الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصلاة - السيد الخوئي ج 4

كتاب الصلاة

السيد الخوئي ج 4


[ 1 ]

مستند العروة الوثقى

[ 2 ]

هوية الكتاب الكتاب: مستند العروة الوثقى - الجزء الرابع من كتاب الصلاة محاضرات آية الله العظمى الخوئى مد ظله المؤلف الشيخ مرتضى البروجردي الناشر: لطفي الطبعة: الاولى العدد: 3000 السعر: 1300 ريال التاريخ: 1368) المطبعة: العلمية - قم

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (18) مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة محاظرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله العالي للعلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مرتضى البروجردي

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، الغر الميامين.

[ 5 ]

[ (فصل: في الركوع) يجب في كل ركعة (1) من الفرائض والنوافل ركوع واحد الا في صلاة الآيات ففي كل ركعة من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي، وهو ركن تبطل الصلاة بتركه عمدا كان أو سهوا وكذا بزيادته في الفريضة إلا في صلاة الجماعة فلا تضر بقصد المتابعة. وواجباته امور: ] (1): - الركوع لغة هو مطلق الانحناء وتطأطأ الرأس. يقال ركع الشيخ، اي انحنى من الكبر، سواء أكان حسيا كالمثال أو معنويا كمن اكبه الدهر فصار فقيرا بعد ان كان غنيا، فيقال ركع زيد، اي انحطت حالته. وفي الشرع انحناء مخصوص كما ستعرف. - ولا اشكال - بضرورة الدين - في وجوبه مرة واحدة في كل ركعة من الفرائض والنوافل، بل باعتباره سميت الركعة ركعة، ما عدا صلاة الآيات فيجب في كل ركعة من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي الكلام عليها في محلها ان شاء الله تعالى: ولا ينبغي الاشكال في انه ركن، بل مما تتقوم به حقيقة الصلاة وماهيتها، بحيث ينتفي بانتفائه الاسم كما يشهد به حديث التثليث، قال (ع): الصلاة ثلاثة اثلاث، ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود (1)


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب الركوع ح 1.

[ 6 ]

[ (احدها): الانحناء على الوجه المتعارف (1) بمقدار تصل يداه إلى ركبتيه وصولا لو اراد وضع شئ منهما عليهما لوضعه ويكفي وصول مجمع اطراف الاصابع التي منها الابهام على الوجه المذكور والاحوط الانحناء بمقدار إمكان وصول الراحة إليها، فلا يكفي مسمى الانحناء. ] فهو دخيل في المسمى وركن فيه ومع الغض فلا شك في كونه ركنا في المأمور به، بمعنى ان الاخلال به من حيث النقص عمدا أو سهوا موجب للبطلان كما يشهد به حديث لا تعاد، ويأتي الكلام عليه في بحث الخلل ان شاء الله تعالى. واما الاخلال من حيث الزيادة فهو وإن لم يكن معتبرا في صدق الركن لعدم اناطته إلا بالاخلال من حيث النقص فحسب كما عرفت سابقا إلا انه لاشك في قادحية الاخلال به من حيث الزيادة أيضا عمدا أو سهوا كما سيجئ في محله أيضا. إلا في صلاة الجماعة فيغتفر فيها الزيادة بقصد المتابعة كما ستعرفه في مبحث الجماعة. (1): - قد عرفت ان الركوع لغة هو مطلق الانحناء، وفي الشرع انحناء خاص، فهو في اطلاق الشارع على ما هو عليه من المعنى اللغوي غايته مع اعتبار بعض القيود كما ستعرف. وعن صاحب الحدائق (1) دعوى ثبوت الحقيقة الشرعية فيه في قبال اللغة مستشهدا له بموثقة سماعة قال: سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن؟ قال: نعم،


(1) ج 8 ص 236.

[ 7 ]

قول الله عزوجل: يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا... الخ (1) وبصحيحة محمد بن قيس (2) الواردة بهذا المضمون. وليت شعري اي دلالة في الروايتين على ثبوت الحقيقة الشرعية، فان غاية مفادهما ورود الركوع في القرآن، وهل هذا إلا كورود البيع فيه! بقوله تعالى: احل الله البيع، فهل مجرد ذلك يقتضي ثبوت الحقيقة الشرعية وهل يلتزم بمثله في البيع ونحوه من الفاظ المعاملات الواردة في القرآن. فالانصاف ان هذه الدعوى غريبة جدا بل الصحيح ان الركوع يطلق في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى اللغوي غايته مع اعتبار بعض القيود كما هو الحال في البيع ونحوه. وكيف كان فلا ينبغي الاشكال في عدم كفاية مطلق الانحناء في تحقق الركوع الواجب في الصلاة، بل ان هذا مسلم مفروغ عنه عند جميع فرق المسلمين، عدا ما ينسب إلى أبي حنيفة من الاكتفاء بذلك وهو متفرد به. إنما الكلام في تحديد المقدار الواجب، فالمشهور ما ذكره في المتن من الانحناء بمقدار تصل يداه إلى ركبتيه بحيث لو اراد وضع شئ منهما عليهما لوضعه، بل ادعى الاجماع عليه في كثير من الكلمات وان اختلف التعبير باليد تارة وبالكف اخرى، وبالراحة ثالثة. وقد استدل له بوجوه: احدها قاعدة الاحتياط، فان فراغ الذمة عن عهدة التكليف المعلوم لا يتحقق الا بالبلوغ إلى هذا الحد، وفيه اولا


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب الركوع ح 7. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب الركوع ح 6 لكن الموجود فيه وفي التهذيب والوافي خال عن ذاك المضمون الذي حكاه في الحدائق عن الشيخ.

[ 8 ]

ان المورد من دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطي، والمقرر فيه هو البراءة دون الاشتغال. وثانيا: مع الغض يدفعه اطلاقات الادلة لما عرفت من صدق الركوع على مطلق الانحناء، وعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، فلو اغضينا النظر عن بقية الادلة كان مقتضى الاطلاق الاجتزاء بمسمى الانحناء كما يقول به أبو حنيفة ولاتصل النوبة إلى الاصل كي يقتضي الاشتغال. الثاني: الاجماع المنقول كما ادعاه غير واحد على ما مر. وفيه مضافا إلى عدم حجيته في نفسه والى وهن دعواه حيث ذكر المجلسي في البحار ان المشهور هو الاجتزاء ببلوغ اطراف الاصابع انه معارض بنقل الاجماع على الخلاف كما ادعاه بعض فيسقطان بالمعارضة. الثالث: وهو العمدة الروايات: منها صحيحة حماد قال فيها: (ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه مفرجات (1) ثم قال (ع) في ذيلها: يا حماد هكذا فصل، وظاهر الامر الوجوب. ومنها صحيحة زرارة: (... وتمكن راحتيك من ركبتيك وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى) (2). ومنها صحيحتة الاخرى: (.. فإذا ركعت فصف في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر وتمكن راحتيك من ركبتيك وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى... الخ (3)، ومنها: النبوي الذي رواه الجمهور عن النبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب الركوع ح 1. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3.

[ 9 ]

(إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك). والجواب: ان دلالة هذه النصوص على المدعى قاصرة - مضافا إلى ضعف سند النبوي - إذ لا تعرض فيها لبيان حد الانحناء بالدلالة المطابقية وانما مدلولها المطابقي وجوب وضع الكف أو الراحة على الركبتين المستلزم - بطبيعة الحال - للانحناء بهذا المقدار، فالتحديد بذلك مستفاد بالدلالة الالتزامية وحيث انا نقطع بعدم وجوب وضع اليد على الركبتين حال الركوع لا لمجرد الاجماع المدعى على العدم بل للتصريح به في نفس صحيحة زرارة الاخيرة وان ذلك احب إليه (ع) قال (واحب ان تمكن كفيك من ركبتيك) فالدلالة المطابقية ساقطة لا محالة، وبتبعها تسقط الدلالة الالتزامية لمتابعتها لها في الوجود والحجية كما تقرر في محله، وعليه فلا دلالة في شئ من هذه النصوص على تحديد الانحناء بهذا المقدار هذا. وربما يستدل له - كما في مصباح الفقيه - برواية عمار عن أبي عبد الله (ع) عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو في غير الوتر، فقال: ليس عليه شئ، وقال: ان ذكره وقد اهوى إلى الركوع قبل ان يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما وليقنت ثم ليركع، وان وضع يديه على الركبتين فليمض في صلاته وليس عليه شئ (2). دلت على ان تدارك القنوت المنسي إنما يمكن ما لم يدخل في الركوع، وان الضابط في الدخول فيه الانحناء بمقدار تصل يداه إلى الركبتين، فان بلغ هذا الحد فقد دخل في الركوع وفات محل التدارك حذرا عن زيادة الركن، والا فلم يدخل فيه وله التدارك، قال (قده) فتكون هذه الموثقة بمنزلة


(1) المعتبر ص 179 وفيه (على ركبتك). (2) الوسائل: باب 15 من أبواب القنوت ح 2.

[ 10 ]

الشرح لموثقته الاخرى عن أبي عبد الله (ع) (1). والانصاف ان هذه اصرح رواية يمكن ان يستدل بها على هذا القول ولكنها أيضا غير صالحة للاستدلال. اما اولا: فلضعفها سندا وان عبر المحقق الهمداني (قده) بالموثقة لان في السند علي بن خالد ولم يوثق بل هو مهمل. واما ثانيا: فلقصور الدلالة فان ظاهرها متروك قطعا لظهورها في ان الميزان في تحقق الركوع المانع عن التدارك وضع اليد على الركبتين حيث انيط فيها الرجوع إلى القنوت وعدمه بوضع اليد وعدمه مع ان الوضع غير معتبر في حقيقة الركوع قطعا، فانه مهما بلغ هذا الحد لم يجز له الرجوع سواء وضع يده على الركبتين ام لا بلا اشكال، فظاهرها غير ممكن الاخذ، ولا دليل على تأويلها بارادة بلوغ هذا الحد من وضع اليد ثم الاستدلال بها. فتحصل: انه لم ينهض دليل يمكن المساعدة عليه على هذا القول. فالاقوى وفاقا لجمع من الاصحاب كفاية الانحناء حدا تصل اطراف اصابعه الركبتين وان لم تصل الراحة اليهما، بل قد سمعت من المجلسي نسبته إلى الاكثر. ويدل عليه صريحا - مضافا إلى الاطلاقات النافية للاكثر - الصحيحة الثانية لزرارة المتقدمة قال (ع) فيها: (فان وصلت اطراف اصابعك في ركوعك إلى ركبتيك اجزاك ذلك واحب الي أن تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل اصابعك في عين الركبة وتفرج بينهما... الخ) (2)


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب القنوت ح 3. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3.

[ 11 ]

فان التعبير بالاجزاء صريح في كفاية هذا المقدار في حصول الانحناء الواجب في الركوع، وان الزائد عليه فضل وندب كما صرح به بقوله (ع) واحب الي... الخ. وبذلك يحمل الامر في صحيحته الاولى وكذا صحيحة حماد المتقدمتين على الاستحباب. ويؤيده ما نقله المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى عن معاوية بن عمار وابن مسلم، والحلبي قالوا: وبلغ بأطراف اصابعك عين الركبة... الخ (1) لكنها مرسلة بالنسبة الينا، وان استظهر صاحب الحدائق ان المحقق قد نقلها من الاصول التي عنده ولم تصل الينا الا منه، فانه لو سلم ذلك لا تخرج الرواية عن كونها مرسلة بالاضافة الينا كما لا يخفى. فالعمدة هي صحيحة زرارة المتقدمة المؤيدة بهذه الرواية. ولا فرق في صحة الاستدلال بها على المطلوب بين استظهار كونها مسوقة لبيان حد الانحناء المعتبر في الركوع بجعل الوصول طريقا إلى معرفة ذلك الحد - كما هو الظاهر منها وبين دعوى كونها مسوقة لبيان جعل البدل وان ايصال الاصابع إلى الركبة بدل عن وضع اليد عليها من غير تعرض لبيان الحد فيها اصلا - كما قيل -. اما على الاول: فواضح جدا كما عرفت. واما على الثاني: فكذلك وان لم يكن بذلك الوضوح. إذ قد يقال بناءا عليه بعدم المنافاة بينها وبين الصحيحة الاولى لزرارة المتضمنة لتحديد الانحناء بما يشتمل على وضع اليدين على الركبتين، غايته ان المستفاد من هذه الصحيحة عدم لزوم وضع تمام اليد والاكتفاء بوضع اطراف الاصابع بدلا عنه فيحمل وضع تمام اليد فيها على الاستحباب مع الالتزام بلزوم الانحناء بذاك المقدار


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب الركوع ح 2.

[ 12 ]

عملا بتلك الصحيحة لعدم المنافاة بينهما من هذه الجهة كما مر. وفيه ما عرفت من ان الانحناء بمقدار يتمكن من وضع اليد على الركبة انما استفيد من تلك الصحيحة بالدلالة الالتزامية، فإذا بنى على سقوط الدلالة المطابقية وعدم وجوب وضع اليد عليها ولو من اجل جعل البدل المستفاد من هذه الصحيحة سقطت الدلالة الالتزامية قهرا، لما تقدم من تبعيتها للمطابقية في الوجود والحجية إذا لا دليل على التحديد ببلوغ اليد إلى الركبة، فلا فرق في صحة الاستدلال بين الامرين وان كان على الاول اوضح واظهر كما عرفت. نعم بينهما فرق من ناحية اخرى وهو انه بناءا على الاول واستظهار كونها في مقام التحديد - كما هو الصحيح - فهي بنفسها تدل على نفي الزائد وعدم وجوب الانحناء اكثر من ذلك. واما على الثاني فحيث ان النظر فيها مقصور على جعل البدل حسب الفرض فلا تعرض فيها بالنسبة إلى الزائد نفيا ولا اثباتا. وبما ان الصحيحة الاولى أيضا ساقطة الدلالة بالاضافة إليه كما عرفت آنفا فيتمسك حينئذ باصالة البراءة لنفيه، إذ المتيقن إنما هو الانحناء بمقدار تصل اطراف الاصابع إلى الركبتين لوجوب هذا المقدار على كل حال، واما الزائد عليه فمشكوك يدفع باصالة البراءة كما هو المقرر في الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين. وقد يقال بعدم التفاوت بين التحديدين، وعدم التنافي بين الصحيحتين إذ المذكور في هذه الصحيحة بلوغ الاصابع وهو جمع محلى باللام، ومقتضى دلالته على الاستغراق لزوم رعايته حتى في الخنصر والابهام، وهو ملازم لوصول الكف، غايته انه لا يلزم وضع تمام الكف بل يكفي وضع بعضه عملا بهذه الصحيحة، فيتصرف في الاولى بهذا المقدار ويحمل على الفضل.

[ 13 ]

وفيه أولا: منع الصغرى فان رأس الابهام لا يساوي الراحة، بل هو اطول منها بمقدار عقد غالبا فوصول راس الابهام لا يلازم وضع شئ من الكف والراحة على الركبة. وثانيا: مع التسليم فارادة العموم الافرادي الشامل للابهام متعذر في المقام، إذ لازمه ارادته خاصة من اطراف الاصابع لوضوح انه بالاضافة إلى ما عداها من بقية الاصابع وضع لتمامها لا وصول لطرفها للملازمة بين وصول طرف الابهام ووضع الباقي، وارادة خصوصه من مثل هذا التعبير مستبشع جدا كما لا يخفى. بل المتعين حينئذ التعبير بوصول طرف الابهام أو الراحة لا اطراف الاصابع، فلا مناص من ان يراد به العموم المجموعي الصادق على الثلاثة الوسطى، فيكون التفاوت حينئذ في مقدار الانحناء فاحشا. هذا مع ان العموم في المقام منفي من اصله لعدم التعبير بالاصابع في الصحيحة كي يكون جمعا محلى باللام ومن صيغ العام، وانما الموجود فيها هكذا (فان وصلت اطراف اصابعك) وهو من الجمع المضاف الذي لا يدل على الشمول إلا بالاطلاق لا بالعموم الوضعي وان كان الحال لا يفرق بذلك - فيما تقدم - إلا من حيث كون الدلالة وضعية أو اطلاقية غير المؤثرة في محل الكلام كما لا يخفى. فتحصل: ان الاقوى كفاية الانحناء بمقدار تصل اطراف الاصابع إلى الركبتين فلا يجب الزائد وان كان احوط كما ذكره في المتن، وقد علم وجهه مما مر.

[ 14 ]

[ ولا الانحناء على غير الوجه المتعارف (1) بان ينحني على احد جانبيه أو يخفض كفليه ويرفع ركبتيه ونحو ذلك، وغير المستوي الخلقة - كطويل اليدين أو قصيرهما - يرجع إلى المستوى (2)، ] (1): قد عرفت الكلام في حد الانحناء، واما كيفيته فلا بد وان تكون عن قيام على النحو المتعارف فلا يكفي الانحناء على احد الجانبين أو خفض الكفلين ورفع الركبتين ونحو ذلك من الانحناءات غير المتعارفة لما عرفت من ان البلوغ إلى الركبتين لا موضوعية له كي يكفي كيفما اتفق، بل طريقي فهو منزل على النهج المتعارف. (2): ما ذكرناه لحد الآن كان تحديدا لمستوى الخلقة المتناسب الاعضاء، واما غير المستوى الذي يحتاج في ايصال يديه أو اصابعه إلى الركبتين إلى الانحناء اكثر من المستوي لو كان قصير اليدين أو اقل لو كان طويلهما فالمشهور وهو الاقوى رجوعه في ذلك إلى المستوي، فلا يجب عليه الانحناء اكثر من المتعارف كما لا يجزى الاقل. وخالف فيه الاردبيلي (ره) فحكم بوجوب تطبيق الحد بالقياس إليه أيضا فيجب ايصال يديه إلى ركبتيه وإن استوجب الانحناء اكثر من المتعارف عملا باطلاق النص الشامل لهذا الشخص. وفيه ما عرفت من ان وصول اليد طريق إلى معرفة الحد ولا خصوصية فيه، فاعتباره طريقي لا موضوعي كي يراعى في كل أحد، وإلا فلو بنى على الجمود على ظاهر النص كان مقتضاه عدم الانحناء في طويل اليد رأسا أو الا قليلا وهو كما ترى لا يظن ان يلتزم به الفقيه. والسر ان

[ 15 ]

[ ولا بأس باختلاف افراد المستوين خلقه (1) فلكل حكم نفسه بالنسبة إلى يديه وركبتيه. ] الخطاب الذي تضمنه النص متوجه إلى المتعارفين الذين منهم زرارة فالعبرة بهم، فلا مناص من رجوع غيرهم إليهم. (1): لا شك في اختلاف افراد المستوين خلقة في قصر الايدي وطولها مع فرض تناسب الاعضاء فتختلف الانحناءات المتعارفة - بطبيعة الحال - قلة وكثرة ولو بقدر اصبع ونحوه. فهل العبرة حينئذ بالانحناء الاقل أو الاكثر أو المتوسط، ام ان لكل مكلف حكم نفسه بالنسبة إلى يده وركبته؟ وجوه اختار الماتن (قده) الاخير، والاقوى الاول. وتوضيح المقام انا إذا بنينا على ان وضع اليد المأخوذ في النص ملحوظ على وجه الموضوعية كما هو الحال في غسل الوجه والايدي في باب الوضوء بلا اشكال اتجه ما افاده في المتن من ان لكل مكلف حكم نفسه، فكما يجب على كل مكلف غسل تمام وجهه ويديه وان كانت اعرض أو اطول من الآخر، فكذا يجب في المقام وضع كل احد يده على ركبته وان استلزم الانحناء اكثر من غيره أو اقل فانه حكم منحل على حسب آحاد المكلفين، فيعمل كل على طبق حالته ووظيفته. لكنك عرفت ضعف المبنى وان الوضع المزبور مأخوذ طريقا إلى بيان مرتبة الانحناء، فالواجب على الكل ليس الا مرتبة واحدة وحدا معينا يشترك فيه الجميع، ولا يختلف باختلاف الاشخاص، بل الواجب في

[ 16 ]

[ (الثاني): الذكر والاحوط اختيار التسبيح من افراده (1) مخيرا بين الثلاث من الصغرى وهي (سبحان الله)، وبين التسبيحة الكبرى وهي (سبحان ربي العظيم وبحمده). ] حق الجميع شئ واحد بحسب الواقع. فهذا القول ساقط. وعليه يتعين الاقتصار على الاقل لوجهين: احدهما: اطلاق الامر بالركوع لما عرفت من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية له، بل يطلق على ما كان عليه من المعنى اللغوي مع مراعاة بعض القيود فلا يكفى مسمى الانحناء بل لا بد من الزيادة والمتيقن منها الانحناء باقل مقدار ينحني فيه المتعارف عند وضع يده على ركبته، واما الزائد فمشكوك يدفع باصالة الاطلاق. الثاني: اصالة البراءة من اعتبار الانحناء الاكثر - مع الغض عن الاطلاق - كما هو المقرر في باب الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين. (1): لا اشكال في وجوب الذكر في الركوع بالاجماع والنصوص المعتبرة كما ستعرف. فلو اخل به عمدا بطلت صلاته، كما لا إشكال في الاجتزاء بالتسبيح في الجملة. وانما الكلام يقع في جهات: الاولى: لا ينبغي الاشكال في كفاية التسبيحة الكبرى وهي (سبحان ربي العظيم وبحمده) مرة واحدة للنصوص الكثيرة والمعتبرة التي من اجلها يحمل الامر بالثلاث في صحيحة حماد (2) على الفضل. فمنها: صحيحة زرارة قال: قلت له ما يجزي من القول في الركوع


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1.

[ 17 ]

والسجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسل، وواحدة تامة تجزي. وصحيحة علي بن يقطين سألته عن الركوع والسجود كم يجزي فيه من التسبيح؟ فقال: ثلاثة، وتجزيك واحدة، إذا امكنت جبهتك من الارض. ونحوها صحيحته الاخرى (1) فان المراد بالواحدة في هذه النصوص إنما هي التسبيحة الكبرى لما ستعرف من النصوص الصريحة في عدم الاجتزاء بها في الصغرى الموجبة لحمل هذه الاخبار على الكبرى خاصة. وتؤيده رواية أبي بكر الحضرمي قال قلت لابي جعفر (ع): أي شئ حد الركوع والسجود؟ قال تقول (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثلاثا في الركوع، وسبحان ربي الاعلى وبحمده) ثلاثا في السجود، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته، ومن نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته، ومن لم يسبح فلا صلاة له (2). ودلالتها وان كانت واضحة، فان المراد من نقص الثلث والثلثين النقصان بحسب الفضل والثواب لا في اصل اداء الواجب بقرينة قوله (ع) في الذيل: ومن لم يسبح فلا صلاة له الدال على تحقق الصلاة وحصول المأمور به بفعل الواحدة. لكنها ضعيفة السند بعثمان بن عبد الملك فانه لم يوثق. ومن هنا ذكرناها بعنوان التأييد. الجهة الثانية: قد عرفت ان صورة التسبيحة الكبرى هي (سبحان ربي العظيم وبحمده) وعن صاحب المدارك جواز الاقتصار عليها بدون كلمة وبحمده لخلو جملة من النصوص عنها، فيحمل الامر بها في الباقي


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب الركوع ح 2 و 3 و 4. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب الركوع ح 5.

[ 18 ]

على الندب جمعا. وهي نصوص ثلاثة استدل بها على ذلك. احداها: رواية هشام بن سالم قال سألت أبا عبد الله (ع) عن التسبيح في الركوع والسجود، فقال: تقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الاعلى (1). الثانية: صحيحة الحلبي أو حسنته - باعتبار ابراهيم بن هاشم - عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا سجدت فكبر وقل اللهم لك سجدت إلى ان قال ثم قل سبحان ربي الاعلى ثلاث مرات (2). الثالثة خبر عقبة بن عامر الجهني انه قال: لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال رسول الله صلى الله عليه وآله اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت سبح اسم ربك الاعلى قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله اجعلوها في سجودكم (3). والجواب: اما عن الاولى فبانها ضعيفة السند بالقاسم بن عروة. هذا مضافا إلى احتمال ان يكون ذلك اشارة إلى ما هو المتعارف المتداول من التسبيح الخارجي المشتمل على كلمة وبحمده فيكون من باب استعمال اللفظ في اللفظ، فاقتصر هنا على ذكر العظيم والاعلى امتيازا بين تسبيحي الركوع والسجود لا اجتزاءا بهما، وفالمستعمل فيه هو ذلك اللفظ الخارجي المعهود. وهذا استعمال متعارف كما يشهد به ما رواه الشيخ وغيره بسنده عن حمزة بن حمران، والحسن بن زياد قالا: دخلنا على أبي عبد الله (ع)


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب الركوع ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب السجود ح 1. (3) الوسائل: باب 21 من أبواب الركوع ح 1

[ 19 ]

وعنده قوم فصلى بهم العصر وقد كنا صلينا فعددنا له في ركوعه (سبحان ربي العظيم) اربعا أو ثلاثا وثلاثين مرة، وقال احدهما في حديثه وبحمده في الركوع والسجود (1). فان الصادر عنه عليه السلام كان مشتملا على كلمة وبحمده كما اعترف به احد الراويين على ما صرح به في الذيل، ولا يحتمل تعدد الواقعة كما هو ظاهر. ومع ذلك فقد عبر الراوي الآخر عن تسبيحه عليه السلام بقوله سبحان ربي العظيم وليس ذلك إلا من باب استعمال اللفظ في اللفظ كما ذكرناه. واما عن الثانية: فبأنها مضطربة المتن (اولا) لاختلاف النسخ، فان الطبعة الجديدة من الوسائل مشتملة على كلمة (بحمده)، وطبعة عين الدولة خالية عنها واما التهذيب فمشتمل عليها لكن بعنوان (النسخة) الكاشف عن اختلاف نسخ التهذيب. واما الكافي فمشتمل عليها وهو اضبط وكيف كان فلم يحصل الوثوق بما هو الصادر عن المعصوم عليه السلام، فلا يمكن الاستدلال بها على شئ منهما وثانيا: على تقدير تسليم خلوها عنها فهي مقيدة بالثلاث، ولا شك في الاجتزاء بذلك، بل يجزى قول سبحان الله ثلاثا فضلا عن سبحان ربي الاعلى فلا يدل ذلك على الاجتزاء به مرة واحدة كما هو المدعى. واما عن الثالثة: فمضافا إلى ضعف سندها بعدة من المجاهيل يجري فيها ما عرفت في الجواب عن الاولى من احتمال كونها من باب استعمال اللفظ في اللفظ، وان المراد به ما هو الثابت في الخارج المشتمل على بحمده فلا دلالة فيها على نفي ذلك. ويؤيده ما رواه الصدوق مرسلا من نقل هذا المضمون مع كلمة وبحمده


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب الركوع ح 2.

[ 20 ]

قال قال: الصادق (ع) سبح في ركوعك ثلاثا تقول سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات، وفي السجود سبحان ربي الاعلى وبحمده ثلاث مرات فان الله عزوجل لما انزل على نبيه صلى الله عليه وآله: فسبح باسم ربك العظيم قال النبي صلى الله عليه وآله اجعلوها في ركوعكم، فلما انزل الله سبح اسم ربك الاعلى قال اجعلوها في سجودكم.. الخ (1). فتحصل: عدم صحة الاستدلال بشئ من هذه الاخبار لضعفها سندا أو دلالة على سبيل منع الخلو. فالاقوى لزوم ضم وبحمده في التسبيحة الكبرى كما اشتملت عليه الروايات الكثيرة المعتبرة وغيرها مثل صحيحة حماد ونحوها فلاحظ. الجهة الثالثة: لا ريب في كفاية التسبيحة الصغرى وهي سبحان الله ثلاث مرات بدلا عن الكبرى، فيكون مخيرا بين الامرين، وتدل عليه جملة من النصوص المعتبرة كصحيحة زرارة قال قلت: ما يجزي من القول في الركوع والسجود؟ فقال ثلاث تسبيحات في ترسل، وواحدة تامة تجزي (2). وصحيحة معاوية بن عمار قال قلت لابي عبد الله (ع): أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة، قال: ثلاث تسبيحات مترسلا تقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله (3) وموثقة سماعة (... اما ما يجزيك من الركوع فثلاث تسبيحات تقول: سبحان الله سبحان الله، سبحان الله ثلاثا (4) والاخيرتان تفسران المراد من التسبيح


(1) مستدرك الوسائل: باب 16 من أبواب الركوع ح 2. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب الركوع ح 2. (3) الوسائل: باب 5 من أبواب الركوع ح 2. (4) الوسائل: باب 5 من أبواب الركوع ح 3.

[ 21 ]

في الاولى ونحوها غيرها. وهل تجزى الصغرى مرة واحدة؟ قد يقال، بل قيل بذلك. ويمكن ان يستدل له بوجهين: أحدهما: اطلاق الامر بالتسبيحة الواحدة في جملة من النصوص الشامل للكبرى والصغرى، كصحيحة زرارة وصحيحتي ابن يقطين (1). الثاني: دعوى كفاية مطلق الذكر الصادق على الواحدة من الصغرى. ويرد الاول: ان الاطلاق يقيد بما دل على عدم الاجتزاء في الصغرى باقل من ثلاث كموثقة سماعة وصحيحة معاوية المتقدمتين آنفا وغيرهما، فلا مناص من حمل التسبيح في تلك النصوص على الكبرى، بل ان في نفسها ما يشهد بذلك، كصحيحة زرارة الآنفة الذكر فان المراد بالواحدة المجزية لابد وان يكون غير الثلاث التي حكم اول باجزائها، إذ لو كانتا من سنخ واحد لزم اللغوية بل التناقض فان مقتضى جعل المجزي هو الثلاث عدم كفاية الاقل كما يعطيه لفظ الاجزاء الظاهر في بيان اقل الواجب. ومعه كيف حكم (ع) باجزاء الواحدة، فلو كانت العبرة بها كان التحديد بالثلاث لغوا محضا. فلا مناص من ان يراد بالواحدة تسبيحة اخرى مغايرة للثلاث، بان يراد بها الكبرى، وبالثلاث الصغرى كما فسر الثلاث بها في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة فانها تؤيد أن المراد بالواحدة التامة في هذه الصحيحة هي الكبرى في مقابل الناقصة وهي الصغرى، وانها المراد بالثلاث في ترسل فيها. وعلى الجملة: فصحيحة زرارة بنفسها تدل على ارادة الكبرى من الواحدة التامة فلا اطلاق لها كي تشمل الصغرى. وهكذا الحال في صحيحتي


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب الركوع ح 2 و 3 و 4.

[ 22 ]

[ وان كان الاقوى كفاية مطلق الذكر (1) من التسبيح أو التحميد أو التهليل، أو التكبير بل وغيرها. ] على بن يقطين: واما الوجه الثاني فسيتضح الجواب عنه قريبا ان شاء الله تعالى وتعرف ان الذكر المطلق على القول بكفايته لا بد وان يكون بقدر التسبيحات الثلاث، ولا يجزى الاقل منها. فتحصل ان مقتضى الجمع بين الاخبار هو التخيير بين التسبيحة الكبرى مرة واحدة أو الصغرى ثلاثا ولا دليل على اجزاء الواحدة منها. (1): - قد عرفت ان التسبيح في الجملة مما لا اشكال في كفايته في مقام الامتثال، كما تقدم المراد منه كما وكيفا وهل يتعين الامتثال به بالخصوص كما نسب إلى المشهور بين المقدماء أم يكفى مطلق الذكر وان كان غيره كالتحميد أو التهليل، أو التكبير ونحوها كما هو المشهور بين المتأخرين؟ الاقوى هو الثاني. وقد استدل للاول بعدة من الاخبار الآمرة بالتسبيح، وظاهر الامر التعيين. ولا يخفى ان جملة منها غير صالحة للاستدلال كصحيحة علي بن يقطين فان السؤال فيها عما يجزى من التسبيح، لا عما يجزي من مطلق الذكر فلا يدل على نفي غيره كما هو ظاهر. نعم لا بأس بالاستدلال بمثل صحيحة زرارة قال قلت له: ما يجزى من القول في الركوع والسجود؟ فقال ثلاث تسبيحات، فان السؤال عن مطلق القول الذي يجزى في الركوع فالامر بالتسبيح ظاهر في التعيين. إلا انه لابد من رفع اليد عنها وحمل الامر فيها على بيان افضل الافراد

[ 23 ]

أو احدها لمعارضتها بصحيحتين صريحتين في الاجتزاء بمطلق الذكر احداهما: صحيحة هشام بن سالم: (سألته يجزى عنى أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود (لا إله إلا الله والله اكبر)؟ فقال: نعم (1) والاخرى صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له يجزي أن اقول مكان التسبيح في الركوع والسجود (لا اله الا الله والحمد لله والله اكبر) فقال نعم، كل هذا ذكر الله، ورواها الكافي مصدرة بقوله - ما من كلمة اخف على اللسان منها ولا ابلغ من سبحان الله (2). فانهما صريحتان في ان العبرة بمطلق الذكر، وما تلك النصوص فغايتها الظهور في تعين التسبيح، ولا ريب في تقدم الاظهر على الظاهر فمقتضى الجمع العرفي حملها على بيان افضل الافراد كما عرفت. بل يظهر من صدر رواية الكافي ان التسبيح لا خصوصية فيه، غير انه اخف على اللسان وابلغ، فيكشف عن ان الامر به في ساير الاخبار انما هو لهذه النكتة والا فالاعتبار بمطلق الذكر كيفما اتفق، لكن لشأن في الاعتماد على هاتين الصحيحتين فانه قد يقال بعدم حجيتهما من جهة اعراض المشهور عنهما المسقط لهما عن الحجية. والجواب عنه ظاهر بناءا على منه الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا وان الاعراض غير قادح، كما ان العمل غير جابر ومع التسليم فالصغرى ممنوعة في المقام، فان الشيخ قد افتى بمضمونهما في بعض كتبه، بل ان ابن ادريس ادعى الاجماع على العمل بهما. ومعه كيف يمكن دعوى الاعراض.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب الركوع ح 2. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب الركوع ح 1.

[ 24 ]

[ بشرط ان يكون بقدر الثلاث الصغريات (1) فيجزئ أن يقول (الحمد لله) ثلاثا أو (الله اكبر) كذلك أو نحو ذلك. ] ولا يبعد ان يكون مراد الاصحاب من تعين التسبيح في فتاواهم ومعاقد اجماعاتهم تعينه من حيث التوظيف في اصل الشرع طعنا على أبي حنيفة والشافعي وغيرهما المنكرين لاستحباب هذا التسبيح، وكيف كان فالاقوى الاجتزاء بمطلق الذكر وان كان التسبيح افضل كما عرفت، تبعا لما هو المشهور بين المتأخرين. (1): - قد عرفت ان الاقوى هو الاجتزاء بمطلق الذكر وان كان من غير التسبيح، فهل يجتزى فيه بمسماه تسبيحا كان أم غيره، فيكفي قول سبحان الله، أو الحمد لله، أو الله اكبر، مرة واحدة لم لا بد وان يكون بقدر الثلاث الصغريات؟ قد يقال بالاول استنادا إلى اطلاق الصحيحتين المتقدمين آنفا. وفيه اولا: منع الاطلاق فيهما فانهما في مقام بيان الاجتزاء بمطلق الذكر ونفي تعين التسبيح، فلا نظر فيهما إلى ساير الجهات من العدد ونحوه حتى ينعقد الاطلاق. وثانيا: مع التسليم لابد من تقييده بصحيحتين لمسمع وهو المكنى بأبي سيار، وما في الوسائل من قوله مسمع بن أبي سيار (الطبعة الجديدة) غلط، فان أبا سيار كنيته كما عرفت اما اسم ابيه فهو مالك قال الصدوق في مشيخة الفقيه: يقال ان الصادق (ع) قال لمسمع اول ما رأه ما اسمك؟ فقال مسمع، فقال ابن من؟ فقال: ابن مالك فقال بل انت مسمع بن عبد الملك ولعله (ع) اشار بذلك إلى ان (مالك)

[ 25 ]

[ (الثالث): الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب (1)، بل الاحوط ذلك في الذكر المندوب أيضا إذا جاء به بقصد الخصوصية ] من اسماء الله تعالى فلا يجوز التسمي به فاضاف عليه السلام إليه كلمة (عبد). وعليه لا يبعد انه عبد المالك فكتب عبد الملك، فان لفظة مالك تكتب بالنحوين. وكيفما كان فمسمع هذا ثقة والروايتان صحيحتان قال في احداهما عن أبي عبد الله (ع): يجزيك من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا، وليس له ولا كرامة ان يقول: سبح سبح سبح وهي ظاهرة الدلالة في عدم الاكتفاء بالاقل من هذا العدد. واصرح منها صحيحتة الاخرى عن أبي عبد الله (ع) قال: لا يجزي الرجل في صلاته اقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهن (1) حيث تضمنت بالصراحة نفي الاجتزاء بالاقل، فلا يجزى من مطلق الذكر الا التسبيحات الثلاث الصغرى، أو ما يعادل هذا المقدار من ساير الاذكار، فلو اختار الحمد لله أو الله اكبر ونحوهما لابد وان يكررها ثلاثا حتى يساوي هذا المقدار، والتسبيحة الكبرى أيضا تعادله بحسب المعنى وان لم تساو الحروف فكأن سبحان ربي تسبيحة، والعظيم تسبيحة اخرى، وبحمده تسبيحة ثالثة. وكيف كان فبهاتين الصحيحتين يقيد الاطلاق في الصحيحتين السابقتين للهشامين - لو سلم الاطلاق - كما عرفت. (1): - اجماعا كما ادعاه غير واحد من الاصحاب كالمحقق في المعتبر


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب الركوع ح 1 و 4.

[ 26 ]

والعلامة في المنتهى وغيرهما. فكأنه من المتسالم عليه، وهو العمدة في المقام. وهل يمكن الاستدلال بوجه آخر؟ قال في الحدائق: (والاصحاب لم يذكروا هنا دليلا على الحكم المذكور من الاخبار، وظاهرهم انحصار الدليل في الاجماع) ثم استدل هو (قده) بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني (1)، ورواها البرقي في المحاسن عن ابن فضال، عن عبد الله بن بكير عن زرارة. وعليه تكون موثقة، كما انها بالطريق الاول صحيحة أو حسنة لمكان ابراهيم بن هاشم. وقد روي هذا المضمون عن عبد الله بن ميمون عن علي (ع) (2) لكنها كما ترى قاصرة الدلالة على المطلوب، إذ غايتها لزوم المكث في الركوع برهة ولو متمايلا من جانب إلى آخر وعدم الاستعجال في رفع الرأس الذي به يكون ركوعه كنقر الغراب، وهذا اعم من الاستقرار المدعى كما لا يخفى. واما مرسلة الذكرى (... ثم اركع حتى تطمئن راكعا... الخ) (3) والنبوي المحكي عنه (4) فضعفهما ظاهر، ولا مجال للاعتماد عليهما. نعم لا بأس بالاستدلال بصحيحة بكر بن محمد الازدي عن أبي عبد الله (ع)


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب الركوع ح 1. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 2. (3) الذكرى المسألة الاولى من مسائل الركوع. (4) الذكرى المسألة الرابعة من مسائل الركوع.

[ 27 ]

قال: سأله أبو بصير وانا جالس عنده إلى ان قال (ع): فإذا ركع فليتمكن، وإذا رفع رأسه فليعتدل... الخ (1)، وقد عبر عنها بالخبر مشعرا بضعفها لكن الظاهر صحتها، فان بكر بن محمد ثقة وثقه النجاشي والراوي عنه احمد بن اسحاق مردد بن الرازي والاشعري وكلاهما ثقة وان كان الاظهر ان المراد به الاشعري لان الصدوق ذكره في المشيخة في طريقه إلى بكر مصرحا بالاشعري، فبهذه القرينة يظهر ان الراوي عنه هو الاشعري، وهو وان كان من اصحاب الجواد (ع) إلا انه لا مانع بحسب الطبقة من روايته عن بكر الذي هو من اصحاب الصادق والكاظم بل والرضا عليهم السلام. وكيف كان فهي صحيحة السند كما انها ظاهرة الدلالة، إذ التعبير بقوله: إذا ركع فليتمكن ظاهر في الارشاد إلى شرطية التمكن في تحقق الركوع المأمور به نظير قوله: إذا صليت فاستقبل لا انه واجب نفسي مستقل أو جزء ضمني للصلاة، فدلالتها على اعتبار الاطمئنان في تحقق الركوع الواجب مما لا ينبغي الاشكال فيه. واما الدلالة على اعتباره في الذكر الواجب فقد تمنع بان غايتها الاعتبار في مسمى الركوع دون الاكثر، لكنه في غير محله، بل الظاهر انها تدل عليه أيضا بالدلالة الالتزامية، إذ دليل وجوب الذكر قد دل على الاتيان به في الركوع المأمور به لا مطلقا، فإذا كان الركوع المأمور به متقوما بالاطمئنان كما دلت عليه هذه الصحيحة بالمطابقة فلازمه كون الاطمئنان بمقدار يتحقق الذكر الواجب في ضمنه فلا يكفي مسماه. وعلى الجملة ضم احد الدليلين إلى الآخر يستوجب اعتبار الاستقرار


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب اعداد الفرائض والنوافل ح 14.

[ 28 ]

[ فلو تركها عمدا بطلت صلاته بخلاف السهو على الاصح (1) وان كان الاحوط الاستيناف إذا تركها اصلا ولو سهوا، بل وكذلك إذا تركها في الذكر الواجب. ] في الركوع نفسه، وفي الذكر الواجب فيه، بل ان مقتضى هذا البيان اعتباره حتى في الذكر المستحب إذا قصد به الخصوصية والورود، فانه كالذكر الواجب في ان محله الركوع المأمور به فيعتبر الاستقرار في كليهما بملاك واحد. نعم لا يعتبر في المستحب المأتي به بقصد مطلق الذكر لا التوظيف، إذ ليس له حينئذ محل معين كما هو ظاهر. فما ذكره في المتن من الاحتياط في الذكر المندوب إذا جاء به بقصد الخصوصية في محله. (1): - لا اشكال في البطلان لو اخل بالاطمئنان عمدا في الذكر الواجب فضلا عن اصل الركوع كما هو ظاهر. وهل هو ركن تبطل الصلاة بتركه حتى سهوا. نسب ذلك إلى بعض كالشيخ، والاسكافي وكأنه اخذا باطلاق معاقد الاجماعات، لكنه واضح المنع كما لا يخفى هذا. والصحيح: في المقام هو التفصيل بين الاخلال به في اصل الركوع وبين تركه في الذكر الواجب. ففي الاول: لا يبعد القول بالبطلان لما عرفت من ان ظاهر صحيحة الازدي اعتباره في الركوع والارشاد إلى شرطيته فيه، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين العمد والسهو، إذ ليس هو حكما نفسيا حتى ينصرف إلى حال الاختيار، بل ارشاد إلى الاعتبار الشامل باطلاقه لكلتا الصورتين

[ 29 ]

[ (الرابع): رفع الرأس منه حتى ينتصب قائما (1)، فلو سجد قبل ذلك عامدا بطلت الصلاة. ] ومعه لا مجال للتمسك باصالة البراءة، إذ لا سبيل إلى الاصل بعد اطلاق الدليل. كما لا مجال للتمسك بحديث لا تعاد، إذ بعد تقوم الركوع المأمور به بالاطمئنان كما نطق به الصحيح فالاخلال به اخلال بالركوع لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وهو داخل في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد. واما في الثاني فالظاهر الصحة لانه اخلال بشرط الذكر فغايته الاخلال بالذكر نفسه فلا يزيد على تركه رأسا، ومعلوم ان الاخلال بالذكر الواجب سهوا لا يقتضى البطلان لدخوله في عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد. فظهر ان الاوجه كون الاطمئنان ركنا في اصل الركوع فلو تركه رأسا ولو سهوا بطلت صلاته، واما في الذكر الواجب فليس بركن فلا يضر تركه السهوي. ومما ذكرنا تعرف ان ما افاده في المتن من الاحتياط في الاستيناف لو تركه اصلا صحيح، بل هو الاظهر كما عرفت، واما احتياطه (قده) فيما لو تركه سهوا في الذكر الواجب فلا وجه له. (1): بلا خلاف ولا اشكال، بل عليه دعوى الاجماع في كثير من الكلمات، وتقتضيه نصوص كثيرة، بل في الجواهر انها مستفيضة، إلا أن غالبها ضعيفة السند. نعم يمكن الاستدلال عليه بصحيحة حماد قال فيها: (ثم استوى

[ 30 ]

[ (الخامس): الطمأنينة حال القيام بعد الرفع (1) فتركها عمدا مبطل للصلاة ] قائما) (1) فان الاستواء في القيام هو الانتصاب. وبصحيحة أبي بصير (... وإذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتى ترجع مفاصلك (2)، ويؤيده خبره الآخر: إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك فانه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه). (3). وعليه فلو سجد قبل رفع الرأس والانتصاب عامدا بطلت صلاته. نعم لا بأس بذلك سهوا لحديث لا تعاد كما هو ظاهر. (1) اجماعا كما حكاه جماعة، واستدل له في المدارك بالامر باقامة الصلب والاعتدال في خبري أبي بصير المتقدمين وغيرهما، وهذا وان كان ممكنا في حد نفسه إلا ان الجزم به مشكل، إذ الاعتدال والاقامة غير ملازم للاستقرار، فان معناهما رفع الرأس إلى حد الانتصاب غير المنافي للتزلزل وعدم القرار كما لا يخفى. فالاولى الاستدلال له بصحيحة حماد قال فيها: (فلما استمكن من القيام قال سمع الله لمن حمده) (4)، بضميمة ما في ذيلها من قوله (ع): يا حماد هكذا صل، فان الاستمكان ظاهره اخذ المكان المساوق للثبات


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 9. (3) الوسائل: باب 16 من أبواب الركوع ح 2. (4) الوسائل: باب 1 من افعال الصلاة ح 1.

[ 31 ]

[ (مسألة 1): لا يجب وضع اليدين على الركبتين حال الركوع (1) بل يكفي الانحناء بمقدار امكان الوضع - كما مر -. ] والاطمئنان كما لا يخفى. وكيف كان فلا اشكال في الحكم فلو اخل به عمدا بطلت صلاته لا سهوا لحديث لا تعاد، فليس بركن كما هو ظاهر. (1): - تقدم الكلام حول هذه المسألة سابقا وعرفت ان الوضع مستحب لا واجب اجماعا كما ادعاه غير واحد كما عرفت انه الظاهر من النص أيضا على ما مر. نعم ذكر في الحدائق بعد ان اعترف بالاجماع وعدم الخلاف بين الاصحاب ما لفظه: (ثم لا يخفى ان ظاهر اخبار المسألة هو الوضع لا مجرد الانحناء بحيث لو اراد لوضع، وان الوضع مستحب كما هو المشهور في كلامهم والدائر على رؤوس اقلامهم، فان هذه الاخبار ونحوها ظاهرة في خلافه ولا مخصص لهذه الاخبار الا ما يدعونه من الاجماع على عدم وجوب الوضع) (1). وجوابه: يظهر مما اسلفناك، فان الامر بالوضع في الاخبار محمول على الاستحباب لا محالة بقرينة قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة: (فان وصلت اطراف اصابعك في ركوعك إلى ركبتيك اجزاك ذلك واحب إلي ان تمكن كفيك من ركبتيك...) (2) فانه ظاهر بل صريح في عدم وجوب الانحناء حدا يتمكن معه من وضع اليدين على الركبتين


(1) الحدائق ج 8 ص 240. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3.

[ 32 ]

[ (مسألة 2): إذا لم يتمكن من الانحناء على الوجه المذكور (1) ولو باعتماد على شئ أتى بالقدر الممكن ولا ينتقل إلى الجلوس وأن تمكن من الركوع منه، وان لم يتمكن من الانحناء اصلا وتمكن منه جالسا أتى به جالسا، والاحوط صلاة اخرى بالايماء قائما، وان لم يتمكن منه جالسا أيضا أومأ له وهو قائم برأسه إن امكن، والا فبالعينين تغميضا له وفتحا للرفع منه، وإن لم يتمكن من ذلك أيضا نواه بقلبه واتى بالذكر الواجب. ] فضلا عن وجوب الوضع، بل قد صرح عليه السلام باستحبابه بقوله واحب إلي... الخ فليس عليه الا ايصال اطراف الاصابع إلى الركبتين لا وضع الكف عليهما. بل ان الايصال الخارجي أيضا غير واجب لما مر من انه ملحوظ على سبيل الطريقية لا الموضوعية لكونه واقعا موقع التحديد، فاللازم انما هو الانحناء حدا يتمكن معه من ايصال اطراف الاصابع إلى الركبتين سواء اوصلها اليهما خارجا ام لا، إذ العبرة بالمنكشف لا الكاشف لعدم خصوصية للوصول الخارجي بعد لحاظه طريقا كما عرفت. (1): - للمسألة صور: احداها ما إذا لم يتمكن من الانحناء على الوجه المأمور به مع تمكنه منه في الجملة والمشهور حينئذ وجوب الانحناء بالمقدار الممكن، بل ادعى غير واحد الاجماع عليه، ويستدل له بوجهين: احدهما التمسك باطلاقات الامر بالركوع لما مر من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، وان الركوع في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى

[ 33 ]

اللغوي أعني مطلق الانحناء، غايته ثبوت التقييد بالبلوغ إلى مرتبة خاصة يتمكن معها من ايصال اطراف الاصابع إلى الركبتين، وحيث انه كغيره من ساير التكاليف مشروط بالقدرة فلا تقييد بالاضافة إلى العاجز فتشمله الاطلاقات. وفيه اولا: ان دليل التقييد لم يتضمن حكما تكليفيا نفسيا كي يختص بالقادرين، وانما هو ارشاد إلى اعتبار المرتبة الخاصة من الانحناء في الركوع المأمور به وكونها شرطا فيه كأدلة ساير الاجزاء والشرائط كما تقدم ومقتضى الاطلاق في مثله عدم الفرق بين حالتي العجز والاختيار. وثانيا: مع التسليم فلازمه التخيير بعد العجز عن تلك المرتبة الخاصة بين جميع مراتب الانحناء لصدق الركوع لغة على مطلقها كما عرفت. لا وجوب الاتيان بالمقدار الممكن كما هو المدعى لعدم الدليل عليه. ثانيهما: التمسك بقاعدة الميسور المنجبر ضعفها بقيام الاجماع على العمل بها في المقام. اقول: إن تم الاجماع في المسألة فهو المستند، والا فالقاعدة في نفسها غير صالحة للاستدلال لمنعها كبرى من اجل ضعف مدركها كما نقحناه في الاصول. وكذا صغرى لتوقفها على كون الهوي من اجزاء الواجب، وتركب المأمور به منه ومن غيره كي يجب البعض لدى تعذر الكل لكونه ميسورا منه. واما بناءا على ما هو التحقيق من خروجه عنه وكونه معتبرا فيه شرطا لا شطرا - وان الواجب امر

[ 34 ]

وحداني بسيط، وهي الهيئة الخاصة الحاصلة ممن الانحناء البالغ حدا مخصوصا، والركوع الواجب اسم لتلك المرتبة الخاصة البسيطة، والهوي إليها مقدمة خارجية غير داخلة في حقيقة المأمور به، فلا مجال حينئذ لتطبيق قاعدة الميسور لوضوح ان المقدمة مبائنة مع ذيها واجنبية عنه لا انها من مراتبه كي تكون ميسورا منه. ودعوى: ان الركوع عبارة عن الحركة من الانتصاب إلى حد الركوع فكل حركة بين الحدين جزء المجموع أو انه من التأكد في الكيف لم نتحققها، بل الظاهر خلافها كما عرفت. فما افاده المحقق الهمداني (قده) من ان المقام من اظهر مصاديق القاعدة ومجاريها لا يمكن المساعدة عليه فانه إنما يتجه بناءا على كون الهوي من اجزاء الواجب، وقد عرفت انه من المقدمات، بل ومع الشك في ذلك أيضا لا مجال لها لعدم احراز صغرها، فيكفينا مجرد الشك فضلا عن استظهار العدم كما عرفت. وعليه: فلا دليل على الاجتزاء بالمقدار الممكن من الانحناء، بل الاقوى ان الوظيفة حينئذ هو الايماء لاطلاق ما دل على بدليته عن الركوع التام لدى العجز عنه كما تقدم البحث عنه في احكام القيام، ولا تنتقل الوظيفة إلى الركوع الجلوسي التام وإن تمكن منه، كما نبه عليه في المتن لاختصاصه بالعاجز عن الصلاة قائما بحيث كانت وظيفته الصلاة عن جلوس، وهو خارج عن محل البحث. نعم: لا بأس بضم الانحناء إلى الايماء احتياطا حذرا عن مخالفة المشهور، قاصدا بأحدهما لا بعينه ما هي الوظيفة الواقعية في حقه فيقع الآخر لغوا غير مضر.

[ 35 ]

الصورة الثانية: ما إذا لم يتمكن من الانحناء حال القيام اصلا وهي على صور لانه قد يتمكن من الركوع الجلوسي التام، واخرى لا يتمكن إلا من الناقص منه، وثالثة لا يتمكن منه اصلا. اما في الاخير فلا ريب ان الوظيفة هي الايماء لادلة بدليته عن الركوع كما مر التعرض لها في بحث القيام. واما الفرض الاول: اعني صورة التمكن من الركوع الجلوسي التام فقد ذكر العلامة الطباطبائي (ره) في منظومته تعينه واختاره في المتن وكأنه لاقربيته إلى الصلاة التامة من الايماء قائما، لكنه كما ترى مجرد استحسان ووجه اعتباري لا يصلح لان يكون مدركا لحكم شرعي، بل الظاهر عدم جوازه فضلا عن وجوبه، فان الركوع الجلوسي وظيفة العاجز عن القيام، وهذا قادر عليه على الفرض، فلا يشرع في حقه الا الايماء اخذا بدليل بدليته لدى العجز عن الركوع الاختياري. وعلى الجملة: المتحصل من الادلة كما فصلنا الكلام حولها في بحث القيام ان المتمكن من القيام وظيفته الصلاة قائما، والعاجز عنه يصلي عن جلوس، والعاجز عنه أيضا يصلي مضطجعا اما مستلقيا أو إلى احد الجانبين على تفصيل تقدم. وفي كل من هذه المراحل ان تمكن من الركوع والسجود على حسب وظيفته اتى بهما وإلا اومأ اليهما. ونتيجة ذلك انه لو تمكن من الصلاة عن قيام كما هو محل الكلام، ولم يتمكن من الركوع القيامي فليست وظيفته إلا الايماء إليه، ولا ينتقل إلى الركوع الجلوسي، فانه وظيفة العاجز عن القيام الذي يصلي عن جلوس، والمفروض في المقام انه يصلي عن

[ 36 ]

قيام لقدرته عليه. فظهر ان الاقوى في هذه الصورة أيضا هو الايماء. فما ذكره في المتن من انه احوط فيأتي بصلاة اخرى بالايماء قائما في غير محله، بل ان هذا هو المتعين بلا حاجة إلى الصلاة جالسا كما نبه عليه سيدنا الاستاد في التعليقة. واما ما في الجواهر من الاشكال على ترجيح الركوع الجلوسي في المقام باستلزامه الاخلال بالركن وهو القيام المتصل بالركوع بخلاف ما لو صلى قائما موميا فانه محافظ عليه فساقط لما عرفت سابقا من عدم وجوب هذا القيام في نفسه فضلا عن ركنيته، وانما اعتباره من اجل تقوم الركوع به فانه ليس عبارة عن مجرد الهيئة الحاصلة من الانحناء الخاص كيفما اتفق بل بشرط كونه مسبوقا بالقيام، فالمسمى بالركوع لغة وشرعا خصوص الحصة الخاصة وهي الانحناء الحاصل عن القيام لا مطلقا، فهو دخيل في حقيقة الركوع لا انه واجب مستقل، ومع سقوطه لمكان العجز كما هو المفروض يسقط القيام بتبعه لا محالة فلا يلزم الاخلال بالركن زائدا على الركوع الساقط على كل حال. وكيفما كان فلا ينبغي الريب في تعين الايماء قائما وعدم الانتقال إلى الركوع جالسا للوجه الذي عرفت. واما الفرض الثاني: اعني ما إذا لم يتمكن إلا من الركوع الجلوسي الناقص، اي مع الانحناء إليه في الجملة، فدار الامر بينه وبين الايماء قائما، وهو الذي تعرض (قده) إليه في المسألة. الآتية. فقد ذكر في المتن انه لا يبعد تقديم الثاني والاحوط تكرار الصلاة.

[ 37 ]

[ (مسألة 3) إذا دار الامر بين الركوع جالسا (1) مع الانحناء في الجملة وقائما مومئا لا يبعد تقديم الثاني، والاحوط تكرار للصلاة. (مسألة 4): لو اتى بالركوع جالسا ورفع رأسه منه (2) ثم حصل له التمكن من القيام لا يجب بل لا يجوز له اعادته قائما، بل لا يجب عليه القيام للسجود خصوصا إذا كان بعد السمعلة، وان كان احوط وكذا لا يجب اعادته بعد اتمامه بالانحناء الغير التام واما لو حصل له التمكن في اثناء ] وقد ظهر مما مر انه لا ينبغي الريب في تعين الايماء حينئذ وان قلنا بتقديم الركوع الجلوسي التام عليه في الصورة السابقة دعوى اقر بيته منه إلى الركوع القيامي المتعذر، إذ لا مجال لتوهم الاقربية هنا اصلا بعد ان لم يكن الانحناء في الجملة من الركوع الشرعي في شئ كما لا يخفي. فتحصل ان المتعين في جميع صور المسألة هو الايماء سواء تمكن من الانحناء في الجملة قائما ام لا، وسواء تمكن من الركوع الجلوسي التام أو الناقص أم لا عملا باطلاق ادلة بدليته عن الركوع القيامي لدى تعذره كما ظهر وجهه مما مر وإن كان الاحتياط المذكور في المتن في فروض المسألة مما لا بأس به فانه حسن على كل حال. (1): - قد ظهر الحال مما قدمناه آنفا فلاحظ. (2): - تعرض (قده) في هذه المسألة لفروض تجدد القدرة

[ 38 ]

[ الركوع جالسا فان كان بعد تمام الذكر الواجب يجتزئ به لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع وان حصل قبل الشروع فيه أو قبل تمام الذكر يجب عليه ان يقوم منحنيا إلى احد الركوع القيامي ثم اتمام الذكر والقيام بعده والاحوط مع ذلك اعادة الصلاة، وان حصل في اثناء الركوع بالانحناء الغير التام أو في اثناء الركوع الايمائي فالاحوط الانحناء إلى حد الركوع واعادة الصلاة. ] اثناء الصلاة فذكر ان التجدد ان كان بعد رفع الرأس عن الركوع جالسا لم يجب، بل لا يجوز له اعادته قائما لاستلزام زيادة الركن كما لا يجب عليه القيام للسجود لعدم وجوبه إلا من باب المقدمة وقد حصلت. ويلحق بذلك ما لو تجددت بعد الانتهاء عن الانحناء غير التام حال القام بناءا على الاجتزاء به عن التام. وان كان قبل رفع الرأس فان كان بعد تمام الذكر الواجب لزمه الانتصاب تحصيلا للقيام الواجب بعد الرفع لقدرته عليه ولم يحصل بدله كما حصل في الفرض السابق. وان كان قبله سواء أكان اثناء الذكر ام قبل الشروع فيه. فمن حيث نفس الركوع يجتزي به كسابقه لحصوله حال العجز غير ان الذكر الواجب لم يتحقق أو يكمل بعد، وحيث لا اعتبار بهذا الركوع بقاءا لارتفاع العذر فلا مناص له من أن يقوم متقوسا إلى حد الركوع القيامي فيأتي بالذكر حينئذ أو يتمه كما يأتي بالقيام

[ 39 ]

بعده، واحتاط حينئذ باعادة الصلاة. واما إذا كان التجدد اثناء الانحناء أو الايماء فالاحوط الانحناء إلى حد الركوع ثم اعادة الصلاة. اقول: قدمنا في بحث القيام ما هو الضابط العام لامثال المقام مما تجددت فيه القدرة اثناء الصلاة. وحاصله: ان التجدد تارة يفرض في ضيق الوقت بحيث لا يتمكن من اعادة الصلاة، واخرى في سعته. وعلى التقديرين فان لم يلزم من تدارك الفائت محذور زيادة الركن وجب ذلك كما لو قرأ جالسا وقبل الدخول في الركوع تمكن من القيام فانه يجب عليه حينئذ اعادة القراءة قائما ولا محذور فيها، فان مثل هذه الزيادة غير قادحة. وان لزم المحذور المزبور فان لم يكن الفائت ركنا مضى في صلاته وصحت لحديث لا تعاد، كما لو قرا جالسا لعجزه عنها قائما وبعد الركوع الاختياري تمكن من القراءة قائما. وإن كان ركنا كما لو ركع جالسا وتمكن بعد ذلك من الركوع القيامي، فان كان في ضيق الوقت صحت صلاته أيضا ومضى فيها فان ذلك غاية ما في وسعه من من الامتثال والصلاة لا تسقط بحال. وان كان في سعته ففي الصحة اشكال، بل منع لعدم الدليل على الاجتزاء بهذا الفرد الناقص بعد تعلق الامر بالطبيعة الجامعة المحدودة بين الحدين، وتمكنه منها بالاتيان بفرد آخر. فتحصل: ان مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحة في جميع فروض المسألة من غير فرق بين الضيق والسعة ما عدا صورة واحدة، وهي

[ 40 ]

ما إذا كان الفائت ركنا والوقت واسعا، فان الاقوى حينئذ البطلان كما عرفت. هذا هو الضابط الكلي لكبري هذه المسألة ونظائرها. واما التطبيق على المقام. فنقول: قد تكون الوظيفة هي الركوع الجلوسي، واخرى الانحناء غير التام حال القيام - بناءا على الاجتزاء به -، وثالثة الايماء، وعلى التقادير فقد يكون التجدد بعد الانتهاء عنها، واخرى في الاثناء ففروض المسألة ستة تعرض لجميعها في المتن ما عدا صورة واحدة، وهي التجدد بعد الانتهاء من الايماء. فان تجددت القدرة على الركوع التام القيامي بعد رفع الرأس عن الركوع جالسا فقد ذكر في المتن انه لا يجب بل لا يجوز له اعادته قائما. وهذا هو الصحيح فيجتزى به لكن في ضيق الوقت خاصة، واما في السعة فحيث ان الفائت ركن ولا يمكن تداركه فالصلاة باطلة والاعادة واجبة كما ظهر وجهه مما مر آنفا. فما افاده (قده) لا يتم على اطلاقه. وان تجددت بعد الانتهاء عن الانحناء غير التام فقد ألحقه الماتن بسابقه. والاولى: أن يقال إذا بنينا على ان الدليل المانع من زيادة الركوع من حديث لا تعاد أو غيره يشمل ما إذا كان الزائد مثل هذا الركوع فالالحاق في محله مع مراعاة التفصيل بين السعة والضيق كما عرفت. واما إذا بنينا على انصرافه عن الركوع الانحنائي كما لا يبعد

[ 41 ]

وسيجئ الكلام عليه ان شاء الله تعالى فاللازم تدارك الركوع مطلقا لعدم محذور فيه، غايته انه تخيل ان وظيفته الانحناء والانتقال إلى البدل واعتقد امرا خياليا، ومثله لا يجزي عن الواقع بعد انكشاف الخلاف فيلغى بعد عدم ضير في زيادته ويجب الاتيان بالركوع قائما. واولى بذلك ما لو كان التجدد بعد الانتهاء عن الايماء - وهو الذي لم يتعرض له في المتن - بل لا ينبغي الاشكال في انصراف دليل الزيادة عن مثل ذلك. نعم لو كان الزائد من سنخ المزيد عليه فكرر الانحناء امكن دعوى زيادة الركوع، واما مع الاختلاف في السنخ فكانت الوظيفة الركوع القيامي لقدرته عليه فاضاف عليه الايماء أو الانحناء ففي مثله يشكل صدق تعدد الركوع سيما في الاول لعدم كون الايماء من الركوع في شئ لا شرعا ولا لغة، وانما هو بدل ووظيفة مقررة لدى العجز عنه، بل لا ينبغي الريب في عدم الصدق كما عرفت فاللازم اعادة الركوع قائما ولا محذور فيها. وان تجددت اثناء الركوع جالسا، فان كان بعد تمام الذكر الواجب فقد ذكر في المتن انه يجتزئ به لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع. اقول: اما الاجتزاء فوجيه في فرض الضيق فقط، وإلا ففي السعة يحكم بالبطلان كما مر. واما الانتصاب فلا دليل عليه، فان الانتصاب القيامي انما يجب بعد الركوع القيامي كي لا يهوي إلى السجود من الركوع، ولا دليل على وجوبه بعد مطلق الركوع حتى الجلوسي منه. وان شئت فقل ان اللازم بعد كل ركوع الانتصاب المناسب له وعدم الهوي منه إلى السجود، فان ركع قائما وجب الانتصاب

[ 42 ]

القيامي، وان جالسا فالانتصاب الجلوسي. وبعد فرض الاجتزاء في المقام بالركوع الجلوسي اما مطلقا على مسلكه، أو في خصوص الضيق على المختار كما عرفت، فلا يجب إلا الانتصاب جالسا الحاصل في المقام. فالانتصاب للقيام لا دليل على جوازه فضلا عن وجوبه. وان كان قبل تمام الذكر، أو قبل الشروع فيه فقد حكم في المتن بوجوب القيام متقوسا إلى حد الركوع القيامي ثم اتمام الذكر والقيام بعده وهذا أيضا لا يمكن المساعدة عليه لما مر غير مرة من تقوم الركوع بالانحناء عن قيام وليس هو عبارة عن مطلق احداث تلك الهيئة الانحنائية كيفما اتفق، فالقيام متقوسا ليس من الركوع في شئ بعد عدم سبقه بالقيام، فلا فائدة في ذلك. ولو فرض صدق الركوع عليه فاللازم الحكم بالبطلان لزيادة الركن كما لا يخفى. وبالجملة: فليس له الا اتمام الذكر في نفس هذا الركوع، ولا يشرع له القيام منحنيا والاتيان بالذكر فضلا عن وجوبه، ولا حاجة إلى اعادة الصلاة. وان تجددت اثناء الركوع بالانحناء غير التام، أو اثناء الركوع الايمائي، فقد احتاط في المتن بالانحناء إلى حد الركوع واعادة الصلاة. وقد ظهر مما مر ان ذلك هو الاظهر بلا حاجة إلى اعادة الصلاة لعدم صدق الزيادة في الركوع سيما في الانحناء غير التام، فانه من مقدمات الركوع الشرعي ومباديه، إذ هو زيادة في الانحناء وتشديد في الكيف فلا يعد وجودا مستقلا آخر في قباله كي يعد من زيادة الركوع كما هو ظاهر جدا.

[ 43 ]

[ (مسألة 5): زيادة الركوع الجلوسي والايمائي مبطلة ولو سهوا (1) كنقيصته. ] (1): اما البطلان في فرض النقص فظاهر، فان الركوع من مقومات الصلاة كما يشهد به مادل على أن الصلاة ثلث طهور وثلث ركوع، وثلث سجود، فمع خلوها عنه وعن بدله وهو الايماء لا يصدق عنوان الصلاة مضافا إلى عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، وهذا ظاهر جدا بلا فرق فيه بين العمد والسهو. واما في فرض الزيادة فكذلك بالاضافة إلى الركوع الجلوسي فانه ركوع حقيقة لغة وشرعا فيشمله مادل على البطلان بزيادة الركوع فانه باطلاقه يعم الركوع القيامي والجلوسي. واما بالنسبة إلى الايمائي فالمشهور انه كذلك، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، استنادا إلى سراية احكام المبدل إلى البدل. لكنه كما ترى فان البدلية لا تستدعي الا تنزيل البدل منزلة المبدل في وجوب الاتيان به ولا نظر في دليلها إلى بقية الاحكام كي يقتضي سرايتها إليه. وعليه فان تم الاجماع على الالحاق - ولم يتم - فهو، وإلا ففي الحكم بالبطلان اشكال بل منع لعدم كون الايماء ركوعا لا لغة ولا شرعا، وإنما هو بدل عن الركوع ووظيفة مقررة لدى العجز عنه فلا يشمله مادل على البطلان بزيادة الركوع (1) فان ذاك الدليل خاص بالركوع ولا يعم بدله الذي ليس هو من


(1) نعم: ولكنه زيادة في الصلاة بعد الاتيان به بقصد الجزئية كما هو المفروض فتقدح مع العمد وان لم يصدق عنوان الركوع.

[ 44 ]

[ (مسألة 6): إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض (1) فان تمكن من الانتصاب ولو بالاعتماد على شئ وجب عليه ذلك لتحصيل القيام الواجب حال القراءة وللركوع وإلا فللركوع فقط فيقوم وينحني، وان لم يتمكن من ذلك لكن تمكن من الانتصاب في الجملة فكذلك، وان لم يتمكن اصلا فان تمكن من الانحناء ازيد من المقدار الحاصل بحيث لا يخرج عن حد الركوع وجب، وان لم يتمكن من الزيادة أو كان على اقصى مراتب الركوع بحيث لو انحنى ازيد خرج عن حده فالاحوط له الايماء بالرأس، وان لم يتمكن فبالعينين له تغميضا وللرفع منه فتحا، والا فينوي به قلبا ويأتي بالذكر. ] الركوع في شئ. (1): تفصيل المقام ان من كان على هيئة الراكع خلقة أو لعارض ان تمكن من الانتصاب قليلا ولو بالاعتماد على شئ وجب ذلك على حسب طاقته رعاية للقيام الواجب حال تكبيرة الاحرام، والقراءة والقيام المتصل بالركوع فان امكنه الكل فهو، والا فبالمقدار الميسور لا اقل من القيام آناما الذي يتقوم به الركوع فيأتي حينئذ بالركوع الاختياري. وان عجز عن ذلك أيضا فلم يتمكن من الانتصاب اصلا. فان

[ 45 ]

تمكن من القيام في الجملة ولو منحنيا الذي هو حد متوسط بين الركوع وبين الانتصاب التام وجب ذلك وكان ركوعه اختياريا أيضا فانه متقوم بمطلق القيام لا بخصوص القيام الانتصابي، فان الانتصاب واجب آخر حال القيام قد سقط لدى العجز غير معتبر في حقيقة الركوع وانما يتقوم بطبيعي القيام الحاصل في المقام ولو في ضمن فرد آخر وهو القيام الانحنائي فيجب مع التمكن منه. وان لم يتمكن من القيام اصلا فتارة يفرص تمكنه من ازدياد الانحناء والانتقال إلى مرتبة اخرى اخفض مما هو عليه مع المحافظة على عدم الخروج عن اقصى مراتب الركوع، واخرى لا يتمكن من الزيادة اصلا، أو لو زاد خرج بذلك عن حد الركوع الشرعي، فهنا فرضان. اما الفرض الاول: ففيه وجوه بل اقوال: (احدها): ما اختاره في المتن ولعله المشهور من وجوب الانحناء ازيد مما هو عليه استنادا إلى لزوم الفرق بين قيامه وركوعه، كما هو الحال في الايماء للركوع وللسجود، فكما يومى للثاني اخفض منه للاول لمكان الفرق بينهما فكذا في المقام. وفيه، منع ظاهر فانه وجه استحساني ومجرد اعتبار لا يصلح لان يكون مدركا لحكم شرعي، والتفرقة في الايماء قد دل عليها النص المختص بمورده، فلا وجه للتعدي منه إلى المقام، فلم ينهض دليل شرعي على وجوب احداث الفارق في محل الكلام. هذا وقد استدل له المحقق الهمداني (قده) بان الركوع وان كان متقوما بالانحناء عن القيام الا ان قيام كل شخص بحسبه، ففي

[ 46 ]

القادر قيامه الاعتدال، وفيمن كان على هيئة الراكع الاستقامة على ما هو عليه بحسب حاله فان هذا هو قيامه بحسب العرف، فبطبيعة الحال يكون ركوعه هو الانحناء عن هذه الحالة بان يزيد انحناءه عما هو عليه مما يعد قياما له فان ذلك هو ركوعه في نظر العرف كما يشهد به جريان عادتهم في الركوع امام الجبابرة والملوك سيما سيرة اقل الفرس بالنسبة إلى امرائهم، فان ركوع القادر هو الانحناء عن الانتصاب ومن كان منحنى الظهر ركوعه الازدياد في انحنائه ولو يسيرا كل منهم على حسب حاله. وفيه اولا: منع صدق الركوع عليه عرفا، وانما هو انتقال من مرتبة من الانحناء إلى اخرى كيف وقد عرفت انه متقوم لغة وعرفا بالانحناء عن القيام ومن احد ودب ظهره عاجز عن القيام وليس هو الا على هيئة الراكع، فصدق الركوع في حقه ممنوع جدا واما تعظيم مثله اما الجبابرة والملوك بزيادة الانحناء فانما هو تواضع وخضوع، ولا يعد من الركوع في شئ كما لا يخفى. وثانيا: سلمنا صدق الركوع عليه عرفا الا انه لا دليل على وجوب الانحناء الزائد في المقام، فان المستفاد من الادلة الواردة في تحديد الركوع الشرعي وجوب الانحناء عن القيام حدا يتمكن معه من ايصال اطراف اصابعه الركبتين ويستحب الزيادة قليلا بحيث تصل الراحة اليهما كما مر. وهذا التكليف ساقط عن هذا الشخص لعجزه عن ايجاد هذا الحد واحداثه حسب الفرض. فبأي دليل يجب عليه الانحناء الزائد على هذا المقدار مما هو عليه، فانه يحتاج إلى دليل بالخصوص وهو مفقود.

[ 47 ]

ودعوى انصراف هذا التحديد إلى الافراد الشايعة دون من كان على هيئة الراكع كما ترى فانه ارشاد إلى الحد المعتبر في الركوع المأمور به، ومقتضى الاطلاق (1) عدم الفرق بين الموارد كما لا يخفي. فالاقوى حينئذ لزوم الانتقال إلى البدل المقرر لدى العجز عن الركوع وهو الايماء لعدم قصور في شمور اطلاق دليله للمقام. القول الثاني: ما اختاره صاحب الجواهر (قده) من انه ينوى الركوع ببقائه على هذه الحالة لعدم الدليل على وجوب الانحناء الزائد وليس ذلك من تحصيل الحاصل كي يكون الامر به لغوا لا مكان هدم تلك الهيئة الركوعية بالجلوس ونحوه فيؤمر بالبقاء على تلك الهيئة قاصدا بها الركوع المأمور به في الصلاة. اقول: اما عدم الدليل على الانحناء الزائد فهو حق كما عرفت آنفا. واما الاجتزاء بقصد الركوع بتلك الهيئة فيتوقف على امرين: احدهما: ان الركوع عبارة عن نفس تلك الهيئة الخاصة، والهوي مقدمة عقلية صرفة. ثانيهما: ان المأمور به هو الركوع الاعم من الحدوثي والبقائي وعليه فلا مانع من قصد الركوع بتلك الهيئة الخاصة بقاءا. هذا وللمناقشة في كلا الامرين مجال واسع اما الاول فلما عرفت من ان الركوع متقوم بالانحناء عن القيام فهو معتبر في حقيقته


(1) لقائل ان يقول: ان الخطاب في نصوص التحديد متوجه إلى الاشخاص العاديين المستوين في الحلقة كزرارة وأبي بصير ونحوهما ولعل هذا يجعله من اكتشاف الكلام بما يصلح للقرينية المانع عن انعقاد الاطلاق.

[ 48 ]

شطرا أو شرطا وان كان الاظهر هو الثاني. وعلى اي حال فليست تلك الهيئة على اطلاقها وكيفما اتفقت ركوعا كي يكون الهوي مقدمة محضة. ومن هنا لو جلس عن القيام ثم قام متقوسا إلى حد الركوع لا يجتزى به ولا يتحقق معه الركوع قطعا واما الثاني: فلان الظاهر من الامر بشئ هو احداثه وايجاده بعد ان لم يكن ولا يكفي فيه مجرد البقاء ولو بقصد الامر، بل كيف يمكن توجيه الخطاب نحو الراكع بقوله اركع فانه يعد لغوا ومن تحصيل الحاصل في نظر العرف كما لا يخفى. فهذا القول يتلو سابقه في الضعف. ومن جميع ما قدمناه يظهر ان القوى هو القول الثالث، اعني سقوط الركوع عنه لمكان العجز والانتقال إلى بدله وهو الايماء لعدم قصور دليله عن الشمول للمقام فيومئ برأسه إن امكن والا فبالعينين تغميضا له وفتحا للرفع منه، ومع العجز عنه أيضا الذي هو فرض نادر جدا فينوي بقلبه على الاحوط، والا فلا دليل عليه، ومقتضى القاعدة حينئذ سقوط الصلاة لتقومها بالركوع وهو عاجز عنه وعن بدله، لكن الفرض في غاية الشذوذ كما عرفت وقد مر تفصيل ذلك كله في بحث القيام. نعم الاحوط في المقام ان يجمع بين الايماء وبين زيادة الانحناء قاصدا بأحدهما ما هو الركوع المأمور به في حقه، وما هي وظيفته واقعا فيقع الآخر لغوا غير مضر فانه جامع بين الاقوال. وبذلك يخرج عن شبهة الخلاف، فان صاحب الجواهر أيضا لا يأبى عن ذلك وانما يرى جواز قصد الركوع بالبقاء على تلك الحالة، لا عدم

[ 49 ]

[ (مسألة 7): يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع (1) ولو اجمالا بالبقاء على نيته في اول الصلاة بأن لا ينوي الخلاف، فلو انحنى بقصد وضع شئ على الارض أو رفعه، أو قتل عقرب أو حية، أو نحو ذلك لا يكفي في جعله ركوعا بل لابد من القيام ثم الانحناء للركوع، ولا يلزم منه زيادة الركن. ] جوازه بالانحناء الزائد كما لا يخفى. واما في الفرض الثاني فلا ينبغي الشك في تعين الايماء في حقه لفرض عدم تمكنه من الانحناء الزائد كي يحتمل وجوبه، أو لو انحنى خرج عن اقصى مراتب الركوع. وقد عرفت ضعف مقالة صاحب الجواهر (قده) لتوقفها على مقدمتين كلتاهما ممنوعة. فلا مناص من الانتقال إلى البدل وهو الايماء عملا باطلاق دليله الذي لا يقصر عن الشمول للمقام. (1): لا يخفى ان المحتملات في حقيقة الركوع المأمور به امور: احدها: انه عبارة عن الحركة عن حالة الانتصاب إلى ان تبلغ اطراف اصابعه الركبتين، أو ان يضع كفيه عليهما على الخلاف في ذلك كما مر، فيكون في ابتداء الحركة شارعا في الركوع لكونه مؤلفا من عدة اجزاء وهي الانحناءات المتتالية المحدودة بين الحدين، فكل مرتبة جزء من الركوع لتركبه من المجموع.

[ 50 ]

الثاني: انه مفهوم بسيط لا جزء له وهو نفس الهيئة الخاصة المنتزعة عن الانحناء البالغ حدا يتمكن من ايصال الاصابع أو اليدين إلى الركبتين لكن لا على اطلاقها، بل حصة خاصة من تلك الهيئة وهي المسبوقة بالقيام، فالواجب هي الهيئة الحاصلة عن انحناء قيامي، فيكون الهوي عن القيام معتبرا فيه شرطا لا شطرا وتقيدا لا قيدا، بخلاف الوجه السابق الذي كان عليه معتبرا قيدا وتقيدا كما عرفت. الثالث: انه عبارة عن نفس تلك الهيئة الخاصة على اطلاقها كيفما اتفقت وحيثما تحققت فيكون الهوي إليها مقدمة عقلية صرفة لا دخل لها في المأمور به اصلا بخلاف الوجه الثاني، إذ عليه كان مقدمة شرعية كما هو الحال في ساير الشرايط من الستر والطهور ونحوهما. ويترتب على الاحتمالين الاولين ما افاده في المتن من لزوم كون الانحناء بقصد الركوع وانه لو انحنى لغاية اخرى من وضع شئ على الارض أو رفعه، أو قتل عقرب أو حية وبعد بلوغ حد الركوع بدا له ان يجعله ركوعا لا يكتفى به بل لابد من القيام ثم الانحناء للركوع، ولا يلزم منه زيادة الركن. اما مع الاحتمال الاول فظاهر، وكذا على الثاني فان الشرط ليس مطلق الهوي والانحناء، بل خصوص ما كان بقصد الركوع كما لا يخفى فالهوي العاري عن هذا القصد ليس مصداقا للشرط فينتفى المشروط بانتفائه. واما على الاحتمال الاخير فقد يقال - كما عن العلامة الطباطبائي في منظومته، وتبعه صاحب الجواهر - بالاكتفاء في المقام، إذ

[ 51 ]

الواجب هو نفس تلك الهيئة وقد حصلت، والهوي مقدمة عقلية محضة لا دخل له في الركوع المأمور به بوجه عدا حيثية المقدمية الصرفة، كما انه كذلك بالاضافة إلى السجود بلا خلاف ولا اشكال لكونه متقوما بوضع الجبهة على الارض فقط، ولا دخل للهوي فيه الا من باب المقدمة، فكما انه لو هوى إلى الارض لغاية اخرى ثم بدا له في السجود يجتزى به من دون حاجة إلى القيام والهوي إليه مرة اخرى فكذا في المقام. واعترض عليه شيخنا الانصاري وقد اجاد فيما افاد فاورد (قده). اولا: بانكار المبنى وان الركوع ليس مطلق تلك الهيئة كي يكون الهوي مقدمة عقلية صرفة، بل خصوص المسبوق بالقيام كما هو المستفاد من ظواهر النصوص، بل من كلمات اللغويين أيضا، فلا يطلق الراكع إلا على المنحني عن قيام فهو مشروط بسبق الهوي ومتقوم بالانحناء القيامي. ومن هنا لو جلس عن قيامه ثم قام متقوسا إلى حد الركوع لا يجتزى به بلا اشكال، لعدم كونه مصداقا للركوع، وانما هو على هيئة الراكع. ولا يقاس ذلك بالسجود لما عرفت من انه متقوم بوضع الجبهة على الارض فقط، ولا دخل للهوي والانحناء في حقيقته بوجه فهو فيه مقدمة عقلية محضة لا محالة، بخلاف الركوع فانه متقوم بالانحناء المسبوق بالقيام المستلزم لكون الهوي شرطا شرعيا فيه كما عرفت. وثانيا: سلمنا ذلك لكن دعوى الاكتفاء مبنية على ان يكون الامر بالركوع متعلقا بالطبيعي الجامع بين الحدوث والبقاء، فانه

[ 52 ]

[ (مسألة 8): إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود (1) وتذكر قبل وضع جبهته على الارض رجع إلى القيام ثم ركع، ولا يكفي أن يقوم منحنيا إلى حد الركوع من دون ان ينتصب، وكذا لو تذكر بعد الدخول في السجود أو بعد رفع الرأس من السجدة الاولى قبل الدخول في الثانية على الاقوى، وان كان الاحوط في هذه الصورة اعادة الصلاة أيضا بعد اتمامها واتيان سجدتي السهو لزيادة السجدة ] بعدما بلغ إلى هذا الحد ولو لغاية اخرى جاز له ان يقصد به الركوع بقاءا. لكنه خلاف ظواهر الادلة قطعا، بل المنصرف منها خصوص الاحداث وايجاد الركوع بعد ان لم يكن كما هو الحال في السجود أيضا وغيره من ساير التكاليف، فلو عثر في صلاته فاتصلت جبهته بالارض قهرا ليس له أن يقصد به السجود بقاءا بلا اشكال، بل لابد من رفع الجبهة ثم وضعها ثانيا بقصد السجود كي يتحقق الاحداث كما ان الواجب في المقام هو القيام ثم الانحناء ثانيا بقصد الركوع فظهر ان ما ذكره في المتن هو الصحيح على جميع التقادير. (1): لا اشكال في ان من نسي الركوع وتذكره بعد السجدتين أو بعد الدخول في السجدة الثانية بطلت صلاته لعدم إمكان تصحيحها بوجه للزوم زيادة الركن من التدارك، ونقيصته مع عدمه كما لا يخفى.

[ 53 ]

كما لا اشكال في الصحة لو كان التذكر قبل الدخول في السجود ووضع الجبهة على الارض لامكان التدارك من دون أي محذور، فيرجع إلى القيام ثم يركع، ولا يكفى القيام متقوسا إلى حد الركوع من دون ان ينتصب لاعتبار كون الركوع عن قيام متصل به كما عرفت في المسألة السابقة ولا اتصال في المقام. إنما الكلام فيما إذا كان التذكر بعد السجدة الاولى أو اثناءها فهل يلحق ذلك بالصورة الاولى كما لعله المشهور فيحكم بالبطلان ام بالصورة الثانية كما اختاره جماعة منهم الماتن فيحكم بالصحة. لا ينبغي الشك في ان مقتضى القاعدة هو الثاني، إذ لا يلزم من تدارك الركوع أي محذور عدا زيادة سجدة واحدة سهوا، ولا ضير فيها بعد ان لم تكن ركنا، وقد ورد ان الصلاة لا تعاد من سجدة واحدة، وانما تعاد من ركعة (1) وإنما المنشأ للخلاف ورود روايات في المقام ربما يتوهم دلالتها على البطلان في خصوص المقام - اعني نسيان الركوع - وبذلك يخرج عن مقتضى القاعدة المزبورة، لكن الظاهر عدم دلالتها عليه بل المستفاد منها أيضا هي الصحة فتكون الصحة مطابقة للقاعدة وللنص فلا بد من التعرض إليها. (فمنها): موثقة اسحاق بن عمار قال سألت أبا ابراهيم (ع) عن الرجل ينسى أن يركع، قال يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك موضعه (2)، قالوا إن الموضوع نسيان الركوع مطلقا فيشمل


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب الركوع ح 2 و 3. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب الركوع ح 2.

[ 54 ]

مالو كان التذكر بعد السجدة الواحدة. وفيه: ان الذيل مانع عن انعقاد الاطلاق لقوله (ع): حتى يضع كل شئ موضعه، فيظهر ان موضوع الحكم نسيان لا يتمكن معه من وضع كل شئ موضعه وهذا كما ترى مختص بما إذا كان التذكر بعد السجدتين، إذ لو كان بعد السجدة الواحدة يتمكن من وضع كل شئ موضعه لما عرفت من ان زيادة السجدة الواحدة سهوا غير قادحة فيتمكن من تدارك الركوع ووضعه في موضعه من دون اي محذور. ومع تسليم الاطلاق فلابد من تقييده بما ستعرف. (ومنها): صحيحة رفاعة عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن رجل ينسى أن يركع حتى يسجد ويقوم. قال يستقبل (1). وهذه أيضا كما ترى لا اطلاق لها لقوله: يسجد ويقوم، إذ من الواضح ان القيام انما هو بعد السجدتين فلا يشمل مالو كان التذكر بعد السجدة الواحدة لعدم القيام معها، ومع تسليم الاطلاق فيقيد أيضا بما سيجئ. (ومنها): خبر ابي بصير قال سألت أبا جعفر (ع) عن رجل نسي ان يركع قال عليه الاعادة (2). وفيه: مضافا إلى ضعف سندها بمحمد بن سنان عدم ظهورها في الاطلاق، والا لزم الحكم بالبطلان لو كان التذكر قبل وضع الجبهة على الارض لصدق نسيان الركوع حينئذ مع انها صحيحة بعد تدارك الركوع بلا خلاف ولا اشكال كما تقدم فيظهر ان المراد


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب الركوع ح 1. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب الركوع حديث 4.

[ 55 ]

[ (مسألة 9): لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الاثناء (1) ] بها نسيان لا يتمكن معه من التدارك ووضع كل شئ موضعه المختص بما إذا كان التذكر بعد السجدتين فيكون مفادها مساوقا لموثقة اسحاق بن عمار المتقدمة. وعلى تقدير تسليم الاطلاق فلا بد من تقييدها كغيرها من النصوص المتقدمة (1) بصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال إذا ايقن الرجل انه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة (2) فان الجملة الشرطية تضمنت قيدين (احدهما) تيقن ترك الركعة - اي الركوع كما يشهد به قوله: وترك الركوع - (ثانيهما) ان يكون التذكر بعد السجدتين، فمفهومها عدم وجوب الاستيناف عند فقد احد القيدين فلا تجب الاعادة لو شك في ترك الركوع لكونه مجرى لقاعدة التجاوز، كما لا تجب لو كان التذكر قبل السجدتين الشامل لما إذا تذكر بعد السجدة الواحدة. فبمفهوم هذه الصحيحة يقيد الاطلاق في بقية النصوص لو كان. فما افاده في المتن من الحكم بالصحة في هذه الصورة بعد تدارك الركوع هو الصحيح، وإن كان الاحوط الاعادة. (1): قد عرفت ان الركوع ليس عبارة عن مجرد الهيئة الخاصة


(1) هذا وجيه في غير صحيحة رفاعة، اما فيها فالنسبة بينها على تقدير تسليم الاطلاق كما هو المفروض - وبين مفهوم صحيحة أبي بصير عموم من وجه كما لا يخفى ومعه لا موجب لتقديم هذه الصحيحة. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب الركوع ح 3.

[ 56 ]

[ وهوى إلى السجود فان كان النسيان قبل الوصول إلى حد الركوع انتصب قائما ثم ركع، ولا يكفى الانتصاب إلى الحد الذي عرض له النسيان ثم الركوع، وان كان بعد الوصول إلى حده فان لم يخرج عن حده وجب عليه البقاء مطمئنا والاتيان بالذكر، وان خرج عن حده فالاحوط اعادة الصلاة بعد اتمامها باحد الوجهين من العود إلى القيام ثم الهوي للركوع أو القيام بقصد الرفع منه ثم الهوي للسجود وذلك لاحتمال كون الفرض من باب نسيان الركوع فيتعين الاول، ويحتمل كونه من باب نسيان الذكر والطمأنينة في الركوع بعد تحققه وعليه فيتعين الثاني، فالاحوط ان يتمها باحد الوجهين ثم يعيدها. ] كيفما اتفقت، بل خصوص المسبوق بالانحناء عن القيام بحيث يكون لدى الهوي عن القيام قاصدا للركوع في جميع مراتب الانحناءات إلى ان يبلغ حد الركوع ومن هنا اشرنا سابقا إلى ان القيام المتصل بالركوع ليس واجبا بنفسه فضلا عن ان يكون ركنا بحياله، بل هو تابع في الوجوب والركنية لنفس الركوع، حيث ان الاخلال به اخلال بالركوع لتقومه به ودخله في حقيقتة. وعلى هذا الاساس يبتني حكم هذه المسألة كالمسألة السابقة. ثم ان هذه المسألة تنحل إلى صور:

[ 57 ]

احداها: ان ينحني بقصد الركوع وفي الانناء قبل ان يصل إلى حد الركوع ينسى فيهوي إلى السجود ثم يتذكر سواء أكان تذكره قبل الوصول إلى حد الركوع أيضا أو في اثنائه، أو بعد التجاوز عن حده لاشتراك الجميع في ملاك الحكم وهو عدم حصول الركوع المأمور به منه لما عرفت من تقومه بالانحناء الحاصل بقصده في جميع مراحله ومراتبه والمفروض ان قطعة خاصة من الهوي وهي المتحققة بعد النسيان لم تكن بقصده، فقد تخلل الفصل بالهوي غير الصلاتي المانع من اتصال الركوع بالقيام بالمعنى الذى عرفت. فلا مناص من رجوعه وانتصابه قائما ثم الركوع. ومنه تعرف انه لا يجديه الانتصاب إلى الحد الذي عرض له النسيان ثم الركوع لعدم حصول الاتصال بالقيام معه بعد تخلل الفصل بينهما، بالهوي الاجنبي غير المقصود به الركوع. وهذا ظاهر لا سترة عليه. الصورة الثانية: ان يعرض النسيان بعد البلوغ حد الركوع فيهوي بقصد السجود قليلا ثم يتذكر قبل الخروج عن الحد، وحكم هذا أيضا ظاهر فانه يبقى مطمئنا ثم ياتي بالذكر ولا شئ عليه غايته انه انتقل من مرتبة من الركوع إلى مرتبة اخرى بلا قصد إليها. وهذا لا ضير فيه بعد تحقق مسمى الركوع عن قصد إليه ولا يعد ذلك زيادة في الركوع إذ ليس هو ركوعا آخر ووجودا ثانيا له بل هو ابقاء واستمرار للوجود الاول، نعم هو هوي زائد لعدم كونه بقصد الركوع حسب الفرض ولا دليل على قادحية مثله بعد ان صدر سهوا، انما الاشكال في.

[ 58 ]

الصورة الثالثة: وهي ما لو عرض النسيان بعد البلوغ حد الركوع ولم يتذكر إلا بعد الخروج عن حده، وقد احتمل الماتن (قده) فيها احتمالين: احدهما: ان يكون ذلك من باب نسيان الركوع فيلحق بما لو هوى عن القيام إلى السجود وقبل الدخول فيه تذكر ترك الركوع الذي تقدم حكمه في المسألة السابقة من لزوم التدارك بالرجوع إلى القيام ثم الاتيان بالركوع، وبعد الانتصاب منه يهوي إلى السجود ويتم صلاته. ثانيهما: ان يكون ذلك من باب نسيان الذكر والطمأنينة في الركوع بعد تحققه، وحيث مضى محلهما فلا مجال لتداركهما نعم القيام الواجب بعد الركوع محله باق فليس عليه الا الانتصاب بقصد رفع الرأس من الركوع ثم الهوي إلى السجود، وحيث انه (قده) لم يجزم بشئ من الاحتمالين فذكر ان الاحوط اختيار احد الوجهين والعمل باحدى الوظيفتين ثم اعادة الصلاة اقول: قد يفرض عروض النسيان بعد حصول الاستقرار على هيئة الركوع ولو آناما ولا شك في الصحة حينئذ وعدم لزوم التدارك إذ قد تحقق معه مسمى الركوع الواجب غايته فوات الذكر والاطمئنان حاله غير الممكن تداركهما لفوات المحل ولا ضير فيه بعد ان لم يكن ركنا، وقد تعرض (قده) لهذا الفرع في بحث الخلل (1) وحكم بالصحة غير انه ذكر وجوب القيام بعدئذ تحصيلا للقيام الواجب بعد الركوع. ولنا معه كلام في ذلك ستعرفه. (1) في مطاوى المسألة الثامنة عشرة.

[ 59 ]

إلا ان هذا الفرض خارج عن منصرف كلامه في المقام كما لا يخفى. وقد يفرض عدم حصول الاستقرار أصلا واستمراره في الهوي من غير مكث كما هو محط نظره ومفروض كلامه، والظاهر حينئذ تعين الاحتمال الاول وان المقام من نسيان الركوع لوضوح ان الهيئة الخاصة التي هي حقيقة الركوع لاتكاد تتحقق إلا بالاستقرار عليها ولو هنيئة بحيث ينتهى به الانحناء وتأخذ الهيئة حدها وإلا فلا ركوع مع التوالي في الانحناء والاستمرار في الهوي لعدم حصول تلك الهيئة بحدها مع التجاوز وعدم الاستقرار، كيف ولو صدق عليه الركوع لكان الهاوي إلى السجود راكعا أيضا في ضمنه، فيلزم اشتمال كل ركعة على ركوعين وهو كما ترى (1). وبالجملة: لا ينبغي الريب في عدم تحقق الركوع في المقام لفقد فصله المقوم له. فلا مناص من تداركه لنسيانه. ثم ان ما ذكره الماتن بناءا على الاحتمال الثاني من وجوب القيام بقصد الرفع من الركوع تحصيلا للقيام الواجب بعده مبني على ان يكون الواجب مطلق القيام الحاصل بعد الركوع كيفما اتفق، وهو خلاف التحقيق بل الظاهر من النصوص ان الواجب هو القيام عن الركوع لا القيام بعد الركوع وكم فرق بينهما. ومن هنا لو جلس عن ركوعه اختيارا ثم قام لا يكون مجديا بلا كلام، وليس ذلك إلا لكون الواجب خصوص الحصة الخاصة وهي القيام الناشئ عن رفع رأسه من الركوع، وحيث ان هذا القيام


(1) وهذا وجيه لولا تقوم الركوع بالقصد المنفى في الفرض.

[ 60 ]

[ (مسألة 10): ذكر بعض العلماء انه يكفي في ركوع المرأة الانحناء بمقدار يمكن معه ايصال يديها إلى فخذيها فوق ركبتيها (1)، بل قيل باستحباب ذلك، والاحوط كونها كالرجل في المقدار الواجب من الانحناء، نعم الاولى لها عدم الزيادة في الانحناء لئلا ترتفع عجيزتها. ] متعذر في المقام لعدم امكانه إلا باعادة الركوع المستلزم لزيادة الركن فيسقط ولا ضير فيه لعدم كونه ركنا وانما هو واجب مستقل بعد الركوع. فالاقوى عدم الحاجة إلى القيام على هذا الاحتمال أو على تقدير حصول الاستقرار في الركوع ولو قليلا كما في الفرض السابق ومرت الاشارة إليه. فتحصل ان الاقوى هو الاحتمال الاول وان كان الاحتياط بالاعادة حسنا. (1): حكي ذلك عن المقنعة والنهاية، بل عن كثير من كتب المتقدمين واكثر كتب المتأخرين - كما في الجواهر - استنادا إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: المرأة إذا قامت في الصلاة جمعت بين قدميها وتضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها، فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تطأطئ كثيرا فترتفع عجيزتها (2) ولا يخفى انه بناءا على مسلك المشهور من تحديد الانحناء المعتبر في الركوع بامكان وضع اليدين على الركبتين تتحقق المنافاة بينه


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب الركوع ح 2.

[ 61 ]

وبين هذه الصحيحة، إذ مقتضى النصوص المستدل بها على هذا القول ان التحديد المزبور معتبر في ماهية الركوع حيثما تحقق، وقضية الاطلاق ولو بمعونة قاعدة الاشتراك عدم الفرق في ذلك بين الرجل والمرأة فتنافيها هذه الصحيحة الدالة على كفاية الاقل بالنسبة إليها. فلا مناص من ارتكاب التخصيص جمعا، وحمل تلك النصوص على الرجال، ونتيجة ذلك الالتزام بافتراقها عن الرجال في مقدار الانحناء. واما بناءا على القول الآخر - وهو المختار كما تقدم - من كفاية الانحناء حدا يتمكن من ايصال رؤوس الاصابع إلى الركبتين. فلا منافاة حينئذ بينه وبين هذه الصحيحة في مقدار الانحناء، إذ التمكن من الايصال المزبور يستلزم - بطبيعة الحال - وضع اليدين فوق الركبتين وعلى الفخذين الذي تضمنته هذه الصحيحة فينطبق احدهما على الآخر، فإذا لا فرق بينهما في حد الانحناء الواجب نعم: يفترقان في الحكم الاستحبابي إذ لا ريب في استحباب الانحناء الاكثر للرجال بحيث يتمكن من وضع اليدين على الركبتين كما تقدم. واما النساء فالاولى والافضل لهن الوقوف على هذا الحد وعدم الانحناء الاكثر لئلا يطأطئن كثيرا فترتفع عجيزتهن كما تضمنته هذه الصحيحة فيلتزم بالتخصيص في هذه الحكم الاستحبابي مع المساواة في الحد الوجوبي، فما ذكره في المتن من انها كالرجل في المقدار الواجب من الانحناء غير ان الاولى لها عدم الزيادة فيه هو الصحيح.

[ 62 ]

[ (مسألة 11): يكفي في ذكر الركوع التسبيحة الكبرى مرة واحدة (1) - كما مر - واما الصغرى إذا اختارها فالاقوى وجوب تكرارها ثلاثا، بل الاحوط والافضل في الكبرى أيضا التكرار ثلاثا كما ان الاحوط في مطلق الذكر غير التسبيحة أيضا الثلاث وان كان كل واحد منه بقدر الثلاث من الصغرى ] (1): تقدم الكلام حول هذه المسألة عند التعرض للواجب الثاني من واجبات الركوع مستقصى وعرفت كفاية التسبيحة الكبرى مرة واحدة: ولزوم تكرار الصغرى ثلاثا، بل كفاية مطلق الذكر إذا كان بقدر الثلاث الصغريات. نعم: اضاف في المقام احتياطين: احدهما استحبابي قال (قده) بل الاحوط والافضل في الكبرى ايضا التكرار ثلاثا. اما كونه افضل فلا اشكال فيه للامر به في جملة من النصوص المحمول على الاستحباب كما تقدم. واما الاحتياط فلم يظهر وجهه بعد التصريح في غير واحد من النصوص بكفاية المرة، وان واحدة تامة تجزي فلا مجال لاحتمال وجوب الثلاث كي يكون احوط (1). ثانيهما: وجوبي وهو قوله كما ان الاحوط في مطلق الذكر غير


(1) حكي في الحدائق: ج 8 ص 248 عن العلامة في التذكرة عن بعض علمائنا وجود القول بوجوب الثلاث، فلعل احتياط المتن مبني على رعاية هذا القول

[ 63 ]

[ ويجوز الزيادة على الثلاث ولو بقصد الخصوصية والجزئية (1) ] التسبيحة أيضا الثلاث وان كان كل واحدة منه بقدر الثلاث من الصغرى. وهذا أيضا لم يظهر وجهه للتصريح في صحيحة مسمع المتقدمة بكفاية ما يعادل التسبيحات الثلاث، قال (ع): يجزيك من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا الخ (1) فلو اختار ذكرا يوازي مجموع الثلاث من الصغرى كقوله - لا إله الا الله والله اكبر - مثلا كفى من دون حاجة إلى تكريرة ثلاثا. فالاحتياط المذكور في غير محله. (1): اما قصد الجزئية فمشكل بل ممنوع لما مر غير مرة من منافاتها مع الاستحباب، ولذا انكرنا وجود الجزء المستحبي، وانما هو مستحب ظرفه الواجب أو المستحب. واما قصد الخصوصية اي الاتيان بالزائد بعنوان الوظيفة المقررة في هذه الحالة لا بعنوان مطلق الذكر الذى هو حسن على كل حال فدل عليه النصوص الدالة على استحباب اطاله الركوع والسجود واكثار الذكر فيهما، التي منها موثقة سماعة قال (ع) فيها: (ومن كان يقوى على ان يطول الركوع والسجود فليطول ما استطاع يكون ذلك في تسبيح الله وتحميده وتمجيده، والدعاء والتضرع فان اقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد) (2).


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب الركوع ح. 1 (2) الوسائل: باب 6 من أبواب ركوع ح 4.

[ 64 ]

[ والاولى ان يختم على وتر كالثلاث والخمس والسبع وهكذا (1)، وقد سمع من الصادق - صلوات الله عليه - ستون تسبيحة في ركوعه وسجوده. ] (1): على المشهور وكأنه لما في بعض نصوص الباب من ان (الفريضة من ذلك تسبيحة، والسنة ثلاث والفضل في سبع (1) حيث لم يتعرض للاشفاع المؤيد بما ورد من ان الله سبحانه وتريحب الوتر. لكن في صحيح ابان بن تغلب قال دخلت على أبي عبد الله (ع) وهو يصلي فعددت له في الركوع والسجود ستين تسبيحة (2). فربما يتوهم المنافاة بينها وبين استحباب الايتار وقد تعرض لذلك في الذكرى وقال: ان عد الستين لا ينافي الزيادة عليه، ولم يبين وجه عدم المنافاة، ولعله من اجل ان الراوي انما تعرض لفعله وهو العد لا لفعل المعصوم عليه السلام، إذ لم يقل انه سبح ستين فلعل الصادر عنه (ع) كان بزيادة الواحدة ولو خفاءا اما قبل الستين المعدودة أو بعدها ولم يسمعها الراوي، فلا تدل الصحيحة على عدم صدور الزائد كي تنافي استحباب الختم على الوتر. وهكذا الحال في موثقة حمزة بن حمران والحسن بن زياد اللذين عديا تسبيحه (ع) فكان اربعا أو ثلاثا وثلاثين مرة (3).


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب الركوع ح 1 لكن السند مشتمل على القاسم بن عروة ولم يوثق. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب الركوع ح 1. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب ركوع ح 2.

[ 65 ]

[ (مسألة 12): إذا اتى بالذكر ازيد من مرة) 1) لا يجب عليه تعيين الواجب منه، بل الاحواط عدمه خصوصا إذا عينه في غير الاول لاحتمال كون الواجب هو الاول مطلقا: بل احتمال كون الواجب هو المجموع فيكون من باب التخيير بين المرة والثلاث والخمس مثلا. ] وكيف كان فلا تنافي في البين، الا ان اصل الاستحباب بحيث ان السبع مثلا افضل من الثمان إلا إذا زاد عليه واحدة مشكل لقصور ما عرفت عن اثباته كما لا يخفى. إلا ان يستند فيه إلى فتوى المشهور بناءا على كفايته في الحكم بالاستحباب. (1): احتاط (قده) حينئذ بعدم تعيين الواجب من بين الافراد لا سيما في غير الاول لاحتمال كون الواجب خصوص الاول أو مجموع من باب التخيير بين الاقل والاكثر، وانما له التعيين لو كان الواجب واحدا لا بعينه مخيرا في تطبيقه ولم يثبت. هذا وقد ظهر لك بما قدمناه في بحث التبسبيحات الاربع في الركعتين الاخيرتين جواز قصد التعيين بالفرد الاول إذ المأمور به انما هو الطبيعي اللا بشرط المساوق لصرف الوجود المنطبق بطبيعة الحال على اول الوجودات، فان الانطباق قهري والاجزاء عقلي، فيقع الزائد على صفة الاستحباب لا محالة. واما احتمال التخيير بين الاقل والاكثر فساقط لامتناعه عقلا في الوجودات المستقلة كما في المقام إلا أن يكون الاقل ملحوظا بشرط لا

[ 66 ]

[ (مسألة 13): يجوز في حال الضرورة وضيق الوقت الاقتصار على الصغرى مرة واحدة (1) فيجزي (سبحان الله) مرة. ] كما في القصر والتمام، وهو مع اندراجه حينئذ في المتباينين كما لا يخفى غير محتمل في المقام. (1): على المشهور ويمكن ان يستدل له باحد وجهين: الاول: مرسلة الصدوق في الهداية قال قال الصادق عليه السلام سبح في ركوعك ثلاثا تقول سبحان ربي العظيم وبحمده إلى ان قال فان قلت سبحان الله سبحان الله سبحان الله اجزاك، وتسبيحة واحدة تجزى للمعتل والمريض والمستعجل (1). دلت على كفاية الواحدة من الصغرى لدى المرض والاستعجال الظاهر في الاستعجال العرفي الذي هو اعم من الاستعجال الشرعي نظير ما تقدم في السورة من سقوطها لدى العجلة العرفية. وعليه فتدل على السقوط عند الضرورة وضيق الوقت بطريق اولى كما لا يخفى. لكنها كما ترى ضعيفة السند بالارسال فلا تصلح للاستدلال حتى بناءا على مسلك الانجبار لعدم العامل بها بالاضافة إلى الاستعجال. الثاني: وهو العمدة - صحيحة معاوية بن عمار عن أبى عبد الله (ع) قال قلت له ادنى ما يجزى المريض من التسبيح في الركوع والسجود؟


(1) المستدرك: باب 16 من أبواب الركوع،

[ 67 ]

قال. تسبيحة واحدة (1)، وهي من حيث السند صحيحة لما عرفت سابقا من جواز العمل بما تفرد به محمد عيسى العبيدي عن يونس بن عبد الرحمن وان لم يعمل به الصدوق ولا شيخه، وقد مر الكلام عليه مستقصى. واما من حيث الدلالة فهي كالصريح في ارادة الصغرى من الواحدة بعد ضمها بما رواه معاوية بن عمار نفسه عن أبي عبد الله (ع) قال قلت: (اخف ما يكون من التسبيح في الصلاة؟ قال: ثلاث تسبيحات مترسلا تقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله. فانا لو ضممنا احدى الروايتين إلى الاخرى وجعلناهما بمثابة رواية واحدة كانت الثانية قرينة قطعية على ان المراد من الواحدة في الاولى خصوص الصغرى التى هي من سنخ الثلاث الصغريات المذكورات في الثانية. وينتج ان الاخف وما هو اقل الواجب ثلاث من الصغرى لغير المريض، وواحدة منها للمريض كما هو واضح جدا بعد ملاحظة اتحاد الراوي والمروي عنه. ومع الغض عن هذا الاستظهار وتسليم الاطلاق - في الصحيحة الاولى -. فقد يقال بمعارضته مع اطلاق مادل على لزوم كون الواحدة - لو اختار - هي الكبرى الشامل للمريض وغيره كصحيحة زرارة (ما يجزى من القول في الركوع والسجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسل وواحدة تامة تجزي (3)، وغيرها الدالة على


الوسائل: باب 4 من أبواب ركوع ح 8. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب ركوع ح 2. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب ركوع ح 2.

[ 68 ]

ان الواحدة المجزية هي التامة اي الكبرى. وليس تقييد الاطلاق الثاني بالاول اولى من العكس والنسبة عموم من وجه، وبعد تساقط الاطلاقين فالمرجع اطلاق ما دل على عدم كفاية الواحدة من الصغرى. لكن الظاهر تعين الاول، إذ لا محذور فيه، ولا مجال للعكس فان فيه محذورا، وهو لزوم الغاء خصوصية المورد غير الخالي عن الاستهجان، إذ لو قيدنا صحيحة معاوية بهذه النصوص وحملنا الواحدة فيها على الكبرى لم يبق إذا فرق بين المريض وغيره، وكان الاحرى حينئذ ان يقول في الجواب بان المريض وغيره سواء، لا ان يجيب بقوله (ع) (تسبيحة واحدة) الظاهر في تقريره على ما اعتقده من ثبوت الفرق بين المريض وغيره. فيلزم من التقييد المزبور الغاء عنوان المرض وهو قبيح كما عرفت وهذا بخلاف تقييد هذه النصوص بالصحيحة، فان غايته حملها على غير المريض ولا ضير فيه. فلا مناص من المحافظة على اطلاق الصحيحة. ونتيجة ذلك ان المريض يمتاز عن غيره باجتزائه بالتسبيحة الواحدة مطلقا وان كانت هي الصغرى. فظهر صحة الاستدلال سواء تم الاستظهار الذي قدمناه ام لا. نعم: قد يقال بان موردها المريض،، ولا قائل باستثنائه بعنوانه فلا دليل على التعدي إلى مطلق الضرورة. وفيه: ما لا يخفى، لوضوح ان المريض المأخوذ في النص لا خصوصية فيه كي يكون ملحوظا على وجه الصفتية والموضوعية

[ 69 ]

[ (مسألة 14): لا يجوز الشروع في الذكر قبل الوصول إلى حد الركوع (1)، وكذا بعد الوصول وقبل الاطمئنان والاستقرار، ولا النهوض قبل تمامه والاتمام حال الحركة ] فيسأل عن حكمه بما هو كذلك، وان كان قادرا على الثلاث الصغريات فان ذلك اظهر من ان يحتاج إلى السؤال سيما من مثل معاوية ابن عمار، بل مناسبة الحكم والموضوع تقضي بان ذكره من باب المثال، وان موضوع السؤال مطلق من يشق عليه الثلاث اما لمرض أو لغيره من ساير الضرورات كما هو الحال في قوله تعالى: (وان كنتم مرضى أو على سفر فعدة من ايام أخر) إذ لا يحتمل سقوط الصوم عن مطلق المريض ولو كان علاجه الامساك طول النهار، أو فرض امتناعه عن استعمال المفطرات خلال اليوم بطبعه صام أم لم يصم ه فكما ان المراد من المريض هناك بمناسبة الحكم والموضوع من يشق عليه الصوم لا بما هو كذلك فكذا في المقام. وعليه فالمستفاد من الصحيحة بعد امعان النظر ان من لم يتمكن من الثلاث اما لعجزه تكوينا وعدم قدرته عليه كما في ضيق الوقت حيث ان الاتيان بالثلاث مع فرض ايقاع الصلاة بتمامها في الوقت متعذر حسب الفرض أو لكونه مشقة وعسرا عليه، كما في موارد الضرورة اما لمرض أو غيره جاز له الاقتصار على الصغرى مرة واحدة فما افاده في المن هو الصحيح. (1): فان الذكر الواجب ظرفه ومحله بعد الوصول إلى حد

[ 70 ]

[ للنهوض. فلو اتى به كذلك بطل وان كان بحرف واحد منه، ويجب اعادته ان كان سهوا ولم يخرج عن حد الركوع، وبطلت الصلاة مع العمد وان اتى به ثانيا مع الاستقرار إلا إذا لم يكن ما اتى به حال عدم الاستقرار بقصد الجزئية بل بقصد الذكر المطلق. ] الركوع وحصول الاطمئنان، فالاتيان به كلا أو بعضا قبل الوصول أو حال النهوض، أو من غير استقرار يعد من الزيادة المبطلة إذا كان بقصد الجزئية فلا يجديه التدارك. نعم لا بأس به بقصد الذكر المطلق إذا تداركه بشرط بقاء محله لعدم صدق الزيادة حينئذ كما هو ظاهر هذا كله في صورة العمد. واما إذا كان ذلك عن سهو فلا اشكال في الصحة ولزوم التدارك فيما إذا اتى به كلا أو بعضا قبل الوصول إلى حد الركوع ثم تذكر قبل الخروج عنه، فان غايته وقوع الاول زائدا، ولا بأس بالزيادة السهوية. كما لا اشكال فيها من دون تدراك فيما إذا كان التذكر بعد الخروج عن حد الركوع لعدم امكان التدارك حينئذ، فان اقصى ما هناك وقوع الخلل سهوا في جزء غير ركني - وهو الذكر - وهو محكوم بالصحة بمقتضى حديث لا تعاد. انما الكلام فيما إذا اتى به حال الركوع غير مستقر ثم تذكر قبل الخروج عن حده، فهل يجب التدارك حينئذ باعادة الذكر مستقرا أم لا، بعد الفراغ عن صحة الصلاة؟

[ 71 ]

قد يقال بالثاني نظرا إلى ان الاستقرار واجب مستقل حال الاشتغال بالذكر الواجب، وقد فات محله لحصول الذكر وسقوط الامر، والشئ لا ينقلب عما هو عليه لا متناع اعادة المعدوم، فلو اعاد فهو ذكر مستحب لا واجب فيمتنع التدارك. نعم: بناءا على اعتبار الاطمئنان في الذكر وكونه شرطا فيه لا انه واجب مستقل لزمت الاعادة لعدم حصول الواجب وقتئذ لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، إلا ان المبنى غير ثابت، ومقتضى الاصل البراءة عن الاعادة. وقد اشار الماتن إلى ذلك في مبحث الخلل. اقول: الظاهر وجوب الاعادة على التقديرين، ولا اثر للمبنيين في المقام لما قدمناه في بحث القراءة الفاقدة للقيام من ان فرض الارتباطية بين الاجزاء مساوق لفرض التقييد والاشتراط، فكل جزء مشروط بمسبوقيته بالجزء أو الشرط المتقدم عليه وبملحوقيته بالمتأخر عنه وبمقارنته بما يعتبر في تلك الحال قضاءا للارتباطية الملحوظة بين الاجزاء، فمثلا القراءة المأمور بها في الصلاة هي حصة خاصة منها، وهي المسبوقة بالتكبير والملحوقة بالركوع والمقارنة للستر والاستقبال ونحوهما، وهكذا الحال في ساير الاجزاء. وعليه فالذكر الواجب في الركوع هو خصوصي ما يقع مقارنا للاطمئنان، فهو مقيد به لا محالة، والاستقرار معتبر فيه بطبيعة الحال، سواء بنينا على ظهور دليله في الاعتبار فيه وكونه شرطا ام بنينا على ظهوره في كونه جزءا مستقلا للصلاة غير معتبر في الذكر فان الاعتبار والتقييد مستفاد مما دل على مراعاة الارتباطية بين اجزاء المركب كما عرفت.

[ 72 ]

ونتيجة ذلك ان ما صدر منه من الذكر العاري عن الاستقرار لم يكن مصداقا للذكر الواجب. فلا مناص من تداركه واعادته مع بقاء المحل كما هو المفروض هذا. بل يجب التدارك حتى مع الغض عن هذا البيان، وذلك لقيام الدليل على اعتبار الاستقرار في الذكر مطلقا وهو قوله (ع) في صحيحة الازدي: (إذا ركع فليتمكن) التي مر التعرض لها عند التكلم في الواجب الثالث من واجبات الركوع حيث اشرنا هناك إلى ان هذه الصحيحة كما تدل بالمطابقة على اعتبار الاستقرار في الجملة في الركوع المأمور به تدل بالالتزام على اعتباره في الذكر. لوضوح ان محل الذكر وظرفه إنما الركوع المأمور به، فإذا كان هذا الركوع متقيدا بالاستقرار بمقتضى هذه الصحيحة فلا بد من استمرار الاستقرار وابقائه بمقدار يقع الذكر الواجب فيه قضاءا للظرفية فتدل لا محالة بالدلالة الالتزامية على اعتباره في الذكر أيضا، وحيث انه ارشاد إلى الشرطية فمقتضى الاطلاق عدم الفرق بين صورتي العمد والسهو وعليه فمع الاخلال به ولو سهوا لم يتحقق الذكر الواجب فلا بد من اعادته وتداركه. وعلى الجملة فليس الدليل على اعتبار الاستقرار منحصرا في الاجماع كي يقال ان المتيقن منه حال الاختيار فلا يعم النسيان، بل الدليل اللفظي المتضمن للاطلاق الشامل لكلتا الحالتين موجود كما عرفت، فلا مجال للرجوع إلى الاصل العملي الذي مقتضاه البراءة عن الاعتبار في حال النسيان.

[ 73 ]

[ (مسألة 15): لو لم يتمكن من الطمأنينة لمرض أو غيره سقطت (1)، لكن يجب عليه اكمال الذكر الواجب قبل الخروج عن مسمى الركوع، وإذا لم يتمكن من البقاء في حد الركوع إلى تمام الذكر يجوز له الشروع قبل الوصول أو الاتمام حال النهوض. ] (1): قد عرفت ان الواجب في الركوع الذكر والاطمئنان حاله، فان تمكن منها فلا كلام، وان تعذر الثاني سقط وجوبه للعجز، ولا موجب لسقوط الاول بعد القدرة عليه، فان الصلاة - بمالها من الاجزاء - لا تسقط بحال. فلابد من الاتيان به على حسب وظيفته وطاقته. وحينئذ فان تمكن من الاتيان به بتمامه في حال الركوع وقبل الخروج عن مسماه وإن كان مضطربا وجب لما عرفت، وإن لم يتمكن لعجزه عن البقاء في حد الركوع إلى تمام الذكر فقد ذكر في المتن انه يتخير بين الشروع قبل الوصول إلى حد الركوع واتمامه فيه، وبين الشروع فيه واتمامه حال النهوض لعدم الترجيح بين الامرين. وهذا منه (قده) مبني على تمامية قاعدة الميسور، فان الواجب عليه اولا الاتيان بتمام الذكر حال الركوع، فمع العجز يأتي بما تيسر منه حاله والباقي خارجه اما قبله أو بعده، أو بالتلفيق بان يأتي مقدارا قبله ومقدارا فيه، ومقدارا بعده لما عرفت من عدم الترجيح. إلا ان المبنى غير صحيح، فان القاعدة غير تامة عندنا كما مر

[ 74 ]

[ (مسألة 16): لو ترك الطمأنينة في الركوع اصلا بان لم يبق في حده بل رفع رأسه بمجرد الوصول سهوا (1) فالاحوط اعادة الصلاة، لاحتمال توقف صدق الركوع على الطمأنينة في الجملة، لكن الاقوى الصحة. ] غير مرة. وعليه فالاقوى سقوط وجوب الذكر التام حينئذ لمكان العجز وجواز الاقتصار على الناقص وهي الواحدة من الصغرى لما تقدم في المسألة الثالثة عشرة من الاكتفاء بها لدى الضرورة لاندراج المقام في كبرى تلك المسألة كما لا يخفى. فلا يجب عليه الشروع قبله ولا الاتمام بعده، بل يأتي بالواحدة حال الركوع، ولو لم يتمكن منها أيضا سقط لمكان العجز. (1): احتمل (قده) حينئذ وجهين. احدهما: أن يون ذلك من نسيان الذكر والطمأنينة بعد تحقق اصل الركوع، وبما ان المنسي جزء غير ركني ولا يمكن تداركه لاستلزام زيادة الركن يحكم بصحة الصلاة لحديث لا تعاد. ثانيهما: ان يكون ذلك من نسيان الركوع لاحتمال توقف صدقه على الاطمئنان في الجملة المقتضى لاعادة الصلاة، وقد اختار (قده) الاول، وان احتاط في الثاني. اقول: لا ينبغي الشك في صدق الركوع العرفي بمجرد ذلك لعدم احتمال دخل الاستقرار في مفهومه، ولا ينافي هذا ما قدمناه

[ 75 ]

في بعض المباحث السابقة من اعتباره آناما في الصدق، ورتبنا عليه عدم تحققه لو هوى إليه ثم ذهل فترك الاستقرار فيه حتى هنيئة واستمر في هويه إلى السجود للفرق الواضح بينه وبين المقام، إذ لم تتحقق الهيئة الركوعية هناك المتقومة حينئذ بالمكث آناما قبال استرساله في الهوي. واما في المقام فقد تحققت تلك الهيئة واخذت حدها بمجردها رفع الرأس ولو من غير مكث. والحاصل: ان الهيئة الخاصة المقومة لمفهوم الركوع يحققها احد امرين: اما المكث آناما، أو رفع الرأس وان لم يمكث اصلا فالركوع بماله من المفهوم العرفي متحقق في المقام بلا كلام وحيئنذ فان بنينا على المسلك المشهور من انحصار الدليل على اعتبار الاستقرار بالاجماع فبما انه دليل لبي يقتصر على المتيقن منه وهو حال العمد والاختيار فلا دليل على اعتباره لدى السهو فيتمسك باطلاق دليل الركوع أو اصالة البراءة عن التقييد، فيكون الركوع الصادر منه صحيحا مجزيا، غايته انه ترك الذكر سهوا ولا ضير فيه بعد ان لم يكن ركنا كما تقدم. واما بناءا على المختار من الاستناد إلى الدليل اللفظي وهو قوله (ع) في صحيحة الازدي المتقدمة إذا ركع فليتمكن - فمقتضاه البطلان في المقام. إذ قد عرفت سابقا ان المستفاد من الصحيحة دخل التمكن في الجملة في ماهية الركوع الشرعي كدخل الانحناء إلى ان تبلغ اصابعه الركبتين وان لم يعتبر شئ منهما في صدق الركوع العرفي وحيث انه ارشاد إلى الاشتراط فمقتضى الاطلاق عدم الفرق بين السهو والعمد، والاختيار والاضطرار.

[ 76 ]

[ (مسألة 17): يجوز الجمع بين التسبيحة الكبرى والصغرى (1)، وكذا بينهما وبين غيرهما من الاذكار. (مسألة 18): إذا شرع في التسبيح بقصد الصغرى يجوز له ان يعدل في الاثناء إلى الكبرى (2) مثلا إذا قال (سبحان) بقصد ان يقول (سبحان الله) فعدل وذكر بعده (ربي العظيم) جاز، وكذا العكس، وكذا إذا ] وعليه فالاخلال به وكون ركوعه نقرا كنفر الغراب كما في المقام مانع عن تحقق الركوع الشرعي فيكون الاخلال به ولو سهوا اخلالا بالركوع لا محالة فيحكم بالبطلان بمقتضى عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، هذا ولا مجال للتدارك باعادة الركوع للزوم زيادة الركن إذ ليس المراد بها زيادة الركوع المأمور به بما هو مأمور به، لعدم تصوير الزيادة بهذا العنوان كما لا يخفى، بل زيادة مسمى الركوع ولو العرفي منه الحاصلة بالاعادة والتدارك، فالاقوى هو الحكم بالبطلان لفقد الركوع وعدم سبيل للتدارك. (1): لاطلاق الدليل، إذ لم يقيد الذكر الواجب بعدم اقترانه بالزائد كي يكون بالاضافة إليه ملحوظا بشرط لا بل المأمور به هو الطبيعي لا بشرط، فيقع الباقي على صفة الاستحباب لا لمجرد اندارجه في عموم الذكر المطلق، بل لاستحبابه في الركوع بخصوصه لما تقدم من الامر بذلك بالخصوص، واستحباب اطالة الركوع. (2): كما هو مقتضى القاعدة في كل ما كان المأمور به هو

[ 77 ]

[ قال (سبحان الله) بقصد الصغرى ثم ضم إليه والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر، وبالعكس. (مسألة 19): يشترط في ذكر الركوع العربية والموالاة (1) واداء الحروف من مخارجها الطبيعية وعدم المخالفة في الحركات الاعرابية والبنائية. (مسألة 20): يجوز في لفظ (ربي العظيم) ان يقرأ ] الطبيعي الجامع بين الامرين أو الامور فانه لا دليل على تعين الجامع بمجرد الشروع فيما اختار ما لم يفرغ عنه. ومن هنا ذكرنا ان في مواطن التخيير لو شرع في الصلاة بنية القصر وبعد الركعتين بدا له العدول إلى التمام جاز له ذلك، إذ المأمور به هو الطبيعي الجامع، فقبل التجاوز عن الحد المشترك صالح للانطباق على كل من الفردين، ولا دليل على التعين بمجرد القصد إلى احدهما. وعليه ففي المقام لو قال سبحان بقصد ان يقول سبحان الله ثم عدل بعد النون من سبحان إلى ربي العظيم وكذا العكس جاز. (1): لانصراف الدليل إلى اداء تلك الالفاظ على النهج العربي الصحيح، فلا تكفي الترجمة إلى لغة اخرى ولا الفصل الطويل بين الكلمات المخل بالموالاة أو ادائها عن غير مخارجها، أو مخالفة الحركات الاعرابية والبنائية لعد ذلك من الغلط في الكلام العربي وقد مر كل ذلك في بحث القراءة.

[ 78 ]

[ باشباع كسر الباء من (ربي) وعدم اشباعه (1). (مسألة 21): إذا تحرك في حال الذكر الواجب بسبب قهري بحيث خرج عن الاستقرار وجب اعادته (2) بخلاف الذكر المندوب. ] (1): يريد (قده) بالاشباع وعدمه اظهار ياء المتكلم واسقاطه فانه جائز الوجهين كما ورد بهما في الذكر الحكيم قال تعالى إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (1) وقال تعالى: ربي الذي يحيى ويميت. وليس المراد الاشباع الاصطلاحي - كما لعله الظاهر من العبارة - بان يشبع كسر الباء على نحو يتولد منه الياء المستلزم بعد ضمه بياء المتكلم نوع مد في مقام التلفظ والاداء، إذ ليس المقام من موارد الاشباع بهذا المعنى كما لا يخفى فلا دليل على جواز زيادة الحرف لو لم يكن ملحقا بالغلط. (2): لما قدمناه من دلالة صحيحة الازدي بالالتزام على اعتبار الاستقرار في الذكر وتقيده به حيث عرفت انه ارشاد إلى الشرطية ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين صورتي العجز والاختيار، فحيث ان الاخلال بالشرط اخلال بالمشروط لا بد من الاعادة والتدارك بعد فرض بقاء المحل، بل مقتضى ذلك عدم الفرق بين الذكر الواجب


(1) سورة الفرقان الآية 30. (2) سورة البقرة الآية 258.

[ 79 ]

[ (مسألة 22): لا بأس بالحركة اليسيرة التي لا تنافي صدق الاستقرار (1) وكذا بحركة اصابع اليد أو الرجل بعد كون البدن مستقرا. (مسألة 23): إذا وصل في الانحناء إلى اول حد الركوع (2) فاستقر واتى بالذكر أو لم يأت به ثم انحنى ازيد بحيث وصل إلى آخر الحد لا بأس به، وكذا العكس ولا يعد من زيادة الركوع بخلاف ما إذا وصل إلى اقصى الحد ثم نزل ازيد ثم رجع فانه يوجب زيادته فما دام في ] والمندوب إذا كان بقصد الخصوصية لا الذكر المطلق كما نبهنا عليه هناك. نعم: بناءا على المسلك المشهور من الاستناد في الاعتبار إلى الاجماع فيحث انه دليل لبي يقتصر على المتيقن منه وهو حال الاختيار فلا دليل على الاعتبار لدى العجز والاضطرار فيرجع إلى اصالة البراءة على ما هو الشأن في الاقل والاكثر الارتباطي. فالحركة الناشئة عن السبب القهري انما تقدح على المبنى المختار لا على مسلك المشهور. (1): فان المدار في صدق التمكن والاستقرار المأخوذين في النص ومعاقد الاجماعات هو العرف ولا شك ان الحركة اليسيرة غير قادحة في الصدق العرفي، كما ان العبرة في نظرهم باستقرار معظم البدن، فلا يقدح تحريك اصابع اليد أو الرجل، بل نفس اليد ما لم يستلزم تحريك كالبدن. (2): قد عرفت ان الركوع وهو الانحناء إلى حد اخاص،

[ 80 ]

[ حده يعد ركوعا وحدا وان تبدلت الدرجات منه. ] وحيث ان ذاك الحد له مراتب ودرجات، فلو استقر في اول الحد سواء اتى بالذكر ام لا ثم انحنى إلى آخره فهو انتقال من مرتبة إلى اخرى وتبدل في الدرجة وليس من زيادة الركوع في شئ كما هو ظاهر، بل المجموع ركوع واحد. هذا إذا لم يتجاوز الحد، واما إذا وصل إلى اقصاه ثم نزل ازيد بحيث جاوز الحد ثم رجع، فقد حكم في المتن باستلزامه زيادة الركوع. وهو كما ترى لتقوم الركوع بالانحناء عن القيام لا مجرد تلك الهيئة. وهذا لم يتكرر في المقام كي يوجب تعدد الركوع، بل غايته العود إلى الهيئة الركوعية. وهذا بمجرده لا ضير فيه كما لا يخفى. نعم: الاقوى هو البطلان في المقام لا لزيادة الركوع، بل للاخلال بالقيام الواجب بعد الركوع عامدا لما تقدم من ان الواجب في هذا القيام ان يكون عن ركوع لا مطلق كونه بعد الركوع، ولذا ذكرنا انه لو جلس عن ركوع ثم استقام لم يكن مجزيا بلا كلام. وعليه: فما دام كونه في الحد وان تبدلت درجته يصدق على القيام الواقع بعده انه قيام عن الركوع. واما إذا جاوز الحد وتخلل الفصل وان رجع ومكث فلا يصدق عليه هذا العنوان، بل يصح ان يقال انه قام عن انحناء غير ركوعي إذ بالخروج عن الحد انعدمت تلك الهيئة المسبوقة بالقيام التي كانت هي الركوع، وبالعود حصلت هيئة اخرى مشابهة لها لانفسها، ولذا قلنا آنفا انه ليس من زيادة الركوع. فالقيام الحاصل بعده لا يكون من القيام عن ركوع.

[ 81 ]

[ (مسألة 24): إذا شك في لفظ (العظيم) مثلا انه بالضاد أو بالظاء (1) يجب عليه ترك الكبرى والاتيان بالصغرى ثلاثا أو غيرها من الاذكار، ولايجوز له ان يقرأ بالوجهين، واذ شك في ان (العظيم) بالكسر أو بالفتح يتعين عليه ان يقف عليه، ولا يبعد جواز قراءته وصلا بالوجهين (2) لامكان ان يجعل العظيم مفعولا لاعني مقدرا. ] وبما ان الاخلال عمدي كما هو المفروض ولا يمكن تداركه لاستلزام زيادة الركن فلا مناص من الحكم بالبطلان لهذه العلة وللاخلال بالذكر الواجب ان كان ذلك قبل استكماله. (1): بناءا على اختلاف مخرجي الضاد والظاء وانهما حرفان كما هو المشهور، فإذا شك في لفظ العظيم انه بأي الوجهين وجب ترك الكبرى والاتيان بالصغرى ثلاث، إذ لو اقتصر على احدهما لم يحرز الامتثال، ولو جمع بينهما لزمت الزيادة العمدية في غير ما هو الصحيح منهما، اللهم إلا ان يأتي بها رجاءا وبقصد الجزئية بما هو الصحيح واقعا، فيقع الآخر ذكرا مطلقا بناءا على جوازه وان لم يقع بالعربي الصحيح. واما إذا شك في اعراب العظيم وانه بالكسر أو بالفتح تعين الوقف حينئذ لعدم احراز الامتثال بدونه. (2): اي بكل واحد منهما فله الاقتصار على احدهما كما لعله

[ 82 ]

[ (مسألة 25): يشترط في الركوع الجلوسي ان ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه (1) والافضل الزيادة على ذلك بحيث يساوي مسجده، ولا يجب فيه على الاصح الانتصاب على الركبتين شبه القائم ثم الانحناء، وان كان هو الاحوط. ] الظاهر من العبارة ولا يلزم الجمع بينهما. وعلله (قده) بامكان ان يجعل العظيم مفعولا لاعنى مقدرا. اقول: تقدير العامل وان اوجب صحة الكلام في لغة العرب لما ذكره علماء الادب من جريان الوجوه الثلاثة في الصفة بتبعيتها للموصوف، والنصب بتقدير أعني، والرفع خبرا لمبتدء محذوف إلا انك عرفت في بحث القراءة ان المأمور به في الصلاة ليس مطلق الاتيان باللفظ العربي على النهج الصحيح، بل بخصوص الكيفية النازلة على ما هي عليه وعليه ففي المقام يجب الاتيان بهذا الذكر على النحو الوارد المقرر في الشرع المشتمل على كيفية خاصة لا مطلقا وان كان صحيحا، وحيث انها مشكوكة حسب الفرض فلا مناص من الوقف أو الترك، واختيار الثلاث من الصغرى فليتأمل. (1): المعروف والمشهور بينهم انه يعتبر في تحقق الركوع الجلوسي ان ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه، بان تكون نسبة هذا الانحناء إلى القاعد المنتصب كنسبة الراكع عن قيام إلى القائم المنتصب. وعن بعضهم عدم كفاية هذا المقدار، بل لا بد وان يكون

[ 83 ]

انحناؤه على نحو يساوي وجهه مسجده، بحيث لو نهض على تلك الكيفية إلى حد الركوع القيامي لا يحتاج في تحقق الركوع الشرعي منه إلى مزيد الانحناء، وتكون يداه واصلتين إلى الركبة أو ما فوقها والوجه في اعتبار ذلك اطلاق ما دل على تحديد الركوع الشرعي، فان الجالس وان كانت تبلغ يداه إلى ذاك الحد حتى قبل الانحناء الا انه حيث كان طريقا إلى مقدار الانحناء فلا بد من رعايته قائما وجالسا. ولكن الاظهر كفاية الحد الاول لصدق الركوع عليه حقيقة فتشمله الاطلاقات، وما دل على التحديد بذاك الحد فانما هو بالنسبة إلى الركوع القيامي، فلا دليل على التحديد بالنسبة إلى الركوع الجلوسي، فتكون الاطلاقات محكمة. كما لا دليل يعتد به على ما حكي عن جماعة من انه يجب فيه قبل الانحناء الانتصاب على الركبتين شبه القائم فانهم استدلوا لذلك اولا بأن انتصاب الفخذين كان معتبرا في الركوع القيامي فلا بد من مراعاته في الركوع الجلوسي أيضا لعدم الدليل على اختصاصه بذلك بل اطلاق الدليل شامل لكلتا الحالتين. وثانيا: انه اقرب إلى الركوع القيامي من اتيانه بدون انتصاب فيكون ميسورا له. وكلا الوجهين كما ترى فان الدليل الدال على اعتباره انما هو بالنسبة إلى حال الركوع القيامي، وقاعدة الميسور ممنوعة كبرى وصغرى، ولا قصور في شمول اطلاقات الركوع للفاقد للانتصاب بل ان الركوع مع الانتصاب لعله يعد من الغرائب وغير مأنوس عند المتشرعة، عليه فلا ينبغي الشك في كفاية الانحناء من دون انتصاب.

[ 84 ]

[ (مسألة 26): مستحبات الركوع امور (1): (احدها): التكبير له وهو قائم منتصب، والاحواط عدم تركه، كما ان الاحوط عدم قصد الخصوصية، أذا كبر في حال الهوي أو مع عدم الاستقرار. (الثاني): رفع اليدين حال التكبير على نحو ما مر في تكبيرة الاحرام (الثالث): وضع الكفين على الركبتين مفرجات الاصابع ممكنا لهما من عينيهما، واضعا اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى. (الرابع): رد الركبتين إلى الخلف. (الخامس): تسوية الظهر بحيث لو صب عليه قطرة من الماء استقر في مكانه لم يزل. (السادس): مد العنق موازيا للظهر. (السابع): ان يكون نظره بين قدميه (الثامن): التجنيح بالمرافقين. (التاسع): وضع اليد اليمنى على الركبة قبل اليسرى. (العاشر): ان تضع المرأة يديها على فخذيها فوق الركبتين. (الحادي عشر): تكرار التسبيح ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، بل ازيد. (الثاني عشر): ان يختم الذكر على وتر. (الثالث عشر): ان يقول قبل قوله: سبحان ربي العظيم وبحمده (اللهم ] (1): - ذكر (قده) في هذه المسألة والمسألة التي بعدها جملة

[ 85 ]

[ لك ركعت، ولك اسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت وانت ربي خشع لك سمعي وبصري وشعري، وبشري، ولحمي، ودمي، ومخي، وعصبي، وعظامي، وما اقلت قدماي غير مستنكف، ولا مستكبر ولا مستحسر). (الرابع عشر): ان يقول بعد الانتصاب (سمع الله لمن حمده) بل يستحب ان يضم إليه قوله الحمد لله رب العالمين اهل الجبروت والكبرياء والعظمة، الحمد لله رب العالمين) اماما كان أو مأموما أو منفردا. (الخامس عشر): رفع اليدين للانتصاب منه، وهذا غير رفع اليدين حال التكبير للسجود. (السادس عشر): ان يصلي على النبي وآله بعد الذكر أو قبله. (مسألة 27): يكره في الركوع امور: (احدها) ان يطأطئ رأسه بحيث لا يساوي ظهره أو يرفعه إلى فوق كذلك. (الثاني) ان يضم يديه إلى جنبيه. (الثالث): ان يضع احدى الكفين على الاخرى ويدخلهما بين ركبتيه، بل الاحوط اجتنابه. (الرابع): قراءة القرآن فيه. (الخامس): ان يجعل يديه تحت ثيابه ملاصقا لجسده. ]


من مستحبات الركوع ومكروهاته ولا موجب للتعرض لها لوضوحها

[ 86 ]

سوى ما ذكره (قده) في اول المستحبات وهو التكبير للركوع وهو قائم منتصب. ويظهر منه (قده) ان المستحب هو التكبير في حال الانتصاب، لا ان المستحب هو مطلق التكبيرة ولو حال الهوي، ويكون ايقاعها حال الانتصاب مستحبا آخر وذلك حيث احتاط بعدم تركه وان الاحوط عدم قصد الخصوصية إذا كبر حال الهوي أو مع عدم الاستقرار. وكيفما كان فالاقوال في المسألة ثلاثة: احدها: وهو المشهور استحباب اتيان التكبيرة قائما قبل الركوع حتى ذكر بعضهم انه لو اتى بها في حال الهوي اثم بل بطلت صلاته وان كان ذلك في حيز المنع كما لا يخفى. ثانيها: استحباب اتيانها قبله ولو في حال الهوي، وان كان الافضل اتيانها منتصبا. ثالثها: وجوب اتيانها منتصبا قبل الركوع كما عن السيد المرتضى والديلمي والعماني. اما الوجوب فمستنده صحاح اربع: احداها صحيحة حماد، وثلاث صحاح لزرارة. ففي صحيحة حماد (وضع يديه حيال وجهه وقال الله اكبر وهو قائم ثم ركع) وقد ورد في ذيلها (هكذا صل يا حماد)، المتضمن للامر الظاهر في الوجوب (1). وفي احدى صحاح زرارة (إذا اردت ان تركع فقل وانت منتصب الله اكبر ثم تركع. (2) وفي الاخرى


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب الركوع ح 1.

[ 87 ]

(فارفع يديك وكبر ثم اركع (1) وفي الثالثة (إذا كنت اماما أو وحدك فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثم تكبر وتركع (2). فانها: كما ترى ظاهرة في وجوب التكبير قائما ولو بعد تقييد اطلاق الصحيح الاخير - لو كان له اطلاق - بما تقدمه من الصحاح. وبازاء هذه الروايات روايات أخر صريحة في استحباب هذا التكبير، وبها ترفع اليد عن ظاهر تلك الصحاح وتحمل على اصل الرجحان. منها: رواية أبي بصير المعبر عنها في مصباح الفقيه بالموثقة، قال: سألته عن ادنى ما يجزى في الصلاة من التكبير؟ قال: تكبيرة واحدة (3) فانها صريحة في ان التكبير الواجب في الصلاة انما هي تكبيرة واحدة لا غير، وليس هي إلا تكبيرة الاحرام للمفروغية عن وجوبها. ومنها: صحيحة زرارة قال قال أبو جعفر (ع): إذا كنت كبرت في اول صلاتك بعد الاستفتاح باحدى وعشرين تكبيرة ثم نسيت التكبير كله أو لم تكبر اجزاك التكبير الاول عن تكبير الصلاة كلها (4) فان الاجتزاء بما يأتي به في مفتتح صلاته من التكبيرات المقررة في محلها آية عدم كون تلك التكبيرات المقررة - ومنها تكبيرة الركوع - بواجبه، وإلا لما جاز تركها إلا إذا كانت واجبة بالوجوب التخييري


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب الركوع ح 1. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 1. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 5. (4) الوسائل: باب 6 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1.

[ 88 ]

بينها وبين الاتيان في مفتتح الصلاة وهو خلاف المفروض، ولم يدعه احد أيضا. ومنها: رواية الفضل بن شاذان في حديث... فلما ان كان في الاستفتاح الذي هو الفرض رفع اليدين احب الله ان تؤدي السنة على جهة ما يؤدي به الفرض (1). فانها صريحة في ان الفرض إنما هو تكبيرة الاحرام وما عدها سنة مستحبة، فتكون هذه الروايات قرينة على عدم ارادة ظاهر تلك الصحاح من الوجوب، بل الثابت اصل الرجحان. وبما ان الصحيحة الثالثة من صحاح زرارة مطلقة شاملة لحال الهوي، وما عداها مقيدة بحال الانتصاب، ومن المعلوم عدم جريان قانون حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات فلا محالة يكون اصل التكبيرة ولو في حال الهوي مستحبا، واتيانها حال الانتصاب افضل الافراد، كما هو القول الثاني، هذا - ولكن للمناقضة في هذه الروايات سندا أو دلالة، أو هما معا مجال واسع فلا تصلح لان تكون قرينة على ارادة خلاف الظاهر من تلك الصحاح لترفع اليد عنها. اما رواية أبي بصير ففيها اولا انها ضعيفة السند بمحمد بن سنان إذا فتعبير المحقق الهمداني (قده) عنه بالموثقة في غير محله. وثانيا: ما ذكره المحقق المزبور (قده) من استبعاد ان يكون السؤال ناظرا إلى الاستفهام عن حال التكبيرات المستقلة المشروعة في الصلاة في مواضع مختلفة من انها هل هي باسرها واجبة، أو انه يجوز ترك بعضها لعدم وقوع التعبير عن ذلك هذه العبارة مضافا إلى


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 11.

[ 89 ]

انه لا يجديه حينئذ الجواب بانها واحدة أو اثنتان أو ثلاث في تمييز واجبها عن غيره حتى تترتب عليه ثمرة علية. فالظاهر ان المسئول عنه هو ادنى ما يجزى من التكبير في افتتاح الصلاة لا في مجموعها كي يعم ثل تكبير الركوع والسجود. ويؤيد ذلك: صحيح زرارة حيث قيد فيه بالتكبيرات الافتتاحية قال: (ادنى ما يجزى من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة وثلاث تكبيرات احسن وسبع افضل (1). واما صحيحة زرارة: فهي قوية السند، وظاهرة الدلالة إلا ان هذا على رواية الصدوق، ولكن الشيخ في التهذيب ذكرها بعنوان (ولم تكبر) بالعطف بالواو لا بأو. وعليه فيكون الحكم بالاجزاء مختصا بفرض النسيان ولا يشمل فرض العمد كي يستفاد منه الاستحباب. وبما انه لم يعلم الصواب منهما وان الصادر منه عليه السلام ايهما فلا محالة تكون الرواية مجملة غير صالحة للاستدلال بها. واما رواية الفضل: فهي من حيث الدلالة وان لم يكن بها بأس (2)، الا انها من حيث السند ضعيفة لضعف طريق الصدوق إلى الفضل. فظهر انه ليس هناك ما يوجب ان يرفع اليد به عن ظواهر تلك الصحاح، بل هي باقية على حجيتها، ولذا مال صاحب الحدائق إلى الوجوب لولا قيام الاجماع على عدمه وتوقف صاحب المدارك في الحكم.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 8. (2) بل لا تخلو عن البأس، لتوقفها على ارادة الاستحباب من السنة الواقعة في مقابل الفريضة وهو اول الكلام.

[ 90 ]

ولكن مع ذلك كله فالاظهر عدم الوجوب، بل هو مستحب حال الانتصاب كما عليه المشهور، وذلك لان الصحيحة الثالثة ان قلنا بانها مطلقة وشاملة لحال الهوي فلا بد من رفع اليد عن اطلاقها وحملها على الصحاح الثلاث الاخر المقيدة بحال الانتصاب، فان قانون حمل المطلق على المقيد وان لم يجر في المستحبات بل يؤخذ ويعمل بكلا الدليلين، إلا ان كون الحكم في المقام مستحبا بعد اول الكلام فلا يمكن اجراء حكمه عليه. وعليه ينتج وجوب التكبيرة حال الانتصاب وهذا ما تكذبه السيرة العملية المتصلة بزمن المعصومين عليهم السلام حيث انها جارية على اتيانها عند الهوي ولولا بقصد الخصوصية على انه لو كان واجبا لكان شايعا وذايعا، كيف لا وهو مما يكون موردا لابتلاء عامة المكلفين في اليوم عدة مرات، مع انه لم يذهب إليه إلا افراد معدودون لم يتجاوزوا الاصابع. فلا بد من رفع اليد عن ظواهرها أو حملها على الاستحباب. وان قلنا: بانها ليست مطلقة، كما لا يبعد فانه وان لم يكن العاطف فيها (ثم) الظاهر في الترتيب إلا ان الظاهر ان التكبير يقع قبل الهوي، اما باعتبار ان يكون الهوي من اجزاء الركوع كما هو احد الاقوال أو من جهة كونه مقدمة عقلية له. والحاصل ان الواو لو كانت حالية كان مفادها وقوع التكبير حال الهوي ولكنها ليست حالية، فتكون ظاهرة في وقوعها قبل الهوي. وكيفما كان: فعلى هذا القول لا حاجة إلى التعبد، بل تكون الصحاح الاربع بوزان واحد، ولابد من رفع اليد عن ظواهر جميعها من جهة القرينة العامة المشار إليها والسيرة، فتكون النتيجة هو

[ 91 ]

[ (مسألة 28): لافرق بين الفريضة والنافلة (1) في واجبات الركوع، ومستحباته ومكروهاته وكون نقصانه موجبا للبطلان، نعم الاقوى عدم بطلان النافلة بزيادته سهوا. ] استحبابها قبل الركوع حال الانتصاب فلو اتى بها حال الهوي لا يكون ذلك بقصد الخصوصية، بل بعنوان مطلق الذكر. (1): لا ريب في انه لا فرق بين الفريضة والنافلة بحسب الحقيقة والماهية، وانما الفرق بينهما من جهة الحكم، ولذا لو امر المولى بالصلاة فريضة بعد بيان كيفيتها ثم امره بها نافلة يعلم ان المطلوب منه استحبابا انما هو نفس تلك الاجزاء والشرائط. فعليه لا فرق بينهما في جميع واجبات الركوع ومستحباته ومكروهاته إلا إذا لم يكن لادلتها اطلاق ولاجله كان نقصان الركوع عمدا أو سهوا في النافلة موجبا للبطلان لاطلاق لا تعاد الحاكم بالاعادة فيما إذا كان الاخلال النقصي من ناحية الركوع مضافا إلى حديث التثليث الدال على ان الركوع من مقومات الصلاة، وبدونها تكون الصلاة منتفية. واما زيادته العمدية فهي أيضا توجب البطلان لان الركوع اخذ في الصلاة بشرط لا، والمفروض اتحاد الماهيتين، فلا محالة تكون الزيادة فيها موجبة للبطلان. واما الزيادة السهوية فمقتضى القاعدة من اتحاد الماهيتين هو

[ 92 ]

البطلان أيضا، الا ان الاقوى الصحة نظرا إلى قصور المقتضي عن الشمول للنافلة، فان المقتضى للبطلان حينئذ هو قوله (ع): من استيقن انه زاد في المكتوبة ركعة فعليه الاعادة حيث دل على البطلان فيما لو زاد ركعة - سواء اريد بها الركوع أو نفس الركعة - زيادة سهوية كما يقتضيه التعبير بالاستيقان وهو كما ترى خاص بالمكتوبة فلا يعم النافلة. وعلى الجملة: لا دليل على التعدي إلى النافلة بعد تقييد الحكم بالمكتوبة، والوصف وان لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح، لكن له مفهوما بالمعنى الآخر وهو الدلالة على عدم ثبوت الحكم للطبيعة المطلقة على سريانها كما اسلفناك مرارا، فيكون مفهومه في المقام ان مطلق الصلوات الاعم من الفريضة والنافلة ليس محكوما بوجوب الاعادة لدى زيادة الركوع سهوا وهو المطلوب. وتمام الكلام في بحث الخلل ان شاء الله تعالى.

[ 93 ]

[ (فصل في السجود) وحقيقته وضع الجبهة على الارض بقصد التعظم (1) وهو اقسام: السجود ومنه قضاء السجدة المنسية وللسهو، وللتلاوة، وللشكر، وللتذلل والتعظم، اما سجود الصلاة فيجب في كل ركعة من الفريضة والنافلة ] (1): - السجود لغة يطلق على معان لعل اكثرها استعمالا نهاية التذلل والخضوع التي اظهرها مصداقا وضع الجبهة على الارض، وربما يطلق على وضع ما عدا الجبهة من ساير اعضاء الوجه لكنه مختص بفرض العجز عن الجبهة فهو في طول الاستعمال الاول. والمراد بالارض ان يكون الاعتماد عليها سواء أكان مع الواسطة أو بدونها، فلا يصدق السجود على الفاقد للاعتماد، كأن يضع جبهته على يده المرتفعة عن الارض، بحيث يكون السجود على الفضاء. وكيف ماكان: فهو بمفهومه اللغوي والعرفي متقوم بوضع الجبهة على الارض، ولا مدخل لوضع ساير المساجد في الصدق المزبور. والظاهر: انه في لسان الشرع أيضا يطلق على ما هو عليه من المعنى الغوي، غايته مع مراعاة خصوصيات آخر كما ستعرف فالسجود الوارد في الكتاب والسنة كالواقع في حديث لا تعاد وغيره كلها تنصرف إلى هذا المعنى وليس للشارع اصطلاح جديد في ذلك.

[ 94 ]

[ سجدتان، وهما معا من الاركان (1) فتبطل بالاخلال بهما ] واما ما ورد في جملة من الاخبار من ان السجود على سبعة اعظم الجبهة، والكفان، والركبتان، والابهامان فليس ذلك بيانا لمفهوم السجود شرعا كي يقتضي الحقيقة الشرعية، ولا شارحا للمراد من لفظ السجود الوارد في لسان الشارع ولو مجازا، فان كلا من الامرين مخالف لظواهر هذه النصوص، بل هي مسوقة لبيان واجبات السجود والامور المعتبرة فيه، فمفادها ايجاب هذه الامور في تحقق السجود الواجب، وان كان ذلك لا يخلو عن ضرب من المسامحة كما لا يخفى، لادخلها في المفهوم أو في المراد. ومنه تعرف ان ما ورد من المنع عن السجود على القير مثلا إنما يراد به المنع عن وضع الجبهة عليه الذي هو حقيقة السجود كما عرفت لا عن وضع ساير المساجد، كما ان ما دل على وجوب السجود على الارض أو نباتها يراد به اعتباره في خصوص مسجد الجبهة لا ساير المساجد كما عليه السيرة، بل الاجماع من دون نكير. ويترتب عليه أيضا ان المدار في زيادة السجود ونقيصته الموجبين للبطلان على وضع الجبهة وعدمه ولا عبرة بساير المساجد، فلو ترك وضع الجبهة في السجدتين بطلت صلاته وان كان واضعا لساير المساجد كما انه من طرف الزيادة لو وضع جبهته مرتين بطلت وان لم يضع مساجده الاخر، فالركنية تدور مدار وضع الجبهة وعدمه كما نبه عليه الماتن (قده) في ذيل كلامه. (1): لا ريب في وجوب السجود في الصلاة فريضة كانت ام

[ 95 ]

[ معا، وكذا بزيادتهما معا في الفريضة عمدا كان أو سهوا أو جهلا كما انها تبطل بالاخلال باحداهما عمدا، وكذا بزيادتها، ولا تبطل على الاقوى بنقصان واحدة ولا بزيادتها سهوا وواجباته امور: ] نافلة لكل ركعة مرتين بضرورة من الدين، وقد اشتهر التعبير عنهما معا بالركن، وان زيادتهما أو نقيصتهما عمدا أو سهوا موجب للبطلان بخلاف السجدة الواحدة حيث ان الاخلال بها سهوا نقصا أو زيادة غير قادح فليست هي بركن. فيقع الكلام اولا في تحديد الركن وتطبيقه على المقام ثم في بيان مدرك الحكم المزبور. فنقول: قد اشرنا في اوائل بحث افعال الصلاة إلى ان الركن بلفظه لم يرد في شئ من النصوص وانما هو اصطلاح محدث دارج في السنة الفقهاء (قدس سرهم) من دون ان يكون له في الاخبار عين ولا اثر، كما نص عليه شيخنا الانصاري (قده) ولا بأس بهذا الاطلاق حيث ان ركن الشئ هو عموده وما يتبنى عليه بحيث ينتفى بانتفائه عمدا كان أو سهوا وما يعد من الاركان في الصلاة كذلك، غير انهم (قدهم) فسروه بما يوجب الاخلال به عمدا وسهوا زيادة ونقصا البطلان. ومن هنا اشكل الامر في تطبيقه على المقام مع الالتزام بعدم قدح السجدة الواحدة سهوا زيادة ونقصا حيث ان الركن ان كان هو

[ 96 ]

مجموع السجدتين على صفة الانضمام فزيادته وان اوجب البطلان إلا ان نقيصته المتحققة بترك احدى السجدتين نسيانا - لانتفاء المركب بانتفاء احد اجزائه - لا توجبه لالتزامهم بالصحة حينئذ كما عرفت وان كان مسمى السجود وماهيته فنقصه وان اوجب البطلان الا ان زيادته لا توجبه لبنائهم على عدم قدح زيادة والسجدة الواحدة سهوا كما مر مع صدق زيادة المسمى حينئذ. وقد وقعوا في الجواب عن هذا الاشكال المشهور في حيص وبيص وذكروا اجوبة مختلفة مذكورة في الكتب المطولة (1) لا يخلو شئ منها - بحيث يتجه انطباق ضابط الركن من طرفي الزيادة والنقيصة على محل واحد - عن تكلف. وهذا الاشكال كما ترى انما نشأ من التفسير المزبور الذي لا شاهد عليه لا من العرف ولا اللغة ولا غيرهما لعدم تقوم مفهوم الركن إلا بما يقدح الاخلال به من ناحية النقص فقط دون الزيادة. اترى ان اركان البنيان لو تعددت أو اعمدة الفسطاط لو تكثرت يوجب ذلك خللا في البناء لو لم يستوجب مزيد الاستحكام؟!. وعلى الجملة لو تم الاشكال فانما هو متوجه على القوم في تفسيرهم الركن بما ذكر. واما على المبنى الآخر في تفسيره المطابق لمفهوم اللفظ عرفا ولغة من تحديده بما يوجب البطلان من ناحية النقص فقط كما قدمناه فلا اشكال اصلا. إذ عليه يمكن الالتزام بان


(1) ذكر في الجواهر ج 10 ص 134 وجها وجيها لتصوير الركنية بناءا على المسلك المشهور في تفسيرها لعله احسن ما قيل في المقام وان كان بعد لا يخلو عن النظر فراجع وتدبر.

[ 97 ]

الركن في المقام هو مسمى السجود. فلو أخل به رأسا عمدا أو سهوا بطلت الصلاة واما من طرف الزيادة، فحكمه صحة وفسادا خارج عن شأن الركنية واجنبي عنه بالكلية. نعم دل الدليل على البطلان بزيادة السجدتين، والصحة بزيادة السجدة الواحدة، وكل ذلك لا مساس له بحديث الركنية بوجه. واما مستند الحكم في المسألة. اما من حيث النقيصة والزيادة العمديتين فظاهر، كما هو الشأن في بقية الاجزاء واما الاخلال السهوي فمستند البطلان في ترك السجدتين عقد الاستثناء في حديث لا تعاد مضافا إلى حديث التثليث الذي عد فيه فيه السجود من مقومات الصلاة، بحيث تنتفي الماهية بانتفائه. ومستنده في زيادتهما اطلاق مثل قوله (ع): من زاد في صلاته فعليه الاعادة فان هذا الاطلاق وان قيد بما ستعرف لكنه لا مقيد له في محل الكلام، ومقتضاه عدم الفرق بين العمد والسهو. واما الصحة بزيادة السجدة الواحدة فللروايات الدالة عليها المقيدة للاطلاق المزبور التي منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن رجل صلى فذكر انه زاد سجدة قال لا يعيد الصلاة من سجدة ويعيدها من ركعة. واما الصحة بنقيصتها فلروايات اخرى دلت عليها ايضا وقد تضنمنت وجوب التدارك ان كان التذكر قبل الدخول في الركوع وإلا فيقضيها بعد الصلاة:


(1) الوسائل: باب 19 من أبواب الخلل ح 2. (2) الوسائل: باب 14 من أبواب السجود.

[ 98 ]

[ (احدها): وضع المساجد السبعة (1) على الارض، وهي الجبهة، والكفان، والركبتان، والابهامان، من الرجلين، والركنية تدور مدار وضع الجبهة، فتحصل الزيادة والنقيصة به دون ساير المساجد، فلو وضع الجبهة دون سايرها تحصل الزيادة، كما انه لو وضع سائرها ولم يضعها يصدق تركه. ] وبالجملة فالبطلان بترك السجدتين أو زيادتهما سهوا مطابق للقاعدة وموافق للاطلاقات. واما الصحة في الاخلال بالواحدة نقصا أو زيادة فللروايات الخاصة. وسيأتي التعرض لكل ذلك مستقصى في احكام الخلل ان شاء الله تعالى. (1): على المعروف المشهور بين الاصحاب، بل ادعي الاجماع عليه في كثير من الكلمات، وتدل عليه جملة وافرة من النصوص فيها الصحيح وغيره. نعم ورد في بعضها بدل الكف اليد والمراد واحد، فان لليد اطلاقات منها الكف، فلو لم تكن هي المنصرف منها عند الاطلاق فلابد من صرفها وحملها عليها جمعا، فلا تنافي بينهما ففي صحيح زرارة قال قال أبو جعفر (ع) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة اعظم، الجبهة، واليدين، والركبتين، والابهامين من الرجلين. ونحوه صحيحة القداح وغيرهما (1). وفي صحيحة حماد الكفين والركبتين وانامل ابهامي الرجلين، والجبهة والانف. وهل


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب السجود ح 2 و 8.

[ 99 ]

المراد بالكف تمامها أو البعض؟ سيأتي الكلام عليه. هذا ولم ينسب الخلاف إلا إلى السيد المرتضى، وابن ادريس حيث ذكرا بدل اليديل المفصل عند الزندين، ولم يعرف مستنده كما اعترف به غير واحد، إذ لم يرد ذلك في شئ من النصوص حتى الضعيف منها. ومن هنا قد يستبعد ارادة الظاهر من كلامهما ويحمل على ما لا يخالف المشهور، وانهما يوجبان استيعاب الكف لدى السجود الملازم لوقوع الثقل على المفصل من الزندين، فيكون عمدة الاعتماد عليه كما يشهد به الاختبار، ويشير إليه قوله (ع) في الصحيح المتقدم: السجود على سبعة اعظم فان ما يقع السجود عليه ويتوجه الثقل إليه انما هو عظم المفصل بل ربما استظهر هذا المعنى من صدر كلام الحلي في السرائر. وكيف كان: فان ارادا ما هو الظاهر من كلامهما من اعتبار خصوص المفصل فلا شاهد عليه، بل الاخبار المتقدمة حجة عليهما وان ارادا ما عرفت مما لا يخالف المشهور وان العدول إلى التعبير المزبور لنكتة سمعتها تبعا للنصوص فنعم الوفاق. كما قد وقع الخلاف بالنسبة إلى الابهامين أيضا، فان المشهور اعتبارهما بالخصوص كما صرح به في بعض النصوص كصحيحة زرارة المتقدمة. نعم في بعضها كصحيحة عبد الله بن ميمون القداح ذكر الرجلين بدل الابهامين. والظاهر انها ليست في مقام البيان إلا من ناحية تعداد مواضع السجود على سبيل الاجمال، فلا اطلاق لها من ساير الخصوصيات كي يتمسك به. وعلى تقديره فهو مقيد بصحيحة زرارة وغيرها مما اشتملت على الابهامين.

[ 100 ]

[ (الثاني): الذكر والاقوى كفاية مطلقه (1)، وان كان الاحوط اختيار التسبيح على نحو ما مر في الركوع إلا ان في التسبيحة الكبرى يبدل العظيم بالاعلى. ] وعن جملة من الاصحاب كالشيخين، والسيد أبي المكارم، وأبي الصلاح ان العبرة بوضع اطراف اصابع الرجلين لا خصوص الابهامين، بل نسب ذلك إلى كثير من القدماء. وهذا لم يظهر له مستند من طرقنا. نعم: روى الجمهور بسندهم عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: امرت بالسجود على سبعة اعظم اليدين، والركبين، واطراف القدمين، والجبهة، ونحوه ما عن ابن أبي جمهور في غوالي اللئالي المتضمن لذكر اطراف اصابع الرجلين، ولا عبرة بشئ من ذلك بعد عدم تمامية السند. فالاقوى تبعا للمشهور وعملا بالنصوص اعتبار السجود على الابهامين بخصوصهما. واما ساير الاحكام والخصوصيات المتعلقة بالمساجد السبعة فسنتكلم فيها ان شاء الله تعالى عند تعرض الماتن إليها في مطاوي المسائل الآتية. هذا وقد اشرنا فيما سبق إلى وجه ما نبه إليه الماتن في المقام من ان الركنية تدور مدار وضع الجبهة بخصوصها ولا دخل لوضع ساير المساجد وعدمه من هذه الجهة فراجع. (1): قدمنا الكلام حول ذلك مستقصى في مبحث الركوع فان ملاك البحث مشترك بينهما بكامله فيجري فيه ما مر حرفا بحرف، وقد عرفت ان الاقوى

[ 101 ]

[ (الثالث): الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب (1) بل المستحب أيضا إذا اتى به بقصد الخصوصية فلو شرع في الذكر قبل الوضع أو الاستقرار عمدا بطل وابطل، وان كان سهوا وجب التدارك ان تذكر قبل رفع الرأس، وكذا لو اتى به حال الرفع أو بعده ولو كان بحرف واحد منه فانه مبطل ان كان عمدا، ولا يمكن التدارك ان كان سهوا، الا إذا ترك الاستقرار وتذكر قبل رفع الرأس. ] الاجتزاء بمطلق الذكر بشرط ان يعادل ثلاث تسبيحات من الصغرى وعليه فهو مخير في المقام بين ذلك وبين التسبيحة الكبرى بتبديل العظيم بالاعلى كما في النصوص. (1): بل المستحب أيضا إذا اتى به بقصد الخصوصية كما جزم به في المقام، وان توقف فيه في بحث الركوع، مع عدم وضوح الفرق بين المقامين. وكيفما كان فالمشهور اعتبار الطمأنينة في السجود بمقدار الذكر بل لم يعرف فيه خلاف، بل قد ادعي عليه الاجماع في كثير من الكلمات، انما الكلام في مستند ذلك. قال: في المدارك بعد دعوى الاجماع عليه ما لفظه: وتدل عليه مضافا إلى التأسي روايتا حريز وزرارة المتقدمتان انتهى. اقول: اما الاجماع فالمنقول منه ليس بحجة، والمحصل منه على وجه يكون تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم عليه السلام غير حاصل بعد احتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه الآتية وان كان الظاهر

[ 102 ]

قيام التسالم والاتفاق عليه. واما التأسي فالاشكال عليه ظاهر كما مر مرارا لعدم احراز صدور الفعل منه صلى الله عليه وآله على وجه الوجوب كي يشمله دليل التأسي فان الفعل مجمل لا لسان له. واما الروايتان فلا وجود لهما في الاخبار، ولعله سهو من قلمه الشريف كما نبه عليه في الحدائق. هذا وقد استدل له في الحدائق بصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه ولا سجوده فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني (1) ونحوها صحيحة القداح المشتملة على نظير القصة مع وقوعها، بمحضر من علي بن أبي طالب (ع) (2) وقد ادعى (قده) وضوح دلالتهما على وجوب الطمأنينة مع عدم الدلالة عليه بوجه، فان غايتهما وجوب المكث في الركوع والسجود. وهذا مما لا بد منه اداءا لوظيفة الذكر الواجب حالهما، إذ لو رفع رأسه بمجرد الوضع من غير مكث الذي به يكون ركوعه وسجوده نقريا فقد اخل بوظيفة الذكر، وهو خارج عن محل الكلام، واما انه حين المكث هل يكون مستقرا مطمئنا أو متزلزلا مضطربا يمينا وشمالا الذي هو محل البحث فالروايتان اجنبيتان عن التعرض لذلك نفيا واثباتا كما لا يخفى. وربما يستدل للحكم بصحيحة علي بن يقطين (سألته عن الركوع والسجود كم يجزى فيه من التسبيح؟ فقال ثلاثة، وتجزيك


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب الركوع ح 1. (2) لاحظ باب 9 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 2.

[ 103 ]

واحدة إذا امكنت جبهتك من الارض (1)، وصحيحة علي بن جعفر قال سألته عن الرجل يسجد على الحصى فلا يمكن جبهته من الارض فقال يحرك جبهته حتى يتمكن فينحى الحصى عن جبهته ولا يرفع رأسه (2). وفيه: ان غايتهما الدلالة على اعتبار الاطمئنان والتمكين في الجبهة لدى السجود لا في بدن المصلي الذى هو محل الكلام. فهذه الوجوه كلها ضعيفة. والاولى: الاستدلال له بصحيحة بكر بن محمد الازدي بمثل ما تقدم في الركوع، ولم أر من تعرض لها في المقام وان تعرضوا لها هناك قال (ع) فيها: (وإذا سجد فلينفرج وليتمكن) (3). وتقريب الاستدلال: ما عرفت في بحث الركوع من كونها ارشادا إلى شرطية التمكن والاستقرار في تحقق الركوع والسجود الشرعيين، وتدل بالدلالة الالتزامية على اشتراطه في الذكر الواجب أيضا للزوم ايقاع الذكر المأمور به فيهما، فلا بد من استمرار الاستقرار فيهما واستدامته بمقدار يقع الذكر في محله، بل مقتضى هذا البيان اعتباره في الذكر المستحب ايضا إذا قصد به الخصوصية بعين هذا التقريب، كما نبهنا عليه هناك، وقد اشرنا إلى ان تفكيك الماتن بين المقام وما سبق بالجزم هنا والتوقف هناك في غير محله، بل الاقوى اعتباره في المقامين لما ذكر.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب الركوع ح 3. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب السجود ح 3. (3) الوسائل: باب 8 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 14.

[ 104 ]

[ (الرابع): رفع الرأس منه (1). (الخامس): الجلوس بعده مطمئنا (2) ثم الانحناء للسجدة الثانية. (السادس): كون المساجد السبعة في محالها إلى تمام ] (1): - اي من السجدة الاولى بلا خلاف ولا اشكال، وانما خصوا التعرض به مع وضوح وجوب رفعه من السجدة الثانية ايضا لعدم وقوع الخلاف في الثاني، إذ يجب التشهد ونحوه فلا بد من الرفع مقدمة، واما الاول فقد خالف فيه العامة، فانكره أبو حنيفة وذكر انه لو حفر حفيرة حال السجود فنقل جبهته إليها، أو كان دون مسجد الجبهة مكان اخفض فجر الجبهة إليه بقصد السجدة الثانية كفى، فنبهوا على وجوب رفع الرأس هنا طعنا عليه وردا لمقالته. ومنه تعرف انه ليس الوجه في وجوب هذا الرفع توقف صدق تعدد السجدة عليه وانه بدونه يكون سجود واحد مستمر لامكان صدق التعدد بدونه أيضا كما ذكر من النقل والتغير المساوق للتعدد، بل لروايات دلت عليه كصحيحة حماد وغيرها فلاحظ. (2): اما الجلوس فقد دلت عليه صحيحة حماد وغيرها. واما الاطمئنان فقد استدل له بالاجماع وهو كما ترى. والاولى: ان يستدل له بذيل صحيحة الازدي المتقدمة قال (ع) فيها: (وإذا سجد فلينفرج وليتمكن وإذا رفع رأسه فليلبث حتى يسكن) (1) ودلالتها ظاهرة.


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 14.

[ 105 ]

[ الذكر (1) فلو رفع بعضها بطل وابطل ان كان عمدا ويجب تداركه ان كان سهوا، نعم لامانع من رفع ما عدا الجبهة في غير حال الذكر (2) ثم وضعه عمدا كان أو سهوا من غير فرق بين كونه لغرض - كحك الجسد ونحوه - أو بدونه. ] (1): - بلا خلاف ولا اشكال للزوم ايقاع الذكر في السجود المأمور به كما تشهد به النصوص المتقوم بالمحال السبعة فلا بد من ابقائها في مواضعها إلى نهاية الذكر تحقيقا للظرفية. وعليه فلو رفع بعضها حال الذكر فان كان عمدا بطل الذكر لعدم وقوعه في محله، وابطل الصلاة للزوم الزيادة العمدية، إذ قد اتى بالذكر بقصد الجزئية كما هو الفرض، ولم يكن جزءا وهو معنى الزيادة، وان كان سهوا وجب التدارك لبقاء المحل ما لم يرفع جبهته كما هو ظاهر. (2): لعدم الدليل على مانعية هذا الرفع، والمراجع اصالة البراءة، والظاهر انه لا اشكال في الحكم، كما لا خلاف. نعم حكي في الجواهر عن بعض المشايخ التوقف فيه أو الجزم بالبطلان وليس له وجه ظاهر عدا تخيل الحاق ساير المساجد بالجبهة. فكما لا يجوز رفعها ووضعها لاستلزام زيادة السجود فكذا ساير الاعضاء. لكنه كما ترى واضح البطلان لما عرفت من ان المدار في صدق السجود وتعدده بوضع الجبهة ورفها دون ساير المحال فانها واجبات

[ 106 ]

حال السجود لا مقومات له لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية للسجود بل يطلق على ما هو عليه من المعنى اللغوي المتقوم بذاك فحسب. ومن هنا كانت الركنية تدور مداره وجودا وعدما كما مر، وقد عرفت ان الاحكام المتعلقة بالسجود في لسان الاخبار من لزوم وقوعه على الارض أو نباتها، وعدم جواز السجود على القير ونحو ذلك كلها ناظرة إلى موضع الجبهة دون ساير الاعضاء. ومن هنا لم يعتبر احد ذلك فيها بلا خلاف ولا اشكال كما مر التعرض إليه ولاجله اشرنا فيما سبق إلى ان قوله (ع) السجود على سبعة اعظم مبني على ضرب من التجوز والمسامحة، والمراد ايجاب هذه الامور حال السجود لا ان حقيقته الشرعية، أو المراد منه في لسان الشرع ذلك. وعليه فلا وجه لقياس ساير الاعضاء عليه في المقام وقد تعرض العلامة الطباطبائي (قده) لدفع هذا التوهم مستقصى واعطى المقال حقه فلاحظ ان شئت. ثم انه استدل غير واحد للحكم المزبور بخبر علي بن جعفر عن اخيه (ع) قال سألته عن الرجل يكون راكعا أو ساجدا فيحكه بعض جسده هل يصلح له أن يرفع يده من ركوعه وسجوده فيحكه مما حكه؟ قال: لا بأس إذا شق عليه ان يحكه، والصبر إلى ان يفرغ افضل، والدلالة وان كانت تامة لكنها ضعيفة السند بعبد الله بن الحسن فانه لم يوثق، فالمتعين الاستناد في الجواز وعدم المانعية إلى الاصل كما عرفت.


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الركوع ح 1.

[ 107 ]

[ (السابع): مساواة موضع الجبهة للموقف (1) بمعنى عدم علوه. ] (1): على المشهور بل اجماعا كما ادعاه غير واحد، فلا يجوز علوه عن الموقف ولا انخفاضه ازيد من لبنة ويجوز بمقدارها، وقد قدرها الاصحاب باربعة اصابع وهو كذلك، حيث ان المراد بها في لسان الاخبار هي اللبنة التي كانت متعارفة معتادة في زمن الائمة عليهم السلام، وقد لاحظنا ما بقى منها من آثار العباسيين في سامراء فكان كذلك تقريبا. وكيفما كان فقد خالف في ذلك صاحب المدارك (قده) فاعتبر المساواة، ومنع عن العلو مطلقا حتى بمقدار اللبنة، واستند في ذلك إلى صحيحة عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله (ع) عن موضع جبهة الساجد أيكون ارفع من مقامه؟ فقال: لا، وليكن مستويا، وفي بعض النسخ (ولكن) بدل (وليكن). وتقريب الاستدلال ان من الواضح ان المساواة المأمور بها لم يرد بها المساواة الحقيقية الملحوظة بالآلات الهندسية، فانه تكليف شاق لا يمكن توجيهه إلى عامة المكلفين، فالمراد لا محالة هي المساواة العرفية المتحققة ولو مع الاختلاف اليسير فيما إذا كان تدريجيا انحداريا، دون ماكان دفعيا تسنيميا ولو كان بقدر اصبع لصدق عدم المساواة حيئنذ بعد ان كان الاختلاف في مثله محسوسا بينا، وظاهر الامر


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب السجود ح 1.

[ 108 ]

بالمساواة لزوم مراعاتها على جهة الوجوب. هذا ولا يخفى ان لازم كلامه (قده) الاستشكال بل المنع عما هو الدارج بين الشيعة من السجود على التربة الحسينية على مشرفها آلاف الثناء والتحية لعدم تحقق المساواة حينئذ بالمعنى الذي ذكره وهو كما ترى. وكيف كان: فينبغي القطع بفساد هذه الدعوى لقيام السيرة العملية القطعية من المتشرعة خلفا عن سلف على عدم رعاية هذا المقدار من التساوي، ولا سيما في الجماعات المنعقدة في الاماكن المختلفة من البيداء ونحوها التي قلما يتفق تساوى سطوحها حتى من غير ناحية الانحدار، فتراهم يصلون ولو فيما كان مسجد الجبهة بخصوصها ارفع من الموقف بمقدار يسير من اجل وجود الحصى أو التل ونحوهما. واما الصحيحة فلا بد من حملها على الاستحباب كما ستعرف هذا. ويستدل للمشهور بصحيحة اخرى لعبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن السجود على الارض المرتفع فقال: إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس. دلت على جواز السجود فيما إذا كان الارتفاع بمقدار اللبنة، وبالمفهوم على عدمه فيما زاد عليها، وبذلك يحمل الامر بالمساواة المطلقة في صحيحته الاولى على الاستحباب. ونوقش فيها من حيث السند تارة، والدلالة اخرى، والمتن ثالثة. اما من حيث السند فبما ذكره في المدارك من ان في الطريق


(1) الوسائل: باب 11 من ابواب السجود ح 1.

[ 109 ]

النهدي المردد بين الموثق وغيره. وفيه ما لا يخفى فان المنصرف من هذا اللفظ عند الاطلاق رجلان احدهما هيثم ابن أبي مسروق وهو ممدوح في كتب الرجال بل بملاحظة وقوعه في اسانيد كامل الزيارات موثق، والآخر هو محمد بن احمد بن خاقان أبو جعفر القلانسي المعروف بحمدان وهو موثق. فالرجل مردد بين الممدوح والموثق، وباعتبار آخر بين موثقين. فغايته كون الرواية مرددة بين الحسنة والموثقة فهي حجة على التقديرين. واما غير الرجلين ممن لم يوثق فهو خارج عن منصرف اللفظ عند الاطلاق كما عرفت. نعم: الظاهر ان المراد به في المقام هو الاول لعدم كون الثاني في طبقة ابن محبوب الراوي عنه مضافا إلى ان الاول له كتاب، والطريق إليه هو محمد بن علي بن محبوب. واما من حيث الدلالة فبأن البأس المستفاد من المفهوم اعم من المنع، وهو كما ترى فان البأس بقول مطلق مساوق للمنع كما لا يخفى فالمنصرف من هذه اللفظة عند الاطلاق نفيا واثباتا ليس إلا الجواز وعدمه سيما بعد ملاحظة وقوعه جوابا عن السؤال المذكور في هذه الصحيحة الظاهر في كونه سؤالا عن الجواز وعدمه، إذ لا يحتمل وجوب السجود على الارض المرتفعة أو استحبابه كي يسأل عنه. واما من حيث المتن فقد قيل ان في بعض النسخ (يديك) باليائين المثناتين من تحت بدل (بدنك) بالباء الموحدة والنون، فلا دلالة فيها حينئذ على الموقف. وفيه: ان النسخة المعروفة الموجودة في جميع كتب الاخبار والاستدلال انما هي الثاني، بل في الجواهر انه لم يعثر على الاول

[ 110 ]

[ أو انخفاضه (1) ازيد من مقدار لبنة موضوعة على اكبر سطوحها، أو اربع اصابع مضمومات ولا بأس بالمقدار المذكور. ] مضافا إلى ما ذكره (قده) ونعم ما ذكر من ان استدلال الاصحاب به والفتوى بمضمونه قديما وحديثا على اختلاف طبقاتهم ونسخهم مع ان فيهم من هو في غاية التثبت والاتقان والتدقيق ككاشف اللثام يشرف الفقيه على القطع بضبطهم له بالباء والنون وعدم وجود النسخة الاخرى. وعلى تقديره فهي سهو من قلم النساخ بلا ارتياب. هذا مع ان سوق السؤال المتضمن للسجود على الارض لعله يشهد بارادة موضع البدن دون اليدين خاصة كما لا يخفى. ومما يؤكده أيضا التعبير بالرجلين في مرسل الكافي قال: وفي حديث آخر في السجود على الارض المرتفعة قال إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن رجليك قدر لبنة فلا بأس (1)، إذ الظاهر انه يشير بذلك إلى هذه الصحيحة. فتحصل: ان هذه المناقشات كلها ساقطة. فالصحيح إذا ما عليه المشهور من اعتبار المساواة وعدم جواز العلو اكثر من مقدار اللبنة. (1): - لم يقع التحديد باللبنة من ناحية الانخفاض في كلام من تقدم على الشهيدين، واول من تعرض له هو الشهيد وتبعه من تأخر عنه. ومن هنا نسب جواز الخفض مطلقا إلى اكثر القدماء


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب السجود ح 3.

[ 111 ]

حيث اقتصروا على التحديد المزبور من حيث الارتفاع فحسب. بل عن الاردبيلي (قده) التصريح بذلك، بل عن العلامة في التذكرة دعوى الاجماع عليه، حيث قال ولو كان مساويا أو اخفض جاز اجماعا. وكيف كان فالاقوى ما ذكره الشهيد (قده) من الحاق الخفض بالرفع لموثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن المريض أيحل له ان يقوم على فراشه ويسجد على الارض؟ قال: فقال إذا كان الفراش غليظا قدر آجرة أو اقل استقام له ان يقوم عليه ويسجد على الارض وان كان اكثر من ذلك فلا (1). فان الآجرة هي اللبنة ولا فرق إلا من حيث الطبخ وعدمه، ونفى الاستقامة عن الزائد عليها ظاهر في المنع، والتشكيك في هذا الظهور بان استقام اعم من الجواز لاطلاقه على المندوب أيضا وما هو الانسب والافضل، فعدمه لا يدل على المنع في غير محله، فان مقابل الاستقامة هو الاعوجاج فنفيه بقول مطلق ظاهر في المنع كما لا يخفى. ولا تعارضها رواية محمد بن عبد الله عن الرضا (ع) (في حديث) انه سأله عمن يصلي وحده فيكون موضع سجوده اسفل من مقامه، فقال إذا كان وحده فلا بأس (2) التي هي مستند القول الآخر ومن اجلها حملوا الموثق على الكراهة. إذ فيه (اولا) انها ضعيفة السند فان محمد بن عبد الله الواقع في سندها مشترك بين جماعة كلهم مجاهيل لم تثبت وثاقتهم (3).


(1) الوسائل: باب 11 من ابواب السجود ح 2. (2) الوسائل: باب 10 من ابواب السجود ح 4. (3) نعم: قد وثق كل من محمد بن عبد الله بن زرارة =

[ 112 ]

ودعوى ان الراوي عنه هو صفوان وهو من اصحاب الاجماع الذين لم يرووا إلا عن الثقة، قد تقدم الجواب عنها غير مرة بعدم تمامية المبنى، والظاهر ان صفوان لم يرو عن محمد بن عبد الله إلا في هذه الرواية. (وثانيا) ان غايتها الاطلاق فيقيد بالموثق جمعا. ثم: ان الظاهر ان التقييد بالوحدة في هذه الرواية سؤالا وجوابا انما هو في مقابل الجماعة التي وقع السؤال عنها في صدر هذا الخبر حيث قال (سألته عن الامام يصلي في موضع والذين خلفه يصلون في موضع اسفل منه، أو يصلي في موضع والذين خلفه في موضع ارفع منه، فقال يكون مكانهم مستويا، (1) فسأله (ع) أولا: عن حكم الجماعة من حيث اختلاف مكان الامام والمأموم خفضا ورفعا فأجاب (ع) باعتبار المساواة، ثم سأله ثانيا عن حكم المنفرد وأن من يصلي وحده هل يجوز ان يكون مسجده اسفل من مقامه؟ فأجاب (ع) بنفي البأس عن هذا الفرد الذي وقع السؤال عنه في مقابل الصدر. فالتقييد بالوحدة في كلامه (ع) إنما هو بتبع وقوعه في كلام السائل لا لدخله في الحكم فلا يدل على المفهوم فليتأمل نعم هناك صورة اخرى لم يتعرض لحكمها في الرواية سؤال ولا جوابا


= ومحمد بن عبد الله بن رباط كما في معجم الاستاد ج 16 ص 265 الا انه لا يحتمل ارادتهما في المقام اما الاول فلعدم مساعدة الطبقة بعد ملاحظة الراوي والمروي عنه، واما الثاني فهو وان كان من رجال هذه الطبقة الا انه لا توجد له ولا رواية واحدة في شئ من الكتب الاربعة. (1) الوسائل: باب 63 من أبواب الجماعة ح 3.

[ 113 ]

[ ولا فرق في ذلك بين الانحدار والتسنيم (1)، نعم الانحدار اليسير لا اعتبار به فلا يضر معه الزيادة على المقدار المذكور والاقوى عدم اعتبار ذلك في باقي المساجد (2) لا بعضها مع بعض ولا بالنسبة إلى الجبهة، فلا يقدح ارتفاع مكانها أو انخفاضه ما لم يخرج به السجود عن مسماه. ] وهي حكم المأموم في حد نفسه من حيث اختلاف موقفه عن مسجده ولعل حكمه يظهر من المنفرد لعدم احتمال الفرق من هذه الجهة. (1): لاطلاق النص كالفتوى فان الزيادة على اللبنة الممنوعة في صحيحه عبد الله بن سنان وموثقة عمار شاملة باطلاقها لنحوى الانحدار والتسنيم. نعم: استثنى الماتن من ذلك ما إذا كان الانحدار يسيرا اي تدريجيا بان يشرع من الموقف وينتهي إلى موضع الجبهة فلا يقدح مثله وان زاد على اللبنة، وخص المنع بها إذا كان كثيرا اي دفعيا واقعا فيما حول الجبهة بحيث يكون العلو أو الخفض ظاهرا محسوسا وكأنه لانصراف النص عن الاول ولكنه كما ترى لا وجه له بعد تسليم الاطلاق في النص وشموله لنحوى التسنيم والانحدار كما صرح (قده) به فالاقوى عدم الفرق بين اليسير والكثير. (2): - فلا يعتبر التساوي بينها بعضها مع بعض، فلو كان موضع اليدين بالنسبة إلى الركبتين، أو احدى اليدين أو الركبتين بالنسبة إلى الاخرى ارفع أو اخفض بازيد من لبنة جاز ما لم يخرج

[ 114 ]

عن هيئة الساجد بلا خلاف فيه لعدم الدليل على مراعاة المساواة بينها، ومقتضى الاصل البراءة. وهل المساواة المعتبرة ملحوظة بين موضع الجبهة وموقف المصلي خاصة على ما هو صريح المتن تبعا للاصحاب على اختلاف تعابيرهم فلا يقدح الاختلاف بينه وبين ساير المحال، أو انها ملحوظة بينه وبين كل واحد من بقية المساجد الستة، فلو كانت يداه مثلا ارفع من الجبهة بطلت، وان كانت هي مساوية مع الموقف؟؟ قد يقال بالثاني، بل نسب ذلك إلى ظاهر العلامة في بعض كتبه وغيره. وهذا يبتني على امرين: احدهما ان المراد بالبدن في صحيحة ابن سنان المتقدمة التي هي الاصل في هذا التحديد بدن المصلي حال سجوده كي يشمل جميع المساجد الستة فتلحظ النسبة بينها وبين موضع الجبهة. الثاني: ان تلك المساجد ملحوظة على سبيل العموم الاستغراقي حتى تجب ملاحظة النسبة بين كل واحدة منها وبين الجبهة فيقدح حينئذ علو كل واحد من الاعضاء أو انخفاضه عنها بازيد من لبنة. واما لو كانت ملحوظة على نحو العموم المجموعي فالقادح انما هو علو المجموع غير الصادق عند علو بعض وتساوي الآخر كما لا يخفى. وللمناقشة في كلا الامرين مجال واسع. اما الثاني: فان لحاظ العموم على سبيل الاستغراق كي يقتضى الانحلال يحتاج إلى مؤنة زائدة وعناية خاصة ثبوتا واثباتا يدفعها اطلاق الدليل على ان لازمه اطلاق البدن على كل واحد من المحال بمقتضى الانحلال وهو كما ترى فانه اسم لمجموع الاعضاء لا لكل واحد منها.

[ 115 ]

واما الاول: فهو أيضا خلاف الظاهر، إذ البدن في حال السجود يعم الجبهة فلا يناسب التقابل بينه وبين موضع الجبهة لاعتبار المغايرة في المتقابلين. وعليه فاما ان يراد به البدن حال الجلوس، أو حال القيام، وحيث ان الاعتماد في الاول على ما دون الركبتين من الساقين والاليين الموضوعتين على الرجلين فما يعتمد عليه من مواضع السجود حينئذ انما هو الرجلان بل هما العمدة في الاعتماد، فيتحد بحسب النتيجة مع الثاني، اعني حال المقام، فتكون العبرة بالرجلين فحسب فهما المدار في المقايسة مع موضع الجبهة بل خصوص الابهام منهما كما لا يخفى. وليس المراد بذلك مراعاة موقف المصلي في حال القيام بما هو كذلك، لعدم احتمال كون التساوي المزبور شراطا في حال القيام وقيدا تعبديا معتبرا في مكان المصلي مطلقا، ولذا لو وقف في مكان وعند ارادة السجود صعد على دكة قريبة منه وسجد عليها صحت صلاته بلا اشكال، مع ان مسجده حينئذ ارفع من المكان الذي كان واقفا فيه ازيد من اللبنة، فان الرواية منصرفة عن هذه الصورة قطعا، بل ناظرة إلى الفرد الشايع المتعارف الذي يقتضيه طبع المصلي من السجود في مكان يقوم فيه لا في مكان آخر. فالمتحصل من الصحيحة تحديد الانحناء لدى السجود وانه ينحني إلى مقدار يوازي جبهته موقفه بحيث لو قام عن سجوده ساوى مسجده موضع رجليه. وهذا هو المراد من الموقف حال القيام الذي جعلنا المدار عليه واستظهرناه من الصحيحة. (وبعبارة اخرى) المكان

[ 116 ]

الذي يضع المصلي قدميه فيه حال القيام ووركيه حال الجلوس وابهاميه حال السجود مكان واحد عرفا وهو المعبر عنه ب‍ (موضع البدن) فروعي التساوي بينه وبين موضع الجبهة، وعليه فلا عبرة بساير المواضع فلا يضر ارتفاعها عن موضع الجبهة وان زاد على اللبنة ما لم يخرج عن هيئة الساجد، كما لو وضع يديه على الحائط مثلا فان ذلك خروج عن هيئة السجود. ومما يؤكد ما ذكرناه من جعل العبرة بالموقف وانه المراد من البدن في الصحيحة ما وقع في غير واحد من النصوص من التعبير بدل البدن بالرجلين، أو المقام أو موضع القدم، ففي صحيحة ابن سنان الاخرى (أيكون ارفع من مقامه) وفي صحيحة أبي بصير (اني احب ان اضع وجهي في موضع قدمي)، وفي رواية محمد ابن عبد الله (فيكون موضع سجوده اسفل من مقامه) (1) واظهر من الكل مرسلة الكليني التي تقدم استظهار انها هي صحيحة ابن سنان المبحوث عنها قال (ع) فيها (إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن رجليك قدر لبنة فلا بأس (2). هذا كله من حيث الارتفاع. واما من حيث الانخفاض فلا ينبغي الشك في كون المدار على الموقف للتصريح به في موثقة عمار التي هي المستند في هذا الحكم قال (ع) فيها: (إذا كان الفراش غليظا قدر آجرة أو اقل استقام له ان يقوم عليه ويسجد على


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب السجود ح 1 و 2 و 4. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب السجود ح 3.

[ 117 ]

[ (الثامن): وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه من الارض (1)، وما نبت منها غير المأكول والملبوس على ما مر في بحث المكان. (التاسع): طهارة محل وضع الجبهة (2). (العاشر): المحافظة على العربية والترتيب والموالاة ] الارض (1) حيث فرض فيه المساواة (فيما عدا قدر الآجر) بين ما يقوم عليه - الذي هو الموقف - وبين المسجد. فالمقتضى للاحتمال الآخر اعني الاعتبار بساير المحال قاصر هنا في حد نفسه كما لا يخفى. (1): - قد مر الكلام حول ذلك في بحث المكان في فصل ما يسجد عليه مستقصى فلا نعيد. (2): قد مر الكلام حول ذلك أيضا في اوائل كتاب الطهارة عند التكلم في احكام النجاسات في فصل يشترط في صحة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة ازالة النجاسة وعرفت ان عمدة المستند هي صحيحة ابن محبوب عن الرضا (ع) (عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ويجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب (ع) ان الماء والنار قد طهراه) (2). وقد فصلنا القول حول هذا الحديث وما يتعلق بهذا الحكم بما لا مزيد عليه فراجع ولاحظ.


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب السجود ح 2. (2) الوسائل: باب 81 من أبواب النجاسات ح 1.

[ 118 ]

[ في الذكر (1). (مسألة 1): الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس وطرف الانف الاعلى والحاجبين طولا وما بين الجبيين عرضا (2) ] (1): كما سبق البحث عن كل ذلك في بحث القراءة فلاحظ. (2): كما نص عليه غير واحد من الاصحاب تبعا لتصريح اهل اللغة، وتشهد به جملة من النصوص كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: الجبهة كلها من قصاص الشعر إلى الحاجبين موضع السجود، فايما سقط من ذلك إلى الارض اجزأك مقدار الدرهم، أو مقدار طرف الانملة، وصحيحته الاخرى عن احدهما (ع) قال قلت الرجل يسجد وعليه قلنسوة أو عمامة، فقال: إذا مس جبهته الارض فيما بين حاجبه وقصاص شعره فقد اجزأ عنه (1) وقد روى الاخيرة في الوسائل كما ذكرنا فاسندها اولا إلى الشيخ، ثم قال ورواه الصدوق باسناده عن زرارة مثله. ورواها: أيضا في الباب 14 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 2 بهذا اللفظ: (إذا مس شئ من جبهته الارض...) بزيادة كلمة (شئ من) واسندها اولا إلى الصدوق ثم قال ورواه الشيخ مرسلا بعكس المقام. ولا اثر لهذا الاختلاف فيما نحن بصدده وان اوجب الفرق من حيث الدلالة على الاستيعاب وعدمه الذي سيأتي


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب السجود ح 5 و 1.

[ 119 ]

[ ولا يجب فيها الاستيعاب (1) بل يكفى صدق السجود على مسماها. ] الكلام عليه ونحوهما موثقة عمار (1) وغيرها. وقد يقال: بخلو النصوص عن التعرض للتحديد العرضي وانها مقصورة على بيان الحد من ناحية الطول فقط، لكن الظاهر دلالتها على التحديد من كلتا الناحيتين طولا - باعتبار طول الانسان - وعرضا فان المراد بالحاجب أو الحاجبين في صحيحتي زرارة المتقدمتين ليس خصوص ما يلي الانف، بل كل ما صدق عليه اسم الحاجب - بمقتضى الاطلاق - المحدود فبما بين اليمين واليسار المحفوفين بالجبينين المقارنين للصدغين، فإذا اخذت هذا الحد بكامله ولاحظته إلى قصاص الشعر فكل ما يسعه فهو الجبهة التي تكفلت هذه النصوص ببيانها، فالشبهة نشأت من تخيل ان المراد بالحاجب مسماه، أو خصوص طرف الانف والغفلة عن صدقه على كل جزء منه يمينا وشمالا بدوا وختما كما عرفت. (1): - على المشهور بل بلا خلاف كما عن غير واحد. نعم نسب إلى ابن ادريس وابن الجنيد كلام يشعر بلزوم الاستيعاب، حيث قالا فميا حكي عنهما ان من كان به علة يجزيه الوضع بمقدار الدرهم، وظاهره لزوم الاستيعاب مع عدم العلة، لكن النسبة لو صحت فهو قول شاذ مخالف للاجماع كما عرفت، ومحجوج عليه بالاخبار


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب السجود ح 4.

[ 120 ]

[ ويتحقق المسمى بمقدار الدرهم قطعا (1)، والاحوط عدم الانقص. ] فانها صريحة في كفاية المسمى. ففي صحيحة زرارة المتقدمة: (فايما سقط من ذلك إلى الارض اجزأك)، وصحيحته الاخرى: (إذا مس شئ من جبهته الارض... الخ) وفي موثقة عمار (أي ذلك اصبت به الارض اجزأك) وغيرها مما تقدمت الاشارة إليها. وليس في النصوص ما يشهد للاستيعاب عدا صحيحة علي بن جعفر (ع) قال سألته عن المرأة تطول قصتها فإذا سجدت وقع بعض جبهتها على الارض وبعض يغطيها الشعر هل يجوز ذلك؟ قال: لا حتى تضع جبهتها على الارض (1). لكن لا مناص من حملها على الفضل وكراهة البعض لما عرفت من الروايات الناصة بكفاية المسمى (2). (1): قد عرفت عدم وجوب الاستيعاب وكفاية البعض، انما الكلام في مصداق ذاك البعض وانه هل يعتبر فيه ان يكون بقدر الدرهم فلا يجزي الاقل، أو يكفي المسمى وان كان دون


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب ما يسجد عليه ح 5. (2) الصحيحة مشتملة على التعبير ب‍ (لا يجوز) الصريح في ففي الجواز ومثله لا يقبل الحمل على الكراهة كما لا يخفى. فالاولى الخدش باعراض الاصحاب عنها وان لم يتم على مسلك سيدنا الاستاد أورد علمها إلى اهله.

[ 121 ]

ذلك مع العلم بعدم كفاية السجود على مقدار الحمصة، إذ لا يصدق معه السجود على الارض، بل هو حاجب ومانع عنه كما لا يخفى، فلا يتحقق في مثله المسمى. ومحل الكلام بعد فرض حصول المسمى.؟ وكيف كان فالمشهور هو الثاني. وظاهر الصدوق هو الاول، حيث قال: ويجزى مقدار الدرهم، وقد ذكر هذه العبارة في موضعين من الفقيه احدهما في باب ما يصح السجود عليه، نقلا عن والده (قده) وامضاه. الثاني في باب صفات الصلاة وهو من كلام نفسه (قده) وظاهره انه حدده بذلك، فلا يجزى الاقل. ولكن يمكن ان يقال ان ذلك من باب المثال ولا يريد به التحديد لانه (قده) قال في صدر الكتاب اني اعمل بكل رواية ارويها فيه وانه حجة بيني وبين الله، وقد نقل في المقام هذه الروايات الظاهرة في كفاية المسمى فيظهر انه يعمل بهذه الاخبار، فلابد من حمل الدرهم على المثال. نعم: صرح الشهيد في الذكرى بما لفظه (والاقرب ان لا ينقص في الجبهة عن درهم لتصريح الخبر وكثير من الاصحاب به فيحمل المطلق من الاخبار وكلام الاصحاب على المقيد) ونحوه ما عن الدروس، وقد وقع الكلام في المراد من الخبر الذي اشار إليه قال في الجواهر (واشار بالخبر إلى صحيح زرارة السابق) اي المشتملة على لفظ الدرهم (1) السابقة في كلامه (قده) ولكنه كما ترى فانه على خلاف المطلوب ادل لتضمنها عطف (3) طرف الانملة على الدرهم


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب السجود ح 5. (2) صاحب الجواهر ملتفت إلى هذا ويجيب عنه بما ينبغي =

[ 122 ]

[ ولا يعتبر كون المقدار المذكور مجتمعا بل يكفى وان كان متفرقا مع الصدق (1) فيجوز السجود على السبحة الغير المطبوخة إذا كان مجموع ما وقعت عليه الجبهة بقدر الدرهم. ] الذي هو اقل من الدرهم قطعا والا لما صح التقابل فهو اعلم بما قال على انه (قده) اسنده إلى الاصحاب مع انه أسند كثير إليهم وهو المعروف بينهم - عدم اعتباره وكفاية المسمى. وهذا أيضا لم يعرف وجهه. وكيفما كان: فالصحيح ما عليه المشهور من كفاية المسمى لاطلاق النصوص المتقدمة وعدم ما يصلح للتقييد. نعم ورد التحديد بالدرهم في الفقه الرضوي، ودعائم الاسلام، بل ان عبارة الثاني اصرح لقوله (اقل ما يجزي ان يصيب الارض من جبهتك قدر درهم) (1) لكن سندهما ضعيف جدا كما مر مرارا فلا يصلحان لمعارضة ما سبق. (1): لاطلاق النصوص الدالة على كفاية المسمى كما مر، الصادق حتى مع التفرق إذا لم يكن بمثابة يمنع عن الصدق ويعد من الحائل. وعليه فيجوز السجود على السبحة مع تفرقها بشرط الصدق المزبور سواء أكان مجموع ما تقع عليه الجبهة بالغا حد الدرهم أم لا، لما عرفت من عدم العبرة بهذا الحد لضعف مستنده وكفاية المسمى حيثما تحقق. ومنه تعرف ان التقييد بذلك في المتن في غير


= الملاحظة فراجع ج 10 ص 143. (1) مستدرك الوسائل: باب 8 من أبواب السجود ح 1.

[ 123 ]

محله. نعم بناءا على اعتبار الدرهم قد يستشكل في جواز السجود على مثل السبحة والحصى وان بلغ المجموع مقدار الدرهم، كما حكاة في الجواهر عن شرح نجيب الدين وكأنه لانصراف التح‍؟ إلى صورة الاتصال، فلا يكفي مع الانفصال والتفرق، كما قيل بمثل ذلك في مانعية الدم البالغ حد الدرهم في الصلاة من انصراف المنع إلى الدم المتصل، فالمتفرق في البدن أو اللباس لا يمنع وان كان المجموع بقدر الدرهم، لكن الانصراف بدوي في كلا المقامين كما لا يخفى. هذا ويظهر من الجواهر جواز السجود على السبحة والحصى المتفرقة وان لم يبلغ الدرهم، حتى بناءا على اعتبار هذا الحد استنادا إلى النص قال (قده) ما لفظه (بل بعض نصوص الحصى وعدم وجوب التسوية لما يسجد عليه ربما تشهد للاجتزاء على تقدير اعتبار الدرهم أيضا فتأمل) انتهى (1). ولم يظهر مراده (قده) من تلك النصوص، إذ لم نظفر على رواية تدل على عدم وجوب التسوية، بل ان النصوص الواردة في المقام حاكية عن ان الامام (ع) كان يسوي بين الحصى، وان لم تدل هي لا على الوجوب ولا على عدم الوجوب لاجمال الفعل. ففي موثقة يونس بن يعقوب المروية بطريقي الشيخ والصدوق قال رأيت أبا عبد الله (ع) يسوي الحصى في موضع سجوده بين السجدتين، وفي رواية عبد الملك ابن عمرو قال رأيت أبا عبد الله (ع) سوى الحصى حين اراد السجود (2).


(1) الجواهر: ج 10 ص 145. (2) الوسائل: باب 18 من أبواب السجود ح 2 و 4.

[ 124 ]

[ (مسألة 2): يشترط مباشرة الجبهة لما يصح السجود عليه (1) فلو كان هناك مانع أو حائل عليه أو عليها وجب رفعه حتى مثل الوسخ الذى على التربة إذا كان مستوعبا لها بحيث لم يبق مقدار الدرهم منها - ولو متفرقا - خاليا عنه، وكذا بالنسبة إلى شعر المرأة (2) الواقع على ] (1): - فانها المنصرف من الامر بوضع الجبهة على الارض، فمع وجود الحائل في احدهما المانع عن المباشرة لا يصدق الامتثال فالحكم مطابق للقاعدة مضافا إلى استفادته من النصوص المانعة عن السجود على القلنسوة أو العمامة أو الشعر، كصحيح عبد الرحمن عن الرجل يسجد وعليه العمامة لا يصيب وجهه الارض، قال: لا يجزيه ذلك حتى تصل جبهته إلى الارض، ونحوها صحيحة زرارة وعلي بن جعفر وغيرهما (1). فلا اشكال في الحكم مضافا إلى دعوى الاجماع عليه. وعليه: فيجب ازالة الحاجب حتى مثل الوسخ الذي على التربة إذا كانت له جرمية تستوعب سطحها، ولم يعد من اللون في نظر العرف (2): - لو ابدلها بالرجل كان اولى فان ظهور شعرها ووقوعه على الجبهة بنفسه موجب للبطلان لوجوب الستر عليها إلا ان يفرض كونها أمة، بل يمكن فرضه في الحرة أيضا كما لا يخفى، وقد اشير إليه في صحيحة علي بن جعفر المزبورة.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب ما يسجد عليه ح 1 و 2 و 5.

[ 125 ]

[ جبهتها، فيجب رفعه بالمقدار الواجب، بل الاحوط ازالة الطين اللاصق بالجبهة في السجدة الاولى (1)، وكذا إذا لصقت التربة بالجبهة فان الاحوط رفعها بل الاقوى وجوب رفعها إذا توقف صدق السجود على الارض أو نحوها عليه، وما إذا لصق بها تراب يسير لا ينافي الصدق فلا بأس به. ] (1): تقدم هذا الفرع في المسألة الرابعة والعشرين من فصل مسجد الجبهة من مكان المصلي، وقد جزم (قده) هناك بوجوب الازالة وان احتاط في المقام. وكيف كان فقد وقع الكلام في وجوب ازالة الطين، أو رفع التربة اللاصقة بالجبهة في السجدة الاولى وعدمه. وربما يعلل الوجوب بعدم صدق تعدد الوضع المتوقف عليه صدق السجدتين لولا الرفع، إذ بدونه فهو ابقاء للسجدة الاولى لا احداث للاخرى، فلا يتحقق معه التعدد المأمور به، بل المجموع سجود واحد مستمر. وفيه: مالا يخفى بداهة ان الوضع الذي يتقوم به مفهوم السجود لا يكفى في صدقه مجرد اللصوق والاتصال بل لابد من الاعتماد والاستناد، فلا وضع من غير اعتماد، كما لا سجود. فحقيقة السجود عبارة عن ايجاد تلك الهيئة عن وضع واعتماد. وعليه فبعد رفع الرأس عن السجدة الاولى قد زالت تلك الهيئة وانعدم الوضع إذ لا اعتماد وقتئذ، وان كانت الجبهة بعد ملاصقة للتربة، فلا يطلق

[ 126 ]

عليه الساجد في هذا الحال بالضرورة، وبعد تكرر الهيئة فقد تحقق وضع واعتماد جديد بعد ان لم يكن لتخلل العدم بينهما، فهو احداث سجدة اخرى لا ابقاء لما كان بالوجدان فتتحقق معه السجدتان ويصدق التعدد بلا ارتياب، والا فهل ترى جواز وضع الجبهة كذلك على الارض مرة أو مرات عامدا لشكر ونحوه لا نظن ان يلتزم به الفقيه للزوم زيادة السجدة بلا اشكال. فهذا التقرير ساقط قطعا. والاولى: في تعليل الوجوب ان يقال ان السجود بمفهومه اللغوي وان كان حادثا في المقام من دون الرفع أيضا فانه لغة عبارة عن وضع الجبهة على الارض سواء أكان ذلك مباشرة وبلا واسطة ام معها كما سبق في صدر البحث الا ان الشارع قد اعتبر في هذا الوضع خصوصية المباشرة كما مر، وان لم يعتبر في بقية المحال بلا اشكال والامر بالمباشرة كغيرها من ساير الواجبات ظاهر في الاحداث، فلا يكفي الابقاء بقصد الامتثال، ولا احداث في المقام، فان الجبهة كانت مباشرة مع التربة قبل الوضع على الارض، فهو ابقاء لما كان لا احداث جديد. والحاصل: ان السجود الشرعي يتقوم بامرين: الوضع وان يكون عن مباشرة، والاحداث وان حصل في الاول لكنه لم يتحقق في الثاني فمن اجله لابد من الرفع تحصيلا للاحداث بالاضافة اليهما معا. وبعبارة اخرى: لو كان السجود الشرعي متقوما بالوضع فحسب لما وجب الرفع لصدق تعدده بدونه كما عرفت، لكن المأخوذ في لسان النصوص عناوين أخر يقتضى مراعاتها وجوب الرفع في المقام

[ 127 ]

كعنوان السقوط إلى الارض، واصابة الجبهة ومسها بها. ففي صحيح زرارة (فايما سقط من ذلك إلى الارض اجزأك) وفي موثق عمار (اي ذلك اصبت به الارض اجزأك) ونحوها موثقة بريد، وفي صحيحة زرارة الاخرى (إذا مس جبهته الارض، (1) فان صدق هذه العناوين ولاسيما السقوط يتوقف على انفصال الجبهة عن الارض الموقوف على الرفع، إذا بدونه لا يصدق ان الجبهة سقطت أو اصابت أو مست الارض، بل المتصف بهذه الامور هي الجبهة التي عليها التربة الحائلة بينها وبين الارض دون الجبهة نفسها، فان الحدوث ملحوظ في مفاهيم هذه العناوين كما عرفت. فسقوط الجبهة على التربة لم يتحقق وعلى الارض وان تحقق لكنه مع الحائل فيبطل السجود من هذه الجهة هذا ويشهد لما ذكرناه من وجوب الرفع صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال سألته ايمسح الرجل جبهته في الصلاة إذا الصق بها تراب؟ فقال: نعم قد كان أبو جعفر (ع) يمسح جبهته في الصلاة إذا لصق بها التراب (2). فان الظاهر ان السؤال انما هو عن الوجوب دون الجواز. وذلك لان المنقدح في ذهن السائل لو كان احتمال مانعية المسح في الصلاة بتخيل انه فعل كثير فكان مقصوده السؤال عن الجواز وعدمه لكان حق العبارة ان يقول هكذا يمسح الرجل... الخ بصيغة الجملة الخيرية كي يكون السؤال عن ان هذا المسح المفروض وقوعه هل هو قادح ام لا ومثله يجاب عنه ب‍ (لا باس) كما وقع نظيره في الروايات كثيرا لكن الرواية


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب السجود ح 5 و 4 و 3 و 1. (2) الوسائل: باب 18 من أبواب السجود ح 1.

[ 128 ]

[ واما ساير المساجد فلا يشترط فيها المباشرة للارض (1) ] ليست كذلك بل هي بصيغة الاستفهام فقال أيمسح الرجل، الخ الظاهر في السؤال عن الوظيفة الفعلية، وانه هل يلزم عليه ان يمسح حينما يجد التراب لاصقا بجبهته أم لا، ومثله لا يجاب عنه ب‍ (لا بأس) كما في الاول بل ب‍ (نعم) أو (لا). فقوله عليه السلام: نعم، ولاسيما مع التعبير بصيغة الاستفهام يعطى قوة الظهور في ان المسؤل عنه هو الوجوب، وقد امضاه (ع) بقوله نعم فكأنه (ع) قال ابتداءا يمسح الرجل... الخ الذي لا شك في ظهوره في الوجوب فدلالة الصحيحة على ما ذكرناه تامة لا خدشة فيها. ومن جميع ما ذكرناه يظهر ان وجوب رفع التربة اللاصقة هو الاقوى وان جعلناه احوط في مبحث المكان (1)، وجعله الماتن كذلك في المقام. نعم إذا كان التراب اللاصق يسيرا جدا مثل الغبار ونحوه بحيث لا ينافي صدق السجود على الارض لكونه بمنزلة العرض عرفا لا يعد حائلا لم تجب ازالته كما نبه عليه في المتن. (1): بلا خلاف ولا اشكال، بل لعله يعد من الضروري، وتقتضيه جملة وافرة من النصوص التي منها صحيحة زرارة (... وان كان تحتهما ثوب فلا يضرك وان افضيت بهما إلى الارض فهو افضل) (2) وصحيحة حمران كان أبي (ع) يصلي على الخمرة يجعلها على الطنفسة


(1) في المسألة الرابعة والعشرين من (فصل مسجد الجبهة من مكان المصلي). (2) الوسائل: باب 26 من أبواب السجود ح 3

[ 129 ]

[ (مسألة 3): يشترط في الكفين وضع باطنهما مع الاختيار (1) ] ويسجد عليها فإذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد (1) وصحيحة الفضيل وبريد (لا بأس بالقيام على المصلى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الارض... الخ) (2) ونحوها غيرها. على ان المقتضى لاعتبار المباشرة بالاضافة إليها قاصر في حد نفسه فان الامر بالسجود على الارض ونباتها منصرف إلى وضع الجبهة بخصوصها الذي هو المقوم للسجود كما عرفت سابقا ولا يشمل ساير المساجد. (1): - لانصراف الامر بوضع اليدين على الارض الوارد في النصوص إلى الباطن فانه المنسبق منه إلى الذهن ولاسيما وان المتعارف من لدن زمن النبي صلى الله عليه وآله إلى عصر صدور هذه الاخبار كان هو ذلك ولا ريب ان النص منصرف إلى الشايع المتعارف، فلا اطلاق فيه يعم الظاهر لدى التمكن من الباطن. وتدل عليه أيضا صحيحة حماد فانه وان لم يصرح فيها بالسجود على الباطن لكنا نقطع بأنه (ع) في مقام التعليم قد سجد على باطن كفه على ما هو المتعارف، حتى وان لم ينقله حماد، إذ لو سجد (ع) على ظاهر الكف فحيث انه على خلاف المتعارف المعهود في مقام السجود فهو بطبيعة الحل لافت لنظر حماد فكان عليه ان ينقله


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب ما يسجد عليه ح 2. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب ما يسجد عليه ح 5.

[ 130 ]

[ مع الضرورة يجزى الظاهر (1) ] كما نقل جميع الخصوصيات الصادرة عنه (ع) في صلاته، بل ان هذا احرى بالحكاية من كثير مما حكى كما لا يخفى فمن عدم التعرض لذلك نكشف كشفا قطعيا انه عليه السلام قد سجد على الباطن، ثم قال (ع) في الذيل يا حماد هكذا فصل، وظاهر الامر الوجوب واما الاستدلال بالتأسي فظاهر المنع كما مر غير مرة، إذ الفعل مجمل العنوان فلم يعلم صدوره منه صلى الله عليه وآله بعنوان الوجوب كي يشمله دليل التأسي. (1): لعدم المقتضي لتقييد المطلقات بالاضافة إلى حال الضرورة فان المقيد منحصر في احد امرين كما مر، اما الانصراف والتعارف الخارجي، واما صحيحه حماد وكلاهما مختصان بفرض التمكن، اما الاول فظاهر، وكذا الثاني لوضوح ان الامام (ع) وكذا حماد المأمور بتلك الصلاة كانا متمكنين من السجود على الباطن. وعليه: فاطلاقات الامر بالسجود على الكف الشامل للظاهر والباطن مثل قوله (ع): انما السجود على سبعة اعظم ومنها الكفان غير قاصرة الشمول للمقام بعد سلامتها عن التقييد واما الاستدلال لذلك بقاعدة الميسور فيه ما لا يخفى، إذ مضافا إلى منع الكبرى لعدم تمامية القاعدة في نفسها كما مر مرارا لا صغرى لها في المقام، فان ظاهر الكف مقابل للباطن ومباين له، فيكف يعد ميسورا منه ومن مراتبه، وهل هذا الا كمن امره المولى ان

[ 131 ]

[ كما انه مع عدم امكانه لكونه مقطوع الكف (1) أو لغير ذلك يتنقل إلى الاقرب من الكف فالاقرب من الذراع والعضد. ] يذهب يمينا فعجز عنه، فيحكم بوجوب ذهابه شمالا لكونه ميسورا منه. وأما ما يدعى من انه مع الشك في تعين الظاهر لدى العجز عن الباطن فالاصل يقتضى التعيين بناءا على الرجوع إليه عند الشك في التعيين والتخيير فمما لا محصل له. إذ فيه اولا: ان الدوران بين التعيين والتخيير لا صغرى له في المقام فان مورده ما إذا علم بالوجوب في الجملة وتردد بين الامرين وفي المقام لا علم بالوجوب اصلا، فان السجود على الباطن قد سقط بالعجز حسب الفرض واما على الظاهر فلم يعلم تعلق التكليف به من اول الامر، فالامر دائر بين وجوبه في هذا الحال معينا، وبين سقوط التكليف به رأسا والاجتزاء بالمساجد الستة، ولا شك ان مقتضى الاصل البراءة للشك في حدوث تكليف جديد فأين التعيين والتخيير. وثانيا: ما نقحناه في الاصول من ان الشك في التعيين والتخيير. هو بعينه الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطي لا فرق بينهما إلا في مجرد العبارة، وليست قاعدة اخرى في قبالها، فان الجامع بينهما وهو الاقل متيقن، وخصوصية التعيين وهي الاكثر مشكوكة والمرجع في مثله البراءة كما حرر في محله. (1): حكم (قده) بالانتقال إلى الاقرب من الكف فالاقرب من الذراع والعضد، وهذا مشكل بل ممنوع، إذ لا دليل عليه عدا قاعدة الميسور التي تقدم منعها صغرى وكبرى، وعرفت أيضا

[ 132 ]

[ (مسألة 4): لا يجب استيعاب باطن الكفين أو ظاهرهما (1)، بل يكفى المسمى ولو بالاصابع فقط أو بعضها، نعم لا يجزى وضع رؤوس الاصابع مع الاختيار ] ما في دعوى اصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير. إذا فالاشبه بالقواعد سقوط التكليف به، والاجتزاء بالمساجد الستة، فان الواجب هو السجود على الكف باطنا أو ظاهرا كما مر الذي هو المراد من اليد الواقعة معه في بقية الاخبار كما أشرنا إليه سابقا وقد سقط بالتعذر حسب الفرض، ولا دليل على وجود بدل له والانتقال إليه. نعم لا ريب ان ما ذكره (قده) هو الاحوط. (1): قد عرفت عدم وجوب الاستيعاب في الجبهة، فهل الحكم كذلك في الكفين باطنا أو ظاهرا؟ المشهور ذلك، بل عن غير واحد دعوى عدم الخلاف فيه، فيكفى المسمى وان كان هو الاصابع، لكن عن العلامة في المنتهى التردد فيه حيث ان الاجتزاء بالبعض وكفاية المسمى إنما ثبت في الجبهة بالنص، اعني صحيحة زرارة المتقدمة وغيرها ولا دليل على الالحاق والتعدي منه إلى المقام. واجيب عنه - كما في كلمات جماعة - بان الاجتزاء في المقام ليس من اجل الالحاق والتعدي بل لكونه مقتضى اطلاق الادلة، فالاستيعاب يحتاج إلى الدليل دون الاجتزاء وهو مفقود. اقول: لا بد من التكلم في موضعين: احدهما في وجود المقتضى للاستيعاب وعدمه. والثاني في انه بعد وجوده فهل هناك ما يمنع عنه؟

[ 133 ]

اما الاول: فظاهر المشهور عدمه لوجود الاطلاقات الدافعة لاحتمال الاستيعاب كما عرفت لكنه لا يتم فان مقتضى الاطلاق في حد نفسه وان كان ما ذكر، ولذا يصدق ضرب اليتيم باليد أو وضع اليد على الحائط ونحوهما حتى لو فعل ذلك مع جزء من الكف ولا ينسبق منه المجموع، الا ان الظهورات ربما تختلف باختلاف المتعلقات. وحيث ان المتعلق في المقام هو السجود دون مثل الضرب ونحوه، والمتعارف المعهود من السجود خارجا إنما هو وضع تمام الكف فينصرف الاطلاق إلى الاستيعاب لا محالة. فلم يبق للامر ظهور يعتمد عليه في الاطلاق. نعم المنصرف إليه انما هو الاستيعاب العرفي دون الحقيقي كما لا يخفى. ويؤيده بل يدل عليه صحيحة حماد فانه وان لم يذكر فيها انه (ع) سجد على تمام كفه، لكنا نقطع بانه (ع) لم يسجد في مقام التعليم على خلاف ما هو المتعارف من مراعاة الاستيعاب العرفي وإلا لنقله الينا حماد، فمن عدم النقل نقطع بانه (ع) سجد مستوعبا ثم قال (ع) في الذيل يا حماد هكذا فصل. كما ذكرنا نظير هذا التقرير في السجود على باطن الكف على ما سبق. فالانصاف ان المقتضى للاستيعاب تام وترديد العلامة في محله. واما الثاني: اعني وجود المانع عن هذا المقتضي فيظهر من المحقق الهمداني (قده) أن المانع عنه هو التفريع المذكور في نصوص الجبهة التي منها وهي العمدة صحيحة زرارة (الجبهة كلها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود فايما سقط من ذلك على الارض

[ 134 ]

اجزأك... الخ) (1) فان الحكم بالاجتزاء بسقوط اي جزء المساوق لعدم وجوب الاستيعاب متفرعا ذلك على بيان حد الجبهة بقوله (ع) (فايما) يعطى سريان الحكم إلى جميع المساجد ومنها الكف وانه حكم عام قد طبق على المقام، فالتفريع بمنزلة العلة، وكأن هناك صغرى وكبرى مطوية كأنه (ع) قال هذا الحد كله مسجد، وكل مسجد يكفى فيه البعض فيجتزى بكل ما سقط من الجبهة على الارض. ولكن الجواب عن هذا لعله ظاهر، فان الروايات ليست بصدد بيان عدم وجبوب الاستيعاب، كيف وهذا من الواضحات الاولية التي يعرفها كل احد حتى الصبيان، فان الجبهة مستديرة وفي مثلها يستحيل الاستيعاب إلا إذا كانت الارض ترابا بحيث تغمس فيها الجبهة، واما الصلب المسطح كما هو الاغلب فلا يعقل فيه ذلك وليس قابلا للبحث عن وجوبه وعدمه، بل الرواية في مقام التوسعة في حد الجبهة وانها صادقة على كل جزء مما بين الحاجبين إلى قصاص الشعر، ولا تختص بما يلي طرف الانف مثلا. ولاجله فرع عليه جواز السجود على كل جزء منه، فالتفريع ناظر إلى التوسعة في الصدق، لا في مقام عدم وجوب الاستيعاب كي يستفاد منه ضابط كلي يشمل عامة المساجد كما افاد (قده). ويشهد لذلك قوله (ع) في ذيلها (مقدار الدرهم) أو (مقدار طرف الانملة) فهل يحتمل الاكتفاء بذلك في الكفين أيضا؟. ولا ينافي هذا ما قدمناه من الاستدلال بهذه الصحيحة ونحوها على عدم وجوب الاستيعاب، فان المراد بذلك عدمه بالاضافة إلى


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب السجود ح 5.

[ 135 ]

الاجزاء الممكنة كما لا يخفى. فالانصاف ان تردد العلامة في محله، إذ المقتضي تام والمانع مفقود فمراعاة الاستيعاب العرفي لو لم يكن اقوى فلا ريب انه الاحوط. وتؤيده رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: إذا سجدت فابسط كفيك على الارض (1) فان دلالتها وان تمت لملازمة البسط للاستيعاب، وظاهر الامر الوجوب، ولا يقدح ذكر الارض فانه من باب المثال قطعا، لكون النظر مقصورا على البسط، وليست بصدد بيان ما يسجد عليه كي تدل على التقييد بالارض الموجب للحمل على الاستحباب كما افيد، لكنها ضعيفة السند لضعف علي بن أبي حمزة، مضافا إلى ضعف طريق الشيخ (قده) إليه. ومما ذكرنا يظهر أن ما افاده في المتن من كفاية وضع الاصابع فقط أو بعضها لا يمكن المساعدة عليه لعدم تحقق الاستيعاب العرفي معه سيما في البعض منها. وهل يكفى وضع خصوص الراحة؟ مقتضى ما ذكرناه من الاستيعاب هو العدم. لكن قد يستدل للجواز بما رواه العياشي عن أبي جعفر الثاني (ع) انه سأله المعتصم عن السارق من اي موضع يجب ان تقطع يده؟ فقال ان القطع يجب ان يكون من مفصل اصول الاصابع فيترك الكف. قال: وما الحجة على ذلك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة اعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين. فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها. وقال الله: إن المساجد لله، يعني به هذه الاعضاء السبعة التي يسجد عليها


(1) الوسائل: باب 19 من أبواب السجود ح 2.

[ 136 ]

كما لا يجزئ لو ضم اصابعه وسجد عليها مع الاختيار (1). (مسألة 5): في الركبتين أيضا يجزي وضع المسمى منهما ولا يجب الاستيعاب (2)، ويعتبر ظاهرهما دون ] فلا تدعوا مع الله احدا، وما كان لله فلا يقطع... الخبر (1). ودلالة الرواية وان كانت تامة لان ظاهرها ان ما كان لله لا يقطع شئ منه ولا يقع عليه القطع لا انه لا يقطع بتمامه، فيظهر ان الكف الذي يجب السجود عليه يراد به خصوص الراحة، لكنها ضعيفة السند من جهة الارسال فلا يمكن الاعتماد عليها. فظهر ان الاقوى عدم الاكتفاء بالراحة، بل اللازم مراعاة الاستيعاب العرفي للكف كما مر، فلو وضع نصف تمام كفه طولا أو عرضا لم يكن مجزيا. (1): كما نفى عنه البعد في الجواهر، دافعا لاحتمال كون الاصابع حينئذ بمنزلة البساط والفراش بمنافاته للصدق العرفي (2) لكن هذا بناءا على كفاية المسمى كما اختاره في المتن لا وجه له، إذ يقع حينئذ مقدار من الراحة بالاضافة إلى الاصابع المتعارفة على الارض لا محالة، إلا إذا فرض طول الاصابع بمثابة تستوعب الراحة لدى الضم الذي هو نادر وعلى خلاف المتعارف. (2): لاطلاق الادلة بل الاستيعاب الحقيقي متعذر من جهة استدارتها كما مر في الجبهة.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب حد السرقة ح 5 (2) الجواهر ج 10 ص 146.

[ 137 ]

[ الباطن (1) والركبة مجمع عظمي الساق والفخد فهي بمنزلة المرفق من اليد (2). ] (1): بل لا يمكن وضع الباطن خصوصا مع السجود على الابهام. (2): كما هو ظاهر معناها عرفا ولغة. وعليه فمقتضى اصالة الاطلاق جواز السجود على أي جزء منها سواء أكان هو الجزء المتصل بالساق أم المتصل بالفخذ أم المحل المرتفع المتوسط ما بينهما، لكن يظهر من صاحب الجواهر (قده) مراعاة الاحتياط بالسجود على الاخير ولو بالتمدد في الجملة وانه المراد من عين الركبة الواقع في صحيحة حماد قال (قده) بعد تفسير الركبة بما عرفت ما لفظه (فينبغي حال السجود وضع عينيهما ولو بالتمدد في الجملة في السجود كما فعله الصادق (ع) في تعليم حماد كي يعلم حصول الامتثال (1). اقول: يرد عليه اولا انه لم يثبت ان المراد بعين الركبة ما ذكره من العظم المستدير المرتفع المتخلل بين الطرفين الذي يتوقف السجود عليه على مزيد التمدد، بل ربما يظهر من بعض نصوص الركوع وغيرها انه الجزء المتصل بالساق الذي يقع جزء منه على الارض لدى الجلوس مثنيا، ويكون اسفل من العضو المرتفع في حال القيام، ولا يحتاج إلى مزيد التمدد لدى السجود. ففي صحيح زرارة بعد بيان الاجتزاء في حد الركوع ببلوغ اطراف الاصابع إلى الركبتين قال (ع) وأحب إلي أن تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل اصابعك في عين


(1) الجواهر ج 10 ص 139.

[ 138 ]

[ (مسألة 6): الاحوط في الابهامين وضع الطرف من كل منهما (1) دون الظاهر أو الباطن منهما، ومن قطع ] الركبة (1). فيظهر ان عين الركبة اسفل من ذاك العظم المستدير الذي هو بمنزلة المرفق، ولذا حث (ع) على مزيد الانحناء، وتمكين الكفين من الركبتين بحيث تقع الاصابع على العضو الاسفل المتصل بالساق الذي عبر (ع) عنه بعين الركبة. وثانيا: لو سلم ان المراد بعين الركبة ما ذكره وسلم وقوعه في صحيحة حماد مع ان النسخ مختلفة، وبعضها عارية عن لفظة (عين) لا دلالة فيها على وجوب ذلك وان صدر منه (ع) كذلك لتصريحه (ع) فيها على رواية الكافي (2) بان الواجب من المساجد سبعة: وهي الجبهة، والكفان، والركبتان، والابهامان، فلو كان الواجب عينها - وهو في مقام التحديد والتعليم وبصدد بيان تمام ما هو الواجب من مواضع السجود - لقيد الركبة بها، فيعلم ان صدوره منه (ع) من باب ايجاد الطبيعة في ضمن احد الافراد أو افضلها لا لوجوبه بالخصوص سيما مع اشتمال الصحيحة على جملة من المستحبات ومنه تعرف عدم كون المقام من موارد حمل المطلق على المقيد. (1): اشرنا فيما سبق إلى ان الواجب انما هو السجود على خصوص الابهامين، فان نصوص المقام وان اختلفت وقد عبر في


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3. (2) الوسائل: باب 1 من افعال الصلاة ح 2

[ 139 ]

بعضها بالرجلين كما في صحيحة القداح (1) لكن يجب تقييدها بالابهامين المصرح بهما في البعض الاخر كصحيحة زرارة (2) وحماد وغيرهما عملا بصناعة الاطلاق والتقييد. وهل الواجب وضع خصوص الطرف من الابهام أو يتخير بينه وبين الظاهر أو الباطن؟ ذهب جمع إلى الاول استنادا إلى صحيحة حماد المتضمنة انه (ع) سجد على انامل ابهامى الرجلين. وفى الجواهر انه احوط بل لعله متعين (3). اقول: اما الاحتياط فمما لا شك فيه، واما التعين فلا، لقصور الصحيحة عن اثباته. اما اولا فلانه لم يثبت ان الانملة هي خصوص رأس الاصبع وطرفه، بل يظهر من بعض اهل اللغة انها العقد الاخير من الاصابع. واما ثانيا: فعلى تقدير التسليم لا يدل فعله (ع) على الوجوب لتصريحه (ع) فيها عند عد المساجد على - رواية الكافي - بالابهامين كما قدمنا نظير هذا آنفا في الركبتين فالاقوى جواز السجود على كل من الطرف أو الظاهر أو الباطن لصدق الابهام على الجميع وان كان الاولى احوط. وأما ما عن الموجز من اعتبار وضع ظاهر الاصابع فلم يظهر له مستند اصلا.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب السجود ح 8. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب السجود ح 2. (3) الجواهر ج 10 ص 141.

[ 140 ]

[ ابهامه يضع ما بقي منه (1) وان لم يبق منه شئ أو كان قصيرا يضع سائر اصابعه. ولو قطع جميعها يسجد على ما بقي من قدميه، والاولى والاحوط ملاحظة محل الابهام. (مسألة 7): الاحوط الاعتماد على الاعضاء السبعة (2) بمعنى القاء ثقل البدن عليها، وان كان الاقوى عدم وجوب ازيد من المقدار الدي يتحقق معه صدق السجود ولا يجب مساواتها في القاء الثقل ولا عدم مشاركة غيرها معها من ساير الاعضاء كالذراع وباقي اصابع الرجلين. ] (1): لصدق الابهام عليه فيشمله الاطلاق. واما ما افاده (قده) من وجوب وضع ساير الاصابع لو لم يبق من الابهام شئ، أو كان قصيرا في حد نفسه بحيث فرض عدم التمكن من السجود عليه. وان كان الفرض نادرا إذا لا أقل من جعل ساير الاصابع في حفيرة والسجود على الابهام الخارجة عنها - وانه عند قطع الجميع يسجد على ما بقي من قدميه مع ملاحظة محل الابهام، فكل ذلك مبني على الاحتياط، إذا ليس له مستند صحيح عدا ما يتوهم من قاعدة الميسور التي هي ممنوعة كبرى كما مر مرارا، وكذا صغرى لمبائنة بقية الاصابع مع الابهام، وكذا ساير القدم. فكيف تعد ميسورا منه ومن مراتبه كما قدمنا مثل ذلك في باطن الكف وظاهرها. (2): بل هو الاقوى لما مر مرارا من تقوم مفهوم السجود عرفا - ودلت عليه بعض النصوص - أيضا بالوضع المتوقف صدقه

[ 141 ]

[ (مسألة 8): الاحوط كون السجود على الهيئة المعهودة (1)، وان كان الاقوى كفاية وضع المسجد السبعة بأى هيئة كان مادام يصدق السجود، كما إذا الصق صدره وبطنه بالارض، بل ومد رجله أيضا، بل لو انكب على وجهه لاصقا بالارض مع وضع المساجد بشرط الصدق المذكور، لكن قد يقال بعدم الصدق وانه من النوم على وجهه. ] على الاعتماد والقاء الثقل فلا يكفى مجرد المماسة كما لو علق بحبل ونحوه، أو جعل سنادا تحت بطنه أو صدره مع لصوق المساجد السبعة بالارض من دون اعتماد عليها فان ذلك ليس من السجود على الاعضاء السبعة في شئ. نعم لا يلزم انحصار الثقل بها، فلا يقدح مشاركة غيرها معها في الثقل كالذراع والسناد ونحوهما للاطلاق كما لا تعتبر مساواة الاعضاء في ذلك فلو كان ثقله على أحدى ركبتيه أو يديه اكثر لم يكن قادحا لما عرفت من الاطلاق. (1): فان الظاهر ان حقيقة السجود تتقوم بهيئة خاصة وهي المتعارفة المعهودة المقابلة للركوع والقيام والقعود، والاضطجاع ونحوها من ساير الهيئات. فلا يكفي مجرد وضع المساجد كيفما اتفق من دون مراعاة هذه الهيئة، كما لو انكب على وجهه فانه نوم لا سجود وان حصل معه وضع الاعضاء السبعة على الارض، فليس كل وضع سجودا، بل السجود يعتبر فيه الوضع المزبور، فالنسبة

[ 142 ]

[ (مسألة 9): لو وضع جبهته على موضع مرتفع (1) ازيد من المقدار المغتفر كاربع اصابع مضمومات فان كان الارتفاع بمقدار لا يصدق معه السجود عرفا جاز رفعها ووضعها ثانيا، كما يجوز جرها وان كان بمقدار يصدق معه السجدة عرفا فالاحوط الجر لصدق زيادة السجدة مع الرفع، ولو لم يمكن الجر فالاحوط الاتمام والاعادة. ] بينهما عموم مطلق. فما حكاه في المتن عن بعض من عدم صدق السجود في هذه الصورة وانه من النوم على وجهه هو الصحيح الذي لا ينبغي الريب فيه. نعم بعد تحقق الهيئة السجودية لا يعتبر مساواة الاعضاء من حيث التقديم والتأخير بأن تكون على نسق واحد، فلا ضير في تقديم احدى الركبتين أو الرجلين على الاخرى، أو وضع احدى اليدين دون الجبهة، والاخرى اعلى منها مع فرض مراعاة الاستقبال لاطلاق الادلة. (1): قسمه (قده)، على قسمين: فتارة يكون الارتفاع بمثابة لا يصدق معه السجود العرفي، واخرى يصدق عرفا ولكنه لا يصدق شرعا لزيادته عن اللبنة يسيرا، كما لو كان الارتفاع بمقدار خمس اصابع مثلا فان السجود العرفي صادق حينئذ، وانكاره كما عن صاحب الجواهر (قده) زاعما ان المساواة شرط في مفهوم السجود العرفي لم نتحققه بل ممنوع كما لا يخفى. اما القسم الاول: فقد يكون الوضع كذلك عمدا، واخرى

[ 143 ]

سهوا. اما في صورة العمد فلا ينبغي الاشكال في البطلان إذا كان ذلك بقصد الجزئية لصدق الزيادة العمدية، فيشمله قوله (ع): من زاد في صلاته فعليه الاعادة (1) إذ لا يعتبر في صدق الزيادة ان يكون الزائد من سنخ اجزاء الصلاة، بل كل ما اتى به بعنوان الجزئية ولم يكن جزءا كان زائدا في الصلاة سواء أكان من اجزائها أم لا كما في المقام، حيث ان الزائد ليس من السجود في شئ حسب الفرض، فالزيادة صادقة من الآن سواء سجد بعدئذ أم لا كما لا ينبغي الاشكال في الصحة إذا لم يقصد به الجزئية، بل اتى به بداع آخر من حك الجبهة ونحوه لعدم صدق الزيادة بعد تقومها بالقصد المزبور، فغايته انه عمل عبث في الصلاة لا ضير فيه بعد ان لم يكن ماحيا لصورتها، فلو رفع رأسه واتى بالسجود الشرعي بعده صحت صلاته. إنما الكلام في صورة السهو، فهل يتعين عليه الرفع حينئذ والوضع ثانيا في المكان السائغ أم يجزيه الجر إليه فهو مخير بين الامرين؟ اختار الثاني في المتن. والاقوى هو الاول لما عرفت سابقا من ان المعتبر في السجود احداث الوضع وسقوط الجبهة على الارض فلا ينفعه الجر فانه ابقاء للوضع السابق وليس احداثا لوضع جديد فلا مناص من الرفع مقدمة للاحداث ولا ضير فيه، إذ لا يترتب عليه زيادة السجدة، إذ الاولى لم تكن من السجود في شئ حتى عرفا فلم يتكرر كي يكون زائدا، على ان زيادة السجدة الواحدة سهوا مغتفرة بلا اشكال.


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب الخلل ح 2.

[ 144 ]

وتؤيده رواية الحسين بن حماد قال: قلت لابي عبد الله (ع) اسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع، فقال ارفع رأسك ثم ضعه (1) لكنها ضعيفة السند فان الحسين بن حماد لم يوثق وان كان السند من غير ناحيته صحيحا، فان ابا مالك الحضرمي هو الضحاك الذي وثقه النجاشي، بل قال انه ثقة ثقة. ومن هنا لا تصلح إلا للتأييد (2). هذا. وربما يستدل على وجوب الجر بصحيحة معاوية بن عمار قال قال أبو عبد الله (ع): إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها ولكن جرها على الارض (3). والنبكة هي التل محددا كان ام لا. فان مقتضى اطلاقها وجوب الجر وعدم جواز الرفع سواء أكان الموضع مما يتحقق معه السجود العرفي ام لا. ويندفع بان الرواية وان كانت صحيحة من حيث السند إذ ان محمد بن اسماعيل الذي يروي عن الفضل بن شاذان ويروي عنه الكليني كثيرا وان لم يوثق في كتب الرجال لكن يكفي وقوعه في كامل الزيارات بعين هذا السند، لكنها قاصرة الدلالة بالاضافة إلى المقام إذ الظاهر انصرافها إلى ما صدق معه السجود العرفي لان سياقها يشهد بان المانع هو خصوص العلو مع تحقق الوضع المعتبر في السجود


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب السجود ح 4. (2) لا يبعد انصرافها إلى ما صدق معه السجود العرفي على حذو ما افاده دام ظله في صحيحة معاوية الآتية فتكون خارجة عن محل الكلام، مضافا إلى معارضتها في موردها بروايته الاخرى الآتية. (3) الوسائل: باب 8 من أبواب السجود ح 1.

[ 145 ]

العرفي، وإلا فمع عدم تحققه كان المعنى هكذا إذا لم تسجد فاسجد وهو كما ترى. فالانصاف ان الصحيحة ناظرة إلى القسم الثاني وليست من المقام. فظهر ان المتعين في هذا القسم تعين الرفع وليس له الجر. واما القسم الثاني: فقد يكون أيضا عن عمد واخرى عن سهو اما العمد فلا ينبغي الاشكال في البطلان سواء أقصد به الجزئية ام لا لصدق الزيادة العمدية. اما في الاول فظاهر مما مر، وكذا الثاني لما استفيد مما دل على المنع عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معللا بانها زيادة في المكتوبة - مع ان المأتي به حينئذ سجود التلاوة دون الصلاة - من ان السجود - ويلحقه الركوع بالاولوية - يمتاز عن غيره بعدم اعتبار قصد الجزئية في اتصافه بعنوان الزيادة فتشمله ادلة الزيادة القادحة من غير انتظار للرفع والوضع ثانيا، فان هذا العنوان صادق من الآن ومنطبق على الوضع الاول - المتحقق معه السجود العرفي على الفرض - من حين تحققه ولا يناط بتكرره. واما الجر تحقيقا للسجود المأمور به فلا يكاد ينفع لاعتبار الاحداث في الوضع على ما دون اللبنة المتقوم به السجود المزبور كما يفصح عنه قوله (ع) في صحيحة ابن سنان (إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس (1) فاعتبرت المساواة في موضع الجبهة اي محل وضعها، فلابد ان يكون الوضع حادثا في المكان المساوي. ومن الواضح ان هذا العنوان لا يتيسر بالجر فانه ابقاء للوضع السابق لا احداث للوضع على ما دون اللبنة ابتداءا اللازم رعايته


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب السجود 1.

[ 146 ]

بمقتضى الصحيحة، وهي وان دلت على اعتبار الحدوث في موضع البدن أيضا بمقتضى وحدة السياق فلا ينفع الجر فيه، كما لم ينفع في موضع الجبهة، لكن ثبت الاكتفاء فيه من الخارج بالقطع والاجماع وهو الفارق بين الموضعين. فلا مناص في المقام من الحكم بالبطلان الذي هو مطابق للقاعدة. فما في بعض الكلمات من الحكم بالصحة مع الجر وانه المطابق للقاعدة مستشهدا عليه بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة: (إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها ولكن جرها على الارض). فيه مالا يخفى: فان القاعدة قد عرفت حالها. واما الصحيحة فليست مما نحن فيه لانصرافها عن صورة العمد، كما يكشف عنه قوله (ع): فلا ترفعها، فان النهي عن الرفع انما يتجه مع وجود المقتضي له، كما لو اراد الوضع في مكان فنسى أو اخطا فوضع في مكان آخر ثم تذكر فان المقتضي للرفع وتجديد الوضع حاصل في مثله جريا على ارادته السابقة وتنفيذا للقصد الاول الذي عنه ذهل، بخلاف صورة العمد إذ لم يقصد ما عداه، فلا مقتضي للرفع كي ينهى عنه كما لا يخفى. وعلى الجملة فالصحيحة لا تشمل المقام، والجر لا يوجب الاحداث والرفع لا اثر له بعد تحقق الزيادة، فلا محيص عن الحكم بالبطلان عملا بالقواعد السليمة عن المخصص. هذا كله في العمد. واما السهو فمقتضى القاعدة وجوب الرفع وعدم الاجتزاء بالجر اما الثاني فلما عرفت من حديث الاحداث واما الاول فلعدم محذور فيه غايته زيادة سجدة واحدة سهوا وهي مغتفرة بلا اشكال لكنا

[ 147 ]

نخرج عن مقتضاها استنادا إلى صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة الناهية عن الرفع، والآمرة بالجر فتكون مخصصة للقاعدة لا محالة. وتؤيده رواية الحسين بن حماد الاخرى قال: قلت له (ع) - اضع وجهي للسجود فيقع وجهي على حجر أو على موضع مرتفع احول وجهي إلى مكان مستو، فقال: نعم، جر وجهك على الارض من غير ان ترفعه (1) لكنها ضعيفة السند لعدم توثيق الحسين كما مر وان كان الراوي عنه هنا عبد الله بن مسكان الذي هو من اصحاب الاجماع لما تكرر في مطاوي هذا الشرح من ان كون الراوي من اصحاب الاجماع لا يقتضى إلا وثاقته في نفسه لا توثيق من يروي عنه. ومن هنا لا تصلح الرواية إلا للتأييد. على انه يمكن النقاش في دلالتها باحتمال كونها ناظرة إلى اما إذا تحقق معه السجود العرفي والشرعي، فلم يكن الارتفاع في موضع الجبهة ازيد من اللبة غير انه اراد الرفع طلبا للاستقرار الحقيقي وتحريا للفرد الافضل، فيكون خارجا عن محل الكلام. هذا كله إذا تمكن من الجر، واما مع عدم التمكن فالظاهر البطلان، فان وجوب الجر ساقط بعد فرض العجز فهو مرفوع بحديث نفي الاضطرار ولا سبيل إلى الرفع لاطلاق النهي عنه في صحيحة معاوية الشامل للمقام حيث دلت على ان الوظيفة ليست هي الرفع، واطلاقها يشمل العجز عن الجر. فلا مناص من الحكم بالبطلان. والتصدي للتصحيح بدعوى ان الساقط خصوص جزئية الجر بمقتضى حديث نفي الاضطرار فلا موجب لعدم الاكتفاء بالباقي


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب السجود ح 2.

[ 148 ]

[ (مسألة 10): لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه (1) يجب عليه الجر ولا يجوز رفعها لاستلزامه زيادة السجدة ولا يلزم من الجر ذلك ومن هنا يجوز له ذلك مع الوضع على ما يصح أيضا لطلب الافضل أو الاسهل ونحو ذلك، وإذا لم يمكن الا الرفع فان كان الالتفات إليه قبل تمام الذكر فالاحوط الاتمام ثم الاعادة وان كان بعد تمامه فالاكتفاء به قوى كما لو التفت بعد رفع الرأس، وان كان الاحوط الاعادة أيضا. ] يدفعه ان الحديث لا يقتضي تعلق الامر بالباقي، فان رفع الجزئية انما هو برفع الانتزاع وهو المتعلق بالمركب، وبعد سقوطه يحتاج تعلق الامر بما عداه من الاجزاء إلى دليل مفقود كما تعرضنا لذلك في الاصول فلا محيص عن الاستيناف واعادة الصلاة. (1): اما إذا كان ذلك عن قصد وعمد فلا ينبغي الشك في البطلان سواء أقصد به الجزئية أم لا، من جهة الزيادة العمدية الحاصلة بمجرد تحقق السجود على ما لا يصح من غير توقف على الرفع وتجديد الوضع كما عرفت في المسألة السابقة. واما إذا كان سهوا فالظاهر وجوب الرفع والوضع ثانيا على ما يصح، إذ لا يترتب عليه عدا زيادة سجدة واحدة سهوا وهي غير قادحة، بلا اشكال. وقد عرفت ان الجر على خلاف القاعدة، إذ لا يتحقق معه الاحداث المعتبر في الوضع المتقوم به السجود،

[ 149 ]

وإنما قلنا به في المسألة السابقة من اجل النص غير الشامل للمقام كما هو ظاهر. فوجوب الرفع هنا مطابق للقاعدة السليمة عن المخصص. ويؤيده ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (ع) انه كتب إليه يسأله عن المصلي يكون في صلاة الليل في ظلمة فإذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على مسح أو نطع فإذا رفع رأسه وجد السجادة، هل يعتد بهذه السجدة ام لا يعتد بها؟ فكتب إليه في الجواب: ما لم يستو جالسا فلا شئ عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة (1). ونوقش: فيها تارة من حيث السند، إذ ان الطبرسي يرويها عن الحميري مرسلا. واخرى: من حيث المضمون، واضطراب المتن لعدم استقامة الجواب في حد نفسه، إذ بعد فرض عدم استوائه في جلوسه الملازم لرفع رأسه فاي معنى بعدئذ لقوله (ع): لا شئ عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة. وهل هذا إلا من تحصيل الحاصل. على ان الجواب غير مطابق للسؤال، فان المسؤول عنه هو الاعتداد بتلك السجدة وعدمه. فالجواب بعد البأس في رفع الرأس لا ينطبق عليه، إذ لم يظهر بعد حكم الاعتداد الواقع في السؤال. ويمكن الجواب عن الاول بانها وان كانت مرسلة في هذا السند لكن الشيخ رواها في كتاب الغيبة بسند صحيح كما نبه عليه صاحب الوسائل (قده) في المقام حيث قال: (ورواه الشيخ في كتاب الغيبة بالاسناد الآتي) وسنده (قده) إلى الحميري بوساطة محمد بن


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب السجود ح 6.

[ 150 ]

احمد بن داود القمي الذي هو من اجلاء الاصحاب كما ذكره النجاشي والشيخ (قده) وان لم يدركه، لانه توفي قبل ولادة الشيخ لكنه يروي عنه بواسطة مشايخه كالغضائري وابن عبدون وغيرهما كما صرح به في الفهرست. وعن الثاني: بان في الكلام تقديما وتأخيرا حيث ان قوله (ع) ما لم يستو... الخ متعلق بقوله (ع): فلا شئ عليه، فكأنه قال هكذا: لا شئ عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة ما لم يستو جالسا. فرخص (ع) في رفع الرأس بمقدار يسير ومشروطا بان لا يستوي جالسا، لا انه قبل الاستقرار رخص في رفع الرأس كي يكون من تحصيل الحاصل. فليست الجملة شرطية، بل القيد راجع إلى الذيل كما عرفت. ومنه: يظهر الجواب عن عدم المطابقة للسؤال، إذ بعد حكمه (ع) بفع الرأس طلبا للخمرة يظهر انه لا يعتد بتلك السجدة وإلا لم يكن له الرفع حتى يسيرا كما لا يخفى. فالانصاف ان الرواية صحيحة السند ظاهرة المتن من غير تشويش ولا يرد عليها شئ مما ذكر ولكنها مع ذلك لا تصلح للمقام إلا تأييدا، ولا يمكن الاستدلال بها، فان موردها صلاة الليل الظاهرة في نافلته، وهي لمكان الا ستحباب قد يغتفر فيها مالا يغتفر في الفرائض لابتنائها على الارفاق والتسهيل، وربما لا يعتبر فيها ما يعتبر في الفرائض كما يشهد به بعض المقامات، ولعل المقام منها، فلا يمكن التعدي عن موردها كما اشار إليه في الجواهر. وكيفما كان ففيما ذكرناه من التمسك بالقاعدة التي مقتضاها

[ 151 ]

وجوب الرفع مقدمة لتحقيق السجود المأمور به غنى وكفاية، ولا حاجة إلى هذه الرواية، وقد عرفت ان غاية ما هناك زيادة سجدة واحدة وانها حاصلة بمجرد الوضع السابق، ولم تكن مترتبة على الرفع والوضع ثانيا، وحيث انها سهوية لم تكن قادحة. فما ذكره في المتن من المنع عن الرفع معللا باستلزامه زيادة السجدة ولا يلزم من الجر ذلك في غير محله. كما ان قياسه المقام على ما لو سجد على ما يصح فاراد الجر طلبا للافضل أو الاسهل الجائز بلا اشكال مع الفارق بداهة حصول السجود المأمور به في المقيس عليه من غير خلل فيه. فالتصدى للجر طلبا للافضل مما لا ضير فيه، وقد دلت عليه أيضا رواية صحيحة واما في المقام فغير حاصل لما عرفت من لزوم احداث الوضع على ما يصح مباشرة ولم يتحقق على الفرض. والجر غير نافع في تحقيقة فانه ابقاء للوضع السابق وليس احداثا لموضع جديد، والا فلو بنى على كفايه الجر في تحقيق السجود المأمور به كان اللازم الاكتفاء به حتى في صورة العمد والاختيار، فله ان يضع جبهته على مالا يصح عالما عامدا ثم يجره إلى ما يصح السجود عليه، ولا يظن ان يلتزم به الفقية. فيكشف هذا كشفا قطعيا عن عدم تحقق السجود المأمور به من اجل فقده شرط الاحداث، وانه لا يكاد يمكن تحصيله الا بالرفع، وان ما وقع سجود عرفى بحت لا يمكن تتميمه بالجر، وبما انه لم يكن من اجزاء الصلاة فيقع على صفة الزيادة لا محالة من لدن وقوعه سواء اتعقب بالرفع ام لا، فالزيادة حاصلة على كل حال، وحيث انه كان مستندا إلى السهو فزيادته غير قادحة.

[ 152 ]

وملخص الكلام مع تنقيح المقام ان من وقعت جبهته على مالا يصح فقد يكون الالتفات قبل رفع الرأس، واخرى بعده فهنا فرعان. اما الفرع الاول ففيه قولان: وجوب الجر كما اختاره في المتن تبعا للجواهر بل نسب ذلك إلى المشهور، ووجوب الرفع كما اختاره في الحدائق. ومبنى القولين. بعد وضوح عدم نص في البين عدا التوقيع الذي عرفت حاله، فلا بد من الجرى على ما تقتضيه القواعد - ان اعتبار السجود على ما يصح هل من شرائط المكان وقيد معتبر في محل الجبهة سواء احصل ذلك حدوثا ام بقاءا، أو انه قيد ملحوظ في نفس السجود وان اللازم هو الوضع على ما يصح ابتداءا ووقوع الجبهة عليه حدوثا، ولا يكفى بقاءا واستدامة. فعلى الاول: تعين الجر إذ السجود الحاصل وان لم يكن بعد شرعيا ومن اجزاء الصلاة إلا انه لمكان صلوحه لذلك ولو بمعونة الجر لفرض كفاية البقاء لم يكن موصوفا بالزيادة، وانما يتصف بها بعد الرفع والوضع ثانيا ولاجل ذلك لا يجوز الرفع لاستلزامه زيادة السجدة عمدا، إذ كان في وسعة الاقتصار على هذه السجدة وتتميمها، فباختياره زاد سجده اخرى. فلا مناص من وجوب الجر حذرا عن هذا المحذور المترتب على الرفع كما علله به في المتن. وعلى الثاني: تعين الرفع، إذ بعد فرض اعتبار الاحداث فهذا السجود غير قابل للاصلاح، ولا يمكن عده من اجزاء الصلاة إذ لا ينفعة الجر كما مر ولازمه اتصافه بالزيادة حينما وقع سواء اتعقبه الرفع والوضع ام لا فالزيادة حاصله على كل حال، وحيث انها سهوية لم تكن قادحة. فلا مناص من تعين الرفع والاتيان

[ 153 ]

بالسجدة المأمور بها. هذا ولاجل ان المتعين هو المبني الثاني لم استفيد من النصوص من اعتبار الحدوث لمكان التعبير بالسقوط والوضع ونحوهما الظاهر في ذلك فالاقوى هو الرفع وعدم كفاية الجر، وألا لا نتقض بصورة المعمد الذى لا يظن أن يلتزم به الفقيه كما مرت الاشارة إليه. هذا كله مع التمكن من الجر، واما مع العجز عنه فبناءا على المختار من وجوب الرفع عند التمكن فمع العجز بطريق اولى كما لا يخفى. واما بناءا على المسلك الاخر فالمشهور وجوب الرفع حينئذ، بل في المدارك دعوى الاجماع عليه وهو الظاهر من عبارة المتن وان احتاط بالاعادة بعد الاتمام، إذ يبعد ارادته الاتمام من غير رفع والا لم يكن وجه لقوله (وإذا لم يمكن الا الرفع) بل كان الاحرى ان يقول (وإذا لم يمكن الجر) فيظهر من هذا التعبير المشعر بالعناية بالرفع لزوم مراعاته، وهو الذى ادعى في المدارك الاجماع عليه كما عرفت. وحينئذ ينافيه ما تقدم منه (قده) في المسألة الثانية والعشرين من فصل مسجد الجبهة من الجزم بالبطلان. على انه (قده) صرح في المقام بالاكتفاء لو كان التذكر بعد استكمال الذكر مع انه (قده) جزم بالبطلان هناك وان خصه بالسعة. وكيفما كان فسواء اراده الماتن ام لا يتوجه على القائلين بالرفع ما اعترضه شيخنا الانصاري (قده) من انه بعد البناء على استلزامه لزيادة السجدة كما اعترف به الماتن وغيره فمن الضرورى عدم الفرق في ذلك بين صورتي التمكن من الجر وعدمه.

[ 154 ]

وعليه: فكيف يمكن الالتزام في المقام بوجوب الرفع تحصيلا لقيد معتبر في السجود وهو الوضع على ما يصح، وهل يمكن المصير إلى ايجاد مانع مقدمة لتحصيل شرط فلا مناص اما من انكار المبنى فيلتزم بوجوب الرفع في كلتا الصورتين - كما هو الصحيح - أو البناء على البطلان في المقام فانه المتعين لو سلم الاستلزام المزبور فالتفكيك مع الاعتراف بالمبنى غير ظاهر الوجه. هذا: وقد يحتمل في المقام قول ثالث وهو البناء على صحة الصلاة واتمامها على هذه الحالة من دون رفع فان الجر ساقط لفرض العجز والرفع موجب للزيادة، فيدور الامر بين الصحة والاتمام كذلك، وبين البطلان لكن الاخير منفي بحديث لا تعاد، إذ الخلل لم ينشأ من قبل السجود كى يندرج في عقد الاستثناء، وانما هو في قيد معتبر فيه وهو الوضع على ما يصح، فيشمله عموم المستثنى منه، فذات السجود قد اتي به، وإنما الخلل في واجب آخر معتبر فيه فليس حاله الا كالاخلال بالذكر أو الاطمئنان، أو وضع ساير المساجد الذى هو مشمول لعموم الحديث بلا ارتياب فيتعين الحكم بالصحة. ولعل فتوى الماتن بها لو كان الالتفات بعد استكمال الذكر حيث قال: (وان كان بعد تمامه فالاكتفاء به قوي) ناظر إلى هذا القول غير الجاري فيما لو كان التذكر قبل الاستكمال لعدم تكلف الحديث لتشريع الذكر حال فقد القيد. ولاجله فصل (قده) بين الصورتين والا فلم يظهر وجه للتفكيك اصلا كما لا يخفى. ولكنه لا يتم اما اولا فلان السجود بمفهومه العرفي وان كان هو مطلق وضع الجبهة فعل الارض لكن الذى اعتبرة الشارع في الصلاة

[ 155 ]

هو حصة خاصة منه وهو الوضع على ما يصح السجود عليه فهو الجزء بخصوصه دون غير، فالاخلال بهذا القيد اخلال بذات الجزء، فلو سجد على مالا يصح فقد ترك الجزء نفسه، إذ ما اتى به لم يكن جزءا، وما هو الجزء لم يأت به، ومن الواضح ان السجود المستثنى في حديث لا تعاد - وكذا الركوع - لا يراد به الا السجود المعدود من اجزاء الصلاة، اعني السجود الشرعي المأمور به دون ذاته بما له من المفهوم العرفي. ومن هنا لو انحنى مقدارا تحقق معه الركوع العرفي ولم يبلغ الحد الشرعي نسيانا ثم تذكر لا ينبغى الشك في بطلان الصلاة، ولا مجال لتصحيحها بالحديث مع ان المتروك حينئذ انما هو قيد الركوع وحده الشرعي لا ذاته، وقياسه بالذكر ونحوه في غير محله، إذ تلك الامور واجبات معتبرة حال السجود وليست قيدا مأخوذا في ذات المأمور به. وعلى الجملة: فالاخلال بالقيد في المقام اخلال بنفس السجود لا بواجب آخر فيندرج في عقد الاستثناء دون المستثنى منه. واما ثانيا: سلمنا ان المراد بالسجود في الحديث هو ذاته ومعناه العرفي دون الشرعي، الا ان الحديث لا يشمل الاخلال العمدي وان كان عن عذر كما في المقام حيث ان الوظيفة هي الجر حسب الفرض غير انه عاجز عنه، فهو يخل به ويتركه عن عمد والتفات وان كان مضطرا إليه، والحديث انما يجرى فيما إذا كان الالتفات بعد تحقق الاخلال ومضى محل التدارك سواء أكان الالتفات اثناء الصلاة ام بعدها، ولا يعم ما إذا كان ملتفتا إلى الترك حين الاخلال بالجزء أو الشرط وان كان معذورا فيه لاختصاص الحديث بغير

[ 156 ]

صورة العمد. ومن هنا لو شرع في الصلاة فمنعه عن القراءة - مثلا - مانع أو نسي صورتها فتركها ملتفتا لا ينبغى الشك في عدم شمول الحديث له ووجوب اعادة الصلاة. والمتحصل: مما مر سقوط هذا القول وان الاقوى وجوب الرفع سواء اتمكن من الجر ام لا، وسواء اكان الالتفات قبل استكمال الذكر ام بعده قبل رفع الراس. واما الفرع الثاني: اعني ما إذا كان الالتفات بعد رفع الرأس فقد ظهر مما مر لزوم التدارك تحصيلا للسجود المأمور به ولا ضير فيه بعد عدم قادحية الزيادة السهوية في السجدة الواحدة كما مر، ولكن المشهور هو الاكتفاء بذلك وعلله في الجواهر بان المتروك خصوصية معتبرة في السجود وهي كونه على ما يصح دون اصله فيشمله عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد المقتضى للصحة. فالمقام نظير ما لو اخل بالذكر أو الاطمئنان أو وضع ساير المساجد سهوا المحكوم بالصحة بلا اشكال عملا بالحديث. اقول: الظاهر لزوم التدارك كما عرفت لوقوع الخلل في نفس السجود المأمور به. وتوضيح المقام: انه لا ريب ان اجزاء الصلاة قد لوحظت على صفة الانضمام والارتباط فكل جزء انما يعتبر في المركب مقيدا بالمسبوقية أو الملحوقية، أو المقارنة مع الجزء الاخر بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الاجزاء فالقراءة - مثلا - المعدودة من اجزاء الصلاة هي المسبوقة بالتكبيرة والملحوقة بالركوع، والمقارنة للقيام دون المجردة عن شئ منها، فالاخلال بهذا القيد يستوجب الاخلال

[ 157 ]

بذات الجزء لا محالة. ومن هنا لو نسي القراءة وتذكر بعد الدخول في الركوع كان محل التدارك باقيا بالنظر الدقيق لعدم الدخول بعد في الجزء المترتب فانه الركوع المتصف بمسبوقيته بالقراءة ولم يتحقق والمتحقق ركوع غير مسبوق ولم يكن جزءا، الا أن الاخلال بهذا القيد الناشئ من اللحاظ المزبور غير قادح في الصحة بلا اشكال، والا لزم اللغوية في حديث لا تعاد، لعدم الفرق حينئذ بين الخمسة المستثناة وغيرها إذ الاخلال بغير الخمس عندئذ يستوجب الاخلال بالخمس بطبيعة الحال فترك القراءة مثلا ملازم لترك الركوع. وترك التشهد ملازم لترك السجود: لعدم مسبوقية الركوع بالقراءة، وعدم ملحوقية السجود بالتشهد، وهكذا. فلازمه الحكم بالبطلان لدى الاخلال بأي جزء على الاطلاق، حتى الذكر حال الركوع لعدم مقارنتة معه مع ان الحديث خص البطلان من ناحية الخمس فقط. كما انه يلغو حينئذ قوله (ع) لا تعاد الصلاة من سجدة وانما تعاد من ركعة لاستلزام الاخلال بالسجدة الاخلال بالركعة كما عرفت. فبهذه القرينة القطعية يستكشف ان القيد الذى يستوجب الاخلال به البطلان في الخمس ولا يستوجبه في غيرها هو القيد غير الناشئ من ناحية الانضام والارتباط، وان الموجب للبطلان في الخمس هو الاخلال بها في انفسها اما بتركها راسا، أو بترك القيد المعتبر في تحققها بما هي كذلك مع قطع النظر عن لحاظ الارتباط والانضمام وهذا ظاهر جدا. وعليه: فبما ان وضع الجبهة على ما يصح من القيود الشرعية المعتبرة في ذات السجود المأمور به بما هو كذلك فالاخلال به اخلال

[ 158 ]

بنفس السجود فيشمله عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، إذ المراد من السجود في الحديث - وكذا الركوع - هو السجود الشرعي دون العرفي لما مر قريبا من النقض بمن اقتصر على الركوع العرفي ولم يبلغ الحد الشرعي في انحنائه نسيانا فان صلاته حينئذ محكومة بالبطلان بلا اشكال، مع تحقق الرجوع العرفي منه نعم من ناحية الزيادة لا يعتبر ان يكون الزائد سجودا أو ركوعا شرعيا، بل يكفى العرفي لاستفادة ذلك مما دل على النهي عن تلاوة العزيمة في الصلاة معللا بانه زيادة في المكتوبة حيث طبق عليه السلام عنوان الزيادة على سجود التلاوة، مع انه سجود عرفى قطعا لعدم اعتبار الوضع على ما يصح السجود عليه في هذا السجود، بل يكفي كيفما اتفق. وعلى الجملة السجود المذكور في الحديث شرعي من حيث النقص وان كان عرفيا من ناحية الزيادة. فالاخلال بكل قيد معتبر فيه شرعا اخلال بنفس السجود، ولا ريب ان الوضع على ما يصح من هذا القبيل فتركه تركه إذ ما اتى به من الوضع على مالا يصح لم يكن جزءا، وما هو الجزء لم يأت به، فلا يمكن الاكتفاء به لعدم اندراجه في عقد المستثنى منه، بل لابد من اعادة السجود وتداركه تحصيلا للمأمور به، غاية ما هناك لزوم زيادة سجدة واحدة وحيث انها سهوية من حين تحققها لم تقدح كما مر غير مرة. يبقى الجواب: عما ذكره (قده) من موارد النقض، اما عن الذكر فظاهر فانه جزء مستقل معتبر حال السجود ولم يكن قيدا ماخوذا في تحقق السجود الشرعي الا باعتبار فرض الارتباط الذي عرفت عدم العبرة بالقيد الناشئ من هذه الجهة فهو جزء بحياله

[ 159 ]

ولا يستوجب الاخلال به اخلالا بالسجود الشرعي بوجه فانه متقوم بوضع الجبهة على ما يصح سواء اكان معه ذكر ام لا، فلا يقاس ذلك بخصوصية كون المسجد مما يصح فانها دخيلة في تحققه دونه. ومنه: يظهر الجواب عن ساير المحال فانها واجبات في هذا الحال وليست بمقومات السجود الشرعي بما هو سجود، فليس الاخلال بها اخلالا به كما لا يخفى. واما النقض بالطمأنينة فلا مجال له أيضا بناءا على مسلك المشهور من انحصار مستندها بالاحماع، إذ هو دليل لبي يقتصر على المتيقن منه وهو حال الذكر، فمع النسيان لم يكن معتبرا من اصله كي يكون الاخلال به الاخلال بالسجود. نعم: يتجه النقض بها بناءا على مسلكنا من الاستناد فيها إلى الدليل اللفظى وهو صحيح الازدي (1) - حسبما تقدم - الشامل باطلاقه لحالتي العمد والسهو، إذ ظاهر قوله (ع): إذا سجد فلينفرج وليتمكن اعتبار التمكن في تحقق السجود الشرعي كاعتبار الوضع على ما يصح من غير فوق بين العمد والسهو لكونه ارشادا إلى الشرطية المطلقة كما مر، لكن دقيق النظر يقتضى بعدم ورود النقض على هذا المسلك ايضا. فان المستفاد من قوله (ع) إذا سجد فليتمكن، وكذا قوله (ع) إذا ركع فليتمكن ان السجود امر مفروض الوجود خارجا. وحيث انه متقوم بالوضع - فلا يكفي مجرد المماسة - والوضع متقوم بالاعتماد المنوط بالاستقرار ولو آناما إذ بدونه ضرب لا وضع


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 14.

[ 160 ]

كما لا يخفى، إذا فالاستقرار في الجملة مأخوذ في مفهوم السجود عرفا، وبذلك يفترق عن الركوع، وعليه فالامر بالتمكين في الصحيحة لما كان بعد فرض تحقق السجود، فهو لا جرم ناظر إلى مرحلة البقاء وانه يعتبر فيه التمكين وعدم الاضطراب وان لا يكون سجوده نقرا كنقر الغراب، وهذا كما ترى واجب آخر موضوعه البقاء ولا مساس له بنفس السجود المتقوم تحققه بالحدوث، فلا يكون الاخلال به اخلالا بذات السجود، بل ان وزانه وزان الذكر ووضع سائر المحال في كونه واجبات مستقلة مندرجة في عقد المستثنى منه لحديث لا تعاد. والمتحصل من جميع ما قدمناه لحد الآن عدم الاعتداد بما يقع من الجبهة على ما لا يصح سهوا، ولزوم التدارك باعادة السجود سواء اكان التذكر قبل رفع الراس ام بعده، فيجب الرفع في الاول، والتكرارا في الثاني، ولا يترتب عليه أي محذور عدا الزيادة السهوية في السجدة الواحدة غير القادحة بلا اشكال. هذا كله فيما إذا اتفق ذلك في سجدة واحدة. ولو اتفق في السجدتين معا بان التفت في السجدة الثانية، أو بعد رفع الرأس عنها ان سجدتيه كانتا على مالا يصح، فالظاهر هو البطلان، بل لا ينبغى الاشكال فيه، إذ لو اقتصر عليهما فقد نقص السجود المأمور قه فيشمله عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، ولو تداركهما لزم الزيادة في السجدتين القادحة ولو سهوا بلا ريب فيشمله الحديث ايضا لاطلاقه من حيث الزيادة والنقص كما تقرر في محله. نعم الزيادة حاصلة في السجود العرفي كما لا يخفى، لكن اشرنا

[ 161 ]

[ (مسألة 11): من كان بجبهته دمل أو غيره فان لم يستوعبها وامكن سجوده على الموضع السليم سجد عليه وإلا حفر حفيرة ليقع السليم منها على الارض، وان استوعبها أو لم يمكن بحفر الحفيرة أيضا سجد على احد الجبينين من غير ترتيب وان كان الاولى والاحوط تقديم الايمن على الايسر، وان تعذر سجد على ذقنه فان تعذر ] فيما سبق ان المراد بالسجود والركوع في الحديث هو الشرعي منهما من حيث النقص، والعرفي من ناحية الزيادة فتذكر. فلا مناص من الحكم بالبطلان. نعم: يمكن ان يقال في المقام بالاقتصار في مقام التدارك على احدى السجدتين، إذ المتروك حينئذ ليس الا سجدة واحدة ولا ضير فيها فيحكم بالصحة استنادا إلى قوله (ع): لا تعاد الصلاة من سجدة - المراد بها السجدة الواحدة قطعا - وانما تعاد من ركعة لكنه ساقط جدا لما اشرنا إليه قريبا من ان هذا الحديث كحديث لا تعاد الصلاة إلا من خمس لا يكاد يشمل الاخلال العمدي وان كان عن عذر، بل يختص مورده بما إذا كان الالتفات بعد تحقق الاخلال خارجا، ولا يعم مالو كان ملتفتا حين الاخلال كما في المقام وان كان معذورا فيه فان ذلك قضية مادة الاعادة وتمام الكلام في محله.

[ 162 ]

[ اقتصر على الانحناء الممكن (1). ] (1): التفصيل المذكور هو المعروف المشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع في كثير من الكلمات، ولم ينسب الخلاف الا إلى الصدوق حيث انه (قده) خالف الترتيب المزبور من ناحيتين فحكم بتقديم الجانب الايمن على الايسر لزوما، وان مع العجز عنه يسجد على ظهر كفه قبل الانتقال إلى الذقن. وقد تبع (قده) في ذلك الفقه الرضوي المتضمن لكلتا الناحيتين وليس له مستند غيره، لكنه ضعيف السند ولا يمكن الاعتماد عليه في شئ من الاحكام كما مر غير مرة. على انا لا نعقل معنى محصلا للسجود على ظهر الكف. فان اراد به وضع الجبهة عليه فقد عاد المحذور، إذ المفروض عدم التمكن من وضع الجبهة على الارض ولو على ترابها الناعم، فما هو الفرق بينه وبين ظهر الكف فان تمكن منه تمكن من الارض ايضا وكان هو المتعين من اول الامر كان عاجزا عنهما فالسجود على ظهر الكف مستلزم لعود محذور العجز عن السجود على الارض. وان اراد به وضع ظهر الكف على الارض بدلا عن وضع الجبهة عليها على سياق ما ذكره قبله وبعده من السجود على الجبينين والسجود على الذقن، فكما ان معنى ذلك وضع الجبين أو الذقن على الارض بدلا عن الجبهة فكذا هنا يضع ظهر الكف عليها بدلا عنها. فهذا افحش كما لا يخفى، على ان باطن الكف من احد المساجد

[ 163 ]

فكيف يمكن الجمع بينه وبين السجود على الظهر. فهذا القول ساقط جزما، ولا بد من التكلم في مستند فتوى المشهور. اما وجوب الحفر فقد استدل له بخبر مصادف قال: خرج بى دمل فكنت اسجد على جانب فراى أبو عبد الله (ع) اثره فقال: ما هذا؟ فقلت: لا استطيع ان اسجد من اجل الدمل فانما اسجد منحرفا، فقال لي لا تفعل ذلك ولكن احفر حفيرة واجعل الدمل في الحفيرة حتى تقع جبهتك على الارض (1) لكنه ضعيف السند للارسال ولدوران مصادف بين المهمل والضعيف فلا يصلح للاستدلال، إلا ان الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النص لما تقدم من عدم لزوم الاستيعاب في وضع الجبهة وكفاية المسمى ولو قدر الدرهم أو طرف الانملة، كما صرح بهما في صحيح زرارة، فلا يجب الاكثر منه حتى اختيارا، فمع التمكن منه ولو بحفر الارض وجب كما ان له حفر الخشبة أو السجود على تربة عالية بوضع الموضع السليم عليها ونحو ذلك مما يتحقق معه وضع مسمى الجبهة على ما يصح السجود عليه ومنه تعرف ان حفر الارض من احد افراد الواجب مقدمة لتحصيل المأمور به ولا تعين له بخصوصه. واما السجود على احد الجبينين فليس عليه دليل ظاهر فانه استدل له بوجوه كلها مخدوشة. الاول: الاجماعات المحكية في كلمات غير واحد من الاعلام. وفيه انها لا تزيد على كونها اجماعا منقولة لا اعتداد بها على انها لو كانت محصلة لم تكن اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم (ع)


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب السجود ح 1.

[ 164 ]

لاحتمال استناد المجمعين كلا أو بعضا إلى بعض الوجوه الآتية سيما وان المحقق قد استدل على الحكم صريحا بما يرجع إلى قاعدة الميسور فلو كان المستند هو الاجماع التعبدى لم يظهر وجه لهذا الاستدلال كما لا يخفى. الثاني: قاعدة الميسور. وفيه مضاف إلى منع الكبرى كما حقق في الاصول وإلى منع الصغرى لوضوح ان الجبين مباين مع الجبهة وليس من مراتبها كى يعد ميسورا لها انه لا مجال للتمسك بها بعد وجود النص المصرح بالوظيفة الفعليه وهو موثق اسحاق الآتي فلا تنفع القاعدة حتى لو سلمت كبرى وصغرى كما لا يخفى. الثالث: خبر مصادف المتقدم بتقريب ان الامام (ع) قد قرره على ما زعمه من السجود على الجبين غير انه (ع) بين له مرحلة اخرى سابقة عليه وهو الحفر بحيث يظهر امضاؤه (ع) لما اعتقده من جواز السجود على الجبين لولا التمكن من الحفر. وارود عليه بان غايته الجواز دون الوجوب. فمن الجائز ان يكون مخيرا بينه وبين السجود على الذقن فلا يدل على تعينه كما هو المطلوب. وفى كل من الاستدلال والايراد نظر فان الخبر ضعيف اسند كما مر وقاصر الدلاله، فان الامام (ع) قد نهاه صريحا عما صنعه بقوله (ع) - لا تفعل ذلك - فاي تقرير بعد هذا المنع الصريح كى يبحث عن ان متعلقه الجواز أو الوجوب. وعلى الجملة لا اشعار في الرواية فضلا عن الدلالة على تقرير زعمه لا جوازا ولا وجوبا إذ لا تعرض فيها لبيان الوظيفة عند العجز عن الحفر بوجه. الرابع: موثقة اسحاق بن عمار عن أبى عبد الله (ع) (في حديث) قال: قلت له رجل بين عينيه قرحة لا يستطيع ان يسجد، قال:

[ 165 ]

يسجد مابين طرف شعره فان لم يقدر سجد على حاجبه الايمن، قال فان لم يقدر فعلى حاجبه الايسر: فان لم يقدر فعلى ذقنه قلت: على ذقنه؟ قال: نعم، اما تقرا كتاب الله عزوجل (يخرون للاذقان سجدا) (1) والكلام فيها يقع تارة: من حيث السند واخرى من ناحية الدالالة. اما السند فالظاهر انه موثق فان صباح الواقع في هذا الخبر مردد بين ثلاثة من المعروفين بهذا الاسم وهم صباح بن صبيح الحذاء، وصباح بن يحيى المزني، وصباح بن موسى الساباطي اخو عمار، وكلهم موثقون ولا يحتمل ارادة غيرهم كما لا يخفى. هذا وقد اورد صاحب الوسائل صدر هذا الحديث في موضع آخر (2)، وذكر هناك (عن أبى الصباح) بدلا عن (الصباح) الذى ذكره في المقام وهو أبو الصباح الكناني الثقة. فالرجل موثق على جميع التقادير فالرواية صحيحة السند، وباعتبار اسحاق بن عمار الفطحى موثقة. واما من حيث الدلالة فهى كما ترى قاصرة إذ المذكور فيها الحاجب دون الجبين. نعم استدل بها في الحدائق - كما استدل بالفقة الرضوي السابق ذكره - بعد حمل الحاجب على الجبين مجازا بعلاقة المجاورة. وهذا: غريب جدا إذ ليس من صناعة الاستدلال ارتكاب التأويل في اللفظ، وحمله على خلاف ظاهره من غير شاهد عليه ثم الاستدلال به، فان ذلك ليس من البرهان الفقهي في شئ كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب السجود ح 3. (2) الوسائل: باب: 33 من أبواب القراءة ح 6.

[ 166 ]

واما فقه الحديث فهو ان القرحة المفروضة في السؤال لم تكن مستوعبة للجبهة بل هي واقعة بين عيني الرجل كما صرح به السائل بحيث لا يستطيع معها ان يسجد على النحو المتعارف من وضع وسط الجبهة على الارض فأمره عليه السلام بالسجود حينئذ على ما بين طرف الشعر اي اعلى الجبهة ولعله افضل، فان لم يقدر فعلى الحاجب. وهذا لا لخصوصية فيه، بل من اجل ان السجود على الحاجب يلازم خارجا وضع جزء من الطرف الاسفل من الجبهة على الارض ولا ينفك عنه، وهذا الحكم مطابق للقاعدة لما مر من عدم اعتبار الاستيعاب وكفاية المسمى من الجبهة لدى الوضع فمع التمكن باي جزء منها كان هو المقدم، ولا ينتقل إلى البدل، وما فوق الحاجب جزء من الجبهة لما عرفت فيما سبق ان حدها الطولي من الحاجب إلى قصاص الشعر، والعرضي ما يسعه الحاجبان فصاعدا من البدء إلى الختم المنتهيين بالجبينين، وقد عرفت استفادة كلا الحدين من النصوص. واما تقديم الحاجب الايمن على الايسر الذي تضمنه الحديث فليس على جهة اللزوم، بل من اجل استحباب تقديم الميامن على المياسر على الاطلاق كما لا يخفى. ومع العجز عن وضع الجبهة مطلقا ينتقل إلى السجود على الذقن. ومما ذكرنا تعرف ان السجود على الجبين مما لا دليل عليه فلا مجال للمصير إليه سيما مع استلزامه انحراف الوجه عن القبلة إلى المشرق أو المغرب بطبيعة الحال الذي هو محذور بحياله، ولا دليل على اغتفاره بعد عموم قوله تعالى: (فولوا وجوهكم شطره). بل المتعين بعد العجز عن الجبهة الانتقال إلى الذقن كما تضمنه الموثق المزبور

[ 167 ]

[ (مسألة 12): إذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن (1) مع رفع المسجد إلى جبهته، ووضع ] بالبيان المذكور المؤيد بمرسلة الكافي عن علي بن محمد قال سئل أبو عبد الله (ع) عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها، قال يضع ذقنه على الارض، ان الله تعالى يقول: (ويخرون للاذقان سجدا) (1) وإن كان الاحوط الجمع بينه وبين الجبين ولو بتكرار الصلاة. ومع العجز عن ذلك أيضا فلا محيص عن الانتقال إلى الايماء لاندراجه حينئذ في عنوان العاجز عن السجود الذي وظيفته ذلك كما مر التكلم حوله في بحث القيام. ومنه: يظهر ما في بعض الكلمات من الانتقال حينئذ إلى السجود على الانف أو على العارض، أو الاقتصار على الانحناء الممكن كما صنعه في المتن استنادا إلى قاعدة الميسور لمنعها كبرى وكذا صغرى، فان الانف أو العارض مباين مع الجبهة، وكذا الانحناء مقدمة للسجود وهي مباينة مع ذيها، فيكف تكون ميسورا له ومن مراتبه. فالاقوى: تعين الايماء وان كان الاحوط الجمع بينه وبين الانحناء والله سبحانه اعلم. (1): ينبغي فرض الكلام فيما إذا كان المقدار الممكن من الانحناء بمثابة يتحقق معه السجود العرفي، والا فلا اشكال في


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب السجود ح 2.

[ 168 ]

[ ساير المساجد في محالها، وان لم يتمكن من الانحناء اصلا اومأ برأسه، وان لم يتمكن فبالعينين، والاحوط له رفع المسجد مع ذلك إذا تمكن من وضع الجبهة عليه، وكذا الاحوط وضع ما يتمكن من ساير المساجد في محالها، وان لم يتمكن من الجلوس اومأ برأسه والا فبالعينين، وان لم يتمكن من جميع ذلك ينوى بقلبه جالسا أو قائما ان لم يتمكن من الجلوس، والاحوط الاشارة باليد ونحوها مع ذلك. ] الانتقال إلى الايماء كما اشار إليه الاستاد (دام ظله) في تعليقته الشريفة. ثم ان الحكم المزبور هو المعروف المشهور بلا خلاف فيه، بل ادعي عليه الاجماع في كلمات غير واحد فينحني بقدر طاقته ويرفع المسجد ويسجد عليه، ولا تصل النوبة إلى الايماء. واستدل له بخبر ابراهيم الكرخي قال: قلت لابي عبد الله (ع) رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء، ولا يمكنه الركوع والسجود، فقال ليؤم برأسه ايماءا، وإن كان له من يرفع الخمرة فليسجد، فان لم يمكنه ذلك فليؤم برأسه نحو القبلة إيماءا (1)، وهو وان كان صريح الدلالة لكنه ضعيف السند، فان الكرخي مهمل، والطيالسي وان كان مهملا أيضا لكنه مذكور في اسانيد كامل الزيارات، فالضعف من ناحية الكرخي فقط. وكيفما كان فالرواية غير صالحة للاستدلال بها.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 11، باب 20 من أبواب السجود ح 1.

[ 169 ]

لكن الحكم كما ذكروه فانه مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى نص بالخصوص، إذ هو مقتضى الاطلاقات المتضمنة للامر بالسجود كحديث التثليث وغير فانها وان قيدت بمساواة الجبهة لموضع البدن كما مر البحث عنه مستقصى. لكن الدليل المقيد لااطلاق له بل هو مختص بصورة التمكن لاشتمال الصحيحه على الخطاب المتوجه إلى ابن سنان حيث قال (ع) فيها: إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس، ومعلوم ان ابن سنان كان قادرا على مراعاة التساوي ولم يكن عاجزا حينما خاطبه الامام (ع). نعم لو كانت العبارة هكذا (يجب التساوى أو يعتبر المساواة) ونحوها بحيث لم يشتمل على خطاب متوجه إلى شخص خاص انعقد الاطلاق. وعلى الجملة: فلسان التقييد لااطلاق له فيقتصر على المقدار المتيقن وهو فرض التمكن، وفي مورد العجز يتمسك باطلاقات السجود السليمة عن التقييد. فالحكم مطابق للقاعدة. مضافا إلى امكان الاستدلال عليه ببعض النصوص. منها: موثقة أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (ع) عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا فيسجد عليه؟ فقال: لا، إلا ان يكون مضطرا ليس عنده غيرها، وليس شئ مما حرم الله إلا وقد احله لمن اضطر إليه (1) فان الظاهر من الامساك هو الرفع، وإلا فالسجود على الارض نفسه لا حاجة معه إلى امساك المرأة ما يسجد


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 7.

[ 170 ]

عليه كما هو ظاهر. وهي بحسب السند موثقة كما ذكرنا، فان المراد بالحسين الراوي عن سماعة هو الحسين بن عثمان بن زياد الرواسي بقرينة روايته عن سماعة كثيرا، وهو موثق كما نقله الكشي عن حمدويه انه قال: سمعت اشياخي يذكرون ان حمادا، وجعفرا، والحسين بن عثمان بن زياد الرواسي كلهم فاضلون خيار ثقات فالسند صحيح، وباعتبار سماعة موثق. ومنها صحيحة زرارة قال: سألته عن المريض كيف يسجد؟ فقال: على خمرة، أو على مروحة، أو على سواك يرفعه إليه هو افضل من الايماء... الخ (1) حيث تضمن الامر برفع المسجد فلا تصل النوبة إلى الايماء نعم قد ينافيه قوله (ع) في الذيل هو افضل من الايماء، حيث يظهر منه التخيير بين الامرين، غير ان الرفع افضل، لكن ظاهره غير مراد قطعا فانه مع التمكن من السجود ولو بالرفع تعين، والا تعين الايماء، ولا يحتمل التخيير بينهما بالضرورة، كما لا قائل به جزما فلابد من التصرف باحد وجهين: الاول: ان يكون المراد ان طبيعة الصلاة المشتملة على السجود ولو مع الرفع افضل من الطبيعة المشتملة على الايماء كما يقال ان الفريضة افضل من النافلة، والصلاة افضل من الصوم وهكذا، إذ ليس معنى الافضلية في هذه الاطلاقات التخيير بين الامرين، بل المراد ان هذه الطبيعة في ظرفها وشرائطها المناسبة لها افضل، أي اكثر ثوابا من الطبيعة الاخرى في موطنها المقرر لها فيكون حاصل


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب ما يسجد عليه ح 1.

[ 171 ]

المعنى ان الصلاة المشتملة على السجود الصادرة ممن يتمكن منه افضل من المشتملة على الايماء الصادرة من العاجز عنه، لا ان احدهما افضل من الاخرى في موضع واحد. الثاني: ان يكون المراد من المريض من يشق عليه السجود ولو مع الرفع فان وظيفته الاولية هي الايماء، غير ان الافضل في حقه تحمل المشقة والسجود ولو مع رفع المسجد وان تضمن العسر والحرج من باب ان افضل الاعمال احمزها، كما يشهد بهذا الحمل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام والسجود، قال يومئ برأسه ايماءا، وان يضع جبهته على الارض احب الي وقد مر التعرض لهذه الصحيحة في بحث القيام، وقلنا ان مفادها بحسب الظاهر لا يستقيم، إذ بعد فرض عدم الاستطاعة على القيام والسجود فاي معنى لقوله (ع) في الذيل إن السجود أحب الي فلا مناص من ان يكون المراد عدم الاستطاعة العرفية لتضمنه المشقة والحرج دون التعذر الحقيقي وان الوظيفة حينئذ هي الايماء وان كان السجود وتحمل المشقة افضل ولذا كان احب إليه - عليه السلام - فعلى ضوء ذلك تفسر الافضلية في المقام. فتحصل: ان وجوب رفع المسجد والسجود عليه مع التمكن مما لا ينبغي الاشكال فيه لكونه مطابقا للقاعدة ولا ستفادته من بعض النصوص كما عرفت فلا تصل النوبة إلى الايماء. واما بقية الفروع المذكورة في هذه المسألة فقد تقدم الكلام


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 2.

[ 172 ]

[ (مسألة 13): إذا حرك ابهامه في حال الذكر عمدا اعاد الصلاة (1) احتياطا، وان كان سهوا اعاد الذكر ان لم يرفع رأسه، وكذا لو حرك سائر المساجد، واما لو حرك اصابع يده مع وضع الكف بتمامها فالظاهر عدم البأس به لكفاية اطمئنان بقية الكف، نعم لو سجد على خصوص الاصابع كان تحريكها كتحريك ابهام الرجل. ] حولها بشقوقها مستقصى في بحث القيام فلا حاجة إلى الاعادة فراجع ولاحظ. (1): لان ظرف الذكر هو السجود الواجب وحيث ان المعتبر فيه الاستقرار فلابد من مراعاته تحصيلا للسجود المأمور به حتى يقع الذكر فيه قضاءا للظرفية. وعليه فبناءا على ان تحريك الابهام مخل بالاستقرار لاعتباره في تمام البدن، فلو حرك عامدا واتى بالذكر وقتئذ كان الذكر المقصود به الجزئية زيادة عمدية - لوقوعه في غير محله - موجبة للبطلان. نعم لو كان ذلك سهوا فبما ان الزيادة السهوية لم تقدح فان كان التذكر قبل رفع الرأس اعاد الذكر لبقاء محله، وان كان بعده مضى في صلاته ولا شئ عليه عملا بحديث لا تعاد بعد امتناع التدارك لمضي المحل وهكذا الحال في تحريك ساير المساجد. واما وجه التوقف واحتياطه (قده) فهو من اجل التشكيك في قدح التحريك والاخلال بالاستقرار المعتبر في الصلاة فان المستند في اعتبار الاطمئنان ان كان هو الاجماع فغير معلوم شموله لمثل هذه

[ 173 ]

[ (مسألة 14): إذا ارتفعت الجبهة قهرا من الارض (1) قبل الاتيان بالذكر فان امكن حفظها عن الوقوع ثانيا حسبت سجدة فيجلس ويأتي بالاخرى ان كانت الاولى، ويكتفى بها ان كانت الثانية، وان عادت إلى الارض قهرا ] الحركة اليسيرة لو لم ندع القطع بعدم الشمول كما لا يشمله في غير حال السجود قطعا، ولذا لو حرك اصابع اليدين أو الرجلين، أو نفس اليدين حال القراءة لم يكن مضرا بصدق الاستقرار بلا اشكال. وكذا الحال لو كان المستند صحيحة الازدي فان التمكين اللازم مراعاته بمقتضى هذه الصحيحة هو التمكين العرفي المتقوم باستقرار معظم الاجزاء لاتمام البدن، فلا تنافيه مثل تلك الحركة اليسيرة. فالحكم باعادة الصلاة في صورة العمد واعادة الذكر في صورة السهو مبني على الاحتياط لا محالة. هذا لو حرك الاصبع مع وضع تمام الكف فلا ينبغي الاشكال في عدم البأس لكفاية الاطمئنان في بقية الكف التي هي المناط في تحقق السجود. نعم لو سجد على خصوص الاصابع بناءا على الاجتزاء بها كان تحريكها حينئذ كتحريك ابهام الرجل الذي مر حكمه كما اشار إليه في المتن، الا ان المبنى غير تام لاعتبار الاستيعاب العرفي في السجود على اليدين كما عرفت فيما سبق. (1): اما إذا كان الارتفاع القهري بعد الاتيان بالذكر فلا اشكال فيه لعدم وجوب الرفع في نفسه كي يحتاج إلى القصد، بل هو مقدمة للاتيان ببقية الاجزاء فيجزي كيفما اتفق.

[ 174 ]

[ فالمجموع سجدة واحدة فيأتي بالذكر وان كان بعد الاتيان به اكتفى به. ] واما إذا كان قبله فان ارتفعت الجبهة قهرا بمجرد اصابتها الارض من دون اعتماد ولا استقرار حتى في الجملة - كما قد يتفق إذا هوى إلى السجود بسرعة - فهذا لا يعد سجودا لا شرعا ولا عرفا لتقومه بالوضع المتقوم بالاعتماد، وهو منتف في الفرض إذ هو من قبيل الضرب بالارض لا الوضع عليها، واما إذا ارتفعت بعد تحقق الوضع والاعتماد والاستقرار حدوثا، فتارة يتمكن من ضبط نفسه وحفظ الجبهة عن الوقوع ثانيا واخرى: لا يتمكن بل تعود إلى الارض قهرا أيضا. اما في الاول: فتحسب عليه سجدة، إذ لا خلل فيه من ناحية السجود بما هو كذلك. فان السجود المأمور به المعدود من اركان الصلاة متقوم بمجرد الوضع الحدوثي وقد تحقق، ولا يشترط فيه الاستقرار بقاءا. نعم هو واجب آخر معتبر حاله كالذكر وقد فات محل التدارك فيشمله حديث لا تعاد، إذ لا قصور فيه بعد ان لم يكن ملتفتا إلى الاخلال حينما أخل لوقوعه قهرا عليه ومن غير اختيار وعمد وعليه فان كان ذلك في السجدة الاولى جلس واتى بالاخرى، وان كان في الثانية اكتفى بها ومضى في صلاته ولا شئ عليه. واما في الثاني: فقد ذكر في المتن ان المجموع سجدة واحدة لكون الثانية من متممات الاولى عرفا فيأتي بالذكر حينئذ لكنه مشكل جدا فان الثاني وضع جديد مباين للاول وقد تخلل بينهما العدم، فيكف يكون بقاءا للاول ومن متمماته، وحيث ان الثاني عار عن القصد

[ 175 ]

[ (مسألة 15): لا بأس بالسجود على غير الارض ونحوها مثل الفراش في حال التقية (1)، ولا يجب التفصي عنها بالذهاب إلى مكان آخر، نعم لو كان في ذلك المكان مندوحة بان يصلي على البارية أو نحوها مما يصح السجود عليه وجب اختيارها. ] فليس هو من السجود في شئ حتى عرفا. ومن هنا لو عثر فاصابت جبهته الارض لا يقال انه سجد لتقوم المفهوم بالقصد إلى السجود، كما انه لو تكرر منه الرفع والوضع القهريان مرتين أو اكثر لم يضر ذلك بصحة الصلاة بلا اشكال، لعدم كونه من زيادة السجدتين القادحة ولو سهوا بعد عدم القصد إلى السجود المتقوم به كما عرفت. ومنه تعرف انه ليس له الاتيان بالذكر حينئذ، لان ظرفه السجود غير المنطبق على الوضع الثاني بعد فقد القصد وانما المتصف به الاول وقد انعدم، فلا مجال لتدارك الذكر لفوات محله. وعلى الجملة فليس السجود إلا الوضع الاول، والثاني لغو محض فيجرى فيه الكلام المتقدم في الصورة السابقة، من انه ان كان ذلك في السجدة الاولى جلس واتى بالثانية والا اكتفى بها. (1): قدمنا الكلام حول المقام ونظائرة من موارد التقية في مبحث الوضوء، وقلنا ان الوظيفة الاولية تنقلب بعد عروض التقية إلى ما يقتضيه مذهب العامة للنصوص الدالة على ذلك التي مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين وجود المندوحة وامكان التفصي

[ 176 ]

[ (مسألة 16): إذا نسي السجدتين أو احداهما (1) وتذكر قبل الدخول في الركوع وجب العود إليها، وان كان بعد الركوع مضى ان كان المنسي واحدة وقضاها بعد السلام، وتبطل الصلاة ان كان اثنتين، وان كان في الركعة الاخيرة يرجع ما لم يسلم، وان تذكر بعد السلام بطلت الصلاة ان كان المنسي اثنتين، وان كان واحدة قضاها. ] بالذهاب إلى مكان آخر، أو التأخير إلى آونة اخرى وعدمه، فلو كان في المسجد - مثلا - من يتقى منه جاز السجود على الفراش ونحوه مما لا يصح السجود عليه، وان امكن التأخير إلى مكان أو زمان آخر، فلا يجب التفصي. نعم يعتبر عدم وجود المندوحة حالا الاشتغال بالعمل، فلو كان في نفس المسجد حينما يريد الصلاة مكانان احدهما تراب أو حصير ونحوهما، والآخر فراش لا يجوز له اختيار الثاني لانتفاء موضوع التقية حينئذ، فانه متقوم بالاضطرار وعدم التمكن من الاتيان بالوظيفة الاولية في هذا الحال المفقود في الفرض. (1): يقع الكلام تارة فيما إذا كان السجود المنسي من غير الركعة الاخيرة، واخرى فيما إذا كان منها بخصوصها فهنا مقامان اما المقام الاول: فقد يكون المنسي سجدة واحدة، واخرى سجدتين. اما في السجدة الواحدة فلا اشكال كما لا خلاف في ان التذكر

[ 177 ]

ان كان قبل الركوع وجب العود إليها، والا مضى في صلاته وقضاها بعد السلام، وهذا الحكم هو المطابق للقاعدة مع قطع النظر عن النصوص الخاصة الواردة في المقام، فان التذكر إذا كان قبل الركوع فحيث ان القيام والقراءة وقعا في غير محلهما للزوم تأخرهما عن السجود بمقتضى الترتيب الملحوظ بين الاجزاء، فلا يعدان من اجزاء الصلاة بل يتصفان بالزيادة غير القادحة بعد كونها سهوية، فمحل السجود بعد باق، وحيث لا يلزم من تداركه محذور وجب العود إليه كما وجب اعادة القيام والقراءة لعدم وقوعهما على وجههما كما عرفت. واما إذا كان بعد الركوع فحيث لم يمكن تدارك المنسي حينئذ لمضي محله بالدخول في الركن وقد ثبت ان الصلاة لا تعاد من سجدة واحدة فالمتعين هو الحكم بالصحة والمضي في الصلاة، فالحكم بكلا شقيه مما تقتضيه القاعدة من غير ناحية القضاء فانه قد ثبت بالنص. ففي صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (ع) في رجل نسي ان يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم انه لم يسجد قال: فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء... الخ، ونحوها صحيحة أبي بصير (1)، فانها وان كانت ضعيفة بطريق الشيخ من اجل محمد بن سنان لكنها صحيحة بطريق الصدوق. وقوله: عليه السلام فانها قضاء يكشف عن ان السجود المأتي به فيما لو كان التذكر قبل الركوع اداء اي واقع في محله فلابد من اعادة القيام والقراءة بعد تدارك السجود تحقيقا لوقوعه في المحل


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب السجود ح 1 و 4.

[ 178 ]

كما بينا ذلك في تقرير مقتضى القاعدة. وعلى الجملة فالنصوص الواردة في المقام تطابق مقتضى القاعدة من غير ناحية القضاء. هذا كله في السجدة الواحدة. واما في السجدتين فلم يرد نص بالخصوص فلابد من الجري على ما تقتضيه القواعد. فنقول: لا اشكال كما لا خلاف في البطلان فيما لو كان التذكر بعد الركوع لنقص الركن لو استرسل، وزيادته لو تدارك للزوم اعادة الركوع حينئذ. وبعبارة اخرى: الركوع حينما تحقق كان متصفا بالزيادة لعدم مسبوقيته بالسجدتين وزيادته ولو سهوا مبطلة، وان شئت فقل السجدتان ركن قد ترك في محله، ولا يمكن تداركه وترك الركن مبطل، فيمكن تعليل البطلان بترك الركن مرة وبزيادته اخرى، والمعنى واحد كما لا يخفى. انما الكلام فيما إذا كان التذكر قبل الركوع، فالمشهور وجوب العود كما في السجدة الواحدة لعين ما مر في تقرير القاعدة. ولكن المنسوب إلى جمع كالمفيد وأبي الصلاح وابن ادريس الحكم بالبطلان استنادا إلى حديث لا تعاد فان الخارج عنه ما إذا كان المنسي سجدة واحدة لقوله (ع): لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة، فتبقى السجدتان مشمولتين لاطلاق الحديث. والجواب عنه: مضافا إلى ثبوت الحكم في المقام على سبيل الاولوية إذ لو جاز العود لتدارك سجدة واحدة مع انها ليست بركن، فجوازه في السجدتين وهما ركن بطريق أولى كما لا يخفى ان مفاد

[ 179 ]

الحديث لو كان هو البطلان بمجرد نسيان الخمس كما في الشك في الاولتين الموجب للبطلان في حد نفسه لتم ما ذكروه لكنه ليس كذلك قطعا، بل مفادها ان الاخلال بالصلاة المقتضي للاعادة لا يوجبها إلا من ناحية الخمس. فالموضوع ليس هو النسيان، بل الاخلال الموجب للبطلان، وواضح ان الحكم لا يتكفل لبيان موضوعه وتحقق صغراه ومصداقه بل لابد من اثبات الموضوع واحرازه من الخارج، وقد عرفت ان القاعدة تقتضي عدم تحقق الاخلال المستوجب للبطلان في المقام لامكان تدارك السجدتين - كالسجدة الواحدة - بعد فرض بقاء المحل من اجل عدم الدخول في الركن، فلا خلل كي يشمله الحديث. وعلى الجملة: مفاد الحديث ان الخلل الذي لا يمكن معه تصحيح الصلاة ويكون موردا للاعادة حكمه كذا وهذا العنوان غير متحقق في المقام. فالصحيح ما عليه المشهور من وجوب العود لو كان التذكر قبل الدخول في الركوع من غير فرق بين ما إذا كان المنسي سجدة واحدة أو سجدتين. واما المقام الثاني فان كان التذكر قبل السلام رجع بلا اشكال ولا كلام سواء أكان المنسي سجدة واحدة ام سجدتين ولا شئ عليه إذ لم يترتب عليه محذور سوى زيادة التشهد كلا أو بعضا ولا ضير فيها بعد ان كانت سهوا. فالحكم حينئذ على طبق القاعدة. انما الكلام: فيما إذا كان بعد السلام، فقد فصل في المتن تبعا لجمع بين ما إذا كان المنسي سجدة واحدة ام سجدتين، فحكم بالقضاء في الاول، والبطلان في الثاني، وكلاهما محل نظر بل منع.

[ 180 ]

اما القضاء فلعدم الدليل عليه، إذ النص الوارد فيه مختص بما إذا كان التذكر بعد الركوع المستلزم بطبيعة الحال لكون المنسي من ساير الركعات فلا يمكن التعدي إلى المقام لوجود الفرق الواضح بين الموردين، فان السجود غير قابل للتدارك هناك. فلا مناص من القضاء بخلاف المقام لبقاء المحل إذ لا ركن بعده، فهو قابل للتدارك غايته ان التشهد والسلام وقعا زائدين ولا بأس بالزيادة السهوية في مثلهما فيتدارك السجود ويعيد التشهد والسلام، وعليه سجدتا السهو للسلام الزائد، ولا محذور في ذلك أبدا. فمقتضى القاعدة في المقام بعد عدم ورود نص فيه وجوب التدارك دون القضاء. نعم لو كان التذكر بعد الاتيان بالمنافي من استدبار أو حدث، أو فصل طويل ونحوها مما لم يبق معه مجال للتدارك اتجه القضاء حينئذ لموثقة عمار (1). واما البطلان فهو مبني على ما مر آنفا من الاستناد إلى حديث لا تعاد بدعوى ان الموضوع فيه مجرد النسيان الحاصل في المقام، وقد عرفت جوابه بما لا مزيد عليه، وان الموضوع هو الخلل الموجب للبطلان غير المتحقق في المقام بعد امكان التدارك، إذ هو بعد في الصلاة لعدم وقوع السلام في محله فيمكنه التدارك، فلا يشمله الحديث الا إذا كان التذكر بعد فعل المنافي، فانه لا مناص حينئذ من الحكم بالبطلان كما هو ظاهر. هذا وربما يستدل للبطلان برواية معلى بن خنيس قال: سألت أبا الحسن الماضي (ع) في الرجل ينسى السجدة في صلاته، قال: إذا ذكرها


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب السجود ح 2.

[ 181 ]

قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته، ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، وان ذكرها بعد ركوعه اعاد الصلاة، ونسيان السجدة في الاولتين والاخيرتين سواء (1) فان المراد بالسجدة في موضوع هذه الرواية ليس الواحدة بلا ريب، إذ لا تعاد الصلاة منها قطعا نصا وفتوى، وقد تضمنت اعادتها لو كان التذكر بعد الركوع، بل المراد طبيعي السجدة الواجبة في الصلاة، اعني الثنتين، وقد حكم (ع) ان نسيانها في الاولتين والاخيرتين سواء. وفيه: ان الرواية ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد من وجوه اما أولا فللارسال. واما ثانيا: فلعدم توثيق معلى بن خنيس، بل قد ضعفه النجاشي صريحا، وكذا ابن الغضائري، ولا دلالة في شهادة الصادق (ع) بعد مقتله بانه من اهل الجنة - كما ورد في بعض الروايات المعتبرة - على وثاقته حين روايته لجواز ان يكون السبب في دخوله الجنة قتله في سبيل الحق وموالاة اهل البيت، وبذله تلك الاموال الخطيرة في حبهم عليهم السلام، فقد ورد ان داود بن علي لما عزم على قتله قال له معلى: اخرجني إلى الناس فان لي دينا كثيرا ومالا حتى اشهد بذلك فاخرجه إلى السوق فلما اجتمع الناس، قال ايها الناس انا معلى بن خنيس فمن عرفني فقد عرفني اشهدوا ان ما تركت من مال عين أو دين أو أمة أو عبد، أو دار، أو قليل أو كثير فهو لجعفر بن محمد (ع)، فشد عليه صاحب شرطة داود فقتله، فلما بلغ ذلك ابا عبد الله (ع) خرج يجر ذيله حتى دخل


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب السجود ح 5.

[ 182 ]

على داود فقال له: قتلت مولاي واخذت مالي، قال: ما انا قتلته ولكن صاحب شرطتي، قال باذن منك؟ قال: لا، فامر ابنه اسماعيل فقتله ثم دعا (ع) على داود فمات في تلك الليلة. وعلى الجملة: فشهادته (ع) واغتياظه على داود والدعاء عليه، وامره بقتل القاتل كل ذلك من اجل قتله ظلما في سبيل اهل البيت الذين هم سبل النجاة، ولا دلالة على كونه من اهل الجنة قبل قتله كي تقتضي الوثاقة حين الرواية. نعم: ورد في بعض الاخبار انه عليه السلام اعترض على داود قائلا: قتلت رجلا من اهل الجنة الكاشف عن انه كان من اهلها من قبل ورود القتل عليه لكن الرواية ضعيفة السند مضافا إلى انه أيضا لا يقتضي التوثيق حال الرواية، إذ لعل كونه من اهلها من اجل الولاء والاخلاص لهم عليهم السلام غير المنافي للفسق. والحاصل ان النجاشي عدل ضبط قد صرح بالضعف ولم يثبت ما يعارضه (1). وثالثا: ان السند عجيب في نفسه، فان الرجل قتل في زمن الصادق (ع) كما سمعت، فكيف يقول سمعت أبا الحسن الماضي (ع) الذي هو الكاظم (ع) سيما مع توصيفه بالماضي المشعر بوفاة الكاظم (ع) حين روايته فيقتضي ان يكون الرجل في زمن الرضا أو الجواد (ع) كما اصطلح هذا التوصيف في ألسنة الرواة بعدئذ في قبال أبي الحسن الثاني (ع)، فكيف يمكن التوفيق بينه وبين


(1) لكنه (دام ظله) بالرغم من ذلك كله ناقش في تضعيف النجاشي وبنى في المعجم ج 18 ص 283 على وثاقة الرجل فليلاحظ.

[ 183 ]

[ (مسألة 17): لا تجوز الصلاة على ما لا تستقر المساجد عليه (1)، كالقطن المندوف والمخدة من الريش والكومة من التراب الناعم أو كدائس الحنطة ونحوها. (مسألة 18): إذا دار امر العاجز عن الانحناء التام للسجدة (2) بين وضع اليدين على الارض، وبين رفع ما يصح السجود عليه ووضعه على الجبهة فالظاهر تقديم الثاني، فيرفع يديه أو احداهما عن الارض ليضع ما يصح السجود عليه على جبهته، ويحتمل التخيير. ] قتله في زمن الصادق (1) وعلى الجملة فالرواية ساقطة عن درجة الاعتبار ولا يمكن الاعتماد عليها ولا سيما بعد مخالفتها لمقتضى القواعد كما عرفت (1): لاعتبار الاستقرار حال الذكر. نعم لو وضع جبهته والقى الثقل عليها حتى إذا استقر أتى بالذكر لم يكن به بأس لحصول الاستقرار بقاءا. (2): الظاهر ان في العبارة سهوا من قلمه الشريف، إذ لا يحتمل وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة في المقام فان هذا الوضع انما يتجه فيما إذا كان المصلي مستلقيا أو مضطجعا بحيث لا يتمكن من وضع الجبهة على ما يصح كما تقدم في بحث القيام، مع انه لم يتم هناك أيضا لعدم الدليل عليه كما مر. واما في المقام فهو


(1) ذكر (دام ظله) في المعجم ج 18 ص 272 ان الرواية لو صحت فالمراد بمعلى بن خنيس هذا شخص آخر غير معلى بن خنيس المعروف.

[ 184 ]

متمكن من الانحناء ووضع الجبهة ولو برفع المسجد، وانما عجزه عن الانحناء التام كما صرح به (قده) فالمراد وضع الجبهة على ما يصح لا وضعه على الجبهة كما عبر (قده) به. وكيفما كان فالصحيح أن يقال: إذا تمكن من السجود العرفي ولو برفع المسجد تعين وان استلزم رفع اليدين أو احداهما عن الارض، ولا تصل النوبة حينئذ إلى الايماء فانه وظيفة العاجز عن السجود والمفروض تمكنه منه، ولا ضير في عدم وضع اليدين حينئذ على الارض لسقوطه لدى العجز. واما إذا لم يتمكن منه انتقل الامر إلى الايماء ولا يلزم وضع ساير المحال حينئذ، إذ ظرف وضعها السجود المتقوم بوضع الجبهة على الارض، كما يكشف عنه قوله (ع): السجود على سبعة اعظم لا حتى مع الايماء، ولا دليل على انتقال حكم المبدل منه إلى البدل.

[ 185 ]

[ (فصل) (في مستحبات السجود) وهي امور: (الاول): التكبير حال الانتصاب (1) من الركوع قائما أو قاعدا (الثاني): رفع اليدين حال التكبير. (الثالث): السبق باليدين إلى الارض عند الهوى إلى السجود. (الرابع): استيعاب الجبهة على ما يصح السجود عليه، بل استيعاب جميع المساجد. ] ولنقتصر في هذا الفصل على التعرض لبعض المستحبات مما وقع الخلاف في وجوبه لوضوح الباقي. (1): لا يخفى ان الخلاف المتقدم في بحث الركوع في وجوب هذا التكبير جار هنا بعينه مع مستنده ورده لاشتراك الدليل واتحاد مناط البحث، غير ان المقام يمتاز في جهة واحدة، وهي انك قد عرفت هناك اختصاص الاستحباب بحال الانتصاب، فلا يشرع التكبير بقصد التوظيف حال الهوي وان جاز بقصد مطلق الذكر. فهل الامر كذلك في المقام؟ الظاهر ثبوت الفرق.

[ 186 ]

وبيانه: ان مقتضى صحيحة حماد التي ورد فيها (... ثم كبر وهو قائم ورفع يديه حيال وجهه وسجد الخ) (1) وكذا صحيحة زرارة: (إذا اردت ان تركع وتسجد فارفع يديك وكبر ثم اركع واسجد (2) هو الاختصاص للتصريح بالانتصاب في الاولى والعطف ب‍ (ثم) الظاهر في التراخي في الثانية. لكن قد يعارضهما رواية معلى بن خنيس قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان علي بن الحسين (ع) إذا اهوى ساجدا انكب وهو يكبر (3) لظهورها في المشروعية لدى الهوي. ومن هنا قد يجمع بينهما كما في الحدائق (4) بالحمل على التخيير. وفيه: ما لا يخفى لمنافاته مع التعبير بلفظة (كان) المشعر بالدوام والاستمرار ومواظبته عليه السلام فلا يناسب التخيير. ومنه: تعرف تعذر الاخذ بظاهر الرواية، لعدم احتمال ارجحية التكبير حال الهوي لتستوجب المواظبة عليه، بل إما انه يتعين حال القيام كما عليه المشهور أو انه افضل ولا يحتمل العكس فلا تنهض لمقاومة ما سبق ولابد من رد علمها إلى اهله. نعم: لا ريب في ظهورها في استحباب التكبير لدى الهوى كما عرفت ويقتضيه أيضا اطلاق بعض النصوص. ففي صحيحة زرارة: (فإذا اردت ان تسجد فارفع يديك


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب الركوع ح 1. (3) الوسائل: باب 24 من أبواب السجود ح 2. (4) ج 8 ص 265.

[ 187 ]

[ (الخامس): الارغام بالانف (1) على ما يصح السجود عليه. ] بالتكبير وخر ساجدا..) (1)، وفي صحيحتة الاخرى (ثم ترفع يديك بالتكبير وتخر ساجدا) (2) فان اطلاقهما يشمل التكبير حال الهوي، بل هو اوضح شمولا كما لا يخفى. وحيث: لا تجري صناعة الاطلاق والتقييد في باب المستحبات، فلا جرم يحمل التقييد بالانتصاب في الصحيحتين المتقدمتين على بيان افضل الفردين. فالاقوى ثبوت الاستحباب بقصد التوظيف في كلتا الحالتين في المقام، على خلاف ما تقدم في بحث الركوع. (1): على المشهور المعروف، بل عن جملة من الاصحاب دعوى الاجماع عليه، ومال في الحدائق إلى الوجوب، ونسب ذلك إلى الصدوق في الفقيه والهداية، حيث عبر بمضمون النص الظاهر في الوجوب. وكيفما كان فمستند الوجوب موثقة عمار عن جعفر عن ابيه قال قال علي (ع): لا تجزي صلاة لا يصيب الانف ما يصيب الجبين (3)، وفي بعض النسخ - كمصباح الفقيه - نقلت هكذا (لا تجزي صلاة من لا يصيب انفه ما يصيب جبينه) لكن المذكور


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب الركوع ح 1. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب السجود ح 4

[ 188 ]

في الوسائل وغيره ما عرفت والمعنى واحد، والدلالة ظاهرة، فان نفي الاجزاء ظاهر في نفي الصحة المساوق لوجوب الارغام، كما ان المراد بالجبين هنا الجبهة التي هي أحد اطلاقية لغة - كما في المنجد - وما في مجمع البحرين من ايراد الموثقة بصورة (الجبينين) بدلا عن (الجبين) غير واضح، لعدم استقامة المعنى حينئذ كما لا يخفى، ولعله من غلط النساخ. وتؤيدها مرسلة عبد الله بن المغيرة عمن سمع أبا عبد الله (ع) يقول: لا صلاة لمن لم يصب انفه ما يصيب جبينه (1). وربما يجاب بلزوم حمل الموثق على الاستحباب (تارة) للاجماع القائم عليه المدعى في كلمات غير واحد. وفيه: انه انما يتم لو صح الاجماع وكان تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع) وليس كذلك. كيف وقد نسب الخلاف إلى الصدوق سيما بعد وجود المستند في المسألة كما ستعرف. واخرى: لخبر محمد بن مصادف (مضارب) قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إنما السجود على الجبهة وليس على الانف سجود (2). وفيه: ان الدلالة وان تمت لحصر السجود من اعضاء الوجه في الجبهة ونفيه عن الانف لكن السند ضعيف عند القوم، فان محمد ابن مصادف لم يوثق، بل قد ضعفه ابن الغضائري صريحا وثالثة: للروايات المتقدمة المتضمنة ان السجود على سبعة اعظم


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب السجود ح 7. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب السجود ح 1.

[ 189 ]

وانها الفرض، وان الارغام بالانف سنة وفيه: ان السنة في لسان الاخبار غير ظاهرة في الاستحباب سيما إذا قوبلت بالفرض، فان المراد بها ما سنة النبي صلى الله عليه وآله وجوبا أو استحبابا في قبال ما فرضه الله تعالى في كتابه، وقد اطلقت السنة على بعض الواجبات في لسان الروايات كقوله القراءة سنة، التشهد سنة، الركعتان الاخيرتان سنة وغير ذلك. ورابعة: للنصوص المتضمنة ان ما بين قصاص الشعر إلى طرف الانف أو إلى الحاجب مسجد وان اي ذلك اصبت به الارض اجزأك (1) فان مقتضاها عدم وجوب السجود على الانف لخروجه عن الحد. وفيه: مالا يخفى فان تلك النصوص في مقام تحديد المسجد من الجبهة ولا نظر فيها إلى ساير المساجد، فكما لا تنفي وجوب السجود على اليدين والركبتين كذلك لا تنفي وجوبه على الانف - لو كان واجبا - لعدم كونها ناظرة إلى ما عدا الجبهة من المساجد كما عرفت. فالانصاف ان شيئا من هذه الوجوه لا يصلح سندا للاستحباب فيبقي الموثق المؤيد بالمرسل الظاهر في الوجوب سليما عن المعارض. والصحيح في الجواب ان يقال: (اولا) ان المقتضي للوجوب قاصر في حد نفسه، فان ظاهر الموثق لزوم اصابة الانف شخص ما يصيبه الجبين لا شئ غيره من نوع أو جنس آخر وان كان مما يصح السجود عليه لاستلزامه نوعا من الاستخدام الذي هو على خلاف الاصل، ولازمه عدم الاجتزاء بما لو وضع جبهته على الخشبة مثلا والانف على التربة، إذ لا يصدق معه ان الانف اصاب ما اصابه


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب السجود ح 1.

[ 190 ]

الجبين، بل كل منهما اصاب شيئا غير ما اصابه الآخر، بل لازمه عدم الاجتزاء بما لو وضع جبهته على تربة، وانفه على تربة اخرى مفصولة عنها لعين ما ذكر، فظاهر الموثق ان يكون هناك شئ واحد وجسم فارد مسجدا لكلا العضوين - كتربة واحدة تسع الموضعين - كي يصدق معه ان الانف اصاب ما اصابه الجبين لانتفاء الصدق بدون ذلك الا بمعونة ارتكاب نوع من الاستخدام، بان يقال ان الانف اصاب نوع ما اصابه الجبين أو جنسه وهو على خلاف الاصل وحيث ان هذا الظاهر مطروح قطعا لعدم القول به احد. فلا مناص من طرح الرواية أو حملها على الاستحباب. فالمقتضي للوجوب قاصر في حد نفسه. وثانيا: مع التسليم لابد من رفع اليد عنه الدليل الذي تمسكنا به في كثر من المقامات. وهو ان المسألة كثيرة الدوران وعامة البلوى لكل احد في كل يوم. فلو كان الوجوب ثابتا لاشتهر وبان وشاع وذاع وكان من الواضحات من غير خلاف معتد به. كيف ولم ينسب القول به إلى احد ما عدا الصدوق في ظاهر عبارته التي هي مضمون النصوص القابلة للحمل على الاستحباب بقرينة عده من الاداب فالمتعين هو الحكم بالاستحباب الذي عليه المشهور، بل هو المتسالم عليه لعدم وجود مخالفت صريح، وان كان الاحتياط ممالا ينبغي تركه. وثالثا: ان محمد بن مصادف وان ضعفه ابن الغضائري كما سمعت الا انه وثقه في موضع آخر من كتابه ومن ثم توقفت فيه العلامة وعلى اي حال لا يمكن

[ 191 ]

[ (السادس): بسط اليدين مضمومتي الاصابع حتى ] التعويل لا على تضعيفه ولا على توثيقه لالقدح فيه في نفسه فانه من الثقات ومن مشايخ النجاشي وقد اعتمد عليه كثيرا، بل لان الكتاب المنسوب إليه لم تظهر صحة نسبته إليه وقد صرح الشيخ (قده) بان له كتابين ومدحهما غير انه لم ينسخهما احد من اصحابنا وعمد بعض ورثته إلى اتلاف هذين الكتابين وغيرهما من الكتب. وقد ذكر في التحرير الطاووسي أيضا انه لا طريق لنا إلى كتابه والعلامة أيضا لا طريق له إليه وان الكثر النقل عنه. وحيث ان الرجل - محمد بن مصادف أو مضارب - موجود في اسانيد كامل الزيارات فيحكم بوثاقته لسلامته عن المعارض. وعليه فالرواية موثقة، كما ان الدلالة ظاهرة والخدش فيها بان غايتها نفي السجود على الانف، وعدم جواز الاقتصار فيه بدلا عن الجبهة، فلا تدل على نفي الارغام الذي هو محل الكلام ساقط لدلالتها على حصر السجود في الجبهة وان لزم تقييدها بما دل على وجوبه في ساير المساجد أيضا. وعلى اي حال فهي كالصريح في انه لا يجب السجود من اعضاء الوجه الا على الجبهة، فلو وجب على الانف أيضا لم يتجه الحصر ولما صح النفي عن الانف كما لا يخفى. فتحصل: ان المقتضي لوجوب الارغام قاصر في حد نفسه لقصور موثقة عمار عن افادته. وعلى تقدير التسليم فتحمل على الاستحباب جمعا بينها وبين هذه الموثقة الصريحة في عدم الوجوب، مضافا إلى الدليل المتقدم.

[ 192 ]

[ الابهام حذاء الاذنين متوجها بهما إلى القبلة. السابع): شغل النظر إلى طرف الانف حال السجود. (الثامن): الدعاء قبل الشروع في الذكر بان يقول: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك اسلمت وعليك توكلت وانت ربي سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره والحمد لله رب العالمين تبارك الله احسن الخالقين. (التاسع): تكرار الذكر. (العاشر): الختم على الوتر. (الحادي عشر): اختيار التسبيح من الذكر والكبرى من التسبيح، وتثليثها أو تخميسها أو تسبيعها. (الثاني عشر): ان يسجد على الارض بل التراب دون مثل الحجر والخشب. (الثالث عشر): مساواة موضع الجبهة مع الموقف، بل مساواة جميع المساجد (الرابع عشر): الدعاء في السجود أو الاخير بما يريد من حاجات الدنيا والآخرة، وخصوص طلب الرزق الحلال بان يقول: (يا خير المسؤولين ويا خير المعطين ارزقني وارزق عيالي من فضلك فانك ذو الفضل العظيم. (الخامس عشر): التورك في الجلوس بين السجدتين وبعدهما، وهو ان يجلس على فخده الايسير جاعلا ظهر القدم اليمنى في بطن اليسرى. (السادس عشر): ان يقول في الجلوس بين السجدتين: (استغفر الله ربي ]

[ 193 ]

[ واتوب إليه) (السابع عشر): التكبير بعد الرفع من السجدة الاولى بعد الجلوس مطمئنا، والتكبير للسجدة الثانية وهو قاعد (الثامن عشر): التكبير بعد الرفع من الثانية كذلك (التاسع عشر): رفع اليدين حال التكبيرات (العشرون): وضع اليدين على الفخدين حال الجلوس اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى. (الحادي والعشرون): التجافي حال السجود بمعنى رفع البطن عن الارض. (الثاني والعشرون): التجنح، بمعنى تجافي الاعضاء حال السجود بان يرفع مرفقيه عن الارض مفرجا بين عضديه وجنبيه ومبعدا يديه عن بدنه جاعلا يديه كالجناحين (الثالث والعشرون): ان يصلي على النبي وآله في السجدتين. (الرابع والعشرون): ان يقوم سابقا برفع ركبتيه قبل يديه. (الخامس والعشرون): ان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واجرني وادفع عني فاني لما انزلت الي من خير فقير تبارك الله رب العالمين (السادس والعشرون): ان يقول عند النهوض للقيام (بحول الله وقته اقوم واقعد) أو يقول: (اللهم بحولك وقوتك اقوم واقعد). (السابع والعشرون): ان لا ]

[ 194 ]

[ يعجن بيديه عند ارادة النهوض اي لا يقبضهما بل يبسطهما على الارض معتمدا عليهما للنهوض. (الثامن والعشرون): وضع الركبتين قبل اليدين للمرأة عكس الرجل عند الهوي للسجود، وكذا يستحب عدم تجافيها حاله بل تفترش ذراعيها وتلصق بطنها بالارض وتضم اعضاءها، وكذا عدم رفع عجيزتها حال النهوض للقيام بل تنهض وتنتصب عدلا (التاسع والعشرون): إطالة السجود، والاكثار فيه من التسبيح والذكر. (الثلاثون): مباشرة الارض بالكفين. (الواحد والثلاثون): زيادة تمكين الجبهة وساير المساجد في السجود. (مسألة 1): يكره الاقعاء في الجلوس بين السجدتين بل بعدهما أيضا، وهو ان يعتمد بصدور قدميه على الارض ويجلس على عقبيه - كما فسره به الفقهاء - بل بالمعنى الآخر المنسوب إلى اللغويين أيضا، وهو ان يجلس على إليتيه، وينصب ساقيه) ويتساند إلى ظهره كاقعاء الكلب. (مسألة 2): يكره نفخ موضع السجود إذا لم يتولد حرفان، والا فلا يجوز بل مبطل الصلاة، وكذا يكره عدم رفع اليدين من الارض بين السجدتين. ]

[ 195 ]

[ (مسألة 3): يكره قراءة القرآن في السجود كما كان يكره في الركوع. (مسألة 4): الاحوط عدم ترك جلسة الاستراحة 1) وهي الجلوس بعد السجدة الثانية في الركعة الاولى والثالثة مما لا تشهد فيه، بل وجوبها لا يخلو عن قوة ] (1): - المعروف والمشهور استحباب جلسة الاستراحة - وهي الجلوس بعد رفع الرأس عن السجدة الثانية في الركعة التي لا تشهد فيها وهي الاولى والثالثة من الصلاة الرباعية، بل عن بعض دعوى الاجماع عليه. وحكي عن السيد القول بالوجوب، بل نسب ذلك إلى غير واحد من القدماء، ومال إليه في كشف اللثام، وقواه في الحدائق، واحتاط فيه في المتن بل استقواه اخيرا. والذي يمكن ان يستدل به على الوجوب جملة من النصوص. الاولى: ما رواه الصدوق في كتاب الخصال عن أبي بصير ومحمد ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع)، عن آبائه (ع) قال قال أمير المؤمنين (ع): اجلسوا في الركعتين حتى تسكن جوار حكم ثم قوموا فان ذلك من فعلنا (1) فان الركعتين اشارة إلى الاولى والثالثة مما لا تشهد فيه. وظاهر الامر الوجوب. هذا: وسند الرواية (التي هي من حديث الاربعمائة) معتبر وان وقع في الطريق القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد،


(1) راجع المستدرك: باب 5 من أبواب السجود.

[ 196 ]

فان الرجلين وان لم يوثقا صريحا في كتب الرجال، اعني القاسم وجده الحسن دون غيرهما ممن يسمى بذلك لكن يكفي وقوعهما بعين هذا السند - اي القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد في اسانيد كامل الزيارات، ويؤكده ان الصدوق اختار في باب الزيارات رواية قال انها اصح الروايات التي وصلت الي مع ان في طريقها أيضا القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد، فهذا توثيق منه (قده) لهما. ولعله من اجل هذا وصف صاحب الحدائق هذه الرواية في المقام بالاعتبار فقال (بسند معتبر) (1) والا فقد عرفت ان الرجلين غير موثقين في كتب الرجال ومن المعلوم عدم استناده إلى كتاب كامل الزيارات. وعلى الجملة: فالرواية صحيحة السند لكنها قاصرة الدلالة على الوجوب لمكان الاشتمال على التعليل بقوله (ع) (فان ذلك من فعلنا) فان هذا اللسان اقرب إلى الاستحباب كما لا يخفى على من له انس بالاخبار، إذ مع الوجوب لا حاجة إلى هذا التعليل لكونه من اجزاء الصلاة حينئذ لا من فعلهم (ع). الثانية: صحيحة أبي بصير:، وإذا سجدت فاقعد مثل ذلك، وإذا كان في الركعة الاولى والثانية (ولا يبعد ان النسخة مغلوطة والصحيح الثالثة) فرفعت رأسك من السجود فاستقم جالسا حتى ترجع مفاصلك فإذا نهضت فقل: بحول الله وقوته اقوم واقعد، فان عليا (ع) هكذا كان يفعل (2). وهذه كالسابقة في عدم الدلالة


(1) راجع الحدائق ج 8 ص 304. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 9.

[ 197 ]

على الوجوب، فان ظاهر الامر وان كان هو الوجوب لكن يصرفه عنه التعليل المذكور في الذيل، فان الوجوب لا يناسب التعليل بالتأسي بفعل علي (ع). فالدلالة قاصرة وان صح السند كالسابقة فان داود الخندقي الواقع في السند هو داود بن زربى الخندقي الموثق. الثالثة: اطلاق صحيحة الازدي قال عليه السلام فيها: (وإذا سجد فلينفرج وليتمكن، وإذا رفع رأسه فليلبث حتى يسكن) (1) حيث امر (ع) باللبث ولسكون المساوق للجلوس مطمئنا. وظاهر الامر الوجوب ومقتضى اطلاقه عدم الفرق بين الرفع عن السجدة الاولى أو الثانية. هذا ونسخة الوسائل - طبع عين الدولة مشتملة على الغلط، والصحيح ما هو الموجود في الطبعة الجديدة فلتلاحظ. وكيف كان فهذه الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة، فلا بأس بالاعتماد عليها. الرابعة: ما رواه زيد النرسي في كتابه قال سمعت أبا الحسن (ع) يقول: إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل ان تقوم فاجلس جلسة ثم بادر بركبتيك إلى الارض قبل يديك وابسط يديك بسطا واتك عليهما ثم قم فان ذلك وقار المؤمن الخاشع لربه ولا تطش من سجودك مبادرا إلى القيام كما يطيش هؤلاء الاقتاب في صلاتهم (2). والظاهر: ان الرواية صحيحة السند، فان زيدا موجود في اسانيد كامل الزيارات وان لم يوثق صريحا في كتب الرجال واما


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب اعداد الفرائض ح 14. (2) راجع المستدرك: باب 5 من أبواب السجود.

[ 198 ]

كتابه فلم يرو عنه محمد بن علي بن بابويه، وقال لم يروه محمد بن الحسن ابن الوليد، وكان يقول وضعه محمد بن موسى السمان الهمداني، ولكن ابن الغضائري - وكذا من تأخر عنه - خطأ ابن الوليد في نسبة الوضع وقال هذا غلط فاني رأيت كتابه مسموعا من محمد بن أبي عمير وقال الشيخ أيضا ان كتابه رواه عنه ابن أبي عمير، وكذا النجاشي اعتمد على كتابه وقال رواه جماعة منهم ابن أبي عمير، فالظاهر ان نسبة الوضع في غير محلها، ولم يعلم ان ابن الوليد باي استناد حكم بالوضع، ولو سلم فمن اين علم ان الواضع هو محمد بن موسى مع ان الكتاب مروي عنه بطريق ابن أبي عمير كما سمعت ولم يكن في الطريق هذا الرجل، فلعل الواضع شخص آخر. وكيفما كان: فلا ينبغي التشكيك في صحة السند، لكن الدلالة قاصرة لمكان التعليل المذكور في الذيل من كونه من وقار الصلاة الكاشف عن الاستحباب. الخامسة: رواية الاصبغ بن نباته (1). وفيه: مضافا إلى ضعف السند بعلي بن الحزور فانه لم يوثق ان الدلالة لمكان التعليل بالتوقير قاصرة لمناسبته الاستحباب كما مر. السادسة: ما رواه الشيخ باسناده عن سماعة عن أبى بصير قال قال أبو عبد الله (ع): إذا رفعت رأسك في (من) السجدة الثانية من الركعة الاولى حين تريد أن تقوم فاستو جالسا ثم قم (2) وهذه كما ترى ظاهرة الدلالة إنما الكلام في السند وقد عبر عنها في


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب السجود ح 5. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب السجود ح 3.

[ 199 ]

الجواهر بالموثقة، وتبعه غير واحد، ولكن صاحب الحدائق عبر عنها (بما رواه الشيخ عن أبي بصير) المشعر بالضعف وهو كذلك، فان سماعة وان كان ثقة كابي بصير لكن طريق الشيخ إليه غير معلوم مع الفصل الطويل بينهما، فلم يعلم الواسطة لعدم ذكر الاسناد هنا وان كان قد يذكره في الروايات الاخرى عنه، ولم يتعرض لسماعة في الفهرست كي يذكر طريقه إليه فتصبح الرواية مرسلة لا محالة (1). السابعة: صحيحة عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد الله (ع) قال: رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الاولى جلس حتى يطمئن ثم يقوم (2). وفيه: انه حكاية فعل صادر عنه (ع) وهو اعم من الوجوب فلا يدل عليه. فتحصل: ان شيئا من الروايات المتقدمة لا يمكن الاستدلال بها على الوجوب لضعفها سندا أو دلالة على سبيل منع الخلو عدا صحيحة الازدي باطلاقها. وبازاء هذه الاخبار موثقة زرارة قال: رأيت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا (3) فانها كما ترى صريحة في عدم الوجوب، وبها يرفع


(1) لكن يمكن التصحيح بوجه آخر، وهو ان طريق الصدوق إليه صحيح، وقد صح طريق الشيخ ايضا إلى جميع كتب الصدوق ورواياته كما اشار إليه الاستاذ في المعجم ج 16 ص 362. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب السجود ح 1. (3) الوسائل: باب 5 من أبواب السجود ح 2.

[ 200 ]

اليد عن اطلاق صحيح الازدي ويقيد برفع الرأس عن السجدة الاولى أو يحمل على الاستحباب كما يحمل عليه بقية الاخبار المتقدمة لو سلم دلالتها على الوجوب. والمناقشة في الموثقة بدلالتها على مواظبتهما عليهما السلام على الترك مع وضوح رجحان الجلوس على الاقل فيكشف عن انه كان لعذر وراء الواقع وهو التقية، والا فلا معنى للالتزام بترك المستحب سيما وهو من توقير الصلاة كما مر، فلا تدل على عدم الوجوب، ساقطة إذ لم يظهر وجه الدلالة على المواظبة وليست فيها كلمة (كان) المشعرة بالدوام والاستمرار، ولفظة (إذا) وقتية محضة لا دلالة فيها على الدوام بوجه سواء أكانت متعلقة ب‍ (رأيت) ام ب‍ (نهضا) فالرواية صادقة مع الرؤية مرة واحدة، ولا قرينة في البين على حمل الفعل على التقية بعد ان كان الطبع الاولي مقتضيا للجرى على الحكم الواقعي كما لا يخفى. ومنه: تعرف ان دعوى معارضتها بصحيحة عبد الحميد السابقة أيضا ساقطة، إذ بعد عدم دلالتهما على المواظبة فلا تنافي بين صدور الفعل منه مرة وقد رآه عبد الحميد، وصدور الترك اخرى وقد رآه زرارة. هذا: وقد يستدل على الاستحباب بخبر رحيم قال: قلت لابي الحسن الرضا (ع) جعلت فداك اراك إذا صليت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الاولى والثالثة فتستوي جالسا ثم تقوم، فنصنع كما تصنع؟ فقال لا تنظروا إلى ما اصنع انا اصنعوا ما تؤمرون (1)


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب السجود ح 6.

[ 201 ]

قال في الوسائل اول الحديث يدل على الاستحباب، وآخره على نفي الوجوب. وفيه: ان الرواية وان كانت معتبرة سندا فان رحيم الذى هو من اصحاب الرضا (ع) هو الملقب بعبدوس الخلنجي أبو أحمد وهو موجود في اسانيد كامل الزيارات، وهو كاف في توثيقه وان لم يوثق في كتب الرجال لكن الدلالة قاصرة فانها محمولة على التقية، والا فلماذا منعه (ع) عن ان يصنع كما صنع، مع ان جلسة الاستراحة لااشكال في رجحانها واستحبابها لكونه من توقير الصلاة كما مر. فيعلم من ذلك ان سند المنع هو التقية اما من نفس الراوي كما احتمله في الحدائق، أو من اجل الابتلاء بالعامة والوقوع في خلاف التقية، فلم تكن الرواية واردة في مقام بيان الحكم الواقعي قطعا. وقد ظهر من جميع ما سردناه ان الاقوى عدم وجوب جلسة الاستراحة وان كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه. بقي هنا شئ وهو ان صاحب المدارك (قده) بعد ان استدل للوجوب برواية أبي بصير المتقدمة التي في سندها سماعة - وهي الرواية السادسة من الروايات المتقدمة - وعارضها بموثقة زرارة المتقدمة بقوله: والسندان متقاربان قال (قده) بعد ذلك: ويدل على الاستحباب صحيحة عبد الحميد بن عواض - وهي الرواية السابعة - واعترض عليه في الحدائق متعجبا بان الصحيحة حكاية فعل وهو اعم من الوجوب

[ 202 ]

[ (مسألة 5): لو نسيها رجع إليها ما لم يدخل في الركوع (1). ] والاستحباب فاين الدلالة عليه. واجاب: عنه المحقق الهمداني (قده) بكلام متين وحاصله ان الاعتراض ناش عن الغفلة وعدم التفطن إلى مراد صاحب المدارك فانه بعد ان نفى في المدارك احتمال الوجوب بمقتضى موثقة زرارة احتاج في اثبات الاستحباب إلى دليل فاستدل له بالصحيحة. فالاستدلال بها انما هو بعد القطع بعدم احتمال الوجوب بمقتضى الموثقة المؤيدة بالاصل، فتعجبه في غير محله وهذا الاشكال غير وارد على صاحب المدارك. نعم: يرد عليه الاشكال من وجهين: أحدهما ان ما ذكره من ان سند الروايتين متقاربان في غير محله، بل هما متباعدان، فان رواية أبي بصير ضعيفة من جهة الارسال كما عرفت (1)، ورواية زرارة موثقة، فلا تعارض لعدم التكافؤ في السند. الثاني: انه لا حاجة في اثبات الاستحباب إلى دليل آخر لا صحيحة عواض ولا غيرها، بل يكفي فيه نفس الدليلين من غير حاجة إلى ثالث، فان احدهما تضمن الامر وهي رواية أبي بصير - مع قطع النظر عما ذكرناه من الضعف - والآخر وهي الموثقة تضمنت تركه عليه السلام، وبضم احداهما إلى الاخرى يثبت الاستحباب لا محالة. (1): لبقاء ما لم يدخل في الركن كما هو الحال في ساير


(1) وقد عرفت امكان التصحيح من وجه آخر.

[ 203 ]

الاجزاء المنسية، لكن الظاهر عدم إمكان التدارك فليس له الرجوع إذ الواجب ليس مطلق الجلوس بعد السجود، بل حصة خاصة وهي الجلوس عن السجود، وإن شئت قل رفع الرأس عن السجود والاستواء جالسا كما تضمنته النصوص. ومن الواضح ان هذا غير قابل للتدارك إلا باعادة السجود، فيلزم منها الزيادة العمدية في السجدة الواحدة غير الجائزة بلا اشكال. وقد تقدم نظير ذلك في بحث الركوع وقلنا انه لو نسي القيام بعد الركوع فاهوى إلى السجود وتذكر قبل وضع الجبهة على الارض مضى في صلاته لحديث لا تعاد، وليس له التدارك لعدم امكانه، إذ الواجب إنما هو القيام عن الركوع لا القيام بعد الركوع. فتداركه يتوقف على اعادة الركوع المستلزمة لزيادة الركن، فكذا الحال في المقام.

[ 204 ]

[ فصل في ساير اقسام السجود (مسألة 1): يجب السجود للسهو كما سيأتي مفصلا في احكام الخلل. (مسألة 2): يجب السجود على من قرأ احدى آياته الاربع (1) في السور الاربع وهي: (الم تنزيل) عند قوله: (ولا يستكبرون)، (وحم فصلت) عند قوله (تعبدون) و (النجم، والعلق) وهي سورة (اقرأ باسم) عند ختمهما، وكذا يجب على المستمع لها بل السامع على الاظهر. ] (1): لابد من التكلم في جهات: الاولى: في وجوب سجدة التلاوة وموردها. الظاهر عدم الخلاف بين الامامية في الوجوب، بل ادعى عليه الاجماع غير واحد كما ان موردها العزائم الاربع على ما ذكره في المتن، وتشهد له جملة وافرة من النصوص. منها: الروايات الواردة في الحائض الآمرة بالسجود إذا سمعت

[ 205 ]

السجدة التي منها صحيحة الحذاء قال سألت أبا جعفر (ع) عن الطامث تسمع السجدة، فقال إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها (1) وغيرها. ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودتك، ولكن تكبر حين ترفع رأسك. والعزائم اربعة: حم السجدة، وتنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك (2). ومنها: صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد الله (ع) قال: ان العزائم اربع: اقرأ باسم ربك الذي خلق، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة (3) ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن رجل سمع السجدة تقرء قال: لا يسجد الا ان يكون منصتا لقراءته مستمعا لها.. الخ (4). ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يقرأ بالسورة فيها السجدة فينسى فيركع ويسجد سجدتين ثم يذكر بعد قال: يسجد إذا كان من العزائم والعزائم اربع: الم التنزيل، وحم السجدة والنجم واقرأ باسم ربك. الخ (5). ومنها: غيرها كما لا يخفى على المراجع. فالحكم مسلم لا غبار عليه.


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 1. (3) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 7. (4) الوسائل: باب 43 من أبواب قراءة القرآن ح 1. (5) الوسائل: باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح 2.

[ 206 ]

الجهة الثانية: هل الموجب للسجود والموضوع لهذا الحكم تلاوة الآية بتمامها فلا وجوب ما لم يفرغ عنها أو ان الموجب تلاوة نفس الكلمة المتضمنة للسجدة فلا عبرة بما قبلها ولا ما بعدها؟ المشهور هو الاول، بل حكي عليه الاجماع والاتفاق. ويظهر من المحقق في المعتبر الثاني ناسبا له إلى الشيخ، ومال إليه في الحدائق. ويستدل لهذا القول بوجهين: الاول ان سبب السجدة هو الامر المتعلق بها في الآية، فعند الانتهاء إلى هذه اللفظة يتحقق الموجب فلا اعتداد بغيرها. وهذا: كما ترى ساقط جدا ضرورة ان الموجب انما هو التلاوة الخارجية أو السماع على ما نطقت به النصوص لا نفس الامر والا وجب السجود دائما سواء قرأ أم لا، كما هو الحال في ساير الاحكام التي تضمنها القرآن من الصلاة والزكاة ونحوهما غير المنوط وجوبهما بالقراءة وهو واضح الفساد. الثاني: ما ذكره في الحدائق من ان ذلك مقتضى ظواهر الاخبار لتعليق السجود في جملة منها على سماع السجدة أو قراءتها أو استماعها والمتبادر من السجدة إنما هو لفظ السجدة، إذ الحمل على تمام الآية يحتاج إلى التقدير الذي هو خلاف الاصل، غير ان اتفاق الاصحاب على خلافه يمنعنا من الالتزام به وإلا فهو مقتضى الجمود على ظواهر النصوص. وفيه: ما لا يخفى ضرورة ان حمل السجدة الواردة في النصوص على لفظ السجدة كي يكون من باب استعمال اللفظ في اللفظ مما لا يمكن المصير إليه لعدم ورود هذه اللفظة بمادتها وهيئتها في شئ

[ 207 ]

من آيات العزائم وانما الموجود فيها ساير المشتقات. وعليه فارتكاب التقدير مما لا محيص عنه، فيدور الامر بين ان يكون المراد آية السجدة أو سورتها لصحة كلا الاطلاقين، لكن الثاني مقطوع العدم لقيام الاجماع بل الضرورة على عدم مدخلية السورة في الوجوب وعدم الاعتداد بساير الآيات مضافا إلى دلالة النصوص عليه التي منها موثقة عمار قال (ع) فيها: (إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها) (1) فيتعين الاول: فيظهر ان الموجب للسجود انما هو نفس الآية، فلا عبرة بابعاضها حتى اللفظة المتضمنة للسجدة. وعلى تقدير التنزل والشك في ايجاب هذه اللفظة لها فتكفينا اصالة البراءة التي هي المرجع في الشبهة الحكمية الوجوبية بااتفاق الاصوليين والاخباريين. الجهة الثالثة: إذا بنينا على ان سبب الوجوب هو تمام الآية كما عرفت فلا اشكال في ان موضع السجدة ومحلها هو بعد الفراغ عن الآية لعدم تحقق الموجب قبلئذ. واما على المبنى الآخر وان السبب نفس الكلمة فهل يتعين السجود بمجرد الانتهاء عنها أو يؤخر إلى ما بعد الفراغ عن الآية كما في الاول، ولا تنافي بين الامرين بان يكون الموجب نفس الكلمة وموضع السجدة بعد الآية كما لا يخفى وقد اضطربت كلماتهم واختلفت في المقام فوقع الخلط بين هذه الجهة وبين الجهة السابقة والاولى هو التفكيك وتحرير البحث بما سمعت. المعروف: هو التأخير حتى على هذا المبنى، لكن المحقق في المعتبر ذكر ان موضعه في خصوص حم السجدة عند قوله تعالى: واسجدو لله ونسبه إلى الشيخ في الخلاف، وعن الشهيد في الذكرى


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب قراءة القرآن

[ 208 ]

ان النسبة غير تامة وان كلام الشيخ ليس صريحا فيه ولا ظاهرا والذي يمكن ان يستدل له هو الفورية المعتبرة في سجدة التلاوة لكنه لو تم لعم ولم يختص بهذه السجدة، على انه لا يتم لعدم اقتضاء الامر للفور ولا دليل عليه في المقام. نعم يستفاد ذلك مما دل على المنع عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معللا بانه زيادة في المكتوبة، إذ لو جاز التأخير إلى ما بعد الصلاة لم تتحقق الزيادة فتدل لا محالة على اعتبار الفور في هذه السجدة، لكن المراد هي الفورية العرفية دون الحقيقية فلا يقدح فيها التأخير اليسير بمقدار الفراغ من الآية سيما لو كان الباقي منها كلمة واحدة كما في سورة العلق، أو اتمها حال الهوي إلى السجود. وقد دلت موثقة سماعة صريحا على ذلك، قال (ع) فيها: (من قرأ اقرأ باسم ربك فإذا ختمها فليسجد (1) فالاقوى ان موضع السجدة هو الفراغ عن الآية من غير فرق بين المبنيين. الجهة الرابعة: لا اشكال كما لا خلاف نصا وفتوى في شمول الحكم للقارئ والمستمع وتقتضيه جملة وافرة من النصوص التي تقدمت الاشارة إليها. وهل: يعم السامع أيضا - من غير اختيار وانصات - ام انها مستحبة بالاضافة إليه؟ حكى عن غير واحد من القدماء وجملة من المتأخرين الاول، بل عن الحلي دعوى الاجماع عليه، واختاره في المتن، لكن المحكي عن جماعة آخرين الثاني، بل قيل انه مذهب الاكثر، أو انه المشهور، بل عن الخلاف والتذكرة الاجماع عليه


(1) الوسائل: 27 من أبواب قراءة القرآن ح 2.

[ 209 ]

وهذا هو الاقوى، فان مقتضى غير واحد من الاخبار وان كان هو الاطلاق الشامل لصورتي السماع والاستماع لكن يجب تقييدها بالثاني بمقتضى صحيحة عبد الله بن سنان المصرحة بالتفصيل وتخصيص الحكم بالمستمع، قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل سمع السجدة تقرأ، قال لا يسجد الا ان يكون منصتا لقراءته مستمعا لها أو يصلي بصلاته فاما ان يكون يصلي في ناحية، وانت تصلي في ناحية اخرى فلا تسجد لما سمعت (1). هذا وقد نوقش في الصحيحة من وجوه: احدها: من حيث السند فان في الطريق محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن، وقد استثناه الصدوق تبعا لشيخه محمد بن الحسن بن الوليد عن رجال نوادر الحكمة لمحمد بن احمد بن يحيى حيث قال ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا اعتمد عليه، وضعفه الشيخ أيضا صريحا. اقول: الظاهر صحة الرواية فان الاستثناء لم يصدر الا من الصدوق وشيخه ابن الوليد، فما في الكلمات من اسناده إلى القميين في غير محله وحيث ان الصدوق تابع في ذلك لشيخه كما صرح (قده) بالتبعية وانه لا رأى له في ذلك مستقلا فليس المستثني في الحقيقة الا ابن الوليد فحسب، لكن المتأخرين عنه انكروا عليه هذا الاستثناء وخطأوه في ذلك، قال النجاشي بعد توصيف العبيدي بجلالة القدر وانه ثقة عين، وبعد حكاية الاستثناء المزبور ما لفظه ورأيت اصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون من مثل أبي جعفر


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب قراءة القرآن ح 1.

[ 210 ]

محمد بن عيسى انتهى. وحكى الكشي عن القتيبي انه قال كان الفضل بن شاذان (رحمه الله، يحب العبيدي ويثني عليه، ويمدحه ويميل إليه، ويقول ليس في اقرانه مثله، وقد اعتمد عليه النجاشي كثيرا ووثقه صريحا، كما سمعت، وحكى عن شيخه أبي العباس ابن نوح انكاره على ابن الوليد في الاستثناء قائلا (فلا ادري ما رابه فيه - اي ما الذي اوقعه في الريب لاما رأيه كما في نسخة جامع الرواة ج 2 ص 64 فانه غلط كما لا يخفى - لانه كان على ظاهر العدالة والثقة. وعلى الجملة: فلا يمكن التعويل على استثناء ابن الوليد المشعر بضعف الرجل في قبال توثيق النجاشي وغيره والثناء عليه بتلك المقالة الكاشفة عن كونه بمكانة من الوثاقة والجلالة حتى كأنه من المتسالم عليه عند الاصحاب، ولذا انكروا عليه استثناءه متعجبين ناقمين كما مر. فلا يصلح ذاك الجرح لمعارضة مثل هذا التوثيق. بل التحقيق: ان استثناء ابن الوليد لا يكشف عن جرح وقدح في نفس الرجل، فان النجاشي قد تعرض لنقل هذا الاستثناء في موضعين من كتابه. احدهما: في ترجمة محمد بن احمد بن يحيى فعد من جملة ما استثناه ابن الوليد من رواياته ما يرويه محمد بن عيسى بن عبيد باسناد منقطع. وهذا كما ترى كالصريح في ان منشأ الاستثناء كون الرواية مقطوعة وليست هي بحجة حينئذ بلا خلاف ولا اشكال وان كان الراوي في اعلى درجات الوثاقة، فلا اشعار في هذه العبارة فضلا عن الدلالة على قدح في العبيدي نفسه.

[ 211 ]

الثاني: في ترجمة محمد بن عيسى بن عبيد نفسه، فحكى عن ابن الوليد انه قال ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا اعتمد عليه، والظاهر من هذه العبارة ان سبب الاستثناء في نظر ابن الوليد وجود خلل في طريق العبيدي إلى كتب يونس لعلة مجهولة لدينا، لا وجود الخلل والضعف في نفس العبيدي والا لم يكن وجه لتخصيص الاستثناء بما يرويه عن يونس، بل كان اللازم الاستثناء على سبيل الاطلاق للغوية التقييد حينئذ، فالتقييد المزبور اقوى شاهد على ان الرجل لم يكن بنفسه ممقوتا عند ابن الوليد. فلا مجال للانكار عليه بالعبائر المتقدمة من انه من مثل العبيدي، أو ليس في اقرانه مثله، وكأنهم استفادوا من كلامه قدحا في الرجل فانكروا عليه. وكيفما كان: فالانصاف ان استثناء ابن الوليد لا يدل على قدح في الرجل حتى يعارض به توثيق النجاشي، والعلة التي كانت في نظرة في وجه الخلل في طريقه إلى كتب يونس مجهولة لدينا كما عرفت فلا يمكن التعويل عليها. وقد عرفت ان الصدوق تابع له وانه لم يتبعه غيره من القميين. والذي يكشف عما ذكرناه كشفا قطعيا ان الصدوق الذي هو تابع لشيخه في الاستثناء المزبور كما صرح به لم يذكر في كتاب الفقيه رواية عن محمد بن عيسى عن يونس مع روايته عن محمد بن عيسى بنفسه - غير ما يرويه عن يونس - كثيرا، فلو كان الاستثناء كاشفا عن قدح في الرجل لما نقل رواية عنه اصلا، فالتفكيك اقوى شاهد على ان الخلل في طريقه إلى يونس لا فيه نفسه. وحيث ان ادعاء

[ 212 ]

الخلل اجتهاد من شيخه من غير ان يكون عليه دليل ظاهر فهو اعرف بما قال، ولا يلزمنا اتباعه. واما تضعيف الشيخ فهو أيضا متخذ من عبارة ابن بالوليد ومستند إليه لقوله في ترجمته يونسي اي من تلاميذ يونس فكأن الخلل انما هو في طريقه إليه كما عرفت من ابن الوليد، وكذا تضعيف العلامة في بعض كتبه وغيره مستند إليه، وبعد وضوح المستند وعدم صلاحيته للاستناد لخطأهم فيه كما ذكرنا، فهو غير قابل للاعتماد. فالاقوى وثاقة الرجل لتوثيق النجاشي السليم عما يصلح للمعارضة، فمن اجل ذلك يحكم بصحة الرواية. فالمناقضة السندية ساقطة. الوجه الثاني: من وجوه المناقشة انها قد تضمنت جواز قراءة الامام للعزيمة الممنوع عنها بلا اشكال، فهي محمولة على التقية فتسقط عن الحجية. والجواب: عنه اولا ان الامام المذكور لم يفرض كونه امام الحق فمن الجائز كونه من المخالفين وهم يجوزون العزيمة في الصلاة، ولا يرون وجوب السجود، فان سجد الامام تبعه تقية والا يومئ برأسه كما ورد في بعض النصوص (1) من ان من سمع العزيمة وهو في الصلاة يومئ برأسه ايماءا، ولا محذور في حمل الصحيحة على ذلك، غايته ارتكاب التقييد بما إذا سجد الامام، والا فالوظيفة هي الايماء كما عرفت، ولا ضير فيه. وثانيا: مع التسليم فغايته سقوط هذه الفقرة عن الحجية غير القادحة في حجية الباقي الذى هو مبنى الاستدلال فانها إلى قوله (ع)


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب قراءة القرآن ح 4.

[ 213 ]

(مستمعا لها) صريحة الدلالة وان سلم الاجمال فيما هذه. الوجه الثالث: انها مطلقة بالاضافة إلى العزيمة وغيرها لعدم تقييدها بالاول. وعليه فالنسبة بينها وبين النصوص المتقدمة الدالة على الوجوب في العزيمة الشاملة باطلاقها للسامع والمستمع عموم من وجه لاختصاص الصحيحة بالسامع وعمومها للعزيمة وغيرها على عكس تلك النصوص فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي السامع للعزيمة، فلا يجب السجود بمقتضى هذه الصحيحة، ويجب بمقتضى تلك المطلقات. وحيث ان الترجيح للثاني لمكان الشهرة المؤيدة باجماع السرائر تعين الوجوب. والجواب اولا: ان الظاهر من الصحيحة ولو بمناسبة الحكم والموضوع ان المراد بالسجدة فيها خصوص العزيمة لقوله (ع): لا يسجد متعقبا بالاستثناء، إذ لا يحتمل ان يراد بالنهي المنع لثبوت الاستحباب لدى سماع السجدة مطلقا بلا ارتياب، بل المراد به نفي الوجوب لوروده في مقام توهم الامر كما يكشف عنه استثناء صورة الاستماع المحكومة بالوجوب، فيكون حاصل المعنى: ان من سمع السجدة لا يجب عليه السجود الا مع الانصات والاستماع. وهذا كما ترى لا ينطبق إلا مع ارادة العزيمة خاصة لعدم احتمال الوجوب في غيرها. وعليه: فالنسبة بينها وبين المطلقات عموم وخصوص مطلق لا من وجه، فيلتزم بالتخصيص بحمل تلك المطلقات على صورة الاستماع خاصة. وثانيا: على تقدير التسليم فيحث ان التعارض في مادة الاجتماع بالاطلاق فيسقطان، ويرجع حينئذ إلى اصالة البراءة، ولا مجال

[ 214 ]

للرجوع الي المرجحات مع ان اجماع السرائر مضافا إلى وهنه معارض بمثله كما تقدمت الاشارة إليه. الوجه الرابع: ان اقصى ما يستفاد منها نفي الوجوب في السامع المصلي فيحتاج ثبوت الحكم في غير المصلي إلى اثبات عدم القول بالفصل كي يتعدى من احدهما إلى الآخر. والجواب: ان هذا إنما يتجه لو كان قوله (ع): فاما أن يكون المصلي.. الخ راجعا إلى صدر الكلام حتى يقيد به اطلاقه كي يكون المعنى حينئذ انه لا يسجد السامع إذا كان القاري يصلي في ناحية وانت تصلي في ناحية اخرى، لكنه ليس كذلك قطعا، بل هذه الجملة بمقتضى الظهور العرفي من متممات الجملة المتصلة بها، أعني قوله (ع) أو يصلى بصلاته، فارادا عليه السلام بيان ان المصلي يسجد إذا كان مأموما يصلي بصلاة القاري، واما إذا كان منفردا فلا بل يومئ. وقد اشرنا إلى وجه السجود إذا كان مأموما وانه من اجل التقية لكون الامام من المخالفين، ولا مقتضي له حال الانفراد. وعليه: فيبقى اطلاق الصدر على حاله، وانه لدى السماع لا يجب السجود مطلقا الا في خصوص المأموم. وعلى الجملة فهذه الاشكالات كلها ساقطة، فان الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة من غير اشتمالها على ما يخالف القواعد. فلا مناص من الاخذ بها، ومن اجلها تقيد تلك المطلقات وتحمل على صورة الاستماع جمعا بينها وبين هذه الصحيحة فلا وجوب مع السماع. واما الاستحباب فمما لا ينبغي الاشكال فيه من غير حاجة إلى

[ 215 ]

[ ويستحب في احد عشر موضعا (1): في الاعراف عند قوله: (وله يسجدون)، وفي الرعد عند قوله، وظلالهم بالغدو والآصال)، وفي النحل عند قوله (ويفعلون ما يؤمرون) وفي بني اسرائيل عند قوله (ويزيدهم خشوعا) وفي مريم عند قوله: (وخروا سجدا وبكيا) وفي سورة الحج في موضعين عند قوله (يفعل الله ما يشاء) وعند قوله (افعلوا الخير) وفي الفرقان عند قوله: (وزادهم نفورا)، وفي النمل عند قوله: (رب العرش العظيم) وفي ص عند قوله: (وخر راكعا واناب)، وفي الانشقاق ] ورود دليل عليه بالخصوص، إذ يقتضيه مضافا إلى الاتفاق والتسالم نفس الامر الوارد في تلك المطلقات بضميمة الترخيص في الترك الذي تضمنته الصحيحة بناءا على ما هو الصحيح من ان الوجوب والاستحباب غير مستفادين من نفس اللفظ ولم يكونا مدلولين للامر، وإنما هما بحكم العقل المنتزع من الامر بشئ مع الاقتران بالترخيص في الترك، أو عدم الاقتران، فالامر بالسجدة في تلك المطلقات مستعمل في جامع الطلب، وحيث انه لم يقترن بالترخيص في الترك بالاضافة إلى المستمع كما هو ظاهر واقترن به بالاضافة إلى السامع بمقتضى هذه الصحيحة لدلالتها على نفي الوجوب بالنسبة إليه كما سبق فنتيجته الوجوب في الاول والاستحباب في الثاني. (1): كأن هذا من المتسالم عليه بينهم حكما وموردا مرسلين

[ 216 ]

[ عند قوله: (وإذا قرئ) بل الاولى السجود عند كل آية فيها امر بالسجود. ] له ارسال المسلمات فلا يجب في الزائد على الاربع ويستحب في غيرها من المواضع الاحد عشر على التفصيل الذي ذكره في المتن. ويؤيده النبوي الذي رواه جماعة من الاصحاب عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، ورواية دعائم الاسلام، وخبر عبد الله بن سنان وغيرها من الروايات الضعيفة التي تؤيد المطلوب المصرحة بالاستحباب فيما عدا الاربع، بل ذكر في المتن تبعا لجماعة ثبوت الاستحاب عند كل آية فيها امر بالسجود مثل قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي وغير ذلك. وتؤيده: رواية جابر عن أبي جعفر (ع) قال ان أبي علي بن الحسين (ع) ما ذكر لله نعمة عليه إلا سجد، ولا قرأ آية في كتاب الله فيها سجده الا سجد إلى ان قال فسمي السجاد بذلك (1) وان كانت ضعيفة السند. وعن صاحب المدارك المناقشة في استحباب ما عدا المواضع الاربعة لعدم وقوفه على نص يعتد به. واعترض عليه في الحدائق بان النص الصحيح موجود حتى بناءا على اصطلاحه وهو ما رواه محمد بن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر احمد بن محمد بن أبي نصر، عن العلاء، عن


(1) الوسائل: باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح 1.

[ 217 ]

محمد بن مسلم (. وكان علي بن الحسين (ع) يعجبه ان يسجد في كل سورة فيها سجدة (1)، لان البزنطي صاحب الكتاب رواه عن العلاء عن محمد بن مسلم والثلاثة ثقات بالاتفاق. على انه (قده) في غير موضع من كتابه يعمل بالخبر الضعيف في باب السنن، فلا معنى لرده هنا بضعف السند بعد وجود الخبر كرواية جابر المتقدمة ثم اعتذر عنه بان نظره في الفحص مقصور على الكتب الاربعة كما هي عادته ولم يراجع غيرها. وهذه الاخبار خارجة عنها. اقول: الظاهر صحة ما افاده صاحب المدارك (قده) في المقام فانه لم ينكر وجود النص بقول مطلق كي يعتذر عنه بقصر النظر على الكتب الاربعة، بل قيده بنص يعتد به وهو مفقود كما افاده (قده)، وما ذكره صاحب الحدائق من رواية محمد بن مسلم فهي ليست من النص الصحيح فان رجال السند وان كان كلهم ثقات كما ذكره الا ان طريق ابن ادريس إلى كتاب البزنطي مجهول لدينا مع الفصل الطويل بينهما، فان البزنطي من اصحاب الجواد (ع) والحلي من رجال القرن السادس فبينهما وسائط وحيث انها مجهولة فالرواية محكومة بالارسال لا محالة فتسقط عن الاستدلال، فهي ضعيفة السند، لا ان صاحب المدارك لم يظفر بها لبعده جدا كما لا يخفى. نعم: رواها الشيخ في التهذيب بسند صحيح لكنها عارية عن الذيل الذي هو موضع الاستدلال (2).


(1) الوسائل: باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح 2. (2) الوسائل: باب 39 من أبواب قراءة القرآن ح 1.

[ 218 ]

[ (مسألة 3): يختص الوجوب والاستحباب بالقاري والمستمع (1)، والسامع للآيات فلا يجب على من كتبها أو تصورها، أو شاهدها مكتوبة، أو اخطرها بالبال. (مسألة 4): السبب مجموع الآية فلا يجب بقراءة بعضها (2) ولو لفظ السجدة منها. (مسألة 5): وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير (3) ] واما حكمه (قده) بالاستحباب في غير موضع من كتابه عند وجود الخبر الضعيف فانما هو بالعنوان الثانوي من باب قاعدة من بلغ والتسامح في ادلة السنن، ولم ينكر ذلك في المقام، بل انكر النص الصحيح الدال على الاستحباب بالعنوان الاولي وهو صحيح كما افادة فالحكم في المقام مبني على قاعدة التسامح. (1): موضوع الحكم وجوبا واستحبابا إنما هو عنوان القارئ والمستمع والسامع على كلام في الاخير بالنسبة إلى الوجوب كما مر فلا يعم غيرها كالكاتب، والمتصور، والناظر إلى الكتابة، ومن يخطرها بالبال لخروج كل ذلك عن موضوع الحكم في النصوص، بل لعله يلزم التكليف بما لا يطاق في الاخير، إذ نفس الالتفات إلى هذا الامر يقتضي الخطور فيلزمه السجود دائما. هذا لو شك في الشمول - ولا نكاد نشك - فالمرجع اصالة البراءة. (2): كما تقدم البحث عنه مستقصى فلا نعيد. (3): اجماعا كما ادعاه غير واحد، وتشهد له جملة من النصوص.

[ 219 ]

منها: الاخبار المانعة عن قراءة العزيمة في الفريضة معللا بان السجود زيادة في المكتوبة (1) فانها تكشف عن فورية السجدة لا محالة إذ لو جاز التأخير إلى ما بعد الصلاة لم يكن اي وجه للمنع. ومنها: الروايات الآمرة بالايماء لو سمعها وهو في الفريضة (2) التي منها ولعلها اصرحها صحيحة علي بن جعفر قال سألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرا آخر السجدة، فقال: يسجد إذا سمع شيئا من العزائم الاربع ثم يقوم فيتم صلاته إلا ان يكون في فريضة فيومي برأسه ايماءا (3)، حيث تضمنت التفصيل بين صلاة النافلة فيسجد عند سماع الآية ثم يتم الصلاة لعدم قدح زيادة السجدة فيها وبين الفريضة فيومي، فلو جاز التأخير لم يكن وجه للانتقال إلى الايماء الذى هو بدل عن السجود لدى تعذره. فالامر بالايماء مقتصرا عليه من دون تعرض لتدراك السجدة بعد الصلاة يكشف عن الفورية. وكأن صاحب الحدائق لم يظفر بهذه النصوص والا لما اقتصر في الاستدلال على الاجماع الذي بمجرده ولا قيمة له عنده، ولذا نراه كثيرا ما يحاول الاستدلال بالروايات وان كانت ضعيفة بالمعنى المصطلح. وكيفما كان فبمقتضى هذه النصوص تقيد المطلقات ويحمل الامر فيها على الفور فالحكم مسلم لا غبار عليه. انما الكلام فيما إذا سمع السجدة في الاوقات التي تكره فيها الصلاة وهي بعد صلاة


(1) لاحظ الوسائل: باب 40 من أبواب قراءة القرآن. (2) لاحظ الوسائل: باب 37 و 38 من أبواب قراءة القرآن. (3) الوسائل: باب 43 من أبواب قراءة القرآن ح 4.

[ 220 ]

الفجر إلى طلوع الشمس، وكذا قبل الغروب، فهل الفورية ثابتة هنا أيضا أو انها تؤخر إلى ما بعد خروج الوقت؟ مقتضى الاطلاقات هو الاول، لكن قد يتخيل الثاني استنادا إلى موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال في الرجل يسمع السجدة في الساعة التي لا تستقيم الصلاة فيها قبل غروب الشمس وبعد صلاة الفجر فقال لا يسجد (1). وفيه اولا: ان امارة التقية عليها ظاهرة لقوله: في الساعة التي لا تستقيم الصلاة.. الخ فان عدم الاستقامة المساوق لعدم الصحة هو مذهب العامة، وقد تقدم في بحث الاوقات الاخبار الناهية عن الصلاة في هذا الوقت معللة بان الشمس تطلع بقرني الشيطان فإذا صلى الناس في هذه الوقت فرح ابليس واخبر اتباعه انهم يسجدون لي، فلاجله منع عن السجود فيه في هذه الموثقة للاشتراك في علة المنع. وبينا هناك ان هذه الروايات كلها محمولة على التقية وان التعليل جار على مذهبهم ومطابق لعقيدتهم إذ هو مذكور في رواياتهم، والا فالشمس لا تزال في حالة الطلوع على صقع من الاصقاع من غير اختصاص بزمان أو مكان. وثانيا: ان النسبة بين الموثقة وبين الاطلاقات الآمرة بالسجود عموم من وجه لاطلاق هذه من حيث العزيمة وغيرها واختصاصها بالوقت الخاص على عكس المطلقات فتتعارضان في مادة الاجتماع وهي سماع العزيمة في الوقت المزبور فيجب السجود بمقتضاها، ولا يجب بمقتضى الموثقة، لكن الترجيح مع المطلقات لكون الدلالة


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب قراءة القرآن ح 3.

[ 221 ]

فيها بالعموم، وفي الموثقة بالاطلاق ولا شك في تقدم الاول، فان من تلك المطلقات صحيحة محمد بن مسلم المشتملة على صيغة العموم عن أبي جعفر (ع) قال سألته عن الرجل يعلم السورة من العزائم فتعاد عليه مرارا في المقعد الواحد، قال: عليه ان يسجد كلما سمعها، وعلى الذي يعلمه أيضا ان يسجد (1). على انه يمكن ان يقال: ان الموثقة خاصة بغير العزيمة، فهي اجنبية عما نحن فيه - والنسبة هي التباين لا العموم من وجه - وذلك بقرينة قوله: لا تستقيم الصلاة فيها. الخ فان المراد بهذه الصلاة إنما هي النافلة، إذ هي التي يتوهم انها لا تستقيم والا فلا شك في استقامة الفريضة لامتداد وقتها من الفجر إلى طلوع الشمس ولا يحتمل خفاء مثل هذا الحكم الواضح على مثل عمار، فبمناسبة الحكم والموضوع يكون المراد من السجدة هي المستحبة. وقد اشرنا آنفا إلى ان الاخبار الناهية كلها محمولة على التقية، وعليه فهذه السجدة كالنافلة مستحبة في هذا الوقت أيضا. ويشهد لما ذكرناه من الاختصاص بغير العزيمة ذيل الموثقة حيث ذكر فيها هكذا (وعن الرجل يقرا في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم... الخ فان التقييد بالعزيمة في هذا السؤال يكشف عن ان المراد بالسجدة في السؤال الاول ما يقابلها فسأل اولا عن حكم غير العزيمة ثم عن حكمها. فظهر من جميع ما ذكرناه ان الاقوى جواز فعلها في جميع الاوقات كلها وان كانت مما يكره فيه النوافل.


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب قراءة القرآن ح 1.

[ 222 ]

[ نعم لو نسيها اتى بها إذا تذكر (1) ] وتؤيده: رواية دعائم الاسلام المصرحة بالتعميم. (1): هل الفورية المعتبرة في السجدة لدى السماع أو التلاوة تجعلها من قبيل الواجبات الموقتة التي يسقط معها الوجوب عند خروج الوقت ويكون قضاءا بعدئذ لو ثبت كالظهرين ونحوهما، فكما ان الامر فيهما محدود بما بين الزوال والغروب وموقت بذلك فيسقط لو تركهما حتى خرج الوقت، فكذا الامر في المقام موقت بالفورية العرفية فيسقط لو لم يسجد في هذا الوقت، أو أنه لا توقيت في المقام وإنما الفورية واجب آخر من قبيل تعدد المطلوب، فلو اخل بها نسيانا أو عصيانا كان التكليف الاول باقيا ويقع اداءا مهما امتثله فهو نظير صلاة الزلزلة الحادث وجوبها بحدوث السبب والباقي مدى العمر من غير توقيت؟ اختار في الحدائق الثاني. وهذا إنما يتجه بناءا على مسلكه من الاستناد ففي الفورية إلى الاجماع فانه دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقن وهو حال التذكر، فمع النسيان يبقى التكليف الاول على حاله من غير توقيت فيه، فيجب الاتيان مهما تذكر. واما بناءا على المختار من الاستناد إلى الادلة اللفظية وهي النصوص الدالة على الفورية التي تقدمت فحيث انها مطلقة تشمل حالتي التذكر وعدمه فهي تقيد الامر الوارد في المطلقات على الاطلاق وتجعله من قبيل الموقتات لكشفها عن ان الواجب حصة معينة وهي المحدود بالفورية العرفية فمقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف

[ 223 ]

بعد انتهاء الحد وخروج الوقت ولو كان ذلك من اجل النسيان، إلا انه مع ذلك نحكم بالوجوب لدى التذكر لورود النص الخاص في المقام وهي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع ويسجد، قال: يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم (1). ويؤيدها ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا عن نوادر البزنطي عن محمد بن مسلم أيضا (2) لكنها ضعيفة السند لجهالة طريق الحلي إلى كتاب البزنطي كما مرت الاشارة إليه قريبا. فمن اجل تلك الصحيحة يحكم ببقاء الامر الاول ووجوب السجود متى تذكر. وربما يستدل للحكم بالاستصحاب. وفيه اولا انه لا مجال للاصل بعد وجود الدليل كما عرفت. وثانيا: ان الشبهة حكمية ولا نقول بجريان الاستصحاب فيها. وثالثا: ان تم فانما يسلم في موارد العصيان دون النسيان لانقطاع التكليف وسقوط الامر الاول قطعا حتى واقعا، فان التكاليف الواقعية مرفوعة عن الناسي. ومن هنا ذكرنا في محله ان اسناد الرفع في حديث الرفع واقعي بالاضافة إلى الناسي والمكره والمضطر وظاهري بالنسبة إلى الجاهل. ومعه لا مجال للاستصحاب لعدم الشك في البقاء بعد القطع بالارتفاع فلو ثبت فهو تكليف جديد لا انه بقاء للتكليف السابق.


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب قراءة القرآن ح 1. (2) الوسائل: باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح 2.

[ 224 ]

[ بل وكذلك لو تركها عصيانا (1) (مسألة 6): لو قرأ بعض الآية وسمع بعضها الآخر (2) فالاحوط الاتيان بالسجدة ] (1): اما الاستدلال له بالاستصحاب فلا يتم بناءا على مسلكنا كما مرت الاشارة إليه. نعم يمكن استفادة الحكم من صحيحة محمد ابن مسلم المتقدمة آنفا وان كان موردها النسيان فان الظاهر من قوله (ع): يسجد إذا ذكر ان الوجوب مستند إلى نفس الامر السابق وانه باق بحاله ما لم يمتثل لا انه تكليف جديد فانه خلاف الظاهر جدا كما لا يخفى، فيشترك فيه الناسي والعاصي لوحدة المناط. (2): مقتضى الجمود على ظواهر النصوص الحاصرة لسبب الوجوب في القراءة والسماع عدم شمول الحكم لصورة التلفيق، إذ لا يصدق على الملفق من الامرين شئ من العنوانين، لكن لا يبعد استفادة الحكم منها بمقتضى الفهم العرفي بدعوى ان الموضوع هو الجامع بين الامرين ولو في مجموع الآية، فان العرف يساعد على هذا الاستظهار ويرى ان المجمع غير خارج عن موضوع الاخبار. وقد تقدم نظير ذلك في بحث الاواني وقلنا ان الآنية المصوغة من مجموع الذهب الفضة اما مزجا أو بدونه بان يكون نصفه من احدهما والنصف الآخر من الآخر وان لم يصدق عليه فعلا عنوان آنية الذهب ولا الفضة، لكن العرف لا يراها خارجة عن موضوع نصوص المنع. واوضح حالا ما لو تركب معجون من عدة مواد محرمة الاكل

[ 225 ]

[ (مسألة 7): - إذا قرأها غلطا أو سمعها ممن قرأها غلطا فالاحوط الاتيان بالسجدة (1). (مسألة 8): يتكرر السجود مع تكرر القراءة أو السماع أو الاختلاف (2) بل وان كان في زمان واحد بان قرأها ] بعناوينها كالدم الطاهر والتراب والنخاع ونحوها، فان هذا المركب وان لم يصدق عليه فعلا شئ من عناوين تلك المواد لاستهلاك بعضها في البعض ولكنه مع ذلك يجب الاجتناب عنه بلا ارتياب لما عرفت من ان الملفق منها مشمول لادلة تلك العناوين بمقتضى الفهم العرفي. بل يمكن استفادة الحكم في المقام من نفس النصوص، فان القارئ سامع لقراءة نفسه إلا ما شذ فيشمله دليل السماع، إذ لاوجه لتخصيصه بالغير فإذا سمع الباقي من غيره يصدق في حقه انه سمع تمام الآية، إذ لا يعتبر أن يكون السماع من شخص واحد، ولذا لو سمع بعض الآية من شخص والبعض الآخر من شخص آخر وجب السجود بلا اشكال. فالسجود في المقام لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. (1): لاحتمال اندراجه تحت اطلاق النصوص لكن الاقوى عدم الوجوب، فان موضوع الحكم سماع أو قراءة آية السجدة، وهي التي انزلها الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله، ولا شك ان النازل هي القراءة الصحيحة وعلى النهج العربي، فالملحون مادة أو هيئة خارج عن موضوع الحكم لانصراف الدليل إلى غيره. (2): اما مع تخلل السجود بين السببين المكررين فلا اشكال

[ 226 ]

[ جماعة أو قرأها شخص حين قراءته على الاحوط. ] في الوجوب ثانيا كما هو ظاهر، واما مع عدم التخلل فهل يكتفى بالسجدة الواحدة لدى تعدد الاسباب؟ يبتني ذلك على ان مقتضى الاصل هل هو التداخل أو عدمه، وحيث ان التداخل على خلاف الاصل لاقتضاء كل سبب مسببه، فالمتعين تكرار السجود في المقام بتكرر سببه. نعم ثبت التداخل في باب الاغسال بالنص لقوله عليه السلام: (إذا كان لله عليك حقوق اجزأك عنها حق واحد. على انه يمكن استفادة الحكم في المقام من صحيحة محمد بن مسلم: (عن الرجل يعلم السورة من العزائم فتعاد عليه مرارا في المقعد الواحد، قال عليه أن يسجد كلما سمعها) (1)، حيث دلت على وجوب السجود لكل مرة. وعليه: فمع تكرر السبب سواء أكان من سنخ واحد أو سنخين يجب السجود لكل مرة. هذا إذا كان التكرار في زمانين ويلحق بذلك ما لو كان التكرر في زمان واحد مع الاختلاف في السنخ، كما لو قرأها وسمعها من شخص آخر في تلك الحال لصدق تعدد السبب المقتضي لتعدد المسبب. واما مع الاتحاد في السنخ مع وحدة الزمان كما لو سمعها من جماعة يقرؤونها في آن واحد فقد حكم في المتن بالالحلق أيضا، لكنه مشكل جدا، بل ممنوع، إذ العبرة بالسماع لا بالمسموع، وفي المقام لم يكن الا سماع واحد وان كان المسموع متعددا نظير النظر المتعلق بجماعة كثيرين فان النظر والابصار


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب قراءة القرآن ح 1.

[ 227 ]

[ (مسألة 9): لا فرق في وجوبها بين السماع من المكلف أو غيره (1) كالصغير، والمجنون إذا كان قصدهما قراءة القرآن. (مسألة 10)، لو سمعها في اثناء الصلاة أو قرأها (2) اومأ للسجود وسجد بعد الصلاة واعادها. ] لم يتعدد، وانما التعدد في المنظور إليه، فلم تجب عليه إلا سجدة واحدة لوحدة السبب. (1): لاطلاق النصوص كقوله في صحيحة الحذاء عن الطامث تسمع السجدة... الخ، وفي صحيحة علي بن جعفر فيقرا آخر السجدة، وغيرهما مما تقدمت الشاملة باطلاقها لما إذا كان السماع من المكلف أو غيره ممن كان قاصدا لقراءة القرآن كالصبي المميز، والمجنون لعدم الدليل على اعتبار البلوغ والتكليف في القارئ، وما في بعض النصوص كصحيحة محمد بن مسلم (1) من التقييد بالرجل فهو من باب المثال بلا اشكال. (2): حكم (قده) حينئذ بامور ثلاثة: الايماء، والسجود بعد الصلاة، اعادتها اما الايماء فلا ينبغي الاشكال فيه للنصوص الدالة عليه التي منها صحيحة علي بن جعفر المتقدمة (2) وقد مر الكلام حول ذلك في بحث القراءة مستقصى.


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب قراءة القرآن ح 1. (2) الوسائل: باب 43 من أبواب قراءة القرآن ح 4.

[ 228 ]

[ مسألة 11): إذا سمعها أو قرأها في حال السجود يجب رفع الرأس منه ثم الوضع (1) ولا يكفي البقاء بقصده بل ولا الجر إلى مكان آخر. ] نعم: هذا في صلاة الفريضة. واما إذا سمعها في النافلة سجد فورا وأتم صلاته لعدم قادحية زيادة السجدة في النافلة وقد صرح بذلك في صحيحة ابن جعفر المزبورة. واما السجود بعد الصلاة فلا دليل عليه بعد الانتقال إلى الايماء الذى هو بدله المستتبع لسقوط الامر قضاءا للبدلية سيما مع الاقتصار على الايماء في صحيحة ابن جعفر من دون تعرض للسجود بعدئذ فيكشف وهو (ع) في مقام البيان عن عدم الوجوب. نعم لاشك انه احوط لاحتمال بقاء الامر، وان الايماء بدل موقت. واما اعادة الصلاة فلا وجه لها اصلا، إذ لا منشأ لها ولو احتمالا لعدم عروض ما يقتضي البطلان بوجه فلم يتضح وجه حكمه (قده) بها مع انه مناف لما تقدم منه (قده) في مبحث القراءة (في المسألة الرابعة) من التخيير بين الايماء وبين السجدة وهو في الصلاة واتمامها واعادتها. والظاهر: ان في العبارة سهوا من قلمه الشريف أو من النساخ وان الصحيح (أو سجد) بالعطف ب‍ (أو) لا بالواو مع تبديل (بعد الصلاة) ب‍ (في الصلاة) كي ينتج التخيير الموافق لما سبق منه (قده) هناك. (1): لان الامر بالسجود كغيره من ساير الواجبات ظاهر في الايجاد والاحداث، فلا يكفي البقاء بقصده ولا الجر إلى مكان

[ 229 ]

[ (مسألة 12): الظاهر عدم وجوب نيته حال الجلوس (1) أو القيام ليكون الهوي إليه بنيته، بل يكفي نيته قبل وضع الجبهة بل مقارنا له. (مسألة 13): الظاهر انه يعتبر في وجوب السجدة كون القراءة بقصد القرآنية (2) فلو تكلم شخص بالآية ] آخر لعدم صدق الاحداث معه بل هو ابقاء لما كان كما مرت الاشارة إليه سابقا، فلابد من الرفع والوضع تحقيقا للامتثال (1): بما ان السجود الواجب متقوم بوضع الجبهة على الارض والهوي إليه مقدمة صرفة فلا تعتبر النية عند الهوي فضلا عن حال الجلوس أو القيام، فلو هوى لداع آخر ثم بدا له في السجود قبل بلوغ الحد فنوى وسجد اجزا عنه فتكفي النية الحاصلة قبل السجود ولو آناما، بل لا يعتبر هذا المقدار أيضا فتكفى المقارنة كما هو الشأن في ساير العبادات لعدم الدليل على لزوم سبق النية على العمل فلو اتفقت مقارنة النية لنفس العمل مقارنة حقيقية كفى لكن الشأن في تحققه واحرازه خارجا فانه عسر جدا ونادر التحقق، ولذا كان اللازم من باب المقدمة العلمية سبق النية ولو آناما، وان كانت المقارنة على تقدير تحققها كافية أيضا. (2): لتوقف صدق قراءة القرآن على قصد الحكاية عن ذاك الكلام النازل على النبي الاعظم صلى الله عليه وآله كما مر توضيحه في بحث القراءة عند التكلم عن لزوم تعيين البسملة، فالعاري عن

[ 230 ]

[ لا بقصد القرآنية لا يجب السجود بسماعة، وكذا لو سمعها ممن قرأها حال النوم، أو سمعها من صبي غير مميز، بل وكذا لو سمعها من صندوق حبس الصوت، وان كان الاحوط السجود في الجميع ] القصد كلام آدمي مشابه للقرآن وليس من القرآن في شئ، وحيث ان الموضوع في وجوب السجدة قراءة القرآن أو سماعها المتقومة بالقصد المزبور فلا وجوب مع فقد القصد، ويترتب عليه عدم الوجوب لو سمعها ممن قرأها حال النوم، أو من صبي غير مميز أو من حيوان كالطوطي، أو من صندوق حبس الصوت. اما صندوق حبس الصوت وآلة التسجيل فلوضوح ان الصوت الخارج منه ليس هو عين الصوت السابق وقد كان مضبوطا محبوسا فيه وانما هو صوت جديد مماثل له ناش من اصطكاك جسم بحسم على نهج معين وكيفية خاصة وواضح انه فاقد للقصد لعدم لصدوره من شاعر قاصد. فلا يصدق عليه قراءة القرآن وكذا الحال فيما يصدر عن الصبي والحيوان فانه مجرد لقلقة اللسان من غير قصد إلى العنوان بوجه. واما النائم فهو ايضا عار عن القصد للزوم سبقه بالالتفات المنفى حال النوم، ولذا قد يعتذر عما صدر منه في تلك الحال بعدم القصد والالتفات. نعم لا يخلو هو عن نوع من القصد المناسب لعالم النوم الا انه اجنبي عن القصد الموضوع للاحكام بلا كلام.

[ 231 ]

[ مسألة 14): يعتبر في السماع تمييز الحروف والكلمات فمع سماع الهمهمة لا يجب السجود (1) وان كان احوط ] وكذا الحال في المجنون إذا كان بمثابة لاتصدر عنه القراءة عن قصد والتفات. واما حكم الاذاعات فان كان المذيع شخصا يقرا القرآن فعلا فلا ينبغى الشك في وجوب السجود عند سماع الاية كما في السماع من حاضر إذا لا فرق بين القريب والبعيد في ذلك. فهو نظير السماع من شخص آخر بواسطة التليفون الذى يجب السجود حينئذ بلا اشكال وان كان العبد بينهما مئات الفراسخ. فكما ان الصوت يصل فيه بواسطة الاسلاك فكذا يصل في الاذاعات بواسطة الامواج ولا فرق بين الواسطتين من هذه الجهة قطعا. واما إذا لم يكن في دار الاذاعة شخص حاضر بالفعل وانما الموجود في محطتها مسجلة تلقى الصوت فحكمه حكم صندوق الصوت الذى عرفت فيه عدم الوجوب نعم الاحتياط بالسجود حسن في جميع ما ذكر كما اشير إليه في المتن. (1): لوضوح ان موضوع الحكم سماع الاية المتوقف على تمييز المراد وتشخصيص الحرف والكلمات غير المنطبق على سماع الهمهمة لفقد التمييز والتشخيص فلا يصدق معه سماع الاية وان كان السامع يعلم انها المقروءة. فان العبرة بالسماع لا العلم. ومن هنا لا يكفي سماع همهمة الاذان في تحقيق حد الترخص. نعم ثبت الاكتفاء بالهمهمة في سماع قراءه الامام وهو خراج بالنص فلا يتعدى

[ 232 ]

[ مسألة 15): لا يجب السجود لقراءة ترجمتها أو سماعها (1) وان كان المقصود ترجمة الآية. (مسألة 16): يعتبر في السجود بعد تحقق مسماه مضافا إلى النية (2) اباحة المكان، وعدم علو المسجد بما يزيد على اربعة اصابع والاحوط وضع ساير المساجد ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه. ] عن مورده. (1): فان الموضوع قراءة نفسها وليست الترجمة منها. (2): اما النية فلا اشكال في اعتبارها كما في ساير العبادات بعد وضوح كون هذه السجدة عبادية بمقتضى الارتكاز، فلا بد من قصد التقرب بها، وكذا القصد إلى عنوان السجود لكونه من العناوين القصدية كما هو ظاهر. واما ساير ما يعتبر في السجود فهو على نوعين: فتارة يظهر من لسان الدليل ان المناط في الاعتبار ليس لخصوصية في السجود بما هو سجود، بل من اجل انه من اجزاء الصلاة، فهو شرط لعامة الاجزاء الصلاتية من غير اختصاص بالسجود وهذا كالستر والطهارة والاستقبال ونحوها. ولا ريب في عدم شمول مثل هذا الدليل لسجدة التلاوة التي هي واجبة بوجوب مستقل غير مرتبط بالصلاة. فالمقتضي بالاضافة إليها قاصر في حد نفسه إلا ان يقوم دليل آخر يقتضى الاعتبار فيها بالخصوص، وسيأتي الكلام عليه.

[ 233 ]

واخرى: يظهر منه اعتباره في السجود بما هو سجود من غير اناطة بكونه من اجزاء الصلاة، كما لا يبعد ذلك بالاضافة إلى اشتراط عدم علو المسجد ازيد من مقدار اللبنة، ووضع المساجد السبعة. ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه لا طلاق ادلة هذه الامور الثلاثة، فان المسؤول عنه في الاول هو ذات السجود قال في صحيحة عبد الله بن سنان سألته عن السجود على الارض المرتفع، فقال إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس (1) والحكم في الثاني متعلق بطبيعة السجود لقوله (ع) إنما السجود على سبعة العظم، وكذا الثالث ففى صحيحة هشام اخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز قال السجود لا يجوز الا على الارض أو على ما انبتت الارض الا ما اكل أو لبس إلى ان قال (ع) في مقام التعليل: ان ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون. والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل فلا ينبغى ان يضع جبهته في سجوده على معبود إبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها (2) فان اطلاق هذه الادلة سيما الاخير بلحاظ الاشتمال على التعليل يقتضى عدم الفرق بين السجود الصلاتى وغيره. اللهم الا إن يدعى الانصراف إلى الاول المانع عن انعقاد الاطلاق فان تمت هذه الدعوى لم يكن هناك دليل يشمل المقام والا بان كان الانصراف بدويا ولم يكن بمثابة ينعقد معه الظهور العرفي في المنصرف إليه الذى هو الضابط في الانصراف المانع عن الاطلاق كما لعله الاظهر


الوسائل: باب 11 من أبواب السجود ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب ما يسجد عليه ح 1.

[ 234 ]

ولا سيما بالاضافة إلى الاخير لمكان التعليل المقتضى للتعميم كما عرفت كان الحكم شاملا للمقام ايضا. فهذا ان لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. وكيفما كان فالحكم سعة وضيقا مشترك بين الامور الثلاثة لوحدة المناط، واشتراك الدليل اطلاقا وانصرافا، فان كان اطلاق ففى الجميع، أو انصراف ففي الجميع ايضا. ومنه: تعرف انه لم يظهر وجه للتفكيك بين الاول والاخيرين بالجزم في الاول والتوقف فيما كما صنعه في المتن. هذا وربما يستدل على عدم اعتبار وضع ساير المساجد بما وراه الصدوق في العلل باسناده عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل يقرأ السجدة وهو على ظهر دابته، قال: يسجد حيث توجهت به فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي على ناقته وهو مستقبل المدينة، يقول الله عزوجل: فاينما تولوا فثم وجه الله (1) فان السجود على ظهر الدابة المستلزم للاخلال بساير المحال بطبيعة الحال يكشف عن عدم الاعتبار. اقول: الكلام في هذه الرواية يقع تارة من حيث السند. واخرى من ناحية الدلالة. اما الدلالة فالظاهر انها قاصرة، إذ لا يبعد ان يكون المراد من السجدة هي المندوبة دون العزيمة بقرينة الاستشهاد في مقام التعليل بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله على ظهر الدابة، فان المراد بها صلاة النافلة قطعا إذ لا تجوز الفريضة على الدابة مع التمكن من


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب قراءة القرآن ح 1

[ 235 ]

النزول إلى الارض بلا اشكال ولا كلام، وكذا استشهاده (ع) بالآية المباركة إنما يناسب ارادة النافلة كما ورد مثل ذلك في روايات النافلة على ظهر الدابة. وعليه فمناسبة الحكم والموضوع تقتضي ارادة المندوب من السجدة ايضا كما لا يخفى. واما من حيث السند فقد عبر عنها في الحدائق بالصحيحة وتبعه غير واحد ممن تأخر عنه لكن الظاهر انها ضعيفة لمكان جعفر بن محمد بن مسرور شيخ الصدوق فانه مهمل لم يرد فيه توثيق، وان كان بقية رجال السند كلهم ثقات. نعم: تصدى المرحوم الميرزا محمد في الوسيط لعد الرجل في الحسان باعتبار ترحم الصدوق وترضيه عليه واقره الاردبيلي في جامع الرواة على ذلك، لكنه لا يتم فان الترحم بنفسه لا يقتضى التوثيق ولا يكشف عن حسن الحال، وقد رأينا الصدوق كثيرا ما يترحم ويترضى على مشايخه، وفيهم الضعيف وغيره، وان ذلك منه لا يكشف إلا عن كونه شيعيا اماميا لا يزيد عليه بشئ. كيف وقد ترحم الصادق (ع) على جميع زوار الحسين (ع) وفيهم الفاسق والكذاب وشارب الخمر أفهل ترى ان ترحم الصدوق وترضيه اعظم شأنا من ترحم الصادق (عليه السلام). هذا. وقد استقرب في الوسيط ايضا ان يكون المراد بالرحل هو جعفر بن محمد بن قولوية بعينه الذى هو فوق الوثاقة والجلالة مستظهرا ذلك من عبارة النجاشي حيث ذكر في ترجمه علي بن محمد بن جعفر ابن موسى بن مسرور ما لفظه (مات حدث السن لم يسمع منه له

[ 236 ]

كتاب فضل العلم وآدابه اخبرنا محمد والحسن بن هدبة قالا حدثنا جعفر بن محمد بن قولويه قال حدثنا اخى به - أي بالكتاب) فيظهر ان المترجم له هو اخو ابن قولويه، فيكون جعفر بن محمد ابن موسى بن قولويه هو بعينه جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى ابن مسرور. وذكر ذلك الوجيد البهبهانى ايضا في تعليقته على الرجل الكبير ولعله من اجل ذلك عبر في الحدائق عن الرواية بالصحيحة. ولكن هذا لا يتم بل الظاهر عدمه، فان الصدوق وان امكن روايته عن ابن قولويه لتقارب العصر واقدمية ابن قولويه في السن فيصلح لكونه شيخا له كما يتضح ذلك من قرينتين بعد معلومية تاريخ ولادة الصدوق وانه سنة 305 وانه لم يضبط تاريخ الاخر، احداهما ان ابن قولويه قد روى عن محمد بن جعفر الرزاز كثيرا المتوفي سنة 312، فبطبيعه الحال يقتضى ان يكون سنه عندئذ 20 أو 15 سنة على الاقل فيكون اسبق من الصدوق المتولد سنة 305 كما عرفت. الثانية: انه قد روى عن سعد بن عبد الله القمى الاشعري روايتين أو اربع كما ذكره النجاشي، وعلى أي حال فقد روى عنه ولو رواية واحده، وقد توفى سعد في سنة 299 أو سنة 301، فلابد وان يكون سن ابن قولويه عندئذ 15 سنة على الاقل فيكون متولدا في سنة 285 فيكون اسبق من الصدوق. وكيفما كان فالصدوق وان امكن روايته عن ابن قولويه بحسب الطبقة الا انه لم ينقل عنه ولا رواية واحدة، وكلما ينقل فهو يرويه عن جعفر بن محمد بن مسرور. ودعوى الاتحاد بينه وبين جعفر بن قولويه مستظهرا ذلك من عبارة النجاشي غير مسموعة فان النجاشي لم يقل ان علي بن محمد

[ 237 ]

ابن جعفر بن موسى بن مسرور روى كتابه اخوه جعفر بن قولويه ليدل على ان عليا وجعفرا اخوان كى يقتضى الاتحاد الموبور. بل قال بعد ذكر ان عليا له كتاب فضل العلم وآدابه ان جعفر بن قولويه قال حدثنا اخى به اي بالكتاب. واما ان اخاه من هو هل هو على ام غيره فلا دلالة في العبارة عليه اصلا. وبعبارة اخرى: فرق واضح بين ان يقول - بعد ذكر علي بن مسرور وان له كتابا - روى جعفر بن قولويه عن اخيه بكتابه وبين ان يقول روى جعفر بن قولويه عن اخيه بالكتاب، فان الاول يدل على اخوة جعفر وعلي وان اخاه هو علي صاحب الكتاب بخلاف الثاني إذ مفاده ان اخاه هو الراوي لذاك الكتاب من دون أي دلالة على انه هو صاحب الكتاب كي يثبت به اخوته مع علي حتى ينتج الاتحاد المزبور. ومما يكشف كشفا قطعيا عن ان علي بن مسرور لم يكن اخا لابن قولويه ان النجاشي قد ذكر في ترجمة علي انه مات حدث السن لم يسمع منه وانما له كتاب كما سمعت من عبارته، مع ان جعفر ابن قولويه روى في الكامل عن اخيه كثيرا فكيف يقال انه لم يسمع منه. وهذا كتاب كامل الزيارات مملوء من الروايات عن اخيه علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه. إذا جعفر بن محمد ابن مسرور رجل آخر غير جعفر بن موسى بن قولويه جزما ومسرور جده بلا واسطة وليس لقبا لقولويه الذي هو جد الثاني بوسائط فهما رجلان بلا اشكال، وهذا ثقة واي ثقة بل قال النجاشي في حقه كل ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فهو فوقه، وهذا غاية الثناء

[ 238 ]

[ ولا يعتبر فيه الطهارة من الحدث (1) ] والتوثيق. واما ابن مسرور الذي هو شيخ الصدوق فلم تثبت وثاقته بوجه وعليه فالرواية ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد ابدا، مضافا إلى قصور الدلالة كما عرفت، إذا لا دليل على عدم اعتبار وضعه المساجد السبعة في هذه السجدة، ومقتضى الاحتياط الوجوبي هو الوضع، بل عرفت انه لا يخلو عن وقوة. (1): بلا اشكال ولا خلاف - فيما عدا حدث الحيض كما ستعرف ويدل عليه مضافا إلى الاجماع الاصل والاطلاقات لعدم التقييد فيها بالطهارة من الحدث الاصغر ولا الاكبر. وربما يستدل له أيضا بجملة من النصوص. منها: رواية ابي بصير التى هي اجمع رواية في الباب لكونها جامعة لتمام اقسام الحدث من الاصغر والاكبر وما يختص بالنساء وما لا يختص، عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا قرأ بشئ من العزائم الاربع فسمعتها فاسجد وان كنت على غير وضوء، وان كنت جنبا وان كانت المراة لا تصلي (1). لكنها ضعيفة السند بعلي ابن ابي حمزة البطائني فانه لم يوثق فلا يعتمد عليها. ومنها: ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا من نوادر احمد بن ابى نصر البزنطى باسناده عن الوليد بن صبيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: من قرا السجدة وعنده رجل على غير وضوء قال يسجد. وعن علي بن رئاب عن الحلبي قال: قلت لابي عبد الله (ع)


(1) الوسائل: باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح 2.

[ 239 ]

يقرا الرجل السجدة وهو على غير وضوء. قال: يسجد إذا كانت من العزائم (1). ولا يمكن الاعتماد عليهما أيضا فان السند وان كان صحيحا إذ رجاله كلهم ثقات ولعله من اجله عبر عنهما في الحدائق بالصحيحة إلا ان طريق ابن ادريس إلى كتاب البزنطي مجهول لدينا مع الفصل الطويل بينهما فيكونان في حكم المرسل. ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال سألته عن امام قرأ السجدة فاحدث قبل ان يسجد كيف يصنع؟ قال: يقدم غيره فيتشهد ويسجد وينصرف هو وقد تمت صلاتهم (2) واوردها ايضا في باب 40 من ابواب القراء حديث 5 بتبديل فيتشهد ويسجد إلى قوله فيسجد ويسجدون. ولكنها: من اجل تضمنها جواز قراءة الامام للعزيمة وسجود المأمومين للتلاوة - مع انها زيادة عمدية - وتمامية صلاتهم، وكل ذلك على خلاف المذهب فلا مناص من حملها على التقية لموافقتها للعامة فلا يمكن الاعتماد عليها وان صح سندها. ومنها: مرسلة الدعائم قال فيها: ويسجد وان كان على غير طهارة، وضعفها ظاهر. فظهر لحد الان ان شيئا من هذه الاخبار غير صالح الاستدلال لضعفها سندا ودلالة. واستدل ايضا بصحيحة الحذاء قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الطامث تسمع السجدة، فقال: ان كانت من العزائم فلتسجد إذا


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 5 و 6. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 4.

[ 240 ]

سمعتها، وموثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال في حديث: والحائض تسجد إذا سمعت السجدة (1) فإذا ثبت الحكم في حدث الحيض ثبت في بقية الاحداث قطعا لعدم احتمال الفرق وعدم القول بالفصل وهاتان الروايتان لا بأس بالاستدلال بهما لتماميتهما من حيث السند والدلالة إلا ان بازائهما صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن الحائض هل تقرا القرآن وتسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال تقرأ ولا تسجد (2). هكذا رواها في التهذيب، لكن عن الاستبصار (لا تقرا ولا تسجد) والظاهر ان نسخة التهذيب هي الصحيحة بقرينة الروايات الكثيرة المصرحة بجواز قراءئها القرآن ما عدا العزائم (3). وكيفما كان فهي صريحة في نفي السجدة عنها ونحوها موثقة غياث (لا تقضى الحائض الصلاة ولا تسجد إذا سمعت السجدة) (4). ومن هنا ذهب المفيد والشيخ في النهاية وابن الجيند إلى حرمة السجود على الحائض عملا بظاهر النهي لكنه ساقط جزما لاستلزامه طرح الصحيحة والموثقة المتقدمتين الظاهرتين في الوجوب بلا موجب ولا اقل من الجمع بالحمل على الاستحباب كما صنعه الشيخ. فالامر في المقام دائر بين الوجوب أو الاستحباب، ولا يحتمل الحرمة قطعا.


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب الحيض ح 1 و 3 (2) الوسائل: باب 36 من أبواب الحيض ح 4. (3) لاحظ باب 19 من أبواب الجنابة. (4) الوسائل: باب 36 من أبواب الحيض ح 5.

[ 241 ]

وعلى الجملة فهذه الصحيحة معارضة لصحيحة الحذاء فلا بد من التصدى لوجه الجمع بينهما، وقد قيل في تقرير الجمع وجوه: احدها: ما سمعته من الشيخ من الحمل على الاستحباب بدعوى ان النهى الوارد في هذه الصحيحة لمكان وقوعه موقع توهم الايجاب فلا يدل إلا على جواز الترك دون المنع، ولاجله يحمل الامر الوارد في صحيحة الحذاء الظاهر في الوجوب على الاستحباب جمعا كما هو الشان في امثال المقام واستحسنه من تأخر عنه. ولكنه لا يتم وان صدر عن الشيخ (قده) لاقتران القراءة بالسجود في السؤال المانع عن انقداح شبهة الوجوب في ذهن السائل كى يكون النهى واقعا موقع توهم الايجاب ويكون ظاهرا في الجواز حينئذ، إذ لا مقتضي لتوهم الوجوب بالاضافة إلى القراءة بوجه كما لا يخفى. فانضمام القراءة يستوجب ان يكون السؤال عن الجواز لا محالة دون الوجوب وكأن الداعي للسؤال تخيل السائل المنع عن القراءة والسجود بمناط واحد وهو كونهما من اجزاء الصلاة الممنوعة عنها الحائض، وان كان الجواز - لو ثبت - ملازما للوجوب بالاضافة إلى السجدة إذا كانت عزيمة. وعليه فلا مقتضى لصرف النهى الوارد في الجواب عن ظاهره من المنع وحمله على عدم الوجوب، إذ لا قرينة عليه بوجه فتستقر المعارضة بين الصحيحتين لا محالة، ولا مجال للحمل على الاستحباب من غير فرق فيما ذكرناه بين ان تكون النسخة تقرأ أو لا تقرأ كما لا يخفى. الثاني ما ذكره صاحب الوسائل ونفى عنه العبد في الحدائق من حمل النهي في صحيحة عبد الرحمن على الاستفهام الانكاري.

[ 242 ]

وهذا اضعف من سابقه. إذ فيه اولا ان الحمل على الانكار خلاف الظاهر جدا لا يصار إليه من غير قرينة مع عدم وضوح الفرق بينة وبين غيره في المقام إلا من ناحية اللهجة وكيفية إلاداء، وفتح باب هذا الاحتمال يستلزم الخلل في استفادة الحكم من غير واحد من الاخبار. وثانيا: انه غير محتمل في خصوص المقام، إذ لم يكن حكم القراءة مسلما عند السائل حتى يستنكر الامام (ع) التفكيك بينه وبين السجود، وانما سأل عن حكمهما بنفس هذا السؤال وقد صدر الحكم فعلا من دون ان يكون معلوما قبلا، فاي معنى للاستفهام الانكاري والحال هذه. وثالثا: اي ملازمة بين الامرين حتى يستنكر التفكيك، إذ من الجائز مشروعية القراءة للحائض لعدم كونها من مقومات الصلاة بل هي من السنة كما ورد ان القراءة سنة بخلاف السجود فانه مقوم لها فيسقط بتبعها وحيث ان الصلاة ممنوعة عن الحائض فكذا السجود المقوم لها. فاي مجال للانكار بعد وضوح الفرق وعدم التلازم في السقوط والثبوت. ومن هنا ذكر في منتقى الجمان وجها آخر للجمع وهو: الوجه الثالث: بدعوى ان صحيحة الحذاء موردها خصوص العزيمة بخلاف صحيحة عبد الرحمن فانها مطلقة فتحمل على غير العزيمة جمعا. ولكن هذا أيضا لا يتم وان استحسنه بعض مدعيا انه اوفق بالجمع العرفي.

[ 243 ]

إذ فيه اولا: ان الظاهر من صحيحة عبد الرحمن ان لحدث الحيص خصوصية تستوجب سقوط السجدة مطلقا، وان الحائض تمتاز عن غيرها في ذلك، وإلا فالتفصيل بين العزائم وغيرها امر عام يشترك فيه جميع المكلفين من غير فرق بين الحائض وغيرها فيلزم اللغوية في هذا العنوان مع ان ظاهرها ان الوصف العنواني هو الموضوع للحكم وحيثية الحيض هي الدخيلة في المنع. وثاينا ان نتيجة هذا الجمع هو التفصيل في الحائض بين العزيمة فيجب وبين غيرها فيحرم على ما هو ظاهر النهي. وهذا ترى ولم يقل به احد فلا يمكن الالتزام به. ومما ذكرنا يظهر الجواب عن. الوجه الرابع: الذى ذكر بعضهم من حمل هذه الصحيحة على السماع، وصحيحة الحذاء على الاستماع بشهادة صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة المصرحة بهذا التفصيل، إذ فيه ما عرفت من لزوم اللغوية في صفة الحيض فان السقوط لدى السماع تشترك فيه الحائض وغيرها كالوجوب عند الاستماع مضافا إلى ان لازمه القول بان الحائض يجب عليها السجود عند الاستماع ويحرم مع السماع، وهذا مما لم يقل به احد. والمتحصل من جميع ما قدمناه لحد الآن ان جميع هذه الوجوه المقررة لكيفية الجمع ساقطة ولا يمكن المساعدة على شئ منها فالانصاف استقرار المعارضة بين الطائفتين وامتناع التوفيق على نحو يعد من الجمع العرف لظهور الطائفة الاولى في الوجوب، والثانية في المنع، ولا يتيسر في مثله الجمع من غير شاهد ولا شاهد كما عرفت. الا ان الاقوى مع ذلك كله وجوب السجدة على الحائض كغيرها لدى استماع العزائم ولا تعتبر الطهارة في هذه السجدة عن اي حدث

[ 244 ]

حتى الحيض كما عليه المشهور. وذلك اما بناءا على الالتزام في الخبرين المتعارضين بالتساقط والرجوع ابتداء إلى العام أو الاصل العملي من دون اعتناء بالمرجحات السندية المقررة في محلها لعدم تماميتها. فالامر ظاهر، إذ المرجع حينئذ العمومات المتقدمة المتضمنة لوجوب السجدة عند سماع العزيمة الشاملة باطلاقها للحائض وغيرها السليمة عما يصلح للتقييد، إذ المقيد وهي صحيحة عبد الرحمن بنفسه مبتلى بالمعارض كما هو المفروض فوجوده كعدمه. واما بناءا على اعمال قواعد الترجيح كما هو الصحيح على ما بيناه في مبحث التعادل والتراجيح فالترجيح مع صحيحة الحذاء لموافقتها مع السنة القطعية، إذ الاخبار الدالة ولو باطلاقها على وجوب السجود على الحائض كثيرة جدا بحيث يقطع بصدور بعضها عن المعصوم (ع) على سبيل التواتر الاجمالي، وموافقة الكتاب والسنة من المرجحات هذا اولا. وثانيا: مع الغض عن ذلك فهي مخالفة للعامة، إذ المعروف عند اكثر الجمهور اشتراط الطهارة من الحدثين كما ذكره في الحدائق نقلا عن المنتهى. فتحمل صحيحة عبد الرحمن على التقية. وقد ذكرنا في محله انحصار المرجع السندي في امرين موافقة الكتاب والسنة اولا ثم مخالفة العامة، وقد عرفت وجود كلا المرجحين في صحيح الحذاء. هذا كله في حدث الحيض وكذا الحال في الجنابة فلا تعتبر الطهارة عنها بلا اشكال ولا خلاف ويقتضية الاصل والاطلاقات المؤيدة بخبر

[ 245 ]

[ ولا من الخبث (1) فتسجد الحائض وجوبا عند سببه، وندبا عند سبب الندب، وكذا الجنب، وكذا لا يعتبر فيه الاستقبال (2) ] أبى بصير المتقدم (1) المصرح بالوجوب وان كان جنبا غير انه ضعيف السند باعتبار علي بن أبي حمزه فلا يصلح الا للتأييد. (1): - بلا خلاف ويدل عليه بعد الاجماع الاصل والاطلاقات ويمكن استفادة الحكم من صحيحة الحذاء وغيرها من نصوص الحائض لعدم خلوها عن الخبث غالبا بل لعله دائما. (2): بلا خلاف بل اجماعا كما عن غير واحد، ويقتضيه الاصل والاطلاقات، نعم قد يستشعر أو يستظهر الاعتبار من رواية الحلبي المتقدمة المروية عن علل الصدوق (باب 49 قراءة القرآن) المسوغة للسجدة على ظهر الدابة معللا بان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلى على ناقته مستشهدا بقوله تعالى: فاينما تولوا فثم وجه الله، حيث يظهر منها لزوم مراعاة الاستقبال لو كان ساجدا على وجه الارض لكن الرواية ضعيفة السند من اجل جعفر بن محمد بن مسرور شيخ الصدوق فانه مجهول وقد مر البحث حوله مستقصى كما انها قاصرة الدلالة على المطلوب للقطع بارادة النافلة من صلاة النبي صلى الله عليه وآله على ناقته لعدم صحة الفريضة عليها اختيارا بلا اشكال ولا كلام كما يشهد به الاستشهاد بالآية المباركة الواردة في نصوص التنفل على الدابة حال السير، والا فلا شك في لزوم مراعاة الاستقبال في الفريضة لدى الاختيار على ما يقتضيه قوله تعالى: فولوا وجوهكم


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 2.

[ 246 ]

[ ولا طهارة موضع الجبهة ولا ستر العورة فضلا عن صفات الساتر (1) من الطهارة، وعدم كونه حريرا، أو ذهبا، أو جلد ميتة، نعم يعتبر ان لا يكون لباسه مغصوبا (2) إذا كان السجود يعد تصرفا فيه. ] شطره. وعليه فيكشف بمناسبة الحكم والموضوع عن ارادة السجدة المندوبة من السجود على ظهر الدابة دون العزيمة، أو يقال ان السجدة وان كانت عزيمة إلا ان حالها كالنافلة فكما ان الافضل رعاية الاستقبال فيها وان لم يكن معتبرا فكذا السجدة كما هو قضية التعليل والاستشهاد بالآية فلا تدل على الوجوب، بل غايته الرجحان. (1): كل ذلك للاصل واطلاق النصوص بعد قصور المقتضي لاختصاص ادلة هذه الامور بالسجود الصلاتي وعدم الدليل على التعدي إلى المقام مضافا إلى عدم الخلاف فيها. (2): اما اعتبار اباحة المكان الذي اشار (قده) إليه في هذه المسألة فلا اشكال فيه بعد وضوح ان السجدة واجب عبادي، فان الحرام لا يتقرب به ولا يكون مصداق للواجب كما هو الحال في سجود الصلاة لوحدة المناط واشتراك الدليل. واما اباحة اللباس فقد حكم (قده) باعتبارها فيما إذا عد السجود تصرفا فيه وهذا متين بحسب الكبرى لعين ما عرفت في المكان الا ان الظاهر انه لا مصداق له خارجا، إذ لا يعد السجود تصرفا في اللباس بوجه فانه متقوم بوضع الجبهة على الارض ولا مساس لهذا

[ 247 ]

[ (مسألة 17): ليس في هذا السجود تشهد ولا تسليم (1) ولا تكبير افتتاح، نعم يستحب التكبير للرفع منه، بل الاحوط عدم تركه. ] بالتصرف في اللباس والهوي إليه وان استلزمه إلا انه مقدمة خارجية اجنبية عن حقيقة السجود المتقوم بما عرفت. (1): ويدل عليه فيهما بعد الاجماع الذي ادعاه غير واحد الاصل والاطلاق، وكذا الحال في تكبيرة الافتتاح بل لم تكن مشروعة للنهي في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك، ولكن تكبر حين ترفع رأسك، وموثقة سماعة: (إذا قرأت السجدة فاسجد ولا تكبر حتى ترفع رأسك) (1) وظاهر النهي المنع ونفي التشريع. انما الكلام في التكبير بعد رفع الرأس منه ولا شبهة في مشروعيته للامر به في جملة من النصوص التي منها ما عرفت، وهل هو مستحب ام واجب؟ المشهور هو الاول، وذهب جماعة إلى الثاني. ويستدل للوجوب بظاهر الامر الوارد في طائفة من الاخبار التي منها صحيحة ابن سنان، وموثقة سماعة المتقدمتان آنفا، ومنها ما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطي، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) فيمن يقرأ السجدة من القرآن من العزائم


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 1 و 3.

[ 248 ]

فلا يكبر حين يسجد ولكن يكبر حين يرفع رأسه (1). ومنها مرسله الصدوق: (... ثم يرفع رأسه ثم يكبر) (2) وظاهر الامر الوجوب. إلا ان بازاء هذه النصوص الاربعة ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب بسنده عن مصدق عن عمار قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل إذا قرأ العزائم كيف يصنع؟ قال: ليس فيها تكبير إذا سجدت ولا إذا قمت (3) حيث تضمنت صريحا نفى التكبير قبل السجود وبعده. ومن هنا حمل المشهور الامر الوارد في تلك النصوص على الاستحباب جمعا بينها وبين هذه الرواية كما هو مقتضى الصناعة في نظائر المقام. ولكنه لا يتم لضعف الرواية من اجل علي بن خالد الواقع في السند فانه لم يوثق، واما التضعيف من اجل جهالة طريق ابن ادريس إلى ارباب المجامع والكتب كما سبق منا مرارا، فهو وان كان وجيها - ولا يجدى اعتماده على القرائن القطعية بناء منه على عدم العمل باخبار الآحاد إذ هو لا يستوجب القطع بالاضافة الينا، سيما بعد ما نشاهده من اشتمال كتاب السرائر على خبط وتشويش فتراه ينقل عن راو ثم عمن هو متقدم عليه بكثير بحيث يمتنع روايته عنه - إلا انه يستثنى من ذلك خصوص ما يرويه عن كتاب محمد بن علي بن محبوب


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 10. (2) الوسائل: باب 46 من أبواب قراءة القرآن ح 2. (3) الوسائل: باب 46 من أبواب قراءة القرآن ح 3.

[ 249 ]

(الذي يروي عنه هذه الرواية) فان طريقه فان طريقه إليه صحيح، لتصريحه في السرائر بان ما يرويه عن هذا الكتاب قد وجده بخط الشيخ (قده) إذ من المعلوم قرب عهده بعصر الشيخ بما لا يزيد على مائة سنة، وواضح ان خط الشيخ وهو شيخ الطائفة حقا ومن رؤساء المذهب المعروفين المشهورين كان يعرفه كل من قارب عصره ولم يكن معرضا للاختفاء والالتباس، إذا فيطمئن عادة بان الخط الذي رآه كان خطه بنفسه، وحيث ان طريقه إلى ابن محبوب صحيح فيعتمد على ما يرويه عن خصوص هذا الكتاب، فالعمدة في وجه الضعف ما عرفت إذا فتبقى تلك النصوص سليمة عما يوجب صرفها عن ظاهرها وهو الوجوب. والتحقيق: قصور المقتضي للوجوب في حد نفسه لضعف تلك النصوص من جهة الدلالة أو السند على سبيل منع الخلو. اما صحيحة عبد الله بن سنان فقاصرة الدلالة على الوجوب لمسبوقية الامر بالتكبير بعد السجود بالنهي عنه قبله، ومن الواضح ان الامر المتعلق بشئ الواقع عقيب النهي عن ذاك الشئ لا يدل الا على الجواز والاباحة دون الوجوب. واوضح حالا موثقة سماعة لعدم تضمنها الامر من اصله، وانما اشتملت على تحديد النهي برفع الرأس قال (ع): (ولا تكبر حتى ترفع رأسك.، ومقتضى مفهوم الغاية ارتفاع النهي عند حصول الغاية وهي رفع الرأس، لا تعلق الامر كي يقتضي الوجوب. فغايتها الاباحة وجواز التكبير عندئذ دون الوجوب واما روايه محمد بن مسلم فهي ضعيفة السند والدلالة. اما السند فلجهالة طريق المحقق (1) إلى جامع البزنطي بعد وجود الفصل


(1) ولكنه (دام ظله) بنى اخيرا على صحة الطريق.

[ 250 ]

[ (مسألة 18): يكفي فيه مجرد السجود، فلا يجب فيه الذكر (1) وان كان يستحب، ويكفي في وظيفة الاستحباب كلما كان، ولكن الاولى ان يقول: (سجدت لك يا رب تعبدا ورقا لا مستكبرا عن عبادتك ولا مستنكفا ولا مستعظما بل انا عبد ذليل خائف مستجير) أو يقول: (لا إله إلا الله حقا حقا لا إله الا الله ايمانا وتصديقا لا إله الا الله عبودية ورقا سجدت لك يا رب تعبدا ورقا لا مستنكفا ولا مستكبرا بل انا عبد ضعيف ذليل خائف مستجير) أو يقول الهي آمنا بما كفروا وعرفنا منك ما انكروا واجبناك إلى ما دعوا الهي فالعفوا العفو) أو يقول ما قاله النبي صلى الله عليه وآله في سجود سورة العلق: وهو: (اعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك واعوذ بك منك لا احصي ثناءا عليك انت كما اثنيت على نفسك). ] الطويل فتلحق بالمراسيل. واما الدلالة فلعين ما مر في صحيحة ابن سنان لتقارب المتنين فلاحظ. واما مرسلة الصدوق فهي وان كانت اقوى دلالة من الكل لسلامتها عن تلك المناقشات إلا ان ضعفها من جهة الارسال يمنع عن الاعتماد عليها فتحصل مما سردناه ان الاقوى عدم الوجوب وان كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه. (1): لم يتعرض القدماء للذكر والدعاء في هذه السجدة

[ 251 ]

اصلا، ولذا ترى المحقق قد اهمله في الشرايع، فيظهر منهم الاتفاق على عدم الوجوب. واما المتأخرون فقد اكتفوا بمطلق الذكر مصرحين بالاستحباب مرسلين له ارسال المسلمات فيظهر من جميع ذلك اجماع القدماء والمتأخرين على عدم الوجوب. هذا حال الاقوال. واما بالنظر إلى الاخبار فقد ورد في صحيحة الحذاء الامر بالدعاء على وجه خاص. قال: إذا قرأ احدكم السجدة من العزائم فليقل في سجوده سجدت لك تبعدا ورقا لا مستكبرا عن عبادتك ولا مستنكفا ولا مستعظما بل انا عبد ذليل خائف مستجير (1) وظاهر الامر وجوب هذه الكيفية، إلا ان بأزائها روايات أخر دلت على خلاف ذلك. منها: ما رواه ابن ادريس في السرائر عن كتاب محمد بن علي ابن محبوب بسنده عن عمار قال سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل إذا قرأ العزائم كيف يصنع؟ قال: ليس فيها تكبير إذا سجدت ولا إذا قمت، ولكن إذا سجدت قلت ما تقول في السجود (2)، ومقتضاها وجوب مطلق الذكر من غير توظيف كما في السجود. ومنها: ما عن الصدوق في الفقيه قال: روي انه يقول في سجدة العزائم لا إله الا الله حقا حقا لا إله الا الله ايمانا وتصديقا لا إله الا الله عبودية ورقا سجدت لك يا رب تعبدا ورقا لا مستنكفا ولا مستكبرا بل انا عبد ذليل خائف مستجير (3). ومنها: ما ارسله العلامة في المنتهى، وكذا الصدوق في الفقيه


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 46 من أبواب قراءة القرآن حديث 1 و 3 و 2.

[ 252 ]

أيضا: من قرأ شيئا من العزائم الاربع فليسجد وليقل الهي آمنا بما كفروا وعرفنا منك ما انكروا واجبناك إلى ما دعوا الهي فالعفو العفو. ومنها: ما عن غوالي اللئالي انه قال: روي في الحديث انه لما نزل قوله تعالى: واسجد واقترب، سجد النبي صلى الله عليه وآله وقال في سجوده: اعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك واعوذ بك منك لا احصي ثناءا عليك انت كما اثنيت على نفسك. وهذه النصوص كما ترى مختلفة المضمون، وحيث ان وجوب العمل بجميعها مقطوع العدم والالتزام بالوجوب التخييري بعيد عن سياقها مضافا إلى انه لا قائل به فيلتزم بالاستحباب جمعا لكشف الاختلاف عن عدم التوظيف. هكذا ذكره المشهور. ولكنه مبني على تكافؤ هذه النصوص من حيث السند وليس كذلك فان الثلاثة الاخيرة مراسيل لا يعول على شئ منها، وما قبلها ضعيف بعلي بن خالد كما تقدم. فلم يبق بازاء صحيحة الحذاء ما يصلح للمقاومة وظاهرها الوجوب وتعين تلك الكيفية. إلا ان هذا الظاهر مما لا قائل به، إذ لم يذهب احد إلى وجوب هذه الكيفية، والتصرف فيه بارادة مطلق الذكر، فيكون الواجب هو الجامع، وحمل الخصوصية على الاستحباب مما لا شاهد عليه، فلا يصار إليه من غير قرينة مع انه لا قائل بوجوب الجامع أيضا كما سبق، فلا يمكن العمل بالصحيحة بوجه، ومقتضى الاصل البراءة عن الوجوب. إذا فنفى الوجوب من اجل عدم الدليل عليه لا قيام الدليل على العدم. والمتحصل ان الاقوى بالنظر إلى الادلة أيضا - فضلا عن التسالم الخارجي - استحباب الذكر لا وجوبه،

[ 253 ]

[ (مسألة 19): إذا سمع القراءة مكررا وشك بين الاقل والاكثر يجوز له الاكتفاء في التكرار بالاقل، نعم لو علم العدد وشك في الاتيان بين الاقل والاكثر وجب الاحتياط بالبناء على الاقل أيضا (1). (مسألة 20): في صورة وجوب التكرار يكفي في صدق التعدد رفع الجبهة (2) عن الارض ثم الوضع للسجدة الاخرى، ولا يعتبر الجلوس ثم الوضع، بل ولا يعتبر رفع سائر المساجد وان كان احوط (3). ] فله الاتيان بأي ذكر شاء من الكيفيات المذكورة في المتن التي عرفت مداركها وكذا غيرها وان كان الاولى الاقتصار على ما تضمنته صحيحة الحذاء لقوة سندها وصعف اسانيد النصوص الاخر. (1): الحكم ظاهر جدا بكلا شقيه، فان الشك في الاول في التكليف زائدا على المقدار المتيقن، والمرجع فيه اصالة البراءة وفي الثاني في الامتثال بعد العلم بالتكليف، والمرجع قاعدة الاشتغال. (2): إذ السجود متقوم بوضع الجبهة على الارض والهوي مقدمة صرفة، فيكفي في تكرر الوضع مجرد الوضع بأقل ما يتحقق معه انفصال الجبهة عن الارض ثم الوضع ثانيا بحيث يتخلل العدم بين الوضعين الذي هو مناط التعدد، ولا حاجة إلى الجلوس بينهما لما عرفت من عدم دخل الهوى عنه في تحقق الواجب. (3): هذا إنما يتم بناءا على عدم اعتبار وضع سائر المساجد

[ 254 ]

[ مسألة 21): يستحب السجود للشكر لتجدد نعمة أو دفع نقمة، أو تذكرهما مما كان سابقا، أو للتوفيق لاداء فريضة، أو نافلة، أو فعل خير ولو مثل الصلح بين اثنين، فقد روي عن بعض الائمة (ع) انه كان إذا صالح بين اثنين اتى بسجدة الشكر، ويكفي في هذا السجود مجرد وضع الجبهة مع النية، نعم يعتبر فيه اباحة المكان، ولا يشترط فيه الذكر، وان كان يستحب أن يقول: (شكرا لله) أو شكرا شكرا) (وعفوا عفوا) مأة مرة أو ثلاث مرات، ويكفي مرة واحدة أيضا، ويجوز الاقتصار على سجدة واحدة، ويستحب مرتان، ويتحقق التعدد بالفصل بينهما بتعفير الخدين أو الجبينين أو الجميع مقدما للايمن منهما على الايسر ثم وضع الجبهة ] في هذه السجدة. واما بناءا على الاعتبار كما هو الاحوط لو لم يكن اقوى على ما سبق فيشكل الاقتصار على رفع الجبهة في صدق التعدد لاعتبار الاحداث في تحقق الواجب وعدم كفاية البقاء كما هو الشأن في سائر الواجبات رعاية لظاهر الامر المتعلق بها، فان ظاهره الحدوث والايجاد كما مر مرارا فلا يتحقق امتثال الامر بوضع ساير المحال ولسجود على الاعظم السبعة إلا بالرفع والوضع ثانيا. ومنه تعرف اعتبار ذلك في سجود الصلاة أيضا، لوحدة المناط.

[ 255 ]

[ ثانيا، ويستحب فيه افتراش الذراعين، والصاق الجوءجؤ والصدر والبطن بالارض، ويستحب أيضا أن يمسح موضع سجوده بيده ثم امرارها على وجهه ومقاديم بدنه، ويستحب ان يقرأ في سجوده ما ورد في حسنة عبد الله بن جندب عن موسى بن جعفر (ع) ما أقول في سجدة الشكر فقد اختلف اصحابنا فيه، فقال (ع) قل وانت ساجد: اللهم اني اشهدك واشهد ملائكتك وانبيائك ورسلك وجميع خلقك انك انت الله ربي، والاسلام ديني، ومحمد نبيي وعلي والحسن والحسين - إلى آخرهم - أئمتي (ع) بهم أتولى ومن اعدائهم أتبرأ اللهم اني انشدك دم المظلوم - ثلاثا - اللهم اني انشدك بايوائك على نفسك لاعدائك لتهلكنهم بايدينا وايدي المؤمنين، اللهم اني انشدك بايوائك على نفسك لاوليائك لتظفرنهم بعدوك وعدوهم، ان تصلي على محمد وعلى المستحفظين من آل محمد - ثلاثا - اللهم اني اسألك اليسر بعد العسر - ثلاثا - ثم تضع خدك الايمن على الارض وتقول: يا كهفي حين تعييني المذاهب وتضيق علي الارض بما رحبت يا بارئ خلقي رحمة بي وقد كنت عن خلقي غنيا صل على محمد وعلى المستحفظين من آل محمد، ثم تضع خدك الايسر وتقول: يا مذل كل جبار ويا معز ]

[ 256 ]

[ كل ذليل قد وعزتك بلغ مجهودي - ثلاثا - ثم تقول يا حنان يا منان يا كاشف الكرب العظام، ثم تعود للسجود فتقول مأة مرة (شكرا شكرا) ثم تسأل حاجتك ان شاء الله، والاحوط وضع الجبهة في هذه السجدة أيضا على ما يصح السجود عليه ووضع ساير المساجد على الارض، ولا بأس بالتكبير قبلها وبعدها لا بقصد الخصوصية والورود. (مسألة 22): إذا وجد سبب سجود الشكر وكان له مانع من السجود على الارض فليؤم برأسه ويضع خده على كفه، فعن الصادق (ع): إذا ذكر احدكم نعمة الله عزوجل فليضع خده على التراب شكرا لله، وان كان راكبا فلينزل فليضع خده على التراب، وان لم يقدر على النزول للشهرة فليضع خذه على قربوسه، فان لم يقدر فليضع خده على كفه ثم ليحمد الله على ما انعم عليه) ويظهر من هذا الخبر تحقق السجود بوضع الخد فقط من دون الجبهة. (مسألة 23): يستحب السجود بقصد التذلل أو التعظيم لله تعالى، بل من حيث هو راجح وعبادة، بل من اعظم العبادات وآكدها، بل ما عبد الله بمثله، وما من عمل اشد على ابليس من ان يرى ابن آدم ساجدا لانه ]

[ 257 ]

[ امر بالسجود فعصى، وهذا امر به فاطاع ونجى، واقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، وانه سنة الاوابين، ويستحب اطالته فقد سجد آدم ثلاثة ايام بلياليها، وسجد علي بن الحسين (ع) على حجارة خشنة حتى احصي عليه الف مرة (لا إله الا الله حقا حقا لا إله الا الله تعبدا ورقا لا إله الا الله ايمانا وتصديقا) وكان الصادق (ع) يسجد السجدة حتى يقال انه راقد، وكان موسى بن جعفر (عليه السلام) يسجد كل يوم بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال. (مسألة 24): يحرم السجود لغير الله (1) - تعالى - فانه غاية الخضوع فيختص بمن هو غاية الكبرياء والعظمة ] (1): - بلا اشكال ولا خلاف لما أشير إليه في المتن من انه غاية الخضوع فيختص بمن هو في غاية الكبرياء، ويدل عليه من الكتاب قوله تعالى: لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، فان مناط المنع هو المخلوقية فيعم ما سواه تعالى وتخصيصهما بالذكر لعظم الخلقة، ومن ثم احتج به ابراهيم (ع) على ربوبيتهما فقال مشيرا إلى القمر هذا ربي، ثم للشمس هذا ربي هذا اكبر، ومن السنة طائفة كثيرة من الاخبار وهي وان كانت ضعيفة السند الا انها متضافرة بل متواترة اجمالا فيعتمد عليها وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله بسند معتبر انه لو امرت أحدا أن يسجد

[ 258 ]

[ وسجدة الملائكة لم تكن لآدم بل كان قبلة لهم، كما ان سجدة يعقوب وولده لم تكن ليوسف بل لله - تعالى - شكرا حيث رأوا ما اعطاه الله من الملك، فما يفعله سواد الشيعة من صورة السجدة عند قبر أمير المؤمنين وغيره من الائمة (ع) مشكل، إلا ان يقصدوا به سجدة الشكر لتوفيق الله لهم لادراك الزيارة. نعم لا يبعد جواز تقبيل العتبة الشريفة. ] لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها (1). فان التعبير بكلمة (لو) الامتناعية دال على امتناع السجود لغير الله تعالى. واما سجود الملائكة لآدم وكذا سجود يعقوب وولده ليوسف فقد اجيب عنه في الروايات بوجهين وكلاهما صحيح، (احدهما) ان السجود كان لله تعالى، وإنما جعل آدم ويوسف قبلة لهم تشريفا واجلالا، كما ان الكعبة قبلة لنا (2)، فلم يكن السجود لآدم ولا ليوسف بل شكرا له تعالى. كما انا لم نسجد لتلك الاحجار أو لذاك الفضاء. الثاني: ان السجود وان كان لآدم الا انه حيث كان بامر من


(1) الوسائل: باب 81 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ح 1. (2) غير خفي ان السجود للشئ غير السجود إلى الشئ وظاهر الآيات الواردة في آدم ويوسف هو الاول كما ان الواردة في الكعبة هو الثاني، فلا يكونان من سنخ واحد ليقاس احدهما بالآخر.

[ 259 ]

الله تعالى فهو في الحقيقة سجود له وعين العبودية والتوحيد ألا ترى ان الملك إذا امر بتعظيم شخص والخضوع له فتعظيمه في الحقيقة عائد إلى الملك وخضوعه يرجع بالاخرة إلى الخضوع إليه لانبعاثه عن امره وكونه اطاعة لحكمه. وعليه فلا يجوز السجود لغير من امر به تعالى لكونه شركا في العبادة بعد ان لم يكن صادرا عن امره. وقد ذكرنا في بحث التفسير ان السجود للاصنام إنما لا يجوز لعدم اذنه تعالى في ذلك، والا فلو اذن تعالى به لم يكن به بأس لكونه طاعة له وامتثالا لامره. وقد رود في بعض الروايات (1) ان النبي صلى الله عليه وآله اجاب عمن سأله عن السجود لغير الله تعالى قياسا على سجود الملائكة لآدم (ع) بانه كان ذلك عن اذنه تعالى، واوضحه صلى الله عليه وآله بايراد مثال وهو انه إذا اذن احد لغيره بالدخول في داره الخاصة فهل يجوز للمأذون له الدخول في داره الاخرى قياسا على الاولى؟ وهذا المضمون قوي وان كان سند الخبر ضعيفا. وكيفما كان فالحكم ظاهر لا غبار عليه.


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب السجود ح 3.

[ 260 ]

[ فصل: في التشهد وهو واجب في الثنائية مرة بعد رفع الرأس (1) من السجدة الاخيرة من الركعة الثانية، وفي الثلاثية والرباعية مرتين الاولى كما ذكر والثانية بعد رفع الرأس من السجدة الثانية في الركعة الاخيرة. ] (1): لا اشكال كما لا خلاف عندنا في وجوب التشهد مرة في الثنائية ومرتين في الثلاثية والرباعية على النحو الذي ذكره في المتن وقد ادعى عليه الاجماع غير واحد من الاصحاب قديما وحديثا قال في الجواهر: بلا خلاف اجده، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما متواتر أو في اعلى درجات الاستفاضة، وفي المستند هو واجب عندنا، بل الضرورة من مذهبنا. وعن الامالي انه من دين الامامية ولم ينسب الخلاف الا إلى العامة، فقد انكر كثير منهم وجوب التشهد الاول وبعضهم كابي حنيفة وغيره وجوب الثاني، وبعض آخر وجوبهما فالخلاف منهم، والا فالشيعة متفقون على الوجوب في الموضعين وهو قول علمائنا اجمع. هذا وقد ذكر بعضهم انحصار الدليل في الاجماع والا فالنصوص غير وافية باثبات الوجوب لورودها في مقام آخر من نسيان التشهد أو الشك ونحوهما، فليست هي في مقام تشريع الوجوب كي تدل

[ 261 ]

عليه، بل مسوقا لبيان حكم آخر. لكن الانصاف عدم الانحصار وان كان الاجماع بنفسه صالحا للاستدلال، فان معظم الاخبار وان كانت كما ذكر الا انه يمكن استفادة الحكم من بعضها. فمنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها فلم تتشهد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل ان تركع فاجلس وتشهد وقم فاتم صلاتك... الخ (1) فان الامر بالجلوس والتشهد ظاهر في الوجوب. ومنها: صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر (ع) قال: إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزاه (2) دلت بمفهوم الشرط على عدم مضي الصلاة وعدم تماميتها ما لم يفرغ عن الشهادتين وهذا كما ترى مساوق لجزئية التشهد ووجوبه والا لما انيطت صحة الصلاة بالفراغ عنه. وحكمه (ع) في الذيل باجزاء التسليم لدى الاستعجال ناظر إلى عدم لزوم الاتيان بالاذكار والادعية المستحبة الواردة بعد التشهد. ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا وان كنت قد تشهدت فلا تعد (2) دلت بالمفهوم على وجوب الاعادة إذا كان الالتفات الفاحش - اي إلى اليمين أو إلى اليسار - قبل


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب التشهد ح 3. (2) الوسائل: باب 4 من ابواب التشهد ح 2. (3) الوسائل: باب 2 من ابواب التسليم ح 4.

[ 262 ]

التشهد لوقوعه حينئذ اثناء الصلاة، وهذا يكشف عن جزئية التشهد ووجوبه لا محالة، إذ لو لم يكن من اجزاء الصلاة وواجباتها لم يكن اي وجه للاعادة كما هو ظاهر، واما ما تضمنته الصحيحة من عدم الاعادة لو كان الالتفات بعد التشهد وعند التسليم فلعله من اجل ان السلام مخرج فلا يضر الالتفات عندئذ وان كان فاحشا. وكيفما كان فهي صريحة الدلالة فيما نحن بصدده. فهذه النصوص غير قاصرة الدلالة عن افادة الوجوب، وليست واردة في مقام حكم آخر بمثابة تمنع عن استفادة الوجوب. نعم هناك روايات اخر قد يظهر منها عدم الوجوب وهذا وان لم يظهر له قائل كما عرفت، الا ان الكلام يقع في مفاد تلك النصوص وانها هل تحمل على التقية أو لا؟ فمنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) في الرجل يحدث بعد ان يرفع رأسه في السجدة الاخيرة وقبل أن يتشهد قال: ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع إلى المسجد وان شاء ففي بيته وان شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم وان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته (1). فربما يستظهر منها عدم الوجوب وخروج التشهد عن الصلاة والا بطلت لمكان الحدث، فكيف حكم (ع) بالانصراف والاتيان بالتشهد حيثما شاء بعد التوضي، وقد افتى الصدوق بمضمونها، ومن اجله قد ينسب إليه الخلاف في المسألة لكنه ساقط قطعا فان الصدوق لم يفت بعدم الوجوب وانما افتى بمضمون الصحيحة ومضمونها كما ترى لا يقتضى عدم الوجوب، بل غايته عدم مبطلية الحدث في


(1) الوسائل: باب 13 من ابواب التشهد ح 1.

[ 263 ]

خصوص هذا المورد. وهذا حكم آخر اما ان يلتزم به كما صنعه الصدوق أو يحمل على التقية، وسيجئ الكلام حوله في بحث الخلل ان شاء الله تعالى. واما نفس التشهد فلا دلالة فيها على عدم وجوبه كي تعارض النصوص السابقة، بل هي بالدلالة على الوجوب اولى من الدلالة على العدم، ولذا لم يسوغ (ع) في تركه، بل امره بالاتيان بعد تحصيل الطهارة وان كان في بيته أو حيثما شاء، وظاهر الامر الوجوب، فتخرج الصحيحة عن المعارضة إلى المعاضدة. فاستظهار الخلاف منها كنسبته إلى الصدوق كلاهما في غير محله. وعلى الجملة فالصحيحة لا تعارض إلا النصوص الدالة باطلاقها على ناقضية الحدث وللعلاج بينهما مقام آخر لا نصوص المقام. ومنها: موثقة عبيد بن زرارة قال قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يحدث بعدما يرفع رأسه من السجود الاخير، فقال: تمت صلاته، واما التشهد سنة في الصلاة فيتوضا ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد (1). وهي كسابقتها توهما وجوابا غير انها عليها بقوله (ع): التشهد سنة، فقد يتوهم من التعبير بالسنة الاستحباب وهو كما ترى فان هذا الاطلاق اصطلاح محدث من الفقهاء دارج في السنتهم. واما في لسان الاخبار فهو بمعنى ما سنه النبي صلى الله عليه وآله في قبال ما فرضه الله تعالى فلا ينافي الوجوب، وقد اطلق لفظ السنة على القراءة والتشهد في ذيل حديث لا تعاد وغيره مع ان القراءة واجبة بلا اشكال


(1) الوسائل: باب 13 من ابواب التشهد ح 2.

[ 264 ]

[ وهو واجب غير ركن فلو تركه عمدا بطلت الصلاة (1) وسهوا اتى به ما لم يركع، وقضاه بعد الصلاة ان تذكر بعد الدخول في الركوع مع سجدتي السهو. وواجباته سبعة: الاول: الشهادتان (2) ] لقوله (ع): لا صلاة الا بفاتحة الكتاب وغيره من الاخبار. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع): في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف، فقال: إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد والا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه، وقال انما التشهد سنة في الصلاة (1). وقد ظهر حالها مما مر اشكالا وجوابا فلا حاجة إلى الاعادة. وقد تحصل من جميع ما مر وجوب التشهد فتوى ونصا من غير معارض. (1): فان البطلان لدى العمد هو مقتضى حديث الجزئية والوجوب الذي عرفته، واما عدم كونه ركنا فلاندارجه في عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد، واما التفصيل لدى السهو بين ما إذا كان التذكر قبل الركوع فالرجوع أو بعده فالمضي فلانه مضمون صحيحة الحلبي الاولى التي مرت الاشارة إليها. (2): اي الشهادة بالتوحيد وبالرسالة بلا خلاف كما ادعاه غير واحد، بل اجماعا كما حكاه الاصحاب قديما وحديثا، ولم


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب التشهد ح 2. (2) الوسائل: باب 9 من ابواب التشهد ح 3.

[ 265 ]

ينسب الخلاف الا إلى الجعفي في الفاخر حيث خص الوجوب بالشهادة الاولى في التشهد الاول وان اوجبهما في الثاني، والا إلى الصدوق في المقنع حيث حكي عنه الاجتزاء بقول: بسم الله وبالله بدل الشهادتين. ويدل على المشهور جملة من النصوص فيها الصحيح وهو المعتمد المؤيد بغيره. فمنها: صحيحة محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله (ع): التشهد في الصلوات؟ قال: مرتين قال قلت كيف مرتين؟ قال: إذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهدا ان محمدا عبده ورسوله... الخ (1). ومنها: رواية عبد الملك بن عمرو الاحول عن أبي عبد الله (ع) قال: التشهد في الركعتين الاولتين: الحمد لله اشهد ان لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد وتقبل شفاعته وارفع درجته (2)، ولا يقدح اشتمالها على ما ثبت استحبابه من الخارج كما لا يخفى نعم هي ضعيفة السند بالاحول فانه لم يوثق، غير ان الكشي روى رواية في مدحه لكن السند ينتهى إلى الرجل نفسه فلا يعتمد عليه. ومنها: رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (ع)، قال: التشهد في كتاب على شفع (3) فان المراد بالشفع هو الزوج اي المرتان اللتان وقع التصريح بهما في بقية الاخبار كصحيحة ابن مسلم


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 4. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 1. (3) الوسائل: باب 4 من ابواب التشهد ح 5.

[ 266 ]

المتقدمة وغيرها لا التعدد باعتبار الموضع، والا فلا شفع بهذا المعنى في الثنائية المشمولة لاطلاقها، وهي أيضا ضعيفة السند بعلي بن عبيد حيث لم يوثق. ومنها: رواية سورة بن كليب قال: سألت أبا جعفر (ع) عن أدنى ما يجزى من التشهد، قال: الشهادتان (1) والمراد بالشهادتين هما الشهادتان المعهودتان المشار اليهما في بقية الاخبار، أي الشهادة بالتوحيد وبالرسالة، وهي أيضا ضعيفة عند القوم ب‍ (سورة) إذ لم يوثق ولكنها معتبرة عندنا لوقوعة في اسناد تفسير القمي. واما مقالة الجعفي فان اراد بها الاكتفاء باحدى الشهادتين في التشهد الاول من غير تعيين فلم يعرف له مستند اصلا، وان اراد خصوص الشهادة بالتوحيد فيمكن الاستدلال عليه بصحيحة زرارة قال: قلت لابي عبد الله (ع): ما يجزى من القول في التشهد في الركعتين الاولتين؟ قال: ان تقول: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له قلت: فما يجزي من تشهد الركعتين الاخيرتين؟ فقال: الشهادتان (2)، لكن لا يبعد ان تكون الصحيحة ناظرة إلى بيان عدم وجوب ساير الاذكار والادعية المستحبة الواردة في التشهد التي تضمنتها موثقة أبي بصير (3). فقوله (ع) ان تقول اشهد... الخ اشارة إلى مجموع الشهادتين المعهودتين وانه يقتصر عليهما في قبال ساير الاذكار لا خصوص الشهادة الاولى وهذا النوع من الاطلاق دارج


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 6. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 2. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2.

[ 267 ]

في الاستعمالات فيذكر اول الكلام ويراد به تمامه وإلى آخره فيكتفى بالاشارة إليه لمعهوديته الموجبة للاستغناء عن التعرض إليه تفصيلا. ومنه: تعرف ان جوابه (ع) عن السؤال الثاني بقوله (ع): الشهادتان لم يرد في مقام الفرق بين الركعتين الاولتين والاخيرتين في عدد الشهادة كما هو مبنى الاستدلال، بل المراد بيان الاتحاد في كيفية الشهادة وان الواجب فيهما على حد سواء ردا لما توهمه السائل من الفرق بينهما، كما يكشف عن ذلك وقوع السؤال عن الاتحاد في صحيحة البزنطي قال: قلت لابي الحسن (ع) جعلت فداك التشهد الذي في الثانية يجزي ان اقول في الرابعة؟ قال: نعم (1). واما ما نسب إلى الصدوق في المقنع من الاجتزاء بقول بسم الله وبالله فلم يعرف له مستند اصلا. (نعم)، هناك روايتان يظهر منهما الاجتزاء بقول: بسم الله من دون اضافة (وبالله). احداهما: موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: ان نسي الرجل التشهد في الصلاة فذكر انه قال بسم الله فقط فقد جازت صلاته وان لم يذكر شيئا من التشهد اعاد الصلاة (2). والحكم بالاعادة في ذيلها محمول على الاستحباب لحديث لا تعاد المقتضى لعدم الاعادة من نسيان التشهد. الثانية: رواية علي بن جعفر قال: سألته عن رجل ترك التشهد حتى سلم كيف يصنع؟ قال: إن ذكر قبل أن يسلم فليتشهد، وعليه سجدتا السهو، وإن ذكر انه قال اشهد ان لا إله الا الله، أو بسم


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 3. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب التشهد ح 7.

[ 268 ]

الله اجزأه في صلاته وان لم يتكلم بقليل ولا كثير حتى يسلم اعاد الصلاة (1). لكن مورهما خصوص حال النسيان فلا يشمل صورة العمد، مضافا إلى ضعف سند الثانية بعبد الله بن الحسن، هذا والحكم بالاعادة في ذيل الاخيرة محمول على الاستحباب أيضا كما سبق. واما الحكم بسجدتي السهو فغير واضح، إذ التذكر انما كان في المحل لكونه قبل التسليم وقد اتى بالتشهد، فلم يعرف موجب للسجدتين اصلا. ثم انه قد يظهر من رواية الخثعمي الاجتزاء بالتحميد ((قال إذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله اجزأه) (2). لكنها مضافا إلى ضعف السند قاصرة الدلالة على كفايته عن الشهادتين، إذ المفروض فيها جلوس الرجل للتشهد ولا يكون الجلوس متصفا بكونه جلسة التشهد إلا إذا اشتمل عليه واقترن به، وواضح ان التحميد ليس من التشهد في شئ. فالتشهد مفروض الوجود لا محالة إذا يكون المراد بالاجتزاء اجتزاء التحميد عن بقية الاذكار والادعية الواردة في بقية الروايات ولا سيما موثقة أبي بصير الطويلة المشتملة على جملة من الاذكار المستحبة (3) لا عن اصل التشهد كما يشهد لهذا الحمل رواية بكر ابن حبيب قال: قلت لابي جعفر (ع) اي شئ اقول في التشهد والقنوت؟ قال: قل باحسن ما علمت فانه لو كان موقتا لهلك الناس


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب التشهد ح 8. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب التشهد ح 2. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2.

[ 269 ]

[ الثاني: الصلاة على محمد وآل محمد (1) فيقول: (اشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد). ] وروايته الاخرى قال: سألت أبا جعفر (ع) عن التشهد، فقال: لو كان كما يقولون واجبا على الناس هلكوا انما كان القوم يقولون ايسر ما يعلمون إذا حمدت الله اجزأ عنك (1) وهما ولا سيما الاخيرة واضحتا الدلالة على ما ذكرنا من اجتزاء التحميد عن ساير الاذكار المندوبة وانه ليس هناك شئ موقت وان كان السند ضعيفا إذ لم تثبت وثاقة بكر بن حبيب ومن هنا كانت مؤيدة لما ذكرناه. (1): هذا الحكم مما تسالم عليه الاصحاب، وقد ادعى عليه الاجماع غير واحد، نعم ربما ينسب الخلاف إلى الصدوق بانكار الوجوب مطلقا، وإلى والده بانكاره في التشهد الاول، وقد وقع الكلام في صحة هذه النسبة بل استضعفها في الجواهر من اجل تصريح الصدوق في الامالي بأن من دين الامامية الاقرار بانه يجزى في التشهد الشهادتان والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، وان اورد عليه بعدم دلالة العبارة على الوجوب وكيفما كان لا يهمنا التعرض لذلك بعد وضوح ان الخلاف على تقدير صدق النسبة شاذ لا يعبأ به. كما نسب الخلاف إلى ابن الجنيد أيضا وانه يرى الاكتفاء بها في احد التشهدين وهو أيضا شاذ كسابقه. وعلى اي حال فلا ينبغي


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب التشهد ح 1 و 3.

[ 270 ]

الاشكال في قيام التسالم وانعقاد الاجماع على الحكم، بل تدل عليه جملة وافرة من النصوص المتضمنة عدم قبولية الصلاة بدونها المروية من فرق الخاصة والعامة. منها: ما رواه الشيخ في الصحيح بسنده عن أبي بصير وزرارة جميعا عن أبي عبد الله (ع) انه قال: من تمام الصوم اعطاء الزكاة كما ان الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله من تمام الصلاة، ومن صام ولم يؤدها فلا صوم له ان تركها متعمدا ومن صلى ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وترك ذلك متعمدا فلا صلاة له، ان الله تعالى بدأ بها قبل الصلاة فقال: قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى. وروى الشيخ أيضا مثله بسنده عن أبي بصير عن زرارة عن أبي عبد الله (ع) (1) هذا وقد روى صاحب الوسائل رواية اخرى عن الصدوق بسنده عن أبي بصير وزرارة جميعا قالا في حديث قال أبو عبد الله (ع): ان الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله من تمام الصلاة إذا تركها متعمدا فلا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله... الحديث (2) وهي مضافا إلى اشتمالها على التكرار الذي لم يعرف وجهه غير موجودة في الفقيه بهذه الالفاظ، وانما الموجود هي الرواية السابقة التي نقلها عنه صاحب الوسائل في باب 1 من زكاة الفطرة حديث 5. نعم قال في الحدائق: (وظني اني وقفت عليه في الكتاب المذكور حين قرأ بعض الاخوان علي الكتاب المذكور ولكن لا يحضرني موضعه الآن) (3). لكن الظاهر ان نسبة هذه الرواية إلى الصدوق مبنية على السهو


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب التشهد ح 2. (2) الوسائل: باب 10 من ابواب التشهد ح 1. (3) الحدائق ج 8 ص 459.

[ 271 ]

وليست للصدوق رواية اخرى تختص بالصلاة، فذكر صاحب الوسائل هذه الرواية في المقام ونسبتها إليه سهو من قلمه الشريف سيما مع ذكر الرواية الاولى عقيبها مقتصرا في نسبتها إلى الشيخ مع وجودها في الفقيه أيضا كما نقلها عنه في كتاب الزكاة على ما عرفت. وكيفما كان فلا ينبغي الشك في انه ليست هناك الا رواية واحدة نقلها الشيخ بطريقين، والصدوق بطريق واحد وهي الرواية السابقة. انما الكلام في دلالتها على الوجوب، وقد نوقش فيها من وجوه: احدها: الاشتمال على التشبيه المقتضي للمساوة في وجه الشبه وحيث ان الحكم في الصوم مبني على نفي الكمال بلا اشكال فكذا في الصلاة فلا تدل على نفي الصحة فيها، بل قال بعضهم ان التفكيك بين المشبه والمشبه به بالحمل على متمم الذات في احدهما ومتمم الكمال في الآخر مستبشع جدا. وهذا الاشكال مذكور في كلمات القوم. وجوابه هو ما ذكره المحقق الهمداني، وصاحب الحدائق (قدهما) من عدم الضير في ذلك، ولا بشاعة في التفكيك الثابت من قرينة خارجية، غايته حمل الكلام على ضرب من التجوز والمبالغة فان ظاهر الصحيحة ان الحكم في المشبه به اعني الصلاة - التي هي مبنى الاستدلال - امر مسلم مفروغ عنه، وان اعتبار الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في صحتها شئ ثابت لا ينكر وقد شبه الصيام بها وظاهره انه مثلها في اعتبار الزكاة في صحتها غير انه قد ثبت من الخارج اعتبارها في الكمال دون الصحة فمن اجل ذلك يحمل الاعتبار في المشبه الظاهر في الصحة على التأكيد والمبالغة، إذ لا يعتبر ان يكون المشبه كالمشبه

[ 272 ]

به في تمام الجهات، بل من الجائز ان يكون وجه الشبه في المشبه به حقيقيا، وفي المشبه مجازيا وقد وقع نظيره في المنع عن التطوع في وقت الفريضة قياسا على صوم النافلة لمن عليه الفريضة ففي صحيحة زرارة بعد منعه عليه السلام عن التنفل في وقت الفريضة قال (ع): أتريد ان تقايس لو كان عليك من شهر رمضان اكنت تطوع إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدء بالفريضة (1) فان المنع في المقيس عليه وهو الصوم مسلم لا شبهة فيه، وليس كذلك في المقيس لجواز التنفل في وقت الفريضة، غير ان الافضل البدأة بها إذا بلغ الفئ الذراع لقوله (ع) في صحيحة زرارة: فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة (2). وعلى الجملة ظاهر التشبيه هو الاتحاد والمساواة بين المشبه والمشبه به في ان الاعتبار في كليهما من حيث الدخل في الصحة، لكن ثبت من الخارج خلافه بالاضافة إلى المشبه وان اعطاء الزكاة من كمال الصوم لا من مقوماته، ولم يثبت هذا في المشبه به وهو الصلاة فيحمل الاعتبار في الاول على ضرب من التجوز والمبالغة، وان نفى الصوم عمن لم يزك نظير نفي الصلاة في قوله (ع): لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد. واما في الثاني فيبقى النفي على ظاهره من الحمل على المعنى الحقيقي المساوق لنفي الذات الكاشف عن الدخل في الصحة وان الصلاة الفاقدة للصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في حكم


(1) الوسائل: باب 50 من أبواب المواقيت ح 3. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب المواقيت ح 3.

[ 273 ]

العدم ومحكومة بالبطلان لعدم الموجب للتصرف في هذا الظهور بعد عدم ثبوت خلافه من الخارج. وقد عرفت عدم اعتبار المساواة بين المشبه والمشبه به من تمام الجهات. الثاني: ان غايتها الدلالة على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله دون الآل لعدم التعرض لذلك. والجواب عنه ظاهر فان هذه الصحيحة وغيرها من بعض روايات الباب وان لم تدل عليه الا انه قد ثبتت الملازمة الخارجية بينهما المستفادة من جملة وافرة من النصوص المروية من طرق العامة والخاصة وفي بعضها النهي عن الصلاة البتراء وهي باجمعها مذكورة في باب 42 من الذكر من كتاب الوسائل، وذكر اكثرها السيوطي وغيره من العامة، حتى ان ابن حجر وهو من انصب النصاب روى في صواعقه عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: لا تصلوا علي الصلاة البتراء، فقالوا وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون بل قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد. فالمستفاد من هذه النصوص تبعية الآل ودخول العترة في كيفية الصلاة عليه وانه كلما ورد الامر بالصلاة عليه لا تتأدى الوظيفة إلا مع ضم الآل ولا يجزى تخصيصه بالصلاة وحده فهما متلازمان لا ينفك احدهما عن الآخر. وهذه الملازمة بمكان من الوضوح لدى الفريقين حتى قال الشافعي ونعم ما قال: كفاكم من عظميم القدر انكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له غير ان بعض المعاندين من النصاب خذلهم الله تعالى اصروا على

[ 274 ]

تركه عنادا للحق واهله، وقد ذكر الصدوق عن بعض مشايخه وهو الضبي - ضاعف الله في عذابه - اني ما رأيت انصب منه كان يقول اللهم صل على محمد منفردا (بقيد الانفراد). وكيفما كان: فهذه النصوص ان دلت على النهي عن التفكيك وحرمة الصلاة عليه من دون ضمن الآل، ويؤكده التعبير ب‍ (ابعده الله) في لسان بعضها فالامر واضح، والا فلا اقل من دلالتها على عدم الامر بالصلاة عليه وحده وانه مهما تعلق الامر بالصلاة عليه فلا ينفك عن ضم الآل ولا يتحقق بدونه الامتثال، على ان الحكم من المتسالم عليه بين الاصحاب ولا قائل بالفصل من احد. الثالث: انه لا دلالة فيها على تعيين الموضع ولزوم الصلاة في كلا التشهدين، فلا تدل الا على الاجتزاء بها في احدهما كما هو مذهب ابن الجنيد. والجواب: انا لو كنا نحن وهذه الصحيحة مع الاغماض عن القرائن الخارجية لما دلتنا على مذهب ابن الجنيد أيضا فضلا عن مسلك المشهور إذ لا اشعار فيها بنفسها على تعيين الموضع فضلا عن الدلالة، إذ غايتها الامر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله اثناء الصلاة وعدم خلوها عنها فلتكن هي في ضمن الركوع أو السجود ونحوهما، إلا انه بعد ملاحظة القرينة الخارجية وهي السيرة القطعية والتعارف المعهود من المتشرعة خلفا عن سلف القائم على ان محلها التشهدان معا لا غيرهما المؤيد بالمرسلتين الواردتين في كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في المعراج (1) يتم المطلوب ويصح الاستدلال بها على المسلك المشهور.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 10.

[ 275 ]

وهذا نظير الامر بالقراءة في الصلاة بقوله (ع): لا صلاة الا بفاتحة الكتاب، أو كل صلاة لا فاتحة فيها فهي خداج ونحو ذلك، فانه وان لم يعين موضع القراءة في هذه النصوص الا انه مستفاد من التعارف الخارجي الموجب لانصراف الامر إلى ما هو المعهود المتعارف المتداول بين المصلين. والمتحصل: من جميع ما سردناه ان الصحيحة ظاهرة الدلالة على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وآله في التشهدين لسلامتها عن جميع تلك المناقشات. ويتأكد الوجوب ويتأيد برواية الاحول قال: التشهد في الركعتين الاولتين: الحمد لله اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته وارفع درجته (1) فانها وان كانت ضعيفة السند من جهة الاحول، ومن هنا ذكرناها بعنوان التأييد إلا انها ظاهرة الدلالة على الوجوب، والمناقشة فيها باشتمالها على المستحب ساقطة لما مر غير مرة عدم دلالة اللفظ على الوجوب أو الاستحباب وانما هما مستفادان من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك وعدمه، وحيث اقترن الحديث بالترخيص في بعض فقراته الثابت من الخارج ولم يقترن في غيرها فيستقل العقل فيما عدا الثابت بالوجوب الذي هو اعتبار نفسي متعلق بجعل المادة على ذمة العبد وعاتقه من دون ان يكون ذلك مدلولا للفظ نفسه كي يقتضي الاختلاف من جهة استعماله في الوجوب والاستحباب.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 1.

[ 276 ]

وبهذا البيان تظهر صحة الاستدلال على وجوب الصلاة بموثقة أبي بصير الطويلة (1) فانها وان اشتملت على جملة من المستحبات لكن الترخيص في تركها قد ثبت من الخارج ولم يثبت فيما عداها فيستقل العقل بالوجوب فالجواب عن المناقشة السابقة الجارية في المقام هو الجواب بعينه. بقي الكلام في جملة من الروايات التي قد يستدل بها على عدم الوجوب، ومن المظنون بل المطمأن به ان الصدوق ووالده اعتمدا عليها في الحكم بالاكتفاء بالشهادتين وعدم وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله. فمنها: صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر (ع) قال: إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته، فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزأه (2). وفيه: انه لا تعارض بينها وبين النصوص المتقدمة، بل ان صحيحة زرارة السابقة حاكمة عليها لدلالتها على ان الصلاة على النبي وآله من متممات الصلاة وانه لا صلاة بدونها. فغاية ما هناك اطلاق هذه الصحيحة من حيث الاشتمال على الاصلاة وعدمه فيقيد بتلك الصحيحة وغيرها الناطقة بوجوب الصلاة عليهم. بل يمكن ان يستفاد من تلك الصحيحة وغيرها ان الشهادتين اسم لما يشتمل عليها وانها جزء من التشهد ومعتبرة في كيفيته. وعليه فلا يتحقق الفراغ من الشهادتين إلا بالفراغ عنها فلا تعارض بوجه. واما قوله (ع) في الذيل - اجزأه فالمراد الاجزاء عن بقية


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2. (2) الوسائل: باب 4 من التشهد ح 2.

[ 277 ]

الادعية والاذكار لا عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله بداهة ان الاستعجال مهما كان فهو لا ينافي الاتيان بها إذ هي لا تستوعب من الوقت إلا ثواني قليلة. هذا ومع الاغماض عن جميع ما ذكرناه فلا شك ان الصحيحة موردها الاستعجال، فيمكن الالتزام بسقوط الصلاة في خصوص هذا المورد فغايته ان لا تكون هي في عرض التشهد في ملاك الوجوب وان مرتبته ضعيفة تسقط بمجرد الاستعجال كما هو الحال في السورة على ما سبق في بحث القراءة من عدم المنافاة بين الوجوب وبين السقوط لدى العجلة. ومنها: صحيحه محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله (ع) التشهد في الصلوات قال مرتين، قال قلت كيف مرتين؟ قال إذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ثم تنصرف... الخ (1) وجوابها يظهر مما مر في الصحيحة السابقة من ان غايتها الاطلاق فيقيد بالنصوص المتقدمة الدالة على اعتبار الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في التشهد، بل قال بعضهم ان في التعبير ب‍ (ثم) في قوله ثم تنصرف المشعر بالتراخي ايماءا بوجود فاصل بين التشهد والتسليم وهو الاتيان بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله. ومنها: صحيحة زرارة ما يجزى من القول في التشهد في الركعتين الاولتين قال: ان تقول اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 4.

[ 278 ]

قلت: فما يجزى من تشهد الركعتين الاخيرتين؟ فقال: الشهادتان (1). والجواب: عنها اولا انها مسوقة لبيان الوجوب من ناحية الشهادة وليست بصدد البيان من ناحية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله التي هي واجب آخر، فلا ينعقد لها الاطلاق كي يتمسك به لنفي الوجوب. وثانيا: مع التسليم فغايتها الاطلاق فيقيد بما دل على الوجوب كما مر. ومنها: صحيحته الاخرى عن أبي جعفر (ع) في الرجل يحدث بعد ان يرفع رأسه في السجدة الاخيرة وقبل ان يتشهد، قال ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع إلى المسجد، وان شاء ففي بيته وان شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم، وان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته (2) والاستشهاد انما هو بالفقرة الاخيرة حيث دلت على عدم قادحية الحدث الواقع بعد الشهادتين المنافي لوجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله. والجواب: اولا ان دلالتها انما هي بالاطلاق وهو قابل للتقييد بوقوع الحدث بعدها. وثانيا: انه لا مجال للعمل بها لدلالتها على عدم قدح الحدث الواقع اثناء الصلاة وقبل التسليم فتنافيها النصوص الدالة على القدح وان المخرج هو السلام منحصرا. فلا مناص من حملها على التقية. ومثلها في لزوم الحمل على التقية ما تضمن الحكم بتمامية الصلاة


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 1. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب التشهد ح 1.

[ 279 ]

ومضيها وان كان الحدث قبل التشهد كموثقة عبيد بن زرارة وغيرها (1) بل ان في بعضها الحكم بالصحة وعدم قادحية الحدث الواقع اثناء الصلاة حيثما اتفق وان كان خلال الركعة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة وانه ينصرف ويتوضأ ثم يبني على صلاته كما في رواية أبي سعيد القماط قال سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (ع) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو اذى أو عصرا من البول وهو في صلاة المكتوبة في الركعة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فقال إذا اصاب شيئا من ذلك فلا بأس بان يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف إلى مصلاه الذي كان يصلى فيه فيبنى على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته... الخ، ونحوها صحيحة الفضيل بن يسار (2) وهي صحيحة السند لصحة طريق الصدوق إلى الفضيل، إذ ليس فيه من يغمز فيه الا علي بن الحسين السعد آبادي ولكنه من مشايخ ابن قولويه فيشمله التوثيق العام الذى ذكره في كامل الزيارات، بل ان مشايخه هم القدر المتيقن من التوثيق الذى تضمنته عبارته، على ان طريق الشيخ خال عنه. وكيفما كان: فهذه النصوص باجمعها محمولة على التقية لموافقتها اشهر مذاهب العامة ومعارضتها لجملة وافرة من النصوص دلت على قاطعية الحدث اثناء الصلاة مطلقا وانحصار المخرج في التسليم. فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه. ومنها: صحيحة الحسن بن الجهم قال سألته يعني أبا الحسن (ع)


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب التشهد ح 2. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب قواطع الصلاة ح 11 و 9.

[ 280 ]

[ ويجزئ على الاقوى ان يقول اشهد ان لا إله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله اللهم صل على محمد وآل محمد (1). ] عن رجل صلى الظهر أو العصر فاحدث حين جلس في الرابعة، قال: ان كان قال اشهد ان لا إله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله فلا يعد، وان كان لم يتشهد قبل ان يحدث فليعد (1) وهي ان كانت صحيحة من حيث السند إذ ليس فيه من يتأمل لاجله الا عباد بن سليمان الموجود في اسانيد كامل الزيارات. لكن الدلالة قاصرة كسوابقها، إذ اقصى دلالتها على عدم الوجوب انما هي بالاطلاق القابل للتقييد بموجب النصوص المتقدمة الدالة على الوجوب مضافا إلى لزوم حملها على التقية أيضا كالروايات المتقدمة لعين ما عرفت على ان في هذه الصحيحة كلاما من جهة اخرى ستعرفها. فتحصل: ان شيئا من هذه النصوص غير قابل للاعتماد عليه في نفي الوجوب. فالمتعين هو الوجوب. (1): بل قد اقتصر المحقق في الشرايع على هذه الكيفية بحيث قد يلوح منه تعينها وان كان اللازم حمل كلامه (قده) على ارادة الاجتزاء بها، إذ لا يحتمل ارادة التعيين بعد عدم القائل به وورود الكيفية المعروفة في النصوص المعتبرة المصرحة في كلام غير واحد.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القواطع ح 6.

[ 281 ]

وكيفما كان: فصريح جماعة الاجتزاء بهذه الكيفية بل نسب ذلك إلى الاشهر أو المشهور من اجل اقتصارهم على الشهادتين من دون تعرض لصورتهما، فان مقتضى الاطلاق الاجتزاء بها أيضا وان كانت النسبة لا تخلو عن النظر لاحتمال ان يكون الاطلاق منزلا على ما هو المتعارف. وعلى اي حال فقد قال بهذا جماعة منهم المحقق في الشرايع صريحا، ومنهم الماتن وغيره والمتبع هو الدليل. وقد استدل لذلك اولا بالمطلقات كصحيحة زرارة وصحيحة الفضلاء ومعتبرة سورة بن كليب (1)، حيث يظهر منها الاجتزاء في مقام الاداء بمطلق الشهادتين. ولكنها كما ترى لا تصلح للاستدلال لعدم كونها في مقام البيان من حيث الكيفية ولاسيما الثانية لورودها في مقام بيان حكم آخر وهو الاستعجال فاللام فيهما للعهد اشارة إلى الشهادة المعهودة المتعارفة في الخارج فلا ينعقد اطلاق من هذه الجهة كي يتمسك به بعد انصرافه إلى المتعارف. مع انه لو كان فهو قابل للتقييد بمثل صحيحة محمد بن مسلم الآتية هذا مضافا إلى ان المراد بالشهادتين في هذه النصوص ان كان هو واقع الشهادة وما هو كذلك بالحمل الشايع وهو الذي عليه مدار الاسلام، ومن هنا استفيد الاطلاق فلازمه الاجتزاء بمجرد قول: لا إله الا الله محمد رسول الله من دون ذكر كلمة اشهد لكفاية ذلك في مقام اظهار الاسلام مع انه غير مجز في المقام قطعا وغير مراد من هذه النصوص جزما للزوم التلفظ بهذه الكلمة اتفاقا. وان اريد


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 1 و 2 و 6.

[ 282 ]

بهما الشهادتان على كيفية خاصة كما هو المتعين فحيث لم تبين تلك الكيفية فلا محالة تنصرف النصوص إلى ما هو المعهود المتعارف الذي هو غير هذه الصورة. فاللام في قوله (ع) (الشهادتان) للعهد الخارجي لا للجنس كي يراد به الكلي، فلا ينعقد لها الاطلاق بوجه. وثانيا: بالروايات الخاصة وهي روايتان: احداهما صحيحة الحسن بن الجهم المتقدمة المشتملة على الكيفية المزبورة (1). وفيه: مضافا إلى لزوم حملها على التقية من اجل تضمنها ما لا نقول به كما مر والى امكان أن يكون المراد التلفظ بذاك المضمون اي الشهادة بالوحدانية وبالرسالة بعبارتهما المتعارفة لا نفس هذه العبارة انه يشكل الاعتماد عليها من اجل ان مقتضاها جواز الاقتصار على كلمة (اشهد) في الشهادة الاولى من غير تكرر هذه اللفظة في الشهادة بالرسالة والاكتفاء بالعطف، فان الموجود في التهذيب - الطبع القديم والحديث - في باب الصلاة وفي باب التيمم، وكذا الاستبصار كذلك اي بلا تكرار كلمة اشهد. بل قال: المحقق الهمداني (قده) ان عدة من الكتب المعتبرة التي شاهدناها منها الحدائق، والوافي، والاستبصار الذي هو الاصل في نقلها بلا تكرير الشهادة، وفي الجواهر أيضا رواها في باب القواطع كذلك، بل في نسخه الوسائل الموجودة عندي أيضا كذلك ولكن اثبت لفظ الشهادة في الثانية فيما بين الاسطر، بحيث يستشعر منه كونه من الملحقات انتهى. والموجود في الوسائل الطبعة الحديثة وان كان مشتملا على التكرار الا انه يشكل الاعتماد عليه بعد ما سمعت


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القواطع ح 6.

[ 283 ]

فيظن انه زيادة من قلم النساخ، ولا اقل من عدم العلم بالنسخة الصحيحة. وهذا يستوجب قدحا آخر في الصحيحة، إذ لو كانت النسخة الاصلية خالية عن التكرار فلازمها جواز الاقتصار على العطف ولم يقل به احد من فقهائنا، إذ لم ينقل القول بجواز حذف لفظ الشهادة من الثانية عن احد من الاصحاب عدا ما ينسب إلى العلامة في القواعد، ولا ينبغي القول به فان العاري عن التكرار شهادة واحدة متعلقة بامرين لا شهادتان، ولا شك في وجوب الشهادتين في التشهد نصا وفتوى، وقد نطقت جملة من النصوص بان الواجب الشهادتان غير المنطبق على الشهادة الواحدة المتعلقة بامرين قطعا، ولا يكاد يتحقق الا بتكرار لفظ الشهادة والتلفظ بها مرتين. إذا فالرواية ساقطة إذ لم يعمل بها احد في موردها فلابد من الحمل على التقية. ثانيتهما: رواية اسحاق بن عمار الواردة في كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في المعراج وفيها: (.. ثم قال له ارفع راسك ثبتك الله واشهد ان لا إله الا الله وان محمدا رسول الله.. إلى ان قال ففعل.. الخ) (1). وفيه: مضافا إلى ضعف السند كما لا يخفى انها قاصرة الدلالة إذ لم يذكر فيها انه صلى الله عليه وآله باي صورة فعل وبأي كيفية ادى الشهادتين بل غايتها انه صلى الله عليه وآله فعل ما امر به. فتحصل: ان شيئا من هذه الروايات لا المطلقات ولا غيرها لا يمكن الاعتماد عليها في الاجتزاء بهذه الصورة. فلم يبق في البين الا اصالة البراءة عن الكيفية المشهورة ولا بأس بها في حد نفسها.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 11.

[ 284 ]

والمناقشة فيها بان المقام من موارد الدوران بين التعيين والتخيير، والمرجع فيها قاعدة الاشتغال ساقطة لما مر غير مرة من ان الدوران المزبور هو بعينه الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين ولا فرق بينهما إلا في مجرد العبارة، والمختار في تلك المسألة هي البراءة. وعلى الجملة: فلا ينبغي الشك في ان مقتضى الاصل العملي في المقام لو انتهي الامر إليه هي البراءة لكنه لا ينتهي إليه لوجود النص الصحيح المعين للكيفية المشهورة وهي صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله (ع) التشهد في الصلوات؟ قال مرتين، قال: قلت كيف مرتين؟ قال: إذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمد عبده ورسوله... الخ (1) وظاهر الامر الوجوب التعيني، وبذلك يخرج عن مقتضى الاصل المزبور. ومنه: تعرف انه لو سلم الاطلاق في تلك المطلقات لابد من تقييدها بهذه الصحيحة المؤيدة برواية الاحول (2) وقد عرفت ان اشتمال هذه الرواية على ما ثبت استحبابه من الخارج لا يقدح في دلالتها على الوجوب فيما عداه غير انها ضعيفة السند بالاحول نفسه فلا تصلح الا للتأييد. وتؤيدها أيضا موثقة سماعة قال: سألتة عن رجل كان يصلي فخرج الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة، قال ان كان اماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلهما تطوعا، ليدخل مع الامام في صلاته كما هو وان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 4. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 1.

[ 285 ]

هو ويصلي ركعة اخرى ويجلس قدر ما يقول: اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله، ثم ليتم صلاته معه قدر ما استطاع فان التقية واسعة (1) ولا يضرها الاضمار بعد ان كان المضمر مثل سماعة الذي لا يروي الا عن الامام (ع) وانما ذكرناها بعنوان التأييد لامكان الخدش في الدلالة من جهة كونها مسوقة لبيان حكم آخر وهو التفرقة بين الامام العادل وغيره فمن الجائز ان لا تكون ناظرة إلى تعين هذه الكيفية ويكفى نكتة لذكرها كونها المتعارف المعهود، فلا تدل على الوجوب لعدم كونها في مقام التعيين من حيث الكيفية فالعمدة في الاستدلال انما هي الصحيحة المؤيدة بالرواية والموثقة. ومن جميع ما ذكرناه تعرف ان تعين الكيفية المشهورة في التشهد لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. هذا كله في التشهد. واما كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فهل يتعين فيها ان تكون بصيغة (اللهم صل على محمد وآل محمد) كما صرح به جمع، بل نسب إلى الاكثر أو الاشهر كما عن الذكرى، أو المشهور كما عن المفاتيح أم يجتزى بكل صيغة تأدت مثل: صلى الله على محمد وآله، أو صلى الله على رسوله وآله ونحوهما كما هو ظاهر جمع آخرين منهم المفيد في المقنعة فانه (قده) ذكر في تشهد نافلة الزوال بصورة صلى الله على محمد وآله الطاهرين، ثم عطف عليها التشهد الاول من صلاة الظهر، ثم تعرض للتشهد الثاني من الظهر والعصر والعشاء والمغرب وكذا الغداة وذكر فيها تشهد طويلا يقرب ما تضمنته موثقة


(1) الوسائل: باب 56 من أبواب الجماعة ح 2.

[ 286 ]

أبي بصير الطويلة (1) وأتى فيها بصيغة اللهم صل على محمد وآل محمد فانه لا يحتمل ذهابه (قده) إلى التفصيل في الكيفية بين التشهد الاول والثاني، أو بين النافلة وغيرها فانها في الجميع على نسق واحد قطعا. فيظهر من ذلك انه (قده) بان على التخيير ويرى الاجتزاء بكلتا الصورتين. وممن صرح بالتخيير أيضا العلامة في النهاية فانه بعد ان حكم بوجوب اللهم صل على محمد وآل محمد قال ولو قال صلى الله على محمد وآله، أو قال صلى الله عليه وآله، أو صلى الله على رسوله وآله فالاقرب الاجزاء وكيفما كان فالمسألة خلافية والمتبع هو الدليل ولا ينبغي الشك في الاجتزاء بالصورة المعروفة المتداولة - اللهم صل على محمد وآل محمد - غير انه قد يستدل على وجوبها وتعينها بالخصوص بوجوه: أحدها: رواية ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله المروية من طرق العامة انه قال: إذا تشهد احدكم في صلاة فليقل اللهم صل على محمد وآل محمد، قالوا ان ضعفها منجبر بعمل المشهور. وفيه: مضافا إلى منع الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا ان صغرى الانجبار ممنوعة من وجهين. احدهما: انه لم يعلم ذهاب المشهور إليه كي يتحقق الانجبار بعملهم غايته ان هذا القول هو الاشهر لا انه المشهور نعم نسبة إليهم في المفاتيح كما سمعت لكنه لم يثبت سيما بعد تصريح الشهيد في الدروس بانه الاشهر كما مر الذي يظهر منه ان القائل بكلا القولين


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2.

[ 287 ]

كثير وان كان احدهما اكثر. ثانيهما: انه مع التسليم لم يثبت اعتماد المشهور على هذه الرواية الضعيفة. نعم ذكروها في كتب الاستدلال لكنه لم يعلم استنادهم إليها في الفتوى، ولعلهم استندوا إلى بعض الوجوه الآتية. الثاني: رواية عبد الملك بن عمرو الاحول المتضمنة لهذه الصيغة (1). وفيه: انها وان كانت تامة من حيث الدلالة، وقد عرفت ان اشتمالها على ما ثبت استحبابه من الخارج لا يضر بدلالتها على الوجوب فيما عداه، لكنها ضعيفة السند وان عبر عنها المحقق الهمداني بالموثقة لعدم ثبوت وثاقة الاحول كما مر، فلا يمكن الاعتماد عليها. الثالث: رواية اسحاق بن عمار الحاكية لصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في المعراج المشتملة على الصلاة عليه صلى الله عليه وآله بهذه الصورة (2). وفيه: انها ضعيفة السند جدا من جهة محمد بن علي ما جيلويه شيخ الصدوق أولا. وثانيا من جهة محمد بن علي الكوفي أبي سمينة (3) المشهور بالكذب على ما ذكره الفضل بن شاذان في جملة جماعة، بل قال هذا اشهرهم وكذا النجاشي. الرابع السيرة القائمة بين المسلمين خلفا عن سلف. وفيه: ان السيرة وان كانت ثابتة كما يظهر بمراجعة الاخبار أيضا إلا ان القائم منها على الفعل لا يكشف إلا عن عدم الحرمة دون الوجوب فغايتها الجواز وانه احد الافراد أو افضلها كما ان القائم منها


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 11. (3) لكن في المعجم ج 17 ص 62 انه غير أبي سمينة.

[ 288 ]

على الترك لا يكشف إلا عن عدم الوجوب دون التحريم. وبعبارة اخرى: لا تزيد السيرة على عمل المعصوم (ع)، وكلاهما لا يدلان على الوجوب. الخامس: وهو العمدة موثقة أبي بصير الطويلة المتضمنة للصلاة عليه صلى الله عليه وآله بهذه الصيغة (1) لكن الاستدلال بها انما يستقيم بناءا على مسكلنا من ان الوجوب والاستحباب غير مدلولين لصيغة الامر وانما يستفادان من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك وعدمه حيث ان الترخيص فيه قد ثبت من الخارج بالاضافة إلى جملة من الادعية والاذكار الواردة في هذه الموثقة، لم يثبت بالنسبة إلى هذه الكيفية فيستقل العقل حينئذ بكون الامر في الاول للاستحباب، وفي الثاني للوجوب، ولا منافاة بين الامرين ولا ضير في التفكيك بين الموردين. واما بناءا على المسلك المشهور من استفادتهما من اللفظ بحسب الوضع أو الاستعمال فلا مناص من الالتزام بان الامر هنا مستعمل في جامع الطلب فلا يدل على الوجوب. فظهر من جميع ما سردناه ان الوجوه المستدل بها لتعين هذه الكيفية كلها مخدوشة إلا الوجه الاخير وهي موثقة أبي بصير بناءا على مسلكنا. واما على مسلك القوم فليس لهم الاستدلال بها أيضا. واما القول الآخر اعني الاكتفاء بمطلق الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فقد استدل له أيضا بوجوه: أحدها: اصالة البراءة عن تعين الكيفية خاصة. ونوقش فيها


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2.

[ 289 ]

بأن المقام من دوران الامر بين التعيين والتخيير والمرجع في مثله قاعدة الاشتغال. (وفيه) ما اسلفناك مرارا من ان هذا الدوران هو بعينه الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين ولا فرق بينهما إلا في مجرد العبارة، والمختار فيه وهو اصالة البراءة، الا ان الرجوع إلى الاصل فرع عدم الدليل وقد عرفت قيام الدليل على وجوب تلك الكيفية وهي موثقة أبي بصير بالتقريب المتقدم، فلا تنتهي النوبة إلى الاصل. الثاني: اطلاق الامر بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله الوارد في الروايات. وفيه اولا: منع الاطلاق لعدم ورود تلك النصوص الا لبيان اصل الاعتبار لا كيفيته، فان عمدتها كانت صحيحة زرارة المتضمنة لتشبيه الصيام بالصلاة في اعتبار الزكاة فيه كاعتبار الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فيها، فكما لا تعرض فيها لبيان كيفية الزكاة فكذا لا تعرض لكيفية الصلاة فهي غير مسوقة الا لبيان الاعتبار في الموردين في الجملة ولا نظر فيها لبيان الكيفية في شئ من الموردين. وثانيها: لو سلم الاطلاق فهو مقيد بموثقة أبي بصير المشتملة على تلك الكيفية الخاصة. الثالث والرابع: صحيحة الحسن بن الجهم، وموثقة سماعة (1) فقد ذكر فيهما في بيان الكيفية هكذا (صلى الله عليه وآله). (وفيه) ان هذه الجملة غير موجودة في التهذيب ولا الاستبصار، بل غير موجودة في الموثقة حتى في الوسائل وإنما ذكرت في بعض كتب


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القواطع ح 6 وباب 56 من ابواب الجماعة ح 2.

[ 290 ]

الاستدلال، فيطمأن بل يجزم عادة بان هذه الزيادة من الكاتب على حسب العادة من الصلاة عليه عند كتابة اسمه صلى الله عليه وآله كالتلفظ به وليست جزءا من الروايتين. الخامس: ما رواه الصدوق في العلل، وكذا الكليني بسند صحيح عن أبي عبد الله (ع) في علة تشريع الصلاة وفيها (... فقال يا محمد صل عليك وعلى اهل بيتك فقلت صلى الله علي وعلى اهل بيتي وقد فعل... الخ (1) فيظهر منها عدم اعتبار الكيفية المشهورة في اداء الوظيفة، ولا تعارضها رواية اسحاق بن عمار الواردة في هذا المورد المشتملة على تلك الكيفية لضعف سندها كما مر. وفيه: انها وان كانت صحيحة السند لكنها قاصرة الدلالة، فان من امعن النظر فيها ولاحظها صدرا وذيلا يكاد يقطع بان ما فعله صلى الله عليه وآله في المعراج لم يكن بنفسه صلاة، وإنما امر باجزائها شيئا فشيئا كالتمهيد للتشريع وبعد ذلك شرعت الصلاة على طبقها، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وآله: وطالبتني نفسي ان ارفع رأسي.. الخ وقوله صلى الله عليه وآله: فخررت لوجهي... الخ وقوله صلى الله عليه وآله: ثم قمت.. الخ وهكذا غيرها من الامور التي صدرت منه صلى الله عليه وآله من تلقاء نفسه ثم صارت علة للتشريع من غير ان يتعلق بها الامر ابتداءا. والحاصل: انه يعتبر في الصلاة القصد إلى تمام الاجزاء من اول الامر ولم يكن الصادر منه كذلك قطعا وإنما أتى بعدة من الافعال شيئا فشيئا وعلى سبيل التدريج، وصار المجموع علة لتشريع الصلاة بعد ذلك. فما صدر منه صلى الله عليه وآله وقتئذ لم يكن بعد من الصلاة


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 10.

[ 291 ]

المأمور بها حتى يستدل به على الوجوب كما يكشف عنه خلوها عن التشهد. هذا مع ان المذكور فيها هكذا: صلى الله علي وعلى أهل بيتى) والتعبير به مختص بالنبي صلى الله عليه وآله فلا يمكن التعدي بعد القطع بعدم صحة هذا التعبير من غيره صلى الله عليه وآله. وكيفما كان فلا يمكن رفع اليد عن موثقة أبي بصير المتقدمة بهذه الصحيحة فانها صريحة في اعتبار الكيفية المشهورة وان كان اقترانها بغير واحد من المستحبات قد يستوجب الظن بعدم وجوب هذه أيضا وقد مر الجواب عنه. ومن جميع ما ذكرنا تعرف ان الاقوى اعتبار هذه الكيفية ولا أقل من انه احوط. ولاجل هذا ترى ان الماتن. (قده) مع اختياره في التشهد الاقتصار على الاقل مما يجزي لم يختر الا خصوص هذه الكيفية التي قامت عليها السيرة خلفا بعد سلف وجيلا بعد جيل. تنبيه: قد عرفت ان اللازم تكرير لفظ الشهادة في التشهد حتى يتحقق عنوان الشهادتين المأمور به في النصوص كصحيحة محمد بن مسلم وغيرها احداهما بالوحدانية والاخرى بالرسالة وانه لا يجتزى بالعطف إذ معه ليس هناك إلا شهادة واحدة متعلقة بامرين لا شهادتان، إلا ن مقتضى موثقة ابي بصير الطويلة الاجتزاء به إذ لم يذكر فيها لفظ الشهادة في الشهادة بالرسالة في التشهد الاول على ما في نسخة الوسائل والحدائق ومصباح الفقيه، وعليه فلا مناص من الالتزام

[ 292 ]

[ (الثالث): الجلوس بمقدار الذكر المذكور (1) ] بالاجتزاء، ولكن في خصوص ما لو اتى بهذا التشهد الطويل الذي تضمنته الموثقة فانه المتيقن في الخروج عما دل على اعتبار التكرير والتلفظ بالشهادتين، فلو اقتصر على التشهد المعروف وجب التكرار عملا باطلاق الادلة. لكن الذى يهون الخطب عدم ثبوت صحة النسخة فان المذكور في التهذيب الموجود عندنا تكرار لفظ التشهد ولا يبعد أن يكون هناك سقط في نسخة الوسائل وقد اخذ عنه الحدائق والمحقق الهمداني. وكيفما كان فعلى تقدير صحة النسخة تحمل الموثقة على ما عرفت جمعا لكن التقدير غير ثابت فلا موجب للخروج عن المطلقات. (1): بلا اشكال ولا خلاف بل اجماعا كما ادعاه غير واحد وتشهد له جملة من النصوص. منها: الواردة في ناسي التشهد وهي عدة اخبار كصحيحة سليمان ابن خالد: (... إن ذكر قبل ان يركع فليجلس.. الخ) (1) وصحيحتي الفضيل بن يسار والحلبي (2). ومنها: صحيحة محمد بن مسلم: (إذا استويت جالسا فقل.. الخ) (3). ومنها: موثقة أبي بصير الطويلة، ومنها غيرها مما لا يخفى على المراجع، وقد ذكرنا الصحاح منها.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب التشهد ح 3. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب التشهد ح 1 و 3. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 4.

[ 293 ]

وربما يستدل له بما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا عن كتاب حريز عن زرارة قال قال: أبو جعفر (ع) لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين، ولا ينبغي الاقعاء في موضع التشهد، انما التشهد في الجلوس وليس المقعي بجالس (1) وهي وان كانت اظهر رواية في الباب لاشتمالها على كلمة الحصر لكنها ضعيفة السند لضعف طريق ابن ادريس إلى كتاب حريز وغيره من ساير الكتب والمجامع عدا كتاب ابن محبوب كما تقدم لجهالة طريقة إليها فتلحق بالمرسل فهي مؤيدة للمطلوب لا دليل عليه. وأما الاقعاء الذي تضمنته هذه الرواية فسيأتي الكلام عليه موضوعا وحكما عند تعرض الماتن في المسائل الآتية ان شاء الله تعالى. ثم إن هناك رواية قد يستفاد منها عدم اعتبار الجلوس وهي رواية عبد الله بن حبيب بن جندب قال قلت لابي عبد الله (ع): انى اصلي المغرب مع هؤلاء فاعيدها فاخاف ان يتفقدوني، فقال: إذا صليت الثالثة فمكن في الارض اليتيك ثم انهض وتشهد وانت قائم ثم اركع واسجد فانهم يحسبون انها نافلة (2). وفيه مضافا إلى ضعف السند جدا، إذ رجاله كلهم مجاهيل ان الدلالة قاصرة فانه حكم خاص بالتقية فهو نظير ما مر من جواز الصلاة في الطين أو الوحل عند الاضطرار، ثم ان ما اشتملت عليه الرواية من الحكم بالاعادة لم يظهر وجهه بناءا على ما هو الصحيح من صحة الصلاة مع العامة، فهي ساقطة لا يمكن الاعتماد عليها بوجه.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التشهد ح 1. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب التشهد ح 1.

[ 294 ]

[ (الرابع): الطمأنينة (1). ] (1): لم أجد تعرضا لهذه المسألة بالخصوص في كلمات القوم لا المحقق في الشرايع ولا صاحب الجواهر ولا الحدائق ولا المحقق الهمداني (رضوان الله عليهم) ولعل الاهمال من اجل الاتكال على الوضوح لاعتبار الاطمئنان في تمام اجزاء الصلاة. وكيفما كان: فلم نجد رواية تدل على اعتبار الاطمئنان في التشهد لا خصوصا ولا عموما إلا رواية واحدة وهي رواية سليمان بن صالح: (وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة... الخ) (1). ولكنك عرفت فيما سبق عدم اطلاق لها يشمل جميع الحالات لعدم كونها مسوقة الا لبيان اصل اعتبار التمكن في الصلاة تمهيدا لاعتباره في الاقامة قياسا لها عليها، ولا نظر فيها إلى محله ومورده كي يتمسك باطلاقه، فهي نظير ما مر في صحيح زرارة من تشبيه الصيام بالصلاة في اعتبار الزكاة فيه كاعتبار الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فيها، فان التشبيه غير وارد إلا لبيان اصل الاعتبار، ولا نظر فيه إلى ساير الجهات حتى ينعقد الاطلاق. وبالجملة: فالدليل اللفظي على اعتبار الاطمئنان في المقام مفقود، فان تم الاجماع المدعى في كلمات غير واحد والا فالحكم محل اشكال وسبيل الاحتياط معلوم.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب الاذان والاقامة ح 12.

[ 295 ]

[ (الخامس): الترتيب بتقديم الشهادة الاولى على الثانية (1)، وهما على الصلاة على محمد وآل محمد كما ذكر. ] (1): اما اعتبار الترتيب بين الشهادتين فيدل عليه مثل صحيح محمد بن مسلم الناص على ان كيفية التشهد هو انه إذا استوى جالسا قال: اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله الخ (1). ومنه يعلم انه لو فرض هناك اطلاق في بعض الروايات كصحيح زرارة نظرا إلى ما جاء فيه من قوله (ع) والشهادتان (2) فلابد من تقييده بهذه الصحيحة. وأما اعتباره بين الشهادتين وبين الصلاة عليه صلى الله عليه وآله فيستفاد من مثل موثقة أبي بصير الطويلة حيث وقعت الصلاة عقيب ذكر التشهد (3) وتؤيده رواية عبد الملك بن عمرو الاحول وغيرها (4) بل ويمكن ان يستدل لذلك باطلاق ما دل على ان من صلى ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله فلا صلاة له (5) فانه منزل على ما هو مغروس في الاذهان ومعروف عند المتشرعة من كون موضعها عقيب الشهادتين نظير ما ورد من انه (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) فان اطلاقه أيضا محمول على ما هو


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 4. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 1. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2. (4) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 1. (5) الوسائل: باب 10 من أبواب التشهد ح 2.

[ 296 ]

[ (السادس): الموالاة بين الفقرات والكلمات (1)، والحروف بحيث لا يخرج عن الصدق. (السابع): المحافظة على تأديتها على الوجه الصحيح (2) العربي في الحركات، والسكنات واداء الحروف والكلمات. (مسألة 1): لابد من ذكر الشهادتين والصلاة بالفاظها المتعارفة (3) فلا يجزئ غيرها وان افاد معناها مثل ما إذا قال بدل اشهد اعلم، أو اقر، أو اعترف، وهكذا في غيره. (مسألة 2): يجزئ الجلوس فيه باي كيفية كان ولو اقعاءا وان كان الاحوط تركه (4). ] معهود في الخارج من موضعها الخاص المعين. (1): والوجه فيه ظاهر فانه مع الاخلال بها بايجاد الفصل بين فقراتها أو كلماتها أو حروفها بالسكوت المخل لم يصدق حينئذ انه تشهد بل يقال اتى بكلمات أو حروف متقطعة. (2): فان الواقع في الروايات المتعرضة لاعتبار التشهد كصحيح محمد بن مسلم، وموثقة أبي بصير وغيرهما إنما هو على النهج المزبور دون غيره من الترجمة أو الملحون من جهة المادة أو الهيئة فلا بد من الاقتصار عليه. (3): بلا خلاف فيه، ويقتضيه الجمود على ظواهر النصوص. (4): المعروف والمشهور هو كراهة الاقعاء بقسمية مطلقا بين

[ 297 ]

السجدتين، أو بعد الثانية سواء أكان جلسة الاستراحة أو حال التشهد وان كان صريح كثير منهم ان الكراهة في الاخير اشد وآكد والمحكي عن ظاهر الشيخ في المبسوط والسيد المرتضى هو جواز ذلك كذلك. وعن الصدوق المنع عنه حال التشهد دون غيره مما يعتبر فيه الجلوس في الصلاة فانه نفى البأس عنه فيه. وذهب صاحب الحدائق إلى المنع عن خصوص الاقعاء المطلح عند الفقهاء، وهو ان يعتمد الشخص بصدور قدميه على الارض ويجلس على عقبيه بلا فرق بين حال التشهد وغيره. وكراهة الاقعاء بالمعنى اللغوي وهو ان يضع الرجل الييه على الارض وينصب ساقيه وفخذيه واضعا يديه على الارض أو بدون الوضع كما في القاموس، شبيه اقعاء الكلب جاعلا موردها خصوص ما بين السجدتين، وأما حال التشهد فلا كراهة. وعن بعض العامة استحباب الاقعاء الفقهائي الذي منع صاحب الحدائق عنه. والاقرب هو ما عليه المشهور من الكراهة مطلقا. اما الاقعاء بين السجدتين فالحكم بالكراهة من جهة الجمع الدلالي بين ما دل على حرمة ذلك من موثقة ابي بصير عن أبي عبد الله (ع): (لا تقع بين السجدتين اقعاءا) (1) وبين ما هو نص في جواز ذلك وهو صحيح الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: لا بأس بالاقعاء في الصلاة فيما بين السجدتين (2) فان الجمع العرفي يقتضي رفع اليد


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب السجود ح 1. 3.

[ 298 ]

عن ظهور الموثقة في الحرمة وحملها على الكراهة، وحيث ان كلا من الدليلين مطلق من حيث كيفية الاقعاء فلا محالة تكون نتيجة الجمع هو كراهه الاقعاء بقسميه بحكم الاطلاق كما هو ظاهر المشهور. ولكن صاحب الحدائق بعد ان حمل الروايات الناهية على المنع عن الاقعاء بالمعنى اللغوي والروايات المجوزة على ترخيص الاقعاء بالمعنى المصطلح عند الفقهاء مستشهدا على ذلك بقرائن ذكرها استقرب كون الروايات المجوزة واردة مورد التقية من جهة موافقتها لمذهب جماعة من العامة، وحيث ورد في رواية زرارة وعمرو بين جميع الآتيتين ان المقعي ليس بجالس، وفهم من ذلك النفي بمعناه الحقيقي لزمه القول ببطلان الصلاة فيما إذا اقعى بالمعنى المصطلح عند الفقهاء نظرا إلى الاخلال بالجلوس المعتبر فيما بين السجدتين وكذا عند التشهد قطعا. وفيه: ان مجرد الموافقة مع العامة لا يقتضى الحمل على التقية ما لم يكن ثمة معارض. ومع ما ذكرناه من الجمع الدلالي لا معارضة في البين، على انه كيف يمكن القول بان المقعي ليس بجالس حقيقة مع انه من كيفيات الجلوس وليس مفهوما آخر مقابلا له كالقيام والانحناء والاستلقاء والاضطجاع ونحوها. فلابد من حمل ما ورد في الرواية على معنى آخر سنبينه ان شاء الله تعالى وبالجملة: ما استنتجه صاحب الحدائق من القول بعدم جواز الاقعاء في الصلاة بالمعنى المصطلح عند الفقهاء - والظاهر انه متفرد بهذا القول - لا يمكن المساعدة عليه، ولا على ما ذكره من كيفية الجمع بل مقتضى الصناعة هو ما ذكرناه من كراهة الاقعاء بكلا قسميه،

[ 299 ]

فان اطلاق موثقة أبي بصير كما يشمل الاقعاء اللغوي كذلك يشمل الاقعاء الفقهائي ولا موجب لتخصيصه بالقسم الاول فان القسم الثاني أيضا كان متعارفا عند العامة، كما ان صحيح الحلبي المؤيد برواية زرارة عن أبي جعفر (ع): (لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين) (1) وغيرها يعم كلا القسمين ولا وجه لتخصيصه بالاقعاء الفقهائي، ونتيجة الجمع العرفي بينهما هو كراهة كلا القسمين من الاقعاء. ويدلنا أيضا على كراهة الاقعاء الفقهائي بل واللغوي ذيل صحيحة زرارة (... واياك والقعود على قدميك فتتأذى بذلك، ولا تكن قاعدا على الارض فيكون انما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد والدعاء) (2) فانها متضمنة لواقع الاقعاء وان لم يعبر عنها فيها بلفظها، واستفادة الكراهة من جهة التعليل الواقع فيها فانه مناسب للكراهة دون الحرمة كما لا يخفى وكذا ما في صحيحته الاخرى عن أبي جعفر (ع): (ولا تقع على قدميك) (3) سواء اكانت مادته هو الوقوع أو الاقعاء فانه على كلا التقديرين يستفاد منها مرجوحية ذلك. وأما الاقعاء حال التشهد فقد عرفت ان المحكي عن الصدوق هو المنع مطلقا، وكذا صاحب الحدائق ولكن في خصوص الاقعاء الفقهائي. واستدلوا على ذلك بما رواه ابن ادريس في الموثقة عن زرارة قال قال أبو جعفر (ع) لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب السجود ح 7. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 5.

[ 300 ]

ولا ينبغي الاقعاء في موضع التشهد، انما التشهد في الجلوس وليس المقعي بجالس (1). وبرواية عمرو بن جميع قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لا بأس بالاقعاء في الصلاة بين السجدتين وبين الركعة الاولى والثانية وبين الركعة الثالثة والرابعة، وإذا اجلسك الامام في موضع يجب ان تقوم فيه تتجافى ولا يجوز الاقعاء في موضع التشهدين الا من علة لان المقعي ليس بجالس إنما جلس بعضه على بعض، والاقعاء ان يضع الرجل الييه على عقبيه في تشهديه فأما الاكل مقعيا فلا بأس به لان رسول الله صلى الله عليه وآله قد اكل مقعيا (2). ولا يخفى ان الاقعاء بالمعنى اللغوي غير مشمول لشئ من الروايتين وذلك من جهة التعليل فيهما بان المقعي ليس بجالس مع ان الاقعاء بمعنى وضع الاليين على الارض منتصب الساق والفخذ يكون من اظهر افراد الجلوس، فلا يكون هذا الفرد مشمولا للروايتين، ويؤيده تفسير الاقعاء في ذيل رواية عمرو بن جميع بالمعنى المصطلح عند الفقهاء. فلا دليل على عدم جواز ذلك حال التشهد، اللهم إلا ان يكون الوجه هو الشهرة الفتوائية وهو امر آخر، وإلا فلا دليل بحسب النصوص. واما الاقعاء بهذا المعنى فظاهر هاتين الروايتين هو الحرمة، وليس بأزائهما ما يدل بالخصوص على الجواز ليكون مقتضى الجمع بينهما هو الكراهة كما كان هو الحال بالنسبة إلى ما بين السجدتين سوى


الوسائل: باب 1 من أبواب التشهد ح 1. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب السجود ح 6.

[ 301 ]

اطلاقات الجلوس حال التشهد فان تم هاتان الروايتان سندا ودلالة فلابد من تقييد تلك الاطلاقات المقتضية لجواز الاقعاء ولو بهذا المعنى بغير هذا الفرض فانه يكون غير جائز والا كان مقتضى تلك الاطلاقات هو الجواز، إلا ان يكون المنع مبنيا على الاحتياط كما في المتن وان كان ظاهره هو الاحتياط حتى عن الاقعاء بالمعنى اللغوي، مع انه لا موجب لذلك لقصور شمول الروايتين له قطعا كما عرفت. ولكن يمكن المناقشة في كلتا الروايتين: اما رواية زرارة فلانه رواها ابن ادريس عن كتاب حريز بن عبد الله، وقد عرفت مرارا ان طريق ابن ادريس لهذه الكتب مجهول لدينا فهي بالنسبة الينا في حكم المرسل وان عبر عنها في كلام غير واحد من الاعاظم بالصحيحة. على انه يمكن المناقشة في دلالتها وذلك لان لفظة - لا ينبغي - وان كانت في لسان الاخبار ظاهرة في الحرمة كما يقتضيه معناه اللغوي وهو لا يتيسر ولا يمكن قال الله تعالى: لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر... الخ اي لا يتيسر لها ذلك الا انه في خصوص المقام قامت القرينة على خلاف ذلك وهو التعليل بقوله: (وليس المقعي بجالس) فان ظاهر هذه الجملة غير مراد قطعا فانه كيف لا يكون المقعي بجالس مع ان الاقعاء نحو من انحاء الجلوس وليس مفهوما مبائنا له كالقيام ونحوه فلابد وان يكون المقصود ان المقعي ليس مستريحا في جلوسه بمثابة يتمكن من اداء التشهد ولا سيما مع سننه وآدابه المفصلة كما يفصح عن ذلك ذيل صحيحة زرارة المتقدمة: (.. فلا تصبر على التشهد والدعاء)، وهذا التعليل انما يلائم ويناسب الحكم التنزيهي دون التحريمي كما لا يخفى.

[ 302 ]

وأما رواية عمرو بن جميع فلان هذا الرجل مضافا إلى كونه بتريا ضعفه كل من الشيخ والنجاشي صريحا فلا تكون روايته حجة. وما قيل من ان الراوي عنه هو محمد بن أبي عمير وهو ممن قد اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فهو عجيب جدا، فان هذا الاصل - الذي يكون الاصل فيه كلام الشيخ في العدة من أن مثل ابن ابي عمير لا يرسل الا عن الثقة - على فرض تماميته انما هو فيما إذا كان حال الراوي مجهولا ومرددا وأما مع التنصيص على الضعف كما فيما نحن فيه فلا سبيل للرجوع إلى ذلك الاصل، بل يكون العثور على هذه التضعيفات كاشفا وشاهدا على عدم تمامية ذلك الاصل. على انه لم يعلم كون هذه الجملة من تتمة الرواية، بل سوق الكلام يشهد بأنها من فتوى الصدوق اخذها من رواية زرارة فذكرها في ذيل هذه الرواية ثم فسر الاقعاء بنظره ثم ذكر بعد ذلك جواز الاقعاء حال الاكل مستشهدا بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله. وكيفما كان: لا ريب في ان الروايتين كلتاهما ضعيفة، ومعه لا يمكن الاستدلال بهما على عدم جواز الاقعاء حال التشهد، بل ولا على كراهته. ولكن يمكن اثبات الكراهة بصحيحتي زرارة المتقدمتين في باب افعال الصلاة حيث صرح في احداهما بانه (لا تكن قاعدا على الارض فيكون انما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد والدعاء) وفي الاخرى بانه (لا تقع على قدميك) (1) فان النهي فيهما ليس محمولا


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3 و 5.

[ 303 ]

[ (مسألة 3): من لا يعلم الذكر يجب عليه التعلم (1) وقبله يتبع غيره فيلقنه، ولو عجز ولم يكن من يلقنه أو كان الوقت ضيقا اتى بما يقدر ويترجم الباقي، وان لم يعلم شيئا يأتي بترجمه الكل، وان لم يعلم يأتي بساير الاذكار بقدره والاولى التحميد ان كان يحسنه، والا فالاحوط الجلوس قدره مع الاخطار بالبال ان امكن. ] على ظاهره وذلك بقرينة التعليل وكونه في مقام بيان تعداد السنن والآداب فلاحظ. فالنتيجة: ان الاقعاء حال التشهد بالمعنى المصطلح عند الفقهاء مكروه، وبالمعني اللغوي جائز من غير كراهة، واما الاقعاء بين السجدتين فهو مكروه بقسميه. (1): لا ريب في وجوب التعلم على من لم يعلم شيئا من الصلاة سواء كان هو الذكر أو غيره لئلا يقال له فيما إذا ادى ذلك إلى ترك الصلاة الصحيحة - فهلا تعلمت إذا قال ما علمت على ما ورد ذلك في النص (1) فوجوب التعلم انما هو لاجل عدم افضاء جهله إلى ذلك. نعم لو كان ثمة من يلقنه حال الصلاة ولو كلمة كلمة لم يكن بأس في عدم تعلمه حتى متعمدا، إذ وجوب التعلم انما هو طريقي لا نفسي، فلا مانع من تركه إذا كان متمكنا معه من أداء الواجب ولو بمثل التلقين. وأما إذا لم يجد من يلقنه ولم يمكنه التعلم ولو من جهة ضيق الوقت ففيه فروض:


(1) بحار الانوار ج 2 ص 29 وص 18.

[ 304 ]

الاول: أن يكون متمكنا من القراءة الملحونة وانما لا يتمكن من القراءة الصحيحة، الظاهر انه لا اشكال ولا خلاف في وجوب ذلك عليه. ويدلنا عليه مضافا إلى التسالم اطلاقات التشهد فانه خطاب عام متوجه إلى الجميع والمستفاد منه عرفا وجوب ذلك عليهم كل بحسب تمكنه ومقدرته، فيكون المطلوب ممن لا يتمكن من أدائه على وجهه ما يحسنه ويتمكن منه ولو مع تبديل بعض الحروف ببعض، وقد ورد من طرق العامة ان سين بلال شين عند الله. فهذا يكون فردا ومصداقا للتشهد حقيقة. وأيضا تدل عليه موثقة السكوني عن ابي عبد الله (ع) قال: قال النبي صلى الله عليه وآله ان الرجل الاعجمي من امتي ليقرأ القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيته (1)، إذ من المعلوم انه لا خصوصية للقراءة وانما هو من باب المثال والا فالتشهد أيضا كذلك، ويؤيد التعدي بل يدل على اصل الحكم معتبرة مسعدة بن صدقة قال! سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول: انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح (2) فان هذه الرواية صريحة في ان جميع المكلفين ليسوا على حد سواء، بل المطلوب من كل واحد منهم هو ما يكون مقدورا له ومتمكنا منه. الثاني: ان لا يكون متمكنا من تمام التشهد حتى الملحون منه


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب قراءة القرآن ح 4. (2) الوسائل: باب 59 من أبواب قراءة القرآن ح 2.

[ 305 ]

لكنه متمكن من ترجمته، وقد ذكر الماتن كغيره انه يأتي بما يقدر ويترجم الباقي وان لم يعلم شيئا اصلا يأتي بترجمة الكل. اما وجوب الترجمة كلا أو بعضا فقد استدل له بوجهين: الاول اطلاقات التشهد المقتضية لجواز اتيانه ولو بترجمته، غايته دلالة الدليل على انه مع التمكن لابد وان يكون ذلك بالالفاظ الخاصة. واما فرض العجز فهو باق تحت الاطلاقات. ويرده بعد تسليم الاطلاقات والغض عن انصرافها إلى ما هو المتعارف الخارجي من جهة كون الالف واللام فيها للعهد انها مقيدة بمثل صحيحة محمد بن مسلم الدالة على كون الواجب الصيغة الخاصة مطلقا حتى حال عدم التمكن منه والاتيان بالترجمة، ومن المعلوم ان اطلاق دليل الخاص مقدم على اطلاق دليل العام وحاكم عليه كما قرر في محله. فالاطلاقات قاصرة عن اثبات وجوب الترجمة. الثاني: قاعدة الميسور بتقريب ان المأمور به في التشهد ليس هو الالفاظ بل معانيها كما هو الحال في اظهار الاسلام، غايته انه في المقام قد دل الدليل على ان يكون ابراز ذاك المعنى بهذه الالفاظ الخاصة، فإذا فرض انه عجز عن اداء تلك الالفاظ فمقتضى مالا يدرك كله لا يترك كله هو ابراز تلك المعاني بما يكون ترجمة لهذه الالفاظ الخاصة. وفيه: مضافا إلى المنع من هذه القاعدة كبرويا على ما عرفته مكررا، المنع عن الصغرى أيضا للمنع عن عدم كون المأمور به هو الالفاظ، كيف وان كثيرا من المكلفين ولاسيما الاعاجم منهم وعلى الاخص حديثو العهد بالاسلام لا يدركون معاني تلك الالفاظ ولم

[ 306 ]

يكلفوا تفهم معانيها، فالمطلوب ليس الا هذه الالفاظ ولو بداعي حكايتها عن تلك المعاني، ومن الظاهر ان ترجمة تلك الالفاظ بلغة اخرى لا تعد ميسورة لها ليجب الاتيان بها بمقتضى تلك القاعدة بناءا على تماميتها، فالترجمة لا دليل على الاتيان بها. واما الاتيان بما يقدر من التشهد فان كان ذلك مما يصدق عليه عنوان التشهد كما لو كان غير المتمكن من ادائه هو جملة (وحده لا شريك له) أو كلمة (عبده) فلا اشكال في وجوب الاتيان بالمتمكن منه مما يصدق عليه عنوان التشهد، فان العجز عن بعض اجزاء الصلاة لا يوجب سقوط البعض الآخر المتمكن منه لما استفدناه من قوله (ع): (لا تدع الصلاة بحال) ان كل جزء من الصلاة مشروط بالقدرة على نفس ذاك الجزء فلابد من الاتيان به إذا كان مما يصدق عليه عنوان التشهد. واما إذا لم يصدق عليه التشهد كما إذا كان متمكنا من لفظة (اشهد) فقط مثلا فلا دليل على الاتيان به لا بنفسه ولا بترجمته لا منفردا ولا منضما إلى ترجمة بقية ما يكون عاجزا عنه، بل مقتضى القاهدة هو سقوط التشهد عندئذ رأسا. الثالث: ان لا يكون متمكنا حتى من الترجمة، فقد ذكر غير واحد انه لابد من ان يأتي بساير الاذكار بقدره كما في المتن وعن الشهيد انه لابد من الاتيان بخصوص التحميد ولذا جعله الماتن اولى من غيره. اما التحميد فمدركه هو رواية حبيب الخثعمي المتقدمة: (إذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله اجزأه) ورواية بكر بن حبيب قال: سألت أبا جعفر (ع) عن التشهد، فقال: لو كان كما يقولون

[ 307 ]

واجبا على الناس هلكوا انما كان القوم يقولون ايسر ما يعلمون إذا حمدت الله اجزأ عنك (1) بناءا على ما ذكره الشهيد من انهما تدلان على اعتبار التحميد بالفحوى. والوجه: في ذلك انه حملهما على التقية كصاحب الحدائق فإذا كانت الوظيفة عند المانع الخارجي اعني التقية هو التحميد بدلا عن التشهد فمع المانع التكويني وهو عدم التمكن من التشهد والعجز عنه لابد وان تكون الوظيفة هو ذلك بالاولوية القطعية. وفيه: مضافا إلى ضعف الرواتين الاولى بسعد بن بكر، والثانية بنفس بكر بن حبيب ما عرفته سابقا من ان الروايتين ناظرتان إلى الاوراد المفصلة المعمولة عندهم وانه يجزى التحميد عن تلك الاوراد والادعية لا ان التشهد غير واجب، وان التحميد بدل عنه كيف ورواية حبيب ظاهرة في وجوبه حيث قال (إذا جلس للتشهد)، والعامة أيضا لا يرون عدم وجوبه ليحمل ذلك على التقية. فالروايتان قاصرتان سندا ودلالة عن اثبات التحميد. واما مطلق الذكر فلا وجه له الا ان يستفاد ذلك من صحيح عبد الله بن سنان: قال أبو عبد الله (ع) ان الله فرض من الصلاة الركوع والسجود، ألا ترى لو ان رجلا دخل في الاسلام لا يحسن ان يقرأ القرآن اجزأه ان يكبر ويسبح ويصلي (2) بناءا على ان ذكر القراءة من باب المثال والمراد ان مع عدم التمكن من غير الركوع والسجود يجزى عنه التكبير والتسبيح.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب التشهد ح 2 و 3. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب القراءة ح 1.

[ 308 ]

وفيه: ان الرواية في مقام بيان ركنية الركوع والسجود في الصلاة على ما ورد ذلك في غير هذه الرواية فلا يستفاد منها اكثر من بدليلة التكبيرة عن القراءة، واما بدليتها عن كل ما ليس بركن فلا لعدم كون الرواية في مقام البيان من هذه الجهة. فالنتيجة: انه مع عدم التمكن من الترجمة لا دليل على وجوب مطلق الذكر أو خصوص التحميد ففي هذا الفرض لا يجب عليه شئ اصلا. لكن المحقق الهمداني (قده) استبعد ذلك باعتبار استلزامه ان يكون هذا اسوء حالا من الاخرس حيث ان الاخرس يجب عليه ان يجلس ويحرك لسانه بداعي الحكاية عن ذلك. الا ان استبعاده (قده) في غير محله لان الاخرس انما يكون تشهده هو هذا حقيقة كساير افعاله واقواله الصادرة منه. واما غيره ممن هو قادر على التكلم لكنه لم يتعلم التشهد فلا بد في وجوب غير التشهد عليه بدلا عنه من قيام دليل عليه وهو مفقود ولا يقتضي ذلك كونه اسوء حالا، فان ذلك متمكن من التشهد ولو بحسب حاله دون هذا. الرابع: ان لا يكون متمكنا حتى من مطلق الذكر أو التحميد ذكر الماتن (قده) كغيره ان (الاحوط الجلوس قدره مع الاخطار بالبال إذا امكن) وهذا مبني على ان الجلوس واجب في نفسه كالتشهد والعجز عن خصوص الثاني لا يقتضي سقوط الاول المفروض تمكنه منه. وفيه: ان المستفاد من الروايات كون الجلوس واجبا حال التشهد لا انه واجب في نفسه، فمع سقوط التشهد من جهة العجز يكون الجلوس ساقطا أيضا.

[ 309 ]

[ (مسألة 4): يستحب في التشهد امور: (الاول): ان يجلس الرجل متوركا على محو ما مر من الجلوس بين السجدتين. (الثاني): ان يقول قبل الشروع في الذكر (الحمد لله) أو يقول (بسم الله وبالله والحمد لله وخير الاسماء لله، أو الاسماء الحسنى كلها لله. (الثالث): ان يجعل يديه على فخذيه منضمة الاصابع. (الرابع): ان يكون نظره إلى حجره. (الخامس): ان يقول بعد قوله واشهد ان محمدا عبده ورسوله، ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، واشهد ان ربي نعم الرب وان محمدا نعم الرسول) ثم يقول (اللهم صل... الخ). (السادس): ان يقول بعد الصلاة (وتقبل شفاعته وارفع درجته) في التشهد الاول بل في الثاني أيضا، وان كان الاولى عدم قصد الخصوصية في الثاني. (السابع): يقول في التشهد الاول والثاني ما في موثقة أبي بصير وهي قوله (ع) إذا جلست في الركعة الثانية فقل بسم الله ] فظهر مما سبق ان جميع ما ذكروه من الترجمة كلا أو بعضا منضما إلى ما لا يصدق عليه التشهد أو الذكر أو التحميد، أو الجلوس مع الاخطار بالبال كل ذلك مبني على الاحتياط، والا فلا دليل عليه والله سبحانه اعلم.

[ 310 ]

[ وبالله والحمد لله وخير الاسماء لله، اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمد عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، اشهد انك نعم الرب، وان محمدا نعم الرسول اللهم صل على محمد وآل محمد وتقبل شفاعته في امته وارفع درجته ثم تحمد الله مرتين أو ثلاثا ثم تقوم فإذا جلست في الرابعة قلت: بسم الله وبالله والحمد لله وخير الاسماء لله اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة اشهد انك نعم الرب وان محمدا نعم الرسول. التحيات لله والصلوات الطاهرات الطيبات الزاكيات الغاديات الرائحات السابقات الناعمات ما طاب وزكى وطهر وخلص وصفا فلله. اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدى الساعة اشهد ان ربي نعم الرب، وان محمد نعم الرسول، واشهد ان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله الحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد. ]

[ 311 ]

[ وبارك على محمد وآل محمد، وسلم على محمد وآل محمد، وترحم على محمد وآل محمد كما صليت، وباركت، وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد. اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم اللهم صل على محمد وآل محمد وامنن علي بالجنة، وعافني من النار، اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر للمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا. ثم قل: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على انبياء الله ورسله، السلام على جبريل وميكائيل والملائكة المقربين السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبي بعده والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ثم تسلم. (الثامن): ان يسبح سبعا بعد التشهد الاول بان يقول: سبحان الله سبحان الله (سبعا) ثم يقوم. (التاسع): ان يقول: بحول الله وقوته... الخ حين القيام عن التشهد الاول. (العاشر): ان تضم المرأة فخذيها حال الجلوس للتشهد. (مسألة 5): يكره الاقعاء حال التشهد على نحو ما مر في الجلوس بين السجدتين، بل الاحوط تركه كما عرفت. ]

[ 312 ]

[ فصل في التسليم وهو واجب على الاقوى وجزء من الصلاة فيجب فيه جميع ما يشترط فيها (1) من الاستقبال وستر العورة، والطهارة وغيرها، ومخرج منها، ومحلل للمنافيات المحرمة بتكبيرة الاحرام، وليس ركنا فتركه عمدا مبطل لا سهوا فلو سها عنه وتذكر بعد اتيان شئ من المنافيات عمدا وسهوا أو بعد فوات الموالاة لا يجب تداركه. ] (1): كما اختاره جمع كثير من القدماء والمتأخرين فذهبوا إلى انه الجزء الوجوبي الاخير من اجزاء الصلاة وبه تحل المنافيات ويتحقق الخروج عن الصلاة، بل عن بعض دعوى الاجماع عليه كما في الجواهر، بل عن الامالى نسبته إلى دين الامامية. هذا. وقد نسب إلى جماعة اخرى من القدماء والمتأخرين القول بالاستحباب، بل قيل انه الاشهر بل المشهور، وقد تصدى بعض لرفع الخلاف وأقام شواهد من كلماتهم تقتضي باتفاق الكل على الوجوب وان من كان ظاهره الاستحباب يريد به السلام الاخير لدى الجمع بينه وبين الصيغة الاولى اعني قول - السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - لا مطلق السلام تعرض لذلك شيخنا في الجواهر تبعا

[ 313 ]

للسيد في منظومته، وتبعه المحقق الهمداني (قده) منكرين للخلاف في المسألة. وما ذكروه وان كان وجيها بالنظر إلى كلمات بعض القائلين بالاستحباب لكنه لا يتم في كلمات جميعهم بحيث يتحقق الاتفاق من الكل على الوجوب كما لا يخفى على من لاحظها. وكيفما كان: فالظاهر ان المسألة خلافية والمتبع هو الدليل فلا بد من النظر في مستند كل من القولين. ويقع الكلام اولا في ثبوت المقتضي للوجوب، ثم في المانع عنه الموجب للذهاب إلى الاستحباب فهنا مقامان: (اما المقام الاول) فقد استدل للوجوب بوجوه وطوائف من الاخبار: احداها: نصوص التحليل المتضمنة ان افتتاح الصلاة أو تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وهي عدة روايات ستقف عليها ان شاء الله تعالى. وقد ناقش فيها الاردبيلي وتبعه تلميذه صاحب المدارك بان اسانيدها باجمعها ضعاف فلا تصلح للاستدلال بها والاستناد إليها. وذكر صاحب الحدائق والجواهر ومن تأخر عنهما وتقدم عليهما بأن هذه روايات مشهورة ومقبولة عند الكل بلغت حد الاستفاضة بل كادت ان تكون متواترة ولو اجمالا بحيث يعلم بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام) ومعه لا يقدح عدم صحة اسانيدها. ولكن الاقرب ما ذكره الاردبيلي وصاحب المدارك من عدم صلاحية هذه الروايات للاستدلال بها، وذلك لان هذه الروايات لم يذكر منها في الكتب الاربعة التي عليها المدار الا روايتان احداهما

[ 314 ]

في الكافي والاخرى فيه وفي الفقيه والتهذيب، وأما الباقية منها وهي ست روايات فقد ذكر احداها ابن شهر آشوب في مناقبه مرسلا، وذكر الخمس الاخر الصدوق في علله، أو عيونه، أو خصاله، أو معانيه دون فقيهه الذي هو العمدة حيث ذكر انه لم ينقل فيه رواية الا وتكون حجة بينه وبين ربه، فمن عدم ذكره لتلك الروايات فيه يستكشف عدم اعتنائه بشأنها فكيف تكون تلك الروايات مشهورة مقبولة مستفيضة، مع ان الموجود في الكتب الاربعة إثنتان منها كما عرفت ولا تتحقق بهما الاستفاضة، والست الباقية لم يذكرها الا ابن شهر آشوب في مناقبه، والصدوق في غير فقيهه وهو لا يقتضي الشهرة والمقبولية. أما رواية الكافي فهي ما رواه القداح عن ابي عبد الله (ع) قال قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (1) وهي ضعيفة بسهل بن زياد، وأما جعفر بن محمد الاشعري الذي يروي عن القداح فهو وان لم يوثق صريحا إلا انه من رجال كامل الزيارات فلا اشكال من ناحيته. وأما رواية الفقيه فقد رواها هكذا قال: قال أمير المؤمنين (ع): افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (2)، وضعفها من جهة الارسال ظاهر. نعم رواها في هدايته عن الصادق (ع) وقد عرفت ان الكافي روى هذه الرواية بعينها عن القداح عن الصادق (ع) مسندا فلا تكون هذه رواية اخرى


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 1 (2) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 8.

[ 315 ]

مغايرة لها، بل هي بعينها ولكن الصدوق ارسلها ولم يسندها. نعم لو كان الصحيح هو ما ذكره في الفقيه من كون الرواية علوية كانت هي رواية اخرى مرسلة ضعيفة وان كان ظاهر تعبير الصدوق بانه قال أمير المؤمنين (ع) هو علمه بصدوره منه (ع) لكنه غير مجد بالنسبة الينا كما لا يخفى وأما رواية ابن شهر آشوب فهي ما رواه في مناقبه عن أبي حازم قال: سئل علي بن الحسين (ع) ما افتتاح الصلاة؟ قال: التكبير قال: ما تحليلها؟ قال: التسليم (1) وهي ايضا ضعيفة من جهة الارسال. واما الروايات الخمس الباقية: فاحداها ما رواه في العلل وعيون الاخبار باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) قال: انما جعل التسليم تحليل الصلاة ولم يجعل ببدلها تكبيرا أو تسبيحا أو ضربا آخر لانه لما كان الدخول في الصلاة تحريم الكلام على المخلوقين والتوجه إلى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين والانتقال عنها وابتداء المخلوقين في الكلام اولا بالتسليم (2) وجه الضعف ما عرفت مرارا من ان طريق الصدوق في العلل والعيون ضعيف كما ذكر ذلك صاحب الوسائل في آخر كتابه في ضمن فوائد فلاحظ. ولكن عبر المحقق الهمداني عن هذه الرواية بقوله: (باسناده الحسن كالصحيح). وفي الجواهر: (باسناده الذي قيل انه لا يقصر عن الصحيح) وهو في غير محله.


(1) مستدرك الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 1.

[ 316 ]

ثانيتها: ما رواه في العلل عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن العلة التي من اجلها وجب التسليم في الصلاة؟ قال: لانه تحليل الصلاة إلى ان قال: قلت: فلم صار تحليل الصلاة التسليم؟ قال: لانه تحية الملكين، وفي اقامة الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها وتسليمها سلامة العبد من النار... الخ (1) قال: في الجواهر عند نقل هذه الرواية (بسند يمكن ان يكون معتبرا) مع ان في سندها علي بن العباس وقد ضعفوه وقالوا لم يعتن برواياته، والقاسم بن الربيع الصحاف وهو لم يوثق وان كان من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي، ومحمد بن سنان وضعفه ظاهر، والمفضل بن عمر الذي ضعفه النجاشي وغيره صريحا وان كان الاظهر وثاقته (2)، وعلي بن احمد الدقاق وهو شيخ الصدوق ولم يوثق، ومع هؤلاء المجاهيل والضعفاء كيف يمكن ان يكون السند معتبرا كما ادعاه (قده). ثالثتها: ما رواه في معاني الاخبار عن احمد بن الحسن القطان عن احمد بن يحيى بن زكريا القطان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن ابيه، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن معنى التسليم في الصلاة، فقال: التسليم علامة الامن وتحليل الصلاة... (3). قال في الحدائق عند ذكر لهذه الرواية (وما رواه الصدوق بسند معتبر) وهذا


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 11. (2) لاحظ المعجم ج 18 ص 348. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 13.

[ 317 ]

منه (قده) عجيب جدا، بل لم يعهد منه مثل هذه الاشتباه ان لم يكن من النساخ بسقوط كلمة (غير) منهم، والا فكيف يكون مثل هذا السند معتبرا مع ان رواته بأجمعهم ضعاف أو مجاهيل ما عدا الراوي الاخير اعني الهاشمي. رابعتها: ما رواه في عيون الاخبار باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) في كتابه إلى المأمون قال فيه تحليل الصلاة التسليم (1) والطريق إليه ضعيف كما مر. خامستها: ما رواه في الخصال مرسلا عن الاعمش عن الصادق (عليه السلام) وفيها: (.. لان تحليل الصلاة هو التسليم (2) وضعفها من جهة الارسال ظاهر. هذه هي الروايات التي يكون مضمونها ان الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، وهي باجمعها ضعاف غير معتبرة كما عرفت، ولم تكن روايات مشهورة مقبولة، والا فلم لم يذكرها الصدوق في الفقية سوى رواية واحدة كما انها لم تبلغ حد الاستفاضة فضلا عن التواتر ليقطع بصدور بعضها عن المعصوم (ع) فلا تصلح للاستدلال بها وفاقا للاردبيلي وتلميذه. ثم إنه على تقدير تسليم اعتبار اسانيدها وفرضها روايات صحاح، فهل تدل على وجوب التسليم؟ فيه كلام، فقد ناقشوا في استفادة الحصر منها، وان التحليل منحصر في خصوص التسليم من وجوه وجوزوا ان يكون ثمة محلل آخر غير التسليم فيكون الواجب هو


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 12. (2) الوسائل: باب 29 من أبواب قواطع الصلاة ح 2.

[ 318 ]

الجامع دون خصوص التسليم وقد اطالوا النقض والابرام في ذلك. ولكن الانصاف انه لا ينبغي الشك في استفادة الحصر، فان الظاهر ان الامام (ع) في مقام بيان ماهية الصلاة وانه يحرم بالتكبير عدة امور من المنافيات، وتحليلها انما هو بالتسليم لا غير بمقتضى الظهور العرفي في كونه (ع) بصدد التحديد لا مجرد بيان الطبيعة المهملة. ثم على تقدير تسليم عدم دلالتها على الحصر ليس معنى ذلك هو جواز الاتيان بالمنافي قبل التسليم بل لازم كون التسليم تحليلا ولو في الجملة انه لا يجوز الاتيان بشئ من المنافيات قبل التسليم وإلا لم يكن محللا سواء أكان المراد من عدم جواز الاتيان بالمنافيات في الصلاة عدم الجواز التكليفي أو الوضعي كما هو الظاهر ولذا يعم ذلك الفريضة والنافلة وقلنا بجواز قطع الصلاة ولو اختيارا، فليس له الاكتفاء بالتشهد كما يزعمه القائل بالاستحباب وبأنه يحصل الفراغ من الصلاة بمجرد التشهد بل لا بد له من التسليم، ومعه كيف يصح القول باستحبابه وانه ليس بواجب. وما يقال من ان ذلك من اجل ان الرواية غير ظاهرة المراد لان التحليل ليس نفس التسليم فلا بد من اضمار ولا دليل على ما يقتضي الوجوب ضعيف غايته، فان حمل المصدر على الذات من باب المبالغة أو ارادة معنى اسم الفاعل منه امر متعارف شايع، فيكون المراد ان التسليم محلل للمنافات، كما ان التكبير محرم عنها. (والحاصل) انه لا قصور في دلالة هذه الروايات على ان التسليم واجب وكونه مما لابد منه، نعم لا يستفاد منها انه جزء من الصلاة لامكان ان

[ 319 ]

يكون مأخوذا على نحو الشرط المتأخر بان يكون جواز الاتيان بالمنافيات بعد التشهد مشروطا بتعقبه بالتسليم. اللهم الا ان يستفاد اعتبار الجزئية من السياق وكونه على حد ساير الاجزاء المعتبرة فيها من التكبيرة وغيرها. واما احتمال ان لا يكون جزءا ولا شرطا بل هو امر اجنبي اعتبر في هذا المحل ومع ذلك لا يجوز الاتيان بالمنافيات قبله، كما ربما يترائى ذلك من بعض الكلمات فلا نعقل له وجها صحيحا. والمتحصل من جميع ما مر ان المناقشة في هذه الطائفة من الروايات انما هي من جهة السند فقط، دون الدلالة. الطائفة الثانية: الروايات الكثيرة الامرة بالتسليم ابتداءا أو عند الشك أو غيره مما وردت في ابواب متفرقة مناسبة، قبل بلغت من الكثرة جدا يصعب معه احصاؤها. منها: ما ورد في ذيل صحيحة حماد المعروفة من قوله: فلما فرغ من التشهد سلم فقال: يا حماد هكذا فصل (1)، وقد عرفت مرارا ان الاوامر في باب المركبات تنقلب من ظهورها في المولوية إلى كونها ظاهرة في الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية على اختلاف المقامات، وسياق الرواية فيما نحن فيه يشهد بان دخل التسليم على نحو الجزئية لا الشرطية وكون الدخيل هو التقيد به كلما لا يخفى. ومنها: ما رواه الصدوق في العلل بأسانيد معتبرة تنتهى إلى عمر ابن اذينة وغيره عن ابى عبد الله (ع) في حديث طويل في قضية المعراج جاء فيه: (... ثم التفت فإذا انا بصفوف من الملائكة


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 2.

[ 320 ]

والنبيين والمرسلين فقال لى: يا محمد سلم، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) الخ (1) فانها ظاهرة الدلالة في جزئية التسليم كما انها صحيحة السند. ومنها: موثقة ابى بصير الطويلة حيث جاء في آخرها: (... ثم قل: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته السلام على انبياء الله ورسله، السلام على جبرئيل وميكائيل والملائكة المقربين السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبي بعده، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ثم تسلم) (2) فانها ظاهرة في وجوب التسليم، ولا موجب لرفع اليد عنه وحمله على الاستحباب - كما في غيره مما وقع متعلقا للامر - إلا بقرينة ولا قرينة على ما ستعرف فهى تدل على الوجوب، ومقتضى السياق الجزئية كما عرفت ومنها غيرها من النصوص الكثيرة المتفرقة. الطائفة الثالثة: الروايات المصرحة بان ختامها التسليم. منها: موثقة على بن اسباط عنهم عليهم السلام: (... له - اي لرسول الله صلى الله عليه وآله - كل يوم خمس صلوات متواليات ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم (3) وعلي بن اسباط وان كان فطحيا الا انه موثق مع انه رجع إلى المذهب الحق، فالسند معتبر كما ان الدلالة على ان التسليم من الصلاة واضحة


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب أفعال الصلاة ح 10. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 2.

[ 321 ]

ومنها: موثقة ابي بصير قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول في رجل صلى الصبح فلما جلس الركعتين قبل ان يتشهد رعف، قال: فليخرج فليغسل انفه ثم ليرجع فليتم صلاته فان آخر الصلاة التسليم (1) فانها ظاهرة الدلالة على جزئية التسليم، إذ لو كان امرا خارجا غير واجب لكان المناسب تعليل الرجوع لاتمام الصلاة بأن التشهد آخر الصلاة ولم يأت به إذ المفروض كون الرعاف قبله فالتعليل بكون التسليم آخره يكشف عن دخله فيها. نعم مقتضى الرواية الرجوع واتمام الصلاة حتى مع الفصل الطويل الماحي للصورة، ولا يمكن الالتزام به الا ان دلالتها على ذلك انما هو بالاطلاق فيقيد بما دل على كون ذلك قاطعا للصلاة وتحمل على ما إذا لم يستلزم الفعل الكثير. ومنها: موثقة اخرى لابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا نسي الرجل ان يسلم فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد فرغ من صلاته (2) فانها ايضا ظاهرة الدلالة على الجزئية؟ وانه ما لم يسلم لم يفرغ عن صلاته حيث علق الفراغ منها على قوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا لم يكن السلام جزءا فلم لم يحصل له الفراغ منها بدون التسليم. ثم لا يخفى ان المستفاد من الموثقة ان التسليم بقول مطلق منصرف إلى خصوص السلام الاخير لانه مع فرضه (ع) نسيان التسليم ذكر انه إذا كان قال: السلام علينا... إلى آخره، فلا بد


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 4. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 1.

[ 322 ]

وان يكون المراد من السلام المنسي هو قولنا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بل يظهر من بعض الروايات العامة يعدون قول الرجل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين من توابع التشهد، فقد روى الصدوق عن الصادق (ع) انه قال افسد ابن مسعود على الناس صلاتهم بشيئين بقوله: تبارك اسم ربك وتعالى جدك، وهذا شئ قالته الجن بجهالة فحكى الله عنها، وبقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين يعني في التشهد الاول (1)، بل ظاهر كثير من نصوصنا أيضا هو ذلك، وأيضا ظاهر موثقة السابقة المفصلة حيث قال (ع) فيها ثم تسلم (2) ان المراد منه هو السلام الاخير فلاحظ. ومنها: صحيحة زرارة الواردة في صلاة الخوف عن ابي جعفر (ع) انه قال: إذا كانت صلاة المغرب في الخوف فرقهم فرقتين فيصلي بفرقة ركعتين ثم جلس بهم ثم اشار إليهم بيده فقام كل انسان منهم فيصلى ركعة ثم سلموا فقاموا مقام اصحابهم، وجاءت الطائفة الاخرى فكبروا ودخلوا في الصلاة وقام الامام فصلى بهم ركعة ثم سلم، ثم قام كل رجل منهم فصلى ركعة فشفعها بالتي صلى مع الامام ثم قام فصلى ركعة ليس فيها قراءة فتمت للامام ثلاث ركعات وللاولين ركعتان جماعة، وللاخرين وحدانا فصار للاولين التكبير وافتتاج الصلاة وللاخرين التسليم (3) فانه لو لم يكن التسليم جزءا


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب التشهد ح 2. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2. (3) الوسائل: باب: 2 من أبواب صلاة الخوف ح 2.

[ 323 ]

لما كان لهذا التقابل بين التكبير والتسليم معنى كما لا يخفى. الطائفة الرابعة الروايات التي مضمونها اعتبار التسليم في الصلاة وهي عدة روايات: منها: صحيحة الفضلاء عن ابي جعفر (ع) قال: إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته وان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزاه (1). فانا ان قلنا بان قولنا (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) من توابع التشهد فصدر الرواية ايضا يدل على اعتبار السلام في الصلاة حيث علق فيه مضى الصلاة على الفراغ من الشهادتين بما له من التوابع التى منها السلام المزبور حسب الفرض. وان انكرنا ذلك فيكفي في استفادة الجزئية منها ذيلها حيث يدل على ان الاهتمام بأمر التسليم - المنصرف عند الاطلاق إلى السلام الاخير على ما عرفت من استفادة ذلك من موثقي ابى بصير - بمثابة لابد من الاتيان به حتى في فرض الاستعجال فيكون ذلك كاشفا عن اعتبارة في الصلاة. ومنها: صحيح عبيد الله الحلبي عن ابي عبد الله في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد، قال يسلم من خلفه ويمضى في حاجته ان احب (2). فانه لو لم يكن التسليم جزءا لاقتصر على التشهد ومضى في حاجته من دون حاجة إلى التسليم. ومنها: موثقة غالب بن عثمان عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل يصلى المكتوبة فينقض صلاته ويتشهد ثم ينام قبل ان يسلم


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التشهد ح 2. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 6.

[ 324 ]

قال: تمت صلاته وان كان رعافا غسله ثم رجع فسلم (1). فان لزوم الرجوع بعد غسل الدم لتدارك التسليم يكشف عن كونه جزءا من الصلاة، والا فلماذا وجب عليه ذلك ولو في فرض عدم استلزام الغسل الفصل الطويل الذى لابد من تقييد اطلاقه وحمله على ذلك كما لا يخفى. واما حكمه (ع) في فرض النوم بانه تمت صلاته مع انه لم يسلم فلابد من حمله على انه كان قد اتى بالتشهد بتوابعه التى منها قول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وانما لم يأت بالسلام الاخير الذى هو المنصرف إليه اطلاق التسليم على ما عرفت استفادة ذلك من موثقي ابى بصير المتقدمتين. ومنها: موثقة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل ان يسلم قال تمت صلاته، وان كان مع امام فوجد في بطنه اذى فسلم في نفسه وقام فقد تمت صلاته (2). اما الذيل فدلالته على الاعتبار واضحة حيث علق فيه تمامية الصلاة على التسليم فلو لم يكن معتبرا فيها لم يكن وجه للاتيان به حتى مع وجود الاذى. واما الصدر الظاهر في عدم وجوب السلام فلا بد من حمله على إرادة السلام الاخير كما يقتضيه اطلاق التسليم على ما عرفت. واما قول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد كان قد اتى به والحدث وقع بعد الفراغ منه، فلا يدل على عدم وجوب السلام اصلا.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 6. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 2.

[ 325 ]

الطائفة الخامسة: الروايات الواردة في حكم الشك الركعات وهي كثيرة: منها: صحيح الحلبي عن ابى عبد الله (ع) قال: إذا لم تدر اثنتين صليت ام اربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين واربع سجدات تقرأ فيهما بام الكتاب ثم تشهد وتسلم فان كنت انما صليت ركعتين كانتا هاتان تمام الاربع، وان كنت صليت اربعا كانتا هاتا نافلة (1) فان التسليم ان لم يكن واجبا لم تكن حاجة إلى الاتيان به قبل ان يصلي الركعتين لان العلاج المذكور وهو الاتيان بالركعتين واحتسابهما متمما ان لم يكن اتى بالاربع ونافلة على التقدير الاخر يحصل من عدم التسليم ايضا، فمن الامر به يستدل على كونه جزءا من الصلاة. ودعوى: ان الامر به من جهة ان يتحقق الخروج، إذ لولاه لاستلزم ذلك اشتمالها على الزيادة المبطلة، فلا يكون الامر بالتسليم كاشفا عن جزئيته لها ووجوبه فيه. مدفوعة: بان الزيادة انما تصدق فيما إذا اتى بالركعتين بعنوان الجزائية، واما إذا اتى بها بعنوان الاحتياط وبقصد الرجاء كما هو كذلك فلا يكون ذلك موجبا لاتصافها بوقوع الزيادة فيها نظير مالو شك في اشواط الطواف فاتى بالمشكوك فيه بعنوان الرجاء دون الجزئية فانه لا اشكال في عدم كون ذلك موجبا للبطلان بمقتضى القاعدة وان كان في الواقع زائدا لولا قيام النص الخاص على خلافه وعليه فيكون الامر به كاشفا عن الجزئية كما ذكرناه ولا يقدح وقوعه في اثناء الصلاة على تقدير كون المأتي به متمما


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب الخلل ح 1.

[ 326 ]

لانه زيادة سهويه ولا بأس بها. ومنها: صحيحة ابن ابي يعفور التي يقرب مضمونها من الصحيحة السابقة (1). ومنها رواية عمار الساباطى (2) لكنها ضعيفة السند، وإلا فهي ظاهرة الدلالة بعين البيان المتقدم في الصحيحة السابقة. وربما يستدل بطائفة سادسة وهي الروايات الورادة فيمن اتم في موضع القصر (3) حيث دلت على ان من اتم كذلك فان كان مجاهلا فلا شئ عليه وتمت صلاته، وإن كان عالما عامدا فعليه الاعادة، وان كان ناسيا فكذلك عليه الاعادة لكن في الوقت دون خارجه، مع ان مقتضى عدم كونه جزءا منها هو عدم الاعادة حتى فيما إذا اتم عالما عامدا، إذ بناءا عليه يكون الزائد واقعا خارج الصلاة مثل ما إذا اتى بركعة زائدة بعد السلام غير الضائر قطعا فليكن ذلك ايضا كذلك. فكيف حكم الشارع بوجوب الاعادة فلا بد وان يكون حكمه بذلك دليلا وكاشفا عن كون السلام جزءا من الصلاة، إذ عليه تكون الركعتان من الزائد الواقع في اثناء الصلاة عمدا، والزيادة العمديه موجبة للبطلان قطعا. والحواب عنها انه قد يفرض ان مثل هذا الشخص يكون من اول الامر قاصدا للاتيان بأربع ركعات تشريعا أو نسيانا أو لجهة اخرى فهذا لا يشك في بطلان صلاته لان ماله امر فهو غير مقصود، وما


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب الخلل ح 2. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب الخلل ح 3. (3) الوسائل: باب 17 من أبواب صلاة المسافر.

[ 327 ]

هو المقصود لا امر له، وهذا واضح. وقد يفرض انه كان قاصدا للامر الفعلي ولكنه من باب الخطأ والاشتباه أو النسيان تخيل وزعم انه اربع ركعات فهل تكون هذه الصلاة محكومة بالصحة - بمقتضى القاعدة نظرا إلى تحقق قصد ما هو المأمور به، غايته ان اشتبه في التطبيق ولا ضير فيه بعد ما تقدم سابقا من ان القصر والتمام ليستا بماهيتين مختلفتين، بل هما ماهية واحدة، وطبيعة فاردة، فان صلاة الظهر مثلا قصرا وتماما لا فرق بينهما بحسب الحقيقة، بل شرعت بالنسبة إلى طائفة مقيدة بعدم كونها زائد على الركعتين، وبالنظر إلى جماعة اخرى مشروطه بان يلتحق بالركعتين الاولتين ركعتان اخريان، وبالقياس إلى عدة ثالثة لوحظت مخيرا فيها بين الامرين. وهذا المقدار لا يستوجب الاختلاف في الماهية، فليس الاتي بالتمام آتيا بماهية اخرى مباينة لما هو المطلوب منه - أو تكون محكومة بالبطلان؟. الظاهر هو الثاني وذلك من جهة اشتمالها على الزيادة المبطلة فان صدق الزيادة لا يتوقف على وقوعها في اثناء العمل، بل يعم ما إذا كانت متصلة بآخره وفي المقام حيث ان المطلوب هو الاتيان بركعتين مقيدا بان لا يلحقهما شئ. فلا محالة تكون اضافة الركعتين الاخريين ولو في آخرهما موجبا لاتصاف الصلاة بوقوع الزيادة فيها. الا ترى انه لو امر المولى بأن يكبر خمسا ليس الا فكبر ستا بكون التكبير الزائد موجبا لاتصاف التكبيرات بعدم كونها مصداقا للمأمور به لا خمسا منها يكون مصداقا للواحب ويكون الباقي زائدا خارجا عنه.

[ 328 ]

ومن هنا لو اتى في الطواف بثمانية اشواط كان ذلك موجبا للبطلان رأسا لا ان السبع منها يعد فردا من الواجب ويلغي الباقي. نعم لو كانت الزيادة فيما نحن فيه بعد الاتيان بالسلام فلا يوجب ذلك اتصاف الصلاة بكونها مشتملة على الزيادة وذلك لان السلام اوجب الخروج من الصلاة كالحدث فلا محالة تكون الركعة الزائدة واقعة خارج الصلاة، فلا تقاس الزيادة قبل السلام بالزيادة بعده فان الاولى من الزيادة في الصلاة دون الثانية: وعليه فلا يمكن ان تكون تلكم الروايات شاهدة على جزئية التسليم ووجوبه لانه حتى بناءا على عدم الوجوب يكون الحاق الركعة موجبا لعنوان الزيادة المبطلة وتحققها في الصلاة ما لم يكن ذلك واقعا بعد التسليم. فالعمدة في اثبات وجوب التسليم بل جزئيته هو ما تقدمها من الطوائف من الروايات. هذا كله في المقتضي. (واما المقام الثاني) اعني المانع عنه على تقدير تسليم المقتضى الملازم للقول بالاستحباب فقد استدل له بوجوه: احدها: الاصل فان مقتضاه البراءة عن اعتبار الجزئية وتشريع الوجوب. وفيه ان مقتضى الاصل في نفسه وان كان هو ذلك لكنه محجوج ومخرج عنه بما عرفت من الروايات الكثيرة المختلفة الدالة على الوجوب والجزئية. ثانيها: صحيح علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد فيأخذ الرجل البول أو يتخوف على شئ يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع؟

[ 329 ]

قال: يتشهد هو وينصرف ويدع الامام (1). فانه لو كان التسليم جزءا من الصلاة بل أو واجبا لامره (ع) بذلك ولم يقتصر على التشهد مع الانصراف، فمن عدم امره (ع) بذلك يستكشف عدم جزئيته ووجوبه. والجواب ان هذه الصحيحة - على ما ذكره المحقق المهداني (قده) - وان كانت في موضع من التهذيب كما رقمت من دون الامر بالتسليم الا انه في موضع آخر (2) وكذا في الفقيه (3) ذكر فيها انه يتشهد ويسلم وينصرف. قال المحقق الهمداني (قده) والفقيه اضبط من التهذيب. وحينئذ تكون الصحيحة من جملة أدلة القائلين بالوجوب وتكون على عكس المطلوب ادل. هذا اولا. وثانيا: سلمنا ان الصحيح هو ما ذكر في هذا الموضع من التهذيب كما في الوسائل فغايته ان تكون حال هذه الصحيحة حال الصحيحة الاتية ويكون الجواب وهو الجواب عنها. ثالثا: صحيح محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله (ع) التشهد في الصلوات، قال: مرتين، قلت كيف مرتين؟ قال: إذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ثم تنصرف... الخ بعين التقريب المتقدم.


(1) الوسائل: باب 64 من أبواب الجماعة 2، والتهذيب ج 2 ص 349. (2) التهذيب ج 3 ص 283. (3) الفقيه: ج 1 ص 261.

[ 330 ]

والجواب: ان تعلق الامر بالانصراف يقتضى ان لا يكون المراد منه ما هو الامر العادي الذى يقتضيه الطبع الاولي من التوجه والرواح إلى مهماته وحوائجه، والا فهذا لا يحتاج إلى الامر به، بل يكون المراد منه ما هو وظيفته الشرعية وقد عين مصداق ذلك في جملة من الروايات وفيها الصحاح وغيرها. منها: صحيح الحلبي قال: قال أبو عبد الله (ع) كلما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلى الله عليه وآله فهو من الصلاة وان قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت، المؤيد برواية ابي كهمس عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن الركعتين الاولتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت وانا جالس: السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته، انصراف هو؟ قال: لا: ولكن إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف (1) فقد عين فيهما ما يتحقق به الانصراف وهو السلام الخاص، فتكون تانك الصحيحتان دالتين على وجوب التسليم لا انه يستفاد منهما عدم الوجوب كما هو المدعى. ومنها: صحيحة الاخر عن ابي عبد الله (ع)، قال: سألته عن الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد قال: يسلم من خلفه ويمضي لحاجته ان احب (2) فان مضمون هذه الصحيحة هو بعينه مضمون صحيحة على بن جعفر المتقدمة. وقد صرح (ع) هنا بان للمأموم ان يسلم عند اطالة الامام للتشهد، فيكون المراد


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التسليم ح 1 و 2. (2) الوسائل: باب 46 من أبواب الجماعة ح 3.

[ 331 ]

من الانصراف هناك هو التسليم ايضا، وتكون هذه مفسرة لتلك. ومنها: ذيل صحيحة الفضلاء عن ابي جعفر (ع) قال: إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته، فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزأه (1) فان عطف جملة (انصرف) على (سلم) لابد وان يكون تفسيريا، إذ لا معنى لكون الانصراف موجبا للاجزاء، والمراد انه لدى الاستعجال يكفى التسليم ولا يلزمه الاوراد والاذكار المتعارفة المستحبة، فهذه الرواية ايضا شاهدة على ان المراد من الانصراف ليس الا التسليم. رابعها: صدر هذه الصحيحة حيث علق (ع) فيه المضي من الصلاة على خصوص الفراغ من الشهادتين، ولو كان السلام جزءا وواجبا لكان اللازم ان يكون هو المعلق عليه لا التشهد. والجواب: ان عد هذه الصحيحة من ادلة القول بالوجوب اولى من الاستدلال بها على خلافه وذلك اما بناءا على ان يكون المراد من الشهادتين هو الشهادتان مع توابعهما التي منها قول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كما عرفت استظهار ذلك من موثقتي ابي بصير المتقدمتين فواضح، إذ عليه يكون مضي الصلاة متوقفا على اداء الشهادتين والسلام المزبور معا. واما بناءا على انكار ذلك فيكفي في الاستدلال بها ذيلها حيث يدل على ان الاهتمام بشأن السلام بمكان لا يجوز تركه حتى مع فرض الاستعجال فكيف يمكن ان تكون الصحيحة دليلا على عدم وجوب السلام. نعم لابد حينئذ من التصرف في كلمة المضي في


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 5.

[ 332 ]

الصدر وحملها بقرينة الذيل على مضى اجزائها غير المخرج وهو السلام الذى به تتم الصلاة دون المضي المطلق. خامسها: موثقة يونس بن يعقوب قال: قلت لابي الحسن (ع) صليت بقوم صلاة فقعدت للتشهد ثم قمت ونسيت ان اسلم عليهم، فقالوا ما سلمت علينا، فقال: الم تسلم وانت جالس، قلت: بلى قال: لا بأس عليك ولو نسيت حين قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت السلام عليكم (1) بناءا على ان يكون بلى تصديقا للنفي اي نعم ما سلمت، وقد حكم عليه السلام بنفي الباس عن ذلك فيكون دليلا على عدم الوجوب. وفيه: ان كلمة بلى تصديق للمنفي لا النفي بشهادة تصريح اهل اللغة وملاحظة موارد استعمالاتها كما في قوله تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى) أي انت ربنا. ولو سلمنا استعمال بلى حتى في تصديق النفي فلا نسلمه في المقام وإلا فما معنى نفي البأس مع عدم التسليم واي فائدة في هذا السؤال إذا لم يكن فرق في الحكم بين ما لو سلم وما إذا لم يسلم وكان كل منهما محكوما بعدم البأس، فلابد وان يكون المراد تصديق الاتيان بالسلام وهو قول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين واما السلام الاخير فالمفروض انه قد نسيه فلا يمكن ان يكون التصديق راجعا إليه. وإذا كانت الموثقة دالة على نفي البأس في فرض الاتيان بالسلام ولو بغير الصيغة الاخيرة فكيف يمكن ان يستدل بها على عدم اعتبار السلام مع انه على عكس المطلوب ادل. هذا


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 5.

[ 333 ]

ولا يبعد ان يكون قوله: (ولو نسيت) من تصرف نساخ التهذيب وان يكون في الاصل ولو شئت) كما استظهره المحقق الهمداني (قده) تبعا لغير مستشهدا بان المذكور في قرب الاسناد على ما قيل بلفظ (ولو شئت) بدل (ولو نسيت). سادسها: الروايات المستفيضة الدالة على عدم بطلان الصلاة باتيان المنافى من الحدث والالتفات الفاحش وغيرهما قبل التسليم وذلك آيه عدم الجزئية إذ لو كان التسليم جزءا ولم يخرج المصلى قبله عن الصلاه لكان ذلك موجبا للبطلان كالاتيان بها قبل التشهد. منها: صحيح الحسن بن الجهم قال: سألته يعنى ابا الحسن (ع) عن رجل صلى الظهر أو العصر فاحدث حين جلس في الرابعة قال: ان كان قال: اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يعد وان كان لم يتشهد قبل ان يحدث فليعد (1). اما الدلالة فظاهرة حيث دلت صريحا على أن الحدث إذا كان واقعا بعد التشهد فلا يكون موجبا للاعادة وبطلان الصلاة سواء اتى بالتسليم ام لا. واما السند فقد تقدم سابقا وقلنا ان تعبير غير واحد عنها بالرواية وان كان مشعرا بالضعف إلا ان الظاهر كونها صحيحة، فان الحسن بن الجهم منصرف إلى الحسن بن الجهم بن بكير الزراري المعروف الموثق واما ابن الجهم الاخر غير الموثق فهو غير معروف بحيث ينصرف اللفظ عنه عند الاطلاق. واما عباد بن سليمان الواقع في السند فهو وان لم يوثق صريحا إلا انه من رجال كامل الزيارات، ويكفينا


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القواطع ح 6.

[ 334 ]

ذلك في اعتباره. ومنها: صحيحة زرارة التي مضمونها عين مضمون الصحيحة السابقة عن ابي جعفر (ع) في الرجل يحدث بعد ان يرفع رأسه في السجدة الاخيرة وقبل ان يتشهد، قال: ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع إلى المسجد وان شاء ففي بيته وان شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم وان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته (1) فان ذيلها دال على ان الحدث بعد الشهادة ليس بضائر، ومقتضى ذلك ان التسليم ليس بجزء. ومنها: حسنة الحلبي عن ابي عبد الله (ع): إذا التفت في الصلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذ كان الالتفات فاحشا وان كنت قد تشهدت فلا تعد (2) فان هذه الرواية دلتنا على ان الالتفات الفاحش الذي هو من جملة المنافيات لا يوجب الاعادة إذا كان بعد التشهد، فلا بد وان لا يكون السلام واجبا وجزءا. والجواب عن هذه الصحاح الثلاث اما اولا فلان هذه الروايات كما تدل على عدم بطلان الصلاة بالحدث إذا كان قبل التسليم الكاشف عن عدم جزئيته فكذلك تدل على عدم البطلان إذا كان ذلك قبل الصلاة على النبي المستلزم لعدم جزئيتها ايضا. لان التفصيل فيها واقع بين كون الحدث قبل التشهد فيعيد، وبعده فلا يعيد من دون ذكر للصلاة عليه صلى الله عليه وآله. وما يترائى في صحيح ابن الجهم من قول (صلى الله عليه وآله) فهو ليس جزءا من الرواية بل زيادة ناشئة


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب التشهد ح 1. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 4.

[ 335 ]

من رعاية ادب الكتابة بشهادة عدم ذكره في التهذيب وانما هو موجود في الوسائل فلاحظ. وعلى الجملة فمقتضى الاطلاق عدم الاعادة حتى فيما إذا كان الحدث قبل التصلية وهذا مما لا يلتزم به القائل بعدم جزئية التسليم فلا بد من طرح هذه الروايات. إلا ان يقال: ان التصلية بما انها من توابع التشهد وملحقاته فالمراد من التشهد التشهد المنضم بها فلا يدل على عدم الاعادة إذا كان الحدث قبلها، بل لا بد من فرض وقوعه بعدها، ولكن هذا الجواب لو تم فهو جار بالنسبة إلى السلام أيضا لان قول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين على ما يستفاد من ظاهر بعض النصوص كما تقدم يكون من توابع التشهد. وان التسليم المطلق ينصرف إلى السلام الاخير فلا تدل على عدم الاعادة إذا كان الحدث قبل تلك الصيغة بل لا بد من فرض وقوعه بعدها فإذا كانت الصحاح محمولة على ان المراد بالتشهد هو المعنى الجامع، فلا يفرق في ذلك بين التصلية وبين السلام بتلك الصيغة. ومعه لا تكون هذه الروايات دالة على عدم الجزئية. واما ثانيا: فمع الاغماض عما ذكرناه. نقول ان امكن الالتزام بمضمون هذه الاخبار ودعوى انها مخصصة لما دل على مبطلية الالتفات والحدث فهو، وإلا فهذه الاخبار الدالة على عدم قدح الحدث ونحوه تكون معارضة لما دل على جزئية التسليم وانه آخر الصلاة. وواضح ان الترجيح مع روايات الجزئية لمخالفتها للعامة، وموافقة هذه الاخبار لهم ومنهم أبو حنيفة القائل بجواز الخروج عن الصلاة بالحدث

[ 336 ]

وغيره فتطرح وتحمل على التقية. بقي في المقام روايتان: احداهما موثقة زرارة - عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سأله عن رجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل ان يسلم قال تمت صلاته... الخ (1) حيث دلت على صحة الصلاة مع وقوع الحدث في الاثناء وقبل التسليم الكاشف عن عدم جزئيته. والجواب: عنها هو ما ذكرناه في ساير الاخبار، ويزيد هذه انه لم يذكر فيها وقوع الحدث بعد التشهد كما في تلك الاخبار، بل المذكور وقوعه قبل التسليم. وقد ذكرنا فيما مر ان التسليم لدى الاطلاق منصرف إلى السلام الاخير. وعليه فتحمل الموثقة على ما إذا كان الحدث واقعا بعد قول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فالجواب عن هذه الرواية اوضح مما مر. وعين هذا الجواب يجري في الرواية الثانية وهي موثقة غالب ابن عثمان عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن الرجل يصلي المكتوبة فينقض صلاته ويتشهد ثم ينام قبل ان يسلم، قال تمت صلاته (2). هذا ولم يبق من الروايات التي يمكن الاستدلال بها لنفي الوجوب والجزئية عدا روايتين والاستدلال بهما ضعيف غايته. الاولى: صحيحة زرارة في حديث عن احدهما (ع) قال: قلت له من لم يدر في اربع هو أم في ثنتين وقد احرز الثنتين، قال: يركع بركعتين واربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 2. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 6.

[ 337 ]

ويتشهد ولا شئ عليه (1) وهذه الصحيحة وان كان ظاهرها الاتيان بالركعتين متصلتين إلا ان في قوله - بفاتحة الكتاب - اشعارا بالانفصال، ولا اقل من انها مقيدة بذلك ببقية الاخبار. وعلى اي حال فقد دلت على عدم وجوب التسليم لعدم ذكر له فيها بعد التشهد. وفيه: ان هذه الرواية بعين هذا السند رواها الكليني بلفظ (ثم يسلم ولا شئ عليه) بدل يتشهد (2) ولا يبعد انهما رواية واحدة، وعلى تقدير التعدد تتقيد احداهما بالاخرى كما لا يخفى. الثانية: صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله (ع) إذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم (ع) فصل ركعتين واجعله اماما واقرأ في الاولى منهما سورة التوحيد قل هو الله احد، وفي الثانية قل يا ايها الكافرون ثم تشهد واحمد الله واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله واسأله ان يتقبل منك (3) فان الاقتصار على التشهد وعدم ذكر التسليم بعده يكشف عن عدم وجوبه. وفيه: انه (ع) لم يكن في مقام بيان اجزاء الصلاة ولذا لم يذكر الركوع والسجود مع انهما اولى بالذكر وانما النظر فيها معطوف على بيان خصوصية هذه الصلاة وهي ايقاعها في مقام ابراهيم واشتمالها على سورة الجحد والتوحيد. فعدم التعرض للتسليم غير المختص بهذه الصلاة لا يدل على عدم الوجوب. على ان الظاهر ان قوله (ع): ثم تشهد... الخ ناظر إلى


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب الخلل ح 3. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب الخلل ح 4. (3) الوسائل: باب 71 من أبواب الطواف ح 3.

[ 338 ]

ما بعد السلام وانه بعد الفراغ من الصلاة يأتي بهذه الاعمال من التشهد والحمد والثناء وغيرها من المذكورات، وذلك من جهة كلمة (ثم) الظاهرة في التفريع على صلاة ركعتين، فليس التشهد المزبور من التشهد الصلاتي في شئ. فتلخص من جميع ما ذكرناه ان القول بالاستحباب استنادا إلى هذه الروايات ضعيف جدا لعدم تمامية الاستدلال بشئ منها فلا مناص من القول بالوجوب. واما ما نسب إلى المشهور من الاستحباب فالمراد به التسليم الاخير. بقي شئ وهو ان السيد الماتن (قده) ذكر ان التسليم وان كان جزءا لكنه ليس بركن فلو تركه عمدا بطلت صلاته تحقيقا لما تقتضيه الجزئية. واما لو تركه سهوا فان كان التذكر بعد الاتيان بشئ من المنافيات عمدا وسهوا كالحدث، أو بعد فوات الموالاة لا يجب تداركه لحديث لا تعاد المستفاد منه عدم جزئية غير الخمس حال النسيان وانما تختص جزئيتها بحال الالتفات والذكر فيكون الحدث واقعا قهرا خارج الصلاة لااثناءها فالصلاة في هذا الفرض محكومة بالصحة غايته الاتيان بسجدتي السهو ولو احتياطا للنقصان بترك التسليم. وان كان التذكر قبل ذلك اتى به لبقاء محل تداركه ومعه لا يجرى حديث لا تعاد كما لا يخفى، ولا شئ عليه الا انه إذا كان قد تكلم فتجب عليه حينئذ سجدتا السهو لعدم كونه منافيا ومبطلا الا حال العمد دون السهو. واورد عليه شيخنا الاستاذ (قده) في تعليقته الانيقة وتبعه غير

[ 339 ]

واحد من تلامذته فحكموا بالبطلان فيما إذا كان التذكر بعد الحدث أو الاستدبار، أو فوات الموالاة مما يكون منافيا ولو سهوا، نظرا إلى ان المستفاد من روايات التحليل ان المخرج والمحلل منحصر في خصوص السلام لا غير، وليس لاعتقاد المصلي خروجه عن الصلاة من جهة نسيان السلام أي اثر في التحليل والخروج عنها، فما دام لم يسلم فهو بعد باق في الصلاة، ولا مجال للاستناد بحديث لا تعاد للحكم بالخروج وحصول التحليل. وعليه فلو احدث قبل السلام المنسي أو استدبر أو استمر النسيان إلى ان فاتت الموالاة كان كل ذلك واقعا اثناء الصلاة لا محالة دون خارجها، ولاجله يحكم ببطلان الصلاة. وذكر (قده) في آخر كلامه وتبعه بعض تلامذته انه بماذا يجمع بين هذا الدعوى - اي مخرجية الاعتقاد - وما التزم به من وجوب سجود السهو عليه لو تكلم عند نسيانه فهل التكلم بعد الخروج عن الصلاة موجب لسجود السهو.؟! اقول: الصحيح هو ما ذكره الماتن ولا يرد عليه شئ مما ذكر اما الاخير فواضح الدفع بل لم نكن نترقب صدوره من شيخنا الاستاذ (قده)، فان السيد الماتن (قده) انما التزم بسجدة السهو للتكلم فيما إذا كان التذكر قبل الاتيان بالمنافي وقبل فوات الموالاة الذي حكم (قده) حينئذ بوجوب الاتيان بالسلام لبقاء المحل فيكون التكلم عندئذ واقعا اثناء الصلاة لا محالة فتجب سجدة السهو لاجله واما حكمه (قده) بالصحة وعدم التدارك الراجع إلى مخرجية الاعتماد على حد تعبير شيخنا الاستاذ (قده) فهو فيما إذا كان التذكر بعد الاتيان بالمنافي أو بعد فوات الموالاة بحيث لم يبق محل للتدارك.

[ 340 ]

وهذا فرض آخر غير الفرض الاول الذي حكم فيه بسجود السهو للتكلم، ولم يلتزم بالسجود للتكلم في هذه الصورة، فأحد الحكمين في فرض، والآخر في فرض آخر ولا تنافي بينهما بوجه كي يحتاج إلى الجمع بين الدعويين كما هو اوضح من ان يخفى. وأما اصل المطلب وان من نسي السلام حتى اتى بالمنافي هل تصح صلاته ام تبطل؟ فالظاهر الصحة كا ذكره الماتن (قده) ودعوى ان المنافي حدث في الاثناء لانحصار المحلل في السلام مدفوعة: اولا: انه لم تثبت ولا رواية واحدة من اخبار التحليل لضعفها بأجمعها كما سبق وانما الثابت ان اختتام الصلاة بالتسليم وانه الجزء الاخير لا ان تحليلها به، وحيث ان الجزئية منفية لدى النسيان بحديث لا تعاد فالتسليمة لا جزئية لها بالنسبة إلى الناسي، ولا يكون اختتام الصلاة بها بالاضافة إليه. وعليه فالحدث واقع خارج الصلاة لا محالة دون اثنائها. وثانيا: سلمنا تمامية تلك الاخبار لكن ليس معنى محللية التسليم حصر الخروج عن الصلاة بالسلام بحيث لو اتى بالمنافي لا يخرج به إلا إذا سبقه السلام، فلو اراد التكلم وجب عليه ان يسلم ويتكلم فان هذا ليس بمراد قطعا، كيف ومن ارتكب المنافي بطلت صلاته المستلزم للخروج عنها أفهل يحتاج بعدئذ إلى المحلل، بل معناه ان المصلي ما دام كونه مصليا لا يحلله الا التسليم. واما إذا فرضنا انه خرج عن الصلاة اما بالابطال أو بغيره بحيث لا يطلق عليه عنوان المصلي وقتئذ فهو غير محتاج إلى المحلل بالضرورة. وعليه فالحدث ونحوه من ساير المنافيات الصادرة سهوا واقعة

[ 341 ]

خارج الصلاة بعد ملاحظة ان السلام المنسي لا جزئية له حال النسيان بمقتضى حديث لا تعاد كما عرفت، فببركة الحديث يحكم بخروج الحدث ونحوه عن كونه حدثا في الصلاة، إذ لا مانع من شمول الحديث بالاضافة إلى السلام المنسي الا الحكم بالبطلان من ناحية وقوع الحدث في الصلاة لكن هذه المانعية غير معقولة لاستلزام الدور لوضوح ان البطلان المزبور موقوف على عدم شمول الحديث للسلام المنسي، إذ مع الشمول لا جزئية للسلام فلا يكون الحدث في الاثناء فلا بطلان، فلو كان عدم الشمول مستندا إلى البطلان ومتوقفا عليه كان هذا من الدور الظاهر. فهذه المانعية ساقطة. ولم يكن ثمة مانع آخر عن شمول الحديث بالاضافة إلى السلام المنسي عدا ما يتوهم من توقف الشمول على احراز صحة الصلاة من بقية الجهات مع قطع النظر عن نفس الحدث وهذا غير ممكن في المقام من غير ناحية الشمول كما لا يخفى. ويندفع بعدم الدليل على هذه الدعوى عدا لزوم اللغوية من شمول الحديث لو لم تكن الصحة محرزة من ساير الجهات، فلا بد من فرض صحة الصلاة ظاهرا أو واقعا من النواحي الاخر حذرا من اللغوية المترتبة على جريان القاعدة مع فرض البطلان من ناحية اخرى، لكن اللغوية ترتفع في خصوص المقام بالحكم بصحة الصلاة فعلا ولو كان ذلك من ناحية نفس الحديث إذ يثبت به ان التسليم ليس جزءا من الصلاة حال النسيان ونتيجته عدم وقوع الحدث اثناء الصلاة فتحرز بذلك الصحة الفعلية ولو كان ذلك ناشئا من نفس الحديث كما عرفت، فلا تلزم اللغوية من شموله للمقام بوجه كما هو

[ 342 ]

واضح جدا. فهذه الدعوى ايضا ساقطة. واوضح منها فسادا ما قد يدعى من ان الحدث مهما وقع فهو في الاثناء لان الخروج عن الصلاة معلول للحدث فهو من مرتبة متأخرة عنه لتأخر المعلول عن العلة بحسب المرتبة، ففي المرتبة السابقة على الخروج كان الحدث واقعا اثناء الصلاة لا محالة لتقدم العلة فمن اجله يحكم بالبطلان. إذ فيه ما لا يخفى ضرورة ان المعلول وان كان متأخرا عن العلة رتبة لكنهما متقارنان زمانا، فزمان الحدث هو بعينه زمان الخروج من غير سبق ولحوق، ولا شك ان ادلة البطلان ناظرة إلى وقوع المنافي في الاثناء بحسب الزمان إذ لا اثر للتأخر الرتبي المبني على التدقيق العقلي في الحكم الفقهي المحول إلى الفهم العرفي كما لا يخفى. وثالثا: لو سلم كل ما ذكر فانما يتم لو قلنا بان الحدث مانع قد اعتبر عدمه في نفس الصلاة بما لها من الاجزاء والاكوان المتخللة بينها ولكن لا يبعد دعوى اختصاص الاعتبار بذوات الاجزاء كما يقتضيه قوله (ع) لا صلاة إلا بطهور، أي نفس هذه الاجزاء التي تتألف منها الصلاة مشروطة بالطهارة، أو ان الحدث مانع عنها فلو وقع الحدث اثناء الصلاة كما بين الركوع والسجود لم يكن ثمة مانع من التوضي والاتمام الا ما دل على قاطعية الحدث والا فمجرد اعتبار المانعية الراجع إلى الاشتراط المزبور لا ينافي ذلك كما هو الحال في اشتراط الطمأنينة في الاجزاء القابل للتدارك لدى الاخلال، فعدم امكان التدارك والاتمام في المقام ليس الا من اجل دليل اعتبار القاطعية للحدث.

[ 343 ]

[ نعم عليه سجدتا للسهو للنقصان بتركه (1) وان تذكر قبل ذلك أتى به (2) ولا شئ عليه الا ان يتكلم فيجب ] وعليه ففي مفروض الكلام اعني ما لو احدث بعد التشهد وقبل السلام لم يكن هناك مانع من تدارك الطهارة من ناحية الشرطية أو مانعية الحدث وانما المانع ما دل على ان الحدث قاطع وانه بعد حصوله لا تنضم الاجزاء اللاحقة بالسابقة فليكن الامر كذلك، إذ هذا لا ضير فيه في المقام بعد ان كانت التسليمة اللاحقة جزءا غير ركني منفيا بحديث لا تعاد، فعلى تقدير تسليم جميع ما مر لا يتم ذلك في مثل الحدث قبل السلام فانه لو اخر فانما هو من حيث القطع ولا محذور فيه كما عرفت. ورابعا: لو سلم هذا أيضا فلا نسلمه في الفصل الطويل بمقدار لا يمكن معه الضم، إذ لا دليل على ابطال الفصل المزبور الا من ناحية الوحدة العرفية واعتبار الهيئة الاتصالية بين اجزاء الصلاة، فإذا شمل الحديث للسلام واسقطه عن الجزئية في ظرف النسيان فلتكن الهيئة غير باقية بعد ان لم يكن السلام ركنا يقدح فقده، فتحصل ان ما ذكره الماتن (قده) هو الصحيح وان كانت الاعادة احوط، والله سبحانه اعلم.


(1): بناءا على وجوبهما لكل زيادة ونقيصة. (2): - لعدم الموجب لسقوطه بعد بقاء المحل وامكان التدارك.

[ 344 ]

[ عليه سجدتا السهو (1)، ويجب فيه الجلوس (2) وكونه مطمئنا (3). وله صيغتان هما (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ] (1): لما سيجئ في محله ان شاء الله تعالى من وجوبهما للكلام سهوا. (2): يدل عليه بعد التسالم وعدم الخلاف فيه قوله (ع) في موثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (ع): إذا جلست في الركعة الثانية إلى ان قال (ع) في آخرها ثم تسلم (1) الظاهر في اشتراك التسليم مع التشهد في وجوب الجلوس، ونحوها غيرها مما تقدم في التشهد. (3): للاجماع المدعى في كلمات غير واحد مضافا إلى امكان استفادته من قوله (ع) في رواية سليمان بن صالح (... وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة... الخ) (2). ولو نوقش في الاجماع بعدم وضوح انعقاده على اعتبار الطمأنينة في مجموع الصلاة بما لها من الاجزاء التي منها السلام، وكذا في الرواية بعدم دلالتها الا على اعتبارها في الصلاة في الجملة لا مطلقا لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة كان اعتبار الطمأنينة في السلام محل اشكال كما تقدم نظيره في التشهد.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب التشهد ح 2. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب الاذان والاقامة ح 12.

[ 345 ]

[ و (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) والواجب (1) احداهما فان قدم الصيغة الاولى كانت الثانية مستحبة. ] (1): اختلف الفقهاء (قدس الله اسرارهم) فيما هو المخرج من الصلاة من الصيغتين المزبورتين على اقوال. فالمشهور من زمن المحقق ومن بعده هو التخيير وحصول الخروج والتحليل بكل واحدة منهما، وقيل بتعين الصيغة الثانية في الوجوب واستحباب الاولى ولعله ظاهر اكثر القائلين بوجوب السلام، وقيل بالعكس وان الاولى واجبة والثانية مستحبة، وقيل بوجوبهما معا ذهب إليه جمال الدين بن طاووس، واختار صاحب الحدائق ان الاولى مخرجة والثانية محللة وبه جمع بين نصوص الباب. والاصح هو القول الاول، ويتضح ذلك بابطال بقية الاقوال. أما القول الثاني: فتدفعه النصوص الناطقة بحصول الخروج من الصلاة بالصيغة الاولى التي منها صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل ما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلى الله عليه وآله فهو من الصلاة، وان قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت، ونحوها غيرها كخبر ابي كهمس وابي بصير (1). وأما القول الثالث فيدفعه أولا: قيام الاجماع على خلافه لتسالمهم على حصول الخروج بالاخيرة اما متعينا أو مخيرا بينها وبين الاولى حتى ان الشهيد ادعى ان من قال بتعين الاولى فقد خرج عن الاجماع من دون شعور.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التسليم ح 1 و 2 و 5.

[ 346 ]

وثانيا: المطلقات الدالة على ان افتتاحها التكبير واختتامها التسليم فانها شاملة للصغية الاخيرة لو لم تكن منصرفة إليها كما قد يشهد لهذا الانصراف استعمال التسليم في خصوص الثانية في جملة من النصوص كموثقة يونس بن يعقوب قال: قلت لابي الحسن (ع): صليت بقوم صلاة فقعدت للتشهد ثم قمت ونسيت ان اسلم عليهم، فقالوا: ما سلمت علينا، فقال: الم تسلم وانت جالس، فقلت: بلى قال: فلا بأس عليك ولو نسيت حين قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت السلام عليكم (1) حيث ان السائل مع كونه آتيا بالسلام الاول عبر بنسيان السلام الكاشف عن ظهوره في الاخيرة. إذا فهي القدر المتيقن من السلام المأمور به في الروايات. بل قد يظهر من بعض النصوص الدالة على كفاية الصيغة الاولى ان ذلك من اجل انها مصداق للسلام لا لخصوصية فيها فتشمل السلام الثاني ايضا كموثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا نسي الرجل ان يسلم فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد فرغ من صلاته (2). ونحوها ما ورد من ان ابن مسعود أفسد على القوم صلاتهم حيث قدم (السلام علينا) على التشهد، حيث يظهر منها ان المخرج هو مطلق السلام وانه وقع في غير محله من غير خصوصية للصيغة الثانية التي منها موثقة ابي بكر الحضرمي عن ابي عبد الله (ع) قال! قلت


(1) الوسائل: باب 3 من ابواب التسليم ح 5. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 1.

[ 347 ]

له اني اصلي بقوم، فقال تسلم واحدة ولا تلتفت قل: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليكم... الحديث (1). وحيث ان السلام على النبي صلى الله عليه وآله غير مخرج قطعا فيتعين الخروج بالسلام الاخير. والراوي الاخير اعني الحضرمي وان لم يوثق صريحا الا انه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي. هذا. وهناك صحاح ثلاث لعبد الحميد بن عواض، وللفضلاء، ولعبيد الله الحلبي (2) وهي ظاهرة الدلالة في ارادة السلام الاخير ولا اقل من شمول اطلاقها له حيث انه القدر المتيقن منه كما مر. إذا فلا ينبغي التأمل في ضعف هذا القول ايضا كسابقه. وأما القول الرابع - وهو وجوبهما معا - فاما ان يراد من وجوب الثانية وجوبها ضمنا وبعنوان الجزئية للصلاة أو يراد وجوبها مستقلا وكلاهما باطل. اما الاول: فللمناقضة الظاهرة إذ بعد فرض وجوب الاولى المستلزم لاتصافه بالمخرجية والفراغ من الصلاة فما معنى بقاء جزء آخر المستلزم لعدم الخروج، وهل يعقل الجزئية لما هو خارج عن المركب. وأما الثاني: فمقطوع البطلان لتطابق النص والفتوى على ان التسليم انما يجب لكونه الجزء الاخير من الصلاة لا لوجوبه الاستقلالي، وانه لا يجب شئ بعد الخروج من الصلاة بضرورة الفقه. وأما مقالة صاحب الحدائق من اتصاف الاولى بالمخرجية، والثانية بالمحللية فغير قابلة للتصديق.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التسليم ح 3. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 3 و 5 و 6.

[ 348 ]

إذ ليت شعري بعد تحقق الخروج من الصلاة بالصيغة الاولى حسبما اعترف به المساوق لسلب الوصف العنواني عن المصلي وعدم اتصافه عندئذ بكونه مصليا فأي حاجة بعد هذا إلى المحلل، فان الموضوع لجميع ما حرم على المصلي بالتكبير من ادلة المنافيات والقواطع انما هو ارتكاب شئ منها أثناء الصلاة، اما بعد الخروج كما هو المفروض فلا محرم ليحتاج إلى المحلل، كما يدل عليه بوضوح قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي: (يسلم من خلفه ويمضي في حاجته ان أحب) (1) حيث انه كالصريح في انه بعد حصول طبيعي التسليم الصادق على الصيغة الاولى تحل المنافيات وله المضي حيثما شاء. ومثلها موثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن التسليم ما هو؟ قال: هو اذن (2) فانها واضحة الدلالة على حصول الاذن - المساوق للتحليل - بمطلق ما صدق عليه التسليم من غير فرق بين الاولى والثانية إذا فتخصيص المحللية بالثانية والمخرجية بالاولى مما لا محصل له. والمتحصل من جميع ما تقدم ان ما عليه المشهور بين المتأخرين من القول بالتخيير هو الصحيح لانه مقتضى الجمع بين الامر باحدى الصغيتين في صحيحة الحلبي وبالاخرى في موثقة الحضرمي بعد القطع بعدم ارادة الوجوب التعييني كما عرفت ومقتضاه جواز الاقتصار على احدى الصيغتين، كما انه لدى الجمع تتصف الاولى - طبعا - بالوجوب والثانية بالاستحباب بالمعنى الذي ستعرفه، وقد حمل بعضهم


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 6. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 7.

[ 349 ]

[ بمعنى كونها جزءا مستحبا لا خارجا (1). ] كلام القدماء القائلين باستحباب التسليم على هذا المعنى اي استحباب الثانية بعد الاولى. (1): لا اشكال في استحباب الصيغة الثانية بعد أداء الوظيفة بالصيغة الاولى لتعلق الامر بها في النص وجريان السيرة على الجمع. وانما كلام في انها جزء مستحب أو مستحب نفسي واقع خارج الصلاة كالتعقيب؟. اختار جمع منهم السيد الماتن الاول ويستدل له بموثقة ابي بصير الطويلة الواردة في كيفية التشهد (1) حيث تضمنت الامر بالتسليم الاخير في عداد الامر ببقية الاجزاء الظاهر في كونه مثلها في الجزئية وربما تعارض بروايته الاخرى الظاهرة في الاستقلال حيث ورد فيها: (وتقول السلام علينا وعلى عباد الله صالحين، فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثم تؤذن القوم فتقول وانت مستقبل القبلة السلام عليكم.. الخ) (2) ولكنها من اجل ضعف سندها بمحمد بن سنان ساقطة وغير صالحة للمعارضة. وأما الموثقة فلا سبيل للاخذ بظاهرها لما تقدم غير مرة منافاة الجزئية مع الاستحباب وان الجزء الاستحبابي في نفسه أمر غير معقول سيما في مثل المقام مما وقع خارج العلم وبعد انقطاع الصلاة والفراغ عنها فان عدم معقولية الجزئية حينئذ أوضح كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 3 من ابواب التشهد ح 2. (2) الوسائل: باب 2 من ابواب التسليم ح 8.

[ 350 ]

[ وان قدم الثانية اقتصر عليها (1). وأما (السلام عليك ايها النبي) فليس من صيغ السلام بل هو من توابع التشهد (2). ] فلا مناص إذا من حملها على ارادة الاستحباب النفسي كالقنوت غاية الامر ان ظرف القنوت اثناء العمل والتسليم بعد الانتهاء منه. (1): لعدم الدليل على استحباب ايقاع الاولى بعدها كما اعترف به غير واحد وان كان ظاهر عبارة المحقق والشهيد في اللمعة ذلك، نعم لا بأس به بناءا على قاعدة التسامح وشمولها لفتوى الفقيه. (2): فلا يتحقق الخروج به خلافا لما نسب إلى الراوندي من كونه مخرجا وان كان مستحبا، ولعله لاطلاق بعض الروايات المتضمنة لمخرجية السلام بدعوى شمولها للمقام وعدم انحصاره في الصيغتين الاخيرتين. ولكن الاطلاق لو تم - كما لا يبعد - لم يكن بد من الخروج عنه بما دل صريحا على عدم كونه مخرجا، ففي صحيح الحلبي قال: قال أبو عبد الله (ع) كل ما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلى الله عليه وآله فهو من الصلاة وان قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت (1) فانها كالصريح في ان السلام عليه صلى الله عليه وآله من مصاديق ذكره المعدود من اجزاء الصلاة، ولا يتحقق الانصراف الا بالصيغة الاخرى. واصرح منها رواية ابي كهمس عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته


(1) الوسائل: باب 4 من ابواب التسليم ح 1.

[ 351 ]

[ وليس واجبا بل هو مستحب وان كان الاحوط عدم تركه لوجود القائل بوجوبه (1). ] عن الركعتين الاولتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت وانا جالس: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته انصراف هو؟ قال: لا ولكن اذاا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف (1). فانها واضحة الدلالة في كون السلام عليه صلى الله عليه وآله من توابع التشهد وعدم كونه مخرجا. نعم هي ضعيفة السند ب‍ (أبي كهمس) حيث لم تثبت وثاقته فلا تصلح الا للتأييد على ان المسألة مجمع عليها حيث لم يذهب احد إلى حصول الانصراف بالسلام على النبي صلى الله عليه وآله غير الراوندي كما عرفت. (1): بعد ما عرفت من عدم كون هذا السلام مخرجا فهل هو واجب أو مستحب؟ المشهور والمعروف هو الثاني، ونسب الوجوب إلى بعضهم كالجعفي في الفاخر، ومال إليه في كنز العرفان. ويستدل للوجوب بروايات منها: موثقة ابي بصير الطويلة الواردة في كيفية التشهد (2) حيث ورد في ذيلها الامر بالسلام على النبي صلى الله عليه وآله وظاهر الامر هو الوجوب. ويندفع بأن اشتمالها على كثير من المستحبات يستوجب ضعف الظهور المزبور، فانا وان ذكرنا في الاصول ان الاستحباب


(1) الوسائل: باب 4 من ابواب التسليم ح 2. (2) راجع باب 3 من ابواب التشهد ح 2.

[ 352 ]

- كالوجوب - بحكم العقل ومنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك فغير المقرون محكوم بالوجوب - ومن ثم انكرنا قرينية السياق فيما لو اشتملت الرواية على اوامر تثبت استحباب بعضها من الخارج حيث حكمنا بالوجوب في غير الثابت لمكان عدم الاقتران - الا ان خصوص هذه الموثقة لما كانت مشتملة على كثير من التحيات والمسنونات بحيث يستظهر عدم ورودها لبيان اجزاء الصلاة الاصلية بل لبيان الفرد الاكمل والمصداق الافضل فهي في قوة الاقتران بالترخيص في الترك. فعليه لا ينعقد للامر المزبور ظهور في الوجوب. وعلى تقدير التنازل وتسليم الظهور فلا مناص من رفع اليد عنه بما هو كالصريح في عدم الوجوب كصحيحة الفضلاء عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزأه، صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد، فقال: يسلم من خلفه ويمضى في حاجته (1) حيث يظهر منها بوضوح عدم وجوب شئ بعد التشهد ما عدا سلام الانصراف المنحصر في الصيغتين الاخيرتين كما تقدم. ومنها: موثقة ابي بكر الحضرمي قال: قلت له اني اصلي بقوم فقال سلم واحدة ولا تلتفت، قل السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليكم (2) وفيه: مضافا إلى قصور المقتضي بعدم كونه (ع) بصدد بيان


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 5 و 6. (2) الوسائل: باب 2 من ابواب التسليم ح 9.

[ 353 ]

السلام الواجب، بل في مقام بيان كفاية المرة وعدم الحاجة إلى التكرار بالسلام تارة إلى اليمين واخرى إلى الشمال ولعل التعرض لصيغة (السلام عليك ايها النبي) مبني على المتعارف الخارجي توطئة للسلام المخرج من غير نظر إلى وجوبه أو استحبابه، فالمقتضي للظهور في الوجوب قاصر في حد نفسه - انه مع تسليم الظهور لم يكن بد من رفع اليد عنه والحمل على الاستحباب للنصوص الظاهرة في عدم الوجوب كما عرفت آنفا. ومنها: رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا كنت اماما فانما التسليم ان تسلم على اللنبي صلى الله عليه وآله وتقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة... الخ (1). وفيه: مضافا إلى ضعف سندها بمحمد بن سنان انها محمولة على الاستحباب لان السلام والواجب هو السلام المخرج بمقتضى صحيحتي الفضلاء وعبيد الله الحلبي المتقدمتين (2) حيث يظهر منهما بوضوح انه لا يجب بعد التشهد إلا السلام المخرج، وحيث ان السلام على النبي صلى الله عليه وآله لم يكن مخرجا بمقتضى صحيحة الحلبي المتقدمة (3) فلا جرم يكون المراد مما اتصف بالمخرجية في هذه الرواية خصوص (السلام علينا) ومقتضاه كون السلام على النبي صلى الله عليه وآله مستحبا والمتحصل من جميع ما مر قصور النصوص المتقدمة عن الدلالة على الوجوب. واضعف من الكل الاستدلال بقوله تعالى: (يا ايها


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب التسليم ح 8. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 5 و 6. (3) الوسائل: باب 4 من أبواب التسليم ح 1.

[ 354 ]

[ ويكفي في الصيغة الثانية (السلام عليكم) بحذف قوله (ورحمه الله وبركاته) وإن كان الاحوط ذكره (1). ] الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) بدعوى ظهور الامر في الوجوب وحيث لا يجب التسليم عليه صلى الله عليه وآله في ساير موارد الصلاة اجماعا فتقيد الآية بهذا المورد اعني ما بعد التشهد الثاني. إذ فيه: - مضافا إلى ان المراد بالتسليم في المقام هو الانقياد والاطاعة لا صيغة السلام المتعارفة كما لا يخفى. فالآية اجنبية عن محل الكلام بالكلية - انه مع التسليم فالآية الشريفة مطلقة وحمل المطلق على فرد خاص وهو حال الصلاة في مورد مخصوص منها مع بعده في نفسه يحتاج إلى الدليل ولا دليل. فتحصل ان الاظهر استحباب السلام على النبي صلى الله عليه وآله كما عليه المشهور. (1): بعد الفراغ الوجوب التخييري للصيغتين يقع الكلام في تعيين صورتهما. أما الصيغة الثانية فالمعروف والمشهور كفاية (السلام عليكم) وبازائه قولان: إحدهما: ما عن جماعة منهم أبو الصلاح الحلبي من اضافة (ورحمة الله) استنادا إلى صحيح علي بن جعفر قال: رأيت اخوتي موسى واسحق ومحمدا بني جعفر (ع) يسلمون في الصلاة عن اليمين والشمال السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. (1) وفيه: انه حكاية فعل مجمل العنوان فان عمل المعصوم (ع)


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب التسليم ح 2.

[ 355 ]

لا يدل على اكثر من الرجحان. ثانيهما: ما عن ابن زهرة وجماعة من ضم (وبركاته) ايضا استنادا إلى ما في صحيح المعراج من قوله صلى الله عليه وآله: (فقال لي يا محمد سلم، فقلت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... الخ) (1) وفيه: ايضا ما عرفت من ان فعل المعصوم (ع) اعم من الوجوب، نعم امره سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله ظاهر في الوجوب لكن المأمور به مطلق التسليم لا تلك الكيفية الخاصة، فلعله اختار صلى الله عليه وآله في مقام العمل الفرد الافضل. وبالجملة: فالقولان ضعيفان لضعف مستندهما مضافا إلى ما عن العلامة من دعوى الاجماع على عدم وجوب ضم الجملتين المزبورتين. فالاقوى إذا ما عليه المشهور. ويمكن الاستدلال له أولا: بالنصوص الخاصة التي منها موثقة أبي بكر الحضرمي المتقدمة (2). و (دعوى) ان ما تضمنته من قوله (السلام عليكم) من باب استعمال اللفظ في اللفظ فيراد به التسليم المتداول بين الناس المشتمل على تلك الزيادة (مدفوعة) بأن هذه الاستعمال وان كان واقعا في لغة العرف الا انه لا ريب في كونه خلاف الظاهر جدا لا يصار إليه من غير قرينة، وحيث لا قرينة فلا يمكن المصير إليه. فلا مناص من الاخذ بظاهرها من كفاية تلك العبارة من غير الزيادة. ومنها: موثقة يونس بن يعقوب! (... ولو نسيت حتى قالوا


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 10. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب التسليم ح 9.

[ 356 ]

لك ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت السلام عليكم (1) فانها صريحة في حصول تدارك المنسى بهذه الصيغة فحسب. ومقتضى ذلك عدم وجوب الزائد عليها. ومنها: غير ذلك كروايتي ابى بصير، وابن ابى يعفور (2) وان لم تكونا نقيتى السند ولا تصلحان الا للتأييد. وثانيا: باطلاق بعض الاخبار كقوله (ع) في صحيحة الفضلاء: (فان كان مستعجلا في امر يخاف ان يفوته فسلم وانصرف اجزأه). وفي صحيحة عبيد الله الحلبي: (سلم من خلفه ويمضى في حاجته ان احب) (3) فان مقتضاه جواز الاقتصار على هذا المقدار من دون ضم تلك الزيادة. وثالثا: بالاصل العملي وهو اصالة البراءة عن تلك الزيادة بعد كون المقام من موارد الدوران بين الاقل والاكثر. ودعوى: ان الذى يترتب على هذا الاصل انما هو نفي الجزئية أو الشرطية ولا تثبت به المحللية فالمرجع حينئذ استصحاب بقاء التحريم حتى يثبت المحلل. مدفوعة: بان الموضوع للمحلل انما هو السلام الواجب كما تقدم، إذا فالشك في حصول التحليل في المقام مستند إلى الشك في وجوب تلك الزيادة، وبعد نفيه بالاصل المزبور لم يبق شك في حصول المحللية كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 3 من ابواب التسليم ح 5. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب التسليم ح 8، 11. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 5، 6.

[ 357 ]

[ بل الاحوط الجمع بين الصيغتين بالترتيب المذكور، ويجب فيه المحافظة على اداء الحروف والكلمات على النهج الصحيح ] فتحصل ان القول المشهور هو الأظهر وان كان الاحوط الضم حذرا عن الخلاف. وهناك خلاف آخر في هذه الصيغة من تعريف السلام وتنكيره وستعرفه. واما الصيغة الاولى فظاهر النصوص والفتوى اعتبار الصيغة بكاملها ولكن صاحب الجواهر ذكر في نجاة العباد ان الاصح الاجتزاء ب‍ (السلام علينا) ويستدل له بصدق التسليم عليه فتشمله الاطلاقات. ويندفع بانصرافها إلى ما هو المعهود المتعارف من هذه الصيغة، ولا ريب ان المتعارف هي تمام الصيغة بكاملها. ومع الغض عن ذلك فيقيد الاطلاق بما دل على ان المخرج هي الصيغة الكاملة كصحيحة الحلبي (1) وغيرها. ودعوى عدم الريب في بطلان الصلاة بقول (السلام علينا) في غير محله فيكشف المبطلية عن المخرجية بينة الفساد ضرورة عدم الملازمة بين الامرين فان المبطل هو مطلق ما صدق عليه السلام لكونه من كلام الآدميين، واما السلام المخرج الذى هو جزء من المأمور به فهو خصة خاصة منه وهى الصيغة المخصوصة بكاملها فلو لم يستكملها لم يتحقق الخروج بحيث لو اتى حينئذ بالمنافى بطلت الصلاة لوقوعه في اثنائها، فلا سبيل إذا للكشف المزبور بوجه.


(1) الوسائل: باب 4 من ابواب التسليم ح 1.

[ 358 ]

[ مع العربية، والموالاة (1)، والاقوى عدم كفاية قوله (سلام عليكم) بحذف الالف واللام (2). ] (1): - للزوم اداء الصيغة بالكيفية الواردة في لسان الادلة بعد ظهورها في لزوم رعايتها، فالاخلال بها على نحو يقدح في المصداقية لتلك الكيفية اخلال بالمأمور به، بل افساد للصلاة نظرا للتكلم العمدي قبل حصول المحلل والخروج منها. (2): - خلافا للمحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة حيث ذهبا إلى الكفاية. واستدل له المحقق (تارة) بالاطلاقات بعد وضوح صدق اسم التسليم على العارى من اداة التعريف. وفيه: مضافا إلى انصرافها إلى السلام المتعارف وهو خصوص المعرف كيف ولو بنى على الاخذ بالاطلاق لساغ مطلق السلام كيفما كان ولو بالتسليم على احد الائمة (ع) وهو كما ترى لم يلتزم به حتى المحقق نفسه - انه لو سلم الاطلاق لم يكن بد من تقييده بما في النصوص كموثقة الحضرمي حيث قد ورد فيها معرفا. و (اخرى) بوروده في الكتاب العزيز منكرا كقوله تعالى: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (1). وفيه مالا يخفى فان الصيغ الواردة للسلام في الكتاب العزيز كثيرة كقوله تعالى: سلام علي، وسلام على المرسلين، وسلام على آل ياسين، ولا شك في عدم الاجتزاء بشئ منها إذ المأمور به في


(1) سورة الزمر الآية 73.

[ 359 ]

[ (مسألة 1): - لو أحدث أو اتى ببعض المنافيات الاخر قبل السلام بطلت الصلاة، نعم لو كان ذلك بعد ] الصلاة حصة خاصة ذات صيغة مخصوصة كما دلت عليه النصوص المتقدمة لابد من المحافظة عليها وعدم التعدي عنها فمجرد الورود في القرآن الكريم لا يصلح حجة في المقام. واستدل له العلامة ايضا تارة بما ورد من ان عليا (ع) كان يقول ذلك عن يمينه وشماله، واخرى بان التنوين يقوم مقام اللام فانه بدل منه، وكلاهما كما ترى. فان الاول: لم يثبت من طرقنا، على ان من الجائز انه (ع) كان يقول ذلك بعد اداء السلام الواحب والخروج من الصلاة فكان (ع) يسلم على من في يمينه وشماله من الجماعة بهذة الكيفية ولا ضير فيه. واما الثاني ففيه: ان البدلية وان صحت لكنها بمجردها لا تستوجب قيام البدل مقام المبدل منه واجزائه عنه ما لم ينهض دليل عليه ولا دليل على الاجزاء في المقام وتوهم ان التسليم المنكر يكون مبطلا ومخرجا عن الصلاة لو وقع في غبر محله فيكون مجزيا لو وقع في محله، قد عرفت الجواب عنه وانه ليس مطلق الخروج مجزيا عن السلام الواجب وإلا لاجزأ التسليم على النفس أو الغير أو أحد المعصومين عليهم السلام وهو كما ترى. فالبطلان والخروج في هذه الموارد مستند إلى كونها من كلام الآدميين لا من أجل اجزائها عن السلام المأمور به كما هو واضح، فما عليه المشهور من عدم الكفاية هو المتيعن.

[ 360 ]

[ نسيانه بأن اعتقد خروجه من الصلاة لم تبطل (1)، والفرق ان مع الاول يصدق الحدث في الاثناء ومع الثاني لا يصدق لان المفروض انه ترك نسيانا جزءا غير ركني فيكون الحدث خارج الصلاة. (مسألة 2): - لا يشترط فيه نية الخروج عن الصلاة بل هو مخرج قهرا وان قصد عدم الخروج (2) لكن الاحوط عدم قصد عدم الخروج. بل لو قصد ذلك فالاحوط اعادة الصلاة. ] (1): قد تقدم البحث حول هذه المسالة في مطاوى ما سبق من هذا الفصل بنطاق واسع وبيان مشبع فلاحظ ولا نعيد. (2): إذ المأمور به هو ذات السلام لا المعنون بالخروج ليجب قصده. نعم هو متصف بالمخرجية في اعتبار الشرع: فالخروج حكم قهرى مترتب عليه لا انه جزء مقوم له ومأخوذ في الموضوع ليلزم تعلق القصد به، ومنه تعرف عدم قدح قصد عدم الخروج فضلا عن اعتبار قصد الخروج. وبالجملة: بما ان السلام جزء صلاتي فلا بد من تعلق القصد بذاتة المتصفة بكونها من اجزاء الصلاة كما هو الشأن في ساير الاجزاء واما الزائد عليه من قصد الخروج أو عدم قصد عدم الخروج فلا دليل على اعتبار شئ من ذلك بعد الطلاق الادلة سيما وان قصد عدم الخروج موجود في اكثر العوام لزعمهم عدم الخروج الا بالصيغة

[ 361 ]

الاخيرة فيأتون بالاولى قاصدين بها - طبعا - عدم الخروج: ولا يحتمل بطلان صلاتهم بذلك. (نعم) لو كان ذلك من باب التشريع بان نوى السلام المحكوم بعدم المخرجية فحيث انه لم يكن من السلام الصلاتى بطل لرجوعه إلى عدم قصد الامر. وقد عرفت ان قصد كونه من الصلاة مما لابد منه. هذا وربما يستدل للمطلوب بمعتبرة ميسرة عن ابي جعفر (ع) قال: شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم قول الرجل: تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك وانما هو شئ قالته الجن بجهالة فحكى الله عنهم، وقول الرجل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (1). فان من المعلوم ان الناس كانوا يأتون بهذا السلام في التشهد الاول المقصود به - طبعا - عدم الخروج ومع ذلك حكم عليه بالافساد والخروج من الصلاة. وفيه ما عرفت من حصول البطلان المستلزم للخروج من الصلاة - بمطلق السلام الواقع في غير محله سواء قصد به الخروج ام قصد عدمه لكونه من كلام الآدميين واين هذا من محل الكلام اعني السلام المأمور به الواقع في محله الذي هو جزء صلاتي مخرج غير مبطل وانه هل يعتبر فيه قصد الخروج أو يقدح قصد عدمه ام لا؟ والمعتبرة ناظرة إلى الفرض الاول ولا ربط لها بما نحن فيه، فلا ملازمة بين البطلان في غير محله وان لم يقصد به الخروج وبين كونه مخرجا في محله مطلقا كما هو واضح لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب التشهد ح 1.

[ 362 ]

[ (مسألة 3): - يجب تعلم السلام على نحو ما مر في التشهد (1)، وقبله يجب متابعة الملقن ان كان (2) والا اكتفى بالترجمة (3)، وان عجز فبالقلب ينويه مع الاشارة باليد على الاحوط، والاخرس يخطر الفاظه بالبال ويشير إليها باليد أو غيرها. ] (1): لحكومة العقل بلزوم تحصيل ما يتوقف الواجب عليه، ومنه تعلم اجزاء الصلاة من غير فرق بين ما كان سنخ الاذكار وبين غيرها. (2): لحصول الغرض بذلك إذ لا فرق في تحقق المأمور به بين المباشرة بنفسه أو بواسطة الملقن. (3): كفاية الترجمة مبنية على التمسك بقاعدة الميسور بدعوى ان الواجب هو ايجاد معنى التسليم بهذه الصيغة الخاصة فلا يجزي غيرها مع التمكن وان ادعى معناها واما لو تعذر فينتقل إلى ما تيسر وهو ايجادة بلفظ آخر ولو كان من سنخ الترجمة كما هو الحال في بابى النكاح والطلاق. ولكن الدعوى غير واضحة بل الظاهر ان الواجب انما هو نفس هذه الصيغة وان لم يلتفت إلى معناها ابدا ومن البديهي ان الالفاظ متباينة ولا يعد شئ منها ميسورا للاخر بوجه. هذا مضافا إلى ان القاعدة غير تامة في نفسها. إذا فمقتضى الصناعة سقوط التكليف لدى العجز فلا ملزم للانتقال إلى الترجمة فضلا عن الاخطار بالبال والاشارة باليد لدى

[ 363 ]

[ (مسألة 4): - يستحب التورك في الجلوس حاله على نحو ما مر، ووضع اليدين على الفخذ ويكره الاقعاء (1). (مسألة 5): - الاحوط ان لا يقصد بالتسليم التحية حقيقة بأن يقصد السلام على الامام، أو المأمومين، أو الملكين (2)، نعم لا بأس باخطار ذلك بالبال فالمنفرد يخطر بباله الملكين الكاتبين حين السلام الثاني، والامام يخطرهما مع المأمومين. ] العجز عنها وان كان ذلك مطابقا للاحتياط. نعم يتجه الاخطار والاشارة بالنسبة إلى الاخوص خاصة كما مر تفصيله في نظائر المقام. (1): - ولعله من اجل تبعية التسليم للتشهد فيجزي فيه. ما مر فيه. (2): ينبغى التكلم في جهات: الاولى: هل يجب قصد التحية عند التسليم؟ يظهر من بعض الفقهاء وجوب قصدها ولو اجمالا أي من دون تعيين ان المقصود بالتحية هل هو الامام أو المأموم أو الملائكة أو غيرهم، ولكنه عار عن الدليل، إذ لا يستفاد من الادلة ما عدا اداء عنوان التسليم بالصيغة الخاصة، واما القصد المزبور فلا دليل عليه. نعم لا مناص من قصد عنوان التسليم ولو اجمالا وارتكازا كساير العناوين من الركوع والسجود ونحوهما.

[ 364 ]

واما قصد عنوان التحية زائدا على ذلك فلا دليل عليه بوجه. الجهة الثانية: لو قصد به التحية فهل تبطل صلاته؟ ظاهر الجواهر هو البطلان للنهى عن الابتداء بالتحية في الصلاه ولاصالة عدم التداخل ولانه من كلام الآدميين. ويندفع بعدم الضير في كون التسليم المقصود به التحية محللا ومصداقا للسلام الواجب وان من كلام الآدميين بعد ان كان ذلك مطابقا لظواهر جمله من الاخبار. كقوله صلى الله عليه وآله في صحيح المعراج: (... ثم التفت فإذا انا بصفوف من الملائكة والنبيين والمرسلين فقال لي يا محمد سلم، فقلت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: يا محمد انى انا السلام والتحية والرحمة... الخ (1). وكصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة الخوف إلى ان قال (ع) ويتشهدون ويسلم بعضهم على بعض... الخ (2). وموثقة يونس بن يعقوب الواردة في نسيان التسليم: (لو نسيت حتى قالوا لك ذلك استقبلهم بوجهك وقلت السلام عليكم (3) المؤيدة برواية المفضل بن عمر قال سألت ابا عبد الله (ع) عن العلة التى من اجلها. وجب التسليم في الصلاة؟ قال لانه تحليل الصلاة إلى ان قال قلت: فلم صار تحليل الصلاة التسليم؟ قال: لانه تحية الملكين (4).


(1) الوسائل: باب 1 من ابواب افعال الصلاة ح 10. (2) الوسائل: باب 2 من ابواب صلاة الخوف ح 4. (3) الوسائل: باب 3 من ابواب التسليم ح 5. (4): باب 1 من ابواب التسليم ح 11.

[ 365 ]

[ والمأموم يخطرهم مع الامام (1)، وفي (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) يخطر بباله الانبياء والائمة والحفطة (عليهم السلام) (2). (مسألة 6): - يستحب للمنفرد والامام الايماء ] فانه يستفاد من هذه النصوص بعد ضم بعضها ببعض بوضوح عدم قدح قصد التحية في صحة التسليم وبها يقيد النهى عن ابتداء التحية في الصلاة وعن كلام الآدميين كما انها رافعة لموضوع اصالة عدم التداخل كما لا يخفى. الجهة الثالثة: من هو المقصود بالتحية عند قولنا: (السلام عليكم)؟ يظهر من رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي (1)، وكذا من رواية المفضل بن عمر (2) انه الملكان الموكلان في سلام المنفرد كما يظهر من الثانية انه الملكان مع المأمومين في سلام الامام وهما مع الامام في سلام المأمومين. وحيث انهما ضعيفتان سندا ولا رواية غيرهما معتبرة ليعول عليها فاللازم لمن ينوى التحية ان يقصد تحيه المقصودين بها واقعا من غير تعيين. (1): كما عرفت. (2): على ما يستفاد ذلك من نفس هذه الصيغة.


(1) الوسائل: باب 1 من ابواب التسليم ح 13. (2) الوسائل: باب 2 من ابواب التسليم ح 15.

[ 366 ]

[ بالتسليم الاخير إلى يمينه بمؤخر عينه، أو بأنفه أو غيرهما على وجه لا ينافي الاستقبال، وأما المأموم فان لم يكن على يساره أحد فكذلك، وان كان على يساره بعض المأمومين فيأتي بتسليمه اخرى مومئا إلى يساره، ويحتمل استحباب تسليم آخر للمأموم بقصد الامام فيكون ثلاث مرات. (مسألة 7): - قد مر سابقا في الاوقات انه إذا شرع في الصلاة قبل الوقت ودخل عليه وهو في الصلاة صحت صلاته (1) وان كان قبل السلام أو في أثنائه، فإذا أتى بالسلام الاول ودخل عليه الوقت في اثنائه تصح صلاته وأما إذا دخل بعده قبل السلام الثاني، أو في أثنائه ففيه اشكال، وان كان يمكن القول بالصحة لانه وإن كان يكفي الاول في الخروج عن الصلاة لكن على فرض الاتيان بالصيغتين يكون الثاني أيضا جزءا فيصدق دخول الوقت في الاثناء فالاحوط اعادة الصلاة مع ذلك. ] (1): لكنك عرفت سابقا الاستشكال في الصحة وان الاحوط لزوما اعادة الصلاة نظرا لضعف رواية اسماعيل بن رباح (1) التي هي مستند المسألة. وعلى تقدير الصحة فلا ينسحب الحكم إلى السلام الثاني لتحقق


(1) الوسائل: باب 25 من ابواب المواقيت ح 1.

[ 367 ]

الخروج بالسلام الاول - طبعا - لاتصاف الثاني بالاستحباب. وحيث لا معنى للجزء الاستحبابي فلا جرم يكون الثاني عملا مستقلا ومستحبا نفسيا واقعا خارج الصلاة، فإذا دخل الوقت قبله فقد دخل بعد الصلاة فلا يكون مشمولا للنص المزبور ومقتضى القاعدة حينئذ البطلان لفقد شرط الوقت.

[ 368 ]

[ فصل: في الترتيب يجب الاتيان بافعال الصلاة على حسب ما عرفت من الترتيب (1) بأن يقدم تكبيرة الاحرام على القراءة، والقراءة على الركوع وهكذا. ] (1): وجوب مراعاة الترتيب - على النهج المألوف - بين اجزاء الصلاة من الاذكار والافعال مما لا خلاف فيه ولا اشكال، وقد دلت عليه طوائف من الاخبار. منها: النصوص البيانية الواردة في كيفية الصلاة، ولعل احسنها صحيحة حماد (1) وقد تضمنت الترتيب المزبور ودلت على لزوم رعايته بمقتضى قوله (ع) في ذيلها: (يا حماد هكذا صل). ومنها: النصوص الواردة في مورد قاعدة التجاوز اعني الشك في الجزء بعد الدخول في غيره كصحيحة زرارة الورادة فيمن شك في التكبيرة بعد ما قرأ، أو في القراءة بعد ما ركع، أو في الركوع بعد ما سجد (2) الكاشفة بوضوح عن ان لكل جزء محلا يخصه وهو معنى الترتيب. ومنها: النصوص الواردة في نسيان جزء حتى دخل في غيره كمن تذكر في القراءة نسيان التكبيرة، أو في الركوع نسيان القراءة


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 1.

[ 369 ]

[ فلو خالفه عمدا بطل ما اتى به مقدما (1) وابطل من جهة لزوم الزيادة سواء كان ذلك في الافعال، أو الاقوال، وفي الاركان أو غيرها، وان كان سهوا (2) فان كان في الاركان بان قدم ركنا على ركن كما إذا قدم السجدتين على الركوع فكذلك وان قدم ركنا على غير الركن كما إذا قدم الركوع على القراءة، أو قدم غير الركن على الركن كما إذا قدم التشهد على السجدتين، أو قدم غير الاركان بعضها على بعض كما إذا قدم السورة مثلا على الحمد فلا تبطل الصلاة إذا كان ذلك سهوا، وحينئذ فان امكن التدارك بالعود بان لم يستلزم زيادة ركن وجب والا فلا ] وهكذا إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في لزوم مراعاة الترتيب بين افعال الصلاة. (1): - لوقوعه في غير محله وحينئذ فان لم يتداركه في محله لزمت النقيصة العمدية وان تداركه لزمت الزيادة كذلك بل تلزم الزيادة العمدية وان لم يتدارك كما لا يخفى فيستوجب البطلان بطبيعة الحال من غير فرق بين الاقوال والافعال والاركان وغيرها لوحدة المناط. (2): صور الاخلال بالترتيب سهوا اربع، إذ تارة يقدم ركنا على مثله كما لو قدم السجدتين على الركوع، واخرى يقدم الركن على غيره كما لو قدم الركوع على القراءة، وثالثة عكس ذلك كتقديم

[ 370 ]

[ نعم يجب عليه سجدتان لكل زيادة أو نقيصه تلزم من ذلك (1). (مسألة 1): إذا خالف الترتيب في الركعات سهوا كأن اتى بالركعة الثالثة في محل الثانية، بان تخيل بعد الركعة الاولى ان ما قام إليه ثالثة فاتى بالتسبيحات الاربع وركع وسجد وقام إلى الثالثة وتخيل انها ثانية فاتى بالقراءة والقنوت لم تبطل صلاته (2) بل يكون ما قصده ثالثة ثانية ] التشهد على السجدتين، ورابعة يقدم غير الركن على مثله كما لو قدم السورة على الحمد. اما الصورة الاولى: فهي محكومة بالبطلان سواء أتدارك المنسي في محله ام لا للزوم الزيادة في الاولى والنقيصة في الثاني بل قد عرفت لزوم الزيادة مطلقا ومن المعلوم ان زيادة الركن كنقيصته تستوجب البطلان سواء كانت عمدية ام سهوية. واما في بقية الصور فلا بطلان، إذ لا محذور في الصورة الثانية ما عدا ترك جزء غير ركني سهوا - بعد تعذر تداركه بالدخول في الركن - ولا ضير فيه بمقتضى حديث لا تعاد. كما ان في الصورتين الاخيرتين يتدارك المنسي وان استلزم الزيادة إذ لا ضير في الزيادة السهوية لجزء غير ركني. (1): بناءا على وجوبهما لكل زيادة ونقيصة وحيث ان المبنى عير واضح فمن ثم كان الحكم مبنيا على الاحتياط. (2): فان التذكر ان كان قبل الركوع في المورد الاول تدارك

[ 371 ]

[ وما قصده ثانية ثالثة قهرا، وكذا لو سجد الاولى بقصد الثانية، والثانية بقصد الاولى (1). ] القراءة لبقاء محلها ولا ضير في زيادة التسبيحات فانها زيادة سهوية لجزء غير ركني، وحيث ان الواجب هو الاتيان بذوات الركعات لا بوصفها العنواني من الاولية والثانوية ونحوهما لانها ملحوظة داعية إلى العمل لا قيدا في موضع الامتثال فلا يضره قصد الخلاف وهكذا في المورد الثاني فيجتزي بالقراءة ولا حاجة إلى التسبيحات بعد ان كان مخيرا بينهما وقد اتى باحد العدلين ولو من غير التفات، وان كان التذكر بعد الدخول في الركوع مضى في صلاته في كلا الموردين ولا شئ عليه، إذ غايته انه ترك القراءة في المورد الاول وزاد السورة والقنوت في المورد الثاني، ولا بأس بذلك بعد ان كان سهوا وقد عرفت عدم اعتبار قصد خصوصية الركعة بعنوانها وانما الواجب هو ذاتها وقد اتى بها على وجه شرعي غايته انه اشتبه في التطبيق فتخيل انها الثالثة فبانت ثانية فكان من تخلف الداعي والخطأ في التطبيق ولا ضير فيه. (1): لما عرفت من ان الواجب انما هو الاتيان بذات السجدتين من غير مدخل لوصف الاولية والثانوية.

[ 372 ]

[ فصل في الموالاة قد عرفت سابقا (1) وجوب الموالاة في كل من القراءة والتكبير والتسبيح، والاذكار، بالنسبة إلى الآيات، والكلمات والحروف (2) وانه لو تركها عمدا على وجه يوجب محو الاسم بطلت الصلاة بخلاف ما إذا كان سهوا فانه لا تبطل الصلاة وان بطلت تلك الآية أو الكلمة فيجب اعادتها، نعم إذا اوجب فوات الموالاة فيها محو اسم الصلاة بطلت، وكذا إذا كان ذلك في تكبيرة الاحرام فانه فوات الموالاة فيها سهوا بمنزلة نسيانها، وكذا في السلام فانه بمنزلة عدم الاتيان به، فإذا تذكر ذلك ومع ذلك اتى بالمنافي بطلت صلاته بخلاف ما إذا اتى به قبل ] (1): في المسألة السادسة والثلاثين من مسائل فصل القراءة. (2): لان لهيئات هذه الاذكار من التكبير والتسبيح والقراءة ونحوها وحدة عرفية يستوجب الفصل الفاحش بين اجزائها سلب عناوينها عنها وعدم تحققها خارجا، فلا يصدق التكبير على الحروف المتقطعة الفاقدة للموالاة، ولا قراءة الآية ولا السورة على الكلمات المنفصلة، أو مع تباعد الآيات، ومنه تعرف ان الموالاة المعتبرة

[ 373 ]

بين حروف الكلمة الواحدة اضيق دائرة منها بين كلمات الآيات كما انها بينها اضيق دائرة منها بين نفس الآيات. كما تعرف ايضا ان مستند الحكم هو عدم صدق اسم العناوين المأمور بها على الفاقد للموالاة وعدم كونه مصداقا لها عرفا من غير حاجة إلى التماس دليل آخر. ونتيجة ذلك بطلان الصلاة إذا اخل بالموالاة المزبورة عامدا، إذ بعد عدم صدق اسم الذكر ولا القران ولا الدعاء على الفاقد لها فلا جرم يكون مصداقا للزيادة العمدية المستوجبة للبطلان. بخلاف ما إذا كان ساهيا فانه لا يوجب الا بطلان نفس الكلمة أو الآية دون الصلاة نفسها لعدم قدح الزيادة السهوية - ما لم يبلغ الاخلال المزبور حدا يستوجب محو اسم الصلاة - وحينئذ فان كان المحل باقيا تداركها والا فلا شئ عليه. نعم يستثنى من ذلك موردان: احدهما: تكبيرة الاحرام فان مرجع الاخلال بالموالاة فيها سهوا إلى نسيانها رأسا المحكوم بلزوم الاستيناف واعادة الصلاة. ثانيهما: السلام فان الاخلال بها فيه سهوا لما أوجب سقوط الكلمة وعدم صدق اسم التسليمة فيفصل حينئذ بين ما إذا تذكر قبل ارتكاب المنافي وما إذا تذكر بعده. ففي الصورة الاولى: وجب عليه التدارك، وإذا لم يتدارك واتى بالمنافي بطلت صلاته لوقوعه في اثنائها بعد ان كانت التسليمة المأتي بها في حكم العدم. بخلاف الصورة الثانية: فان الصلاة حينئذ محكومة بالصحة إذ هو في مفروض المسألة كناسى التسليمة وقد تقدم ان صدور

[ 374 ]

[ التذكر فانه كالاتيان به بعد نسيانه وكما تجب الموالاة في المذكورات تجب في افعال الصلاة، بمعنى عدم الفصل بينهما على وجه يوجب محو صورة الصلاة (1) سواء كان عمدا أو سهوا مع حصول المحو المذكور، بخلاف ما إذا لم يحصل المحو المذكور فانه لا يوجب البطلان. ] المنافي من الناسي لا يقدح في الصحة إذ لا خلل في الصلاة حينئذ الا من ناحية التسليمة المتعذر تداركها وهي مشمولة لحديث لا تعاد. (1): لما هو المرتكز في اذهان المتشرعة خلفا عن سلف من ان مجموع الصلاة، عمل وحداني ومركب ارتباطي ذات هيئة اتصالية مقومة لمفهومها بمثابة تفوت بفواتها ويستوجب الفصل الطويل الماحي للصورة انثلام الوحدة وانتفاء صدق الاسم عليها. إذا فكما تعتبر الموالاة في نفس الاجزاء - كما مر - تعتبر بينها أيضا بعضها مع بعض (وبتعبير آخر) كما انها تعتبر في الاقوال تعتبر في الافعال أيضا بمناط واحد، غاية الامر ان الاعتبار في الاول مستند إلى رعاية الصدق العرفي، وفي الثاني إلى الصدق الشرعي وارتكاز المتشرعة حسبما عرفت. نعم يفترقان في ان الاخلال بها في الاول لا يستدعي الا بطلان الجزء نفسه فيتدارك على تفصيل بين العمد والسهو قد تقدم. واما في الثاني: فيوجب بطلان الصلاة رأسا عمدا كان أو سهوا، إذ بعد انثلام الهيئة الاتصالية الماحي للصورة والمزيل للماهية لم يكن

[ 375 ]

[ (مسألة 1): تطويل الركوع أو السجود أو اكثار الاذكار أو قراءة السور الطوال لا يعد من المحو (1) فلا اشكال فيها. (مسألة 2): الاحوط مراعاة الموالاة العرفية بمعنى متابعة الافعال بلا فصل وان لم يمح معه صورة الصلاة وان كان الاقوى عدم وجوبها (2) وكذا في القراءة والاذكار. ] ثمة اي سبيل إلى التصحيح كما هو واضح. (1): لعدم كونه من الفصل بالاجنبي وانما هو اطالة للصلاة نفسها بعد ان كان ذلك كله معدودا منها بمقتضى ما ورد في صحيحة الحلبي عن الصادق (ع) من انه: (كل ما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلى الله عليه وآله فهو من الصلاة (1). (2): إذ الدليل على اعتبار الموالاة بين الاجزاء هو ما تقدم من الارتكاز في اذهان المتشرعة ولا ريب ان المرتكز لديهم اوسع دائرة من الموالاة العرفية، اي التتابع المعبر عنه بالفارسية ب‍ (پي در پي) فان القادح انما هو الفصل الطويل الماحي للصورة والمزيل للهيئة الاتصالية كما تقدم فيعتبر عدمه واما اعتبار الاتصال زائدا على ذلك لتتحقق معه الموالاة العرفية أيضا فلا دليل عليه،


فما عن صاحب الجواهر (قده) من المناقشة في ذلك بدعوى كون الاطالة المزبورة مغيرة للهيئة المعهودة ج 12 ص 208 غير واضح. (1) الوسائل: باب 20 من أبواب الركوع ح 1.

[ 376 ]

[ (مسألة 3): لو نذر الموالاة بالمعنى المذكور فالظاهر انعقاد نذره لرجحانها ولو من باب الاحتياط (1) فلو خالف عمدا عصى لكن الاظهر عدم بطلان الصلاة. ] ومع الشك فالمرجع اصالة البراءة وان كان ذلك احوط حذرا عن شبهة الخلاف. (1): لا ينبغي التأمل في انعقاد هذا النذر لرجحان متعلقه بعد ان كان محتمل الوجوب وموردا للاحتياط حسبما سبق، فتركه عمدا حنث للنذر وموجب للكفارة. نعم انعقاده من دون رعاية عنوان الاحتياط ممنوع كما لا يخفى. وانما الكلام في صحة الصلاة الفاقدة للموالاة المنذورة والاظهر هو الصحة. وقد تقدم نظير المقام فيمن نذر ان يصلي في مكان راجح كالمسجد فخالف وصلى في غيره فان الصلاة حينئذ محكومة بالصحة وان كان أثما في مخالفة النذر. والوجه في ذلك ان الصلاة الفاقدة للموالاة والواجدة ضدان لهما ثالث وتعلق الامر بالثانية من ناحية النذر لا يستوجب النهي عن الاولى لوضوح ان الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده، إذا لا مانع من تصحيح الاولى بالخطاب الترتبي بعد البناء على امكانه ووقوعه بل كفاية تصوره في تصديقه حسبما فصلنا البحث حوله في الاصول. هذا. وقد يقال ان التصدي للصلاة الفاقدة تصرف في موضوع النذر واعدام له، وبما ان النذر يستدعي حفظ الموضوع وابقائه فلا

[ 377 ]

جرم كان الاعدام المزبور المنطبق على فعل الصلاة محرما فتبطل، نظير ما لو نذر ان يتصدق بشاة معينة على زيد فتصدق بها على عمرو. ويندفع أولا: بان إعدام الموضوع لو تم فانما يتم فيما إذا كان المنذور أمرا شخصيا كالشاة في المثال المزبور: أما في المقام فالواجب طبيعي الصلاة ولها حصتان: الواجدة للموالاة والفاقدة. ومن البين ان الاتيان بالثانية لم يكن اعداما للاولى غايته انهما متقارنان خارجا لا ان وجود هذه علة لترك الاخرى، فهو نظير الاشتغال بالصلاة مع وجوب الازالة عليه. وثانيا: ان الاعدام لم يتحقق حتى في المقيس عليه فنلتزم بصحة التصدق لعمرو في المثال المزبور أيضا، فان الشاة وان كانت شخصية إلا ان التصدق كلي وله حصتان الاعطاء لزيد والاعطاء لغيره والامر بالاول لمكان النذر لا يستوجب النهي عن الثاني لما عرفت من ان الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده. إذا فمع عصيان الاول لا مانع من تصحيح الثاني بالخطاب الترتبي بعد ان لم تكن احدى الحصتين علة لترك الاخرى، بل مجرد الاقتران في الوجود، كما هو الشأن في كل ضدين لهما ثالث حسبما عرفت.

[ 378 ]

[ (فصل: في القنوت) وهو مستحب (1) في جميع الفرائض اليومية ونوافلها ] (1): على المشهور بل اجماعا كما عن غير واحد. وعن الصدوق القول بالوجوب مطلقا، وعن ابن ابي عقيل - كما في الذكرى - اختصاصه بالجهرية وان نسب إليه الوجوب مطلقا ايضا كالصدوق. وعن البهائي في الحبل المتين الميل إليه حيث انه قال بعدما نسب الوجوب إلى من عرفت: ان ما قال به ذانك الشيخان الجليلان غير بعيد عن جادة الصواب، بل في الحدائق (1) بعد حكاية الميل إلى الوجوب عن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني ذكر انه صنف رسالة في ذلك وان لم يعثر عليها. وعن التذكرة حمل الوجوب المنسوب إلى بعض الاصحاب على ارادة التأكد وشدة الاستحباب. وكيفما كان فمنشأ الخلاف اختلاف ظواهر الاخبار، والمتبع هو الدليل ويستدل للوجوب بوجوه: احدها: قوله تعالى: (وقوموا لله قانتين) (2) بناءا على ان يكون المراد من القيام لله هو الصلاة، ومن القنوت القنوت المصطلح.


(1) راجع الحدائق ج 8 ص 353 (2): البقرة 238.

[ 379 ]

وكلاهما كما ترى، بل الظاهر ان المراد من القيام له سبحانه الاستعداد لا طاعته والتصدي لامتثال اوامره، كما ان المراد من القنوت السكون والخضوع والخشوع كما فسرت الآية الشريفة بذلك في بعض النصوص. وأما القنوت المصطلح أعني رفع اليدين في موضع خاص من الصلاة فهو اصطلاح متأخر لا ينبغي حمل الآية عليه. ومما يؤكده انه لو أريد ذلك لزم القول بوجوب القنوت في جميع حالات الصلاة لعدم التقييد في الآية المباركة بحالة خاصة فان (قانتين) حال للقيام، اي قوموا لله حال كونكم قانتين وهو كما ترى. إذا فلا مناص من ان يراد بها ما يكون القيام قانتا ظاهرا فيه وهو ما عرفت من المثول بين يدي الرب لا طاعته مع سكون وخضوع كقيام العبد بين يدي مولاه، ولا ارتباط لها بالقنوت المبحوث عنه في المقام بوجه. نعم في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: قال (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) وهي صلاة الظهر وهي أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر (وقوموا لله قانتين) قال وانزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فقنت فيها وتركها على حالها في السفر وفي الحضر... الحديث (1). فربما يقال ان الصحيحة تضمنت تفسير القنوت المذكور في الآية، وان المراد به هو القنوت المصطلح حيث انه صلى الله عليه وآله قنت في صلاته بعد نزولها.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 1.

[ 380 ]

وفيه: ان ورودها في مقام التفسير غير واضح إذ لم يؤمر في الآية الشريفة بالقنوت في الصلاة ليكون عمله صلى الله عليه وآله تفسيرا لها، ولعله من باب التطبيق حيث ان القنوت في الصلاة من احد مصاديق كلى الدعاء والخشوع له سبحانه فتكون فعله صلى الله عليه وآله الصادر منه امتثالا للآية الشريفة حكمة لتشريع القنوت المصطلح فأصبح سنة متبعة. ثانيها: صحيحة زرارة انه سأل ابا جعفر (ع) عن الفرض في الصلاة فقال: الوقت والطهور، والقبلة، والتوجه، والركوع والسجود، والدعاء، قلت: ما سوى ذلك؟ قال: سنة في فريضة (1) وقد رواها الشيخ والكليني بسند صحيح واسندها في الحدائق (2) إلى الصدوق في الفقيه، ولعله سهو من قلمه الشريف حيث لم نعثر عليها فيه كما نبه عليه المعلق. نعم رواها في الخصال باسناده عن الاعمش عن الصادق (ع) مع اختلاف يسير وسند غير صحيح وقد اشار إلى صدرها في الوسائل باب 1 من أبواب القنوت، حديث 6. وكيفما كان: فقد دلت الصحيحة على وجوب الدعاء في الصلاة وحيث ان من المقطوع به عدم وجوبه في غير حال القنوت فلا جرم يراد به ذلك. وقد اجاب عنه المحقق الهمداني (قده) تبعا لصاحب الحدائق بما هو في غاية الجودة، وهو انه ان اريد من الدعاء معناه المصطلح المقابل للذكر من التكبير والتسبيح ونحوهما اعني طلب حاجة دنيوية


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القنوت ح 13 (2) الحدائق ج 8 ص 358.

[ 381 ]

أو اخروية فلا ريب في عدم وجوبه في القنوت لجواز الاقتصار على مجرد التسبيح كما نطقت به جملة من النصوص. وان اريد به معناه العام الشامل لمطلق الذكر فهو صادق على ذكرى الركوع والسجود وعلى القراءة والتشهد. فلا دليل على أن يكون المراد خصوص ما يقع في حال القنوت. مع ان الذكر بالمعنى الاول منطبق على الصلاة على محمد وآله الواقعة بعد التشهد فانها أيضا نوع من طلب الحاجة ولا اشكال في وجوبها. ثالثها: النصوص الآمرة بالقنوت في جميع الصلوات. كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن القنوت فقال: في كل صلاة فريضة ونافلة. وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) انه قال: القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة. وما رواه الصدوق: في العيون عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: والقنوت سنة واجبة في في الغداة، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء الآخرة. وما رواه في الخصال عن الاعمش عن جعفر بن محمد في حديث شرايع الدين قال: والقنوت في جميع الصلوات سنة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة. (1) ويندفع بان الصحيحتين ناظرتان إلى المشروعية - التي كثر السؤال عنها في لسان الاخبار - لا إلى الوجوب كما يفصح عنه عطف النافلة على الفريضة في احداهما، وعطف التطوع عليها في الاخرى، فان


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القنوت ح 8 و 2 و 4 و 6.

[ 382 ]

من الضروري ان القنوت على القول بوجوبه فهو خاص بالفرائض. ولا يعم النوافل. واما روايتا العيون والخصال فدلالتهما وان كانت تامة لكن السند ضعيف كما لا يخفى فلا يمكن التعويل عليهما. رابعها: النصوص الآمرة بالقنوت في خصوص الصلوات الجهرية وهي روايتان هما المستند لابن ابي عقيل القائل بالتفصيل بين الجهرية وغيرها. احداهما موثقة سماعة قال: سألته عن القنوت في أي صلاة هو؟ فقال: كل شئ يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت. ثانيتهما: معتبرة وهب عن ابى عبد الله (ع) قال: القنوت في الجمعة، والعشاء، والعتمة، والوتر، والغداة فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له (1). والظاهر ان المراد من وهب هذا هو وهب بن عبد ربه كما صرح به في الكافي ج 3 ص 339 عند نقله لذيل هذه الرواية وهو موثق. كما ان المراد من العشاء هو المغرب، ومن العتمة العشاء فانه قد يعبر عن صلاة المغرب بالعشاء، ومن نعم يعبر عن العشاء بالعشاء الآخرة. ويندفع أولا: بعدم كونهما ناظرتين إلى الوجوب بل إلى اصل المشروعية التي كثر السؤال عنها في الاخبار لاختلاف الانظار، بل ذهاب عامة المخالفين إلى الانكار، فان أبا حنيفة قال: (لا يقنت في شئ من الصلوات الا الوتر) وقال مالك والشافعي: (لا يقنت


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القنوت ح 1 و 2.

[ 383 ]

في شئ من الصلوات المفروضة الا الصبح خاصة). ويرشدك إلى ذلك قوله (ع) في ذيل المعتبرة: (فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له) إذا ليت شعري لو كان النظر معطوفا إلى الوجوب فما هو الوجه في تخصيص الترك بالرغبة ضرورة ان مطلق ترك الجزء موجب للبطلان سواء أكان رغبة عنه ام لا. فالتقييد المزبور خير دليل على ان القنوت في نفسه مستحب وسنة، والذي يقدح انما هو الاعراض عن هذه السنة والرغبة عنها لا مجرد الترك، وثانيا بمعارضتها لروايتين: احداهما صحيحة سعد بن سعد الاشعري عن ابى الحسن الرضا (ع) قال سألته عن القنوت هل يقنت في الصلوات كلها ام فيما يجهر فيه بالقراءة؟ قال: ليس القنوت الا في الغداة والجمعة والوتر والمغرب. ثانيتهما: موثقة يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن القنوت في اي الصلوات أقنت؟ فقال لا تقنت الا في الفجر (1) حيث لم تذكر العشاء في الاولى مع انها ايضا جهرية ولم يذكر من الجهرية في الثانية إلا خصوص الفجر. وثالثا: بلزوم حملها على التقية بشهادة جملة من النصوص. منها: موثقة ابي بصير قال: سالت أبا عبد الله (ع) عن القنوات، فقال: فيما يجهر فيه بالقراءة، فقلت له: اني سألت أباك عن ذلك، فقال: في الخمس كلها، فقال: رحم الله ابي ان اصحاب ابي اتوه فسألوه فأخبرهم بالحق، ثم اتونى شكاكا


(1) الوسائل: باب 2 من ابواب القنوت ح 6، 7.

[ 384 ]

فأفتيهم بالتقية (1). فانها صريحة في ان الحكم الواقعي هو ثبوت القنوت في جميع الفرائض وان التخصيص بالجهرية مبني على التقية. ومنها: موثقة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن القنوت في الصوات الخمس، فقال: اقنت فيهن جميعا، قال وسألت ابا عبد الله (ع) بعد ذلك عن القنوت، فقال لي: اما ما جهرت به فلا تشك. (شك) (2) ومنها: موثقة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: القنوت في كل الصلوات. قال محمد بن مسلم فذكرت ذلك لابي عبد الله (ع) فقال اما ما لا يشك فيه فيما جهر فيه بالقراءة (3) فان التعببر بنفي الشك لا يناسب الا التقية كمالا يخفى. خامسها: وهو العمدة - موثقة عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: ان نسي الرجل القنوت في شئ من الصلاة حتى يركع فقد جازت صلاته وليس شئ عليه، وليس له ان يدعه متعمدا (4). فان النهى عن الترك عامدا ظاهر في الوجوب، فهى واضحة الدلالة على وجوب القنوت في جميع الصلوات كما انها تامة السند. الا انه لم يكن بد من رفع اليد عن هذا الظهور، وكذا ظهور سائر الاخبار المتقدمة - لو سلم ظهورها في الوجوب - لقرائن عديدة


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القنوت ح 10. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب القنوت ح 7. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب القنوت ح 4 و 5. (4) الوسائل: باب 15 من أبواب القنوت ح 3.

[ 385 ]

تشهد بذلك وتستوجب الحمل على الاستحباب. الاولى: صحيحة البزنطى عن ابي الحسن الرضا (ع) قال: قال ابو جعفر (ع) في القنوت: إن شئت فاقنت وان شئت فلا تقنت قال أبو الحسن (ع): وإذا كانت التقية فلا تقنت وانا اتقلد هذا ورواها الشيخ بسند آخر عن البزنطى عنه (ع) الا انه قال: القنوت في الفجر (1)، والظاهر تعدد الرواية وتكرر الواقعة لاختلاف المتن والسند وان اتحد الجواب. فسأله تارة عن القنوت في مطلق الصلوات، واخرى في خصوص صلاة الفجر، ولعله لذهاب جماعة من العامة إلى مشروعيتة فيها فأجاب (ع) في الموردين بعدم الوجوب، والتعليق على المشية ما لم يكن موردا للتقية ولو لحضور من لا يقول بالمشروعية في الفجر من العامة. وكيفما كان: فسواء اتحدت الرواية ام تعددت فهي صريحة في عدم الوجوب اما مطلقا أو في خصوص صلاة الفجر المستلزم لعدم الوجوب في غيرها بطريق اولى، بداهة ان القنوت فيها اهم. ومن ثم ورد الامر فيها بالخصوص في غير واحد من النصوص، فإذا لم يكن فيها للوجوب ففى غيرها بالاولوية. ومن الواضح الجلي عدم السبيل إلى حملها على التقية لصراحتها في التخيير ونفى الوجوب في غير مورد التقية. فبهذا القرينة القاطعة يرفع اليد عما كان ظاهرا في الوجوب ويحمل على الاستحباب. الثانية: رواية عبد الملك بن عمرو قال: سألت أبا عبد الله (ع)


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القنوت ح 1.

[ 386 ]

عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: لا قبله ولا بعده (1). ونحوها روايته الاخرى قال؟ قلت لابي عبد الله (ع) قنوت الجمعة في الاولى قبل الركوع؟ وفى الثانية بعد الركوع؟ فقال: لا قبل ولا بعد (2). فقد استدل بهما غير واحد على عدم الوجوب بتقريب ان السؤال لم يكن عن المشروعية. كيف وهي واضحة جلية في الجمعة وفي غيرها. بل عن الوجوب وقد تضمنتا صريحا نفيه على سبيل الاطلاق. ويندفع مضافا إلى ضعف السند فان عبد الملك لم يوثق بقصور الدلالة، إذ السؤال لم يكن لا عن الوجوب ولا عن المشروعية، بل عن محمل القنوت وانه قبل الركوع أو بعده فالاجابة عنه بالنفي المطلق بعد وضوح ثبوت المشروعية ولو في الجملة نصا وفتوى محمولة على التقية لا محالة فلا يمكن الاستدلال بهما. الثالثة: معتبرة وهب بن عبد ربه عن ابي عبد الله (ع) قال: من ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له (3). ولا يقدح اشتمال السند على محمد بن عيسى بن عبيد فانه ثقة على الاقوى، ونحوها معتبرته الاخرى المتقدمة (4) فان في تقييد الترك الممنوع عنه بالرغبة دلالة واضحة على ان ترك القنوت في نفسه لا ضير فيه وانما الضير في اسناد هذا الترك إلى الاعراض والرغبة


(1) الوسائل: (1) باب 4 من أبواب القنوت ح 2. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب القنوت ح 9. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب القنوت ح 11. (4) الوسائل: باب 2 من أبواب القنوت ح 2.

[ 387 ]

عنه كما عليه المخالفون البانون على عدم المشروعية. وهذا كما ترى من شؤون الاستحباب ضرورة ان الجزء الوجوبي لا سبيل لتركه سواء اكان مقرونا بالرغبة ام لا كما تقدم. الرابعة: كثرة الاسئلة عن القنوت الصادرة من اكابر الرواة واعاظم اصحاب الائمة كزرارة ومحمد بن مسلم، وصفوان واضرابهم من الاعيان والاجلاء فان نفس هذه الاسئلة المتكاثرة خير دليل بل اقوى شاهد على عدم الوجوب بداهة انه لو كان واجبا لكان امرا جليا وواضحا بعد شدة الابتلاء به واقله في كل يوم خمس مرات، فكيف يحتمل خفاء مثله عن مثلهم. وهل هذا الا كالسؤال عن وجوب الركوع أو السجود. ويرشدك إلى ذلك ما في صحيحة صفوان الجمال قال: صليت خلف ابى عبد الله (ع) اياما فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها ولا يجهر (1)، فان القنوت لو كان واجبا لم يكن أي وجه للتعرض إليه وتخصيصه بالذكر من بين ساير الاجزاء فانه نظير ان يقول صليت خلف ابي عبد الله (ع) اياما فكان يركع في كل صلاة الذي فيه من البشاعة مالا يخفى. إذا فيكشف التعبير المزبور كشفا باتا عن استحباب القنوت في نفسه وانه (ع) كان مهتما بهذا الامر المندوب ومواظبا عليه. الخامسة: إختلاف اجوبتهم عليهم السلام عن تلك الاسئلة، فتارة نفوا القنوت قبل الركوع وبعده، واخرى امروا به في خصوص الفجر، وثالثة بضميمة الجمعة والعشاء، والعتمة. والوتر.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القنوت ح 3.

[ 388 ]

ورابعة: في خصوص الصلوات الجهرية، وخامسة: في كل فريضة أو نافلة. فان خير محمل لهذا الاختلاف هو كشفه عن ابتناء الحكم على الاستحباب مع نوع من التقية واختلاف في مراتب الفضيلة. توضيح المقام: انه لا ريب في استقرار بناء المخالفين على ترك هذه السنة عملا والتجنب عنها خارجا وان اذعن بعضهم بها اجمالا واعرف بشرعيتها في صلاة الفجر كما يظهر ذلك من صحيحة البزنطي المتقدمة، إذا فالنصوص المانعة على اختلاف السنتها محمولة على التقية لا بمعنى الاتقاء من الرواة والسائلين، كيف وجلهم لو لا كلهم من اصحابهم وخواصهم، بل حملة اسرارهم نظراء زرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما، بل حفاظا عليهم وحماية للحمى وصيانة لهم مخافة الوقوع في مخالفة التقية ولو احيانا ومن حيث لا يشعرون. ومن ثم كانوا (ع) يقتصرون على بيان ما هو الاهم والافضل فنهى في صحيحة يونس بن يعقوب المتقدمة عن القنوت إلا في الفجر لكونه في صلاة الفجر اهم، وخصت هي وصلاة المغرب بالذكر في صحيحة الاشعري المتقدمة لكونه فيهما افضل من ساير الصلوات الخمس، وورد الامر به في الصلوات الجهرية خاصة لكونه فيها افضل من غيرها. وهذا كما ترى اقوى شاهد على ان القنوت في حد نفسه لم يكن واجبا والا لامروا به بقول مطلق إلا في مواضع التقية كغيرة من الواجبات المنافية لها كالمسح على الخفين والوضوء منكوسا ونحوهما. وهذا بخلاف ما لو كان مستحبا فانه قد يحسن ترك هذا المستحب

[ 389 ]

[ بل جميع النوافل (1) حتى صلاة الشفع على الاقوى (2) ] حذرا عن الوقوع ولو احيانا في ورطة التقية. وعليه فالجمع بين شتات الاخبار يستدعي الحمل عل اختلاف مراتب الاستحباب الموجب للاهتمام بمراعاة التقية تارة وعدمه اخرى حسبما عرفت. فاتضح من جميع ما تقدم ان الاقوى ما عليه المشهور من استحباب القنوت في عامه الصلوات وان كان الاستحباب في بعضها آكد منه في البعض الاخر. (1): اجماعا كما عن غير واحد، وتشهد له صحيحة عبد الرحمان ابن الحجاج عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن القنوت، فقال في كل صلاة فريضة ونافلة (1)، وموثقة محمد بن مسلم (2) عن ابي جعفر (ع) قال: القنوت في كل ركعتين في التطوع أو الفريضة (3) وغيرهما. (2): مر التعرض لذلك مستوفى في المسألة الاولى من فصل


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القنوت ح 8. (2) واما روايته الاخرى (القنوت في كل صلاة في الفريضة والتطوع) في باب 1 من ابواب القنوت حديث 12 فهي ضعيفة السند بطريقيها كما لا يخفى. فتوصيفها بالصحيحة - كما عن بعضهم - في غير محله على ان الموجود في الفقيه مغاير لهذا المتن وان كان ظاهر عبارة الوسائل هو الاتحاد (3) الوسائل: باب 2 من أبواب القنوت ح 3.

[ 390 ]

[ ويتأكد في الجهرية من الفرائض (1)، خصوصا في الصبح والوتر، والجمعة (2) بل الاحوط عدم تركه في الجهرية بل في مطلق الفرائض والقول بوجوبه في الفرائض أو في خصوص الجهرية منها ضعيف (3). وهو في كل صلاة مرة قبل الركوع من الركعة الثانية (4). ] اعداد الفرائض ونوافلها. (1): للامر بها بالخصوص في بعض النصوص المحمولة على تأكد الاستحباب كما تقدم. (2): لتخصيصها بالذكر في صحيحة سعد الاشعري المتقدمة لكن ينبغى اضافة المغرب لورودها فيها ايضا، ولم يعرف وجه لاهمال الماتن لها. (3): كما تقدم. (4): بعد القراءة على المشهور بل اجماعا كما عن غير واحد للنصوص المستفيضة كصحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع (1). وموثقة سماعة قال: سألته عن القنوت في اي صلاة هو؟ فقال: كل شئ يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت، والقنوت قبل الركوع وبعد القراءة (2). وصحيحة يعقوب بن يقطين قال: سألت عبدا صالحا (ع) عن


(1) و (2) الوسائل: باب 3 من أبواب القنوت ح 1 و 3.

[ 391 ]

القنوت في الوتر والفجر وما يجهر فيه قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبل الركوع حين تفرغ من قراءتك (1). وهذا مما لا شبهة فيه، كما لا شبهة في جواز اتياته بعد الركوع لو نسيه قبله كما سيجئ. وإنما الكلام في جواز تأخيره اختيارا بحيث يكون مخيرا بين الاتيان به قبل الركوع أو بعده. ظاهر المحقق في المعبر ذلك وان كان التقديم افضل واستحسنه الشهيد الثاني في الروضة ومال إليه المحقق الهمداني استنادا إلى ما رواه الشيخ باسنادة عن اسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى عن ابى جعفر (ع) قال: القنوت قبل الركوع وان شئت فبعده (2) فانها معتبرة السند على الاظهر وان اشتمل على القاسم بن محمد الجوهرى فانه من رجال كامل الزيارات ومقتضى الجمع بينهما وبين ما تقدم وهو ما عرفت من التخيير مع افضلية التقديم. وما احتمله غير واحد من المتأخرين من قوع التحريف من النساخ وان (شئت) مصحف (نسيت) يبعدة ان النسخة التى وعول عليها الشيخ كانت كذلك ومن ثم تصدق لتوجيه الرواية تارة بحملها على حال القضاء واخرى على التقية، واحتمال كون تلك النخسة ايضا مغلوطة مما لا ينبغي الالتفات إليه بعد كونه على خلاف الاصل. ونقله عن المصادر بالاجازة أو بالقراءة. وعلى الجملة: فلا ينبغى التأمل في سند الرواية ولا في دلالتها غير


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب القنوت ح 5. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب القنوت ح 4.

[ 392 ]

انها معارضة بصحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: ما اعرف قنوتا الا قبل الركوع (1). فانها كالصريح في اختصاص المشروعية بما قبل الركوع، ولا ينافيها المشروعية بعد الركوع في صلاة الجمعة، إذ الظاهر ان النظر فيها مقصور على الصلوات المتعارفة غير الموقتة بوقت خاص فلا تشمل مثل صلاة الجمعة كما لا يخفى. وما عن المحقق الهمداني (قده) في حل المعارضة من حمل قوله (ما اعرف) على (ما اعمل) وانه جار مجرى التعبير في مقام الاخبار عما استقرت عليه سيرته في مقام العمل فانه كثيرا ما يقال في العرف لا اعرف إلا هذا، مريدا به لا اعمل الا هذا فلا يكون كناية عن عدم المشروعية، بل عن سيرته الشخصية. ففيه: مالا يخفى فان التفسير المزبور وان لم يكن بعيدا بالنسبة إلى الاستعمالات الدارجة في العرف الحاضر. واما في كلمات الفصحاء ولا سيما الاحاديث الصادرة من اهل بيت الوحي (ع) فلم يعهد عنهم مثل هذا التعبير بوجه. فالحمل المزبور بالاضافة إلى الجمل الفصيحة في غاية البعد كما لا يخفى. وعليه فلا مناص من الادعان باستقرار المعارضة والتصدي للعلاج وحيث ان الصحيحة موافقة للسنة القطعية لما عرفت من ان النصوص الناطقة باختصاص المحل بما قبل الركوع بالغة حد الاستقاضة بحيث أصبحت معلومة الصدور فلا جرم كان الترجيح معها ولم تنهض المعتبرة لمقاومتها. فتحصل ان الاظهر اختصاص المحل الاختياري بما قبل


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب القنوت ح 6.

[ 393 ]

[ وقبل الركوع في صلاة الوتر (1) الا في صلاة العيدين (2) ففيها في الركعة الاولى خمس مرات وفي الثانية اربع مرات ] الركوع. واما بعده فليس هو من القنوت الموظف وان لم يكن به بأس من باب رجحان مطلق الدعاء المندوب في جميع الاحوال. (1): ففى صحيحة معاوية بن عمار انه سأل أبا عبد الله (ع) عن القنوت في الوتر قال: قبل الركوع... الخ (1). فحال مفردة الوتر، أو الركعة الثالثة - باعتبار ملاحظتها مع ركعتي الشفع صلاة واحدة - حال بقية الصلوات في ان محل القنوت قبل الركوع. وهذا مما لا شبهة فيه غير ان جمعا من الاصحاب كالمحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة والشهيدين في الدروس والروضة صرحوا بان لها قنوتا آخر بعد الركوع استنادا إلى ماروي عن ابي الحسن موسى (ع) انه كان إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر قال: هذا مقام من حسناته نعمة منك... الخ (2). لكن الرواية مضافا إلى ضعف سندها بالارسال وبسهل بن زياد قاصرة الدلالة على إستحباب القنوت المصطلح بل غايته ارادة مطلق الدعاء الذي هو مسنون في كثير من مواضع الصلاة كالسجدة الاخيرة وما بين السجدتين وغيرهما مع وضوح عدم اطلاق اسم القنوت عليها. (2): سيأتي الكلام فيها وفي صلاة الآيات في محلهما ان شاء الله تعالى.


(1) الوسائل: باب 18 من ابواب القنوت ح 5. (2) المستدرك: باب 16 من أبواب القنوت ح 2 ج 1 ص 320.

[ 394 ]

[ والا في صلاة الآيات ففيها مرتان، مرة قبل الركوع الخامس، ومرة قبل الركوع العاشر، بل لا يبعد استحباب خمس قنوتات فيها في كل زوج من الركوعات، والا في الجمعة (1) ففيها قنوتان في الركعة الاولى قبل الركوع وفي الثانية بعده، ] (1): حيث ان الماتن لم يتعرض لصلاة الجمعة مستقلا فيجدر بنا التعرض لحكمها في المقام من حيث القنوت تبعا للمتن فنقول: لا ينبغى التأمل في مشروعية القنوت في صلاة الجمعة - في الجملة - كما في ساير الصلوات للاطلاقات مضافا إلى النصوص الخاصة كما ستعرف، وما ورد من نفيه في رواية عبد الملك بن عمرو، وصحيحة داود بن الحصين (1) محمول على التقية أو نفى الوجوب كما تقدم. وانما الكلام في محله وعدده، واستيعاب البحث يستدعي التكلم تارة في صلاة الجمعة منفردا اي صلاة الظهر الرباعية من يوم الجمعة واخرى جماعة التي هي ذات ركعتين مع الخطبتين وهنا ايضا يبحث تارة عن حكم الامام. واخرى عن وظيفة المأمومين. فالكلام يقع في جهات ثلاث: اما الجهة الاولى: فالمشهور ان حالها حال ساير الصلوات في ان فيها قنوتا واحدا قبل الركوع من الركعة الثانية، إلا ان حريزا روى عن زرارة عن ابى جعفر (ع) في حديث قال: وعلى الامام


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب القنوت ح 9 و 10.

[ 395 ]

فيها اي في الجمعة قنوتان إلى ان قال: ومن صلاها وحده فعليه قنوت واحد في الركعة الاولى قبل الركوع (1). قال الصدوق في الفقية بعد نقل الحديث ما لفظه (وتفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة) انتهى (2). فالرواية باعتبار ذيلها شاذة لم يروها غير حريز، بل لم يعلم عمله بها وان رواها في كتابه. وكيفما كان: فمضافا إلى شذوذها وعدم وضوح العامل بها معارضة في موردها بنصوص دلت على ان محل القنوت انما هو الركعة الثانية لا الاولى كصحيحة معاوية بن عمار قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول في قنوت الجمعة: إذا كان اماما قنت في الركعة الاولى وان كان يصلى اربعا ففى الركعة الثانية قبل الركوع. وصحيحة عمران الحلبي قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل يصلى الجمعة اربع ركعات ايجهر فيها بالقراءة؟ قال: نعم، والقنوت في الثانية (3) اضف إلى ذلك العمومات الناطقة بذلك كصحيحة زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع (4). إذا فصحيحة حريز مطروحة بعد عدم نهوضها لمقاومة ما عرفت.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب القنوت ح 4. (2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 266. (3) الوسائل: باب 5 من أبواب القنوت ح 1 و 3. (4) الوسائل: باب 3 من أبواب القنوت ح 1.

[ 396 ]

والصحيح ما عليه النص والفتوى من ان محل القنوت في صلاة الظهر من يوم الجمعة للمنفرد انما هو الركعة الثانية قبل الركوع كما في ساير الصلوات. واما الجهة الثانية: اعني حكم الامام في صلاة الجمعة ففيه اقوال اربعة. الاول: ما هو المشهور بين الاصحاب من ان فيها قنوتين: احدهما في الركعة الاولى قبل الركوع، وثانيهما في الثانية بعده. الثاني: ما نسب إلى ابي الصلاح وابن ابي عقيل من انهما قبل الركوع في كل من الركعتين. الثالث: ما اختاره المفيد من ان القنوت واحد ومحله قبل الركوع من الركعة الاولى. الرابع: ما نسب إلى الصدوق وابن ادريس من انه واحد ومحله الركعة الثانية قبل الركوع كما في ساير الصلوات. أما القول الاول: الذي هو المشهور المنصور فتشهد له جملة من النصوص كصحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) في حديث قال: على الامام فيها اي الجمعة قنوتان: قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع، وفي الركعة الثانية بعد الركوع... الخ. وموثقة سماعة قال: سألته عن القنوت في الجمعة، فقال: اما الامام فعليه القنوت في الركعة الاولى بعدما يفرغ من القراءة قبل ان يركع، وفي الثانية بعد ما يرفع رأسه من الركوع قبل السجود... الخ. وموثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: سأله بعض.

[ 397 ]

اصحابنا وانا عنده عن القنوت في الجمعة، فقال له: في الركعة الثانية، فقال له: قد حدثنا به بعض اصحابنا انك قلت له: في الركعة الاولى، فقال: في الاخيرة وكان عنده ناس كثير، فلما رأى غفلة منهم قال يا ابا محمد في الاولى والاخيرة فقال له أبو بصير بعد ذلك قبل الركوع أو بعده؟ فقال له أبو عبد الله (ع): كل قنوت قبل الركوع الا في الجمعة فان الركعة الاولى القنوت فيها قبل الركوع، والاخيرة بعد الركوع (1). وأما القول الثاني: فلعل مستنده بعد مفروغية التعدد في الجمعة وكونه من المسلمات اطلاق قوله (ع) في صحيحة معاوية: (ما اعرف قنوتا الا قبل المركوع) (2). وفيه: بعد تسليم الاطلاق - وقد تقدم منعه - انه قابل للتقييد بالنصوص المزبورة بمقتضى صناعة الاطلاق والتقييد. واما القول الثالث: فيستدل له بجملة من النصوص: منها: صحيحة معاوية بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول في قنوت الجمعة: إذا كان اماما قنت في الركعة الاولى، وان كان يصلي اربعا ففي الركعة الثانية قبل الركوع. وصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع): ان القنوت يوم الجمعة في الركعة الاولى. وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: وليقعد قعدة بين الخطبتين ويجهر فيها بالقراءة ويقنت في الركعة


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب القنوت ح 4 و 8 و 12. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب القنوت ح 6.

[ 398 ]

الاولى منهما قبل الركوع. وصحيحة أبي بصير قال: القنوت في الركعة الاولى قبل الركوع المؤيدة بمرسلته عن ابي عبد الله (ع) قال: القنوت قنوت يوم الجمعة في الركعة الاولى بعد القراءة (1) فانها ظاهرة في كفاية قنوت واحد في الركعة الاولى كما انها منصرفة إلى الامام، بل بعضها صريحة فيه. ويندفع بعدم دلالة شئ من هذه الاخبار على نفي القنوت الثاني لعدم كونها في مقام الحصر، بل غايته الظهور الاطلاقي في كفاية الواحدة. ومقتضى قانون الاطلاق والتقييد لزوم رفع اليد عنه وتقييده بالنصوص المتقدمة المصرحة بوجود قنوت آخر في الركعة الثانية بعد الركوع بعد كونها سليمة عن المعارض. فهذا القول كسابقه ضعيف. ومنه: تعرف ضعف القول الرابع أيضا الذي ذهب إليه الصدوق وابن ادريس، إذ ليت شعري ما هو الموجب للتخصيص بالركعة الثانية بعد صراحة النصوص المتقدمة في التعدد، بل ان ذلك موجب لطرح النصوص المشار إليها آنفا المصرحة بالثبوت في الركعة الاولى من غير مسوغ. وعلى الجملة ففتوى الصدوق كفتوى المفيد في التخصيص باحدى الركعتين غير ظاهرة الوجه بعد ورود النصوص الصحيحة المتظافرة الصريحة في الجميع. واما ابن ادريس فقد اعتذر عنه بعدم العمل باخبار الآحاد وهو


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب القنوت ح 1 و 6 و 11 و 7 و 2.

[ 399 ]

كما ترى ضرورة ان نصوص الباب - مضافا إلى اعتبارها في انفسها - قد جاوزت من الكثرة حد الاستفاضة فلو لم يعمل بمثل هذه النصوص في الاحكام الشرعية فعلى الفقه السلام، فان كثيرا من الاحكام ومنها مشروعية القنوت في الركعة الثانية من الجمعة التي اعترف بها انما ثبتت بمثل هذه الاخبار فرفضها يستوجب خللا في الاستنباط بل سدا لباب الاجتهاد بمصراعية كما لا يخفى. فتحصل: ان الاظهر: هو القول الاول الذي عليه المشهور. وأما الجهة الثالثة: - فربما يقال بان مورد تشريع القنوت في الركعة الاولى في جملة من النصوص المتقدمة كموثقة سماعة وصحيحتي معاوية وزرارة (1) إنما هو الامام، والاطلاق في غيرها منزل عليه لانصرافه إليه ولو بمعونة ما عرفت، فلا دليل على شمول الحكم للمأمومين، بل عليهم القنوت في الركعة الثانية فقط كما في ساير الصلوات. ويندفع أولا: بان لزوم متابعة المأموم للامام في كافة الافعال ومنها القنوت حتى فيما إذا لم يكن وظيفة له - كما لو إئتم في الركعة الثانية من ساير الصلوات فضلا عن المقام - امر مغروس في الافهام ومرتكز في اذهان عامة المتشرعة كما يشير إليه قوله (ع): إنما جعل الامام اماما ليؤتم به، فدليل التشريع في الامام يغني عن التنبيه عليه في المأموم اعتمادا على تلك الملازمة المغروسة والمتابعة المرتكزة. وثانيا: ان المراد بالامام في تلك النصوص ما يقابل المنفرد المذكور في ذيلها، لا ما يقابل المأموم، فلا يراد به وصفه العنواني وبما هو امام، بل بما هو مقيم لصلاة الجمعة ايعازا إلى ان هذه


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب القنوت ح 8 و 1 و 4.

[ 400 ]

الماهية من الصلاة المتقومة بالجماعة تفارق صلاة المنفرد في اختصاصها بقنوت آخر في الركعة الاولى من غير فرق في ذلك بين الامام والمأموم. وثالثا: مع التنازل عن كل ذلك فيكفينا في شمول الحكم للمأموم اطلاق قوله (ع) في ذيل صحيحة ابي بصير المتقدمة: (كل قنوت قبل الركوع إلا في الجمعة فان الركعة الاولى القنوت فيها قبل الركوع والاخيرة بعد الركوع (1) فانها شاملة لمطلق صلاة الجمعة من غير تقييد بالامام. إذا فلا شبهة في مشمول الحكم للمأموم أيضا. (بقي شئ): وهو انه لا ينبغي التأمل في ان المراد بالامام الثابت له القنوت في الركعة الاولى بمقتضى النصوص المتقدمة انما هو الامام في صلاة الجمعة لا في صلاة الظهر يوم الجمعة فلا فرق بينه وبين ساير الايام في عدم ثبوت اكثر من قنوت واحد في الركعة الثانية، وذلك لظهور تلك النصوص في ذلك، بل ان صحيحة معاوية المتقدمة كالصريح في الاختصاص لقوله (ع) في الذيل: (وان كان يصلي اربعا ففي الركعة الثانية) الكاشف بمقتضى المقابلة عن ان المراد بالصدر صلاة الجمعة ذات الخطبتين وهذا واضح لا غبار عليه. والمتحصل من جميع ما تقدم ثبوت قنوتين في صلاة الجمعة من غير فرق بين الامام والمأموم، وعدم ثبوت اكثر من قنوت واحد في صلاة الظهر من يوم الجمعة من غير فرق أيضا بين الامام والمأموم والمنفرد.


(1) السوائل: باب 5 من أبواب القنوت ح 12.

[ 401 ]

[ ولا يشترط فيه رفع اليدين (1) ] (1): - فهو بالقياس إليه من قبيل المستحب في المستحب على ما يقتضيه ظاهر كلمات الاصحاب خلافا لما يظهر من جماعة آخرين كالفاضل المقداد وكاشف اللثام، وصاحب الجواهر من الذهاب أو الميل إلى دخله في ماهية القنوت وتقوم مفهومه به وانه بدونه من الدعاء المطلق دون القنوت الموظف. وهذا هو الصحيح ويدلنا عليه - بعد قيام ارتكاز المتشرعة على ان المراد به في الصلاة عمل خاص ذو كيفية مخصوصة فهو اسم لمعنى مصطلح مغاير لمعناه اللغوي من مطلق الدعاء أو الخضوع والخشوع - امور: احدها: ما ورد في غير واحد من النصوص من تخصيص محله بالركعة الثانية قبل الركوع ما عدا صلاة الجمعة والعيدين والآيات ففيها كيفيات اخرى كما تقدم، فلو كان مساوقا لمطلق الدعاء ولم يتقوم برفع اليدين لم يعرف اي وجه لهذا التخصيص ولا معنى لقوله (ع): لا اعرف قنوتا الا قبل الركوع، ضرورة استحباب الدعاء في غير موضع من الصلاة، بل مشروعيته في جميع حالاتها فما هو الموجب لذلك الحصر والتخصيص الذي تنادى به تلك النصوص. ثانيها: النواهي المتعلقة به في غير واحد من النصوص المحمولة على التقية بل التصريح في بعضها بتركه لدى التقية كما تقدم فان من البديهي ان عنوان التقية لا يكاد يتحقق من دون تقوم القنوت برفع اليدين، فان الدعاء المطلق اثناء الصلاة مما لا ينكره العامة

[ 402 ]

سيما بعد عدم التوظيف وجواز الاكتفاء بالتسبيح أو التسمية أو بعض الآيات - كما سيجئ - بل العامة بانفسهم يقرأون بعض الآيات بعد الفراغ من الحمد فكيف تتصور التقية مع هذه الحالة. هذا في الصلوات الجهرية، واما في الاخفاتية فالامر اوضح كما لا يخفى. ثالثها: ما اتفق عليه النص والفتوى من نفي القنوت عن صلاة الميت مع وضوح تقوم هذه الصلاة بالدعاء بل ليست حقيقتها إلا ذلك، وهذا خير دليل على مغايرة القنوت مع الدعاء المطلق، إذ لا يكاد يستقيم النفي المزبور من دون ذلك. رابعها: دلالة بعض النصوص الخاصة عليه. فمنها: موثقة عمار الساباطي قال: قلت لابي عبد الله (ع): اخاف ان اقنت وخلفي مخالفون، فقال: رفعك يديك يجزي، يعني رفعهما كانك تركع (1). ودلالتها من وجهين: احدهما: قوله (ع): (يجزي) فان فيه دلالة واضحة على اعتبار رفع اليدين في اداء وظيفة القنوت غير انه لما لم يتمكن منه لمكان التقية يجتزى عنه برفعهما موهما ارادة التكبير للركوع قاصدا اداء مسمى القنوت. ثانيهما: قول السائل (وخلفي مخالفون) فانه كالصريح في اعتبار رفع اليدين في مفهوم القنوت وانه به قوامه ومن ثم يخاف من المخالفين، وإلا فقد عرفت ان الدعاء المطلق لم يكن موردا للتقية ومنها: موثقة علي بن محمد بن سليمان قال: كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) اسأله عن القنوت، فكتب إذا كانت ضرورة شديدة


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب القنوت ح 2.

[ 403 ]

[ ولا ذكر مخصوص بل يجوز ما يجري على لسانه (1) من الذكر والدعاء والمناجاة وطلب الحاجات. واقله (سبحان الله) خمس مرات، أو ثلاث مرات، أو (بسم الله الرحمن الرحيم) ثلاث مرات، أو (الحمد الله) ثلاث مرات بل يجزي (سبحان الله) أو سائر ما ذكر مرة واحدة، كما يجزي الاقتصار على الصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله ومثل ] فلا ترفع اليدين وقل ثلاث مرات: بسم الله الرحمن الرحيم (1). دلت بمفهومها على لزوم الرفع لدى عدم الضرورة الشديدة الكاشف عن دخله في مفهوم القنوت وإلا لم يكن وجه لاناطة تركه بالضرورة. والمتحصل: ان المستفاد من مجموع الروايات تقوم القنوت برفع اليدين وانه بدونه لم يكن آتيا بالوظيفة الخاصة اعني القنوت المأمور به. نعم لا بأس به بقصد مطلق الدعاء دون التوظيف. (1): لصحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن القنوت وما يقال فيه؟ قال ما قضى الله على لسانك، ولا اعلم فيه شيئا موقا (2) ونحوها غيرها مما هو صريح في عدم التوقيت.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب القنوت ح 3. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب القنوت ح 1.

[ 404 ]

[ قوله (اللهم اغفر لي) ونحو ذلك (1)، والاولى ان يكون جامعا للثناء على الله - تعالى - والصلاة على محمد وآله، وطلب المغفرة له وللمؤمنين والمؤمنات (2). (مسألة 1): يجوز قراءة القرآن في القنوت (3) ] (1): كل ذلك لاطلاق نفي التوقيت (1) المستفاد من مثل الصحيح المتقدم مؤيدا بالنصوص الخاصة. (2): كما جاء ذلك في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) عن القنوت في الوتر هل فيه شئ موقت يتبع ويقال؟ فقال: لا، إثن على الله عزوجل، وصل على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر لذنبك العظيم ثم قال وكل ذنب عظيم (2). (3): إذ بعد فرض عدم التوقيت كما عرفت فالقرآن خير ما يجري


(1) لا يخفى ان القنوت لغة وان كان لمعان عديدة الا ان المتيقن ارادته منه في قنوت الصلاة انما هو الدعاء كما يفصح عنه ما في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق (ع) انه قال القنوت في الوتر الاستغفار وفي الفريضة الدعاء (باب 8 من أبواب القنوت الحديث 1) ومقتضى مادل على نفي التوقيت فيه عدم التوقيت بدعاء خاص فيعم المأثور وغيره لا انه يكتفي بغير ما هو من سنخ الدعاء كالتسبيح ونحوه الا ان ينهض على تجويزه دليل بالخصوص ولم ينهض لضعف تلكم النصوص. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب القنوت ح 2.

[ 405 ]

[ خصوصا الآيات المشتملة على الدعاء (1) كقوله تعالى (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب) ونحو ذلك. (مسألة 2): يجوز قراءة الاشعار المشتملة على الدعاء (2) والمناجاة مثل قوله: إلهي عبدك العاصي أتاكا مقرا بالذنوب وقد دعاكا (مسألة 3): يجوز الدعاء فيه بالفارسية ونحوها من اللغات غير العربية (3)، وان كان لا يتحقق وظيفة القنوت إلا بالعربي وكذا في ساير احوال الصلاة واذكارها، نعم الاذكار المخصوصة لا يجوز اتيانها بغير العربي. ] على اللسان وتشهد به رواية إبن سليمان المتقدمة. (1): فانها قرآن ودعاء وقد تضمنتها جملة من القنوتات المروية عنهم عليهم السلام (1). (2): فانها مصداق للدعاء فيشملها الاطلاق المتقدم. (3): كما صرح به الصدوق في الفقيه ونسب إلى كثير من القدماء بل إلى المشهور بين الاصحاب، بل لم ينسب الخلاف الا إلى سعد بن عبد الله، بل يظهر من المحقق الثاني انحصار المخالف فيه. وقد استدل له في الفقيه بقول أبي جعفر الثاني (ع): لا بأس


(1) مستدرك الوسائل باب 6 و 8 و 16 من ابواب القنوت.

[ 406 ]

ان يتكلم الرجل في صلاة الفريضة بكل شئ يناجي به ربه عزوجل قال (قده) ولو لم يرد هذا الخبر لكنت اجيزه بالخبر الذي روي عن الصادق (ع) انه قال: (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي) والنهي عن الدعاء بالفارسية في الصلاة غير موجود والحمد لله (1). ويشير بالمرسل الاول إلى صحيحة علي بن مهزيار (2)، وقد تبعه المحقق الهمداني (قده) في الاستدلال المزبور. اقول: يقع الكلام تارة في جواز الاتيان بالدعاء أو الذكر بغير العربية في القنوت أو في غيره من ساير حالات الصلاة أو انها تبطل بذلك، واخرى في انه على تقدير الجواز فهل تتأدى وظيفة القنوت بذلك أولا؟ فهنا مقامان: اما المقام الاول: فالظاهر هو الجواز لجملة من النصوص المجوزة للتكلم في الصلاة بكل شئ يناجي به الرب التي منها صحيحة علي بن مهزيار المشار إليها آنفا قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الرجل يتكلم في صلاة الفريضة بكل شئ يناجي به ربه عزوجل، قال: نعم (3)، وصحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد الله (ع) كل ما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلى الله عليه وآله فهو من الصلاة.... الخ (4) وغيرهما. فان اطلاقها سيما بعد عدم تقييد الرجل بالعربي في صحيحة ابن مهزيار يقتضي تجويز المناجاة بجميع اللغات فلا قصور في شمول اطلاقها من حيث اللغة أيضا، ولو لاجل ترك الاستفصال ولا موجب


(1) الفقيه ج 1 ص 208 طبع النجف. (2) و (3) الوسائل: باب 19 من أبواب القنوت ح 1. (4) الوسائل: باب 4 من أبواب التسليم ح 1.

[ 407 ]

لقصر النظر فيها على المضمون كما قيل. ودعوى الانصراف إلى خصوص اللغة العربية غير واضحة فانه بدوي لا يعبؤ به هذا اولا. وثانيا: مع الغض عما ذكر فتكفينا اصالة البراءة عن المانعية بعد عدم ورود النهي عن الدعاء بالفارسية كما سمعته عن الفقيه. واما المقام الثاني: فما يمكن ان يستدل به من النصوص على اداء وظيفة القنوت بغير العربي روايتان: احداهما: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق (ع) انه قال: القنوت في الوتر الاستغفار وفي الفريضة الدعاء (1) بدعوى ان اطلاقها بعد عدم تقييد الدعاء بالعربية يشمل جميع اللغات. ويندفع: بعدم كونه (ع) في مقام البيان من هذه الناحية وانما هو بصدد التفرقة بين قنوتي الوتر والفريضة وانه في الاول الاستغفار، وفي الثاني الدعاء من غير نظر إلى خصوصية اللغة لكي ينعقد الاطلاق من هذه الجهة (وبعبارة اخرى) الصحيحة مسوقة لبيان التفرقة بين الموردين من حيث المعنى والمضمون من غير نظر إلى الالفاظ وخصوصياتها بوجه فلا اطلاق لها بتاتا. ثانيتهما: صحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن القنوت وما يقال فيه؟ قال: ما قضى الله على لسانك، ولا اعلم فيه شيئا موقتا (2) بدعوى ان ما قضى الله على اللسان من غير توقيت فيه يشمل غير العربي أيضا. ويندفع بما عرفت من انها ناظرة إلى عدم التوقيت من ناحية


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب القنوت ح 1. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب القنوت ح 1.

[ 408 ]

[ (مسألة 4): الاولى ان يقرأ الادعية الواردة عن ] المضمون من غير نظر إلى اللغة سيما وان السائل عربي لا يجري على لسانه إلا باللغة العربية نعم لو كان السائل غير عربي، أو كان الجواب هكذا: (ما قضى الله على لسان الرجل) لامكن التعميم وإذ ليس فليس. فالتمسك إذا باطلاق الاخبار لتصحيح القنوت بالفارسية كما عن الصدوق وغيره في غاية الاشكال. نعم: يمكن الاستدلال له باصالة البراءة فانها وان لم تكن جارية في باب المستحبات لا العقلية منها لعدم احتمال العقاب، ولا الشرعية إذ المرفوع - بمقتضى افتراض كون الرفع ظاهريا بالنسبة إلى ما لا يعلمون - إنما هو ايجاب الاحتياط، ولا ريب في حسنة واستحبابه في هذا الباب فلم يكن مرفوعا قطعا إلا اننا اشرنا في الاصول إلى ان هذا البيان انما يتجه بالنسبة إلى المستحبات الاستقلالية، فمع الشك في استحباب شئ لا مجال لنفيه باصالة البراءة. واما التكاليف الضمنية بان شك في تقييد المستحب بقيد كالعربية في المقام فالاحتياط فيه وان كان حسنا أيضا كما عرفت فلا يجرى الاصل لرفعه، إلا ان تقيد هذا المستحب بذاك القيد بحيث لا يمكن الاتيان بفاقد القيد بداعي الامر الراجع إلى الوجوب الشرطي كلفة زائدة، وبما انها مشكوك فيها فيمكن رفعها باصالة البراءة فتحصل: ان مقتضى الاصل جواز اداء وظيفة القنوت بالفارسية وان كانت النصوص قاصرة عن اثبات ذلك.

[ 409 ]

[ الائمة صلوات الله عليهم (1) والافضل كلمات الفرج (2) وهي (لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله الا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم، والحمد الله رب العالمين). ويجوز أن يزيد بعد قوله وما بينهن (وما فوقهن وما تحتهن) كما يجوز ان يزيد بعد قوله: (العرش العظيم) (وسلام على المرسلين) (3) والاحسن أن يقول بعد كلمات الفرج: (اللهم اغفر لنا وارحمنا، ] (1): تأسيا بهم عليهم السلام. (2): على المشهور لكن النصوص حتى الضعيفة منها خالية عن التعرض لكلمات الفرج بعنوانها في باب القنوت كما اعترف به غير واحد، وان ورد ذلك في باب تلقين المحتضر. نعم: ورد الامر بذوات هذه الكلمات في روايتين ضعيفتين: احداهما مرسلة ابي بصير (1) والاخرى الفقه الرضوي (2) وكيفما كان فلا ريب في رجحان هذه الكلمات اما للامر بها بالخصوص، أو لانها من ابرز مصاديق الذكر والثناء. (3): هذه الزبادة لم ترد في شئ من نصوص الباب حتى الروايتين الضعيفتين المتقدمتين. نعم وردت في مرسلة الفقيه الواردة


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب القنوت ح 4. (2) مستدرك الوسائل: باب 6 من أبواب القنوت ح 4.

[ 410 ]

[ وعافنا. واعف عنا، انك على كل شئ قدير). (مسألة 5): الاولى ختم القنوت بالصلاة على محمد وآله، بل الابتداء بها أيضا، أو الابتداء في طلب المغفرة أو قضاء الحوائج بها، فقد روى ان الله سبحانه وتعالى يستجيب الدعاء للنبي صلى الله عليه وآله بالصلاة وبعيد من رحمته ان يستجيب الاول والآخر ولا يستجيب الوسط، فينبغي ان يكون طلب المغفرة والحاجات بين الدعاءين للصلاة على النبي صلى الله عليه وآله. (مسألة 6): من القنوت الجامع الموجب لقضاء الحوائج - على ما ذكره بعض العلماء - ان يقول: سبحان من دانت له السموات والارض بالعبودية، سبحان من تفرد بالوحدانية، اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم، اللهم اغفر لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات، واقض حوائجي وحوائجهم بحق حبيبك محمد وآله الطاهرين صلى الله عليه وآله اجمعين. ] في باب الاحتضار (1) كما نقلها عنه في الحدائق وفي جامع الاحاديث، وان خلت عنها فيما حكاه عنه في الوسائل باب 38 من الاحتضار حديث 2، ولعله سهو من قلمه الشريف.


(1) الفقيه ج 1 ص 77 نجف.

[ 411 ]

ووردت أيضا في الفقه الرضوي في الباب نفسه لكن ضعفهما يمنع عن التعويل عليهما في موردهما فضلا عن التعدي إلى المقام. على ان الكافي روى مرسلة الصدوق بطريق صحيح عن الحلبي خاليا عن تلك الزيادة، كما انه روى أيضا صحيحة لزرارة من دون تلك الزيادة (1). إذا فالنصوص قاصرة عن اثبات هذه الزيادة، بل يظهر المنع عنها من رواية المروزي عن أبي الحسن الثالث (ع) (لا تقل في صلاة الجمعة في القنوت وسلام على المرسلين) (2)، وان لم تكن نقية السند. فنبقى نحن ومتقضى القواعد، فقد يقال ان مقتضاها الجواز لاصالة عدم المانعية بعد عدم احتمال كونها من التسليم المحلل، لان ما ورد من ان (تحليلها التسليم) ناظر إلى اثبات المحللية للتسليم في الجملة، ولا اطلاق له من حيث الكيفية ليشمل المقام. ولكن الظاهر عدم الجواز ما لم يقصد بها القرآن لكونها من كلام الآدمي الممنوع ارتكابه اثناء الصلاة، فان ما استثني مما ورد من ان (من تكلم في صلاته متعمدا فعليه الاعادة) عناوين ثلاثة: القرآن، والدعاء، والذكر وشئ منها غير منطبق على تلك الزيادة فتكون - طبعا - من كلام الآدمي الموجب للبطلان والخروج من الصلاة سواء أشمله قوله (تحليلها السلام) ام لا. ومن البين ان مجرد ورود لفظ (السلام) في الذكر الحكيم


(1) الكافي: ج 3 من الفروع ص 124 و 122. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب القنوت ح 6.

[ 412 ]

[ (مسألة 7): يجوز في القنوت الدعاء الملحون (1) مادة أو اعرابا إذا لم يكن لحنه فاحشا ولا مغيرا للمعنى (2) لكن الاحوط الترك. ] لا يسوغه إذ لا يدرجه في عنوانه ما لم يقصد به القرآنية، وإلا لساغ ان نقول بدل (السلام على المرسلين) (وسلام على المؤمنين أو على الحسين أو شهداء بدر وحنين أو السلام عليه) أو السلام علي وكل ذلك كما ترى لا يظن ان يلتزم به الفقيه، ولولا قيام الدليل على جواز بل استحباب التسليم على النبي صلى الله عليه وآله لقلنا بعدم جوازه أيضا لما عرفت. فتحصل: ان تجويز تلك الزيادة ما لم يقصد بها القرآنية محل اشكال بل منع. (1): لما تقدم من جواز الدعاء بالفارسية، بل عرفت ان مقتضى الاصل اداء وظيفة القنوت أيضا بذلك، فان ملاك البحث المتقدم يجري في المقام بمناط واحد فلاحظ. (2): فلو كان مغيرا بحيث استوجب سلب اسم الدعاء عنه عرفا لا يجوز لعدم كون المدار في صدق اسم الدعاء على مجرد قصد المتكلم كما توهم بل مشروطا باقترانه بالمبرز على النهج المتعارف،

[ 413 ]

[ (مسألة 8): يجوز في القنوت الدعاء على العدو (1) بغير ظلم (2)، وتسميته كما يجوز الدعاء لشخص خاص مع ذكر اسمه (3). (مسألة 9): لا يجوز الدعاء لطلب الحرام (4). ] ألا ترى ان من تصدى للتحية فاتى بالفاظ من لغة بزعم انها مصداق للتحية فبان انها سب ولعن لا يصدق عرفا انه حيى فلانا وان كان من قصده ذلك، ولا فرق بين الدعاء والتحية من هذه الجهة كما لا يخفى. (1): لاطلاقات الدعاء بعد عدم التوقيت فيها كما تقدم مضافا إلى دلالة بعض النصوص عليه كصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: تدعوا في الوتر على العدو وان شئت سميتهم وتستغفر (1). (2): ففي صحيح هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ان العبد ليكون مظلوما فلا (فما) يزال يدعو حتى يكون ظالما. (3): لما عرفت من الاطلاق. (4): كشرب الخمر أو قتل المؤمن، والكلام تارة في حرمته تكليفا، واخرى وضعا، أي بطلان الصلاة بذلك.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب القنوت ح 1. (2) الوسائل: باب 53 من أبواب الدعاء ح 1.

[ 414 ]

[ مسألة 10): يستحب إطالة القنوت خصوصا في صلاة الوتر، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله اطولكم قنوتا في دار الدنيا أطولكم راحة يوم القيامة في الموقف، وفي بعض الروايات قال صلى الله عليه وآله: أطولكم قنوتا في الوتر في دار. ] اما الاول: فيستدل على الحرمة بدعوى الاجماع بل التسالم عليها بحيث تعد من المسلمات، ويعضدها ان طلب ما يبغضه المولى تجاسر عليه، وهتك لحرمته، وخروج عن مقتضى العبودية فهو نوع من التجري ويحرم بناءا على حرمته. ونظيره في الموالي العرفية طلب العبد من سيده طلاق زوجته الكريمة عنده أو التمكين من قتل ولده ونحوهما مما يقطع بعدم رضاه به، فان مثل هذا العبد لا شك انه يعد هاتكا لحرمة المولى ومتجاسرا عليه بل مطرودا لديه. واما الثاني: فسيأتي البحث عنه في مبطلية الكلام ان شاء الله تعالى. وملخصه ان المبطل هو خصوص كلام الآدميين أو انه مطلق الكلام الا ما خرج وهو القرآن والذكر والدعاء. فعلى الاول: لا بطلان في مفروض المسألة فان ما تلفظ به كلام مع الله فهو بالاخرة دعاء وان كان محرما وليس من كلام الآدمي في شئ وعلى الثاني: يبطل لانصراف المستثنى إلى الدعاء المأمور به فغيره باق تحت اطلاق المستثنى منه سواء أصدق عليه كلام الآدمي ام لا. والفرق بين المسلكين انه على الاول لا بد في البطلان من صدق كلام الآدمي دون الثاني وتمام الكلام في محله ان شاء الله تعالى.

[ 415 ]

[ الدنيا (الخ)، ويظهر من بعض الاخبار ان إطالة الدعاء في الصلاة أفضل من إطالة القراءة. (مسألة 11): يستحب التكبير قبل القنوت، ورفع اليدين حال التكبير، ووضعهما ثم رفعهما حيال الوجه وبسطهما جاعلا باطنهما نحو السماء وظاهرهما نحو الارض، وان يكونا منضمتين مضمومتي الاصابع الا الابهامين، وان يكون نظره إلى كفيه، ويكره ان يجاوز بهما الرأس، وكذا يكره ان يمر بهما على وجهه وصدره عند الوضع، (مسألة 12): يستحب الجهر بالقنوت سواء كانت الصلاة جهرية أو اخفاتية، وسواء كان إماما أو منفردا بل أو مأموما إذا لم يسمع الامام صوته. (مسألة 13): إذا نذر القنوت في كل صلاة أو صلاة خاصة وجب (1)، لكن لا تبطل الصلاة بتركه (2) سهوا بل ولا بتركه عمدا ايضا على الاقوى. ] (1): لانعقاد نذره بمقتضى اطلاق دليل الوفاء به بعد رجحان متعلقه واستحبابه ومنه تعرف ثبوت الكفارة أيضا على تقدير الحنث وهذا واضح. (2): أما مع الترك سهوا فلا ينبغي الشك في الصحة لوضوح عدم اقتضاء النذر المزبور تقييدا في المأمور به وتخصيصه بحصة

[ 416 ]

[ (مسألة 14): لو نسى القنوت فان تذكر قبل الوصول إلى حد الركوع قام واتى به، وان تذكر بعد الدخول في الركوع قضاه بعد الرفع منه، وكذا لو تذكر بعد الهوي للسجود قبل وضع الجبهة، وان كان الاحوط ترك العود إليه وان تذكر بعد الدخول في السجود أو بعد الصلاة قضاه بعد الصلاة وان طالت المدة، والاولى الاتيان به إذا كان بعد الصلاة جالسا مستقبلا، وان تركه عمدا في محله أو بعد الركوع فلا قضاء. (مسألة 15): الاقوى اشتراط القيام في القنوت مع التمكن منه الا إذا كانت الصلاة من جلوس أو كانت ] خاصة ولا تضييقا لملاك امره، بل غايته وجوب شئ فيه من قبيل الواجب في الواجب. والمفروض سقوط الوجوب لاجل النسيان فأي موجب للبطلان بعد الاتيان بالمأمور به على وجهه من غير اي خلل فيه ولا في عباديته ومنه تعرف عدم ثبوت الكفارة ايضا. وأما مع الترك عمدا فلا شبهة في تعلق الكفارة. واما الصحة فيجرى فيها الكلام المتقدم في نذر الموالاة. وملخصه ان النذر المزبور بعد ان لم يكن موجبا للنهي عن الفاقد للقيد المنذور إذ الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده فلا مانع حينئذ من تصحيحه بالخطاب الترتبي، فيؤمر اولا بالصلاة مع القنوت، وعلى تقدير العصيان فبالصلاة الخالية عنه.

[ 417 ]

[ نافلة حيث يجوز الجلوس في اثنائها كما يجوز في ابتدائها اختيارا. (مسألة 16): - صلاة المرأة كالرجل في الواجبات والمستحبات إلا في امور قد مر كثير منها في تضاعيف ما قدمنا من المسائل وجملتها: انه يستحب لها الزينة حال الصلاة بالحلي والخضاب، والاخفات في الاقوال، والجمع بين قدميها حال القيام، وضم ثدييها إلى صدرها بيديها حاله أيضا، ووضع يديها على فخذيها حال الركوع، وان لا ترد ركبتيها حاله إلى وراء، وان تبدأ بالقعود للسجود، وان تجلس معتدلة ثم تسجد، وان تجمع وتضم اعضاءها حال السجود، وان تلتصق بالارض بلا تجاف وتفترش ذراعيها، وان تنسل انسلالا إذا ارادت القيام اي تنهض بتأن وتدريج عدلا لئلا تبدو عجيزتها، وان تجلس على اليتيها إذا جلست رافعة ركبتيها ضامة لهما. (مسألة 17): - صلاة الصبي كالرجل، والصبية كالمرأة. (مسألة 18): قد مر في المسائل المتقدمة متفرقة حكم النظر، واليدين حال الصلاة، ولا بأس باعادته جملة، ]

[ 418 ]

[ فشغل النظر حال القيام ان يكون على موضع السجود، وحال الركوع بين القدمين، وحال السجود إلى طرف الانف، وحال الجلوس إلى حجره وأما اليدان فيرسلهما حال القيام ويضعهما على الفخدين، وحال الركوع على الركبتين مفرجة الاصابع، وحال السجود على الارض مبسوطتين مستقبلا بأصابعهما منضمة حذاء الاذنين، وحال الجلوس على الفخذين، وحال القنوت تلقاء وجهه. ]

[ 419 ]

[ (فصل في التعقيب) وهو الاشتغال عقيب الصلاة بالدعاء، أو الذكر، أو التلاوة، أو غيرها من الافعال الحسنة: مثل التفكر في عظمة الله، ونحوه، ومثل البكاء لخشية الله، أو للرغبة إليه، وغير ذلك. وهو من السنن الاكيدة، ومنافعه في الدين والدنيا كثيرة، وفي رواية: (من عقب في صلاته فهو في صلاته) وفي خبر: (التعقيب ابلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد) والظاهر استحبابه بعد النوافل ايضا، وان كان بعد الفرائض آكد. ويعتبر ان يكون متصلا بالفراغ منها غير مشتغل بفعل آخر ينافي صدقه الذي يختلف بحسب المقامات من السفر والحضر، والاضطرار والاختيار. ففي السفر يمكن صدقه حال الركوب. أو المشي أيضا كحال الاضطرار، والمدار على بقاء الصدق والهيئة في نظر المتشرعة، والقدر المتقين في الحضر الجلوس مشتغلا بما ذكر من الدعاء ونحوه، والظاهر عدم صدقه على الجلوس بلا دعاء أو الدعاء بلا جلوس الا في مثل ]

[ 420 ]

[ ما مر، والاولى فيه الاستقبال والطهارة والكون في المصلى ولا يعتبر فيه كون الاذكار والدعاء بالعربية، وان كان هو الافضل، كما ان الافضل الاذكار والادعية المأثورة المذكورة في كتب العلماء، ونذكر جملة منها تيمنا. احدها: ان يكبر ثلاثا بعد التسليم رافعا يديه على هيئة غيره من التكبيرات. الثاني: تسبيح الزهراء - صلوات الله عليها - وهو افضلها على ما ذكره جملة من العلماء ففي الخبر: (ما عبد الله بشئ من التحميد افضل من تسبيح فاطمة ولو كان شئ افضل منه لنحله رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة) وفي رواية (تسبيح فاطمة الزهراء الذكر الكثير الذي قال الله تعالى: اذكروا الله ذكرا كثيرا) وفي اخرى عن الصادق (ع): (تسبيح فاطمة كل يوم في دبر كل صلاة احب الي من صلاة الف ركعة في كل يوم) والظاهر استحبابه في غير التعقيب أيضا، بل في نفسه، نعم هو مؤكد فيه. وعند ارادة النوم لدفع الرؤيا السيئة، كما ان الظاهر عدم اختصاصه بالفرائض بل هو مستحب عقيب كل صلاة، وكيفيته: (الله اكبر) اربع وثلاثون مرة، ثم (الحمد لله) ]

[ 421 ]

[ ثلاث وثلاثون، ثم (سبحان الله) كذلك، فمجموعها مائه، ويجوز تقديم التسبيح على التحميد وان كان الاولى الاول. (مسألة 19): يستحب ان يكون السبحة بطين قبر الحسين - صلوات الله عليه - وفي الخبر انها تسبح إذا كانت بيد الرجل من غير ان يسبح ويكتب له ذلك التسبيح وان كان غافلا. (مسألة 20): إذا شك في عدد التكبيرات أو التسبيحات أو التحميدات بنى على الاقل ان لم يتجاوز المحل، والا بنى على الاتيان به، وان زاد على الاعداد بنى عليها ورفع اليد عن الزائد. الثالث: لا إله إلا الله وحده وحده انجز وعده، ونصر عبده، واعز جنده، وغلب الاحزاب وحده فله الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير. الرابع: اللهم اهدني من عندك، وافض علي من فضلك وانشر علي من رحمتك، وانزل علي من بركاتك. الخامس: سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله اكبر مائة مرة، أو اربعين، أو ثلاثين. السادس: اللهم صل على محمد وآل محمد وأجرني من النار ]

[ 422 ]

[ وارزقني الجنة وزوجني من الحور العين. السابع: اعوذ بوجهك الكريم وعزتك التي لا ترام وقدرتك التي لا يمتنع منها شئ من شر الدنيا والآخرة ومن شر الاوجاع كلها، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. الثامن: قراءة الحمد، وآية الكرسي، وآية شهد الله انه لا إله... الخ، وآية الملك. التاسع: اللهم اني اسألك من كل خير احاط به علمك واعوذ بك من كل شر أحاط به علمك اللهم اني اسألك عافيتك في اموري كلها، واعوذ بك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. العاشر: اعيذ نفسي وما رزقني ربي بالله الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد، واعيذ نفسي وما رزقني ربي برب الفلق من شر ما خلق - إلى آخر السورة - واعيذ نفسي وما رزقني ربي برب الناس ملك الناس - إلى آخر السورة. الحادي عشر: ان يقرأ قل هو الله احد اثني عشر مرة ثم يبسط يديه ويرفعهما إلى السماء ويقول: (اللهم اني اسألك باسمك المكنون المخزون الطهر الطاهر المبارك، ]

[ 423 ]

[ واسألك باسمك العظيم وسلطانك القديم ان تصلي على محمد وآل محمد، يا واهب العطايا يا مطلق الاسارى يافكاك الرقاب من النار اسألك ان تصلي على محمد وآل محمد، وان تعتق رقبتي من النار وتخرجني من الدنيا آمنا وتدخلني الجنة سالما وان تجعل دعائي اوله فلاحا واوسطه نجاحا وآخره صلاحا إنك انت علام الغيوب. الثاني عشر: الشهادتان والاقرار بالائمة. الثالث عشر: قبل ان يثني رجليه يقول ثلاث مرات: استغفر الله الذي لا إله الا هو الحي القيوم ذو الجلال والاكرام واتوب إليه. الرابع عشر: دعاء الحفظ من النسيان، وهو: سبحان من لا يعتدي على اهل مملكته، سبحان من لا يأخذ اهل الارض بالوان العذاب، سبحان الرؤوف الرحيم، اللهم اجعل لي في قلبي نورا وبصرا وفهما وعلما انك على كل شئ قدير. (مسألة 21): يستحب في صلاة الصبح ان يجلس بعدها في مصلاة إلى طلوع الشمس مشتغلا بذكر الله. (مسألة 22): الدعاء بعد الفريضة افضل من الصلاة ]

[ 424 ]

[ تنفلا، وكذا الدعاء بعد الفريضة افضل من الدعاء بعد النافلة. (مسألة 23): يستحب سجود الشكر بعد كل صلاة فريضة كانت أو نافلة وقد مر كيفيته سابقا. ]

[ 425 ]

[ فصل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله يستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله حيث ما ذكر، أو ذكر عنده (1)، ولو كان في الصلاة وفي اثناء القراءة، ] (1): على المشهور بل عن غير واحد كالمحقق في المعتبر، والعلامة في المنتهى دعوى الاجماع عليه خلافا للمحكي عن جماعة من القول بالوجوب. فقد نسبه شيخنا البهائي في مفتاح الفلاح - بعد اختياره - إلى ابن بابويه، والفاضل المقداد في كنز العرفان كما اختاره صريحا في الحدائق (1) مصرا عليه ونسبه إلى المحدث الكاشانى في الوافي والمحقق المدقق المازندراني في شرحه على اصول الكافي، والمحدث الشيخ عبد الله بن صالح البحراني وهو الظاهر من عنوان صاحب الوسائل. وكيفما كان: فالمتبع هو الدليل بعد ان كان منشأ الخلاف اختلاف الانظار في مفاد الاخبار فلابد من استعراض النصوص لانكشاف الحال وهي على طوائف. الطائفة الاولى: ما دل وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله مطلقا كرواية الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) قال: والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله واجبة في كل موطن.


(1) ج 8 ص 463.

[ 426 ]

ورواية الاعمش في كتاب الخصال عن جعفر بن محمد قال: والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله واجبة في كل المواطن (1)، وقبل ذلك كله الكتاب العزيز قال تعالى: (ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). والجواب اما عن الآية الشريفة فلان اقصى مفادها وجوب الصلاة عليه ولو في العمر مرة واحدة ولا دلالة لها على الوجوب كلما ذكر كما هو المدعى. واما الروايات فمضافا إلى ضعف اسنادها كما لا يخفى ظاهره في وجوب الصلاة عليه في كل موطن وان لم يذكره ذاكر وهذا مما لم يقل احد بوجوبه. الطائفة الثانية: الروايات الآمرة باكثار الصلاة عليه صلى الله عليه وآله كرواية عبد الله بن الحسن بن علي عن ابيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قال صلى الله على محمد وآله قال الله جل جلاله صلى الله عليك فليكثر من ذلك (2). ورواية ابي بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: إذا ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) فاكثروا الصلاة عليه، فانه من صلى على النبي صلى الله عليه وآله صلاة واحدة صلى الله عليه الف صلاة في الف صف من الملائكة، ولم يبق شئ مما خلقه الله الا صلى على العبد لصلاة الله وملائكته فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد برئ


(1) الوسائل: باب 42 من ابواب الذكر ح 8 و 12. (2) الوسائل: باب 42 من ابواب الذكر ح 6.

[ 427 ]

الله منه ورسوله واهل بيته (1). ويردها: مضافا إلى ضعف السند ان مفادها وجوب الاكثار ولا قائل به على ان متن الثانية مشعر بالاستحباب كما لا يخفى. ومن العجيب ان صاحب الحدائق مع تفطنه لذلك استدل بها على الوجوب، وحمل الاكثار على الاستحباب ويندفع بعدم تضمنها حكمين: الامر بالصلاة وباكثارها ليحمل احدهما على الوجوب والآخر على الاستحباب، بل تضمنت حكما واحدا وهو الاكثار فاما ان يراد به الوجوب أو الاستحباب، وحيث لا سبيل إلى الاول فلا جرم يراد به الثاني. الطائفة الثالثة: ما دل على رفع الصوت بالصلواة عليه صلى الله عليه وآله كصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ارفعوا اصواتكم بالصلاة علي فانها تذهب بالنفاق (2). وفيه: مضافا إلى انه لا قائل بوجوب رفع الصوت ان التعليل خير شاهد على الاستحباب. الطائفة الرابعة: - وهي العمدة - النصوص الآمرة بالصلاة عليه عند ذكره صلى الله عليه وآله. فمنها: مرسلة عبيد الله بن عبد الله عن رجل عن ابي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (في حديث) ومن ذكرت عنده فلم يصل علي فلم يغفر الله له وابعده الله (3).


(1) و (2) الوسائل: باب 34 من ابواب الذكر ح 4 و 2. (2) الوسائل: باب 42 من ابواب الذكر ح 3.

[ 428 ]

وهى وان كانت تامة الدلالة بل قد يظهر منها ان ترك الصلاة عليه صلى الله عليه وآله من المحرمات العظيمة الا انها كالروايتين الآتيتين ضعيفة السند بالارسال. منها: مرسلة المفيد في المقنعة عن ابي جعفر الباقر (ع) (في حديث) ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال لي جبرئيل من ذكرت عنده فلم يصل عليك فابعده الله قلت آمين... الخ (1). ومنها: مرسلة ابن فهد في عدة الداعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجفى الناس رجل ذكرت بين يديه فلم يصل علي (2). وهذه مضافا إلى ضعف السند قاصرة الدلالة ايضا، إذ التعبير بالجفاء يلائم الاستحباب كما لا يخفى. ومنها: ما رواه الكليني باسناده عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من ذكرت عنده فنسي ان يصلي علي خطأ الله به طريق الجنة (3). وهذه الرواية وان كانت معتبرة لكن الاخذ بظاهرها متعذر لاستقلال العقل بقبح مجازاة الناسي بابعاده عن الجنة مضافا إلى حديث رفع النسيان الدال على سقوط التكاليف الالزامية عنه باسرها وحملها على خلاف ظاهرها بارادة الترك المطلق من النسيان تصرف في الدلالة من غير قرينة تقتضيه، فلابد إذا من رد علمها إلى اهله. ونحوها رواية انس بن محمد عن ابيه عن جعفر بن محمد عن


(1) و (2) الوسائل: باب 42 من ابواب الذكر ح 13 و 18. (3) الوسائل: باب 42 من أبواب الذكر ح 1.

[ 429 ]

آبائه في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي (ع) قال: يا علي من نسي الصلاة علي فقد اخطأ طريق الجنة (1): ومنها: ما رواه الصدوق في معاني الاخبار باسناده عن عبد الله ابن علي بن الحسن عن ابيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله البخيل حقا من ذكرت عنده فلم يصل علي (2). وفيه: مضافا إلى ضعف السند ان التعليل بالبخل مشعر بالاستحباب فهذه النصوص كلها ساقطة. والعمدة من هذه الطائفة انما هي صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) - في حديث قال: وصل على النبي صلى الله عليه وآله كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في اذان أو غيره (3). فانها: ظاهرة الدلالة على الوجوب، وما ذكره صاحب الذخيرة من عدم دلالة الاوامر في اخبارنا على الوجوب ما لم تنضم إليها قرينة تدل عليه فضعفه غني عن البيان هذا. والظاهر: انحصار الرواية الصحيحة في المقام بهذه الصحيحة التي رواها كل من الكليني والصدوق بطريق معتبر فما يظهر من صاحب الحدائق (4) من عدم الانحصار (تارة) ومن رواية المشايخ الثلاثة لها (اخرى) غير واضح لعدم رواية الشيخ لهذه الصحيحة كما نبه عليه المعلق. وكيفما كان: فهي بالرغم من قوة السند وظهور الدلالة لم يكن


(1) و (2) الوسائل: باب 42 من أبواب الذكر ح 4 و 9. (3) الوسائل: باب 42 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (4) ج 8 ص 462.

[ 430 ]

[ بل الاحوط عدم تركها لفتوى جماعة من العلماء بوجوبها (1) ولا فرق بين ان يكون ذكره باسمه العلمي كمحمد واحمد أو بالكنية واللقب (2) كأبي القاسم، والمصطفى والرسول ] بد من رفع اليد عنها وحملها على الاستحباب لقرائن تستوجب ذلك وعمدتها ما تكررت الاشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من ان المسألة كثيرة الدوران ومحل لابتلاء عامة الناس، ولعله في كل يوم عدة مرات، فلو كان الوجوب ثابتا مع هذه الحالة لاصبح واضحا جليا بل يعرفه حتى النساء والصبيان فكيف خفي على جل الفقهاء بحيث لم يذهب إلى الوجوب الا نفر يسير ممن عرفت، بل لم ينسب إلى القدماء ما عدا الصدوق كما سمعت. على ان السيرة العملية بين المسلمين قد استقرت على عدم الالتزام بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله عند ذكره في القرآن والادعية، والزيارات والروايات، والاذان والاقامة وما شاكلها. ولم ترد ولا رواية واحدة تدل على ان بلالا كان يصلي عليه صلى الله عليه وآله عند ذكره أو ان المسلمين كانوا يصلون عليه لدى سماع اذانه أو عند ذكره في حياته. ومن جميع ما ذكرناه تعرف ان ما ذكره في الحدائق من ان الوجوب في المقام من الواضحات التي لا تعتريها غشاوة الاوهام وان المنكر مكابر صرف مما لا اساس له. (1): كما عرفت. (2): كما صرح به شيخنا البهائي في مفتاح الفلاح، والمحدث الكاشاني في خلاصة الاذكار نظرا إلى اطلاق النص بعد صدق الذكر

[ 431 ]

[ والنبي، أو بالضمير، وفى الخبر الصحيح: وصل على النبي كلما ذكرته، أو ذكره ذاكر عندك في الاذان أو غيره، وفي رواية: من ذكرت عنده ونسي ان يصلي علي خطأ الله به طريق الجنة (1). (مسألة 1): إذا ذكر اسمه صلى الله عليه وآله مكررا يستحب تكرارها، وعلى القول بالوجوب يجب (2). نعم ذكر ] على الجميع حتى الضمير هذا. وقد فصل صاحب الحدائق (1) في الالقاب والكنى - بعد الجزم بالوجوب في الاسم العلمي - بين ما كان من الالفاظ المعروفة المشهورة التي جرت في الاطلاقات والمحاورات مثل الرسول، النبي، أبو القاسم وبين غيرها مثل خير الخلق، خير البرية، المختار، فألحق الاولى بالاسم العلمي كما ألحق الضمائر بالثاني. (ولكنه) غير واضح. فان العبرة بمقتضى اطلاق النص بصدق الذكر من غير فرق بين انحائه ومصاديقه، ولا ينبغي الريب في صدق الذكر على الجميع عرفا بمناط واحد حسبما عرفت. فالظاهر ان الحكم وجوبا أو استحبابا يشمل الكل ولا وجه للتفصيل الزبور. (1): كما مرت الاشارة اليهما. (2): ينبغي ان يكون موضوع هذه المسألة ما إذا ذكر


(1) ج 8 ص 464.

[ 432 ]

[ بعض القائلين بالوجوب يكفى مرة الا إذا ذكر بعدها فيجب اعادتها، وبعضهم على انه يجب في كل مجلس مرة. (مسألة 2): إذا كان في اثناء التشهد فسمع اسمه لا يكتفي (1) بالصلاة تجب للتشهد. نعم ذكره في ضمن ] اسمه صلى الله عليه وآله ثانيا قبل الصلاة عليه، اما بعدها فلا شبهة في التكرار لحصول موجب جديد، ولا وجه للاكتفاء بما سبق. فمحل الكلام ما إذا لم تتخلل الصلاة بين الذكرين فهل يجب التكرار - حينئذ - أو يستحب على الخلاف المتقدم استنادا إلى اصالة عدم التداخل؟ الظاهر العدم لانسباق العموم الزماني من قوله (ع): (كلما ذكرته) في الصحيحة المتقدمة التي هي عمدة المستند في المسألة لا الافرادي اي في كل زمان عرفي ذكر اسمه يصلى عليه لا انه يصلى لكل فرد من افراد الذكر. إذا فموضوع الصلاة انما هو طبيعي الذكر لا افراده، ومقتضاه الاجتزاء بصلاة واحدة فلاحظ. (1): بل يكتفي فان التداخل في المسببات وان كان على خلاف الاصل، فلا يجوز الاكتفاء بغسل واحد عن الجنابة وعن مس الميت ما لم يقم عليه دليل بالخصوص، الا انا ذكرنا في محله ان النسبة بينها إذا كانت عموما من وجه اما في الموضوع كالامر باكرام العالم تارة وباكرام الهاشمي اخرى، أو في المتعلق كالامر بصلاة الغفيلة وبنافلة المغرب - ومنه المقام - جاز الاكتفاء بمجمع العنوانين اخذا باطلاق كل من الدليلين وتمام الكلام في محله.

[ 433 ]

[ قوله (1) اللهم صل على محمد وآل محمد لا يوجب تكرارها والالزام التسلسل (2). (مسألة 3): الاحوط عدم الفصل الطويل بين ذكره والصلاة عليه (3) بناءا على الوجوب، وكذا بناءا على الاستحباب في ادراك فضلها وامتثال الامر الندبي، فلو ذكره أو سمعه في اثناء القراءة في الصلاة لا يؤخر إلى آخرها إلا إذا كان في اواخرها. (مسألة 4): لا يعتبر كيفية خاصة في الصلاة (4) بل يكفي في الصلاة عليه كل ما يدل عليها مثل (صلى الله عليه) ] (1): اي قول المصلي نفسه فلا تشمل العبارة الصلاة الصادرة من غيره. (2): ومن ثم كان اطلاق الدليل منصرفا عنه، واما ما يصدر من غيره فلا ينبغي التأمل في كونه مشمولا للاطلاق. (3): بل الاظهر ذلك لانسباق الفورية العرفية من كلمة (ما) الزمانية الواردة في قوله (ع) في الصحيح المتقدم (كلما ذكرته... الخ) ضرورة عدم صدق الصلاة في زمان ذكره أو عنده ذكره مع الفصل الطويل، فلو ذكر اسمه نهارا وصلى عليه ليلا لا يقال انه صلى عليه عند ذكره وهذا واضح. (4): للاطلاق.

[ 434 ]

[ و (اللهم صل عليه)، والاولى (1) ضم الآل إليه. (مسألة 5): إذا كتب اسمه صلى الله عليه وآله يستحب ان يكتب الصلاة عليه (2) (مسألة 6): إذا تذكره بقلبه فالاولى ان يصلي عليه لاحتمال شمول قوله (ع): كلما ذكرته. الخ، لكن الظاهر ارادة الذكر اللساني دون القلبي. (مسألة 7): يستحب عند ذكر ساير الانبياء والائمة ايضا ذلك. نعم إذا اراد ان يصلي على الانبياء اولا يصلي على النبي وآله صلى الله عليه وآله ثم عليهم، الا في ذكر ابراهيم (ع) ففي الخبر عن معاوية بن عمار قال: ذكرت عند أبي عبد الله الصادق (ع) بعض الانبياء فصليت عليه فقال (ع): إذا ذكر احد من الانبياء فابدأ بالصلاة على محمد وآله ثم عليه. ] (1): - بل هو المتعين كما تقدم مستوفى في مبحث التشهد. (2): لا تعرض لخصوص ذلك في النصوص ولكن يمكن استفادته منها والحاق الذكر الكتبي باللفظي. اما بالتوسعة في الذكر الوارد في الصحيح بشموله للذكر القلبي الحاصل - طبعا - حين الكتابة أو بتنقيح المناط القطعي وتعميمه حيث انه الاحترام والتوقير والتبجيل والتجليل المشترك بين الموردين.

[ 435 ]

[ (فصل: في مبطلات الصلاة) وهي امور: (احدها): فقد بعض الشرائط في اثناء الصلاة كالستر، واباحة المكان واللباس ونحو ذلك مما مر في المسائل المتقدمة (1). (الثاني): الحدث الاكبر أو الاصغر، فانه مبطل اينما وقع فيها ولو قبل الآخر بحرف من غير فرق بين ان يكون عمدا (2) ] (1): - لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه وقد مر البحث عنها مشبعا في محالها (2): اجماعا كما صرح به غير واحد، بل في المدارك اجماع العلماء عليه كافة، بل عن شرح المفاتيح احتمال عده من ضروريات الدين أو المذهب، ولم ينسب الخلاف الا إلى الصدوق في خصوص ما لو صدر الحدث بعد السجدة الثانية من الركعة الاخيرة وستعرف الحال فيه وكيفما كان: فيستدل للبطلان بعد الاجماع المزبور بامور: (احدها): ان اشتراط الصلاة بالطهارة مما لا غبار عليه كما تقدم في محله، والمشروط ينتفي بانتفاء شرطه. وفيه: ان الشرطية وان كانت مسلمة لكن المتيقن منها الاشتراط

[ 436 ]

في طابع خاص وهو ذوات الاجزاء دون الاكوان المتخللة سيما بعدما عرفت فيما سبق من عدم كونها من الصلاة فلا يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة. ودعوى: ان المستفاد مما دل على ان تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ان مجموع الصلاة عمل وحداني ذو هيئة اتصالية فالحدث الواقع اثناءها قاطع للهيئة ومبطل لهذا العمل الواحد المتصل، فلا مناص من الاعادة. يدفعها: مضافا إلى ضعف اسناد تلك الاخبار كما تقدم في محله انه لا يستفاد منها اكثر من كون الصلاة عملا واحدا مركبا من سلسلة اجزاء معينة، واما تأليفها حتى من الاكوان المتخللة بحيث يكون وقوع الحدث فيها مخلا بها فهو اول الكلام والنصوص المزبورة لا تدل عليه بوجه. (ثانيها): ان المحدث اثناء الصلاة ان تصدى لتحصيل الطهارة بطلت صلاته من اجل الفعل الكثير الماحي للصورة، وإلا خلت بقية الاجزاء عن الطهارة المعتبرة فيها. فلا مناص من البطلان. ويندفع: بعدم الاطراد لجواز حضور الماء لديه والاقتصار على اقل الواجب في اقرب وقت ممكن من دون صدور اي فعل ماح للصورة، ولو كانت وظيفتة التيمم فالامر اوضح، فالدليل إذا اخص من المدعى. (ثالثها): وهو العمدة الروايات الكثيرة الدالة على بطلان الصلاة بالحدث الواردة في الابواب المختلفة والموارد المتفرقة كالمبطون والمسلوس وغيرهما مما لا يخفى على من لاحظها. غير ان بأزائها

[ 437 ]

روايتين دلتا على عدم البطلان. احداهما: صحيحة الفضيل بن يسار قال: قلت لابي جعفر (ع) اكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا، فقال: انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا وان تكلمت ناسيا فلا شئ عليك، فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا، قلت وان قلب وجهه عن القبلة؟ قال: نعم وان قلب وجهه عن القبلة. ثانيتهما: رواية ابي سعيد القماط قال: سمعت رجلا يسأل ابا عبد الله (ع) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو اذى أو عصرا من البول وهو في الصلاة المكتوبة في الركعة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فقال: إذا اصاب شيئا من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بالكلام، قال: قلت وان التفت يمينا أو شمالا أو ولى عن القبلة؟ قال: نعم كل ذلك واسع انما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة، فانما عليه ان يبني على صلاته ثم ذكر سهو النبي صلى الله عليه وآله (1). لكن الثانية ضعيفة السند فان موسى بن عمر بن يزيد لم يوثق عند القوم على ان الظاهر ان المراد ب‍ (ابن سنان) هو محمد بقرينة الراوي والمروي عنه فلا يعبؤ بها. واما الاولى: فمضافا إلى لزوم حملها على التقية لمخالفتها للاجماع بل


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب قواطع الصلاة ح 9 و 11.

[ 438 ]

[ أو سهوا (1) ] الضرورة حسبما سمعت معارضة في موردها بصحيحة علي بن جعفر عن اخيه قال: وسألته عن رجل وجد ريحا في بطنه فوضع يده على انفه وخرج من المسجد حتى اخرج الريح من بطنه ثم عاد إلى المسجد فصلى فلم يتوضا هل يجزيه ذلك؟ قال: لا يجزيه حتى يتوضا ولا يعتد بشئ مما صلى (1) والمرجع بعد التساقط اطلاقات مبطلية الحدث في الاثناء كما عرفت. اضف إلى ذلك ان الروايتين في انفسهما غير صالحتين للاستدلال لتضمنهما عدم البطلان حتى مع استدبار القبلة. وهذا لا قاتل به، بل مخالف لضرورة الفقه، على ان الثانية دلت على جواز سهو النبي صلى الله عليه وآله وهو ايضا كما ترى. فتحصل: ان البطلان في صورة العمد مما لا ينبغي التردد فيه. (1): لاطلاق الاخبار ومعاقد الاجماع، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه صريحا. نعم نسب إلى بعضهم - كما حكاه في الشرائع - عدم البطلان لو احدث سهوا، ولكن الظاهر على ما اشار إليه المحقق الهمداني (قده) ان مرادهم بالحدث السهوي في المقام ما يقابل العمد اي الخارج اضطرار أو بلا اختيار فيختص بمن سبقه الحدث - لا السهو عن كونه في الصلاة مع اختيارية الحدث الذى هو محل الكلام وذلك مضافا إلى ظهور عبايرهم في ذلك انه لم ترد الصحة مع السهو حتى في رواية ضعيفة ليتوهم منها ذلك فلاحظ.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب قواطع الصلاة ح 8.

[ 439 ]

[ أو اضطرارا (1) ] (1): على المشهور والمعروف بين الاصحاب، بل ادعى عليه الاجماع، غير ان جماعة ذهبوا إلى عدم البطلان استناد إلى صحيحة الفضيل، ورواية القماط المتقدمتين بدعوى ان قول السائل فاجد عمزا في بطني أو اذى أو ضربانا كناية عن خروج الريح من غير الاختيار من باب ذكر السبب وارادة المسبب. وفيه: ان هذه الدعوى غير بينة ولا مبينة وعهدتها على مدعيها ولا قرينة على رفع اليد عن ظاهرهما من كون السؤال عمن يجد في بطنه غمزا أو اذى وانه هل يجوز له في هذه الحالة تحصيل الراحة باخراج الريح اختيارا. أو انه يجب عليه الصبر والمقاومة إلى ان يفرغ من الصلاة؟ فالسؤال عن حكم ما قبل الخروج لا ما بعده. والذى يكشف عما ذكرناه ورود مثل هذا التعبير في صحيحة على بن جعفر المتقدمة وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الرحل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع ان يصبر عليه ايصلى على تلك الحال أو لا يصلي؟ فقال: إن احتمل الصبر ولم يخف اعجالا عن الصلاة فليصل وليصبر (1). فان لسان الكل يفرغ عن شئ واحد وهو السؤال عن حكم الاخراج الاختياري لدى عروض شئ من هذه العوارض. وكيفما كان: فيدل على المشهور مضافا إلى اطلاقات الادلة موثقة عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: سأل عن الرجل يكون في صلاته


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب قواطع الصلاة ح 1.

[ 440 ]

فيخرج منه حب القرع كيف يصنع؟ قال: ان كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينتقض وضوؤه، وان خرج متلطخا بالعذرة فعليه ان يعيد الوضوء، وان كان في صلاته فقطع الصلاة واعاد الوضؤء والصلاة (1) فان من الواضح ان الخروج المفروض فيها غير اختياري ومع ذلك حكم (ع) بالاعادة لدى التلطخ بالعذرة. فتحصل: ان الاظهر ما عليه المشهور من بطلان الصلاة بالحدث من غير فرق العمد والسهو والاضطرار. بقى الكلام في امرين: احدهما: انه نسب إلى المفيد في المقنعة التفصيل في قاطعية الحدث بين المتيمم الذي يسبقه الحدث اثناء الصلاة ويجد الماء وبين غيره - سواء اكان متيمما ولم يجد الماء ام متوضئا - فاوجب البناء في الاولى والاستيناف في الثاني. وقد اختاره الشيخ في النهاية والمبسوط كابن ابي عقيل وقواه في المعتبر. والمستند في البناء المزبور صحيحة زرارة المروية بطرق عديدة كلها معتبرة انه سأل ابا جعفر (ع) عن رجل دخل في الصلاة وهو متيمم فصلى ركعة ثم احدث فاصاب ماءا، قال: يخرج ويتوضأ ثم يبنى على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم (2). وقد حملها الشيخ على حصول الحدث نسيانا بعد ان خص الحكم بموردها وهو التيمم، وانه بذلك يرتكب التقييد في اطلاقات قاطعة الحدث ويفرق بين المتيمم والمتوضي.


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب نواقض الوضوء ح 5. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب قواطع الصلاة ح 10.

[ 441 ]

وذكر المحقق في المعتبر في توجيه هذا الفرق بان التيمم مبيح لا رافع. إذا فالحدث اثناء الصلاة، لا اثر له، إذا لا حدث بعد الحدث بل غايته ارتفاع الاستباحة بقاءا بوجدان الماء في مفروض المسألة، فإذا جدد الوضوء وبنى فقد تمت صلاته مقدار منها بالتيمم السابق ومقدار بالوضوء اللاحق. وهذا بخلاف المتوضى فانه بعد ارتفاع الحدث بالوضوء وحصول الطهارة فالحدث العارض في الاثناء رافع لها وقاطع للصلاة فلا مناص من الاستيناف. ويندفع: بابتناء الفرق على القول بالاستباحة وهو خلاف التحقيق بل الصواب ان التيمم ايضا رافع كالوضوء فان التراب طهور كالماء على ما يقتضيه قوله (ع): التراب احد الطهورين، غيره من النصوص التى منها نفس هذه الصحيحة حيث ذكر في صدرها: (... لمكان أنه دخلها وهو على طهر بتيمم... الخ) (1). على ان مقتضى هذه المقالة ان المتيمم المزبور لو احدث اثناء الصلاة بما يوجب الغسل، أو بما يوجب الوضوء ولكنه لم يجد الماء انه يغتسل في الاول ويتيمم في الثاني ويبني على صلاته وهو كما ترى لا يظن ان يلتزم به فقيه حتى نفس هذا القائل. فالصواب: حينئذ ان يقال ان مورد الصحيحة وإن كان هو التيمم إلا انه يمنعنا عن تخصيص الحكم به امران: (احدهما): ان الطهارة الحاصلة في مورده - وهو بدل عن الوضوء - لو لم تكن اضعف من الحاصلة في مورد الوضوء فلا ريب


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب التيمم ح 4.

[ 442 ]

انها لم تكن اقوى منها ضرورة ان البدل لا يكون اعظم شانا واقوى تأثيرا من المبدل منه. وعليه فكيف يمكن الحكم بانتقاض الصلاة بالحدث الصادر من المتوضي دون المتيمم فان هذا بعيد في نفسه بل غريب. (ثانيهما): ان التعبير بالطهر في صدر الحديث - كما عرفت - كاشف عن ان العبرة بمطلق الطهارة من دون خصوصية للتيمم. إذا فالمستفاد من الصحيحة تعميم الحكم لمطلق الطهور حتى الوضوء، وهذا شئ لا يمكن تصديقه لكونه على خلاف النصوص السابقة الناطقة بناقضية الحدث للطهارة وقاطعيته للصلاة. فلابد إذا من حمل الصحيحة على التقية أو رد علمها إلى اهله، إذ لا سبيل للعمل بها بوجه. (الامر الثاني): تقدم ان الصدوق نسب إليه القول بعدم ناقضية الحدث إذا كان بعد السجدة الثانية من الركعة الاخيرة ولعل الظاهر منه شمول الحكم لصورة العمد ايضا واختاره المجلسي. ويستدل له بجملة من النصوص. كصحيحة زرارة عن ابى جعفر (ع) في الرجل يحدث بعد ان يرفع راسه في السجدة الاخيرة وقبل ان يتشهد، قال: ينصرف فيتوضأ فان شاء رجع إلى المسجد، وان شاء ففي بيته وان شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته. وموثقة عبيد بن زرارة قال: قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الاخير فقال: تمت صلاته،

[ 443 ]

واما التشهد سنة في الصلاة فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد. وموثقته الاخرى عن ابي عبد الله (ع) قال سألته عن رجل صلى الفريضة فلما فرغ ورفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة احدث، فقال: اما صلاته فقد مضت وبقي التشهد وانما التشهد سنة في الصلاة فليتوضأ وليعد إلى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد (1). ويندفع: بعدم كون النظر في هذه النصوص إلى عدم قاطعية الحدث الواقع اثناء الصلاة في خصوص هذا المورد - أي بعد السجدة الاخيرة من الركعة الاخيرة - كي تكون تخصيصا في دليل القاطعية بل الظاهر منها وقوع الحدث حينئذ خارج الصلاة لكون التشهد سنة كما زعمه جماعة من العامة كأبي حنيفة وغيره من النافين لجزئية التشهد، بل انكر بعضهم حتى جزئية التشهد الاول. وعليه فتكون هذه النصوص معارضة بالنصوص الكثيرة الناطقة بالجزئية حسبما تقدم في محله. فلا جرم تكون محمولة على التقية. ويرشدك إلى ذلك كثرة سؤال الرواة عن حكم هذه المسالة مع عدم الابتلاء بها الا نادرا لشذوذ صدور الحدث بعد السجدة الاخيرة من الركعة الاخيرة. فيعلم من ذلك ان ثمة خصوصية دعتهم إلى الاكثار من هذا السؤال وليست الا ما عرفت من ذهاب العامة إلى الجواز والا فلماذا لم يسأل عن حكم الحدث في الركعة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو بعد الركوع، أو ما بين السجدتين مع وحدة المناط في الكل.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب التشهد ح 1 و 2 و 4.

[ 444 ]

ومع الاغماض وتسليم كون النصوص ناظرة إلى التخصيص في دليل القاطعية فهي بأسرها معارضة بمعتبرة الحسن بن الجهم قال سألته يعنى ابا الحسن (ع) عن رجل صلى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة، قال: ان كان قال: اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يعد، وان لم يتشهد قبل ان يحدث فليعد (1). فان السند لا غمز فيه الا من ناحية عباد بن سليمان وهو من رجال كامل الزيارات. وما عن المحقق الهمداني (قده) من الجمع بينهما بحمل الامر بالاعادة على الاستحباب كما ترى لما تقدم غير مرة من ان الامر المزبور ارشاد إلى الفساد واستحبابه مما لا محصل له، فلا مناص من الاذعان باستقرار المعارضة والمرجع بعد التساقط اطلاق القاطعية. هذا كله في الحدث الواقع بعد السجدتين قبل الشهادتين. واما الواقع بعد الشهادة قبل التسليم فمقتضى النصوص المتقدمة حتى المعتبرة، وكذا صحيحة اخرى لزرارة (2) وان كان هو الصحة ايضا الا ان ذلك من اجل وقوع الحدث خارج الصلاة كما يكشف عنه ما اشتملت عليه من التعبير بالتمامية وانه مضت صلاته ولكنها معارضة بالنصوص الكثيرة الدالة على جزئية التسليم - وقد تقدمت في محلها - فلا بد إذا من حمل هذه النصوص على التقية أو التصرف فيها بارادة وقوع الحدث بعد التشهد وما يلحق به من التسليم.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب قواطع الصلاة ح 6. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب التسليم ح 2.

[ 445 ]

[ عدا ما مر في حكم المسلوس، والمبطون، والمستحاضة. نعم لو نسي السلام ثم احدث فالاقوى عدم البطلان (1) وان كان الاحواط الاعادة أيضا. (الثالث): التكفير (2) بمعنى وضع احدى اليدين على الاخرى على النحو الذي يصنعه غيرنا ] (1): كما تقدم البحث عنه مستوفى وبنطاق واسع في مباحث التسليم فراجع ولا نعيد. (2): غير خفى ان عملية التكفير لم تكن معهودة في عصر النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وان نطقت به جملة من النصوص المروية من غير طرقنا فانها باجمعها مفتعلة وعارية عن الصحة ضرورة انه لو كان لشاع وبان وكان يعرفه حتى الصبيان، واصبح من الواضحات المتواترة كساير افعال الصلاة، وكيف يخفى مثل هذا الامر الظاهر البارز الذى استمر صلى الله عليه وآله عليه طيلة تلك الفترة الطويلة والسنين العديدة وما هو معنى السؤال عن حكمة من الائمة عليهم السلام، واى موقع للجواب عنه كما في صحيحة ابن جعفر الآتية - بانه عمل وليس في الصلاة عمل مع قرب العهد، واى وجه للخلاف بين العامة في كيفية وضع اليدين وانه فوق السرة أو تحتها، إذا فلا ينبغي التردد في كونه من البدع المستحدثة بعد عصره صلى الله عليه وآله. اما في زمن الخليفة الاول كما قيل به أو الثاني ولعله الاظهر كما جاء في الاثر من انه لما جئ باسارى الفرس إلى عمر وشاهدهم على تلك

[ 446 ]

الهيئة فاستفسر عن العلة اجيب بانهم هكذا يصنعون اما ملوكهم تعظيما واجلالا فاستحسنه وامر بصنعة في الصلاة لانه تعالى اولى بالتعظيم وكيفما كان: فيقع الكلام تارة في حكم التكفير تكليفا ووضعا، واخرى في موضوعه فهنا مقامان. اما المقام الاول: فالتكفير الواقع في الصلاة - ويسمى التكتف أيضا - يتصور على انحاء: احدها: ان يقصد به الجزئية للصلاة ولا شبهة في حرمته وفى مبطليته. اما الاول فللتشريع. واما الثاني فلكونه من الزيادة العمدية القادحة. وهذا واضح من غير حاجة إلى ورود دليل بالخصوص. ثانيها: ان يؤتى به لا بقصد الجزئية للصلاة بل بعنوان العبودية والخضوع والخشوع المأمور بها حال الصلاة كما هو الدارج عند العامة ولا ريب في حرمته ايضا لمكان التشريع. واما البطلان فمقتضى القاعدة عدمه بعد وضوح ان الحرمة المزبورة لا تستوجبه - ما لم يرجع التشريع إلى التقييد في مقام الامتثال - فانه عمل خارج عن الصلاة كالنظر إلى الاجنبية اثناءها. نعم: قد يستدل له بقوله (ع) في صحيحة محمد بن مسلم الآتية (ذلك التكفير لا تفعل) بدعوى ظهور النهي في باب المركبات الارتباطية في الارشاد إلى المانعية. وفيه: ان الامر وان كان كذلك ولكنه خاص بما إذا لم يكن الفعل المنهي عنه محرما في نفسه كالصلاة فيما لا يؤكل لحمه دون مثل المقام مما هو في نفسه حرام لمكان التشريع فان الارشاد إلى الفساد حينئذ غير واضح كما لا يخفى.

[ 447 ]

على انه مع التسليم فهي معارضة بقوله (ع) في صحيحة علي ابن جعفر: (فان فعل فلا يعود) الصريح في عدم الفساد. ثالثها: ان يؤتى به لا بقصد الجزئية، ولا بعنوان الخضوع والعبودية، فهل هو ايضا محرم ومبطل؟ اختار الماتن (قده) عدمهما، ولكن ظاهر المشهور القائلين بهما، بل الاجماع المدعى عليهما تعميم الحكم لهذه الصورة أيضا فالتكفير بنفسه محرم ذاتا ومن موانع الصلاة كالتكلم والقهقهة ونحوهما، وليست المانعية تشريعية. ويشهد لهذا التعميم استثناؤهم صورة التقية. فان من البين جدا عدم انسحابها في موارد الحرمة التشريعية فانها متقومة بالقصد ولا معنى للتقية فيه ضرورة ان المتكتف لاجل التقية لا يقصد التشريع بتكتفه بل دفع ضرر المخالفين عن نفسه، فلو لم يكن العمل في حد ذاته محرما ومبطلا كان الاستثناء حينئذ منقطعا كما نبه عليه المحقق الهمداني (قده) وانما يتجه الاستثناء المتصل فيما إذا كان العمل في نفسه كذلك كبقية المنافيات من القهقهة ونحوها. وقد فهم المحقق ايضا هذا المعنى حيث اختار الكراهة تبعا لابي الصلاح مستدلا عليها باستلزام التكتف ترك المستحب وهو وضع اليدين على الفخذين فان في هذا الاستدلال دلالة واضحة على انه يرى ان المكروه إنما هو ذات العمل مطلقا فانه الموجب للترك المزبور المستتبع للكراهة العرضية لا خصوص ما قصد به العبودية بل ان هذا حرام لمكان التشريع كما عرفت. فكيف يقول بالكراهة وكيفما كان: فقد عرفت ان المشهور هو الحرمة والبطلان بل عن السيد المرتضى دعوى الاجماع على ذلك.

[ 448 ]

ويستدل لهم بوجوه: احدها دعوى الاجماع. وفيه مع انها موهونة لذهاب جماعة إلى الخلاف كالمحقق في المعتبر وابي الصلاح وغيرهما انه على تقدير تسليمه لم يكن اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم بعد احتمال استنادا المجمعين إلى الوجوه الآتية، بل ان هذا هو الظاهر منهم لتعويل اكثرهم عليها. ثانيها: قاعدة الاحتياط. ويدفعها مضاف إلى ان مقتضى الاطلاق في دليل القراءة عدم التقييد بالتجرد عن التكتف ان المرجع انما هي اصالة البراءة بناءا على ما هو الصواب من لزوم الرجوع إليها في الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين دون الاشتغال. ثالثها: ان ذلك هو مقتضى توقيفية العبادات. ويندفع: بان مقتضى التوقيفية عدم جواز الاتيان بشئ بقصد العبودية ما لم يسوغه دليل شرعي والا كان تشريعا محرما وهو حق لا نضائق عنه. واما من دون هذا القصد كما هو مورد الفرض فلا يتوقف جوازه على نهوض دليل عليه بالخصوص إذ لا ارتباط له بتوقيفية العبادة فانها سالبة بانتفاء الموضوع. رابعها: انه من الفعل الكثير المبطل للصلاة. ولكنه كما ترى، بل في غاية الضعف ضرورة ان المبطل منه ما كان ماحيا للصورة، ولا محو جزما، إذ اي فرق بين وضع احدى اليدين على الاخرى وبين وضعهما على الفخذين، أو الظهر أو الرأس ونحوها مما لا يحتمل فيه البطلان، بل الاول منها مستحب ولا يكون الماحي للصورة مستحبا بالضرورة. خامسها: وهي العمدة الروايات واليك عرضها.

[ 449 ]

احداها: صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: قلت له الرجل يضع يده في الصلاة وحكى اليمنى على اليسرى فقال: ذلك التكفير لا تفعل. الثانية: صحيح زرارة عن ابي جعفر (ع): (.. ولا تكفر فانما يصنع ذلك المجوس) ونحوها مرسلة حريز. الثالثه: صحيحة علي بن جعفر قال: قال اخي قال علي بن الحسين (ع): وضع الرجل احدى يديه على الاخرى في الصلاة عمل وليس في الصلاة عمل. الرابعة: صحيحته الاخرى (سألته عن الرجل يكون في صلاته أيضع احدى يديه على الاخرى بكفه أو ذراعه قال: لا يصلح ذلك فان فعل فلا يعود له). الخامسة: ما رواه الصدوق في الخصال باسناده عن علي (ع) (في حديث الاربعماءة) قال: لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي الله عزوجل يتشبه باهل الكفر يعنى المجوس (1). ولكن شيئا منها لا يصلح للاستدلال. اما الاوليان: وما بمضونهما فلان المنهى عنه فيها انما هو عنوان التكفير المشروب في مفهومه الحضوع والخشوع والعبودية على نحو ما يصنعه العامة ولا ريب في حرمته لكونه من التشريع المحرم كما تقدم واما ذات العمل منعزلا عن هذا العنوان الذى هو محل الكلام فلا دلالة فيها على حرمته بوجه. واما الثالثة: فالممنوع فيها وان كان هو نفس العمل وذات


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب قواطع الصلاة ح 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 7.

[ 450 ]

التكتف لا بعنوان التكفير الا ان الاخذ بظاهرها متعذر لعدم احتمال البطلان بكل عمل واقع اثناء الصلاة على سبيل الضابطة الكلية وان لم يكن ماحيا للصورة حسبما يقتضيه الجمود على ظاهر الصحيحة كحك الرأس: أو وضع اليد على الظهر وما شاكلهما مما هو مثل التكتف في عدم كونه ماحيا فان ذلك مقطوع البطلان. فلا مناص من حملها اما على ان المراد من العمل العمل الصلاتي اي المأتي به بعنوان كونه من افعال الصلاة واجزائها تشريعا وبدعة فيكون حاصل المعنى ان التكتف بدعة ولا بدعة في الصلاة. أو على ان المراد ان التكتف عمل خارجي شاغل للقلب مانع عن الاقبال والتوجه، ولا ينبغي الاتيان في الصلاة بعمل غير افعالها. فيكون النهي حينئذ محمولا على الكراهة كما اشير إليه في بعض النصوص. وعلى اي حال فلا تصلح للاستدلال بها لمحل الكلام. واما الرابعة: فهي على خلاف المطلوب ادل للاقتصار على النهى عن العود من امر بالاعادة الكاشف عن صحه العبادة وعدم فسادها بالتكتف. واما الخامسة: فالسند وان كان نقيا بالرغم من اشتماله على القاسم بن يحيى والحسن بن راشد ولم يوثقا صريحا لوجودهما في اسناد كامل الزيارات، الا ان الدلالة قاصرة لان مقتضى المماثلة المعتبرة في التشبية ان المنهى عنه انما هو التكتف الذي يصنعه المجوس وهو المأتي به بقصد التأدب والخضوع فلا تدل على حرمته بما هو وفي حد نفسه الذي هو محل الكلام. والمتحصل: من جميع ما تقدم ان التكتف في حد ذاته لا دليل على

[ 451 ]

[ بمعنى وضع احدى اليدين على الاخرى على النحو الذي يصنعه غيرنا (1) ] حرمته ولا مبطليته. نعم هو مكروه كما ذهب إليه المحقق لكن كراهة عرضية مجازية باعتبار استلزامه ترك المستحب وهو وضع اليدين على الفخذين. واما التكتف بقصد العبودية والخضوع فهو وان كان محرما تشريعا الا انه لا يستوجب البطلان. فما في الرياض من عدم بطلان الصلاة بالتكتف مطلقا هو الصواب وان كان الاحتياط حذرا عن مخالفة المشهور، بل الاجماع المنقول مما لا ينبغى تركه. (1): واما المقام الثاني اعني تفسير موضوع التكفير فهل هو وضع احدى اليدين على الاخرى، أو خصوص اليمنى على اليسرى بوضع الكف على الكف أو على الذراع أو العضد بلا حائل أو معه فوق السرة أو تحتها؟ فيه خلاف. ولا يخفى انه على المختار من كراهته العرضية وحرمته التشريعية لا يفرق حينئذ بين انحاء الوضع الاشتراك الكل في ترك المستحب، اعني الوضع على الفخذين كاشتراكها في التعبد بما لا امر به اللذين كانا هما المناط في الكراهة والحرمة المزبورتين حسبما تقدم. واما على القول بحرمته الذاتية فالمتبع في تعيين الحد هو الدليل ومقتضى صحيحة ابن مسلم وان كان هو خصوص وضع اليمنى على اليسرى كما اختاره العلامة، كما ان مقتضى صحيحة ابن جعفر هو التخصيص بوضع الكف أو الذراع الا ان مقتضى صحيحته الاخرى تعميمه

[ 452 ]

[ إن كان عمدا لغير ضرورة فلا بأس به سهوا (1)، ] لمطلق وضع اليد وحيث لا تنافي بينهما فلا موجب لارتكاب التقييد ونتيجته تعميم الحكم لمطلق ما صدق عليه وضع احدى اليدين على الاخرى كيفما اتفق. نعم: يظهر من رواية الخصال المتقدمة تخصيصه بما عد تشبها بعمل المجوس فلا يكفي الوضع من دونه كما لو الصق اصابع احدى يديه بالاخرى. (1): قال في الجواهر: (لا اجد فيه خلافا بل ظاهر ارساله ارسال المسلمات من جماعة من الاصحاب كونه من القطعيات) ثم نقل في آخر عبارته كلاما عن الرياض يظهر منه ان المسألة غير قطعية وكيفما كان فقد استشكل هو (قده) في المسالة - لو لم يكن اجماع - بعدم الوقوف على ما يوجب خروج صورة السهو بعد الاطلاق في دليل المانعية خصوصا على القول بان العبادات اسامي للصحيح الموجب لاجمالها وعدم صحة التمسك باطلاقاتها. ودعوى: اختصاص دليل المانع بصورة العمد لمكان الاشتمال على النهي المتعذر توجيهه إلى الساهي. يدفعها: ما هو المقرر في محله من ظهور النواهي كالاوامر في باب المركبات في الغيرية والارشاد إلى المانعية أو الجزئية أو الشرطية الشاملة للعامد والساهي بمناط واحد. اقول: ما افاده (قده) وجيه لو كان القائل بالاختصاص يرى


(1) الجواهر ج 11 ص 23.

[ 453 ]

[ وان كان الاحوط الاعادة معه أيضا (1) وكذا لا بأس به مع الضرورة (2)، بل لو تركه حالها اشكلت الصحة وان كانت اقوى (3)، والاحوط عدم وضع احدى اليدين ] قصورا في المقتضي للتعميم وليس كذلك بل هو من اجل وجود المانع وهو حديث لا تعاد الحاكم على الادلة الاولية والموجب لتخصيصها في غير الخمسة المستثناة بصورة العمد بناءا على ما هو الصواب من شموله للموانع والشرائط كالاجزاء. وعلى الجملة: فالقول بالاختصاص ليس لاجل الاجماع ليستشكل بان المسألة غير قطعية ولا لقصور المقتضي ليناقش بما ذكر، بل لحديث لا تعاد حسبما عرفت فما في المتن هو المتعين. (1): ولعله حذرا عن الشبهة المزبورة (2): بلا خلاف فيه ولا اشكال لعموم ادلة التقية (3): فان احتمال البطلان في المقام يبتني اما على دعوى ان العمل المخالف للتقية منهي عنه، أو على انه غير مامور به على الاقل فتفسد العبادة لفقد الامر وشئ منهما لا يتم. اما الدعوى الثانية: فلو ضوح عدم اقتضاء اوامر التقية تقييدا في موضوع الاوامر الاولية فالصلاة مع التكفير وان وجبت بالعنوان الثانوي الا ان مصلحة الصلاة بعنوانها الاولي باقية على حالها من غير تصرف في موضوعها. إذا فالاتيان بها بلا تكفير موافق لامرها فتصح بطبيعة الحال سيما وان المنسوب إلى العامة انهم لا يرون جزئية التكفير ولا شرطيته وإنما هو مستحب ظرفه الصلاة فان الامر حينئذ اوضح.

[ 454 ]

[ على الاخرى بأي وجه كان (1)، في أي حالة من حالات الصلاة وإن لم يكن متعارفا بينهم لكن بشرط ان يكون بعنوان الخضوع والتأدب، واما إذا كان لغرض آخر كالحك ونحوه فلا بأس به مطلقا (2) حتى على الوضع المتعارف. (الرابع): تعمد الالتفات (3) بتمام البدن إلى الخلف ] واما الدعوى الاولى: فتندفع اولا بان الثابت بحسب الادلة انما هو وجوب التقية لا حرمة مخالفتها. إذا فالعمل المخالف لم يتعلق به نهي الا بناءا على اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده وهو في حيز المنع. وثانيا: مع التسليم فليس الحرام الا ما هو مصداق لمخالفة التقية ومبرز للتشيع وهو ترك التكفير حال الصلاة لا نفس الصلاة الفاقدة للتكفير، فلم يتعلق النهي بذات العبادة بل بما هو خارج عنها. ومعه لا مقتضي لفسادها. (1): كما علم مما سبق. (2): قد عرفت الحال فيه فلاحظ. (3): قاطعية الالتفات في الجملة مما لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه. وانما الكلام في حده وانه هل يعتبر فيه ان يكون بتمام البدن أو يكفي الالتفات بالوجه، وهل يلزم ان يكون إلى الخلف أو يكفي اليمين أو الشمال بل ما بينهما؟؟ فقد اختلفت كلمات الاصحاب في المقام. فمنهم من عبر بالالتفات بكله، وآخر إلى

[ 455 ]

[ أو إلى اليمين، أو اليسار، بل وإلى ما بينهما على وجه يخرج عن الاستقبال وإن لم يصل إلى حدهما، وان لم يكن الالتفات حال القراءة أو الذكر، بل الاقوى ذلك في الالتفات بالوجه إلى الخلف مع فرض امكانه ولو بميل البدن على وجه لا يخرج عن الاستقبال واما الالتفات بالوجه يمينا ويسارا مع بقاء البدن مستقبلا. ] الوراء كالمحقق في الشرايع، وثالث بحيث يرى من خلفه إلى غير ذلك. وحيث ان المتبع هو الدليل فلابد إذا من استعراض النصوص الواردة في المقام. (فمنها): صحيحة زرارة انه سمع ابا جعفر (ع) يقول: الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله (1). وهذه الصحيحة هي مدرك من خص الالتفات بتمام البدن، لكنه مبني على عود الضمير في (بكله) إلى المصلي أو البدن ونحو ذلك ولم يسبق ذكر منه ليرجع إليه: على ان المتعارف فيمن صرف تمام بدنه عن القبلة التعبير عنه بالانحراف دون الالتفات الذي هو ظاهر في صرف بعض البدن وهو الوجه كما لا يخفى. إذا فمرجع الضمير هو الالتفات نفسه السابق ذكره، ويكون حاصل المعنى ان القاطع للصلاة هو الالتفات بصرف الوجه إذا كان بكل الالتفات المعبر عنه في كلمات القوم بالالتفات الفاحش كما يفصح


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب قواطع الصلاة ح 3.

[ 456 ]

عنه ما ورد في صحيحتين من تخصيص المبطل بذلك، اي بالالتفات الفاحش. ففي صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) (في حديث) قال: قال (إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فاعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا، وان كنت قد تشهدت فلا تعد). وفى حديث الاربعماءة المروي في الخصال قال: الالتفات الفاحش يقطع الصلاة... الخ. (1) إذا فيكون مفاد هذه النصوص تخصيص المبطل بالالتفات الفاحش وقد عرفت تفسير الالتفات بصرف الوجه فقط دون البدن ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يلتفت في صلاته قال: لا، ولا ينقض اصابعه (2) وهى: وان دلت على المنع عن مطلق الالتفات ولكنه يقيد بالفاحش جمعا بينه وبين ما سبق. ومنها: ما رواه الشيخ باسناده عن عبد الملك قال: سالت أبا عبد الله (ع) عن الالتفات في الصلاة ايقطع الصلاة؟ فقال: لا وما احب ان يفعل (3): وهي: وان دلت على الجواز عن كراهة لكنها محمولة على الالتفات غير الفاحش بقرينة ما سبق. والمتحصل: من هذه النصوص بطلان الصلاة بصرف الوجه يمنة أو يسرة شريطة كونه فاحشا، وعدم البأس بغير الفاحش منه وان


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب قواطع الصلاة ح 2 و 7. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب القواطع ح 1. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب القواطع ح 5.

[ 457 ]

كان مكروها. بقى الكلام في روايتين: استدل بهما من خص البطلان بالالتفات إلى الخلف كالمحقق في الشرايع. احداهما ما رواه في السرائر عن جامع البزنطي صاحب الرضا (ع) قال: سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كان فريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى ولا يعتد به وان كانت نافلة لا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود (1) (ولكنها) مضافا إلى ضعف السند لجهالة طريق ابن ادريس إلى كتاب الجامع كما مر غير مرة قاصرة الدلالة لما عرفته في تفسير الالتفات من انه لغة وعرفا عبارة عن صرف الوجه مع بقاء البدن مستقبلا، وحيث ان هذا الصرف متعذر إلى الخلف في الانسان وان امكن في بعض الحيوانات اللهم إلا بصرف البدن ايضا فيكون انحرافا لا التفاتا. فلا جرم يراد به الالتفات الفاحش بحيث يرى من خلفه فيتحد مفادها مع النصوص المتقدمة. هذا والظاهر: ان مراد المحقق ايضا من الالتفات إلى الوراء هو ذلك اي صرف الوجه على نحو يرى ما خلفه المساوق للالتفات الفاحش لا الاستدبار بمقاديم البدن فانه - كما عرفت - انحراف لا التفات وهو عربي عارف باللغة فكيف يخفى عليه مثل ذلك. (ثانيتهما): صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظن ان ثوبه قد انخرق أو اصابه شئ هل يصلح له ان ينظر فيه أو يمسه قال إن كان في


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب القواطع ح 8.

[ 458 ]

مقدم ثوبه أو اجانبه فلا باس، وان كان في مؤخره فلا يلتفت فانه لا يصلح (1)، بدعوى ان النظر إلى الخرق الكائن في مؤخر الثواب لا يكون إلا بالالتفات إلى الخلف. وتندفع: بمنع الملازمة لجواز تحويل المؤخر إلى الامام والنظر فيه بل لعل العادة جارية على ذلك فان الغالب لدى ارادة النظر إدارة المؤخر إلى القدام لا صرف الوجه إلى الوراء على وجه يخرج عن حالة الاستقبال. نعم: بما ان هذه العملية اثناء الصلاة تستلزم نوعا من انشغال القلب وانصراف الذهن عن التوجه المرغوب فيه فلا جرم يكون النهي محمولا على الكراهة، ويرشدك إلى ذلك عطف المس على النظر فان من الضروري عدم استلزام المس للالتفات اصلا. وهذا خير دليل على ان النهى عنهما من باب واحد وهو ما عرفت من انشغال الذهن عن العبادة المحمول على الكراهة. والمتحصل: من جميع ما قدمناه ان الالتفات بالوجه إلى الخلف غير ممكن، وإلى اليمين أو اليسار مع كونه فاحشا بحيث يرى من خلفه مبطل لمنافاته مع تولي الوجه نحو المسجد الحرام المأمور به في قوله تعالى: (فولوا وجوهكم شطره) مضافا إلى النصوص المتقدمة. ولا بأس بغير الفاحش منه وان كان مكروها لصحيحة عبد الملك إلا إذا اوجب الخروج عن الاستقبال بوجهه فانه أيضا مبطل لما عرفت. واما الالتفات بتمام البدن المعبر عنه بالانحراف عن القبلة فلا شبهة في اقتضائه البطلان ولا اقل من احل فقد شرط الاستقبال المعتبر


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب القواطع ح 4.

[ 459 ]

[ فالاقوى كراهته مع عدم كونه فاحشا (1) وان كان الاحوط اجتنابه أيضا خصوصا إذا كان طويلا وسيما إذا كان مقارنا لبعض افعال الصلاة خوصا الاركان سيما تكبيرة الاحرام واما إذا كان فاحشا ففيه اشكال (2) وكذا تبطل مع الالتفات سهوا فيما كان عمده مبطلا (3) ] في تمام حالات الصلاة كما لا يخفى. ثم ان مقتضى اطلاق ما دل على البطلان لدى الالتفات الفاحش عدم الفرق بين تحققه حال الاشتغال بالافعال وبين كونه في الاكوان المتخللة، كما لا فرق في الاول بين الاركان وغيرها ولا بين تكبيرة الاحرام وغيرها، ولا بين الالتفات في زمان طويل أو قصير كل ذلك لاطلاق الدليل بعد عدم نهوض ما يصلح للتقييد. (1): ما لم يستوجب الخروج عن الاستقبال بوجه والا فهو موجب للبطلان كما عرفت. (2): وقد عرفت ان الاظهر هو الابطال. (3): لاطلاق النصوص المتقدمة الشامل لصورتي العمد والسهو بعد وضوح عدم السبيل للتصحيح بحديث لا تعاد ضرورة ان الالتفات السهوى اخلال بالقبلة التي هي من الخمسة المستثناة، فهو إذا عاضد للاطلاق لا انه حاكم عليه. نعم: خص البطلان جماعة من الاصحاب بالالتفات العمدي فلا يقدح السهوي منه. وهو وجيه فيما إذا كان الالتفات إلى ما بين

[ 460 ]

اليمين واليسار، حيث قد ورد ان ما بين المشرق والمغرب قبلة، المحمول على صورة السهو والغفلة كما تقدم في مبحث القبلة فان ذلك يقتضى الصحة في المقام بالفحوى كما لا يخفى. واما إذا كان إلى نقطتي اليمين أو الشمال فضلا عن الخلف - لو امكن - فالحكم بالصحة حينئذ في غاية الاشكال فان عمدة ما يستدل به لذلك هو التمسك بحديث رفع النسيان بل الحق بعضهم به الاكراه والاضطرار تمسكا بحديث رفعهما بدعوى ان مقتضى رفع قاطعية الالتفات لدى النسيان أو الاكراه فرضه كالعدم وكأنه لم يكن وهو مساوق لصحة العمل لفرض خلوه عما يمنع عنها. ويندفع: بما هو المحقق في محله من عدم جريان الحديث في باب الاجزاء والشرائط والموانع لتثبت به صحة المأتي به نظرا إلى ان المأمور به إنما هو الكلي والطبيعي الجامع بين الافراد الطولية والعرضية المحدودة فيما بين الحدين وما تعلق به النسيان أو الاكراه أو الاضطرار انما هو فرد من ذلك الجامع. فما تعلق به النسيان - مثلا - غير ما تعلق به الامر، ولا بد من تعلق الرفع بعين ما تعلق به الوضع ولاجله لا يتكفل الحديث لتصحيح الباقي، فلا يكون الاتيان بالناقص مجزيا اللهم الا مع استيعاب العذر لتمام الوقت وهو امر آخر وتمام الكلام في محله فالصواب عدم الفرق في البطلان بين صورتي العمد والسهو عملا باطلاقات الادلة السليمة عما يصلح للتقييد. ثم انه قد يظهر من بعض النصوص المعتبرة عدم قدح الالتفات السهوي فيما إذا كان في الركعتين الاخيرتين أو ثالثة المغرب أو ثانية الغداة وهي بين ما هو مطلق وغير صريح في الاستدبار كصحيحة

[ 461 ]

محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: سئل عن رجل دخل مع الامام في صلاته وقد سبقه بركعة فلما فرغ الامام خرج مع الناس ثم ذكر بعد ذلك انه فاتته ركعة، فقال يعيدها ركعة واحدة (1) لجواز كون الخروج من طرق القبلة. وبين ما هو صريح فيه كموثقة عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله قال قال في رجل صلى الفجر ركعة ثم ذهب وجاء بعد ما اصبح وذكر انه صلى ركعة، قال يضعيف إليها ركعة (2). واصرح منها صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: سألة عن رجل صلى بالكوفة ركعتين ثم ذكر وهو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان انه صلى ركعتين، قال: يصلى ركعتين. وموثقة عمار عن ابي عبد الله (ع) (في حديث) والرجل يذكر بعد ما قام وتكلم ومضى في حوائجه انه انما صلى ركعتين في الظهر والعصر والعتمة والمغرب، قال: يبني على صلاته فيتمها ولو بلغ الصين ولا يعيد الصلاة (3). ولكن هذه الاخبار مضافا إلى عدم وضوح عامل بها غير الصدوق في المقنع فهي مهجورة ومعرض عنها عند الاصحاب معارضة في موردها بطائفة اخرى دلت على البطلان منها: صحيحة جميل قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل صلى ركعتين ثم قام، قال: يستقبل قلت: فما يروي الناس فذكر حديث ذي الشمالين، فقال: ان


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب الخلل ح 12. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب الخلل ح 18. (3) الوسائل: باب 3 من أبواب الخلل ح 19 و 20.

[ 462 ]

[ الا إذا لم يصل إلى حد اليمين واليسار بل كان فيما بينهما فانه غير مبطل إذا كان سهوا وان كان بكل البدن (1). (الخامس): تعمد الكلام بحرفين ولو مهملين غير مفهمين للمعنى، أو بحرف واحد بشرط كونه مفهما للمعنى نحو (ق) فعل امر من وقى (2) ] رسول الله صلى الله عليه وآله لن ييرح من مكانه ولو برح استقبل (1). ولا ريب ان الترجيح مع الثانية لمخالفة الاولى مع الكتاب والسنة الدالين على اعتبار الاستقبال ومانعية التكلم وعدم الاستقرار وغيرهما من المنافيات. فلا بد إذا من رد علمها إلى اهله سيما مع اشتمال بعضها على سهو النبي صلى الله عليه وآله واتيانه بسجدتي السهو المنافي لاصول المذهب. (1): كما مرت الاشارة إليه. (2): لا اشكال كما لا خلاف في بطلان الصلاة بالتكلم العمدي بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه. وتدل عليه جملة من الروايات التي منها صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) في الرجل يصبيه الرعاف، قال: ان لم يقدر على ماء حتى ينصرف لوجه أو يتكلم فقد قطع صلاته. وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (ع) قال: ان تكلم فليعد صلاته وصحيحة الفضيل عن ابي جعفر (ع) قال: ابن على ما مضى


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب الخلل ح 7.

[ 463 ]

من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا، وان تكلمت ناسيا فلا شئ عليك. (1) نحوها غيرها كما لا اشكال ولا خلاف ايضا في عدم البطلان بالتكلم السهوي، ويدلنا عليه مضافا إلى ما في بعض تلك النصوص من التقييد بالعمد التصريح في صحيحة الفضيل المتقدمة بعدم البأس به. وانما الاشكال في جهتين: الاولى: هل المراد من الكلام في المقام خصوص ما تركب من حرفين فصاعدا كما عليه المشهور أو ان المراد جنس ما يتكلم به الصادق على الحرف الواحد ايضا كما ذهب إليه بعضهم. الثانية: هل يختص الكلام بالموضوع أو انه يشمل المهمل غير المفهم للمعنى؟ يظهر من الشهيد في الروضة الترديد في ذلك، بل ظاهر مجمع البحرين اعتبار الوضع خلافا لظاهر الاصحاب وجماعة من النحويين من العميم، بل قد حكي عن شمس العلوم ونجم الائمة التنصيص عليه واختار المحقق الهمداني ما في المتن من التفصيل بين ما اشتمل على حرفين فيبطل مطلقا، وعلى حرف واحد فيشترط كونه مفهما للمعنى هذا. وغير خفى ان البحث عن هاتين الجهتين في المقام قليل الجدوى ولا طائل تحته ضرورة ان (الكلام) بعنوان لم يكن موضوعا للحكم في نصوص الباب كي يبحث عن حدوده وقيوده، وتحليل ماهيته كما انه لم يكن مبدءا للمشتقات ليكون معناه ساريا فيها فانه اسم مصدر ومشتق كغيره، وانما الوارد في لسان الاخبار هو: تكلم،


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب القواطع الصلاة ح 6 و 7 و 5.

[ 464 ]

متكلم، تكلمت ونحوها ومصدرها (التكلم) ولا ريب في صدقه على الحرف الواحد الصادر من أي لافظ ولو غير شاعر من غير قصد التفهيم كالنائم والمغمى عليه والصبي فيقال من غير أية عناية انه تكلم بكذا فلم يؤخذ في مفهومه العرفي لا التركيب ولا الوضع على انه تدل على البطلان في المهمل معتبرة طلحة بن زيد: (من ان في صلاته فقد تكلم) (1). فان الرجل وان كان عاميا الا ان الشيخ (قده) ذكر ان كتابه معتبر ولا معنى لاعتبار الكتاب إلا كون صاحب ممن يعتمد عليه. فالسند إذا معتبر، كما ان الدلالة ايضا تامة ضرورة ان الانين الصادر من المريض غير مقصود به التفهيم، فهو من التكلم بالمهمل طبعا. وملخص الكلام ان المأخوذ في نصوص المقام هو عنوان (التكلم) وهو صادق حتى لدى صدور حرف واحد كما يفصح عنه ما اشتهر في المحاورات من قولهم: (لا اتكلم معك حتى بحرف واحد) الكاشف عن ان الحرف الواحد ايضا مصداق للتكلم، ومن ثم اشير إلى الفرد الخفي منه، فلا يعتبر في صدقه التعدد فضلا عن الوضع. نعم بناءا على المشهور من ان الموضع للحكم هو عنوان (الكلام) فبما ان مفهومه مجمل لتردده بين المؤلف من حرفين فصاعدا كما عليه المشهور وبين الاعم منه ومن غيره فيصدق على الحرف الواحد أيضا كما عن جماعة آخرين فلا مناص من الاقتصار في مثله على المقدار المتيقن الذى يقطع معه بالبطلان وهو ما تألف من حرفين فصاعدا، والرجوع في الزائد عليه إلى الاصل، ولو بنى على ترجيح الاول فالامر اوضح.


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب القواطع ح 4.

[ 465 ]

[ بشرط ان يكون عالما بمعناه (1) وقاصدا له، بل أو غير قاصد أيضا مع التفاته إلى معناه على الاحوط (2). (مسألة 1): لو تكلم بحرفين حصل ثانيهما من اشباع حركة الاول بطلت (3). ] هذا فيما إذا لم يكن الحرف الواحد مفهما ومفيدا للمعنى اما معه كما في الامر من (وعى) أو من (وقى) فلا ينبغي الشك في البطلان لصدق الكلام عليه جزما، بل هو في الحقيقة لم يكن من الحرف الواحد بعد ان كان المقدار في مثل المقام كالمذكور فانه لا ينبغى التأمل في ان من اعتبر التعدد يريد به الاعم منهما كما لا يخفى. هذا من حيث العدد. واما من ناحية الوضع فالامر كذلك لو انتهى الامر إلى الشك فيقتصر على المقدار المتيقن وهو الموضوع المستعمل الا انه لا ينبغي التردد في شموله للمهمل كما يكشف عنه بوضوح تقسيم الكلام إلى المهمل والمستعمل. فتحصل: ان التفصيل المذكور في المتن وجيه على المبنى المشهور واما على المختار من ان الموضوع للبطلان هو التكلم لا الكلام فالمتعين شمول الحكم حتى للحرف الواحد المهمل. (1): فان تفهيم المعنى متقوم بالعلم به والالتفات إليه. (2): لجواز كفاية الالتفات في صدق التفيهم وان لم يكن مقصودا. (3): إذ بعد البناء على عدم الفرق في المركب من حرفين

[ 466 ]

[ بخلاف مالو لم يصل الاشباع إلى حد حصول حرف آخر (1). (مسألة 2): إذا تكلم بحرفين من غير تركيب كأن يقول (ب ب) - مثلا - ففي كونه مبطلا أو لا وجهان والاحوط الاول (2). (مسألة 3): إذا تكلم بحرف واحد غير مفهم للمعنى ] بين المهمل والمستعمل لم يكن حينئذ فرق في موجب الحصول بين كونه هو الاشباع ام غيره لاتحاد المناط. (1): بل الاظهر البطلان حتى في هذه الصورة لما عرفت من كفاية التكلم ولو بحرف واحد. (2): لا وجه لهذا الاحتياط بعد البناء على اعتبار الحرفين في المبطلية ضرورة عدم صدق التكلم بما تركب من حرفين في مفروض المسألة بعد عدم تحقق التركيب بينهما غايته انه كرر الحرف الواحد وهو بمجرده لا يستوجب التركيب ولا صدق الكلام عليه، فلا ضير فيه وان تحقق عدة مرات ما لم يستوجب البطلان من ناحية اخرى ككونه ماحيا للصورة. نعم لو فرض الوصل بينهما على نحو تضمن التركيب وعدا عرفا كلاما واحدا بطل إذا لا يعتبر في هذا الصدق كون الحرفين من جنسين بل يكفي ولو كانا من جنس واحد. هذا على مبناه (قده). واما على المختار من كفاية الحرف الواحد فالمتعين هو البطلان مطلقا.

[ 467 ]

[ لكن وصله بأحدى كلمات القراءة أو الاذكار أبطل من حيث افساد تلك الكلمة (1) إذا خرجت تلك الكلمة عن حقيقتها. (مسألة 4): لا تبطل بمد حرف المد واللين وان زاد فيه بمقدار حرف آخر فانه محسوب حرفا واحدا (2). (مسألة 5): الظاهر عدم البطلان بحروف المعاني (3) مثل (ل) حيث انه لمعنى التعليل، أو التمليك، أو نحوهما وكذا مثل (و) حيث يفيد معنى العطف، أو القسم، ومثل (ب) فانه حرف جر وله معان، وان كان الاحوط البطلان مع قصد هذه المعاني، وفرق واضح بينهما وبين حروف المباني ]. (1): لكونها من الزيادة القادحة والكلام العمدي، واما على المختار من كفاية الحرف الواحد في الابطال فالامر اوضح. (2): لوضوح عدم كون المد بنفسه حرفا ولا حركة. (3): فان هذه الحروف وان افترقت عن حروف المباني في كونها موضوعة لمعنى ما الا ان ذلك المعنى لما كان من المعاني الحرفية التي هي غير مستقلة ولا تفيد الا لدى الانضمام مع الغير فلا جرم كانت عند الانفراد من مصاديق المهمل وبذلك تفترق عن مثل الامر من (وعى) أو (وقى) لكونها مفيدة للمعنى باستقلالها، بل عرفت

[ 468 ]

[ مسألة 6): لا تبطل بصوت التنحنح، ولا بصوت النفخ، والانين، والتأوه، ونحوها (1) نعم تبطل بحكاية اسماء هذه الاصوات مثل أح، ويف، وأوه. ] انها لدى لتحليل مركبة من حروف ثلاثة لكون موضوع المركب اعم من المذكور والمقدر كما تقدم. هذا كله بناءا على اختصاص المبطل بما تركب من حرفين، واما على المختار من كفاية الحرف الواحد فالامر واضح. (1): فان المبطل هو الصوت المختص صدوره بالانسان المعبر عنه بالتكلم أو الكلام غير الصادق على شئ من المذكورات في المتن ونحوها مما يتفق صدوره من بعض الحيوانات ايضا فانها ليست من التكلم في شئ الا إذا تشكل منها حرف أو حرفان على المسلكين المتقدمين فيتجه البطلان حينئذ لهذه الجهة. نعم ظاهر معتبرة طلحة بن زيد المتقدمة: (من ان صلاته فقد تكلم) (1) هو البطلان بالانين بناءا على ان يكون المراد انه في حكم التكلم في اعتبار الشرع وان لم يكن منه حقيقة فيكون تصرفا في عقد الحمل على سبيل التجوز في الاسناد. ولكنه ليس باولى من التصرف في عقد الوضع بان يقيد الانين بما اشتمل على التكلم كما لعله الغالب ولو مهملا فغايته ان تكون المعتبرة مجملة لو لم يكن المتعين هو الثاني، إذ مضافا إلى ان التقييد


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب القواطع ح 4.

[ 469 ]

[ (مسألة 7): إذا قال آه من ذنوبي، أو آه من نار جهنم لا تبطل الصلاة قطعا إذا كان في ضمن دعاء أو مناجاة (1)، واما إذا قال آه من غير ذكر المتعلق فان قدره فكذلك (2) والا فالاحوط اجتنابه، وان كان الاقوى عدم البطلان إذا كان في مقام الخوف من الله (3). (مسألة 8): لا فرق في البطلان بالتكلم بين أن يكون هنا مخاطب أم لا، وكذا لا فرق بين أن يكون مضطرا ] أهون من التجوز المزبور كما لا يخفى لم يلتزم احد من الفقهاء فيما نعم بمبطلية الانين المجرد. (1): لكونه معدودا حينئذ من اجزائهما وشئ منهما لا يوجب البطلان كما سيجئ. (2): إذا المقدر المنوي في حكم المذكور فكأنه قال آه من نار جهنم الذى عرفت عدم البأس به، بل الامر كذلك وان لم ينو شيئا تفصيلا بل قصد الشكاية إليه، تعالى اجمالا لكونه معدودا من المناجاة معه تعالى التى لا ضير فيها كما عرفت. (3): فكان متعلقه امرا اخرويا بل لا يبعد الجواز حتى إذا كان امرا دنيويا كالخوف من عدو أو مرض أو دين ونحوها، إذ الملاك في الجواز عنوان المناجاة التى حقيقتها التكلم مع الله سبحانه الصادق على الكل بمناط واحد.

[ 470 ]

[ في التكلم أو مختارا (1). نعم التكلم سهوا ليس مبطلا (2) ولو بتخيل الفراغ من الصلاة. ] (1): لاطلاق الدليل فيه وفيما قبله. نعم ربما يتمسك للتصحيح في مورد الاضطرار أو الاكراه بحديث الرفع الجاري فيهما بدعوى ان مفاده عدم قاطعية التكلم الناشئ عنهما وكأنه لم يكن ويندفع الاولا: بما هو المقرر في محله من اختصاص الحديث بالاحكام المجعولة مستقلا من التكليفية أو الوضعية، فالبيع الصادر عن اكراه كانه لم يكن، وكذا شرب الخمر الصادر عن اضطرار ولا يجرى في باب المركبات الارتباطية من الجزئية أو الشرطية أو المانعية لعدم كونها مجعولة الا بتبع منشأ انتزاعها فلا يتعلق الرفع بها مستقلا لينتج الامر بالباقي وتصحيحه. وثانيا: ان مورد الاضطرار أو الاكراه في محل الكلام انما هو فرد من الافراد لا نفس الطبيعة المأمور بها، فالمكره عليه غير مأمور به، كما ان المأمور به غير مكره عليه، ومن البين ان الرفع لا يتعلق الا بما تعلق به الوضع. نعم لو كان الاكراه أو الاضطرار مستوعبا لتمام الوقت شمله الحديث، ومقتضاه سقوط الامر بالصلاة حينئذ رأسا لا انكشاف تعلق الامر بالباقي مما دل على عدم سقوط الصلاة بحال. وتمام الكلام في محله. (2): لا لحديث الرفع لما مر آنفا، بل لاختصاص المبطل بالكلام العمدي، فالمقتضي قاصر مضافا إلى النصوص الخاصة الناطقة

[ 471 ]

[ (مسأله 9): لا بأس بالذكر والدعاء في جميع أحوال الصلاة (1) بغير المحرم، وكذا بقراءة القرآن (2) غير ] بالصحة لدى السهو كما مرت الاشارة إليها ويأتي تفصيلها في مباحث الخلل ان شاء الله تعالى. (1): بلا خلاف فيه ولا اشكال، ويدلنا عليه - مضافا إلى انصراف نصوص المنع إلى ما كان من سنخ كلام الادميين غير الصادق على مثل القرآن والذكر والدعاء مما كان التخاطب فيه مع الله تعالى بل قد قيد التكلم به في بعض النصوص المتقدمة كيف واقوال الصلاة مؤلفة من هذه الامور فكيف يشملها دليل المنع ولا يكون منصرفا عنها - جملة من النصوص الدالة على الجواز وانه كل ما ناجيت به ربك فهو من الصلاة التي منها صحيحة علي بن مهزيار قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الرجل يتكلم في الصلاة الفريضة بكل شئ يناجي به ربه قال نعم. وصحيحة الحلبي قال قال: أبو عبد الله (ع) كل ما ذكرت الله عزوجل به والنبي صلى الله عليه وآله فهو من الصلاة (1). (2): لم نعثر على نص فيه ما عدا صحيحة معاوية بن وهب المتضمنة لقراءة امير المؤمنين (ع) في صلاة الصبح قوله تعالى: (فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) في جواب ابن الكوا حينما قرأ (ولقد اوحى اليك والى الذين من قبلك لئن


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب قواطع الصلاة ح 1 و 2.

[ 472 ]

[ ما يوجب السجود (1)، وأما بالدعاء المحرم كالدعاء على مؤمن ظلما فلا يجوز بل هو مبطل للصلاة (2). ] اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (1). وكيفما كان: فيكفينا الانصراف المتقدم آنفا. واما ما في بعض النصوص (2) من النهى عن القراءة في الركوع أو في السجود فهو محمول على الكراهة. (1): كما تقدم في مبحث القراءة عند التكلم عن قراءة العزائم في الفريضة. (2): يظهر حال المقام مما قدمناه في القنوت، وملخصه انا تاره نبنى على ان الكلام المأخوذ موضوعا للبطلان يراد به مطلق الكلام وقد خرج منه الذكر والدعاء والقرآن تخصيصا. واخرى: نبنى على ان الموضع خصوص كلام الآدمى كما ورد التصريح به في بعض النصوص. فعلى الاول: يتجه البطلان في المقام ضرورة ان المتيقن خروجه - ولو انصرافا - إنما هو المباح من تلك الامور فيبقى المحرم تحت عموم المبطلية. وعلى الثاني: يتجه عدمه لقصور المقتضي في حد نفسه عن الشمول


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب الركوع.

[ 473 ]

[ وان كان جاهلا بحرمته (1)، نعم لا يبطل مع الجهل بالموضوع كما إذا اعتقده كافرا فدعا عليه فبان انه مسلم. (مسألة 10): لا بأس بالذكر والدعاء بغير العربي (2) أيضا وان كان الاحوط العربية. (مسألة 11): يعتبر في القرآن قصد القرآنية (3) ] لها فغايته ارتكاب الاثم لا البطلان وحيث عرفت ان الاصح هو الثاني فلا جرم كان عدم البطلان هو الاوجه، بل الامر كذلك حتى مع التردد في المبنى للشك في المانعية زائدا على المقدار المعلوم ومقتضى الاصل عدمها. (1): فان الجهل بالحرمة لا يغير الواقع ولا يخرجه عن كونه دعاء بالمحرم فيشمله دليل المبطلية على القول بها الا إذا كان معذورا كما في الجاهل القاصر نحو المجتهد الخاطئ فانه ملحق بالجاهل بالموضوع المشار إليه في المتن في عدم البطلان لاتحاد المناط. (2): قد مر الكلام حول هذه المسألة مستوفى في مبحث القنوت فراجع ولا نعيد. (3): لتقوم مفهومه بايجاد المماثل قاصدا به الحكاية عما انزل على النبي الاعظم صلى الله عليه وآله كغيره من قراءة اشعار العرب وخطبهم على ما تقدم تفصيلة في مبحث القراءة. إذا فالتلاوة من غير القصد المزبور فضلا عن قصد الخلاف لا تكون مصداقا لقراءة القرآن من غير فرق بين الايات المشتركة والمختصة لوحدة المناط. فتكون طبعا من التكلم المبطل، ما لم ينطبق عليه عنوان آخر من ذكر أو دعاء.

[ 474 ]

[ فلو قرأ ما هو مشترك بين القرآن وغيره لا بقصد القرآنية ولم يكن دعاءا أيضا ابطل، بل الآية المختصة بالقرآن أيضا إذا قصد بها غير القرآن ابطلت، وكذا لو لم يعلم انها قرآن (1). (مسألة 12): إذا اتى بالذكر بقصد تنبيه الغير والدلالة على امر من الامور (2) فان قصد به الذكر وقصد التنبيه برفع الصوت مثلا فلا اشكال في الصحة، وان قصد به التنبيه من دون قصد الذكر اصلا بان استعمله في التنبيه والدلالة فلا اشكال في كونه مبطلا، وكذا إن قصد الامرين معا على ان يكون له مدلولان واستعمله فيهما، وما إذا قصد الذكر وكان داعيه على الاتيان بالذكر تنبيه الغير فالاقوى الصحة. ] (1): للشك في اندراجه في التكلم السايغ فيشمله عموم المنع (2): لا شبهة في جواز تنبيه الغير اثناء الصلاة بغير اللفظ من اشارة أو تنحنح ونحوهما لعدم اقتضاءه ارتكاب شئ من المنافيات وهذا واضح واما باللفظ من ذكر ونحوه فله صور اشير إليها في المتن. (احداها): ان يأتي بالذكر ويقصد التنبيه بشئ من خصوصياته

[ 475 ]

كرفع صوته به وهذا مما لا اشكال في جوازه ضرورة ان قصد القربة غير معتبر الا في نفس الطبيعة واما الخصوصيات فهي خارجة عن حريم المأمور به فلا ضير في اتيانها لغاية اخرى مباحة فالحكم بالصحة في هذه الصورة مطابق للقاعدة مع انها القدر المتيقن من النصوص الدالة عليها التي منها صحيحة الحلبي انه سئل ابا عبد الله (ع) عن الرجل يريد الحاجة وهو في الصلاة فقال يومي برأسه ويشير بيده ويسبح.. الخ (1). (ثانيتها): ان يقصد به التنبيه فقط من غير تعلق القصد بالذكر نفسه بوجه وهذا لا اشكال في كونه مبطلا لكونه من التكلم العمدي من غير انطباق العنوان السائغ عليه بتاتا. (ثانيتها): ان يقصد الامرين معا في عرض واحد على نحو استعمال اللفظ المشترك في معنييه بناءا على امكانه كما هو الصحيح. والظاهر هو البطلان ايضا فانه وان لم يكن فيه بأس باحد الاعتبارين الا ان فيه بأسا بالاعتبار الاخر بعد ان كان كل منهما ملحوظا بحياله واستقلاله وكان الاستعمال المزبور بمثابة تكرير اللفظ. وبعبارة اخرى: الاستعمال باحد القصدين وان لم يكن مقتضيا للبطلان الا انه بالقصد الاخر يكون مقتضيا له ومن البين ان ما فيه الاقتضاء لا يزاحمه ما لا اقتضاء فيه. (رابعتها): ان يقصدهما معا ولكن طولا وعلى سبيل الداعي على الداعي فيقصد به الذكر ويكون الداعي عليه هو التنبيه وهذا ايضا لا ضير فيه بعد وضوح عدم كون الداعي المزبور قادحا في صدق


(1) الوسائل: باب 9 من ابواب قواطع السفر ح 2.

[ 476 ]

[ (مسألة 13): لا بأس بالدعاء مع مخاطبة الغير (1) بأن يقول: غفر الله لك فهو مثل قوله: اللهم اغفر لي أو لفلان. (مسألة 14): لا بأس بتكرار الذكر أو القراءة عمدا (2) أو من باب الاحتياط، نعم إذا كان التكرار من باب الوسوسة فلا يجوز، بل لا يبعد بطلان الصلاة ] عنوان الذكر فيندرج تحت عنوان الاستثناء ويكون ملحقا بالصورة الاولى. (1): فيه اشكال بل منع نظرا إلى ان الدعاء بعنوانه لم يؤخذ موضوعا للاستثناء ليتمسك باطلاقه وانما ساغ لكونه مصداقا للمناجاة مع الرب تعالى الوارد في النصوص ومن البين عدم صدق المناجاة معه سبحانه على ما اشتمل على التخاطب مع الغير. وبعبارة اخرى: المستثنى في لسان الاخبار احد امرين: إما الذكر أو المناجاة مع الله تعالى وشئ منهما غير منطبق على المقام. فيشمله إذا عموم مبطلية الكلام ومنه تعرف ضعف ما في المتن من القياس. ومع التنازل وتسليم استثناء الدعاء بعنوان فمفروض البحث مجمع للعنوانين اعني الدعاء والتكلم مع الغير والعنوان الاول وان لم يقتض البطلان، لكن العنوان الثاني يقتضيه. وقد تقدم آنفا ان مالا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء. (2): لاستثنائهما من عموم مبطلية الكلام، ومقتضى الاطلاق في دليل الاستثناء عدم الفرق بين المرة والتكرار.

[ 477 ]

[ به (1). (مسألة 15): لا يجوز ابتداء السلام للمصلي وكذا ساير التحيات مثل صبحك الله بالخير، أو مساك الله بالخير، أو في أمان الله، أو ادخلوها، إذا قصد ] (1): اما من حيث الجواز وعدمه فينبغي التفصيل بين ما إذا بلغ التكرار حدا يعد عرفا من المهملات كما لو كرر (اش) في التشهد مرات عديدة وبين ماكان دون هذا الحد فيحكم بعدم الجواز بل البطلان في الاول كما ظهر مما مر دون الثاني لعدم نهوض دليل على حرمة الوسوسة. اجل في صحيحة عبد الله بن سنان قال: ذكرت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد الله (ع): واي عقل له وهو يطيع الشيطان، فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذه الذي يأتيه من اي شئ هو فانه يقول لك من عمل الشيطان (1). ولكنها تدل على ضعف العقل لا ضعف الدين ليستفاد الحريم. واما من حيث البطلان - على تقدير الحرمة - فيجري فيه ما تقدم في الدعاء المحرم وقد عرفت ان الاظهر هو العدم. نعم الاحوط الاولى لمن ابتلي بذلك تكرار الصلاة مرة مع تكرار الذكر أو القراءة واخرى بدونه.


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب مقدمة العبادات ح 1

[ 478 ]

[ مجرد التحية (1) واما إذا قصد الدعاء بالسلامة أو الاصباح أو الامساء بالخير ونحو ذلك فلا بأس به وكذا إذا قصد القرآنية من نحو قوله: سلام عليكم، أو ادخلوها بسلام وان كان الغرض منه السلام أو بيان المطلب بأن يكون من باب الداعي على الدعاء أو قراءة القرآن. ] (1): - هذا مما لا شبهة فيه ضرورة ان ما قصد به التحية يعد من كلام الآدميين فتبطل به الصلاة. وانما الاشكال في موردين: احدهما: ما إذا قصد بالسلام أو بغيره من التحيات الدعاء فقد يقال بجوازه ودعم ابطاله. ويندفع: اولا بما تقدم من ان الدعاء بعنوانه لم يؤخذ في نصوص الاستثناء وانما الوارد فيها الذكر أو المناجاة مع الرب، فلا تأثير لقصد الدعاء. وثانيا: مع التسليم تصبح التحية المزبورة مجمعا للعنوانين وقد سبق ان عدم البطلان بعنوان الدعاء لا يستلزم عدمه بعنوان التكلم والتخاطب مع الغير، فان عدم الاقتضاء لا يزاحم ما فيه الاقتضاء. ثانيهما: ما إذا قصد به القرآن ولكن الداعي عليه تفهيم مطلب كالتسليم في مثل قوله: (سلام عليكم) أو الاذن في الدخول في نحو قوله تعالى (ادخلوها بسلام). وهذا على نحوين: إذ تارة بقصد بتلك العبارة الحكاية عما انزل على النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ولكنه بالكناية والدلالة الالتزامية يريد

[ 479 ]

التفهيم المزبور. وهذا وان لم يستوجب البطلان لمكان استثناء قراءة القرآن الا انه لا تتحقق به التحية المتقوم بها مفهوم التسليم لانه لم يقصد به التخاطب مع الغير بل قراءة القرآن محضا كما هو المفروض. واخرى: يجمع بين قراءة القرآن وانشاء التحية - مثلا - بان ينشئ التحية بنفس اللفظ المستعمل في الفاظ القرآن. ودعوى: ان قراءة القرآن متقومة بقصد الحكاية المقتضية لاستعمال اللفظ في معنى خاص وهو الذي نزل به الروح الامين على النبي الاكرام صلى الله عليه وآله فلا يمكن إستعماله في معنى آخر كانشاء التحية مدفوعة: بما تقدم في مبحث القراءة من عدم التنافى بين الامرين وجواز تطبيق اللفظ المستعمل في القرآن على معنى آخر كما في العشر والخطابة ونحوهما. هذا. ولكن الظاهر مع ذلك بطلان الصلاة بذلك لعدم خروجه عن كونه تكلما وتخاطبا مع الغير ومصداقا لكلام الآدميين نظرا إلى ان المستثنى لم يكن هو مطلق قراءة القرآن حتى إذا قصد به غير المعنى الذى قصده منه الله عز وجل حيث انه تعالى اراد في مثل قوله (فادخلوها بسلام) دخول الجنة فإذا اريد به دخول الدار أو الغرفة - مثلا - كان من كلام الآدميين الموجب للبطلان. وان شئت قلت هذا من مجمع العنوانين وعدم البأس من ناحية القراءة لا ينافي البأس من ناحية التخاطب مع الغير لما عرفت من ان ما لا يقتضي البطلان لا يزاحم ما يقتضيه. فحال هذه الصورة حال التحية بقصد الدعاء المحكومة بالبطلان على ما تقدم.

[ 480 ]

[ (مسألة 16): يجوز رد سلام التحية (1) في اثناء الصلاة بل يجب وان لم يكن السلام أو الجواب بالصيغة القرآنية. ] (1): لا اشكال كما لا خلاف في وجوب رد السلام في غير حالة الصلاة، وقد نطقت به جملة من النصوص التي منها صحيحة عبد الله بن سنان قال: رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام. وفي موثقة السكوني عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: السلام تطوع والرد فريضة (1). وناهيك قبل ذلك كله قوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) (2) حيث فسرت التحية بالاسلام، بل هي معناه لغة. إنما الكلام في الرد اثناء الصلاة فقد منعه العامة وان اختلفوا بين من اكتفى بالاشارة، ومن أخره إلى ما بعد الصلاة. واما الخاصة: فقد اتفقوا على الجواز. وغير خفى ان مرادهم به الجواز بالمعنى الاعم في مقابل المنع لا خصوص الاباحة المصطلحة ضرورة انه متى جاز وجب كتابا وسنة واجماعا حسبما عرفت. فالوجوب بعد فرض الجواز معلوم من القواعد. ومن ثم قال من المسالك: ان كل من قال بالجواز قال بالوجوب، ونحوه عن مجمع البرهان فلا ينبغى التردد في ان مرادهم الوجوب لا الجواز بمعناه الخاص.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب احكام العشرة ح 1 و 3 (2) سورة النساء الآية 88.

[ 481 ]

ومما يكشف عنه حكم جماعة منهم ببطلان الصلاة مع عدم الرد بناءا منهم على ان الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده ولا اقل من عدم تعلق الامر به. وكيفما كان: فتدل على وجوب الرد اثناء الصلاة نصوص مستفيضة وهي على طوائف. الاولى: ما دل على وجوب الرد من غير تعرض لكيفية التسليم ولا لصيغة رده كموثقة عمار بن موسى عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن السلام على المصلي، فقال: إذا سلم عليك رجل من المسلمين وانت في الصلاة فرد عليه فيما بينك وبين نفسك ولا ترفع صوتك (1). الثانية: ما دل على وجوب الرد بصيغة (السلام عليك) من غير تعرض لكيفية التسليم كما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم انه سأل ابا جعفر (ع) عن الرجل يسلم على القوم في الصلاة فقال: إذا سلم عليك مسلم وانت في الصلاة فسلم عليه تقول السلام عليك واشر باصبعك (2). فان هذا الاسناد وان كان ضعيفا لضعف طريق الصدوق إلى محمد ابن مسلم الا انها بعينها رويت بطريق آخر معتبر وهو ما رواه بن ادريس في آخر السرائر عن كتاب محمد بن علي بن محبوب عن احمد بن محمد البزنطي بسند صحيح عن ابن مسلم وقد اشرنا في محله إلى ان الكتاب المزبور الذي روى عنه ابن ادريس كان بخط الشيخ الطوسى، وطريق الشيخ إلى هذا الكتاب صحيح وبذلك تصبح


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب بقواطع الصلاة ح 4. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب قواطع الصلاة ح 5.

[ 482 ]

الرواية معتبرة. الثالثة: ما دل على وجوب الرد بصيغة (سلام عليكم) من غير تعرض لكيفية التسليم ايضا وهي موثقة سماعة عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة قال: يرد سلام عليكم، ولا يقول: وعليكم السلام فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان قائما يصلي فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه عمار فرد عليه النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا (1). ولكن الصدوق روى قصه تسليم عمار على النبي صلى الله عليه وآله وجوابه له بصيغة مطلقة سلاما وجوابا حيث قال، وقال: أبو جعفر (ع) سلم عمار على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الصلاة فرد عليه، ثم قال ابو جعفر (ع) ان السلام اسم من اسماء الله عزوجل. (2) غير انها مرسلة فلا يمكن التعويل عليها. نعم رواها الشهيد في الاربعين بسند صحيح عن زرارة عن ابي جعفر (ع) إذا فتكون ملحقة بالطائفة الاولى. هذا ويظهر مما رواه الشهيد في الذكرى عن البزنطي عن الباقر (ع) (3) ان سلام عمار كان بصيغة (السلام عليك). ولو تم سند الرواية يظهر منها - بعد ضمها إلى موثقة سماعة المتقدمة - ان تخصيص الجواب بتلك الصيغة منوط بكون السلام


(1) الوسائل: باب 16 من ابواب قواطع الصلاة ح 2. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب قواطع الصلاة ح 6. (3) الوسائل: باب 17 من أبواب قواطع الصلاة ح 3.

[ 483 ]

بهذه الصيغة. ولكن السند ضعيف لجهالة طريق الشهيد إلى كتاب البزنطي، فالمتبع إذا هي الموثقة بمجردها الدالة على كون الجواب بتلك الصيغة مطلقا. الرابعة: مادل على لزوم المماثلة بين السلام ورده كصحيحة محمد بن مسلم قال: دخلت على ابي جعفر (ع) وهو في الصلاة فقلت: السلام عليك، فقال: السلام عليك، فقلت: كيف اصبحت؟ فسكت، فلما انصرف قلت: ايرد السلام وهو في الصلاة؟ قال: نعم، مثل ما قيل له. وصحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا سلم عليك الرجل وانت تصلى قال: ترد عليه خفيا كما قال (1). وعلى الجملة: فالمستفاد من هذه الروايات بطوائفها واختلاف السنتها وجوب رد السلام اثناء الصلاة، غير ان بازائها ما يظهر منه عدم الجواز وهو ما رواه الصدوق في الخصال باسناده عن مصدق بن صدقة عن جعفر عن محمد عن ابيه عليهما السلام قال: لا تسلموا على اليهود ولا النصارى إلى ان قال: ولا على المصلي وذلك لان المصلي لا يستطيع ان يرد السلام لان التسليم من السلم تطوع والرد فريضة (2). حيث ان عدم الاستطاعة بعد تعذر ارادة التكوينية منها كما هو واضح محمول على التشريعية المساوقة للحرمة. ولكن السند ضعيف ب‍ (محمد بن علي ماجيلويه) شيخ الصدوق


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب قواطع الصلاة ح 1 و 2. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب قواطع الصلاة ح 1.

[ 484 ]

[ ولو عصى ولم يرد الجواب واشتغل بالصلاة قبل فوات وقت الرد لم تبطل على الاقوى (1). ] فانه لم يوثق، ومجرد الشيخوخة غير كافية في الوثاقة سيما بعد ما نشاهده من روايته عن الضعاف في غير مورد. كما ان اعتماده عليه حسبما يظهر من اكثاره الرواية عنه لا يجدى بعد تطرق احتمال بنائه على اصالة العدالة التي لا نعترف بها. ومع تسليم صحة السند فحيث انها لا تنهض لمقاومة ما سبق من تلك النصوص الكثيرة فلا مناص من التصرف فيها اما بحملها على التقية، أو على ارادة المشقة من عدم الاستطاعة حيث ان التصدي للرد ثم العود إلى صلاته يشغله عن الاقبال والتوجه فلا يسهل عليه الرد، فيكون مفادها حينئذ كراهة التسليم على المصلي لا عدم جواز الراد لو سلم عليه. (1): خلافا لجماعة من الحكم بالبطلان بناءا منهم على اقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده الخاص بل عن البهائي (قده) الحكم به حتى لو لم نقل بالاقتضاء نظرا إلى اقتضائه عدم الامر بالضد ضرورة امتناع تعلق الامر بالضدين، ويكفي في فساد العبادة مجرد عدم الامر بها. نعم تصدى في الكفاية للتصحيح من ناحية الملاك وناقشنا فيه لعدم السبيل لاحرازه من غير ناحيه الامر والمفروض عدم ثبوته. ولكنا ذكرنا في الاصول امكان التصحيح في نظائر المقام بالخطاب

[ 485 ]

[ (مسألة 17): يجب ان يكون الرد في اثناء الصلاة بمثل ما سلم (1) فلو قال: سلام عليكم يجب ان يقول في الجواب سلام عليكم مثلا، بل الاحوط المماثلة في التعريف والتنكير والافراد والجمع فلا يقول سلام عليكم في جواب السلام عليكم، أو في جواب سلام عليك مثلا وبالعكس، وان كان لا يخلو من منع. ] الترتبي وان مجرد امكانه مساوق لوقوعه، كما ان تصوره مساوق لتصديقه وتمام الكلام في محله. (1): لا اشكال كما لا خلاف في اعتبار المماثلة بين السلام ورده من حيث الذات، فلا بد وان يكون الجواب حال الصلاة على سياق السلام الابتدائي في كون السلام مقدما على الخبر، فلا يجوز بصيغة عليكم السلام مثلا، وقد دلت عليه الروايات حسبما مرت الاشارة إليها. وانما الكلام في اعتبار المماثلة في الخصوصيات من التعريف والتنكير وافراد الضمير وجمعه فان فيه خلافا ولاجله احتاط الماتن (قده) ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام. فان مقتضى اطلاق صحيحتي ابن مسلم وابن حازم المتقدمتين في الطائفة الرابعة من المسألة السابقة هو اعتبارها في تمام الجهات لقوله (عليه السلام) في احداهما: (مثل ما قيل له) وفي الاخرى: (كما قال)

[ 486 ]

كما ان مقتضى اطلاق موثقة سماعة المتقدمة في الطائفة الثالثة عدم اعتبارها الا من حيث الذات. بل ان ذلك هو مقتضى صريحها بعد ضمها برواية الشهيد في الذكرى لو تم سندها لدلالتهما على تخالف سلام عمار مع جوابه من هذه الجهة - بناءا على اتحاد الواقعة كما لعله الظاهر - فيقيد بهما الاطلاق الاول ويحمل على ارادة المماثلة من حيث الذات فقط. ولكن السند غير تام كما تقدم. إذا فتقع المعارضة بين الاطلاقين، ويدور الامر حينئذ بين تقييد الاول بالثاني لينتج اعتبار المماثلة في الذات فقط، وبين عكسه لينتج اعتبارها في تمام الخصوصيات، وحيث لا ترجيح في البين فلا جرم يسقط الاطلاق من الطرفين، وكان المرجع حنيئذ اصالة البراءة عن اعتبارها في الزائد على المقدار المتيقن اعني من حيث الذات فقط. هذا كله في ملاحظة الصحيحتين مع الموثقة وينحسب ذلك بعينه عند ملاحظتهما مع معتبرة محمد بن مسلم المتقدمة في الطائفة الثانية لاتحاد مناط البحث كما لا يخفى. اجل لا يبعد القول بان الاطلاق في المعتبرة اقوى منه في الموثقة نظرا إلى استفادته في الثانية من ترك الاستفصال واما في المعتبرة فهو مستفاد من نفس اللفظ لقوله (ع): (إذا سلم عليك مسلم) الخ. وكيفما كان فقد عرفت انه بعد سقوط الاطلاقين بالمعارضة فالمرجع اصالة البراءة هذا. وهناك معارضة اخرى بين الموثقة والمعتبرة نفسيهما حيث ان ظاهر الاولى تعين الرد بصيغة (سلام عليكم) وظاهر الثانية تعينه

[ 487 ]

[ نعم لو قصد القرآنية في الجواب فلا بأس بعدم المماثلة (1). (مسألة 18): لو قال المسلم عليكم السلام فالاحوط في الجواب ان يقول (سلام عليكم) بقصد القرآنية، أو بقصد الدعاء (2). ] بصيغة (السلام عليك). ومقتضى الجمع العرفي رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين بنص الاخرى في جواز الآخر ونتيجته جواز اختيار اي منهما شاء. والمتحصل من جميع ما مر عدم اعتبار المماثلة إلا من حيث الذات وان كان الاحوط رعايتها في جميع الخصوصيات كما ظهر وجه مما تقدم. (1): لوضوح انصراف ادلة الاعتبار إلى الجواب الصادر بعنوان رد الحية. (2): قال في الحدائق ان صيغة (عليكم السلام) بتقديم الظرف ليست من صيغ الابتداء بالسلام وانما هي من صيغ الرد انتهى. (1) ومتقضاه عدم وجوب رده، بل لورد المصلي بطلت صلاته لكونه من كلام الآدميين. وفيه مالا يخفى إذ لا وجه له بعد اطلاق الكتاب والسنة فان التحية في قوله تعالى وإذا حييتم بتحية.. الخ، والسلام في موثقتي السكوني وعمار بن موسى المتقدمتين في المسألة السادسة عشرة مطلق يشمل مثل هذه الصيغة ايضا، ومجرد قيام التعارف الخارجي على


(1) الحدائق: ج 9 ص 74.

[ 488 ]

عدمها لا يستوجب انصراف الاطلاق عنها كما لا يخفى. على ان خروجها عن المتعارف ممنوع فقد ورد الامر بها في موثقة عمار الساباطي انه سأل أبا عبد الله (ع) عن النساء كيف يسلمن إذا دخلن على القوم؟ قال: المرأة تقول: عليكم السلام والرجل يقول: السلام عليكم (1) فان من الواضح عدم اختلاف مفهوم السلام في المرأة عنه في الرجل وان اختلفت الكيفية بموجب هذه الرواية. نعم ان تلك الصيغة قليلة بالاضافة إلى بقية الصيغ الاربع وهي سلام عليكم، والسلام عليكم، وسلام عليك: والسلام عليك، لكن القلة لا تستوجب الخروج عن المتعارف واما النبوي: (لا تقل عليك السلام) فان عليك السلام تحية الموتى، إذا سلمت فقل سلام عليك فيقول الراد عليك السلام (2) فهو لضعف سنده لا يعول عليه. إذا فلا ينبغي التأمل في تحقق التحية بتلك الصيغة ايضا ووجوب ردها وحينئذ فان كان الرد في غير حال الصلاة فيردها كيفما شاء. واما إذا كان في الصلاة ففيه اشكال وقد احتاط الماتن باختيار (سلام عيكم) بقصد القرآنية أو الدعاء ولكنه كما ترى فان الجواب بهذه الصيغة ان كان جائزا فقد صح من غير حاجة إلى القصد المزبور والالم ينفعه هذا القصد لكونه حينئذ مجمعا للعنوانين، وقد


(1) الوسائل: باب 39 من أبواب احكام العشرة ح 3. (2) الحدائق: ج 9 ص 72.

[ 489 ]

[ (مسألة 19): لو سلم بالملحون وجب الجواب صحيحا (1) ] تقدم انه متى صدق عنوان التكلم مع الغير حكم بالبطلان سواء قارنه عنوان القرآن ام لا، فكون الاحوط ما ذكره محل نظر بل منع. والذى ينبغي ان يقال أن مقتضى اطلاق صحيحتي ابن مسلم ومنصور بن حازم الناطقتين باعتبار المماثلة لزوم كون الجواب بصيغة (عليكم السلام) ولكنه معارض بموثقة سماعة المانعة عن ذلك حيث قال (ع) ولا يقول وعليكم السلام (1) كما ان معتبرة ابن مسلم دلت على لزوم كون الجواب بصيغة السلام عليك (2). وبعد سقوط الجميع بالمعارضة فالمرجع اطلاقات الجواب من السنة والكتاب التى مقتضاها جواز تقديم الظرف وتأخيره. ومع الغض عن الاطلاق فيرجع إلى اصالة البراءة عن المانعية. وعليه فله الرد باي صيغة شاء. (1): تارة يفرض بلوغ اللحن حدا لا يصدق معه عنوان التحية وان تخيلها المسلم، واخرى يفرض الصدق. فعلى الاول: لا يجب الجواب في الصلاة وغيرها لعدم المقتضى، بل لا يجوز في الصلاة لكونه من كلام الادمي من غير مسوغ. وعلى الثاني: وجب مطلقا اخذا باطلاقات رد التحية بعد وضوح


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب القواطع ح 2. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب القواطع ح 5.

[ 490 ]

[ والاحوط قصد الدعاء أو القرآن (1). (مسألة 2): لو كان المسلم صبيا مميزا أو نحوه، أو امرأة اجنبية أو رجلا اجنبيا على امرأة تصلي فلا يبعد بل الاقوى جواز الرد (2) بعنوان رد التحية، لكن الاحوط قصد القرآن أو الدعاء. ] منع انصرافها عن الملحون بنحو يمنع عن التمسك بالاطلاق، وهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه. وإنما الاشكال: في انه هل يلزم الرد بالصحيح أو انه يجزي الملحون مماثلا للسلام؟ مقتضى اطلاق الاية هو الثاني لصدق رد التحيثة المأمور به، ولكن الماتن تبعا للجواهر اعتبر الاول وهو غير واضح بعد الاطلاق المزبور من غير مقيد. ودعوى ان الجواب الملحون كلام آدمي تبطل الصلاة به مدفوعة بعدم المجال لهذه الدعوى بعد فرض كونه مشمولا للاطلاق، ولا دليل على ان كل كلام ملحون مبطل، ومن ثم ساغ الدعاء الملحون والقنوت بالملحون كما تقدم فليكن السلام الملحون من هذا القبيل، نعم تعتبر الصحة في الاذكار المعدودة من اجزاء الصلاة دون ما هو خارج عنها كالموارد المزبورة إذا فاعتبار الصحة في الجواب مبنى على الاحتياط. (1): لاحتمال عدم الوجوب وقد ظهر ضعفه مما مر. (2): لا اشكال كما لا خلاف في وجوب الرد فيما إذا كان

[ 491 ]

المسلم والمسلم عليه رجلين أو امراتين أو مختلفين مع كونهما محرمين لعدم الدليل على اختصاص الحكم بالمماثل كما هو ظاهر. واما لو كان المسلم صبيا مميزا فالظاهر وجوب رده ايضا حتى في حال الصلاة لاطلاقات الادلة بعد صدق التحية عليه كصدقه على سلام البالغين، وعدم نهوض اي دليل على التقييد بالبلوغ. عدا ما قد يتخيل من عدم شرعية عبادات الصبي وانها تمرينية فلا موجب للرد. وهو كما ترى إذ مضافا إلى ان الاصح انها شرعية كما سبق في محله ان ذاك البحث غير مرتبط بالمقام ضرورة عدم كون السلام من الامور العبادية، وإما هو تحية عرفية ولا مساس لها بالشرعية أو التمرينية وحيث ان الموضع لوجوب الرد هو عنوان التحية التى لا ينبغي الشك في صدقها على سلام المميز كغيره حسبما عرفت فلا مناص من الالتزام بالوجوب. نعم لا يجب الرد في سلام غير المميز لعدم صدق عنوان التحية عليه بعد ان كان آتيا بمجرد اللفظ من دون كونه قاصدا للمعنى بمقضى افتراض عدم التمييز. واما السلام على الاجنبية فبناءا على جواز سماع صوتها لا ينبغي الشك في وجوب الرد عليها للاطلاقات. واما بناءا على عدم الجواز فالظاهر وجوب الرد ايضا وان حرم عليها الاسماع فترد التحية اخفاتا. والوجه فيه: ان الرد شئ، واسماع الصوت شئ آخر، وحرمة الثاني لا تستلزم سقوط الاول. فالمقام نظير من كان عاجزا عن الاسماع تكوينا لمرض ونحوه، فكما ان العجز التكويني

[ 492 ]

[ (مسألة 21): لو سلم على جماعة منهم المصلي فرد الجواب غيره لم يجز له الرد (1)، نعم لو رده صبي مميز ففي كفايته اشكال، والاحوط رد المصلي بقصد القرآن أو الدعاء. ] لا يستوجب السقوط فكذلك العجز التشريعي بمناط وأحد. واما عكس ذلك اعني سلامها على الرجل الاجنبي فقد يقال بعدم وجوب الرد نظرا إلى حرمة التسليم الصادر منها باعتبار حرمة اسماع صوتها للاجنبي، وحيث ان التسليم المحرم لا يستأهل الجواب فادلة الرد منصرفة عنه. وفيه: بعد تسليم حرمة الاسماع المزبور ان الحرام لم يكن هو السلام بالذات بل شئ من الخصوصيات المحفوفة به وهو الاسماع، فنفس التحية لا حرمة فيها، ومن البين ان الرد انما يكون لها لا للخصوصية المقترنة بها المفروض حرمتها. على انه لا مانع من ان يكون الحرام بالاضافة إلى شخص موضوعا للوجوب بالاضافة إلى شخص آخر فان الممنوع إنما هو اجتماع الحكمين المتضادين في مورد واحد. إذا فلا محذور في ان يكون التسليم محرما على المرأة ومع ذلك إذا عصت وسلمت وجب على الرجل رده. ومنه تعرف حكم ما لو كان السلام محرما لجهة اخرى كالرياء فان مقتضى الاطلاقات وجوب رده ايضا فلاحظ. (1): لا اشكال كما لا خلاف في ان الرد الصادر من واحد

[ 493 ]

من الجماعة يجزي عن الاخرين وان كان فيهم المصلي، كما ان السلام الصادر من احدهم يجزي ويسقط به الاستحباب عن الباقين وقد دلت على الحكم من الطرفين جملة من الاخبار التي منها: صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا سلم الرجل من الجماعة اجزأ عنهم، ولا يبعد شمول اطلاقها للسلام الابتدائي ولرده معا فيراد الاجزاء عن كل من الاستحباب والوجوب. ومنها: موثقة غياث بن ابراهيم عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا سلم من القوم واحد اجزأ عنهم، وإذا رد واحد أجزأ عنهم، وهي صريحة في الاجزاء في كلتا الصورتين. وتؤيدهما مرسلة ابن بكير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا مرت الجماعة بقوم اجزأ ان يسلم واحد منهم، وإذا سلم على القوم وهم جماعة اجزأهم ان يرد واحد منهم (1). وانما الاشكال في موردين. احدهما: ما إذا كان المجيب صبيا مميزا فهل يكون ذلك مجزيا عن الباقين؟ استشكل فيه الماتن وذكر ان الاحوط ان يرده المصلى بقصد القرآن أو الدعاء اقول: اما الاحتياط المزبور فقد ضعفه غير مرة حيث عرفت ان ضميمة قصد القرآن أو الدعاء الا تنفع، إذ غايته ان يصبح الراد مجمعا للعنوانين التكلم مع الغير والقرآن، والثاني وان لم يستوجب البطلان لكن الاول يوجبه ولا يزاحم مالا اقتضاء فيه ما فيه الاقتضاء.


(1) الوسائل: باب 46 من ابواب احكام العشرة ح 1 و 2 و 3.

[ 494 ]

واما الاستشكال فالظاهر انه في محله إذ الرد الصادر من الصبي غير واجب عليه، وسقوط الواجب بغير الواجب خلاف الاصل لا يصار إليه من غير دليل ولا دليل عليه في البين عدا ما يتوهم من اطلاق الرد في النصوص المزبورة بدعوى شموله للصادر من البالغ وغيره. ولكنه كما ترى فان توصيف الواحد بكونه منهم أو من القوم، أو من الجماعة ظاهر في كونه مشاركا معهم في توجيه الخطاب، ومن ثم كان مجزيا عنه وعنهم، وحيث ان الصبي لم يخاطب بالرد إذ لم يتعلق به التكليف فلا جزم كان النص منصرفا عنه. ويعضده التعبير بالاجزاء الذي لا يكون إلا عن التكليف، فكأن اجزاؤة عن نفس الراد امر مفروغ عنه، فاريد بيان كونه مجزيا عن القوم ايضا، وهذا يستدعى مشاركة الكل في التكليف فلا يشمل الصبي. والمتحصل: ان سلام المميز وان وجب رده الا ان رده للسلام لا يسقط التكليف عن الباقين. ثانيهما: مالو سلم على جماعة منهم المصلى فهل يجوز له الرد بعدما تصدى له غيره؟ الظاهر عدم الجواز لانصراف الادلة إلى الرد الواجب وان حيثية الاشتغال بالصلاة لا تمنع عن التصدي للامتثال ولا تعم مثل المقام مما سقط الوجوب بفعل الغير، فلو فعل ابطل لعموم دليل القدح من غير مخصص.

[ 495 ]

[ (مسألة 22): إذا قال (سلام) بدون (عليكم) وجب الجواب (1) في الصلاة (2) إما بمثله ويقدر عليكم وما بقوله سلام عليكم، والاحوط الجواب كذلك بقصد القرآن أو الدعاء ] (1): لصدق التحية عليه عرفا فتشمله اطلاقات وجوب الرد والتشكيك في الصدق في عن انكاره كما ترى. (2): اما في غير حال الصلاة فله الرد كيفما شاء كما هو واضح، واما في حال الصلاة فهل يعتبر حذف الظرف ويكتفى بتقديره رعاية للمماثلة المأمور بها فيها، أو أنه يجوز ذكره فيقول: (سلام عليكم)؟ يبتني ذلك على ان المماثلة المعتبرة هل هي ملحوظة من جميع الجهات وتلزم رعايتها في تمام الخصوصيات حتى من ناحية الذكر والتقدير فلا يجوز الذكر حينئذ بل تبطل الصلاة به لكونه من كلام الادمى من غير مسوغ حتى لو قصد به القرآن أو الدعاء لعدم نفع هذا القصد مع فرض التخاطب مع الغير كما مر غير مرة، أو انها ملحوظة من ناحية تقديم الظرف وتأخيرة فحسب فيجوز لحصول المماثلة بعد ان كان المقدر في السلام في قوة المذكور في الجواب وتأخير الظرف في كليهما. وهذا هو الصحيح كما يكشف عنه قوله (ع) في موثقة سماعة (عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة قال: يرد سلام عليكم،

[ 496 ]

[ (مسألة 23): إذا سلم مرات عديدة يكفي في الجواب مرة (1) ] ولا يقل: وعليكم السلام (1) حيث ان النظر فيها معطوف على رعاية التقديم والتأخير فقط على ان اطلاقها يشمل ما إذا كان السلام بصيغة (سلام) فقط كاطلاق التسليم في صحيحة محمد بن مسلم (2). (1): اما إذا كان التعدد بقصد التأكد فلا ريب في كفاية المرة لعدم المقتضى للزيادة بعد ان لم يكن المقصود من المجموع الا تحية واحدة. واما إذا كان بقصد التحدد والاتيان بتحية اخرى مستقلة فالظاهر هو الكفاية ايضا نظرا إلى ان المستفاد من الادلة وجوب الرد لطبيعي التحية الصادق على الواحد والاكثر إذ ليس فيها مطلق شمولي يدل على الوجوب لكل فرد من التسليم الصادر قبل الجواب على سبيل الانحلال. فالمقتضى للوجوب لكل فرد قاصر في حد نفسه هذا اولا. وثانيا: مع تسليم المقتضى فالمانع موجود وهو روايتان دلتا على كفاية الواحدة. إحداهما: ما رواه الصدوق مرسلا عن امير المؤمنين (ع) انه قال الرجل من بني سعد الا احدثك عني وعن فاطمة إلى ان قال فغدا علينا رسول لله صلى الله عليه وآله ونحن في لحافنا فقال: السلام عليك فسكتنا


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب القواطع ح 2. (2) الوسائل 16 من أبواب القواطع ح 5.

[ 497 ]

[ نعم لو اجاب ثم سلم يجب جواب الثاني أيضا (1). ] واستحينا لمكاننا ثم قال: السلام عليكم فسكتنا، ثم قال: السلام عليكم فخشينا إن لم نرد عليه ان ينصرف وقد كان يفعل ذلك فيسلم ثلاثا فان اذن له والا انصرف، فقلنا: وعليك السلام يارسول الله ادخل فدخل ثم ذكر حديث تسبيح فاطمة عند النوم. ولكنها مضافا إلى ضعف السند موهونة باستبعاد ترك الرد منهما (عليهما السلام) جدا، والعمدة انما هي الرواية الثانية وهي: صحيحة ابان بن عثمان عن الصادق (ع) في حديث الدراهم الاثنى عشر ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال للجارية مرى بين يدي ودليني على اهلك وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وقف على باب دارهم وقال: السلام عليكم يا اهل الدار فلم يجيبوه فاعاد عليهم السلام فلم يجيبوه فأعاد السلام فقالوا: وعليك السلام يارسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال: مالكم تركتم اجابتي في اول السلام والثاني، قالوا يارسول الله سمعنا سلامك فاحببنا ان نستكثر منه... الخ (1). وهي ظاهرة الدلالة على كفاية المرة للتحيات العديدة فليتأمل. ومن جميع ما ذكرنا يظهر انه لا مجال للرجوع في المقام إلى اصالة عدم التداخل. (1): للاطلاقات بعد حدوث موجب جديد للرد وسقوط الموجب الاول بالامتثال فان مقتضاها عدم الفرق بين كون التحية الحادثة مسبوقة بتحية اخرى مردودة ام لا.


(1) الوسائل: باب 40 من ابواب احكام العشرة ح 1 و 2.

[ 498 ]

[ وهكذا الا إذا خرج عن المتعارف فلا يجب الجواب حينئذ (1). (مسألة 24): إذا كان المصلي بين جماعة فسلم واحد عليهم وشك المصلي في ان المسلم قصده أيضا أم لا لا يجوز له الجواب (2) نعم لا بأس به بقصده (3) للقرآن أو الدعاء (مسألة 25): يجب جواب السلام فورا (4) فلو اخر عصيانا أو نسيانا بحيث خرج عن صدق الجواب ] (1): لعدم صدق التحية بل هي اشبه بالسخرية ومقتضى الاصل البراءة. (2): لاصالة عدم قصده وعدم تعلق السلام به، فيكون الرد حينئذ من كلام الادمي غير المقرون بمسوغ شرعي. (3): قد مر غير مرة ما في هذا القصد وانه لا ينفع فلاحظ. (4): على المشهور والوجه فيه ان ذلك هو من مقتضيات مفهوم الرد عرفا لتقوم رد التحية بالارتباط بها بحيث يعد جوابا لها، فلا يصدق مع الفصل المعتد به نظير الارتباط المعتبر بين الايجاب والقبول فكما انه مع الفصل المخل لا يكون قبولا للايجاب، فكذا في المقام لا يعد ردا للسلام، وانما هو تحية اخرى بحيالها فالمحافظة على الارتباط تستدعى المبادرة إلى الجواب ومراعاة الفورية بطبيعة الحال وهذا واضح.

[ 499 ]

[ لم يجب، وان كان في الصلاة لم يجز (1) وان شك في الخروج عن الصدق وجب (2). وان كان في الصلاه (3) لكن الاحوط حينئذ قصد القرآن ] (1): لعدم كونه مصداقا للرد السائغ حسبما عرفت. (2): استنادا إلى استصحاب بقاء الوقت وعدم الخروج عن صدق الرد. ولكنه لا يتم سواء أكانت الشبهة مفهومية بان تردد الوقت الذي ينتفي الصدق معه بين الاقل والاكثر، ام كانت موضوعية بان علمت الكمية وانها دقيقة واحدة - مثلا وشك في انقضائها وعدمه. اما الاول: فلما هو المقرر في محله من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية لعدم الشك في بقاء شئ أو ارتفاعه، بل في سعة المفهوم وضيقه وهو خارج عن نطاق الاصل ومفاده ولا يكاد يرتبط به واما الثاني: فلاجل ان اصالة بقاء الوقت لا يترتب عليها صدق عنوان الرد الذى هو الموضوع للحكم الا بنحو الاصل المثبت لكونه من لوازمه العقلية، فلا يقاس ذلك باستصحاب بقاء النهار لاثبات وجوب الصلاة أو الصيام لا نهما مترتبان عليه شرعا، واما أصالة بقاء صدق الرد فهو من الاستصحاب التعليقي كما لا يخفى. إذا فوجوب الرد في المقام مبنى على الاحتياط، ومقتضى الصناعة عدمه. (3): قد عرفت الاشكال في الوجوب وعليه فمقتضى الاحتياط

[ 500 ]

[ أو الدعاء (مسألة 26): يجب اسماع الرد سواء كان في الصلاة أو لا (1). ] الرد والاتمام ثم اعادة الصلاة اما الاول فلاحتمال وجوبه، واما الثاني فلاحتمال حرمة القطع واما الثالث فلاحتمال بطلان الصلاة بكلام الادمي، وقد تقدم غير مرة ان قصد القرآن أو الدعاء لا ينفع في حصول الاحتياط. (1): اما في غير حال الصلاة فالمعروف هو الوجوب، بل عن الذخيرة عدم وجدان الخلاف فيه ويستدل له تارة برواية عبد الله ابن الفضل الهاشمي: (.. التسليم علامة المؤمن إلى ان قال: كان الناس فيما مضى إذا سلم عليهم وارد أمنوا شره، وكانوا إذا ردوا عليه أمن شرهم... الخ (1) فان الامن من الشر منوط بالاسماع. واخرى: برواية ابن القداح عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا سلم احدكم فليجهر بسلامه، ولا يقول سلمت فلم يردوا علي، ولعله يكون قد سلم ولم يسمعهم فإذا رد أحدكم فليجهر برده، ولا يقول المسلم سلمت فلم يردوا علي (2). والدلالة واضحة ايضا كالاولى لكن سنديهما ضعيف. اما الاولى فبعدة من المجاهيل، واما الثانية فبسهل بن زياد فلا يمكن التعويل.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب التسليم ح 13. (2) الوسائل: باب 38 من احكام العشرة ح 1.

[ 501 ]

على شئ منهما، على ان لسان التعليل مشعر بابتناء الحكم على الاستحباب وكونه من الاداب. ولكنا في غنى عنهما لصحة مضمونهما، فان السلام الذي هو تحية عرفية متقوم باظهار الامن والتسليم المنوط - طبعا بالاسماع. كما ان رد هذه التحية مقتوم في مفهومه بالايصال والابلاغ ولا يكون إلا بالاسماع ولو تقديرا فلا يصدق عنوان (الرد عليه) الوارد في موثقة عمار من دون الاسماع المزبور. واما في حال الصلاة فقد نسب إلى المحقق عدم وجوب الاسماع استنادا إلى بعض النصوص الظاهرة في وجوب الاخفات بعد حملها عليه. منها: صحيحة منصور بن حازم المتقدمة: إذا سلم عليك الرجل وانت تصلى قال: ترد عليه خفيا (1). فان ظاهرها وان كان هو وجوب اخفاء الرد لكنه ترفع عنه اليد بالاجماع القائم على جواز الاسماع، أو يقال: إنها لمكان ورودها موقع توهم الحظر وحرمة الرد في الصلاة لا تدل على اكثر من الترخيص في الاخفات. ومنها: موثقة عمار بن موسى المتقدمة. (إذا سلم عليك رجل من المسلمين وانت في الصلاة فرد عليه فيما بينك وبين نفسك ولا ترفع صوتك. وظاهرها وان كان وجوب الاخفاء ايضا لكنه نرفع اليد عنه للوجهين المزبورين كيف وصحيح محمد بن مسلم المتقدم (3) كالصريح في جواز الاسماع كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 16 من ابواب القواطع ح 2. (2) و (3) الوسائل: باب 16 من أبواب القواطع ح 4 و 1.

[ 502 ]

[ الا إذا سلم ومشى سريعا أو كان المسلم اصم فيكفي الجواب على المتعارف (1) بحيث لو لم يبعد أو لم يكن اصم كان يسمع. ] ومنها: صحيحة محمد بن مسلم: (إذا سلم عليك مسلم وانت في الصلاة فسلم عليه تقول: السلام عليك واشر بالصبعك (1) بدعوى ظهور قوله: واشر... الخ إلى أن المفهم للرد إنما هو الاشارة لا الاسماع. والجواب: اما عن الاخيرة فبمنع الظهور لعدم كون المقصود بالاشارة الافهام المزبور لتكون بدلا عن الاسماع، وانما هي بدل عن الاقبال والالتفات المقرون بهما رد التحية غالبا فلا ينافي ذلك ما تقتضية الاطلاقات من جواز الاسماع أو وجوبه. واما عن الاوليتين فبما ذكره في الجواهر من الحمل على ما يقابل الجهر العالي والمبالغة في رفع الصوت المتداول في ردود التحية لاجل بعد المسلم ونحوه للمنع عن ذلك في الصلاة فلا ينافي جواز الاسماع مقتصرا على ادناه بل قد عرفت وجوبه لتقوم مفهوم الرد به. وربما يرشد إلى هذا الحمل قوله في الموثقة (ولا ترفع صوتك). والمتحصل: انه لا فرق في وجوب الاسماع بين حال الصلاة وغيرها لوحدة المناط. (1): اما في المورد الاول من الاستثناء فالظاهر عدم وجوب


(1) الوسائل: باب 16 من أبواب القواطع ح 5.

[ 503 ]

[ (مسألة 27): - لو كانت التحية بغير لفظ السلام كقوله (صبحك الله بالخير) أو (مساك الله بالخير) لم يجب الرد (1) وان كان هو الاحوط. ] الجواب من اصله لقصور المقتضي حيث عرفت ان مفهوم رد التحية متقوم بالايصال والابلاغ المنوطين بالاسماع، فمع تعذره لم يجب الرد الفعلى، والرد التقديري الفرضي بحيث لم لو يسرع لكان يسمع لا دليل عليه. نعم لو كان الاسماع بالاضافة إلى الرد من قبيل الواجب في واجب لامكن القول بعدم سقوط الثاني بتعذر الاول ولكنه كما ترى. واما في المورد الثاني: فلا يبعد وجوب الرد في الصم العارض. إذا لا قصور في شمول الاطلاقات له، ومجرد تعذر الاسماع لا يستوجب سقوط الرد بعد التمكن من ايصاله إليه باشارة ونحوها فانه لا شأن للاسماع ما عدا الابلاغ والايصال، وحيث تعذر فليمكن من سبيل آخر، وقد عرفت ان الاسماع التقديري لا دليل عليه. نعم يشكل الوجوب في الصم الذاتي لاقترانه بالخرس الموجب لعدم صدور التسليم منه الا على نحو الاشارة وتحريك اللسان، ولا دليل على وجوب الرد لمثل هذا التسليم فضلا عن اسماعه ولم ينهض دليل على قيام اشارته مقام قوله بنطاق عام وانما ثبت ذلك في موارد خاصة كالتشهد والقراءة ونحوهما من غير قرينة تستوجب التعدي عنها وعلى تقدير وجوب الرد بدعوى صدق التحية على اشارته فلا يجب الا باشارة مثلها دون الجواب اللفظي والاسماع التقديري كما لا يخفى (1): يقع الكلام تاره في الرد في غير حال الصلاة، واخرى

[ 504 ]

في حالها. اما في الموضع الاول: فقد نسب إلى العلامة وجوب الرد تمسكا باطلاق رد التحية، ولكن المشهور عدمه لعدم الدليل عليه. واما التحيه في الاية الشريفة فهي اما ظاهرة في خصوص (السلام) كما نص عليه جملة من اللغويين، أو ان المراد بها ذلك كما عن اكثر المفسرين. ومع الغض وتسليم ظهورها في مطلق انواعها فلا ينبغي الشك في عدم وجوب رد غير السلام منها. كيف ولو كان واجبا مع كثرة الابتلاء بأنواع التحيات في كل يوم عده مرات لا غلب الناس لاشتهر وبان وشاع وذاع واصبح من الواضحات فكيف لم يقل بوجوبه احد ما عدا العلامة، بل السيرة القطعية قائمة على خلافه فلا مناص من حمل الامر في الاية الشريفة - على هذا التقدير - على الاستحباب في غير السلام الثابت وجوب رده بضرورة الفقه. واما في الموضوع الثاني: فبناءا على عدم وجوب الرد في غير حال الصلاة فالامر واضح. واما بناءا على الوجوب فكذلك على ما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) حيث تضمنت سكوته (ع) حينما قال له ابن مسلم: (كيف اصبحت) إذ لا ريب في كونه نوعا من التحية العرفية؟ فسكوته (ع) خير دليل على عدم الوجوب. على انا بنينا على وجوب الرد فصحة الصلاة معه لا تخلو عن الاشكال لعدم الدليل على اغتفار ما عدا رد السلام من كلام الآدميين، ومن البين ان وجوب التكلم لا ينافي البطلان كما لو


(1) الوسائل: باب 16 من ابواب قواطع الصلاة ح 1.

[ 505 ]

[ ولو كان في الصلاة فالاحوط الرد بقصد الدعاء (1). (مسأله 28): - لو شك المصلي في ان المسلم سلم بأي صيغة فالاحوط ان يرد بقوله سلام عليكم (2) بقصد القرآن أو الدعاء. ] اضطر إليه لانقاذ الغريق مثلا. إذا فمقتضى عموم قدح التكلم في الصلاة هو البطلان وان بنينا على وجوب الرد. (1) ان اريد به قصد الدعاء والرد معا بحيث يكون الجواب مجمعا للعنوانين فقد تقدم غير مرة ان هذه الاحتياط غير نافع بل مخالف للاحتياط وان اريد به قصد الدعاء المحض من غير ان يتضمن المخاطبة مع الغير فلا بأس به، وقد عرفت عدم وجوب الرد مطلقا. (2): لا شبهة في كفاية هذا الجواب بناءا على ما هو الصواب من عدم اعتبار المماثلة الا من حيث تقديم المبتدأ لوقوعه حينئذ جوابا عن كل من الصيغ الاربع المحتمل وقوعها، بل قد عرفت كفايته حتى لو تضمنت الصيغة الواقعة تقديم الظرف وتأخير المبتدأ الرد مجز على جمع التقادير. واما بناء على اعتبارها من تمام الجهات حتى التعريف والتنكير والافراد والجمع فلا يخلو حينئذ عن الاشكال بعدما تكرر غير مرة من عدم وقع للاحتياط المذكور في المتن. هذا

[ 506 ]

[ (مسألة 29): يكره السلام على المصلي (1). ] وسبيل الاحتياط هو التنزل إلى الامتثال الاحتمالي بعد تعذر التفصيلي فيحيب باحدى الصيغ برجاء المماثلة، ثم يعيد الصلاة لاحتمال عدمها المترتب عليه البطلان حسب الفرض. بل له قطع الصلاة بعد الجواب المزبور واستينافها نظرا إلى قصور دليل حرمة القطع - لو تم - عن الشمول لمثل المقام فانه الاجماع والقدر المتيقن منه غير ما نحن فيه. (1): على المشهور ويستدل له بروايتين: احداهما: رواية الخصال المتقدمة المتضمنة للنهي عن السلام على المصلى معللا بانه لا يستطيع الرد ولكنها ضعيفة السند ب‍ (محمد ابن على ماجيلويه) شيخ الصدوق كما تقدم. ثانيتهما: موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد (ع) قال: كنت اسمع ابي يقول: إذا دخلت المسجد الحرام والقوم يصلون فلا تسلم عليهم... الخ (2). فان الرجل موثق على الاظهر لظهور التوثيق المذكور في عبارة النجاشي عن ترجمته في رجوعه إليه لا إلى اخيه الحسن كما لا يخفى إذا فالرواية معتبرة والتعبير عنها بالخبر المشعر بالضعف في غير محله. غير ان بازائها ما رواه الشهيد في الذكرى قال: روى البزنطي عن


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب قواطع الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب القواطع ح 2.

[ 507 ]

[ (مسألة 30): رد السلام واجب كفائي (1) فلو كان المسلم عليهم جماعة يكفي رد احدهم ولكن الظاهر عدم ] الباقر (ع) قال: إذا دخلت المسجد والناس يصلون فسلم عليهم.. الخ (1). ولكنها ضعيفة السند لجهالة طريق الشهيد إلى كتاب البزنطي مضافا إلى انه من اصحاب الرضا (ع) لا يمكن روايته عن الباقر (ع) بلا واسطة فالسند مخدوش من وجهين فتوصيفه بالقوة كما في بعض العبائر غير واضح. وعليه فتبقى الموثقة بلا معارض، ومقتضى الجمود على ظاهر النهى الوارد فيها هو الحرمة لكنه محمول على الكراهة لكون الجواز من المسلمات كما تفصح عنه جملة من النصوص ففي صحيحة محمد بن مسلم قال: دخلت على ابى جعفر (ع) وهو في الصلاة فقلت: السلام عليك فقال: السلام عليك.. الخ وفى موثقة سماعة: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان قائما يصلي فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه عمار فرد عليه النبي صلى الله عليه وآله هكذا) (2). فان تقرير الباقر (ع) لفعل ابن مسلم كتقرير النبي صلى الله عليه وآله لفعل عمار خير دليل على الجواز، فلذلك يحمل النهى المزبور على الكراهة (1): بلا خلاف فيه كما عن غير وحد، بل عن التذكرة دعوى الا جماعه عليه، وتدل عليه صريحا موثقة غياث بن ابراهيم


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب القواطع ح 3. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب القواطع ح 1 و 2.

[ 508 ]

[ سقوط الاستحباب بالنسبة إلى الباقين (1) بل الاحوط رد كل من قصد به (2)، ولا يسقط برد من لم يكن داخلا في تلك الجماعة، أو لم يكن مقصودا، والظاهر عدم كفاية رد الصبي المميز أيضا (4) والمشهور على ان الابتداء ] عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا سلم من القوم واحد اجزأ عنهم، وإذا رد واحد اجزأ عنهم، المؤيدة بمرسلة ابن بكير (1): لما دل على استحباب افشاء السلام كما سنشير إليه. (2): هذا الاحتياط غير ظاهر الوجه بعد صراحة الموثقة في السقوط عن الباقين. نعم هو وجيه عند من يستضعف النص لاعتباره عدالة الراوي، فان غياثا بتري وليس باثنى عشري، ولكن الماتن يرى ما هو الصواب من حجية خبر الثقة وان لم يكن عدلا. فالاحتياط المزبور كأنه في غير محله. (3): لعدم اندراجه تحت الموثقة فيبقى وجوب الرد على حاله بعد عرائه عن المسقط ومنه يظهر الحال فيما بعده (4): تقدم منه (قده) في المسألة الحادية والعشرين الاستشكال في الكفاية، وقد عرفت انه في محله نظرا إلى ان سقوط الواحب بغير الواجب يحتاج إلى دليل مفقود في المقام. وعليه فلابد من الاحتياط بالتصدي للرد رعاية لقاعدة الاشتغال - بعد الشك في حصول المسقط - ثم اعادة الصلاة لعدم احراز كونه


(1) الوسئل: باب 46 من أبواب احكام العشرة ح 2 و 3.

[ 509 ]

[ بالسلام ايضا من المستحبات الكفائية، فلو كان الداخلون جماعة يكفي سلام احدهم (1) ولا يبعد بقاء الاستحباب بالنسبة إلى الباقين أيضا (2) وان لم يكن مؤكدا. (مسأله 31): يجوز سلام الاجنبي على الاجنبية وبالعكس على الاقوى (3) إذا لم يكن هناك ريبة أو خوف فتنة، حيث ان صوت المرأة من حيث هو ليس عورة. ] من افراد الخاص المستثنى من عموم قدح التكلم. (1): لموثقة غياث المتقدمة. (2): ربما يورد على ما افاده (قده) في المقام وعلى نظيره مما تقدم في رد السلام عند قوله: (ولكن الظاهر الخ) بان مادل على وجوب الرد أو استحباب السلام قد خصص بما في الموثقة من اجزاء الواحد عن الاخرين الكاشف عن سقوط الامر عن الباقين، فما الدليل حينئذ على الاستحباب. ويمكن دفعه بانه يكفي في اثبات الاستحباب النصوص المتكاثرة الناطقة باستحباب افشاء السلام ونشره لصدق السلام على الرد ايضا ولا يختص بالسلام الابتدائي. إذا فالاستحباب لكل واحد من الباقين وان كان ساقطا بالنظر إلى الدليل الاولى، ولكنه يثبت بمقتضى الدليل الثانوي. (3): لاطلاق الادلة بعد عدم كون صوت المراة من حيث هو عورة كما تقدم في مبحث القراءة - ليستوجب التقييد بالمماثل.

[ 510 ]

[ (مسأله 32): مقتضى بعض الاخبار عدم جواز الابتداء بالسلام على الكافر (1) ] وهكذا الحال في اطلاقات الرد، مضافا، إلى بعض النصوص الخاصة كصحيحة ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسلم على النساء ويرددن عليه السلام وكان امير المومنين (ع) يسلم على النساء وكان يكره ان يسلم على الشابة منهن ويقول: اتخوف ان يعجبني صوتها فيدخل علي اكثر مما اطلب من الاجر (1) فانها: صريحة في الجواز لولا خوف الفتنة، بل في الاستحباب بمقتضى قوله (ع): (مما اطلب من الاجر). (1): كما ذهب إليه جماعة مستدلين له بجملة من النصوص منها: موثقة غياث بن ابراهيم عن ابي عبد الله (ع) قال: قال امير المؤمنين (ع) لا تبدأو اهل الكتاب بالتسليم، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم. ومنها: ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا من رواية ابي القاسم بن قولوية عن الاصبغ قال: سمعت عليا (ع) يقول: ستة لا ينبغي ان تسلم عليهم اليهود والنصارى.. الخ ومنها: ما في قرب الاسناد عن ابي البختري عن جعفر بن محمد عن ابيه (ع) ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تبدأوا اهل الكتاب


(1) الوسائل: باب 48 من ابواب احكام العشرة ح 1.

[ 511 ]

[ إلا لضرورة لكن يمكن الحمل على ارادة الكراهة (1) وان سلم الذمي على مسلم فالاحوط الرد بقوله عليك أو بقوله سلام دون عليك (2) ] اليهود والنصار بالسلام، وان سلموا عليكم فقولوا عليكم.. الخ (1). لكن الاخيرة ضعيفة السند بأبى البخترى الذي قيل انه اكذب البرية، وكذا ما قبلها لجهالة طريق ابن ادريس إلى ابن قولوية كجهالة الواسطة بينه وبين اصبغ بن نباتة الذي هو من اصحاب الامير (ع) وبينهما فصل طويل، والعمدة انما هي الموثقة. (1): جمعا بين ما تقدم وبين ما هو صريح في الجواز كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: قلت لابي الحسن (ع) ارأيت ان احتجت إلى طبيب وهو نصراني اسلم عليه وادعو له، قال: نعم انه لا ينفعه دعاؤك. ودعوى: ان موردها الحاجة فيكون جواز السلام مختصا بهذه الصورة (مدفوعة) بان مورد الحاجة طبه وهو لا يلازم الضروروة إلى التسليم عليه لجواز التحية بساير التحيات العرفية من الترحيب ونحو فيكون مقتضى الجمع هو حمل ما تقدم على الكراهة. (2): ينبغى التكلم في جهات: الاولى: لو سلم الذمي فهل يجب رده؟ قد يقال: بالعدم، واختاره


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب احكام العشرة ح 1 و 8 و 9. (2) الوسائل: باب 53 من أبواب احكام العشرة ح 1.

[ 512 ]

في الجواهر لعدم الدليل عليه فان النصوص المتعرضة لرده ناظرة إلى كيفية الرد، وان من تصدى للجواب فليقل هكذا لا إلى اصل الوجوب، وان شئت قلت انها واردة مورد توهم الحظر، فلا تدل على ازيد من الرخصة. ولكن الظاهر هو الوجوب، فان النصوص الخاصة وان كان الامر فيها كما ذكر الا ان الاطلاقات كقوله (ع) في موثقة السكوني: (السلام تطوع والرد فريضة)، وفي صحيحة عبد الله بن سنان (رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام) (1) غير قاصرة الشمول للكافر، بل يمكن الاستدلال باطلاق الاية الشريفة بناءا على ان يكون المراد من التحية خصوص السلام لا مطلق التحية فانها حينئذ محمولة على الاستحباب كما تقدم. الجهة الثانية: هل يجب رده في حال الصلاة ايضا؟ الظاهر عدم الوجوب لاختصاص بعض نصوص الباب بالمسلم كقوله (ع) في صحيحة ابن مسلم: (إذا سلم عليك مسلم.، الخ وفى موثقة عمار: (إذا سلم عليك رجل من المسلمين) (2). نعم: الموضوع في ساير النصوص كصحيحة محمد بن مسلم الاخرى وموثقة سماعة، وصحيحة منصور (3) مطلق يشمل المسلم وغيره إلا انه لم يكن بد من تقييده بالاول بقرينة الامر بالرد بالمثل غير الثابت في حق الكافر قطعا كما ستعرف.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب احكام العشرة ح 3 و 1. (2) الوسائل: باب 16 من أبواب قواطع الصلاة 5 و 4. (3) الوسائل: باب 16 من أبواب قواطع الصلاة ح 1 و 2 و 3.

[ 513 ]

[ (مسألة 33): المستفاد من بعض الاخبار انه يستحب ان يسلم الراكب على الماشي، واصحاب الخيل على اصحاب البغال وهم على اصحاب الحمير. والقائم على الجالس، والجماعة القليلة على الكثيرة والصغير على الكبير (1). ] نعم: الاحتياط بالرد ثم الاعادة حسن وفى محله. الجهة الثالثة: في كيفية الرد وقد اختلفت فيه النصوص، ففي معتبرة زرارة الاقتصار على كلمة (سلام) عن ابي عبد الله (ع) قال: تقول في الرد على اليهودي والنصراني سلام (1) فان السند وان اشتمل على عبد الله بن محمد الذى هو ابن عيسى اخو احمد بن محمد بن عيسى ولم يوثق في كتب الرجال لكنه موجود في اسناد كامل الزيارات. وفى صحيحة زرارة: الاقتصار على كلمة (عليك) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: دخل يهودي إلى ان قال: فإذا سلم عليكم كافر فقولوا عليك، ونحوها موثقة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (ع) قال إذا سلم عليك اليهودي والنصراني والمشرك فقل عليك (2). ومقتضى الجمع التخيير بين الكلمتين وعدم جواز الجمع بينهما. (1): الاخبار المشار إليها وان كانت جملة منها ضعيفة السند الا ان فيها ما يمكن الاعتماد عليه وهو ما رواه الكليني باسناده عن


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب احكام العشرة ح 1. (2) الوسائل: باب 49 من أبواب احكام العشرة ح 4 و 3.

[ 514 ]

[ ومن المعلوم ان هذا مستحب في مستحب (1) والا فلو وقع العكس لم يخرج عن الاستحباب ايضا. (مسألة 34): إذا سلم سخرية أو مزاحا فالظاهر عدم وجوب رده (2). (مسألة 35): إذا سلم على احد شخصين ولم يعلم انه ] ايهما اراد لا يجب الرد على واحد منهما (3)، وان كان عنبسة بن مصعب عن ابي عبد الله (ع) قال: القليل يبدأون الكثير بالسلام، والراكب يبدأ الماشي، واصحاب البغال يبدأون اصحاب الحمير، واصحاب الخيل يبدأون اصحاب البغال (1). فان عنبسة وصالح بن السندي الواقعين في السند وان لم يوثقا صريحا لكنها موجودان في اسناد كامل الزيارات فتصبح الرواية معتبرة. (1): إذ لا مقتضى لتقييد المطلقات في باب المستحبات، بل يحمل الامر بالخصوصية على افضلية ذي المزية والاختلاف في مرات بالفضيلة. (2): لا نصراف التحية الواجب ردها عن مفروض المسألة. (3): لاصالة البراءة بعد عدم تنجيز العلم الاجمالي في مثل المقام مما تعدد فيه المكلف، ولم يتوجه الخطاب نحو شخص واحد كما في واجدي المني في الثوب المشترك، بل لكل منهما التمسك باصالة عدم قصد المسلم اياه، أو عدم توجه التكليف بالرد إليه بعد وضوح عدم


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب احكام العشرة ح 3.

[ 515 ]

[ الاحوط في غير حال الصلاة الرد من كل منهما (1). (مسألة 36): إذا تقارن سلام شخصين كل على الآخر وجب على كل منهما الجواب (2) ولا يكفي سلامه الاول لانه لم يقصد الرد بل الابتداء بالسلام. ] معارضته باستصحاب عدم قصد الغير، أو عدم توجه التكليف إليه، إذ لا يثبت به قصد نفسه أو توجه التكليف إليه الا على القول بالاصل المثبت. (1): وكذا في صلاة لا يحرم قطعها كالنافلة دون الفريضة بناءا على حرمة القطع لكون المتبع عموم حرمة المنع من الكلام بعد عدم احراز كون المقام من افراد المخصص. نعم بناءا على جواز القطع فحيث ان الاحوط ايضا تركه كالرد فلا جرم يتزاحم الاحتياطان الاستحبابيان اعني الرد وترك القطع ويتقدم ما هو الاهم. ومن البين انه إذا اختار الرد اعاد الصلاة، لكونه - بعد اصالة عدم السلام عليه - من الكلام القادح كما عرفت. (2): لعموم وجوب الرد بعد عدم كفاية ما صدر في اسقاطه لعدم قصد الرد به كما افيد في المتن. ولكنه: منظور فيه لتطرق الخدش في عموم يصلح للاستناد إليه فيما نحن فيه. اما الآية الشريفة فعمومها وان كان انحلاليا، شاملا للمقام إلا انه مبنى على ان يكون المراد من التحية خصوص السلام ليكون الامر بالرد على سبيل الوجوب وهو قابل للمنع لجواز ان يراد

[ 516 ]

[ (مسألة 37): يجب جواب سلام قارئ التعزية والواعظ ونحوهما من اهل المنبر (1)، ] بها مطلق التحية المستلزم لحمل الامر حينئذ على الاستحباب كما تقدم نفى العبد عنه. واما الروايات فطائفة منها (1) وردت لبيان كيفية الرد من غير تعرض لاصل الوجوب ليتمسك باطلاقه. وطائفة اخرى: وردت في باب الصلاه الاجنبي عما نحن فيه لعدم امكان فرض التقارن بين سلام المصليين بعد منع البدءة بالسلام في الصلاة كما هو واضح. وطائفة ثالثة: وهى العمدة دلت على وجوب الرد كصحيحة عبد الله بن سنان وموثقة السكوني (2). ولكن دعوى انصرافها عن صورة التقارن غير بعيدة نظرا إلى ان المنساق منها ان السلام تحية واحسان، ولاجله لابد من تداركه ومثل هذا اللسان منصرف إلى صورة التعاقب كما لا يخفى. إذا فالحكم المذكور في المتن مبني على الاحتياط كما اشير إليه في تعليقة الاستاذ - دام ظله -. (1): لعموم وجوب الرد بعد وضوح كونه قاصدا للتحية كغيره. من المسلمين.


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب احكام العشرة. (2) الوسائل: باب 33 من أبواب احكام العشرة ح 1 و 3.

[ 517 ]

[ ويكفي رد أحد المستمعين (1). (مسألة 38): يستحب الرد بالاحسن (2) في غير حال الصلاة بان يقول في جواب (سلام عليكم) (سلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، بل يحتمل ذلك فيها أيضا (3) وان كان الاحوط الرد بالمثل. ] (1): لكون وجوب الرد كفائيا كما تقدم. (2): لقوله سبحانه: (فحيوا باحسن منها). (3): لما تقدم من ان المراد من المماثلة المأمور بها في النصوص التماثل من حيث تأخير الظرف في مقابل تقديمة لا في تمام الجهات إذا فلا مانع من تلك الزيادة عملا باطلاق الرد بالاحسن. ويندفع: بان هذه وجيه لولا ما ورد في الاخبار - كما مر - من تعيين الرد في اجوبة خاصة من قول: (السلام عليك) أو (سلام عليكم) مما لا يجوز التخطي عنه لاندراجه في كلام الآدمي، وبذلك يرتكب التقييد في اطلاق دليل الرد بالاحسن ويقيد بغير حال الصلاة. وبعبارة اخرى: مقتضى عموم قدح التكلم في الصلاة عدم جواز الرد الا بالمقدار المرخص فيه وهو ما عرفت فتبقى تلك الزيادة مشمولة للعموم. ومنه تعرف عدم جواز الاتيان بتلك الزيادة حتى لو اشتمل التسليم عليها، فلو اضاف المسلم كلمة (ورحمة الله) لا يضيفها المجيب إذ لا تقتضيها المماثلة بعدما عرفت المراد منها فتندرج في عموم المنع.

[ 518 ]

[ مسألة 39): يستحب للعاطس ولمن سمع عطسة الغير (1) وان كان في الصلاة (2) أن يقول (الحمد لله) أو يقول الحمد لله وصلى الله على محمد وآله، بعد ان يضع ] (1): لجملة من الاخبار التي منها معتبرة الحسن بن راشد عن أبي عبد الله (ع) قال: من عطس ثم وضع يده على قصبة انفه ثم قال: الحمد الله رب العالمين حمدا كثيرا كما هو اهله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم خرج من منخره الايسر طائر اصغر من الجراد واكبر من الذباب حتى يصير تحت العرش يستغفر الله إلى يوم القيامة وفى مرسلة ابن ابي عمير (... إذا عطس احدكم فليقل: الحمد الله رب العالمين وصلى الله على محمد واهل بيته.. الخ). وفى رواية ابي اسامة: (من سمع عطسة فحمد الله عزوجل وصلى على محمد واهل بيته لم يشتك عينه ولا ضرسه ثم قال: ان سمعتها فقلها وان كان بينك وبينه البحر (1). (2): يدل عليه مضافا إلى الاطلاقات المتقدمة - بعد وضوح جواز ذكر الله والصلاة على النبي في الصلاة بل استحبابه وكونه من الصلاة كما في صحيح الحلبي (2) - جملة من النصوص الخاصة. كصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا عطس الرجل في صلاته فليحمد الله عزوجل، ورواية ابي بصير قال: قلت


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب احكام العشرة ح 4 و 1 و 2. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب التسليم ح 1.

[ 519 ]

[ اصبعه على انفه (1) وكذا يستحب تسميت العاطس (2) بان يقول له (يرحمك الله)، أو (يرحمكم الله) وان كان في الصلاة (3)، وان كان الاحوط الترك حينئذ، ويستحب للعاطس كذلك ان يرد التسميت بقوله يغفر الله لكم. ] له اسمع العطسة فاحمد الله واصلي على النبي صلى الله عليه وآله وانا في الصلاة قال: نعم وان كان بينك وبين صاحبك اليم (1). (1): ظاهره استحباب الوضع المزبور لكل من العاطس والسامع مع ان معتبرة ابن راشد المتقدمة التي هي المستند لهذا الحكم مختصة بالاول، ولم نعثر على نص يدل عليه في السامع. (2): كما نطقت به جملة من النصوص بل في بعضها ان ذلك من حق المسلم على اخيه كما في معتبرة جراح المدائني (2). (3): على المشهور بل لم ينقل الخلاف فيه، ويستدل له - كما في الجواهر - بان التسميت دعاء للعاطس، وحيث انه، سائغ في الصلاة فلا قصور في شمول الاطلاقات له. ولكنه غير واضح لما تقدم من ان المستثنى هو عنوان المناجاة مع الرب لا الدعاء بما هو دعاء: ولا ريب في عدم صدقه على التسميت فانه تخاطب مع المخلوق لا تناج مع الخالق فيشمله حينئذ عموم قدح التكلم المستوجب لبطلان الصلاة.


(1) الوسائل: باب 18 من أبواب قواطع الصلاة ح 4 و 3. (2) الوسائل: باب 57 من أبواب احكام العشرة ح 1.

[ 520 ]

وعليه: فان بنينا على عدم حرمة القطع مطلقا أو كانت الصلاة نافلة فلا محذور في شمول الاطلاقات فيسمت ويعيد الصلاة ولا شئ عليه. واما إذا بنينا على الحرمة كما هو المشهور فان قلنا بان مركز التحريم ومصبه هو نفس القطع لا سببه من التكلم والقهقهة ونحوهما من موجبات القطع وان هذه الاسباب لا حرمة لها في حد ذاتها اندرج المقام حينئذ في باب التزاحم إذ لا تعارض ولا تضاد في مقام الجعل بين استحباب التسميت وبين حرمة القطع بعد ان كان موضوع كل منهما مغايرا مع الآخر غاية الامر ان المصلي لا يستطيع الجمع بين ترك المحرم وامتثال المستحب. ومن البين جدا انه كلما دار الامر بينهما قدم الاول ضرورة ان ما فيه الالزام لا يزاحمه مالا الزام فيه. واما إذا قلنا بان متعلق التحريم انما هو ذات الاسباب دون القطع المسبب عنها كما قد يقتضية ما ورد من ان تحريمها التكبير وتحليلها التسليم حيث يستظهر منه ان التكبيرة توجب حرمة المنافيات بانفسها من التكلم والقهقهة ونحوها فيندرج المقام حينئذ في باب التعارض حيث ان التسميت مستحب بمقتضى الاطلاقات، وحرام ايضا لكونه مصداقا للتكلم (وبعبارة اخرى): اطلاق دليل استحباب التسميت يشمل حال الصلاة، كما ان اطلاق ما دل على حرمة التكلم في الاثناء يشمل التسميت فلا جرم تقع المعارضة بين الاطلاقين بالعموم من وجه. الا انه ينبغى التردد في لزوم تقديم الثاني وتحكيمة فان مورد الاستحباب انما هو ذات التسميت بعنوانه الاولي ولا ينافي ذلك تحريمه

[ 521 ]

[ السادس: تعمد القهقهة (1) ولو اضطرار (2)، وهي: الضحك المشتمل على الصوت والمد والترجيع، ] بالعنوان الثانوي وهو كونه موجبا لقطع الفريضة نظير ما ورد من استحباب اكل الرمان يوم الجمعة فانه لا ينافي تحريمه بالعنوان الثانوي من الغصب أو منع الوالد ونحوهما. ومنه تعرف عدم جواز رد التسميت للمصلى. وعلى الجملة: فالتسليم والترحيب والتسميت ورده كل ذلك امور مستحبة في حد انفسها ولكنها تحرم لدى عروض عنوان ثانوي. ولا يرى العرف تنافيا بينهما بوجه. (1): هذا الحكم في الجملة مما لا خلاف فيه ولا اشكال وقد نطقت به جملة من الاخبار التي منها صحيحة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة. وموثقة سماعة قال: سألته عن الضحك هل يقطع الصلاة؟ قال: اما التبسم فلا يقطع الصلاة، واما القهقهة فهى تقطع الصلاة (1). كما لا اشكال ايضا في اختصاص البطلان بصورة العمد فلا بطلان مع السهو لا لقصور في اطلاق النصوص كما يظهر من المحقق الهمداني (قده)، بل لحديث لا تعاد وانما الاشكال في موردين. (احدهما): ما لو إلى القهقهة فالمشهور هو


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب قواطع الصلاة ح 1 و 2.

[ 522 ]

[ بل مطلق الصوت على الاحوط، ولا بأس بالتبسم، ولا بالقهقهة سهوا. ] البطلان ايضا خلافا لما نسب إلى الاردبيلي (قده) من الحاقه بالسهو لحديث رفع الاضطرار الموجب لارتفاع المبطلية في هذه الصورة. والصواب ما عليه المشهور، بل لا ينبغى التأمل فيه لعدم صلاحية الحديث لاثبات الصحة والا لحكم بها فيمن اضطر أو اكره على التكلم في اثناء الصلاة وهو كما ترى. والسر ما تكررت الاشارة إليه في مطاوى هذا الشرح من اختصاص مورد الحديث بما إذا تعلق الاضطرار أو الاكراه بنفس المأمور به لا بفرد من افرادة، ومن البين ان المأمور به في امثال المقام انما هو الطبيعي الجماع المحدود ما بين الحدين، والذي تعلق به الاضطرار أو الاكراه انما هو فرد من افراده فما هو المأمور به لم يتعلقا به، وما تعلقا به لم يكن مأمورا به بعد تمكنه من الاتيان بفرد آخر غير مقرون بهذا المانع، فلاجله لا يشمل الحديث امثال هذه الموارد. على ان القهقهة الحاصلة حالة الصلاة تنشأ عن الاضطرار غالبا حيث يرى المصلى ما يوجب تعجبه فيضحك من غير اختيار. فالتخصيص بالاختياري حمل للمطلق على الفرد النادر الذي فيه من البشاعة مالا يخفى. نعم مقدماته لعلها اختيارية غالبا، فله ان لا يصلى في المجلس الذى تذكر فيه القصص المضحكة، أو انه لا ينصت إليها، واما بعد حصول المقدمات فالقهقهة قهرية وخارجة

[ 523 ]

[ نعم الضحك المشتمل على الصوت تقديرا كما لو امتلا جوفه ضحكا (1) واحمر وجهه لكن منع نفسه من اظهار الصوت حكمه حكم القهقهة. ] عن الاختيار. (1): (ثانيهما): في المتوسط مابين القهقهة والتبسم كمن امتلا جوفه ضحكا مع احمرار وجهه وامتناعه من اظهار الصوت، فان الاول مبطل قطعا، كما ان الثاني غير مبطل جزما اما لانه ليس من الضحك أو انه ضحك غير مبطل بصريح النصوص المتقدمة. واما الحد المتوسط فقد حكم بمبطليته جماعة منهم صاحب الجواهر واختاره في المتن. وهو مبني على امرين: الاول: دخوله في مفهوم الضحك عرفا. الثاني: إن الضحك مطلقا ما عدا التبسم مبطل للصلاة كما قد يستظهر ذلك من موثقة سماعة المتقدمة المفصلة بين التبسم والقهقهة جوابا عن سؤال مبطلية الضحك حيث يعرف من ذلك مبطلية ما عدا التبسم من مصاديق الضحك وحيث ان الحد المتوسط المزبور لا يصدق عليه التبسم بالضرورة فلا جرم يكون محكوما بالبطلان. وغير خفي ان كلا من الامرين قابل للمناقشة. اما الاول: فلمنع صدق الضحك عليه أيضا غايته وجود مقتضيه فيه لا انه ضاحك بالفعل، وهذا كدافع الاخبثين فان المدافعة تكشف عن تمامية الاقتضاء لخروج الخبث مع عدم صدق المحدث ما لم

[ 524 ]

يخرج بالضرورة، فكما لا يصدق للحدث قبل خروج الناقض فكذلك لا يصدق الضاحك قبل خروج الصوت. فامتلاء الجوف من الضحك كامتلائه من الاخبثين لا اثر له. واما الثاني: فلا نسلم المبطلية لكل ضحك - لو سلم صدق الضحك في المقام - لعدم الدليل عليه فان الذى تعرضت له الموثقة هو مبطلية القهقهة وعدم مبطلية التبسم من غير تعرض للحد المتوسط بينهما الذى هو خارج عن كل منهما موضوعا ولعله لندرته وحينئذ فكما يحتمل الحاقة حكما بالاول يحتمل الحاقه بالثاني من غير ترجيح لاحدهما على الاخر. ونظير المقام ما ورد في غسل ما اصيب بالبول في صحيحة محمد ابن مسلم من قوله (ع): (اغسله في المركن مرتين فإن غسلته في ما جاء فمرة واحدة (1) حيث لم تتعرض لحكم الغسل في الكر بعد وضوح خروجه عن موضوع القليل والجاري فانه كما يحتمل الحاقه حكما بالاول يحتمل الحاقة بالثاني. بل ان مقتضى الجمود على ظاهر النص الذى علق فيه البطلان على عنوان القهقهة اختصاصه بها وعدم ثبوته في غيرها بعد وضوح عدم اندراج هذا القسم من الضحك فيها. ومنه: تعرف حكم الضحك المشتمل على مجرد الصوت من غير مد وترجيح فانه كما يمكن دخوله في حكم القهقهة وان خرج عنها موضوعا لعدم التقهقة فيه كذلك يمكن دخوله في حكم التبسم وان خرج عن موضوعه لاختصاصه بما لا صوت فيه ولكن المبطل لما كان


(1) الوسائل: باب 2 من ابواب النجاسات ح 1.

[ 525 ]

[ السابع: تعمد البكاء (1) المشتمل على الصوت، بل ] عنوان القهقهة فمقتضى الجمود على النص الاقتصار عليه. ومما يدل على الاختصاص المزبور صحيحة ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول: ان التبسم في الصلاة لا ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء إنما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة (1). إذا فالضحك المشتمل على الصوت من دون القهقهة أو على الصوت التقديري لا دليل على مبطليته وان كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه. ثم ان هذه الرواية لا ينبغي التأمل في صحتها إذ الرهط الذين يروي عنهم ابن أبي عمير لا يروون إلا عن الامام. ولاجله كان مرجع الضمير في قوله (سمعوه) هو المعصوم (ع)، ولا شبهة في اشتمال الرهط على من يعتمد عليه (1):. على المشهور بل عن المدارك دعوى الاجماع عليه. ويستدل له (تارة) برواية أبي حنيفة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن البكاء في الصلاة ايقطع الصلاة؟ فقال: ان بكى لذكر جنة أو نار فذلك هو افضل الاعمال في الصلاة، وان كان ذكر ميتا له فصلاته فاسدة. (واخرى) بمرسلة الصدوق قال: وروى ان البكاء على الميت يقطع الصلاة، والبكاء لذكر الجنة والنار من افضل الاعمال في الصلاة (2).


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب قواطع الصلاة ح 3. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب قواطع الصلاة ح 4 و 2.

[ 526 ]

[ وغير المشتمل عليه على الاحوط (1) ] ولا يبعد إن تشير المرسلة إلى الرواية الاولى لاتحاد مضمونها. وعلى أي حال فلا عبرة بها حتى لو كانت رواية مستقلة لمكان الارسال والمستند: إنما هي الرواية الاولى غير انها ضعيفة السند لمكان أبي حنيفة المعلوم حاله على ان الراوي عنه وهو النعمان بن عبد السلام لم تثبت وثاقته. ودعوى: انجبار ضعفها بعمل المشهور ممنوعة صغرى وكبرى. اما الثانية: فواضحة واما الاولى فلان هذه الشهرة على ما يظهر من الحدائق انما حصلت بعد زمن الشيخ للتبعية له في فتاواه ومن ثم سموا بالمقلدة والشهرة الجابرة هي الحاصلة بين القدماء لا المتأخرين وعلى الجملة: فلا نص يعول عليه لاثبات البطلان. واما الاستدلال له بكونه من الفعل الكثير فهو كما ترى لعدم الملازمة بينهما، ومع حصوله فالبطلان لاجله لا لاجل البكاء بعنوانه كما هو المدعى: فلم ينهض دليل على البطلان، ومن ثم استشكل فيه المحقق الاردبيلي، وتبعه صاحب المدارك. إذا فالحكم مبنى على الاحتياط. (2): قد عرفت انحصار المستند في رواية أبي حنيفة الضعيفة وعليه فان لم نقل بالانجبار كما هو المختار فلا دليل على البطلان حتى في المشتمل على الصوت فضلا عن غير المشتمل. وان قلنا به كما عليه المشهور فالوارد في الخبر كلمة (البكاء) ممدودة والمعروف عنه اهل اللغة انها اسم للصوت مع الدمع في قبال

[ 527 ]

المقصورة التي هي اسم للدمع بلا صوت. وعليه فيختص البطلان بما اشتمل على الصوت. ودعوى: عدم ثبوت كون المذكور في الخبر هو الممدود كدعوى عدم ثبوت ما هو المنقول عن اللغة وجواز كون الكلمة اسما لمطلق الدمع وان خلت عن الصوت (مدفوعة) اما الاولى فباطباق النسخ الصحيحة على ضبط الكلمة ممدودة على ان مجرد الاحتمال كاف في لزوم الاقتصار على المقدار المتيقن والرجوع فيما عداه وهو الخالي عن الصوت إلى اصالة البراءة. ومنه: تعرف ما في الدعوى الثانية، إذ غايتها ان يكون من إجمال المفهوم ودورانه بين الاقل والاكثر الذي مقتضاه أيضا لزوم الاقتصار على المقدار المتيقن. واما ما يظهر من الحدائق من ان البحث عن اللغة أو عن كيفية ضبط الكلمة قليل الجدوى إذ المذكور في الخبر كلمة (بكى) بصيغة الماضي وهي مشتقة من الجامع بين الممدود والمقصور على ما هو الصواب من ان الافعال مشتقة مما تشتق منه المصادر لا من نفس المصادر فهى صادقة عليهما وشاملة لواجد الصوت وفاقدة. فيندفع: بان المذكور في كلام الامام (ع) وان كان كذلك إلا ان السؤال لما كان عن حكم المصدر فلا جرم كان الاطلاق منزلا على ما في كلام السائل رعاية لتطابق الجواب مع السؤال، ومعه لا مجال للتمسك بالاطلاق بعد الاقتران بما يصلح للقرينية. فالمتحصل: انه لا سبيل إلى اثبات المبطلية لغير المشتمل على الصوت بهذا الخبر، ومقتضى الاصل البراءة عنها

[ 528 ]

[ لامور الدنيا (1) واما البكاء للخوف من الله ولامور الآخرة فلا بأس به، بل هو من افضل الاعمال (2) والظاهر ان البكاء اضطرارا أيضا مبطل (3)، نعم لا بأس به إذا كان سهوا (4) بل الاقوى عدم البأس به إذا كان لطلب امر دنيوي من الله فيبكي تذللا له تعالى - ليقضى حاجته (5) ] (1): فان مورد النص وان كان هو البكاء لذكر الميت لكن الظاهر بقرينة المقابلة مع ذكر الجنة والنار ان المراد به كل ما يتعلق بامور الدنيا من زوال نعمة أو الوقوع في نقمة، وتخصيصه، بالذكر انما هو من باب المثال. (2): لجملة من الاخبار التي منها ما رواه الصدوق باسناده عن منصور بن يونس بزرج انه سأل الصادق (ع) عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتى يبكي، فقال: قرة عين والله، وقال إذا كان ذلك فاذكرني عنده (1). (3): - لاطلاق النص بعد عدم صلوح حديث رفع الاضطرار لاثبات الصحة كما تقدم في نظائر المقام من القهقهة ونحوها. نعم لا شبهة في ارتفاع الحرمة التكليفية على القول بحرمة قطع الفريضة. (4): لا لحديث الرفع لما عرفت آنفا، بل لحديث لا تعاد. (5) لخروجه عن منصرف النص والفتوى نظرا إلى ظهورهما في كون الباعث على البكاء فوات امر دنيوي وعدم حصوله، لا البكاء لاجل تحصيل الفائت تذللا واستعطافا بمن ازمه الامور طرا بيده


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب قواطع الصلاة ح 1.

[ 529 ]

[ الثامن: كل فعل ماح لصورة الصلاة قليلا كان أو كثيرا (1) كالوثبة والرقص والتصفيق ونحو ذلك مما هو مناف للصلاة ولا فرق بين العمد والسهو. وكذا السكوت الطويل الماحي وأما الفعل القليل الغير الماحي بل الكثير الغير الماحي فلا بأس به مثل الاشارة باليد لبيان مطلب، وقتل الحية والعقرب وحمل الطفل وضمه وارضاعه عند بكائه، وعد الركعات بالحصى، وعد الاستغفار في الوتر بالسبحة ونحوها مما هو مذكور في النصوص، واما الفعل الكثير، أو السكوت الطويل المفوت للموالاة بمعنى المتابعة العرفية إذا لم يكن ماحيا للصورة فسهوه لا يضر، والاحوط الاجتناب عنه عمدا. ] كيف ومثل هذا البكاء تصدق عليه المناجاة مع الرب فلا يكون مبطلا. ومنه: يظهر حكم البكاء لما اصاب الدين من ضعف الاسلام والمسلمين، أو لمصاب المعصومين عليهم السلام أو لفقد احد من العلماء العاملين فان مرجع الكل إلى البكاء لامر اخروي لا دنيوي ليستوجب البطلان كما هو ظاهر. (1): لا ريب في عدم قدح الفصل بين إجزاء الصلاة بالفعل الكثير الذى يكون من سنخها من ذكر أو دعاء أو قرآن كقراءة السور الطوال أو دعاء كميل وما شاكلهما لكونه معدودا من نفس الصلاه على ما نطق به النص.

[ 530 ]

واما ما لا يكون مسانخا لها فالمشهور انه مبطل للصلاة، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، وخصه بعضهم بما إذا كان ماحيا للصورة بحيث خرج به عن كونه مصليا، بل ذكر بعضهم ان العبرة بالماحي سواء أكان كثيرا ام قليلا وقد اختاره في المتن هذا. وقد اعترف غير واحد بعدم ورود نص يدل على مبطلية الفعل الكثير بعنوانه، كما ان العلامة صرح بعدم ورود تحديد شرعي لضابط الكثرة وان العبرة في ذلك بالعرف والعادة كساير الموارد التي لم يرد فيها حد شرعي المحكوم بالرجوع إلى النظر العرفي. واما الماحي فقد ذكر له في المتن امثلة ثلاثة وعد منها التصفيق مع ورود النص الصحيح بعدم مانعيته وجوازه لدى الحاجة. ففى صحيح الحلبي انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يريد الحاجة وهو في الصلاة، فقال يومى برأسه ويشير بيده ويسبح، والمرأة إذا ارادت الحاجة وهي تصلي فتصفق بيديها (1). وكيفما كان فان أريد بالكثرة الكثرة العددية فلا ينبغي الشك في انها بمجردها لا تستوجب البطلان، فان من اخذ سبحة بيده وادارها بخرزاتها المائة أو حرك جفنيه أو ضرب باصبعه على فخذه مائة مرة لا يحتمل ان يفتى فقيه ببطلان صلاته بذلك. وان اريد بها الكثرة الزمنية التي حددها بعض الشافعية بان تكون بمقدار الاتيان بركعة كاملة فهذا وان استوجب البطلان لكنه مستند إلى فقد الموالاة المعتبرة بين الاجزاء. ومن ثم لو سكت هذه المدة ولم يأت بقليل ولا كثير بحيث انفصلت الاجزاء اللاحقه عن السابقة


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب قواطع الصلاة ح 2.

[ 531 ]

على نحو لا تصلح للانضام حكم بالبطلان بلا كلام. فلا موضوعية للكثرة الزمانية بعنوانها، بل المبطل حينئذ هو الفصل الموجب للاخلال بالموالاة، وزوال الهيئة الاتصالية سواء أكان الفاصل فعلا كثيرا ام سكوتا طويلا. وان أريد بها العمل الاجنبي المستوعب لمقدار من الوقت وان كان مقرونا بالاجزاء لا متخللا بينها كما لو اشتغل اثناء القراءة بالكتابة أو الخياطة أو تقشير الفاكهة ونحوها فالبطلان بذلك أول الكلام فانه موقوف على نهوض ما يدل على اعتبار عدمها في الصلاة، كما نهض في مثل الاكل والشرب - حيث يمنع عنهما حتى المأموم حال اشتغال الامام بالقراءة غير المخل للموالاة بوجه - والا فليس للعرف سبيل لتشخيص القادحية في الامور الشرعية التعبدية التي زمام قيودها الوجودية والعدمية بيد مخترعها، فما عن العلامة من ايكال ذلك إلى النظر العرفي ليس كما ينبغي. ودعوى: ان مثله لا يقال انه يصلي بل يكتب - مثلا - مدفوعة بصدق كلا العنوانين، فيقال انه يصلى ويكتب، والكلام في قادحية الصدق الثاني التي هي اول الدعوى. وما في الحدائق: من احتياج الجواز إلى الدليل مبني على القول باصالة الاحتياط في العبادات وهو خلاف ما عليه المحققون من الرجوع إلى اصالة البراءة في الاقل والاكثر الارتباطيين دون الاشتغال. هذا مع ان عدة من الاخبار دلت على جواز جملة من الافعال اثناء الصلاة مما لا شبهة في عد بعضها عرفا من الفعل الكثير كرمي الكلب بحجر، أو رمى أحد بحصاة ليأتي نحوه كما فعله الصادق (ع)

[ 532 ]

[ التاسع: - الاكل والشرب (1) الماحيان للصورة فتبطل ] أو قتل الحية أو العقرب أو الارضاع الام ولدها وحمله معها، أو الذهاب عند الرعاف أو رؤية النجاسة في الثوب أو البدن للتطهير ثم العود لاتمام الصلاة، أو تصفيق المرأة للتنبيه على الحاجة، ونحو ذلك مما اورده صاحب الوسائل في الباب التاسع والعاشر من أبواب القواطع. والحاصل: ان الكبرى الكلية المذكورة في كلمات القوم من قادحية الفعل الكثير بما هو وبوصفه العنواني لا تمكن المساعدة عليها إلا فيما قام عليه دليل بالخصوص من اجماع ونحوه كما في الاكل والشرب أو اوجب الاخلال بالموالاة المعتبرة بين الاجزاء المستلزم - طبعا - لمحو صورة الصلاة فتبطل حينئذ لهذه العلة. ومنه: تعرف ان ما في المتن من عد الوثبة والرقص والتصفيق منافيا للصلاة الظاهر في كونها كذلك بجميع مراتبها محل اشكال بل منع. ثم ان من جميع ما ذكرناه يتضح لك ان البطلان في الفعل الكثير ان كان مستندا إلا الاخلال بالموالاة بحيث أوجب سلب اسم الصلاة فلا يفرق حينئذ بين العمد والسهو، إذ لا صلاة حسب الفرض كي يمكن تصحيحها بحديث لا تعاد فانه سالبة بانتفاء الموضوع. وان كان مستندا إلى دليل آخر من نص أو اجماع فتختص - طبعا - بصورة العمد لكونها مع السهو مشمولة للحديث المزبور. (1) ذهب الشيخ وجم غفير ممن تأخر عنه إلى مانعية الاكل والشرب في الصلاة، بل نسبه في الحدائق إلى المشهور، ومقتضى

[ 533 ]

عدهم بذلك عنوانا مستقلا في مقابل الفعل الكثير أو الماحي ان المانعية ثابتة لنفس هذين العنوانين سواء أعدا من الفعل الكثير، ام لا فتبطل بالاكل ولو لقمة، وبالشرب ولو جرعة. نعم: جعلهما العلامة من الفعل الكثير حتى في مثل اللقمة نظرا إلى ان تناول المأكول ومضغه وابتلاعه افعال كثيرة وهكذا المشروب. ولكنه كما ترى فإن مقتضاها عد نحو لبس خاتم أو مسح الانف بالمنديل من الفعل الكثير ايضا لانحلالهما إلى افعال كثيرة من ادخال اليد في الجيب واخراج الخاتم أو المنديل ولبسه أو المسح به، ولا يظن ان يلتزم فقيه بعدم جوازه. فالظاهر انهم يرون البطلان لنفس العنوان لا للاندراج تحت الضابط المزبور حسبما ذكرناه. ومن ثم اشكل عليهم غير واحد من الفقهاء منهم المحقق في المعتبر بعدم الدليل عليه وطالبوهم بمستند هذه الفتوى، هذا والذى ينبغي ان يقال: اما بالنسبة إلى ابتلاع بقايا الطعام الموجودة في الفم فضلا عن المتخللة ما بين الاسنان، أو السكر الذي يذوب شيئا فشيئا وينزل فلا ينبغي إلاشكال في عدم بطلان الصلاة بها - وان بطل الصوم - بل قد أدعى الاجماع على ذلك، فمحل الاشكال ما كان مصداقا للاكل والشرب عرفا لا صوما، وحينئذ فان استوعب من الوقت مقدارا يخل بالموالاة العرفية بحيث لا تنسجم الاجزاء اللاحقة بالسابقة فلا ريب في البطلان لكن لا لتحقق الاكل والشرب، بل لفوات الموالاة ومحو صورة الصلاة. ويحتمل ان الشيخ ومن تبعه من القائلين بالمانعية يريدون بها ذلك؟ وانما خصوهما بالذكر مقدمة لاستثناء الوتر - كما سيجئ -

[ 534 ]

[ الصلاة بهما عمدا كان أو سهوا (1) والاحوط الاحتناب عما كان ] غير أنه يبعده اختصاص الاستثناء بالشرب فلماذا الحقوا به الاكل. وكيفما كان: فلا شبهة في البطلان لدى بلوغ هذا الحد. واما إذا كان دونه فلم يتضح حينئذ وجه للبطلان عدا ما ادعاه في الجواهر من قيام سيرة المتشرعة عليه بمثابة يعرفه حتى الصبيان. وفيه: ان السيرة وان كانت متحققة الا ان اتصالها بعصر المعصوم (عليه السلام) الذي هو مناط حجيتها غير معلوم فان الاطفال إنما تلقوها من آبائهم وهم من علمائهم إلى ان يتصل بعصر الشيخ الطوسي (قده) ولم تكن المسألة معنونة قبله كي يعرف الاتصال، وعليه فان ثبت الاجماع التعبدي على المبطلية فهو الحجة وإلا فاثباتها بحسب الصناعة في غاية الاشكال. ومن هنا: يمكن ان يقال أن ما سيأتي من الرواية الدالة على جواز الشرب اثناء الوتر مطابق للقاعدة ولم يكن استثناء في المسألة نظرا إلى ان هذا المقدار من الفصل لم يكن مخلا بالموالاة العرفية إذ لم يكن هو أكثر مما فعله النبي صلى الله عليه وآله على ما رواه الصدوق - من انه رأى نخامة في المسجد فمشى إليها بعرجون من عراجين ارطاب فحكها ثم رجع القهقهرى فبنى على صلاته (1) فإذا لم يكن الاجماع ثابتا كان الحكم المزبور مطابقا للقاعدة. (1): هذا وجيه لو كان البطلان لاجل محو الصورة، واما لو كان لاجل الاجماع مع حفظها فلا مانع من التصحيح لدى السهو


(1) الوسائل باب 36 من أبواب قواطع الصلاة ح 1.

[ 535 ]

[ منهما مفوتا للموالاة العرفية عمدا (1)، نعم لا بأس بابتلاع بقايا الطعام الباقية في القم أو بين الاسنان وكذا بابتلاع قليل من السكر الذي يذوب وينزل شيئا فشيئا (2) ويستثنى ايضا ما ورد في النص (3) بالخصوص من جواز شرب الماء لمن كان مشغولا بالدعاء في صلاة الوتر وكان عازما على الصوم في ذلك اليوم، ويخشى مفاجأة الفجر وهو عطشان والماء امامه ومحتاج إلى خطوتين أو ثلاثة، فانه يجوز له التخطي والشرب حتى يروي. ] بحديث لا تعاد كما تقدم في المبطل السابق. (1): كما تقدم البحث عنه في فصل الموالاة. (2): كما تقدم آنفا. (3): - وهو ما رواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد، عن الهيثم بن ابي مسروق النهدي، عن محمد بن هيثم، عن سعيد الاعرج قال: قلت لابي عبد الله (ع) إني ابيت واريد الصوم فأكون في الوتر فاعطش فاكره ان اقطع الدعاء واشرب واكره ان اصبح عطشانا وامامي قلة بيني وبينها خطوتان أو ثلاثة، قال: تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدعاء. وما رواه الفقية باسناده عن سعيد الاعرج انه قال قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك إني اكون في الوتر واكون قد نويت الصوم فأكون في الدعاء واخاف الفجر فاكره ان اقطع على نفسي الدعاء

[ 536 ]

[ وان طال زمانه (1) إذا لم يفعل غير ذلك من منافيات الصلاة (2) حتى إذا اراد العود إلى مكانه رجع القهقرى لئلا يستدبر القبلة، والاحوط الاقتصار على الوتر المندوب ] واشرب الماء وتكون القلة امامي قال: فقال لي: (فاخط إليها الخطوة والخطوتين والثلاث واشرب وارجع إلى مكانك ولا تقطع على نفسك الدعاء (1). اما من حيث السند فكلتاهما معتبرة، إذ ليس في سند الاولى من يغمز فيه ما عدا النهدي حيث لم يرد فيه توثيق ولكنه ممدوح مضافا إلى كونه من رجال كامل الزيارات. واما طريق الصدوق في الثانية فهو وان تضمن عبد الكريم بن عمرو الذى قال الشيخ في حقه انه واقفي خبيث لكن الظاهر ان مراده خبث العقيدة لمكان الوقف من غير طعن في حديثه فلا ينافي ما قاله النجاشي في حقه من انه ثقة ثقة. واما من حيث الدلالة فهما صريحتان في الجواز الا ان الكلام في مقدار الاستثناء وستعرفه. (1): لاطلاق النص (2):. إذ لا نظر في النص الا إلى الجواز من حيث الشرب دون ساير المنافيات.


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب قواطع الصلاة ح 1 و 2.

[ 537 ]

[ وكذا على خصوص شرب الماء (1) فلا يلحق به الاكل وغيره، نعم الاقوى عدم الاقتصار على الوتر ولا على حال الدعاء فيلحق به مطلق النافلة. وغير حال الدعاء (2) وان كان الاحوط الاقتصار. ] (1): جمودا في الحكم المخالف للقاعدة على مورد النص وهو خصوص الوتر، بل خصوص حال التشاغل بالدعاء المراد به على الظاهر - القنوت المأتي به في مفردتها. ولكن الشيخ تعدى إلى مطلق النافلة نظرا إلى اختصاص دليل المنع وهو الاجماع بالفريضة كما ان المحقق ايضا تعدى إلى غير الدعاء من احوال الوتر للقطع بل الاجماع على الغاء خصوصية المورد، واعترض على ما ذهب إليه الشيخ من التعدي بانه لم يعلم اي اجماع اشار إليه بعد اطلاق معقده والنص لا يدل الا على الجواز في خصوص الوتر بقيود معينة لا ينبغي التعدي عنها وهو في محله. الا ان يقال: ان البطلان انما هو من اجل الاخلال بالموالاة وهذا المقدار من الفصل لا يوجبه فالنص مطابق للقاعدة، إذا فكما ان خصوصية الدعاء ملغاة فكذلك خصوصية الوترية لوحدة المناط فيشمل الحكم جميع النوافل. واما الاجماع فحيث ان المتيقن منه هو الفريضة فيختص المنع بها ويبقى غيرها تحت اصالة عدم المنع. (2): كما عرفت.

[ 538 ]

[ العاشر: تعمد قول آمين (1) ] (1): على المشهور بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه. ونسب إلى أبى الصلاح وابن الجنيد القول بالجواز وان لم تتحقق النسبة كما نسب المحقق القول بالكراهة إلى قائل مجهول. وعن المحقق في المعتبر اختصاص المنع بالمنفرد. وكيفما كان فالمتبع هو الدليل. ويقع الكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة، واخرى بالنظر إلى الروايات الخاصة فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: فالتأمين المبحوث عنه في المقام يتصور على انحاء: فتارة: يقصد به الجزئية كما قد تفعله جهلة العامة وعوامهم فان علماءهم يقصدون به الاستحباب - ولا ريب حينئذ في البطلان لكونه من الزيادة العمدية القادحة سواء أتى به جهرا ام سرا، بعد الفاتحة ام في موضع آخر، اماما كان أو مأموما أو منفردا لاتحاد المناط في الكل. وأخرى: يقصد به الدعاء أي طلب الاجابة بهذه الكلمة التي هي من اسماء الافعال بمعنى - استجب اما لما دعا هو بنفسه كما لو قصد عند قوله (اهدنا الصراط المستقيم) القرآنية والدعاء معا بناءا على جوازه كما تقدم في محله، أو لما دعا به غيره كما لو سمع وقتئذ من يدعو فأمن ولا ريب أيضا في عدم البطلان في تمام الصور لعدم الضير في الدعاء والمناجاة مع الله تعالى اثناء الصلاة لما جاء في النص من انه (كلما ذكرت الله عزوجل والنبي صلى الله عليه وآله

[ 539 ]

فهو من الصلاة) (1). وثالثة: لا يقصد به شيئا منهما كما لو امن تبعا للقوم جهلا منه بالمعنى لكونه من غير العرب - مثلا - واللازم حينئذ هو الحكم بالبطلان لكونه من كلام الآدميين بعد عدم صدق الدعاء عليه لفقد القصد حسب الفرض. واما الجهة الثانية: فيستدل للمانعية بطائفة من الاخبار منها صحيحة جميل عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا كنت خلف امام فقرأ الحمد وفرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل آمين (2). بناءا على ظهور النهي في باب المركبات في الارشاد إلى الفساد، وحيث ان ظاهرها - بقرينة النهي عن التأمين - كون الامام من العامة فهي ناظرة إلى ما يفعلونه من الاتيان بقصد الجزئية أو الاستحباب ولا تدل على المانعية فيما إذا قصد به الدعاء فهي إذا مطابقة لما قدمناه من القاعدة التي مقتضاها - كما عرفت - عدم الفرق بين الامام والمأموم والمنفرد، ولا بين مواضع الصلاة وحالاتها وان كان مورد الصحيحة خصوص المأموم. نعم لو سلم دلالتها على المانعية المطلقة لزم الاقتصار على موردها وهو المأموم بعد القراءة، واما الامام والمنفرد أو المأموم في موضع آخر فلا مانع لهم من الاتيان به بقصد الدعاء لقصور الصحيحة عن شمولها لهم.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب التسليم ح 1. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب القراءة ح 1.

[ 540 ]

ومنها: رواية محمد الحلبي قال: سألت ابا عبد الله (ع) اقول: إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين، قال: لا (1) بالتقريب المتقدم وموردها الامام والمنفرد لقوله: إذا فرغت... الخ، وكأن القائل بالتعميم استند إليها بضميمة الصحيحة المتقدمة، ولكنها ضعيفة السند ب‍ (محمد بن سنان) فلا يمكن التعويل عليها. ومنها: ما في حديث زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: ولا تقولن إذا فرغت من قراءتك آمين فان شئت قلت: الحمد لله رب العالمين (2). وموردها خصوص الامام أو المنفرد وقد عبر عنها بالمصححة في بعض الكلمات، وليس كذلك فان هذه الفقرة لم تكن في رواية زرارة المعتبرة، وانما ذكرت فيما رواه الصدوق باسناده عنه وهو ضعيف لاشتماله على محمد بن على ماجيلويه، فالطريق المعتبر خال عن هذه الزيادة، وما اشتمل عليها ضعيف السند وقد اشار صاحب الوسائل إلى الطريقين في الباب الاول من افعال الصلاة الحديث الخامس والسادس. ومنها: صحيحة معاوية بن وهب قال قلت لابي عبد الله (ع) اقول آمين إذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هم اليهود والنصارى ولم يجب في هذا (3). وهي كصحيحة جميل خاصة بالمأموم وبعد الفاتحة. ويظهر من


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب القراءة ح 3. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب القراءة ح 4. (3) الوسائل: باب 17 من أبواب القراءة ح 2.

[ 541 ]

الجواهر ان الجملة الاخيرة من زيادة صاحب الوسائل. وكيفما كان: فيستشعر من السكوت والاعراض عن الجواب والتعرض للتفسير - الظاهر في ابتنائه على التقية - عدم الجواز. إذ لو كان جائزا لصرح به، ولم يكن وجه لما ذكر كما اشار إليه في الوسائل. بل احتمل في الجواهر (1) ان يكون قوله: (هم اليهود والنصارى) هو الجواب ايعازا إلى ان هذا من عملهم عند تلاوة امامهم في صلاتهم وتشنيعا على العامة المقتفين لاثرهم وان لم يفهمه السائل وتخيل ان هذا تفسير للآية جواب عن سؤاله فتكون الدلالة على المنع اظهر. وربما تعارض هذه النصوص بصحيحة اخرى لجميل ظاهرة في الجواز، ويجمع بينها بالحمل على الكراهة. قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب: آمين، قال: ما احسنها واخفض الصوت بها (2). بناءا على ان كلمة (ما) للتعجب، وان قوله: (واخفض الخ) امر من الامام (ع) بخفض الصوت لدى التأمين، ولعلها هي المستند لمن خص الجواز بالاسرار. واما بناءأ على كون الكلمة نافيه وان قوله: (واخفض... الخ) من كلام السائل اراد به ان الامام (ع) اخفض صوته عند الجواب تقية. فهي إذا مطابقة للنصوص المتقدمة، وتخرج عن المعارضة إلى المعاضدة.


(1) الجواهر: ج 10 ص 4. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب القراءة ح 5.

[ 542 ]

[ بعد تمام الفاتحة (1) لغير ضرورة من غير فرق بين الاجهار ] ولكن الاحتمال الاخير ضعيف لان خفض الصوت ثلاثي مجرد ولم يعهد استعماله من باب الافعال فلا يقال اخفض صوته، بل الصحيح خفض. وحيث ان الموجود في الصحيحة رباعي فيتعين كونه من كلام الامام (ع) وامرا منه بالخفض كما عرفت. فلا مناص من الاذعان بالمعارضة. الا ان الجمع المزبور في غاية الضعف ضرورة ان اقل مراتب الاستحسان الذي دلت عليه هذه الصحيحة هو الاستحباب وهو مضاد مع الكراهة، فكيف يمكن حمل تلك النصوص عليها؟! بل المتعين في مقام الجمع هو الحمل على التقية لموافقتها للعامة. والمتحصل من جميع ما تقدم ان عمدة الدليل على المنع انما هي الصحيحة الاولى لجميل فان قلنا بانصرافها إلى ما هو المتعارف بين العامة من الاتيان بقصد الجزئية فالحكم إذا مطابق للقاعدة، ومقتضاها عدم الفرق بين المأموم وغيره، ولا ما بعد الفاتحة أو موضع آخر. وان قلنا: بدلالتها على المنع المطلق حتى بقصد الدعاء فحيث انه مخالف للقاعدة فلا بد من الاقتصار على موردها، وعلى التقديرين فيختص البطلان بما إذا قصد به الجزئية أو لم يقصد به الدعاء كما اشار إليه سيدنا الاستاذ - دام ظله - في تعليقتة الانيقة واتضح وجهه ما مر فلاحظ. (1): لاختصاص النصوص بذلك.

[ 543 ]

[ به والاسرار، للامام والمأموم والمنفرد (1)، ولا بأس به في غير المقام المزبور بقصد الدعاء (2)، كما لا بأس به مع السهو (3) وفي حال الضرورة (4) بل قد يجب معها، ولو تركها اثم لكن تصح صلاته على الاقوى (5). (الحادي عشر): الشك في ركعات الثنائية والثلاثية والاوليين من الرباعية على ما سيأتي (6). (الثاني عشر): زيادة جزء أو نقصانه عمدا ان لم يكن ] (1): لاستفادة التعميم من مجموع النصوص مضافا إلى اطلاق معاقد الاجماعات. (2): - لان ذلك هو مقتضى القاعدة مع عدم ورود نص على خلافها. (3): - لحديث لا تعاد الشامل باطاق للموانع (4): - لعموم ادلة التقية التي مقتضاها صحة العمل الموافق لها في مثل المقام. (5): - من غير فرق بين اعتقاد العامة جزئية التأمين كما لعله الشايع عن جهالهم أو عدمها كما يراه علماؤهم، إذ لا يستفاد من ادلة التقية اكثر من الوجوب النفسي لا جزئية ما يتقى فيه ليستوجب فقده البطلان، وان شئت قلت غاية ما يترتب في المقام على ادلة التقية انما هو رفع المانعية لا قلبها إلى الجزئية (6): - سيأتي الكلام فيه وفيما بعده مستوفى في مباحث الخلل

[ 544 ]

[ ركنا، ومطلقا إن كان ركنا. (مسألة 40): لو شك بعد السلام في انه هل احدث في اثناء الصلاة ام لابنى على العدم والصحة (1). (مسألة 41): لو علم بانه نام اختيارا وشك في انه هل اتم الصلاة ثم نام أو نام في اثنائها بنى على انه اتم ثم نام (2) واما إذا علم بانه غلبه النوم قهرا أو شك في انه ] ان شاء الله تعالى، (1) اما لاستصحاب الطهارة فيحكم بالصحة بضم الوجدان إلى الاصل أو لقاعدة الفراغ الحاكمة عليه حتى في الموافقة له (2): - لقاعدة الفراغ ولكنا ذكرنا في محله ان مقتضى التعليل بالاذكرية والاقربية إلى الحق الوارد في بعض نصوص الباب اختصاص القاعدة بموارد احتمال الغفلة وعدم شمولها لاحتمال الابطال العمدي والاخلال الاختياري. وعليه: فينبغي التفصيل في المقام ونظائره من ساير المبطلات


(1) هكذا كان - دام ظله - بانيا عليه سابقا في مباحثه الفقهية والاصولية ولكنه عدل عنه اخيرا وبنى على الشمول لهما معا كما صرح به في الطبعة الاخيرة من تعليقته الانيقة على المسألة السادسة والخمسين من فروع العلم الاجمالي واوضحناه ثمة بنطاق واسع وبيان مشبع عند التعرض لشرح هذه المسألة في الجزء السابع من هذا الكتاب ص 282 - 279.

[ 545 ]

[ كان في اثناء الصلاة أو بعدها وجب عليه الاعادة وكذا إذا رأى نفسه نائما في السجدة وشك في انها السجدة الاخيرة من الصلاة أو سجدة الشكر بعد اتمام الصلاة ولا يجرى قاعدة الفراغ في المقام (1). (مسألة 42): إذا كان في اثناء الصلاة في المسجد ] كالتكلم والاكل ونحوهما بين ما إذا كان النوم الاختياري المفروض في المسألة مقرونا باحتمال الابطال العمدي لغرض من الاغراض وبين ما إذا لم يكن كما لو احتمل انه غفل عن كونه في الصلاة ومن ثم نام اختيارا من دون احتمال التعمد في ذلك فتجري القاعدة في الصورة الثانية دون الاولى. وحيث لا مؤمن للصحة فيها فلا بد من الاعادة بقاعدة الاشتغال. والتمسك باصالة عدم حدوث النوم في الصلاة كالتمسك بقاعدة الصحة التي يقتضيها ظاهر حال المسلم كما ترى. (1): لما عرفت آنفا من اختصاص الجريان بما إذا كان الخلل المحتمل مستندا إلى الغفلة فقط. واما مع العلم بعدمها واحتمال الاستناد إلى موجب آخر كالنوم القهري في المقام فلا مجال لجريانها. ومن ثم منعنا عن جريانها في موارد انحفاط صورة العمل واستناد الصحة إلى مجرد المصادفة الواقعية كما لو شك بعد التوضي بمايع معين في اطلاقه واضافته، أو بعد الصلاة إلى جهة معينة في كونها القبلة وحيث لا تجري فالمتبع قاعدة الاشتغال حسبما عرفت.

[ 546 ]

[ فرأى نجاسة فيه فان كانت الازالة موقوفة على قطع الصلاة اتمها ثم ازال النجاسة (1) وإن امكنت بدونه بان لم يستلزم الاستدبار ولم يكن فعلا كثيرا موجبا لمحو الصورة وجبت الازالة ثم البناء على صلاته (2). (مسألة 43): ربما يقال بجواز البكاء على سيد الشهداء ارواحنا فداه في حال الصلاة وهو مشكل (3). ] (1): بل الاقوى التخيير بينهما لما تقدم في كتاب الطهارة عند التعرض لاحكام المساجد في المسألة الخامسة من فصل (وجوب ازالة النجاسة عن البدن) من ان دليل كل من حرمة قطع الفريضة وفورية الازالة هو الاجماع حيث انه دليل لبي لااطلاق له يشمل صورة المزاحمة مع الآخر. فالمرجع في موردها اصالة البراءة عن كل منهما ونتيجتها التخيير بين الامرين. هذا ولو بنينا على عدم حرمة القطع من اصله فالامر واضح. (2): كما ورد نظيره في غسل الثوب المتنجس حال الصلاة. (3): مورد الاشكال ما لو كان البكاء لمجرد عظم المصيبة في نفسها مع الغض عما يترتب عليها لاحتمال كونه حينئذ مشمولا لقوله: (وان ذكر ميتا له... الخ) الوارد في نصوص مبطلية البكاء كما تقدم. واما البكاء لما يترتب على مصيبته واستشهاده (ع) من حصول ثلمة - لا تنجبر - في الدين وضعف بل تضعضع في اركان الاسلام

[ 547 ]

[ (مسألة 44): إذا اتى بفعل كثيرا أو بسكوت طويل وشك في بقاء صورة الصلاة فلا يبعد البناء على البقاء (1) لكن الاحوط الاعادة بعد الاتمام. ] والمسلمين فضلا عن المثوبات الاخروية المترتبة - في الاخبار - على البكاء عليه (ع) بحيث يرجع الكل إلى العبادة وقصد القربة والبكاء لامر اخروي لا دنيوي فلا ينبغي الاشكال في جوازه، وان كان الاحتياط بالتأخير إلى خارج الصلاة مما لا ينبغي تركه. (1): تقدم الكلام حول كبرى هذه المسألة وعرفت ان المستند في مانعية الفعل الكثير الماحي: تارة يكون هو الاجماع، واخرى فوات الموالاة. فعلى الاول: لا مانع في فرض الشك من التمسك باصالة عدم وجود المانع فتحرز صحة الصلاة بضم الوجدان إلى الاصل. وعلى الثاني: اي البناء على ان للصلاة - بمقتضى ارتكاز المتشرعة المعتضد بما يتحصل من تضاعيف النصوص - هيئة اتصالية مبنية على موالاة ملحوظة بين اجزائها يتقوم العمل بها ويستوجب فقدها عدم التحاق لاحقها بسابقها حسبما صرح به الشهيد في الاذان من ان انفصال بعض اجزائه عن بعض يوجب سلب العنوان نظير الايجاب والقبول المركب منهما العقد وغير ذلك من ساير الموارد: فإذا شك في ان الفعل الكثير أو السكوت الطويل اوجب الاخلال بالموالاة المزبورة اما بشبهة حكمية أو موضوعية فالحكم بالصحة حينئذ استنادا إلى الاستصحاب حسبما يظهر من الماتن (قده) في غاية

[ 548 ]

الاشكال سواء اريد به استصحاب بقاء الهيئة الاتصالية أو بقاء الصورة والموالاة العرفية أو عدم وجود الماحي، إذ لا يترتب على شئ من ذلك التحاق الاجزاء اللاحقة واتصالها بالسابقة وتحقق ماهية الصلاة الا على سبيل الاصل المثبت. والحاصل: انه على هذا المبنى لم يعتبر عدم الفعل الكثير أو عدم الماحي بنحو الاستقلال حتى يحرز ذلك بالاصل كما في الشك في الطهارة ونحوها من القيود الوجودية أو العدمية. وانما اعتبر ذلك من اجل اعتبار الاتصال بين الاجزاء، وقد عرفت ان الاصل المزبور لا يثبته. نعم لو قلنا بجريان الاستصحاب التعليقي حتى في الموضوعات الخارجية امكن الحكم بالصحة بان يقال انا لو اتينا بالاجزاء اللاحقة قبل عروض هذه الحالة لالتحقت وانضمت والان كما كان، ولكنه فرض في فرض إذ لا نقول بحجيته. وعلى القول بها تختص بالاحكام دون الموضوعات: واما التمسك في المقام باصالة البراءة فلا يخلو عن غرابة لعدم احتمال اعتبار التوالي في نفسه، وانما هو من اجل دخله في انضمام الاجزاء وتأليف الصلاة منها، فلدى الشك يكون المتبع اصالة الاشتغال بعد عدم وجود مؤمن لتفريغ الذمة عما اشتغلت به. ومن جميع ما ذكرناه تعرف انه لا مانع من قطع الصلاة حينئذ ورفع اليد عنها لاختصاص دليل حرمة القطع - على تقدير تماميته - بما إذا تمكن المصلي من اتمام الصلاة والاقتصار عليها في مقام الامتثال وهو غير متحقق في المقام.

[ 549 ]

[ فصل في المكروهات في الصلاة وهي امور: (الاول): الالتفات بالوجه قليلا، بل وبالعين وبالقلب (الثاني): العبث باللحية أو بغيرها كاليد ونحوها (الثالث): القران بين السورتين على الاقوى، وان كان الاحوط الترك. (الرابع): عقص الرجل شعره وهو جمعه وجعله في وسط الرأس وشده اوليه وادخال اطرافه في اصوله أو ضفره وليه على الراس. أو ضفره وجعله كالكبة في مقدم الرأس على الجبهة، والاحوط ترك الكل بل يجب ترك الاخير في ضفر الشعر حال السجدة. (الخامس): نفخ موضع السجود (السادس): البصاق. (السابع): فرقعة الاصابع اي نقضها. (الثامن): التمطي. (التاسع): التثاؤب. (العاشر): الانين. (الحادي عشر): التأوه. (الثاني عشر): مدافعة البول والغائط، بل والريح. (الثالث عشر): مدافعة النوم ففي الصحيح (لا تقم إلى الصلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا). (الرابع عشر): الامتخاط. ]

[ 550 ]

[ (الخامس عشر): الصفد في القيام اي الاقران بين القدمين معا كأنهما في قيد. (السادس عشر): وضع اليد على الخاصرة. (السابع عشر): تشبيك الاصابع (الثامن عشر): تغميض البصر. (التاسع عشر): لبس الخف أو الجورب الضيق الذي يضغطه. (العشرون): حديث النفس. (الحادي والعشرون): قص الظفر والاخذ من الشعر، والعض عليه. (الثاني والعشرون): النظر إلى نقش الخاتم والمصحف والكتاب، وقراءته. (الثالث والعشرون): التورك بمعنى وضع اليد على الورك معتمدا عليه حال القيام. (الرابع والعشرون): الانصات في اثناء القراءة أو الذكر ليسمع ما يقوله القائل (الخامس والعشرون):: كل ما ينافي الخشوع المطلوب في الصلاة. (مسألة 1): لابد للمصلي من اجتناب موانع قبول الصلاة كالعجب، والدلال، ومنع الزكاة، والنشوز، والاباق، والحسد، والكبر، والغيبة، واكل الحرام، وشرب المسكر، بل جميع المعاصي لقوله تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين). (مسألة 2): قد نطقت الاخبار بجواز جملة من الافعال ]

[ 551 ]

[ في الصلاة، وانها لا تبطل بها، لكن من المعلوم ان الاولى الاقتصار على صورة الحاجة والضرورة ولو العرفية. وهي عد الصلاة بالخاتم والحصى بأخذها بيده، وتسوية الحصى في موضع السجود، ومسح التراب عن الجبهة، ونفخ موضع السجود إذا لم يظهر منه حرفان، وضرب الحائط أو الفخذ باليد لاعلام الغير أو ايقاظ النائم، وصفق اليدين لاعلام الغير، والايماء لذلك، ورمي الكلب وغيره بالحجر، ومناولة العصى للغير، وحمل الصبي وارضاعه، وحك الجسد، والتقدم بخطوة أو خطوتين، وقتل الحية والعقرب والبرغوث والبقة والقملة ودفنها في الحصى، وحك خرء الطير من الثوب، وقطع الثواليل، ومسح الدماميل، ومس الفرج، ونزع السن المتحرك، ورفع القلنسوة ووضعها، ورفع اليدين من الركوع أو السجود لحك الجسد، وادارة السبحة، ورفع الطرف إلى السماء، وحك النخامة من المسجد، وغسل الثوب أو البدن من القئ والرعاف. ]

[ 552 ]

[ فصل لا يجوز قطع صلاة الفريضة اختيارا (1) والاحوط عدم قطع النافلة أيضا وان كان الاقوى جوازه، ويجوز قطع الفريضة لحفظ مال، ولدفع ضرر مالي أو بدني كالقطع لاخذ العبد من الاباق، أو الغريم من الفرار، أو الدابة من الشراد ونحو ذلك، وقد يجب كما إذا توقف حفظ نفسه أو حفظ نفس محترمة، أو حفظ مال يجب حفظه شرعا عليه. وقد يستحب كما إذا توقف حفظ مال مستحب الحفظ عليه، وكقطعها عند نسيان الاذان والاقامة إذا تذكر قبل الركوع، وقد يجوز كدفع الضرر المالي الذي لا يضره تلفه، ولا يبعد كراهته لدفع ضرر مالي يسير، ] (1): - على المشهور ولا سيما بين المتأخرين، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، بل عده في شرح المفاتيح من بديهيات الدين. ولكن دعوى الاجماع التعبدي في مثل هذه المسألة المعلوم مداركها ويطمأن استناد المجمعين إليها ولا اقل من احتماله كما ترى. على ان صغرى الاجماع والاتفاق ممنوعة لذهاب بعضهم إلى جواز القطع كما حكاه في الحدائق عن بعض معاصريه. وعليه فلابد من النظر في

[ 553 ]

الوجوه التي استدل بها القائل بالتحريم. فمنها: ما نسب إلى العلامة من ان اتمام الفريضة واجب فقطعها حرام لتوقفه على عدمه. وفيه: انه ان اريد من الاتمام لزوم الاتيان ببقية الاجزاء فهو حق لكنه غير متوقف على اتمام هذا الفرد لجواز الاتيان بالطبيعي المأمور به في ضمن فرد آخر فهو مخير بين الاتمام والاستيناف كما هو الشأن في كل امر متعلق بالطبيعي من غير فرق بين التعبدي والتوصلي من التخيير في التطبيق على اي فرد شاء ما لم ينهض على خلافه دليل بالخصوص. وان اريد به اتمام هذا الفرد بخصوصه بحيث تكون الصلاة كالحج في لزوم الاتمام بمجرد الشروع فهو عين الدعوى واول الكلام. ومنها: قوله تعالى: (ولا تبطلوا اعمالكم) (1) خرج ما خرج بالدليل ويبقى الباقي ومنه الصلاة تحت الاطلاق. وفيه: ان الابطال الذي هو من باب الافعال ظاهر في ايجاد المبطل واحداثه بعد اتصاف العمل بالصحة المنوط باتمامه والفراغ عنه نظير قوله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى) (2) فالمراد النهي عن ارتكاب ما يستوجب الابطال بعد الاتمام الذي من اظهر مصاديقه الكفر والارتداد ولا نظر فيها إلى الابطال في الاثناء. كيف ولازمه ارتكاب تخصيص الاكثر المستهجن لجواز ذلك في عامة الواجبات والمستحبات التعبدية والتوصلية الا ما شذ كالحج والصوم والصلاة


(1) سورة محمد صلى الله عليه وآله آية 33. (2) سورة البقرة آية 264.

[ 554 ]

على المشهور. ومنها: ما في جملة من النصوص من ان (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم). وفيه: بعد الغض عما في اسناد هذه الطائفة من الخدش على ما تقدم سابقا، وانما المعتبر ما تضمن التعبير ب‍ (الافتتاح والاختتام) ومن ثم يعبر عن هذه التكبيرة في لسان الروايات بتكبيرة الافتتاح واما التعبير بتكبيرة الاحرام فهو اصطلاح خاص بالفقهاء. ان مبنى الاستدلال على ارادة التحريم والتحليل التكليفيين وهو ممنوع بل المراد الوضعي منهما بشهادة شمولها للنافلة ولا حرمة فيها بالضرورة. ومنها: ما في بعض نصوص كثير الشك من قوله (ع): (لا تعودوا الخبيث من انفسكم نقض الصلاة فتطمعوه) (1) حيث يظهر منها النهي عن النقض الظاهر في الحرمة. وفيه ان المنهي عنه لم يكن مجرد النقض بل تعويد الخبيث منه باكثاره الكاشف عن اطاعته والركون إلى ميوله وتسويلاته. ومن ثم يسري الحكم إلى النافلة والوضوء وغيرهما مما لا ريب في جواز قطعه. بل يمكن أن يقال انها على خلاف المطلوب ادل لكشفها عن جواز النقض في حد نفسه والا لكان النهي عنه اولى من النهي عن التعويد المزبور. وعلى الجملة: ان لم تكن الصحيحة دالة على الجواز فلا ريب في عدم دلالتها على عدم الجواز. ومنها: النصوص الآمرة بالمضي في الصلاة وعدم قطعها لدى عروض


(1) السوائل: باب 16 من أبواب الخلل ح 2.

[ 555 ]

بعض الامور من رعاف ونحوه كصحيحة معاوية بن وهب قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرعاف أينقض الوضوء؟ قال (ع): لو ان رجلا رعف في صلاته وكان عنده ماء أو من يشير إليه بماء فتناوله فقال (فمال ظ) برأسه فغسله فليبن على صلاته ولا يقطعها (1). وفيه: انها ظاهرة في الحكم الوضعي لا التكليفي حيث انها ناظرة إلى الارشاد إلى صحة الصلاة وعدم لزوم استينافها لا في وجوب البناء تعبدا. وبعبارة اخرى: انها واردة موقع توهم الحظر لما قد يتوهم البطلان من غسل دم الرعاف فامر بالاتمام دفعا لهذا الايهام فلا يدل الا على الجواز. ومنها: النصوص الناهية عن ارتكاب المنافيات اثناء الصلاة. وفيه: ما لا يخفى، بل لعل هذا اردء الوجوه لما هو الموضح في محله من كون النواهي في باب المركبات كالاوامر ارشادا إلى المانعية أو الجزئية أو الشرطية من غير ان يتضمن تكليفا نفسيا بوجه. ومنها: النصوص التي علق فيها جواز القطع بموارد الضرورة التي عمدتها صحيحة حريز المروية في الفقيه عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت عبدا لك قد أبق أو غريما لك عليه مال، أو حية تتخوفها على نفسك فاقطع الصلاة، فاتبع غلامك أو غريمك، واقتل الحية (2) ورواها الكليني والشيخ أيضا مرسلا. فانه من البديهى عدم كون الامر بالقطع للوجوب بل لمجرد


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب قواطع الصلاة ح 11. (2) الوسائل: باب 21 من أبواب قواطع الصلاة ح 1.

[ 556 ]

الترخيص، ومقتضى تعليقه على الضرورة بمقتضى القضية الشرطية عدم الجواز بدونها. وفيه: ان القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم لها، إذ الشرط هو الكون في الفريضة، وعدم القطع لدى انتفائه من باب السالبة بانتفاء الموضوع، كما ان الجزاء هو القطع لاتباع الغلام أو الغريم أو قتل الحية - لا مطلق القطع - فإذا كان في الصلاة ولم يكن شئ من ذلك فانتفاء الجزاء حينئذ أيضا كذلك - أي سالبة بانتفاء الموضوع - فلم ينعقد مفهوم لهذه القضية بوجه (2). ومنه تعرف الجواب عن موثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوف ضيعته أو هلاكه قال: يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة، قلت فيكون في الفريضة فتغلب عليه دابة أو تغلب دابته فيخاف ان تذهب أو يصيب فيها عنت، فقال: لا بأس بان يقطع صلاته ويتحرز ويعود إلى صلاته (3). على انه يمكن ان يراد بالقطع هنا مجرد رفع اليد موقتا بقرينة قوله (ع) في الذيل (ويعود إلى صلاته فتكون حينئذ اجنبية عما نحن فيه ولكن يأباه التعبير بالاستقبال في صدر الموثقة.


(1) اضف إلى ذلك ان الرواية حيث لا يحتمل تعددها بان يرويها حريز تارة عن أبي عبد الله (ع) بلا واسطة كما في الفقيه واخرى معها كما في الكافي والتهذيب، فلا جرم يتطرق فيها احتمال الارسال فتسقط عن صلاحية الاستدلال. (2) الوسائل: باب: 21 من أبواب قواطع الصلاة ح 2.

[ 557 ]

[ وعلى هذا فينقسم إلى الاقسام الخمسة (1). (مسألة 1): الاحوط عدم قطع النافلة المنذورة (2) إذا لم تكن منذورة بالخصوص بان نذر اتيان نافلة فشرع ] والمتحصل من جميع ما مر ضعف هذه الوجوه بالاسر ما عدا الاجماع - لو تم - فيقتصر حينئذ على المقدار المتيقن وهو غير مورد الضرورة بالضرورة، فانه لا شبهة في جواز القطع حينئذ من غير حاجة إلى التماس دليل خاص لكفاية الادلة العامة مثل حديث الرفع فالحرمة على تقدير ثبوتها مرفوعة بالحديث. على ان جل المجمعين قد صرحوا بالجواز اما بعنوان الضرورة كما عن بعض، أو العذر كما عن آخر أو لحاجة دنيوية أو اخروية كما عن ثالث، والكل يشير إلى قصور الاجماع على اختلاف تعابيرهم فلا يحرم القطع حينئذ قطعا، بل قد يجب. ومن ثم يقسم إلى الاحكام الخمسة حسب اختلاف الموارد كما اشير إليها في المتن. (1): - هذا وجيه لو كان المستند لحرمة القطع هو الاجماع، إذ المتيقن منه هو القطع لمجرد هوى النفس فيبقى غيره مشمولا للاقسام المزبورة ما عدا الكراهة لدفع ضرر مالي - كما مثل به في المتن - فان في الحكم بالكراهة المصطلحة اشكالا كما لا يخفى. واما لو كان المستند مفهوم صحيحة حريز فمقتضاها عدم الجواز الا في موارد الضرورة من الامثلة المذكورة فيها فلا يجوز القطع في غيرها فضلا عن ان يكون مستحبا. (2): اما النافلة في نفسها: فلا اشكال في جواز قطعها لقصور

[ 558 ]

[ في صلاة بعنوان الوفاء لذلك النذر، واما إذا نذر نافلة مخصوصة فلا يجوز قطعها قطعا. (مسألة 2): - إذا كان في اثناء الصلاة فرأى نجاسة في المسجد أو حدثت نجاسة فالظاهر عدم جواز قطع الصلاة لازالتها لان دليل فورية الازالة قاصر الشمول ] المقتضي فان الدليل على الحرمة ان كان صحيحة حريز فهي خاصة بالفريضة، وان كان الاجماع فكذلك لتصريح كثير من الفقهاء بجواز قطع النافلة. واما النافلة المنذورة: فتاره يكون المنذور حصة خاصة منها كصلاة ركعتين بعد الفراغ من صلاة الظهر مباشرة، واخرى طبيعي النافلة. اما في الاول: فلا شبهة في حرمة القطع لا من اجل حرمة قطع الصلاة، بل من اجل وجوب الوفاء بالنذر لامتناع التدارك لو قطع فيحرم في خصوص المقام لمكان الحنث حتى لو بنينا على جواز قطع الفريضة. وهذا لعله واضح غايته وهو خارج عن محل الكلام إذ الكلام في حرمة قطع النافلة بما انها صلاة لا بما انه مخالفة للنذر. واما في الثاني: فقد احتاط الماتن بعدم القطع ايضا. ولكنه غير واضح لانصراف الفريضة في صحيحة حريز إلى ما كانت كذلك ذاتا فلا تشمل الواجب بالعرض، كما ان المتيقن من الاجماع ذلك. فالاظهر جواز القطع وان كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه.

[ 559 ]

[ عن مثل المقام (1)، هذا في سعة الوقت، واما في الضيق فلا اشكال (2). ] (1): إذ الدليل المزبور هو الاجماع والقدر المتيقن منه غير صورة المزاحمة مع حرمة قطع الصلاة فلا يشمل المقام. لكنك خبير بأن دليل حرمة القطع ايضا هو الاجماع والقدر المتيقن منه غير صورة المزاحمة مع فورية الازالة. ونتيجة ذلك هو التخيير بين الامرين - كما مرت الاشارة إليه في المسألة الثانية والاربعين من الفصل السابق - إلا إذا لزم من عدم المبادرة إلى الازالة فوت القدرة عليها فانه يجب القطع حينئذ لحكم العقل بلزوم حفظ القدرة كي لا يفوته المأمور به على ما هو الشأن في كافة الواجبات الموسعة حيث يستقل العقل بلزوم البدار إليها اول وقتها لدى العلم بفواتها مع التأخير. (2): فانه ان تمكن من الازالة بعد الصلاة فلا اشكال في وجوب الاتمام لاهمية الوقت بلا كلام، وان لم يتمكن، فان تمكن من الازالة حال الاشتغال بالصلاة من غير اخلال بشئ من الاجزاء أو الشرائط تعين ذلك لفقد المزاحمة حينئذ، بل وكذا لو اخل، لاهمية الازالة من بعضها كما لا يخفى. وان لم يتمكن وقعت المزاحمة بين الازالة وبين اصل الصلاة قدم الثاني بلا اشكال فانها لا تسقط بحال، إلا إذا ادرك ركعة من الوقت فان الازالة تتقدم حينئذ لعدم المزاحمة بعد التوسعة المستفادة من حديث من ادرك.

[ 560 ]

[ نعم لو كان الوقت موسعا وكان بحيث لولا المبادرة إلى الازلة فاتت القدرة عليها فالظاهر وجوب القطع (1). (مسألة 3): إذا توقف اداء الدين المطالب به على قطعها فالظاهر وجوبه في سعة الوقت (2) لا في الضيق (3) ويحتمل في الضيق وجوب الاقدام على الاداء متشاغلا بالصلاة (4). (مسألة 4): في موارد وجوب القطع إذا تركه واشتغل بها فالظاهر الصحة (5) وان كان آثما في ترك ] (1): كما عرفت. (2): لاطلاق دليل وجوب الاداء الشامل لحال الصلاة بخلاف دليل حرمه القطع فانه الاجماع ولا اطلاق له فيقتصر على المتيقن منه وهو غير المقام. (3): لوضوح ان الصلاة لا تسقط بحال. (4): وان استلزم فوات بعض الاجزاء أو الشرائط، لان اداء الدين اهم من ذلك الجزء أو الشرط المزاحم معه. هذا فيما إذا ضاق الوقت حتى عن ادراك الركعة والا تعين القطع إذ لا مزاحمة بعد تمكنه من امتثال كلا التكليفين ببركة حديث من ادرك. (5): إذ بعد ان لم يكن الامر بالقطع مقتضيا للنهي عن ضده الخاص وهو الاتمام لم يكن مانع من تعلق الامر به ولو بنحو الخطاب الترتبي، كما في نظائر المقام غايته ارتكاب الاثم في ترك

[ 561 ]

[ الواجب لكن الاحوط الاعادة خصوصا في صورة توقف دفع الضرر الواجب عليه (1) ] الواجب الاهم. (1): ربما يورد عليه بانحصار القطع الواجب في هذه الصورة فما هو معنى الخصوصية؟ وهو عجيب لبداهة منع الانحصار فان من موارده القطع لاداء الدين الذي تقدم البحث عنه في المسألة السابقة. نعم يتوجه على ما في المتن السؤال عن الخصوصية المنظورة لهذه الصورة، فانا إذا صححنا الخطاب الترتبي كما هو الاظهر صحت الصلاة في جميع الصور والا لم تصح في شئ منها، فما هو الوجه في تخصيص هذه الصورة بالذكر. وربما يوجه بتوقف دفع الضرر على عنوان القطع فإذا وجب امتنع الامر بالتمام ولو بنحو الترتب لانهما من الضدين اللذين لا ثالث لهما، ولا موقع للترتب في مثل ذلك كما لا يخفى. ويندفع اولا: بمنع وجوب القطع بعنوانه، بل الذي يكون موجبا لدفع الضرر إنما هو سببه من التكلم أو المشي أو الاستدبار ونحوها من المنافيات، فهو الواجب مقدمة لدفع الضرر من انقاذ غريق أو اطفاء حريق وما شاكلهما لا القطع بما هو قطع ومن ثم لو قطع ولم يأت بها لم ينفع كما انه لو اتى بها كفى وان لم يكن متشاغلا بالصلاة ليحتاج إلى القطع. فإذا كان الواجب تلك المنافيات كان المقام من الضدين اللذين لهما ثالث فيؤمر بالاتمام على تقدير عصيان الامر بما يحصل به

[ 562 ]

[ مسألة 5): يستحب ان يقول حين ارادة القطع في موضع الرخصة أو الوجوب: (السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته) (1) ] القطع لدفع الضرر ضرورة ان هذا العاصي قد يتم وقد لا يتم كما هو واضح. وثانيا: ان هذا لو تم لعم وشمل جميع موارد القطع الواجب من غير اختصاص بدفع الضرر لوحدة المناط كما لا يخفى. وملخص الكلام ان الواجب ان كان هو القطع بعنوانه لم يمكن تصحيح الصلاة حتى بعنوان الترتب وان كان ما به يحصل القطع امكن التصحيح بالخطاب الترتبي لكون الضدين مما لهما ثالث في الثاني دون الاول من غير فرق في كلتا الصورتين بين مورد ومورد لاتحاد المناط في الكل، فما في المتن من تخصيص تلك الصورة بالذكر غير واضح. (1): هذا غير واضح لعدم ورود رواية تدل على الاستحباب ولو ضعيفة، ولو اريد التمسك بعموم تحليلها التسليم بدعوى شمولها حتى لاثناء الصلاة. ففيه اولا ان تلك النصوص ضعيفه السند باجمعها كما مر. وثانيا: انها ناظرة إلى التحليل الوضعي وان الصلاة لا تبطل بارتكاب المنافي بعد التسليم وتبطل قبله لا التكليفي ليتوهم عدم حلية المنافيات الا بالتسليم. وثالثا: لو سلم فهي خاصة بالتحليل في الصلاة التامة دون الناقصة. ورابعا: ان المراد فيها هو احد التسليمين الاخيرين على ما تقدم

[ 563 ]

في محله لا التسليم على النبي الذي هو من توابع التشهد. فما افيد في المتن لا يمكن المساعدة عليه بوجه. هذا ما أردنا ايراده في هذا الجزء ويليه الجزء الخامس مبتدءا ب‍ (فصل: في صلاة الآيات) والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. وكان الفراغ في اليوم التاسع من شهر رجب سنة 1389 هجرية في جوار القبة العلوية على مشرفها آلاف التحية. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية