلك مما لا يمكن المصير إليه لما عرفت من اختصاص مورد النص الموجب لرفع اليد عن مقتضى القواعد الاولية بالنذر والحقنا به ما يشاركه في كونه مما اوجبه على نفسه خاليا عن تعلق حق الغير كالعهد واليمين، واما ما كان مشتملا على حق الناس كالايجار ونحوه فهو غير مشمول لهذه النصوص بوجه، بل يكون باقيا تحت الاطلاق بعد سلامته عما يصلح للتقييد. وعليه: فلا يجوز السفر للاجير ونحوه، ولو كان مسافرا وجبت عليه الاقامة مقدمة لتسليم المال إلى صاحبه.

[ 321 ]

(مسألة 29): إذا بقي من الوقت اربع ركعات وعليه الظهران (1) ففي جواز الاقامة إذا كان مسافرا، وعدمه من حيث استلزامه تفويت الظهر وصيرورتها قضاءا اشكال، فالاحوط عدم نية الاقامة مع عدم الضرورة، نعم لو كان حاضرا وكان الحال كذلك لا يجب عليه السفر لادراك الصلاتين في الوقت.


فما يظهر من ثلة من الاكابر من التسوية بين النذر والاجارة ثبوتا وسقوطا لا يمكن المساعدة عليه، بل الظاهر هو التفصيل فيسقط الوجوب في الاول ويقضيه، ولا يسقط في الثاني حسبما عرفت. (1): - تنحل المسألة إلى فرعين: احدهما ما لو كان حاضرا وعليه الظهران ولم يبق من الوقت الا مقدار اربع ركعات، فهل يجب عليه السفر لادراك الصلاتين معا في الوقت لو امكن ذلك، كما لو كانت الطائرة على وشك الطيران، أو كان قريبا من حد الترخص جدا بحيث يحتاج إلى المشي اقداما يسيرة يستوعب من الوقت ثواني قليلة أو لا يجب ذلك، بل يصرف الوقت في صلاة العصر تامة حسب الوظيفة الفعلية، ويقتضي الظهر خارج الوقت؟ ثانيهما: عكس ذلك، اعني ما لو كان مسافرا وكان الحال كذلك بحيث يمكنه فعلا ادراك الصلاتين في الوقت فهل يجوز له قصد الاقامة من غير ضرورة، أو لا يجوز، نظرا إلى استلزامه تفويت الظهر وصيرورتها قضاءا، ومحل الكلام إنما هو في الجواز التكليفى وان هذا

[ 322 ]

القصد هل هو سايغ أو حرام؟ والا فلا اشكال في تأثير في الاتمام وان ارتكب الحرام لعدم الفرق في ذلك بين الاقامة المحللة والحرمة كما تقدم. هذا وقد جزم في المتن بعدم الوجوب في الفرع الاول، واستشكل في الجواز في الفرع الثاني، وذكر ان الاحوط عدم نية الاقامة مع عدم الضرورة اقول: اما في الفرع الاول فلا اشكال في عدم الوجوب ضرورة عدم لزوم تبديل الموضوع والتصدي لاحداث تكليف جديد، بل اللازم بحكم العقل امتثال التكليف الفعلي فارغا عن صدوره من المولى لا جعل المكلف نفسه موردا لتعلق الخطاب ومشمولا للتكليف بقلب الموضوع وتبديله بموضوع آخر. وعليه فما كان واجبا عليه وهو الظهر تامة لم يتمكن من امتثاله لفرض ضيق الوقت وما يمكن وهو الظهر قصرا لم يكن واجبا عليه فعلا ولا دليل على التصدي لاحداثه كما عرفت وهذا ظاهر. واما في الفرع الثاني فالظاهر انه لا ينبغي الاستشكال في عدم الجواز ولا وجه لتوقف الماتن عن الفتوى لفعلية الامر بالظهرين قصرا بفعلية موضوعه وهو السفر، وتحقق التكليف وتنجزه والنمكن من الامتثال. ومعه كيف يسوغ له تفويت الغرض الملزم باعدام الموضوع وافنائه، وهل هذا الا من التعجيز الاختياري عن امتثال التكليف الفعلي الذي لاريب في قبحه بحكم العقل. وعلى الجملة كم فرق بين التصدي لاحداث التكليف بايجاد الموضوع الذي هو مورد الفرع الاول وبين التصدي لتفويته وتعجيز نفسه باعدام الموضوع الذي هو مورد الفرع الثاني. فلا يلزم الاول لعدم المقتضى له، فلا موجب للسفر، ولايجوز الثاني لكونه من التفويت المحرم، *

[ 323 ]

(مسألة 30): إذا نوى الاقامة ثم عدل عنها وشك في ان عدوله كان بعد الصلاة تماما حتى يبقى على التمام ام لا بنى على عدمها فيرجع إلى القصر (1). (مسألة 31): إذا علم بعد نية الاقامة بصلاة اربع ركعات والعدول عن الاقامة ولكن شك في المتقدم منهما (2) مع الجهل بتاريخهما رجع إلى القصر مع البناء على صحة الصلاة لان الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماما حال العزم على الاقامة وهو مشكوك.


فلا تجوز الاقامة إلا لضرورة، وبذلك يظهر لك الفرق بين الفرعين. (1): - كما لو كان شكه المزبور قبل ساعة من الغروب مثلا فيعلم بعدوله عن نية الاقامة ولم يدر انه هل أتى بفريضة الوقت فعدل ولا محالة قد اتى بها تامة جريا على نية الاقامة، أو انه لم يصل بعد فان مقتضى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال لزوم الاتيان بفريضة الوقت فيثبت بهذا الاصل عدم الاتيان بالصلاة تماما، وبعد ضمه إلى العدول المحرز بالوجدان يتشكل موضوع وجوب القصر بكلا جزئيه فيرجع إلى القصر في صاحبة الوقت وغيرها: (2): - لو علم بعد كونه ناويا للاقامة بوقوع حادثين احدهما الصلاة الرباعية والآخر العدول وشك في المتقدم منهما وانه الصلاة كي يبقى على التمام ولم يكن اثر لعدوله، أو انه العدول وقد اتى بالرباعية غفلة أو نسيانا كي يرجع إلى القصر ويعيد صلاته والمفروض انه يرى

[ 324 ]

نفسه فعلا غير ناو للاقامة، والا فلا اثر لهذا الشك لو كان فعلا ناويا لها للزوم البقاء على التمام على كل حال كما لا يخفى. وقد حكم في المتن بصحة الصلاة السابقة استنادا إلى اصالة الصحة للشك بعد الفراغ عن العمل في صحته وفساده فيرجع إلى قاعدة الفراغ واما بالاضافة إلى الصلوات الآتية فيرجع إلى القصر استنادا إلى الاستصحاب إذ الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماما حال العزم على الاقامة وحيث انه مشكوك حسب الفرض فيرجع إلى اصالة عدم وقوع الصلاة تماما إلى زمان العدول. اقوال: لا يمكن الجمع بين قاعدة الفراغ والاستصحاب المزبور لمنافاته للعلم الاجمالي الحاصل ببطلان احدى الصلاتين في غير المترتبين، إذ المتقدم ان كان هو العدول فالرباعية المأتي بها سابقا باطلة، وان كان هو الصلاة التامة فما يأتيه من القصر لاحقا محكوم بالبطلان، للزوم البقاء حينئذ على التمام، فالبناء على صحة الصلاة والرجوع إلى القصر منافع لهذا العلم الاجمالي لاستلزامه المخالفة القطعية العملية. بل هو مناف للعلم التفصيلي المتعلق ببطلان اللاحقة خاصة في المترتبتين فلو صلى الظهر تماما ورجع إلى القصر في العصر عملا بالاستصحاب كما هو المفروض يقطع تفصيلا ببطلان العصر، فان العدول ان كان قبل الظهر التامة المستلزم لفسادها فسدت العصر أيضا لفقد الترتيب، وان كان بعدها لزم البقاء على التمام فلا تصح العصر قصرا، فهي معلومة البطلان تفصيلا اما لفقد الترتيب أو لفقد الاجزاء، اعني الركعتين الاخيرتين. وعلى الجملة فالحكم بصحة الصلاة السابقة وبالرجوع إلى القصر في الصلوات اللاحقة مخالف للعلم الاجمالي بل التفصيلي فلا جرم تتحقق المعارضة بين قاعدة الفراغ وبين الاستصحاب المذكور والمرجع حينئذ

[ 325 ]

اصالة الاشتغال القاضية بلزوم اعادة السابقة قصرا، وبالجمع بينه وبين الاتمام في الصلوات الآتية خروجا عن عهدة التكليف المعلوم، فان الاشتغال اليقيني يستدعي براءة مثله ولا يكاد يحرز الامتثال إلا بذلك. والصحيح في المقام ان يقال ان العدول والصلاة تماما حادثان كل منهما مسبوق بالعدم يشك في المتقدم منها والمتأخر. فان قلنا بان استصحاب عدم كل منهما إلى زمان الآخر يجري ويسقط الاستصحابان بالمعارضة كما عليه القوم في باب الحادثين المتعاقبين لم يكن اي مناص من اعادة الظهر قصرا، والجمع بين القصر والتمام في العصر وفي بقية الصلوات الآتية قضاءا لقاعدة الاشتغال كما عرفت بعد عدم السبيل لاحراز موضوع القصر أو التمام باصل أو غيره، وعدم جواز الرجوع إلى قاعدة الفراغ من اجل الابتلاء بالمعارض. واما إذا بنينا على عدم المعارضة في امثال المقام كما لا يبعد على ما اشرنا إليه في بحث الخيارات من المكاسب وان الجاري فيما نحن فيه هو خصوص اصالة عدم العدول إلى زمان الاتيان بالصلاة التامة دون العكس، بقي حينئذ على التمام في الصلوات الآتية وبنى على صحة السابقة. وتوضيحه ان موضوع الحكم بالبقاء على التمام على ما يستفاد من صدر صحيحة ابي ولاد هو كونه ناويا للاقامة وآتيا بصلاة تامة، فهو مركب من ذات هذين الجزءين، اي الاتيان بالصلاة في زمان يكون ناويا للاقامة في ذلك الزمان من غير دخل شئ آخر وراء ذلك من وصف الاقتران أو الاجتماع أو الانضمام ونحوها من العناوين البسيطة واحد الجزءين محرز بالوجدان وهو الاتيان بالصلاة التامة. فإذا اجرينا اصالة عدم العدول عن نية الاقامة إلى زمان الاتيان بالصلاة فقد احرزنا جزئي الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل، ونتيجته الحكم بالبقاء على

[ 326 ]

التمام، وبصحة الصلاة السابقة من غير حاجة إلى قاعدة الفراغ. ولا يعارض الاصل المزبور باصالة عدم وقوع الصلاة تماما حال العزم على الاقامة، اي إلى زمان العدول كما ذكره في المتن لعدم ترتب الاثر، إذ لا يثبت بها وقوع هذه الصلاة بعد العدول إلا على القول بالاصل المثبت، فهذا الاصل بنفسه لا اثر له إلا بضميمة الاثبات، الذي لا نقول به، لعدم كونه متعرضا لحال الشخص وناظرا إليه، بخلاف الاصل المتقدم فانه ينظر إليه ويتكفل للبقاء على نية الاقامة وعدم العدول عنها إلى زمان الاتيان بشخص هذه الصلاة. وبذلك يتنقح الموضوع المركب بضم الوجدان إلى الاصل الذي نتيجته البقاء على التمام كما عرفت. وبعبارة واضحة بعد فرض انه لم يؤخذ في موضوع الحكم غير تحقق الصلاة التامة والبقاء على العزم على الاقامة. فإذا حكم الشارع بالبقاء على العزم بمقتضى الاستصحاب وعلمنا بتحقق الصلاة خارجا لم يبق لنا بعد هذا شك في تحقق موضوع الحكم فلا مجال لاجراء اصالة عدم تحقق الصلاة حال العزم على الاقامة كي تتحقق المعارضة. ولهذه المسألة نظائر كثيرة، وفروع عديدة، بل هي سيالة في كل مورد كان موضوع الحكم أو متعلقه مركبا من جزئين وقد علمنا بتحقق احدهما، ثم علمنا بتحقق الجزء الآخر وارتفاع الجزء الاول، وشككنا في المتقدم منها والمتاخر كما لو علمنا بالفسخ وبانقضاء زمان الخيار الاصلي أو الجعلي، أو علمنا برجوع الزوج، وبانقضاء زمان العدة، أو بوقوع الصلاة عن المتطهر، وبصدور الحدث منه وشك في المتقدم من هذه الامور والمتأخر، ونحو ذلك من الامثلة. فانه يجري فيه الكلام المتقدم بعينه. فنقوله: إن الفسخ، أو الرجوع، أو الصلاة محرز بالوجدان،

[ 327 ]

وبقاء الخيار، أو العدة، أو الطهارة محرز بالتعبد الشرعي بمقتضى الاستصحاب الجاري في مواردها. وبعد ضم الوجدان إلى الاصل يلتئم الموضوع المركب بجزئيه، فيثبت أن الفسخ الشخصي الصادر منه وكذا الرجوع قد وقع في زمان حكم الشارع فيه ببقاء الخيار، أو ببقاء العدة فهو واقع في ظرفه وصادر من أهله في محله، فيترتب عليه انحلال العقد المنوط بوقوع الفسخ وبقاء الخيار، أو عود العلقة الزوجية المترتب على الرجوع، وبقاء العدة، أو براءة الذمة عن الصلاة الصحيحة المتوقفة على الاتيان بها حال الطهارة. وهكذا الحال في ساير الامثلة. ولا يعارض الاستصحاب المزبور بأصالة عدم وقوع الفسخ في زمان الخيار، أو عدم وقوع الرجوع في زمان العدة، أو عدم وقوع الصلاة حال الطهارة، إذ لا يثبت بها ان هذا الفسخ الشخصي، أو الرجوع أو الصلاة وقع بعد انقضاء زمان الخيار، أو زمان العدة، أو زوال الطهارة. فلا يترتب عليه الاثر إلا على القول بالاصل المثبت. وبعبارة اخرى: الاستصحاب الاول رافع للشك بمقتضى التعبد الشرعي ومنقح للموضوع بعد ضمنه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان. فلا يبقى معه شك في تحقق الموضوع كي يكون مجال لاجراء الاستصحاب الثاني الراجع في الحقيقة إلى نفي الموضوع المركب من المقيد وقيده. والسر فيه ان المجموع المركب من المقيد والقيد وإن كان مشكوكا فيه وجدانا: فمثلا وقوع الصلاة التامة حال العزم على الاقامة كما فيما نحن فيه مشكوك فيه بالضرورة، إلا ان الشك لدى التحليل يرجع إلى نفس القيد، أعني البقاء على عزم الاقامة، وإلا فذات المقيد أي الصلاة التامة محرزة بالوجدان، فلا معنى لاصالة عدمها.

[ 328 ]

فالشك في المقيد بما هو مقيد - الحاصل في المقام - وإن كان في حد نفسه يتصور على نحوين: تارة من اجل الشك في ذات المقيد، وأخرى في حصول قيده، إلا انه في المقام وامثاله متمحض في الثاني فيشك في كيفية الوجود لا في اصله، وان الصلاة الواقعة وجدانا هل كانت قبل العدول عن عزم الاقامة أو بعده؟ والمفروض ان الاستصحاب الاول اثبت البقاء على عزم الاقامة المنتج بعد ضمن الوجدان وقوع الصلاة التامة في زمان كان العزم على الاقامة باقيا على حاله. فلا شك في كيفية الوجود وخصوصيته حتى تصل النوبة إلى اجراء الاستصحاب الثاني. وعلى الجملة ذات المفيد من حيث هو كالصلاة التامة فيما نحن فيه لا شك في كي يستصحب عدمه، والمقيد بما هو مقيد وإن كان مشكوكا فيه إلا انه لا اثر له لعدم كونه موضوعا للحكم، بل الموضوع ذات الجزءين كما عرفت. فلم يبق في البين إلا الشك في نفس القيد وهو محرز ببركة الاستصحاب. وهذا هو السر في حل المعارضة المتوهمة في هذه الاستصحابات، ولولا ذلك لم يجر الاستصحاب لاحراز الجزء أو الشرط في باب المركبات من الموضوعات أو المتعلقات حتى مع الشك وعدم العلم بارتفاع احد الحادثين، فلا تجوز الصلاة مع الطهارة المستصحبة لمعارضتها باصالة عدم تحقق الصلاة في زمان الطهارة. فان هذه المعارضة لو تمت لعمت وجرت في جميع موارد هذه الاستصحابات حتى المنصوصة منها كهذا المثال، فتسقط باسرها وهو كما ترى. وحله ما عرفت من أن المقيد بوصف كونه مقيدا وإن كان مشكوكا فيه إلا أنه لا أثر له، وإنما المأمور به ذات الصلاة وأن تقع في زمان يكون المكلف متطهرا في ذلك الزمان، وكلا الجزءين محرزان حسبما

[ 329 ]

عرفت. ففي كل مورد احرزنا الموضوع المركب بضم الوجدان إلى الاصل لا يجري فيه استصحاب عدم تحقق المركب. والمقام من صغريات هذه الكبرى، فان الموضوع للبقاء على التمام الاتيان بذات الصلاة التامة، وكونه باقيا على عزم الاقامة، وكلا الامرين محرزان بضم الوجدان إلى الاصل حسبما بيناه. ولاجله أشرنا في التعليقة انه لا يبعد الحكم بالبقاء على التمام. هذا كله فيما لو كان الشك في الوقت، وأما لو شك بعد خروج الوقت في تقدم العدول على الرباعية ليرجع في العشاء إلى القصر أو العكس كي يتم. فان بنينا على عدم تعارض الاستصحابين على ما عرفت فالامر ظاهر. وأما إذا بنينا على المعارضة. فان قلنا بأن التمام المأتي به في موضع القصر يجب قضاؤه مطلقا ما عدا الجاهل بأصل الحكم كما عليه الماتن وغيره. فالحال فيه كما ذكرناه، غاية الامر أن العلم في الوقت تفصيلي وهنا اجمالي، فيعلم اجمالا إما بوجوب قضاء الظهرين قصرا لو كان العدول سابقا، أو بوجوب التمام في صلاة العشاء وما بعدها من الصلوات ففي مثله لابد من الجمع في الصلوات الآتية عملا بقاعدة الاشتغال. نعم لا مانع من الرجوع إلى اصالة البراءة عن القضاء للشك في تحقق موضوعه وهو الفوت الذي لا يثبت باستصحاب العدم كما هو ظاهر. وإن قلنا - كما هو الصحيح على ما سيجئ قريبا إن شاء الله - بأن من أتم في موضع القصر لعذر من الجهل بخصوصيات الحكم أو الموضوع، أو الغفلة أو النسيان ونحو ذلك لا يجب عليه القضاء وإن كانت وظيفته الواقعية هي القصر، كما لا يجب القضاء في الجاهل بأصل الحكم اتفاقا. فحينئذ تخرج الصلاة التامة المأتي بها في الوقت *

[ 330 ]

(مسألة 32): إذا صلى تماما ثم عدل ولكن تبين بطلان صلاته رجع إلى القصر وكان كمن لم يصل (1) نعم إذا صلى بنية التمام وبعد السلام شك في انه سلم على الاربع أو على الاثنتين أو على الثلاث بنى على انه سلم على الاربع ويكفيه في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الاقامة بعدها.


عن طرف العلم الاجمالي للقطع بعدم قضائها، اما لصحتها واقعا لو وقعت قبل العدول، أو للاجتزاء بها تعبدا وعدم الحاجة إلى قضائها ولو لم تكن موصوفة بالصحة لو وقعت بعده، ولكن مع ذلك لا يجوز الرجوع إلى القصر في العشاء وما بعدها، بل لابد من الجمع رعاية للعلم الاجمالي بعد تعارض الاستصحابين كما هو المفروض. (1): - فان الصلاة الباطلة في حكم العدم، وظاهر الصحيحة ان موضوع الحكم هو الاتيان بالصلاة الصحيحة. فان قلت: كيف وقد تقرر في الاصول ان الفاظ العبادات امام للاعم من الصحيحة والفاسدة. قلت: هذه الصحيحة ظاهرة في الصحيحة ولو بنينا على الوضع للاعم، وذلك لقصر النظر فيها على التعرض للصلوات الآتية وانه يصليها تماما حتى يخرج كما هو صريح قوله عليه السلام: فليس لك أن تقصر حتى تخرج. فلابد وأن تكون الصلاة السابقة مفروضة الصحة وإلا لتعرض لحكمها، وأمر باعادتها كما لا يخفى. وعلى الجملة ظاهر الصحيحة انه يتم في الصلوات اللاحقة دون السابقة، وهذا مساوق لفرض صحتها.

[ 331 ]

(مسألة 33): إذا نوى الاقامة ثم عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة، وشك في انه هل صلى في الوقت حال العزم على الاقامة أم لا؟ (1) بنى على انه صلى لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام اشكال وان كان لا يخلو من قوة خصوصا إذا بنيتا على ان قاعدة الشك بعد الفراغ أو بعد الوقت انما هي من باب الامارات لا الاصول العملية.


نعم لا يعتبر أن تكون الصحة محرزة وجدانا، بل يكفي تعبدا من اجل قاعدة الفراغ، فلو شك بعدما سلم في انه سلم على الاربع أو اقل بنى على الاربع لعدم الاعتناء بالشك بعد السلام، فهو في نظر الشارع محكوم بانه صلى اربعا إذ لا أثر لشكه، فيترتب عليه حكمه من البقاء على التمام وإن عدل. وهل يلحق بقاعدة الفراغ قاعدة الحيلولة التي يكون الشك في موردها في اصل الوجود في الوقت لا في صحة الموجود؟ سنتعرض له في المسالة الآتية إن شاء الله. (1): - لا اشكال في انه يبني حينئذ على انه صلى بقاعدة الحيلولة وبطبيعة الحال صلى تماما، لفرض عدم العدول في الوقت. إنما الكلام في ان هذا هل يكفي في البقاء على حكم التمام؟ استشكل فيه (قده) نظرا إلى التردد في ان مفاد القاعدة هل هو البناء على الاتيان بالصلاة في ظرفها، أو أن النظر فيها مقصور على نفي القضاء فحسب، من غير تعرض للاتيان وعدمه كي يترتب

[ 332 ]

عليه الاثر المرغوب في المقام، فيرجع إلى اصالة العدم من هذه الجهة كما ربما يساعده الجمود على ظاهر دليلها وهو صحيح زرارة والفضيل حيث قال عليه السلام: (وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن...) (1). واخيرا استقرب (قده) البقاء على حكم التمام خصوصا إذا بنينا على ان القاعدة من باب الامارات لا الاصول العملية. أقول: ما أفاده (قده) اخيرا هو الصحيح. اما بناءا على ان قاعدة الحيلولة من الامارات فظاهر. وهذا هو الاقوى. كما ذكرنا ذلك في تقرير حجية قاعدتي الفراغ والتجاوز، حيث قلنا إن الترك العمدي مفروض العدم، والترك غفلة خلاف ظاهر حال المتصدي للامتثال، إذ هو بطبعه وبمقتضى كونه في مقام تفريغ ذمته براعي الاتيان بالعمل في ظرفه على وجهه، فيكون التجاوز عن المحل في قاعدة التجاوز، وعن الوقت في قاعدة الحيلولة، وعن العمل في قاعدة الفراغ موجبا للظن النوعي والكاشفية النوعية عن الاتيان بالصلاة في ظرفها على النهج المقرر لها. نعم: هذا الظن بمجرده حتى الشخصي منه فضلا عن النوعي لا يغني عن الحق ما لم يقترن بدليل الامضاء، ولكن الشارع قد امضاه وقام الدليل على حجيته بالخصوص بمقتضى النصوص الواردة في موارد هذه القواعد التي مرجعها إلى الغاء الشك وتقرير الكاشفية النوعية فيكون لسان حجيتها من باب الامارات بطبيعة الحال. بل يمكن أن يقال إن هذه القاعدة - قاعدة الحيلولة - داخلة في قاعدة التجاوز حقيقة لا انها قاعدة اخرى. فلو فرضنا ان الروايات


(1) الوسائل: باب 60 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 333 ]

وعمدتها واحدة لم ترد في هذه القاعدة لقلنا بمضمونها في المقام، إذ التجاوز عن الشئ تارة يكون حقيقيا، واخرى مجازيا بعناية التجاوز عن محله، وبذلك يفترق التجاوز عن الفراغ، فالمضي في قاعدة الفراغ حقيقي لتعلق الشك بوصف الصحة لا بذات المشكوك، بخلافه في قاعدة التجاوز لتعلق الشك حينئذ بأصل الوجود، فلا يجامع مع المضي عن نفس المشكوك، بل باعتبار التجاوز عن مجله. فيستفاد من صحيحة زرارة الواردة في هذه القاعدة ان التجاوز عن محل المشكوك فيه بمنزلة التجاوز عن نفسه. فعلى هذه الكبرى يكون الشك بعد الوقت داخلا في قاعدة التجاوز لانه شك في وجود الشئ بعد مضي محله، ضرورة ان محله قبل خروج الوقت، فيصدق انه خرج من شئ ودخل في غيره باعتبار ما بينهما من الترتب المحقق للخروج عن المحل وهو الوقت. وعلى الجملة فبناءا على ان هذه القاعدة إمارة شرعية لما فيها من الكاشفية النوعية عن تحقق المشكوك فيه في ظرفه كما هو الاظهر حسبما عرفت. فالامر ظاهر ونتيجته البقاء على التمام في الصلوات الآتية وعدم أثر للعدول. وأما بناءا على انها اصل عملي فلابد من النظر حينئذ إلى مدلول هذا الاصل وانه ناظر إلى التعبد بنفي القضاء فقط: أو التعبد بالوجود ونفي القضاء من آثار هذا التعبد فعلى الاول يرجع إلى استصحاب عدم الاتيان، واما على الثاني فيبقى على التمام، سواء أكان التعبد بالوجود بلسان الامارة أم الاصل. والظاهر من صحيحة زرارة والفضيل هو الثاني لقوله عليه السلام (وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا اعادة *

[ 334 ]

(مسألة 34): إذا عدل عن الاقامة بعد الاتيان بالسلام الواجب وقبل الاتيان بالسلام الاخير الذي هو مستحب فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام (1) وفي تحقق الاقامة


عليك من شك حتى تستيقن " (1) فان عدم اقتصاره عليه السلام على مجرد نفي الاعادة حتى أضاف إليه قوله عليه السلام: " من شك، ظاهر في أن عدم الاعادة لاجل عدم الاعتناء بالشك وفرضه كلا شك ولذلك لا يعيد. فتكون العناية التعبدية مصروفة اولا وبالذات إلى الغاء الشك الراجع إلى التعبد بالوجود. ومن شؤون هذا التعبد عدم الاعادة. وبعبارة اخرى: مقتضى هذه الصحيحة ليس هو التخصيص في دليل القضاء كما في الحائض، بل هي ناظرة إلى نفي موضوع القضاء، أي أن الشك في الوجود ملغى فلا موضوع للاعادة. فتحصل ان الظاهر من الصحيحة التعبد بالوجود حتى إذا كانت بلسان الاصل فضلا عن كونها إمارة. فما ذكره في المتن من البقاء على حكم التمام هو الصحيح. (1): - فان المخرج إنما هو السلام الاول، وأما الاخير فهو مستحب واقع خارج الصلاة، ولذا لو احدث أو استدبر بين السلامين لم يكن به بأس. فعليه يصح أن يقال انه عدل بعدما صلى فريضة بتمام، فيجب عليه البقاء على التمام فلا اثر لرجوعه قبل السلام الاخير. ومنه تعرف حكم ما لو عدل قبل الاتيان بسجدتي السهو، فان هذا السجود واجب مستقل بعد الصلاة وان حصل موجبة فيها، ولذا لا يضر

(1) الوسائل: باب 60 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 335 ]

وكذا لو كان عدوله قبل الاتيان بسجدتي السهو إذا كانتا عليه، بل وكذا لو كان قبل الاتيان بقضاء الاجزاء المنسية كالسجدة والتشهد المنسيين، بل وكذا لو كان قبل الاتيان بصلاة الاحتياط أو في اثنائها إذا شك في الركعات، وان كان الاحوط فيه الجمع بل وفي الاجزاء المنسية.


تركه حتى العمدي بالصحة وان كان حينئذ آثما، فالعدول المزبور واقع بعد الصلاة أيضا كما هو واضح. واما لو عدل قبل التصدي لقضاء الاجزاء المنسية من التشهد، أو السجدة الواحدة من الركعات السابقة فهل يلحقه لحكم العدول بعد الصلاة تماما. يبتني ذلك على أن هذا هل هو قضاء اصطلاحي، اي تعلق به امر مستقل جديد حدث بعد الانتهاء من الصلاة لا يضر مخالفته بصحتها وان كان آثما كما تدم في سجود السهو؟ أو أن هذا واجب بنفس الامر السابق غاية الامر انه قد تغير محله وتبدل ظرفه، فالمراد بالقضاء الاتيان بنفس الجزء بعد السلام. وما لم يأت به لم يفرغ عن الصلاة ولو تركه عامدا بطلت صلاته. فعلى الثاني وهو الاظهر كما مر في محله يؤثر العدول لوقوعه حينئذ اثناء الصلاة فلا يصدق انه عدل بعدما أتى بصلاة تامة بخلاف الاول. ومنه تعرف حكم العدول قبل الاتيان بصلاة الاحتياط، فانه إذا بنينا على انها جزء حقيقي متمم على تقدير النقص وتخلل التسليم والتكبير غير قادح فانه تخصيص في ادلة الزيادة قد رخص الشارع فيها رعاية *

[ 336 ]

(مسألة 35): إذا اعتقد ان رفقاءه قصدوا الاقامة فقصدها ثم تبين انهم لم يقصدوا، فهل يبقي على التمام اولا (1)؟ فيه صورتان:


لسلامة الصلاة على الزيادة والنقصان في ركعاتها كما دل عليه قوله عليه السلام: ألا اعلمك... الخ (1). فالعدول حينئذ واقع قبل احراز الاربع الذي هو في حكم العدول في الاثناء، ولا ينافيه قوله عليه السلام: يبني على الاكثر أو على الاربع، إذ المراد به البناء العملي اي يعامل معها هذا العمل، لا أن هذه هي الركعة الرابعة واقعا. فالعدول حينئذ يؤثر، ومعه يرجع إلى القصر، وقد تقدم في محله ان هذا المبنى هو الاظهر. واما إذا بنينا على انها واجب مستقل بحيث لا يضر الحدث بين الصلاتين فمرجعه إلى ان الشارع قد حكم بان الركعة المشكوكة ركعة رابعة وصلاة الاحتياط عمل اجنبي وليس بجزء شرع لتدارك النقص كما في النوافل التي شرعت لتدارك الفرائض، فان من المعلوم ان النافلة ليست جزء من الفريضة. فعلى هذا يكون قد فرغ من الصلاة، فلا يؤثر العدول ويبقى على التمام. (1): - فصل (قده) حينئذ بين ما إذا كان ارتباط قصده بقصدهم على سبيل التقييد، وبين ما إذا كان بنحو الداعي. ففي الصورة الاولى يرجع إلى القصر لانكشاف عدم تحقق القصد من الاول، وفي الثانية يبقى على التمام لكونه من قبيل تخلف الداعي

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب الخلل ح 3.

[ 337 ]

(احداهما): أن يكون مقيدا بقصدهم. (الثانية): ان يكون اعتقاده داعيا له إلى القصد من غير ان يكون مقيدا بقصدهم، ففي الاولى يرجع إلى التقصير وفي الثانية يبقي على التمام، والاحوط الجمع في الصورتين.


غير القادح في تحقق قصد الاقامة، واحتاط بالجمع في كلتا الصورتين. اقول: اما البقاء على التمام في الصورة الثانية فمما لا ينبغي الاشكال فيه لوضوح عدم قدح تخلف الداعي - كما ذكر - فانه يتحقق في كثير من موارد قصد الاقامة، كما لو قصدها بداعي شراء دار، أو تزويج، أو تجارة ونحوها ثم تخلف وانصرف، بل لا يكون العدول غالبا إلا من باب التخلف في الداعي، وإلا فما الموجب له إلى العدول، ولماذا يرجع عن نيته، ليس ذلك طبعا إلا لاجل انه ينكشف له لاحقا ما لم يكن منكشفا سابقا فيتخلف الداعي قهرا، ومثله غير قادح جزما كما عرفت. وهذا ظاهر لا سترة فيه، ولا وجه صحيح هنا للاحتياط الذي ذكره في المتن الا من باب انه حسن على كل حال، وأما الرجوع إلى القصر في الصورة الاولى: فقد يقال في وجهه بان نية الاقامة بعد أن كانت مقيدة بقصد الرفقة ومنوطة به على سبيل الشرط والمشروط كما هو المفروض، فانكشاف عدم قصدهم كاشف عن عدم قصده أيضا من الاول بمقتضى ما بينهما من فرض الارتباط والاشتراط. غايته انه كان مشتبها لجهله بفقد المعلق عليه. فإذا انكشف الخلاف وجب الرجوع إلى القصر لا محالة. ويندفع بما تكررت الاشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من امتناع

[ 338 ]

التقييد في امثال المقام مما هو جزئي حقيقي لا سعة فيه ليضيق كالنية فيما نحن فيه التي هي من الامور الوجدانية، وفعل اختياري دائر بين الوجود والعدم ويستحيل فيه التعليق علي تقدير دون تقدير، إذ ليس له معنى معقول ابدا نظير أن يشرب مايعا ويجعل شربه مقيدا بأن يكون ماءا وإلا لم يكن شاربا، فان هذا مما يضحك الثكلى، ضرورة ان الشرب فعل جزئي قد تحقق خارجا على كل تقدير، كان المايع ماءا ام لم يكن. ولا يكاد يقبل التعليق بوجه. نعم يمكن ان يكون الشرب بداعي كونه ماءا، فإذا تخلف يكون من تخلف الداعي. ومن هنا ذكرنا في مبحث الجماعة ان الاقتداء خلف الامام الحاضر على تقدير انه زيد لا معنى له، فان الاقتداء فعل اختياري إما يوجد أو لا يوجد فلا وجه للتفصيل بين الداعي والتقييد المنسوب إلى المشهور. كما وذكرنا أيضا في باب العقود من المكاسب ان التعليق في الانشاء المحكوم بالبطلان مرجعه إلى التعليق في المنشأ، وإلا فالانشاء امر وجداني وفعل نفساني اختياري اما أن يكون أولا يكون ولا واسطة بينهما ولا يعقل فيه التعليق والاناطة بتقدير دون تقدير. وعلى الجملة فلا يتصور التعليق في الافعال التكوينية الوجدانية فانها دائرة بين الوجود والعدم، وكل ما ذكر فهو من قبيل التخلف في الداعي، ولا يتصور التقييد في امثال المقام. نعم: التقييد في المقصود أو في المنشأ امر معقول فينشأ بانشائه الفعلي المحقق الملكية مثلا المعلقة على شئ والمقيدة بتقدير خاص ككون اليوم يوم الجمعة مثلا بداهة انه كما يمكن انشاء الملكية المطلقة يمكن انشاء الملكية المقيدة، فيكون الانشاء بنفسه في كليهما فعليا منجزا، غاية الامر ان المنشأ قد يكون معلقا، واخرى مطلقا. وهذا هو التعليق في

[ 339 ]

العقود الذي قام الاجماع على بطلانه، وإلا فالتعليق في نفس الانشاء امر غير معقول، لا أنه معقول باطل بسبب الاجماع. ففي الانشاء لا يمكن وفي المنشأ يمكن، إلا انه باطل فيما عدا الوصية لقيام الدليل بالخصوص على صحتها، وجواز انشاء الملكية دبر الوفاة. وهكذا الحال في باب النية وقصد الاقامة. فانه قد يقصد الاقامة عشرة ايام مطلقا، واخرى يقصدها على تقدير أن لا يضطر إلى الخروج لامر من والده أو حاجة لصديقه ونحو ذلك، فهو إذا غير قاصد للاقامة على كل تقدير، بل على تقدير خاص. كما هو الحال في باب الافعال الخارجية. مثلا يرغب في شراء متاع لكن على تقدير أن تكون قيمته كذا، وأما لو كانت اكثر فلا يرغب. ففي المقام يمكن أن ينوي الاقامة لا مطلقا بل على تقدير خاص وهي الاقامة المقترنة المرتبطة باقامة رفقائه. فهذا ممكن وقابل للتقييد وحينئذ فان كان مترددا في اقامتهم ولا يدري انهم قصدوها أم لا فبطبيعة الحال لا يعلم هو ببقائه عشرة أيام، وحكمه القصر حينئذ حتى وإن كان الرفقة قد قصدوا العشرة، لانه وإن علق قصده على تقدير وذاك التقدير حاصل واقعا، إلا أن هذا الشخص لا يدري به والقيد المعلق عليه مشكوك فيه لديه، فلا جرم تكون الاقامة مشكوكة عنده بحيث لو سئل هل تبقى عشرة ايام؟ يقول لا أدري لاتي تابع لمن معي فلا قصد له بتاتا: ومثله محكوم بالقصر. واما لو كان معتقدا ببقائهم عشرة ايام وجب حينئذ عليه التمام وإن كان مخطئا في اعتقاده إذ بالاخرة هو قاصد فعلا للعشرة، والخطأ إنما هو في مقدمة هذا القصد وهو الاعتقاد المزبور لا في القصد نفسه، بحيث لو سئل عنه كم تبقى؟ لاجاب عشرة أيام بلا كلام التي هي

[ 340 ]

الموضوع لوجوب التمام، فهو جازم ببقاء واقع العشرة لا مجرد عنوانها غاية الامر ان الجزم نشأ عن اعتقاد مخالف للواقع ولا ضير فيه. والحاصل: ان التقييد لنفس النية لا يمكن، وأما المنوي فممكن ولكن المفروض أن القيد محرز وإن كان مخطئا فهو ناو حقيقة. ومعه لا مناص من الحكم بالتمام. ولا ينتقض المقام بما لو قصد البقاء إلى يوم الجمعة الآتية مثلا، معتقدا ان هذا اليوم يوم الاربعاء وان المجموع عشرة فبان انه يوم الخميس والمجموع تسعة. لوضوح: ان هناك من قبيل الاشتباه في التطبيق، إذ لم يقصد في الواقع الا البقاء مدة تخيل انها عشرة ايام فلم يقصد واقع العشرة بوجه بخلاف المقام لتعلق القصد هنا بواقع العشرة كما عرفت، وإن كان مستندا إلى ما لا واقع له وهو اعتقاد أن رفقاءه قصدوها. وقد ذكرنا في محله أن الاعتبار في قصد الاقامة، وكذا في المسافة بواقعهما لا بما تخيله من العنوان، فلو قصد الحركة من النجف إلى الحلة معتقدا أن المسافة بينهما خمسة فراسخ، أو إلى الكوفة معتقدا انها ثمانية قصر في الاول وأتم في الثاني، وان تخيل ما تخيل وقصد المسافة في الثاني دون الاول فان المناط واقع المسافة لا تخيلها، كما ان العبرة في قصد الاقامة ايضا بواقع العشرة لا بخيالها، والواقع منفي في مورد النقض، متحقق فيما نحن فيه، ولاجله كان القياس مع الفارق، والنقض في غير محله. والمتحصل من جميع ما ذكرناه ان في هذه المسألة لو نوى اقامة عشرة ايام باعتقاد ان الرفقة قصدوها يتم، فإذا انكشف بعد ذلك انهم لا يقيمون كان ذلك من البداء والرجوع عما نوى فيبقى على التمام *

[ 341 ]

(الثالث): من القواطع التردد في البقاء وعدمه ثلاثين يوما (1) إذا كان بعد بلوغ المسافة، واما إذا كان قبل بلوغها فحكمه التمام حين التردد لرجوعه إلى التردد في المسافرة وعدمها ففي الصورة الاولى إذا بقي في مكان مترددا في البقاء والذهاب اوفي البقاء والعود إلى محله يقصر إلى ثلاثين يوما ثم بعده يتم ما دام في ذلك المكان، ويكون بمنزلة من نوى الاقامة عشرة ايام، سواء أقام فيه قليلا أو كثيرا حتى إذا كان بمقدار صلاة واحدة.


ما لم يخرج. وقد عرفت ان التقييد والتعليق في القصد غير ممكن، وفي المقصود ممكن، والعبرة بالقصد والعزم على العشرة، فان علم ان الرفقة قصدوها فهو طبعا قاصد للعشرة، وإلا فهو غير مستيقن بالبقاء وفاقد للقصد وان قصدها الرفقة واقعا فلا يؤثر ذلك ما دام لم يكن محرزا عنده كما عرفت بما لا مزيد عليه. (1): - بلا خلاف فيه ولا اشكال للنصوص المستفيضة، وفيها جملة من الصحاح كصحيحة أبي ولاد وغيرها الناطقة بان من بقي ثلاث ين يوما - أو شهرا على الخلاف فيه كما ستعرف - مترددا يقول غدا اخرج أو بعد غد يتم صلاته بعد هذه المدة ما بقي في ذلك المكان ولو بمقدار صلاة واحدة، ويكون ذلك بمنزلة نية الاقامة عشرة، والظاهر ان هذا الحكم موضع الوفاق ومتسالم عليه.

[ 342 ]

إنما الكلام في أن مضي الثلاثين هل هو قاطع للسفر كما في قصد الاقامة بحيث يحتاج العود إلى القصر إلى قصد مسافة جديدة، أو انه مجرد تخصيص محض يقتصر على مورده وهو مكان التردد، فلو خرج عن ذلك المكان رجع إلى القصر ولو لم يكن الباقي مسافة كما لو خرج عن النجف قاصدا وطنه بغدا فلما وصل المحمودية بقي ثلاثين يوما مترددا ثم خرج نحو وطنه الذي هو دون المسافة، فهل يتم في الطريق لعدم قصده مسافة مستأنفة أو انه يرجع إلى القصر؟؟. المعروف والمشهور هو الاول، فالحقوا الثلاثين بقصد الاقامة، ونسب الثاني إلى المحقق البغدادي (قده) بدعوى خلو نصوص الثلاثين عن الدلالة على القطع بوجه، بل غايتها الاتمام في ذلك المكان، فيرجع فيما عداه إلى عمومات القصر لكل مسافر، ونتيجته انضمام ما بقي من سفره بما سبق وان لم يكن بنفسه مسافة، ولا يقاس ذلك بناوي الاقامة لدلالة النص فيه وهو صحيح أبي ولاد: على انه يتم ما لم يخرج: اي خروجا سفريا كما مر، ولم يرد مثل هذا الدليل في المقام. فعمومات القصر محكمة. أقول: ما افاده (قده) من خلو نصوص الباب عن الدلالة على القطع صحيح في حد نفسه إذ لم يدل دليل على خروج المتردد المزبور عن عنوان المسافر وإن طاعت المدة وبلغت الثلاثين، بل هو مسافر عرفا وشرعا ووجدانا، وقد عرفت عدم الدليل على التنزيل منزلة الاهل لينتج القطع الموضوعي حتى في المقيم فضلا عن المتردد. إلا ان بناء المسألة على القطع بهذا المعنى لا وجه له فلا يدور الحكم مداره، بل القطع الحكمي الراجع إلى التخصيص الذي لا ريب في دلالة النصوص عليه كما كان هو الحال في قاطعية الاقامة على ما عرفت

[ 343 ]

سابقا كاف في هذا الحكم، وذلك لاجل الكبرى الكلية والقاعدة العامة المستفادة من النصوص على ما تكررت الاشارة إليها من أن كل من حكم عليه بالتمام لجهة من الجهات لا يعود إلى القصر إلا بسفر جديد وقصد مسافة مستأنفة. والمقام من مصاديق هذه الكبرى، فلا فرق بينه وبين قصد الاقامة في عدم انقلاب الحكم إلى القصر، إلا لدى قصد المسافة ولو ملفقة لوحدة المناط واندراجهما تحت ضابط واحد حسبما عرفت. هذا كله فيما إذا كان التردد بعد بلوغ المسافة ولو ملفقة. وأما لو تردد قبل أن يبلغها فقد ذكر في المتن أن حكمه التمام حين التردد لرجوعه إلى التردد في المسافرة وعدمها. أقول: يتصور هذا على وجوه لا يبعد أن تكون عبارة المتن ناظرة إلى الاول منها: أحدها: أن يتردد بعدما قطع مقدارا من الطريق في البقاء أو الذهاب، أو العود إلى محله، كما لو خرج من النجف قاصدا الحلة وعندما بلغ الكوفة تردد في البقاء فيها أو الاسترسال في سفره أو الرجوع إلى وطنه ولا ينبغي التأمل في الحكم بالتمام من لدن عروض التردد، إذ المعتبر في القصر الاستمرار في القصد والبقاء على نية السفر إلى نهاية المسافة الذي لا يجتمع مع فرض التردد المزبور كما هو ظاهر. ثانيها: أن يكون جازما بالسفر وعازما عليه، فلا يحتمل العود إلى محله: غير انه متردد فعلا في البقاء والخروج لحاجة دعته إلى التوقف وقنا ما من معالجة أو ملاقاة صديق ونحو ذلك، ولا يدري أمد التوقف وانه يوم أو يومان أو اكثر، ولعله يطول ثلاثين يوما، فيحتمل بقاء الثلاثين من اول الامر وحين عروض الترديد. وهنا أيضا لا ينبغي التأمل في الحكم بالتمام. فان بقاء الثلاثين قاطع لحكم

[ 344 ]

السفر، فاحتماله احتمال لوجود القاطع، وهو مناف للعزم الفعلي على السفر الشرعي الموجب للقصر، فمرجع الترديد المزبور إلى الترديد في السفر الموجب لزوال القصد وعدم التصميم فعلا على الاستدامة في السفر الذي جعله الشارع موضوعا للقصر، فانه عبارة عما كان فارغا عن القاطع والمفروض احتمال وجود القاطع. ثالثها: أن يتردد في الذهاب أو البقاء بقصد اقامة العشرة، وحكمه كسابقه في لزوم التمام لاشتراكهما في احتمال وجود القاطع الموجب للتردد في السفر. غاية الامر ان القاطع هناك نفس البقاء ثلاثين يوما مترددا، وهنا قصد بقاء العشرة ونية الاقامة، ولا يبعد أن تكون عبارة المتن شاملة لجميع هذه الصور الثلاث لاشتراكها في صدق التردد في المسافرة وعدمها وإن كان شمولها للاولى اظهر كما لا يخفى. رابعها: أن يتردد في الذهاب أو البقاء يوما أو يومين أو اكثر، دون العشرة بحيث لم يحتمل من نفسه قصد إقامة العشرة فاتفق بقاؤها، أو انه لم يزل على هذه الحالة إلى أن مضى ثلاثون يوما، والظاهر ان عبارة المتن غير ناظرة إلى هذه الصورة. وعلى أي حال فلا وجه للحكم بالتمام خلاف هذه المدة لعدم كون مثل هذا التردد منافيا لقصد السفر بوجه بعد عدم اقترانه باحتمال القاطع، ومعلوم ان مجرد بقاء العشرة من غير قصد لا يستوجب القطع والرجوع إلى التمام. نعم: رواية حنان عن ابيه عن أبي جعفر عليه السلام ربما تدل عليه. قال: (إذا دخلت البلدة فقلت اليوم أخرج أو غدا اخرج فاستتممت عشرا فأتم) (1) لكنها ضعيفة السند بعبد الصمد بن محمد (2)


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 14. (2) قد بنى دام ظله - اخيرا على وثاقته لكونه من رجال كامل الزيارات - *

[ 345 ]

(مسألة 36): يلحق بالتردد ما إذا عزم على الخروج غدا أو بعد غد ثم لم يخرج وهكذا إلى أن مضى ثلاثون يوما (1) حتى إذا عزم على الاقامة تسعة ايام مثلا ثم بعدها عزم على اقامة تسعة ايام اخرى وهكذا، فيقصر إلى ثلاثين يوما ثم يتم ولو لم يبق إلا مقدار صلاة واحدة.


مع انها مروية بعين السند والمتن، مع تبديل عشرا بقوله: شهرا، فتكون من ادلة الاتمام بعد الثلاثين. ولا يبعد أن تكون نسخة عشرا غلطا من النساخ، وكيفما كان فحكم هذه الصورة هو البقاء على القصر كما عرفت. (1): - فان المذكور في اكثر النصوص وان كان هو التردد إلا انه لا خصوصية فيه، بل الاعتبار على ما يستفاد من اطلاق بعض الاخبار بعدم قصد الاقامة، والمضي على هذه الحالة إلى الثلاثين ولو عن غير تردد، كما لو عزم على الخروج في اليوم التاسع مثلا ثم بدا له فلم يخرج وعزم على إقامة تسعة ايام اخرى وهكذا إلى ان مضى الثلاثون فانه يقصر هذه المدة، ثم يتم بعدها ولو لم يبق الا مقدار صلاة واحدة. فمن تلك الاخبار رواية أبي بصير "... وان كنت تريد أن تقيم اقل من عشرد ايام فافطر ما بينك وبين شهر فإذا تم الشهر فاتم الصلاة والصيام...) (1) وهي واضحة الدلالة لكنها ضعيفة السند

، (1) وكذلك سدير الصيرفي والد حنان. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 346 ]

(مسألة 37): في إلحاق الشهر الهلالي إذا كان ناقصا بثلاثين يوما إذا كان تردده في اول الشهر وجه لا يخلو عن قوة (1) وان كان الاحوط عدم الاكتفاء به.


بعلي بن أبي حمزة الذي هو البطائني الضعيف، بل الكذاب كما عن الشيخ، مضافا إلى انها مقطوعة، إذ لم يسندها أبو بصير إلى الامام (ع) والعمدة صحيحتان: احداهما صحيحة أبي ولاد المتقدمة حيث قال عليه السلام في ذيلها: "... إن شئت فانو المقام عشرا وأتم، وإن لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك وبين شهر، فإذا مضى لك شهر فاتم الصلاة (1) دلت على أن العبرة بنية اقامة العشرة وعدمها، وانه مع عدم النية يتم بعد مضي الثلاثين سواء أكان ذلك من أجل التردد أم نية العدم بمقتضى الاطلاق. الثانية: صحيحة معاوية بن وهب قال عليه السلام فيها: (وإن أقمت تقول غدا اخرج أو بعد غد ولم تجمع على عشرة فقصر ما بينك وبين شهر فإذا تم الشهر فأتم الصلاة " (2) دلت على ان العبرة بعدم الاجماع، اي عدم العزم على اقامة العشرة، ومقتضى الاطلاق عدم الفرع بين استناده إلى التردد وعدمه. (1): - المأخوذ موضوعا للحكم في كثير من النصوص هو عنوان الشهر، وورد في بعضها وهو مصحح أبي ايوب (3) مضي الثلاثين.

(1) الوسائل: باب 18 من أبواب صلاة المسافر ح 1. (1) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 17. (3) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة المسافر ح 12.

[ 347 ]

اما الثلاثون فظاهر المعنى. واما الشهر المراد به الشهر العربي المأخوذ موضوعا لكثير من الاحكام من العمدة والصيام ونحوهما ومنه المقام فهو حقيقة لغة وعرفا في خصوص الزمان المتخلل بين الهلالين، فمبدؤه رؤية الهلال ومنتهاه رؤية الهلال القادم. إلا ان ارادة هذا المعنى الحقيقي متعذر في المقام بحيث يكون أول زمان الترديد منطبقا على أول آن يتكون فيه الهلال ويستمر إلى حلول الهلال القادم، فان هذا الفرض اما لا يقع خارجا أو لو وقع فهو في غاية الندرة والشذوذ. فكيف يمكن حمل هاتيك النصوص المتظافرة عليه. وأبعد منه ارادة ما بين الهلالين وان استلزم الغاء ما بقي من الشهر فيما لو عرض التردد اثناءه كما هو الغالب، فلو تردد في اليوم العاشر من رجب مثلا يلغى ما بقي من هذا الشهر، ويحتسب من مبدء شعبان إلى غرة رمضان كي يصدق التردد ما بين الهلالين الذي هو المعنى الحقيقي للشهر، وان كان مجموع زمان التردد خمسين يوما، فان هذا مقطوع العدم مخالف لضرورة الفقه. فلا مناص من أن يراد به مقدار ما بين الهلالين لانفسه، فان كان التردد اول الشهر فهو وإن كان اثناءه كما هو الغالب يتمم من الشهر الآتي بمقدار ما مضى من هذا الشهر، وبذلك يتحقق مقدار ما بين الهلالين وبما أن الاشهر الهلالية تختلف من حيث النقص والكمال فمقتضى اطلاق هذا الدليل الاكتفاء بهذا المقدار سواء انطبق على الثلاثين أم على الاقل، كما لو تردد في اليوم السادس عشر وكان الشهر ناقصا فانه ينتهي الامد في آخر اليوم الخامس عشر من الشهر القادم وإن كان المجموع تسعة وعشرين يوما، الحاصل من ضمن الاربعة عشر من تتمة هذا الشهر إلى الخمسة عشر من الشهر القادم، لصدق تخلل مقدار

[ 348 ]

(مسألة 38): يكفي في الثلاثين التلفيق إذا كان تردده في اثناء اليوم (1) كما مر في إقامة العشرة، وإن كان الاحوط


ما بين الهلالين بذلك، ولكن رواية الثلاثين تقيد هذا الاطلاق، وتوجب الحمل على ارادة مقدار خصوص الشهر التام. كما ان رواية الثلاثين أيضا مطلقة من حيث نقص ذلك الشهر وتمامه فتقيد بنصوص الشهر، وان الثلاثين إنما تعتبر فيما إذا لم يمض مقدار ما بين الهلالين والا يكتفى بهذا المقدار. وحيث لا يمكن الجمع بين التقييدين فلا محالة يتعارض الدليلان في اليوم الثلاثين عند نقص الشهر ويكون المرجع بعد التساقط عموم ادلة القصر. وبعبارة اخرى اطلاق كل من نصوص الشهر ورواية الثلاثين معارض بالآخر، وكل منهما صالح لان يكون مقيدا لاطلاق الآخر. وحيث لا قرينة على الترجيح فلا محالة يتعارض الاطلاقان ويتساقطان، والمرجع حينئذ عموم أدلة القصر لكل مسافر، للزوم الاقتصار في المخصص المجمل أو المبتلى بالمعارض على المقدار المتيقن وهو ما بعد مضى الثلاثين. واما الزائد عليه وهو اليوم الثلاثون نفسه فلم يعلم شمول المخصص له، فلا جرم يبقى تحت العام فبحسب النتيجة تكون العبرة بمضي الثلاثين ويتم في اليوم الذي بعده فتحصل ان ما ذكره في المتن من الحاق الشهر الهلالي مع النقص بثلاثين يوما مشكل جدا، بل ممنوع، فيبقى في اليوم الواحد الذي بعده المكمل للثلاثين على القصر، وان كان الاحوط فيه الجمع. (1): - إذ المستفاد من ظواهر الادلة بمقتضى الفهم العرفي كون *

[ 349 ]

عدم الاكتفاء ومراعاة الاحتياط. (مسألة 39): لا فرق في مكان التردد بين ان يكون بلدا أو قرية أو مفازة (1). (مسألة 40): يشترط اتحاد مكان التردد (2)، فلو كان بعض الثلاثين في مكان وبعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر، وكذا لو كان مشتغلا بالسير وهو متردد فانه يبقى على القصر إذا قطع المسافة، ولا يضر بوحدة المكان إذا خرج عن محل تردده إلى مكان آخر ولو ما دون المسافة بقصد العود إليه عما قريب إذا كان بحيث يصدق عرفا انه كان مترددا في


الاعتبار بمقدار اليوم الحاصل مع الانكسار والتلفيق لا خصوص ما بين طلوع الفجر، أو الشمس وغروبها، فلو تردد لدى الزوال من اليوم الاول واستمر إلى زوال اليوم الحادى والثلاثين صدق عليه عرفا انه تردد ثلاثين يوما بضم النصف الاول إلى الاخير الذي يتشكل منه اليوم الكامل، كما مر نظيره في إقامة العشرة، فيتم فيما بعد الزوال من ذلك اليوم. وهذا واضح. (1): - لاطلاق الادلة وعدم التقييد بالبلد فيشمل كل مكان حصل فيه التردد وإن كان سهلا أو جبلا فضلا عن القرية ونحوها، كما كان هو الحال في محل الاقامة على ما تقدم. (2): - لعين ما تقدم في محل الاقامة من ظهور الادلة في اعتبار وحدة المحل، فان دليل البابين بلسان واحد ولا فرق بين الموردين إلا *

[ 350 ]

ذلك المكان ثلاثين يوما، كما إذا كان مترددا في النجف وخرج منه إلى الكوفة لزيارة مسلم أو لصلاة ركعين في مسجد الكوفة والعود إليه في ذلك اليوم أو في ليلته بل أو بعد ذلك اليوم. (مسألة 41): حكم المتردد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة مع قصد العود إليه (1) في


من حيث القصد وعدمه، فموضوع الحكم بالتمام قصد بقاء عشرة ايام وبقاء الثلاثين من غير قصد، فيشتركان في الاحكام التي منها اشتراط وحدة المكان فلا يكفي في انقطاع حكم السفر تفرق الثلاثين في الامكنة العديدة. نعم لا يضر بصدق الوحدة الخروج ولو إلى ما دون المسافة إذا كان في مدة يسيرة كساعة أو ساعتين لقضاء حاجة ونحوها كما هو متعارف لدى المسافرين، دون المدة الكثيرة كطول النهار فضلا عن العود بعد ذلك اليوم كما ذكره في المتن، فان مثل ذلك قادح في صدق الوحدة العرفية البتة، بل وكذا يقدح الخروج في موارد الشك في الصدق بشبهة مفهومية كما لو كان ذلك بمقدار خمس ساعات أو ست للزوم الاقتصار في الخروج عن عمومات القصر على المقدار المتيقن الذي يقطع معه بعدم القدح في الصدق كالساعة أو الساعتين حسبما عرفت. واما الزائد المشكوك فيه فالمرجع فيه هو العام كما تقدم ذلك في محل الاقامة. (1): - لما عرفت آنفا من كون البابين من واد واحد، ولسان *

[ 351 ]

انه يتم ذهابا وفي المقصد والاياب ومحل التردد إذا كان قاصدا للعود إليه من حيث انه محل تردده، وفي القصر بالخروج إذا اعرض عنه وكان العود إليه من حيث كونه منزلا له في سفره الجديد، وغير ذلك من الصور التي ذكرناها. (مسألة 42): إذا تردد في مكان تسعة وعشرين يوما أو اقل ثم سار إلى مكان آخر وتردد فيه كذلك وهكذا بقي على القصر (1) ما دام كذلك إلا إذا نوى الاقامة في مكان أو بقي مترددا ثلاثين يوما في مكان واحد. (مسألة 43): المتردد ثلاثين يوما إذا انشأ سفرا بقدر المسافة لا يقصر إلا بعد الخروج عن حد الترخص كالمقيم، كما عرفت سابقا (2).


دليلهما على نهج فارد، فيجرى فيما لو بدا للمتردد بعد الثلاثين الخروج إلى ما دون المسافة جميع الصور السبع المتقدمة فيما لو بدا مثل ذلك للمقيم وحكمها حكمها حرفا بحرف لوحدة المناط فلاحظ. (1): - لعمومات القصر السليمة عما يصلح للتقييد وان طالت المدة ما لم ينو الاقامة أو لم يكمل الثلاثين اللذين هما الموضوع لوجوب التمام كما هو ظاهر. (2): - وقد عرفت منعه سابقا، وان اعتبار حد الترخص خاص بالوطن لاختصاص دليله به، فلا يشمل المقيم فضلا عن المتردد،

[ 352 ]

فيقصر من لدن خروجه عن محل الاقامة أو مكان التردد وتلبسه بالسير خارجا. بل لو سلمنا ذلك في المقيم لاجل تنزيله منزلة الاهل في بعض النصوص اخذا بعموم المنزلة - ولا نسلمه فيه لضعف دليل التنزيل كما تقدم في محله - فلا نسلمه في المقام لعدم ورود مثل هذا التنزيل فيه بوجه، فتدبر جيدا والله سبحانه العالم.

[ 353 ]

فصل: في احكام صلاة المسافر مضافا إلى ما مر في طي المسائل السابقة قد عرفت انه يسقط بعد تحقق الشرائط المذكورة من الرباعيات ركعتان (1)، كما انه تسقط النوافل النهارية اي نافلة الظهرين بل ونافلة العشاء وهي الوتيرة أيضا على الاقوى، وكذا يسقط الصوم الواجب عزيمة، بل المستحب ايضا إلا في بعض المواضع المستثناة فيجب عليه القصر في الرباعيات فيما عدا الاماكن الاربعة، ولا يجوز له الاتيان بالنوافل النهارية، بل ولا الوتيرة إلا بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبية لمكان الخلاف في سقوطها وعدمه، ولا تسقط نافلة الصبح والمغرب ولا صلاة الليل، كما لا اشكال في انه يجوز الاتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبة.


(1): - تقدم في اول البحث عن صلاة المسافر دلالة النصوص المتظافرة بل الآية الكريمة - على وجه - على سقوط الركعتين الاخيرتين من الرباعيات في السفر، كما اشرنا إلى دلالتها أيضا على سقوط الصوم *

[ 354 ]

(مسألة 1): إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر ثم سافر قبل الاتيان بالظهرين يجوز له الاتيان بنافلتهما سفرا وان كان يصليهما قصرا (1)، وإن تركها في الوقت يجوز له قضاؤها.


الواجب بل المستحب في غير مواضع الاستثناء، بل في بعضها التصريح بالملازمة بين التقصير في الصلاة والافطار في الصوم وانه كلما قصرت افطرت، وكلما افطرت قصرت، فالحكم في الجملة مما لا شبهة فيه وان كان بعض الخصوصيات كالافطار فيما لو سافر قبل الزوال محلا للكلام. وسيجئ التعرض لتفصيل ذلك كله في محله من كتاب الصوم إن شاء الله تعالى. كما تقدم في اول كتاب الصلاة عند التكلم عن اعداد الفرائض ونوافلها دلالة النصوص المستفيضة على سقوط النوافل النهارية، أي نافلة الظهرين، وعرفت ثمة ان الاقوى سقوط نافلة العشاء أيضا وهي الوتيرة فلا يجوز الاتيان بشئ من ذلك في السفر، وإن لم يكن بأس باتيان الاخيرة بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبية لكون السقوط فيها موردا للخلاف لاختلاف الاخيار، وكيفما كان فهذه الاحكام قد تقدمت كلها في محالها. نعم هناك موردان استثناهما الماتن (قده) من حكم سقوط النوافل وقد تعرض (قده) لهما في المسألتين الآتيتين وستعرف الحال فيهما. (1): - هذا هو المورد الاول الذي استثناه (قده) من عموم سقوط نافلة المقصورة، باعتبار أن حلول الوقت وهو حاضر يسوغ

[ 355 ]

الاتيان بالنافلة سفرا وإن أتى بالفريضة قصرا وليس عليه دليل ظاهر عدا موثق عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله ثم يخرج في السفر، فقال: يبدء بالزوال فيصليها ثم يصلى الاولى بتقصير ركعتين لانه خرج من منزله قبل أن تحضره الاولى: وسأل فان خرج بعد ما حضرت الاولى قال: يصلي الاولى اربع ركعات، ثم يصلي بعد النوافل ثمان ركعات لانه خرج من منزله بعدما حضرت الاولى، فإذا حضرت العصر صلى العصر بتقصير وهي ركعتان لانه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر (1). أما سند الرواية فليس فيه من يتأمل من اجله ما خلا طريق الشيخ إلى احمد بن الحسن بن على بن فضال فان له إليه طريقين في احدهما، ابن الزبير ولم يوثق، وفي الآخر ابن أبي جيد وهو وان لم يوثق أيضا بل لم يذكر بمدح ولا ذم صريحا، كما نص عليه في جامع الرواة ولكنه من مشايخ النجاشي، والظاهر وثاقتهم باجمعهم حسبما التزم به من عدم روايته بلا واسطة إلا عن الثقة. واما من حيث الدلالة فهي ظاهرة في المطلوب حيث حكم عليه السلام فيمن سافر عندما زالت الشمس انه يبدء بالزوال، اي بنافلته ثم يصلى لاولى أي الظهر قصرا، وعلل التقصير بانه سافر قبل دخول وقت الظهر، نظرا إلى أن الوقت إنما يدخل بعد مضي مقدار القدم أو الذراع والمفروض فخروجه اول الزوال فلم يدخل آنذاك إلا وقت النافلة دون الفريضة. ومن ثم فصل عليه السلام بالاتيان بالاولى والتقصير في الثانية.


(1) الوسائل: باب 23 من اعداد الفرائض ونوافلها ح 1.

[ 356 ]

ثم سأله عليه السلام ثانيا عما لو خرج بعد ما حضرت الاولى اي بعد مضي مقدار القدم أو الذراع، فحكم عليه السلام بانه يصلي الظهر تماما ويأتي بنوافل العصر لاجل خروجه بعد دخول الوقت، وعندما دخل وقت العصر بمضي مقدار القدمين أو الذراعين يصليها قصرا لانه خرج في السفر قبل حضور وقتها. وهي كما ترى ظاهرة الدلالة على الحكم المذكور في المتن. وبذلك يخرج عن عموم سقوط النافلة في السفر، ولكنها غير صالحة للاستناد رغم قوة السند وظهور المفاد لتضمتها عدم دخول وقت الظهرين بمجرد الزوال وهو مما لو يلتزم به الاصحاب ومخالف للنصوص المستفيضة الدالة علي انه متى زالت الشمس فقد وجبت الصلاتان إلا ان هذه قبل هذه وانه لم يمنعك إلا سبحتك وغير ذلك مما تضمنته النصوص على اختلاف السنتها، ولاجل ذلك يقوى في النظر ورود الرواية مورد التقية لموافقة مضمونها مع مذهب العامة، فلا يمكن التعويل عليها في الخروج عن عمومات سقوط النافلة في المقصورة، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى مبنى الحكم في هذه الرواية على ان الاعتبار في القصر والاتمام بحال تعلق الوجوب لا بحال الاداء وظرف الامتثال. ومن ثم فصل في الجواب عن السؤال الثاني بين الظهر والعصر وانه يتم في الاول لكونه حاضرا عند دخول الوقت وتعلق الوجوب، ويقصر في الثاني لكونه مسافرا عندئذ، وهو أيضا خلاف المتسالم عليه تقريبا بين الاصحاب من كون المناط وقت الاداء لازمان الوجوب على ما ستعرفه ان شاء الله تعالى في محله. وعلى الجملة فالرواية موهونة من ناحيتين، ولم يعلم عامل بها في المقام لخلو *

[ 357 ]

(مسألة 2): لا يبعد جواز الاتيان بنافلة الظهر في حال السفر إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر وترك الاتيان بالظهر حتى يدخل المنزل من الوطن أو محل الاقامة (1)، وكذا إذا صلى الظهر في السفر ركعتين وترك العصر إلى ان يدخل المنزل لا يبعد جواز الاتيان بنافلتها في حال السفر، وكذا لا يبعد جواز الاتيان بالوتيرة في حال السفر إذا صلى العشاء اربعا في الحضر ثم سافر، فانه إذا تمت الفريضة صلحت نافلتها.


الكلمات عن التعرض لهذا الاستثناء فهي معرض عنها، وقد عرفت قوة حملها على التقية. إذا كان المحكم عمومات سقوط النافلة في السفر لسلامتها عما يصلح للتخصيص. (1): - هذا هو المورد الثاني الذي لم يستبعد فيه الاستثناء عن عموم سقوط النافلة في السفر، وهو ما لو دخل عليه الوقت وهو مسافر ولكنه ترك الاتيان بالظهر أو العصر، أو العشاء حتى يدخل المنزل من الوطن أو محل الاقامة فيأتي بها بعدئذ تماما، فانه يجوز له الاتيان بنوافلها حال السفر، وعلله (قده): بانه إذا تمت الفريضة صلحت نافلتها. اقول هذا التعليل مقتبس مما ورد في رواية أبي يحيى الحناط، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر

[ 358 ]

فقال: يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة (1) حيث دلت على الملازمة بين مشروعية النافلة والاتمام في الفريضة وبما انه يتم الفريضة فيما نحن فيه حسب الفرض فتشرع في حقه النافلة بمقتضى الملازمة. ولكن التعليل عليل اما اولا فلضعف الرواية وإن عبر عنها بالصحيحة في بعض المؤلفات، لعدم ثبوت وثاقة أبي يحيى الحناط، وإنما الموثق هو أبو ولاد الحناط وكأنه اشتبه احدهما بالآخر. وكيفما كان فالرجل مجهول. نعم احتمل في جامع الرواة أن يكون هو محمد بن مروان البصري ولكنه لم يثبت. وعلى تقديره فهو أيضا مجهول مثله (2). وثانيا: إن مفاد الرواية جعل الملازمة بين صلاحية النافلة في السفر وبين اتمام الفريضة في السفر أيضا لا اتمامها مطلقا ولو في الحضر كما فيما نحن فيه. وهذا واضح جدا لا سترة عليه. فاشار عليه السلام - على تقدير صحة الرواية - إلى عدم مشروعية النافلة في السفر لانها لو صلحت وشرعت لتمت الفريضة ايضا حال السفر، وحيث انها لا تتم في السفر مطلقا حتى في مفروض المسألة فطبعا لا تشرع النافلة، فهي على خلاف المطلوب أدل كما لا يخفى، وليس مفادها ان فعل الفريضة تماما ولو في الحضر يسوغ الاتيان بالنافلة ولو في السفر لتدل على مشروعية النافلة في المقام كما هو أظهر من أن يخفي، وعليه فالاقوى عدم مشروعية النافلة في جميع فروض المسألة، استنادا إلى عموم ما دل على سقوطها في المقصورة بعد سلامته عما يصلح للتخصيص


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 4. (2) ولكنه من رجال كامل الزيارات كما يظهر من المعجم ج 17 ص 244.

[ 359 ]

(مسألة 3): لو صلى المسافر بعد تحقق شرائط القصر تماما، فاما أن يكون عالما بالحكم والموضوع (1) أو جاهلا بهما أو باحدهما أو ناسيا، فان كان عالما بالحكم والموضوع عامدا في غير الاماكن الاربعة بطلت صلاته ووجب عليه الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه، وان كان جاهلا باصل الحكم وان حكم المسافر التقصير لم يجب عليه الاعادة فضلا عن القضاء، واما إن كان عالما باصل الحكم وجاهلا ببعض الخصوصيات مثل ان السفر إلى اربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر، أو أن المسافة ثمانية، أو أن كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة ايام تقصر في السفر الاول، أو أن العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصر، ونحو ذلك واتم وجب عليه الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه، وكذا إذا كان عالما بالحكم جاهلا بالموضوع كما إذا تخيل عدم كون مقصده مسافة مع كونه


(1): حاصل ما ذكره (قده) ان الاتمام في الموضع المستجمع لشرائط القصر يتصور على أقسام إذ قد يكون ذلك عن علم وعمد بالحكم وبالموضوع فيتم عامدا مع كونه عالما بحكم القصر وبموضوعه. وقد يكون عامدا في الاتمام ولكنه جاهل بهما أو باحدهما.

[ 360 ]

مسافة فانه لو اتم وجب عليه الاعادة أو القضاء، واما إذا كان ناسيا لسفره، أو أن حكم السفر القصر فأتم، فان تذكر في الوقت وجب عليه الاعادة، وإن لم يعد وجب عليه القضاء في خارج الوقت، وإن تذكر بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء، واما إذا لم يكن ناسيا للسفر ولا لحكمه ومع ذلك اتم صلاته ناسيا وجب عليه الاعادة والقضاء.


وهذا تارة يكون مع الجهل باصل الحكم أو الموضوع، كما لو كان جاهلا بأن حكم المسافر القصر، أو أن مقصده مسافة. واخرى مع الجهل بالخصوصيات مثل ان المسافة التلفيقية توجب التقصير، أو ان المسافة الشرعية ثمانية فتخيل انها أكثر، أو أن العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصر، أو اعتقد أن من عدل عن نية الاقامة يتم ولو لم يأت بالرباعية، ونحو ذلك. وثالثة: يكون ناسيا لحكم السفر أو موضوعه أو غافلا فلا يكون عامدا في الاتمام، فيكون مجموع الاقسام أربعة. اما في صورة العلم والعمد فلا اشكال في البطلان ولزوم الاعادة في الوقت، بل القضاء في خارجه وإن كان ربما يتأمل في الاخير كما ستعرف. ويستدل له بجملة من النصوص التي منها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (1) المصرحة بالاعادة فيما لو قرئت عليه آية التقصير وفسرت له

(1) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 4.

[ 361 ]

وغيرها، ولكنا في غنى عن الاستدلال بها بعد كون البطلان هو مقتضى القاعدة الاولية، ولو لم ترد في المقام أية رواية وذلك من وجهين: أحدهما: منافاته مع قصد القربة المعتبر في صحة العبادة، إذ كيف يمكن التقرب من العالم العامد الملتفت إلى مخالفة عمله مع الواقع، وعدم تعلق الامر به حتى ولو كان ذلك بنحو التشريع المحرم فانه موجب لحرمة العمل، فيكف يتقرب بالعمل الحرام. ثانيهما: ان الاتمام زيادة في الفريضة، بل من اظهر مصاديقهما بعد كونها عمدية ومتعلقة بالركن بل الركعة فيشمله عموم قوله عليه السلام: من زاد في صلاته فعليه الاعادة (1)، وقوله في صحيح زرارة إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا (2)، فان المقام المشتمل على زيادة الركعتين عامدا هو القدر المتيقن من تلك الادلة. وقد اشير إلى ذلك في رواية الاعمش بقوله عليه السلام: (ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته لانه قد زاد في فرض الله عزوجل) (3) فان الرواية وإن كانت ضعيفة السند إلا ان مضمونها صحيح غير قابل للانكار، فهو كمن صلى الفجر اربعا متعمدا. ومنه تعرف ان البطلان هو مقتضى القاعدة الاولية في جميع الفروض المتقدمة لاندراجها في عموم ادلة الزيادة القادحة ما لم يرد على الصحة دليل بالخصوص. هذا مضافا إلى اندراج العامد في جملة من النصوص الحاكمة بلزوم الاعادة التي منها ما اشرنا إليه من صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا قلنا


(1) الوسائل: باب 19 من أبواب الخلل ح 2. (2) الوسائل: باب 19 من أبواب الخلل ح 1. (3) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 8.

[ 362 ]

لابي جعفر عليه السلام: رجل صلى في السفر أربعا أيعيد أم لا؟ قال: إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى اربعا أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه (1). فان العالم العامد من اظهر مصاديق من قرئت عليه الآية وفسرت له. ومنها صحيحة عبيد الله بن علي الحلبي قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: صليت الظهر اربع ركعات وأنا في السفر، قال أعد (2) فانها وإن كانت محمولة على غير صورة العلم والعمد كالنسيان أو الغفلة لاباء جلالة الراوي وهو الحلبي ورفعة مقامه عن ان يتم في السفر جهلا بالحكم فضلا عن أن يفعله عالما عامدا، إلا انها تدل على لزوم الاعادة في صورة العمد بالاولوية القطعية كما لا يخفى. بل يمكن أن يقال ان السوأل عن القضية الحقيقية الفرضية لا الخارجية الشخصية ليكون منافيا لجلالة الراوي وهذا استعمال دارج في كيفية طرح السؤال من الاسناد إلى النفس على سبيل التقدير والفرض، فيقول السائل فعلت كذا وكذا مريدا به السؤال عن الحكم الكلي، لا انه اتفق له بشخصه خارجا. وعليه فتكون الصحيحة بنفسها شاملة للعامد بمقتضى الاطلاق المستند إلى ترك الاستفصال. وعلى الجملة فلا ينبغي التأمل في دلالتها على حكم العامة إما بالفحوى أو بالاطلاق، بل هي بنفسها شاملة لجميع فروض المسألة لولا ورود التخصيص عليها كما ستعرف، فلو كنا نحن وهذه الصحيحة ولم يرد في المقام شئ من النصوص الخاصة لحكمنا بالبطلان في جميع تلك الفروض


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 4. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 6.

[ 363 ]

كما كان هو مقتضى القاعدة الاولية استنادا إلى ادلة الزيادة حسبما مرت الاشارة إليه. ثم إن مقتضى الاطلاق في هذه الصحيحة كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة عدم الفرق في وجوب الاعادة بين الوقت وخارجه فيجب عليه التدارك في الوقت، وإلا فالقضاء في خارج الوقت. ولكن قد يتأمل في وجوب القضاء على العالم العامد نظرا إلى معارضة الاطلاق في صحيحة زرارة وابن مسلم مع الاطلاق في ذيل صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى وهو مسافر فأتم الصلاة، قال: " إن كان في وقت فليعد وإن كان الوقت قد مضى فلا " (1) فان الاول المثبت للاعادة خاص بالعامد مطلق من حيث الوقت وخارج، والثاني النافي لها مطلق من حيث العلم والجهل خاص بما بعد الوقت. فكل منهما مطلق من جهة وخاص من جهة فيتعارضان لا محالة. ومعه يشكل التمسك باطلاق صحيح زرارة لاثبات القضاء، بل وكذا صحيح الحلبي لوجوب تقييده بصحيحة العيص. ولكنه كما ترى، فانه صحيحة العيص غير شاملة للعامد بوجه بل ناظرة إلى التفصيل بين الانكشاف في الوقت والانكشاف خارجه وانه تجب الاعادة في الاول دون الثاني، لا انه إذا أراد أن يعيد فان كان الوقت باقيا أعاد والا فلا كي تشمل صورة العمد. ومرجع ذلك إلى ان شرطية التقصير ذكرية - كما هو الحال في بعض الاجزاء والشرائط - وانها خاصة بحال الالتفات إليها في الوقت،


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 364 ]

وبدونه لا شرطية له بل العمل صحيح حتى واقعا، ولاجله لا تجب الاعادة فهي ناظرة إلى التفصيل من حيث الصحة والفساد باعتبار الانكشاف في الوقت وخارجه واجنبية عن مسألة القضاء لعدم تحقق الفوات واقعا ولذا لو فرضنا انه انكشف له في الوقت وتنجز عليه التكليف ثم ترك القصر اختيارا أو بغير الاختيار فانه لا اشكال في وجوب القضاء حينئذ، لانه ترك ما تنجز عليه في الوقت، ولا تكون هذه الصحيحة نافية له. وعلى الجملة مورد هذه الصحيحة ما إذا كان الاتمام مستندا إلى اعتقاد المشروعية ثم انكشف الخلاف إما في الوقت أو في خارجه فلا تشمل العالم العامد قطعا بل هو خارج عنها رأسا، فلا تكون معارضة لصحيحة زرارة، ولا مقيدة لصحيح الحلبي، فيبقي اطلاق الاعادة فيهما الشامل للوقت وخارجه على حاله. وأما في صورة الجهل باصل الحكم فلا تجب الاعادة وان كان الوقت باقيا فضلا عن القضاء كما هو المشهور، بل ادعي عليه الاجماع وذلك لقوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة وابن مسلم " وإن لم يكن قرأت عليه ولم يعلمها فلا اعادة عليه " الظاهر في الجاهل بأصل الحكم، وبه يقيد الاطلاق في صحيحة الحلبي المتقدم. ولكن نسب إلى العماني القول بوجوب الاعادة مطلقا نظرا إلى ان صحيحة زرارة معارضة بصحيح العيص المثبت للاعادة في الوقت بالعموم من وجه، إذ الاولى مطلقة من حيث الوقت وخارجه مقيدة بالجهل، على العكس من الثاني، وبعد التساقط يرجع إلى عموم مبطلية الزيادة المعتضد باطلاق صحيح الحلبي

[ 365 ]

ولكنه واضح الدفع فان صحيح زرارة وابن مسلم كالصريح في نفي الاعادة في الوقت فانه المقصود بالذات والمعطوف إليه النظر والمنسبق إلى الذهن في مقام تعلق الحكم بنفي الاعادة أو بثبوتها كما تقتضيه المقابلة مع الصدر المثبت للاعادة على العالم. فمفاد الصحيحة ان من يتم في موضع القصر فان كان عالما به أعاد، اي في الوقت ومقتضاه انه ان لم يعد بعد تنجز التكليف إلى ان خرج الوقت وجب عليه القضاء بطبيعة الحال عملا بعموم ادلة القضاء، وان كان جاهلا بالحكم لا يعيد اي في الوقت المستلزم لنفي القضاء بطريق اولى، وعليه فلا يقاومها الاطلاق في صحيح عيص كي تتحقق المعارضة. ومنه تعرف ضعف ما حكى عن الاسكافي والحلبي من التفصيل بين الوقت وخارجه. وانه يعيد في الاول دون الثاني استنادا إلى صحيحة العيص، وجعلها مقيدة لاطلاق نفي الاعادة في صحيحة زرارة بحمله على النفي في خارج الوقت، لما عرفت من ان المقصود بالذات والقدر المتيقن من الاعادة المنفية انما هي الاعادة في الوقت، ومعه كيف يمكن الحمل على خارج الوقت. فهذان القولان شاذان ساقطان، والصحيح ما عليه المشهور من نفي الاعادة مطلقا من غير فرق بين الوقت وخارجه. ثم لا يخفي ان الامر بالاعادة متى ورد في الاخبار فهو ارشاد إلى الفساد، فيجب الاتيان بالمتعلق بنفس الامر الاول الباقي على حاله، إذ لا وجه لسقوطه بعد عدم الاتيان بمتعلقه على وجهه، وبداهة عدم سقوطه بالعمل الفاسد الذى وجوده كالعدم، فلا يتضمن الامر الثاني المتعلق بالاعادة حكما مولويا، كما ان نفي الاعادة ارشاد إلى الصحة،

[ 366 ]

وان المأمور به قد اتى به على وجهه وبتمامه وكماله من غير نقص فيه وعلى هذا المبنى - الذي يكون الحكم عليه أظهر وإن لم يكن منوطا به - نقول مقتضى الاطلاق في صحيحة الحلبي الآمرة بالاعادة لدى الاتمام في موضع القصر هو البطلان في جميع صور المسألة المستلزم للاعادة في الوقت والا فالقضاء في خارجه باعتبار تحقق الفوت، وهذه الصحيحة يطابق مدلولها مع ما دل على البطلان بمطلق الزيادة العمدية والسهوية، وان من ايقن بزيادة الركعة استقبل صلاته استقبالا على ما تقدم (1). واما صحيحة زرارة فقد دلت على عدم وجوب الاعادة لمن كان جاهلا باصل الحكم، فيكون هذا خارجا عن اطلاق صحيح الحلبي، وقد عرفت ان معنى نفي الاعادة الارشاد إلى الصحة، ومرجعه إلى التخصيص في موضوع دليل القصر، وانه خاص بمن لم يكن معتقدا بمشروعية التمام وإلا فالقصر غير واجب في حقه حتى واقعا. وقد ذكرنا في الاصول انه يستفاد من هذه الصحيحة ان وظيفة مثل هذا الجاهل في صقع الواقع هو التخيير بين القصر والتمام، ولذا لو نسي أو غفل فصلى قصرا على نحو تمشى منه قصد القربة يحكم بصحة صلاته ولا يحتاج إلى الاعادة جزما، فيستكشف من ذلك ان المأمور به في حق الجاهل المعتقد مشروعية التمام لاجل انه لم تبلغه الآية أو لم تفسر له هو الجامع بين القصر والتمام، وانما يتعين القصر بالاضافة إلى من لم يعتقد مشروعية الصلاة تماما حال السفر. وعليه فيبقى تحت صحيح زرارة وكذا صحيح الحلبي الجاهل بالخصوصيات أو الموضوع، والناسي والعالم فتجب عليهم الاعادة لصدق


(1) في ص 361.

[ 367 ]

انهم ممن قرئت عليهم آية التقصير وفسرت، ومعنى ذلك الحكم بالبطلان حسبما ذكرناه. وقد خرج عن ذلك الناسي أيضا بمقتضى صحيح أبي بصير: " عن الرجل ينسى فيصلي في السفر اربع ركعات قال إن ذكر في ذلك اليوم فليعد وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا اعادة عليه " فيستفاد منها ان شرطية التقصير، أو فقل جزئية التسليم في الركعة الثانية ذكرية ومنوطة بالالتفات إليها في الوقت فلا تعتبر لو كان التذكر خارج الوقت، فتكون هذه الصحيحة بالاضافة إلى صحيح الحلبي وكذا صحيح زرارة مخصصة لا محالة. وورد هناك مخصص ثالث، وهو صحيح العيص المفصل بين الانكشاف أو التذكر في الوقت فيعيد، وبين خارجه فلا يعيد. وقد عرفت ان هذه الصحيحة بنفسها غير شاملة للعامد فهو خارج عنها من أول الامر لانها غير ناظرة إلى القضاء، بل إلى الصحة والبطلان وانه ان كان في وقت فالعمل فاسد وإلا فصحيح، والعامد يعلم بفساد عمله من أول الامر كالناسي المتذكر في الوقت فانه أيضا يعلم بالفساد ووجوب القضاء إذا لم يتدارك، فالعامد خارج عنها قطعا وكذا الجاهل المحض، اي الجاهل باصل الحكم فانه لا اعادة عليه فضلا عن القضاء بمقتضى ذيل صحيحة زرارة كما مر فيبقى تحتها الجاهل بالخصوصيات والجاهل بالموضوع، والناسي. وبما ان النسبة بينها وبين صدر صحيحة زرارة الحاكم بالاعادة مطلقا، وكذا صحيح الحلبي نسبة الاطلاق والتقييد فتكون هذه مقيدة لهما لا محالة، فتكون النتيجة ان الوظيفة في هذه الموارد الثلاثة هو


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 2.

[ 368 ]

التفصيل بين ما لو كان الانكشاف أو التذكر في الوقت فيعيد، وبين ما كان في خارجه فلا يعيد. هذا وقد يقال: إن النسبة بين صحيح زرارة وهذه الصحيحة - اي صحيحة العيص - عموم من وجه، لان الناسي قد خرج عن الاول بمقتضى التخصيص بصحيح أبي بصير كما مر، فيبقى تحته العامد والجاهل بالخصوصيات أو بالموضوع، واما هذه الصحيحة فهي غير شاملة للعامد في حد نفسها كما عرفت، فالباقي تحتها الناسي والجاهل بالخصوصيات أو بالموضوع، فالناسي خارج عن الاول، والعامد عن الثاني، ومورد الاجتماع الجاهل بالخصوصيات أو الموضوع فتجب الاعادة بمقتضى الاول، ولا تجب إذا كان الانكشاف خارج الوقت بمقتضى الثاني، وبعد التعارض يتساقطان والمرجع حينئذ عموم دليل قدح الزيادة الموجب للاعادة ولو في خارج الوقت، لعدم الدليل على الاجزاء وقتئذ. ولكنه لاوجه له فانه مبني على الالتزام بانقلاب النسبة في مثل المقام مما كان هناك عام، وورد عليه مخصصان أحدهما أخص من الآخر. وقد ذكرنا في الاصول ان هذا ليس من موارد انقلاب النسبة إذ لا وجه لملاحظة العام مع أخص المخصصين أولا، ثم ملاحظة النسبة بينه وبين المخصص الآخر لتنقلب من العموم المطلق إلى العموم من وجه لان نسبة المخصص الاخص والمخصص الاعم إلى العام نسبة واحدة وكلاهما وردا عليه في عرض واحد، فلا موجب لتقديم احدهما على الآخر. وعلى هذا الاساس - وهو الصحيح - فلا موجب في المقام لتخصيص صحيح زرارة بصحيح أبي بصير أولا واخراج الناسي، ثم ملاحظة

[ 369 ]

للنسبة بينه وبين صحيحة العيص التي هي أعم المخصصين باعتبار شمولها للناسي وغيره، بل كلاهما مخصص في عرض واحد. فلو كنا نحن وصحيح زرارة ولم يكن شئ من هذين المخصصين لحكمنا بالبطلان، ووجوب الاعادة في الوقت وخارجه في غير الجاهل بأصل الحكم مطلقا، أي من غير فرق بين الناسي والعامد، والجاهل بالخصوصيات، والجاهل بالموضوع، ولكن ما عدا العامد خرج عن الصحيح بمقتضى هذين المخصصين، فيحكم فيه بوجوب الاعادة أو كان التذكر أو الانكشاف في الوقت، وبعدمها أي الحكم بالصحة لو كان ذلك في خارج الوقت. ونتيجة ذلك اختصاص البطلان المطلق الشامل للوقت وخارجه بالعامد فقط الباقي تحت صحيح زرارة. وأما في غيره فيقيد البطلان بما إذا كان الانكشاف في الوقت. والمتحصل من مجموع الروايات بعد ضم بعضها ببعض ان العالم العامد يعيد في الوقت وفي خارجة، والجاهل المحض لا يعيد في الوقت ولا في خارجة، والناسي والجاهل بالخصوصيات، والجاهل بالموضوع يعيد في الوقت لا في خارجه فيحكم بالبطلان في الاول، وبالصحة في الثاني، وبالتفصيل بين الوقت وخارجه في الثالث. وقد تلخص من جميع ما ذكرناه ان مقتضى ادلة الزيادة، وكذا صحيح الحلبي هو الحكم بالبطلان مطلقا خرجنا عن ذلك في الجاهل بأصل الحكم بمقتضى ذيل صحيحة زرارة، فلا يعيد في الوقت فضلا عن خارجه، وفي الجاهل بالخصوصيات وبالموضوع وفي الناسي للحكم أو الموضوع بمقتضى صحيحة العيص المفصلة بين الوقت وخارجه ويبقى العامد تحت الاطلاقات ومنها صدر صحيحة زرارة القاضية بالبطلان

[ 370 ]

في الوقت وفي خارجه. وقد ظهر مما ذكرناه انه لاوجه لتخصيص صحيح العيص بالناسي كما عن غير واحد، بل هو عام له ولغيره مما عرفت، وإنما المختص به صحيحة أبي بصير كما تقدم. هذا كله بناءا على أن يكون المراد من تفسير الآية المشار إليها في صحيح زرارة تفسير كلمة لا جناح بارادة الوجوب دون الجواز. وأما لو كان المراد تفسير الآية بجميع الخصوصيات فيلحق الجاهل بخصوصيات الحكم بالجاهل باصل الحكم في عدم وجوب الاعادة في الوقت فضلا عن خارجه. ولكنه لاوجه له بل الظاهر هو الاول كما ذكره شيخنا الانصاري (قدس سره) وغيره، إذ الآية كغيرها مما ورد في العبادات ليست إلا في مقام أصل التشريع ولم تكن بصدد بيان الخصوصيات ليكون شرحها تفسيرا للآية المباركة، بل هي موكولة إلى النبي صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين عليهم السلام فيذكرونها بيانا للحكم الواقعي لا شرحا للمراد وتفسيرا للآيات. نعم: كلمة (لا جناح) بما انها ناظرة إلى كيفية التشريع وقد أريد بها خلاف ظاهرها من نفى البأس فهي بحاجة إلى التفسير لا محالة فذكروا عليهم السلام ان المراد بها الوجوب قياسا على: " لا جناح " الوارد في السعي، حيث ان المراد به هناك هو الوجوب بلا اشكال، وإنما عبر بنفي الجناح لنكتة، وهي دفع ما قد يختلج في اذهان القاصرين من أن الصفا والمروة الذين كانا مركزين لاصنام المشركين كيف يكونان معبدين للمسلمين؟! فبين سبحانه وتعالى بأن كونهما كذلك لا يمنع عن

[ 371 ]

ذلك لانهما من شعائر الله وقد غصبهما المشركون، فلا جناح ان يطوف بها. وكذلك الحال في المقام فان اختيار هذا التعبير مع كون المراد هو الوجوب لنكتة ولعلها لدفع ما قد يتوهم من أن التقصير تنقيص للصلاة وتخفيف لشأنها. وكيفما كان فقد عرفت ان المراد من تفسير الآية بيان أصل وجوب القصر في السفر لا خصوصياته. وعليه فصحيحة زرارة خاصة بالجاهل باصل الحكم، ولا تعم الجهل بالخصوصيات. بل يكفينا مجرد الشك في ان المراد الجهل بأصل الحكم أم بخوصياته إذ عليه تكون الصحيحة مجملة، ومعه لابد من الاقتصار في الخروج عن اطلاق صحيح العيص على المقدار المتيقن وهو الجاهل المحض، فيكون الجاهل بالخصوصيات مشمولا للاطلاق السليم عما يصلح للتقييد فيحكم فيه بما تضمنه من التفصيل بين الوقت وخارجه حسبما عرفت. هذا كله فيما إذا كان ناويا للاتمام من اول الامر ومن لدن شروعه في الصلاة، اما لجهل أو نسيان كما تقدم، وأما إذا دخل في الصلاة بنية القصر لعلمه بالحكم وبالموضوع وبجميع الخصوصيات، ثم في الاثناء سها وغفل فزاد ركعتين وأتم الصلاة كما لو كان مقتديا بامام يصلي تماما فأتم الصلاة بتبعه غفلة كما يتفق مثل هذا السهو لغير المسافر من ساير المكلفين فهو غير مشمول للنصوص المتقدمة جزما، بل لا اشكال في وجوب الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه، كما اشار إليه في المتن عملا بقوله عليه السلام: إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة *

[ 372 ]

(مسألة 4): حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة (1) فيبطل مع العلم والعمد، ويصح مع الجهل بأصل الحكم، دون الجهل بالخصوصيات ودون الجهل بالموضوع.


ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا (1) فهو كمن صلى الفجر ثلاثا، أو المغرب اربعا الذي لا ريب في بطلانه. ولا يخفى ان عبارة المتن في المقام اعني قوله: " واما إذا لم يكن ناسيا للسفر ولا لحكمه ومع ذلك أتم صلاته ناسيا " غير خال عن نوع من الاغلاق، إذ بعد فرض عدم كونه ناسيا للسفر ولا لحكمه فما معنى اتمام الصلاة ناسيا، ولو بدله بقوله ساهيا كان أولى، فمراده من اتمام الصلاة ناسيا، اي ساهيا وغافلا عن عددها حسبما عرفت. (1): - الكلام في حكم الصوم في السفر سيجئ في محله من كتاب الصوم ان شاء الله تعالى. ولكن بما أن الماتن تعرض له في المقام لم يكن بد من الاشارة إليه حسبما يسعه المجال. فنقول: لا اشكال كما لا خلاف منا في سقوط الصوم في السفر وعدم مشروعيته، وتدل عليه قبل الروايات المتظافرة الآية الكريمة قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر) (2) فانها ظاهرة في تعين القضاء المستلزم للسقوط وعدم المشروعية، حيث قسم سبحانه المكلفين على اقسام ثلاثة: فمنهم من وظيفته الصيام كالحاضر

(1) الوسائل: باب 19 من أبواب الخلل ح 1. (2) سورة البقرة الآية 184

[ 373 ]

الذي يشهد الشهر ومنهم من وظيفته القضاء كالمريض والمسافر، ومنهم من لم يكلف لا بهذا ولا بذاك، بل وظيفته الفدية، وهم الذين لا يطيقونه كالشيخ والشيخة. وظاهر التنويع في هذه الاقسام لزوم تلك الاحكام وتعينها، ونتيجته ما عرفت من سقوط الصوم عن المسافر وعدم مشروعيته في حقه، فوظيفته القضاء ليس إلا، والاخبار به متكاثرة ومتظافرة من طرقنا، بل ومن طريق العامة أيضا، وهذا مما لا اشكال فيه. وعليه فلا يصح الصوم في السفر من العالم العامد جزما، فلو صام بطل ووجب قضاؤه بمقتضى اطلاق الآية وغيرها، والنصوص الآتية في الجاهل. كما لا اشكال في صحته من الجاهل باصل الحكم، فانه القدر المتيقن من النصوص المتضمنة للاجزاء في صورة الجهل، كصحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال: إن كان لم يبلغه ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء وقد أجزأ عنه الصوم (1). وصحيح الحلبي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل صام في السفر، فقال: إن كان بلغه ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شئ عليه (2). وصحيح العيص بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من صام في السفر بجهالة لم يقضه (3)، ونحوها صحيح ليث المرادي (4).


(1) و (2) الوسائل: باب 2 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2 و 3. (3) و (4) الوسائل: باب 2 من أبواب من يصح عنه الصوم ح 5 و 6.

[ 374 ]

إنما الكلام في الجاهل بالموضوع كمن اعتقد أن سفره دون المسافة أو الجاهل بالخصوصيات كمن تخيل ان السقوط خاص بالاسفار البعيدة المشتملة على التعب والمشقة دون القريبة، ولاسيما إذا كانت بوسيلة مريحة كالباخرة والطائرة ونحوهما. فقد يقال بالبطلان ووجوب القضاء في هذين الموردين كما في العالم العامد نظرا إلى اندراجهما في اطلاق صحيحتي عبد الرحمن والحلبي المتقدمتين الدالتين على البطلان - بمفهوم الاولى ومنطوق الثانية - فيمن بلغه النهي لصدق بلوغه في الموردين المزبورين، وإنما الجهل في شئ آخر غير مناف لبلوغ النهى عن النبي صلى الله عليه وآله، وبذلك يقيد الاطلاق في صحيح العيص ونحوه. فان الصوم بجهالة المعلق عليه الاجزاء وان كان صادقا في هذين الموردين أيضا، إلا ان مقتضى صناعة الاطلاق والتقييد حمله على الجهل باصل الحكم لصراحة الطائفة الاولى في أن المناط في الصحة عدم بلوغ النهي الظاهر في الجهل باصل الحكم، فهي اخص من الثانية فتقيدها لا محالة. ومع تسليم تكافؤ الظهورين، وتساوي الاطلاقين من غير ترجيح في البين فغايته تعارض الطائفتين وتساقطهما، المرجع حينئذ عموم ما دل على بطلان الصوم في السفر من اطلاق الآية وغيرها كما مر. أقول: الظاهر صحة الصوم في صورة الجهل مطلقا من غير فرق بين الجهل باصل الحكم أو بالخصوصيات أو بالموضوع. اما الاول فظاهر. واما الثاني فلان ما افيد من استظهار اختصاص الطائفة الاولى بالجاهل باصل الحكم مبني على أن يكون المشار إليه بكلمة ذلك في قوله عليه السلام (إن كان بلغه ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك)

[ 375 ]

هو طبيعي الصوم في السفر، إذ عليه يصدق على الجاهل بالخصوصيات انه بلغه النهي عن طبيعي الصوم فتتحقق المعارضة بينهما وبين اطلاق الطائفة الثانية كما ذكر. ولكنه كما ترى بعيد عن سياق الرواية بحسب الفهم العرفي غايته، بل ظاهر الصحيحة ان مرجع الاشارة هو الصوم المفروض في السؤال الصادر عن الرجل على ما هو عليه من الخصوصيات، لا الصوم الطبيعي على اطلاقه عاريا عن تلك الخصوصيات، ومعلوم ان الجاهل بالخصوصية لم يبلغه النهي عن تلك الخصوصية فمن صام في السفر القريب بتخيل اختصاص النهي بالاسفار البعيدة لم يبلغه النهي عن هذا الصنف من الصوم الذي ارتكبه، وانما بلغه النهي عن صنف آخر فيشمله الحكم بعدم وجوب القضاء المطابق لمضمون الطائفة الثانية من غير أية معارضة. وبعبارة واضحة لاريب ان نهي النبي صلى الله عليه وآله عن الصوم في السفر انحلالي - كما في ساير النواهي - ينحل إلى نواهي عديدة بعدد افراد الصيام الواقعة في الاسفار، فلكل نهي يخصه مغاير لغيره ومن الواضح ان هذا الفرد الشخصي الصادر من الجاهل بالخصوصية لم يبلغ نهيه فكيون محكوما بعدم وجوب القضاء بمقتضى صحيح الحلبي وغيره. ومع التنزل والشك في ان مرجع الاشارة هل هو الطبيعي أو الصنف الخاص؟ فغايته اجمال صحيحتي عبد الرحمان والحلبي فيرجع حينئذ إلى اطلاق صحيح العيص الدال على نفي القضاء عن مطلق الجاهل من غير معارض. واما الثالث: اعني الجهل بالموضوع، فدعوى صدق بلوغ النهي في مورده مشابهة لما يحكى في الاصول على ما نقله شيخنا الانصاري (قده)

[ 376 ]

من ذهاب بعض إلى المنع عن جريان البراءة في الشبهات الموضوعية وتخصيصها بالحكمية، على العكس مما عليه الاخباريون. بدعوى: ان البيان تام من قبل المولى في موارد الشبهات الموضوعية والحكم واصل، وإنما الشك في انطباقه على الموضوع الخارجي، وان هذا المايع مثلا هل هو مصداق للخمر المعلوم حرمته أم لا؟ الذي هو اجنبي عن المولى وغير مرتبط به، وخارج عما تقتضيه وظيفته من تبليغ الاحكام، وقد فعل وتنجزت بمقتضى فرض العلم بها فقد أدى ما عليه وتم البيان من قبله، فلا يكون العقاب معه عقابا بلا بيان. فلا مناص من الاحتياط بحكومة العقل تحقيقا للامتثال ودفعا للضرر المحتمل من غير مؤمن. فعلى ضوء هذا البيان يدعى في المقام ان الجاهل بالموضوع قد بلغه نهي النبي صلى الله عليه وآله عن الصوم في السفر وتم البيان من قبله، إذ ليس شأنه صلى الله عليه وآله إلا بيان الاحكام على نحو القضايا الحقيقة لا ايصالها إلى آحاد المكلفين في كل من الافراد الخارجية، فالجاهل المزبور عالم بذلك النهي الكلي المجعول في الشريعة المقدسة، وإنما الجهل في شئ يرجع إلى نفسه وينشأ من قبله غير المنافي لصدق البلوغ المذكور. وعلى الجملة فالشبهة في المقامين من باب واحد، وتنبعثان عن ملاك فارد. والجواب: عنهما بكلمة واحدة، وهي ان بلوغ الحكم ووصوله منوط باحراز الكبرى والصغرى معا اي العلم بالحكم الكلي وبانطباقه على الموضوع الخارجي ولا يغنى الاول عن الثاني، فان الاحكام وإن كانت مجعولة على سبيل القضايا الحقيقية إلا ان القضية الحملية تعود بحسب

[ 377 ]

النتيجة إلى القضية الشرطية مقدمها وجوب الموضوع وتاليها ترتب الحكم فمرجع قولنا الخمر حرام إلى قولنا متى وجد في الخارج شئ وصدق عليه انه خمر فهو حرام، فإذا كان الشرط مشكوكا كما هو المفروض فالشك فيه يرجع إلى الشك في تحقق الموضوع، وهو مساوق للشك في ثبوت الحكم فلا يكون واصلا ولا التكليف منجزا. وبعبارة اخرى بعد أن كانت الاحكام انحلالية فلكل موضوع حكم يخصه، فلا جرم يحتاج إلى وصول مغاير لوصول الحكم في موضوع آخر. فإذا فرضنا ان هناك مايعات ثلاثة أحدها مقطوع الخمرية والآخر مقطوع المائية، والثالث مشتبه بينهما يصح أن يقال إن هذا الاخير مما لم يصل حكمه ولم يعلم حرمته، وإنما الواصل حكم الاولين فقط. ومثله مورد لاصالة البراءة. ففيما نحن فيه وإن كان الحكم الكلي المتعلق بطبيعي الصوم في السفر واصلا وبالغا إلا ان تعلق النهي بهذا الصوم الصادر في هذا السفر الشخصي الذي عرفت انه من شؤون انحلال الاحكام لم يكن واصلا بالضرورة بعد فرض الشك في الموضوع والجهل به، فيصح أن يقال انه لم يبلغه نهي النبي صلى الله عليه وآله - بالاضافة إلى هذا الفرد - الذي هو الموضوع للاجزاء وعدم وجوب القضاء بمقتضى النصوص. ومع التنزل والشك في أن موضوع الحكم هل هو بلوغ النهي عن الطبيعي أو الفرد، وان العبرة بالجهل بأصل الحكم أو حتى بموضوعه فغايته اجمال صحيح الحلبي و عبد الرحمان، فيرجع حينئذ إلى اطلاق صحيح العيص السليم عما يصلح للتقييد. فتحصل ان الاظهر مشاركة الصوم مع الصلاة فيما تقدم من الاحكام *

[ 378 ]

(مسألة 5): إذا قصر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد إلا في المقيم المقصر للجهل بأن حكمه التمام (1)


فيبطل مع العلم والعمد، ويصح اي لا يجب القضاء في جميع صور الجهل سواء تعلق باصل الحكم أم بالخصوصيات، أم بالموضوع. نعم: يفترقان في صورة النسيان فيجب القضاء هنا - دون الصلاة كما مر - لصدق بلوغ النهي وإن نسيه، فيشمله اطلاق صحيح الحلبي من غير معارض بعد وضوح عدم ورود نص في الناسي واختصاصه بالجاهل كما تقدم. (1): - لا ريب في أن مقتضى القاعدة هو البطلان فيمن قصر في موضع الاتمام من غير فرق بين موارده من العلم أو النسيان أو الجهل بجميع صوره، لانه قد نقص من صلاته ركعتين، ونقصان الركعة بل الركن كزيادته موجب للبطلان فنفس دليل الواقع بعد عدم انطباق المأمور به على المأتي به يستوجب الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه وهذا واضح لا سترة عليه ولم يقع فيه خلاف من احد. إنما الكلام في صورة واحدة وهي ما لو قصر المقيم للجهل بأن حكمه التمام، فقد دلت صحيحة منصور بن حازم على الصحة حينئذ قال: سمعته يقول إذا اتيت بلدة فازمعت المقام عشرة ايام فأتم الصلاة فان تركه رجل جاهلا فليس عليه اعادة (1) وهي كما ترى صحيحة السند ظاهرة الدلالة، ومقتضى الصناعة الخروج بها عن

(1) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 379 ]

مقتضى القاعدة الاولية والالتزام بالصحة في موردها. بيد انه نوقش في حجيتها نظرا إلى اعراض الاصحاب عنها المسقط لها عن درجة الاعتبار، حيث انهم اقتصروا في مقام بيان المعذورية والخروج عن مقتضى القاعدة الاولية على التعرض لعكس المسألة، أعني ما لو أتم في موضع القصر كما تقدم. وأما هذه المسألة نفسها فلم ينص احد منهم على معذورية الجاهل فيها. وهذه الصحيحة بمرأى منهم ومسمع، فيكشف ذلك كشفا باتا عن الاعراض المسقط لها عن الحجية كما سمعت. ويندفع: بمنع الكبرى والصغرى، فان الاعراض على تقدير ثبوته لا يسقط الصحيح عن الحجية كما مر في مطاوي هذا الشرح مرارا، إذ المدار في اعتبار الرواية على وثاقة الراوي أو كونه موثقا، والاعراض وإن كشف عن خلل ظفر عليه المعرضون وقد خفى علينا حتى اشتهر انه كلما ازداد صحة ازداد بالاعراض وهنا وبعدا، إلا أن ذاك الخلل المخفي قد لا يستوجب القدح بنظرنا لو اطلعنا عليه، ومن الجائز فساده بحسب الواقع، فلا يسعنا رفع اليد عن عموم دليل حجية الموثق بمجرد الخلل المزعوم غير المعلوم قادحيته. وعلى الجملة فالبحث على تقدير تحقق الاعراض كبروي والمختار منع الكبرى، هذا اولا. وثانيا: ان الصغرى ممنوعة، إذ لم يثبت الاعراض عن الصحيحة فقد افتى بمضمونها بعض المتأخرين كابن سعيد في جامعه ونفى عنه البعد في مجمع البرهان. نعم كلمات القدماء الذين هم المناط في الاعراض خالية عن التعرض لذلك، ولم تكن المسألة معنونة في كتبهم ككثير

[ 380 ]

من المسائل التي سكتوا عنها وأهملوها فيما وصل الينا من كتبهم ومجامعهم ولعله لبنائهم على الاقتصار في تآليفهم على ضروريات المسائل مما هو محل للابتلاء غالبا، أو لم تكن الحاجة ماسة آنذاك للتعرض لاكثر مما ذكروا، ولاجله لم يذكروا إلا القليل من الكثير. وكيفما كان فعدم التعرض شئ، والاعراض شئ آخر، وبينهما بون بعيد، فلا يمكن استكشاف الثاني من الاول. والحاصل: انه لم يثبت من الاصحاب ما ينافي العمل بالصحيحة، بل غايته انهم سكتوا وأهملوا لا انهم اعرضوا. اللهم: إلا أن يناقش في سندها نظرا إلى اشتماله على موسى بن عمر وهو مشكوك بين شخصين أحدهما موسى بن عمر بن بزيع وهو موثق جليل القدر وثقة النجاشي وله كتاب، وثانيهما موسى بن عمر بن يزيد وهو أيضا معروف وله كتاب ورواياته كثيرة، ولكن لم يرد فيه توثيق، والاول من اصحاب الهادي عليه السلام، والثاني من اصحاب العسكري، والمظنون ان المراد به الثاني، لان الراوي عن كتابه سعد بن عبد الله الذي هو في طبقة محمد بن يحيى شيخ الكليني، فموسى ابن عمر في طبقة مشايخ مشايخ الكليني، ولاجله يظن انه ابن يزيد غير الموثق ولا أقل من الشك فيكون الرجل مرددا بين الموثق وغيره ومعه يشكل الحكم بصحة الرواية عند المشهور. نعم: بما ان الرجل مذكور في اسانيد كامل الزيارات فهو على مسلكنا موثق على كل تقدير، اما بتوثيق النجاشي أو بتوثيق ابن قولويه. وعليه: فالاظهر هو العمل بها في موردها، أعنى الجهل بالحكم - كما ذكره في المتن - دون غيره من ساير موارد الجهل فضلا عن التعدي *

[ 381 ]

(مسألة 6): إذا كان جاهلا باصل الحكم ولكن لم يصل في الوقت وجب عليه القصر في القضاء بعد العلم به (1) وإن كان لو أتم في الوقت كان صحيحا، فصحة التمام منه ليس لاجل انه تكليفه بل من باب الاغتفار، فلا ينافي ما ذكرناه قوله " اقض ما فات كما فات " ففي الحقيقة الفائت منه هو القصر لا التمام، وكذا الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه فانه لو لم يصل اصلا عصيانا أو لعذر وجب عليه القضاء قصرا.


إلى الناسي، وان كان الاحتياط بالاعادة مما لا ينبغي تركه. (1): - قد عرفت ان الجاهل بحكم القصر لو أتم في الوقت صحت صلاته بمقتضى ذيل صحيحة زرارة وابن مسلم المتضمنة لعدم الاعادة فيمن لم تقرأ عليه آية التقصير، إنما الكلام فيما إذا لم يأت بالتمام فترك الصلاة رأسا إلى أن خرج الوقت عصيانا أو نسيانا فهل يجب القضاء قصرا لكونه الوظيفة الاصلية، أو تماما لانقلاب التكليف إليه المستكشف من صحة التمام لو فعله في الوقت فيشمله قوله عليه السلام اقض ما فات كما فات. ومحل الكلام ما لو ارتفع جهله خارج الوقت قبل التصدي للقضاء واما لو قضاها تماما جريا على جهله السابق ثم انكشف الحال فالظاهر انه لا ينبغي الاشكال في الصحة عملا باطلاق دليل الاجزاء الشامل لحالتي الاداء والقضاء كما هو واضح.

[ 382 ]

والظاهر وجوب القضاء قصرا كما ذكره في المتن، بل لا ينبغي التأمل فيه، فان القصر هو الوظيفة الواقعية الثابتة في حق الجاهل كغيره بمقتضى عموم دليل وجوبه لكل مسافر، غاية الامر انه قام الدليل على الاجتزاء بما يفعله من التمام حال الجهل الذي مرجعه لدى التحليل إلى التخصيص في عموم دليل قدح الزيادة، لا إلى انقلاب التكليف الواقعي وتبدله من القصر إلى التمام، فان هذا غير مستفاد من دليل الاجزاء بوجه. وبعبارة اخرى: لو كنا نحن ودليل وجوب القصر ولم يكن لدينا ما يدل على قادحية الزيادة لحكمنا بصحة التمام المأتي به في موضع القصر بمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى ورود دليل خاص، إذ هو مشتمل على القصر وزيادة والمفروض عدم الدليل على قدح الزيادة، غير ان ادلة القدح تمنعنا عن الحكم بالصحة، فإذا ورد دليل تضمن الحكم بالصحة في مورد - كالجهل - فهو بحسب النتيجة مخصص لدليل القدح وليس مفاده إلا العفو والاغتفار عن تلك الزيادة المأتي بها حال الجهل لا التبدل في الحكم الواقعي وانقلابه من القصر إلى التمام ليكون مخصصا لعمومات القصر فان دليل الصحة لا يستلزم ذلك بوجه حسبما عرفت، إذا لا موجب لرفع اليد عن اطلاقات التقصير لكل مسافر. وعليه فالفائت عن الجاهل إنما هو القصر فيجب القضاء قصرا بمقتضى قوله عليه السلام: اقض ما فات كما فات دون التمام بزعم انه لو صلى في الوقت كانت تامة، فكذا القضاء بمقتضى المماثلة، فان صحة التمام آنذاك الراجع إلى عدم قدح الزيادة كما مر منوط بوقوعه حال الجهل فهو حكم خاص بالجاهل، وقد فرضنا ارتفاع جهله بعد *

[ 383 ]

(مسألة 7): - إذا تذكر الناسي للسفر أو لحكمه في اثناء الصلاة (1) فان كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة اتم الصلاة قصرا واجتزأ بها ولا يضر كونه ناويا من الاول للتمام لانه من باب الداعي والاشتباه في المصداق لا التقييد فيكفي قصد الصلاة والقربة بها، وإن تذكر بعد ذلك بطلت ووجب عليه الاعادة مع سعة الوقت ولو بادراك ركعة من الوقت، بل وكذا لو تذكر بعد الصلاة تماما وقد بقي من الوقت مقدار ركعة فانه يجب عليه اعادتها قصرا، وكذا الحال في الجاهل بأن مقصده مسافة إذا شرع في الصلاة بنية التمام ثم علم بذلك، أو الجاهل بخصوصيات الحكم إذا نوى التمام ثم علم في الاثناء أن حكمه القصر، بل الظاهر أن حكم من كان وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنية القصر جهلا ثم تذكر في الاثناء العدول إلى التمام، ولا يضره انه نوى من الاول ركعتين مع ان الواجب عليه اربع ركعات، لما ذكر


الوقت فانقلب الموضوع إلى العالم، فكيف يصح منه التمام. ومثله الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه فيجري فيه ما مر بعينه. (1): - التذكر المذكور قد يكون في مورد لا يمكنه العود إلى القصر لفوات محل العدول بالدخول في ركوع الركعة الثالثة، وقد *

[ 384 ]

من كفاية قصد الصلاة متقربا وإن تخيل ان الواجب هو القصر لانه من باب الاشتباه في التطبيق والمصداق لا التقييد، فالمقيم الجاهل بأن وظيفته التمام إذا قصد القصر ثم علم في الاثناء يعدل إلى التمام، ويجتزئ به لكن الاحوط الاتمام والاعادة بل الاحوط في الفرض الاول أيضا الاعادة قصرا بعد الاتمام قصرا.


يكون قبل ذلك. فعلى الاول حيث لا سبيل للعلاج، فلا مناص من الاستيناف قصرا. وعلى الثاني يرجع إلى القصر بعد هدم القيام لو كان في الركعة الثالثة وسجود السهو حينئذ لو قلنا بوجوبه للقيام الزائد، ولا تضره نية التمام من الاول، فانه من باب تخلف الداعي والخطأ في التطبيق كما نبه عليه في المتن، إذ ليس القصر والتمام ماهيتين مختلفتين وحقيقتين متباينتين كالظهر والعصر والاداء والقضاء ليحتاج كل منهما إلى تعلق القصد إليه بالخصوص، ولا يجوز العدول من احدهما إلى الآخر ما لم يدل عليه نص خاص، بل هما حقيقة واحدة وإنما الاختلاف في عدد الركعات كساير الخصوصيات والكيفيات التي تختلف فيها الافراد مثل الجماعة والفرادي وصلاة الرجل والمرأة وغير ذلك. فصلاة الظهر مثلا طبيعة واحدة وقد نواها المكلف، غاية الامر كان يعتقد انها ذات اربع ركعات فنواها تامة، فانكشف في الاثناء انها ذات ركعتين، وليس هذا إلا من باب الاشتباه في المصداق وليس

[ 385 ]

من التقييد في شئ، فلو فرضنا شخصا حديث العهد بالاسلام إئتم بامام في صلاة المغرب زاعما انها اربع ركعات، أو في صلاة الفجر معتقدا انها ثلاث ركعات فلما سلم الامام على الثالثة أو على الركعتين سلم بتبعه أفهل يحتمل بطلان صلاته لعدم كونه ناويا للثلاث أو الثنتين من أول الامر؟ وعلى الجملة لا يعتبر في صحة الصلاة إلا الاتيان بذات المأمور به وأن يكون بداعي التقرب وقد حصل كلا الركنين حسب الفرض فلا موجب للبطلان، ولا يعتبر العلم باعداد الركعات، كما لا يعتبر العلم بسيار الخصوصيات. وهذه مسألة سيالة تجري في كل من اعتقد جزئية شئ أو عدم جزئيته وقد انكشف الحال قبل تجاوز المحل، كمن اعتقد عدم وجوب التشهد، أو وجوب القراءة مرتين ونحو ذلك، ومنه المقام فانه يحكم بالصحة لان العبرة بقصد الماهية، والخصوصيات لا دخل لها بعد ما عرفت من تقوم الامتثال بالركنين المزبورين، فمتى تذكر وكان محل العدول باقيا جاز العدول بمقتضى القاعدة. نعم ذكر المحقق في الشرايع فرعا وهو أنا لو قصر المسافر إتفاقا بان كان ناويا للتمام جهلا بالحكم ثم غفل وسلم على الركعتين يحكم ببطلان صلاته. وهذا كما ترى لا يستقيم بناءا على ما قدمناه من أن القصر والتمام طبيعة واحدة، والاختلاف من باب تخلف الداعي والاشتباه في التطبيق غير القادح في الصحة. فكلامه (قده) مبني اما على دعوى الانقلاب وان المسافر الجاهل مكلف واقعا بالتمام، والقصر في موضع التمام لا يجزي كما مر، أو على اختلاف ماهية القصر والتمام وقد قصد المصلي

[ 386 ]

ماهية ووقعت في الخارج ماهية أخرى. ولاجله لا يجزي: وكلتا الدعويين ساقطتان كما علم مما مر فان الانقلاب خلاف ظواهر الادلة، بل غايته اغتفار الزيادة لو حصلت واختلاف الماهيتين ممنوع بل هما طبيعة واحدة فلا تضره نية الخلاف ما لم يكن على سبيل التشريع. وكيفما كان فلا نعرف وجها لحكمه (قده) بالبطلان في هذا الفرع بل الاقوى الصحة. وسيجئ لذلك مزيد توضيح في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى، ثم إنك عرفت أن التذكر إن كان بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة بحيث فات محل العدول بطلت ولابد من الاعادة قصرا كما هو الحال فيما لو كان التذكر بعد الفراغ من الصلاة، وهذا فيما إذا كان الوقت وافيا للاعادة ولو بادراك ركعة منه فلا اشكال وأما إذا ضاق الوقت حتى عن ادراك الركعة فقد يتخيل انه يتم صلاته ولا يرفع اليد عنها، إذ لو رفع اليد لزمه القضاء، وقد نطقت الروايات بسقوطه عن الناسي والجاهل. فلا مناص من إتمام ما بيده والاكتفاء به. ويندفع بأن الروايات الناطقة بسقوط القضاء موضوعها من أتم في موضع القصر سهوا أو جهلا بحيث تنصف تلك الزيادة بكونها زيادة سهوية أو زيادة جهلية وانها حينئذ مغتفرة بمقتضى تلك النصوص كما تقدم. واما للزيادة المأتي بها عن علم وعمد كما في المقام حيث ان الاجزاء المأتي بها بعد التذكر أو الالتفات عمدية لا محالة، فلم يقم أي دليل على اغتفارها. ومعه كيف يسوغ له إتمام الصلاة، وكيف يأتي بهذه الزيادات، أعني الاقل من الركعة عالما عامدا، ولم ترد ولا رواية *

[ 387 ]

(مسألة 8): لو قصر المسافر اتفاقا لا عن قصد (1) فالظاهر صحة صلاته، وإن كان الاحوط الاعادة، بل وكذا لو كان جاهلا بأن وظيفته القصر فنوى التمام لكنه قصر سهوا والاحتياط بالاعادة في هذه الصورة آكد واشد.


ضعيفة تقتضي العفو عنها حتى يخرج بها عن عموم دليل قدح الزيادة. فمقتضى القاعدة البطلان ولزوم الاعادة، وحيث لا تتيسر لفرض ضيق الوقت فلا مناص من الانتقال إلى القضاء. ومما ذكرنا يظهر حكم عكس المسألة أعني ما لو قصد القصر في موضع الاتمام جهلا بالحكم - كمن لم يعلم أن ناوي الاقامة وظيفته الاتمام - ثم التفت في الاثناء فانه يعدل حينئذ إلى التمام ولا تضره نية الخلاف فانه من باب الخطأ في المصداق كما مر، ولا تتصور الزيادة هنا إذ لا يزيد القصر على التمام في مفروض المقام إلا بالنسبة إلى السلام المستحب ولا بأس به كما هو ظاهر. (1): - هذا هو الفرع الذي تقدمت الاشارة إليه اجمالا، وعرفت ان المحقق في الشرايع حكم فيها بالبطلان ولعله المشهور بين الفقهاء، أي المتعرضين للمسألة. وتفصيل الكلام ان من يقصر اتفاقا قد يفرض غفلته عن القصر والتمام بأن لم يكن حين شروعه في الصلاة ملتفتا إلى شئ منهما ومن باب الاتفاق سلم في الركعة الثانية، كما لو إئتم المسافر بامام في ركعته الثالثة وسلم بتبعه في الرابعة ثم التفت بعد السلام ولا ينبغي الشك في

[ 388 ]

الصحة حينئذ، والظاهر ان المحقق وامثاله لا يريدون البطلان هنا لعدم كونه ناويا للتمام بخصوصه وإنما نوى امتثال الامر الواقعي وقد اتى بمصداقه خارجا كل ذلك بقصد التقرب فليس ثمة ما يستوجب احتمال البطلان بوجه كما هو ظاهر جدا. وأخرى يفرض نسيانه عن السفر أو عن حكمه ولاجله دخل في الصلاة بنية التمام ولكنه سها بعد ذلك فسلم على الركعتين اتفاقا، وهذا الفرض قد تقدم حكمه وعرفت ان الاقوى حينئذ الصحة لانه قد نوى الامر الواقعي المتعلق بصلاة الظهر مثلا، غايته انه اشتبه في التطبيق فاعتقد ان مصداقه التمام ولاجله نواه ولا ضير فيه بعد أن أتى بأجزاء الواجب خارجا على ما هي عليه مع قصد التقرب. نعم يتجه البطلان لو كان ذلك على سبيل التشريع لعدم كونه في الحقيقة قاصدا للامر الفعلى، على أن التشريع بنفسه محرم، ولا يمكن التقرب بالحرام، لكنه خارج عن محل الكلام ومن البعيد جدا أن يريده المحقق أو غيره. وثالثة يفرض جهله بالحكم فنوى التمام جاهلا بان وظيفته القصر ولكنه قصر سهوا. وقد ذكر في المتن أن الصلاة حينئذ وإن كانت صحيحة إلا ان الاحتياط بالاعادة في هذه الصورة آكد وأشد. وقد ظهر مما قدمناه الفرق بين هذه الصورة وسابقتها المستوجب لآكدية الاحتياط حيث انه قيل هنا بانقلاب التكليف عن القصر إلى التمام، وان وظيفة الجاهل بالحكم هو التمام حتى واقعا. فعلى هذا المبني لا مناص من الاعادة فان القصر المأتي به لم يكن مأمورا به حسب الفرض، وما تعلق به الامر وهو التمام لم يأت به خارجا، ولا دليل

[ 389 ]

على اجزاء القصر عن التمام إلا في صورة واحدة بمقتضى صحيحة منصور وهي غير ما نحن فيه كما سبق. ولكنك عرفت فساد المبنى وان الانقلاب مما لا اساس له من الصحة بوجه، حتى ان تعين التقصير لم ينقلب إلى التخيير وان سبق التعبير به منا في مطاوي ما مر، فانه كان مبنيا على ضرب من المسامحة، والمراد ان زيادة الركعتين مغفرة وانها لو حصلت جهلا لم تقدح في الصحة بمقتضى النصوص المتضمنة لاجزاء التمام عن الجاهل بالقصر لا انه مخير واقعا بين القصر والتمام وموظف بالجامع بينهما، فان النصوص المزبورة غير وافية لاثبات ذلك كما لا يخفى، وعلى الجملة الوظيفة الواقعية هي تعين القصر من غير فرق بين الجاهل وغيره من المسافرين، غاية الامر أن الروايات دلت على ان الزيادة لو حصلت من الجاهل فهي مغتفرة، وانه لو زاد ركعتين لم تبطل صلاته، ومن باب الاتفاق لم يزد في المقام لاجل غفلة أو نحوها. وعليه بما أن المأمور به الواقعي وهو القصر قد تحقق مقرونا بقصد القربة فلا مناص من الحكم بالصحة من غير حاجة إلى الاعادة، وقد عرفت أن القصر والتمام طبيعة واحدة وليسا حقيقتين متغايرتين ليكون قصد احدهما مكان الآخر قادحا في الصحة، بل هو من باب الخطأ في التطبيق، والتخلف في الداعي اشتباها. ومثله لا ضمير فيه. فتحصل ان الاظهر هو الحكم بالصحة في جميع الفروض الثلاثة المتقدمة من الغفلة والنسيان والجهل وإن كان الاحتياط بالاعادة مما لا ينبغي تركه.

[ 390 ]

(مسألة 9): إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكن من الصلاة ولم يصل ثم سافر وجب عليه القصر (1)، ولو دخل عليه الوقت وهو مسافر فلم يصل حتى دخل المنزل من الوطن أو محل الاقامة أو حد الترخص منهما اتم، فالمدار على حال الاداء لا حال الوجوب والتعلق لكن الاحوط في المقامين الجمع.


(1): - لا يخفى ان ما أفاده (قده) من ان الاعتبار في القصر والتمام بمراعاة حال الاداء وظرف الامتثال لا حال تعلق الوجوب هو المطابق لمقتضى القاعدة، أعني اطلاقات الادلة مع قطع النظر عن النصوص الخاصة الواردة في المقام فان اطلاقات القصر تقتضي وجوبه متى تصدى المسافر للصلاة سواء أكان مسافرا أيضا حال تعلق الوجوب أم لا، وهكذا عكسه فان الاطلاقات الدالة على وجوب سبعة عشر ركعة في كل يوم لكل مكلف غير مسافر تقتضي وجوب التمام حين التصدي للامتثال سواء أكان حاضرا أول الوقت أيضا أم لا. فلو كنا نحن وتلك الادلة ولم يرد أي نص في المقام لكانت القاعدة تقتضي ما ذكره (قده). فلابد إذا من النظر إلى الروايات فان تضمنت ما يخالفها خرجنا بها عنها، وكانت مخصصة لها بطبيعة الحال وإن لم يثبت ذلك ولو من أجل الابتلاء بالمعارض كان المتبع حينئذ هي تلك الاطلاقات بعد سلامتها عما يصلح للتقييد. ثم إن ما ذكره (قده) من ان الاعتبار بحال الاداء هو المعروف

[ 391 ]

المشهور، بل المتسالم عليه بين المتأخرين. ونسب الخلاف إلى جماعة منهم الصدوق في المقنع، والعماني وبعض آخر فذكروا ان الاعتبار بحال الوجوب. وذهب الشيخ في النهاية - وتبعه بعضهم - إلى التخيير بين مراعاة كل من الحالتين المتخالفتين المشتمل عليهما الوقت، فهو بالخيار بين القصر والتمام. ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام، فقد تضمنت جملة منها وفيها الصحاح أن الاعتبار بحال الاداء، فيقصر المسافر وإن كان حاضرا أول الوقت وفي العكس ينعكس الامر. فمنها صحيحة محمد بن مسلم في حديث قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يريد السفر فيخرج حتى تزول الشمس، فقال: إذا خرجت فصل ركعتين. وصحيحة اسماعيل بن جابر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يدخل على وقت الصلاة وانا في السفر فلا اصلي حتى ادخل اهلي، فقال: صل وأتم الصلاة، قلت: فدخل علي وقت الصلاة وأنا في أهلي اريد السفر فلا اصلي حتى اخرج، فقال: صل وقصر فان لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله صلى الله عليه وآله: وقد تضمنت الحكم من كلا الطرفين. وصحيحة العيص بن القاسم عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثم يدخل بيته قبل أن يصليها قال: يصليها اربعا، وقال: لا يزال يقصر حتى يدخل بيته، ونحوها غيرها (1).


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1، 2، 4.

[ 392 ]

وبازائها روايات أخرى دلت على أن الاعتبار بحال الوجوب: فمنها صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، فقال: يصلي ركعتين، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فيصلى اربعا (1). فانها ظاهرة في التعرض لحكم ما بعد الدخول لاحكم الصلاة في الطريق، فان قوله: وقد دخل... الخ جملة حالية لا انها بنفسها مورد للسؤال كما هو ظاهر جدا، وكذا الحال في ذيل الصحيحة المتعرض لعكس المسألة، ونحوها غيرها مما دل على أن العبرة بزمان تعلق الوجوب، ولاجله وقع الخلاف كما عرفت. أما ما ذهب إليه الصدوق من أن الاعتبار بحال الوجوب فلا نعرف له وجها أبدا فانه ترجيح لاحد المتعارضين من غير مرجح، إذ لا موجب لتقديم هذه الصحيحة ونحوها على الطائفة الاولى الدالة على أن المناط هو حال الاداء فهذا القول ساقط جزما. وأما ما اختاره الشيخ ما المصير إلى التخيير بدعوى انه مقتضى الجمع بين الطائفتين بعد رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين كما هو الشأن في كل مورد دار الامر بين رفع اليد عن اصل الوجوب أو عن تعينه فان المتعين حينئذ هو الثاني، ونتيجته الحمل على التخيير. فيندفع بان هذه الدعوى في نفسها شئ لا نضايق عنها إلا انها بعيدة في المقام من جهة ان التخيير مناف لصريح صحيحة اسماعيل بن جابر الناطقة بتعين القصر حيث قال: فان لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ مع كونه مخيرا كيف يكون مخالفا لرسول


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب صلاة المسافر الحديث 5.

[ 393 ]

الله صلى الله عليه وآله في اختيار القصر. وعلى الجملة فالحمل على التخيير ساقط جزما لانه مخالف لصريح الصحيحة المزبورة. فلا يمكن المساعدة على هذا القول أيضا: هذا. ونسب إلى العلامة الجمع بحمل ما دل على ان العبرة بحال الوجوب على ما لو خرج عن منزله وكان متمكنا من التمام فلم يصل بعد ما استقر عليه الوجوب، وما دل على ان العبرة بحال الاداء على ما لو خرج أول الوقت قبل ان يتمكن من الاتيان بالصلاة التامة بمقدماتها. وهذا كما ترى جمع تبرعي لا شاهد عليه. على ان هذا القيد وهو التمكن من التمام وإن كان منسوبا إلى المشهور حيث اخذوه في موضوع الخلاف إلا انه أيضا لادليل عليه كما اشار إليه المحقق الهمداني (قده) فانه تقييد بلا موجب والروايات مطلقة من الطرفين، فان المذكور فيها الخروج عن منزله بعد ما دخل الوقت ولم يصل. وهذا قد يفرض مع تمكنه، واخرى مع عدمه لاحتياج الصلاة إلى مقدمات لا يسع الوقت لها كالغسل، وغسل الثوب والبدن ونحو ذلك، فحينما يخرج من حد الترخص لم يمض مقدار من الزمان يتمكن فيه من الصلاة مع المقدمات. فالتقييد المزبور لا نعرف له وجها اصلا. وكيفما كان فالجمع المذكور عري عن الشاهد كما عرفت. على ان بعض هذه الروايات كالصريح في انه كان متمكنا وأخر ومع ذلك حكم عليه السلام بالقصر كما في صحيحة اسماعيل بن جابر حيث قال (فلا اصلي حتى اخرج) إذ فرض انه لم يصل باختياره لا لاجل انه لم يتمكن.

[ 394 ]

وربما قيل بالجمع بالحمل على ضيق الوقت وسعته وان المسافر الذي يقدم أهله إن كان الوقت واسعا يصلي تماما وإلا قصرا. وهذا الجمع بعيد في حد نفسه كما لا يخفى. ولكن قد يستشهد له بما ورد في موثقة اسحاق بن عمار قال سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة: فقال إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وان كان يخاف خروج الوقت فليقصر (1) حيث تضمنت التفصيل بين سعة الوقت وضيقه، وهل المراد به وقت الفضيلة أو الاجزاء كلام آخر. وكيفما كان فربما يجعل هذه شاهدة الجمع بين الطائفتين. ولكنه لا يتم فان المراد من هذه الموثقة اتمام الصلاة في المنزل مع السعة، وقصرها في السفر مع الضيق، كما يكشف عن ذلك صحيحة محمد بن مسلم: " في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال: إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم، وإن كان يخاف ان يخرج الوقت قبل ان يدخل فليصل وليقصر (2). فان هذه الصحيحة توضح المراد من الموثقة وانه يؤخر الصلاة إلى ان يدخل أهله إن وسع الوقت - والظاهر هو وقت الفضيلة - فيتم حينئذ، وإلا فيقصر وهو في الطريق وقبل ان يدخل، لا انه بعد الدخول يتم إن وسع الوقت وإلا فيقصر، فهذا الجمع ايضا ساقط. إذا فالصحيح ان الروايات متعارضة ولا سبيل إلى الجمع العرفي بوجه. وعليه فيحتمل ان تكون الروايات الدالة على التمام في السفر محمولة


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب صلاة المسافر الحديث 6. (2) الوسائل: باب 21 من أبواب صلاة المسافر الحديث 8.

[ 395 ]

(مسألة 10): إذا فاتت منه الصلاة وكان في اول الوقت حاضرا وفي آخره مسافرا أو بالعكس فالاقوى انه مخير بين القضاء قصرا أو تماما (1)، لانه فاتت منه الصلاة في مجموع الوقت والمفروض انه كان مكلفا في بعضه بالقصر وفي بعضه بالتمام، ولكن الاحوط مراعاة حال الفوت وهو آخر الوقت واحوط منه الجمع بين القصر والتمام


على التقية، كما لا يبعد استفادته من قوله عليه السلام في صحيحة اسماعيل بن جابر: فان لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله صلى الله عليه وآله. فكأن العامة كانوا يصلون تماما في السفر ولاجله عبر بهذا التعبير فتأمل. فان امكن هذا الحمل فهو وإلا فينتهي الامر إلى التساقط، والمرجع حينئذ عمومات الكتاب والسنة الدالة على لزوم التقصير في السفر كما مر إذ لم يثبت شئ على خلافها. وإن شئت قلت إن تلك العمومات مرجحة لنصوص الاعتبار بالاداء فاخبار الاعتبار بالوجوب ساقطة لمعارضتها بتلك النصوص الموافقة لعمومات الكتاب والسنة. فتحصل ان ما عليه جمهور المتأخرين من ان الاعتبار بحال الاداء لا حال تعلق الوجوب هو الصحيح. (1): - تقدم أن العبرة في القصر والتمام بحال الاداء لا حال تعلق الوجوب. هذا حكم الاداء. وأما في القضاء فقد حكم في المتن بالتخيير بين القصر والتمام نظرا إلى أن الفائت منه طبيعي الصلاة في مجموع الوقت الذي كان مكلفا

[ 396 ]

بالقصر في بعضه وبالتمام في البعض الآخر، وحيث لا ترجيح لاحدهما على الآخر، ومن الضروري عدم وجوب الجمع إذ القضاء لا يزيد على الاداء ولم يكن مكلفا في الوقت إلا بأحدهما فلا مناص من التخيير. وفيه ان ما أفيد وإن كان هو المطابق لمقتضى القاعدة إلا انك عرفت في مبحث القضاء دلالة النصوص على أن ما فات قصرا يقتضى قصرا، وما فات تماما يقضى تماما، فيظهر منها ان العبرة في القضاء بحال الفوت، وبطبيعة الحال يكون الاعتبار بآخر الوقت الذي هو المناط في صدق الفوت، فان كان حاضرا حينئذ فقد فاتته الصلاة التامة فيجب القضاء تماما، وإن كان مسافرا فقصرا ولاعبرة بالحالة السابقة لعدم صدق الفوت بملاحظتها. نعم خبر زرارة صريح الدلالة في ان العبرة في القضاء بحال الوجوب عن أبي جعفر عليه السلام انه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخر الصلاة حتى قدم وهو يريد يصليها إذا قدم إلى أهله فنسى حين قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها، قال: يصليها ركعتين صلاة المسافر لان الوقت دخل وهو مسافر كان ينبغي له أن يصلي عند ذلك (1). وبمقتضى التعليل يتعدى إلى عكس الفرض المذكور في السؤال. ودعوى انها وإن وردت في القضاء إلا ان ظاهر التعليل عموم الحكم للاداء، فتكون من الاخبار الدالة على أن الاعتبار في الوقت بحال الوجوب، فتعارض بما دل على أن الاعتبار بحال الاداء كما تقدم في المسألة السابقة. ولاجله تسقط عن صلاحية الاستدلال بها في المقام.


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب صلاة المسافر الحديث 3.

[ 397 ]

غير مسموعة، فان النظر فيها سؤالا وجوابا مقصور على التعرض لحكم القضاء فحسب، ولا تعرض فيها للاداء بوجه، إذ لا يكاد يشك السائل في انه لو صلى في الوقت عند اهله لصلي تماما، إذ لو اعتقد انه يصلي حينئذ قصرا باعتبار حال الوجوب لم يكن له شك بعد هذا في وجوب القضاء قصرا أيضا فلم يبق موقع للسؤال عن حكم القضاء. وإنما الذي اوقعه في الشك ودعاه إلى السؤال تعاقب الحالتين المختلفتين في الوقت المستتبعتين لحكمين متباينين، حيث رأى انه لو صلى اول الوقت لصلى قصرا، ولو صلى آخره لكان تماما من غير شك في شئ من هذين الحكمين، وعندما خرج الوقت وفاتته الفريضة تردد في ان الاعتبار في القضاء بأول الوقت أم بآخره ولاجله اضطر إلى السؤال عن حكمه فأجاب عليه السلام - بعد تقرير ما كان مغروسا في ذهنه بعدم الردع - بان الاعتبار باول الوقت، معللا بان الوقت دخل وهو مسافر كان ينبغي له ان يصلي عند ذلك، فكأن حلول الوقت يستدعي استقرار الوجوب إن قصرا أو تماما، ولا يسقط إلا به أو ببديله المأتي به في الوقت وإلا فهو على عهدته إلى أن يقضي خارج الوقت. وعلى الجملة فظهور الرواية في ان الاعتبار في القضاء بحال الوجوب لعله غير قابل للانكار. هذا ولكن صاحب الوسائل ذكر الرواية في عداد الروايات الواردة فيمن دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر، أو بالعكس وان الاعتبار هل هو بوقت الوجوب أو بحال الاداء، وكأنه فهم (قده) منها ان السؤال والجواب ناظران إلى الصلاة اداءا لا قضاءا (1)، ولعله


(1) نعم ولكنه (قده) اوردها في باب قضاء الصلوات أيضا -

[ 398 ]

من اجل أنه فهم من الوقت المذكور فيها الوقت الاول المعبر عنه في كلام المتأخرين بوقت الفضيلة والذي يطلق عليه الوقت في لسان الاخبار كثيرا، سيما الوارد منها في باب الاوقات، وقد ورد ان لكل صلاة وقتين إلا المغرب فان لها وقتا واحدا، فاطلاق الوقت على هذا المعنى كان من الشايع المعروف، بل عبر بتضييع الوقت فيمن اخر الصلاة عنه وإن كانت اداءا، حتى قيل بحرمته. فبناءا عليه تكون الرواية من روايات المسألة السابقة، ومن قبيل ما دل على ان الاعتبار بأول الوقت وحال تعلق الوجوب لا بحال الاداء، فتكون معارضة بالطائفة الاخرى الدالة على أن العبرة بوقت الاداء وظرف الامتثال. ولا يبعدان ما فهمه (قده) هو الصحيح، إذ لم يقل عليه السلام في مقام الجواب يقضيها، بل قال يصليها... الخ الظاهر في أن المأتي به هو نفس الصلاة المأمور بها في الوقت، لا أن امرها سقط وهذه صلاة اخرى تقوم مقام الاولى تداركا لها المعبر عنها بالقضاء خارج الوقت. وعليه فالرواية اجنبية عن باب القضاء وتكون من روايات باب الاداء كما عرفت، وهي معتبرة السند فان موسى بن بكر وان لم يوثق صريحا في كتب الرجال ولكنه مذكور في اسناد تفسير علي بن ابراهيم الذي شهد كابن قولويه بوثاقة من في اسناد كتابه مضافا إلى شهادة


(باب 6 حديث 3): فكأنه فهم كما فهم غيره أيضا من التعليل الوارد في الذيل عموم الحكم لفرض الاداء والقضاء.

[ 399 ]

(مسألة 11) الاقوى كون المسافر مخيرا بين القصر


صفوان بان كتاب موسى بن بكر مما لا يختلف فيه اصحابنا (1). فما فهمه (قده) غير بعيد بل لعله قريب. نعم إذا حملناها على وقت الاجزاء بان اريد من ذهاب الوقت صيرورة الصلاة قضاء، والتعبير بقوله (ع) يصليها لاجل مشاركة القضاء مع الاداء في الصورة. إذا تكون الرواية واردة في مورد القضاء، وقد دلت على أن الميزان في القضاء بأول الوقت. فبناءا على هذا يمكن أن يقال ان هذه الرواية مخصصة لعموم ما دل: ان ما فات قصرا يقضى قصرا، وما فات تماما فتماما. ولكنه مع ذلك لايتم، إذ ليس التعليل ناظرا إلى خصوص القضاء بل مفاده ان الميزان في الخروج عن الوظيفة مراعاة أول الوقت بلا فرق بين كون الخروج داخل الوقت أم خارجه، فمقتضاه أن العبرة في الامتثال بحدوث التكليف المستلزم لكونه في الوقت ايضا كذلك وإلا لم نعرف وجها للتعليل على تقدير الاختصاص بالقضاء بل لا يكاد يصح كما لا يخفى. وعليه فتسقط من اجل المعارضة ببقية الروايات الدالة على أن العبرة بحال الاداء. وكيفما كان: فلا يمكن رفع اليد عن عموم ما دل على تبعية القضاء لفوت الاداء من حيث القصر والتمام بمثل هذه الرواية وإن كانت معتبرة.

(1) معجم رجال الحديث ج 19 ص 37.

[ 400 ]

والتمام في الاماكن الاربعة (1)، وهي مسجد الحرام، ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، ومسجد الكوفة، والحائر الحسيني (عليه السلام)، بل التمام هو الافضل، وان كان الاحوط هو القصر،


(1): - على المشهور المعروف بين القدماء والمتأخرين، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، بل نسبته إلى مذهب الاصحاب ومتفرداتهم، وعن المرتضى وابن الجنيد تعين التمام، وعن الصدوق تعين القصر وانه لا فرق بين هذه المواطن وساير البلدان غير انه رعاية لشرافة البقعة يستحب له أن يقيم فيتم، لا أنه يتم من غير قصد الاقامة. ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار، فقد دلت جملة منها على التمام، واخرى على القصر، وثالثة على التخيير - كما ستعرف - ولا يمكن ان يراد بالاخير التخيير بين قصد الاقامة وعدمه. إذ فيه أولا: ان هذا لا يختص بتلك الاماكن بل يعم جميع البلاد، فما هو الامتياز لهذه البقاع. وثانيا: يأباه بعض نصوص التمام الدالة على انه يتم ولو بقي بمقدار صلاة واحدة وكان بنحو المرور، فان هذا لا يجتمع مع التخيير بالمعنى المزبور كما هو ظاهر جدا. ولا يخفى ان نصوص التمام قابلة للجمع مع اخبار التخيير بأن يحمل الامر بالتمام على افضل الافراد، فيرفع اليد عن ظهور الامر في التعيين ويحمل على التخيير.

[ 401 ]

واما نصوص القصر فلا يمكن حمل الامر فيها على الجواز سيما المفضول من الفردين وإن احتمله الشيخ فحمل الامر بالقصر على الجواز غير المنافي للتخيير. على أن هذا لايتم في مثل صحيحة أبي ولاد - الواردة في المدينة - لظهورها بل صراحتها في تعين القصر فيما بينه وبين شهر ما لم ينو المقام عشرة ايام. نعم: لو كانت نصوص التقصير منحصرة في هذه الصحيحة لامكن الذب عن الاشكال، بأن يقال إن النظر في الجواب والسؤال معطوف على جهة العدول عن نية الاقامة، والتفصيل بين الاتيان بالرباعية وعدمها فهي متعرضة لبيان حكم عام لمطلق البلدان على سبيل الكبرى الكلية مع قطع النظر وغمض العين عن خصوصية المورد، فلم ينظر الامام عليه السلام إلى مورد الصحيحة وإنما نظر إلى جهة السؤال، اعني حيثية العدول عن نية الاقامة، ولكنها غير منحصرة في ذلك كما ستعرف. وكيفما كان فقد عرفت ان النصوص على طوائف ثلاث: فمما دل على التخيير جملة من الاخبار. منها: صحيحة على بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام في الصلاة بمكة، قال: من شاء أتم ومن شاء قصر. وصحيحة الحسين بن المختار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال: قلت له إنا إذا دخلنا مكة والمدينة نتم أو نقصر؟ قال: إن قصرت فذلك، وإن أتممت فهو خير تزداد. وصحيحة على بن يقطين الاخرى قال: سألت أبا ابراهيم عليه السلام

[ 402 ]

عن التقصير بمكة؟ فقال: أتم وليس بواجب، إلا اني احب لك ما احب لنفسي (1) ونحوها غيرها. وهذه الاخيرة وان كان في سندها اسماعيل بن مرار ولم يوثق صريحا في كتب الرجال، إلا انه مذكور في اسناد تفسير علي بن ابراهيم الذي التزم كأبن قولويه أن لا يروي إلا عن الثقة، فهو موثق بتوثيقه الذي لا يقل عن توثيق الرجاليين. وقد عرفت عدم امكان حمل هذه النصوص على التخيير في الموضوع بمعنى كونه مخيرا بين قصد الاقامة وعدمه كما لعل الشيخ الصدوق فهم هذا المعنى ولذا ذهب إلى التقصير مع روايته اخبار التخيير لبعده في حد نفسه من اجل استلزامه نفي الخصوصية لهذه المواطن، فان الامر بالاتمام يمكن أن تكون له خصوصية وهي الايعاز إلى الافضلية واما الامر بالتخيير بهذا المعنى فهو مشترك فيه بين البلاد فينتفي الاختصاص. على ان جملة من النصوص صريحة في الاتمام ولو صلاة واحدة وكان بنحو المرور على هذه الاماكن من غير الاقامة فيها. منها: صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التمام بمكة والمدينة، فقال اتم وإن لم تصل فيهما إلا صلاة واحدة (2). وصحيحة مسمع بن عبد الملك " إذا دخلت مكة فأتم يوم تدخل " (3) ولا يمنع اشتمال الطريق علي ابن أبي جيد الذي لم يوثق


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 10 و 16 و 19. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 5. (3) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 7.

[ 403 ]

صريحا في كتب الرجال فانه من مشايخ النجاشي وكلهم ثقات حسب ما التزم به من عدم روايته بلا واسطة الا عن الثقة. وصحيحة عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن اتمام الصلاة والصيام في الحرمين فقال: اتمها ولو صلاة واحدة (1) ونحوها غيرها. ولعل اعراضه عليه السلام في الجواب عن حكم الصوم من اجل عدم ثبوت التخيير فيه واختصاصه بالصلاة. وكيفما كان فهذه النصوص لا تجتمع مع التخيير بالمعنى المزبور. وبازاء نصوص التخيير روايات دلت بظاهرها على تعين الاتمام. منها: صحيحة حماد بن عيسى عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: من مخرون علم الله الاتمام في أربعة مواطن حرم الله، وحرم رسوله، وحرم أمير المؤمنين عليه السلام، وحرم الحسين بن على عليه السلام (2)، والراد بحرم امير المومنين عليه السلام الكوفة أو مسجدها كما في النصوص الاخر على ما ستعرف -. وصحيحة مسمع عن أبي ابراهيم عليه السلام قال: كان أبي يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما، ويقول إن الاتمام فيهما من الامر المذخور (3). ولا يخفى انا لو كنا نحن وهاتين الروايتين المعتبرتين لامكن أن يقال انه لا دلالة لهما على الوجوب، بل غايته ان الاتمام من الامر المخزون


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 17. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 1. (3) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 2.

[ 404 ]

المدخور، واما انه واجب أو مستحب فلا دلالة عليه بوجه. ولكن هناك روايات تضمنت الامر بالتمام الظاهر في الوجوب، مثل صحيحة ابن الحجاج ونحوها المتقدمة آنفا الآمرة بالتمام ولو صلاة واحدة. إلا ان الجمع العرفي بينها وبين نصوص التخيير يقتضى الحمل على الاستحباب، فيرفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب بصراحة الآخر في جواز الترك إلى البدل. على ان الاستحباب مستفاد من نفس الروايات كقوله عليه الملام في صحيحة علي بن يقطين المقدمة: " أتم وليس بواجب إلا اني احب لك ما احب لنفسي " (1). ونحوها صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام إن الرواية قد اختلفت عن آبائك في الاتمام والتقصير للصلاة في الحرمين، فمنها ان يؤمر بتتميم الصلاة، ومنها أن يؤمر بقصر الصلاة بأن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة، ومنها أن يقصر ما لو ينو عشرة أيام، ولم ازل على الاتمام فيها إلى ان صدرنا في حجنا في عامنا هذا، فان فقهاء اصحابنا اشاروا الي بالتقصير إذا كنت لا انوي مقام عشرة ايام، فصرت إلى التقصير وقد ضقت بذلك حتى اعرف رأيك فكتب الي عليه السلام بخطه: قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فانا احب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر وتكثر فيهما من الصلاة، فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: اني كتبت اليك بكذا واجبتني بكذا، فقال: نعم، فقلت: أي شئ تعني بالحرمين؟ فقال:


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 9.

[ 405 ]

مكة والمدينة (1). قوله: ومنها أن يؤمر بقصر الصلاة... الخ الظاهر ان النسخة مغلوطة، والصحيح أن يؤمر باتمام الصلاة ولو صلاة واحدة. فيريد ابن مهزيار أن الروايات الواردة عنهم عليهم السلام على ثلاثة اقسام: الامر بالتمام، والامر بالتمام ولو صلاة واحدة، والامر بالقصر. وكيفما كان فهي كالصريح في استحباب التمام فلا منافاة بينها وبين نصوص التخيير بوجه. إنما الكلام في الجمع بينها - اي نصوص التخيير - وبين الطائفة الثالثة، اعني الروايات الدالة على القصر وهي عدة من الاخبار. فمنها: صحيحة أبي ولاد المتقدمة، وقد عرفت حملها على ما لا ينافي التخيير فان تم كما هو الحق وإلا فحالها حال ساير ما دل على القصر. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قدم مكة فاقام على احرامه قال: فليقصر الصلاة ما دام محرما (2). وقد حملها الشيخ على الجواز، وهو بعيد كما لا يخفى. والظاهر لزوم رد علمها إلى اهله، لان التفصيل في الاتمام والتقصير بين الاحرام والاحلال مما لم يقل به أحد، ولعل الامر بالقصر ما دام محرما لما فيه من نوع مشابهة للعامة القائلين بالقصر مطلقا، فيكون محمولا على التقية. وكيفما كان فلا يمكن أن يعارض بها ساير الاخبار بعد القطع بعدم الفرق في التمام والقصر بين الاحرام وغيره. ومنها: صحيحة ابن بزيع قال: سألت الرضا عليه السلام عن


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 4. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 3.

[ 406 ]

عن الصلاة بمكة والمدينة تقصير أو تمام؟ فقال: قصر ما لم تعزم على مقام عشرة ايام (1) وهي صريحة في الامر بالقصر من دون قصد الاقامة وقد رواها الصدوق في الفقيه والعيون، ولعله استند إليها في الحكم بالتقصير. وهذه الصحيحة وما يلحق بها هي العمدة في المقام فتكون معارضة لنصوص التخيير. ويستفاد من جملة من الاخبار كما تقدم بعضها ان جماعة من كبار الاصحاب مثل محمد بن أبى عمير، وصفوان كانوا يقصرون، ولذا شاروا إلى ابن مهزيار بالتقصير، وهو أيضا معارض لنصوص التخيير. هذا ولابد من حمل الامر بالقصر الوارد في هاتيك الاخبار كعمل الاصحاب على التقية، جمعا بينها وبين أو امر الاتمام المحمولة على الافضلية كما مر وبين اوامر التخيير. ويدلنا على ذلك امور: (احدها): ان من الواضح جدا ان العامة لا يرون خصوصية لتلك الاماكن. بل ان حكمها حكم غيرها من ثبوت التقصير في الجميع وعليه جرت سيرتهم واستقر عملهم - وان اختلف رأيهم ونسب إلى كثير منهم التخيير اخذا بظاهر نفي الجناح في الآية المباركة كما ستعرف - ولا ينبغى التأمل في انهم (ع) كانوا يرون الخصوصية فكانوا يقصرون في الطريق قبل الوصول إلى تلك المواضع جزما. إذا فلو كان الامر بالقصر في هذه الاخبار لبيان الحكم الواقعي للغت الخصوصية ولم يكن ثمة أي فرق بينها وبين غيرها من البقاع فلا جرم يكون محمولا على التقية بحيث لو لم تكن لدينا أية رواية اخرى ما عدا هاتين الطائفتين المتعارضتين للزم بمقتضى هذه القرينة القاطعة حمل الامر


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 32.

[ 407 ]

الامر بالقصر على التقية. (ثانيها): ما تقدم من الروايات الصحيحة الناطقة بان التمام من الامر المذخور في علم الله المخزون وانه خاص بالشيعة، وبطبيعة الحال يكون الامر بالقصر على خلاف ذلك فيكون للتقية لا محالة، أي التقية في العمل لا في نفس الامر، إذ هي على قسمين. (فتارة): يكون الامر بنفسه للتقية، لاجل وجود من يتقى منه في مجلس التخاطب. (واخرى): يؤمر بشئ يكون ذلك الشئ لاجل التقية كيلا يعرف الشيعة من غيرهم، فهو في الحقيقة أمر بالتقية، أي بواقع التقية لا بعنوانها. والمقام من هذا القبيل فأمروا شيعتهم بالتقصير لهذه الغاية، إذ الشيعي المقصر في الطريق وفي القافلة غيره من المخالفين وهم يرونه بطبيعة الحال لو اتم عندما بلغ مكة - مثلا - وهم يقصرون عرفوا تشيعه بذلك، ولعل هذا هو السر في ان جماعة من كبار اصحابهم (ع) كصفوان ومحمد بن أبى عمير كانوا يقصرون حسبما يشير إليه قوله في صحيحة ابن مهزيار المتقدمة. (فان فقهائنا واصحابنا أشاروا إلي بالتقصير). (وثالثها): صحيحه معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد الله (ع) عن التقصير في الحرمين والتمام، فقال: لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة ايام، فقلت ان اصحابنا رووا عنك انك امرتهم بالتمام، فقال ان اصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم ويخرجون،

[ 408 ]

والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام (1). فانها واضحة الدلالة على ان امره (ع) اولا بالقصر كان لاجل التقية، وان التمام مشروع في نفسه، والا فلو لم يكن مشروعا ولا صحيحا اكان مجرد الخروج والناس يستقبلونم من مسوغات التمام، وهل هذا الا امرا بترك الصلاة في هذا اليوم فنفس هذا البيان شاهد صدق على استناد الامر بالقصر إلى التقية، والا فكيف يأمر الامام (ع) بالاتيان بغير المأمور به هذا. ويمكن تأييد المطلوب برواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لابي الحسن (ع) ان هشاما روى عنك انك امرته بالتمام في الحرمين وذلك من اجل الناس، قال: لا، كنت انا ومن مضى من آبائى إذا وردنا مكة اتممنا الصلاة، واستترنا من الناس (2) حيث يظهر من استتار التمام مخالفته للتقية وان عمل العامة كان على القصر. وانما لم نستدل بها لانها مضافا إلى نوع غموض وتشويش في دلالتها (3) كما اعترف به في الحدائق (4) غير تقية السند وان عبر


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 34. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 6. (3) فان مقتضى صدرها ان عمل الناس آنذاك كان على التمام ولاجله امر (ع) هشاما بالتمام تقية منهم، ومقتضى ذيلها ان عملهم كان على القصر ومن ثم كان (ع) يستتر الاتمام عن الناس، ومن المستبعد جدا خطأ الراوي ولاسيما مع كونه من الاجلاء في مثل هذه الامور الحسية الصادرة بمرأي منه ومسمع. (4) ج 11 ص 443.

[ 409 ]

عنها في كلمات القوم بالصحيحة تارة وبالحسنة اخرى، فان (الحسن ابن الحسين اللؤلؤي) قد تعارض فيه الجرح والتعديل فلا يمكن الحكم بوثاقته كما نبه عليه سيدنا الاستاذ - دام ظله - في المعجم (1). وعلى الجملة فالذي يظهر لنا من مجموع هذه الروايات بعد ضم بعضها إلى بعض هو ثبوت التخيير، بل كون التمام افضل بل من المذخور في علم الله ولكنهم (ع) امروا اصحابهم بالتقصير مخافة وقوعهم في خلاف التقية فان من لاحظ الروايات الواردة في المواضع الاربعة يظهر له بوضوح ان المتعارف بين الناس كان هو القصر واما التمام فقد كان من العلم المخزون الذي لم يخبروا به الا بعض اصحابهم وخواص شيعتهم. وقد عرفت استقرار عمل العامة وسيرتهم الخارجية - بمختلف مذاهبهم - على القصر من غير فرق بين هذه المواضع وغيرها وان اختلف آرائهم وتشتت انظارهم في حكم التقصير للمسافر. ففى كتاب الفقة على المذاهب الاربعة (2) ان الشافعية والحنابلة يرون التخيير بين القصر والتمام والحنفية والمالكية متفقون على ان القصر واجب غير فرض بمعنى كونه من السنة المؤكدة، الا انهم اختلفوا في الجزاء المترتب على تركه. فالحنفية يرون انه لو اتم يحرم من الشفاعة ويحكم بصحة صلاته إذا جلس في الركعة الثانية بمقدار التشهد وان كان مسيئا عاصيا فأصل الصلاة واجب والقصر واجب آخر، واما المالكية فيرون انه لا يؤاخذ


(1) ج 4 ص 319. (2) ج 1 ص 471.

[ 410 ]

وما ذكرناه هو القدر المتيقن، والا فلا يبعد كون المدار على


على تركه وانما يحرم من ثواب السنة المؤكدة فقط. وفي كتاب المغنى لابن قدامة (1) ان الحنابلة يرون التخيير، والشافعية والمالكية يرون الاتمام، والحنفية يرون وجوب القصر، وكيفما كان فيظهر من مجموع الكلمات استقرار عملهم على القصر كاستقرار رأيهم على جوازه بالمعنى الاعم وان اختلفوا في ساير الخصوصيات حسبما عرفت. والحاصل: ان المستفاد من تتبع اقوالهم ان المتعارف الخارجي في ذلك الزمان كان هو القصر ولذلك قال (ع) في رواية ابن الحجاج المتقدمة: - اتممنا الصلاة واستترنا من الناس - فان الاتمام لو كان هو المتعارف لم تكن حاجة إلى الاستتار. وعليه فلا مناص من حمل الامر في نصوص القصر على التقية لجهة من الجهات، ولعله لاجل ان لايعرف الشيعي بذلك كما مر، وهذا هو وجه الجمع بين هذه الاخبار. إذا فالصحيح ما عليه المشهور من ثبوت التخيير في هذه المواطن وان كان التمام هو الافضل، نعم الاحوط اختيار القصر كما اشار إليه في المتن لاحتمال وجوبه كما اختاره الصدوق حسبما عرفت. واما ما نسب إلى المرتضى من وجوب التمام فهو لضعف مستنده جدا لا يمكن المساعدة عليه، فلا يكون هذا القول منافيا للاحتياط المزبور، هذا كله في اصل التخيير. واما الكلام في موضع هذا التخيير من حيث السعة والضيق فستعرفه في التعليق الآتي.

(1) ج 2 ص 107.

[ 411 ]

البلدان الاربعة، وهي مكة والمدينة والكوفة وكربلاء (1) لكن لا ينبغي ترك الاحتياط خصوصا في الاخيرتين.


(1) ينبغي التكلم تارة في الحرمين الشريفين اعني مكة والمدينة، واخرى في الحرمين الآخرين فهنا مقامان: اما المقام الاول: فالمذكور في غير واحد من النصوص عنوان الحرم، وفسر ذلك في صحيحة ابن مهزيار المتقدمة الشارحة لبقية الاخبار بمكة والمدينة، فبمقتضى هذه الصحيحة المفسرة مضافا إلى تعلق الحكم بنفس البلدين في جملة اخرى من النصوص - وقد تقدمت - يكون التخيير ثابتا في تمام البلدين الشريفين، ولا يختص بالمسجدين الاعظمين، فان الحرم لو كان مجملا فصحيحة ابن مهزيار شارحة، وبقية الاخبار ظاهرة في العموم. وما يحتمل أن يكون موجبا للاختصاص جملة من الروايات المشتملة على التقييد بالمسجدين في كلام الامام عليه السلام، أما ما كان في كلام السائل فلا اثر له كما لا يخفى. وحينئذ فقد يتوهم التخصيص نظرا إلى ما ذكرناه في الاصول من أن الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ولذا لا مانع من ثبوت الحكم في غير مورد الوصف بعنوان آخر، الا انه يدل لا محالة على ان موضوع الحكم لم يكن هو الطبيعي على اطلاقة وسريانه، وإلا لكان التقييد جزافا ولغوا ظاهرا لا يليق بكلام الحكيم إلا أن تكون هناك نكتة ظاهرة وإن كانت هي الغلبة كما في قوله تعالى: " وربائبكم اللاتى في حجوركم..، الخ.

[ 412 ]

وعليه فالتقييد المزبور يكشف عن عدم تعلق الحكم لمطلق البلدين بطبيعة الحال. ولكنه لا يتم، اما اولا فلان النكتة المذكورة موجودة هنا أيضا، ضرورة أن الغالب فيمن يقدم البلدين الشريفين ايقاع صلواته ولاسيما الظهرين والعشاءين في المسجدين العظيمين اللذين اعدا للصلاة ولا يخفى فضلهما وقداستهما كما هو واضح، وثانيا: إن الروايات المشتملة على التقييد المزبور روايات اربع وكلها ضعيفة السند، فليست لدينا رواية معتبرة تضمنت التقييد بالمسجدين في كلام الامام عليه السلام ليدعى دلالتها على المفهوم، فانه قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. واليك هذه الروايات: فمنها: رواية عبد الحميد خادم اسماعيل بن جعفر عن أبى عبد الله عليه السلام قال: تتم الصلاة في اربعة مواطن، في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين عليه السلام (1) وهي ضعيفة بمحمد بن سنان وكذا عبد الملك القمى و عبد الحميد فانهما مجهولان، ولكنهما مذكوران في اسانيد كامل الزيارات، والعمدة ما عرفت، نعم: هذه الرواية بعينها مذكورة في كامل الزيارات بسند آخر، وليس فيه ابن سنان. وعليه فتصبح الرواية معتبرة. ولكن لا يمكن الاعتماد على رواية ابن قولويه لمعارضتها برواية الشيخ من جهة وجود محمد بن سنان في سندها واما للكافي فالرواية فيه أيضا في سندها محمد بن سنان على ما رواه عنه في الوسائل الا ان النسختين


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 14.

[ 413 ]

المطبوعتين القديمة والحديثة خاليتان عنه، وبالاخرة بشك في وجود ابن سنان في السند وعدمه. بل ربما يرجح الاول نظرا إلى عدم معهودية رواية الحسين بن سعيد عن عبد الملك القمي حيث لم توجد له ولا رواية واحدة، واما روايته عن محمد بن سنان فهي كثيرة جدا تبلغ مائة وتسعة وعشرين موردا وكيفما كان فمع التردد المزبور لا يمكن الحكم بصحة السند إذ لا يحتمل ان الحسين بن سعيد روى لاحمد بن محمد عن عبد الملك القمي تارة بواسطة محمد بن سنان، كما في رواية التهذيب، واخرى بلا واسطة كما في رواية المزار، فان هذا بعيد غايته، بل قد روى مرة واحدة اما مع الواسطة أو بدونها وحيث لم تكن تلك المرة محرزة فلا جرم تسقط عن الحجية. ومنها: رواية حذيفة بن منصور عمن سمع أبا عبد الله (ع) يقول: تتم الصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول، ومسجد الكوفة وحرم الحسين (ع) (1) وهي مضافا إلى الارسال، ضعيفة بمحمد بن سنان. ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال سمعته يقول: تتم الصلاة في اربعة مواطن في المسجد الحرام، ومسجد الرسول ومسجد الكوفة، وحرم الحسين عليه السلام (2) وهي ضعيفة بمحمد بن سنان أيضا. ومنها: رواية ابراهيم بن أبي البلاد (و) عن رجل من اصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال: تتم الصلاة في ثلاثة مواطن، في المسجد


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 23. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 25

[ 414 ]

الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله وعند قبر الحسين (ع) (1) فانها مرسلة، ولا اقل من احتمال الارسال حسب اختلاف النسخة، حيث ذكر في بعض النسخ عن رجل من غير ذكر العاطف. نعم: اشير إلى الرجل في الكافي بقوله: يقال له حسين، وفي الكامل: يقال له الحسين، فربما يقال بانه الحسين بن المختار القلانسي الثقة بقرينة ابراهيم بن أبي البلاد الراوي عنه في غير موضع. ولكنه غير واضح، لاحتمال كون الرجل مجهولا مطلقا كما ينبأ عنه التنكير في نسخة الكافي، ومعه لا تورث القرينة المزبورة وثوقا يركن إليه، ومن المعلوم ان الرجل المجهول لا يعد من رجال الكامل ليشمله توثيقه. فتحصل ان هذه الروايات كلها ضعاف لا يعتمد على شئ منها، إذا ما دل على اتمام الصلاة بل افضليته في مكة والمدينة بتمامها سليم عما يصلح للمعارضة، فالصحيح ثبوت التخيير في البلدين الشريفين مطلقا. واما المقام الثاني اعني الحرمين الاخرين: اما الكوفة فالروايات الواردة فيها مختلفة. فمنها ما تضمن التعبير بحرم امير المؤمنين عليه السلام، وهي صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة (2). ولكنها مجملة لم يعلم المراد من الحرم، وانه مطلق البلد أم خصوص المسجد، وإن كان قد يستشعر الاول بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع حيث ان مكة والمدينة المذكورين في الصحيحة بتمامها حرم الله ورسوله كما عرفت، والمناسب لذلك أن يكون حرم امير المؤمنين عليه السلام


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 22. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 415 ]

أيضا كذلك. ولكنه مجرد اشعار وهو غير الدلالة. ومن المعلوم ان المخصص إذا كان مجملا دائرا بين الاقل والاكثر لابد فيه من الاقتصار على المقدار المتيقن، وهو في المقام خصوص المسجد فيرجع فيما عداه إلى عمومات القصر. ومنها: ما علق الحكم فيه على نفس البلد اعني الكوفة، وهي رواية زياد القندي قال: قال أبو الحسن عليه السلام: يا زياد احب لك ما احب لنفسي، واكره لك ما اكره لنفسي، اتم الصلاة في الحرمين، وبالكوفة، وعند قبر الحسين عليه السلام (1)، رواها الشيخ (قده) بسندين: كليهما ضعيف، ولا اقل من جهة وقوع جعفر بن محمد بن مالك فيهما فقد قيل انه كذاب، بل اجتمعت فيه عيوب الضعاف، ولذا تعجب النجاشي قائلا: لا ادري كيف روى عنه شيخنا النبيه الثقة، أبو على بن همام وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزرارى (2) واما محمد بن حمدان فهو وان كان مجهولا، لكنه مذكور في اسناد كامل الزيارات، ثم ان الشيخ روى ثانيهما باسناده عن محمد بن احمد بن داود، والظاهر انه هو القمي الثقة الا ان في الوسائل: محمد بن احمد بن داود القندى، ولا شك أنه غلط، وليست في التهذيب ولا في الاستبصار كلمة القندي. ومنها: ما علق الحكم فيه على المسجد وهي عدة روايات كلها


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 13. (2) المعجم ج 4 ص 119.

[ 416 ]

ضعاف، وهى الروايات الثلاث المتقدمة في الحرمين، اعني رواية عبد الحميد وحذيفة، وأبى بصير أضف إليها رواية رابعة وهي مرسلة الصدوق (1) وخامسة وهي مرسلة حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من الامر المذخور اتمام الصلاة في اربعة مواطن بمكة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر (2). هذه مجموع الروايات الواردة في الباب، وقد عرفت ان كلها ضعاف ما عدا الصحيحة التى ذكرناها اولا المشتملة على التعبير بالحرم غير انه من جهة اجمال لابد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو المسجد كما مر. إذا يشكل اسراء الحكم لمطلق البلد. ومع ذلك كله لا يبعد الحاق الكوفة بالحرمين في ثبوت التخيير لمطلق البلد كما ذكره في المتن، وذلك لصحيحتين تضمنتا ان حرم امير المؤمنين عليه السلام هو الكوفة فتكونان مفسرتين للصحيحة المتقدمة ورافعتين لاجمالها: احداهما: صحيحة حسان بن مهران أخو صفوان الذى وثقه النجاشي صريحا، بل قال: هو اوجه من اخيه، والسند إلى حسان أيضا صحيح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال امير المؤمنين عليه السلام: مكة حرم الله، والمدينة حرم رسول الله، والكوفة حرمي لا يريدها جبار بحادثة إلا قصمه الله (3). ومن المعلوم جدا انها وردت في مقام الشرح والتفسير، يعني كما ان


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 26. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 29. (3) الوسائل: باب 16 من أبواب المزار ج 10 ص 282 ح 1.

[ 417 ]

حرم الله مكة، وحرم رسوله المدينة فكذلك حرمي الكوفة، وعليه فإذا كان حكم ثابتا لحرمه عليه السلام وهو جواز الاتمام بمقتضى الصحيحة المنقدمة فهو ثابت للكوفة لانها حرمه عليه السلام بمقتضى هذه الصحيحة، ثانيتهما: صحيحة خالد القلانسي المروية بطريق الكليني ومزار ابن قولويه وكلاهما صحيح مع اختلاف في الجملة في متنهما عن الصادق عليه السلام قال: مكة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب عليه السلام... إلى أن قال: والكوفة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب (1)... الخ، وهي صحيحة السند كما عرفت، وإن رميت بالضعف. فان طريقي الصدوق والشيخ وان اشتملا على نضر بن شعيب ولم يوثق، الا ان طريق الكليني ومزار ابن قولويه خال عن ذلك نعم فيهما محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار عن ابيه عن جده ولم يوثق لاهو ولا ابوه ولكنهما موجودان في اسناد كامل الزيارات. واما الطعن في السند بجهالة (خلاد) على ما هو الموجود في الكافي بمختلف طبعاته ففيه انه لا ينبغي التأمل في كونه محرف (خالد) كما في الوسائل والتهذيب والكامل إذ لم تثبت للاول ولا رواية واحدة ودعوى تردده (أي خالد) بين ابن ماد الثقة وابن زياد المجهول يردها الانصراف إلى الاول الذى هو اعرف واشهر كما لا يخفى. وعلى الجملة فالرواية من حيث السند تامة. كما انها ظاهرة الدلالة. لكونها في مقام الشرح والتفسير كما مر، لا مجرد التطبيق كما قبل. وعليه فلا يبعد أن يقال إن التخيير ثابت في تمام الكوفة لانه ثابت للحرم، وحرم أمير المؤمنين هو الكوفة بتمامها بمقتضى هاتين الصحيحتين.


(1) الوسائل: باب 44 من أبواب احكام المساجد ح 12.

[ 418 ]

وأما النجف الاشرف فهو ظهر الكوفة وليس منها، وإن احتمل بعض الفقهاء شمول الحكم لحرم أمير المؤمنين عليه السلام، واما حرم الحسين عليه السلام فالروايات الواردة فيه على طوائف وعناوين ثلاث: أحدها: ما تضمن عنوان حرم الحسين عليه السلام كصحيحة حماد ابن عيسى المتقدمة (1) ونحوها غيرها، ولكن السند غير نفي كروايات عبد الحميد، وحذيفة، وأبي بصير المتقدمات، وقد عرفت انها بين ضعيف ومرسل والعمدة ما عرفت، ثانيها: ما كان بعنوان عند قبر الحسين عليه السلام وهي كلها ضعيفة. منها: رواية أبي شبل قال: قلت لابي عبد الله (ع) ازور الحسين عليه السلام، قال: نعم زر الطيب وأتم الصلاة عنده، قلت: بعض اصحابنا يرى التقصير، قال: انما يفعل ذلك الضعفة (2). والمراد اما ضعف الايمان أو ضعف البدن عن الاتيان بالتمام كالعجزة والشيبة. وكيفما كان فهى ضعيفة السند بسهل بن زياد. ومنها: روايتا زياد القندي، وابراهيم بن أبي البلاد وقد مر ضعفهما. ومنها: رواية عمرو بن مرزوق قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في الحرمين، وعند قبر الحسين، قال: اتم الصلاة، فيهن (3). وهذه الرواية وان كان بعض رواتها مجهولا إلا انه مذكور في كامل الزيارات، فيمكن القول بصحتها الا انها لا تدل


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 1. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 14. (3) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 30.

[ 419 ]

على الاختصاص لوقوع التقييد ب‍ (وعند قبر الحسين) في كلام السائل فكأن السؤال عن خصوص ذلك فلا تدل على عدم شمول الحكم لتمام البلد لعدم كونها متعرضة لذلك هو ظاهر. ثالثها: ما ورد بعنوان الحائر: وهو روايتان كلتاهما ضعيفة بالارسال احداهما مرسلة الصدوق، والاخرى مرسلة حماد بن عيسى المتقدمتان. فاتضح ان الرواية المعتبرة منحصرة في عنوان حرم الحسين عليه السلام وحيث ان لفظ الحرام ليس له وضع شرعي ولا تشرعي، بل هو مأخوذ من الحريم بمعنى الاحترام، فالمراد به في المقام يتردد بين امور: أحدها: ان يراد به كربلاء بتمامها كما كان كذلك في حرم الله وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين (ع) على ما عرفت، فان قدسية الحسين العظيمة وشرافته تقتضي ذلك كما لا يخفى. ثانيها: أن يكون اخص من ذلك وهو الصحن الشريف وما يحتوي عليه، كما ذهب إليه جماعة، منهم العلامة المجلسي (قده) (1) باعتبار ان من يرد الصحن الشريف حتى من اهالي كربلاء يرى ان لهذا المكان المقدس احتراما خاصا لا يشاركه خارج الصحن، ولاجله لا يرتكب بعض الافعال التي لا تناسب المقام من ضحك كثير أو لعب ونحو ذلك. ثالثها: أن يكون اضيق من ذلك أيضا، بأن يراد به الرواق وما حواه من الحرم الشريف، فان الاحترم هناك آكد ومناط التجليل ازبد، ولذا لا يرتكب فيه ما قد يرتكب في الصحن الشريف. رابعها: أن يراد به الاضيق من الكل وهو ما دار عليه سور الحرم والمعبر عنه باسم الحرم في عصرنا الحاضر، فان هذا المكان الشريف هو


(1) بحار الانوار ج 89 ص 89.

[ 420 ]

ولا يلحق بها سائر المشاهد (1)،


الفرد البارز، واظهر المصاديق مما يطلق عليه لفظ الحرم فهو القدر المتيقن مما يراد من هذا اللفظ عند الاطلاق. فإذا دار الامر بين هذه المحتملات فمقتضى الصناعة الاقتصار على المقدار المتيقن لدى تردد المخصص المجمل بين الاقل والاكثر وهو المعنى الاخير، والرجوع فيما عداه إلى عمومات القصر التي هي المرجع ما لم يثبت التخصيص بدليل قاطع. واما احتمال الاختصاص بما حول الضريح المقدس ملاصقا معه أو في حكم الملاصق تحت القبة السامية فهذا لا دليل عليه، بعد كون المتيقن من الحرم اوسع من ذلك حسبما عرفت. اللهم إلا أن يستند في ذلك إلى الروايات المتقدمة المتضمنة للتعبير ب‍ (عند القبر) إذ عليه يمكن أن يقال بانصراف هذا العنوان إلى ما حول الضريح، ولذا لو صلى بعيدا عنه لزحام ونحوه يصح أن يقول لم اتمكن من الصلاة عند القبر، بل صليت في المسجد الذى هو داخل الحرم الشريف، فالاختصاص المزبور على هذا المبنى غير بعيد، لكنك عرفت ضعف تلك الروايات بأجمعها، فهذا التخصيص بلا موجب. فالنتيجة على ما ذكرناه تعميم الحكم بالتخيير لتمام الحرم الشريف، ولكن لا يتعدى إلى خارجه حتى الرواق فضلا عن غيره، لعدم الدليل وإنما تعدينا عن المساجد في الحرمين وفي الكوفة لقيام الدليل المفقود في المقام حسبما عرفت. (1): ذهب السيد وابن الجنيد إلى الحاق المشاهد المشرفة بالاماكن *

[ 421 ]

والاحوط في المساجد الثلاثة الاقتصار على الاصلي منها (1) دون الزيادات الحادثة في بعضها، نعم لا فرق فيها بين السطوح والصحن، والمواضع المنخفضة منها، كما ان الاحوط في الحائر الاقتصار على ما حول الضريح المبارك.


الاربعة في الحكم بالتخيير، بدعوى ان المستفاد من الاخبار ان المناط في افضلية التمام هو الاحترام وشرافة المكان وهو شامل لحرم جميع المعصومين عليهم السلام، ولكنه كما ترى يشبه القياس، وأنى لنا معرفة ملاكات الاحكام وهى تعبدية صرفة، ومن الحائز اشتمال هذه الاماكن على خصوصية مفقودة في غيرها، كما ان لحرم الحسين عليه السلام بل ولزيارته خصوصية لم تثبت حتى لحرم امير المؤمنين عليه السلام، فضلا عن غيره من الائمة المعصومين سلام الله عليهم اجمعين. فالظاهر اختصاص الحكم بموارد النصوص وهي الاماكن الاربعة فقط. (1): - فلا يتعدى إلى الزيادات الحادثة بعد صدور هذه الاخبار إذ النصوص تشير إلى ما هو موصوف فعلا بالمسجدية، لكونها ناظرة إلى تلك المساجد المعروفة المعلومة على سبيل القضية الخارجية فلا نعم الاضافات اللاحقة بعد عهد الصادقين عليهما السلام. واما مسجد الكوفة فلم يزد عليه شئ لو لم ينقص عنه. ومنه تعرف ان الزيادات الحادثة قبل صدور هذه الاخبار مشمولة للحكم لاندراجها تحت النصوص

[ 422 ]

هذا كله بناءا على اختصاص الحكم بالمساجد. واما بناءا على تعميه لمطلق البلد، فلا يبعد القول بشمول الحكم لعنوان البلد وان اتسع نظرا إلى ان المستفاد من الادلة دوران الحكم مدار صدق البلدة بنحو القضية الحقيقية ومن ثم لو اتسع آخر البيوت بعد صدور هذه النصوص لم يكد يتأمل في شمول الحكم للمقدار الزائد من ذاك البيت لكونه من البلدة حقيقة والمفروض تعلق الحكم بعنوان البلد، وعلى الجملة الحكم المتعلق بعنوان البلد يدور بحسب المتفاهم العرفي مدار صدق اسمه سعة وضيقا ولاجله ترى ان ما ورد في الاخبار من كراهة البيتوتة في بغداد، أو استحباب المبيت في النجف الاشرف أو في كربلاء لا يختص بتلك البلدان على مساحتها القديمة الكائنة عليها في عهد صدور تلك الاخبار بل يشمل الزيادات المتصلة المندرجة تحت اسم البلد ويتعدى إليها هذا. ولكن الظاهر عدم التعدي في المقام لوجود مزية فيه مفقودة في غيره وهي ان الحكم وان تعلق بعنوان مكة والمدينة في جملة من الاخبار كصحيحة ابن مهزيار الا ان المستفاد من مجموع النصوص ان موضوع الحكم ليس هو مجرد اسم البلد وعنوانه على اصلاقه وسريانه، بل بما انه مصداق للحرم ومعنون بهذا الوصف العنواني، ولا ريب ان المنسبق منه ما كان متصفا بالحرمية في عهده صلى الله عليه وآله وموصوفا بالاحترام آنذاك المحدود - طبعا - بحدود معينة ولا تشمل الزيادات المستحدثة بغد ذلك كما يفصح عنه قوله (ع) في صحيحة معاوية بن عمار "... وحد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدينين فان الناس قد احدثوا بمكة

[ 423 ]

ما لم يكن " (1). واوضح منها قوله (ع) في ذيل صحيحته الاخرى الطويلة الحاكية لكيفية حج النبي صلى الله عليه وآله "... ودخل من أعلى مكة من عقبة المدينين وخرج من اسفل مكة من ذي طوى " (2). حيث يظهر منهما بوضوح ان العبرة في الاحكام المترتبة على هذه البلدة المقدسة من قطع التلبية أو عقد الاحرام أو التخيير بين القصر والتمام وما شاكل ذلك انما هي بما كان كذلك في عهده صلى الله عليه وآله ولا نعم الزيادات المستحدثة في العصور المتأخرة. فتحصل ان الاحوط لو لم يكن اقوى الاقتصار على ما كان عليه سابقا وعدم التجاوز عنها هذا كله بالنسبة إلى مكة والمدينة والكوفة. واما في كربلاء فقد عرفت عدم لزوم الاقتصار على ما حول: الضريح المبارك، بل العبرة بصدق الحرم الوارد في الصحيحة، ولكن من المقطوع به ان الحرم الشريف بوضعه الفعلي لم يكن موجودا في ذلك الزمان، وانما خصصنا الحكم بما دار عليه سور الحرم لكونه المتيقن من معنى الحرم، الذى هو من الحريم بمعنى الاحترام، وعليه فلو فرضنا توسعة الحرم الشريف فيما بعد وصيرورته ضعفين - مثلا -


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب الاحرام ح 1 ج 9 ص 57. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب اقسام الحج ح 4 ج 8 ص 153.

[ 424 ]

(مسألة 12): إذا كان بعض بدن المصلي داخلا في اماكن التخيير وبعضه خارجا، لا يجوز له التمام (1)، نعم لا باس بالوقوف منتهى احدها إذا كان يتأخر حال الركوع والسجود


أمكن شمول الحكم لتلك الزيادة أيضا نظرا لصدق الحرم عليها بعد التوسعة المفروضة، فيكون مجموع الزائد والمزيد عليه مصداقا للمتيقن، ولكن يجري النقاش فيه أيضا بمثل ما تقدم وسبيل الاحتياط غير خفي. هذا ولا فرق في الاماكن الاربعة المذكورة بين محالها من السطوح والصحن والمواضع المنخفضة منها كسرداب مسجد الكوفة المعروف ببيت نوح أو سرداب مسجد الحرام ونحو ذلك، كل ذلك لاطلاق الادلة بعد صدق العنوان على الجميع بمناط واحد كما هو ظاهر. (1): - لخروجه عن منصرف الادلة كما لو وقف على حافة المسجد بحيث كانت احدى رجليه داخلة والاخرى خارجة، أو وقف على منتهى الخط، بحيث كان نصف قدميه داخلا والنصف الآخر خارجا، نعم لو وقف عند منتهى الخط وكانت قدماه داخلتين إلا ان بعض بدنه يخرج حال الركوع والسجود ولكنه يتأخر حالهما بحيث يكون تمام البدن داخلا لم يكن به بأس لعدم اعتبار وحدة المكان، وعدم قدح المشي اليسير حال الصلاة، وإذ يصدق معه الصلاة في المواطن المذكورة فيشمله اطلاق الادلة.

[ 425 ]

بحيث يكون تمام بدنه داخلا حالهما. (مسألة 13): لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور (1)، فلا يصح له لا صوم فيها الا إذا نوى الاقامة أو بقي ثلاثين يوما مترددا.


(1): - لعدم الدليل على الالحاق ليرفع به اليد عن اطلاق ما دل على المنع عن الصيام في السفر، مضافا إلى ما في صحيحة عثمان بن عيسى المتقدمة (1) من الاعراض عن حكم الصوم حيث يستشعر أو يستظهر منه الاختصاص بالصلاة. بل يمكن ان يقال: إن التخيير في الصوم لا معنى، له فانه في الصلاة أمر معقول فيؤمر بالطبيعي الجامع مخيرا في كيفيته بين التمام والقصر. واما في الصوم فمرجعه إلى الامر بالجامع بين الفعل والترك والتخيير بين فعل الواجب وتركه، وهو كما ترى لا محصل له إلا بضرب من العناية البعيد عن الاذهان العرفية بان يراد به التخيير بين الاداء والقضاء. واما ما ورد من حديث الملازمة بين القصر والافطار فغير ناظر إلى القصر الخارجي قطعا حتى لو بنينا على ثبوت التخيير في الصوم،

(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 17.

[ 426 ]

(مسألة 14): التخيير في هذه الاماكن استمراري (1) فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر، وبالعكس ما لم يتجاوز محل العدول، بل لا باس بان ينوي الصلاة من غير تعيين احد الامرين من الاول، بل لو نوى القصر فاتم غفلة أو بالعكس فالظاهر الصحة. فانه لا يدور اختيار الافطار مدار فعل القصر خارجا، بل لا دوران حتى في الصلاتين المترتبتين فضلا عن غيرهما فيجوز التقصير في الظهر والاتمام في العصر، أو بالعكس، بل حتى في صلاة واحدة، فيجوز الشروع بنية القصر والاتمام تماما، أو بالعكس مع الامكان، كل ذلك لانها احكام مستقلة، لا يناط فعل احدها مدار فعل الآخر. بل المراد كما اشرنا سابقا التلازم بين البابين في موضوع السفر المشرع للقصر، وان المسافة الشرعية المأخوذة موضوعا للقصر هي بنفسها موضوع للافطار: وعليه فالرواية اجنبية عما نحن فيه بتاتا كا هو ظاهر جدا. (1): - لان مقتضى اطلاق الادلة عدم الفرق بين الابتداء والاستدامة، فيجوز له الاتمام في بعض الصلوات والتقصير في البعض الآخر، وإن كانتا مترتبتين كالظهرين، كما يجوز له التمام وإن شرع *

[ 427 ]

(مسألة 15): يستحب أن يقول عقيب كل صلاة مقصورة (1) ثلاثين مرة " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر "، وهذا وإن كان يستحب من حيث التعقيب عقيب كل فريضة حتى غير المقصورة إلا انه يتأكد عقيب المقصورات، بل الاولى تكرارها مرتين مرة من باب التعقيب ومرة من حيث بدليتها عن الركعتين الساقطتين.


في الصلاة بنية القصر، وبالعكس ما لم يتجاوز محل العدول، بل يجوز الشروع من غير تعيين ويوكله إلى حين بلوغ الركعتين فيختار ثمة ما يشاء، بل لو أتم غافلا مع كونه ناويا للقصر كما لو كان مأموما فسلم على الاربع بتبع الامام غفلة أو بالعكس صحت صلاته، كل ذلك لما عرفت من اطلاق دليل التخيير. وقد تقدم قريبا ان القصر والتمام طبيعة واحدة وليس الاختلاف إلا بحسب الكيفية، ولا تلزم نية الخصوصيات من الاول، بل المعتبر الاتيان بذات العمل مع قصد القربة وقد حصلا حسب الفرض. (1): - للنص الوارد في المقام وعمدته صحيحة سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه العسكري عليه السلام يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله

[ 428 ]

إلا الله والله اكبر ثلاثين مرة لتمام الصلاة. (1) وهذه الرواية ضعيفة عند القوم لعدم ثبوت وثاقة المروزي، ومن هنا حكموا بالاستحباب من باب التسامح، ولكنها معتبرة عندنا لورود الرجل في اسناد كامل الزيارات. وبما انها دلت على الوجوب صريحا فمقتضى الصناعة الحكم به لا الاستحباب. لكن الذي يمنعنا عنه ما تكررت الاشارة إليه في مطاوي هذا الشرح حيث ان المسألة كثيرة الدوران ومحل للابتلاء غالبا لعدم خلو كل مكلف عدا من شذ عن السفر، بل الاسفار العديدة، وفي مثله لو كان الوجوب ثابتا لاشتهر وبان وشاع وذاع ولم يقع محلا للخلاف كيف ولم يذهب إليه احد فيما نعلم، والسيرة العملية قائمة على خلافه فيكون ذلك كاشفا قطعيا عن عدم الوجوب. ولاجله لا مناص من حمل الصحيحة على الاستحباب وأنه يتاكد في حق المسافر لثبوت الاستحباب لغيره أيضا من باب التعقيب كما اشار إليه في المتن. والحمد لله رب العالمين اولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين من الان إلى قيام يوم الدين. انتهى كتاب الصلاة شرحا على العروة الوثقى تقريرا لابحاث سيدنا الاستاد قطب رحى التحقيق وشمس سماء التدقيق فقيه العصر سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي أدام الله ظله على رؤوس المسلمين. وقد حرره بيمناه الداثرة


(1) الوسائل: باب 24 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 429 ]

مرتضى بن علي محمد البروجردي عفى عنه وعن والديه في جوار القبة العلوية على مشرفها آلاف الثناء والتحية وكان الفراغ يوم السبت السادس عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1393 ه‍ ويقع الكلام بعد ذلك في كتاب الصوم ان شاء الله تعالى قيام يوم الدين. انتهى كتاب الصلاة شرحا على العروة الوثقى تقريرا لابحاث سيدنا الاستاد قطب رحى التحقيق وشمس سماء التدقيق فقيه العصر سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي أدام الله ظله على رؤوس المسلمين. وقد حرره بيمناه الداثرة

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية