الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصلاة ق1 - السيد الخوئي ج 5

كتاب الصلاة ق1

السيد الخوئي ج 5


[ 1 ]

مستند العروة الوثقى

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (26) مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة محاضرات زعيم الحوزة العلمية اية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله العالي للعلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مرتضى البروجردي الجزء الخامس - القسم الثاني

[ 4 ]

1370 - 1412

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين:

[ 7 ]

صلاة الجماعة

[ 9 ]

[ فصل في الجماعة وهي من المستحبات الاكيدة في جميع الفرائض (1)، خصوصا اليومية منها (2)، وخصوصا في الادائية (3). ] فصل في الجماعة: (1) لاريب في مشروعية الجماعة، بل استحبابها المؤكد في الصلوات الخمس اليومية، بل في مطلق الفرائض. وقد قامت عليه سيرة المتشرعة المتصلة بزمن المعصومين عليهم السلام والنبي الاعظم صلى الله عليه وآله، ونطقت به الروايات المستفيضة البالغة حد التواتر، المشتملة على ضروب من التأكيد حتى كادت تلحقها بالوجوب، على حد تعبير الماتن كما لا يخفى على المراجع، وستعرف ما يمكن الاستدلال به من الروايات على المشروعية في عامة الفرائض. (2) للتعرض لها بالخصوص في بعض النصوص. (3) فانها القدر المتيقن من الادلة. وأما القضاء فربما يستدل لمشروعية الجماعة فيها، باتحاد ماهيتها مع الاداء وعدم الفرق بينهما من غير ناحية الايقاع في الوقت وفي خارجه، فيشتركان في جميع الاحكام التي منها مشروعية الجماعة، وعليه فتتبع القضاء الاداء في

[ 10 ]

الكيفية، من غير حاجة إلى ورود دليل بالخصوص. ويتوجه عليه: ان حديث الاتحاد لا يستدعى أكثر من الاشتراك في الذات وما تتألف منه حقيقة الصلاة من الاجزاء والشرائط المعتبرة في طبيعتها، وأنها هي تلك الطبيعة بعينها، فإذا ثبت اعتبار الركوع والطهارة والستر والاستقبال ونحوها في الصلاة ثم ورد الامر بالقضاء، يفهم العرف إن المقضي هي تلك الصلاة المشتملة على هذه الخصوصيات من غير حاجة إلى التنبيه على اعتبارها فيه. وأما الاشتراك في الاحكام زائدا على أصل الطبيعة، من مشروعية الجماعة، واحكام الشكوك، وعدم اعتناء المأموم بشكه مع حفظ الامام، وغير ذلك من سائر الاحكام، فلا يكاد يقتضيه الاتحاد المزبور أبدا، بل لابد من قيام دليل عليه بالخصوص ولو بمثل الاجماع ونحوه. فالاولى: ان يستدل له بالروايات الخاصة، وهي عدة: منها: الاخبار الصحيحة الواردة في رقود النبي صلى الله عليه وآله واصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ثم قضائه صلى الله عليه وآله وسلم بهم جماعة بعد الانتقال إلى مكان آخر (1). فانها وإن اشكل التصديق بمضمونها من حيث الحكاية عن نوم النبي صلى الله عليه وآله ومن الجائز ان تكون من هذه الجهة محمولة على التقية، كما مرت الاشارة إليه سابقا، لكنها من حيث الدلالة على مشروعية الجماعة في القضاء لا مانع من الاخذ بها


(1) الوسائل: باب 61 من أبواب المواقيت، والباب: 5 من ابواب القضاء.

[ 11 ]

بعد قوة أسانيدها، وعدم المعارض لها. ومنها: موثقة إسحاق بن عمار، قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: تقام الصلاة وقد صليت، فقال: صل وأجعلها لما فات " (1). والطريق وإن اشتمل على سلمة صاحب السابري ولم يوثق لكنه مذكور في اسناد كامل الزيارات، على ان الصدوق رواها بسند آخر عن إسحاق بن عمار، وطريقه إليه صحيح (2). ومنها: مادل على مشروعية الجماعة في الفرائض كلها، الشامل باطلاقها لصلاة القضاء - وهي: صحيحة زرارة والفضيل قالا: " قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي، فقال: الصلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها، ولكنها سنة، من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له (3). وتوضيح الاستدلال بها: أن الراوي إنما سأل عن وجوب الجماعة فارغا عن مشروعيتها ولو في الجملة، وقد تضمن الجواب نفي الوجوب وأن الفرض إنما هو اصل الصلاة، وأما الاجتماع فليس


(1) الوسائل: باب 55 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) ولكنه أيضا مبني على وثاقة رجال الكامل، لان في الطريق (علي بن اسماعيل) المنصرف إلى ابن عيسى كما نص عليه الاستاد دام ظله في معجمه ج 11 ص 294 ولم يوثق من غير ناحية وقوعه في اسناد كامل الزيارات. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 12 ]

بمفروض في شئ من الصلوات، فقد نفي - عليه السلام - وجوب الجماعة في عامة الصلوات، كما يقتضيه الجمع المحلى باللام مؤكدا بلفظة (كل). فالى هنا لاتدل الصحيحة إلا على مشروعية الجماعة في الجملة، كما كان هو المفروض في السؤال على ما عرفت، ولا دلالة لها على المشروعية المطلقة، لعدم كونها مسوقة إلا لنفي الوجوب، كما عرفت. ثم ذكر (عليه السلام) بعد ذلك: " ولكنها سنة " وهذه الجملة بملاحظة ما سبقتها كالصريحة في الاستحباب المطلق، للزوم توارد النفي والاثبات على محل واحد، رعاية لوحدة السياق فتكون قد تضمنت اثبات الاستحباب لكل مورد نفت الجملة السابقة عليها الوجوب عنه، فان الاثبات إنما ورد على ما ورد النفي عليه، وقد عرفت أن المنفي هو الجميع بمقتضى الجمع المحلى المؤكد بكلمة (كل) فيكون المثبت مثله. فهذه الجملة بمثابة ان يقال: " الجماعة سنة في الصلوات كلها " فدلت الصحيحة بهذا البيان على ان الجماعة سنة في جميع الفرائض - ومنها القضاء - بمقتضى الاطلاق، فتدل على مشروعية الجماعة واستحبابها فيها أيضا. ومما ذكرنا تعرف امكان التمسك بهذا الاطلاق لاثبات المشروعية في غير الصلوات اليومية من ساير الفرائض، كصلاة الآيات، وان كنا في غنى عن التمسك به، لورود الروايات الخاصة الدالة على مشروعية الجماعة فيها، وأن النبي صلى الله عليه وآله صلاها كذلك. مع قيام السيرة القطعية على ذلك، المتصلة بزمن المعصومين

[ 13 ]

(عليهم السلام)، كما مرت الاشارة إليها في محلها. نعم: لا يمكن التمسك به في صلاة الاموات، لعدم كونها من حقيقة الصلاة في شئ، وإنما هي تكبيرة وتهليل وتسبيح وتحميد فلا يجري عليها أحكام الصلاة الحقيقية ذات الركوع والسجود، وإن اطلق عليها لفظ الصلاة على سبيل الاشتراك اللفظي. ولذا لا تعتبر فيها الطهارة، لامن الحدث ولا الخبث، ولا غيرها من ساير الاجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة، عدا ما قام الدليل عليه بالخصوص. وعليه فالدليل المتكفل لمشروعية الجماعة في الصلاة لا تنهض باثباتها في مثل هذه الصلاة لكن المشروعية قد ثبتت فيها بالادلة الخاصة على ما سبق في محله. وأما صلاة الطواف، فمقتضى الصناعة الحكم بمشروعية الجماعة فيها، أخذا بالاطلاق المزبور، لعدم القصور في شموله لها. لكن الذي يمنعنا عن الاخذ به عدم معهوديتها فيها عند المتشرعة، بل المسلمين قاطبة، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله ولا المعصومين ولا عن أحد من اصحابهم اقامتها جماعة، مع تأكد استحبابها كما مر. ولو انهم اقاموها كذلك ولو مرة واحده لنقل إلينا بطبيعة الحال، فيكشف عدم المعهودية عن عدم المشروعية بل قد عرفت عدم الخلاف في ذلك عند عامة المسلمين، وبذلك ترفع اليد عن الاطلاق المتقدم، ويحكم بتقييده بغير هذه الصلاة.

[ 14 ]

[ ولا سيما في الصبح (1) والعشاءين (2) ] تأكد الاستحباب في موارد: (1) للتعرض لها بالخصوص في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سمعته يقول، صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الفجر فأقبل بوجهه على اصحابه، فسأل عن اناس يسميهم بأسمائهم، فقال: هل حضروا الصلاة، فقالوا: لا يا رسول الله، فقال: أغيب هم قالوا: لا، فقال: أما انه ليس من صلاة أشد على المنافقين من هذه الصلاة والعشاء، ولو علموا أي فضل فيهما لاتوهما حبوا (1). (2) أما العشاء فللتعرض لها في صحيحة ابن سنان المتقدمة آنفا وأما المغرب فيستدل لها برواية أبي بصير: " من صلى المغرب والعشاء الاخرة وصلاة الغداة في المسجد جماعة فكأنما احيا الليل كله (2). ولكنها ضعيفة السند ب‍ (أحمد بن محمد بن يحيى) وب‍ (علي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي بصير) فلا يمكن الاعتماد عليها، فالاظهر اختصاص التأكد بما عرفت.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب: 3 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 15 ]

[ وخصوصا لجيران المسجد (1). أو من يسمع النداء (2) وقد ورد في فضلها وذم تاركها من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات. ففي الصحيح: " الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ - أي الفرد - ] (1) لصحيحة ابن ميمون " قال: اشترط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جيران المسجد شهود الصلاة وقال: لينتهين اقوام لا يشهدون الصلاة، أو لآمرن مؤذنا يؤذن ثم يقيم ثم آمر رجلا من أهل بيتي وهو علي (عليه السلام) فليحرقن على أقوام بيوتهم بحزم الحطب، لانهم لا يأتون الصلاة " (1). وقد رواها الصدوق بطريقين، في أحدهما ضعف ب‍ (محمد بن علي ماجيلويه شيخه) والطريق الاخر صحيح، وان اشتمل على أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، لتصريح الصدوق بتوثيقه (2). (2) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له) (3).


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (2) على انها رويت في المحاسن بطريق خال عن الخدش بناء على وثاقة رجال الكامل. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 16 ]

[ بأربع وعشرين درجة " (1). وفي رواية زرارة: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما يروى الناس أن الصلاة في جماعة افضل من صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين؟ فقال (عليه السلام): صدقوا فقلت: الرجلان يكونان جماعة؟ قال (عليه السلام): نعم، ويقوم الرجل عن يمين الامام " (2). وفي رواية محمد بن عمارة: " قال: ارسلت إلى الرضا (عليه السلام) أسأله عن الرجل يصلي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاته مع الجماعة، فقال (عليه السلام): الصلاة في جماعة أفضل " (3). مع انه ورد: " أن الصلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة " وفي بعض الاخبار: (ألفين). بل في خبر " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ] بل قد يظهر من مثل هذه الصحيحة وسابقتها، مما تضمن نفي الصلاة عمن لم يجب من غير علة، أو الذم والوعيد لمن لم يحضر الجماعة، كراهة الترك من غير عذر لاسيما مع الاستمرار عليه،


الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 2؟. (3) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 17 ]

[ أتاني جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر فقال: يا محمد ان ربك يقرئك السلام واهدى اليك هديتين لم يهدهما إلى نبي قبلك. قلت: ما تلك الهديتان؟ قال: الوتر ثلاث ركعات، والصلاة الخمس في جماعة. قلت: يا جبرئيل، ما لامتي في الجماعة؟ قال: يا محمد، إذا كانا اثنين كتب الله لكل واحد بكل ركعة مائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا ثلاثة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ستمائة صلاة، وإذا كانوا أربعة كتب الله لكل واحد ألفا ومائتي صلاة، وإذا كانوا خمسة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ألفين وأربعمأة صلاة، وإذا كانوا ستة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة أربعة آلاف وثمانمائة صلاة، وإذا كانوا سبعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة ] ما لم يكن رغبة عن فضلها الضروري، أو استحقارا واستخفافا بشأنها وإلا فلا إشكال في عدم الجواز بهذا العنوان، كما اشار إليه في المتن. نعم ربما يورد على مضمون الصحيحة السابقة، الوارد في غير واحد من الاخبار أيضا، من الانذار والعقوبة الشديدة على تارك جماعة المسلمين: بأن ذلك مما لا يلائم استحباب الفعل وان تأكد أو كراهة الترك، ضرورة: ان شيئا منهما لا يستتبع التعذيب، سيما بهذه المثابة والمرتبة الشديدة من إحراق دورهم عليهم، فكيف التوفيق؟؟.

[ 18 ]

[ آلاف وستمائة صلاة، وإذا كانوا ثمانية كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة عشر ألفا ومائتي صلاة وإذا كانوا تسعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ستة وثلاثين ألفا وأربعمائة صلاة، وإذا كانوا عشرة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة سبعين ألفا وألفين وثمانمائة صلاة، فان زادوا على العشرة فلو صارت السماوات كلها قرطاسا والبحار مدادا، والاشجار أقلاما، والثقلان مع الملائكة كتابا لم يقدروا ان يكتبوا ثواب ركعة. يا محمد صلى الله عليه وآله، تكبيرة يدركها المؤمن مع الامام خير من ستين ألف حجة وعمرة، وخير من الدنيا وما فيها بسبعين ألف مرة، وركعة يصليها المؤمن مع الامام خير من مائة ألف دينار يتصدق بها على المساكين، وسجدة يسجدها المؤمن مع الامام في جماعة خير من عتق مائة رقبة " (1). وعن الصادق - عليه السلام -: " الصلاة خلف العالم بألف ركعة، وخلف القرشي بمائة " (2). ولا يخفى انه إذا تعددت جهات الفضل تضاعف الاجر فإذا كانت في مسجد السوق - الذي تكون الصلاة فيه ]


(1) مستدرك الوسائل: الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) مستدرك الوسائل: الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 6.

[ 19 ]

[ باثنتي عشرة صلاة - يتضاعف بمقداره، وإذا كانت في مسجد القبيلة - الذي تكون الصلاة فيه بخمسة وعشرين - فكذلك، وإذا كانت في المسجد الجامع - الذي تكون الصلاة فيه بمائة - يتضاعف بقدره. وكذا إذا كانت بمسجد الكوفة الذي بألف، أو كانت عند علي عليه السلام - الذي فيه بمائتي ألف. وإذا كانت خلف العالم أو السيد فأفضل، وان كانت خلف العالم السيد فأفضل، وكلما كان الامام أوثق وأورع وأفضل فأفضل، وإذا كان المأمومون ذوي فضل فتكون أفضل، وكلما كان المأمومون أكثر كان الاجر أزيد. ولا يجوز تركها رغبة عنها، أو استخفافا بها. ففي الخبر: " لا صلاة لمن لا يصلي في مسجد، الا من علة، ولا غيبة لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا. ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، وسقطت بينهم عدالته، ووجب هجرانه. وإذا دفع إلى امام المسلمين أنذره وحذره، فان حضر جماعة المسلمين وإلا أحرق عليه بيته ". وفي آخر: " أن أمير المؤمنين - عليه السلام - بلغه أن قوما لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا، فلا يؤاكلونا ]

[ 20 ]

[ ولا يشاربونا، ولا يشاورونا، ولا يناكحونا، أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة. وانى لاوشك بنار تشعل في دورهم فاحرقها عليهم أو ينتهون. قال: فامتنع المسلمون من مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتى حضروا لجماعة المسلمين " (1). فمقتضى الايمان عدم الترك من غير عذر، لاسيما مع الاستمرار عليه، فانه - كما ورد - لايمنع الشيطان من العبادات منعها، ويعرض عليهم الشبهات من جهة العدالة ونحوها حيث لا يمكنهم انكارها، لان فضلها من ضروريات الدين. ] والجواب، ان الظاهر أن التهديد في هذه الاخبار متوجه إلى المنافقين المبطنين للكفر المظهرين للاسلام، المتمردين على أوامر النبي صلى الله عليه وآله ولا شك في استحقاقهم لهذا النوع من التنبيه، وليست ناظرة إلى من يصلي في المسجد فرادى بمرأى من المسلمين ومسمع وإن لم يحضر جماعتهم، من غير رغبة عنها ولا استخفاف بشأنها. وقد ذكرنا في مبحث العدالة: ان الصلاة هي المائز بين المسلم والكافر، وهي رمز الاسلام وبذلك تمتاز عن بقية الواجبات، في عدم الحمل على الصحيح لو شك في ان المسلم يصلي في بيته أو لا، مع عدم حضوره مساجد المسلمين، وأن جميع افعال المسلم محمول


(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب أحكام المساجد ح 9.

[ 21 ]

[ (مسألة - 1): تجب الجماعة في الجمعة وتشترط في صحتها (1) وكذا العيدين مع اجتماع شرائط الوجوب (2) وكذا إذا ضاق الوقت عن تعلم القراءة لمن لا يحسنها مع قدرته على التعلم (3). واما إذا كان عاجزا عنه اصلا فلا يجب عليه حضور الجماعة، وان كان احوط. ] على الصحة لو شك فيها ما عدا الصلاة، فان من شك في اقامته لها يدرج في سلك المنافقين المستوجبين للعقاب، بمقتضى هذه النصوص، وتمام الكلام في محله. وجوب الجماعة: (1) كما مر الكلام حول ذلك مستقصى عند البحث عن صلاة الجمعة. (2) على ما سيأتي البحث عنه في محله. (3) فصل (قده) بين من كان عاجزا عن التعلم أصلا، كما لو كان أعجميا جديد العهد بالاسلام، فلا يجب عليه الايتمام، وإن كان احوط. وبين من كان قادرا عليه، فتسامح في التعلم إلى ان ضاق الوقت، فانه تجب عليه الجماعة حينئذ، بالوجوب الشرطي على ما هو ظاهر عبارته (قده)، حيث عطف هذه الصورة على الجمعة والعيدين بقوله: " وكذا إذا ضاق. ". وقد صرح فيهما:

[ 22 ]

بأن الجماعة شرط في الصحة، وظاهر العطف المساوات في الحكم. على انه (قده) تعرض بعد ذلك لحكم نذر الجماعة وذكر انها تجب به ولكن لو خالف، صحت صلاته، وظاهر الاستدراك بل صريحه الفرق بين الوجوبين، وأنه هنا نفسي، وفيما قبله شرطي فمراده (قده) ظاهر لاتردد فيه. أقول: أما ما ذكره (قده) في الصورة الاولى من عدم الوجوب فحق لا محيص عنه، كما ستعرف. وأما وجه الاحتياط الذي ذكره حينئذ وان كان استحبابيا فلعله: احتمال ان يكون الوجوب الضمني المتعلق بالقرائة تخييريا بينها وبين الايتمام، فان الوجوب النفسي المتعلق بأصل الصلاة لاشك انه تعييني، والتخيير في تطبيقها على الافراد الطولية الواقعة فيما بين المبدء والمنتهى، وكذا العرضية التي منها الصلاة فرادى وجماعة، عقلي محض. انما الكلام في الوجوب الضمني المتعلق بالقراءة في الركعتين الاوليين، فانه من الجائز ان يكون من سنخ الوجوب التخييري الشرعي المتعلق بأحد الامرين من القرائة أو الايتمام، كما هو الحال في الركعتين الاخيرتين بلا إشكال، حيث ان المصلي مخير فيهما بين القرائة والتسبيح، وكل منهما عدل للواجب. فعلى هذا الاحتمال يتعين عليه الايتمام عند تعذر القرائة، كما هو الحال في كل واجب تخييري، حيث إنه يتعين أحدهما عند تعذر الآخر، وينقلب الوجوب التخييري إلى التعييني بقاءأ فرعاية لهذا الاحتمال كان الايتمام أحوط.

[ 23 ]

لكن الاحتمال المزبور ساقط لدى التحقيق، فان الامر بالقرائة في مثل قوله (عليه السلام): " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ظاهر - بمقتضى الاطلاق - في الوجوب التعييني، على ما هو الاصل في ظاهر كل أمر، وليس الايتمام عدلا لها. نعم هذا الوجوب مشروط بأمرين: أحدهما: القدرة على القرائة، فلا وجوب مع العجز، بل ينتقل حينئذ إلى البدل، وهو الاتيان بما تيسر من القرآن أو التسبيح كما نطقت به صحيحة ابن سنان المتقدمة في مبحث القرائة. ثانيهما: عدم الايتمام فانها تسقط معه، على ما صرحت به اخبار باب الجماعة، فالايتمام مسقط للوجوب. لا أنه عدل للواجب التخييري كي يتعين عند تعذره. وحيث ان المفروض في المقام هو العجز عن القرائة، فوجوبها ساقط من اصله، بمقتضى فقد الشرط الاول، من غير حاجة إلى مسقط آخر، فينتقل إلى البدل من التسبيح أو ما تيسر من القرآن ومن الواضح ان مقتضى الاطلاق في دليل البدلية، عدم الفرق بين صورتي التمكن من الايتمام وعدمه. بل ان مقتضى الاطلاق في صحيح زرارة والفضيل المتقدم، النافي لوجوب الجماعة عن جميع الصلوات، عدم وجوبها في المقام أيضا. وعلى الجملة: فعدم وجوب الايتمام في هذه الصورة ظاهر لاسترة عليه وان كان هو الاحوط رعاية للاحتمال المزبور. وأما الصورة الثانية المذكورة في كلام الماتن اولا، فغاية ما يمكن ان يقال في تقريب الوجوب الشرطي حينئذ ان وجوب القرائة قد

[ 24 ]

تنجز عند دخول الوقت، لفرض تمكنه من التعلم، وبعد أن تسامح وماطل إلى ان ضاق وطرأ العجز، سقط التكليف بالقراءة لا محالة لامتناع خطاب العاجز. ولا سبيل للرجوع حينئذ إلى أدلة البدلية، مثل صحيحة ابن سنان ونحوها المتكفلة للانتقال إلى ما تيسر من القرآن إلى التسبيح لدى العجز عن القرائة، لقصورها عن الشمول لمثل المقام، لان الموضوع فيها من لا يحسن القرائة، الظاهر في العجز الذاتي، دون المتمكن المعجز نفسه، كما هو الحال في غير المقام من سائر أدلة الابدال الاضطرارية، مثل التيمم ونحوه، فانها لاتعم التعجيز الاختياري، فلو كان عنده مقدار من الماء فأراقه عامدا، أو كان متطهرا فاحدث كذلك، لم يشمله دليل التيمم، لان موضوعه عدم الوجدان الظاهر في العجز الطبيعي دون التعجيز العمدي، كما لا يخفى. كما لا مجال للرجوع إلى قاعدة الميسور، فانها أيضا على تقدير تماميتها خاصة بما إذا كان امتثال الواجب متعسرا في حد ذاته، لا ما إذا أوجد العسر باختياره. وعليه فمقتضى القاعدة الاولية سقوط الواجب رأسا، إذ الامر المتعلق بالمركب يسقط بتعذر بعض اجزائه، بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الاجزاء. إلا اننا علمنا من الاجماع الضروري ومن خصوص صحيحة زرارة الواردة في باب المستحاضة، ان الصلاة لا تسقط بحال، وهذا حال من الاحوال، فتجب الصلاة حينئذ قطعا بهذا الدليل، لا بأدلة البدلية، لما عرفت من قصورها عن

[ 25 ]

الشمول لموارد التعجيز الاختياري. ومن الواضح ان هذا الدليل لا يسوغ الانتقال إلى الصلاة الناقصة الفاقدة للقراءة، بعد التمكن من الاتيان بها كاملة تامة للاجزاء والشرائط بالايتمام، إذ الاكتفاء بالناقص تفويت للمرتبة الكاملة من غير عذر، فلا يكاد يسقط الواجب المستكشف وجوبه من ذاك الدليل إلا بالايتمام، فهو شرط فيه لا محالة، ولاجله كان الوجوب شرطيا لانفسيا، هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب الوجوب الشرطي. ولكنه لايتم، بل الظاهر جواز الصلاة فرادى وإن وجب عليه الايتمام عقلا دفعا للعقاب. أما الثاني: فلانه بعد ان تنجز عليه التكليف عند دخول الوقت والمفروض انه عجز نفسه عن امتثاله على وجهه بسوء اختياره، فقد استحق العقاب لو استمر على هذه الحالة، ولكن في وسعه دفع العقاب بتسليم الفرد الكامل من المأمور به لو اختار الايتمام، فيجب عليه ذلك بحكم العقل كما هو ظاهر. وأما الاول، فلان مقتضى الاطلاق في صحيحة زرارة والفضيل المتقدمة، النافية لوجوب الجماعة وانها غير معتبرة في شئ من الصلوات، عدم اعتبارها في المقام أيضا، فلا يلزم الايتمام هنا بمقتضى الاطلاق المزبور. وحينئذ يدور الامر بين سقوط الصلاة رأسا، وبين وجوبها فرادى، وحيث لا يمكن المصير إلى الاول، لما عرفت من الاجماع والنص الدالين على عدم سقوط الصلاة بحال، تعين الثاني، فجواز

[ 26 ]

[ وقد تجب بالنذر والعهد واليمين، ولكن لو خالف صحت الصلاة (1). ] الاقتصار على الصلاة فرادى وصحتها، هو مقتضى التحفظ على دليلين والجمع بينهما، احدهما: مادل على عدم سقوط الصلاة بحال، والثاني: اطلاق صحيحة فضيل النافية لوجوب الجماعة عن كافة الصلوات، ونتيجتهما، بعد ضم أحدهما إلى الآخر، هي صحة الصلاة فرادى، سواء تمكن من الايتمام ام لا. (1) أما أصل انعقاد النذر فلا شبهة فيه، بعد رجحان متعلقه الناشئ من أفضلية الجماعة عن غيرها، فيشمله عموم أدلة الوفاء به. وكذا الحال في العهد واليمين والشرط في ضمن العقد ونحوها مما يقتضي الوجوب بالعنوان الثانوي، لعموم ادلتها ولو خالف النذر ونحوه عامدا فعليه الكفارة كما ستعرف. وانما الكلام في ان هذا الوجوب، هل هو تكليفي محض، فلا يترتب على مخالفته إلا الاثم والكفارة، أو أنه وضعي والايتمام شرط في الصحة، فلو خالف وصلى فرادى بطلت صلاته؟. تقدم الكلام في نظائر المقام، في غير مورد من المباحث السابقة كنذر إيقاع الفرائض في المسجد ونحو ذلك، وقلنا: إن الاظهر عدم البطلان لو خالف، لعدم الدليل عليه، بل لا مقتضي له، الا بناءا على اقتضاء الامر بالشئ للنهي عما لا يجتمع معه في الوجود والمحقق في محله خلافه. ومن الواضح: أن الامر المتعلق بالجماعة، الناشئ من قبل

[ 27 ]

النذر، لا يستوجب تقييد الاطلاق في الامر الاول المتعلق بطبيعي الصلاة الجامع بينها وبين الفرادى، كي ينحصر امتثاله في الجماعة وتكون شرطا في الصحة، إذ لا تنافي بينهما ليلتزم بالتقييد، بعد اختلاف المتعلقين. فان الامر الاول قد تعلق بطبيعي الصلاة المرخص في تطبيقها على أي فرد شاء بمقتضى الاطلاق، والثاني تعلق بايقاعها في ضمن هذا الفرد، بملاك الوفاء بالنذر، فهناك مطلوبان قائمان بعملين مستتبعان لامرين لا مضادة بينهما، ليرتكب التقييد، بعد أن كان المقام من قبيل تعدد المطلوب لا وحدته، وإنما يجب ارتكابه لو كان مفاد الامر الثاني المنع عن تطبيق الطبيعة على الفرد الآخر، وقد عرفت أن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده. ومع الغض وتسليم التنافي الموجب لسقوط الاطلاق، فغايته الالتزام بثبوته على سبيل الترتب، بأن يؤمر أولا بالصلاة جماعة، وعلى تقدير العصيان فهو مرخص في تطبيق الطبيعة على أي فرد شاء. بل قد ذكرنا في محله: جريان الترتب في الامرين، فما ظنك في الامر مع الترخيص. فالمقام نظير المثال المعروف، من الصلاة في سعة الوقت المقترنة بالازالة، فكما التزمنا هناك بعدم التنافي بين الامر بها وبين اطلاق الامر بالصلاة، وعلى تقدير التنافي يثبت الاطلاق بالخطاب الترتبي، فكذا في المقام حرفا بحرف. نعم انما يجب التقييد في المقام لو كان النذر متعلقا بترك الصلاة فرادى، لتحقق المنافاة حينئذ لاجل امتناع الجمع بين

[ 28 ]

التحفظ على الاطلاق في الامر المتعلق بطبيعي الصلاة، وبين المنع عن تطبيقه على هذا الفرد الناشئ من قبل النذر، فلا مناص من الالتزام بالتضييق في دائرة المأمور به، وتخصيصها بغير هذا الفرد ومن هنا قلنا بأن النهي عن العبادة يقتضي الفساد. لكن الشأن في صحة مثل هذا النذر وانعقاده، بل الاقوى فساده، لاعتبار الرجحان في متعلقه، ولا رجحان في ترك الصلاة فرادى. ومجرد وجوب الارجح، وهي الصلاة جماعة لا يستوجب الرجحان في الترك. فهو نظير مالو نذر ترك زيارة مسلم (عليه السلام) ليلة عرفة، حيث لا ينبغي الاشكال في عدم انعقاده، لعدم الرجحان في هذا الترك، وإن كانت زيارة الحسين (عليه السلام) في تلك الليلة أفضل. وعلى الجملة: فالصلاة فرادى كالجماعة عبادة راجحة في حد ذاتها، وكذا زيارة مسلم (عليه السلام)، فلا رجحان في تركها لينعقد النذر، وإن كان غيرها أفضل. فتحصل: ان نذر الجماعة لا يستدعي بطلان الصلاة فرادى، وإن كان آثما في مخالفة النذر، فالوجوب تكليفي محض، ولا يوجب التقييد في متعلق الامر، كي يقتضي الاشتراط ويستتبع الفساد، بل قد ذكرنا في بحث المكاسب: إن مثل هذا النذر لا يستتبع الحق ولا يستوجب المنع عن ساير التصرفات. فلو نذر التصدق بالشاة المعينة، فخالف وباعها صح البيع، وإن اثم، لعدم خروجها بالنذر عن ملكه، إذ مفاد قوله: (لله علي كذا.) جعل الزام وحكم تكليفي من قبل الله تعالى على ذمته

[ 29 ]

[ وان كان متعمدا، ووجبت حينئذ على الكفارة (1). والظاهر وجوبها أيضا إذا كان ترك الوسواس موقوفا عليها (2). ] على حد قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) من غير فرق بينهما، إلا في أن الثاني مجعول من قبله تعالى ابتداء، والاول بتسبيب منه وبتوسيط النذر، وليس مفاده سلب سلطنته عن المال فقد باع ما يملكه، فيشمله عموم حل البيع. (1) ثبوت الكفارة حينئذ وعدمه، يبتني على القول بصحة الصلاة فرادى وفسادها، فبناءأ على الصحة كما هو الاقوى على ما مر، تجب، لعدم التمكن من الوفاء بالنذر بعدئذ، فقد تحقق الحنث بهذا العمل المؤدي إلى مخالفة النذر عامدا، فتتبعه الكفارة. وأما على القول بالبطلان، من اجل اقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده كما سبق فلا تجب، لا لبطلان الفرادى وأن الكفارة لا تترتب على الصلاة الفاسدة، بل لعدم المقتضي لها رأسا، لعدم تحقق موضوعها، وهو الحنث، لتمكنه بعد من الوفاء بالنذر والاتيان بصلاة الجماعة، فان الصلاة الباطلة في حكم العدم، وكانها لم تكن، ففي وسعه أن يفي بنذره، ولا زال المحل قابلا له، فان وفي بعدئذ وصلى جماعة قبل خروج الوقت، فلا كلام، وإلا تحقق الحنث لاحقا من اجل ترك الجماعة المنذورة، لا سابقا من اجل الاتيان بالصلاة فرادى. (2) هذا انما يتم، بناءا على حرمة الوسواس، فيجب الايتمام

[ 30 ]

حذرا عن الحرام، لكنها لم تثبت. فان عمدة ما يستدل به لذلك، صحيحة عبد الله بن سنان: " قال: ذكرت لابي عبد الله (ع) رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت: هو رجل عاقل، فقال أبو عبد الله (ع): وأي عقل له وهو يطيع الشيطان؟ فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي تأتيه من أي شئ هو، فانه يقول لك من عمل الشيطان " (1). وهي - كما ترى - لا دلالة لها على الحرمة بوجه، إذ ليس كل ما يتأتى من قبل الشيطان ويكون من عمله حراما، فان اصل السهو من الشيطان، على ما صرح به في بعض النصوص، ولا حرمة فيه قطعا، فليست متابعته محرمة في كل شئ. والتعبير الذي تضمنته الصحيحة للرجل الوسواس، ليس لاجل اطاعته الشيطان فيما يحرم، بل فيما يؤذيه، فانه لا يزال في قلق واضطراب، وتشويش وانقلاب، وكل فكره معطوف نحو امتثال العمل: ويتحمل انواع المتاعب في سبيل احراز الاتيان بالاجزاء والشرائط على وجهها، فيوجب ذلك بطبيعة الحال تشتت البال، وعدم حضور القلب الذي هو روح العبادة. ومن ابتلي بهذا المرض الخبيث، يدرك مدى تأذي الوسواسي من حالته السيئة، وكل ذلك ينشأ من متابعته للشيطان، في ايذائه وتسويلاته وتشكيكاته الكاشفة عن خفة عقله، لا عن ضعف دينه كي يحرم، ولذا وصفه الامام (ع) بأنه: لاعقل له، لا أنه


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب مقدمة العبادات ح 1.

[ 31 ]

[ وكذا إذا ضاق الوقت عن ادراك الركعة، بان كان هناك امام في حال الركوع (1)، بل وكذا إذا كان بطيئا في القرائة في ضيق الوقت (2)، بل لا يبعد وجوبها ] لا دين له. ولو سألت الوسواس المعترف بأن وسوسته من عمل الشيطان - كما في الصحيح - انه هل يرتكب الحرام؟ لا نكره أشد الانكار، والا كان فاسقا متجاهرا. وعلى الجملة: فلم يظهر من الصحيحة تحريم الوسواس بما هو وفي حد نفسه كي يستوجب بطلان العمل. نعم ربما يبلغ حدا يستلزم البطلان من ناحية اخرى، كما لو كرر الكلمة أو الآية مرات كثيرة جدا بحيث خرجت عن هيأتها مثل ما لو كرر الالف واللام في،، - الحمدلله - عشرين مرة فانه من كلام الآدمي، وليس من القرآن في شئ، فيوجب البطلان من حيث الزيادة أو النقصان، فيجب عليه الايتمام حينئذ لو لم يتمكن من تركه، لتوقف امتثال الواجب عليه. (1) لتوقف الخروج عن عهدة فريضة الوقت على الايتمام وانحصار الامتثال فيه، فيتعين بطبيعة الحال. (2) لعين ما ذكر ولا مجال هنا لتصحيحها بقاعدة (من أدرك.)، لاختصاصها بمن لم يدرك بحسب طبعه، لا بتعجيز نفسه اختيارا، وبما أنه متمكن من ادراك تمام الوقت بالاقتداء، فتركه تعجيز اختياري يمنع عن شمول الحديث له، فينحصر امتثال الامر بالصلاة فيه، ولاجله يتعين.

[ 32 ]

[ بأمر أحد الوالدين (1). (مسألة 2): لاتشرع الجماعة في شئ من النوافل الاصلية (2). ] (1) بناءا على وجوب اطاعتهما مطلقا، على حد اطاعة العبد لسيده. ولكنه لم يثبت، لعدم الدليل عليه، وإنما الثابت بمقتضى الآية المباركة وغيرها وجوب حسن المعاشرة وأن يصاحبهما بالمعروف فلا يؤذيهما ولا يكون عاقا لهما، وأما فيما لا يرجع إلى ذلك فوجوب الاطاعة بعنوانها بحيث لو أمراه بطلاق الزوجة، أو الخروج عن المال وجب الامتثال، فلم يقم عليه اي دليل. نعم ورد في بعض الاخبار، انه: " ان أمراك ان تخرج من أهلك ومالك فافعل، فان ذلك من الايمان ". لكنه حكم اخلاقي استحبابي قطعا، كما يومي إليه ذيل الخبر كيف وقد كان يتفق النزاع بين الوالد والولد في الاموال، فكان يقضي بينهما النبي صلى الله عليه وآله، كما تضمنه بعض النصوص؟!. (2) على المشهور، بل عن بعض: دعوى الاجماع عليه، ونسب الجواز إلى بعض، ومال إليه في المدارك، قائلا: ان ما يمكن ان يستدل به على المنع روايتان: الاولى - رواية محمد بن سليمان، حاكيا عن عبد الله بن سنان وسماعة، عن الصادق (عليه السلام) وعن اسحاق بن عمار، عن الكاظم (ع) وهو بنفسه عن الرضا (عليه السلام): ان النبي صلى الله عليه وآله قال في نافلة شهر رمضان: أيها الناس، ان هذه الصلاة نافلة،

[ 33 ]

ولن يجتمع للنافلة، فليصل كل رجل منكم وحده، وليقل ما علمه الله من كتابه، اعلموا أن لاجماعة في نافلة " (1). الثانية: صحيحة زرارة، ومحمد بن مسلم، والفضيل، " أنهم سألوا أبا جعفر الباقر، وأبا عبد الله الصادق عليهما السلام عن الصلاة في شهر رمضان، نافلة بالليل في جماعة، فقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا صلى. إلى أن قال قال صلى الله عليه وآله أيها الناس، إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة. " (2). وقد ناقش (قده) في كلتا الروايتين: أما الاولى: فبقصورها سندا، ب‍ (محمد بن سليمان الديلمي) وغيره، وإن كانت الدلالة تامة، لتضمنها المنع عن الجماعة في مطلق النوافل، وكان ذكر نوافل شهر رمضان من باب التطبيق على الصغرى، كما هو ظاهر. وأما الثانية: فبقصورها دلالة، لاختصاص المنع فيها بنوافل شهر رمضان دون مطلق النوافل، فهي إذا اخص من المدعى. أقول: لا يبعد دعوى الاطلاق في الثانية أيضا، وان يكون ذكر نوافل شهر رمضان فيها من باب تطبيق الكبرى على الصغرى كما هو الحال في الاولى، وان لم يكن الامر في هذه بذلك الظهور، فلا قصور في دلالتها. ومع الغض عن ذلك، فيكفينا لاثبات الاطلاق:


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان ح 6 (2) الوسائل: باب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان ح 1.

[ 34 ]

حسنة سليم بن قيس الهلالي، قال: " خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله واثنى عليه. إلى أن قال: والله لقد امرت الناس ان لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، واعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة. " (1). فان سليم بن قيس وان لم يوثق صريحا، لكنه من جملة خواص أمير المؤمنين عليه السلام وقد ورد في حقه الكثير من المدح فالرواية معتبرة سندا (2) وتامة أيضا دلالة. على انها مؤيدة بروايات أخر، لا تخلو اسانيدها من الخدش والاشكال. هذا مضافا إلى قيام سيرة المتشرعة المتصلة بزمن المعصومين عليهم السلام على المنع مطلقا، حيث لم يعهد من أحد منهم اقامة الجماعة في شئ من النوافل على الاطلاق، عدا ما استثني، كما ستعرف. ثم إنه (قده) بعد مناقشته في الروايات المانعة بما مر، استدل للجواز بجملة من الاخبار: منها: صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال " صل بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة، فاني افعله " (3).


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان ح 4. (2) الراوي عن سليم في هذه الرواية هو ابراهيم بن عثمان اي: أبو أيوب الخزاز الذي هو من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام) وفي روايته عن سليم الذي هو من أصحاب أمير المؤمنين (ع) وان أدرك الباقر (ع) اشكال كما صرح دام ظله به في معجم الرجال ج 1 ص 245. (3) الوسائل: باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 13.

[ 35 ]

بدعوى: أن ظاهرها الصلاة مع الاهل جماعة، فقد دلت على الجواز في مطلق النوافل كالفرائض. ويتوجه عليه: ان ظاهر الرواية مطروح جزما، لان موردها نوافل شهر رمضان، ولا شك في عدم مشروعية الجماعة فيها، حتى باعترافه (قده)، للنصوص المتقدمة وغيرها المانعة عن ذلك. فلا مناص من ارتكاب التأويل، بحمل الباء في قوله (ع): (بأهلك) على معنى: (عند)، وصرفها عن ظاهرها، وهو كونها بمعنى (مع) الظاهر في الجماعة، فيكون المراد بها: صل عند اهلك وفي دارك لافي المسجد، لكونهم صائمين في شهر رمضان وبانتظار حلول وقت الافطار، فكان الاولى حينئذ الصلاة عندهم - نافلة وفريضة - دفعا للانتظار وحذرا من التأخير. وان ابيت عن ذلك، فلا محيص من طرحها ورد علمها إلى اهله، لمنافاة ظاهرها مع النصوص الكثيرة المتقدمة، مع عدم التكافؤ بينهما لكثرة تلك، وعدم العمل بمضمون هذه الرواية أيضا كما عرفت. ومنها: ثلاث صحاح وردت في خصوص النساء، وهي: صحيحة هشام بن سالم: " انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة هل تؤم النساء؟ قال: تؤمهن في النافلة، فأما في المكتوبة فلا، ولا تتقدمهن ولكن تقوم وسطهن " (1). وصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (ع) قال: " تؤم المرأة النساء في الصلاة، وتقوم وسطا بينهن، ويقمن عن يمينها وشمالها


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 36 ]

تؤمهن في النافلة ولا تؤمهن في المكتوبة (1). وصحيحة سليمان بن خالد قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة تؤم النساء، فقال: إذا كن جميعا أمتهن في النافلة، فأما المكتوبة فلا، ولا تتقدمهن ولكن تقوم وسطا منهن " (2). وتتميم الاستدلال بالنصوص يتوقف على دعوى المستدل! القطع بعدم الفرق - في الحكم المذكور - بين المرأة والرجل، لعدم القول بالفصل بينهما من أحد، كما هو كذلك جزما، إذ لا قائل بالتفكيك بينهما جوازا ومنعا، فهما متلازمان في هذا الحكم قطعا. والجواب ان هذه النصوص وان دلت على الجواز في النساء بالدلالة المطابقية، لكنها تدل عليه في الرجال أيضا بالدلالة الالتزامية، للقطع بعدم القول بالفصل كما عرفت، كما أن النصوص السابقة المانعة كانت على العكس من ذلك، فانها دلت على المنع في الرجال بالمطابقة - يعني: كان القدر المتيقن به من موردها الرجال - وفي النساء بالالتزام، لما عرفت من عدم القول بالفصل بينهما في ذلك. وعليه فتقع المعارضة بين الطائفتين، لتعارض المدلول المطابقي لكل منهما مع المدلول الالتزامي للآخر، وبما أن الترجيح مع الطائفة المانعة، لشهرتها بين الاصحاب (قدهم). ولمخالفتها مع العامة، فلذلك تحمل المجوزة على التقية، فلا يعتمد عليها. وقد اجاب المحقق الهمداني (قده) عن الاستدلال بالنصوص المجوزة بوجه آخر، وهو: انها لاتدل إلا على مشروعية الجماعة في النافلة في الجملة، لعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 9. (2) الوسائل باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 12.

[ 37 ]

[ وان وجبت بالعارض، بنذر ونحوه (1). ] حتى ينعقد لها الاطلاق، وإنما وردت لبيان حكم آخر، وهو جواز إمامة النساء، فيكفى في الصحة مشروعيتها ولو في بعض النوافل على سبيل الموجبة الجزئية، كما في صلاة الاستسقاء، ويوم الغدير. ثم قال (قده): وإرادة هذا البعض منها بالخصوص - الذي يندر الابتلاء به - وإن كان بعيدا في حد ذاته في الغاية، لكن مما يقرب احتماله كون المقام مورد التقية حيث يناسب ذلك التورية فلا بأس به في مقام الجمع حذرا من الطرح. اقول: ما افاده (قده) من الورود لبيان حكم آخر، المانع من انعقاد الاطلاق للرواية، وان كان وجيها في بعض تلكم النصوص إلا أنه مما لايتم في الكل، ولا سيما في صحيحة الحلبي، غير المسبوقة بالسؤال، فان الامام عليه السلام قد حكم فيها ابتداء بمشروعية امامتها لهن في النافلة، فتكون مسوقة لبيان هذا الحكم وهو مشروعية الجماعة في النافلة، فلا قصور في اطلاقها، كما لا يخفى. والصحيح في الجواز عنها هو ما عرفت. فقد تحصل: عدم مشروعية الجماعة في شئ من النوافل الاصلية عدا ما استثني مما ستعرف، للروايات المانعة، السليمة عن المعارض. مضافا إلى قيام السيرة على المنع كما عرفت. (1) قد يفرض تعلق النذر ونحوه باتيان النافلة جماعة، وقد يفرض تعلقه بذات النافلة، لكنه في مقام الوفاء به يأتي بالمنذور جماعة، وهذا هو مفروض كلام الماتن (قده) دون الاول، كما هو ظاهر.

[ 38 ]

أما الفرض الاول: فلا إشكال في عدم انعقاد النذر، لعدم كون متعلقه مشروعا، ولا نذر إلا في أمر سائغ. وقد يتخيل: المنافاة بينه وبين ما سبق في محله - وقد تسالم عليه الاصحاب أيضا - من صحة نذر التطوع في وقت الفريضة، فان التطوع حينئذ - كالجماعة في النافلة لم يكن مشروعا في نفسه، فكيف صح تعلق النذر بالاول دون الثاني؟! مع اتحاد ملاك المنع فيهما. ولكنه تخيل فاسد، للفرق الظاهر بين المقامين، فان الممنوع منه هناك عنوان (التطوع) أي: الاتيان بالصلاة طوعا ورغبة من غير الزام شرعي به، ومن الواضح: ان النذر غير متعلق بهذا العنوان، بل يستحيل تعلقه بذلك لامتناع الوفاء به خارجا، فانه بعد النذر يكون الاتيان به عن ملزم شرعي لا محالة، وليس هو من التطوع في شئ، وإنما تعلق بذات النافلة، وهي عبادة راجحة فان الصلاة خير موضوع، ومن الضروري انه بعد انعقاد النذر تخرج النافلة عن عنوان: (التطوع) تكوينا، حيث يلزم الاتيان بها حينئذ شرعا وفاءا بالنذر كما عرفت، فلا يشمله دليل المنع عن التطوع في وقت الفريضة لانتفاء الموضوع. وهذا بخلاف المقام، لكون متعلق النذر فيه هو النافلة جماعة حسب الفرض، وهو بنفسه ممنوع منه شرعا، فلا ينعقد نذره إذ لانذر إلا في امر مشروع سائغ. وأما الفرض الثاني: فهل الامر فيه كالاول، فلا يجوز الاتيان بالنافلة المنذورة جماعة؟ أو يجوز قياسا على نذر التطوع في وقت الفريضة؟ الظاهر هو الاول، بل لا ينبغي الاشكال فيه، ضرورة

[ 39 ]

أن تقسيم الصلاة إلى الفرض والنفل ناظر إلى تقسيم ذات الصلاة، ولا يتغير هذا العنوان باختلاف الوجوب والاستحباب. فان معنى (الفريضة): ما فرضه الله في حد ذاته، ومعنى (النافلة): ما زاد على ما افترضه الله تعالى بالجعل الاولي، وليس الوجوب أو الاستحباب معتبرا في التعنون بالعنوان المذكور، فلو فرض طرو عنوان ثانوي على النافلة أوجب اتصافها بالوجوب - كالنذر أو الشرط ضمن العقد اللازم، ونحو ذلك - لم يوجب ذلك تغير النافلة عما كان لها من العنوان من قبل، ولم تنقلب به حقيقتها، غايته: أنها في الحال نافلة واجبة، فتكون بعد النذر باقية بحالها الاول قبله، ومتصفة بذلك العنوان السابق ومحكوما عليها أيضا بالحكم السابق، ومنه: عدم مشروعية الجماعة فيها. ومن الظاهر: تعلق النذر بخصوص الحصة المشروعة من الطبيعة فلا يتم الوفاء به بالاتيان بالحصة غير المشروعة منه، وهي النافلة جماعة، فلذلك لم تشرع الجماعة في النافلة مطلقا، حتى المنذورة منها. وهذا بخلاف (التطوع) فان حقيقتها متقومة بعدم الالزام الشرعي، وكون العمل مما يؤتى به طوعا ورغبة كما عرفت، وواضح عدم بقاء هذه الحقيقة بعد تعلق النذر تكوينا، فلا موضوع للتطوع بعد النذر كي يشمله دليل المنع، وقد عرفت آنفا ان موضوع النذر إنما هي ذات النافلة لا بعنوان التطوع، فالفرق بين المقامين كاد يبلغ بعد المشرقين.

[ 40 ]

[ حتى صلاة الغدير على الاقوى (1). ] (1) كما عن غير واحد. وحكي عن جملة من الاصحاب (قدهم) القول بالجواز، بل نسب ذلك إلى المشهور، وإن ناقش صاحب الجواهر (قده) في صدق النسبة، فان أكثر من تعرض لهذه الصلاة وأحكامها لم يتعرض للحكم المذكور وكيف كان فلابد من النظر في الدليل. وقد يستدل للجواز بوجوه: أحدها: ما عن المدارك، من أن الجواز مطابق للقاعدة، من دون حاجة إلى ورود نص بالخصوص عليه، بناءا على ما سلكه (قده) من مشروعية الجماعة في مطلق النوافل، فانه بعد بنائه على ذلك قال ما لفظه: " ومن هذا يظهر ان ما ذهب إليه بعض الاصحاب من استحباب الجماعة في صلاة الغدير جيد، وإن لم يرد فيها نص على الخصوص ". ويتوجه عليه: ما عرفت من فساد المبنى، ومعه لا مجال للتفريع ثانيتها: ان يوم الغدير يوم عيد، بل هو من أعظم الاعياد، فيكفى في مشروعية الجماعة في صلاته ما دل على مشروعيتها في صلاة العيدين. ويتوجه عليه: ان الصغرى وان كانت مسلمة، لكنه لادليل على مشروعية الجماعة في كل عيد، وإنما الثابت ذلك في خصوص عيدي الفطر والاضحى، فلا وجه للتعدي عنهما. ثالثها: ما حكي عن أبي الصلاح من نسبته إلى الرواية مرسلا وكذا ما عن المفيد في المقنعة: من حكاية فعل النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير

[ 41 ]

ومن جملته: انه صلى الله عليه وآله أمر بان ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمعوا وصلوا ركعتين، ثم رقي صلى الله عليه وآله المنبر. ". ويتوجه عليه: ان كلتا الروايتين مرسلة، ولا نعتمد المراسيل ولم يثبت عمل الاصحاب (قدهم) بهما، لتصح دعوى الانجبار، لو سلمت الدعوى كبرويا. مع أن امره صلى الله عليه وآله بالنداء للصلاة جامعة، اعم من اقامتها جماعة، فلعلهم صلوا جميعا لكن بانفراد وان كان هذا خلاف الظاهر. وكيف كان فهذه الوجوه كلها ساقط. رابعها: وهو العمدة، التمسك بقاعدة: (التسامح في ادلة السنن) المستفادة من اخبار: (من بلغ) فانها تجبر ضعف سند المرسلتين، فيتم الاستدلال بهما للمدعى. قلت: إذا بنينا كما هو الصحيح تبعا لصاحب الجواهر (قده) على أن الظاهر من الاخبار المذكورة أو منصرفها هو بلوغ الثواب فقط، دون ما إذا انضم إليه بلوغ عدم الثواب أيضا، ولا سيما إذا كان دليل العدم معتبرا، كانصرافها قطعا عما إذا كان قد بلغ كل من الثواب والعقاب معا، فعلى هذا لا مجال للاستناد إلى القاعدة في المقام، فانه كما بلغ الثواب على ذلك بمقتضى المرسلتين فقد بلغ عدمه أيضا بموجب النصوص المعتبرة النافية لمشروعية الجماعة في النافلة مطلقا كما سبق. وأما إذا بنينا على التعميم، كما اختاره المحقق الهمداني (قده) مدعيا اختصاص مورد الانصراف بما إذا بلغ العقاب ذاتا لا بعنوان التشريع والبدعة كما في المقام، فان قلنا بأن المستفاد من الاخبار المذكورة حجية الخبر الضعيف، وتخصيص الشرائط المعتبرة في

[ 42 ]

حجيته بما تضمن الحكم الالزامي فقط، استنادا إلى ان الظاهر من قوله (ع) فيها: " فله اجر من عمل به. " ترتب الاجر على نفس العمل بعنوان كونه عملا، الكاشف ذلك عن استحبابه ذاتا الملازم لحجية الخبر الضعيف حينئذ على حد حجية الصحيح منه، فلا مناص إذا من ارتكاب التقييد في ادلة النفي بما دل من المرسل على مشروعيتها في خصوص صلاة الغدير، بعد فرضها بحكم الصحيح لما عرفت. وإن قلنا: إن مفادها إنما هو استحباب العمل بالعنوان الثانوي الطارئ، أي بعنوان (بلوغ الثواب عليه) لظهورها في ترتب الاجر على العمل بالعنوان المذكور دون عنوانه الاولي، اعني: ذات العمل لتدل على اسقاط شرائط الحجية في باب المستحبات، فلا يجرى حينئذ تخصيص بالعنوان الذاتي في اطلاق ادلة النفي كما في الفرض السابق - وإنما يجري فيها التخصيص بالعنوان الثانوي حيث إنه بعد ورود المرسلة يثبت استحباب الجماعة في صلاة الغدير بعنوان كونها مما بلغ الثواب عليه، فلا محالة يكون التخصيص الوارد على الاطلاقات النافية للمشروعية بالعنوان الثانوي لا بالعنوان الاولي فتكون النتيجة: هو جواز الجماعة في صلاة الغدير. وأما إذا رفضنا كلا الرأيين وبنينا كما هو الصحيح على أن مفادها هو الارشاد إلى ما حكم به العقل من حسن الانقياد، وأنها تنبئ عن تفضله سبحانه وتعالى باعطاء الثواب الذي بلغ وان لم يكن الامر كما بلغ، من دون اشعار فيها باستحباب العمل بالعنوان الثانوي ولا بالغاء شرائط الحجية في الخبر حتى يدل على الاستحباب الذاتي،

[ 43 ]

[ الا في صلاة الاستسقاء (1). نعم لا بأس بها فيما صار نفلا بالعارض، كصلاة العيدين (2) مع عدم اجتماع شرائط الوجوب، والصلاة المعادة ] فليس هناك أمر في البين متعلق بالعمل بعنوانه الاولي ولا بعنوانه الثانوي، وحينئذ فلا موجب للتخصيص بعد عدم ثبوت استحباب الجماعة في صلاة الغدير ولذلك لا يجوز الاتيان بها كذلك إلا رجاءا فان الحرمة حينئذ تشريعية، لاذاتية، كما لا يخفى. (1) بلا اشكال ولا خلاف. للنصوص المعتبرة، مضافا إلى السيرة المستمرة. وبذلك يقيد اطلاقات المنع لا محالة. (2) بلا اشكال فيه. وهل هو من باب الاستثناء من عموم المنع كما في صلاة الاستسقاء؟ كما قد يظهر من بعض العبائر كالمحقق في الشرائع وغيره، والظاهر العدم، فانها فريضة في اصل التشريع كسائر ما فرضه الله تعالى، وليست من النفل في شئ وقد اطلق عليها (الفريضة) في غير واحد من النصوص. نعم: قد تجب عند استجماع الشرائط - ومنها حضور الامام (ع) - وتستحب عند فقدها، ولكن قد مر: أن الوجوب والاستحباب خارجان عن حقيقة الاتصاف بالفرض والنفل، والمستفاد من النصوص أن هذه الصلاة بطبعها تقتضي أن يؤتى بها جماعة، سواء اتصفت بالوجوب أم بالاستحباب، كما يؤمي إلى ذلك قوله (ع) - في غير واحد من النصوص -: " لاصلاة يوم الفطر والاضحى إلا مع إمام

[ 44 ]

[ جماعة (1)، والفريضة المتبرع بها من الغير، والمأتي بها ] عادل " (1). نعم ورد في بعضها: " من لم يشهد جماعة الناس في العيدين - إلى أن قال -: وليصل في بيته وحده كما يصلي في جماعة " (2). ويستكشف من ذلك كله: أن الجماعة معتبرة في المرتبة الفاصلة من هذه الصلاة. وعلى الجملة: فهذه الصلاة مما لا يخرج عن عنوان كونها (فريضة) وان اتصفت باستحباب عند فقد شرائط الوجوب، فهي فريضة يستحب الاتيان بها، كما هو الحال في الحج فانه فريضة، لكنه يتصف بالوجوب عند تحقق شرائطه، ومستحب لدى فقدها. وعليه فيشملها قوله (ع) في صحيحة زرارة والفضيل المتقدمة (3): " ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها ولكنها سنة " إذ بعد كونها من مصاديق الفريضة كما عرفت تندرج في عموم الصحيحة الدالة على استحباب الجماعة في الفرائض، وليست هي من النوافل ليكون خروجها استثناءا أو تخصيصا في ادلة المنع، وإنما هو خروج بالتخصص فان المراد بالفريضة هي ما كانت كذلك في الجملة وفي اصل التشريع، لا مطلقا. (1) مما ذكرناه في صلاة العيدين يظهر الحال فيها وفي التي تليها


(1) لاحظ الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة العيد. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة العيد ح 1. (3) تقدمت في ص 11.

[ 45 ]

[ من جهة الاحتياط الاستحبابي. (مسألة 3): يجوز الاقتداء في كل من الصلوات اليومية بمن يصلى الاخرى أيا منها كانت (1) وان اختلفا في الجهر والاخفات، والاداء ] فان الجواز في شئ منهما لا يكون إستثناءا من ادلة المنع، ضرورة أن المعادة فريضة، وإنما المستحب نفس الاعادة جماعة، للاخبار الدالة على ذلك، كما أن المتبرع بها فريضة أيضا، والمستحب إنما هو التبرع والتصدي لتفريغ ذمة الغير، كما هو الحال أيضا في المأتي بها احتياطا استحبابيا، فان الاستحباب إنما هو في الاعادة الاحتياطية دون المعادة نفسها، والخلاصة: أن الكل داخل تحت عنوان الفريضة التي عرفت استحباب الجماعة فيها، فلا استثناء في شئ من ذلك عدا صلاة الاستسقاء كما عرفت. نعم: في صحة الجماعة في المأتي بها من جهة الاحتياط استحبابي تفصيل يأتي التعرض له - ان شاء الله - في المسألة الآتية. الاتحاد بين الامام والمأموم في الخصوصيات؟ (1) كما هو المتسالم عليه ظاهرا، ونسب إلى الصدوق (قده) عدم صحة الاقتداء في صلاة العصر بمن يصلي الظهر، إلا إذا تخيل أن الامام يصلي العصر فبان له الخلاف. وقد تنظر غير واحد في

[ 46 ]

صدق هذه النسبة، وفي نسبة ما يأتي عن والده (قده) أيضا. بل قال بعضهم: انه على تقدير صدق كلتا النسبتين فهما شاذان وعلى خلاف الاجماع. وكيف كان فالمتبع هو الدليل، فما هو الذي يمكن ان يستند إليه الصدوق (قده) على تقدير صدق النسبة؟ احتمل الشهيد (قده) في الذكرى: ان يكون مستنده اعتبار الترتيب بين الظهر والعصر، فانه لو اقتدى في عصره بظهر الامام فكأنهما وقعا معا، مع ان العصر بعد الظهر، فيختل بذلك الترتيب بينهما. لكنه احتمال ضعيف، كما صرح به (قده) أيضا، فان الترتيب بين الصلاتين معتبر بالاضافة إلى كل شخص، لاكل شخص وغيره فعصر المأموم مترتبة على ظهره لاعلى ظهر الامام، كما هو واضح جدا. بل لا يحتمل - عادة - استناد الصدوق إلى هذا الوجه الاعتباري، الضعيف غايته. وربما يتخيل: ان نظره (قده) في ذلك إلى صحيحة علي بن جعفر: " انه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن امام كان في الظهر، فقامت امرأة بحياله تصلي معه وهي تحسب انها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ وما حال المرأة في صلاتها معها وقد كانت صلت الظهر؟ قال: لا يفسد ذلك على القوم، وتعيد المرأة صلاتها " (1). ولكنها كما ترى، فان مفادها عكس ما هو المنسوب إليه، لدلالتها على البطلان في المورد الذي حكم فيه بالصحة استثناءا. وعلى الجملة: فلم يظهر المستند لما ذهب إليه الصدوق (قده)


(1) الوسائل: باب 53 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 47 ]

والصحيحة لابد من حملها، إما على التقية، لموافقتها لما هو الاشهر من مذاهب العامة كما افاده صاحب الوسائل (قده). أو على ان الاعادة كانت لاجل وقوف المرأة بحيال الرجل. وكيفما كان فهذا القول لا اعتبار به بوجه. ثم لا يخفى: أن مقتضى القاعدة في كل مورد شك في الصحة من جهة احتمال اعتبار الاتحاد في جهة من الجهات هو الحكم بالفساد لاطلاق دليل اعتبار القراءة، كقوله (ع): " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب ". واطلاق ادلة الشكوك، فان الخارج عنها هي الجماعة الصحيحة، فمع الشك في صحتها ومشروعيتها كان المحكم هو الاطلاق المذكور إلا أن الظاهر هو عدم وصول النوبة إلى الشك، ولا في مورد واحد، لوفاء النصوص بالحكم في الصحة في الجميع. أما في صورة الاختلاف بينهما سفرا وحضرا فتأتي الاشارة إلى دليله قريبا. وأما الاختلاف بينهما ظهرا وعصرا، ففي الاقتداء ظهرا بمن يصلي العصر تدل عليه صحيحة حماد بن عثمان قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل امام قوم، فصلى العصر وهي لهم الظهر قال: اجزأت عنه، وأجزأت عنهم، ونحوه موثقة أبي بصير (1). وفي الاقتداء عصرا بالظهر، يدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: " إذا صلى المسافر خلف قوم حضور فليتم صلاته ركعتين، ويسلم. وان صلى معهم الظهر فليجعل


الوسائل: باب 53 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 4

[ 48 ]

[ والقضاء (1). ] الاولتين الظهر والاخيرتين العصر " (1). وصدرها يدل على جواز اقتداء المسافر بالحاضر، الذي تأتي الاشارة إليه قريبا. ونحوها: صحيحة الحلبي (2). ويطرد الحكم في العشائين - في الاصل والعكس - بالقطع بعدم الفصل. (1) ويدل على صحة الايتمام في القضاء بمثله الصحاح الكثيرة الحاكية لقصة رقود النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه عن صلاة الفجر، ثم قضاءها بهم جماعة، بعد التحول من مكانه، وقد تقدم ذكرها. وقد عرفت: ان الاستشكال في اصل القصة لا ينافي تصديق الروايات المذكورة في هذا الحكم، فلا موجب لطرحها من هذه الجهة. وفي الاقتداء في القضاء بالاداء، صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة اخرى إلى أن قال: وان ذكرها مع امام في صلاة المغرب اتمها بركعة، ثم صلى المغرب، ثم صلى العتمة بعدها " (3). فقد دلت على العدول - عند الايتمام بمن يصلى الحاضرة - إلى الفائتة، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين ما كانت الفائتة المنسية موافقة مع الحاضرة في الجهر والاخفات، كما لو كانت مخالفة معها


(1) الوسائل باب 18 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 3. (3) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 49 ]

كما لو كانت عصرا. وتدل عليه صريحا أيضا: موثقة إسحاق بن عمار قال: " قلت لابي عبد الله (ع): تقام الصلاة وقد صليت، فقال: صل " واجعلها لما فات " (1). وصحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (ع) انه قال: " في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال: يصلي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء ". (2) ورواها الكليني (قده عن حفص بن البختري بدون كلمة: (ان شاء) (3). فان المراد: جعلها الفريضة الفائتة، ولو بقرينة الموثقة المتقدمة مع ان كلمة (ان شاء) قرينة على ذلك، لدلالتها على التخيير بين جعلها الفائتة أو احتسابها الحاضرة، فتكون من الصلاة المعادة. نعم: ايتمام المؤدى بالقاضي صلاته عار من النص ولكن يمكن تعميم الحكم الثابت في عكسه بالنصوص المتقدمة بأحد وجهين: أحدهما: دعوى الاجماع القطعي، والتسالم، وعدم القول بالفصل فان أحدا من الفقهاء لم يفرق في الجواز بين الصورتين، فينتج ذلك القطع باتحاد الحكم فيهما. وهذه الدعوى قريبة جدا، ان لم تكن مقطوعا بها. ثانيهما: التمسك بعموم صحيحة زرارة والفضيل المتقدمة في صدر المبحث، الدالة على أن الجماعة سنة في جميع الفرائض كلها،


(1) الوسائل: باب 55 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 (3) الوسائل: باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 11.

[ 50 ]

[ والقصر والتمام (1) بل والوجوب والندب، فيجوز اقتداء مصلى الصبح أو المغرب أو العشاء بمصلى الظهر أو العصر وكذا العكس. ويجوز اقتداء المؤدى بالقاضي والعكس ] فان ايتمام المؤدي بالقاضي يكون في صلاة الفريضة لا محالة، فيشمله العموم المذكور. ويتوجه عليه: ان العموم الذي تضمنه الصحيح عموم افرادي، بمعنى شمول الحكم بالاستحباب لكل فرد من أفراد الفريضة، ومنها صلاة القضاء، فتشرع فيها الجماعة أيضا، لكن حالات هذا الفرد من كون المأموم مؤديا والامام قاضيا وبالعكس، غير مشمولة للعموم، لعدم كون الحالات والخصوصيات المذكورة مفردة، كما لا يخفى. نعم: لا بأس بالتمسك بالاطلاق الاحوالي للصحيحة، بتقريب أن الظهر - مثلا - فرد من الفريضة فيشملها عموم الصحيحة لا محالة ومقتضى اطلاق الدليل هو عدم الفرق بين ما إذا كان الامام مؤديا أيضا ام كان قاضيا. (1) اشرنا في صدر المسألة إلى أن الحكم في الجميع من المتسالم عليه، وقد نسب الخلاف في المقام إلى والد الصدوق (قده)، وهو عدم الجواز مع الاختلاف بين الامام والمأموم سفرا وحضرا. ولكن النسبة غير ثابتة، وقد تنظر في صدقها بعضهم كما عرفته سابقا. وعلى كل حال فلا دليل على ذلك، بل الدليل على خلافه، وهو:

[ 51 ]

[ والمسافر بالحاضر والعكس، والمعيد صلاته بمن لم يصل والعكس (1)، والذي يعيد صلاته احتياطا - استحبابيا ] صحيحة الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد الله (ع) قال: " لا يؤم الحضري المسافر، ولا المسافر الحضري، فان ابتلي بشئ من ذلك فأم قوما حضريين، فإذا أتم الركعتين سلم، ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم. وإذا صلى المسافر خلف قوم حضور فليتم صلاته ركعتين ويسلم، وان صلى معهم الظهر فليجعل الاولتين الظهر والاخيرتين العصر " (1). فان صدر الرواية وإن كان ظاهرا في نفسه لولا الذيل في المنع، لكنه - بقرينة الذيل الصريح في الجواز - محمول على الكراهة، وأن فيه نوعا من المرجوحية. (1) يدل على الاصل: ذيل صحيحة هشام بن سالم المتقدمة (2) وعلى العكس: صحيحة ابن بزيع قال: " كتبت إلى أبي الحسن (ع) إني أحضر المساجد، مع جيرتي وغيرهم، فيأمرونني بالصلاة بهم وقد صليت قبل أن أتاهم، وربما صلى خلفي من يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل، فأكره أن اتقدم - وقد صليت - لحال من يصلي بصلاتي ممن سميت ذلك، فمرني في ذلك بأمرك انتهى إليه واعمل به، ان شاء الله، فكتب (ع): صل بهم " (3).


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (2) تقدمت في ص 49. (3) الوسائل: باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 52 ]

[ أو وجوبيا - (1) بمن يصلي وجوبا. نعم يشكل (2) اقتداء من يصلي وجوبا بمن يعيد احتياطا، ولو كان ] والظاهر: ان قوله: (قبل ان اتاهم) تصحيف، والصحيح: (قبل أن آتيهم). وكيف كان فقد دلت على جواز اقتداء من لم يصل بالمعيد صلاته. (1) لا محذور في ذلك، فان صلاة المأموم المعادة إن كانت صحيحة واقعا لاجل فساد صلاته الاولى - فقد انعقدت الجماعة الصحيحة لا محالة، وإلا كانت لغوا، بلا فرق بين الاتيان بها جماعة أو فرادى، فلا موجب للمنع من الايتمام حينئذ. (2) مورد كلامه (قده) ما إذا تمحضت الاعادة في عنوان الاحتياط، فانه يشكل - حينئذ - اقتداء المصلي وجوبا بمثله، وان كان الاحتياط وجوبيا، لعدم احراز كون الامام مصليا، لاحتمال ان تكون صلاته الاولى صحيحة فتكون الثانية صورة صلاة عارية عن الامر الشرعي، والاقتداء إنما يكون بمن يصلي المأمور به. وأما لو فرضنا كون صلاة الامام من المعادة المأمور بها، كما إذا كان قد صلاها أو لا فرادى ثم اراد إعادتها جماعة، فيصح اقتداء من يصلي وجوبا بمثله، وإن كان الامام حينئذ ناويا الاحتياط أيضا لاحتماله الخلل في صلاته الاولى، حيث لا محذور في هذه الضميمة في القصد، بعد فرض صحة صلاته الثانية وتعلق الامر بها على كل تقدير، سواء أكانت الاولى صحيحة أيضا أم لا، لكون الثانية حينئذ مأمورا بها وجوبا أو استحبابا، لكن هذه الصورة خارجة عن

[ 53 ]

[ وجوبيا بل يشكل اقتداء المحتاط بالمحتاط (1) الا إذا كان احتياطهما من جهة واحدة. (مسألة 4): يجوز الاقتداء في اليومية أيا منها كانت اداءا أو قضاءا بصلاة الطواف (2)، كما يجوز العكس. ] مفروض كلام المنصف كما لا يخفى. (1) كما لو احتمل كما منهما بطلان صلاته، الموجب للاعادة احتياطا، وجوبا أم استحبابا، فانه لا يصح اعادتهما للصلاة حينئذ جماعة، بايتمام أحدهما بالآخر، لاحتمال خطأ الامام في احتماله بطلان صلاته الاولى واصابة المأموم في احتماله ذلك، فانه - على هذا التقدير - تكون صلاة المأموم مأمورا بها دون الامام حيث تكون صلاته صورية وفاقدة للامر، ومجرد هذا الاحتمال المقتضي لعدم احراز صحة صلاة الامام يكفي للحكم بعدم مشروعية الجماعة. هذا فيما إذا اختلف الامام والمأموم في منشأ الاحتياط، بحيث احتملنا الانفكاك بينهما في صحة الثانية وبطلانها. وأما مع الاتحاد في المنشأ، كما لو توضأ الامام والمأموم بماء معين، وبعد فراغهما من الصلاة شكا في طهارة الماء لشبهة اقتضت الاحتياط بالاعادة وجوبا أو استحبابا ففي مثل ذلك لامانع من الايتمام، لعدم احتمال البطلان في حق الامام والصحة في حق المأموم، بل هما صحيحتان معا أو باطلتان معا، فعلى تقدير صحة كلتا الصلاتين يتم الاقتداء وإلا كانت الصلاتان معا باطلتين كما هو ظاهر. (2) الحكم - في كل من الاصل وعكسه - في غاية الاشكال،

[ 54 ]

[ (مسألة 5): لا يجوز الاقتداء في اليومية بصلاة الاحتياط في الشكوك (1). والاحوط ترك العكس أيضا (2) وان كان لا يبعد الجواز بل الاحوط (3) ترك الاقتداء ] لعدم الدليل عليه. بل عرفت فيما سبق الاشكال في مشروعية الجماعة في صلاة الطواف بنفسها، فضلا عن الاقتداء في غيرها بها أو بالعكس، لعدم معهودية ذلك بين المسلمين، ولم ينقل هو أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله ولا أحد المعصومين (ع) بل ولا من اصحابهم، فهذا الالتزام بالترك الكلي كاشف عن عدم مشروعية الجماعة كذلك وإلا فما الموجب لهذا الالتزام؟ مع ما هو الثابت من فضيلة الجماعة. وبذلك يرفع اليد عن اطلاق صحيحة زرارة والفضيل المتقدمة في صدر المبحث، وان كان مقتضى القاعدة الحكم بالجواز لولا ذلك عملا بالاطلاق، كما اشرنا إليه سابقا. (1) لعدم الجزم بوجوب تلك الصلاة، إذ على تقدير عدم النقص فهي نافلة ولا جماعة في النافلة، فلم تحرز صحة الاقتداء بها. (2) بل هو الاظهر، فلا يصح الاقتداء في صلاة الاحتياط بمن يصلي اليومية جزما، لان هذه الصلاة إما فريضة متممة للنقص أو نافلة، والجماعة غير مشروعة على التقديرين، أما الاول فلعدم صحة الاقتداء في الاثناء، وأما الثاني فلعدم مشروعية الجماعة في النافلة. (3) بل هو الاقوى فيما إذا كان الايتمام في خصوص صلاة

[ 55 ]

[ فيها ولو بمثلها من صلاة الاحتياط، حتى إذا كان جهة الاحتياط متحدة، وإن كان لا يبعد الجواز في خصوص صورة الاتحاد، كما إذا كان الشك الموجب للاحتياط مشتركا بين الامام والمأموم ]. الاحتياط، كما لو صلى كل منهما منفردا، وحصل لكل منهما الشك بين الثلاث والاربع مثلا وأراد احدهما الاقتداء بالآخر في صلاة الاحتياط. وذلك لعين ما تقدم في وجه المنع آنفا، من البطلان على التقديرين. بل لو فرض علم المأموم بصحة صلاة الامام وعدم النقص فيها كان عدم جواز الايتمام به حينئذ اظهر لعلمه بلغوية تلك الركعة، فكيف يقتدي بها؟ وأما لو كان الايتمام من أول الامر، كما لو حصل الشك بين الثلاث والاربع لكل من الامام والمأموم، فوجب عليهما صلاة الاحتياط، لفرض عدم حفظ واحد منهما كي يرجع الآخر إليه، فلا يبعد - حينئذ - عدم صحة الاقتداء في صلاة الاحتياط أيضا، فان الايتمام حينئذ وان لم يكن في الاثناء كما كان كذلك في الفرض السابق فلا إشكال من هذه الجهة، إلا أن المستفاد من أدلة ركعات الاحتياط، ك‍: موثقة عمار قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن شئ من السهو في الصلاة فقال: ألا اعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت أنك

[ 56 ]

[ (مسألة 6): لا يجوز اقتداء (1) مصلي اليومية أو ] اتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ؟ قلت: بلى، قال: إذا سهوت فابن على الاكثر، فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت أنك نقصت، فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شئ، وإن ذكرت أنك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت " (1). هو أن جبر الصلاة على تقدير النقص فيها - إنما يكون بالاتيان بركعة محكومة بالصحة على تقديري النقص وعدمه، وأن الصحة على أحد التقديرين غير كافية في الجبر. وعليه فبما أن الايتمام هنا يوجب فساد الصلاة على تقدير عدم النقص لكونها حينئذ من النافلة التي لاتشرع الجماعة فيها، فشرط الجبر غير متحقق لعدم صحة المأتي بها على التقديرين، ولاجل ذلك يشكل الاقتداء فيها سواء اتحدت جهة الاحتياط فيهما ام اختلفت. لكن الاشكال يختص بما إذا ترتب على الاقتداء احكام الجماعة من رجوع كل من الامام والمأموم إلى الآخر عند الشك في افعال الصلاة، وأما مع عدم ترتبها لعدم تحقق الشك، والمفروض عدم تحمل الامام القراءة أيضا لاختصاصه بالاولتين وهذه على تقدير النقص من الاخيرة التي لاتحمل فيها، فلا موجب للبطلان، لاشتراكها مع الصلاة فرادى وعدم الفرض بينهما إلا في نية الايتمام، وهي مما لاضير فيها إذا كانت رجاءا لا تشريعا. (1) أما عدم جواز الاقتداء في صلاة الطواف بغيرها وبالعكس


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب الخلل في الصلاة ح 3.

[ 57 ]

[ الطواف بمصلي الآيات أو العيدين أو صلاة الاموات، وكذا لا يجوز العكس، كما أنه لا يجوز اقتداء كل من الثلاثة بالآخر. ] فقد ظهر مما مر في المسألة الرابعة، بل قد عرفت عدم مشروعية الجماعة فيها بنفسها فضلا عن صورة الاختلاف. وأما في صلاة الاموات بغيرها وبالعكس فالامر اوضح، لعدم كونها صلاة حقيقية ذات ركوع وسجود، وإنما هي تهليل وتحميد وتكبير، فلا موجب لترتيب احكام الصلاة الحقيقية ومنها الايتمام عليها، وإن ثبتت مشروعية الجماعة فيها بالاستقلال بأدلتها الخاصة كما سبق في محله. وأما في غيرهما من الثلاثة المذكورة في المتن، اعني: اليومية والآيات، والعيدين، فالوجه في عدم مشروعية الجماعة فيها بعضها مع بعض، قصور المقتضى وعدم الدليل عدا ما قد يتوهم: من عموم صحيحة زرارة والفضيل المتقدمة. ويتوجه عليه: ما سبق، من كونها بعمومها ناظرة إلى الافراد دون الخصوصيات والحالات الطارئة عليها. وأما التمسك باطلاقها الاحوالي فانما يتجه مع الاتحاد في النظم وعدم الاختلاف في الكيفية كالايتمام في الاداء بالقضاء، وأما مع عدم الاتحاد كما في المقام، ولا سيما مع الاختلاف الفاحش في الكيفية فالاطلاق غير ناظر إليه يقينا. هذا مع أن مفهوم الايتمام في نفسه غير منطبق على المقام، فان

[ 58 ]

[ (مسألة 7): الاحوط عدم اقتداء مصلي العيدين بمصلي الاستسقاء، وكذا العكس (1)، وان اتفقا في النظم. (مسألة 8): اقل عدد تنعقد به الجماعة في غير الجمعة والعيدين - اثنان، احدهما الامام (2)، سواء ] الامامة تتقوم بالمتابعة والاقتداء، وهما يستدعيان الاتحاد في النظم كي تتحقق المتابعة والاقتداء في العمل، وكيف تمكن متابعة الامام وهو يصلي الآيات بخمس ركوعات، في صلاة العيدين المشتملة على خمس قنوتات؟! وكذلك في صلاة اليومية مع الاختلاف الفاحش بينهما في الافعال فاطلاقات أدلة الايتمام في نفسها قاصرة عن شمول المقام. (1) بل هو الاقوى وان اتحدا في النظم، فان الجماعة غير مشروعة في النافلة عدا صلاة الاستسقاء، والقدر المتيقن من التخصيص هو ما إذا ائتم فيها بمثلها، فيرجع في غير ذلك إلى اطلاق دليل المنع. وأما صلاة العيدين فقد مر ان مشروعية الجماعة فيها ليست من باب الاستثناء لكونها فريضة بالذات. ما تنعقد به الجماعة: (2) بلا خلاف، لصحيح زرارة: قال: قلت لابي عبد الله (ع):

[ 59 ]

[ كان المأموم رجلا أو امرأة (1). ] الرجلان يكونان جماعة؟ فقال: نعم، ويقوم الرجل عن يمين الامام " (1) وأما رواه الشيخ (قده) باسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد، عن أحدهما: " قال: الرجلان يؤم أحدهما صاحبه، يقوم عن يمينه، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه " (2). (1) وقد استدل له بخبر محمد بن يوسف، عن أبيه قال: " سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إن الجهني أتى النبي صلى الله عليه وآله. إلى ان قال: فقال: يا رسول الله، فان ولدي يتفرقون في الماشية فأبقى أنا وأهلي فأوذن واقيم واصلي بهم، أفجماعة نحن؟ فقال: نعم. ". (3) ورواية الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته كم أقل ما تكون الجماعة؟ قال: رجل وامرأة " (4). لكن الرواية ضعيفة السند، فان محمد بن يوسف الصنعاني وإن كان ثقة، لكن والده - الذي يروى عنه - لم يكثق. وكذلك الرواية الثانية فانها ضعيفة السند بالحسن الصيقل، وبأبي مسعود الطائي الواقع في السند، فلا يصح الاستناد إليهما.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 32 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (3) الوسائل باب 4 من أبواب الجماعة ح 2. (4) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة الجماعة ح 7.

[ 60 ]

نعم: يمكن الاستدلال له بالروايات الواردة في إمامة الرجل لاهله، كصحيحة الفضيل، عن أبي جعفر (ع) انه قال: " المرأة تصلي خلف زوجها الفريضة والتطوع وتأتم به في الصلاة " (1). والاستشهاد بذيل الرواية، وأما صدرها فناظر إلى تحديد المكان وعدم وقوفها بحيال الرجل كما لا يخفى، وقد اشار إليه صاحب الوسائل (قده) أيضا. وصحيحته الاخرى قال: " قلت لابي عبد الله (ع): أصلي المكتوبة بام علي؟ قال: نعم، تكون عن يمينك، يكون سجودها بحذاء قدميك " (2) المؤيدتين بغيرهما. ويمكن الاستدلال له ايضا باطلاق قوله (ع): " صل خلف من تثق بدينه ". فان الرجل غير مخاطب بما هو رجل، بل بما هو أحد المكلفين، فيعم الحكم الانثى أيضا، كما لا يخفى. فالمرأة ايضا مخاطبة بالصلاة خلف من تثق بدينه، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين ما إذا كان معها غيرها وما لم يكن فليتأمل. بل لو بنينا على جواز إمامة المرأة للنساء في الفرائض، وحملنا النهي عن ذلك على الكراهة. امكن القول بجواز امامتها لواحدة من النساء تمسكا بالطلاق المذكور، وإن كان هذا الفرض غير منصوص عليه، لاختصاص النصوص بامامتها للنساء دون التنصيص


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (3) لم أظفر بهذا المضمون في الوسائل: والموجود في خبر راشد قريب منه، لاحظ الوسائل باب 10 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 61 ]

[ بل وصبيا مميزا على الاقوى (1). ] على الفرض المذكور. (1) إذا كان الصبي إماما، فلا ريب في عدم الجواز حتى على القول بمشروعية عباداته، لفقد النص، وقصور الاطلاقات عن شمول المقام، والاصل عدم المشروعية، فلا يصح للرجل أو المرأة الاقتداء به وترتيب أحكام الجماعة على ذلك. وأما إذا كان مأموما فقد قوى الماتن (قده) الجواز، بناءا على مشروعية عباداته. بل قيل: بالجواز حتى على كونها تمرينية، استنادا إلى: رواية أبي البختري، عن الصادق (ع) قال: " إن عليا (ع) قال: الصبي عن يمين الرجل في الصلاة، إذا ضبط الصف، جماعة. " (1). ورواية إبراهيم بن ميمون، عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يؤم النساء ليس معهن رجل في الفريضة؟ قال: نعم، وإن كان معه صبي فليقم إلى جانبه " (2). ولكنهما لضعف سنديهما غير صالحين للاستدلال بهما، فلادليل على الصحة بحيث يترتب على ذلك احكام الجماعة من رجوع كل من الامام أو المأموم إلى الآخر عند الشك وغيره، بناءا على التمرينية نعم بناءا على الشرعية كما هو الصحيح فالاقوى هو الجواز،


(1) الوسائل باب 4 من أبواب صلاة الجماعة ح 8. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 62 ]

تمسكا باطلاق قوله (ع): " صل خلف من تثق بدينه " حيث لا قصور في شموله للصبي المميز، فانه إذا وثق الصبي بدين الامام شمله الاطلاق وانعقدت الجماعة، سواء كان معه غيره أم لم يكن، عملا بالاطلاق فتدبر جيدا. وملخص القول: ان اقتداء الصبي بالرجل لا يحقق الجماعة بناءا على التمرينية، لاصالة عدم المشروعية بعد عدم الدليل عليها وأما على الشرعية فيشمله اطلاق قوله (ع): " صل خلف من تثق بدينه " وبذلك يحكم عليه بالصحة كما مر، هذا إذا كان الصبي مأموما. واما إذا كان إماما، فمقتضى الاصل هو عدم المشروعية أيضا كما هو المعروف والمشهور، بل ادعى قيام الاجماع على اعتبار البلوغ في الامام، كما قد يساعده بعض الروايات أيضا. نعم: نسب إلى الشيخ (قده) وبعض من تبعه: جواز امامة المراهق البالغ عشر سنين، استنادا إلى موثقة عمار، وسيجي البحث عن ذلك مستقصى - إن شاء الله في فصل: (شرائط امام الجماعة)، والمقصود بالكلام هنا هو بيان ان مقتضى الاصل وهو اصالة عدم المشروعية مع الغض عن الادلة الاجتهادية، إنما هو البطلان مطلقا. ولا يقاس المقام بالصورة السابقة، حيث حكمنا فيها بالصحة بناءا على شرعية عبادات الصبي - عملا باطلاق قوله (ع) " صل خلف من تثق بدينه " فان الصبي ما لم يوضع عليه قلم التكليف، كما هو المفروض، لادين له حتى يوثق به أو لا يوثق، فلا يشمله الاطلاق المذكور، فتدبر.

[ 63 ]

[ وأما في الجمعة والعيدين فلا تنعقد الا بخمسة (1) احدهم الامام. (مسألة 9): لا يشترط في انعقاد الجماعة في غير الجمعة والعيدين - نية الجماعة والامامة (2)، فلو لم ينوها - مع اقتداء غيره به - تحققت الجماعة، سواء كان الامام ملتفتا لاقتداء الغير به أم لا. نعم حصول الثواب في حقه موقوف على نية الامامة (3) وأما المأموم فلابد ] (1) والكلام في ذلك موكول إلى محله. مالا يشترط في الجماعة: (2) لعدم الدليل عليه في غير الجماعة الواجبة، مما تتقوم الصلاة بها، كالجمعة والعيدين، فيكون المحكم هو اطلاق قوله عليه السلام " صل خلف من تثق بدينه " مضافا إلى الاجماع والتسالم على ذلك، فمع اقتداء الغير به وان لم ينو الامامة تتحقق الجماعة، بل حتى وان لم يكن ملتفتا إلى الاقتداء. (3) بناءا على ما هو المحقق في محله: من كون الثواب من لوازم الاطاعة المتقومة بالقصد.

[ 64 ]

[ له من نية الايتمام (1) فلو لم ينوه لم تتحقق الجماعة في حقه وان تابعه في الاقوال والافعال. وحينئذ فان اتى بجميع ما يجب على المنفرد صحت. ] (1) أي: نية الملازمة للامام في افعاله، يجعله قدوة يقتدى به، فان مفهوم الاقتداء والايتمام متقوم بذلك. ومن هنا ورد انه: " إنما جعل الامام اماما ليؤتم به " فان سند الرواية وإن كان ضعيفا، إلا أن مضمونها مطابق للارتكاز. بل لعل ذلك من القطعيات الواضحة، فلا يكفي مجرد المقارنة والمتابعة خارجا ما لم ينضم إليها القصد المذكور، بل كانت بداع آخر، كحفظ عدد الركعات فرارا من الوسوسة، ونحو ذلك من الدواعي، حيث لا يصدق حينئذ عنوان الاقتداء والايتمام عرفا، وهذا ظاهر لاسترة عليه. هذا في غير الجماعة الواجبة. وأما الواجبة فالمعروف هو اعتبار نية الامامة في الامام كاعتبار نية الايتمام في المأموم بلا كلام على ما سبق. وناقش فيه بعضهم، بل أحاله مطلقا، نظرا إلى أن عنوان الامامة والجماعة مما لا يمكن قصده من الامام لا في المقام ولا في غيره لخروجه عن قدرته واختياره، فان العنوان المذكور انما ينتزع من ايتمام الغير به، وواضح: ان فعل الغير لا يكون تحت قدرته واختياره. نعم فيما كانت الجماعة معتبرة في صحة العمل كالجمعة لابد من وثوق الامام بتحقق الجماعة خارجا رعاية للشرط، وأما لزوم قصد تحقق ذلك فلا.

[ 65 ]

وعلى الجملة: ان الامام لا يمكنه ان يجعل نفسه إماما لعدم كونه فعله، وانما تتحقق الامامة بواسطة اقتداء الغير، وهو فعل غيره وخارج عن تحت قدرته، ولا يعقل تعلق القصد بفعل غير مقدور. أقول: إذا فرضنا توجه الامر نحوه جماعة بصفة الاجتماع، بحيث كان لهذا الوصف دخل في تعلق الحكم كالامر باقامة مجلس العزاء أو الصلاة جماعة كان الوجوب المتعلق بكل فرد مشروطا لا محالة بحضور الآخرين وتهيؤهم، للارتباطية الملحوظة في هذا الفرض، كما يفصح عنه ما ورد في بعض روايات صلاة الجمعة من الامر باقامتها إذا وجدوا من يخطبهم. وقوله (ع): " إذا اجتمعوا سبعة ولم يخافوا أمهم بعضهم وخطبهم " فالوجوب المتوجه إلى كل فرد بما فيهم الامام مشروط حدوثا بتحقق الاجتماع وحضور الباقين وتهيؤهم، كما انه مشروط بقاءا بالايتمام خارجا وانعقاد الجماعة. ولا ريب في ان هذا القيد كما كان شرطا للوجوب يكون شرطا للواجب أيضا، نظير الزوال بالاضافة إلى الظهرين فان الواجب هي الحصة الخاصة من الطبيعة، وهي الواقعة بين الزوال والغروب، ولذلك ليس لاحد ايقاعهما اختيارا بعد الغروب، بدعوى كون الزوال قيدا للوجوب فقط. وفي المقام يكون الواجب على الامام كالمأموم الحصة الخاصة من الصلاة، وهي الواقعة مقارنة لصلاة الآخرين، الموصوفة بالجماعة، ومن الواضح: لزوم قصد هذه الحصة الخاصة المفروض كونها لاغيرها مصداقا للمأمور به في تحقق عنوان الامتثال والاطاعة بالاضافة إلى الامر الوجوبي كالجمعة والعيدين أو

[ 66 ]

[ صلاته والا فلا. وكذا يجب وحدة الامام (1) فلو نوى الاقتداء باثنين ولو كانا متقارنين في الاقوال والافعال لم تصح جماعة، وتصح فرادى ان أتى بما يجب على المنفرد ولم يقصد التشريع. ] الاستحبابي، كما في غيرهما. ومما ذكرنا يظهر: لزوم الحاق المعادة جماعة بصلاتي الجمعة والعيدين، فان مشروعيتها - اماما ومأموما - مقيدة بوقوعها على صفة الاجتماع، فلابد من تعلق قصد كل من الامام والمأموم بها بالوصف المذكور، إذ لاتشرع الاعادة منفردا وان ائتم به غيره خارجا بحيث كان لا يدري بذلك، فتحققت الجماعة من حيث لم يقصد ولا يدري. (1) بلا خلاف فيه، ولعله من القطعيات المتسالم عليها فيما بينهم، كما يظهر ذلك من تتبع كلماتهم في موارد متفرقة، كقولهم في صلاة الجمعة: انه إذا اجتمع خمسة أحدهم الامام، وما ذكروه في تشاح الامامين من المرجحات، وما إذا حدث للامام حادث، من تقدم أحد المأمومين وقيامه مقام الامام، وغير ذلك من الابواب المناسبة، مما يظهر من ذلك كله مفروغية الحكم عندهم. ويقتضيه - مضافا إلى ما عرفت، وإلى أصالة عدم المشروعية انه في فرض التعدد لا يخلو الحال من اقتداء المأموم بكل واحد منهما مستقلا وبنحو العام الاستغراقي، أو بكليهما معا على سبيل العام المجموعي ولا ثالث، وشئ منهما لايتم:

[ 67 ]

[ ويجب عليه تعيين الامام (1) بالاسم، أو بالوصف، أو الاشارة الذهنية، أو الخارجية، فيكفي التعيين ] أما الاول: فلانه من الجائز اختلاف الامامين في الافعال، بأن يركع أحدهما والآخر قائم، حيث يكون هذا التفكيك في نفسه ممكنا جدا وان فرضنا عدم تحققه خارجا، ضرورة ان صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها. وحينئذ فلنا أن نتسائل: ان المأموم حينما يقتدي - وهو يرى امكان التفكيك المزبور - هل هو بان على الاستمرار في نيته حتى مع فرض تحقق الانفكاك بينهما خارجا، فلازمه البناء على الجمع بين الضدين؟ أو أنه ينوي الاقتداء بعد ذلك بأحدهما، ولازمه عدم استمراره على نية الاقتداء بامام معين في تمام الصلاة، وهو كما ترى. وأما الثاني: فلانه مع فرض الاختلاف وان لم يتحقق خارجا كما سمعت - يبطل الايتمام لا محالة، لعدم الموضوع للمجموع حيث لا يصدق في فرض قيام أحد الامامين وركوع الآخر مثلا أن المجموع في حال القيام أو الركوع، ليمكن الاقتداء. وحينئذ فان كان قد استمر في نيته فقد ائتم بامام لا وجود له وان نوى الاقتداء آنذاك بواحد معين منهما استلزم الايتمام في الاثناء ولا دليل على مشروعيته في المقام. (1) لتقوم مفهوم التبعية والاقتداء والايتمام بتعيين الامام، فلا يتصور التبعية وما يرادفها بدون تعين المتبوع.

[ 68 ]

[ الاجمالي (1) كنية الاقتداء بهذا الحاضر، أو بمن يجهر في صلاته - مثلا - من الائمة الموجودين، أو نحو ذلك ولو نوى الاقتداء بأحد هذين أو احد هذه الجماعة لم تصح جماعة (2) وان كان من قصده تعيين احدهما بعد ذلك، في الاثناء أو بعد الفراغ. ] (1) فان المعتبر إنما هو نوع تعيين يخرجه عن الابهام والترديد من دون اعتبار ان يكون ذلك بنحو التعيين التفصيلي لعدم المقتضي لذلك. (2) لما عرفت من ان الابهام والترديد ينافيان التبعية والايتمام والاقتداء، فلا يكاد يتحقق المفاهيم المذكورة مع فرض الابهام من الاول وان كان من قصده التعيين في الاثناء أو بعد الفراغ. وهل يكفي التعيين الاستقبالي، بمعنى انه ينوي الايتمام بالمتعين واقعا وسيعرفه فيما بعد، كما إذا نوى الاقتداء بمن يركع من هذين أولا حيث انه متعين واقعا وفي علم الله، غير انه لا يتعين لديه إلا فيما بعد؟ الظاهر هو التفصيل بين ما إذا لم يناف ذلك مفهوم الايتمام والمتابعة كما في المثال، فان القراءة ساقطة على كل حال والمفروض هو تعين الامام عند أول جزء يأتم به، وهو الركوع، فانه معين في علم الله تعالى من أول الامر وكان قد قصده أيضا على ما هو عليه من التعين، فلا مانع من الصحة. وبين ما إذا كان منافيا له، كما إذا نوى الايتمام بمن يسلم

[ 69 ]

[ (مسألة 10): لا يجوز الاقتداء بالمأموم (1)، فيشترط أن لا يكون امامه مأموما لغيره. (مسألة 11): لو شك في انه نوى الائتمام ام لابنى على العدم (2) واتم منفردا، وان علم انه قام بنية الدخول في الجماعة. نعم لو ظهر عليه احوال الائتمام - كالانصات ] منهما أولا، فان الظاهر حينئذ هو البطلان، لاخلاله بالتبعية في الافعال. وكيفما كان: فالمتبع في المقام إنما هي القاعدة بعد عدم ورود نص فيه بالخصوص، فكل ماكان عدم التعيين فيه قادحا في صدق الايتمام والاقتداء بطل، وإلا فلا. (1) اجماعا كما عن غير واحد، وتقتضيه اصالة عدم المشروعية. (2) لاصالة عدم الائتمام فتشمله احكام من لم يأتم بصلاته، وان كان لا يثبت بذلك عنوان الانفراد، لعدم كونه موضوع الحكم فان مقتضى الاطلاق في دليل القراءة وادلة الشكوك الصحيحة والفاسدة هو وجوب الفاتحة والاعتناء بالشك في كل صلاة خرج منها عنوان الجماعة، ويبقى ما عداها تحت العموم، والنتيجة: وجوب القراءة والاعتناء بالشك في كل صلاة لم تكن جماعة، لا ما كانت متصفة بكونها فرادى، لعدم تعنون العام بعد التخصيص إلا بعدم العنوان الخاص، كما هو المقرر في الاصول، ولذا لا تجب على المصلي نية الانفراد في الصلاة فرادى، بلا إشكال. وعليه فعند الشك في الائتمام واحراز عدمه بالاصل، ينقح

[ 70 ]

[ ونحوه - فالاقوى عدم الالتفات (1) ولحوق احكام الجماعة وان كان الاحوط الاتمام منفردا، وأما إذا كان ناويا للجماعة ورأى نفسه مقتديا وشك في أنه من أول الصلاة نوى الانفراد أو الجماعة فالامر اسهل (2). (مسألة 12): إذا نوى الاقتداء بخشص على أنه زيد ] موضوع العام لا محالة، ويثبت أن هذه صلاة في غير جماعة، فيشملها حكمها بلا توقف على ثبوت عنوان الانفراد، ليستشكل ثبوته بالاصل. (1) تعويلا على ظاهر الحال. ويندفع بان اقصى ما يترتب عليه هو الظن، وهو لا يغني عن الحق إلا إذا ثبتت حجيته، والمفروض عدم ورود ما يقتضي ذلك في المقام، وعليه فلا يمكن الاستناد إليه في تحقق الجماعة. (2) ينبغي التفصيل في المسألة، فانه قد يحتمل من نفسه فسخ العزيمة والعدول عما بنى عليه سابقا، وحينئذ فلا يكاد يكفي ظاهر الحال الفعلي المفيد للظن لا أكثر، لعدم الدليل على اعتبار مثله وقد لا يحتمل العدول العمدي، وإنما كان الترديد مستندا إلى الغفلة في رفع اليد عما قد نواه سابقا، فحينئذ لا يبعد الحكم بالصحة، عملا بقاعدة التجاوز، كما يقتضيه التعليل الوارد في بعض اخبارها: انه حين العمل اذكر، أو اقرب إلى الحق فلاجل عموم العلة يحكم بعدم الاعتناء باحتمال الغفلة في المقام.

[ 71 ]

[ فبان انه عمرو، فان لم يكن عمرو عادلا بطلت جماعته (1) وصلاته أيضا (2) إذا ترك القراءة، أو اتى بما يخالف صلاة المنفرد، والا صحت على الاقوى، وان التفت في الاثناء، ولم يقع منه ما ينافي صلاة المنفرد، اتم منفردا، وان كان عمرو - أيضا عادلا ففي المسألة صورتان: ] (1) بلا إشكال ولا خلاف، لفقد شرط الصحة وهو عدالة الامام. (2) المشهور والمعروف، بل قيل انه مما لا خلاف فيه، البطلان مطلقا، وهناك قولان بالتفصيل أحدهما ما اختاره الماتن (قده) والآخر ما سنشير إليه ان شاء الله تعالى. ويستدل للمشهور بوجوه: أحدها: ان الصلاة جماعة تغاير الفرادى في طبيعتها، والمفروض بطلانها جماعة لفقد شرطها، والصلاة فرادى لم تكن مقصودة حسب الفرض فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. ويتوجه عليه: ان هذا يتم على تقدير تغاير ما وقع وما قصد في الطبيعة والماهية، بحيث كانا طبيعتين متبائنتين، كما في الظهرين والاداء والقضاء ونحوهما، فلو نوى الظهر ولم تكن ذمته مشغولة إلا بالعصر، أو نوى الاداء ولم يدخل الوقت بعد وكان عليه القضاء أو نوى القضاء ولم تكن عليه بل كان عليه الاداء، لم يحتسب المأتي به عما اشتغلت به الذمة في جميع ذلك. لما ذكر: من ان ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. وأما الجماعة والفرادي فليستا من هذا القبيل، فانهما من

[ 72 ]

الخصوصيات الفردية والحالات الطارئة على الطبيعة مع اتحاد الصلاتين في الطبيعة النوعية، كيف ولم يفرض على المكلف - في كل يوم إلا خمس طبائع من الصلاة، فصلاة الظهر مثلا طبيعة واحدة يكون لها فردان، أحدهما الظهر جماعة، والآخر فرادى، غايته: ان أحدهما افضل من الآخر، لما في الخصوصية اللاحقة من الرجحان والمزية، من دون تأثير لذلك في تعدد الطبيعة وتغايرها، كما هو الحال في سائر الخصوصيات الزمانية والمكانية التي لا يستوجب تخلفها البطلان بلا إشكال. فإذا صلى باعتقاد ان المكان مسجد، أو باعتقاد كونه في اول الوقت، فكان قاصدا الصلاة في المسجد أو في اول الوقت فانكشف الخلاف بعد ذلك، لم يضر بصحة الصلاة بزعم: ان ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع، وكذلك الحال فيما نحن فيه حرفا بحرف والسر في الجميع ما عرفت: من أن هذه الخصوصيات بأجمعها من عوارض الفرد وخارجة عن حريم الماهية، وانه لاتخلف إلا في الفرد، ولاضير فيه، دون الطبيعة لكونها مقصودة ولو في ضمن الفرد. فالواقع مقصود والمقصود واقع. ثانيهما: ان الجماعة الفاقدة للشرط غير مشروعة، فقصدها تشريع محرم موجب لفساد العمل. وفيه مالا يخفى، فان التشريع عبارة عن اسناد شئ لا يعلم به إلى الشارع وهذا لا ينطبق على المقام، حيث انه يعتقد الصحة ووجود الامر لاعتقاده عدالة الامام حسب الفرض، فلا موضوع للتشريع المحرم في مفروض الكلام. ومن الواضح: أن مجرد الايتمام

[ 73 ]

الواقع في غير محله، العاري عن عنوان التشريع المحرم غير موجب للبطلان. وعلى تقدير الشك فيه تكفي اصالة البراءة. ثالثها: وهو العمدة: الاخلال بالقراءة عامدا، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، فانه بعد بطلان الجماعة وتبين عدم التحمل قد حصل الاخلال بها. ولا سبيل إلى التصحيح بقاعدة: (لا تعاد.) لاختصاصها بصورة الغفلة وعدم الالتفات إلى ترك حين العمل دون المقام الذي كان ملتفتا إلى ترك القراءة، لفرض تركه لها عامدا، وان كان معذورا فيه لاعتقاده عدالة الامام وتحقق الجماعة، فمثله غير مشمول للقاعدة. ويرده: ان الحديث لا تقييد فيه، وان اصر المحقق النائيني (قده) على اختصاصه بالناسي لكن الظاهر عمومه لمطلق التارك ما عدا العامد عن غير عذر لا لمجرد الاجماع على خروج هذا الفرد، بل لقصور الحديث عن الشمول لمثله في حد نفسه، فان المتبادر إلى الذهن من التعبير الوارد في الحديث هو الاختصاص بما لو اخل بالجزء أو الشرط ثم انكشف الخلاف فكانت الاعادة نفيا أو اثباتا مسببة عن انكشاف الخلاف، بحيث لو لم يكن ذلك واستمر الجهل لم يكن هناك مقتض للاعادة، فان التعبير ب‍ (الاعادة) بنفسه يقتضي ذلك، كما لا يخفى. وأما المتعمد العاصي فلا يتصور انكشاف الخلاف في حقه. لكونه يدري من الاول بالافساد والاخلال، فلا معنى للحكم عليه بالاعادة أو بعدمها. وأما ما عدا ذلك، سواء أكان الاخلال غفلة، أم جهلا، أم

[ 74 ]

عمدا مع العذر، كما في المقام، فلا قصور في شمول اطلاق الحديث له، بعد عدم وجود ما يقتضي التقييد بغير الملتفت. والذي يكشف عما ذكرناه - من شمول الحديث للعامد المعذور في الترك - ما تسالموا عليه ظاهرا، من الحكم بالصحة فيما لو صلى خلف زيد مثلا بخصوصه باعتقاد عدالته ثم بان فسقه، فانه قد ترك القراءة حينئذ عمدا وعن التفات لكن معذورا فيه من جهة اعتقاده صحة الجماعة، فلولا شمول الحديث له لما امكن تصحيحه. وكذا لو صلى خلفه باعتقاد اسلامه فبان كفره، كما ورد النص به أيضا. وكذا لو صلى منفردا وتخيل أن الركعة التي بيده هي الثالثة فسبح فيها، ثم تذكر في الركوع انها الثانية، فقد ترك القراءة عن علم والتفات باختياره التسبيحات غايته انه كان معذورا في ذلك للتخيل المذكور، فانه لاإشكال في الحكم بصحة الصلاة عملا بالحديث المزبور. وعلى الجملة: ترك القراءة في المقام غير قادح بعد تكفل الحديث بتصحيح الصلاة الفاقدة لها، فلا موجب للبطلان من هذه الجهة. ومما ذكرناه يظهر ضعف ما اختاره الماتن من الحكم بالبطلان إذا ترك القراءة. نعم يتجه ذلك فيما إذا اتى بما يخالف صلاة المنفرد، أي كان مما يوجب البطلان مطلقا، كما لو زاد ركنا كركوع أو سجدتين لاجل متابعة الامام، أو عرضه احد الشكوك الباطلة، كالشك بين الواحدة والثنتين أو الثنتين والثلاث قبل اكمال السجدتين، أو الصحيحة ولكنه لم يعمل بمقتضاها، كما لو شك بين الثلاث والاربع ورجع

[ 75 ]

[ إحداهما: ان يكون قصده الاقتداء بزيد وتخيل ان الحاضر هو زيد (1)، وفي هذه الصورة تبطل جماعته (2) وصلاته - أيضا - ان خالفت صلاة المنفرد. ] إلى الامام، ولم يأت بصلاة الاحتياط بعد الفراغ، فان الصلاة في هذه الفروض بحسب الحقيقة صلاة فرادى وان لم يعلم المصلي بها، فيلحقها حكمها. فظهر: أن الاقوى هو التفصيل بين ما إذا أتى بما يوجب بطلان الصلاة فرادى مطلقا، ولو سهوا، بأن أخل بما هو وظيفة المنفرد كزيادة الركن أو عروض الشك المبطل، وبين ما لم يكن كذلك وان ترك القراءة، فيحكم ببطلان الصلاة في الاول دون الثاني. ولا مانع من ذلك - بعد مساعدة الدليل - إلا ما قد يتخيل: من مخالفته للاجماع المدعى على البطلان مطلقا كما سبق، ولكن من المعلوم: انه ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع) بعد وضوح مستند المجمعين، حسبما عرفت. (1) أي: انه ائتم بالحاضر المقيد بكونه معنونا بعنوان زيد - من باب التقييد -، ثم انكشف عدم تحقق القيد خارجا. (2) لانتفاء المقيد بانتفاء قيده، فان من قصد الائتمام به وهو زيد غير واقع، والواقع وهو عمرو لم يقصد الائتمام به، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. والظاهر ان هذا فرض غير معقول وان المعقول في المقام ينحصر فيما سيأتي منه (قده) من الفرض الثاني فلا موقع للتقسيم.

[ 76 ]

ولا يقاس ذلك بباب الانشاءات من العقود والايقاعات حيث يحكم فيها بالبطلان إذا كان بنحو التقييد دون الداعي، فلو زوج ابنته من زيد على انه تقي، شريف، ثري، بحيث كان اعتقاد اتصافه بذلك من قبيل الداعي للتزويج، فتخلف وظهر انه فاسق، وضيع معدم، صح العقد. بخلاف مالو باعه الشئ على انه ذهب فبان كونه نحاسا، فانه يحكم ببطلانه، لتخلف العنوان الذي قيد به المبيع. وذلك لكون القياس مع الفارق. وتوضيحه: ان الافعال على ضربين: أحدهما - الافعال الانشائية المتعلقة بالامور الاعتبارية كالملكية والزوجية ونحوهما. ثانيهما - الافعال التكوينية المتعلقة بالامور الخارجية، كالاكل والضرب والقتل ونحو ذلك. أما القسم الاول، فتارة: يتعلق الاعتبار بعنوان خارجي محقق لكنه كان بداع من الدواعي انكشف فيما بعد تخلفه، وان تلك الغاية الداعية إلى الفعل لم تكن مطابقة للواقع، كما في مثال التزويج المتقدم. وكما لو اشترى العبد المعين على أن يكون كاتبا فبان عدمه، ففي مثل ذلك لا موجب للبطلان بعد أن كان المقصود وما تعلق به الاعتبار والانشاء متحققا في الخارج، وهو الزوج أو العبد الذي هو طرف لعلقة الزوجية أو الملكية، ولا أثر لتخلف الوصف الداعي إلا الخيار، فيما إذا كان اعتباره بلسان الاشتراط ضمن العقد، مع قابلية المحل له، بخلاف مثل النكاح، حيث لا يثبت الخيار فيه مطلقا. وعلى الجملة: فانشاء العقد لم يكن معلقا على ثبوت الوصف وإلا كان من التعليق في الانشاء المجمع على بطلانه، وإنما كان الالتزام بالعقد معلقا عليه، ونتيجته هو الخيار عند التخلف، في المحل القابل.

[ 77 ]

وأخرى: يتعلق الاعتبار بعنوان غير واقع خارجا، كما لو باع هذا الكتاب مشيرا إليه بعنوان انه كتاب (المكاسب)، فبان انه كتاب (المطول). أو باعه القطعة الخاصة على انها ذهب فبانت نحاسا ففي امثال ذلك لا مناص من الحكم بالبطلان، فان المنشأ معلق على عنوان لاواقع له، وما هو الواقع لم يقع متعلقا للاعتبار والانشاء، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. وقد تقرر في محله: ان التعليق في المنشأ أمر معقول وجائز، فقد ينشأ العقد مطلقا وقد ينشأ معلقا على شئ، كما في الوصية التمليكية، بل ان التعليق في المنشأ مما لا مناص منه بالنسبة إلى ما يرجع إلى الذات ويعد من المقومات، كعنوان الذهب وكتاب المكاسب ونحوهما مما يتقوم به المبيع، وليس هو على حد التعليق على الامور الخارجية الاجنبية عن المنشأ بالعقد الذي ادعي الاجماع على بطلانه. فيرجع قوله: " بعتك هذا الشئ على ان يكون ذهبا " أو ". هذا الذهب " إلى قوله: " ان كان هذا ذهبا فقد بعته " لوضوح أن الموضوع لابد وان يكون مفروض الوجود عند ورود الحكم عليه، ومرجع فرضه كذلك إلى التعليق. وعليه فمع عدم حصول المعلق عليه لا انشاء ولا قصد فلا عقد، ونتيجته - طبعا - هو البطلان. وأما القسم الثاني، اعني الافعال التكوينية، فحيث أن متعلقها أمور خارجية وهي جزئية وشخصية، فلا يعقل في مثلها التعليق إذ لا اطلاق ليقبل التقييد. فمن ضرب زيدا مثلا باعتقاد انه فاسق أو قتله بتخيل كونه كافرا، أو شرب شيئا بزعم كونه ماءا، ثم

[ 78 ]

انكشف الخلاف، فقد تحقق الفعل في جميع ذلك خارجا، تحقق تلكم العناوين أم لا، إذ لا يعقل كون الضرب الشخصي أو القتل أو الشرب معلقا على عناوين الامور المذكورة ومتقيدا بها، كما كان هو الحال في الامور الاعتبارية. وكيف يمكن القول: بأن الضرب الصادر في المثال معلق على تقدير الفسق وانه على تقدير العدالة لم يتحقق الضرب منه اصلا؟ وهو فعل تكويني وجزئي خارجي تعلق بأمر جزئي خارجي مثله، وقد صدر منه ذلك على كل حال كان المضروب فاسقا أم كان عادلا وكذا الحال في الامثلة الاخرى، بل وحتى في الافعال القصدية، كالتعظيم والتحقير ونحوهما، فمن قام لزيد تعظيما بتخيل انه عالم أو أهانه بتخيل انه فاسق أو جاهل فبان الخلاف فقد تحقق منه التعظيم بقصده أو الاهانة على كل حال، لا أن القصد قد تحقق منه على تقدير دون آخر. ففي جميع ذلك لاأثر لانكشاف الخلاف إلا في ظهور تخلف الداعي الباعث على العمل دون تخلف نفس الفعل. وعلى الجملة: الفعل التكويني الخارجي جزئي حقيقي غير قابل للتقسيم والتنويع حتى يعقل فيه التقييد والتعليق، وعليه فالايتمام في مفروض الكلام فعل الخارجي، وهو عبارة عن متابعة الامام في افعاله فيقوم حيث يقوم الامام، ويركع حيث يركع وهكذا ومثله غير قابل للتعليق والتقييد، ولا يكون التخلف في مورده إلا من باب التخلف في الداعي. فالمتعين في مثل المقام الحكم بصحة الجماعة فضلا عن صحة

[ 79 ]

[ الثانية: ان يكون قصده الاقتداء بهذا الحاضر، ولكن تخيل انه زيد فبان انه عمرو، وفي هذه الصورة الاقوى صحة جماعته وصلاته (1). فالمناط ما قصده لاما تخيله من باب الاشتباه في التطبيق. (مسألة 13): إذا صلى اثنان وبعد الفراغ علم ان نية كل منهما الامامة للآخر صحت صلاتهما (2) أما لو علم أن نية كل منهما. ] اصل الصلاة، حيث انه نوى الاقتداء بشخص صالح لذلك، غايته انه تخيله زيدا العادل، بحيث لو علم انه عمرو العادل لم يكن ليأتم به لغرض من الاغراض. (1) قد عرفت آنفا الوجه في ذلك، كما عرفت انحصار المتصور المعقول في مثل المقام بهذه الصورة. (2) التفصيل المذكور في المتن هو المعروف والمشهور بين الاصحاب بل ادعي عليه الاجماع. والمستند فيه: ما رواه الكليني (قده) بسنده عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجلين اختلفا، فقال أحدهما: كنت امامك، وقال الآخر: انا كنت امامك، فقال: صلاتهما تامة. قلت: فان قال كل واحد منهما كنت ائتم بك، قال: صلاتهما فاسدة،

[ 80 ]

وليستأنفا " (1). ولا يخفى: ان الحكم في الشق الاول مما لاإشكال فيه لمطابقته للقاعدة، فان الامام يأتي بوظيفة المنفرد ولا يترك شيئا مما يجب عليه. وقد عرفت ان الامامة منتزعة من ايتمام الغير به وليست فعلا من افعاله كي يعتبر قصدها، فتخيل كل منهما انه هو الامام، لا يضر بصحة صلاته كما هو واضح. واما في الشق الثاني: فقد ناقش فيه صاحب المدارك (قده) بكونه على خلاف القواعد، فان ترك القراءة لا يوجب البطلان بمقتضى حديث: " لا تعاد الصلاة. " حيث لا قصور في شموله لمثله وإن كان عمديا بعد كونه معذورا فيه، فمقتضى القاعدة هي الصحة. وليس بازاء ذلك ما يوجب الخروج عنه عدا رواية السكوني المتقدمة، ولكنها ضعيفة السند جدا، فلا يعتمد عليها. أقول: أما الرواية فيمكن القول بعدم اعتبارها، ولاسيما على مسلكه (قده) من عدم الاعتماد إلا على الصحيح الاعلائي، فان السكوني وان وثقه الشيخ (قده) في العدة، لكنه عامي، وهو (قده) لا يعتمد إلا على العدل الامامي، وأما النوفلي فلم يرد فيه توثيق اصلا. وأما على مسلكنا من كفاية الوثاقة والاعتماد على ما ورد في اسناد (كامل الزيارات) فالرواية معتبرة، لتوثيق السكوني كما عرفت، وورود النوفلي في اسناد كامل الزيارات، وليس في


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة، وقد بنى دام ظله اخيرا على اختصاص التوثيق بهم إذا فلا توثيق من هذه الناحية، نعم هو من رجال تفسير القمي فيحكم بوثاقته لاجل ذلك.

[ 81 ]

السند من يتوقف فيه غيرهما. وكيف كان: فتوصيف الرواية بالضعف، خاصة مع تأكيده بكلمة (جدا) في غير محله، إذ غايته عدم الاعتبار لعدم توثيق بعض رواتها لا الرمي بالضعف، لعدم ورود قدح أو تضعيف في اي واحد من رجال سندها. على انها معتبرة على مسلك المشهور القائلين بانجبار الضعف بالشهرة، فان من المطمأن بل المقطوع به استناد المشهور إليها في الفتوى المذكورة، بل الموجب لتحريرهم المسألة وتعرضهم لها هي هذه الرواية، وإلا فالفرض نادر الوقوع خارجا جدا، ولاسيما الشق الثاني منه، حيث انه من الندرة بمكان، بل كاد يلحق بالممتنع ضرورة ان الايتمام يتقوم بمتابعة الامام في كافة الافعال، فكيف يعقل أن يأتم كل واحد منهما بالآخر، بأن يتابعه في افعاله كلها فان لازمه ان يكون كل منهما تابعا ومتبوعا، وهو على حد الجمع بين المتقابلين كما لا يخفى. وكيفما كان: فلا شك في استناد الاصحاب (قدهم) إلى هذه الرواية الموجب لانجبار ضعفها على القول باعتبار الانجبار، هذا ما يرجع إلى السند. وأما الدلالة، فظاهرها وان كان اناطة الحكم - صحة وفسادا بمجرد إخبار كل منهما الآخر بالامامة أو المأمومية الا أنه غير مراد قطعا لعدم احتمال ان يكون لمجرد القول والاخبار دخل في الحكم على سبيل الموضوعية حتى مع القطع بكذبه، أو البناء على عدم حجية قول الثقة في الموضوعات. فلا محالة يكون اعتبار القول من

[ 82 ]

باب الطريقية والكاشفية وتكون العبرة بالواقع، فيكون مفادها: الحكم بالبطلان في فرض ايتمام كل منهما بالآخر، المنكشف ذلك باخبارهما بعد الفراغ، أو من طريق آخر ولو لم يكن اخبار منهما والحكم بالصحة في فرض إمامة كل منهما للآخر المنكشف كذلك ايضا. وحيث ان المأمومية تستلزم ترك القراءة غالبا، لكونه من اللوازم العادية لها، كما أن الامامة تلازم الاتيان بها، فالرواية محمولة بطبيعة الحال على هذا الفرد الغالب، فهي تدل على البطلان في خصوص مالو كان المأموم تاركا للقراءة كما هو المتعارف في الجماعة. بل أنه قد لاتشرع القراءة فيها، كما في الجهرية عند سماع قراءة الامام أو همهمته. وأما الفرد النادر، وهو المأموم الذي اتى بالقراءة استحبابا، كما في الصلوات الاخفاتية أو الجهرية مع عدم سماع القراءة ولو همهمة، فالرواية منصرفة عنه قطعا، والصلاة حينئذ تكون محكومة بالصحة. ولا مانع من الالتزام بالبطلان في خصوص الصورة بعد مساعدة الدليل عليه وان كان ذلك خلاف القاعدة المستفادة من حديث: (لا تعاد الصلاة.) القاضية بالصحة، بناءا على ما هو الصحيح من شمول الحديث لامثال المقام، مما كان الترك العمدي عذريا، فان غايته التخصيص في الحديث المذكور بالرواية المعتبرة، وهذا مما لا غرو فيه بعد ملاحظة ورود التخصيصات الاخر عليه، ومنها مالو كبر من كانت وظيفته القيام، جالسا سهوا، أو بالعكس المحكوم عليه بالبطلان بمقتضى الدليل الخاص، الموجب لتخصيص

[ 83 ]

[ الايتمام بالآخر استأنف كل منهما الصلاة إذا كانت مخالفة لصلاة المنفرد. ولو شكا فيما اضمراه (1) فالاحوط الاستيناف، وان كان الاقوى الصحة إذا كان الشك بعد الفراغ، أو قبله مع نية الانفراد بعد الشك. ] الحديث المذكور الذي مقتضاه الصحة وغيره من الموارد الكثيرة، فكم من تخصيص ورد على الحديث فليكن المقام من جملة ذلك. والحاصل: انا نلتزم بأن ترك القراءة ممن يأتم بمن يأتم هو به أيضا - كما تضمنه النص المتقدم - يوجب البطلان للنص المذكور، وان كان مقتضى حديث: (لا تعاد الصلاة.) صحته. ومنه تعرف: ان موضوع الحكم بالبطلان الذي دل عليه النص انما هو ترك القراءة حال الايتمام بالغير المقارن لايتمام الغير به ايضا، بحيث يتقارن الايتمامان فلا بطلان الا مع انضمام أحد الايتمامين إلى الآخر ومقارنته له، فلو ائتم هو بالغير لكن الغير لم يأتم به، سواء أقصد الامامة أم الانفراد، صحت صلاتهما. وليكن هذا على ذكر منك لتنتفع به عند التكلم عن صورة الشك. (1) ظاهر المحقق (قده) في الشرائع بل صريحه هو البطلان مطلقا، استنادا إلى قاعدة الاشتغال، الحاكمة بلزوم تحصيل القطع بالصلاة الصحيحة. وقد يفصل بين ما إذا كان الشك في الاثناء فيحكم بالبطلان وبين ما إذا كان بعد الفراغ فالصحة استنادا إلى قاعدة الفراغ. واختار الماتن الحكم بالصحة مطلقا إذا كان ذلك في الاثناء، مع نية الانفراد

[ 84 ]

بعد الشك، أو يحكم بالصحة في هذا الفرض بدون النية الا في بعض الصور كما ستعرفه، وجوه، بل أقوال. وينبغي أن يعلم، انه لابد وان يكون محل الكلام هو صورة القطع بترك القراءة أو الشك فيه، أما مع العلم بالاتيان بها حتى لو كان مأموما، كما في موارد الصلوات الاخفاتية أو الجهرية مع عدم سماع همهمة الامام حيث تشرع القراءة حينئذ للمأموم، فلا ينبغي الشك في الصحة عندئذ على كل تقدير، سواء أكان ناويا للامامة أم الايتمام أم الانفراد، لعدم الموجب للبطلان، بعد عدم الاخلال بشرائط الصحة على كل حال. ثم ان الموضوع للبطلان في النص - كما اشرنا إليه آنفا - هو ايتمام كل منهما مقارنا لايتمام الآخر به، فهو مركب من جزئين منوط بانضمام احد الايتمامين إلى الآخر، فان ذلك هو السبب في بطلان كلتا الصلاتين، كما نطقت بذلك الرواية المتقدمة فلا بطلان مع ايتمام أحدهما بالآخر وانتفاء ايتمام الآخر به، ولو كان بالاصل، إذا عرفت هذا فنقول: إن منشأ الشك في البطلان عند العلم بترك القراءة هو أحد أمرين على سبيل منع الخلو، إما هو الشك فيما نواه من الايتمام وعدمه مع العلم - فعلا - بأن صاحبه قد نوى الايتمام به، وإما هو العكس أي الشك فيما نواه صاحبه مع العلم بأنه قد نوى الايتمام، ولا منشأ له وراء هذين، كما هو ظاهر بملاحظة ما مر، فهيهنا صورتان: ففي الاولى يشك في بطلان الصلاة لاجل التردد في استناد ترك القراءة إلى الغفلة، كي يحكم بالصحة بحديث: (لا تعاد الصلاة.) أو إلى نية الايتمام كي تبطل للنص المتقدم، والمتجه حينئذ

[ 85 ]

الحكم بالصحة استنادا إلى أصالة عدم الايتمام السليمة عن المعارضة بأصالة عدم نية الامامة، إذ لا أثر لها بعد وضوح عدم كون نية الامامة شرطا في صحة الجماعة، فضلا عن صحة الصلاة. وليس المقصود من اجراء الاصل المذكور اثبات كونه قد نوى الامامة أو الانفراد حتى يكون الاصل مثبتا، إذ يكفينا مجرد نفي سبب البطلان وهو الايتمام بالاصل. غايته ترك القراءة، ولاضير فيه، لتصحيح ذلك بحديث: (لا تعاد الصلاة.) وهذا من غير فرق بين ما إذا كان حدوث الشك في الاثناء أم بعد الفراغ. نعم على الاول يلزمه البناء على الانفراد بعد الشك كما ذكره المصنف (قده)، إذ لا يسعه البناء على الجماعة بعد التعبد بعدم الدخول في الصلاة بنية الايتمام بمقتضى الاصل المزبور، ومن الواضح عدم مشروعية الاقتداء في الاثناء. على ان المفروض هو علمه فعلا بايتمام صاحبه فكيف يأتم هو به أيضا؟ وهو ظاهر. وكيف كان: فمستند الحكم بالصحة حتى في ما إذا كان الشك بعد الفراغ هو أصالة عدم الايتمام كما عرفت، لا قاعدة الفراغ إذ لا مجال لجريانها لاختصاصها بمقتضى التعليل بالاذكرية والاقربية إلى الحق، الوارد في ذيل بعض أخبار الباب بما إذا كان احتمال البطلان مستندا إلى الغفلة والنسيان كي يصح التعليل لدفعه، فيبني على الصحة لكونه حين العمل اذكر أو اقرب إلى الحق منه حين يشك دون صورة الاتفاق والصدفة التي لا يفرق الحال فيها بين حال العمل وما بعده، كما فيما نحن فيه، ضرورة: انه لو كان ناويا للايتمام فانما كان ذلك عن قصد وعمد، لعدم كونه على خلاف

[ 86 ]

ما تقتضيه وظيفته آنذاك، كي يكون الاتيان مستندا إلى النسيان، حيث كان يعتقد مشروعيته لعدم علمه بايتمام صاحبه إلا فيما بعد، والا لم يكن ليأتم به قطعا، فبطلان الصلاة على تقدير الايتمام مستند إلى مقارنة ايتمامه مع صاحبه واقعا من باب الصدفة والاتفاق، دون السهو والغفلة، ومثله غير مشمول للقاعدة. هذا كله فيما إذا علم بترك القراءة، واوضح حالا مالو شك فيها، فانه إذا حكم بالصحة في فرض اليقين بالترك فمع الشك واحتمال القراءة يحكم بها بطريق اولى، فيجرى حينئذ جميع ما مر بالاولوية القطعية. اما الثانية: وهو الشك فيما نواه صاحبه مع فرض علمه بانه قد نوى الايتمام به فالمرجع فيها ايضا هو اصالة عدم الايتمام، لكن في فعل صاحبه الذي هو مورد الشك، لا في فعل نفسه لفرض علمه بالايتمام، وهذا الاصل غير معارض باصالة عدم الامامة لما سبق. ومن دون حاجة إلى اثبات انه نوى الامامة أو الانفراد كما مر أيضا، فانه يكفي مجرد نفي الايتمام الذي هو السبب في البطلان على حد ما عرفته في الصورة الاولى، ومن دون فرق ايضا بين كون الشك في الاثناء أو بعد الفراغ، للاصل المذكور على التقديرين بل ان الوجه في عدم جريان قاعدة الفراغ هنا أوضح، وعدم انطباق التعليل الوارد في ذيل بعض الاخبار عليه اصرح، إذ كيف يكون هو اذكر في عمل غيره ونيته، الخارجين عن تحت قدرته واختياره؟ وعلى الجملة: بالاصل المذكور يثبت ان صاحبه لم يكن مؤتما

[ 87 ]

به، وبضمه إلى ايتمامه بصاحبه المعلوم له وجدانا، ينتج اقتداءه بمن لم يكن هو مقتديا به، وهو كاف في الحكم بصحة الصلاة، فحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة بعينه. إذ المبطل انما هو اقتران احد الايتمامين بالآخر واجتماعهما معا وبعد نفي أحدهما بالاصل يتجه الحكم بالصحة، غاية الفرق بين الصورتين: ان مجرى الاصل هنا هو فعل الغير، بخلاف السابقة حيث كان مجراه هو فعل نفسه. نعم تمتاز هذه الصورة عن سابقتها بجواز البقاء على نية الايتمام وعدم لزوم نية الانفراد بعد الشك، إذا كان في الاثناء، كما كان يلزم ذلك في الصورة المتقدمة كما عرفت. إذ بعد علمه بانه قد نوى الايتمام كما هو المفروض، ودفع احتمال ايتمام صاحبه بالاصل يحكم بصحة اقتدائه كما يحكم بصحة صلاته، فتكون صلاته محكوما عليها بكونها جماعة بمالها من الآثار، فله إتمامها جماعة، ويكون حالها مثل مالو اقتدى بزيد لكنه احتمل في ذلك الحين ان يكون زيد قد ائتم به، فكما انه يدفع هذا الاحتمال بالاصل ويمضي في صلاته جماعة، كذلك الحال في المقام. ومنه تعرف: ان ما افاده الماتن (قده) من الحكم بلزوم نية الانفراد بعد الشك لايتم على اطلاقه، بل يتم ذلك في الصورة السابقة فقط حسبما عرفت. ومن جميع ما ذكرنا يظهر حكم اقتران الشكين، كما إذا شك في نية نفسه ونية صاحبه، من دون علم بتحقق الاقتداء من أحد الطرفين، فانه يتمسك حينئذ بالاصالة عدم الايتمام من كلا الجانبين

[ 88 ]

[ (مسألة 14): الاقوى والاحوط عدم نقل نيته من امام إلى امام آخر اختيارا (1)، وان كان الآخر افضل وأرجح. ] ويحكم بصحة كلتا الصلاتين، مع لزوم البناء على الانفراد بعد الشك المزبور إذا كان قد حدث في الاثناء كما يفهم ذلك مما مر فلاحظ. العدول إلى امام آخر: (1) إذ لادليل على النقل اختيارا وان كان المنقول إليه افضل، بعد فقد الاطلاق في المسألة، ومقتضى الاصل هو عدم المشروعية. فهو نظير مالو كان ناويا للانفراد ثم بدا له الايتمام في الاثناء، فانهما من واد واحد. والجامع: هو عدم جواز الايتمام في الاثناء فان المتيقن من مشروعية الجماعة هو الايتمام من اول الصلاة إلى آخرها. بامام معين، والمرجع فيما عدا ذلك الاصل المتقدم ذكره. وعن العلامة (قده): الجواز في المقام، وكأنه استند إلى الروايات الواردة في الفرع الآتي، بعد الغاء خصوصية المورد، وإلى الاستصحاب بتقريب: ان المأموم في اول الصلاة كان له الايتمام بالشخص الآخر قبل ايتمامه بغيره، والآن كما كان. وفي كلا الوجهين مالا يخفى. اما الروايات، فلان موردها صورة العذر وعدم تمكن الامام من اتمام الصلاة، فكيف يتعدى عنه إلى النقل الاختياري بلا عذر

[ 89 ]

[ نعم لو عرض للامام ما يمنعه من اتمام صلاته، من موت (1) أو جنون أو اغماء (2). ] ولا شاهد على الغاء خصوصية المورد اصلا، كما لعله ظاهر. وأما الاستصحاب فهو ساقط جدا. فانه - مضافا إلى كونه في الشبهة الحكمية ولا نقول به - من الاستصحاب التعليقي، الذي هو من اسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، كما لا يخفى. (1) كما في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " انه سأل عن رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم مات. قال: يقدمون رجلا آخر ويعتدون بالركعة، ويطرحون الميت خلفهم، ويغتسل من مسه (1). ويؤيد ذلك: التوقيع المروي في الاحتجاج بهذا المضمون (2). (2) لا دليل على ذلك في النصوص، وانما تعدى الاصحاب (رهم) من الموارد المنصوصة مما مر وما سيمر عليك بيانه إلى مورد الجنون أو الاغماء، وإلى ما لو عرض للامام ما يمنعه من اتمام الصلاة مختارا كما سيأتي. ويمكن الاستدلال له: بصحيح معاوية بن عمار الآتية في الاعتلال الامام، بناءا على ان المراد من اعتلال الامام ليس خصوص المرض ليكون ذلك على حد الاستثناء في سائر الموارد المنصوصة بالخصوص، بل المراد به عروض العذر ومطلق الحادث المانع من اتمام الصلاة،


(1) الوسائل: الباب 43 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: الباب 3 من أبواب غسل مس الميت ح 4.

[ 90 ]

[ أو صدور حدث (1). ] كما هو غير بعيد. وعليه فلا حاجة في التعدي إلى دليل آخر. بل يمكن التعدي حتى ولو كان المراد بالاعتلال هو المرض، وذلك: لان الموارد المنصوصة كلها انما نص عليها في كلام السائلين دون الامام (عليه السلام) ومن الواضح ان التنصيص على موارد خاصة في الاسلئة ليس لاجل انقداح خصوصية المورد في ذهن السائل، بل لاجل أمر جامع وهو عدم تمكن الامام من الاتمام، فكان المسوق له السؤال هي الجهة العامة غير الخاصة بالمفروض في السؤال، وكان ذكر المورد الخاص فيه من باب المثال وكونه أحد المصاديق. وعلى الجملة: سياق النصوص - التي تقدم بعضها وتأتي البقية - يشهد بالغاء خصوصية المورد، وكونها ناظرة سؤالا وجوابا إلى طرو مطلق العذر المانع من اتمام الصلاة جماعة، فالبناء على التعدي كما عليه الاصحاب هو الصحيح. (1) وتدل عليه روايات كثيرة جملة منها صحيحة السند. كصحيحة زرارة: " انه قال: قلت: لابي جعفر (عليه السلام) رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة، واحدث امامهم فأخذ بيد ذلك الرجل فقدمه فصلى بهم، اتجزيهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة؟ فقال: " لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها (صلاة) وان كان قد صلى، فان له صلاة اخرى، والا فلا يدخل معهم، وقد

[ 91 ]

[ بل ولو لتذكر حدث سابق (1) ] تجزى عن القوم صلاتهم وان لم ينوها " (1). فانه (عليه السلام) بعدما حذر عن الدخول في الجماعة بدون النية، وأنه ينبغي له أن ينوي وان كان قد صلى، وتحتسب له صلاة اخرى لكونها معادة حكم بصحة صلاة القوم وجماعتهم عند تقديمهم الرجل، وان لم يكن ناويا للصلاة لجهلهم بحاله. وصحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يؤم القوم فيحدث، ويقدم رجلا قد سبق بركعة، كيف يصنع؟ قال: " لا يقدم رجلا قد سبق بركعة، ولكن يأخذ بيد غيره فيقدمه " (2). وصحيحة علي بن جعفر: " أنه سأل اخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الامام احدث فانصرف ولم يقدم احدا، ما حال القوم؟ قال: " لاصلاة لهم إلا بامام، فليقدم بعضهم فليتم بهم ما بقى منها، وقد تمت صلاته " (3). (1) كما تدل عليه صحيحة جميل عن الصادق (عليه السلام): " في رجل ام قوما على غير وضوء فانصرف، وقدم رجلا ولم يدر المقدم ما صلى الامام قبله. قال: يذكره من خلفه " (4). المؤيدة


(1) الوسائل: باب 39 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 (2) الوسائل: باب 41 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (3) الوسائل: باب 72 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (4) الوسائل: باب 40 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 92 ]

[ جاز للمأمومين تقديم (1) ] برواية زرارة (1) ومرسلة الفقيه (2). (1) الكلام يقع تارة في وجوب الاستنابة وعدم وجوبها، واخرى في كون الاستنابة من وظيفة المأمومين أو الامام فهنا جهتان: أما الجهة الاولى: فالظاهر عدم الوجوب، بل لا ينبغي الاشكال فيه، بناءا على ما سيجئ من عدم وجوب البقاء على الجماعة وجواز العدول في الاثناء اختيارا على الانفراد، حتى مع تمكن الامام من الاتمام فضلا عما إذا مات. أو عجز عن الاتمام كما في المقام. نعم: قد يتوهم الوجوب من قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة آنفا: " لاصلاة لهم إلا بامام " ولكنها محمولة على الفضل قطعا، لما عرفت، مضافا إلى ان ظاهرها - بمقتضى نفي طبيعة الصلاة بدون الامام - هو وجوب الجماعة في اصل الصلاة لقوله (عليه السلام): " لاصلاة إلا بامام " دون " لااتمام للصلاة إلا بامام " وهذا غير مراد البتة، لان اقامة الصلاة جماعة مستحبة في الفرائض كلها بلا اشكال، فيكون المراد به نفي الكمال بطبيعة الحال. على ان صحيحة زرارة صريحة في جواز الانفراد: " عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم اخبرهم انه ليس على وضوء، قال: يتم القوم صلاتهم، فانه ليس على


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب صلاة الجماعة ح 4. (2) الوسائل: باب 72 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 93 ]

[ امام آخر (1) واتمام الصلاة معه. ] الامام ضمان " (1). مع ان الحكم اجماعي ظاهرا حيث لم ينسب القول بالوجوب في المقام إلى احد من الاعلام، وان تردد فيه صاحب المدارك (قده). واما الجهة الثانية: فظاهر صحيحة البقباق الآتية في مورد اختلاف الامام والمأمومين سفرا وحضرا ان الاستنابة من وظائف الامام لكن المستفاد من بعض النصوص كصحيحة الحلبي الآتية في مورد موت الامام، وغيرها أنها وظيفة المأمومين، بل ظاهر صحيحة علي بن جعفر المتقدمة هو تقديم بعضهم، من دون تعيين ان يكون التقديم من قبل الامام أو المأمومين. والمتحصل من ملاحظة مجموع النصوص: نيابة شخص صالح للامامة يقوم مقام الامام الاول، بلا فرق في ان تكون الاستنابة من قبل الامام أو المأمومين، أو تقدم من يرتضيه المأمومون من تلقاء نفسه بلا استنابة. وان ذكر الامام أو المأمومين في بعض النصوص انما هو مقدمة لحصول هذه الغاية اي ليتمكن القوم من اتمام الصلاة جماعة، فلا خصوصية للتعيين. (1) هل يشترط ان يكون النائب هو احد المأمومين أو يجوز استنابة الاجنبي ايضا؟ ذهب جمع من الاصحاب منهم صاحب الحدائق (قده) إلى الثاني مستندين في ذلك إلى إطلاق صحيحة الحلبي الآتية في موت الامام


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 94 ]

حيث قال (عليه السلام): " يقدمون رجلا آخر. " فانه باطلاقه يعم المأموم والاجنبي. وإلى ظاهر صحيحة جميل المتقدمة وتؤيدهما رواية زرارة المتقدمة الضعيفة بعلي بن حديد. فان قوله في الصحيحة: " ولم يدر المتقدم ما صلى الامام قبله. " (1) وفي الرواية: " ولم يعلم الذي قدم ما صلى القوم. " (2) ظاهران في الاجنبي، والا فلو كان احد المأمومين لعلم بذلك، ففرض الجهل به لا يكون الا في الاجنبي. اقول: يمكن فرض الجهل بالنسبة إلى المأموم ايضا، اما لغفلته عن عدد الركعات وعدم اهتمامه بضبطها تعويلا على حفظ الامام لضبطه، والمأموم تابع فلا يبالي بغير المتابعة، كما يتفق كثيرا أو لكونه مسبوقا، كما لو ادرك الامام في الركوع وحدث له الحادث في السجود فلم يدر بعدد الركعة التي هو فيها، فدعوى ظهور الروايتين في الاجنبي في غير محلها، بل غاية ما في الباب هو الاطلاق، كما في صحيحة الحلبي. وعليه فالروايات الثلاث كلها مشتركة في الدلالة باطلاقها على ذلك وحينئذ فمقتضى الجمع بينها وبين صحيحة البقباق - الآتية في اختلاف الامام والمأمومين سفرا وحضرا - وصحيحة علي بن جعفر المتقدمة الصريحتين - ولاسيما الثانية منهما - في لزوم استنابة احد المأمومين، حمل المطلقات على المقيدة، عملا بقانون الاطلاق والتقييد. وحمل الامر في الصحيحتين على الفضل كما قيل لا شاهد عليه بعد


(1) و (2) الوسائل: باب 40 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 و 4.

[ 95 ]

ظهورهما في تعين كون المقدم من المأمومين من دون قرينة على الصرف عن هذا الظاهر، فلا مناص من ارتكاب التقييد، كما ان حمل القيد على انه اسهل لكونه من الفرد الغالب معارض بحمل الاطلاق على ارادة هذا الفرد الغالب، فلا يعم غيره، فالاقوى: اشتراط أن يكون النائب من المأمومين. ثم انه على تقدير جواز استنابة الاجنبي، فهل يبني على الصلاة من حيث قطع الامام فيأتي بالمقدار الباقي من صلاة الامام، أو انه يبدأ بالصلاة من أولها، ويتم صلاته منفردا بعدما يتم المأمومون ما تبقى من صلاتهم معه؟ نسب الاول في الحدائق إلى العلامة (قده)، مستدلا له: بالاولوية: إذ لو جازت امامة المأموم في المقدار الباقي جاز للآجنبي بطريق أولى. ثم انه (قده) ناقش في الاستدلال بها وبأمثالها: بانها وجوه ضعيفة، مبتنية على الاستحسانات العقلية وقد استدل هو: بصحيحة جميل ورواية زرارة المتقدمتين حيث ذكر في اولاهما: " ولم يدر المقدم ما صلى الامام قبله. " وفي الثانية: " ولم يعلم الذي قدم ما صلى القوم. " فان التصريح بهذا القيد انما يتلائم مع اعتبار صلاة النائب من حيث قطع الامام، فان العمل بما صلاه الامام يوجب تمكن النائب من مراعاة المقدار الباقي، والا فلو جاز له الشروع في الصلاة من الاول لم يترتب على علمه بما صلاه الامام اي أثر. فانه يأتي بصلاته والمأمومون يتمون ما بقي من صلاتهم معه كائنا ما كان، فالمستفاد من الروايتين هو قيام شخص آخر مقام

[ 96 ]

الامام في اتمام الباقي من الصلاة كي لا يبقى المأمومون بدون امام وان استلزم ذلك نقصان صلاة النائب. وقد استغرب صاحب الحدائق (قده) الحكم المذكور، وقال ما لفظه: " وهو حكم غريب لم يوجد له في الاحكام نظير، فان هذه الصلاة بالنسبة إلى هذا الداخل انما هي عبارة عن مجرد الاذكار وان اشتملت على ركوع وسجود، والا فانها ليست بصلاة حقيقية إذ المفهوم من الخبرين المذكورين: انه يدخل معهم من حيث اعتل الامام ويخرج معهم. من غير أن يزيد شيئا على صلاتهم، وانما يؤمهم فيما بقي عليهم كائنا ما كان ولو كان ركعة واحدة، ومن هذا حصل الاستغراب الخ " (1). اقول: لا يخفى ما في كلامه (قده) من السهو والاشتباه في كل من النسبة والاستظهار، فان الاولية الواقعة في كلام العلامة (قده) غير ناظرة إلى هذه الجهة الواضحة الفساد، وكيف تكون صلاة الاجنبي الناقصة اولى من صلاة احد المأمومين التامة؟ بل الاولوية ناظرة إلى الجهة السابقة، اعني بها: اصل الاستنابة وان المأموم التابع إذا جازت استنابته جازت استنابة الاجنبي الذي لم يكن تابعا بطريق أولى. واننا وان لم نعتمد على هذه الاولوية بعدما استظهرناه من اشتراط ان يكون النائب هو أحد المأمومين كما سبق، إلا ان الغرض هو بيان الجهة التي ينظر إليها العلامة (قده) في الاولوية وانها هي هذه الجهة، دون الجهة التي فرضها صاحب الحدائق (قده) وهي:


(1) الحدائق ج 11 ص 218.

[ 97 ]

الاستنابة من محل القطع فنسبته لهذا الحكم إلى العلامة في غير محلها فتأمل. واما استظهاره الحكم المذكور من الروايتين بالتقريب المتقدم فغريب كغرابة اصل الحكم، كما اعترف بها (قده) فان التصريح بالقيد المذكور انما هو للزوم مراعاة النائب حال المأمومين، بأن يجلس للتشهد ثم يومي بيده إلى اليمين والشمال بمثابة التسليم كي يسلم القوم وينصرفوا، كما تضمنته صحيحة معاوية بن عمار الآتية في اعتلال الامام وكذا غيرها من الاخبار، ولاجل ذلك يحتاج النائب إلى معرفة المقدار الباقي من صلاة القوم، فلا دلالة لهذا القيد على الشروع من محل القطع بوجه. ثم ان من جملة الموارد المنصوصة. مالو كان الامام مسافرا والمأموم حاضرا، كما دلت عليه صحيحة الفضل بن عبد الملك البقباق، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا يؤم الحضري المسافر ولا المسافر الحضري، فان ابتلى بشئ من ذلك فأم قوما حضريين فإذا اتم الركعتين سلم، ثم اخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم. " (1). وما إذا اعتل الامام، كما دلت عليه صحيحة معاوية بن عمار: " عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة، وقد سبقه الامام بركعة أو أكثر، فيعتل الامام فيأخذ بيده، ويكون ادنى القوم، فيقدمه فقال عليه السلام: يتم صلاة القوم. " (2).


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (2) الوسائل: باب 40 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 98 ]

وما إذا إبتلى الامام بالرعاف، كما تدل عليه رواية ابن سنان أو ابن مسكان - عن طلحة بن زيد، عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: " سألته عن رجل أم قوما فأصابه رعاف بعدما صلى ركعة أو ركعتين، فقدم رجلا ممن قد فاته ركعة أو ركعتان، قال: يتم بهم الصلاة، ثم يقدم رجلا فيسلم لهم، ويقوم هو فيتم بقية صلاته " (1) وكذا تدل عليه مرسلة الفقيه الآتية في ابتلاء الامام باذى في بطنه. أقول: ان رواية طلحة بن زيد ضعيفة السند، فان طلحة وان كان ثقة، نظرا إلى ما أفاده الشيخ (قده) في الفهرست من اعتماده كتاب طلحة بن زيد، الظاهر في وثاقته في نفسه، فلا يضر بذلك عدم تصريح الرجاليين بوثاقته. إلا ان ابن سنان الذي يروي عن طلحة بن زيد هو محمد بن سنان والقاسم بن اسماعيل القرشي وان امكن بحسب الطبقة ان يروي عنه عبد الله بن سنان إلا أنه لم يعهد روايته عنه، فلا محالة يكون المراد بابن سنان في هذه الرواية - على تقدير ان يكون ابن سنان لا ابن مسكان هو محمد بن سنان، ولاجل ذلك لا تصلح الرواية للاعتماد عليها. وأما المرسلة فالامر فيها ظاهر. وعليه فلم يثبت استثناء هذا المورد بالخصوص. وما لو وجد الامام في بطنه أذى، ولابد ان يراد به ما لا يتمكن معه من اتمام الصلاة كما لا يخفى. ويستدل له تارة: بمرسلة الفقيه قال: قال أمير المؤمنين (ع):


(1) الوسائل: باب من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 99 ]

[ بل الاقوى ذلك لو عرض له ما يمنعه من اتمامها مختارا، كما لو صار فرضه الجلوس (1) حيث لا يجوز البقاء على الاقتداء به لما يأتي من عدم جواز ائتمام القائم بالقاعد. ] " ما كان من امام تقدم في الصلاة وهو جنب ناسيا، أو احدث حدثا أو رعف رعافا، أو اذى في بطنه، فليجعل ثوبه على انفه ثم لينصرف وليأخذ بيد رجل فليصل مكانه. " (1). ولكن ضعفها ظاهر. واخرى: بما رواه الشيخ (قده) في التهذيب: باسناده عن سلمة، عن أبي حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام: " أن عليا عليه السلام كان يقول: لا يقطع الصلاة الرعاف، ولا القئ، ولا الدم، فمن وجد أذى فليأخذ بيد رجل من القوم من الصف فليقدمه يعني إذا كان اماما " (2). وهي ايضا ضعيفة بكل من سلمة وأبي حفص، فانهما مجهولان نعم في الكافي، عن سلمة أبي حفص، وهو ايضا لم يوثق، فالحكم في هذا المورد ايضا غير ثابت بالدليل الخاص وان ثبت بالدليل العام حسبما تقدم. (1) وقد مر الكلام في ذلك. فلاحظ.


(1) الوسائل: باب 72 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب قواطع الصلاة ح 8.

[ 100 ]

[ (مسألة 15): لا يجوز للمنفرد العدول إلى الائتمام في الاثناء (1). ] العدول إلى الجماعة في الاثناء: (1) على المشهور، لاصالة عدم المشروعية، فان المتيقن من ادلة الجماعة هو الاقتداء من أول الصلاة ولا اطلاق لها يتمسك به لامثال المقام، كما مر ذلك غير مرة، وذهب بعضهم إلى الجواز. يستدل له باخبار الاستنابة المتقدمة، وتقريبه من وجهين: احدهما: ان في فترة الانتقال الفاصلة بين قطع الامام الاول وقيام الثاني مقامه تنقطع الجماعة لا محالة لاستحالة الائتمام بدون امام فلا محالة ينفرد المأمومون في هذه الفترة، وقد دلت النصوص على جواز ايتمامهم في الاثناء بالامام الجديد، فالحكم بجواز قيام الثاني مقام الاول يستلزم جواز العدول من الانفراد إلى الائتمام في الاثناء والا لما صح الاقتداء بالثاني. ويتوجه عليه: ان الانفراد في الفرض المذكور مسبوق بالائتمام وقد دلت النصوص على عدم قدح الانفراد لفترة في هذا الفرض، فال مجال لان يقاس المقام عليه، مما كان ناويا الانفراد من الاول لعدم الدليل على التعدي من مفروض الرواية. ثانيهما: ان مقتضى صحيحة جميل المتقدمة (1) الدالة على الاستنابة


(1) تقدمت في ص 91.

[ 101 ]

[ (مسألة 16): يجوز العدول من الائتمام إلى الانفراد ولو اختيارا - في جميع احوال الصلاة (1) على الاقوى وان كان ذلك من نيته في اول الصلاة. ] لدى تذكر الامام دخوله في الصلاة محدثا، هو بطلان الجماعة وانصاف صلاة القوم بالانفراد من الاول ومعذلك فقد دلت الصحيحة على جواز العدول في الاثناء إلى الامام الجديد، فكذلك الحال في المقام لوحدة المناط. ويتوجه عليه: انه قياس مع الفارق، فان المأموم هناك كان ناويا للجماعة منذ دخوله في الصلاة غايته انها لم تتحقق خارجا لعدم شرط الصحة في صلاة الامام، فلا يقاس عليه المقام مما كان المصلي ناويا للانفراد من أول الامر. ويدل على عدم الجواز زائدا على ما مر الاخبار الدالة على أن من دخل في الفريضة ثم اقيمت الجماعة، انه يعدل إلى النافلة ويتمها ثم يلتحق بالجماعة، فلو جاز له الائتمام في الاثناء لم تكن حاجة إلى العدول كما لا يخفى. (1) مطلقا، سواء أكان ذلك لعذر ام لم يكن. وسواء أكان من نيته ذلك من ابتداء الصلاة أم بدا له العدول في الاثناء، كما هو المشهور والمعروف، بل عن العلامة وغيره: دعوى الاجماع عليه، وان الجماعة مستحبة بقاءا كما كانت مستحبة حدوثا، فله الانتقال في جميع الاحوال. ولم ينسب الخلاف صريحا الا إلى الشيخ في المبسوط حيث منع من المفارقة لغير عذر. نعم استشكل الحكم جماعة،

[ 102 ]

كصاحب المدارك، والسبزواري في الذخيرة، وصاحب الحدائق وغيرهم (قده). وكيفما كان: فيقع الكلام تارة فيما إذا كان ناويا للانفراد من ابتداء الصلاة، واخرى: فيما إذا بدا له العدول في الاثناء، فهيهنا مقامان: اما المقام الاول: فلا اشكال في الجواز بالنسبة إلى الموارد المنصوصة كما في المأموم المسبوق، وفي اقتداء الحاضر بالمسافر أو العكس، وفي الرباعية بالثلاثية أو الثنائية وبالعكس. والضابط: كل مورد علم المأموم من الاول بعدم مطابقة صلاته مع صلاة الامام في عدد الركعات، لنقص في صلاته أو في صلاة الامام بحيث يلجأ فيه إلى الانفراد، مما ورد النص على جواز العدول في جميع ذلك بالخصوص. وأما في غير الموارد المنصوصة، فالظاهر عدم مشروعية للجماعة وان كان معذورا في نية الانفراد، إذ لادليل على مشروعية الائتمام في بعض الصلاة، وانما الثابت بادلة الجماعة كقوله عليه السلام في صحيحة زرارة والفضيل " وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها، ولكنها سنة. " هو مشروعيتها واستحبابها في تمام الصلاة وأما الاقتداء في البعض فغير مشمول لهذه النصوص ومقتضى الاصل عدم المشروعية. إذا فما دل على بطلان الصلاة بزيادة الركوع لو زادها في المقام متابعة منه للامام - هو المحكم، للشك في خروج هذا الائتمام من اطلاق تلكم الادلة زائدا على المقدار المتيقن، اعني قصد الائتمام في تمام


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الجماعة 2.

[ 103 ]

الصلاة، فانه من الواضح: عدم وجود اطلاق يتضمن مشروعية الجماعة في ابعاض الصلاة. واما ما ورد من ترتب الثواب على الركعات، وان الاقتداء حتى في الركعة الواحدة له مقدار خاص من الثواب، فهو امر آخر لا يكاد يدل على مشروعية الجماعة في تلك الركعة بخصوصها، بل هو ناظر إلى المأموم المسبوق كما لا يخفى. وقد تحصل: ان الاقوى بطلان الجماعة لو كان ناويا للانفراد منذ ابتداء الصلاة، وأنها تكون فرادى لو اتى المصلي بوظيفة المنفرد والا بطلت ايضا. واما المقام الثاني: فلا اشكال كما لا خلاف في الجواز قبل التسليم لعذر أم لغيره، وكذا قبل التشهد في صورة العذر، للنص على الجواز في هذه الموارد الثلاثة: 1 العدول قبل التسليم لغير عذر، ويدل عليه: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد، قال: يسلم من خلفه ويمضي لحاجته ان احب " (1). 2 العدول كذلك لعذر، ويدل عليه: صحيحة أبي المغرا قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن الرجل يكون خلف الامام فيسهو فيسلم قبل أن يسلم الامام، قال: لا بأس " (2). 3 العدول قبل التشهد لعذر. ويدل عليه: صحيحة علي بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام: " قال: سألته


(1) الوسائل: باب 64 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) الوسائل: باب 64 من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 104 ]

عن الرجل يكون خلف الامام فيطول الامام بالتشهد، فيأخذ الرجل البول أو يتخوف على شئ يفوت، أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: يتشهد هو وينصرف ويدع الامام " (1). وأما صحيحة ابي المغرا الاخرى، عن أبي عبد الله: " في الرجل يصلي خلف امام فسلم قبل الامام. قال: ليس بذلك بأس " (2) فمقتضى اطلاقها هو جواز العدول قبل التسليم حتى بدون عذر، فيستفاد منها الحكم في الصورتين الاوليين. هذا، ولعل تفصيل الشيخ (قده) بين العذر وعدمه، حيث منع من العدول لغير عذر كما سبق، مستند إلى صحيحة علي بن جعفر المتقدمة آنفا بعد إلغاء خصوصية المورد، وهو التشهد، والتعدي عنه إلى سائر الاحوال. وكيفما كان: فلا اشكال في الحكم في الموارد الثلاثة المتقدمة، لدلالة النصوص عليه كما عرفت. وأما ما عدا ذلك من سائر أحوال الصلاة، فالظاهر: ان التفصيل في ذلك بين العذر وعدمه، بالقول بالجواز في الاول دون الثاني لاوجه له، إذ لا دليل عليه، ولا شاهد على التعدي عن مورد النص، بل ان ثبت الجواز ثبت مطلقا، والا فالمنع مطلقا، إذ غاية ما يترتب على وجود العذر انما هو الجواز التكليفي، دون الوضعي أعني به الصحة الذي هو محل الكلام.


(1) الوسائل: باب 64 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 64: من أبواب الصلاة الجماعة ح 4.

[ 105 ]

هذا، وقد استدل لعدم الجواز مطلقا بوجوه: احدها قاعدة الاشتغال، فانه بعد نية الانفراد يشك في صحة الصلاة، والعبادة توقيفية، ومقتضى الاصل عدم المشروعية، فلا دليل على الاكتفاء بهذه الصلاة. ويتوجه عليه: ان الشك في الصحة انما ينشأ من احتمال اشتراط صحة الصلاة بالاستمرار في الائتمام، والمرجع حينئذ هو أصالة البراءة عن الوجوب النفسي والشرطي، بناءا على ان المرجع في الاقل والاكثر الارتباطيين هي البراءة، كما حقق في محله. ولعل نظر صاحب الجواهر (قده) - في استدلاله بالاصل إلى ما ذكرناه، أي اصالة البراءة عن الحكمين الشرطي والتكليفي، دون خصوص التكليفي، كي يعترض عليه بعدم اقتضائها الصحة كما لا يخفى. ثانيها: ان المنفرد في الاثناء تارك للقراءة عامدا ولا صلاة الا بفاتحة الكتاب، والمتيقن من سقوطها في صلاة الجماعة انما هو حال الائتمام في تمام الصلاة. ومن الواضح عدم جريان حديث: (لا تعاد الصلاة) في مورد الترك العمدي. ويتوجه عليه: انه لامانع من شمول الحديث للمقام وان كان ترك القراءة فيه عمديا، لكونه معذورا فيه استنادا إلى جهله واعتقاده الائتمام في تمام الصلاة وقد ذكرنا في محله: شمول الحديث للجاهل المعذور. وقد مر نظير ذلك في اختلاف المصليين في الامامة والمأمومية

[ 106 ]

فقد قلنا هناك: ان ترك القراءة وان كان عمديا لكنه لاجل المعذورية فيه يكون مشمولا للحديث. ومن نظائره - كما اشرنا إليه هناك ايضا -: مالو تخيل انه في الركعة الثالثة فترك القراءة والتفت إلى ذلك بعد الدخول في الركوع فان الصلاة صحيحة حينئذ بلا اشكال لصحيحة: (لا تعاد.) مع فرض تركه القراءة عمدا، وليس ذلك إلا لشمول الحديث لموارد العذر وان كان عمديا. هذا مضافا إلى كون الدليل اخص من المدعى، فانه يمكن فرض الانفراد بدون الاخلال بالقراءة، كما إذا كانت الصلاة جهرية، ولم يسمع قراءة الامام حتى الهمهمة فقرأ لنفسه، أو مطلقا ولو كانت اخفاتية ولكن المأموم كان مسبوقا بركعتين فاقتدى بالامام في الركعة الثالثة واتى بالقراءة كما هو وظيفته ثم عدل إلى الانفراد في ركعة الامام الرابعة مثلا والحاصل: ان الدليل لا يقتضي البطلان في امتثال هذه الصور. ثالثها: وهو اخص من المدعى ايضا وخاص ببعض صور المسألة انه لو زاد ركوعا سهوا متابعة منه للامام، فمقتضى اطلاق ما دل على البطلان بزيادة الركن، الحكم بالفساد في المقام. فان القدر المتيقن الخارج عنه هو الائتمام في تمام الصلاة، فالعدول إلى الاثناء في مثل هذا الفرض يجعل الصلاة باطلة بحكم الاطلاق المذكور. ويتوجه عليه: انه لا بأس بالتمسك حينئذ باطلاق دليل المخصص فان ما دل على العفو عن زيادة الركن حال الايتمام يشمل باطلاقه ما إذا عدل إلى الانفراد بعد ذلك، فالمرجع حينئذ هذا الاطلاق

[ 107 ]

[ لكن الاحوط عدم العدول الا لضرورة ولو دنيوية، خصوصا في الصورة الثانية (1). ] دون اطلاق دليل البطلان كما لا يخفى. رابعها: استصحاب البقاء على الائتمام، للشك في انقطاعه بمجرد نية العدول إلى الانفراد، فلا يمكنه ترتيب احكام المنفرد فلا تجوز له القراءة مع سماعه قراءة الامام، ولو شك بين الثلاث والاربع مثلا ليس له البناء على الاربع. وهكذا عملا باستصحاب بقاء الجماعة. ويتوجه عليه اولا: ان الشبهة حكمية ولا نقول بجريان الاستصحاب فيها فاطلاق ادلة احكام المنفرد هو المحكم. وثانيا: الموضوع متعدد، فان عنوان (الائتمام) و (الجماعة) من العناوين القصدية، كما سبق. والمصلي انما كان محكوما عليه باحكام الجماعة لكونه ناويا لها، وبعد عدوله إلى الانفراد يكون ذلك القصد قد انعدم وزال لا محالة، فاصبح بذلك موضوعا آخر فكيف يجري الاستصحاب. وقد تحصل من جميع ما قدمناه: ان الصحيح جواز العدول إلى الانفراد في الاثناء في جميع احوال الصلاة، من غير فرق بين صورتي العذر وعدمه، والعمدة في ذلك: اصالة البراءة عن اشتراط البقاء على الجماعة وإدامتها. فينتفي بذلك احتمال الوجوب الوضعي كالتكليفي ونتيجة ذلك: استحباب الجماعة حدوثا وبقاءا. (1) بل قد عرفت بطلان الجماعة في غير الموارد المنصوصة، بل

[ 108 ]

[ (مسألة 17): إذا نوى الانفراد بعد قراءة الامام قبل الدخول في الركوع لا يجب عليه القراءة (1)، ] بطلان الصلاة ايضا في بعض الصور فلاحظ. (1) إذا كان الانفراد قبل شروع الامام في القراءة فلا اشكال في وجوبها عليه، كما هو واضح، واما إذا كان بعد تمام القراءة وقبل ركوع الامام فاختار (قده) عدم الوجوب. وغاية ما يمكن توجيهه: ان الامام ضامن للقراءة عن المأمومين والمفروض هو ائتمامه حالها، فقد سقط الامر بها عنه بعد العدول ولا موجب للاعادة. وفيه: ان موضوع نصوص الضمان هو عنوان (الائتمام) فما دام المصلي يصدق عليه العنوان المذكور ومتصفا بالمأمومية يكون الامام ضامنا لقرائته، واما بعد خروجه عن العنوان المذكور بعدوله إلى الانفراد فيلحقه حكم المنفرد، ويشمله اطلاق قوله عليه السلام " لاصلاة الا بفاتحة الكتاب ". وبعبارة اخرى: القراءة واجبة على كل احد، وليس المأموم بخارج عن تحت العموم بالتخصيص بل القراءة واجبة عليه أيضا وغير ساقطة عنه، غايته: ان الامام بقرائته يتحملها عنه، وتكون مجزية عنه، فكأن الشارع قد اعتبر صلاتي الامام والمأموم بمثابة صلاة واحدة، وان فيها قراءة واحدة يتصداها الامام، لكن الضمان والتحمل منوطان ببقاء الائتمام، لكونه هو موضوع النصوص فيختص الحكم المذكور بحال كونه مأموما. ومع زوال العنوان

[ 109 ]

بالعدول يكون للحكم هو اطلاق دليل وجوب القراءة. وفيما يلي نشير إلى النصوص الدالة على ضمان الامام القراءة عن المأموم، وهي: موثقة سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام: " انه سأله رجل عن القراءة خلف الامام، فقال: لا، ان الامام ضامن للقراءة، وليس يضمن الامام صلاة الذين خلفه، انما يضمن القراءة (1). وقد علق فيها الضمان على الصلاة خلف الامام المساوق لعنوان (الائتمام). وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة خلف الامام اقرأ خلفه؟ فقال: أما الصلاة التي لا تجهر فيها بالقراءة فان ذلك جعل إليه فلا تقرء خلفه. " (2). وصحيحة سليمان بن خالد قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أيقرأ الرجل في الاولى والعصر خلف الامام وهو لا يعلم انه يقرأ؟ فقال: لا ينبغي له ان يقرأ، يكله إلى الامام " (3). وقد حكم (ع) فيها بأيكاله القراءة إلى الامام وانه لا ينبغي له أن يقرأ، وكل ذلك منوط حدوثا وبقاءا بفرض الائتمام، كما ذكرناه، فلا ضمان له ولا ايكال إليه بعد العدول والانفراد، لكونه حينئذ منفردا لامؤتما، فيكون مشمولا لاطلاق دليل وجوب القراءة


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) الوسائل: الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 5. (3) الوسائل: الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 8.

[ 110 ]

[ بل لو كان في أثناء القراءة يكفيه - بعد نية الانفراد - قراءة ما بقي منها (1)، وان كان الاحوط استينافها خصوصا إذا كان في الاثناء. (مسألة 18): إذا ادرك الامام راكعا يجوز له الائتمام والركوع معه ثم العدول إلى الانفراد اختيارا، وان كان الاحوط ترك العدول حينئذ خصوصا إذا كان ذلك من نيته أولا (2). ] (1) لا ينبغي الشك في وجوب القراءة على المأموم بعد عدوله إلى الانفراد في الفرض ولو سلمنا بعدم وجوبها عليه في الفرض السابق وهوما إذا كان عدوله إلى الانفراد بعد تمام القراءة وقبل الركوع فيجب عليه - في هذا الفرض - استيناف القراءة، ولا يجتزئ بالاتيان بما تبقى منها، وذلك: لوضوح عدم دلالة النصوص المتقدمة على ضمان الامام بعض القراءة، فالحكم بعدم الضمان في هذه الصورة اظهر. والحاصل: أن الاقوى هو وجوب القراءة في صورتي انفراد المأموم أثناء قراءة الامام، وبعد تمام القراءة وقبل الركوع. (2) في العبارة مسامحة ظاهرة، فانا إذا بنينا على المنع من نية العدول في ابتداء الصلاة وخصصنا الجواز بما إذا بدا له ذلك في الاثناء كما هو الصحيح وقد عرفت وجهه - بطلت الجماعة فيما إذا كان ناويا للعدول من ابتداء الصلاة، سواء انفرد خارجا وتحقق

[ 111 ]

[ (مسألة 19): إذا نوى الانفراد بعد قراءة الامام وأتم صلاته، فنوى الاقتداء به في صلاة اخرى، قبل ان يركع الامام في تلك الركعة، أو حال كونه في تلك الركعة ] منه العدول أم لا، فان القادح حينئذ انما هو نية الائتمام في بعض الصلاة، وهو مشترك بين الصورتين. وأما إذا بنينا على الجواز كما اختاره (قده) صحت الجماعة على كلا التقديرين ايضا، أي سواء تحقق منه العدول خارجا أم لا يتحقق فلا يظهر الوجه في قوله (قده): " خصوصا إذا كان ذلك أي العدول من نيته أولا " فان مقتضى الاحتياط وان كان هو ترك العدول كما ذكره، خروجا عن مخالفة المانع عنه، ممن سبقت الاشارة إليه، غير انه لا خصوصية لهذا الاحتياط بما إذا كان من نيته العدول من الاول، لما عرفت من ان القادح على القول به وهو الصواب مجرد تلك النية، لا مع انضمام العدول الخارجي إليها، كي يكون الاحتياط بترك العدول هنا اقوى وآكد. وعلى الجملة: فعبارة المتن إلى قوله: (حينئذ) مستقيمة، وانما القصور في قوله: " خصوصا. الخ ". ومراده (قده): ان الاحوط ترك العدول، وآكد منه الاحتياط بترك نية العدول من الاول، فان الاحتياط بترك نية العدول آكد وأولى من الاحتياط بترك العدول خارجا، لقوة احتمال البطلان هناك، بل هو الحق كما عرفت، لكن العبارة قاصرة وغير وافية باداء ذلك. ولو ابدلها بقوله " واحوط منه ترك نيته أولا. " لكان احسن وأولى.

[ 112 ]

[ جاز، ولكنه خلاف الاحتياط (1). (مسألة 20): لو نوى الانفراد في الاثناء لا يجوز له العود إلى الائتمام (2). نعم لو تردد في الانفراد ] (1) إذا بنينا على ان المأموم لو انفرد عن الامام قبل الركوع تجب عليه القراءة ولا يتحملها الامام عنه - كما هو الصحيح على ما مر - فلا ينبغي الاشكال في الجواز في المقام، ولا وجه للاحتياط إذ لم يطرأ ما يستوجب الخلل في الصلاة الاولى، بعد فرض الاتيان بالقراءة، والبناء على جواز العدول في الاثناء كما هو المفروض، فلا مانع من الاقتداء في الصلاة الثانية بنفس الركوع من هذه الركعة. كما لو لم يكن مسبوقا بالصلاة الاولى. واما إذا بنينا على الضمان وعدم وجوب القراءة، كما اختاره (قده) فالاحتياط حينئذ حسن. والوجه فيه: هو احتمال ضمان الامام في ركعة واحدة عن قراءة ركعة واحدة لا عن قراءة ركعتين. كما يقتضيه الاقتداء في ركعتين بركعة واحدة، وان مثله غير مشمول لادلة الضمان. والحاصل: ان احتياط الماتن (قده) لاوجه له على مسلكنا، وانما يتجه على مسلكه (قده). (2) قد اشرنا سابقا إلى عدم مشروعية الائتمام في بعض الصلاة لعدم الدليل عليه، سواء أكان من نيته ذلك من الاول كما إذا كان عازما على الانفراد في اثناء الصلاة ام بدا له الائتمام في الاثناء كما إذا صلى منفردا وفي اثنائها بدا له الائتمام. فان كل ذلك

[ 113 ]

[ وعدمه ثم عزم على عدم الانفراد صح (1) بل لا يبعد جواز العود (2) إذا كان بعد نية الانفراد بلا فصل، وان كان الاحوط عدم العود مطلقا (مسألة 21): لو شك في انه عدل إلى الانفراد ام لابنى على عدمه (3). ] غير جائز لاصالة عدم المشروعية كما مر. ويترتب عليه عدم جواز العود إلى الائتمام لو نوى الانفراد في الاثناء لان ذلك من مصاديق الائتمام في بعض الصلاة الذي قد عرفت المنع عنه. (1) فيه ان الترديد لا يجامع البقاء على نية الائتمام، فقد زال بمجرد الترديد قصد الجماعة فيكون غير مؤتم في هذا الحال لتقومه بالقصد المنفى حسب الفرض وعزمه الطاري على الائتمام يدخل تحت عنوان الاقتداء في بعض الصلاة وهو غير مشروع كما عرفت. فما افاده (قده) من الحكم بالصحة عند التردد ضعيف. (2) الحكم بالصحة هنا اضعف منه في مورد الترديد، إذ لا فرق في المسألة بين قصر الزمان وطوله، فمتى ما زالت نية الائتمام يكون العود إليه مصداقا للائتمام في بعض الصلاة غير المشروع، ولو كان ذلك آناما وبلا فصل فالاقوى الحكم بعدم الصحة في جميع الفروض الثلاثة المذكورة في المتن. (3) لاصالة عدم المانع من بقائه على الجماعة عند الشك في حصوله

[ 114 ]

[ (مسألة 22): لا يعتبر في صحة الجماعة قصد القربة من حيث الجماعة (1)، بل يكفي قصد القربة في اصل الصلاة فلو كان قصد الامام من الجماعة الجاه أو مطلب آخر دنيوي ولكن كان قاصدا للقربة في اصل الصلاة صح (2)، وكذا إذا كان قصد المأموم من الجماعة سهولة الامر عليه، أو الفرار من الوسوسة، أو الشك، أو من تعب تعلم القراءة أو نحو ذلك من الاغراض الدنيوية صحت صلاته، مع كونه قاصدا للقربة فيها. نعم لا يترتب ثواب الجماعة الا بقصد القربة فيها. ] مع فرض كونه - حال الشك - على حالة الاقتداء. قصد القربة في الجماعة: (1) الظاهر ان هذا الحكم هو المعروف والمشهور بين الاصحاب قديما وحديثا، إذ لم يتعرض أحد منهم للشرط المذكور في احكام الجماعة، وهو الصحيح. (2) أما في الامام فواضح، لما عرفت من عدم اعتبار قصد الامامة في صحة الجماعة، فضلا عن قصد القربة فيها. بل تصح الجماعة حتى مع نية الامام الصلاة فرادى. نعم انما يعتبر ذلك فيما تكون

[ 115 ]

الجماعة شرطا في صحة الصلاة، كالجمعة والعيدين، فان حكم الامام في ذلك هو حكم المأموم في مطلق الجماعة، كما عرفت وسنشير إليه أيضا. وأما في المأموم، فقصد الائتمام وان كان معتبرا في صحة الجماعة كما سبق إلا ان عنوان الجماعة من العناوين الطارئة كسائر الخصوصيات الطارئة كان يصلي في المسجد لبرودة المكان لا بقصد التقرب لا يعتبر في خصوصية الجماعة ايضا لعدم دخلها في ماهية الصلاة كي يعتبر القصد فيها. فلو كان الداعي للائتمام شيئا آخر مما ذكره الماتن (قده) ونحوها من الدواعي غير القربية، مع كون الداعي إلى اصل الصلاة هو التقرب، صحت الجماعة. نعم ترتب ثواب الجماعة موقوف على قصد القربة بها، لكونها من شؤون الطاعة. وعلى تقدير الشك في ذلك فالمرجع اطلاقات ادلة الجماعة، بناءا على ما هو الصحيح من التمسك بالاطلاق لاثبات التوصلية، كما ذكرناه في (مبحث التعبدي والتوصلي) من اصول الفقه. هذا كله إذا لم يكن القصد الدنيوي من قبيل الرياء، والا فلا ينبغي الاشكال في بطلان الصلاة، فضلا عن الجماعة، لما مر في الكلام على الرياء في مبحث النية، من كونه مبطلا للعمل كيفما اتفق، سواء أكان في تمام الصلاة أم في اجزائها، ام في شرائطها ام في خصوصياتها المقارنة لها من الزمان والمكان ونحو ذلك مما له مساس بالصلاة فانه تعالى - كما في بعض الروايات - " خير شريك

[ 116 ]

[ (مسألة 23): إذا نوى الاقتداء بمن يصلي صلاة لا يجوز الاقتداء فيها (1)، سهوا أو جهلا، كما إذا كانت نافلة أو صلاة الآيات مثلا، فان تذكر قبل الاتيان بما ينافي صلاة المنفرد عدل إلى الانفراد وصحت (2)، وكذا تصح إذا تذكر بعد الفراغ ولم تخالف صلاة المنفرد، والا بطلت. ] فمن عمل له ولغيره كان لغيره "، وكلام المصنف (قده) منزل على غير هذه الصورة بالضرورة. (1) كما لو ائتم به بتخيل انه يصلي فريضة الفجر، فانكشف - في الاثناء أو بعد الفراغ - انها كانت نافلة. أو اعتقد انه يصلي اليومية فائتم به ثم بان له انها صلاة الآيات مثلا، ونحو ذلك مما لا يجوز فيه الاقتداء. (2) لا ينبغي الشك في بطلان الجماعة وعدم انعقادها حينئذ كما هو ظاهر. وأما الصلاة، فهل هي محكومة بالبطلان أيضا أولا؟. الصحيح أن يقال: انه إذا اخل بوظيفة المنفرد بارتكاب ما يوجب البطلان عدما وسهوا، كما لو زاد ركوعا لمتابعة الامام، أو عرضه احد الشكوك المبطلة كالشك بين الواحدة والثنتين فرجع إلى الامام لاعتقاده الائتمام، فلا اشكال في بطلان الصلاة حينئذ، اخذا باطلاق ما دل على البطلان. واما إذا اخل بما لا يوجب البطلان إلا عمدا، كترك القراءة

[ 117 ]

[ (مسألة 24): إذا لم يدرك الامام الا في الركوع، أو ادركه في اول الركعة أو اثنائها أو قبل الركوع فلم يدخل في الصلاة إلى ان ركع، جاز له الدخول معه، وتحسب له ركعة، وهو منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة، على الاقوى (1). ] فالظاهر صحة الصلاة حينئذ، سواء أكان التذكر اثناء الصلاة أم بعدها، لحديث: (لا تعاد الصلاة)، لعدم قصورها عن شمول مثل المقام، لكونه معذورا في ترك القراءة وإن كان عن عمد، لزعمه الائتمام كما مر غير مرة. ما يدرك به الجماعة: (1) لااشكال كما لا خلاف في ان من ادرك الامام قبل الركوع - أي فيما بين تكبيرة الاحرام وتكبيرة الركوع - فهو مدرك للركعة فلا يلزم في تحقق الائتمام ان يكون ذلك عند تكبيرة الاحرام أو قبل القراءة أو قبل الفراغ عنها، بل لو اخر ذلك فادرك تكبيرة الركوع فقد ادركها أيضا، وهو متفق ومجمع عليه. والمعروف والمشهور: انه لو ادرك الامام حال الركوع كفى ايضا وجاز له الدخول معه وتحسب له ركعة، وهو منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة، فيكبر تكبيرة الافتتاح، واخرى

[ 118 ]

للركوع، وان خاف فوت الركوع اجزأته تكبيرة الافتتاح. وعن المفيد، والطوسي (قدهما) في النهاية: ان منتهى الحد ادراك تكبيرة الركوع، فلا يكفي ادراك الامام راكعا وان عدل الاخير عنه في (الخلاف) ووافق المشهور، بل ادعى الاجماع عليه، ونسب الخلاف إلى القاضي ايضا. وكيف كان فالمتبع هو الدليل. وقد وردت جملة وافرة من النصوص بالغة حد الاستفاضة، بل قيل بتواترها، ولا يبعد تواترها الاجمالي، دلت على كفاية ادراك الامام راكعا: وفيها الصحاح والموثقات أيضا، وهي كما يلي: 1 صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: " إذا ادركت الامام وقد ركع فكبرت وركعت قبل ان يرفع الامام رأسه فقد ادركت الركعة، وان رفع راسه قبل ان تركع فقد فاتتك الركعة " (1). 2 صحيحة سليمان بن خالدعن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: " في الرجل إذا ادرك الامام وهو راكع، وكبر الرجل وهو مقيم صلبه، ثم ركع قبل ان يرفع الامام رأسه فقد ادرك الركعة " (2). 3 صحيحة أبي اسامة يعني زيد الشحام - انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام): " عن رجل انتهى في الامام وهو راكع، قال: إذا كبر واقام صلبه ثم ركع فقد ادرك " (3).


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (3) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 119 ]

إلى غير ذلك من الاخبار الظاهرة بل الصريحة في المطلوب، مما لاتخفى على المراجع. وتؤيدها: الاخبار الواردة في ان من دخل المسجد وخاف من رفع الامام رأسه من الركوع قبل أن يبلغ الصف، جاز له التكبير والركوع في مكانه، ثم يمشي راكعا أو بعد السجود، على اختلاف النصوص، مما عقد لها في الوسائل بابا مستقلا (1) فان هذا الحكم - كما ترى - يلازم جواز ادراك الامام راكعا. ويؤيدها ايضا: ما ورد من استحباب اطالة الامام ركوعه ضعفين إذا أحس بمن يريد الاقتداء به، وقد عقد لها في الوسائل بابا مستقلا ايضا (2). كما يؤيدها ايضا: ما روى عن أبي جعفر (عليه السلام): ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " إن اول صلاة احدكم الركوع " (3). وبازاء هذه الروايات طائفة اخرى من الروايات وينتهي سند كلها إلى محمد بن مسلم - دلت بظاهرها على عدم الكفاية ما لم يدرك تكبيرة الركوع، وهي. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إذا ادركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد ادركت الصلاة " (4) حيث دلت بمفهومها على عدم ادراك الصلاة ما لم يدرك التكبيرة.


(1) الوسائل: باب 46 من أبواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: باب 50 من أبواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (4) الوسائل: باب 44 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 120 ]

وصحيحته الآخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال " قال لي: إذا لم تدرك القوم قبل ان يكبر الامام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة " (1). وصحيحته الثالثة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الامام " (2). وصحيحته الرابعة، قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة " (3). وهذه الطائفة كما تراها - لا تقاوم الطائفة المتقدمة دلالة، فان تلك صريحة في الجواز، وهذه اقصاها الظهور. لتضمنها النهي الظاهر في التحريم، القابل للحمل على الكراهة. وعليه فمقتضى الجمع العرفي: رفع اليد عن ظاهر الثانية بصريح الاولى، بحمل النهي في الثانية على الكراهة، والحكم بأولوية التأخير إلى الركعة اللاحقة. وإذا فرض انها الركعة الاخيرة فالاولى الالتحاق به في التشهد، من دون احتسابها ركعة، وبذلك يدرك فضيلة الجماعة. ومع الغض عن ذلك، فالطائفة الثانية لا تقاوم الاولى سندا ايضا، وذلك لانتهائها - كما عرفت - إلى محمد بن مسلم، فهي بحكم رواية واحدة مروية بطرق متعددة، فلا تقاوم تلكم الروايات الكثيرة المستفيضة البالغة حد التواتر ولو اجمالا، فتندرج الثانية


(1) الوسائل: باب 44 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 44 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (3) الوسائل: باب 44 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 121 ]

في الرواية الشاذة، في مقابل الرواية المشهورة، وهي الطائفة الاولى، وقد امرنا بالاخذ بما اشتهر بين الاصحاب، والمجمع عليه بينهم وطرح الشاذ النادر. فعلى تقدير المعارضة، والغض عن الجمع العرفي المتقدم يكون الترجيح للاخبار المجوزة، وتطرح المانعة برد علمها إلى اهله. نعم ان هناك رواية اخرى ربما يظهر منها المنع وعدم الاكتفاء بادراك الامام في الركوع، وهي: صحيحة الحلبي وقد رواها المشائخ الثلاثة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " إذا ادركت الامام قبل أن يركع الركعة الاخيرة فقد ادركت الصلاة، وان ادركته بعدما ركع فهي اربع بمنزلة الظهر " (1). قال في الوسائل: " يمكن ان يكون المراد: إذا ادركته بعد فراغه من الركوع ورفع رأسه. ". ووافقه المحقق الهمداني (قده) وعلى ذلك فقد حمل الركوع في الصدر على الفراغ ايضا. فيكون حاصل المعنى: انه إذا ادركت الامام قبل ان يفرغ من ركوع الركعة الاخيرة فقد ادركت الصلاة، وان ادركته بعد فراغه ورفع رأسه عنه فقد فاتت الصلاة وعليه ان يصلى الظهر اربع ركعات. ولكنه - كما ترى - خلاف الظاهر جدا، فان صيغة الفعل الماضي ظاهرة في التحقق، فقوله: (بعد ما ركع) ظاهر في تحقق الركوع منه خارجا، الحاصل بالدخول، فحمله على الفراغ منه وانقضاءه برفع الرأس منه خلاف الظاهر. كما أن صيغة المضارع ظاهرة في الشروع والتلبس، فقوله:


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب صلاة الجماعة وآدابها ح 1 و 3.

[ 122 ]

(قبل ان يركع) بمعنى: قبل ان يشرع في الركوع ويتلبس به، فحمله على ما قبل الفراغ منه بعد الشروع والتلبس به خلاف الظاهر أيضا والتحقيق: ان الصحيحة اجنبية عن محل البحث كلية، فانها ناظرة إلى تحديد ما به تدرك الجمعة، لا إلى تحديد ما به تدرك الجماعة كما هو محل البحث، فان مفادها: ان منتهى ما به يدرك صلاة الجمعة هو ادراك الامام قائما قبل الدخول في ركوع الركعة الثانية، فإذا دخل فيه فقد فاتته الجمعة، وأما ادراك الجماعة فمحله باق، وحيث ان الوظيفة حينئذ تنقلب من الجمعة إلى الظهر فيأتم به ظهرا ويدخل في الركوع ويحتسبها اول ركعة من الظهر، ثم بعد تسليم الامام يقوم فيضيف إليها ثلاث ركعات ويتمها ظهرا ولا شك في جواز الاقتداء ظهرا بصلاة الجمعة، وهذا المعنى - لو لم يكن على خلاف الاجماع هو الظاهر من الصحيحة، فلا ربط لها بمحل الكلام لتنافي ما عليه المشهور من جواز ادراك الامام راكعا كما عرفت والمتحصل من جميع ما قدمناه: ان منتهى حد ادراك الجماعة هو ادراك الامام راكعا. وهل يجوز التأخير عمدا واختيارا إلى أن يدخل الامام في الركوع - كما هو ظاهر المتن - أو ان ذلك خاص بما إذا لم يدركه قبل ذلك، فلو ادركه حال تكبيرة الاحرام أو القراءة وتسامح وماطل إلى ان ركع الامام لم يكن له الدخول في الجماعة حينئذ؟ مقتضى الجمود على ظواهر النصوص هو الثاني، لتضمنها بأسرها

[ 123 ]

[ بشرط ان يصل إلى حد الركوع قبل رفع الامام رأسه، وإن كان بعد فراغه من الذكر على الاقوى (1)، فلا يدركها إذا ادركه بعد رفع رأسه، بل وكذا لو وصل المأموم إلى الركوع بعد شروع الامام في رفع الرأس وان ] التعبير: (بادراك الامام وهو راكع) وهو لا يصدق مع التأخير العمدي إلى ان يركع الامام وانما ينطبق على ما إذا انتهى إلى الجماعة فرأى الامام في الركوع فلا يعم التاخير العمدي لمنافاته لمفهوم الادراك كما لا يخفى ومع قصور النصوص يكون المحكم هو اطلاق ادلة القراءة وغيرها من ادلة احكام المنفرد، بعد فقد الدليل على احتساب هذه الركعة. ولكنه يمكن القول: بصدق الادراك مع التأخير العمدي مع تعدد المكان، كما إذا كان خارج المسجد وعلم بان الجماعة اقيمت فيه، فتسامح واخر - لشغل أو لغيره حتى دخل الامام في الركوع فدخل المسجد، فانه يصدق عليه بالضرورة في هذه الحالة انه ادركه راكعا، ولا قصور للنصوص عن الشمول لمثله، فإذا ثبت الحكم مع اختلاف المكان وتعدده ثبت مع وحدته ايضا بعدم القول بالفصل حيث لا يحتمل التفكيك بين الصورتين، وبذلك يحكم بالجواز مطلقا حتى مع التأخير اختيارا. (1) كما هو المشهور، لاطلاق النصوص، حيث جعل المدار فيها على ادراك الامام راكعا. وعن العلامة (قده): اعتبار ادراكه

[ 124 ]

[ لم يخرج بعد عن حده على الاحوط (1). وبالجملة: ادراك الركعة في ابتداء الجماعة يتوقف على ادراك ركوع الامام قبل الشروع في رفع رأسه. ] ذاكرا. ولعله للتوقيع المروي في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميري، عن صاحب الزمان (عج): " انه كتب إليه إلى ان قال: فأجاب: إذا لحق من الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة وان لم يسمع تكبيرة الركوع " (1). ولكنه ضعيف السند بالارسال، فلا ينهض لتقييد المطلقات. (1) قد يفرض رفع الرأس بقصد الانتقال في الركوع من مرتبة إلى مرتبة أخرى، مع عدم خروجه عن حد الركوع، ومع فرض مكثه ذاكرا في المرتبة الثانية، إذ من المعلوم كون الركوع - شرعا - ذا مراتب، فان ادناها وصول اطراف الاصابع إلى الركبتين واقصاها الانحناء بحد لا يخرج معه عن صدق الركوع عرفا، فإذا فرضنا ان الامام كان في المرتبة القصوى من الركوع. ودخل المأموم في الصلاة حال انتقال الامام من تلك المرتبة إلى المرتبة النازلة، مع فرض بقاءه بحال الذكر في المرتبة الثانية. فحينئذ لا ينبغي الاشكال في الصحة، لصدق: (انه ادرك الامام راكعا) إذ لا يحتمل ارادة شخص المرتبة من الركوع، فالاطلاق غير قاصر عن الشمول لمثل ذلك كما هو واضح.


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 125 ]

[ واما في الركعات الاخر فلا يضر عدم ادراك الركوع مع الامام بان ركع بعد رفع رأسه، بل بعد دخوله في السجود ايضا (1) ] وقد يفرض كون رفع الرأس بقصد الانتهاء من الركوع والشروع في الانتصاب، فادركه المأموم في هذا الفرض، ولكن قبل خروجه عن حد الركوع شرعا. والظاهر حينئذ هو البطلان وعدم احتساب ذلك ركعة وذلك لصدق: (ان الامام قد رفع راسه قبل ان يركع المأموم) المأخوذ في صحيحة الحلبي المتقدمة (1) موضوعا لفوات الركعة كما ان الادراك في هذه الصحيحة وفي صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة ايضا (2) وغيرهما من اخبار الباب منوط بركوع المأموم قبل ان يرفع الامام رأسه، ومن الواضح عدم صدق هذا العنوان في المقام، حيث يصدق عليه: (انه ركع بعد ما رفع الامام رأسه). وعلى الجملة: مقتضى اطلاق النصوص هو البطلان فيما إذا ركع بعد ما رفع الامام رأسه، سواء أكان قد تجاوز حد الركوع شرعا أم لم يكن. (1) ملخص ما افاده (قده) في المقام ان ادراك الركعة في ابتداء الجماعة وفي الركعة الاولى يتوقف على أحد امرين: اما ادراك الامام راكعا، أو ادراكه قائما من اول الركعة أو اثناءها، فما


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 (2) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 1

[ 126 ]

هو المشهور: من لزوم ادراك ركوع الامام في الركعة الاولى للمأموم في ابتداء الجماعة والا لم تحسب له ركعة، مختص بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الامام، لا ما إذا دخل فيها من اولى الركعة أو اثناءها. هذا هو حكم الادراك في الركعة الاولى، وأما في بقية الركعات فلا يقدح فيها التخلف عن الامام في الركوع، فلو ركع بعد رفع رأسه منه، بل وبعد دخوله في السجود، لم يقدح ذلك في صحة الجماعة. اقول: لابد وان يكون مراده (قده) من عدم قدح التخلف في بقية الركعات عدمه مطلقا، حتى ولو قارن التخلف عن القيام ايضا، كما لو اقتدى به من ابتداء الصلاة، وبعد السجدة الاخيرة من الركعة الاولى لم يمكنه القيام مع الامام لمانع من زحام ونحوه، إلى ان فرغ الامام من ركوع الركعة الثانية وهوى إلى السجود فتمكن آنذاك من القيام فان الجماعة حينئذ بمقتضى ما افاده (قده) صحيحة. والا فلو كان عدم القدح المذكور منوطا بادراكه القيام، بان يكون اللازم في سائر الركعات هو ادراك احد الامرين: القيام أو الركوع، كما هو الحال في الركعة الاولى على ما عرفت، لم يبق عندئذ فرق بين الفرضين، وهو مخالف لظاهر المقابلة الواقعة في كلامه (قده) بين الركعة الاولى في ابتداء الجماعة وبين سائر الركعات. وكيفما كان: ففيما عدا الركعة الاولى ان كان التخلف في الركوع فقط، فلا ينبغي الاشكال في صحة الجماعة واحتساب ذلك ركعة كما هو الحال في الركعة الاولى، لاطلاق صحيحة عبد الرحمن المتقدمة

[ 127 ]

[ هذا إذا دخل في الجماعة بعد ركوع الامام، واما إذا دخل ] الدالة على اغتفار التخلف عن الامام في الركوع إذا كان لعذر من زحام وسهو ونحوهما. وأما إذا كان التخلف فيه وفي القيام معا. كما في الفرض المتقدم الذي استظهرنا من عبارة الماتن حكمه بصحة الجماعة فيه. فان اراد (قده) صحتها مع الالتزام بضمان الامام للقراءة، بان يقوم ويركع ويلتحق به في السجود، فهذا مضافا إلى عدم القائل به لا دليل عليه، فان الضمان من شئون الايتمام المتقوم مفهومه بالمتابعة والاقتداء، وقد ورد في الخبر كما مر: " انما جعل الامام اماما ليؤتم به " فان سنده وان لم يخل عن الاشكال، ولكن مضمونه موافق للارتكاز ويساعده الاعتبار. فلا ايتمام بدون المتابعة ومن الواضح انتفاء المتابعة في مفروض الكلام بعد التخلف عنه في كل من الركوع والقيام حيث لا يقال له عرفا انه تابع ومؤتم، بعد هذا التخلف الفاحش، بالضرورة، ومع انتفاء الايتمام كيف يحكم بالضمان الذي هو من آثاره وأحكامه. وان اراد (قده) صحتها من دون ضمان، بان يقوم ويقرأ ويركع ويلتحق به في السجود، فهو ايضا عار عن الدليل، لما عرفت من تقوم الجماعة بالاقتداء والتبعية وانه لا يكاد يتحقق الايتمام الا مع المتابعة في القيام والمفروض انتفاؤها بعد مثل هذا التخلف الفاحش، فالاقتداء مفقود وجدانا، ومعه كيف يمكن ان تشمله ادلة الجماعة ليحكم بصحتها؟.

[ 128 ]

[ فيها من اول الركعة أو اثنائها واتفق انه تأخر (1) عن الامام في الركوع فالظاهر صحة (2) صلاته وجماعته، فما هو المشهور - من انه لابد من ادراك ركوع الامام في الركعة الاولى للمأموم في ابتداء الجماعة والا لم تحسب له ركعة - مختص بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الامام أو قبله بعد تمام القراءة، لافيما إذا دخل فيها من اول الركعة أو اثنائها، وان صرح بعضهم بالتعميم، ولكن الاحوط الاتمام حينئذ والاعادة. ] (1) ومراده (قده) ما إذا كان التأخر لعذر، من وجع في الظهر أو نسيان أو نحو ذلك، لا ما إذا كان عن عمد وإلا فلا يجوز ذلك، كما سيجئ بيانه في المسائل الآتية انشاء الله تعالى. (2) والوجه في الصحة: ان الروايات المانعة عن الاحتساب عند عدم ادراك الركوع خاصة بما إذا كان الالتحاق بالجماعة حال ركوع الامام، كما لا يخفى على من لاحظها، دون ما إذا كان الدخول فيها قبل ذلك، في ابتداء الركعة أو اثناءها، فالمانع عن الاحتساب في هذه الصورة مفقود، ومقتضى اطلاقات الجماعة، بضميمة ما دل على ضمان الامام القراءة، صحة الجماعة وانعقادها حينئذ إنما الكلام في المقتضى للاحتساب مع عدم ادراك الركوع، لاسيما وقد تقدم في صحيحة محمد بن قيس " ان أمير المؤمنين

[ 129 ]

(عليه السلام) قال: ان اول صلاة أحدكم الركوع " (1). ويمكن ان يستدل له: بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام): " في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الامام ألجأه الناس إلى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على أن يركع، ثم يقوم في الصف ولا يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم، أيركع ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم، أم كيف يصنع؟ قال: يركع ويسجد ولا بأس بذلك " (2). فقد دلت على عدم قدح التخلف عن الامام في الركوع إذا كان لعذر كالزحام وموردها وان كان صلاة الجمعة، لكنه يقطع بعدم الفرق بينها وبين غيرها، بل لو ثبت الحكم فيها مع وجوب الجماعة ثبت في غيرها مما لا يجب بطريق اولى، فيتعدى عن مورد الرواية بالاولوية القطعية. على أنه قد صرح بالتعميم وعدم الفرق بين صلاة الجمعة وغيرها في رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يكون في المسجد إما في يوم الجمعة وإما في غير ذلك من الايام، فزحمه الناس، إما إلى حائط وإما اسطوانة، فلا يقدر على ان يركع ولا يسجد حتى رفع الناس رؤوسهم، فهل يجوز له أن يركع ويسجد وحده ثم يستوي مع الناس في الصف؟ فقال: نعم لا بأس بذلك " (3).


(1) تقدمت في ص 119. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة الجماعة وآدابها ح 1. (3) الوسائل: الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة وآدابها ح 3.

[ 130 ]

لكنها ضعيفة السند بمحمد بن سليمان الديلمي، ومن هنا كان التعويل على الصحيحة بالتقريب المتقدم. ويدل على الحكم في صورة السهو صحيحة لعبد الرحمان، عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يصلي مع امام يقتدي به، فركع الامام وسهى الرجل وهو خلفه لم يركع حتى رفع الامام رأسه وانحط للسجود، أيركع ثم يلحق بالامام والقوم في سجودهم، أم كيف يصنع؟ قال: يركع، ثم ينحط ويتم صلاته معهم، ولا شئ عليه " (1). وموردها - كما ترى - مطلق لا يختص بصلاة الجمعة لنحتاج في التعدي عنه إلى ما تقدم ونحوه. والمتحصل من هذه النصوص: ان التخلآف عن الامام في الركوع لعذر - من زحام أو سهو أو نحو ذلك - غير قادح بعد ادراكه اياه في ابتداء الركعة، قبل القراءة أو اثناءها، ولا يضر باحتساب الركعة. وهل يكفي في الحكم المذكور مجرد ادراك الامام قائما ولو في حال تكبيرة الركوع، أو لابد من ادراك القراءة ولو جزء منها؟ والا فلا ضمان، ولا تحسب له ركعة إذا تخلف عنه في الركوع ظاهر المصنف (قده) الثاني، لقوله " فما هو المشهور. إلى قوله -: مختص بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الامام أو قبله بعد تمام القراءة. "، وقوله: " وأما إذا دخل فيها من أول الركعة أو اثناءها، واتفق انه تأخر عن الامام في الركوع فالظاهر صحة صلاته. ".


(1) الوسائل: الباب 17 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها ح 4.

[ 131 ]

[ (مسألة 25): لو ركع بتخيل ادراك الامام راكعا ولم يدرك بطلت صلاته (1). ] ولكن الاقوى هو الاول وان ادراك تكبيرة الركوع ملحق بادراك القراءة دون الركوع، وذلك لاطلاق صحاح محمد بن مسلم المتقدمة (1) لعدم قصورها عن شمول المقام. فان قوله (عليه السلام): " إذا ادركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد ادركت الصلاة "، وفي صحيحته الاخرى: " إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة " دل على ان ادراك تكبيرة الركوع كاف في ادراك الصلاة جماعة، وفي احتساب ذلك ركعة، وبعد الضم إلى صحيحة عبد الرحمن المتقدمة (2) الدالة على اغتفار التخلف في الركوع لعذر، ينتج ما ذكرناه من الالحاق، كما لا يخفى. والمتحصل من جميع ما قدمناه: ان ادراك الركعة واحتسابها جماعة يتوقف على احد امرين: اما ادراك الامام راكعا - كما تضمنته صحيحة سليمان بن خالد والحلبي المتقدمتان وغيرهما - أو ادراكه قائما، حال القراءة أو ولو بعد الفراغ عنها - على الخلاف بيننا وبين المصنف (قده) وان لم يدرك ركوعه، لصحيحة عبد الرحمان المتقدمة. (1) محتملات المسألة الثلاثة: بطلان الصلاة، وصحتها فرادى، فيتم الصلاة كذلك وان اخل بالقراءة استنادا إلى حديث: (لا تعاد الصلاة.) وصحتها جماعة، مع عدم احتساب الركعة، فيقوم


(1) تقدمت في ص 119 - 120. (2) تقدمت في ص 130.

[ 132 ]

منتصبا وينتظر الامام فيلتحق به في الركعة التالية، وتعد هذه اول ركعة في حق المأموم، وبعد ما يفرغ الامام يقوم فيضيف إليها ما بقي من صلاته. أما الاحتمال الثاني: فهو وان كان على طبق القاعدة، حيث لا نقص في هذه الصلاة عدا الاخلال بالقراءة عامدا، وقد مر غير مرة عدم قصور حديث: (لا تعاد.) عن شمول مثله مما كان الترك العمدي عن عذر، فان المأموم - لاجل اعتقاده الالتحاق المستلزم لضمان الامام - قد ترك القراءة، فكان معذورا في الترك لا محالة. إلا انه ينافيه الاخبار المتقدمة الحاكمة بفوات الركعة وعدم ادراكها لو لم يدرك الركوع، المساوق لعدم الاعتداد بها وفرضها بحكم العدم حينئذ. قال (عليه السلام) في صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة: " إذا ادرك الامام وهو راكع، وكبر الرجل وهو مقيم صلبه، ثم ركع قبل أن يرفع الامام رأسه، فقد ادرك الركعة ". دلت بمفهومها على عدم ادراك الركعة اي عدم احتسابها من الصلاة وعدم الاعتداد بها - لو ركع بعد رفع الامام رأسه. وأصرح منها: صحيحة الحلبي المتقدمة: " وان رفع راسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة " فانها صريحة في فوات الركعة حينئذ، وانها ملحقة بالعدم فكيف يمكن الاعتداد بها واحتسابها من الصلاة، ولو فرادى، كما هو مقتضى هذا الاحتمال؟ وأما الاحتمال الثالث: فهو - أيضا مناف لظواهر تلكم النصوص لتضمنها اسناد الفوت وعدم الادراك إلى نفس الركعة، الظاهر - كما عرفت - في كونها بحكم العدم، وعدم دخوله في الصلاة بعد، ولم

[ 133 ]

[ بل وكذا لو شك في ادراكه وعدمه (1). ] يسند ذلك إلى الجماعة فلم يقل عليه السلام: (فقد فاتته الجماعة في هذه الركعة) كي يمكن الالتزام بصحة الجماعة في اصل الصلاة مع عدم احتساب هذه الركعة منها. هذا مضافا إلى ان لازم هذا الاحتمال زيادة ركوع في الصلاة، ولا دليل على الاغتفار والعفو عنها حينئذ كما لا يخفى فاطلاق ما دل على بطلان الصلاة بزيادة الركن محكم، لعدم قصوره عن المقام. فظهر من جميع ما تقدم: ان الاحتمال الاول اعني البطلان هو المتعين، لعدم امكان تصحيح هذه الصلاة، لاجماعة ولا فرادى. نعم: الاحوط الاولى العدول بها إلى النافلة واتمامها، والرجوع إلى الايتمام، كما نبه عليه سيدنا الاستاذ - دام ظله - في تعليقته الشريفة، رعاية لاحتمال صحتها فرادى، ويجوز العدول عنها إلى النافلة لادراك الجماعة كما دلت عليه النصوص. (1) تحتمل الصحة في هذا الفرض جماعة، كما يحتمل البطلان وقد يستدل للاول بالاستصحاب، بناءا على ان موضوع الحكم بالصحة ركوع المأموم حال كون الامام راكعا، فإذا احرزنا ركوع الامام بالاصل، وضممناه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان، وهو ركوع المأموم، فقد احرز موضوع الصحة. وهذا لامانع منه في جميع الموضوعات المركبة. وقد يفصل بين صورة العلم بتاريخ ركوع المأموم فيجرى ما ذكر وبين العلم بتاريخ ركوع الامام أو الجهل بالتاريخين فيحكم بالبطلان

[ 134 ]

حينئذ، لكونه مقتضى الاصل في مجهول التاريخ، وللمعارضة - كما في الجهل بالتاريخين ومعها لا يحرز الموضوع. ولا يخفى عدم تمامية شئ مما ذكر، فان كل ذلك موقوف على ان يكون موضوع الحكم في لسان الدليل على النحو التالي: (إذا ركع المأموم والامام راكع) أو ما يقرب من ذلك، فحينئذ قد يتجه البحث عن استظهار تركب الموضوع من جزئين، أو كونه عنوانا بسيطا منتزعا كعنوان المقارنة، ليبحث بعده عما يقتضيه الاصل على كل من التقديرين، إلا أن الامر ليس كذلك، فان الوارد في الدليل هكذا: " ثم ركع قبل ان يرفع الامام راسه فقد ادرك الركعة " كما في صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة ونحوها صحيحة الحلبي المتقدمة. فيكون موضوع الحكم هو عنوان (القبلية) الذي ليس له حالة وجودية سابقة بالضرورة، وواضح: ان اصالة بقاء الامام على ركوعه وعدم رفع رأسه حال ركوع المأموم لا يكاد يثبت عنوان القبلية، لكونه من اظهر انحاء الاصل المثبت وعليه فالمرجع هو استصحاب عدم تحقق العنوان المأخوذ في الموضوع المشكوك حدوثه، المسبوق بالعدم، ونتيجة ذلك: الحكم بالبطلان. نعم: ربما يوهم خلاف ما ذكرناه ظاهر صحيحة زيد الشحام " انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل انتهى في الامام وهو راكع. قال: إذا كبر واقام صلبه ثم ركع فقد ادرك " (1) فقد يتوهم: ان للبحث عن تركب الموضوع وبساطته مجالا على ضوء ظاهر هذه الصحيحة.


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 135 ]

ولكن الحق: ان الصحيحة مطلقة من حيث ادراك الامام راكعا وعدمه، فان مفادها ادراك الركعة إذا ماكبر واقام صلبه وركع سواء ادرك الامام راكعا أم لم يدركه، فتقيد لا محالة بصحيحتى سليمان بن خالد والحلبي المتقدمتين، الصريحتين في لزوم ادراك الامام راكعا وقبل أن يرفع راسه، فيكون الموضوع - بعد تحكيم قانون الاطلاق والتقييد - هو: ركوع المأموم قبل ان يرفع الامام رأسه، فالموضوع عنوان بسيط وهو عنوان (القبلية)، ومن الواضح عدم امكان احرازه بالاصل، لعدم الحالة السابقة. ولا يمكن اثباته باستصحاب بقاء الامام راكعا إلى زمان ركوع المأموم لكونه مثبتا، ولا نقول بحجيته. فيجرى استصحاب عدم ركوع المأموم قبل ان يرفع الامام رأسه، وبذلك ينتفي الحكم بالصحة. ومما يؤكد ما ذكرناه من عدم جريان الاصل انه على تقدير جريانه يستلزم الحكم بالصحة حتى مع الشك في الادراك حال الدخول في الصلاة - أي في حال تكبيرة الاحرام - كما في العمى أو الظلمة ونحو ذلك مما يوجب شكه في بقاء الامام راكعا، بان يدخل في الصلاة ويكبر للاحرام مع شكه في بقاء الامام في حالة الركوع، استصحابا له، مع ان الظاهر عدم الاشكال في عدم جواز الدخول حينئذ، للزوم احراز ركوع الامام، وانما الخلاف في الصحة والبطلان فيما لو طرأ الشك بعد الدخول في الصلاة، كما لا يخفى. وعلى الجملة: فهذا المورد ملحق بالمورد الاول، وهو فرض القطع بعدم ادراك الامام راكعا، غايته ان الاحراز هناك واقعي

[ 136 ]

[ والاحوط في صورة الشك الاتمام والاعادة (1)، أو العدول (2) إلى النافلة والاتمام، ثم اللحوق في الركعة الاخرى. ] مستند إلى القطع وهنا ظاهري مستند إلى الاصل، فيجرى فيه ما تقدم هناك من الاحتمالات الثلاثة، وقد عرفت: ان الاقوى هو البطلان، لعدم امكان الحكم بالصحة، لاجماعة ولا فرادى. والمتحصل: ان الاظهر الحكم بالبطلان مطلقا، في كلتا صورتي القطع والشك فلاحظ. (1) بلا اشكال، لكونه اخذا بكلا طرفي الاحتمال: الادراك وعدمه. (2) ان كان الوجه فيه: احتمال صحة الصلاة فرادى وان لم يدركه راكعا، وذلك لجواز العدول - حينئذ - إلى النافلة لادراك الجماعة كما سبق، فهو صحيح، غير انه لا يختص بصورة الشك بل يجرى مع القطع بعدم الادراك ايضا لعين ما ذكر، فما هو الموجب للتخصيص بالشك؟ وان كان ذلك: لاحتمال صحتها جماعة لاحتمال ادراك الامام راكعا، بان يكون الدوران بينها وبين البطلان، من دون احتمال الصحة فرادى، فلا وجه له اصلا، لعدم جواز العدول على التقديرين، فان الموضوع لجواز العدول هي الصلاة الصحيحة فرادى، دون الباطلة أو الصحيحة جماعة كما لا يخفى. وعلى الجملة: إما ان يعتد باحتمال الصحة فرادى أولا، وعلى الاول لا يختص الاحتياط بالعدول بمورد الشك في الادراك، وعلى الثاني لااحتياط بالعدول لعدم مشروعيته كما هو ظاهر.

[ 137 ]

[ (مسألة 26): الاحوط (1) عدم الدخول الا مع الاطمينان بادراك ركوع الامام، وان كان الاقوى جوازه مع الاحتمال (2)، وحينئذ فان ادرك صحت، والابطلت. (مسألة 27): لو نوى وكبر فرفع الامام رأسه قبل ان يركع أو قبل أن يصل إلى حد الركوع لزمه الانفراد (3) أو انتظار الامام (4) قائما إلى الركعة الاخرى فيجعلها الاولى له الا إذا أبطأ الامام بحيث يلزم الخروج عن صدق الاقتداء. ] والصحيح: هو الاول، ومن هنا حكمنا بجريان الاحتياط المذكور والصحيح: هو الاول، ومن هنا حكمنا بجريان الاحتياط المذكور حتى مع القطع بعدم الادراك كما مر. (1) لاحتمال اعتبار الجزم بالنية مع التمكن منه في صحة العبادة. (2) لعدم الدليل عليه، وجواز الاتيان بالعمل بعنوان الرجاء كما في سائر موارد الاحتياط، على ما بيناه في مبحث الاجتهاد والتقليد. وعليه فالاحتياط غير واجب، بل الاقوى - كما عليه المصنف (قده) هو جواز الدخول في الجماعة بقصد الرجاء، حتى مع احتمال الادراك، فان ادرك صحت وإلا بطلت (3) لا غبار عليه، ولا سيما بعد البناء على جوازه في الاثناء اختيارا. (4) هذا مشكل جدا بعد كونه على خلاف القاعدة لعدم تحقق الايتمام منه خارجا، ومجرد قصده ذلك لا يحقق الايتمام كيف وهو متقوم بالتبعية؟ ولا متابعة حسب الفرض، ولا دليل على اغتفار

[ 138 ]

الفصل بهذا المقدار، هذا ولم يرد في خصوص المقام نص معتبر أو غير معتبر كي يعتمد عليه في الحكم بجواز الانتظار وتحقق الايتمام. نعم هناك روايات وردت فيمن ادرك الامام بعد رفع رأسه من الركوع أو في حال السجود، دلت على جواز الدخول معه في السجدة من دون ان يعتد بها، فقد قيل بالتعدي عن موردها إلى المقام، فانه إذا جاز الدخول مع زيادة السجدتين - وهما ركن - فالجواز هنا بالانتظار العاري عن مثل هذه الزيادة بطريق أولى، فيستفاد منها عدم تعين الانفراد في المقام بالاولوية القطعية. هذا ولكن الحكم المذكور غير ثابت في مورده، فيما عدا السجدة في الركعة الاخيرة، والتشهد الاخير مما سيأتي الكلام عليه، لضعف النصوص سندا، وبعضها دلالة ايضا، مع عدم الدليل على اغتفار مثل هذه الزيادة في الركن، ومقتضى الادلة هو البطلان، كما أن ما دل على العفو عنها إذا كانت لمتابعة الامام غير شامل للمقام، كما لا يخفى، واليك النصوص: 1 رواية المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا سبقك الامام بركعة فادركته وقد رفع رأسه فاسجد معه، ولا تعتد بها " (1). وهي ضعيفة السند بمعلى بن خنيس. واما الدلالة فظاهرة. 2 رواية عبد الرحمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: " إذا وجدت الامام ساجدا فاثبت مكانك حتى يرفع


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 139 ]

رأسه، وان كان قاعدا قعدت، وان كان قائما قمت " (1). وفي سندها: عبد الله بن محمد، والظاهر انه: عبد الله بن محمد ابن عيسى، أخو محمد بن محمد الملقب ب‍ (بنان) وهو وان لم يوثق في كتب الرجال، لا باسمه ولا بلقبه، لكنه وارد في اسانيد (كامل الزيارات) (2)، فلا مجال للمناقشة فيها سندا. إلا ان دلالتها قاصرة فان قوله (عليه السلام): " فاثبت مكانك " اعم من الدخول في الصلاة. ولعل المراد به: الثبوت والاستقرار وانتظار الامام للالتحاق به في الركعة التالية، بان يقف في مكانه إذا كان الامام ساجدا، ويقعد إذا كان قاعدا، ويقوم إذا كان قائما ثم يأتم به ويدخل معه في الصلاة، فلا تدل على الايتمام به من اول الامر. 3 ما رواه الصدوق (قده) باسناده عن معاوية بن شريح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا جاء الرجل. - إلى ان قال -: ومن ادرك الامام وهو ساجد كبر وسجد معه، ولم يعتد بها. " (3). ودلالتها وان كانت ظاهرة، لكن السند ضعيف، لعدم توثيق معاوية بن شريح، وإن كان طريق الصدوق (قده) إليه صحيحا. 4 - ما رواه في (المجالس) عن أبي هريرة قال: " قال


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب صلاة الجماعة ح 5. (2) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة وقد بنى - دام ظله - أخيرا على اختصاص التوثيق بهم. (3) الوسائل: باب 49 من أبواب صلاة الجماعة ح 6.

[ 140 ]

[ ولو علم قبل أن يكبر للاحرام عدم ادراك ركوع الامام لا يبعد جواز دخوله وانتظاره (1) إلى قيام الامام للركعه ] رسول الله (ص): إذا جئتم إلى الصلاة ونحن في السجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا. " (1). وفي السند عدة من المجاهيل والضعاف فلا يعتد بها. وعلى الجملة: الاستدلال بالاخبار المذكورة لجواز الدخول في الصلاة ومتابعة الامام في السجود ساقط، فلا مجال للاستدلال بها على جواز الانتظار في المقام. بل قد عرفت: ان مقتضى القاعدة عدم الجواز، فان السجود زيادة عمدية ولا دليل على العفو عنها في المقام. كما لادليل على العفو عن الفصل المخل بصدق الايتمام. ومما ذكرنا تعرف ان الاحوط بل الاظهر الاقتصار على قصد الانفراد في محل الكلام. نعم لا بأس بمتابعة الامام في السجود واعادة التكبير بعد القيام بقصد القربة المطلقة، الاعم من تكبيرة الاحرام، ومن الذكر، بعد احتمال صدور تلكم الاخبار واقعا، مع شمولها للمقام، فلا بأس بالعمل بها، مع رعاية الاحتياط في التكبيرة، لعدم قدح المتابعة على كل تقدير. (1) عدم الجواز هنا أولى منه في الصورة السابقة، كما لا يخفى نعم لا بأس بالدخول مع المتابعة ومراعاة الاحتياط على النحو المتقدم آنفا.


(1) الوسائل: الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة ح 7.

[ 141 ]

[ الثانية، مع عدم فصل يوجب فوات صدق القدوة، وان كان الاحوط عدمه. ] فرع: إذا شك المأموم في الادراك بعد رفع رأسه من الركوع، بدون أن يشك فيه حال الركوع، لغفلته أو اعتقاده الادراك حينئذاك. فقد حكم المحقق الهمداني (قده) بالصحة، استنادا إلى قاعدة التجاوز، لكنه شكا في الصحة بعد تجاوز المحل بل قد حكم بعضهم بالصحة حتى لو كان الشك حال الركوع بعد الفراغ من الذكر، استنادا إلى القاعدة بدعوى: عدم اعتبار الدخول في الغير في جريانها إذا كان الشك في صحة الشئ كما في المقام، لا في أصل وجوده. أقول: اما القول الاخير فساقط جدا، فانه - مضافا إلى ما سنذكره من عدم جريان قاعدة التجاوز في امثال المقام - انما يتم لو كان الشك في صحة الذكر لا في صحة الركوع كما هو المفروض، وإلا فالشك في صحة الركوع شك في المحل، حيث لم يفرغ منه بعد، فمقتضى مفهوم قاعدة التجاوز هو الاعتناء بالشك. وأما ما ذكره المحقق الهمداني (قده) فلا يمكن الموافقة عليه، لابتناءه على حجية القاعدة تعبدا، وليس كذلك فان الظاهر - بمقتضي التعليل بالاذكرية والاقربية إلى الحق في نصوص القاعدة - ان حجيتها من باب تتميم مالها من الكاشفية النوعية، فان المكلف

[ 142 ]

الذي هو بصدد الامتثال لا يقصر في وظيفته عامدا بطبيعة الحال، فلم يبق الا احتمال الغفلة أو النسيان، وبما انه حين العمل اذكر فلا يعتنى بالاحتمال المذكور، ومقتضى ذلك: اختصاص القاعدة بما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة كي يتم التعليل بالاذكرية، فكل خلل احتمل المكلف صدوره منه - من ترك جزء أو شرط، أو الاتيان بالمانع لشكه في كيفية ما فعله - لا يعتني بهذا الاحتمال، لكونه حين العمل أذكر. وأما مع انحفاظ صورة العمل وعدم احتمال الخلل اختيارا، وتمحض احتمال الصحة في الصدفة الخارجة عن الاختيار، كما لو صلى إلى جهة معينة، وشك بعد الفراغ في انها هي القبلة أولا. أو توضأ بمايع معين، ثم شك في اطلاقه، فلا تجري القاعدة حينئذ، لمساواة ما بعد الفراغ مع حال العمل من حيث الذكر وعدمه، لعدم كون الشك في فعل اختياري بل في امر واقعي لا يعود إليه بوجه، وهو اتصاف الجهة بكونها القبلة صدفة واتفاقا، كاتصاف الماء بالاطلاق، ولا تتكفل القاعدة باثبات الصحة المشكوك فيها، اعتمادا على المصادفات الاتفاقية. والمقام من هذا القبيل، إذ لا شك فيما يرجع إلى الركوع من ناحيته لانحفاظ صورة العمل، وانما الشك في امر خارج عن اختياره، وهو رفع الامام رأسه قبل أن يستكمل المأموم ركوعه، من باب الصدفة والاتفاق، ومثله غير مشمول للقاعدة من دون فرق بين ما إذا كان الشك في أصل الوجود كما في قاعدة التجاوز، المتقومة بتجاوز المحل والدخول في الغير أو في وصف الصحة كما في

[ 143 ]

[ (مسألة 28): إذا ادرك الامام وهو في التشهد الاخير يجوز له الدخول معه (1)، بان ينوي ويكبر ثم يجلس معه ويتشهد، فإذا سلم الامام يقوم فيصلي، من غير استئناف للنية والتكبير، ويحصل له بذلك فضل الجماعة ] وان لم يحصل له ركعة. قاعدة الفراغ غير المتقومة بذلك، لرجوع القاعدتين إلى قاعدة واحدة كبرويا، كما حققناه في الاصول. وكيفما كان: فلا مجال لجريان القاعدة في المقام، سواء أ كان غافلا حال الركوع ام معتقدا للادراك ولكنه شك فيه بعد رفع الرأس. نعم في صورة اعتقاد الادراك وتيقنه يمكن التمسك بقاعدة اليقين بناءا على حجيتها، وعدم الاعتناء بالشك الساري كغيره الطارى. لكن المبنى فاسد، إذ لا اساس للقاعدة كما حرر في محله، إذا فالمتجه عدم انعقاد الجماعة وان صحت فرادى إذ لا خلل الا من ناحية القراءة المتروكة وهي مشمولة لحديث لا تعاد. (1) على المعروف المشهور، بل حكى عليه الاجماع. لموثقة عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يدرك الامام وهو قاعد يتشهد، وليس خلفه إلا رجل واحد عن يمينه. قال: لا يتقدم الامام ولا يتأخر الرجل، ولكن يقعد الذي يدخل معه خلف الامام، فإذا سلم الامام قام الرجل فأتم صلاته " (1).


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 144 ]

وهي ظاهرة الدلالة على الدخول معه في الصلاة والقعود للتشهد متابعة، من دون استئناف للتكبير، بعد القيام وتسليم الامام، لقوله (عليه السلام): (فأتم صلاته) فان الاتمام يلازم صحة التكبيرة الاولى وكونها محققة للدخول في الصلاة فيتمها حينئذ، وإلا فلو كان الاستئناف واجبا لعبر عن ذلك بالشروع دون الاتمام، كما لا يخفى. وبذلك تحصل له فضيلة الجماعة وان لم تحصل له ركعة، لتقومها بالركوع المفروض عدم ادراكه له. هذا وقد تعارض بموثقته الاخرى قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ادرك الامام وهو جالس بعد الركعتين قال: يفتتح الصلاة، ولا يقعد مع الامام حتى يقوم " (1). فانها تضمنت النهي عن القعود مع الامام في حين ان الاولى اشتملت على الامر به. وقد جمع بينهما في الوسائل (تارة) بحمل الامر على الاستحباب والنهي على الجواز وهو كما ترى في غاية البعد، وكيف يحمل النهي الظاهر في المنع على الجواز؟ كي يحمل الامر في قباله على الاستحباب فانه لم يكن من الجمع العرفي في شئ، بل هما من المتعارضين عرفا. نعم إذا ورد الامر بشئ في قبال نفي البأس عن تركه، أو النهي عن شئ في مقابل نفي البأس عن فعله، امكن الجمع بينهما بالحمل على الاستحباب أو الكراهة، واين ذلك من المقام؟ واخرى - وهو الصحيح - باختلاف مورد الموثقتين، لورود


الوسائل: باب 49 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 145 ]

الاولى في التشهد الاخير، بقرينة قوله (ع): (فإذا سلم الامام) ولا مناص له حينئذ من القعود ليدرك الامام ويتابعه فيما تيسر من الاجزاء، حتى يتحقق الايتمام المتقوم بالمتابعة، ويحصل بذلك على فضل الجماعة. وأما الثانية فموردها التشهد الاول، بقرينة قوله (عليه السلام): (حتى يقوم)، إذا من الواضح انه لا مقتضي حينئذ للقعود بعد امكان الادراك والمتابعة في الركعات الآتية، فالموثقتان متضمنتان لحكمين مختلفين في موردين، من دون تعارض في البين. وأما التشهد، فالموثقة المتقدمة كغيرها من النصوص والكثير من كلمات الاصحاب - وإن كانت خالية عن التعرض له، لتضمنها الامر بالعقود فقط لكنه لا باس بالاتيان به كما ذكره الماتن (قده) وغيره رجاءا، أو بقصد مطلق الذكر. وكيفما كان فالموثقتان صريحتان في الاعتداد بالتكبيرة السابقة وعدم الحاجة إلى استئنافها. وعن صاحب الحدائق (قده): معارضتهما بما رواه الصدوق (قده) في الفقيه، عن عبد الله بن المغيرة قال: " كان منصور بن حازم يقول: إذا اتيت الامام وهو جالس قد صلى ركعتين، فكبر ثم اجلس، فإذا قمت فكبر " (1)، لتضمنه الامر باستئناف التكبير. وقد تصدى (قده) لتصحيح السند، بأن الرواية وان لم تكن مسندة إلى الامام، ولعل منصور بن حازم افتى بذلك حسب نظره ورأيه، إلا ان جلالته وهو من اجل ثقات الاصحاب تأبى عن أن


(1) الفقيه: ج 1 ص 260 الطبعة الحديثة.

[ 146 ]

[ (مسألة - 29): إذا ادرك الامام في السجدة الاولى أو الثانية من الركعة الاخيرة (1)، وأراد ادراك فضل الجماعة نوى وكبر وسجد معه السجدة أو السجدتين وتشهد ثم يقوم - بعد تسليم الامام - ويستأنف الصلاة. ] يقول ذلك الا عن تثبت وسماع من المعصوم (عليه السلام). ثم قال (قده): " وحينئذ فتبقى المسألة في قالب الاشكال " (1). اقول: لا ينبغي الاشكال في المسألة، فان اصحاب الائمة (ع) لم يكونوا مقتصرين على نقل الرواية عنهم (ع) فقط، بل انهم كثيرا ما كانوا يبدون آرائهم ويفتون حسب اجتهادهم واستنباطهم من كلماتهم (ع) أيضا. وجلالة قدرهم لا تنافي ذلك بل تؤكده، كما لا يخفى. وعليه فمن الجائز ان يكون ما قاله منصور بن حازم في هذه الرواية هو فتواه كما هو الظاهر. ولا أقل من الشك فلم يعلم منها انه رواية أم دراية، ونتيجة ذلك: عدم ثبوت الرواية عن المعصوم (عليه السلام) كي تنهض بمعارضة الموثقتين وتكون النتيجة التوقف في المسألة. (1) لم يتعرض (قده) لحكم ادراكه في السجود من سائر الركعات. والظاهر كونه ملحقا بادراكه في السجدة الاولى من الركعة الاخيرة فيقع الكلام (تارة) في ادراكه فيما عدا السجدة الثانية من الركعة


(1) الحدائق: ج 11 ص 255.

[ 147 ]

الاخيرة، سواء أكانت هي السجدة الاولى منها أم الاولى أو الثانية من سائر الركعات، (واخرى) في ادراكه في خصوص السجدة الثانية من الركعة الاخيرة. المقام الاول - في ادراكه في ما عدا السجدة الثانية من الركعة الاخيرة. ولم يرد فيه نص معتبر يدل على جوازه وصحة الايتمام حينئذ. وعمدة ما يستدل به لذلك هما روايتا معلى بن خنيس، ومعاوية بن شريح المتقدمتان (1). أما الثانية: فضعيفة السند بمعاوية بن شريح، وان صح اسناد الصدوق (قده) إليه كما مر. وأما الاولى، فان المعلى بن خنيس - نفسه - فيه كلام، فقد ضعفه النجاشي صريحا، ومع الاغماض عنه فهي ضعيفة بأبي عثمان الاحول، فقد عنونه النجاشي (ره) في موضعين: أحدهما في باب الاسماء، بعنوان: معلى بن عثمان الاحول وقيل: ابن زيد، وقد وثقه، وقال: له كتاب، يروى عنه محمد بن زياد، اي ابن ابي عمير. والآخر - في باب الكنى، بدون ان يذكر اسمه، فقال: أبو عثمان الاحول، له كتاب، يروي عنه صفوان، ولم يتعرض لتوثيقه مما يشعر باختلافه مع الذي ترجم له في باب الاسماء. وقد عنونه الشيخ (قده) ايضا في الفهرست في باب الكنى بمثل ما ذكره النجاشي (قده)، مع تصريحه في اول الكتاب بانه انما يذكر في الكنى من لم يعثر على اسمه، فيظهر من ذلك: اشتراك


(1) تقدمت الاولى منهما في ص 138، والثانية في ص 139.

[ 148 ]

ابي عثمان الاحول بين شخصين، احدهما معلوم الاسم، ثقة، يروى كتابه عنه ابن ابي عمير. والآخر مجهوله، ولم يوثق، وراوي كتابه صفوان. وحيث ان الراوي عن ابي عثمان - في هذه الرواية - هو صفوان يستظهر من ذلك ان المراد هو الثاني الذي لم يوثق. وقد يقال: ان الراوي لكتاب معلى بن خنيس هو معلى بن عثمان الثقة، ولاجل ان الاحول - في هذه الرواية - يروي عن معلى بن خنيس فلذلك يظن منه كونه معلى بن عثمان الثقة. ولكنه - كما ترى - ظن لا يكاد يغني عن الحق شيئا، سيما وان الاحول لم ينقل الرواية عن كتاب معلى بن خنيس بل عنه نفسه فمن الجائز ان يكون هناك طريقان، احدهما إلى كتابه، وفيه: ابن ابي عمير، عن معلى بن عثمان الاحول الثقة، عنه. والآخر إليه نفسه، وفيه: صفوان، عن ابي عثمان الاحول الذي لم يوثق - عنه. وكيف كان: فلم يعلم ان المراد به في المقام هو الثقة، ولا اقل من الترديد بين الشخصين. وذلك يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار. والنتيجة: ضعف الروايتين معا. وعلى هذا فلا مجال للتعويل عليهما في الخروج عما تقتضيه القاعدة من البطلان للزيادة العمدية في السجدة، ولا سيما السجدتين معا اللتين هما من الركن. ودليل اغتفار الزيادة العمدية الحاصلة من جهة المتابعة قاصر عن شمول المقام، لاختصاصه بما إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الامام فعاد إلى ذلك للمتابعة، واين

[ 149 ]

[ ولا يكتفي بتلك النية والتكبير (1). ] ذلك مما نحن فيه؟ وأما رواية عبد الرحمان المتقدمة (1) فهي وان كانت نقية السند كما سبق (2). لكنها قاصرة الدلالة، بل هي أجنبية عما نحن فيه لعدم تضمنها الامر بالسجود، بل قد عرفت فيما سبق: ان قوله (عليه السلام): " فاثبت مكانك. " لا يدل على الدخول في الصلاة، بل لعل المراد - كما هو الظاهر - المكث والانتظار حتى ينكشف الحال، فان قعد الامام بعد رفع رأسه من السجدة قعد معه، وان قام قام هو فيكون الايتمام بعد ذلك، أي حال التشهد أو القيام. وأما الرواية ابي هريرة المتقدمة (3) فقد تقدم ضعف سندها من جهات. وعلى الجملة: فالحكم غير ثابت لضعف نصوص الباب. (1) لو سلمنا اعتبار سند النصوص المتقدمة وبنينا على جواز الايتمام في مفروض الكلام، فهل يلزمه استئناف التكبير بعد القيام كما اختاره في المتن، بل عن المدارك نسبته إلى الاكثر، أم لا، كما نسب إلى جماعة، بل قد اصر عليه في الجواهر؟ فيه خلاف بين الاعلام (قدهم). ومنشأ الخلاف هو اختلافهم في كيفية الاستظهار من الاخبار،


(1) تقدمت في ص 138. (2) وسبق ما فيه. (3) تقدمت في ص 139.

[ 150 ]

وتعيين مرجع الضمير في قوله (عليه السلام): (ولم يعتد بها) الواردة في روايتي معلى بن خنيس ومعاوية بن شريح المتقدمتين (1) وان ضمير التأنيث هل يعود إلى الصلاة كي يدل على الغائها وعدم الاعتناء بها الملازم لاسئتناف التكبير، أو انها تعود إلى السجدة ليكون الملغى هي وحدها دون اصل الصلاة، فلا حاجة إلى الاستئناف. وقد يقال: بتعين الاحتمال الاول وانه لا مجال للاحتمال الثاني لعدم سبق لفظ (السجدة) في الكلام، بل المذكور هو (سجد)، ومصدره (السجود) دون السجدة التي بمعنى المرة. فلا يصح رجوع الضمير المؤنث إليه بل اللازم ارجاع الضمير المذكر إليه. أقول: بل المتعين هو الاحتمال الثاني، أما أولا فلان عود الضمير إلى الصلاة بعيد غايته، حيث انه لم تصدر منه صلاة خارجا كي يحكم عليها بالاعتداد أو عدمه، فان السجدة الواحدة بل السجدتان ليست من حقيقة الصلاة في شئ، حتى على القول بوضع ألفاظ العبادات للاعم، فان الاعمي ايضا لا يرتضي ذلك، ولا يرى صحة الاطلاق على الجزء أو الجزئين كما لا يخفى. على أن لفظة الصلاة غير مسبوقة بالذكر في رواية المعلى، وانما المذكور الركعة، وعود الضمير إليها كما ترى خلاف الظاهر جدا، لتقومها بالركوع، ولم يصدر منه حسب الفرض. وعلى الجملة: لم يسبق ذكر الركعة ولا الصلاة في رواية معاوية ولا صدر منه شئ منهما كي يحكم بعدم الاعتداد بها والركعة وان ذكرت في رواية المعلى لكنها لم تصدر منه كي يحكم عليها بعدم


(1) ص 138 - 139.

[ 151 ]

الاعتداد. وهكذا الحال في رواية ابي هريرة المتقدمة (1) فان عود الضمير فيها إلى الصلاة بعيد في الغاية لما ذكر. وثانيا فلان الاقرب يمنع الابعد، ومقتضاه عود الضمير إلى السجدة لكونها أقرب، فيتعين الاحتمال الثاني. وأما حديث تأنيث الضمير فغير قادح، حيث لا يتعين عوده إلى المصدر المستفاد من الكلام دائما، بل يختلف ذلك باختلاف المقامات والمناسبات، فربما يعود الضمير إليه وربما يعود إلى اسم المصدر وهو (السجدة) في المقام بكسر السين. وقد تعرضنا في بحث المشتق من اصول الفقه - للفرق بين المصدر واسمه، وقلنا: انهما متحدان ذاتا متغايران اعتبارا كالايجاد والوجود، فان العرض إذا لوحظ فيه المعنى الحدثي، اعني قيامه بالمحل وانتسابه إليه. فهو المصدر، ويعبر عنه في المقام (بالسجود) وان لوحظ بحياله واستقلاله وبما هو موجود مستقل في مقابل سائر الموجودات، مع صرف النظر عن الانتساب، فهو اسم المصدر، المعبر عنه في المقام (بالسجدة) بكسر السين، كما عرفت. والشايع في اللغة الفارسية هو الانفكاك بينهما في الصيغة، فالمصدر لحدث الضرب يعبر عنه ب‍ (زدن) واسم المصدر (كتك) وهو قليل في اللغة العربية. وغير خفي ان المناسب في المقام هو عود الضمير إلى اسم المصدر دون المصدر نفسه، فان المحكوم عليه بعدم الاعتداد هو ذات السجود لا بوصف الانتساب إلى الفاعل، إذ لا معنى لرعاية المعنى الحدثي


(1) تقدمت في ص 139.

[ 152 ]

[ ولكن الاحوط (1) اتمام الاولى بالتكبير الاول، ثم الاستئناف بالاعادة. ] في هذا الحكم، كما لا يخفى. فظهر ان المتعين بمقتضى القواعد الادبية هو عود الضمير إلى السجدة، وان تأنيث الضمير حينئذ في محله، ولا مجال لارجاعه إلى الصلاة ولا إلى الركعة. وعليه فالاقوى الاجتزاء بالتكبيرة الاولى وعدم الحاجة إلى الاستئناف (1) رعاية للخلاف الموجود في المسألة ولكن الاحتياط يتأدى بالاتيان بتكبيرة اخرى بعد القيام، بقصد الجامع بين تكبيرة الاحرام على تقدير لزوم الاستئناف، وبين مطلق الذكر على تقدير لزوم الاتمام فانه بذلك يتحفظ على الواقع على كل تقدير بلا حاجة إلى اعادة الصلاة. وأما الاتيان بالتكبيرة الثانية بقصد الافتتاح خاصة فهو على خلاف الاحتياط، بل غير جائز على ما ذكرناه لاستلزامه قطع الفريضة، بناءا على حرمته. المقام الثاني في ادراكه في خصوص السجدة الثانية من الركعة الاخيرة. والاقوى حينئذ جواز الايتمام، لدلالة النص الصحيح عليه وهو: صحيح محمد بن مسلم قال: " قلت له: متى يكون يدرك الصلاة مع الامام؟ قال: إذا ادرك الامام وهو في السجدة الاخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الامام " (1).


(1) * الوسائل: الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 153 ]

[ (مسألة - 30): إذا حضر المأموم الجماعة فرأى الامام راكعا، وخاف ان يرفع الامام رأسه ان التحق بالصف نوى وكبر في موضعه (1). ] واحتمال كون المراد به مجرد الانتهاء إلى الامام وهو في السجدة الاخيرة، بأن يشاهده كذلك من دون الايتمام به، فيكون ذلك كافيا في ادراك فضل الجماعة - كما ترى - بعيد في الغاية، لمنافاته مع (الادراك) في قوله (عليه السلام): " إذا ادرك الامام. " فان ادراك الامام بما هو امام لا يطلق الا عند الايتمام به. واتصافه بالمأمومية، ولا يكون مجرد مشاهدته اماما بدون الاقتداء به من الادراك في شئ. كما ان احتمال الافتقار إلى استئناف التكبير، وعدم دلالة الرواية على الاجتزاء بالاولى، في غاية البعد، ومخالف جدا لظهورها العرفي كما لا يخفى. نعم مقتضى الاحتياط هو الاتيان بتكبيرة مرددة بين تكبيرة الافتتاح والذكر المطلق كما سبق. (1) بلا خلاف فيه، بل اجماعا كما ادعاه غير واحد. وتقتضيه جملة من النصوص: منها - صحيحة محمد بن مسلم، عن احدهما (عليهما السلام): " انه سأل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة، فقال: يركع قبل ان يبلغ القوم، ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم " (1).


(1) الوسائل: الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 154 ]

ومنها - صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله، قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت انك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل ان تدركه، فكبر واركع، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فإذا قام فالحق بالصف، فإذا جلس فاجلس مكانك، فإذا قام فالحق بالصف " (1). وهي كالاولى في الدلالة، وان افترق عنها في موضع المشي. ومنها - موثقة اسحاق بن عمار، قال: " قلت لابي عبد الله (ع) ادخل المسجد وقد ركع الامام فاركع بركوعه وانا وحدي واسجد فإذا رفعت رأسي أي شئ أصنع؟ فقال: قم فاذهب إليهم، وان كانوا قياما فقم معهم، وان كانوا جلوسا فاجلس معهم " (2). وربما يستدل له ايضا بصحيحة معاوية بن وهب: قال: " رايت أبا عبد الله (عليه السلام) يوما وقد دخل المسجد لصلاة العصر فلما كان دون الصفوف ركعوا فركع وحده، ثم سجد السجدتين، ثم قام فمضى حتى لحق الصفوف ". (3) وأورد صاحب الحدائق (قده) على عدها من اخبار الباب والاستدلال بها كما عن الاصحاب (قدهم) بايراد متين، حاصله: ان ايتمامه (عليه السلام) انما كان بالمخالف، كما تقتضيه طبيعة الحال، فتكون الصلاة للتقية، وهي بصورة الجماعة وواقعها انفرادية ولذا تجب القراءة فيها ولو بمثل حديث النفس، فهو (عليه السلام)


(1) الوسائل: الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) الوسائل: الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (3) الوسائل: الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 155 ]

[ وركع ثم مشى في ركوعه (1)، أو بعده، أو في سجوده أو بعده، أو بين السجدتين، أو بعدهما، أو حال القيام للثانية إلى الصف سواء كان لطلب المكان الافضل، أو للفرار عن كراهة الوقوف في صف وحده، أو لغير ذلك. ] كان مؤتما صورة ومنفردا حقيقة وعليه فكما أن اصل الصلاة معهم كان للتقية جاز ان يكون ما فعله من المشي حال الصلاة والالتحاق بالصف ايضا للتقية، لموافقته لمذهب العامة. فلا يمكن الاستدلال بها. وكيفما كان: ففي ما تقدم ذكره من الصحيحتين والموثقة غنى وكفاية، مضافا إلى تسالم الاصحاب (قدهم) على الحكم كما عرفت. (1) كما تقتضيه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1)، لقوله (ع) " يمشي وهو راكع. " وظاهره تعين ذلك وان اغتفار البعد خاص بمرحلة الحدوث، ويجب الالتحاق في حال الركوع بقاءا. فلو كنا نحن والصحيحة لحكمنا بلزوم العمل بمقتضاها. غير ان صحيحة عبد الرحمان المتقدمة (2) تضمنت توقيت ذلك بحال رفع الامام رأسه عن سجوده، أو قيامه للركعة التالية وقريب منها الموثقة المتقدمة (3) أيضا. ومقتضى الجمع بينهما: هو التخيير وجواز الالتحاق في كل من


(1) تقدمت في ص 153. (2) تقدمت في ص 154. (3) تقدمت في ص 154.

[ 156 ]

[ وسواء كان المشي إلى الامام، أو الخلف (1). أو احد ] الموضعين. وبمقتضى الفهم العرفي يستفاد منها: جواز الالتحاق بالصف فيما بين الحدين ايضا فان الترخيص في التأخير إلى حال القيام ظاهر عرفا في جواز الالتحاق في أي جزء يتخلل فيما بين حال الركوع وحال القيام للثانية. وبكلمة اخرى: من المحتمل قادحية عدم الالتحاق فيما بين الحدين، واما قادحية الالتحاق فيه فهي غير محتملة اصلا كما لا يخفى. وعليه فيجوز له الالتحاق في جميع المواضع المذكورة في المتن، فانها وان لم تكن منصوصا عليها غير ان حكمها مستفاد من النصوص المتقدمة بالتقريب المذكور. (1) عملا باطلاق النصوص. وقد يتخيل: المنع عن المشي إلى الخلف، لصحيحة محمد بن مسلم، قال: " قلت له الرجل يتأخر وهو في الصلاة؟ قال: لا. قلت: فيتقدم؟ قال: نعم، ماشيا إلى القبلة " (1). وفي بعض النسخ: (ما شاء) بدل (ماشيا). ويتوجه عليه: ان مفاد الصحيحة المنع عن التأخر في مطلق الصلوات، من دون فرق بين الجماعة والفرادي، فلم ترد لخصوص حكم المقام، وان ادرجها صاحب الوسائل (قده) في روايات الباب. ولاشك في جواز التأخر للمنفرد، لعدم كونه من قواطع الصلاة بالضرورة.


(1) الوسائل: باب 46 من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 157 ]

[ الجانبين، بشرط ان لا يستلزم الانحراف عن القبلة (1) وان لا يكون هناك مانع آخر (2)، من حائل أو علو أو نحو ذلك. نعم لا يضر البعد. ] وعليه فلابد من حملها - ولو بقرينة الذيل الدال على جواز المشي إلى القبلة - على ما إذا كان التأخير مستلزما للاستدبار أو الانحراف عن القبلة كما هو المتعارف، وأما المشي بنحو القهقرى المبحوث عنه في المقام فهو غير مشمول للصحيحة، ومقتضى الاطلاق السالم عن المعارض هو جوازه كما لا يخفى. (1) لما دل على اعتبار الاستقبال، وعدم ما يدل على اغتفاره هنا. فلابد وان يكون المشي بنحو لا يستلزم الاستدبار أو الانحراف عن القبلة، ولو بنحو القهقهرى تحاشيا من ذلك. (2) قد يقال بشمول الحكم لما إذا كان هناك مانع آخر ايضا مما ذكر في المتن، لاطلاق النصوص، وقد يدعى اختصاصه بما إذا لم يكن مانع آخر، حتى البعد المانع من الالتحاق اختيارا، فان هذا الحكم بمثابة الاستثناء من كراهة الانفراد بالصف في الجماعة إذا كانت فرجة فيها، وليس استثناءا من التباعد. وربما ينسب هذا القول إلى المشهور، بل استظهر في الجواهر عن بعض مشايخه دعوى الاتفاق عليه، والمبالغة في تشييده، والانكار على من زغم الاستثناء من التباعد. وفصل شيخنا الانصاري (قده) بين البعد وبين غيره من الموانع فخص الاغتفار بالاول. وهو جيد جدا، فان النصوص مسوقة لبيان

[ 158 ]

العفو من جهة البعد فقط، ولا نظر لها إلى صورة الاقتران ببقية الموانع كي ينعقد لها اطلاق بالاضافة إليها، فيكون اطلاق ادلة الموانع من الحائل ونحوه هو المحكم، بعد فرض سلامته عن التقييد. وأما البعد المفروض قدحه اختيارا، فلا ينبغي الاشكال في كونه مشمولا للنصوص، لو لم يكن هو موردها، فان قوله (ع) في صحيحة ابن مسلم المتقدمة: (قبل أن يبلغ القوم)، وفي صحيحة عبد الرحمان: (ان مشيت إليه)، وفي الموثقة. (فاذهب إليهم) يعطينا الظهور القوي في ورود النصوص فيمن يريد الاقتداء وهو بعيد من القوم، بحيث يصدق في حقه: انه لم يبلغهم، لوجود الفاصل بينه وبينهم بمسافة تعد بالامتار، بحيث يحتاج الوصول إليهم إلى المشي والذهاب، دون مجرد التخطي والانسحاب من صف إلى صف، فان المنفرد بالصف بالغهم لا أنه لم يبلغهم بعد خصوصا على القول باعتبار ان لا يكون الفصل في الجماعة باكثر مما يتخطى، فان هذه النصوص كالصريحة في ارادة البعد باكثر من هذا المقدار كما لا يخفى. وكيفما كان: فلا ينبغي الترديد في قصر النظر في هذه النصوص على الاستثناء من ادلة مانعية التباعد، فيكون حملها على الاستثناء من كراهة الانفراد بالصف بعيدا عن مساقها جدا، وان نسب القول به إلى المشهور. ويزيدك وضوحا: قوله (ع) في صحيحة محمد بن مسلم -: (ويمشي وهو راكع) فان الامر بالمشي الظاهر في الوجوب انما يستقيم على ما استظهرناه، لوضوح عدم وجوب المشي على المنفرد

[ 159 ]

[ الذي لا يغتفر حال الاختيار، على الاقوى، إذا صدق معه القدوة (1)، وان كان الاحوط اعتبار عدمه أيضا. والاقوى عدم وجوب جر الرجلين حال المشي (2)، بل له المشي متخطيا على وجه لا تنمحي صورة الصلاة. ] بالصف لا تصاله بالقوم، فلا يجب ذلك إلا على البعيد تحقيقا للاتصال بهم. وحمله على الاستحباب خلاف الظاهر، من دون قرينة عليه. وعلى الجملة: تخصيص الحكم بالبعد غير المغتفر اختيارا كتعميمه لسائر الموانع من الحائل ونحوه مما لا وجه له، والمتعين هو التفصيل الذي ذكره الشيخ (قده) كما عرفت. (1) بأن يكون العرف حاكما بوحدة الجماعة، غير ان بعض افرادها متأخر عن الصفوف. وأما البعد الفاحش - كمقدار ماءة متر أو أكثر مثلا - المانع عن الصدق المزبور فغير مشمول للنصوص لانصرافها إلى البعد المتعارف كما لا يخفى. (2) كما هو المشهور، وهو الصحيح عملا باطلاق النصوص. وذهب جماعة إلى وجوب جر الرجلين، لما رواه الصدوق (قده) مرسلا: " وروى: انه يمشي في الصلاة، يجر رجليه ولا يتخطى " (1). ولكنها - مضافا إلى عدم ورودها في خصوص المقام لتصلح لتقييد المطلقات بها - ضعيفة السند للارسال، مع ان الصدوق (قده)


(1) الوسائل: الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 160 ]

[ والاحوط (1) ترك الاشتغال بالقراءة والذكر الواجب أو غيره، مما يعتبر فيه الطمأنينة حاله ولا فرق في ذلك بين المسجد وغيره (2). ] لم يسندها إلى المعصوم (ع). ليكشف ذلك عن اعتبارها سندا، بحيث كان في غنى عن التصريح برجال السند، كما كنا نعتمد عليه سابقا في حجية مراسيله (قده)، وانما اكتفى بالقول: (وروى) فهي مرسلة ضعيفة السند، غير صالحة للاستدلال بها بوجه. (1) اختار صاحب الحدائق (قده) الجواز، مدعيا: ان مقتضى اطلاق النصوص سقوط اعتبار الطمأنينة في المقام، فلو اختار المشي راكعا أو ساجدا جاز له الاتيان بذكري الركوع والسجود. أو قائما جازت له القراءة ماشيا، كما لو كان المأموم مسبوقا والظاهر عدم الجواز، لما عرفت من اختصاص النصوص بالعفو من جهة البعد فقط. بلا نظر فيها إلى بقية الموانع والشرائط، فلا ينعقد لها اطلاق بالاضافة إلى ذلك لتدل على الغائها في المقام، فيكون اطلاق دليل اعتبار الطمأنينة كصحيحة بكر بن محمد الازدي وغيرها المتقدمة في محله - المقتضي للكف عن القراءة والذكر حال المشي محكما، بعد فرض سلامته عن التقييد. (2) فان النصوص وان اشتملت على ذكر المسجد، إلا انه وقع في كلام السائل دون الامام (عليه السلام) ليتوهم اختصاص الحكم به، وواضح: ان نظر السائل متوجه إلى استعلام حكم الجماعة عند

[ 161 ]

الخوف من عدم ادراك ركوع الامام، بلا خصوصية للمكان، وذكر المسجد من باب ان المتعارف هو انعقادها فيه، كما هو الغالب فلا مجال للترديد في الاطلاق.

[ 162 ]

[ فصل في شروط الجماعة يشترط في الجماعة مضافا إلى ما مر في المسائل المتقدمة امور: (احدها): ان لا يكون بين الامام والمأموم حائل يمنع عن مشاهدته وكذا بين بعض المأمومين مع الآخر ممن يكون واسطة في اتصاله بالامام (1) كمن في صفه من طرف الامام أو قدامه إذا لم يكن في صفه من يتصل بالامام فلو كان حائل ولو في بعض احوال الصلاة من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود بطلت الجماعة من غير فرق في الحائل بين كونه جدارا أو غيره، ولو شخص انسان لم يكن مأموما. ] (1) على المشهور والمعروف بل ادعى عليه الاجماع صريحا في كلمات غير واحد.

[ 163 ]

والمستند في ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة بطرقهم الصحيحة عن زرارة، فقد روى الفقيه باسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام انه قال ينبغي ان تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها إلى بعض لا يكون بين الصفين مالا يتخطى يكون قدر ذلك مسقط جسد انسان إذا سجد. قال وقال أبو جعفر (ع): " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام مالا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام، وأي صف كان اهله يصلون بصلاة الامام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم مالا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، وان كان سترا أو جدارا فليس لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب قال وقال هذه المقاصير إنما احدثها الجبارون وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة. " الخ (1). والمذكور في الوسائل بدل قوله (وان كان سترا أو جدارا) هكذا: (وان كان شبرا أو جدارا)، لكن الموجود في الفقيه ما اثبتناه. كما ان المذكور في الوسائل (باب 59) قبل قوله: قاله وقال هذه المقاصير، هكذا: " قال إن صلى قوم بينهم وبين الامام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب " واسندها إلى المشايخ الثلاثة. ولكن هذه الفقرة بهذه الكيفية الظاهرة في اختصاص الحكم بما بين الامام والمأمومين - غير موجودة لا في الفقيه ولا الكافي ولا التهذيب والصحيح ما ذكرناه. هذا ما يرجع إلى رواية الفقيه، ورواها في الكافي وكذا الشيخ عنه - عن زرارة بمثل ما تقدم غير انها تختلف عن رواية


(1) الفقيه ج 1 ص 153 الوسائل: باب 62 و 59 من أبواب صلاة الجماعة جامع الاحاديث ج 6 ص 476.

[ 164 ]

الفقيه في موارد: منها: ان الكافي صدر الحديث بقوله: إن صلى قوم وبينهم وبين الامام إلى قوله بصلاة من فيها صلاة، وعقبه بجملة ينبغي ان تكون الصفوف تامة إلى قوله " إذا سجد " المذكورة في صدر رواية الفقيه مع الاختلاف بينهما ايضا في الاشتمال على كلمة " إذا سجد " فان الكافي خال عنها. ومنها: زيادة كلمة (قدر) في رواية الكافي والتهذيب فذكر هكذا: (وبين الصف الذي يتقدمهم قدر مالا يتخطى) وعبارة الفقيه خالية عن هذه الكلمة كما سبق. ومنها: ان الموجود في الكافي والتهذيب بدل قوله: " وان كان سترا أو جدارا) هكذا: (فان كان بينهم سترة أو جدار) بتبديل العطف بالواو إلى العطف بالفاء. وكيفما: كان فقد تضمن صدر الحديث اعني قوله (ع) ينبغي أن تكون الصفوف. الخ اعتبار عدم البعد بين الصفين بما لا يتخطى الذي قدره بعد ذلك بمسقط جسد الانسان إذا سجد. وسيأتي التعرض لهذا الحكم فيما بعد عند تعرض الماتن له إن شاء الله تعالى. إنما الكلام في قوله (ع) بعد ذلك: إن صلى قوم وبينهم وبين الامام مالا يتخطى. الخ وانه ما المراد بالموصول؟ فقيل انه الجسم أو الشئ المانع عن التخطي، فتدل على قادحية الحائل الموجود بين المأموم والامام الذي لا يمكن التخطي معه، وان امكن لولاه لقلة المسافة بينهما بما لا تزيد على الخطوة. وقيل: ان المراد به البعد ولانظر هنا إلى الحائل بوجه، وإنما

[ 165 ]

المقصود اعتبار ان لا تكون الفاصلة والمسافة بين المأموم والامام بمقدار لا يختطى. وقيل: إن المراد هو الجامع بين الامرين، اي لا تكون الحالة بينهما بمثابة لا تتخطى سواء أكان عدم التخطي ناشئا من البعد أو من وجود الحائل. والاظهر هو الثاني بقرينة الصدر والذيل، فان هذه الكلمة (مالا يتخطى) قد ذكرت سابقا ولاحقا، ولا شك ان المراد بها فيهما هو البعد وكمية الفاصلة، فكذا هنا لاتحاد السياق. اما الصدر فقوله (ع): لا يكون بين الصفين مالا يتخطى يكون قدر ذلك مسقط جسد انسان، فان المراد بالموصول هنا البعد والمقدار بلا اشكال، بقرينة تقديره يعد ذلك بمسقط جسد الانسان الذي هو بمنزلة التفسير لما لا يتخطى. واما الذيل فهو قوله (ع): وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر مالا يتخطى بناءا على رواية الكافي وهي اضبط والتهذيب المشتملة على كلمة (قدر) كما مر، فان كلمة قدر مالا يتخطى كالصريح في ارادة البعد والتقدير دون الحائل. وعلى الجملة: فلا ينبغي التأمل في ان هذه الفقرة ناظرة إلى التحديد من حيث البعد فقط. هذا مضافا إلى ذكر هذه الكلمة في آخر الصحيحة ايضا، ولا يراد بها هناك إلا البعد قطعا. قال (ع): " أيما امرأة صلت خلف امام وبينها وبينه مالا يتخطى فليس تلك بصلاة " إذ لا يحتمل ان يراد بها الحائل لجوازه بين النساء والرجال في الجماعة بلا اشكال. وهذه قرينة اخرى على ما استظهرناه.

[ 166 ]

واما قوله (ع) بعد ذلك: وان كان سترا أو جدارا. الخ فظاهر بمقتضى العطف بالواو في بيان حكم جديد غير مرتبط بسابقه وهو اعتبار عدم الحائل بين الصف المتقدم والمتأخر من ستر أو جدار ونحوهما فتدل الصحيحة بفقرتيها على شرطين مستقلين: احدهما عدم البعد بما لا يتخطى، والآخر عدم وجود الحائل بين الصفين. نعم: بناءا على رواية الكافي والتهذيب المشتملة على العطف بالفاء كما مر فقد يقال بعدم اشتمال هذه الفقرة على حكم جديد وانها من شئون الفقرة السابقة وتوابعها بمقتضى التفريع، وبذلك يستظهر ان المراد بالموصول في مالا يتخطى هو الحائل ليستقيم التفريع المزبور، إذ لو اريد به البعد فلا ارتباط بينه وبين مانعية الستر والجدار ليتفرع احدهما على الآخر فلا يحسن العطف بالفاء حينئذ. وفيه: اولا انه لا موقع للتفريع حتى لو اريد بما لا يتخطى الحائل لاستلزامه التكرار الذي هو لغو ظاهر، إذ بعد بيان اعتبار ان لا يكون حائل لا يتخطى معه فيستفاد منه اعتبار عدم وجود الساتر والجدار بالاولوية القطعية، فالتعرض له لاحقا تكرار (1) عار عن الفائدة ومستلزم للغوية كما عرفت. وثانيا: انه قد حكى عن بعض نسخ الوافي نقل الرواية عن الكافي مع الواو كما في الفقيه. وثالثا: لو سلم اشتمال النسخة على الفاء فالتفريع ناظر إلى صدر الحديث لا إلى الفقرة السابقة كي لا يكون ملائما مع ما استظهرناه.


(1) يمكن أن يقال ان ظاهره ارادة المثال وتفريع المثال على الممثل شايع في الاستعمالات، فلا تكرار ولو كان فلا بشاعة فيه.

[ 167 ]

وتوضيحه انه (ع) ذكر في الصدر (1) انه ينبغي ان تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها إلى بعض، وهذا هو الذي يساعده الاعتبار في صدق عنوان الجماعة عرفا، إذ لو كان المأمومون متفرقين بعضهم في شرق المسجد، والآخر في غربه، وثالث في شماله، والآخر في ناحية اخرى لا يصدق معهم عنوان الجماعة المتخذة من الاجتماع المتقوم بالهيئة الاتصالية بحيث كان المجموع صلاة واحدة. ثم فرع (ع) على ذلك امرين معتبرين في تحقق الاتصال بحيث يوجب فقدهما الانفصال وتبعثر الجماعة وسلب الهيئة الاتصالية التي اشار إلى اعتبارها في الصدر احدهما عدم البعد بمقدار لا يتخطى فلا تكون المسافة ازيد من الخطوة، وثانيهما عدم وجود الحائل من ستر أو جدار فكلا الحكمين متفرعان على الصدر لا ان احدهما متفرع إلى الآخر. واشار (ع) بعد ذلك تفريعا على اعتبار عدم الستر والحائل إلى عدم صحة الاقتداء خلف من يصلي في المقاصير التي احدثها الجبارون والمقصورة: قبة تصنع فوق المحراب، ابتدعتها الجبابرة بعد مقتل مولانا أمير المؤمنين (ع) صيانة عن الاغتيال، فلاجل انها تستوجب الحيلولة بين الامام والمأمومين منع (ع) عن الاقتداء بمن فيها. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الصحيحة متكفلة ببيان حكمين:


(1) هذا الصدر غير مذكور في رواية الكافي التي هي محل الكلام وانما هو مذكور في رواية الفقيه كما تقدم، هذا وسيأتي الكلام حول مفاد الصحيحة وفقه الحديث مرة اخرى في ذيل الشرط الثالث ربما يغاير المقام فلاحظ

[ 168 ]

احدهما اشتراط عدم البعد وسيجئ البحث حول هذا الشرط عند تعرض الماتن ان شاء الله تعالى. ثانيهما: اشتراط عدم الستار والحائل لابين الامام والمأموم ولا بين الصف المتقدم والمتأخر ولابين المأموم ومن هو واسطة الاتصال بينه وبين الامام كما في الصف الاول أو المتأخر إذا كان اطول، فالستار مانع في جميع هذه الفروض للاطلاق في قوله (ع) على رواية الكليني - وهي اضبط - " فان كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة " فان كلمة بينهم تكشف عن عموم الحكم للامام والمأموم وللمأمومين انفسهم كما لا يخفى. وقد اشرنا إلى ان الصحيحة على النحو الذي رواها في الوسائل المشعر باختصاص الحكم بما بين الامام والمأمومين لم توجد في شئ من الكتب الثلاثة فتذكر. هذا وربما تعارض الصحيحة بموثقة الحسن بن الجهم قال سألت الرضا (ع) عن الرجل يصلي بالقوم في مكان ضيق ويكون بينهم وبينه ستر أيجوز ان يصلي بهم؟ قال: نعم (1) ويقال ان مقتضى الجمع العرفي حمل الصحيحة على الاستحباب فيراد من قوله (ع) فيها: " فليس لهم بصلاة " نفي الكمال كما في قوله (ع): لاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد، لا ينفي الصحة لتدل على المانعية. وفيه اولا: ان الموثق مضطرب المتن فحكي تارة كما اثبتناه واخرى كما عن بعض نسخ الوافي بتبديل الستر بالشبر (بالشين المعجمة والباء الموحدة) ولعل الثاني اقرب إلى الصحة واوفق بالاعتبار لكونه الانسب بفرض ضيق المكان، فان المأموم إذا كان


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 169 ]

وحده يصلي على احد جانبي الامام وجوبا أو استحبابا. وإذا كان امرأة أو أكثر من الواحد يقف خلفه وجوبا ايضا أو استحبابا. والمفروض في الموثق تعدد المأمومين لقوله (يصلي بالقوم) فيلزم على الرجل ان يقف خلف الامام ولكن حيث ان المكان ضيق فلا يسعه الوقوف إلا على جانب الامام فسئل حينئذ ان الفصل بينه وبين الامام إذا كان بمقدار الشبر فهل تجوز الصلاة؟ فأجاب (ع) بقوله: نعم، فالمعنى إنما يستقيم على هذا التقدير، وإلا فالسؤال عن وجود الساتر لا يرتبط مع فرض ضيق المكان كما لا يخفى. وعليه فالموثق اجنبي عما نحن فيه. وثانيا: على تقدير كون النسخة هو الستر فحيث ان الجواز مع الحائل هو المعروف من مذهب العامة فالموثق محمول لا محالة على التقية كما ذكره في الوسائل فلا تنهض لمعارضة الصحيحة. ولكن هذا الجواب مبني على التأييد، إذ مع امكان الجمع العرفي بالحمل على الاستحباب كما مر لا تصل النوبة إلى المرجح الجهتي. والعمدة في الجواب ما ذكرناه اولا من استظهار كون النسخة هو الشبر، ومع التنزل فلا اقل من الشك والترديد فلم يثبت كونها الستر كي تقاوم الصحيحة وتعارضها. ثم ان هناك فروعا تتعلق بالمقام تعرض إليها الماتن في طي المسائل الآتية بعد انتهائه عن ذكر الموانع وكان الانسب التعرض لها هنا. منها: انه هل يكفي في مانعية الحائل وجوده آناما ام لابد وان يكون مستمرا من ابتداء الصلاة إلى انتهائها. الظاهر هو الاول لاطلاق النص. فان الصحيحة دلت على ان

[ 170 ]

السترة مانع ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين صورتي الاستمرار وعدمه، فهي بوجودها تمنع سواء ارتفعت بعد ذلك أم لا، كانت قبل ذلك ام لا، فمهما وجد الحائل بطلت الجماعة وانقلبت الصلاة فرادى بطبيعة الحال. ومنها: انه هل يعتبر في الحائل حيلولته في جميع حالات الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود أم يكفى كونه كذلك ولو في بعض الاحوال دون البعض لقصره؟. لا ينبغي الشك في ان السترة التي هي الموضوع للحكم في النص إنما تطلق في مورد يكون قابلا للرؤية وصالحا للمشاهدة، بحيث يستند عدمها إلى وجود الستار، اما إذا كانت الحالة بمثابة لا تصلح للرؤية في حد نفسها ولو من غير سترة كحالة السجود أو الهوي إليه قريبا منه فلا يصدق انه هناك سترة بين الامام والمأموم. وعليه: فلو كان الحائل قصيرا بمقدار شبر أو اكثر بحيث لا يكون مانعا عن الرؤية حالة الجلوس فمثله غير قادح في الصحة لعدم تحقق الحيلولة المانعة عن المشاهدة في المورد القابل لها. واما إذا كان الحائل اطول من ذلك بحيث منع عن الرؤية حال الجلوس أو الركوع وان لم يكن كذلك حال القيام فالاقوى حينئذ هو البطلان لاطلاق النص، إذ يصدق عندئذ ان بينهم سترة أو جدارا بعد ان لم يكن مقيدا بحالة دون آخرى، فاطلاقه يعم جميع الحالات الصالحة للرؤية. ولكن هذا كله بناءا على رواية الكافي التي ذكر فيها (ان صلى قوم بينهم وبين الامام سترة أو جدار) واما بناءا على رواية الفقيه

[ 171 ]

التي ورد فيها " وان كان سترا أو جدارا " بعد قوله " مالا يتخطى " فحيث ان اسم كان ضمير عائد إلى الموصول فلا جرم يكون مفادها اختصاص الساتر الممنوع بالمقدار الذي لا يتخطى، فلا مانعية للساتر الذي يتخطى كما إذا كان بمقدار ثلاثة اشبار، وحيث لم يثبت الترجيح فيكون المرجع بعد التعارض والتساقط اصالة عدم المانعية للساتر الذي يتخطى وان كان حائلا ومانعا عن المشاهدة في بعض الحالات. إذا فالمتعين اختصاص المانعية بالساتر الذي لا يتخطى خاصة ويكون الحكم في الزائد عليه وان منع عن المشاهدة وصدق عليه عنوان الحائل بل الساتر مبنيا على الاحتياط كما اشار إليه سيدنا الاستاد " دام ظله " في تعليقته الشريفة فتدبر جيدا. ومنها: انه هل يشمل الحكم الحائل غير المانع عن الرؤية وان منع عن الاستطراق كالجدار المصنوع من الزجاج أو المشتمل على الشباك، أو على الثقوب الكثيرة غير المانعة عن المشاهدة في شئ من الحالات الصالحة لها. قد يقال بالشمول استنادا إلى صدق الحائل واطلاق الجدار المذكور في النص. أقول: لفظ الحائل لم يرد في شئ من النصوص حتى يتكلم في سعة المفهوم وضيقه، وانما الوارد لفظ (السترة) التي هي بمعنى الستار والحجاب، ومنه الستارة التي تطلق على ما يوضع اطراف السطوح لاجل الحجب والستر عن الجيران. ومن الواضح اعتبار المنع عن الرؤية والمشاهدة في صدق هذا المفهوم. واما الجدار المعطوف على السترة في النص فالصحيح ما ذكره

[ 172 ]

شيخنا الانصاري (قده) من ان المقابلة بينهما انما هي باعتبار ذات الساتر، بمعنى ان الساتر قد يكون جدارا وقد يكون غيره لا باعتبار اصل الستر كي يكون الجدار بنفسه موضوعا مستقلا للحكم وراء السترة حتى يتمسك باطلاقه من حيث كونه ساترا وعدمه. وإن شئت فقل ان التقابل من قبيل عطف الخاص على العام، فأفراد الجدار بالذكر من اجل انه أحد مصاديق الستار الغالبة لا لخصوصية فيه في حد نفسه ليكون من حيث هو مناطا للحكم فتمام الموضوع انما هو عنوان الستار فحسب، وقد عرفت اختصاصه بما يمنع عن المشاهدة. وعليه فلا بأس بحيلولة الزجاج أو الشباك بل الجدار المشتمل على الثقوب الكثيرة، ولعل الارتكاز العرفي ايضا يساعد على ذلك فان حيلولة الامور المذكورة لا تقدح في صدق وحدة المكان عرفا إذ يصدق على المجلس المشتمل على مثل ذلك بحيث يرى من هذا الجانب كل من في ذاك الجانب أو اكثرهم انه مجلس واحد ومحفل فارد، وانما تتعدد الجلسة عرفا بوجود الحائل المانع عن المشاهدة. فغير المانع عنها لا يضر بصدق الاجتماع فلا يقدح في صحة الجماعة. ومما ذكرنا تعرف ان ما افاده في المتن في (المسألة 2، 3، 5) من المنع في الموارد المذكورة استنادا إلى صدق الحائل في غير محله لما عرفت من عدم ورود هذا العنوان في شئ من النصوص وانما الاعتبار بالستار غير الصادق على المقام. ثم ان ما استظهرناه تبعا لشيخنا الانصاري (قده) من ان الجدار المذكور في النص في مقابل السترة من قبيل عطف الخاص على العام

[ 173 ]

وليس بنفسه موضوعا مستقلا للحكم هو الصحيح الذي يساعده الفهم العرفي فلا مجال للتمسك باطلاقه كما مر. وعلى تقدير التنزيل فلا ريب في عدم الظهور في الخلاف بل غايته الاجمال والدوران بين كونه موضوعا مستقلا حتى يتمسك باطلاقه أم لاكي يكون الاعتبار بنفس الستار فلا محالة تسقط الرواية عن الاستدلال، وتنتهي النوبة حينئذ إلى التمسك بالاصل اللفظي أو العملي، فان بنينا على ثبوت الاطلاق في دليل مشروعية الجماعة من هذه الجهة كما لا يبعد فهو المطلوب فيقتصر في تقييده على ما إذا كان الحائل ساترا، وأما لو انكرنا ذلك فينتهي الامر حينئذ إلى الاصل العملي. وقد ذكر المحقق الهمداني (قده) ان مقتضاه هو البراءة من مانعية الحائل غير الساتر أو عن شرطية عدمه في صحة الجماعة. وهذا بظاهره ربما لا يخلو عن الاشكال حيث ان الجماعة سنة وليست بفريضة فليس في موردها تكليف مشكوك كي يتمسك في نفيه باصالة البراءة الشرعية أو العقلية بل الجماعة عند استجماع شرائطها موضوع لاحكام خاصة من سقوط القراءة واغتفار زيادة الركن أو السجود لاجل التبعية ورجوع كل من الامام والمأموم إلى الآخر لدى الشك في الركعات. فعند الشك في استجماع الشرائط كان المتبع اطلاق الادلة الاولية لتلك الاحكام الراجع إلى اصالة عدم مشروعية الجماعة. هذا ولكن الاقوى صحة الرجوع إلى اصالة البراءة في المقام فان الجماعة بنفسها مصداق للواجب وأحد فرديه وليس شيئا اجنبيا عنه يسقط به الفرض كالسفر بالنسبة إلى الصوم، بل هو متحد معه اتحاد

[ 174 ]

الطبيعي مع افراده، غايته ان الواجب إنما هو الجامع المنطبق عليها تارة وعلى الفرادى اخرى، فهما من قبيل الواجب التخييري كالقصر والتمام في مواطن التخيير، وكالظهر والجمعة على القول بالتخيير بينهما، وقد ذكرنا في محله انه لا معنى للوجوب التخييري إلا تعلق الحكم بالجامع بين احد الفردين أو الافراد سواء أكان مقوليا متأصلا أم امرا اعتباريا كعنوان أحد الامرين أو الامور كما في خصال الكفارات. وعلى الجملة: فالواجب في المقام انما هو الجامع المنطبق على كل من الفردين، فكل من الجماعة والفرادي عدل للواجب، ولكل منهما حكم يخصه. وعليه فمرجع الشك في اعتبار قيد في صحة الجماعة كعدم وجود الحائل وان لم يكن ساترا إلى الشك في متعلق التكليف في مقام الجعل وان الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى وبين مطلق الجماعة أم لوحظ بينها وبين الجماعة المقيدة بعدم الاشتمال على الحائل وان لم يكن ساترا، ولا ريب ان اللحاظ على النحو الثاني يتضمن كلفة زائدة، وبما انها مشكوكة حسب الفرض فتدفع باصالة البراءة العقلية والنقلية. وهذا الاصل حاكم على اصالة عدم المشروعية كما لا يخفى. وبذلك تثبت مشروعية الجماعة وان كانت فاقدة لذلك القيد. بقيت هناك فروع أخر تتعلق بالمقام نتكلم عليها عند تعرض الماتن لها في المسائل الآتية ان شاء الله تعالى.

[ 175 ]

[ نعم إنما يعتبر ذلك إذا كان المأموم رجلا، أما المرأة فلا بأس بالحائل بينهما وبين الامام أو غيره من المأمومين مع كون الامام رجلا (1). ] (1) على المشهور، بل عن التذكرة نسبة استثناء المرأة عن هذا الحكم إلى علمائنا والمستند في ذلك موثقة عمار قال سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي بالقوم وخلفه دار وفيها نساء هل يجوز لهن ان يصلين خلفه؟ قال: نعم ان كان الامام اسفل منهن، قلت: فان بينهن وبينه حائطا أو طريقا، فقال: لا بأس (1) فان ذيلها صريح في عدم قدح حيلولة الحائط بينهن وبين الامام، ويستفاد من ذلك عدم قادحية الحائل بينهن وبين المأمومين الذين هم واسطة الاتصال بينهن وبين الامام كما لا يخفى. وبذلك يرتكب التخصيص في صحيحة زرارة المتقدمة المانعة عن وجود الحائل بين الامام والمأموم، وكذا بين المأمومين انفسهم ويلتزم باستثناء المرأة عن هذا الحكم. هذا. ولم ينسب الخلاف في المسألة الا إلى الحلي وهو مبني على مسلكه من عدم العمل بأخبار الآحاد سيما إذا لم يكن صحيحا بالمعنى المصطلح عند المتأخرين فان الرواة الواقعين في اواخر سند هذه الرواية من الفطحيين فهي موثقة لا صحيحة، وحيث بنينا على حجية الخبر الواحد من غير فرق بين الموثق والصحيح فلا مناص من الالتزام بهذا


(1) الوسائل: باب 60 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 176 ]

الاستثناء جمعا بين الموثق والصحيحة المتقدمة كما عرفت. وهل ينسحب الحكم فيما إذا كان الامام امرأة فلا مانع من وجود الحائل بينهن وبين الامام، وكذا بين المأمومات انفسهن، وان كان الامام رجلا فلا مانع من وجود الحائل بينهن بعضهن مع بعض؟ الاقوى عدم الانسحاب، كما عليه الماتن (قده) في ذيل عبارته الآتية، فان صحيحة زرارة قد دلت باطلاقها على قادحية الحائل كقادحية البعد بين الامام والمأموم وبين المأمومين انفسهم من غير فرق بين الرجل والمرأة، قال (ع): ان صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام، واي صف كان اهله يصلون بصلاة الامام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم مالا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة. الخ (1). فان عنوان القوم (2) والامام والصف صادق على الذكر والانثى بل قد صرح في ذيلها بشمول الحكم من حيث البعد للمرأة فلاحظ. وقد خرجنا عن هذا الاطلاق بمقتضى موثقة عمار في خصوص صورة واحدة وهي وجود الحائل بين المرأة وبين الامام إذا كان رجلا فالتزمنا


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) حكى في لسان العرب ج 3 ص 95 عن جمع من اللغويين اختصاص القوم بالرجال مستشهدين له بقوله سبحانه " لا يسخر قوم من قوم إلى قوله ولا نساء من نساء " سورة الحجرات الآية 11 وبقول زهير وما ادري وسوف أخال أدري، أقوم آل حصن أم نساء وفي الحديث " ان نساني الشيطان شيئا من صلاتي فليسبح القوم وليصفق النساء ".

[ 177 ]

[ بشرط ان تتمكن من المتابعة (1) بأن تكون عالمة باحوال الامام من القيام والركوع والسجود ونحوها، مع ان الاحوط فيها أيضا عدم الحائل، هذا واما إذا كان الامام امرأة ايضا فالحكم كما في الرجل. (الثاني): ان لا يكون موقف الامام اعلى من موقف المأمومين (2) علوا معتدا به دفعيا كالابنية ونحوها لا انحداريا على الاصح. ] بالتخصيص في هذا القسم بمقتضى الموثق واما ما عدى ذلك اعني وجود الحائل بينهما وبين الامام إذا كان امرأة، أو بين المأمومات انفسهن فيبقى مشمولا تحت اطلاق الصحيحة بعد عدم قيام دليل على التخصيص زائدا على ما ذكر من مورد الموثق، ولا مقتضي للتعدي عن هذا المورد. (1) فان الجماعة متقومة بالمتابعة فلابد لها من العلم باحوال الامام من القيام والركوع والسجود ونحوها كي تتمكن من التبعية، فمع الجهل بذلك ليس لها ترتيب آثار الجماعة من سقوط القراءة والرجوع إلى الامام لدى الشك وزيادة الركوع أو السجود لاجل المتابعة للشك في تحقق التبعية، ومقتضى الاصل عدمها. (2) على المشهور بل عند علمائنا كما عن التذكرة وغيرها لموثقة عمار الآتية، وحكي عن الشيخ في الخلاف القول بالكراهة،

[ 178 ]

وتردد فيه المحقق في الشرايع وفي النافع، وخالف فيه صريحا صاحب المدارك. لكن خلاف الشيخ غير ثابت لاحتمال ارادته - من الكراهة المبغوضية المساوقة للحرمة كما ربما تطلق عليها في لسان الاخبار وكلمات الاصحاب، وخلاف المدارك مبني على مسلكه من تخصيص الحجية بالخبر الصحيح باصطلاح المتأخرين فان رواية عمار الواردة في المقام ليست كذلك لكون الغالب من رواتها فطحيين، وحيث بنينا على حجية الموثق كالصحيح فالرواية معتبرة سندا. نعم: طعن عليها في المدارك مضافا إلى ضعف السند - على مسلكه - بانها متهافتة المتن قاصرة الدلالة فلا يسوغ التعويل عليها في اثبات حكم مخالف للاصل. اقول: لا نرى أي تهافت في متن الرواية، ولاقصور فيها من ناحية الدلالة. نعم ربما تشتمل على بعض الفاظ لا تخلو عن شوب من الاجمال والالتباس، لكنه غير ضائر بمحل الاستدلال واليك نصها. روى الشيخ الكليني: باسناده عن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الرجل يصلي بقوم وهم في موضع اسفل من موضعه الذي يصلي فيه، فقال: ان كان الامام على شبه الدكان أو على موضع ارفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، فان كان ارفع منهم بقدر اصبع أو اكثر أو اقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل فان كان ارضا مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع وقام من خلفه اسفل منه والارض مبسوطة الا انهم في موضع منحدرة قال لا (فلا) بأس. قال: وسئل فان قام الامام اسفل من موضع من يصلي

[ 179 ]

خلفه، قال: لا بأس، قال وان كان الرجل فوق بيت أو غير ذلك دكانا كان أو غيره وكان الامام يصلي على الارض اسفل منه جاز للرجل ان يصلي خلفه ويقتدي بصلاته وان كان ارفع منه بشئ كثير " (1). فان صدرها إلى قوله (ع) لم تجز صلاتهم كما ترى صريح في المطلوب. واما قوله (ع) بعد ذلك: فان كان ارفع. الخ فجواب الشرط محذوف يعلم مما سبق، وتقديره فلا بأس، سواء أكانت إداة الشرط مصدرة بالفاء كما في الوسائل، ام كانت مع الواو كما عن الكافي، نعم على الثاني ربما يحتمل أن تكون كلمة (ان) وصلية، لكنه ساقط جزما إذ لا يلائمه قوله بعد ذلك (أو اكثر) إذ شأن ان الوصلية ادراج الفرد الخفي، ولاريب ان الاكثر من الاصبع ليس كذلك، إذ لو كان مقدار الاصبع قادحا فالاكثر منه بطريق اولى فهو من الفرد الجلي دون الخفي كما لا يخفى (2). وقوله (ع): إذا كان الارتفاع. الخ مربوط بسابقه وليست شرطية مستقلة وقد تضمنت هذه الفقرة التي هي من ملحقات الجملة السابقة تحديد الارتفاع في العلو الدفعي (التسنيمي) في قبال التسريحي الذي تعرض (ع) له عند قوله، فان كان ارضا مبسوطة. الخ لكن نسخ الرواية في هذه الفقرة مختلفة غاية الاختلاف. ففي الكافي هكذا (إذا كان الارتفاع ببطن مسيل) كما في الوسائل، وكذا عن بعض نسخ التهذيب وعن نسخة اخرى منه (يقطع مسيلا)


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) هذا وجيه لو كان (قدر الاصبع) مذكورا قبل (ان) الوصلية لا بعدها ولا سيمامع عطف الاقل على الاكثر.

[ 180 ]

وعن ثالثة (بقطع مسيل) وعن رابعة (بقدر يسير)، وعن خامسة (بقدر شبر) ونحوه عن التذكرة وعن الفقيه (يقطع سبيلا) وعن نسخة اخرى (بقطع سيل) وعن نسخة ثالثة (بقطع سبيل) وعن الذكرى (بقدر اصبع إلى شبر)، ولعل الاخير استنباط من الشهيد فنقل مضمون الرواية بمقتضى ما فهمه من النسخة الموجودة عنده المشتملة على الشبر، أو انها وصلت إليه كذلك بطريق يخصه، والا فالرواية بهذه العبارة لم توجد في شئ من نسخ كتب الحديث. وكيفما كان: فمن اجل ذلك وقع الاختلاف في تحديد مقدار العلو. فعن جماعة ولعله الاكثر أو المشهور تحديده بالشبر ترجيحا للنسخة المشتملة عليه، لكن الترجيح لم يثبت لافيها ولا في غيرها من ساير النسخ، إذ لا شاهد عليه في شئ منها. ومن ثم قدره بعضهم بما لا يتخطى اعراضا عن هذه الرواية المضطربة واعتمادا على صحيحة زرارة المتقدمة المشتملة عليه. وفيه: انها ناظرة إلى البعد دون العلو كما تقدم، وتأتي الاشارة إليه قريبا إن شاء الله تعالى. والتحقيق: هو التحديد بالشبر لا لترجيح النسخة المشتملة عليه بل لان الصناعة تقتضي ذلك. اما إذا كانت النسخة (ببطن مسيل) أو (يقطع سبيلا) ونحو ذلك فالرواية على هذه مجملة لكون الفاظها متشابهة لم يتضح المراد منها. واما لو كانت (بقدر يسير) فمفهوم اليسير في حد ذاته وان كان صادقا على الشبر والشبرين بل الثلاثة الا انه بقرينة اقترانه بذكر الاصبع أو الاكثر لا يمكن ان يراد به الا ما يقرب من الاصبع كثلاث اصابع أو

[ 181 ]

اربعة مثلا دون مقدار الشبر فضلا عن الاكثر منه فنبقى نحن واحتمال ان تكون النسخة هي مطلق الشبر ولاسيما قدر اصبع إلى شبر كما في رواية الذكرى. وهذا الاحتمال بمجرده كاف في عدم ظهور لاطلاق المنع المذكور في الصدر اعني قوله (ع): " أو على موضع ارفع " في الشمول لمقدار الشبر فما دونه لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، إذ من الجائز صحة هذه النسخة ولاسيما على رواية الذكرى الموجب لتقييد الاطلاق بهذا المقدار، نعم بالاضافة إلى الزائد على الشبر لا قصور في شمول الاطلاق له. واما بالنسبة إلى الشبر فما دونه فلا دلالة في الرواية على المنع عنه بعد احتفاف الاطلاق بما يصلح للتقييد. وعليه: فالرواية بالاضافة إلى هذا المقدار مجملة ولم يدل دليل آخر على المنع بالنسبة إليه وحينئذ فان تم الاطلاق في ادلة الجماعة كقوله (ع) صل خلف من تثق بدينه، كما لا يبعد كان هو المتبع في الحكم بالجواز في مقدار الشبر والا كان المرجع الاصل العملي الذي مقتضاه البراءة عن مانعية هذا المقدار من العلو بالتقريب الذي سبق حيث عرفت ان الامر متعلق بالجامع بين الفرادى والجماعة الذين هما عدلان للواجب التخييري، ولم يعلم ان الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى ومطلق الجماعة ام بينها وبين الجماعة المقيدة بعدم الاشتمال على العلو بمقدار الشبر، ولا ريب ان الثاني يتضمن كلفة زائدة، وحيث انها مشكوكة فتدفع باصالة البراءة. فتحصل: ان الاظهر جواز العلو بمقدار الشبر سواء أكان المرجع

[ 182 ]

الاطلاق اللفظي ام الاصل العملي بعد ما عرفت من اجمال الرواية وعدم دلالتها على المنع في هذا المقدار فتدبر جيدا. هذا كله في العلو الدفعي. وأما في العلو التسريحي الذي اشار (ع) إليه بقوله: فان كان أرضا مبسوطة. الخ فلا مانع من الارتفاع بأزيد من الشبر مادام يصدق على الارض انها مبسوطة. ولا يخفى ان المذكور في الكافي والتهذيب بعد قوله: مبسوطة هكذا (أو كان.) ولكن الصحيح كما في الفقيه وغيره (وكان. الخ) بالعطف بالواو لا ب‍ (أو) كما ان المذكور فيه في جزاء الشرط هكذا (قال لا (فلا) بأس " والصحيح ان لفظة (قال) مستدرك لانه من كلام الامام (ع) لا السائل، ولم تذكر هذه الكلمة في رواية الفقيه. (1) وكيفما كان: ففي الاراضي المبسوطة في قبال الملفوظة كالجبلية إذا دققنا النظر ولاحظناها بالآلات الهندسية فربما يوجد فيها انخفاض وانحدار من اجل اصابة الامطار بما يزيد على الشبرين بل الثلاثة كما في الصحاري والبراري، فاشار (ع) في هذه الفقرة إلى انه في مثل هذه الاراضي إذا وقف الامام في موضع مرتفع والقوم في مكان منحدر صحت صلاتهم وان اختلف الموقفان بما يزيد على الشبر مادام يصدق على الارض انها مبسوطة وان كانت مسرحة منحدرة، وان التحديد بالشبر انما هو في العلو الدفعي كالدكة والدكان ونحوهما ويلحق بذلك الاراضي الجبلية التي لا يصدق معها انبساط الارض،


(1) ولكن اثبتها في جامع الاحاديث ج 6 ص 479 عن الفقيه فليلاحظ.

[ 183 ]

[ من غير فرق بين المأموم الاعمى والبصير (1) والرجل والمرأة (2) ولا بأس بغير المعتد به مما هو دون الشبر، ولا بالعلو الانحداري حيث يكون فيه العلو تدريجيا على ] فان اللازم فيها أيضا مراعاة التحديد بالشبر اخذا بالاطلاق في صدر الموثق بعد ان لم تكن هذه الفقرة شاملة لها كما هو ظاهر. (1) خلافا للمحكي عن ابن الجنيد حيث قال: " لا يكون الامام اعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله الا ان يكون المأمومون اضرارا فان فرض البصراء الاقتداء بالنظر، وفرض الاضرار الاقتداء بالسماع إذا صح بهم التوجه " ولم يعرف له مستند اصلا، واطلاق النص حجة عليه. (2) للاطلاق مضافا إلى التصريح به في الموثقة الاخرى لعمار التي تقدمت حيث ذكر فيها: " هل يجوز لهن ان يصلين خلفه؟ قال: نعم ان كان الامام اسفل منهن.. الخ (1) إذ لا ريب ان المراد بالشرطية نفى كون الامام اعلى لالزوم كونه اسفل، فانه لا شبهة في جواز المساواة بينهما بضرورة الفقه، وقد ورد في غير واحد من النصوص ان المرأة تصلي خلف الرجل من غير تقييد بكونه اسفل، بل لعل التساوي افضل كما دل عليه اطلاق رواية محمد بن عبد الله (2) المحمولة على الاستحباب.


(1) الوسائل: باب 60 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 63 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 184 ]

[ وجه لا ينافي صدق انبساط الارض، وأما إذا كان مثل الجبل فالاحوط ملاحظة قدر الشبر فيه (1) ولا بأس بعلو المأموم على الامام ولو بكثير (2). (الثالث): ان لا يتباعد المأموم عن الامام بما يكون كثيرا في العادة (3) إلا إذا كان في صف متصل بعضه ببعض حتى ينتهي إلى القريب، أو كان في صف ليس بينه وبين الصف المتقدم البعد المزبور وهكذا حتى ينتهي إلى القريب والاحوط احتياطا لا يترك ان لا يكون بين موقف الامام ] (1) كما تقدم. (2) كما دل عليه ذيل موثقة عمار المتقدمة فلاحظ. لكنه يختص بغير العلو المفرط الذي لا يصدق معه عنوان الجماعة كالاقتداء من شاهق لا لاجل التخصيص اللفظي بل لاقتضاء مفهوم الجماعة المتخذة من الاجتماع. (3) ذكر (قده) ان من شرائط الجماعة عدم وجود البعد المفرط بين المأموم والامام أو من هو واسطة الاتصال بينه وبين الامام وحدده على سبيل الاحتياط الذي لا يترك بان لا يكون بين موقف الامام ومسجد المأموم، أو موقف السابق ومسجد اللاحق ازيد مما يتخطى وفسره بالخطوة التي تملا الفرج واحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة، واحوط من الكل مراعاة الاتصال التام بان يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل.

[ 185 ]

[ ومسجد المأموم، أو بين موقف السابق ومسجد اللاحق أزيد من مقدار الخطوة التي تملا الفرج، واحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة، والافضل بل الاحوط ايضا ان لا يكون بين الموقفين أزيد من مقدار جسد الانسان إذا سجد، بان يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل. ] فنقول: ذكر جماعة ولعله المعروف ان التباعد الذي يعتبر عدمه في صحة الجماعة هو المقدار القادح في صدق عنوان الاجتماع، وهو الذي يكون كثيرا في العادة، فمهما تحقق القرب العرفي بحيث تحقق معه مفهوم الجماعة صح الاقتداء ولا يعتبر الزائد على ذلك. وعن جماعة آخرين تحديده بالمقدار الذي لا يتخطى فلا يغتفر من البعد الا المقدار الذي يمكن معه التخطي. والاصل في المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة بسند صحيح مع اختلاف يسير من حيث التقديم والتأخير عن زرارة عن ابي جعفر (ع) انه قال: ينبغي ان تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها إلى بعض، لا يكون بين الصفين مالا يتخطى، يكون قدر ذلك مسقط جسد انسان إذا سجد، قال: وقال أبو جعفر (ع) " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام، وأي صف كان اهله يصلون بصلاة الامام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة إلى ان قال: أيما امرأة صلت خلف

[ 186 ]

إمام وبينها وبينه مالا يتخطى فليس تلك بصلاة. " الخ (1). هكذا في الفقيه، وكذا في الكافي والتهذيب غير ان صدر الحديث فيهما هكذا: " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام. " الخ المذكور في هذه الرواية متأخرا، وقوله (ع) " ينبغي ان تكون الصفوف. " الخ المذكور في صدر هذه الرواية متأخر فيهما عن الفقرات الثلاث المتقدمة. وكيفما كان: فقد تضمنت الصحيحة تحديد البعد القادح بالمقدار الذي لا يتخطى. واورد عليه بأن لفظة ينبغي ظاهرة في الاستحباب، ولاجل ذلك يضعف ظهور التحديد في بقية الفقرات في الوجوب، بل هي محمولة على الفضل لوحدة السياق. أقول: ظاهر التحديد المذكور في الفقرات الثلاث المتقدمة هو الاعتبار والدخل في الصحة، ولا موجب لرفع اليد عنه، وقرينة السياق لا تقتضيه لتغاير الجملة المشتملة على لفظة ينبغي المذكورة صدرا أو ذيلا على اختلاف النسخ مع بقية الفقرات موضوعا ومحمولا واحدهما ينظر إلى غير المورد الذي ينظر إليه الآخر. وتوضيحه: انه (ع) ذكر اولا - على رواية الفقيه - انه ينبغي ان تكون الصفوف تامة متواصلة فاشار (ع) بذلك بمقتضى لفظة (ينبغي) إلى ان من فضل الجماعة وآدابها تمامية الصفوف باستوائها وعدم نقص بعضها عن بعض، وحيث ان التواصل الحقيقي يتعذر رعايته في صفوف الجماعة بعد ملاحظة اشتمال الصلاة على الركوع والسجود فسره (ع) بعذ ذلك بقوله: لا يكون بين الصفين مالا


(1) الوسائل: باب 62 من صلاة الجماعة ح 2 - 1

[ 187 ]

يتخطى، أي لا يكون بين الموقفين من الفصل الا المقدار القابل للتخطي، وهو المعادل لمتر واحد تقريبا، ثم قدره (ع) بعد ذلك بقوله: يكون قدر ذلك مسقط جسد الانسان إذا سجد، فان المسافة التي يستوعبها مسقط الجسد لدى السجود لا تزيد على المتر فهو قابل للتخطي، وإنما فسرنا بين الصفين بقولنا بين الموقفين لان ذلك هو مقتضى كلمة (الصف) فانه لغة عبارة عن الوقوف بانتظام. فيكون المتحصل من هذه الفقرة: ان من كمال الجماعة أن تكون المسافة بين موقف الصف اللاحق وموقف الصف السابق مقدارا يمكن التخطي معه بحيث تمتلئ هذه الفرجة لدى السجود على نحو يتصل مسجد اللاحق بموقف السابق بلا فصل، ولا شك ان هذه غاية التواصل الممكن مراعاته في صفوف الجماعة بعد ملاحظة افتقار الصلاة إلى الركوع والسجود. ومما ذكرنا تعرف ان موضوع الحكم في هذه الفقرة إنما هو ملاحظة المسافة بين نفس الموقفين على ما تقتضيه كلمة الصف على ما عرفت. ثم قال (ع): بعد ذلك أو قبله - حسب اختلاف نسختي الفقيه والكافي كما مر -: " ان صلى قوم بينهم وبين الامام مالا يتخطى فليس ذلك لهم بامام " دلت هذه الفقرة على نفي الجماعة وعدم انعقادها فيما إذا كان بين الامام وبين القوم مالا يتخطى، وهذا بظاهره يناقض ما تقدم في الفقرة السابقة من ان ذلك من مستحبات الجماعة وآدابها لا من شرائطها ومقوماتها، فيعلم من ذلك

[ 188 ]

ان النظر في هذه الفقرة معطوف على ملاحظة المسافة بين الامام ومن خلفه في جميع حالات الصلاة التي منها حال السجود لا خصوص حالة الاصطفاف كي يختص بحال القيام كما كان كذلك في الفقرة السابقة، وقس عليه الحال في الفقرتين اللاحقتين، أعني قوله: (اي صف كان. الخ) وقوله: (أيما امرأة. الخ). ونتيجة ذلك ملاحظة الحد المزبور بين مسجد المأموم وموقف الامام، أو بين مسجد الصف اللاحق وموقف الصف السابق، وان البون بين هذين يجب ان لا يكون بمقدار لا يتخطى. وهذا كما ترى موضوع آخر غير الموضوع السابق الذى كان متضمنا للحكم الاستحبابي. وظاهر التحديد اعتبار ذلك في صحة الجماعة، ولا موجب لرفع اليد عنه لاجل كلمة (ينبغي) الواردة في الفقرة الاخرى الناظرة إلى موضوع آخر اجنبي عن هذا الموضوع. والذي يكشف عما ذكرنا من ان النظر في هذه الفقرة معطوف على ملاحظة النسبة بين مسجد اللاحق وموقف السابق لابين الموقفين امور: احدها: العلم الخارجي فان السيرة القطعية المطردة بين المتشرعة في اقامة الجماعات قائمة على الفصل بين موقف الصف اللاحق وموقف السابق باكثر مما يتخطى وعدم اتصال مسجد اللاحق بموقف السابق سيما بعد ملاحظة الفاصل الموجود بين فرش المصلين المقتضي للفصل بين الموقفين باكثر مما يتخطى. فنستكشف من ذلك ان المدار في المسجد المزبور على ملاحظته بين المسجد والموقف لابين الموقفين. الثاني: موثقة عمار عن الرجل يصلي بالقوم وخلفه دار وفيها

[ 189 ]

نساء هل يجوز لهن ان يصلين خلفه؟ قال: نعم ان كان الامام اسفل منهن، قلت: فان بينهن وبينه حائطا أو طريقا، فقال: لا بأس (1). فقد دلت على نفي البأس عن وجود الطريق بين المأموم والامام ومعلوم ان الطريق يوجب الفصل بين الموقفين باكثر مما يتخطى. نعم لا اطلاق في الموثق من حيث سعة الطريق كي ينافي مع هذه الصحيحة المتضمنة للقدح فيما إذا كان الفصل بين المسجد وموقف السابق بازيد مما يتخطى، بل هو ناظر إلى ان الطريق في حد ذاته ومن حيث هو طريق غير قادح في الصحة. وعلى تقدير الاطلاق فيقيد بالصحيحة جمعا. وعلى اي حال فالمستفاد من الموثق عدم قدح الفصل بين الموقفين - المتخلل بينهما الطريق - باكثر مما يتخطى. الثالث: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: اقل ما يكون بينك وبين القبلة مربض (مربط) عنز واكثر ما يكون مربض فرس (2) بناءا على ان المراد بالقبلة هو امام الجماعة دون الكعبة والا فبيننا وبينها مئات من الفراسخ. فقد تضمنت تحديد البعد بين المأموم والامام في وقوفهما وان اقله مربض عنز، وهو المعادل لمسقط جسد الانسان إذا سجد، واكثره مربض فرس، ومعلوم ان مربض الفرس غير قابل للتخطي. نعم إذا كانت المسافة بين الموقفين بهذا المقدار فما بين مسجد المأموم وموقف الامام قابل للتخطي. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان الصحيحة ظاهرة الدلالة سيما


(1) الوسائل: باب 60 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 62 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 190 ]

[ (الرابع): ان لا يتقدم المأموم على الامام في الموقف (1) فلو تقدم في الابتداء أو الاثناء بطلت صلاته ان بقي على نية الائتمام، والاحوط تأخره عنه، وان كان الاقوى جواز المساواة، ولا بأس بعد تقدم الامام في الموقف أو المساواة معه بزيادة المأموم على الامام في ركوعه وسجوده لطول قامته ونحوه، وان كان الاحوط مراعاة عدم التقدم في جميع الاحوال حتى في الركوع والسجود والجلوس، والمدار على الصدق العرفي. ] بملاحظة الشواهد المتقدمة في لزوم مراعاة التحديد بين مسجد المأموم وموقف الامام، أو بين مسجد الصف اللاحق وموقف السابق، وانه يجب ان لا يكون بمقدار لا يتخطى فيجب الاخذ به، ولا موجب للحمل على الاستحباب والفضل. ثم إن المراد بما يتخطى ما يكون قابلا للتخطي كما يقتضيه ظاهر اللفظ في المقام وامثاله مما يشبه هذا التعبير دون الخطوة المتعارفة الخارجية. وهو حسبما جربناه يعادل المتر الواحد تقريبا، فلا مانع من الفصل بين المسجد والموقف بهذا المقدار الذي هو اقصى مراتب القابلية دون الزائد عليه. نعم الاحوط رعاية الخطوة المتعارفة، وقد عرفت ان الافضل الاكمل رعاية الاتصال بين المسجد والموقف من دون اي فصل بينهما. (1) يقع الكلام تارة في جواز التقدم على الامام، واخرى في

[ 191 ]

جواز المساواة معه فهنا مقامان: اما المقام الاول: فلا اشكال كما لا خلاف بين المسلمين من الخاصة والعامة في عدم جواز التقدم ويقتضيه مضافا إلى التسالم والسيرة القطعية نفس مفهوم الامامة، فان المتبادر من هذا اللفظ ان من يؤتم به بارز من بين القوم مقدم عليهم ليقتدى به ويتابع في حركاته وسكناته وبذلك يصبح اماما. ويستفاد ذلك من جملة من الروايات التي منها ما ورد فيما إذا حدث للامام حدث من انه يقدم احدهم. وهذا ظاهر لاسترة عليه. إنما الكلام فيما ذكره الماتن تبعا لغيره من الاصحاب من الحكم ببطلان الصلاة فيما إذا تقدم على الامام في الابتداء أو الاثناء مع البقاء على نية الائتمام، فان هذا على اطلاقه غير ظاهر، وإنما يتجه فيما إذا تقدم عامدا مع الاخلال بوظيفة المنفرد كما لو ترك القراءة حينئذ عمدا أو تقدم ساهيا مع الاتيان بما يوجب البطلان ولو سهوا كما لو زاد ركنا لاجل التبعية، فان اصل الصلاة كنفس الجماعة باطلة في هاتين الصورتين. اما الثاني فلاجل التقدم المانع عن انعقاد الجماعة، واما الاول فللاخلال بوظيفة المنفرد بارتكاب ما يوجب البطلان عمدا كالصورة الاولى، أو ولو سهوا كما في الصورة الثانية وهذا واضح. واما إذا تقدم عامدا ولم يخل بشئ من وظيفة المنفرد كما لو كان الاقتداء في الركعة الثالثة أو الرابعة وقد اتى بالقراءة أو تقدم ساهيا ولم يخل الا بالقراءة لاعتقاده صحة الجماعة المقتضية لتركها فلا مقتضي لبطلان الصلاة في شئ من هاتين الصورتين. اما الاخيرة

[ 192 ]

فلحديث لا تعاد وأما ما قبلها فلعدم الموجب للبطلان عدانية الايتمام التي هي بمجردها غير ضائرة ما لم ترجع إلى التشريع. فغاية ما هناك بطلان الجماعة في الصورتين الاخيرتين دون اصل الصلاة كما صرح الشهيد (قده) بذلك، فما في المتن وغيره من اطلاق القول بالبطلان لم نعرف له وجها، ولعلهم يريدون بذلك مالو اخل بوظيفة المنفرد كما في الصورتين الاولتين. وأما المقام الثاني فالمشهور جواز المساواة كما في المتن، وخالف فيه صاحب الحدائق وهو الحق. ويدلنا على المنع مضافا إلى اقتضاء مفهوم الامامة والى الامر بالتقدم في اخبار حدث الامام كما مرت الاشارة اليهما، والى ما ورد في كيفية صلاة العراة جماعة من تقدم الامام بركبتيه الكاشف عن ان اصل التقدم امر مرتكز مفروغ عنه روايات خاصة عمدتها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: الرجلان يؤم احدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا اكثر من ذلك قاموا خلفه (1) تضمنت الامر بالقيام خلف الامام فيها إذا كان المأموم اكثر من واحد، وظاهر الامر الوجوب. نعم تضمن صدرها المساواة في المأموم الواحد. وهذا لا كلام لنا فيه، بل ستعرف وجوب المساواة حينئذ فضلا عن الجواز. واما روايته الاخرى عن أبي جعفر (ع) انه سئل عن الرجل يؤم الرجلين، قال يتقدمهما ولا يقوم بينهما. الخ (2) فهي وان


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 7.

[ 193 ]

كانت صريحة الدلالة لكنها ضعيفة السند وان عبر عنها المحقق الهمداني (قده) بالصحيحة لضعف طريق الصدوق إلى محمد بن مسلم، وكأنه (قده) اغتر بجلالة محمد بن مسلم، ولم يمعن النظر في طريق الصدوق إليه، وقد صدر نظير هذا الاشتباه من صاحب الحدائق (قده) مع كونه من مهرة الفن فوصف الرواية التي اسندها الصدوق إلى محمد بن مسلم بالصحة غفلة (1) عما في طريقه إليه من الضعف وإنما العصمة لاهلها. وكيفما كان: ففي صحيحته الاولى غنى وكفاية هذا. وقد حمل المشهور هذه الروايات على الاستحباب واستشهدوا له بأمور: منها: الصحيحة الواردة في اختلاف المصلين في الامامية والمأمومية التي تقدمت سابقا، فان فرض الاختلاف والتداعي لا يمكن الا بناءا على جواز المساواة. وفيه اولا: ان غاية ما يستفاد من الصحيحة جواز المساواة في المأموم الواحد ولا نضائق من الالتزام بذلك كما اشرنا وسيأتي ومحل الكلام انما هو في المأموم المتعدد، فمورد الصحيحة اجنبي عن محل الكلام بالكلية. وثانيا: ان فرض الاختلاف لا يتوقف على جواز المساواة لامكان تصوير الفرض حتى مع اشتراط التقدم كما لو لم يشاهد احدهما


(1) يمكن ان يكون تصحيحه - مع التفاته إلى ضعف الطريق - مستندا إلى بعض الوجوه التي ذكرها في المستدرك (ج 3 ص 665) للتصحيح وان كانت بأجمعها مخدوشة.

[ 194 ]

الآخر لظلمة أو عمى ونحو ذلك، وكون هذا الفرض نادرا لا يقدح بعد ان كان اصل المسألة اعني الاختلاف والتداعي من الفروض النادرة التي قلما تتفق خارجا كما اشرنا إليه سابقا فلا يتوجه عليه ان ذلك من حمل المطلق على الفرد النادر. ومنها: مكاتبة الحميري المروية في قرب الاسناد قال: كتبت إلى الفقيه (ع) اسأله عن الرجل يزور قبور الائمة هل يجوز ان يسجد على القبر ام لا، وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم ان يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رأسه ورجليه، وهل يجوز ان يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه ام لا؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت: واما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة، بل يضع خده الايمن على القبر، واما الصلاة فانها خلفه ويجعله الامام، ولا يجوز ان يصلي بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلى عن يمينه وشماله (1). دلت على ان الممنوع انما هو التقدم على الامام دون الصلاة عن يمينه أو شماله. فلا بأس بالمساواة معه في الموقف. نعم روى الطبرسي مثله في الاحتجاج الا انه قال: " ولا يجوز ان يصلى بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره لان الامام لايتقدم عليه ولا يساوي " (2) لكن رواية الطبرسي مرسلة فلا يعتمد عليها، والعمدة إنما هي الرواية الاولى المعتبرة المتضمنة لجواز التساوي. وفيه اولا: ما عرفت من ان غايتها الدلالة على الجواز في المأموم الواحد دون الاكثر الذي هو محل الكلام.


(1) و (2) الوسائل باب 26 من أبواب مكان المصلي ح 1 و 2.

[ 195 ]

وثانيا: انها اجنبية عن امام الجماعة بالكلية فان الامام في قوله (ع) (ويجعله الامام) بفتح الهمزة بمعنى القدام لا بكسرها كي يراد به امام الجماعة، إذ لا معنى لفرض القبر المطهر امام الجماعة كما لا يخفى. واما الامام في قوله: لان الامام لا يتقدم. الخ فالمراد به المعصوم (ع) والحكم محمول على ضرب من الكراهة دون الحرمة والا فتجوز الصلاة قدام الامام (ع) حال حياته فضلا عن حال مماته (ع) كما اشرنا إليه في بحث المكان فلاحظ. ومنها: رواية علي بن ابراهيم الهاشمي رفعه قال: رأيت أبا عبد الله (ع) يصلي بقوم وهو إلى زاوية في بيته بقرب الحائط وكلهم عن يمينه، وليس على يساره احد (1). وفيه: انها ضعيفة السند لاجل الرفع (2). والمتحصل من جميع ما ذكرناه ان مقتضى الصناعة وجوب تأخر المأموم عن الامام والقيام خلفه عملا بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة المؤيدة بالشواهد الآخر كما مر، السليمة عما يوجب صرفها عن الوجوب. هذا كله فيما إذا كان المأموم متعددا، واما المأموم الواحد فانه


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (2) واما علي بن ابراهيم الهاشمي نفسه فهو مشترك بين من هو من رجال موسى بن جعفر (ع) ولم يوثق، ومن هو في طبقة رجال الكليني - وهو المراد في المقام - وقد وثقه النجاشي صريحا وقد أشار (دام ظله) إلى الاول في المعجم ج 11 ص 227. إلى الثاني في ج 11 ص 205.

[ 196 ]

يجب ان يقف عن يمين الامام وبحذائه كما نطقت به الصحيحة المتقدمة وغيرها. ونتيجة ذلك هو التفصيل بين الواحد والكثير كما اختاره في الحدائق. نعم يستثنى من ذلك موارد: منها: المأموم الواحد الذي يكون معرضا لالتحاق غيره به. واستدل له تارة: برواية محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقوم في الصف وحده، فقال: لا بأس إنما يبدو واحد بعد واحد (1) ولكنها ضعيفة السند لان محمد بن الفضيل مردد بين ابن غزوان الثقة وبين الازدي الضعيف وكلاهما في طبقة واحدة ومن المعاريف ولكل كتاب فلا يترجح احدهما على الآخر. نعم: ذكر الاردبيلي في جامع الرواة ان محمد بن فضيل الازدي هو محمد بن القاسم بن فضيل الازدي الذي يروي عن الكناني كثيرا وهو ثقة وكثيرا ما ينسب الرجل إلى جده، وعليه فيكون الرجل موثقا على كل حال سواء أكان هو ابن غزوان ام الازدي. ولكن ما ذكره (قده) مجرد احتمال لادليل عليه، بل ان انتساب الرجل إلى جده خلاف الظاهر لا يصار إليه ما لم يثبت بدليل قاطع. وبالجملة: فكل من الامرين محتمل ولا قرينة على التعيين، فدعوى الاتحاد بلا برهان، فيبقى الترديد المزبور على حاله، ولاجله يحكم بضعف الرواية.


(1) الوسائل: باب 57 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 197 ]

واخرى: برواية موسى بن بكر انه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر (ع) عن الرجل يقوم في الصف وحده قال: لا بأس انما يبدو الصف واحد بعد واحد (1) وهي ايضا ضعيفة لضعف طريق الصدوق إلى موسى بن بكر (2). لكن الذي يهون الخطب ان الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النص، لان مادل على ان المأموم الواحد يقف على جانب الامام منصرف عن المقام قطعا بعد ان كان معرضا للانضمام، وكان الالتحاق تدريجيا بطبيعة الحال فاطلاق قوله (ع): صل خلف من تثق بدينه، هو المحكم. ومنها: ما إذا لم يجد مكانا في الصف فدار الامر بين ان يقف


(1) الوسائل: باب 57 من أبواب صلاة الجماعة ح 4. (2) ولكن يمكن تصحيحه على ضوء بعض فوائده الرجالية - دام ظله - في امثال المقام بان يقال: - ان طريق الشيخ إلى موسى بن بكر صحيح وحيث ان في الطريق ابن الوليد وللشيخ الصدوق طريق صحيح إلى جميع كتبه ورواياته - كما يظهر من طريق الشيخ إليه - فلا جرم يكون طريق الصدوق إلى موسى بن بكر صحيحا ايضا. فالاولى: المناقشة في دلالتها بأنها مطلقة من حيث الصف الاول وبقية الصفوف فلو كان لدليل ان المأموم الواحد يقف على جانب الامام اطلاق يشمل فرض كونه في معرض الانضمام فلا محالة تقع المعارضة بينهما بالعموم من وجه، ولكنه لا اطلاق له كما افيد في المتن.

[ 198 ]

في صف مستقلا أو على جانب الامام، فقد دل النص على انه يقف بحذاء الامام وهو صحيح سعيد الاعرج، عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما أيقوم وحده حتى يفرغ من صلاته؟ قال: نعم لا بأس يقوم بحذاء الامام (1). ومنها: إمامة النساء بناءا على جواز إمامتهن كما تقدم فانها تقف في وسطهن كما دلت عليه النصوص. ومنها: صلاة العراة جماعة فان الامام لايتقدم حينئذ الا بركبتيه للنصوص الدالة عليه الكاشفة عن جواز المساواة بينهم. وربما: يستثنى ايضا اقامة جماعة اخرى في المسجد بعد فراغ الجماعة الاولى، وقبل ان يتفرقوا استنادا إلى رواية أبي علي قال: كنا عند أبي عبد الله (ع) فاتاه رجل فقال: جعلت فداك صليت في المسجد الفجر فانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح فدخل علينا رجل المسجد فاذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) احسنت ادفعه عن ذلك امنعه اشد المنع، فقلت: فان دخلوا فارادوا ان يصلوا فيه جماعة؟ قال: يقومون في ناحية المسجد ولا يبدو لهم امام. الخ (1) دل صدرها على ان سقوط الاذان عزيمة لا رخصة كما تقدم في محله، ومحل الاستشهاد هو قوله (عليه السلام) في الذيل: ولا يبدو لهم امام، أي لايبرز ولا يتقدم. لكن الرواية ضعيفة السند، فان ابا علي الحراني لم يوثق، على ان الصدوق رواها مع تبديل لفظة (يبدو) بلفظة (يبدر) بذكر


(1) الوسائل: باب 57 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) الوسائل: باب 57 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 199 ]

الراء بدل الواو، أي لا يسرع الامام بل يمكث قليلا كي تتفرق الجماعة الاولى وعليه فتكون اجنبية عما نحن فيه. وكيفما كان فلم يثبت هذا الاستثناء، وليقتصر فيه على الموارد التي ذكرناها. والمتحصل: من جميع ما قدمناه ان ما قواه في الحدائق واصر عليه من انه لا مخرج عما تقتضيه ظواهر النصوص من لزوم وقوف المأموم الواحد بحذاء الامام والزائد عليه خلفه هو الصحيح الحقيق بالقبول فيما عدا موارد الاستثناء التي اشرنا إليها. واما ما عن المشهور - وسيأتي الاشارة إليه في المتن - من عد ذلك من المستحبات وانه يستحب وقوف المأموم الواحد بجانب الامام والزائد خلفه فلم يظهر لنا وجهه قبال هاتيك النصوص المتقدمة الظاهرة في الوجوب عدا الشهرة الفتوائية، وفي التعويل عليها في رفع اليد عن تلك النصوص تأمل ظاهر، فما ذكرناه لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. بقي التنبيه على امرين: احدهما: بناءا على جواز المساواة في المأموم المتعدد أو كان المأموم واحدا ووقف على جانب الامام فهل تجوز المساواة الحقيقية بينهما بان يقفا على صعيد واحد بنسبة متساوية، أم يجب التأخر على المأموم بشئ ما ولو يسيرا؟ مقتضى اطلاق كلام الماتن وصريح جمع آخرين هو الاول، وذهب بعضهم إلى الثاني. هذا وليس في الروايات تعرض لذلك ليستدل به على شئ من الطرفين، وإنما الوارد فيها لفظ (حذاء الامام) كما في صحيحة الاعرج أو (يمينه) كما في صحيحة ابن مسلم المتقدمتين

[ 200 ]

ومقتضى الاطلاق فيهما جواز المساواة الحقيقية إذ لم يتقيد بالتأخر القليل ومع التشكيك في انعقاد الاطلاق من اجل انه (ع) لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة، بل النظر معطوف على ان لا يكون المأموم خلف الامام فينتهي الامر حينئذ إلى الاصل العملي من البراءة أو الاشتغال وقد عرفت غير مرة ان المرجع هو الاول لعدم كون الجماعة مسقطا لوجوب الصلاة ليرجع إلى الاشتغال بعد الشك في السقوط، وانما هي عدل للواجب التخييري، فيشك في ان الجامع الذي هو متعلق التكليف هل لوحظ بين الفرادى ومطلق الجماعة ام بينها وبين الجماعة المتقيدة بعدم المساواة الحقيقية، أو بالتأخر القليل ومقتضى الاصل البراءة عن هذا التقييد. اللهم الا ان يقال: ان مفهوم الامامة بحسب الارتكاز العرفي يستدعي تقدم الامام (1) ولو في الجملة ليتابعه المأموم ويقتدي به كما اشرنا إليه فيما سبق، فان ثبت هذا فهو ولاجله يحكم بلزوم التأخر اليسير، وإلا فالمرجع الاطلاق ان تم، والا فالاصل المقتضي لعدم اللزوم كما عرفت. الامر الثاني: هل يعتبر التأخر أو التساوي في جميع حالات الصلاة ام يكفي مراعاة ذلك في الموقف فقط، وان زاد المأموم على الامام في ركوعه أو سجوده لطول قامته أو لقصر قامة الامام؟ الظاهر هو الثاني لكون المدار على الصدق العرفي كما ذكره في


(1) مفهوم الامامة لا يقتضي الا المتابعة في الافعال وهي غير منوطة بالتقدم في الموقف بالضرورة.

[ 201 ]

[ (مسألة 1): لا بأس بالحائل القصير الذي لا يمنع من المشاهدة (1) في احوال الصلاة وان كان مانعا منها حال السجود كمقدار الشبر، بل ازيد أيضا، نعم إذا كان مانعا حال الجلوس فيه اشكال لا يترك معه الاحتياط. ] المتن، والصدق العرفي حاصل بعد التأخر في الموقف. ولا دليل على لزوم رعايته في جميع حالات الصلاة واجزائها. وعلى الجملة: لم يقم دليل على لزوم تأخر جميع بدن المأموم عن جميع بدن الامام، وانما الثابت لزوم الصلاة خلفه أو بحذائه، والعبرة في صدق هذا العنوان عرفا مراعاته في الموقف فقط. لا في جميع الاحوال وان كان الاحتياط لا ينبغي تركه. ثم ان الماتن (قده) بعد ان فرغ عن الشرائط الاربعة، من عدم الحائل وعدم علو موقف الامام، وعدم التباعد، وعدم التقدم، تعرض لفروع كثيرة تتعلق كلها ما عدا اليسير منها بالشرط الاول وكان من حقها التعرض لها عند انتهائه عن ذاك الشرط، وقد اشرنا إلى بعضها هناك، ونشير إلى الجميع حسب تعرض الماتن وان تضمن نوعا من الاعادة. (1): - قد اشرنا سابقا إلى ان لفظ الحائل غير مذكور في شئ من النصوص، وانما المذكور لفظ السترة والجدار الذي هو من عطف الخاص على العام. فتمام الموضوع هو الستار، اي ما يكون ساترا ومانعا عن المشاهدة، ولا ريب ان هذا إنما يطلق فيما إذا

[ 202 ]

[ (مسألة 2): إذا كان الحائل مما يتحقق معه المشاهدة حال الركوع (1) لثقب في وسطه مثلا، اوحال القيام لثقب في اعلاه، أو حال الهوي إلى السجود لثقب في اسفله فالاحوط والاقوى فيه عدم الجواز، بل وكذا لو كان في الجميع لصدق الحائل معه ايضا. ] كان المحل في طبعه قابلا للرؤية وصالحا للمشاهدة كما في حالات القيام أو الركوع أو الجلوس دون مثل حال السجود أو الهوي إليه لامتناع المشاهدة حينئذ بطبيعة الحال سواء أكان هناك ساتر أم لا، فالقابلية مفقودة حينئذ في نفسها ولا يستند عدم الرؤية إلى وجود الساتر. وعليه فالساتر القصير إذا كان بمقدار شبر أو اكثر غير قادح ما لم يكن ساترا حال الجلوس فضلا عن بقية الحالات، وان كان ساترا حال السجود لعدم استناد الستر إليه حينئذ كما عرفت. وقد تقدم في ذيل الشرط الاول التفصيل بين ما يتخطى وبين غيره فلاحظ. (1): ما ذكره (قده) من ان الاقوى عدم الجواز فيما إذا كان الحائل مانعا عن المشاهدة في بعض الحالات دون بعض لثقب في وسطه أو اعلاه أو اسفله هو الصحيح لصدق الستار بعد اطلاق النص وعدم تقييده بجميع الحالات. وأما ما ذكره (قده) من المنع حتى إذا كان الثقب في الجميع معللا بصدق الحائل معه فلا يمكن المساعدة عليه لما عرفت من ان موضوع الحكم ليس هو عنوان الحائل ليتمسك باطلاقه، بل عنوان

[ 203 ]

[ (مسألة 3): إذا كان الحائل زجاجا يحكى من وراءه فالاقوى عدم جوازه للصدق (1). (مسألة 4): لا بأس بالظلمة والغبار ونحوهما (2) ولا تعد من الحائل، وكذا النهر والطريق إذا لم يكن فيهما بعد ممنوع في الجماعة. ] الستار وان الجدار المعطوف عليه في النص من باب المثال، وانه من قبيل عطف الخاص على العام فلا خصوصية فيه، ولاريب ان الستار غير صادق بعد فرض وجود الثقب في جميع اطراف الحائل بحيث لايمنع عن المشاهدة في شئ من حالات الصلاة، فوجوده غير مانع بعد عدم كونه مشمولا للنص. ومنه يظهر الحال فيما ذكره في المسألة الآتية من الحائل غير المانع عن المشاهدة وان منع عن الاستطراق كما لو كان زجاجيا يحكى من وراءه فان عنوان الساتر غير صادق بمقتضى الاطلاق لكنه ليس موضوعا للحكم كما عرفت آنفا. ومنه يظهر الحال ايضا في الشباك الذي تعرض إليه في المسألة الخامسة لعدم صدق السترة عليه وان ضاق الثقب فلا ضير في شئ من ذلك. (1) وقد عرفت منعه آنفا. (2): فان المنسبق من النص ان السترة مهما كانت فهي جسم خارجي فاصل بين الامام والمأموم أو المأمومين انفسهم مانع عن الاستطراق

[ 204 ]

[ (مسألة 5): الشباك لا يعد من الحائل، وان كان الاحوط الاجتناب معه خصوصا مع ضيق الثقب، بل المنع في هذه الصورة لا يخلو عن قوة لصدق الحائل معه (1). (مسألة 6): لا يقدح حيلولة المأمومين بعضهم لبعض (2) وان كان اصل الصف المتقدم الحائل لم يدخلوا في الصلاة إذا كانوا متهيئين لها. ] والمشاهدة مثل الستار والجدار ونحوهما. ومن الواضح ان الظلمة ليست منها بل ولا الغبار، واوضح حالا العمى فان عدم المشاهدة حينئذ لقصور في المقتضي لا لوجود المانع، والحكم قطعي لا ارتياب فيه بل لعله من الضروريات الغنية عن الاستدلال. واما النهر والطريق فعدم كونهما من الحائل اظهر من ان يخفى. فلا مانع من وجودهما ما لم تبلغ سعتهما حد البعد القادح. (1): قد عرفت ان هذا التعليل عليل وان الاعتبار بصدق الستار فهو المدار دون الحايل، ولا ينبغي الشك في عدم الصدق في شئ من حالات الصلاة الا إذا ضاقت الثقوب بمثابة يشملها الصدق العرفي. (2) اما عدم القدح بلحاظ اثناء الصلاة فهو من القطعيات لضرورة صحة انعقاد الجماعات المؤلفة من الصفوف العديدة. واما عدمه بلحاظ افتتاح الصلاة وابتدائها فلاجل السيرة القطعية القائمة من المتشرعة على دخول الصف اللاحق في الصلاة وان لم يدخل

[ 205 ]

[ (مسألة 7): لا يقدح عدم مشاهدة بعض اهل الصف الاول (1)، أو أكثره للامام إذا كان ذلك من جهة استطالة الصف، ولا اطولية الصف الثاني مثلا من الاول. ] الصف السابق، أو من هو واسطة الاتصال بين المأموم والامام في الصف الاول بعد ان كانوا متهيئين لها. فمجرد التهيؤ كاف في صدق الاتصال والخروج عن عنوان الحائل والستار، ولا يناط ذلك بافتتاح الصف السابق أو من هو واسطة الاتصال ودخولهم في الصلاة، والا فلو توقف الدخول على دخولهم ولوحظ الترتيب بين الصفوف في الافتتاح لاشكل الاقتداء في الجماعات الكبيرة جدا لعدم سعة الوقت مع ان الجماعات الكبيرة منعقدة خلفا عن سلف. وقد حكي ان أمير المؤمنين (ع) كان يصلي بالناس في مسجد الكوفة الذي كان اكبر مما هو عليه الآن بكثير، وكان المسجد مليئا من المأمومين البالغ عددهم ما يقرب من ثلاثين الفا وكلهم بمرأى منه (ع) فلو توقف افتتاح اللاحق على السابق أو من هو واسطة الاتصال لاشكل اقتداء الاكثر منهم، إذ لا يسع الزمان مراعاة هذا الشرط بالنسبة إلى الجميع. فيعلم من ذلك ان مجرد التهيؤ كاف في الصحة. فلا مجال للترديد أو البناء على عدم الاكتفاء كما عن بعضهم. (1): فان المدار على مشاهدة الامام، أو مشاهدة من هو واسطة الاتصال بينه وبين الامام لما عرفت من ان الواسطة ليس من الحائل فالاتصال به ومشاهدته كاف في الصحة، فلا تقدح استطالة

[ 206 ]

[ (مسألة 8): لو كان الامام في محراب داخل في جدار ونحوه (1) لا يصح اقتداء من على اليمين أو اليسار ممن يحول الحائط بينه وبين الامام، ويصح اقتداء من يكون مقابلا للباب لعدم الحائل بالنسبة إليه، بل وكذا من على جانبيه ممن لا يرى الامام لكن مع اتصال الصف على الاقوى وان كان الاحوط العدم، وكذا الحال إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى من في خارج المسجد مقابلا للباب ووقف الصف من جانبيه فان الاقوى صحة صلاة الجميع وان كان الاحوط العدم بالنسبة إلى الجانبين. ] الصف أو اطولية الصف الثاني من الاول وان منعت عن مشاهدة الامام بعد إمكان مشاهدة الواسطة. (1): لاريب في صحة اقتداء من يقف على يمين المحراب أو يساره ممن يحول الحائط بينه وبين الامام، كما لاريب في الصحة بالاضافة إلى من يقف بحيال الباب لتحقق الاتصال وعدم الحائل بالنسبة إليه. إنما الكلام فيمن يقف على احد جانبي الواقف بحيال الباب ممن لا يرى الامام لحيلولة الجدار بينه وبينه فالمشهور صحة اقتدائه ايضا كما في المتن لتحقق الاتصال بينه وبين من يرى الامام فتكفي مشاهدة من هو واسطة الاتصال، بل ادعي عليه الاجماع في بعض الكلمات.

[ 207 ]

وذهب بعضهم إلى البطلان استنادا إلى ظاهر الاستثناء في صحيحة زرارة " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة الا من كان حيال الباب. الخ (1) بناءا على ان المستثنى منه هو الضمير المجرور في قوله (لهم) فيكون حاصل المعنى انه مع وجود الستار لا تصح صلاة احد الا من يقف بحيال باب المحراب فالواقف على احد جانبي هذا الشخص داخل في عقد المستثنى منه. والانصاف: ان هذا هو الظاهر من الصحيحة في بادئ الامر وبحسب الظهور البدوي، إلا ان التأمل فيها يقتضي بان هذا الظاهر غير مراد قطعا وان المستثنى منه بمناسبة الحكم والموضوع هي الحالة والكيفية المستفادة من سياق الكلام دون الضمير المجرور، ويتضح هذا بعد ملاحظة امرين: الاول: ان مقتضى الاستثناء عن الضمير تخصيص صحة الصلاة بمن يقف بحيال الباب فقط، وان كل من عداه ممن يقف على جانبيه أو خلفه من بقية الصفوف إلى الاخير منها فصلاتهم باطلة باسرهم لاندراج الكل في عقد المستثنى منه بعد تخصيص الخارج عنه بالواقف بحيال الباب. وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به، ولن يلتزم به احد حتى هذا القائل فان الباقين صلاتهم صحيحة قطعا بضرورة الفقه لاتصالهم بمن هو متصل بالامام. الثاني: ملاحظة ذيل الصحيحة قال (ع): " هذه المقاصير انما احدثها الجبارون وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة " وكأن هذه الفقرة بمثابة دفع ما ربما يستغربه السائل من


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 208 ]

حكمه (ع) اولا ببطلان الصلاة الا من كان بحيال الباب من ان المقصورة من مستحدثات الجبابرة ومبتدعاتهم حذرا عن الاغتيال كما اغتيل أمير المؤمنين (ع) في محرابه، ولم تكن معهودة في عصر النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده. وكيفما كان: فقد تضمنت هذه الفقرة بطلان صلاة كل من يصلي خلف المقصورة حتى من يكون بحيال الباب بمقتضى الاطلاق ولا يستقيم هذا الا في فرض انفصال الكل عن الامام لوجود حائل على الباب أو انسداده فنستنتج من هذه الفقرة بضميمة العلم الخارجي الذي اشرنا إليه في الامر الاول ان الصحيحة تضمنت تقسيم المصلين على حالتين وتنويعهم إلى كيفيتين، وانه في حالة الانفصال عن الامام لوجود حائل بينه وبين الكل بطلت صلاة الجميع، وفي حالة الاتصال ولو مع الواسطة صحت صلاة الجميع ايضا. فقوله (ع) الا من كان. الخ استثناء عن حالة المصلين من حيث الاتصال والانفصال المستفاد من سياق الكلام بمناسبة الحكم والموضوع، وانه لاصلاة مع وجود السترة في حال من الحالات الا في الحالة التي يتصل معها بعض المأمومين وهو الواقف بحيال الباب مع الامام فتصح في هذه الحالة صلاة الجميع. فهي ناظرة إلى صحة صلاة الكل تارة، وبطلانها كذلك اخرى دون التفكيك بين المصلين كما هو مبنى الاستدلال. وهذا الذي استظهرناه من الصحيحة إن صح وتم فهو وإلا فغايته اجمال الصحيحة وسقوطها عن الاستدلال. فينتهي الامر حينئذ إلى التمسك باطلاقات الجماعة القاضية بالصحة، وإلا فالاصل العملي

[ 209 ]

[ (مسألة 9): لا يصح اقتداء من بين الاسطوانات (1) مع وجود الحائل بينه وبين من تقدمه الا إذا كان متصلا بمن لم تحل الاسطوانة بينهم، كما انه يصح إذا لم يتصل بمن لا حائل له لكن لم يكن بينه وبين من تقدمه حائل مانع. ] الذي مقتضاه البراءة كما مر غيره مرة، فالاقوى ما عليه المشهور، بل ادعي عليه الاجماع من صحة صلاة من على الجانبين ممن لا يرى الامام لكفاية الاتصال بمن يراه. ومنه: يظهر الحال فيما إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى من في خارج المسجد مقابلا للباب ووقف الصف من جانبيه فانه يحكم بصحة صلاة الجميع حينئذ كما اشار إليه في المتن. (1) لما عرفت من صحيحة زرارة المتضمنة لبطلان الصلاة خلف المقاصير ولزوم الاتصال بين المأموم والامام، أو بينه وبين من هو واسطة الاتصال. وعليه: فيبطل اقتداء من بين الاسطوانات إذا كان هناك حائل بينه وبين من تقدمه لفقد الاتصال حينئذ بينه وبين الامام من جميع النواحي. نعم لو كان متصلا ولو من جانب واحد كما لو لم يكن حائل بينه وبين من تقدمه أو كان متصلا بمن لم تحل الاسطوانة بينهم صح اقتداؤه حينئذ ولا خصوصية للاسطوانة في هذا الحكم، بل المدار على مطلق الستار كما هو ظاهر.

[ 210 ]

[ (مسألة 10): لو تجدد الحائل في الاثناء فالاقوى بطلان الجماعة (1) ويصير منفردا. (مسألة 11): لو دخل في الصلاة مع وجود الحائل جاهلا به لعمى أو نحوه لم تصح جماعة (2) وان التفت قبل ان يعمل ما ينافي صلاة المنفرد أتم منفردا والا بطلت. ] (1) لاطلاق النص الشامل لصورتي الابتداء والاثناء، ودعوى الانصراف إلى الاول كما عن شيخنا الانصاري (قده) ممنوعة. (2) لان مانعية الحائل واقعية بمقتضى اطلاق الدليل لاعلمية، فلا اشكال في بطلان الجماعة واما الصلاة فظاهر عبارة الماتن (قده) بطلانها ايضا إذا التفت وقد اخل بوظيفة المنفرد سواء أكان الاخلال بارتكاب ما ينافي صلاة المنفرد عمدا كترك القراءة، أو ولو سهوا كزيادة الركن لاجل التبعية، فان اطلاق العبارة شامل لكلتا الصورتين كما صرح به بعضهم، فلو التفت حال الركوع إلى وجود الحائل وقد ترك القراءة بطلت صلاته. ولم يظهر له وجه عدا اطلاق قوله (ع) في صحيح زرارة فليس تلك لهم بصلاة. لكن حديث لا تعاد حاكم عليه كحكومته على ساير ادلة الاجزاء والشرائط الاولية وموجب لتخصيص البطلان بما إذا كان الاخلال بالاركان بناءا على شمول الحديث لمطلق موارد العذر كما هو الصحيح على ما مر غير مرة وبما ان ترك القراءة في المقام مستند إلى العذر لتخيل كونه مؤتما وليست هي من الخمسة المستثناة فيشملها الحديث

[ 211 ]

[ (مسألة 12): لا بأس بالحائل غير المستقر كمرور شخص (1) من انسان أو حيوان أو غير ذلك، نعم إذا اتصلت المارة لا يجوز وان كانوا غير مستقرين لاستقرار المنع حينئذ. ] وعليه فيحمل قوله (ع): فليس تلك لهم بصلاة على نفيها بعنوان الجماعة، أو على مالو ارتكب ما ينافي حتى سهوا. فالصحيح: ان يقال إن كان محل التدارك باقيا كما لو التفت قبل الركوع أو حال القنوت وقد ترك القراءة رجع وتداركها وصحت صلاته، وان لم يكن باقيا كما لو كان الالتفات بعد الدخول في الركوع فان كان ما اخل به من غير الاركان كالقراءة مضى ولا شئ عليه لحديث لا تعاد وان كان من الاركان كما لو زاد ركوعا لاجل التبعية بطلت صلاته لارتكاب ما يوجب البطلان عمدا وسهوا. فينبغي التفصيل على هذا النحو، ولا ينظر إليه المتن فاطلاقه في غير محله. (1) قد عرفت ان لفظ الحائل غير مذكور في النص وإنما المذكور لفظ السترة وعطف عليه الجدار من باب المثال، وان المدار على مطلق ما صدق عليه لفظ الستار من خشبة أو حائط أو سترة ونحوها الا ان المنصرف منه بمقتضى الفهم العرفي ان الستار مهما كان فهو شئ ثابت مستقر، فغير المستقر ينصرف النص عنه. وعليه فلا بأس بمرور شخص انسان أو حيوان أو غير ذلك أمام المأموم وان حال بينه وبين الامام أو الصف المتقدم ولم يكن متصلا من احد

[ 212 ]

[ (مسألة 13): لو شك في حدوث الحائل في الاثناء بنى على عدمه (1)، وكذا لو شك قبل الدخول في الصلاة في حدوثه بعد سبق عدمه، واما لو شك في وجوده وعدمه مع عدم سبق العدم فالظاهر عدم جواز الدخول إلا مع الاطمئنان بعدمه. ] جانبيه. نعم فيما إذا كان المرور مستمرا كما لو اتصلت المارة بان كانت المانعية مستقرة وان تجدد ذات المانع فلا يبعد شمول النص له كما ذكره في المتن، إذ عدم الاستقرار حينئذ انما هو في ذات الساتر لافي وصف السترة، والنص غير قاصر الشمول لمثله كما لا يخفى. (1) اما مع العلم بالحالة السابقة من وجود الحائل أو عدمه فلا اشكال في الاخذ بمقتضاها عملا بالاستصحاب في كل منهما. واما مع الشك وعدم العلم بالحالة السابقة اما لاجل توارد الحالتين والشك في المتقدم منها والمتأخر أو للجهل بها رأسا فقد ذكر في المتن ان الظاهر عدم جواز الدخول للزوم احراز عدم المانع ولو بالاصل ولا اصل يقتضيه، واصالة عدم المانع ليس اصلا برأسه ما لم يرجع إلى الاستصحاب، والمفروض عدم جريانه لاجل الجهل بالحالة السابقة نعم لا بأس بالدخول مع الاطمئنان بالعدم فانه حجة عقلائية. اقول: الظاهر جواز الدخول لاصالة البراءة عن المانعية وان لم يجر الاستصحاب وتقريرها يتوقف على امرين:

[ 213 ]

احدهما: ما اشرنا إليه مرارا من ان الجماعة ليست مسقطة لوجوب الصلاة ليرجع إلى الاشتغال لدى الشك في السقوط، وانما هي عدل للواجب التخييري ومتعلق الوجوب انما هو الجامع بينها وبين الفرادى وعليه فمرجع الشك في اعتبار قيد في الجماعة إلى الشك في ان الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى ومطلق الجماعة ام بينها وبين الجماعة المتقيدة بذاك القيد المشكوك فيه، وبما ان اللحاظ على النحو الثاني يتضمن كلفة زائدة يشك في تحققها زائدا على المقدار المعلوم فلا مانع من الرجوع في نفيها إلى اصالة البراءة بناءا على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في الاقل والاكثر الارتباطيين فان المقام من صغريات هذا الباب كما هو ظاهر. الثاني: ان من المحرر في الاصول - على ما حققناه - عدم الفرق في الرجوع إلى البراءة عند الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطي بين موارد الشبهات الحكمية والموضوعية فان الاحكام مجعولة على سبيل القضايا الحقيقية المنحلة إلى احكام عديدة حسب تعدد الموضوعات، فإذا شك في لباس انه من الحرير أم من غيره بشبهة موضوعية، فكما تجري اصالة البراءة عن الحرمة النفسية فيجوز لبسه، كذلك تجرى البراءة عن تقيد الصلاة بعدم الوقوع في هذا المشكوك، إذ بعدما عرفت من الانحلال فتقيد الصلاة بعدم الاقتران مع الافراد المتيقنة من الحرير معلوم واما التقييد بالعدم - الذي تنتزع عنه المانعية - بالاضافة إلى هذا الفرد المشكوك زائدا على الافراد المعلومة فهو مشكوك من اول الامر، فتجرى البراءة عن هذا التقيد على حد جريانها عن التكليف النفسي فتجوز الصلاة فيه كما يجوز لبسه.

[ 214 ]

[ (مسألة 14): إذا كان الحائل مما لايمنع عن المشاهدة حال القيام (1) ولكن يمنع عنها حال الركوع أو حال الجلوس والمفروض زواله حال الركوع أو الجلوس هل يجوز معه الدخول في الصلاة؟ فيه وجهان، والاحوط كونه مانعا من الاول، وكذا العكس لصدق وجود الحائل بينه وبين الامام. ] وعلى ضوء هذا البيان تجرى البراءة في المقام وان كانت الشبهة موضوعية، فان عدل الواجب التخييري اعني الجماعة مقيد بعدم الاشتمال على الحائل. وحيث ان هذا الحكم كغيره من ساير الاحكام انحلالي فينحل إلى تقيدات عديدة حسب افراد الحائل، فكل فرد علم بحيلولته نعلم بثبوت التقيد بالاضافة إليه، واما الفرد المشكوك فيشك في اصل التقيد بالنسبة إليه، ومقتضى الاصل البراءة عنه فالاقوى جواز الدخول في الجماعة لدى الشك في تحقق الحائل وان لم يطمئن بعدمه استنادا إلى البراءة وان لم يجر الاستصحاب على خلاف ما افاده الماتن (قده). (1) لو كان هناك حائل مانع عن المشاهدة حال الركوع أو الجلوس غير مانع في حال القيام ولكنه يعلم بزوال الحائل عند تحقق الركوع أو الجلوس، أو كان الامر بالعكس بان يمنع حال القيام ولا يمنع حال الركوع أو الجلوس مع العلم بزواله عند تحقق القيام فهل يجوز الدخول في الصلاة والحال هذه، (وبعبارة اخرى)

[ 215 ]

[ (مسألة 15): إذا تمت صلاة الصف المتقدم وكانوا جالسين في مكانهم (1) اشكل بالنسبة إلى الصف المتأخر لكونهم حينئذ حائلين غير مصلين، نعم إذا قاموا بعد الاتمام بلا فصل ودخلوا مع الامام في صلاة اخرى لا يبعد بقاء قدوة المتأخرين. ] هل الاعتبار بفعلية المنع عن المشاهدة، أو يكفى المنع الشأني التقديري بأن يكون بحيث لو ركع - مثلا - لمنع عنها وان لم يمنع فعلا لدى تحقق الركوع خارجا لفرض زوال الحائل؟ ذكر في المتن ان فيه وجهين وان الاحوط المنع. اقول: بل لعله الاقوى لصدق ان بينهما سترة أو جدارا، وقد تقدم ان المدار على الصدق ولو في بعض الاحوال بمقتضى اطلاق النص، ولا يلزم ان يكون كذلك في تمام الحالات. وعليه فيصدق حال القيام ان بينهما سترة ولو بلحاظ حال الركوع. وهذا الصدق فعلي حقيقي سواء أبقي ذات الساتر حال الركوع الخارجي ام لا، فان العبرة بفعلية الصدق لا بفعلية الستر، ولكن ذلك مشروط بما إذا كان الستر بفاصل لا يتخطى دون غيره كما تقدم. (1) الكلام في هذه المسألة يقع تارة من حيث حيلولة الصف المتقدم، واخرى من ناحية البعد المتجدد بين المأموم والامام، أو من هو واسطة الاتصال، وقد تعرض الماتن (قده) لكلتا الناحيتين في ضمن مسألتين. فتعرض هنا من الناحية الاولى، وفي المسألة

[ 216 ]

التاسعة عشرة الآتية من الناحية الثانية. ونحن نبحث هنا عن كلتا الناحيتين لما بينهما من المناسبة. فنقول: اما من الناحية الاولى فلا ريب أن الصف المتقدم بعد انتهائهم من الصلاة كما لو كانوا مقصرين أو عدولهم إلى الانفراد فهم يعدون من الحائل بين الصف المتأخر وبين الامام أو من هو واسطة الاتصال لصدق عنوان السترة المذكور في النص عليهم. وقد عرفت دلالة النص على ان المانع هو مطلق الستار سواء أكان جدارا ام غيره من انسان أو حيوان ونحوهما فيشمل الصف المتقدم الا إذا كانوا مصلين مؤتمين فانهم ليسوا بحائلين حينئذ كما مر، واما إذا لم يكونوا مصلين أو لم يكونوا مؤتمين فلا اشكال في صدق الحائل عليهم الموجب لبطلان جماعة الصف المتأخر. نعم إذا قاموا بعد الاتمام بلا فصل دخلوا مع الامام في صلاة اخرى قضائية أو ادائية كما لو كانوا مسافرين فقاموا إلى صلاة العصر مراعيا في ذلك الفورية العرفية فقد ذكر في المتن انه لا يبعد حينئذ بقاء قدوة المتأخرين. والامر كما ذكره (قده) إذ بعد الالتحاق المزبور يعدون من قبيل الحائل غير المستقر كمرور شخص بين الامام والمأموم الذي عرفت انصراف النص عن الشمول لمثله لكون المنسبق منه إلى الذهن ما إذا كان الحائل شيئا ثابتا مستقرا. فالمقتضي قاصر في نفسه عن الشمول لغير المستقر، فانا انما نتعدى من النص المتضمن للسترة والجدار إلى كل ماله الاستقرار من مطلق الستار دون مالا استقرار له كما فيما نحن فيه. فالمتجه هو الحكم ببقاء قدوة المتأخرين من غير حاجة إلى الاستصحاب.

[ 217 ]

واما من الناحية الثانية فتارة: يفرض ان المقدار الذي يشغله الصف المتقدم من البعد ليس مما لا يتخطى بل كان مقدار مسقط جسد الانسان إذا سجد الذي هو قابل للتخطي كما سبق فلا اثر لهذا البحث من هذه الجهة لصحة جماعة المتأخرين. وان لم يكن الصف المتقدم موجودا من اول الامر فضلا عن فراغهم أو انفرادهم، لما عرفت من ان المدار في هذا البعد على ملاحظته بين مسجد الصف المتأخر وموقف الامام أو الصف المتقدم، لابين الموقفين. واخرى: يفرض ان البعد اكثر من ذلك اي كان بين الصف المتأخر والامام مالا يتخطى وحينئذ فمقتضى اطلاق صحيح زرارة المتضمن لقدح البعد بهذا المقدار الشامل لصورتي الحدوث والبقاء بطلان قدوة الصف المتأخر على ما تقدم في الحائل من عدم الفرق في المانعية بين تمام الصلاة وابعاضها بمقتضى الاطلاق، نعم استثنى الماتن من ذلك ما إذا عاد المتقدم إلى الجماعة بلا فصل على حد استثنائه في المسألة من الناحية الاولى كما سبق. فكأنه (قده) يرى اتحاد الملاك في الاستثناء وان المسألتين من هذه الجهة ترتضعان من ثدي واحد. ولكنه كما ترى لا يمكن المساعدة عليه لاختلاف الملاك، فانا انما التزمنا بالاستثناء من الناحية الاولى من اجل قصور المقتضي واختصاص دليل المنع بالحائل المستقر، وعدم الدليل على التعدي عنه إلى غير المستقر الذي ينصرف النص عنه. واما في المقام فلا قصور في الاطلاق وليس هنا مثل ذلك الانصراف ولا فرق في البعد المانع بين ما كان كذلك من اول الصلاة أو تجدد

[ 218 ]

[ (مسألة 16): الثوب الرقيق الذي يرى الشبح من ورائه حائل لا يجوز معه الاقتداء (1). (مسألة 17): إذا كان اهل الصفوف اللاحقة غير الصف الاول (2) متفرقين بان كان بين بعضهم مع البعض فصل ازيد من الخطوة التي تملا الفرج فان لم يكن قدامهم من ليس بينهم وبينه البعد المانع، ولم يكن إلى جانبهم ايضا متصلا بهم من ليس بينه وبين من تقدمه البعد المانع ] في الاثناء كما صرح هو (قده) به في المسألة الثامنة عشرة الآتية. كما لافرق في ذلك بين قصر الزمان وطوله كل ذلك لاطلاق النص بعد عدم الدليل على التخصيص بصورة دون اخرى كما لا يخفى. فمجرد حدوث البعد المزبور وان قصرت مدته يشمله النص فتبطل القدوة ويصير المتأخر منفردا، ولا دليل على صحة الاقتداء ثانيا. فقياس المسألة من هذه الناحية عليها من تلك الناحية قياس مع الفارق الواضح فالمتجه بطلان اقتداء الصف المتأخر من حيث حدوث البعد القادح بعد انفراد الصف المتقدم أو انتهائهم سواء أعادوا إلى الجماعة ام لا وان لم يبطل من حيث الحيلولة في هذه الصورة كما عرفت. (1) لاطلاق النص بعد صدق السترة على الثوب وان كان رقيقا ومجرد رؤية الشبح غير مانع عن صدق السترة على الثوب بعد ان كان مانعا عن مشاهدة العين. (2) بعدما عرفت من اعتبار عدم البعد بين المأموم والامام أو

[ 219 ]

[ لم يصح اقتداؤهم والا صح، واما الصف الاول فلابد فيه من عدم الفصل بين اهله، فمعه لا يصح اقتداء من بعد عن الامام أو عن المأموم من طرف الامام بالبعد المانع. (مسألة 18): لو تجدد البعد في أثناء الصلاة بطلت الجماعة (1) وصار منفردا وان لم يلتفت وبقي على نية الاقتداء فان اتى بما ينافي صلاة المنفرد من زيادة ركوع ] من هو واسطة الاتصال باكثر مما يتخطى فهذا البعد انما يقدح فيما إذا تحقق من جميع النواحي، والا فالفصل من ناحية مع الوصل من ناحية اخرى غير قادح اتفاقا ولا يشمله النص قطعا، فيكفى القرب والاتصال ولو من احدى الجهات. وعليه فيفرق بين الصف الاول وبين الصفوف اللاحقة كما ذكره في المتن. ففي الصف الاول حيث لا يكون الاتصال إلى الامام الا من جانب واحد فيعتبر عدم الفصل بينهم باكثر مما يتخطى واما في ساير الصفوف فكما يمكن الاتصال من الامام يمكن من احد الجانبين من اليمين أو اليسار، ولاجله لم يقدح التفرق بين اهله باكثر من ذلك لو تحقق الاتصال من طرف الامام، كما لا يقدح البعد من هذا الطرف لو تحقق القرب من احد الجانبين، وانما يقدح فيما إذا انفصل عن الامام من جميع الاطراف، اعني القدام واليمين واليسار لما عرفت من كفاية الاتصال من احدى الجهات. (1) لاطلاق دليل المانعية المقتضي لعدم الفرق بين الحدوث والبقاء

[ 220 ]

[ مثلا للمتابعة أو نحو ذلك بطلت صلاته والا صحت. (مسألة 19): إذا انتهت صلاة الصف المتقدم من جهة كونهم مقصرين (1) أو عدلوا إلى الانفراد فالاقوى بطلان اقتداء المتأخر للبعد، الا إذا عاد المتقدم إلى الجماعة بلا فصل، كما ان الامر كذلك من جهة الحيلولة ايضا - على ما مر -. (مسألة 20): الفصل لعدم دخول الصف المتقدم في الصلاة لا يضر (2) بعد كونهم متهيئين للجماعة، فيجوز ] وحيث ان المانعية واقعية بظاهر الدليل لم يفرق في ذلك بين صورتي الالتفات وعدمه. وعليه فلو بقي على نية الاقتداء جهلا منه بتجدد البعد فان اتى بما ينافي صلاة المنفرد ولو سهوا كزيادة الركوع لاجل المتابعة بطلت صلاته ايضا وإلا بان لم يأت بالمنافي اصلا، أو اتى بما لا ينافي الا عمدا كترك القراءة صحت صلاته حينئذ لحديث لا تعاد كما مرت الاشارة إليه في المسألة الحادية عشرة فلاحظ. (1) قدمنا البحث حول هذه المسألة في ذيل المسألة الخامسة عشرة فلاحظ. (2) فيكفي مجرد التهيؤ، ولا يقدح عدم دخول الصف المتقدم أو من هو واسطة الاتصال في الصف الاول أو الثاني إذا كان اطول لا من حيث الفصل ولا من حيث الحيلولة كما سبق وجهه في المسألة السادسة فلاحظ.

[ 221 ]

[ لاهل الصف المتأخر الاحرام قبل احرام المتقدم، وان كان الاحوط خلافه كما ان الامر كذلك من حيث الحيلولة على ما سبق. (مسألة 21): إذا علم بطلان صلاة الصف المتقدم تبطل جماعة المتأخر (1) من جهة الفصل أو الحيلولة وان كانوا غير ملتفتين للبطلان، نعم مع الجهل بحالهم تحمل على الصحة ولا يضر كما لا يضر فصلهم إذا كانت صلاتهم صحيحة بحسب تقليدهم وان كان باطلة بحسب تقليد الصف المتأخر. ] (1) لااشكال في البطلان مع العلم بالفساد، إذ الصلاة الفاسدة في حكم العدم فيكون الصف المتقدم أو واسطة الاتصال بمنزلة من لا يصلي، فهو فاصل كما انه حائل فيوجب بطلان جماعة المتأخر من كلتا الناحيتين. وما تقدم من عدم قدح حيلولة الصف المتقدم ولا الفصل بهم مختص بما إذا كانوا مصلين لامن يأتي بصورة الصلاة التي ليست هي من حقيقتها في شئ كما هو ظاهر. كما لا اشكال في الصحة مع الجهل بالفساد، حملا لفعلهم على الصحيح وللسيرة القائمة على عدم التحقيق، فترتب عليه آثار الصحة التي منها عدم كونه فاصلا ولا حائلا. إنما الكلام فيما إذا اختلفا في الصحة والفساد اجتهادا أو تقليدا

[ 222 ]

فكانت صلاتهم صحيحة بنظرهم، فاسدة بنظر الصف المتأخر سيما فيما يعود إلى الاركان، كما لو توضأ المتقدم جبيرة والمتأخر يرى اجتهادا أو تقليدا انه من موارد التيمم أو بالعكس فهل العبرة حينئذ بنظرهم أو بنظر الصف المتأخر؟. الاقوى هو الاول كما اختاره في المتن، فلا يضر فصلهم ولا حيلولتهم. أما اولا فلقصور المقتضي في دليل المنع وانصرافه عن مثل المقام فلا بعد مع صحة الصلاة بنظر المصلي وكون المجموع جماعة واحدة متصلة بعضها ببعض، فليس ذلك من الفصل بغير المصلي، كما انه لا يعد من الحائل بعد كونه صلاة صحيحة ولو بنظره كما لا يخفى فاطلاقات الجماعة غير قاصرة الشمول للمقام، ومع التنزل فتكفينا اصالة البراءة عن التقييد بالعدم التي مر تقريرها غير مرة في نظائر المقام. واما ثانيا: فللسيرة القطعية القائمة على الجواز بمجرد احتمال الصحة الواقعية المتصلة بزمن المعصومين (ع)، بل قد كانت الجماعات تنعقد خلف مولانا أمير المؤمنين (ع) مع القطع ببطلان صلاة الكثير منهم لفقدهم شرط الولاية الدخيل في الصحة قطعا، بل هي من اعظم الشرائط مضافا إلى عدم رعايتهم للاجزاء والشرائط، والموانع المقررة عند الخاصة لتلقيهم الاحكام عن اسلافهم من خلفاء الجور ومتابعتهم لهم، ومع ذلك كان تابعوه (ع) من الخاصة يصلون بصلاتهم ولم يعهد عن احدهم تقيده باشغال الصفوف المتقدمة كما لا يخفى. فيعلم من ذلك ان مجرد صحة الصلاة بنظر الصف المتقدم كاف في صحة قدوة المتأخرين وان كانت باطلة بنظرهم. نعم لو كانت

[ 223 ]

[ (مسألة 22): لا يضر الفصل بالصبي المميز ما لم يعلم بطلان صلاته (1). (مسألة 23): إذا شك في حدوث البعد في الاثناء بنى على عدمه (2)، ] باطلة حتى في نظر المتقدم كما لو صلى تاركا لجزء أو شرط يوجب البطلان مطلقا وكان غافلا أو ناسيا بحيث لو التفت لاعترف بالبطلان لم تصح قدوة المتأخر لعدم كونه حينئذ مصليا حتى في اعتقاده، بل هي صورة الصلاة، فيفرق بين ما إذا اعتقد الصحة وما إذا لم يعتقد ولا يقاس احدهما بالآخر. (1) هذا بناءا على شرعية عباداته - كما هو الصحيح - فلا يضر فصله لامن حيث البعد ولا الحائل. واما بناءا على التمرينية فيشكل لانها حينئذ صورة صلاة وليست من حقيقتها في شئ ففصله يخل من كلتا الناحيتين (1). وربما يستدل لعدم القدح حتى بناءا على التمرينية بخبر ابي البختري عن جعفر عن ابيه ان عليا (ع) قال: الصبي عن يمين الرجل في الصلاة إذا ضبط الصف جماعة. الخ (2) لكن السند ضعيف جدا وان تمت الدلالة فان أبا البختري في غاية الضعف، بل قيل انه أكذب البرية، فالمتجه هو التفصيل بين الشرعية والتمرينية كما ذكرنا. (2) اما إذا كانت الحالة السابقة هي البعد أو عدم البعد فلا


(1) الاخلال من ناحية البعد غير واضح لعدم اشغال الصبي الواحد مقدار مالا يتخطي كما لا يخفى. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 2

[ 224 ]

[ وان شك في تحققه من الاول وجب احراز عدمه الا ان يكون مسبوقا بالقرب كما إذا كان قريبا من الامام الذي يريد ان يأتم به فشك في انه تقدم عن مكانه ام لا. ] اشكال في الاستصحاب في كل منهما فيعمل بمقتضاه، واما إذا لم تعلم الحالة السابقة وشك في تحققه من الاول فقد ذكر في المتن انه يجب احراز عدمه. اقول: لزوم الاحراز وعدمه في المقام يبتني على ان اعتبار عدم البعد هل هو ملحوظ على نحو الشرطية ام على سبيل المانعية؟ فعلى الاول كما ربما يستظهر من صدر الصحيحة " ينبغي ان تكون الصفوف تامة متواصلة. الخ " حيث تضمن اعتبار التواصل يتجه حينئذ ما ذكره (قده) من لزوم احراز الاتصال فان الشرط مما يجب احرازه في مقام الامتثال عملا بقاعدة الاشتغال، لكن الاستظهار في غير محله لما عرفت فيما سبق من ان الحكم المذكور في الصدر استحبابي وهو حكم آخر مغاير للحكم الالزامي المستفاد من الذيل الذي هو مدرك المسألة. والعمدة قوله (ع) بعد ذلك: " ان صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام " (1) وهو ظاهر في اعتبار المانعية للبعد كما لا يخفى. وعليه فمع الشك يرجع إلى اصالة البراءة عن المانعية وان لم يجر الاستصحاب بناءا على ما مر غير مرة من ان المرجع في امثال


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 225 ]

[ (مسألة 24): إذا تقدم المأموم على الامام في اثناء الصلاة سهوا أو جهلا أو اضطرارا صار منفردا (1). ولا يجوز له تجديد الاقتداء، نعم لو عاد بلا فصل لا يبعد بقاء قدوته. ] المقام هي البراءة وان كانت الشبهة موضوعية لكون المانعية انحلالية فتقيد الجماعة بعدم وقوعها مع هذه المسافة التي يشك في بلوغها ما لا يتخطى زائدا على المقدار المتيقن بلوغه ذاك الحد مشكوك من اول الامر فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة، وعليه فما في المتن من اعتبار الاحراز مبني على الاحتياط. (1): لان شرطية التأخر أو التساوي واقعية بظاهر النص فتثبت في جميع الحالات من السهو أو الجهل أو الاضطرار ونحوها فتبطل الجماعة بالاخلال بها لا محالة. ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين فقد الشرط من الاول ام الاثناء. فلو تقدم في الاثناء سهوا أو لعذر آخر بطل الاقتداء. وهل يتدارك الشرط حينئذ بالعود بلا فصل؟ لم يستبعده في المتن قياسا على ما سبق منه في الحائل وفي البعد. لكنه كما ترى بعيد جدا والقياس مع الفارق كما اشرنا إليه في البعد. فانا إنما إلتزمنا بمثله في الحائل من اجل ان العود بلا فصل يعد من الحائل غير المستقر الذي ينصرف عنه النص فالمقتضي للمنع قاصر الشمول لمثله في حد نفسه. وأما في المقام - وكذا في البعد كما سبق - فلا قصور في اطلاق دليل اشتراط التأخر أو التساوي عن الشمول لجميع آنات الصلاة

[ 226 ]

[ (مسألة 25): يجوز على الاقوى الجماعة بالاستدارة حول الكعبة (1)، والاحوط عدم تقدم المأموم على الامام بحسب الدائرة، واحوط منه عدم اقر بيته مع ذلك إلى الكعبة، واحوط من ذلك تقدم الامام بحسب الدائرة واقربيته من ذلك إلى الكعبة. ] وليس هنا مثل ذاك الانصراف بالضرورة. فالتقدم ولو آنا ما اخلال بالشرط موجب لبطلان الجماعة لفقد المشروط بفقد شرطه فينفرد لا محالة ولا دليل على العود بعد الانفراد وان كان بلا فصل، إذ لا فرق بين قصر الزمان وطوله في هذا الحكم بمقتضى الاطلاق فليس الملاك في التقدم ولا البعد متحدا معه في الحائل كما هو ظاهر. (1): كما ذهب إليه جماعة، بل حكى عليه الاجماع وذهب جمع آخرون إلى المنع ولعله المشهور وهو الاقوى، فان النصوص خالية عن التعرض لذلك بالخصوص نفيا واثباتا، فنبقى نحن ومقتضى الاطلاقات الدالة على لزوم تأخر المأموم عن الامام، ولا اقل من التساوى التي لا قصور في شمولها للمقام. ومن الواضح ان الجماعة استدارة تستوجب تقدم المأموم على الامام، بل وقوفه قباله وقدامه عند استكمال الدائرة، فلم يقف خلفه ولا بحذائه الذي هو الشرط في الصحة. ولا جله يحكم بالبطلان لسلامة المطلقات عما يصلح للتقييد عدا توهم قيام السيرة العملية الممضاة عندهم (ع) بعدم الردع التي هي مستند القول بالجواز.

[ 227 ]

وفيه ان مثل هذه السيرة لا اثر لها ولا تكاد تغني شيئا فان المباشر لها هم أبناء العامة فقط إذ لم نجد ولم نسمع تصدي الخاصة لذلك في دور من الادوار لا قديما ولا حديثا حتى في عهد المعصومين (عليهم السلام)، ولم ينقل عنهم ولا عن شيعتهم اقامة الجماعة حول الكعبة مستديرة فضلا عن استقرار سيرتهم عليها، فهي مختصة بأهل الخلاف فحسب. والردع عن هذه السيرة وان لم يثبت عنهم (عليهم السلام) الا ان عدم الردع بمجرده لا ينفع ما لم يكشف عن الرضا فان العبرة بالامضاء المستكشف من عدم الردع لا به نفسه بالضرورة. ومن الجائز ان يكون عدمه مبنيا على التقية كما هو المعلوم من حالهم في تلك الاعصار تجاه حكام الجور فلا يكشف عن الرضا. نعم ثبت الردع عن بعض فعالهم مما قامت عليه سيرتهم كما في التكتف ونحوه، لكنه خاص بما هو محل للابتلاء كالمثال، إذ لو لم يردع لتوهم الامضاء فصلى الشيعي في داره - مثلا - متكنفا وهذا بخلاف المقام لما عرفت من ان إقامة الجماعة حول الكعبة تختص بهم وليس موردا لابتلاء الخاصة. وأما اقتداؤهم بهم احيانا في المسجد الحرام فهو ايضا مبني على التقية وليس من حقيقة الجماعة في شئ، ولذا قلنا في محله ان المقتدي بهم يقرأ في نفسه فهو منفرد حقيقة وان كان على صورة الجماعة. وعلى الجملة: فلم تثبت في المقام سيرة يعتمد عليها بحيث تصلح لرفع اليد عما تقتضيه المطلقات من لزوم تقدم الامام على المأموم أو تساويه. ولاجله كان الاقوى هو البطلان كما عرفت. ثم انه على تقدير القول بالجواز فهل يعتبر عدم تقدم المأموم على

[ 228 ]

الامام بحسب الدائرة أم بلحاظ البنية الشريفة؟ وتوضيحه: ان الكعبة الشريفة بما انها مربعة مستطيلة فإذا فرضنا نقطة في وسطها حاصلة من تقاطع خطين موهومين من كل زاوية إلى ما يقابلها وجعلنا هذه النقطة مركزا لدائرة موهومة حول الكعبة المشرفة فخطوط هذه الدائرة بالاضافة إلى الكعبة ليست متساوية، بل ما يحاذي منها الزوايا اقرب مما يحاذي الاضلاع بطبيعة الحال، لفرض كون الكعبة على شكل المربع. فالخط المقابل للضلع ابعد من الكعبة بالنسبة إلى الخط المقابل للزاوية بالضرورة. وحينئذ فإذا فرضنا وقوف الامام على رأس الخط المقابل لوسط الضلع أو في داخل الدائرة قريبا من الخط، ووقوف المأموم حذاء الزاوية خارجا عن الخط بمقدار نصف متر مثلا فهو متأخر عن الامام بالقياس إلى خطوط الدائرة الوهمية متقدم عليه بالنسبة إلى الكعبة الشريفة لكونه أقرب من الامام بالقياس إليها حسبما عرفت. ولو انعكس الموقف انعكس الحكم كما هو ظاهر. وعليه فهل المدار في مراعاة التقدم والتأخر ملاحظتهما بالنسبة إلى الدائرة ام بالقياس إلى نفس الكعبة فعلى الاول تصح جماعة المأموم في الفرض المزبور لكونه متأخرا عن الامام بلحاظ الدائرة، وعلى الثاني تبطل لكونه مقدما عليه بالنسبة إلى الكعبة الشريفة. ذكر الماتن (قده) ان الاحوط مراعاة كلا الامرين فيقف المأموم موقفا لا يتقدم على الامام بحسب الدائرة، ولا يكون اقرب منه إلى الكعبة.

[ 229 ]

وما افاده (قده) هو الصحيح لما عرفت من ان الجواز على القول به لم يكن مستفادا من دليل لفظي ليتمسك باطلاقه، وانما استفيد من السيرة العملية التي هي دليل لبي، فلابد من الاقتصار على المقدار المتيقن منها في الخروج عن مقتضى الاطلاقات المانعة عن التقدم على الامام والمتيقن منها ما إذا لم يتقدم بلحاظ كلا الامرين وان كان مقدما حسب الخطوط العرضية فيقيد الاطلاق بهذا المقدار ويتمسك به فيما عداه لسلامته حينئذ عن التقييد كما لا يخفى. ثم ان ما ذكره في المتن من الاحتياط الاخير اعني تقدم الامام بحسب الامرين لا مجرد عدم تقدم المأموم مبني على الاحتياط في عدم مساواتهما في الموقف، وتقدم الامام عليه كما لعله ظاهر. والله سبحانه اعلم.

[ 230 ]

[ فصل في احكام الجماعة (مسألة 1): الاحوط ترك المأموم القراءة في الركعتين الاوليين (1) من الاخفاتية إذا كان فيهما مع الامام، وان كان الاقوى الجواز مع الكراهة ] (1): اختلف الاصحاب في جواز القراءة خلف الامام في الركعتين الاوليين من الاخفاتية بعد الاتفاق منهم على سقوط وجوبها وضمان الامام، فذهب جماعة كثيرون إلى الحرمة، واختار جمع آخرون الجواز على كراهة. وليعلم ان محل الكلام الاتيان بالقراءة بقصد الجزئية على حد اتيانها في بقية الصلوات واما الاتيان لا بعنوان القراءة الصلاتية بل بقصد القرآن والذكر لمكان اشتمالها على التحميد والدعاء والذكر والثناء فلا ينبغي الاشكال في جوازه، لانصراف نحو قوله (ع): (يكله إلى الامام) الوارد في النصوص عن مثل ذلك، بل هو ناظر إلى القراءة الصلاتية كما هو ظاهر. وكيفما كان فمنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام. فمقتضى جملة منها المنع وهي على طوائف:

[ 231 ]

منها: ما تضمن المنع عن القراءة خلف الامام مطلقا كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قال أبو جعفر (ع): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: " من قرأ خلف امام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة " (1). دلت على بطلان الصلاة وان وجودها كالعدم، فلو اكتفى بها ولم يتداركها بعث على غير الفطرة لكونه في حكم تارك الصلاة فيما لو اقتصر عليها. كما يكشف عما ذكرناه من التقييد بالاقتصار قوله (عليه السلام) (فمات) إذ لا يحتمل ان تكون القراءة خلفه بمجردها من المحرمات الذاتية فالحرمة تشريعية محضة وهي مساوقة للبطلان. وكيفما كان: فقد دلت بالاطلاق على المنع عن القراءة خلف الامام خرجنا عن ذلك في الاولتين من الجهرية إذا لم يسمع قراءة الامام ولا همهمته بمقتضى النصوص الدالة على الجواز فتبقى الاخفاتية تحت اطلاق المنع. ونحوها صحيحة يونس بن يعقوب قال سألت ابا عبد الله (ع) عن الصلاة خلف من ارتضي به أقرأ خلفه، قال: " من رضيت به فلا تقرأ خلفه " (2). ومنها: ما تضمن المنع الا في الجهرية - بنحو القرينة المتصلة - دون المنفصلة كما في السابقة كصحيحة الحلبي: " إذا صليت خلف امام تأتم به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته ام لم تسمع الا ان تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرأ " (3). وهذه اظهر من


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 4. (2) (3) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 14، 1.

[ 232 ]

الطائفة السابقة في المنع لمكان اتصال القرينة الموجب لاختصاص الظهور بالاخفاتية كالحجية. ومنها: ما تضمن المنع في خصوص محل الكلام صريحا اعني الاولتين من الاخفاتية كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: " عن الصلاة خلف الامام أقرأ خلفه، فقال: اما الصلاة التي لا تجهر فيها بالقراءة فان ذلك جعل إليه فلا تقرأ خلفه " (1) دلت على اختصاص الجعل بالامام فلم تكن القراءة مجعولة على المأموم. فالاتيان بها بعنوان الجزئية كما هو محل الكلام تشريع محرم. وربما يستدل ايضا بما رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن سنان يعني عبد الله الحسن باسناده عن ابي عبد الله (عليه السلام): إذا كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القران فلا تقرأ خلفه في الاولتين (2) وقد عبر عنها في الحدائق وغيره بالصحيحة، لكن السند بهذا النحو المذكور في الوسائل " الطبعة الجديدة " غير خال عن الخدش فان عبد الله الحسن لا وجود له في كتب الرجال، بل الموجود اما عبد الله بن سنان بن طريف الثقة، أو محمد بن الحسن ابن سنان الضعيف الذي هو محمد بن سنان المعروف ينسب إلى جده حيث توفى ابوه الحسن وهو طفل وكفله جده سنان فنسب إليه، فابن سنان بعنوان عبد الله الحسن لا واقع له، على ان اسناده إلى ابي عبد الله (عليه السلام) غير معلوم فيلحق بالمرسل.


(1) الوسائل: باب 31 من صلاة الجماعة ح 5. (2) الوسائل: باب 31 من صلاة الجماعة ح 9.

[ 233 ]

هذا ولكن السند المزبور خطأ والنسخة مغلوطة والصواب كما في الطبعة القديمة من الوسائل هكذا يعني عبد الله - بدون زيادة كلمة (الحسن) ولا كلمة (باسناده) فتصبح الرواية صحيحة السند لكونها عن عبد الله ابن سنان عن ابي عبد الله (ع) وقد اوردها في التهذيب (1) وكذا في موضع آخر من الوسائل (2). هكذا (عن صفوان عن ابن سنان عن ابي عبد الله (ع). وقد دلت هذه الروايات بطوائفها الثلاث على المنع عموما أو خصوصا كما عرفت. ومع ذلك فقد ذهب جمع منهم الماتن إلى الجواز مع الكراهة نظرا إلى معارضتها بروايات أخرى دلت على الجواز الموجبة لحمل النهي في الروايات المتقدمة على الكراهة جمعا وهي روايات ثلاث: الاولى: صحيحة سليمان بن خالد - التي قيل بظهورها في نفسها في الكراهة - قال قلت لابي عبد الله (ع) أيقرأ الرجل في الاولى والعصر خلف الامام وهو لا يعلم أنه يقرأ؟ فقال: لا ينبغي له أن يقرأ يكله إلى الامام (3). فان موردها الاخفاتية بقرينة ذكر الاولى والعصر، وكذا قوله: وهو لا يعلم، إذ ليس المراد عدم العلم بأصل قراءة الامام، كيف وهو لا يجامع الوثوق بدينه المعتبر في صحة الائتمام مع منافاته لقوله (عليه السلام) يكله إلى الامام لظهوره في المفروغية عن قراءته،


(1) ج 3 ص 35. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 12. (3) الوسائل: باب 31 من صلاة الجماعة ح 8.

[ 234 ]

ولذا أوكله إليه، والا فلا معنى للايكال مع الشك في الامتثال كما هو ظاهر فالقراءة مفروضة لا محالة ولومن اجل الحمل على الصحة بل المراد عدم العلم الفعلي من طريق السماع لاجل كون الصلاة اخفاتية، فان البعيد عن الامام حينئذ بمقدار مترين مثلا لا يسمع قراءته غالبا، فقوله لا يعلم بمعنى لا يسمع. وكيفما كان فقد حكم (عليه السلام) بأنه لا ينبغي له ان يقرأ. وهذا التعبير ظاهر في الجواز مع الكراهة. أقول مبنى الاستدلال على ظهور كلمة (لا ينبغي) في الكراهة وهو في حيز المنع فان لفظ ينبغي وان كان ظاهرا في الرجحان والاستحباب، لكن كلمة لا ينبغي غير ظاهرة في الكراهة، فانها وان كانت كذلك في الاصطلاح الحادث بين المتأخرين لكنها في لسان الاخبار ظاهرة فيما هي عليه من المعنى اللغوي، اي لا يتيسر ولا يجوز المساوق للمنع وعدم الامكان، ومنه قوله تعالى: لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر. اي يمتنع ولا يتيسر لها ذلك. وعليه فالصحيحة ظاهرة في التحريم، وملحقة بالروايات السابقة الدالة على المنع لا انها معارضة لها. ومع التنزل فلا اقل من عدم ظهورها في الكراهة، بل في الجامع بينها وبين الحرمة، وحيث لا قرينة في المقام على التعيين فيحكم عليها بالاجمال فتسقط عن الاستدلال. الثانية: رواية البصري عن جعفر بن محمد (ع) انه سأل عن القراءة خلف الامام فقال: إذا كنت خلف الامام تولاه وتثق به فانه يجزيك قراءته وان احببت ان تقرأ فاقرء فيما تخافت

[ 235 ]

فيه. الخ (1). وفيه انها ضعيفة السند جدا لاشتماله على جمع من الضعفاء والمجاهيل، وان تمت دلالتها فهي ساقطة ولا تصل النوبة إلى الجمع الدلالي كي يحمل النهي في تلك الاخبار الصحيحة على الكراهة. ودعوى الانجبار بعمل المشهور ممنوعة صغرى وكبرى كما مر مرارا. مضافا إلى عدم تحقق الشهرة في المقام بنحو يكون القول الآخر شاذا، فان القائلين بالحرمة أيضا كثيرون والمسألة ذات قولين وليست شهرة في البين كي يدعى الانجبار بها. الثالثة وهي العمدة صحيحة علي بن يقطين عن أخيه عن أبيه في حديث قال سألت أبا الحسن (ع) عن الركعتين المتين يصمت فيهما الامام أيقرأ فيهما بالحمد وهو امام يقتدى به؟ فقال إن قرأت فلا بأس، وان سكت فلا بأس (2) وفي بعض النسخ إن قرأ فلا بأس وإن سكت فلا بأس. وتقريب الاستدلال يتوقف على مقدمات: الاولى: ان المراد بالصمت ليس هو السكوت، إذ ليس في الصلوات ركعة يسكت فيها الامام وحمله على السكوت عن القراءة كما عن الوافي بعيد جدا كما لا يخفى، بل المراد هو الاخفات فانه أقرب المجازات بعد تعذر الحقيقة. فقوله (يصمت) بمثابة قوله (يخفت) لما بينهما من المشاكلة والمشابهة. الثانية: ان المراد من الركعتين هما الاوليان من الاخفاتية دون الاخيرتين، فان الجهر والاخفات انما يطلقان بلحاظ القراءة التي


(1) الوسائل: باب 31 من صلاة الجماعة ح 15. (2) الوسائل: باب 31 من صلاة الجماعة ح 13.

[ 236 ]

موطنها الركعتان الاوليان غالبا. الثالثة: ان الصحيحة ناظرة إلى السؤال عن وظيفة المأموم وانه هل يقرأ بالحمد خلف امام يقتدى به في الركعتين الاولتين من الاخفات؟ فأجاب (ع) بالتخيير وانه ان قرأ فلا بأس وان سكت فلا بأس، أو ان قرأت فلا بأس وان سكت فلا بأس. فينتج بعد ضم المقدمات جواز القراءة في الاولتين من الاخفاتية. اقول: اما المقدمة الاولى فحق لا مساغ لانكارها كما عرفت. وأما الثانية فغير واضحة، بل لعل الصحيحة ظاهرة في الاخيرتين، إذ لو اريد الاوليان والمفروض ان الصلاة اخفاتية - لم يكن وجه لتخصيص الخفت بهما لكون ركعاتها حينئذ اخفاتية بأجمعها، فلا يحسن التعبير بالركعتين اللتين يصمت فيهما. بل كان الاولى ان يعبر هكذا عن الركعتين من الصلاة التي يصمت فيها وانما يحسن تخصيص الخفت بالركعتين، واسناده اليهما فيما لو اريد بهما الاخيرتان المحكومتان بالاخفات في كافة الصلوات. وبالجملة: فالركعتان ظاهرتان في الاخيرتين ولا اقل من احتمال ذلك الموجب لاجمال الصحيحة فتسقط عن الاستدلال. واما الثالثة فغير واضحة أيضا، بل من الجائز كما ربما يساعده السياق ان يكون السؤال عن وظيفة الامام وانه هل يقرأ فيهما بالحمد والحال انه اما يقتدى به، فكأن السائل تخيل ان التصدي للامامة يستدعي القراءة حتى في الاخيرتين، فأجاب (ع) بانه إن قرأ فلا بأس وان سكت فلا بأس. والمراد هو السكوت الاضافي لامتناع الحقيقي، فكما ان الصمت المذكور في الصدر يحمل على الخفت

[ 237 ]

[ ويستحب مع الترك ان يشتغل بالتسبيح والتحميد (1) والصلاة على محمد وآله. ] مجازا بعد تعذر الحقيقي كما مر، فكذا السكوت هنا يحمل على الاضافي لما ذكر. وما استظهرناه ان صح وتم فهو والا فلا اقل من احتماله وعدم الظهور في الخلاف. فغايته الاجمال فلا تصلح للاستدلال. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان القول بالحرمة لو لم يكن أقوى فلا ريب انه أحوط عملا بالروايات الصحيحة المانعة السليمة عما يعارضها حسبما عرفت. (1): لصحيحة بكر بن محمد الازدي: " انى اكره للمرء أن يصلي خلف الامام صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنه حمار، قال: قلت جعلت فداك فيصنع ماذا؟ قال يسبح (1) وقد رويت بطرق ثلاثة كلها صحيحة، وفي بعضها للرجل المؤمن بدل قوله للمرء. ولا يخفى ان قوله: فيصنع ماذا يكشف عما ذكرناه آنفا وقويناه من حرمة القراءة ومغروسيتها في ذهن السائل، ولذا سئل عن انه ماذا يصنع، والا فلو كانت القراءة جائزة كانت الوظيفة الاستحبابية معلومة من غير حاجة إلى السؤال، كما ان اقتصار الامام على التسبيح في الجواب شاهد آخر عليه. وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن رجل يصلي خلف امام يقتدى به في الظهر والعصر يقرأ؟ قال: لا ولكن


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب صلاة الجماعة ح 1، 3، 6

[ 238 ]

[ وأما في الاوليين من الجهرية فان سمع صوت الامام (1) ولو همهمة وجب عليه ترك القراءة بل الاحوط والاولى الانصات. ] يسبح ويحمد ربه ويصلي على نبيه صلى الله عليه وآله. وصحيحة سالم ابي خديجة عن ابي عبد الله (ع) قال: " إذا كنت امام قوم فعليك ان تقرأ في الركعتين الاولتين، وعلى الذين خلفك ان يقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " (1) فان أبا خديجة ثقة على الاصح، وتضعيف الشيخ له مبني على امر غير صحيح كما نبهنا عليه في محله، وباقي رجال السند كلهم موثقون، فالرواية محكومة بالصحة كما عبرنا، نعم هي مطلقة تشمل الجهرية كالاخفاتية، ولا مانع من الاخذ بالعموم كما ستعرف. (1): يقع الكلام تارة فيما إذا سمع قراءة الامام ولو همهمة وأخرى فيما إذا لم يسمع فهنا مقامان: اما المقام الاول فلا اشكال كما لا خلاف من احد في مرجوحية القراءة حينئذ، ولعل المشهور أو الاشهر جوازها مع الكراهة، وذهب جمع من الاصحاب من القدماء والمتأخرين إلى الحرمة. والكلام يقع أولا في المقتضي للمنع، واخرى في المانع عنه المعارض له. أما المقتضي فقد وردت روايات كثيرة معتبرة تضمنت النهي عن


(1) الوسائل: 32 من أبواب صلاة الجماعة ح 6.

[ 239 ]

القراءة اما عموما كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة قال: قال ابو جعفر (ع): ان امير المؤمنين (ع) يقول: من قرأ خلف امام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة (1) أو في خصوص الجهرية كصحيحة زرارة: " إن كنت خلف امام فلا تقرأن شيئا في الاولتين وانصت لقراءته ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين. فان الله عزوجل يقول للمؤمنين: وإذا قرئ القرآن، يعني في الفريضة خلف الامام فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون، فالاخيرتان تبع للاولتين وصحيحة قتيبة: " إذا كنت خلف امام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، وان كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ ". وصحيحة علي بن جعفر عن الرجل يكون خلف الامام يجهر بالقراءة وهو يقتدي به هل له ان يقرأ من خلفه؟ قال: لا، ولكن لينصت للقرآن (2). ونحوها غيرها وهي كثيرة كما لا يخفى على من لاحظها. واما المانع فقد استدل بأمور تمنع من الاخذ بظواهر النصوص المتقدمة، وتصلح قرينة لصرف النهي الوارد فيها إلى الكراهة. منها: صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) المتقدمة آنفا فقد قيل انها تتضمن قرينتين تشهدان بذلك. احداهما: اقتران النهي عن القراءة في الاوليين بالنهي عنها في الاخيرتين حيث قال (ع) فيها: " ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 4. (2) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 3، 7، 16.

[ 240 ]

ومن الواضح ان النهي في الاخيرتين تنزيهي، فكذا في الاوليين لاتحاد السياق. وفيه أولا: ما ذكرناه في الاصول من ان الوجوب والحرمة وكذا الاستحباب والكراهة ليسا من مداليل الالفاظ، وانما يستفادان من حكومة العقل بمناط وجوب الطاعة، فان صيغة الامر لا تدل الا على ابراز اعتبار الشئ وجعله في ذمة المكلف، كما ان النهي لا يدل إلا على اعتبار محروميته عنه، فان لم يقترن بالترخيص في الترك أو في الفعل انتزع منه الوجوب أو الحرمة بحكم العقل عملا بوظيفة العبودية وخروجا عن عهدة الطاعة، وان اقترن بالترخيص في احدهما انتزع منه الاستحباب أو الكراهة من دون ان تكون الصيغة بنفسها مستعملة في شئ من ذلك. وحيث قد ثبت الترخيص من الخارج بالاضافة إلى الاخيرتين ولم يثبت في الاولتين التزمنا بالكراهة في الاول، وبالحرمة في الثاني من دون ان يستلزم ذلك تفكيكا في ظاهر اللفظ كي يتنافى مع اتحاد السياق. وثانيا: سلمنا استفادتهما من اللفظ ودلالة الصيغة بنفسها عليهما لكن الصحيحة تضمنت حكمين لموضوعين في جملتين مستقلتين، غاية الامر انهما اجتمعا في كلام واحد، فاي مانع من ارادة الحرمة في احداهما والكراهة في الاخرى بعد تغاير الجملتين موضوعا وحكما، ومجرد الاجتماع في كلام واحد لا يستوجب الاتحاد في الحكم، وحديث السياق لو سلم فمورده ما إذا كان هناك حكم واحد لموضوعين في جملة واحدة مثل قوله اغتسل للجمعة والجنابة كما لا يخفى. وثالثا: لا نسلم كون النهي عن القراءة تنزيهيا في الاخيرتين،

[ 241 ]

بل الظاهر انه تحريمي لعدم الدليل على جواز القراءة في الاخيرتين بالاضافة إلى المأموم في الصلوات الجهرية التي هي مورد الصحيحة. ومن هنا ذكرنا في بحث القراءة وسيجئ قريبا ان شاء الله تعالى ان الاحوط وجوبا اختياره التسبيح، إذ لم يثبت التخيير بينه وبين القراءة في الاخيرتين الا في المنفرد أو المأموم في الصلوات الاخفاتية. وعليه فلا مانع من الاخذ بظاهر النهي الوارد في الصحيحة في كلتا الفقرتين والحكم بالحرمة في الاولتين والاخيرتين معا. ثانيتهما: تعليل النهي عن القراءة بالانصات، وحيث انه مستحب اجماعا إلا من ابن حمزة كان النهي للكراهة لا محالة لامتناع ان يكون الحكم الاستحبابي علة لحكم الزامي. وربما يؤيد الاستحباب باستفادته من نفس الآية الكريمة قال تعالى: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون " فان تعريض النفس للرحمة غير واجب وان وجب تعريضها للغفران ودفع العذاب. أقول: ظاهر الامر بالانصات في الآية المباركة المفسرة بالفريضة خلف الامام في الصحيحة المتقدمة هو الوجوب. والاجماع المدعى ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع) البتة، فلا يصلح لرفع اليد به عن ظاهر الامر، ولا ينافي ذلك استحباب التسبيح في النفس المأمور به في بعض النصوص، إما لعدم المنافاة بين الانصات والاصغاء وبين التسبيح الخفي بناءا على ما يظهر من بعض اللغويين من ان الانصات ليس هو السكوت المطلق، بل بمعنى عدم الجهر، ولذا لو اشتغل بعض المستمعين بالذكر الخفي والخطيب على المنبر لا يصادم

[ 242 ]

ذلك مع الانصات والاستماع كما لا يخفى. أو على تقدير التنافي فغايته الالتزام بالتخصيص واستثناء التسبيح. واما الاستشهاد للاستحباب بقوله تعالى: " لعلكم ترحمون " بدعوى عدم وجوب تعريض النفس للرحمة وان وجب تعريضها لدفع العذاب. ففيه انه لا واسطة بين الامرين اما العذاب أو الرحمة، وان تعريض النفس للرحمة مساوق لتعريضها لدفع العذاب واحدهما عين الآخر، كما يكشف عن عدم الواسطة وانه اما عذاب أو جنة جملة وافرة من الآيات الكريمة قال تعالى: المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله. الخ (1) دلت على اختصاص الرحمة بالمؤمنين المطيعين لله ورسوله. فغير المؤمن وهم الكفار أو المنافقون معذبون. وقال تعالى: قل إني اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم، من يصرف عنه يومئذ. فقد رحمه وذلك هو الفوز المبين (2) دلت على ان المشمول للرحمة هو الذي يصرف عنه العذاب، فهو اما معذب أو مشمول للرحمة مصروف عنه العذاب ولا ثالث. وقال تعالى: وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته. الخ (3) دلت على ان المرحوم هو المصون عن السيئات، فهو اما مسئ ففي الجحيم أو مرحوم ففي النعيم.


(1) التوبة: آية 71. (2) الانعام: آية 15 - 16. (3) المؤمن: آية 9.

[ 243 ]

وقال تعالى: يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون الا من رحم الله. الخ (1) دلت على عدم النصر يوم الفصل الا لمن رحمه الله فغير المرحوم غير منصور في ذلك اليوم فهو معذب لا محالة. وهذه الجملة اعني (لعلكم ترحمون) الواردة في آية الانصات قد وردت في غير واحد من الآيات ولا يحتمل فيها الاستحباب. قال تعالى: واتقوا النار التي اعدت للكافرين واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (2) فان الرحمة مترتبة على اطاعة الله ورسوله باختيار الاسلام والفرار عن النار التي اعدت للكافرين ووجوبه واضح. وقال تعالى، وهذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (3) ترتبت الرحمة على التقوى ومتابعة القرآن الواجب على كل احد. وقد ذكرنا في تفسير سورة الفاتحة حول قوله تعالى: إهدنا الصراط المستقيم. الخ انه تعالى قسم المكلفين إلى ثلاثة أقسام ولا رابع. فمنهم من يمشي في صراط مستقيم وهم الذين انعم الله عليهم، وغيرهم اما معاند وهو المغضوب عليه، أو غير معاند وهو الضال. وعلى الجملة: فليست في قوله تعالى لعلكم ترحمون دلالة على الاستحباب ليرفع اليد به عن ظهور الامر بالانصات في الوجوب. وقد عرفت ان الاجماع المدعى على استحبابه ليس تعبديا ليعتمد عليه


(1) الدخان: آية 41 - 42. (2) آل عمران: آية 131 - 132. (3) الانعام: آية 155.

[ 244 ]

ودعوى السيرة المستمرة على الترك كما قيل غير ثابتة. فالاقوى وجوب الانصات خلف الامام عملا بظاهر الامر في الآية المباركة السليم عما يوجب صرفه إلى الاستحباب. ومما يؤكد الوجوب قوله (ع) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: " وأما الصلاة التى يجهر فيها فانما امر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فانصت. الخ " (1) فان تعليل وجوب الجهر على الامام بانصات من خلفه يكشف عن وجوب الانصات لا محالة، وإلا فكيف يكون الحكم الاستحبابي علة لحكم الزامي. وعليه فليس في تعليل النهي عن القراءة بالانصات في صحيحة زرارة المتقدمة قرينة على الكراهة لتوقفها على استحباب الانصات. وقد عرفت ان الاقوى وجوبه فتركها عزيمة لا رخصة. وقد يجاب عن هذه القرينة بان تطبيق الآية في الصحيحة المتقدمة يمكن ان يكون بلحاظ الامر بالانصات لا بلحاظ النهي عن القراءة فالتعليل راجع إلى الاول دون الثاني كي يدل على الكراهة. وفيه ان هذا بعيد جدا فان توسط قوله (ع) ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين بين قوله فان الله عزوجل يقول. الخ وبين قوله: (وانصت لقراءته) مانع عن رجوع التعليل إلى الامر بالانصات كما لا يخفى. بل الظاهر ان التعليل راجع إلى الجملة المتصلة به اعني قوله (ع) ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين بقرينة فاء التفريع في قوله (ع): في آخر الصحيحة (فالاخيرتان تبع للاولتين) ويكون حاصل المعنى ان


(1) الوسائل: باب 31 من ابواب القراءة ح 5.

[ 245 ]

القراءة ممنوعة في الاخيرتين لان الانصات واجب في الاولتين بمقتضى الآية المباركة الملازم لترك القراءة فيهما، فكذا تترك في الاخيرتين لانهما تابعتان للاولتين في هذا الحكم. والمتحصل: من جميع ما قدمناه ان هذه الصحيحة لا تصلح للقرينية ليصرف النهي الوارد فيها وفي غيرها عن القراءة إلى الكراهة. ومنها - اي من القرائن - موثقة سماعة عن الرجل يؤم الناس فيسمعون صوته ولا يفقهون ما يقول، فقال: إذا سمع صوته فهو يجزيه، وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه (1). فان التعبير بالاجزاء يكشف عن جواز القراءة، غير ان السماع يجزي عنها. وفيه ان الاجزاء لا يدل الا على جواز السماع بالمعنى الاعم، والاكتفاء به عن القراءة، واما انها مكروهة أو محرمة وان تركها بنحو الرخصة أو العزيمة فلا دلالة فيه على ذلك بوجه. بل يمكن ان يقال بدلالة الموثقة على ان الترك بنحو العزيمة وان القراءة ليست بجائزة بقرينة المقابلة بين هذه الفقرة وبين قوله (ع) وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه، فان القراءة لدى عدم السماع جائزة لا واجبة نصا وفتوى كما ستعرف. ومقتضى المقابلة عدم الجواز لدى السماع، إذ لو جاز معه ايضا لما صح التقابل مع ان التفصيل قاطع للشركة. وبعبارة: اخرى لا شك ان القراءة في الصورة الثانية ليست بواجبة للنصوص الدالة على جواز الترك. فتركها حينئذ رخصة قطعا، فان


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 10.

[ 246 ]

[ وان كان الاقوى جواز الاشتغال ونحوه (1) ] كان الترك في الصورة الاولى ايضا رخصة لم يبق فرق بين الصورتين فلا يصح التقابل، فلا مناص من كونه عزيمة. وعليه فالموثقة تعاضد النصوص المانعة لا أنها تعارضها كي تصلح قرينة لصرف النهي الوارد فيها إلى الكراهة. فالانصاف: انه ليست هناك قرينة يعتمد عليها في رفع اليد عن ظاهر النهي الوارد في تلك النصوص كي يحمل على الكراهة. فالاقوى حرمة القراءة، وان سقوطها بنحو العزيمة، كما يؤكده قوله (ع) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة ص 239: " من قرأ خلف امام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة ". فان مثل هذا التعبير مما يأبى عن الحمل على الكراهة كما لا يخفى وان خصصت بالاخفاتية وبصورة عدم السماع في الجهرية كما عرفت وستعرف. ثم انه لافرق في الحكم المزبور بين سماع الصوت أو الهمهمة للتصريح بالمنع عن القراءة لدى سماعها ايضا في موثقة عبيد بن زرارة عنه (ع) انه ان سمع الهمهمة فلا يقرأ (1) ولا يقدح في السند وجود الحكم بن مسكين في طريق الصدوق إلى عبيد فانه موجود في اسانيد كامل الزيارات (2) وان لم يوثق صريحا في كتب الرجال، وكذا في صحيحة قتيبة ".. وان كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ (3). (1) ولا ينافي ذلك وجوب الانصات، اما لتفسيره بعدم الاجهار


(1) و (2) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 و 7. (2) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا يشمله التوثيق والعمدة صحيحة قتيبة.

[ 247 ]

دون السكوت المطلق كما تقدم عن بعض اللغويين فلا تدافع بينه وبين الذكر الخفي غير المانع عن الاصغاء، أو للالتزام بالتخصيص لو فسر بالسكوت المطلق للنص الصحيح الدال على الجواز. وهي صحيحة أبي المغرا حميد بن المثنى قال: كنت عند أبي عبد الله (ع) فسأله حفص الكلبي فقال: اكون خلف الامام وهو يجهر بالقراءة فادعوا وأتعوذ قال: نعم فادع (1). وقد نوقش في سندها تارة وفي الدلالة اخرى. اما السند فلان في طريق الصدوق إلى أبي المغرا عثمان بن عيسى وقد توقف فيه العلامة في رجاله وضعفه في كتبه الاستدلالية لكونه واقفيا. وفيه: ان تضعيف العلامة مبني على مسلكه من عدم الاعتماد على غير الامامي وان كان ثقة، وحيث بنينا على الاكتفاء بوثاقة الراوي وان لم يكن اماميا فالرواية معتبرة لكون الرجل موثوقا به في كتب الرجال، بل عده الكشي من اصحاب الاجماع على قول. واما الدلالة فبامكان حملها على صورة عدم السماع. وفيه من البعد مالا يخفى. نعم لو كانت العبارة هكذا - اكون خلف الامام في الصلاة الجهرية لم يكن الحمل المزبور بعيدا لجواز ان لا يسمع صوت الامام لبعده عنه، لكن العبارة هكذا " وهو يجهر بالقراءة " وهذا التعبير كما ترى يدل على سماعه للقراءة وتشخيصه انه يجهر بها حسا لا حدسا كما لا يخفى. واوضح دلالة صحيحة زرارة عن احدهما (ع) قال: إذا كنت


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 248 ]

[ واما إذا لم يسمع حتى الهمهمة جاز له القراءة (1) بل الاستحباب قوي، لكن الاحوط القراءة بقصد القربة المطلقة لابنية الجزئية وان كان الاقوى الجواز بقصد الجزئية ايضا. ] خلف امام تأتم به فانصت وسبح في نفسك (1) فان الانصات للقراءة لا يتحقق الا مع الجهر بها وسماعها، فلا يحتمل الحمل على عدم السماع وقد دلت كسابقتها على استحباب التسبيح (1) المقام الثاني: فيما إذا لم يسمع حتى الهمهمة، ولا ينبغي الاستشكال في جواز القراءة حينئذ، بل عن الرياض انه اطبق الكل على الجواز بالمعنى الاعم، وفي الجواهر بلا خلاف اجده بين الاصحاب، بل ولا حكي عن احد منهم عدا الحلي مع انه لا صراحة في عبارته في السرائر بذلك، بل ولا ظهور، ولا يبعد انه وهم من الحاكي انتهى. وكيفما كان فيظهر منهم ان الاقوال في المسألة اربعة: احدها: الوجوب كما هو ظاهر الشيخ في المبسوط والنهاية، والمحقق في النافع، والمرتضى وأبي الصلاح وغيرهم. الثاني: الاستحباب كما اختاره في المتن تبعا لغير واحد من الاصحاب، بل نسب إلى المشهور تارة والى الاشهر اخرى. الثالث: الاباحة كما نسب إلى ظاهر القاضي، والراوندي،


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 249 ]

وابن نما وغيرهم. الرابع: التحريم ولم ينسب الا إلى الحلي وان ناقش في الجواهر في صدق النسبة وانه اشتباه من الحاكي كما عرفت الا انه قول منسوب إليه سواء أصحت النسبة أم لا، هذه هي حال الاقوال. اما الاخير فساقط جزما، إذ ليس له وجه ظاهر عدا الاغترار بعموم بعض الاخبار الناهية عن القراءة خلف الامام اللازم تخصيصه بالنصوص الكثيرة الواردة في المقام كما ستعرف المتضمنة للامر بالقراءة الذي لا اقل من دلالته على الترخيص. واما القول: بالوجوب فمستنده الاخذ بظاهر الامر الوارد في غير واحد من النصوص. ففي صحيح الحلبي: ". الا ان تكون صلاة تجهر فيها بالقرائة ولم تسمع فاقرأ ". وفي صحيح ابن الحجاج ". وان لم تسمع فاقرأ " وفي صحيح قتيبة: ". إذا كنت خلف امام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ انت لنفسك. الخ " وفي موثق سماعة: " وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه " (1). ونحوها غيرها. وفيه اولا: ان الامر في هذه النصوص لا يدل على الوجوب، بل ولا الاستحباب لوروده موقع توهم الحظر بناءا على ما عرفت من المنع عن القراءة لدى السماع. فغايته الدلالة على الجواز ومجرد الترخيص. وثانيا: انه محمول على الاستحباب بقرينة الترخيص في الترك الثابت في صحيح علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الاول (ع) عن الرجل يصلي خلف امام يقتدى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 5 و 7 و 10.

[ 250 ]

فلا يسمع القراءة، قال: لا بأس ان صمت وان قرأ (1) فهذا القول يتلو سابقه في الضعف. فيدور الامر بين القولين الاخيرين اعني الاستحباب أو الاباحة. والتحقيق: ان القول بالاباحة ساقط، ولا يمكن المصير إليه في المقام سواء أقلنا بظهور الامر الوارد في تلك النصوص في الوجوب ورفع اليد عنه بقرينة صحيح ابن يقطين الذي نتيجته الاستحباب ام قلنا بانها من اجل وقوعها موقع توهم الحظر غير ظاهرة الا في الاباحة، ومجرد الترخيص لعدم تصور الاباحة في اجزاء العبادة لا في جزء الطبيعة ولا في جزء الفرد وانها مهما جازت كانت مستحبة بامر عبادي استقلالي ظرفه الواجب. وتوضيح المقام: انا قد ذكرنا في الاصول في بحث الصحيح والاعم ان التركيب بين اجزاء الصلاة ليس تركيبا حقيقيا لانها مؤلفة من ماهيات مختلفة ومقولات متباينة، فبعضها من مقولة الكيف المسموع كالتكبير والقراءة، وبعضها من مقولة الوضع كالركوع والسجود وهكذا، ولا جامع ماهوي بين المقولات المتأصلة بالضرورة وإنما التركيب بينها اعتباري محض فلاحظ الشارع الطبيعة المؤلفة من المقولات المتشتتة واعتبرها شيئا واحدا في عالم اللحاظ والاعتبار فكل ما اعتبره في الطبيعة كان جزءا منها مقوما لها وإلا كان خارجا عنها. ولاجل ذلك امتنع اتصاف الجزء بالاستحباب فضلا عن الاباحة: إذ مقتضى الجزئية الدخل في الطبيعة وتقومها بها، ومقتضى الاستحباب جواز الترك المساوق لعدم الدخل فكيف يجتمعان.


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 11.

[ 251 ]

هذا حال الطبيعة نفسها. وكذا الفرد إذ لا يتصف شئ بكونه فردا للطبيعة إلا إذا اضيف إليها، ولا تكاد تتحقق الاضافة إلا إذا كان مصداقا للطبيعة بانطباقها بشراشر اجزائها عليه ومطابقتها معها في كل ما يشتمل عليه فينطبق التكبير على التكبير الخارجي، ومثله الركوع والسجود، وهكذا إلى نهاية الاجزاء المعتبرة في الطبيعة، فلا يزيد الفرد عليها بشئ فكل ما هو جزء للفرد جزء للطبيعة، وما ليس جزءا لها لم يكن جزءا للفرد ايضا وان اقترن معه خارجا، فجزء الفرد من الطبيعة لا يكون الا جزءا لنفس الطبيعة لا محالة. ومما ذكرنا تعرف ان القراءة في المقام بعد ان لم تكن واجبة حسب الفرض فهي ليست بجزء لا للطبيعة ولا للفرد، فلا معنى للقول بانها جزء مباح من الصلاة لا توجب افضلية الفرد المشتمل عليها من الفرد الخالي عنها أو جزء مستحب يوجب افضلية الفرد المشتمل من الفرد الخالي، ولا يقاس ذلك بساير الملابسات التي يتصف بها الفرد المحكومة بالاباحة تارة وبالاستحباب أو الكراهة اخرى نظير الماهية التشكيكية المنطبقة على المرتبة القوية مرة والضعيفة اخرى كالصلاة في الدار أو في المسجد أو الحمام. ضرورة ان خصوصية المكان أو الزمان من ملابسات وجود الفرد وملازماته ومقارناته التي لا ينفك عنها خارجا، فهي ملازمة للوجود لاجزء من الموجود فيمكن ان توجب المزية تارة والنقيصة اخرى، اولا هذا ولا ذاك فيحكم عليه بالاباحة. واين هذا من القراءة أو القنوت، أو الذكر الزائد على الاذكار المعتبرة في الركوع أو السجود ونحوها مما لا يتقوم به

[ 252 ]

الفرد في تحققه، بل قد يكون وقد لا يكون. وعلى الجملة فجزئية هذه الامور للفرد أو الطبيعة مع فرض استحبابها فضلا عن الاباحة امر غير معقول. فما يقال من انه بناءا على مشروعية القراءة ولو على القول بالاباحة لا مانع من الاتيان بها بقصد الجزئية والوجوب فانها وان لم تكن جزءا من الماهية الواجبة لكنها جزء من الفرد الذي تنطبق الماهية الواجبة عليه بتمام اجزائه التي منها القراءة، فتتصف بالوجوب بعين اتصاف ساير اجزاء الصلاة (في غاية الضعف) وليت شعري كيف تنطبق الطبيعة غير الملحوظ فيها القراءة حسب الفرض على الفرد المشتمل عليها بوصف الاشتمال وهل هناك معنى للانطباق الذي هو مناط اتصاف الفرد بكونه فردا للطبيعة كما عرفت، عدا تطبيق الطبيعة الواجبة بمالها من الاجزاء على الموجود الخارجي بماله من الاجزاء، فمع الاعتراف بعدم الدخل في الطبيعة والماهية، المأمور بها كيف يمكن دعوى انطباقها على الفرد المشتمل على مالا يكون جزءا من الطبيعة حتى يمكن الاتيان بالقراءة بقصد الوجوب والجزئية. وملخص الكلام: انا لا نعقل التوفيق بين الجزئية وبين الاباحة أو الاستحباب سواء أريد بها الجزئية للطبيعة ام للفرد. نعم: بعد ان رخص الشارع في اتيان شئ في الصلاة بعنوان انها صلاة وكان مسانخا لاجزائها كما في المقام فبما ان الصلاة عبادة كان الشئ المرخص فيها ايضا عباديا بحسب الفهم العرفي فيكون محبوبا ومأمورا به لا محالة لتقوم العبادة بالامر فالجواز والترخيص مساوق للاستحباب في خصوص المقام. وحيث قد عرفت المنافاة بين

[ 253 ]

[ وأما في الاخيرتين من الاخفاتية أو الجهرية فهو كالمنفرد في وجوب القراءة أو التسبيحات مخيرا بينهما (1) سواء قرأ الامام فيهما أو أتى بالتسبيحات سمع قراءته أو لم يسمع. ] الجزئية وبين الاستحباب فلا مناص من الالتزام بكونه مأمورا به بأمر استحبابي استقلالي، غاية الامر أن موطنه وظرفه الصلاة كما في القنوت، وكذا القراءة في المقام - والاذكار المستحبة في الركوع والسجود. وبذلك تمتاز هذه الامور عن مثل التصدق في الصلاة فانه وان كان مستحبا أيضا لكنه لا يختص بالصلاة ولا يرتبط بها فهو والتصدق خارج الصلاة على حد سواء، بخلاف تلك الامور فانها - بما هي كذلك وظائف مقررة حال الصلاة ومربوطة بها ارتباط المظروف بظرفه. وهذا هو المراد من الجزء المستحب ولا نعقل له معنى صحيحا وراء ذلك. فاتضح من جميع ما قدمناه ان الاقوى استحباب القراءة في المقام كما اختاره في المتن، وجواز الاتيان بها بقصد الجزئية بالمعنى الذي ذكرناه. (1) قدمنا في بحث القراءة ان مقتضى الجمع بين النصوص هو الحكم بالتخيير بين القراءة والتسبيح في الركعتين الاخيرتين بالاضافة إلى المنفرد والامام، وكذا المأموم في الصلوات الاخفاتية، وأما المأموم في الصلوات الجهرية فلم ترد رواية تدل على جواز القراءة

[ 254 ]

[ (مسألة 2): لافرق في عدم السماع بين ان يكون من جهة البعد (1)، أو من جهة كون المأموم أصم أو من جهة كثرة الاصوات أو نحو ذلك. ] بالنسبة إليه، بل قد ورد في بعض النصوص النهي عنها وهي صحيحة زرارة المتقدمة: (ان كنت خلف امام فلا تقرأن شيئا في الاولتين وانصت لقراءته ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين إلى ان قال (ع) فالاخيرتان تبعا للاوليتين " وموردها الجهرية كما لا يخفى. وقد ورد: في صحيحة معاوية بن عمار الامر بالتسبيح الظاهر في الوجوب التعييني: " عن القراءة خلف الامام في الركعتين الاخيرتين فقال: الامام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبح " (1). نعم: هي مطلقة من حيث الجهر والاخفات فتقيد بما دل على جواز القراءة في الاخفاتية وهي صحيحة ابن سنان (2) فتبقى الجهرية تحتها. ومن اجل ذلك كان الاحوط لزوما تعين التسبيح على المأموم في الصلوات الجهرية كما نبه عليه الاستاد - دام ظله - في تعليقته الشريفة. ولمزيد التوضيح يرجع إلى ما قدمناه في مبحث القراءة. (1) فان الموضوع المذكور في النص لسقوط القراءة رخصة أو عزيمة على الخلاف المتقدم إنما هو عنوان عدم السماع الظاهر في السماع الفعلي، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين اسبابه ومناشئه


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 2. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 12.

[ 255 ]

[ (مسألة 3): إذا سمع بعض قراءة الامام (1) فالاحوط الترك مطلقا. ] من قصور في المأموم لكونه اصم، أو في الامام لكونه ضعيف الصوت أو لمانع خارجي كالضوضاء وكثرة الاصوات، أو من جهة البعد وكون المأموم في الصفوف المتأخرة كل ذلك لاطلاق النص كما هو ظاهر. (1) هل المسموع بعضا ملحق بالمسموع تماما فتسقط القراءة رخصة أو عزيمة بدعوى اطلاق السماع المعلق عليه السقوط في النص فانه شامل للكل وللبعض، أو يلحق بغير المسموع تماما بدعوى انصراف النص إلى ما إذا سمع القراءة بتمامها، فسماع البعض في حكم العدم، أو يلحق كل منهما بكل منهما قضاء لفعلية الحكم بفعلية موضوعه فيسقط في مورد السماع، ولا يسقط في مورد عدمه؟ وجوه ذكرها في الجواهر واختار الاخير منها. لكن الاقوى هو الوجه الاول. اما اولا: فلاطلاق النص كما عرفت فان سماع القراءة صادق على سماع ابعاضها، ولا يتوقف الصدق على سماع الجميع، ودعوى الانصراف غير مسموعة كما لا يخفى. واما ثانيا: فلانه على تقدير الخدش في الاطلاق تكفينا في المقام صحيحتا عبيد بن زرارة وقتيبة الواردتان في الهمهمة فقد تضمنتا سقوط القراءة لدى سماع الهمهمة، ومن الضروري ان الهمهمة غير مسموعة في تمام القراءة من البدء إلى الختم وانما تسمع في ابعاضها


(1) لاحظ الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 و 7.

[ 256 ]

[ (مسألة 4): إذا قرأ بتخيل ان المسموع غير صوت الامام ثم تبين انه صوته لا تبطل صلاته (1) وكذا إذا قرأ سهوا في الجهرية. ] بطبيعة الحال. فالصحيحتان بعد ملاحظة هذا العلم الخارجي في قوة ان يقال (ان سمع الهمهمة في بعض القراءة فلا يقرأ) فيكشف عن ان الموضوع في سماع القراءة ايضا هو سماع البعض دون الكل كما لا يخفى. فالاقوى: حينئذ هو السقوط ولم يجزم الماتن بذلك فذكر ان الاحوط الترك ولا شك انه مقتضى الاحتياط سيما على القول بكون السقوط بنحو العزيمة كما اختاره وقويناه، لكن ذلك فيما إذا قرأ بقصد الجزئية واتى بها بعنوان القراءة الصلاتية، واما القراءة بقصد القرآن أو الدعاء أو الذكر لاشتمال الفاتحة عليهما فلا ينبغي الاستشكال في جوازها كما نبهنا عليه في اول الفصل. (1) فان القراءة حينئذ وان كانت عمدية لكن العمد إليها مبني على الاشتباه وتخيل ان المسموع غير صوت الامام فلم تكن الحرمة منجزة في حقه، فهي في حكم الزيادة السهوية غير القادحة بمقتضى حديث لا تعاد. ونحوه: ما إذا قرأ سهوا في الجهرية مع السماع الذي ذكره (قده) اخيرا لعين ما ذكر، والفرق بينهما ان القراءة هنا بنفسها سهوية وهناك بمقدمتها كما عرفت، وعلى التقديرين فزيادتهما غير قادحة لاندراجها تحت الحديث كما مر.

[ 257 ]

[ (مسألة 5): إذا شك في السماع وعدمه (1) أو ان المسموع صوت الامام أو غيره فالاحوط الترك، وان كان الاقوى الجواز. (مسألة 6): لا يجب على المأموم الطمأنينة حال قراءة الامام (2) وان كان الاحوط ذلك، وكذا لا تجب ] (1): كما لو كان مبتلى بخشخشة في اذنه فسمع صوتا شك في انه من الداخل ام من الخارج فبالنتيجة يشك في اصل السماع، أو علم به فسمع صوتا من الخارج وشك في انه صوت الامام أو غيره، وقد ذكر في المتن ان الاقوى جواز القراءة وهو الصحيح لا لاصالة عدم التعلق بصوت الامام فيما إذا علم بالسماع وشك في المسموع ليبتني ذلك على جريان الاصل في العدم الازلي، فان التعلق بصوت الامام ليس موضوعا للاثر، وانما الموضوع في النص هو سماع صوت الامام، ولا شك ان هذا عنوان حادث مسبوق بالعدم النعتي فيقال انه قبل هذا الآن لم يكن سامعا لصوت الامام والآن كما كان ولا يعارض بأصالة عدم سماعه لصوت غير الامام، إذ لا أثر لهذا الاستصحاب، الا إذا ثبت به ان المسموع هو صوت الامام من اجل العلم الاجمالي باحدهما ومن المعلوم انا لا نقول بالاصل المثبت. (2): فان مدرك اعتبار الطمأنينة ان كان هو الاجماع فمن الواضح انه دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقن منه، وهو اعتباره في قراءة نفسه لاحال قراءة الامام، وان كان هو الدليل اللفظي

[ 258 ]

[ المبادرة إلى القيام حال قراءته (1) فيجوز ان يطيل سجوده ويقوم بعد ان يقرأ الامام في الركعة الثانية بعض الحمد. ] كما استفدناه مما ورد في الاقامة من قوله (ع): وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة. وما ورد في المشي حال الصلاة من قوله (ع) يكف عن القراءة حال المشي على ما تقدم في محله. فمن الواضح ان هذه الادلة انما تدل على اعتبارها في القارئ، ولدى تصديه للقراءة لا مع سقوطها عنه وضمان الامام لها كما في المقام. ومعلوم انه لا دليل على تنزيل قراءة الامام منزلة قراءة نفسه من هذه الجهة كما هو ظاهر، وحيث لا دليل فالمرجع اصالة البراءة. (1): فان القيام إما واجب حال القراءة أو شرط في صحتها، وعلى التقديرين فانما يجب لدى التصدي للقراءة مباشرة فلا موضوع للوجوب مع السقوط وضمان الامام. وعليه فلا مانع من اطالة السجود، والقيام بعد قراءة الامام بعض الحمد كما ذكره في المتن، لكن ينبغي تقييده - بقرينة ما سيجئ منه (قده) من لزوم المتابعة في الافعال - بما إذا لم يكن التأخير بمثابة يخل بصدق المتابعة في القيام عرفا كما لو اطال السجود ولحق بالامام حينما اشرف على الركوع والا بطلت جماعته أو كان آثما على الخلاف الآتي من ان المتابعة واجب نفسي أو شرطي. وبعبارة اخرى: هنا جهتان من البحث احداهما وجوب القيام حال قراءة الامام وهذا لادليل عليه كما عرفت لاختصاصه بالقيام حال قراءة المصلي نفسه لاحال سقوطها وضمان الغير له، فله التأخير في

[ 259 ]

[ (مسألة 7): لا يجوز ان يتقدم المأموم على الامام في الافعال (1). ] السجود والالتحاق بالامام وان شرع في الفاتحة وقرأ آية منها مثلا. ثانيتهما: وجوب متابعة الامام في افعاله، فالتأخير في الالتحاق بمقدار يخل بمتابعة الامام في القيام ممنوع لاجل ذلك لا لعدم القيام حال قراءة الامام. (1) بلا خلاف ولا اشكال، وقد ادعى عليه الاجماع في كلمات غير واحد من الاصحاب وانما الكلام في مستنده بعد وضوح عدم كون الاجماع تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع). وربما يستدل له بالنبوي: " انما جعل الامام اماما ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا " بعد انجبار ضعفه بعمل المشهور، لكن الانجبار ممنوع كبرى كما مر مرارا، وكذا صغرى، إذ لم يعلم استنادهم إليه كما لا يخفى. فالاولى: الاستدلال له بان ذلك هو مقتضى مفهوم الائتمام ولازم جعل الامامة للامام من غير حاجة إلى ورود نص في المقام. فان المأمومية والاقتداء تتقوم عرفا بالتبعية لمن يأتم به في كل ما يفعل فالتقدم عليه في الافعال مناف لصدق هذا العنوان بالضرورة، فالنبوي المزبور وان كان ضعيف السند لكن مضمونه مطابق للقاعدة ويشهد له بعض النصوص الواردة في الموارد المتفرقة مثل ما ورد فيمن ركع أو سجد قبل الامام سهوا، أو رفع رأسه عنهما كذلك من

[ 260 ]

[ بل يجب متابعته بمعنى مقارنته أو تأخره عنه (1) تأخرا غير فاحش. ] انه يرجع إلى ما كان، فلولا عدم جواز التقدم عليه في الافعال لم يكن وجه للعود، وما ورد من الامر بالتجافي في التشهد في المأموم المسبوق ومن الامر بالانتظار والاشتغال بالتسبيح فيما لو فرغ المأموم عن القراءة - عندما يقرأ - قبل ان يفرغ الامام عنها. فلو كان التقدم جائزا لم يكن وجه للتجافي فيقوم عن تشهد الامام ولا للانتظار فيركع قبل ركوعه فالامر بهما يكشف عن عدم الجواز لا محالة. (1) المشهور جواز مقارنة المأموم مع الامام في الافعال فتتحقق المتابعة بمجرد عدم التقدم عليه، ولا يلزم التأخر عنه، بل عن بعضهم دعوى الاجماع عليه. وذهب جمع منهم صاحب المدارك (1) وصاحب الذخيرة إلى لزوم التأخر وعدم كفاية المقارنة. ويستدل لهم بوجهين: احدهما: ان لزوم التأخر هو ظاهر النبوي المتقدم، فان قوله صلى الله عليه وآله إذا كبر فكبروا. الخ ظاهر بمقتضى التفريع وتعليق الجزاء على الشرط في ان وجوب التكبير على المأموم متفرع على تكبير الامام وتحققه خارجا، وهكذا الحال في الركوع والسجود إلى نهاية الافعال، فهي متأخرة عنه زمانا لا محالة


(1) يظهر من الحدائق ان صاحب المدارك والذخيرة انما منعا عن المقارنة في خصوص التكبير لا في الافعال التي هي محل الكلام ولا في غيره من الاقوال. لاحظ الحدائق: ج 11، ص 139.

[ 261 ]

رعاية للترتيب الزماني المستفاد من التعليق المزبور بمقتضى الفهم العرفي وحمله على التأخر الرتبي والترتيب بالعلية المجامع مع التقارن الزماني بان تكون ارادة المأموم معلولا لارادة الامام وان اقترن الفعلان زمانا خلاف الظاهر جدا، بعيد عن سياق الرواية عرفا كما لا يخفى. ثانيهما: ان ذلك هو مقتضى قاعدة الاشتغال، فان الجماعة محكومة باحكام خاصة من ضمان الامام للقراءة ورجوعه إلى المأموم وكذا العكس لدى الشك، واغتفار الزيادة لاجل التبعية، ولا يمكن ترتيبها إلا مع الجزم بالصحة، ولا جزم الا في فرض التأخر لاحتمال دخله فيها، وعدم كفاية المقارنة في صحة الجماعة، فمجرد الاحتمال كاف في الاعتبار قضاءا لقاعدة الاشتغال. اقول: في كلا الوجهين مالا يخفى. اما الاول: فلما عرفت من ضعف سند النبوي فلا يمكن التعويل عليه في شئ من الاحكام والانجبار على تقدير تسليمه كبرى لاصغري له في المقام قطعا. كيف وقد ذهب المشهور إلى جواز المقارنة بل ادعى الاجماع عليه كما مر. واما الثاني: فلانه ان اريد من احتمال دخل التأخر في الصحة دخله في مفهوم الائتمام وصدق عنوان الجماعة عرفا فهو مقطوع العدم لتحقق المتابعة بمجرد المقارنة لدى العرف فانهم لا يرون في صدقها اكثر من جعل التابع فعله قرين فعل المتبوع والتحرك طبق ارادته وهذا العرف ببابك فان الاجتماع للصلاة كالاجتماع لغاية اخرى كالاستماع والترنم لقصيدة مثلا فإذا كان هناك من يلقي قصيدة ويتبعه الباقون في قراءتها

[ 262 ]

لا يعتبر في صدق المتابعة تأخر الباقين في القراءة بل يتحقق وان اجتمعا في زمان واحد. وان اريد منه احتمال دخله في الصحة شرعا فيدفعه اولا: اطلاقات ادلة الجماعة بعد صدق المفهوم عرفا لدى المقارنة كما عرفت. وثانيا: اصالة البراءة كما مر مرارا من انها المرجع لدى الشك في امثال المقام، فان الجماعة ليست مسقطة للوجوب، وانما هي عدل للواجب التخييري، فيشك في ان الملحوظ في هذا العدل هل هو خصوص المتضمن للتأخر ام الاعم منه ومن التقارن؟ وحيث ان الخصوصية مشكوكة فتدفع باصالة البراءة التي نتيجتها جواز المقارنة فلا مجال للرجوع إلى قاعدة الاشتغال. هذا وربما يستدل للجواز بما رواه في الحدائق عن الحميري في كتاب قرب الاسناد بسنده عن علي بن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن الرجل يصلي: أله أن يكبر قبل الامام؟ قال: لا يكبر الا مع الامام فان كبر قبله اعاد التكبير (1) فان ظاهرها جواز المقارنة. وقد استدل بها المجلسي في البحار (2) على جوازها في التكبير وبضميمة عدم الفصل بينه وبين ساير الافعال يتم المطلوب. وفيه أولا: ان مورد هذه الرواية على ما استظهره في الوسائل هو صلاة الجنازة، ومن ثم اوردها في ذاك الباب (3) ولم يوردها في


(1) الحدائق ج 11 ص 139 (2) البحار ج 88 ص 74 الحديث 3. (3) الوسائل: باب 16 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1.

[ 263 ]

روايات المقام، كما ان الحميري ايضا أوردها في باب صلاة الجنازة (1) قال في الوسائل " ويظهر منه انه كان كذلك في كتاب علي بن جعفر أيضا " (2). وكأن معلق الحدائق (دام علاه) اقتصر في فحصه على روايات المقام حيث قال " ولم نجده في قرب الاسناد ولا في الوسائل ولا في المستدرك " وكيفما كان فلا مساس لهذه الرواية بروايات المقام اما جزما أو احتمالا فلا جزم بصحة الاستدلال بها. وثانيا: انها ضعيفة السند بعبدالله بن الحسن. هذا وقد ناقش صاحب الحدائق (قده) في دلالتها بما ملخصه ان العبارة لو كانت هكذا: " لا يكبر الا مع تكبير الامام " لدلت على المقارنة لكون المعية حينئذ ملحوظة بين التكبيرتين، لكن المذكور في الروايات هكذا: " لا يكبر الا مع الامام " والمفهوم من هذه العبارة لزوم التأخر، إذ المعية ملحوظة بين تكبير المأموم ونفس الامام


(1) قرب الاسناد ص 99. (2) لا يخفى ان كتاب علي بن جعفر - على ما يظهر من النجاشي - يروى مبوبا تارة وغير مبوب اخرى، والذي وصل إلى عبد الله بن جعفر الحميري انما هو غير المبوب لاحظ معجم الاستاذ ج 11 ص 307. وعليه: فالتبويب الذي يشاهد في الجزء الثاني من قرب الاسناد عند ايراده لمسائل علي بن جعفر كأنه اجتهاد من الحميري نفسه ولا عبرة به كاجتهادات الكليني واضرابه في ايراد الاحاديث في بعض الابواب حسب انظارهم المقدسة وما يفهمونه من الروايات.

[ 264 ]

اي اتصافه بالامامة، ومن الواضح ان هذا الاتصاف لا يتحقق الا بعد دخول الامام في الصلاة وصدور التكبير منه وبعدئذ يصير إماما فتكبير المأموم مقارن لهذا الاتصاف المساوق لتأخيره عن تكبير الامام لا محالة في قبال مالو سبق الامام بالتكبير الذي اشار إليه بقوله (عليه السلام): فان كبر قبله اعاد. فالرواية ناظرة إلى صورتي التقدم والتأخر اللذين هما الشايع دون التقارن الذي هو فرد نادر. لكن الانصاف ان المناقشة في غير محلها فان قوله (ع): لا يكبر الا مع الامام كقولنا: لا تأكل الا مع زيد، ولا تمش الا مع عمرو الظاهر في المقارنة بين نفس الفعلين، والا فاتصاف الامام بالامامة لا يتحقق بمجرد التكبير، بل يتوقف على تكبير المأموم أيضا وإئتمامه به رعاية للمضايفة المعتبرة بين الامامة والمأمومية المتكافئة في القوة والفعلية، فلو لوحظ التقارن مع الاتصاف المزبور يرجع المعنى إلى ان المأموم لا يكبر إلا عند تكبير نفسه ولا محصل له كما لا يخفى. ثم انه مع الغض عن جميع ما مر وتسليم جواز المقارنة في التكبير بمقتضى هذه الرواية مع ان المشهور خلافه فأي ملازمة بينه وبين سائر الافعال، وعدم القول بالفصل غير ثابت، فيمكن التفكيك لاسيما مع ثبوت الفرق فان التكبير افتتاح الصلاة، فهو شرط في تحققها وفي انعقاد الجماعة، فلا ضير في المقارنة بخلاف بقية الاجزاء الواقعة بعد الانعقاد التي هي المدار في مراعاة المتابعة. فيمكن دعوى لزوم التأخر فيها، على ان التكبير من الاقوال فلا يقاس عليه الافعال.

[ 265 ]

[ ولا يجوز التأخير الفاحش (1). (مسألة 8): وجوب المتابعة تعبدي وليس شرطا في الصحة (2)، فلو تقدم أو تأخر فاحشا عمدا أثم ولكن صلاته صحيحة، وان كان الاحوط الاتمام والاعادة خصوصا إذا كان التخلف في ركنين بل في ركن. نعم لو تقدم أو تأخر على وجه تذهب به هيئة الجماعة بطلت جماعته. ] وعلى الجملة: فهذه الرواية غير صالحة للاستدلال، بل الاولى أن يستدل للجواز بما عرفت من التمسك بالاطلاق والاصل. (1): لعين ما عرفت في المنع عن التقدم من المنافاة لمفهوم الائتمام والمتابعة فلاحظ. (2): كما نسب إلى المشهور فلا يترتب على الاخلال بها من التقدم أو التأخر الفاحش إلا الاثم. وقيل بكونها شرطا في صحة الصلاة، فلو أخل بالمتابعة بطلت صلاته، نسب ذلك إلى الشيخ والصدوق، بل ابن ادريس أيضا. وقيل بكونها شرطا في صحة الجماعة فقط دون الصلاة، فمع الاخلال تبطل الجماعة وتنقلب فرادى من غير اثم. وهناك قول رابع اختاره المحقق الهمداني (قده) بعد انكاره نسبة الوجوب التعبدي إلى المشهور وهو الالتزام بصحة الصلاة والجماعة غير ان الائتمام يبطل في خصوص هذا الجزء الذي اخل فيه بالمتابعة

[ 266 ]

ولاجل ذلك كان بقاؤه على قصد الائتمام في هذا الجزء مع بطلان القدوة فيه تشريعا محرما فالعقاب انما هو على التشريع لا على ترك المتابعة كما نسب إلى المشهور كي يكون وجوبها تعبديا. وذكر (قده) ان المشهور لم يصرحوا بالوجوب التعبدي وانما ذكروا صحة الجماعة مع الاثم، فتخيل ان الاثم انما هو على ترك المتابعة، ومن ثم نسب إليهم القول بالوجوب التعبدي مع انه لا تلازم بين الامرين إذ من الجائز ان يكون الاثم المذكور في كلامهم من اجل التشريع لا من اجل ترك المتابعة. فهذه النسبة غير ثابتة. وكيفما كان فهذه هي حال الاقوال في المسألة. أما القول بالوجوب الشرطي لنفس الصلاة وانها تبطل لدى الاخلال بالمتابعة فلا مدرك له اصلا الا ان يقال ان ترك المتابعة يستوجب بطلان الجماعة وانقلابها فرادى، ولا تشرع نية الانفراد اثناء الصلاة فتبطل ويكون محرما أيضا لحرمة إبطال الصلاة فلا يمكن تصحيحها لا جماعة ولا فرادى، اما الاول فلفرض الانقلاب، وأما الثاني فلعدم جواز نية الانفراد في الاثناء. وعليه فيتجه الحكم بالبطلان. لكن المبنى فاسد لما عرفت سابقا من جواز قصد الانفراد في الاثناء وعلى تقدير الشك فتكفينا اصالة البراءة، فلا مقتضي لبطلان الصلاة بوجه. وأما الوجوب التعبدي المنسوب إلى المشهور سواء صحت النسبة أم لا فلم نعرف له وجها ايضا فانا إذا بنينا على ان ترك المتابعة والتقدم على الامام في بعض الافعال لا يضر بالائتمام، أو يضر ولكن غايته الانقلاب إلى الفرادى، ولا مانع من نية الانفراد في الاثناء، وان

[ 267 ]

المكلف مخير بين الجماعة والفرادي بقاءا كما كان مخيرا بينهما حدوثا فما هو المقتضي بعدئذ للوجوب التعبدي. وأما ما قيل في وجه ذلك من ان الامامة من الاعتبارات المجعولة للامام من قبل المأموم بلحاظ الافعال الصلاتية كساير الامور الاعتبارية مثل القضاوة والوكالة والولاية ونحوها. ومقتضى امامته المجعولة متابعته في الافعال والجري الخارجي على طبق هذا الجعل وهي المعبر عنها بالائتمام، وقد أمضى الشارع ما أنشأه المأموم في نيته من الجعل المزبور وحكم بصحته ونفوذه، ولا معنى للامضاء والصحة الا وجوب المضي على طبق الانشاء فتجب المتابعة لا محالة، إذ معنى الامضاء هو وجوبها ولزوم ترتيب الآثار. فمما لا محصل له فان دليل الامضاء لا يقتضي الا جواز المضي لا وجوبه، كيف والجماعة مستحبة لا واجبة، فصحة الجعل المزبور ونفوذه في نظر الشارع لا تستدعي اكثر من جواز المشي على طبقه دون الوجوب ولهذا كان الانفراد في الاثناء جائزا حسب الفرض. فإذا بنينا على جواز نية الانفراد وانه مخير بين البقاء على الجماعة أو العدول إلى الفرادى اثناء الصلاة كما كان مخيرا بينهما من الاول، أو قلنا بأن التخلف وترك المتابعة في بعض الافعال لا يضر بالجماعة. فاي موجب بعد هذا للالتزام بالوجوب التعبدي الشرعي. فهذا القول يتلو سابقه في الضعف. إذا يدور الامر بين القولين الآخرين: اعني الوجوب الشرطي للجماعة. وما ذكره المحقق الهمداني (قده) من نفي الوجوب رأسا لا تعبدا ولا شرطا للجماعة ولا للصلاة مع الالتزام بالاثم من

[ 268 ]

ناحية التشريع. لكن مقالة المحقق الهمداني (قده) لا يمكن المساعدة عليها بوجه. فانا إذا بنينا على ان المستفاد من أدلة الجماعة كفاية الائتمام في معظم الاجزاء كما يدعيه هو (قده) وانه لادليل على لزوم المتابعة في كل فعل بحيث تكون شرطا فيما قبله وما بعده، وليس الائتمام في كل جزء دخيلا في صحة الاجزاء السابقة واللاحقة، ولا يضر التخلف في البعض في صدق القدوة وصحة الجماعة مادام كونه مؤتما في المعظم لشمول اطلاقات الجماعة مثل ذلك، فما هو الموجب بعد هذا للاثم إذ قد اتى بوظيفته الشرعية من الايتمام في معظم الاجزاء وان لم يأتم في خصوص هذا الجزء، فلو شملت ادلة الجماعة مثل ذلك كيف يتحقق التشريع حتى يترتب عليه الاثم. وأما إذا بنينا على عدم الكفاية وقلنا كما هو الصحيح - ان المستفاد من الادلة إنما هو مشروعية الجماعة في الصلاة التي هي اسم لتمام الاجزاء بالاسر فيلزمه المتابعة في مجموع الاجزاء لانها مأخوذة في مفهوم الائتمام، وليس على اعتبارها دليل آخر كما سبق. فالامر المتعلق بالجماعة معناه لزوم المتابعة في المجموع لا خصوص المعظم فلو خالف في جزء لم يتابع في المجموع فليس مصداقا للمأمور به ولا تشمله ادلة الجماعة. فبناءا على ذلك تبطل الجماعة بالتخلف في البعض، وتنقلب صلاته فرادى بطبيعة الحال. ونتيجة ذلك هو الوجوب الشرطي لصحة الجماعة الذي انكره (قده). وعلى الجملة: فالامر دائر بين احد هذين المسلكين فاما ان يلتزم

[ 269 ]

[ (مسألة 9): إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الامام سهوا أو لزعم رفع الامام رأسه وجب عليه العود والمتابعة (1)، ولا يضر زيادة الركن حينئذ لانها ] بشمول الاطلاقات للمتابعة في المعظم فتصح الجماعة وان خالف في البعض لكن لا تشريع حينئذ ولا اثم حتى لو كان باقيا على عزمه من نية الائتمام إذ لم يكن متعديا عما هي وظيفته من المتابعة في المعظم حسب الفرض كي يكون عاصيا. واما ان نلتزم بعدم الشمول كما هو الصحيح فتبطل الجماعة بترك المتابعة في البعض. ومن هنا ذكرنا سابقا انه لو قصد من الاول الايتمام في البعض بطلت جماعته لقصور الدليل عن الشمول لذلك، فيدور الامر بين صحة الجماعة من غير اثم وبين بطلانها. فالجمع بين دعوى الصحة وبين الاثم لاجل التشريع كما صنعه (قده) باطل. وقد اتضح من جميع ما سردناه ان الاقوى هو القول بالوجوب الشرطي لصحة الجماعة كما ظهر وجهه مما مر، فان المتابعة المأخوذة في مفهوم الايتمام، فلو خالف وتقدم في جزء فمعناه انه لم يتابع في هذا الفعل فلم يتابع في مجموع الصلاة، ومقتضاه بطلان الجماعة لفقدان شرطها، فطبعا تنقلب الصلاة فرادى. وقد عرفت ان نية الانفراد في الاثناء غير ضائرة، كما عرفت ان ترك المتابعة غير قادح في صحة الصلاة نفسها. وعلى تقدير الشك فيدفع باصالة البراءة كما سبق. فهذا القول هو المتعين. (1): هذا متفرع على ما تقدم منه (قده) في المسألة السابقة من

[ 270 ]

[ مغتفرة في الجماعة في نحو ذلك، وإن لم يعد أثم وصحت صلاته. ] كون المتابعة واجبا نفسيا تعبديا لا يترتب عليه الا الاثم ولاجله حكم في المقام بان ترك العود لا يقتضي الا المخالفة الموجبة للاثم ولم تبطل صلاته ولا جماعته. واما بناءا على ما ذكرناه من كونها واجبا شرطيا لصحة الجماعة كما عرفت فعند عدم العود تبطل جماعته وتنقلب فرادى من غير اثم والمقصود أن الحكم في هذه المسألة من هذه الجهة اعني الاثم والصحة لدى ترك المتابعة أو عدم الاثم وبطلان الجماعة متفرع على المسألة السابقة. وكيفما كان: فلا اشكال كما لا خلاف بينهم في ثبوت العود والمتابعة في المقام في الجملة، للنصوص الخاصة الآمرة بذلك كما ستعرف ولاجلها يلتزم باغتفار زيادة الركن هنا لكونها مخصصة لعموم مادل على مبطلية الزيادة. انما الكلام في ان ذلك هل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب وانه هل يختص بالسهو وما يلحق به من الزعم واعتقاد رفع الامام رأسه أم يعم العمد ايضا فيعود وان رفع رأسه قبل الامام عامدا؟ المشهور وجوب العود مع الاختصاص بغير العمد، فلا يعود العامد بل يستمر، وهو الذي اختاره في المتن وعن جماعة استحبابه وانه افضل، ونسب إلى المفيد في المقنعة وجوب العود حتى في فرض العمد.

[ 271 ]

ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار الواردة في المقام. فقد ورد الامر بالعود في جملة من النصوص: منها، ما رواه الصدوق باسناده عن فضيل بن يسار انه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل صلى مع امام يأتم به ثم رفع رأسه من السجود قبل ان يرفع الامام رأسه من السجود، قال: فليسجد، ورواها الشيخ ايضا باسناده عن ربعي بن عبد الله وفضيل بن يسار (1) لكن الطريق الثاني ضعيف بمحمد بن سنان فما في بعض الكلمات من التعبير عنها بصحيحة ربعي والفضيل في غير محله. والعمدة انما هو الطريق الاول إذ ليس في السند من يغمز فيه عدا علي بن الحسين السعد آبادي الواقع في طريق الصدوق إلى الفضيل حيث لم يوثق صريحا في كتب الرجال، لكنه لاضير فيه بعد ان كان من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه، فان التوثيق الذي ذكره في اول كتاب كامل الزيارات لمن وقع في اسانيده على تقدير التشكيك في عمومه لجميع الرواة الواقع في الكتاب، فلا ريب في ان المتيقن منه مشايخه ومن يروي عنه بلا واسطة، والرجل المزبور كما انه من مشايخ الصدوق من مشايخ ابن قولويه أيضا كما عرفت. ولا ريب ان توثيقه لا يقل عن توثيق الرجاليين فالرواية بهذا الطريق موصوفة بالصحة، وقد تضمنت الامر بالسجود لمتابعة الامام، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين السهو والعمد كما لا يخفى. ومنها: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يركع مع الامام يقتدي به (بالبناء على المعلوم أو المجهول)


(1) الوسائل: باب 48 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 272 ]

ثم يرفع رأسه قبل الامام، قال: يعيد بركوعه معه (1) وهي مثل السابقة في الاطلاق المزبور وفي الاشتمال على الامر الظاهر في الوجوب ونحوهما غيرهما. لكن بأزائها موثقة غياث بن ابراهيم قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الامام أيعود فيركع إذا أبطأ الامام ويرفع رأسه معه؟ قال: لا (2) فان ظاهرها النهي وهي أيضا مطلقة من حيث العمد والسهو كالطائفة السابقة، فتقع المعارضة بينهما. وربما يناقش في سندها بأن غياثا فاسد المذهب لكونه بتريا، فالرواية ضعيفة غير منجبرة بعمل المشهور، فلا تنهض لمعارضة النصوص السابقة. وفيه ان الرجل وثقه النجاشي صريحا، وفساد المذهب غير مانع عن العمل وحجية الخبر. عندنا بعد ان كان الراوي ثقة كما تقرر في محله، فالمعارضة مستقرة ولا بد من العلاج. فعن جماعة حمل الامر في الطائفة الاولى على الاستحباب، ومن هنا إلتزموا بان العود افضل، فجعلوا هذه الموثقة قرينة على صرف الامر عن ظاهره إلى الندب. وعن الشيخ الجمع بينهما بحمل الموثقة على صورة العمد، وتلك النصوص على غير العمد من السهو أو اعتقاد الرفع. واعترضه غير واحد بأنه جمع تبرعي لا شاهد عليه فلا يمكن المصير إليه، وان مقتضى الجمع العرفي هو الاول. لكن الصحيح هو الجمع الذي ذكره الشيخ، وليس الاول من الجمع العرفي في


(1) (2) الوسائل: باب 48 صلاة الجماعة ح 3، 6.

[ 273 ]

شئ، فان الحمل على الاستحباب انما يتجه فيما إذا كان الدليل الآخر المقابل للوجوب صالحا للقرينية بحيث لو جمعا في كلام واحد والقيا على العرف لم ير العرف تنافيا بين الصدر والذيل ولم يبق متحيرا بل يجعل احدهما قرينة على التصرف في الآخر وكاشفا عن المراد منه كما في مثل قوله: افعل وقوله: لا بأس بتركه، إذ يرى العرف ان الترخيص في الترك قرينة على ارادة الاستحباب من الامر، وليس المقام من هذا القبيل بالضرورة، فان احد الدليلين متضمن للامر والآخر للنهي وبينهما كمال المنافاة، فلو جمعا في كلام واحد وقيل (يعيد ركوعه) كما في صحيحة ابن يقطين (ولا يعود) كما في الموثقة بقي اهل العرف متحيرين ورأوا تناقضا في الكلام. فالجمع الدلالي بهذا النحو متعذر، والمعارضة مستقرة إذ قد تعلق النهي بعين ما تعلق به الامر. والمتعين انما هو الجمع الثاني الذي ذكره الشيخ وليس هو من الجمع التبرعي في شئ. وتوضيحه ان النسبة بين الدليلين وان كان هو التباين، حيث ان كلا منهما مطلق من حيث العمد والسهو وقد تعلق النهي بعين ما تعلق به الامر كما عرفت، لكن فرض السهو وما يلحق به من اعتقاد الرفع خارج عن اطلاق موثقة غياث جزما، للقطع الخارجي بجواز العود حينئذ وقد تسالم عليه الفقهاء، ومن هنا اختلفوا في وجوبه أو استحبابه الكاشف عن المفروغية عن الجواز والمشروعية من غير نكير. ويؤيد القطع المزبور موثقة ابن فضال قال: كتبت إلى ابي الحسن الرضا (ع) في الرجل كان خلف امام يأتم به فيركع قبل ان يركع الامام وهو يظن ان الامام قد ركع فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم اعاد

[ 274 ]

الركوع مع الامام أيفسد ذلك عليه صلاته ام تجوز تلك الركعة؟ فكتب (ع) تتم صلاته ولا تفسد صلاته بما صنع (1) إذ قد تضمنت صريحا جواز العود في مورد الظن والاعتقاد بالخصوص، وموردها وان كان ركوع المأموم قبل ركوع الامام على عكس ما هو المذكور في تلك النصوص من رفع رأسه عن الركوع قبل الامام، الا ان الظاهر بل لا ينبغي الشك في عدم الفرق في حكم المسألة بين الصورتين كما لا يخفى. وعلى الجملة: فالقطع الخارجي المؤيد بهذه الموثقة يوجب التخصيص في عموم موثقة غياث فيختص موردها بصورة العمد لا محالة (2). وعليه فتنقلب النسبة بين الموثقة وبين الروايات المتقدمة الآمرة


(1) الوسائل: باب 48 من أبواب صلاة الجماعة ح 4. (2) هذا مع انه من تنزيل المطلق على الفرد النادر كما لا يخفى مبني على ان يكون السؤال عن الجواز - ليكون الجواب ظاهرا في النهي - دون الوجوب، وهو قابل للمنع كيف والجواز في صورة السهو وما يلحقه من اعتقاد الرفع مقطوع به كما افاده - دام ظله - فلا موقع للسؤال ومعه لا موضوع للقطع المزبور (وان شئت فقل) المحافظة على اصالة الاطلاق وعلى ظهور النهي في الالزام متعذر، فنعلم إجمالا بلزوم رفع اليد عن احد الظهورين ولا مرجع في البين. الا أن يقال ان بناءهم في أمثال هذه الموارد على ترجيح الثاني ألا ترى انه إذا ورد لا تكرم العلماء وعلمنا من الخارج جواز اكرام عدولهم فانه لا يحمل النهي حينئذ على نفي الوجوب بل يخصص العموم فتدبر جيدا.

[ 275 ]

[ لكن الاحوط اعادتها بعد الاتمام (1)، بل لا يترك الاحتياط إذا رفع رأسه قبل الذكر الواجب ولم يتابع مع الفرصة لها، ولو ترك المتابعة حينئذ سهوا أو لزعم عدم الفرصة لا يجب الاعادة، وان كان الرفع قبل الذكر، هذا. ] بالعود من التباين إلى العموم والخصوص المطلق. فتخصص موثقة غياث تلك النصوص وتوجب حملها على ما عدا صورة العمد. وقد ذكرنا في محله ان انقلاب النسبة أمر لا مناص من الالتزام به، فان المدار في ملاحظة النسبة ليس على مجرد الظهورات، بل بما يكون حجة منها، والعام بعد ورود التخصيص عليه لا يكون حجة الا في الخاص، فلا تلاحظ النسبة الا معه دون العموم وان كان ظاهرا فيه. ونتيجة ذلك اختصاص الموثقة بصورة العمد، وتلك النصوص بغير العمد من السهو أو الاعتقاد كما ذكره الشيخ (قده) وبذلك يرتفع التنافي بين الطائفتين، ويختص الوجوب بغير العمد كما عليه المشهور فلو لم يعد كان آثما أو بطلت جماعته وانقلبت فرادى على الخلاف المتقدم من ان المتابعة واجب تعبدي أو شرطي لصحة الجماعة. (1): الوجه في هذا الاحتياط إما دعوى احتمال كون المتابعة شرطا في صحة الصلاة نفسها فتبطل لدى عدم العود وترك المتابعة، وقد عرفت ضعفها وانه لادليل على هذا الاشتراط اصلا. ومع الشك فهو مدفوع باصالة البراءة. أو دعوى ان عدم العود موجب للانفراد، ولا تجوز نية الانفراد اثناء الصلاة. وقد عرفت ضعفها ايضا وان المكلف مخير بين الجماعة

[ 276 ]

والفرادي حدوثا وبقاءا، فكما له الخيار من الاول فكذا في الاثناء وليست الجماعة واجبة في شئ من الحالتين. أو دعوى ان المستفاد من الامر بالعود في خصوص المقام جزئية الركوع أو السجود المعادين فالركوع المعاد لاجل التبعية واجب بالوجوب الضمني لكون الامر ارشادا إلى الجزئية، فكأن هذه الركعة تمتاز عن بقية الركعات في كونها ذات ركوعين أو ذات ثلاث سجدات. وعليه فلو لم يعد فقد ترك جزءا من الركعة ولم يأت بها على وجهها فتجب اعادة الصلاة. وفيه ان الامر بالعود غير ظاهر فيما ذكر، بل ظاهره الوجوب الشرطي كما سبق، وان الشرط في صحة الجماعة هو العود رعاية للمتابعة، فلو لم يعد فقد اخل بشرط الجماعة لا انه ترك جزءا. فغايته انقلاب الصلاة فرادى فلا موجب للاعادة. بالجملة فالوجه في الاحتياط المزبور أحد هذه الوجوه الثلاثة وفي الكل مالا يخفى. نعم يتأكد الاحتياط بالاعادة فيما إذا رفع رأسه قبل الذكر الواجب ولم يتابع مع الفرصة لها، ولذا ذكر في المتن قوله: بل لا يترك الاحتياط إذا رفع. الخ والوجه فيه ظاهر إذ قد اخل بالذكر الواجب مع امكان التدارك بالعود إلى الركوع تبعا واتيانه فيه فلو لم يعد فقد ترك جزءا من اجزاء الصلاة عامدا فتلزمه الاعادة. ولكنه يندفع بعدم امكان التدارك، إذ ليس الذكر واجبا في كل ركوع أو سجود ليمكن التدارك بل في خصوص ما يكون جزءا من الصلاة، وهو صرف الوجود المنطبق على أول الوجودات فالركوع الصلاتي المعدود من أجزائها انما هو الركوع الاول ولا يجب الذكر

[ 277 ]

[ ولو رفع رأسه عامدا لم يجز له المتابعة (1) وان تابع عمدا بطلت صلاته للزيادة العمدية، ولو تابع سهوا فكذلك إذا كان ركوعا أو في كل من السجدتين واما في السجدة الواحدة فلا. ] إلا فيه، وقد ترك حسب الفرض ولا يمكن التدارك لامتناع اعادة المعدوم، والركوع الثاني واجب شرطي لصحة الجماعة وليس من الركوع الصلاتي في شئ فلا يجب فيه الذكر، بل ليس له ان يأتي به فيه بعنوان الوظيفة المقررة وتداركا لما فات كما لا يخفى. ومنه يظهر انه لو ترك المتابعة حينئذ سهوا، أو لزعم عدم الفرصة لا تجب الاعادة وان كان الرفع قبل الذكر كما اشار إليه في المتن، إذ هو في حكم نسيان الذكر المحكوم بالصحة لحديث لا تعاد. (1): أما بناءا على ما اخترناه من كون المتابعة واجبا شرطيا معتبرا في مجموع الصلاة فظاهر، للاخلال بالشرط عند رفع الرأس عامدا فتبطل الجماعة وتنقلب الصلاة فرادى، ولا دليل على مشروعية العود في الاثناء بعد الانفراد فلا تجوز له المتابعة. وأما على المسلك الآخر اعني القول بالوجوب التعبدي فالوجه في عدم الجواز امران: احدهما: ان العود يستلزم الركوع أو السجود عمدا فيشمله عموم دليل قادحية الزيادة، ولم يثبت الاغتفار هنا لما عرفت من اختصاص النصوص الآمرة بالعود بالرفع السهوي وما يلحق به من الاعتقاد دون الرفع متعمدا كما هو محل الكلام.

[ 278 ]

[ (مسألة 10): لو رفع رأسه من الركوع قبل الامام سهوا ثم عاد إليه للمتابعة فرفع الامام رأسه قبل وصوله إلى حد الركوع فالظاهر بطلان الصلاة لزيادة الركن من غير ان يكون للمتابعة واغتفار مثله غير معلوم (1) وأما في السجدة الواحدة إذا عاد إليها ورفع الامام رأسه قبله فلا بطلان لعدم كونه زيادة ركن ولا عمدية. ] ثانيهما: ان موثقة غياث قد تضمنت النهي المحمول على صورة العمد كما مر فلاجلها يمنع عن العود. وبالجملة: فالعود ممنوع على كلا المسلكين فلو عاد وتابع حينئذ فان كان عمدا بطلت صلاته للزوم الزيادة العمدية كما أشار إليه في المتن، وان كان سهوا فان كان في ركن كالركوع أو السجدتين بطلت ايضا لعموم ما دل على قدح زيادة الركن مثل قوله (ع): لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة وإنما تعاد من ركعة المفسرة بالركوع وغيره مما دل على القدح، وان كان في سجدة واحدة فلا تبطل لما دل على العفو عن زيادتها السهوية كالحديث المتقدم، وكذا حديث لا تعاد بعد كون المراد من السجود في عقد الاستثناء السجدتين بقرينة الحديث المتقدم فيدرج المقام في عقد المستثنى منه. ولاجله يحكم بالصحة. (1): والوجه فيه ظاهر، فان مورد النصوص الحاكمة بالاغتفار ما إذا تابع الامام في الركوع بحيث رفع رأسه معه، وأما إذا لم

[ 279 ]

[ لكن الاحوط الاعادة بعد الاتمام (1) ] يدركه فيه فركع بتخيل المتابعة ولم تتحقق خارجا فمثله غير مشمول للنص فيقع الركوع على صفة الزيادة لاسيما وقد اتى به بعنوان الجزئية، فان الركوع للمتابعة جزء من الصلاة جماعة كما سنوضحة في المسألة الآتية، فيشمله عموم مادل على قدح زيادة الركن الموجب لبطلان الصلاة هذا كله في الركوع. وأما إذا كان ذلك في السجدة الواحدة فلا بطلان بعد ان لم تكن ركنا، كما ان الزيادة لم تكن عمدية، فيشملها قوله (ع): لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة. (1): كأن الوجه فيه دعوى قصور ما دل على عدم قدح الزيادة السهوية في السجدة الواحدة عن الشمول للمقام لاختصاصه بما إذا لم يكن ملتفتا إلى الزيادة حينما يأتي بالسجدة، كما لو سجد باعتقاد انها الثانية فانكشف انها الثالثة. وأما في المقام فهو ملتفت إلى الزيادة غايته انه يعتقد اغتفارها لتخيل اتصافها بالمتابعة، فلا دليل على عدم القدح في مثله. لكنه يندفع باطلاق دليل عدم القدح مثل حديث لا تعاد ونحوه من هذه الجهة، إذ لم يتقيد بعدم الالتفات إلى الزيادة حين العمل. نعم الممنوع ما إذا كانت الزيادة عمدية وأما إذا كانت سهوية أو كان معذورا في الاتيان لتخيل الامر وإن كان ملتفتا إلى الزيادة فحديث لا تعاد القاضي بعدم الاعادة من ناحية الخلل الناشئ من قبل السجدة غير قاصر الشمول للمقام كما لا يخفى. فهذا الاحتياط استحبابي كما في المتن ولا تجب رعايته.

[ 280 ]

[ (مسألة 11): لو رفع رأسه من السجود فرأى الامام في السجدة فتخيل انها الاولى فعاد إليها بقصد المتابعة فبان كونها الثانية حسبت ثانية (1)، وان تخيل انها الثانية فسجد أخرى بقصد الثانية فبان انها الاولى حسبت متابعة والاحوط اعادة الصلاة في الصورتين بعد الاتمام. ] (1): لكونه من قبيل الاشتباه في التطبيق غير القادح في الامتثال وكذا الحال في عكسه، اعني مالو تخيل انها الثانية فسجد اخرى بقصد الثانية فبان انها الاولى فانها تحسب متابعة لما ذكر ويأتي بالثانية مع الامام، لكنه (قده) احتاط باعادة الصلاة في كلتا الصورتين بعد الاتمام. والوجه في ذلك ان السجود بقصد المتابعة وكذا الركوع زيادة مغتفرة في الصلاة وليس من اجزائها، فهو بحسب الطبيعة يغاير السجود الصلاتي ويباينه ولا ينطبق احدهما على الآخر، فان هذا جزء وتلك زيادة وان كانت مغتفرة، فاحتساب احدهما عن الآخر يحتاج إلى الدليل، ومقتضى القاعدة عدم الاحتساب. ولكنه يندفع: بالمنع عن عدم جزئية المأتي به للمتابعة. فانك قد عرفت سابقا ان المأمور به إنما هو الجامع بين الصلاة جماعة وفرادى وكل منهما عدل للواجب التخييري، ولكل منهما مزايا وخصوصيات وأحكام خاصة، فكما ان من احكام الجماعة سقوط القراءة ورجوع كل من الامام والمأموم إلى الآخر لدى الشك في الركعات ونحو ذلك: فكذا من مختصاتها اشتمال الركعة على ركوعين

[ 281 ]

أو ثلاث سجدات بالاضافة إلى المأموم في خصوص ما لو رفع رأسه قبل الامام سهوا، فأحد الركوعين جزء من طبيعي الصلاة الجامع بين العدلين، وكذا السجدتان والركوع الآخر أو السجدة الاخرى جزء لخصوص احد العدلين وهي الجماعة في حالة خاصة، فهو وان كان زيادة بالاضافة إلى الطبيعي الجامع لكنه جزء من الجماعة فهي تمتاز وتختص بهذا الحكم، وهو أن في ركعتها ركوعين كل منهما جزء منها، احدهما باعتبار الجزئية لاصل الطبيعة والآخر باعتبار الجزئية لنفس هذا العدل، وكل منهما يؤتى بعنوان الجزئية بالاعتبارين. وعليه فيكون الاحتساب المزبور لدى الاشتباه والخطأ في التطبيق على طبق القاعدة، إذ لا يعتبر في صحة العبادة اكثر من الاتيان بذات المأمور به مع قصد القربة، ولا يضر التخلف في سائر الاوصاف التي هي من قبيل الدواعي. فلو اتى بالسجدة باعتقاد انها الثانية فبان انها الاولى أو بالعكس أو بالركعة بتخيل انها الثالثة فانكشف انها الرابعة وبالعكس صح كل ذلك بلا ريب، إذ لا مدخل للاعتقاد المزبور نفيا أو اثباتا في صحة العبادة بعد الاتيان بها على وجهها. والمقام من هذا القبيل، إذ بعد ما عرفت من جزئية السجود المقصود به المتابعة كالاصلي والاتيان بكل منهما بعنوان الجزئية، فتخيل اتصاف المأتي به بصفة المتابعة مع كونه بحسب الواقع سجودا اصليا أو بالعكس غير قادح في اجتزائه عن المأمور به واحتسابه عنه لكونه من قبيل التخلف في الداعي والاشتباه في التطبيق غير القادح في الصحة بلا اشكال، فالاحتياط المذكور في المتن استحبابي كما ذكره ولا تجب مراعاته.

[ 282 ]

[ (مسألة 12): إذا ركع أو سجد قبل الامام عمدا لا يجوز له المتابعة (1) لاستلزامه الزيادة العمدية، وأما إذا كانت سهوا وجبت المتابعة بالعود إلى القيام أو الجلوس ثم الركوع أو السجود معه، والاحوط الاتيان بالذكر في كل من الركوعين أو السجودين بأن يأتي بالذكر ثم يتابع وبعد المتابعة ايضا يأتي به، ولو ترك المتابعة عمدا أو سهوا لا تبطل صلاته وان اثم في صورة العمد، نعم لو كان ركوعه قبل الامام في حال قراءته فالاحوط البطلان مع ترك المتابعة، كما انه الاقوى إذا كان ركوعه قبل الامام عمدا في حال قراءته، لكن البطلان حينئذ انما هو من جهة ترك القراءة وترك بدلها وهو قراءة الامام، كما انه لو رفع رأسه عامدا قبل الامام وقبل الذكر الواجب بطلت صلاته من جهة ترك الذكر. ] (1): بعدما فرغ (قده) عن حكم رفع الرأس عن الركوع أو السجود قبل الامام تعرض لبيان حكم عكس المسألة، وهو ما لو ركع أو سجد قبل الامام. ويقع الكلام تارة فيما لو فعل ذلك عامدا واخرى ساهيا. اما في فرض العمد فلا اشكال في عدم جواز العود والمتابعة لاستلزامه الزيادة العمدية المبطلة من غير دليل على اغتفارها كما هو واضح.

[ 283 ]

وهل تبطل صلاته بذلك؟ قد يفرض انه اهوى إلى الركوع بعد الفراغ عن القراءة في الاولتين كما في حال القنوت أو عن التسبيحة في الاخيرتين، واخرى يفرض الهوي حال التشاغل بهما أو قبل الشروع فيهما. اما في الفرض الاول فيبتنى البطلان على الخلاف المتقدم في حكم وجوب المتابعة من انها واجب تعبدي أو شرطي للصلاة أو للجماعة فعلى الاول صحت صلاته وجماعته وليس عليه الا الاثم. وعلى الثاني بطلت صلاته، وعلى الثالث كما هو الحق على ما مر بطلت الجماعة وانقلبت فرادى ولا اثم عليه. وأما في الفرض الثاني فلا ينبغي الاشكال في بطلان الصلاة نفسها لا لاجل الاخلال بالمتابعة بل من اجل ترك القراءة أو التسبيحة عامدا فلم يأت لابها ولا ببدلها وهو قراءة الامام فتبطل الصلاة من هذه الجهة لا محالة. وبعين هذا البيان يظهر البطلان فيما لو اخل بالذكر الواجب في الركوع أو السجود في مسألة الرفع المتقدمة، فلو رفع رأسه عن الركوع أو السجود قبل الامام عامدا قبل ان يأتي بالذكر بطلت صلاته من اجل الاخلال بالذكر الواجب عامدا كما هو واضح، وقد اشار إليه الماتن في آخر هذه المسألة. وأما في فرض السهو فلا اشكال في مشروعية العود وجواز المتابعة وان استلزمت الزيادة العمدية فانها مغتفرة في المقام لموثق ابن فضال قال: كتبت إلى ابي الحسن الرضا (ع) في الرجل كان خلف امام يأتم به فيركع قبل ان يركع الامام وهو يظن ان الامام قد ركع

[ 284 ]

فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم اعاد الركوع مع الامام أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب (ع): تتم صلاته ولا تفسد صلاته بما صنع (1). ومورده وان كان هو الركوع لكن يلحق به السجود بالاولوية القطعية إذ لو جازت المتابعة المستلزمة للزيادة في الركوع وهو ركن ففي السجود بطريق أولى مضافا إلى ظهور التسالم عليه. كما ان مورده وان كان هو الظن - اعني الاعتقاد أو الاطمينان كما لا يخفى - لكن لا ينبغي الشك في التحاق السهو به، إذ لا يحتمل ان تكون للظن خصوصية منقدحة في ذهن السائل وانما ذكره بيانا للعذر في مقابل العمد. وبعبارة اخرى: لو كان التقييد بالظن مذكورا في كلام الامام (ع) أمكن اختصاص الحكم به، إذ من الجائز ان تكون للظن خصوصية لا نعرفها، فلا يمكن التعدي حينئذ إلى السهو، لكنه مذكور في كلام السائل ومن المقطوع به بمقتضى الفهم العرفي عدم تعلق العناية به بالخصوص، وانما غرضه من السؤال الاستعلام عما إذا ركع المأموم قبل الامام ركوعا لا يكون عامدا فيه بطبيعة الحال، بل يكون عادة من جهة العذر، فذكر الظن مثالا للعذر من دون خصوصية فيه، ومثاله الآخر السهو فكأن السؤال عن مطلق المعذورية في مقابل العمد، فيرد الجواب على هذا المطلق. وبالجملة فلا ينبغي الاشكال في شمول الحكم للظن والسهو


(1) الوسائل: باب 48 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 285 ]

كشموله للركوع والسجود، وان الموثق يدل على التعميم من كلتا الجهتين بالتقريب المتقدم. ثم ان الموثق لا يدل الا على اصل الجواز ومشروعية العود والمتابعة كما ذكرنا لدلالته على امضاء ما فعله المأموم المذكور في السؤال وان صلاته لا تفسد بذلك، واما انه واجب ام لا فلا تعرض فيه من هذه الناحية، فيبتنى الوجوب على البحث المتقدم في المتابعة من انها واجب تعبدي أو شرطي للصلاة أو للجماعة، وكل على مبناه وحيث ان المختار هو الاخير كما مر فلا تجب بل غايته بطلان الجماعة لو لم يتابع فتصح صلاته فرادى ولا اثم عليه خلافا للمتن حيث التزم بالاثم بناءا على مسلكه من الوجوب التعبدي. هذا من ناحية المتابعة. واما من ناحية القراءة فان كان الركوع السهوي بعد استكمال الامام للقراءة أو فراغ المأموم عن التسبيحة في الاخيرتين فلا اشكال في الصحة كما هو واضح. واما إذا كان في الاثناء أو قبل الشروع فقد احتاط في المتن بالاعادة لو ترك المتابعة والوجه في الاحتياط انه قد ترك القراءة ولم يأت لابها ولا ببدلها، اعني قراءة الامام مع امكانه التدارك بالعود، فعدم المتابعة يوجب الاخلاف بالقراءة عامدا فتبطل صلاته بذلك. ويندفع: بعدم امكان التدارك، فان القراءة وان كانت واجبة لكنها لا تجب مطلقا بل في ظرفها ومحلها المقرر لها شرعا وهو قبل الركوع. ومن هنا ذكرنا سابقا انه لو نسي القراءة في الاولتين لاتتعين عليه في الاخيرتين تمسكا بقوله (ع): لاصلاة الا بفاتحة

[ 286 ]

الكتاب، بل التخيير بينها وبين التسبيح الثابت في الاخيرتين باق على حاله، فان الحديث لا يدل على وجوب الفاتحة في اي مورد كان، بل في موطنها الخاص، فهو كقولنا لاصلاة إلا بالتشهد لا يدل إلا على الوجوب في المحل المعهود الذي عينه الشارع وقرره. وبما ان الركوع قد تحقق في المقام ولو سهوا فقد فات محل القراءة ولا يمكن التدارك بعدئذ حتى بالعود والاتيان بالركوع الثاني متابعة فان هذا الركوع وان كان جزءا من الصلاة كالركوع الاصلي - كما سبق - لكن المحل الشرعي المقرر للقراءة الصلاتية انما هو ما قبل الركوع على نحو صرف الوجود المنطبق على اول الوجودات. وبعبارة اخرى الركوع متابعة وان كان جزءا لكنه جزء من صلاة الجماعة التي هي عدل للواجب التخييري في حالة خاصة، والركوع الاصلي جزء من طبيعي الصلاة الجامع بينها وبين الفرادى على ما بيناه سابقا والمحل الشرعي للقراءة هو ما قبل الركوع الذي هو جزء من طبيعي الصلاة المنطبق على الوجود الاول وقد فات هذا المحل بالاتيان بذات الركوع المحكوم بالصحة في نفسه حسب الفرض فلا يمكن التدارك لامتناع اعادة المعدوم، فلو عاد واتى بالقراءة فليست هي من القراءة الصلاتية لتكون تداركا لما فات. وعليه فبما ان القراءة المتروكة قد تركت سهوا كما هو المفروض فهي مشمولة لحديث لا تعاد فلا تبطل الصلاة من اجلها. فالاحتياط المذكور في المتن بالاعادة ضعيف. ومن هذا البيان يظهر ضعف الاحتياط الآخر الذي ذكره الماتن من الاتيان بالذكر في كل من الركوعين أو السجودين الاصلي والمتابعي

[ 287 ]

[ (مسألة 13): لا يجب تأخر المأموم أو مقارنته مع الامام في الاقوال (1) فلا يجب فيها المتابعة سواء الواجب منها والمندوب، والمسموع منها من الامام وغير المسموع وان كان الاحوط التأخر خصوصا مع السماع وخصوصا في التسليم، وعلى اي حال لو تعمد فسلم قبل الامام لم تبطل صلاته، ولو كان سهوا لا يجب اعادته بعد تسليم الامام. هذا كله في غير تكبيرة الاحرام واما فيها فلا يجوز التقدم على الامام، بل الاحوط تأخره عنه بمعنى ان لايشرع فيها الا بعد فراغ الامام منها وان كان في وجوبه تأمل. ] فان موطن الذكر الواجب ومحله الشرعي انما هو صرف وجود الركوع أو السجود المنطبق على اول الوجودات فلا يجب الذكر الا في الاصلي منهما المعدود من اجزاء طبيعي الصلاة، وقد فات ذاك المحل برفع الرأس عنهما، ولا دليل على وجوبه في التبعي منهما بل لو اتى بالذكر فيهما لم يكن تداركا لما فات كما لا يخفى. (1) يقع الكلام تارة في تكبيرة الاحرام، واخرى في التسليمة وثالثة في غيرهما من ساير الاقوال والاذكار. اما في تكبيرة الاحرام: فلا اشكال كما لا خلاف في عدم جواز التقدم فيها على الامام لمنافاته مع مفهوم القدوة والايتمام، فان

[ 288 ]

الاقتداء يتقوم بوجود من يقتدى به ويمتنع تحققه بدونه، ومع السبق لا امام بعد كي يؤتم به، إذ لا يعقل الايتمام من غير امام وهذا ظاهر. وتؤيده جملة من الاخبار: منها: النبوي المتقدم: انما جعل الامام اماما ليؤتم به فإذا كبر فكبروا. الخ دل بمقتضى التفريع على تأخر التكبير عن تكبير الامام، فلا يجوز التقدم عليه، لكنه ضعيف السند وان كان مضمونه موافقا للارتكاز فلا يصلح الا للتأييد. ومنها: رواية علي بن جعفر المروية في قرب الاسناد: " عن الرجل يصلي له أن يكبر قبل الامام؟ قال: لا يكبر إلا مع الامام فان كبر قبله اعاد التكبير (1) وقد تقدمت هذه الرواية سابقا، وقلنا ان صاحب الوسائل ذكرها في أبواب صلاة الجنازة، وذكر ان الحميري ايضا اوردها في باب صلاة الجنازة، وانه يظهر منه انه كان كذلك في كتاب علي بن جعفر أيضا. وعليه فالرواية مربوطة بذاك الباب واجنبية عن المقام، مضافا إلى قصور دلالتها في نفسها على المقام، إذ لم يصرح فيها بتكبيرة الاحرام، فمن الجائز ارادة التكبيرات المستحبة أو التكبيرات الخمس في صلاة الجنازة، بل لا يمكن تطبيقه على تكبيرة الاحرام لانه لو كبر قبل الامام فان لم يعدها وإئتم بقاء مع الامام بعد ماكبر كان ذلك من الاقتداء في الاثناء وهو غير مشروع كما سبق، وان أعادها بطلت صلاته بذلك كما لا يخفى. فكيف امر (ع) بالاعادة


(1) الوسائل: باب 16 صلاة الجنازة ح 1.

[ 289 ]

بقوله: فان كبر قبله اعاد التكبير. والحاصل: ان حملها على التكبيرات في صلاة الاموات لا محذور فيه لعدم المانع عن الاعادة التي امر بها لو كبر قبل الامام بخلاف ما نحن فيه للزوم المحذور كما عرفت. فهذا يؤيد ما ذكرناه من كونها اجنبية عن المقام. هذا مع ان الرواية ضعيفة السند بعبدالله بن الحسن كما اشرنا إليه سابقا. ومنها: ما استند إليه في الجواهر من خبر ابي سعيد الخدري المروي عن المجالس مسندا إليه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " إذا قمتم إلى الصلاة فاعتدلوا صفوفكم واقيموها، وسووا الفرج: وإذا قال امامكم الله اكبر فقولوا الله اكبر " (1). قال صاحب الوسائل عند ذكر الخبر " باسناد تقدم في اسباغ الوضوء عن ابي سعيد الخدري " والسند مذكور في ابواب الوضوء (2). وهو ضعيف جدا لاشتماله على جمع من الضعفاء والمجاهيل، فلا يصلح الخبر الا للتأييد وان كانت الدلالة تامة. فالعمدة في المنع عن التقدم ما ذكرناه من المنافاة لمفهوم الايتمام كما عرفت. وهل يجب التأخر بمعنى ان لا يشرع فيها الا بعد فراغ الامام منها، أو يجوز الشروع في الاثناء وقبل ان يفرغ؟ ذكر في المتن ان الاحوط الاول وان كان في وجوبه تأمل. ويستدل للوجوب تارة: بالنبوي المتقدم فان قوله (ع): " فإذا كبر فكبروا " ظاهر في ان الشرط صدور التكبير عن الامام وتحققه


(1) الوسائل: باب 70 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (2) الوسائل: باب 54 من أبواب الوضوء ح 3.

[ 290 ]

خارجا المتوقف على فراغه وانتهائه عنه، وبعدئذ يشرع المأموم في التكبير. واخرى: بخبر أبي سعيد الخدري المتقدم آنفا المتحد مضمونه مع النبوي وفيه ان ضعف سنديهما مانع عن الاستدلال، فلا يمكن التعويل عليهما وان كانت الدلالة تامة. وثالثة: بما ذكره في الجواهر من عدم صدق الاقتداء بالمصلي ما لم يفرغ الامام عن التكبير، فانه بمجرد الشروع فيه وان صدق عليه انه شرع في الصلاة باعتبار ان جزء الجزء جزء، لكن لا يصدق عليه عرفا عنوان المصلي قبل استكماله التكبير، ومعه لا يتحقق الاقتداء بالمصلي الذي تدور مداره صحة الجماعة على ما يستفاد من الادلة. وعلى تقدير تسليم الصدق فلا اقل من عدم انصراف الاطلاق إليه. وفيه مع تسليم ما ذكر أنا لم نجد في شئ من الادلة ما يدل على اعتبار الاقتداء بالمصلي كي يمنع في المقام عن الصدق أو يدعي الانصراف، وانما الوارد فيها الاقتداء بالشخص حال الصلاة على ما يستفاد من مثل قوله: صل خلف من تثق بدينه، فلا يعتبر في الصحة الا حصول الاقتداء به في الصلاة، لا صدق اسم المصلي عليه وتلبسه بهذا العنوان، ولاشك في صدق الاقتداء به فيها وان شرع في التكبير قبل فراغ الامام، إذ يصح حينئذ ان يقال انه صلى خلف من يثق بدينه. وعليه: فالاقوى جواز ذلك، فلا يجب تأخر الشروع عن الفراغ وهل تجوز المقارنة الحقيقية، أو يجب التأخر في الشروع ولو بمقدار همزة الله أكبر؟ الظاهر هو الاول لتحقق المتابعة بمجرد

[ 291 ]

المقارنة وارتباط صلاته بصلاة الامام. وقد عرفت عدم اعتبار اتصافه بعنوان المصلي قبل الاقتداء، بل يكفي صدق الاقتداء خلف من يوثق بدينه وامانته حال الصلاة وهو حاصل في المقام من غير فرق بين الابتداء والاثناء. لكن هذا البحث قليل الجدوى، إذ لا يمكن احراز المقارنة الحقيقية غالبا لو لم يكن دائما، بل اما ان يتقدم أو يتاخر فيبطل على الاول كما مر، ولا مقارنة على الثاني. وعلى الجملة: لا مناص من التأخر شيئا ما من باب المقدمة العلمية، حذرا عن التقدم، ومعه تنتفي المقارنة الحقيقية. فهذا البحث قليل الجدوى كما ذكرنا، وان كان على تقدير الاتفاق محكوما بالصحة. ثم على تقدير المقارنة الحقيقية أو الشروع بعد شروع الامام شيئا ما فهل يجوز الفراغ قبل فراغه ام لابد من التأخر؟ فلا يجوز التقدم ختاما كما لا يجوز شروعا. قد يقال: بالاول نظرا إلى ان المدار في صدق المتابعة على الشروع فيكفي في التأخر التأخر في الشروع أو عدم التقدم فيه على الخلاف فلا يلزم التأخر في الفراغ، لكن الاقوى هو الثاني، فان التكبير وان كان مؤلفا من عدة حروف الا ان المجموع يعد في نظر الشارع جزءا واحدا مستقلا به يتحقق الافتتاح في الصلاة فلو تقدم المأموم في الفراغ كان افتتاحه قبل افتتاح الامام لا محالة وهو بمثابة الشروع قبل شروع الامام في ملاك المنع، اعني الاقتداء من غير من يقتدي به. وبالجملة: ما لم يفرغ الامام عن التكبيرة ولم يستتمها كأنه لم يدخل بعد في الصلاة ولم يفتتحها، إذ محقق الافتتاح هو مجموع الاجزاء كما عرفت فتقدم المأموم في الفراغ في حكم الدخول في الصلاة قبل الامام

[ 292 ]

غير الجائز بلا اشكال كما مر. ثم انك قد عرفت فيما مر عدم جواز التأخر الفاحش في الافعال، فهل الحال كذلك في تكبيرة الاحرام أيضا؟ احتمل بعضهم بل استظهر عدم الجواز بدعوى انه المستفاد من النبوي المتقدم " إنما جعل الامام اماما ليؤتم به فإذا كبر فكبروا. " الخ باعتبار ان الامامة للامام يتحقق من اول الامر وحينما يكبر، فما دل على وجوب المتابعة في الافعال وعدم التخلف الفاحش يجري في التكبير ايضا، فكما ان الركوع والسجود يجب ان يكون متصلا بركوع الامام وسجوده فكذا التكبير، اللهم الا ان يقوم اجماع على خلافه، وان التكبير يفترق عن غيره، فان تحقق اجماع والا فمقتضى القاعدة وجوب المتابعة وعدم التأخر الفاحش في التكبير كغيره. وفيه أولا: ان النبوي ضعيف السند كما مر، وغير منجبر بعمل المشهور، أو فتوى جمع معتنى به، أو جماعة ولو قليلين، إذ لم ينقل عن احد اعتبار المتابعة في التكبير، وعدم التأخر الفاحش فلا يمكن الاستدلال بالنبوي حتى بناءا على الاقوى بالانجبار. وثانيا: ان قوله (ع): انما جعل الامام اماما ليؤتم به ليس معناه ان وصف الامامة مجعول للامام من الاول الامر، كيف وهذا الوصف منتزع من ائتمام المأموم خارجا، فان هذين العنوانين اعني الامامة والمأمومية من المتضائفين الذين هما متكافئان قوة وفعلية كالابوة والبنوة والاخوة فلا يعقل التفكيك، ولا يمكن وجود احدهما من دون الآخر، فلا يتصور اتصاف احد بالامامة قبل الاقتداء والايتمام الخارجي من المأموم، فهما غير قابلين للانفكاك.

[ 293 ]

بل المراد انه بعدما اتصف الامام بالامامة المنتزع من اقتداء المأموم به ففائدته متابعته اياه وإئتمامه به في الافعال. وحينئذ فإذا كبر المأموم بعد الامام الموجب لاتصاف الامام بالامامة لزمه المتابعة في الافعال تعبديا أو شرطيا على الخلاف المتقدم واما إذا لم يكبر المأموم ولم يدخل بعد في الصلاة فلا موضوع للجماعة، إذ لا امام ولا مأموم بعد حتى يقال بوجوب المتابعة في التكبير تعبديا أو شرطيا ضرورة ان التكبير اول افعال الصلاة، وما لم يتحقق لا موضوع لوجوب المتابعة. فلا معنى للقول بانه هل يجوز التخلف الفاحش في التكبير ام لا، بل هو جائز دائما والى الاخير لكونه مخيرا بين اختيار الجماعة والفرادي فله الاقتداء عند اي جزء شاء، فلا يقاس التكبير الذي هو اول افعال الصلاة بغيره من ساير الافعال لاختلاف المناط بينهما كما هو اظهر من ان يخفى. واما في التسليم: فقد وردت عدة اخبار معتبرة دلت على جواز التسليم قبل الامام، ومورد بعض هذه الاخبار المعذور من اجل البول ونحوه، والبعض الآخر الناسي، والثالث منها مطلق لم يتقيد بشئ منهما، ومن المعلوم ان المقام ليس من موارد حمل المطلق على المقيد لعدم التنافي، فيؤخذ بالجميع، ويحكم بجواز التسليم والانصراف قبل الامام مطلقا (1) فلا اشكال في المسألة نصا وفتوى إنما الكلام في انه هل ينفرد بتسليمه أو ان الجماعة باقية؟ الظاهر هو الانفراد، وذلك لما عرفت سابقا من ان المتابعة مأخوذة في مفهوم الايتمام، فكما انه لو كبر قبل الامام لا يكون مأموما


(1) لاحظ الوسائل: باب 64 صلاة الجماعة ح 2، 5، 4.

[ 294 ]

فكذا لو خرج قبله، فان المأمومية متقومة بالمتابعة معه دخولا وخروجا، كما هو الحال في غير الصلاة، فلو تابع زيدا في دخول المجلس دون خروجه فقد انفصل عنه في الخروج ولم يكن تابعا الا في الدخول فحسب وعليه ففي المقام تزول الجماعة بقاءا ويحصل الانفراد قهرا. وحينئذ فان قلنا بجواز الانفراد في الاثناء اختيارا - كما هو الصحيح - كما يجوز مع العذر بلا اشكال فالحكم الوارد في هذه الاخبار مطابق للقاعدة، والا فغايته الالتزام بالتخصيص. وأما بقية الاذكار والاقوال فهي على اقسام: فتارة: يكون الذكر الصادر من المأموم غير ما يصدر عن الامام فيتخالفان في السنخ كما لو اقتدى في الاخيرتين فقرأ المأموم فاتحة الكتاب والامام يسبح فهنا لا موضوع للمتابعة اصلا فانها انما تتحقق فيما إذا كان الصادر منهما شيئا واحدا، فإذا قرأ زيد قصيدة وعمرو كتابا من الكتب لا معنى لمتابعته إياه فيما يقول كما هو ظاهر. واخرى: يتحدان في السنخ لكن المأموم لا يسمع صوت الامام وهنا ايضا لا موضوع للتبعية لانها لا تتحقق الا مع الاحراز والسماع كما هو واضح. وثالثة: يتحدان في السنخ وهو يسمع سواء أكان ذلك في ذكر مستحب كالقنوت أو واجب كالتشهد. وحينئذ فبما ان الصلاة مركبة من مجموع الافعال والاقوال فالدليل الدال على لزوم المتابعة في الافعال يقتضي بعينه المتابعة في الاقوال ايضا بمناط واحد، ولا موجب لدعوى الانصراف إلى الاول كما قيل. فلو كنا نحن ومقتضى القاعدة الاولية ولم يكن ثمة دليل آخر كان اللازم هو الحكم بوجوب المتابعة

[ 295 ]

في مثل هذه الاقوال أيضا. لكن الدليل الخارجي قام على عدم الوجوب وهي السيرة القطعية العملية المتصلة بزمن المعصومين (ع) فان المتابعة لو كانت واجبة في مثل صلاة الجماعة التي هي محل الابتلاء في كل يوم عدة مرات وتنعقد في اغلب بلاد المسلمين لظهر وشاع وذاع وعرفه اغلب المكلفين، ولزمهم الالتفات إلى قراءة الامام كي لا يتقدموا عليه، كيف ولم يعهد ذاك منهم، ولم يذهب احد إلى الوجوب ما عدا الشهيد وبعض من تبعه، فلو كان واجبا لكان من الواضحات، فكيف خفي على هؤلاء الاعلام. ويؤيد عدم الوجوب ما ورد في بعض الاخبار من ان المأموم إذا فرغ من القراءة قبل الامام يمجد الله ويسبح ويثني عليه، وفي بعضها انه يبقي آية إذا فرغ الامام قرأ الآية وركع (1). وقد ذكر صاحب الوسائل هذه الاخبار في خصوص الامام الذي لا يقتدي به. وفيه ان مورد بعضها وان كان هو الصلاة خلف من لا يقتدى به الا ان بعضها الآخر مطلق كما لا يخفى على من لاحظها. وكيفما كان: فيستفاد من هذه الاخبار المفروغية عن عدم وجوب المتابعة في الاقوال والا فكيف جاز التقدم على الامام، فلا ينبغي الاشكال في المسألة.


(1) لاحظ الوسائل: باب 35 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 296 ]

[ (مسألة 14): لو احرم قبل الامام سهوا أو بزعم انه كبر (1) كان منفردا فان اراد الجماعة عدل إلى النافلة واتمها أو قطعها. ] (1): تقدم الكلام حول ما إذا ركع أو سجد قبل الامام سهوا وقد مر حكمه، وأما لو كبر قبله سهوا أو باعتقاد انه كبر فلا اشكال في عدم انعقاد الجماعة حينئذ، إذ لا امام قبل التكبير فلا موضوع للايتمام، فلا محالة تنقلب الصلاة فرادى، إذ لا موجب لاحتمال البطلان لما عرفت سابقا من ان المأمور به إنما هو الطبيعي الجامع، وخصوصية الجماعة أو الفرادى من العوارض اللاحقة لكل من الصنفين الموجبة لاختلافهما بحسب الاحكام مع اتحادهما بحسب الطبيعة والذات، فقد قصد المكلف الجامع المأمور به مع نية القربة فلا قصور في ناحية الامتثال غايته انه تخيل اتصافه بعنوان الجماعة فبان انه فرادى فلا اشكال في الصحة. وحينئذ فان اراد ان يتمها فرادى فلا كلام. وأما إذا اراد ان يأتي بها جماعة فقد ذكر في المتن انه عدل بها إلى النافلة ثم اتمها أو قطعها. اما العدول إلى النافلة والاتمام فلا اشكال في جوازه مع بقاء محل العدول كما سيأتي التعرض له في المسألة السابعة والعشرين ان شاء الله تعالى. واما العدول مع القطع فان لم يكن بانيا عليه من الاول بل

[ 297 ]

بدا له في القطع بعدما عدل فلا اشكال فيه ايضا، فان الممنوع انما هو قطع الفريضة على كلام فيه، واما النافلة فلا اشكال في جواز قطعها اختيارا لعدم الدليل على حرمته اصلا كما لا يخفى. واما لو كان بانيا على القطع من الاول فمشروعية مثل هذا العدول مشكل في حد نفسه لعدم تحقق مفهوم العدول مع هذا البناء، إذ هو ليس من العدول إلى النافلة في شئ كما لا يخفى. وقد يقال: بجواز القطع من غير عدول استنادا إلى رواية قرب الاسناد المتقدمة " عن الرجل يصلي له ان يكبر قبل الامام، قال: لا يكبر الا مع الامام فان كبر قبله اعاد التكبير " (1)، فان الاعادة مساوقة للقطع. وفيه: ما عرفت من ان الرواية اوردها صاحب الوسائل في باب صلاة الجنازة قائلا ان الحميري اوردها كذلك وانه يظهر انها كانت كذلك في كتاب علي بن جعفر فهي مربوطة بذاك الباب واجنبية عن المقام. وعلى تقدير شمولها للمقام أو اختصاصها به لظهور الصلاة في كونها صلاة حقيقية ذات ركوع وسجود، فقد ذكرنا انها ضعيفة السند بعبدالله بن الحسن فلا تصلح للاستدلال. هذا أولا. وثانيا: على تقدير الاغماض فالدلالة قاصرة لان المذكور فيها: عن الرجل يصلي، وظاهر كلمة يصلي انه متشاغل ومتلبس بالصلاة فعلا، وحمله على من يريد الصلاة ليراد من التكبير تكبيرة الاحرام خلاف الظاهر جدا لا يصار إليه من غير قرينة، فلا بد وان يكون المراد التكبيرات المستحبة كتكبير الركوع أو السجود ونحوهما فتكون


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 298 ]

[ (مسألة 15): يجوز للمأموم ان يأتي بذكر الركوع والسجود ازيد (1) من الامام، وكذا إذا ترك بعض الاذكار المستحبة يجوز له الاتيان بها مثل تكبيرة الركوع والسجود، وبحول الله وقوته، ونحو ذلك. ] اجنبية عن المقام أيضا. هذا. ومع ذلك فالظاهر جواز القطع من غير عدول لما ذكرنا في محله من انه ليس هناك دليل لفظي على حرمة قطع الفريضة ليتمسك باطلاقه، وانما الدليل عليه هو الاجماع لو تم، وهو اما غير ثابت أصلا، أو على تقدير الثبوت فالمتيقن منه غير المقام، إذ من الجائز مصير الاعلام إلى جواز القطع هنا لادراك الافضل وهو الجماعة كما وقع نظيره فيمن كبر وتذكر نسيان الاذان والاقامة، فانه يجوز له القطع ما لم يركع لتداركهما وتحصيل الافضل. فليكن المقام من هذا القبيل. ومعه لاوثوق بقيام الاجماع ليمنع عن القطع. (1) لما عرفت من عدم لزوم المتابعة في الاقوال، وان ذلك غير دخيل في الائتمام، فكما تجوز له المخالفة في الكيفية كأن يأتي بالتسبيحة الصغرى والامام بالكبرى كذلك يجوز له المخالفة في الكمية، لاطلاق دليل المشروعية في كل منهما، لكنه مشروط بعدم الاخلال بالمتابعة في الافعال كما لا يخفى. ومنه يظهر مالو ترك الامام بعض الاذكار المستحبة كالحوقلة والسمعلة وتكبيرة الركوع ونحوها، فيجوز للمأموم الاتيان بها

[ 299 ]

[ (مسألة 16): إذا ترك الامام جلسة الاستراحة لعدم كونها واجبة عنده (1) لا يجوز للمأموم الذى يقلد من يوجبها أو يقول بالاحتياط الوجوبي ان يتركها، وكذا إذا اقتصر في التسبيحات على مرة مع كون المأموم مقلدا لمن يوجب الثلاث وهكذا. ] لعين ما ذكر من عدم المتابعة في الاقوال واطلاق دليل الاستحباب الشامل للمأموم. (1) إذا ترك الامام ما لا يراه واجبا اجتهادا أو تقليدا كجلسة الاستراحة أو التسبيحات الاربع ثلاثا في الاخيرتين فلا اشكال في وجوب الاتيان به على المأموم الذي يرى وجوبه اجتهادا أو تقليدا أو احتياطا وجوبيا لعدم الدليل على المتابعة في مثل المقام مما يراه المأموم واجبا دون الامام فلا يسقط عنه بمجرد ترك الامام، بل اطلاق دليل الوجوب القائم عند المأموم شرعيا كان ام عقليا هو المحكم. وهذا ظاهر لا غبار عليه. إنما الكلام في انه هل يجوز للمأموم الاقتداء من الاول بمثل هذا الامام؟ قد يقال بعدم الجواز نظرا إلى ان المدار في جواز الاقتداء على الصحة الواقعية، وهذه الصلاة باطلة واقعا بنظر المأموم فكيف يقتدي بها. ولكن الظاهر هو الجواز في امثال المقام. وتوضيحه: انه تارة يفرض ان الخلل الذي يراه المأموم متعلق

[ 300 ]

بالاركان الموجب للبطلان الواقعي بنظره وان كان الامام معذورا فيه لجهله، كما لو توضأ الامام جبيرة، والمأموم يرى انه من موارد التيمم فان هذه الصلاة باطلة واقعا في نظر المأموم للاخلال بالطهارة التي هي من الاركان. ففي مثل ذلك لا يجوز الاقتداء بمثل هذا الامام. واخرى: يفرض تعلق الخلل بما ليس من الاركان المقومة للصلاة كجلسة الاستراحة في المقام فان الصلاة الفاقدة لها وان كانت باطلة بالنسبة إلى المأموم الذي يرى الوجوب فليس له تركها عامدا لكنها صحيحة واقعا من الامام الذي لا يرى الوجوب حتى بنظر المأموم لقاعدة لا تعاد الجارية في حق الامام الحاكمة على ادلة الاحكام بعد ان لم يكن المفقود من الاركان بناءا على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق المعذور وعدم اختصاصه بالناسي. فهذه الصلاة الصادرة من الامام محكومة بالصحة الواقعية حتى في نظر المأموم لاجل الحديث المزبور، فلا مانع من الاقتداء به. ونظير ذلك مالو نسي الامام السورة أو التشهد أو السجدة الواحدة، أو رأى المأموم نجاسة في لباس الامام وهو لا يدري، ففي جميع هذه الفروض يصح الاقتداء لصحة الصلاة الصادرة عن الامام بقاعدة لا تعاد، وان بطلت لو صدرت عن المأموم عند علمه بذلك الخلل. ومن هذا القبيل مالو اقتصر الامام على التسبيحات الاربع مرة واحدة لكفايتها في نظره والمأموم يرى اعتبار الثلاث فانه يجوز الاقتداء به لحديث لا تعاد الجاري في حقه والموجب لصحة صلاته

[ 301 ]

[ (مسألة 17): إذا ركع المأموم ثم رأى الامام يقنت في ركعة لا قنوت فيها (1) يجب عليه العود إلى القيام لكن يترك القنوت، وكذا لو رآه جالسا يتشهد في غير محله وجب عليه الجلوس معه لكن لا يتشهد معه، وكذا في نظائر ذلك. ] حتى واقعا في نظر المأموم ايضا لكن بشرط ان لا يستوجب الاخلال بالمتابعة في الافعال. وهكذا الحال في ساير المقامات مما يكون من هذا القبيل. (1) لاريب حينئذ في وجوب العود إلى القيام كما ذكره لتدارك الركوع والاتيان به مع الامام متابعة، وجوبا شرطيا أو تعبديا على الخلاف المتقدم، فيتابعه في القيام المتصل بالركوع الذي هو مقوم له ثم يركع معه لاجل المتابعة، ولكن ليس له ان يتابعه في القنوت فان التبعية إنما تجب من اجل دخلها في مفهوم الائتمام. ومن الواضح ان الائتمام إنما يعتبر فيما هو من اجزاء الصلاة، وأما المأتي به اشتباها وبعنوان الزيادة الذي هو خارج عن الصلاة فلا موضوع للائتمام بالاضافة إليه وكذا الحال فيما لو رآه جالسا يتشهد في غير محله، كما في الركعة الاولى أو الثالثة من الصلوات الرباعية، فانه وان وجب الجلوس للتبعية فلا يجوز له التقدم عليه في القيام، ولكن ليس له ان يتشهد بعد اتصافه بعنوان الزيادة. وهكذا الحال في السجدة الثالثة المأتي بها سهوا.

[ 302 ]

[ (مسألة 18): لا يتحمل الامام عن المأموم شيئا من افعال الصلاة غير القراءة (1) في الاولتين إذا ائتم به فيهما واما في الاخيرتين فلا يتحمل عنه بل يجب عليه بنفسه ان يقرأ الحمد أو يأتي بالتسبيحات وان قرأ الامام فيهما وسمع قراءته، وإذا لم يدرك الاولتين مع الامام وجب عليه ] القراءة فيهما لانهما اولتا صلاته. وعلى الجملة: لا تجب عليه التبعية الا في الاجزاء الاصلية فلا يتقدم فيها على الامام. واما الاجزاء الزائدة المأتي بها سهوا الخارجة عن الصلاة فليس له المتابعة فيها، بل لو تابع واتى بها بقصد المشروعية كان من التشريع المحرم الموجب للبطلان لاجل الزيادة العمدية كما لا يخفى. (1) قد مر كثير مما ذكره (قده) في هذه المسألة في المسألة الاولى من مسائل هذا الفصل وقد عرفت ان الامام ضامن للقراءة في الركعتين الاولتين فهي ساقطة عن المأموم بنحو العزيمة في الصلوات الجهرية فيما إذا سمع قراءة الامام ولو همهمة، بل عرفت ان الاقوى ذلك في الصلوات الاخفاتية ايضا، واما إذا لم يسمع حتى الهمهمة في الجهرية فالسقوط بنحو الرخصة، فتجوز له القراءة بل تستحب. واما في الاخيرتين فهو مخير بين القراءة والتسبيح في غير الصلوات الجهرية. واما فيها فقد مر ان الاحوط تعين التسبيح. هذا كله في المأموم من ابتداء الصلاة.

[ 303 ]

واما المأموم المسبوق بركعة أو ركعتين فما هي وظيفته في الركعتين الاولتين اللتين هما الاخيرتان للامام، أو في الركعة الثانية التي هي ثالثة الامام فيما إذا كان مسبوقا بركعة واحدة. المعروف والمشهور وجوب القراءة عليه، وعدم ضمان الامام لها فيما عدا الاولتين وان اختار القراءة. وعن العلامة والشهيد وابن ادريس سقوط القراءة عنه حينئذ. والاقوى ما عليه المشهور. ويدلنا عليه اولا اطلاقات الامر بالقراءة مثل قوله (ع): " لا صلاة الا بفاتحة الكتاب " بعد وضوح ان محلها ما هو المقرر المعهود من الركعتين الاولتين، وحيث ان الركعتين هما الاولتان بالنسبة إلى المأموم حسب الفرض فتجب عليه القراءة فيهما. وليس بازائها عدا روايات الضمان وعمدتها روايتان: احدهما: ما رواه الصدوق باسناده عن الحسين بن كثير عن أبي عبد الله (ع) انه سأله رجل عن القراءة خلف الامام، فقال لا إن الامام ضامن للقراءة. الخ. والاخرى: موثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع) انه سأله رجل عن القراءة خلف الامام، فقال: لا، ان الامام ضامن للقراءة، وليس يضمن الامام صلاة الذين خلفه انما يضمن القراءة (1) والمعتمد منهما انما هي الموثقة لضعف الاخرى من جهة ضعف طريق الصدوق إلى الحسين بن كثير مع ان الرجل بنفسه لم يوثق. ولكن هذه الروايات غير مجدية في المقام في قبال الاطلاقات لان


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب صلاة الجماعة ح؟ و 3.

[ 304 ]

الظاهر منها بعد امعان النظر اختصاص الضمان بمورد تجب فيه القراءة على الامام، ففي كل ركعة كان الامام مكلفا فيها بالقراءة فهو يتحمل عن المأموم ويكون ضامنا لقراءته في تلك الركعة دون ما لم يكن مكلفا بها وان اختارها خارجا كما في الاخيرتين فلا ضمان فيهما بعد ان لم يكن مكلفا بها سواء أكانتا الاخيرتين للمأموم ايضا، ام الاولتين بالاضافة إليه كما هو محل الكلام. هذا اولا. وثانيا: مع الغض عما ذكر فتكفينا الروايات الخاصة الواردة في المقام المصرحة بعدم الضمان، فلو سلمنا الاطلاق في روايات الضمان وبنينا على شمولها للمقام فهي مقيدة لا محالة بهذه الروايات الخاصة، وهي كثيرة منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع): (إن ادرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين، وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما ادرك خلف امام في نفسه بأم الكتاب وسورة، فان لم يدرك السورة تامة اجزأته ام الكتاب. الخ). وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله (ع) إلى ان قال: وسألته عن الرجل الذي يدرك الركعتين الاخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال: اقرأ فيهما فانهما لك الاولتان ولا تجعل اول صلاتك آخرها وغيرهما (1). قوله: ولا تجعل. الخ اي لا تجعل الركعتين الاولتين مثل الاخيرتين في ترك القراءة فيشابه اول الصلاة آخرها.


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 و 2.

[ 305 ]

[ وإن لم يمهله الامام لا تمامها اقتصر على الحمد وترك السورة (1) وركع معه، واما إذا اعجله عن الحمد أيضا فالاحوط اتمامها واللحوق به في السجود أو قصد الانفراد ويجوز له قطع الحمد والركوع معه لكن في هذه لا يترك الاحتياط باعادة الصلاة. ] وكيفما كان: فما ذكره العلامة ومن تبعه من سقوط القراءة حينئذ من المأموم لا وجه له لمنافاته مع هذه النصوص المصرحة بعدم السقوط. ومن جميع ما ذكرنا يظهر ان الامام لا يتحمل شيئا من افعال الصلاة ما عدا القراءة في الاولتين إذا إئتم به فيهما دون ما لم يأتم كما في المسبوق ودون الاخيرتين ودون غيرها من ساير افعال الصلاة كما صرح بالاخير في موثقة سماعة المتقدمة وغيرها فلاحظ. (1): بلا خلاف ولا اشكال كما صرح بذلك في صحيحة زرارة المتقدمة. إنما الكلام فيما إذا اعجله عن الحمد أيضا بحيث دار الامر بين ترك القراءة وبين ترك المتابعة، وقد ذكر في المتن حينئذ احتمالات: احدها: اتمام القراءة والالتحاق به في السجود تقديما لاطلاق دليل القراءة، ورفعا لليد عن اطلاق دليل المتابعة بعد عدم امكان الجمع بينهما. ثانيها: الاتيان بالمقدار الممكن من الحمد ثم قطعه والركوع معه تقديما لاطلاق دليل المتابعة على دليل القراءة عكس ما سبق

[ 306 ]

وهذان الاحتمالان كما ترى لا شاهد على اي منهما فان كلا من الدليلين مطلق يجب الاخذ به ولا موجب لتقديم احدهما على الآخر من غير قرينة تقتضيه، الا ان يقوم دليل من الخارج كما ثبت بالنسبة إلى صلاة الجمعة فيمن منعه الزحام من الركوع وانه يصبر حتى يسجد الامام ثم يركع وحده ويلتحق به في السجود فيرفع اليد عن اطلاق دليل وجوب المتابعة في خصوص المقام لاجل النص الخاص. وقد يقال: ان المقام مندرج في باب التزاحم لوقوع المزاحمة بين جزئية القراءة وبين شرطية المتابعة فلابد من الرجوع إلى مرجحات هذا الباب. وفيه ما ذكرناه في الاصول من اختصاص التزاحم بالتكليفين النفسيين الواجبين الاستقلاليين. وأما التكاليف الضمنية في المركبات الارتباطية فهي اجنبية عن هذا الباب، وليست من التزاحم المصطلح في شئ بل هي مندرجة في باب التعارض، ونتيجته سقوط الامر المتعلق بالمركب منهما لدى تعذر الجمع. وعليه ففي المقام حيث لا يمكن رفع اليد عن اطلاق دليل الحمد كما لا يمكن رفع اليد عن اطلاق دليل المتابعة فلا جرم يسقط الامر المتعلق بالصلاة جماعة لتعذر امتثالها كما لو مات الامام أو حدث له حدث فتنقلب الصلاة حينئذ فرادى بطبيعة الحال من غير حاجة إلى نية العدول إلى الانفراد، فان امتناع الاتمام جماعة موجب للانقلاب المزبور قهرا. ومنه تعرف ان الاحوط بل الاظهر هو الاحتمال الثالث الذي ذكره في المتن من قصد الانفراد، بل عرفت عدم الحاجة إلى القصد

[ 307 ]

وحصول الانفراد القهري. لكن هذا كله فيما إذا عرض ذلك اثناء الصلاة بحيث لم يتمكن من اتمام الجماعة بقاءا. وأما إذا علم بذلك من ابتداء الصلاة وان الامام يعجله عن الحمد ولا يمهله فصحة الاقتداء حينئذ مشكلة، فانها مبنية على جواز الائتمام لمن يعلم بعدم التمكن من اتمام الصلاة جماعة. فان قلنا بالجواز صح في المقام وإلا فلا. بقي في المقام رواية واحدة ربما يستدل بها على سقوط القراءة، وهي صحيحة معاوية بن وهب قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يدرك آخر صلاة الامام وهو أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ فيقضي القراءة في آخر صلاته، قال: نعم " (1). والمراد بآخر الصلاة في ذيل الصحيحة هي الركعة الاخيرة وهذه الصحيحة هي من جملة الروايات المتضمنة ان من ترك القراءة في الاولتين لعذر يتداركها ويقضيها في الاخيرتين وجوبا أو استحبابا كي لا تخلو صلاته عن القراءة، إذ لا صلاة الا بفاتحة الكتاب وقد تقدمت الاشارة إليها في مبحث القراءة. وكيفما كان: فسياق الصحيحة سؤالا وجوابا وان كان في مقام قضاء ما ترك من القراءة والنظر فيها مقصور عليه فحسب الا انه يظهر منها المفروغية عن جواز الترك وسقوط القراءة لدى عدم امهال الامام لمغروسيته في ذهن السائل، وتقريره (ع) على ذلك وهو المطلوب وفيه ان الصحيحة اجنبية عن محل الكلام، فان المراد بآخر


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5

[ 308 ]

صلاة الامام ليس هو الجزء الاخير من الصلاة اعني السلام قطعا، إذ ليس هو آخر جزء يدرك من صلاة الامام بوصف انه امام وان كان هو آخر صلاته بوصف انه مصل كما هو واضح. فيدور الامر بين ادراكه في الركعة الاخيرة من صلاته في حال القيام، وبين ادراكه فيها في حال الركوع، ولا يخلو المراد من احد هذين الاحتمالين. والاستدلال مبني على استظهار الاول كي يكون المأموم مكلفا بالقراءة فلا يمهله الامام كي تدل الصحيحة على سقوطها رعاية للتبعية وقضائها اي الاتيان بها لاحقا وجوبا أو استحبابا، فتكون مما نحن فيه. لكنه غير واضح، بل الظاهر انما هو الاحتمال الثاني، فان آخر ما يدرك (1) من صلاة الامام انما هو الركوع من الركعة الاخيرة كما نطقت به الروايات الكثيرة. ومن الواضح سقوط القراءة حينئذ وعدم تكليف المأموم بها. فلا ارتباط لمورد الصحيحة بالمقام. والذي يكشف عما استظهرناه قوله (فلا يمهله حتى يقرأ) فان حمل كلمة يقرأ على الفراغ من القراءة خلاف الظاهر جدا، بل


(1) هذا وجيه لو كان الوارد في النص هو هذا العنوان أعني " آخر ما يدرك من صلاة الامام " وليس كذلك. بل الوارد هكذا (آخر صلاة الامام) ومقتضى المقابلة بينه وبين (أول صلاة الرجل) المذكور بعد ذلك ان هناك حالة واحدة تعد آخرا بالاضافة إلى الامام وأولا بالاضافة إلى المأموم، وحيث ان المراد من الثاني هو الركعة لا الركوع كما لا يخفى فكذلك الاول، وأما ما جعله - دام ظله - كاشفا عما استظهره فلعله على خلاف المطلوب ادل فليتأمل. هذا وسيجئ في المسألة العشرين مزيد بحث حول الصحيحة فلاحظ.

[ 309 ]

[ (مسألة 19): إذا ادرك الامام في الركعة الثانية تحمل عنه القراءة فيها (1) ووجب عليه القراءة في ثالثة الامام الثانية له. ] الظاهر منه هو الشروع فيها، وهذا انما يتحقق عند ادراك الامام راكعا، فلا يمهله حينئذ حتى من الشروع في القراءة والاتيان بالمقدار الممكن منها الذي تخيل السائل وجوبه حينئذ. وأما مع ادراكه قائما فهو متمكن من الشروع فيها والاتيان بالمقدار الممكن ولو آية أو آيتين فلا معنى لعدم الامهال الذي فرضه السائل كما لا يخفى. وعلى الجملة: فالصحيحة اجنبية عما نحن فيه، ولا مجال للاستدلال بها في المقام. وقد عرفت ان الاظهر بطلان الجماعة وانقلاب الصلاة فرادى قهرا وبطبيعة الحال من غير حاجة إلى نية العدول لامتناع الاتمام جماعة بعد اطلاق كل من دليلي الفاتحة والمتابعة وعدم الدليل على رفع اليد عن شئ منهما فيأتي بالفاتحة ويتم الصلاة منفردا، والاحتمالان الآخران ساقطان لا يمكن المساعدة عليهما. (1): اما التحمل في تلك الركعة فلادلة الضمان في الركعتين الاولتين المتقدمة. وأما وجوب القراءة في ثالثة الامام الثانية له فلعموم دليل القراءة مثل قوله (ع): لا صلاة الا بفاتحة الكتاب " بعد اختصاص ادلة الضمان بالركعة التي يكون الامام مكلفا فيها بالقراءة وهي الاولتان

[ 310 ]

[ ويتابعه في القنوت في الاولى منه (1). ] دون الاخيرتين اللتين لم يكلف بها فيهما وان اختارها خارجا كما مر. فالعموم المزبور سليم هنا عما يصلح للتخصيص مضافا إلى التصريح بوجوب القراءة في المقام في معتبرة عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال (ع): " إذا سبقك الامام بركعة فأدركت القراءة الاخيرة قرأت في الثالثة من صلاته وهي ثنتان لك. الخ " (1). (1): اما مشروعيته فمما لا اشكال فيه للتصريح به في موثق عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (ع) " في الرجل يدخل الركعة الاخيرة من الغداة من الامام فقنت الامام، أيقنت معه؟ قال: نعم ويجزيه من القنوت لنفسه " (2). وهل يجب ذلك أم يستحب؟ الظاهر عدم الوجوب، فان الدليل عليه ان كان لزوم المتابعة المعتبرة في مفهوم الائتمام فمن الواضح ان الائتمام لا يستدعي الا التبعية فيما هي وظيفة المأموم وجوبا أو استحبابا، فلا ياتي بوظيفته الا تبعا للامام. والقنوت في المقام ليس من وظائف المأموم بحسب اصل الصلاة لكونه في الركعة الاولى منها وانما هو من وظائف الامام خاصة. ومنه يظهر انه بناءا على وجوب المتابعة نفسا لا يجب عليه القنوت أيضا لعين ما ذكر من ان مورد المتابعة ما هي من وظائف المأموم. فدليل وجوب المتابعة نفسا أو شرطا لا يقتضي وجوب القنوت في المقام.


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب القنوت ح 1.

[ 311 ]

[ وفي التشهد والاحوط التجافي فيه (1)، كما ان الاحوط التسبيح عوض التشهد وان كان الاقوى جواز التشهد بل استحبابه أيضا. ] وان كان هو الموثق المتقدم فمن المعلوم ان مفاده ليس الا الجواز والمشروعية دون الوجوب لان السؤال حيث كان واردا مورد توهم الحظر - إذ لا قنوت في الركعة الاولى - فلا يكون الا عن الجواز، والجواب لا يدل إلا عليه، فلا ظهور في الموثق في الوجوب، بل غايته الاستحباب كما صرح به جمع من الاصحاب. (1): يقع الكلام في جهات: الاولى لاريب في وجوب الجلوس حينئذ فلا يجوز له القيام لعدم جواز التقدم على الامام في الافعال فمحافظة على المتابعة الواجبة شرطا أو نفسا المقتضية لعدم القيام قبل الامام يتعين عليه الجلوس بلا كلام وهذا ظاهر. الثانية: في كيفية الجلوس وقد نسب إلى جمع منهم ابن ادريس وجوب التجافي للامر به في صحيح ابن الحجاج ". يتجافي ولا يتمكن من القعود.. الخ (1) وفي صحيح الحلبي " من اجلسه الامام في موضع يجب ان يقوم فيه يتجافى واقعى اقعاءا ولم يجلس متمكنا " (2).


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 67 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 312 ]

لكن بأزائها بعض الاخبار التي يظهر منها عدم الوجوب وهي موثقة الحسين بن المختار وداود بن الحصين قال: سئل " عن رجل فاتته صلاة ركعة المغرب مع الامام فادرك الثنتين فهي الاولى له والثانية للقوم يتشهد فيها؟ قال: نعم، قلت والثانية ايضا؟ قال. نعم، قلت: كلهن؟ قال: نعم وانما هي بركة " (1) حيث تضمنت الامر بالتشهد في جميع الركعات الثلاث من صلاة المغرب بسياق واحد ونهج فارد. ومن الواضح ان كيفية التشهد في الاخيرتين اللتين هما ثانية المأموم وثالثته انما هي على نحو الجلوس من غير تجاف فكذا في الركعة الاولى التي هي ثانية الامام بمقتضى اتحاد السياق فيظهر منها عدم اعتبار التجافي فيها ايضا وان الكل بنسق واحد فتأمل. ويؤيد الموثقة خبر اسحاق بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (ع): " جعلت فداك يسبقني الامام بالركعة فتكون لي واحدة وله ثنتان أفأتشهد كلما قعدت؟ قال: نعم فانما التشهد بركة ". وخبر علي بن جعفر " سألته عن الرجل يدرك الركعة من المغرب كيف يصنع حين يقوم يقضي ايقعد في الثانية والثالثة؟ قال: يقعد فيهن جميعا " (2) وان كان الاول منهما ضعيفا بسهل بن زياد والثاني بعبدالله بن الحسن. ومن هنا ذكرناهما بعنوان التأييد، فانهما ظاهران كالموثقة في القعود على النحو المتعارف الذي يقعد الامام وغيره من ساير المأمومين من غير اقعاء وتجاف. ومن اجل ذلك يحمل الامر بالتجافي في الصحيحين المتقدمين على


(1) الوسائل: باب 66 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 66 من أبواب صلاة الجماعة ح 2، 4.

[ 313 ]

الاستحباب كما هو ظاهر كثير من الاصحاب جمعا بين النصوص. وأما احتياط الماتن في ذلك فوجهه ذهاب جمع من الاصحاب إلى الوجوب كما اشرنا إليه. والاقوى عدم الوجوب كما ظهر وجهه، والاحتياط المزبور استحبابي. الجهة الثالثة: ما هي وظيفته من الذكر عند الجلوس سواء أقلنا بالتجافي فيه أم لا؟ ذكر في المتن ان الاحوط هو التسبيح عوض التشهد وان كان الاقوى جواز التشهد بل استحبابه أيضا. أقول: لم يرد التسبيح في شئ من النصوص حتى في رواية ضعيفة (1) وان كان هو المعروف والمشهور بين الاصحاب، وانما الوارد فيها الامر بالتشهد كما في موثقة الحسين بن المختار المؤيدة برواية اسحاق ابن يزيد المتقدمتين. ومن اجل ذلك كان الاحوط في تعيين الوظيفة المقررة في هذا الحال هو التشهد بدلا عن التسبيح لخلو النص عنه كما عرفت. بل قد ذكر فيهما ان التشهد بركة. وهل يجب عليه ذلك أم يجوز له الترك فلا يتشهد ولا يسبح بل يأتي بذكر آخر أو يسكت ولا يأتي بشئ اصلا؟


(1) وأما موثقة عمار التي ورد فيها ". فإذا قعد الامام للتشهد فلا يتشهد ولكن يسبح الخ " الوسائل باب 29 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، فمضافا إلى عدم ورودها في المأموم المسبوق بركعة المأمور بالتجافي الذي هو محل الكلام بل في المسبوق بركعتين، لا تخلو عن شوب من الاجمال، إذ المسبوق المزبور وظيفته التشهد فكيف ينهى عنه، وحمل التشهد على ما يشمل التسليم كما صنعه صاحب الوسائل كما ترى.

[ 314 ]

[ وإذا امهله الامام في الثانية له للفاتحة والسورة والقنوت اتى بها (1)، وان لم يمهله ترك القنوت (2)، وان لم ] الظاهر عدم الوجوب لان الدليل عليه ان كان وجوب المتابعة المعتبرة في الائتمام شرطا أو نفسا فقد عرفت ان مفهوم الائتمام لا يستدعي إلا التبعية في الوظائف المشتركة، ففي الوظيفة المقررة على المأموم وجوبا أو استحبابا يتابع فيها الامام، والتشهد مع قطع النظر عن النص ليس من وظائف المأموم في هذه الركعة وانما هي وظيفة الامام خاصة. فلا موضوع للمتابعة. والجلوس الذي ذكرنا وجوبه عليه حينئذ ليس من اجل وجوب المتابعة فيه في نفسه لما عرفت من عدم كونه من وظائف المأموم، بل من اجل وجوب المتابعة في القيام الذي هو من الوظائف المشتركة بينهما فمحافظة على عدم التقدم في القيام ورعاية للمتابعة المعتبرة فيه يتعين عليه الجلوس كما اشرنا إليه. وان كان الدليل عليه النص الوارد في المقام اعني موثقة ابن المختار المتقدمة المؤيدة بغيرها فظاهر انها لاتدل على الوجوب، بل غايته المشروعية والجواز المساوق في المقام للاستحباب، إذ السؤال بعد ان كان واردا مورد توهم الحظر إذ لا تشهد في الاولى لا يكون ظاهرا الا في السؤال عن الجواز والمشروعية كما لا يخفى. (1): بلا اشكال لعموم ادلة هذه الامور. (2) إذ هو مستحب فلا يزاحم به المتابعة الواجبة.

[ 315 ]

[ يمهله للسورة تركها (1)، وان لم يمهله لاتمام الفاتحة أيضا فالحال كالمسألة المتقدمة (2) من انه يتمها ويلحق الامام في السجدة، أو ينوي الانفراد، أو يقطعها ويركع مع الامام ويتم الصلاة ويعيدها. (مسألة 20): المراد بعدم امهال الامام المجوز لترك السورة ركوعه قبل شروع المأموم فيها (3) أو قبل اتمامها وان امكنه اتمامها قبل رفع رأسه من الركوع فيجوز تركها بمجرد دخوله في الركوع ولا يجب الصبر إلى اواخره، وان كان الاحوط قراءتها ما لم يخف فوت اللحوق ] (1): للتصريح بذلك في صحيحة زرارة المتقدمة. (2): اعني المأموم المسبوق بركعتين لوحدة المناط بين المسألتين فيتطرق هنا أيضا الاحتمالات الثلاثة التى ذكرها الماتن هناك من اتمام الفاتحة والالتحاق بالامام في السجود، أو قطعها والركوع معه أو الانفراد. وقد عرفت ان الاظهر هو الاخير، إذ لا دليل على رفع ليد عن اطلاق دليل الفاتحة كما لا دليل على رفع اليد عن اطلاق المتابعة، فيجب التحفظ على كلا الاطلاقين. وحيث ان لازم ذلك امتناع اتمام الصلاة جماعة فلا محالة تنقلب الصلاة فرادى قهرا وبطبيعة الحال من غير حاجة إلى نية العدول إليها كما اشرنا إليه هناك. (3): - قد يستدل لذلك بصحيحة معاوية بن وهب المتقدمة: " عن الرجل يدرك آخر صلاة الامام وهو أول صلاة الرجل فلا

[ 316 ]

[ في الركوع، فمع الاطمئنان بعدم رفع رأسه قبل اتمامها لا يتركها ولا يقطعها. ] يمهله حتى يقرأ فيقضي في آخر صلاته، قال: نعم " (1) فان الظاهر من عدم امهاله حتى يقرأ ركوعه قبل ان يقرأ كما لا يخفى. وفيه ما عرفت من ان الصحيحة اجنبية عما نحن فيه، فان الاستدلال بها مبني على ان يكون المراد من ادراك آخر صلاة الامام ادراكه في الركعة الاخيرة قائما كي يكون المأموم حينئذ مكلفا بالقراءة فلا يمهله الامام عنها بركوعه. ولكن الظاهر منها ادراكه في ركوع الركعة الاخيرة الذي هو الجزء الاخير وآخر ما يدرك من صلاة الامام كما نطقت به الروايات الكثيرة، وليس ادراكه قائما هو آخر ما يدرك من صلاته. وعليه فالصحيحة غير مرتبطة بمحل الكلام، إذ لم يكن المأموم مكلفا حينئذ بالقراءة حتى لا يمهله الامام عنها بركوعه، بل يكبر ويركع معه. وقد يقال ان قوله - فلا يمهله حتى يقرأ قرينة واضحة على ان المراد ادراكه قائما لا راكعا، كيف والقراءة ساقطة عنه لدى ادراكه في الركوع، فلا موضوع للقراءة حتى يمهله الامام أو لا يمهله. فلا مناص من ارادة دركه في حال القيام وتكليفه بالقراءة كي يصح التعبير بعدم امهاله حتى يقرأ. وفيه: ان المتيقن مما قامت عليه الادلة ان من ادرك الامام راكعا لا تجب عليه القراءة وانها ساقطة عنه، بمعنى انه يجوز له تركها


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة حديث 5.

[ 317 ]

وأما انها غير مشروعة منه حينئذ فكلا، إذ لا يكاد يستفاد ذلك من شئ من الادلة ينافي اطلاقات مشروعية القراءة فيجوز له ان يقرأ سيما مع الاسراع أو أطالة الامام في ركوعه بحيث يدركه قبل رفع رأسه عنه. وعليه فلا شهادة في قوله " فلا يمهله حتى يقرأ " على ارادة الادراك قائما لمجامعته مع الادراك راكعا ايضا حسبما بيناه وان كانت القراءة حينئذ جائزة لا واجبة. نعم الغالب في الخارج ترك القراءة حينئذ لعدم وجوبها وعدم امهال الامام لها لكنه ربما يتفق مع تخيل الامهال. والسؤال في الصحيحة محمول على غير الغالب بقرينة ما عرفت من لزوم حملها على ادراك الامام راكعا حيث انه الجزء الاخير مما يدرك من آخر صلاته. لا يقال: كيف تجوز القراءة منه حينئذ مع منافاتها للمتابعة الواجبة عليه. فانه يقال: انما تجب عليه المتابعة بعد اتصافه بعنوان الائتمام المتوقف على ادراك ركوع الامام فقبل ان يركع لم يكن مؤتما بعد كي تجب عليه المتابعة وانما تتحقق منه الجماعة ويتصف بالمأمومية - الموضوع لوجوب المتابعة - في الآن المستقبل، اعني بعدما لحق الامام في ركوعه وادركه فيه كما نطقت به الروايات الواردة فيمن كبر والامام راكع. فان قلت: إذا لم يكن مأموما حين ما يقرأ وقبل ان يركع فهو منفرد لا محالة فائتمامه فيما بعد يكون من الائتمام في الاثناء غير المشروع كما سبق. قلت: كلا بل هو قاصد للجماعة من اول الامر، وانما تتحقق

[ 318 ]

منه الجماعة والائتمام خارجا بعد ان ادرك الامام راكعا، فهو قبل ذلك مراعى من حيث الجماعة والفرادي كما لا يخفى. وان شئت فقل هو مؤتم حينئذ لكن بنحو الشرط المتأخر الذي قام الدليل عليه في المقام وهو نفس هذه الصحيحة. على ان عدم مشروعية الائتمام في الاثناء لم يكن مدلولا لدليل لفظي وانما هو من اجل عدم قيام الدليل على المشروعية، وفي المقام قام الدليل عليها وهي ما دل على ان من ادرك الامام حال الركوع وكبر بقصد الائتمام صحت جماعته وإن لم يكن مؤتما - أو فقل كان منفردا - قبل ان يركع. وكيفما كان: فالاستدلال بهذه الصحيحة للحكم المذكور في المتن في غير محله. نعم: يدل عليه صحيح زرارة قال (ع) " ان ادرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما ادرك خلف الامام في نفسه بأم الكتاب وسورة، فان لم يدرك السورة تامة اجزأته ام الكتاب. الخ " (1) فان قوله (ع) قرأ في كل ركعة مما ادرك خلف الامام. الخ كالصريح في ان الائتمام كان حال القيام كي يصدق القراءة خلف الامام. فان هذا العنوان لا يصدق الا فيما إذا كان الامام ايضا متشاغلا بالقراءة أو التسبيح كالمأموم، إذ مع كونه راكعا لا يصدق القراءة خلفه كما هو ظاهر. وحينئذ فقوله فان لم يدرك السورة تامة. الخ معناه انه لم يدرك السورة خلف الامام تامة. وهذا إنما يتحقق بمجرد ركوع الامام


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 319 ]

[ (مسألة 21): إذا اعتقد المأموم امهال الامام له في قراءته فقرأها ولم يدرك ركوعه (1). لا تبطل صلاته بل ] الموجب لسلب عنوان القراءة خلفه، وقد حكم (ع) حينئذ بجواز ترك السورة وانه تجزيه ام الكتاب. فيظهر من ذلك كله ان المراد من عدم امهال الامام المسوغ لترك السورة هو مجرد دخوله في الركوع قبل شروع المأموم فيها أو قبل اتمامها كما ذكره في المتن وان تمكن من اتمامها قبل رفع رأسه من الركوع، وليس المراد من عدم الامهال المزبور رفع رأسه من الركوع قبل ان يشرع أو قبل ان يفرغ فيجوز له الترك بمجرد الدخول في الركوع، ولا يجب عليه الصبر إلى اواخره. ومع ذلك فقد ذكر في المتن ان الاحوط قراءتها ما لم يخف فوت اللحوق في الركوع وكان الوجه فيه مراعاة دليل وجوب السورة بقدر الامكان، واحتمال ان يكون المراد من عدم الامهال هو المعنى الآخر وان لم يساعده النص. ولكنه: كما ترى لا يتم على اطلاقه، وانما يتجه فيما إذا كان التخلف بمقدار لا يضر بصدق المتابعة العرفية كما لو كان اواخر السورة أو كان مسرعا في القراءة، والا فمع الاضرار بالصدق كان هذا الاحتياط على خلاف الاحتياط لمخالفته مع المتابعة الواجبة عليه نفسا أو شرطا، بل على الثاني تنقلب صلاته فرادى كما لا يخفى. (1) حكم (قده) حينئذ بعدم بطلان الصلاة بل وكذا في فرض

[ 320 ]

[ الظاهر عدم البطلان إذا تعمد ذلك، بل إذا تعمد الاتيان بالقنوت مع علمه بعدم درك ركوع الامام فالظاهر عدم البطلان. ] التعمد بل حتى ولو تعمد في اتيان القنوت مع علمه بعدم درك ركوع الامام. اقول: اما في فرض الاعتقاد فلا ينبغي الاشكال في صحة الجماعة فضلا عن الصلاة وان استلزم الاخلال بالمتابعة خارجا فانها انما تجب لاقتضاء مفهوم الايتمام ذلك كما مر ومن الواضح ان الايتمام انما يستدعي المتابعة فيما يعتقد المأموم انه متابعة لا واقعها وان لم يعلم بها والمفروض في المقام اعتقاده امهال الامام وان التخلف لا يضر بالمتابعة لتخيله ادراكه في الركوع فانكشاف الخلاف لا يضر بالمتابعة الواجبة عليه بعد ان لم يكن قادحا في صدق الايتمام العرفي (1). ومن هنا لو سهى وتخلف عنه في بعض الافعال نسيانا صحت جماعته ولم يكن قادحا في العمل بالمتابعة اللازمة عليه بلا اشكال. واما في فرض العمد فالظاهر بطلان الجماعة وانقلابها فرادى للاخلال عامدا بالمتابعة المشروط صحة الجماعة بها ومنه يظهر الحال في تعمد القنوت نعم بناءا على وجوب المتابعة نفسا لا شرطا كما عليه الماتن صحت جماعته وان كان آثما وعليه يبتني ما هو المذكور في المتن من عدم البطلان في المقام.


(1) لا ينطبق هذا على ما في الطبعة الاخيرة من تعليقته الشريفة - دام ظله - فلاحظ.

[ 321 ]

[ (مسألة 22): يجب الاخفات في القراءة خلف الامام (1) وان كانت الصلاة جهرية سواء كان في القراءة الاستحبابية كما في الاولتين مع عدم سماع صوت الامام، أو الوجوبية كما إذا كان مسبوقا بركعة أو ركعتين. ] (1): - لا كلام في وجوب الاخفات في الصلاة الاخفاتية كالمسبوق بركعة أو بركعتين في الظهرين كما لا كلام في وجوبه في الجهرية في القراءة الوجوبية كالمأموم المسبوق بركعة أو ركعتين فيها للتصريح به في صحيحة زرارة المتقدمة قال (ع) فيها: " قرأ في كل ركعة مما ادرك خلف امام في نفسه بأم الكتاب وسورة (1) فان قوله في نفسه صريح في الاخفات. إنما الكلام في القراءة الاستحبابية كما في الاولتين من الجهرية مع عدم سماع صوت الامام حتى الهمهمة حيث يستحب فيهما القراءة للمأموم - كما مر فهل يتعين عليه الاخفات حينئذ أو الجهر أو يتخير بين الامرين؟ وجوه بل أقوال، اختار في المستند الاخير بدعوى قصور ادلة الجهر عن الشمول للمقام لانصرافها إلى القراءة الواجبة كما في الامام والمنفرد، وحيث لا دليل على الاخفات ايضا فلا محالة يتخير بينهما. وقد يقال بتعين الجهر نظرا إلى خلو نصوص الباب عما يدل على وجوب الاخفات في المقام.


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 322 ]

وعليه فبما ان الامر الاستحبابي المتعلق بالقراءة ظاهر في اتحاد المأمور به مع قراءة المنفرد في جميع الخصوصيات حتى من حيث الجهر والاخفات، فنفس تلك الماهية على ما هي عليه مورد للاستحباب وبما ان الجهر معتبر في تلك القراءة لكون الصلاة جهرية فكذا في المقام. ولكن الظاهر تعين الاخفات كما اختاره في المتن. وتدلنا عليه مضافا إلى ما ورد في المأموم المسبوق من انه يخفت كما مر، وما ورد في اسماع الامام وانصاف المأموم له وعدم رفع صوته في اذكاره واقواله حيث يستأنس منها ان الاخفات للمأموم من أحكام الجماعة وخصوصياتها على الاطلاق من غير اختصاص لمورد دون مورد - صحيحة قتيبة عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا كنت خلف امام ترتضي به في صلاته يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك. الخ (1) فان قوله لنفسك بمثابة قوله في نفسك، أي في ضميرك وهو كناية عن الاخفات، والا فكل احد يقرأ لنفسه لا لغيره. فهذه الصحيحة ظاهرة في وجوب الاخفات في محل الكلام، وكأن دعوى خلو النص عما يدل على الاخفات في المقام نشأت على الغفلة من ملاحظة هذه الصحيحة. وكيفما كان فهذه الصحيحة هي عمدة المستند. وتشهد له ايضا السيرة القطعية العملية من المتشرعة المتصلة إلى زمن المعصومين (ع) فانها قائمة على مراعاة الاخفات، ويلتزمون به


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 7.

[ 323 ]

[ ولو جهر جاهلا أو ناسيا لم تبطل صلاته (1). ] في مقام العمل (1). (1): اما في فرض النسيان فلا اشكال فيه ولا اقل من اجل حديث لا تعاد. واما في فرض الجهل فربما يستشكل فيه كما عن غير واحد، ولعله من اجل التشكيك في شمول الحديث لصورة الجهل فان المتيقن منه انما هو النسيان، بل قد اصر شيخنا الاستاد (قده) على الاختصاص به، لكنا ذكرنا غير مرة في مطاوي هذا الشرح أن الحديث غير قاصر الشمول لصورة الجهل ولا وجه لتخصيصه بالناسي بل يعم مطلق المعذور. هذا. ومع الغض عن ذلك ففي خصوص المقام يحكم بالصحة لعدم كون الاخفات والجهر من الشرائط الواقعية كي يحكم بالبطلان لدى الاخلال بهما، وانما هما من الشرائط الذكرية ولا يجب مراعاتهما الا في حال العلم والالتفات للتصريح في صحيح زرارة بعدم البأس فيما لو اخل بهما جاهلا، عن ابي جعفر (ع) في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه، واخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه، فقال: اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة، فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته (2)، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الجهل بالحكم أو بالموضوع كما


(1) السيرة لاتدل الا على المشروعية والاستحباب دون الوجوب كما هو الحال في القنوت على ما تكرر منه دام ظله سابقا. (2) الوسائل: باب 26 من أبواب القراءة ح 1.

[ 324 ]

[ نعم لا يبعد استحباب الجهر بالبسملة كما في ساير موارد وجوب الاخفات (1). (مسألة 23): المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهد في الثانية منه الثالثة للامام (2)، فيتخلف عن الامام ] لا يخفى، فالمقتضي للاخلال في صورة الجهل قاصر في حد نفسه، فالاقوى ما ذكره في المتن من عدم البطلان لاجل هذه الصحيحة مضافا إلى حديث لا تعاد كما عرفت. (1): قدمنا في مبحث القراءة وفاء النصوص باستحباب الجهر بالبسملة في القراءة الاخفاتية بالذات كالظهرين بالنسبة إلى الامام أو المنفرد، واما ما وجب فيه الاخفات لعارض الايتمام كما في المقام سواء أكانت القراءة استحبابية أم وجوبية على ما مر فلم يرد فيه نص يدل على استحباب الجهر بالبسملة في قراءتها اللهم الا ان يتمسك باطلاق الرواية المشتملة على أن علائم المؤمن خمس وعد منهن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم لكنها ضعيفة السند غير صالحة للاستدلال كما اشرنا إليه هناك. وعليه فاستحباب الجهر غير ثابت في المقام، بل يشكل مشروعيته أيضا بعد ان ورد الامر باخفات القراءة في صحيحتي زرارة وقتيبة المتقدمتين الظاهر في تمام القراءة باجزائها التي منها البسملة، فالاخفات فيها لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. (2): ذكر (قده) ان المأموم المسبوق بركعة يتخلف في

[ 325 ]

[ ويتشهد ثم يلحقه في القيام، أو في الركوع إذا لم يمهله للتسبيحات فيأتي بها ويكتفي بالمرة ويلحقه في الركوع أو السجود، وكذا يجب عليه التخلف عنه في كل فعل وجب عليه دون الامام من ركوع أو سجود أو نحوهما فيفعله ثم يلحقه الا ما عرفت من القراءة في الاوليين. ] الركعة الثانية له الثالثة للامام ويتشهد ثم يلتحق به في القيام، وإذا لم يمهله بان ركع قبل ان يقوم المأموم إلى التسبيحات لحق به في الركوع أو السجود بعد الاقتصار على أقل الواجب من التسبيح وهي المرة، وكذا يتخلف عنه في كل فعل وجب عليه دون الامام من ركوع أو سجود ونحوهما كما لو رفع الامام رأسه عن الركوع قبل ان يفرغ المأموم عن القنوت، أو قام الامام عن السجود إلى الركعة اللاحقة قبل ان يأتي المأموم بالسجدة الثانية أو بالتشهد ونحو ذلك من كل فعل لم يجب على الامام لاتيانه به دون المأموم فيتخلف ويفعله ثم يلتحق به الاما عرفت من القراءة في الاوليين للمأموم التى مر حكمها من ترك القراءة أو ترك المتابعة أو العدول إلى الانفراد حسبما تقدم من الاحتمالات الثلاثة في المسألة. أقول: أما وجوب التشهد عليه في الثانية له الثالثة للامام فمما لا اشكال فيه. وقد نطقت به جملة من الروايات التي منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة قال (ع) فيها: (فإذا كانت الثالثة للامام وهي له الثانية فليلبث قليلا إذا قام الامام بقدر ما يتشهد

[ 326 ]

ثم يلحق بالامام (1) ونحوها غيرها. وأما ما ذكره (قده) من أن في فرض عدم الامهال بان ركع الامام قبل ان يقوم المأموم يلتحق به في الركوع أو السجود ففي غاية الاشكال، كيف وقد تخلف عن الامام واخل بشرط المتابعة عامدا وان كان معذورا فيه من اجل التشهد الواجب عليه. ومعه كيف يمكن الحكم ببقاء القدوة وصحة الجماعة بحيث يرتب عليها احكامها من رجوع كل منهما إلى الآخر لدى الشك، واغتفار الركوع أو السجود الزائد لاجل المتابعة وغير ذلك من الآثار. والذي يكشف عما ذكرناه قوله (ع) في موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله ". وان سبقك بركعة جلست في الثانية لك والثالثة له حتى تعتدل الصفوف قياما " (2) حيث جعلت الغاية اعتدال الصفوف قياما فلا يجوز الالتحاق في الركوع الخارج عن هذه الغاية. نعم المراد بالاعتدال اعم من الحدوث والبقاء، فما دام الاعتدال والقيام باقيا ولم يركع بعد يجوز له الالتحاق. وتؤيد الموثقة صحيحة الحجاج المتقدمة حيث ذكر فيها فليلبث قليلا بقدر ما يتشهد الظاهر في عدم جواز اللبث الكثير والالتحاق في الركوع. وعليه فمقتضى الاحتياط حينئذ لو لم يكن أقوى هو العدول إلى نية الانفراد. ومنه يظهر حال التخلف عنه في ساير ما يجب على المأموم، وأما التخلف في القراءة في الاوليين له فقد عرفت ان الاظهر بطلان الجماعة حينئذ وانقلابها فرادى قهر أو بطبيعة الحال، وعرفت أيضا


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 327 ]

[ (مسألة 24): إذا ادرك المأموم الامام في الاخيرتين فدخل في الصلاة معه (1) قبل ركوعه وجب عليه قراءة الفاتحة والسورة إذا امهله لهما والا كفته الفاتحة على ما مر ولو علم انه لو دخل معه لم يمهله لاتمام الفاتحة ايضا فالاحوط عدم الاحرام الا بعد ركوعه فيحرم حينئذ ويركع معه وليس عليه الفاتحة حينئذ. ] ضعف الاحتمالين الآخرين فلاحظ. (1): قد عرفت فيما مر ان من ادرك الامام في الاخيرتين فدخل معه في الصلاة قبل ركوعه وجبت عليه قراءة الفاتحة والسورة حينئذ إذا امهله لهما والا كفته الفاتحة ولا يكون الامام ضامنا لها كما دلت عليه الروايات التي منها صحيحتا زرارة وابن الحجاج المتقدمتان (1). وعليه فان امهله الامام للفاتحة فلا كلام، ولو لم يمهله فقد مر حكمه. وأما لو علم من الاول بانه لو دخل معه لم يمهله لا تمامها فحيث ان المسألة حينئذ مورد للاشكال للدوران بين ترك الفاتحة وترك المتابعة ولم يثبت تقديم احدهما على الآخر كان مقتضى الاحتياط عدم الاحرام الا بعد ركوع الامام حذرا عن الوقوع في هذا الترديد، بل بناءا على ما قدمناه من بطلان الجماعة حينئذ وانقلابها فرادى يشكل فيه الاقتداء وتمشي قصد الجماعة منه، إذ كيف يمكن أن ينوي الايتمام مع علمه بانقلاب الصلاة بعدئذ فرادى وعدم تمكنه


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4، 2.

[ 328 ]

[ (مسألة 25): إذا حضر المأموم الجماعة ولم يدر أن الامام في الاوليين أو الاخيرتين (1) قرأ الحمد والسورة بقصد القربة فان تبين كونه في الاخيرتين وقعت في محلها وان تبين كونه في الاوليين لا يضره ذلك. ] من اتمامها جماعة. فالاحوط لو لم يكن اقوى ان لا يحرم الا بعد ركوع الامام لسقوط القراءة عنه حينئذ بلا كلام كما دلت عليه الروايات المتقدمة سابقا المتضمنة: ان من كبر وادرك الامام في الركوع فقد ادرك الركعة وصحت جماعته. (1): حكم (قده) حينئذ بقراءة الحمد والسورة بقصد القربة المطلقة لانها اما واجبة وقعت في محلها لو كان الامام في الاخيرتين، أو مستحبة لو كان في الاوليين فلا يضره ذلك. ولا شك ان ما افاده هو مقتضى الاحتياط كما عرفت. هذا لو اراد الاحتياط. وأما لو اراد اختيار احد الشقين من القراءة أو تركها فهل تجب عليه ام يجوز الترك، وما هي وظيفته بالنظر إلى الاصل العملي؟ لاريب ان مقتضى قاعدة الاشتغال هو الوجوب لما عرفت سابقا من ان القراءة غير ساقطة عن المأموم رأسا بحيث يلزم التخصيص في عموم لا صلاة الا بفاتحة الكتاب، بل هي واجبة عليه كغيره غاية الامر انه في مرحلة الامتثال يجتزي بقراءة الامام وهو ضامن له، وقراءته مسقطة لقراءته بعد ما كانت واجبة عليه اولا. وذكرنا سابقا ان هذا مما يساعده الاعتبار. فلو ان جماعة وفدوا على ملك أو رئيس

[ 329 ]

يتكلم واحد منهم عن القوم ويكون كلامه كلامهم، ويعبر عن لسان الجميع فكذا في المقام. ومن هنا ذكرنا فيما مر ان الجماعة عدل للواجب التخييري فتجب عليه القراءة إما بنفسه لو اختار الانفراد، أو ببدله لو اختار الجماعة. وعليه فالشك في المقام راجع إلى مرحلة السقوط والفراغ، ومقام الامتثال الذي هو مورد لقاعدة الاشتغال لا إلى مرحلة الجعل وثبوت التكليف ليرجع في نفيه إلى اصالة البراءة. فهو يعلم ان في هذه الركعة مكلف بالقراءة، ويشك في سقوطها عنه بفعل الامام لو كانت من الاوليين، فمقتضى القاعدة المزبورة وجوب الاتيان بها. الا انه مع ذلك يجوز له تركها استنادا الي الاستصحاب ولا شئ عليه حتى لو انكشف الخلاف وتبين كون الامام في الاخيرتين، لانه بعد تعويله على الحجة الشرعية كان معذورا في الترك، ومثله مشمول لحديث لا تعاد بناءا على ما عرفت من عدم اختصاصه بالناسي وشموله لمطلق المعذور. وتقريب الاستصحاب ان الموضوع لسقوط القراءة عن المأموم اقتداؤه خلف امام يكون هو في احدى الاولتين على ما يظهر من الروايات. وهذا الموضوع محقق في المقام بضم الوجدان إلى الاصل فان الاقتداء خلف الامام محرز بالوجدان، وكون الامام في الاولتين محرز بالاصل حيث انه كان في زمان في الركعتين الاولتين يقينا ونشك في انقلابه عما هو عليه بالدخول في الاخيرتين ومقتضى الاستصحاب بقاؤه على ما كان. ونتيجة ذلك سقوط القراءة عن المأموم.

[ 330 ]

واوضح رواية تدل على ان الموضوع للحكم هو ما ذكرناه صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة سابقا وقلنا ان كلمة (الحسن باسناده) الموجودة في الوسائل الطبعة الجديدة مستدركة، والصحيح " عن ابن سنان يعني عبد الله عن ابي عبد الله (ع): إذا كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجال مأمونا على القران فلا تقرأ خلفه في الاولتين. الخ " (1). فان قوله في الاولتين بمنزلة الحال للضمير المجرور في (خلفه) العائد إلى الامام اي لا تقرأ خلف الامام حال كون الامام في الاولتين فتدل بوضوح على ان الموضوع للسقوط كون المأموم خلف امام هو في الاولتين كما ذكرناه. وهذا الموضوع قابل للاحراز ببركة الاستصحاب ومعه لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى قاعدة الاشتغال التي ذكرناها اولا، فيجوز له ترك القراءة استنادا إلى الاصل المزبور وان كان مقتضى الاحتياط هو ما عرفت. وان شئت فقل الموضوع للسقوط في الصحيحة كون المأموم خلف الامام في اولتيه فتستصحب بقاء الاولتين، ولا حاجة إلى اثبات ان ما بيده هي احدى الاولتين ليكون من المثبت لان هذا ليس موضوعا للحكم، بل الموضوع مجرد اقتران الجزءين في الزمان واجتماعهما في الوجود كما في استصحاب النهار المرتب عليه وجوب الامساك فيه والاتيان بالظهرين على ما بيناه في محله عند التعرض للموضوعات المركبة.


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 9.

[ 331 ]

[ (مسألة 26): إذا تخيل ان الامام في الاوليين فترك القراءة ثم تبين انه في الاخيرتين (1) فان كان التبين قبل الركوع قرأ ولو الحمد فقط ولحقه، وان كان بعده صحت صلاته، وإذا تخيل انه في احدى الاخيرتين فقرأ ثم تبين كونه في الاوليين فلا بأس، ولو تبين في اثنائها لا يجب اتمامها. ] (1): - فصل (قده) حينئذ بين ما إذا كان انكشاف الخلاف بعد دخول المأموم في الركوع وما إذا كان قبله. أما في الاول فلا اشكال في صحة الصلاة لكونه معذورا في ترك القراءة بعد الاعتقاد المزبور، ولا تبطل الصلاة بتركها سهوا وما يلحق به من العذر، لحديث لا تعاد. نعم عليه سجدتا السهو بناءا على وجوبهما لكل زيادة ونقيصة. وأما في الثاني فالقراءة غير ساقطة عنه بعد بقاء المحل وامكان التدارك، وحينئذ فان امهله الامام لها ولو خصوص الفاتحة قرأها ولحق به في الركوع، ان لم يمهله حتى لها جرى فيه حينئذ ما مر سابقا من الاحتمالات الثلاثة اعني ترك الفاتحة والالتحاق في الركوع أو ترك المتابعة والالتحاق في السجود أو العدول إلى الانفراد. وقد عرفت ان الاظهر هو الاخير من غير حاجة إلى نية العدول، بل تنقلب إلى الفرادى قهرا وبطبيعة الحال بعد امتناع الاتمام جماعة. وأما عكس المسألة اعني ما لو تخيل انه في احدى الاخيرتين فقرأ

[ 332 ]

[ (مسألة 27): إذا كان مشتغلا بالنافلة فاقيمت الجماعة (1) وخاف من اتمامها عدم ادراك الجماعة ولو كان بفوت الركعة الاولي منها جاز له قطعها، بل استحب ذلك ولو قبل احرام الامام للصلاة. ] ثم تبين كونه في الاوليين فالصلاة ايضا محكومة بالصحة لعدم قدح زيادة القراءة بعد ان كان معذورا فيها ومشمولا لحديث لا تعاد. هذا إذا كان التبين بعد الفراغ عن القرادة. واما لو التفت في الاثناء فلا يجوز اتمامها بعنوان الوجوب لكونها ساقطة عنه في الاوليين. فالاتيان بهذا العنوان تشريع محرم. نعم لا بأس بالاتمام بعنوان الاستحباب الثابت في هذا الحال. والكلام في سجود السهو لاجل الزيادة ما عرفته آنفا. (1): - المستند فيما ذكره (قده) من جواز قطع النافلة لمن كان مشتغلا بها فاقيمت الجماعة، بل استحبابه لدرك فضيلتها كما عليه المشهور صحيحة عمر بن يزيد التي رواها الصدوق بطريق صحيح انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الرواية التي يروون انه لا ينبغي أن يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال: إذا اخذ المقيم في الاقامة، فقال له ان الناس يختلفون في الاقامة، فقال: المقيم الذي تصلي معه) (1). ونوقش فيها كما في الجواهر وغيره بظهورها في الشروع في التطوع وقتئذ، ولا تعم من كان مشتغلا به ثم اقيمت الجماعة كي تدل


(1) الوسائل: باب 44 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 .

[ 333 ]

على القطع، فهي خاصة بالابتداء ولا تشمل الاستدامة في التطوع الذي هو محل الكلام. وفيه انه لا موجب لدعوى الاختصاص ولا نعرف وجها للاستظهار فان النافلة كما انها تطوع بمجموعها تطوع بأبعاضها ايضا، فكل جزء وركعة منها مصداق للتطوع كالكل. فمن كان مشتغلا بها فأقيمت الجماعة كان الاتيان بالباقي معنونا بعنوان التطوع لا محالة فتشمله الصحيحة. نعم بناءا على حرمة قطع النافلة كان لما أفيد وجه وجيه لعدم كونها حينئذ مصداقا للتطوع بقاءا كيف وهو مجبور في الاتمام ولا يجوز له القطع بحكم الشرع، فلا يأتي به عن طوع ورغبة واختيار الذي هو معني التطوع. وما قيل: في رده من ان الظاهر من التطوع ما كان كذلك في اصله وذاته لا بالنظر الي حرمة القطع وهو متحقق في المقام. مدفوع بمخالفته لظاهر اللفظ جدا، ضرورة ان الظاهر من لفظ التطوع ما كان تطوعا فعلا ومتصفا بهذا الوصف العنواني بالفعل، بحيث له ان يفعل وان لا يفعل، لا مال كان كذلك شأنا وفي طبعه وذاته، فان الحمل علي الاستعداد والشأنية مخالف لظواهر الالفاظ كما في ساير المقامات، بل المنسبق منها مقام الفعلية. وعليه فحيث انه مجبور في المقام بالاتمام بحكم الشرع حسب الفرض ولو من اجل حرمة القطع فقد خرج عن عنوان التطوع بقاءا وان كان كذلك حدوثا فلا تشمله الصحيحة. لكن المبني المزبور باطل في نفسه لما تقدم في محله من ان الدليل على حرمة قطع الصلاة ليس الا الاجماع، وهو لو تم - ولا يتم -

[ 334 ]

مختص بالفريضة، ولم يقم اجماع في النافلة. فجواز القطع فيها المطابق للاصل هو المتعين. وعليه فالصحيحة غير قاصرة الشمول لكل من الابتداء والاستدامة كما ذكرناه. وتشهد للتعميم صحيحة حماد بن عيسي قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال ابي: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله لصلاة الصبح وبلال يقيم وإذا عبد الله بن القشب يصلي ركعتي الفجر فقال له النبي صلى الله عليه وآله يابن القشب اتصلي الصبح اربعا، قال ذلك له مرتين أو ثلاثة (1) حيث وبخه صلى الله عليه وآله مرتين أو ثلاثا علي التنفل وبلال يقيم للجماعة، ولم يفرض ان ابن القشب شرع في النافلة قبل ان يقيم بلال لانه صلى الله عليه وآله دخل المسجد فرآه يصلي وبلال يقيم من دون وضوح السابق من اللاحق ولا استفصاله عن ذلك، فترك استفصاله في مقام التوبيخ يكشف عن اطلاق الحكم كما لا يخفى. وعلى الجملة: فلا ينبغي التشكيك في شمول الصحيحة للاستدامة في التطوع كالابتداء فيه، فتدل علي ما نحن فيه. ويستفاد منها افضلية القطع واستحبابه طلبا لدرك فضيلة الجماعة. وانما الكلام في وقت القطع، فهل هو مقيد بما إذا خاف فوات الجماعة رأسا بحيث لم يدرك حتى الركعة الاخيرة منها، أو بخوف فوت الركوع من الركعة الاولي، أو القراءة منها، أو تكبيرة الاحرام كما اختاره في المتن؟. الظاهر عدم التقييد بشئ مما ذكر لاطلاق النص عن كل ذلك


(1) الوسائل: باب 44 أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 335 ]

[ ولو كان مشتغلا بالفريضة منفردا وخاف من اتمامها فوت الجماعة استحب له العدول بها الي النافلة واتمامها ركعتين (1) إذا لم يتجاوز محل العدول بان دخل في ركوع الثالثة، بل الاحوط عدم العدول إذا قام إلى الثالثة وان لم يدخل في ركوعها ] وعدم دليل آخر عليها ومقتضي الجمود على ظاهر الصحيحة ان الظرف المقرر للقطع هو مجرد اخذ المقيم في الاقامة سواء أحصل خوف الفوت من شئ من المذكورات أم لا. وكأن هذا من احترام الجماعة وآدابها وهذا هو الاقوي كما يكشف عنه اطلاق صحيحة حماد المتقدمة أيضا. (1): على المشهور بل اجماعا كما عن غير واحد. وتدل عليه صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن واقام الصلاة، قال: فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام، وليكن لركعتان تطوعا. وموثقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة، قال: إن كان إماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلهما تطوعا، وليدخل مع الامام في صلاته كما هو. الخ (1).


(1) الوسائل: باب 56 من أبواب صلاة الجماعة ح 1، 2

[ 336 ]

ونوقش في دلالتهما على الاستحباب كما في الجواهر بان الامر الوارد فيهما من اجل وقوعه موقع توهم الحظر لا يدل الا على الجواز والمشروعية دون الاستحباب. وبعبارة اخرى: ظاهر الامر في طبعه هو الوجوب، لكنه غير محتمل في المقام، فان الجماعة سنة وليست مفروضة في الصلوات كلها - كما في النص - فكيف يحتمل وجوب العدول إلى التطوع مقدمة لدرك الجماعة المستحبة. فيدور الامر بين الحمل على الاستحباب وبين ارادة الجواز والاباحة، وحيث انه وارد مورد توهم الحظر - لممنوعية العدول من الفريضة إلى النافلة في غير الموارد المستثناة - يتعين الحمل على الثاني. وفيه ان المقام ليس من موارد توهم الحظر المانع من الاخذ بظاهر الامر، إذ لم يرد دليل لفظي يدل على المنع عن العدول المزبور، وانما نقول به من اجل عدم قيام الدليل على الجواز لامن اجل قيام الدليل على عدم الجواز كي يكون موردا لتوهم الحظر، فان العدول على خلاف الاصل والعبادة توقيفية تحتاج مشروعيتها إلى الدليل وحيث لادليل، يحكم بعدم المشروعية حذرا عن التشريع المحرم لا لقيام الدليل على العدم، وحيث ورد الدليل في المقام بلسان الامر فلا مانع من الاخذ بظاهره وهو الاستحباب بعد امتناع الحمل على الوجوب كما عرفت. وقد تحصل مما ذكرناه ان الروايتين لا قصور في دلالتهما على الاستحباب. هذا ما يرجع إلى اصل المطلب. واما خصوصياته فقد ذكر في المتن اختصاص الحكم بما إذا لم

[ 337 ]

يتجاوز محل العدول بالدخول في ركوع الثالثة، بل ذكر ان الاحوط عدم العدول فيما إذا قام للثالثة وان لم يدخل في ركوعها. وكأنه لقصور النصين عن شمول الفرضين سيما الموثقة إذ المفروض فيها انه صلى ركعة واحدة فلا يشمل ما إذا دخل في الثالثة فضلا عما إذا دخل في ركوعها، بل لا تشمل حتى من كان في الثانية كما لا يخفى لامره (ع) بالاتيان بالاخرى الكاشف عن عدم الدخول بعد فيها وكذا الحال في الصحيحة لظهور الامر بصلاة ركعتين في عدم بلوغهما فضلا عن الزيادة عليهما. هذا ويظهر من المتن الفرق بين ما لو دخل في ركوع الثالثة، وما إذا لم يدخل. ومن هنا جزم بعدم العدول في الاول واحتاط في الثاني. والاقوى ثبوت الفرق وجواز العدول في الثاني دون الاول. وتوضيحه: ان الركوع الصادر ممن دخل في ركوع الثالثة واقع في محله، وغير متصف بالزيادة حال حدوثه، وانما يتصف بها بعد ذلك من اجل العدول إلى النافلة، فأدلة الزيادة القادحة غير شاملة للمقام لاختصاصها بما إذا اوجد الزائد ابتداءا لا ما إذا اعطى وصف الزيادة لما كان كما هو الحال في غير المقام، ولذا ذكرنا في بحث القراءة انه عند التلفظ بكلمة مالك مثلا لو قال (ما) فبدا له في اتمامها ثم استأنفها وأتى بالكلمة تامة لم تبطل صلاته بلا اشكال فان لفظة (ما) وان اتصفت بالزيادة من اجل فوت الموالاة وعدم التحاق الجزء الاخير من الكلمة اعني (لك) بها إلا انها حين حدوثها وقعت في محلها ولم تكن زائدة، وانما طرأ لها وصف الزيادة

[ 338 ]

فيما بعد، وأدلة الزيادة العمدية المبطلة منصرفة عن مثل ذلك وخاصة بما إذا احدث الزائد ابتداءا. وبالجملة: فالركوع المزبور وان لم يكن مشمولا لادلة الزيادة القادحة، الا انه موجب لبطلان النافلة المعدول إليها لكونه زيادة في الركن ولو بقاءا ولم يثبت العفو عنها الا في الزيادة السهوية. وأما العمدية في الاركان سواءا أكانت بأحداث الزائد ابتداءا أو باعطاء وصف الزيادة لما كان فهي توجب البطلان في النافلة كالفريضة لاندراجها في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد بناءا على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق الخلل نقصا أو زيادة فان بعض المذكورات فيه وان لم تتصور فيه الزيادة كالوقت والقبلة والطهور لكن البعض الآخر كالركوع والسجود تتصور فيه وهو كاف في الشمول ومن البين انه لا معنى للعدول إلى نافلة باطلة. هذا فيما إذا كان العدول بعد الدخول في ركوع الثالثة، وأما قبل الدخول فيه فلا موجب للبطلان، فان ادلة الزيادة القادحة قد عرفت قصورها عن الشمول للمقام وحديث لا تعاد لا تقتضيه ايضا بعد ان لم يكن الزائد من الاركان. فلم تشتمل النافلة المعدول إليها على خلل يستوجب بطلانها فلا مانع من العدول إليها. وبذلك يفرق بين الصورتين في العدول. هذا في مقام الثبوت. وأما في مقام الاثبات فربما يشكل بعدم وفاء النص لاثبات جواز العدول في الفرض المزبور بعد كونه على خلاف الاصل. اما الموثقة فقصورها عن ذلك ظاهر كما مر. واما الصحيحة فلتضمنها الامر بصلاة ركعتين الظاهر في عدم بلوغ المصلى - الذي اقيمت لديه الجماعة -

[ 339 ]

[ ولو خاف من اتمامها ركعتين فوت الجماعة ولو الركعة ] هذا الحد فضلا عن الزيادة عليهما والدخول في الثالثة، فهذا الفرض خارج عن مورد الصحيحة المتكفلة بجواز العدول. وفيه ان الظاهر بل المقطوع به اتفاق الاصحاب على جواز العدول فيما إذا صلى ركعتين من الفريضة وبعد انتهائه عن التشهد اقيمت الجماعة فانه لم يستشكل احد فيما نعلم في جواز العدول حينئذ إلى النافلة مع خروج الفرض - لو تم ما افيد - عن مقتضى الجمود على النص. ولا ينبغي الاستشكال فيه، إذ ليس المراد من امره (ع) بصلاة ركعتين تطوعا احداث الركعتين برفع اليد عن الفريضة وايجاد نافلة جديدة، فان هذا غير مقصود بالضرورة كما هو واضح، بل المراد اتمام الصلاة ركعتين والفراغ عنها كذلك بعد العدول إلى النافلة ولا ريب ان هذا كما يشمل ما لو كان في الركعة الاولى - وقد اقيمت الجماعة يشمل ما لو كان في الثانية، بل في الثالثة ما لم يدخل في ركوعها المانع عن العدول. ففي جميع ذلك يصح منه اتمام الصلاة على ركعتين، فيندرج الكل تحت اطلاق النص بمناط واحد. وعلى الجملة: فبعد القيام إلى الثالثة بما انه متمكن من اتمام الصلاة ركعتين تطوعا فلا قصور في الصحيحة عن الشمول لمثله. فالدليل في مقام الاثبات واف لجواز العدول حينئذ، وقد عرفت صحته ثبوتا فلا اشكال.

[ 340 ]

[ الاولى منها جاز له القطع بعد العدول إلى النافلة (1) على الاقوى، وان كان الاحوط عدم قطعها بل اتمامها ركعتين وان استلزم ذلك عدم ادراك الجماعة في ركعة أو ركعتين. ] (1): يقع الكلام تارة في استحباب القطع بعدما عدل، واخرى في جوازة ومشروعيته. أما الاستحباب فغير ثابت لاختصاص الروايتين اعني الصحيحة والموثقة بما إذا اتم النافلة المعدول إليها كما لا يخفى فلا تعمان صورة قطعها. ومن الواضح ان صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة التي تضمنت استحباب قطع النافلة لادراك الجماعة قاصرة الشمول للمقام لانصرافها إلى ما إذا كان متشاغلا بالنافلة ابتداءا فلا تعم النافلة المعدول إليها المتصفة بالنفل بقاءا. واما الجواز فلا ينبغي الاستشكال فيه بعد البناء على جواز قطع النافلة وكون المعدول إليها مصداقا لها فعلا وان لم تكن كذلك حدوثا لان هذا من احكام النافلة مهما تحققت، لما اشرنا سابقا من ان عمدة المستند لحرمة قطع الصلاة هو الاجماع، وهو لو تم مختص بالفريضة ولا يعم النافلة. والمنع عن الجواز المزبور استنادا إلى استصحاب حرمة القطع الثابتة قبل العدول في غير محله، إذ فيه مضافا إلى انه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية ولا نقول به. ان الموضوع متعدد في المقام فان الحرمة الثابتة قبل العدول كان موضوعها الفريضة وبعد العدول انقلبت نافلة. ومن الواضح ان الفرضية والنفلية من العناوين المقومة للموضوع الموجب لتعدده حتى

[ 341 ]

بنظر العرف كالظهرية والعصرية، والاداء والقضاء، وغسل الحيض والجنابة ونحو ذلك مما يتقوم بالعناوين القصدية الموجبة لتغايرها في الحقيقة والماهية وان اتحدت صورة، وليست من الحالات المتبادلة الطارئة على الموضوع الواحد حتى يجري فيه الاستصحاب كما لا يخفى. وعلى الجملة: فلا مجال للترديد في جواز القطع بعد العدول لكنه خاص بما إذا بدا له في القطع بعدما عدل دون ما إذا كان بانيا عليه من الاول، والا فمشروعية العدول حينئذ مشكلة في حد نفسه لعدم الدليل عليه بعد ان لم يكن المعدول إليه فريضة ولا نافلة، ومن الواضح قصور الصحيحة والموثقة عن الشمول لمثل ذلك لانصرافهما إلى مااذا عدل إلى تمام الركعتين لا إلى البعض منهما كما هو لازم البناء على القطع من الاول. نعم لا مانع من قطع الفريضة لادراك الجماعة من قبل ان يعدل بها إلى النافلة لعدم الدليل على حرمة القطع حينئذ فان مستندها هو الاجماع كما مر ولا اجماع في مثل المقام، كيف وقد نسب إلى جمع من الاعلام كالشيخ والقاضي والشهيد في كتبه الثلاثة: الدروس والذكرى، والبيان، وجماعة المتأخرين جواز القطع فيما نحن فيه. ومن الواضح ان النص المتضمن للعدول إلى النافلة غير ناظر إلى المنع عن القطع كما لا يخفى. ومنه تعرف ان الاستصحاب المتقدم آنفا مع الغض عما اوردناه عليه ساقط في حد نفسه لعدم اليقين بالحالة السابقة حتى نستصحب الحرمة لو لم يكن يقين بالعدم كما عرفت.

[ 342 ]

[ بل لو علم عدم ادراكها اصلا إذا عدل إلى النافلة واتمها فالاولى والاحوط عدم العدول (1) واتمام الفريضة ثم اعادتها جماعة ان اراد وامكن. (مسألة 28): الظاهر عدم الفرق في جواز العدول من الفريضة إلى النافلة (2) لادراك الجماعة بين كون الفريضة التي اشتغل بها ثنائية أو غيرها، ولكن قيل بالاختصاص بغير الثنائية. ] (1): - بل ينبغي الجزم بعدم العدول حينئذ، ولا نعرف وجها للاولوية والاحتياط الاستحبابي الصادر منه (قده) ضرورة ظهور النص في ان العدول انما شرع مقدمة لادراك الجماعة وتحصيلا لهذه الغاية، فمع العلم بعدم ادراكها اصلا لو عدل إلى النافلة واتمها لا يشمله النص قطعا، فلا دليل على جواز العدول حينئذ ومقتضى الاصل عدمه. نعم لا حاجة إلى اتمام الفريضة بل له القطع من غير عدول كما اشرنا إليه آنفا. (2): المعروف عدم الفرق في جواز العدول إلى النافلة لادراك الجماعة بين كون الفريضة التى اشتغل بها ثنائية أو غيرها. وعن المستند الاختصاص بغير الثنائية لخروجها عن مورد الاخبار. ومقتضى الاصل عدم جواز العدول ما لم يقم عليه دليل، ولكن الظاهر هو التعميم.

[ 343 ]

اما اولا فللقطع الخارجي بعدم الفرق بين الثنائية وغيرها في هذا الحكم، فان المناط في تشريع العدول في المقام ادراك الجماعة المشترك بين الصورتين. وأما ثانيا فلان دعوى خروج الثنائية عن مورد الاخبار انما تتجه بالاضافة إلى موثقة سماعة لقوله (ع) في ذيلها " وان لم يكن امام عدل فليس على صلاته كما هو ويصلي ركعة اخرى، ويجلس قدر ما يقول: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فان التقية واسعة " (1) فان قوله (ع) ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع. الخ ظاهر في الاتيان ببقية اجزاء الصلاة مع الامام من قيام وركوع وسجود ونحوها المستلزم لفرض كون الصلاة ثلاثية أو رباعية إذ لو كانت ثنائية لقال (ع) ثم يسلم وينصرف لا انه يتم صلاته معه على ما استطاع، فمورد الموثقة خاص بغير الثنائية كما ذكره (قده). واما صحيحة سليمان بن خالد فهي مطلقة وليس فيها ما يوهم الاختصاص فضلا عن الدلالة. والتقييد بالركعتين في قوله (ع) فليصل ركعتين انما هو من اجل ان النافلة المعدول إليها لا تكون إذا ذات ركعتين، فهو في مقام التنبيه على هذه النكتة، وان النافلة لم تشرع الا ركعتين، وليس ناظرا إلى ان الصلاة المشغول بها كانت أكثر من ركعتين فيعدل بها إلى الركعتين تطوعا لعدم كونه (ع) في مقام التعرض إلى هذه الخصوصية بوجه فالاطلاق المستفاد من ترك الاستفصال عن كون تلك الصلاة ثنائية أم غيرها هو المحكم. فعلى


(1) الوسائل: باب 56 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 344 ]

[ (مسألة 29): لو قام المأموم مع الامام إلى الركعة الثانية أو الثالثة مثلا فذكر انه ترك من الركعة السابقة سجدة أو سجدتين أو تشهدا أو نحو ذلك وجب عليه العود للتدارك وحينئذ فان لم يخرج عن صدق الاقتداء وهيئة الجماعة عرفا فيبقى على نية الاقتداء (1) والا فينوي الانفراد (مسألة 30): يجوز للمأموم الاتيان بالتكبيرات الست الافتتاحية قبل تحريم الامام (2) ثم الاتيان بتكبيرة الاحرام بعد احرامه وان كان الامام تاركا لها. ] تقدير عدم تمامية القطع الخارجي الذي ذكرناه اولا لامانع من التمسك بهذا الاطلاق. فالاقوى عدم الفرق بينهما كما هو المشهور. (1): بل قد عرفت فيما مر ان مقتضى الاحتياط نية الانفراد فيما إذا كان التخلف موجبا لفوات المتابعة. (2): ذكرنا في بحث تكبيرة الاحرام عند التعرض للتكبيرات الافتتاحية ان المستفاد من النصوص ان تكبيرة الاحرام وما به يتحقق الافتتاح هي الواحدة منها لا مجموعها لقوله (ع): " يجهر بواحدة " وقلنا ان الاولى والاحوط اختيار الاخير منها، وعليه فما تقدمها من التكبيرات الست أمور مستحبة خارجة عن الصلاة، فللمأموم الاتيان بها سواء اتى بها الامام ام لا، لاطلاق دليل الاستحباب ووضوح عدم لزوم المتابعة فيما هو خارج عن الصلاة. ولاجله لا يلزم تأخره فيها عن الامام لو اتى الامام بها أيضا وانما اللازم تأخره عن الامام

[ 345 ]

[ (مسألة 31): يجوز اقتداء احد المجتهدين أو المقلدين أو المختلفين بالآخر (1) مع اختلافهما في المسائل الظنية المتعلقة بالصلاة إذا لم يستعملا محل الخلاف واتحدا في العمل مثلا إذا كان رأي احدهما اجتهادا أو تقليدا وجوب السورة وراي الآخر عدم وجوبها يجوز اقتداء الاول بالثاني إذا قرأها وان لم يوجبها، وكذا إذا كان احدهما يرى وجوب تكبيرة الركوع أو جلسة الاستراحة أو ثلاث مرات في التسبيحات في الركعتين الاخيرتين يجوز له الاقتداء بالآخر الذي لا يرى وجوبها لكن يأتي بها بعنوان الندب بل وكذا يجوز مع المخالفة في العمل ايضا في ما عدا ما يتعلق بالقراءة في الركعتين الاوليين التي يتحملها الامام عن المأموم فيعمل كل على وفق رأيه. نعم لا يجوز اقتداء ] في تكبيرة الاحرام التي بها يفتتح الصلاة، ويتحقق الدخول فيها واما قبل ذلك فلا جماعة بعد ولا متابعة، فلا مانع من تقدمه فيها عليه سواء اتى بها الامام ام لا كما هو ظاهر. (1): لا ريب في صحة الاقتداء فيما إذا رأى الامام وجوب شئ لم يكن واجبا عند المأموم مما يتعلق بالصلاة اجتهادا أو تقليدا أو بالاختلاف لصحة صلاة الامام قطعا وان اشتملت على ما هو مستحب في نظر المأموم كجلسة الاستراحة وهذا ظاهر.

[ 346 ]

[ من يعلم وجوب شئ بمن لا يعتقد وجوبه مع فرض كونه تاركا له لان المأموم حينئذ عالم ببطلان صلاة الامام فلا يجوز له الاقتداء به بخلاف المسائل الظنية حيث ان معتقد كل منهما حكم شرعي ظاهري في حقه، فليس لواحد منهما الحكم ببطلان صلاة الآخر بل كلاهما في عرض واحد في كونه حكما شرعيا. ] واما عكس ذلك اي الاقتداء بامام لا يرى وجوب شئ وهو واجب عند المأموم فلا ريب في الصحة ايضا فيما إذا اتى الامام بذلك الشئ لاشتمال الصلاة حينئذ على كل ما يعتبره المأموم فيها ومجرد الاختلاف في النظر غير المؤثر في العمل غير قادح في صحة الايتمام بلا كلام. انما الكلام فيما إذا لم يأت الامام بذلك الشئ وهذا قد يفرض فيما يتعلق بالقراءة في الركعتين الاوليين اللتين يتحملها الامام كما لو ترك السورة بانيا على عدم وجوبها مع كونها واجبة في نظر المأموم. وقد يفرض فيما يتعلق بغيرها كما لو ترك الامام جلسة الاستراحة أو تكبيرة الركوع أو التسبيحات الاربع في الاخيرتين ثلاثا لبنائه على عدم وجوبها مع كونها واجبة عند المأموم فاختلفا نظرا وعملا فهل يجوز الاقتداء به؟ فهنا مقامان، والكلام فعلا في المقام الثاني، اعني ما يتعلق بغير القراءة.

[ 347 ]

وقد فصل في المتن حينئذ بين ما إذا كان الاختلاف راجعا إلى الظنون الاجتهادية بأن قامت الادلة الشرعية والحجة الفعلية عند كل منهما بنفسه أو بمقلده على خلاف ما ادى إليه نظر الآخر، وبين ما إذا كان المأموم عالما بوجوب ما لا يراه الامام واجبا علما وجدانيا بحيث كان قاطعا ببطلان صلاة الامام. فيجوز الاقتداء في الاول إذ الدليل العلمي والظني الاجتهادي كما هو قائم عند المأموم قائم عند الامام ايضا، وكل منهما مستند إلى حجة شرعية، والحكم الشرعي الظاهري ثابت في حق كل منهما بمناط واحد، والحكم الواقعي الذي ربما يصيبه المجتهد وربما لا يصيب غير معلوم لدى كل واحد منهما، فليس لاحدهما الحكم ببطلان صلاة الآخر بعد ان كان كلاهما في عرض واحد في كونه حكما شرعيا ظاهريا من غير ترجيح لاحدهما على الآخر فلا مانع من الاقتداء به. وهذا بخلاف الصورة الثانية إذ بعد انكشاف الواقع لدى المأموم بعلم وجداني فهو يرى على سبيل القطع بطلان صلاة الامام، وجازم بفسادها في مرحلة الواقع، ومعه كيف يسوغ له الاقتداء بهذه الصلاة الفاسدة. اقول: قد ذكرنا في الاصول في مبحث الاجزاء وأشرنا في مسائل التقليد ان نظر المجتهد سواء تحصل من الظن الاجتهادي أو من غيره لا يكون حجة الا في حقه وحق مقلديه، ولا يكون نافذا بالاضافة إلى من سواه ممن يخالفه في الرأي، فلو غسل المتنجس بالبول في الكر مرة من يرى الاكتفاء بها اجتهادا أو تقليدا لا يجزي في حق

[ 348 ]

غيره ممن يرى اعتبار التعدد، ولا يجوز له ترتيب آثار الطهارة. وهكذا لو اختلفا في ساير ما يعتبر في التطهير أو غيره. وقد ذكرنا في محله ايضا ان معنى الحجية بناء على الطريقية هو الغاء احتمال الخلاف وفرض من قامت عنده الامارة عالما في اعتبار الشارع وكأنه يرى الواقع رؤية علمية، غايته ان العلم تعبدي لا وجداني، ولا ضير فيه بعد ان ألحقه الشارع به بدليل الاعتبار الراجع إلى تتميم الكشف وكونه بمثابة العلم الوجداني في جميع الآثار. إذا لافرق بين العلم والعلمي من هذه الجهة اصلا، ومعه كيف يسوغ الاقتداء بمن يعلم المأموم بطلان صلاته، ولو بعلم تعبدي هو في حكم العلم الوجداني في نظر الشارع، نعم هو معذور فيها من اجل قيام الحجة عنده على الصحة الا ان معذوريته لا تجدي بالقياس إلى المأموم الذي لم تتم عنده تلك الحجة. إذ قد عرفت آنفا ان نظر المجتهد لا يكون نافذا في حق غير مقلديه، فالصحة عند الامام لا تجدي بالاضافة إلى المأموم الذي يخالفه في الرأي، فان صلاة الامام في المقام نظير التطهير في الكر الذي مثلنا به آنفا، فكما لا يجوز ترتيب آثار الطهارة لمن يخالفه في الرأي فكذا لا يجوز الايتمام في المقام. وحاصل الكلام انا لانجد فرقا بين العلم والعلمي من هذه الجهة ابدا، فاما ان يبنى على البطلان في كليهما من جهة العلم ولو تعبدا بفساد صلاة الامام المانع عن الايتمام، أو على الصحة في كليهما ايضا بدعوى ان الموضوع لجواز الايتمام هي الصحة في نظر الامام وان كانت الدعوى غير ثابتة.

[ 349 ]

والتحقيق هو التفصيل بوجه آخر وهو ان ما يختلف فيه المأموم مع الامام على نوعين: فتارة: يرجع الاختلاف إلى ما يتعلق بالاركان بحيث يرى المأموم بطلان صلاة الامام واقعا وان كان معذورا فيه على نحو لو علم به الامام وانكشف له الحال اثناء الصلاة أو بعدها وجبت عليه الاعادة بل القضاء خارج الوقت، لاخلاله بشرط أو جزء ركني. مثال الشرط ما لو اختلفا في مصداق الطهور كما لو كانت في بعض محال الوضوء من اعضاء الامام نجاسة عينية لا يمكن ازالتها، فيتيمم الامام لبنائه على ان المورد من موارد التيمم، والمأموم يرى انه من موارد الوضوء جبيرة. ومثال الجزء مالو اختلفا في مصداق الركوع كما لو كان الامام مبتلى بوجع في ظهره يمنعه عن الركوع قائما فأومأ إليه بانيا على ان الوظيفة حينئذ هي الايماء، والمأموم يرى ان الوظيفة هي الركوع جالسا ففي امثال المقام لا يصح الايتمام، إذ المأموم يرى بعلم أو علمي فساد صلاة الامام حتى واقعا وانها مجرد صورة الصلاة، وليست من حقيقتها في شئ للاخلال بركن مقوم للحقيقة، بحيث لو التفت إليه الامام وتبدل رأيه وجبت عليه ايضا الاعادة أو القضاء. ومعه كيف يسوغ الاقتداء به. واخرى: يرجع الاختلاف إلى ما عدا الاركان بحيث لا يوجب البطلان الا في ظرف العلم والعمد دون الجهل أو السهو، كما لو اعتقد الامام عدم وجوب جلسة الاستراحة، أو عدم وجوب التسبيحات الاربع في الاخيرتين ثلاثا وكفاية الواحدة، أو عدم وجوب الذكر

[ 350 ]

الخاص في الركوع والسجود، والاكتفاء بمطلق الذكر هذا في الاجزاء، وكذا في الشرائط كما لو كان بانيا على عدم اعتبار الطمأنينة في التشهد فتركها، والمأموم يرى بعلم أو علمي وجوب هذه الامور: ففي امثال هذه الموارد يصح الاقتداء لصحة صلاة الامام حينئذ لدى كل من الامام والمأموم حتى واقعا بحيث لو انكشف الحال وتبدل رأي الامام لم تجب عليه الاعادة لحديث " لا تعاد " الحاكم على الادلة الاولية والموجب لاختصاص الجزئية والشرطية فيما عدا الاركان اعني الخمسة المستثناة بحال الذكر والعلم وسقوطها في ظرف السهو أو الجهل القصوري اي مطلق العذر بناءا على التحقيق من شموله للجاهل كالناسي. فالصلاة الصادرة عن الامام وان كانت باطلة بحسب الجعل الاولي في نظر المأموم لفقدانها الجزء أو الشرط لكنها محكومة بالصحة الواقعية بحسب الجعل الثانوي المستفاد من حديث لا تعاد، إذ كما ان الامر بالاعادة يكشف عن البطلان الواقعي في نحو قوله (ع) " من تكلم في صلاته متعمدا فعليه الاعادة " فكذا نفي الاعادة الذي تضمنه الحديث يكشف عن الصحة الواقعية بمقتضى المقابلة كما لا يخفى. وبالجملة دل الحديث على ان الجزئية أو الشرطية غير الركنية ذكرية لا واقعية فهذه الصلاة وان كانت باطلة لو صدرت عن المأموم العالم بالحال لكنها صحيحة حتى واقعا من الامام المعذور والجاهل بذلك لاختلاف الموضوع. فالمقام بعينه نظير ما سيذكره الماتن (قده) في بعض المسائل الآتية من صحة الاقتداء فيما لو رأى المأموم نجاسة غير معفو عنها

[ 351 ]

[ واما فيما يتعلق بالقراءة (1) في مورد تحمل الامام عن ] في لباس الامام وهو لا يدري، فكما ان اشتمال اللباس على النجس غير مانع عن الاقتداء لجهله به الموجب لصحة صلاته واقعا في هذا الحال بحيث لا اعادة عليه لدى انكشاف الخلاف وان لم تجز الصلاة فيه من المأموم العالم به، فكذا في المقام حرفا بحرف غايته ان الشبهة هنا حكمية وهناك موضوعية. وهذا لا يستوجب فرقا جوهريا في مناط البحث بالضرورة بل يكاد المقام يكون نظيرا لايتمام المرأة بالرجل حيث ان الواجب عليها ستر تمام بدنها في الصلاة دون الامام فكما ان اقتصار الامام على ستر العورتين غير مانع من اقتدائها به لصحة صلاته حينئذ حتى واقعا وان لم يصح مثل ذلك عنها لاجل تعدد الموضوع الموجب لتغاير الحكم الواقعي، فكذا في المقام بمناط واحد. فهذا التفصيل هو الحري بالقبول. وملخصه ان الاختلاف ان كان عائدا إلى الاركان التي هي اجزاء أو شرائط واقعية ومعتبرة في الصحة في حالتي العلم والجهل لم يصح الاقتداء سواء أكان نظر المأموم أو مقلده متحصلا من علم أو علمي وان كان راجعا إلى ما عداها مما هي اجزاء أو شرائط ذكرية ومعتبرة في حالة العلم والالتفات خاصة دون الجهل صح الافتداء حينئذ من غير فرق بين العلم والعلمي ايضا كما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا كله في المقام الثاني. (1) وأما المقام اعني ما يتعلق بالقراءة كما لو اعتقد الامام عدم وجوب سورة فتركها والمأموم يرى الوجوب أو كانت قراءته

[ 352 ]

[ المأموم وضمانه له فمشكل لان الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان بحسب معتقد المضمون عنه، مثلا إذا كان معتقد الامام عدم وجوب السورة والمفروض انه تركها فيشكل جواز الاقتداء من يعتقد وجوبها به، وكذا إذا كان قراءة الامام صحيحة عنده وباطلة بحسب معتقد المأموم من جهة ترك ادغام لازم أو مد لازم أو نحو ذلك، نعم يمكن ان يقال بالصحة إذا تداركها المأموم بنفسه كأن قرأ السورة في الفرض الاول، أو قرأ موضع غلط الامام صحيحا، بل يحتمل ان يقال ان القراءة في عهدة الامام ويكفي خروجه عنها باعتقاده لكنه مشكل، فلا يترك الاحتياط بترك الاقتداء. ] باطلة عنده من اجل تركه ادغاما أو مدا لازما ونحو ذلك مما يرى المأموم وجوبه دون الامام فهل يصح به الائتمام؟ لابد من فرض الكلام في القراءة التي يتحملها الامام كما اشار إليه في المتن. أما ما لا يتحمل كما في الاخيرتين مع عدم استعماله مورد الخلاف في الاولتين بان راعى الادغام أو المد مثلا - الذي يعتبره المأموم - في الاولتين واهملهما في الاخيرتين فهو خارج عن محل الكلام ومندرج في المقام الثاني الذي مر البحث عنه، ويجري فيه التفصيل المتقدم عن الماتن من الفرق بين العلم والعلمي، وعلى ضوء ما ذكرناه يحكم بصحة الاقتداء حينئذ مطلقا كما لا يخفى.

[ 353 ]

فمحل الكلام هنا ما يتحمله الامام ويضمن عن المأموم كما في الاولتين، وقد استشكل في المتن في صحة الايتمام حينئذ من اجل ان القراءة واجبة على المأموم وغير ساقطة عنه رأسا، غايته انه يجتزي بقراءة الامام وهو ضامن عنه بمقتضى النصوص المتكفلة للضمان فيجب عليه الاتيان بها اما بنفسه أو ببدله الصحيح وهو قراءة الامام، والمفروض ان الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان حسب اعتقاد المضمون عنه فلم يؤت لابها ولا ببدلها الصحيح. ثم احتمل الصحة فيما إذا تصدى المأموم لتدارك النقص بنفسه كأن قرأ السورة أو قرأ موضع غلط الامام صحيحا إذ لا قصور في القراءة الا من هذه الناحية المفروض تداركها، فقد تحققت القراءة الصحيحة بمجموع فعله وفعل الامام. واحتمل اخيرا الصحة من غير تدارك بدعوى ان القراءة انما هي في عهدة الامام وساقطة عن المأموم، ويكفي خروجه عنها حسب اعتقاده اقول: اما اول الاحتمالين فهو وإن كان ممكنا ثبوتا ولا مانع عنه في حد نفسه الا انه لادليل عليه في مرحلة الاثبات، فان مشروعية القراءة التلفيقية التي هي على خلاف الاصل تحتاج إلى دليل مفقود، وظاهر قوله (ع): لاصلاة الا بفاتحة الكتاب لزوم الاتيان بتمام القراءة اما بنفسه أو بمن يقوم مقامه وهو الامام بمقتضى ادلة الضمان، واما المركب منهما فهو مخالف لظاهر الامر ومناف لمقتضى الاصل كما عرفت. واما ثاني الاحتمالين الذي ذكره اخيرا فهو ايضا ساقط، إذ المستفاد من ادلة الضمان على اختلاف السنتها من انه يكلها إلى الامام

[ 354 ]

أو يجزيك قراءته أو انه ضامن ونحو ذلك، ان الساقط انما هو قيد المباشرة لا اصل القراءة، فهي باقية على وجوبها ما لم يؤدها بنفسها أو ببدلها الصحيح والمفروض انتفاء كلا الامرين. فهذان الاحتمالان: ساقطان لضعفهما جدا. فيبقى الاشكال الذي ذكره اولا وهو في محله لما عرفت في تقريره من ان المأموم لا يشذ عن غيره في مشموليته للخطاب المتعلق بالقراءة بمقتضى عموم لا صلاة الا بفاتحة الكتاب إذ لا تخصيص في هذا العام، غاية الامر ثبت اجتزاؤه في مرحلة الامتثال بقراءة الامام على ما تقتضيه ادلة الضمان وانه يكلها إليه وقراءته قراءته، ويكون الواجب اما التصدي للقراءة أو ايكالها إلى الامام باختيار الجماعة، فالساقط ليس الا خصوص التصدي لها بنفسه اعني قيد المباشرة دون اصل الوجوب فيكتفي ببدلها عوضا عن نفسها، ولا ريب ان هذا الايكال والتضمين خاص بما إذا خرج الامام عن عهدة الضمان حسب اعتقاد المضمون عنه كي يتحقق البدل الصحيح، الذي كلف به المأموم عوضا عن القراءة التي امر بها، إذ لو كانت فاسدة عنده فوجدها كالعدم وكأنه صلى خلف من لايقرأ، فلم تتحقق القراءة لا بنفسها ولا ببدلها. ومعه كيف يسوغ له الايتمام مع انه يرى انه هذا ركوع لا عن قراءة، وصلاة لاعن فاتحة. نعم: يختص الاشكال بما إذا كانت القراءة واجبة المأموم دون ما لم تجب كما لو اقتدى والامام في الركوع من الركعة الثانية أو من الاولى ولم يستعمل مورد الخلاف في الثانية فان القراءة حينئذ ساقطة عن المأموم بنفسها وببدلها بمقتضى الروايات المتضمنة لادراك

[ 355 ]

[ (مسألة 32): إذا علم المأموم بطلان صلاة الامام من جهة من الجهات (1) ككونه على غير وضوء، أو تاركا لركن أو نحو ذلك لا يجوز له الاقتداء به وان كان الامام معتقدا صحتها من جهة الجهل أو السهو أو نحو ذلك. ] الجماعة بادراك الامام راكعا التي لا قصور في شمولها للمقام بعد ان كانت صلاة الامام محكومة بالصحة حتى واقعا بحيث لو انكشف له الخلاف وتبدل رأيه وهو في الركوع وطابق نظر المأموم - لو كان نظره هو الصحيح بحسب الواقع - لم يجب عليه التدارك لا اثناء الصلاة لفوات المحل بالدخول في الركوع، ولا بعدها لحديث لا تعاد فلا مانع من الاقتداء به نظير مالو ادرك الامام راكعا مع العلم بنسيانه للقراءة، فانه لا اشكال في جواز الايتمام حينئذ والدخول معه في الركوع لصحة صلاته حتى واقعا المنكشفة من عدم لزوم التدارك، ولا الاعادة لو تذكر. فالاظهر هو التفصيل بين ما إذا كانت القراءة واجبة على المأموم كما لو كان الاقتداء حال قراءة الامام، وبين ما إذا لم تجب كما لو ائتم به حال ركوعه فيصح الاقتداء به الثاني دون الاول كما ظهر وجهه مما مر. (1) مما قدمناه في المسألة السابقة يعلم حكم هذه المسألة لعدم الفرق الا من حيث كون الشبهة هنا موضوعية وهناك حكمية، فإذا علم المأموم بطلان صلاة الامام واقعا لاخلاله بما يوجب الفساد عمدا

[ 356 ]

[ (مسألة 33): إذا رأى المأموم في ثوب الامام أو بدنه نجاسة غير معفو عنها (1) لا يعلم بها الامام لا يجب عليه اعلامه، وحينئذ فان علم انه كان سابقا عالما بها ثم نسيها لا يجوز له الاقتداء به لان صلاته حينئذ باطلة واقعا ولذا يجب عليه الاعادة أو القضاء إذا تذكر بعد ذلك، وان علم كونه جاهلا بها يجوز الاقتداء لانها حينئذ صحيحة ولذا لا يجب عليه الاعادة أو القضاء إذا علم بعد الفراغ، بل لا يبعد جوازه إذا لم يعلم المأموم ان الامام جاهل أو ناس، وان كان الاحوط الترك في هذه الصورة، هذا ولو رأى شيئا هو نجس في اعتقاد المأموم بالظن الاجتهادي ] وليس بنجس عند الامام أو شك في انه نجس عند الامام وسهوا ككونه على غير طهر أو تاركا لركن وهو لا يدري لم يصح منه الاقتداء بمثل هذه الصلاة التي هي مجرد صورة الصلاة وليست من حقيقتها في شئ، ولذا وجب عليه التدارك لو انكشف له الحال في الوقت أو في خارجه، ومجرد اعتقاده الصحة من اجل جهل أو سهو موجبين للخطأ في الموضوع لا يترتب عليه الا العذر ما لم ينكشف الخلاف دون الاجزاء كما هو ظاهر، وحيث ان الخلاف منكشف للمأموم فلا يسوغ له الايتمام بصلاة يعلم بطلانها حتى واقعا. (1) إذا كان الامام جاهلا بوجود النجاسة غير المعفو عنها في ثوبه

[ 357 ]

[ ام لا، بأن كان من المسائل الخلافية فالظاهر جواز الاقتداء مطلقا سواء كان الامام جاهلا أو ناسيا أو عالما. ] أو بدنه، فبما ان صلاته حينئذ محكومة بالصحة الواقعية لان مانعية النجاسة ذكرية لا واقعية ولذا لا تجب عليه الاعادة ولا القضاء لو علم بها بعد الفراغ بمقتضى حديث لا تعاد، فلا مانع من الاقتداء به كما لا يجب اعلامه المستلزم لانقلاب الموضوع الواقعي من غير ضرورة تقتضية فان المانعية ساقطة في موضع الجهل واقعا وثابتة في ظرف العلم فهما حكمان لموضوعين كالمسافر والحاضر، فلا موجب لاخراجه عن موضوع وادراجه في موضوع آخر المترتب على الاعلام. وإذا كان الامام ناسيا لها فحيث ان الصلاة حينئذ باطلة واقعا ولذا تجب عليه الاعادة والقضاء لو تذكر بعد ذلك كما دلت عليه النصوص الخاصة على ما سبق في احكام النجاسات فلا يصح الائتمام من المأموم العالم بذلك، بل يلزم عليه اما ترك الاقتداء أو اعلامه لو اراد الاقتداء. هذا كله مع علم المأموم بجهل الامام أو نسيانه. واما إذا لم يعلم ان الامام جاهل أو ناس فالاقوى جواز الايتمام حينئذ كما ذكره في المتن لاستصحاب عدم سبق علم الامام بالنجاسة فيترتب عليه صحة صلاته التي هي الموضوع لجواز الاقتداء به. هذا كله في الشبهة الموضوعية. ولو اختلفا في نجاسة شئ اجتهادا أو تقليدا كما لو كان الامام ممن يرى طهارة الكتابي أو العصير العنبي، أو عرق الجنب من الحرام، أو عرق الجلال ونحو ذلك، وقد لاقى بدنه أو ثوبه شيئا

[ 358 ]

من هذه الامور، والمأموم يرى نجاستها فالظاهر جواز الاقتداء به وان كان الامام ايضا عالما بالملاقاة فضلا عما إذا كان جاهلا أو ناسيا فان النجاسة الواقعية - لو كانت هذه الامور نجسة في الواقع كما يراه المأموم - غيره منجزة ما لم يعلم بها، والمفروض جهل الامام بها لعذر في اجتهاده أو اجتهاد من يقلده، وإن كان عالما بذات النجس فان العبرة في العلم والجهل المحكومين بالتنجيز والتعذير تعلقهما بالنجس بوصف كونه نجسا لا بذات ما هو نجس، ولذا لا تجب عليه الاعادة ولا القضاء لو انكشف له الخلاف وتبدل رأيه. فحيث ان النجاسة حينئذ غير منجزة ولا مانعية في هذه الحالة، ولاجله كانت الصلاة محكومة بالصحة الواقعية فلا مانع من جواز الاقتداء به، وإذا كان الحال كذلك في فرض العلم بالملاقاة، فمع النسيان بطريق اولى كما لا يخفى. واما مع الجهل فلا اشكال اصلا، إذ مع العلم بالنجاسة لا يضر الجهل بالموضوع، فما ظنك بالجهل بها كما هو المفروض. هذا كله مع العلم بالاختلاف، وكذا الحال مع الجهل برأيه والشك في انه نجس عند الامام فصلى فيه جاهلا أو ناسيا - وأما عالما فلا يكاد يفرض لمنافاته العدالة كما لا يخفى - ام لا، لاصالة عدم علمه بالنجاسة مضافا إلى اصالة الصحة الجارية في صلاته ففي جميع هذه الفروض يحكم بصحة الاقتداء كما ذكره الماتن (قده). ثم لا يخفى ان البحث عن هذه المسألة يختلف عما تقدمها سابقا من اختلاف المأموم والامام في المسائل الاجتهادية المتعلقة بالصلاة التي فصل الماتن فيها بين العلم والعلمي، وفصلنا نحن بوجه آخر على ما مر فان موضوع البحث هناك ما لو اختلفا فيما يعتبر في الصحة

[ 359 ]

[ (مسألة 34): إذا تبين بعد الصلاة كون الامام فاسقا (1) أو كافرا، أو غير متطهر، أو تاركا لركن ] واقعا من غير فرق بين حالتي العلم والجهل بحسب الجعل الاولي - وان كان مختصا بالاول بمقتضى الجعل الثانوي المستفاد من حديث لا تعاد كما ذكرناه - واما النجاسة المبحوث عنها في المقام فلا مانعية لها إلا في حالة العلم خاصة دون الجهل لقصور المقتضي للمنع في حد نفسه الا بالاضافة إلى النجاسة المنجزة كما عرفت. ولاجله يحكم بصحة الائتمام هنا حتى ولو بنينا هناك على العدم. فلا تقاس هذه المسألة بسابقتها، ولا ارتباط بينهما. هذا وربما يفصل في جهل الامام بالنجاسة بين ما إذا كان قاصرا أو مقصرا في اجتهاده فيصح الائتمام في الاول دون الثاني. وهذا التفصيل متين في حد نفسه، إذ النجاسة الواقعية منجزة في حقه لدى التقصير ومعه تفسد صلاته فلا يصح الائتمام به، لكنه غير منطبق على المقام، إذ فرض تقصير الامام مناف لعدالته كما لا يخفى. ومحل الكلام ما إذا كان الامام جامعا لشرائط الامامة فلابد من فرض كونه جاهلا بالحكم عن قصور. (1): - اما إذا كان التبين قبل الدخول في الصلاة معه فلا اشكال في عدم جواز الائتمام كما مر، واما لو كان بعد الفراغ عنها فلا اشكال في بطلان الجماعة لاختلالها باختلال شرطها مما يعود إلى الامام لظهور فسقه أو نحوه أو إلى الصلاة نفسها كوقوعها من غير

[ 360 ]

[ مع عدم ترك المأموم له، أو ناسيا لنجاسة غير معفو عنها في بدنه أو ثوبه انكشف بطلان الجماعة لكن صلاة المأموم صحيحة إذا لم يزد ركنا أو نحوه مما يخل بصلاة المنفرد للمتابعة. ] طهارة أو فاقدة لركن، أو مع النجاسة غير المعفو عنها ونحو ذلك. كما لاريب في وجوب الاعادة على الامام حينئذ لو تبين له بطلان صلاته. انما الكلام في المأموم، فالمشهور صحة صلاته وعدم وجوب الاعادة عليه. وعن الاسكافي وعلم الهدى وجوب الاعادة، وعن الصدوق على ما حكاه الشيخ عنه التفصيل بين الجهرية فلا يعيد، والاخفاتية فيعيد، ومستند المشهور روايات كثيرة جملة منها معتبرة تضمنت نفي الاعادة صريحا (1). ولكن بأزائها روايات اخرى ربما يستدل بها لوجوب الاعادة ولعلها هي مستند الاسكافي. منها: ما عن دعائم الاسلام عن علي (ع) قال: صلى عمر بالناس صلاة الفجر فلما قضى الصلاة اقبل عليهم فقال: ايها الناس ان عمر صلى بكم الغداة وهو جنب، فقال له الناس: فماذا ترى؟ فقال: علي الاعادة ولا اعادة عليكم، فقال له علي (ع): بل عليك الاعادة وعليهم ان القوم بامامهم يركعون ويسجدون فإذا فسد


(1) لاحظ الوسائل: باب 36، 37، 38 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 361 ]

صلاة الامام فسد صلاة المأمومين. وفيه انها ضعيفة السند بالارسال (1) مضافا إلى ما قيل من جواز ان يكون الامر بالاعادة لخصوصية المورد وهو كون الامام من كان لا لاطراد الحكم في كل مورد. ومنها: ما عن البحار عن نوادر الراوندي بسنده عن موسى بن اسماعيل عن ابيه عن جده موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام: من صلى بالناس وهو جنب اعاد واعاد الناس. وهي أيضا ضعيفة فان موسى بن اسماعيل الذي يروي الاشعثيات وان كان موثوقا لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات (2) الا ان طريق الراوندي إلى الرجل غير معلوم لدينا فتكون في حكم المرسل. على ان هذه الرواية كسابقتها مع الغض عن سندهما قابلتان للحمل على الاستحباب جمعا بينهما وبين الروايات المتقدمة فان غايتهما الظهور في وجوب الاعادة وتلك صريحة في نفي الاعادة كما عرفت فيرفع اليد عن الظهور بالنص ويحمل على الندب فتأمل. ومنها: رواية العزرمي عن ابيه عن ابي عبد الله (ع) قال: صلى علي (ع) بالناس على غير طهر وكانت الظهر ثم دخل فخرج مناديه ان أمير المؤمنين (ع) صلى على غير طهر فأعيدوا وليبلغ


(1) مضافا إلى جهالة مؤلف الدعائم كما اشير إلى في المعجم ج 19 ص 206. (2) عدل - دام ظله - عنه اخيرا لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

[ 362 ]

الشاهد الغائب (1). وفيه مضافا إلى ضعف سندها لعدم ثبوت وثاقة والد العزرمي ان مضمونها غير قابل للتصديق لمنافاته العصمة وعدم انطباقه على اصول المذهب، ولا يكاد ينقضي تعجبي من الشيخ والكليني لدى الظفر بهذه الرواية وامثالها مما يخالف اصول المذهب انهما كيف ينقلانها في كتب الحديث المستوجب لطعن المخالفين على اصولنا. على ان مضمون هذه الرواية مقطوع البطلان كيف ولو كانت لهذه القصة اي شائبة من الحقيقة لنقلها اعداؤه ومناوئوه في كتبهم واشتهرت بينهم لتضمنها اكبر طعن وتشنيع عليه (ع)، مع حرصهم على تنقيصه بكل ما تيسر لهم ولو كذبا وافتراءا " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون " مع انها ليست مشهورة عندهم ولا منقولة في كتبهم إلا نادرا. وكيفما كان: فهذه الرواية من الضعف والسقوط بمكان. ومنها: صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله (ع): أيضمن الامام صلاة الفريضة فان هؤلاء يزعمون انه يضمن؟ فقال: لا يضمن اي شئ يضمن الا ان يصلي بهم جنبا أو على غير طهر (2) دلت على ان الامام الذي صلى فاسدا ضامن لصلاة المأمومين لبطلان صلاتهم، اي فتجب عليهم الاعادة بعد اعلانه لهم هذا. وصاحب الوسائل (قده) استدل بها على عكس ذلك وان الحكم بضمان الامام حينئذ يدل على وجوب الاعادة عليه وعدم وجوب الاعادة


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 9. (2) الوسائل: باب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 6.

[ 363 ]

على المأمومين، وكأنه (قده) حمل الضمان هنا على معنى الضمان في باب الاموال على مسلك الخاصة من تفسيره بسقوط ذمة المضمون عنه وانتقال ما في ذمته إلى ذمة الضامن في قبال مسلك الجمهور حيث فسروه بضم ذمة إلى ذمة، إذ عليه لا تكون الاعادة الا في ذمة الامام دون المأمومين لانتقال ما في ذمتهم إلى ذمته بعد كونه ضامنا عنهم. ولكنه كما ترى فان حمل الضمان في باب العبادات على معناه في باب المعاملات بعيد جدا. والانصاف ان الرواية لا دلالة فيها لا على وجوب الاعادة على المأمومين ولا على عدم الوجوب، فان مفادها ان صلاة المأمومين انما هي في عهدتهم وهم المكلفون باتيانها على وجهها من الاجزاء والشرائط وليست في عهدة الامام كما يزعمه هؤلاء من ايكال الصلاة إلى الامام وعدم اتيانهم بشئ عدا مجرد المتابعة في الافعال وكأن المصلي حقيقة ليس الا الامام فحسب، فلا يتحمل الصلاة عنهم ولا يتعهد لهم بشئ عدا أن يصلي بهم صلاة صحيحة حيث انه لازم التصدي لمنصب الامامة، فلا يتعهد ولا يضمن الا الامامة بالاتيان بصلاة صحيحة جامعة للاجزاء والشرائط، فلو خالف وصلى بهم صلاة فاسدة كأن كان جنبا أو على غير طهر كان آثما ومعاقبا لخروجه عن مقتضى تعهده واخلاله بوظيفته ان كان عامدا والا فلا شئ عليه. فذكر الجنب وعلى غير طهر من باب المثال لفساد الصلاة، وضمان الامام حينئذ معناه الاثم الناشئ عن تخلفه عن تعهده، ولا تعرض في الصحيحة لحكم الاعادة على المأمومين نفيا ولا اثباتا. وكيفما كان: فهذه الروايات كلها ساقطة وغير صالحة للاستدلال بها

[ 364 ]

لوجوب الاعادة قبال هاتيك الروايات الكثيرة المعتبرة المتضمنة لنفي الاعادة صريحا التي هي مستند المشهور كما عرفت. ثم ان تلك الروايات قد تضمنت نفي الاعادة في مواضع اربعة: الاول: ما إذا كان الامام جنبا أو على غير طهر كصحيحة الحلبي: " من صلى بقوم وهو جنب أو على غير وضوء فعليه الاعادة وليس عليهم أن يعيدوا. الخ " ونحوها صحاح محمد بن مسلم وزرارة وابن أبي يعفور وغيرها (1) وقد عرفت ان بازاء هذه روايات اخرى تضمنت وجوب الاعادة في نفس المورد كلها ساقطة كما مر آنفا. الثاني: ما لو تبين كفر الامام دلت عليه مرسلة ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (ع) في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى الكوفة علموا انه يهودي، قال: لا يعيدون. وما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن ابي عمير في نوادره وباسناده عن زياد بن مروان القندي في كتابه ان الصادق (ع) قال في رجل صلى بقوم حتى خرجوا من خراسان حتى قدموا مكة فإذا هو يهودي أو نصراني، قال ليس عليهم اعادة (2). لكن المرسلة ضعيفة عندنا وان كانت صحيحة لدى المشهور بناءا منهم على معاملة المسانيد مع مراسيل ابن ابي عمير لما ذكره الشيخ من انه لا يروي إلا عن الثقة فانا قد ظفرنا على روايته عن الضعاف


(1) لاحظ الوسائل: باب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 1، 3، 4، 5، 7. (2) الوسائل: باب 37 من أبواب صلاة الجماعة ح 1، 2.

[ 365 ]

في غير مورد ممن ضعفه النجاشي وغيره. فهذه الدعوى غير مسموعة كما اشرنا إليه مرارا، على ان الشيخ بنفسه لم يعمل بمرسلة ابن ابي عمير في موضعين من التهديبين مصرحا بضعف الرواية من جهة الارسال (1). واما الرواية الاخرى فان كان المراد بمحمد بن ابي عمير هو ابن ابي عمير المعروف المتقدم ذكره آنفا فالرواية مرسلة لانه من اصحاب الرضا (ع) فلا يمكن روايته عن الصادق (ع) بلا واسطة. فيعود الكلام السابق من ضعفها للارسال، وان كان المراد به شخصا آخر غير المعروف فهو لم يوثق. واما القندي الذي يروي عنه الصدوق بسند آخر فهو واقفي بل من احد اركان الوقف ولم يوثق في كتب الرجال (2). وعليه فلم يثبت نص صحيح يمكن التعويل عليه في نفي الاعادة في هذا الموضع اعني مالو تبين كون الامام كافرا لضعف الروايتين ولا مستند غيرهما. الثالث: ما إذا لم يكن الامام ناويا للصلاة دلت عليه صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر (ع): رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة واحدث امامهم فأخذ بيد ذلك الرجل فقدمه فصلى بهم أتجزيهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة؟ فقال: لا ينبغي للرجل ان يدخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة،


(1) التهذيب ج 8 باب العتق واحكامه الحديث 932. الاستبصار ج 4 باب ولاء السائبة الحديث 87. (2) ولكنه موثق عنده - دام ظله - كما سيأتي في ذيل هذه المسألة.

[ 366 ]

بل ينبغي له ان ينويها صلاة وان كان قد صلى فان له صلاة اخرى (اي وهي الصلاة المعادة التي تستحب حينئذ) والا فلا يدخل معهم وقد تجزي عن القوم صلاتهم وان لم ينوها (1) وهي صحيحة السند صريحة الدلالة كما هو ظاهر. الرابع: مالو تبين كون الامام على غير جهة القبلة لظلمة أو عمى ونحو ذلك دلت عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) انه قال في رجل يصلي بالقوم ثم انه يعلم انه قد صلى بهم إلى غير القبلة، قال: ليس عليهم اعادة شئ (2) فان ظاهرها اختصاص الامام بالانحراف عن القبلة كما لا يخفى. كما ان مرجع الضمير في (عليهم) هو القوم كما يكشف عنه الضمير المجرور السابق بمقتضى اتحاد السياق وعلى الجملة: فالنص المتضمن لنفي الاعادة عن المأمومين يختص مورده بمواضع ثلاثة لضعفه في الموضع الآخر اعني مالو تبين كفر الامام كما عرفت. وهل يتعدى عن الموارد المنصوصة إلى الموارد الاخر مما تبين الخلل في صحة الجماعة، اما لعدم اهلية الامام للامامة كظهور كفره أو فسقه بناءا على ان الشرط هو نفس العدالة الواقعية كما هو الصحيح على ما نطقت به النصوص لا مجرد الوثوق، وان كان ربما يوهمه ظاهر قوله (ع): لا تصل الاخلف من تثق بدينه وامانته، لوضوح ان الوثوق ملحوظ طريقا لا موضوعا كما لا يخفى، وكظهور كونه امرأة أو صبيا مميزا بناءا على اشتراط البلوغ في الامام كما مر،


(1) الوسائل: باب 39 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 38 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 367 ]

أو لبطلان صلاة الامام في نفسها لكونه تاركا لركن دون المأموم، كما لوسجد في سجدتيه على ما لا يصح السجود عليه، أو ناسيا لنجاسة غير معفو عنها في ثوبه أو بدنه ونحو ذلك مما ينكشف معه بطلان الجماعة، فهل يتعدى عن مورد النص إلى هذه الموارد بدعوى استفادة الكلية من مجموع الموارد المنصوصة وان لم يستفد من آحادها وانه يعلم منها ان المناط في نفي الاعادة صدور الصلاة صحيحة عن المأموم ولو في اعتقاده؟ الظاهر عدم التعدي لعدم وضوح مناط الحكم بعد احتمال ان يكون لتلك الموارد خصوصية لا نعرفها، فاستفادة الكلية بالغاء الخصوصية بحيث يكون نفي الاعادة في هذه الموارد مستفادا من النص الوارد في تلك الموارد عهدتها على مدعيها. وعلى تقدير التسليم فانما يتعدى إلى ما كانت صورة الجماعة محفوظة ولو ظاهرا كالامثلة المتقدمة. وأما فيما لم تكن الصورة محفوظة حتى ظاهرا، بل كانت خيالا صرفا ووهما محضا كما لو رأى شبحا يتحرك بحركات الصلاة فتخيل انه انسان يصلي فأتتم به ثم تبين انه شاة أو حيوان آخر فلا مجال للتعدي إلى مثل ذلك جزما. وعليه فلابد من العمل في هذه الموارد بما تقتضيه القاعدة بعد قصور النص عن الشمول لها وعدم الدليل على التعدي. والظاهر ان مقتضى القاعدة عدم وجوب الاعادة في جميع هذه الموارد حتى في مثال الشاة مما لم تكن الصورة محفوظة ولو ظاهرا، إذ لا خلل في صلاة المأموم من غير ناحية القراءة وهي مشمولة لحديث

[ 368 ]

لا تعاد الذي لا قصور في شموله للمقام، فانه وان كان متعمدا في الترك لكنه معذور فيه لتخيل الائتمام بناءا على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق المعذور كما مر نظير ذلك في اختلاف المصليين ودعوى كل منهما انه المأموم حيث حكمنا هناك بالصحة لعين ما ذكر فالجماعة وان كانت باطلة في هذه الموارد لفقد شرطها الا ان اصل الصلاة محكومة بالصحة بمقتضى حديث لا تعاد فتنقلب فرادى. وقد ذكرنا غير مرة ان الجماعة والفرادي ليستا حقيقتين ونوعين متباينين، بل صلاة الظهر مثلا طبيعة واحدة ذات فردين مختلفين في الاحكام والخصوصيات، فهما صنفان من حقيقة واحدة لكل منهما حكم يخصه، والمصلي قاصد لتلك الحقيقة في مرحلة الامتثال دائما بتطبيقها على هذا الفرد مرة وذاك اخرى غايته انه ربما يخطئ في التطبيق فيتخيل وقوع الطبيعة في ضمن هذا الفرد فيقصد امتثالها به مع انها واقعة في ضمن الفرد الآخر، ولا ريب ان هذا الخيال والاعتقاد المنكشف خلافه غير قادح في الصحة كما لو تخيل ان هذه الارض مسجد وقد فرغت الجماعة المنعقدة فيه فصلى من غير اذان واقامة قبل تفرق الصفوف كما هو من احكام الجماعة المنعقدة في المسجد ثم تبين انه لم يكن مسجدا، فان الاعتقاد المزبور غير قادح وان رتب الاثر وكذا في المقام. فخصوصية كون الصلاة جماعة أو فرادى كخصوصية كونها واقعة في المسجد أو في الدار كل ذلك من خصوصيات الفرد لا يضر تخلفها في مرحلة الامتثال بعد الاتيان بطبيعي الصلاة جامعة لما يعتبر فيها. والمتحصل من جميع ما ذكرناه ان الصلاة محكومة بالصحة في جميع

[ 369 ]

الموارد المذكورة من المنصوص وغيرها، فلا تجب الاعادة على المأمومين للنصوص المتقدمة ولحديث لا تعاد في غير الموارد المنصوصة وان كانت الجماعة باطلة لاختلال شرطها كما عرفت. ثم انه لااشكال في اختصاص الصحة في غير مورد النص بما إذا لم يزد ركنا للمتابعة إذ لا دليل على الاغتفار بعد فرض بطلان الجماعة فيكون مشمولا لادلة الزيادة القادحة. واما في الموارد المنصوصة فربما يقال بصحة الجماعة من هذه الجهة أي من ناحية الزيادة للمتابعة أو رجوع كل من الامام والمأموم إلى الآخر لدى الشك - وان كانت الجماعة باطلة في حد نفسها لاختلال شرطها كما عرفت - فلا تجب الاعادة على المأموم حتى ولو زاد ركنا للمتابعة أو رجع إلى الامام لدى الشك وان كان مبطلا كما بين الواحد والثنتين استنادا إلى اطلاق النصوص النافية للاعادة في مواردها فانها تشمل حتى لو ارتكب الامرين المزبورين بمقتضى الاطلاق فيها ولاسيما في الروايتين المتقدمتين الواردتين فيما لو تبين كفر الامام مع الغض عما ناقشنا في سندهما فان المسافة بين خراسان والكوفة تناهز ثلاثماءة فرسخ تقريبا التي تستوعب حوالي شهرين في ذاك الزمان، ومن المستبعد جدا عدم عروض الشك للمأموم ولا زيادته للركن للمتابعة طيلة هذه المدة المديدة فحكمه (ع) بنفي الاعادة من دون استفصال عن ذلك يكشف عن الصحة مطلقا كما لا يخفى. ويندفع بعدم التعرض في تلك النصوص الا للصحة من حيث انكشاف الخلل في صلاة الامام ككونه على غير طهارة ونحو ذلك،

[ 370 ]

وليست في مقام البيان الا من هذه الناحية، ولا نظر فيها إلى ساير النواحي والعوارض الطارئة على صلاة المأموم من زيادة ركن لاجل المتابعة، أو الرجوع إلى الامام في الشكوك الباطلة، ولذا لا يمكن التمسك باطلاق هذه النصوص لو كانت صلاة المأموم واقعة مع النجاسة في ثوبه أو بدنه نسيانا بلا اشكال، وليس ذلك الا لما ذكرناه من عدم كونها ناظرة إلى البطلان من ساير الجهات فلا اطلاق لها اصلا كي يعارض باطلاق ادلة الزيادة القادحة أو الشكوك الباطلة بالعموم من وجه ويرجع في مادة الاجتماع بعد التساقط إلى اصالة البراءة فلا تصل النوبة إلى هذه المعارضة بعد عدم انعقاد الاطلاق من اصله كما عرفت فاطلاق تلك الادلة القاضي بالبطلان في المقام هو المحكم بعد سلامته عن المعارض فليتأمل. واما الروايتان المتقدمتان (1) الواردتان في الكفر فالاولى منهما وهي مرسلة ابن ابي عمير ضعيفة السند كما مر، وكذا الثانية في أحد طريقيها وهو ما يرويه الصدوق باسناده عن محمد بن ابي عمير في نوادره فان المراد به هو ابن ابي عمير المعروف الثقة الذي له نوادر دون الآخر غير المعروف الذي احتملناه سابقا إذ لا نوادر له لكنه يروي عن الصادق (ع) مع الواسطة لكونه من اصحاب الرضا (عليه السلام) وغالب رواياته عن اصحاب الصادق (ع)، ولا يمكن روايته عنه (ع) بنفسه فالرواية مرسلة لا محالة، واما الطريق الآخر أعني ما يرويه الصدوق باسناده عن زيادة بن مروان القندي عن الصادق (ع) فهو صحيح وان ناقشنا فيه سابقا لصحة طريق


(1) ص 364.

[ 371 ]

الصدوق إلى القندي كما صرح به العلامة، إذ ليس فيه من يغمز فيه الا محمد بن عيسى العبيدي الذي مر الكلام حوله سابقا. وملخصه ان محمد بن الحسن بن الوليد شيخ الصدوق استثنى من رواية محمد بن احمد بن يحيى ما رواه عن جماعة منها ما تفرد به محمد بن عيسى العبيدي عن يونس وقال لا اعمل بروايته، وتبعه على ذلك الصدوق وقال الشيخ في الفهرست ضعيف استثناه ابو جعفر محمد بن علي بن بابويه عن رجال نوادر الحكمة وقال لا اروي ما يختص بروايته. لكن تضعيف الشيخ متخذ من الصدوق على ما تشهد به عبارته، كما ان الصدوق تبع شيخه ابن الوليد، بل ليس له رأي مستقل إلا ما يذكره شيخه كما نص عليه في كتابه (1) من تبعيته اياه في عدم التصحيح، فبالاخرة ينتهي الامر إلى ابن الوليد ولكن لا يعبأ بكلامه بعد ان انكر الاصحاب منه هذا القول كما صرح به النجاشي حيث قال ورأيت اصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون من مثل ابي جعفر محمد بن عيسى، وقد وثقه النجاشي صريحا واثنى عليه، ونقل عن ابي العباس بن نوح قوله: وقد اصاب شيخنا ابو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله، وتبعه ابو جعفر بن بابويه رحمه الله على ذلك الا في محمد بن عيسى بن عبيد فلا ادري ما رأيه فيه لانه كان على ظاهر العدالة والثقة، بل قال القتيبي كان الفضل ابن شاذان يحب العبيدي ويثني عليه ويمدحه ويميل إليه، ويقول ليس في اقرانه مثله. ومع هذه التوثيقات وانكار الاصحاب عليه


(1) الفقيه: ج 2 ص 55.

[ 372 ]

لا يمكن التعويل على مقالته (1). وعليه فطريق الصدوق إلى القندي صحيح. واما زياد بن مروان القندي نفسه فهو وان يوثق صريحا في كتب الرجال لكنه موجود في اسانيد كامل الزيارات (2). وعلى هذا فالرواية موصوفة بالصحة، ويكون هذا استدراكا عما ذكرناه سابقا (3) من عدم ورود النص الصحيح في ظهور كفر الامام. الا انه لااطلاق لها في نفي الاعادة بالنسبة إلى ساير الجهات والعوارض اللاحقة المقتضية للبطلان من زيادة الركن لاجل المتابعة، أو عروض الشكوك المبطلة بل النظر مقصور على عدم القدح من ناحية ظهور كفر الامام كما ذكرناه في بقية النصوص. ودعوى استبعاد عدم اتفاق مثل ذلك طيلة هذه المدة المديدة واضحة الفساد، كما يظهر لمن كان معتادا بصلاة الجماعة فان هذه الاتفاقات من الفروض النادرة جدا، وقد كنا نصلي خلف المرحوم الشيخ علي القمي (قده) سنين متمادية ولم يتفق لنا شك ولا زيادة ركن للمتابعة. هذا كله فيما إذا كان التبين بعد الفراغ عن الصلاة واما لو كان أثناءها فسيأتي حكمه في التعليق الآتي.


(1) بل ان مقالته لا تدل على قدح في الرجل نفسه بوجه كما اشار إليه سيدنا - دام ظله - في معجمه ج 17 ص 130. (2) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة وقد بنى - دام ظله - اخيرا على اختصاص التوثيق بهم، نعم ذكر في المعجم وجها آخر للتوثيق وهو شهادة الشيخ المفيد بوثاقته لاحظ معجم الرجال ج 7 ص 320 وفيه تأمل. (3) ص 365.

[ 373 ]

[ وإذا تبين ذلك في الاثناء نوى الانفراد ووجب عليه القراءة مع بقاء محلها (1) وكذا لو تبين كونه امرأة ونحوها ممن لا تجوز امامتها للرجال خاصة. ] (1): - والا فلا شئ عليه وصحت صلاته لحديث لا تعاد الجاري بالاضافة إلى القراءة المتروكة عن عذر وان كان متعمدا كما عرفت في الصورة السابقة بناءا على ما هو الصحيح من جريان الحديث في الاثناء كما بعد الفراغ، إذ لا موجب لتخصيصه بالثاني بعد ان كان مفاده عاما ودالا على نفي الاعادة عن كل خلل يستوجبها ما عدا الخمس ولا ريب ان الخلل كما يستوجب الاعادة لو انكشف بعد الفراغ كذلك يستوجبها لو كان الانكشاف في الاثناء. هذا مضافا إلى ورود النص الصحيح المتضمن لصحة الصلاة فيما لو انكشف في الاثناء ان الامام على غير وضوء وهي صحيحة جميل بن دراج عن الصادق (ع): في رجل أم قوما على غير وضوء فانصرف وقدح رجلا ولم يدر المقدم ما صلى الامام قبله، قال: يذكره من خلفه (1) وصحيحة زرارة عن احدهما (ع) قال: سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم اخبرهم انه ليس على وضوء، قال: يتم القوم صلاتهم فانه ليس على القوم ضمان (2). نعم روى الشهيد في الذكرى ان في رواية حماد عن الحلبي:


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 374 ]

" يستقبلون صلاتهم لو اخبرهم الامام في الاثناء انه لم يكن على طهارة " لكن الرواية ضعيفة السند لعدم وضوح طريق الذكرى إلى حماد مضافا إلى عدم العثور عليها في شئ من كتب الاخبار ولا سيما ما جمع الكتب الاربعة وغيرها من الوسائل والبحار كما اعترف به صاحب الحدائق (قده) (1) فلا تصلح لمعارضة الصحيحتين. هذا. وربما يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب. وفيه ما اشرنا إليه مرارا من ان الجمع المزبور إنما يتجه فيما إذا كان احد الدليلين متضمنا للامر النفسي الظاهر في الوجوب فيحمل على الاستحباب بقرينة الدليل الآخر المتضمن للترخيص في الترك مثل قوله (افعل) و (لا بأس بتركه) فان الجمع العرفي حينئذ يقتضي ذلك لا سيما بناءا على مسلكنا من ان الوجوب ليس مدلولا للفظ وانما يحكم به العقل مع عدم الاقتران بالترخيص في الترك حيث لا موضوع له حينئذ بعد فرض الاقتران المزبور. ويمكن ان يكون من هذا القبيل ما لو تضمن الدليلان الاعادة ونفيها فيجمع بينهما باستحباب الاعادة على اشكال فيه كما ناقشنا سابقا ولكنه ليس بذاك البعد. واما لو تضمن احدهما ما فيه ارشاد إلى الفساد والبطلان صريحا كما في المقام حيث تضمنت رواية الحلبي التعبير ب‍ (يستقبلون صلاتهم) الكاشف عن الفساد واستئناف العمل وكأنه لم يفعل المعبر عنه بالفارسية ب‍ (از سر گرفتن) فهو غير قابل للحمل على الاستحباب، إذ لا معنى لاستحباب الفساد ويعد الدليلان حينئذ من المتعارضين في نظر العرف وليس الحمل على الاستحباب في مثل ذلك من الجمع العرفي في شئ.


(1) الحدائق ج 11 ص 234.

[ 375 ]

[ أو مطلقا كالمجنون وغير البالغ ان قلنا بعدم صحة امامته لكن الاحوط اعادة الصلاة في هذا الفرض (1) بل في الفرض الاول وهو كونه فاسقا أو كافرا (الخ). ] والفرق بين هذا التعبير وبين التعبير السابق ان الامر بالاعادة وان كان ظاهرا في الارشاد إلى الفساد إلا انه غير صريح فيه إذ ليس مؤداه المطابقي الا الاتيان بفرد ثان من الطبيعة من غير تعرض لحال الفرد الاول - لولا الظهور المزبور - ومن الجائز ان يكون مستحبا نفسيا كما في الصلاة المعادة، واما الاستقبال فهو كالاستئناف ناظر إلى الفرد الاول ودال على فساده صريحا. وكيفما كان: فقد عرفت ان الرواية ضعيفة في نفسها فلا تقاوم الصحيحتين الصريحتين في الصحة، إما مع استخلاف من يتم الصلاة بالقوم كما في اولاهما، أو من دون استخلاف كما في الثانية. والمتحصل من جميع ما قدمناه ان صلاة المأموم محكومة بالصحة بعد انقلابها فرادى فلا تجب عليه الاعادة سواء أكان الانكشاف بعد الفراغ ام اثناء الصلاة لحديث لا تعاد، مضافا إلى ورود النص في بعض الموارد كما عرفت. (1): - وجهه انه بعد ان لم يكن موردا للنص وانتهى الامر إلى الجري على مقتضى القواعد فمن الجائز عدم جريان قاعدة لا تعاد في المقام لاحتمال اختصاصها بالناسي كما ادعاه بعضهم، فخروجا عن شبهة الخلاف كان الاحوط الاعادة التي هي مقتضى قاعدة الاشتغال.

[ 376 ]

[ (مسألة 35): إذا نسى الامام شيئا من واجبات الصلاة (1) ولم يعلم به المأموم صحت صلاته حتى لو كان المنسي ركنا إذا لم يشاركه في نسيان ما تبطل به الصلاة، وأما إذا علم به المأموم نبهه عليه ليتدارك ان بقي محله وان لم يمكن أو لم يتنبه أو ترك تنبيهه حيث انه غير واجب عليه وجب عليه نية الانفراد ان كان المنسي ركنا أو قراءة في مورد تحمل الامام مع بقاء محلها بان كان قبل الركوع، وان لم يكن ركنا ولا قراءة، أو كانت قراءة ] ونحوه الكلام في الفرض الاول لكنه بالنسبة إلى بعض امثلته مما كان عاريا عن النص كظهور فسقه أو كونه تاركا لركن ونحو ذلك لعين ما ذكر، ولا يتم في تمام الامثلة المشار إليها بقوله (الخ) إذ من جملتها ما لو تبين عدم كون الامام متطهرا حيث وردت فيه النصوص الكثيرة الصحيحة الصريحة في نفي الاعادة كما عرفت. ومجرد خلاف الاسكافي وعلم الهدى القائلين بوجوب الاعادة مطلقا، وكذا الصدوق في خصوص الاخفاتية لا يصلح وجها للاحتياط بعد وضوح ضعف مستندهما. فليتأمل. (1): - ما نسيه الامام تارة: يكون ركنا واخرى غير ركن، وعلى الثاني فتارة يكون قراءة واخرى غيرها، وفي القراءة قد يكون محل تداركها باقيا، وقد يكون فائتا كما لو كان التفات المأموم إلى نسيان الامام بعد دخوله في الركوع. هذه هي صور المسألة.

[ 377 ]

[ وكان التفات المأموم بعد فوت محل تداركها كما بعد الدخول في الركوع فالاقوى جواز بقائه على الائتمام، وان كان الاحوط الانفراد أو الاعادة بعد الاتمام. ] اما لو كان المنسي ركنا فلا اشكال في بطلان صلاة الامام مع فوات المحل المستلزم لبطلان الجماعة كبطلان صلاة المأموم إذا شاركه في النسيان، وإذا لم يشاركه فيه صحت وانقلبت فرادى. واما لو كان المنسي واجبا غير ركني - ما عدا القراءة كالتشهد أو جلسة الاستراحة أو ذكر الركوع والسجود ونحوها نبهه المأموم إذا علم به ليتدارك مع بقاء المحل كما هو الحال في الصورة السابقة، واما لو فات المحل أو لم يمكن التنبيه لبعده عنه أو لم يتنبه الامام لكونه اصم مثلا أو ترك التنبيه اختيارا صحت صلاته جماعة وبقي على نية الايتمام فيأتي بنفسه ما نسيه الامام ويلتحق به، إذ لا موجب للبطلان بعد ان كانت صلاة الامام صحيحة واقعا. وهل يجب عليه التنبيه؟ الظاهر لا، كما صرح به في المتن، إذ لا مقتضي لايقاع الامام في كلفة زائدة بعد ان كانت صلاته صحيحة حتى واقعا لكون المنسي جزءا غير ركني وهو مشمول لحديث لا تعاد الحاكم على الادلة الاولية والموجب لتخصيصها بحال الالتفات وسقوطها لدى النسيان الذي هو القدر المتيقن من القاعدة فلا موجب لاعلامه ليستلزم انقلاب الموضوع وصيرورته معرضا لتكليف جديد، وكذا الحال لو كان المنسي ركنا وان كان المحل باقيا إذ غايته بطلان الجماعة التي هي ليست بواجبة فيتم المأموم صلاته فرادى ويدع الامام وشأنه

[ 378 ]

فان التفت وتدارك فهو والا فصلاة الامام ليست في عهدة المأموم ليجب عليه التنبيه. هذا. وربما يستظهر الوجوب من رواية جابر عن ابي جعفر (ع) قال: " ليكن الذين يلون الامام منكم اولوا الاحلام منكم والنهى فان نسي الامام أو تعايا قوموه " وصحيح محمد بن مسلم عن الرجل يؤم القوم فيغلط، قال يفتح عليه من خلفه، وموثق سماعة عن الامام إذا اخطأ في القرآن فلا يدري ما يقول، قال: يفتح عليه بعض من خلفه (1). اقول: اما الرواية فهي ضعيفة السند بمفضل بن صالح المكنى بأبي جميلة الراوي عن جابر فانه ضعيف كذاب يضع الحديث كما في الخلاصة. وقال ابن الغضائري وكذا النجاشي ان جابر الجعفي ثقة في نفسه، ولكن روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا وعد منهم المفضل بن صالح. هذا اولا. وثانيا: انها محمولة على الاستحباب، إذ لا يحتمل الوجوب بعد ان لم تكن الجماعة واجبة وكان العدول إلى الانفراد سائغا للمأموم حتى اختيارا كما مر. فالامر بالتقويم محمول على الاستحباب قطعا فهي ضعيفة سندا ودلالة. واما الصحيح والموثق فهما اجنبيان عن محل الكلام إذ موردهما غلط الامام وخطأه في القراءة فهو يجهل أو يغلط ولا يدري ما يقول دون النسيان المبحوث عنه في المقام، مضافا إلى المناقشة الاخيرة التي ذكرناها في رواية جابر فانها جارية هنا ايضا كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 7 من ابواب صلاة الجماعة ج 2، 1، 3.

[ 379 ]

فالاقوى ما ذكره الماتن (قده) من عدم وجوب التنبيه بل هو المتسالم عليه بينهم. واما إذا كان المنسي هي القراءة فلا ينبغي الاشكال في الصحة مع فوات المحل كما لو كان التفات المأموم إلى نسيان الامام لها بعد الدخول معه في الركوع لقاعدة لا تعاد القاضية بصحة صلاة الامام الناسي لها بلا اشكال لكونه القدر المتيقن منها، وكذا المأموم بناءا على ما هو الصحيح من شمولها لمطلق المعذور، فهو نظير ما لو نسي كل من الامام والمأموم لها وتذكرا بعد الدخول في الركوع حيث لا شك في صحة الجماعة حينئذ، بمقتضى القاعدة المزبورة. واما مع بقاء المحل كما لو كان التفاته قبل الدخول معه في الركوع فلا ريب في عدم سقوط القراءة عنه لوضوح اختصاص ادلة الضمان بما لو اتى بها الامام والمفروض نسيانه لها، وحينئذ فان امكنه التدارك والالتحاق به في الركوع مع مراعاة المتابعة المعرفية لم يبعد بقاؤه على نية الائتمام بل هو الظاهر نظير مالو وجب عليه التشهد دون الامام حيث مر انه يأتي به ويلتحق به في القيام. واما لو لم يتمكن لعدم امهاله في الركوع فحيث ان القراءة غير ساقطة عنه لما عرفت من عدم شمول ادلة الضمان لمثل المقام ودليل المتابعة لا يقتضي سقوط الجزء بعد الاطلاق في كل من الدليلين من غير ترجيح في البين وعدم تمكنه من الجمع بينهما حسب الفرض فلا محالة تبطل الجماعة وتنقلب الصلاة فرادى قهرا وبطبيعة الحال من غير حاجة إلى نية الانفراد لعدم تمكنه من اتمامها جماعة كما مر نظيره فيما لو ادرك الامام في الركعة الثالثة أو الرابعة حال القيام ولم

[ 380 ]

[ (مسألة 36): إذا تبين للامام بطلان صلاته من جهة كونه محدثا (1) أو تاركا لشرط أو جزء ركن أو غير ذلك فان كان بعد الفراغ لا يجب عليه اعلام المأمومين، وان كان في الاثناء فالظاهر وجوبه. ] يمهله للقراءة حيث ذكرنا الانقلاب القهري هناك ايضا لعين ما ذكر فان مناط البحث مشترك بين المسألتين كما لا يخفى. والظاهر ان ما ذكره الماتن (قده) في المقام من نية الانفراد وبطلان الائتمام منزل على ما هو الغالب من عدم امهال الامام في الركوع وليس ناظرا إلى صورة الامهال التي هي فرض نادر وحكمنا فيها بصحة الجماعة. (1): - اما إذا كان التبين بعد الفراغ من الصلاة فلا ينبغي الاشكال في عدم وجوب الاعلام إذ مضافا إلى التصريح به في بعض النصوص المتقدمة في المسألة الرابعة والثلاثين لا مقتضي له بعدما عرفت في تلك المسألة من صحة صلاة المأموم حتى واقعا لعدم اخلاله الا بالقراءة التي هي مشمولة لحديث لا تعاد ولو فرض بطلانها واقعا من اجل زيادة الركن من جهة المتابعة أو الرجوع إليه في الشكوك الباطلة لم يكن ذلك مستندا إلى الامام كي يجب عليه الاعلام وانما استند إلى اعتقاد المأموم صحة صلاة الامام، والمفروض مشاركة الامام معه في هذا الاعتقاد آنذاك، فلم يكن تسبيب إلى البطلان من ناحيته، ومجرد انكشاف الخلاف بعدئذ للامام لا يستدعي الاعلام وايقاعه في كلفة الاعادة بعد ان كان معذورا في تركها للاعتقاد

[ 381 ]

المزبور، فهو نظير مالو صلى زيد اعتمادا على استصحاب الطهارة وعمرو يعلم بكونه محدثا فانه لا يجب عليه الاعلام بلا كلام، فكذا في المقام لاتحاد المناط كما لا يخفى. واما إذا كان التبين في الاثناء فبالنسبة إلى ما مضى من الاجزاء الكلام هو الكلام المتقدم بعينه فانه ملحق بما بعد الفراغ بنفس التقريب المزبور. واما بالاضافة إلى بقية الاجزاء فهل يجوز له اتمام الصلاة صورة - لا حقيقة فانه تشريع محرم - ام يجب عليه الاعلام والانصراف؟ الظاهر هو التفصيل، فانه ان لم يترتب على امامته الصورية خلل في صلاة المأموم ولم يستوجب بطلانها جاز له ذلك، ولم يجب الاعلام لعين ما مر وأما إذا ترتب واستوجب البطلان كما لو علم الامام ان المأموم يزيد بعدئذ ركنا للمتابعة أو يرجع إليه في الشك - وان كان هذا الفرض نادر التحقق بل لا يكاد يتحقق - وجب الاعلام حينئذ لكونه السبب في بطلان صلاته والموقع اياه في مخالفة الواقع، فكان هو الباعث لتغرير المأموم في معاملة الصحة مع صلاته فعليه اثمه. هذا وربما يستدل لوجوب الاعلام مطلقا الذي ذكره الماتن (قده) تارة بالاجماع. وفيه: مالا يخفى لعدم كونه اجماعا تعبديا يعتمد عليه على ان تحصيله صعب جدا لعدم تعرض الاصحاب لهذه المسألة ولم تكن معنونة في كلماتهم الا نادرا. واخرى: بمرسلة الصدوق قال: قال امير المؤمنين (ع) ما كان من امام تقدم في الصلاة وهو جنب ناسيا، أو أحدث حدثا، أو

[ 382 ]

رعف رعافا أو اذى في بطنه فليجعل ثوبه على انفه ثم لينصرف وليأخذ بيد رجل فليصل مكانه ثم ليتوضأ وليتم ما سبقه من الصلاة وان كان جنبا فليغتسل فليصل الصلاة كلها (1). وفيه أولا: انها ضعيفة بالارسال فلا يعتمد عليها. وثانيا: ان متنها غير قابل للتصديق لتضمنه التفصيل بين الجنب والمحدث بالاصغر واختصاص الاستيناف بالاول بعدما اغتسل، واما الثاني فيتوضأ ويتم ما سبق مع ان الحدث الاصغر ايضا قاطع كالجنابة ولا مناص من الاستيناف في كلتا الصورتين. على ان الرعاف ليس من موجبات الوضوء، فكيف عده في سياق الحدث وأمر بالتوضي بعده. مع ان الاستخلاف غير واجب قطعا لاعلى الامام ولا على المأمومين لعدم كون الجماعة واجبة في نفسها ولهم ان يتموا فرادى فالامر بالاستخلاف كالانصراف محمول على الاستحباب. وثالثا: مع الغض عن جميع ما ذكر فهي مسوقة لبيان حكم آخر وهو التعرض لكيفية صلاة الامام - لو ارادها صحيحة من الانصراف مقدمة للتوضي والاتمام أو الاغتسال والاستيناف وانه يستخلف حينئذ من يتم صلاة القوم دركا لفضيلة الجماعة. واما ان الاتمام الصوري هل هو جائز ام لا، والاعلام هل هو واجب ام لا؟ فلا نظر في المرسلة إلى شئ من ذلك نفيا ولا اثباتا، فهي ضعيفة سندا ومتنا ودلالة. فالاقوى عدم وجوب الاعلام لا بعد الفراغ ولا في الاثناء فيما عدا الصورة التي ذكرناها التي هي فرض نادر التحقق كما اشرنا إليه


(1) الوسائل: باب 72 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 383 ]

[ (مسألة 37): لا يجوز الاقتداء بامام يرى نفسه مجتهدا وليس بمجتهد (1) مع كونه عاملا برأيه، وكذا لا يجوز الاقتداء بمقلد لمن ليس اهلا للتقليد إذا كانا مقصرين في ذلك بل مطلقا على الاحوط إلا إذا علم ان صلاته موافقة للواقع من حيث انه يأتي بكل ما هو محتمل الوجوب من الاجزاء والشرائط ويترك كل ما هو محتمل المانعية، لكنه فرض بعيد لكثرة ما يتعلق بالصلاة من المقدمات والشرائط والكيفيات وان كان آتيا بجميع افعالها واجزائها، ويشكل حمل فعله على الصحة مع ما علم منه من بطلان اجتهاده أو تقليده. ] نعم هو احوط في الاثناء رعاية للاجماع المدعى عليه. (1) اما إذا كان مقصرا في اعتقاد الاجتهاد أو في تقليده لمن ليس اهلا للتقليد فلا اشكال في عدم جواز الاقتداء به وان طابق عمله للواقع واتى بكل ما يراه المأموم معتبرا لفقده شرط العدالة المعتبر في الامامة كما هو واضح. واما إذا كان قاصرا في احد الامرين فللمسألة صور: الاولى: ان يعلم بمطابقة عمله للواقع لاتيانه بكل ما هو محتمل الوجوب من الاجزاء أو الشرائط وتركه لكل ما هو محتمل المانعية، أو يعلم بموافقة رأيه أو رأي من يقلده لرأي المأموم أو من يقلده

[ 384 ]

ولا ينبغي الاشكال في جواز الائتمام به؟ حينئذ فان صلاته صحيحة عند المأموم حسب الفرض وهو عادل بعد ان كان قاصرا معذورا في زعم الاجتهاد أو التقليد الباطل وهذا ظاهر. الثانية: ان يعلم بمخالفة رأيه أو رأي مقلده لرأي المأموم أو من يقلده وهذا على نحوين إذ تارة يتعلق الاختلاف بالاركان، واخرى بما عداها. أما في غير الاركان كما لو كان رأي الامام جواز الاقتصار على الواحدة في التسبيحات الاربع، أو عدم وجوب جلسة الاستراحة والمأموم يرى الوجوب أو التثليث فالظاهر جواز الايتمام ايضا لصحة صلاة الامام حينئذ حتى واقعا بمقتضى حديث لا تعاد الشامل لمطلق المعذور وان لم يتعلق به حكم ظاهري من اجل فساد زعمه الموجب لكون ما اعتقده من الصحة امرا خياليا لا شرعيا ظاهريا ولا واقعيا، إذ لا يدور شمول الحديث مدار تعلق الامر الظاهري، بل هو عام لكافة المعذورين ومنهم المقام. فلا فرق بين ما نحن فيه وبين إئتمام احد المجتهدين المختلفين في الفتوى بالآخر الذي عرفت صحته سابقا إذا كان الاختلاف فيما عدا الاركان في ان كلا منهما مشمول لحديث لا تعاد وان اختص احدهما بالحكم الظاهري لصحته في دعوى الاجتهاد دون الآخر. واما إذا تعلق الاختلاف بالاركان كما لو اختلفا في موارد التيمم والجبيرة، أو الركوع والايماء إليه أو في خصوصيات الغسل ونحو ذلك مما هو داخل في عقد الاستثناء من حديث لا تعاد، فحيث ان المأموم يرى بطلان صلاة الامام حينئذ بحسب الواقع وان كان هو

[ 385 ]

معذورا فيه لقصوره لا يسوغ له الائتمام به كما كان هو الحال في المجتهدين أو المقلدين لمجتهدين مختلفين في الفتوى على ما ذكرناه سابقا. وعلى الجملة: لافرق بين المجتهد أو المقلد بالميزان الصحيح وبين من يزعم الاجتهاد أو من يقلد من لا أهلية له في جريان التفصيل الذي ذكرناه سابقا بين الاركان وغيرها من صحة الايتمام في الثاني لحديث لا تعاد دون الاول، وان الحديث ان جرى ففي كليهما، والا فلا يجري في شئ منهما، ومجرد اختصاصها احدهما بالحكم الظاهري دون الآخر لا يصلح فارقا فيما نحن فيه بعد شمول الحديث لمطلق المعذور كما عرفت. الثالثة: ان لا يعلم المأموم بموافقة رأي الامام أو من يقلده مع رأيه أو رأي من يقلده واحتمل الاختلاف بين الرأيين، والظاهر عدم جواز الايتمام حينئذ بعد احتمال البطلان في صلاة المام وعدم طريق إلى احراز صحتها. وربما يقال بالجواز استنادا إلى اصالة الصحة الجارية في صلاة الامام وفيه ما لا يخفى لما ذكرناه في الاصول من عدم جريان الاصل المزبور في موارد احتمال الصحة من اجل المصادفات الاتفاقية من غير فرق بين الشبهات الحكمية والموضوعية، فان المستند في هذا الاصل انما هي السيرة العملية أو بناء العقلاء وكلاهما دليل لبي لابد من الاقتصار فيه على المقدار المتيقن وهو ما إذا كان الشك في الصحة ناشئا من احتمال الاخلال في امتثال الوظيفة المعلومة لديه لغفلة ونحوها، واما مع العلم بجهله بها واحتمال الصحة لمجرد المصادفة الواقعية فالسيرة وبناء العقلاء غير شاملين لمثل ذلك قطعا ولا اقل

[ 386 ]

من الشك، وهو كاف في المنع بعد ان لم يكن المستند دليلا لفظيا كي يتمسك باطلاقه من غير فرق بين الشبهة الحكمية، كما لو رأينا احدا يصلي على الميت مع علمنا بعدم معرفته لكيفية الصلاة لكن احتملنا اتيانه للتكبيرات الخمس صحيحة من باب الاتفاق، أو الموضوعية كما لو رأينا زيدا يصلي إلى جهة غافلا عن القبلة ومن غير تحقيق عنها واحتملنا المطابقة معها صدفة واتفاقا فانه لاريب في عدم جريان اصالة الصحة في امثال هذه الموارد. والمقام من هذا القبيل إذ بعد علمنا بخطأ الامام في اعتقاد الاجتهاد أو التقليد فهو لدينا جاهل بالحكم وغير عالم بالوظيفة، فاحتمال الصحة في صلاته حينئذ لا منشأ له عدا احتمال المصادفة للواقع من باب الاتفاق ومثله غير مشمول لاصالة الصحة. والمتلخص مما ذكرناه ان الائتمام غير جائز في صورتين: وهما ما إذا احتمل المأموم اختلافه مع الامام في الرأي، وما إذا علم بالاختلاف المتعلق بالاركان. وجائز في صورتين اخريين، أعني ما إذا كان الاختلاف فيما عدا الاركان أو علم بموافقته معه في الرأي، أو مع الواقع لاتيانه بكل ما هو محتمل الوجوب من الاجزاء والشرائط وتركه كل ما هو محتمل المانعية وان كان هذا الفرض بعيدا ونادر التحقق كما ذكره في المتن لكثرة ما يتعلق بالصلاة من المقدمات والشرائط والكيفيات ولاسيما ما يتعلق بالطهارات من الوضوء أو الغسل أو التيمم لكثرة الاختلاف في خصوصياتها كما لا يخفى فتدبر جيدا.

[ 387 ]

[ (مسألة 38): إذا دخل الامام في الصلاة معتقدا دخول الوقت (1) والمأموم معتقد عدمه أو شاك فيه لا يجوز له الائتمام في الصلاة. نعم إذا علم بالدخول في اثناء صلاة الامام جاز له الائتمام به، نعم لو دخل الامام نسيانا من غير مراعاة الوقت، أو عمل بظن غير معتبر لا يجوز الائتمام به وان علم المأموم بالدخول في الاثناء لبطلان صلاة الامام حينئذ واقعا، ولا ينفعه دخول الوقت في الاثناء في هذه الصورة لانه مختص بما إذا كان عالما أو ظانا بالظن المعتبر. ] (1) ذكرنا في بحث المواقيت ان المشهور فصلوا فيمن صلى وقد دخل الوقت اثناء الصلاة بين ما إذا كان معتقدا دخول الوقت أو معتمدا في ذلك على حجة شرعية، وبين ما إذا كان غافلا أو مستندا إلى ظن غير معتبر فتصح صلاته في الاول دون الثاني مستندين في ذلك إلى ما رواه ابن أبي عمير عن اسماعيل بن رياح (أو رباح) عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا صليت وانت ترى انك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وانت في الصلاة فقد اجزأت عنك " (1) فان الرؤية بمعنى الثبوت الذي قد يكون وجدانيا كما في مورد الاعتقاد، أو تعبديا كما في موارد الاعتماد على الحجة الشرعية،


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب مواقيت الصلاة ح 1.

[ 388 ]

واما الغافل الناسي عن مراعاة الوقت فلا يرى شيئا لفقد الالتفات كما ان المعتمد على ظن غير معتبر لم يكن الوقت ثابتا عنده لا وجدانا ولا تعبدا فتجب عليه الاعادة لا محالة. وعلى ضوء هذا التفصيل ذكر الماتن (قده) في المقام جواز الائتمام في الصورة الاولى بعد ما دخل الوقت، فان صلاة الامام وان لم تكن صحيحة حدوثا لكنها صحيحة بقاءا حتى واقعا، فلا مانع من الائتمام به بخلاف الصورة الثانية لبطلان صلاة الامام حينئذ بحسب الواقع فيما لو كان المأموم معتقدا عدم دخول الوقت وكذا لو كان شاكا لاستصحاب العدم فهو اي المأموم يرى عدم تعلق الامر بالصلاة وقتئذ اما جزما أو استصحابا فلا يسوغ له الائتمام. لكنا ذكرنا هناك انه لا يمكن المساعدة مع المشهور في هذا التفصيل لضعف الرواية المتقدمة فان اسماعيل بن رياح لم يوثق، ومجرد رواية ابن أبي عمير عنه لا يكشف عن توثيقه كما مر غير مرة، والانجبار بعمل المشهور لا نقول به كما هو المعلوم من مسلكنا ومقتضى القاعدة لزوم ايقاع الصلاة بتمامها في الوقت. وعليه فالبطلان ووجوب الاعادة حتى في الصورة الاولى اعني ما لو كان معتقدا أو معتمدا على حجة شرعية لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. ومنه يظهر حكم الائتمام في المقام وان الاحوط لو لم يكن اقوى تركه مطلقا. والله سبحانه اعلم.

[ 389 ]

[ (فصل) في شرائط امام الجماعة يشترط فيه امور: البلوغ (1). ] (1) فلا يجوز الاقتداء بالصبي غير المميز بلا اشكال، وكذا المميز على المشهور بل بلا خلاف كما عن المنتهى، بل عن جماعة دعوى الاجماع عليه، ولم ينسب الخلاف الا إلى الشيخ وبعض حيث حكم بجواز امامة المراهق مدعيا عليه الاجماع لكن الاجماع غير ثابت بل ثابت العدم كما صرح به غير واحد ممن تأخر عنه، لعدم وجود القائل به صريحا ممن عدا الشيخ فضلا عن تحقق الاجماع، ولم يرد ذلك في شئ من الاخبار. نعم هناك روايات دلت على جواز الائتمام بالغلام من غير تقييد بالمراهق، بل في بعضها جوازه إذا بلغ عشرا. منها: موثقة غياث بن ابراهيم: " لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم ان يؤم القوم وان يؤذن " (1) وقد عبر عنها بالخبر المشعر بالضعف في كلمات غير واحد لكنه في غير محله، فان غياثا وان كان بتريا لكن النجاشي وثقه صريحا، وقد عبر العلامة عن السند بالحسنة ولعله من اجل ابراهيم بن هاشم. وكيفما كان فالرواية معتبرة. وموثقة سماعة: " يجوز صدقة الغلام وعتقه، يؤم الناس إذا كان له عشر سنين ".


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 390 ]

وموثقة طلحة بن زيد: لا بأس ان يؤذن الغلام الذي لم يحتلم وان يؤم (1). وقد حملها صاحب الوسائل وغيره على امامة الغلام لمثله من جهة اعتبار العدالة في الامام المنوطة بالبلوغ ولكنه كما ترى لاباء لفظ القوم والناس الوارد في الاوليين عن الحمل على غير البالغ كما لا يخفى. فمقتضاها جواز امامة الغلام حتى للبالغين. ولكن بازاء هذه الاخبار ما رواه الشيخ باسناده عن اسحق بن عمار عن جعفر (ع) عن ابيه ان عليا (ع) كان يقول: " لا بأس ان يؤذن الغلام قبل ان يحتلم ولا يؤم حتى يحتلم، فان أم جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه " (2). والمشهور ذكروا ان ضعف الرواية منجبر بالعمل، فلا تعارض بالروايات المتقدمة الساقطة عن الحجية باعراض الاصحاب عنها وان صحت اسانيدها بعضا أو كلا، ولاجله حكموا باعتبار البلوغ في امام الجماعة. لكنا لانقول بالانجبار كما لا نلتزم بالاعراض على ما هو المعلوم من مسلكنا في البابين. ومن ثم يشكل الحكم بالاعتبار بعد ورود النص الصحيح الصريح في العدم السليم عن المعارض على المختار. هذا ولكن الذي يهون الخطب ان الرواية معتبرة وان حكم المشهور عليها بالضعف، إذ ليس في السند من يغمز فيه عدا غياث بن كلوب وهو وان لم يوثق صريحا في كتب الرجال ولكن يظهر من مطاوي


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 5 و 8. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 7.

[ 391 ]

كلمات الشيخ في العدة توثيقه حيث ذكر (قده) انه لا يعتبر في الراوي ان يكون اماميا بل يكفي كونه ثقة متحرزا عن الكذب وان كان عاميا. ثم استشهد لهذه الدعوى بان الطائفة عملت بروايات الفطحية والواقفية وبعض العامة ثم ذكر جماعة وعد منهم غياث بن كلوب. فيظهر منه ان الرجل عامي موثق لا بمعنى توثيق رواياته من اجل عمل الطائفة بها، بل بمعنى توثيقه بنفسه وكونه متحرزا عن الكذب كما ادعاه اولا مستشهدا بعملهم بروايات هؤلاء الموثقين المتحرزين عن الكذب وان لم يكونوا من الامامية. نعم هو (قده) نفسه لم يعمل بهذه الدعوى، ولذا يقدم خبر الامامي لدى المعارضة، ولم يعامل معهما معاملة المتعارضين ولعله من اجل بنائه (قده) على الترجيح بصفات الراوي. وكيفما كان: فيستفاد من كلامه (قده) توثيق الرجل صريحا. وعليه فالرواية تعد من الموثق فتقع المعارضة حينئذ بينها وبين الروايات المتقدمة فلما ان تقدم هذه عليها لكونها صريحة الدلالة في فساد صلاة القوم وتحمل تلك الروايات على امامة الغلام لمثله وان كان بعيدا في نفسه كما تقدم، أو انهما يتعارضان فيتساقطان (1) فيبقى جواز امامته عاريا عن الدليل، فيرجع إلى اصالة عدم المشروعية بعد عدم وجود اطلاق في ادلة الجماعة من هذه الناحية


(1) يظهرمن كتابي المغني والرحمة ان المشهور عند العامة ما عدا الشافعي وبعض هو المنع إذا فمقتضى الصناعة حمل ما دل عليه على التقية.

[ 392 ]

كي يرجع إليه كما لا يخفى. هذا كله بناءا على شرعية عباداته. واما بناءا على التمرينية فلا ينبغي الاشكال في عدم الجواز فان عبادته حينئذ صورة الصلاة وليست من حقيقتها في شئ، فكيف يسوغ الائتمام بها. فتحصل: أن الاقوى اعتبار البلوغ في أمام الجماعة كما عليه المشهور. هذا وقد يتوهم ان مقتضى الجمع بين النصوص حمل المانعة على مااذا لم يبلغ الصبي عشر سنين، والمجوزة على ما إذا بلغها أو كان مراهقا ويجعل الشاهد على هذا الجمع موثقة سماعة المفصلة بين العشر وما دونه. ومع وجود هذا الجمع الدلالي لا تصل النوبة إلى المعارضة. وهذا الكلام اعني الجمع بين الطائفتين لوجود شاهد في البين في حد نفسه لا بأس به لكنه غير منطبق على المقام لاستلزامه حمل المطلق وهي الرواية المانعة على الفرد النادر فان الاقتداء بالصبي الذي لم يبلغ العشر فرض نادر جدا، بل لعله لم يتفق خارجا فكيف يمكن حمل المطلق عليه. نعم حمل الروايات المجوزة على العشر فما زاد سيما المراهق خال عن هذا المحذور، واما حمل المانعة على ما دون العشر كسبع وثمان مثلا فهو بعيد جدا كما عرفت. وبالجملة: هذا التوهم من وضوح الفساد بمكان إذ يرد عليه مضافا إلى ما ذكر ان الرواية المانعة غير قابلة للحمل على ما دون العشر في نفسها لقوله (ع) فيها (ولا يؤم حتى يحتلم) إذ قد جعل فيها الاحتلام غاية للمنع فهي كالصريح في عدم جواز امامته قبل بلوغه وان زاد على العشر فضلا عما إذا نقص عنها، فكيف يمكن حملها على ما دونها فان لسانها آب عن هذا الحمل قطعا كما هو واضح جدا.

[ 393 ]

[ والعقل (1). ] (1) بلا خلاف ولا اشكال بل اجماعا حكاه غير واحد كما تدل عليه صحيحة أبي بصير يعني ليث المرادي عن أبي عبد الله (ع) قال: خمسة لا يؤمون الناس على كل حال وعد منهم المجنون وولد الزنا. وصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) لا يصلين احدكم خلف المجنون وولد الزنا (1) فالحكم في الجملة مسلم لااشكال فيه. انما الكلام في المجنون الادواري الذي ظاهر المشهور جواز امامته حال افاقته لعدم صدق عنوان المجنون عليه حينئذ، وفعلية الحكم تتبع فعلية الموضوع فهو خارج عن مورد النص في هذه الحالة فتشمله اطلاقات ادلة الجماعة، ولا وجه لدعوى انصرافها عن مثله كما لا يخفى. وما ذكره المشهور هو الاقوى لكن في خصوص ما إذا لم يصدق عليه عنوان المجنون ولو مسامحة حال افاقته لبعد دور الجنون عن دور الافاقة أو قلة اتفاقه كما لو كان يجن في الصيف ويفيق في الشتاء أو بالعكس الذي يتفق نادرا فانه لا مانع من امامته حينئذ حال الافاقة لعدم صدق العنوان عليه بوجه حسب الفرض، ومجرد جنونه في زمان أو آناما لايمنع عن الاقتداء به إلى الابد فهو حينئذ عاقل عادل، فلا قصور في شمول مثل قوله (ع): صل خلف من تثق بدينه لمثله.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 2.

[ 394 ]

[ والايمان (1). ] واما إذا صدق عليه العنوان ولو بضرب من المسامحة العرفية واطلق عليه لفظ المجنون حال الافاقة ولو بالعناية لكثرة ادوار جنونه فالظاهر عدم جواز امامته لاندراجه تحت النصوص المتقدمة حسب الصدق العرفي، بل الظاهر ان تلك النصوص ليست ناظرة الا إلى هذا الفرد ضرورة ان الاطباقي أو الادواري حال جنونه غير مكلف بشئ بل هو ملحق بالحيوانات، إذ ليس المائز بينها وبين الانسان عدا العقل المفروض سلبه عنه، فالصلاة خلفه بمثابة الصلاة خلف البهائم في ان عدم جواز الاقتداء به من الواضحات التي يعرفها كل احد، بل لم يعهد الاقدام عليه من احد، ولعله لم يتفق خارجا ولا مرة واحدة من غير حاجة إلى التنبيه عليه من الصادق أو من أمير المؤمنين (عليهما السلام) في الصحيحتين المتقدمتين. فلا ينبغي الشك في ان الصحيحتين ناظرتان إلى حال الافاقة لكن في مورد يطلق عليه المجنون ولو بالعناية والمسامحة دون مالا يطلق حسب التفصيل الذي عرفت. (1) أي الاعتقاد بالائمة الاثنى عشر (ع) بلا خلاف ولا اشكال وقد دلت عليه جملة من النصوص كصحيح زرارة عن الصلاة خلف المخالفين، فقال: " ما هم عندي الا بمنزلة الجدر " وصحيح البرقي قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع) أتجوز الصلاة خلف من وقف على ابيك وجدك؟ فأجاب لا تصل وراءه، وصحيح اسماعيل الجعفي قال: قلت لابي جعفر (ع) رجل يحب أمير المؤمنين ولا

[ 395 ]

[ والعدالة (1). ] يتبرأ من عدوه ويقول هو احب الي ممن خالفه، فقال: هذا مخلط وهو عدو فلا تصل خلفه ولا كرامة الا ان تتقيه، وصحيح ابن مهزيار قال: كتبت إلى محمد بن علي الرضا (ع) اصلي خلف من يقول بالجسم ومن يقول بقول يونس فكتب (ع): لا تصلوا خلفهم ولا تعطوهم من الزكاة وابرأوا منهم برأ الله منهم (1) ونحوها غيرها (1) اي الاستقامة في جادة الشرع وعدم الانحراف يمينا وشمالا واعتبارها لدى الخاصة مما لا خلاف فيه ولا اشكال بل من الواضحات الغنية عن الاستدلال، بل عدها المحقق الهمداني من ضروريات الفقه. فلا حاجة إلى اقامة البرهان عليه بعد ارساله الاصحاب ارسال المسلمات ومع ذلك قد استدل له بجملة من الاخبار. منها: ما رواه الكليني باسناده عن أبي علي بن راشد قال: قلت لابي جعفر (ع) ان مواليك قد اختلفوا فاصلي خلفهم جميعا، فقال لا تصل الاخلف من تثق بدينه، ورواه الشيخ باسناده عن سهل ابن زياد مثله الا انه زاد وامانته (2). اقول: اما رواية الشيخ فلا بأس بدلالتها، فان الوثوق بامانة الرجل بقول مطلق مرجعه إلى كونه مأمونا في كل ما يقول ويفعل المساوق لعدم التخطي عن جادة الشرع وهو معنى العدالة كما عرفت، لكن الرواية المشتملة على هذه الزيادة غير ثابتة بعد معارضتها


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 5 و 3 و 10. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 396 ]

برواية الكليني العارية عنها سيما وان الكافي اضبط المقدم على التهذيب لدى التعارض. واما رواية الكليني فدلالتها على اعتبار العدالة قاصرة، فان الوثوق بالدين - في حد نفسه وان كان ظاهرا فيها إذ الدين مركب من الاصول والفروع، فالوثوق به معناه الاطمئنان بعقيدته وبالتزامه وتدينه بما دان، بعدم التعدي عن الحدود الشرعية الذي هو معنى العدالة لكنه في خصوص المقام لاظهور له الا في الوثوق بعقيدته واصول دينه دون الفروع لقول الراوي في صدر الحديث: ان مواليك قد اختلفوا. الخ فانه ناظر إلى اختلافهم بحسب العقائد والمسالك حيث كان دارجا وشائعا يومئذ بين مواليه، فكان منهم الواقفي والفطحي والزيدي والقدري وبعضهم من المجسمة وغير ذلك من ساير فرق العامة، فسأل عن جواز الصلاة خلفهم جميعا، فأجاب (ع) انه لا تصل الا خلف من تثق بدينه، اي صحة عقيدته، فلا نظر فيها إلى الفروع بوجه كي تدل على اعتبار العدالة كما لا يخفى. وبعين هذا البيان يظهر الجواب عن رواية يزيد بن حماد عن ابي الحسن (ع) قال: قلت له اصلي خلف من لااعرف، فقال: لا تصل الا خلف من تثق بدينه (1). فان من لا يعرفه مجهولة عقيدته لا محالة. هذا مع ان الروايتين كلتاهما ضعيفتان، اما الاخيرة فبآدم بن محمد وعلي بن محمد، واما الاولى فبسهل بن زياد مع ان في طريق الكليني شيخه علي بن محمد، وفي طريق الشيخ إلى سهل ابن أبي جيد.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 397 ]

ومنها: رواية البصري عن جعفر بن محمد (ع) انه سأل عن القراءة خلف الامام، فقال إذا كنت خلف الامام تولاه وتثق به فانه يجزيك قراءته. الخ (1). وفيه: بعد تسليم الدلالة وعدم الخدش فيها بارادة كون الامام من أهل الولاية والوثوق بكونه كذلك لا من المخالفين فلا تدل على اعتبار العدالة، ان السند ضعيف لاشتماله على جمع من المجاهيل فلا يعتمد عليها. ومنها: رواية سعد بن اسماعيل عن ابيه قال: قلت للرضا (ع): رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الامر اصلي خلفه؟ قال: لا (2). وفيه ان الدلالة وان كانت تامة لظهورها في ان الذنب مانع عن الامامة وان كان الرجل عارفا بهذا الامر، اي شيعيا صحيح الاعتقاد لكن السند ضعيف فان سعدا واباه اسماعيل كلاهما من المهملين. فهذه الروايات غير صالحة للاستدلال لضعفها سندا أو دلالة على سبيل منع الخلو. نعم هناك روايات اخرى لا بأس بالاستدلال بها. منها: موثقة سماعة: " عن رجل كان يصلي فخرج الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة، قال: ان كان اماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلها تطوعا وليدخل مع الامام في صلاته كما هو وان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو. الخ (3). فان المراد بالامام العدل ليس هو المعصوم (ع) جزما والا لقال الراوي فخرجت بدل قوله: فخرج الامام، إذ ليس في عصره


(1) الوسائل: باب 39 من أبواب صلاة الجماعة ح 15. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة الجماعة ح 10. (3) الوسائل: باب 56 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 398 ]

معصوم آخر غير المخاطب، ولاجاب الامام (ع) بقوله: ان كنت انا بدل قوله إن كان اماما عدلا. فالمراد به الامام العادل في مقابل الفاسق لا محالة فدلت على اعتبار العدالة في امام الجماعة. ومنها: صحيحة عمر بن يزيد عن امام لا بأس به في جميع اموره عارف غير انه يسمع ابويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما اقرأ خلفه قال لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا (1). دلت على ان مجرد الغلظة في الكلام لا يمنع عن الائتمام ما لم يبلغ الحرام، وهو صيرورته عاقا قاطعا لوضوح ان الكلام الغليظ مع الابوين غير ملازم لاقتراف الذنب في حد نفسه، بل هو اعم من ذلك، فقد يكون سايغا أو مستحبا بل واجبا ولو من اجل الامر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وربما يكون حراما كما في مورد العقوق فخص (عليه السلام) المنع عن الائتمام بالصورة الاخيرة لتضمنها الفسق (2) المنافي للعدالة المعتبرة في امام الجماعة. ومنها: موثقة عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (ع) قال: الاغلف لا يؤم القوم وان كان اقرأهم لانه ضيع من السنة اعظمها. الخ (3) اما الرواة فكلهم ثقاة وان كان اكثرهم من


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) لما كان العقوق من أعظم الكبائر فمن الجائز ثبوت خصوصية فيه تمنع عن الاقتداء فيحتاج التعدي إلى مطلق المحرمات إلى القطع بعدم الفرق وعهدته على مدعيه، ومنه يظهر النظر في الموثقة الآتية المتضمنة لتضييع اعظم السنة. (3) الوسائل: باب 13 من أبواب صلاة الجماعة ح 1

[ 399 ]

[ وان لا يكون ابن زنا (1). ] الزيدية. فالسند موثق كما ان الدلالة ظاهرة من جهة تعليل المنع عن امامة الاغلف بتضييع السنة، وهي الختان الموجب لارتكاب الفسق والعصيان لدى التمكن منه، فيستفاد من التعليل المزبور بوضوح المنع عن امامة كل من شارك الاغلف في الاعراض عن السنة وترك واجبا من الواجبات الالهية المنافي للعدالة. (1) بلا خلاف ولا اشكال كما دلت عليه صريحا صحيحتا ابي بصير وزرارة المتقدمتان (1) اللتان عد فيهما ولد الزنا ممن لا يؤم الناس ولا يصلي خلفه المؤيدتان بغيرهما من النصوص. وربما يستدل بما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) انه قال خمسة لا يؤمون الناس ولا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة وعد منهم ولد الزنا (2) وقد عبر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد منهم المحقق الهمداني، بل وصاحب الحدائق في مثل هذا السند اغترارا بظاهره من كون الراوي هو الصدوق الذي هو من اجلاء الاصحاب والذي يروي عنه محمد بن مسلم الذي هو من اعاظم الرواة غفلة عما في طريق الصدوق إليه من الضعف لاشتماله على علي بن احمد، واحمد بن عبد الله ولم يوثقا. فالرواية ضعيفة، وتوصيفها بالصحة ناشئ عن عدم امعان النظر في الطريق المزبور كما اشرنا إليه سابقا (3). والعصمة لاهلها. نعم دلالتها


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 2. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 4. (3) وتقدم ما يمكن ان يكون وجها لذلك.

[ 400 ]

ظاهرة فهي لا تصح الا للتأييد. وهل تصح الامامة ممن يشك في طهارة مولده؟ اما مع وجود الفراش فلا اشكال لقوله صلى الله عليه وآله (الولد للفراش وللعاهر الحجر) (1) فيحكم بتولده من صاحب الفراش ويرتب عليه آثار طهارة المولد التي منها جواز الاقتداء به لالتحاقه به شرعا وان كان مشكوكا وجدانا. واما مع عدم وجوده فقد يقال بترتيب آثار الطهارة استنادا إلى السيرة العملية من المتشرعة القائمة على ذلك. وفيه ما لا يخفى لعدم ثبوت السيرة، إذ الفرض المزبور اعني الشك مع فقد الفراش نادر التحقق ومعه كيف يمكن احراز السيرة العملية كي يكون الحكم ثابتا من باب التعبد. والاقوى التحاقه بطاهر المولد استنادا إلى اصالة عدم تولده من الزنا بناءا على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية فان الخارج عمن يصلح الاقتداء به عنوان وجودي وهو المتولد من الزنا كما نطقت به النصوص فالباقي تحت العام بعد التخصيص عنوان عدمي وهو من لم يكن متولدا من الزنا، فهذا القيد العدمي هو المعتبر في امام الجماعة، ولم يعتبر فيه طهارة المولد التي هي عنوان وجودي وان وقع التعبير بها في كلمات غير واحد من الفقهاء، فانه غير منطبق على لسان الاخبار كما عرفت. وعليه فيمكن احراز عدم تولده من الزنا باستصحاب العدم الازلي،: ولا يلزم احراز طهارة المولد كي يكون الاصل المزبور مثبتا بالنسبة إليه لعدم كونه موضوعا للحكم في لسان الدليل، فيرتب عليه آثار من لم يتولد من الزنا


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة ح 1.

[ 401 ]

[ والذكورة إذا كان المأمومون أو بعضهم رجالا (1) ] من التوارث وجواز الاقتداء به ونحو ذلك. وعلى الجملة: ليست الطهارة شرطا للامامة، بل المانع كونه ولد الزنا. فالقيد المعتبر عدمي لا وجودي، ولاجله عبر في المتن بقوله: (وان لا يكون ابن زنا) ولم يعبر بطهارة المولد كما عبر بها كثير من الفقهاء، فيمكن احراز عدم المانع بالاستصحاب كما عرفت. ثم انه لو انكشف الخلاف بعد الصلاة وتبين كون الامام ولد الزنا فلا ينبغي الاشكال في بطلان الجماعة إذ اعتبار المانعية كما في بقية الموانع والشرائط واقعي على ما يقتضيه ظاهر الدليل لا علمي، ولكن اصل الصلاة محكومة بالصحة وموصوفة بالفرادى وان تخيل المأموم انعقادها جماعة وقد ذكرنا غير مرة ان الجماعة والفرادي من خصوصيات الافراد وليستا حقيقتين متباينتين فهما طبيعة واحدة لها شكلان قد تخيل المصلي وقوعها بهذا الشكل فانكشف وقوعها بالشكل الآخر، فلا خلل فيها من ناحية القصد إلى الطبيعة المأمور بها مع نية التقرب، غايته الاخلال بالقراءة ولا ضير فيه بعد ان كان معذورا في تركها لزعم الائتمام، ومثله مشمول لحديث لا تعاد كما هو الحال في تخلف غيره مما يعتبر في الامام من العدالة ونحوها كما مر سابقا. نعم لو زاد ركنا لاجل المتابعة أو رجع إليه في الشكوك الباطلة بطلت صلاته لان هذه من احكام الجماعة المفروض عدم انعقادها فتبطل الصلاة من اجلها كما مر الكلام حول ذلك مستقصى. (1) لا اشكال في عدم جواز امامة المرأة في الصلاة المطلوب فيها

[ 402 ]

الاجتماع المشتملة على الخطبة كالجمعة والعيدين للقطع بعدم رضا الشارع بتصديها لمثل القاء الخطبة، ونحوه، كما لا اشكال في عدم الجواز فيما لو كان المأمومون كلا أو بعضا رجالا، ويكفي في ذلك اصالة عدم المشروعية إذ لم يرد نص معتبر في المقام. وقد ذكرنا غير مرة انه لااطلاق في ادلة الجماعة يتمسك به لدى الشك في المشروعية فترتيب احكام الجماعة مع الشك في انعقادها يحتاج إلى الدليل ومقتضى الاصل العدم (مضافا) إلى الاستيناس لذلك بان المطلوب من الامام اسماع القراءة للمأمومين في الصلوات الجهرية ولا يرضى الشارع باسماع المرأة صوتها للاجنبي اما تحريما أو تنزيها على الخلاف في ذلك. انما الكلام في امامتها لمثلها من النساء ولا اشكال في الجواز في مثل صلاة الميت التي هي ليست من حقيقة الصلاة في شئ وانما هي تسبيح وتهليل وذكر وتكبير فلا تشملها الاحكام المترتبة على الصلاة الحقيقية ذات الركوع والسجود مضافا إلى ورود النص الصحيح الدال على الجواز صريحا (1). فمحل الكلام ما عداها من ساير الصلوات فريضة كانت ام نافلة تشرع فيها الجماعة كصلاة الاستسقاء ونحوها، فالمشهور جواز ذلك على كراهة في الفريضة وعن السيد والجعفي وابن الجنيد المنع في الفريضة والجواز في النافلة، ومال إليه غير واحد من المتأخرين وربما ينسب هذا القول إلى الصدوق والكليني حيث اقتصرا على ذكر الروايات المشتملة على التفصيل المزبور بعد ملاحظة ما نبها عليه في


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 403 ]

ديباجة الفقيه والكافي، من عدم نقلهما الا الرواية التي يعتمدان عليها وتكون حجة بينهما وبين الله. وكيفما كان: فيظهر منهم الاتفاق على جواز امامتها لمثلها في النافلة المشروع فيها الجماعة ومحل الخلاف انما هي الفريضة فالمشهور على الجواز وغيرهم على المنع. ويستدل للمشهور بطائفة من الاخبار. منها: موثقة سماعة عن المرأة تؤم النساء فقال لا بأس به المؤيدة بمرسلة ابن بكير في المرأة تؤم النساء، قال: نعم تقوم وسطا بينهن ولا يتقدمهن. وبخبر الصيقل. ففي صلاة مكتوبة أيؤم بعضهن بعضا؟ قال: نعم، (1) فان طريق الصدوق إلى الصيقل وان كان صحيحا لكن الرجل نفسه لم يوثق. ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير؟ فقال: قدر ما تسمع (2) المؤيدة بروايته الاخرى المشاركة لها في المضمون وان كانت ضعيفة بعبدالله بن الحسن (3) وصحيحة علي بن يقطين التي هي بعين المضمون المتقدم (4) فان هذه الروايات وان كانت مسوقة لبيان رفع الصوت ومقدار الجهر ولا نظر فيها إلى جواز الامامة ابتداءا لكن يظهر منها المفروغية من


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 11 و 10. (2) الوسائل: باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 7. (3) الوسائل: باب 31 من أبواب القراءة ح 3. (4) الوسائل: باب 31 من أبوااب القراءة ح 1.

[ 404 ]

الجواز كما لا يخفى. ومقتضى الاطلاق (1) في هذه النصوص عدم الفرق بين الفريضة والنافلة. ولكن بازائها ما دل على عدم الجواز مطلقا وهي صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: قلت له المرأة تؤم النساء، قال: لا الا على الميت إذا لم يكن احد اولى منها تقوم وسطهن معهن في الصف تكبر ويكبرن (2). وهناك طائفة ثالثة: تضمنت التفصيل بين المكتوبة والنافلة بالمنع في الاول، والجواز في الثاني وهي: صحيحة هشام بن سالم: عن المرأة هل تؤم النساء؟ قال: تؤمهن في النافلة، فاما المكتوبة فلا ولا تتقدمهن ولكن تقوم وسطهن. وصحيحة الحلبي (3): تؤم المرأة النساء في الصلاة وتقوم وسطا


(1) يشكل انعقاد الاطلاق في الروايات الاخيرة بعد الاعتراف بعدم كونها مسوقة الا لبيان مقدار رفع الصوت، فان غاية ما يترتب عليه هو المفروغية عن الجواز في الجملة لا بالجملة لعدم كونها بصدد البيان من هذه الجهة على الفرض. (2) الوسائل: باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (3) توصيف الرواية بالصحيحة مع ان في السند (محمد بن عبد الحميد) ولا توثيق له من غير ناحية وقوعه في اسناد كامل الزيارات (المعجم ج 16 ص 231)، مبني على ما كان يرتأيه - دام ظله - سابقا من عموم التوثيق. واما بناءا على ما عدل إليه اخيرا من الاختصاص بالمشايخ بلا واسطة ووضوح عدم كونه منهم فهي غير متصفة بالصحة.

[ 405 ]

بينهن ويقمن عن يمينها وشمالها تؤمهن في النافلة ولا تؤمهن في المكتوبة. وصحيحة ابن سنان أو ابن مسكان (ولو كان الاول فهو عبد الله) (1) عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة تؤم النساء فقال: إذا كن جميعا امتهن في النافلة فاما المكتوبة فلا، ولا تتقدمهن ولكن تقوم وسطا بينهن (2). فهذه طوائف ثلاث من الاخبار دلت الاولى على الجواز مطلقا، والثانية على المنع مطلقا، والثالثة على التفصيل بين المكتوبة فلا تجوز، والنافلة فتجوز. والجمع بين هذه الاخبار يمكن من وجوه: الاول: جعل الطائفة الثالثة مقيدة للاطلاق في كل من الاوليين


(1) ولكنه لا يروي عن سليمان بن خالد بلا واسطة وكذا محمد بن سنان. والصحيح في السند هكذا (ابن سنان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد) كما اثبته في الاستبصار ج 1 ص 426، ومن المعلوم ان ابن سنان الذي يروي عن ابن مسكان هو محمد لروايته عنه كثيرا ولا رواية لعبد الله عنه في الكتب الاربعة اذن فالرواية ضعيفة ب‍ (محمد بن سنان). اما ما في الكافي ج 3 ص 376 والتهذيب ج 3 ص 269 من حذف (ابن مسكان) فهو سقط من القلم أو النساخ، لما عرفت من ان محمد بن سنان لا يروي عن سليمان بلا واسطة، انما يروي عنه بواسطة ابن مسكان غالبا كما يعلم بمراجعة الطبقات. (2) الوسائل: باب 20 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 9 و 12.

[ 406 ]

عملا بصناعة الاطلاق والتقييد فيحمل الجواز في الطائفة الاولى على النافلة والمنع في الثانية على المكتوبة وتكون الطائفة الثالثة المفصلة بينهما شاهدة لهذا الجمع، وغير خفي ان هذا الجمع هو المتعين كما في ساير المقامات لو لم يمنع عنه مانع خارجي في خصوص المقام. الثاني: حمل النهي عن المكتوبة في الاخيرة على الكراهية، وكذا في الثانية بقرينة الترخيص الذي تضمنته الطائفة الاولى تحكيما للنص على الظاهر لصراحة الاولى في الجواز فيرفع اليد عن ظهور النهي في المنع ويحمل على الكراهة، ولا تصل النوبة إلى هذا الجمع الا بعد تعذر الجمع الاول والا فهو المتعين كما لا يخفى. الثالث: ما ذكره صاحب الحدائق (قده) واصر عليه من ان المكتوبة والنافلة الواردتين في الطائفة الاخيرة وصفان للجماعة لا للصلاة نفسها فالممنوع امامتها لمثلها في الجماعة الواجبة كما في صلاة الجمعة والعيدين دون ما كانت الجماعة مستحبة وان كانت ذات الصلاة فريضة كما في الصلوات اليومية. فمفاد هذه الروايات المفصلة بين النافلة والمكتوبة جواز امامتها في الصلاة التي تستحب فيها الجماعة كالصلاة اليومية، وعدم جوازها في الصلاة التي تجب فيها الجماعة كالجمعة، ولا نظر فيها إلى التفصيل في ذات الصلاة بين الفريضة والنافلة. وبهذا جمع بين الطائفتين الاوليين فحمل المجوزة على الجماعة المستحبة، والمانعة على الجماعة الواجبة. أقول: اما الجمع الاخير فهو ابعد الوجوه، بل في غاية السقوط فان حمل المكتوبة والنافلة على الجماعة الواجبة والمستحبة خلاف الظاهر جدا، ولم يعهد اطلاق اللفظين في لسان الاخبار على كثرتها

[ 407 ]

الا وصفا لذات الصلاة، واما توصيف الجماعة بهما فلم يوجد ولا في مورد واحد، وكيف يمكن حمل قوله (ع) في هذه الصحاح تؤمهن في النافلة. الخ على ما ذكره فان ظاهر الظرفية بل صريحها ملاحظة الامامة في صلاة متصفة بالنفل تارة وبالفرض اخرى لا في جماعة كذلك، إذ لا معنى لقولنا تؤمهن في الجماعة كما لا يخفى. فالمراد بالنافلة هي صلاة النافلة وبالمكتوبة هي صلاة الفريضة بلا ارتياب. والوجوه التي سردها لتعيين ما استظهره غير خالية من المناقشة كما لا يخفى على من لاحظها. واما الجمع الاول فهو في حد نفسه نعم الجمع بل هو المتعين كما عرفت لولا المحذور اللازم منه في خصوص المقام وهو حمل المطلق على الفرد النادر، فان المراد بالنافلة التي تجوز امامتها فيها بعد وضوح انه لاجماعة في النافلة عدا ما استثنى - اما صلاة الاستسقاء أو الصلاة المعادة، اما الاولى فلم يعهد تصدي النساء لها ولعلها لم تتفق في الخارج ولا مرة واحدة، وعلى تقدير الوقوع فهو في غاية الندرة والشذوذ، فكيف يمكن حمل المطلق عليها. واما الثانية فهي ليست من النافلة في شئ بل هي فريضة يستحب اعادتها جماعة، فالاستحباب والنفل وصف للاعادة لاللمعادة ولذات الصلاة ولذا لا تجري عليها احكام النافلة فلو زاد فيها ركنا سهوا بطلت، ولو عرضها الشك في الركعات لحقه احكام الشك في الفريضة من البناء على الاربع ونحوه فهي عين الفريضة في ماهيتها غير انه يستحب اعادتها جماعة، فكيف يمكن ارادتها من النافلة المذكورة في هذه الاخبار. ومع الغض عن ذلك فلا شك ان الفريضة المعادة جماعة نادرة

[ 408 ]

[ وان لا يكون قاعدا للقائمين (1)، ولا مضطجعا للقاعدين ولا من لا يحسن القراءة بعدم اخراج الحرف عن مخرجه أو ابداله بآخر أو حذفه أو نحو ذلك حتى اللحن في الاعراب وان كان لعدم استطاعته غير ذلك. ] جدا من الرجال فضلا عن النساء. وعلى الجملة: حمل المطلقات الواردة في الطائفة الاولى مثل موثقة سماعة وما يحذو حذوها المتضمنة لجواز امامة المرأة لمثلها مطلقا على النافلة التي لا مصداق لها غير صلاة الاستسقاء أو بضميمة المعادة اللتين قلما تتفقان خارجا حمل للمطلق على الفرد النادر فلا يمكن المصير إليه. ومنه: تعرف ان المتعين في المقام انما هو الجمع الثاني، ونتيجة ذلك الالتزام بجواز امامتها في الفريضة كالنافلة على كراهة بمعنى اقلية الثواب كما على المشهور. (1) تعرض (قده) لامامة الناقص للكامل في ضمن فروع يجمعها ان الاختلاف بينهما قد يكون في الشرائط كما لو كان الامام متيمما والمأموم متوضئا أو مغتسلا، أو كانت صلاة الامام في الثوب النجس لعذر من انحصار أو اضطرار، والمأموم يصلي في الثوب الطاهر. وقد يكون في الافعال، وهذا قد يكون في الهيئات كامامة القاعد للقائم أو المضطجع للقاعد، وقد يكون في الاذكار، وهذا ايضا تارة يفرض في القراءة واخرى فيما عداها من ساير الاذكار كالتشهد

[ 409 ]

أو ذكر الركوع والسجود ونحوهما. وهذا الضابط ينطبق على جميع الفروع التي ذكرها الماتن (قده) ونتعرض لكل واحد منها بخصوصه. اما إذا كان الاختلاف في الشرائط فلا ينبغي الاشكال في جواز الايتمام لصحة صلاة الامام حتى واقعا التي هي المناط في صحة الاقتداء به والمفروض حصول المتابعة في جميع افعال الصلاة وعدم الاختلاف بينها في هيئتها، فلا قصور في شمول اطلاقات الجماعة لمثله، فجواز الايتمام حينئذ مطابق للقاعدة. مضافا إلى صحيحة جميل الصريحة في جواز امامة المتيمم لغيره قال: قلت لابي عبد الله (ع) امام قوم اصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم؟ قال لا، ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم فان الله جعل التراب طهورا (1) فان المستفاد من التعليل المذكور في ذيلها الاكتفاء في صحة الاقتداء بصحة صلاة الامام واقعا فيتعدى إلى كل مورد كان كذلك بمقتضى عموم العلة كما لا يخفى. ولا معارض للصحيحة وما بمضمونها من الروايات الدالة على جواز امامة المتيمم لغيره عدا موثقة السكوني الآتية التي يجمع بينهما بالحمل على الكراهة كما ستعرف والظاهر ان المسألة متسالم عليها بينهم من غير خلاف يعرف. واما إذا كان في الافعال وراجعا إلى الهيئات فقد ادعي الاجماع على عدم جواز امامة الناقص للكامل.


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 410 ]

لكن الاجماع منقول لا يعتمد عليه. وعلى تقدير كونه محضلا وتحقق الاتفاق من الكل فمن الجائز ان لا يكون تعبديا لاحتمال استناد المجمعين إلى الوجوه الآتية من الروايات أو غيرها فلا يمكن التعويل عليه. هذا وقد استدل لعدم الجواز بجملة من الاخبار (منها) موثقة السكوني " لا يؤم المقيد المطلقين، ولا صاحب الفلج الاصحاء، ولا صاحب التيمم المتوضئين. الخ " (1) بدعوى ظهورها في ان علة المنع هو نقصان صلاة الامام. فيستفاد منها كبرى كلية وهي عدم جواز امامة الناقص للكامل والموارد المذكورة فيها من باب المثال لهذه الكلية. نعم المنع عن امامة المتيمم للمتوضي محمول على الكراهة جمعا بينها وبين صحيحة جميل المتقدمة الصريحة في الجواز. ونوقش فيها تارة بضعف السند كما عن المحقق الهمداني (قده) وغيره. وفيه: ان السكوني عامي موثق، والنوفلي الراوي عنه وان لم يوثق صريحا لكنه من رجال كامل الزيارات (2) فالرواية موثقة عندنا كما وصفناها بها. واخرى: بقصور الدلالة وهو في محله، فان العلة المذكورة مستنبطة والا فالرواية في نفسها غير مشتملة على التعليل كي يستفاد منه الكلية. فلا دليل على التعدي، ومن الجائز اختصاص الحكم بالموارد المذكورة فيها، فمقتضى الجمود على النص الاقتصار على


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) مر ان التوثيق من أجل كونه من رجال تفسير القمي دون الكامل لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة

[ 411 ]

مورده كما لا يخفى. ومنها: رواية الشعبي الموافق مضمونها مع الرواية المتقدمة (1). وفيه: مضافا إلى ضعف سندها انها قاصرة الدلالة لعين ما مر. ومنها: مرسلة الصدوق قال: قال أبو جعفر (ع) ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى باصحابه جالسا فلما فرغ قال: لا يؤمن احدكم بعدي جالسا (2) فان اطلاقها وان اقتضى المنع عن امامة الجالس لمثله لكن ثبت جوازه بالنص فيتقيد به الاطلاق ويحمل على امامة الجالس للقائم. ولكنها من جهة الارسال غير صالحة للاستدلال. مضافا إلى ان اقصاها المنع عن امامة الجالس للقائم. واما عدم جواز امامة الناقص للكامل بقول مطلق مثل امامة المضطجع للقائم أو القاعد فلا تكاد تدل عليه بل لم يرد ذلك في شئ من النصوص. وقد يقال: ان هذه النصوص وان كانت ضعيفة السند لكنها منجبرة بعمل الاصحاب. وفيه: ان الانجبار ممنوع كبرى كما مر غير مرة، وكذا صغرى لعدم وضوح الاستناد الاصحاب إلى هذه الروايات، ومن الجائز استنادهم إلى شئ آخر مما سنذكره. ولعله من اجل ما ذكرناه اعني ضعف هذه الروايات وعدم تحقق الاجماع التعبدي افتى صاحب الوسائل (قده) بالكراهة، حيث


(1) الوسائل: باب 22 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 412 ]

قال (باب كراهة امامة الجالس القيام وجواز العكس) (1) وان كان منفردا في هذا القول إذ لم ينسب ذلك إلى احد من الاصحاب ومن هنا طعن عليه صاحب الحدائق بقوله " ومن غفلات صاحب الوسائل انه تفرد بالقول بالكراهة ". وكيفما كان: فالاقوى عدم جواز إئتمام الكامل بالناقص مطلقا لاصالة عدم المشروعية بعد ان لم يكن اطلاق في ادلة الجماعة من هذه الجهة فان الصلاة جماعة تتضمن احكاما خاصة من سقوط القراءة واغتفار زيادة الركن لاجل المتابعة ورجوع كل من الامام والمأموم إلى الآخر لدى الشك ولابد في ترتيب هذه الاحكام من الجزم بالمشروعية. فمع الشك كان المرجع الادلة الاولية النافية لها التي مرجعها إلى اصالة عدم المشروعية. والوجه في ذلك ما ذكرناه سابقا من ان الايتمام يتقوم بالمتابعة ولا ريب ان مفهوم التبعية يستدعي مشاركة التابع مع المتبوع في كل فعل يصدر عنه من قيام وقعود وركوع وسجود بان يكون الفعلان من سنخ واحد وبهيئة واحدة، ومجرد الاشتراك في اطلاق عنوان الركوع - مثلا - عليه مع الاختلاف في السنخ والتغاير في الهيئة غير كاف في صدق المتابعة عرفا كما لا يخفى. وعليه فلو صلى الامام جالسا فان تابعه المأموم في ذلك وصلى بتلك الكيفية فقد اخل بوظيفته من الصلاة قائما حسب الفرض، والا فقد اخل بالمتابعة في قيامه وركوعه. فمثلا عندما يركع الامام أو يرفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الاولى ويبقى جالسا


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 413 ]

لعجزه عن القيام فان تبعه المأموم فقد صنع خلاف وظيفته والا فقد تخلف عنه في الافعال. ومن المعلوم ان التخلف عنه فيها قادح في صدق المتابعة الا فيما دل الدليل على جوازه كما في المأموم المسبوق بركعة حيث انه يتخلف في الركعة الثانية له الثالثة للامام بمقدار التشهد ثم يلتحق به في القيام ولم يرد مثل هذا الدليل في المقام كما هو ظاهر. فان قلت: مقتضى هذا البيان عدم جواز ائتمام الناقص بالكامل ايضا عكس الصورة المتقدمة فلا يجوز ايتمام القاعد بالقائم بعين التقريب المتقدم من لزوم الاخلال بالمتابعة لو صلى قاعدا وعدم الاتيان بالوظيفة على التقدير الآخر مع انه جائز بلا اشكال. قلت: الفارق - بعد الاجماع - هو النص الدال على الجواز في هذه الصورة المقتضي للتخصيص في دليل المتابعة وهو قوله (ع) في صحيح علي بن جعفر ". فان لم يقدروا على القيام صلوا جلوسا ويقوم الامام امامهم " (1) فليتأمل المؤيد بخبر أبي البختري " المريض القاعد عن يمين المصلي جماعة " (2) وهو مفقود في المقام، ومعه يرجع إلى اصالة عدم المشروعية بعد الاخلال بمفهوم المتابعة كما عرفت، والا فلولا النص كان مقتضى القاعدة عدم الجواز في كلتا الصورتين لاتحاد المناط. على انه يمكن الفرق بينهما ثبوتا ايضا بصدق المتابعة في هذه الصورة دون ما نحن فيه فان مفهوم المتابعة لا يستدعي عرفا الا التبعية


(1) الوسائل: باب 73 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 414 ]

بالمقدار الممكن وعلى حسب قدرة التابع وطاقته فلا يلزمه الاتيان الا بالمقدار الميسور مما يفعله المتبوع. وعليه: فحيث ان المأموم عاجز عن الصلاة قائما فيكفي في صدق المتابعة عرفا الاتيان بما يحسنه من الافعال على حسب طاقته وهذا بخلاف العكس اعني ائتمام القائم بالقاعد فانه متمكن من متابعة الامام في القعود والصلاة جالسا، فان فعل كذلك فقد ارتكب ما هو خلاف وظيفته والا فقد اخل بالمتابعة كما عرفت. ومما ذكرنا يظهر الحال في ائتمام القاعد بالمضطجع أو القائم به وانه لا يجوز لعين ما مر حرفا بحرف فلا نعيد. وكذا الحال في عكسه اعني ائتمام المضطجع بمن يصلي جالسا أو قائما للاخلال بالمتابعة بعد الاختلاف في الهيئة الصلاتية، وما ذكرناه آنفا من الفرق الثبوتي غير مجد هنا بعد عدم مساعدة الدليل في مقام الاثبات إذ لم يرد هنا نص بالخصوص كما ثبت هناك - اعني في ائتمام الجالس بالقائم - وقد عرفت ان مقتضى الاصل عدم مشروعية الجماعة لدى الشك فيها. ومنه: تعرف عدم جواز ائتمام المضطجع بمثله فانهما وان كانا موافقين في الهيئة الصلاتية لكن الدليل قاصر عن اثبات المشروعية في مثل ذلك، إذ لم يرد فيه نص خاص ولا اطلاق في ادلة الجماعة بالاضافة إلى حالات المصلى من الصلاة قائما أو جالسا أو مضطجعا، بل هي منصرفة إلى ما هو المتعارف من الصلاة الاختيارية كل من الامام والمأموم مثل ما ورد فيها من ان المأموم الواحد يقف على يمين الامام ان كان رجلا، وخلفه ان كان امرأة ونحو ذلك من موارد

[ 415 ]

تلك الاطلاقات فانها منصرفة إلى المتعارف كما ذكرنا واما الصلاة الاضطرارية العذرية لاحدهما أو كليهما فهي خارجة عن منصرف تلك النصوص. ومنه: يظهر ما في دعوى صاحب الجواهر من عدم الاشكال في جواز ائتمام كل مساو بمساويه في النقص والكمال، فانه في حيز المنع في ايتمام المضطجع بمثله لما عرفت من عدم النص الخاص وقصور الاطلاقات عن الشمول لمثله، ومقتضى الاصل عدم المشروعية نعم لامانع من ايتمام الجالس بمثله لقيام النص على الجواز وهو ما ورد في كيفية صلاة العراة كصحيح ابن سنان عن ابي عبد الله (ع): " عن قوم صلوا جماعة وهم عراة، قال (ع) يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس (1) ونحوه غيره والمتلخص من جميع ما ذكرناه عدم جواز الائتمام لدى الاختلاف في الهيئة الصلاتية من حيث النقص والكمال، فلا يجوز ائتمام الكامل بالناقص ولا عكسه ما عدا صورة واحدة وهي ائتمام القاعد بالقائم، وكذا مع الاتحاد في النقص الا في ايتمام الجالس بمثله لقيام الدليل على الجواز في الموردين المزبورين. فيبقى ما عداهما من بقية الصورة العارية عن النص تحت اصالة عدم المشروعية بعد عدم الاطلاق في ادلة الجماعة من هذه الجهة حسبما عرفت. هذا كله فيما إذا كان الاختلاف في افعال الصلاة وهيئتها. واما إذا اختلفا في الاذكار فقد عرف ان ذلك قد يكون في القراءة التي يتحملها الامام، وقد يكون فيما عداها من ساير الاذكار كالتشهد


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب لباس المصلي ح 1.

[ 416 ]

وذكر الركوع والسجود ونحوها. اما في غير القراءة كما لو كانت آفة في لسان الامام لا يتمكن معها من اداء الشين في التشهد على وجهه ويبدله بالسين كما اتفق لبلال فلا ينبغي الاشكال في جواز الايتمام لصحة صلاة الامام حينئذ حتى واقعا. ومن الواضح عدم التحمل في الاذكار وان المأموم هو الذي يأتي بوظيفته منها سواء أتى الامام بها ام كان معذورا فيها فلا ائتمام بالاضافة إليها فلا مانع من صحة الاقتداء بوجه إذ حال الاختلاف من هذه الجهة حال الاختلاف في الشرائط كالوضوء والتيمم مما لا يوجب الاختلاف في الهيئة الصلاتية وقد عرفت فيما مر عدم الاشكال في جواز الايتمام حينئذ. واما في القراءة فهل يصح الاقتداء بمن لا يحسنها اما لعدم اداء الحرف من مخرجه أو لحذفه أو لابداله بحرف آخر كمن يبدل الضاد بالزاء في مثل (ولا الضالين) أو الراء بالياء في مثل (الرحمن الرحيم) ونحو ذلك. الظاهر عدم الصحة كما عليه المشهور، بل ادعي عليه الاجماع إذ لا يخلو إما ان يجتزئ المأموم بقراءة الامام أو يأتي بنفسه بالمقدار الذي لا يحسنه. لا سبيل إلى الاول بعد فرض الخلل في قراءة الامام وان كان معذورا فيه لمكان العجز إذ المعذورية لا تستدعي الا الاجتزاء بها عن نفسه لا عن المأموم. ومن المعلوم اختصاص ادلة الضمان بالقراءة الصحيحة فهي منصرفة عن المقام. وعلى الجملة: دليل التحمل لا يقتضي سقوط القراءة عن المأموم

[ 417 ]

رأسا بل مفاده كما مر الاجتزاء في مرحلة الامتثال بقراءة الامام وايكالها إليه وكأن قراءته قراءته، فلابد اما من الاتيان بها بنفسه بان يصلي فرادى أو ببدله بان يكلها إلى الامام والمفروض بطلان قراءة الامام لو صدرت عن المأموم لقدرته على الاتيان بها صحيحة وان صحت عن الامام العاجز، فوجودها بالاضافة إلى المأموم كالعدم، فلم تتحقق لا بنفسها ولا ببدلها فلا يمكن الاجتزاء بقراءة الامام. واما الثاني: اعني الاتيان بنفسه فهو ايضا غير صحيح، إذ المستفاد من ادلة الجماعة الملازمة بين صحتها وبين تحمل الامام وايكال القراءة بتمامها إليه، ولم يعهد من الشرع جماعة تجب فيها القراءة كلا أو بعضا على المأموم في الاولتين للامام بحيث لا يتحمل عنه فيهما. ومع الشك كان المرجع اصالة عدم المشروعية. وهل اللحن في الاعراب وان كان لعدم استطاعته على الصحيح يلحق بما ذكر؟ اختار في المبسوط العدم فجوز امامة الملحن للمتقن سواء غير المعنى ام لا، وعن السرائر الجواز فيما إذا لم يغير المعنى. والاقوى عدم الجواز مطلقا فيلحق اللحن بما سبق، فان القراءة الملحونة وان لم تغير المعنى ليست من القرآن في شئ، إذ الذي نزل من السماء على قلب خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله انما هي القراءة الصحيحة الخالية عن اللحن وهي المأموم بها في الصلاة، فالاخلال بها وان كان عن عذر يمنع عن صحة الاقتداء، إذ غاية ما يترتب على العجز معذوريته لا صحة تحمله كما عرفت. فالمسألتان من واد واحد. والمتلخص من جميع ما سردناه لحد الآن ان الاختلاف بين الناقص والكامل ان كان في الشرائط كامامة المتيمم للمتوضئ، أو ذي الجبيرة

[ 418 ]

لغيره، أو مستصحب النجاسة في ثوبه أو بدنه من جهة العذر لغيره أو المسلوس والمبطون لغيرهما، أو المستحاضة حتى الكبيرة مع العمل بوظيفتها للطاهرة ففي جميع ذلك يصح الائتمام لصحة صلاة الامام واقعا وعدم الاخلال بالمتابعة في الافعال بعد الاتحاد في الهيئة الصلاتية وقد عرفت ان النصوص دلت على جواز امامة المتيمم للمتوضئ ولاسيما التعليل الوارد في ذيل صحيحة جميل المستفاد منه كبرى كلية وهي الاكتفاء في صحة الاقتداء بصحة صلاة الامام واقعا فيتعدى إلى الاختلاف في ساير الشرائط لما مر. نعم يعارضها موثقة السكوني المانعة من امامة المتيمم لغيره المحمولة على الكراهة جمعا. وان كان في الافعال فلا يجوز الائتمام الا في القاعد بالقائم أو بمثله لاصالة عدم المشروعية بعد فقد النص في غيرهما وعدم اطلاق في ادلة الجماعة من هذه الجهة مضافا إلى الاخلال بالمتابعة لدى الاختلاف في الهيئة كما مر. وان كان في الاذكار التي لا يتحملها الامام كالتشهد والتسبيحات في الركعتين الاخيرتين وذكر الركوع ونحوها فلا ينبغي الكلام في صحة الائتمام إذ لا متابعة ولا تحمل في مثلها كما لا خلل في التبعية للهيئة الصلاتية فحكمها حكم الاختلاف في الشرائط غير القادح في صحة الاقتداء كما عرفت. ومنه تعرف جواز الائتمام في الركعة الثالثة حتى بمن لا يحسن القراءة، إذ لا تحمل حينئذ كما مر سابقا والمفروض صحة صلاة الامام واقعا، والقراءة في عهدة المأموم نفسه فلا مانع من الاقتداء. وان كان في القراءة التي يتحملها الامام لم يجز الائتمام سواء أكان

[ 419 ]

[ (مسألة 1): لا بأس بامامة القاعد للقاعدين، والمضطجع لمثله، والجالس للمضطجع. (مسألة 2): لا بأس بامامة المتيمم للمتوضئ، وذي الجبيرة لغيره، ومستصحب النجاسة من جهة العذر لغيره بل الظاهر جواز امامة المسلوس والمبطون لغيرهما فضلا عن مثلهما، وكذا إمامة المستحاضة للطاهرة. (مسألة 3): لا بأس بالاقتداء بمن لا يحسن القراءة في غير المحل الذي يتحملها الامام عن المأموم كالركعتين ] لعدم اخراج الحرف عن مخرجه أو لابداله بآخر، أو للحن في الاعراب مغير للمعنى أو غير مغير فان المأموم مكلف بالقراءة غير انه لا يباشرها بنفسه ويكلها إلى الامام ويجتزي بقراءته عن القراءة الصحيحة المكلف هو بها بمقتضى ادلة الضمان، والمفروض ان قراءة الامام ليست قراءة صحيحة وغاية ما يترتب على معذوريته اجتزاؤه بها عن قراءة نفسه لا عن قراءة المأموم، فوجودها بالاضافة إليه كالعدم فليس له الاجتزاء بها، كما ليس له الاتيان بالآية التي لا يحسنها الامام للملازمة بين صحة الجماعة وبين التحمل التام، إذ لم يعهد من الشرع جماعة لا تحمل فيها فلا يمكن الحكم بصحة الائتمام ووجوب القراءة على المأموم. ومن جميع ما ذكرنا يظهر الحال في المسألة الاولى والثانية والثالثة التي ذكرها الماتن (قده) فلا حاجة إلى التعرض إليها بخصوصها فلاحظ.

[ 420 ]

[ الاخيرتين على الاقوى، وكذا لا بأس بالائتمام بمن لا يحسن ما عدا القراءة من الاذكار الواجبة والمستحبة التي لا يتحملها الامام عن المأموم إذا كان ذلك لعدم استطاعته غير ذلك. (مسألة 4): لا تجوز امامة من لا يحسن القراءة لمثله إذا اختلفا في المحل (1) الذي لم يحسناه، واما إذا اتحدا في المحل فلا يبعد الجواز وان كان الاحوط العدم، بل لا يترك الاحتياط مع وجود الامام المحسن، وكذا لا يبعد جواز امامة غير المحسن لمثله مع اختلاف المحل إذا نوى الانفراد عند محل الاختلاف، فيقرأ لنفسه بقية القراءة لكن الاحوط العدم، بل لا يترك مع وجود المحسن في هذه الصورة أيضا. ] (1): - لم يستبعد (قده) جواز الائتمام مع الاتحاد في المحل الذي لم يحسناه كما لو كان كل منهما يبدل الراء بالياء في (الرحمن الرحيم) ولعله من اجل ان قراءة المأموم لا تزيد على قراءة الامام حينئذ بشئ فلا مانع من الائتمام. بل لم يستبعد الجواز مع الخلاف في المحل أيضا بشرط الانفراد عند محل الاختلاف فيقرأ لنفسه بقية القراءة. أقول: اما مع الاتحاد فان كان هناك قطع خارجي ولم يتحصل

[ 421 ]

لنا - على جواز الائتمام فلا كلام، والا فاثباته بحسب الصناعة مشكل جدا، إذ لو كنا نحن ومقتضى الادلة الاولية لحكمنا بسقوط الصلاة رأسا لدى العجز عن القراءة كلا أو بعضا، إذ العجز عن الجزء عجز عن الكل فينتفي الامر المتعلق بالمركب بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الاجزاء، لكنا علمنا من الخارج ان الامر ليس كذلك في باب الصلاة وان المعذور في بعض الاجزاء يلزمه الاتيان بما يتمكن ويحسن لا بدليل ان الصلاة لا تسقط بحال فحسب بل من جهة ما ورد فيمن لا يحسن القراءة لكونه جديد العهد بالاسلام من انه يأتي بما تيسر له منها وانه يجتزئ بقراءته وان كانت مغلوطة ملحونة عن القراءة الصحيحة كصحيحة ابن سنان وغيرها مما تقدمت في محلها. فقد ثبت في حق العاجز بمقتضى الدليل الثانوي وان كان على خلاف القاعدة الاولية قيام الناقص مقام الكامل وبدليته عنه. ومن المعلوم ان هذا مشترك بين الامام والمأموم بعد فرض عجزهما معا. فكل واحد منهما مكلف بالمقدار الذي يحسن وانه يجتزئ بهذه القراءة الناقصة عن الصحيحة الكاملة الثابتة في حقه، واما الاجتزاء بها عن الصحيح الثابت في حق الغير فيحتاج إلى دليل مفقود. وبالجملة: غاية ما ثبت بدليل البدلية اجزاء الناقص من كل شخص عن كامل نفسه. واما اجزاؤه عن كامل غيره فلا دليل عليه، ومقتضى الاصل عدم الاجزاء، فلا يمكن القول بأن الناقص من الامام يقوم مقام الكامل المطلوب من المأموم كي يصح الائتمام. نعم يقوم مقام الكامل عن نفس الامام كما عرفت فجواز الائتمام

[ 422 ]

حتى مع الاتحاد في المحل مشكل فضلا عن الاختلاف. واما القطع الخارجي بجواز اقتداء كل مساو بمساويه فلم نتحققه وان ادعاه صاحب الجواهر (قده) وعهدته على مدعيه بعد عدم مساعدة الادلة عليه، فان المأموم وان كان لا يزيد على الامام بشئ لكن لم تثبت بدلية قراءة الامام عن قراءته. وأما مع الاختلاف فقد ظهر حكمه مما مر. وما افاده (قده) من جواز الائتمام حينئذ إذا نوى الانفراد عند محل الاختلاف فهو مبني على امرين: أحدهما دعوى شمول ادلة الجماعة لمثل المقام ونحوه مما لا يتمكن المكلف من اتمام صلاته جماعة لنقص في الامام ونحوه. وهذا لم يثبت الا في بعض الموارد كالاختلاف من حيث القصر والتمام أو عروض عارض للامام من موت أو حدث ونحو ذلك مما مر في محله، واما ما عدا ذلك ومنه المقام فلم يتم دليل على جواز الائتمام ومشروعية الجماعة كما لا يخفى. ثانيهما: جواز الدخول في الجماعة مع البناء من الاول على الانفراد في الاثناء وهذا ايضا غير ثابت بل غير جائز، إذ كيف يتعلق القصد إلى الجماعة مع هذا البناء من الابتداء كما مر. وسيأتي تفصيله ان شاء الله تعالى فما افاده (قده) من الجواز بشرط الانفراد لا يمكن المساعدة عليه. وعلى كل تقدير اي سواء أقلنا بالجواز ام لا، مع الاتحاد أو مع الاختلاف فلا فرق في ذلك بين وجود الامام المحسن وعدمه وان ذكر في المتن ان الاحتياط لا يترك مع وجوده، إذ وجوده وعدمه

[ 423 ]

[ (مسألة 5): يجوز الاقتداء بمن لا يتمكن من كمال الافصاح (1) بالحروف أو كمال التأدية إذا كان متمكنا من القدر الواجب فيها وان كان المأموم افصح منه. ] سيان من هذه الجهة بعد فرض عدم وجوب الجماعة حتى مع عجز المأموم عن القراءة كما اعترف (قده) به في اوائل فصل الجماعة وقلنا هناك ان الجماعة مستحبة مطلقا وان كان المأموم عاجزا والامام المحسن موجودا، لان للصلاة الصحيحة بدلين عرضيين الجماعة والقراءة الناقصة فلا يتعين احدهما مع التمكن من الآخر، فإذا لم يكن الحضور للجماعة واجبا في حد نفسه فلا فرق إذا في الحكم المزبور بين وجود الامام المحسن وعدمه، فان قلنا بصحة الائتمام صح مطلقا والا فسد مطلقا. والمتحصل مما ذكرناه ان من لا يحسن القراءة لا تجوز امامته سواء أكان المأموم محسنا أو مثله اتحدا في المحل ام اختلفا، كان هناك امام آخر محسن ام لم يكن. نعم لا يعتبر في الامام ان تكون قراءته فصيحة بعد ان كانت صحيحة ومشتملة على المقدار الواجب من تأدية الحروف وان كانت فاقدة لمحسنات القراءة من كمال الافصاح بالحروف، أو كمال التأدية وكونها بالمرتبة العالية فيجوز الائتمام به وان كان المأموم افصح منه، إذ المدار في الجواز على صحة قراءة الامام لا على فصاحتها كما تعرض الماتن (قده) لذلك في المسالة الآتية. (1): - قد ظهر الحال فيها مما ذكرناه آنفا فلا نعيد

[ 424 ]

[ (مسألة 6): لا يجب على غير المحسن الائتمام بمن هو محسن (1) وان كان هو الاحوط. نعم يجب ذلك على القادر على التعلم إذا ضاق الوقت عنه، كما مر سابقا. (مسألة 7): لا يجوز امامة الاخرس لغيره وان كان ممن لا يحسن، نعم يجوز امامته لمثله (2) وان كان الاحوط الترك خصوصا مع وجود غيره، بل لا يترك الاحتياط في هذه الصورة. ] (1): - كما اشرنا إليه آنفا وتقدم الكلام حول ذلك مستقصى في اوائل فصل الجماعة فلاحظ ان شئت. (2): - بل قد ظهر مما مر عدم جواز امامته حتى لمثله، لعدم اجزاء الناقص من كل شخص الا عن كامل نفسه لا عن كامل غيره فلا دليل على اجتزاء المأموم بناقص قراءة الامام، ومعلوم ان ادلة الضمان منصرفة إلى القراءة الكاملة الاختيارية فلا تشمل المقام، بل لو بنينا على جواز الامامة فيما مر بدعوى اجزاء القراءة الناقصة عن الكاملة ولو بالاضافة إلى الغير لا نقول به في الاخرس إذ هو لا يتمكن من القراءة اصلا لا كاملها ولا ناقصها، وانما يشير إليها، ومن المعلوم ان هذه الاشارة انما تجزي عن قراءة نفسه وتكون بدلا عنها، ولا دليل بوجه على اجزاء الاشارة عن قراءة غيره، فما ذكره في المتن من التفرقة بين امامته لمثله أو لغيره بالالتزام بالجواز في الاول لاوجه له لاشتراكهما في مناط المنع حسبما عرفت، ودعوى جواز امامة

[ 425 ]

[ (مسألة 8): يجوز امامة المرأة لمثلها (1) ولا يجوز للرجل ولا للخنثى. (مسألة 9): يجوز امامة الخنثى للانثى دون الرجل بل ودون الخنثى (2). ] كل مساو لمساوية قد تقدم ضعفها فلاحظ. (1): - مر البحث حول ذلك في اوائل الفصل عند التكلم عن اشتراط ذكورة الامام وعرفت ان مقتضى الجمع بين الاخبار جواز امامة المرأة لمثلها على كراهة، كما عرفت هناك عدم جواز امامتها للرجل، ومنه تعرف عدم جواز امامتها للخنثى لاحتمال كونها رجلا. (2): - لاريب في عدم جواز امامة الخنثى للرجل لاحتمال كونها انثى ولا تصح امامتها للرجل كما لا ريب في عدم جواز امامتها لمثلها لاحتمال كون الامام انثى والمأموم رجلا. انما الكلام في امامة الخنثى للانثى. وهذا ايضا لا اشكال فيه من ناحية الامام لانه اما رجل أو انثى، وعلى التقديرين تجوز امامته للانثى. لكن الاشكال ينشأ من ناحية الموقف بناءا على ما ذكرناه سابقا من وجوب وقوف المأموم الواحد بحيال الامام ان كان رجلا وخلفه ان كان امرأة. هذا إذا كان الامام رجلا، واما إذا كان امرأة فلا تتقدم على المأموم، بل تقف وسطهن كما في النص. وعليه فيتجه الاشكال هنا في موقف الانثى فان الامام ان كان رجلا وجب عليها

[ 426 ]

[ (مسألة 10): يجوز امامة غير البالغ لغير البالغ (1). (مسألة 11): الاحوط عدم امامة الاجذم والابرص والمحدود (2) بالحد الشرعي بعد التوبة، والاعرابي إلا ] ان تقف خلفه، وان كان امرأة وجب الوقوف بجانبها لعدم جواز تقدم الامام عليها حينئذ كما عرفت. فمن اجل العلم الاجمالي بوجوب احد الموقفين يشكل اقتداؤها بالخنثى إذ الاحتمال في كل من الطرفين منجز كما لا يخفى. (1): - تقدم في اول الفصل ان مقتضى بعض النصوص وان كان جواز امامة غير البالغ لكنها معارضة بما دل صريحا على المنع وانه لا يؤم حتى يحتلم، والجمع بحمل الاول على امامته لمثله، والثاني على امامته للبالغين تبرعي لا شاهد عليه بل تأباه ألسنة النصوص كما مر. فبعد التعارض والتساقط يرجع إلى اصالة عدم المشروعية حتى لمثله. وأما ما ورد من قوله (ع): " مروهم بالصلاة والصيام " فواضح انه ناظر إلى اصل الصلاة، ولم يلحظ خصوصيتها من كونها جماعة كي يثبت بذلك مشروعيتها لمثله بحيث يترتب احكامها من سقوط القراءة واغتفار زيادة الركن، والرجوع لدى الشك. فالاقوى عدم المشروعية. نعم لا بأس بتشكيل صورة الجماعة بعنوان التمرين كما نبه عليه الاستاذ - دام ظله - في التعليقة، فتكون اصل الصلاة شرعية وجماعتها تمرينية. (2): - حكم (قده) بجواز امامة الطوائف الاربع، اعني الاجذم، والابرص، والمحدود بالحد الشرعي بعد التوبة، والاعرابي

[ 427 ]

[ لامثالهم، بل مطلقا، وان كان الاقوى الجواز في الجميع مطلقا. ] وان كان الاحوط عدم امامتهم الا لامثالهم بل مطلقا. فنقول: اما الاجذم والابرص فقد وردت عدة روايات تضمنت المنع عن امامتهما ولو لامثالهما بمقتضى الاطلاق. منها: ما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) انه قال: خمسة لا يؤمون الناس ولا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة: الابرص والمجذوم. الخ (1). لكنها ضعيفة السند لضعف طريق الصدوق إلى ابن مسلم، وإن عبر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد كالمحقق الهمداني وغيره اغترارا بظاهر من وقع في السند من الصدوق الذي هو من اجلاء الاصحاب وابن مسلم الذي هو من اعاظم الرواة، بل من اصحاب الاجماع غفلة من امعان النظر في الطريق الواقع بينهما وضعفه، وقد وقع هذا الاشتباه منهم في نظير هذا السند كثيرا والعصمة لاهلها. ومنها: صحيحة ابي بصير. خمسة لا يؤمون الناس على كل حال المجذوم والابرص. الخ (2) وهي قوية السند ظاهرة الدلالة كصحيحة زرارة لا يصلين احدكم خلف المجذوم والابرص. الخ (3). وبأزائها روايتان احداهما رواية عبد الله بن يزيد عن المجذوم والابرص يؤمان المسلمين قال: نعم، قلت: هل يبتلي الله بهما


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) (3) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 5، 6.

[ 428 ]

المؤمن؟ قال: نعم وهل كتب الله البلاء الا على المؤمن (1) لكنها ضعيفة السند من اجل عبد الله بن يزيد فانه مهمل في كتب الرجال. ثانيتهما: ما رواه البرقي في المحاسن باسناده عن الحسين بن ابي العلاء عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن المجذوم والابرص منا ايؤمان المسلمين؟ قال: نعم. الخ (2). قال المحقق الهمداني (قده) عند التعرض للروايتين وضعف سندهما منجبر بعمل المشهور. أقول: لا نرى اي ضعف في الرواية الثانية كي يدعى انجبارها بالعمل فان البرقي معاصر ليعقوب بن يزيد فهو يرويها عن نفسه بلا واسطة، الا ان يكون نظره (قده) إلى الحسين بن ابي العلاء الخفاف. لكن النجاشي قال عند التعرض له ولاخويه ما لفظه: " روى الجميع عن ابي عبد الله (ع) وكان الحسين اوجههم " فالرجل ممدوح، فغاية ما هناك ان تكون الرواية حسنة لا موثقة، بل هي في اعلى درجات الحسن كما لا يخفى. على انه من رجال تفسير القمي ومن عداه من رجال السند كلهم اعيان اجلاء. إذا فالرواية معتبرة في نفسها من غير حاجة إلى دعوى الانجبار. وكيفما كان: فمقتضى الجمع بينها وبين الروايات المتقدمة المانعة هو الحمل على الكراهة (3) والمرجوحية فالاقوى جواز امامتهما لمثلهما وغيرهما على كراهة.


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 4. (3) لعل لسان صحيحة ابي بصير يأبى عن الحمل على الكراهة.

[ 429 ]

واما المحدود بالحد الشرعي بعد التوبة فقد ورد المنع عن امامته في جملة من النصوص عمدتها صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) في حديث قال: قال امير المؤمنين (ع): لا يصلين احدكم خلف المجذوم والابرص. والمجنون المحدود، وولد الزنا، والاعرابي لا يؤم المهاجرين " (1) وما عداها من الروايات كرواية ابن مسلم (2) ورواية الاصبغ (3) ضعيفة لا تصلح الا للتأييد. ومقتضى الاطلاق في هذه الروايات عدم الفرق في المنع بين امامته لمثله أو لغيره إذ ليس فيها اشعار فضلا عن الدلالة على الاختصاص بالثاني. فما افاده في المتن من التفرقة بينهما وان الاحوط عدم امامته الا لمثله غير ظاهر الوجه. وكيفما كان: فرواية زرارة صحيحة السند ظاهرة الدلالة كدلالة غيرها من بقية النصوص المؤيدة لها، فان ظاهر النهي التحريم الوضعي المساوق لبطلان الجماعة. ومع ذلك فقد ذهب غير واحد منهم الماتن وصاحب الجواهر إلى الجواز وحملوا النهي على الكراهة باعتبار معارضتها للروايات الدالة على جواز الصلاة خلف كل من يوثق بدينه فحملوا النهي على الكراهة جمعا. ولكنه لا يتم: اما اولا: فلان النسبة بين الصحيحة وتلك الروايات وان كانت هي العموم من وجه فان المحدود يعم من تاب فصار عادلا يوثق بدينه، ومن لم يتب، كما ان تلك الروايات تعم المحدود التائب وغير المحدود فيتعارضان في المحدود بعدما تاب لكن لابد من


(1) (2) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 6، 3. (3) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 6.

[ 430 ]

تقديم الصحيحة عليها لمرجح فيها وهو ما اشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح مرارا من ان في موارد التعارض بالعموم من وجه إذا لزم من تقديم احد الدليلين الغاء العنوان المذكور في الآخر بالكلية تعين الآخر في الترجيح، وذكرنا لهذا الضابط موارد: منها: الروايات الدالة على اعتصام الجاري إذا كانت له مادة المعارضة بمفهوم قوله (ع) إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ بالعموم من وجه، إذ مقتضى الاطلاق في الاول عدم الفرق بين القليل والكثير، كما ان مقتضى اطلاق الثاني عدم الفرق بين الجاري وغيره فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي القليل الجاري الذي له مادة فان مقتضى الاول الاعتصام، ومقتضى الثاني الانفعال، لكن لا محذور في تقديم الاول إذ غايته تقييد المفهوم واختصاصه بالقليل غير الجاري. وهذا بخلاف العكس إذ لو قدم الثاني وحكم بانفعال القليل وان كان جاريا لزم الغاء عنوان الجاري المذكور في تلك الروايات بالكلية، إذ لم يبق تحتها الا الكثير المعتصم في حد نفسه وبعنوان الكثرة، فلم تبق لصفة الجريان خصوصية ابدا، ويكون ذكرها لغوا محضا، فحذرا عن هذا المحذور يتعين الاول في الترجيح. ومنها: ما ورد من ان كل طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله وخرئه المعارض مع قوله: اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه بالعموم من وجه، إذ مقتضى الاطلاق في الاول عدم الفرق في الطائر بين مأكول للحم وغيره، كما ان مقتضى الاطلاق في الثاني عدم الفرق فيما لا يؤكل بين الطائر وغيره فيتعارضان في الطائر الذي لا يؤكل لحمه لكن لا محذور في تقديم الاول، إذ غايته ارتكاب

[ 431 ]

التقييد في الثاني وحمله على غير الطائر من افراد ما لا يؤكل، وهذا بخلاف العكس، إذ لو قدمنا الثاني وحكمنا بنجاسة بول ما لا يؤكل من الطائر وغيره لزم الغاء وصف الطيران وهدم هذا العنوان المأخوذ في لسان الدليل الاول، إذ عليه لم يبق فرق في طهارة بول مأكول اللحم بين الطائر وغيره. والمقام من هذا القبيل فان من الواضح ان ظاهر الصحيحة ان المحدود بعنوان كونه محدودا موضوع للمنع لا من جهة كونه فاسقا. وعليه فلو قدمناها على ما ورد من قوله (ع): " لا تصل الا خلف من تثق بدينه " لا محذور فيه عدا ارتكاب التخصيص والالتزام بجواز الصلاة خلف كل عادل الا المحدود. وهذا بخلاف العكس، إذ لازم تقديم الثاني الغاء عنوان المحدود عن موضوعيته للمنع بالكلية إذ لا فرق بينه وبين غير المحدود في عدم جواز الصلاة خلفه إذا لم يوثق بدينه، فلا مناص من تقديم الصحيحة كي لا يلزم المحذور المزبور. ونتيجة ذلك حمل المحدود المذكور في الصحيحة على ما بعد التوبة تحفظا على استقلال عنوان المحدودية في المانعية. فيحكم بأن مجرد المحدودية مانع عن الامامة إلى الابد وان تاب وصار عادلا. ولا يقاس ذلك بمثل قوله: لا تصل خلف شارب الخمر: بداهة ان الظاهر من شارب الخمر هو الممارس لشربها فعلا، ومقتضى مناسبة الحكم والموضوع ان علة النهي هو فسقه، ولا ظهور له فيمن شرب ولو مرة واحدة ثم تاب، أو شرب عن عذر، وهذا بخلاف المحدود فانه ظاهر فيمن اجري عليه الحد في زمان ما وان تاب بعده. واما ثانيا: فمع الغض عما ذكرناه غاية ما هناك تعارض الدليلين

[ 432 ]

بالعموم من وجه وتساقطهما فيرجع حينئذ إلى اصالة عدم المشروعية ولا مجال للجمع بالحمل على الكراهة في مثل ذلك كما لا يخفى. فيلتزم بان المحدود في زمان ممنوع عن الامامة دائما لمثله ولغيره وان تاب واصبح عادلا، ولا بعد في ذلك فان المحدودية منقصة شرعية تسقطه عن الانظار، ويوصف صاحبها بالعيب والعار، ولا كرامة له في اعين الناس، ولا يرضى الشارع بتصدي من هذا شأنه لمنصب الامامة وزعامة الجماعة، فهو من هذه الجهة نظير ابن الزنا الممنوع عن اشغال هذا المنصب وان كان في غاية الورع والتقى لاشتراكهما في النقص، غايته ان النقص فيه طبيعي ذاتي وفي المقام لسبب اختياري وهذا لا يكون فارقا في مناط المنع. واما الاعرابي فالمنسوب إلى جماعة من القدماء المنع عن امامته مطلقا، بل عن بعض نفي الخلاف فيه الا من الحلي، والمشهور بين المتأخرين الكراهة، وفصل بعضهم بين امامته لمثله فيجوز ولغيره فلا يجوز، وهذا هو الاظهر كما ستعرف. والاخبار الواردة في المقام عمدتها صحيحتا ابي بصير وزرارة قال (عليه السلام) في الاولى: " خمسة لا يؤمون الناس على كل حال المجذوم والابرص والمجنون وولد الزنا والاعرابي ". وفي الثانية لا يصلين احدكم خلف المجذوم والابرص والمجنون والمحدود وولد الزنا، والاعرابي لا يؤم المهاجرين، (1) وما عداهما من النصوص فهي ضعيفة سندا وبعضها دلالة. منها: رواية عبد الله بن طلحة النهدي عن الصادق (عليه السلام):


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 5، 6.

[ 433 ]

" لا يؤم الناس المحدود وولد الزنا والاغلف، والاعرابي، والمجنون والابرص، والعبد " (1) والسند ضعيف إلى النهدي وهو بنفسه مجهول. ومنها: رواية الاصبغ " ستة لا ينبغي ان يؤموا الناس ولد الزنا والمرتد، والاعرابي بعد الهجرة. (2). وهي ضعيفة سندا بابي جميلة المفضل بن صالح، وكذا دلالة لا من جهة لفظة لا ينبغي فانها غير قاصرة الدلالة على الحرمة لما ذكرناه غير مرة من انها لغة بمعنى (لا يتيسر ولا يمكن) المساوق للمنع، ومنه قوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها. الخ) وتفسيرها ب‍ (لا يليق ولا يناسب) الراجع إلى الكراهة اصطلاح حادث والكلمة في لسان الاخبار على ما هي عليه من المعنى اللغوي، بل من جهة ان الظاهر من قوله الاعرابي بعد الهجرة هو التعرب بعد الهجرة، اي الاعراض عن ارض المسلمين بعد الهجرة إليهم والانتقال إلى بلد الكفار الذي هو فسق ومعدود من الكبائر في جملة من الاخبار، لا الاعرابي بمعنى سكنة البوادي المبحوث عنه في المقام لمنافاته مع كلمة بعد الهجرة المذكورة في الرواية فهي اجنبية عن محل الكلام كما لا يخفى. ومنها: ما رواه في قرب الاسناد باسناده عن جعفر عن ابيه (ع) قال: كره ان يؤم الاعرابي لجفائه عن الوضوء والصلاة (3). وهي ضعيفة سندا بابي البختري الذي قيل في حقه انه اكذب


(1) المستدرك: باب 13 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (3) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 9.

[ 434 ]

البرية، ودلالة من جهة التعبير ب‍ (كره) ولاسيما التعليل بالجفاء الظاهر في ان الاعرابي من حيث هو لا خصوصية فيه وانما لا يؤتم به لنقص في وضوئه وصلاته وجفائه عنهما فتكون ايضا اجنبية عن محل الكلام من عدم جواز الائتمام بالاعرابي بما هو اعرابي مع استجماعه لساير الشرائط. فهذه الروايات غير صالحة الاستدلال. والعمدة: هي الصحيحتان المتقدمتان وقد ذكر صاحب الوسائل اولاهما اعني صحيحة أبي بصير في موضعين احدهما ما مر والاخر في باب 14 من صلاة الجماعة ح 1 معبرا عن أبي بصير في الثاني بقوله يعني ليث المرادي وكيفما كان. فسواء كان ليثا ام غيره فهو موثق، والرواية صحيحة وقد تضمنت عدم جواز امامة الاعرابي حتى لمثله بمقتضى الاطلاق لكن الثانية اعني صحيحة زرارة مقيدة بالمهاجرين فهل يحمل المطلق على المقيد فيختص النهى بامامته للمهاجرين أو يعمل بكليهما معا، أو يحمل النهي فيهما على الكراهة؟ وجوه بل اقوال كما مر. اما الاخير فلا وجه له ظاهر. ودعوى ان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي الحمل على الكراهة بشهادة التعليل بالجفاء عن الوضوء والصلاة في رواية قرب الاسناد المتقدمة الظاهر في ان كراهة امامته لامر خارجي لا لكونه اعرابيا غير مسموعة، والرواية ضعيفة كما سمعت فلا تصلح للاستشهاد. فيدور الامر بين الاحتمالين الاولين. وقد يقال بالثاني نظرا إلى عدم التنافي بينهما كي يجمع بحمل المطلق على المقيد. فان مورد التنافي المقتضي للحمل ما إذا كان الحكم في الدليل المطلق مجعولا على

[ 435 ]

نحو صرف الوجود مثل قوله: اعتق رقبة مع قوله: اعتق رقبة مؤمنة فان المطلوب شئ واحد وهو صرف وجود العتق. فيدور الامر بين كونه مقيدا بحصة خاصة وان المراد من مجموع الدليلين شئ واحد وهي الرقبة المؤمنة وان يكون مطلقا والامر في المقيد محمولا على الاستحباب لبيان افضل الافراد والمقرر في محله ان المتعين هو الاول عملا بظاهر الامر في دليل التقييد بعد ان لم تكن ثمة قرينة تقتضي صرفه إلى الاستحباب. واما إذا كان الحكم انحلاليا ومجعولا على نحو مطلق الوجود الساري إلى جميع الافراد على سبيل تعدد المطلوب فليست هناك اية منافاة بين الدليلين كي تحتاج إلى الجمع لجواز الاخذ بكل منهما نظير قوله: بول الهرة نجس بالاضافة إلى قوله (ع): اغسل ثوبك من ابوال مالا يؤكل لحمه وقوله: النبيذ حرام مع قوله: كل مسكر حرام، وقوله: ماء البحر طاهر مع قوله: خلق الله الماء طهورا إلى غير ذلك من الاحكام المجعولة على الطبيعة السارية التي لا تنافي بينها وبين ما دل على ثبوت الحكم لبعض افرادها كي يحمل مطلقها على مقيدها، فلا يحمل مالا يؤكل على خصوص الهرة، ولا المسكر على النبيذ، ولا الماء على ماء البحر بل يعمل بكلا الدليلين بعد عدم التنافي في البين. والمقام من هذا القبيل فان صحيحة أبي بصير دلت على المنع من امامة الاعرابي بنحو مطلق الوجود الشامل لمثله وللمهاجر فلا تنافيها صحيحة زرارة الخاصة بالمهاجر، بل يعمل بكل منهما، ومعلوم ان التقييد بالمهاجر لا يدل على نفي الحكم عن غيره ليقع التنافي بينه

[ 436 ]

وبين الاطلاق لعدم مفهوم للوصف، فلا تنافي بين الدليلين لا من ناحية صناعة الاطلاق والتقييد، ولا من ناحية مفهوم القيد كي يستوجب الحمل المزبور. فلا مناص من الاخذ بكلا الدليلين. اقول: قد ذكرنا في بحث الاصول ان الوصف وان لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح اعني الدلالة على العلية المنحصرة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء فلا معارضة بين قوله اكرم رجلا عادلا وبين قوله اكرم رجلا هاشميا كما تتحقق المعارضة بينهما لو كان بنحو القضية الشرطية، الا ان التقييد بالوصف يدل لا محالة على ان الموضوع للحكم ليس هو الطبيعة على اطلاقها وسريانها والا كان التقييد به من اللغو الظاهر، فلو ورد في دليل اكرم رجلا لكان معارضا مع قوله اكرم رجلا عادلا بطبيعة الحال لدلالة الاول على ان الموضوع ذات الرجل اينما سرى وحيثما تحقق. وقد عرفت ان الثاني ينفي ذلك. وعلى الجملة: لا نضايق من ان الوصف لا يقتضي الانحصار لجواز قيام خصوصية اخرى مقامه كالهاشمية في المثال، لكن لا مناص من الالتزام بدلالته على عدم كون الطبيعة المطلقة موضوعا للحكم حذرا من لغوية القيد كما عرفت. ودعوى جواز ان تكون النكتة في ذكره العناية بشأنه والاهتمام بأمره، أو لبيان افضل الافراد لمزية فيه، كل ذلك مخالف لظاهر الكلام، ولا يكاد يساعده الفهم العرفي ما لم تقم عليه قرينة خاصة ولعله إلى ما ذكرنا ينظر قول اهل الادب من ان الاصل في القيد ان يكون احترازيا مع اعترافهم بعدم المفهوم للوصف بالمعنى المصطلح.

[ 437 ]

وعليه: فصحيحتا أبي بصير وزرارة متنافيتان لا محالة، إذ التقييد بالمهاجر الواقع في كلام الامام (ع) في صحيح زرارة كاشف عن عدم كون موضوع الحكم مطلق الاعرابي والا لم يكن وجه للتقييد به كما عرفت. وقد دلت صحيحة أبي بصير على ان الموضوع مطلق الاعرابي وانه لا يؤتم به ولا بغيره من المذكورات فيها على كل حال فلا مناص من حمل المطلق على المقيد والالتزام باختصاص المنع بالمهاجر لامن جهة دلالة القيد على المفهوم الاصطلاحي، بل من جهة دلالته على نفي الحكم عن الطبيعي المطلق كما بيناه. فالقول بالاختصاص هو الاظهر. ويدل عليه الحث الاكيد الوارد في كثير من الروايات على اقامة الجماعات بل الجمعة لعامة المسلمين الذين منهم الاعرابي وسكنة البوادي فهم ايضا مأمورون باقامتها فيما بينهم بمقتضى الاطلاقات بل السيرة ايضا قائمة على تشكيل الجماعات بينهم وائتمام بعضهم ببعض. ولعل حكمة المنع عن امامته للمهاجر ان معرفة الحضري بدقائق الاحكام اكثر، واطلاعه على المسائل اوفر لقصور الاعرابي غالبا عن العثور على المزايا والخصوصيات المتعلقة بالصلاة ومقدماتها فلا يناسب ان يأتم به الامثله. فتحصل: ان القول بالكراهة ضعيف وان نسب إلى كثير من المتأخرين بل المشهور بينهم كضعف القول بالتعميم. فالاقوى عدم جواز امامة الاعرابي الا لمثله.

[ 438 ]

[ (مسألة 12): العدالة ملكة الاجتناب عن الكبائر (1) وعن الاصرار على الصغائر، وعن منافيات المروة الدالة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين، ويكفي حسن الظاهر الكاشف ظنا عن تلك الملكة. (مسألة 13): المعصية الكبيرة هي كل معصية ورد النص بكونها كبيرة كجملة من المعاصي المذكورة في محلها أو ورد التوعيد بالنار عليه في الكتاب أو السنة صريحا أو ضمنا أو ورد في الكتاب أو السنة كونه اعظم من احدى الكبائر المنصوصة أو الموعود عليها بالنار، أو كان عظيما في انفس اهل الشرع. (مسألة 14): إذا شهد عدلان بعدالة شخص كفى في ثبوتها إذا لم يكن معارضا بشهادة عدلين آخرين، بل وشهادة عدل آخر بعدمها (2). ] (1) تقدم الكلام حول هذه المسألة وما بعدها المتكفلتين لتحقيق معنى العدالة وما يكشف عنها وبيان المعاصي الكبيرة وما يتعلق بها وساير المزايا والخصوصيات المتعلقة بالمسألتين في مباحث الاجتهاد والتقليد مستقصى بما لا مزيد عليه. فلا حاجة إلى الاعادة. (2) لاشك في ثبوت العدالة بشهادة العدلين التي هي بينة شرعية كما لاشك في عدم الثبوت لدى معارضتها بشهادة عدلين آخرين

[ 439 ]

وتساقطهما، وهل تعارض بشهادة العدل الواحد؟ يبتني ذلك على حجية خبر العادل في الموضوعات كالاحكام. فعلى القوم بالحجية تعارض ولا تلاحظ معه العدد كما هو الحال في باب الاحكام، فكما ان الرواية الواحدة الدالة على وجوب شئ مثلا تعارض الروايات النافية له وان كانت متعددة ما لم تبلغ حد التواتر أو الشهرة بحيث تعد من الواضحات وما بازائها من الشاذ النادر فكذا في باب الموضوعات، فلا عبرة بالعدد في استقرار المعارضة بعد فرض حجية المتعارضين في نفسهما (1). واما على القول بعدم الحجية فلا تعارض، إذ لا معارضة بين الحجة واللا حجة كما هو ظاهر. هذا: وقد ذكرنا في محله ان الاقوى حجية خبر العدل الواحد في الموضوعات كالاحكام فان عمدة المستند في الحجية هي السيرة العملية المؤكدة بالآيات والروايات، وهي كما قامت على العمل بخبر العادل في الاحكام قامت على العمل به في الموضوعات بلا فرق بينهما، وهي ممضاة لدى الشرع بعدم الردع الا في موارد خاصة اعتبر فيها العدد كما في الترافع بل ربما اعتبر الاربع كما في الشهادة على الزنا. ودعوى: الردع عنها بمثل قوله (ع) في رواية مسعدة بن صدقة " والاشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة " الظاهر في المنع عن العمل في الموضوعات بغير البينة (مدفوعة) بان الرواية وان


(1) ولا ينافي ذلك تقدم البينة على خبر الثقة في باب القضاء والمرافعة لدلالة النص الخاص على اعتبار العدد في هذا الباب.

[ 440 ]

كانت معتبرة لوجود مسعدة في اسانيد كامل الزيارات (1) وان لم يوثق صريحا لكن الدلالة قاصرة. فان المراد بالبينة هي مطلق الحجة الشرعية في قبال الاستبانة التي هي بمعنى الوضوح بالعلم الوجداني لا خصوص شهادة العدلين فانه اصطلاح محدث تداول في السنة الفقهاء واما لغة فهي بمعنى الحجة والبرهان، وكذا في لسان الآيات والروايات باجمعها حتى في مثل قوله صلى الله عليه وآله: انما اقضي بينكم بالايمان والبينات فان مراده صلى الله عليه وآله بذلك عدم استفادته في مقام القضاء وفصل الخصومة من علم النبوة، بل يحكم على طبق الموازين الشرعية الظاهرية من مطالبة المدعي بالدليل والحجة والمنكر باليمين ولا تنحصر الحجة في شهادة العدلين، بل قد تفصل الخصومة بغيرها كالاقرار بلا اشكال. نعم ثبت من الخارج حجية الشهادة فيعلم من ذلك انها مصداق للبينه لا انها منحصرة في شهادة العدلين كما لا يخفى. وعلى الجملة: المستفاد من رواية مسعدة ان الاشياء كلها على الاباحة حتى يثبت خلافها بعلم وجداني أو حجة شرعية وهي تارة تكون البينة المصطلحة، واخرى خبر الثقة، وثالثة غيرهما من استصحاب ونحوه فلا دلالة فيها بوجه على الردع عن السيرة القائمة على العمل بخبر العدل الواحد في الموضوعات كالاحكام. وعليه: فشهادة العدلين بعدالة شخص كما تعارض بشهادة عدلين آخرين تعارض بشهادة العدل الواحد بمناط واحد. فلا تثبت العدالة


(1) بل لكونه من رجال تفسير القمي، لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

[ 441 ]

[ (مسألة 15): إذا اخبر جماعة غير معلومين بالعدالة بعدالته وحصل الاطمئنان (1) كفى بل يكفي الاطمئنان إذا حصل من شهادة عدل واحد، وكذا إذا حصل من اقتداء عدلين به، أو من اقتداء جماعة مجهولين به، والحاصل انه يكفي الوثوق والاطمئنان للشخص من اي وجه حصل بشرط كونه من اهل الفهم والخبرة والبصيرة والمعرفة بالمسائل لا من الجهال، ولا ممن يحصل له الاطمئنان والوثوق بأدنى شئ كغالب الناس. ] كما افاده في المتن. (1) لا ريب في كفاية الوثوق والاطمئنان الذي هو حجة عقلائية لكن الماتن قيده بأمرين احدهما أن يكون من حصل له الوثوق الشخصي من اهل الفهم والخبرة والبصيرة المعرفة بالمسائل. ثانيهما ان لا يكون ممن يحصل له الاطمئنان والوثوق بأدنى شئ. اقول: اما القيد الثاني ففي محله فان المستند في حجية الوثوق الشخصي انما هي السيرة العقلائية وهي خاصة بما إذا تحصل الوثوق من السبب العادي المتعارف الذي يراه العرف موجبا لذلك دون ما لم يكن كذلك كما لو حصل له الوثوق بعدالة زيد أو فضله من قلة أكله أو كبر عمامته ونحو ذلك مما لا يراه العقلاء منشأ للوثوق، بل ربما يلام ويستهزء من ادعاه مستندا إلى هذا الامور، بل قيل ان القطع لا يكون حجة إذا استند إلى سبب غير عادي فضلا عن

[ 442 ]

[ (مسألة 16): الاحوط ان لا يتصدى للامامة من يعرف نفسه بعدم العدالة (1) وان كان الاقوى جوازه. ] الوثوق، وان كان هذا ممنوعا جدا لحجية القطع الطريقي مطلقا كما تبين في الاصول. واما القيد الاول فلم نعرف له وجها ابدا، إذ لا فرق في السيرة القائمة على حجية الوثوق الناشئ من السبب العادي بين ان يكون صاحبه من اهل الفهم والخبرة ام من الجهة السفلة، فلو رأى الجاهل جماعة من ذوي الفضل وان لم يعلم عدالتهم يأتمون بشخص فحصل له الوثوق بعدالته وفرضنا ان هدا سبب عادي لدى نوع اهل العرف فلا قصور في شمول السيرة للوثوق الحاصل لمثل هذا الشخص وان لم يكن من اهل الخبرة والفضل. ودعوى انصراف الوثوق في قوله: لا تصل الا خلف من تثق بدينه وامانته، إلى الوثوق العقلائي المختص باهل الفهم والبصيرة. (يدفعها) ضعف الرواية اولا كما مر سابقا (1) ومنع الانصراف ثانيا والوثوق الشخصي وان كان كافيا لكن المستند في حجيته انما هي السيرة كما عرفت آنفا لا هذه الرواية الضعيفة كي يدعى فيها الانصراف. (1) ذهب بعضهم إلى عدم جواز التصدي للامامة لمن يرى من نفسه انه لا اهلية له، ومن اجله احتاط الماتن وان قوى الجواز. ويستدل له تارة: بما رواه ابن ادريس عن كتاب السياري قال: قلت لابي جعفر الثاني (ع) قوم ومن مواليك يجتمعون


(1) ص 396.

[ 443 ]

فتحضر الصلاة فيقدم بعضهم فيصلي بهم جماعة، فقال: ان كان الذي يؤم بهم ليس بينه وبين الله طلبة فليفعل (1) دل بمقتضى المفهوم على عدم جواز الامامة لمن يرى ان بينه وبين الله طلبة واثم. وفيه: ان دلالة الرواية وان لم يكن بها بأس في حد نفسها مع قطع النظر عن القرائن الخارجية المقتضية لفساد هذا الاعتقاد، وقد كان المرحوم السيد القمي (قده) يقول ان من يرى من نفسه انه غير مأثوم، وليس بينه وبين الله طلبة واثم فهو غبي قاصر، ولا يكاد يدعيه العاقل. الا أن السند ضعيف جدا اولا: لجهالة طريق ابن ادريس إلى الكتاب. وثانيا: ان السياري بنفسه ضعيف لا يعتمد عليه ولا على كتابه. واخرى. بأن الجماعة تتضمن احكاما من رجوع المأموم إلى الامام لدى عروض الشك وان كان مبطلا واغتفار زيادة الركن، ولا جماعة مع علم الامام بعدم الاهلية لانها من الشرائط الواقعية كما مر. فصلاة المأموم باطلة عند اتفاق هذه الامور. وحيث ان البطلان مستند إلى الامام لكونه السبب في ايجاده بتقمصه الامامة عالما بعدم اللياقة وفساد الجماعة فيحرم لحرمة التسبيب إلى الحرام كارتكابه. ويندفع: بان الكبرى اعني حرمة التسبيب إلى الحرام كمباشرته فيما إذا كان الفعل محرما على الكل وان كانت مسلمة فلا يجوز تقديم الطعام النجس إلى الغير ليأكله بلا اشكال، لكن الصغرى ممنوعة فان التصدي للامامة ليس الا مقدمة اعدادية لبطلان الصلاة إذ ليس هو سببا للائتمام فضلا عن البطلان غاية ما هناك ان الامام يجعل


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صلاة الجماعة ح 12.

[ 444 ]

نفسه معرضا لان يؤتم به وهذا لا يستوجب استناد فعل المأموم إليه عرفا من اقتدائه أو بطلان صلاته وانما هو مسبب عن اعتقاده عدالة الامام، فليست المعرضية الا من قبيل المعدات نظير بيع العنب ممن يحتمل انه يصنعه خمرا أو الطعام لاحد وهو يحتمل انه يأكله في نهار شهر رمضان ونحو ذلك من المقدمات الاعدادية. نعم لا نضايق من صدق التسبيب لدى علم الامام باتفاق هذه الامور الموجبة للبطلان لكنه فرض نادر ولعله لا يكاد يتفق خارجا بتاتا. وعلى الجملة: لا تسبيب إلى الحرام في مثل المقام، فلا مانع من التصدي للامامة، ومقتضى الاصل جوازه بعد عدم الدليل على الحرمة هذا. وربما يستدل للجواز بالروايات المتقدمة في محلها المتضمنة لعدم وجوب اعلام المأمومين بفساد الصلاة بل في بعضها جواز التصدي للامامة حتى مع عدم كونه ناويا للصلاة (1)، فإذا جاز ذلك مع فساد الصلاة جاز مع فساد الامامة وصحة الصلاة كما في المقام بطريق اولى. وفيه: ما لا يخفى فان ترك الروايات ناظرة إلى عدم بطلان صلاة المأمومين من ناحية فساد صلاة الامام وان هذه الجهة لا تستوجب فساد صلاتهم. فلا مانع من التصدي من هذه الحيثية ولا نظر فيها إلى الفساد من جهة اخرى كما لو رتب المأموم آثار الجماعة من زيادة ركن للمتابعة أو رجوعه إلى الامام في الشكوك الباطلة فانه لا تعرض فيها لجواز التصدي حتى لدى عروض هذه الطوارئ


(1) تقدمت في ص 365.

[ 445 ]

[ (مسألة 17): الامام الراتب في المسجد أولى بالامامة من غيره (1) وان كان غيره افضل منه لكن الاولى له تقديم الافضل، وكذا صاحب المنزل اولى من غيره المأذون في الصلاة، والا فلا يجوز بدون اذنه، والاولى ايضا تقديم الافضل، وكذا الهاشمي اولى من غيره المساوي له في الصفات. (مسألة 18): إذا تشاح الائمة رغبة في ثواب الامامة لا لغرض دنيوي رجح من قدمه المأمومون جميعهم تقديما ] احيانا الذي هو محل الكلام في المقام. ولا يبنغي الاشكال في جواز التصدي وعدم البطلان في المقام فيما إذا لم يتفق تلك الامور. فالعمدة في الجواز هو الاصل كما عرفت. نعم: ليس للامام ترتيب احكام الجماعة كرجوعه إلى المأموم لدى الشك، إذ بعد علمه بعدم الاهلية فهو يرى بطلان الجماعة فكيف يسوغ له ترتيب آثارها، فانه منفرد واقعا وان كان امام الجماعة ظاهرا. فما دل على انه لاشك للامام إذا حفظ عليه من خلفه غير شامل للمقام بلا كلام. والمتحصل: من جميع ما قدمناه ان الاقوى جواز تصدي من لا اهلية له للامامة ولا شئ عليه وان رتب المأمومون آثار الجماعة غير انه بنفسه لا يرتب تلك الآثار. (1) تعرض (قده) في هذه المسألة وما بعدها إلى نهاية الفصل

[ 446 ]

[ ناشئا عن ترجيح شرعي لا لاغراض دنيوية، وان اختلفوا فاراد كل منهم تقديم شخص فالاولى ترجيح الفقيه الجامع للشرائط خصوصا إذا انضم إليه شدة التقوى والورع فان لم يكن أو تعدد فالاولى تقديم الاجود قراءة ثم الافقه في احكام الصلاة، ومع التساوي فيها فالافقه في ساير الاحكام غير ما للصلاة، ثم الاسن في الاسلام، ثم من كان ارجح في ساير الجهات الشرعية والظاهر ان الحال كذلك إذا كان هناك ائمة متعددون، فالاولى للمأموم اختيار الارجح بالترتيب المذكور، لكن إذا تعدد المرجح في بعض كان اولى ممن له ترجيح من جهة واحدة، والمرجحات الشرعية مضافا إلى ما ذكر كثيرة لابد من ملاحظتها في تحصيل الاولى، وربما يوجب ذلك خلاف الترتيب المذكور مع انه يحتمل اختصاص الترتيب المذكور بصورة التشاح بين الائمة أو بين المأمومين لا مطلقا، فالاولى للمأموم مع تعدد الجماعة ملاحظة جميع الجهات في تلك الجماعة من حيث الامام، ومن حيث اهل الجماعة من حيث تقواهم ] وفضلهم، وكثرتهم وغير ذلك ثم اختيار الارجح فالارجح. لعدة فروع تتضمن اولوية شخص بالاضافة إلى غيره في التصدي للامامة كاولوية الامام الراتب في المسجد، أو الافضل، أو الهاشمي، أو

[ 447 ]

[ (مسألة 19): الترجيحات المذكورة أنما هي من باب الافضلية والاستحباب لا وجه اللزوم والايجاب حتى في اولوية الامام الراتب (1) الذي هو صاحب المسجد فلا يحرم مزاحمة الغير له وان كان مفضولا من سائر الجهات ] صاحب المنزل عن غير المأذون والا فلا يجوز بدون الاذن، وكذا إذا تشاح الائمة لغرض اخروي بل الدنيوي ايضا بناءا على ما عرفت سابقا من ان الامر بالجماعة توصلي لا تعبدي، أو تشاح المأمومون فمال بعضهم إلى جانب غير الجانب الآخر ولو لاجل الافتخار والمباهاة بأن الامام من اهل بلده مثلا فذكر (قده) مرجحات في مقام التقديم من الافقهية والاورعية والاجودية قراءة والاسنية ونحوها، لكن شيئا من هذه الترجيحات لم يثبت لضعف مستندها باجمعها من الفقه الرضوي أو رواية الدعائم أو مجرد الشهرة، أو النبوي كما في تقديم الهاشمي إذ لا مستند له سوى النبوي: " قدموا قريشا ولا تقدموها " غير المختص بباب الصلاة. (1) نعم: لا بأس بالعمل بها في الكل من باب التسامح فان الحكم استحبابي لا وجوبي. فلا حاجة للتعرض إلى هذه الفروع. (1) فيه اشكال: إذ قد يكون ذلك مظنة للهتك، أو مزاحمة


(1) روى في المستدرك في باب 23 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 6 ج 1 ص 492. رواية يظهر منها استحباب الصلاة خلف القرشي وان كانت ضعيفة السند ايضا.

[ 448 ]

[ ايضا إذا كان المسجد وقفا لا ملكا له ولا لمن لم يأذن لغيره في الامامة. (مسألة 20): يكره امامة الاجذم والابرص والاغلف المعذور في ترك الختان والمحدود بحد شرعي بعد توبته ومن يكره المأمومون امامته والمتيمم للمتطهر والحائك والحجام والدباغ إلا لامثالهم بل الاولى عدم امامة كل ناقص لكامل وكل كامل للاكمل. ] لحق السبق، أو مثارا للفتنة، ومن ثم كان الاحوط وجوبا التجنب عنه كما اشار إليه سيدنا الاستاد - دام ظله - في تعليقته الشريفة.

[ 449 ]

[ فصل " في مستحبات الجماعة ومكروهاتها " اما المستحبات فأمور: (احدها): ان يقف المأموم عن يمين الامام ان كان رجلا واحدا (1)، وخلفه ان كانوا اكثر، ولو كان المأموم امرأة واحدة وقفت خلف الامام على الجانب الايمن بحيث يكون سجودها محاذيا لركبة الامام أو قدمه ولو كن ازيد وقفن خلفه، ولو كان رجلا وامرأة واحدة أو اكثر وقف الرجل عن يمين الامام والامرأة خلفه، ولو كان رجالا ونساءا اصطفوا خلفه واصطفت النساء خلفهم، بل الاحوط مراعاة المذكورات هذا إذا كان الامام رجلا. واما في جماعة النساء فالاولى وقوفهن صفا أو ازيد من غير ان تبرز إمامهن من بينهن (الثاني): ان يقف الامام في وسط الصف. (الثالث): ان يكون في الصف الاول اهل الفضل ممن له مزية في العلم والكمال ] (1) تعرض (قده) لبيان موقف المأموم من حيث كونه خلف

[ 450 ]

[ والعقل والورع والتقوى وان يكون يمينه لافضلهم في الصف الاول فانه افضل الصفوف. (الرابع): الوقوف في القرب من الامام. (الخامس): الوقوف في ميامن الصفوف فانها افضل من مياسرها. هذا في غير صلاة الجنازة، واما فيها فأفضل الصفوف آخرها. (السادس) إقامة الصفوف واعتدالها وسد الفرج الواقعة فيها. والمحاذاة بين المناكب (السابع): تقارب الصفوف بعضها من بعض بأن لا يكون ما بينها ازيد من مقدار مسقط جسد الانسان إذا سجد. (الثامن): ان يصلي الامام بصلاة اضعف من خلفه بأن لا يطيل في افعال الصلاة من القنوت والركوع والسجود الا إذا علم حب التطويل من جميع المأمومين. (التاسع): ان يشتغل المأموم المسبوق بتمجيد الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتحميد والثناء إذا اكمل القراءة قبل ركوع الامام، ويبقي آية من قراءته ليركع بها. (العاشر): ان لا يقوم الامام من مقامه بعد التسليم بل يبقى على هيئة المصلي حتى يتم من خلفه صلاته من المسبوقين أو الحاضرين لو كان الامام مسافرا، بل هو الاحوط ويستحب له ان يستنيب من يتم بهم الصلاة عند مفارقته لهم، ويكره استنابة المسبوق بركعة ]

[ 451 ]

[ أو ازيد، بل الاولى عدم استنابة من لم يشهد الاقامة، (الحادي عشر): ان يسمع الامام من خلفه القراءة الجهرية والاذكار ما لم يبلغ العلو المفرط. (الثاني عشر): ان يطيل ركوعه إذا احس بدخول شخص ضعف ما كان يركع انتظارا للداخلين ثم يرفع رأسه وان احس بداخل (الثالث عشر): ان يقول المأموم عند فراغ الامام من الفاتحة " الحمد لله رب العالمين ". (الرابع عشر): قيام المأمومين عند قول المؤذن قد قامت الصلاة. وأما المكروهات فأمور ايضا: (احدها): وقوف المأموم وحده في صف وحده مع وجود موضع في الصفوف، ومع امتلائها فليقف آخر الصفوف أو حذاء الامام. (الثاني): التنفل بعد قول المؤذن " قد قامت الصلاة " بل عند الشروع في الاقامة. (الثالث): ان يخص الامام نفسه بالدعاء إذا اخترع الدعاء من عند نفسه، واما إذا قرأ بعض الادعية المأثورة فلا. (الرابع): التكلم بعد قول المؤذن " قد قامت الصلاة " بل يكره في غير الجماعة ايضا - كما مر - الا ان الكراهة فيها اشد الا ان يكون المأمومون اجتمعوا من اماكن شتى وليس لهم إمام فلا بأس ان يقول بعضهم ]

[ 452 ]

[ لبعض " تقدم يا فلان ". (الخامس): إسماع المأموم الامام ما يقوله بعضا أو كلا. (السادس): ائتمام الحاضر بالمسافر والعكس مع اختلاف صلاتهما قصرا وتماما، وأما مع عدم الاختلاف كالائتمام في الصبح والمغرب فلا كراهة وكذا في غيرهما ايضا مع عدم الاختلاف كما لو ائتم القاضي بالمؤدي أو العكس وكما في مواطن التخيير إذا اختار المسافر التمام، ولا يلحق نقصان الفرضين بغير القصر والتمام بهما في الكراهة، كما إذا ائتم الصبح بالظهر أو المغرب أو هي بالعشاء أو العكس. ] الامام أو عن يمينه فيما إذا كان واحدا أو اكثر رجلا أو امرأة أو مختلفين، وكذا إذا كان الامام رجلا أو امرأة، وذكر (قده) ان الحكم في الجميع استحبابي وهذا لامستند له عدا الشهرة الفتوائية والا فمقتضى الصناعة الالتزام بالوجوب في الكل، وينبغي التعرض لكل واحد من هذه الفروع بخصوصه. منها: ان المأموم ان كان رجلا وكان واحدا وقف عن يمين الامام، وان كانوا اكثر وقفوا خلفه. فقد ذهب المشهور إلى استحباب هذا الحكم بل ادعي عليه الاجماع، ونسب الخلاف إلى ابن الجنيد وانه اختار الوجوب، واصر عليه صاحب الحدائق فحكم بوجوب الوقوف عن يمينه ان كان واحدا، وخلفه ان كانوا اكثر. وهذا هو الاقوى لظهور الروايات في الوجوب من غير قرينة تقتضي صرفها إلى الاستحباب.

[ 453 ]

ونحن: وان ناقشنا المشهور في انجبار ضعف السند بالعمل لكن الظاهر عدم الاشكال في عدم انجبار الدلالة بعملهم. وبعبارة اخرى: النزاع بيننا وبين المشهور في الانجبار وعدمه انما هو من حيث السند، واما من ناحية الدلالة فالظاهر اطباق الكل على أن مخالفة المشهور مع الظهور لا يستوجب سقوط الظاهر عن الحجية. فلا موجب لرفع اليد عن ظاهر الامر في الوجوب الوارد في هذه الروايات وان حمله الاصحاب على الاستحباب من غير وجه ظاهر، والروايات كثيرة وفيها الصحيحة. منها: صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: " الرجلان يؤم احدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا اكثر من ذلك قاموا خلفه " وروايته الاخرى التي رواها الصدوق عنه عن أبي جعفر (ع) انه سأل عن الرجل يؤم الرجلين؟ قال: يتقدمهما ولا يقوم بينهما وعن الرجلين يصليان جماعة، قال: نعم يجعله عن يمينه (1) وقد عبر عنها بالصحيحة في كلام غير واحد، وليس كذلك لضعف طريق الصدوق إلى ابن مسلم كما مر مرارا. وموثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه عن علي (ع) انه كان يقول: المرأة خلف الرجل صف ولا يكون الرجل خلف الرجل صفا انما يكون الرجل إلى جنب الرجل عن يمينه (2) إلى غير ذلك من الاخبار. وقد عرفت ان رفع اليد عن ظاهر هذه الاخبار في الوجوب يحتاج إلى الدليل، فان العبادة توقيفية ولم تثبت المشروعية


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 7. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 12.

[ 454 ]

بغير هذه الكيفية بعد الامر بها في هذه النصوص. نعم: قد يقال ان الدليل عليه ما ورد من تحويل الامام المأموم الواقف عن يساره إلى يمينه فيما إذا لم يعلم ثم علم به وهو في الصلاة، حيث ان ظاهرة صحة الائتمام مع وقوف المأموم عن يسار الامام غير انه يحوله إلى اليمين فيكشف ذلك عن استحباب الوقوف إلى اليمين لا وجوبه والا كانت الصلاة باطلة، وهو صحيح الحسين بن سعيد الاهوازي انه امر من يسأله عن رجل صلى إلى جانب رجل فقام عن يساره وهو لا يعلم ثم علم وهو في الصلاة كيف يصنع؟ قال: يحوله عن يمينه. وبمضمونه خبر المدائني (1). وقد عنون صاحب الوسائل هذا الباب بقوله: باب استحباب تحويل الامام المأموم عن يساره إلى يمينه ولو في الصلاة. اقول: يرد عليه اولا ان غاية ما تدل عليه الصحيحة جواز وقوف المأموم الواحد عن يسار الامام كاليمين وانه مخير بين الامرين وان كان الثاني افضل ولاجله يحوله الامام إليه ولا دلالة فيها بوجه على جواز وقوفه خلف الامام كي تتنافى مع النصوص المتقدمة الصريحة في اختصاص الخلف بالمأموم المتعدد كي يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب. وثانيا: ان الدلالة في نفسها ضعيفة والرواية اجنبية عن باب الجماعة بالكلية إذ لم يفرض فيها ان الرجل الآخر الذي يصلي إلى جانبه مصل ايضا وهذا الذي يأتم به واقف عن يساره ليتم الاستدلال فمن الجائز ان يكون. ذاك الشخص واقفا أو جالسا أو نائما كيف


(1) الوسائل: باب 24 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 2.

[ 455 ]

والا كان الاحرى ان يجيب الامام (ع) بقوله يحوله إلى يمينه (1) بدل قوله عن يمينه، إذ المفروض وقوف المأموم عن يسار الامام فما معنى تحويله عن يمينه (2). والذي يتحصل لنا من مفاد الرواية انها ناظرة إلى بيان حكم آخر وهو الاجتناب عن وقوف المصلي في يسار شخص وان لم يكن مصليا، ولعل ذلك مكروه، والا فلا حرمة فيه قطعا، وبما ان مثل هذا الموقف يستدعي ان يكون ذاك الشخص عن يمين المصلي بطبيعة الحال فمن هنا اجاب الامام (ع) بقوله: يحوله عن يمينه حذرا عن كراهية هذا الموقف، فقوله وهو لا يعلم اي المصلي لا يعلم بوقوفه عن يسار شخص آخر وهو الذي يحول ذاك الشخص بعد علمه به لا ان ذاك الشخص امام وهو لا يعلم بوقوف المأموم عن يساره والامام يحول المأموم إذ لم يفرض شئ من ذلك في الرواية، وسياقها


(1) قد ذكر كذلك في رواية الفقيه كما نقله عنه في الوسائل. (2) يمكن ان يكون (عن) هنا اسما بمعنى (جانب) لا حرف جر، وذلك بعد اشراب القيام المستفاد من سياق الكلام ولا سيما بقرينة قوله قبل ذلك (فقام عن يساره) في معنى التحويل، ويكون المعنى يحوله فيقوم عن يمينه اي جانب يمينه ففي المغني لابن هشام " قالوا فإذا قيل قعدت عن يمينه فالمعنى في جانب يمينه " نعم يكثر استعماله بهذا المعنى فيما إذا كان مدخولا لحرف الجر نحو (جلس من عن يسار الخليفة) واما التخصيص به كما يظهر من المنجد فيدفعه ما سمعته من ابن هشام بل قد صرح في اقرب الموارد تبعا للمغني بعدم الاختصاص فلاحظ.

[ 456 ]

شاهد على ما استظهرناه (1). فمن المقطوع به ان الرواية لاارتباط لها بباب الجماعة اصلا وان عنون الباب صاحب الوسائل بما عرفت. وعليه: فلا موجب لرفع اليد عن تلك الروايات الظاهرة في الوجوب. وكيفما كان فالجمود على ظاهر هذه النصوص لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. ومنها: اي من الفروع ما اشار إليه الماتن (قده) بقوله: ولو كان المأموم امرأة وقفت خلف الامام على الجانب الايمن بحيث يكون سجودها محاذيا لركبة الامام أو قدمه. اما الوقوف على الايمن محاذيا سجودها للركبة فتدل عليه صحيحة هشام بن سالم: " الرجل إذا أم المرأة كانت خلفه عن يمينه سجودها مع ركبته " (2). وأما محاذيا للقدم الذي يختلف عن ذلك بمقدار شبر تقريبا فتدل عليه موثقة فضيل بن يسار قال: قلت لابي عبد الله (ع): اصلي المكتوبة بأم علي؟ قال: نعم يكون عن يمينك يكون سجودها بحذاء قدميك (3) ومقتضى الجمع العرفي حمل الامر فيهما على الوجوب التخييري هذا. ويجوز لها الوقوف خلفه بحيث تكون وراءه كما تدل عليه موثقة


(1) ولكن يبعده خلو المجامع الفقهية عن عد ذلك من مكروهات مكان المصلي ولو احتمالا، مضافا إلى ان تحويل غير المأموم عن مكانه تصرف في سلطانه من غير مسوغ ظاهر، فما صنعه صاحب الوسائل تبعا للمشايخ الثلاثة من ذكر الرواية في ابواب الجماعة لعله هو الاصح. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب مكان المصلي ح 9. (3) الوسائل: باب 19 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 457 ]

غياث: المرأة صف والمرأتان صف والثلاث صف (1) دلت على ان المرأة الواحدة بنفسها تشكل صفا، ومقتضى ذلك وقوفها وراء الامام. واظهر منها موثقة الحسين بن علوان: المرأة خلف الرجل صف (2) ويؤيدها رواية أبي العباس البقباق عن الرجل يؤم المرأة في بيته، فقال: نعم تقوم وراءه (3) وان كانت ضعيفة السند من اجل محمد ابن سنان، ومقتضى الجمع بين هذه النصوص وما مر هو التخيير بين الامور الثلاثة: الوراء، اليمين محاذيا للركبة، واليمين محاذيا للقدم. ومنها: ما اشار إليه بقوله: ولو كن ازيد وقفن خلفه، ويدل عليه مضافا إلى موثقة غياث المتقدمة آنفا ما دل على الحكم في الرجال مما مر فانه يقتضي وجوب وقوفهن خلفه بطريق اولى إذ لا يحتمل وجوب وقوفهم خلفه وجواز وقوفهن عن يمينه كما لا يخفى. بل الحكم كذلك في المرأة الواحدة ايضا لولا الروايتان المتقدمتان الدالتان على جواز وقوفها عن يمينه محاذيا لركبتيه أو قدمه. ويظهر ذلك ايضا من روايات امامة المرأة لمثلها المتضمنة لقوله (ع) تقوم وسطهن ولا تتقدمهن حيث يظهر من ذلك المفروغية في ذهن السائل من انه متى كانت الجماعة مشروعة يتقدم الامام لا محالة ويكون المأمومون خلفه ولذا استثنى (ع) ما إذا كان الامام امرأة وانها حينئذ لا تتقدم. ومنها: ما اشار إليه بقوله: ولو كان رجلا واحدا أو امراة


(1) و (2) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 و 12. (3) الوسائل: باب 19 من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 458 ]

واحدة أو اكثر. الخ فالرجل الواحد يقف عن يمين الامام والمرأة خلفهما. ويدل عليه اطلاق صحيحة ابن مسلم المتقدمة: الرجلان يؤم احدهما صاحبه يقوم عن يمينه. الخ (1) فانها تشمل ما إذا كانت معهما امرأة ايضا بمقتضى الاطلاق. وتؤيده: رواية القاسم بن الوليد عن الرجل يصلي مع الرجل الواحد معهما النساء، قال يقوم الرجل إلى جنب الرجل ويتخلفن النساء خلفهما (2) والرواية صحيحة إلى عبد الله بن المغيرة غير ان ابن الوليد لم يوثق. ومنها: ما لو كان المأمومون ملفقين من الرجال والنساء وقد اشار (قده) إليه بقوله ولو كان رجالا ونساءا اصطفوا خلفه واصطفت النساء خلفهم. اما وجوب اصطفاف الرجال خلفه فقد ظهر مما مر من دلالة صحيحة ابن مسلم المتقدمة آنفا وغيرها واما اصطفاف النساء خلفهم وعدم جواز وقوفهن بحذاء الرجال أو قدامهم فبناءا على عدم جواز وقوفهن بحيال الرجال ما لم يفصل بينهما مقدار عشر ذراع فالحكم ظاهر. واما بناءا على جواز ذلك وعدم لزوم الفصل اكثر من شبر واحد فيدل عليه صحيح الحلبي: " عن الرجل يؤم النساء؟ قال نعم وان كان معهن غلمان فاقيموهم بين ايديهن وان كانوا عبيدا " (3). ويستفاد ذلك من صحيحة حماد أيضا قال: سمعت ابا عبد الله


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 19 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (3) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 9.

[ 459 ]

(عليه السلام) يقول قال ابي قال علي (ع) كن النساء يصلين مع النبي (ص) وكن يؤمرن ان لا يرفعن رؤوسهن قبل الرجال لضيق المئزر (1) فان امره (ص) بعدم رفع رؤوسهن قبل الرجال مخافة انكشاف العورة يقتضي وقوفهن خلف الرجال، إذ لو كن بحيالهم لم يلزم منه هذا المحذور. وعلى الجملة: فمقتضى الجمود على النصوص المتقدمة بأجمعها ان الحكم المذكور فيها لو لم يكن اظهر فلا ريب انه احوط لزوما، إذ ليس بأزائها عدا شهرة القول بالاستحباب بين الاصحاب ومثلها لا يصلح لرفع اليد عن ظاهر النص. هذا كله فيما إذا كان الامام رجلا. واما امامة النساء لمثلهن فقد مر جواز ذلك على كراهة في غير صلاة الجنازة، اما فيها فلا كراهة ايضا، وقد عرفت ان اكثر الروايات الواردة في ذلك مقيدة بوقوف الامام وسطهن وانها لا تتقدمهن وهذا مما تمتاز به جماعة النساء على الرجال، ومقتضى التحفظ على ظاهر الامر انه واجب وشرط في الصحة، ولا فرق في ذلك بين الواحدة والاكثر. هذا ولا حاجة إلى التعرض لبقية ما ذكره الماتن من المستحبات والمكروهات، وينبغي صرف عنان الكلام إلى المسائل التي ذكرها في المقام.


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 11.

[ 460 ]

[ (مسألة 1): يجوز لكل من الامام والمأموم عند انتهاء صلاته قبل الآخر (1) بأن كان مقصرا والآخر متما أو كان المأموم مسبوقا ان لا يسلم وينتظر الآخر حتى يتم صلاته ويصل إلى التسليم فيسلم معه خصوصا للمأموم إذا اشتغل بالذكر والحمد ونحوهما إلى ان يصل الامام والاحوط الاقتصار على صورة لا تفوت الموالاة، واما مع فواتها ففيه اشكال من غير فرق بين كون المنتظر هو الامام أو المأموم. ] (1) افاد (قده) ان كلا من الامام والمأموم لو انتهت صلاته قبل الآخر كما لو كان مختلفين في العدد كالقصر والتمام والمغرب والعشاء، أو كان المأموم مسبوقا جاز له انتظار الآخر حتى يتم صلاته ويصل إلى التسليم فيسلم معه لان ذلك بمثابة تطويل الجماعة فيتحصل على مزيد من الاجر والثواب ويشتغل حينئذ بالذكر من الحمد والتسبيح ونحوهما إلى ان يصل إليه الآخر. لكنه (قده) قيد الحكم بصورة عدم فوات الموالاة اما مع الفوات ففيه اشكال. اقول: لا ينبغي الاشكال في عدم الجواز لدى فوت الموالاة لاستلزامه بطلان الصلاة فلا يسوغه الانتظار المستحب لكن الشأن في صغرى هذه الكبرى، إذ بعد فرض الاشتغال بالذكر كما صرح (قده) به في المتن لا يوجد مصداق لها ابدا بعد ملاحظة ما ورد من ان كل ما ذكر الله به فهو من الصلاة فلا يتصور فوات الموالاة مع الاشتغال

[ 461 ]

[ (مسألة 2): إذا شك المأموم بعد السجدة الثانية من الامام انه سجد معه السجدتين أو واحدة (1) يجب عليه الاتيان باخرى إذا لم يتجاوز المحل. ] المزبور وان طالت المدة. نعم يتجه التفصيل المزبور في الانتظار المجرد عن الذكر فيفرق حينئذ بين فوات الموالاة كما في المأموم المسبوق بثلاث ركعات مثل ما لو ادرك الامام في الركعة الاخيرة من صلاة الظهر وبين عدم الفوات كالمسبوق بركعة أو المؤتم في عشائه بالمغرب أو العكس سيما مع استعجال الآخر واسراعه، فلا يجوز الانتظار في الاول، ويجوز في الثاني. وعلى الجملة: من انتهى عن صلاته اماما كان أو مأموما ان كان متشاغلا بالذكر جاز له الانتظار مطلقا ولا تفوت معه الموالاة ابدا وان كان مجردا عنه اختص الجواز بصورة عدم فوت الموالاة. (1) قد يفرض علم المأموم بمتابعة الامام في السجود فيرجع الشك إلى الشك في ان الامام هل سجد الواحدة ام الثنتين؟ ولا اشكال في عدم الاعتناء حينئذ لما دل على رجوع كل من الامام والمأموم إلى الآخر لدى الشك مع حفظ الآخر كما هو المفروض. وسيأتي التعرض له في مباحث الخلل ان شاء الله تعالى. وقد يفرض عدم علمه بالمتابعة كما لو شك حال السجود في انه تابع الامام في سجدتيه فهذه ثانية لهما، أو تخلف عنه سهوا فهذه الاولى له والثانية للامام والمتبع حينئذ قاعدة الشك فيعتني به ان كان في المحل، ولا يعتني إذا جاوزه كما لو كان الشك المزبور

[ 462 ]

بعد الدخول في التشهد. ولا مجال للركوع إلى الامام في مثل المقام ما لم يحرز التبعية ولم يتعلق الشك بالفعل المشترك لاختصاص الرجوع بما إذا حفظ عليه الآخر المنوط بالمتابعة، لا لاجل التقييد بحفظ المأموم في رجوع الامام إليه وبعدم سهو الامام في رجوع المأموم إليه المذكورين في مرفوعة ابراهيم بن هاشم في نوادره (1)، لضعفها من اجل الرفع لعدم كون ابراهيم من اصحاب الصادق (ع) فبينهما واسطة لا محالة فلا تصلح للاستدلال. بل لان عمدة المستند هي صحيحة حفص البختري: " ليس على الامام سهو ولا على من خلف الامام سهو. الخ " (2) وهي وان كانت مطلقة حسب النظر البدوي لكنها منصرفة بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع، وبحسب الفهم العرفي إلى ما إذا كان الآخر حافظا وضابطا وان حفظ احدهما بعد فرض المتابعة والمشاركة في العمل يقوم مقام حفظ الآخر لما فيه من الكاشفية النوعية، إذ لا يحتمل ان يكون للجماعة بما هي خصوصية وراء ذلك تستدعي استثناءها عن ادلة الشكوك بحيث لو لم يكن ثمة حفظ من الآخر واشتركا في الشك لم تشملهما ادلة الشكوك وكانا مخيرين في البناء على الطرفين، فان هذا غير محتمل في الصحيحة بحسب الفهم العرفي بوجه، بل هي منصرفة إلى ما ذكرناه. وعليه: فمستند الرجوع إلى الامام قاصر الشمول لمثل المقام، فالمتبع ادلة الشكوك السليمة عن الدليل الحاكم، ومقتضاها ما عرفت


(1) و (2) الوسائل: باب 24 من أبواب الخلل ح 8 و 3.

[ 463 ]

[ (مسألة 3): إذا اقتدى المغرب بعشاء الامام وشك في حال القيام انه في الرابعة أو الثالثة (1) ينتظر حتى ياتي الامام بالركوع والسجدتين حتى يتبين له الحال فان كان في الثالثة اتى بالبقية وصحت الصلاة، وإن كان في الرابعة يجلس ويتشهد ويسلم، ثم يسجد سجدتي السهو لكل واحد من الزيادات من قوله بحول الله، والقيام، وللتسبيحات ان اتى بها أو ببعضها. ] من الاعتناء بالشك إذا كان في المحل ولم يتجاوز عنه. (1) لا مجال لمتابعة الامام حينئذ لوضوح اختصاص ادلتها بما إذا شارك الامام في الامر المتعلق بالفعل الذي يتابعه فيه، ولا امر في في المقام بعد احتمال انها الرابعة الموجبة للبطلان لدى المتابعة، فهو معذور في ترك المتابعة ومع ذلك لا تبطل صلاته لعدم كون الشك في الثنائية والثلاثية بمجرده موجبا للبطلان كالحدث وانما يستوجبه بقاءا لا حدوثا فينتظر كما ذكره في المتن حتى ياتي الامام بالركوع والسجدتين كي يتبين له الحال، فان كان في الثالثة اتى بالبقية وصحت صلاته ولكنها حينئذ تكون فرادى كما لا يخفى. وان كان في الرابعة جلس وتشهد وسلم مع الامام وعليه سجدتا السهو للقيام الزائد. واما وجوبها لكل واحد من الزيادات من قول بحول الله، والتسبيحات ان اتى بها أو بعضها كما ذكره في المتن فهو مبني على الخلاف في وجوبها لكل زيادة ونقيصة أو الاقتصار على مورد النص، وحيث ان الاظهر هو الثاني فوجوبها لتلك الزيادات مبني على الاحتياط.

[ 464 ]

[ (مسألة 4): إذا رأى من عادل كبيرة لا يجوز الصلاة خلفه الا ان يتوب مع فرض بقاء الملكة فيه (1)، فيخرج عن العدالة بالمعصية ويعود إليها بمجرد التوبة. (مسألة 5): إذا رأى الامام يصلي ولم يعلم انها من اليومية أو من النوافل لا يصح الاقتداء به، وكذا إذا احتمل انها من الفرائض التي لا يصح اقتداء اليومية بها، وان علم انها من اليومية لكن لم يدر أنها أية صلاة من الخمس، أو انها اداء أو قضاء، أو انها قصر أو تمام لا بأس بالاقتداء، ولا يجب احراز ذلك قبل الدخول كما لا يجب احراز انه في اي ركعة كما مر. ] (1) لا ريب في عدم جواز الصلاة خلفه بعد ارتكاب الكبيرة ما لم يتب، الا ان ما افاده (قده) من اشتراط بقاء الملكة مع التوبة مبني على تفسير العدالة بالملكة النفسانية وهذا لم يثبت كما تعرضنا له في محله عند التكلم حول تحقيق معنى العدالة، حيث قلنا انها عبارة عن الاستقامة العملية في جادة الشرع، وعدم الانحراف عن الطريقة المستقيمة يمنة وشمالا، واما اعتبار الملكة فان اريد بها هذا المعنى فلا كلام، وان اريد بها معنى آخر على حد ساير الملكات فلم يقم عليه اي دليل. وعليه فالعادل بارتكابه الذنب قد خرج عن الجادة المستقيمة وسلك غير الشريعة القويمة فهو غير متصف بهذه الصفة وقتئذ، وبمجرد التوبة

[ 465 ]

[ (مسألة 6): القدر المتيقن من اغتفار زيادة الركوع للمتابعة سهوا زيادته مرة واحدة في كل ركعة (1)، واما إذا زاد في ركعة واحدة ازيد من مرة كأن رفع رأسه قبل الامام سهوا ثم عاد للمتابعة ثم رفع ايضا سهوا ثم عاد فيشكل الاغتفار، فلا يترك الاحتياط حينئذ باعادة الصلاة بعد الاتمام، وكذا في زيادة السجدة القدر المتيقن اغتفار زيادة سجدتين في ركعة، واما إذا زاد اربع فمشكل. ] يعود بمقتضى قوله (ع): التائب من الذنب كمن لا ذنب له إلى ما كان ويرجع إلى جادة الشرع ويتصف بالاستقامة العملية فيكون عادلا ويصح الاقتداء به، ومعه لا حاجة إلى اعتبار الملكة زائدا على ذلك. (1) فلو زاد ركوعين في ركعة واحدة كما لو رفع رأسه قبل الامام سهوا ثم عاد للمتابعة ثم رفع ايضا سهوا ثم عاد بحيث صار المجموع ثلاثا، وكذا الحال في عكسه اي الركوع قبل الامام سهوا أو لو زاد سجودين في كل ركعة بسجوده قبل الامام أو رفع رأسه قبله بحيث صار مجموع السجدات الزائدة اربعا ففي جميع ذلك يشكل الاغتفار لعدم اطلاق في ادلته فانها ناظرة إلى الزيادة على الركوع أو السجود الاصليين دون الزيادة على التبعي منهما، إذ الاغتفار عن الزيادة لاجل المتابعة انما ثبت بنفس هذه الادلة لا بدليل آخر فلا يشمل الاطلاق للزائد على هذا الزائد كما لا يخفى حتى ولو كان ذاك الزائد سجدة واحدة.

[ 466 ]

ومع ذلك فالظاهر هو الاغتفار لكن مع الاختلاف في كيفية الزيادة بان كان احدهما قبل ركوع الامام والآخر بعده، وكذا الحال في السجود لقيام الدليل الخاص على الاغتفار في كل منهما سواء تحقق الآخر ام لا بمقتضى الاطلاق، فلو ركع قبل الامام سهوا فعاد ثم ركع معه فهذه زيادة واحدة ثبت العفو عنها بمقتضى الدليل فلو رفع رأسه حينئذ سهوا قبل الامام ثم عاد فهذه زيادة اخرى ثبت العفو عنها بدليل آخر لما عرفت في محله عند التكلم حول المسألة من قيام الدليل الخاص على كل من طرفي المسألة اعني الركوع قبل الامام سهوا، ورفع الرأس قبله كذلك - مستقلا وعلى حدة فلا مانع من شمول الدليلين لكل من الطرفين لدى اجتماعهما وتقارنهما خارجا فيثبت العفو عنهما معا كل بدليله لا اخذا باطلاق دليل واحد ليرد الاشكال المزبور من عدم النظر الا إلى الزائد على الركوع الاصلي دون التبعي وهكذا الحال في السجود فان الدليل اللفظي فيه وان كان خاصا باحد الطرفين لكن الطرف الآخر ملحق به للاجماع والقطع (1) بعدم الفرق كما سبق في محله. فلو سجد قبل الامام سهوا ثم عاد فسجد معه ثم رفع رأسه سهوا فعاد، وكذا الحال في السجدة الثانية بحيث صار مجموع السجدات الزائدة في ركعة واحدة اربعا لم يكن به بأس لعين ما مر. والحاصل: ان الزيادة ان كانت مع الاختلاف في السبب فهي مغتفرة، وان كان الزائد اكثر من الواحد، واما مع الاتحاد في


(1) لكنهما دليلان لبيان لا اطلاق لهما يشمل صورة الاجتماع مع الآخر الا ان يدعي القطع بعدم الفرق من هذه الناحية ايضا.

[ 467 ]

[ (مسألة 7): إذا كان الامام يصلي اداءا أو قضاءا يقينيا والمأموم منحصرا بمن يصلي احتياطا (1) يشكل اجراء حكم الجماعة من اغتفار زيادة الركن، ورجوع الشاك منهما إلى الآخر ونحوه لعدم احراز كونها صلاة، نعم لو كان الامام أو المأموم، أو كلاهما يصلي باستصحاب الطهارة لا بأس بجريان حكم الجماعة لانه وان كان لم يحرز كونها صلاة واقعية لاحتمال كون الاستصحاب مخالفا للواقع الا انه حكم شرعي ظاهري، بخلاف الاحتياط فانه ارشادي وليس حكما ظاهريا، وكذا لو شك احدهما في الاتيان بركن بعد تجاوز المحل فانه حينئذ وان لم يحرز بحسب الواقع كونها صلاة لكن مفاد قاعدة التجاوز ايضا حكم شرعي فهي في ظاهر الشرع صلاة. ] السبب كما لو ركع قبل الامام سهوا فعاد ثم ركع فعاد أو رفع رأسه عن الركوع سهوا مكررا، وكذا الحال في السجود فالحكم بالاغتفار حينئذ مشكل جدا لما عرفت من عدم الاطلاق في الدليل. (1) استشكل (قده) حينئذ في اجراء حكم الجماعة من اغتفار زيادة الركن ورجوع كل من الامام والمأموم إلى الآخر لعدم احراز كون المأتي به صلاة بعد ان كانت بعنوان الاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي لاحتمال عدم مصادفته للواقع المستلزم لعدم تعلق الامر بها حينئذ فتكون صورة الصلاة لا حقيقتها، ومعه لم يحرز انعقاد الجماعة فلا

[ 468 ]

يمكن ترتيب آثارها. ثم تصدى (قده) لبيان الفرق بين المقام وبين ما إذا كان المأموم أو الامام أو كلاهما يصلي باستصحاب الطهارة أو معتمدا على قاعدة التجاوز لدى الشك في ركن بعد خروج المحل بأن الصلاة الواقعية وان كانت مشكوكة التحقق في هذه الموارد ايضا الا انها محكومة بالصحة في ظاهر الشرع لتعلق الامر الشرعي الظاهري المولوي بها بخلاف المقام، فان الامر المتعلق بالاحتياط عقلي ارشادي وليس حكما ظاهريا مولويا كي تتصف الصلاة بالصحة في ظاهر الشرع. اقول: اما ما ذكره (قده) في صدر كلامه من الاشكال في اغتفار زيادة الركن ورجوع الشاك منهما إلى الآخر فالظاهر انه سهو من قلمه الشريف لوضوح اختصاص مناط الاشكال في مفروض المسألة برجوع الامام إلى المأموم حيث لم يحرز كون صلاته صلاة كي يرجع إليه، فلا يمكن ترتيب آثار الجماعة من طرف الامام. واما من ناحية المأموم فلا اشكال اصلا فله الرجوع إلى الامام ويحكم باغتفار زيادة الركن في المقام لان الصادر منه ان كانت صلاة فقد تشكلت الجماعة وانعقدت، فلا مانع من ترتيب آثارها من الرجوع والاغتفار والا بأن كانت الذمة فارغة والامر ساقطا فلا شئ عليه فيكون ترتيب تلك الآثار كنفس الصلاة لغوا، ولا محذور في ارتكاب هذا اللغو المحتمل الساري في جميع موارد الاحتياط كما هو ظاهر. فالمتعين هو التفصيل بين الامام والمأموم فيجوز للثاني ترتيب احكام الجماعة دون الاول لما عرفت من عدم احراز صدور الصلاة من المأموم كي يرجع إليه.

[ 469 ]

ومنه تعرف ان الاشكال غير مختص بما إذا كان المأموم منحصرا بمن يصلي الاحتياط كما يظهر من عبارة المتن بل يعم ولو لم يكن منحصرا به وكان فيهم من يصلي وجوبا فلا يجوز الرجوع إليه وان جاز الرجوع إلى غيره لعدم احراز انعقاد الجماعة بين الامام وبين من يصلي احتياطا كما في فرض الانحصار فمناط الاشكال مشترك بين الصورتين. واما ما افاده (قده) في ذيل كلامه في مقام الفرق بين المقام وغيره من ان الامر هنا ارشادي وهناك شرعي ظاهري. ففيه: ان الارشادية والمولوية لا تكونان ضابطا للفرق، ولا تكاد تنحسم به مادة الاشكال لجريانه حتى بناءا على ان اوامر الاحتياط مولوية والحكم في مورده شرعي ظاهري. كما ليس بالبعيد على ما بيناه في الاصول (1) فلا يجوز الرجوع إلى المأموم الذي يصلي احتياطا سواء أقلنا بان الامر في مورده عقلي كما في الشبهات قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الاجمالي، أو قلنا بانه شرعي مولوي وحكم ظاهري. بل الضابط في الفرق ان في موارد الاحتياط حتى بناءا على ثبوت الحكم الظاهري الشرعي لم يتعلق امر بذات العمل وانما تعلق الامر المولوي بنفس عنوان الاحتياط، وأما العمل الذي يحتاط فيه فلم يتعلق به امر شرعي من ناحية الاحتياط بوجه، بل هو على ما كان عليه واقعا، فالصلاة الصادرة من المأموم احتياطا لم يحرز تعلق الامر بها لا واقعا ولا ظاهرا. وهذا بخلاف موارد الاستصحاب


(1) اشار - دام ظله - إليه في مصباح الاصول ج 2 ص 317 لكن قد يظهر خلافه من ص 301 فلاحظ. ولاحظ الدراسات ايضا ص 174 وص 187.

[ 470 ]

[ (مسألة 8): إذا فرغ الامام من الصلاة والمأموم في التشهد أو في السلام الاول لا يلزم عليه نية الانفراد بل هو باق على نية الاقتداء عرفا (1) ] أو قاعدة التجاوز فان الصلاة حينئذ بنفسها متعلقة للامر الشرعي الظاهري فهي محكومة بالصحة الشرعية ظاهرا فيرتب عليها احكام الجماعة، فالمناط الوحيد في الفرق تعلق الامر الشرعي بذات الصلاة وعدمه، ولا اثر للارشادية والمولوية في ذلك ابدا. ومنه: تعرف ان في موارد الاحتياط الوجوبي كما لو شك اثناء الوقت في الاتيان بالصلاة ان قلنا بجريان الاستصحاب في الامر المتعلق بالصلاة كما هو الصحيح فقد احرز بذلك تعلق الامر الظاهري بها فيرتب عليها احكام الجماعة. واما لو انكرنا ذلك كما عليه شيخنا الاستاذ (قده) بدعوى ان وجوب الفعل عقلا من آثار نفس الشك لا الواقع ولا يشمل التعبد الاستصحابي مثل ذلك. فهذه الدعوى وان كانت ممنوعة كما بيناه في الاصول لكن بناءا على تسليمها لم يحرز تعلق الامر الشرعي بالصلاة حينئذ. ومعه لا يمكن ترتيب آثار الجماعة. (1) بل وحقيقة فلا يلزم عليه نية الانفراد ولا يصير منفردا قهرا وان ذكره بعضهم، وخروج الامام عن الصلاة لا يستدعي شيئا من ذلك لعدم منافاته لبقاء القدوة لما عرفت سابقا من ان الائتمام ليست له حقيقة شرعية، بل هو على معناه العرفي من المتابعة في الافعال وهي كما تتحقق لدى المقارنة تتحقق مع التأخير اليسير غير الفاحش

[ 471 ]

[ (مسألة 9): يجوز للمأموم المسبوق بركعة ان يقوم بعد السجدة الثانية من رابعة الامام التي هي ثالثته وينفرد (1) ولكن يستحب له ان يتابعه في التشهد متجافيا إلى ان يسلم ثم يقوم إلى الرابعة. ] فالمصلي يتابع في سلامه للامام وان تخلف عنه يسيرا، فهو مؤتم به حقيقة عرفا وشرعا، إذ مفهوم الائتمام لا يستدعي الا التبعية وهي متحققة في المقام لصدق انه تابع للامام في السلام كما هو ظاهر. (1) لما مر سابقا من جواز الانفراد في الاثناء حتى اختيارا وان لم يجز ذلك لو كان بانيا عليه من الاول. نعم يستحب له المتابعة في الجلوس وفي التشهد وان يكون متجافيا لقيام الدليل على كل من الاحكام الثلاثة. اما الاول: فتدل عليه صحيحة زرارة قال (ع) في المسبوق بركعتين " فإذا سلم الامام قام فصلى ركعتين " وفيمن ادرك ركعة: " فإذا سلم الامام قام فقرأ " (1) دلت على متابعة الامام في الجلوس وعدم القيام ما لم يسلم، المحمولة على الاستحباب لوضوح انها ناظرة إلى بيان حكم الجماعة وان المصلي ما دام كونه مؤتما يفعل كذلك. واما إذا انفرد فهو موضوع آخر، ولا تعرض للصحيحة بالاضافة إليه كما لا يخفى. واما المتابعة: في التشهد فقد دلت عليه روايات عمدتها صحيحة الحسين بن المختار وداود بن الحصين عن رجل فاتته صلاة ركعة من


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.

[ 472 ]

[ (مسألة 10): لا يجب على المأموم الاصغاء إلى قراءة الامام (1) في الركعتين الاوليين من الجهرية إذا سمع صوته لكنه احوط. (مسألة 11): إذا عرفت الامام بالعدالة ثم شك في ] المغرب مع الامام فادرك الثنتين فهي الاولى له والثانية للقوم يتشهد فيها، قال: نعم، قلت: والثانية ايضا؟ قال: نعم، قلت: كلهن، قال: نعم واما هي بركة (1). واما التجافي فيدل عليه في التشهد الاول صحيحة ابن الحجاج عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام وهي له الاولى كيف يصنع إذا جلس الامام؟ قال: يتجافى ولا يتمكن من القعود. الخ وفي مطلق التشهد صحيحة الحلبي: من اجلسه الامام في موضع يجب ان يقوم فيه يتجافى وأقعى اقعاء ولم يجلس متمكنا (2). هذا وقد تقدم في المسألة التاسعة عشرة من احكام الجماعة ان هذه النصوص محمولة على الاستحباب. (1) كما تقدم سابقا وقلنا ان مقتضى الآية والرواية وان كان هو الوجوب ولكن بأزائهما السيرة العملية القائمة على العدم، الموجبة لحمل الامر على الاستحباب وان نسب الوجوب إلى بعضهم ولاجله كان مقتضى الاحتياط مراعاة الاصغاء وان كان الاقوى عدم الوجوب.


(1) الوسائل: باب 66 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 67 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 473 ]

[ حدوث فسقه جاز له الاقتداء به عملا بالاستصحاب (1) وكذا لو رأى منه شيئا وشك في انه موجب للفسق ام لا. ] (2) من غير فرق بين الشبهة كما هو الغالب بان شك في اصل صدور الفسق منه مثل ما لو رأيناه يشرب مايعا وشككنا في انه نجس وهو عالم بالنجاسة فيشربها عاصيا ام انه جاهل، وبين الشبهة الحكمية بأن صدر منه فعل ولم يعلم حرمته في الشريعة المقدسة كما لو رأيناه يشرب النبيذ عالما بكونه نبيذا ولم ندر انه يرى حليته اجتهادا أو تقليدا فلا يضر بعدالته، ام انه يرى حرمته فيشربه على جهة المعصية؟ ففي جميع ذلك بما ان الحرام الواقعي بنفسه لا يوجب العصيان ولا يترتب عليه الاثم ما لم يتنجز على المكلف بعلم أو علمي ولم يعلم صدور الفعل منه على جهة المعصية فلا مانع من استصحاب العدالة وليس ذلك من جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية أو الشبهة المفهومية لوضوح ان مجرى الاستصحاب هي العدالة التي هي موضوع خارجي، والشبهة في الحكم أو المفهوم أو الموضوع من مناشئ الشك في العدالة واسبابه وليست هي مجرى للاصل، فلا ينافي ذلك ما هو الصحيح من عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية ولا المفهومية التي لا يقول بجريان الاستصحاب فيها غيرنا ايضا. نعم: يمكن فرض الشبهة المفهومية في نفس العدالة بناءا على التشكيك في حقيقتها وانها عبارة عن الاجتناب عن الكبائر، أو هي مع الاصرار على الصغائر كما عليه المشهور. فرأينا صدور

[ 474 ]

[ (مسألة 12): يجوز للمأموم مع ضيق الصف ان يتقدم إلى الصف السابق (1) أو يتأخر إلى اللاحق إذا رأى خللا فيهما لكن على وجه لا ينحرف عن القبلة فيمشي القهقري. ] الصغيرة منه كالنظر إلى الاجنبية وبذلك شككنا في بقاء عدالته فانه لا مجال لاستصحابها حينئذ لما هو المحقق في محله من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية. واما بناءا على ما هو التحقيق من انكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة وان المعاصي كلها من الكبائر على ما مر الكلام عليه عند البحث عن حقيقة العدالة فالشبهة المفهومية في نفس العدالة لا تصوير لها في المقام، بل الشك فيها بنفسها دائما من قبيل الشبهة الموضوعية كما عرفت. (1) كما هو مقتضى القاعدة لعدم الدليل على مانعية المشي قليلا إلى الامام أو الخلف اثناء الصلاة ما لم يضر بالهيئة الصلاتية، ومع الشك فمقتضى الاصل البراءة بناءا على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في الاقل والاكثر الارتباطي هذا. مضافا إلى ورود النص بذلك في خصوص المقام وهي صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن اخيه (ع) قال: سألته عن الرجل يكون في صلاته في الصف هل يصلح له ان يتقدم إلى الثاني أو الثالث أو يتأخر وراءه في جانب الصف الآخر؟ قال: إذا رأى خللا فلا بأس، وموثق سماعة عن أبي عبد الله (ع) قال قال:

[ 475 ]

[ (مسألة 13): يستحب انتظار الجماعة اماما أو مأموما وهو افضل من الصلاة في اول الوقت منفردا (1)، ] لا يضرك ان تتأخر وراءك إذا وجدت ضيقا في الصف فتأخر إلى الصف الذي خلفك، وإذا كنت في صف واردت ان تتقدم قدامك فلا بأس ان تمشي إليه (1) ونحوهما غيرهما فيجوز المشي للاصل والنص لكن بشرط عدم الانحراف عن القبلة فيمشي القهقرى كما ذكره في المتن لعموم دليل اعتبار الاستقبال في جميع حالات الصلاة ووضوح عدم النظر في هذه النصوص إلى الاخلال من هذه الجهة كي تصلح لمعارضته. (1) للروايات الكثيرة المتضمنة للحث الاكيد على اقامة الجماعة وانها تعادل باربع وعشرين درجة التي تقدمت الاشارة إليها سابقا مضافا إلى رواية جميل بن صالح انه سأل الصادق (ع) ايهما افضل أيصلي الرجل لنفسه في اول الوقت أو يؤخر قليلا ويصلي باهل مسجده إذا كان امامهم؟ قال: يؤخر ويصلي بأهل مسجده إذا كان هو الامام (2). لكن الرواية ضعيفة لجهالة طريق الصدوق إلى جميل (3) على ان الدلالة خاصة من جهتين احداهما الاختصاص بالامام فلا تعم المأموم


(1) الوسائل: باب 70 من أبواب صلاة الجماعة 11 و 3. (2) الوسائل: باب 74 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (3) يمكن تصحيحه على ضوء ما افاده - دام ظله - في نظائر المقام: بان في طريق الشيخ إلى جميل بن صالح ابن الوليد وللصدوق طريق صحيح إلى جميع مروياته على ما يظهر من الشيخ في الفهرست.

[ 476 ]

والاخرى الاختصاص بالتأخر عن اول الوقت قليلا فلا تشمل التأخير الكثير كساعة مثلا فهي اخص من المدعى، فنبقى نحن وساير الروايات والتكلم على ما تقتضيه الصناعة. فنقول: لا ريب في ان المقام من باب التزاحم دون التعارض لوقوع المزاحمة بين ادراك فضيلة الوقت وبين ادراك فضيلة الجماعة لدى عدم التمكن من الجمع بين الفضيلتين. وعليه فان اريد من الانتظار الذي حكم (قده) بافضليته ما إذا استوجب ذلك خروج وقت الفضيلة بالكلية وايقاع الصلاة جماعة في وقت الاجزاء بحيث دار الامر بين ادراك فضيلة الوقت بالاتيان بالصلاة فرادى في الوقت الاول وبين ادراك فضيلة الجماعة بايقاعها في الوقت الثاني فهو في حيز المنع، فان اهتمام الشارع وحثه الاكيد على ادراك فضيلة الوقت ليس بأقل من حثه على فضيلة الجماعة، بل لا ينبغي التأمل في ان الاول اهم في نظر الشرع، كيف وقد عبر عن التأخير عن هذا الوقت بالتضييع، وقد ورد في لسان الاخبار من ضروب التأكيد والعناية البليغة بشأنه ما لا يقاومه الحث المتعلق بصلاة الجماعة كما لا يخفى. فتقديم الفرادى على الجماعة في هذه الصورة التي هي ظاهر عبارة الماتن (قده) هو الاظهر. وان اريد من ذلك ما إذا كانت كلتا الصلاتين في وقت الفضيلة أو كلتاهما في وقت الاجزاء غير ان الجماعة متأخرة أو انه لو تصدى لادراك الفضيلة فرادى يقع مقدار من الصلاة في الوقت الثاني فالمتعين حينئذ ما ذكره (قده) من استحباب الانتظار لوضوح عدم المزاحمة وقتئذ بين الامرين. فتقديم الجماعة في هذه الصورة هو المطابق

[ 477 ]

[ وكذا يستحب اختيار الجماعة مع التخفيف على الصلاة فرادى مع الاطالة (1) (مسألة 14): يستحب الجماعة في السفينة الواحدة وفي السفن المتعددة (2) للرجال والنساء، ولكن تكره الجماعة في بطون الاودية. ] للقاعدة لسلامة ما دلت عليه الاخبار من الحث وانها تعادل اربعا وعشرين درجة عن المزاحم، بل الظاهر ان سيرة المسلمين قائمة على ذلك لعدم انعقاد الجماعات في اول الوقت الحقيقي غالبا فتتأخر عن اول وقت الفضيلة مقدارا يمكن ايقاع الصلاة فيه فرادى. ومع ذلك قامت سيرتهم على التأخير والانتظار وعدم البدار إلى ايقاعها فرادى وان كانت اقرب إلى أول الوقت. (1) كما دلت عليه رواية جميل: " وسأله رجل فقال ان لي مسجدا على باب داري فأيهما افضل اصلي في منزلي فأطيل الصلاة أو أصلي بهم واخفف؟ فكتب صل بهم واحسن الصلاة ولا تثقل " (1). لكنها ضعيفة السند كما مر. فالعمدة هي الروايات العامة المتضمنة للاهتمام بشأن الجماعة وقد ورد في بعضها استحباب التخفيف رعاية لاضعف المأمومين، وفي بعضها ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل كذلك. فالحكم المذكور مطابق للقاعدة. (2) كما دلت عليه في السفينة الواحدة النصوص الكثيرة وفيها


(1) الوسائل: باب 74 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 478 ]

[ (مسألة 15): يستحب اختيار الامامة على الاقتداء فللامام إذا احسن بقيامه وقراءته وركوعه وسجوده مثل اجر من صلى مقتديا به، ولا ينقص من اجرهم شئ. (مسألة 16): لا بأس بالاقتداء بالعبد إذا كان عارفا بالصلاة واحكامها. (مسألة 17): الاحوط ترك القراءة في الاولتين من الاخفاتية وان كان الاقوى الجواز مع الكراهة كما مر. (مسألة 18): يكره تمكين الصبيان من الصف الاول - على ما ذكره المشهور وان كانوا مميزين. (مسألة 19): إذا صلى منفردا أو جماعة واحتمل فيها خللا (1) في الواقع وان كانت صحيحة في ظاهر الشرع ] المعتبرة، وفي بعضها أما ترضى بصلاة نوح (1) كما لا يخفى على من لاحظها. واما في السفينتين فلم يرد نص بالخصوص. ومع ذلك فالجواز فيهما أيضا هو المطابق للقاعدة بلا فرق بين حالتي الوقوف والحركة مع استجماع الشرائط التي منها عدم البعد بين الامام والمأموم، أو الصف السابق والصف اللاحق كما لو كانت السفينتان مشدودتين أو تمشي احداهما محاذية للاخرى. (1) لا اشكال في جواز الاعادة فيما إذا احتمل المصلي خللا في صلاته بحسب الواقع وان كانت صحيحة في ظاهر الشرع بل هي


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب القبلة.

[ 479 ]

[ يجوز بل يستحب ان يعيدها منفردا أو جماعة، واما إذا لم يحتمل فيها خللا فان منفردا ثم وجد من يصلي تلك الصلاة جماعة يستحب له ان يعيدها جماعة اماما كان أو مأموما، بل لا يبعد جواز اعادتها جماعة إذا وجد من يصلي غير تلك الصلاة كما إذا صلى الظهر فوجد من يصلي العصر جماعة، لكن القدر المتيقن الصورة الاولى. واما إذا صلى جماعة اماما أو مأموما فيشكل استحباب اعادتها. ] مستحبة من باب الاحتياط الذي هو مندوب وحسن على كل حال من غير فرق بين ما إذا كانت الاولى فرادى أو جماعة اماما أو مأموما، وكذا الثانية في غير ما إذا كان اماما والا فيشكل الاقتداء به لعدم احراز كونه مصليا بعد احتمال سقوط الامر بالصلاة الاولى الا إذا كان المأموم مشاركا مع الامام في الجهة المقتضية للاحتياط كما لو توضئا من ماء معين وبعد الفراغ من الصلاة شكا في طهارته ونجاسته فانه لا مانع حينئذ من ائتمام احدهما بالآخر لان الصلاة الاولى ان كانت صحيحة فالثانية لغو من كليهما، والا فكلتا الصلاتين مأمور بها ولا يحتمل التفكيك بين صلاتي الامام والمأموم في الصحة والفساد بعد انبعاث الاحتياط من جهة مشتركة كما هو واضح. وقد مر الكلام حول ذلك في اوائل فصل الجماعة فلاحظ. وأما إذا لم يحتمل خللا في صلاته اصلا فلا تشرع اعادتها منفردا سواءا كانت الاولى جماعة ام فرادى لعدم المقتضي لها بعد سقوط

[ 480 ]

الامر وعدم احتمال الخلل. واما اعادتها جماعة مأموما أو اماما فلا اشكال في جوازها بل استحبابها فيما إذا صلى الاولى منفردا لقيام الدليل المعتبر على كل منهما. اما في المأموم فدلت عليه صحيحة هشام بن سالم في الرجل يصلي الصلاة وجده ثم يجد جماعة، قال: يصلي معهم ويجعلها الفريضة ان شاء (1). والمراد بالفريضة القضاء لا تلك الصلاة الادائية، والقرينة على ذلك امران: احدهما موثقة اسحاق بن عمار قال قلت لابي عبد الله (ع): تقام الصلاة وقد صليت، فقال: صل واجعلها لما فات (2). ثانيهما: القرينة العقلية لحكومة العقل بامتناع تبديل الامتثال بالامتثال وان الفريضة لا تناط بالمشية ولا يمكن تعليقها عليها كما تعرضنا لذلك في مبحث الاجزاء لسقوط الامر بمجرد الامتثال، إذ الانطباق قهري وجداني والاجزاء عقلي فلا يبقى معه امر كي يبدل بامتثال آخر، ومن الضروري تقوم الامتثال بوجود الامر. فمن المستحيل اختيار المكلف في التبديل كي يعلق على مشيته في قوله (ع): (ويجعلها الفريضة ان شاء) فليس المراد انه يجعلها تلك الفريضة الادائية قاصدا بها امرها السابق بل المراد انه مخير بين ان ينوي بها الفريضة القضائية، أو الصلاة المعادة بقصد الامر الاستحبابي المتعلق بها بهذا العنوان لا الامر الوجوبي الاول والاكان من التشريع المحرم.


(1) الوسائل: باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 55 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 481 ]

واما في الامام فدلت عليه صحيحة اسماعيل بن بزيع قال: كتبت إلى ابي الحسن (ع): اني احضر المساجد مع جيرتي وغيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم وقد صليت قبل ان اتاهم وربما صلى خلفي من يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل فاكره ان اتقدم وقد صليت لحال من يصلي بصلاتي ممن سميت ذلك فمرني في ذلك بامرك انتهي إليه واعمل ان شاء الله، فكتب (ع). صل بهم (1) والدلالة ظاهرة وقوله: من يقتدي بصلاتي اي من الشيعة. هذا كله إذا كان قد صلى منفردا. واما إذا صلى جماعة فالظاهر جواز اعادتها اماما، وان استشكل فيه الماتن لاطلاق صحيحة ابن بزيع المتقدمة ولو من اجل ترك الاستفصال، إذ من الجائز ان السائل كان قد صلى في داره باهله قبل ان ياتي المسجد كما كان هذا متعارفا ولم يستفصله الامام (ع) عند حكمه بالجواز عن ان صلاته كانت فرادى ام جماعة فيكشف ذلك عن اطلاق الحكم كما لا يخفى ومنه: تعرف حكم ما لو كان مأموما فاعادها اماما إذ لو جازت الاعادة فيما إذا صلاها اماما ففي المأموم بطريق أولى. مضافا إلى اطلاق وترك الاستفصال في صحيحة ابن بزيع كما عرفت. إذ من الجائز ان ابن بزيع صلى في داره مأموما وكان مقتديا بأحد من الاصحاب الحاضرين في بيته كصفوان ونحوه، فان هذا ايضا فرد متعارف وان لم يكن بتلك الكثرة، فترك استفصاله (ع) من ان صلاته السابقة كانت فرادى ام جماعة اماما أو مأموما كاشف


(1) الوسائل: باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 482 ]

[ وكذا يشكل إذا صلى إثنان منفردا ثم أراد الجماعة (1) ] عن اطلاق الحكم. وأما إذا صلى جماعة واراد ان يعيدها مأموما فهذا لا دليل عليه، فان مورد النصوص ما إذا صلى فرادى واعادها جماعة غايته انا استفدنا من صحيحة ابن بزيع ما لو صلاها جماعة ايضا بمقتضى الاطلاق لكن موردها ما إذا اعادها اماما كما عرفت. واما مأموما فلم يقم على مشروعيته اي دليل والعبادة توقيفية يقتصر فيها على مورد النص. وقد يتوهم استفادته من موثقة عمار عن الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة ايجوز له ان يعيد الصلاة معهم؟ قال: نعم وهو أفضل، قلت: فان لم يفعل، قال ليس به بأس (1) بدعوى ان اطلاقها يشمل ما إذا صلى الاولى جماعة. لكنه كما ترى بعيد جدا عن سياقها بقرينة قوله: وهو افضل الكاشف عن المقابلة بين المعادة جماعة وبين الاولى وان هذه من اجل كونها جماعة افضل فلا بد وان تكون الاولى فرادى بمقتضى التقابل المستفاد من التفضيل. على ان ظاهر قوله ثم يجد.. الخ وجدان الجماعة بعد فقدانها كما لا يخفى فلا ينبغي الريب في ظهور الموثق في كون الاولى فرادى وعدم اطلاقه لما إذا كانت جماعة. وكيفما كان: فمحل الاشكال ما إذا صلى الاولى جماعة اماما أو مأموما واعادها مأموما. وقد عرفت ان هذا لا دليل عليه. واما اعادتها اماما فلا بأس بها كما عرفت. (1) لخروج ذلك عن مورد النصوص فانها ناظرة إلى ما إذا كانت


(1) الوسائل: باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 9.

[ 483 ]

[ فاقتدى أحدهما بالآخر من غير ان يكون هناك من لم يصل. (مسألة 20): إذا ظهر بعد إعادة الصلاة جماعة ان الصلاة الاولى كانت باطلة يجتزئ بالمعادة (1). ] هناك جماعة اخرى صحيحة في نفسها مع قطع النظر عن اعادة هذا المصلي بان كان ثمة شخص آخر لم يصل كما هو المفروض في جميع تلك الاخبار فلا تشمل ما إذا كان الجماعة منحصرة بامام ومأموم كل منهما قد صلى منفردا وارادا اعادتها جماعة من دون وجود شخص آخر لم يصل. فمشروعية هذه الجماعة غير ثابتة لعدم الدليل عليها. وبما ان العبادة توقيفية فمقتضى الاصل عدم المشروعية. (1) والوجه فيه ظاهر فان موثق عمار المتقدم صريح في ان المعادة ليست صلاة اخرى مستقلة بل هي اعادة لنفس الصلاة الاولى فهي ذاتا تلك الفريضة بعينها غايته انه يستحب اعادتها جماعة، فإذا تبين الخلل في الاولى تحقق الامتثال في ضمن الفرد الثاني لا محالة وان تخيل المصلي استحبابه واعتقد انه مصداق للمعادة فانه من باب الخطأ في التطبيق. وقد ذكرنا غير مرة انه لا يعتبر في صحة العبادة عدا الاتيان بذات العمل وان يكون ذلك بداعي القربة وكلاهما متحقق في المقام. فالحكم بالاجتزاء مطابق للقاعدة. وتؤيده رواية أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله (ع): اصلي ثم ادخل المسجد فتقام الصلاة وقد صليت، فقال: صل معهم

[ 484 ]

[ (مسألة 21): في المعادة إذا اراد نية الوجه ينوي الندب لا الوجوب على الاقوى (1). ] يختار الله احبهما إليه (1) إذ من المعلوم ان الله تعالى يختار الصحيح منهما دون الفاسد، لكن الرواية ضعيفة بسهل بن زياد فلا تصلح الا للتأييد. (1) لما عرفت من سقوط الامر الوجوبي بالصلاة الاولى فلا تكون المعادة بما انها كذلك فردا للواجب ومعه كيف يقصد الوجوب بها نعم الطبيعة هي تلك الطبيعة بعينها غير ان الامر المتعلق بها حينئذ استحبابي، وهذا الامر هو الباعث على اعادتها دون الوجوبي الساقط الذي كان باعثا على الصلاة الاولى فلو اراد نية الوجه ليس له الا ان ينوي الندب فيقصد نفس تلك الطبيعة المتعلقة للامر الاستحبابي كما ذكره في المتن. هذا تمام الكلام في صلاة الجماعة وبه ينتهي الجزء الخامس بقسميه ويتلوه الجزء السادس المحتوى على مباحث الخلل ان شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين. حرره بيمناه الداثرة مرتضى بن علي محمد البروجردي اصلا (1) لما عرفت من سقوط الامر الوجوبي بالصلاة الاولى فلا تكون المعادة بما انها كذلك فردا للواجب ومعه كيف يقصد الوجوب بها نعم الطبيعة هي تلك الطبيعة بعينها غير ان الامر المتعلق بها حينئذ استحبابي، وهذا الامر هو الباعث على اعادتها دون الوجوبي الساقط الذي كان باعثا على الصلاة الاولى فلو اراد نية الوجه ليس له الا ان ينوي الندب فيقصد نفس تلك الطبيعة المتعلقة للامر الاستحبابي كما ذكره في المتن. هذا تمام الكلام في صلاة الجماعة وبه ينتهي الجزء الخامس بقسميه ويتلوه الجزء السادس المحتوى على مباحث الخلل ان شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين. حرره بيمناه الداثرة مرتضى بن علي محمد البروجردي اصلا والنجفي مسكنا ومدفنا ان شاء الله تعالى وكان الفراغ في يوم 28 من شهر ذى القعدة الحرام سنة 1390 ه‍


(1) الوسائل: باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 10.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية