الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصلاة ق1 - السيد الخوئي ج 5

كتاب الصلاة ق1

السيد الخوئي ج 5


[ 1 ]

مستند العروة الوثقى

[ 2 ]

هوية الكتاب الكتاب: مستند العروة الوثقى - الجزء الخامس من كتاب الصلاة محاضرات آية الله العظمى الخوئي مد ظله المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي الناشر: لطفي الطبعة الاولى العدد: 3000 السعر 1100 ريال التاريخ - 1368 المطبعة: العلمية - قم

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (21) مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة محاضرات زعيم الحوزة العلمية اية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله العالي للعلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مرتضى البروجردي الجزء الخامس - القسم الاول

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين. وبعد فهذا هو القسم الاول من الجزء الخامس من كتاب الصلاة من " مستند العروة الوثقى " قدمناه للطباعة حامدين مصلين سائلين العلي القدير التوفيق لانهاء بقية الاجزاء انه ولي التوفيق والسداد.

[ 7 ]

[ فصل: في صلاة الآيات وهى واجبة (1) على الرجال والنساء (2) والخناثى. وسببها امور: (الاول والثاني): كسوف الشمس. وخسوف القمر (3). ] (1): - اجماعا كما عن غيره واحد، بل لعله في الجملة من الضروريات مضافا إلى النصوص المستفيضة كما ستعرف: (2): - لقاعدة الاشتراك مضافا إلى اطلاق النصوص ومعاقد الاجماعات المؤيدة برواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن النساء هل على من عرف منهن صلاة النافلة وصلاة الليل والزوال والكسوف ما على الرجال قال: نعم (1). وإن كانت ضعيفة السند بعبد الله بن الحسن. ومنه تعرف حكم الخنثى فانها اما رجل أو أنثى فيجري فيها ما عرفت. بل وكذا لو كانت طبيعة ثالثة لكونها مشمولة للاطلاقات على اي حال. (3): - بلا خلاف فيه بل اجماعا وتقتضيه جملة من النصوص التي تضمنت توصيفها بالفريضة كصحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: وقت صلاة الكسوف.. إلى ان قال وهي


(1) الوسائل: باب 3 من ابواب صلاة الآيات ح 1.

[ 8 ]

[ ولو بعضهما (1) وان لم يحصل منهما خوف (2). ] فريضة (1) ونحوها غيرها. ثم ان الكسوف يطلق على احتراق كل من النيرين وان كان استعماله في الشمس اكثر، وأما الخسوف فيختص بالقمر ومما تضمن أطلاقه عليهما معا صحيحة الفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم انهما قالا قلنا لابي جعفر (ع): أيقضي صلاة الكسوف من إذا أصبح وإذا أمسى فعلم؟ قال إن كان القرصان احتراق كلاهما قضيت، وان كان انما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه ونحوها روايات كثيرة. (1): - بلا خلاف فيه لاطلاق النصوص، مضافا إلى صحيحة الفضيل ومحمد بن مسلم المتقدمة المتضمنة لنفي القضاء مع عدم احتراق القرص فانها تدل بوضوح على وجوب الاداء مطلقا. (2): - لاطلاق النصوص ومعاقد الاجماعات. نعم قد يظهر من رواية الصدوق عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) قال: انما جعلت للكسوف صلاة لانه من آيات الله لا يدرى الرحمة ظهرت أم لعذاب فاحب النبي صلى الله عليه وآله ان تفزع امته إلى خالقها وراحمها عن ذلك ليصرف عنهم شرها ويقيهم مكروهها كما صرف عن قوم يونس (عليه السلام) حين تضرعوا إلى الله عزوجل.. الحديث (3) أن


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الآيات ح 1. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب صلاة الآيات ح 1. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الآيات ح 3.

[ 9 ]

[ (الثالث): الزلزلة وهي أيضا سبب لها (1) مطلقا وان لم يحصل بها خوف على الاقوى. ] حكمة التشريع هي الخوف. ولكنها ليست بعلة ليلزم الاطراد، على انها ضعيفة السند. (1): - اجماعا كما عن غير واحد وان استشعر الخلاف من اهمالها وعدم التعريض إليها في كلمات جمع من القدماء غير انه لم ينسب الخلاف إلى أحد صريحا. وكيفما كان فالمتبع هو الدليل ويستدل له بوجوه: أحدها: ما رواه الصدوق في الفقيه باسناده عن سليمان الديلمي أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الزلزلة ما هي؟ فقال: آية ثم ذكر سببها (إلى ان قال) قلت فإذا كان ذلك فما اصنع؟ قال: صل صلاة الكسوف.. الحديث وروى مثله في العلل بطريق آخر عن محمد بن سليمان الديلمى عن أبى عبد الله (ع) (1). ولكن السند ضعيف في الطريقين لعدم ثبوث وثاقة سليمان ولا ابنه محمد، بل قال النجاشي (2) انه غال كذاب وكذلك ابنه محمد لا يعمل بما انفردا به.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة الآيات ح 3. (2) لاحظ معجم الاستاد ج 8 ص 275 لكن النجاشي نسبه إلى قائل مجهول ومثله لا يصلح لمعارضة التوثيق المستفاد من وقوعه في تفسير القمي، إللهم الا ان يكون قوله (لا يعمل بما انفردا به) من كلام النجاشي نفسه فليلا حظ.

[ 10 ]

على ان في الطريق الثاني احمد بن محمد بن يحيى ولم تثبت وثاقته، وكذا ابراهيم بن اسحاق. ودعوى الانجبار كما ترى. ثانيهما: ما رواه الصدوق أيضا باسناده عن بريد بن معاوية، ومحمد بن مسلم، عن ابي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها ما لم تتخوف أن يذهب وقت الفريضة، فان تخوفت فابدء بالفريضة واقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف، فإذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت، واحتسب بما مضى (1). فان الزلزلة من اهم هذه الآيات، والخوف الحاصل في موردها اعظم، فيشملها قوله: " أو بعض هذه الآيات ". غير ان المحقق الهمداني (قده) ناقش في الدلالة نظرا إلى كونها مسوقة لبيان حكم آخر وهو تقديم الفريضة عليها لدى المزاحمة. ولكنه كما ترى لا يكون مانعا عن التمسك بها غايته بعد تقييد الوجوب بعدم المزاحمة وأنه معها يتم الفريضة ثم يبني فان هذا التقلييد لا يمنع عن شمول لفظ البعض لا ظهر المصاديق وابرزها كما عرفت. نعم يرد على اللاستدلال بها أولا جواز ان يكون المراد من البعض هي الآيات المعهودة بين الناس والمعلوم كونها كالكسوف موجبة للصلاة كالعواصف الشديدة، والرياح المظلمة ونحوها من الاخاويف السماوية الواردة في صحيحة محمد بن مسلم وزرارة الآتية فتكون تلك الصحيحة اشارة إلى هذه، وكون الزلزلة عندهم مثلها غير معلوم.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة الآيات ح 4.

[ 11 ]

وثانيا: انها غير نقية السند وان عبر عنها المحقق الهمداني كصاحب الجواهو بالصحيحة فان طريق الصدوق إلى بريد مجهول حيث لم يذكر في المشيخة، وطريقه إلى محمد بن مسلم ضعيف فان فيه علي بن احمد ابن عبد الله بن احمد البرقي عن ابيه وكلاهما مجهول. ثالثها: التعليل الوارد في رواية الفضل بن شاذان المتقدمة (1) بعد وضوح ان الخوف الحاصل من الزلزلة - المجعول مناطا لوجوب الصلاة في هذه الرواية - اعظم من غيرها من ساير الايات؟. وفيه: مضافا إلى ان الخوف المزبور حكمة للتشريع لاعلة للحكم ليلزم أطرادها كما تقدم انها؟ ضعيفة السند لضعف طريق الصدوق إلى الفضل. فما في مصباح الفقيه من الحكم با عتبار السند في غيره محله. رابعها: صحيحة الفضلاء عن كليمها أو احدهما (ع): أن صلاة كسوف الشمس والقمر والرجفة والزلزلة عشر ركعات وأربع سجدات صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله والناس خلفه في كسوف الشمس ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها (2). وفيه: انها بصدد بيان الكيفية وانها في جميعها عشر ركعات. فلا تدل على الوجوب، بل غايته المشروعية ويشهد لذلك قوله (ع) بعد ذلك: " أن الصلاة في هذه الآيات كلها سواء واشدها واطولها كسوف الشمس.. الخ ". والمتحصل: مما تقدم ضعف هذه الوجود سندا أو دلالة فلا يصح التعويل عليها. نعم لو قلنا بما سيجئ من وجوب الصلاة لكل


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الآيات ح 3. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 1.

[ 12 ]

[ (الرابع): كل مخوف سماوي (1) ] مخوف سماوي أو أرضي ثبت الحكم في المقام بلا اشكال لكون الزلزلة من ابرزها واعظمها. ولكنك ستعرف عدم ثبوت هذه الكلية. فلم يبق في البين إلا الاجماع المدعى في المقام، وحيث ان في صحة التعويل عليه بعد وضوح مدرك المسألة ما لا يخفى فالحكم إذا مبنى على الاحتياط. (1): - على المشهور، بل عن الخلاف دعوى الاجماع عليه. ويستدل له بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لابي جعفر (عليه السلام) هذه الرياح والظلم التي تكون هل يصلى لها؟ فقال: كل اخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن (1). وربما يستشكل في دلالتها من وجهين: احدهما: ان السؤال لم يكن عن الوجوب بل عن المشروعية فيكون الجواب طبعا منزلا عليها. ويندفع: بان المشروعية لدى الاخاويف السماوية امر متعارف بينهم يعرفها عامة الناس، فكيف يقع السؤال عنها سيما من الاجلاء والاعاظم نظراء زرارة ومحمد بن مسلم الراويين لهذا الحديث. فلا جرم يكون السؤال عن الوجوب لا غير. ثانيهما: ان قوله (ع) في الذيل: " حتى يسكن " آية الاستحباب لعدم وجوب اطالة الصلاة إلى سكون الآية وارتفاعها بضرورة الفقه.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة الآيات ح 1.

[ 13 ]

[ أو ارضي (1) كالريح الاسود أو الاحمر أو الاصفر والظلمة الشديدة، والصاعقة، وللصيحة، والهدة، والنار التي ] ويندفع بابتنائه على ان يكون ذلك قيدا في المأمور به وهو خلاف الظاهر بل في حيز المنع وانما هو قيد الامر أو غاية له ويكون المعنى على الاول ان الامر بالصلاة باق إلى زمان ارتفاع الآية وسكونها نظير قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وعلى الثاني أن الغاية من الامر وفائدة الاتيان بهذه الصلاة سكون الآية وهدوئها نطير قول الطبيب: اشرب الدواء حتى تعافى. ويمكن الاستدلال أيضا بصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله انه سأل الصادق (ع) عن الريح والظلمة تكون في السماء والكسوف فقال الصادق (ع): صلاتهما سواء (1). فان ظاهر الجواب: المساواة بين صلاة الكسوف وبين الصلاة لساير الاخاويف السماوية في الوجوب وفي الكيفية لا في الثاني فقط كما لا يخفى. وتؤيد المطلوب رواية بريد ومحمد بن مسلم المتقدمة حيث عرفت ان بعض الآيات الواردة فيها اشارة إلى الاخاويف السماوية المذكورة في صحيحة زرارة وابن مسلم الآنفة الذكر غير انها لاجل ضعف سندها لا تصلح الا للتأييد. (1): - كما عن جماعة من الاصحاب ويستدل له تارة بالتعليل


(1) الوسائل باب 2 من صلاة الآيات ح 2.

[ 14 ]

[ تظهر في السماء، والخسف، وغير ذلك من الآيات المخوفة عند غالب الناس. ولا عبرة بغير المخوف (1) من هذه ] الوارد في خبر الفضل بن شاذان وقد عرفت ما فيه. واخرى: برواية بريد ومحمد بن مسلم المتقدمة بدعوى أن (بعض هذه الآيات) الواردة فيها تعم السماوية والارضية وفيه: مضافا إلى ما عرفت من ضعف السند انها ناظرة إلى الاخاويف السماوية خاصة كما تقدم. وثالثة: بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة بدعوى شمول الاخاويف السماوية للارضية نظرا إلى أن الاضافة لم تكن مكانية وانما هي نشوية باعتبار ان جميعها تنزل من السماء وتستند إلى الباري تعالى ولذا يعبر عن الكل بالافات الالهية. فلاخاويف الارضية وان كان مكانها الارض الا ان مصدرها السماء ومن ثم اسندت إليها. وفيه: ما لا يخفى لبعد هذا الاحتمال في حد نفسه، ومع عدم البعد فهو مجرد احتمال لا يبلغ حد الظهور ليصح التعويل عليه. ومن الجائز ان تكون الاضافة مكانية لا سببية. إذا فلم ينهض دليل يعتمد عليه بالاضافة إلى الاخاويف الارضية. فالحكم فيها مبني على الاحتياط. نعم يتأكد الاحتياط في خصوص الزلزلة لمكان دعوى الاجماع وبعض الاخبار على اشكال فيهما قد تقدم. (1): - لاختصاص الدليل اما بالمخوف أو بما لا يعم غيره حسبما تقدم. فيرجع في غيره إلى الاصل.

[ 15 ]

[ المذكورات ولا بخوف النادر (1) ولا بأنكساف أحد النيرين ببعض الكواكب؟ الذي لا يظهر إلا للاوحدي من الناس (2). ] (1): - لانصراف النصوص عنه. (2): - فلا تجب الصلاة إلا بحيلولة الارض بين القمر والشمس كما في الخسوف، أو حيلولة القمر بين الشمس والارض كما في الكسوف: ولا عبرة بساير الكواكب لانصراف الادلة عنها. هذا. والتحقيق أن يقال: اما في الخسوف فالفرض المزبور لا واقع له إذا لا يوجد كوكب يكون أقرب إلى الارض من القمر لتفرض حيلولته بينهما إلا انه على فرض تحققه ولو على سبيل الاعجاز شملته النصوص ووجبت الصلاة إذا الموضوع خسوف القمر. والذي يفهمه العرف من هذه الكلمة هو رؤية جرمه فاقدا للنور، واما ان العلة في ذلك هل هي حيلولة الارض بينه وبين الشمس أو شئ آخر فهو امر لا يدركه عامة الناس سيما من كان منهم في عصر صدور هذه الاخبار، وانما هو شئ يختص به الفلكيون وارباب فن الهيئة. إذا فمتى صدق الخسوف وبأي سبب تحقق وجبت الصلاة بمقتضى اطلاق الادلة. وأما في الكسوف فلا مانع من فرض كوكب آخر غير القمر يحول بين الارض والشمس كالزهرة وعطارد حيث انهما واقعتان بينهما فيمكن ان تحجبا نورها ويتشكل من ذلك كسوف يراه بعض سكنة الارض ممن يقع في نقطة تقابل مركز الزهرة - مثلا - المقابلة لنقطة مركز الشمس الا ان مثل ذلك لا يستوجب الصلاة

[ 16 ]

[ وكذا بانكساف بعض الكواكب ببعض (1) إذا لم يكن مخوفا (2) للغالب من الناس، واما وقتها ففي الكسوفين هو من حين الاخذ إلى تمام الانجلاء على الاقوى (3) فتجب المبادرة إليها بمعنى عدم التأخير إلى تمام الانجلاء وتكون اداءا " في الوقت المذكور. ] لعدم ظهوره الا للاوحدي من اصحاب المراصد الفلكية، ولا تعرفه عامة الناس لمكان صغر الكوكب الناشئ من بعده المفرط. ومن الواضح ان موضوع الحكم انما هو الكسوف المرئي لعامة الناس بحيث تشاهده آحادهم العاديون. نعم لو تحقق ذلك بحيث اصبح مرئيا لهم ولو من طريق الاعجاز بحيث صدق عندهم الكسوف وجبت الصلاة كما عرفته في الخسوف. (1): - لخروجه عن منصرف النصوص. (2): - اما إذا كان مخوفا وجبت الصلاة حينئذ لا لمكان الكسوف بل لما تقدم من وجوبها لعامة الاخاويف السماوية. (3): - لا شبهة في عدم وجوب الصلاة قبل حصول الكسوفين لعدم الامر بها قبل حصول موجبه، فلو صلى ثم حصل لم يسقط عنه التكليف حتى لو كان معتقدا ذلك وبان خلافه لان سقوط المأمور به بغيره يحتاج إلى الدليل ولا دليل. بل الحال كذلك حتى لو دخل الوقت في الاثناء لاعتبار الوقت في تعلم الاجزاء بالاسر.

[ 17 ]

والالتزام بالصحة في الفرائض اليومية انما هو لاجل النص الذي لا ينبغي التعدي عن مورده بعد كونه على خلاف القاعدة. بل لا نلتزم به حتى في مورده لضعفه حسبما تقدم في محله. وعلى الجملة: لا ينبغى التأمل في ان صلاة الكسوفين من الفرائض الموقتة المحدودة بما بين الحدين لا يجوز تقديمها على الوقت كما لا يجوز تأخيرها عنه على ما دلت عليه صريحا صحيحة جميل المتقدمة المتضمنة لبيان الوقت (1) وكذلك النصوص الآمرة بالقضاء لدى احتراق المساوق للتوقيت بطبيعة الحال، وهذا كله مما لا خلاف فيه ولا اشكال. وانما الكلام في تحديد الوقت من ناحية المبدء تارة والمنتهى اخرى فهنا جهتان: الجهة الاولى: في التحديد من ناحية المبدء ولا اشكال كما لا خلاف في انه الشروع في الانكساف أو الانخساف وتدل عليه جملة من الاخبار. منها: صحيحة جميل المتقدمة عن أبي عبد الله (ع) قال: وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها.. الحديث (2). ومنها: صحيحة أبي بصير قال: انكسف القمر وانا عند أبي عبد الله (عليه السلام) في شهر رمضان فوثب وقال انه كان يقال: إذا انكسف القمر والشمس فافزعوا إلى مساجد كم (3).


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الآيات ح 1. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة الآيات ح 2. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب صلاة الآيات ح 1.

[ 18 ]

فان الفزع إلى المساجد كناية عن الصلاة وقد امر بها بمجرد الانكساف. ومنها رواية بريد ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها.. الخ (1). ولكنك عرفت أنها ضعيفة السند فلا تصلح الا للتأييد والعمدة ما عرفت مضافا إلى الاجماع. الجهة الثانية: التحديد من ناحية المنتهى وانه هل هو الشروع في الانجلاء أو انه يمتد إلى تمام الانجلاء. فالمنسوب إلى جل السلف ومعظمهم هو الاول، ولكن اكثر المتأخرين ذهبوا إلى الثاني، بل لعله المشهور بينهم ويترتب على ذلك ان الصلاة الواقعة ما بين الحدين قضاء على الاول واداء على الثاني ويستدل للقول الثاني بجملة من الاخبار منها: ما تضمن الامر بتطويل الصلاة المستلزم لوقوع مقدار منها فيما بعد الشروع في الانجلاء كرواية عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: ان صليت الكسوف إلى ان يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فان ذلك افضل، وإذا احببت ان تصلي فتفرغ من صلاتك قبل ان يذهب الكسوف فهو جائز. الحديث (2) فانه لو كان الوقت منتهيا بالشروع المزبور فكيف يؤمر بالتطويل المستلزم لتأخير الصلاة عن وقتها؟! ومنها: صحيحة الرهط عن احدهما (ع) (إلى ان قال) قال صلى رسول الله صلى الله عليه وآله والناس خلفه في كسوف الشمس ففرغ حين


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة الآيات ح 4. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة الآيات ح 2.

[ 19 ]

فرغ وقد انجلى كسوفها (1) فانها ظاهرة أيضا في وقوع مقدار من الصلاة بعد الاخذ في الانجاء فيكشف عن امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء بعد وضوح عدم احتمال تأخير النبي صلى الله عليه وآله صلاة الفريضة عن وقتها. هذا ولكن الظاهر عدم صحة الاستدلال بشئ من هاتين الروايتين إذ مضافا إلى ضعف سند اوليهما بعلي بن خالد. أن محل الكلام جواز تأخير الشروع في الصلاة إلى ما بعد الشروع في الانجلاء، ومورد الروايتين ان الشارع فيها من ذي قبل يجوز أو يستحب له التطويل بحيث ينتهي عنها بعد الاخذ في الانجلاء. ولا تلازم بين الامرين لجواز التفصيل بين الشارع البادي وبين المتلبس فيلتزم بان الاول لا يجور له التأخير اختيارا عن زمان الشروع في الانجلاء. وأما الثاني اعني من كان شارعا فيها ومتلبسا بها فتجوز له استدامة الصلاة وتأخير الفراغ عنها إلى ما بعد ذلك. ودعوى: عدم جواز تأخير الصلاة حتى ببعض اجزائها عن وقتها المقرر لها غير مسموعة، إذ لا بشاعة في ذلك لو ساعده الدليل بعد وضوح عدم كونه حكما عقليا غير قابل للتخصيص بل من الاحكام التعبدية التي زمام امرها بيد الشارع ومن الجائز ان يرخص في بعض الموارد ايقاع بعض اجزاء المأمور به في خارج الوقت. بل لا مناص من الالتزام بذلك في المقام حتى على القول بامتداد الوقت إلى تمام الانجلاء لان قوله عليه السلام في صحيحة الرهط: " ففرغ حين ففرغ وقد انجلى كسوفها " كالصريح في وقوع مقدار


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صلاة الآيات ح 4.

[ 20 ]

من الصلاة بعد تمام الانجاء، كما ان قوله عليه السلام في ذيل رواية عمار: " فتفرغ من صلاتك قبل ان يذهب الكسوف " يدل بوضوح على ان مورد التطويل المحكوم بالافضيلة هو اطالة الصلاة إلى ما بعد ذهاب الكسوف بكامله المستلزم طبعا لوقوع مقدار منها خارج الوقت. إذا فلا يكون في فعل النبي صلى الله عليه وآله ولا في الامر بالتطويل دلالة على امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء بالمعنى الذي هو محل الكلام في المقام، بل غايته جواز تأخير الفراغ عن منتهى الوقت سواء أكان هو الشروع في الانجلاء أم تمامه ويكون ذلك تخصيصا في دليل عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها. ومنها: ما استدل به المحقق الهمداني (قده) من رواية ابن أبى يعفور عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا انكسفت الشمس والقمر فانكسف كلها فانه ينبغي للناس ان يفزعوا إلى امام يصلي بهم، وايهما كسف بعضه فانه يجزي الرجل يصلي وحده. الحديث (1). بتقريب ان جزئية الكسوف وكليته لا تعلم عادة الا عند انتهائه ولا سبيل إلى معرفته إلا الاحتراق أو الاخذ بالانجلاء. وعليه فلو تم الوقت بمجرد الاخذ في الانجلاء الكاشف عن جزئية الكسوف لما مجاز التأخير إليه عامدا مع ان ظاهر الرواية جوازه لتتضح الجزئية أو الكلية حتى تترتب عليهما ما تضمنته من التفصيل بين الصلاة جماعة أو فرادى. وما افاده (قده) متين جدا لولا الخدش في سند الرواية حيث انها ضعيفة ب‍ (علي بن يعقوب الهاشمي) فانه لم يوثق.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب صلاة الآيات ح 2.

[ 21 ]

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في صلاة الكسوف إذا فرغت قبل ان ينجلي فاعد (1) فانها ظاهرة في بقاء الوقت إلى تمام الانجلاء لتقع الاعادة في وقتها. ويندفع: بان استحباب الاعادة غير ملازم لبقاء الوقت، فمن الجائز انقضاء وقت الواجب بالشروع في الانجلاء ومع ذلك تستحب الاعادة إلى تمام الانجلاء تضرعا إلى الباري سبحانه ليرفع البلاء ولا غرو فان التفكيك في الاحكام التعبدية بين الواجبات والمستحبات غير عزيز في الفقه. والمتحصل من جميع ما تقدم لحد الآن عدم امكان اثبات الامتداد وتوسعة الوقت إلى تمام الانجلاء من ناحية الروايات لقصورها سندا أو دلالة على سبيل منع الخلو. نعم يمكن اثباته بالاصل نظرا إلى ان تقيد الواجب بالوقوع ما قبل الشروع في الانجلاء مشكوك فيه ومقتضى الاصل البراءة عنه. لكن الذي يترتب على هذا الاصل انما هو مجرد جواز التأخير فيجوز لمن خوطب بالصلاة لدى الانكساف عدم الاستعجال وتأخيرها إلى ما بعد الشروع وقبل تمام الانجلاء لا اثبات توسعة الوقت، بحيث ان من لم يكن مخاطبا آنذاك لارتفاع القلم عنه لصغر أو جنون بل نوم أو غفلة ونحوها من الاعذار الرافعة للتكليف ثم ارتفع المانع بعد الشروع تجب الصلاة عليه، فان التكليف قبل الشروع كان ساقطا حسب الفرض، وبعده يشك في تعلقه للشك في سعة الوقت وضيقه، وحيث ان الاصل المزبور لا ينهض لاثبات التوسعة كما


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة الآيات ح 1.

[ 22 ]

سمعت فلا جرم كان المتبع أصالة البراءة عن حدوث تكليف جديد. نعم: لا مانع من التمسك باستصحاب كلي الوجوب لولا انه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ولا نقول به. والتحقيق عدم الحاجة إلى الاستصحاب ولا إلى اصالة البراءة، بل لنا اثبات كلا الاثرين من جواز التأخير واثبات التوسعة استنادا إلى اطلاقات النصوص حيث ان الموضوع فيها هو عنوان الكسوف والخسوف. ومن الضروري صدقهما من لدن حدوث الآية إلى تمام الانجلاء من غير فرق بين ما قبل الشروع وما بعده. فما دامت الآية باقية ولم تكن زائلة يصدق الكسوف أو الخسوف صدقا حقيقيا من غير أية عناية لوحدة المناط في جميع الآنات فتجب الصلاة بمقتضى الاطلاقات بعد عدم نهوض ما يقتضي التقييد بما قبل الشروع في الانجلاء. عدا ما قد يتوهم من استفادته من صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكروا انكساف القمر وما يلقى الناس من شدته قال فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا انجلى منه شئ فقد انجلى (1). بدعوى: ان المستفاد منها ترتيب آثار الانجلاء التام بأنجلاء البعض لان ذلك هو مقتضى ما تضمنته من الحكم بالانجلاء المطلق لدى انجلاء شئ منه. فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع نصوص الباب الظاهرة في استدامة الوقت إلى انتهاء الانجلاء حسبما عرفت. ويندفع: بعدم كونها ناظرة إلى بيان حكم شرعي، بل هي متعرضة لامر تكويني، إذا السؤال لما كان عن الشدة التي يلقاها


(1) الوسائل: باب 4 من ابواب صلاة الآيات ح 3.

[ 23 ]

[ والاحوط عدم التأخير عن الشروع في الانجلاء (1) وعدم نية الاداء والقضاء على فرض التأخير (2) واما في الزلزلة وسائر الآيات المخوفة قلا وقت لها (3). ] الناس لدى الانكساف من خوف ونحوه اجاب عليه السلام بانتهاء أمد الشدة بمجرد انجلاء البعض، لان ذلك امارة على ارتفاع البلاء والعذاب، نظير ما يقال في حق المريض من ارتفاع الخطر لدى الشروع في البرء وهذا المعنى لو لم يكن ظاهرا من الصحيحة، فلا أقل من احتماله فتسقط عن صلاحية الاستدلال بها للتقييد المزبور. فتحصل ان ما عليه المتأخرون من امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء هو الصواب. (1): - حذرا عن خلاف من عرفت. (2): - رعاية لكلا القولين في المسألة. (3): - اما في الزلزلة فبناءا على عدم وجوب الصلاة لها لضعف مستنده كما سبق بالبحث عن وقتها قليل الجدوى. وأما بناءا على القول بالوجوب فالمشهور انه لا وقت لها لاطلاق الدليل، وعمدته خبر سليمان الديلمي المتقدم حيث قد تعلق الامر فيه بالصلاة من غير تعرض للوقت، على ان في التوقيت بالزلزلة ما لا يخفى لعدم تجاوزه الثواني، فلا تصلح لان تكون ظرفا للصلاة. ولكن الظاهر دلالته على التوقيت لا بنفس الزلزلة بل بالزمان المجاور لها على سبيل الفورية العرفية بحيث تحسن الاضافة وتصدق

[ 24 ]

الصلاة عند الزلزلة، إذ الظاهر من قوله: " فإذا كان ذلك فما اصنع؟ " هو السؤال عن الوظيفة الفعلية الثابتة في هذه الحالة فلا بد من المبادرة على نحو تصح اضافة الصلاة إلى الزلزلة. إذا فلا دليل على جواز التأخير عن هذا الوقت ليقتضي اتساعه مدى العمر ويكون اداءا كما عليه القوم الا الاستناد إلى الاستصحاب وستعرف ما فيه. وأما ساير الآيات المخوفة فالمشهور بين القائلين بوجوب الصلاة لها اختصاص وقتها بحال وجود الآية وهو الصحيح للتقييد في مستند المسألة وهو صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة بقوله عليه السلام: (حتى يسكن) الظاهر في ذلك لانه أما قيد في الواجب أو في الوجوب أو انه غاية للتشريع - كما لعله الاقوى - والكل يستوجب التوقيت كما لا يخفى. ودعوى: ان الغاية ملحوظة على سبيل الحكمة لا العلة ليلزم فيها الاطراد، فلا مانع من بقاء بعد السكون أيضا. يدفعها: ان ذلك انما يتجه لو كان ثمة دليل يقتضي باطلاقه ثبوث الحكم بعد السكون ايضا فيقال حينئذ انه لا يتقيد بهذه الصحيحة لكونها من قبيل الحكمة لا العلة نظير اطلاقات الامر بغسل الجمعة حيث انها تشمل النظيف وان علل الحكم في بعض النصوص بالتنظيف لانه - كما عرفت - من قبيل الحكمة لا العلة ليدور الحكم مدارها وجودا وعدما. واما في المقام فحيث لم يوجد مثل هذا الاطلاق فلا دليل على ثبوت الحكم بعد السكون.

[ 25 ]

[ بل يجب المبادرة إلى الاتيان بها بمجرد حصولها (1)، وان عصى فبعده إلى آخر العمر (2) وتكون اداء (3) مهما ] (1): - لظهور النصوص في ذلك انسباقا أو انصرافا حسبما عرفت. (2): - لما عرفت من ظهور مستند الحكم في كلا الموردين في التوقيت ومقتضاه وجوب القضاء مدى الحياة لو فات في الوقت بناءا على ما سيجئ ان شاء الله تعالى في مبحث القضاء من عدم اختصاصه بالفرائض اليومية وشمول مستنده لعامة الفرائض التي منها صلاة الآيات. (3): - بل قضاءا كما عرفت، إذ ليس معناه الا الاتيان بالفعل خارج الوقت وهو كذلك بعد الاذعان بالتوقيت المزبور. واما التمسك لذلك بالاستصحاب. ففيه بعد الغض عما هو الاصح من عدم جريانه في الشبهات الحكمية ان الادلة ظاهرة كما عرفت - في التوقيت ومقتضاه مغايرة الوقت مع خارجة موضوعا. ومعه كان الانسحاب من اسراء حكم من موضوع إلى آخر لا من الاستصحاب لتقومه بوحدة الموضوع والمفروض تعدده ولو بنى على عدم التوقيت لم يكد يوجد دليل حينئذ على الفورية، ولا على العصيان لو اخر، بل غايته البناء على ان الزلزلة - مثلا - من الاسباب الموجبة للصلاة وانها لم تكن من الموفتات. ومن ثم كانت اداءا مهما اتي بها. وبالجملة: كيف التوفيق بين القول بالفورية وبين البناء على استدامة الوقت مدى الحياة والاتصاف بالاداء مهما اتى بها. فان

[ 26 ]

[ اتى بها إلى آخره واما كيفيتها فهي ركعتان (1) ] الادلة ان دلت على الفورية فهو مساوق للتوقيت الملازم للقضاء لدى التأخير وإلا فما هو الموجب للالتزام بها. فما صنعه في المتن من الجمع بين الامرين غير واضح. واشكل من ذلك الالتزام بوجوبه فورا ففورا فانه لا دليل عليه بوجه لانحصاره كما عرفت - في خبر الديلمي ومدلوله انما هو التوقيت لا أصل الوجوب وكونه فورا على سبيل تعدد المطلوب فضلا عن كونه فورا ففورا. فالصحيح ما عرفت من دلالة النص على التوقيت الملازم لعدم جواز التأخير عن الوقت المقرر له وانه لو اخر وجب القضاء بدليل آخر فلا حظ. (1): - على المشهور والمعروف، لكن المحكي عن مشهور القدماء التعبير بانها عشر ركعات. وتظهر الثمرة في الشك في الركعات فانها تبطل على الاول كما في ساير الثنائيات، ولا ضير في الشك في عدد الركوعات مع حفظ الركعتين فانه يعتني كان في المحل، ولا يعتني إذا كان بعد التجاوز عنه كما هو الحال في ياسر الاجزاء. ولا تبطل على الثاني فيما إذا كان ضابطا للاولتين بناءا على ان الشك فيما عدا فرض الله معدود من الشكوك الصحيحة يبني فيها على الاكثر، وتمام الكلام في محله. وكيفما كان: فيدل على المشهور بعض النصوص. منها: معتبرة القداح الصريحة في ذلك قال: انكسفت الشمس

[ 27 ]

في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى الناس ركعتين (1) والمراد: ب‍ - (جعفر ابن محمد) الواقع في السند هو الاشعري الراوي لكتاب عبد الله بن ميمون القداح، ولم يرد فيه توثيق خاص لكنه من رجال كامل الزيارات. ومنها: صحيحة الراهط حيث ذكر في ذيلها "... ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الاولى.. الخ (2) فيظهر منها ان مجموع الركوعات الخمسة المتقدمة تعد ركعة واحدة. وتؤيده: النصوص المتضمنة للاجتزاء بالحمد والسورة مرة واحدة في كل خمسة ركوعات مع وضوح ان لكل ركعة فاتحة. ويؤيده: ايضا ما في تلك النصوص من اختصاص التسميع بما بعد الركوع الخامس والعاشر. فلو كانت عشر ركعات لتضمنت عشر تسميعات كما لا يخفى. نعم: قد تضمن غير واحد من النصوص ومنها صدر صحيحة الرهط المتقدمة التعبير بانها عشر ركعات لكن المراد من الركعة بقرينة المقابلة مع السجدة هو خصوص الركوع لا الركعة المصطلحة المتضمنة للسجود فلا تنهض لمقاومة ما سبق:؟ ولعل ما في كلمات القدماء من التعبير بعشر ركعات انما هو لمتابعة النصوص المحمولة على ما عرفت فلا خلاف في المسألة. و كيفما كان فلا ينبغي الترديد في ان المستفاد من النصوص انها ذات ركعتين لا غير.


(1) الوسائل: باب 9 من ابواب صلاة الآيات ح 1. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 1.

[ 28 ]

[ في كل منها خمسة ركوعات وسجدتان بعد الخامس من كل منهما فيكون المجموع عشرة ركوعات (1) وسجدتان بعد الخامس، وسجدتان بعد العاشر. ] (1): - على المشهور بل ادعي عليه الاجماع بل الضرورة، وتشهد به النصوص الكثيرة كما لا يخفى إلا انه قد يقال انها ثمانية وذلك لروايتين: احداهما: رواية أبي البختري عن ابي عبد الله عليه السلام ان عليا عليه السلام صلى في كسوف الشمس ركعتين في اربع سجدات واربع ركوعات قام فقرأ ثم رفع رأسه، ثم ركع ثم قام فدعا مثل ركعتين ثم سجد سجدتين ثم قام ففعل مثل ما فعل في الاولى في قراءته وقيامه وركوعه وسجوده سواء. ثانيتهما: رواية يونس بن يعقوب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام انكسف القمر فخرج أبي عليه السلام وخرجت معه إلى المسجد الحرام فصلى ثماني ركعات كما يصلي وسجدتين (1). وكأن الشيخ حسب المعارضة بينهما وبين ما سبق فمن ثم حملهما على التقية لموافقتهما لمذهب بعض العامة. وليس كذلك لوجود الجمع الدلالي بالحمل على التخيير ان امكن بين الاقل والاكثر والا فبالحمل على الافضيلة لصراحة هذه في الاجتزاء بالثمانية، وظهور تلك في وجوب العشرة فترفع اليد عن الظاهر


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 4 و 5.

[ 29 ]

[ وتفصيل ذلك بان يكبر للاحرام مقارنا للنية. ثم يقرأ الحمد وسورة (1) ثم يركع، ثم يرفع رأسه ويقرأ الحمد وسورة ثم يركع وهكذا حتى يتم خمسا. فيسجد بعد الخامس سجدتين ثم يقول للركعة الثانية فيقرأ الحمد وسورة، ثم يركع وهكذا إلى العاشرة فيسجد بعد سجدتين ثم يتشهد ويسلم. ولا فرق بين اتحاد السورة في الجميع أو تغايرها (2) ] بالنص، ويحمل على الاستحباب. فالحمل المزبور ضعيف، بل مقتضى الصناعة ما عرفت واضعف منه ما احتمله صاحب الوسائل من ان تلك صلاة اخرى غير صلاة الكسوف صلاها بعدها لا تساع الوقت فانه كما ترى. والذي يهون الخطب انهما ضعيفتا السند فان أبا البخترى في غاية الضعف بل قيل انه اكذب البرية، وفي طريق الثانية محسن بن احمد ولم يوثق، فتصبح الطائفة السابقة سليمة عن المعارض. (1): - بلا خلاف ولا اشكال وقد دلت على هذه الكيفية على النهج المذكور في المتن صحيحة الرهط (1)، وما قد يترائى من بعض النصوص كخبر أبي بصير (2) من عدم الحاجة إلى الفاتحة فهو مضافا إلى ضعف السند مطروح أو مأول. (2): - لاطلاق النصوص من صحيحة الرهط وغيرها. اجل قد


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 1. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 2.

[ 30 ]

[ ويجوز تفريق سورة واحدة على الركوعات (1) فيقرأ في القيام الاول. من الركعة الاولى الفاتحة ثم يقرأ بعدها آية ] يتخيل اعتبار المغايرة معا ورد في ذيل هذه الصحيحة من قوله عليه السلام ". فان قرأ خمس سور فمع كل سورة ام الكتاب.. الخ " بدعوى ظهور خمس سور في الاختلاف لا في الاتيان بسورة واحدة خمس مرات، وكذا من توصيف السورة بالاخرى في صحيحة علي بن جعفر (1). ويندفع: بان المراد تكرار الشخص في قبال تبعيضه لا التكرر بحسب النوع فيتجه في هذا الصدد ذكر العدد كالتوصيف المزبور سواء اتحدت نوعا ام تعددت كما لا يخفى. ويعضده ما في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم من قوله ".. قال وكان يستحب ان يقرأ فيها بالكهف والحجر.. الخ " (2) فان الاقتصار على هاتين السورتين خير دليل على عدم اعتبار المغايرة لصدق العمل بالمستحب لو اقتصر عليهما في تمام الركعتين، فلو كانت المغايرة معتبرة لكان ينبغي الايعاز إلى إلى تمام السور الخمس. (1): - بلا خلاف ولا اشكال وقد نطقت به الاخبار. ففي صحيح الرهط ". قلت وان هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات يفرقها (ففرقها) بينها قال أجزأه ام القرآن في اول


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 13. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 6.

[ 31 ]

[ من سورة أو اقل أو اكثر (1) ثم يركع ويرفع رأسه ويقرأ بعضا آخر تلك السورة ويركع، ثم يرفع رأسه ويقرأ بعضا آخر وهكذا إلى الخامس حتى يتم سورة ثم يركع، ثم يسجد بعده سجدتين. ثم يقول إلى الركعة الثانية فيقرأ في القيام الاول الفاتحة وبعض السورة، ثم يركع ويقوم ويصنع كما صنع في الركعة الاولى إلى العاشر، فيسجد بعده سجدتين، ويتشهد ويسلم. فيكون في كل ركعة الفاتحة مرة وسورة تامة مفرقة (2) على الركوعات الخمسة ] مرة، فان قرأ خمس سور فمع مل سورة ام الكتاب..؟ الخ " (1) ونحوها صحيح زرارة ومحمد بن مسلم وصحيح الحلبي (2). (1): - للاطلاق في نصوص التفريق وما يترائى من ظهور بعضها في النصف لا بد من رفع اليد عنه بصراحة مثل صحيح الرهط في جواز تفريق سورة واحدة على الركوعات الخمسة. (2): - وهل يعتبر الترتيب في التفريق، أو يجوز التفريق معكوسا كأن يشرع من النصف الاخير ثم يأتي بالنصف الاول. وكذلك التثليث والربيع والتخميس؟ استظهر الثاني شيخنا الانصاري (قده) نظرا لاطلاق النصف في صحيحة الحلبي قال عليه السلام ". وان شئت قرأت نصف سورة


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 1. (2) الوسائل: 7 من أبواب صلاة الآيات ح 6 و 7.

[ 32 ]

[ مرة، ويجب اتمام سورة في كل ركعة (1) وان زاد عليها فلا بأس (2)، ] في كل ركعة " (1). ولكنه: كما ترى لعدم انعقاد الاطلاق لها من هذه الجهة بعد ان لم تكن بصدد البيان إلا من ناحية التنصيف وتجويز التفريق ولو في الجملة، في مقابل الاتيان بسورة كاملة. فلا موجب لرفع اليد عما هو المنسبق من ظواهر ساير النصوص كصحيحة الرهط وغيرها من التوزيع على النهج المتداول المتعارف من مراعاة الترتيب حيث ان المعكوس منه يحتاج إلى مؤونة زائدة لا يصار إليها من غير دليل ، بل الانسباق المزبور دليل العدم كما لا يخفى. (1): - على المشهور وتشهد له صحيحة الرهط حيث حكم فيها بالاجزاء عن تكرار الفاتحة والسورة في كل ركوع بتوزيع سورة واحدة على الركوعات الخمسة مع قراءة الفاتحة مرة، فالاجتزاء بتوزيعها على الاكثر الملازم لعدم اتمام السورة في كل ركعة لا دليل عليه وبعبارة اخرى: ظاهر صدرها تعين الفاتحة وسورة كاملة لكل ركوع. وقد تضمن ذيلها الاجتزاء عن ذلك بسورة واحدة موزعة على الخمس. وأما التوزيع على الاكثر منه فيحتاج إلى الدليل ولا دليل. وقد عرفت ان صحيحة الحلبي لم تكن الا بصدد مشروعية النصف في الجملة فلا اطلاق لها لتشمل الانصاف العديدة من السور المتعددة (2): - على المشهور فيجوز تقسيم سورة على ثلاث ركوعات


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 7.

[ 33 ]

[ والاحوط الاقوى وجوب للقراءة عليه من حيث قطع (1) ] - مثلا - وسورة اخرى على ركوعين مع تكرار الحمد حينئذ. ويظهر من الشهيد في الذكرى منعه حيث قال: " يحتمل ان ينحصر المجزي في سورة واحدة أو خمس لانها ان كانت ركعة وجبت الواحدة، وان كانت خمسا فالخمس وليس بين ذلك واسطة ". ولكن الصحيح ما عليه المشهور، بل لا ينبغي التردد فيه لدلالة النصوص عليه صريحا. ففي صحيحة الحلبي: " وان شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة. إلى أن قال وان قرأت نصف سورة اجزأك ان لا تقرأ قاتحة الكتاب الا في أول ركعة حتى تستأنف اخرى ". وفي صحيح علي بن جعفر: " وان قرأت سورة في الركعتين أو ثلاث فلا تقرأ بفاتحة الكتاب. الخ " (1) إذا فمقالة الشهيد تجاه هاتين الصحيحتين تشبه الاجتهاد في مقابل النص. (1): - فلا يجور له رفض السورة الناقصة والشروع في سورة اخرى، وقد دلت عليه صريحا صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قال (عليه السلام) فيها: " فان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت ولا تقرأ فاتحة الكتاب (2) " ونسب إلى الشهيدين جواز ذلك استنادا إلى روايتين: احداهما رواية أبى بصير: " يقرأ في كل ركعة مثل يس والنور إلى ان قال: قلت: فمن لم يحسن يس واشباهها قال: فليقرأ ستين آية في كل


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 7 و 13. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 6.

[ 34 ]

[ كما ان الاحوط والاقوى عدم مشروعية الفاتحة حينئذ (1) ] ركعة.. الخ " (1). فان مقتضى اطلاق الستين عدم الفرق بين كون الآيات من سورة واحدة أو سور عديدة. ويرده مضافا إلى ضعف السند بعلي بن ابي حمزة البطائني لزوم تقييد الاطلاق بالصحيحة المتقدمة عملا بصناعة الاطلاق والتقييد. ثانيتهما: الاخذ باطلاق النصف في صحيحة الحلبي المتقدمة آنفا. وفيه: مضافا إلى ما عرفت من عدم انعقاد الاطلاق لعدم كونها بصدد البيان الامن حيث مشروعية التبعيض، ان الاطلاق قابل للتقييد بما عرفت. ومنه تعرف ضعف ما عن المبسوط من التخيير بين الامرين. (1): - للنهي عن قراءة الفاتحة قبل استكمال السورة في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة، وكذا في صحيحة علي بن جعفر (2) وهذا ما ذهب إليه الاكثر. وناقش فيه شيخنا الانصاري (قده) نظرا إلى ان النهي في امثال هذه الموارد مسوق لدفع توهم الامر حيث ان الواجب أولا الاتيان بخمس فواتح مع خمس سور حسبما نطق به صدر صحيحة الرهط. فالتجويز في تفريق السورة الواحدة لما كان مظنة الامر بالفاتحة لكل ركوع فلا جرم كان النهي لدفع هذا التوهم فلا يستفاد منه


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 2. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 13.

[ 35 ]

[ الا إذا اكمل السورة، فانه لو اكملها وجب عليه في القيام بعد الركوع قرائة الفاتحة (1) وهكذا كلما ركع عن تمام سورة وجبت الفاتحة في القيام بعده، بخلاف ما إذا لم يركع عن تمام سورة بل ركع عن بعضها فانه يقرأ من حيث قطع، ولا يعيد الحمد كما عرفت. ] عدم الجواز. ويعضده التعبير بالاجزاء في هذه الصحيحة، وفي صحيحة الحلبي حيث ان مقتضاه الفراغ عن الجواز وأصل المشروعية، بيد انه يجزي عن الكل فاتحة واحدة قبل الركوعات. ويندفع: بان النهي وان كان لدفع توهم الامر كما افيد الا ان ذلك يكفي في عدم المشروعية لتوقفها على ثبوث الامر - والا كان تشريعا محرما - والمفروض عدمه. ومن البين ان التعبير بالاجزاء لا يكشف عن ثبوته لكونه في مقابل وجوب تكرار الفاتحة لا جوازه ومشروعيته فلا وجوب مع التوزيع وهو اعم من المشروعية كما لا يخفى. (1): - على الشمهور بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه خلافا لابن ادريس حيث اكتفى بالفاتحة المأتي بها اولا سواء أتم السورة ام لا نظرا إلى ان مجموع الركعات الخمس تعد ركعة واحدة كما تقدم، والركعة الواحدة لا تستوجب الا فاتحة واحدة من غير فرق بين اتمام السورة وعدمه. وفيه: ان النصوص من صحيحتي الرهط وعلي بن جعفر وغيرهما

[ 36 ]

[ نعم لو ركع الركوع الخامس عن بعض سورة (1) فسجد ] صريحة الدلالة من غير معارض في لزوم تكرير الفاتحة لدى تتميم السورة. فما افيد يشبه الاجتهاد في مقابل النص. وعن الشهيد في الذكرى ان لابن ادريس برواية عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: " انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى ركعتين قام في الاولى فقرأ سورة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع راسه فقرأ سورة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع فعل ذلك خمس مرات قبل ان يسجد ثم سجد سجدتين ثم قام في الثانية ففعل مثل ذلك فكان له عشر ركعات واربع سجدات (1) حيث لم يذكر الفاتحة في شئ من الركوعات مع ظهورها في اكمال السورة عقيب كل ركوع فان مقتضى الجمع بينها وبين ساير الروايات حملها على استحباب الفاتحة مع الاكمال. ثم اجاب بعدم كونها بصدد الحمد للقطع به من ساير الاخبار. ومن ثم لم تتعرض له حتى فيما قبل الركوع الاول مع كون وجوبه حينئذ مقطوعا به من غير نكير. وقد استجوده صاحب الحدائق وهو في محله مضافا إلى ضعف الرواية للارسال، ولم تذكر في شئ من كتب الاخبار لا الوسائل ولا الوافي، ولا البحار كما نبه عليه المحدث المزبور. (1): - بناءا على جوازه كما هو المشهور، بل لم ينسب الخلاف الا إلى الشهيد في الالفية حيث حكم بلزوم تتميم السورة في الركوع


(1) الحدائق: ج 10 ص 331 نقلا عن الذكرى.

[ 37 ]

[ فالاقوى وجوب الحمد بعد القيام للركعة الثانية ثم القراءة من حيث قطع (1)، ] الخامس والعاشر، ولعله لاجل ان ذلك هو المنسبق من نصوص التفريق، فان المستفاد من صحيحة الرهط وغيرها ان اللازم اما الاتيان بسورة كاملة لكل ركوع أو توزيعها بتمامها، واما توزيع بعضها قهو خارج عن منصرفها. ويندفع: بان اطلاقها غير قاصر الشمول لمثل ذلك سيما صحيحة الحلبي القاضية بالاجتزاء بنصف السورة لكل ركوع فانها صريحة في جواز التبعيض وعدم التكميل ضرورة ان تخصيص كل ركوع بالنصف يستلزم النقصان في الركوع الخامس بالوجدان وكذلك العاشر. (1): - اما التتميم من محل القطع فيقتضيه الاطلاق في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: " فان نقصت من السور شيئا فاقرأ من حيث نقصت (1)، واما وجوب الحمد قبل ذلك فقد استقربه العلامة في التذكرة نظرا إلى انه قيام من سجود فوجبت فيه الفاتحة وان احتمل العدم ايضا ضعيفا، ولكن صاحب الحدائق رجح ما استضعفه لمكان النهي عن الفاتحة قبل استكمال السورة في الصحيحة المزبورة وغيرها حيث انها بعمومها شاملة لموضوع المسألة (2) هذا. والاظهر ما استقر به العلامة لان مغروسية لزوم الفاتحة في اول


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 6. (2) الحدائق: ج 10 ص 333.

[ 38 ]

[ وفي صورة التفريق يجوز قراءة ازيد من سورة في كل ركعة (1) مع اعادة الفاتحة بعد اتمام السورة في القيام اللاحق (2). (مسألة 1): لكيفية صلاة الآيات كما استفيد مما ذكرنا صور (3): ] كل ركعة في اذهان المتشرعة ككون هذه الصلاة ذات ركعتين تستوجب انصراف تلك الصحيحة وغيرها إلى الركوعات المتصلة المجتمعة في ركعة واحدة ولا تعم مثل المقام مما تؤخر بعض السورة عن الركعة السابقة إلى اللاحقة بل اللازم حينئذ البدأة كما لا يخفى هذا اولا. وثانيا: مع الغض عن ذلك وتسليم منع الانصراف فيكفينا الاطلاق في صحيحة الحلبي قال عليه السلام: فيها ".. وان قرأت نصف سورة أجزأك ان لا تقرأ فاتحة الكتاب الا في أول ركعة حتى تستأنف اخرى.. الخ (1) فان قوله (اول ركعة) مطلق يشمل كلا من الركعتين. (1): - لاطلاق نصوص التفريق. (2): - لقوله عليه السلام في صحيحة الحلبي آنفا ".. حتى تستأنف اخرى ". (3): - اصول هذه الصور ثلاثة: التكرار في الكل والتفريق


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 7.

[ 39 ]

[ (الاولى): ان يقرأ في كل قيام قبل كل ركوع بفاتحة الكتاب وسورة تامة في كل من الركعتين فيكون كل من الفاتحة والسورة عشر مرات، ويسجد بعد الركوع الخامس والعاشر سجدتين. (الثانية): ان يفرق سورة واحدة على الركوعات الخمسة في كل من الركعتين فيكون الفاتحة مرتين مرة في القيام الاول من الركعة الاولى، ومرة في القيام الاول من الثانية، والسورة أيضا مرتان. (الثانية): ان يأتي بالركعة الاولى كما في الصورة الاولى وبالركعة الثانية كما في الصورة الثانية. (الرابعة): عكس هذه الصورة. (الخامسة): ان يأتي في كل من الركعتين بازيد من سورة، فيجمع بين اتمام السورة في بعض القيامات وتفريقها في البعض فيكون الفاتحة في كل ركعة ازيد من مرة، حيث إذا اتم السورة وجب في القيام اللاحق قراءتها. (السادسة): ان يأتي بالركعة الاولى كما في الصورة الاولى وبالثانية كما في الخامسة. (السابعة): عكس ذلك. (الثامنة): ان يأتي بالركعة الاولى كما في الصورة الثانية وبالثانية كما في الخامسة. (التاسعة): عكس ذلك والاولى اختيار الصورة الاولى. ]

[ 40 ]

[ (مسألة 2): يعتبر في هذه الصلاة ما يعتبر في اليومية (1) من الاجزاء والشرائط، والاذكار الواجبة والمندوبة ] كذلك، والجمع بين الامرين وحيث انها جارية في كل من الركعتين فلا جرم تبلغ الصور تسعا نتيجة ضرب الثلاث من الركعة الاولى في الثلاث من الركعة الثانية تتفق كيفية الركعتين في ثلاث منها، وتختلف في ست. ولمزيد التوضيح يلاحظ التفصيل في المتن وقد ظهرت مداركها مما سبق ولا نعيد. (1): - للاطلاق في ادلة الاجزاء والشرائط والموانع، وكذا الاذكار الواجبة والمندوبة. فان مثل قوله عليه السلام: لاصلاة الا إلى القبلة أو بطهور وما دل على المنع عن الصلاة في ما لا يؤكل وغير ذلك من ساير الادلة ظاهر في اعتبار هذه الامور في طبيعي الصلاة بما هي صلاة الشاملة لليومية والآيات وغيرهما. ولو فرض في مورد عدم الاطلاق كما لو كان السؤال عن صلاة الغداة أو الظهر مثلا فيكفينا في التعدي إلى المقام الاطلاق المقامي فان السكوت في مقام البيان يقتضي بحسب المتفاهم العرفي الاتكال في بيان الخصوصيات على ما هو مذكور في اليومية الا ما خرج بالدليل كتعدد الركوعات في هذه الصلاة فعدم البيان كاشف عرفا عن الاتحاد في جميع الخصوصيات وانها مترتبة على اليومية بما انها صلاة لا بما انها صلاة خاصة ومن هنا نبهوا عليه السلام على عدم اعتبار الطهارة في صلاة الاموات وانها من خصوصيات الصلاة المشتملة على الركوع والسجود غير المنطبقة عليها، فلو لم تكن تلك الامور معتبرة في صلاة الآيات كان

[ 41 ]

[ (مسألة 3): يستحب في كل قيام ثان بعد القراءة قبل الركوع قنوت (1) فيكون في مجموع الركعتين خمس قنوتات، ويجوز الاجتزاء بقنوتين أحدهما قبل الركوع الخامس والثاني قبل العاشر، ويجوز الاقتصار على الاخرين منهما. عليهم البيان كما بينوا في صلاة الاموات. ] (1): - كما تدل عليه جملة من النصوص كصحاح زرارة والرهط والحلبي المتقدمات. واما الاجتزاء بقنوتين احدهما قبل الركوع الخامس، والثاني قبل العاشر فمستنده مرسلة الصدوق التي لا اعتبار بها. واما الاقتصار على الاخير منهما فلم ترد به ولا رواية ضعيفة. وربما يعلل باستفادته مما دل على كون هذه الصلاة ركعتين بضميمة ما دل على اتحاد القنوت في الركعتين. وقيه ما لا يخفى. فان مورد نصوص الاتحاد الصلوات المتعارفة المشتمل كل ركعة منها على ركوع واحد. وأما مع تعدد الركوع المأمور به فلا تتضمن تلك النصوص تعيين مورد القنوت وانه قبل اي ركوع منها. فالتخصيص بما قبل الاخير بلا مخصص. هذا ومع ذلك فالاقوى جواز الاقتصار على قنوت واحد حيثما شاء سواء أكان قبل الركوع الثاني أو الرابع أو السادس أو الثامن أو العاشر لورود الامر بكل ذلك في صحيح الرهط المتقدم (1) الظاهر في الانحلال والاستغراق وان هناك اوامر عديدة مستقلة لا ربط لاحدها بالآخر له الاجتزاء باي منها شاء وان كان الجميع بينها افضل.


(1) الوسائل: باب 7 من ابواب صلاة الآيات ح

[ 42 ]

[ (مسألة 4): يستحب ان يكبر عند كل هوي للركوع وكل رفع منه (1). (مسألة 5): يستحب ان يقول: " سمع الله لمن حمده " بعد الرفع من الركوع الخامس والعاشر. ] نعم: الامر الوارد في صحيح زرارة: " وتقنت في كل ركعتين قبل الركوع (1) " لا يخلو عن نوع من الاجمال لاحتمال الارتباط وان هناك امرا واحدا متعلقا بالمجموع كما يحتمل الاستقلال والانحلال ايضا الا ان صحيح الرهط صريح في ذلك كما عرفت. (1): - لورود الامر به في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم كورود الامر بالتسميع فيه وفي صحيح الحلبي بعد الرفع من الركوع الخامس والعاشر فلا حظ. وهل هذا الامر استحبابي أو وجوبي؟ لم يظهر من شئ من الروايات ما يدل على جواز الترك؟ ومن هنا قد يتمسك بالاجماع في نفي الوجوب إذ لا قائل به، لكن الظاهر عدم الحاجة إلى الاجماع في نفيه لقصور المقتضي في حد نفسه، فان المتفاهم عرفا من الامر المتعلق بالتكبير والتسميع وكذا القنوت في هذه الصلاة انه على حذو الامر المتعلق بهذه الامور في الصلاة اليومية وان كيفية الاعتبار فيهما على حد سواء لما عرفت في السمألة السابقة من ان ذلك هو مقتضى الاطلاق المقامي والسكوت في مقام البيان. وحيث ان تلك الاوامر استحبابية في اليومية فكذا في المقام.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 6.

[ 43 ]

[ (مسألة 6): هذه الصلاة حيث انها ركعتان (1) حكمها حكم الصلاة الثنائية في البطلان إذا شك في الاولى أو الثانية (2)، وان اشتملت على خمس ركوعات في كل ركعة، نعم إذا شك في عدد الركوعات كان حكمها حكم اجزاء اليومية (3) في انه يبني على الاقل ان لم يتجاوز المحل، وعلى الاتيان ان تجاوز، ولا تبطل صلاته بالشك فيها. نعم لو شك في انه الخامس فيكون آخر الركعة الاولى أو السادس فيكون اول الثانية بطلت من حيث رجوعه إلى الشك في الركعات. ] (1): - كما تقدم استفادته من النصوص. (2): - لاطلاق ما دل على مبطلية الشك في الثنائية كمبطليته في الاولتين من الرباعية وانهما فرض الله لا سهو فيهما - اي لا شك - وهل الظن هنا حجة ام انه ملحق بالشك، الاقوى حجيته كما سيأتي الكلام عليه مفصلا في بحث الخلل ان شاء الله تعالى. (3): - من البناء على الاقل مع بقاء المحل كما لو كان في حال القيام عملا بالاستصحاب وقاعدة الشك قبل تجاوز المحل المنصوصة في الاخبار وعدم الاعتناء مع التجاوز كما لو كان بعد الدخول في السجود لقاعدة التجاوز وهل الدخول فيما يسمى بالجزء الاستحبابي كالقنوت مورد لقاعدة التجاوز ام لا؟ الظاهر الثاني لعدم تعقل الجمع بين الجزئية والاستحباب فهو عمل خارجي ظرفه الصلاة: الدخول فيه لا يحقق الدخول في الغير كي

[ 44 ]

[ (مسألة 7): الركوعات في هذه الصلاة اركان تبطل بزيادتها ونقصها عمدا وسهوا كاليومية (1). ] يقتضي تجاوز المحل. وسيأتي تفصيل الكلام حول ذلك في مبحث الخلل ان شاء الله تعالى. هذا كله فيما إذا لم يستوجب الشك في الركوع الشك في الركعة واما لو اوجبه كما لو تردد الركوع بين الخامس والسادس فهو موجب للبطلان لاوله إلى الشك بين الاولى والثانية الذي مر حكمه. (1): - اما البطلان في فرض النقص فظاهر لا نتفاء المركب بانتفاء أحد اجزائه ولا دليل على الاجتزاء بالناقص عن التام في المقام بل الدليل قائم على العدم وهو عقد الاستثناء في حديث لا تعاد. بلا فرق في ذلك بين صورتي العمد والسهو. وأما البطلان في فرض الزيادة فكذلك للحديث المزبور - بناءا على ما هو الصحيح من شموله لمطلق الاخلال سواء أكان من ناحية النقص أم الزيادة فانها وان لم تتصور في بعض الفقرات لكنه غير مانع عن التمسك بالاطلاق كما بين في محله - ولعموم ما دل على وجوب الاعادة بزيادة الركوع كصحيحة منصور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى فذكر انه زاد سجدة قال: لا يعيد صلاة من سجدة ويعيدها من ركعة (1) بناءا على ارادة الركوع من الركعة بقرينة المقابلة مع السجدة.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب الركوع ح 2.

[ 45 ]

[ (مسألة 8): إذا ادرك من وقت الكسوفين ركعة فقد ادرك (1) الوقت والصلاة اداء بل وكذلك إذا لم يسع وقتهما الا بقدر الركعة، بل وكذا إذا قصر عن اداء الركعة أيضا. ] هذا في الزيادة السهوية. واما العمدية فيدل عليه مضافا إلى الاولوية القطعية ما ورد من النهي عن قراءة العزيمة في الفريضة معللا بلزوم الجسدة وانها زيادة في المكتوبة بضميمة ما سبق في بحث القراءة من شمول الحكم للركوع بالفحوى. (1): - التمسك بحديث من ادرك في المقام كما هو ظاهر المتن مشكل جدا لم تقدم في بحث المواقيت من ضعف روايات الباب عدا رواية واحدة وردت في صلاة الفجر، ويتعدى إلى غيرها من ساير الصلوات اليومية للاجماع والقطع بعدم خصوصية للفجر، وأما التعدي غير اليومية، فلا دليل عليه ولا اجماع يقتضيه بعد كونه مخالفا لمقتضى القاعدة واشكل من ذلك التمسك بالحديث فيما إذا لم يسع الوقت إلا بقدر الركعة، إذ على تقدير تسليم التعدي إلى غير اليومية لا يكاد يشمل الحديث مثله لاختصاص مورده بصورة صلاحية الوت لتمام العمل فيه غير أن المكلف لم يدرك اكثر من مقدار الركعة دون ما لم يكن صالحا له في حد نفسه. ومن هنا استشكل جمع كالمحقق في الشريع وغيره في اصل الوجوب

[ 46 ]

في الفرض - بناءا على التوقيت - لا متناع التكليف بشئ في ظرف لا يسعه، ولا يكون صالحا لوقوعه فيه. وأوضح اشكالا ما لو كان الوقت قاصرا عن اداء الركعة ايضأ. إذ لا مجال لتطبيق الحديث حينئذ بوجه كما لا يخفي. فهذه الفروع بناءا على التوقيت الذي هو مختار المتن في غاية الاشكال. لكن الذي يهون الخطب أن التوقيت بالمعنى المتعارف اعني التحديد من ناحية المبدء والمنتهى كما في الظهرين غير ثابت في هذه الصلاة لقصور الادلة عن اثباته، وانما المستفاد منها - كما اشرنا إليه سابقا - التوقيت من ناحية المبدء فقط، وهو من حين الاخذ إلى الشروع في الانجلاء أو إلى تمام الانجلاء على الخلاف، وان كان الثاني أقوى كما مر. واما من ناحية المنتهى فلا تحديد فيها. نعم ظاهرها بمقتضى الاطلاق مراعاة التحديد من كلا الجانبين، الا انه يرفع اليد عن هذا الظهور لروايتين دلتا على جواز التأخير ولو باطالة الصلاة إلى ما بعد الانجلاء حتى اختيارا فضلا عن الاضطرار كما في المقام. بل يظهر منهما ان ذلك هو الافضل ففي صحيح الرهط " صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله والناس خلفه في كسوف الشمس ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها " (1) وفي موثقة عمار قال: أن صليت الكسوف إلى ان يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فان ذلك افضل (2). وعليه: فتتصف الصلاة بكونها اداءا في جميع هذه الفروع لا لقاعدة


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة الآيات ح 1. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب صلاة الآيات ح 2.

[ 47 ]

[ (مسألة 9): إذا علم بالكسوف أو الخسوف واهمل حتى مضى الوقت (1) عصى ووجب القضاء، وكذا إذا علم ثم نسي وجب القضاء، واما إذا لم يعلم بهما حتى خرج الوقت الذي هو تمام الانجلاء فان كان القرص محترقا وجب القضاء، وان لم يحترق كله لم يجب ] من أدرك، بل لعدم التوقيت من ناحية المنتهى وحصول التوقيت الملحوظ من حيث المبدء، والتكليف بالمحال انما يتجه لو كان التوقيت من الطرفين فلا مجال لتوهم السقوط. فما ذكره في المتن هو الصحيح وان كان التعليل المستفاد منه عليلا. (1): - المشهور وجوب القضاة فيما لو علم بالكسوف أو الخسوف وترك الصلاة حتى مضى الوقت عصيانا أو نسيانا أو لعذر آخر. واما مع الجهل فيفصل بين صورتي الاحتراق التام وعدمه فيجب القضاء في الاول دون الثاني وهذا هو الاقوى. ونسب إلى المفيد وجماعة وجوب القضاء مطلقا. وتفصيل الكلام: ان الاطلاق في الادلة الاولية المتكفلة لوجوب القضاء مثل صحيحة زرارة " سأل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها، قال: يقضيها إذا ذكرها في اي ساعة ذكرها " غير قاصر الشمول للمقام لما عرفت من ان هذه الصلاة من مصاديق الصلاة حقيقة لا شتمالها على الركوع والسجود وساير ما يعتبر فيها الاجزاء والشرائط فلو كنا نحن وتلك

[ 48 ]

الادلة كان اللازم الحكم بوجوب القضاء في المقام على الاطلاق، الا انه قد وردت في المقام نصوص خاصة تضمنت نفي القضاء مطلقا كصحيحة علي بن جعفر: " سألته عن صلات الكسوف هل على من تركها قضاء؟ قال: إذا فاتتك فليس عليك قضاء المؤيدة بروايتي الحلبي وجامع البزنطي (1)، وحيث ان هذه النصوص اخص مطلقا من تلك الاطلاقات كان اللازم بمقتضى صناعة الاطلاق والتقييد حملها عليها والالتزام بعدم وجوب القضاء في المقام على الاطلاق. غير ان هذه الطائفة من النصوص في انفسها مبتلاة بالمعارض لوجود طائفة اخرى تضمنت وجوب القضاء مطلقا بحيث كانت النسبة بينهما هي التباين الكلي وهي روايتان احداهما مرسلة حريز: " إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل ان يصلي فليغتسل من غد وليقض الصلاة، وان لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل (2) تضمنت امرين: وجوب القضاء مطلقا، وضم الغسل في فرض العلم، وقد مر في بحث الاغسال ان الغسل للآيات ليس عليه دليل معتبر. الثانية: رواية أبي بصير: " سألته عن صلاة الكسوف إلى ان قال: فإذا اغفلها أو كان نائما فليقضها (3). لكن الذي يهون الخطب ان الروايتين ضعيفتا السند للارسال في الاولى ولعدم وثاقة علي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي بصير في الثانية


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب صلاة الآيات ح 7 و 9 و 11. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب صلاة الآيات ح 5. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب صلاة الآيات ح 6.

[ 49 ]

فلا تصلحان للمعارضة مع النصوص السابقة. ومع التسليم فيمكن الجمع بينهما لوجود شاهد الجمع كما ستعرف. هذا كله في اصل وجوب القضاء. واما بالنسبة إلى خصوصيات المكلف فقد يكون عالما في الوقت فلم يصل عصيانا أو نسيانا أو لعذر آخر، وقد يكون جاهلا. اما في فرض العلم فالظاهر أنه لا ينبغي الاشكال في وجوب القضاء لموثقة عمار: ".. وان اعلمك احد وانت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصل فعليك قضاؤها (1) رواها في الوسائل عن الشيخ بطريقين في احدهما ضعف لمكان علي بن خال فانه كان زيديا ثم عدل إلى الحق، ولم يرد فيه مدح ولا توثيق، واما الطريق الآخر فصحيح لصحة اسناد الشيخ إلى عمار فتصبح الرواية موثقة. هذا من حيث السند. واما الدلالة فموردها وان كان غلبة النوم الا انه يتعدى إلى العصيان والنسيان. إما من جهة الاولوية في الاول، والقطع بعدم الفرق بين الثاني وبين النوم فلا خصوصية فيه وانما ذكر مثلا لمطلق العذر أو من جهة استفادة التعدي من نفس الرواية وذلك لمكان التفريع في قوله عليه السلام (فلم تصل) إذ لو كان العطف بالواو لا مكن احتمال ان يكون لغلبة النوم خصوصية في وجوب القضاء وان الحكم مترتب على مجموع الامرين من النوم وترك الصلاة في الوقت، لكن التفريع بالفاء يدفع الاحتمال ويوجب قوة الظهور في ان تمام الموضوع لوجوب القضاء انما هو مطلق ترك الصلاة.


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب ح 10.

[ 50 ]

وانما ذكرت غلبة النوم توطئة ومقدمة لذلك لا لخصوصية فيها. فكأنه عليه السلام قال: " ان اعلمك احد فلم تصل " والنوم من احد الاسباب لترك الصلاة من دون دخالته في تعلق الحكم. وعلى اي حال فهذه الموثقة صريحة في وجوب القضاء في فرض العلم فتكون مخصصة لما دل على عدم ثبوته مطلقا كصحيحة علي بن جعفر المتقدمة. ويؤيد الوجوب مرسلة الكليني الصريحة في ثبوت القضاء في فرض النسيان (1) الملازم - طبعا - لسبق العلم. ثم ان صاحب الوسائل قال: بعد ذكر هذه المرسلة ما لفظه (محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد مثله) والظاهر ان هذا سهو من قلمه الشريف أو من غلط النساخ، فان هذه المرسلة لم يروها الشيخ عن حماد. نعم الرواية السابقة التي رواها في الوسائل قبل هذه المرسلة متصلا رواها عنه، فحق العبارة ان تذكر عقيب الرواية. وكيفما كان فلا شك في وجوب القضاء في فرض العلم. واما في فرض الجهل فقد وردت هناك روايات دلت على التفصيل بين الاحتراق التام وعدمه وانه يجب القضاء في الصورة الاولى دون الثانية عمدتها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2) وتكون هذه الصحيحة وجها للجمع بين الطائفتين الاولتين لو سلم صحة سند الثانية واستقرار المعارضة بينهما فتحمل الاولى على صورة الاحتراق الناقص، والثانية على التام وكلاهما في فرض الجهل، لكن اشرنا إلى ضعف الطائفة


(1) الوسائل: باب: 10 من أبواب صلاة الآيات ح 3. (2) الوسائل: باب: 10 من أبواب صلاة الآيات ح 2.

[ 51 ]

[ واما في ساير الآيات فمع تعمد التأخير يجب الاتيان (1) بها ما دام العمر، وكذا إذا علم نسي، واما إذا لم يعلم بها حتى مضى الوقت، أو حتى مضى الزمان المتصل ] الثانية في نفسها وعدم صلاحيتها للمعارضة. هذا ومن جملة هذه الروايات المفصلة ما رواه الصدوق باسناده عن الفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم (1) وقد عبر عنها في الحدائق بالصحيحة وتبعه المحقق الهمداني وغيره، وليس الامر كذلك على مسلكهم فان طريق الصدوق إلى ابن مسلم ضعيف، وطريقه إلى الفضيل بن يسار فيه علي بن الحسين السعد آبادي ولم يوثق. نعم: بناءا على مسلكنا من توثيق رجال كامل الزيارات تتصف الرواية بالصحة لوجود السعد آبادي في اسناده فانه شيخ ابن قولويه فليس للحدائق ومن تبعه توصيف الرواية بالصحة بعد ما عرفت من وجه الضعف ووضوح عدم سلوكهم مسلكنا في التوثيق (2). وأما ما تقدم عن المفيد من القضاة مطلقا فليس له وجه ظاهر عدا الاطلاق في مرسلة حريز ورواية أبي بصير وقد عرفت حالهما من ضعف السند وأنه على تقدير الصحة يقيد ان بهذه الصحيحة وغيرها. (1): - يقع الكلام تارة في فرض العلم بالآية وترك الصلاة اما عصيانا أو نسيانا أو لعذر آخر واخرى في صورة الجهل فهنا مقامان:


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب صلاة الآيات ح 1. (2) شمول توثيق ابن قولويه لمشايخه بلا واسطة لعله مسلم عند الكل.

[ 52 ]

[ بالآية ففي الوجوب بعد العلم اشكال لكن لا يترك الاحتياط بالاتيان بها ما دام العمر فورا ففورا. ] اما المقام الاول: فالمشهور شهرة عظيمة حتى قال في الجواهر: لا اجد فيه خلافا القضاء بناءا على وجوب الاداء في الزلزلة. ويستدل على الوجوب بوجوه: احدها ان وجود السبب وتحقق الآية كما يقتضى الاداء يستوحب القضاء أيضا. وهذا الوجه ظاهر الضعف لانا أن بنينا على ان هذه الصلاة من الموقتات كما هو الصحيح بالمعنى المتقدم اما من حين الاية أو في الزمان المتصل بها كما في الزلزلة فلا شك في سقوط الوجوب بانقضاء الوقت لان مقتضى التوقيت محدودية التكليف بزمان خاص فيرتفع بارتفاعة لا محالة، فيحتاج القضاء إلى دليل آخر غير الدليل الاولى المتكفل للاداء لقصوره عن التعرض لذلك كما هو ظاهر. وان بنينا على عدم التوقيت فمجرد السبب وان كان كافيا لكنه حينئذ اداء مادام العمر، فلا موضوع للقضاء اصلا لتقومه بالتوقيت المنفي حسب الفراض. الثاني: عدم القول بالفصل فان كل من قال بوجوب القضاء عند الاحتراق إذا كان جزئيا قال به قي ساير الايات أيضا. فالتفكيك قول بالفصل وهو خرق للاجماع المركب. ومن أجل هذا ذكر المحقق الهمداني (قده) ان الوجوب لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. وفيه: ان غايته انه لم يوجد هناك خلاف في الخارج، ولم يكن قائل بالفصل. وليس هذا من الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي

[ 53 ]

المعصوم عليه السلام، بل اقصاه ان القضاء هنا هو المشهور ولا حجية للشهرة. الثالث: عموم من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته الشامل باطلاقه لصلاة الآيات. واجاب عنه في المدارك بانصراف الفريضة إلى خصوص اليومية كما قد يقتضيه التشبيه في قوله: كما فاتته، الناظر إلى المماثلة من حيث القصر والتمام. وايده المحقق الهمداني (قده) بان الفريضة قد وقعت في قبال صلاة الآيات في اخبار الكسوف والخسوف (1). لكن الظاهر: ان دعوى الانصراف كالتأييد في غير محلها، فان للفريضة اطلاقين: احدهما خصوص ما فرضه الله في كتابه، الثاني مطلق الفرض ولو ثبت بالسنة في قبال التطوع. واكثر اطلاقها في لسان الاخبار أنما هو بالمعنى الثاني ما لم تقم قرينة على الخلاف كما في مورد التأييد حيث ان وقوع المقابلة بينها وبين صلاة الآيات قرينة على أرادة اليومية منها التي هي فرض ثابت بالكتاب، والا فالغالب اطلاقها في قبال التطوع كما عرفت، بل قد اطلق لفظ الفريضة على نفس صلاة الآيات في كثير من الاخبار (2). فدعوى الانصراف ساقطة، ولا قصور في العموم في شموله للمقام لكن الشأن في ثبوت العموم في حد نفسه، فان هذه الرواية لم تثبت من طرقنا، بل ولا من طرق العامة كما قيل. نعم اشتهر هذا المضمون في السنة الفقهاء، فغايته انها رواية مرسلة لا يعتد بها.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة الآيات. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الآيات.

[ 54 ]

الرابع الاستصحاب: وفيه مضافا إلى عدم حجيته في الشبهات الحكمية ان هذا الواجب من الموقتات كما مر ومقتضاه سقوط التكليف بانقضاء الوقت وبعد ذلك يشك في حدوث تكليف جديد. والمرجع في مثله اصالة البراءة دون الاستصحاب. الخامس: وهو العمدة التمسك باطلاق صحيح زرارة عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها، قال: يقضيها إذا ذكرها في اي ساعة ليل أو نهار. الخ (1) فان المذكور فيها لفظ الصلاة ولا قصور في شمولها لصلاة الآيات، فلو سلم الانصراف في لفظ الفريضة إلى اليومية لا وجه لتوهمه في لفظ الصلاة نعم قد اشتمل ذيل الصحيحة على لفظ الفريضة قال عليه السلام: " ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها " الكاشف عن ارادتها من الصلاة المذكورة في الصدر لكنه في مقابل التطوع فلا يقدح في الاستدلال كما يخفى. واما المقام الثاني: اعني القضاء في فرض الجهل فالمعروف والمشهور بينهم بل لم ينقل الخلاف من احد - كما في الجواهر - عدم وجوبه وعن بعض المتأخرين وجوبه. وجميع ما ذكرناه في المقام الاول من الوجوه التي استدل بها للوجوب مع مناقشاتها جار في المقام ايضا " الا الوجه الثاني وهو عدم القول بالفصل. لان المشهور عدم وجوب القضاء في فرض الجهل عند عدم الاحتراق لا وجوبه كما كان في فرض العلم، فلا ملازمة بين الموردين من حيث الوجوب. ويؤيد المقام بمناقشة ثالثة في الاستصحاب وهو عدم كون الوجوب


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب قضاء الصلوات ح 3.

[ 55 ]

[ (مسألة 10): إذا علم بالآية وصلى ثم بعد خروج ] متيقنا بل عدم الالتقات إلى وقوع الآية غالبا من جهة نوم ونحوه. فان فرض التوجه والشك في وقوعها كما لو احس بحركة وشك في أنها من جهة الزلزلة أو من اثر سرعة مرور الطائرة العظيمة شاذ نادر وعليه فلم يكن حال وقوع الآية مكلفا ليكون متيقنا فيستصحبه واما بعده فهو شاك في تعلق التكليف، ومقتضى الاصل البراءة عنه. وحيث كان الوجه الخامس سليما عن اية مناقشة فاللازم هو الحكم بوجوب القضاء هنا ايضا كما ذهب إليه بعض المتأخرين. واما ما التزم به المشهور من عدم وجوب القضاء فلم يعرف وجهه سوى ما ذكره صاحب الجواهر (قده) من فحوى سقوطه في الكسوف الذي هو اقوى في الوجوب قطعا. ولكنه كما ترى. فان الكسوف له فردان احدهما مع الاحتراق وحكمه وجوب القضاء. ثانيهما مع عدمه وحكمة سقوطه عند الجهل ومع هذا الاختلاف ما هو الموجب لالحاق سائر الآيات باحد الفردين دون الآخر (وبعبارة اخرى) التفصيل المزبور يكشف عن ان مجرد الكسوف المقرون بالجهل لم يكن علة للسقوط، بل بضميمة ما يختص بالمورد وهو كون الاحتراق ناقصا ومعه لا موضوع للفحوى (1) فلا مجال للتعدي.


(1) مناط الفحوى دعوى اقوائية الوجوب والقائل بها يرى تحققها في كلا فردي الكسوف بملاك واحد، ومعه يتعين الالحاق بالفرد الثاني لاختصاص الفحوى به كما لا يخفى، اللهم الا ان يناقش في الدعوى المزبورة من اصلها.

[ 56 ]

[ الوقت أو بعد زمان الاتصال بالآية تبين له فساد صلاته وجب القضاء (1) أو الاعادة. (مسألة 11): إذا حصلت الآية في وقت الفريضة اليومية فمع سعة وقتهما مخير بين تقديم ايهما شاء وان كان الاحوط تقديم اليومية، وان ضاق وقت احداهما دون الاخرى قدمها، وان ضاق وقتهما معا قدم اليومية (2) ] (1): - وذلك فلان المسألة بحدها وان لم يكن منصوصة الا انه يمكن استفادة حكمها من اطلاق موثقة عمار المتقدمة في المسألة السابقة (1) حيث يستفاد منه وجوب القضاء في فرض العلم بالآية ولم يصل ولو كان من جهة اشتمالها على الخلل فان موردها وان كان غلبة العين الا انك عرفت فيما سبق انه لا خصوصية لذلك بل هي من باب المثال، والمعيار ترك الصلاة بتمامها أو ببعض خصوصياتها فكما انه لو تبين الخلل اثناء الوقت تجب الاعادة بمقتضى الاشتغال فكذلك لو كان التبين بعد الوقت لاطلاق الموثقة. (2): - ما ذكره (قده) من احكام صور المسألة هو المعروف والمشهور بيتهم ولا سيما المتأخرين منهم كما انها مطابقة لما تقتضيه القاعدة. اما في صورة توسعة الوقت لكل من صلاتي اليومية والآية فلعدم التزاحم بينهما إذا المفروض سعة الوقت ومقتضاها جواز تقديم ايهما شاء. واما في فرض ضيق الوقت عن الاتيان بهما فيه معا فلاهمية


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب الكسوف ح 1.

[ 57 ]

اليومية على ما يستفاد مما ورد من عدم سقوط الصلاة بحال فتقدم لدى المزاحمة لا محالة. واما في صورة ضيق وقت خصوص اليومية فالتقديم فيها اظهر فانه في الفرض السابق الذى كان وقت الآية أيضا مضيقا حكمنا بتقديم اليومية من جهة الاهمية. فما ظنك بما إذا كان وقت الآية موسعا. واما في فرض ضيق وقت الآية فقط فلعدم التزاحم بين الموسع والمضيق هذا مضافا إلى ان قد دلت الروايات الخاصة على حكم الصورة الاولى وهي سعة الوقت لهما، بل وكذا الثالثة أعني ضيق وقت اليومية خاصة. ولكن مع ذلك فقد ذهب جمع كالصدوقين والشيخ وابنى حمزة والبراج والشهيد إلى وجوب تقديم الفريضة حتى في سعة الوقت لهما كما انه نسب إلى بعض كابن ابي عقيل والآبي والحلي القول بوجوب تقديم صلاة الكسوف ولو في السعة لهما. اما القائلون بتقديم الفريضة فقد استدلوا بصحيح محمد بن مسلم عن احدهما عليه السلام قال: سألته عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة فقال: أبدا بالفريضة، فقيل له: في وقت صلاة الليل، فقال: صل صلاة الكسوف قبل صلاة الليل (1) فان موضوع هذه الصحيحة باعتبار التعبير بالبدأة هو توسعة الوقت لكل من الصلاتين إذ الابتداء يستدعي الانتهاء وان يكون الوقت صالحا لوقوع الصلاتين فيه معا مقدما لاي منهما شاء تعيينا أو تخييرا. وأما إذا لم يكن الوقت صالحا وواسعا إلا لاحدهما لكان المناسب التعبير بمثل قولنا: إئت بالفريضة وقد أمر عليه السلام في هذا الفرض بتقديم الفريضة، وظاهر


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب الكسوف ح 1.

[ 58 ]

الامر الوجوب فلابد من تقديمها على الكسوف. والانصاف ان دلالة هذه الصحيحة في نفسها لا قصور فيها، بحيث لو كنا نحن وهذه الرواية لحكمنا بذلك الا ان الدليل الخارجي وهو صحيحته الثالثة الآتية دل على جواز الاتيان بصلاة الآية قبل الفريضة فيكون الامر في هذه الصحيحة محمولا على الاستحباب ويرفع اليد عن ظاهره، فله تقديم صلاة الآية وان كان الاولى تقديم الفريضة. واما القائلون بتقديم صلاة الآية حتى في السعة فمستندهم هو ما رواه بريد بن معاوية ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) قال: إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها ما لم تتخوف ان يذهب وقت الفريضة، فان تخوفت فابدأ بالفريضة، واقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف، فإذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت واحتسب بما مضى (1) فانه عليه السلام في غير فرض تخوف ذهاب وقت الفريضة أمر بأتيان صلاة الكسوف واطلاقه شامل لفرض توسعة الوقت لكلتا الصلاتين وظاهر الامر الوجوب، فلابد من تقديم صلاة الآية على الفريضة. وفيه بعد الغض عن ضعف سند الرواية وان عبر عنها في الحدائق بالصحيحة وتبعه غير واحد ممن تأخر عنه لكنه وهم فان بريدا ومحمد ابن مسلم وان كانا من الاجلاء الا ان طريق الصدوق إلى كل منهما ضعيف كما عرفت قريبا. وبعد الاغماض عن معارضتها بالصحيحة المتقدمة الناصة على وجوب


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة الكسوف ح 4.

[ 59 ]

البدأة بالفريضة ان الدليل قد قام على عدم وجوب تقديم صلاة الآية على الفريضة وجواز العكس ستعرف. ومعه لا يبقى لهذه الرواية ظهور في الوجوب فهذان القولان ساقطان. وأما قول المشهور من جواز تقديم صلاة الآية فيستفاد من صحيح محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك ربما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة فان صلينا الكسوف خشينا ان تفوتنا الفريضة، فقال: إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك واقض فريضتك ثم عد فيها، قلت فإذا كان الكسوف في آخر الليل فصلينا صلاة الكسوف فاتتنا صلاة الليل فبأيتهما نبدأ؟ فقال: صل صلاة الكسوف واقض صلاة الليل حين تصبح (1). وذلك لان السؤال انما هو عن جواز الشروع في صلاة الآية عند خشية فوات الفريضة، والجواب متعرض لحكم من كان قد شرع فيها ثم تخوف فوت الفريضة، فلا يكون الجواب مطابقا للسؤال، إلا ان الامام عليه السلام كأنه اراد التنبيه على انه فيما إذا كان قد شرع في صلاة الآية يقطعها عند تخوف فوات الفريضة فيأتي بها ثم يعود إلى تلك ليعرف حكم هذا الفرض تفضلا منه. ويستنتج من ذلك حكم مورد السؤال من جهة الاولوية فان مقتضاها عدم جواز الدخول فيها إذا خشي الفوت. فيدل بالمفهوم على انه في فرض التوسعة وعدم الخشية يجوز له الدخول في صلاة الآية قبل الفريضة كما يجوز تتميمها وبه يرفع اليد عن ظاهر الصحيحة الاولى من وجوب الاتيان بصلاة الفريضة مقدما على الآية وتحمل على الاستحباب.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب الكسوف ح 2.

[ 60 ]

ثم انه لاريب في ان المراد من الوقت المفروض تخوف فوته انما هو الوقت الفضلي من المغرب لا الوقت الاجزائي له ضرورة ان الثاني ممتد إلى نصف الليل. ومن الواضح ان صلاة الآية مهما طالت لا تستوعب من الوقت من بعد المغرب إلى نصف الليل بخلاف الوقت الفضلي منه، فانه يمكن فرض تخوف فوته مع الاشتغال بصلاة الآية. ومن المعلوم ان فوت الوقت الفضلي لا بأس به ولا مانع منه فانه يجوز تأخير الصلاة عنه اختيارا. وعليه فيكون الامر بقطع الصلاة لدرك الوقت الفضلي محمولا على الاستحباب دون الوجوب فله ان لا يقطع الصلاة للكسوف بل يستمر فيها ويجوز له الشروع فيها في كل من وقتي الاجزاء والفضيلة وبه يرفع اليد عن ظاهر الرواية الثانية له من وجوب الاتيان بالفريضة قبل صلاة الآية وتحمل على الاستحباب. وبالجملة: المستفاد من هذه الصحيحة عدم وجوب البدأة لا بصلاة الآية ولا بصلاة الفريضة بل له تقديم اي منهما شاء كما عليه المشهور. واما صحيحة أبي ايوب. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن صلاة الكسوف قبل ان تغيب الشمس ونخشى فوت الفريضة فقال اقطعوها وصلوا الفريضة وعودوا إلى صلاتكم (1). فقد حملها بعضهم على ان المراد بالفريضة هي صلاة المغرب. فالمراد من فوتها فوت أدائها في وقت الفضيلة. ولكنه بعيد جدا فان المفروض ان الكسوف كان قبل مغيب الشمس وبطبيعة الحال كان قبله بمقدار نصف ساعة تقريبا. ومن المعلوم انه


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب الكسوف ح 3.

[ 61 ]

[ (مسألة 12): لو شرع في اليومية ثم ظهر له ضيق وقت صلاة الآية قطعها مع سعة وقتها واشتغل بصلاة الآية (1) ولو اشتغل بصلاة الآية فظهر له في الاثناء ضيق وقت الاجزاء لليومية قطعها واشتغل بها وأتمها (2) ثم ] بعد هذا إلى فوات وقت فضيلة المغرب يستوعب اكثر من ساعة. فكيف يصح ان يقال انه يخاف من فوت الفريضة، بل المراد فريضة العصر جزما، ولا بدع في تأخيرها إلى ما قبل مغيب الشمس حتى من الجماعة الذين هم مورد السؤال بعد ان كان التأخير سائغا والوقت واسعا. فمن الجائز ان يكون كلهم قد اخروا من باب الصدفة والاتفاق فانها قضية خارجية لا حقيقية، فلعلم كانوا معذورين لنوم ونحوه، بل ولو عامدين فقد ورد في بعض الروايات ان زرارة كان يؤخر صلاته إلى آخر الوقت فكان هذا امرا متعارفا بينهم وان كان الغالب عدم التأخير عن وقت الفضيلة. وعليه فحكمه عليه السلام بتقديم الفريضة مطابق للقاعدة، إذ المضيق لا يزاحمه الموسع، فالروايات الواردة في المقام كلها موافقة للقاعدة كما عرفت. (1): - لما عرفت من ان الموسع لا يزاحم المضيق ولا دليل على حرمة القطع في مثل المقام فان مستندها لو تم انما هو الاجماع وهو دليل لبي يقتصر على المتيقن منه الذي هو غير ما نحن فيه. (2): - لاهميتها عن صلاة الآية كما سبق.

[ 62 ]

[ عاد إلى صلاة الآية من محل القطع إذا لم يقع منه مناف غير الفصل المزبور (1)، بل الاقوى جواز قطع صلاة الآية والاشتغال باليومية إذا ضاق وقت فضيلتها فضلا عن الاجزاء ثم العود إلى صلاة الآية من محل القطع (2) لكن الاحوط خلافه (3). (مسألة 13): يستحب في هذه الصلاة امور: (الاول والثاني والثالث): القنوت، والتكبير قبل الركوع وبعده، والسمعلة على ما مر. (الرابع): اتيانها بالجماعة اداءا كان أو قضاءا مع احتراق القرص، وعدمه والقول بعدم جواز الجماعة مع عدم احتراق القرص ] (1): - كان الحكم مورد للتسالم، وهذه من - الصلاة في الصلاة - الجائزة في خصوص صلاة الآيات وان كان على خلاف الاصل للنصوص الدالة عليه كما سبق، ولاجلها يحكم بالاغتفار عن تلك الزيادات وعدم قدحها بشرط عدم الاتيان بمناف آخر غير الفصل بهذه الصلاة لقصور النصوص عن اثبات الجواز فيما عدا ذلك فيرجع إلى الا طلاق في ادلة المنافيات السليم عما يصلح للتقييد. (2): - للتصريح به في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. (3): - لما نسب إلى المشهور من اقتصارهم في الحكم على وقت الاجزاء وعدم التعدي إلى وقت الفضيلة وان لم يكن عليه دليل ظاهر.

[ 63 ]

[ ضعيف ويتحمل الامام فيها عن المأموم القراءة خاصة كما في اليومية دون غيرها من الافعال والاقوال. (الخامس): التطويل فيها خصوصا في كسوف الشمس. (السادس): إذا فرغ قبل تمام الانجلاء يجلس في مصلاه مشتغلا بالدعاء والذكر إلى تمام الانجلاء، أو يعيد الصلاة، (السابع): قراءة السور الطوال كياسين، والنور، والروم، والكهف ونحوها. (الثامن): اكمال السورة في كل قيام. (التاسع): ان يكون كل من القنوت والركوع والسجود بقدر القراءة في التطويل تقريبا. (العاشر): الجهر بالقراءة فيها ليلا أو نهارا حتى في كسوف الشمس على الاصح. (الحادي عشر): كونها تحت السماء. (الثاني عشر): كونها في المساجد بل في رحبها. (مسألة 14): لا يبعد استحباب التطويل حتى للامام وان كان يستحب له التخفيف في اليومية مراعاة لا ضعف المأمومين. (مسألة 15): يجوز الدخول في الجماعة إذا ادرك الامام (1) قبل الركوع الاول، أو فيه من الركعة الاولى ] (1): - لاريب في مشروعية الجماعة في هذه الصلاة بل ورجحانها

[ 64 ]

[ أو الثانية، واما إذا ادركه بعد الركوع الاول من الاولى أو بعد الركوع من الثانية فيشكل الدخول لاختلال النظم حينئذ بين صلاة الامام والمأموم. ] للادلة الدالة عليه قولا وفعلا كما تقدمت الاشارة إليه، كما لاريب في ان المتيقن من تلك الادلة ما إذا ادرك الامام قبل الدخول في الركوع الاول من الركعة الاولى أو الثانية وكذا لو ادركه فيه لما ورد عنهم عليه السلام من ان من ادرك الركوع فقد ادرك الركعة كلها. وانما الكلام فيما إذا ادرك الامام بعد الركوع الاول من الاولى أو الثانية فقد استشكل في صحة الجماعة حينئذ في المتن تبعا لجمع من الاعلام، بل لعل المنع هو المشهور بينهم معللا بما ذكره في المتن من لزوم اختلال النظم وعدم حصول المتابعة بين صلاتي المأموم والامام لافتراق كل منهما عن الاخر في الافعال لا محالة، ولا دليل على اغتفار ذلك في المقام. هذا ولكن المنسوب إلى العلامة في التذكرة هو الجواز قال (قده) فيما حكي عنه: " فإذا سجد الامام لم يسجد هو بل ينتظر الامام إلى ان يقوم فإذا ركع الامام اول الثانية ركع معه عن ركوعات الاولى فإذا انتهى إلى الخامس بالنسبة إليه سجد ثم لحق بالامام ويتم الركعات قبل سجود الثانية ". ولكن الاظهر عدم الجواز لتقوم مفهوم الجماعة بالمتابعة المنفية في المقام فان الانتظار والاستقلال في الافعال على حد ما ذكره ينافي

[ 65 ]

[ (مسألة 16): إذا حصل احد موجبات سجود السهو في هذه الصلاة فالظاهر وجوب الاتيان به بعدها كما في اليومية (1). ] التبعية المعتبرة في صدق الجماعة، على ان التخلف والانتظار الذي ذكره (قده) ليس باولى من الاشتغال بتكميل الركوعات والالتحاق بالامام قبل استكماله من سجود الاولى، بل هذه الكيفية اولى حذرا من فوات المتابعة في السجود لدى التمكن منها. مع ان كلتا الكيفيتين منافية لصدق التبعية المعتبرة في مفهوم الجماعة وماهية الايتمام، وهل ذلك إلا كمن اقحم ركعة أو ركعتين في ركعات الامام ثم التحق به، كما لو اقتدى الحاضر بالمسافر فائتم في الركعة الاولى ثم اتى بالركعتين منفردا ثم التحق في رابعته بثانية الامام فان الائتمام في امثال ذلك يستلزم التخلف في افعال كثيرة، والاستقلال في امور شتى المضاد لمفهوم القدوة كما لا يخفى. فالاقوى عدم انعقاد الجماعة في امثال المقام كما عليه الشمهور وهو المطابق للاصل. (1): - لاطلاق ادلة الوجوب الشامل للمقام. فلو تكلم ساهيا أو قام في محل القعود أو بالعكس كذلك وجب عليه السجود، ولو بنينا على وجوبه لكل زيادة ونقيصة كما هو مفاد المرسلة (1) وجب هنا أيضا عملا باطلاق الدليل، إذا لا موجب للانصراف إلى اليومية كما هو ظاهر، نعم بعض موجبات السجود لا مسرح له في المقام


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب الخلل ح 3.

[ 66 ]

[ (مسألة 17): يجري في هذه الصلاة قاعدة التجاوز عن المحل. وعدم التجاوز عند الشك في جزء أو شرط كما في اليومية. (مسألة 18): يثبت الكسوف والخسوف وسائر الآيات بالعلم، وشهادة العدلين واخبار الرصدي (1) إذا حصل الاطمئنان بصدقه على اشكال في الاخير، لكن لا يترك معه الاحتياط وكذا في وقتها ومقدار مكثها. ] كالشك بين الاربع والخمس. واوضح حالا ما ذكره في المسألة الآتية من جريان قاعدة التجاوز عن المحل في المقام كما لو شك حال السجود في عدد الركوعات لعموم قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: " وإذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " كجريان قاعدة الشك في المحل لاطلاق دليلها مضافا إلى الاستصحاب. (1): - اما الثبوت بالعلم أو بالشياع المفيد للعلم فظاهر وكذا بالدليل العلمي كشهادة البينة العادلة لاطلاق دليل اعتبارها بل لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل بل ثقة واحد على ما تكررت الاشارة إليه في مطاوي هذا الشرح. واما الثبوت باخبار الرصدي مع حصول الاطمئنان بصدقه فقد استشكل فيه في المتن لكن الاشكال في غير محله بعد فرض حصول


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 1.

[ 67 ]

[ (مسألة 19): يختص وجوب الصلاة بمن في بلد الآية (1) فلا يجب على غيره، نعم يقوى الحاق المتصل بذلك المكان، مما يعد معه كالمكان الواحد. ] الاطمئنان الذي هو حجة عقلائية كالقطع. نعم التعويل حينئذ انما هو على الاطمئنان الحاصل من قوله لا على قوله بما هو كذلك. اللهم الا ان يكون مراده حصول الاطمئنان بصدق المخبر لا بصدق الخير كما لو كان الرصدي مأمونا عن الكذب فجزمنا بكونه صادقا في اخباره ومع ذلك لم نطمئن بصدق الخبر لاحتمال خطأه وعدم اصابته للواقع فكنا بالنسبة إلى وقوع الكسوف خارجا في شك وترديد وان كنا مطمئنين في صدقه عما يخبر بمقتضى القواعد النجومية فانه يشكل الاعتماد حينئذ على قوله لعدم الدليل على حجية الاخبار الحدسي في الامر الحسي، والرجوع إلى اهل الخبرة يختص بالامور الحدسية دون الحسية كما في المقام. وعلى الجملة: إذا حصل الاطمئنان من قول الرصدي بوقوع الكسوف خارجا كما لو كان الشخص محبوسا في مكان لا يتيسر له استعلام الكسوف وكان عنده رصدي اخبر بذلك، أو كان الشخص بنفسه رصديا فلا ريب في وجوب الصلاة حينئذ عملا بالاطمئنان الذي هو حجة عقلائية كما عرفت، والا فمجرد الاطمئنان بصدق المخبر مع الترديد في الوقوع الخارجي لا اثر له لعدم الاكتفاء في الموضوع الحسي باخبار مستند إلى الحدس. (1): - اما بالاضافة إلى الكوفين فهذا البحث لا موضوع له،

[ 68 ]

إذ بعد فرض كروية الارض فكسوف الشمس أمر يمكن ان تقع على الرؤية من عامة سكنة البلدان الواقعة في تمام القوس النهاري الشاملة لاكثر من نصف سكان الارض وان كانت الشمس حينئذ عند طلوعها بالاضافة إلى بلد وغروبها بالاضافة إلى بلد آخر، ومنتصف النهار بالاضافة إلى بلد ثالث، إذ هي دائما في طلوع وغروب كما يقتضيه فرض كروية الارض. وعليه فالبلاد الواقعة في النصف من الجانب الآخر من الارض لا تجب عليهم الصلاة لعدم تحقق الكسوف القابل للرؤية بالاضافة إليهم، فلا تجب علينا الصلاة للكسوف الحاصل تحت الارض بعد عدم قبوله للرؤية بالنسبة الينا، فان الموضوع للوجوب انما هو الكسوف القابل للرؤية الذي لا يدرى انه لرحمة أو لغضب كما في لسان بعض الاخبار. وكذا الحال في خسوف القمر. واما في غير الكسوفين من سائر الاسباب كالزلزلة ونحوها فلا ينبغي الشك في اختصاص الحكم ببلد الآية فلا يعم غيره لدوران الحكم مدار تحقق الآية وصدقها كما استفيد من قوله عليه السلام (حتى يسكن) الوارد في بعض نصوص الزلزلة. نعم: قوى في المتن الحاق البلد المتصل بذلك المكان مما يعد معه كالمكان الواحد. وهذا مما لم نعرف له وجها اصلا إذ لا دليل على الالحاق بعد فرض اختصاص الآية بذاك المكان، وعدم تحققها في غيره، فلا تجب الصلاة على سكنة النجف لو وقعت زلزلة أو هبت ريح سوداء في الكوفة، بل الظاهر عدم الالحاق حتى في البلد الواحد إذا كان متسعا جدا بحيث خصت الآية جانبا معينا منه ولم تسر إلى الجانب الآخر. فلو وقعت زلزلة في اقصى البلد لادليل على وجوب

[ 69 ]

[ (مسألة 20): تجب هذه الصلاة على كل مكلف (1) الا الحائض والنفساء فيسقط عنهما اداؤها (2) والاحوط قضاؤها بعد الطهر والطهارة (3). ] الصلاة بالنسبة إلى سكنة الجانب الآخر ممن لم تتحقق الزلزلة لديهم (وبالجملة) فالحكم تابع لفعلية موضوعه فلا يسري إلى غيره وهذا ظاهر. (1): - لعموم دليل الوجوب أو اطلاقه. (2): - لعموم ما دل على حرمة الصلاة عليهما المستفاد من النصوص الكثيرة - وقد عقد لها في الوسائل بابا - التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة (1) بعد وضوح مساواة النفساء مع الحائض في الاحكام الا ما خرج بالدليل. (3): - بل قد تقدم منه (قده) في مبحث الحيص الفتوى بوجوب القضاء وان احتاط فيه اولا. لكن الاقوى عدم الوجوب لا لما دل على سقوط القضاء عنها كي يدعى انصرافه إلى اليومية، بل بعض الاخبار موردها خصوص اليومية بل لقصور المقتضى للوجوب لما تقرر في محله من ان القضاء بامر جديد ولا يكاد يتكفله الامر الاول لكونه محدودا بزمان خاص وهو الوقت المضروب للعمل. وحيث ان ظاهره وحدة المطلوب فبخروج الوقت يسقط الامر لا محالة. فتعلق التكليف بالقضاء حينئذ يحتاج


(1) الوسائل: باب 39 من أبواب الحيض ح 1.

[ 70 ]

[ (مسألة 21): إذا تعدد السبب دفعة أو تدريجا تعدد وجوب الصلاة (1). (مسألة 22): مع تعدد ما عليه من سبب واحد لا يلزم التعيين (2)، ومع تعدد السبب نوعا كالكسوف والخسوف والزلزلة الاحوط التعيين ولو اجمالا. نعم ] إلى امر جديد، فما لم يثبت يكون المرجع اصالة البراءة. فمجرد الشك في القضاء مع عدم قيام دليل عليه - كما لم يقم في المقام - كاف في الحكم بعدم الوجوب. والحاصل: ان القضاء لما كان بامر جديد وكان موضوعه الفوت فلابد من صدق هذا العنوان في الحكم بالقضاء وهو يتوقف على تعلق التكليف بالاداء وثبوته اما فعلا كما في العاصي ونحوه، أو اقتضاء لوجود مانع عن التنجيز كما في الناسي والنائم فيصح اطلاق الفوت في امثال هذه الموارد واما الحائض والنفساء فلم يتعلق التكليف بالصلاة في حقهما من اول الامر، ولا وجوب حتى شأنا واقتضاءا لورود التخصيص في دليل وجوب الصلاة بالنسبة اليهما، فلا موضوع للفوت حتى يجب القضاء. وعلى تقدير الشك في ذلك فالمرجع اصالة البراءة. (1): - لان كل سبب يستدعي مسببا يخصه، والتداخل على خلاف الاصل. فلو وقعت زلزلة مثلا وقبل الصلاة لها وقعت زلزلة اخرى أو انكسفت الشمس وجبت صلاة اخرى لسبب الحادث. (2): - فصل (قده) في صورة تعدد السبب بين ما إذا كان

[ 71 ]

[ مع تعدد ما عدا هذه الثلاثة من سائر المخوفات لا يجب التعيين، وان كان احوط أيضا. ] المتعدد فردين من نوع واحد كالزلزلة المتكررة وبين ما إذا كانا من نوعين، وفصل في الثاني بين الكسوف والخسوف والزلزلة وبين غيرها من ساير المخوفات كالصاعقة والريح السوداء وغيرهما من اخاويف السماء، فحكم (قده) بعدم لزوم التعيين في الاول والاخير دون الثاني. اقول: اما عدم الحاجة إلى التعيين في الاول فظاهر إذ السبب ليس هو الفرد بشخصه بل الطبيعي المتحقق في ضمنه وضمن غيره فلا مدخلية لخصوصيات الافراد في مقام تعلق التكليف كي يحتاج إلى القصد والتعيين، فلا يجب إلا قصد الامر الناشئ من طبيعي الزلزلة مثلا. فلو امتثل ذلك مكررا بعدد الافراد المتحققة في الخارج اتى بتمام الوظيفة. ومنه: يظهر الحال في الاخير فان الانواع وان كانت متعددة حينئذ والطبايع مختلفة لكن الكل تندرج تحت عنوان واحد وهو المخوف السماوي الذي هو الموضوع للوجوب في لسان الاخبار دون تلك الانواع بعناوينها، بل ان هذا القسم ملحق بالاول لدى التحليل فان تلك الانواع في الحقيقة افراد لذلك النوع الذي هو موضوع الحكم ومصب التكليف كما لا يخفى. واما القسم الثاني: فغاية ما يقال في وجه الحاجة إلى التعيين الذي اختاره في المتن ان هناك انواعا عديدة كل واحد منها سبب للتكليف بحياله قد اثر في مسبب مغاير للآخر فلابد من تعلق

[ 72 ]

القصد بكل من المسببات ليمتاز عن الآخر. وفيه: ان مجرد التعدد في السبب لا يستوجب اختلافا في عنوان المسبب وتغايرا فيه، إذ من الجائز ان تكون الطبيعة الواحدة واجبة مرتين لسببين، كما لو قال ان جاءك زيد فتصدق بدرهم، وان سافرت فتصدق بدرهم، فان التصدق بالدرهم حقيقة واحدة وطبيعة فاردة لاتعدد في عنوانها وان تعدد سبب وجوبها، وصلاة الآيات في المقام من هذا القبيل، فانها طبيعة واحدة لا اختلاف في عنوانها وان وجبت بسبب الكسوف مرة والخسوف اخرى، والزلزلة ثالثة نعم ربما يستفاد التعدد من دليل خارجي كما في الاغسال فانها حقائق متباينة وان كانت بصورة واحدة لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: ان كان لله عليك حقوق اجزأك عنها حق واحد. فان التعبير بالحقوق كاشف عن تعدد الطبايع وتباينها في الواقع، وكما في الظهرين لقوله عليه السلام: الا ان هذه قبل هذه، وكما في فريضة الفجر ونافلته ونحو ذلك. واما في المقام فلا قرينة على التعدد، وقد عرفت ان مجرد تعدد السبب لا يقتضيه. ومن هنا ترى ان من افطر يومين من شهر رمضان لسببين فافطر في اليوم الخامس مثلا للمرض واليوم الخامس عشر للسفر لم يجب عليه لدى القضاء تعيين اليوم الخاص من سبب مخصوص، بل ولا تعيين السنة لو كان اليومان من سنتين وليس ذلك الا لما عرفت من ان اختلاف السبب لا يستوجب تعددا في عنوان المسبب. فقضاء رمضان طبيعة واحدة قد وجبت مرتين لسببين. إذا فمجرد القصد إلى هذه الطبيعة كاف في حصول الامتثال كالقصد إلى طبيعي صلاة الآيات في المقام.

[ 73 ]

[ (مسألة 23): المناط في وجوب القضاء في الكسوفين في صورة الجهل احتراق القرص بتمامه (1)، فلو لم يحترق التمام ولكن ذهب ضوء البقية باحتراق البعض لم يجب القضاء مع الجهل، وان كان احوط خصوصا مع الصدق العرفي. ] فتحصل: ان الاقوى عدم الحاجة إلى تعيين السبب في شئ من الاقسام. (1): - حاصله ان القرص إذا لم يحترق بتمامه ولكن ذهب ضوء الباقي باحتراق البعض لم يجب القضاء حينئذ مع الجهل، إذ العبرة باحتراق التمام المنفي في المقام. وفيه اولا: ان هذا مجرد فرض لا واقع له، فان احتراق البعض إنما يؤثر في ذهاب الضوء من ذلك البعض دون الباقي ضرورة ان احتراق القمر مسبب عن حيلولة الارض بينه وبين الشمس كما ان احتراق الشمس مسبب عن حيلولة القمر بينها وبين الارض فبمقدار الحيلولة ينعدم الضوء، ولا موجب للانعدام في غير هذا المقدار، فالمقدار الباقي من القرص نير مضئ لا محالة وان كان مثل الهلال. وثانيا: على فرض التسليم ووقوعه خارجا فلا ينبغي الشك في وجوب القضاء حينئذ، إذ العبرة في الاحتراق التام المأخوذ موضوعا للحكم في المقام إنما هو بالصدق العرفي والنظر العادي دون الدقي

[ 74 ]

[ (مسألة 24): إذا اخبره جماعة بحدوث الكسوف مثلا ولم يحصل له العلم بقولهم ثم بعد مضي الوقت تبين صدقهم فالظاهر الحاقه بالجهل (1) فلا يجب القضاء مع عدم احتراق القرص وكذا لو اخبره شاهدان لم يعلم عدالتهما (2) ثم بعد مضي الوقت تبين عدالتهما لكن الاحوط القضاء في الصورتين (3) ] العقلي المختص بالمنجمين ومهرة الفن. وحيث ان ذهاب ضوء البقية باحتراق البعض بحيث يرى الجرم دون الشعاع مصداق للاحتراق التام عند العرف فلا جرم يكون مشمولا لاطلاق الدليل. (1): - بل هو منه حقيقة، إذ لا علم في الوقت لا وجدانا كما هو واضح، ولا تعبدا لعدم قيام البينة الشرعية، ولا حصول الوثوق الشخصي من اخبارهم بعد احتمال صدورها لدواع أخر من مزاح ونحوه. ويشير إليه مفهوم قوله عليه السلام في موثقة عمار: " وان اعلمك احد وانت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك.. الخ ". (2): - لعدم احراز شرائط الحجية في الوقت فيكون - طبعا - ملحقا بالعدم بعد وضوح ان العبرة بالحجة الواصلة لا مجرد وجودها الواقعي. (3): - فانه حسن على كل حال.


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب صلاة الآيات ح 10.

[ 75 ]

صلوة القضاء

[ 77 ]

[ فصل في صلاة القضاء يجب قضاء اليومية الفائتة، عمدا أو سهوا، أو جهلا (1) ] (1) ينبغي التكلم - أولا - في ما يقتضيه الاصل العملي عند الشك في وجوب القضاء ثم التعرض للموارد التي ثبت الوجوب فيها حسب الادلة الاجتهادية. فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: - فالمعروف بينهم: ان القضاء إنما هو بأمر جديد، متعلق بعنوان ال‍ (فوت)، ولا يكاد يتكفل باثباته نفس الامر الاول، فانه متقيد بالوقت الخاص، فيسقط - لا محالة - بخروج الوقت، فإذا شك في ثبوت الامر الجديد كان مقتضى الاصل البراءة عنه. إلا أنه ربما يتمسك لبقاء الامر الاول بعد خروج الوقت بالاستصحاب بدعوى: أن خصوصية الوقت تعد - بنظر العرف - من الحالات المتبادلة، لامن مقومات الموضوع، بحديث يكون الشك في ثبوت الحكم بعد خروج الوقت شكا في بقاء الحكم الاول واستمراره، ولا ريب في أن المدار في اتحاد القضية المتيقن بها والمشكوك فيها - هو نظر العرف. ويرد على ذلك: أولا: أن الاستصحاب لا يجرى في الشبهات الحكمية. كما حققنا ذلك في محله.

[ 78 ]

وثانيا: انه على فرض التسليم، فهو غير جار في خصوص المقام لكونه من القسم الثالث من استصحاب الكلي، ولا نقول به. فان شخص الوجوب الثابت في الوقت قد ارتفع بخروجه قطعا، لانه كان محدودا بزمان خاص على الفرض، والظاهر من الدليل هو كون الفعل مطلوبا في الزمان الخاص بنحو وحدة المطلوب، فينتهى الحكم - لا محالة - بانتهاء أمده، حتى مع تسليم كون الوقت بنظر العرف من قبيل الحالات المتبدلة دون المقومات، فلا معنى لجريان الاستصحاب حينئذ، إلا إجراؤه في كلي الوجوب المحتمل بقاؤه في ضمن فرد آخر حدث مقارنا لارتفاع الفرد الاول، أو قارنه في الوجود، لكنه - على كلا التقديرين - غير مقطوع الثبوت. وقد حقق في محله عدم حجية هذا القسم من استصحاب الكلي. وثالثا: أنه على فرض تسليم عدم ظهور الدليل في وحدة المطلوب وتسليم كون الوقت من قبيل الحالات المتبدلة، وكل ذلك فرض في فرض فالاستصحاب إنما يتجه على القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي، نظرا إلى أن الوجوب في الوقت إذا كان بنحو وحدة المطلوب فقد ارتفع بخروج الوقت قطعا، وإذا لم يكن كذلك، بل كان على نحو تعدد المطلوب، فهو باق قطعا، فيدور الامر في الوجوب المذكور بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء. والاستصحاب في هذا القسم وإن كان جاريا في نفسه كما ثبت في محله بان يستصحب الكلي الجامع بين الفرد القصير والفرد الطويل. إلا أنه لا يكاد يجرى في خصوص المقام، وذلك للاصل الحاكم عليه، وهو أصالة عدم تعلق الوجوب بالطبيعي الجامع بين المأتي به

[ 79 ]

في الوقت وخارجه، فان المتيقن به من الجعل إنما هو ايجاب الصلاة المقيدة بالوقت، سواء أكان ذلك بنحو وحدة المطلوب أم على سبيل التعدد فيه حيث ان القائل بتعدد المطلوب ايضا يرى وجوب الصلاة المقيدة بالوقت أحد المطلوبين والمفروض تسالم الطرفين على ارتفاع هذا الوجوب بعد خروج الوقت، فلا يكون بقاؤه مشكوكا فيه، كي يجرى استصحابه بنفسه، أو استصحاب الكلي الموجود في ضمنه. وأما الزائد على هذا المقدار، وهو مما ينفرد به القائل بتعدد المطلوب - أي تعلق الوجوب بالطبيعي المطلق الشامل لما بعد خروج الوقت - فهو مشكوك الحدوث من الاول، وحينئذ فيتمسك في نفيه بالاستصحاب أو أصالة البراءة عنه، ومع وجود هذا الاصل الحاكم المنقح للموضوع، والمبين لحال الفرد، لا تصل النوبة إلى استصحاب الكلي كما لا يخفى. وبكلمة واضحة: إن الفارق بين المقام وبين سائر موارد القسم الثاني من استصحاب الكلي، كموارد دوران الامر بين البق والفيل في المثال المعروف أو دوران الامر بين الحدث الاصغر والاكبر. وغيرهما من موارد الدوران بين الفرد القصير والطويل، يتلخص في: أن الفردين المرددين في تلك الموارد يعدان - بنظر العرف - متباينين؟. وحينئذ فلا يوجد هناك أصل يتكفل بتعيين أحدهما فان استصحاب عدم كل منهما يعارضه استصحاب عدم الاخر. وهذا بخلاف المقام، حيث يدور الامر فيه بين الاقل والاكثر فان الاصل المنقح لاخد الفردين - وهو أصالة عدم وجود الزائد على القدر المتيقن به - موجود ولا يعارض هذا أصالة عدم تعلق التكليف

[ 80 ]

بالمتقيد بالوقت، لما عرفت من كونه المتيقن به بحسب الجعل على كل تقدير، وأنه من المتفق عليه بين الطرفين. فتحصل من ذلك: سقوط الاستصحاب في المقام، فيكون المرجع - عندئذ - أصالة البراءة عن القضاء. واما الجهة الثانية: - فقد ثبت وجوب القضاء بمقتضى الادلة الخاصة في الصلوات اليومية، الفائتة عمدا، أو سهوا، أو جهلا أو لاجل النوم المستوعب للوقت، أو لعدم الاتيان بها على وجهها، لفقدها جزءا أو شرطا يوجب فقده البطلان، كما أفاده المصنف (قده) بلا خلاف في ذلك. وتدل عليه جملة من النصوص. منها: صحيحة زرارة: " انه سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسي صلوات لم يصلها، أو نام عنها. قال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها، من ليل أو نهار " (1). وقد يناقش فيها: بعدم دلالتها على العموم فهي أخص من المدعى والغاء الخصوصية عنها غير واضح، لعدم القرينة على ذلك. وعليه فلعل الحكم خاص بالموارد المذكورة فيها. وتندفع: بان تلك الموارد لو كانت مذكرة في كلام الامام (عليه السلام) لكان لما ذكر من دعوى الاختصاص وجه، لكنها واردة في كلام السائل، ومعه لا مجال لتوهم الاختصاص، بل ينبغي الحمل على المثال. وهل يظن في حق السائل احتمال الفرق بين الصلاة الفاقدة للطهور والفاقدة للوقت أو الركوع، وغير ذلك من موارد الخلل في الاجزاء أو الشرائط، أم هل يحتمل في حقه:


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب قضاء الصلوات ح 3.

[ 81 ]

أنه قد خطر ببال وجوب القضاء في الصلاة الفاقدة للطهور، دون مالو ترك الصلاة رأسا. ولا يبعد أن يكون الوجه في تخصيص السؤال بالموارد المذكورة هو الجري على ما تقتضيه طبيعة الحال خارجا، فان المؤمن - بما هو مؤمن - لا يترك الصلاة عامدا، فإذا فاتته الصلاة فلا يخلو الحال في ذلك من أن يكون الفوت لاجل الاتيان بها فاسدة - وقد مثل لها في الرواية بالصلاة الفاقدة للطهور - أو لاجل النسيان، أو لغلبة النوم، ولا منشأ - على الاغلب - لفوت الصلاة غير هذه الوجوه الثالثة. وكيفما كان فلا ينبغي الشك في ظهور الصحيحة في كون المنظور إليه بالسؤال فيها هو ترك الفريضة في الوقت، وعدم الاتيان بها فيه على وجهها، سواء أكان ذلك لاجل تركها رأسا، أم لاجل فسادها الناشئ من الاخلال بجزء أو شرط يستوجب الاخلال به البطلان والذي يكشف لك عما ذكرناه، قوله (عليه السلام) - في ذيل الصحيحة: " فليصل ما فاته مما مضى " فانه كالصريح في كون المناط في الصلاة هو صدق عنوان ال‍ (فوت) كيفما اتفق، وبأي سبب تحقق، وأنه لا خصوصية للموارد المصرح بها فيها فالانصاف هو ظهور الصحيحة في ما ذكرناه، بل هي - باعتبار الذيل تكاد تكون صريحة فيه. ومنها: صحيحة أخرى لزرارة: " قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر، فذكرها في الحضر؟ قال: يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أداها في الحضر مثلها، وإن

[ 82 ]

كانت صلاة الحضر فيلقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته (1). فان هذه الصحيحة وإن كانت ناظرة إلى اعتبار المماثلة بين الاداء والقضاء من حيث القصر والتمام، الا أن الظاهر منها ان وجوب القضاء عند تحقق عنوان ال‍ (فوت) كان مفروغا عنه، بنظر السائل وقد أقره المعصوم (عليه السلام) على ذلك. ومنها: صحيحة زرارة والفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) " متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنك لم تصلها، أو في وقت فوتها أنك لم تصلها، صليتها، وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل، فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن، فان استيقنت فعليك أن تصليها في أي حالة كنت " (2). وهذه الصحيحة وإن كانت واردة لبيان قاعدة الحيلولة، وعدم الاعتناء بالشك بعد خروج الوقت، لكن الذي يظهر منها هي المفروغية عن أصل وجوب القضاء عند الفوت: والعمدة في المقام إنما هي الصحيحة الاولى. ثم إنه لافرق في وجوب القضاء في مورد ترك الفريضة - عمدا - بين صورتي العلم والجهل، قصورا وتقصيرا، طالت مدة الجهل أو قصرت، كمن أسلم وهو لا يعلم بوجوب الصلاة في شريعة الاسلام برهة من الزمن، فانه يجب القضاء في جميع ذلك، لاطلاق الفوت المجعول موضوعا للحكم المذكور في النصوص.


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب قضاء الصلوات ح 1. (2) الوسائل: باب 60 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 83 ]

[ أو لاجل النوم المستوعب للوقت (1) ] النوم المستوعب: (1) من غير فرق بين النوم المتعارف وغير المتعارف، كالنوم أياما استمرارا لاطلاق الدليل. نعم عن الشهيد (ره) في الذكرى والشيخ (قده) المبسوط التفصيل، باختصاص القضاء بالنوم المتعارف. ويستدل لهذا التفصيل: بان مدرك الحكم ان كان هو الاجماع فلا اجماع في محل الخلاف، والمتيقن من مورده إنما هو النوم المتعارف، فيقتصر عليه. وإن كان هو النص - كصحيحة زرارة المتقدمة - فلا ريب في انصراف اطلاقه إلى الفرد المتعارف وفي هذا الاستدلال مالا يخفى، فان النوم غير المتعارف وإن كان نادر الوجود خارجا، إلا أنه من أظهر مصاديق طبيعي النوم وأوضح أفراده، ولذلك يكون صدق الطبيعي عليه بالاولوية، وحينئذ فكيف يقال: بانصراف الاطلاق عنه. وأما ندرة وجود الفرد خارجا، فقد تقرر في محله: أنه لا يوجب انصراف الطبيعي عنه، ولا يمنع عن تحقق الاطلاق بالنسبة إليه. نعم اطلاق المطلق وارادة خصوص الفرد النادر منه قبيح، وهذا اجنبي عن الحكم بشمول المطلق له في ضمن شموله للافراد غير النادرة بعد فرغ صدق الطبيعة على الجميع بملاك واحد. فانه لا إشكال في عدم قبحه.

[ 84 ]

مع أنه يكفينا في المقام ذيل صحيحة زرارة المتقدمة، حيث جعل العبرة في وجوب القضاء بعنوان ال‍ (الفوت)، كما مر، الذي لا ينبغي الريب في تحققه في النوم غير المتعارف على نحو تحققه في المتعارف منه. هذا وقد يفصل في المسألة بتفصيل آخر، فيقال بالفرق بين النوم الغالب الخارج عن حدود الاختيار، وبين غير الغالب، فيحكم باختصاص وجوب القضاء بالثاني. وذلك: للتعليل المذكور في بعض روايات المغمى عليه، من أن ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر، فان المستفاد منه: هي الملازمة بين نفي القضاء وبين ترك الاداء المستند إلى غلبة الله الشامل لكل من الاغماء والنوم الغالب بمناط واحد. هذا: والظاهر هو عدم وجود نص معتبر يدل على الملازمة المذكورة، فان ما يمكن الاستدلال به لذلك، مخدوش فيه سندا أو دلالة على سبيل منع الخلو. واليك ذلك. 1 - صحيحة علي بن مهزيار: ".. عن المغمى عليه يوما أو أكثر: هل يقضي ما فاته من الصلوات أولا؟ فقال: لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة، وكل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " (1). والمناقشة في دلالتها ظاهرة، إذ لا يمكن الاخذ بظاهر الرواية، فان القضاء بعد الافاقة من الاغماء ليس مما غلب الله عليه (2)،


(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 3. (2) نعم: ولكن الفوت الذي هو الموضوع للقضاء مصداق له فلا يستتبع الحكم، ومنه تعرف عدم الحاجة إلى التأويل الآتي، وسيجئ نظيره عند التعرض لصحيح زرارة في المسألة الرابعة عشرة.

[ 85 ]

فليس هو من مصاديق هذه الكلية وارتكاب التأويل - بالالتزام بالحذف والتقدير، فيقال: إن كل ما غلب الله عليه اداءا فالله أولى بالعذر قضاءا مما لا شاهد عليه، ولا قرينة تقتضيه، وإن كانت الدلالة على الملازمة - حينئذ - تامة. والظاهر: أن الصحيحة ناظرة إلى بيان حكمين لموضوعين: أحدهما - سقوط القضاء بعد ارتفاع العذر، والآخر: سقوط الاداء حال العذر، لكونه مما غلب الله عليه. فالكلية المذكورة في ذيل الصحيحة، وهي قوله (عليه السلام): " كل ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر " بمنزلة العلة لحكم آخر، وهو سقوط الاداء حال العذر، دون الحكم المذكور في صدر الرواية، إذ لا يرتبط التعليل بذلك، كما عرفت (1). وعليه: فلا شك في سقوط الاداء في النوم المستوعب لاجل الكلية المذكورة في ذيل الصحيحة: وأما القضاء - الذي هو المبحوث عنه في المقام - فلا تدل الصحيحة على نفيه إلا بالتأويل، الذي لا يصار إليه مع عدم وجود الشاهد عليه. 2 - ما رواه الصدوق (ره) باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) - في حديث - قال: " وكذلك كل ما غلب الله عليه، مثل الذي يغمى عليه في يوم وليلة، فلا يجب عليه قضاء الصلوات، كما قال الصادق (عليه السلام): كل ما غلب الله على العبد فهو أعذر له " (2).


(1) وقد عرفت ما فيه. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 7.

[ 86 ]

ودلالتها على الملازمة ظاهرة، بل تكاد تكون صريحة في المطلوب غير انها ضعيفة السند، لضعف طريق الصدوق (ره) إلى الفضل ابن شاذان، فان له إليه طريقين كما نبه عليه صاحب الوسائل (ره) في الخاتمة، وفي أحدهما: ابن عبدوس، وابن قتيبة. وفي الآخر جعفر بن نعيم بن شاذان ومحمد بن احمد بن شاذان: ولم يرد في اي واحد منهم التوثيق. 3 - ما رواه أيضا - في العلل والخصال، عن محمد بن الحسن عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن عبد الله بن مسكان، عن موسى بن بكر، قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يغمى عليه، يوما، أو يومين، أو الثلاثة، أو الاربعة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟ قال: ألا أخبرك بما يجمع هذه الاشياء، كل ما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده قال: وزاد فيه غيره - أي: قال عبد الله بن مسكان: وزاد فيه غير موسى بن بكر -: " ان أبا عبد الله (عليه السلام) قال: هذا من الابواب التي يفتح كل باب منها الف باب " (1). ودلالتها على الملازمة - كسابقتها - ظاهرة، بل لعلها تكون أظهر: سسيما بملاحظة الذيل - ولكنها قاصرة السند - بابن سنان، فانه محمد بن سنان، بقرينة روايته عن عبد الله بن مسكان، إذ هو الراوي عنه، واما عبد الله بن سنان فابن مسكان يروى عنه دون العكس. كما يقتضيه أيضا: رواية احمد بن محمد عنه، فانه - كالحسين به سعيد - انما يروي عن محمد بن سنان، ولا يمكنه


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 8 و 9.

[ 87 ]

- لاختلاف الطبقة - الرواية عن عبد الله بن سنان. واما موسى بن بكر نفسه فهو وان كان محلا للخلاف ولكن الاظهر وثاقته (1) فلا نقاش في السند من ناحيته. 4 - رواية مرازم، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المريض لا يقدر على الصلاة؟ قال. فقال: كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ". (2) وهى ضعيفة السند بعلي بن حديد، والدلالة، لعدم التعرض فيها للقضاء وانما هي تنظر إلى الاداء فقط. كما أنه لا اختصاص لها بالمغمى عليه، وإنما تعم مطلق المريض. 5 - صحيحة عبد الله بن سنان: " كل ما غلب الله عليه فليس على صاحبه شئ " وهي ضعيفة الدلالة لعين (4) ما تقدم في الرواية السابقة. فتحصل من ذلك: أن الاخبار المذكورة بين ضعيف السند وضعيف الدلالة، على سبيل منع الخلو، ولاجل ذلك لا يمكن الاستدلال بها. ثم انه لو سلم وجود نص معتبر في المسالة، فلا بد من تخصيصه بغير النوم. وذلك: لان النوم حدوثا وان كان ينقسم إلى ما يكون باختيار الانسان وارادته. وما يكون بغلبة الله وقهره، ولاجل ذلك يصح جعله متعلقا للتكليف، كان يحكم بحرمة النوم في وقت معين، إلا أنه - بقاءا - لا يكون إلا بغلبة الله وقهره.


(1) لاحظ معجم الرجال ج 19 ص 37. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 16. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 24. (4) بل يفترق عنها بان عموم النكرة في سياق النفي يشمل القضاء.

[ 88 ]

قال تعالى: " الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " (1) فالاستيقاظ يكون بيده تعالى، فان شاء أعاد النفس وأيقظ العبد: وإن شاء بقيت منفصلة عن البدن. وتحقق الموت: فالنوم - بقاءا - خارج عن اختيار العبد بالكلية. ولا شك في أن النوم المستوعب للوقت - ولاسيما بالاضافة إلى صلاة الفجر - كثير التحقق خارجا، بل هو من الافراد الشائعة لكثرة ابتلاء المكلفين به في هذه الفترة القصيرة، والمفروض كون النوم - ولو بقاءا - بغلبة الله، فإذا كان مثل هذا مشمولا للنصوص المتقدمة، لكونه مما غلب الله عليه اداءا - وفرضنا الملازمة بينه وبين سقوط القضاء - كان اللازم - حينئذ إخراج هذا الفرد عن الاطلاقات المتقدمة - كصحيحة زرارة وغيرها - الدالة على وجوب القضاء عند الفوت المستند إلى النوم. وهو كما ترى، فانه كيف يمكن الالتزام باخراج الفرد الشائع عن تحت الاطلاق، وحمله على الفرد النادر؟! فلا مناص - إذا - من الالتزام بالتخصيص بالنسبة إلى تلكم النصوص الدالة على الملازمة بين سقوط القضاء وسقوط الاداء، الناشئ من غلبة الله، بان يقال باختصاص ذلك بغير النوم، حيث لا ملازمة بين الامرين في مورد النوم. ومع الغض عن ذلك، فيكفي لاثبات التخصيص ما ورد في


(1) سورة الزمر: 42.

[ 89 ]

[ أو للمرض ونحوه (1) وكذا إذا أتى بها باطلة، لفقد شرط أو جزء يوجب تركه البطلان. بان كان على وجه ] نوم النبي (صلى الله عليه وسلم) عن صلاة الغداة، كما في موثق سماعة بن مهران " قال: سألته عن رجل نسى أن يصلي الصبح حتى طلعت الشمس؟ قال: يصليها حين يذكرها، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم صلاها حين استيقظ ولكنه تنحى عن مكانه ذلك، ثم صلى " (1) فان رقوده كان بغلبة الله بعد القطع بعدم نومه عن الفريضة اختيارا؟ وقد ورد في بعض النصوص: ما يدل على ان ذلك كان رحمة من الله تعالى كي لايعاب أحد - بعد ذلك - على مثله. والحاصل: ان الرواية قد دلت على قضاء النبي (صلى الله عليه وسلم) حينما استيقظ، فلو كانت الملازمة المتقدمة ثابتة لما كان هناك موجب للقضاء. فالالتزام بالتخصيص، مما لا محيص عنه، لو سلم دلالة النصوص على الملازمة، كيف وقد عرفت منعها فالاقوى: وجوب القضاء في النوم الغالب كغيره. (1): - لم يظهر وجهه ضرورة ان المرض - بعنوانه - لا يكون موجبا لترك الفريضة في قبال العمد والجهل والسهو والنوم، فانه ليس من الاعذار التي يسوغ معها ترك الصلاة، غايته: أن المريض انما يصلي على حسب طاقته وما تقتضيه وظيفته، من الصلاة جالسا، أو مضطجعا أو إيماءا، حسب اختلاف مراتب المرض، فعده


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب قضاء الصلوات ح 1.

[ 90 ]

[ العمد أو كان من الاركان (1). ] سببا مستقلا - في قبال الامور التي ذكرها أولا - غير وجيه لاسيما مع العطف عليه بقوله: (ونحوه). ولعل ذلك سهو من قلمه الشريف أو من النساخ. الاتيان بالعمل باطلا: (1) أما في الاركان، فلصحيحة زرارة المتقدمة، الدالة على وجوب القضاء على من صلى بغير طهور، بناءا على ما عرفت: من أن ذلك مثال للصلاة الفاسدة، لعدم احتمال انقداح الفرق - في ذهن السائل - بين الصلاة الفاقدة للطهارة والفاقدة لغيرها مما يوجب البطلان، كالقبلة، والوقت، والركوع ونحوها. على أنه يكفي في وجوب القضاء - صدق عنوان ال‍ (فوت) المجعول موضوعا لهذا الحكم في ذيل الصحيحة المذكورة، كما تقدم. وأما غير الاركان فان كان تركه على وجه العمد، فلا اشكال في وجوب القضاء بالبيان المتقدم. وإن كان ذلك سهوا، فلا تجب الاعادة فيه، فضلا عن القضاء، لعدم فوت شئ بعد فرض اختصاص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر، المستفاد من صحيحة " لا تعاد الصلاة. " الحاكمة على أدلة الاجزاء والشرائط. وان كان جهلا فكذلك، بناءا على ما هو الصحيح من شمول الحديث للجاهل. وعدم اختصاصه بالناسي، وأن أصر عليه شيخنا الاستاذ (قده).

[ 91 ]

هذا إذا كان الجاهل قاصرا بان كان معذورا في جهله، كما لو أدى اجتهاده - أو اجتهاد مقلده - إلى عدم وجوب السورة في الصلاة ثم تبدل رأيه بعد ذلك. وأما المقصر، فالظاهر وجوب القضاء عليه كوجوب الاعادة، لا لقصور في حديث " لا تعاد الصلاة. " بل لمحذور آخر في شمول الحديث له، وهو لزوم حمل الروايات الكثيرة الدالة على الحكم بالاعادة في مورد ترك جزء أو شرط، أو الاتيان بمانع - على الفرد النادر وهو العالم العامد. إذ لاشك في أن السؤال - في هذه الروايات - غالبا. عن الجاهل المقصر، فاخراجه عنها، وادراجه في حديث: " لا تعاد. " المستلزم لتخصيص الروايات المذكورة بالعامد، يستوجب حمل المطلقات على الفرد النادر، وهو قبيح - فلاجل الفرار عن المحذور المذكور يحكم باختصاص الحديث بالجاهل القاصر، ولا يعم المقصر. وأما الجاهل المتردد في الحكم فهو غير مشمول للحديث، لاختصاصه بمن يرى صحة العمل، وفراغ الذمة والاتيان بما هو وظيفته تماما ثم يبدو له - بعد ذلك - بطلان العمل وعدم وقوعه على وجهه، بحيث يحتاج إلى الاعادة، كما يفصح عن ذلك التعبير في الحديث بالاعادة. والمتردد شاك في صحة العمل من أول الامر، فنفس الامر الاول باق على حاله، لعدم الامتثال المسقط له، بلا حاجة إلى الامر بالاعادة، لعدم الموضوع للاعادة حينئذ. هذا كله، فيما إذا ثبتت الجزئية أو الشرطية بدليل لفظي. أو بأصل محرز، كالاستصحاب، وأما إذا كان ثبوتها بدليل عقلي. كالعلم الاجمالي، أو قاعدة الاشتغال فربما يستشكل في وجوب القضاء

[ 92 ]

حينئذ بأنه بأمر جديد، كما مر، وموضوعه هو الفوت وهو غير محرز، لاحتمال أن يكون ما أتى به في الوقت مطابقا للواقع، فلم يكن قد فاته شئ. وواضح: ان استصحاب عدم الاتيان بالمأمور به في الوقت لا يجدى لاثبات الفوت، كي يترتب عليه وجوب القضاء، وعليه: فأصالة البراءة عنه محكمة. وقد أجاب المحقق الهمداني (قده) عن الاشكال (أولا): باتحاد الفوت مع الترك، وعدم الفرق بينهما الا في مجرد التعبير فاستصحاب عدم الاتيان يكفي لاثبات وجوب القضاء. وفي هذا الكلام مالا يخفى، فان الفوت عنوان وجودي، يساوق التعبير بالذهاب من الكيس وليس هو - بحسب المفهوم - متحدا مع الترك الذي هو أمر عدمي، وان كان مما يتحصل منه، ويتسبب بالترك إليه. ولذلك لا يصدق الفوت - بقول مطلق - بالترك في مقدار من الوقت وانما يصدق ذلك باعتبار فوت وقت الفضيلة، وأما الصدق بقول مطلق، فهو يتوقف على ذهاب الوقت كله. وهذا بخلاف عنوان الترك وعدم الاتيان، فانه يصدق حتى في اثناء الوقت، فيقال: " تركت الصلاة، أو: لم آت بها "، ولا يقال: " فاتتني الصلاة " فاستصحاب العدم لا يجدي لاثبات عنوان ال‍ (فوت). وأجاب عنه (قده) (ثانيا): بأن الامر بالقضاء عند الفوت كاشف عن تعدد المطلوب، وكون الواجب في الوقت أمرين، أحدهما طبيعي الصلاة، والآخر: ايقاعها في الوقت، والا فمع وحدة المطلوب لاوجه للامر بالقضاء. وبعد سقوط الامر بالمطلوب الآخر بخروج الوقت، نشك في ارتفاع الامر المتعلق بالطبيعي، للشك

[ 93 ]

في مطابقة المأتي به للمأمور به: فيستصحب بقاؤه، فيجب الاحتياط في القضاء لعين الملاك الموجب له في الاداء، وهو تعلق الامر بطبيعي الصلاة المفروض فيه الشك في سقوطه بدون الاتيان بجزء أو شرط. وانت خبير: بان صدور هذا الكلام من مثله عجيب، فان الامر بالقضاء لازم أعم لتعدد المطلوب، فكما يمكن فيه أن يكون لاجل ذلك يمكن أن يكون لاجل مصلحة اخرى دعت المولى إلى الامر به عند الفوت، مع فرض وحدة المطلوب في الوقت، فلا ملازمة - إذا - بين وجوب القضاء وبين تعدد المطلوب كي يكون ثبوت الوجوب كاشفا عن ذلك. والذي ينبغي أن يقال: هو التفصيل بين تنجز التكليف الموجب للاحتياط في الوقت، وبين حدوث المنجز خارج الوقت، فعلى الثاني - كما إذا بنى في الوقت على وجوب القصر، مثلا في بعض الفروض الخلافية، ثم بعد خروجه انقدح في نفسه التشكيك في الدليل، وتردد فيما هو وظيفته من القصر والتمام، فكانت وظيفته حينئذ الجمع بين الامرين احتياطا، لاجل العلم الاجمالي المنجز الحادث بعد الوقت - يجب عليه الاحتياط بالنسبة إلى الصلوات الآتية، ما لم يستقر رأيه في المسألة على أحد الامرين. وأما بالنسبة إلى الصلاة التي مضى وقتها، فلا يجب الاحتياط عليه، بقضاء الصلاة تماما لانه تابع لصدق الفوت، وهو غير محرز لاحتمال أن تكون الوظيفة هي التي أتى بها في الوقت، وهي الصلاة قصرا، فلم يفت منه شئ. فما كانت وظيفته في الوقت قد أتى

[ 94 ]

بها على وجهها على الفرض، وما هو موضوع القضاء - أعني: فوت الفريضة - غير محرز وجدانا، ومقتضى الاصل البراءة عنه - ولعل ففي القضاء في هذه الصورة متسالم عليه، وخارج عن محل الكلام. وأما على الاول - أعني: ثبوت المنجز في الوقت، ووجوب الاحتياط بقاعدة الاشتغال والعلم الاجمالي - فبناءا على وجوب الاحتياط شرعا، المستفاد ذلك من الاخبار - كما التزم به بعضهم فلا ينبغي الشك في وجوب القضاء حينئذ، لان الوظيفة الشرعية ظاهرا هو الاحتياط، من دون فرق في ذلك بين الشبهة الحكمية - كالقصر والتمام، والظهر والجمعة - والموضوعية، كما في صورة تردد الساتر بين الطاهر والنجس، وقد أخل بما هو وظيفته في أمثال ذلك على الفرض، فلم يعمل بالاحتياط. ولم يأت في الوقت إلا ببعض الاطراف فلم يكن قد امتثل الفريضة الواجبة عليه في مرحلة الظاهر - اعني الجمع بين الصلاتين، الذي هو مصداق الاحتياط الواجب عليه ظاهرا - فقد فاتته الفريضة الظاهرية وجدانا، فيشمله - لا محالة - عموم أدلة القضاء. المأخوذ في موضوعها عنوان فوت الفريضة - وهو أعم من فوت الفريضة الواقعية والظاهرية - بلا اشكال. ومن هنا لم يستشكل أحد في وجوب القضاء فيما لو صلى في ثوب مستصحب النجاسة مع أن فوت الفريضة الواقعية غير محرز هنا، لاحتمال طهارة الثوب واقعا، وعدم إصابة الاستصحاب للواقع، وليس ذلك إلا لاجل أن وظيفته الظاهرية - بمقتضى الاستصحاب - كان هو الاجتناب عن الثوب المذكور، وايقاع الصلاة في ثوب طاهر ولكنه أخل بذلك، ففاتته الفريضة الظاهرية، فيندرج

[ 95 ]

- لذلك - تحت عموم أدلة القضاء. ولا فرق بين الاستصحاب وبين قاعدة الاحتياط، بعد البناء على وجوبه شرعا كما هو المفروض - لكون كل منهما حكما ظاهريا مقررا في ظرف الشك. وأما بناءا على وجوب الاحتياط بحكم العقل، بمناط قاعدة الاشتغال والعلم الاجمالي، لا بحكم الشارع - كما هو الصحيح، وقد بيناه في محله، فاللازم - حينئذ هو القضاء أيضا وذلك: لان المفروض تنجز الواقع في الوقت، وبعد الاتيان بأحد طرفي العلم الاجمالي - كالقصر - يشك في سقوط التكليف المتعلق بطبيعي الصلاة ومقتضى الاستصحاب بقاؤه، بناءا على ما هو الصواب من جريانه في القسم الثاني من استصحاب الكلي. فان المقام من هذا القبيل، إذ لو كان المأمور به هو القصر فقد سقط بالامتثال قطعا، وان كان هو التمام فهو باق يقينا، فيستصحب شخص الوجوب المضاف إلى طبيعي الصلاة، فان الحصة من الطبيعي المتحققة في ضمن الفرد تكون ذات اضافتين حقيقيتين، إحداهما إلى الفرد: والاخرى إلى الطبيعي فالحصة من طبيعي الانسان الموجودة في ضمن زيد، تضاف - مرة - إلى الفرد، فيقال: هذا زيد، وأخرى إلى الطبيعة، فيقال: هذا انسان، وكلتا الاضافتين على سبيل الحقيقة، ولا يعتبر في استصحاب الكلي في القسم الثاني اكثر من اضافة الحصة إلى الطبيعة، كما تقرر في محله. وعلى هذا، فالحصة المتشخصة من الوجوب، الحادثة في الوقت وان كانت باعتبار اضافتها إلى الفرد - مشكوكة الحدوث. لتردد

[ 96 ]

الحادث بين القصر والتمام حسب الفرض. لكنها بالقياس إلى طبيعي الصلاة، متيقنة الحدوث مشكوكة الارتفاع فيستصحب بقاؤها، بعد تمامية أركان الاستصحاب. وبهذا البيان يندفع ما قد تكرر في بعض الكلمات في هذا المقام وأمثاله، من المنع عن جريان الاستصحاب، لكونه من استصحاب المردد، ولا نقول به، إذ لا نعقل معنى صحيحا لاستصحاب الفرد المردد، حيث انه لا وجود للمردد خارجا، كي يجري استصحابه أولا يجري، فان الوجود يساوق التشخص، فكل ما وجد في الخارج فهو فرد معين مشخص لاتردد فيه، غاية الامر: إن ذلك الفرد المعين قد يكون مما نعلمه وقد لا نعلمه، فالتردد انما يكون في افق النفس، لافي وجود الفرد خارجا، الذي هو الموضوع للاحكام. وجه الاندفاع: ان المستصحب - كما عرفت - إنما هو شخص الوجوب الحادث الذي هو فرد مشخص معين، لكن لا باعتبار اضافته إلى الفرد، لعدم العلم به، بعد تردده بين القصر والتمام، بل باعتبار اضافته إلى الطبيعة، وهو - بهذا لاعتبار - متيقن الحدوث مشكوك البقاء. وكيف كان، فهذا الاستصحاب - وهو من القسم الثاني من استصحاب الكلي - جار في المقام، وبمقتضاه يحكم ببقاء الوجوب المتعلق بطبيعي الصلاة، ولا يكاد يحرز فراغ الذمة عن هذا الواجب إلا بالاتيان بالطرف الآخر للعلم الاجمالي، فما لم يؤت به كانت الفريضة الشرعية الظاهرية الثابتة ببركة الاستصحاب باقية بحالها. فإذا كان الحال كذلك حتى خرج الوقت، فقد فاتته الفريضة

[ 97 ]

[ ولا يجب على الصبى إذا لم يبلغ في اثناء الوقت، ولا على المجنون في تمامه، مطبقا كان أو ادواريا (1). ] الظاهرية وجدانا، من دون حاجة إلى اثبات ذلك بالاصل. وقد عرفت آنفا - أن الفوت المأخوذ في موضوع وجوب القضاء اعم من فوت الفريضة الواقعية والظاهرية. فالمقام نظير مالو شك في الوقت في الاتيان بالفريضة فوجب عليه ذلك استصحابا، إلا أنه لم يصل نسيانا أو عصيانا، فانه لا اشكال في وجوب القضاء عليه حينئذ. مع أن فوت الفريضة الواقعية غير محرز، وإنما المحرز فوت الفريضة الظاهرية الثابتة بمقتضى الاستصحاب. فإذا كان هذا المقدار مما يكفي للحكم بوجوب القضاء هناك كفي في المقام أيضا، لوحدة المناط. وقد تحصل من ذلك: انه لا فرق في وجوب القضاء، بين ما إذا كانت الجزئية أو الشرطية ثابتة بدليل شرعي، أو بحكومة العقل من باب الاحتياط، مع فرض ثبوت المنجز في الوقت، واما مع حدوثه في خارجة، فلا يجب القضاء. ولعل هذا - كما سبق - هو المتسالم عليه بين الاصحاب وخارج عن محل الكلام. الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق: (1) للاجماع على عدم وجوب القضاء على الصبي والمجنون، بل قد عد ذلك من ضروريات الدين، وعليه: فيستدل لسقوط القضاء

[ 98 ]

بالاجماع والضرورة. ولا يخفى: ان الامر وإن كان كذلك، إذ لم يعهد من احد من الائمة - عليهم السلام - أو غيرهم، أمر أولادهم بقضاء ما فاتتهم من الصلوات أيام الصبا، ولا سيما الفائتة منهم في دور الرضاعة. إلا أن ذلك ليس من باب الاستثناء وتخصيص ادلة وجوب القضاء كي نحتاج في المسألة إلى الاستدلال بالاجماع والضرورة. بل الوجه في ذلك: خروجها عن موضوع دليل القضاء تخصصا، وعدم شموله لهما من الاول، فان موضوعه - كما اشير إليه في ذيل صحيح زرارة المتقدم - فوت الفريضة، ولو انها كانت كذلك بالقوة والشأن، لاجل الاقتران بمانع خارجي كالنوم، أو النسيان، أو الحيض، ونحو ذلك يحول دون بلوغ مرحلة الفعلية. وهذا المعنى غير متحقق في الصبي والمجنون لعدم اهليتهما للتكليف. وانه لم يوضع عليهما قلم التشريع من الاول، فلم يفتهما شئ أبدا، فلا مقتضى ولا موضوع لوجوب القضاء بالاضافة إليهما. بل الحال كذلك حتى بناءا على تبعية القضاء للاداء وعدم كونه بأمر جديد، إذ لا أمر بالاداء في حقهما، كي يستتبع ذلك الامر بالقضاء كما هو ظاهر. وبهذا البيان تظهر صحة الاستدلال للحكم المذكور بحديث: " رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق " (1) ولا يتوجه عليه ما أورده المحقق الهمداني (قده) عليه من أن الحديث ناظر إلى سقوط التكليف بالاداء حال الصغر والجنون،


(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 11.

[ 99 ]

[ ولا على المغمى عليه في تمامه (1). ] ولا يدل على نفي القضاء بعد البلوغ والافاقة، الذي هو محل الكلام ولا ملازمة بين الامرين، كما في النائم وهو ممن رفع عنه القلم حتى يستيقظ حيث يجب عليه القضاء. وذلك: لان الاستدلال انما يكون بالمدلول الالتزامى للحديث، فان لازم ارتفاع قلم الاداء عن الصبي والمجنون هو عدم فوت شئ منهما فلم يبق موضوع لوجوب القضاء، فهذا الحديث بمثابة المخصص لادلة التكاليف الاولية ويكشف عن اختصاصها بغيرهما، فحيث لا تكليف لهما فلا فوت أيضا، فالاستدلال بالحديث في محله. الاغماء المستوعب للوقت: (1) على المشهور، من عدم وجوب قضاء الصلوات الفائتة حال الاغماء، إلا الصلاة التي أفاق في وقتها، ولكن لم يأت بها لنوم، أو نسيان، أو عصيان، فيجب قضاؤها خاصة، لعدم استناد الفوت - حينئذ - إلى الاغماء، فالمناط في السقوط هو الاغماء المستوعب لتمام الوقت. وعن الصدوق (قده) في المقنع: وجوب القضاء. وظاهر كلامه وان كان هو الوجوب خلافا للمشهور، إلا أنه لا يأبى عن الحمل على الاستحباب، كما اختاره في الفقيه.

[ 100 ]

وكيفما كان، فالكلام يقع - تارة - في ثبوت المقتضي للقضاء واخرى في وجوب المانع منه. اما المقتضي: فلا ينبغي الشك في ثبوته ضرورة عدم كون المغمى عليه بمثابة الصغير والمجنون، في الخروج عن أدلة التكاليف تخصصا ذاتيا لاجل فقد الاستعداد وعدم القابلية لتعلق الخطاب، بل حال الاغماء هو حال النوم، بل لعله هو النوم بمرتبته الشديدة فيكونان مندرجين تحت جامع واحد، وعليه فكما أن النائم تكون له شأنية الخطاب ويصلح لان يتعلق التكليف به ذاتا ويكون واجدا للملاك، غير ان اقترانه بالمانع - وهو النوم - يمنع الخطاب عن الفعلية والتنجز - كما في موارد النسيان والعجز - كذلك المغمى عليه يكون - بحسب ذاته - صالحا للخطاب واهلا له. وبهذا الاعتبار صح اطلاق الفوت في حقه، كما في الحائض والنائم ونحوهما، فيشمله عموم ادلة القضاء، لانطباق موضوعها - وهو الفوت - عليه، فان العبرة بفوت الفريضة ولو شأنا وملاكا، كما في النائم، لا خصوص ما هو فريضة فعلية، فلا قصور - إذا من ناحية المقتضي وإنما لم يحكم فيه بالقضاء لاجل المانع، وهي الروايات الخاصة الواردة في المقام، كما ستعرفها ان شاء الله. ويكشف عما ذكرناه: التعبير بالفوت في لسان كلتا الطائفتين من الاخبار الواردة في المقام، اعني بهما: المثبتة للقضاء والنافية له إذ لولا ثبوت المقتضي للقضاء وهو صلوحه لان يتوجه إليه التكليف بالاداء - ولو شأنا - لما صح اطلاق الفوت في حقه لعدم فوت شئ منه اصلا، كما هو الحال في الصبي والمجنون الفاقدين لاستعداد توجه

[ 101 ]

التكليف إليهما، حسبما مر. فنفس هذا التعبير خير شاهد على تمامية المقتضي. وأما المانع عن ذلك، فهي الروايات المعتبرة، المتضمنة لنفي القضاء، وهي بين مطلق، وبين مصرح باليوم أو أكثر. ولكن بأزائها روايات أخر - معتبرة ايضا - دلت على وجوب القضاء، مطلقا، أو قضاء يوم واحد، أو ثلاثة أيام مطلقا، أو الثلاثة من شهر، فيما إذا استمر الاغماء شهرا واحدا، فهي متعارضة المضمون بين ناف للقضاء ومثبت له، على وجه الاطلاق أو التقييد. أما النافية للقضاء فمنها: صحيح الحلبي: انه سأل أبا عبد الله عليه السلام: " عن المريض، هل يقضي الصلوات إذا اغمي عليه؟ فقال: لا، إلا الصلاة التي أفاق فيها " (1). وخبر معمر بن عمر قال: سألت أبا جعفر [ أبا عبد الله ] عليه السلام عن المريض يقضي الصلاة إذا اغمي عليه؟ قال: لا " (2). وصحيح أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " سألته عن المريض يغمى عليه ثم يفيق، كيف يقضي صلاته؟ قال: يقضى الصلاة التي أدرك وقتها " (3). وصحيح علي بن مهزيار، قال: " سألته عن المغمى عليه يوما إو أكثر، هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب عليه السلام


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 1. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 15. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 17.

[ 102 ]

لا يقضي الصوم، ولا يقضي الصلاة " (1). وصحيح ايوب بن نوح: انه " كتب إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام يسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر، هل يقصي ما فاته من الصلوات أولا؟ فكتب: لا يقضي الصوم، ولا يقضي الصلاة " (2). وفي الخبرين الاخيرين: التصريح باليوم أو اكثر. واما المثبتة مطلقا فكصحيح رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن المغمى عليه شهرا، ما يقضي من الصلاة؟ قال: يقضيها كلها، إن أمر الصلاة شديد " (3). واما المفصلة فمنها: ما دل على قضاء اليوم الواحد: كصحيح حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال " سألته عن المغمى عليه، قال: فقال: يقضي صلاة يوم " (4). ومنها: مادل على القضاء ثلاثة أيام. كموثق سماعة، قال " سألته عن المريض يغمى عليه. قال: إذا جاز عليه ثلاثة أيام فليس عليه قضاء. وإذا اغمي عليه ثلاثة أيام فعليه قضاء الصلاة فيهن " (5). فقد دلت الموثقة على التفصيل بين ما إذا تجاوز الاغماء من ثلاثة أيام فلا قضاء عليه أصلا، وبين عدم التجاوز عن الثلاثة فيجب القضاء. ومنها: ما دل على قضاء ثلاثة من الشهر: كصحيح أبي بصير، قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام:


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 18. (2) الوسائل: باب 3 من ابواب قضاء الصلوات ح 2. (3 و 4 و 5) الوسائل: باب 4 من أبواب قضاء الصلوات ح 4 و 14 و 5.

[ 103 ]

رجل اغمي عليه شهرا، أيقضي شيئا من صلاته؟ قال: يقضي منها ثلاثة أيام " (1). وهذه التفاصيل منافية لما تضمنته الروايتان المتقدمتان - وهما: روايتا ابن مهزيار، وأيوب بن نوح - المصرحتان بنفي قضاء اليوم الواحد والاكثر، فتقع المعارضة بينهما في ذلك، لا محالة. هذه هي روايات الباب، وهي - كما ترى - بين نافية ومثبتة للقضاء مطلقا أو على وجه التقييد: وقد اختلفت كلمات القوم في وجه الجمع بينها. فالمشهور: هو الجمع بينها بالحمل على الاستحباب، تقديما للنص على الظاهر لصراحة الطائفة الاولى في نفي الوجوب، وظهور الثانية في الوجوب، فيتصرف في الثاني بالحمل على الاستحباب، كما هو الحال في امثال ذلك من الموارد. ويؤيد الجمع المذكور: رواية أبي كهمس، قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام - وسئل عن المغمى عليه، أيقضي ما تركه من الصلاة؟ - فقال: أما أنا وولدي واهلي فنفعل ذلك " (2). فانها ظاهرة في الاستحباب، إذ لو كان الحكم المذكور ثابتا بنحو الوجوب، لم يكن وجه لتخصيصه بنفسه وولده. وعن بعضهم: الجمع بالحمل على التقية، لموافقة الروايات النافية لمذهب العامة. ولكنه كما ترى، فان التصرف في جهة الصدور يتفرع على


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب قضاء الصلوات ح 11. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب قضاء الصلوات ح 12.

[ 104 ]

استقرار التعارض، الموقوف ذلك على امتناع الجمع الدلالي، وإلا فمع امكانه بتقديم النص على الظاهر - كما في المقام، حيث ان الحمل على الاستحباب من أنحاء التوفيق العرفي بين الدليلين - لا تصل؟ النوبة إلى الحمل على التقية. فالصحيح: هو الجمع المشهور. وأما الاختلاف بين الطائفة المثبتة للقضاء، من الحكم في بعضها بقضاء يوم، وفي بعضها الآخر، بقضاء ثلاثة أيام، وفي ثالث: بالقضاء مطلقا، فهو محمول على الاختلاف في مراتب الفضل، فالافضل: هو قضاء جميع الصلوات ودونه في الفضل: قضاء ثلاثة أيام من الشهر، فيما لو استمر الاغماء شهرا كاملا - كما هو مورد النص وقد تقدم - ودونهما في الفضل: قضاء اليوم الذي اغمي فيه، وبهذا يندفع التنافي المترائى بين الاخبار. وأما قضاء الصلاة التي افاق في وقتها، ثم تركها لعذر آخر، من نوم ونحوه، فقد عرفت - في صدر البحث - وجوبه وأنه خارج عن محل الكلام، فان موضوع الحكم في المقام - نصا وفتوى - هو الاغماء المستوعب للوقت، بحديث يستند ترك الاداء إليه، دون الترك المستند إلى غير الاغماء. الاغماء الاختياري: هل يختص الحكم - وهو نفي القضاء - بما إذا كان الاغماء قهريا، أو يعم الحاصل بالاختيار وبفعل المكلف نفسه، كما لو شرب شيئا يستوجب الاغماء عن علم وعمد فأغمي عليه، حتى

[ 105 ]

انقضى الوقت، فهل يسقط القضاء حينئذ؟ إما مطلقا، أو في خصوص ما إذا لم يكن على وجه المعصية، كما إذا كان مكرها أو مضطرا في فعله، وجوه، بل أقوال وقد تعرض الماتن (قده) لذلك في ضمن المسائل الآتية ولكنا نقدم البحث عنه هنا، لمناسبة المقام، فنقول: لابد من فرض الكلام فيما إذا لم يحصل السبب الاختياري بعد دخول الوقت وتنجز التكليف، اما لو دخل، وبعده، - ولو بمقدار نصف دقيقة، بحيث لم يسعه الاتيان بالصلاة فيه - فعل باختياره ما يوجب الاغماء، سواء أكان ذلك على وجه المعصية أم لا، فلا ينبغي الاشكال - حينئذ - في وجوب القضاء، فان المستفاد من قوله تعالى: " أقم الصلاة لدولك الشمس.. " (1) وكذلك الروايات، توجه الخطاب الفعلي وتنجز التكليف بمجرد دخول الوقت فيكون التسبيب منه إلى الاغماء تفويتا للفريضة المنجزة، وبذلك يتحقق الفوت الذي يكون موضوعا لوجوب القضاء. ولا ينبغي الشك في انصراف نصوص السقوط عن مثل الفرض. واوضح منه حالا: ما إذا حصل الاغماء بعد مضي مقدار من الوقت يسعه ايقاع الصلاة فيه فانه لا اشكال - حينئذ - في وجوب القضاء، كما لا اشكال في خروجه عن محل الكلام، فمحط البحث ما إذا حصل السبب الاختياري قبل دخول الوقت. المعروف والمشهور بينهم: هو سقوط القضاء - كما في السبب القهري - عملا باطلاق النصوص. ولكن قد يدعى اختصاص


(1) الاسراء: 78.

[ 106 ]

الحكم بالثاني، وعدم ثبوته في السبب الاختياري، ويستدل له بأحد وجهين: الاول: ما يظهر من بعض الكلمات، وبنى عليه المحقق الهمداني (قده) أخيرا، من دعوى انصراف نصوص السقوط إلى الفرد المتعارف من الاغماء، وهو الحاصل بالطبع، فلا يعم الحاصل بفعله الذي هو فرد نادر. وهذا كما ترى، فان الموضوع - في نصوص الاغماء - صادق على الكل، ومجرد التعارف الخارجي وغلبة الوجود لا يصلح لتوجيه الانصراف، كي يمنع عن الاطلاق (وبالجملة) فالانصراف المزبور بدوي لا يعبأ به، نعم لا يمكن حمل المطلق على الفرد النادر وحصره فيه، وأما شموله للافراد النادرة والمتعارفة معا فلا قبح فيه ولا استهجان. الثاني: ان جملة من نصوص الاغماء قد اشتملت على قوله: " كل ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر " الذى هو بمنزلة التعليل للحكم، وواضح: ان العلة يدور مدارها المعلول وجودا وعدما، فيختص الحكم بسقوط القضاء بموارد ثبوت العلة، وهي: استناد الاغماء - المستوجب لفوت الصلاة في الوقت - إلى غلبة الله وقهره، دون المكلف نفسه. وبذلك يقيد الاطلاق في سائر النصوص العارية عن التعليل، عملا بقانون الاطلاق والتقييد. بل إن صاحب الحدائق (قده) تعدى عن ذلك، فجعل العلة المذكورة مقيدة للمطلقات الواردة في باب الحيض والنفاس، فالتزم بثبوت القضاء على الحائض والنفساء إذا حصل العذر بفعلهما، أخذا بعموم العلة.

[ 107 ]

وعليه: فنصوص المقام قاصرة عن شمول السبب الاختياري، فيشمله عموم أدلة القضاء، السالم عن المخصص. واعترض المحقق الهمداني (ره) على هذا الوجه: بمنع ظهور التعليل في العلية المنحصرة، المستتبعة للمفهوم، حتى يقيد به الاطلاق في سائر الاخبار، بل القضية الكلية انما سيقت لبيان علة نفي القضاء عند ترك الواجب في وقته، لعذر الاغماء ونحوه من الاعذار الخارجة عن الاختيار، وان العلة للحكم المذكور هي غلبة الله، وأما حصر العلة في ذلك، كي يقتضي ثبوت القضاء في غير موردها - اعني: الاغماء المسبب عن الاختيار - فلا دلالة لها عليه، فضلا عن التعدي عن المورد إلى سائر المقامات، كالحائض والنفساء، مما لا مساس له بمورد الحكم، إذ لا مفهوم للتعليل المستفاد من تطبيق الكبريات على مصاديقها، فمن الجائز أن يحكم بنفي القضاء في غير مورد العلة - أيضا - بملاك آخر، ولعلة أخرى. فإذا هذه الاخبار - المذيلة بالتعليل - وان لم تشمل السبب الاختياري، لكنها لا تنهض لتقييد المطلقات العارية عن الذيل، فينبغي - على هذا - الحكم بالعموم في الجميع، عملا بتلكم المطلقات السليمة عن التقييد، لولا دعوى الانصراف التي اعتمد عليها (قده) كما مر. اقول: ما افاده (قده): من عدم دلالة التعليل على السببية المنحصرة وان كان صحيحا، فلا ينعقد للقضية مفهوم - بالمعنى المصطلح - كما في الشرط ونحوه، فلا ينافي ثبوت الحكم في غير مورد العلة بمناط آخر، كاحترام شهر رمضان مثلا، لكن لا ينبغي

[ 108 ]

الشك في دلالته عن أن طبيعي الاغماء لا يكون بنفسه موضوعا لنفي القضاء، وإلا لكان التعليل بغلبة الله من اللغو الظاهر، فإذا ورد دليل آخر تضمن التصريح بأن موضوع الحكم هو الطبيعي على اطلاقه وسريانه، كان معارضا لهذا الدليل لا محالة. وبعبارة اخرى: إن حيثية الاغماء ذاتية بالاضافة إلى الاغماء نفسه، وحيثية استناده إلى غلبة الله سبحانه حيثية عرضية، فلو كان المقتضي لنفي القضاء هو طبيعي الاغماء - اعني الحيثية الذاتية - لم يحسن العدول عنه - في مقام التعليل - إلى الجهة العرضية. فإذا فرضنا ان العالم يجب إكرامه لذاته، لم يحسن - حينئذ - تعليل الوجوب المذكور: بانه شيخ، أو هاشمي، أو من اهل البلد الفلاني، ونحو ذلك. فإذا بنينا على دلالة النصوص المذكورة على أن العلة - في نفي القضاء عن المغمى عليه - هي غلبة الله في الوقت، كما هو المفروض فطبعا نستكشف ممن ذلك: ان طبيعي الاغماء - بذاته - لا يستوجب نفي القضاء، فانه وان احتمل وجود علة اخرى للنفي ايضا - لما عرفت من عدم ظهور التعليل في الانحصار - لكن ظهوره في عدم ترتب الحكم على الطبيعي غير قابل للانكار، فلا محيص من رفع اليد عن المطلقات، لاجل هذه النصوص الدالة على أن الموجب لنفي القضاء انما هي: غلبة الله تعالى. والصحيح - في الجواب عن الوجه المذكور - هو ما اشرنا إليه سابقا، من عدم وجود نص صحيح يدل على التعليل، ويتضمن الملازمة بين غلبة الله في الوقت ونفي القضاء، لضعف الروايات

[ 109 ]

[ ولا على الكافر الاصلي، إذا اسلم بعد خروج الوقت بالنسبة إلى ما فات منه حال كفره (1). ] التي استدل بها لذلك سندا أو دلالة - على سبيل منع الخلو - فان عمدتها، رواية الصدوق (ره) عن الفضل بن شاذان (1)، وهي ضعيفة السند، وان عبر عنها المحقق الهمداني وصاحب الحدائق (قدهما) بالصحيحة، وذلك لضعف سند الصدوق (ره) إلى الفضل. بكلا طريقيه كما مرت الاشارة إليه. فالجواب الحق: هو انكار وجود النص الصحيح الدال على ذلك فتبقى المطلقات سليمة عن المقيد، وإلا فمع الاعتراف به لا مناص من التقييد كما عرفت. فتحصل من ذلك: أن الاقوى نفي القضاء عن المغمى عليه مطلقا، سواء أكان ذلك بفعله، لم كان بغلبة الله وقهره - كما عليه المشهور - عملا بالمطلقات السالمة عن المقيد. الكافر إذا أسلم: (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال. وقد استدل له: بالاجماع، والضرورة، والامر وان كان كذلك، إذ لم يعهد من احد ممن أسلم زمان النبي (صلى الله عليه وآله) وكذا في زمن المتصدين للخلافة


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب قضاء الصلوات ح 7.

[ 110 ]

بعده إلى زمان أمير المؤمنين عليه السلام ومن بعده، انه أمر بقضاء ما فاته في زمن الكفر، ولو كان ذلك ثابتا لظهر وبان ولنقل إلينا بطبيعة الحال. إلا أن التمسك بالاجماع والضرورة هو فرع ثبوت المقتضي، بأن يكون مقتضى القاعدة هو وجوب القضاء، كي يخرج عنها - في الكافر - بهذين الدليلين ولا ريب في ان تمامية المقتضي يبتني على الالتزام بتكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالاصول، كما عليه المشهور. وأما بناءا على ما هو الصحيح: من عدم تكليفهم بذلك، فلا وجه للاستدلال بهما. ويشهد لما ذكرناه: ما ورد: من ان الناس يؤمرون بالاسلام: ثم بالولاية. فان ظاهر العطف ب‍ (ثم) هو عدم تعلق الامر بالولاية إلا بعد الاسلام، فإذا كان هذا هو الحال في الولاية - وهي من أعظم الواجبات، وأهم الفروع، بل انه لا يبقل عمل بدونها كما ورد في غير واحد من النصوص، فما طنك بما عداها من سائر الواجبات، كالصلاة، والصيام، نحوهما؟. ويؤكده: انه لم يعهد من النبي - صلى الله عليه وآله - مطالبة من أسلم بدفع زكاة المال أو الفطرة، ونحوهما، من الحقوق الفائتة حال الكفر. وعليه: فلا تصل النوبة - في المقام - إلى الاستدلال لنفى القضاء بالامرين المتقدمين، بل انما يعلل نفي القضاء بقصور المقتضي، حتى ولو لم يكن هناك إجماع ولا ضرورة، فان المقتضي للقضاء إنما هو الفوت، ولا فوت هنا أصلا، بعد عدم ثبوت التكليف

[ 111 ]

في حقه من أصله، فلم يفته شئ كي يتحقق بذلك موضوع القضاء إذ لا تكليف له - حال الكفر - إلا بالاسلام فقط. وفوت الملاك وان كان كافيا في ثبوت القضاء، إلا انه لا طريق لنا إلى احرازه إلا من ناحية الامر، أو الدليل الخاص القاضي بالقضاة، ليستكشف منه تمامية الملاك، كما في النائم، والمفروض هو انتفاء كلا الامرين في المقام، ولا غرو في قصور الملاك، وعدم تعلق الخطاب به حال الكفر، فانه لا جل خسته ودناءته، وكونه - في نظر الاسلام - كالبهائم، وفي منطق القرآن الكريم: " أولئك كالانعام بل هم أضل. " (1) ومن هنا ورد في بعض النصوص - وان كانت الرواية غير معمول بها -: أن عورة الكافر كعورة الحمار. (2) والحاصل: انه - لا جل اتصافه بالكفر - لا يليق بالاعتناء، ولا يستحق الخطاب فليست له اهلية التكليف، فهو كالصبي، والمجنون والحيوان، بنظر الشرع، فلا مقتضى للتكليف بالنسبة إليه. وسيظهر لذلك - اعني: استناد نفي القضاء إلى قصور المقتضي دون وجود المانع - ثمرة مهمة في بعض الفروع الآتية - ان شاء الله. تكليف الكفار بالفروع: لا يخفى عليك: ان محل الكلام - في تكليف الكفار بالفروع


(1) الانعام: 179. (2) الوسائل: الباب 6 من أبواب آداب الحمام ح: 1.

[ 112 ]

انما هي الاحكام المختصة بالاسلام واما المستقلات العقلية التي يشترك فيها جميع أرباب الشرائع كحرمة القتل، وقبح الظلم، وأكل مال الناس عدوانا - فلا اشكال - كما لا كلام في تكليفهم بها. فما في الحدائق من الاستدلال - لتكليف الكفار بالفروع - بقوله تعالى: " وإذا الموؤدة صئلت بأي ذنت قتلت " (3) ليس كما ينبغي، لكونه خروجا عما هو محل الكلام. كما ان استدلاله لذلك - وقد تبعه على ذلك في الجواهر أيضا - بقوله تعالى: " قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف.. " (1) في غير محله، إذ المراد بالموصول - في الآية - هو ذنب الكفر، لاترك الفروع، كي يدل على تكليفهم بها، كما لا يخفى. ولتحقيق الكلام محل آخر يسعه المقام. ثم انه ربما يستدل لنفي القضاء عن الكافر - كما عن صاحبي الحدائق والجواهر (قد هما) وغيرهما - بحديث الجب، وهو النبوي المشهور: " الاسلام يجب ما قبله ويهدم ". بل قد اشتهر الاستدلال بذلك في كلام غير واحد من المتأخرين. لكن الحديث ضعيف السند جدا، فانا لم نظفر عليه من طرقنا، عدا ما رواه في غوالي اللئالي - مرسلا - عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " الاسلام يجب ما قبله " (3) ولكن ضعفه ظاهر.


(1) التكوير: 8 - 9. (2) الانفال: 38. (3) مستدرك الوسائل: باب 15 من أبواب احكام شهر رمضان ح 2.

[ 113 ]

إذ - مضافا إلى ضعف سند بالارسال - قد ناقش في الكتاب وفي مؤلفه من ليس من دأبه ذلك، كصاحب الحدائق (قده). وما رواه ابن شهر آشوب (قده) - مرسلا - في المناقب، فيمن طلق زوجته في الشرك تطليقة، وفي الاسلام تطليقتين، قال علي عليه السلام هدم الاسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة " (1). وهو - مضافا إلى ضعف سنده بالارسال - قاصر الدلالة، لعدم اشتماله على عموم أو اطلاق يستدل به للمقام، قال المراد بالموصول بقرينة صدر الرواية وذيلها - إنما هو خصوص الطلاق الواقع حال الشرك، لا كل فعل أو ترك صدر منه، وأن ذلك - بعد إسلامه - يفرض بحكم العدم، وان كان مما يعتنى به لو كان باقيا على شركه عملا بقوله عليه السلام: " لكل قوم نكاح " ولكنه حينما اسلم فلا يعتد الا بالتطليقتين الواقعتين حال اسلامه، وان تمام الثلاث يتوقف على تطليقة اخرى، وهذا هو المراد بقوله: " هي عندك على واحدة ". ودعوى: انجبار ضعف السند بعمل المشهور، ساقطة جدا، لعدم احتمال استناد المشهور إلى هذا الحديث المروي في كتاب المناقب بعد عدم تعرض قدماء الاصحاب (قدهم) لذكره، وانما حدث الاستدلال به على ألسنة المتأخرين، والعبرة في الجبر؟ بعمل القدماء كما لا يخفى. هذا، بالاضافة إلى المناقشة في أصل الانجبار كبرويا، فانها غير ثابتة، كما اسلفنا الاشارة إلى ذلك مرارا. وما رواه علي بن ابراهيم القمي - في تفسير قوله تعالى: " وقالوا


(1) بحار الانوار ج ص 230.

[ 114 ]

لن نؤمن لك حتى تفجر لنا. " (1) عن أم سلمة - في حديث -: انها قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في فتح مكة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، سعد بك جميع الناس إلا أخي من بين قريش والعرب. ورددت إسلامه وقبلت اسلام الناس كلهم فقال رسول الله (صلى الله عله وآله). يا أم سلمة، إن أخاك كذبني تكذيبا لم يكذبني أحد من الناس، هو الذي قال: " لن نؤمن لك.. " إلى قوله: " كتابا نقرؤه " قالت: بابي انت وأمي يا رسول الله، ألم تقل: إن الاسلام يجب ما قبله؟ قال: نعم، فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إسلامه " (2). لكن الحديث - مضافا إلى ضعف السند بالارسال - مقطوع البطلان فانه (صلى الله عليه وآله) أجل شأنا من أن لا يعمل بما قاله، أو يعرضه النسيان حتى تؤاخذه على ذلك أم سلمة، فيعدل آنذاك عن ما فعله أولا، ويقبل اسلام اخي أم سلمة. بل انه (صلى الله عليه وآله) إما لم يصدر منه هذا الكلام، أو انه كان يقبل إسلام الرجل: لان الوظيفة المقررة في الشريعة إن كانت قبول الاسلام، فلا محالة كان النبي (صلى الله عيله وآله وسلم) لا يحيد عنها ايضا فكان يقبل اسلام الرجل، وإلا لم يكن ليقبل اسلام أحد، من دون أن تصل النوبة إلى شفاعة أحد، كام سلمة واضرابها، فهذا الحديث مما لانحتمل صدقه ولم نظفر - من طرقنا على ما سوى هذه الروايات البالغة غاية الضعف.


(1) الاسراء 90. (2) مستدرك الوسائل: باب 15 من أبواب احكام شهر رمضان ح 3.

[ 115 ]

ودعوى الانجبار، ممنوعة صغرى وكبرى، كما مر، فلا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحاديث، والتكلم في مدى دلالتها - سعة وضيقا - لعدم صلاحيتها للاستناد إليها في شئ من الاحكام بعد ما عرفت حال أسنادها من الضعف. فحديث الجب - على هذا - مما لا اساس له ولا يستحق البحث حوله. كلام صاحب المدارك: ثم ان صاحب المدارك (قده) - بعد ما تعرض لمسألة سقوط القضاء عن الكافر إذا أسلم - قال: إن هذا يستدعي ان لا يكون الكافر مكلفا بالقضاء، لا أنه يكون مكلفا به ويسقط التكليف عنه بالسلامة. وعليه فلو بنينا على تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالاصول كان اللازم استثناء الفرع المذكور، فان البناء على سقوط القضاء بالاسلام يستلزم عدم تكليف الكفار بالقضاء حال كفرهم. والوجه في ذلك: ان التمكن من القضاء غير ثابت في شئ من الاحوال، لا في حال الكفر، ولا في حال الكفر، ولا في حال الاسلام، فانه - بعد الاسلام لا يجب القضاء عليه على الفرض. وفي حال كفره لا يتمكن من الامتثال، لبطلان عمله، فكيف يؤمر بالقضاء مع كونه تكليفا بما لا يطاق؟ وهذا الكلام متين جدا، لاستحالة الامر بالقضاء من جهة العجز عن الامتثال في كلتا الحالتين، كما ذكره (قده). وما ذكر بعضهم: من جواز تكليف الكافر بالقضاء وفائدته:

[ 116 ]

تسجيل العقوبة عليه، فهو من عجائب الكلمات، التي لا ينبغي الاصغاء إليها، لعدم تماميته على مسلك العدلية. وإلا لصح التكليف بالطيران إلى السماء تسجيلا للعقوبة على تركه وهو كما ترى. وقد تصدى بعض الاكابر (قده) (1) لتصحيح الامر بالقضاء في حال الكفر بما حاصله: أن الامر المذكور وان كان ممتنعا بعد خروج الوقت - الذي هو حال القضاء - إلا أنه ممكن في حال الاداء وقبل انقضاء الوقت، فيؤمر في الوقت اولا - بالاسلام، وبالصلاة المشروطة بالاسلام أداءا، كما ويؤمر - في نفس الحال بالقضاء على تقدير الترك فيقال له: أسلم وإذا اسلمت أد الصلاة، وان لم تفعل فاقضها فكما أنه يكون مأمورا - في الوقت - بالاداء أمرا فعليا كذلك يكون - في ذلك الحين - مأمورا بالقضاء - أمر فعليا على تقدير الترك. والمفروض قدرته على الامتثال، بان يسلم فيصلي اداءا، وعلى تقدير الترك قضاء ولكنه - بسوء اختياره - فوت على نفسه كلا الامرين، فلم يسلم، ولم يصل لا في الوقت ولا في حارجه، فترك القضاء وعدم القدرة عليه مما يستند إلى اختياره، حيث انه لم يسلم في الوقت، فيصح عقابه على ترك القضاء، كما صح عقابه على ترك الاداء، نظرا إلى استناد كلا الامرين إلى اختياره، وذلك لاجل عدم اختياره الاسلام في الوقت. ويندفع بان الامر بالاداء قبل انقضاء الوقت وان صح، بناءا على تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالاصول، فيعاقب على


(1) المحقق آقا ضياء الدين العراقي (قده).

[ 117 ]

تركه لاجل قدرته على الامتثال باختياره الاسلام، إلا أن الامر بالقضاء - قبل انقضاء الوقت - ليس كذلك إذا لو اريد به الامر الانشائي المجعول على نحو القضية الحقيقية للموضوع المفروض وجوده، الثابت ذلك في حق كل مكلف، كجعل وجوب القضاء على تقدير الفوت، ووجوب الحج على تقدير الا ستطاعة ونحو ذلك فواضح: ان مثل هذا الامر لا أثر له. وان اريد به الامر الفعلي. فهو غير ثابت في الوقت جزما، إذ فعليته بفعلية موضوعه، وهو الفوت، ولا فوت قبل انقضاء الوقت، فلا موضوع للقضاء ما دام الوقت باقيا فلا أمر به - حينئذ - الا بنحو القضية الشرطية، وعلى سبيل الفرض والتقدير وقد عرفت انه لا أثر له ما لم يتحقق ذلك التقدير خارجا. والمفروض: ان هذا التقدير غير محقق بالاضافة إلى الكافر، حيث لا قضاء عليه بعد خروج الوقت كما مر. وعلى الجملة: فهو اثناء الوقت غير مأمور بالقضاء إلا بالامر المشروط، والشرط غير متحقق في الكافر إذا اسلم على الفرض. فلا معنى للامر بالقضاء قبل الوقت. ولا موضوع له بعده نعم: لو فرض قيام الاجماع على ان الكافر يعاقب على ترك القضاء كما يعاقب على ترك سائر الواجبات، امكن توجيهه: بان هناك مصلحة الزامية في الوقت، دعت المولى إلى الامر بالاداء، ويشترك في هذا الامر كل من المسلم والكافر لان كليهما مأمور بالاداء للقدرة على الامتثال، بان يسلم الكافر ويصلي - وبعد خروج الوقت تحدث مصلحة الزامية اقوى تدعو إلى الامر بالقضاء خارج الوقت

[ 118 ]

[ ولا على الحائض والنفساء مع استيعاب الوقت (1). (مسألة 1): إذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون أو المغمى عليه، قبل خروج الوقت، وجب عليهم الاداء وان لم يدركوا الا مقدار ركعة من الوقت (2). ومع الترك يجب عليهم القضاء: وكذا الحائض والنفساء ] وهذا الملاك الحادث مشترك فيه - ايضا بين المسلم والكافر، لكن الكافر لا يتمكن من استيفائه من جهة كفره، فيكون قد فوته هو على نفسه، من جهة عدم اختياره الاسلام في الوقت. وحينئذ فان اسلم بعد الوقت فقد تدارك الملاك المذكور بالاسلام فلا فضاء عليه. وأما إذا يسلم كان قد فوت الملاك المذكور على نفسه وكان الفوت - حينئذ مستندا إلى اختياره، فصح عقابه عليه. وعلى الجملة: فالامر بالقضاء وان لم يمكن في حقه، ولكنه حيث فوت هذا الملاك على نفسه اختيارا، صح عقابه لا ندراجه تحت كبرى الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. حكم الحائض والنفساء: (1) تقدم الكلام على ذلك وما يترتب عليه من الفروع مستقصى في مبحث الحيض، فلا نعيد. (2) بلا اشكال، لعموم دليل التكليف بالصلاة، فان الخارج

[ 119 ]

[ إذا زال عذرهما قبل خروج الوقت ولو بمقدار ركعة. كما انه إذا طرأ الجنون، أو الاغماء أو الحيض، أو النفاس يعد مضي مقدار صلاة المختار - بحسب حالهم: من السفر والحضر، والوضوء والتيمم - ولم يأتوا بالصلاة وجب عليهم القضاء، كما تقدم في المواقيت. ] عنه خصوص صورة استيعاب - الاعذار المذكورة - الوقت بتمامه، بحيث يكون الترك مستندا إلى العذر، فإذا لم يستند إليه لفرض عدم الاستيعاب لزمه الاداء ومع تركه وجب القضاء بطبيعة الحال. هذا فيما إذا ارتفع العذر وقد بقى من الوقت مقدار يسع الفريضة بتمامها، وأما إذا لم يبق منه ما يسعها، فيشكل ثبوت الاداء - فضلا عن القضاء - لا متناع تعلق التكليف بعمل في وقت لا يسعه. لكن الاشكال يختض بما إذا لم يبق من الوقت حتى بمقدار ركعة وأما إذا بقي منه بالمقدار المذكور، فقد حكم جماعة - منهم المصنف (قده) - بثبوت القضاء حينئذ، فضلا عن الاداء، تمسكا بحديث: (من ادرك.) (1). وقد ذكرنا - في بحث المواقيت - أن الحديث المزبور ورد بعدة طرق، كلها ضعيفة السند، ما عدا رواية واحدة وردت في صلاة الغداة (2)، وبضميمة القطع بعدم الفرق بينها وبين بقية الصلوات


(1) الوسائل: ج 3 باب 30 من أبواب المواقيت ح 4. (2) الوسائل: ج 3 باب 30 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 120 ]

يثبت الحكم في جميع الفرائض اليومية. وعليه فلا مجال للاشكال في تمامية القاعدة، ولا في انطباقها على المقام، فإذا حصل البلوغ أو الافاقة من الجنون، أو ارتفع الاغماء، أو انقطع الدم، أو اسلم الكافر وقد بقي من الوقت بمقدار ركعة، توجه التكليف بالاداء، ببركة الحديث المذكور ومع الفوت وجب القضاء عملا باطلاق دليله. نعم: ربما يشكل الامر في تطبيقها على المقام، بدعوى: اختصاص الحديث بما إذا كان الوقت. - في حد ذاته - واسعا وصالحا لتوجه التكليف فيه، سوى أن المكلف لم يدرك منه إلا بمقدار ركعة لمسامحته في الامتثال، أو لغير ذلك. واما ذا كان الوقت - في حد ذاته - ضيقا لا يسع الفعل كما في المقام، فانه قبل ارتفاع العذر لا تكليف على الفرض، فلا عبرة بالسعة في ذلك، وبعد ارتفاعه لا يسع الزمان لوقوع العمل، لقصوره طبعا، لا لاجل عدم ادراك المكلف منه إلا ذلك المقدار - فلا مجال الاستناد إلى الحديث فيه. وحينئذ فيشكل الامر في الاداء - فضلا عن القضاء لامتناع تعلق التكليف بعمل في زمان اقصر منه واقل، فانه من التكليف بما لا يطاق،. وفيه أولا: أن الاشكال - لو تم - فانما يتم في مثل الصبي ونحوه دون الكافر، بناءا على المشهور: من تكليفه بالفروع كالاصول، فانه - على هذا - كان مكلفا بالصلاة من أول الزوال، وكان متمكنا من امتثاله بالاسلام، ومعلموم: أن المقدور بالواسطة مقدور، فالوقت - فالاضافة إليه - يكون واسعا في حد ذاته، غير انه بسوء اختياره فوت التكليف على نفسه، حيث أسلم في آخر الوقت، فيصدق في

[ 121 ]

حقه: انه لم يدرك من الوقت إلا ركعة، فليس التكليف - بالاضافة إليه - مما لا يطاق. وثانيا: انه لا يتم مطلقا، حتى في مثل الصبي ونحوه. وذلك: لانا - تارة - نفرض القصور الذاتي في طبيعة الوقت كما لو فرضنا: ان بعض نقاط الارض يقصر فيه الزمان الفاصل بين زوال الشمس وغروبها، بحيث لا يسع الاتيان باربع ركعات أو أن ما بين الطلوعين فيه لا يسع الاتيان بركعتين، ففي مثله يتجه الاشكال فيقال: بامتناع تعلق التكليف بالعمل في زمان لا يسعه، فلا يصدق في حقه - حينئذ - ان المكلف لم يدرك من الوقت إلا ركعة، فانه - في حد ذاته - ليس اكثر من هذا المقدار. وأخرى: نفرض انه لا قصور في الوقت بحسب الذات، لا متداده بحسب طبعه: غير ان المكلف - لاجل بعض العوارض والملابسات - كالصغر والجنون، والاغماء، والحيض، والكفر - بناءا على عدم تكليف الكافر بالفروع حرم من ادرك الوقت المذكور إلا بمقدار لا يسع تمام العمل، ففي امثال هذه الموارد، إذا ارتفع العذر في وقت لم يسع إلا مقدار ركعة، يصدق عليه حينئذ: انه لم يدرك الوقت كله، وإنما ادرك بعضه، لان المانع إنما تحقق من ناحية العبد، لامن ناحية الوقت. وعلى الجملة: لا نرى اي مانع من شمول الحديث للمقام، لا نطباق موضوع عليه، وبعد الشمول - المقتضي للتوسعة في الوقت ولو تعبدا - يخرج التكليف عن كونه تكليفا بما لا يطاق، لفرض قدرته - حينئذ - على الامتثال، لكن في الوقت الثانوي المضروب

[ 122 ]

[ (مسألة 2): إذا أسلم الكافر، قبل خروج الوقت - ولو بمقدار ركعة - ولم يصل وجب عليه قضاؤها (1). (مسألة 3): لا فرق في سقوط القضاء عن المجنون والحائض والنفساء بين أن يكون العذر قهريا، أو حاصلا من فعلهم واختيارهم، بل وكذا في المغمى عليه (2) ] له بمقتضي الحديث، فيتجه الامر بالاداء وعلى تقدير الفوت يثبت عليه القضاء أيضا. (1) كما تقدم آنفا. العذر الاختياري والقهري: (2) قد تقدم حكم المغمى عليه، وهل الحال كذلك في الحائض والنفساء والمجنون؟ فلو شربت المرأة دواء فحاضت، أو نفست باسقاط جنينها، أو فعل المكلف ما أوجب الجنون، فهل يحكم بوجوب القضاء أولا؟. أما الجنون: فيختلف الحكم فيه باختلاف المباني، فان المستند لسقوط القضاء عنه إن كان هو الاجماع والضرورة - والاجماع دليل لبي - فلا بد من

[ 123 ]

[ وان كان الاحوط القضاء عليه إذا كان من فعله، خصوصا إذا كان على وجه المعصية، بل الاحوط قضاء جمع ما فاته مطلقا. ] الاقتصار على المقدار المتيقن به، وهو ما إذا لم يكن حاصلا باختياره إذ لم يحرز الاجماع على اكثر من ذلك، فيشمله عموم أدلة القضاء السالم عن المخصص في ما عدا المقدار المتيقن به. وأما بناءا على المبنى الآخر - وهو الصحيح - من قصور المقتضي وعدم تحقق موضوع القضاء - وهو الفوت - لاختصاص التكليف في الوقت - بمقتضى حديث الرفع، الذى هو بمثابة المخصص لادلة التكاليف - بغير المجنون، فيكون عدم وجوب القضاء - حينئذ - على طبق القاعدة، كما هو الحال في الصبي، بلا فرق فيه بين قسمي الجنون لاطلاق الحديث. ودعوى: ان صدق الفوت لا يتوقف على التكليف الفعلي، بل تحقق التكليف الشأني كاف في ذلك، كما في النائم، حيث ردف مع المجنون في حديث الرفع. غير مسموعة، لكون القياس مع الفارق، فان ثبوت القضاء في حق النائم انما هو لدليل خارجي خاص، وقد استكشفنا منه تمامية الملاك في حقه، وكونه قابلا للتكليف ولو شأنا، الا انه لم يقع موردا للتكليف الفعلي - بالاداء في الوقت - لا جل عجزه، الناشئ عن نومه لا لقصور في ناحية الملاك. ولكن من اين لنا استكشاف مثل ذلك في المجنون؟ ولعله مثل الصبي، الذي لا

[ 124 ]

[ (مسألة 4): المرتد يجب عليه قضاء ما فات أيام ردته، بعد عودته إلى الاسلام، سواء كان عن ملة أو ] مقتضي للتكليف في حقه، ويكون فاقدا للملاك رأسا. إذ لا طريق لنا إلى استكشافه الا من ناحية قيام الدليل الخارجي - كما في النائم - وهو مفقود في المقام. وأما الحيض والنفاس: بالامر فيهما اوضح حالا منه في المجنون، فان عدم تكليف الحائض والنفساء بالاداء ليس هو من باب العجز - كما في المجنون - بل هو من باب التخصيص، وبعد ورود التخصيص - الكاشف عن عدم توجه التكليف اليهما رأسا - كيف يمكننا احراز الفوت الذي هو الموضوع، لوجوب القضاء؟ ولا شك في ان دليل المخصص - باطلاقه - يعم الحالتين. أي حالة كون الحيض والنفاس بالاختيار وعدم كونها كذلك. فلا فرق - في سقوط القضاء في موارد الحيض والنفاس والجنون - بين الحالتين، حتى ولو قلنا باختصاص الحكم في المغمى عليه بما إذا كان ذلك بقهر الله وغلبته، إذ لا ملازمة بين المقامين، فان التعليل: (بغلبة الله) إنما ورد في الاغماء فهو - إذا - حكم في مورد خاص، فلا مجال للتعدي.

[ 125 ]

[ فطرة (1). ] حكم المرتد إذا عاد: (1) لا ينبغي الاشكال في تكليف المرتد - بكلا قسمية - بالفروع كالاصول، وما ذكرناه في الكافر الاصلي جار هنا. بل قد ورد ان المرأة تضرب أوقات الصلوات. فلا دليل على سقوط التكليف بعد شمول الاطلاقات له. وإذا كان المرتد مأمورا بالصلاة في الوقت - كسائر الواجبات - فمع تركه لها يصدق الفوت، فيتحقق موضوع القضاء لا محالة. ولا دليل على سقوطه في المقام فان دليل السقوط عن الكافر ان كان هي السيرة القطعية، فمعلوم: ان السيرة غير متحققة هنا، فان المرتد الملي - وهو المسبوق بالكفر كان يقتل في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاستتابة، وأما الفطري فلم يعهد في عصره (صلى الله عليه وآله)، فكيف يمكن دعوى قيام السيرة على نفي القضاء عنه؟. وان كان حديث الجب، فكذلك، إذ ظاهر الحديث ان الاسلام يجب ما قبله إذا كان السابق على الاسلام بتمامه كفرا، لا أن بعضه كان كفرا وبعضه كان أسلاما. وأن كان هو قصور المقتضي، لا جل عدم تكليفه بالفروع، وهو الذي اعتمدنا عليه، واستظهرناه مما دل على أن الناس يؤمرون بالاسلام، ثم بالولاية - فمن الواضح عدم جريانه في المقام.

[ 126 ]

[ وتصح منه - وان كان عن فطرة - على الاصح (1). ] أما اولا: فلان مقتضى اطلاق الدليل المذكور هو انه بعد تحقق الاسلام - ولو آنا ما - يؤمر بالولاية - وكذا سائر الفروع - مطلقا، سواء أحصل الارتداد بعد ذلك أم لا، فهو على ثبوت القضاء عليه أدل. وثانيا: مع الغض عن ذلك، فالمرتد غير مشمول للدليل المذكور بعد ان كان محكوما عليه بانه يقتل، وتبين منه زوجة، وتقسم امواله، فان الرواية تنظر إلى الكافر الاصلي فقط، ومنصرفة عن مثل المقام ممن هو محكوم بالقتل. وعلى الجملة: فالدليل على السقوط في المقام مفقود: والاطلاقات والعمومات فيه محكمة. لكونها شاملة للمرتد كالمسلم، فلا فرق بينهما في وجوب الاداء والقضاء. (1) على ما تقدم البحث حول ذلك مستوفى في كتاب (الطهارة) حيث قلنا: انه لا اشكال في قبول توبة المرتد إذا كان امرأة، وأما إذا كان رجلا، فقبول توبته واقعا - اي بينه وبين ربه - مما لا يعنينا البحث عنه، وأما ظاهرا، فبالنسبة إلى الاحكام الخاصة كالقتل، وبينونة الزوجة، وتقسيم امواله فهي لا تقبل جزما، بنص الروايات الدالة على ذلك. وأما بالنسبة إلى ما عداها من الاحكام، عند فرض عدم قتله وبقائه حيا - كما في أمثال زماننا هذا - فهل تقبل توبة ويعامل معه معاملة المسلين أولا؟. الظاهر: هو ذلك، بل لا ينبغي الشك فيه لعدم الشك في

[ 127 ]

[ (مسألة 5): يجب على المخالف قضاء ما فات منه. (1). ] تكليفه بالصلاة أداء، حيث لا يحتمل في حقه استثناؤه من حكم سائر المكلفين حتى يمتاز عنهم بسقوط الصلاة عنه. فإذا كان مكلفا بالصلاة، وكان مسلما، ترتب عليه سائر الاحكام، من طهارة البدن ونحوها، ومنها: وجوب القضاء. وبكلمة اخرى: يدور الامر في المقام بين ان تقبل توبته ظاهرا، فيصلي ويصوم ويحكم بطهارة بدنه.. وهكذا تجرى عليه كافة احكام الاسلام، وبين ان يقال: بعدم قبول توبته، وسقوط التكليف عنه، وبقاءه على حكم الكفر، لا يقبل شئ من عباداته. وحيث لا يمكن الالتزام بالثاني بل لعله خلاف المقطوع به فلا جرم يتعين الاول. حكم المخالف المستبصر: (1) كما تقتضيه القاعدة، إذ لا ريب في كونه مكلفا بالاحكام، وليس هو مثل الكافر يجرى فيه البحث عن تكليفه بالفروع - كالاصول - وعدمه، فمع ثبوت التكليف في حقه، وتحقق الفوت منه، يشمله دليل القضاء بطبيعة الحال. إلا أنه وردت روايات خاصة دلت على نفي القضاء عنه إذا استبصر، فيما إذا كان قد اتى به على وفق مذهبه، فيستكشف منها: التخصيص في أدلة الاجزاء والشرائط والموانع، وان تلكم الاحكام الواقعية لا تعم المخالف الذي استبصر فيما بعد،

[ 128 ]

بنحو الشرط المتأخر. ففي صحيحة العجلي، عن ابي عبد الله عليه السلام - في حديث قال: " كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته، ثم من الله عليه الولاية وعرفه، فانه يؤجر عليه، إلا الزكاة، لانه يضعها في غير مواضعها، لانها لاهل الولاية. وأما الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء " (1). وصحيحة ابن أذينة، قال: " كتب إلي أبو عبد الله عليه السلام: " ان كل عمل عمله الناصب، في حال ضلاله أو حال نصبه ثم من الله عليه وعرفه هذا الامر، فانه يؤجر عليه ويكتب له، إلا الزكاة فانه يعيدها، لانه وضعها في غير موضعها، وانما موضعها أهل الولاية. فأما الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما " (2). وصحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انهما قالا: " في الرجل يكون في بعض هذه الاهواء. الحرورية والمرجئة: والعثمانية، والقدرية، ثم يتوب ويعرف هذا الامر ويحسن رأيه، ايعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج، أو ليس عليه اعادة شئ من ذلك؟ قال: ليس عليه إعادة شئ من ذلك، غير الزكاة، ولابد من أن يؤديها، لانه وضع الزكاة في غير موضعها، وانما موضعها أهل الولاية " (3). ثم انه لاريب في عدم شمول هذه النصوص المخالف الذي فاتته


(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1. (2) الوسائل: الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة ح 3. (3) الوسائل: الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2.

[ 129 ]

الصلاة - بان تركها رأسا - إذ الموضوع فيها هو كل عمل عمله، وكل صلاة صلاها، فلا بد - إذا - من فرض صلاة صدرت منه خارجا. بل في صحيحتي العجلي وابن أذينة: " فانه يؤجر عليه " وكيف يؤجر من لم يعمل شيئا على ما لم يفعله؟! وعليه، فيكون من فاتته الصلاة مشمولا لما تقتضيه القاعدة، من وجوب القضاء، عملا باطلاقات أدلة الفوت، المفروض سلامتها - لاجل قصور النصوص المتقدمة - عن المقيد. وهذا مما لا خلاف فيه. نعم قد يظهر من بعض النصوص: سقوط القضاء في المقام أيضا وهو: ما رواه الشهيد (قده) في الذكرى، نقلا عن كتاب (الرحمة) لسعد بن عبد الله - وكذلك الكشي (ره) في كتابه - بسنديهما، عن عمار الساباطي قال: قال سليمان بن خالد لابي عبد الله (عليه السلام) وأنا جالس: " إني منذ عرفت هذا الامر أصلي في كل يوم صلاتين، أقضي ما فاتني قبل معرفتي. قال: لا تفعل، فان الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة " (1). لكن الرواية ضعيفة السند، فلا يعتمد عليها في الخروج عما تقتضيه القاعدة مع عدم الجابر لها أيضا، لو سلم الانجبار كبرويا. وقال الشهيد (قده) في تفسير الرواية: " يعني: ما تركت من شرائطها وافعالها، وليس المراد تركها بالكلية ". وهو استظهار حسن لا باس به. فرارا من طرح الرواية.


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب مقدمة العبادات، ح 4.

[ 130 ]

[ أو أتى به على وجه يخالف مذهبه (1)، بل وان كان على ] ويلحق بذلك: ما لو كان قد أتى بالصلاة فاسدة على مذهبه ومذهبنا معا، فانها - أيضا - لا تكون مشمولة لهذه النصوص، فان منصرفها هي الصلوات التي كان يعتقد صحتها، بحيث كان يرى عدم لزوم قضائها - بعد الاستبصار - لولا الولاية. وأما الناقصة بنظره من غير جهة الولاية أيضا - لفقد جزء أو شرط، أو الاقتران بمانع مما هو محكوم عليه بالبطلان لدى الفريقين، بحيث لم يكن المخالف يرى في حين العمل تفريغ الذمة بمثله - فالنصوص غير ناظرة إليه، ومنصرفة عنه. فيبقى هذا الفرض - كالفرض السابق عليه - مشمولا للقاعدة، ومقتضاها: وجوب القضاء. واما إذا كان قد صلى على وفق مذهبه، فهذا هو المتيقن دخوله، تحت النصوص التي هي - بحسب النتيجة - مخصصة للادلة الاولية على سبيل الشرط المتأخر، كما مر، وحينئذ فيحكم بصحة جميع الاعمال السابقة، بل يؤجر عليها، عدا الزكاة، حيث كان قد صرفها في غير مصارفها، ووضعها في غير موضعها - كما نطقت به النصوص - فان موضعها هم المؤمنون، ومن يكون من أهل الولاية، فالدفع إلى غيرهم لا يستوجب تفريغ الذمة، فانه نظير مالو أدى دينه إلى عمرو في حين انه كان مدينا لزيد، ولاجل هذا استثنيت الزكاة من بين سائر الاعمال. (1) كما تقدم آنفا.

[ 131 ]

[ وفق مذهبنا - أيضا - على الاحوط (1). ] (1) مع فرض تمشي قصد القربة منه، وقد حكم المحقق الهمداني (قده) في مثل ذلك: بالصحة، وعدم الحاجة إلى القضاء بدعوى: أن النصوص شاملة لهذه الصورة، بالفحوى والاولوية القطعية، إذ البناء على الصحة فيما وافق مذهبه - مع كونه فاقد الجزء أو الشرط، أو مقترنا بالمانع بحسب الواقع. وفاقدا لشرط الولاية أيضا - يستلزم البناء على الصحة فيما لا يكون فاقدا إلا لشرط الولاية بالاولوية. أقول: قد يفرض المخالف معتقدا لصحة العمل الموافق لمذهبنا، كما إذا جاز عنده الاخذ بفتاوى علمائنا، وقد اتفق ذلك في عصرنا حيث افتى شيخ الجامع الازهر بمصر الشيخ محمود شلتوت، بجواز الرجوع إلى فتوى كل واحد من علماء المذاهب الاسلامية، فاستنادا إلى ذلك قلد المخالف أحد علماء الشيعة. وأتى بالعمل موافقا لرأي العالم المذكور، فلا ينبغي الشك في كونه مشمولا للنصوص المذكورة، فان العمل الذي يأتي به المخالف حينئذ وان كان على خلاف مذهبه وموافقا لمذهبنا، إلا أنه - في نهاية الامر - يرجع إلى ما يوافق مذهبه أيضا، ولو كان ذلك باعتبار موافقته لفتوى من جوز له الاخذ بقول العلماء من سائر المذاهب، وعلى هذا، فالمخالف - استنادا إلى ما ذكر - يرى صحة ما يأتي به من العمل، وكونه مبرئا، فلا قصور فيه - على هذا - إلا من جهة الولاية. وقد يفرض: انه لا يعتقد صحته، بل يراه باطلا، لكونه على

[ 132 ]

[ وأما إذا أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه (1) نعم إذا كان الوقت باقيا فانه يجب عليه الاداء حينئذ (2) ولو تركه وجب عليه القضاء. ] خلاف مذهبه، فمثله غير مشمول لتلك النصوص، والاولوية المدعاة لا وجه لها، للفرق الواضح بين الموردين، إذ المخالف في المقيس عليه يعتقد الصحة، وليس الامر كذلك في المقيس. والمستفاد من تلك الاخبار: ان الاعتبار - في الحكم بالاجتزاء وعدم الحاجة إلى القضاء - بالعمل الصادر حال الخلاف، على وجه يرى المخالف صحته وتفريغ الذمة به، وعدم قصور فيه في نفسه فانه المناسب لقوله (عليه السلام): " فانه يؤجر عليه " وأما العمل الذي يعتقد بطلانه في ظرفه حتى من غير جهة الولاية - وان فرضناه مطابقا لمذهبنا - فهو خارج عن منصرف تلك الاخبار. (1) لما تقدم من انه المتيقن من نصوص الباب. (2) لاختصاص نصوص الاجزاء بالقضاء. فيبقى عموم دليل التكليف بالصلاة الصحيحة - أداءا - على حاله وفيه: أولا: ان التعبير بالقضاء وإن ورد في جملة من نصوص الباب، إلا ان المراد به - في لسان الاخبار - هو المعنى اللغوي - وهو الاتيان بالفعل مرة أخرى - لا خصوص المأتي به خارج الوقت، في مقابل الاعادة فان ذلك اصطلاح حديث، قد تداول في كلمات الفقهاء، فلا يكاد يحمل النص عليه. سيما بعد التعبير - في صحيحتي العجلى وابن اذينة - بصيغة العموم: (كل عمل..) الشامل ذلك للاداء أيضا.

[ 133 ]

[ ولو استبصر، ثم خالف، ثم استبصر (1)، فالاحوط القضاء وان اتى به بعد العود إلى الخلاف على وفق مذهبه. ] وثانيا: ان صحيحة الفضلاء قد تضمنت التصريح بعدم الاعادة فلو سلم انصراف القضاء في بقية النصوص - إلى المعنى المصطلح، لكانت هذه الصحيحة بمفردها - وافية بالمطلوب: فالاقوى: الحكم بالاجتزاء مطلقا، سواء أكان استبصاره في الوقت أم في خارجه. تنبيه: لا ريب في عموم الحكم لكل منتحل للاسلام من الفرق المخالفة حتى المحكوم عليهم بالكفر، كالناصب ونحوه، الذي ورد في شأنه: " إن الله لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، وإن الناصب لنا أهل البيت لاشد منه " فالنواصب والخوارج - ونحوهم من الفرق المحكوم عليهم بالكفر - تشملهم النصوص المذكورة، فلا يجب عليهم القضاء بعد الاستبصار. بل انه وقع التصريح بالناصب في صحيحتي العجلي وابن أذينة: كما أن جملة من المذكورين في صحيحة الفضلاء من قبيل الناصب، فلاى يختص الحكم بمن حكم عليه بالاسلام وطهارة البدن، من؟ فرق المخالفين. (1) نظير المرتد الملي إذا اسلم، ثم ارتد بعد إسلامه، ثم أسلم ثانيا.

[ 134 ]

ثم ان البحث عن وجوب القضاء في الفرض المذكور إنما هو بعد الفراغ عن عدم وجوب القضاء بالنسبة إلى الصلوات الواقعة قبل الاستبصار الاول فيبحث عن أن الحكم هل يختص بها اقتصارا في الحكم المخالف للقواعد على المقدار المتيقن به، أو انه يشمل صورة العود إلى الخلاف، فمحل الكلام انما هي الصلوات المتخللة ما بين الاستبصارين. قد يقال بالثاني، استنادا إلى اطلاق النصوص النافية للقضاء عما صدر منه حال المخالفة. ويدفعه: ان النص لو كان هكذا: (المخالف لا يقضي بعد الاستبصار) لاتجه - عندئذ - التمسك باطلاقه، فان عنوان (المخالف) المأخوذ في الموضوع يصدق على مثل هذا الشخص في حال خلافه المتجدد. إلا ان النصوص الواردة ليست كذلك، بل الموجود فيها كما يلي " كل عمل عمله - وهو في حال نصبه وضلالته - ثم من الله عليه وعرفة الولاية.. " المستفاد من كلمة: (ثم) ان الموضوع: هو الناصب الذي لم يمن الله عليه ولم يعرفه الولاية، فينحصر بالخلاف الاول غير المسبوق بتعريف الولاية، ولا يشمل الخلاف المتجدد بعد من الله عليه وتعريفه لها فانه حال الخلاف الثاني لا يصدق عليه: انه ممن لم يمن الله عليه ولم يعرفه الولاية، بل هو ممن من الله عليه وعرفه، غير انه - بسوء اختياره - اعرض عن الحق بعد المعرفة به. فمثله خارج عن مورد هذه النصوص، لعدم ثبوت اطلاق لها يشمله. كما انها لا تشمل من كان على الحق، ثم خالف، ثم استبصر

[ 135 ]

[ (مسألة 6): يجب القضاء على شارب المسكر، سواء كان مع العلم أو الجهل. ومع الاختيار، على وجه العصيان، أو للضرورة أو الاكراه (1). ] وعاد إلى الحق - نظير المرتد الفطري إذا أسلم وعاد، لعين ما ذكر آنفا: من ان الخلاف المسبوق بالمعرفة خارج عن موضوع نصوص الباب، فالاقوى فيه وجوب القضاء، عملا باطلاق ما دل على ذلك بعد فرض سلامته على المقيد. حكم السكران: (1) لاطلاق ما دل على اعتبار (الفوت) موضوعا لوجوب القضاء كصحيح زرارة وغيره مما تقدمت الاشارة إليه، فان التكليف بالاداء - في الوقت - وان كان ساقطا عنه، إلا ان ذلك لاجل العجز لا لاجل التخصيص في دليل الوجوب، فالتكليف به - ولو شأنا - كان متوجها نحوه، وهو كاف في صدق الفوت الموجب للقضاء - كما في النائم - على ما مر تفصيله. نعم قد يقال في المقام بعدم الوجوب، استنادا إلى التعليل الوارد في نصوص الاغماء، من ان: (ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر) فان السكر - إذا كان خارجا عن الاختيار - مشمول لعموم العلة المذكورة.

[ 136 ]

[ (مسألة 7): فاقد الطهورين يجب عليه القضاء، ويسقط عنه الاداء (1). ] لكنك عرفت فيما سبق: عدم دلالة النصوص المذكورة على التعليل في موردها، فضلا عن التعدي إلى غيره فان ما اشتمل منها على التعليل المذكور كان ضعيف السند أو الدلالة، على سبيل منع الخلو فلا حظ. حكم فقد الطهورين: (1) اما سقوط الاداء فلما تكرر في مطاوى هذا الشرح وأشرنا إليه في الاصول في مبحث الصحيح والاعم من أن المستفاد من حديث التثليث الوارد في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الصلاة ثلاثة اثلاث، ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود " (1) هو اعتبار الطهارة - كالركوع والسجود - في حقيقة الصلاة، وان ماهيتها انما تتألف من هذه الامور الثلاثة، فهي دخيلة في مقام الذات وتعد من المقومات، وعليه فالفاقد لاحد هذه الامور ليس بصلاة في نظر الشرع. وهذا بخلاف سائر الاجزاء والشرائط، فانها امور معتبرة في المأمور به ومن جملة مقوماته، لا من مقومات الماهية، بحيث يدور


(1) الوسائل: باب 9 من، أبواب الركوع ح 1.

[ 137 ]

مدارها اسم الصلاة وعنوانها، حتى فيما كان لسان دليل اعتباره مشابها للطهارة ما في الفاتحة والقبلة، حيث ورد: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) أو: (إلى القبلة)، كما ورد: (لا صلاة إلا بطهور) مما هو ظاهر في نفي الحقيقة بانتفاء الجزء المذكور وذلك: لا ناقد استفدنا من الخارج صحة الصلاة الفاقدة لفاتحة الكتاب أو القبلة - ولو في الجملة - كما في صورة العجز، فقد ورد فيمن لم يحسن القراءة: أنه يقرأ ما تيسر من القرآن، وانها لا تعاد بنسيانها. كما انه ورد - في بعض الفروض -: ان ما بين المشرق والمغرب قبلة، حيث يستكشف من هذا كله: أن دليل اعتبارهما وان كان ظاهرا في حد نفسه في نفي الحقيقة، إلا انه - بملاحظة ما ذكرنا - يحمل على ضرب من المبالغة، اهتماما بالامرين المذكورين من بين سائر الاجزاء والشرائط. إلا انه بالنسبة إلى الطهور والركوع والسجود لم يرد ما يقتضي صرف أدلة اعتبارها عن ظاهرها فتبقى هي بضميمة حديث التثليث على ظاهرها، من اقتضائه انتفاء الحقيقة بانتفاء أحدها، فيستفاد من ذلك كونها من المقومات وأنها دخيلة في مقام الذات. ثم انه لا يكاد يتصور - غالبا - العجز عن السجود والركوع وذلك لوجود المراتب الطولية لهما، نظرا إلى ان العاجز عن الركوع الاختياري وظيفته الركوع جالسا: ثم الايماء، ثم غمض العين وفتحها، وهكذا الحال في السجود، وهذا بخلاف الطهور، فانه يتحقق العجز بالنسبة إليه - كما في فاقد الطهورين - وحينئذ فيكون العجز عن المقوم للشئ - وهو الطهارة - عجزا عن الشئ نفسه،

[ 138 ]

لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، فيستحيل تعلق التكليف بالصلاة المشروطة بالطهارة لامتناع تعلق الخطاب بأمر غير مقدور. ولا يقاس ذلك بباقي الاجزاء والشرائط، لوجود الفارق وهو كونها من مقومات المأمور به دون الماهية، وعليه، فالنتيجة: هي سقوط التكليف بالصلاة أداءا. فان قلت: كيف ذلك، وقد ورد في الحديث: ان الصلاة لا تسقط بحال؟. قلت: الموضوع لعدم السقوط بحال إنما هي الصلاة، وهي اسم لما يتركب من الامور الثلاثة، التي منها الطهارة بمقتضى حديث التثليث، فالفاقد لها ليس بمصداق للصلاة ولا ينطبق عليه عنوانها بنظر الشارع، الذي هو المبين لماهيتها، والشارح لحقيقتها فليس العمل الفاقد للطهارة من حقيقة الصلاة في شئ، وان كان مشاكلا لها في الصورة. ومع هذا، كيف يصح التمسك بالحديث المذكور بعدما لم يكن له موضوع أصلا. وأما المناقشة في سند الحديث. فيدفعها: انه وان لم يرد بهذا اللفظ في لسان الاخبار وانما هو من الكلمات الدائرة على ألسنة الفقهاء، لكن مضمونه وارد في صحيحة زرارة، الواردة في المستحاضة، وهو قوله عليه السلام: " فانها لا تدع الصلاة بحال " (1) إذا لا شك في عدم اختصاص المستحاضة بالحكم المذكور، لعدم احتمال الفرق بينها وبين سائر المكلفين من هذه الجهة، فبعد الغاء الخصوصية عن المورد يكون مفادها عاما يشمل جميع المكلفين والظاهر: ان


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 139 ]

العبارة الدائرة على ألسنة الفقهاء متصيدة من هذه الصحيحة. وكيفما كان: فلا مجال للتمسك بالحديث في المقام، لما عرفت من أنه وان كان حاكما على أدلة الاجزاء والشرائط، ومبينا لاختصاصها بحال التمكن، إلا أن الحكومة فرع صدق اسم الصلاة كي يتأتى المجال للدليل الحاكم، والمفروض هو انتفاء الصدق بانتفاء ما يقومه بنظر الشارع، فلا صلاة في البين كي يحكم عليها بعدم السقوط وانما هناك صورة الصلاة، ولا دليل على وجوب الاتيان بهذه الصورة. هذا ومع الشك في الوجوب فالمرجع هي اصالة البراءة، وهذا بخلاف سائر الاجزاء، فان عنوان الصلاة منطبق على فاقدها، فيشملها الدليل المذكور. وأما وجوب القضاء عليه، فلا طلاق الفوت، المأخوذ موضوعا للحكم المذكور فان العبرة في القضاء بفوت التكليف ولو شأنا. وان شئت فقل: ان الاعتبار بفوات الملاك، ولا شك في تماميته في المقام ونظائره - كالنوم والنسيان - مما استند فيه سقوط التكليف في الوقت إلى العجز، لا إلى تخصيص دليل الوجوب، كما في الحيض ونحوه. كما يفصح عن ذلك ما دل على وجوب القضاء على النائم والناسي حيث لا مجال لا حتمال اختصاص الحكم بالموردين بل المستفاد من ذلك: الضابط الكلي، وهو ما عرفت من ثبوت القضاء في جميع موارد العجز - ومنها المقام - لاجل تمامية الملاك.

[ 140 ]

[ وان كان الاحوط الجمع بينهما (1). (مسألة 8): من وجب عليه الجمعة إذا تركها حتى مضى وقتها أتى بالظهر ان بقي الوقت، وان تركها - أيضا - وجب عليه قضاؤها، لاقضاء الجمعة (2). ] (1) عملا بالعلم الاجمالي بوجوب أحد التكليفين. (2) بلا اشكال في ذلك ولا خلاف. واستدل له: تارة: بالاجماع وأخرى: بصحيحة الحلبي، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام، عمن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة. قال: يصلي ركعتين فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا.. " (1). وناقش المحقق الهمداني (قده) في الصحيحة: بأن موردها صورة انعقاد الجمعة وعدم ادراك الامام، فهي ناظرة إلى مسألة أخرى، وهي انه لا جمعة بعد الجمعة، واجنبية عن صورة عدم انعقاد الجمعة رأسا حتى مضى وقتها. ومن ثم استدل (قده) للحكم المذكور بعد الاجماع وهو العمدة بوجه آخر، وهو: ان المستفاد من الادلة أن الواجب - يوم الجمعة - إنما هي أربع ركعات، غير أنه - لدى استجماع الشرائط - تقوم الخطبتان مقام الركعتين الاخيرتين، فيؤتى بالصلاة فيه ركعتين وهذا انما ثبت في الوقت، وأما في خارجه فيكفي في عدم مشروعية قضائها بهذه الكيفية أصالة عدم المشروعية فاللازم هو الاتيان باربع


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب صلاة الجمعة ح 3.

[ 141 ]

ركعات - وهي الفريضة الواجبة على كل مكلف - بعد فقد الدليل على الاجتزاء بغيرها أقول: الذي ينبغي أن يقال في المقام: انه لاريب في كون صلاة الجمعة من الواجبات المضيقة، وينتهي وقتها بصيرورة ظل كل شئ مثله، أو يمضي ساعة من النهار، أو بغير ذلك على اختلاف الاقوال. وعلى أي حال فان وقتها مضيق ومحدود بزمان خاص ونتيجة ذلك: سقوط الوجوب بخروج الوقت، حتى على القول بوجوبها تعيينا، فتنقلب الوظيفة الواقعية - عندئذ - إلى صلاة الظهر، لعدم احتمال سقوط التكليف عنه بالم‍؟ ة في هذا اليوم، كما هو ظاهر. وحينئذ فان صلى أربع ركعات في الوقت فهو: والا كان قد فاتته صلاة الظهر دون الجمعة: إذ الفوت انما يتحقق في آخر الوقت دون وسطه أو أوله: فالعبرة بالتكليف الثابت عند خروج الوقت، الذي به يتحقق الفوت، لا بما ثبت في اول الوقت فالمصداق للفائت ليس هو إلا صلاة الظهر دون الجمعة. وبعبارة أخرى: ليس الواجب على المكلف - في يوم الجمعة - إلا صلاة واحدة وهي الجمعة في أول الوقت، وإلا فالظهر، ولا شك في أن ما يفوته بخروج الوقت الذي هو زمان صدق الفوت انما هو الظهر دون الجمعة، فلا يجب إلا قضاء الظهر فلا حاجة إلى التشبث بالاجماع، أو باصالة عدم مشروعية الجمعة في خارج الوقت كما أفاده (قده) فان الامر وإن كان كذلك، إلا أنا في غنى عن الاستدلال بهما، كما لا يخفى.

[ 142 ]

[ (مسألة 9): يجب قضاء غير اليومية (1) سوى العيدين (2) ] قضاء غير اليومية: (1) لاطلاق دليل القضاء، كقوله (عليه السلام) - في ذيل صحيحة زرارة -: " فليصل ما فاته مما قد مضى " (1)، فانه يشمل اليومية وغيرها. (2) حتى مع وجوب الاداء، كما في زمن الحضور لصحيح زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: " من لم يصل مع الامام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له، ولا قضاء عليه " (2) وبه يقيد اطلاق الصحيحة المتقدمة. هذا فيما ثبت العيد وأقيمت الجماعة لكن المكلف لم يدركها، واما إذا خرج الوقت ولم تنعقد الجماعة - لعدم ثبوت الهلال إلا بعد الزوال - فانه تؤخر الصلاة - حينئذ - إلى الغد، كما نطق بذلك صحيح محمد بن قيس، عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بالافطار في ذلك اليوم، إذا كان قد شهدا قبل زوال الشمس، فان


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب قضاء الصلوات ح 3. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب صلاة العيد ح 3.

[ 143 ]

[ حتى النافلة المنذورة في وقت معين (1). ] شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم، وأخر الصلاة إلى الغد، فصلى بهم " (1). ولا تعارض بين الروايتين، لاختلاف الموردين. (1) كما يقتضيه الاطلاق المتقدم. ولكن قد يناقش في ذلك: بأن الفريضة - المأخوذة موضوعا لوجوب القضاء منصرفة إلى ما تكون فريضة في حد ذاتها وبالعنوان الاولي، لا ما صارت فريضة بالعنوان الثانوي العارض، كالنذر والاجارة ونحوهما، فان الاطلاق قاصر عن شمول ذلك وحيث ان القضاء بأمر جديد، فالمرجع عند الشك فيه أصالة البراءة عنه. ويندفع: - بعدم كون الفريضة بعنوانها موضوعا للقضاء في شئ من النصوص المعتبرة، فان حديث " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " لم يرد من طرقنا، وإنما الموضوع هو عنوان (فوت الصلاة) كما ورد في صحيحة زرارة المتقدمة عن ابي جعفر (ع) انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلها أو نام عنها قال يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها (إلى ان قال) فليصل ما فاته مما قد مضى الخ (2) الواردة بطريقي الشيخ والكليني. نعم قد اشتمل الذيل على لفظ (الفريضة) ولكنه ناظر إلى حكم آخر وهو المنع عن التطوع في وقت الفريضة ولا يرتبط بما


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صلاة العيد ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب قضاء الصلوات ح 3.

[ 144 ]

[ (مسألة 10): يجوز قضاء الفرائض في كل وقت، من ليل أو نهار أو سفر أو حضر.. (1). ] نحن فيه من وجوب قضاء الفوائت، ودعوى الاحتفاف بما يصلح للقرينية المورث للاجمال ممنوعة بعد تعدد الحكم الموضوع كما لا يخفى، ومن الواضح ان العنوان المزبور ينطبق على النافلة المنذورة كالفرائض اليومية بمناط واحد. ويؤيده ما ورد في صحيحة ابن مهزيار (1) من لزوم قضاء الصوم المنذور في يوم معين لو ترك في ظرفه، فان موردها وان كان خصوص الصوم إلا انه قد يستأنس منها عدم خصوصية للمورد وان كل منذور فات في ظرفه يقضى من غير فرق بين الصلاة والصيام. (1) بلا اشكال فيه ولا خلاف، كما نطقت بذلك الاخبار الكثيرة بل لا يبعد دعوى بلوغها حد التواتر، ومن جملتها: صحيحة زرارة المتقدمة آنفا. نعم، بازائها ما رواه الشيخ (قده) باسناده عن عمار بن موسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل ينام الفجر حتى تطلع الشمس - وهو في سفر - كيف يصنع؟ أيجوز له أن يقضي بالنهار قال: لا تقضى صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار، ولا تجوز له ولا تثبت له، ولكن يؤخرها فيقضيها بالليل (2).


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب قضاء الصلوات ح 6.

[ 145 ]

[ ويصلي في السفر ما فات في الحضر تماما، كما انه يصلي في الحضر ما فات في السفر قصرا (1). (مسألة 11): إذا فاتت الصلاة في أماكن التخيير فالاحوط قضاؤها قصرا مطلقا، سواء قضاها في السفر أو في الحضر، في تلك الاماكن أو غيرها. وان كان لا يبعد جواز الاتمام - أيضا - إذا قضاها ] لكنها رواية شاذة لا تنهض بمقاومة ما سبق، فانه من اظهر مصاديق قوله (عليه السلام) خذ بما اشتهر بين اصحابك، ودع الشاذ النادر. هذا مضافا إلى انها ضعيفة في نفسها، وان كان قد عبر عنها بالموثق في بعض الكلمات، فان في السند (علي بن خالد) ولم يرد فيه توثيق. نعم المذكور في الوسائل في هذا الموضع: (أحمد بن خالد) بدل (علي بن خالد) لكنه سهو من قلمه الشريف أو قلم النساخ، والصحيح هو (علي بن خالد) كما في نسخ التهذيب - الطبع القديم منه والحديث - (1). إذا فلا تصل النوبة إلى الحمل على التقية - كما قيل - وان كان مما لا بأس به لو صح السند. (1) اجماعا وتشهد به جملة من النصوص، منها: صحيح زرارة قال، قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر


(1) الوسائل: باب 75 من أبواب المواقيت ح 14.

[ 146 ]

[ في تلك الاماكن (1). ] قال: يقضي ما فاته كما فاته، ان كانت صلاة السفر أداها في الحضر مثلها. وان كانت صلاة الحضر فليقض في صلاة الحضر كما فاتته (1). ونحوها غيرها. الفائتة في أماكن التخيير: (1) الاقوال المعروفة في المسألة ثلاثة: التخيير مطلقا، وتعين القصر مطلقا والتفصيل بين ما إذا كان القضاء في تلك الاماكن نفسها فالتخيير - سيما إذا كان لم يخرج عنها بعد - وبين القضاء في بلد آخر فالقصر، كما مال إليه الماتن (قده). وقد استدل للقول الاول بوجوه: الاول - عموم: " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " فان اللفظ المذكور وان لم يرد في شئ من النصوص، لكن ذلك هو مضمون نصوص الباب، كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة آنفا " يقضي ما فاته كما فاته ". وحيث ان الفائت في المقام هي الفريضة المخير فيها بين القصر والتمام، فكذلك الحال في قضائها، عملا بالمماثلة بين الاداء والقضاء المأمور بها في هذه النصوص. وفيه: ان النظر - في المماثلة - مقصور على ذات الفائت بحسب ما يقتضيه طبعه من قصر أو تمام، لا بلحاظ ما يطرأ عليه من


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب قضاء الصلوات ح 1.

[ 147 ]

الخصوصيات والملابسات، المستتبعة للحكم الشرعي بالعنوان الثانوي من زمان أو مكان ونحو ذلك، ولا شك في أن الفريضة المقررة بالذات - في حق المسافر - انما هي القصر، وأما جواز الاتمام فهو حكم شرعي آخر نشأ من خصوصية في المكان: وقد أثبته الدليل للصلاة أداءا ولم ينهض مثله في القضاء فلا موجب للتعدي. وعلى الجملة: المماثلة غير ناظرة إلى الخصوصيات اللاحقة والاوصاف الطارئة على الفعل الزائدة على مقام الذات فلا تكاد تعم مثل المقام. هذا مضافا إلى ان مقتضى اطلاق موثق عمار، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسافر يمرض ولا يقدر أن يصلي المكتوبة. قال: يقضي - إذا أقام - مثل صلاة المسافر، بالتقصير " وجوب التقصير في قضاء الفائت حال السفر، سواء أكان الفوت في مواطن التخيير أم لا. الثاني -: ما ذكره المحقق الهمداني (قده) من تبعية القضاء للاداء، فان القضاء وان كان بأمر جديد، لكنه يكشف - لا محالة - عن تعدد المطلوب في الوقت، وان مطلوبية العمل غير منتفية بفواته وعليه فالصلاة المقضية هي - بعينها - الماهية المطلوبة في الوقت، فيجب مراعاة جميع الاحكام، عدا الناشئ منها من خصوصية الوقت. وحيث إن من تلك الاحكام ثبوت التخيير في المقام كان الحال هو ذلك في القضاء رعاية لقانون التبعية. ويتوجه عليه: ما عرفت سابقا، من منع التبعية، وان الامر بالقضاء لازم أعم لتعدد المطلوب، فلا يكاد ينكشف به ذلك لملاءمته مع وحدته أيضا. بل هي الظاهر من الامر بالصلاة مقيدة بالوقت

[ 148 ]

كما لا يخفى، فإذا سقط هذا الامر بخروج الوقت، وتعلق أمر جديد بالقضاء فلا دليل على ثبوت التخيير في الامر الجديد - أيضا - وإنما التخيير كان ثابتا في خصوص الامر الساقط فقط. الثالث: الاستصحاب، بدعوى: أن الامر التخييري كان ثابتا في الاداء، ويحكم بثبوته في القضاء - أيضا - عملا بالاستصحاب. ويرد عليه أولا: المنع عن جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية فانا وان بنينا على جريانه في الاحكام غير الالزامية كالاباحة والطهارة - على ما بيناه في الاصول، إلا أنا لا نلتزم بجريانه في خصوص المقام لاجل المعارضة التي - لاجلها - منعنا جريانه في الاحكام الالزامية، وذلك: لان الوظيفة الاولية المقررة في حق المسافر - إنما هي القصر وإنما جعل التخيير لمن كان في إحدى الاماكن المعينة تخصيصا لما تقتضيه القاعدة الاولية، اذن فالتخيير في المقام مجهول للشارع وليس كالاباحة التي لا تحتاج إلى الجعل وعلى هذا فاستصحاب بقاء التخيير إلى ما بعد خروج الوقت معارض باستصحاب عدم جعل التخيير في خارج الوقت. وثانيا: إن الاستصحاب - في نفسه - غير جار في المقام، لاجل تعدد الموضوع، فان الامر الاول - الذي كان على وجه التخيير - قد سقط بخروج الوقت جزما، والمفروض هو وحدة المطلوب، كما استظهرناه من الدليل حسبما عرفت - والامر الثاني الحادث بعد خروج الوقت مشكوك الكيفية من حين حدوثه، حيث لا ندري به انه على وجه التخيير أو التعيين، فما الذي نستصحبه؟! ثم: ان جميع ما ذكرناه إلى هنا إنما كان مجارة منا: وإلا

[ 149 ]

فالظاهر: أن من تفوته الصلاة في أماكن التخيير، ينحصر الفائت في حقه الفريضة المقصورة فقط، فان العبرة في القضاء بما يفوت المكلف في آخر الوقت - وهو زمان صدق الفوت - ولا شك في أنه عند ضيق الوقت إلا بمقدار أربع ركعات كما في الظهرين، تنقلب الوظيفة الواقعية من التخيير إلى التقصير: فلا يكون الفائت إلا الصلاة قصرا، وهذا الفرض متحقق دائما، فان الفوت مسبوق لا محالة بالتضيق المذكور ومعه لا مجال للاستصحاب، ولا لدعوى التبعية، ولا عموم أدلة الفوت. ويستدل للقول الثالث - وهو التخيير فيما إذا أراد القضاء في تلك الاماكن - بالاستصحاب، والتبعية، وقد عرفت حالهما. وعمدة ما يستدل له: مكاتبة علي بن مهزيار قال: " كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): ان الرواية قد اختلفت عن آبائك في الاتمام والتقصير للصلاة في الحرمين، - إلى أن قال -: فكتب أبي عليه السلام بخطه، قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فأنا أحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر. وتكثر فيهما من الصلاة " (1). فان مقتضى اطلاقها استحباب الاكثار من الصلاة، واختيار التمام لشرف المكان، من دون فرق بين الاداء والقضاء لعموم العلة. وفيه: مالا يخفى، فانها ناظرة إلى الصلاة الادائية خاصة - وهي التي وقع الخلاف في حكمها بين الفقهاء. كما اشير إلى ذلك في صدر الرواية - ولا اطلاق لها بالاضافة إلى القضاء، وإلا لزم القول


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب صلاة المسافر ح 4.

[ 150 ]

[ (مسألة 12): إذا فاتته الصلاة في السفر الذي يجب فيه الاحتياط، بالجمع بين القصر والتمام، فالقضاء كذلك (1). (مسألة 13): إذا فانت الصلاة، وكان في اول الوقت حاضرا وفي آخر الوقت مسافرا أو بالعكس، لا يبعد التخيير في القضاء بين القصر والتمام، والاحوط اختيار ما كان واجبا في آخر الوقت، واحوط منه الجمع بين القصر والتمام (2). ] بالتخيير فيما إذا قضى في الحرمين ما فاته قصرا في غيرهما، فان الاطلاق - على تقدير ثبوته - يشمل ذلك أيضا، ولا يظن بأحد الالتزام به. فالنظر في الصحيحة يكون مقصورا على حال الاداء فقط ولا يكاد يتناول القضاء بوجه. فالمتحصل من جميع ما ذكرناه: أن الاقوى هو القول الثاني، أعني به: تعين القصر مطلقا. (1) لعين المناط الموجب للاحتياط في الاداء وهو العلم الاجمالي باحد التكليفين. (2) لا يخفى: أنه بناءا على كون الاعتبار في كيفية الاداء بحال تعلق الوجوب، وأن الواجب على من سافر بعد دخول الوقت ليس هو إلا التمام فهذا البحث ساقط من اصله، ويكون المتعين حينئذ هو قضاء الصلاة تماما، فانها هي التي تعلق بها التكليف في الوقت حتى في حال السفر، فلم يكن مصداق الفائت إلا الصلاة التامة،

[ 151 ]

فيتعين القضاء تماما. كما أنه - بناءا على كون الوظيفة المقررة في الوقت في الفرض المذكور هي التخيير - يندرج المقام في المسألة المتقدمة. وهي الفائتة في مواطن التخيير. وقد مر حكمها. فالكلام - في المسألة - مبني على كون الاعتبار - في الوقت - بحال الاداء وزمان الامتثال، وان المتعين في الفرض المزبور هي الصلاة قصرا، فهل يتعين القضاء - حينئذ - قصرا أيضا - كما عليه المشهور أو تماما - كما اختاره جمع من الاعلام، كوالد الصدوق والاسكافي والشيخ في المبسوط، والسيد المرتضى، والحلي في السرائر وغيرهم (قدهم) - أو يتخير بينهما، كما مال إليه المصنف (قده) في المتن؟؟ وجوه، بل أقوال. ثم إن المصنف (قده) - بعد نفي البعد عن القول بالتخيير - ذكر: أن الاحوط هو اختيار ما كان واجبا في آخر الوقت، وهو القصر في المثال. وأحوط منه: الجمع بين القصر والتمام. قلت: أما أن مقتضى الاحتياط هو الجمع فحق لاسترة عليه، لدوران الفائت بين القصر والتمام. فيكون مقتضى الاحتياط الناشئ من العلم الاجمالي بوجوب أحدهما، هو الجمع. وبه يتحقق اليقين بالفراغ. وأما كون القصر فقط موافقا للاحتياط فلم نعرف له وجها، بعد ذهاب الجم الغفير من الاعلام - كما اشرنا إليهم آنفا - إلى التمام فان الاعتبار عند هؤلاء بحال الوجوب دون الاداء. وعلى الجملة: القصر هو احد طرفي العلم الاجمالي كالتمام، فان تم مستنده كان القول به اظهر لا أحوط، وإلا كان كلا الامرين

[ 152 ]

بالنظر إلى الاحتياط على حد سواء. وكيفما كان فيستدل لوجوب التمام في المقام: تارة: بان الفائت هو ما خوطب المكلف به في الحال الاول، وهو الصلاة تماما، فانه لو كان قد صلى في ذلك الحال لكانت صلاته تامة، فيجب عليه ان يقضيها - حينئذ - كما هي فاتته. وفيه: مالا يخفى، فان الخطاب في الحال الاول قد سقط وتبدل بالخطاب بالقصر، بسبب ترخيص الشارع في التأخير. ومجرد الفرض والتقدير وهو انه لو كان صلاها في ذلك الحال لكانت تماما لا يستوجب انطباق عنوان (الفوت) عليه فالقصر إذا هو الفائت المتمحض في الفوت دون غيره. واخرى: بما رواه الشيخ (قده) باسناده عن زرارة، عن ابي جعفر (عليه السلام): " انه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة - وهو في السفر - فأخر الصلاة حتى قدم، فهو يريد أن يصليها إذا قدم إلى أهله، فنسى - حين قدم إلى أهله - أن يصليها، حتى ذهب وقتها. قال: يصليها ركعتين، صلاة المسافر: لان الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي أن يصلي عند ذلك " (1). فان مقتضى تعليل القضاء قصرا، بوجوبه عليه عند دخول الوقت، أن الاعتبار في القضاء بحال الوجوب، لاحال الاداء فيدل التعليل على وجوب القضاء تماما في عكس الفرض، وهو مالو كان حاضرا في أول الوقت ثم سافر. ويندفع: - بان السند وان كان معتبرا، إذ ليس فيه من يغمز


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب وجوب قضاء الصلوات ح 3.

[ 153 ]

فيه ما عدا (موسى بن بكر) وهو ثقة على الاظهر، كما نبه عليه سيدنا الاستاذ (دام ظله) في المعجم ج 19 ص 37. لكن الدلالة قاصرة لقرب احتمال كونها ناظرة إلى وقت الفضيلة دون الاجزاء، فتكون من ادلة القائلين بان الاعتبار في الاداء - فيمن كان اول الوقت حاضرا ثم سافر أو بالعكس - بحال تعلق الوجوب لا حال الامتثال وعليه فتكون أجنبية عما نحن فيه. على انها معارضة بالنصوص الناطقة بان الاعتبار في القضاء بحال الفوت الذي لا يكاد يتحقق الا بلحاظ آخر الوقت دون اوله فانه من تبديل الوظيفة لافواتها كما ستعرف (1). والصحيح: ما عليه المشهور، من تعين القضاء قصرا، وكون الاعتبار بحال الاداء لا الوجوب، وذلك لوجهين: الاول -: ان الفوت - المأخوذ موضوعا لوجوب القضاء - انما ينطبق على الفريضة المقررة حال خروج الوقت، الذي هو زمان صدق الفوت. وأما ما ثبت أولا - وقد جاز تركه آنذاك بترخيص من الشارع في التأخير، والمفروض هو سقوط الخطاب به عنه بتبدل الموضوع وانقلاب الوظيفة الواقعية من التمام إلى القصر - فلا فوت بالنسبة إليه، كي يشمله دليل القضاء. وبكلمة واضحة: ليس الواجب - على الحاضر أول الوقت - هو التمام بما هو، وإلا لما جاز له تركه، مع بداهة الجواز، بمقتضى التوسعة المفروضة في الوقت، بل الواجب هو طبيعي الصلاة، والتمام انما يكون شرطا لصحة العمل الواقع في خصوص الظرف


(1) ولمزيد التوضيح لاحظ ما سيأتي في الجزء الثامن ص 396 - 399.

[ 154 ]

المعين حيث لا تصح منه الصلاة في اول الوقت مع فرض كونه حاضرا حينئذ إلا إذا اتى بها تامة، لا أن الصلاة التامة بخصوصها تعلق بها الوجوب في ذلك الحال، كيف وقد ساغ له الترك فيه باذن من الشارع، فلو لم يصلها حينئذ لم يكن قد فاته شئ. وهذا بخلاف الصلاة في آخر الوقت، فان الواجب - عندئذ - هو خصوص القصر، ولا يسوغ له تركه، لاجل ضيق الوقت وانحصار الطبيعة المأمور بها في هذا الفرد فلو ترك ذلك حتى خرج الوقت كان الفائت منه هو هذا الفرد لا محالة فيختص الفوت به دون غيره، فلا يجب إلا القضاء قصرا. الثاني -: اطلاق موثقة عمار قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المسافر بمرض ولا يقدر أن يصلي المكتوبة، قال: يقضي - إذا أقام - مثل صلاة المسافر، بالتقصير " (1). فان اطلاقها يشمل المسافر الذي كان حاضرا أول الوقت، فيجب عليه أيضا القضاء قصرا. ولا ينتقض ذلك: بشمول الاطلاق المسافر الذي بلغ أهله في آخر الوقت. وذلك لخروجه عن عنوان المسافر، حينئذ، وظاهر الموثقة اعتبار فوت المكتوبة حال كونه مسافرا، فلا تشمل مثل هذا الفرض، كما لا يخفى. والمتحصل من جميع ما ذكرناه: هو لزوم القضاء قصرا. وأما ما أفاده الماتن (قده) من القول بالتخيير فغير واضح إذ لم يثبت ذلك في الاداء كي يتبعه القضاء، فان العبرة ان كانت بحال الوجوب فالفائت هو التمام، أو بحال الاداء فالقصر، فلم يكن


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب قضاء الصلوات ح 5.

[ 155 ]

[ (مسألة 14): يستحب قضاء النوافل الرواتب استحبابا مؤكدا (1). بل لا يبعد استحباب قضاء غير الرواتب ] مصداق الفائت هو الواجب التخييري كي يقضيه كذلك. ومن جميع ما قدمنا يظهر حكم عكس المسألة، أعني: ما لو كان مسافرا في أول الوقت فحضر قبل خروج الوقت، وان الواجب - حينئذ - هو القضاء تماما، لعين ما ذكر فلا نعيد. قضاء النوافل: (1) لجملة من النصوص - واكثرها معتبر سندا - دلت على تأكد الاستحباب (1). منها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: " أخبرني عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدري ما هو من كثرتها، كيف يصنع؟ قال: فليصل لا يدري كم صلى من كثرتها، فيكون قد قضى بقدر علمه { ما علمه }، - إلى أن قال -: قلت. فانه لا يقدر على القضاء، فهل يجزي أن يتصدق؟ فسكت مليا، ثم قال: فليتصدق بصدقة. قلت: فما يتصدق؟ قال: بقدر طوله، وأدنى ذلك: مد لكل مسكين.


(1) الوسائل: باب 18، 19 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها.

[ 156 ]

[ من النوافل الموقتة (1). ] مكان كل صلاة. قلت: وكم الصلاة التي يجب فيها مد لكل مسكين؟ لا قال: لكل ركعتين من صلاة الليل مد، ولكل ركعتين من صلاة النهار مد. فقلت: لا يقدره. قال: مد لكل أربع ركعات من صلاة النهار، وأربع ركعات من صلاة الليل. قلت: لا يقدر. قال: فمد - إذا - لصلاة الليل، ومد لصلاة النهار، والصلاة أفضل، والصلاة أفضل، والصلاة افضل " (1). (1) لاطلاق بعض نصوص الباب، الشامل لغير الرواتب من النوافل المؤقتة، كصلاة أول الشهر، والصلوات الواردة في ليالي شهر رمضان، ونحوهما. كصحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " ان العبد يقوم فيقضي النافلة فيعجب الرب ملائكته منه، فيقول: ملائكتي عبدي يقضي ما لم افترضه عليه " (2) وصحيحة عاصم بن حميد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) " إن الرب ليعجب ملائكته من العبد من عباده يراه يقضي النوافل [ النافلة ] فيقول: انظروا إلى عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه " (3).


الوسائل: باب 18 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 2. (2) الوسائل باب: 18 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 1. (3) الوسائل باب: 18 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 5.

[ 157 ]

[ دون غيرها (1) والاولى قضاء غير الرواتب من المؤقتات بعنوان احتمال المطلوبية (2). ولا يتأكد قضاء ما فات حال المرض (3). ] (1) كصلاة جعفر ونحوها، حيث انها - لاجل عدم التوقيت - تكون اداء في كل حال، فلا قضاء لها أصلا. (2) الوجه في ذلك: هو المناقشة في الاطلاق المتقدم. نظرا إلى احتمال انصرافه إلى الرواتب، كما هو الغالب في موارد نصوص الباب. فان تم هذا الانصراف فلا دليل على الاستحباب في غيرها، وإلا كان الاطلاق محكما. ولاجل هذا الترديد كان الاولى هو الاتيان رجاءا وباحتمال المطلوبية. (3) فقد دل على استحباب القضاء فيه بالخصوص بعض النصوص. كصحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: " رجل مرض فترك النافلة، فقال: يا محمد: ليست بفريضة إن قضاها فهو خير يفعله، وان لم يفعل فلا شئ عليه (1). إلا أن مقتضى بعض النصوص هو نفي القضاء في الفرض المذكور كصحيح مرازم بن الحكيم الازدي، انه قال: " مرضت أربعة أشهر، لم اتنفل فيها، فقلت لابي عبد الله (عليه السلام) فقال: ليس عليك قضاء، ان المريض ليس كالصحيح كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر (1).


(1) الوسائل باب: 20 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 1. (2) الوسائل: باب 20 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 2.

[ 158 ]

[ ومن عجز عن قضاء الرواتب استحب له الصدقة عن كل ركعتين بمد: وان لم يتمكن فعن كل اربع ركعات بمد، وان لم يتمكن فمد لصلاة الليل ومد لصلاة النهار (1) وان لم يتمكن فلا يبعد مد لكل يوم وليلة (2) ولا فرق في قضاء النوافل - أيضا - بين الاوقات. (مسألة 15): لا يعتبر الترتيب في قضاء الفوائت ] ومقتضى الجمع بينها: الحمل على نفي التاكد، بان يكون قضاء ما فات حال المرض دون قضاء ما فات حال السلامة في الاهمية. (1) هذه المراتب الثلاث منصوص عليها في صحيحة ابن سنان المتقدمة. (2) حكى ذلك في الحدائق عن الاصحاب (قدهم)، جاعلا اياها المرتبة الثانية، مقتصرا عليها وعلى الاولى من المراتب المذكورة في المتن ولم نجد مستندا لذلك، وهم - أي الاصحاب - أعرف بما قالوا. وكان الجمع بين ذلك وبين ما سبق حمل الماتن (قده) على نفي البعد عن جعلها مرتبة رابعة. وكيفما كان: فلم يثبت استحباب العمل المذكور في نفسه، فضلا عن كونه في المرتبة الثانية أو الرابعة. نعم الصدقة في حد نفسها احسان وانفاق، فهي حسن على كل حال، فلا بأس بالتصدق بمد عن كل يوم، أو يومين، أو ثلاثة، أو أسبوع، أو شهر. وهكذا، لكن استحبابها شرعا عن كل يوم - أي مجموع النهار والليل - غير ثابت بالخصوص، لعدم قيام دليل على ذلك، كما عرفت.

[ 159 ]

[ من غير اليومية لا بالنسبة إليها. ولا بعضها مع البعض الاخر (1). فلو كان عليه قضاء الآيات وقضاء اليومية يجوز تقديم ايهما شاء، تقدم في الفوات أو تأخر، وكذا لو كان عليه كسوف وخسوف يجوز تقديم كل منهما. وان تأخر في الفوات. (مسألة 16): يجب الترتيب في الفوائت اليومية (2) بمعنى: قضاء السابق في الفوات على اللاحق. وهكذا. ] (1) لاطلاق أدلة القضاء. مضافا إلى أصالة البراءة عن الترتيب بعد عدم نهوض دليل عليه. الترتيب في القضاء: (1) اما لزوم الترتيب فيما إذا كانت الفائتة مترتبة في نفسها كالظهرين والعشاءين - فمما لا اشكال فيه ولا خلاف، فانه على طبق القاعدة، بعد ان كان اللازم هو قضاء ما فات كما فات. فتجب مراعاة جميع الخصوصيات الموجودة في الفائتة عدا خصوصية الوقت. ولا شك في أنه يعتبر في صحة صلاة العصر - بمقتضى الترتيب الملحوظ بينها وبين صلاة الظهر، المستفاد من قوله (عليه السلام): " إلا أن هذه قبل هذه " تأخرها عن صلاة الظهر، وكذا الحال في صلاة العشاء بالنسبة إلى المغرب. وحينئذ فلابد من المحافظة على الشرط

[ 160 ]

المذكور في القضاء، حتى تتحقق المماثلة المطلقة المعتبرة بينها وبين الاداء. مضافا إلى أنه يدل عليه - في خصوص العشاءين - بعض النصوص كصحيحة عبد الله بن سنان: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ان نام رجل، أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، وإن خاف أن تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة وان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح، ثم المغرب، ثم العشاء الآخرة، قبل طلوع الشمس ". (1) وأما في الظهرين فلم يرد فيهما نص. عدا رواية جميل الآتية، إلا أنهما - بلا شك - كالعشاءين، لعدم احتمال الفرق بينهما. انما الكلام في اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت غير المترتبة، كالغداة والظهر، أو العصر المغرب، والمشهور، وجوب الترتيب، بمعنى: قضاء السابق في الفوات على اللاحق. واختار جماعة عدم الوجوب وذكروا: انه لا دليل عليه. لعدم إعتبار الترتيب بين الصلاتين شرعا - حتى في مقام الاداء. والترتيب المتحقق بينهما خارجا اتفاقي يقتضيه طبع الزمان لسبق وقت الغداة - مثلا - على الظهر، لا أن الشارع اعتبر السبق واللحوق بينهما. فحالهما حال ما إذا اتفق الكسوف قبل الزوال، فكما أنه لا ترتيب - حينئذ - بين صلاتي الكسوف والظهر شرعا، وانما يكون الترتيب اتفاقيا خارجيا، كذلك الحال في المقام. وحيث لا دليل على اعتبار الترتيب شرعا في خصوص القضاء، فيكون مقتضى الاطلاقات - المؤيدة باصالة


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب المواقيت ح 4.

[ 161 ]

البراءة - عدم الوجوب لكن القائلين بوجوب الترتيب استدلوا له بعدة روايات: منها: ما رواه المحقق (قده) في المعتبر، عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: " تفوت الرجل الاولى والعصر والمغرب ويذكر بعد العشاء. قال: يبدأ بصلاة الوقت الذي هو فيه، فانه لا يأمن الموت، فيكون قد ترك الفريضة في وقت قد دخل، ثم يقضي ما فاته، الاول فالاول " (1) كذا في رواية الوسائل. وفي المعتبر: (عند العشاء) بدل: (بعد العشاء). وكيف كان، فقد دلت الرواية على لزوم الاتيان - بعد الفراغ عن اداء فريضة الوقت - بالقضاء، مراعيا فيه الاول فالاول، بتقديم السابق في الفوات على اللاحق. ولكن الاستدلال بذلك غير تام على التقديرين، أما على رواية الوسائل، من كون التذكر بعد الفراغ من العشاء، فالمراد بفريضة الوقت انما هي صلاة المغرب لا محالة، فينحصر - على هذا - مصداق الفائت بالظهرين، ولا شك في اعتبار الترتيب في قضائهما لكونهما مترتبتين أداءا، وهذا الفرض خارج عن محل الكلام، كما عرفت. على أنا نقطع بغلط النسخة على هذا التقدير، فانه - بعد استلزامها انحصار الفائت بالظهرين، كما عرفت - يلغو قوله: (الاول فالاول) فان الاولية تستدعي وجود ما يكون ثانيا، وإلا لما صح انصاف الشئ بالاولية، فقوله (ع) (فالاول) يستلزم فرض ثان له لا محالة. وهو الثالث من المجموع. وعليه فلا يحسن


(1) الوسائل: الباب: 62 من أبواب المواقيت ح 6.

[ 162 ]

مثل هذا التعبير إلا عند فرض أمور ثلاثة على اقل تقدير والمفروض في المقام: انحصار الفائت باثنين، الظهر والعصر فكان من حق العبارة أن يقال: " يقضي الاول وبعده العصر " لا (الاول فالاول) فالصحيح إذا إنما هي نسخة المعتبر، المشتملة على قوله: (عند العشاء) حيث يكون المر اد بفريضة الوقت - على هذا التقدير - صلاة العشاء، وحينئذ فيكون الفائت ثلاث صلوات: الظهرين وصلاة المغرب، وبذلك يصح التعبير الوارد في الرواية، ولا تكون أجنبية عن محل الكلام. ومما يؤيد ما ذكرناه: ان صاحب الوسائل (قده) ذكر الرواية بعينها - مع اختلاف يسير في الفاظها لا يوجب تغييرا في المعنى - في باب القضاء موافقا لما في المعتبر، واليك نصها. باسناده - أي الشيخ (قده) - عن أحمد بن محمد، عن الحسن ابن علي الوشاء. عن رجل، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: تفوت الرجل الاولى والعصر والمغرب، وذكرها عند العشاء الآخرة. قال يبدأ بالوقت الذي هو فيه، فانه لا يأمن الموت، فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت، ثم يقضي ما فاته، الاول فالاولى " (1). والمظنون قويا: ان صاحب المعتبر (قده) روى أيضا هذه الرواية عن جميل بالاسناد المذكور، إذ من البعيد جدا. ان يكون قد رواها من كتاب جميل، أو بأسناد آخر، وحينئذ فلابد وأن يكون قوله، (بعد العشاء) كما في رواية الوسائل في باب المواقيت


(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات ح 5.

[ 163 ]

نقلا عن المحقق في المعتبر - من غلط النسخة، وان الصحيح هو قوله: (عند العشاء) كما في المعتبر، وفي باب القضاء من الوسائل. ولكنه معذلك كله فالاستدلال بالرواية غير تام، أما: أولا: فلانها انما تنطبق على مذهب العامة وبعض القدماء من أصحابنا من القول بتضييق وقت المغرب وانتهائه بغيبوبة الشفق، التي هي مبدأ وقت صلاة العشاء وإلا لما صح توصيف صلاة المغرب بال‍ (فائتة) عند العشاء فان المعروف من مذهب أصحابنا: هو امتداد وقتي المغرب والعشاء إلى منتصف الليل، بل إلى الفجر كما هو الصحيح، وان كان آثما في التأخير. وعلى هذا، فلا تكون المغرب حين تذكره وهو عند العشاء فائتة، فكيف يسوغ - والحال هذه - البدأة بصلاة العشاء، ثم الاتيان بصلاة المغرب، مع اعتبار الترتيب بينهما؟ وهل هذا إلا الاخلال بالترتيب عامدا؟ فلا جرم تطرح الرواية لمخالفتها للمذهب. وثانيا: انها ضعيفة السند بالارسال وقد ذكرنا آنفا: أن المحقق (قده) - بالظن القوي - يرويها بهذا الاسناد. وعلى فرض أن يكون لها سند آخر عنده فهو مجهول، فالرواية مرسلة على كل حال ولا تصلح للاستدلال. ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إذا نسيت صلاة، أو صليتها بغير وضوء، وكان عليك قضاء صلوات، فابدأ بأولهن فأذن لها وأقم، ثم صلها، ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة.. " (1).


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 1. والباب 1 من أبواب قضاء الصلاة ح 4.

[ 164 ]

والاستدلال بها مبني على ان يكون المراد ب‍ (أولاهن) أولاهن في الفوات، بأن يبدأ بما فاته أولا، فيقدم السابق فواتا على اللاحق فتدل - حينئذ - على اعتبار الترتيب. ولكن هذا المعنى غير ظاهر لعدم كونه بينا في نفسه ولا مبينا. ومن الجائز ان يراد أولادهن في مقام القضاء، بان تكون الصحيحة ناظرة إلى بيان كيفية الاذان والاقامة عند تصدي المكلف للقضاء، وانه يكفيه أذان الصلاة الاولى من الصلوات التي يقضيها، ولا يجب عليه الاذان لكل قضاء، ثم يصلي باقامة اقامة لكل واحدة من الصلوات التي يقضيها، ما دام متشاغلا بالقضاء في مجلس واحد. فإذا فرضنا انه انقطع عن القضاء فترة، ثم اراد التشاغل به بعد ذلك، كان عليه أيضا الاذان للاولى فيصليها باذان وإقامة، ويأتي بعد ذلك بما شاء قضاءا باقامة اقامة لكل واحدة منها بدون الاذان وهكذا.. وعلى الجملة: ان هذا الذي ذكرناه غير بعيد عن سياق الرواية بل لعله هو الظاهر منها، سيما بملاحظة الفاء في قوله (عليه السلام): (فأذن..) الكاشفة عن ان قوله (عليه السلام): (فابدأ بأولاهن..) توطئة وتمهيد لبيان حكم قضاء الصلوات من حيث الاذان والاقامة، فيكون النظر مقصورا على بيان الحكم المذكور من دون نظر إلى الفوائت - أنفسها - من حيث السبق واللحوق في الفوت، كما يؤيده عدم التعرض في الرواية للترتيب بين الاولى وما عداها في الصلوات الفائتة، وعليه فيكون مفاد الرواية مطابقا

[ 165 ]

[ ولو جهل الترتيب وجب التكرر (1)، الا أن يكون مستلزما للمشقة التي لاتتحمل من جهة كثرتها (2). فلو ] لما دل عليه: صحيح محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى الصلوات وهو جنب - اليوم، واليومين، والثلاثة ثم ذكر بعد ذلك. فقال: يتطهر ويؤذن أو يقيم في قضاء أولاهن. ثم يصلي ويقيم بعد ذلك في كل صلاة، فيصلي بغير أذان، حتى يقضي صلاته " (1). فالمتحصل: انه لا دلالة لشئ من النصوص على اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت غير المرتبة في نفسها. والمرجع بعد الشك اصالة البراءة. (1) اما بناءا على عدم اعتبار الترتيب - كما هو الصحيح - فلا ريب في جواز تقديم ما هو المتأخر فواتا، حتى مع العلم بالسابق واللاحق كما هو ظاهر. واما بناءا على اعتباره، فهل يختص ذلك بحال الاحراز، فلا يعتبر الترتيب مع الجهل؟ أو أنه شرط واقعي يعم الصورتين؟ الظاهر هو الثاني، لاطلاق الدليل، كما هو الشأن في بقية الاجزاء والشرائط، حيث انها أمور واقعية معتبرة في المأمور به، سواء أكان المكلف عالما بها أم كان جاهلا. وعليه، فيكون اللازم في مورد الجهل الاحتياط بالتكرار إلى أن يحصل العلم بتحقق الشرط المذكور، لان الاشتغال اليقيني يستدعي فراغا مثله. (2) فيسقط بدليل نفي الحرج. وهل الساقط - حينئذ - هو اعتبار الترتيب من اصله؟ أو خصوص الحد المستلزم للحرج،


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب قضاء الصلوات ح 3.

[ 166 ]

[ فاتته ظهر ومغرب ولم يعرف السابق صلى ظهرا بين مغربين أو مغربا بين ظهرين. وكذا لو فاتته صبح وظهر، أو مغرب وعشاء من يومين، أو صبح وعشاء أو صبح ومغرب ونحوها، مما يكونان مختلفين في عدد الركعات. وأما إذا فاتته ظهر وعشاء، أو عصر وعشاء، أو ظهر وعصر من يومين مما يكونان متحدين في عدد الركعات فيكفي الاتيان بصلاتين، بنية الاولى في الفوات والثانية فيه وكذا لو كانت اكثر من صلاتين، فيأتي بعدد الفائتة بنية الاولى فالاولى. ] فيحتاط بالتكرار إلى حد يستلزم الاستمرار فيما بعده الحرج؟ الظاهر هو الثاني، لعدم المتقضي للسقوط رأسا. ودليل نفي الحرج انما ينفي الاحتياط بالمقدار المستلزم للحرج، فهذه المرتبة من الاحتياط هي الساقط وجوبها بدليل نفي الحرج وأما المقدار الذي لم يبلغ هذا الحد فلا موجب لسقوطه، فان فعلية الحكم تتبع فعلية موضوعه. وبالجملة، فلا مناص من الاحتياط ما لم يلزم منه الحرج فإذا كانت الفائتة اولا مرددة بين مختلفي العدد - كالصبح والمغرب مثلا - صلى صبحا بين مغربين أو مغربا بين صبحين، فتقع احداهما زائدة، ولا ضير في الزيادة للزوم الاتيان بها من باب المقدمة العلمية. كما انه لاضير في التكرار احتياطا - كما في سائر موارد الاحتياط المستلزم للتكرار - بعد حصول قصد القربة المعتبر في

[ 167 ]

العبادة - ولو على وجه الرجاء - في كل واحد من الاطراف غايته فقد قصد التمييز حينئذ وهو غير معتبر لعدم الدليل عليه. وعلى فرض الاعتبار فهو خاص بصورة التمكن منه، وأما مع العجز عنه - كما في أمثال المقام - فهو ساقط بلا اشكال. ومنه يظهر الحال في سائر ما أورده الماتن (قده) من الامثلة للفائتتين مختلفتي العدد. وأما إذا ترددت الفائتة اولا بين صلاتين متحدتي العدد، كظهر وعشاء، أو عصر وعشاء: أو صبح وعشاء بالنسبة إلى المسافر، أو ظهر وعصر، من يومين، أو كانت الفائتة صلاة واحدة مرددة بين صلاة الظهر وصلاة العصر، ولو من يوم واحد، فانه لا حاجة إلى التكرار في شئ من ذلك. بل انه يكفى في الاخير الاتيان باربع ركعات بقصد ما في الذمة كما انه يكفي فيما عداه الاتيان بصلاتين بنية الاولى في الفوات والثانية فيه. كما أن الفائتة لو كانت اكثر من اثنتين كان عليه أن يأتي بعددها بنية الاولى فالاولى. والوجه في ذلك كله: هو كفاية قصد القربة اجمالا في تحقق العبادة ولا حاجة إلى قصدها تفصيلا. وأن التمييز غير معتبر في ذلك. وهذا ظاهر فيما إذا تساوت الفائتتان من حيث الجهر والاخفات كما إذا ترددتا بين الصبح والعشاء في حق المسافر، أو الظهر والعصر من يومين. وكذا الحال مع الاختلاف في ذلك، كما إذا دار الامر بين العصر والعشاء، وذلك لسقوط اعتبار الجهر والاخفات في مفروض المقام. ويدل عليه.

[ 168 ]

أولا: صحيحة علي بن أسباط، عن غير واحد من اصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال " من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي، صلى ركعتين، وثلاثا، وأربعا " (1). فان الاكتفاء بأربع ركعات عن الفائتة المرددة بين الجهرية والاخفاتية يكشف عن سقوط اعتبار الجهر والاخفات في قضاء المرددة بينهما، كما في المقام، فانه يصدق على الاولى - بوصف كونها كذلك - انها مرددة بين العصر والعشاء - مثلا - من يوم واحد، وقد حكم الامام (عليه السلام) فيه بالاجتزاء باربع ركعات. وكذلك الحال في الفائتة الثانية، بوصف كونها كذلك. فينتج جواز الاتيان بصلاتين، بلا حاجة إلى التكرار لعدم اعتبار الجهر والاخفات حينئذ. هذا بحسب الدلالة. واما من حيث السند، فقد أشرنا في بعض المباحث السابقة ولاسيما عند التعرض لمرسلة يونس الطويلة إلى ان التعبير ب‍ (غير واحد من اصحابنا) أو (جماعة من اصحابنا) يكشف عن كثرة رواة الحديث بحيث يجد الراوي نفسه في غنى عن ذكر اسمائهم، وكون صدور الخبر بنظره مسلما ومفروغا عنه ولذلك اجمل في مقام التعبير عنهم. ومن البعيد جدا: أن يكونوا على كثرتهم كلهم ضعفاء، بل تطمئن النفس بوجود الثقة فيهم، ولا أقل من الواحد فلا يقاس ذلك بقوله: (عن رجل) أو (عمن اخبره) ونحوهما، للفرق الواضح بين التعبيرين كما لا يخفى. وعليه فلا يعامل مع هذه الرواية ونظائرها - كمرسلة يونس


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب قضاء الصلوات ح 1.

[ 169 ]

الطويلة - معاملة المراسيل، فالمناقشة فيها من حيث السند ساقطة أيضا. وأما علي بن اسباط نفسه فقد وثقه النجاشي صريحا. وتؤيدها: مرفوعة الحسين بن سعيد قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي من الصلوات لا يدري أيتها هي. قال يصلي ثلاثا واربعا وركعتين فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلى اربعا وان كانت المغرب أو الغداة فقد صلى (1) إلا انها لضعفها سندا لا تصلح إلا للتأييد. وثانيا: قصور المقتضي، حيث انه لا اطلاق لدليل اعتبار الجهر والاخفات يتناول المقام، فان عمدة المستند لذلك انما هي: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): " في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه، واخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه فقال: أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته، وعليه الاعادة. فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه، وقد تمت صلاته ". (2) وهي - كما تراها - صريحة في الدلالة على أن الناقض هو الاخلال بالجهر والا خفات عامدا، وأما إذا كان المصلي لا يدري بذلك فلا شئ عليه. ومن الواضح: أن القاضي صلاته في مفروض الكلام لا يدري أن الفائتة الاولى جهرية أو اخفاتية: وكذا الثانية، فلا يشمله صدر الرواية، بل يندرج ذلك تحت اطلاق الذيل. هذا وقد ذكرنا في بحث الاصول: انه لا مانع من أخذ العلم


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب قضاء الصلوات ح 2. (2) الوسائل: باب 26 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1.

[ 170 ]

[ (مسألة 17): لو فاتته الصلوات الخمس غير مترتبة (1) ولم يعلم السابق من اللاحق، يحصل العلم بالترتيب. بان يصلي خمسة أيام ولو زادت فريضة أخرى يصلي ستة أيام وهكذا كلما زادت فريضة زاد يوما (مسألة 18): لو فاتته صلوات معلومة سفرا وحضرا ولم يعلم الترتيب، صلى بعددها من الايام، لكن يكرر ] بالحكم في موضوع الحكم نفسه، لكن مع الاختلاف في المرتبة، بان يكون العلم بالحكم الانشائي ومرحلة الجعل مأخوذا في موضوع الحكم الفعلي ومرحلة المجعول وسيأتي - ان شاء الله تعالى - في شرح المسألة الحادية والعشرين ماله نفع في المقام. (1) بأن فاتته الصبح في يوم والظهر في آخر، والعصر في ثالث وهكذا مع عدم علمه بالسابق من اللاحق فانه لا يكاد يحصل العلم بالترتيب إلا بأن يصلي خمسة أيام. ولو زادت الفريضة الفائتة بواحدة ازداد عدد الايام أيضا بواحد، وهكذا. هذا، ولكن بناءا على ما ذكرناه وسيذكره الماتن (قده) ايضا فيما يأتي، من كفاية الاتيان عن الفائتة، المرددة بين الظهرين والعشاء، برباعية مرددة بينها يكتفى في المقام بثنائية: وثلاثية ورباعية مرددة بين الصلوات الثلاث لكل يوم، إذا كان الفوت حال الحضر، وإذا كان في السفر اكتفى - عن كل يوم - بثنائية مرددة بين الصبح والظهرين والعشاء، وثلاثية.

[ 171 ]

[ الرباعيات من كل يوم بالقصر والتمام (1) (مسألة 19): إذا علم أن عليه صلاة واحدة لكن لا يعلم أنها ظهر أو عصر، يكفيه اتيان اربع ركعات، ] (1) المفروض في هذه المسألة هو العلم بمقدار الفائت، كما إذا علم بأنه قد فاتته صلوات خمسة أيام - مثلا - بحيث لم يكن قد صلى في هذه المدة اصلا، مع العلم بانه كان حاضرا في بعض الخمسة ومسافرا في البعض الآخر، ومع العلم - أيضا - بعدد أيام السفر والحضر، لكنه جاهل بالسابق من اللاحق، فلا يدري بسبق السفر على الحضر أو العكس: وهو المراد بعدم العلم بالترتيب، ففي مثله لابد من قضاء صلوات خمسة أيام، مع مراعاة التكرار في الرباعية من كل يوم: بالجمع بين القصر والتمام، كما أفاده الماتن (قده). والوجه فيه: أن الرباعية في كل يوم من الايام الخمسة دائر أمرها بين القصر والتمام، لاجل العلم الاجمالي الناشئ من تردده في اليوم المذكور بين السفر والحضر، فبمقتضى العلم الاجمالي لابد له من التكرار، ولا ربط له بمسألة اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت، فان التكرار - كما ذكرناه - لازم سواء أقلنا باعتبار الترتيب أم لم نقل، فانه من آثار تنجيز العلم الاجمالي المتعلق بوجوب القصر أو التمام، كما عرفت. ومنه تعرف: انه لا يجري في المقام ما تقدم في المسألة السابقة من عدم الحاجة إلى التكرار والاكتفاء: في الفائتة حضرا بثنائية،

[ 172 ]

[ بقصد ما في الذمة (1). (مسألة 20): لو تيقن فوت احدى الصلاتين - من الظهر أو العصر لا على التعيين، واحتمل فوت كلتيهما - بمعنى أن يكون المتيقن احداهما لاعلى التعيين ولكن يحتمل فوتهما معا - فالاحوط الاتيان بالصلاتين، ولا يكفي الاقتصار على واحدة بقصد ما في الذمة، لان المفروض احتمال تعدده (2) الا أن ينوي ما اشتغلت به ذمته أولا، ] وثلاثية، ورباعية مرددة بين الظهرين والعشاء. وسفرا بثلاثية وثنائية مرددة بين الصبح والظهرين والعشاء، كما قيل. للفرق الواضح بين المسألتين موضوعا، فان المفروض في المسألة السابقة هو الترديد في الفائتة لعدم علمه بأن الفائتة في اليوم الاول أية فريضة من الفرائض اليومية الخمس، وهكذا بالنسبة إلى سائر الايام الخمسة، وهذا بخلاف المقام، حيث انه لا ترديد فيه في الفائتة نفسها، فانه عالم بفوت جميع الفرائض الخمس في كل من الايام الخمسة، إلا أن الترديد في الفائتة بلحاظ القصر والتمام، فالفائته معلومة من كل الجهات إلا من جهة القصر والتمام. وعليه فلا مناص من الجمع بين القصر والتمام، كما ذكره الماتن (قده). (1) لكفاية قصد العنوان الواقعي اجمالا وعدم لزوم قصده تفصيلا على ما مرت الاشارة إليه في مطاوي الابحاث السابقة. (2) إذا تيقن فوت احدى الصلاتين - كالظهرين - لا على التعيين

[ 173 ]

[ فانه - على هذا التقدير - يتيقن اتيان واحدة صحيحة والمفروض أنه القدر المعلوم اللازم اتيانه. ] مع عدم احتماله فوتهما معا، فلا اشكال في كفاية الاتيان برباعية بقصد ما في الذمة، كما تقدم آنفا وإذا انضم إلى ذلك احتمال فوتهما معا، فلا ينبغي الشك في عدم لزوم قضاء ما زاد على المتيقن به، لاجل الشك في تحقق ال‍ (فوت) الذي هو الموضوع لوجوب القضاء. فيرجع في نفيه إلى اصالة البراءة. أو قاعدة الشك بعد خروج الوقت، كما سيشير إليه الماتن (قده) في مطاوي المسائل الآتية. وعليه فلا يجب الاتيان باكثر من صلاة واحدة، إنما الكلام في كيفية الاتيان بها. فهل يصح الاتيان بقصد ما في الذمة. كما هو الحال في المسألة السابقة أولا؟ الظاهر هو الثاني. فان المفروض هنا هو احتمال التعدد فيما اشتغلت به الذمة واقعا. وحينئذ فيحتاج في مقام القضاء إلى التعيين ولو اجمالا، والمفروض عدم حصول التعيين حتى اجمالا بالقصد المذكور. بعد صلاحية انطباقه على كل من الصلاتين. ومن هنا أفاد الماتن (قده): أن اللازم حينئذ - أن ينوي ما اشتغلت به ذمته أولا، فانه عنوان متعين واقعا، لامتيازه عن غيره، فيحصل بقصده التعيين الاجمالي لا محالة، ومن المعلوم انه (قده) لا يريد بذلك الاول بوصف الاولية - أي الاول في باب الاعداد - لاستدعاء الاولية كذلك فرض وجود ثان له لكي يكون هذا اولا بالاضافة إليه، وهو غير معلوم على الفرض بل مراده

[ 174 ]

[ (مسألة 21): لو علم أن عليه احدى الصلوات الخمس، يكفيه صبح ومغرب، وأربع ركعات بقصد ما في الذمة، مرددة بين الظهر والعصر والعشاء، مخيرا فيها بين الجهر والاخفات (1) وإذا كان مسافرا يكفيه مغرب، وركعتان مرددة بين الاربع، وإن لم يعلم انه كان مسافرا أو حاضرا يأتي بركعتين مرددتين بين الاربع واربع ركعات مرددة بين الثلاث. مغرب. ] ذات الاول، بمعنى (ناقض العدم) والذي لم يكن مسبوقا بمثله حتى يجتمع ذلك مع احتمالي وحدة الفائتة وتعددها كما اطلق الاول - بهذا المعنى - على الباري سبحانه وتعالى. وكيفما كان، فالمكلف بهذا النحو من القصد يستطيع الاتيان بصلاة واحدة صحيحة، نظرا إلى تحقق التعيين الاجمالي بذلك. (1) لصحيحة علي بن اسباط المتقدمة (1) المؤيدة بمرفوعة الحسين ابن سعيد (2) وقد مر الكلام حول ذلك مستقصى في شرح المسألة السادسة عشرة فلاحظ. وحيث كان مفاد الصحيحة هو الاجتزاء بالرباعية المأتى بها عن كل رباعية فائتة، فهم منها - على سبيل القطع - عدم الخصوصية للمورد، وانه يجتزى ايضا بالثنائية المأتي بها عن كل ثنائية فائتة


(1) تقدم ذكرها ص 168. (1) تقدم ذكرها ص 169.

[ 175 ]

ولو كانت هي الظهرين ولعشاء في حال السفر. كالجمع بين الامرين لو لم يعلم انه كان حاضرا أو مسافرا. كما عرفت أيضا: أن المستفاد منها الغاء اعتبار الجهر والاخفات عند تردد الفائتة بين الجهرية والاخفاتية. ولاجل ذلك ذكرنا هناك ان من فاتته صلاتان متساويتان من حيث العدد مختلفتان من حيث الجهر والاخفات. ولم يعلم السابق منهما من اللاحق، لا يلزمه التكرار حينئذ - بناءا على اعتبار الترتيب في القضاء - بل يجزيه الاتيان بصلاتين، قاصدا بالاولى الفائتة أولا، وبالثانية الفائتة بعدها مخيرا فيهما بين الجهر والاخفات وذلك لتردد الاولى - بوصف كونها أولى - بين الجهر والاخفات وكذلك الحال في الثانية فيسقط إذا بمقتضى الصحيحة المتقدمة اعتبار الجهر والاخفات. هذا مضافا إلى قصور المقتضى، لاختصاص دليل اعتبارهما، الذي عمدته صحيحة زرارة (1) بحال العلم فينتفي اعتبارهما واقعا في حال الجهل والتردد. ولا مانع من أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، مع اختلاف المرتبة كما تقدم. وهل التخيير الثابت فيما ذكرناه مشروط بحصول الموافقة الاحتمالية للفائتة بان يجهر في إحدى الصلاتين ويخفت في الاخرى مخيرا بينهما فلا يجوز الاجهار أو الاخفات فيهما معا، لاستلزامه المخالفة القطعية إذ الفائتة مرددة بين جهرية وإخفاتية، فيكون الاتيان بالصلاتين معا جهرا أو اخفاتا مخالفة للواقع في احداهما قطعا؟ أو ان التخيير ثابت مطلقا حتى وان استلزم ذلك؟


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1.

[ 176 ]

الظاهر هو الثاني، لعدم حصول المخالفة القطعية إلا في موارد الاحكام الواقعية الثابتة في حالتي العلم والجهل، لامثل المقام مما كان الحكم فيه منوطا بحال العلم، ومنتفيا - ظاهرا وواقعا - في حال الجهل، كما دلت عليه صحيحة زرارة، على ما عرفت. وعليه فإذا أجهر مثلا في الصلاتين معا فقد علم بالمخالفة في إحداهما، إلا أن هذا العلم الحاصل فيما بعد لا أثر له ولا يترتب عليه تنجيز الحكم بعد فرض جهله بالجهر أو الاخفات حال الاتيان بالعمل. ففي ظرف الامتثال لم يثبت في حقه وجوب الجهر أو الاخفات، لاجل جهله، المانع عن توجه الحكم بالاضافة إليه، بعد فرض تقومه بالعلم. بل إنه - بهذا الاعتبار - لا يكون احتمال المخالفة، فضلا عن القطع بها كما لا يخفى. وعليه، فبعد قصور دليل الاعتبار عن الشمول لمثل ذلك، يشمله الاطلاق في صحيحة علي بن أسباط بطبيعة الحال. وهل يثبت التخيير حتى في الصلاة الواحدة. بان يجهر في إحدى الركعتين الاوليين ويخفت في الاخرى؟ مقتضى الاطلاق في صحيحة علي بن أسباط جواز ذلك: لكنه مشكل، للزوم المخالفة القطعية في شخص الصلاة للعلم، - اجمالا - بانها إما جهرية بتمامها، أو اخفاتية كذلك، فالتفكيك فيها بين الركعات مناف للعلم المذكور. وبكلمة اخرى: انه يتولد من العلم الاجمالي المذكور العلم - تفصيلا - ببطلان الصلاة، حيث يشمله قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه وأخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه: " أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته، وعليه

[ 177 ]

الاعادة.. " (1) إذ المراد من الموصول (الصلاة) فهو في هذه الصلاة يعلم بأنه إما أجهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه. أو اخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه، والمفروض انه فعل ذلك متعمدا، فعليه الاعادة. فلا يقاس المقام بالفرض المتقدم، لعدم العلم فيه - بالنسبة إلى كل صلاة - باعتبار الجهر أو الاخفات. ويمكن دفع الاشكال المذكور أيضا: بعدم وضوح ارادة الصلاة من الموصول. بل الظاهر أن المراد به هي القراءة، التي تتصف بالجهر والاخفات. فالعبرة بملاحظة القراءة في كل ركعة بحيالها لا مجموع الصلاة، ولا شك في أنه حين القراءة في كل من الركعتين غير عالم باعتبار الجهر أو الاخفات فيها، فيكون جاهلا باعتبارهما في كل من الركعتين كما هو الحال بالنسبة إلى كل من الصلاتين في الفرض السابق. فالمقتضي - إذا - قاصر في كلتا الصورتين، فيرجع إلى الاطلاق في صحيحة علي بن أسباط. ومع الشك والترديد في المراد من الموصول، وانه الصلاة أو القراءة، يكون المرجع - أيضا - هو إطلاق الصحيحة، لاجمال صحيحة زرارة المتقدمة، فال تنهض لتقييد الاطلاق. فتحصل: أن الاظهر هو سقوط اعتبار الجهر والاخفات في الفائتة المرددة، والحكم بثبوت التخيير في ذلك بين الجهر والاخفات مطلقا. هذا كله على تقدير الاعتبار الترتيب في قضاء الفوائت، المستلزم ذلك للترديد في كون الفائتة الاولى - بوصف كونها اولى - هل هي جهرية أو اخفاتية. وأما على تقدير عدم اعتباره - كما هو الصحيح.


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1.

[ 178 ]

[ (مسألة 22): إذا علم أن عليه اثنتين من الخمس مرددتين في الخمس من يوم (1)، وجب عليه الاتيان باربع صلوات، فيأتي بصبح ان كان أول يومه الصبح، ثم اربع ركعات مرددة بين الظهر والعصر، ثم مغرب، ] على ما تقدم - فاللازم مراعاة الجهر والاخفات لعدم الترديد في ذلك حينئذ. فمن فاتته ظهر وعشاء صلى الظهر اخفاتا والعشاء جهرا، وان علم بتأخر الاولى - في الفوت - عن الثانية، فضلا عما إذا كان جاهلا بالسابق منهما واللاحق، لعدم اعتبار الترتيب بين الصلاتين فلا يحصل الترديد بين الجهر والاخفات في القضاء: وهذه احدى الثمرات المهمة المترتبة على القولين، إذ تجب مراعاة الجهر والاخفات على القول بعدم اعتبار الترتيب، ويسقط ذلك بناءا على اعتباره. (1) لا يخفى: أن الفقيه ليس من شأنه الا بيان كبرى المسألة مثل: اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت وعدمه، والاكتفاء باربع ركعات عما فاته من الرباعية عند الجهل بحال الفائتة، وعدم اعتبار الجهر والاخفات في قضاء الفائتة المرددة بينهما، ونحو ذلك. واما تطبيق الكبريات على صغرياتها فليس ذلك من شأنه، بل لا عبرة بنظره في هذا الباب، وربما يشتبه الامر في ذلك عليه، كما وقع ذلك للماتن (قده) في هذه المسألة، والمسألة الثالثة والعشرين ولاجل ذلك لزمنا التنبيه على مواضع الاشتباه.

[ 179 ]

[ ثم اربع ركعات مرددة بين العصر (1) والعشاء وكان أول يومه الظهر، اتى باربع ركعات مرددة بين الظهر والعصر والعشاء (2)، ثم بالمغرب، ثم باربع ركعات مرددة بين العصر والعشاء (3)، ثم بركعتين للصبح. وان كان مسافرا يكفيه ثلاث صلوات، ركعتان مرددتان بين الصبح والظهر والعصر (4)، ومغرب ثم ركعتان مرددتان بين الظهر والعصر والعشاء (5) ان كان أول يومه الصبح. وان كان أول يومه الظهر: يكون الركعتان الاوليان مرددة بين الظهر والعصر والعشاء، والاخيرتان مرددتان بين العصر والعشاء والصبح. وان لم يعلم أنه كان مسافرا أو حاضرا أتى بخمس ] (1) وذلك لجواز كون الفائتتين هما الظهران، فتقع الاربع الاولى - حينئذ - ظهرا، والثانية عصرا. (2) لا حاجة إلى ملاحظة العشاء بعد فرض الاتيان بعد المغرب برباعية مرددة بينها وبين العصر. (3) وانما لم يذكر الظهر للاستغناء عنها - على تقدير فوتها - بالرباعية الاولى. (4) لاحتمال انطباق الفائتة الاولى على كل واحدة منها. (5) وانما لم يذكر الصبح للاستغناء عنها - على تقدير فوتها - بالثنائية الاولى، ومنه يظهر الوجه في الفروض الآتية.

[ 180 ]

[ صلوات فيأتي - في الفرض الاول - بركعتين مرددتين بين الصبح والظهر والعصر، ثم اربع ركعات مرددة بين الظهر والعصر ثم المغرب، ثم ركعتين مرددتين بين الظهر والعصر والعشاء، ثم اربع ركعات مرددة بين العصر والعشاء. وان كان أول يومه الظهر، فيأتي بركعتين مرددتين بين الظهر والعصر (1)، واربع ركعات مرددة بين الظهر والعصر والعشاء، ثم المغرب، ثم ركعتين مرددتين بين العصر والعشاء والصبح، ثم اربع ركعات مرددة بين العصر والعشاء. (مسألة 23): إذا علم أن عليه ثلاثا من الخمس، وجب عليه الاتيان بالخمس، على الترتيب، وان كان في السفر يكفيه أربع صلوات، ركعتان مرددتان بين الصبح ] (1) لابد من ضم العشاء ايضا، لجواز كون الفائتتين هما العشاء قصرا والصبح، وعلى ما في المتن لم يصح منه حينئذ الا العشاء فقط ولعل السقط من النساخ (1).


(1) واما ما أورد على المتن في المقام من عدم الحاجة إلى ملاحظة العشاء في الرباعية الاولى، لا غناء ملاحظتها في الرباعية الثانية، فيندفع بلزوم ملاحظتها، رعاية لاحتمال كون الفائتتين هما العشاء والصبح فانه على ما ذكره المورد لم يصح منه الا العشاء فقط.

[ 181 ]

[ والظهر، وركعتان مرددتان بين الظهر والعصر، ثم المغرب، ثم ركعتان مرددتان العصر والعشاء. وإذا لم يعلم انه كان حاضرا أو مسافرا، يصلي سبع صلوات، ركعتين مرددتين بين الصبح والظهر والعصر (1) ثم الظهر والعصر تامتين، ثم ركعتين مرددتين بين الظهر والعصر، ثم المغرب، ثم ركعتين مرددتين بين العصر والعشاء، ثم العشاء بتمامه. يعلم - مما ذكرناه - حال ما إذا كان أول يومه الظهر: بل وغيرها. (مسألة 24): إذا علم أن عليه اربعا من الخمس، وجب عليه الاتيان بالخمس على الترتيب. وان كان مسافرا فكذلك قصرا وان لم يدر انه كان مسافرا أو حاضرا، أتى بثمان صلوات، مثل ما إذا علم أن عليه خمسا، ولم يدر انه كان حاضرا أو مسافرا. ] (1) لا حاجة إلى ضم العصر هنا. للاستغناء عنها بضمها إلى الظهر في الثنائية الثانية، كما نبه الاستاد - دام ظله - عليه وعلى ما قبله في تعليقته الانيقة. ثم انه لا موجب لشرح ما افاه الماتن (قده) في مطاوي هذه المسائل، فانه بعد وضوح كبرى المسألة على ما تقدم والتدبر في الاستخراج والتطبيق لا طائل في التفصيل فلاحظ.

[ 182 ]

[ (مسألة 25): إذا علم أن عليه خمس صلوات مرتبة ولا يعلم أن اولها اية صلاة من الخمس، أتى بتسع صلوات على الترتيب، وان علم أن عليه ستا - كذلك - أتى بعشر وان علم أن عليه سبعا - كذلك - أتى باحدى عشر صلوات وهكذا. ولافرق بين أن يبدأ بأي من الخمس شاء، الا أنه يجب عليه الترتيب على حسب الصلوات الخمس إلى آخر العدد. والميزان: أن يأتي بخمس ولا يحسب منها إلا واحدة، فلو كان عليه أيام أو أشهر، أو سنة، ولا يدري أول ما فات. إذا أتى بخمس، ولم يحسب أربعا منها، يتيقن أنه بدأ بأول ما فات. (مسألة 26): إذا علم فوت صلاة معينة - كالصبح أو الظهر مثلا - مرات، ولم يعلم عددها، يجوز الاكتفاء بالقدر المعلوم على الاقوى (1). ] (1) وجوه المسألة - بل الاقوال - فيها - أربعة الاول: الاقتصار على المقدار المعلوم، كما هو المشهور، وهو الاقوى. وذلك لانحلال العلم الاجمالي الدائر بين الاقل والاكثر بالعلم التفصيلي بالاقل، والشك البدوي في الاكثر. وهل المرجع - في نفي الاكثر - أصالة البراءة، أو قاعدة

[ 183 ]

الحيلولة؟ ينبغي التفصيل في ذلك بين ما إذا كان احتمال الفوت مستندا إلى احتمال الغفلة أو النسيان أو العصيان ونحو ذلك، مما ينافي ظاهر حال المسلم، فالمرجع حينئذ - قاعدة الحيلولة. التي هي بمثابة قاعدة الفراغ وأصالة الصحة، في عدم الاعتناء بكل احتمال ينافي ظاهر الحال. فكما لا يعتني باحتمال ترك الجزء أو الشرط بعد الفراغ من العمل، كذلك لا يعتني باحتمال ترك الواجب بعد خروج الوقت لوحدة المناط، وهو منافاة الاحتمال المذكور لطبع المكلف الذي هو بصدد الامتثال. وبين ما إذا استند الاحتمال المذكور إلى سبب آخر كالنوم مثلا كما إذا انتبه من النوم الممتد، وشك في ان نومه استغرق يومين أو ثلاثة مثلا، فانه لا مجال - حينئذ - للرجوع إلى قاعدة الحيلولة، فانها انما تتكفل بنفي احتمال الفوت المستند إلى ما ينافي ظاهر الحال كما عرفت، وليس استمرار النوم إلى اليوم المشكوك فيه - بالنسبة إلى من استمر نومه - من هذا الباب، فليس المرجع حينئذ إلا أصالة البراءة عن وجوب قضاء الزائد على المقدار المتيقن به فان القضاء بأمر جديد، موضوعه ال‍ (فوت)، ولم يحرز ذلك في المقدار المشكوك فيه. بل الصحيح هو جريان البراءة عن وجوب الزائد حتى بناءا على القول بتبعية القضاء لاداء وعدم كونه بأمر جديد، بان يلتزم بتعدد المطلوب في الوقت. وذلك للشك في اصل حدوث. التكليف زائدا على المقدار المعلوم، نظرا إلى الشك في تحقق يوم آخر وقد نام فيه، زائدا على الايام المعلوم تحقق النوم فيها فيرجع - حينئذ -

[ 184 ]

[ ولكن الاحوط التكرار بمقدار يحصل منه العلم بالفراغ (1). خصوصا مع سبق العلم بالمقدار، وحصول النسيان بعده (2) وكذا لو علم بفوت صلوات مختلفة ولم يعلم مقدارها، لكن يجب تحصيل الترتيب بالتكرار في القدر المعلوم، بل وكذا - في صورة ارادة الاحتياط بتحصيل التفريغ القطعي. ] إلى البراءة دون الاستصحاب. (1) هذا هو القول الثاني، وقد اختاره صاحب الحدائق (ره) واستند في ذلك إلى قاعدة الاشتغال، بعد تنجز التكليف بالعلم الاجمالي الدائر بين الاقل والاكثر. ولكن يتوجه عليه، أن المحقق في محله هو انحلال العلم - في أمثال المقام - إلى علم تفصيلي بالمقدار الاقل الذي هو المتيقن، وشك بدوي في الزائد على ذلك، وحينئذ فيرجع في نفي الزائد إلى أصالة البراءة، أو قاعدة الحيلولة، لكون الشك بعد خروج الوقت. (2) هذا هو القول الثالث، وحاصله: التفصيل بين سبق التنجز وعروض النسيان بعده، وبين عدم السبق، كما لو انتبه من النوم الممتد فترة من الزمان، وشك في استمراره يومين أو ثلاثة - مثلا حيث انه لم يتنجز في حقه التكليف قبل حال الالتفات، فيحكم بوجوب الاحتياط في الاول. والاقتصار على المقدار المتيقن به في الثاني.

[ 185 ]

وقد بنى على ذلك شيخنا الاستاذ المحقق النائيني (قده) والوجه فيه - كما أفاده (قده) في مجلس البحث: انه - مع سبق العلم - قد تنجز التكليف في حق المكلف، وعروض النسيان بعد ذلك لا يوجب رفع التنجيز، فيكون احتمال الفوت في الزائد على المتيقن به احتمالا للتكليف المنجز، إذ هو على تقدير ثبوته فقد تنجز سابقا وإن لم يعلم به فعلا: والمرجع في مثل ذلك اصالة الاشتغال، دون البراءة. وجوابه ظاهر مما ذكرناه وقد ذكره (قده) هو أيضا غير مرة من دوران التنجيز مدار المنجز - بالكسر - حدوثا وبقاءا، ولا يغني الحدوث عن البقاء. حتى في العلم التفصيلي، فضلا عن العلم الاجمالي. فإذا علم بحرمة شئ، ثم زال العلم المذكور بالشك الساري أفهل يتوقف حينئذ في الرجوع إلى أصالة البراءة. ومن المعلوم أن العلم الاجمالي لا يزيد في ذلك على العلم التفصيلي فإذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين، ثم علمنا تفصيلا بنجاسة أحدهما بالخصوص، كان اللازم قبل حصول العلم الثاني الاجتناب عن كلا الاناءين، لاجل العلم الاجمالي المنجز، واما بعد حصوله وانحلال العلم الاجمالي، بانقلابه إلى علم تفصيلي وشك بدوي، فلا محالة يرجع في نفي المشكوك فيه إلى أصالة البراءة لفقد المنجز بالنسبة إليه بقاءا، وان كان ذلك موجودا بالنسبة إليه في وقت ما. وهذا هو الحال في محل الكلام، فان العلم انما كان منجزا في ظرف تحققه، وأما في هذا الحال وبعد انحلاله بعلم تفصيلي وشك بدوي فلا بقاء له كي يكون منجزا، ولا اثر للتنجيز السابق بعد زوال

[ 186 ]

موجبه، فيكون الشك في المقدار الزائد شكا في التكليف غير المنجز بالفعل، ويرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. وأما القول الرابع، وهو الاكتفاء بالظن بالفراغ، فقد نسبه في الحدائق - نقلا عن المدارك - إلى المقطوع به من كلام الاصحاب (قدهم)، معترفا بعدم ورود نص في ذلك، ولكنه غير واضح فان العلم الاجمالي الدائر بين الاقل والاكثر إن لم ينحل، وجب الاحتياط بمقدار يحصل معه العلم بالفراغ، عملا بقاعدة الاشتغال - كما اختار ذلك صاحب الحدائق (قده) ولا يكفي حينئذ الظن بالفراغ فان الاشتغال اليقيني يستدعي اليقين بالفراغ، ومع الظن به يبقى باب الاحتمال مفتوحا، وان كان الاحتمال موهوما وان انحل العلم الاجمالي - كما هو الاظهر على ما مر - فلا حاجة إلى تحصيل الظن، بل يكفي حينئذ الاقتصار على المقدار المتيقن به، وينفى الزائد - وان كان مظنونا - بالاصل، فهذا القول أردا الاقوال في المسألة، فانه إما لا يكفي الظن أو انه لا حاجة إليه، بعد عدم الدليل على حجيته، وكونه ملحقا شرعا بالشك. نعم هناك روايتان قد يستدل بهما على الاكتفاء بالظن في قضاء النوافل مع الجهل بعددها. احداهما: - صحيحة مرازم قال سأل اسماعيل بن جابر أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: اصلحك الله ان علي نوافل كثيرة فكيف أصنع؟ فقال: اقضها، فقال له انها اكثر من ذلك، قال اقضها قلت (قال) لا احصيها، قال توخ.. الحديث.

[ 187 ]

ثانيتهما: رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سألته عن الرجل نسي ما عليه من النافلة وهو يريد ان يقضي، كيف يقضي؟ قال يقضي حتى يرى انه قد زاد على ما يرى عليه واتم (1) بناءا على ارادة الظن من قوله (حتى يرى). إلا أنه لا وجه للتعدى عن موردهما - بعد الغض عن سند الثانية ودلالتها - للفرق الظاهر بين الفريضة والنافلة، فان العلم قد تعلق بالحكم الالزامي في الاول، فصار الحكم منجزا بذلك، وهذا بخلاف النافلة، حيث أنه لا إلزام فيها، فيمكن الحكم باستحباب القضاء في النوافل إلى ان يحصل الظن بقضاء كل ما فاته، فان ذلك نحو من الاحتياط الذي هو حسن على كل حال. وأما الفرائض فحيث كان الحكم الثابت فيها إلزاميا، كان اللازم - بناءا على عدم الانحلال - هو الخروج عن عهدته بدليل قاطع، وليس الاكتفاء بالظن هنا أولى منه هناك. نعم بناءا على الانحلال تتم الاولوية، فانه - بعد اشتراك الموردين في عدم الالزام بالنسبة إلى المشكوك فيه - إذا ثبت استحبابا الامتثال الظني في النوافل، ثبت ذلك في الفرائض بالاولوية، كما لا يخفى. ثم انه في المقام رواية ثالثة، باطلاقها تشمل الفرائض أيضا، والمظنون قويا انها هي المستند لفتوى المشهور بالاكتفاء بالفراغ، وهي: رواية اسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:


(1) الوسائل: الباب 19 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 1، 3

[ 188 ]

" سألته عن الصلاة تجتمع على. قال: تحر، واقضها ". (1) ولكنها ضعيفة السند بمحمد بن يحيى المعاذى الذي يروي عنه: محمد بن أحمد بن يحيى. فقد ضعفه الشيخ (ره) صريحا، واستثناه ابن الوليد - وتبعه الصدوق وابن نوح - من روايات محمد ابن أحمد بن يحيى. ودلالة، فان قوله: (تجتمع علي) بصيغة المضارع: ظاهر في الدوام والاستمرار، بمعنى: جريان العادة من اسماعيل بن جابر على ذلك، وهو بعيد جدا، بحيث لا يحتمل في حقه وهو الثقة الممدوح من اصحاب الصادقين (عليهما السلام) - أن تفوته الفرائض مكررا وعلى سبيل الاستمرار، بمثابة يصبح ذلك عادة له. فان من الظاهر: الفرق بين قول القائل: (اجتمعت..) بصيغة - الماضي، وبين قوله: (تجتمع..) بصيغة المضارع حيث يكون الثاني ظاهرا في الدوام والاستمرار. فلا مناص إذا من أن يكون المراد بالصلاة فيها النوافل خاصة، ولا مانع من تكرر فوتها منه عدة مرات في الاسبوع أو الشهر، كما يتفق ذلك كثيرا لغالب الاشخاص، وعليه فلا تدل الرواية على كفاية التحري وهو الاخذ بالاحرى، أي الظن بالنسبة إلى الفرائض أيضا بل الصحيح، أن الظن حينئذ اما غير كاف، أو غير، لازم، حسبما عرفت.


(1) الوسائل: الباب 19 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ح 2.

[ 189 ]

[ (مسألة - 27): لا يجب الفور في القضاء (1)، بل هو موسع ما دام العمر، إذا لم ينجر إلى المسامحة في أداء التكليف والتهاون به. ] فورية القضاء: (1) الكلام في فورية القضاء وعدمها، وأن القضاء هل يجب على سبيل المواسعة أو المضايقة؟ يقع من ناحيتين: (فتارة) يبحث من ناحية الوجوب الشرطي بالنسبة إلى فريضة الوقت، وانه هل يعتبر في صحة الحاضرة تفريغ الذمة عن القضاء ما لم يتضيق وقتها أولا؟ و (اخرى): يكون البحث فيها من ناحية الوجوب النفسي، وأنه هل تجب المبادرة إلى القضاء في حد نفسه، وان لم يدخل وقت صلاة الحاضرة بعد، أو انه موسع؟. والكلام - فعلا - متمحض في الناحية الثانية، وهو المناسب لباب القضاء بما هو كذلك، وهو المعروف ب‍ (بحث المواسعة والمضايقة). وأما الناحية الاولى فسيجئ البحث عنها - ان شاء الله تعالى - عند تعرض الماتن (قده) لها في المسألة التالية. وخلاصة القول: ان في المسألة جهتين من البحث، لابد من افراد كل منهما بالذكر وعدم خلط إحداهما بالاخرى، كما وقع ذلك في كثير من الكلمات، فنقول:

[ 190 ]

انه حكي عن غير واحد من الاصحاب (قدهم): وجوب المبادرة إلى القضاء، والقول بالمضايقة. بل نسبه في الحدائق إلى المشهور بين القدماء وبالغ بعضهم في ذلك حتى انه منع من الاشتغال بالاكل والشرب والكسب، إلا بمقدار الضرورة. ونسب إلى جماعة آخرين بل هو المشهور بين المتأخرين: القول بالمواسعة وعدم التضييق الا إذا أدى إلى المسامحة الموجبة للتضييع. ويستدل للقول بالمضايقة بأمور: أحدها -: قاعدة الاشتغال، وأصالة الاحتياط. ويتوجه عليه: ان وجوب المبادرة إلى القضاء أمر مشكوك فيه، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. وقد اطبق العلماء كافة الاصوليون والاخباريون على الرجوع إليها في الشبهة الحكمية الوجوبية، ولم ينقل الخلاف فيه إلا عن المحدث الاسترابادي، على ما ذكره شيخنا الانصاري (قده). والخلاف الواقع بين الفريقين انما هو في الشبهات الحكمية التحريمية دون الوجوبية التي منها المقام. ثانيها -: ان مقتضى الامر بالقضاء هو وجوب المبادرة إليه فان الامر بالشئ ظاهر في الفور. ويتوجه عليه: ما تقرر في محله: من عدم دلالة الامر لا على الفور ولا على التراخي، لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا، وانما مقتضاه ايجاد الطبيعة المأمور بها، مهملة من كلتا الناحيتين.

[ 191 ]

ثالثها -: قوله تعالى: (وأقم الصلاة لذكرى) (1)، بدعوى: ظهوره ولو بمعونة الروايات الواردة في تفسيره - في ارادة القضاء وان مفاد الآية الكريمة وجوب اقامة القضاء لدى التذكر، كما عن غير واحد من المفسرين. قلت: الاستدلال بالآية الكريمة للمضايقة - بدعوى ظهورها في نفسها، أو بضميمة الروايات في ذلك - عجيب. وإن صدر عن غير واحد. ويظهر ذلك بالنظر إلى الآيات التي سبقت الآية الكريمة. قال تعالى: (وهل اتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما اتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، إنني أنا الله لا اله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) (2). وهذه الآيات - كما ترى - نازلة في شأن موسى (عليه السلام) في بدء رسالته، وأول زمان نزول الوحي عليه، ولم يكن قد شرعت الصلاة ولا أي شئ آخر في ذلك الحين، فكيف يؤمر - والخطاب متوجه إليه - بقضاء الصلوات، والمفروض تفرعه على الامر بالاداء، في فرض ترك الاتيان به؟ ولم يؤمر هو - بعد - بشئ لما عرفت من كون الخطاب المذكور انما هو ضمن الآيات النازلة عليه في مبدأ النبوة فهل ترى: أن للقضاء أهمية عظمي دعت الباري


(1) سورة طه 14. (2) سورة طه 9 - 14.

[ 192 ]

- سبحانه - إلى الامر به في هذا الحال، مقدما على جميع التكاليف حتى الامر بالصلاة اداءا؟. على أن النبي موسى (عليه السلام) من انبياء الله العظام، وهو أحد الخمسة أولي العزم، فلا يكاد يغفل عن ربه طرفة عين، فكيف يحتمل في حقه ترك الصلاة الواجبة في وقتها، ولو كان ذلك لنوم أو نسيان ونحوهما، حتى يؤمر بالقضاء عند تذكر الفوت؟ كل ذلك غير واقع. بل الآية الكريمة ناظرة إلى تشريع طبيعي الصلاة، ولا مساس لها بباب القضاء، إما لاجل أن الغاية انما هو ذكر الله تعالى، الذي هو المقصد الاسمى من العبادة، أو لاشتمالها على الذكر، لتضمنها التحميد والتقديس، والركوع، والسجود، وكل ذلك خشوع وخضوع وذكر لله سبحانه وتعالى، فالاضافة في قوله تعالى: (لذكري) من اضافة المصدر إلى المفعول، والمعنى، لذكرك إياي، ولان تكون ذاكرا لي في كل حال. لامن اضافته إلى الفاعل ليكون المعنى: لذكرى إياك أنك تركت الصلاة، كي تدل على وجوب القضاء. فالانصاف: ان الآية الكريمة في نفسها - غير ظاهرة في وجوب القضاء، فضلا عن المبادرة إليه، بل هي اجنبية عن ذلك ودع عنك المفسرين يقولوا ما قالوا، ويفسروا الآية بما شاؤا إذا لا عبرة بآرائهم واستظهاراتهم، مادمنا نستمد الاحكام الشرعية من ظواهر القرآن الكريم بضميمة التفسير الوارد عن المعصومين (عليهم السلام). وقد عرفت: أن ظاهر الآية اجنبي عما ذكروه.

[ 193 ]

وأما الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) في تفسير الآية الشريفة، فما يوهم منها المعنى المذكور روايتان: احداهما: ما رواه الشيخ (قده) باسناد عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى، فان كنت تعلم انك إذا صليت التي فاتتك كنت من الاخرى في وقت، فابدأ بالتي فاتتك، فان الله عزوجل يقول: أقم الصلاة لذكري. ". (1) وهي ضعيفة السند بال‍ (قاسم بن عروة). ومع الغض عن السند، فالجواب عنها هو الجواب الآتي عن الرواية الثانية، فليتأمل. ثانيتهما: صحيحة زرارة - على ما عبر به الشهيد في الذكرى - عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " إذا دخل وقت مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة إلى أن قال - بعد نقل قصة تعريس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض أسفاره، ورقوده هو وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وقضائهم لها بعد التحول من المكان الذى أصابتهم الغفلة فيه -: من نسي شيئا من الصلوات فليصلها إذا ذكرها، فان الله عزوجل يقول، (واقم الصلاة لذكري.. ". (2) وأنت خبير، بأن الصحيحة ليست بصدد تفسير الآية الكريمة، وبيان ما هو المراد منها، بل غاية ما هناك: تطبيق الآية على موردها، باعتبار أن القضاء من جملة مصاديق الصلاة المأمور بها


(1) الوسلائل: باب 62 من أبواب المواقيت ح 2 (2) الوسائل: الباب 61 من أبواب المواقيت ح 6.

[ 194 ]

لاجل ذكر الله تعالى. فقد حث (صلى الله عليه وآله) الناس على قضاء ما فاتهم من الصلوات، مستشهدا له بالآية الكريمة الآمرة باقامة الصلاة، لكي يكون العبد ذاكرا لله تعالى وغير غافل عنه، بالاتيان بما فرضه الله عليه من الصلوات، أداءا وقضاءا. وكم فرق بين التفسير والتطبيق؟. فالانصاف: ان الاستدلال بالآية المباركة - بنفسها، أو بضميمة الروايات - للقول بالمضايقة في القضاء ساقط جدا: رابعها: الروايات، وهي على طوائف. منها: ما وردت فيمن نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس وأنه يقضيها حين يستيقظ. كصحيحة: يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس، أيصلي حين يستيقظ، أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال: يصلي حين يستيقظ، قلت: يوتر، أو يصلي الركعتين؟ قال: بل يبدأ بالفريضة ". وموثقة سماعة بن مهران، قال: " سألته عن رجل نسي أن يصلي الصبح حتى طلعت الشمس. قال: يصليها حين يذكرها، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم صلاها حين استيقظ، ولكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلى " (2).


(1) الوسائل: الباب 61 من أبواب المواقيت ح 3. (2) الوسائل: الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات ج 5.

[ 195 ]

وفيه: أن الباعث على السؤال في الروايتين انما هو تخيل الراوي المنع عن اقامة الصلاة حين طلوع الشمس، لما ورد عنهم (عليهم السلام) من النهي عن التنفل في الوقت المذكور. والمحمول على الكراهة، كما تقدم بيانه في محله. فقد توهم: شمول النهي المذكور - الذي اشتهر عندهم وكان مغروسا في اذهانهم - لمثل قضاء الفريضة، ولاجل ذلك تصدوا للسؤال عن جواز القضاء عند بزوغ الشمس، وقد أجاب (عليه السلام) بجوازه من غير انتظار انبساطها مستشهدا له بفعل الرسول (صلى الله عليه وآله)، فعلم بذلك أن النهي عن التنفل في الوقت المذكور غير شامل للفرائض. وخلاصة القول: ان الاستدلال بالروايتين مبني على أن يكون السؤال عن وجوب القضاء، وليس الامر كذلك وانما هو عن جوازه. لما عرفت. فقوله (عليه السلام): (يصلي حين يستيقظ) أمر واقع موقع توهم الحظر ومثله لا يدل إلا على الجواز، دون الوجوب. ومنها: جملة من الروايات - وفيها الصحاح - قد دلت على الاتيان بالقضاء متى ما ذكر الفائتة، من ليل أو نهار. أو إذا ذكرها، بحمل (إذا) على التوقيت. وأوضحها هي: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): انه سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسي صلاة لم يصلها، أو نام عنها. فقال: يقضيها إذا ذكرها، في أي ساعة ذكرها، من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض، ما لم يتخوف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت، وهذه أحق بوقتها فليصلها فإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى، ولا يتطوع بركعة حتى

[ 196 ]

يقضي الفريضة كلها " (1). وفيه: أن التضيق في هذه الروايات ناظر إلى بيان الوجوب الشرطي، وان الشرط في صحة الحاضرة أو التطوع انما هو فراغ الذمة عن القضاء، ما دام لم يفت به وقت الحاضرة. وهذه مسألة أخرى، أجنبية عما نحن بصدده الآن. فقد أشرنا في صدر البحث - إلى ان الكلام في المواسعة والمضايقة، يقع تارة في الوجوب النفسي واخرى في الوجوب الشرطي، والكلام فعلا معقود للجهة الاولى، وهذه الروايات غير دالة على الوجوب المذكور، كما لا يخفى. واما كلمة (إذا) في قوله (عليه السلام): (إذا ذكرها) فليست للتوقيت، لتدل على ظرف العمل وأنه حال الذكر، بل هي شرطية تدل على اختصاص فعلية التكليف بالحال المذكور. فيكون التقييد بالذكر من باب كونه شرطا للتكليف، لا من باب كونه ظرفا للعمل المكلف به، فهو قيد للوجوب لا للواجب. وقد ذكرنا في غير مورد اختصاص الاحكام الواقعية بحال الذكر والالتفات، وعدم ثبوتها في حق الناسي ومن هنا كان الرفع - في حديث الرفع - بالنسبة إلى ما لا يعلمون ظاهريا. ولذلك يحسن الاحتياط عند الجهل، وأما بالنسبة إلى غيره من المذكورات في سياقه كالخطأ، والنسيان، والاكراه، والاضطرار، وغير ذلك فهو واقعي فالتقييد بقوله (عليه السلام) (إذا ذكرها..) لبيان هذه النكتة وانه لا تكليف بالقضاء - حتى واقعا - ما دام لم يتذكر، وانما يبلغ التكليف المذكور حد الفعلية، ويتوجه نحو المكلف، في حال


(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات ح 3.

[ 197 ]

التذكر، من دون دلالة - لهذه النصوص - على أن ظرف العلم - اعني به القضاء - هو هذا الحال، كي تجب المبادرة إليه، أو أنه موسع كي لا تجب. وعلى الجملة: ان كلمة (إذا) في هذه الروايات شرطية لا توقيتية، فلا تدل على وجوب المبادرة، إلا على القول باقتضاء الامر للفور ولا نقول به. وقد عرفت: ان الصحيحة ناظرة إلى بيان الوجوب الشرطي، دون النفسي الذي هو محل الكلام. وسيأتي الكلام عليه. وأما عدم جواز التطوع لمن عليه الفائتة - الذي تضمنه ذيل الصحيحة - فقد مر الكلام عليه في بحث المواقيت، ولا نعبد. هذا كله، مع ان الضيق - الذي يدعيه القائلون بالمضايقة - إما أن يراد به الضيق الحقيقي: بمعنى: وجوب المبادرة في آن الالتفات وأول زمان التذكر، كما قد يظهر من بعض القائلين به، حيث انهم بالغوا في ذلك فالتزموا بالاقتصار على الضروري من المأكل والمشرب، والكسب، ونحو ذلك، ويساعده ظواهر النصوص المتضمنة لقوله (عليه السلام): (متى ذكرها) أو (إذا ذكرها). أو يراد به الضيق العرفي، الذي لا ينافيه التأخير اليسير، كساعة ونحوها. فعلى الاول، فالنصوص الواردة في نوم النبي (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الفجر - وقد تقدم ذكر بعضها - تكون حجة عليهم، بناءا على الاخذ بها، والالتزام بمضمونها. فانا تارة نبني على عدم العمل بالنصوص المذكورة وان صحت أسانيدها، لمنافاتها لمقام النبوة

[ 198 ]

سيما مع ملاحظة ما ورد في الاخبار في شأنه (صلى الله عليه وآله) من انه كانت تنام عينه ولا ينام قبله، فكيف يمكن ان ينام عن فريضة الفجر؟ فلا محالة ينبغي حملها على التقية، أو على محمل آخر. وأخرى، نبني على العمل بها، بدعوى: أن النوم من غلبة الله وليس هو كالسهو والنسيان المنافيين لقام العصمة والنبوة. ولاسيما بعد ملاحظة التعليل الوارد في بعض هذه النصوص. من أن ذلك إنما كان بفعل الله سبحانه رحمة على العباد، كي لا يشق على المؤمن لو نام اتفاقا عن صلاة الفجر. وعليه فتكون هذه النصوص منافية للتضييق الحقيقي، لدلالتها على انه (صلى الله عليه وآله) بعد انتباهه من النوم، واعتراضه على بلال، واعتذار هذا منه، أمر بالارتحال من المكان المذكور، ثم بعد ذلك أذن بلال، فصلى النبي (صلى الله عليه وآله) ركعتي الفجر، ثم قام فصلى بهم الصبح ومعلوم: أن هذه الامور السابقة على صلاة الصبح تستغرق برهة من الوقت، فلم يقع إذا قضاء الصبح أول آن التذكر. بل تأخر عنه بمقدار ينافي الضيق الحقيقي. وعلى الثاني: وهو أن يراد به الضيق العرفي. غير المنافي للتاخير بمقدار يسير فلا دليل على اعتبار مثله، فان ظواهر النصوص المستدل بها للتضيق إنما هو الضيق الحقيقي دون العرفي كما عرفت. نعم: إن صحيحة أبي ولاد - الواردة في حكم المسافر القاصد للمسافة وقد عدل عن قصده ذلك قبل الوصول إلى غايته، وصلى قصرا - ظاهرة في الضيق العرفي، لقوله (عليه السلام) فيها: " وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا، فان عليك أن تقضي كل

[ 199 ]

صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام، من قبل أن تؤم من مكانك ذلك.. " (1). حيث انه (عليه السلام) حكم بقضاء ما صلاه قصرا، إذا لم يبلغ المسافة، كما تقتضيه القاعدة أيضا، فان سفره حينئذ كان خياليا لا واقعيا. وحكم أيضا بلزوم ايقاع القضاء في المكان نفسه، قبل أن يخرج منه. فتكون الرواية دالة على التضيق العرفي في القضاء نظرا إلى تحديده بما قبل خروجه عن المكان، دون التضيق الحقيقي في أول آن التذكر هذا ولكن الصحيحة وان كانت قوية الدلالة على المضايقة، إلا أنها محمولة على الاستحباب في اصل القضاء، فضلا عن اعتبار التضيق فيه والاصحاب لم يعملوا بها في موردها، لاجل معارضتها لصحيحة زرارة قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده، فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين، فصلوا، وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال تمت صلاته ولا يعيد؟ " (2). فالمتحصل إلى هنا: ان ما استدل به للمضايقة من الروايات ساقط كله ولا يمكن التعويل على شئ من ذلك، فان العمدة فيها كانت صحيحتي زرارة وأبي ولاد، وقد عرفت حالهما، إذا فتكفينا - في المقام - اصالة البراءة.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب صلاة المسافر ح 1 (2) الوسائل: باب 23 من أبواب صلاة المسافر ح 1.

[ 200 ]

ادلة القول بالمواسعة: واذ قد عرفت ضعف ادلة القول بالمضايقة، يقع الكلام في أدلة القول بالمواسعة، ويستدل لذلك بأمور: احدها: اصالة البراءة، فان التضيق وايجاب المبادرة إلى الواجب - زائدا على اصل الوجوب - كلفة زائدة، وهي مجهولة، فتدفع بأصالة البراءة: ولكن التمسك بالاصل يتفرع على عدم تمامية شئ من ادلة القولين، وإلا فمع قيام الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة إلى الاصل العملي كما هو ظاهر. ثانيها: دليل نفي الحرج إذ الالتزام بالمضايقة ووجوب المبادرة سيما على النحو الذي يدعيه بعض القائلين بها، من الاقتصار على الضروريات، يتضمن الحرج الشديد، والمشقة العظيمة، مما ينفيه ادلة نفي الحرج. وفيه أولا: أن المنفي انما هو الحرج الشخصي دون النوعي، إذا الحرج موضوع للسقوط، لا أنه حكمة في الحكم به، كي لا يلزم فيه الاطراد، ويكتفى بما في نوعه الحرج، وعليه فالحكم تابع لتحقق الحرج الشخصي خارجا، وهذا مما يختلف باختلاف الاشخاص والحالات، وكمية القضاء، فلا يطرد في جميع الموارد، على سبيل الكبرى الكلية، فقد لا يستلزم المبادرة أي حرج، لقلة مقدار الفائتة، أو كان المكلف الخاص قادرا على المبادرة إلى قضاء الجميع

[ 201 ]

بدون أي حرج عليه، فليس له ضابط كلي. وثانيا: مع فرض كثرة الفوائت، واستلزام المبادرة للحرج، فلا ريب في سقوط وجوبها عن خصوص المرتبة البالغة حد الحرج، ولا مقتضي لسقوطه من الاول. وكأن المستدل تخيل: أن هناك امرا وحدانيا تعلق بالمبادرة إلى قضاء جميع الفوائت، على سبيل العام المجموعي، وحيث أن امتثال هذا الامر حرجي، فيسقط الامر بدليل نفي الحرج. وليس الامر كذلك بالضرورة، بل هناك أوامر متعددة انحلالية بعدد الفوائت - كما هو الحال في الامر بالاداء - والعسر والحرج انما يلاحظان في كل تكليف بحياله، لا منضما إلى الآخر، فإذا كانت الفوائت ألفا - مثلا - فطبعا تكون أوامر بالمبادرة بعددها، فإذا فرضنا: أن المبادرة إلى قضاء الالف حرجي، دون البدار إلى قضاء عشرة منها فلا محالة يسقط وجوب المبادرة إلى ما هو مورد الحرج، دون العشرة التي لا حرج فيها، كما هو ظاهر. وثالثا: ان دليل نفي الحرج غير جار في المقام اصلا، فانه كدليل نفي - الضرر - إنما يجري ويكون حاكما على أدلة التكاليف الواقعية، فيما إذا كان التكليف بالاضافة اليهما لا بشرط، فيكون الدليلان موجبين لتخصيصها بغير موارد الحرج والضرر كما لو اتفق لزوم الحرج أو الضرر من الوضوء - مثلا - حيث يسقط وجوب الوضوء الحرجي أو الضرري، ويختص ذلك بغير الموردين. وأما إذا كان التكليف مما قد شرع في مورد الحرج - كالجهاد -

[ 202 ]

أو الضرر - كالخمس (1) والزكاة - فكان ملحوظا بالاضافة اليهما بشرط شئ، فلا يكاد يجري في مثله دليل نفي الحرج أو الضرر. والمقام من هذا القبيل، فان ادلة القول بالمضايقة - على تقدير تماميتها - انما كان مفادها وجوب المبادرة إلى القضاء الذي - هو في نفسه - حكم حرجي، فكيف يمكن رفعه بدليل نفي الحرج؟. ثالثها: قيام السيرة من المتشرعة على عدم المبادرة إلى القضاء، فانه قل من لا تكون ذمته مشغولة بها - ولاسيما في أوائل البلوغ - ومع هذا نراهم يشتغلون بالكسب، ويتعاطون امورهم العادية، من دون مبادرة منهم إلى القضاء. فجريان السيرة على ذلك خلفا عن سلف، المتصلة بزمان المعصوم (عليه السلام) خير دليل على العدم. وفيه ما لا يخفى، فان السيرة الجارية - عند الاكثر - مستندها هي المسامحة وعدم المبالاة بأمر الدين، ولاجل ذلك تراهم لا يبادرون الا القليل إلى تفريغ الذمة عن حقوق الناس، التي لا اشكال في فوريتها. وعلى الجملة: ان كان مورد السيرة المدعاة هم المتشرعة فهي ممنوعة. وان كان الاعم منهم وممن لا يبالي بالدين. فهي مرفوضة. رابعها: وهو العمدة الاخبار الواردة، ولنذكر المهم منها، معرضين عن الباقي الذي، منه: ما ورد في نوم النبي (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الفجر، وأمره (صلى الله عليه وآله) بالارتحال - بعد الانتباه - عن ذلك المكان، والقضاء في مكان آخر، وقد مرت الاشارة إلى بعض ذلك، وقلنا: ان هذه الروايات - وان تمت


(1) تشريع الخمس لم يكن من الاحكام الضرورية عند سيدنا الاستاذ (دام ظله) ولتوضيح الحال راجع مصباح الاصول ج 2 ص 539.

[ 203 ]

دلالة وسندا - مما يشكل الاعتماد عليها، والتصديق بمضمونها، فلابد من رد علمها إلى اهله أو حملها على بعض المحامل، كالتقية ونحوها. وكيفما كان، فالمهم - من بين الاخبار التامة سندا ودلالة - صحيحتان: احداهما: صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ان نام رجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء، أو نسي، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما - كلتيهما - فليصلهما، وإن خشى أن تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة. وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر: ثم المغرب، ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس. فان خاف أن تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصل المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ثم ليصلها " (1). وقد ذكرنا - في بحث المواقيت أن صدر الصحيحة يدل على امتداد وقت العشاءين إلى طلوع الفجر، ولذلك أمره (عليه السلام) بالاتيان بهما معا إذا استيقظ قبل الطلوع، مع سعة الوقت، والا فيأتي بالعشاء خاصة لاختصاص الوقت من آخره بها. وكيف كان، فمحل الاستشهاد قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة: " فان خاف أن تطلع الشمس.. " فقد أمر (عليه السلام) بتأخير العشاء حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها. ومن الظاهر أن السبب في التأخير انما هو تجنب الحزازة الثابتة في هذا الوقت حيث تكره الصلاة عند طلوع الشمس وظهور شعاعها. كما ورد


(1) الوسائل: باب 62 من أيواب المواقيت ح 3

[ 204 ]

النهي عن ذلك في غير واحد من النصوص، المحمول على الكراهة قطعا، إذ لا قائل منا بالتحريم، ومنه تعرف أن الامر بالتأخير استحبابي، حذرا عن حزازة الوقت، لا أنه لزومي، والا فالقضاء مشروع في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، كما دل عليه صحيحة زرارة المتقدمة. وعلى الجملة: فلو كانت المبادرة واجبة - كما يدعيه القائل بالمضايقة - لما حكم (عليه السلام) بالتأخير حذرا عن حزازة الوقت، فهل يمكن أن يكون تجنب المكروه مسوغا لترك الواجب؟ فالرواية لا تلائم القول بالمضايقة بوجه، وإنما تكشف عن المواسعة في القضاء. الثانية: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إذا نسيت صلاة، أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولهن فأذن لها وأقم ثم صلها، ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة.. ". (1) وهذه الرواية واردة لبيان كيفية قضاء الفرائض من حيث الاذان والاقامة، والخطاب فيها متوجه إلى زرارة، ومعلوم: ان ذلك مما لا يحسن إلا بفرض فوائت اشتغل بها ذمة المخاطب - وهو زرارة في الفرض - ولم يبادر إلى قضائها، وحينئذ قام الامام (عليه السلام) بتعليمه كيفية القضاء من حيث الحاجة إلى الاذان والاقامة، فلو كانت المبادرة واجبة والقضاء فوريا لما حسن فرض الاخلال به من مثل زرارة - وهو على ما هو عليه من العظمة والجلالة - ولما صح


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 205 ]

للامام (عليه السلام) ان يدع ذلك دون أن يستنكره منه ويعترض عليه، بل يقتصر على بيان الكيفية من دون ان يستقبح منه ترك الواجب، أو يلومه عليه، على اقل التقديرين. فينكشف من ذلك عدم وجوب المبادرة إلى القضاء، وابتناء الحاكم فيه على المواسعة، بحيث كان التأخير فيه وعدم المبادرة إليه امرا متعارفا عاديا لا يضر صدوره حتى من مثل زرارة. ويؤكد ذلك بل يدل عليه: ذيل الصحيحة - الذي هو في قوة التصريح بالمواسعة - حيث قال: " وان خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب، فصل الغداة، ثم صل المغرب والعشاء، ابدا بأولهما لانهما جميعا قضاء، ايهما ذكرت فلا تصلهما إلا بعد شعاع الشمس. قال: ولم ذاك؟ قال لانك لست تخاف فوتها. فانه (عليه السلام) بعدما حكم بتأخير الصلاتين عن شعاع الشمس المبتني على التجنب عن حزازة الوقت كما اشرنا إليه سابقا. وبعد استفسار زرارة عن السبب والعلة في ذلك - أجاب بقوله: " لانك لست تخاف فوتها " ومرجعه إلى أن قضاء الصلاتين موسع لا تضييق فيه كي تخاف الفوت، والاعتبار في المبادرة انما هو بخوف الفوت وحيث لافوت هنا - فكان الاحرى هو تجنب الاتيان به عند شعاع الشمس، حذرا من الكراهة الثابتة في هذا الوقت. وهذا - كما ترى - كالتصريح بالمواسعة: فلو سلمنا تمامية اخبار المضايقة، فهي معارضة بهاتين الصحيحتين الصريحتين فيها، فلتحمل تلك الاخبار على الاستحباب لو تمت دلالتها، كيف وهي غير تامة الدلالة في حد انفسها، كما عرفته مستقصى.

[ 206 ]

[ (مسألة 28): لا يجب تقديم الفائتة على الحاضرة (1) فيجوز الاشتغال بالحاضرة - في سعة الوقت - لمن عليه القضاء، وان كان الاحوط تقديمها عليها. ] فتحصل: أن المبادرة وان كانت احوط واولى الا ان الاقوى هو المواسعة ما لم تؤد إلى المسامحة في امتثال التكليف والتهاون بشأنه، وإلا وجب الفور لخوف الفوت. تقديم الفائتة على الحاضرة: (1) تقديم الكلام في مسألة المواسعة والمضايقة من جهة الوجوب النفسي: واما من ناحية الوجوب الشرطي: اعني اشتراط تقديم الفائتة وتفريغ الذمة عنها في صحة الحاضرة ما لم يتضيق وقتها فقد نسب إلى المشهور - تارة - الاشتراط، وأخرى: عدمه. والقائلون بالعدم، بين من حكم باستحباب تقديم الفائتة على الحاضرة، وبين من عكس فحكم بأن الافضل تقديم صاحبة الوقت. وكيفما كان فقد استدل للاشتراط (تارة): باصالة الاشتغال فانا نحتمل وجدانا - اشتراط صحة الحاضرة بتقديم الفائتة، ولا يكاد يحصل اليقين بالفراغ عن التكليف اليقيني بالحاضرة بدون مراعاة الشرطية المحتملة: ويندفع: بما هو المحقق في محله، من الرجوع إلى اصالة البراءة

[ 207 ]

عند الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين. واخرى بالروايات: فمنها: رواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت اخرى، فان كنت تعلم أنك إذا صليت التي فاتتك كنت من الاخرى في وقت. فابدأ بالذي فاتتك، فان الله عزوجل يقول: أقم الصلاة لذكرى.. " (1). فان الامر بتقديم الفائتة على الحاضرة يكشف، عن دخل ذلك في صحة الحاضرة ويتوجه عليه: أولا: أن الرواية ضعيفة السند بال‍ (قاسم) بن عروة)، وان عبر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات. وثانيا: انها قاصرة الدلالة على الوجوب الشرطي. وانما تدل على الوجوب النفسي، الذي مر البحث عنه سابقا، نظرا لكونها مسوقة لبيان حكم الفائتة في حد نفسها، وانها مما يلزم الابتداء بها - إما وجوبا أو استحبابا - على الخلاف المتقدم وليست هي بصدد بيان حكم الحاضرة كي تدل على الاشتراط بوجه. ثم انك قد عرفت فيما سبق: ان الرواية في موطن دلالتها - وهو حكم الفائتة في حد نفسها - محمولة على الاستحباب. ولكن لو فرضناها دالة على الوجوب النفسي ايضا لم يكن يستفاد منها فساد الحاضرة الا بناءا على القول باقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده، ولا نقول به، بل غايته عدم الامر بالضد، فيمكن تصحيح العبادة - حينئذ - بالملاك، أو بالخطاب الترتبي.


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 208 ]

ومنها: رواية أبي بصير قال: " سألته عن رجل نسي الظهر حتى دخل وقت العصر، قال: يبدأ بالظهر، وكذلك الصلوات. تبدأ بالتي نسيت، إلا أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها، ثم تقتضي التي نسيت " (1). حيث دلت على لزوم البدءة بالصلاة المنسية وتقديمها على الحاضرة. ويرد عليه أولا: انها ضعيفة السند: ب‍ (سهل بن زياد) و (محمد ابن سنان). وثانيا: انها على خلاف المطلوب ادل. فان المراد بالوقت - في قوله (عليه السلام) يخرج وقت الصلاة -. هو وقت الفضيلة دون الاجزاء، ولو بقرينة الوقت المذكور في الصدر، اعني قوله (عليه السلام): حتى دخل وقت العصر: فان المراد بنسيان الظهر حتى دخل وقت العصر نسيانها في وقتها الفضلي. أو الوقت الاول الاختياري في مقابل الوقت الثاني الاضطراري، على الخلاف المتقدم في بحث الاوقات، لاوقت الاجزاء الممتد إلى مقدار أربع ركعات من آخر الوقت، الذي هو الوقت الاختصاصي للعصر، للزوم البدءة - حينئذ - بالعصر بعد خروج وقت الظهر، فكيف يحكم (عليه السلام) بالبدءة بالظهر؟. فالمراد بالوقت هو وقت الفضيلة، أو الوقت الاول، وحينئذ فيبدأ بالظهر مراعاة للترتيب، مع فرض امتداد وقتهما إلى الغروب فيكون المراد بالوقت في قوله (عليه السلام): " إلا أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة.. " - بمقتضى السياق واتحاد الذيل مع الصدر -


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب المواقيت ح 8.

[ 209 ]

هو وقت الفضيلة كما عرفت. وعليه: فيكون مفاد الرواية. ان من تذكر - في وقت فضيلة المغرب - فوات العصر مثلا، فانه يبدأ بالعصر، إلا إذا خاف من تقديمها خروج وقت الفضيلة، فانه يقدم المغرب حينئذ، فتكون قد دلت على تقديم الحاضرة على الفائتة، دون العكس الذي هو المطلوب. وثالثا: إنها ناظرة إلى بيان حكم الفائتة في نفسها - كما مر ذلك في الرواية الاولى - ومفادها محبوبية البدءة بالفائتة، لزوما أو استحبابا ولا تعرض فيها لبيان حكم الحاضرة كي تدل على الشرطية. ومنها: رواية معمر بن يحيى قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة، ثم تبينت القبلة، وقد دخل وقت صلاة اخرى. قال: يعيدها قبل أن يصلي هذه التي قد دخل وقتها.) (1). فانها محمولة على من صلى إلى غير القبلة بدون عذر أو كانت صلاته إلى نقطتي المشرق أو المغرب. أو مستدبر القبلة. فان من صلى إلى ما بين المشرقين، وكان معذورا في ذلك كانت صلاته صحيحة لا تحتاج إلى الاعادة، لما ورد عنهم (عليهم السلام): " من أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ". وكيفما كان: فقد حكم (عليه السلام) بلزوم البدءة بتلك الصلاة الواقعة على غير جهة القبلة، ثم الاتيان بالصلاة الاخرى التي قد دخل وقتها. وفيه أولا: انها ضعيفة السند، لضعف طريق الشيخ إلى الطاطري


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب القبلة ح 5.

[ 210 ]

بعلي بن محمد بن الزبير القرشي. وثانيا: انها غير ناظرة إلى الفوائت، فان الظاهر منها هو دخول وقت الفضيلة للصلاة الاخرى، حسبما كان المتعارف في تلك العصور من تفريق الصلوات على حسب أوقات الفضيلة، كما قد يشعر بذلك تعبيره (عليه السلام): (ثم يعيدها.) حيث يكشف ذلك عن بقاء وقت الاجزاء للصلاة التي وقعت على غير جهة القبلة، وإلا عبر عنه بقوله: (يقضيها) الدال على خروج الوقت وفوت الفريضة. وقد تكرر في الروايات مثل هذا التعبير - اعني خروج الوقت ودخول وقت صلاة أخرى - ويراد به: خروج وقت الفضيلة لصلاة ودخول وقتها لاخرى. فالحكم بتقديم تلك الصلاة على الاخرى في الرواية من اجل بقاء وقتيهما ولزوم مراعاة الترتيب. لا لخروج وقت الاولى وتقديم الفائتة على الحاضرة، فهي أجنبية عن محل الكلام. فهذه الروايات الثلاث ضعيفة السند. بالاضافة إلى قصور الدلالة ومنها: صحيحة صفوان، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: " سألته عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلى العصر فقال: كان أبو جعفر - أو كان أبى - (عليه السلام) يقول: ان أمكنه أن يصليها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، وإلا صلى المغرب ثم صلاها " (1) وهي صحيحة السند، فان (محمد بن اسماعيل) وان كان مرددا بين الثقة وغيره، لكن الذي يروي عن الفضل بن شاذان ويروي عنه الكليني (قده) كثيرا، هو الثقة لبعد إكثاره الرواية


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب المواقيت ح 7.

[ 211 ]

عن غير الثقة، مع أن كتاب (الكافي) مشحون بمثل هذا السند مضافا إلى وجود السند بعينه ضمن اسانيد (كامل الزيارات) فلا مجال للتوقف في سندها، لت على لزوم تقديم فائتة الظهر على المغرب عند التمكن منه. ويتوجه عليه: ان الرواية على خلاف المطلوب أدل، إذ المفروض فيها هو كون نسيان الظهر مغيى بغروب الشمس، كما يقتضيه قوله: " حتى غربت الشمس. " فينتفى النسيان لا محالة بعد الغروب، حيث يكون متذكرا لها آنذاك، فكيف يجتمع هذا مع قوله (عليه السلام): " إن امكنه أن يصليها قبل أن تفوته المغرب. "؟ مع امتداد وقت المغرب إلى منتصف الليل، بل إلى الفجر على الاظهر، وان كان آثما في التأخير، فانه متمكن من البدءة بالظهر الفائتة - حين تذكره لها - قبل الشروع في المغرب، لامتداد وقتها. كما عرفت فمع سعة وقت المغرب لا مجال للترديد الذي تضمنته الصحيحة. فيظهر من ذلك: ان المراد من فوت المغرب فوت وقت فضيلته نظرا إلى أن الوقت المذكور قصير ينتهي بذهاب الشفق وانعدام الحمرة المشرقية، بحيث لا يزيد مجموعه على خمس وأربعين دقيقة تقريبا ومن الجائز أن لا يتيسر للمكلف الجمع بين قضاء الظهر وإدراكه فضيلة المغرب، لاشتغاله بمقدمات الصلاة من الوضوء أو الغسل وتطهير البدن أو اللباس، ونحو ذلك ويجوز ايضا امكان الجمع بين الامرين، لاجل تحقق هذه المقدمات قبل الغروب، ولاجل ذلك حسن الترديد والتشقيق، فالمراد خوف فوات وقت فضيلة المغرب

[ 212 ]

قطعا، لاوقت اجزائها. وعليه فيكون مفاد الصحيحة، انه لدى خوف الفوت تتقدم المغرب على الظهر الفائتة، دون العكس الذي هو المطلوب، فهي على خلاف ما ذهب إليه القائل ادل. كما ذكرنا. وعلى الجملة: ان الصحيحة تنظر إلى بيان حكم الفائتة، وان البدءة بها محبوبة، ما لم يزاحمها المحبوبية من جهة اخرى: وهي ادراك وقت الفضيلة للحاضرة، وإلا قدمت الثانية، وليست مسوقة لبيان حكم الحاضرة كي تدل على اشتراط سبقها بالفائتة. ومنها: صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة اخرى، فقال: إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلى حين يذكرها، فإذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي، وان ذكرها مع امام في صلاة المغرب أتمها بركعة. ثم صلى المغرب، ثم صلى العتمة بعدها " (1). فانها باطلاقها تشمل ما إذا كانت المنسية والحاضرة في وقت واحد كالظهرين والعشاءين، أو في وقتين، كالعصر والمغرب. وقد دلت على لزوم البدءة بالاولى، وتقديم الفائتة على الحاضرة، حتى انه لو كان مشغولا بالحاضرة لعدل منها إلى الفائتة. ويتوجه عليه انها ايضا قاصرة الدلالة، فان لزوم البدءة بالمنسية فيما إذا اتحد وقتها مع الحاضرة كلزوم العدول فيما لو تذكر وهو في الاثناء. إنما يكونان بحسب الظاهر لمراعاة الترتيب المعتبر بين الصلاتين، وهذا خارج عن محل الكلام.


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 213 ]

وأما بالنسبة إلى مختلفتي الوقت - كالعصر والمغرب - فظاهر قوله (عليه السلام) " فإذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي. " وان كان في بادئ النظر هو لزوم تقديم الفائتة على الحاضرة وكونه شرطا في صحتها والا لم يكن موجب للعدول. إلا أن التأمل في صدر الصحيحة يقضي بخلافه، فانه (عليه السلام) ذكر أولا " انه إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلى حين يذكرها..) فقد بين (عليه السلام) بهذا الكلام حكم الفائتة في حد ذاتها. وأن المبادرة إليها حينما يذكرها محبوبة لزوما أو استحبابا، على الخلاف المتقدم في مسألة المواسعة والمضايقة. ثم انه (عليه السلام) فرع على ذلك قوله: " فإذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي.. " إيعازا إلى أن محبوبية المبادرة إلى الفائتة التي دل عليها صدر الرواية باقية، حتى ولو كان التذكر في الاثناء، مع امكان التدارك بالعدول إلى الفائتة بل ولو كان في صلاة المغرب مع الامام وذلك بأن يضيف ركعة إلى ما اتى به ويجعلها الفائتة. ثم يأتي بالمغرب منفردا دفعا لما قد يتوهم من عدم امكان التدارك بعد الدخول في الحاضرة، فيكون الامر بالعدول واردا مورد توهم الحظر، وهو لا يدل الا على الجواز دون الوجوب. وعلى الجملة: ان الصحيحة مسوقة لبيان حكم الفائتة في حد ذاتها وان البدار إليها حينما يذكرها محبوب مطلقا، في أي مورد ذكرها ولو كان ذلك بعد دخول وقت الحاضرة. وبعد الاشتغال بها. مع امكان العدول. والتفريع الوارد فيها مترتب على هذا الحكم، وليست بناظرة إلى حكم الحاضرة. واعتبار الترتيب بينها وبين الفائتة تعبدا

[ 214 ]

مع الغض عن محبوبية البدءة بالفائتة في حد ذاتها، كي يستفاد منها اشتراط الحاضرة بسبق الفائتة. ومنها: - صحيحة زرارة الطويلة: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إذا نسيت صلاة، أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات، فابدا بأولهن فأذن لها وأقم ثم صلها، ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة. وقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): وان كنت قد صليت الظهر: وقد فاتتك الغداة فذكرتها، فصل الغداة أي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر، ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها. وقال: إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر: فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك، فانوها الاولى، ثم صل العصر، فانما هي اربع مكان اربع. وان ذكرت أنك لم تصل الاولى. وانت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين، فانوها الاولى ثم صلى الركعتين الباقيتين، وقم فصل العصر، وان كنت قد ذكرت أنك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها، فصل العصر، ثم صل المغرب. فان كنت قد صليت المغرب، فقم فصل العصر. وان كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر، فانوها العصر، ثم قم فأتمها ركعتين، ثم تسلم، ثم تصلي المغرب، فان كنت قد صليت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم فصل المغرب وإن كنت ذكرتها وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين. أو قمت في الثالثة، فانوها المغرب، ثم سلم ثم قم فصل العشاء الآخرة فان كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر، فصل العشاء

[ 215 ]

الآخرة، وان كنت ذكرتها وانت في الركعة الاولى وفي الثانية من الغداة، فانوها العشاء ثم قم فصل الغداة، وأذن وأقم، وان كانت المغرب والعشاء قد فاتتك جميعا: فابدأ بهما قبل أن تصلي الغداة، أبدأ بالمغرب. ثم العشاء، فان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدأت بهما: فابدأ بالمغرب. ثم صل الغداة، ثم صل العشاء. وان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدأت بالمغرب. فصل الغداة، ثم صل المغرب والعشاء، ابدأ بأولهما، لانهما جميعا قضاء، ايهما ذكرت فلا تصلهما إلا بعد شعاع الشمس. قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لانك لست تخاف فوتها " (1). ومحل الاستشهاد بالرواية ثلاث فقرات منها: الاولى - قوله (عليه السلام): " وإن كنت قد ذكرت انك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب، ولم تخف فوتها: فصل العصر، ثم صل المغرب.. " حيث دل على لزوم تقديم العصر الفائتة على المغرب ما لم يخف فوتها. ويتوجه عليه أولا: ان المراد من (خوف فوت المغرب) فوتها في وقت الفضيلة دون الاجزاء كما تقدم، فان الغالب. بل الشائع في تكلم العصور هو تفريق الصلوات الخمس اليومية، بالاتيان بكل واحدة منها في وقت فضيلتها. وعليه فيكون مفاد الفقرة: انه لدى خوف فوت وقت فضيلة المغرب يقدم المغرب على الفائتة، فتكون - إذا - على خلاف المطلوب أدل. وثانيا: ان المنظور إليه في الصحيحة كما يشهد به قوله (عليه السلام)


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت، ح 1.

[ 216 ]

في صدر الرواية: " وقد فاتتك الغداة فذكرتها. فصل الغداة أي ساعة ذكرتها ولو بعد العصر ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها " بيان حكم الفائتة في حد نفسها، وان البدءة بها - متى ما ذكرها - محبوبة، وجوبا أو استحبابا، وأن المبادرة إليها في أي ساعة ذكرها أمر. مرغوب فيه، بنحو اللزوم أو الندب، على الخلاف المتقدم في مسألة المواسعة. والمضايقة. فهذه الفقرة وما يضاهيها من فقرات الرواية متفرعة على هذا الحكم، ومبتنية على هذا الاساس وليست الصحيحة ناظرة إلى بيان حكم الحاضرة من حيث هي، كي تدل على اشتراط الترتيب بين الفائتة والحاضرة تعبدا. مع قطع النظر عن تلك المسألة. فان سياقها يشهد بعدم كونها في مقام البيان من هذه الناحية أصلا كما ذكرنا ذلك في صحيحة عبد الرحمان لتوافقهما مضمونا من هذه الناحية، والجواب هنا بعينه هو الجواب هناك الثانية: قوله (عليه السلام) " وان كنت قد صليت من المغرب ركعتين، ثم ذكرت العصر، فانوها العصر. " حيث حكم (عليه السلام) بالعدول من الحاضرة إلى الفائتة فيما إذا كان التذكر في الاثناء فأنه لولا اعتبار الترتيب بين الامرين لم يكن وجه للحكم بالعدول. ويتوجه عليه: أن الوجه في الحكم بالعدول إنما هو التنبيه على محبوبية البدار والاتيان بالفائتة فورا. متى ما تذكر الفائتة، وفي أية ساعة ذكرها، حتى ولو كان ذلك اثناء الحاضرة مع امكان العدول كما نبه على ذلك في صدر الرواية والامر بالعدول انما وقع دفعا لما قد يتوهم، من عدم امكان التدارك بعد الشروع في الحاضرة.

[ 217 ]

فيكون واردا مورد توهم الحظر، فلا يدل على الوجوب، ليثبت الاشتراط، بل اقصاه الجواز أو الاستحباب رعاية لما في المبادرة إلى الفائتة من المحبوبية النفسية، فهذا الحكم أيضا من فروع الحكم في تلك المسالة، ولا يرتبط بحكم الحاضرة. الثالثة: قوله (عليه السلام) " وان كانت المغرب والعشاء قد فاتتك جميعا: فابدأ بهما قبل أن تصلي الغداة.. " حيث دل على لزوم تقديم الفائتتين على الغداة الحاضرة. وجوابه أيضا يعلم مما سبق، فان التقديم المزبور انما يكون من متفرعات الحكم بمحبوبية البدار إلى الفائتة وليس ذلك بحكم تعبدي مستقل متعلق بالحاضرة من حيث هي. وعلى الجملة: ان الجواب عن الصحيحة بكلمة واحدة وهي أنها مسوقة لبيان حكم الفائتة في نفسها، وتدل على محبوبية المبادرة إليها متى ما ذكرها، وجوبا أو استحبابا وغير ناظرة إلى بيان حكم الحاضرة ليثبت بها الاشتراط، وعليه فيسقط الاستدلال بها بفقراتها الثلاث. والمتحصل من جميع ما مر أن النصوص التى استدل بها للمضايقة واشتراط الترتيب بين الحاضرة والفائتة كلها ساقطة وغير صالحة للاستدلال، فان مجموعها ست روايات كما عرفت، والثلاث الاخيرة قاصرة الدلالة وان صحت اسنادها، واما الثلاث الاول فهي ضعيفة السند والدلالة. هذا: وعلى تقدير التنزل وتسليم دلالتها على اعتبار تقديم الفائتة على الحاضرة. فهي معارضة بطائفة اخرى من النصوص وجملة منها صحاح السند دلت على العكس. وانه يجوز تقديم الحاضرة

[ 218 ]

على الفائتة، وهي: صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ان نام رجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء، أو نسي، فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، وان خشي أن تفوته احداهما، فليبدأ بالعشاء الآخرة. وان استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر، ثم المغرب، ثم العشاء الآخرة. " (1). حيث دلت صريحا - على لزوم تقديم الحاضرة على صلاتي العشاءين الفائتتين، ولا يقدح فيها إشتمال صدرها على مالا يقول المشهور به، وهو امتداد وقت العشاءين إلى الفجر، إذ لا نرى مانعا من الالتزام بذلك بعد مساعدة الدليل عليه، كما التزمنا به في محله، وان كان آثما في التأخير إلى ذلك الوقت بدون عذر، وقد مر تفصيله في بحث الاوقات. على أن تعين طرح هذه الفقرة من الرواية لمخالفتها لمذهب المشهور، لا يمنعنا عن الاستدلال بالفقرة الاخرى على المطلوب حيث قد تقرر في محله: عدم التلازم بين فقرات الرواية الواحدة في الحجية. وصحيحة عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: ان نام رجل. أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، وان خاف أن تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة. وان استيقظ بعد الفجر. فليصل الصبح، ثم المغرب، ثم العشاء الآخرة، قبل


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب المواقيت ح 3.

[ 219 ]

طلوع الشمس (1). ومثلها صحيحة عبد الله بن سنان التي اشار إليها صاحب الوسائل في ذيل هذه الصحيحة. هذه الصحاح الثلاث قد دلت كما ترى - على لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة. فتقع المعارضة بينها وبين النصوص المتقدمة لا محالة. واحسن وجوه الجمع بين الطائفتين هو حمل الطائفة الاولى على صورة عدم خوف فوت وقت الفضيلة للصلاة الحاضرة حيث تقدم الفائتة حينئذ عليها، والطائفة الثانية على خوف الفوت فتقدم الحاضرة - إذا - عليها، ترجيحا لفضيلة الوقت على فضيلة المبادرة إلى الفائتة. ويشهد للجمع المذكور ما ورد في صحيحتي صفوان وزرارة الطويلة المتقدمين (2) وغيرهما، من التصريح بالتفصيل المذكور بالنسبة إلى صلاة المغرب، وانه تقدم الظهر أو العصر الفائتة عليها ما لم يخف فوتها، المراد به خوف فوت وقت فضيلة المغرب، كما تقدم وإلا قدم المغرب على الفائتة، فبهذه القرينة يحكم باختلاف موردي الطائفتين، وبه ترتفع المعارضة من البين. نعم ظاهر مرسلة جميل المروية في الوسائل تارة عن المحقق (قده) في المعتبر (3) وفيها (بعد العشاء) واخرى: باسناده عن جميل (4) بلفظة، (عند العشاء) كما مر الكلام حول ذلك مستقصى في المسألة (16) هو تقديم الحاضرة مطلقا حتى في غير صورة المزاحمة لوقت الفضيلة


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب الموقيت ح 4. (2) تقدم ذكر صحيحة صفوان 210 وصحيحة زرارة في ص 214. (3) الوسائل: باب من أبواب المواقيت ح 6. (4) الوسائل: باب 2 من قضاء الصلوات ح 5.

[ 220 ]

[ خصوصا في فائتة ذلك اليوم (1)، بل إذا شرع في الحاضرة قبلها استحب له العدول منها إليها، إذا لم يتجاوز محل العدول. ] معللا بعدم الامن من الموت، فيكون قد ترك فريضة الوقت. لكنها ضعيفة السند ولا تصلح للاعتماد عليها. ومع الغض عن ذلك، فالتعليل الوارد فيها غير قابل للتصديق، ويجب رد علمه إلى اهله: فانه انما يناسب الحكم بتقديم الحاضرة على أمر مباح أو مستحب، دون تقديمها على الفائتة التي هي كالحاضرة في الوجوب وأن كلتيهما من فرائض الله سبحانه وتعالى. فان مجرد عدم الامن من الموت، لا يصلح لترجيح احداهما على الاخرى، إلا إذا ثبت من الخارج كون صاحبة الوقت اولى بالمراعاة، والا فالعلم بالموت ونفرضه بعد دقيقتين من الوت مثلا لا يستوجب تقديم الحاضرة، فضلا عن عدم الامن منه، وذلك لان الفائتة مما تشترك مع الحاضرة في العلة المذكورة، ولا مزية لاحداهما على الاخرى كما لا يخفى. (1) بقى في المسألة قولان: أحدهما: التفصيل بين فائتة اليوم وبين فائتة سائر الايام، فقد قيل: بلزوم تقديم الفائتة على الحاضرة في الاول، دون الثاني. والظاهر أن المستند للتفصيل المذكور انما هو صحيحتا صفوان

[ 221 ]

وزرارة الطويلة المتقدمتان (1)، حيث انهما قد دلتا على تقديم الظهر أو العصر المنسية حتى غربت الشمس على المغرب، وكذا العشاءين على الفجر ويتوجه عليه: - مضافا إلى ما عرفت من قصور الدلالة، وانهما على خلاف المطلوب ادل - انهما معارضتان بما دل على العكس اي لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة من ذلك اليوم. وهي صحاح أبي بصير وابني مسكان وسنان المتقدم ذكرها، الدالة على لزوم تقديم صلاة الفجر الحاضرة على العشاءين الفائتتين من ذلك اليوم. ثانيهما التفصيل بين اشتغال الذمة بفائتة واحدة - سواء أكانت من ذلك اليوم أم من غيره - وبين اشتغالها بفوائت متعددة، فيجب التقديم في الاول، دون الثاني. وكأن المستند له: صحيحة عبد الرحمن المتقدمة (2) بحمل التنويل في قوله: (نسي صلاة) على التنكير: ويتوجه عليه: ان حمل التنوين على التنكير خلاف الظاهر ولا يصار إليه بدون قرينة، بل الاصل فيه هو التمكن، كما لا يخفى على انها في نفسها قاصرة الدلالة على اعتبار الترتيب كما عرفته سابقا. ثم ان هذه الرواية صحيحة السند، إذ ليس في سندها من يغمز فيه سوى (معلى بن محمد) وهو وارد في اسانيد (كامل الزيارات) ولا يقدح فيه قول النجاشي (ره) في حقه انه مضطرب الحديث


(1) الوسائل: باب 62 من أبواب المواقيت ح 7 وباب 63 منها الحدث 1 (2) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 2

[ 222 ]

[ (مسألة 29): إذا كانت عليه فوائت ايام، وفاتت منه صلاة ذلك اليوم ايضا، ولم يتمكن من جميعها، أو لم يكن بانيا؟ على اتيانها فالاحوط استحبابا أن يأتي بفائتة اليوم قبل الادائية (1) ولكن لا يكتفي بها، بل بعد الانيان بالفوائت يعيدها - ايضا - مرتبة عليها. ] والمذهب. فان الاضطراب في المذهب لا ينافي الوثاقة، كما هو ظاهر. وكذا الاضطراب في الحديث: إذ ليس معنى ذلك انه ممن يضع الحديث ويكذب، كي يكون ذلك طعنا في الرجل نفسه، وكاشفا عن تضعيفه اياه، وإنما هو طعن في احاديثه، وأنها ليست مستقيمة، ولا تكون على نمط واحد، وإنما يروى الحديث - تارة - عن الثقة، وأخرى عن الضعيف. وقد يروى المناكير وغيرها فلا تكون احاديثه على نسق واحد: وعلى الجملة: إن هذه العبارة لا تقتضي القدح في وثاقة الرجل كي يعارض به التوثيق المستفاد من وروده في اسانيد (كامل الزيارات) والمتحصل من جميع ما قدمناه: أن الاقوى ما هو المشهور بين المتأخرين من المواسعة وعدم اشتراط الحاضرة بتقديم الفائتة عليها فيتخير المكلف بين تقديم أي منها شاء، وان كان الافضل تقديم صاحبة الوقت عند المزاحمة مع وقت الفضيلة، رعاية لفضيلة الوقت وإلا كان الافضل تقديم الفائتة، رعاية لاستحباب المبادرة إليها، وقد علم الوجه في ذلك مما مر. (1) لاحتمال الترتيب بين الحاضرة وفائتة اليوم خاصة، كما هو

[ 223 ]

[ (مسألة 30): إذا احتمل اشتغال ذمته بفائتة أو فوائت، يستحب له تحصيل التفريغ باتيانها احتياطا (1) وكذا لو احتمل خللا فيها، وان علم باتيانها. ] احد الاقوال في المسألة، على ما مر. وأما الاعادة فللزوم مراعاة الترتيب في قضاء الفوائت بتقديم السابق في الفوت فالسابق، فتعاد تحفظا على الترتيب المذكور، فالاحتياط مبني على مراعاة الجمع بين القولين، وحيث انه (قده) كان قد بنى على عدم اعتبار الترتيب بين الحاضرة وبين الفائتة مطلقا، حتى فائتة اليوم نفسه، فلذلك كان الاحتياط بالتقديم استحبابيا. كما أنه - من اجل بنائه (قده) على لزوم مراعاة الترتيب بين الفوائت انفسها - حكم بعدم الاكتفاء ولزوم اعادة الفائتة. ولكنك عرفت فيما تقدم: عدم تمامية كلا المبنيين، وأن الترتيب غير معتبر - مطلقا - لابين الفوائت انفسها، ولا بينها وبين الحاضرة، فكما أنه لا يلزم تقديم فائتة اليوم، لا تلزم الاعادة أيضا، بل يجوز الاكتفاء بها وإن كانت الاعادة أولى واحوط. استحباب القضاء: (1) القضاء في الفرض المذكور وإن لم يكن لازما، لقاعدة الحيلولة، أو اصالة البراءة، على التفصيل المتقدم بحسب اختلاف

[ 224 ]

[ (مسألة 31): يجوز لمن عليه القضاء الاتيان بالنوافل على الاقوى (1)، كما يجوز الاتيان بها - بعد دخول الوقت - قبل اتيان الفريضة كما مر سابقا. ] الموارد. إلا انه لاريب في كونه احتياطا وهو حسن على كل حال عقلا وشرعا: بعد احتمال الفوت، فيحسن تفريغ الذمة عن التكليف المحتمل، وإن كان ذلك مدفوعا بالاصل. وقد وردت طائفة كثيرة من الروايات - ولا يبعد بلوغها حد التواتر - قد أكدت على الاحتياط في أمر الدين ومضمونها: (اخوك دينك، فاحتط لدينك) المحمولة على الاستحباب، وإن كانت في بعض الموارد محمولة على الوجوب كما قرر ذلك في محله. ومنه تعرف الحال في حسن الاحتياط في قضاء ما يحتمل الخلل في ادائه: وإن علم باصل الاتيان به، فان الاحتمال المذكور وان كان مدفوعا بقاعدة الفراغ، إلا ان احتمال الخلل واقعا، المساوق لاحتمال الفوت، ثابت وجدانا، فيستحب الاحتياط وتحصيل التفريغ عن التكليف الاحتمالي لما ذكر. النافلة مع وجوب القضاء: (1) مر الكلام في ذلك مستقصى في باب المواقيت فلا نعيد، فان هذه المسألة من جملة أحكام النافلة في نفسها حيث ينبغي

[ 225 ]

[ (مسألة 32): لا يجوز الاستنابة في قضاء الفوائت ما دام حيا (1) وان كان عاجزا عن اتيانها اصلا. ] البحث هناك عن جواز الاتيان بالنافلة مع اشتغال الذمة بالفريضة، ادائية كانت أم قضائية، وليست من أحكام القضاء. ثم ان محل البحث في جواز الاتيان بالنافلة لمن عليه الفريضة انما هي النوافل غير المرتبة، وأما المرتبة - كنوافل الظهرين - فلا إشكال في الجواز كما هو ظاهر. استنابة الحي: (1) فان مقتضى اطلاق أدلة التكاليف - أداء وقضاءا - اعتبار المباشرة وعدم السقوط بفعل الغير، تطوعا أم استنابة، فيحتاج السقوط - في موردها - إلى الدليل الخاص المخرج عن الاطلاق. وحيث لا دليل على ذلك في المقام وإن ثبت ذلك في بعض الموارد كما في الحج، وفي الطواف، مع العجز عنه، وعن الاطافة ايضا، فالمحكم هنا هو الاطلاق.

[ 226 ]

[ (مسألة 33): يجوز اتيان القضاء جماعة سواء كان الامام قاصيا - أيضا - أو مؤديا (1) بل يستحب ذلك. ولا يجب اتحاد صلاة الامام والمأموم. بل يجوز الاقتداء من كل من الخمس بكل منها. ] القضاء جماعة: (1) للاطلاق في أدلة الجماعة، بناءا على ثبوته كما هو الصواب - على ما سيجئ في محله ان شاء الله تعالى - مضافا إلى النصوص الخاصة الواردة في المقام. أما إذا كان الامام والمأموم كلاهما قاضيا، فتدل عليه الاخبار الصحيحة الواردة في رقود النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه عن صلاة الفجر وقضائها بهم جماعة، بعد التحويل من ذلك المكان، كما تقدم الكلام على ذلك، فانا وان كان في تردد في الاخذ بالاخبار المذكورة، من حيث الحكاية لنومه (صلى الله عليه وآله) عن صلاة الغداة، بل انة يشكل التصديق بها من هذه الجهة كما سبق. إلا ان ذلك لا يمنع عن العمل بها في الفقرة الاخيرة منها الدالة على محل الكلام. وأما إذا كان المأموم قاضيا: فلموثقة اسحاق بن عمار قال، " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): تقام الصلاة وقد صليت. فقال: صل، واجعلها لما فات " (1).


(1) الوسائل: الباب 55 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 227 ]

[ (مسألة 34): الاحوط لذوي الاعذار تأخير القضاء إلى زمان رفع العذر (1) الا إذا علم بعدم ارتفاعه إلى آخر العمر، أو خاف مفاجأة الموت. ] وقد رواها الشيخ (قده) باسناده، وفيه: (سلمة، صاحب السابري). ورواها الصدوق (ره) وفي سنده: (علي بن اسماعيل ابن عيسى) وكلاهما من رجال (كامل الزيارات). وأما العكس. وهو ما إذا كان الامام قاضيا: فلصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: " كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): اني احضر المساجد، مع جيرتي وغيرهم، فيأمرونني بالصلاة بهم، وقد صليت قبل أن آتيهم، وربما صلى خلفي من يقتدي بصلاتي، والمستضعف والجاهل - إلى ان قال - فكتب (عليه السلام) صل بهم " (1). فان الظاهر كونه الصلاة الثانية محسوبة قضاءا (2) لاجل اتيانه بفريضة الوقت قبل ذلك، وسقوط الامر به لا محالة. قضاء ذوي الاعذار: (1) قد تكرر منه (قده) نظير ذلك في المسائل المتقدمة:


(1) الوسائل: باب 52 من أبواب صلاة الجماعة ح 5. (2) بل ظاهرها أنها معادة استحبابا كما سبجئ التصريح به في المسألة الثالثة من فصل صلاة الجماعة.

[ 228 ]

[ (مسألة 35): يستحب تمرين المميز من الاطفال (1) على قضاء ما فات منه من الصلاة. كما يستحب تمرينه على ادائها، سواء الفرائض والنوافل. بل يستحب تمرينه على كل عبادة؟ والاقوى مشروعية عباداته. ] وقد سبق منا ايضا في غير واحد من مطاوي هذا الشرح: أن الاقوى هو جواز البدار، حتى مع احتمال الاستمرار ورجاء الزوال، استنادا إلى استصحاب بقاء العذر إلى نهاية الوقت، بناءا على جريانه في الامور الاستقبالية كما هو الصحيح. وحينئذ فان لم ينكشف الخلاف اجتزأ بما أتى به، وإلا فحيث كان الامر الاستصحابي من الحكم الظاهري، وهو مما لا يجزي عن الامر الواقعي، فان كان الخلل المنكشف في أحد الاركان أعاد، وإلا بنى على الصحة، لصحيح: " لا تعاد.. ". تمرين الاطفال على القضاء: (1) تقدم الكلام حول المسألة ايضا في الابحاث السابقة من هذا الشرح فلا موجب للاعادة الا على سبيل الاشارة. فنقول: إن الاقوى مشروعية عبادات الصبي، لا لاطلاق أدلة التكاليف بدعوى شمولها للبالغين وغيرهم. وان حديث: رفع القلم عن الصبي، انما يرفع الالزام فقط، فتبقى المشروعية والرجحان، إذ فيه

[ 229 ]

[ (مسألة 36): يجب على الولي (1) منع الاطفال عن كل ما فيه ضرر عليهم أو على غيرهم من الناس. وعن كل ما علم من الشرع ارادة عدم وجوده في الخارج لما فيه من الفساد، كالزنا واللواط والغيبة. بل والغناء على الظاهر. وكذا عن اكل الاعيان النجسة وشربها، مما فيه ضرر عليهم وأما المتنجسة فلا يجب منعهم عنها، بل وحرمة مناولتها لهم غير معلومة. وأما لبس الحرير والذهب ونحوهما - مما يحرم على البالغين - فالاقوى عدم وجوب منع المميزين منها فضلا عن غيرهم، بل لا بأس بالباسهم إياها وإن كان الاولى تركه، بل منعهم عن لبسها. مالا يخفى. ] بل لما ورد عنهم (عليهم السلام): من انه: " مروا صبيانكم بالصلاة والصيام " (1) الشامل باطلاقه لكل من الاداء والقضاء، والامر بالامر بالشئ أمر بذلك الشئ كما حقق في محله. وظيفة الولي تجاه الطفل: (1) قد مر الكلام حول المسألة مفصلا - في كتاب الطهارة،


(1) الوسائل: باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 5.

[ 230 ]

وملخص ما قلناه هناك: إن المحرمات الشرعية تنقسم إلى قسمين، فمنها: ما يستفاد من دليله أن الشارع أراد سد باب وجوده رأسا، بحيث لا يرضى بتحققه في الخارج بأي نحو كان من دون دخل لمباشرة خصوص المكلف في ذلك: فهو انما يريد خلو صفحة الوجود عن العمل المذكور، وهذا كالقتل، والزنا، واللواط، وشرب الخمر ونحوها، فان قتل النفس المحرمة - مثلا - مما لا يكاد يرضى الشارع بتحققه ولو من غير البالغ، بل غير العاقل أيضا كالحيوان، فإذا شاهدنا حيوانا يحاول افتراس مؤمن أو قتله وجب علينا الصد عن ذلك، فضلا عن الصبتي: وعليه فيجب على الولي في مثل ذلك منع الطفل عنه: ومنه أكل ما فيه الضرر، كالسم ونحوه، مما منع الشارع عنه. ومنها: ما يستفاد من دليله المنع من صدوره من المكلفين بالمباشرة، كأكل الاعيان النجسة والمتنجسة وشربها. فلا مانع في مثل ذلك من مناولتها لغير البالغ، وكذلك الحال في لبس الحرير والذهب ونحوهما حيث انه لا يوجب منع الاطفال مطلقا، أو خصوص المميزين - عن مثل ذلك بل يجوز للولي إلباسهم أيضا. ومن هذا القبيل الغناء، حيث انه لم يظهر من دليل حرمته المنع عن وجوده مطلقا، فلا يجب منع المميز أو المجنون من سماعه. وكذلك: أكل ما لم يذك من اللحوم، مع القطع بعدم الضرر فيه، حيث انه ليس من المحتمل أن يكون للتذكية - بالذبح إلى القبلة، أو التسمية حاله، ونحو ذلك - تأثير ودخل

[ 231 ]

في الضرر وجودا وعدما. والمتحصل: ان المتبع في كل مورد انما هو ملاحظة دليل الحكم في ذلك المورد، ليظهر بذلك كونه من أي القسمين، فيتبع فيه ما يقتضيه الحال في كل منهما. والله سبحانه هو العالم بحقائق الامور.

[ 233 ]

صلاة الاستيجار

[ 235 ]

[ فصل في صلاة الاستيجار يجوز الاستيجار للصلاة، بل ولسائر العبادات عن الاموات إذا فاتت عنهم، وتفرغ ذمتهم بفعل الاجير (1) وكذا يجوز التبرع عنهم. ] (1) كما هو المشهور: ولاسيما بين المتأخرين، وعن جماعة: المنع. ولا يخفى ابتناء هذا البحث على البحث عن جواز النيابة عن الغير في العبادة وصحة فعل النائب، بحيث يترتب عليه تفريغ ذمة المنوب عنه، إذ بعد البناء على الجواز وصحة النيابة - تطوعا أو استنابة - لا ينبغي الاشكال في صحة الاجارة، أخذا بعموم أدلة الوفاء بالعقود. من دون حاجة إلى ورود النص فيه بالخصوص، فان عمل النائب حينئذ شأنه شأن سائر الاعمال المباحة، الصالحة للوقوع مورد عقد الاجارة، بعد فرض احترام عمل المسلم وجواز تمليك الغير اياه، باجارة ونحوها، لعدم الفرق بينهما، من هذه الجهة أصلا. فكما يصح الاستيجار لسائر الاعمال بلا اشكال، يصح الاستيجار للنيابة في العبادة أيضا بمناط واحد، وهو الاندراج تحت عموم دليل الوفاء بالعقد. نعم يمتاز المقام بشبهة تعرض لها شيخنا الانصاري (قده) وهي: دعوى المنافاة بين العبادية والاستيجار لها، فان العبادية تقتضي

[ 236 ]

الاتيان بالعمل بداعي التقرب منه تعالى، وهو ينافي الاتيان به بداعي اخذ الاجرة، الذي اقتضاه عقد الاجارة. وتندفع: بأن الامر الاجاري وان كان توصليا في حد ذاته إلا أن مورد العقد حيث لم يكن هو ذات العمل، بل المركب منه ومن قصد القربة، فلا يكاد يحصلا الوفاء بالعقد إلا إذا أتى بالعمل بداع قربي، لان متعلق الامر التوصلي في خصوص المقام، انما هو العمل المعنون بكونه عبادة حسب الفرض، فالامر الاجاري يكون مؤكدا للعبادية لا منافيا لها، كما لا يخفى. وعلى الجملة: العمل النيابي - بعد فرض صحة النيابة - مورد للامر الاستحبابي النفسي، وبعد وقوعه حيز العقد يتأكد الامر المذكور ويتبدل بالوجوب، كما هو الحال عند وقوعه موردا للنذر، أو اليمين، أو الشرط ضمن العقد، فكما ان الامر الناشي من قبل هذه العناوين بمناط وجوب الوفاء بالعقد أو النذر أو نحوهما لا ينافي عبادية العمل النيابي بل يؤكدها، فكذلك الامر الجائي من قبل عقد الاجارة. وأما الداعي على العمل فليس هو اخذ الاجرة، كيف وقد استحقها النائب بمجرد العقد، فيمكنه مطالبة المؤجر بذلك ولو لم يتحقق منه العمل خارجا، بأن يخبره كذبا بوقوع الفعل وتحققه منه، حيث لا يتيسر للموجر استعلام حاله - صدقا وكذبا - حتى ولو رآه يقوم بالعمل خارجا فانه - بعد فرض تقوم العبادة بالقصد الذي هو أمر نفسي لا سبيل للعلم به لغير علام الغيوب - من الممكن أن لا يكون قاصدا للقربة، أو يكون قاصدا وقوع العمل عن نفسه،

[ 237 ]

أو عن والده، دون الميت. فليس الداعي على العمل - إذا - هو الاستيلاء على الاجرة، لامكانه بدون ذلك - كما عرفت - بل الداعي انما هو قصد الامر النفسي المتعلق بالعبادة، بعنوان النيابة، متقربا منه تعالى. ولا أقل من ان يكون قاصدا للامر الاجاري، الذي لا يسقط في خصوص المقام. إلا بقصد التقرب بالفعل، لفرض كون متعلقه عباديا، فلا تنافي بين الامرين بوجه. جواز النيابة: ينبغي البحث في المسألة - كما اشرنا إليه آنفا - عن جواز النيابة ومشروعيتها في حد نفسها. بحيث يترتب عليها تفريغ ذمة المنوب عنه بفعل النائب، ليبتني على ذلك صحة الاجارة، فنقول: لا شك في ان مقتضى القاعدة عدم جواز ذلك، فان اطلاق الخطاب يقتضي المباشرة في مقام الامتثال وعدم سقوطه بفعل الغير، لانه انما يدعو من خوطب به إلى العمل دون غيره الاجنبي عن الخطاب فلا يكون عمل زيد مثلا موجبا لتفريغ ذمة عمرو عن التكليف المتعلق به، كيف: وهو اشبه شئ بشرب زيد للدواء ليشفي عمرو من مرضه. إلا أنه قد وردت في المقام روايات خاصة دلت على الجواز، وان كان على خلاف القاعدة، ولامانع من الالتزام بمثله في الامور الاعتبارية، مما يكون أمرها - سعة وضيقا - بيد معتبرها، فله

[ 238 ]

الاجتزاء بفعل احد مع تعلق التكليف بغيره، وحكمه بتفريغ ذمة الغير عنه. وعليه ففي كل مورد قام الدليل عليه يؤخذ به، وإلا فالمتبع هو أصالة الاطلاق، المقتضي لعدم السقوط بفعل الغير كما عرفت. وقد قام الدليل على ذلك في النيابة عن الاموات في باب الصلاة والصوم، والحج، وغيرها من سائر العبادات، وهي عدة نصوص كما يلي: 1 - صحيحة معاوية بن عمار قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أي شئ يلحق الرجل بعد موته؟ قال: يلحقه الحج عنه، والصدقة عنه، والصوم عنه " (1). 2 - صحيحته الاخرى قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: - سنة سنها - إلى أن قال: - والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما، ويحج، ويتصدق، ويعتق عنهما، ويصلي ويصوم عنهما. فقلت: اشركهما في حجتي؟ قال: نعم " (2). وفي السند: (محمد بن اسماعيل) المردد بين الثقة وغيره الا أن الذي يروي عنه الكليني (ره) ويروي هو عن الفضل بن شاذان لا يراد به إلا الثقة. 3 - صحيحة عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): " نصلي عن الميت فقال: نعم، حتى انه ليكون في ضيق فيوسع الله عليه ذلك الضيق، ثم يؤتى فيقال له: خفف عنك هذا الضيق


(1، 2) الوسائل: باب 28 من أبواب الاحتضار ح 8، 6.

[ 239 ]

بصلاة فلان أخيك عنك.. " (1). 4 - صحيحة علي بن جعفر - وقد رواها صاحب الوسائل (ره) بطريق معتبر عن كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: " سألت أبي، جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الرجل هل يصلح له أن يصلي أو يصوم عن بعض موتاه قال نعم، فليصل على ما أحب، ويجعل تلك للميت، هو للميت إذا جعل ذلك له " (2). وقوله (عليه السلام): (فليصل.) يمكن أن يكون بتشديد اللام، ويراد به فعل الصلاة ويمكن ذلك بالتخفيف من الصلة فيكون أمرا بصلته على ما أحب من انحاء الصلة، سواء أكان ذلك بالصلاة أم بغيرها من العبادات والخيرات. وكيفما كان، فهذه الروايات المعتبرة سندا يمكن الاستدلال بها للمقام. وقد روى السيد السند علي بن موسى بن طاووس (قده) في كتابه (غياث سلطان الورى لسكان الثرى) في هذا الباب، روايات كثيرة، تشتمل على ما ذكرناه وغيرها. وهو كثير، مستقصيا بذلك جميع الاخبار المتعلقة بالباب. وقال (قده) في إجازاته: انه كتاب لم يكتب مثله. وقال أيضا انه اقتصر في الفقه على هذا الكتاب فقط، تحرزا منه عن الفتيا، لعظم مسؤوليتها. وقد نقلها عنه جماعة من اصحابنا (قدهم) منهم الشهيد في الذكرى، والمجلسي في البحار، وصاحبا الوسائل والحدائق هذا، ولكن تكلم الاخبار - على كثرتها، وجلالة جامعها -


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب الاحتضار ح 1 ج 2 ص 655. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب قضاء الصلوات ح 2 ج 5 ص 366.

[ 240 ]

[ ولا يجوز الاستيجار، ولا التبرع عن الاحياء في الواجبات (1) وان كانوا عاجزين عن المباشرة. ] غير معتبرة، لضعف أسناد بعضها في حد نفسها كالذى يرويه عن (علي بن أبي حمزة) المراد به: البائني، لعدم توثيقه. ولتطرق الخدشة في اسناد جميعها نظرا إلى ان طريق السيد ابن طاووس (قده) إلى ارباب الكتب والمجامع الحديثية التي يروى عنها غير معلوم لدينا حيث انه (قده) لم يذكر ذلك ضمن إجازاته، فلم تعرف الوسائط بينه وبينهم كي ينظر في حالهم من حيث الضعف أو الوثاقة ومجرد الاعتبار عنده أو عند من يروي عنه غير كاف في الاعتبار عندنا، كما لا يخفى. ولا يبعد. أن يكون قد روى ذلك عن كتاب (مدينة العلم) فقد ذكر في إجازاته: أن الكتاب المذكور كان موجودا عنده حين تصنيفه لكتابه. غير ان طريقه إلى ذلك الكتاب - ايضا - غير معلوم. وعليه فتكون الروايات المذكورة - بأجمعها - ملحقة بالمراسيل حيث لا يمكن الاعتماد عليها. وكيفما كان: ففيما ذكرناه من الاخبار الصحاح غنى وكفاية، وقد دلت على جواز النيابة عن الاموات في مطلق العبادات. وتفريغ ذممهم عنها، من دون فرق في ذلك بين الواجبات والمستحبات، ويترتب على ذلك صحة الاستيجار حسبما عرفت. (1) لعدم نهوض دليل معتبر على جواز النيابة استيجارا أو تبرعا عن الاحياء في مثل الصلاة، ونحوها بعد كونها في نفسها على خلاف

[ 241 ]

القاعدة: نعم ورد ذلك في بعض الروايات: فمنها: خبر محمد بن مروان قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين، يصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما. وله مثل ذلك فيزيده الله - عزوجل - ببره وصلته خيرا كثيرا " (1). وهو ضعيف السند من جهة (محمد بن علي)، فان الظاهر كونه: الصيرفي الكوفي، الملقب ب‍ (أبي سمينة) المشهور بالكذب والوضع وكذا: (محمد بن مروان) فانه مردد بين الثقة والضعيف، ولاجل ذلك لا يجدي وقوعه في اسناد (كامل الزيارات) للترديد المذكور (2). ومنها: مرسلة احمد بن فهد في (عدة الداعي) (3) المتحدة متنا مع الرواية السابقة إلا في يسير، مما يوجب الاطمينان باتحادهما وعليه فيتوجه على الاستدلال بها - مضافا إلى إرسالها - ما عرفت من ضعف السند في الخبر السابق.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب قضاء الصلوات ح 1. (2) قد بنى (دام ظله) في المعجم ج 17 ص 62 على ان المراد ب‍ (محمد بن علي) هو غير الصيرفي الملقب ب‍ (أبي سمينة) وهو من رجال الكامل، كما بنى (دام ظله) أيضا، في ص 244 على ان المراد ب‍ (محمد بن مروان) هو الذهلي الثقة، إذا فتصبح الرواية معتبرة، إلا ان يناقش في دلالتها بانصرافها إلى خصوص باب المستحبات. (3) الوسائل: باب 38 من أبواب الاحتضار ح 5.

[ 242 ]

ومنها: رواية (علي بن أبي حمزة) قال: " قلت لابي ابراهيم (عليه السلام) أحج، وأصلي، وأتصدق عن الاحياء والاموات من قرابتي واصحابي؟ قال: نعم، تصدق عنه، وصل عنه، ولك أجر بصلتك إياه (1). لكنها ضعيفة: ب‍ (علي بن أبي حمزة) البطائني، مضافا إلى روايتها عن كتاب (غياث سلطان الورى لسكان الثرى) وقد عرفت آنفا حال الكتاب المذكور، وأن رواياته محكومة بالارسال. وعلى الجملة: فليس في البين رواية معتبرة يعتمد عليها تدل على جواز النيابة عن الاحياء على سبيل العموم بالنسبة إلى الواجبات والمستحبات، بعد فرض ان الحكم على خلاف القاعدة كما عرفت. نعم: قد ثبت ذلك في باب الامور الاعتبارية، كالوكيل في البيع، والاجارة، والتزويج، والطلاق، وغيرها من أبواب العقود والايقاعات. وكذا فيما يلحق بالامور الاعتبارية: كالقبض، فان فعل الوكيل مسند إلى الموكل اسنادا حقيقيا، بمقتضى السيرة العقلائية لعدم اعتبار المباشرة في صدق هذه الامور وتحقق عناوينها بوجه الحقيقة. بفعل الوكيل كنفس الموكل. وأما الامور التكوينية فلا يكاد يصح الاسناد الحقيقي بمثل ذلك فلا يكون أكل زيد أو نومه أكلا لعمرو أو نوما له، وان أمر بهما ونواهما عنه، وإذا صح الاسناد أحيانا كما في قولهم غلب الامير أو فتح الامير البلد، أو انه انهزم، باعتبار غلبة جيشه، أو فتحهم أو هزيمتهم، فهو من باب التوسعة والمجاز.


(1) الوسائل: 12 من أبواب قضاء الصلوات ح 9.

[ 243 ]

[ الا الحج، إذا كان مستطيعا (1) وكان عاجزا عن المباشرة. نعم يجوز اتيان المتسحبات واهداء ثوابها للاحياء كما يجوز ذلك للاموات (2). ] وعليه ففي مثل الصلاة والصيام ونحوهما من سائر العبادات الواجبة أو المستحبة، التي هي من الامور التكوينية، لا يكاد يستند الفعل - حقيقة - إلا إلى المباشر، دون غيره من الاحياء وان نوى المباشر ذلك عنهم، فلا تقبل النيابة بحيث يكون فعل النائب هو فعل المنوب عنه، المستتبع ذلك تفريغ ذمته، إلا فيما قام الدليل عليه بالخصوص. ولم يقم ذلك في الاحياء إلا في الحج وتوابعه كما سنشير إليه. (1) فقد دلت النصوص الخاصة على جواز النيابة عن الحي في الحج الواجب وفي بعض أجزائه - كالطواف ونحوه - لدى عجز الحي المنوب عنه عن المباشرة. وسيجئ الكلام في ذلك في محله ان شاء الله تعالى. (2) لا ينبغي الاشكال في جواز ذلك في الاحياء فضلا عن الاموات من دون حاجة إلى النص الدال عليه بالخصوص، لعدم كون ذلك من مصاديق الهبة التمليكية المصطلحة، حتى تتوقف صحة التمليك في مثل المقام على قيام دليل يدل عليها بالخصوص، لوضوح كون الثواب المترتب على الاعمال من باب التفضل دون الاستحقاق، فلا يملك العبد على مولاه شيئا كي يملك الغير ذلك، فمرجع الاهداء إلى الدعاء والطلب من الرب عزوجل إعطاء الثواب المتفضل به لو

[ 244 ]

[ ويجوز النيابة عن الاحياء في بعض المستحبات (1). ] شاء ذلك لشخص معين حيا كان أو ميتا بدلا منه، وهو - تعالى - ان شاء استجاب له دعاءه، وإلا فلا، كما هو الحال في سائر الدعوات. ومعلوم أن الدعاء امر سائغ ومشروع، في المقام وغيره فلا يحتاج الاهداء الذي هو من مصاديق الدعاء حقيقة إلى قيام دليل خاص يدل عليه (1) لعل مراده (قده) من بعض المستحبات: (الزيارة) كما دل على ذلك: ما رواه في (كامل الزيارات) عن هشام بن سالم في حديث طويل، يتضمن فضل زيارة الحسين (عليه السلام): وتجهيز من ينوب عنه في ذلك. (1) ومورد الرواية وان كان هو الاستنابة لزيارة الحسين (عليه السلام) الا أنه - بالقطع بعدم الفرق بينه وبين سائر المعصومين (عليهم السلام) يحكم بالتعميم في الجميع. ويؤكد ذلك ما ورد في زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) من التسليم عليه نيابة عن جميع الاقرباء، ثم اخبارهم بتبليغه السلام عليه عنهم (2) مع صدقه في ذلك، وهي وان كانت ضعيفة السند، إلا أنها تصلح للتأييد بها. بل يمكن القول: بأن الحكم في خصوص باب الزيارة على طبق القاعدة، من دون حاجة إلى ورود النص عليه لقيام السيرة العقلائية


الوسائل: باب 42 من أبواب المزار ح 1. (2) الوسائل: باب 14 أبواب المزار ح 1

[ 245 ]

[ (مسألة 1): لا يكفي في تفريغ ذمة الميت اتيان العمل واهداء ثوابه (1) بل لابد، اما من النيابة عنه بجعل نفسه نازلا منزلته، أو بقصد اتيان ما عليه له ولو لم ينزل نفسه منزلته (2) نظير أداء دين الغير. فالمتبرع بتفريغ ذمة الميت له أن ينزل نفسه منزلته، وله أن يتبرع بأداء دينه من غير تنزيل بل الاجير - أيضا - يتصور فيه الوجهان فلا يلزم أن يجعل نفسه نائبا، بل يكفي أن يقصد اتيان ما على الميت، واداء دينه الذي لله. ] على ذلك، فضلا عن سيرة المتشرعة، فقد جرت العادة على ايفاد من يمثلهم في المجاملات والمناسبات عند العجز عن المباشرة، أو لغير ذلك من الموجبات، وهو شائع ومتعارف عند أهل العرف. (1) لوضوح عدم كفاية الاتيان بالعمل عن نفسه في تفريغ ذمة الميت وان اهدى إليه ثوابه، ما لم يستند العمل إليه ويضاف إلى الميت نفسه، ومجرد الاهداء المزبور لا يصحح الاضافة والاستناد بوجه. حقيقة النيابة: (2) ذكر (قده) في بيان حقيقة النيابة وجهين، أحدهما: تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب عنه، فكأنه هو هو، وكأن فعله هو فعله. ثانيهما: اضافة العمل إليه والاتيان به بقصد ما ثبت في ذمته،

[ 246 ]

نظير التبرع بأداء الدين. أما الوجه الاول - وهو التنزيل - فانما ينفع ويترتب عليه الاثر إذا صدر ممن بيده الجعل والاعتبار، فانه مجرد إدعاء وفرض أمر على خلاف الواقع. فلا يملكه إلا من بيده زمام الامور، وهو الشارع الاقدس، ولا يكاد يصح ذلك من آحاد المكلفين الذين هم بمعزل عن مقام التشريع، والمفروض عدم قيام دليل على التنزيل في خصوص المقام. ثم انه على تقدير التسليم بتصدي الشارع للتنزيل في المقام، فلازمه أن يكون الفعل الصادر من النائب - بذاته - بمثابة الفعل الصادر عن المنوب عنه، من دون حاجة إلى إعتبار قصد النائب ذلك. بل حتى وإن كان المباشر للعمل قد قصد الاتيان بالفعل عن نفسه، فان المفروض هو تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه، فيكون هو هو، وفعله فعله: وهو - كما ترى - لا يظن الالتزام به من أحد، بل هو باطل جزما. نعم ورد نظيره فيمن سن سنة حسنته أو سيئة، وأن له أجرها وأجر من عمل بها أو وزرها ووزر من عمل بها. فيؤجر السان أو يحمل الوزر بمجرد صدور الفعل المذكور عن غيره ممن تبعه، وان لم يقصد التابع عنه. لكن ذلك انما يرتبط بمقام الجزاء على العمل والثواب والعقاب، ولا يرتبط بمرحلة استناد العمل نفسه وحصول تفريغ ذمة الغير به كما هو محل الكلام. وعلي الجملة: إن أريد تحقق التنزيل المذكور من قبل الشارع فلا دليل عليه. وان أريد تحققه من قبل المكلف نفسه فلا يكاد

[ 247 ]

يترتب عليه الاثر. فالتنزيل - بالمعنى المتقدم - لا محصل له اللهم الا أن يرجع ذلك إلى الوجه الثاني. وأما الوجه الثاني: وهو اضافة الفعل واسناده إلى المنوب عنه، والاتيان به بقصد ادائها عنه وبداعي تفريغ ذمته، نظير التبرع باداء دين الغير، فهذا في حد نفسه وان كان على خلاف القاعدة، بلا فرق في ذلك بين باب الدين وغيره من العبادات والتوصليات، فان الاسناد إلى الغير - بمجرده - لا يصير العمل عملا للغير بحيث يترتب عليه تفريغ ذمته عنه. إلا أنه لا مانع من الالتزام به إذا ساعد عليه الدليل، (ودعوى) كون الحكم - في باب الدين - على طبق القاعدة: فان المال الذي يدفعه المتبرع - كدينار مثلا - مصداق حقيقي لما اشتغلت به ذمة المدين، فيقع هذا العمل مصداقا للوفاء بالدين قهرا من دون توقف في ذلك على قيام دليل شرعي عليه (مدفوعة): بان الدينار - في مفروض المثال - انما يكون مصداقا حقيقة لكلي الدينار، لا الكلي المضاف إلى ذمة المدين الذي هو متعلق الدين. وقد ذكرنا في بحث المكاسب أن الكلي - بما هو كلي - لامالية له ولا يكاد يملكه أحد، وانما المالية الاعتبارية من العقلاء ثابتة للكلي عند اضافته إلى ذمة من تعتبر ذمته عندهم وبهذا الاعتبار صح بيعه وشراؤه، وصح بذل الاموال بازائه، ووقع متعلقا لحق الدائن، وغير ذلك من آثار الملك، واما مع الغض عن هذه الاضافة فهو كسراب بقيعة، لا يكاد يبذل بازائه شئ من المال، بتاتا وعلى الجملة: فالدينار - في للثال - وان كان مصداقا للكلي بما

[ 248 ]

[ (مسألة 2): يعتبر في صحة عمل الاجير والمتبرع قصد القربة، وتحققه في المتبرع لااشكال فيه، واما بالنسبة إلى الاجير - الذي من نيته أخذ العوض - فربما يستشكل ] هو كلي، ويكون انطباقه على المدفوع قهريا، لكن هذا الكلي ليس مما تعلق به الحق، كي يتصف الفعل بكونه وفاءا للدين، وانما الذي يستحقه الدائن هو الكلي المضاف إلى ذمة المدين - وهو الذي اشتغلت ذمته به بواسطة الدين - ومن الواضح: أن الدينار المدفوع لا يكون مصداقا لهذا الكلي، ولو كان قصد الدافع هو الوفاء بما اشتغلت به ذمة المدين لعدم تأثير القصد المذكور في صيرورة المال المدفوع مصداقا للكلي بالعنوان المزبور كما لا يخفى. وكيفما كان: فلا ينبغي الاشكال في كون الحكم بتفريغ الذمة بذلك على خلاف القاعدة. كما ذكرناه. إلا أنه بعد قيام الدليل عليه شرعا ينبغي رفع اليد عما تقتضيه القاعدة. والدليل على ذلك - في باب الدين - انما هي السيرة العقلائية فقد جرت السيرة على الحكم بالوفاء وتفريغ ذمة المدين بدفع المتبرع المال بدلا عنه. مضافا إلى النصوص الخاصة الدالة عليه، المذكورة في محلها. وأما في باب الاعمال - من العبادات وغيرها - فيدل على ذلك: الروايات الخاصة المتقدم ذكرها، الدالة على صحة النيابة عن الاموات مطلقا، وعن الاحياء في موارد خاصة على التفصيل المتقدم، ولاجل ذلك ينبغي الحكم بتفريغ ذمة المنوب عنه بفعل النائب، سواء أكان قد أتى به تبرعا لاجل حبه للمنوب عنه، أم أتى به وفاءا لعقد

[ 249 ]

[ فيه (1) بل ربما يقال من هذه الجهة: أنه لا يعتبر فيه قصد القربة، بل يكفي الاتيان بصورة العمل عنه. لكن التحقيق: أن أخذ الاجرة داع لداعي القربة، كما في صلاة الحاجة وصلاة الاستسقاء، حيث أن الحاجة ونزول المطر داعيان إلى الصلاة مع القربة. ويمكن أن يقال: انما يقصد القربة من جهة الوجوب عليه من باب الاجارة. ودعوى: أن الامر الاجاري ليس عباديا بل هو توصلي. مدفوعة: بأنه تابع للعمل المستأجر عليه، فهو مشترك بين التوصلية والتعبدية. ] الاجارة أو الجعالة، أم لغير ذلك من الدواعي. (1) لااشكال في صحة النيابة في باب التوصليات، وأما العبادات - ولاسيما في فرض الاجارة أو الجعالة - فربما يستشكل ذلك من وجهين: أحدهما: الاشكال في تمشي قصد القربة من النائب، فان العمل العبادي موقوف عليه لا محالة، وهو موقوف على ثبوت الامر بالعبادة، والمفروض انه لا أمر بها بالنسبة إلى النائب، إذ قد لا تكون ذمته مشغولة بفائتة أصلا، أو يكون ما اشتغلت به ذمته مخالفا لما ثبت في ذمة المنوب عنه، كما إذا استنيب في الصلاة قصرا مع فرض اشتغال ذمة النائب بالفائتة تماما.

[ 250 ]

وأما الامر المتوجه إلى المنوب عنه، فهو لا يكاد يدعو إلا من خوطب به وتوجه إليه، وهو المنوب عنه نفسه، فكيف يقصده النائب الاجنبي عنه ليتقرب به، فلا يكاد يتمشى من النائب قصد القربة، المعتبر في باب العبادة. ولاسيما في موارد الاجارة أو الجعالة حيث كان الداعي والباعث الحقيقي للنائب على العمل إنما هو أخذ العوض غالبا وإن امكن فرض غيره من الدواعي الفرعية - كالاحسان إلى الميت. أو حبه له ونحو ذلك - أحيانا، الا انها اتفاقية، لا دائمية، وانما الغالب هو أن يكون الداعي أخذ الجعل أو الاجرة المنافي ذلك لقصد التقرب بالعمل. ثانيهما: انه كيف يتقرب المنوب عنه - كالميت - بهذا العمل، ويثاب على شئ لم يفعله؟ ولاسيما إذا لم يتسبب هو إليه بوصية ونحوها، مع أن التقرب والثواب من آثار الطاعة، المفروض انقطاعها بالموت. وانه كيف تفرغ ذمة الميت عما اشتغلت به بعمل صادر من غيره؟ وأن ليس للانسان الاما سعى. والجواب عن الوجه الاول قد ظهر مما مر. وملخصه: أن النيابة - في حد نفسها - إنما وقعت متعلقا للامر الاستحبابي النفسي، كما هو مقتضى النصوص المتقدم ذكرها. ولا ينبغي الشك في كون الامر المذكور عباديا فيما إذا كون مورد النيابة من العبادات كالصلاة والصيام ونحوهما، كما أنه لابد من قصد التقرب بالامر المذكور في سقوطه وإلا لم تتحقق العبادة وبالتالي لم تتحقق النيابة المأمور بها حسب الفرض فعبادية العمل النيابي تستدعي تعبدية الامر المتعلق الامر المتعلق به بعنوان النيابة لا محالة، فلا مناص للنائب من قصد التقرب بهذا الامر لكي يتصف

[ 251 ]

متعلقه بصفة العبادة. التي هي مورد النيابة، فانه بدونه لم تصدر منه العبادة التي تصدى للنيابة فيها، كما هو اوضح من أن يخفى. فما في بعض الكلمات: من أن الامر النيابي توصلي لا تعبدي، فلا يلزم على النائب قصد التقرب به: كلام لا اساس له. وكيف لا يكون عباديا بعد فرض تعلقه بما هو عبادة، ضرورة أن مورد النيابة ليس هو ذات الصلاة كيفما اتفقت: وانما هي على النحو الذي اشتغلت به ذمة المنوب عنه، ولا شك في اتصاف ذمة المنوب عنه بالصلاة المتصفة بكونها عبادة، المتقومة بقصد القربة: فلو لم يقصدها النائب كذلك لم يكن آتيا بما اشتغلت الذمة به، ولا كان ممتثلا للامر النيابي فالصادر عن النائب - بما هو نائب - إنما هي الصلاة المقترنة بقصد القربة قطعا. ثم إن الداعي إلى هذا المجموع، المركب من الصلاة وقصد القربة (تارة) يكون هو استحبابها الذاتي، نظرا إلى كونه احسانا إلى الميت وصلة له. أو لاجل حبه له وشفقته عليه، كالاب بالنسبة إلى الولد أو العكس، فيتبرع بالنيابة عنه. (وأخرى) يكون الداعي إليه هو الوفاء بعقد الاجارة، كما في الاجير، حتى لا يكون أخذ الاجرة أكلا للمال بالباطل، فانه وان كان قد ملكها - أي الاجرة - بنفس العقد، إلا أن استحقاقه للمطالبة بها على الوجه الشرعي يتوقف على تسليم العلم المستأجر عليه فينتهي ذلك - بالاخرة - إلى الخوف من الله تعالى. ولذا لو لم يكن مباليا بأمر الدين لامكنه المطالبة بالاجرة ولو باخباره كذبا باتيانه بالعمل، حيث لا سبيل للموجر إلى الامتناع، لعدم امكان الاطلاع على الحال من غير طريق إخباره

[ 252 ]

حتى ولو كان قد شاهده يصلي لجواز أن لا يكون قاصدا للقربة اصلا أو كان قد قصدها عن نفسه لاعن الميت، فان قوام العبادة بالقصد النفسي الذي لا كاشف عنه خارجا. فليس الداعي للاجير هو التسلط على العوض كي ينافي ذلك قصد التقرب، وإنما الداعي له التسلط عليه بوجه شرعي. إذ ما لم يسلم المعوض لا يكون له حق المطالبة بالعوض، وكان تصرفه فيه حراما، فالداعي - بالتالي - منته إلى الخوف من الله تعالى فيكون الامر الاجاري مؤكدا للعبادية لا منافيا لها ومعاضدا لا معارضا كما هو الحال في النذر، والشرط ضمن العقد ونحوهما. ومنه تعرف الحال في (الجعالة) فان العامل وان كان لا يستحق الجعل، كما أنه لم يملكه ايضا الا بعد تسليم العمل، الا أن الذي يدعوه إلى الاتيان بالعبادة على وجهها مقدمة لاستلام العوض على الوجه الشرعي انما هو الخوف من الله تعالى، حتى لا يكون تصرفه فيه من أكل المال بالباطل. بل قد ذكرنا في بحث (المكاسب) عند التكلم في المسألة: إن هذا مطرد في كافة العبادات، إذ قل من يعبده تعالى لكونه أهلا لها من دون ملاحظة اية غاية أخرى، الا الاوحدي من البشر، كمولانا أمير المؤمنين عليه السلام اما عامة الناس فيعبدونه تعالى لدواع أخروية كالخوف من النار، أو الطمع في الجنة. أو دنيوية كطلب التوسعة في الرزق المترتبة على صلاة الليل مثلا، أو قضاء الحاجة، أو الاستسقاء، كما في صلاتي الحاجة والاستسقاء، فان الطمع في الامور المذكورة يدعو إلى الاتيان بالصلاة بداع قربي،

[ 253 ]

للعلم بعدم ترتب الامور المذكورة عليها بدون ذلك. فكما لا يكون مثل ذلك منافيا لعبادية العمل، كذلك الطمع في أخذ العوض في الاجارة أو الجعالة في مفروض الكلام. لانتهاء ذلك - بالاخرة - إلى الداعي الالهي، وهو الخوف منه تعالى، كما عرفت. وأما الاشكال من الجهة الثانية فهو في محله، ولا مدفع عنه بناءا على كون الثواب من باب الاستحقاق، إذ كيف يعقل أن يعمل شخص ويستحق غيره الاجر عليه، ويحصل له التقرب أيضا بذلك لاسيما إذا لم يكن هناك اي ارتباط بين المثاب وبين العامل، حتى ولو كان ذلك مثل التسبيب بالوصية. أو الاستنابة ونحوهما. لكن المبنى باطل جزما، فان الثواب المترتب على الاعمال في باب الطاعات والعبادات، ليس هو من قبيل العوض والاجر الثابتين في باب المعاملات، من العقود والايقاعات، كي يكون المطيع مستحقا على الله ثواب عمله كما يستحقه العامل، وانما هو تفضل محض ولطف بحت، فانه: له الملك وله الامر، لا يسال عما يفعل وهم يسألون، فان شاء تفضل على عبده المسكين وجعله مشمولا لعنايته، وإلا فلا. وعليه فلا مانع من تفضله تعالى على المنوب عنه كالنائب وحصول التقرب لكليهما أما النائب فلصدور الفعل العبادي منه قاصدا للتقرب وأما المنوب عنه فلاضافة النائب العمل إليه واتيانه من قبله بقصد تفريغ ذمته، فان هذا المقدار من الاضافة يكفي لكونه - أي المنوب عنه - مشمولا للتفضل وحصول التقرب من الله تعالى، كما لا يخفى.

[ 254 ]

[ (مسألة 3): يجب على من عليه واجب من الصلاة أو الصيام، أو غيرهما من الواجبات أن يوصي به (1)، ] بل ورد في بعض الاخبار: أن الكفار ايضا ينتفعون بعمل الحي لهم، وذلك بتخفيف العذاب عنهم، ولا محذور في ذلك على مبنى الالتزام بمسلك التفضل في باب الثواب. وأما الحكم بتفريغ ذمة الميت عما اشتغلت به ذمته، فهو مما يكشف - لا محالة - عن ان اشتغال ذمته كان من الاول مشروطا بعدم اتيان النائب بالعمل بعد موت المنوب عنه، فهو في حال الحياة مكلف بالعمل، وتكون ذمته مشغولة به، ولا تبرأ ما لم يأت هو بالعمل، الا أن يأتي به النائب بعد موته. فتحصل: أن الاشكال في الحكم بالتفريغ مدفوع بالاشتراط. وأن اشكال الثواب مدفوع بالبناء على التفضل، واشكال تنافي القربة مع أخذ العوض مدفوع بانتهاء الداعي المذكور - بالاخرة - إلى الخوف منه تعالى المؤكد للعبادية، كما عرفت كل ذلك بما لا مزيد عليه، فاندفع الاشكال في المسألة بحذافيره. وجوب الوصية: (1) بعد الفراغ عن صحة النيابة وجواز الاستيجار عليها، وتفريغ ذمة المنوب عنه بعمل النائب كما مر كل ذلك، لا ينبغي الاشكال في وجوب التسبيب إليها بالوصية لدى اشتغال الذمة وعدم التصدي

[ 255 ]

[ خصوصا مثل الزكاة، والخمس، والمظالم، والكفارات من الواجبات المالية. ويجب على الوصي اخراجها من اصل التركة في الواجبات المالية (1). ] للتفريغ مباشرة، عجزا أو عصيانا. لحكومة العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف، وتفريغ الذمة عنها، بامتثالها مباشرة في زمان الحياة، أو بالتسبيب إلى الاتيان بها بعد الوفاة بعد وضوح عدم سقوط ما ثبت في الذمة بالموت وان انقطع به التكليف: إذ لا مانع من اعتبار شئ على الذمة وبقائه إلى ما بعد الموت، كما هو الحال في اعتبار الملكية للميت فوجوب الوصية مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود نص يدل عليه. ولا فرق في ذلك بين الواجبات المالية، كالديون والزكوات والاخماس والمظالم والكفارات ونحوها، وبين الواجبات البدنية، كالصوم والصلاة ونحوهما. فتجب الوصية في الكل بمناط واحد. (1) من الديون وما يلحق بها بلا اشكال فيه، كتابا وسنة. قال الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) (1) حيث قدم فيها الدين كالوصية على الميراث وقد دلت النصوص المتظافرة على انه: يبدأ أولا بتجهيز الميت فانه أولى بماله، ثم الدين، ثم الوصية ثم الميراث.


(1) النساء 11 و 12.

[ 256 ]

[ ومنها الحج الواجب (1) ولو بنذر ونحوه. ] (1) بلا اشكال فيه ايضا، نصا وفتوى، سواء أوصى به أم لم يوص، اطلق عليه لفظ (الدين) أم لم يطلق، كما سيجئ البحث عنه في محله ان شاء الله تعالى. وأما الحج الواجب بالنذر ونحوه فهو ملحق بسائر الواجبات في عدم الخروج من الاصل، نعم قد يظهر من بعض النصوص خروجه منه. وهي: صحيحة مسمع قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): كانت لي جارية حبلى فنذرت لله عزوجل ان ولدت غلاما أن أحجه أو أحج عنه، فقال: ان رجلا نذر لله عزوجل في ابن له. ان هو أدرك أن يحج عنه أو يحجه، فمات الاب وادرك الغلام بعد، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الغلام فسأله عن ذلك، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحتج عنه مما ترك أبوه ". (1) ويتوجه عليه أولا: إن مورد الصحيحة هو نذر الاحجاج، بأن يحج بالغلام أو يبعث من يحج عنه، إذا كان قوله: (أو أحج عنه) بصيغة باب الافعال. أو الجامع بين الاحجاج وبين حجه بنفسه عنه لو كان من الثلاثي المجرد، وعلى التقديرين تكون الرواية اجنبية عن الحج الواجب على نفسه بسبب النذر الذي هو محل الكلام. وثانيا: ان الرواية معارضة في موردها بصحيحتين دلتا على الاخراج من الثلث دون الاصل، وهما:


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب النذر والعهد ح 1.

[ 257 ]

صحيحة ضريس الكناسي قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجة الاسلام فنذر نذرا في شكر ليحجن به رجلا، فمات الذي نذر قبل أن يحج حجة الاسلام. ومن قبل أن يفي بنذره الذي نذر. قال: ان ترك مالا يحج عنه حجة الاسلام من جميع المال، واخرج من ثلثه ما يحج به رجلا لنذره، وقد وفى بالنذر.. (1). وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت الله الحرام فعافى الله الابن ومات الاب فقال: الحجة على الاب يؤديها عنه بعض ولده. قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الاب من ثلثه، أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه " (2). وثالثا: ان صحيحة مسمع غير صريحة في الخروج عن الاصل، بل غايته الاطلاق في قوله (عليه السلام): " مما ترك أبوه " فيمكن تقييده بالثلث، جمعا بينها وبين الصحيحتين الصريحتين في ذلك، فان الثلث ايضا مصداق لما ترك. ورابعا: ان التصديق بمضمون الصحيحة مشكل جدا، لمخالفته للقواعد المقررة، إذ المفروض هو موت الناذر قبل حصول الشرط المعلق عليه النذر، وهو ادراك الغلام، المستلزم ذلك انحلال النذر فلم يفت منه حال الحياة شئ، كي يقضى عنه بعد موته، ويقع الكلام في خروجه من الثلث أو الاصل. فعلى تقدير العمل بها لابد وان يقتصر على موردها، جمودا في الحكم المخالف للقاعدة على


(1 و 2) الوسائل: باب 29 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 1 و 3.

[ 258 ]

[ بل وجوب اخراج الصوم والصلاة من الواجبات البدنية أيضا من الاصل لا يخلو عن قوة (1) لانها دين الله، ودين الله أحق أن يقضى. ] مورد النص. (1) وقع الخلاف بينهم في وجوب اخراج المذكورات من الاصل - كما اختاره الماتن (قده) - وعدمه وقد استدل للوجوب: بأنها دين، وكل دين لابد وان يخرج من الاصل، مضافا إلى رواية الخثعمية - الآتية - الدالة على أن دين الله أحق ان يقضى، كما اشير إليه في المتن. أما الصغرى، وهو اطلاق الدين على ذلك، ففي جملة من النصوص. منها: ما رواه السيد ابن طاووس (قده) في كتابه (غياث سلطان الورى) عن حريز، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " قلت له: رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه، فخاف أن يدركه الصبح ولم يصل صلاة ليلته تلك، قال: يؤخر القضاء ويصلي صلاة ليلته تلك " (1). ويتوجه عليه - مضافا إلى قصور السند، لعدم الاعتداد بروايات هذا الكتاب، لكونها في حكم المراسيل، كما مر - قصور الدلالة أيضا، فان الاطلاق غير وارد في كلام الامام عليه السلام كي يصح الاحتجاج به، وانما وقع ذلك في كلام زرارة زعما منه انه بمنزلة


(1) الوسائل: باب من أبواب المواقيت ح 9.

[ 259 ]

الدين، أو كونه منع توسعا وتجوزا، ولا عبرة بمثله. ومنها: ما رواه الصدوق (قده) باسناده عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام في جملة وصايا لقمان لابنه: " يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشئ، صلها واسترح منها، فانها دين.. " (1). ويتوجه عليه أولا: أنها ضعيفة السند، فان طريق الصدوق - وكذا طريق الكليني والبرقي - إلى سليمان بن داود المنقري الواقع في السند ضعيف بالقاسم بن محمد الاصفهاني فانه مجهول ولم يوثق. نعم صححه العلامة (قده) لكن الظاهر هو ابتناؤه على مسلكه، من أصالة العدالة في كل إمامي لم يرد فيه قدح. وثانيا: ان إطلاق الدين عليه في كلام لقمان لا يثبت المدعى، وليس ذلك بحجة عندنا. ومجرد حكاية الامام (عليه السلام) لذلك لا يكشف عن الامضاء حتى من هذه الجهة. نظرا إلى ان المقصود هو الاستشهاد بكلامه لاثبات أهمية الصلاة وحسن المبادرة إليها، ولا نظر له (عليه السلام) إلى التنزيل المسامحي الوارد في كلامه. ثم إن السيد ابن طاووس (قده) في كتابه المذكور روى الحديث الثاني بعين المتن المزبور (2) فان كان السند هو السند المتقدم فقد عرفت حاله، وإن كان غيره فقد سبق ان روايات هذا الكتاب بحكم المراسيل، وغير صالحة للاعتماد عليها. وان كان الاقرب بل المطمئن


(1) الوسائل: باب 52 من أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره ح 1. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب قضاء الصلوات ح 25.

[ 260 ]

به هو الاول. ورواها أيضا في (امان الاخطار) عن محاسن البرقي (1) وقد عرفت ضعفه. ومنها: ما رواه الصدوق (قده) في: (معاني الاخبار) باسناده عن محمد بن الحنيفة، في حديث الاذان لما اسري بالنبي (صلى الله عليه وآله) إلى السماء: " ثم قال: حي على الصلاة قال الله جل جلاله: فرضتها على عبادي، وجعلتها لي دينا.. " (2). بناءا على رواية: (دينا) بفتح الدال. وإن كان الاول حينئذ ابدال كلمة: (لي) ب‍ (عليهم) كما لا يخفى. ويتوجه عليه: ضعيف السند بالارسال، فان ابن الحنيفة لم يكن موجودا في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) فلابد وأن تكون الرواية مرسلة، ولم يعلم طريق ابن الحنفية إلى ذلك. فالمتحصل: انه لم يثبت اطلاق ال‍ (دين) على مثل الصلاة ونحوها من الواجبات البدنية في شئ من الروايات المعتبرة وعلى فرض التسليم وثبوت الاطلاق فالكبرى، وهي إن كل ما يطلق عليه الدين يخرج من الاصل ممنوعة فان ما يستدل به لذلك أحد أمرين: الاول: ما يظهر من المتن من ان دين الله أحق بالقضاء، وهذه الفقرة مقتطعة من رواية الخثعمية لما سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: " ان أبي ادرك فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج، ان حججت عنه اينفعه ذلك؟ فقال لها: ارأيت لو كان


(1) الوسائل: ذيل باب 52 من أبواب السفر إلى الحج. (2) مستدرك: الوسائل باب 36 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 261 ]

على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء. لكن الرواية ضعيفة السند فانها غير مروية من طرقنا. على أنها قاصرة الدلالة، إذ ليس مفادها سوى كون دين الله أحق بالقضاء من سائر الديون، اهتماما بشأن هذا الدين، وهذا لا يستوجب الخروج من الاصل، إذ لا دلالة للرواية عليه بوجه. الثاني: الادلة العامة من الكتاب والسنة، الدالة على أن الدين يخرج من الاصل، كما مر. ويتوجه عليه: تلك الادلة خاصة بالديون المالية، بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع، وباعتبار السنخية بين الخارج والمخرج عنه فان المناسب للاخراج عن تركة الميت قبل التقسيم، وما يصح استثناؤه من أمواله، انما هي الديون المالية، دون الواجبات البدنية، وان كان قد اطلق الدين عليها، اذلا دليل على أن كل ما اطلق عليه لفظ الدين يخرج من الاصل. فتلخص من جميع ما مر: ان الخارج من الاصل انما هي الديون فحسب، أوصى بها ام لم يوص، دون سائر الواجبات، مثل الصلاة ونحوها، لمنع صدق الدين عليها - أولا - ومع تسليم الصغرى فالكبرى في حيز المنع. بل ان الحكم المذكور لا يعم مثل النذور والكفارات، لعدم كونها من الواجبات المالية، وان احتاجت إلى صرف المال. فان الواجب المالي عبارة عن كون الواجب هو المال، بحيث تكون الذمة مشغولة بنفس المال، كما في مورد الديون، وأما في مورد النذور

[ 262 ]

[ (مسألة 4): إذا علم أن عليه شيئا من الواجبات المذكورة وجب اخراجها من التركة. وان لم يوص به (1) والظاهر أن اخباره بكونها عليه يكفي في وجوب الاخراج من التركة (2). ] والكفارات فالثابت في الذمة انما هو الفعل، اعني الانفاق على الفقراء أو الاعطاء للمنذور له، غايته ان امتثال هذا التكليف يحتاج إلى صرف المال، كما هو الحال في غالب الواجبات، مثل الحج، والصوم والوضوء ونحوها، فليس في مواردها سوى التكليف المحض دون الحكم الوضعي. ولو سلم صدق عنوان الواجب المالي عليها لم يستلزم ذلك وجوب الاخراج من الاصل، إذ لم يثبت وجوب اخراج كل واجب مالي من الاصل، حيث لا دليل على ذلك في غير الدين كما عرفت. (1) لاشبهة في ان كل واجب محكوم عليه بالاخراج من اصل التركة لا يفرق فيه بين صورتي الايصاء به وعدمه، فانه دين في ذمته وخروج الدين من الاصل غير موقوف على الوصية. إلا أن مصداق هذه الكبرى منحصر عندنا في الديون المالية، وحجة الاسلام، كما مر آنفا خلافا للماتن حيث عمم ذلك لجميع الواجبات حتى البدنية، كالصلاة والصوم، وقد عرفت ضعفه. (2) الحكم في فرض ثبوت اشتغال الذمة بالعلم أو بطريق علمي ظاهر. وأما إذا اخبر الميت بذلك وشك في ثبوته لاجل الشك في صدقه، فهل يكون اخباره هذا حجة في حق الوارث، بحيث

[ 263 ]

يكون ملزما بالاخراج من الاصل أولا؟. اما في الاخبار عن الدين المالي، فلا ينبغي الشك في حجيته ونفوذه فانه اقرار بالدين، وهو - بمجرده - كاف لاثبات اشتغال الذمة به. ولذا لو أقر بذلك عند المقر له - وهو الدائن - لكان له ان يطالبه بذلك، ووجب عليه الوفاء به، عملا باقراره وهكذا الحال في الاخبار عن حجة الاسلام، حيث إنه كان مأمورا بان يبعث أحدا ليحج عنه فيما لو كان عاجزا عن المباشرة بنفسه فيكون هذا الاخبار الراجع إلى الاقرار محققا لموضوع الدين أو الحج المحكوم بالخروج من الاصل. نعم ورد في بعض النصوص: انه إذا أقر بالدين في حال مرضه وكان متهما لاحتمال أن يكون ذلك منه احتيالا لحرمان الورثة من التركة لم ينفذ في الزائد على مقدار الثلث. إلا أن هذا بحث آخر أجنبي عن المقام، وسوف يجيئ الكلام حوله في محله ان شاء الله تعالى فالاقرار - في حال الصحة - بالدين مما لا اشكال في نفوذه وأما الاخبار عن غير الديون، مثل كونه مشغول الذمة بقضاء صلوات أو صيام لفترة معينة، فلا دليل على حجيته، كي يكون نافذا على الوارث، إذ لا يترتب عليه أثر في حال الحياة، وانما يظهر أثره بعد الموت لو كان صادقا، فلم يتحقق به عنوان الدين في حال الحياة حتى يجب على الوارث اخراجه من الاصل. والتمسك لذلك بما ورد: من ان اقرار العقلاء على انفسهم جائز

[ 264 ]

[ (مسألة 5): إذا اوصى بالصلاة أو الصوم ونحوهما ولم يكن له تركة، لا يجب على الوصي أو الوارث اخراجه من ماله. ولا المباشرة، الا ما فات منه لعذر - من الصلاة والصوم - حيث يجب على الولي (1) وان لم يوص بها. ] فيه أولا: أن هذه الرواية لم ترد من طرقنا (1) وان صح مضمونها، وانما هي نبوية حكاها في غوالي اللئالي (2). وثانيا: إن مضمونها غير منطبق على المقام. فان اقرار العقلاء انما يجوز على انفسهم لا على وراثهم. فلا ينفذ ذلك في حق الغير. فالصحيح: ان الاخبار بمثل هذه الامور لا يكون حجة، فلا يجب العمل به. (1) وهو الولد الاكبر فانه يجب عليه مباشرته لما فات من والده من الصلاة والصيام اوصى بهما أم لا، كان له مال أم لم يكن، فان هذا حق ثابت عليه، وهو من احكام الولي، الذي سيجئ البحث عنه - ان شاء الله تعالى - في فصل (قضاء الولي) بخصوصياته ومنها: البحث عن اختصاص ذلك بما فات عن الوالد لعذر أو


(1) يمكن الاستدلال له بصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) ".. ولا اقبل شهادة الفاسق الا على نفسه " الوسائل: باب 32 من أبواب الشهادات الحديث 4 ج 18 بعد وضوح التعدي إلى العادل بالفحوى. (2) المستدرك: باب 2 من أبواب الاقرار ح 1 ج 3 ص 48 .

[ 265 ]

[ نعم الاحوط مباشرة الولد - ذكرا كان أو انثى - مع عدم التركة، إذا اوصى بمباشرته لهما، وان لم يكن مما يجب على الولي. أو اوصى إلى غير الولي، بشرط ان لا يكون مستلزما للحرج من جهة كثرته. وأما غير الولد - ممن لا يجب عليه اطاعته - فلا يجب عليه. كما لا يجب على الولد - أيضا - استئجاره إذا لم يتمكن من المباشرة، أو كان اوصى بالاستئجار عنه، لا بمباشرته. ] تعميمه لمطلق الفائت وان لم يكن لعذر. وهو اجنبي عن فروع الوصية المبحوث عنها في المقام. فالكلام في المسألة انما يقع فيما إذا اوصى إلى غير الولد الاكبر - كالاجنبي - أو إلى الولد الاصغر، أو إلى الاكبر في غير ما يجب عليه. أما الوصية إلى الاجنبي. فلا اشكال في عدم نفوذها وما دل من الكتاب والسنة على لزوم العمل بالوصية منصرف عن مثلها جزما فان الوصية الملحوظة في موضوع الادلة المذكورة، كقوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين) (1) وقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) (2) انما هي بالاضافة إلى ما يتركه الميت ويخلفه من الاموال، وانه إذا اوصى بذلك إلى أحد، بأن جعل له ولاية التصرف في ماله،


(1) البقرة: 180. (2) النساء: 11.

[ 266 ]

وجب عليه العمل على طبق الوصية، والمال الموصى به - في الوصية التمليكية - ينتقل إلى الموصى له بمجرد موت الموصي لكنه في الوصية العهدية يكون باقيا على ملك الميت، ولا ينتقل عنه إلى ملك الوارث أو غيره، ولامانع من قيام الملكية بالميت بعد كونها من الامور الاعتبارية، فليس لاحد التصرف في ذلك إلا باذنه، وعلى النحو الذي جعل له ولاية التصرف فيه، فيكون عدم جواز تغييره عما هو عليه على طبق القاعدة، لكنه فيما يرجع إلى امواله فقط كما عرفت. وأما في غير ذلك، كما لو اوصى بان يقضي عنه زيد جميع صلواته أو يصلي عليه صلاة الميت، أو يطعم - اي زيد - من ماله الخاص الفقراء كل ليلة جمعة، ونحو ذلك من الاعمال القائمة بالموصى له فلا دليل على نفوذ مثل هذه الوصية، بل لا ينبغي الشك في عدم وجوب القبول، فانه تصرف في سلطان الغير بدون حق، فليس له أن يلزم أحدا بعمل لا يرتبط بأمواله، وهذا من الواضحات. فإذا لم يكن للميت مال لم تنفذ وصيته بالصلاة والصوم بلا اشكال. واما الوصية إلى الولد الاكبر في غير ما يجب عليه، أو إلى غير الاكبر من سائر اولاده والمفروض أنه لا مال لليمت اصلا فلا ينبغي الاشكال ايضا في عدم النفوذ فيما إذا كان مورد الوصية من الامور المالية، كما إذا أوصى ولده بأن يستأجر من ينوب عنه لزيارة الحسين (عليه السلام) كل ليلة جمعة، أو يستأجر من يصلي عنه، أو يصوم أو يحج ونحو ذلك، ضرورة عدم وجوب اطاعة الوالد فيما يرجع إلى المال فلو أمره بان يهب أو يتصدق بماله على أحد لم تجب على الولد إطاعته. كما لا تجب إطاعته فيما هو أعظم كطلاقه زوجته.

[ 267 ]

انما الكلام في نفوذ وصيته في غير الامور المالية، كما لو اوصى ولده بان يزور بنفسه الحسين (عليه السلام) أو يباشر قضاء ما فات منه من الصلاة والصيام، مما لم يجب عليه القضاء أو يقوم بقضاء ما فات عن جده مثلا فهل يجب عليه القبول أولا؟. احتاط الماتن (قده) في ذلك بالقبول، نظرا إلى وجوب اطاعة الوالد فيما يرجع إلى الفعل المباشري ولكن الظاهر عدم الوجوب لعدم الدليل على وجوب الاطاعة بهذا العنوان. بل الواجب انما هو البر في مقابل العقوق، بان يعاشره معاشرة حسنة، ويصاحبه بالمعروف، قال الله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفا.) (1) في مقابل المصاحبة بالمنكر، لا انه تجب عليه اطاعتهما على حد وجوب اطاعة العبيد لاسيادهم. لتجب عليه صلاة الليل مثلا فيما لو امر بها فانه لا دليل عليه بوجه. نعم لا ريب في كونه أحوط واحوط منه العمل بكل ما أمر، حتى ما يرجع منه إلى الاموال. بل في استحبابه، فانه احسان في حقه وارضاء له. وقد ورد انه إذا امراك أن تخرج من مالك واهلك فافعل. وكيفما كان: فالظاهر أن الوصية غير نافذة مطلقا، وانه لا يجب العمل بها، سواء تعلقت بالامور المالية أم بغيرها. نعم ورد انه يجب على الولد قبول وصية الوالد، بخلاف الآخرين حيث يمكنهم الرد لكن ذلك أجنبي عما نحن بصدده فان مورد الحكم المذكور انما هو الوصية فيما يرجع إلى اموال الميت نفسه، حيث يكون مثل هذه الوصية جائزة في حق الآخرين وواجبة


(1) لقمان: 15.

[ 268 ]

[ (مسألة 6): لو اوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط وجب اخراجه من الاصل أيضا (1). وأما لو اوصى بما يستحب عليه من باب الاحتياط وجب العمل به، لكن ] في حق الولد، بحيث لا يكون له الامتناع عن قبولها، واين هذا من الوصية بمال الولد أو فعله المباشري التي هي محل الكلام. فتحصل: ان الاظهر هو عدم نفوذ الوصية بمال الوصي أو بفعله المباشري، من دون فرق في ذلك بين الولد وغيره. (1) فلا فرق في الخروج من الاصل بين الواجبات الثابتة في ذمة الميت قطعا، وبين ما كان ثبوتها عليه من باب الاحتياط اللزومي. ولكن الظاهر هو الفرق، فانا لو سلمنا خروج الواجبات من الاصل لكونها دينا، فانما يتم ذلك فيما ثبت اشتغال ذمة الميت لكي يتحقق معه عنوان ال‍ (دين) لا في صورة الجهل بالاشتغال، وان وجب عليه الاحتياط بحكم العقل، من اجل وجود الاحتمال المنجز ضرورة ان الاحتياط لا يحقق عنوان ال‍ (دين) ولا يثبته، فلا علم لنا بالوجوب حتى يثبت بذلك موضوع ال‍ (دين)، فالاحتياط الوجوبي في نظر الميت لا أثر له. نعم لو فرضنا ان هذا الاحتياط الوجوبي كان ثابتا عند الوارث وان لم يفرض ثبوته عند الميت، لاختلافهما في الحكم - اجتهادا أو تقليدا - وجب عليه الاخراج من الاصل لكفاية احتمال كونه دينا في ذمة الميت احتمالا منجزا، إذ لو لم يخرج وصادف الواقع لعوقب على مخالفته. وأما إذا لم يكن الاحتياط وجوبيا في نظره وان كان

[ 269 ]

[ يخرج من الثلث (1)، وكذا لوارصى بالاستيجار عنه ازيد عمره، فانه يجب العمل به والاخراج من الثلث لانه يحتمل أن يكون ذلك من جهة احتماله الخلل في عمل الاجير (2). ] كذلك في نظر الميت، فلا يحكم بالخروج من الاصل لعدم كون الاحتمال منجزا في نظر الوارث على الفرض، وتنجزه في نطر الميت لا يكاد يحقق عنوان ال‍ (دين) كما عرفت. ومنه يظهر الحال في الواجب المالي، والحج. وعلى الجملة الاحتياط اللزومي انما يوجب الخروج من الاصل - حتى في الدين المالي، وفي الحج - فيما إذا كان كذلك بالاضافة إلى الوارث دون الميت بالخصوص. (1) كما هو ظاهر. (2) فان عمله وان كان محكوما باصالة الصحة ظاهرا، إلا ان وجود الخلل فيه - واقعا - أمر محتمل وجدانا، والاحتياط حسن فيكون العمل سائغا. فتشمله عمومات الوصية كما كان هذا الاحتياط مشروعا والعمل على طبقه سائغا في حق الميت نفسه حال حياته، بان يقضى جميع صلواته مدى عمره أو ازيد منه بكثير، من باب الاحتياط، لمجرد احتمال اشتغال الذمة. الناشئ من احتمال الخلل في عمله.

[ 270 ]

[ وأما لو علم فراغ ذمته علما قطعيا (1) فلا يجب وان اوصى به بل جوازه - أيضا - محل اشكال (2). (مسألة 7): إذا آجر نفسه لصلاة أو صوم أو حج فمات قبل الاتيان به. ] (1) فهل يجب العلم حينئذ بالوصية؟ ونحوه ما لو اراد أحد قضاء الصلاة عن احد المعصومين (عليهم السلام) تبرعا. استشكل الماتن (قده) في الجواز فضلا عن الوجوب نظرا إلى ان العبادة توقيفية فتحتاج إلى الاذن، وانما قام الدليل على النيابة عن الميت فيما كانت الذمة مشغولة قطعا أو احتمالا، وأما مع القطع بالعدم كما إذا فرضنا الموت في آخر رمضان السنة الاولى من بلوغه مع فرض استمرار المرض في تمام الشهر كله، فانه غير مشغول الذمة بقضاء الصوم قطعا، لاختصاصه بالمتمكن من القضاء بعد رمضان، ولذا اجاب الامام (عليه السلام) عن سؤال القضاء في عين المسألة بقوله: " كيف تقتضي عنها شيئا لم يجعله الله عليها " (1) فالمشروعية مشكلة. بل لم يثبت الجواز، فضلا عن وجوب العمل بالوصية. (2) قد يستشكل في عبارة المصنف (قده) بان الوجوب وعدمه تابعان للجواز وعدمه، فإذا جاز وجب، والا لم يجب، فكيف جزم (قده) بعدم الوجوب واستشكل في الجواز؟ فانه ان كان في المسألة اشكال ففي كليهما، والا فكذلك، فما هو الوجه في التفكيك. والجواب: ان مراده (قده) بالجواز - الذي استشكل فيه -


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 12.

[ 271 ]

[ فان اشترط المباشرة بطلت الاجارة بالنسبة إلى ما بقي عليه (1) وتشتغل ذمته بمال الاجارة ان قبضه، فيخرج من تركته. ] هو الجواز الواقعي، اعني مشروعية العلم في حد نفسه وبالعنوان الاولي، مع قطع النظر عن عنوان ال‍ (تشريع) الطاري عليه، الموجب لحرمته، لاجل توقيفية العبادة، فان العمل وان كان حراما بالفعل بملاحظة انطباق عنوان ال‍ (تشريع) فلا يجب العمل بالوصية قطعا، إلا ان حرمة العمل في نفسه وبحسب الواقع مورد للاشكال لعدم قيام دليل عليه، ولا تنافي بين الامرين فليتأمل. موت الاجير قبل اتمام العمل: (1) لتعذر الوفاء بالشرط، فتبقى ذمته مشغولة بمال الاجارة بالنسبة إلى الباقي لو قبضه، فيخرج عن الاصل لو كان له مال، والا فلا يجب على الورثة كما مر. هذا هو مختار الماتن (قده). وربما يورد عليه: بعدم الموجب للانفساخ، بل غاية ما يترتب على تعذر الشرط هو التسلط على الفسخ، فيثبت للمستأجر خيار تخلف الشرط، كما هو الحال في سائر الشروط، حيث لا يترتب على تخلفها إلا الخيار دون البطلان: وحينئذ فان امضى العقد وجب على الورثة الاستيجار بالنسبة إلى الباقي من صلب المال إن كان له

[ 272 ]

مال كسائر ديونه، وإلا فلا. وان جاز تفريغ الذمة من الزكاة، أو بالتبرع، على النحو الذي مر. وان فسخ العقد طالب بمال الاجارة كاملا، إذ بالفسخ ينحل العقد من أول الامر، فيرجع إلى الورثة بتمام المال، ويخرج من الاصل. غايته: ان المستأجر يلزمه أن يدفع للورثة اجرة المثل بالمقدار الذي كان الميت قد أتى به من العمل، كما هو الشأن في كل معاملة مفسوخة، حيث يسترجع العوضان عينا إن امكن. وإلا استرجع البدل. اقول: ليس المقام من موارد تخلف الشرط الموجب للخيار. بل من باب تخلف القيد الموجب لتعذر المبيع - في مورد البيع - المستلزم للبطلان. فان الاشتراط يبائن التقييد ويغايره ثبوتا وبحسب اللب ونفس الامر ولا عبرة - في هذا الباب - باللفظ. كما أشرنا إلى ذلك في بعض المباحث السابقة. وبيناه مستقصى في بحث المكاسب. وتوضيح الكلام: ان ما يقع عليه المعاملة - كالمبيع أو الثمن - قد يكون شخصيا وجزئيا خارجيا، كما لو باعه الحنطة المعينة، على أن تكون من المزرعة الفلانية وفي مثله يستحيل التقييد - اي تقييد المبيع بكونه من تلك المزرعة - فان التقييد فرع امكان الاطلاق، والموجود الخارجي جزئي حقيقي وفرد معين لااطلاق له كي يصلح المتقييد: سواء وقع التعبير عنه بالتقييد، بان يقال: " هذه الحنطة المقيدة بكذا. " أو بلفظ الشرط، بان يقول: " بشرط أن تكون. " أو " على أن تكون. " أو " بوصف كذا.. " فالمبيع - حينئذ - هو الموجود الخارجي على ما هو عليه، ولا يعقل تقييده بشئ. حيث انه ليس لهذه العين الشخصية فردان، كي

[ 273 ]

يمكن التقييد بأحدهما. فالذي يتصور فيه التقييد انما هو الالتزام بالبيع، دون المبيع نفسه، لما عرفت من أن الانشاء البيعي انما يرد على الموجود الخارجي على ما هو عليه، وانما يكون إلتزامه بهذا البيع مشروطا باتصاف المبيع بالوصف المعين، ومرجع ذلك: إلى اشتراط جعل الخيار على تقدير تخلف الشرط، كما هو الحال في باب اشتراط الامور الخارجة عن المبيع كاشتراط الخياطة حيث لا يوجب تخلفها، أو تعذر الوفاء بها إلا الخيار، فالتقييد في أمثال المقام راجع إلى الاشتراط لا محالة، ونتيجته جعل الخيار، من دون فرق بين التعبير عنه بلفظ القيد، أو الشرط: وقد يكون المبيع كليا كما لو باعه منا من الحنطة، مع ذكر الخصوصيات الرافعة للغرر، واشتراط عليه أن تكون من المزرعة الفلانية، فمرجع هذا الاشتراط إلى تقييد كلي بحصة خاصة من الحنطة، فالبيع انما يذرد على هذه الحصة، فتكون هي المبيع بخصوصها دون غيرها، فإذا تخلف وأدى إلى المشتري غيرها، لم يكن ما أداه هو المبيع وإنما يكون أجنبيا عنه، فان تراضيا على ذلك كان ذلك معاملة جديدة لا وفاءا بالبيع الاول. ونتيجة ذلك: انه لو تعذر عليه انفسخ العقد، لكشفه عن عدم سلطنة البائع على المبيع، فلا مال له كي يبيعه من غيره، فلو آجر نفسه على أن يحج - مباشرة - عن زيد في هذه السنة، فمات في شهر شوال مثلا انفسخ بذلك عقد الاجارة لا محالة، لكشف الموت عن عدم كونه مالكا لحج نفسه في هذه السنة حتى

[ 274 ]

يملكه لغيره بعقد الاجارة فان الانسان لا يكون مالكا لاعماله إلا في حال الحياة لا مطلقا ولو بعد مماته. وعلى الجملة: ذكر القيد في هذا القسم - أي المعاملة على الكلي - لا معنى له سوى تقييد المبيع، أو العمل المستأجر عليه ونحوه بحصة خاصة، عبر عنه بلفظ القيد أو الشرط، ونتيجته هو الانفساخ عند التعذر كما عرفت. والمقام من هذا القسم فان متعلق الاجارة انما هو العمل في ذمة الاجير، لكن لا على اطلاقه وكليته، بل الحصة الخاصة منه، وهو الصادر عنه بالمباشرة، وبالموت يستكشف انه لم يكن مالكا للمقدار الباقي من العمل، وانه كان قد ملك المستأجر ما لم يكن ليملكه، فكان التمليك بعقد الاجارة في غير محله، ونتيجته انفساخ العقد بالنسبة إلى الباقي بطبيعة الحال. فهو نظير مالو آجر داره سنة، فانهدمت اثناء السنة، فكما انه يحكم بانفساخ عقد الاجارة بالنسبة إلى المدة الباقية من الاجل، من جهة كشف الانهدام عن عدم كونه مالكا للمنافع في تلك المدة، حيث لا موضوع لها، كذلك الحال في المقام بعين المناط فان التعذر قد تعلق بنفس العمل المستأجر عليه، فيكون ذلك من قبيل تعذر المبيع الموجب للخيار، فما ذكره في المتن - من الحكم بالبطلان - هو الصحيح. هذا، ولكن ينبغي تخصيص ذلك بصورة واحدة، وهي: ما إذا مات الاجير قبل انتهاء المدة التي كان يمكنه ايقاع العمل المستأجر عليه فيها، كما لو استأجر لصلاة سنة واحدة، وكان

[ 275 ]

بامكانه إيقاع ذلك خلال أربعة أشهر - مثلا - ولكنه بعد مضي شهرين من زمان العقد، والاتيان بنصف العمل مات، فانه يجري فيه ما مر من الحكم بالانفساخ بالنسبة إلى الاشهر الستة الباقية، لكشف الموت عن تعذر العمل بهذا المقدار، وعدم كون الاجير مالكا لمنافع نفسه في هذه المدة. وكذلك لو أستأجر للحج في سنة معينة مباشرة، فمات في شهر شوال من تلك السنة. وأما إذا كان الوقت واسعا، وأمكنه الاتيان بتمام العمل قبل الموت، غير أنه سامح وأخر حتى عرضه الموت كما لو مات بعد مضي أربعة أشهر على زمان الاجارة، في المثال الاول، أو أنه أستوجر للحج في خصوص هذه السنة فأخره إلى القابل ظنا منه بالبقاء، فمات بعد أيام الموسم فلا موجب للانفساخ في مثل ذلك لفرض ثبوت قدرته على تسليم العمل مع فرض سعة الوقت، فكان مالكا للعمل بتمامه، وقد وقعت الاجارة على ما كان يملكه، فقد ملك المستأجر ما يملكه وما هو مسلط عليه. لا ما لا يملكه، كما في الصورة المتقدمة، إلا أنه باختياره قد تسامح في التسليم، فأخر ولم يسلم. وبكلمة أخرى: إنا إنما حكمنا بالبطلان في الصورة المتقدمة، لاجل كشف الموت عن عدم ملكية الاجير للعمل المستأجر عليه، فكان الحكم المذكور لاجل وقوع عقد الاجارة على غير الملك. وهذا بخلاف المقام، حيث انه لا سبيل فيه إلى الكشف المذكور، إذ الاجير مالك لمنافعه حال الحياة. والمفروض سعة الوقت لتمام العمل المستأجر عليه، فقد ورد عقد الاجارة - حينئذ - على الملك.

[ 276 ]

[ وان لم يشترط المباشرة وجب استئجاره (1) من تركته ان كان له تركة، وإلا فلا يجب على الورثة، كما في سائر الديون إذا لم يكن له تركة ]. فلا مقتضى للحكم بالانفساخ، والقاعدة تقضي برجوع المستأجر - حيث انه لم يتسلم المقدار الباقي من العمل - إلى الورثة، ومطالبتهم بقيمة العمل الباقي، حتى ولو كانت هناك زيادة في القيمة، فانه مالك لنفس العمل في ذمة الميت بعد فرض صحة الاجارة، وحيث لا يمكن التسليم فعلا فلا محالة ينتقل منه إلى البدل، وهي القيمة حين الاداء، فتخرج قيمة العمل المذكور - كسائر الديون المالية - من أصل التركة ان كانت، وإلا لم يجب ذلك على أحد. كما مر. فما ذكره الماتن - قده - من الحكم بالبطلان صحيح، لكن لا على اطلاقه، بل على التفصيل الذي عرفت. (1) لا ينبغي الاشكال في عدم إنفساخ العقد حينئذ، لعدم الموجب له بل العمل باق في ذمته كسائر ديونه، غايته ان الدين هنا انما هو نفس العمل، وحينئذ فان كان له مال وجب الاستيجار من أصل التركة كما في بقية الديون، وإلا لم يجب على الورثة شئ لما تقدم من عدم وجوب تفريغ ذمة الميت فيما إذا لم يكن له مال.

[ 277 ]

[ نعم يجوز تفريغ ذمته من باب الزكاة (1)، أو نحوها (2)، أو تبرعا (3). (مسألة 8): إذا كان عليه الصلاة أو الصوم الاستيجاري، ومع ذلك كان عليه فوائت من نفسه، فان وفت التركة بها فهو، والاقدام الاستئجاري، لانه من قبيل دين الناس (4). ] (1) كما في سائر الديون، للنصوص الخاصة الدالة على ذلك. (2) كالوقف ونحوه، إذا كان مصرفه شاملا لمثله ومنطبقا عليه. (3) كما هو ظاهر. (4) بناءا على ما سلكناه، من عدم خروج الواجبات من أصل المال، لاختصاص ذلك بالدين، فلا ريب في اختصاص الخارج منه - حينئذ - بالاستئجاري، لكونه دينا في ذمة الميت، وان كان من سنخ العمل، بلا فرق في ذلك بين وفاء التركة بهما وعدمه. واما على مسلك الماتن (قده) من خروجها - أيضا - من الاصل، لكونها مصداقا للدين كسائر الديون، فالظاهر هو التقسيط، وعدم تقديم الاستئجاري. وتقديم حق الناس على حق الله - سبحانه وتعالى - عند الدوران، وان كان متينا كبرويا. لكنه غير منطبق على المقام. لاختصاصه بباب التزاحم. الذي مورده خصوص الاحكام التكليفية. دون الوضعية، كما في ما نحن فيه.

[ 278 ]

وتوضيح ذلك: ان الذمة إذا اشتغلت بما هو من حق الله محضا، وبما هو من حق الناس، كما لو استقر عليه الحج من السنة الماضية، واشتغلت ذمته بالدين أيضا، والمفروض ان ماله لا يفي إلا بأحدهما، فقد توجه عليه - حينئذ - تكليفان، أحدهما متعلق بالحج، والآخر باداء الدين، وبما انه لا يتمكن من الجمع بينهما في مقام الامتثال فلا محالة يقع التزاحم بين التكليفين، ولا بد فيه من الرجوع إلى مرجحات باب التزاحم، التي منها الترجيح بالاهمية قطعا، أو إحتمالا. ولا ريب في ان الدين أهم إذ انه - بعد فرض اشتراكه مع الحج في أصل الالزام الالهي - يمتاز بكونه من حق الناس، وهذه المزية تستوجب القطع بالاهمية ولا أقل من احتمالها، فيتقدم الدين على الحج، ولاجله يحكم بان كل ما فيه حق الناس يتقدم على ما هو متمحض في كونه حق الله سبحانه وتعالى. فالكبرى المذكورة وان كانت تامة، إلا أنها تختص بالاحكام التكليفية، ولا تجري في الاحكام الوضعية، التي منها المقام، لعدم تصور التزاحم في باب الاحكام الوضعية، ففي محل الكلام لم يتعلق - بالولي أو الوصي - تكليفان لا يمكنه الجمع بينهما في مقام الامتثال، حتى يتحقق التزاحم، بل يكون أمر التركة دائرا بين الصرف في الاستئجاري وصرفه في عبادة الميت الواجبة عليه بالاصالة. وبكلمة أخرى: إن المال لم يعلم حاله، وانه ما هو مصرفه حسب تعيين الشارع؟ ومثل هذا خارج عن باب التزاحم كما لا يخفى.

[ 279 ]

[ (مسألة 9): يشترط في الاجير أن يكون عارفا (1) بأجزاء الصلاة وشرائطها، ومنافياتها، وأحكام الخلل، عن اجتهاد، أو تقليد صحيح. ] فلا مجال في المقام للترجيح بالاهمية، كي يقتضي ذلك تقديم الاستئجاري، وانما يكون مقتضى القاعدة فيه هو التقسيط، جمعا بين الحقين، فما ذكره - قده - من تقديم الاستئجاري انما يستقيم على مسلكنا. لا مطلقا، فلاحظ. شرائط الاجير: (1) من الواضح عدم دخل المعرفة في صحة العمل. لامكان صدوره تام الاجزاء والشرائط من الجاهل أيضا. كما لو احتاط في الاتيان بالسورة رجاءا مع عدم العمل بجزئيتها. أو أنه لقوة حفظه اطمأن من نفسه بعدم ابتلائه بمسائل الشكوك أو انه تمكن من قصد القربة مع الشك في جزئية شئ - مثلا - فصادف الواقع، فان العمل في جميع ذلك محكوم عليه بالصحة لكون وجوب التعلم طريقيا لا نفسيا، كما نبهنا عليه في مباحث الاجتهاد والتقليد. فالوجه في اعتبار المعرفة انما هو عدم احراز المستأجر فراغ ذمة المنوب عنه إذا كان الاجير جاهلا لاحتمال فساد عمله، المقتضي لوجوب الاستئجار ثانيا، تحصيلا لليقين بالفراغ.

[ 280 ]

ولا مجال لجريان أصالة الصحة في المقام، وذلك، لانه لم تثبت حجية الاصل المذكور بدليل لفظي، حتى يستند إلى اطلاقه في موارد الشك، حيث لم يدل عليه شئ من النصوص. بل المستند في حجيته هي السيرة والاجماع، بل الضرورة، فان من الامور الواضحة التي اتفق عليها علماء الاسلام، وقامت عليه السيرة القطعية حمل الفعل الصادر من المسلم العارف بالمسائل على الصحة، بالغاء احتمال الفساد، الناشئ من احتمال الغفلة، أو النسيان، أو التعمد في الاخلال ببعض الاجزاء أو الشرائط، بلا فرق بين العبادات والمعاملات. فترى انه يقتدى بامام الجماعة، ويكتفى بصلاة الغير على الميت، ويبني الموكل على صحة ما صدر من وكيله، من بيع، أو نكاح، أو طلاق إلى غير ذلك مما يرجع إلى المعاد أو المعاش، مع طرو احتمال الفساد في جميع ذلك من جهة الغفلة مثلا عن النية - وهي أمر باطني لاسبيل للعلم بها - وغيرها من الاجزاء والشرائط ولكنهم لا يعبأون بذلك حملا لفعل المسلم على الصحيح. بل السيرة قائمة على ذلك حتى مع الشك في معرفة العامل حيث انه لا يتصدى - في الحكم بالصحة - لمعرفة حال العامل من حيث علمه بالمسائل وجهله بها. فإذا شاهدوا من يصلي على الميت وهم لا يعرفونه عالما بمسائل الصلاة أو جاهلا بها بنوا على صحة صلاته، ولم يبالوا باحتمال الفساد الموجب لعدم سقوط الواجب الكفائي بالعمل المذكور.

[ 281 ]

[ (مسألة 10): الاحوط اشتراط عدالة الاجير (1) ] وأما مع العلم بجهله بها، فالسيرة غير جارية - حينئذ - في الحمل على الصحة بمجرد احتمال المصادفة الواقعية، فلا تجري في مثله أصالة الصحة بالضرورة. وعلى الجملة: بعد فرض انحصار مستند الاصل المذكور بالدليل اللبي، الذي لا اطلاق له، لابد من الاقتصار على المقدار المتيقن به، وهو صورة العلم بمعرفته للمسائل، وصورة الشك في ذلك، لامع العلم بجهله بها أيضا. فما أفاده الماتن (قده) من اشتراط المعرفة في الاجير صحيح لكن ينبغي - على ضوء ما ذكرناه - تبديل العبارة على النحو التالي (يشترط في الاجير أن يكون عارفا، ولو احتمالا.) لما عرفت من ان المعتبر عدم العلم بجهله، لا العلم بمعرفته. (1) لا دخل للعدالة في صحة العمل، فان التكاليف والاحكام الشرعية نعم العادل والفاسق ولا اختصاص لها بالاول فالعمل الصادر من كل منهما يكون محكوما بالصحة، إذا كان واجدا للاجزاء والشرائط، ولو بمعونة أصالة الصحة كما مر. فاشتراط العدالة في الاجير انما هو لعدم حجية قول الفاسق في إخباره عن الاتيان بالعمل، فلم يحرز فراغ ذمة المنوب عنه، فيجب الاستئجار له ثانيا، تحصيلا لليقين بالفراغ، ولاجل ذلك يكتفى بالعدالة حين الاخبار وان كان فاسقا حال العمل أو حين الاستئجار، دون العكس.

[ 282 ]

[ وان كان الاقوى كفاية الاطمينان (1) باتيانه على الوجه الصحيح وان لم يكن عادلا. ] (1) في المقام أمران اختلط أحدهما بالآخر في بعض الكلمات: أحدهما: انه مع حصول الاطمينان بصدور العمل من الاجير صحيحا، يكتفي به بلا اشكال فان الاطمينان علم عادي وحجة عقلائية، سواء أخبر به الاجير ايضا أم لا، فاسقا كان أم عادلا، حيث لا يدور الاعتماد على الاطمينان مدار الاخبار، كما لا يختص ذلك بالفاسق، فلو استوجر العادل، فمات ولم يخبر، ولكن حصل الاطمينان باتيانه بالعمل صحيحا، كفى ذلك قطعا. ثانيهما: انه إذا أخبر الاجير بتحقق العمل، مع عدم حصول الاطمينان بذلك، فهل تعتبر العدالة في قبول قوله أو لا. بل يكتفى بكونه ثقة وان لم يكن عدلا؟ الظاهر هو الثاني، لعدم اختصاص ما دل على حجية قول الثقة بباب الاحكام، بل يعم الاخبار عن الموضوعات أيضا. ولا سيما في موارد اخبار الشخص عن عمل نفسه. كما حقق ذلك في محله؟. وعلى الجملة: فالاطمينان بصدور العمل شئ، والاعتماد على اخبار الثقة شئ آخر. ومنه تعرف انه كان الاولى بالماتن التعبير التالي: (وان كان الاقوى كفاية كونه ثقة) لما قد عرفت من ان اعتبار العدالة لاجل التعويل على اخبار الاجير. لا من جهة دخلها في صحة العمل. فكان الانسب بسياق الكلام هو تعميم الاجير

[ 283 ]

[ (مسألة 11): في كفاية استئجار غير البالغ ولو ] - المخبر عن العمل - إلى العدل والثقة. وإلا فالاطمينان بصدور العمل منه صحيحا غير دائر مدار الاخبار وعدمه. كما لا يختص ذلك بالفاسق. كما عرفت. ثم ان صاحب الجواهر (قده) أفاد بأن الاستقراء وتتبع الاخبار يشهدان بأن كل ذي عمل مؤتمن على عمله، وأن قوله فيه حجة، كما يظهر ذلك بملاحظة ما ورد في الجارية المأمورة بتطهير ثوب سيدها، وكذا اخبار الحجام بطهارة موضع الحجامة، وما ورد في القصابين والجزارين والقصارين ونحو ذلك. فان التدبر في ذلك بعين الانصاف ربما يورث القطع بحجية اخبار كل عامل عن عمله، وانه مصدق فيه، ومن مصاديق هذا الموضوع هو إخبار النائب عن تحقق الفعل الذي هو مورد الكلام. ويتوجه عليه: عدم ثبوت هذه الكلية، بحيث يكون اخبار صاحب العمل بمثابة اخبار ذي اليد عن طهارة ما تحت يده أو نجاسته. وما ذكره من الاستقراء فهو ناقص، يختص بموارد جزئية معينة. وليس بالاستقراء التام، حتى تثبت به الكلية المدعاة، كما لا يخفى. فلا يمكن الخروج بذلك عن مقتضى القوعد. وعليه فان كان المخبر - وهو الاجير في مفروض الكلام - عادلا أو ثقة كان اخباره عن عمله حجة. وإلا فلا.

[ 284 ]

[ باذن وليه اشكال (1) وان قلنا بكون عباداته شرعية والعلم باتيانه على الوجه الصحيح، وان كان لا يبعد مع العلم المذكور. وكذا لو تبرع عنه مع العلم المذكور. ] (1) استشكل (قده) في كفاية استئجار غير البالغ، مع العلم باتيانه العمل على الوجه الصحيح. وكذا في تبرعه. ثم بنى أخيرا - على الكفاية، بناءا على شرعية عباداته. فانه بعد ثبوت الامر بها في حقه لا يفرق بين عبادات نفسه وبين ما يأتي به عن غيره. وقد يقال بالكفاية مطلقا حتى بناءا على تمرينية عباداته وعدم الامر بها. فان النائب انما يقصد الامر المتوجه إلى المنوب عنه لا به نفسه، فعدم مشروعية العبادة في حق النائب لا يمنع من صحة نيابته عن غيره. بل قد لا يمكن توجه الامر نحو النائب، كما في حج غير المستطيع عن المستطيع حجة الاسلام. ولكن الظاهر هو عدم الكفاية مطلقا، اما بناءا على التمرينية فظاهر، إذ بعد عدم المشروعية في حق الصبي وعدم توجه الامر نحوه كيف يتصف العمل المأتي به بالعبادية الموقوفة على ثبوت الامر؟ فلا يوجب تفريغ ذمة المنوب عنه. وقياسه بالحج عجيب، فان غير المستطيع وإن لم يتوجه إليه الامر، لكنه خصوص الامر بالحج لا مطلقا حتى مثل الامر بالنيابة عن الغير في الحج، وكم فرق بين الامرين. وقد عرفت ان المدار

[ 285 ]

في صحة النيابة تعلق الامر بنفس النيابة دون نفس العمل، وأن النائب انما يقصد امتثال هذا الامر التعلق به، وهو المصحح للنيابية واتصاف العمل بالعبادية، دون الامر المتوجه إلى المنوب عنه، حيث تختص داعويته بالمنوب عنه المفروض سقوطه بموته، فلا ربط له بالنائب. وأما بناءا على الشرعية - كما هو الصحيح - فلان مستند هذا القول ليس هو اطلاق الادلة الاولية. كيف وهي مختصة بغير الصبي بمقتضى حديث رفع القلم. ودعوى ان المرفوع خصوص الالزام فيبقى أصل الخطاب بحاله، واضحة الفساد، كما لا يخفى. فأدلة الاحكام برمتها - حتى مثل الامر بالنيابة - منصرفة عن الصبي وخاصة بالبالغين. بل المستند هو ما ورد عنهم - عليهم السلام - من أمر الاولياء بأمر الصبيان بالصلاة والصيام، بناءا على ما تقرر في محله من أن الامر بالامر بالشئ أمر بالشئ نفسه وهذا منصرف إلى ما يأتي به الصبي من الصلاة والصيام عن نفسه ولا إطلاق له بالاضافة إلى ما ينوب فيهما عن غيره فلا دليل على ثبوت الامر بالنسبة إلى عباداته النيابية، وهو مما لابد منه في صحة النيابة، كما عرفت ذلك آنفا. وعلى الجملة: ان العبادات توقيفية، يحتاج الحكم بمشروعيتها إلى الامر، ولم يثبت ذلك في حق الصبي إلا في خصوص عباداته الاصلية دون النيابية، فلا يصح استيجاره، كما لا يكتفى بما يأتي به تبرعا، وإن كان صحيحا في نفسه، للشك في فراغ ذمة الميت

[ 286 ]

بذلك، ومقتضى اطلاق دليل وجوب التفريغ - المتوجه إلى الولي أو الوصي - عدم الاكتفاء به كما لا يخفى. ومع الغض عن الاطلاق فمقتضى الاصل العملي هو الاشتغال، دون البراءة، للشك في تحقق الفراغ والامتثال بعد العلم بالتكليف. وقد ذكرنا نظيره في بحث الصلاة على الميت، وقلنا انه لا يكتفي بصلاة غير البالغ على الميت وان التزمنا بمشروعية عباداته، ولا منافاة بين الامرين، فان المشروعية انما ثبتت بدليل الامر بالامر بالصلاة المنصرف عن مثل هذه الصلاة، فيتمسك حينئذ باطلاق الامر بالصلاة على الميت المتوجه إلى البالغين. أو بأصالة الاشتغال، للشك في سقوط التكليف عنهم بصلاة الصبي. والمتحصل من جميع ما مر: ان النائب انما يقصد الامر الاستحبابي العبادي المتوجه إليه بعنوان النيابة، وربما يتصف ذلك بالوجوب بعنوان آخر، مثل الاجارة ونحوها، دون الامر المتعلق بالمنوب عنه كما هو ظاهر، ودون الامر المتعلق بذات الفعل بما هو هو، إذ قد لا يكون الفعل مأمورا به في حقه اصلا، كما في مثال الحج المتقدم، وكما لو بلغ الولي - وهو الولد الاكبر - بعد شهر رمضان ومات والده وعليه قضاء شهر رمضان فانه يجب على الولد حينئذ الصوم عن أبيه، مع انه لم يكلف بعد بصوم شهر رمضان فالعبرة في صحة النيابة بقصد الامر المتعلق بها، وحيث لم يثبت ذلك في حق الصبي وان قلنا بمشروعية عباداته. لم يجز استيجاره، كما لا يكتفى بما أتى به تبرعا.

[ 287 ]

[ (مسألة 12): لا يجوز استيجار ذوي الاعذار (1) خصوصا من كان صلاته بالايماء. أو كان عاجزا عن القيام ويأتي بالصلاة جالسا ونحوه، وان كان ما فات من الميت - أيضا - كان كذلك. ] (1) فان الفائت عن الميت هي الصلاة الاختيارية، فيجب تفريغ ذمته عما اشتغلت به كما اشتغلت، فلا تجزي الصلاة العذرية من النائب حتى ولو كانت هي تكليف الميت في ظرف الفوت كما لو فاتته الصلاة وهو عاجز عن الركوع أو القيام فكانت وظيفته البدل، وهو الايماء للركوع أو الصلاة جالسا، فان الانتقال إلى البدل كان مختصا بما إذا أتى بالعمل في ظرفه. دون ما إذا لم يتحقق منه ذلك، لقصور أدلة البدلية عن هذا الفرض. ومن هنا كان الواجب على الميت نفسه في مقام قضاء ما فاته الاتيان بالصلاة الاختيارية بلا اشكال. والسر في ذلك: هو اختلاف التكليف باعتبار حالتي الاداء والفوت، وانه في مقام الاداء يكون المفروض هي الوظيفة الفعلية من الاتيان بالاجزاء الاختيارية ان أمكن والا فالاضطرارية وأما مع الفوت ووجوب القضاء فالاعتبار انما يكون بما فات من الوظيفة الاولية، أعني الصلاة الاختيارية ولا يقدح عدم تعلق الامر الفعلي بها في الوقت، لكفاية التكليف الشأني الاقتضائي في صدق عنوان ال‍ (فوت)، كما في

[ 288 ]

النائم الناسي ونحوهما على ما عرفت سابقا. وعلى الجملة: فحيث ان الفائت من الميت - على كل تقدير - انما هي الصلاة الاختيارية ذات الركوع والسجود.، كان اللازم في مقام القضاء - اما بنفسه حال حياته، أو بالاستيجار عنه بعد موته - الاتيان بتلك الصلاة، فلا يجزى استيجار المعذور الذي يومي للركوع أو السجود. هذا إذا كان العذر الموجب للانتقال إلى البدل في الاجزاء أو الشرائط، كما في الامثلة المتقدمة، مما كان مركز الاعتبار هو نفس الصلاة كاعتبار الركوع والسجود أو القيام ونحو ذلك، ففي مثل ذلك كله لا يجوز - بلا اشكال - استيجار العاجز، للزوم المطابقة مع الفائت في الكيفية كما عرفت. وأما العذر الراجع إلى المصلي نفسه، بحيث كان مركز الاعتبار هو المصلي دون الصلاة، فلا يبعد القول في مثل ذلك بكفاية استيجار المعذور، كما في استيجار العاجز عن الطهارة المائية الآتي بالصلاة مع التيمم، فان المعتبر في الصلاة هي الطهارة الجامعة بين المائية والترابية، على ما هو السمتفاد من قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا.) (1). وأما خصوص الوضوء أو الغسل فانما يعتبر في المصلي لدى القدرة على استعمال الماء، وعند عجزه من ذلك تنتقل وظيفته إلى التيمم فالقدرة على الماء أو العجز عنه مما لوحظ في ناحية المصلي كالسفر:


(1) المائدة: 6.

[ 289 ]

[ ولو استأجر القادر فصار عاجزا وجب عليه التأخير إلى زمان رفع العذر وان ضاق الوقت انفسخت الاجارة (1). ] والحضر، لا في الصلاة نفسها، وإلا فكلتا الصلاتين واجدتان لشرط الطهارة. ولا مزية؟ لاحداهما على الاخرى، وان كان لا يجوز التعدي من الماء إلى التراب في فرض التمكن. وعليه فالصلاة مع التيمم الصادرة من الاجير تطابق الصلاة الاختيارية الفائتة عن الميت في الاشتمال على الشرط، وهي الطهارة فلا مانع من استيجاره بعد تمكنه من تفريغ ذمة المنوب عنه عما اشتغلت به من الصلاة بما لها من الاجزاء والشرائط، وإن كان مصداق الطهور في الاجير مغايرا لما كان ثابتا في حق الميت، ولا دليل على قادحية المغايرة بهذا المقدار، بعد كون التيمم مصداقا للطهور حقيقة. ولعل هذا هو السر في جواز ايتمام المتوضي أو المغتسل بالمتيمم مع عدم جواز ذلك عند اختلافهما بحسب وظيفة الركوع أو السجود، حيث لا يجوز اقتداء المختار بمن يصلي إيماءا، بلا اشكال. والسر فيه: هو ما عرفت من اشتمال كلتا الصلاتين على شرط الطهارة. وان اختلف الامام والمأموم في مصداقها، وفي بعض الروايات اشارة إلى ذلك. (1) أما وجوب التأخير إلى زمان رفع العذر فظاهر مما مر، على اشكال تقدم في القيود المعتبرة في المباشر. وأما الحكم بالانفساخ في ضيق الوقت فهو - على اطلاقه - غير

[ 290 ]

[ (مسألة 13): لو تبرع العاجز عن القيام - مثلا - عن الميت، ففى سقوطه عنه اشكال (1). (مسألة 14): لو حصل للاجير سهو أو شك يعمل بأحكامه على وفق تقليده أو اجتهاده (2) ولا يجب عليه اعادة الصلاة. ] تام، بل يختص ذلك بما إذا لم يمكن ايقاع المستأجر عليه في زمان القدرة والاختيار، لعدم سعة الوقت للعمل، فان العجز الطارئ حينئذ يكشف عن عدم ملك الاجير لمنافعه فتنفسخ الاجارة لا محالة بخلاف ما إذا كان الوقت واسعا وكان قد أخره اختيارا حتى عجز، فانه لا موجب للحكم بالانفساخ في مثله، وانما يرجع إلى الاجير بأجرة المثل فيلزمه دفعها وان فرض الارتفاع في الاجرة كما عرفت ذلك سابقا. فلا حظ. (1) بل ينبغي الجزم بالعدم، كما جزم (قده) بعدم صحة استيجاره في المسألة السابقة، لوحدة المناط فيهما، وهو عدم فراغ ذمة الميت عن الفائتة، - وهي الصلاة الاختيارية - بذلك، من دون فرق بين الاجير والمتبرع، فالتفكيك بالجزم في أحدهما والاستشكال في الآخر في غير محله. (2) هذه من متفرعات المسألة التالية، وهي: أن العبرة في الصحة وفي مراعاة احكام الصلاة مما يرجع إلى السهو والشك وغيرهما - هل هي بنظر الاجير، أو الميت، أو غيرهما! وليست بمسألة مستقلة، وسيأتي الكلام عليها مستقصى.

[ 291 ]

[ (مسألة 15): يجب على الاجير أن يأتي بالصلاة على مقتضى تكليف الميت، اجتهادا أو تقليدا، ولا يكفي الاتيان بها على مقتضى تكليف نفسه (1)، فلو كان يجب عليه تكبير الركوع. أو التسبيحات الاربع ثلاثا، أو جلسة الاستراحة، اجتهادا أو تقليدا، وكان في مذهب الاجير عدم وجوبها يجب عليه الاتيان بها. وأما لو انعكس فالاحوط الاتيان بها أيضا. لعدم الصحة عند الاجير على فرض الترك. ويحتمل الصحة إذا رضي المستأجر بتركها، ولا ينافي ذلك البطلان في مذهب الاجير إذا كانت المسألة اجتهادية ظنية، لعدم العلم بالبطلان فيمكن قصد القربة الاحتمالية. نعم لو علم - علما وجدانيا - بالبطلان لم يكف، لعدم امكان قصد القربة حينئذ، ومع ذلك لا يترك الاحتياط. ] (1) يقع الكلام تارة في المتبرع، وأخرى في الاجير: أما المتبرع، فلا ريب في كون المدار في تحقق التبرع هو الاتيان بصلاة يراها صحيحة وان لم تكن كذلك بنظر الميت، الا أنه لا تبرأ بها ذمة الميت لو كانت فاسدة بنظره، فلا يكتفي الوصي بها لو أوصى الميت بالاستيجار عنه، كما انه ليس للولي الاكتفاء بها - ايضا - حيث لا يراها مفرغة لذمة الميت، وان كانت صحيحة

[ 292 ]

في نظر المتبرع بها، إذ لا عبرة بنظر المتبرع في التفريغ، كما لا يخفى. ولو انعكس الامر: بان كانت صحيحة بنظر الميت فاسدة عند المتبرع، فان كان المتبرع جازما بالبطلان فلا اشكال في الفساد، لعدم تمشي القربة منه حينئذ. وأما إذا استند في الحكم بالبطلان إلى اجتهاد أو تقليد، مع احتمال الصحة واقعا فأتى بها مع القربة ولو رجاءا، صحت وحكم حينئذ بفراغ ذمة الميت، واكتفى الوصي بها ايضا بلا حاجة إلى الاستيجار لها، فان المكلف بالعمل كان هو الميت، والمفروض صحته عنده. وأما اكتفاء الولي فمشروط بصحتها عنده، فانه المخاطب بتفريغ ذمة الميت، وكان اللازم عليه الاتيان بصلاة تكون مصداقا للتفريغ بنظره، ولا عبرة حينئذ بنظر الميت فضلا عن المتبرع فإذا كان يراها فاسدة وجب عليه الصلاة ثانيا أو الاستيجار لها. مثلا: إذا فرضنا ان رأي الميت - اجتهادا أو تقليدا - كان هو الاكتفاء بالتسبيحات الاربع مرة واحدة فصلى المتبرع كذلك، ولكن الولي كان يرى - بأحدهما - اعتبار الثلاث، ليس له الاكتفاء بمثل هذه الصلاة لانه يرى عدم فراغ الذمة بعد، والخطاب بالتفريغ - كما عرفت - متوجه إليه، فلابد من تحصيله العلم بالفراغ على حسب اعتقاده، من دون أن يكون لنظر الميت - فضلا عن المتبرع - أي أثر أصلا. هذا في المتبرع. وأما الاجير، فقد يكون اجيرا عن المتبرع، واخرى عن الوصي

[ 293 ]

وثالثة عن الولي: 1 - الاجير عن المتبرع، وحكمه حكم المتبرع، فإذا كانت صلاته صحيحة بنظره أو المستأجر المتبرع جاء الكلام المتقدم فيه حرفا بحرف. 2 - الاجير عن الوصي، ولا ينبغي الشك في أن العبرة حينئذ بنظر الميت، فان الوصية بنفسها تكون قرينة على ذلك، حيث أن معناها هو ان يؤتى بعمل لو كان الموصي متمكنا منه لكان قد أتى به، فيكون الموصى به هو الصحيح عند الموصي، ولهذه القرينة يجب على الوصي أن يستاجر من يراعي نظر الميت. نعم لا بد من صحة العمل عند الاجير، ولو احتمالا، إذ مع اعتقاده الفساد لا يتمشى منه قصد القربة. كما مر. وعلى الجملة: فالاعتبار بالصحة - في مورد الوصية - بنظر الموصي، دون الوصي ودون الاجير 3 - الاجير عن الولي، ويقع الكلام فيه - تارة: في وظيفة الاجير واخرى: في وظيفة الولي من حيث الاكتفاء بهذا العمل. أما وظيفة الاجير، فقد يفرض كونه اجيرا على مجرد الصلاة عن الميت، واخرى على تفريغ ذمته. أما إذا كانت الاجارة على النحو الاول، فلا ريب في استحقاقه الاجرة إذا أتى بالصلاة الصحيحة بنظره، وان كانت فاسدة بنظر الميت، فانه انما استؤجر للصلاة الصحيحة، والالفاظ موضوعة للمعاني الواقعية، فكل ما يراه الاجير مصداقا للصحيح ينطبق عليه العمل المستأجر عليه، فيستحق الاجرة بذلك، سواء أكان مطابقا

[ 294 ]

لمذهب الميت أم لم يكن. فالعبرة في الوفاء بعقد الاجارة بمراعاة نظره بالاتيان بما يعتقده صحيحا، لا نظر الميت، ولا اشكال حينئذ من ناحية الاجارة، واما وظيفة الولي من حيث الاكتفاء بذلك وعدمه فستعرفها. وإذا كانت الاجارة على النحو الثاني، بأن كان المستأجر عليه هو عنوان تفريغ الذمة، فلا مناص له إذا من الاتيان بعمل يراه مبرءأ لذمة الميت، فان توافق مذهبا هما في ذلك فلا كلام، وان تخالفا كما لو اعتقد الاجير كفاية التسبيحات الاربع مرة واحدة، وكان الميت يرى اعتبار الثلاث، فان استند الاجير في اعتقاده إلى الدليل الاجتهادي إجتهادا أو تقليدا، جاز له التعويل على رأيه في الحكم بالتفريغ، فان مفاد الدليل الاجتهادي انما هو كون مؤداه هو الحكم الواقعي الثابت في الشريعة على كل أحد، ومنهم الميت. فيكون من قام عنده مثل ذلك - وهو الاجير على الفرض - يرى عدم اشتغال ذمة الميت بأكثر من التسبيحات الاربع مرة واحدة، وانها تكون مبرئة لذمته، فلا يكون ملزما بمراعاة نظر الميت وهو يرى خطأه في ذلك، بل يكتفي بالواحدة المحققة لعنوان التفريغ. وأما إذا كان مستنده في ذلك هو الاصل العملي، بأن كان نفي الثلاث عنده بأصالة البراءة عنه - بناءا منه على جريانها في الاقل والاكثر الارتباطيين - لا لدليل اجتهادي، على النفي. ولكن الميت كان يذهب إلى الثلاث للدليل الاجتهادي، أو للاصل العملي - وهو اصالة الاشتغال - لبنائه على كون المرجع في الاقل والاكثر الارتباطيين هو ذلك، فمن الواضح حينئذ أن الاصل المعتبر عند الاجير مما

[ 295 ]

لا يترتب عليه فراغ ذمة الميت، فان غاية ما يترتب على أصالة البراءة انما هو نفي التنجيز عمن جرت في حقه، وهو الاجير، لا مطلقا، وحيث أن الميت لم يكن يرى ذلك كان التكليف الواقعي متنجزا في حقه، وعليه فلا قطع بالفراغ إلا بمراعاة ما هو الصحيح عند الميت فلا تكفي الصحة بنظر الاجير، هذا كله في وظيفة الاجير. واما وظيفة الولي، فان كان يرى صحة العمل الصادر من الاجير اكتفى به وان لم يكن صحيحا عند الميت، بل ولا عند الاجير أيضا، كما إذا كان الاجير قد اتى به رجاءا مع عدم اعتقاده بصحته وإلا لزمه الاتيان بما يعتقد صحته، أو الاستيجار لذلك. والوجه فيه: ما عرفت من توجيه الخطاب بالتفريغ إلى الولي نفسه، فانه المأمور بالقضاء عن والده، فتكون العبرة بما يراه مصداقا للصحيح ومحققا لعنوان التفريغ، ولا أثر حينئذ لنظر الميت، ولا الاجير. نعم لا يجب عليه قضاء الصلوات التي أتى الميت بها حال حياته إذا كانت فاقدة لشرط الصحة بنظر الولي، بأن كانت فاقدة للسورة أو مع الاقتصار على التسبيحات الاربع مرة واحدة، وذلك لحديث: (لا تعاد الصلاة..) وانما يختص ذلك بما فات الميت من الصلوات، حيث يجب عليه قضاؤها على الوجه الصحيح عنده. وعلى الجملة: يختلف الحال في هذه الموارد حسبما عرفت، فلا مجال لاطلاق القول بأن العبرة بنظر الاجير، أو الميت، إذ قد لا تكون العبرة بهذا ولا بذاك، بل بنظر الولي فقط، كما ذكرناه أخيرا، فاللازم هو التفصيل في المسألة على النحو الذي ذكرناه.

[ 296 ]

هذا كله في فرض العلم باختلاف مذهب الاجير والميت، وأما مع الشك في ذلك - كما هو الغالب - فلا يجب الفحص، كما هو المتعارف خارجا في مقام الاستيجار من دون سؤال عن نظر الاجير في الصلاة أو مقدماتها وكونه مطابقا لنظر الميت أولا، اعتمادا على اصالة الصحة، بعد فرض كون الاجير ثقة، فان الاصل مطابقة عمله لما هو الصحيح عند الله وبما أن ذمة الميت تكون مشغولة بمثل ذلك أيضا، فيبني - لا محالة - على المطابقة حملا لفعل الاجير على الصحة. فيختص محل الكلام في المسألة بصورة العلم باختلافهما، وأما مع الجهل به فضال عن العلم بالاتفاق فلا كلام أصلا. وملخص ما ذكرناه في المسالة هو: أن النائب إما أن يكون متبرعا، أو وصيا، أو أجيرا، أو وليا. أما المتبرع، فلا يعتبر في حقه سوى الاتيان بالصحيح عنده قطعا أو ما يكون محتمله رجاءا لعدم ثبوت تكليفه بشئ، فيجوز له الاكتفاء بما يراه صحيحا ولو رجاءا. وأما الوصي فتكليفه العمل على طبق الوصية، وهي ظاهرة في الاتيان بما هو وظيفة الميت، فلا عبرة بنظر الوصي إذ لا شأن له عدا الوساطة في تحقق العمل على النحو الذي كان الموصي يحققه لو كان حيا. وأما الاجير فوظيفته الاتيان بما استوجر عليه كيفما كان، ويعتبر فيه ان لا يكون الاجير جازما بفساده، لعدم تمشي قصد القربة منه حينئذ، فيبطل العمل، فلو كان صحيحا عنده - ولو رجاءا - استحق الاجرة، طابق نظر الوصي أو الميت أم لا، فان

[ 297 ]

[ (مسألة 16): يجوز استيجار كل من الرجل والمرأة للآخر (1)، وفي الجهر والاخفات يراعى حال المباشر، فالرجل يجهر في الجهرية وان كان نائبا عن المرأة، والمرأة مخيرة وان كانت نائبة عن الرجل. ] العبرة في صحة الاجارة بكون العمل قابلا للايجار فيكفي مجرد احتمال الصحة. إلا إذا اعتبر في الاجارة كيفية خاصة، كمراعاة نظر الوصي أو الميت أو نحو ذلك، فيجب - حينئذ - رعايتها عملا بالشرط. نعم: لو كانت الاجارة واقعة على عنوان التفريغ لزم الاتيان بما يكون مبرءا لذمة الميت، على التفصيل المتقدم. وأما الولي فحيث يكون مأمورا من قبل الله سبحانه بالعمل فلا محالة يلزمه الاتيان بما يعتقد صحته، مباشرة أو تسبيبا، ولا عبرة حينئذ بنظر الميت، ولا الاجير. (1) هذا منصوص عليه في باب الحج، وأما غيره من الصلاة والصوم ونحوهما فلم نجد نصا صريحا فيه، بل مورد اكثر النصوص هو نيابة الرجل عن مثله. إلا أنه لاريب في التعدي عنه إلى المرأة ايضا لعدم فهم الخصوصية قطعا، كما هو الحال في سائر النصوص المتضمنة للاحكام، حيث كان السؤال خاصا بالرجل، كقوله: " عن الرجل يحدث في صلاته) (أو يضحك) ونحو ذلك، ولكن لعدم استظهار بل ولا استشعار الخصوصية يتعدى منها إلى المرأة بلا اشكال.

[ 298 ]

[ (مسألة 17): يجوز - مع عدم اشتراط الانفراد - الاتيان بالصلاة الاستيجارية جماعة (1)، اماما كان الاجير ] على أن صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة مطلقة تشمل الرجل والمرأة، فقد ورد فيها: والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ويحج، ويتصدق، ويعتق عنهما، ويصلي ويصوم عنهما. " (1). فان الولد عام يشمل الذكر والانثى، إذا. فلا ينبغي الشك في جواز نيابة كل من الرجل والمرأة عن الآخر، تطوعا أو استيجارا بل الحكم مما تسالم الكل عليه. وعليه فلابد للمصلي من رعاية حال نفسه. من حيث شرائط الصلاة، دون المنوب عنه، فالمرأة تستر جميع بدنها، وتتخير بين الجهر والاخفات وان كان المنوب عنه رجلا، كما أن الرجل يتعين عليه الجهر في الجهرية ولا يجوز له لبس الذهب، ولا الحرير، وان ناب عن المرأة. فاللازم هو مراعاة المباشر حال نفسه، فان الشرائط المذكورة عائدة في الحقيقة إلى المصلي دون الصلاة. صلاة الاجير جماعة: (1) سيأتي في محله - ان شاء الله تعالى - صحة القضاء جماعة،


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب الاحتضار ح 6.

[ 299 ]

[ أو مأموما، لكن يشكل الاقتداء بمن يصلي الاستيجاري الا إذا علم اشتغال ذمة من ينوب عنه بتلك الصلاة (1) وذلك لغلبة كون الصلوات الاستجارية احتياطية. ] إماما ومأموما، من دون فرق بين القضاء عن نفسه وعن الغير وعليه فمع عدم اشتراط الانفراد يجوز الاتيان بالصلاة الاستيجارية جماعة. (1) إذ يشترط في صحة الاقتداء بالقاضي - عن نفسه أو عن الغير - ان يكون القضاء يقينيا: ليحرز الامر به، فلو كانت صلاة الامام احتياطية، عن نفسه أو عن الغير، تبرعا أو استيجارا، لم تحرز صحتها حينئذ، للشك في تعلق الامر بها، فلعلها تكون صورة الصلاة دون حقيقتها، فلا يكفي مثل ذلك لترتيب أحكام الجماعة. هذا وقد علل الحكم في المتن بغلبة كون الصلوات الاستيجارية احتياطية. ولكنك خبير بان الغلبة وان كانت مسلمة، فان الغالب في باب الاستيجار هو مراعاة الاحتياط في كمية الصلوات، إلا انه لا حاجة إلى إثبات كونها احتياطية بالغلبة، بل مجرد احتمال كونها احتياطية يكفي في الحكم بالعدم، لما عرفت من اشتراط الايتمام باحراز الصحة في صلاة الامام، ومع الشك في ثبوت الامر لا تكون الصحة محرزة. وتوهم الاستناد في صحتها إلى أصالة الصحة الجارية في صلاة الامام ساقط جدا، لما هو المقرر في محله من كون مجرى الاصل المذكور هو الشك في انطباق المأمور به على المأتي به خارجا، بعد الفراغ عن ثبوت الامر. وأما مع الشك في أصل الامر - كما في

[ 300 ]

[ (مسألة 18): يجب على القاضي عن الميت - ايضا - مراعاة الترتيب في فوائته (1)، مع العلم به، ومع الجهل يجب اشتراط التكرار المحصل له، خصوصا إذا علم أن الميت كان عالما بالترتيب. (مسألة 19): إذا استؤجر لفوائت الميت جماعة يجب أن يعين الوقت لكل منهم ليحصل الترتيب الواجب، وأن ] المقام - فلا مجال لاثباته بأصالة الصحة، فالاصل المذكور انما يتكفل باثبات الانطباق، ولا يتكفل باثبات الامر نفسه. اعتبار الترتيب: (1) تعرض (قده) في هذه المسألة - وكذا في المسألة الآتية - للترتيب المعتبر في القضاء، الذي لا يفرق فيه بين القضاء عن نفسه والقضاء عن الغير، فيجب على القاضي عن الميت رعايته أيضا ولاجل ذلك لو كان القاضي اثنتين أو أكثر لزم كلا منهما اتمام الدور، وان لا يشرع الآخر الا بعد ختم الاول لا في اثنائه. إلا أن هذا كله مبني على اعتبار الترتيب في القضاء، وقد عرفت عدم الدليل عليه في غير المترتبتين بالاصل، كالظهرين والعشاءين، وعليه فلا يجب شئ مما ذكره (قده) في المقام، وان كان أحوط.

[ 301 ]

[ يعين لكل منهم أن يبدأ في دوره بالصلاة الفلانية، مثل الظهر، وأن يتم اليوم والليلة في دوره، وأنه ان لم يتم اليوم والليلة، بل مضى وقته وهو في الاثناء، أن لا يسحب ما أتى به والا لاختل الترتيب. مثلا: إذا صلى الظهر والعصر فمضى وقته، أو ترك البقية مع بقاء الوقت، ففي اليوم الآخر يبدأ بالظهر، ولا يحسب ما أتى به من الصلاتين. (مسألة 20): لا تفرغ ذمة الميت بمجرد الاستيجار (1) بل يتوقف على الاتيان بالعمل صحيحا، فلو علم عدم اتيان الاجير. أو أنه أتى به باطلا، وجب الاستيجار ثانيا ويقبل قول الاجير (2) بالاتيان به صحيحا. بل الظاهر ] (1) فان اللازم تفريغ ذمة الميت، وهو لا يتحقق إلا بايقاع الصلاة الصحيحة في الخارج، والاستيجار مقدمة له، لا أنه بدل عنها كي يكتفى به، فلو ترك الاجير الصلاة عصيانا أو لعذر، أو أتى بها فاسدة، كانت ذمة الميت مشغولة بها بعد، وكذا الحال في الصوم والحج وغيرهما، وعلى الجملة: يجب تفريغ الذمة بالاتيان بما هو مصداق لما اشتغلت به، والاستيجار لا يكون مصداقا له ليحصل به التفريغ. (2) إذا كان ثقة وان لم يكن عدلا، لحجية خبر الثقة في الموضوعات كالاحكام، كما مر.

[ 302 ]

[ جواز الاكتفاء ما لم يعلم عدمه (1) حملا لفعله على الصحة إذا انقضى وقته، وأما إذا مات قبل انقضاء المدة فيشكل الحال، والاحوط تجديد استيجار مقدار ما يحتمل بقاؤه من العمل. ] (1) إذا لم يخبر الاجير بذلك فهل يمكن البناء على الاتيان صحيحا تمسكا بأصالة الصحة فصل (قده) في ذلك بين ما إذا انقضت المدة المضروبة للعمل وما إذا لم تنقض بعد، كما إذا استؤجر، للنيابة سنة واحدة على أن يأتي بالعمل خلال ثلاثة أشهر، فمات النائب اثناء المدة، واحتمل في حقه البدار والاتيان بتمام العمل، فاختار في الاول البناء على ذلك حملا لفعل المسلم على الصحيح دون الثاني لجواز التأخير في حقه مع سعة الوقت. قلت: اصالة الصحة تاتي لمعنيين، أحدهما: الحكم بتنزيه المسلم عن الفسق وارتكاب ما هو قبيح وعدم اساءة الظن به - بدون الالتزام بصدور الفعل الصحيح منه حتى يترتب عليه أحكامه الواقعية - كما إذا تردد الكلام الصادر منه بين السب والسلام. حيث يبنى - حينئذ - على عدم صدور الحرام، لا على تحقق السلام كي يجب الرد. ولا شك في جريان الاصل - بالمعنى المذكور - في المقام، فيبنى على على تنزه الاجير عن ارتكاب القبيح، وهو عدم الوفاء بعقد الاجارة. والاخر: الحكم بصحة العمل وترتيب آثار العمل الصحيح عليه وهذا موقوف على احراز اصل العمل خارجا وتمحض الشك في صحته وفساده، كما إذا رأينا من يصلي على الميت وشككنا في صحة صلاته

[ 303 ]

[ (مسألة 21): لا يجوز للاجير أن يستأجر غيره للعمل (1) الا مع اذن المستأجر أو كون الاجارة واقعة على تحصيل العمل أعم من المباشرة والتسبيب، وحينئذ ] حيث يبني على الصحة، ولا يعبأ باحتمال بقاء الوجوب الكفائي، وكذا الحال في سائر تجهيزات الميت من غسله وكفنه ودفنه. بل وكذا في غير هذا المورد من البيع والنكاح والطلاق وغيرها من الافعال الصادرة من المسلم - ومن جملتها فعل الاجير - فيحمل الجميع على الصحيح، لكن بعد احراز اصل العمل. وأما مع الشك في صدور الفعل - كما في المقام - فلا مجال لذلك، حيث لا موضوع للحمل على الصحة، فاي شئ يحمل عليها؟ وعليه فلا يمكن الحكم بفراغ ذمة الميت في محل الكلام إلا بما علم اتيان الاجير به، من دون فرق بين انقضاء المدة وعدمه، والتصدي للتصحيح في الاول بقاعدة الحيلولة كما ترى لاختصاص دليلها بالموقتات بالاصالة وبعمل الشخص نفسه فالتعدي إلى عمل الغير سيما في الموقت بالعرض موقوف على دليل مفقود. استيجار الاجير الغير (1) فان ظاهر الاجارة اعتبار المباشرة، فلا يكون فعل الغير مصداقا للعمل المستأجر عليه. إلا إذا رضي به المستأجر الاول،

[ 304 ]

[ فلا يجوز أن يستأجر بأقل من الاجرة المجعولة له الا أن يكون آتيا ببعض العمل ولو قليلا (1). (مسألة 22): إذا تبرع متبرع عن الميت قبل عمل الاجير ففرغت ذمة الميت انفسخت الاجارة (2)، فيرجع المؤجر - بالاجرة أو ببقيتها - ] الراجع ذلك إلى تعويض ما كان يملكه في ذمة الاجير بفعل الغير. أو كانت الاجارة واقعة على ذات العمل الاعم من المباشري والتسبيبي. (1) أو كانت الاجارة الثانية بجنس آخر، فان مقتضى القاعدة وان كان هو الجواز مطلقا، إلا أن بعض النصوص الواردة في باب الاجارة قد منعت عن مثل ذلك، فقد ورد في غير واحد من النصوص ان " فضل الاجير حرام " فكأنه بحكم الربا. نعم: لو أتى الاجير ببعض العمل ولو يسيرا، كما لو فصل الخياط الثوب فاستأجر الغير للخياطة بالاقل، أو اختلفت الاجارتان في الجنس. بان استؤجر للعمل بالدرهم - مثلا - واستأجر غيره بالدينار، لم يكن به بأس، وان كان الفضل كثيرا وذلك للنص كما يأتي الكلام حول ذلك مستقصى في بحث الاجارة ان شاء الله. وكأنه بذلك يخرج عن الشبه بالربا (1). (2) لعدم قدرة الاجير على التسليم بعد افتراض فراغ ذمة الميت


(1) ولتوضيح المقام لاحظ ما حررناه في كتاب الاجارة من (مستند العروة) ص 282.

[ 305 ]

بعمل المتبرع، وحينئذ فيرجع المستأجر بتمام الاجرة، أو بعضها إذا كان الاجير قد أتى بالبعض. وهذا - على اطلاقه - لايتم، بل الصحيح هو التفصيل في المقام فان الاجارة قد تقع على ذات العمل لكن بداعي تفريغ ذمة الميت وقد تقع على عنوان التفريغ. أما في الاول فلا وجه لانفساخ الاجارة، لتمكن الاجير - حينئذ - من الاتيان بالعمل، لاحتمال اشتغال ذمة الميت بعد التبرع لجواز فساد عدم المتبرع ولو واقعا، فتكون النيابة عن الميت مشروعة ومحكوما عليها بالصحة، فيكون الاجير قادرا على التسليم حينئذ، فما هو الموجب للانفساخ؟ ومن المعلوم: أن تخلف الداعي لا يقدح في الصحة، ففي هذه الصورة، وهي الغالبة - لا ينبغي الشك في عدم الانفساخ. وأما الثاني: اعني به وقوع الايجار على تفريغ ذمة الميت، فقد يفرض تمكن الاجير من الاتيان بالعمل قبل التبرع ولكنه أخره باختياره لسعة الوقت، فاتفق التبرع، فحصل العجز وتعذر عليه التسليم بقاءا بعد تمكنه منه حدوثا. وحينئذ فلا مجال - أيضا - للانفساخ، فان العجز الطاري لا يوجبه. غايته ثبوت الخيار للمستأجر فلو امضى طالب الاجير بقيمة ما بقي في ذمته، لتعذر التسليم الموجب للانتقال إلى البدل كما هو الحال في البيع، فلو باع الكلي وكان قادرا على التسليم فلم يسلم إلى ان طرأ عليه العجز عنه كان للمشتري خيار تعذر التسليم، فيطالبه بقيمة المثل لو امضى المبيع وإلا رجع بالثمن.

[ 306 ]

[ ان أتى ببعض العمل. نعم لو تبرع متبرع عن الاجير ملك الاجرة (1). ] وقد يفرض عجزه عن ذلك حدوثا وبقاءا، كما لو كان مريضا من الاول وبرا منه بعد حصول التبرع، فلم يكن قادرا على التسليم في شئ من الوقت المحدد للعمل وحينئذ يحكم بانفساخ الاجارة لا محالة، لكشف العجز عن عدم ملكه المنفعة من الاول، ويرجع المستأجر بنفس الاجرة، فالحكم ببطلان العقد يختص بهذه الصورة ولا يأتي في الصورتين المتقدمتين. هذا كله في التبرع عن الميت. وستعرف بعد هذا حكم التبرع عن الاجير. (1) شريطة وقوع الاجارة على ذات العمل الاعم من المباشري والتسبيبي فان عمل المتبرع - حينئذ - مصداق لما في ذمة الاجير، فيكون ذلك من قبيل اداء دين الغير، الجائز ببناء العقلاء، والنصوص الخاصة، فيستحق الاجرة بعد انطباق ما اشتغلت به الذمة من الطبيعي على فعل المتبرع، كما هو ظاهر. واما إذا كانت الاجارة واقعة على العمل المباشري فقط فلا ينفع فعل المتبرع بالنسبة إلى الاجير، وان انتفع الميت به، بفراغ ذمته فتعود الفائدة منه إليه فقط، وليس للاجير الاكتفاء به. وفي انفساخ الاجارة حينئذ ما تقدم في التبرع عن الميت فيحكم بالانفساخ مع وقوع الاجارة على عنوان التفريغ، وعجز الاجير من ذلك حدوثا وبقاءا. وبثبوت الخيار مع العجز الطارئ كما انه مع تعلق الاجارة بالصلاة بداعي التفريغ يحكم بلزوم العقد، فيجب على الاجير

[ 307 ]

[ (مسألة 23): إذا تبين بطلان الاجارة بعد العمل استحق الاجير أجرة المثل بعمله (1) وكذا إذا فسخت الاجارة من جهة الغبن لاحد الطرفين. (مسألة 24): إذا آجر نفسه لصلاة اربع ركعات، من الزوال من يوم معين إلى الغروب، فأخر حتى بقي من الوقت مقدار اربع ركعات، ولم يصل صلاة عصر ذلك اليوم، ففي وجوب صرف الوقت في صلاة نفسه أو الصلاة الاستيجارية اشكال، من اهمية صلاة الوقت ] الاتيان بالعمل ثانيا. لاحتمال الفساد الواقعي في فعل المتبرع على التفصيل المتقدم، فلاحظ. (1) إذا انكشف بطلان الاجارة لفقد شرط من شروطها. كما إذا كانت المدة مجهولة، أو اكره احدهما على العقد. أو انكشف موجب للخيار - كالغبن من أحد الطرفين - ففسخ صاحبه، إلى غير ذلك من موجبات الانحلال حدوثا أو بقاءا فان لم يكن الاجير قد أتى بشئ فلا كلام. وأما إذا كان آتيا بالعمل - كلا أو بعضا - استحق من اجرة المثل بمقدار ما عمله. وذلك لقاعدة: (كل ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده) والاجارة من العقود الضمانية ففاسدها يوجب الضمان بأجرة المثل. كما يوجب صحيحها ضمان المسمى. والمستند لهذه القاعدة: ان المقدم على المعاملة الضمانية لم يقدم

[ 308 ]

[ ومن كون صلاة الغير من قبيل حق الناس المقدم على حق الله (1) ] على اتلاف ماله أو عمله مجانا بل بازاء عوض وحيث كان عمله - في المقام - محترما استحق الاجرة بازائه لا محالة. (1) موضوع البحث هو ما إذا وقعت المزاحمة بين فريضة الوقت وبين واجب آخر مالي، من دون فرق بين الصلاة الاستيجارية وغيرها كما إذا وقعت المزاحمة بين فريضة الوقت وبين الخياطة أو الكتابة ونحوهما لكونه أجيرا على الاتيان بذلك. وكما إذا كان دين مطالب مزاحم بفريضة الوقت، فلا يختص ذلك بما فرضه المصنف (قده) في المتن لعموم الملاك. وكيف كان: فقد استشكل (قده) في تقديم أحدهما على الآخر من جهة اهمية فريضة الوقت، ومن كون الواجب الآخر من حق الناس المقدم على حق الله تعالى. ولكن لا لذلك. بل لا ينبغي التأمل في تقديم فريضة الوقت فان الصلاة عمود الدين، ومما بني عليها الاسلام، وهي المائز بين المسلم والكافر، إلى غير ذلك مما ورد في اخبار الباب، الكاشف ذلك عما لها من اهمية بالاضافة إلى سائر الواجبات، إلا النادر منها، كحفظ النفس المحترمة، وحفظ بيضة الاسلام. فهي مقدمة على غيرها من الواجبات عند المزاحمة، ولا تحتمل اهمية غيرها كي يتردد في المسألة. وأما لزوم تقديم حق الناس على حق الله سبحانه فيختص بموارد

[ 309 ]

تساوي الواجبين المتزاحمين في الرتبة، مع زيادة أحدهما على الآخر بكونه حق الناس، كما لو كان مكلفا بالحج من السنة السابقة وكان مكلفا بأداء الدين أيضا، فان هذه المزية - في مسألة الدين - تستوجب اهمية احد المتزاحمين بالنسبة إلى الآخر، قطعا أو احتمالا فيتقدم. ولا يتم ذلك فيما إذا اختلف المتزاحمان في المرتبة وبحسب الملاك بان كان أحدهما أهم من الآخر مطلقا حتى ولو كان الآخر حقا ماليا، كما في المقام، فان الاهم - حينئذ - يتقدم على غيره قطعا ولا مجال فيه للترديد، فضلا عن تقديم الحق المالي على الحق الآلهى. وقد يقال: بانفساخ الاجارة في مفروض الكلام، فان صحتها مشروطة بالقدرة على العمل حدوثا وبقاءا، فلو طرأ العجز وتعذر العمل بقاءا ولو لاجل المانع الشرعي الذي هو في حكم المانع العقلي، كشف ذلك عن بطلان العقد من أول الامر، لارتفاع الموضوع، فلا تصل النوبة إلى المزاحمة حتى يتردد في التقديم. وفيه مالا يخفى، لعدم الدليل على الاشتراط بالقدرة بقاءا، وانما المعتبر هي القدرة على الفعل حدوثا فقط ليكون مالكا له حال التمليك، فلا يكون العجز الطاري قادحا في صحة التمليك ولزومه، لافي الاجارة ولا في البيع، كما مرت الاشارة إليه. فالمدار في الصحة - حدوثا وبقاءا - على مجرد القدرة على التسليم حدوثا، اي في ظرف التمليك، حتى لا يملك مالا سلطنة له عليه وهو متحقق في المقام، لا أن الصحة بقاءا تدور مدار القدرة بقاءا نعم العجز الطاري يوجب الانتقال إلى البدل فيرجع المستأجر - في المقام - إلى الاجير باجرة المثل، كما ان للاجير ان يطالبه بالمسمى

[ 310 ]

[ (مسألة 25): إذا انقضى الوقت المضروب للصلاة الاستيجارية، ولم يأت بها أو بقي منها بقية، لا يجوز له أن يأتي بها بعد الوقت الا باذن جديد من المستأجر (1). (مسألة 26): يجب تعيين الميت المنوب عنه (2) ويكفي الاجمالي، فلا يجب ذكر اسمه عند العمل، بل يكفي: (من قصده المستأجر) أو (صاحب المال) أو نحو ذلك. ] بمقتضى صحة الاجارة. (1) الحكم في كل من المستثنى والمستثنى منه ظاهر، فان الصلاة - كلا أو بعضا - خارج الوقت المضروب للعمل ليست مصداقا للمستأجر عليه، فلا يكون وفاءا بالعقد، إلا برضا المستأجر الراجع إلى اسقاط الشرط واجراء معاوضة جديدة مع الاجير. (2) فان الكلي الذي اشتغلت به الذمة مما لا يتعين بدون القصد حيث لاتعين له واقعا بغير ذلك. نعم لا يعتبر التفصيلي، كذكر اسمه عند العمل، بل يكفي الاجمالي والاشارة على نحو يوجب التعيين، كالامثلة المذكورة في المتن.

[ 311 ]

[ (مسألة 27): إذا لم يعين كيفية العمل من حيث الاتيان بالمستحبات يجب الاتيان على الوجه المتعارف (1). (مسألة 28): إذا نسي بعض المستحبات التى اشترطت عليه، أو بعض الواجبات - مما عدا الاركان - (2) ] انصراف الاجارة إلى المتعارف: (1) لانصراف الاطلاق إليه، الذي هو في قوة الاشتراط، فيجب القنوت، وجلسة الاستراحة بناءا على عدم وجوبهما - لعدم تعارف الصلاة عندنا بدونهما. وأما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذكري الركوع والسجود فلا تجب ما لم يصرح بها في العقد، لعدم التعارف الموجب لانصراف الاطلاق. (2) قد عرفت لزوم الاتيان بالمستحبات المتعارفة، نظرا إلى انصراف الاطلاق إليها، وحيث انه - اي الانصراف - خاص بحال الذكر فلا جرم لا يترتب على نسيانها شئ. وأما الواجبات غير الركنية، فهي وان كانت ملحوظة في عقد الاجارة لا محالة، لانصرافه إلى العمل الصحيح، لكنها لما لم تكن ملحوظة على سبيل الاستقلال بل باعتبار الدخل في الصحة، وهو مختص بحال الذكر، فلا يترتب على نسيانها شئ أيضا. هذا كله مع اطلاق العقد، واما مع التصريح بهما في متنه فان كان على سبيل الجزئية للعمل المستأجر عليه بحيث قوبل كل منهما

[ 312 ]

[ فالظاهر نقصان الاجرة بالنسبة، الا إذا المقصود تفريغ الذمة على الوجه الصحيح (1). (مسألة 29): لو آجر نفسه لصلاة شهر - مثلا - فشك في ان المستأجر عليه صلاة السفر أو الحضر، ولم يمكن الاستعلام من المؤجر أيضا، فالظاهر وجوب الاحتياط بالجمع (2). وكذا لو آجر نفسه لصلاة وشك أنها الصبح أو الظهر - مثلا - وجب الاتيان بهما. (مسألة 30): إذا علم أنه كان على الميت فوائت ولم يعلم أنه أتى بها قبل موته أولا، فالاحوط الاستيجار عنه (1). ] بجزء من الاجرة، تعين التقسيط لدى النسيان، فينقص من الاجرة بالنسبة لمكان تبعض الصفقة. وأما إذا كان على سبيل الاشتراط فلم يترتب على نسيانهما ما عدا خيار تخلف الشرط، فلو فسخ المستأجر رجع إلى الاجير بأجرة المسمى ورجع الاجير إليه بأجرة المثل. (1) يعني: وقعت الاجارة على عنوان التفريغ بالوجه الصحيح، وان لم تكن العبارة وافية بذلك. وحينئذ فلا موجب للتقسيط، للحصول التفريغ بعد الحكم بالصحة - في فرض نسيان الجزء غير الركني - بطبيعة الحال. (2) للعلم الاجمالي بوجوب احدهما، فيجب الموافقة القطعية، ولا يحصل ذلك الا بالاحتياط بالجمع. (3) بل هو الاقوى، لاستصحاب عدم الاتيان بها حال الحياة

[ 313 ]

وبقائها في ذمته، فيجب على الولي المباشرة أو الاستيجار، أو على الوارث اخراجه من الاصل، بناءا على خروج الواجبات منه. وقد يقال بعدم الوجوب، تارة: لاجل أن الولي أو الوارث انما يجب عليه مراعاة التكاليف المنجزة في حق الميت لا مطلقا، فان تكليفه بالعمل يتبع تكليف الميت ومتفرع عليه لا محالة، ولم يعمل بتنجز التكليف في حق الميت، لتفرعه على ثبوت الشك له ليجري الاستصحاب، ولم يحرز ذلك في حقه، لاحتمال عدم التفاته إليه مادام الحياة. واخرى: للبناء على الاتيان به قبل الموت، استنادا إلى اصالة الصحة، وفي كلا الوجهين مالا يخفى. أما الاول: فلان فوائت الميت تكون موضوعا لتوجيه الخطاب إلى الولي أو الوارث، ولا يناط تنجز هذا التكليف في حق الولي أو الوارث بسبق تنجزه في حق الميت. كيف وقد يتنجز ذلك في حقهما مع العلم بعدم التنجز في حق الميت، كما لو دخل عليه الوقت وهو نائم فمات. أو اغمي عليه فافاق اثناء الوقت ومات قبل الالتفات أو ما إذا قطع الولي أو الوارث بالفوت مع عدم التفات الميت إلى ذلك حتى مات، ونحو ذلك. فالمدار في وجوب القضاء على الولي أو وجوب الاخراج على الوارث على فعلية التكليف وتنجزه في حقهما سواء أتنجز على الميت أم لا، فمتى ما حصل لهما العلم بالفوت - ولو تعبدا ببركة الاستصحاب - تنجز الحكم في حقهما، وعليه فالاستصحاب انما يجري في حق الولي أو الوارث، فانه هو الذي كان على يقين بالفوت وقد شك في الاتيان به. فيستصحب بقاؤه.

[ 314 ]

ولاعبرة بجريانه في حق الميت ليمنع منه الشك في تحقق الموضوع في حقه. وأما الثاني: فلما عرفت فيما سبق، من أن اصالة الصحة بمعنى تنزيه المسلم عن القبيح وعدم إساءة الظن به وان كانت جارية في امثال المقام، إلا أنها لاأثر لها، ولا يترتب عليها احكام الصحة الواقعية وأما الاصل بمعنى الحكم بصحة العمل الذي هو الموضوع للاثر فهو موقوف على احراز اصل العمل والشك في صحته وفساده، وهو غير محرز في المقام، لفرض الشك في صدور العمل من الميت، فلا موضوع للاصل بالمعنى المذكور، بل مقتضى الاصل عدم الصدور كما عرفت. فتحصل: ان الاقوى وجوب الاستيجار عنه، وتوقف المصنف (قده) في المسألة، واحتياطه في غير محله. والله سبحانه العالم.

[ 315 ]

قضاء الولي

[ 317 ]

[ فصل في قضاء الولي يجب على ولي الميت (1)، رجلا كان الميت أو امرأة على الاصح (2). ] (1) بلا اشكال ولا خلاف فيه في الجملة وقد قام عليه الاجماع وتظافرت به الاخبار. وتفصيل الكلام يستدعي البحث تارة في المقتضي عنه، وأخرى فيما يقضى، وثالثة في القاضي. المقضي عنه؟ (2) المشهور اختصاص ذلك بالرجل، وعن جماعة - منهم المنصف (قده) -: التعميم للمرأة أيضا. ومنشأ الخلاف اختلاف النصوص الواردة، فان مقتضى بعضها هو التعميم، كرواية عبد الله بن سنان المحكية عن كتاب: " غياث سلطان الورى لسكان الثرى " للسيد ابن طاوس (قده) عن الصادق (عليه السلام) قال: " الصلاة - التي دخل وقتها قبل أن يموت الميت - يقضي عنه اولى الناس به " (1).


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب قضاء الصلوات ح 18.

[ 318 ]

فان لفظ ال‍ (ميت) يشمل الرجل والمرأة. كما ان مقتضى بعضها الآخر وهو - الاكثر - الاختصاص بالرجل لوروده فيه، كصحيحة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام. قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به امرأة، فقال: لا، إلا الرجل ". (1) وقد يستدل للمشهور: بحمل ال‍ (ميت) في رواية ابن سنان على الرجل كما في سائر النصوص، إما لاجل دعوى انصرافه إليه. أو لانه مقتضى الجمع بحمل المطلق على المقيد. وكلاهما كما ترى. أما دعوى الانصراف فلا وجه لها، بعد اشتراك الذكر والانثى في اطلاق اللفظ وصدقه عليهما على حد سواء. وأما ارتكاب التقييد فلكونه فرع المعارضة، ولا تعارض بين المثبتين بعد عدم ثبوت مفهوم القيد. ولاسيما ان التقييد بالرجل مذكور في كلام السائل دون الامام (عليه السلام). فالانصاف: ان الاطلاق في رواية ابن سنان محكم، فلا قصور فيها دلالة. نعم: هي ضعيفة السند بالارسال، لما اشرنا إليه سابقا من ان روايات الكتاب المذكور باجمعها ملحقة بالمراسيل. فالمقتضي للتعميم قاصر في نفسه لانحصاره في الرواية المذكورة وهي ضعيفة وحيث كان الحكم بوجوب القضاء على الولي على خلاف القاعدة لزم الاقتصار فيه على القدر المتيقن، وهو الرجل، فانه مورد النصوص وأما المرأة فلم يرد فيها ذلك. ولا وجه للتعدي إليها، لاحتمال


(1) الوسائل: باب 23 من ابواب احكام شهر رمضان ح 5.

[ 319 ]

اختصاصه بالرجل، فينفي وجوب القضاء عنها بالبراءة. فما هو المشهور من الاختصاص هو الصحيح لما عرفت، لا لما ذكر من الوجهين. ثم انه ربما يستدل للتعميم - مضافا إلى اطلاق رواية ابن سنان وقد عرفت الحال فيه - بما دل من النصوص على وجوب قضاء الولي عن المرأة في الصوم، بناءا على عدم الفرق لعدم القول بالفصل بينهما وهذا لا بأس به لو تمت دلالة النصوص في موردها على الوجوب لكنها غير تامة، فان اقصى ما تدل عليه هو الجواز والمشروعية دون الوجوب، وعمدتها: صحيحة أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان، أو طمثت أو سافرت، فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها، قال: أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم " (1). ونحوها صحيح محمد بن مسلم. (2) وقد استدل بها شيخنا الانصاري (قده) على الوجوب، بدعوى وضوح مشروعية القضاء عن الغير بحيث لا يكاد يخفى ذلك على أحد. فضلا عن مثل أبي حمزة الذي هو من أجلاء اصحاب الائمة (عليهم السلام) فليس السؤال إلا عن الوجوب وقد فصل (عليه السلام) في ذلك بين السفر وغيره، وبما أنه لا يحتمل الوجوب الوجوب في حق غير الولي فلا محالة يختص الحكم به، وبمقتضى عدم القول بالفصل في


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 4. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 16.

[ 320 ]

المسألة يتعدى من الصوم إلى الصلاة. وهذا الاستدلال - كما ترى - من اغرب أنواعه، ولاسيما من مثله (قده) لورود نظير ذلك في غير واحد من الروايات مما لا يقصد به إلا السؤال عن اصل المشروعية جزما والوجه فيه: أن المفروض في مورد السؤال في هذه الروايات إنما هو عروض الموت قبل خروج شهر رمضان - اي قبل زمان يتمكن فيه الميت من قضاء الصوم - ولا شك في أن مشروعية القضاء من الولي أو غيره - حينئذ - تكون في غاية الخفاء، لعدم ثبوته في حق الميت حتى يقضى عنه. وكيف يقضي النائب ما لم يكلف المنوب عنه به لا أداءا - لاجل العذر من المرض والسفر والطمث ونحو ذلك - ولا قضاءا لكون ظرفه بعد شهر رمضان، لقوله تعالى: (. فعدة من أيام أخر.) (1) وقد فرض موته قبل خروج الشهر. بل قد ورد المنع عنه في بعض النصوص، معللا بان الله لم يجعله بعد الاصرار من السائل على القضاء بقوله: " فانى اشتهي أن اقضي عنها، وقد أوصتني بذلك فأجابه (عليه السلام) قائلا: (كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله الله عليها؟ فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم ". (2) وعلى الجملة: مشروعية القضاء في مفروض المسألة ليست من الواضحات الغنية عن السؤال، وانما هي - لاجل خفائها كما عرفت - بحاجة إلى ذلك، وعليه فلا مقتضي لحمل الصحيحة على السؤال عن


(1) البقرة 184 و 185. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب شهر رمضان ح 12.

[ 321 ]

[ حرا كان أو عبدا (1). ] الوجوب، بل ينبغي حملها على ظاهرها وهو السؤال عن الجواز واصل المشروعية، فلا تدل على وجوب القضاء في موردها ليتعدى منه إلى غيره بعدم القول بالفصل. والمتحصل من جميع ما تقدم: ان ما يستدل به للتعميم أمران، أحدهما: اطلاق رواية ابن سنان. وقد عرفت: أنها ضعيفة السند وان كانت الدلالة - على فرض صحة السند - تامة. والآخر: استفادة حكم المقام مما ورد في الصوم، بضميمة عدم القول بالفصل وقد عرفت أيضا: توقف ذلك على استفادة الوجوب من النصوص في موردها وهي غير ثابتة. فالاقوى: ما هو المشهور من اختصاص الحكم بالرجل وعدم التعميم للمرأة، عملا بأصالة البراءة. (1) كما هو المشهور، ويقتضيه الاطلاق في صحيحة حفص المتقدمة (1) وعن بعضهم اختصاصه بالحر نظرا إلى أن المستفاد من الصحيحة كون الموضوع: (من هو أولى بالميراث) لقوله (عليه السلام): " يقضي عنه أولى الناس بميراثه) وبما أن الاولى بالعبد هو مولاه، ولا يجب عليه القضاء عنه بالضرورة، إذ لم يعهد ذلك من احد الائمة (عليهم السلام) ولا من أصحابهم بالنسبة إلى عبيدهم، فلا محالة يحكم بالاختصاص بالحر. ويتوجه عليه: ان الحكم لا يدور مدار عنوان الوارث بالفعل،


(1) تقدمت في ص 318.

[ 322 ]

فانه لو كانت العبارة هكذا: " يقضي عنه وارثه " لكان لهذه الدعوى وجه، فيلتزم حينئذ بخروج العبد تخصيصا، للاجماع على عدم ثبوت القضاء على وارثه - وهو المولى كما ذكر، لكن العبارة هكذا: (يقضي عنه أولى الناس بميراثه) فلم يؤخذ فيها عنوان الوارث، بل عنوان الاولى بالميراث على غرار قوله تعالى " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض " والمراد به من هو أمس الاشخاص بالميت واقربهم إليه نسبا ورحما المستتبع لكونه الاولى فعلا بالميراث من غيره، وهو الولد الاكبر - كما سيأتي - لانفراده بالحبوة ولزيادة نصيبه على ساير الورثة غالبا. فالعبرة بكون الاولوية فعلية، لا بكون الارث فعليا، إذ قد لا يكون وارثا إما لانتفاء المال رأسا أو لان بأزائه دينا مستوعبا أو لكونه عبدا كما في المقام حيث انه بمنزلة من لا مال له ليورث لكونه وما في يده لمولاه حيا وميتا. وعلى الجملة: لا يدور الحكم مدار الارث الفعلي لانتقاضه طردا وعكسا فربما يثبت الارث ولا قضاء كما لو انحصر الوارث في الامام (عليه السلام) وربما يثبت القضاء ولا ارث كمن لا مال له، بل الاعتبار - كما عرفت - بكون الاولوية فعلية، اذن فالقضاء يجب على من هو اولى من غيره بميراث الميت، واكثر نصيبا ان كان للميت مال، ومصداقه في المقام كغيره هو الولد الاكبر، وعدم ارثه من ابيه الرق انما هو لكونه بمنزلة من لا مال له كما أشير إليه. فتحصل ان الصحيحة - كساير النصوص - غير قاصرة الشمول للعبد فلا مناص من الالتزام بالتعميم الذي عليه المشهور عملا بالاطلاق.

[ 323 ]

[ ان يقضى عنه ما فاته من الصلاة لعذر (1) من مرض أو سفر أو حيض فيما يجب فيه القضاء ] ما يقضى عنه؟ (1) خص المصنف (قده) الحكم بما فات لعذر، ومثل له بالمرض، والسفر، والحيض. والتمثيل بذلك لا يخلو عن مسامحة؟ واضحة، فان السفر والمرض ليسا من الاعذار المسوغة لترك الصلاة غايته ان المريض يصلي على حسب وظيفته، من الجلوس أو الاضطجاع أو بالايماء، وهكذا، كما ان المسافر يصلي قصرا. وأما الحيض، فالمستوعب منه للوقت لا يوجب القضاء. نعم يتجه التمثيل بالحيض غير المستوعب، كما لو حاضت المرأة بعد مضي نصف ساعة من الوقت، لكونها معذورة في تأخير الصلاة عن أول الوقت لترخيص الشارع اياها في ذلك. ولاجل هذا قيده (قده) بقوله، " فيما يجب فيه القضاء " يريد بذلك اختصاص الحكم بما إذا فاجأها الحيض بعد دخول الوقت، كما عرفت. ثم إن المحكي عن جماعة - منهم المحقق (قده) في بعض رسائله - الاختصاص بالفائتة لعذر، فلا يجب القضاء في الترك العمدي، وتبعهم المصنف قده لكن الاقوى التعميم لمطلق الفوائت، كما هو المشهور لاطلاق النصوص. ودعوى الانصراف إلى الفائتة لعذر كما قرى فان الفائتة لغير عذر

[ 324 ]

ليست بأقل مما فات لعذر في زمن صدور الروايات ولا سيما مع ملاحظة الفوت لاجل الخلل في بعض الاجزاء أو الشرائط، فلا موجب للانصراف أصلا. وما يقال: من أن العامد يستحق العقاب فلا يجديه القضاء من الولي، لكونه بمثابة الكفارة وهي - بمناسبة الحكم والموضوع - تختص بالمعذور. فهو وجه استحساني لا يركن إليه لاثبات حكم شرعي، ولا يقاوم الاطلاق. كما انه لا وجه للاستناد في القول بالاختصاص إلى قوله تعالي: (ولا تزر وازرة وزر اخرى) (1) لكونه ناظرا إلى العقاب في الآخرة، فهو أجنبي عن محل الكلام، فانه لا مانع من كون فعل الغير - الصادر منه بالاختيار ولو عصيانا - موضوعا لتكليف غيره كما في تنجيس المسجد، حيث يجب التطهير وإن كان التنجيس بفعل الغير عصيانا. ومقامنا من هذا القبيل، فان فوات الفريضة من الميت موضوع لتكليف الولي بالقضاء عنه، وهذا لا يفرق فيه بين أن يكون الفوت منه لعذر، أو عصيانا، لاطلاق النصوص السليمة عما يصلح للتقييد. وعن الحلي وابن سعيد (قدهما) الاختصاص بما فات في مرض الموت. وليس له وجه ظاهر، عدا دعوى انصراف النصوص إلى ذلك. وفيه ما لا يخفى فان صحيحة حفص المتقدمة (2) - وهي العمدة في المقام - مطلقة بالاضافة إلى مرض الموت وغيره.


(1) الانعام: 164. (2) تقدمت في ص 318.

[ 325 ]

[ ولم يتمكن من قضائه (1)، وان كان الاحوط قضاء جميع ما عليه. ] فالاقوى: تعميم الحكم لمطلق الفوائت، من دون فرق بين ما فات لعذر وغيره، وبين مرض الموت وغيره، لاطلاق النصوص. (1) لدعوى انصراف النصوص إلى ذلك، كدعوى انصرافها إلى المعذور كما تقدم. وفيه - مضافا إلى منع الانصراف كما مر - انه لو تم فانما يسلم في من أخر القضاء تقصيرا، لامكان دعوى انصراف النصوص عن مثله، دون القاصر غير المسامح في ذلك، كما لو نام عن صلاة الفجر وكان بانيا على قضائها في نفس اليوم، لكن فاجأه الموت عند الزوال - مثلا - فان دعوى الانصراف عن مثله ممنوعة جدا كما لا يخفى. وعلى الجملة: تخصيص الحكم بما إذا لم يتمكن الميت من القضاء غير واضح بعد اطلاق النصوص. بل يمكن القول: باختصاص الحكم بصورة تمكن الميت من القضاء، عكس ما أفاده المصنف (قده) فلا يجب القضاء على الولي إلا في فرض تمكن الميت من القضاء وتركه له، عذرا أو لغير عذر. والوجه فيه أحد أمرين: احدهما: قصور المقتضي للحكم، فان عمدة الدليل في المسألة - كما عرفت - انما هي صحيحة حفص المتقدمة (1) وظاهرها


تقدمت في ص 318.

[ 326 ]

[ وكذا في الصوم لمرض (1) تمكن من قضائه وأهمل. ] الاختصاص بذلك، لقوله، " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام..) فان كلمة (عليه) ظاهرة في اختصاص مورد السؤال بما إذا كان قد ثبت تكليف المنوب عنه بالقضاء ولم يمتثل، الكاشف عن تمكنه منه لاشتراط التكليف بالقدرة. فلو فرضنا أنه نام عن صلاة الفجر، ثم فاجأه الموت بعد ان استيقظ، فانه لا ينطبق عليه - حينئذ - قوله: (عليه صلاة) لعدم توجه التكليف إليه بحال، لا حال النوم، ولا في حال اليقظة، كما هو ظاهر. وهكذا الحال في سائر موارد العجز، حيث يكون جميع ذلك خارجا عن موضوع النص، ومعه لا مقتضي لثبوت القضاء، كما لا يخفى. ثانيهما: التعليل الوارد في صحيحة أبي بصير الآتية وهو قوله (عليه السلام): " فان الله لم يجعله عليها. " وقوله: " كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله الله عليها؟ " فانها وان وردت في باب الصوم الا ان عموم العلة يستوجب التعدي عن موردها إلى الصلاة، ويكون المستفاد منها ضابطة كلية على طبق القاعدة، وهي: انه ما لم يثبت القضاء على الميت ولم يجعل التكليف به في حقه فليس على أحد أن يقضيه عنه. فلو افترضنا الاطلاق في صحيحة حفص لقيد بهذه الصحيحة لا محالة، وكانت النتيجة: عدم وجوب القضاء على الولي إلا فيما كان الميت متمكنا منه، فلاحظ. (1) لا ينبغي الاشكال في اختصاص الوجوب - حينئذ - بصورة تمكن الميت من القضاء وإهماله، فلا يجب ذلك على الولي إذا لم

[ 327 ]

[ بل وكذا لو فاته من غير المرض - من سفر ونحوه - وان لم يتمكن من قضائه (1). ] يتمكن منه: اما لعدم برء مرضه. أو لموته قبل خروج شهر رمضان ويدل عليه صريحا: صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوال، فاوصتني أن اقضي عنها. قال: هل برئت من مرضها قلت: لا، ماتت فيه، قال: لا يقضي عنها. فان الله لم يجعله عليها. " (1). وصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن رجل ادركه رمضان وهو مريض فتوفي قبل أن يبرأ، قال: ليس عليه شئ ولكن يقضي عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي " (2)، ونحوهما غيرهما من النصوص المتظافرة الدالة على الاختصاص بفرض التمكن. (1) أما السفر: فلا اشكال - كما لا خلاف - في وجوب القضاء على الولي، سواء اتمكن الميت من القضاء واهمل أم لا، كما لو مات في شهر رمضان. ويستدل له بجملة من النصوص، كصحيحة: أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت، فماتت قبل خروج


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 12. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 2.

[ 328 ]

شهر رمضان، هل يقضي عنها؟ قال: أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم ". (1) نحوها صحيحة محمد بن مسلم (2) لكن تقدم النظر في دلالتهما على الوجوب في اول الفصل فلاحظ. وموثقة أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سافر في شهر رمضان فادركه الموت قبل أن يقضيه قال: يقضيه افضل اهل بيته ". (3) انما الكلام في سائر الاعذار، فهل هي تلحق بالسفر فيقضي مطلقا، كما اختاره المصنف (قده) في المسألة حيث قال: " من سفر ونحوه " أو انها تلحق بالمرض فلا يقضي إلا مع تمكن الميت منه واهماله؟ وجهان، بل قولان: نسب إلى المشهور الالحاق بالسفر وأن الخارج من حكم الاعذار مطلقا إنما هو عنوان المرض فقط. ولكنه غير وجيه، حتى ولو ثبت ذهاب المشهور إليه وذلك فان الاخبار واضحة الدلالة على أن المسافر - فقط - هو العنوان الوحيد الخارج، وأما غيره فلا يجب على الولي القضاء إلا مع ثبوت التكليف به في حق الميت، كما يدل على ذلك صحيحة أبي بصير المتقدمة (4) فان التعليل فيها بقوله (عليه السلام): ". فان الله لم يجعله عليها " يعطينا الضابطة الكلية في المسألة. وهي: انه ما لم يجب القضاء على الميت لا يجب على وليه، فيستفاد من ذلك: اختصاص وجوب


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 4. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 16. (3) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح؟. (4) تقدمت في ص 327.

[ 329 ]

القضاء بما إذا ثبت ذلك في حق الميت. وقد خرج عن هذه الكلية خصوص المسافر، كما دلت عليه النصوص المتقدمة. ويدل على هذا صراحة صحيحة أبي حمزة الثمالي (ره) المتقدمة (1) فقد صرح فيها بالحاق الطمث بالمرض، واوجبت القضاء بقول مطلق في مورد السفر خاصة. فيستفاد منها ان التقييد بفرض التمكن مما لا يخص المرض بل يعم غيره ايضا. على أنا لا نحتاج إلى الاستدلال بالروايات المذكورة، إذ يكفينا - في الحكم بعدم وجوب القضاء على الولي مع عدم تمكن الميت منه - قصور المقتضي، فان العمدة في ذلك انما هي صحيحة حفص المتقدمة (2)، وهي - في نفسها - قاصرة عن شمول هذا الفرض، لاختصاصها بفرض وجوب القضاء على الميت لتمكنه منه، كما يقتضيه قوله: (عليه.)، فلا تشمل الصحيحة ما إذا لم يجب القضاء عليه لمرض أو سفر أو حيض أو لغير ذلك من الاعذار المانعة عن صحة الصوم. وكما إذا التفت إلى الجنابة بعد مضي أيام من شهر رمضان، فان وجوب القضاء عليه يكون مشروطا ببقائه حيا فلو مات - في جميع هذه الصور - قبل انقضاء شهر رمضان لم يجب القضاء عليه، حيث لا يصدق في حقه انه: (عليه) وإن صدق ال‍ (فوت)، والموضوع للحكم في الرواية هو الاول دون الثاني. نعم خرجنا عن هذا الحكم في خصوص السفر بصحيحة أبي حمزة


(1) تقدمت في ص 327. (2) تقدمت في ص 318.

[ 330 ]

[ والمراد به الولد الاكبر، فلا يجب على البنت وان المتقدمة (1) وغيرها. ] القاضي (1) كما هو المعروف. والعمدة - في المقام هي صحيحة حفص المتقدمة (2) المشتملة على قوله (عليه السلام): " يقضي عنه أولى الناس بميراثه " وحينئذ فينبغي البحث عن مفادها. فقد يقال: انها تدل على اختصاص القاضي بمن يكون الاولى بالارث فعلا من بين الموجودين، وهذا مما يختلف حسب اختلاف طبقات الارث، فانه ان كان للميت أب أو ولد قضى عنه، والا قضى عنه الاخ والعم، وهكذا، حتى تصل النوبة إلى المعتق - بالكسر - وضامن الجريرة، بل الامام (عليه السلام). فتكون العبرة بالاولوية الفعلية بالارث بالنسبة إلى الموجودين حال الموت، ويختلف مصاديق ذلك بل قد يتعدد الولي على هذا، كما إذا كان له أولاد أو اخوة أو اعمام أو أولاد الاعمام فيجب على جميعهم القضاء. إلا أن هذا المعنى - كما ترى - خلاف ظاهر الصحيحة في نفسها


(1) تقدمت في ص 327. (2) تقدمت في ص 318.

[ 331 ]

[ لم يكن هناك ولد ذكر، ولا على غير الاكبر من الذكور ولا على غير الولد من الاب والاخ والعم والخال ونحوهم من الاقارب ] فان المنسبق من كلمة (أولى) في الصحيحة أن الولي دائما شخص واحد لا يتعدد، كما أن ظاهر العموم في (الناس) هو ارادة جميع الناس ممن خلقهم الله عزوجل، الاعم من الموجودين منهم وغيرهم، الاحياء منهم والاموات، وعليه فينحصر الولي في الولد الاكبر، فانه الاولى بالميراث بقول مطلق، حتى الاب المتحد معه في الطبقة، لكون نصيبه من التركة اكثر منه غالبا، حيث ان للاب السدس والباقي للولد. وانما قيدنا ذلك بالغالب لما قد يتفق من زيادة نصيب الاب على نصيب الولد، كما لو بلغ أولاد الميت عشرة، فان السدس حينئذ - وهو سهم الاب - يزيد على ما يستحق كل ولد من باقي التركة، الا ان هذا فرض اتفاقي نادر، والغالب بحسب الطبع هو زيادة نصيب الولد على نصيب الاب، واما النقصان عنه - كما في المثال - فهو لجهة عارضة نادرة. هذا مضافا إلى اختصاصه بالحبوة، فهو يشارك الابوين وسائر الاولاد في الميراث ويزيد عليهم بذلك فكان هو الاولى وبهذا البيان يظهر الوجه في تقدمه على سائر الاولاد، فيكون تقدمه على الجميع لاجل الحبوة. فاتضح من جميع ما مر: ان قوله (عليه السلام): " يقضي

[ 332 ]

عنه أولى الناس بميراثه " ظاهر في ارادة الولد الاكبر فقط. فان قلت: ورد مثل هذا - ايضا - في باب الصلاة على الميت، حيث دل على، ان أحق الناس بالصلاة على الميت أولاهم بالميراث، وقد فهم المشهور منه: الاب، فلماذا لم يلتزموا بمثله في المقام؟ وكيف صارت الاولوية هناك للاب وهنا للابن؟ وما هو الفارق بين المقامين مع اتحاد التعبيرين؟. قلت: هذه العبارة غير واردة في شئ من نصوص باب الصلاة على الميت وانما هي مذكورة في كلمات الفقهاء وشائعة على ألسنتهم. ولعل المستشكل لاحظ عبائر الفقهاء من دون تفطن لخلو النصوص عنها، والوارد في النصوص هو: " يصلي على الجنازة أولى الناس بها " ومن الواضح الفرق بين التعبيرين، اي التعبير ب‍ (أولى الناس بالميراث) والتعبير ب‍ (أولى الناس بالجنازة) فان الاولى بالميراث - حسبما هو المتعارف عند العقلاء - هو ولد الميت، بناءا منهم على ان كل ما يملكه الانسان فهو لولده وذريته من بعده، وإن كان الله سبحانه وتعالى قد جعل للاب ايضا نصيبا مفروضا في ذلك. وهذا بخلاف الاولى بالجنازة، فانه بملاك احترام الميت وتعظيمه يراد به اكبر أقرباء الميت، وهو الاب، فيكون أمر التجهيز راجعا إليه ومنوطا به، فان الاب هو الاصل والميت فرع منه، فلذلك كان هو الاولى به دون غيره فهناك فرق بين جنازة الميت وبين ماله، وبتبعه يختلف مصداق الاولوية المتعلقة بكل منها حسب اختلاف مناسبة الحكم وموضوعه، ففي الاول: يكون مصداق الاولى بالجنازة هو أب الميت، وفي الثاني: يراد من الاولى بميراثه هو الولد

[ 333 ]

الاكبر، لمكان الحبوة كما عرفت. وهذا هو السر في تفرقة المشهور بين المقامين حيث بنوا على ارادة الاب من الاولى في باب الصلاة والولد في المقام. وقد يستدل لتعيين الولد الاكبر بصحيحة الصفار قال: " كتبت إلى الاخير (عليه السلام): رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام، وله وليان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا، خمسة أيام أحد الوليين وخمسة ايام الآخر؟ فوقع (عليه السلام): يقضي عنه اكبر ولييه عشرة ايام ولاء ان شاء الله " (1). إلا انها - لمخالفتها للاجماع، بل الضرورة - مما ينبغي رد علمها إلى اهله، وذلك من جهتين: احداهما: نفي مشروعية القضاء في حق غير الاكبر، فان السؤال فيها كان من الجواز دون الوجوب، وهذا مما لم يقل به احد، إذ لا اشكال في مشروعية القضاء للاجنبي فضلا عن غير الاكبر من الوليين. ثانيتهما: دلالتها على اعتبار الموالاة في القضاء، وهذا مما لا قائل به أيضا، فانها غير معتبرة في حق الميت لو فرضنا مباشرته بالقضاء فضلا عن الولي. ولاجل ذلك تكون الرواية غير صالحة للعمل بها، بل هي مطروحة أو مؤولة ويرد علمها إلى اهله. نعم لا بأس بالاخذ بها من حيث دلالتها على ولاية الولد الاكبر. فالعمدة في المقام هو الاستدلال بصحيحة حفص بالتقريب المتقدم. ثم انه لا يخفى عليك: ان ما استظهرناه سابقا من دلالة صحيحة حفص على ان الاولى بالميراث هو الولد الاكبر - بالبيان المتقدم -


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 3.

[ 334 ]

[ وان كان الاحوط - مع فقد الولد الاكبر - قضاء ] وان كان صحيحا في نفسه، لكن حفصا نفسه لم يستظهر هذا المعنى كما يشهد به سؤاله الثاني: " فان كان أولى الناس به امرأة؟ "، إلا أن عدم فهمه لا يضر بالاستدلال، فاننا انما نتعبد بنقله لا بفهمه ونصدقه في روايته لا في درايته، وما رواه ظاهر في ما ذكرناه كما عرفت. ثم انا لو تنزلنا عن ذلك وانكرنا ظهور الصحيحة فيه فلاريب في عدم ظهورها في المعنى الآخر أيضا، اعني به الاولوية باعتبار طبقات الارث، وغايته ان تصبح الرواية مجملة، حيث لم يظهر منها ان المراد بالاولى هو شخص واحد معين - وهو الولد الاكبر كما استظهرناه - أو المراد به الطبقة المتعينة للارث بالفعل حسب نظام الطبقات، ولكن الولد الاكبر هو القدر المتيقن لدخوله على كل تقدير، وأما غيره فلم يعلم ارادته لفرض اجمال النص وتردده بين المعنيين، فيرجع فيمن عداه إلى اصالة البراءة للشك في التكليف بالنسبة إليهم، فتكون النتيجة هي اختصاص الحكم بالولد الاكبر. وبهذا البيان يظهر الحال في موثقة أبي بصير المتقدمة (1) حيث قال (عليه السلام): " يقضيه افضل اهل بيته. " فان كلمة (افضل) مجمل ولم يعلم المراد منه. فهل يراد به الاعلم لينطبق على كل الطبقات بما فيهم الولد الاصغر أيضا لامكان ان يكون اعلم من الاكبر، أو ان المراد به الاقرب من اهل بيت الميت إليه المنطبق على الولد الاكبر فقط؟ كما لعله الاقرب.


(1) تقدمت في ص 328.

[ 335 ]

[ المذكورين على ترتيب الطبقات (1)، واحوط منه قضاء الاكبر فالاكبر (2) من الذكور، ثم الاناث في كل طبقة حتى الزوجين، والمعتق، وضامن الجريرة. (مسألة 1): انما يجب على الولي قضاء ما فات عن الابوين من صلاة نفسهما (3) فلا يجب عليه ما وجب عليهما بالاستيجار، أو على الاب من صلاة ابويه من جهة كونه وليا. ] (1) رعاية للتفسير الآخر كما سبق. والاحتياط حسن على كل حال. (2) لصحيحة الصفار المتقدمة (1) بل الاحوط ان تقضي البنت مع عدم وجود الرجل في الطبقة الاولى كما افتى به المفيد (قده) وان كان ذلك على خلاف صحيحة البختري من الاختصاص بالرجال. الاختصاص بما فات من نفسه: (3) لانصراف الادلة إلى ما فات عن الميت من صلاة نفسه دون مطلق الفائت. بل الظهر انه ليس في شئ من روايات الباب ما يصلح للاطلاق كي يدعى انصرافه إلى ما ذكر وانما هي باجمعها خاصة بهذا المورد. فان العمدة فيها انما عي صحيحة حفص والموثقة


تقدمت (1) في 333.

[ 336 ]

[ (مسألة 2): لا يجب على ولد الولد القضاء عن الميت (1) إذا كان هو الاكبر حال الموت، وان كان هو الاحوط، خصوصا إذا لم يكن للميت ولد. (مسألة 3): إذا مات اكبر الذكور بعد أحد ابويه ] المتقدمتان، والمذكور في الصحيحة (1) " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام. قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه " وهو - كما ترى - ظاهر في ما فات عن الميت من صلاة نفسه أو صيامه. لقوله (عليه السلام): " يقضي عنه. " ولو كان لامقضي هو ما وجب على الميت ولو استيجارا لزم أن يقضي الولي عن من استؤجر الاب له لا عن الاب نفسه، فتختص الصحيحة - لا محالة - بما وجب على الاب أصالة لا مطلقا. وكذلك الحال في موثقة أبي بصير المتقدمة (2) فانها خاصة بما فات المكلف من نفسه، لفرض السؤال فيها عن: " رجل سافر في شهر رمضان فادركه الموت قبل أن يقضيه. ". وحاصل الكلام: ان عدم وجوب قضاء مطلق ما وجب على الميت ولو للاستيجار ونحوه انما هو لاجل قصور المقتضي لا لوجود المانع وهو الانصراف فلاحظ. (1) وذلك لانه مع وجود الولد - كما هو المفروض - يكون


(1) تقدمت في ص 318. (2) تقدمت في ص 328.

[ 337 ]

[ لا يجب على غيره من اخوته (1) الاكبر فالاكبر. (مسألة 4): لا يعتبر في الولي ان يكون بالغا عاقلا عند الموت (2) فيجب على الطفل إذا بلغ، وعلى المجنون ] هو الاولى بالميراث، كما اقتضاه صحيح حفص المتقدم فلا يجب على غيره. ومع هذا فقد احتاط الماتن (قده) في وجوب القضاء على ولد الولد الاكبر، خصوصا مع عدم وجود الولد للميت. اما الاحتياط مع وجود الولد للميت ففيه ما لا يخفى، فانه - حينئذ - لا موجب للقضاء على ولد الولد بعد اختصاصه بمقتضى الاخبار المتقدمة بالولد، فان ولد الولد لا يرث الميت مع وجود الولد، فضلا عن كونه الاولى بالميراث، ومطلق الكبر لا خصوصية فيه. نعم: الاحتياط الثاني في محله، فان الاولى بالميراث حينئذ هو ولد الولد، فيجب عليه القضاء احتياطا. (1) فان الظاهر من ال‍ (أولى بالميراث) المفسر بالولد الاكبر من كان كذلك حال الموت. فلا دليل على وجوب القضاء على غيره ممن لا ينطبق عليه العنوان المذكور حاله، وان كان قيام الاكبر فالاكبر بذلك هو الاحوط. عدم اعتبار الكمال في الولي حال الموت: (2) فان المصرح به في دليل الوجوب: انه يقضي عنه أولى

[ 338 ]

[ إذا عقل وإذا مات غير البالغ قبل البلوغ أو المجنون قبل الافاقة لا يجب على الاكبر بعدهما (1). (مسألة 5): إذا كان أحد الاولاد اكبر بالسن والآخر بالبلوغ فالولي هو الاول (2). ] الناس بميراثه، وبعد بلوغ الطفل - أو بعد الافاقة - يصدق عليه العنوان المذكور فيجب عليه القضاء. وبكلمة اخرى: ان وجوب القضاء على من هو أولى الناس بالميراث كسائر التكاليف انما يتنجز عند تحقق شرائطه التي منها البلوغ والعقل، فإذا بلغ الصبي - أو افاق المجنون وعقل - تنجز التكليف المذكور في حقه لا محالة. وأولى منهما بالحكم من لم يكلف بذلك لغفلة ونوم ونحوهما فانه لو استيقظ أو التفت بعد ذلك وجب عليه القضاء بلا ريب. والحاصل: انه لا يعتبر فيمن يجب القضاء عليه ان يكون مكلفا من اول زمان الوجوب، بل يجب ذلك على من صح تكليفه به بعد ذلك إذا كان أولى الناس بالميراث. (1) لقصور الدليل عن الشمول لمثله كما لا يخفى. الضابط في الاكبرية: (2) إذ المصرح به في اخبار الباب هو وجوب القضاء على أول الناس بالميت، وهو انما ينطبق على الاكبر من حيث السن لاجل

[ 339 ]

[ (مسألة 6): لا يعتبر في الولي كونه وارثا (1)، فيجب على الممنوع من الارث بالقتل أو الرق أو الكفر. (مسألة 7): إذا كان الاكبر خنثى مشكلا فالولي ] الحبوة، فيكون المدار على الاكبرية بحسب السن دون البلوغ. (1) وكأنه (قده) اعتمد في ذلك على تعابير الفقهاء في كلماتهم فقد عبروا عنه: بان القاضي هو الولد الكبر، بلا نظر إلى كونه وارثا، ولكن هذا لايتم بالنظر إلى الاخبار المتقدم ذكرها، فانها دلت على كون القاضي هو الاولى بالميراث وهذا - كما قلنا - انما ينطبق على الولد الاكبر من جهة الحبوة وغيرها ومن البديهي أن القاتل ونحوه ليس بالاولى بالميراث بالفعل، فلا يجب عليه القضاء بمقتضى تلكم النصوص. ودعوى: ان المراد بالاولى هي الاولوية بالاقتضاء وبالطبع الاولي مع قطع النظر عن الموانع والعوارض الخارجية خلاف الظاهر فان الظاهر منه هو من كان ينطبق عليه العنوان المذكور بالفعل، كما هو الحال في نظائره من قولنا (الخمر حرام) يراد به ماكان خمرا بالفعل، وهنا يراد به الاولى بالميراث فعلا لا ما هو كذلك شأنا واقتضاءا. وعليه فيختص وجوب القضاء بغير القاتل ونحوه

[ 340 ]

[ غيره من الذكور (1) وان كان اصغر، ولو انحصر في الخنثى لم يجب عليه. ] الخنثى المشكل: (1) فان الموضوع في لسان الدليل هو أولى الناس بالميراث المنحصر في الولد الاكبر كما مر ومع الشك في ذكورية الخنثى تجري في حقه اصالة العدم فلا يعطى الحبوة. بل تدفع إلى الذكر الاكبر عدا الخنثى ويكون هو الاولى بالميراث، فلا يجب القضاء على الخنثى. هذا ولكن الظاهر هو التفصيل بين بلوغ الخنثى بعد موت الاب فيجب عليه القضاء، وبلوغه قبل ذلك فلا يجب عليه والوجه فيه: أن الخنثى المشكل - بعد تردده بين الذكر والانثى - يعلم اجمالا بكونه مكلفا أما بتكاليف الرجال أو النساء، وحيث كانت الاصول متعارضة فلا محالة كان العلم الاجمالي منجزا في حقه، فيجب عليه الجمع بين احكام الرجال والنساء. وعليه فان كان بلوغه قبل الموت فحيث كان العلم الاجمالي المذكور قد تنجز في حقه في اول البلوغ وقد أثر أثره كان الموت اللاحق موجبا للشك في حدوث تكليف جديد زائدا على ما تنجز سابقا بالعلم الاجمالي، فيتمسك في نفيه بالبراءة. فلا يجب عليه القضاء. وأما إذا كان البلوغ بعد موت الاب، والمفروض عدم اختصاص وجوب القضاء بالبالغين حين الموت وانما يعم الصبي إذا بلغ بعد

[ 341 ]

[ (مسألة 8): لو اشتبه الاكبر بين الاثنين أو الازيد لم يجب على واحد منهم (1)، وان كان الاحوط التوزيع أو القرعة. ] ذلك كما سبق، فلا محالة اجمالا - حين بلوغه - بكونه مكلفا بتكاليف الرجال - ومن جملتها وجوب القضاء - أو بتكاليف النساء ولتعارض الاصول يتنجز العلم المذكور، فيجب عليه القضاء حينئذ بمقتضى العلم المذكور. والحاصل: ان الفرق بين الصورتين واضح وظاهر، ففي الاولى كان العلم الاجمالي منجزا قبل الموت، وبعده كان الشك في توجه تكليف جديد، والبراءة تنفيه. وأما في الثانية فكان حين البلوغ يعلم اجمالا بتوجه تكاليف، ومنها وجوب القضاء. وكان مقتضاه هو وجوب القضاء عليه لا محالة. نعم: لو فرضنا ان الاكبر بعد الخنثى أو غيره قضى ما فات عن الاب سقط التكليف به حينئذ عن الخنثى لخروج التكليف به عن اطراف العلم الاجمالي لاجل انتفاء الموضوع، لفراغ ذمة الميت حينئذ، فالصحيح هو التفصيل بهذا النحو كما اشار إليه سيدنا الاستاد - دام ظله - في تعليقته الانيقة. اشتباه الاكبر بغيره: (1) فان موضوع الحكم - وهو الاولى بالميراث المنحصر في الولد

[ 342 ]

الاكبر كما مر - مما يشك في انطباقه على كل منهما، فتجرى البراءة في حق كل واحد منهما. والعلم الاجمالي بوجود الاكبر في البين، لا اثر له بعد تردد التكليف بين شخصين وعدم توجه الخطاب المعلوم بالاجمال إلى شخص واحد، فلا يصلح للتنجيز. هذا وقد يقال بالوجوب على كل منهما، لان كل واحد منهما يشك في اكبرية غيره، والاصل عدمه. ويتوجه عليه: أولا: ان عنوان الولد الاكبر وان كان مذكورا في كلمات الفقهاء لكنه ليس موضوعا للحكم، في لسان الروايات وإنما الموضوع فيها هو الاولى بالميراث، أو افضل اهل بيته، كما عرفت، ولا اصل ينقح به هذا الموضوع. وثانيا: لو سلمنا أن الموضوع هو الولد الاكبر فانما يتجه تقرير الاصل لو كان مفهوم الاكبر مركبا من جزءين، الولادة من الاب وعدم تولد شخص آخر منه قبله، فانه - بعد ضم الجزء الثاني الثابت بالاستصحاب إلى الاول الثابت بالوجدان - يلتئم الموضوع لا محالة، ويثبت أنه الاكبر فيجب عليه القضاء. لكنه ليس كذلك جزما، فان الاكبرية عنوان بسيط منتزع من عدم تولد غيره قبله ولا يثبت مثل هذا العنوان البسيط بالاصل. وثالثا: لو سلمنا تركبه من جزءين وأنه قد تم اركان الاستصحاب لكان ذلك معارضا بمثله لا محالة، إذ يجري في حق كل من الاخوين - أو الاخوة - استصحابان يختلفان في الاثر، احدهما: أصالة عدم تولد شخص آخر قبله، وبعد ضمه إلى تولده وجدانا من أبيه، يحرز أنه الاكبر، واثره وجوب القضاء عليه. ثانيهما:

[ 343 ]

[ (مسألة 9): لو تساوى الوالدان قسط القضاء عليهما (1)، ويكلف بالكسر - أي مالا يكون قابلا للقسمة والتقسيط، كصلاة واحدة، وصوم واحد - كل منهما على الكفاية، فلهما أن يوقعاه دفعة واحدة، ويحكم بصحة كل منهما وإن كان متحدا في ذمة الميت. ولو كان صوما من قضاء شهر رمضان لا يجوز لهما ] أصالة عدم تولد شخص آخر قبل اخيه، وبعد ضمه إلى تولده هو من ابيه وجدانا، يحرز به أن الاخ هو الاكبر، واثره هو وجوب القضاء على الاخ لا عليه، فيتعارض الاستصحابان لا محالة. فتحصل: ان الاقوى هو عدم الوجوب على واحد منهم، كما أفاده في المتن، وإن كان الاحوط هو التوزيع أو القرعة كما افاده (قده). التساوي في السن: (19 إذا تساوى الولدان في السن - كما في التوأمين، أو المتولدين من امين في ساعة واحدة - فهل يقسط القضاء عليهما حينئذ، أو يجب عليهما كفاية، أولا يجب على واحد منهما شئ اصلا؟؟ وجوه، بل اقوال: نسب الاخير إلى الحلي (ره) استنادا إلى أن موضوع الحكم هو الولد الاكبر. والمفروض هو انتفاؤه بعد تساويهما في السن.

[ 344 ]

وهو ساقط جدا، فان الموضوع ليس هو عنوان الاكبر - وإن ذكره الفقهاء في كلماتهم - كما مر مرارا، بل الموضوع هو الاولى بالميراث الصادق عليهما معا. مع أن الاكبرية - على تقدير اعتبارها - إنما تلحظ بالاضافة إلى من هو اصغر منه على تقدير وجوده، لا بالاضافة إلى من يساويه في السن، ولذا لو انحصر الوارث بولد واحد كان هو الولي بلا إشكال وإن لم يصدق عليه عنوان الاكبر، فليست الاكبرية معتبرة على الاطلاق، إذا فالمسألة تدور بين القولين الاولين. ذهب كثيرون إلى التقسيط منهم المصنف (قده)، وقد استدل له شيخنا الانصاري (قده) في رسالته بعد اختياره ذلك: بان دليل وجوب القضاء لما كان مجملا ولم يكن صالحا لاثبات أحد الامرين في المقام، من التقسيط والوجوب الكفائي، كان المرجع حينئذ هو الاصل، ومقتضاه التقسيط، فان نصف ما في ذمة الميت واجب على كل من الاخوين على كل تقدير، أي سواء أكان الوجوب كفائيا أم على سبيل التقسيط، فيكون هذا هو المتيقن وينفى الزائد المشكوك بأصالة البراءة. وقد فصل المصنف (قده) بين ما إذا كان المورد قابلا للتقسيط فالتزم فيه بذلك، وبين ما إذا لم يقبله، كما إذا اشتغلت ذمة الميت بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد، أو استلزم التقسيط الكسر كما في ما إذا اشتغلت ذمته بصلوات ثلاث، أو صوم خمسة أيام فالتزم في مثل ذلك بالوجوب على كل منهما كفاية. ولا يخفى أن الجمع بين الامرين، اعني القول بالتقسيط فيما

[ 345 ]

يقبله، والالتزام بالوجوب الكفائي فيما لا يقبله مما يشكل اثباته بالدليل، بل اثباته بدليل واحد مستحيل، كما هو ظاهر، حيث لا يتكفل الدليل الواحد باثبات الوجوب العيني والكفائي معا. وكأن الوجه في ما ذهب إليه (قده) من الوجوب الكفائي فيما لا يقبل التقسيط: هو العلم الخارجي بوجوب تفريغ ذمة الميت مطلقا بحيث لا يحتمل اختصاصه بما يقبل التقسيط، وحينئذ فلا يحتمل انتفاء الوجوب في هذا الفرض كما انه لا يحتمل الوجوب العيني على كل منهما، فان الفائتة الواحدة لا تستدعي قضاءين بالضرورة، فلا محالة ينحصر الوجه المعقول بالوجوب الكفائي. والاقوى هو القول بالوجوب الكفائي مطلقا، بلا فرق بين ما يقبل التقسيط وما لا يقبله. والوجه فيه: أن المستفاد من قوله (عليه السلام) في صحيحة حفص المتقدمة (1) -: " يقضي عنه اولى الناس بميراثه " أن وجوب القضاء ثابت في حق طبيعي الولي الصادق - تارة - على الواحد - كالولد الاكبر - وهو الغالب، وعلى المتعدد اخرى، كما في المقام، فموضوع الوجوب هو الطبيعي الصادق على الواحد والمتعدد، كما أن الواجب هو الطبيعي الفائت عن الميت أي كل فرد منه اشتغلت ذمته به، فيجب قضاء طبيعي ما فات على طبيعي الولي. ونتيجة ذلك: الالتزام بالوجوب العيني في فرض وحدة الولي، والوجوب الكفائي عنده تعدده، إذ لا تحتمل العينية في هذا الفرض، كيف وان الفائتة الواحدة لا توجب الا قضاءا واحدا لا قضاءين؟


(1) تقدمت في ص 318.

[ 346 ]

[ الافطار بعد الزوال (1) والاحوط الكفارة على كل منهما مع الافطار بعده، بناءا على وجوبها في القضاء عن الغير أيضا، كما في قضاء نفسه. ] كما لا يحتمل التقسيط أيضا لما عرفت آنفا: من وجوب قضاء الطبيعي - بمعنى كل فرد من الفائتة - على الولي، فكل من الوليين يجب عليه الاتيان بجميع ما فات الميت، فإذا كان قد فاتته صلاتان أو ثلاث صلوات كان الواجب على طبيعي الولي قضاء كل صلاة فاتته لاحصة من ذلك. كما لا يحتمل السقوط رأسا، كما مر. وعليه فلا مناص من الالتزام بالوجوب الكفائي. فيجب عليهما معا كفاية الاتيان بجميع ما فات الميت، فإذا بادر أحدهما إلى ذلك سقط عن الآخر من غير فرق بين ما يقبل التقسيط وما لا يقبله، أو ما يستلزم الكسر وما لا يستلزمه، لوحدة المناط في الكل. وإذا فرضنا انهما أوقعاه دفعة واحدة، بان صاما عنه في يوم واحد، أو صليا عنه بحيث كان فراغهما منها في زمان واحد كما لو صلياها جماعة يحكم بصحة كلتا الصلاتين، وإن كان ما اشتغلت به ذمة الميت واحدا، كما اشار إليه المصنف (قد) فان الوجوب كان ثابتا في حق طبيعي الولي كما عرفت، وهو كما يصدق على الواحد يصدق على المتعدد المتحقق دفعة واحدة. (1) المعروف بينهم عدم جواز الافظار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان الموسع، وانه إذا افطر وجبت عليه الكفارة، والمتيقن منه القضاء عن نفسه واما عن غيره ففيه خلاف تأتي الاشارة إليه في محله

[ 347 ]

[ (مسألة 10): إذا اوصى الميت بالاستيجار عنه سقط عن الوي (1) بشرط الاتيان من الاجير صحيحا. ] ان شاء الله تعالى. وعلى أي حال، فهل الحكمان يثبتان في المقام أولا؟ اما بالنسبة إلى جواز الافطار فلا يبعد التفصيل بين صورة الاطمينان باتمام الآخر وعدمه، فيجوز له الافطار في الاولى دون الثانية فانه بعد فرض كون الوجوب كفائيا، وحصول الاطمينان بوجود من به الكفاية وقيامه بالواجب على الوجه الصحيح لا موجب للمنع عن افطار هذا الشخص، وهذا بخلاف ما إذا لم يطمئن بذلك، سواء أكان شاكا في إتمام الآخر أم مطمئنا بعدمه، فانه يشكل الافطار حينئذ، بل لا يجوز، لكونه بمثابة الاخلال بالواجب الكفائي وعصيانه. وأما الكفارة، فلا يبعد القول بوجوبها كفاية، نظرا إلى انها تتبع كيفية وجوب الصوم، فإذا كان وجوبه بنحو الكفاية كانت الكفارة أيضا كذلك. هذا إذا افطرا دفعة واحدة، واما إذا كان بينهما سبق ولحوق، بان افطر أحدهما أولا عصيانا، أو لاطمينانه باتمام الآخر، فيمكن القول باختصاص الكفارة - حينئذ - بالمتأخر، إذ بعد افطار الاول ينقلب الوجوب الكفائي إلى العيني بالنسبة إليه، الموجب لاختصاص الكفارة به السقوط عن الولي بالوصية: (1) أما جواز مثل هذه الوصية ومشروعيتها فمما لاإشكال فيه

[ 348 ]

ولا خلاف، وقد ادعي عليه الاجماع. ولا حاجة إلى الاستدلال به لكون الحكم على طبق القاعدة، فلا يحتاج إلى اقامة دليل عليه بالخصوص، وذلك: لانه بعد الفراغ عن مشروعية التبرع في النيابة عن الاموات، كما اسلفنا القول فيه مستقصى في فصل صلاة الاستيجار يكون جواز الاستيجار لمثل هذا العمل السائغ ثابتا بمقتضى عموم دليل الوفاء بالعقود، كما ان صحة الوصية المتعلقة بالاستيجار المذكور تكون مشمولة لعمومات نفوذ الوصية، فلا ينبغي التأمل في المقام في نفوذها. إنما الكلام في وجوب القضاء حينئذ على الولي، فقد منعه جماعة منهم شيخنا الانصاري (قده) في رسالته واستدل له: أولا: بانصراف دليل الوجوب عن صورة الوصية. وفيه مالا يخفى، فان الموجب للانصراف إن كان هو التنافي بين الامرين فهو يرجع إلى الوجه الآتي، وستعرف ما فيه. وإن كان شيئا آخر فعليه البيان بعد ان لم يكن مبينا بنفسه. وثانيا: بثبوت المنافاة بين الوجوب على الولي وبين نفوذ الوصية وإذ لا يمكن الجمع بينهما يتقدم الثاني لا محالة. بيان ذلك: انه بعد فرض وجوب العمل بالوصية لا يمكن الجمع بينه وبين الوجوب على الولي عينا، فان الفائتة الواحدة لا تقضى مرتين، ولا يجب قضاؤها على شخصين. والحمل على الوجوب الكفائي مخالف لظاهري الدليلين، وحيث تصل النوبة إلى الاخذ بظاهر احدهما فلا محالة يتعين تقديم الوصية، لان وجوبها ثابت بالعنوان الثانوي الحاكم على العناوين الاولية، كما في غير المقام،

[ 349 ]

فانها احكام طبعية اقتضائية لا تنافي بينها وبين الحكم الثابت بالعنوان الثانوي الطارئ، بل هي محكومة به. وعليه فوجوب القضاء على الولي حكم اولي اقتضائي، ووجوب العمل بالوصية حكم ثانوي فعلي حاكم عليه. ولعله لاجل ذلك حكم (قده) بانصراف الدليل عن مثل المقام. قلت: الظاهر عدم التنافي بين الامرين وتوضيحه يتوقف على بيان ما في الوصية بالاستيجار من الجهات لنرى بعد ذلك ان ايا منها تنافي وجوب القضاء على الولي، فنقول: ان الثابت في الفرض المذكور عند التحليل أمور ثلاثة: أحدهما: وجوب الاستيجار على الوصي، ولا ينبغي التأمل في عدم التنافي بينه وبين وجوب القضاء عينا على الولي، فانهما حكمان لموضوعين، ولشخصين أحدهما اجنبي عن الآخر، ولا معنى حينئذ للحمل على الوجوب الكفائي، لا لمجرد مخالفته لظاهري الدليلين - كما ذكره (قده) - بل لامتناعه في نفسه، فان مورد الوجوب الكفائي ما إذا كان هناك حكم واحد قد تعلق بطبيعي المكلف، والمفروض هنا ثبوت حكمين متغايرين موضوعا ومتعلقا، أحدهما: وجوب الاستيجار الثابت للوصي، والآخر وجوب القضاء للولي، ولا ارتباط لاحدهما بالآخر، فلا منافاة بين الحكمين في هذه المرحلة. ثانيها: ملكية الموصي أو الوصي للعمل في ذمة الاجير. ولا شك أيضا في عدم منافاتها لوجوب القضاء على الولي، لعدم التنافي بين الحكم التكليفي والوضعي. ثالثها: وجوب الصلاة على الاجير، من باب وجوب تسليم العمل

[ 350 ]

المستأجر عليه، الثابت مقتضى عقد الاجارة وإذا كان هناك تناف بين الحكمين فانما يكون ذلك في هذه المرحلة، إذ قد يتوهم: التنافي بين هذا وبين وجوب القضاء على الولي، فان فائتة الميت لا تقتضي إلا قضاءها مرة واحدة، إذ لا معنى لتفريغ ذمته مرتين فكيف يمكن الالتزام مع هذا بوجوب القضاء على كل من الاجير والولي عينا، ولا مجال للالتزام حينئذ بالوجوب الكفائي أيضا، فان مقتضى عقد الاجارة هو وجوب التسليم على الاجير عينا، فانه طرف عقد الايجار لا الطبيعي الاعم منه ومن الولي، فكيف يمكن ان يكون عمل الولي وفاءا بعقد الاجارة مع كونه اجنبيا عنه بالكلية؟! والتحقيق: عدم المنافاة بينهما حتى في هذه المرحلة، لاختلاف الحكمين سنخا، فان الوجوب الثابت على الاجير مطلق غير مشروط بما عدا الشرائط العامة ومنها القدرة على التسليم التي ستعرف حالها. وهذا بخلاف الوجوب المتعلق بالولي فهو مشروط - حدوثا وبقاءا - باشتغال ذمة الميت بالقضاء، لكونه مأمورا بتفريغ ذمته الموقوف ذلك على اشتغال الذمة، فكما ان انتفاء اشتغال الذمة حدوثا يوجب انتفاء وجوب القضاء على الولي رأسا كذلك فراغ ذمته بقاءا - كما لو تبرع به متبرع، أو بادر الاجير إلى ذلك - يوجب سقوط الوجوب عن الولي بقاءا لانعدام الموضوع. وعلى الجملة: تكليف الولي بالقضاء دائر مدار اشتغال ذمة الميت به حدوثا وبقاءا، ففي كل آن زال الاشتغال المذكور سقط الوجوب عن الولي أيضا. وهذا بخلاف الوجوب الثابت في حق الاجير بعقد

[ 351 ]

الاجارة فانه مطلق من هذه الجهة، كما لا يخفى (1). وعليه فلا تنافي بين الوجوبين لعدم المنافاة بين الواجب المطلق والمشروط، فيكون المقام اشبه شئ بباب الترتب حيث ان وجوب الاهم هناك مطلق ووجوب المهم مشروط عصيان الاهم، بلا تعاند بين الوجوبين، وكذلك الحال فيما نحن فيه، غايته: ان الشرط في المقام ليس هو العصيان بخصوصه بل مجرد عدم اتيان الاجير بالقضاء صحيحا، سواء أكان عاصيا بذلك أم كان معذورا فيه. وهذا هو مراد المصنف (قده) من اشتراط السقوط عن الولي باتيان الاجير صحيحا. ثم انه لو بادر الولي إلى القضاء قبل الاجير فهل يحكم بانفساخ الاجارة؟ فيه تفصيل، مرت الاشارة إليه في المسألة الثانية والعشرين من الفصل السابق، ومحصله: ان الاجارة قد تقع على ذات العمل، واخرى على عنوان التفريغ فعلى الاول لا موجب للانفساخ أبدا، لتمكن الاجير من الاتيان بالعمل بعد ذلك ولو رجاءا، لاحتمال الفساد واقعا في عمل الولي لاشتماله على خلل لم يعلم به، كأن يكون جنبا وهو لا يدري، حيث يكون العمل من الاجير - حينئذ - صحيحا ومشروعا، فهو قادر على التسليم عقلا وشرعا، ولا يعتبر في الاجارة أكثر من هذا، فلا موجب للانفساخ، فيجب عليه القضاء حينئذ رجاءا، وفاءا بعقد الاجارة. وأما على الثاني فتارة: لا يتمكن الاجير من التفريغ اصلا، لا حدوثا ولا بقاءا، كما في المرأة حال طمثها إذا بادر الولي إلى القضاء


(1) هذا وجيه لو كان متعلق الاجارة ذات العمل لا العمل لا تفريغ الذمة فينبغي التفصيل، الا ان يسكون متصرف كلامه هوه الاول كما لا يبعد

[ 352 ]

[ (مسألة 11): يجوز للولي (1) أن يستأجر ما عليه من القضاء عن الميت. ] خلال هذه الفترة، لعدم تمكنها من العمل خلال هذه الفترة للطمث، ولا بعدها لانتفاء الموضوع، فتكون القدرة على التسليم منتفى في حقها في جميع الآنات المتصورة، وفي مثل ذلك لا ينبغي الشك في انفساخ الاجارة بالعجز عن التسليم، الكاشف عن عدم كون الاجير مالكا لشئ حتى يملكه الغير، ولا اجارة إلا في ملك. وأخرى: يطرأ العجز عليه بعد فرض تمكنه من ذلك، كما لو استؤجر للصلاة خلال شهر مثلا فسامح في الاتيان به إلى ان بادر الولي إليه فحصل به التفريغ وانتفى به الموضوع بقاءأ بعد فرض قدرته عليه حدوثا وحينئذ لا موجب للانفساخ، كما في جميع موارد العجز الطارئ، غايته: ثبوت الخيار للمستأجر، فان اختار الفسخ رجع على الاجير باجرة المسمى، وإن امضى العقد طالبه بقيمة العمل، أي اجرة المثل، للانتقال إلى البدل بعد تعذر العين. جواز استيجار الولي غيره: (1) مقتضى ظواهر جملة من النصوص الواردة في المقام - كصحيح حفص وغيره - اعتبار المباشرة في القضاء في حق الولي، كما هو الحال في ظاهر كل خطاب متوجه إلى المكلف فان مقتضى اطلاقه هو المباشرة وعدم سقوط التكليف بفعل الغير، كما حقق ذلك في محله.

[ 353 ]

إلا انه ورد في بعضها: اطلاق مشروعية العبادة عن الاموات الكاشف عن صحة التبرع من غير الولي بل في بعضها: التصريح بصحتها من قبل أخ الميت، فانه بعد قيام الدليل على مشروعية التبرع لكل أحد وفراغ ذمة الميت به، يستكشف منه كون الوجوب المتعلق بالولي مشروطا - حدوثا وبقاءا - باشتغال ذمة الميت بالقضاء، فلا تكليف بعد التفريغ باداء المتبرع، كما مرت الاشارة إلى ذلك في المسألة السابقة. ولاجله يرفع اليد عن ظواهر النصوص الدالة على المباشرة ويحكم بسقوط التكليف بفعل الغير أيضا. وعليه: فلا مانع من تسبيب الولي إلى تصدي الغير للتفريغ، إما باستدعائه للتبرع والتماس منه أو باستيجاره لذلك، لصحة الفعل الصادر عن الاجير، وقدرته - عقلا وشرعا - على التسليم بعد فرض جواز التبرع منه كما عرفت. ولا يعتبر في صحة الاجارة أكثر من ذلك، فتشمله عمومات الاجارة من دون حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص. فما يظهر من الحلي وجماعة من عدم السقوط عن الولي بذلك، لاجل الشك فيه ومقتضى الاصل العدم، كما ترى، إذ لا ينتهي الامر إلى الاصل مع فرض قيام الدليل. ومن الواضح: انه لا معنى لوجوب التفريغ على الولي بعد حصوله بفعل الغير المتبرع بذلك أو الاجير. نعم: قد يظهر من مكاتبة الصفار - المتقدمة - لزوم مباشرة الولي وعدم السقوط بفعل الغير، قال: " كتبت إلى الاخير (عليه السلام) رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام، وله وليان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا، خمسة أيام أحد الوليين وخمسة

[ 354 ]

[ (مسألة 12): إذا تبرع بالقضاء متبرع سقط القضاء عن الولي (1). ] ايام الآخر؟ فوقع (عليه السلام): يقضي عنه اكبر ولييه عشرة ايام ولاءا، إن شاء الله تعالى " (1). لكن الصحيحة بظاهرها مطروحة مهجورة، ولابد من رد علمها إلى اهله لدلاتها على عدم مشروعية القضاء عن غير الولي، وعلى اعتبار التوالي فيه أيضا وشئ منهما مما لا يلتزم به أحد من الاصحاب، فان محل الكلام إنما هو الوجوب على الولي، وأما الجواز واصل المشروعية فثبوت ذلك في حق كل أحد مما لا إشكال ولا كلام فيه. وأما التوالي في القضاء فلم يكن معتبرا في قضاء الميت نفسه لو كان هو المتصدي لقضاء ما بذمته في حال حياته فكيف يعتبر ذلك في وليه؟! فلا مناص من التأويل بحمله على الافضيلة كما ليس ببعيد أو رد علمها إلى اهله. (1) وقد ظهر وجهه مما مر في المسألة السابقة، وما مر في مطاوي الابحاث المتقدمة أيضا.


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب احكام شهر رمضان ح 3.

[ 355 ]

[ (مسألة 13): يجب على الولي مراعاة الترتيب (1) في قضاء الصلاة، وان جهله وجب عليه الاحتياط بالتكرار. (مسألة 14): المناط في الجهر والاخفات على حال الولى المباشر (2) لا الميت، فيجهر في الجهرية وان كان القضاء عن الام. (مسألة 15): في احكام الشك والسهو يراعي الولي تكليف نفسه (3)، اجتهادا أو تقليدا، لا تكليف الميت، بخلاف ] الترتيب وغيره: (1) عرفت سابقا: عدم وجوبه في غير المرتبتين بالذات، كالظهرين والعشاءين من يوم واحد، فلا حاجة إلى التكرار في صورة الجهل، وإن كان احوط. (2) فانهما - كاعتبار الساتر، وعدم لبس الحرير أو الذهب للرجال - من شرائط المصلي دون الصلاة فتكون العبرة بحال النائب المباشر دون المنوب عنه، فإذا كان رجلا وجب عليه الجهر في الجهرية، وحرم عليه لبس الذهب والحرير، ولم يجب عليه ستر ما عدا العورتين وإن كان المنوب عنه امرأة، والعكس بالعكس. وهكذا الحال في سائر الاحكام المتعلقة بالمصلي. (3) فان المصلي - وهو الولي - هو الشاك أو الساهي، فلابد

[ 356 ]

[ اجزاء الصلاة وشرائطها فانه يراعي تكليف الميت (1). وكذا في اصل وجوب القضاء، فلو كان مقتضى تقليد الميت أو اجتهاده وجوب القضاء عليه يجب على الولي الاتيان به وان كان مقتضى مذهبه عدم الوجوب. وان كان مقتضى مذهب الميت عدم الوجوب لا يجب عليه وان كان واجبا بمقتضى مذهبه. الا إذا علم علما وجدانيا قطعيا ببطلان مذهب الميت، فيراعي حينئذ تكليف نفسه. ] له من مراعاة ما تقتضيه وظيفته في الفرض المذكور، اجتهادا أو تقليدا، ولا دخل لنظر الميت في ذلك، لكون ذلك من احكام المصلي دون الصلاة، كما مر في المسألة السابقة. (1) قد مر الكلام حول الفرع في المسألة الخامسة عشرة من الفصل السابق، وقد قلنا هناك: إن فوائت الميت تكون موضوعا لتوجيه الخطاب بالقضاء إلى الولي، فهو المكلف بالتفريغ، ولابد له من الاتيان بعمل يراه هو مصداقا للتفريغ ويعد بنظره امتثالا للخطاب المفروض، فلا دخل لنظر الميت في سقوط الخطاب المتوجه إلى الولي فلو اختلفا في اجزاء الصلاة أو شرائطها - اجتهادا أو تقليدا - كان المتبع هو نظر الولي نفسه، وعليه ان يعمل حسب وظيفته، ولا اثر لنظر غيره. فحكمه (قده) بمراعاة تكليف الميت لعله عجيب. واعجب منه ما ذكره (قده) بعد ذلك، من كون الاعتبار في اصل وجوب القضاء - أيضا - بنظر الميت، فلو اختلفا فيه - اجتهادا

[ 357 ]

[ (مسألة 16): إذا علم الولي ان على الميت فوائت ولكن لا يدري انها فاتت لعذر - من مرض أو نحوه أو لا لعذر، لا يجب عليه القضاء (1). وكذا إذا شك في اصل الفوت وعدمه (2). ] أو تقليدا - كان المتبع في وجوب القضاء على الولي هو رأي الميت. وهو - كما ترى - مما لا يمكننا المساعدة عليه بوجه، فان موضوع الخطاب بالقضاء المتوجه إلى الولي إنما هو فوائت الميت بحيث يصدق: (ان عليه صلاة) كما مر، والسبيل إلى تشخيص هذا الموضوع إنما هو نظر من خوطب بالقضاء عنه، وهو الولي، دون غيره الاجنبي عن التكليف المذكور، فمتى ما احرز الولي وباي مقدار احرز تحقق الموضوع وثبوت الفوت عن الميت، كان الخطاب المذكور فعليا في حقه وإن لم يكن كذلك - اصلا: أو بذلك المقدار - في حق الميت، والعكس بالعكس، ولا أثر لنظر الميت حينئذ أبدا. (1) لا اثر لهذا الشك بناءا على ما عرفت: من أن الاقوى وجوب القضاء على الولي بالنسبة لمطلق فوائت الميت، سواء الفائتة لعذر أم لغيره. نعم على مسلكه (قده) من الاختصاص بما فاته لعذر يكون المرجع في مورد الشك اصالة البراءة، للشك في تحقق موضوع الحكم (2) لاصالة البراءة، فان الموضوع للقضاء إنما هو صدق عنوان (يموت وعليه صلاة أو صيام، كما في صحيح حفص، وهو

[ 358 ]

[ (مسألة 17): المدار في الاكبرية على التولد (1) لا على انعقاد النطفة، فلو كان أحد الولدين اسبق انعقادا والآخر اسبق تولدا فالولي هو الثاني، ففي التوأمين الاكبر اولهما تولدا ] مساوق (1) لعنوان (الفوت)، والمفروض الشك في تحقق العنوان المذكور، واصلة عدم الاتيان بالعمل في وقته، لا يكاد يجدي لاثبات العنوان، فيدفع بالاصل. مضافا إلى قاعدة الشك بعد خروج الوقت الجارية في حق الميت فليتأمل. (1) إذ لا اثر لسبق انعقاد النطفة مع التأخر بحسب التولد، فان العبرة إنما هي بسبقه إلى هذا العالم الخارجي، لكون المناط في الاكبرية - عرفا - هو هذا الاعتبار. وعليه ففى التوأمين تكون الاكبرية بسبق احدهما ولادة ولو بدقائق، وإن فرضنا تأخره انعقادا. نعم: يظهر من مرسلة احمد بن علي بن اشيم عن الصادق (عليه السلام) خلافه، فقد قال (عليه السلام): " الذي خرج اخيرا هو اكبر، أما علمت انها حملت بذلك أولا، وأن هذا دخل على ذلك " (2)


(1) بل يفارقه فان (الفوت) عنوان وجودي فلا يمكن اثباته بأصالة عدم الاتيان، بخلاف ما في النص فانه مؤلف من جزئين، الموت واشتغاله الذمة بالعبادة، ولا مانع من إحرازهما بضم الوجدان إلى الاصل فتدبر. (2) الوسائل: باب 99 من أبواب احكام الاولاد ح 1.

[ 359 ]

[ (مسألة 19): الظاهر عدم اختصاص (1) ما يجب ] ولكنها أولا: ضعيفة بالارسال. نعم ان ابن اشيم وإن لم يوثق صريحا لكنه موجود في اسناد (كامل الزيارات) فلا مناقشة في سندها من جهتة. وثانيا: ان مفادها غير قابل للتصديق، لانعقاد نطفتي التوأمين في آن واحد لدخول الحيوانين المنويين في الرحمن دفعة واحدة كما هو المحقق في محله، فلا دخول لاحدهما على الآخر. وثالثا: مع التسليم أيضا فالاسبقية في انعقاد النطفة بمجردها لا يكفي للاتصاف بالاكبرية ما لم يكن هناك سبق في الولادة، فلو افترضنا: انه واقع احدى زوجتيه، ثم بعد شهر على ذلك واقع الاخرى، فحملتا منه، ثم وضعت الثانية حملها قبل الاولى، بان وضعته لستة اشهر، فهل يمكن الالتزام بأكبرية ولد الزوجة الاولى مع تأخره عن ولد الثانية بالولادة بشهرين استنادا إلى اسبقية انعقاد نطفته؟! وعلى الجملة: الرواية مخدوش فيها من جهات، ولذلك لا يصح التعويل عليها، بل الصحيح هو ما ذكرناه. عدم الاختصاص باليومية (1) لاطلاق النص، فان الموضوع للحكم في صحيحة حفص: " الرجل يموت وعليه صلاة. " يعم كافة الصلوات الواجبة الفائتة

[ 360 ]

[ على الولي بالفوائت اليومية، فلو وجب عليه صلاة بالنذر الموقت وفاتت منه لعذر وجب على الولي قضاؤها. (مسألة 19): الظاهر انه يكفي في الوجوب (1) على الولي اخبار الميت بان عليه قضاء ما فات لعذر. ] من الميت. ودعوى الانصراف إلى اليومية كما ترى. نعم يختص الحكم بما كان واجبا على الميت نفسه بالاصالة، فلا يشمل ما وجب عليه بالاستيجار أو الولاية، لان المذكور في الصحيحة المشار إليها: " يقضي عنه أولى الناس. " والضمير المجرور عائد إلى الميت، فيكون مفادها: وجوب القضاء عن الميت نفسه، فلا يشمل مورد الفوائت الواجبة بالاستيجار أو الولاية، فان القضاء في ذلك إنما يكون عمن استوجر له أو عمن له الولاية عليه، لاعن الميت نفسه. فالنص بنفسه قاصر الشمول لمثل ذلك، بلا حاجة إلى دعوى الانصراف. ثبوت القضاء باخبار الميت: (1) لا يخفى أنه لادليل على اعتبار الاخبار المذكور إلا من باب الاقرار على النفس، الذي يختص نفوذه بما إذا ترتب على ذلك اثر في حال الحياة، كما في الاقرار بالدين، فانه يوجب إلزامه بالاداء لو طالبه الدائن، ولو امتنع عنه وجب على الوارث

[ 361 ]

[ (مسألة 20): إذا مات في اثناء الوقت، بعد مضي مقدار الصلاة بحسب حاله، قبل أن يصلي، وجب على الولي قضاؤها (1). ] إخراجه من الاصل، وأما في المقام فلا يترتب على إقراره أي اثر حال الحياة، وإنما يظهر ذلك بعد الموت وفي تعلق الوجوب بالولي فيكون مرجعه إلى الاقرار على شخص آخر لاعلى نفسه، وواضح: ان إقرار العقلاء نافذ على انفسهم، لاعلى غيرهم. نعم: لو فرضنا الميت ثقة كان اخباره حجة بملاك حجية خبر الثقة في الموضوعات كالاحكام، كما لو كان المخبر بذلك ثقة آخر غير الميت. وعلى الجملة: اخبار الميت بفوائت نفسه - بهذا العنوان - لا دليل على حجيته، مال يدخل تحت عنوان: (اخبار الثقة) الثابت حجيته في الموضوعات كالاحكام. (1) لان موضوع الوجوب على الولي ليس هو (الفوت) عن الميت كي لا يشمل المقام، بل صدق: (انه مات وعليه صلاة أو صيام.)، كما في صحيحة حفص، وهو صادق في المقام. والتعبير، ب‍ (القضاء) في النص، يراد به المعنى اللغوي، اعني: مطلق الاتيان، دون المصطلح الخاص بالمأتي به خارج الوقت حتى تأمل في شموله للمقام. فدعوى الاختصاص بغير المقام مما ثبت فيه القضاء على الميت اغترارا بالتعبير المذكور في غير محلها. ويؤيده: رواية ابن سنان، الواردة في خصوص المقام عن

[ 362 ]

الصادق (عليه السلام) قال: " الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميت يقضي عنه أولى الناس به ". لكنها ضعيفة السند، لضعف طريق السيد ابن طاووس (قده) في كتاب (غياث سلطان الورى.) كما مر، فلا تصلح إلا للتأييد. نعم: ان هنا فرعا تعرض له جماعة من الاصحاب، وهو: أنه هل يجب على الولي المبادرة، بايقاع هذه الصلاة في وقتها أو أن له التأخير إلى خروج الوقت؟ قد يقال بالاول، فان الولي إنما يتلقى التكليف المتوجه إلى الميت، على ما هو عليه، وبما له من الخصوصيات، فهو مخاطب بخطاب مماثل للخطاب المتوجه إلى الميت، بلا فرق بينهما إلا من جهة المباشر، حيث يكون الولي قد فرض نفسه مقام الميت لتعذر تصدي الميت لذلك بنفسه، فهذا المقدار من الاختلاف والفرق مما لا مناص منه، وأما الايقاع في الوقت فغير متعذر، فيجب على الولي مراعاته كما كان ذلك واجبا على الميت. ويتوجه عليه: ان تقييد الصلاة بالوقت إنما كان ثابتا في حق الميت، وقد سقط ذلك التكليف بالموت قطعا، وإنما حدث في حق الولي تكليف آخر جديد، ولا دليل على التقييد في هذا التكليف الحادث حيث لا شاهد على اعتبار المماثلة في جميع الاحكام. بل مقتضى الاطلا في صحيحة حفص عدم لزوم مراعاته، كما لا يخفى فالاقوى جواز تأخير الولي القضاء إلى خارج الوقت. " هامش " الوسائل: باب 12 من أبواب احكام شهر رمضان ح 18.

[ 363 ]

[ (مسألة 21): لو لم يكن ولي، أو كان ومات قبل ان يقضي عن الميت، وجب الاستيجار من تركته (1) وكذا لو تبين بطلان ما اتى به. (مسألة 22): لايمنع من الوجوب على الولي اشتغال ذمته بفوائت نفسه (2)، ويتخير في تقديم أيهما شاء (3). ] انتفاء الولي: (1) قد مر سابقا: ان الاقوى عدم وجوب الاستيجار إلا في صورة الوصية، فلا تخرج من التركة في مفروض المسألة، لعدم كون الواجبات الالهية من قبيل الحقوق المالية. فلاحظ ما سبق ولا نعيد. (2) بلا خلاف فيه. لاطلاق الادلة. ولا يقاس ذلك بالتطوع ممن عليه فريضة، الممنوع منه في الصوم بلا اشكال، وفي الصلاة على المشهور، لوضوح الفرق بين المقامين، كما لا يخفى (3) لاطلاق النص، وقصور ادلة الترتيب عن الشمول للمقام. بل قد عرفت: عدم اعتبار الترتيب في فوائت الولي نفسه إلا في المرتبتين بالذات، فضلا عن اعتباره بينها وبين فوائت الميت.

[ 364 ]

[ (مسألة 23): لا يجب عليه الفور (1) في القضاء عن الميت، وان كان أولى وأحوط. (مسألة 24): إذا مات الولي بعد الميت قبل أن يتمكن من القضاء، ففي الانتقال إلى الاكبر بعده اشكال (2). ] (1) لعدم الدليل عليه هنا، وإن بنينا على المضايقة في القضاء، لاختصاص الدليل - على القول بها - بفوائت نفسه، فلا يعم ما نحن فيه. فيرجع هنا إلى إطلاق الادلة. ومع الغض عنه فالمرجع أصالة البراءة. وقد عرفت فيما سبق: ان الاقوى هو المواسعة حتى في فوائت نفسه، فضلا عن المقام. موت الولي قبل القضاء: (2) لا يخفى ان استشكاله (قده) ذلك ينافي ما سبق منه طى مسألتين: الاولى - ما ذكره (قده) في المسألة الثالثة، من انه إذا مات أكبر لذكور بعد أبويه لا يجب على اخوته، الاكبر فالاكبر، فان الجزم بذلك هناك ينافي الترديد والاشكال هنا. ويمكن التوفيق بينهما بدعوى: اطلاق الكلام في المسألة السابقة من حيث تمكن الاكبر من القضاء وعدمه، بخلاف مفروض الكلام

[ 365 ]

في مسألتنا هذه، فقد قيد فيها الموت بما قبل تمكنه من القضاء. وعليه فتحمل المسألة السابقة - عملا بقانون الاطلاق والتقييد - على مالو طرأ الموت بعد تمكنه من القضاء ومسامحته فيه، فلا منافاة إذا بين الكلامين. وقد عرفت هناك أيضا: ان الصحيح هو ما افاده (قده) من عدم الانتقال لعدم انطباق الموضوع لدليل الحكم على الاكبر بعده. الثانية - ما ذكره (قده) في المسألة الرابعة، من ان الولي إذا كان صغيرا أو مجنونا فمات قبل أو الافاقة، لا يجب القضاء على الاكبر بعدها، فان جزمه (قده) بالحكم هناك ينافي الترديد منه في المقام، ضرورة: أو القدرة المفروض انتفاؤها هنا - وإن وقع الخلاف في كونها شرطا لفعلية التكليف أو لتنجزه، إلا انه لم يقع بينهم خلاف في اعتبار البلوغ والعقل في مقام الفعلية، وعدهما من شرائط التكليف، وان القلم مرفوع عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق. وعليه ففي فرض كون الولي صغيرا أو مجنونا إذا بنينا على عدم الانتقال - كما افاده (قده) واخترناه أيضا - استلزم ذلك القول بعدم الانتقال في فرض عجز الولي بالاولوية القطعية، فان التكليف في الفرض الاول غير ثابت في حق لولي بلا خلاف، فإذا بنينا على عدم الانتقال منه إلى الاكبر بعده، كان القول بعدم الانتقال في مورد الخلاف بطريق أولى كما لا يخفى. وكيفما كان: فالاستشكال منه (قده) في غير محله، والاقوى: عدم الانتقال، كما ظهر وجهه مما مر.

[ 366 ]

(مسألة - 25): إذا استأجر الولي غيره لما عليه من صلاة الميت، فالظاهر ان الاجير يقصد النيابة عن الميت لا عنه (1). ] (1) لا يخفى ما في العبارة من القصور والتسامح، فان قصد النيابة عن الميت مما لا اشكال في لزومه على الاجير، وليس هذا طرفا للترديد كما قد يعطيه ظاهر العبارة. ولذلك اشرنا فيما سبق إلى عدم كفاية اهداء الثواب في تحقق النيابة وتفريغ الذمة، وانه لابد للنائب من قصد النيابة في فعله عن المنوب عنه، والاتيان به من قبله، وواضح: ان المنوب عنه هو الميت دون الولي، فلا مناص من قصده النيابة عن الميت. والذي يمكن أن يبحث عنه في المقام هو: انه هل يلزم الاجير - زائدا على القصد المذكور - ملاحظة الواسطة وهو الولي في مقام العمل بأن يقصد تفريغ ذمته أيضا عن الوجوب المتعلق به فعلا أولا؟. والاقوى: هو العدم، لعدم الدليل عليه ولا مقتضي له ايضا فان ذمة الولي تفرغ بطبيعة الحال بمجرد اتيان الاجير بالعمل، بلا حاجة إلى قصد التفريغ. بل انه تفرغ ذمته بفعل المتبرع أيضا ولو من دون اطلاع الولي، وعدم التسبيب منه، لما عرفت سابقا: فعلا أولا؟. والاقوى: هو العدم، لعدم الدليل عليه ولا مقتضي له ايضا فان ذمة الولي تفرغ بطبيعة الحال بمجرد اتيان الاجير بالعمل، بلا حاجة إلى قصد التفريغ. بل انه تفرغ ذمته بفعل المتبرع أيضا ولو من دون اطلاع الولي، وعدم التسبيب منه، لما عرفت سابقا: من أن الوجوب الثابت في حق الولي مشروط - حدوثا وبقاءا - باشتغال ذمة الميت، فمع فراغها بفعل الاجير أو المتبرع لا تكليف للولي، لان تكليفه إنما هو بالتفريغ، ولا تفريغ بعد الفراغ،

[ 367 ]

فتكون ذمة الولي فارغة بطبيعة الحال من غير احتياج إلى قصده في مقام العمل. هذا ما اردنا ايراده في القسم الاول من هذا الجزء ويليه القسم الثاني منه مبتدءا بفصل (صلاة الجماعة) انشاء الله تعالى، والحمد لله اولا وآخرا وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. فعلا أولا؟. والاقوى: هو العدم، لعدم الدليل عليه ولا مقتضي له ايضا فان ذمة الولي تفرغ بطبيعة الحال بمجرد اتيان الاجير بالعمل، بلا حاجة إلى قصد التفريغ. بل انه تفرغ ذمته بفعل المتبرع أيضا ولو من دون اطلاع الولي، وعدم التسبيب منه، لما عرفت سابقا: من أن الوجوب الثابت في حق الولي مشروط - حدوثا وبقاءا - باشتغال ذمة الميت، فمع فراغها بفعل الاجير أو المتبرع لا تكليف للولي، لان تكليفه إنما هو بالتفريغ، ولا تفريغ بعد الفراغ،

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية