الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصلاة - السيد الخوئي ج 3

كتاب الصلاة

السيد الخوئي ج 3


[ 1 ]

مستند العروة الوثقى

[ 2 ]

الطبعة الاولى التاريخ: جمادي الاخرة 1413

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (32) مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله العالي للعلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مرتضى البروجردي الجزء الثالث

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين الغر الميامين. [ - فصل - واجبات الصلاة احد عشر: النية، والقيام، وتكبيرة الاحرام، والركوع، والسجود والقراءة، والذكر، والتشهد، والسلام، والترتيب، والموالاة (1)، ] (1): - لا ريب في ان الصلاة مؤلفة من عدة امور وقيود وجودية وعدمية، فما كان معتبرا فيها قيدا وتقيدا يعبر عنه بالجزء، وما كان التقيد به معتبرا دون القيد فهو الشرط، ثم الثاني إن كان معتبرا في تمام حالات الصلاة حق الآنات المتخللة بين الاجزاء كالطهارة والاستقبال، والستر يعير عنها بشرائط الصلاة ومقدماتها وقد مر البحث حولها سابقا، وما كان معتبرا في نفس الاجزاء دون الآنات التخللة بينها يعبر عنها بشرائط الاجزاء سواء أكانت معتبرة في تمام الاجزاء بالاسر كالترتيب والموالاة، والطمأنينة، أم في بعضها كالقيام حال القراءة، والجلوس حال التشهد ونحو هما.

[ 6 ]

ومما ذكرنا من ضابط الفرق بين الجزء والشرط يظهر أن عد النية من الاجزاء كما صنعه الماتن (1) وللمحقق وغيرهما في غير محله لعدم تركب الماهية منها وعدم دخلها في حقيقة الصلاة، بل هي إما شرط، أو لا جزء ولا شرط كما ستعرف. كما ان عد الترتيب والموالاة منها غير وجيه أيضا فانهما كما عرفت من شرائط الاجزاء لا انهما برأسهما جزء آن مستقلان في قبال الباقي، ولذا اهملهما المحقق في الشرائع، وإن اهمل الذكر ايضا وعد الاجزاء ثمانية، ولعله من اجل أن الذكر من واجبات الركوع والسجود فليس جزءا في قبالهما. ثم انه كان على الماتن وغيره من الفقهاء عد الجلوس بين السجدتين ايضا من الاجزاء، فانه معتبر في حد نفسه وبحياله في الصلاة قبال بقية الاجزاء، وليس اعتباره من اجل تحقق التعدد بين السجدتين ضرورة تقومها بمجرد وضع الجبهة على الارض، ولا يناط صدق التعدد بتخلل الجلوس بينهما قطعا، فلو سجد وبعد رفع الرأس سجد ثانيا من دون جلوس في البين صدق عنوان السجدتين بلا ارتياب. وقد اتضح من جميع ما ذكرناه ان اجزاء الصلاة تسعة باسقاط (1) حيث جعلها في سياق سائر الاجزاء بعد فراغه عن البحث عن الشرائط الا ان يقال: - انه (قده) بصدد بيان واجبات الصلاة الاعم من الاجزاء والشرائط القائمة بها كما قد يظهر من ملاحظة ما ذكره في نظائر المقام مثل واجبات الركوع وواجبات السجود ونحو هما فانها ايضا من هذا النمط، ومنه يظهر الحال في الترتيب والموالاة.

[ 7 ]

[ والخمسة الاولى أركان (1)، بمعنى أن زيادتها ونقيصتها عمدا وسهوا موجبة للبطلان. ] النية فانها شرط كما ستعرف، وكذا الترتيب والموالاة فانهما من شرائط الاجزاء لامن اجزاء الصلاة كما عرفت، وباضافة الجلوس بين السجدتين بل وكذا الجلوس بعد هما المعبر عنه بجلسة الاستراحة بناءا على وجوبها كما لعله المعروف، وإن كان الاقوى عدم الوجوب. (1): - أما النية فليست بجزء كما مرت الاشارة إليه، فلا يحسن عدها من الاجزاء الركنية. وأما القيام فالوا جب منه في الصلاة ثلاثة: القيام حال تكبيرة الاحرام، والقيام المتصل المتصل بالركوع، والقيام بعد رفع الرأس عنه لكن الاول من شرائط التكبير لا انه جزء مستقل في قباله، كما ان الثاني من مقومات الركوع، إذ هو ليس مجرد الانحناء الخاص بل ما كان عن قيام، ومنه قولهم شجرة راكعة: اي منحنية بعد ما كانت قائمة، فليس هو أيضا جزءا مستقلا، نعم القيام بعد الركوع جزء مستقل لكنه ليس بركنى لعدم بطلان الصلاة بنقصه السهوي كما لا يخفى. واما تكبيرة الاحرام: فالمشهور بطلان الصلاة بالاخلال بها زيادة أو نقيصة، عمدا أو سهوا. ومن هنا عدوها من الاركان لكن الاقوى عدم البطلان بالزيادة السهوية لعدم الدليل عليه، كما سيجئ العترض له في محله إن شاء الله تعالى، إلا أن ذلك لا يقدح في عدها من الاركان، فان المدار في صدق هذا العنوان بما اوجب

[ 8 ]

[ لكن لا تتصور الزيادة في النية (1) بناءا على الداعي، وبناءا على الاخطار غير قادحة والبقية واجبات غير ركنية فزيادتها ونقصها عمدا موجب للبطلان لا سهوا. ] نقصه البطلان حق سهوا كما هو المناسب لمعناه اللغوي سواء اكانت الزيادة ايضا كذلك أم لا، فان مفهوم الركن متقوم بما يعتمد عليه الشئ بحيث يوجب فقده زوال ذلك الشئ، واما الاخلال من حيث الزيادة فلا مدخل له في صدق هذا المفهوم، ولم يرد لفظ الركن في شئ من الاخبار، وإنما هو مجرد اصطلاح متداول في السنة الفقهاء. وبما أن نقص التكبيرة حق سهوا يوجب البطلان فبهذا الاعتبار يصح عده من الاركان. ومما ذكرنا يظهر أن الاجزاء الركنية ثلاثة: الركوع والسجود فان الاخلال بهما نقصا أو زيادة، عمدا أو سهوا يوجب البطلان بلا اشكال، وثالثهما تكبيرة الاحرام بناءا على تفسير الركن بما عرفت كما هو الصحيح. (1): - فانه بناءا على تفسيرها بالداعي فلا ريب انه مستمر إلى آخر العمل فلا تتحقق معه الزيادة، وبناءا على تفسيرها بالاخطار فهي غير قادحة بالضرورة كما نبه عليه في المتن. لكن كان ينبغي له أن يلحق القيام بالنية، فانه مثلها في عدم تصور الزيادة. أما القيام حال تكبيرة الاحرام فلان زيادته إنما تكون بزيادة التكبير الذي هو من الاركان فلا يكون البطلان مستندا

[ 9 ]

إلى خصوص القيام، وكذلك القيام المتصل بالركوع حيث ان زيادته أيضا لا تمكن إلا بزيادة الركوع، فلا يكون الاخلال إلا به لاغير، بل هذا لا تتصور فيه النقيصة أيضا إلا بنقص الركوع لتقومه بكونه هويا عن القيام كما مر. نعم يتصور النقص في القيام حال التكبير لامكان التكبير جالسا كما يتصور في النية وهو ظاهر. وأما الزيادة والنقيصة في تكبيرة الاحرام فهما وإن كانا متصورين فيها إلا أن الاقوى - كما عرفت - عدم بطلان الصلاة بزيادة تكبيرة الاحرام سهوا. وعليه فلا تكون التكبيرة من الاركان بالمعنى المصطلح وهو ما يكون زيادته ونقيصة عمدا وسهوا موجبا للبطلان. نعم هو ركن بالمعنى اللغوي، وهو ما يوجب نقصه البطلان ولو سهوا. وأما الاخلال من حيث الزيادة فلا دخل له في كونه ركنا إلا من جهة الاصطلاح، وحيث ان كلمة الركن لم ترد في آية ولا رواية فلا مانع من عد التكبيرة ركنا بلحاظ المعنى اللغوي. ثم انه قد مرت عليك في مطاوي كلماتنا الاشارة إلى اختلاف القوم في أن النية هل اخذت جزءا في الصلاة أو شرطا أو لا هذا ولا ذاك، بل لها دخل في تحقق المصلحة المقتضية للصلاة؟. فنقول: لا اشكال ولا خلاف في اعتبار النية في الصلاة، وانه لا بد من اتيان اجزائها بداعي القربة، فلو أتى بها من غير قصد أو بقصد الرياء تكون الصلاة باطلة. ويدلنا على ذلك قوله تعالى: " وأقم الصلاة لذكري " (1) وقوله


(1) سورة طه: آية 14.

[ 10 ]

تعالى: " فصل لربك وانحر " (1) وغير هما من الايات والاخبار. وإنما النزاع في انه هل اخذت النية مضافا إلى ذلك بحيالها في قبال ساير الاجزاء بحيث يعتبر فيها جميع ما يعتبر في غيرها من الوقت، والاستقبال، والطهارة ونحوها، ويكون موطنها قبل تكبيرة الاحرام أو لا؟ الحق عدم اعتبار ذلك لعدم الدليل عليه. فان ما ادعي من الاجماع بل الضرورة على اعتبار النية في الصلاة وغيرها من ساير العبادات المتيقن منه هو أن لا يكون شي ء منها بغير داعي القربة. وأما اعتبارها في حد نفسها قبل العمل فلا دليل عليه، وإلا كان اللازم جواز الاكتفاء بها وإن لم يأت بالاجزاء بداعي القربة. على أن الدليل قام على خلافه، حيث دل على أن أول الصلاة التكبير، وآخرها التسليم. فاحتمال الجزئية ساقط جزما. وقد يقال بسقوط الشرطية أيضا بتقريب أنه لا ريب في صحة قولنا أردت الصلاة فصليت، بلا عناية ولا تجوز، ومعه لا يمكن أن تكون النية مأخوذة لا جزءا ولا شرطا لا في المسمى، ولا في المأمور به. إذ على الاول يلزم اتحاد العارض والمعروض على الجزئية، وتقدم الشرط على نفسه على الشرطية. وعلى الثاني بما أن الارادة ليست باختيارية يمتنع تعلق الامر بما لا يكون اختياريا سواء أكان لعدم اختيارية جزئه، أم لعدم اختيارية شرطه. نعم هي دخيلة في المصلحة. وبذلك تمتاز الصلاة عن التوصلي. ولكنه بمعزل عن التحقيق.


(1) سورة الكوثر: آية 2.

[ 11 ]

أما أولا فلانه خلط بين الارادة بمعنى الشوق، والارداة بمعنى الاختيار، فان الاول امر غير اختياري، وهو ما يلائم الطبع من القوى الظاهرية أو الباطنية في قبال الكراهة التي هي ما ينافي الذوق كذلك، فان هذا ليس امرا اختياريا. وأما الثاني وهو طلب الخير فهو وإن كانت مقدماته غير اختيارية إلا ان نفسه اختياري واختياريته بنفسه، وإلا لزم الدور والتسلسل. وهكذا الحال في المشية في المبدء الاعلى، فان الافعال الصادرة منه تعالى تكون بمشيئته، وأما نفس المشية فهي بنفسها. وقد بينا تفصيل الكلام حول ذلك في الاصول في مبحث الطلب والارادة والاغلب في الاستعمال إنما هو المعنى الثاني اي طلب الخير دون الاول كما لا يخفى. واما ثانيا: لو سلمنا ان الاختيار ايضا غير اختياري إلا ان الممنوع انما هو عدم اختيارية الجزء، وأما التقييد بامر غير اختياري الذي هو معنى الشرط فلا مانع منه (1)، ألا ترى ان الوقت، وعدم الحيض، والقبلة ونحوها امور غير اختيارية، ومع ذلك قد اشترط الصلاة بكل من ذلك، فان إيقاع الصلاة في تلك الحالات امر اختياري، فنفس الارادة بمعنى الاختيار، وإن فرض انها امر غير اختياري، إلا ان ايقاع الصلاة عن ارادة واشتراطها بذلك حيث انه امر اختياري، فلا مانع من اخذها شرطا.


هذا انما يتجه في شرط الوجوب لا الواجب - كالنية في المقام - فان التقيد به داخل تحت الطلب كنفس الجزء، وما كان كذلك لابد وان يكون القيد اختياريا. كما صرح - دام ظله - بذلك في مطاوى ما تقدم من مباحث اللباس المشكوك.

[ 12 ]

واما ثالثا: ان هذا التقريب اجنبي عن المقام بالكلية، وذلك لان النية تطلق في مقامين: أحدهما: القصد إلى الفعل والعزم إليه، وهذا يشترك فيه العبادي والتوصلي، فانه لابد في كون الشئ مصداقا للواجب من أن يكون مقصودا، وإلا لم يكن مصداقا للمأمور به نعم يمكن أن يدل الدليل على حصول الغرض وسقوط الواجب بذلك وهو امر آخر والبحث عن ان الارادة اختيارية أو غير اختيارية انما يتم على هذا المعنى. ثانيهما: الاتيان بالفعل بداعي الامر والانبعاث عن قصد التقرب وهذا هو محل الكلام في انه جزء أو شرط وهو لا اشكال في كونه اختياريا كما لا يخفى سواء أقلنا بان الارادة امر اختياري أو غير اختياري، وسواء أقلنا إن الشرط امر اختياري ام لا، فان كل ذلك اجنبي عن المقام، فالحق ان النية إنما اعتبرت في الصلاة على نحو الشريطة لا غير.

[ 13 ]

[ " فصل: في النية " وهي القصد إلى الفعل بعنوان الامتثال والقربة (1)، ويكفي فيها الداعي القلبي، ولا يعتبر فيها الاخطار بالبال، ولا التلفظ، فحال الصلاة وسائر العبادات حال سائر الاعمال والافعال الاختيارية كالاكل والشرب، والقيام والقعود ونحوها من حيث النية، نعم تزيد عليها باعتبار القربة فيها، بأن يكون الداعي والمحرك هو الامتثال والقربة، ولغايات الامتثال درجات. ] (1) قد عرفت فيما مضى أن انية إنما اخذت في الصلاة على نحو الشرطية دون الجزئية. وعليه فيكفى فيها الداعي القلبي، بأن يكون اتيانه لها بداعي القربة، وقصد الانبعاث عن الامر من دون فرق بين أول الصلاة وآخرها. وأما اخطار صورة الفعل في افق النفس ولو اجمالا، واحضارها في الذهن قبل الصلاة، ثم استمرارها حكما كما عليه جمع، فلا دليل على ذلك بوجه، كما لا يلزم التلفظ بها، بل هو مكروه وموجب لاعادة الاقامة. وتوهم انه مما يرجع إلى الصلاة وقد دل الدليل على عدم قدح

[ 14 ]

[ (احدها): وهو أعلاها (1) أن يقصد امتثال امر الله لانه - تعالى - أهل للعبادة الطاعة وهذا ما اشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. (الثاني أن يقصد شكر نعمه التي لا تحصى (الثالث) ان يقصد به تحصيل رضاه والقرار من سخطه. ] مثل هذا التكلم. مدفوع بأن الدليل مختص بما يرجع إلى الجماعة من جهة تسوية الصفوف ونحوها، وإلا كان اللازم عدم الكراهة بعد الاقامة بمثل قوله (لا تتكلم معي فاني اريد أن اصلي من جهة أوله إلى الصلاة وكونه من شؤونها وهو كما ترى. فعموم كراهة التكلم بعد الاقامة شامل لمثل التلفظ بالنية؟. وكيفما كان: فلا ينبغي الاشكال في كفاية الداعي القلبي واتيان الصلاة بداعي القربة. وللقربة مراتب ودرجات حسبما اشار إليها في المتن. (1): - واسماها ولا ينالها إلا الاوحدي لخلوها عن أية جهة ترجع إلى العبد. ومجمل القول حول هذه الدرجات: ان العبادة بما انها عمل اختياري صادر من عاقل مختار، وكل ما كان كذلك لابد فيه من وجود غاية باعثة على ارتكاب العمل. فهذه الغاية في المقام اما انها ملحوظة في جانب العامل العابد، أوفي ناحية المعبود.

[ 15 ]

[ (الرابع) ان يقصد به حصول القرب إليه (1). (الخامس) ان يقصد به الثواب ورفع العقاب بان يكون الداعي إلى امتثال امره رجاء ثوابه وتخليصه من النار. وأما إذا كان قصده ذلك على وجه المعاوضة من ] والثاني اما انه لحاظ كماله الذاتي، واهليته للعبادة وهو ارقى المراتب، أو من أجل حسنه الناشئ من نعمه واحسانه، والاول اما انه تحصيل رضاه، أو التقرب منه، أو طمعا في ثوابه، أو خشية من عقابه. (1): من الواضح جدا ان المراد بالقرب ليس هو القرب المكاني الحقيقي، بل ولا الادعائي التنزيلي لوضوح ان القرب بين شيئين يتضمن التضايف بحيث أن أحدهما إذا كان قريبا كان الآخر أيضا كذلك واقعا أو تنزيلا. ومن البين انه سبحانه قريب من جميع البشر، بل هو اقرب الينا من حبل الوريد، وكل شئ حاضر عنده حضورا ذاتيا، بيد أن البعض منا بعيد عنه لكونه غريقا في الذنوب والخطايا المستوجب لعدم توجهه والتفاوته إليه، فهو قريب من عباده تنزيلا وهم بعيدون عنه بل المراد من القرب الذي يتوخاه العبد في عبادته هو طلب الحضور بين يدي الرب والشهود عنده بحيث كأنه يراه ويشاهده شهودا قلبيا لا بصريا. ويستفاد من كثير من الادعية والروايات ان الغاية القصوى من العبادات هو لقاء الله تعالى، والوصول إلى هذه

[ 16 ]

[ دون أن يكون برجاء اثابته - تعالى - فيشكل صحته (1)، وما ورد من صلاة الاستسقاء وصلاة الحاجة إنما يصح إذا كان على الوجه الاول. ] المرتبة التي هي ارقى المراتب التي يمكن ان يصل إليها الانسان، وربما يتفق الوصول إليها بعد التدريب، ومجاهدة النفس، والتضلع في العبادة المستتبعة بعد ازالة الملكات الخبيثة لصفاء القلب وقابليته لمشاهدة الرب والسير إليه، فيروم العابد بعبادته النيل إلى هذه المرتبة التي هي المراد من التقرب منه تعالى. (1): - بل لا ينبغي التأمل في البطلان ضرورة ان الثواب أو دفع العقاب لا يترتبان على ذات العمل لكي تصح المعاوضة والمبادلة بينهما، بل على العمل المتصف بالعبادية والصادر بقصد الامتئال والطاعة، فلو صلى ليدخل الجنة بطلت، إذ ليس لذات العمل هذا الاثر، بل المأتي به مضافا إلى المولى، ومجرد قصد دخول الجنة لا يحقق الاضافة كما هو واضح، وانما يتجه لو كان على سبيل الداعي على الداعي. وهكذا ما ورد في صلاة الاستسقاء، أو الحاجة، أو صلاة الليل من الخواص والآثار من طلب الرزق ونحوه، فانها لا تترتب على ذات الصلاة، بل المأتي بها بصفة العبادة، فلا يصح قصدها إلا على النحو الذي عرفت. وبالجملة: الغايات المتقدمة من الثواب أو دفع العقاب، أو شكر النعمة كلها غايات للامتثال ومن قبيل الداعي على الداعي لا يكاد

[ 17 ]

[ (مسألة 1): - يجب تعيين العمل إذا كان ما عليه فعلا متعددا (1)، ولكن يكفي التعيين الاجمالي كأن ينوي ما وجب عليه أولا من الصلاتين مثلا، أو ينوي ما اشتغلت ذمته به أولا أو ثانيا، ولا يجب مع الاتحاد. ] يترتب شي ء منها إلا بعد انصاف العمل بالعبادية، والاتيان به بهذا العنوان، فبدونه ولو كان بنية صالحة كالتعليم فضلا عن الرياء لا اثر له بوجه، فلو صلى أحد لا لكماله الذاتي ولا لحبه الناشئ من نعمه ولا بداعي التقراب وإدراكه لذة الانس بل لامر آخر دنيوي أو اخروي لم يترتب عليه أي اثر، بل لابد وأن تكون ثمة واسطة بين العمل وبين تلك الغاية وهي الاضافة إلى المولى على سبيل العبودية حسبما عرفت. (1): قد يكون الثابت في الذمة تكليفا واحدا، وقد يكون متعددا فالاول كما في صيام شهر رمضان حيث لا يصلح هذا الزمان لغير هذا النوع من الصيام فيكفي فيه الاتيان بذات العمل مع قصد الامر، فلو نوى في المثال صوم الغد متقربا كفى ولا حاجة إلى التعيين بعد ان كان متعينا في نفسه، وغير صالح للاشتراك مع غيره ليفتقر إلى التميين والتشخيص وهذا ظاهر. واما الثاني كما في صلاتي الظهر والعصر، فبما ان احدا هما تغاير الاخرى ثبوتا - وإن اشتركتا في جميع الخصوصيات اثباتا - كما يكشف عن هذه المغايرة قوله عليه السلام: ". إلا ان هذه قبل هذه. الخ " الدل على اعتبار الترتيب، وإلا لم يكن مجال

[ 18 ]

للاستثناء، لوضوح ان كل من يأتي بثمان ركعات فبطبيعة الحال تكون الاربع الاولى قبل الاربع الثانية، كما ان الركعة الاولى قبل الثانية، وهي قبل الثالثة وهكذا، فلو لم يكن تغاير وتباين ذاتي بينهما لم يكن وقع لهذا الكلام. وأيضا يكشف عنها النصوص الواردة في العدول من اللاحقة إلى السابقة كما لا يخفى. فلا جرم لزم المتصدي للامتثال مراعاة عنوان العمل وقصد تعيينه مقدمة لتحقيقه وامتثال امره، فلو نوى ذات الاربع ركعات ولو متقربا من غير قصد عنوان الظهر ولا العصر بطل ولم يقع امتثالا لشئ منهما. وبعبارة اخرى إنما يكتفى بقصد الامر فيما إذا كان متعلقه ذات العمل، واما إذا كان متعلقه العنوان كالظهرية لم يكن بد من قصده، وإلا لم يكن المأتي به مصداقا للمأمور به. ومن هذا القبيل فريضة الفجر ونافلته حيث استكشفنا من اختلاف الآثار التي منها عدم جواز الاتيان بالنافلة لدى ضيق الوقت ان لكل منهما عنوانا خاصا، فلو أتى بذات الركعتين من غير قصد شئ من العنوانين بطل ولم يقع مصداقا لشئ منهما. ومن هذا القبيل أيضا الاداء والقضاء حيث استفدنا من النصوص الدالة على لزوم تقديم الحاضرة على الفاتتة، أو افضليته حسب الاختلاف في المسألة ان لكل منهما عنوانا به يمتاز عن الآخر، فلا مناض إذا من قصده، وبدونه لم يقع امتثالا لشئ منهما. نعم: لو لم يكن للواجبين عنوان خاص كما لو كان عليه قضاء

[ 19 ]

[ (مسألة 2): لا يجب قصد الاداء والقضاء ولا القصر والتمام (1) ولا الوجوب والندب (2)، إلا مع توقف التعيين على قصد احد هما. ] يومين من شهر رمضان، أو استدان من زيد مرتين فاصبح مدينا له بدرهمين، فحيث لا امتياز بين الفردين المشغولة بهما الذمة حتى في صقع الواقع ولم يتعلق الامر إلا بذات العمل من غير خصوصية للسابق أو اللاحق لم يلزمه قصد هذه الخصوصية في مقام الاداء. فتحصل: أن العبرة في لزوم التعيين بتعدد الواجب، وأن يكون لكل منهما عنوان به يمتاز عن الآخر، فلو لم يكن تعدد أو كان ولم يكن له عنوان خاص لم يلزمه ذلك. (1): إذ اللازم على المكلف إنما هو الاتيان بذات المأمور به مع تعيينه فيما يحتاج إلى التعيين حسبما مر مع اضافته إلى المولى، واما الزائد عليه من الخصوصيات التي تكتنف بالعمل من القصر والتمام، أو القضاء والاداء كالالتفات إلى بقية الاجزاء فلم ينهض على اعتباره اي دليل، فلو لم يكن في ذمته إلا الاداء تملما فقصد اربع ركعات بقصد الظهر صح وكفى، وان لم يكن ملتفتا إلى شئ من الخصوصيتين تفصيلا حين العمل. (2): - فانهما من كيفيات الامر لا من خصوصيات المأمور به وإن صح اتصافه بهما أيضا، لكنه اسناد تبعي والاصل فيه إنما هو الامر نفسه باعتبار اقترانه بالترخيص في الترك وعدمه، حيث ينتزع من الاول الاستحباب ومن الثاني الوجوب. وعليه فمجرد الاتيان

[ 20 ]

[ بل لو قصد احد الامرين في مقام الآخر صح (1) إذا كان على وجه الاشتباه في التطبيق، كأن قصد امتثال الامر ] بالعمل بداعي الامر كاف في تحقق العبادة وان لم يعلم ان الامر المتعلق به وجوبي أو استحبابي، إذ لا دخل له لا في تحقق ذات المأمور به، ولا في اضافته إلى المولى ومنه تعرف الحال في الاداء والقضاء وأن المأمور به فيهما أيضا حقيقة واحدة، غاية الامر ان الاول مشروط بالوقوع في الوقت، وبعد خروجه وعدم امتثاله عصيانا أو نسيانا - تلغو الخصوصية ويبقى الامر بالطبيعة - ولو بامر جديد - من غير أن يتقيد بالوقوع خارج الوقت. كيف وهو لازم عقلي وامر ضروري غير اختياري لابد منه، فلا موقع لمراعاة التقييد فيه. وعلى الجملة: فالاداء شرط مأخوذ في الطبيعة كسائر الشرائط كالطهارة من الخبث والاستقبال ونحو هما، وهي برمتها توصلية لا يعتبر الالتفات إليها تفصيلا ليلزم قصدها. وأما القضاء فالامر فيه اوضح لما عرفت من ان خصوصية الوقوع خارج الوقت لم تكن قيدا شرعيا ملحوظا في جانب المأمور به ليلزم قصده، وإنما هو عقلي محض. فتحصل: انه لا تعتبر مراعاة شئ من الخصوصيات المزبورة لا الاداء والقضاء، ولا القصر والتمام، ولا الوجوب والندب إلا فيما إذا توقف التعيين عليه حسبما عرفت. (1): - فصل (قدس سره) في مفروض المسألة بين ما إذا كان

[ 21 ]

قصد الخصوصية من باب الاشتباه في التطبيق وبين ما إذا كان من باب التقييد فحكم (قدس سره) بالصحة في الاول والبطلان في الثاني: اقول: اما الاول فظاهر الوجه، إذا بعد أن كانت الحقيقة واحدة وهي صلاة الفجر مثلا وكان لها امر واحد على الفرض فتخيل المصلي انه استحبابي فبان انه وجوبي، أو انه ادائي فبان انه قضائي أو بالعكس، الراجع إلى الاشتباه في خصوصية من صفات الامر أو المأمور به لا مدخل له في صحة العبادة بعد اشتمالها على تمام ما هو المقوم لها من ذات العمل مع قصد التقرب كما هو المفروض وهذا واضح. واما الثاني: فغير واضح، بل في حين المنع، فان مستند البطلان هو أن المصلي بعد أن قيد عمله بالخصوصية التي زعمها بحيث لو علم بفقدها لم يعمل لا انه يعمل على كل تقدير، غايته انه اشتبه في التطبيق كما في الصورة السابقة فهو في الحقيقة فاقد للنية بالاضافة إلى ما صدر منه لا ندارجه في كبرى: ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. ولكنه كما ترى لامتناع التقييد في امثال المقام حسبما تكررت الاشارة إليه في مطاوي هذا الشرح، ضرورة انه إنما يتصور فيما هو قابل للتقييد كالمطقات، والكيات التي هي ذات حصص واصناف كبيع من من الحنطة القابل للتقييد بكونها من المزرعة الفلانية واما الجزئي الحقيقي والموجود الخارجي - كما في المقام - فانه لاسعة فيه ليقبل التضييق والتقييد. فلو اعتقد أن زيدا صديقه فأكرمه فبان انه عدوه، أو ان المال الفلاني يترقى فاشتراه ليربح فتنزل،

[ 22 ]

[ المتعلق به فعلا وتخيل انه امر ادائي فبان قضائيا أو بالعكس، أو تخيل انه وجوبي فبان ندبيا أو بالعكس، وكذا القصر والتمام (1)، وأما كان على ] أو ان من في المحراب زيد فبان انه عمرو - وهو لا يريد الاقتداء به وإن كان عادلا - فهذه الافعال من الاكرام، والشراء، والاقتداء ومنها الصلاة في محل الكلام صادرة منه بالضرورة وهي جزئيات خارجية لا يعقل فيها التقييد، فان الفاعل وان كان بحيث لو علم بالخلاف لم يفعل إلا انه بالآخرة فعل وصدر منه العمل، وهذا يكون التقييد المزعوم من قبيل التخلف في الداعي، والاشتباه في التطبيق بطبيعة الحال، لان ما وقع لا ينقلب عما هو عليه، فهو مقصود لا محالة، لا انه غير مقصود، وإنما الخطأ في الداعي الباعث على ارتكابه حسبما عرفت فلا مناص من الحكم بالصحة في جميع هذه الموارد، وكيف لا يحكم بها فيمن صلى نافلة الليل بزعم ان هذه ليلة الجمعة أو زار الامام (ع) كذلك بحيث لو كان يعلم انها ليلة اخرى لم يصل ولم يزر، فان الحكم ببطلان الصلاة أو الزيارة كما ترى، ضرورة ان المعتبر في صحة العبادة إنما هو الاتيان بذات العمل مع قصد التقرب، وقد فعل حسب الفرض. ومعه لا مقتضي للبطلان بوجه. (1): - عد هذا من باب الاشتباه في التطبيق غير واضح فان صلاة القصر مقيدة بالتسليم على الركعتين والتمام بعدمه، فكل

[ 23 ]

[ وجه التقييد فلا يكون صحيحا، كما إذا قصد امتثال الامر الادائي ليس إلا، أو الامر الوجوبي ليس إلا، فبان الخلاف فانه باطل. ] منهما مقيد بقيد مضاد للآخر، ومن البين اعتبار قصد المأمور به بتمام اجزائه ولا يكفي البعض، غاية الامر كفاية النية الاجمالية ولا يعتبر التفصيل، فلو جهل الوظيفة الفعلية وكانت الرسالة العملية موجودة عنده لا بأس حينئذ بالشروع بقصد ما في الذمة، ثم يراجع المسألة اثناء الصلاة ويسلم في ظرفه اللازم، كما لا بأس أيضا لو إئتم بمقلده مع علمه باتحاد هما في الوظيفة فيسلم بتبع تسليمه. ومما ذكرنا يظهر انه لو نوى أحد هما ثم انكشف له اثناء العمل ان المأمور به غيره لم يجز، لفقد النية حق الاجمالية فضلا عن التفصيلية. وبعبارة واضحة من كانت وظيفته القصر - مثلا - إذا قصد التمام فقد نوى صلاة فاسدة لا امر بها. ومقتضى ما تقدم من لزوم قصد تمام الاجزاء من الاول هو الحكم بالبطلان، لان المقصود غير مأمور به والمأمور به غير مقصود حتى اجمالا بعد تغاير طبيعتي القصر والتمام، باعتبار اشتمال كل منهما على قيد مضاد للآخر كما عرفت ومعه كيف يمكن ادراج المقام في باب الاشتباه في التطبيق. ونظير المقام ما سيأتي من انه لو نوى الظهر بزعم عدم الاتياق بها ثم انكشف اتيانها ليس له العدول إلى العصر بدعوى كونه من باب الاشتباه في التطبيق وانه قاصد للامر الفعلي، إذ كيف يكون

[ 24 ]

[ (مسألة 3): إذا كان في احد اماكن التخيير فنوى؟ القصر يجوز له ان يعدل إلى التمام وبالعكس ما لم يتجاوز محل العدول، بل لو نوى احدهما واتم على الآخر من غير التفات إلى العدول فالظاهر الصحة، ولا يجب التعيين (1) حين الشروع أيضا. ] كذلك مع انه لم يكن قاصدا لعنوان العصر لا اجمالا ولا تفصيلا. حتى مع الغض؟ عن عدم جواز العدول من السابقة إلى اللاحقة لكن الاشكال مبني على تغاير طبيعتي القصر والتمام وستعرف انهما طبيعة واحدة فلا اشكال. (1): - إذ المفروض ان متعلق الامر في هذه الاماكن هو الجامع بين بشرط لا وبشرط شئ، فلم تكن الخصوصية واجبة من اول الامر لتحتاج إلى التعيين. نظير السورة الواجبة في الصلاة بعد الحمد، حيث ان الواجب طبيعيها، فلا يجب تعينها منذ الشروع في الصلاة، بل لو عين آنذاك له العدول بعد ذلك، كما ان له العدول في المقام ايضا ما دام المحل باقيا لما عرفت من خروج الخصوصية عن حين الامر وعدم تعلقه الا بالطبيعي الجامع بين ذات ركعتين وذات الاربع. ومنه تعرف انه لو نوى احدهما واتم على الاخر؟ غفلة ومن غير التفات إلى العدول صح للاتيان بالمأمور به على وجهه من غير خلل فيه.

[ 25 ]

[ نعم لو نوى القصر فشك بين الاثنين والثلاث بعد اكمال السجد تين (1) يشكل العدول إلى التمام والبناء على الثلاث وإن كان لا يخلو من وجه، بل قد يقال بتعينه، والاحوط العدول والاتمام مع صلاة الاحتياط والاعادة. ] (1): فهل يحكم حينئذ ببطلان الصلاة لبطلان الشك الزبور في الصلاة الثناثية، أو بجواز العدول إلى التمام المستلزم لانقلاب الشك إلى الصحيح لوقوعه في صلاة رباعية فيتم بعد البناء على الثلاث ويأتي بركعة الاحتياط، أو بوجوبه حذرا عن قطع الصلاة المحرم؟ وجوه: اما البطلان وعدم المجال للعدول فيستدل له: - (تارة) باطلاق مادل على البطلان في الشك في الثنائية. وفيه ان الشك بنفسه لم يكن مبطلا كالحدث. وانما الممنوع المضي عليه، ومن ثم لم تروى ثم ظن بأحد الطرفين بنى عليه، ومن البين انه بعد العدول والبناء على الاكثر لم يكن ثمة مضي على الشك في صلاة ثنائية لانعدام الموضوع. (واخرى) باختصاص مورد العدول بما إذا تمكن المصلي من اتمام الصلاة المعدول عنها كي يعدل من صلاة صحيحة إلى مثلها، واما إذا لم يتمكن لفسادها في نفسها مع قطع النظر عن العدول، فمثله غير مشمول لا دلته. ومن ثم لو شك في صلاة الفجر بين الثنتين والثلاث بعد الاكمال ليس له العدول إلى فائتة رباعية بضرورة الفقه.

[ 26 ]

[ (مسألة 4): - لا يجب في ابتداء العمل حين النية ] وفيه ان هذا إنما يتجه فيما إذا كان العدول ثابتا بدليل خاص كالعدول من الحاضرة إلى الفائتة ونحو ذلك لا ما كان ثابتا بمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى دليل خاص كالمقام، حيث قد عرفت ان متعلق الامر إنما هو الجامع بين الثنائية والرباعية، والتطبيق على الاول كان باختيار المكلف لا بجعل من الشارع، فهو لا يزال مكلفا بذاك الجامع، إذا فما هو المانع من شمول ادلة البناء على الاكثر لمثل ذلك، فان الخارج عنها إنما هي الصلاة الثنائية حسب الجعل الشرعي، لا الاختيار الشخصي، فله رفع اليد واختيار الفرد الآخر والبناء فيه على الاكثر. ونحوه ما لو كان بانيا على القصر فشك بين الثلاث والاربع، فان المأمور به لما كان هو الجامع فله العدول إلى الرباعية والبناء على الاكثر حسبما عرفت. وأما وجوب العدول حذرا عن القطع المحرم. ففيه: ان دليل القطع لو ثم فانما هو الاجماع، ومورده ما ذا كانت الصلاة صحيحة في نفسها مع قطع النظر عن العدول، لاما إذا تمكن من تصحيحها بالعدول. وبعبارة اخرى: مورد الحرمة ما إذا كان البطلان مستندا إلى القطع، بحيث لولاه لكانت صلاة صحيحة في حد ذاتها، ولا يعم ما لو كانت الصحة متوقفة على امر آخر اختياري كما في المقام. فتحصل ان الاظهر إنما هو الوجه الثاني.

[ 27 ]

[ تصور الصلاة تفصيلا، بل يكفي الاجمال (1) نعم يجب نية المجموع من الافعال جملة أو الاجزاء على وجه يرفع إليها، ولا يجوز تفريق النية (2) على الاجزاء على وجه لا يرجع إلى قصد الجملة، كأن يقصد مثلا كلا منها على وجه الاستقلال من غير لحاظ الجزئية. (مسألة 5): لا ينافي نية الوجوب اشتمال الصلاة على الاجزاء المندوبة (3)، ولا يجب ملاحظتها في ابتداء الصلاة، ولا تجديد النية على وجه الندب حين الاتيان بها ] (1): - كأن ينوي ما امره الله تعالى به من الاجزاء لعدم الدليل على اعتبار الازيد من ذلك. (2): - لان المأمور به لما كان هو المركب وهو عين الاجزاء بالاسر فلا يتصف شئ منها بالجزئية إلا شريطة الانضمام بساير الاجزاء فلا يكفي لحاظه مستقلا لعرائه عن الامر المانع عن صلاحية الاضافة من المولى، فلو قصد التكبيرة فقط ثم بدا له وقصد القراءة وهكذا لم يتحقق به الامتثال. (3): - لان الفرد المشتمل عليها مصداق للطبيعة الواجبة، غاية الامر انه افضل الافراد نظير الصلاة في المسجد، أو اول الوقت ونحو ذلك من الخصوصيات التي تستوجب مزية الفرد وافضليته عن الفاقد لها هذا بناءا على تصوير الجزء الاستحبابي، واما بناءا على انكاره

[ 28 ]

[ (مسألة 6): الاحوط (1) ترك التلفظ بالنية في الصلاة خصوصا في صلاة الاحتياط للشكوك (2)، وان كان الاقوى الصحة معه (3). ] وعدم امكانه لا بالنسبة إلى الفرد ولا الماهية كما هو الصواب على ما حقق في الاصول، وان ما يترائى منه ذلك كالقنوت فهو مستحب نفسي ظرفه الواجب فالامر اوضح. (1): - منشأ الاحتياط ما يراه (قدس سره) من وجوب الاقامة واحتمال بطلانها بالتكلم واحتياجها إلى الاعادة، وعليه فيختص بغير موارد سقوطها، إذ لامانع حينئذ من التلفظ بوجه. ولكنه (قدس سره) مع ذلك افتى بالصحة نظرا إلى انصراف دليل البطلان عن مثل هذا التكلم الراجع إلى شؤون الصلاة كالامر بتعديل الصفوف على ما نطق به بعض النصوص، حيث يستفاد منه حكم كلي منطبق على المقام وغيره وقد تقدم ما فيه وكيفما كان فحيث انا لا نرى وجوب الاقامة فلا حاجة إلى هذا الاحتياط، وان كان الاولى ترك التلفظ كما مر. (2): - لاحتمال كونها جزء امتمما على تقدير النقص المستلزم لكون التلفظ بالنية تلفظا اثناء الصلاة. (3): - لما يرتأيه (قدس سره) من انها صلاة مستقلة وإن شرعت لتدارك النقص المحتمل. هذا. ولكن المختار عندنا لما كان هو الاحتمال الاول أي ان صلاة الاحتياط جزء متمم للصلاة الاصلية على تقدير نقصها فلا جرم كان

[ 29 ]

[ (مسألة 7): - من لايعرف الصلاة يجب عليه أن يأخذ من يلقنه (1) فيأتي بها جزءا فجزءا ويجب عليه أن ينويها أولا على الاجمال (2). (مسألة 8): - يشترط في نية الصلاة بل مطلق العبادات الخلوص عن الرياء (3)، فلو نوى بها الرياء بطلت، بل هو من المعاصي الكبيرة، لانه شرك بالله - تعالى - ثم ان دخول الرياء في العمل على وجوه: ] الاقوى ترك التلفظ حذرا عن احتمال وقوعه اثناء الصلاة من غير مؤمن كما لا يخفى. (1): - فانه من انحاء القدرة الواجب عليه تحصيلها بعد وضوح كونها أعم من المباشرة بنفسه أو بواسطة التلقين. (2): - حسبما تقدم. (3): - المشهور بين الفقهاء إن لم يكن اجماعا اعتبار الخلوص في الصلاة بل مطلق العبادات، فلو نوى بها الرياء بطلت بل كان آثما لكونه من المعاصي الكبيرة، وقد عبر عنه بالشرك في لسان الاخبار، وهذا في الجملة مما لا اشكال فيه، ولم ينقل الخلاف فيه عن احد عدا السيد المرتضى (قده) في الانتصار القائل بالحرمة دون البطلان، وخلافه ناظر إلى بعض الاقسام مما يرى فيه عدم التنافي بين الرياء وقصد القربة كما في الضميمة على ما سيجئ تفصيلها، وإلا فاعتبار القربة في العبادات لعله من الضروريات

[ 30 ]

[ (احدها): أن يأتي بالعمل لمجرد اراءة الناس (1) من دون أن يقصد به امتثال امر الله تعالى وهذا باطل بلا اشكال، لانه فاقد لقصد القربة ايضا. (الثاني): أن يكون داعيه (2) ومحركه على العمل القربة وامتثال الامر والرياء معا، وهذا أيضا باطل، سواء كانا مستقلين أو كان احدهما تبعا والآخر مستقلا أو كانا معا ومنضما محركا وداعيا. ] التى لا تقبل الانكار. وكيف كان: فأصل الاعتبار المستلزم لبطلان العبادة المرائى فيها مما لا غبار عليه، وقد تظافرت به الروايات التي عقد لها في الوسائل بابا مستقلا، إنما الكلام في بعض خصوصيات المطلب وستعرف الحال فيها في التعاليق الآتية. (1): - بأن يكون الداعي الوحيد هو الرياء فحسب ولا يقصد به طاعة الرب بوجه، والبطلان في هذا القسم مما لا اشكال فيه ولا خلاف حتى من السيد المرتضى لفقد القربة المعتبر في صحة الصلاة، فان كون الصلاة عبادة وافتقار العبادة إلى قصد التقرب كاد أن يكون من الواضحات التي لامرية فيها. (2): - وهذا القسم أعني ضم قصد الرياء إلى القربة ينحل إلى صور أربع. إحداها: أن يكون الباعث على ارتكاب العمل والمحرك نحوه

[ 31 ]

مجموع القصدين، فكل منهما جزء من المؤثر بحيث لو انعزل احدهما عن الآخر لما ترتب الاثر لقصور كل منهما وحده عن صلاحية الدعوة والتحريك، فلا يكون الداعي إلا مجموع القصدين على صفة الانضمام. الثانية: أن يكون كل منهما مستقلا في التأثير في حد نفسه بحيث لو انفرد عن الآخر كان تام الداعوية وصالحا للتحريك وإن كان التأثير الفعلي مستندا إلى مجموع الامرين لا خصوص كل منهما من جهة استحالة توارد علتين على معلول واحد. الثالثة: أن يكون الداعي الالهي اصيلا والريائي تابعا. الرابعة: عكس ذلك. لاريب في البطلان في الصلاة الاولى من جهة الاخلال بقصد التقرب المعتبر في صحة العبادة، إذا المعتبر فيها أن يكون الانبعاث نحو العمل عن قصد الامر، والمفروض في المقام عدمه، لقصور هذا الداعي عن صلاحية الدعوة في حد نفسه على الفرض. فالبطلان في هذه الصورة على طبق القاعدة ولو لم يكن نص في البين. كما لا ريب في البطلان في الصورة الاخيرة كما هو واضح. واما الصورة الثانية: فمقتضى القاعدة الصحة إذا لا يعتبر في اتصاف العمل بالعبادية اكثر من صدوره عن داع قربي مستقل في الداعوية في حد نفسه المتحقق في الفرض، ولم يعتبر عدم اقترانه بداع آخر ولو كان مستقلا في الدعوة، فالمناط بلوغ الباعث الالهي حدا يصلح للدعوة التامة من دون قصور فيها سواء اقترن بداع آخر ام لا. ومن هنا يحكم بصحة الغسل مثلا ولو كان قاصدا للتبريد

[ 32 ]

أيضا على نحو يكون منهما في حد نفسه مستقلا في التحريك كما يحكم بصحة الصوم ممن له كرامة في المجتمع بحيث لا يكاد يتجاهر بالافطار في شهر رمضان ولو لم يكن هناك رادع إلهي تحفظا على كرامته ومقامه وبالجملة: حيث ان الضميمة المزبورة لا ينثلم بها قصد التقرب المعتبر في العبادة ولا توجب خللا في صدق الطاعة فمقتضى القاعدة الصحة في هذه الصورة وبطريق اولى في الصورة الثالثة كما لا يخفى من دون فرق بين المقام وغيره من ساير الضمايم مما تكون الضميمة من هذا القبيل، اي كانت مستقلة في التحريك كقصد القربة، أو كان تابعا والتقرب اصيلا. لكنا خرجنا عنها في خصوص المقام اعني الرباء - بمقتضى النصوص المتظافرة الدالة باطلاقها على البطلان حق في هاتين الصورتين فضلا عن غير هما، وهي كثيرة جدا قد عقد لها في الوسائل بابا مستقلا واكثرها مروية عن المحاسن نذكر بعضها. فمنها: صحيحة زرارة وحمران عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله والدار الاخرة وادخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركا) (1)، وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقول الله عزوجل: انا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري (2). ونحو هما غيرهما، فان المراد بالشرك الشرك في العبادة دون الربوبية كما هو واضح، ومن اظهر آثاره الحرمة، فإذا كان حراما بطل، إذ


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب مقدمات العبادات ح 11. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب مقدمات العبادات ح 7.

[ 33 ]

[ (الثالث): أن يقصد ببعض الاجزاء الواجبة الرياء (1) وهذا أيضا باطل، وإن كان محل التدارك باقيا، نعم في مثل الاعمال التي لا يرتبط بعضها ببعض أو لا ينافيها الزيادة في الاثناء كقراءة القرآن والاذان والاقامة إذا أتى ببعض الآيات أو الفصول من الاذان اختص البطلان به، فلو تدارك بالاعادة صح. ] الحرام لا يكون مصداقا للواجب. ومن الواضح ان ادخال رضا احد من الناس صادق حتى فيما إذا كان الرياء تابعا فضلا عما إذا كان مستقلا في التحريك في عرض الباعث الالهي، وكذا قوله: فمن عمل لي ولغيري في الرواية الاخيرة فالروايتان وغيرهما تشمل جميع الصور المتقدمة، فيحكم بالبطلان من اجلها. (1): اما نفس الجزء فباطل بلا ارتياب لصدوره رياءا حسب الفرض، وبتبعه تفسد الصلاة ايضا سواء تداركه مع بقاء محل التدارك أم لا، للاخلال بها من جهة النقيصة أو الزيادة كما لا يخفى. وعن المحقق الهمداني الصحة في فرض التدارك بدعوى انصراف ادلة الزيادة عن مثل المقام فانها خاصة بما إذا احدث الزاند، ولا تعم ما لو أوجد صفة الزيادة لما تحقق سابقا والمقام من هذا القبيل فانه لو اقتصر على الجزء المرائى فيه فالعمل فاسد من جهة النقص ولو تداركه أوجب ذلك اتصاف الجزء السابق بالزيادة من هذا

[ 34 ]

الحين بعد ما لم يكن كذلك ابتداء. وقد ذكر (قدس سره) نظير ذلك فيما لو أتى بجزء من الآية ثم رفع اليد عنه واستأنفها كما لو قال مال، ثم قال مالك يوم الدين، فان الثاني وإن اوجب اتصاف الاول بالزيادة لكن مثلها غير مبطل بلا اشكال والمقام من هذا القبيل. هذا والذي ينبغي أن يقال في المقام أن الجزء المرائى فيه إن كان من سنخ السجود والركوع فلا ينبغي الشك في بطلان الصلاة حينئذ سواء أتى به بقصد الجزئية أم لا، لعده حينئذ من الزيادة المبطلة كما يفصح عنه ما ورد من النهي عن قراءة سور العزائم في الصلاة معللا باستلزامها سجود التلاوة وانه زيادة في المكتوبة، مع ان سجدة التلاوة لم يؤت بها بقصد الجزئية فكأنها حاكمة على ادلة الزيادة المبطلة ومفسرة لموضوعها، وانه عام يشمل حتى مثل ذلك وان لم يقصد به الجزئية. واما إن كان من سنخ الاذكار كالقرآن والدعاء ونحوهما، فان كان بقصد الجزئية كما لو رائى في فاتحة الكتاب المأتي بها بقصد كونها من الصلاة، فالاقوى حينئذ البطلان ايضا لصدق الزيادة العمدية المبطلة، إذ لا معنى للزيادة سوى الاتيان بشئ بقصد كونه من الصلاة ولم يكن منها. ودعوى انصراف الادلة عن مثله كما تقدم عن المحقق الهمداني (قده) غير مسموعة. واما إذا لم يقصد به الجزئية كما لو قرأ بعد الحمد - مثلا - سورة الجمعة بقصد القرآنية رياءا وبعدها أتى بسورة اخرى قاصدا

[ 35 ]

بها الجزئية، فهل تبطل الصلاة حينئذ؟ اشكال ينشأ من شمول ادلة مبطلية الكلام لمثله وعدمه. اختار جمع منهم شيخنا الاستاذ (قده) الاول بدعوى ان المستفاد من الادلة ان كل تكلم عمدي فهو مبطل للصلاة، وانما الخارج عنه بالتخصيص ما كان ذكرا أو قرآنا، أو دعاءا مأمورا به وجوبا أو استحبابا، فغير المأمور به من هذه الامور داخل في عموم قوله عليه السلام: من تكلم في صلاته متعمدا فعليه الاعادة. ولا شك ان المأتي به رياءا من هذه الامور حيث انه محرم فهو خارج عن عنوان المخصص ومشمول لعموم العالم فيكون مبطلا، هذا ولكن الاقوى الثاني لقصور الادلة المزبورة عن الشمول للمقام فان المبطل من الكلام خاص بكلام الآدمي كما قيد بذلك في كلمات الفقهاء، وسيجئ بيانه في محله ان شاء الله تعالى. ولا ريب أن الذكر أو الدعاء أو القرآن خارج عن موضوع كلام الآدمي وإن كان محرما، فهو قرآن أو ذكر أو دعاء محرم ولا يعد من كلام الآدمي في شئ، واختلاف الحكم من كونه مأمورا به وعدمه لا يؤثر في ذلك شيئا. فهي خارجة عن الكلام المبطل خروجا موضوعيا، والنسبة نسبة التخصص دون التخصيص. فالاقوى ان هذه الامور المأتي بها رياءا إنما تبطل الصلاة إذا كانت بعنوان الجزئية من جهة استلزم الزيادة حينئذ كما عرفت، دون ما إذا لم يقصد بها الجزئية الا إذا استلزم الفصل الطويل الماحي لصورة الصلاة كما إذا قرأ سورة طويلة رياءا فانها توجب البطلان حينئذ من هذه الجهة وان لم يقصد بها الجزئية. وعلى الجملة: الرياء في الجزء بما هو كذلك لا يقتضى الافساده

[ 36 ]

في حد نفسه، وإنما يسري إلى الصلاة فيما إذا استلزم عروض عنوان آخر يقتضي الفساد اما من جهة الزيادة، أو محو الصورة، أو التكلم العمدي على القول به كما عرفت، هذا كله في الصلاة. واما فيما عداها من ساير العبادات مما لا تكون الزيادة مبطلة لها كالوضوء والغسل ونحو هما فلا موجب للبطلان اصلا. فلو غسل يده اليمنى مثلا رياءا حتى بقصد الجزئية ثم ندم فتداركه بقصد التقرب صح مع مراعاة الموالاة لعدم كون الزيادة مبطلة في غير الصلاة. نعم: هناك وجه آخر للبطلان لو تم لعم وشمل جميع اقسام العبادات وهو التمسك باطلاق قوله (ع): في الصحيحة المتقدمة (وادخل فيه رضا احد من الناس) حيث ان مفاده ان كل عمل تضمن الرياء ورضاء احد من الناس ولو باعتبار جزئه كان باطلا، لسراية الفساد الناشئ من الرياء إلى الكل كسراية النار في القطن فينتج فساد الوضوء في الفرض المزبور فضلا عن الصلاة، وكذا غير هما من ساير العبادات. لكن هذا الوجه مبني على ان يكون المراد من كلمة (في) في الصحيحة مطلق الظرفية. ومن الواضح عدم امكان الالتزام بذلك وإلا لزم القول بفساد الوضوء أو الصوم فيما لو قرأ في الاثناء سورة أو دعاءا أو ذكرا رياءا لصدق ادخال رضاء الناس فيه، وكونه ظرفا للرياء وان كان مباينا مع المظروف وجودا وماهية. وهكذا يلزم فساد الحج لو اتى ببعض اجزائه رياءا كالطواف أو السعي ونحو هما وإن تداركه في محله لصدق الظرفية وهو كما ترى

[ 37 ]

[ (الرابع): أن يقصد ببعض الاجزاء المستحبة الرياء كالقنوت في الصلاة وهذا ايضا باطل على الاقوى (1). ] لا يمكن الالتزام به سيما في الحج بل هو غير محتمل جزما كما صرح به المحقق الهمداني في الحج وفي الوضوء. وعلى الجملة: ليس المراد بالظرفية معناها الواسع، بحيث يشعل كون العمل الصادر منه وعاءا العمل آخر صادر لغير الله، بل المراد نفي الخلوص وتشريك غيره معه تعالى في العبادة، بحيث يصدر العمل الوحداني عن داع إلهي وداع ريائي، كما يفصح عنه قوله (عليه السلام) بعد ذلك (كان مشركا) المفقود فيما نحن فيه، بعد فرض التدارك، فلا جرم يختص البطلان بالجزء الذي رائى فيه ولا يعم غيره. والحاصل: إن مجرد الظرفية لا يستوجب الاتصاف بالمشركية إلا بضرب من التجوز والعناية باعتبار ملاحظة مجموع العمل، ومن البين انه لا عبرة بهذا الاسناد المجازي لعدم منعه عن صدق صدور تمام اجزاء العبادة بأسرها عن داع قربي لا غير وان قورنت مع عمل آخر غير قربي. فتحصل: ان بطلان الجزء لا يسري إلى الكل فيما إذا تدورك وكان مصونا عن محذور آخر في كافة العبادات من الصلاة وغيرها حسبما عرفت. (1): فيه نظر بل منع حتى لو بنينا على السراية في الجزء الوجوبي لما ذكرناه في الاصول: من ان الجزء المستحب غير معقول سواء أريد به جزء الماهية أم جزء الفرد، ضرورة ان افتراض

[ 38 ]

[ (الخامس (: أن يكون اصل العمل لله لكن أتى به في مكان وقصد باتيانه في ذلك المكان الرياء، كما إذا أتى به في المسجد أو بعض المشاهد رياءا (1) وهذا ايضا باطل على الاقوى (2)، وكذا إذا كان وقوفه في الصف ] الجزئية مساوق لافتراض الدخل في الطبيعة وتقومها به، وهو مضاد لمفهوم الاستحباب الذي معناه عدم الدخل وجواز الترك. وما يترائى منه ذلك كالقنوت في الصلاة يراد به انه عمل مستقل ظرفه الواجب كالادعية المأثورة للصائم أو للناسك فهو مزية خارجية تستوجب كون الفرد المشتمل عليها افضل الافراد، والتعبير عنه بالجزء المستحب مبني على ضرب من التوسع والمسامحة، وقد عرفت ان مجرد الظرفية لا يستلزم السراية، ولا يقتضى البطلان إلا إذا قورن بموجب آخر له من الفصل الطويل الماحي للصورة، أو الموجب لفوات الموالاة ونحو ذلك. إذا فما ذكره في المتحن محل اشكال بل الاظهر هو عدم البطلان. والمتحصل من جميع ما مر ان الرياء في الجزء مطلقا لا يترتب عليه إلا فساده، ولا يسري إلى المركب إلا مع طرو عنوان آخر موجب للفساد من زيادة أو نقيصة أو فقدان شرط ونحو ذلك. (1): فكان الرياء فيما هو خارج عن ذات العمل كلا أو جزءا من الخصوصيات الفردية المكانية أو الزمانية أو المكتنفة كما سيجئ. (2): إذ الخصوصية المفردة مصداق للطبيعة ومحقق لها، ومن الضروري ان الكلي الطبيعي متحد مع مصداقه خارجا وموجودان

[ 39 ]

[ الاول من الجماعة أو في الطرف الايمن رياءا. (السادس): ان يكون الرياء من حيث الزمان، كالصلاة في اول الوقت رياءا، وهذا أيضا باطل على الاقوى (1). ] بوجود واحد، يضاف مرة إلى الطبيعة، واخرى إلى الفرد، فليست الصلاة الموجودة في الخارج شيئا آخر مغايرا مع الصلاة في هذا المكان ليكونا موجودين بوجودين، ولا يسري الفساد من احديهما إلى الاخرى بل بينهما الاتحاد والعينية فلا جرم يحكم بالفساد، إذ المبغوض لا يكون مقربا، والحرام لا يكون مصداقا للواجب. وكذلك الحال فيما بعده من الامثلة، فان الكل من سنخ الخصوصيات المكانية التي يرجع الرياء فيها إلى الرياء في نفس العمل الواجب حسبما عرفت. هذا كله فيما إذا رائى في الصلاة في هذا المكان بأن كان مصب الرياء ومركزه هو مصداق الطبيعة بالذات اعني الصلاة الكذائية. واما لو رائى في مجرد الكون في هذا المكان، بأن تعلق قصده الريائي بصرف البقاء في المسجد واللبث فيه أو في احد المشاهد المشرفة ليري الناس أنه من اهل التقوى المعظمين لشعائر الله، وفي خلال ذلك صلى خالصا لوجهه فلا موجب حينئذ للحكم بالفساد لخروج الرياء عن حريم المأمور به وعدم مسه بكرامته، فلا اتحاد ولا عينية غايته انه رائى في مقارنات العمل، ومثله لا ضير فيه كما سيجئ. (1): - لاشتراك الخصوصية الزمانية مع المكانية في مناط البحث

[ 40 ]

[ (السابع): أن يكون الرياء من حيث اوصاف العمل كالاتيان بالصلاة جماعة أو القراءة بالتأني أو بالخشوع أو نحو ذلك، وهذا ايضا باطل على الاقوى (1). (الثامن): أن يكون في مقدمات العمل، كما إذا كان الرياء في مشيه إلى المسجد لافي اتيانه في المسجد، فيجرى فيه ما مر بعينه ولا نعيد. (1): - لما عرفت من تطبيق الطبيعة المتحدة وجودا مع مصداقها على الفرد الريائي. نعم: لما كان الخضوع والخشوع، أو البكاء، أو التباكي من الافعال الاختيارية المقارنة للصلاة ولم تكن متحدة معها كالجماعة والفرادي فيمكن تصوير الرياء فيها على نحو لا يسري إلى الصلاة بان تعلق قصده بالصلاة خالصا لوجهه تعالى ثم بدا له أن يبكي أو يخشع بحيث كان ذلك بنفسه موضوعا مستقلا للرياء لا انه من الاول قصد الصلاة المتصفة بالخشوع الريائي: فحينئذ لا موجب للفساد وإن ارتكب الاثم. وعليه فينبغي التفصيل في الخشوع الريائي واشباهه بين ما إذا تعلق القصد بهذا الفرد الخاص من الصلاة فتبطل، إذ الطبيعة وإن كانت مقصودة لله إلا انها كانت متحدة مع فردها خارجا فلا جرم يسري الفساد منه إليه، وبين ما إذا خشع أو بكى في ضمنها رياءا فلا يسري لعدم الاتحاد.

[ 41 ]

[ والظاهر عدم البطلان في هذه الصورة (1). (التاسع): - أن يكون في بعض الاعمال الخارجة عن الصلاة كالتحنك حال الصلاة وهذا لا يكون مبطلا إلا إذا رجع إلى الرياء في الصلاة متحنكا (2). (العاشر): أن يكون العمل خالصا لله لكن كان بحيث يعجبه أن يراه الناس، والظاهر عدم بطلانه أيضا (3) ] (1): لوضوح ان المقدمات امور خارجة عن العمل فلا مقتضي للسراية. (2): - كما ظهر وجهه في كلتا الصورتين مما قدمناه في الخشوع من الاتحاد مع الطبيعة تارة وعدمه اخرى فلا حظ ولا نعيد. (3): - فان صفة العجب وإن كانت منقصة ينبغي للمؤمن الحقيقي تنزيه نفسه عنها، إلا انها لا تستوجب البطلان بعد فرض صدور العمل بكامله خالصا لوجهه الكريم سيما وانها عامة البلوى لاينجو منها إلا الاوحدي والعارف الحقيقي الذي لا يهمه مدح الناس أو قدحهم، وكل همه طلب مرضاته سبحانه، وإلا فغالب الناس تعجبهم عباداتهم ويدخلهم السرور من رؤية الناس، ويحبون أن يمد حوابها، ويعرفوا بين الناس بأنهم من المتعبدين ومن عباد الله الصالحين، لكن مجرد ذلك لا دليل على قدحه في صحة العبادة، بل قد دلت على عدم القدح صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال، سألته عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه انسان فيسره ذلك، قال: " لا بأس مامن

[ 42 ]

[ كما ان الخطور القلبي لا يضر (1) خصوصا إذا كان بحيث يتأذى بهذا الخطور (2)، وكذا لا يضر الرياء بترك الاضداد (3). ] أحد إلا وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك " (1). وقد دل ذيلها على انه لو فعل الخير لغاية المعرفة فحسب بطل لفقد قصد القربة حينئذ كما هو ظاهر. (1): لعدم منافاته مع الاخلاص المعتبر في صحة العبادة والانبعاث عن محض قصد الامتئال، بل هو من وساوس الشيطان كما جاء في بعض الاخبار. (2): فان هذا التأذي كاشف قطعي بلوغه مرتبة رافية من الخلوص، وموجب لتأكد اضافة العمل إلى المولى سبحانه وتعالى. (3): - كما لو كان في مجلس يتكلم اهله بما يرجع إلى امور الدنيا فأعرض عنهم وترك مجالستهم مظهرا انه لا يحب اللغو والخوض في غير أمور الدين فكان مرائيا في هذا الابتعاد والانفصال وقد تشاغل حينئذ في الصلاة، فانه لا موجب لفسادها لعدم تعلق الرياء بها، بل بترك ضدها وهو الاشتراك في ذاك المجلس الذي هو امر آخر مقارن مع الصلاة ولم يكن متحدا معها. وقد تحصل من جميع الاقسام المتقدمة ان الخصوصية المرائى فيها ان اتحدت خارجا مع العبادة كالصلاة جماعة أو اول الوقت، أوفي


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1.

[ 43 ]

[ (مسألة 9): الرياء المتأخر لا يوجب البطلان بأن كان حين العمل قاصدا للخلوص ثم بعد تمامه بداله في ذكره، أو عمل عملا يدل على انه فعل كذا (1). ] المسجد، بحيث كانت النسبة بينهما نسبة الطبيعي إلى افراده بطلت إذ الاتحاد يستوجب السراية لا محالة ومن البين ان الحرام لا يكون مصداقا للواجب. واما لو لم تتحد كالتحنك رياءا والتخشع أثنائها كذلك، فتلك الخصوصية وان حرمت إلا انها لما كانت وجودا مستقلا مغايرا لنفس العبادة وإن كان مقارنا معها، فلا مقتضي حينئذ للسراية بوجه. (1): - إذ المنافي للخلوص إنما هو الرياء المقارن للعمل، فانه الذي يمنع عن صدوره على وجه العبادة، أما المتأخر فلا تأثير له في المتقدم ضرورة ان الشئ لا ينقلب عما وقع عليه. أجل ورد في مرسل علي بن اسباط عن ابي جعفر (ع) انه قال: الابقاء على العمل اشد من العمل، قال وما الابقاء على العمل؟ قال: يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فكنبت له سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية، ثم يذكرها فتمحى فتكتب له رياءا (1)، فانها صريحة في سقوط العبادة بالكلية بذكرها مرتين، ولكنها لمكان الارسال غير صالحة للاستدلال. نعم لاريب في ان الذكر المزبور والرياء بعد العمل صفة رذيلة ومنقصة في العبد ينبغي تنزيه ساحته عنها كما تشهد به صحيحة جميل


(1) الوسائل: باب 14 من ابواب مقدمة العبادات ح 2

[ 44 ]

[ (مسألة 10): العجب المتأخر لا يكون مبطلا، بخلاف المقارن فانه مبطل على الاحوط، وان كان الاقوى ] خلافه (1). ابن دراج قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل: " فلا تزكوا انفسكم هو اعلم بمن اتقى " قال قول الانسان: صليت البارحة وصمت امس ونحو هذا. ثم قال (ع): إن قوما كانوا يصحبون فيقولون صلينا البارحة وصمنا امس، فقال علي (ع): ولكني انام الليل والنهار ولو اجد بينهما شيئا لنعمة (1). فانها ظاهرة في عدم محبوبية الافشاء والاشاعة، بل المحبوب كتمان العبادات عن الناس. (1): - لاشبهة في قبح صفة العجب تكوينا، بل كشفها عن خفة عقل صاحبها، ضرورة ان العاقل الكيس، متى لاحظ وفور نعم الباري تعالى البالغة من الكثرة حدا لا تحصى، ومن ابرزها نعمة الوجود، ثم النعم الظاهرية والباطنية يرى نفسه عاجزا عن اداء شكر واحدة منها، كيف وهو ممكن لا يزال يستمد القوى من بارثه ولا يستغنى عنه طرفة عين بل يفتقر إليه في جميع حالاته حتى حالة التصدي للشكر فيحتاج إلى شكر آخر فيتسلسل، ومنه تعرف انه لو استغرق في العبادة طيلة حياته واستوعبت ليله ونهاره لم يكن يقابل نعمة من نعمه الجزيلة، فكيف وهو لا يتشاغل بها إلا


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب مقدمة العبادات ح 1

[ 45 ]

في بضع ساعات، فاعجابه بعبادته الضئيلة التي استمد مباديها منه تعالى والحقيرة تجاه تلكم النعم العظيمة وهو بهذه المثابة من العجز بحيث لايستطيع من اداء شكر نعمة الوجود فقط، فضلا عن ساير النعم في غاية القبح والوهن، بل لا يكاد يجتمع مع سلامة العقل الا إذا فرض محالا انه واجب وجود ثان، فلعل مثله يتمكن من اداء شكره لعدم انتساب وجوده إليه تعالى. واما حكمه تشريعا فلا ينبغي التأمل في حرمته لاوله إلى هتك حرمة المولى وتحقير نعمه إذ المعجب بعمله يرى نفسه غير مقصر تجاه نعم ربح ه لانه قد اتي بما يساويها أو يزيد عليها فلا يرى - والعياذ بالله - فضلا له تعالى عليه وهو من اعظم الكبائر والجرائم (1). على ان النصوص الكثيرة وفيها المعتبرة قد دلت على الحرمة. فمنها: ما رواه الكليني باسناده عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله تعالى: " إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيجتهد لي الليالي فيتعب (1) هذا وجيه لو اريد بالعجب ذلك دون ماكان خارجا عن الاختيار مما لا يصح تعلق التكليف به كالذي يعرض في الاثناء من الهواجس والخاطر أو الاعتقاد الراسخ الناشئ من ضم الصغرى إلى الكبرى وان كان مخطئا في الاستنتاج لاستناد مباديه إلى نوع من الجهل، والغرور، فانه بهذا المعنى صفة نفسانية غير مسبوقة بالعزم والاراده لتقع موردا للتكليف وعليه يبتنى ما اختاره المحقق الهمداني (فده) من انكار الحرمة كما صرح به في كتاب الطهارة من مصباح الفقيه ص 123. واختاره دام ظله هناك.

[ 46 ]

نفسه في عبادتي فاضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظرا مني له وابقاءا عليه فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت زارئ لنفسه عليها، ولو اخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيره العجب إلى الفتنة باعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه باعماله ورضاه عن نفسه، حتى يظن انه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن انه يتقرب إلي " (1). وهي وإن كانت واضحة الدلالة إلا ان السند ضعيف لاشتماله على داود بن كثير الرقي الذي تعارض فيه التوثيق والتضعيف فلا يمكن التعويل عليها (2). ومنها: معتبرة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق، ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب، فقال: " هو في حاله الاولى وهو خائف احسن حالا منه في حال عجبه " (3). وهي ايضا واضحة الدلالة لان مفادها ان المعصية مع الخوف أهون من العبادة مع العجب. كما انها معتبرة السند، إذ ليس فيه من يتأمل فيه ما عدا محمد ابن عيسى العبيدي الذي استثناه الصدوق تبعا لشيخه ابن الوليد من روايات يونس، لكنك عرفت غير مرة ما في هذا الاستثناء وانه محكوم بالتوثيق، بل قيل انه من مثله؟ ولمزيد التوضيح راجع


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب مقدمة العبادات ح 1. (2) لاحظ معجم رجال الحديث ج 7 ص 124. (3) الوسائل: باب 23 من أبواب مقدمة العبادات ح 2.

[ 47 ]

معجم الرجال (1). إذا فلا ينبغي التأمل في ان الاعجاب مبغوض عقلا، ومحرم شرعا، بل قد عد من المهلكات فيما رواه الصدوق باسناده عن ابي حمزة الثمالي (2). وإنما الكلام في انه هل يستوجب البطلان أيضا أو لا؟ ظاهر الاصحاب هو الثاني وهو الصحيح. اما في العجب المتأخر فظاهر جدا لما تقدم في الرياء اللاحق من عدم تأثيره في السابق، إذ الشئ لا ينقلب عما وقع عليه. واما في المقارن فلاجل ان العجب فعل نفساني، والصلاة عمل خارجي، فلا اتحاد بينهما ليسري الفساد منه إليها، ولا دليل على بطلان الصلاة المقرونة بذلك بعد صدورها عن نية خالصة كما هو المفروض، وعدم خلل في شئ مما يعتبر فيها. فالصحة إذا مطابقة لمقتضى القاعدة، مضافا إلى معتبرة يونس بن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قيل له وانا حاضر: الرجل يكون في صلاته خاليا فيدخله العجب، فقال: إذا كان اول صلاته بنية يريد بها ربه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته وليخسا الشيطان (3) فان الراوي لم يذكر في كتب الرجال لكنه موجود في اسناد كامل الزيارات (4). نعم ربما يستفاد الفساد مما رواه في الكافي باسناده عن علي بن سويد


(1) ج 17 ص 126. (2) الوسائل: باب 23 من ابواب مقدمة العبادات حديث 12. (3) الوسائل: باب 24 من ابواب مقدمة العبادات حديث 3. (4) لكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا يشمله التوثيق

[ 48 ]

عن أبي الحسن (ع) قال: سألته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات: منها ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب انه يحسن صنعا، ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عزوجل ولله عليه فيه المن (1). فان السند صحيح إذ الظاهر ان المراد بالرواي هو علي بن سويد السائي الذي وثقه الشيخ من غير معارض وقد دلت على ان مفسدية العجب في الجملة امر مسلم مفروغ عنه عند الراوي، وقد اقره الامام (ع) على ذلك. ولكن الظاهر انها غير دالة على البطلان فيما نحن فيه، فان الفساد في الدرجة الاولى لم يطرء على العمل الصحيح الذي هو محل الكلام، بل العمل كان فاسدا من الاول، وإن حسب المعجب انه يحسن صنعا، فتوصيف العجب بالمفسديه من قبيل قولنا ضيق فم الركية، وقوله تعالى: " يريد الله ليذهب عنكم الرجس ". كما لا يخفى. وأما في الدرجة الثانية فالفساد أيضا واضح، ضرورة ان المن مبطل للعمل، كما يكشف عنه قوله تعالى: " ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " فان المنة إذا كانت مبطلة للصدقة المعطاة للفقير، فكيف لا تبطل الايمان بالله الغني. وأين هذا كله من الفساد والذي نتكلم حوله من اعجاب المرء بعبادته بحيث يرى نفسه غير مقصر في مقام العبودية، ومؤديا لحق الربوبية. نعم هو مبفوض ومحرم كما تقدم، إلا ان ابطاله للعمل


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب مقدمة العبادات حديث 5.

[ 49 ]

[ (مسألة 11): غير المرياء من الضمائم إما حرام أو مباح أو راجح (1) فان كان حراما وكان متحدا مع العمل أو مع جزء منه بطل كالرياء، وإن كان خارجا عن العمل مقارنا له لم يكن مبطلا، وإن كان مباحا أو راجحا فان كان تبعا وكان داعي القربة مستقلا فلا اشكال في الصحة وان كان مستقلا وكان داعي القربة تبعا بطل، وكذا إذا كانا معا منضمين محركا وداعيا على العمل، وان كانا مستقلين فالاقوى الصحة، وان كان الاحوط الاعادة. ] لادليل عليه سواء اكان بعده أم اثناءه. وأما قبل العمل فنادر جدا، إذ لا موضوع له إلا بلحاظ اعجابه بما يروم ارتكابه من العبادة واعظامها. وكيفما كان؟ فما صنعه في المتن من الاحتياط الاستحبابي في مبطلية العجب المقارن حسن حذرا عن مخالفة من ذهب إلى الابطال على ما حكاه في الجواهر (1) عن بعض مشايخه. (1): ما قصده من الضميمة إما ان يكون متحدا مع ما أتى به بقصد القربة، وإما ان يكون خارجا عنه مقارنا معه. اما في الفرض الثاني فلا اشكال في صحة العمل حتى فيما إذا كانت الضميمة محرمة ولكن بشرط عدم الاخلال بقصد القربة بان كان الداعي الالهي مستقلا سواء أكان داعي الضميمة ايضا كذلك أم لا؟


(1) جواهر الكلام ج 2 ص 100 .

[ 50 ]

واما في الفرض الاول فلا يخلو الحال من أن الضميمة اما أن تكون محرمة أم لا، سواء أكانت راجحة أ مباحة أم مكروهة. اما إذا كانت الضميمة محرمة فلا اشكال في بطلان العمل لما مر غير مرة من عدم صلاحية الحرام للتقرب به وهل يجدي التدارك فيما إذا كانت الضميمة في خصوص الجزء أو لا؟ الكلام فيه هو الكلام في المسألة السابقة ولا يفرق في الحكم بالبطلان بين الصور الاربع من كون الداعيين مستقلين أم منضمين أم مختلفين، فان الوجه المزبور يأتي في جميع الصور ولذا حكم الماتن (قده) بالبطلان على الاطلاق. واما إذا كانت الضميمة مباحة أو راجحة أو مكروهة، كالاتيان بالصلاة بداعي الامر وتعليم الغير تبرعا أو مع الاجرة، فان كان داعي الضميمة تبعا، وداعي القربة مستقلا فلا اشكال في الصحة لعدم قادحية مثل هذه الضميمة التبعية بعد ان لم تكن مخلة يقصد القربة الذي هو المناط في صحة العبادة، كما انه في فرض العكس لا ينبغي الشك في البطلان من جهة عدم تحقق القربة، إذا المفروض ان الامر الالهي في نفسه لم يكن داعيا إلى الاتيان بالعبادة. ومنه يعلم حكم ما إذا كانا معا منضمين محركين وداعيين فانه ايضا تكون الصلاة بالطلة من جهة الاخلال بقصد القربة. واما إذا كان كل واحد منهما مستقلا في الداعوية، وسببا تاما في عالم الاقتضاء وكافيا في تحقيق العمل منعزلا عن الآخر، وان كان صدوره خارجا مستندا اليهما فعلا، لاستحالة صدور الواحد عن سببين مستقلين، فالحق صحة العمل حينئذ لصحة استناده إلى

[ 51 ]

[ (مسألة 12): - إذا أتى ببعض اجزاء الصلاة بقصد ] امر المولى بعد كونه في نفسه سببا تاما في التأثير، فان ما دل على اعتبار القربة في العبادة لا يدل على ازيد من اعتبار كون العمل منبعثا عن الداعي الالهي، واما اعتبار عدم وجود محرك آخر نحو العمل، وخلوه عن قصد آخر، فالدليل المزبور قاصر عن اثباته كما ان مادل على اعتبار الخلوص منصرف إلى ما يقابل الشرك في العبادة اعني الرياء، كما اشير إليه في بعض الاخبار (1) ولا اقل من عدم انعقاد اطلاق له بحيث يتناول ساير الضمائم كما لا يخفى إذا فلا مانع من الصحة لامن ناحية الخلوص ولا من ناحية القربة بل كثيرا ما لا ينفك الرادع الالهي عن مثل هذا القصد، ألا ترى ان الوجيه والشريف بمقتضى مكانته وكرامته بين الناس لا يكاد يتناول المفطر في السوق في شهر رمضان وان لم يكن صائما حفظا منه على شرافته، فيكون كل من الامرين داعيا إلى الاجتناب عن المفطرات فيظهر ان المدار في العبادية على امكان داعوية الامر الالهي وصلاحية للبعث وإن لم تستند الدعوة إليه بالفعل لمانع خارجي كما عرفت وبالجملة كثرة وقوع الفرض بين الناس ما عدا الاوحدي منهم خير شاهد على عدم اعتبار انفراد الداعي الالهي وان العبرة بكونه علة تامة في البعث أو الزجر لاعلة منحصرة وان كان هذا هو الفرد الكامل فالعمدة تمام العبودية ولا بعتبر كمالها. نعم الاحوط الاعادة كما في المتن خروجا عن شبهة الخلاف.


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب مقدمة العبادات ح

[ 52 ]

[ الصلاة وغيرها (1)، كان قصد بركوعه تعظيم الغير والركوع الصلاتي، أو بسلامه سلام التحية وسلام الصلاة بطل إن كان من الاجزاء الواجبة قليلا كان أم كثيرا، امكن تداركه أم لا، وكذا في الاجزاء المستحبة غير القلرآن والذكر على الاحوط واما إذا قصد غير الصلاة محضا فلا يكون مبطلا إلا إذا كان مما لا يجوز فعله في الصلاة، أو كان كثيرا. ] (1): - تعرض (قده) في هذه المسألة لحكم ما إذا أتى ببعض اجزاء الصلاة بعنوانين، بقصد عنوان الجزيئة وبقصد عنوان آخر مغاير لها. فحكم (قده) ان المأتي به إن كان من الاجزاء الواجبة بطل نفس الجزء قليلا كان أم كثيرا، كما انه يكون مبطلا لاصل العمل بقرينة قوله (قده): " امكن تداركه ام لا "، فلا تصح الصلاة حتى مع التدارك، وكأن الوجه فيه، ان الفعل الواحد الشخصي لا يصلح ان يقع مصداقا لعنوانين متغايرين ووقوعه لاحد هما دون الآخر ترجيح بلا مرجح. فهذا الجزء يكون بنفسه باطلا لعدم صلاحية لان يقع جزءا من الصلاة. فلو تداركه بعنوان الصلاة فقط لوقعت الزيادة العمدية في الصلاة فتبطل، فالجزء الاول يكون باطلا ومبطلا وهذا بخلاف ما لو أتى من الاول بشئ من الاجزاء لا بقصد الصلاة، بل بعنوان آخر فانه لا يكون مبطلا لعدم استلزم التدارك الزيادة العمدية، إذ المفروض ان الجزء الاول لم يأت به بعنوان

[ 53 ]

الجزئية ولو منضما. هذا وأما إذا كان المأتي به من الاجزاء المستحبة فحكم (قده) انه يكون ايضا باطلا ومبطلا، إلا إذا كان المأتي به من القرآن أو الذكر. اما حكمه (قده) بالبطلان فلعين ما مر. واما الابطال في غير الذكر والقرآن فهو مبني على ان مطلق الزيادة في الصلاة وإن لم يكن من الاجزاء الواجبة مبطل. واما استثناؤهما فلما دل على عدم كون زيادتهما من الزيادة القادحة، بل هما من الصلاة كما ورد من انه كلما ذكرت ربك في الصلاة، أو كلما قرأت القرآن فهو من الصلاة. اقول: للمناقشة فيما افاده (قده) مجال واسع. اما ما ذكره من الحكم ببطلان العمل فيما إذا كان المأتي به من الاجزاء الواجبة فهو على اطلاقه ممنوع، وذلك لان العنوانين المقصودين قد يكونان متنافيين وغير قابلين للاجتماع في شئ واحد بوجه كالمثالين المذكورين في المتن فان الانحناء الركوعي في الصلاة لا بعنوان الصلاة يكون بمجرده مبطلا من جهة الزيادة العمدية كما في السجود، وما يكون مبطلا كيف يمكن أن يقع جزءا من الصلاة، فهما لا يجتمعان، وكذا الحال في التسليم بعنواني الصلاة والتحية، وقد لا يكونان متنافيين وان كانا متغايرين كالاتيان بالقراءة بعنوان الصلاة وبعنوان التعليم فان هذا العنوان لا يكون من المبطلات. اما في الفرض الاول: فالمأتي به يكون فاسدا ومفسدا لا من جهة كبرى ان الفعل الواحد لا يمكن أن يكون مصداقا لعنوانين متغايرين لعدم كلية هذه الكبرى كما لا يخفى، بل من اجل ان هذا الركوع يكون بنفسه من الزيادة العمدية كالسجود، وكذلك السلام، وما

[ 54 ]

يكون مبطلا للصلاة كيف يحسب جزءا لها. فلا محالة يكون زيادة عمدية، فتفسد الصلاة من اجله. ومنه يعلم انه إذا اتى بالركوع أو السلام محضا من غير قصد الصلاة يكون مفسدا لها أيضا من جهة الزيادة العمدية فما ذكره (قده) من نفي البطلان في هذا الفرض يكون على اطلاقه ممنوعا أيضا. واما في الفرض الثاني: فلا مانع من صحة المأتي به ولا وجه لكونه مفسدا للصلاة إذا لم يكن قصد الصلاة تبعيا، لان المستفاد من الادلة هو اعتبار كون الاتيان به منبعثا عن الامر الالهي والمفروض تحققه، واما اعتبار عدم انضمام شي ء آخر إليه فلا دليل عليه، بل هذا عند التأمل والدقة يكون من الضميمة في النية، فتكون من صغريات المسألة المتقدمة التي قد عرفت الحكم فيها بالصحة في مثل هذا الفرض. فما افاده صاحب الجواهر (قده) من اختلاف المسألتين موضوعا نظرا إلى ان موضوع الضميمة الفعل الواحد الذي له غايات واراد المكلف ضمها بنية واحدة، وموضوع هذه المسألة قصد المكلف كون الفعل الواحد المشخص مصداقا لكليين متغايرين، وحكمه انه لو نواه لكل منهما لم يقع لشئ منهما لاصالة عدم التداخل في الافعال عقلا وشرعا، ولذا لو نوى بالركعتين الفرض والنفل لم يقع لاحد هما، كل ذلك محل تأمل ومنع. اما مثاله الاخير فلانه تختلف كل من الفرض والنفل عن الآخر ماهية من جهة اختلافهما في الآثار والاحكام. فلا مورد للنقض بذلك كما لا يخفى.

[ 55 ]

واما التداخل فقد ذكرنا في محله ان الاصل في المسبباب هو التداخل فيما لو امر بعنوانين كان بينهما العموم من وجه كاكرام العام والهاشمي، فاكرم من يكون متصفا بالوصفين فانه قد امتثل كلا الامرين، ومن ثم التزمنا بالتداخل بين الغفيلة ونافلة المغرب. والحاصل: ان العنوانين إذا لم يكونا متنافيين لامانع من قصد هما معا مع مراعاة الشرط المتقدم. واما تفكيك الماتن في الاجزاء المستحبة بين القرآن والذكر وغيرهما كجلسة الاستراحة فلا نعرف له وجها صحيحا، فانه إذا كان الوجه في ابطال مثل الجلسة لزوم الزيادة العمدية ولو باعتبار ان الاصل عدم التداخل، وعدم كون فعل واحد مصداقا لعنوانين فهذا الوجه بعينه يتمشى في القرآن والذكر ايضا، ضرورة انه إذا لم يقع مصداقا لشئ من العنوانين فلا محالة لا يكون مأمورا به فتقع زيادة في الصلاة، حيث ان المفروض قصد جزئيته ولو على نحو الاستحباب. وإذا قلنا بعدم قادحية الضميمة وان الاصل هو التداخل فالجلسة ايضا لابد من الالتزام بصحتها وعدم كونها مفسدا. فالتفكيك بينهما لاوجه له. هذا ولكن التحقيق هو صحة هذا الجزء وعدم كونه مفسدا على الاطلاق، من غير فرق بين الذكر والقرآن وغير هما وذلك لما بيناه في محله من انه لا معنى للجزء المستحب، فان مقتضى الجزئية هو تقوم المركب بهذا الشئ، ومعنى الاستحباب جواز تركه، وهذان الامران مما لا يكاد اجتماعهما، فالتعبير بذلك يكون مبنيا على ضرب من المسامحة، بل هو محل مستقل تعلق به امر نفسي،

[ 56 ]

[ (مسألة 13): - إذا رفع صوته بالذكر أو القراءة لاعلام الغير لم تبطل إلا إذا كان قصد الجزئية تبعا وكان من الاذكار الواجبة (1). ] غايته ان وعاءه هو الصلاة، كما في كثير من الادعية المأثورة للصائم في شهر رمضان، فيكون موجبا لمزية الفرد الذي يشتمل عليه. فعليه لو أتى به قاصدا غير الصلاة أيضا يكون لغوا من دون أن تتصف بالزيادة العمدية كي توجب فساد الصلاة، فلا يكون وجوده قادحا في الصلاة، بل غايته عدم ترتب المزية والفضيلة على الفرد المأتي به في ضمنه كما هو ظاهر. (1): - فان الواجب على المكلف المتصدي للعبادة إنما هو الاتيان بالطبيعة المأمور بها يقصد القربة، وأما الخصوصيات المكتنفة بها الافراد من الاتيان في الزمان أو المكان، أو مع اللباس المعين ونحوها كاختلاف مراتب رفع الصوت أو خفضه في الصلوات الجهرية أو الاخفاتية فكلها خارجة عن حريم المأمور به، ولا يعتبر فيها قصد التقرب وكان أمر التطبيق بيد المكلف فله اختيار ما شاء من الخصوصيات الفردية. وعليه فلو أتى بذات الجزء الواجب بداعي الامر الالهي وقد رفع صوته بداعي الاعلام - مثلا - لم يكن به بأس لعدم قدحه في حصول الامتثال بوجه، إلا إذا كان الرفع المزبور مقصودا بالذات وكانت جزئية أصل الذكر مقصودة بالتبع فانه يبطل لعدم كفاية القصد التبعي في صدق التعبد كما تقدم. فالجزء باطل لفقدان النية

[ 57 ]

[ ولو قال الله اكبر مثلا بقصد الذكر المطلق لاعلام الغير لم يبطل (1)، مثل ساير الاذكار التي يؤتى بها لا بقصد الجزئية. (مسألة 14): وقت النية ابتداء الصلاة وهو حال تكبيرة الاحرام وامره سهل بناءا على الداعي (2) وعلى ] الاخطار اللازم اتصال آخر النية المخطرة بأول التكبير، بل ومبطل للصلاة لنقصان الجزء إن اقتصر عليه وللزيادة العمدية إن تداركه، بل وان لم يتدارك كما لا يخفى. وعلى الجملة: مجرد ضم نية اخرى في خصوصيات الافراد لم يكن قادحا في الصحة كما هو الحال في غير المقام أيضا. فلو كان عنده ماءآن طاهران أحدهما نظيف دون الآخر فاختار النظيف للوضوء وللتنظيف لم يكن به بأس بعد أن كان قاصدا للامتثال في اصل الوضوء مستقلا (1): كما نطقت به جملة من النصوص التي منها صحيحة علي ابن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن الرجل يكون في صلاته والى جنبه رجل راقد فيريد أن يوقظه فيسبح ويرفع صوته لا يريد إلا ليستيقظ الرجل هل يقطع ذلك صلاته، وما عليه؟ قال: لا يقطع صلاته ولا شئ عليه (1). ونحوها غيرها. (2): - وهو القصد الاجمالي الكامن في افق النفس الباعث نحو


(1) الوسائل: باب 9 من ابواب قواطع الصلاة حديث 9.

[ 58 ]

[ وهو أيضا سهل. (مسألة 15): يجب استدامة النية إلى آخر الصلاة بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرة بحيث يزول الداعي على وجه لو قيل له ما تفعل يبقى متحيرا (1)، واما مع بقاء ] العمل في كافة الافعال الاختيارية التي منها الصلاة من غير فرق إلا في الانبعاث عن قصد التقرب، فهو إذا في غاية السهولة. وهكذا الحال بناءا على تفسيرها بالاخطار الراجع إلى احضار صورة العمل بتمامه في الذهن مقارنا للتكبير، وهو ايضا لا صعوبة فيه وإن كان الاول اسهل، وما عدا ذلك هواجس نفسانية، بل وساوس شيطانية ينبغي للعاقل الاجتناب عنها وعدم الاشتغال بها واتلاف الوقت في سبيلها. وقد حكي عن بعض الاكابرانه لو وجب على الانسان ان يصلي بلا نية لتعذر ضرورة ان الفعل الاختياري لابد وان يصدر مع القصد ولا يمكن نفكيكه عنه. فالصعوبة إذا في ترك النية لا في فعلها. (1): لكشف التحير عن زوال تلك النية الاجمالية الارتكازية عن افق النفس، إذ مع بقائها لزم الالتفات إليها بادنى توجه. وبالجملة: فالعبرة في الاستدامة باستناد العمل بقاءا إلى ما كان مستندا إليه حدوثا من غير فرق إلا من ناحية الالتفات التفصيلي والاجمالي. والوجه في وجوب الاستدامة واضح ضرورة عدم صدق الاتيان بتمام اجزاء المركب عن نية إلا بذلك.

[ 59 ]

[ الداعي في خزانة الخيال فلا تضر الغفلة، ولا يلزم الاستحضار الفعلي (1). (مسألة 16): لو نوى في اثناء الصلاة قطعها فعلا أو بعد ذلك (2)، أو نوى القاطع والمنافي فعلا أو بعد ذلك، فان أتم مع ذلك بطل، وكذا لو أتى ببعض الاجزاء بعنوان الجزئية ثم عاد إلى النية الاولى واما لو عاد إلى النية الاولى قبل أن يأتي بشي ء لم يبطل، وإن كان الاحوط الاتمام والاعادة، ولو نوى القطع أو القاطع وأتى ببعض الاجزاء لا بعنوان الجزئية ثم عاد إلى النية الاولى فالبطلان موقوف على كونه فعلا كثيرا، فان كان قليلا لم يبطل خصوصا إذا كان ذكرا أو قرآنا، وإن كان الاحوط الاتمام والاعادة ايضا. ] (1): اي في تمام حالات الصلاة تفصيلا، إذا مضافا إلى تعذره غالبا، بل ومنافاته مع الخشوع وحضور القلب المرغوب فيه في الصلاة لادليل عليه بوجه. (2): - بعد الفراغ عن اعتبار النية في تمام اجزاء الصلاة واستدامتها إلى آخرها، تعرض (قده) لمسألة القطع وهي تنحل إلى فروع. ونحن نرتبها على خلاف الترتيب المذكور في المتن لكونه اسهل تناولا كما ستعرف. فمنها: انه لو نوى القطع أو القاطع في اثناء الصلاة فعلا أو

[ 60 ]

بعد ذلك ثم عاد إلى النية الاولى قبل أن يأتي بشئ. فالمشهور حينئذ هو بطلان الصلاة. وذهب المحقق في الشرايع وجملة من المتأخرين منهم السيد (قده) في المتن إلى الصحة. واستدل للمشهور بوجوه، لا ينبغي التعرض لاكثرها لوضوح فسادها. والعمدة منها إنما هو وجه واحد وحاصله ان المستفاد من ادلة القواطع كقوله (عليه السلام): إن القهقهة أو الحدث أو التكلم يقطع الصلاة، وكذا مما دل على ان افتتاحها التكبير واختتامها التسليم ان للصلاة هيئة اتصالية ملحوظة بين المبدء والمنتهى، وانها معتبرة في الصلاة فكما ان الاجزاء من الافعال والاذكار من الصلاة، فكذلك الاكوان والآنات المتخللة بينها، فلا بد من مراعاة النية واستدامتها في جميعها حتى في تلك الاكوان، لكونها منها كساير الاجزاء، والنية شرط في جميعها، فكما ان الاخلال بساير الشروط كالاستدبار والحدث والتكلم ونحوها يوجب البطلان حتى في تلك الاكوان بلا اشكال، فكذا استدامة النية، وحيث ان نية القطع تستوجب الاخلال بالنية في هذه القطعة من الزمان ووقوعها عن غير نية، فلا محالة توجب بطلان الصلاة. وبعبارة اخرى: نية القطع اما أن توجب قطع الصلاة والخروج عنها المساوق لبطلانها أولا. فعلى الاول فهو المطلوب وعلى الثاني وتسليم كونه بعد في الصلاة، فحيث ان هذا الكون الصلاتي عار عن النية لا محالة فتختل استدامة النية في هذه القطعة من الزمان بالضرورة فيوجب البطلان من اجل فقدان الشرط قهرا. وهذا احسن ما قيل في وجه البطلان واما بقية الوجوه فكلها

[ 61 ]

ضعيفة ساقطة. التي منها ما قيل من ان النية الاولى بعد زوالها لا يجدي الرجوع إليها لفوات المقارنة لاول العمل، ولا بدمن صدور العمل عن نية سابقة عليه. إذ فيه: ان النية اللازم سبقها على العمل هي نية المجموع والمفروض سبقها عند النية الاولى. وأما نية الجميع اي نية كل جزء جزء قاصدا به الامر الضمني المتعلق به فهو مقارن لكل جزء لا سابق عليه، وهو حاصل بعد الرجوع والعود كما لا يخفى. وهكذا غيره من ساير الوجوه التي لا يخفى ضعفها على من لاحظها. فالعمدة إذا هو الوجه الذي عرفته. والجواب: انا نختار الشق الثاني، وان مجرد نية القطع أو القاطع لا يوجب الخروج عن الصلاة. قولكم ان اللازم منه الاخلال باستدامة النية في الاكوان المتخللة، فيه انه لادليل على اعتبار الاستدامة فيما عدا الاجزاء من الافعال والاذكار. واما الاستشهاد لذلك بأدلة القواطع، وبحديث التحليل والتحريم المستكشف بهما رعاية الهيئة الاتصالية، فيدفعه ان غاية ما يثبت بها ان المصلي بعد شروعه في الصلاة ما لم يأت بالمنافي، ولم يسلم فهو في الصلاة وليس خارجا عنها، إي ان الاجزاء السابقة صالحة لان تنضم إليها الاجزاء اللاحقه. وأين هذا من كون الاكوان المتخللة من الصلاة حتى يعتبر فيها ما يعتبر في الاجزاء، وكم فرق بين الكون في الصلاة وبين أن يكون الشئ من الصلاة. والمستفاد من تلك الادلة إنما هو الاول دون الثاني كما هو ظاهر، بل ان للستفاد من صحيحة حماد الواددة في بيان كيفية الصلاة ومالها من الاجزاء

[ 62 ]

عدم كون الاكوان المتخللة منها لعدم التعرض إليها. وعليه فلا دليل على لزوم مراعاة النية في الاكوان المتخللة كي يصادمها نية القطع أو القاطع. فلو عاد عن نيته ورجع إلى النية الاولى صحت صلاته للتحفظ على استدامة النية فيما تعتبر فيه من الاجزاء اعني الافعال والاذكار. هذا ومع التنزل عن ذلك والشك في اعتبار النية في الاكوان فتكفينا اصالة البراءة عن اعتبارها فيها بعد إمكان اخذها فيها شرعا بناءا على ما هو الصحيح من جواز الرجوع إليها في الاقل والاكثر الارتباطيين. ومما ذكرنا يظهر حال فرع آخر وإن لم يتعرض له في المتن - ولعله لوضوحه - وهو مالو تردد في القطع ثم عاد إلى النية الاولى قبل ان يأتي بشئ، فان الصحة حينئذ بطريق اولى، إذ الحكم بالصحة مع نية القطع الجزمية يستوجب الحكم بها مع الترديد بالاولوية: على ان بعض الوجوه المذكور للبطلان هناك غير جار هنا كما لا يخفى. ومنها: لو نوى القطع فعلا أو بعد ذلك وأتم صلاته مع هذه الحالة. وقد حكم في المتن بالبطلان حينئذ، وحيث ان المنافاة بين نية القطع المساوقة لرفع اليد عن الصلاة والخروج عنها، وبين الاتمام بعنوان الصلاة ظاهرة لما بينهما من المضادة، ويمتنع القصد فعلا إلى المتضادين معا، فلايد من فرض كلامه (قده) فيما إذا كان الاتمام لا بعنوان الصلاة، بل بعنوان آخر من التعليم ونحوه أو بان ينوي القطع في مقام الامتثال، بأن يفرض الاجزاء السابقة

[ 63 ]

كالعدم ويبني على استيناف العمل وان لم يقطعها خارجا. وكيفما كان: فالظاهر هو البطلان سواء اقتصر عليها ام تدارك الاجزاء المأتي بها بعد نية القطع. أما الاول فظاهر للاخلال بقصد الجزئية واستدامة النية المعتبرة في الصلاة، وكذا الثاني للزوم الزيادة لو تداركها، ولا أقل من حيث زيادة السلام المبطل لها بلا اشكال. ومنه يظهر حكم ما لو اتى ببعض الاجزاء كركعة مثلا ثم عاد إلى النية الاولى قبل اتمام الصلاة، فانه يحكم ايضا بالبطلان سواء اقتصر عليها ام تداركها للاخلال بقصد الجزئية على الاول كما مر وللزوم الزيادة على الثاني في مثل الركوع والسجود فان المأتي منهما اولا وان لم يكن بعنوان الجزئية - كما عرفت - إلا ان المستفاد مما دل على المنع من قراءة سور العزائم في الصلاة معللا بلزوم السجدة وانها زيادة في المكتوبة ان مطلق الركوع والسجود زيادة في الصلاة وإن لم يقصد بهما الجزئية كما في سجدة التلاوة. نعم لو لم تكن تلك الاجزاء من قبيل الركوع والسجود كما لو نوى القطع وهو في الركعة الثانية مثلا فقرا الفاتحة والسورة مع هذه الحالة ثم عاد إلى النية الاولى قبل الركوع وتدارك القراءة فالظاهر الصحة لعدم اتصاف تلك القراءة بالزيادة بعد ان لم يقصد بها الجزئية - كما هو المفروض - اللهم إلا أن تكون تلك الاجزاء كثيرة كما لو قرأ سورة طويلة بحيث كانت ماحية (1) لصورة الصلاة فتوجب البطلان حينئذ من هذه الجهة.


(1) السورة الطويلة غير ماحية للصورة كما سيأتي التعرض لذلك في ج 4 ص 529.

[ 64 ]

ومخلص الكلام انه مع نية القطع لو أتم الصلاة كذلك فهي محكومة بالبطلان مطلقا، ولو عدل إلى النية الاولى قبل الاتمام فيفصل حينئذ بين ما إذا كانت الاجزاء المأتي بها في تلك الحالة من الاركان كالركوع والسجود، وبين ما كانت من غيرها كالقيام والقراءة ونحوهما فيحكم بالبطلان في الاولى سواء تداركها أم لا، وبالصحة في الثاني مع التدارك إلا إذا كانت كثيرة ماحية للصورة. هذا كله فيما إذا نوى القطع فعلا، واما إذا نوى القطع بعد ذلك فالظاهر البطلان مطلقا، أي سواء أتمها أم عدل إلى النية الاولى قبل الاتمام، وسواء أكانت من الاركان أم لا، وسواء تداركها أم لا، لان الاجزاء المأتي بها لم يقصد بها الامر الصلاتي قطعا، إذ لا يجامع ذلك مع العزم على القطع فيما بعد، ولا بد في الصحة من استدامة النية إلى آخر الصلاة الملازم للانبعاث عن الامر النفسي المتعلق بمجموع الصلاة بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الاجزاء فهو غير قاصد لامتثال الامر عند الاتيان بتلك الاجزاء، فهو كن دخل في الصلاة غير قاصد الا إلى ركعة واحدة منها التي بطلانها أظهر من ان يخفى. فلم تقع تلك الاجزاء مصداقا للمأمور به، وحيث انه يأتي بها بعنوان الجزئية كما هو لازم فرض البناء على القطع فيما بعد - لافعلا - فلا ينفعه التدارك بعدئذ لاستلزامه اتصاف هذه الافعال بالزيادة العمدية المبطلة، إذ لا نعني بها الا الاتيان بشئ بعنوان الجزئية ولم يكن منها المنطبق على المقام فيحكم بالبطلان وان لم تكن من الاركان. ومنه بظهر الفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة، اعني نية

[ 65 ]

[ (مسألة 17): لو قام لصلاة ونواها في قلبه فسبق لسانه أو خياله (1) خطورا إلى غيرها، صحت على ما قام إليها، ولا يضر سبق اللسان، ولا الخطور الخيالي ] القطع الفعلية فان الافعال لم يقصد بها الجزئية هناك بخلاف المقام. هذا كله في نية القطع. واما إذا نوى القاطع ومع ذلك استمر في العمل واتى بالاجزاء فاما أن ينويه فعلا أو بعد ذلك. أما في الاول: فالظاهر الصحة ضرورة ان الاستمرار في العمل مع البقاء على نية القاطع الفعلية مما لا يجتمعان فانهما متضادان للتضاد بين التكلم مثلا والصلاة المقيدة بعدمه، فمقتضى العزم على القاطع رفع اليد عن الصلاة. فكيف يجامع مع الادامة بها والاتيان بالافعال بقصد الجزئية، فلا يمكن تصحيح الفرض إلا بالعدول إلى النية الاولى قبل الاخذ في الاستمرار، وقبل أن يأتي بشئ من الافعال، فير جع حينئذ إلى الفرع الاول الذي ذكرناه في صدر المسألة، اعني ما لو نوى القطع أو القاطع ثم عدل إلى النية الاولى قبل أن يأتي بشئ وقد عرفت هناك بما لا مزيد عليه أن الاقوى الصحة. واما الثاني: أعني نية القاطع فيما بعد فيظهر حكمه مما مر آنفا في نبة القطع فيما بعد الذي عرفت ان الاقوى البطلان حينئذ في جميع الصور، هكذا ينبغي ان تحرر المسألة، وفي عبارة الماتن في المقام خلط وتشويش كما لا يخفى على من لاحظها. (1): - قد عرفت ان المناط في النية التي عليها تبتني صحة

[ 66 ]

[ (مسألة 18): لو دخل في فريضة فاتمها بزعم انها نافلة غفلة أو بالعكس (1) صحت على ما افتتحت عليه. العمل هو الانبعاث عن ارادة نفسية ارتكازية باعثة على ارتكاب العمل وان لم يلتفت إليها فعلا بالتفصيل. وعليه فلا اثر لسبق اللسان ولا الخطورات الزائدة بعد صدور العمل عن تلك النية الارتكازية، فشئ منها غير قادح فيها. (1): - ربما يعلل الحكم بمطابقته للقاعدة حيث ان الاتمام منبعث عن النية الاولى لاغير، فغايته ان تخيل الخلاف يكون من باب الخطأ في التطبيق والاشتباه في تعيين المنوي، وذلك مما لادخل له في الاتمام فلا يقدح في الصحة على ما افتتحت عليه. وفيه: ان باب الخطأ في التطبيق اجنبي عن امثال المقام مما يتقوم الامتثال بالقصد ولا واقع له وراء ما نواه وقصده، وإنما يجري فيما لو كان الاشتباه في الامور الخارجية الاجنبية عن حريم الامتثال، كما لو أتى بالعمل بداع قربي باعتقاد انه واجب فتبين انه مستحب، أو بالعكس، أو صام يوما بتخيل انه يوم مبارك كالجمعة مثلا فتبين الخلاف، أو صلى خلف من في المحراب باعتقاد انه زيد فبان عمروا ونحو ذلك فان كون الامر وجوبيا أو استحبابيا أو اليوم ذا فضيلة وعدمه، أو من في المحراب زيدا أو عمروا لادخل لشئ من ذلك في تحقق الامتثال بعد الاتيان بذات العمل على وجهه بداع قربي فتخيل الخلاف والاشتباه في التطبيق غير قادح في الصحة في امثال ذلك لكون المأتي به مصداقا للمأمور به الواقعي

[ 67 ]

فالانطباق قهري والاجزاه عقلي. واما إذا كان المأمور به في حد ذاته متقوما بالقصد بحيث لا واقع له وراء ذلك، فقصد الخلاف قادح في مثله بالضرورة لعدم انطباق المأمور به على المأتي به بعد الاخلال بالقصد الدخيل في حقيقته. فلو اعتقد ان عليه فريضة قضائية فنواها ثم تبين ان الذمة غير مشغولة إلا بالادائية، أو اعتقد الاتيان بنافلة الفجر فصلى فريضته، أو اراد بيع شئ فاشتبه ووهبه فانها لا تقع اداءا في الاول، ولا نافلة في الثاني، ولا بيعأ في الثالث بلا اشكال. والسر: هو ما عرفت من تقوم تلك الامور بالقصود ودخلها في تحقق الامتثال، وقد تجرد العمل عنها، فلا تقع مصداقا للمأمور به قطعا. ولا شك ان المقام من هذا القبيل، فان قصد الفريضة والاستدامة على هذا القصد إلى آخر العمل دخيل في صحتها ووقوعها فريضة، فلو عدل عنها في الاثناء إلى النافلة غفلة فهي لا تقع مصداقا للفريضة للاخلال بالنية بقاءا، كما انها لا تقع مصداقا للنافلة لعدم القصد إليها حدوثا، وكذا الحال فيما لو دخل في النافلة فاتمها فريضة فانها لا تقع مصداقا لشئ منهما، ومن المعلوم انه ليست في الشريعة المقدسة صلاة ملفقة من الفريضة والنافلة. وعلى الجملة: فلا يمكن تصحيح هذه الصلاة على طبق القواعد بل مقتضى القاعدة بطلانها كما عرفت، وانما المستند الوحيد في صحتها ووقوعها على ما افتتحت عليه هي الروايات الخاصة الواردة في المقام، وعمدتها صحيحة عبد الله بن المغيرة قال في كتاب حريز انه قال: اني نسبت اني في صلاة فريضة (حتى ركعت) وانا

[ 68 ]

انويها تطوعا. قال: فقال عليه السلام " هي التي قمت فيها إذا كنت قمت وانت تنوى فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة، وان كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فانت في النافلة، وإن كنت دخلت في فريضة ثم ذكرت نافلة كانت عليك مضيت في الفريضة " (1). ودلالتها: على المطلوب ظاهرة، والمراد من الشك في قوله (ع) " ثم دخلك الشك " السهو كما يطلق عليه كثيرا في لسان الاخبار، والسند صحيح فان ابراهيم بن هاشم موثق، وكذا عبد الله بن المغيرة الذي هو من اصحاب الكاظم عليه السلام، ولا يقدح روايته عن كتاب حريز لاعنه نفسه كي يتأمل في طريقه إلى الكتاب، فان حريزا وإن كان من اصحاب الصادق (ع) لكنه بقي بعد وفاته (ع) بل قيل انه روى عن الكاظم (ع) وان منعه النجاشي، وكيف كان فهو معاصر لابن المغيرة، بل إن كثيرا من اصحاب الكاظم (ع) رووا عن حريز (2) بلا واسطة. وعليه فطبع الحال يقتضى أن (1) الوسائل: باب 2 من أبواب النية ح 1. (2) كثرة الرواية عن حريز نفسه لا تستوجب صحة الطريق إلى كتابه، كما ان المعروفية لا تلازمها، والمعدة ان الرواية مضمرة فلا يعول عليها حتى لو صح السند، إذ لم يسندها إلى المعصوم ولعله رواها عن زرارة نفسه كما قد يعضده ان كتابه مشحون بنقل فتاواه ولم يكن في الجلالة بمثابة زرارة كيلا ينقل عن غير المعصوم، وكلمة (عليه السلام) زيادة من صاحب الوسائل أو تصرف من النساخ لخلو المصدر وهو فروع الكافي ج 1 ص 363 والتهذيب ج 2 ص 343 عن ذلك.

[ 69 ]

[ (مسألة 19): لو شك فيما في يده انه عينها ظهرا أو عصرا مثلا (1)، قيل بنى على التي قام إليها، وهو مشكل، فالاحوط الاتمام والاعادة، نعم لو رأى نفسه في صلاة معينة وشك في انه من الاول نواها أو نوى غيرها بنى على انه نواها وإن لم يكن مما قام إليه، لانه يرجع إلى الشك بعد تجاوز المحل. ] يكون كتابه معروفا لديهم وواصلا إليهم بطريق معتبر، فروايته عنه اخبار عن الحس دون الحدس كما لا يخفى. وهناك: روايتان أخريان موافقتان مع الصحيحة المتقدمة بحسب المضمون مؤيدتان للمطلوب. احداهما رواية معاوية، والاخرى رواية عبد الله بن يعفور (1) إلا ان سندهما لا يخلو عن الخدش لضعف طريق الشيخ إلى العياشي، فلا تصلحان إلا للتأييد. (1): - تارة يفرض الكلام في المترتبتين كالظهرين والعشاءين، واخرى في غيرهما كالفريضة والنافلة، والاداء والقضاء ونحوهما. أما في الاول: فلا ينبغي الاشكال في الصحة في فرض صحة العدول وبقاء محله كما لو علم بعدم الاتيان بالظهر، أو شك فيه ورأى نفسه في صلاة لم يدر أنه دخل فيها بعنوان الظهر أو العصر فانه يعدل بها إلى الظهر ويتمها كذلك، وتصح بلا اشكال، لانه إن دخل فيها بعنوان الظهر فهو، وإلا فله العدول إليه. وهذا لا غبار


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب النية ح 2 و 3 .

[ 70 ]

عليه، وكذا الحال في العشاءين مع بقاء محل العدول، كما لو كان الشك المزبور قبل الدخول في ركوع الركعة الرابعة واما إذا لم يكن المورد من موارد العدول كما إذا كان شكه فيما في يده بعد العلم بالاتيان بالصلاة الاولى من الظهر أو المغرب، أو فرض الكلام في غير المترتبتين كالفريضة والنافلة، والاداء والقضاء، فتارة يعلم انه قام إلى صلاة معينة ويشك في انه دخل فيها بالعنوان الذي قام إليه واخرى لا. اما الثاني فلا اشكال في البطلان لعدم احراز النية كما هو ظاهر. واما في الاول فربما يقال بالصحة ووقوعها على التي قام إليها. ويستدل له تارة بأصالة عدم العدول عما قام إليه، واخرى بخير ابن ابي يعفور المتقدم، فان قوله (عليه السلام) في صدره: (هي التي قمت فيها ولها) شامل للمقام وظاهر في ان المدار على ما قام إليه وان دخله الشك بعدئذ. وفي كلا الوجهين ما لا يخفى، فان العدول ليس بنفسه حكما شرعيا ولا موضوعا ذا اثر، وانما اللازم احراز استناد الصلاة إلى النية التي قام إليها، واثبات ذلك باستصحاب عدم العدول من اظهر انحاء الاصل المثبت كما لا يخفى. واما الخبر فصدره وإن لم يأب عن الشمول للمقام كما عرفت إلا ان ذيله شاهد على الخلاف ومفسر للمراد من الصدر، فان قوله (ع): " وان كنت دخلت فيها وانت تنوي. الخ، وقوله (ع): انما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في اول صلاته "، يشهد بأن المراد مراعاة النية التي افتتح بها صلاته ودخل فيها بها لاما قام إليها وان لم يدر انه ابتدأ بها في اول صلاته أم لا كما في المقام.

[ 71 ]

فالرواية ناظرة إلى المسألة السابقة وهي ما لو دخل في الصلاة بنية معينة ثم أتمها بنية اخرى غفلة واجنبية عن المقام رأسا كما هو ظاهر. هذا مضافا إلى عدم خلو سندها عن الخدش لضعف طريق الشيخ إلى العياشي كما مر، وإن كان رجال السند كلهم موثقين مع الفض عن الطريق المزبور. فتحصل: ان الاقوى هو الحكم بالبطلان في مثل ذلك لقاعدة الاشتغال بعد الشك في صدور النية على وجهها. هذا كله فيما إذا كان شكه فيما في يده على نحو يشك في حالته الفعلية أيضا. وهناك نوع آخر تعرض له في المتن وهو مااذا لم يتعلق الشك بالحالة الفعلية فيرى نفسه فعلا في صلاة العصر مثلا وشك في انه نواها من الاول كي تصح، أو نوى غيرها كالظهر مثلا كي لا تصح، لعدم جواز العدول من السابقة إلى اللاحقة. وليفرض الكلام فيما لو كان آتيا بصلاة الظهر والا اما جزما أو احتمالا - فيعدل بها إليه ويتعها ظهرا ولا اشكال كما تقدم، أو رأى نفسه في الفريضة وشك في انه نواها من الاول، أو نوى النافلة. حكم في المتن حينئذ بالصحة وانه يبني على انه نواها كذلك من الاول، وان لم يكن مما قام إليه وعلله بانه يرجع إلى الشك بعد تجاوز المحل. أقول: إن اراد (قده) اجراء قاعدة التجاوز في نفس النية ابتداءا فعليه اشكال ظاهر كما ستعرف، وان اراد اجراء القاعدة في شئ آخر يلازم الشك في النية بحيث يكون مرجعه إلى الشك بعد تجاوز المحل على وجه دقيق لا انه منه ابتداءا، كما لا يبعد ظهور العبارة

[ 72 ]

فيه للتعبير بقوله: لانه يرجع. الخ، فهو في غاية الجودة، ويحكم بصحة الصلاة من اجل ذلك. وبيانه: انه ربما يشكل في المقام بعدم جريان قاعدة التجاوز بالاضافة إلى النية لعدم كونه من الشك بعد تجاوز المحل لتوقفه على أن يكون للمشكوك فيه محل موظف مقرر له بحيث كان تركه تركا لما ينبغي أن يفعل كما لو شك في القراءة بعد ما ركع، أو فيه بعدما سجدو هكذا، فان محل القراءة سابق على الركوع وهو على السجود. ومعلوم ان الشك في النية ليس من هذا القبيل، فان نية صلاة العصر مثلا إنما يكون محلها قبلها (1) وينبغي فعلها فيما إذا كانت الصلاة معنونة بصلاة العصر لا نافلته مثلا، وإنما تكون معنونة بالعصر فيما إذا سبقتها نية العصر لاكل نية. وعليه: فإذا احرز ان الصلاة معنونة بالعصر فقد احرزت نيتها فلا حاجة لاثباتها بقاعدة التجاوز، وإذا لم يحرز ذلك وشك في عنوان ما بيده من الصلاة حينما دخل فيها فلم يعلم ان نية العصر محلها قبل هذه الصلاة لاحتمال الدخول فيها بعنوان النافلة مثلا ومثلها لاتتقدمها نية العصر قطعا، فلا يكون ترك نية العصر حينئذ تركا لما ينبغي أن يوجد، فكون النية مما ينبغي أن تفعل تابع لعنوان العمل الذي تجاوز عنه، فهو من مقومات جريان القاعدة، فكيف تصلح القاعدة لاثباتها وهذا الاشكال وجيه جدا لا مدفع عنه، غير ان بالامكان أن تجرى القاعدة في شئ آخر يصدق معه التجاوز الذي لا ينفك عنه


(1) ربما يتراتى التنافي بين المقام وبين ما أفيد في ج 7 ص 110 فليلا حظ .

[ 73 ]

الشك المزبور، بل يرجع إليه عند التحليل وهي الاجزاء السابقة على الجزء الذي بيده، فلو رأي نفسه في الركعة الثانية مثلا بانيا على صلاة العصر وشك في انه كان بانيا عليه اول العمل أولا فهو لا محالة يشك في ان الاجزاء السابقة على هذه الركعة إلى اول التكبيرة هل وقعت بنية العصر أو بعنوان آخر كالظهر مثلا، وهذا الشك وإن لم يكن شكا في الوجود لعلمه بوجود التكبيرة مثلا، بل هو شك فيما هو الموجود، وان التكبيرة الواقعة هل كانت بعنوان العصر أو لا، إلا انه بالاخرة يرجع إلى الشك في الوجود للشك وجدانا - في وجود التكبيرة للعصر كي تصح ما بيده عصرا، وعدمها كي لا تصح، ولا ريب في شمول القاعدة لكل من الشك في الوجود والموجود، فكما انه إذا شك في الفاتحة بعد الدخول في السورة تجرى القاعدة بالنسبة إليها فكذلك إذا علم بعد الدخول فيها بأنه قرأ سورة وترددت بين كونها هي الفاتحة أم سورة اخرى غيرها، لرجوعه في الحقيقة إلى الشك في وجود الفاتحة وعدمها كما عرفت. وعليه: ففي المقام يشك في وجود التكبيرة للعصر وعدمها، فيشمله قوله: رجل شك في التكبيرة بعد ما قرأ، قال (عليه السلام): يمضي. الخ. ولا ريب في تجاوز محلها بالدخول في الجزء اللاحق فتشملها القاعدة، وببركتها يحكم بوقوع التكبيرة للعصر، ولا نعني من نية العصر إلا وقوع التكبيرة وما بعدها من الاجزاء بنية العصر، وقد تكفلت القاعدة لاثباته، فهي وإن لم تجر في نفس النية ابتداءا لكنها تجري في شئ آخر يلازمها، ويشارك اجراء

[ 74 ]

[ (مسألة 20): لا يجوز العدول من صلاة إلى اخرى (1) إلا في موارد خاصة. ] القاعدة فيها بحسب النتيجة كما اتضح بما لا مزيد عليه، وقد عرفت امكان استظهاره من عبارة الماتن أيضا فتدبر جيدا. (1): - والوجه فيه ظاهر فان الصلاة الاولى بعد فرض كونها مغايرة للصلاة الثانية، فالامر المتعلق باحداهما غير الامر المتعلق بالاخرى، ومن الضروري ان كل امر لا يدعو الا إلى متعلقه بتمامه باجزائه وشرائطه، فلو اتى باحداهما بقصد امتثال امرها فانها لا تقع امتثالا إلا له دون الامر الآخر. وعليه فلو اتى ببعض الصلاة ثم عدل بها إلى الاخرى فهي لا تقع امتثالا للامر الاول لعدم الاتيان يبقية الاجزاء بداعي ذلك الامر، كما لا تقع امتثالا للثاني، لفرض عدم الاتيان بالاجزاء السابقة بداعي هذا الامر، فلا تقع امتثالا لشئ منهما. ومن العلوم انه ليست في الشريعة المقدسة صلاة ملفقة من عنوانين ومتعلقة لامرين. بل ان هذا التقرير يتجه ولو لم تكن الصلاة من العبادات، ولا يتوقف بيانه على عباديتها، وذلك لوضوح ان الصلوات حقايق مختلفة وماهيات متباينة وإن اتحدت صورة كما في الظهرين. كما يكشف عن ذلك اختلافها بحسب الاحكام من النفل والفرض، ولزوم رعاية الترتيب كما بين الظهر والعصر. وحيث لا ميز بين هذه الماهيات إلا من ناحية العنوان فلا بد من قصده في تحققه، وإلا فلا يقع مصداقا لشئ منها. ومن الضروري ان كلا من تلك الماهيات

[ 75 ]

[ (احدها): في الصلاتين المرتبتين كالظهرين والعشاءين (1) إذا دخل في الثانية قبل الاولى عدل إليها بعد التذكر في الاثناء إذا لم يتجاوز محل العدول، وأما إذا تجاوز كما إذا دخل في ركوع الرابعة من العشاء فتذكر ترك المغرب فانه لا يجوز العدول، لعدم بقاء محله فيتمها عشاءا ثم يصلي المغرب ويعيد العشاء ايضا احتياطا، وأما إذا دخل في قيام الرابعة ولم يركع بعد فالظاهر بقاء محل العدول فيهدم القيام ويتمها بنية المغرب. ] معنون بتمامها بعنوان خاص وليست ملفقة منه ومن عنوان آخر. فلو عدل في الاثناء إلى صلاة اخرى فلا تقع مصداقا لشئ من الماهيتين للاخلال باحداهما حدوثا، وبالاخرى بقاءا كما هو ظاهر نعم ورد في الشرع موارد رخص فيها في العدول تعبدا توسعة في مرحلة الامتثال، وحيث ان ذلك على خلاف القاعدة ولا ضير في الالتزام به تعبدا الكاشف عن حصول الغرض منها بذلك فلا بد من الاقتصار عليها، وعدم التعدي عن مواردها. ثم إن العدول قد يكون من الحاضرة إلى الحاضرة، واخرى من الفائتة إلى مثلها، وثالثة من الحاضرة إلى الفائتة، واما عكس ذلك فلا يجوز لعدم ورود النص فيه، وقد عرفت ان مقتضى القاعدة العدم وسنتعرض لاحكامها. (1): - هذا من العدول من الحاضرة إلى الحاضرة، فإذا دخل

[ 76 ]

في العصر ثم التفت في الاثناء انه لم يصل الظهر عدل بها إليها وأتمها ظهرا ثم صلى العصر، كما انه لو دخل في العشاء ثم التفت انه لم يصل المغرب عدل إليها ما لم يتجاوز محل العدول، دون مااذا تجاوزه كما لو تذكر بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة. وقد تقدم الكلام حول ذلك في فصل اوقات اليومية ونوافلها مستقصى، وذكرنا دلالة النصوص المستفيضة عليه كصحيح زرارة والحلبي و عبد الرحمن وغيرها (1). نعم: قد يعارضها في العشاءين خبر الحسن بن زياد الصيقل (2) المتضمن ان من تذكر نسيان المغرب وهو في العشاء يتمها ويأتي بالمغرب بعدها معللا الفرق بينها وبين العصر بأن الثانية لاصلاة بعدها لكراهة الصلاة بعد العصر، فلو لم يعدل لزم ارتكاب المكروه بخلاف العشاء إذ لا تكره الصلاة بعدها فلا مانع من الاتيان بالمغرب بعدها. لكن الخبر لا يصلح للمعارضة لضعف السند فان الحسن بن زياد لم يوثق على ان في السند محمد بن سنان وهو ضعيف. نعم في الوسائل - الطبعة الجديدة - هكذا: (وباسناده عن ابن مسكان.. الخ). واسناد الشيخ إليه صحيح في المشيخة لخلوه عن ابن سنان، لكن الظاهر بل المقطوع به ان النسخة غلط، والصواب (وبالاسناد. الخ) بدل (وباسناده) على ما هو الموجود في الوسائل القديمة - طبعة عين الدولة - والمراد الاسناد المذكور في الرواية التي ذكرت قبل هذه


(1) لاحظ الوسائل: باب 63 من ابواب المواقيت. (2) الوسائل: باب 63 من ابواب المواقيت الحديث 5.

[ 77 ]

الرواية متصلا التي في سندها ابن سنان، وكذا في التهذيب رواها هكذا (عنه - اي عن الحسين بن سعيد - عن محمد بن سنان عن أبن مسكان، عن الحسن بن زياد الصيقل). نعم في تعليقة التهذيب - الطبعة القديمة هكذا (ورواها في الاستبصار باسناده عن ابن مسكان عن الحسن بن زياد الصيقل.. الخ)، لكنا لم نجدها في الاستبصار. والظاهر ان هذا ايضا اشتباه. وكيف كان فالرواية ضعيفة من وجهين: محمد بن سنان، والحسن بن زياد الصيقل، ولا أقل من الثاني فلا تصلح للمعارضة. وعلى أي حال فالحكم في الجملة مسلم لا غبار عليه نعم يقع الكلام في جهتين. الاولى: انه إذا كان التذكر بعد تجاوز محل العدول كما لو تذكر بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة من العشاء، فقد حكم المشهور حينئذ ببطلان العشاء، ولزوم استينافه بعد المغرب، وقد حكى الماتن (قده) هذه الفتيا عنهم في فصل الاوقات دون ان يعلق عليها الظاهر في ارتضائها غير انه (قده) في المقام حكم بصحتها عشاءا وإن احتاط باعادتها بعد المغرب، والاقوى ما عليه المشهور لاطلاق ادلة اعتبار الترتيب القاضية بلزوم ايقاع العشاء بتمام اجزائها بعد المغرب وعدم جواز ايقاع شئ منها قبلها عمدا فان لازم ذلك بطلان هذه الصلاة، لانه هب ان الاجزاء السابقة وقعت قبلها سهوا فلا يعتبر فيها الترتيب لكنه متعمد في تقديم الركعة الاخيرة عليها فقد اخل برعاية الترتيب بالاضافة إلى الاجزاء اللاحقة عامدا المانع عن صحة الصلاة فلا يمكنه اتمامها عشاءا والمفروض عدم امكان العدول إلى المغرب لتجاوز محلها، فهي باطلة لا محالة.

[ 78 ]

ومنه يظهر عدم امكان التمسك بحديث لا تعاد، لانه متعمد في الاخلال بالترتيب في الاجزاء اللاحقة كما عرفت والحديث غير شامل للعامد بلا اشكال. الجهة الثانية: إذا تذكر عدم الاتيان بالمغرب بعد القيام إلى الركعة الرابعة من العشاء، فالمعروف بقاء محل العدول حينئذ فيهدم القيام ويتمها بنية المغرب كما صرح به في المتن، لكنه لم يرد به النص لاختصاصه بما إذا كان التذكر في الركعة الثانية من العشاء أو الثالثة دون الرابعة ومن هنا ربما يشكل في جواز العدول حينئذ لخلو النص عنه. وقد عرفت ان مقتضى القاعدة عدم الجواز لكن الظاهر جواز العدول في المقام فانه وان لم يرد به نص بالخصوص، لكن يمكن استفادته من اطلاق قوله (عليه السلام) في موثقة عبد الرحمن بن ابي عبد الله: " فإذا ذكر ما وهو في صلاة بدأ بالتي نسي. الخ " (1) الشامل لما إذا كان التذكر بعد القيام إلى الرابعة. نعم لا يعم ما إذا كان بعد الدخول في ركوعها للزوم زيادة الركن حينئذ. فيعلم من ذلك ان ذكر الركعتين أو الثلاث في الاخبار ومنها نفس هذا الخبر إنما هو من باب المثال لا لخصوصية فيهما واما سند الخبر فليس هناك من يتأمل فيه عدا الحسين بن محمد الاشعري، ومعلى بن محمد. اما الاول المعبر عنه بما ذكر تارة وبالحسين بن محمد بن عامر اخرى، وبالحسين بن محمد بن عمران - الذي هو جده - ثالثة، فهو من مشايخ الكليني وقد اكثر الرواية عنه. فان قلنا ان مجرد ذلك كاف في التوثيق لكشف الاكثار عن


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 79 ]

الاعتماد عليه فهو، وإلا فيكفي كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا رجه للغمز في السند من اجله، بل قد وثقه النجاشي ايضا بعنوان الحسين بن محمد بن عمران وان كان الموجود في كامل الزيارات بعنوان الحسين بن محمد بن عامر فهو موثق بتوثيقهما بعد ما عرفت من اتحاد الرجل. واما الثاني: الذي هو شيخ الحسين بن محمد المزبور لروايته عنه كثيرا، فقد ذكر النجاشي انه مضطرب الحديث والمذهب والظاهر ان مراده باضطراب الحديث روايته عن الضعفاء واشتمال حديثه على المناكير، فلا يكون مستقيما في حديثه وعلى نهج واحد فهذا التعبير على حد ما يعبر من ان فلانا يعرف من حديثه وينكر وليس المراد بذلك الخدش في وثاقة الرجل كما لا يخفى. وأما الاضطراب في المذهب من كونه غاليا تارة، أو مايلا إلى ساير المذاهب اخرى، فلا يقدح في التوثيق كما لا يخفى. وعلى الجملة لا يظهر من عبارة النجاشي تضعيف الرجل كي يعارض به التوثيق المستفاد من وقوعه في اسانيد تفسير القمي، فالاقوى وثاقته لما ذكر فلا بأس بالاعتماد على الرواية لقوة السند والدلالة. فمن اجلها يحكم بجواز العدول في المقام هذا مضافا إلى امكان الاستناد في ذلك إلى حديث لا تعاد، فان العدول إلى المغرب لو كان التذكر اثناء العشاء في الجملة مما لا اشكال فيه، ومن هنا لو كان التذكر قبل القيام إلى الرابعة جاز العدول بلا ارتياب، فلو لم يجز بعده وحكم ببطلان الصلاة حينئذ كان البطلان مستندا إلى القيام الذي هو داخل في المستثنى منه وقد

[ 80 ]

[ (الثاني): - إذا كان عليه صلاتان أو أزيد قضاءا (1) فشرع في اللاحقة قبل السابقة، يعدل إليها مع عدم تجاوز محل العدول، كما إذا دخل في الظهر أو العصر فتذكر ترك الصبح القضائي السابق على الظهر والعصر، وأما ] حكم في الحديث بعدم الاعادة لو كان الاخلال من غير ناحية الخمسة المستثناة. ونتيجة ذلك جواز العدول حينئذ ايضا وعدم بطلان الصلاة. ولا نعني بهذا الكلام التمسك باستصحاب جواز العدول الثابت قبل القيام إلى الرابعة لعدم حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية في نفسه سيما التعليقي منه كما في المقام لان الجواز المزبور كان معلقا على التذكر فيقال في تقرير الاستصحاب لو كان التذكر قبل القيام إلى الرابعة جاز العدول فكذا ما بعد القيام إليها والاستصحاب التعليقي ساقط كما حقق في الاصول. بل المراد الاستناد إلى نفس حديث لا تعاد في الحكم بالصحة بالتقريب الذي عرفته. ثم لا يخفى ان العدول في هذه الصورة - اي من الحاضرة إلى الحاضرة - واجب بمعنى انه لا يجوز له اتمام الصلاة بالعنوان الذي دخل فيها من العصر أو العشاء للزوم الاخلال بالترتيب، فلو اراد اتمامها لزمه العدول. واما الوجوب بمعنى عدم جواز رفع اليد عنها فهو مبني على القول بحرمة القطع اختيارا. (1): - هذا من العدول من الفائتة إلى الفائتة، فنقول قد يفرض ذلك في المرتبتين كما لو دخل في العصر قضاءا، فتذكر

[ 81 ]

[ إذا تجاوز أتم ما بيده على الاحوط، ويأتي بالسابقة ويعيد اللاحقة كما مر في الادائيتين، وكذا لو دخل في العصر فذكر ترك الظهر السابقة فانه يعدل. ] فوت الظهر، أو العشاء كذلك فذكر فوت المغرب. والكلام فيه بعينه هو الكلام في الحاضر تين المرتبتين للزوم رعاية الترتيب بين الظهرين والعشاءين، سواء أكانتا حاضرتين أو فائتتين بلا اشكال. فيجري فيه جميع ما مرحتى حق من حيث التجاوز عن المحل وعدمه وأخرى: يفرض في غير هما كما لو دخل في المغرب القضائي فتذكر فوت العصر أو في الظهر كذلك فتذكر فوت الصبح السابق عليه وحينئذ فان لم يتجاوز محل العدول جاز بل وجب العدول إلى السابقة بناءا على لزوم رعاية الترتيب في قضاء الفوائت، وان كان الاقوى عدم اللزوم فلا يجب العدول، وان جاوز محله كما لو كان تذكر فوت الصبح بعد الدخول في ركوع الثالثة من الظهر، فبناءا على لزوم الترتيب في قضاء الفوائت بطل ما بيده فيرفع اليد عنه لعدم امكان تحصيل الشرط ويستأنفهما وان كان الاحوط اتمامه بما نواه، ثم الاتيان بالسابقة واعادة اللاحقة كما ذكره في المتن. واما بناءا على عدم اللزوم كما هو الاقوى، فحيث لا محل للعدول أتمها ظهرا ثم اتى بالسابقة. وكيف كان فأصل جواز العدول في هذه المسألة مستفاد من الاطلاق في صحيح عبد الرحمن وهو قوله (عليه السلام): " فإذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي " (1)، فلا اشكال في


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 2

[ 82 ]

[ (الثالث): إذا دخل في الحاضرة فذكر ان عليه قضاءا (1)، فانه يجوز له أن يعدل إلى القضاء إذا لم يتجاوز محل العدول، والعدول في هذه الصورة على وجه الجواز بل الاستحباب، بحلاف الصورتين الاولتين فانه على وجه الوجوب. ] الحكم، وقد مر بعض الكلام في فصل احكام الاوقاف، وسيجئ مزيد التوضيح في مبحث القضاء ان شاء الله تعالى. (1). هذا من العدول من الحاضرة إلى الفائتة، وقد تضمنته صحيحة زرارة صريحا فيجوز العدول إلى القضاء مع بقاء محله كما لو تذكر فوت الصبح قبل الدخول في ركوع الثالثة من الظهر الادائي، بل يجب بناءا على لزوم تقديم الفائتة على الحاضرة كما انه بناءا على هذا المبنى يجب رفع اليد عنه لو كان التذكر بعد تجاوز المحل كما لو كان التذكر بعد الدخول في الركوع المزبور للزوم الاخلال بالترتيب لو اتمه والعدول غير ممكن على الفرض لكن المبنى غير تام، والترتيب غير لازم في المقام. كما سيجئ تفصيله في مبحث القضاء ان شاء الله تعالى. وعليه فمع بقاء المحل لا يجب العدول، بل غايته الجواز للصحيحة المتقدمة. نعم هو مستحب بناءا على استحباب تقديم الفائتة ما لم يتضيق وقت الحاضرة.

[ 83 ]

[ (الرابع): العدول من الفريضة إلى النافلة يوم الجمعة (1) لمن نسي قراءة الجمعة وقرأ سورة اخرى من التوحيد أو غيرها وبلغ النصف أو تجاوز، واما إذا لم يبلغ النصف فله أن يعدل عن تلك السورة - ولو كانت هي التوحيد - إلى سورة الجمعة فيقطعها ويستأنف سورة الجمعة. ] (1): - كما يدل عليه موثق صباح بن صبيح قال قلت لابي عبد الله (ع) رجل اراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو الله أحد قال: يتم ركعتين ويستأنف (1)، فيظهر منه جواز العدول إلى النافلة حينئذ اهتماما بشأن سورة الجمعة ودركا لفضيلتها. لكن الماتن قيد الحكم في المقام بما إذا بلغ النصف من السورة التي شرع فيها من التوحيد أو غيرها أو تجاوز، واما إذا لم يبلغ النصف فليس له العدول إلى النافلة، انما له العدول عن تلك السورة ولو كانت هي التوحيد - التي لا يجوز العدول عنها في غير المقام - إلى سورة الجمعة فيقطعها ويستأنف سورة الجمعة، وتبعه على هذا التفصيل غيره وكأن الوجه فيه دعوى ان تلك هو مقتضى الجمع بين الموثق المتقدم وبين الروايات الدالة على جواز العدول من التوحيد إلى الجمعة يوم الجمعة (2)، فيجعل الاول على ماذا بلغ النصف أو تجاوه. والطائفة الثانية على ما إذا لم يبلغ النصف.


(1) الوسائل باب 72 من أبواب القراءة في الصلاة ح 2 (2) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة في الصلاة

[ 84 ]

[ (الخامس): العدول من الفريض إلى النافلة لادراك الجماعة (1) إذا دخل فيها واقيمت الجماعة وخاف السبق. بشرط عدم تجاوز محل العدول بأن دخل في ركوع الركعة الثالثة. ] لكنه كما ترى جمع تبرعي لا شاهد عليه. مع انه لا تعارض بينهما كي يحتاج إلى الجمع كما لا يخفى، فلا مانع من الاخذ باطلاق كل منهما، والحكم بجواز العدول إلى النافلة أو من التوحيد إلى سورة الجمعة مخيرا بينهما من دون فرق في كل منهما بين بلوغ النصف وعدمه، فالاقوى جواز العدول إلى النافلة وان لم يبلغ النصف. وسيأتي في مبحث القراءة ان شاء الله تعالى حكم العدول من سورة إلى اخرى. (1): - كما دل عليه صحيح سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن وأقام الصلاة، قال: (فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام، وليكن الركعتان تطوعا) (1) ونحوه موثق سماعة (2). ومن المعلوم اختصاص الحكم بما إذا لم يتجاوز محل العدول بان كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة كما هو ظاهر. ثم إن الماتن خصص الحكم بما إذا خاف السبق وعدم ادراك


(1) و (2) الوسائل: باب 56 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 و 2 .

[ 85 ]

[ (السادس): العدول من الجماعة إلى الانفراد (1) لعذر أو مطلقا - كما هو الاقوى -. (السابع): العدول من إمام إلى إمام إذا عرض للاول عارض. ] الجماعة ولو بركوع الركعة الاولى فلا يجوز العدول مع الامن من ذلك، بل يتم الفريضة ويعيدها جماعة لو شاء. ولم نعرف وجها لهذا التقييد بعد اطلاق النص. فالاقوى جواز العدول حتى مع الامن وعدم الخوف عملا باطلاق النص. (1): - هذا خارج عن محل الكلام من موارد العدول فان عنوان المسألة متمحض في البحث عن العدول من صلاة إلى صلاة اخرى، لا العدول في صلاة واحدة من كيفية إلى اخرى، ولا ريب ان الجماعة والفرادي فردان من ماهية واحدة يختلفان بحسب الاحكام والآثار من دون تعدد في نفس الصلاة بالذات. فلا يجرى هنا ما مر في تقرير اصالة عدم العدول وكونه على خلاف القاعدة. نعم: لا يجوز العدول في المقام أيضا لو كان عازما على الانفراد من أول الامر، لا لما ذكر لاختصاصه بما إذا تعددت ماهية المعدول عنها والمعدول إليها كما عرفت، بل لعدم ثبوت مشروعية قصد الجماعة في بعض ركعات الصلاة، وانما الثابت قصدها في تمامها، والعبادات توقيفية فلابد في اثبات مشروعيتها من قيام الدليل، وإلا فمقتضى الاصل العدم. ودعوى: انه قاصد للجماعة في تمامها حين الشروع وان كان بانيا على العدول إلى الانفراد في الاثناء كما ترى فانهما متضادان

[ 86 ]

[ (الثامن): العدول من القصر إلى التمام (1) إذا قصد في الاثناء اقامة عشرة أيام. (التاسع): العدول من التمام إلى القصر إذا بدا له في الاقامة بعدما قصدها. (العاشر): العدول من القصر إلى التمام أو بالعكس في مواطن التخيير. ] وكيفيتان متباينتان فالقصد اليهما معا جمع بين المتضادين. وهذا نظير أن يقصد المسافر الاقامة في محل عشرة ايام، ومع ذلك يبني من الاول على الخروج إلى ما دون المسافة خلال العشرة، فان صدور مثل هذا القصد غير معقول لامتناع القصد إلى المتضادين معا في آن واحد. وبالجملة: فنية العدول إلى الانفراد من الاول قادحة سواء أكان لعذر أم غيره. وسيجئ تمام الكلام فيه، وفيما لو بدا له العدول في الاثناء دون أن يقصده من الاول، وانه يصح لعذر ام مطلقا أم لا يصح في مبحث الجماعة ان شاء الله تعالى. ومما ذكرنا يظهر حكم العدول من امام إلى امام إذا عرض للاول عارض، وانه ليس من العدول المبحوث عنه في المقام، فلا وجه للتعرض له فيما نحن فيه. وسيجئ البحث عنه في محله في احكام الجماعة إن شاء الله تعالى. (1): - تعرض (قده) في هذا وفي الموردين الآتيين إلى حكم العدول من القصر إلى التمام، ومنه إلى القصر، ومن كل منهما

[ 87 ]

إلى الآخر. فالاول كما إذا قصد في الاثناء اقامة عشرة ايام فيعدل إلى التمام. والثاني كما إذا بداله في نية الاقامة - في الاثناء - بعدما قصدها فانه يعدل إلى القصر مع بقاء محل العدول، كما لو كان البداء قبل الدخول في ركوع الثالثة واما مع التجاوز كما لو كان بعد الدخول فيه فتبطل الصلاة لا محالة، إذ المأمور به وهو القصر لا يتمكن منه وما يتمكنه من التمام ليس بمأمور به بعد فرض العدول عن نية الاقامة. والثالث كما في مواطن التخيير فانه يجوز له العدول من كل منهما إلى الآخر مع بقاء محله. ومما تقدم: يظهر ان العدول في هذه الموارد ليس من العدول المبحوث عنه في المقام، إذ القصر والتمام ليسا حقيقتين متباينتين وماهيتين من الصلاة، بل صلاة الظهر مثلا ماهية واحدة ذات فردين مختلفين في الاحكام كالجماعة والفرادي. فيجب التسليم على الركعة الثانية إن كان مسافرا، وعلى الرابعة كان حاضرا، ومحل الكلام هو العدول من صلاة إلى صلاة اخرى، لا من فرد إلى فرد آخر مع اتحاد ماهيتهما كما في هذه الموارد. ومن هنا ذكرنا سابقا انه لو قصد احد الفردين فأتم على الفرد الآخر غفلة كما في مواطن التخيير صحت صلاته لعدم الاخلال بالمأمور به بوجه. وتوضيح المقام: ان الفرق بين القصر والتمام هو الفرق بين الطبيعة بشرط لا، والطبيعة بشرط شئ فهما فردان من حقيقة واحدة يختلفان بلحاظ العوارض اللاحقة للطبيعة، فصلاة الظهر مثلا إن لوحظت مقيدة بعدم اقترانها بالركعتين الاخيرتين فهي القصر، وإن لوحظ انضمامها بهما فهي التمام، فلا اختلاف بينهما من حيث الذات

[ 88 ]

بل هما متحدان في الحقيقة والعنوان، وإنما الفرق نشأ من الخصوصيات الملحوظة في كل من الفردين فليس حالهما كالفريضة والنافلة والاداء والقضاء، والظهر والعصر حيث انهما متعددان عنوانا، ومختلفان ماهية، ومن ها كان العدول فيهما على خلاف القاعدة لعدم كون الصلاة حينئذ مصداقا لشئ من الماهيتين، فلا تقع امتثالا لشئ من العنوانين بعد وضوح عدم تعلق الامر بالصلاة الملفقة منهما. فيحتاج جواز العدول فيها إلى دليل بالخصوص وقد عرفت اختصاصه بالحاضرتين والفائتين. ومن الحاضر إلى الفائتة، ومن الفرض إلى النفل دون غيرها من بقية الموارد على البيان الذي سبق في محله. وهذا بخلاف القصر والتمام، إذ بعد ما عرفت من كونهما حقيقة واحدة فجواز العدول حينئذ مطابق للقاعدة من دون حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص. فان العدول من احداهما إلى الآخر قد يفرض في مواطن التخيير واخرى في غيرها. اما في الاول فمرجع الوجوب التخييري - على ما بيناه في محله - إلى ان الواجب انما هو الجامع الانتزاعي أعني عنوان أحدهما لا بعينه فخصوصية كل من الفردين ملغاة في مقام تعلق الامر وخارجة عن حريمه، إذ ليس المأمور به إلا نفس الجامع. وعليه فلو شرع في الصلاة بقصد التمام جاز له العدول إلى القصر، وبالعكس فانه عدول من فرد إلى فرد، لا من واجب إلى واجب. وهذا كما لو كان بانيا لدى الشروع في الصلاة على الاتيان بسورة خاصة ثم عند الفراغ من الفاتحة بدا له وعدل إلى سورة اخرى. فان هذا لا

[ 89 ]

[ (مسألة 21): - لا يجوز العدول من الفائتة إلى الحاضرة (1) ] ضير فيه قطعا، إذا الواجب إنما هي الصلاة المقيدة بجامع السورة ولا عدول في ذلك وانما العدول من فرد إلى فرد لم يتعلق الامر بشئ منهما. والمقام من هذا القبيل كما هو واضح، بل له الشروع في الصلاة مقتصرا على نية الظهر مثلا من دون قصد شئ من القصر التمام ثم بعد البلوغ إلى حد الافتراق يختار احد الفردين. واما في الثاني: كما لو شرع في الصلاة بنية التمام قاصدا للاقامة ثم بدا له فيها وعزم في الاثناء على السفر فعدل إلى القصر، فان العدول حينئذ وإن كان من واجب إلى واجب لوجوب التمام بخصوصه لدى الشروع بعد كونه قاصدا للاقامة آنذاك إلا أن وجوب لم يكن فعليا منجزا، بل كان معلقا على استدامة على ذاك القصد إلى الانتهاء عن الصلاة كما كان مأمورا بالقصر أيضا على تقدير العدول عن قصده. وبعبارة اخرى: ان المكلف المزبور مخاطب عند افتتاح صلاته بخطابين مشروطين، ومكلف بتكليفين تعليقيين فيؤمر بالتمام على تقدير البقاء على قصده. وفي عين الحال يؤمر بالقصر على تقدير العدول عن قصده. فالمكلف بعدوله في الاثناء يخرج نفسه عن موضوع ويدخله في موضوع آخر قد تعلق الامر بكل منهما على النحو الذي عرفت. فجواز العدول من التمام إلى القصر وبالعكس مطابق للقاعدة من دون حاجة إلى دليل بالخصوص. (1): - لعدم الدليل عليه فيبقى تحت أصالة عدم الجواز لكون

[ 90 ]

[ فلو دخل في فائتة ثم ذكر في اثنائها حاضرة ضاق وقتها ابطلها واستأنف، ولا يجوز العدول على الاقوى. (مسألة 22): - لا يجوز العدول من النفل إلى الفرض ولا من النفل إلى النفل، حتى فيما كان منه كالفرائض في التوقيت والسبق واللحوق (1). (مسألة 23): - إذا عدل في موضع لا يجوز العدول بطلتا (2) كما لو نوى بالظهر العصر وأتمها على نية العصر. (مسألة 24): - لو دخل في الظهر بتخيل عدم اتيانها فبان في الاثناء انه قد فعلها لم يصح له العدول إلى العصر. ] العدول على خلاف القاعدة كما مر. ومنه يظهر الحال في المسألة اللاحقة. (1) كالنوافل المرتبة اليومية ونحوها. (2): - اما بطلان المعدول عنها وهو الظهر فللاخلال بنيتها، وأما بطلان المعدول إليها وهو العصر فلعدم جواز العدول من السابقة إلى اللاحقة لعدم الدليل عليه، ومقتضى القاعدة عدم الجواز كما مر. ومنه يظهر الحال في المسألة الآتية. وهذا كله مما لا اشكال فيه لوضوحه مما سبق. إنما الكلام فيما ذكره في المسألة التي بعدها من انه لو عدل بزعم تحقق موضع العدول فبان الخلاف بعد الفراغ

[ 91 ]

[ (مسألة 25): - لو عدل بزعم تحقق موضع العدول (1) فبان الخلاف بعد الفراغ أو في الاثناء لا يبعد صحتها على النية الاولى كما إذا عدل بالعصر إلى الظهر ثم بان انه صلاها فانها صح عصرا لكن الاحوط الاعادة. ] أو في الاثناء، كما لو اعتقد اثناء العصر انه لم يأت بالظهر فعدل إليها، ثم بان انه صلاها فهل له حينئذ أن يعدل إلى النية الاولى فيتمها عصرا أو لا؟ وستعرف الحال فيها. (1): - مفروض كلامه (قده) ما إذا اتى بعد العدول إلى الظهر ببعض الاجزاء بنية الظهر ثم انكشف الخلاف بعد الفراغ. أوفي الاثناء. واما إذا كان الانكشاف قبل أن يأتي بجزء اصلا فعدل إلى العصر بعد عدوله إلى الظهر قبل أن يأتي بشئ من الاجزاء بنية الظهر، فينبغي ان يكون هذا خارجا عن محل الكلام، ويحكم فيه بالصحة بلا إشكال، إذا ليس هناك عدا مجرد عدول في النية فحسب وهو لا يزيد على نية القطع، ثم العود قبل أن يأتي بشئ التي عرفت سابقا عدم قدحها في الصحة. ثم ان الاجزاء التي يأتي بها بعد العدول إلى الظهر بنية الظهر اما ركنية أم لا. أما الثاني كما لو اعتقد اثناء الفاتحة عدم الاتيان بالظهر فعدل إليها وأتم الفاتحة والسورة بنيتها، ثم بان الخلاف قبل الدخول في الركوع فعدل إلى العصر، أو كان الاعتقاد المزبور حال التشهد فعدل واتم التشهد وسلم بنية الظهر ثم بان الخلاف بعد الفراغ، فلا ينبغي الاشكال أيضا في صحتها عصرا، غايته لزوم

[ 92 ]

اعادة تلك الاجزاء بنية العصر للاخلال بهذه النية، ولا ضير فيه لعدم لزوم الزيادة المبطلة بعد عدم كونها ركنية. وستعرف ان الاعادة ايضا غير لازمة. فينبغي ان تكون هذه الصورة أيضا خارجة عن محل الكلام. وانما الكلام كله فيما لو كانت تلك الاجزاء ركنية كما لو كان انكشاف الخلاف بعد الدخول في الركوع، أو بعد الفراغ وقد اتى بجزء ركني فانه ربما يستشكل حينئذ في الصحة بدعوى ان صحة العصر تتقوم بقصد عنوان العصر في تمام الاجزاء بأسرها وإلا لم تقع مصداقا لهذا العنوان كما هو الشأن في كل صلاة ذات عنوان. فالجزء المأتي به غير مجز للاخلال بنيته حسب الفرض ولا يمكن تداركه للزوم زيادة الركن، فمقتضى القاعدة بطلان الصلاة حينئذ لعدم إمكان تصحيحها بوجه. لكن الاقوى وفاقا للمتن - صحتها عصرا وذلك للروايات المتقدمة الدالة على ان العبرة في النية بما افتتحت به الصلاة وان من دخل في الفريضة وأتمها بزعم النافلة غفلة، أو بالعكس صحت على ما افتتحت عليه موردها وإن كان هو العدول من الفرض إلى النفل وبالعكس - الخارج عن محل الكلام - إلا أنه يستفاد منها حكم المقام بالاطلاق بعد إلغاء خصوصية المورد، فان روايات الباب ثلاث - على ما عرفت - والعمدة منها صحيحة عبد الله بن المغيرة (1)، والعبرة فيها بقوله (ع) في الجواب هي التي قمت فيها. الخ الذي هو بمنزلة التعليل للصحة، وان العبرة بالنية التي قمت فيها


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب النية حديث 1.

[ 93 ]

[ (مسألة 26): - لا بأس بترامي العدول (1) كما لو عدل في الفوائت إلى سابقة فذكر سابقة عليها، فانه يعدل منها إليها وهكذا. ] في الصلاة، ومقتضى عموم العلة إطلاق الحكم لكل مورد، واظهر منها دلالة روايتا معاوية وابن أبي يعفور (1) الصريحتان في ان العبرة بما افتتح الصلاة عليه - كما في الاولى - وانه إنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته - كما في الثانية - وإن لم نستدل بهما لضعف طريق الشيخ إلى العياشي كما مر. وكيف كان: فالمستفاد منها ان العدول إلى صلاة اخرى غفلة كما في المقام غير قادح في الصحة، وإنما العبرة بالنية الاولى، بل عن صاحب الجواهر (قده) احتمال شمولها لصورة العمد أيضا اخذا بالاطلاق وان كان ساقطا قطعا لامتناع قصد امر يعلم بعدمه إلا على وجه التشريع المحرم كما لا يخفى. وعلى الجملة: فلا قصور في تلك الاخبار لشمولها للمقام فيحكم بالصحة على النية الاولى وان عدل إلى الظهر بزعم عدم اتيانها، فانه يلحق بالعدول السهوي لا العمدي، إستنادا إلى هذا الروايات، ولا حاجة إلى اعادة تلك الاجزاء بنية العصر فلا نروم اثبات الصحة على طبق القاعدة كي يقال بأن القاعدة تقتضي البطلان، بل نستند في الصحة إلى هذه الاخبار التي هي على خلاف القاعدة. (1): - كما لو كان عليه المغرب فدخل فيها فتذكر ان عليه


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب النية حديث 2، 3.

[ 94 ]

[ (مسألة 27) - لا يجوز العدول بعد الفراغ (1)، إلا في الظهرين إذا اتى بنية العصر بتخيل انه صلى الظهر فبان انه لم يصلها، حيث ان مقتضى رواية صحيحة (2) أنه يجعلها ظهرا، وقد مر سابقا. ] العصر فعدل إليها، فتذكر ان عليه الظهر فعدل إليها ومنها إلى الصبح مثلا وهكذا، فانه بعد البناء على جواز العدول في الفوائت من اللاحقة إلى السابقة كما هو مقتضى إطلاق صحيحة عبد الرحمن (1): " فإذا ذكرها وهو في صلاة بدا بالتي نسي " كان الترامي المزبور جائزا بمقتضى الاطلاق من دون حاجة فيه إلى دليل بالخصوص، فما عن بعض من عدم ثبوت العدول في الفوائت من اللاحقة إلى السابقة، فضلا عن الترامي لاختصاص النصوص بالعدول من الحاضرة إلى مثلها، أو منها إلى الفائتة وابتناء التعدي على القول بتبعية القضاء للاداء في غير محله، لان العمدة من نصوص العدول هما صحيحتا زرارة و عبد الرحمن وقد عرفت قصور في اطلاق الثانية للشمول للفوائت في انفسها وللترامي فيها. واما دعوى التبعية فساقطة كما مر في محلها. (1): - لخروجه عن مورد النصوص لاختصاصها بالعدول في الاثناء، فيبقى تحت أصالة عدم الجواز التي تقتضيها القاعدة كما عرفت. (2): - وهي صحيحة زرارة قال (عليه السلام) فيها: " إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة،


الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت حديث 2.

[ 95 ]

[ (مسألة 28): يكفى في العدول مجرد النية من غير حاجة (1) إلى ما ذكره في ابتداء النية. ] أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صلى العصر فانما هي اربع مكان اربع " (1) لكن النص معرض عنه. وقد افتى الاصحاب باحتسابها عصرا ولزوم اتيان الظهر بعد ذلك، وان شرطية الترتيب ساقطة حينئذ لكونه شرطا ذكريا لا واقعيا كما استفيد ذلك من حديث لا تعاد لدخول الترتيب في المستثني منه، وإلا فليس على ذكريته دليل بالخصوص. وكيف كان: فبناءا على مسلكنا من عدم قدح الاعراض كعدم جبر العمل كان اللازم العمل بالنص المزبور وفاقا للمتن، إلا ان الاحوط حذرا عن مخالفة المشهور أن يعدل بها إلى الظهر ثم يأتي باربع بقصد ما في الذمة، فان ما صلاه صحيح قطعا، اما ظهرا كما يقتضيه النص، أو عصرا كما عليه المشهور فالذمة غير مشغولة إلا بصلاة واحدة مرددة بين الظهر والعصر فيقصد بها ما في ذمته. (1): - لم يتضح المراد من العبارة، فان النية بمعنى واحد في كلا الموردين وهو القصد الارتكازي المتعلق نحو العمل على حد ساير الافعال الاختيارية باضافة قصد التقرب، ولم يتقدم منه (قدم) اعتبار شئ آخر زائدا على ذلك في ابتداء النية كي لا يحتاج إليه في المقام. ومن المعلوم ان نية الرياء ونحوه قادحة في كلا الموردين فلم يتضح الفرق بين المقامين، بل هما على حد سواء وبمعنى واحد فتدبر جيدا.


(1) الوسائل: باب 63 من أبواب المواقيت ح 1

[ 96 ]

[ (مسألة 29): إذا شرع في السفر وكان في السفينة أو العربة (1) مثلا فشرع في الصلاة بنية التمام قبل الوصول إلى حد الترخص فوصل في الاثناء إلى حد الترخص، فان لم يدخل في ركوع الثالثة فالظاهر انه يعدل إلى القصر وإن دخل في ركوع الثالثة فالاحوط الاتمام والاعادة قصرا وان كان في السفر ودخل في الصلاة بنية القصر فوصل إلى حد الترخص يعدل إلى التمام. ] (1): - فصل (قده) فيمن دخل في الصلاة بنية التمام لدى شروعه في السفر وقد بلغ إلى حد الترخص قبل الفراغ منها بين ما إذا كان البلوغ بعد الدخول في ركوع الثالثة، وما إذا كان قبله فذكر ان الاحوط الاتمام والاعادة قصرا في الصورة الاولى، وانه يعدل إلى القصر في الصورة الثانية. أقول: أما ما ذكره من الاحتياط في الصورة الاولى فهو حسن لكنه غير لازم، بل الاقوى بطلانها، فيرفع اليد عنها ويأتي بالقصر إذ مقتضى اطلاق ما دل على ان من بلغ إلى حد الترخص وجب عليه القصر أن وظيفته الفعلية هي القصر وان اتى ببعض الصلاة قبل ذلك لعدم قصور للاطلاق في شموله للمقام بعد تحقق موضوعه كما لا يخفى. وحيث انه لا يتمكن من تتميم هذه الصلاة قصرا لفرض تجاوز محل العدول، ولا تمام لعدم الامر به فتبطل لا محالة، إذ ما هو المأمور لا يتمكن من اتيانه، وما يتمكن منه ليس مأمورا

[ 97 ]

به. فلا مناص من رفع اليد عنها واستينافها قصرا. واما الصورة الثانية: فالظاهر صحتها واتمامها قصرا وان شرع فيها بنية التمام وذلك لما عرفت سابقا من ان القصر والتمام ليسا حقيقتين مختلفتين وماهيتين متباينتين كي يلزم قصد كل منهما بخصوصه بل هما فردان من حقيقة واحدة يختلفان بحسب الاحكام من وجوب التسليم على الثانية في الاول، وعلى الرابعة في الثاني، فلا يلزم إلا تعيين عنوان الصلاة من الظهر أو العصر، وينظر في تعيين اي الفردين لتشخيص الوظيفة الفعلية إلى حال المكلف في مرحلة الامتثال وانه حاضر أو مسافر، وحيث انه بعد الانتهاء عن الركعتين مسافر على الفرض وان كان حاضرا قبله فينقلب الموضوع ويجب عليه القصر حينئذ. وبعبارة اخرى: لا شك ان الركعتين الاولتين واجبتان على عامة المكلفين من الحاضرين والمسافرين وهذا قدر مشترك بين الطائفتين، وبعد الانتهاء منهما واستكمالها يقسم المكلف حينئذ إلى الحاضر ويلحقه من لم يبلغ حد الترخص، والى المسافر أي البالغ حده، فان كان في هذا الحال مندرجا تحت العنوان الاول خوطب بوجوب التمام وان اندرج في الثاني خوطب بوجوب القصر والتسليم على الركعتين وحيث ان المفروض في المقام اندراج المكلف في هذه الحالة تحت العنوان الثاني وان لم يكن كذلك لدى شروعه في الصلاة فلا محالة يخاطب بوجب القصر لما عرفت من ان العبرة في ملاحظة الخطاب بقسيمة إنما هي بهذه الحالة دون ما قبلها لاشتراك الطائفتين في الركعتين الاولتين.

[ 98 ]

[ (مسألة 30): إذا دخل في الصلاة بقصد ما في الذمة فعلا (1) وتخيل انها الظهر مثلا ثم تبين أن ما في ذمته هي العصر أو بالعكس، فالظاهر الصحة، لان الاشتباه إنما هو في التطبيق. ] نعم: انما يجب قصد اربع ركعات على الحاضر من حين شروعه في الصلاة لان الظهر الواجب عليه إنما هو هذا الفرد دون القصر لا لخصوصيته فيه زائدا على عنوان الظهرية مثلا، والا فهما حقيقة واحدة كما عرفت. وهذا انما يتحقق فيما إذا استمر على صفة الحضور إلى انتهاء الاربع ركعات دون ما إذا تبدل الوصف وانقلب إلى المسافر ببلوغه إلى الترخص في الاثناء كما في المقام، ومنه تعرف جواز الشروع في الصلاة وإن علم من الاول بلوغه إلى حد الترخص في الاثناء، غايته انه لا تجوز له نية التمام حينئذ لكونه من التشريع المحرم، وانما يقصد ذات الظهر مقتصرا على هذا العنوان فحسب. ومن جميع ما ذكرناه يظهر حكم عكس المسألة وانه إن كان في السفر ودخل في الصلاة بنية القصر فوصل إلى حد الترخص يعدل إلى التمام، أي يتمها على اربع ركعات لتبدل الموضوع حينئذ واندراجه بعد الركعتين تحت عنوان الحاضر المخاطب بوجوب التمام والدخول بنية القصر ضم حجر لا تأثير له بعدما عرفت من أن العبرة في القصر والتمام بملاحظة الحالة الفعلية بعد انتهائه عن الركعتين من كونه فعلا حاضرا أو مسافرا. (1): - قد عرفت في بعض المباحث السابقة اختصاص باب

[ 99 ]

الخطأ في الطبيق بما إذا لم يكن المأمور به من العناوين القصدية فكان الاشتباه في شئ لا يتقوم الامتثال بقصده، كما لو تخيل ان ما بيده هي الركعة الثانية فبان انها الاولى، أو أن من في المحراب زيد فبان عمروا. أوان من اعطاه الدرهم عادل فبان فاسقا وهكذا. فان خصوصية كون الركعة هي الثانية مثلا، أو كون من في المحراب زيدا، أو من يعطيه عادلا لا يعتبر قصد شئ منها في تحقق الامتثال لخروجها عن حريم المأمور به، فقصد خلافها غير قادح، وكان باب الاشتباه في التطبيق واسعا في امثال ذلك. واما إذا كان المأمور به من العناوين القصدية بحيث لا يتحقق الامتثال إلا بقصده ولو اجمالا كعنوان الظهرية والعصرية حيث لامين بينهما إلا بقصد هذا العنوان ففي مثله لا سبيل لتطبيق باب الخطأ في التطبيق فيما لو قصد احد العنوانين بتخيل انه الواجب معتقدا ذلك اعتقادا جزميا ثم بان الخلاف لان امتثال المأمور به لا يتحقق إلا بقصده حسب الفرض، فما قصده لا واقع له، وما له الواقع غير مقصود به، ولا يصححه ضم قصد ما في الذمة. إذ لا اثر لقصد هذا اللفظ قطعا، وانما المؤثر قصد واقع ما في الذمة، وكيف يمكنه قصد ذاك الواقع مع اعتقاده الجزمي بان الواجب عليه حسب تخيله هو الظهر مثلا وكان الواقع هو العصر فهو غير قاصد الا إلى الظهر ليس إلا، ولم يقصد العصر بوجه حتى اجمالا، فالتلفظ بقصد ما في الذمة حينئذ مجرد لقلقة لسان لا يجدي مثله شيئا. نعم إنما يجدي ذلك فيما إذا تردد وشك فيما اشتغلت به الذمة وما تعلق به الامر الفعلي من دون تخيل واعتقاد فلم

[ 100 ]

[ (مسألة 31): إذا تخيل انه اتى بركعتين من نافلة الليل (1) مثلا فقصد الركعتين الثانيتين أو نحو ذلك فبان انه لم يصل الاولتين، صحت وحسبت له الاولتان، وكذا في نوافل الظهرين، وكذا إذا تبين بطلان الاولتين وليس هذا من باب العدول، بل من جهة انه لا يعتبر قصد كونهما اولتين أو ثانيتين، فتحسب على ما هو الواقع نظير ركعات الصلاة حيث انه لو تخيل ان ما بيده من الركعة ثانية مثلا فبان انها الاولى أو العكس أو نحو ذلك لا يضر ويحسب على ما هو الواقع. ] يدران الواجب هو الظهر أو العصر فصلى بقصد ما في الذمة صحت لتعلق القصد حينئذ بما هو الواقع اجمالا، فانه كاف إذ لا يعتبر القصد التفصيلي كما مر سابقا. والحاصل: ان قصد ما في الذمة لا يجتمع مع القصد إلى صلاة معينة بخصوصها، ولا يكون ذلك من باب الخطأ في التطبيق، وهذا نظير ما إذا صام بقصد ما في الذمة معتقدا ان الذمة مشغولة بقضاء شهر رمضان فنوى القضاء بخصوصه، ثم انكشف ان الذمة غير مشغولة به، بل هي مشغولة بالصوم الاستيجاري فهل يمكن القول بوقوعه امتثالا عنه وفراغ ذمته عن الصوم النيابي الواجب عليه بدعوى كون قصد الخلاف من باب الخطأ في التطبيق. (1): - قد ظهر الحال مما قدمناه في المسألة السابقة، فان

[ 101 ]

قصد كون الركعتين هما الاولتان من ركعات نافلة الليل ام الثالثة والرابعة وهكذا غير معتبر في تحقق امتثال النافلة كقصد كون الرابعة التي بيده من الفريضة هي الركعة الاولى أو الثانية فقصد الخلاف غير قادح لكونه من باب الاشتباه في التطبيق غير القادح في امثال المقام مما لا يتقوم المأمور به بقصده فيحسب له على ما هو الواقع عند خطأه، وليس ذلك من باب العدول في شئ كما صرح به في المتن.

[ 102 ]

[ فصل في تكبيرة الاحرام وتسمى تكبيرة الافتتاح أيضا، وهي أول الاجزاء الواجبة للصلاة (1) بناءا على كون النية شرطا، وبها يحرم على المصلي المنافيات (2) وما لم يتمها يجوز له قطعها. ] (1): - على ما تشهد به النصوص الكثيرة المصرحة بأن أولها التكبيرة، أو افتتاحها، أو تحريمها على اختلاف ألسنتها وأما القيام حالها فليس من أفعال الصلاة، بل هو شرط للتكبيرة مختص بحال التمكن كساير الشرائط من الستر والاستقبال ونحوهما فصحت دعوى ان التكبيرة هي اول الاجزاء بعد الفراغ عن ان النية شرط لاجزء كما مر. (2): - أما الحرمة الوضعية: فلاطلاق ادلة المنافيات الشامل لمجرد الشروع في التكبيرة وان لم يفرغ بعد عنها، فلو تكلم أو تقهقه أو أنى بساير المنافيات اثناءها بطلت لصدق كونه في الصلاة بمجرد الشروع بها ولا يتوقف على استكمالها فتشمله المطلقات. واما الحرمة التكليفية: وانه هل يجوز قطعها ما لم يتمها أولا؟

[ 103 ]

وتركها عمدا وسهوا مبطل كما ان زيادتها ايضا كذلك (1) فلو كبر بقصد الافتتاح وأتى بها على الوجه الصحيح ثم كبر بهذا القصد ثانيا بطلت واحتاجا إلى ثالثة، فان ابطلها بزيادة رابعة احتاج إلى خامسة وهكذا تبطل بالشفع وتصح بالوتر. ] فهي من شؤون البحث عن حرمة قطع الفريضة اختيارا الذي عقد الماتن له فصلا مستقلا بعد فصل المكروهات في الصلاة فيبحث عن ان الحرمة ثابتة أم لا، وعلى تقدير الثبوت فهل تعم المقام اولا؟ فالاولى تأخير التعرض لذلك إلى حينه. (1): - على المشهور بينهم ومن هنا عدوها من الاركان بعد ان فسروها بما تبطل الصلاة بنقيصته وزيادته عمدا وسهوا، لكن الركن بلفظه لم يرد في شئ من الروايات، وإنما اصطلح عليه الفقهاء وتداول في ألسنتهم، والتفسير المزبور مما لا شاهد عليه بعد أن لم يساعده المفهوم اللغوي فانه لا يقتضي إلا الاخلال من حيث النقيصة دون الزيادة الا ترى ان الاسطوانات وهي اركان البناء ينهدم بفقدها ولا تضر زيادتها. وكيف كان فالمتبع في الحكم المذكور هو الدليل فلا بد من النظر إلى الادلة. ويقع الكلام تارة من حيث النقيصة وأخرى من حيث الزيادة فهنا مقامان. اما المقام الاول: فلا ريب ان مقتضى القاعدة هو البطلان بالاخلال العمدي كما هو الشأن في ساير الاجزاء إذ ان ذلك هو مقتضى فرض الجزئية والدخل في المركب الارتباطي. كما لاريب ان مقتضى

[ 104 ]

القاعدة الاولية فيها وفي ساير الاجزاء مع قطع النظر عن مثل حديث لا تعاد. ونحوه هو البطلان ايضا بتركها سهوا، لانتفاء المركب بانتفاء جزئه بعد اطلاق دليل الجزئية الشامل لحالتي الالتفات وعدمه كما صرح به الشيخ (قده): على ان الحكم في المقام مما تسالم عليه الاصحاب، ولم ينقل الخلاف فيه عن أحد، بل ادعى الاجماع على البطلان بالنقص السهوي فضلا عن العمدي في غير واحد من الكلمات محصلا ومنقولا. وقد تضمنت جملة من النصوص الصحيحة بطلان الصلاة بنسيان التكبيرة كصحيحة زرارة قال: سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح، قال: " يعيد " وموثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سهى خلف الامام فلم يفتتح الصلاة، قال: " يعيد الصلاة، ولا صلاة بغير افتتاح " وصحيحة على بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يفتتح الصلاة حتى ركع، قال: يعيد الصلاة، إلى غير ذلك من الاخبار المذكورة في الوسائل في الباب الثاني من أبواب تكبيرة الاحرام. نعم: بأزائها روايات اخرى معتبرة فيها الصحيح والموثق دلت صريحا على عدم الاعادة التي منها صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي ان يكبر حتى دخل في الصلاة، فقال: أليس كان من نيته أن يكبر؟ قلت: نعم، قال: فليمض في صلاته (1). ونحوها غيرها مما تضمن التفصيل بين كون


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 9 .

[ 105 ]

التذكر قبل الركوع وبعده، وانه يكبر في الاول ويمضي في الثاني كموثق أبي بصير، أو بين كونه في الصلاة أو بعدها فيكبر قائما في الاول ويقضيها ولا شئ عليه في الثاني كصحيح زرارة وغيرها مما ذكرت في الباب المزبور. وقد يقال كما عن المحقق الهمداني (قده): بامكان الجمع بين صحيحة الحلبي والطائفة الاولى بارتكاب التخصيص حيث ان نسبة الصحيحة إليها نسبة الخاص إلى العام لان موردها: من كان من نيته ان يكبر فنسي، وتلك الاخبار مطلقة، فتخصص بالصحيحة وتحمل على من لم يكن من نية ذلك، إلا انه متعذر في خصوص المقام للزوم حمل تلك المطلقات على الفرد النادر. لكنه كما ترى لا سبيل إلى التخصيص حتى لو جاز حمل المطلق على الفرد التادر ولم يكن مستهجنا، إذ النسبة بينهما هي التباين دون المعموم والخصوص ضرورة ان فرض نسيان التكبيرة مساوق لسبق الالتفات إلى جزئيتها الملازم للبناء على اتيانها حين إرادة الصلاة، فالناسي ناو للتكبيرة وبان عليها ومن نيته ان يكبر مهما صلى ولا تنفك عنه ابدا، وإلا فهو اما جاهل أو عامد كما لا يخفى. فالموضوع في الطائفتين شئ واحد قد حكم عليه بالاعادة تارة وبعدمها اخرى، فهما متعارضان من أول الامر وربما يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب، وفيه ما لا يخفى لما تكرر منا غير مرة من امتناع ذلك في مثل يعيد ولا يعيد - كما في المقام - إذ الامر بالاعادة ارشاد إلى الفساد، ولا معنى لاستحباب الفساد.

[ 106 ]

فالاولى في المقام ان يقال: إن كان هناك اجماع على البطلان عند النسيان بحيث أورث القطع بالحكم فالطائفة الثانية المتضمنة للصحة ساقطة عن الحجية في حد نفسها، فلا تصلح للمعارضة، بل يرد علمها إلى اهله، وإن لم يورث القطع للتشكيك في كونه اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام) كما لا يبعد، فان ثبت حينئذ ان فتوى العامة هي الصحة حملت هذه الطائفة على التقية، وكان الترجيح مع الطائفة الاولى لمخالفتها لهم، وإن لم يثبت لذهاب جمع منهم إلى البطلان أيضا كما قيل (1)، فلا مناص من استقرار المعارضة حينئذ فيتساقطان ويرجع إلى اطلاق دليل الجزئية من قوله (عليه السلام): افتتاحها التكبير، أو تحريمها التكبير ونحو ذلك وتكون النتيجة أيضا هو البطلان عند النسيان، ولا سبيل للرجوع إلى حديث لا تعاد لتصحيحها لاختصاصه بمن تلبس بالصلاة وشرع فيها المتوقف على الاتيان بالتكبيرة، التى هي افتتاحها، فناسي التكبيرة غير داخل بعد في الصلاة، بل هو خارج عنها وإن أتى ببقية الاجزاء (1) الذي يظهر من كتاب المغني لابن قدامه ج 1 ص 509 ان العامة على قولين فمنهم من قال بالفساد مطلقا وهو قول ربيعة ومالك والثوري والشافعي واسحاق وابي ثور وابن المنذر ومنهم من قال بالاجتزاء بتكبيرة الركوع بدلا عن تكبيرة الافتتاح وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والاوزاعي ولم يوجد قول لهم بالصحة مطلقا ولو كان فهو شاذ لا يعبؤبه، ومنه يظهر ان الروايات الدالة على الصحة هي المخالفة للعامة فينبغي الاخذ بها وطرح سواها.

[ 107 ]

فلا يشمله الحديث. ولعل هذا هو السر في عدم عد التكبيرة من المستثنيات مع لزوم اعاة الصلاة بالخلال بها ولو سهوا بلا اشكال كما في الخمسة المستثناة. وأما المقام الثاني: اعني الاخلال من حيث الزيادة فالمشهور هو البطلان ولذا عدوها من الاركان بعد تفسير الركن بما تقدح زيادته عمدا وسهوا كنقيصته. ومن هنا ذكروا انه لو كبر ثانيا بقصد الافتتاح بطلت واحتاج إلى الثالثة فان أبطلها بالرابعة احتاج إلى الخامسة، وهكذا تبطل بالشفع، وتصح بالوتر. لكن البطلان بالثانية يتوقف على القول بعدم الخروج عن الصلاة بمجرد نية القطع، واما على القول به كما عليه المشهور وان كان خلاف التحقيق كما مر - فتصح الثانية من دون حاجة إلى الثالثة، إذ قصد الافتتاح بالثانية ملازم لقصد الخروج عن الاولى، فالبطلان في مرتبة سابقة على التكبيرة، فلا تتصور الزيادة حينئذ كما لا يخفى. وبهذا: يشكل على المشهور في الجمع بين الامرين حيث ذهبوا إلى الخروج بمجرد نية القطع، ومع ذلك حكموا في المقام ببطلان الثانية والافتقار إلى الثالثة. وكيف كان فلا بد من فرض الكلام بعد الفراغ عن عدم الخروج بنية القطع كي تتصور الزيادة. ويقع الكلام تارة في الزيادة العمدية واخرى في السهوية. اما الاول فقد استدل على البطلان بوجوه نذكر عمدتها. فمنها: ما عن شيخنا الانصاري (قده) من أن الثانية زيادة واقعة على جهة التشريع فتحرم وتبطل الصلاة بها لكونها من الكلام المبطل مع العمد إليه اتفاقا.

[ 108 ]

وفيه: أن المبطل هو خصوص كلام الآدمي، ولم يثبت البطلان بمطلق الكلام المحرم وإن كان ذكرا، على ان التشريع لا يجري فيما لو اعادها ثانيا من باب الرجاء وبقصد الاحتياط - كما ستعرف - فلا يتم على اطلاقه. هذا مع ان ذلك لا يختص بالتكبير، بل يجري في ساير اجزاء الصلاة مما كان من قبيل الاقوال كما لا يخفى. ومنها: ما ذكره المحقق الهمداني (قده) من ان الثانية قادحة في صدق الهيئة الاتصالية المعتبرة بين الاجزاء حيث انها مسبوقة - لا محالة - بالعزم على الخروج عن الصلاة برفع اليد عن الاولى حتى يتحقق الافتتاح بالثانية، وهذا العزم وإن لم يكن بمجرده موجبا للبطلان، ولذا لم نقل بالخروج بمجرد نية القطع، الا ان الجري على مقتضاه خارجا باستيناف الصلاة والاتيان بالثانية بقصد الافتتاح يوجب قطع الهيئة الاتصالية العرفية المانع عن صلاحية انضمام الاجزاء اللاحقة بالسابقة. وفيه ما لا يخفى فانه لامساغ للعرف لتشخيص كيفية اعتبار الهيئة الاتصالية بين الاجزاء، بل لابد من اخذها من مخترعها وهو الشرع. نعم لاريب في انقطاع الهيئة الاتصالية مع الفصل الطويل الماحي للصورة، كما لو كبر وبعد نصف ساعة مثلا قرأ وبعد هذا المقدار من الفصل ركع وهكذا. وأما مجرد اعادة التكبيرة واستينافها فلا شك ان العرف لا يساعد على قدحها في صدق الهيئة الاتصالية إلا بعد ثبوت الاخلال بها من قبل الشارع وتقيد الصلاة بعدمها وهو بعد اول الكلام. فهذ ان الوجهان ضعيفان، واضعف منهما بقية الوجوه المذكورة

[ 109 ]

في المقام التي منها دعوى الاجماع على ركنيتها بعد تفسير الركن بما تبطل الصلاة بزيادته كنقيصته عمدا وسهوا. إذا فيه ما عرفت من عدم الشاهد على هذا التفسير نصا لخلوها طرا عن هذا التعبير ولا فتوى لما يظهر من بعض الكلمات من تخصيص الاخلال بناحية النقص كما لا يساعد عليه المفهوم لغة ولا عرفا كما لا يخفى. فالاولى: الاستدلال لذلك بان التكبيرة الثانية لا امر بها بعد فرض صحة الاولى، إذلا معنى للافتتاح عقيب الافتتاح، وحيث انها تقع بقصد الجزئية إذ لاتكاد تتصف بكونها تكبيرة الافتتاح إلا إذا كانت مقرونة بهذا القصد، فهي لا محالة تقع على صفة الزيادة إذ لا نعنى بها إلا الاتيان بشئ بقصد الجزئية ولم يكن مأمورا به فتشمله ادلة الزيادة المبطلة كقوله عليه السلام: " من زاد في صلاته فعليه الاعادة ". لكن هذا يختص بما إذا اعادها بقصد الجزئية، واما إذا اعادها بقصد الرجاء ومن باب الاحتياط كما لو شك في صحة الاولى بشك لا يعتنى به شرعا كما لو كان بعد الفراغ عن الاولى المحكومة بالصحة حينئذ ظاهرا فاعادها رجاءا دركا للواقع فقصد بها الافتتاح على تقدير فساد الاولى، وإلا فتقع ذكرا، فانه لا موجب للبطلان حينئذ لعدم كونها من الزيادة المبطلة بعد عدم قصد الجزئية بها. هذا كله في الزيادة العمدية. واما السهوية فالمشهور ايضا هو البطلان إلا ان وجهه غير ظاهر لعدم الدليل عليه، فان الوجوه المتقدمة لا تقتضيه في هذه الصورة كما لا يخفى. والتمسك بالاجماع على ركنيتها بضميمة الاجماع على تفسير الركن بما تقدح زيادته عمدا

[ 110 ]

وسهوا كنقيصته قد عرفت ما فيه، إذا بعد تسليم الاجماع الاول لادليل على الثاني، بل لم يثبت بعد اختلاف الكلمات حيث ظهر من بعضهم الاقتصار في تفسيره بالاخلال من ناحية النقص فحسب، ومفهوم الركن لغة وعرفا لا يساعد على اكثر من ذلك، فانه ما يتقوم به الشئ، والزيادة غير قادحة في التقوم لو لم تكن مؤيدة، ولم يرد اللفظ في شئ من الروايات وإنما وقع التعبير به في كلمات الاصحاب خاصة. وعليه فالاقوى عدم البطلان بزيادة التكبير سهوا عملا باطلاق حديث لا تعاد الحاكم على ادلة الزيادة المبطلة مثل قوله عليه السلام " من زاد في صلاته فعليه الاعادة " والموجب لتخصيصها بالزيادة العمدية، إذ لا قصور في شمول الحديث للمقام. ودعوى اختصاصه بما إذا كان الاخلال من ناحية النقص لا شاهد عليها، فان بعض ما ذكر في المستثنى وان لم تتصور فيه الزيادة كالوقت والطهور والقبلة لكنها تتصور في البعض الآخر كالركوع والسجود. فالمستفاد من اطلاق الحديث ان الاخلال العارض للصلاة سواء أكان من ناحية النقيصة، ام الزيادة ان كان من ناحية الخمسة المستثناة فتعاد والا فلا، ومن الواضح دخول التكبيرة في عموم المستثنى منه فيشملها الحديث ان كان الاخلال من حيث الزيادة. نعم إذا كان من حيث النقيصة فقد عرفت عدم شموله لها حينئذ لاعتبار التلبس بالصلاة المتوقف على الدخول فيها والشروع لها وناسي التكبيرة غير شارع بعد في الصلاة.

[ 111 ]

[ ولو كان في اثناء صلاة فنسي وكبر لصلاة اخرى (1) فالاحوط اتمام الاولى واعادتها. ] (1): تقدم حكم ما إذا كبر ثانيا للصلاة التي بيده، وعرفت ان الاقوى اختصاص البطلان بصورة العمد دون النسيان. واما إذا نسي فكبر ثانيا لصلاة اخرى فقد احتاط في المتن باتمام الاولى ثم اعادتها، وكأن الوجه في توقفه التردد في صدق الزيادة حينئذ على التكبيرة الثانية حتى يشملها ما دل على البطلان بالزيادة، فان المتيقن في الصدق ما إذا كبر ثانيا للصلاة التي بيده لا لغيرها. هذا ولا ينبغي الريب في عدم الصدق لتقوم الزيادة بقصد الجزئية للصلاة المتلبس بها المنفي في الفرض والا فمجرد الاتيان بشئ عاريا عن القصد المزبور لا يدرجه في عنوان الزيادة المبطلة، ولذا لو جلس لحاجة كقتل العقرب مثلا أو قام لغرض كالنظر إلى الافق، أو اعاد سورة الفاتحة هدية لميت لا يوجب شئ منها البطلان، فان الجلوس والقيام والفاتحة وإن كانت من اجزاء الصلاة لكنه حيث لم يقصد كونها منها، ولم يؤت بها بعنوان الجزئية فلا تكون زيادة في الصلاة. نعم ثبت في خصوص السجدة ان مجرد الزيادة الصورية قادحة وان لم يقصد بها الجزئية وذلك للاخبار الناهية عن قراءة سور العزائم في الصلاة معللا بان السجدة زيادة في المكتوبة مع ان المأتي بها سجدة التلاوة لا سجدة الصلاة، ويتعدى عنها إلى الركوع بطريق اولى كما لا يخفى. فيعلم من ذلك ان الشارع عين

[ 112 ]

[ وصورتها الله اكبر من غير تغيير ولا تبديل (1)، ولا يجزى مراد فها ولا ترجمتها بالعجمية أو غيرها. ] لكل ركعة كمية خاصة من السجود والركوع لا يتجاوز عنها ولا يزاد عليها ولو صورة. واما بقية الاجزاء ومنها التكبيرة فحيث لم يرد فيها مثل هذا الدليل فلا يكون القادح فيها إلا الزيادة الحقيقية المتقومة بقصد الجزئية دون الصورية. وعليه فادلة الزيادة المبطلة غير شاملة للمقام، فلا مانع من الحكم بالصحة استنادا إلى حديث لا تعاد بعد ما عرفت من شمول الحديث لمطلق الاخلال سواء أكان من ناحية النقيصة أو الزيادة، ومع الغض عنه فلا مانع من الرجوع إلى الصالة البراءة عن مانعية هذه التكبيرة، بناءا على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في الاقل والاكثر الارتباطيين، بل يمكن الحكم بها حتى فيما إذا كبر لصلاة اخرى عامدا عالما فضلا عن النسيان، إذ لا موجب للبطلان بعد عدم صدق الزيادة وقد تقدم ان نية القطع بمجردها غير قادحة. فالتكبيرة لصلاة اخرى بمجردها بل ومع مقدار من الاجزاء - غير الركوع والسجود - لا تضر بصحة الصلاة الاولى لو رجع إليها ما لم يستلزم الفصل الطويل الماحي للصورة كما لا يخفى. (1): - يقع الكلام في جهات ثلاث: الاولى في وجوب المحافظة على هذه الصورة بما لها من المادة والهيئة من غير تبديل ولا تغيير في شئ منهما، فلا يجزي مرادفها كقوله الرحمن اعظم ونحوه، أو ترجمتها بلغة اخرى، كما لا يجزى الاخلال بالهيئة مثل تعريف

[ 113 ]

(اكبر) أو تقديمه على لفظ الجلالة أو الفصل بينهما بمثل كلمة (سبحانه) أو (جل جلاله) أو (عزوجل) أو (تعالى) ونحو ذلك. الثانية: في عدم وصلها بما سبقها من دعاء ونحوه. الثالثة في عدم وصلها بما بعدها من الاستعاذة أو البسملة ونحو هما. اما الجهة الاولى: فلا خلاف بين الفقهاء. بل قيل بين المسلمين قاطبة من الخاصة والعامة في وجوب الاتيان بتلك الصورة من غير تغيير ولا تبديل، وانه قلت مسألة في الفقه تتفق عليها آراء عموم المسلمين كهذه (1). وهذا الاجماع بنفسه دليل مستقل صالح للاعتماد عليه فان اكتفينا به وإلا فلابد من اقامة الدليل على الحكم. وقد استدل له تارة بمرسلة الصدوق قال " كان رسول الله صلى الله عليه وآله أتم الناس صلاة واوجزهم، كان إذا دخل في صلاته قال الله اكبر بسم الله الرحمن الرحيم " (2) بضميمة قوله صلى الله عليه وآله (صلوا كما رأيتموني اصلي)، واخرى بما في خبر المجالس باسناده (في حديث) واما قوله الله اكبر (إلى ان قال) لاتفتتح الصلاة إلا بها (3) فان مرجع الضمير في قوله (إلا بها) هي التكبيرة المتقدم


(1) ولكن الذي يظهر من ابن رشد في بداية المجتهد وجود الخلاف فيه قال في ج 1 ص 96 ما لفظه " قال مالك لا يجزي من لفظ التكبير الا (الله اكبر) وقال الشافعي: الله اكبر والله الاكبر اللفظان كلاهما يجزى به وقال أبو حنيفة يجزي عن لفظ التكبير كل لفظ في معناه مثل: الله الاعظم والله الاجل ". (2) الوسائل: باب 1 من أبواب الاحرام ج 11. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ج 12

[ 114 ]

ذكرها على صورة الله اكبر لا مطلق التكبيرة كما هو ظاهر. وربما يورد على الوجه الاول بان المراد بالموصول في قوله صلى الله عليه وآله - كما رأيتموني اصلي - لا يمكن ان تكون الصلاة المشتملة على جميع الخصوصيات لاختلافها وعدم انضباطها فلابد وان يراد البعض المعين من تلك الخصوصيات وحيث لا قرينة عليه لعدم كونه متحصلا لدينا فيكون مجملا فلا يصلح للاستدلال. وفيه: ما لا يخفى فان الخصوصيات التي اقترنت بها صلاته - صلى الله عليه وآله - وان كان بعضها مختلفة كوقوعها في المسجد تارة وفي الدار اخرى، أو مع اللباس الشتوي مرة، والصيفي اخرى ونحو ذلك مما يقطع بعدم دخله في الصلاة إلا ان جملة اخرى منها - ومنها التكبيرة - معينة منضبطة كان يواظب عليها في جميع صلواته قطعا والا لنقل الينا بالضرورة فلا اجمال فيها. نعم: يرد عليه اولا ان مرسلة الصدوق ضعيفة بالارسال فلا تصلح للاستدلال. وثانيا بقصور الدلالة لو لم تكن ظاهرة في الجواز غاية ما هناك ان الصلاة حينئذ لا تكون من الموجز لا انها لا تصح كما لا يخفى. وثالثا: ان رواية " صلوا كما رأيتموني اصلى " لم ترد بطرقنا ولم توجد في كتبنا وانما ذكرت في كتب العامة بطرقهم فلا يمكن الاعتماد عليها وان ارسلها الاصحاب كالمحقق الهمداني وغيره إرسال المسلمات من دون غمز في السند. وأما الوجه الثاني اعني خبر المجالس فهو ضعيف السند " اولا " إذ الصدوق يرويه عن شيخه محمد بن علي بن ماجيلويه وهو مهمل في

[ 115 ]

كتب الرجال. ومجرد كونه من مشايخ الاجازة لا يدل على التوثيق كيف وقد صرح الصدوق حق بعض مشايخه بما لفظ (لم أر أنصب منه) هذا وقد اشتمل آخر السند على الحسن بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن أبي طالب (ع) والحسن مجهول (نعم) والده من شهداء الطف المستغنين عن التوثيق بل التعديل، إذ ليسوا بأقل من شهداء بدر. كما اشتمل وسطه على علي بن الحسين البرقي وهو ايضا مجهول، فالسند ضعيف من جهات ثلاث فلا يمكن الاعتماد على الخبر. كما انه قاصر الدلالة (ثانيا) بل على خلاف المطلوب ادل، إذ المذكور في المجالس هكذا ". واما قوله والله اكبر إلى ان قال لا تفتتح الصلاة إلا بها " فهو مشتمل على زيادة (الواو) على خلاف المنقول عنه في الوسائل كما نبه عليه المعلق. فالاستدلال بشئ من الوجهين لا يتم. والاولى الاستدلال عليه من وجوه. احدها: اطلاق أدلة الجزئية مثل قوله (عليه السلام) تحريمها التكبير بعد انصراف التكبير فيها إلى ما هو المعهود المتعارف المنقول عن صاحب الشرع، والمفروض في الاذان، والذي يعرفه حتى النساء والصبيان، ولم يختلف فيه اثنان، لا من الخاصة ولا من العامة كما عرفت. فالمعروفية بهذه المثابة من الكثرة والشيوع في جميع الاعصار والامصار بحيث متى قيل لاحد كبر لا يتفوه الا بقوله الله اكبر، لا شك في انه يوجب صرف اطلاق التكبير في تلك الادلة إلى هذه الكيفية الخاصة الرائجة بين عموم المسلمين، بل لعله لا يوجد تعارف اشد من ذلك في صرف الاطلاق، فمقتضى دليل الجزئية

[ 116 ]

بعد التنزيل على المتعارف وجوب هذه الكيفية بخصوصها وعدم الاجتزاء بغيرها. ومعه لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى الاصل العملي الذي مقتضاه هو البراءة بناءا على ما هو الصحيح من الرجوع إليها عند الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين، وكذا عند الشك بين التعيين والتخيير الذي هو في الحقيقة من مصاديق الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين ولا فرق بينهما إلا في مجرد التعبير كما اوضحناه في الاصول. فما عن بعض من التفكيك بينهما بالرجوع إلى البراءة في الاول والاشتغال في الثاني في غير محله. الثاني: الاخبار الدالة على ان عدد التكبير في الصلوات الخمس اليومية خمس وتسعون كموثق معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: التكبير في الصلاة الفرض الخمس صلوات، خمس وتسعون تكبيرة منها تكبيرات القنوت خمس (1) فان المستفاد منها ان تلك التكبيرات التي منها الافتتاح كلها من سنخ واحد وعلى صورة واحدة فإذا انضم ذلك إلى قوله (ع) في صحيحة زرارة: " إذا اردت ان تركع فقل وانت منتصب الله اكبر. الخ " (2) المشتملة على بيان الكيفية في تكبيرة الركوع يظهر من ذلك ان تكبيرة الافتتاح ايضا كذلك لما عرفت من استظهار كون الجميع من سنخ واحد وبكيفية واحدة. الثالث: وهو العمدة والاستدلال به اقوى من سابقه واظهر صحيحة حماد الواردة في بيان كيفية الصلاة التي استدل بها الاصحاب


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب الركوع ح 1.

[ 117 ]

[ في كثير من المقامات قال فيها: واستقبل باصابع رجليه (جميعا) لم يحرفها من القبلة بخشوع واستكانة فقال: الله اكبر. الخ) (1) ثم قال عليه السلام في ذيلها يا حماد هكذا صل. الخ فان ظاهر الامر وجب الاتيان بتلك الكيفية الظاهر في الوجوب التعييني (2) ] (1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1. (2) الاستدلال بهذه الصحيحة وان تكرر في كلمات سيدنا الاستاد - دام ظله - تبعا لجمع من الاعلام لكنه مبنى على ظهور الامر في قوله (ع) " يا حماد هكذا صل " في الوجوب، فيؤخذ به ما لم تقم قرينة على الخلاف حسبما قرره - دام ظله - الا ان لقائل ان يقول ان التأمل في صدر الصحيحة يقضى بانه (ع) لم يكن بصدد تعليم الصلاة الواجبة لاباء مقام حماد عن خفاء مثل ذلك عليه. ولا سيما مع التقبيح والتوبيخ الشنيع بمثل قوله (ع) " ما اقبح بالرجل منكم الخ " أفهل يحتمل ان مثل هذا الرجل العظيم وهو من اجلة الفقهاء بل من اصحاب الاجماع يأتي عليه ستون أو سبعون سنة وهو لا يدري الحدود الواجبة للصلاة؟ إذا فلا ينبغي التأمل في انه (ع) بصدد تعليم الصلاة بحدودها التامة ومزاياها الكاملة كما اشير إليه في صحيحة اخرى لحماد بقوله (ع) (ان للصلاة اربعة آلاف حد) وعليه فلا ظهور للامر المزبور الا في الارشاد إلى مثل هذه الصلاة دون الوجوب التعييني كما ادعى فلا تصلح للاستشهاد حتى فيما لم تقم قرينة على الخلاف لما عرفت من احتفافها بقرينة داخلية قاضية بعدم سوقها لبيان الحدود الواجبة. ومنه تعرف ان ما في المتن من =


جامع الاحاديث ج 2 ص 256.

[ 118 ]

[ والاحوط عدم وصلها بما سبقها من الدعاء ب‍ (1) أو لفظ النية وان كان الاقوى جوازه وتحذف الهمزة من (الله) حينئذ. ] بمقتضى الاطلاق. ولا يقدح في الاستدلال اشتمالها على جملة من المستحبات لما ثبت في محله من ان اقتران الكلام بما ثبت استحبابه من الخارج لايمنع من الظهور في الوجوب فيما عداه الفاقد للقرينة على الخلاف سيما بناءا على مسلكنا من خروج الوجوب والاستحباب عن مدلول الامر وكونهما بحكم العقل ومنتزعين من الاقتران بالترخيص في الترك وعدمه فما ثبت اقترانه بالترخيص في الترك كان مستحبا والاحكم العقل بوجوبه، وحيث لم يثبت الترخيص المزبور في التكبير كان واجبا. وليت شعري كيف غفل الاصحاب عن التمسك بهذه الصحيحة في المقام مع وضوح دلالتها واستنادهم إليها في كثير من المقامات متعرضين للاشكال المزبور ودفعه بما ذكر. (1): - هذه هي الجهة الثانية من الكلام، وقد اختار (قده) جواز وصل التكبيرة بما سبقها من الدعاء ونحوه بحذف الهمزة من (الله) حينئذ، وان ذكر (قده) ان الاحوط هو عدم الوصل، والمشهور هو عدم الجواز. واستدل لهم كما في الذكرى - بما يتألف من مقدمتين: احد اهما ان المعهود المنقول من صاحب الشرع هو قطع همزة (لله) وعدم وصلها بما تقدمها. الثانية انه لاكلام قبل تكبيرة الاحرام، فلو تكلفه واستلزم سقوط همزة الوصل لكونه من خواص الدرج بكلام متصل


= الاستغراب في غير محله. بل ينبغي الاستغراب من الاستدلال بها في سائر المقامات فلاحظ

[ 119 ]

فقد تكلف ما لا يحتاج إليه فيخرج اللفظ عن اصله المعهود شرعا. وفي كلتا المقدمتين ما لا يخفى، اما الاولى: فلعدم الدليل على تخصيص الصادر من صاحب الشرع بذلك. نعم المنقول عنه (صلى الله عليه وآله) ذلك، إلا انه لم ينقل عدم صدور غيره منه ومجرد ذلك لا يكون دليلا على العدم، فلعله صدر ولم ينقل الينا. فدعوى ان النبي صلى الله عليه وآله لم يأت بها إلا مقطوعة عن الكلام السابق لا شاهد عليها - كما صرح به في الجواهر. واما الثانية: فان أريد من الكلام المنفي وجوده قبل تكبيرة الاحرام الكلام الواجب فهو صحيح، إلا ان من المعلوم ان السقوط من خواص الدرج بكلام متصل واجبا كان أم لا، وان اريد النفي بقول مطلق حتى المستحب منه أو المباح فهو مقطوع العدم، كيف والتكبيرة هي التحريم، فلا يحرم الكلام إلا بعدها لا قبلها، وقد ثبت استحباب جملة من الادعية قبلها ولا اقل من تكبيرات الافتتاح الست فمن الجائز ان يوصل التكبيرة السادسة بالتكبيرة السابعة التي بها تفتتح الصلاة المستلزم لسقوط همزة الوصل حينئذ الذي هو من شؤون الدرج بكلام متصل. ومن هنا قد يقوى في النظر - بعد عدم قيام دليل على المنع - جواز الوصل كما اختاره في المتن استنادا إلى أصالة البراءة عن مانعيته بناءا على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في الاقل والاكثر الارتباطيين، وقد اشرنا إلى ان هذا الباب وباب الدوران بين التعيين والتخيير من واد واحد، بل احد هما عين الآخر، والاختلاف في مجرد التعبير. فلا وجه للتكليف بالرجوع إلى البراءة في الاول

[ 120 ]

[ كما ان الاقوى جواز وصلها بما بعدها (1) من الاستعاذة أو البسملة أو غير هما، ويجب حينئذ اعراب (راء اكبر) لكن الاحوط عدم الوصل. ] والاشتغال في الثاني. هذا ولكن الحكم بالجواز مشكل جدا لامكان الاستدلال على المنع بصحيحة حماد المتقدمة حيث ذكر فيها صورة التكبيرة منفصلة عن اي شئ قبلها، ثم قال (ع) في ذيلها: يا حماد هكذا صل، والامر ظاهر في الوجوب التعييني، فجواز الوصل يحتاج إلى الدليل، وبدونه يتعين العمل بظاهر الامر، فلا تصل النوبة إلى الرجوع إلى الاصل العملي المزبور. وكيف كان فعدم جواز الوصل ووجوب قطع الهمزة ان لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. (1): - هذه هي الجهة الثالثة من الكلام: فنقول إذا بنينا على جواز الوصل بالسكون فلا ينبغي الاشكال حينئذ في جواز وصل التكبيرة بما بعدها لحصول المحافظة على هيئتها من دون اي تغيير، وأما إذا بنينا على عدم الجواز فالظاهر أيضا جواز الوصل مع اعراب راء (اكبر) - كي لا يلزم الوصل بالسكون - إذا لادليل على وجوب الوقف على (اكبر) بل مقتضى اطلاق صحيحة حماد عدمه سيما وقد تعرض فيها للوقف والتنفس بعد الفراغ عن التوحيد قبل الشروع في تكبيرة الركوع بقوله: " ثم قرا الحمد بترتيل وقل هو الله أحد، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم، ثم قال الله

[ 121 ]

اكبر. الخ " مع ان الصبر والتنفس هنا غير واجب قطعا، فلو كان الوقف في تكبيرة الاحرام واجبا كان ذكره اولى والتعرض له احرى كما لا يخفى. وكيف كان: فاطلاق الصحيحة رافع لاحتمال الوجوب فان هذه الصحيحة وغيرها من الروايات الواردة لبيان كيفية الصلاة إنما تتكفل ببيان الاجزاء بموادها. واما اعراب الكلمات من الوقف والحركات فهو محول إلى قانون اللغة والقواعد العربية، والاصول المقررة لذلك. ومن هنا لانجد في شئ من تلك الاخبار تعرضا لذلك. وعليه فإذا احتملنا لزوم مراعاة شئ على خلاف ما تقتضيه تلك القواعد كوجوب الوقف في المقام وعدم وصل التكبيرة بما بعدها جاز التمسك في دفعه باطلاقها. ولا ينافي ذلك ما تقدم منا من عدم جواز وصل التكبيرة بما قبلها استنادا إلى صحبحة حماد، لان ذلك كان مستلزما لتغيير مادة اللفظ همزة (الله) في الدرج، وقد عرفت ان ظاهر الصحيحة الامر بهذه الهيئة بمادتها، واما في المقام فالتغيير راجع إلى الاعراب، والصحيحة كغيرها من ساير الاخبار غير ناظرة إليه كما عرفت. هذا ومع الاغماض عن اطلاق الصحيحة فلا مانع من الرجوع إلى اصالة البراءة عن مانعية الوصل بما بعدها على المختار من جواز الرجوع إليها في الاقل والاكثر الارتباطيين، وفي الدوران بين التعيين والتخيير، وقد اشرنا غير مرة إلى اتحاد المسألتين وعدم المجال للتفكيك بينهما.

[ 122 ]

[ ويجب اخراج حروفها عن مخارجها (1) والموالاة بينها، وبين الكلمتين. (مسألة 1): لو قال الله تعالى اكبر لم يصح، ولو قال الله اكبر من أن يوصف (2)، أو (من كل شئ) فالاحوط الاتمام والاعادة، وان كان الاقوى الصحة إذا لم يكن بقصد التشريع. ] (1): - كي لا تتغير الكلمة عما هي عليه القادح في الصحة للزوم الاتيان بها لا بشئ غيرها، كما لاريب في لزوم الموالاة بين حروفها كلزومها بين الكلمتين تحفظا على الهيئة الكلامية اللازم مراعاتها وإلا خرجت التكبيرة عن كونها كذلك (2): - اما عدم صحة الاول المستلزم لتغيير هيئة التكبيرة عن كيفيتها المتعارفة فقد سبق الكلام فيه مستقصى وعلم وجهه مما مر واما الثاني فالظاهر أيضا عدم الجواز، فانه وان لم يستلزم تغييرا في الهيئة لكونه زيادة لاحقة لكنها مغيرة للمعنى فلا تجوز، فان قوله الله اكبر من أن يوصف لا يدل على اختصاص الاكبرية من ذلك به تعالى ونفيها عن غيره فلعل هناك موجودا كالنبي الاكرم صلى الله عليه وآله أو ملك مقرب هو أيضا اكبر من أن يوصف، كما ان قوله الله اكبر من كل شئ لا يدل على انه تعالى غير محدود بحد وغير قابل للوصف بل غايته ان كل موجود في الخارج فالله سبحانه اكبر منه، واما انه تعالى اكبر من أن يوصف وأجل من أن يحدد بحد فلا دلالة

[ 123 ]

[ (مسألة 2): - لو قال الله اكبار باشباع فتحة الباء حتى تولد الالف بطل (1) كما انه لو شدد راء اكبر بطل أيضا. (مسألة 3): - الاحوط تفخيم اللام من الله والراء من اكبر ولكن الاقوى الصحة مع تركه ايضا (2). (مسألة 4): - يجب فيها القيام والاستقرار فلو ترك احدهما بطل (3) عمدا كان أو سهوا. للكلام عليه. وهذا بخلاف قولنا الله اكبر مرسلا عن كل قيد فانه يدل على الاكبرية المطلقة الشاملة لجميع تلك المعاني، بل وغيرها كما لا يخفى، فيكون المعنى اشمل، والمفهوم اوسع واكمل، فلا يجوز تغييره بالتقييدين الموجبين للتضييق. (1): - للزوم زيادة الحرف الموجبة لتغيير الصورة، بل خروج الكلمة عن حقيقتها. ومنه يظهر الحال في تشديد راء اكبر. (2): - فان ذلك من قواعد التجويد غير اللازم مراعاتها بعد عدم خروج الكلمة بالاخلال بها عن كونها عربية، فان تلك القواعد من محسنات الكلام لامن مقوماته. (3): - ذكر (قده) انه يعتبر في التكبيرة القيام والاستقرار بل هما ركنان فيها بمعنى انه لو ترك أحدهما عمدا أو سهوا بطل. اما القيام: - فلا اشكال كما لا خلاف في اعتباره فيها، وتشهد له جملة من النصوص الواردة، إما في خصوص التكبيرة كصحيحة

[ 124 ]

حماد قال فيها: (فقام أبو عبد الله (ع) مستقبل القبلة منتصبا إلى ان قال فقال: الله اكبر. الخ) بضميمة قوله في الذيل يا حماد هكذا صل، الظاهر في الوجوب التعييني، أو في حال الصلاة التي منها التكبيرة التي هي افتتاحها واول جزء منها وهي كثيرة، كصحيح زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث: وقم منتصبا فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له (1)، وصحيح ابي حمزة عن ابي جعفر (ع) في قول الله عزوجل: الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم. قال الصحيح يصلي قائما. الخ (2)، وصحيح ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له (3)، ونحوها غيرها. ثم ان مقتضى اطلاق هذه النصوص اعتبار القيام والانتصاب في التكبيرة مطلقا، لكن المحكي عن الشيخ في المبسوط والخلاف عدم اعتباره في المأموم قال إذا كبر المأموم تكبيرة واحدة للافتتاح والركوع وأتى ببعض التكبير منحنيا صحت صلاته، واستدل عليه بأن الاصحاب حكموا بصحة هذا التكبير وانعقاد الصلاة به، ولم يفصلوا بين ان يكبر قائما أو يأتي به منحنيا، فمن ادعى البطلان احتاج إلى دليل. وفيه ما لا يخفى، إذ يكفي في الدليل اطلاق النصوص المتقدمة


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القيام ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 1. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب القيام ح 2

[ 125 ]

كما عرفت. وحكم الاصحاب بالصحة مسوق لبيان الاجتزاء بالتكبيرة المزبورة عن التكبيرتين وسنتعرض لهذا الحكم في محله ان شاء الله تعالى وليسوا بصدد بيان الصحة على الاطلاق حتى مع الاخلال بساير الشرائط المعتبرة في التكبيرة من القيام ونحوه، فان بيان ذلك موكول إلى محله وقد تعرضوا له فلا اطلاق لكلامهم في المقام من هذه الجهة قطعا. على انه يكفي في الحكم بالبطلان الصحيحة الواردة في خصوص المقام وهي صحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال في الرجل إذا ادرك الامام وهو راكع وكبر الرجل وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل ان يرفع الامام رأسه فقد أدرك الركعة (1) فان بعض المذكور في القضية الشرطية وان كان من قبيل القيود المسوقة لبيان تحقق الموضوع التي لا مفهوم لها كادراك الامام في ركوعه، وكذا تكبير الرجل، إذ مع انتفاء الاول لا موضوع لادراك الركعة كما انه مع انتفاء الثاني لا موضوع للصلاة إلا ان البعض الآخر ليس من هذا القبيل كقوله وهو مقيم صلبه - الذي هو محل الاستشهاد - وقوله ثم ركع فان من يكبر قد يقيم وقد لا يقيم، كما انه قد يركع وقد لا يركع. وقد ذكرنا في الاصول في بحث المفاهيم ان الجملة الشرطية إذا اشتملت على قيدين احدهما مسوق لبيان تحقق الموضوع والآخر لغيره كان للقضية مفهوم باعتبار الثاني وان لم يكن له باعتبار الاول، كما في قولك ان ركب الامير وكان ركوبه يوم الجمعة فخذ بركاية، فيدل على عدم وجوب الاخذ بالركاب لو كان


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ج 1 .

[ 126 ]

الركو ب في غير يوم الجمعة وان لم يدل على عدم الوجوب مع عدم الركوب اصلا، لانتفاء الموضوع حينئذ، كما في قولك ان رزقت ولدا فأختنه. وعليه فالصحيحة وان لم يكن لها مفهوم باعتبار فقد احد القيدين الاولين المسوقين لبيان تحقق الموضوع، لكنه ينعقد لها المفهوم باعتبار القيدين الآخرين، فتدل بالمفهوم على ان من كبر ولم يقم صلبه وركع قبل ان يرفع الامام رأسه فهو غير مدرك للركعة المساوق لبطلان الصلاة. وتؤيدها رواية ابي اسامة يعني زيد الشحام انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل انتهى في الامام وهو راكع، قال إذا كبر وأقام صلبه ثم ركع فقد ادرك (1) والتقريب ما مر لكن سندها مخدوش، فان أبا اسامة وان كان موثقا لتصريح الشيخ بتوثيقه على انه واقع في اسانيد كامل الزيارات (2)، مع ان العلامة ذكر في شأنه عين العبارة التي ذكرها النجاشي بزيادة قوله ثقة عين وهو مشعر باخذ العبارة منه، ولعل نسخة النجاشئ الموجودة عنده كانت مشتملة على الزيادة، فيكون قد وثقه النجاشي أيضا، وان كانت النسخة الواصلة الينا الدارجة اليوم خالية عنها. إلا أن طريق الشيخ إلى الرجل فيه ضعف لاشتماله على أبي جميلة مفضل بن صالح ولم يوثق، فالرواية ضعيفة السند. ومن هنا ذكرناها بعنوان التأييد. فتحصل: أن الاقوى اعتبار القيام في التكبيرة مطلقا من غير فرق


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب صلاة الجماعة ح 3. (2) لا اثر له لعدم كونه من المشايخ بلا واسطة

[ 127 ]

بين المأموم وغيره وهل يختص اعتباره بحال الذكر أو يعم النسيان فتعد من الاركان فلو تركه عمدا أو سهوا بطلت صلاته؟ مقتضى اطلاق حديث لا تعاد الحاكم على الادلة الاولية هو الاول لعدم كونه من الخمسة المستثناة، فيندرج تحت اطلاق المستثنى منه، فان الاخلال بنفس التكبيرة - نقصا - وإن لم يكن مشمولا للحديث لعدم الدخول بعد في الصلاة التي افتتاحها التكبيرة، وللها من اجله لم تذكر في عقد الاستثناء مع مسلمية البطلان بتركها سهوا نصا وفتوى كما تقدم، لكن الاخلال بالقيام مع الاتيان بذات التكبيرة غير مانع عن شمول الحديث، لصدق الشروع والافتتاح والتلبس بالصلاة بمجرد حصول التكبيرة وان كانت فاقدة لشرطها كما لا يخفى، فلو كان هناك اخلال فهو من ناحية القيام لا تكبيرة فيشمله الحديث. إلا ان صريح موثقة عمار هو الثاني، اعني بطلان الصلاة بنسيان القيام قال عليه السلام فيها: " وكذلك إن وجبت عليه الصلاة من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة وهو قاعد فعليه أن يقطع صلاته ويقوم فيفتتح الصلاة وهو قائم ولا يقتدى (ولا يعتد) بافتتاحه وهو قاعد (1). فلا مناص من تخصيص الحديث بها لكونها اخص منه مطلقا. واما الاستقرار: بمعنى الطمأنينة والسكون في قبال الاضطراب والحركة فلم يرد على اعتباره في التكبيرة نص بالخصوص، وإنما استدل له في المقام بما دل على اعتباره في الصلاة بعد كون التكبيرة منها وجزءا لها. وقد استدل له بعد الاجماع المحقق بعدة من الروايات.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب القيام ح 1.

[ 128 ]

منها: رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال في الرجل يصلي في موضع ثم يريد أن يتقدم، قال: يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم إلى الموضع الذي يريد ثم يقرأ (1) فان التكبيرة حالها حال القراءة من هذه الجهة كما لا يخفى. وهذه الرواية: وان كانت معتبرة سندا فان السكوني موثق وكذا النوفلي الرواي عنه، لوقوعه في اسانيد تفسير القمي، لكنها قاصرة الدلالة، إذ بعد تسليم شمول القراءة للتكبيرة واتحادها معها في هذا الحكم ليست الرواية مما نحن فيه لكونها ناظرة إلى اعتبار الاستقرار في مقابل المشي لافي مقابل الطمأنينة والاضطراب مع كونه واقفا الذي هو محل الكلام ومنها: رواية سليمان بن صالح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يقيم احدكم الصلاة وهو ماش ولا راكب ولا مضطجع إلا ان يكون مريضا، وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة فانه إذا اخذ في الاناة فهو في الصلاة (2) بناءا على ان المراد من التمكن الاستقرار والاطمئنان، كما لعله الظاهر. وهي وان صح سندها بالرغم من اشتماله على صالح بن عقبه وقد ضعفه ابن الغضائري إذ لا عبرة بتضعيفه لعدم الاعتماد على كتابه فلا يعارض به التوثيق المستفاد من وقوعه في اسناد تفسير القمي وكامل الزيارت، لكنها قاصرة الدلالة، لانه ان اريد من التشبيه المماثلة في كيفية الاستقرار فلا تعرض فيها لحكمه وان اريد التشبيه من حيث الحكم فقد سبق في مبحث الاقامة عدم اعتبار الاستقرار


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب الاذان والاقامة ح 12 .

[ 129 ]

وفيها وانما هو مستحب إذا، فلا تدل على الوجوب في الصلاة، بل غايته المساواة في اعتبار الرجحان واصل المطلوبية. ومنها: ما رواه الصدوق باسناده عن هارون بن حمزة الغنوى انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في السفينة، فقال: إن كانت محملة ثقيلة إذا قمت فيها لم تتحرك فصل قائما، وان كانت خفيفة تكفأ فصل قاعدا (1) فقد دلت على اعتبار الاستقرار على نحو يتقدم على القيام لو اوجب الاخلال به فيصلي قاعدا. ويمكن الخدش في السند بأن في طريق الصدوق إلى هارون بن حمزة (يزيد بن اسحاق شعر) ولم يوثق كما صرح به الاردبيلي، نعم صحح الطريق في الخلاصة بناءا على مسلكه من العمل برواية كل امامى لم يرد فيه قدح. هذا ولكن الرجل واقع في اسانيد كامل الزيارات (2) فالرواية معتبرة، ولا ينبغي النقاش في سندها. لكنها قاصرة الدلالة لعدم كون التفصيل ناظرا إلى استقرار المصلي وعدمه، بل إلى استقرار السفينة واضطرابها لخفتها، وانها لو كانت خفيفة بحيث تكفأ لو قام المصلي في صلانه سقط القيام حينئذ وصلى قاعدا مخافة الوقوع في البحر لكونه مظنة الضرر. فقوله تكفأ اقوى شاهد على اضطراب السفينة الموجب لسقوط القيام لكونه في معرض التلف والغرق دون اضطراب المصلي من حيث هو مع الامن من القيام الذي هو محل الكلام. فهذه الروايات: لا يمكن الاستدلال بشئ منها على اعتبار


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب القيام ح 2. (2) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا يشمله التوثيق

[ 130 ]

[ (مسألة 5): يعتبر في صدق التلفظ بها بل وبغيرها من الاذكار (1) والادعية والقرآن، ان يكون بحيث يسمع نفسه تحقيقا أو تقديرا، فلو تكلم بدون ذلك لم يصح، ] الاستقرار في الصلاة كي يثبت في التكبيرة التي هي جزء منها. نعم لو ثبت ما قد يدعى من اعتبار الاستقرار في مفهوم القيام الواجب حال التكبيرة نصا وفتوى كما تقدم كان الدليل عليه دليلا عليه، لكنه غير ثابت قطعا، فان القيام لم يؤخذ في مفهومه إلا انتصاب الظهر في الجملة في مقابل الانحناء والهيئات الاخرى من الركوع والسجود والاضطجاع والقعود، واما الحركة والسكون فخارجتان عن المفهوم، فقد يكون القائم متحركا وقد يكون قارا. فليس في البين ما يعتمد عليه في اعتبار الاستقرار في الصلاة الشاملة للتكبيرة الا الاجماع المحقق والتسالم بين الاصحاب قديما وحديثا وحيث انه دليل لي فلابد من الاقتصار على القدر المتيقن وهي صورة العمد، فلا دليل على البطلان في صورة النسيان، بل مقتضى اطلاق حديث لا تعاد هي الصحة. فدعوى ركنيته كما في المتن تبعا للشهيد وانه تبطل الصلاة بالاخلال به حال التكبيرة عمدا وسهوا لا يمكن المساعدة عليها. نعم تصح؟ الدعوى بالنسبة إلى القيام حالها كما عرفت. (1): - المشهور بين الاصحاب اعتبار سماع النفس تحقيقا أو تقديرا في صدق التلفظ بالتكبيرة وغيرها من الاذكار، والادعية، والقرآن، فلو كان دون ذلك لم يصح وقد يستدل له - كما في

[ 131 ]

المعتبر والمنتهى - بدخل ذلك في تحقق الكلام فما لا يسمع لا يعد كلاما ولاقراءة وفيه ما لا يخفى، لمنع الدخل فلا يتوقف صدق الكلام على الاسماع ولذا لو تكلم بمثل ذلك - بكلام آدمي - اثناء صلاته بطلت، ولا نظن تجويز مثل ذلك حتى من المستدل. فالعمدة: إذا الروايات الواردة في المقام التي منها موثقة سماعة قال سألته عن قول الله عزوجل: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " قال المخافتة ما دون سمعك، والجهر أن ترفع صوتك شديدا (1)، فكأنه استصعب سماعة فهم المراد من الآية الشريفة حيث ان الجهر والاخفات من الضديق اللذين لا ثالث لهما، فكيف نهى سبحانه عنهما وامر باتخاذ الوسط بينهما بقوله تعالى: " وابتغ بين ذلك سبيلا " فأجاب عليه السلام بان الخفت الممنوع ما كان دون السمع والجهر كذلك ما تضمن الصوت الشديد، وما بينهما هو الوسط المأمور به الذي ينقسم ايضا إلى الجهر والاخفات حسب اختلاف الصلوات كما فصل في الروايات. ويؤيدها روايات اخرى بهذا العنوان لاتخفى على المراجع، فلا اشكال في الحكم وانه لابد في الامتثال من التكلم بهذه الامور على نحو يسمع نفسه (2) إما تحقيقا أو تقديرا كما في الاصم - لعارض - أو كان هناك مانع عن سماع الصوت.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب القراءة في الصلاة ح 2. (2) ما ذكره - دام ظله - في المقام هو المطابق لما سيجئ في مبحث القراءة مسألة (27) ولما اورده في منهاجه مسألة (620) ولكنه مخالف لما جاء في تعليقته الشريفة على المقام فلاحظ

[ 132 ]

[ (مسألة 6): من لم يعرفها يجب عليه ان يتعلم (1). ولا يجوز له الدخول في الصلاة قبل التعلم (2) ] (1): - مراده (قده) من عدم المعرفة بقرينة ذكر الملحون وغير القادر فيما بعد من لم يعرفها صحيحة سواء لم يعرفها اصلا، أو لم يعرف الصحيح منها. ثم ان الوجوب في المقام ليس غيريا شرعيا مقدمة لوجود الصحيح ولا علميا عقليا مقدمة لاحراز الامتثال الواجب بحكم العقل، بل هو من صفريات وجوب تعلم الاحكام المردد بين كونه واجبا نفسيا أو طريقيا أو غير هما، وقد وردت فيه النصوص من قوله (ع): هلا تعلمت ومن آية الذكر وغيرهما حسبما تعرضننا له في الاصول في خاتمة البراءة مستقصى، فان الكبرى المبحوث عنها هناك اعم من تعلم نفس الاحكام أو موضوعاتها المتلقاة من قبل الشارع التي عهدة بيانها عليه، ولابد من الرجوع إليه في معرفتها وكيفياتها كما في المقام في قبال الموضاعات العرفية الموكول معرفتها إلى العرف. ومما ذكرنا: يظهر ان وجوب التعلم في المقام وغيره ثابت حتى قبل دخول الوقت لعدم كونه وجوبا غيريا ترشحيا حتى يتوقف على نعلية وجوب ذي المقدمة كما عرفت، فان تعلم الاحكام بموضوعاتها المستنبطة واجب على الجاهل مطلقا اما نفسا أو طريقا كيلا تفوته الواقعيات في ظرفها المقرر لها. (2): - لا بمعنى مجرد عدم الصحة وضعا، أو عدم الاجتزاء به عقلا من اجل عدم احراز اداء المأمور به بل بمعنى عدم جوازه

[ 133 ]

[ إلا إذا ضاق الوقت فيأتي بها ملحونة (1). ] شرعا - زائدا على ذلك - لكونه من التشريع المحرم، لاحتمال عدم كون الصادر منه تكبيرة، أو انها تكون ملحونة فانه على التقديرين لم يتعلق به الامر وليس من اجزاء الصلاة، فافتتاح الصلاة والدخول فيها بذلك المساوق للاتيان به بعنوان الجزئية وبقصد الامر تشريح محرم. (1): - بلا خلاف، ويكفينا في ذلك اطلاقات الامر بالتكبير مثل قوله عليه السلام: تحريمها التكبير فانه يشمل الصحيح والملحون والتقييد بالاول على صورة (الله اكبر) إنما كان من اجل الانصراف إلى المتعارف، أو لفعل الامام (ع) والامر به كذلك كما في صحيحة حماد على ما تقدم ولا ريب ان كلا منهما خاص بحال الاختيار، فيبقى الاطلاق في صورة العجز والاضطرار - كما في المقام حيث لا يتمكن من تعلم الصحيح لضيق الوقت على حاله بعد صدق عنوان التكبير على كل من الصحيح والغلط. هذا مضافا إلى فحوى موثقة السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: " تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه " (1) فان الاكتفاء بتحريك اللسان والاشارة بالاصبع يستدعي الاجتزاء بالقراءة الملحونة، وكذا التكبير الملحون بطريق اولى. وموثقة مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمد (ع)


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1

[ 134 ]

يقول: " انك قد ترى من المحرم من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم والمحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح " (1). فانها كما ترى ظاهرة الدلالة على المطلوب حيث دلت على أن الذي يراد من المحرم - وهو الاعرابي - (2) وكذا العجم ويحسب له هو العمل الناقص حسبما يدركه ويستطيعه كما في الاخرس، وهذا شئ لا يساوي مع الذى يراد من العالم الفصيح من العمل الكامل الصحيح ومثل هذا التعبير شايع في العرف، فيقال لايراد من زيد ما يراد من عمرو يعنون به ان المطلوب منه هو العمل الناقص لكونه دون عمرو في الشأن والدرك. فلا يورد على الرواية بعدم دلالتها على الاجتزاء بالناقص، بل غايتها عدم وجوب التام. هذا مع ان دعوى القطع بان من لا يستطيع على اداء الصحيح وظيفته هو التلفظ بالملحون غير مجازفة ضرورة ان مثل هذا كمن في لسانه آفة لا يتمكن من اداء الحروف عن مخارجها فيبدل بعضها ببعض كتبديل الراء بالياء ونحوه موجود في كل عصر، ولم يرد في شئ من الاخبار التعرض لبيان وظيفتهم الخاصة من حيث جعل البدل كالترجمة ونجوها، أو سقوط التكليف عنهم فيعلم من ذلك ايكال الامر إلى الوضوح وان وظيفتهم هوما يستطيعون. فتحصل: ان مقتضى الوجوه الاربعة المتقدمة وهي الاطلاقات


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب القراءة في الصلاة ح 2. (2) اعرابي محرم: جاف لم يخالط الحضر، كذا في المنجدو الاقرب

[ 135 ]

والروايتان والعلم الخارجي هو وجوب الاتيان بالملحون والاجتزاء به مضافا إلى موثقة اخرى للسكوني عن ابي عبد الله (ع) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن الرجل الاعجمي من أمتى ليقرء القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيته (1)، بعد القطع بعدهم خصوصية للقرآن فيعم التكبيرة وغيرها. وأما الاستدلال عليه بما ورد من انه كلما غلب الله فهو أولى بالعذر، وانه ما من شئ حرم الله تعالى إلا وقد أحله لمن اضطر إليه فساقط، إذ غاية ما يستفاد منها سقوط الوجوب عن التام الذي يستقل به العقل من أجل قبح التكليف بما لا يطاق من دون حاجة إلى الاستناد بهذه الاخبار، لا اثبات وجوب الناقص الذي هو محل الكلام. كما ان الاستدلال بحديث: " لا يترك الميسور بالمعسور " وبما ورد من ان سين بلال شين عند الله أيضا ساقط لضعف سند الحديث فلا اساس لهذه القاعدة كما تعرضنا له في الاصول. واما الرواية فلم تنقل بطرقنا ولذا لم يذكرها في الوسائل وإن ذكرت في المستدرك وانما هي مذكورة في كتب العامة ومروية بطرقهم فلا يعتمد عليها. ثم ان صاحب الجواهر (قده) استدل في المقام بفحوى ما ورد في الالثغ والالتغ، والفأفاء، والتمتام، مع انا لم نجد رواية وردت في هؤلاء، وهو (قده) ايضا استند في الحكم لهم - في مبحث القراءة - بقاعدة الميسور ولم يتعرض لرواية خاصة.


الوسائل: باب 30 من أبواب قراءة القرآن ح 4

[ 136 ]

[ وإن لم يقدر فترجمتها من غير العربية (1)، ] (1): - قال في المدارك هذا مذهب علمائنا وأكثر العامة، ثم حكى عن بعضهم سقوط التكبير حينئذ، واحتمله هو (قده) عملا بأصالة البراءة لعدم الدليل على وجوب الترجمة بعد سقوط التكبيرة بالعجز. وكيف كان فان كان هناك اجماع تعبدي يصلح للاستناد إليه، والا فلابد من اقامة الدليل. وعن شيخنا المرتضى (قده) الاستدلال له باطلاق الامر بالتكبير في مثل قوله (ع) تحريمها التكبير، بدعوى ان المراد به مطلق الثناء على الله تعالى بصفة الكبرياء، والتقييد بالصورة الخاصة العربية إنما هو من اجل الانصراف إلى المعهود والمتعارف، أو غيره من ساير الادلة الخارجية وكلها قاصرة عن افادته إلا للقادر، فيبقى العاجز مشمولا للاطلاق (وفيه) ما لا يخفى. فان الظاهران التكبيرة المأمور بها من المصادر الجعلية كما في الحوقلة والحيعلة فلا يراد بها إلا التلفظ بالعبارة المخصوصة على النحو المتعارف العربي وان كان ذلك مطلقا من حيث الصحيح والملحون كما مر فلا يعم الترجمة اصلا، لعدم صدق التكبيرة عليها بوجه. وبعبارة اخرى: دعوى الاطلاق على وجه يشمل الترجمة تتوقف على تمامية مقدماته التي منها كون المتكلم في مقام البيان حتى من ناحية اللفظ الذي يعبر به عن تكبير الله وثنائه حتى يشمل الترجمة بمقتضى الاطلاق بعد عدم التقييد بالعربية وليس كذلك، بل التكبير فيها منصرف إلى المعهود المتعارف غير الصادق على الترجمة بوجه.

[ 137 ]

[ ولا يلزم أن يكون بلغته (1)، وإن كان احوط، ولا يجزى عن الترجمة غيرها من الاذكار والادعية وان كانت بالعربية، وان امكن له النطق بها بتلقين الغير حرفا فحرنا قدم على الملحون والترجمة. ] نعم: يصح الاستدلال لذلك بما كان عاريا عن لفظ التكبير كما ورد في ذيل موثقة عمار المتقدمة سابقا من قوله (ع) " ولا صلاة بغير الافتتاح " (1) فانها دلت على لزوم الافتتاح من غير تقييد بالتكبيرة فيعم الترجمة بعد وضوح صدقه عليها. وبالجملة: المستفاد من هذه الموثقة بعد ضمها إلى أدلة التكبير ان الواجب هو الافتتاح بالتكبيرة مع القدرة عليها، واما مع العجز فلابد من الافتتاح بشئ، ولا يشرع الدخول في القراءة والركوع ابتداء كما هو مورد الموثقة، وحيث لا شئ اقرب إلى التكبيرة من الترجمة فتتعين، فيقول مثلا: (خدا بزرگتر است) إن كان التكبير متضمنا لتفضيل وإلا فيقول (خدا بزرگ است). (1): - لعدم الدليل على التعيين فيرجع إلى اطلاق لاصلاة بغير افتتاح الشامل لمطلق الترجمة كما مر، ومع الغض فيرجع إلى اصالة البراءة عن التقييد بلغة خاصة بناءا على المختار من الرجوع إليها في الاقل والاكثر الارتباطي. وقد يقال: بعد انكار اطلاق يرجع إليه في بدلية الترجمة ان المقام من الدوران بين التعيين والتخيير. وفي مثله يرجع إلى الاشتغال


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 7 .

[ 138 ]

[ (مسألة 7): الاخرس يأتي بها على قدر الامكان ] ويعمل على التعيين. قلت: قد عرفت وجود الاطلاق، واما كون المقام من الدوران المزبور فقد مر قريبا انه بعينه هو الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطي، ولا فرق بينه وبين التعيين والتخيير إلا في مجرد التعبير وتغيير اللفظ، فان التخيير هو الاقل وكلاهما هو الجامع المتيقن في البين، والخصوصية الزائدة المشكوكة المدفوعة باصالة البراءة هي التي يعبر عنها بالتعيين تارة وبالاكثر اخرى، فلا وجه للتفكيك بين المسألتين بالرجوع إلى البراءة في الاولى والاشتغال في الثانية. هذا وقد يقال بلزوم مراعاة الترتيب بين اللغات فيكبر اولا بالعربية، وإلا فبالسريانية، وإلا فبالفارسية، فان الاول لغة القرآن الكريم، والثاني لغة اغلب الكتب السماوية، والثالث لغة كتاب المجوس. وكان على هذا القائل اضافة العبرانية ايضا فانها لغة توراة موسى (ع) مع ان كتاب نبي المجوس لم يكن باللغة الفارسية الدارجة اليوم، وإنما كان بلغة الفرس القديمة التي لايعرف الفارسي منها اليوم ولا كلمة واحدة. وكيف كان فمثل هذه الوجوه الاعتبارية الاستحسانية لا تصلح لان تكون مدركا لحكم شرعي كما لا يخفى. وقد نحصل من جميع ما مرانه لذى العجز عن التكبيرة ينتقل إلى الترجمة بأي لغة كانت ولا تجزي غيرها من الاذكار والادعية وان كانت بالعربية، لان الترجمة اقرب إلى التكبيرة الواجهة من غيرها بعد تعذرها

[ 139 ]

[ وان عجز عن النطق اصلا اخطرها بقلبه واشار إليها مع تحريك لسانه إن امكنه (1). ] (1): - المستند فيما ذكره (قده) في وظيفة الاخرس العاجز عن النطق رأسا من الاخطار بالقلب والاشارة إلى التكبيرة وتحريك اللسان هي موثقة السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته بأصبعه " (1) بعد القطع بعدم الاختصاص بالمذكورات في الخبر " بل المراد عامة الاقوال الواجبة عليه فيشمل التكبير، لكن الموثقة لم تتضمن الاخطار بالقلب، كما ان الاشارة قيدت فيها بالاصبح فيختلف مع ما في المتن الذي هو المشهور من ناحيتين لكنه لا يقدح. اما عدم التعرض للاخطار الذي هو بمعنى الالتفات نحو العمل وتصورة والتوجه إليه فلو ضوح اعتباره المغني عن التعرض له بداهة ان الصلاة حالها كساير الافعال الاختيارية باضافة قصد التقرب، فكما ان كل فاعل مختار يتوجه إلى ما يصدر مه من الافعال الاختيارية كالاكل والشرب ومنها الصلاة ويتصور ويلتفت إليه ولو بالتفات اجمالي ارتكازي حين صدور العمل، وإلا فمع الغفلة والذهول لا يكون اختياريا فلا يقع عبادة في مثل الصلاة ونحوها، فكذا الاخرس إذ هو لا يشذ عن غيره من هذه الجهة. (وبعبارة أخرى): الالتفات إلى اصل العمل المعبر عنه بالاخطار بالقلب امر يشترك فيه الاخرس وغيره ولا ميز بينهما في هذه المرحلة


(1) الوسائل: باب 59 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1

[ 140 ]

[ (مسألة 8): حكم التكبيرات المندوبة فيما ذكر حكم تكبيرة الاحرام حتى في إشارة الاخرس. ] لوضوح قدرته عليه كغيره. ومن هنا أهمل ذكره في الخبر، وانما يفترقان في مرحلة التلفظ والنطق حيث ان الاخرس عاجز عن اداء العبادات القولية باللفظ، والموثقة إنما هي في مقام تعيين الوظيفة في هذه المرحلة فجعلت تحريك اللسان والاشارة بدلا عن النطق. فما ذكره في المتن تبعا للمشهور من الاخطار بالقلب بيانا لتمام ما هي وظيفته الفعلية هو الصحيح وان كانت الموثقة خالية عنه لعدم كونها في مقام البيان إلا من الجهة التي يختص الاخرس بها لامن تمام الجهات كما عرفت. وأما تقييد الاشارة فيها بالاصبح فالظاهر انه لاجل غلبة الاشارة بها لا لتعينها عليه بالخصوص فهو منزل منزلة الغالب فلا دلالة فيه على عدم الاجتزاء بغيرها من اليد والرأس ونحو هما. فالظاهر عدم تعين الاصبع كما اطلق في المتن. نعم لاريب انها احوط جمودا على ظاهر اخذها في النص. هذا في المشير. واما المشار إليه فصريح المحقق في الشرايع انه يشير إلى معنى التكبير، ولكنه كما ترى ضرورة ان الواجب في الصلاة انما هو لفظ التكبيرة لا معناها فلا بد من الاشارة إليه بعد العجز عن النطق إذ ليس المأمور به المعنى المؤدى بهذا اللفظ قطعا بل نفسه سواء التفت إلى المعنى ام لا، وان كان الالتفات وحضور القلب افضل، فيعطي للفظ صورة ذهنية ويشير إلى تلك الصورة.

[ 141 ]

[ (مسألة 9): - إذا ترك التعلم في سعة الوقت حتى ضاق أثم (1) وصحت صلاته على الاقوى والاحوط القضاء بعد التعلم. ] (1): - اما الاثم فالوجه فيه ظاهر، فان الواجب على المكلف إنما هو طبيعي الصلاة الصحيحة المحدودة بين المبدء والمنتهى، وإنما شرع البدل الاضطراري من الصلاة المشتملة على التكبيرة الملحونة أو الترجمة بعد العجز في مجموع الوقت عن الصلاة الكاملة، فمع القدرة عليها فعلا بالتعلم يجب الاتيان بها تامة بتحصيل مقدمتها، فلا يجوز له التعجين الاختياري بترك التعلم كي ينتقل إلى البدل، إذ هو في طول المبدل منه ومترتب على العجز عنه. وليس المقام كالقصر والتمام اللذين يجوز للمكلف إخراج نفسه من موضوع أحدهما وادخاله في موضوع الآخر اختيارا، لان الواجبين هناك عرضيان ولا ترتب لاحدهما على العجز عن الآخر، وهنا طوليان لا ينتقل إلى البدل إلا بعد العجز عن المبدل منه بطبعه ومن قبل نفسه، بل المقام نظير الوضوء والتيمم حيث لا يجوز التعجين الاختياري عن الطهارة المائية باراقة الماء بعد دخول الوقت، لكون وظيفته الفعلية هو الوضوء بعد كونه واجدا للماء دون التيمم لان موضوعه الفقدان والعجز عنه في مجموع الوقت لا في كل آن، ولذا لو كان في السرداب وأراد الصلاة والماء في صحن الدار أو كان في مكان والماء قريب منه يستدعي تحصيله إلى المشئ إليه بمقدار دقيقة أو أكثر لا يسوغ له التيمم قطعا وان كان فاقدا فعلا في هذا الزمان

[ 142 ]

أو هذا المكان، وحيث ان الوجدان متحقق بالفعل فلا يجوز التعجين الاختياري باراقة الماء. بل لولا قيام الدليل على صحة التيمم والانتقال إلى البدل حينئذ كما سنشير إليه لقلنا بسقوط الصلاة عنه رأسا بعد التعجين المزبور وعقابه عليه لعدم شمول دليل بدلية التيمم لمثله، فانه وظيفة الفاقد في مجموع الوقت كما عرفت وهذا قد كان واجدا في بعض الوقت، وبسوء اختياره فوته على نفسه، فتسقط الصلاة عنه كما تسقط عن فاقد الطهورين، ولا قبح في عقابه بعد ان كان بسوء اختياره، فان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا. وعلى الجملة: فكما لا تجوز له اراقة الماء وتعجين نفسه عن الطهارة المائية، فكذا لا يجوز في المقام ترك التعلم المؤدي إلى العجز الاختياري عن الاتيان بالصلاة التامة، فلا حاجة في اثبات الاثم والعصيان إلى التشبث بتفويت الملاك ونحوه مما قيل في المقام. واما صحة الصلاة مع التكبيرة الملحونة أو ترجمتها - بعد كونه آثما بترك التعلم - فلما ثبت بالاجماع والنص من عدم سقوط الصلاة بحال، فان هذا التعبير بلفظه وإن لم يرد في شئ من النصوص لكن مضمونه ورد في ذيل صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة من قوله (ع): " ولا تدع الصلاة على حال " (1) بعد القطع بعدم خصوصية للمستحاضة في هذا الحكم، بل لكونها فردا من المكلفين. وعليه فالعاجز مكلف بالصلاة قطعا، وحيث ان الامر بالصلاة التامة ساقط لمكان التعذر فلا مناص من كونه مكلفا ببدلها مما اشتمل على التكبيرة الملحونة أو ترجمتها، فيجتزى بها وتصح من


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5

[ 143 ]

[ (مسألة 10): - يستحب الاتيان بست تكبيرات مضافا إلى تكبيرة الاحرام (1) فيكون المجموع سبعة، وتسمى بالتكبيرات الافتتاحية، ويجوز الاقتصار على الخمس، وعلى الثلاث، ولا يبعد التخيير في تعيين تكبيرة الاحرام في أيتها شاء، بل نية الاحرام بالجميع أيضا، لكن الاحوط اختيار الاخيرة. ] دون حاجة إلى القضاء لعدم تحقق موضوعه وهو الفوت بعد الاتيان بما تقتضيه الوظيفة الفعلية من البدل الاضطراري وان كان القضاء احوط كما في المتن، لاحتمال عدم شمول البدل الاضطراري للتعجين الاختياري. (1): - اما الاستحباب فلا اشكال فيه كما لا خلاف للنصوص الكثيرة الدالة على استحباب اضافة الستة أو الاربعة أو الاثنين كي يصير المجموع ثلاثة أو خمسة أو سبعة كما سنتعرض لها، وتسمعى بالتكبيرات الافتتاحية. إنما الكلام في تعيين تكبيرة الاحرام، فالمشهور انه مخير في التعيين فله التطبيق على أي منها شاء وقد اختاره في المتن وهو الاقوى كما ستعرف ان شاء الله تعالى. وذهب جمع منهم صاحب الحدائق مصرا عليه إلى تعيين الاولى، وذهب جماعة من القدماء إلى تعين الاخيرة، وحكي عن والد المجلسي (قدس سره) ان الافتتاح يقع بمجموع ما يختاره المكلف من

[ 144 ]

السبع أو الخمس أو الثلاث لا خصوص احداها عينا أو تخييرا. ومال إليه المحقق الهمداني (قده) لولا قيام الاجماع على الخلاف مدعيا ظهور الاخبار، بل صراحة بعضها في ذلك ومرجع هذا القول إلى التخيير في ايقاع الافتتاح بين الواحدة والثلاث والخمس والسبع الذي هو من التخيير بين الاقل والاكثر، وان ما يختاره في الخارج بتمامه مصداق للمأمور به وعدل للواجب التخييري، ولا بد من النظر في هذه الاخبار المدعى ظهورها في هذا القول وهي كثيرة. منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: الامام يجزيه تكبيرة واحدة، ويجزيك ثلاثا مترسلا إذا كنت وحدك (1) فانها ظاهرة في ايقاع الافتتاح بمجموع الثلاث، والتفصيل بين الامام والمأموم من جهة ان المطلوب من الامام مراعاة اضعف المأمومين كما صرح به في صحيحة معاوية بن عمار قال: إذا كنت اماما اجزأتك تكبيرة واحدة لان معك ذا الحاجة والضعيف والكبير (2). ومنها: صحيحة زرارة قال: ادنى ما يجزي من التكبير، في التوجه تكبيرة واحدة، وثلاث تكبيرات احسن، وسبع أفضل (3). ومنها: موثقة زرارة قال: رأيت أبا جعفر (ع) أو قال سمعته استفتح الصلاة بسبع تكبيرات ولاءا (4) فانها ظاهرة كسابقتها في وقوع الاستفتاح بمجموع السبع، ونحوها غيرها وهي كثيرة كما


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 3. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 9. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 8. (4) الوسائل: باب 7 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 2.

[ 145 ]

لا يخفى على المراجع. أقول: دعوى ظهور الاخبار في حد نفسها في هذا القول مع قطع النظر عما يعارضها مما هو ظاهر في وقوع الاستفتاح بواحدة كالنصوص المتضمنة لاخفات الامام بست والجهر بواحدة حتى يسمعها المأموم فيأتم - كما سيجئ - وان كانت غير بعيدة ولا نضايق من احتمالها، لكنه لا يمكن المصير إليه لامتناع التخيير بين الاقل والاكثر عقلا على ما حققناه في الاصول في مبحث الواجب التخييري. وملخصه: ان معنى الوجوب التخييري في كل مورد - سواء أكان في التخيير بين الاقل والاكثر، أو المتبائنين - بعد وضوح المنافاة بين وجوب شئ وجواز تركه سواء أكان إلى البدل أو بدونه كما لا يخفى، هو ان متعلق الوجوب إنما هو الطبيعي الجامع بين الفردين أو الافراد مع الغاء الخصوصيات الفردية وخروجها عن حريم المأمور به، فكل فرد مصداق للواجب بمعنى انطباق ما هو الواجب عليه من دون دخل للخصوصية في تحققه وعليه فلا يعقل التخيير في التدريجيات بين الاقل والاكثر الحقيقي بأن يكون الاقل مأخوذ ألا بشرط والاكثر بشرط شئ أي مشتملا عليه بتمامه مع الزيادة إذ بعد وجود الاقل في الخارج ينطبق عليه الطبيعي - الذي كان هو الواجب لا محالة فيسقط امره قطعا، إذ الانطباق قهري والاجزاء عقلي، ومعه لا يبقى امر حتى يفع الاكثر امتثالا له ويتصف بكونه مصداقا للواجب كي يكون عدلا آخر للواجب التخييري، فلا مناص من وقوع الزائد الذي يشتمل عليه الاكثر على صفة الاستحباب ومن هنا ذكرنا في باب التسبيحات الاربع ان الواجب إنما هو الاول

[ 146 ]

والزائد عليها مستحب. نعم: يمكن ذلك فيما كان من قبيل الاقل والاكثر صورة وإن لم يكن منه حقيقة بأن كان الاقل مأخوذا بشرط لا - لا بنحو اللا بشرط - والاكثر بشرط شئ كما في التخيير بين القصر والتمام، حيث ان الاقل هو الركعتان بشرط عدم زيادة شئ عليهما والاكثر مشروط بزيادة ركعتين أخر يين، وإن شئت فقل الاقل مشروط بوقوع التسليم على الركعتين، والاكثر بوقوعه على الاربع. وكما في التسبيحات الاربع مثلا بان يقال الاقل هو التسبيحة الاولى بشرط الاقتصار عليها، وعدم زيادة تسبيحة ثانية، والاكثر هي المشروطة باضافة ثنتين عليها حتى يكون المجموع ثلاثا، فلا يقع الامتثال بالتسبيحتين لعدم كونهما من الاقل ولا الاكثر. إلا ان ذلك خارج في الحقيقة عن باب التخيير بين الاقل والاكثر وان كان على صورته، وداخل في باب التخيير بين المتبائنين لتقيد كل منهما بقيد يضاد الآخر فلا يكون الاكثر مشتملا على تمام الاقل وزيادة، الذي هو مناط الدرج في باب الاقل والاكثر. وعليه فنقول: ان كان مراد القائل بوقوع الافتتاح بمجموع ما يختاره المكلف من الواحدة أو الثلاث أو الخمس أو السبع الراجع إلى التخيير بين الاقل والاكثر ان الاقل وهي الواحدة مأخوذ بنحو اللا بشرط كى يكون من الاقل والاكثر الحقيقي فقد عرفت ان هذا امر غير معقول ثبوتا، فكيف يمكن تنزيل الاخبار عليه. بل لو فرضنا صراحة الاخبار فيه فضلا عن الظهور فلا مناص من ارتكاب التأويل لامتناع التعبد بالمستحيل، فيقال بان اطلاق الافتتاح على

[ 147 ]

المجموع مبني على ضرب من التجوز باعتبار الاشتمال على تكبيرة الافتتاح فاطلق على المجموع مجازا بعلاقة الجزء والكل. وان كان مراده ان ذلك من التخيير بين الاقل والاكثر الصوري وإلا فهما من المتبائنين لكون الاقل هي التكبيرة الواحدة بشرط لا فهذا وان كان امرا معقولا في حد نفسه كما عرفت، إلا انه لا يمكن الالتزام به في المقام. إذ لازمه عدم انعقاد الافتتاح وبطلان الصلاة فيما لو كان لدى الشروع بانيا على اختيار الثلاث مثلا وبعد الاتيان بتكبيرتين بدا له في الثالثة فتركها عامدا واقتصر على الثنتين إذ هما ليسا من الاقل ولا الاكثر فينبغي بطلان الصلاة حينئذ كبطلانها فيما لو اقتصر على الثنتين من التسبيحات الاربع بناءا على ان يكون الاقل فيها هي الواحدة بشرط لا، ولا يظن بهذا القائل فضلا عن غيره الالتزام بذلك. وافحش من ذلك ما لو ترك الثالثة نسيانا في الفرض المزبور فتذكرها بعد الفراغ من الصلاة، فان اللازم بطلانها حينئذ للاخلال بما اختارة من التكبيرة الذي هو مجموع الثلاث حسب الفرض، ولا شك ان الاخلال بها عمدا وسهوا موجب للبطلان كما تقدم، مع انه لا يحتمل ان يلتزم به الفقيه. ثم ان مقتضى قوله (ع): تحريمها التكبير حرمة المنافيات بمجرد الشروع في التكبير وضعا فقط، أو وضعا وتكليفا على الخلاف في ذلك، ولذا ذكرنا فيما سبق انه لو اتى بالمنافي خلال كلمتي (الله) و (اكبر) بطلت، وعلى القول بعدم جواز القطع وان لم تتم التكبيرة كان حراما ايضا وعليه فلازم هذا القول الالتزام بالبطلان

[ 148 ]

لو أتى ببعض المنافيات خلال التكبيرات، فلو تكلم بين التكبيرة الثانية والثالثة مثلا بطلت صلاته لان ذلك بمثابة التكلم بين كلمتي (الله) و (اكبر)، بل وعلى القول بالحرمة التكليفية كان آثما ايضا وهذا كما ترى. ولا يظن أن يلتزم به هذا القائل، ولا ينبغي ان يلتزم يه، إذ لا مقتضي للبطلان بعد الاتيان بتكبيرة صحيحة بعد ذلك. وعلى الجملة: لاسبيل إلى الالتزام بان الاقل مأخوذ بنحو بشرط لا لمكان هذه التوالي الفاسدة (1) والقائل المزبور لا يريده لانصراف كلامه عنه قطعا، وقد عرفت ان اخذه بنحو اللابشرط كي يكون من الاقل والاكثر الحقيقي امر غير معقول، وظهور الاخبار فيه - لو سلم - لا يمكن الاخذ به. فلا مناص من الالتزام بان الواجب وما يقع به الافتتاح احدى تلك التكبيرات والزائد فضل ومستحب لا ان المجموع افضل افراد الواجب التخييري كما يدعيه القائل زاعما ظهور الاخبار فيه، فان بعضها وإن لم يخل عن الظهور في ذلك إلا أن كثيرا من الاخبار ظاهر فيما قلناه. منها: صحيحة زيد الشحام قال قلت لابي عبد الله (ع) الافتتاح فقال: تكبيرة تجزيك قلت: فالسبع قال ذلك الفضل (2) فانها ظاهرة في ان الزائد على الواحدة وهي الست هي الفضل لا ان مجموع السبع افضل افراد الواجب كما لا يخفى.


(1) يمكن التقصي عن بعض هذه التوالي الفاسدة بافتراض الاقل هو التكبيرة الاولى بشرط عدم تعقبها بالثنتين - لا المشروطة بعدم الزيادة عليها في مقابل الاكثر وهو المشروط باضافة الثنتين فلا حظ. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 2 .

[ 149 ]

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزي والثلاث افضل والسبع افضل كله (1). ومنها: صحيحة زرارة المتقدمة قال: أدنى ما يجزي من التكبيرة في التوجه تكبيرة واحدة، وثلاث تكبيرات احسن وسبع افضل (2) فان ظهور هذه الاخبار وغيرها مما لا يخفى على المراجع فيما قلناه - من استحباب الزائد بعد الاتيان بالواجب وهي التكبيرة الواحدة - غير قابل للانكار، على ان الدعوى المزبورة لو سلمت تماميتها في نفسها فهي على خلاف الاجماع المحقق إذ لم يذهب إليها عدا والد المجلسي (قده) فلا يمكن الالتزام بها بوجه. فتحصل: ان الواجب وما يقع به الافتتاح ليس الا احدى تلك التكبيرات، وقد ذهب صاحب الحدائق - كما عرفت - تبعا لجمع من المحدثين كما نسبه إليهم إلى انها الاولى معينا، ومال إليه شيخنا البهائي، وقد استدل له في الحدائق بطائفة من الاخبار. الاولى: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطها بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات (3) بتقريب ان الافتتاح إنما يصدق على تكبيرة الاحرام التي بها يقع الافتتاح حقيقة ويتحقق الدخول في الصلاة فما يقع قبلها من التكبيرات - بناءا على ما زعموه - ليس من الافتتاح في شئ. نعم يسمى غيرها من ساير التكبيرات الافتتاح إلا ان هذا


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 4. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 8. (3) الوسائل: باب 8 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1.

[ 150 ]

الصدق لا يكون إلا بتأخيرها عن تكبيرة الاحرام كي يتحقق بها الافتتاح الحقيقي والدخول في الصلاة كما عرفت وإلا كان من قبيل الاقامة ونحوها مما يقدم قبل الدخول في الصلاة. وفيه: ان الظاهر من قوله (ع): فارفع كفيك ثم ابسطهما ثم كبر ثلاث. الخ ان ذلك كله بيان لما يتحقق به الافتتاح، فقوله إذا افتتحت أي إذا اردت الافتتاح فكيفيته هكذا كما وقع نظيره في رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال إذا افتتحت الصلاة فكبر ان شئت واحدة وان شئت ثلاثا. الخ (1) وعليه فما يقع به الافتتاح هو مجموع السبع المذكورة في الصحيحة. وهذا كما ترى لا ينطبق بظاهره إلا على مسلك والد المجلسي فهو على خلاف المطلوب ادل، فان امكن الاخذ به وإلا فلا تعرض للصحيحة لتعيين تكبيرة الاحرام كما لا يخفى. وأما ما زعمه (قده) من ان ما يقع قبل تكبيرة الاحرام ليس من الافتتاح في شئ، بل هو من قبيل الاستعاذة والقراءة. ففيه ان ما يقع بعدها ايضا ليس منه في شئ بل هو من قبيل الاستعاذة والقراءة (وبالجملة) الاطلاق الحقيقي منفى على التقديرين بعد الاعتراف بان الافتتاح لا يتحقق إلا بتكبيرة واحدة هي تكبيرة الاحرام لا مجموع التكبيرات الذي اختاره والد المجلسي والاطلاق المجازي بعناية الاشتمال على ما به الافتتاح بعلاقة الجزء والكل متحقق على التقديرين أيضا، إذ لا فرق في ذلك بين تقدم ذلك الجزء أو تأخره أو توسطه كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 3

[ 151 ]

الثانية: صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع): الذي يخاف اللصوص والسبع يصلي صلاة المواففة ايماءا على دابته إلى أن قال ولا يدور إلى القبلة، ولكن اينما دارت به دابته غير انه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه (1). وفيه: ما لا يخفى. فان من يخاف اللص والسبع يقتصر - بطبيعة الحال على اقل الواجب، ولا يسعه المجال لتكبيرات الافتتاح. فالمراد بقوله (ع) بأول تكبيرة، اول تكبيرات الافتتاح اعني تكبيرة الاحرام في مقابل تكبيرة الركوع والسجود ونحو هما، لافي مقابل تكبيرات الافتتاح، فلا نظر فيها إلى هذه التكبيرات اصلا. هذا: مع ان استدلال مبني على أن يكون قوله: حين يتوجه قيدا؟ - (اول) في قوله - اول تكبيرة - حتى يدل على ان ما يتوجه ويدخل به في الصلاة ويفتتحها هو اول التكبيرات السبع وهو غير ظاهر، ومن الجائز أن يكون قيدا للتكبيرة المضاف إليه، فيكون المعنى اعتبار الاستقبال في اول تكبيرة متصفة بكون تلك التكبيرة مما يتوجه ويفتتح بها الصلاة، واما ان تلك التكبيرة هل هي الاولى أو الوسطى أو غير هما فلا تتعرض الرواية لتعيينها اصلا كما لا يخفى. الثالثة: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) انه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلاة وقد كان الحسين (ع) أبطأ عن الكلام إلى أن قال فافتتح رسول الله صلى الله عليه وآله الصلاة فكبر الحسين (ع) فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيره عاد فكبر فكبر الحسين عليه السلام حتى كبر رسول الله صلى الله عليه وآله سبع تكبيرات، وكبر الحسين (ع) فجرت


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة ح 8.

[ 152 ]

السنة بذلك (1) فان التكبير الذي كبره صلى الله عليه وآله اولا هو تكبيرة الاحرام لا طلاق الافتتاح عليها، والعود إليها ثانيا وثالثا إنما وقع لتمرين الحسين (ع)، فليس الافتتاح إلا بالاول والزائد هو المستحب، وقد جرت السنة على هذه الكيفية كما صرح بذلك في آخر الخبر. والجواب: انه لا ريب في وقوع الافتتاح منه صلى الله عليه وآله بالتكبيرة الاولى في تلك القضية الشخصية لعدم تشريع السبع بعد كما كان كذلك قبل تلك القضية، ومجرد ذلك لا يقتضي تعين الاولى فيما بعد التشريع، وليس في فعله صلى الله عليه وآله بعد اجماله دلالة على التعيين كما لا يخفى. نعم ربما يوهمه قوله (ع) في ذيل الخبر فجرت السنة بذلك، لكنه مبني على أن يكون المراد من المشار إليه الكيفية المذكورة الصادرة منه صلى الله عليه وآله من وقوع الافتتاح بالاولى لااصل تشريع السبع الذي هو الظاهر النسبق إلى الذهن كما لا يخفى، لاأقل من احتماله المسقط لها عن الاستدلال. الرابعة: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له الرجل ينسى اول تكبيرة من الافتتاح، فقال: ان ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع إلى آخر الرواية المتقدمة في نسيان تكبيرة الاحرام (2) فان تقييد المنسي بكونه اول التكبيرات يدل على انه هو تكبيرة الاحرام، إذ لو كانت الاخيرة مثلا لما كان هناك اثر لنسيان غيرها من ساير التكبيرات المستحبة، فلا حاجة لتداركها في


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 4. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 8 .

[ 153 ]

الاثناء أو بعد الفراغ كما تضمنته الصحيحة. وفيه: بعد الغض عن مخالفة مضمونها للنص والفتوى كما تقدم الكلام حوله في محله مستقصى - ولسنا الآن بصدد ذلك - انها في حد نفسها قاصرة الدلالة على مطلوبه (قده) فان كلمة (من) في قوله - من الافتتاح - اما للتبعيض أو للبيان فان اريد الاول دلت الصحيحة حينئذ على ان مجموع التكبيرات السبع هي المحقق للافتتاح والمنسي بعض من هذا المركب فتنطبق بظاهرها على مسلك والد المجلسي (قده) فهي حينئذ على خلاف المطلوب أدل، على انه بناءا عليه كان المنسي هي السابعة لا الاولى ولا غيرها لعدم اعتبار قصد عنوان الاولية أو الثانوية ونحو هما، فالنقص إنما يرد على العدد الاخير المكمل للمجموع كما لا يخفى. وان أريد الثاني كي يكون المعنى ان المنسي هي تكبيرة الاحرام التي يتحقق بها الافتتاح، فلا دلالة فيها على انها الاولى أو الوسطى أو الاخيرة، واطلاق الاول عليها باعتبار انها اولى تكبيرات الصلاة في مقابل تكبير الركوع والسجود وغيرهما. فالانصاف ان هذه الوجوه التي استدل بها في الحدائق لا دلالة في شئ منها على تعين الاولى فالقول به ساقط. وأما القول بتعين الاخيرة فقد استدل له أيضا بوجوه: احدها الفقه الرضوي المتضمن للتصريح بذلك لكنه كما ترى لاحجية فيه فلا يصلح للاستناد إليه في شئ من الاحكام كما مر مرارا. الثاني: ما نقله المحقق الهمداني عن كاشف اللثام في شرح الروضة من الاستدلال برواية ابي بصير وفيها بعد ذكر الدعاء بعد التكبيرات

[ 154 ]

الثلاث بقوله: اللهم أنت الملك الحق المبين. الخ والدعاء عقيب الاثنين بقوله: لبيك وسعديك، وعقيب السادسة بقوله: يا محسن قد أتاك المسئ، قال (ع): ثم تكبر للاحرام. لكنا بعد التتبع لم نجدها في كتب الحديث كي ننظر في سندها. نعم مضمونها مذكور في صحيحة الحلبي المتقدمة (1) مع اختلاف يسير وظني انها اشتبهت بها لكنها خالية عن الذيل الذي هو مورد الاستدلال فلا حظ. الثالث: ما استظهره في الجواهر من النصوص المتضمنة لاخفات الامام بست، والجهر بواحدة التي هي تكبيرة الاحرام - بمناسبة الحكم والموضوع - بضميمة ما ورد من ان الامام يجهر بكل ما يتلفظ به ويسمع المأمومين كل ما يقوله في الصلاة، فان الجمع بين الدليلين يقضي بتعين الاخيرة للافتتاح، إذ لو كان ما عداها لزم ارتكاب التخصيص في الدليل الثاني كما لا يخفى، فتحفظا على اصالة العموم يحكم بانها الاخيرة، كي يكون ما قبلها من التكبيرات واقعة قبل الصلاة، فالاخفات فيها لا ينافي مع الاجهار المطلوب في الصلاة. وربما يجاب عنه بأن أصالة العموم حجة في تشخيص المراد لا في كيفية الارادة، فلا تجري إلا لاستعلام الحكم لدى الشك فيه لا لتشخيص حال الموضوع، وفي المقام لاشك في الحكم للقطع باخفات الست وخروجها عن دليل الاجهار في الصلاة وانما الشك في انها من الصلاة كي يكون خروجها عن ذاك الدليل من باب التخصيص أم ليست منها لكون الاخيرة هي الاحرام كي يكون خروجها من باب التخصص، فهو نظير ما إذا ورد اكرم العلماء وعلمنا من


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1.

[ 155 ]

الخارج أن زيدالايجب اكرامه ولم نعلم انه عالم كي يكون خروجه للتخصيص، أم جاهل كي يكون للتخصص، فكما أن أصالة العموم لا تجري لاثبات حاله وانه جاهل لعدم الشك في المراد، فكذا لا تجري في المقام حتى يثبت بها ان الاحرام هي الاخيرة. وفيه ان الكبرى المذكورة وإن صحت لكنها غير منطبقة على المقام لحصول الشك هنا في الحكم كالموضوع فلا يعلم المراد ايضا لاجمال المفهوم، فهو كما لو علمنا بعدم وجوب اكرام زيد بعد ورود الامر باكرام العلماء وتردد زيد بين شخصين أحدهما عالم والآخر جاهل، ولم يعلم أن المراد به الاول كي يكون الخروج تخصيصا أم الثاني كي يكون تخصصا، ولا شك ان المرجع في مثله اصالة العموم لعدم العلم بورود التخصيص على عموم اكرام العلماء كي يخرج عنه زيد العالم فيتمسك بأصالة عدم التخصيص ويثبت بها ان الخارج هو زيد الجاهل لحجية مثبتات الاصول اللفظية. والمقام من هذا القبيل فان المراد من الست المحكومة بالاخفات مردد بين الواقع قبل التكبيرة كي يكون خروجها عن دليل الاجهار في الصلاة من باب التخصص والواقع بعدها كي يكون من التخصيص فهو مجمل مردد بين فردين وفي مثله يتمسك باصالة العموم في دليل الاجهار للشك في ورود التخصيص عليه، ويثبت بها ان المراد هي الست الواقعة قبل التكبيرة فينتج ان تكبيرة الاحرام هي الاخيرة لما عرفت من حجية مثبتات الاصول اللفظية. إلا ان اصالة العموم في دليل الاجهار في الصلاة يعارضها اصالة الاطلاق في دليل الجهر بالواحدة واخفات الست، فان المراد بالواحدة

[ 156 ]

بمناسبة الحكم والموضوع هي تكبيرة الاحرام - كما تقدم - ومقتضى الاطلاق جواز ايقاعها قبل الست أو بعدها أو خلالها. والعموم وإن كان مقدما على الاطلاق لدى الدوران لكون الدلالة فيه وضعية، وفي الثاني بمقدمات الحكمة إلا ان في المقام خصوصية تستوجب قوة الظهور في الاطلاق بحيث كاد يلحقه بالتصريح الموجب لتقديمه على العموم، وهو التعبير بالواحدة المقرون بالتعبير بالست في الاخفات إذ لو كان المراد بالواحدة خصوص الاخيرة فما يمنعه عليه السلام عن التعبير بالسابعة فالعدول عنها مع ان المقام يقتضي التصريح بها لو كان الافتتاح متعينا فيها إلى التعبير بالواحدة فيه قوة ظهور في الطلاق والتخيير، وإلا لم يكن وجه للاهمال المؤدي إلى نوع من الاغراء بالجهل كما لا يخفى. هذا ومع التنزل فلا اقل من التكافؤ بين الظهورين، اعني ظهور العموم في تعين الاخيرة - بالتقريب المتقدم - وظهور الاطلاق في عدمه فيقع التعارض الموجب للاجمال فتسقط عن الاستدلال. الرابع: النصوص المتضمنة لتعداد تكبيرات الصلوات وانها خمس وتسعون تكبيرة التي منها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: التكبير في الصلاة الفرض الخمس صلوات خمس وتسعون تكبيرة منها تكبيرات القنوت خمس (1) فانها لا تنطبق الا على القول بتعين الاخيرة للافتتاح، فيستقيم العدد حينئذ إذ كل ركعة تشتمل على خمس تكبيرات. تكبيرة للركوع واخرى للهوي إلى السجود، وثالثة لرفع الرأس منه، ورابعة للسجدة الثانية، وخامسة


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1.

[ 157 ]

لرفع الرأس منها، وبعد ضرب الخمسة في عدد ركعات الفرائض وهي سبع عشرة يصير المجموع خمسا وثمانين، وبعد اضافة خمسة لتكبيرات القنوت في الصلوات الخمس يصير المجموع تسعين، فإذا زيدت عليها لكل من الصلوات الخمس تكبيرة الاحرام صار المجموع خمسا وتسعين واستكمل العدد، ولا يحسب تكبيرات الافتتاح لخروجها عن الصلاة بناءا على هذا القول. واما بناءا على عدم تعين الاخيرة وجواز الافتتاح بالاولى المستلزم لايقاع الست الاخرى في الصلاة كان اللازم حينئذ زيادة ست تكبيرات لكل صلاة البالغة ثلاثين تكبيرة، فيصير المجموع ماءة وخمسا وعشرين. وأجاب عنه المحقق الهمداني (قده) بما ملخصه أن تكبيرات الافتتاح حيث لم يكن في موردها إلا أمر واحد متعلق بالجميع بعنوان الافتتاح. فمن هنا عد المجموع بمنزلة تكبيرة واحدة. وهذا كما ترى، لظهور الاخبار في اختصاص كل تكبيرة منها بأمر مستقل كبقية تكبيرات الصلوات كما لا يخفى. فلا وجه لاهمالها في مقام العد. والصحيح في الجواب ان يقال: ان هذا الاستدلال انما ينفع في قبال دعوى صاحب الحدائق القائل بتعين التكبيرة في الاولى، فيكون هذا ردا عليه بالتقريب المتقدم ولعله (قده) لو التفت إلى ذلك لعدل عن مذهبه، فانه اقوى شاهد على بطلانه. واما القائل بالتخيير كما عليه المشهور فلا تكون هذه النصوص ردا عليه كي تتعين التكبيرة في الاخيرة، وذلك لان معنى التخيير في تطبيق التكبيرة على واحدة من السبع ان الخصوصيات الفردية غير معتبرة في متعلق الامر وانما

[ 158 ]

الماهية المأمور بها هي الطبيعي الجامع بين تلك الافراد وهي التكبيرة الواحدة التي قد تكون مسبوقة بالست، وأخرى ملحوقة بها، وثالثة متخللة بينها، فما لوحظ اعتباره في الماهية التي لا تتخلف عنه إنما هي التكبيرة الواحدة، وأما الزائد عليها فهو شئ قد يكون وقد لا يكون. ولاجله يعد - لو كان - من خصوصيات الفرد ومزاياه لا الخصوصيات الملحوظة في نفس الجامع وإلا لما تخلفت عنه كما لم تتخلف ساير التكبيرات. ومن الواضح ان هذه النصوص إنما هي بصدد تعداد التكبيرات الملحوظة في ماهية الصلاة بقول مطلق لافي افرادها التي لا اطراد فيها. ومن هنا ألغيت بقية التكبيرات الافتتاحية في مقام النعداد ولم يحتسب غير الواحدة منها. نعم بناءا على قول صاحب الحدائق كان المجموع داخلا في ماهية الصلاة ولزم احتسابها. فهذه الروايات انما تصلح ردا عليه كما عرفت لاعلى مذهب المشهور كي تدل على تعين الاخيرة. هذا ومما يدل على بطلان هذا القول أعني تعين الاخيرة الروايات المتقدمة الواردة في علة تشريع السبع المشتملة على قصة الحسين (ع) لوضوح ان افتتاح رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك القضية الشخصية إنما كان بالتكبيرة الاولى والعود إليها ثانيا وثالثا وهكذا إنما كان لتمرين الحسين (ع) بعد الدخول في الصلاة بالاولى. وجريان السنة بذلك - كما في ذيل تلك الاخبار - اما اشارة إلى الكيفية الصادرة عن النبي صلى الله عليه وآله أو إلى أصل تشريع السبع وإن كان الاظهر الثاني كما تقدم، وعلى التقديرين فلا يحتمل نسخ تلك الكيفية قطعا فلو كان اللازم تعيين الاخيرة فكيف اقتصر النبي صلى الله عليه وآله عل تلك الصلاة.

[ 159 ]

ومما يدل على بطلانه أيضا كبطلان القول بتعين الاولى روايات استحباب الجهر بالواحدة للامام، واخفات الست التي مرت الاشارة إليها لما عرفت من ان المراد بالواحدة بمناسبة الحكم والموضوع هي تكبيرة الاحرام كي يسمعها المأمومون فيقتدون ومقتضى ظهورها القوي في الاطلاق الذي هو في قوة النصريح كما تقدم عدم الفرق في ايقاع تلك التكبيرة مسبوقة بالست أو ملحوقة أو متخللة. ومما يدل على بطلانهما أيضا، واثبات التخيير الذي عليه المشهور اطلاقات الامر بالتكبير وافتتاح الصلاة به حيث لم تتقيد بالسبق على الست ولا اللحوق كما لا يخفى. والمتلخص من جميع ما ذكرناه لحد الآن ان احتمال الافتتاح بجميع ما يختار كما عليه والد المجلسي مما لا سبيل إليه لامتناعه ثبوتا، فلا تصل النوبة إلى مرحلة الاثبات، على ان بعض الاخبار وان كان ظاهرا فيه لكنه معارض بطائفة اخرى ظاهرة في أن تكبيرة الاحرام إنما هي تكبيرة واحدة، والزائد فضل ومستحب كما مر فيدور الامر بين القول بتعين الاولى كما عليه صاحب الحدائق، أو الاخيرة كما اختاره جمع من القدماء، ومال إليه في الجواهر أولا وان ضعفه اخيرا، أو التخيير كما عليه المشهور والاولان ساقطان لضعف مستندهما مضافا إلى قيام الدليل على الاطلاق والتخيير الذي منه روايات جهر الامام بواحدة الظاهرة ولو بمناسبة الحكم والموضوع في انها هي تكبيرة الاحرام ليسمعها المأمومون فيقتدون كما مر كل ذلك مستقصى، فيتعين القول الاخير وهو الاقوى. لكن هذا مبني على ان يكون لتكبيرة الاحرام عنوان به تمتاز عن

[ 160 ]

بقية التكبيرات الافتتاحية، وتختلف عنها في الحقيقة والذات وان شاركتها في الصورة، نظير الفرق بين الظهر والعصر. واما بناءا على ان الواجب هي ذات التكبيرة من دون تعنونها بعنوان خاص. فلا مناص من الالتزام بتعين الاولى، لالم استدل به في الحدائق من الوجوه المتقدمة إذ قد عرفت ضعفها، بل لان طبيعي التكبير بعد خلوه عن العنوان ينطبق على اول الوجودات لا محالة، فيقع بطبيعة الحال مصداقا للواجب، فان الانطباق قهري والاجزاء عقلي فتقع البقية على صفة الاستحباب قهرا. هذا. ولكن الصحيح إنما هو المبنى الاول، فان المستفاد من الروايات ان تكبيرة الاحرام لها عنوان خاص به تمتاز عما عداها وهو عنوان الاحرام والافتتاح نظير التلبية في احرام الحج، فما لم يقصد العنوان ولو اجمالا لا يتحقق الامتثال فلا مناص من اختيار القول المشهور كما عرفت، إلا ان الاحوط - كما نبه عليه في المتن اختيار الاخيرة للقطع بصحة الصلاة معه على جميع التقادير، اما على القول بتعين الاخيرة أو التخيير فظاهر، واما على القول بتعين الاولى أو المجموع فغايته وقوع الست قبلها على صفة الزيادة غير القادحة بعد وقوعها قبل الصلاة فهي كالعدم. وهذا بخلاف ما لو اختار الاولى فانه بناءا على القول بتعين الاخيرة الراجع إلى عدم الامر بالتكبيرة بعد الاتيان بتكبيرة الاحرام يلزم منه وقوع الست المأتي بها بعد الاولى على صفة الزيادة داخل الصلاة، وفي بطلان الصلاة بمثل هذه الزيادة كلام، وان كان الاقوى خلافه. وعلى اي حال فهو مخالف للاحتياط لاحتمال البطلان من هذه الجهة. ومن هنا كان الاحوط اختيار الاخيرة حذرا من هذه الشبهة.

[ 161 ]

[ ولا يكفي قصد الافتتاح باحدها المبهم من غير تعيين (1) والظاهر عدم اختصاص استحبابها في اليومية بل تستحب في جميع الصلوات الواجبة والمندوبة (2) ] (1): - هذا فيما إذا كان الابهام واقعيا بأن لم يكن له تعين حتى في صقع الواقع فلا يكفي قصده حينئذ، إذ مثله لاتحقق له في الخارج، والافتتاح امر تكويني لابد من تعلقه بالموجود الخارجي ومن الضروري ان الواحد لا بعينه مفهوم اعتباري لا تقرر له خارجا واما إذا كان الابهام عند المصلي خاصة مع تعينه في الواقع وان كان مجهولا لديه فهذا لاضير فيه كما في المأموم الذي يقصد الافتتاح بما افتتح به الامام من الاولى أو الثالثة، أو الخامسة، أو السابعة. فان ما يقع الافتتاح به معين في الواقع وان جهله المصلي، إذ لا يعتبر التمييز بعد كون ما يفتتح به متشخصا في الخارج وقد قصده اجمالا وإن لم يميزه عما عداه كما هو ظاهر. (2): - كما عليه المشهور لاطلاق الادلة، وعن صاحب الحدائق (قدس سره) اختصاصها بالفرائض بل اليومية منها لانصراف الاطلاق إليها. وفيه منع الانصراف على نحو يقدح في التمسك بالاطلاق. كيف وقد ألحق النوافل بالفرائض في عامة الاحكام من رعاية الاجزاء والشرائط الواجبة والمستحبة، ومن الموانع والقواطع مع عدم اختصاصها بدليل، فلو منع الانصراف عن التمسك بالاطلاق في المقام لمنع هناك أيضا مع شمول تلك الاحكام لها بمقتضى الاطلاق بلا اشكال. نعم إنما الشأن في ثبوت الاطلاق في المقام، فان اغلب

[ 162 ]

[ وربما يقال بالاختصاص بسبعة مواضع (1) وهي: كل صلاة واجبة، واول ركعة من صلاة الليل، ومفردة الوتر، واول ركعة من نافلة الظهر، واول ركعة من نافلة المغرب، واول ركعة من صلاة الاحرام، والوتيرة ولعل القائل اراد تأكدها في هذه المواضع. ] الاخبار موردها الفرائض كروايات جهر الامام بواحدة، واخفات الست، وروايات تمرين الحسين (ع) وغيرهما، وبعضها الآخر وان كان لها الاطلاق كرواية أبي بصير (1) وغيرها لكنها ضعيفة السند، ولكن الصحيح ثبوت الاطلاق بمقتضى صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: أدنى ما يجزى من التكبير في التوجه إلى الصلاة تكبيرة واحدة، وثلاث تكبيرات وخمس وسبع افضل (2) فانها تشمل باطلاقها جميع الصلوات. (1): - كما عن الشيخين والقاضي والعلامة في التحرير والتذكرة وغير هم، وفسر الماتن مقالتهم بارادة تأكد الاستحباب في هذه المواضع دون الاختصاص كما صرح به في المقنعة، والمجلسي في البحار. وكيف كان فالكلام في مستند هذا القول تعيينا أو تأكيدا. والظاهر: انهم استندوا في ذلك إلى ما في الفقه الرضوي قال: (ثم افتتح بالصلاة وتوجه بعد التكبير فانه من السنة الموجبة في ست


(1) الوسائل: باب 7 من ابواب تكبيرة الاحرام ح 3. (2) الوسائل: باب 7 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 9)

[ 163 ]

صلوات، وهي اول ركعة من صلاة الليل، والمفردة من الوتر، واول ركعة من نوافل المغرب واول ركعة من ركعتي الزوال واول ركعة من ركعتي الاحرام، واول ركعة من ركعات الفرائض) ولا يقدح خلوها عن الوتيرة لما ثبت بالاخبار من انها إنما شرعت مخافة فوت الوتر، فهي بمنزلته ومحكومة بحكمه فلذا ألحقها الاصحاب به في هذا الحكم. لكن الفقه الرضوي ضعيف السند فلا يمكن التعويل عليه كما تكرر في مطاوي هذا الشرح، مضافا إلى قصور الدلالة لعدم التصريح بتكبيرات الافتتاح، وإنما المذكور هو التوجه بعد التكبير، ومن الجائز أن يراد به دعاء التوجه أعني قوله: وجهت وجهي للذي. الخ كما تضمنه صحيح زرارة قال: يجزيك في الصلاة من الكلام في التوجه إلى الله أن تقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض على ملة ابراهيم حنيفا مسلما. الخ (1). وأستدل له أيضا - كما في الحدائق - بما رواه ابن طاووس في كتاب فلاح السائل بسنده عن زرارة عن أبي جعفر (ع)، قال: قال افتتح في ثلاثة مواطن بالتوجه والتكبير في اول الزوال وصلاة الليل، والمفردة من الوتر، وقد يجزيك فيما سوى ذلك من التطوع ان تكبر تكبيرة لكل ركعتين (2). وفيه: مضافا إلى ضعف السند ب‍ (ابن شمون) واختصاص موردها بالثلاثة دون السبعة ما عرفت آنفا من قصور الدلالة لاحتمال


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 2. (2) المستدرك: باب 5 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1

[ 164 ]

[ (مسألة 11): لما كان في مسألة تعيين تكبيرة الاحرام إذا أتى بالسبع أو الخمس أو الثلاث احتمالات بل اقوال: تعيين الاول، وتعيين الاخير، والتخيير، والجميع، فالاولى لمن اراد احراز جميع الاحتمالات ومراعاة الاحتياط من جميع الجهات أن يأتي بها بقصد انه ان كان الحكم هو التخيير فالا فتتاح هو كذا ويعين في قلبه ما شاء، وإلا فهو ما عند ] الله من الاول أو الاخير أو الجميع (1). كون المراد من التوجه دعاء التوجه لا تكبيرات الافتتاح التي هي محل الكلام. فالانصاف: عدم ثبوت دليل لهذا القول لا بنحو الاختصاص ولا التأكيد كما اعترف به غير واحد. والاقوى ما عليه المشهور من شمول الحكم لعامة الصلوات من دون ميز بينها اصلا عملا باطلاق الادلة. (1): - أورد عليه بعض اعلام المحشين وتبعه غيره بامتناع الجمع بين هذه الاحتمالات، وانه ليس من الاحتياط في شئ، لكن الايراد لعله واضح الفساد، فان التكبيرة كغيرها من العبادات لا يعتبر فيها سوى الاتيان بها بما هي عليها باضافة قصد التقرب وكلا الركنين متحقق في المقام بعد مراعاة الكيفية المزبورة، ضرورة ان ما هو مصداق لتكبيرة الاحرام واقعا قد تحقق في الخارج قاصدا به الافتتاح وبوجه قربي على جميع التقادير، غاية الامر ان المصلي لا يشخصه عن غيره، ولا يميزه عما عداه فهو مبهم عنده مع تعينه

[ 165 ]

[ (مسألة 12): يجوز الاتيان بالسبع ولاءا من غير فصل بالدعاء (1) لكن الافضل ان يأتي بالثلاث ثم يقول " اللهم انت الملك الحق لا اله الا انت سبحانك اني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي انه لا يغفر الذنوب الا انت " ثم يأتي باثنتين ويقول: " لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس اليك والمهدي من هديت لاملجأ منك إلا اليك سبحانك وحنانيك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت " ثم يأتي باثنتين ويقول: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة حنيفا مسلما وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا من المسلمين " واقعا، ومثله غير قادح في صحة العبادة، إذ لا يعتبر التميين. وقد مر قريبا ان الابهام وجهالة المكلف بما هو مصداق للافتتاح لا يضر بالصحة بعد تعلق القصد ولو اجمالا بما يقع به الافتتاح واقعا مع كونه متعينا في الواقع كما في المقام. (1): - لاطلاق جملة من النصوص المتقدمة، بل التصريح بالولاء في موثقة زرارة قال: رأيت أبا جعفر (ع) أو قال سمعته استفتح الصلاة بسبع تكبيرات ولاءا (1) نعم ورد استحباب تفريق التكبيرات والدعاء خلالها وقبلها وبعدها على نحو يقرب من المذكور


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 2

[ 166 ]

[ ثم يشرع في الاستعاذة وسورة الحمد، ويستحب ايضا ان يقول قبل التكبيرات: " اللهم اليك توجهت ومرضاتك ابتغيت وبك آمنت وعليك توكلت صل على محمد وآل محمد وافتح قلبي لذكرك وثبتني على دينك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة انك انت الوهاب " ويستحب أيضا ان يقول بعد الاقامة قبل تكبيرة الاحرام " اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة بلغ محمدا - صلى الله عليه وآله - الدرجة والوسيلة والفضل والفضيلة بالله استقتح وبالله استنجح وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وعليهم اتوجه، اللهم صل على محمد وآله محمد واجعلني بهم عندك وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين " وان يقول بعد تكبير ة الاحرام، " يا محسن قد اتاك المسئ وقد امرت المحسن ان يتجاوز عن المسئ انت المحسن وانا المسئ بحق محمد وآل محمد صل على محمد وآل محمد وتجاوز عن قبيح ما تعلم مني ". ] في المتن بعضها في الرواية المعتبرة كصحيح الحلبي وبعضها في غيرها (1) وان لم تطابق المذكور في المتن كلا كما لا يخفى. إلا ان الاستحباب المزبور لا يوجب تقييد تلك المطلقات كي يختص استحباب السبع


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب تكبيرة الاحرام .

[ 167 ]

[ (مسألة 13): يستحب للامام ان يجهر بتكبيرة الاحرام (1) على وجه يسمع من خلفه دون الست فانه يستحب الاخفات بها. (مسألة 14): يستحب رفع اليدين بالتكبير (2). ] بالاقتران بتلك الادعية لما تقرر في الاصول من عدم حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات ولا سيما بعد ورود التصريح بالولاء في المقام كما عرفت. (1): - للنصوص الكثيرة التي مرت الاشارة إليها فيما سبق المتضمنة لاستحباب جهر الامام بواحدة واخفات الست كصحيحتي الحلبي. وروايتي ابن راشد، وأبي بصير (1). نعم لم يصرح بتكبيرة الاحرام في شئ من تلك الاخبار، وإنما ذكر الجهر بواحدة، لكن القرائن الداخلية والخارجية سيما مناسبتة الحكم والموضوع تقضي بارادتها منها وتعينها فيها كما لا يخفى. (2): - على المشهور المعروف بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل عليه دعوى الاجماع في غير وواحد من الكلمات للامر به في جملة وافرة من النصوص المحمول على الاستحباب كما ستعرف. وعن الاسكافي القول بوجوبه في تكبيرة الاحرام خاصة. وذهب السيد المرتضى (قده) في محكي الانتصار إلى وجوبه في جميع تكبيرات الصلاة مدعيا عليه الاجماع، وانه مما انفردت به الامامية. ويبعد جدا ارادته (قده) الوجوب النفسي فيما عدا تكبيرة الاحرام لعدم


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب تكبيرة الاحرام.

[ 168 ]

اجتماعه مع استحبابها كما لا يخفى نعم لامانع من ارادة الوجوب الشرطي لامكان اقترانه مع استحباب ذات العمل كما في الاقامة فانها مع استحبابها يجب فيها القيام والطهارة وجوبا شرطيا كما تقدم وكما في اشتراط النوافل بما يعتبر في الفرائض من الاجزاء والشرائط. وكيف كان. فقد تعجب غير واحد من دعواه الاجماع في المقام مع انه لم يذهب إلى ما ذهب إليه احد من الاصحاب سواه، حتى انهم جعلوا ذلك قرينه على ارادته تأكد الاستحباب من الوجوب. وقد طعن عليه (قده) في الحدائق بل ربما اساء الادب بعد ان اختار مذهبه (قده) زاعما دلالة الاخبار عليه بوضوح، فلا حاجة إلى دعوى الاجماع فيما لا قائل به سواه. ولعمري إن هذا من غرائب كلماته ولا يكاد ينقضي العجب من استدلاله على الوجوب بروايات لااشعار فيها فضلا عن الظهور، كالروايات الحاكية لفعل المعصوم عليه السلام وان الراوي رآه (ع) قد رفع يديه عند التكبير في الصلاة أو عند افتتاحها، كصحيحة معاوية بن عمار قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام حين افتتح الصلاة يرفع يديه اسفل من وجهه قليلا، ونحوها صحيحة صفوان وابن سنان وغير هما (1) فان فعله (ع) لا يدل على الوجوب بل غايته الاستحباب، حتى ان هذه الاخبار خالية عن كلمة (كان) المشعر بالدوام والاستمرار كي يستأنس منه الوجوب، على انه لو سلم فغايته وجوب الرفع عند تكبيرة الاحرام، لاكل تكبيرة لعدم اطلاق بالنسبة إليها. نعم يمكن ان يستدل على الوجوب بأحد امرين:


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام.

[ 169 ]

الاول: ما رواه الكليني (قده) بسنده عن اسماعيل بن جابر وغيره عن أبي عبد الله (ع) في رسالة طويلة كتبها إلى اصحابه إلى (ان قال) دعوا رفع أيديكم في الصلاة إلا مرة واحدة حين يفتتح الصلاة فان الناس قد شهروكم بذلك، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله (1) فانها ظاهرة في ان ترك الرفع في بقية التكبيرات لاجل التقية وخوف الشهرة، والا فلولا المانع كان الوجوب ثابتا كما ثبت في تكبيرة الاحرام حيث لاتقية هناك لموافقته لهم. وفيه اولا: انها ضعيفة السند بطرقها الثلاثة. وثانيا انها قاصرة الدلالة، إذا غايتها التزام الشيعة بامر اوجب اشتهار هم بين الناس وامتياز هم عن مخالفيهم فردعهم الامام عن ذلك تقية، ولعل ما التزموا به كان من الامور المستحبة كالقنوت في الصلاة وغيره من المستحبات التي يلتزم بها وهي كثيرة جدا. الثاني: ما رواه في المجالس بسنده عن الاصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله فصل لربك وانحر، قال يا جبرئيل ما هذه النحيرة التي امر بها ربي قال يا محمد انها ليست نحيرة ولكنها رفع الايدي في الصلاة (2). وفيه: مضافا إلى ضعف السند فان اكثر رجاله ممن لم تثبت وثاقته، بل هم من ابناء العامة، فلم تثبت الوثاقة حتى على مسلك العلامة الذي يكتفي فيها بمجرد كون الرجل اماميا لم يرد فيه قدح ان الدلالة ايضا قاصرة إذ لم يعلم المراد من رفع الايدي ولعلها


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 9. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 13

[ 170 ]

كناية عن القنوت، أو عن الرفع في خصوص تكبيرة الاحرام، لافي جميع تكبيرات الصلاة كما هو المدعى. فتحصل: انه لا دليل على وجوب رفع اليدين حال التكبيرات كما يزعمه صاحب الحدائق، بل يمكن أن يقال، بقيام الدليل على العدم، وهي صحيحة حماد الواردة (1) لبيان كيفية الصلاة فانها مع اشتمالها على الخصوصيات المعتبرة فيها حتى نبذا من المستحبات خالية عن التعرض لرفع الايدي إلا عند التكبير للهوي إلى السجود على نسخة الفقيه، أو باضافة تكبيرة الركوع على نسخة الكافي ولعلها اضبط، وعلى التقديرين فهي خالية عن سائر التكبيرات، فلو كانت واجبة كما زعمه المحدث المزبور لزم التعرض لها، فكيف اهملها (عليه السلام) وهو في مقام التعليم وبيان كل ما يعتبر فيها حتى انه عليه السلام اشار إلى بعض المستحبات كما عرفت، مع أن هذه احرى بالذكر على تقدير الوجوب. وبالجملة فلا ينبغي الارتياب في فساد هذا القول. واما مقالة الاسكافي من اختصاص الوجوب بتكبيرة الاحرام فيمكن ان يستدل له بعدة روايات: منها: صحيحة الحلبي: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات. الخ (2) فان ظاهر الامر بالرفع الوجوب، ولا يقدح الاشتمال على بسط الكفين والدعاء ونحو هما من الامور المستحبة لقيام القرينة الخارجية على الاستحباب


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1

[ 171 ]

فيها دونه كما لا يخفى. ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عزوجل: فصل لربك وانحر، قال هو رفع يديك حذاء وجهك (1) وحيث ان المخاطب في قوله (ع) هو رفع يديك هو عبد الله بن سنان فيعلم ان توجه الخطاب في قوله تعالى: وانحر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لكونه فردا من المصلين، لا بما انه نبي صلى الله عليه وآله وإلا لما طبقه الامام (ع) عند تفسير الآية على الراوي. فيظهر من ذلك ان الخطاب في الآية المباركة عام لجميع المصلين، فلا يتوقف الاستدلال بهذه الصحيحة على اثبات قاعدة الاشتراك بيننا وبينه صلى الله عليه وآله التي قد يتأمل فيها لاختصاصه صلى الله عليه وآله باحكام لا تعدوه، ولعل المقام منها. نعم ربما يحتاج إلى القاعدة في غير هذه الصحيحة مما ورد في تفسير الآية كرواية الاصبغ بن نباتة ونحوها (2). ومنها: صحيحة زرارة عن احد هما (ع) قال: ترفع يديك في افتتاح الصلاة قبالة وجهك ولا ترفعهما كل ذلك (3). ومنها: صحيحة الاخرى عن ابي جعفر (ع) قال: إذا قمت في الصلاة فكبرت فارفع يديك ولا تجاوز بكفيك أذنيك أي حيال خديك (4). فهذه صحاح أربع دلت على وجوب الرفع على ما يقتضيه ظاهر الامر المؤيدة بروايات اخر وإن كانت اسانيدها مخدوشة.


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 4. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 13. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1. (4) الوسائل: باب 10 من أبواب تكبيرة الاحرام ج 2

[ 172 ]

وربما يجاب بحمل الامر فيها على الاستحباب بقرينة ما في بعض النصوص من تعليل الرفع بانه زينة كما في خبر مقاتل بن حنان (1) أو بانه ضرب من الابتهال والتضرع، وبأن في رفع اليدين احضار النية واقبال القلب كما في رواية الفضل بن شاذان (2) مما هو ظاهر في الاستحباب. وفيه انه نعم الحمل لولا الضعف في اسانيد هذه النصوص كما اشرنا آنفا، فلا يمكن رفع اليد عن تلك الصحاح بهذه النصوص الضعيفة والصحيح أن يجاب أولا: بأن الوجوب لو كان ثابتا في هذه المسألة العامة البلوى الكثيرة الدوران لابتلاء كل مكلف بها في كل يوم على الاقل خمس مرات لكان واضحا مبينا لم يقع الخلاف فيه من احد. كيف وقد تسالم الاصحاب على خلافه، إذ لم ينسب الوجوب إلا إلى الاسكافي لو صدقت النسبة والى السيد المرتضى مع احتمال ارادة الاستحباب لقرينة في كلامه مرت الاشارة إليها. فهذه القرينة التي تمسكنا بها في كثير من المقامات مما تورث القطع بعدم الوجوب وارادة الاستحباب. ويؤيده خلو صحيحة حماد الواردة في مقام التعليم عن التعرض لذلك، فلو كان الرفع واجبا لكان احرى بالذكر من جملة من الامور المستحبة المذكورة فيها. وثانيا: انه تدل على ارادة الاستحباب من الاوامر الواردة في هذه الصاح صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 14. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 11.

[ 173 ]

الواردة في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي (ع) قال: وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما (1) فان التنبيه على ذلك في مقام الوصية من مثل النبي الاعظم صلى الله عليه وآله لوصيه الاكرم (ع) أقوى شاهد على استحبابه والعناية بشأنه كيلا يترك، وإلا فلو كان واجبا لعرفه كل أحد حتى النساء. فلا حاجة إلى مزيد الاهتمام بشأنه في مقام الايصاء بل هو امر لابد من مراعاته في الصلاة كساير الاجزاء والشرائط التى يتحفظ عليها كل من يتصدى للصلاة، أفهل ترى صحة أن يوصي أحد أحدا سيما إذا كان عالما فقيها ان يراعي الاستقبال أو الطهارة في الصلاة؟ أم هل وردت في شئ من الروايات الوصية ولا سيما من مثل النبي صلى الله عليه وآله للوصي (ع) بمراعاة واجبات الصلاة من الاجزاء والشرائط. وثالثا: انه تدل عليه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: قال على الامام أن يرفع يده في الصلاة ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة (2) فان مناسبة الحكم والموضوع تقضي بأن المراد رفع اليدين حال تكبير الاحرام كي يتبين للمأموم دخول الامام في الصلاة فيأتم. وقد دلت صريحا على عدم الوجوب في المأموم، فكذا الامام لعدم القول بالفصل فتحمل على الاستحباب مع اختلاف مرتبة الفضل وانه في الامام آكد. ولا يعارض بقلب الدعوى وجعل الامر بالعكس لاستلزام طرح النفي في قوله ليس على غيره - بالكية بخلاف


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام 8. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 7.

[ 174 ]

[ إلى الاذنين أو إلى حيال الوجه أو إلى النحر (1) مبتدئا ] الاول، فان الامر حينئذ محمول على الاستحباب كما عرفت. هذا وصاحب الحدائق قد تعرض لهذه الصحيحة وناقش فيها بالاجمال واحتمال ارادة القنوت فيها، وهذا من غرائب كلماته فان مناسبة الحكم والموضوع - كما عرفت - تقضي بارادة تكبيرة الاحرام ولم يحتمل احد التفصيل بين الامام والمأموم في القنوت والسيرة القطعية شاهدة بخلافه، هذا مع ان الرواية وردت بطريق آخر صرح فيها برفع اليدين في التكبيرة وقد نقل هذا الطريق في الوسائل متصلا بالطريق الاول، ومن المقطوع به عادة ان صاحب الحدائق لاحظه واطلع عليه فكيف أهمله واعرض عنه وأبدى الاحتمال المزبور. نعم هذا الطريق ضعيف عندنا من جهة عبد الله بن الحسن الواقع في سند الحميري، ولكنه يراه صحيحا ويعتمد عليه فلا سبيل للاعتذار عنه بذلك. (1): - فان المستفاذ من مجموع الروايات بعد ضم بعضها إلى البعض هو التخيير بين الامور الثلاثة لتعلق الامر بكل منها. أما النحر فيدل عليه صريحا المرسل المروي في مجمع البيان عن علي (ع) في قوله تعالى: فصل لربك وانحر أن معناه ارفع يديك إلى النحر في الصلاة (1) فما في الحدائق (2) من عدم وقوفه على


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 10. (2) ج 8 ص 47.

[ 175 ]

[ بابتدائه ومنتهيا بانتهائه (1) فإذا انتهى التكبير والرفع ارسلهما، ولا فرق بين الواجب منه والمستحب في ذلك ] لفظ النحر في شئ من الاخبار غريب (1)، وقد وقع كما اعترف به - في صحيحة معاوية بن عمار ما يؤدي هذا المعنى وان لم يكن بلفظه، قال: رأيت أبا عبد الله (ع) حين افتتح الصلاة يرفع يديه اسفل من وجهه قريبا (2)، فان القريب من اسفل الوجه ملازم للنحر. واما حيال الوجه فالاخبار الواردة فيه كثيرة كصحيحة عبد الله بن سنان (3) وغيرها فلاحظ. واما إلى الاذنين فتدل عليه رواية أبي بصير، إذا افتتحت الصلاة فكبرت فلا تجاوز اذنيك (4) فان النهي عن تجاوز الاذن يدل على ان غاية حد الرفع هو البلوغ إلى الاذن، فهذا هو اقصى حد الاستحباب. (1): - كما يقتضيه ظاهر المقارنة بين التكبير والرفع في صحيحة


(1) ربما يظهر من عبارة المجمع ج 10 ص 550 ان هذا المرسل نقل بالمعنى ومصطاد من النصوص لا انه عين لفظ النص فلا يكون صريحا في الرد على الحدائق (والاولى) تبديله بمرسل الصدوق في الفقيه قال (وارفع يديك بالتكبير إلى نحرك) الفقيه ج 1 ص 198 ط نجف. وكيفما كان فمرسل الجمع مروي من طرقنا لامن طرق العامة كما جاء في جامع الاحاديث ج 2 ص 272 (2) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 2. (3) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 3. (4) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 5 .

[ 176 ]

[ والاولى ان لا يتجاوز بهما الاذنين (1)، نعم ينبغي ضم اصابعهما حتى الابهام والخنصر، والاستقبال بباطنهما القبلة ] معاوية بن عمار: " حين افتتح الصلاة يرفع يديه. الخ " (1) فان اطلاق القضية الحينية يقتضي الاقتران في تمام اجزء المتقارنين ونتيجته اقتران اول التكبير باول الشروع في الرفع، واقتران آخره بالانتهاء عنه الذي هو غاية حد الرفع. نعم مقتضى صحيح الحلبي: " فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات (2) وقوع التكبير بعد حصول الرفع فلا تعتبر المقارنة. فهذه الطريقة ايضا مجزية في العمل بالاستحباب. واما التكبير بعد انتهاء الرفع وحال ارسال اليدين فلا دليل عليه. (1): لبلنهي عنه في صحيح زرارة بقوله: " ولا تجاوز بكفيك اذنبك (3)، وقد وقع الخلاف في انه تنزيهي - كما يظهر من المتن - أو تحريمي، وعلى الثاني فهل هو نفسي أو غيري؟ لكن الظاهر انه ارشاد إلى تقيد المستحب، وهو رفع اليدين بعدمه. وتوضيحه إنا وان ذكرنا في محله عدم حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات لكنه خاص بما إذا كان القيد مستحبا كالمطلق والوجه في عدم الحمل حينئذ ظاهر، إذ بعد جواز ترك القيد كما هو مقتضى فرض استحابه لم يكشف عن تقيد المطلق به، واما إذا كان المقيد بلسان


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 2. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 2.

[ 177 ]

[ ويجوز التكبير من غير رفع اليدين بل لا يبعد جواز العكس (1). ] النهي كما في المقام فلا مناص من حمل المطلق عليه، إذا لا وجه لحمل النهي على التنزيه بعد كونه ظاهرا في التحريم نعم قامت القرينة العامة في باب المركبات على انقلاب ظهور الاوامر والنواهي من الوجوب والتحريم إلى الارشاد إلى الجزئية والشرطية أو المانعية. وعليه فالنهي في المقام يرشد إلى مانعية التجاوز عن الاذن عن العمل بالرفع المستحب. فيكشف لا محالة عن تقيد موضوع الاستحباب بعدمه ونتيجة ذلك حمل المطلق على المقيد، وان العمل بالاستحباب مشروط بعدم التجاوز عن الاذن (1): - اما التكبير من غير الرفع فهو مقتضى فرض استحباب الرفع لا وجوبه كما تقدم. واما عكسه اعني الرفع من غير تكبير فلا دليل عليه، إذ لم يثبت استحبابه في نفسه، والاستدلال له بالتعليل الوارد في بعض النصوص المتقدمة من ان رفع اليدين ضرب من الابتهال والتبتل والتضرع كما في خبر الفضل بن شاذان (1) مخدوش: بضعف سند الخير في نفسه كما مر، مضافا إلى قصور الدلالة إذ ظاهرها ارادة الرفع حال التكبير لا مطلقا كما لا يخفى (2). (1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 11. (2) ولكن يمكن الاستدلال له بموثقة ابن مسكان عن أبي عبد الله (ع) قال في الرجل يرفع يده كلما أهوى للركوع والسجود وكلما رفع رأسه من ركوع أو سجود. قال: هي العبودية. الوسائل: باب 2 من أبواب الركوع ح 3. حيث لم يفرض فيها اقتران الرفع بالتكبير.

[ 178 ]

[ (مسألة 15): - ما ذكر من الكيفية في رفع اليدين إنما هو على الافضلية (1) وإلا فيكفي مطلق الرفع، بل لا يبعد جواز رفع احدى اليدين دون الاخرى. ] (1): - فان ما سبق في الكيفية من رفع اليدين إلى الاذنين أو إلى حيال الوجه، أو إلى النحر وان ورد بها النص كما عرفت، إلا أنه يدل على الاكتفاء بمطلق الرفع ما ورد في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي (ع) من قوله: " وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما " (1) إذ لا مقتضي لحمل المطلق على المقيد في باب المستحبات فتكون تلك الكيفية افضل الافراد مع عموم الاستحباب لغيرها. ومنه تعرف ان الاستقبال بباطن اليدين إلى القبلة المذكور في رواية منصور (2) أيضا كذلك. واما جواز رفع احدى اليدين دون الاخرى فهو مشكل وإن لم يستبعده في المتن لاختصاص النصوص برفع اليدين معا، فلا دليل على استحباب الواحدة، عدا توهم استفادته من التعليل الوارد في رواية الفضل بن شاذان المتقدمة من انه ضرب من الابتهال والتبتل (وفيه) مضافا إلى ضعف السند كما مر، ان مورده أيضا رفع اليدين، ولعل لانضما مهما مدخلية في حصول العلة فلا يمكن الجزم بالاستحباب نعم لا بأس بالاتيان بعنوان الرجاء.


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 8. (2) الوسائل: باب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 6

[ 179 ]

[ مسألة 16): - إذا شك في تكبيرة الاحرام فان كان قبل الدخول فيما بعدها بنى على العدم (1)، وإن كان بعد الدخول فيما بعدها من دعاء التوجه أو الاستعاذة أو القراءة بنى على الاتيان، وإن شك بعد إتمامها انه أتى بها صحيحة أو لابنى على العدم، لكن الاحوط ابطالها بأحد المنافيات ثم استئنافها، وإن شك في الصحة بعد الدخول فيما بعدها بنى على الصحة. ] (1): - قد يفرض الشك في وجود التكبيرة واخرى في صحتها بعد العلم بالوجود. اما الاول: فلا ريب في وجوب الاعتناء والبناء على العدم فيما إذا كان الشك قبل الدخول فيما بعدها لمفهوم قوله (ع) في بعض اخبار قاعدة التجاوز: " إذا شككت في شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ " الدال على لزوم الاعتناء بالشك قبل تجاوز المحل مضافا إلى استصحاب العدم السالم عن اي دليل حاكم. كما لاريب في عدم الاعتناء فيما إذا كان الشك بعد الدخول فيما بعدها من الجزء الوجوبي كالقراءة لقاعدة التجاوز المستفادة من نصوص كثيرة الحاكمة على الاستصحاب المزبور، بل ان صحيحة زرارة (1) صريحة في عدم الاعتناء بالشك في التكبير بعد ما قرأ. إنما الكلام فيما إذا كان الشك المذكور بعد الدخول في الجزء


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1

[ 180 ]

المستحب من الاستعاذة أو دعاء التوجه، فان في جريان القاعدة حينئذ خلافا تعرضنا له ولتحقيق الحال فيه في الاصول. (وملخصه) انه قد اعتبر في لسان اخبار الباب عنوان الدخول في الغير فهل المراد به مطلق ما كان مغايرا للمشكوك وإن لم يكن مترتبا عليه كالفعل العادي أو مطلق الذكر والدعاء والقرآن، أو المراد خصوص ما كان مترتبا وعلى الثاني فهل يختص الجزء المترتب بما كان مسانخا للمشكوك فيه في الوجوب أو يعمه وغير المسانخ؟ وجوه، بل اقوال. فعلى الاول والاخير تجري القاعدة في المقام دون الثاني. لكن لاسبيل إلى الاول، لان المأخوذ في الاخبار عنوان الدخول في الغير المستلزم للخروج عن المشكوك فيه وحيث لا معنى للخروج عن نفسه للشك في اصله فلا محالة يراد به الخروج عن محله المتوقف على الدخول فيما هو مترتب عليه، وإلا فمجرد الاتيان بغير لا ترتب بينه وبين المشكوك فيه لا يحقق عنوان التجاوز عن المحل بالضرورة. فعنوان الدخول والخروج يستدعيان اختصاص الغير بما يكون مترتبا. ومن هنا ذكرنا في محله انه لو قام إلى الركعة الثالثة وشك في الاتيان بالسجدتين مع تذكره حينئذ فوت التشهد لا تجري القاعدة فيهما، فان الشك المزبور وان كان بعد الدخول في الغير وهو القيام الا ان هذا القيام لاجل وقوعه على صفة الزيادة من جهة ترك التشهد المستلزم لهدمه وتداركه لا يكون مترتبا على المشكوك فيه لعدم كونه مصداقا للمأمور به. نعم بناءا على القول الآخر أعني الاكتفاء بمطلق الغير تجري القاعدة حينئذ. كما لاسبيل إلى القول الاخير المبني على التمسك باطلاق قوله (ع)

[ 181 ]

في ذيل صحيحة زرارة: " يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " (1) الذي هو بمنزلة اعطاء ضابط كلي. إذ فيه: ان الامثلة المذكورة في الصحيحة من الشك في التكبيرة وهو في القراءة، وفيها وهو في الركوع، وفيه وهو في السجود كلها من قبيل الشك بعد الدخول في الجزء الوجوبي، فلا ينعقد الاطلاق لذالك الضابط بحيث يعم الجزء الاستحبابي، إذ من الجائز ان تكون هذه قرينة على اختصاص الضابط بموارد الجزء الوجوبي فيكون من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينة الموجب للاجمال، إذ معه لم يحرز كونه (عليه السلام) في مقام البيان من جميع الجهات كي ينعقد الاطلاق. هذا مع انا اشرنا في بعض المباحث السابقة إلى التنافي بين الجزئية والاستحباب، إذ مقتضى الاول دخل شئ في الماهية وتقومها به المستلزم لانتفائها بانتفائه، فكيف يجتمع ذلك مع الثاني الراجع إلى جواز الترك، وعدم الدخل، فما يترائى من الاجزاء المستحبة مرجعها إلى استحباب شي ء ظرفه الواجب. وعليه فعدم جريان القاعدة حينئذ اظهر لعدم ترتب بين المستحب والمشكوك فيه بوجه. ومن جميع ما ذكرناه تعرف ان المتعين انما هو القول الثاني، أعني اختصاص الغير بالجزء الوجوبي، فلا يكفي الدخول في المستحب بل الشك معه من الشك في المحل، ويزيده وضوحا انه لاشك في عدم جريان قاعدة التجاوز لو رأى نفسه في التعقيب وشك في انه هل صلى أو دخل في التعقيب ابتداءا مع انه مستحب مترتب على


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1

[ 182 ]

الصلاة، فلو كان مطلق الدخول في الغير المترتب وان لم يكن مسانخا كافيا في جريان القاعدة لزم البناء على الاتيان بالصلاة في المثال مع انه لايبنى عليه بلا اشكال فتأمل. واما الثاني: اعني الشك في الصحة بعد العلم بالوجود، فان كان بعد الدخول في الغير فلا ينبغي الشك في الحكم بالصحة لقاعدة الفراغ بناءا على ما هو الصحيح من جريانها في اجزاء المركب كنفسه لعدم قصور في اطلاق قوله (ع) في موثق ابن مسلم: " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " (1) للشمول للاجزاء، بل ان الشك في الصحة يرجع في الحقيقة إلى الشك في الوجود - اي في وجود الصحيح إذ لا نعني به إلا الشك في وجود المأمور به المساوق للصحيح لا في مطلق الوجود، فتشمله ادلة قاعدة التجاوز، ولذا ذكرنا في محله ان القاعدتين الفراغ والتجاوز - مرجعهمه إلى قاعدة واحدة وتمام الكلام في محله. واما إذا كان قبل الدخول في الغير فالاقوى أيضا ذلك لعدم اعتبار الدخول في الغير في مورد قاعدة الفراغ اعني الشك في الصحة، وإنما اعتبرناه في مورد التجاوز لعدم صدق المضي والتجاوز عن الشئ المشكوك وجوده إلا بالتجاوز عن محله المتوقف على الدخول في الغير، وأما المشكوك صحته فالمضي عنه إنما يتحقق بمجرد الفراغ منه من دون حاجة إلى الدخول في الغير فيشمله قوله (عليه السلام) في موثق ابن مسلم المتقدم: " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو ". فما أفاده في المتن من البناء على العدم حينئذ في غير محله. وأما


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 3 .

[ 183 ]

[ وإذا كبر ثم شك في كونه تكبيرة الاحرام أو تكبير الركوع بنى على انه للاحرام (1). ما أفاده (قده) من ان الاحوط ابطالها بأحد المنافيات ثم استئنافها فعجيب إذ كيف يكون الابطال موافقا للاحتياط مع احتمال صحة الصلاة كما هو المختار على ما عرفت والبناء على حرمة قطع الفريضة كما عليه المشهور. فهذا الاحتياط وان احرز معه صحة الصلاة لكنه مخالف للاحتياط من جهة اخرى لاحتمال ارتكاب الحرام من اجل قطع الفريضة، بل ان سبيل الاحتياط في المقام الاتيان بتكبيرة اخرى رجاءا بقصد انه ان كانت الاولى باطلة فالافتتاح يقع بهذه وإلا فتقع ذكرا. ومثل هذه الزيادة المأتي بها بقصد القربة المطلقة لا بقصد الجزئية غير مشمولة لادلة الزيادة العمدية المبطلبة لاختصاصها بما إذا أتى بها بنية جزمية لا بقصد الرجاء كما عرفت سابقا. (1): - والوجه فيه ظاهر، إذ مرجع الشك حينئذ إلى الشك في وجود القراءة، وحيث انه في المحل لزم الاعتناء به عملا بالاستصحاب وقاعدة الشك في المحل.

[ 184 ]

[ فصل: في القيام وهو اقسام: إما ركن وهو القيام حال تكبيرة الاحرام (1)، والقيام المتصل بالركوع، بمعنى ان يكون الركوع عن قيام، فلو كبر للاحرام جالسا أو في حال النهوض بطل ولو كان سهوا، وكذا لو ركع لاعن قيام بان قرأ جالسا ثم ركع، أو جلس بعد القراءة ام في اثنائها وركع، وان نهض متقوسا إلى هيئة الركوع القيامي. (1): - لاريب في وجوب القيام في الصلاة في الجملة كتابا وسنة، اما الكتاب فقوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا. الخ بضميمة ما ورد في تفسيره من ان الذكر هو الصلاة، والقيام فيها وظيفة الاصحاء، كما ان القعود وظيفة المرضى، وعلى جنوبهم من هو دون المرضى. واما السنة فروايات كثيرة جملة منها معتبرة كصحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع) في حديث: وقم منتصبا فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال من لم يقم صلبه فلا صلاة له (1) وغيرها. وهل هو ركن مطلقا أو في خصوص حال التكبير للاحرام والمتصل


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القيام ح 1

[ 185 ]

بالركوع، أو ليس بركن؟ مقتضى اطلاق كلمات جملة من الاصحاب انه ركن على الاطلاق تبطل الصلاة بنقيصة عمدا وسهوا مستدلين عليه باطلاق دليل الوجوب مما عرفت الشامل لحال السهو، بل وزيادته كذلك بناءا على ما هو المعروف عندهم من تفسير الركن بما يعم الاخلال من حيث الزيادة كالنقيصة. ومن هنا أشكل الامر في كيفية تصوير الزيادة في القيام من حيث هو فانه لا يتحقق في تكبيرة الاحرام إلا بتكرارها كما لا يتحقق في المتصل بالركوع إلا بتعدد الركوع، وحينئذ يستند البطلان إلى زيادة الاحرام أو الركوع دون القيام، وإلا فمن الضروري ان زيادة مجرد القيام كما لو نسي التشهد فغام ثم تذكر فعاد لا يوجب البطلان. والذي ينبغي أن يقال في المقام ان الاخلال بالقيام حال تكبيرة الاحرام مبطل للصلاة عمدأ كان أو سهوا. أما الاول فلدليل وجوبه من الكتاب والسنة كما مر. وأما الثاني فلموثقة عمار قال (ع) فيها: " وكذلك إن وجبت عليه الصلاة من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة وهو قاعد فعليه أن يقطع صلاته ويقوم ويفتتح الصلاة وهو قائم الخ " (1). فهو ركن فيها بمعنى ان تركه عمدا وسهوا مبطل وهل هو ركن مستقل في عرض تكبيرة الاحرام أو انه شرط فيها، ومقوم لركنيتها فليس الركن إلا التكبيرة المقيدة بكونها في حال القيام، كما لعله الاظهر؟ لا اثر عملي لهذا البحث أصلا كما لا يخفى. وأما الاخلال به فيها من حيث الزيادة فقد عرفت انه لا يتصور إلا بزيادة تكبيرة الاحرام، وحينئذ فتبطل الصلاة بزيادتها أيضا سهوا


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب القيام ح 1 .

[ 186 ]

فضلا عن العمد بناءا على المشهور في ذلك واما على المختار من عدم البطلان بزيادة التكبيرة سهوا كما عرفت سابقا فلا، وقد اشرنا فيما سبق ان المناط في الركنية رعاية الاخلال العمدي والسهوي من حيث النقيصة دون الزيادة. وأما القيام حال القراءة فهو واجب بالادلة المتقدمة لكنه ليس بركن. فلا يقدح الاخلال به سهوا، فلو قرأ جالسا سهوا مع مضي محل التدارك صحت صلاته عملا بعموم حديث لا تعاد لعدم كون القيام من الخمسة المستثناة. ومنه يظهر الحال في القيام بعد الركوع. واما القيام المتصل بالركوع فهو واجب ركني تبطل الصلاة بتركه حتى سهوا، وذلك لدخله في مفهوم الركوع فان حقيقته متقوم بالانحناء الخاص عن قيام يقال شجرة راكعة، اي منحنية بعد الاستقامة، وإلا فمجرد الانحناء غير المسبوق بالقيام كالمخلوق كذلك وكما لو نهض متقوسا إلى هيئة الركوع القيامي لا يطلق عليه الركوع لا لغة ولا عرفا، بل هو على هيئة الراكع. وعليه فالاخلال يمثل هذا القيام حيث انه يؤدي إلى الاخلال بالركوع فتركه حتى سهوا يوجب البطلان لكونه في الحقيقة اخلالا بالركوع الذي هو من احد الخمسة المستثناة في حديث لا تعاد. وأما الاخلال به من حيث الزيادة فلا تتصور إلا بزيادة الركوع المبطلة ولو سهوا بلا اشكال وهنا ايضا كالتكبير لا اثر للبحث عن ان القيام ركن مستقل أم شرط مقوم للركوع، وان كان الاظهر هو الثاني - كما عرفت -، فان الاخلال به نقصا وزيادة لا يكون إلا بنقيصة الركوع زيادته، ومعهما يتحقق البطلان سواء استند إلى الاخلال بالركوع أم بالقيام المتصل به.

[ 187 ]

وقد تحصل من جميع ما ذكرناه ان القيام في حالات تكبيرة الاحرام والقراءة، والمتصل بالركوع، وما بعد الركوع واجب كل ذلك لاطلاق الادلة، والركن منها هو الاول والثالث، فتبطل الصلاة بتركه فيهما عمدا وسهوا، كما تبطل بزيادة ولو سهوا في الثالث بلا اشكال، وكذا في الاول على المشهور من البطلان بزيادة تكبيرة الاحرام السهوية، وان كان الاقوى خلافه. وبذلك يستغنى عن التعرض لكثير مما ذكر في المقام من النقض والابرام، إذ لا طائل تحتها كما لا يخفى. هذا. وقد يناقش فيما ذكرناه من دخل القيام المتصل بالركوع في حقيقة الركوع بمنع الدخل، إذ الركوع من الجالس ركوع قطعا عرفا مع عدم سبقه بالقيام، فالدليل على ركنيته منحصر بالاجماع. وفيه من الخلط ما لا يخفى، إذ لا ندعي دخل مطلق القيام في كل ركوع، بل المدعى تقوم الركوع بالقيام المناسب له حسب الوظيفة الفعلية، فالركوع من الجالس متقوم بالانحناء عن استقامة جلوسية، كما ان الركوع القيامي متقوم بالانحناء عن استقامة قيامية، فمن كانت وظيفته القيامي لا يجديه سبقه بالاستقامة الجلوسية بأن يقوم عن الجلوس متقوسا إلى حد الركوع، فان ذلك معتبر فيمن كانت وظيفته الركوع الجلوسي لا مطلقا. وهذا نظير أن يصلي متيمما مع كونه واجدا للماء فان التيمم وان كان طهورا ولا صلاة إلا بطهور لكنه وظيفة الفاقد دون الواجد، فكما لا يكفي التيمم هناك، لا تكفي الاستقامة الجلوسية فيما نحن فيه، للزوم جري المكلف على طبق وظيفته الفعلية، (وعلى الجملة) فليست الدعوى

[ 188 ]

[ وكذا لو جلس ثم قام متقوسا من غير ان ينتصب ثم يركع (1) ولو كان ذلك كله سهوا. ] تقوم الركوع بالقيام مطلقا حتى يتوجه النقض بالركوع الجلوسي كما ذكر. فالدليل على وجوب القيام المتصل بالركوع وركنيته ليس إلا ما عرفت من دخله في مفهوم الركوع لتقومه به، فالاخلال به اخلال به. واما الاستدلال بالاجماع فساقط لعدم كونه اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم عليه السلام بعد احتمال استناد المجمعين بهذا الوجه لو لم ندع القطع بذلك لاستدلال غير واحد به صريحا. (1): - قد عرفت تقوم الركوع بالقيام، فلو اخل به بان لم يأت بالقيام اصلا كما لو قرا جالسا، أو جلس بعد القراءة أو اثنائها ثم نهض متقوسا إلى هيئة الركوع القيامي بطلت صلاته ولو كان ذلك سهوا للاخلال بالركوع، فان غير المسبوق منه بالقيام ليس من حقيقة الركوع في شئ، وإنما هو على هيئة الراكع كما عرفت. واما لو قام في هذه الفروض متقوسا إلى ان تجاوز حد الركوع غير انه لم ينتصب قائما ثم ركع فكان ركوعه عن قيام غير منتصب فلا شك في البطلان حينئذ لو كان ذلك عن عمد لاخلاله بالانتصاب الواجب بمقتضى اطلاق الادلة مثل قوله (ع) في صحيحة زرارة المتقدمة (ثم منتصبا) الشامل باطلاقه لمثل هذا القيام. (وبعبارة اخرى) دلت هذه الادلة بمقتضى الاطلاق على وجوب الانتصاب

[ 189 ]

[ وواجب غير ركن: وهو القيام حال القراءة وبعد الركوع (1)، ومستحب: وهو القيام حال القنوت وحال تكبير الركوع، وقد يكون مباحا: وهو القيام بعد القراءة، أو التسبيح، أو القنوت أو في اثنائها مقدارا من غير أن يشتغل بشي ء وذلك في غير المتصل بالركوع وغير الطويل الماحي للصورة. ] مهما وجب القيام، فلا يجتزى بالقيام الانحنائي، وقد ثبت وجوب القيام في المقام بمقتضى دخله في مفهوم الركوع كما عرفت. وبعد ضم الكبرى إلى الصغرى ينتج وجوب الانتصاب في القيام المتصل بالركوع فالاخلال به عمدا يوجب البطلان. واما لو اخل به سهوا فالاقوى عدم البطلان وذلك لما عرفت من عدم الدليل على وجوب القيام المتصل بالركوع فضلا عن ركنيته عدا دخله في تحقق الركوع وتقومه به. ومن الواضح ان الدخيل إنما هوم جامع القيام الاعم من المشتمل على الانتصاب وعدمه، فان الركوع المسبوق بالقيام الانحنائي ركوع حقيقة، فالانتصاب واجب آخر معتبر في القيام. وعليه فالاخلال به سهوا غير قادح أخذا بعموم حديث لا تعاد، لعدم كون الانتصاب من الخمسة المستثناة. (1): - قد تحصل من جميع ما قدمناه ان القيام على اقسام: واجب ركني بمعنى بطلان الصلاة بتركه عمدا وسهوا، وواجب غير ركني، ومستحب، ومباح، اما الاول فهو القيام حال تكبيرة الاحرام

[ 190 ]

[ (مسألة 1): يجب القيام حال تكبيرة الاحرام من اولها إلى آخرها، بل يجب من باب المقدمة قبلها وبعدها (1) فلو كان جالسا وقام للدخول في الصلاة وكان حرف واحد من تكبيرة الاحرام حال النهوض قبل تحقق القيام ] والمتصل بالركوع. واما الثاني: فهو القيام حال القراءة فانه واجب بمقتضى الكتاب والسنة كما مر، وليس بركن بمقتضى حديث لا تعاد الدال على صحة الصلاة مع الاخلال بكل جزء أو شرط عدا الخمسة المستثناة، وكذا الحال في القيام بعد الركوع. واما الثالث: فهو القيام حال القنوت، والمراد من استحبابه حالة جواز تركه بترك القنوت كما سيتعرض له الماتن، لاتركه حال القنوت بأن يقنت جالسا لعدم الدليل على مشروعيته كذلك، فهو في الحقيقة واجب شرطي، وليس من المستحب الاصطلاحي، فحاله حال الطهارة لصلاة النافلة حيث يجوز تركها بترك النافلة، لا الاتيان بالنافلة بدونها كما هو ظاهر. واما الرابع: فهو القيام بعد القراءة، أو التسبيح، أو القنوت أو اثنائها، فان يجوز الفصل بينها بمقدار لا تمحو معه الصورة كما يجوز الوصل، فالقيام حال هذه السكنات مباح إلا مع الفصل الطويل الماحي فيحرم. (1): - أي من باب المقدمة العلمية، حيث ان القيام في تكبيرة الاحرام واجب من اولها إلى آخرها، وبما ان الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية فلا يكاد يحصل القطع بالفراغ، وحصول

[ 191 ]

بطل، كما انه لو كبر المأموم وكان الراء من أكبر حال الهوي للركوع كان باطلا، بل يجب ان يستقر قائما ثم يكبر، ويكون مستقرا بعد التكبير ثم يركع. (مسألة 2): هل القيام حال القراءة وحال التسبيحات الاربع شرط فيهما أو واجب حالهما (1) وجهان: الاحوط الاول والاظهر الثاني، فلو قرأ جالسا نسيانا ثم تذكر بعدها أو في اثنائها صحت قراءته وفات محل القيام، ولا يجب استئناف القراءة لكن الاحوط الاستئناف قائما. ] الامتثال خارجا إلا بسبق القيام على اولها آناما، ولحوقه بها من آخرها كذلك. وعليه فاللازم على المأموم الصبر هينئة حتى يقطع بوقوع تمام التكبيرة حال القيام ثم يهوي إلى الركوع، فلو قوع الراء من اكبر حال الهوي بطل. (1): - تردد (قده) في ان القيام حال القراءة، وكذا التسبيحات الاربع هل هو شرط فيهما كما قد يقتضيه ظواهر النصوص أو انه واجب مستقل حالهما في عرض ساير الاجزاء، كما لعله الظاهر من كلمات الاصحاب حيث يعدونه جزءا مستقلا من اجزاء الصلاة، ويساعده ظاهر قوله عليه السلام: (وقم منتصبا) في صحيحة زرارة المتقدمة، ثم استظهر الثاني وجعل الاول احوط. وفرع (قده) على مختاره صحة القراءة وعدم وجوب إستينافها

[ 192 ]

فيما لو قرأ جالسا نسيانا ثم تذكر بعدها أؤ اثناءها، إذ لا اخلال حينئذ الا بالقيام، واما القراءة فهي صحيحة قد سقط امرها لعدم اشتراطها بشئ على الفرض وحيث فات محل القيام لسقوط الامر بالقراءة فلا موقع لتداركه، وبما ان فوته مستند إلى النسيان فهو مشمول لحديث لا تعاد وهذا بخلاف المبنى الآخر لبطلان القراءة حينئذ من جهة الاخلال بشرطها فلم يسقط امرها، وحيث ان محلها باق لفرض التذكر قبل الدخول في الركوع وجب استينافها. أقول: الظاهر انه لا اثر لهذا النزاع، والبحث علمي بحت كما ذكرنا نظيره في القيام حال تكبيرة الاحرام، فان الثمرة العملية المزبورة غير تامة للزوم استيناف القراءة على التقديرين، أما على الشرطية فواضح كما مر واما بناءا على وجوبه حال القراءة فلوضوح ان اجزاء الصلاة باسرها ارتباطية، ومقتضى ذلك اختصاص الجزئية بصورة الانضمام بساير الاجزاء. فالركوع مثلا إنما يعد من اجزاء الصلاة إذا كان مسبوقا بالقراءة وملحوقا بالسجود، ومقارنا للستر والاستقبال والطهارة ونحوها، وهكذا الحال في ساير الاجزاء، فان فرض الارتباطية بينها يستدعي الاشتراط بامر سابق أو لاحق أو مقارن على سبيل منع الخلو. وعليه: فالقراءة الواجبة المحسوبة من اجزاء الصلاة هي الحصة المقارنة للقيام بعد فرض وجوبه حالها، فغير المقارن غير واجب، والقراءة الجلوسية ليست من اجزاء الصلاة للمتمكن من القيام، فلو قرأ جالسا لم يأت بعد بالجزء الواجب، فيجب استيناف القراءة لعدم سقوط امرها، فإذا استأنفها قائما صحت الاجزاء السابقة من

[ 193 ]

[ (مسألة 3): المراد من كون القيام مستحبا حال القنوت (1) انه يجوز تركه بتركه، لا انه يجوز الاتيان ] التكبيرة أو الركعة ايضا لحصول شرطها اعني الحقوق بالقرائة المأمور بها. وبعبارة اخرى: لا قصور في تلك الاجزاء في حد انفسها عدا عدم اتصافها بالملحوقية بالقراءة المأمور بها بمقتضى الارتباطية الملحوظة بينها وبعد استينافها يحصل الاتصاف لا محالة فلا يوجب لاعادتها كما توهم وعلى الجملة لا مناص من اخذ القيام قيدا مقارنا للقرائة بمقتضى الارتباطية سواء لوحظ شرطا مقوما لها أم واجبا مستقلا حالها، فمع الاخلا به وجب استينافها على التقديرين لعدم حصول الجزء فلا اثر عملي لهذا البحث. (1): - تقدمت الاشارة إلى ان اطلاق المستحب على القيام حال القنوت مبني على ضرب من التسامح وانه بالوجوب الشرطي اشبه، إذ ليس المراد جواز تركه حال القنوت لعدم ثبوت مشروعية القنوت جالسا، بل المراد تركه بترك القنوت فهو نظير الطهارة بالاضافة إلى صلاة النافلة حيث يحوز تركها بترك النافلة لا تركها حال التنفل. وهذا اعني عدم مشروعية القنوت جالسا كأنه من المسلمات المفروغ عنها بينهم، وان القيام شرط فيه لا مستحب حاله. ويمكن الاستدلال عليه مضافا إلى الاخبار المتضمنة لتعيين محله وأنه بعد القراءة وقبل الركوع، إذ لا ينسبق إلى الذهن منها الجلوس بينهما كما لا يخفى بموثقة عمار الواردة في نسيان القنوت قال (ع) فيها: " إن ذكرها وقد اهوى إلى الركوع قبل أن يضع يديه على

[ 194 ]

[ بالقنوت جالسا عمدا، لكن نقل عن بعض العلماء جواز اتيانه جالسا وان القيام مستحب فيه لا شرط. وعلى ما ذكرنا فلو اتى به جالسا عمدا لم يأت بوظيفة القنوت بل تبطل صلاته للزيادة (1). (مسألة 4): لو نسي القيام حال القراءة (2) وتذكر ] الركبتين فليرجع قائما وليقنت ثم ليركع. الخ " (1) (1): - اما عدم الاتيان بوظيفة القنوت فظاهر مما مر لاختصاص الوظيفة بحال القيام وعدم ثبوت مشروعيته جالسا، بل قد يكون مرتكبا للحرام إذا قصد به التشريع كما لا يخفى. واما بطلان الصلاة بذلك من جهة الزيادة ففيه اشكال، بل منع لاختصاص الزيادة المبطلة بادخال شئ في الصلاة بقصد الجزئية ولم يكن مأمورا به، وحيث ان القنوت لم يقصد به الجزئية أبدا حتى القنوت المأمور به الواقع حال القيام لما تقدم من المنافاة بين الجزئية والاستحباب فلا يكاد يتصف القنوت المزبور بالزيادة، بل غايته انه عمل عبث واقع اثناء الصلاة، ومثله لا يقتضي البطلان ما لم يستلزمه من ناحية اخرى كالفصل الطويل الماحي للصورة ونحو ذلك. (2): - بأن قرأ جالسا فان تذكره بعد الدخول في الركوع والوصول إلى حده صحت صلاته لتجاوز محل التدارك بالدخول في


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب القنوت ح 2 .

[ 195 ]

[ بعد الوصول إلى حد الركوع صحت صلاته، ولو تذكر قبله فالاحوط الاستيناف على ما مر. (مسألة 5): لو نسي القراءة أو بعضهم وتذكر بعد الركوع صحت صلاته ان ركع عن قيام، فليس المراد من كون القيام المتصل بالركوع ركنا أن يكون بعد تمام القراءة (1). (مسألة 6): إذا زاد القيام كما لو قام في محل القعود سهوا (2) لا تبطل صلاته، وكذا إذا زاد القيام حال القراءة بأن زاد القراءة سهوا، واما زيادة القيام الركني فغير متصورة من دون زيادة ركن آخر، فان القيام حال تكبيرة الاحرام لا يزاد الا بزيادتها، وكذا القيام المتصل بالركوع لا يزاد الا بزيادته والا فلو نسي القراءة أو بعضها فهوى للركوع وتذكر قبل ان يصل إلى ] الركن، إذ التدارك حينئذ يستلزم زيادة الركن المبطلة، وان كان التذكر قبله فقد ذكر في المتن ان الاحوط الاستيناف، لكنه ظهر مما مر ان الاقوى ذلك لما عرفت من ان القراءة الواجبة هي الحصة المقارنة للقيام بمقتضى فرض الارتباطية، فغير المقارن لا يكون مصداقا للواجب، وحيث انه اخل به والمحل باق وجب التدارك. (1): - بل المراد القيام آناما قبل الركوع بحيث يركع عن قيام سواء أكان بعد تمام القراءة أو في اثنائها أم بدونها كما هو واضح. (2): - قد نفرض الزيادة في القيام غير الواجب، واخرى في

[ 196 ]

[ حد الركوع رجع وأتى بما نسي ثم ركع وصحت صلاته ولا يكون القيام السابق على الهوي الاول متصلا بالركوع حتى يلزم زيادته إذا لم يتحقق الركوع بعده فلم يكن متصلا به، وكذا إذا انحنى للركوع فتذكر قبل ان يصل إلى حده انه أتى به فانه يجلس للسجدة ولا يكون قيامه قبل الانحناء متصلا بالركوع ليلزم الزيادة. ] الواجب غير الركن، وثالثة في القيام الركني. اما الاول كما لو قام في محل القعود سهوا فلا اشكال في عدم البطلان لعدم قصد الجزئية بعد فرض عدم الوجوب، ولا تتحقق الزيادة إلا بقصدها كما مر، وفي وجوب سجدة السهو عليه حينئذ كلام يأتي في محله، بل لا يبعد الجواز حتى مع العمد، كما لو قام لغاية اخرى ما لم يستلزم البطلان من جهة اخرى كالفصل الطويل الماحي للصورة. واما الثاني: فكالقيام حال القراءة، والقيام بعد الركوع، والاول لا تتصور الزيادة فيه إلا بزيادة القراءة، إذ الوجب إنما هي الحصة المقارنة للقراءة جزءا أو شرطا على الخلاف المتقدم التي لا تتكرر إلا بتكرر نفس القراءة. ومثله أيضا لا يوجب البطلان إذا كان سهوا عملا بحديث لا تعاد. وكذا الحال في الثاني كما لو اعتقد عند الهوي إلى السجود عدم القيام بعد الركوع فقام ثم تذكر الاتيان فان هذا الزيادة أيضا غير مبطلة لما عرفت من الحديث. واما الثالث: فكالقيام حال تكبيرة الاحرام، والقيام المتصل

[ 197 ]

[ (مسألة 7): إذا شك في القيام حال التكبير بعد الدخول فيما بعده (1). ] بالركوع، وهما ايضا لا تتصور الزيادة فيهما إلا بزيادة التكبير أو الركوع فيحكم بالبطلان في الثاني بلا اشكال، وفي الاول على المشهور دون المختار من عدم البطلان بزيادة التكبيرة سهوا. وكيف كان: فلو نسي القراءة أو بعضها فهوى للركوع وتذكر قبل أن يصل إلى حد الركوع رجع وأتى بما نسي ثم ركع وصحت صلاته إذ لا يكون القيام السابق متصلا بالركوع حتى تلزم الزيادة. ومثله: ما لو انحنى إلى الركوع باعتقاد عدم الاتيان به وقبل أن يصل إلى حده تذكر انه فعله فانه يهوي حينئذ للسجود ولايكون قيامه السابق على الانحناء متصلا بالركوع لتلزم الزيادة لعدم تعقبه به كما هو واضح. (1): - غير خفي ان مرجع الشك حينئذ إلى الشك في صحة التكبيرة سواء أقلنا بأن القيام شرط فيها أم بنينا على انه واجب حالها وركن مستقل في عرضها، اما على الاول فواضح، وكذا على الثاني بناءا على ما عرفت من ان فرض الارتباطية بين الاجزاء يستدعي فرض اشتراط بعضها ببعض على نحو الشرط المتقدم، أو المتأخر، أو المقارن على سبيل منع الخلو، فالتكبيرة الصحيحة هي الحصة المقارنة للقيام. وعليه فالشك في المقام مجرى لقاعدة الفراغ دون التجاوز، وقد مر قريبا عدم اعتبار الدخول في الغير في جريانها. فالشك المزبور لا يعتنى به سواء أكان ذلك بعد الدخول فيما بعد

[ 198 ]

[ أو في القيام المتصل بالركوع بعد الوصول إلى حده (1) أو في القيام بعد الركوع بعد الهوي إلى السجود ولو قبل الدخول فيه (2) لم يعتن به وبنى على الاتيان. ] التكبيرة أم قبله. (1): - قد عرفت ان القيام المتصل بالركوع لادليل على اعتباره عدا دخله في تحقق الركوع وتقومه به من جهة اعتبار الانحناء عن القيام في ماهية الركوع، وإلا فليس هذا القيام واجبا مستقلا برأسه وعليه فمرجع الشك المزبور إلى تحقق الركوع وعدمه وان هذه الهيئة الخاصة هل كانت عن قيام كي تتصف بالركوع أو عن جلوس كى لا تتصف به وإنم هي على صورة الركوع وشكله، وحيث ان الشك في المحل وجب الاعتناء به لقاعدة الشك في المحل مضافا إلى الاستصحاب فيجب تدارك القيام ثم الركوع بعده، وان كان الاحوط الاتمام ثم الاعادة. (2): - اما إذا كان الشك فيه بعد الدخول في السجود فلا اشكال في عدم الاعتناء لقاعدة التجاوز الجارية في المقام بلا كلام. واما إذا كان في حالة الهوي قبل الدخول في السجود فان بنينا على ان المراد من القيام الواجب بعد الركوع خصوص المتصل به من غير تخلل الفصل بان يتعقب الركوع بالقيام من دون أن يفصل بينهما بشئ، فلا اشكال ايضا في عدم الاعتناء لعدم إمكان التدارك بعد فرض تخلل الفصل بالهوي إلى السجود، بل الامر كذلك حتى لو تذكر حينئذ تركه فضلا عن الشك فيه لما عرفت من مضي محل

[ 199 ]

التدارك فانه لا يمكن إلا باعادة الركوع المستلزم لزيادة الركن. واما إذا بنينا على ان المراد به مطلق القيام سواء أكان موصولا ام مفصولا فيبتني عدم الاعتناء على جريان قاعدة التجاوز عند الدخول في مقدمات الاجزاء، إذ لاريب ان الهوي مقدمة للسجود، وليس واجبا مستقلا برأسه، فبناءا على تعميم الغير الذي يعتبر الدخول فيه في جريان القاعدة للمقدمات كما يظهر من المتن ولعله المشهور يحكم بجريان القاعدة في المقام، وكذا لو شك في السجود عند النهوض إلى القيام واما بناءا على الاختصاص بالدخول في الاجزاء نفسها كما هو الاقوى على ما ستعرف فلا تجري، بل لابد من الاعتناء لكونه من الشك في المحل. وقد استدل للتعميم تارة: باطلاقات الادلة مثل قوله (ع) في ذيل صحيحة زرارة: (إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ (1) فان الغير صادق على المقدمة أيضا. واخرى: بصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قلت لابي عبد الله (ع): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع قال قد ركع (2) فانها صريحة في عدم الاعتناء بالشك عند الدخول في الهوي. ويندفع الاول بان الاطلاق المذكور مسبوق بامثلة ذكرت في صدر الصحيحة كلها من قبيل الشك في الشئ بعد الدخول في جزء واجب مستقل كالشك في التكبير بعد الدخول في القراءة، وفيها


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 1. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب الركوع ح 6 .

[ 200 ]

بعد الدخول في الركوع، وفيه بعد الدخول في السجود ومن الجائز أن يراد من الضابط المذكور في الذيل ما يكون من سنخ هذه الامثلة فلا ينعقد الاطلاق، لما يشمل الدخول في المقدمات من جهة احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية (1) الموجب للاجمال لو لم نقل بالظهور في الخلاف من اجل تلك القرينة كما لا يخفى. هذا مع انه يمكن استفادة عدم كفاية الدخول في المقدمات من جملة من النصوص حيث قيد فيها عدم الاعتناء بالشك في الركوع فيما إذا كان ذلك بعد الدخول في السجود الظاهر في لزوم الاعتناء قبله، ولو كان في حال الهوي، والتقييد المزبور وان كان واقعا في كلام السائل في جملة منها كصحيحة حماد بن عثمان قال قلت لابي عبد الله (ع): أشك وانا ساجد فلا ادري ركعت أم لا، قال: امض، ونحوها صحيحة الاخرى، وصحيحة ابن مسلم وغيرها (2) فلا يمكن الاستدلال بها أللهم إلا من حيث اشعارها في مفروغية الحكم أعني لزوم الاعتناء بالشك لو كان قبل الدخول في السجود ولو في حال الهوي لدى الرواة والسائلين. ومن هنا قيدوه بالدخول في السجود، وقد اقرهم الامام (ع) على ما هو المفروس في اذهانهم إلا ان بعض تلك النصوص قد تضمن التصريح بالتقييد في كلام الامام (ع) نفسه كصحيحة اسماعيل بن جابر قال قال أبو جعفر (عليه السلام): إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان


(1) مضافا إلى وجه آخر تعرض دام ظله - له في مباحث الخلل لاحظ الجز. السادس ص 133. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب الركوع.

[ 201 ]

شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه (1). وتقريب الاستدلال بها على عدم كفاية الدخول في الهوي من وجهين: أحدهما من ناحية المفهوم لامن حيث مفهوم الشرط ضرورة ان مفهوم القضية الشرطية عدم الشك في الركوع بعد ما سجد، لا الشك في الركوع قبل ان يسجد الذي هو المطلوب كما لا يخفى بل من حيث مفهوم الوصف حيث قيد عدم الاعتناء بالشك في الركوع بما إذا كان ذلك بعد الدخول في السجود، وقد ذكرنا في الاصول ان الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح أعني العلية المنحصرة المساوقة للانتفاء عند الانتفاء لكنها تدل على اصل العلية أعني عدم كون الطبيعة على اطلاقها وسريانها موضوعا للحكم، وإلا كان التقييد بالوصف لغوا محضا، فالتقييد في المقام يدل على ان طبيعي الشك في الركوع أينما سرى وحيثما تحقق ولو كان في حال الهوي ليس موضوعا لعدم الاعتناء (2)، وإلا كان التقييد بما بعد السجود لغوا (1) الوسائل: باب 13 من أبواب الركوع ح 4. (2) نعم لم يكن الطبيعي موضاعا لكن يكفي في صدقة لزوم الاعتناء لو كان الشك قبل الهوى واما بعده فلا يدل المفهوم عليه (وبعبارة اخرى) الشك في الركوع تارة يكون قبل الهوى واخرى حاله وثالثة بعد الدخول في السجود والتقييد بالسجود لا يكشف الا عن عدم كون طبيعي الشك موضوعا للحكم بالمضي واما ان الشك حال الهوى هل هو ملحق بالشك حال السجود أو بالشك قبل الهوى فالرواية ساكتة والمفهوم لا يعين ذلك بوجه.

[ 202 ]

وهذا هو المطلوب فتدبر جيدا. ثانيهما: قوله (ع) في ذيل الصحيحة: (كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه) حيث طبق عليه السلام هذه الكبرى على ما ذكره في المصدر من الشك في الركوع بعد ما سجد والشك في السجود بعدما قام حيث يظهر ان المراد من الغير وهو السجود والقيام لا الهوي والنهوض، وإلا كان التطبيق عليهما مع سبقهما اولى كما لا يخفى، بل يكون هذا شاهدا على ان المراد بهذه الكلية المذكورة في غير هذه الصحيحة زرارة المتقدمة أيضا ذلك. وعلى الجملة: فالاستدلال بالاطلاق في غير محله سيما بعد ملاحظة هذه الصحيحة. ويندفع الثاني بابتنائه على أن يكون المراد من كلمة (اهوى) حالة الهوي وليس كذلك فانها لغة بمعنى السقوط إلى الارض المساوق الدخول في السجود. نعم لو كانت الكلمة بصيغة المضارع (يهوي) بدل الماضي ثم الاستدلال لظهورها في الاشتغال بحالة الهوي. وهذا نظير قولك صلى زيد أو يصلي، فان الاول ظاهر في تحقق الصلاة منه، والثاني في الاشتغال بها. ومع الغض والتسليم فغايته اطلاق الصحيحة، وان قوله (ع): اهوى إلى السجود، يشمل حالتي الدخول في السجود وعدمه فيقيد الاطلاق بمقتضى صحيحة اسماعيل ابن جابر المتقدمة حيث قيد فيها عدم الاعتناء بالدخول في السجود بأحد التقريبين. والمتحصل من جميع ما ذكرناه عدم كفاية الدخول في المقدمات

[ 203 ]

[ (مسألة 8) ]: يعتبر في القيام الانتصاب والاستقرار والاستقلال (1) حال الاختيار، فلو انحنى قليلا، أو مال إلى احد الجانبين بطل، وكذا إذا لم يكن مستقرا، أو كان مستندا على شئ، من انسان أو جدار أو خشبة أو نحوها. ] من الهوي والنهوض في جريان قاعدة التجاوز. وعليه فلو شك في الركوع أو في القيام بعد الركوع عند الهوي إلى السجود قبل الدخول فيه وجب عليه الاعتناء والتدارك بقاعدة الشك في المحل مضافا إلى الاستصحاب. (1): - اما الاولان فقد مر الكلام حولهما في مبحث التكبير في المسألة الرابعة، إذ لافرق بين القيام المعتبر في التكبير وبين غيره فيما له من الاحكام، وعرفت وجوب الاول بالروايات الخاصة التي منها قوله (ع) في صحيح زرارة. وقم منتصبا. الخ (1)، وكذا الثاني بمقتضى الاجماع، وإلا فالادلة اللفظية قاصرة عن اثباته ومنه تعرف ان اعتباره - أي الاستقرار في القيام المتصل بالركوع محل اشكال بل منع لما تقدم من عدم وجوبه في نفسه، وإنما يعتبر من اجل تقوم الركوع به ودخله في تحققه، وظاهر معقد الاجماع اختصاصه بالقيام الواجب في نفسه لااقل من الشك، وحيث انه دليل لبي فلا اطلاق له بحيث يشمل مثل هذا القيام. ومن الواضح


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القيام ح 1.

[ 204 ]

ان الذي يتقوم به الركوع إنما هو جامع القيام سواء تضمن الاستقرار ام لا. واما الاستقلال في القيام وعدم الاعتماد على شئ بحيث لو أزيل لسقط فالمشهور اعتبارة في حال الاختيار، بل عليه دعوى الاجماع في كثير من الكلمات، وخالف فيه أبو الصلاح من القدماء، وجملة من المتأخرين، وهو الاقوى. ويستدل للاعتبار بوجوه: الاول: الاجماع وفيه ان المحصل منه غير حاصل، والمنقول غير مقبول مضافا إلى عدم كونه اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع) للقطع، باستناد المجمعين إلى الوجوه الآتية أو بعضها ولا اقل من احتماله. الثاني: اعتباره في مفهوم القيام كما نص عليه جمع من الاعلام وفيه ما لا يخفى ضرورة ان القيام عبارة عن نفس الهيئة الخاصة التي هي حالة من الحالات قبال ساير الهيئات من القعود والاضطجاع ونحو هما ولا يعتبر في تحققها الاستقلال وعدم الاعتماد جزما. الثالث: دعوى الانصراف إليه وإن لم يؤخذ في مفهومه وهي ممنوعة وعهدتها على مدعيها. الرابع: انه المعهود من النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليه السلام فيجب الاقتصار عليه تأسيا لقوله صلى الله عليه وآله: صلوا كما رأيتموتي أصلي وقد يقرر هذا بقاعدة الشغل، فان القطع بالفراغ عن التكليف المعلوم لا يحصل إلا بالقيام مستقلا. وفيه ان الصادر عنهم عليهم السلام وان كان كذلك يقينا إلا

[ 205 ]

ان الفعل لمكان اجماله لا يدل إلا على اصل المشروعية دون الوجوب الذي هو المطلوب، واثباته بالنبوي المذكور ممنوع، إذ مضافا إلى ضعف سنده كما تقدم سابقا لعدم رواية إلا عن طرق العامة قاصر الدلالة لعدم وجوب رعاية جميع الخصوصيات التي تضمنتها صلاته صلى الله عليه وآله بلا اشكال ولا تعين لبعضها فيوجب الاجمال، وصحيحة حماد وإن تضمن ذيلها الامر بقوله صلى الله عليه وآله يا حماد هكذا فصل، إلا انها خالية عن ذكر الاستقلال، فانا وإن كنا نقطع بكونه صلى الله عليه وآله مستقلا غير معتمد على شئ في الصلاة التي صلاها تعليما، إلا انه لم يكن شيئا مفروغا عنه بين الامام (ع) وحماد بحيث يكون ملحوظا في مقام التعليم، وإلا كان الاحرى التعرض فيها كما لا يخفى. ومنه: تعرف ان قاعدة الشغل لامسرح لها بعد اطلاق الادلة مع ان مقتضى الاصل هي البراءة في امثال المقام دون الاشتغال كما هو ظاهر. فتحصل: ان هذه الوجوه كلها ساقطة، والعمدة في المقام روايتان معتبرتان: احداهما: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال لا تمسك بخمرك وانت تصلي ولا تستند إلى جدار وانت تصلي إلا أن تكون مريضا (1) هكذا في الوسائل، والموجود في نسخ الحدائق غير الطبعة الجديدة وكذا في الذخيرة لا تستند بدل لا تمسك والمعنى واحد. وكيف كان فالخمر بالفتح والتحريك: ما وراءك من شجر وغيرها ن والدلالة ظاهرة.


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب القيام ح 2

[ 206 ]

الثانية: موثقة ابن بكير قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة قاعدا أو متوكيا على عصا أو حائط فقال لا ما شأن أبيك وشأن هذا ما بلغ ابوك هذا بعد (1) والتعبير عنها بالخير في بعض الكلمات المشعر بالضعف في غير محله كما لا يخفى، والدلالة ايضا ظاهرة كسابقتها. لكن بازائها عدة روايات فيها الصحيح والموثق دلت على الجواز صريحا كصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (ع) " عن الرجل هل يصلح له ان يستند إلى حائط المسجد وهو يصلي، أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرض ولا علة، فقال لا بأس، وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الاولتين هل يصلح له ان يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علة، فقال لا بأس " وموثق ابن بكير عن الرجل يصلي متوكيا على عصا أو على حائط، قال لا بأس بالتوكأ على عصا والاتكاء على الحائط (2) ونحو هما غير هما. وهذا: ومقتضى الجمع العرفي بينهما الحمل على الكراهة لصراحة الطائفة الثانية في الجواز فيرفع اليد بها عن ظهور الطائفة الاولى في المنع وتحمل على الكراهة. لكن الاصحاب جمعو بينهما بحمل الطائفة الاولى على الاتكاء والاستناد المشتمل على الاعتماد بحيث لو ازيل السناد لسقط، والثانية على مجرد الاستناد العاري عن الاعتماد. وهذا كما ترى من اردء انحاء الجمع فانه تبرعي لا شاهد عليه، إذا الموضوع فيهما واحد وهو


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 20. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب القيام ح 1 ص 4.

[ 207 ]

الاتكاء أو الاستناد، فكيف يحمل في احداهما على ما تضمن الاعتماد وفي الاخرى على ما تجرد عنه مع فقد ما يشهد بهذا الجمع، بل ذكر في الحدائق ان الاتكاء قد اعتبر في مفهومه الاعتماد لغة. وعليه فيسقط هذا الجمع من اصله كما لا يخفى. وعن صاحب الجواهر (قده) حمل الطائفة الثانية على التقية لموافقتها للعامة، فلا مجال للاخذ بها سيما وقد اعرض الاصحاب عنها المسقط لها عن الحمية. وفيه: ان الحمل على التقية فرع استقرار المعارضة ولا تعارض بعد امكان الجمع الدلالي بالحمل على الكراهة كما عرفت، فلا تصل النوبة إلى الترجيح بالجهة بعد وجود الجمع العرفي. واما الاعراض فمضافا إلى منع الكبرى لعدم قدحه في الحجية كما حققناه في الاصول لاصغري له في المقام ضرورة اعتناء الاصحاب بهذه الطائفة كما يفصح عنه تصديهم لعلاج المعارضة اما بالحمل على الاستناد العاري عن الاعتماد كما مر، أو بجعل عمل المشهور على طبق الاولى مرجحا لها عليها. والحاصل: ان الاعراض القادح في الحجية هو الكاشف عن بناء الاصحاب على خلل في السند وقصور في الصدور ولذا قيل انه كلما ازداد صحة ازداد بالاعراض بعدا، وهذا غير محتمل في المقام بعد ما عرفت من الاعتناء المزبور الذي يظهر منه عدم غمز في السند والمفروغية عن صحته. وقد تحصل: ان الاقوى عدم اعتبار الاستقلال: وجواز الاستناد على كراهة، وان كان الاحوط ذلك حذرا عن مخالفة المشهور. ثم على تقدير تسليم اعتبارة في القيام فهل يعتبر ذلك في النهوض

[ 208 ]

[ نعم لا باس بشئ منها حال الاضطرار (1) ] ايضا فلا تجوز له الاستعانة حاله؟ ربما يقال بذلك اخذا باطلاق قوله (ع) في صحيحة ابن سنان المتقدمة: " لا تمسك بخمرك وانت تصلي " بدعوى ان قوله عليه السلام وانت تصلي شامل للنهوض ايضا. وفيه اولا: ان الصلاة اسم لمجموع الاجزاء خاصة، دون المركب منها ومن المقدمات، والنهوض مقدمة للجزء وليس منه، فليس من الصلاة، فلا تشمله الصحيحة الظاهرة في اعتبار الاستقلال في الصلاة نفسها. وثانيا: لو سلم الاطلاق فهو مقيد بصحيحة علي بن جعفر المتقدمة حيث تضمن ذيلها التصريح بجواز الاستعانة حال النهوض فان الاعراض على تقدير تسليم قدحه غير متحقق بالنسبة إلى هذه الفقرة جزما، لاختصاص الشهرة باعتبار الاستقلال في القيام دون النهوص. (1): بناءا على اعتبار الاستقلال في القيام - وقد عرفت منعه فلا ريب في اختصاصه بحال الاختيار فيسقط اعتبارة لدى الاضطرار بلا خلاف ولا اشكال، وقد قام عليه الاجماع، وتسالمت عليه كلمات الاصحاب من غير نكير. وهل السقوط حينئذ على طبق القاعدة أولا؟ يختلف ذلك باختلاف مدارك اعتباره. فان كان المستند فيه دخل الاستقلال في مفهوم القيام فمقتضى القاعدة حينئذ سقوطه رأسا والانتقال إلى الجلوس شأن كل عاجز عن القيام على ما تقتضيه الآية والروايات كما سبق، فتحتاج كفاية القيام غير الاستقلالي إلى الدليل فان الاجتزاء به على خلاف القاعدة.

[ 209 ]

وبالجملة: بناءا على هذا المبنى تلزمه الصلاة جالسا، ولا يكتفى بالقيام من غير اعتماد لعدم كونه من القيام ولا القعود على الفرض. مع ان المتسالم عليه الاكتفاء به كما مر، وإن كان المستند انصراف الادلة إلى القيام الاستقلالي، فالحكم على طبق القاعدة، إذ الانصراف على تقدير تسليمه مختص بحال الاختيار، ففي غيره يتمسك باطلاقات القيام بعد صدقة على العاري عن الاستناد حسب الفرض. وكذا الحال لو كان المستند الاخبار الخاصة المتقدمة، إذ ظاهر منها اعتبار الاستقلال شرطا مستقلا ملحوظا في القيام الواجب وهذا يقتضي الاختصاص بحال الاختيار، إذ العجز عنه (1) لا يستوجب سقوط اصل القيام، فان الضرورات تقدر بقدرها. هذا وعلى جميع المباني والتقادير فالمستفاد من نفس النصوص سقوط اعتباره لدى العجز لقوله (ع) في صحيحة ابن سنان المتقدمة (2) " إلا ان تكون مريضا " إذ المراد به بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع المريض العاجز عن القيام، وكذا قوله (ع) في موثقة ابن بكير (3) " ما بلغ ابوك هذا بعد " الظاهر في ان اباه (بكير) لو بلغ هذا الحد بحيث عجز عن القيام مستقلا جاز له القيام الاتكائي. (1) العجز من الشرط عجز من المشروط فيسقط التكليف به لا محالة وتعلق تكليف آخر بالفاقد يحتاج إلى دليل ولا يثبته حديث الرفع كما لا يخفى كما لا يعينه دليل عدم سقوط الصلاة بحال لاحتمال كون الوظيفة هو الجلوس نعم تعينه نصوص الباب الخاصة فهي العمدة. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب القيام ح 2. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 20.

[ 210 ]

[ وكذا يعتبر فيه عدم التفريج بين الرجلين فاحشا (1) بحيث يخرج عن صدق القيام، وأما إذا كان بغير الفاحش فلا بأس. ] (1): - اما التفريج الفاحش المخل بصدق القيام فلا اشكال في عدم جوازه لمنافاته مع القيام الواجب، واما غير الفاحش، أو الفاحش غير المخل بحيث صدق معه القيام، فالمشهور هو الجواز تمسكا باطلاقات ادلة القيام لكن عن المفيد في المقنعة، والصدوق في المقنع، ومال إليه في الحدائق عدم التباعد بين الرجلين ازيد من الشبر، واستندوا في ذلك إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: " إذا قمت إلى الصلاة فلا تلصق قدمك بالاخرى، ودع بينهما فصلا اصبعا اقل ذلك إلى شبر اكثرة. الخ " (1) هكذا رواها في الوسائل في أبواب القيام، وهو المطابق للكافي والحدائق، ورواها ايضا في الوسائل في أبواب افعال الصلاة (2) لكن بزيادة كلمة (من) بين لفظي (اقل) و (ذلك) فنقلها هكذا - اصبعا اقل من ذلك إلى شبر اكثره وهو الموافق للتهذيب الطبعة القديمة، واما الجديدة فموافقة للاولى (3) لكن الصحيح هي العبارة الاولى لعدم استقامة المعنى على الثانية كما لا يخفى. هذا وقد حمل شيخنا البهائي (قده) الاصبح المذكور في هذه الصحيحة على الطول كي يطابق التحديد


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب القيام ح 2. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3. (3) لاحظ التهذيب ج 2 ص 308 .

[ 211 ]

[ والاحوط الوقو ف على القدمين دون الاصابع واصل القدمين (1)، وإن كان الاقوى كفايتهما أيضا، بل لا يبعد اجزاء الوقوف على الواحدة. ] بثلاثة اصابع مفرجات المذكور في صحيحة حماد (1) ولا يخفى بعده فان المتداول في التحديد بالاصبح ارادة العرض دون الطول. وكيف كان: فهذه الصحيحة وان كان ظاهرها عدم جواز التفريج اكثر من الشبر كما ذكره اولئك الاعلام لكنه لا يمكن الاخذ به. اما اولا فلانها مشتملة على ذكر عدة من الآداب والمستحبات، ووحدة السياق تشهد بارادة الندب من الجميع، إذ يبعد جدا ارادة الوجوب من هذه الخصوصية، والاستحباب من جميع ما عداها فلاحظ. واما ثانيا: وهو العمدة انا لا نحتمل الوجوب في مثل هذه المسألة العامة البلوى الكثيرة الدوران، إذ لو كان لبان وشاع وذاع وكان من الواضحات. كيف وقد ذهب المشهور إلى خلافه، ولم ينسب الوجوب إلا إلى المفيد والصدوق، مع ان التفريج امر متعارف في الصلاة سيما في السمين والبدين الذي يتحقق التباعد بين رجليه غالبا ازيد من الشبر بكثير، ولو كان معتبرا لاشير إليه في الاخبار اكثر من ذلك. فلا محيص من الحمل على الاستحباب. (1): - ينبغي التكلم في جهات: الاولى انه لو وقف على القدمين اما لاختيارة ذلك أو لوجوبه على القول به كما ستعرف. فهل يجب تسوية الرجلين في الاعتماد أو لا؟ وقد تعرض الماتن لهذه الجهة


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1 .

[ 212 ]

مستقلا في المسألة الحادية عشرة الآتية ونحن نقدمها لمناسبتها مع المقام. الثانية: في انه هل يعتبر الوقوف على تمام القدمين، أو يكفي بعضها من الاصابع أو اصلهما. الثالثة: في انه هل يجزي الوقوف على الواحدة، أو يعتبر على القدمين معا. اما الجهة الاولى: فيقع الكلام تارة في التسوية في مرتبة الاعتماد واخرى في اصله. اما التسوية من حيث المرتبة بان لا يكون الثقل على احدى الرجلين اكثر من الاخرى، فربما ينسب - كما في الجواهر - إلى جمع لزوم مراعاتها استنادا إلى الاصل ودليل التأسي من قوله صلى الله عليه وآله: صلوا كما رأيتموني أصلي، وبأنه المتبادر من الامر بالقيام وبعدم الاستقرار بدونها. والكل: كما ترى، فان مقتضى الاصل هو البراءة بناءا على ما هو الحق من الرجوع إليها في الاقل والاكثر الارتباطي، ودليل التأسي مضافا إلى منعه كبرواى لما تقدم من النقاش في الحديث سندا ودلالة لاصغري له في المقام، إذ لم تثبت رعاية هذه الكيفية في صلاته صلى الله عليه وآله لو لم ندع القطع بعدم تقيده صلى الله عليه وآله بذلك كما لا يخفى. والتبادر ممنوع جدا، فانه على تقديره بدوي لا اعتبار به. ومثله دعوى توقف الاستقرار على ذلك بداهة امكان حصوله ولو بدون التسوية كما هو ظاهر. وعليه فاطلاق ادلة القيام هو المحكم. ويؤيده صحيح محمد بن أبي حمزة عن ابيه قال: رأيت علي بن الحسين (ع) في فناء الكعبة في الليل وهو يصلي فأطال القيام حتى

[ 213 ]

جعل يتوكأ مرة على رجله اليمنى، ومرة على رجله اليسرى.. الخ (1) وظاهره وإن كان هو النافلة التي يجوز فيها ترك القيام حتى اختيارا إلا ان المنسبق منه ولو بضميمة أصالة الاشتراك (2) الثابتة بين الفريضة والنافلة في الاحكام جواز مثل ذلك في الفريضة أيضا، والتعبير عنه بالخبر كما في مصباح الفقيه المشعر بالضعف في غير محله كما لا يخفى وكيف كان فالعمدة هي المطلقات كما عرفت. واما التسوية في اصل الاعتماد بان لا يكون تمام ثقله على احدى الرجلين، بحيث لا يصدر من الاخرى سوى مماسة الارض من دون مشاركتها للاولى في حمل الثقل. فقد اعتبرها في الجواهر مصرحا بالحاق مثل ذلك برفع احدى الرجلين بالكلية القادح في الصحة. وما ذكره (قده) من الالحاق وجيه، ضرورة عدم صدق الوقوف مع مجرد المماسة، إذ الوقوف على الشئ متقوم بنحو من الاعتماد والاتكاء فهو في حكم الواقف على احديهما، إلا ان مثل ذلك غير ضائر بالصحة كما ستعرف. فالحكم في المقيس كالمقيس عليه هو الجواز. واما الجهة الثانية: فقد يقال كما في الجواهر بوجوب الوقوف على تمام القدمين، وعدم الاكتفاء بالبعض من الاصابع أو الاصول استنادا إلى الاصل ودليل التأسي والتبادر وعدم الاستقرار بدون ذلك. وفي الجميع ما لا يخفى، فان مقتضى الاصل هو البراءة كما مر، مع انه لا مجال له بعد اطلاق الدليل، واما التأسي فلان الصادر منه صلى الله عليه وآله وإن كان كذلك جزما فالصغرى مسلمة لكن الكبرى ممنوعة كما تقدم، والتبادر في غاية المنع، إذ لا يعتبر في حقيقة


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب القيام ح 1. (2) هذا الاصل لااصل له كما سيأتي في مطاوى المسألة الخامسة عشرة .

[ 214 ]

القيام التي هي هيئة مخصوصة في مقابل الجلوس - كيفيه خاصة قطعا، وكذا الاستقرار، إذ لا تلازم بين الوقوف على الاصابع أو اصل القدمين وبين عدمه كما هو ظاهر. فلا مجال لشئ من هذه الوجوه بعد اطلاق الدليل الذي هو المتبع. وقد يستدل له برواية أبي بصير عن ابي جعفر (ع) في حديث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقوم على اطراف رجليه فانزل الله سبحانه (طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى) (1). وقد وقع الكلام في المراد من هذا الحديث الوارد في تفسير الآية المباركة. فقيل إن الآية ناسخة لما كان يفعله صلى الله عليه وآله من تلك الكيفية، فتدل على نفي المشروعية. وعليه مبنى الاستدلال، وقيل بل هي ناظرة إلى نفي الالزام نظير قوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج، فلا تدل على نفي المشروعية، بل تلك الكيفية باقية على ما هي عليه من الرجحان والمحبوبية غايته انها غير واجبة. لكن الظاهر ان شيئا منهما لايتم. اما الاول: فلان سياق الاية يشهد بورودها في مقام الامتنان ورفع ما يوجب الشقاء، وهو التعب والكلفة عن النبي الاقدس صلى الله عليه وآله، وذلك انما يناسب نفي الالزام دون المشروعية كما لا يخفى. وأما الثاني: فلوضوح ان ماكان يصدر منه صلى الله عليه وآله من تلك الكيفية لم يكن بقصد اللزوم والوجوب كي تنزل الآية لرفعه، ولذا لم يأمر المسليمن بتلك الكيفية، وإنما اختارها هو صلى الله عليه وآله لنفسه مع عدم وجوبها حرصا منه صلى الله عليه وآله في مزيد طلب الجهد والمشقة في سبيل


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب القيام ح 2

[ 215 ]

[ (مسألة 9): الاحوط انتصاب العنق ايضا وان كان الاقوى جواز الاطراق (1). ] الطاعة من باب ان افضل الاعمال احمزها فدأب عليها فترة طويلة حتى تورمت قدماه، فنزلت الآية الكريمة تحثه على تركها اشفاقا به وتحذيرا من إلقاء نفسه الشريفة في المشقة والكلفة وايعازا إلى انه لامزية لهذا الفرد ولا فضيلة له على غيره. فظهر ان الآية لاتدل على نفي الالزام كي تقضي الاستحباب، ولا على نفي المشروعية حتى تدل على النسخ وعدم الجواز، بل مفادها نفي الفضيلة والرجحان فالاستدلال بها على عدم الجواز ساقط. فالاقوى هو الجواز عملا بالاطلاق. وأما الجهة الثالثة: فقد ذهب جمع إلى عدم جواز الوقوف على الواحدة مستدلا عليه بالاصل، ودليل التأسي والتبادر وعدم الاستقرار وفي الجميع ما عرفت، واستدل ايضا بموثقة ابن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بعد ما عظم أو بعد ما ثقل كان يصلي وهو قائم ورفع احدى رجليه حتى انزل الله تعالى: طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى، فوضعها (1) والكلام في دلالة الآية على النسخ أو نفي الالزام قد مر آنفا. فالاقوى جواز الوقوف على الواحدة ايضا عملا باطلاق الادلة. (1): - قد عرفت وجوب انتصاب الظهر لقوله صلى الله عليه وآله: لا صلاة لمن لم يقم صلبه. واما انتصاب العنق فالمشهور استحبابه خلافا للصدوق فاوجبه ايضا، وخلافا للحلبي حيث حكي عنه استحباب الاطراق،


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب القيام ح 4

[ 216 ]

[ (مسأله 10): إذا ترك الانتصاب أو الاستقرار أو الاستقلال ناسيا صحت صلاته (1)، وان كان ذلك في القيام الركني، لكن الاحوط فيه الاعادة. ] كما هو شأن الاتقياء على ما ذكره في الجواهر. وقد استند الصدوق: إلى مرسلة حريز عن أبي جعفر (ع) قا ل: قلت له: فصل لربك وانحر، قال: النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ونحره (1)، فان بنينا على ان مراسيل حريز حجة كمسانيد غيره تم الاستدلال وثبت مقالة الصدوق وإلا فان بنينا على ثبوت الاستحباب بادلة التسامح في السنن ثبت الاستحباب بهذه المرسلة وتصت مقالة المشهور، وإلا كما هو الاقوى فلا يثبت الوجوب ولا الاستحباب. واما استحباب الاطراق المنسوب إلى الحلبي فمستنده غير ظاهر، ولعل وجهه انه نوع من الخضوع والتذلل، كما يصنعه الصغير أمام الكبير، فهو بهذا العنوان الثانوي مستحب، وان لم يكن كذلك بعنوانه الاولي. (1): - اما نسيان هذه الامور في القيام غير الركني فعدم اخلاله بالصحة ظاهر بعد ملاحظة حديث لا تعاد، وكذا الحال في القيام الركني. فان المتصل منه بالركوع قد عرفت عدم وجوبه مستقلا، وانما اعتبر من اجل الدخل في حقيقة الركوع وتقومه به. ومن الظاهر ان الذي يتوقف عليه مفهومه انما هو جامع القيام فلا يعتبر فيه الانتصاب ولا الاستقرار ولا الاستقلال لعدم دخل شئ منها


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القيام ح 3

[ 217 ]

في مفهومن القيام. نعم ثبت اعتبار الانتصاب في مثل هذا القيام ايضا باطلاق الادلة كما تقدم، فلا يجوز الاخلال به عمدا. واما مع السهو فلا بأس به عملا بحديث لا تعاد. واما الاستقرار فقد عرفت عدم الدليل على اعتبارة في مثال هذا القيام، فيجوز الاخلال به حتى مع العمد، فمع السهو بطريق اولى. وعلى فرض اعتباره وفي حال العمد فينتفي اعتباره عند السهو بالحديث المزبور. واما الاستقلال: فقد مر عدم وجوبه رأسا، وعلى القول بالوجوب فينتفي اعتباره عند النسيان بحديث لا تعاد. فاتضح عدم قدح الاخلال السهوي بشئ من هذه الامور. نعم لو قلنا بدخلها في حقيقة القيام اتجه البطلان حينئذ لادائها إلى الاخلال بالركوع المستثنى من حديث لا تعاد، لكن المبنى في حين المنع كما اشرنا إليه. واما القيام: حال تكبيرة الاحرام فقد سبق في محله ان الركن انما هو ذات القيام، واما هذه الامور فهي واجبات في القيام ولا دخل لها في حقيقة الركن. وعليه فالاخلال بشئ منها سهوا مشمول لحديث لانعاد. ومما ذكرنا ظهر التناقص بين ما افاده (قده) في المقام من الصحة لو اخل نسيانا بالاستقرار أو أحد اخويه ولو في القيام الركني وبين ما سبق منه (قده) في المسألة الرابعة من مبحث التكبير من البطلان لو اخل بالاستقرار حال التكبير عمدا كان أو سهوا، فان التهافت بينهما ظاهر. والصحيح ما افاده في المقام كما عرفت.

[ 218 ]

[ (مسألة 11): لا يجب تسوية الرجلين في الاعتماد (1) فيجوز ان يكون الاعتماد على احداهما ولو على القول بوجوب الوقوف عليهما. (مسألة 12): - لافرق في حال الاضطرار بين الاعتماد على الحائط (2) أو الانسان أو الخشبة، ولا يعتبر في سناد الاقطع ان يكون خشبته المعدة لمشيه بل يجوز له الاعتماد على غيرها من المذكورات. ] (1): - قدمنا الكلام حول هذه المسألة في ذيل المسألة الثامنة فلا حظ. (2): - قد عرفت جواز الاعتماد حتى اختيارا، وعلى القول بالمنع فلا ريب في الجواز مع الاضطرار، ولا يختص حينئذ بالاعتماد على شئ معين، بل يجوز على كل شئ يمكن الاتكال عليه من الحائط أو الانسان أو الخشبة ونحوها وذلك لان مستند الحكم كان صحيحة ابن سنان، وموثقة ابن بكير المتقدمتين، والمذكور فيهما وان كان هو الخمر والحائط والعصا إلا ان ذكر هذه من باب المثال وإلا فلو كان الحكم مقصورا عليها كان اللازم جواز الاعتماد حال الاختيار على غير هذه الامور من انسان ونحوه، ولا شك ان الاصحاب لم يلتزموا بذلك، فان من منع عن الاعتماد اختيارا لم يفرق بين تلك الامور وغيرها قطعا، فيكشف ذلك عن ان ذكرها انما هومن باب المثال. فالمتحصل من الروايتين على القول بالمنع عدم جواز الاستناد على شئ مطلقا اختيارا وجوازه كذلك اضطرارا.

[ 219 ]

[ (مسألة 13) ]: - يجب شراء ما يعتمد عليه عند الاضطرار (1) أو استيجاره مع التوقف عليهما. ] ومنه تعرف الحال في سناد الاقطع وانه لا يعتبر فيه أن تكون الخشبة المعدة لمشيه، بل يجوز الاعتماد على غيرها من المذكورات كما ذكره في المتن، على ان الحكم اعني عدم الاختصاص بشئ معين مورد للاجماع وتسالم الاصحاب. ثم مع الغض عن ذلك والانتهاء إلى الاصل العملي فمقتضاه هو البراءة عن تعين شئ بخصوصه كما هو الشأن في الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطي. وما يقال من ان المقام من موارد الشك في التعيين والتخيير والمرجع فيه اصالة الاحتياط قد عرفت ما فيه غير مرة، وان الثاني من صغريات الاول بل هو بعينه يعبر عنه تارة بالاقل والاكثر واخرى بالتعيين والتخيير والمرجع هو البراءة دون الاشتغال. (1): - لا اشكال في وجوب الاستناد على شئ حال الاضطرار عند التمكن منه ولو مع الواسطة من شراء أو استيجار أو استيهاب ونحوها، فان المقدور مع الواسطة مقدور فيجب تحصيل السناد شرعا بشراء ونحوه من باب المقدمة لتوقف الاستناد الواجب عليه على الفرض إن قلنا بوجوب المقدمة شرعا، وإلا فيجب عقلا لما عرفت من توقف امتثال الواجب عليه، نظير شراء الماء للوضوء، فلا يجوز له الاستناد على المغصوب من غير شرا أو استيجار ونحو هما فان المقدمة وإن كانت هي جامع السناد لكن وجوبها يختص بالفرد المباح ولا يتعلق الامر شرعا أو عقلا إلا بالحصة المباحة كما حرر في

[ 220 ]

[ (مسألة 14): - القيام الاضطراري بأقسامه من كونه مع الانحناء (1) أو الميل إلى احد الجانبين أو مع الاعتماد أو مع عدم الاستقرار، أو مع التفريج الفاحش بين الرجلين مقدم على الجلوس. ] محله في الاصول. (1): - تعرض (قده) لصور الدوران بين ترك القيام رأسا بأن يصلى جالسا وبين الاتيان بالقيام الاضطراري الفاقد لاحد الامور المعتبرة فيه من الانتصاب أو الاستقلال أو الاستقرار، أو عدم التفريج، ثم تعرض (قده) لصور الدوران بين ترك احد هذه الامور. فنقول: قد ذكرنا في بحث مكان المصلي انه إذا دار الامر بين ترك احد جزءين أو أحد شرطين، أو واحدا من الجزء أو الشرط لم يكن ذلك داخلا في باب التزاحم ليلا حظ مرجحات هذا الباب من االهمية أو محتملها لان الضابط في ذاك الباب العجز عن امتثال تكليفين نفسيين استقلاليين، واما في المقام فليس إلا امر وحداني متعلق بالمركب من عدة اجزاء وشرائط، بل المقام داخل في باب التعارض، فان ذاك الامر المتعلق بالمركب ساقط لدى العجز عن الاتيان بتمام متعلقة - كما هو الفرض - بالضرورة، إذ المركب ينتفي بانتفاء احد اجزائه، فمقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف رأسا، غير انا في خصوص باب الصلاة علمنا من الخارج انها لا تسقط بحال، فنقطع من اجله بتعلق امر جديد بالباقي من الاجزاء والشرائط الممكنة لكن متعلقه مجهول وانه المؤلف من هذا

[ 221 ]

الجزء أو الشرط أو من ذاك فلا محالة يقع التعارض بين دليلي ما يتعذر الجمع بينهما من جزء أو شرط. فلابد من مراعاة قواعد باب التعارض بتقديم الدليل اللفظي على اللبي، وإذا كانا لفظيين يقدم ما كان بالوضع على ما كان بالاطلاق كما ذكرنا تفصيله في باب التعادل والتراجيح، وفي بحث مقدمة الواجب، وإذا كانا بالاطلاق كما هو الغالب فيتساقطان ويرجع إلى الاصل العملي، ومقتضاه في المقام هو التخيير لاصالة البراءة عن كل من الخصوصيتين، إذ المتيقن وجوبه إنما هو الجامع المحتمل انطباقه على الوجوب التخييري لاأحدهما المعين كي يجب الاحتياط والجمع بالتكرار لما عرفت من احتمال أن تكون الوظيفة الواقعية حينئذ هو التخيير، فلا يقاس المقام بموارد الدوران بين القصر والتمام، التي يجب فيها الجمع بينهما، إذ المتيقن هناك وجوب هذا أو ذاك ولا يحتمل التخيير الواقعي، إذ المتيقن هناك وجوب هذا أو ذاك ولا يحتمل التخيير الواقعي، فلا مناص من التكرار عملا بقاعدة الاشتغال. واما في المقام فيتطرق احتمال ثالث بالضرورة فلاجله ليس لنا علم باكثر من وجوب الجامع المحتمل انطباقه على كل من المحتملات الثلاثة: وجوب هذا بخصوصه، وجوب ذاك بخصوصه، التخيير بينهما. وحيث ان كلا من الخصوصيتين مشكوكة تدفع باصالة البراءة. ونتيجة ذلك هو التخيير. ومنه: تعرف ما في كلام الماتن وغيره في المقام من الحكم بوجوب التكرار والجمع في بعض فروع المسألة فلاحظ: هذا هو حكم الكبرى. واما التطبيق على المقام. ففي ما إذا دار الامر بين ترك القيام رأسا وبين ترك الانتصاب

[ 222 ]

فمقتضى القاعدة حينئذ بعد سقوط الاطلاقين هو التخيير كما عرفت لكن في خصوص المقام يتعين الثاني فيصلي عن قيام انحنائي، ولا ينتقل إلى الصلاة جالسا، وذلك لتقييد هذا الانتقال في غير واحد من الاخبار مما ورد في تفسير قوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا، وغيرها ولعل أو ضحها قوله (ع) في ذيل صحيحة جميل: ". إذا قوى فليقم " (1)، بالعجز عن القيام الظاهر بمقتضى الاطلاق في ارادة الطبيعي منه، فمتى كان قادرا على طبيعي القيام صلى قائما، وان كان عاجزا عن بعض الخصوصيات المعتبرة فيه التي منها الانتصاب. ولاجله يتقيد قوله صلى الله عليه وآله: " لا صلاة لمن لم يقم صلبه " بالمتمكن من ذلك. وبعبارة اخرى: صحيحة جميل حاكمة على دليل وجوب الانتصاب إذ النظر في دليل الوجوب مثل قوله (ع): (لا صلاة لمن لم يقم صلبه) مقصور على مجرد اعتبار اقامة الصلب في الصلاة سواء أكانت عن قيام أو عن جلوس على ما هو الحق تبعا للمشهور من اعتباره فيهما معا من غير ان يكون لهذا الدليل نظر إلى تعيين الوظيفة، وانها الصلاة قائما أو جالسا وإنما يستفاد ذلك من دليل آخر. وبما ان صحيحة جميل قد دلت على أن الوظيفة عند المتكن من مطلق القيام إنما هي الصلاة قائما فلا جرم لم يبق موضوع لدليل وجوب الانتصاب، إذ المفروض عدم التمكن منه إلا مع الجلوس وقد دلت الصحيحة على انه لا تصل النوبة إلى الصلاة جالسا. ومما يدل على ذلك بالخصوص صحيحة علي بن يقيطين الواردة في


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب القيام ح 3

[ 223 ]

الصلاة في السفينة. فقد روى الشيخ في الصحيح عنه عن أبي الحسن (ع) قال: سألته عن السفينة لم يقدر صاحبها على القيام يصلي فيها وهو جالس يومئ أو يسجد؟ قال يقوم وان حنى ظهره (1) وهي كما ترى صريحة في المدعى، وان من تمكن من الصلاة عن قيام ولو بغير الانتصاب تعين وقدم على الصلاة جالسا. وفيما إذا دار الامر بين الصلاة جالسا وبين الصلاة قائما من غير استقلال قدم الثاني أيضا بلا اشكال. اما اولا: فلان وجوب الاستقلال على القول به وقد تقدم ان الاظهر منعه - مقيد بالتمكن وحالة الاختيار، فان عمدة الدليل عليه هو صحيحة ابن سنان (2) وموثقة ابن بكير (3) وكل منهما مقيد بذلك. واما ثانيا: فلانه مع الغض وتسليم وجود دليل مطلق قد عرفت آنفا ان الصلاة جالسا مقيدة بعدم التمكن من مطلق القيام فمع التمكن منه ولو في الجملة، وفاقدا لبعض الخصوصيات المعتبرة فيه كما في المقام لا تصل النوبة إلى الصلاة عن جلوس وفيما إذا دار الامر بين الصلاة جالسا وبين الصلاة قائما غير مستقر فقد يراد من الاستقرار ما يقابل الاضطراب واخرى ما يقابل المشئ. فعلى الاول: قدم الثاني سواء أكان مدرك اعتباره الاجماع كما هو الاظهر ام الروايات. اما الاول فظاهر ضرورة انه دليل لبي


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب القيام ح 5. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 2. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 20

[ 224 ]

يقتصر على المتيقن منه، وهو غير صورة الدوران المزبور. واما الثاني: بدعوى استفادته من مثل قوله (ع): يتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة، الذي هو دليل لفظي، فلما عرفت ايضا من ان الصلاة قائما بأي مرتبة كانت مقدمة على الصلاة جالسا لتقيد دليلها بالعجز عن مطلق القيام حسبما تقدم. وعلى الثاني: فقد احتاط الماتن فيه بالتكرار كما نبه عليه في المسألة الثامنة عشرة من الفروع الآنية. واختار جماعة تقديم الصلاة جالسا على الصلاة ماشيا، بل قد نسب ذلك إلى المشهور. وعلله المحقق الهمداني (قده) بان الاستقرار المقابل للمشي - مأخوذ في مفهوم القيام لا بمعنى اخذه فيه لغة أو اصطلاحا، كيف والماشي مصداق للقائم البتة. بل بدعوى الانصراف عن الماشي في خصوص باب الصلاة بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع نظرا إلى انها بحسب الارتكاز عبادة، فناسب اداؤها حالة الوقوف الحاوية لنوع من السكينة والخشوع. فالوقوف إذا مقوم للقيام انصرافا ولاجله كانت ادلة اعتباره في الصلاة منصرفة إلى القيام مع الوقوف. فلا جرم كان العاجز عنه عاجزا عن القيام الصلاتي فينتقل إلى الصلاة جالسا بطبيعة الحال. ولكنك خبير بأن هذه الدعوى غير بينة ولا مبينة وعهدتها على مدعيها، كيف وقد صحت النافلة حال المشي حتى اختيارا مع ضرورة صدق القائم على المصلي. وبالجملة: لاريب في اعتبار الوقوف حال الاختيار في القيام

[ 225 ]

كغيره مما اعتبر فيه من الانتصاب والاستقلال ونحو هما كما يكشف عنه مضافا إلى الارتكاز المزبور ما ورد (1) فيمن يريد التخطي في صلاته من الامر بالكف عن القراءة، فالوقوف فيه زايدا على القيام اعتبر في الصلاة بمقتضى النص. واما اعتباره على سبيل الاطلاق، بدعوى دخله في مفهوم القيام ولو انصرافا فهو أول الكلام، بل ممنوع لما عرفت من عدم وضوح أي مستند للانصراف المزبور. وعليه فمقتضى القاعدة على ضوء الضابطة السابقة بعد المعارضة بين الدليلين هو التخيير بين الصلاة قائما ماشيا وبين الصلاة جالسا. ولكن الاظهر لزوم تقديم الاول لصحيحة جميل الناطقة بتقديم الصلاة عن مطلق القيام على الجلوس وإن كان فاقدا لبعض القيود المعتبرة فيه من الانتصاب أو الاستقرار أو الاستقلال لما عرفت من حكومتها على جميع ادلة تلك القيود، ونتيجته تقديم الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا. وقد اتضع مما ذكرناه ما في دعوى الماتن من تكرار الصلاة حيث انه مبني على العلم الاجمالي بوجوب أحدهما بخصوصه من غير تعيين وقد عرفت لزوم تقديم الصلاة ماشيا، ومعه لا تصل النوبة إلى العلم الاجمالي المزبور. وفيما إذا دار الامر بين الصلاة قائما مع التفريج الفاحش بين الرجلين وبين الصلاة جالسا قدم الاول كما في المتن. وهذا وجيه فيما إذا كان التفريج المزبور بمثابة يصدق معه عنوان القيام، بل قد تقدم جواز ذلك حتى اختيارا فضلا عن صورة


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب القراءة ح 1

[ 226 ]

[ ولو دار الامر بين التفريج الفاحش والاعتماد، أو بينه وبين ترك الاستقرار قدما عليه (1)، ] الدوران لعدم الدليل على قدح مثله ما لم يستوجب الاخلال بالقيام واما لو أخل به بحيث لم يصدق معه عنوانه، بل تشكلت هيئة اخرى في مقابل القيام والجلوس فيشكل التقديم حينئذ، بل هو ممنوع كما لا يخفى. ودعوى: ان هذه الهيئة اقرب إلى القيام فتجب بقاعدة الميسور - كما ترى - فانها تشبه الاجتهاد في مقابلة النص إذ النصوص المتكاثرة قد دلت على ان وظيفة العاجز عن القيام انما هي الانتقال إلى الجلوس، فايجاب هيئة ثالثة اجتهاد تجاه النص. على ان القاعدة غير تامة في نفسها كما مر مرارا، ولو تصت لم تنفع في المقام لما عرفت من دلالة النصوص على وجوب الصلاة جالسا لمن لم يتمكن من القيام، والمفروض ان تلك الهيئة ليست بقيام، فلا جرم تنتقل الوظيفة إلى الصلاة عن جلوس. هذا كله فيما إذا دار الامر بين القيام الاضطراري باقسامه وبين الجلوس، أي ترك اصل القيام وبين الاخلال ببعض القيود المعتبرة فيه. وقد عرفت لزوم تقدم القيام في الجميع. واما لو دار الامر بين تقديم بعض القيود على البعض الآخر مع المحافظة على اصل القيام فسيأتي الكلام عليه في التعاليق الاتية من هذه المسألة. (1): - فيما إذا كان التفريج المزبور مخلا بصدق القيام لرجوع المسألة حينئذ إلى الدوران بين ترك القيام وبين ترك الاستقلال أو ترك الاستقرار وقد سبق ان المتعين هو الثاني.

[ 227 ]

[ أو بينه وبين الانحناء أو الميل إلى احد الجانبين قدم ما هو اقرب إلى القيام (1). ] واما إذا لم يبلغ هذا الحد، بل كان عنوان القيام محفوظا معه فالامر بالعكس لما عرفت من عدم البأس بهذا النوع من التفريج حتى اختيارا ومعه لم يكن ثمة مسوغ للاخلال بشرطية الاستقلال أو الاستقرار. (1): - الظاهر ان المستند في التقديم المزبور قاعدة الميسور، ولكنها مضافا إلى عدم تماميتها في نفسها لا تصلح للاستناد إليها في المقام. وتوضيحه: انه قد يفرض صدق عنوان القيام على كل من طرفي الدوران أعني التفريج والانحناء أو الميل إلى الجانبين واخرى صدقه على الاول خاصة، وثالثة عكسه، ورابعة عدم صدقه على شئ منهما. ولعل الاخير هو مراد الماتن (قده) للتعبير بالاقربية إلى القيام الكاشف عن عدم كون شئ منهما مصداقا للقيام. وكيفما كان: فلا ينبغي الشك في لزوم تقديم التفريج في الصورة الاولى للمحافظة حينئذ على كل من القيام والانتصاب بخلاف عكسه للزوم الاخلال حينئذ بشرطية الانتصاب من غير مسوغ. وأوضح حالآ من ذلك الصورة الثانية فيتعين فيها تقديم التفريج بطريق اولى للزوم الاخلال في عكسه بشرطية الانتصاب مضافا إلى اصل القيام فيختل الامران معا من غير اي معذر، بعد امكان المحافظة عليهما بالتقديم المزبور. (وبعبارة اخرى) هذا التفريج يجوز حتى اختيارا بعد فرض صدق القيام عليه، فكيف بما إذا كان تركه

[ 228 ]

[ ولو دار الامر بين ترك الانتصاب وترك الاستقلال قدم ترك الاستقلال فيقوم منتصبا معتمدا (1)، وكذا لو دار بين ترك الانتصاب وترك الاستقرار قدم ترك الاستقرار (2) ] موجبا لترك القيام. نعم: يتجه العكس في الصورة الثالثة لكونها من صغريات الدوران بين القيام والانتصاب، وقد تقدم ان مراعاة القيام اولى فيصلى منحنيا أو مائلا لا متفرجا. واما الصورة الرابعة: فحيث ان المفروض فيها العجز عن القيام فلا جرم تتعين فيها الصلاة جالسا لما تقدم من عدم الواسطة بينهما. هذا ما تقتضيه الصناعة حسبما بأيدينا من الادلة الشرعية التي تعين الوظيفة الفعلية بحيث لا يبقى معها موضوع لقاعدة الميسور. فالقول إذا باختيار ما هو الاقرب إلى القيام يشبه الاجتهاد في مقابلة النص كما لا يخفى. (1): - اما على القول بعدم وجوبه فالامر ظاهر. واما على القول بالوجوب فلا ختصاص دليله - كما تقدم - بصورة التمكن وعدم العجز والمرض بخلاف الانتصاب، فان لسان دليلة مطلق من هذه الجهة. فلا جرم يتقدم إذ مع المحافظة على الانتصاب لا يكون المكلف قادرا على الاستقلال فلا يجب بطبيعة الحال. (2): - فان دليل اعتبار الاستقرار ان كان هو الاجماع فمن الواضح ان القدر المتيقن منه غير صورة الدوران وتعارضه مع الانتصاب فالمقتضي حينئذ قاصر في حد نفسه.

[ 229 ]

[ ولو دار بين ترك الاستقلال وترك الاستقرار قدم الاول (1) فراعاة الانتصاب اولى من مراعاة الاستقلال والاستقرار ومراعاة الاستقرار اولى من مراعاة الاستقلال. ] وان كان هو النص مثل قوله (ع): وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة (1) فاللازم ايضا تقديم الانتصاب لاظهرية دليله - وهو قوله (ع): من لم يقم صلبه فلا صلاة له (2) في الاعتبار من دليل الاستقرار حيث انه تضمن نفي حقيقة الصلاة وماهيتها عمن لم يقم صلبه المقيد - طبعا - بصورة التمكن والقدرة الحاصلة في مفروض المسألة. وهذا بخلاف الاستقرار، فان دليله دل على اعتباره بعد فرض صدق اسم الصلاة عليه على ما يقتضيه قوله (ع) (كما يتمكن في الصلاة) فغايته انه ينتفي قيد من قيودها، اما ذاك الدليل فينغي صدق الاسم عن فاقد الانتصاب كما عرفت. وعلى الجملة: احد الدليلين ينفي موضوع الصلاة، والآخر يثبت قيدا فيما صدق عليه اسم الصلاة. فلا جرم يتقدم الاول. (1): - اما بناءا على عدم وجوب الاستقلال في نفسه فالامر ظاهر. واما بناءا على القول بالوجوب فالتقدم المزبور لا يخلو عن الاشكال، لان دليل الوجوب وان كان مختصا بحال التمكن كما تقدم، إلا ان المكلف في مفروض المسألة متمكن منه غايته انه عاجز عن الجمع بينه وبين رعاية الاستقرار. فلابد إذا من النظر


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب الاذان والاقامة ح 12. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب القيام ح 1 .

[ 230 ]

[ (مسألة 15): إذا لم يقدر على القيام كلا ولا بعضا مطلقا حتى ما كان منه بصورة الركوع (1) صلى من ] في دليل الاستقرار، فان كان هو الاجماع كما عن غير واحد، فبما انه دليل لبي يقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو غير صورة الدوران ونتيجة ذلك تقديم الاستقلال على الاستقرار عكس ما اثبته في المتن. وان كان هو النص على ما مر فتتحقق المعارضة - طبعا - بين الدليلين بالاطلاق، والنتيجة بعد التساقط هو التخيير دفعا لكل من الخصوصيتين بالاصل لارعاية الامرين معا بالاحتياط والتكرار كما عن بعضهم لعدم العلم الاجمالي بوجوب أحدهما لا بعينه ليكون من الشك في المكلف به لجواز ان يكون الحكم الواقعي حينئذ هو التخيير. والذي يهون الخطب ما عرفت من عدم الدليل على وجوب الاستقلال فيصح ما اثبته في المتن من تقديم الاستقرار لوضوح عدم المعارضة بين الواجب والمستحب. (1): - ظاهر العبارة ان من تمكن من القيام ولو بهذه الصورة تعين وكان مقدما على الجلوس. وهو وجيه على تقدير صدق القيام عليه كالمخلوق بهيئة الركوع، أو المنحني ظهره لهرم ونحوه، حيث ان قيام مثل هذا الشخص إنما هو بهذا النحو. واما مع عدم الصدق كما لو كان الانحناء بهذا المقدار لامر عارض من مرض أو خوف من الظالم، أو النخفاض السقف انتقل حينئذ إلى الصلاة جالسا لعجزه عن القيام فعلا.

[ 231 ]

[ جلوس (1)، وكان الانتصاب جالسا بدلا عن القيام فيجري فيها حينئذ جميع ما ذكر فيه حتى. ] (1): - بلا خلاف فيه ولا اشكال لقوله تعالى: الذين بذكرون الله قياما وقعودا. الخ المفسر في مصحح أبي حمزة بان الصحيح يصلي قائما، والمريض يصلي جالسا (1) وقد نطقت به نصوص كثيرة وهذا مما لا غبار عليه. وإنما الكلام في ان الامور المعتبرة في القيام من الانتصاب والاستقرار والاستقلال هل هي معتبرة في الجلوس ايضا أولا؟ اما الانتصاب فلا ينبغي الشك في اعتباره لاطلاق الدليل، فان قوله (ع) من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة (2) مطلق يشمل حالتي القيام والجلوس معا. واما الاستقرار فكذلك صواء أكان مستنده الاجماع ام الرواية المتقدمة لاطلاق كلمات المجمعين كالنص. واما الاستقلال: فعلى تقدير تسليم وجوبه حال القيام فاعتبارة حال الجلوس لا يخلو عن الاشكال لقصور الدليل عن الشمول له فانه منحصر في روايتين. احدا هما: موثقة عبد الله بن بكير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة قاعدا أو متوكيا على عصا أو حائط، فقال: ما شأن


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القيام ح 2. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 1 .

[ 232 ]

أبيك وشأن هذا ما بلغ ابوك هذا بعد (1). ثانيتهما: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: لا تمسك بخمرك وانت تصلي ولا تستند إلى جدار وانت تصلي الا أن تكون مريضا (2). اما عدم دلالة الموثقة فظاهر، إذا الاتكاء قد جعل فيها مقابلا للقعود، فلا جرم يراد به الاتكاء حال القيام فالاتكاء لدى الجلوس خارج عن مفروضها سؤالا وجوابا، ولا نظر فيها إليه بوجه. واما الصحيحة: فربما يستدل بها لذلك نظرا إلى اطلاق قوله (ع): " ولا تستند إلى جدار وانت تصلي " الشامل لحالتي القيام والقعود بعد منع دعوى الانصراف إلى الاول. ولكنه: يندفع باستظهار اختصاصها بالاول ايضا بقرينة استثناء المريض (3)، حيث يظهر منه اختصاص النهي عن الاستناد بغير المريض وغير العاجز. ومن البين ان مثله يصلي قائما لا قاعدا، فلا نظر فيها اثباتا أو نفيا - إلى الاتكاء الجلوسي بتانا. هذا وقد يقال: ان دليل بدلية الجلوس عن القيام بنفسه كاف في ترتيب الاحكام واسراء شرائط المبدل منه إلى البدل فيلتزم بوجوب الاستقلال في المقام قضاءا للبدلية.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 20. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب القيام ح 2. (3) المستثنى بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو المريض العاجز عن الاستقلال وهو اعم من عجزه عن القيام ايضا وعدمه فالقرينة غير واضحة.

[ 233 ]

[ الاعتماد وغيره، ومع تعذره صلى مضطجعا (1). ] ولكنه: واضح الضعف لعدم ثبوت البدلية بهذا النحو وان جلوس المريض قيام ليتمسك حينئذ بعموم المنزلة لعدم وضوح ورود دليل بلسان التنزيل، بل المستفاد من الادلة تنويع المكلفين وتقسيمهم إلى صحيح ومريض، أو فقل إلى قادر وعاجز، وان الاول يصلي قائما، والثاني قاعدا، فاختلف الحكم باختلاف موضوعه، وان لكل وظيفة تخصه حسب حاله، وهذا بمجرده لا يستدعي انسحاب ما لاحد هما من الاحكام إلى الآخر ما لم ينهض عليه دليل آخر. (1): - بلا خلاف فيه - ظاهرا - ولا اشكال، وقد دلت عليه جملة من الاخبار. منها: النصوص الواردة في تفسير قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) من ان الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي جالسا، والذي هو اضعف منه يصلي على جنبه. ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس قال فليصل وهو مضطجع. الخ (1). ومنها: موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا كيف قدر صلى، اما أن يوجه فيومي ايماءا وقال يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جانبه (جنبه) الايمن ثم يومي بالصلاة فان لم يقدر ان ينام على جنبه الايمن فكيف ما قدر فانه له جائز، وليستقبل بوجهه القبلة ثم يومي


(1) الوسائل: باب 1 من أبوب القيام ح 5

[ 234 ]

بالصلاة ايماءا (1). نعم: لا يخلو متن هذه الموثقة عن نوع من الاضطراب لعدم ذكر عدل للشرطية المنفصلة، اعني قوله (ع) " اما أن يوجه " بل قال في الحدائق (2) ان الكثير من روايات عمار كذلك، ولكنه لا يقدح في الاستدلال بها لما هو محل الكلام من الانتقال لدى العجز عن الجلوس إلى الاضطجاع على الجانب الايمن بعد صراحتها في ذلك هذا وقد روى المحقق في المعتبر قال: (روى اصحابنا عن حماد (3) عن أبي عبد الله (ع) قال: " المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جانبه الايمن. " إلى آخر ما في رواية عمار المتقدمة، بل هي عينها غير انها خالية عن تلك الفقرات المستوجبة للاضطراب. وتبعه الشهيدان في الذكرى والروض وعليه فلا اضطراب في الرواية بوجه. بل ظاهر الذخيرة انهما رواية واحدة عن عمار وان اسندها المحقق إلى حماد، ولعله سهو من قلمه، أو ان النسخة التي عنده كانت كذلك، كما ان بعض نسخ التهذيب أيضا كذلك. ولكن صاحب الحدائق انكر الاتحاد لعدم الموجب لذلك بعد ان نرى ان المحقق قد روى في المعتبر اخبارا زائدة على ما في الكتب الاربعة من الاصول التي عنده، فلعل هذه الرواية كانت من تلك الاصول، ولاسيما وان الاضطراب الموجود في تلك الرواية لم يوجد في هذه. ولكن الظاهر ان ما ذكره السبزواري في الذخيرة هو الصحيح، فان المحقق لو روى باسناده عن حماد لامكن القول بانه نقلها عن


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 10. (2) الحدائق ج 8 ص 76. (3) مستدرك الوسائل: باب 1 من أبواب القيام.

[ 235 ]

اصل وصل إليه ولم يصل الينا، ولاجله لم يذكر في الكتب الاربعة ولكنه (قده) عبر بقوله: روى اصحابنا الظاهر في كون الرواية معروفة مشهورة. ومعه كيف يمكن القول بأنه رواها عن اصل غير معروف وصل إليه خاصة. إذا فالظاهر هو الاتحاد وان ذكر (حماد) بدل (عمار) اما سهو منه نشأ من تشابه الكلمتين، أو ان النسخة التي عنده كانت كذلك. وعلى اي حال فعلى تقدير التعدد لا يمكن التعويل عليها لعدم العلم بطريقه إلى تلك الاصول فتكون في حكم المرسل. والعمدة في الاستدلال ما عرفت من موثقتي سماعة وعمار، والروايات المفسرة للآية المباركة المؤيدة بنصوص أخر ضعيفة، مضافا إلى التسالم وعدم الخلاف فيه كما تقدم. إلا ان بازاء هذه النصوص روايات آخر دلت على ان من لم يتمكن من الصلاة جالسا صلى مستلقيا، ولكنها مضافا إلى ضعف اسنادها مخالفة لما اتفق عليه الاصحاب وتسالموا عليه من الصلاة مضطجعا كما عرفت فلا تقاوم ما سبق. فمنها: مرسلة الصدوق قال: قال الصادق (ع) يصلي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلى جالسا، فان لم يقدر أن يصلي جالسا صلى مستلقيا. الخ (1). ورواها الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن محمد بن ابراهيم عمن حدثه عن أبي عبد الله (ع). ورواها الشيخ باسناده تارة عن احمد بن محمد عن عبد الله بن القاسم عن عمرو بن عثمان،


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 13.

[ 236 ]

عن محمد بن ابراهيم عمن حدثه، واخرى عن الكليني بالسند المتقدم فالنتيجة انها بشتى طرقها مرسلة لا يمكن التعويل عليها بوجه. ومنها: ما رواه الصدوق أيضا (في عيون الاخبار) عن محمد بن عمر الحافظ، عن جعفر بن محمد بن الحسين (الحسيني)، عن عيسى بن مهران عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائما فليصل جالسا، فان لم يستطع جالسا فليصل مستلقيا نصابا رجليه بحيال القبلة يؤمى ايماءا (1) وهي أيضا ضعيفة بجميع من في السند ما عدا الراوي الاخير. ورواها الصدوق ايضا بعدة اسناد تقدمت في كتاب الطهارة، في باب اسباغ الوضوء كما اشار إليها في الوسائل ولكنها ايضا باجمعها ضعاف بعدة من المجاهيل كما تقدم في محله. وبالجملة: فلا تنهض شئ من هذه لمعارضة ما سبق فلابد من رفع اليد أو حملها على صورة العجر عن الاضطجاع كما حملها بعضهم علينا. وكيفما كان: فلا ينبغي التأمل في لزوم الانتقال لدى العجز عن الجلوس إلى الاضطجاع لا الاستلقاء عملا بتلك النصوص المعتبرة السليمة عما يصح للمعارضة. وهذا ممما لا اشكال ولا غبار عليه. وانما الكلام في جهات.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 18.

[ 237 ]

[ على الجانب الايمن (1) كهيئة المدفون. ] (1): - الجهة الاولى هل يجب اختيار الجانب الايمن لدى الاضطجاع، أو انه مخير بينه وبين الجانب الايسر؟ نسب إلى جماعة منهم الشيخ في المبسوط والعلامة في التذكرة والنهاية، التخيير، وهو ظاهر المحقق في الشرايع حيث لم يقيده بالجانب الايمن، ولكن المنسوب إلى معظم الفقهاء، هو التقييد مع التمكن منه، بل ادعى الاجماع عليه في بعض الكلمات. وهذا هو الاصح فان مقتضى الاصل، بل الاطلاق في موثقة سماعة، وكذا الآية المباركة المفسرة بما مر وان كان هو الاول، إلا انه لابد من الخروج عنهما بموثقة عمار الصريحة في الاختصاص بالجانب الايمن. ودعوى: انها مضطربة المتن ملا يجوز العمل بها، ورواية حماد وان خلت عن الاضطراب إلا انها مرسلة (مدفوعة) بخلوها عن الاضطراب في محل الاستشهاد، فانها في الدلالة على لزوم تقديم الجانب الايمن ظاهرة بل صريحة. ومن البين أن الاضطراب في ساير الفقرات لا يمنع عن الاستدلال بما لا اضطراب فيه بعد عدم سريانه إليه، إذ لا ينبغي الشك في ان المراد بقوله (ع) في الصدر " كيف قدر صلى " ليس هو التخيير بين الكيفيات ليكون منافيا مع التقييد بالايمن في الذيل ويستوجب الاضطراب فيه، بل المراد انه يصلي على حسب استطاعته وقدرته، نظير قولنا: إذا دخل الوقت فصل كيفما قدرت، اي ان قدرت من الوضوء فتوضأ، والا فتيمم

[ 238 ]

[ فان تعذر فعلى الايسر (1)، عكس الاول. ] وان قدرت قائما فصل قائما وإلا فجالسا، وهكذا، وليس المراد التخيير بين هذه الافراد بالضرورة. إذا فقوله (ع) بعد ذلك: " يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جانبه الايمن. الخ " الذي هو محل الاستشهاد لا ينافي ما قبله وانما هو بيان له، وان الذي يصلي على غير الايمن هو الذي لا يقدر على الايمن، اما مع التمكن منه فلا تصل التوبة إلى غيره. وتؤيدها مرسلة الصدوق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله المريض يصلي قائما فان لم يستطع صلى جالسا، فان لم يستطع صلى على جنبه الايمن، فان لم يستطع صلى على جنبه الايسر، فان لم يستطع استلقى وأومأ وجعل وجهه نحو القبلة، وجعل سجوده اخفض من ركوعه (1). وقد نسب الصدوق هذه الرواية إلى النبي صلى الله عليه وآله على سبيل الجزم الكاشف عن ثبوتها عنده بطريق صحيح، لكن الثبوت عنده لا يستوجب الثبوت عندنا. ومن الجائز ان لا نوافقه في تصحيح الطريق لو اطلعنا عليه. فهي إذا لا تخرج عن حد الارسال فلا يمكن الاستدلال بها والعمدة ما عرفت من الموثقة. (1): - الجهة الثانية لو تعذر الجانب الايمن فبناءا على القول بالتخيير بينه وبين الجانب الايسر لا ريب في تعين الثاني كما هو الشأن في كل واجب تخييري تعذر احد فردية، فلا تصل النوبة إلى الاستلقاء.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 15.

[ 239 ]

واما بناءا على القول المشهور من تقديم الجانب الايمن وتعينه الذي عرفت انه الاصح فهل ينتقل حينئذ إلى الجانب الايسر أيضا أو إلى الاستلقاء؟ المعروف: بين المتأخرين كما ذكره شيخنا الانصاري (قده) هو الاول، ولكن كلمات القدماء من الاصحاب خالية عن ذلك حيث انهم ذكروا انه يصلي مضطجعا إلى الجانب الايمن وإلا مستلقيا، وظاهرهم هو اختيار الثاني. وكيفما كان فالمتبع هو الدليل. ويشهد للقول الاخير، رواية الجعفريات وفيها " وان لم يستطع ان يصلي قاعدا صلى على جانبه الايمن مستقبل القبلة، فان لم يستطع ان يصلي على جانبه الايمن صلى مستقيما " ونحوها رواية الدعائم لكن ضعف سندهما يمنع عن الاعتماد عليهما. والاظهر هو القول الاول لا لمرسلة الصدوق المتقدمة آنفا فان ضعفها يمنع عن الاعتماد عليها، والانجبار لو سلمنا كبراه فالصغرى ممنوعة لما عرفت من عدم التعرض للجانب الايسر في كلمات القدماء الذين هم المدار في حصول الانجبار. بل لاطلاق الامر بالاضطجاع في جملة من النصوص المتقدمة من موثقة سماعة وغيرها، وقد قيدناه بالجانب الايمن بمقتضى موثقة عمار كما تقدم، إلا ان من الواضح ان مورد التقييد انما هو صورة التمكن. اما العاجز عنه فهو باق تحت الاطلاق ومقتضاه اختيار الجانب الايسر، إذ هو حينئذ قادر على الاضطجاع ومع القدرة عليه لا دليل على الانتقال إلى الاستلقاء، وبه يندفع ما قد يتوهم من ان مقتضى الاطلاق في ذيل موثقة عمار ان العاجز عن

[ 240 ]

[ فان تعذر صلى مستلقيا كالمحتضر (1) ويجب الانحناء للركوع والسجود بما امكن (2). ] الجانب الايمن مخير بين الايسر وبين الاستلقاء. (1): - الجهة الثالثة: إذا تعذر كل من الجانبين فالمشهور حينئذ تعين الاستلقاء استنادا (تارة) إلى النصوص المتقدمة الناطقة بان العاجز عن الصلاة جالسا يصلي مستلقيا. وقد عرفت انها باجمعها ضعيفة السند (واخرى) إلى ما ارسله الصدوق من النبوي المتقدم المصرح بان العاجز عن الجانب الايسر يصلي مستلقيا، وضعفه ايضا ظاهر. والاولى: ان يستدل له بان ذلك هو مقتضى ما دل على اعتبار الاستقبال في الصلاة ضرورة انه بعد فرض العجز عن كل من الجانبين، فمراعاة الاستقبال لا تتيسر إلا بالاستلقاء. (2): - فمن يصلي جالسا - بل قائما ايضا كفاقد الساتر - إذا كان عاجزا عن الركوع أو السجود ينحني اليهما بقدر الامكان، ولا يجب الايماء حينئذ، وانما يجب مع العجز عنه ايضا. وعن بعضهم وجوب الجمع بين الانحناء والايماء، ولكن الظاهر ان شيئا منهما لا يتم. اما ما في المتن فلانه انما يتجه مع صدق الركوع أو السجود على الانحناء المزبور، ولو برفع المسجد لوضع الجبهة عليه، واما مع عدم الصدق فلم يعرف وجهه، بل ظاهر النصوص الآتية، وكذلك الروايات المتقدمة في كيفية الصلاة عاريا انتقال العاجز عن الركوع أو السجود إلى الايماء لخلوها عن ذكر الانحناء وحملها

[ 241 ]

[ ومع عدم امكانه (1) يومئ برأسه (2). ] على صورة العجز عنه ايضا كما ترى، إذ لا موجب لارتكاب التقييد بعد كونها باسرها مطلقة وعدم نهوض ما يستوجبه بوجه. واما ما عن ذلك البعض فلعدم وضوح مستند للجمع ما عدا قاعدة الميسور التي هي غير تامة في نفسها مضافا إلى منع الصغرى بداهة ان الانحناء المزبور مقدمة للوصول إلى حدي الركوع والسجود فهو خارج عن حقيقتهما وليس من مراتبهما ليعد ميسورا لهما. إذا فالانحناء المذكور غير واجب لا بنفسه، ولا بضميمة الايماء. (1): - ولو لاجل العسر والحرج الرافعين للتكليف. (2): - سواء أكانت وظيفته الصلاة جالسا أم مضطجعا أم مستلقيا. اما الاول: فلاطلاق صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام والسجود، قال: يومئ برأسه ايماءا وأن يضع جبهته على الارض احب الي (1) فان اطلاقها يشمل مستطيع الجلوس وعدمه، ومقتضاه ان من استطاعه فكانت وظيفته الصلاة جالسا ولم يستطع السجود يومئ إليه، ويلحق به الايماء للركوع، للقطع بعدم الفرق. وحيث ان المراد من عدم الاستطاعة ما يشمل الحرج والمشقة لاعدم الاستطاعة العقلية خاصة كما اشرنا إليه. فمن ثم حكم في ذيل الصحيحة ان تحمل المشقة والاتيان بنفس السجود احب إليه عليه السلام. وعليه: فينبغي الاستدلال للمطلوب بهذه الصحيحة، ومعه لا حاجة


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 2.

[ 242 ]

إلى الاستدلال بالعلم الخارجي ببدليه الايماء عنهما وانه مع العجز عن المبدل منه ينتقل إلى البدل، فان هذا العلم وان كان موجودا إلا ان الاستدلال بالنص الخاص اولى كما لا يخفى. واما الثاني: فلموثقة عمار المتقدمة حيث ورد فيها قوله (ع) ".. ثم يومئ بالصلاة ايماءا " (1) المؤيدة بما تقدم من مرسلة الصدوق عن النبي صلى الله عليه وآله فان قوله في ذيلها ". واومئ ايماء (2). الخ يرجع إلى جميع ما تقدم. لا خصوص الاستثناء فيشمل المضطجع على أحد جانبيه. ثم ان المضطجع المزبور لو تمكن من ان ينقلب على وجه ويسجد فهل يتعين عليه ذلك، وان استوجب الاخلال بالاستقبال أوان وظيفته الايماء إليه مراعيا للقبلة. (وبعبارة اخرى) لو دار الامر بين مراعاة السجود وبين مراعاة الاستقبال موميا إليه فأيهما المقدم؟. الظاهر هو الثاني لاطلاق موثقة عمار حيث لم يقيد الامر بالايماء فيها بصورة العجز عن السجود المزبور فلاحظ. واما الثالث: فلموثقة عمار ايضا قال (ع) في ذيلها. فان لم يقدر ان ينام على جنبه الايمن فكيف ما قدر فانه له جائز، وليستقبل بوجهه القبلة ثم يومئ بالصلاة ايماءا، فانه من الواضح ان من جملة ما قدر هو الصلاة مستلقيا فعليه الايماء. واوضح منها موثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء فينتزع الماء منها فيستلقى على ظهره الايام الكثيرة اربعين


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 10. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 15.

[ 243 ]

[ ومع تعذره فبالعينين بتغميضهما (1). ] يوما، أو اقل أو اكثر فيمتنع من الصلاة الايام إلا ايماءا وهو على حاله، فقال: لا بأس بذلك، وليس شئ مما حرمه الله الا وقد احله لمن اضطر إليه (1) فانها صريحة في ان وظيفة المستلقى هي الايماء. والعجب من صاحب الحدائق انه مع نقله لهاتين الروايتين (2) كيف ادعى اختصاص نصوص الايماء بالاضطجاع وانه لم يرد في الاستلقاء الاغمض العينين (3) مع ان موثقة سماعة صريحة في وجوب الايماء (4) لذى؟ الاستلقاء وموثقة عمار دالة عليه بالاطلاق كما سمعت. (1): - ويستدل له بمرسلة الصدوق قال: قال الصادق (ع): (يصلي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلى جالسا فان لم يقدر ان يصلي جالسا صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ، فان اراد الركوع غمض عينيه ثم سبح، فإذا سبح فتح عينيه، فيكون فتح عينيه


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 6. (2) لاحظ الحدائق ج 8 ص 72، 75. (3) لاحظ الحدائق ج 8 ص 80. (4) لكنها في الحدائق تبعا للتهذيب ج 3 ص 306 خالية عن ذكر الايماء وانما هو مذكور في الفقيه، ولعل صاحب الحدائق لم يطلع عليه ومنه تعرف ان ما في الوسائل من نسبته إلى الشيخ في غير محله. ب‍

[ 244 ]

رفع رأسه من الركوعن، فإذا اراد ان يسجد غمض عينيه ثم سبح فإذا سبح فتح عينيه، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ثم يتشهد وينصرف (1)، بعد التعدي عن موردها وهو الاستلقاء إلى الاضطجاع بعدم القول بالفصل. وقد اسندها في الجواهر (2) إلى بزيع المؤذن ولكنه سهو من قلمه الشريف، ولعل الذي أوقعه في الاشتباه هو أن صاحب الوسائل روى قبل المرسلة بلا فصل رواية اخرى عن بزيع فاشتبه، والحق متن احداهما بسند الاخرى. وكيفما كان: فالرواية من جهة الارسال غير صالحة للاستدلال، ولا نقول بالانجيار، واسناد الصدوق لها إلى الصادق (ع) بضرس قاطع لا يقتضي ازيد من اعتقاده بذلك لا متابعتنا له في ذلك. والاولى: ان يستدل له بوجه آخر، وهو انا قد علمنا من صحيحة زرارة الورادة في باب المستحاضة المعتضدة بما في موثقة عمار المتقدمة من قوله (ع) ". فيكف ما قدر فانه له جائز " ان الصلاة لا تسقط بحال، وانه يأتي مهما امكن بما قدر منها وتيسر، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى قد علمنا من حديث التثليث وغيره من النصوص ان الركوع والسجود من مقومات الصلاة الدخلية في صدق اسمها وتحقيق ماهيتها، كما وعلمنا أيضا أن الشارع قد جعل لدى العجز عنهما بدلا يعد مرتبة نازلة عنهما وهو الايماء بالرأس.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 13. (2) لاحظ الجواهر ج 9 ص 267.

[ 245 ]

[ وليجعل ايماء سجوده اخفض منه لركوعه (1)، ] إذا يستنتج من هاتين المقدمتين ان الشارع الاقدس لابد وان يجعل بدلا آخر لدى العجز عن هذا البدل حذرا عن الاخلال بماهية ما لا يسقط بحال. وحيث لا يحتمل أن يكون ذاك البدل شيئا آخر غير غمض العينين من الايماء باليد أو الرجل مثلا سيما وان الايماء بالعينين اقرب إلى الايماء بالرأس من غيره مضافا إلى تسالم الاصحاب عليه. فلا جرم كان هو المتعين، فليتأمل. (1): - على المشهور، بل عن الذكرى نسبته إلى الاصحاب، فان تم الاجماع التعبدي ولا يتم - وإلا فاثباته بحسب الصناعة مشكل جدا لضعف ما استدل له فانه امور: (منها: مرسلتا الصدوق النبوية والعلوية (1) ففي اولاها: ". وجعل سجوده اخفض من ركوعه "، وفي الثانية: ".. ويجعل السجود اخفض من الركوع ". ولكن الارسال مانع عن الاستدلال، ولا نقول بالانجبار. و (منها): خبر ابي البختري عن جعفر بن محمد، عن ابيه (عليهما السلام) انه قال: من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثيابا، فان لم يجد صلى عريانا جالسا يومئ ايماءا ويجعل سجوده اخفض من ركوعه (2).


(1) الوسائل باب 1 من ابواب القيام ح 15، 16. (2) الوسائل: باب 52 من أبواب لباس المصلي ح 1.

[ 246 ]

وهي مضافا إلى ضعف سندها بأبي البختري واردة في المتمكن من الركوع والسجود غير انه يتركهما لمانع، فكيف يتعدى إلى غير المتمكن لمرض ونحوه كما في المقام. ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن الصلاة في السفر إلى أن قال: وليتطوع باليل ما شاء إن كان نازلا وإن كان راكبا فليصل على دابته وهو راكب، ولتكن صلاته ايماءا، وليكن رأسه حيث يريد السجود اخفض من ركوع (1). ولكن موردها النافلة، والمتمكن من الركوع والسجود في حد نفسه وان لم يتيسر له حال الركوب فلا يمكن التعدي إلى صلاة الفريضة ومن هو عاجز في نفسه. ومنها: صحيحة يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي على راحلته، قال: يومى ايماءا يجعل السجود اخفض من الركوع (2). وصحيحته الاخرى قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في السفر وانا امشي، قال: أوم ايماءا واجعل السجود اخفض من الركوع. وصحيحته الثالثة قال: سألت أبا عبد الله (ع) إلى ان قال: قلت يصلي وهو يمشي قال: نعم يومي ايماءا، وليجعل السجود اخفض من الركوع (3). لكن الظاهر ان مورد هذه الصحاح هو النافلة ايضا على ان موردها المتمكن كما عرفت فلا سبيل للتعدي


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب القبلة ح 14. (2) الوسائل: باب 15 من أبواب القبلة ح 15. (3) الوسائل: باب 16 من أبواب القبلة ح 3، 4.

[ 247 ]

[ ويزيد في غمض العين للسجود على غمضها للركوع (1). والاحوط وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة (2). ] منها إلى المقام. فالمتحصل: انه لا دليل على مراعاة الاخفضية، بل الظاهر عدم وجوبها وان كانت احوط. (1): - كما عن جماعة ولعله المشهور، وكأنه ايماءا للفرق بين الايماءين بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع، ولكنه كما ترى إذ لا دليل على لزم رعاية الفرق المزبور بعد خلو النص عنه، فان الواجب بمقتضى الاطلاق انما هو الغمض بمقدار الذكر الواجب ولا دليل على الزيادة عليه سواء اريد بها تطويل الغمض أو تشديده. (2): - في المسألة اقوال خمسة: وجوب الوضع تعيينا، التخيير بينه وبين الايماء، لزوم الجمع بينهما، افضلية ضم الوضع إلى الايماء، بدلية الوضع عن الايماء. اما القول الاول فيستدل له بموثقة سماعة المتقدمة قال: سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس، قال: فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فانه يجزي عنه، ولم يكلف الله مالا طاقة له به (1). وفيه: اولا انها معارضة باطلاق النصوص الدالة - وهي في مقام البيان - على ان وظيفة العاجز عن الركوع والسجود إنما هي الايماء وحملها على ما إذا لم يتمكن من وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 5.

[ 248 ]

ولو بالاستعانة من الغير - الميسورة غالبا - حمل على الفرد النادر جدا. فكيف يمكن حمل تلك الروايات الكثيرة وهي في مقام بيان تمام الوظيفة على ذلك. وثانيا: ان الموثقة في نفسها غير قابلة للدلالة على الوجومب التعييني لظهور القضية الشرطية في قوله (ع): " وليضع على جبهته شيئا إذا سجد " في انه بعد حصول الشرط وتحقق السجود خارجا يجب عليه الوضع المزبور، فكأنه مأمور بالسجود اولا، وبالوضع ثانيا وحيث ان السجود الحقيقي متعذر حسب الفرض فلا جرم يراد به بدله وهو الايماء فيكون محصل المعنى انه إذا اومأ يضع شيئا على جبهته. إذا لا يمكن أن يراد خصوص الوضع من دون الايماء كما هو المدعى. بل ان دقيق النظر يقضي بلزوم رد علم الموثقة إلى اهله، لان حمل السجود فيها على معناه الحقيقي ليجب الجمع بينه وبين الوضع على الجبهة مقطوع العدم، كيف ولازمة ان يكون المريض سواء حالا وأشق تكليفا من الصحيح وهو كما ترى. وتوجيهه: بان سجود المضطجع المريض لما كان فاقدا لشرائط الصحة غالبا فمن ثم امر بوضع شئ على جبهته أيضا بعيد جدا كما لا يخفى فلا مناص من ان يراد به اما بدله وهو السجود التنزيلي أعني الايماء، أو ارادته يعني متى اراد أن يسجد فليضع شيئا على جبهته بدلا عنه. اما الثاني: فقد عرفت معارضته مع نصوص بدلية الايماء، وعرفت أيضا ان حمل تلك النصوص على صورة العجز عن الوضع

[ 249 ]

المزبور حمل للمطلق على الفرد النادر فتسقط الموثقة من أجل المعارضة وعدم المقاومة تجاهها. واما الاول: فغير واضح ايضا لان حمل السجود على الايماء الذي هو خارج عن مفهومه يحتاج إلى الدليل ولا دليل، ومجرد بدليته عنه لدليل خاص لا يستوجب حمل اللفظ عليه عند الاطلاق. إذا لا نعقل معنى صحيحا للموثقة ولابد من رد علمها إلى اهله. وبمضمون الموثقة مرسلة الفقيه قال: وسئل عن المريض لا يستطيع الجلوس أيصلي وهو ومضطجع ويضع على جبهته شيئا؟ قال: نعم لم يكلفه الله إلا طاقته (1). ولكنها مضافا إلى ضعف السند قاصرة الدلالة، إذا الحكم بالوضع لم يذكر إلا في كلام السائل، وجواب الامام (ع) بقوله: " نعم " لا يدل على الوجوب لجواز ارادة الاستحباب بل مطلق الجواز، وانه امر سائغ لا يضر بصلاته فليتأمل. ولعل نظر الفقيه في هذه المرسلة إلى تلك الموثقة بقرينة ما في ذيلها من انه لا يكلف الله إلا طاقته. وكيفما كان فالعمدة هي الموثقة وقد عرفت ما فيها. واما القول الثاني: فيستدل له بأن مقتضى الجمع بين الموثقة وبين النصوص الايماء بعد رفع اليد عن ظهور كل منهما في الوجوب التعييني فينتج التخيير بينهما. وفيه: ان كثرة نصوص الايماء الواردة في الموارد المتفرقة واوضحيتها في الدلالة على البدلية بعد كونها في مقام بيان تمام الوظيفة يعطي لها قوة ظهور في ارادة الوجوب التعييني بحيث لا تقبل الحمل على


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 14

[ 250 ]

التخيير لا سيما مع جواز ان يكون المراد من السجود في الموثقة الايماء إليه لتضمنها حينئذ الامر بالوضع في فرض الايماء، فكيف تحمل على التخيير بينهما. واما القول الثالث: فيستدل له بانه مقتضى تقييد اطلاقات الايماء بالموثقة فان نتيجة وجوب الجمع بينهما. وربما يجاب عنه بمعارضته مع صحيحتي زرارة والحلبي الظاهرتين في استحباب الوضع زائدا على الايماء. ففي الاولى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن المريض كيف يسجد؟ فقال: على خمرة، أو على مروحة، أو على سواك يرفعه إليه، هو افضل من الايماء (1). وفي الثانية: عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام والسجود، قال يومى برأسه ايماءا وأن يضع جبهته على الارض أحب الي (2). وفيه: انهما غير ناظرتين إلى ما هو محل الكلام من وضع شئ على الجبهة مع الايماء، بل المراد ان من كان السجود حرجيا بالنسبة إليه فله ان يومي بدلا عنه، ولكنه مع ذلك إذا تحمل المشقة وسجد على الارض أو على غيرها قدر ما يطيق فهو افضل وقد تقدم هذا المعنى عند التكلم حول صحيحة الحلبي. (وبالجملة) محل كلامنا وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة، لا وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، فلا ارتباط للصحيحتين بالمقام.


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب ما يسجد عليه ح 1. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 2.

[ 251 ]

فالاولى: ان يجاب بما تقدم من ان الموثقة مطروحة لانها غير صحيحة المفاد فلا تنهض لتقييد المطلقات. على انا لو تنازلنا وسلمنا دلالتها بعد ارتكاب التقييد المزبور على وجوب كلا الامرين فلم يكن بد من رفع اليد عنها نظرا إلى ان المسألة كثيرة الدوران ومحل للابتلاء غالبا. وقد تعرض الاصحاب لها القدماء منهم والمتأخرون، فلو كان الوجوب ثابتا لاصبح من الواضحات فكيف خلت منه فتاوى القدماء، ولم يرد في شئ من الروايات على كثرتها تنصيص عليه. ومما ذكرنا يظهر لك مستند القول الرابع مع جوابه. وأما القول الخامس: فمستنده حمل ما دل على الوضع على صورة العجز عن الايماء بشهادة خبر علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن المريض الذي لا يستطيع القعود ولا الايماء كيف يصلي وهو مضطجع؟ قال: يرفع مروحة إلى وجهه ويضع على جبينه ويكبر هو (1). وفيه: مضافا إلى ضعف السند بعبدالله بن الحسن انها قاصرة الدلالة، إذ لم يذكر فيها وضع شئ على الجبهة عند السجود، ليتوهم انه بدل عن الايماء لدى تعذره، بل ذكر الوضع المزبور عند التكبير وهو اجنبي عن محل الكلام. وقد تخلص من جميع ما تقدم ان الوظيفة لدى العجز عن الركوع والسجود إنما هي الايماء اليهما فحسب استنادا إلى المطلقات التي هي المحكم بعد سلامتها عما يصلح للتقييد، واما الوضع فلم يثبت استحبابه


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القيام ح 21.

[ 252 ]

[ والايماء بالمساجد الاخر ايضا (1)، وليس بعد المراتب المزبور حد موظف فيصلي كيفما قدر وليتحر الاقرب إلى صلاة المختار، والا فالاقرب إلى صلاة المضطر على الاحوط (2). ] فضلا عن وجوبه. (1): - هذا مضافا إلى انه لم يتصور له معنى معقول لم ينهض عليه دليل مقبول لاختصاص الدليل بالايماء بالرأس أو العين ولم يرد ما يشمل ساير الاعضاء. (2): - هذا وجيه بالاضافة إلى اصل الصلاة فانها لا تسقط بحال واما بالنسبة إلى الركوع والسجود إذا لم يتمكن منهما ولا من بدلهما اعني الايماء اليهما بالرأس أو العين فقد ذكر كاشف الغطاء (قده) انه يومي بساير اعضائه. لكنك عرفت آنفا انه لا دليل عليه، فان من البديهي خروج الايماء عن مفهوم الركوع والسجود، فلابد في بدليته عنهما من اقامة الدليل وهو مختص بالايماء بالرأس أو بالعين، واما الايماء بساير الاعضاء فلا دليل عليه. ومن ثم كان العاجز عن البدل المزبور غير قادر على الركوع والسجود رأسا فيكون كفاقد الطهورين، حيث ان الركوع والسجود كالطهارة من المقومات الدخلية في صدق الماهية، كما يكشف عنه حديث التثليث. فلو قلنا بسقوط الصلاة عن فاقد الطهورين قلنا

[ 253 ]

[ (مسألة 16): إذا تمكن من القيام لكن لم يتمكن من الركوع قائم (1) جلس وركع جالسا، وان لم يتمكن من الركوع والسجود صلى قائما. ] بسقوطها في المقام أيضا لوحدة المناط وقضائها بعد ذلك، وان كان الاحوط الجمع بين القضاء وبين أن يأتي في الوقت بالمقدور من اجزاء الصلاة. (1): - لاريب ان من تمكن من القيام لا تسوغ له الصلاة جالسا لقوله (ع): إذا قوى فليقم، واما إذا تمكن منه وعجز عن الركوع قائما فقد ذكر (قده) انه يجلس ويركع جالسا. وهذا وان لم يرد به نص بالخصوص لكنه مطابق للقاعدة، فان الركوع الجلوسي ركوع حقيقة ولا تنتقل الوظيفة إلى الايماء إلا بعد العجز عن الركوع الحقيقي، فادلة الايماء غير شاملة للمقام والمفروض العجز عن الركوع القيامي فتتعين الوظيفة في الركوع جالسا (1). (1) ولكنه يشكل بظهور دليل البدلية في كون الايماء بدلا عن الركوع الذي هو وظيفته الشرعية حسب حالته الفعلية ان قائما أو جالسا لاعن طبيعي الركوع، فمن يصلي قائما انما يومي فيما إذا كان عاجزا عما لو كان قادرا عليه في هذه الحالة لفعل وهو الركوع القيامي دون الجلوسي كيف وهو وظيفة العاجز عن القيام وهذا قادر عليه حسب الفرض ومن ثم يومى العاري قائما ولا يركع جالسا وهكذا الحال فيمن يصلي جالسا، وحيث انه موظف في مفروض

[ 254 ]

[ وأمأ للركوع والسجود وانحنى لهما بقدر الامكان (1) وان تمكن من الجلوس جلس لايماء السجود (2). ] (1): - اما الايماء فلا اشكال وقد تقدم انه بدل اضطراري عن الركوع والسجود. واما الانحناء فليس عليه دليل ظاهر عدا قاعدة الميسور. وفيه اولا: ان القاعدة ممنوعة في نفسها وثانيا مع التسليم فلا صغرى لها في المقام، إذ الانحناء من مقدمات الركوع فهو مبائن معه، والمباين لا يعد من مراتب الشئ كي يكون ميسورا له كما لا يخفى. وثالثا مع تسليم الكبرى والصغرى فلا بحال لها في المقام ايضا إذ تدفعها اطلاقات ادلة الايماء المعينة للوظيفة الفعلية ومن الواضح ان القاعدة انما تجري مع عدم تعين الوظيفة من قبل الشارع. (2): - هذا لادليل عليه ايضا عدا كون الايماء جالسا اقرب إلى هيئة السجود وهو كما ترى وجه اعتباري لا يصلح مدركا لحكم شرعي، وقد عرفت النقاش في قاعدة الميسور من الوجوه الثلاثة فالاقوى عدم الوجوب. = المسألة بالركوع القيامي وقد عجز عنه فلا جرم ينتقل إلى الايماء كما صرح (دام ظله) بذلك في تعليقته الشريفة على المسألة الثانية من مبحث الركوع وكذا في بحثه الشريفت هناك على ما ضبطناه عنه في ج 4 ص 35 وصرح دام ظله - به ايضا في المنهاج مسألة 593 وفي المسائل المنتخبة مسألة 292 ولم اعثر عاجلا على موافق له.

[ 255 ]

[ والاحوط وضع ما يصح السجود عليه على جبهته إن امكن (1) ] وقد يقال: بوجوبه رعاية للجلوس الواجب بين السجدتين، فان سقوطهما بالتعذر الموجب للانتقال إلى الايماء لا يستدعي سقوط الجلوس الواجب بينهما بعد فرض القدرة عليه. وفيه اولا: ان اطلاقات ادلة الايماء دافعة لهذا الاحتمال، إذ مقتضاها ان وظيفة العاجز من السجود انما هو الايماء ليس إلا سواء تمكن من الجلوس بين السجدتين ام لا، فعدم التقييد بذلك مع كونه (ع) في مقام بيا الوظيفة الفعلية يدفع احتمال وجوبه. وثانيا: ان الجلوس بين السجدتين ليس واجبا مستقلا، وانما هو بيان لحد رفع الرأس عن السجدة ردا لما زعمه أبو حنيفة من كفاية مجرد الرفع كيفما اتفق ولو بمقدار يسير يمكن ادخال شئ فيما بين الجبهة والمسجد ولو بمقدار اصبح أو اقل، بل قد ذهب إلى عدم وجوب الرفع اصلا، كما لو حفر وهو في حال السجدة حفيرة فوضع جبهته فيها، وان هذا المقدار كاف في صدق التعدد فأشير في هذه الاخبار إلى عدم الكفاية وبطلان هذه المقالة وان الحد الشرعي لرفع الرأس الموجب لتعدد السجدة إنما هو البلوغ حد الجلوس وعليه فالجلوس إنما يجب في فرض وجوب السجود، واما مع سقوطه لتعذره والانتقال إلى بدله وهو الايماء فلا موضوع لوجوب الجلوس، بل هو ساقط قطعا، فلا وجه لمراعاته. (1): - تقدم الكلام فيه وعرفت ان الاظهر عدم وجويه، وعلى تقدير الوجوب فهو خاص بالمضطجع لاختصاص الدليل به، ولا

[ 256 ]

[ (مسألة 17): لو دار امره بين الصلاة قائما موميا أو جالسا مع الركوع والسجود (1) فالاحوط تكرار الصلاة، وفي الضيق يتخير بين الامرين. ] يعم ساير موارد الايماء كما مر تفصيله. (1): - كما إذا انحصر موضع الصلاة في مكانين، احد هما ضيق فلا يتمكن فيه من السجود والركوع، والآخر قصير فلم يتمكن فيه من القيام، وقد افاد (قده) ان الاحوط حينئذ تكرار الصلاة مع سعة الوقت وفي الضيق يتخير، وما ذكره (قده) مبني على العلم الاجمالي بوجوب احدهما بخصوصه، وان الواجب هو المؤلف من خصوص هذا، أو خصوص ذاك، فيجب الاحتياط بالتكرار عملا بالعلم الاجمالي تحصيلا للفراغ اليقيني عن التكليف المقطوع، كما في موارد الدوران بين القصر والاتمام، أو الظهر والجمعة ونحو هما. هذا مع سعة الوقت، واما في الضيق فلا مناص من الاقتصار على احد هما مخيرا تنزلا عن الامتثال اليقيني المتعذر إلى الامتثال الاحتمالي الذي يستقل به العقل لدى العجز عن الاول هذا. ولكنك خبير بعدم انحصار اطراف العلم بما ذكر، بل هناك احتمال ثالث وهو التخيير واقعا فان هذا الاحتمال يتطرق في المقام بالوجدان من غير دافع. ومعه فلا علم باحدى الخصوصيتين كي يجب الاحتياط بالتكرار بل تدفع كل منهما باصالة البراءة، فيكون مقتضى القاعدة هو التخيير، لاندراج المقام في باب الدوران بين التعيين والتخيير والمختار فيه هو البراءة لرجوعه في الحقيقة إلى الشك بين

[ 257 ]

الاقل والاكثر الارتباطيين كما مر مرارا، فينبغي إذا ابتناء المسألة على الخلاف في ان الاصل الجاري في هذا الباب هل هو البراءة أو الاشتغال وقد عرفت ان الاول هو الصواب. هذا ولشيخنا الاستاد (قده) تعليقتان متها فتتان فحكم في تعليقته الانيقة على المقام بتقديم القيام، وقد تقدم عين الفرع في مبحث المكان، وعلق (قده) ثمة بتقديم الركوع والسجود، ونظره الشريف هنا بالترجيح بالسبق الزماني الذي هو من احد المرجحات في التدريجيات كمن دار امره بين ترك الصوم في اليوم الاول من شهر رمضان أو الثاني فان السابق متقدم بلا اشكال ونظره (قده) هناك بالترجيح بالاهمية، حيث ان الركوع والسجود اهم من القيام كما يظهر من حديث التثليت، قال (ع): (ان الصلاة ثلثه الطهور، وثلثه الركوع، وثلثه السجود (1). وهذا منه (قده) مبني على ادراج المقام في باب التزاحم كي يراعى مرجحات هذا الباب، وقد مرغير مرة في مطاوي هذا الشرح ان المقام وامثاله اجنبي عن هذا الباب لاختصاصه بالتكليفين المستقلين، وليس في المقام الا تكليف وحداني متعلق بالمركب، بل هو داخل في باب التعارض، إذ بعد سقوط ذاك التكليف بالعجز علمنا من دليل عدم سقوط الصلاة بحال، تعلق تكليف جديد بالباقي من الاجزاء الممكنة، وحيث ان متعلقه مجهول مردد بين المؤلف من هذا الجزء أو من ذاك فلا محالة يقع التعارض بين دليل الجزء ين اللذين يتعذر الجمع بينهما، وبما انهما بالاطلاق غالبا فيسقطان


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب الركوع ح 1.

[ 258 ]

[ (مسألة 18): لو دار امره بين الصلاة قائما ماشيا أو جالسا (1) فالاحوط التكرار ايضا. ] بعد التعارض ويرجع إلى الاصل العملي، ومقتضاه البراءة عن كل من الخصوصيتين. ونتيجة ذلك هو التخيير كما عرفت آنفا. فاتضح من جميع ما مر ان الاقوى هو التخيير من غير فرق بين سعة الوقت وضيقه. (1): - حكم - (قده) حينئذ بالتكرار كما في المسألة السابقة لاتحاد المبنى، وهو ما عرفت من حديث العلم الاجمالي، فجعل المسألتين من واد واحد، لكن الظاهر الفرق، فيحكم هناك بالتخيير على طبق القاعدة كما مر. واما في المقام فيقدم الصلاة ماشيا، لان المعارضة حينئذ بين دليل اعتبار القيام من قوله (ع): إذا قوى فليقم، وبين دليل اعتبار الاستقرار. وعليه: فان قلنا بان مدرك الثاني هو الاجماع فتقديم الاول ظاهر، لان المتيقن منه غير المقام. وإن قلنا بان مدركه رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع) انه قال في الرجل يصلي في موضع ثم يريد أن يتقدم، قال: يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم إلى الموضع الذي يريد ثم يقرأ (1)، فان بنينا على ضعف الخبر فالامر ظاهر أيضا، وان بنينا على صحته كما هو الاقوى من جهة وقوع النوفلي في اسانيد تفسير القمي. فقد يتوهم جريان التخيير المزبور حينئذ ايضا باعتبار تساقط


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1

[ 259 ]

الدليلين بعد المعارضة فيرجع إلى اصالة البراءة عن كل من الخصوصيتين فينتج التخيير، لكنه غير تام لعدم صلاحية هذه الرواية للمعارضة مع دليل اعتبار القيام، فان موردها خاص بالمتمكن من القيام والاستقرار، وانما يريد باختياره المشي والتقدم إلى مكان آخر لغاية ككونه افضل كما قد يتفق في الحرم الشريف، فيتقدم ليكون اقرب إلى الضريح المقدس مثلا، فحكم (ع) بالكف ولزوم مراعاة الاستقرار في مثل هذه الصورة، فلا تدل على لزوم رعايته حتى في مثل المقام الذي لم يتمكن فيه من القيام لو اراد الاستقرار. وبالجملة: لاتدل هذه الرواية على اعتبار الاستقرار حتى مع العجز عن القيام لان موردها التمكن منه، بخلاف دليل اعتبار القيام فان اطلاقه يشمل صورة العجز عن الاستقرار. فهو المحكم فلا جله يحكم بتقديم القيام في المقام وإن اخل بالاستقرار. وربما يستدل على هذا الحكم برواية سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه (ع) المريض إنما يصلي قاعدا إذا صار بالحال التى لا يقدر فيها على ان يمشي مقدار صلاته إلى ان يفرغ قائما (1). وكلمة (ان يمشي) بعد قوله (صار) الموجودة في الوسائل مستدرك، والصحيح حذفها كما في التهذيب لاخلالها بالمعنى وعدم استقامتها كما لا يخفى. وكيف كان: فقد قيل ان مفاد الرواية ان الانتقال إلى الصلاة جالسا انما هو بعد العجز عن الصلاة ماشيا، فلو دار الامر بينهما قدم الثاني وهو المطلوب.


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب القيام ح 4

[ 260 ]

ويقع الكلام فيها تارة من حيث السند، واخرى من ناحية الدلالة. اما السند فالظاهر انه لا بأس به، فان سليمان موثق لا لتوثيق العلامة اياه لما نراه من ضعف مبناه في التوثيق، فانه يعتمد على كل امامى لم يظهر منه فسق اعتمادا على اصالة العدالة وهو كما ترى، بل لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات (1). واما الدلالة فالظاهر انها اجنبية عما نحن فيه من فرض الدوران وانما هي ناظرة إلى بيان حد المرض الذي ينتقل معه إلى الصلاة جالسا وانه يستعلم ذلك بالعجز عن المشي مقدارا من الزمان الذي يسع لوقوع الصلاة فيه قائما، كاربع دقائق مثلا، فان المريض ربما يقوم ويمشي لبعض حوائجه كقضاء الحاجة ونحوه فان رأى من نفسه انه يتمكن من المشئ هذا المقدار كشف ذلك عن قدرته على الصلاة قائما، فان القدرة على المشي تستدعي القدرة على القيام بطريق أولى، وإن رأى من نفسه العجز عن ذلك كشف عن العجز عن القيام، فتنتقل الوظيفة حينئذ إلى الجلوس. هذا هو ظاهر الرواية وهو كما ترى اجنبي عن محل الكلام. إلا انه مع ذلك يجب رد علمها إلى اهله، ضرورة ان العجز عن المشئ مقدار الصلاة مستمرا كاربع دقائق مثلا لا يلازم العجز عن الصلاة قائما حتى يكون امارة عليه، وكاشفا عنه لعدم استمرار القيام في هذه المدة حال الاشتغال بالصلاة، فانه يركع ويسجد خلال ركعاتها فيمكث قليلا في سجوده وقعوده ويستريح هنيئة فيذهب


(1) ولكنه (دام ظله) عدل عنه اخيرا لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

[ 261 ]

[ (مسألة 19): لو كان وظيفته الصلاة جالسا وامكنه القيام حال الركوع وجب ذلك (1). ] تعبه وتتجدد قواه ثم يقوم إلى الركعة الاخرى فذاك العجز لا يكشف عن هذا العجز ابدا. فكيف يناط الانتقال إلى الجلوس بالعجز عن المشي، مع ان الاعتبار بالعجز عن القيام ليس إلا كما انيط به في الكتاب والسنة على ما مر سابقا. ومن هنا لم يحدد ذلك في شئ من الاخبار بحد معين، ولم يجيبوا عليهم السلام عن السؤال عن التحديد إلا بمثل قولهم عليهم السلام: بل الانسان على نفسه بصيرة ذاك إليه هو اعلم بنفسه، هو أعلم بما يطيقه وغير ذلك (1). هذا مع ان ظاهر اطلاق الرواية ان العجز عن المشي مقدار تمام الصلاة إلى ان يفرغ يوجب الانتقال إلى الجلوس حتى ولو تمكن من الشي مقدار بعض الصلاة، وليس الحكم كذلك جزما، فانه لو تمكن من القيام في بعض ركعات الصلاة وجب ذلك بلا اشكال كما سيجئ قريبا ان شاء الله تعالى، فتكون صلاته ملفقة من القيام والجلوس حسب اختلاف حاله عند كل ركعة. فالانصاف ان الرواية بجملة المفاد غير ظاهرة المراد فلا تصلح للاعتماد، بل يرد علمها إلى اهله. (1): - هذه غير مسألة الدوران بين مراعاة القيام في اول الركعة أو آخرها التي سيتعرض لها في المسألة الآتية. بل مفروض هذه المسألة التمكن من القيام آناما قبل الركوع كي يكون ركوعه عن


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب القيام

[ 262 ]

[ (مسألة 20): إذا قدر على القيام في بعض الركعات دون الجميع (1) وجب ان يقوم إلى أن يتجدد العجز وكذا إذا تمكن منه في بعض الركعة لافي تمامها، نعم لو علم من حاله انه لو قام اول الصلاة لم يدرك من الصلاة قائما إلا ركعة أو بعضها، وإذا جلس اولا يقدر على الركعتين قائما أو ازيد مثلا لا يبعد وجوب تقديم الجلوس لكن لا يترك الاحتياط حينئذ بتكرار الصلاة، كما ان الاحوط في صورة دوران الامر بين ادراك اول الركعة قائما والعجز حال الركوع أو العكس ايضا تكرار الصلاة. ] قيام. ولا ريب في وجوب ذلك عليه، إذ لاسبيل للانتقال إلى الركوع الجلوسي بعد فرض التمكن من الركوع قائما. (1): - قد عرفت ان مقتضى القاعدة فيمن دار امره بين ترك احد الشرطين مع تساوي الدليلين هو التخيير لاصالة البراءة عن كل من الخصوصيتين. فيمقتضاها ينبغي الحكم في المقام بالتخيير بين رعاية القيام في الركعة السابقة أو اللاحقة، إلا ان الاقوى في خصوص المقام رعاية القيام في السابقة فيقوم إلى ان يتجدد العجز كما افاده في المتن وذلك لاطلاق قوله (ع) في صحيحة جميل: إذا قوى فليقم (1) فانها وان وردت جوابا عن السؤال عن حد المرض الموجب للانتقال إلى الصلاة قاعدا في مجموع الصلاة، إلا


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب القيام ح 3

[ 263 ]

ان اطلاقها غير قاصر الشمول للمجموع وللابعاض، كما لا يخفى. فتدل على ان المكلف مهما تمكن من القيام فيما يجب فيه القيام وجب ذلك ولا ينتقل فيه إلى القعود إلا مع العجز عنه. وعلى فيما انه لدى الاشتغال بالركعة الاولى قادر عى القيام على الفرض فيشمله اطلاق الصحيح فيجب عليه القيام لفعلية الشرط وهو كونه قد قوي عليه، فلا عذر له في تركه بخلاف تركه في الركعة اللاحقة لحصول العجز حينئذ. ومنه: تعرف انه لافرق في هذا الحكم أعني تقديم السابق أخذا باطلاق الدليل بين ما إذا كان طرفا الترديد متساويين من حيث القلة والكثرة كالمثال المتقدم، أو مختلفين كما لو دار امره بين القيام في الركعة الاولى والعقود في الركعتين الباقيتين أو الثلاث، وبين العكس وانه يتعين تقديم القيام حينئذ ايضا وان استلزم الجلوس في الاكثر من الركعة الواحدة لما عرفت من عدم العذر في ترك القيام سابقا مع القدرة عليه والحكم يتبع في فعليته فعلية موضوعه وهو متحقق على الفرض فيشمله قوله (ع): " إذا قوي فليقم " بخلاف تركه في الركعات اللاحقة، فانه مستند إلى العجز بعد صرف قدرته في الركعة السابقة، وليس المقام من موارد التزاحم كي يراعي فيه الاهمية ويرجع بها كما مر مرارا. فما افاده في المتن من عدم استبعاده وجوب تقديم الجلوس في هذه الصورة لا يمكن المساعدة عليه، كما لاوجه للاحتياط بتكرار الصلاة وان كان حسنا على كل حال. ومن جميع ما ذكرناه تعرف حكم الدوران بين ادراك اول الركعة

[ 264 ]

[ (مسألة 21): إذا عجز عن القيام ودار امره بين الصلاة ماشيا أو راكبا قدم المشي على الركوب (1). (مسألة 22): إذا ظن التمكن من القيام في آخر الوقت وجب التاخير (2)، بل وكذا مع الاحتمال. ] قائما والعجز آخرها المؤدي إلى الركوع جالسا وبين العكس، وان اللازم حينئذ تقديم الاول بالبيان المتقدم من عدم المعذورية سابقا والعذر لاحقا. وقد عرفت ان المقام ليس من باب التزاحم كي يراعى فيه اهمية الركوع فتنتقل الوظيفة لا محالة إلى الركوع جالسا. (1): - قد عرفت في المسألة الثامنة عشرة إنه لو دار الامر بين الصلاة قائما ماشيا أو جالسا قدم الاول لتقديم دليل القيام على دليل الاستقرار بالبيان المتقدم، فبمقتضى ذلك يجب تقديم المشي على الركوب في المقام كما لا يخفى. بل يزيد المقام على ما سبق ان الاخلال بالاستقرار لازم على التقديرين، اي سواء صلى ماشيا أم راكبا، ويزداد الثاني بالاخلال بالقيام ايضا، فلا مناص من اختيار الاول الذي يتحفظ معه على القيام فان دليل اعتباره حينئذ سليم عن المعارض. (2): - هذه المسألة من صغريات البحث عن جواز البدار لذوي الاعذار، وعدمه مع احتمال زوال العذر، أو الظن به بعد الفراغ عن الجواز في صورة اليأس، وقد تكرر التعرض لنظائر هذا الفرع في مطاوي هذا الشرح مرارا، وقلنا ان الاقوى هو التفصيل في

[ 265 ]

الجواز بين مرحلتي الواقع والظاهر، فبحسب الحكم الواقعي لا يجوز البدار فيما إذا صادف ارتفاع العذر، لان التكليف الاولي قد تعلق بطبيعي الصلاة الجامعة لتمام الاجزاء والشرائط المحدودة بين الحدين من المبدء والمنتهى كالزوال والغروب مثلا. فالطبيعي الجامع بين الافراد الطولية، بل وكذا العرضية هو المأمور به وانما تنتقل الوظيفة إلى البدل الاضطراري والتكليف الثانوي بعد العجز عن هذه الطبيعة الذي لا يتحقق إلا بالعجز عن تمام الافراد، فمع التمكن من فرد من الافراد الطولية ولو كان هو الواقع في نهاية الحد وفي آخر الوقت لاسبيل للانتقال إلى البدل للقدرة على المأمور به الاختياري الذي هو الطبيعي الصادق على ذاك الفرد، فكما ان العجز عن الفرد العرضي لا يسوغ الانتقال إلى البدل بلا اشكال فلو كان عاجزا عن القيام في هذا المكان وقادرا عليه في مكان آخر وكلاهما في زمان واحد لا تنتقل الوظيفة إلى الجلوس بالضرورة، فكذا العجز عن الفرد الطولي. والسر هو ما عرفت من أن المأمور به ليست الافراد لا العرضية ولا الطولية كي يكون العجز عن فرد مسوغا للانتقال إلى البدل، وانما هو الطبيعي الجامع بين الحدين الذي لا يكاد يتحقق العجز عنه إلا بالعجز عن تمام افرادها عرضيها وطوليها. وعليه فمع فرض ارتفاع العذر في آخر الوقت فبما ان الفريضة الاختيارية مقدورة للمكلف بتطبيق الطبيعي. على ذاك الفرد فلا يجوز له البدار والاقتصار على الاضطرارية لعدم تحقق موضوعها حينئذ كما عرفت. هذا كله بحسب الواقع.

[ 266 ]

[ (مسألة 23): إذا تمكن من القيام لكن خاف حدوث مرض (1) أو بطء برءه جاز له الجلوس وكذا إذا خاف من الجلوس جاز له الاضطجاع، وكذا إذا خاف من لص أو عدو، أو سبع أو نحو ذلك. ] واما في مرحلة الظاهر فلا مانع من جواز المبادرة اعتمادا على استصحاب بقاء العذر، وعدم ارتفاعه إلى نهاية الوقت المنقح للعذر المستوعب الذي هو الموضوع للانتقال إلى البدل الاضطراري بناءا على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الامور الاستقبالية كالحالية. غاية الامر ان الامر في موارد الاستصحاب حيث انه ظاهري فاجزاؤه عن الامر الواقعي وجواز الاقتصار عليه منوط بعدم انكشاف الخلاف. فالحكم بالصحة مراعى بعدم زوال العذر، فان زال في الوقت كشف عن البطلان ووجبت الاعادة على طبق الوظيفة الاختيارية، وان استمر كشف عن الصحة، بل ان هذا هو الحال حتى مع القطع الوجداني باستمرار العذر، فان زوال العذر حينئذ يكشف عن ان الامر كان وهميا خياليا وهو غير مجز عن الامر الواقعي بلا اشكال. (1): - تقدم حكم العاجز عن القيام، واما من كان متمكنا منه فعلا لكنه خاف حدوث المرض لو قام، أو بطء برئه، أو خاف من لص، أو عدو أو سبع، فقد ذكر (قده) انه يجوز له الانتقال إلى الجلوس أو الاضطجاع والاستلقاء حسب اختلاف

[ 267 ]

المراتب، ومراده (قده) بالجواز هو الوجوب، وان الوظيفة تتعين في ذلك كما هو ظاهر. وكيف كان: فالحكم مسلم لا خلاف فيه كما لااشكال، والمستند فيه حديث نفي الضرر، فان ظاهر الحديث وان كان هو الضرر الواقعي كما هو الشأن في كل حكم مترتب على موضوعه فلايد من احرازه بدليل قاطع من علم وجداني ونحوه، فلا سبيل للتمسك به مع الشك وخوف الضرر، بل ان مقتضى الاصل عدمه، فيستصحب بقاء الوظيفة الاختيارية، ولا ينتقل إلى الاضطرارية إلا عند الضرر المقطوع. إلا انا استفدنا التعميم لصورة الخوف من الموارد المتفرقة كالصوم والتيمم ونحو هما من الموارد التى استشهد الامام (ع) على سقوط الوظيفة الاولية والانتقال إلى البدل عند مجرد الخوف بدليل نفي الضرر أو العسر والحرج. هذا مع ان خوف الضرر امارة نوعية وطريق عقلائي لاستكشاف الضرر الواقعي، فان العقلاء لا يزالون يعاملون مع خوف الضرر معاملة الضرر المقطوع، فكأن الضرر محرز بمجرد الخوف. وعليه فلا مجال للتشكيك في الاسناد إلى دليل نفي الضرر في امثال المقام. وتؤيده صحيحة محمد بن مسلم الواردة في خصوص المقام قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل والمرأو يذهب بصره فيأتيه الاطباء فيقولون نداويك شهرا أو اربعين ليلة مستلقيا كذلك يصلي، فرخص في ذلك وقال: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه (1) فان وقول الاطباء لا يورث القطع بالعذر عادة، بل غايته الخوف


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب القيام ح 1

[ 268 ]

[ (مسألة 24): إذا دار الامر بين مراعاة الاستقبال أو القيام (1) فالظاهر وجوب مراعاة الاول. ] ومع ذلك فقد رخص (ع) فيه، واجري عليه حكم الضرر مستشهدا بالآية الشريفة. ومن المعلوم عدم الفرق بين مورد الصحيحة وبين غيره من ساير موارد الضرر. (1): - حكم (قده) حينئذ بلزوم تقديم الاستقبال، وقد يقال بلزوم تقديم القيام لانه ركن، وربما يفصل بين ما إذا كان الاخلال بالاستقبال بنحو يوجب الاستدبار فيقدم على القيام، وبين ما إذا كان بحيث يوجب الانحراف إلى اليمين أو اليسار فيقدم القيام عليه لما دل على ان ما بين المشرق والمغرب قبلة. والصحيح: هو ما افاده في المتن، فان مقتضى القاعدة في امثال المقام وان كان هو التخيير كما مر إلا انه يقدم الاستقبال في خصوص المقام لا لاهميته المستفادة من استثنائه في حديث لا تعاد كما قيل حتى يعرض بأهمية القيام لركنيته، فان الترجيح بالاهمية من خواص باب التزاحم والمقام وامثاله اجنبي عن ذاك الباب وداخل في باب التعارض كما اشرنا إليه مرارآ، بل لان دليل اعتبار الاستقبال يختلف لسانه عن دليل اعتبار القيام، فان الاول بلسان نفي الحقيقة وان الفاقد للاستقبال ليس من حقيقة الصلاة في شئ كما يفصح عنه قوله (ع): لاصلاة إلا إلى القبلة، بخلاف الثاني فان لسانه مجرد اعتبار شئ في الصلاة (1) لقوله: الصحيح يصلي قائما،


(1) اما قوله: لاصلاة لمن يقم صلبه فهو ناظر إلى الانتصاب الممكن رعايته في الصلاة جالسا ايضا كما سبق لا إلى القيام فلا تغفل

[ 269 ]

[ (مسألة 25): لو تجدد العجز في اثناء الصلاة عن القيام انتقل إلى الجلوس (1)، ولو عجز عنه انتقل إلى الاضطجاع، ولو عجز عنه انتقل إلى الاستلقاء، ويترك القراءة أو الذكر في حال الانتقال إلى ان يستقر. ] والمريض جالسا الوارد في تفسير الآية المباركة وغيره مما سبق في محله. ومن المعلوم انه كلما دار الامر بين ترك شئ تفوت معه حقيقة الصلاة وبين غيره قدم الثاني. ومنه: يظهر الجواب عما تقدم من القول بلزوم تقديم القيام لانه ركن، فان القيام إنما يجب رعايته في الصلاة فلابد من تحقق الموضوع - وهو الصلاة - قبل ذلك. وقد عرفت ان مقتضى دليل اعتبار الاستقبال نفي الحقيقة وعدم تحقق الموضوع بدونه، فالفاقد للاستقبال ليس من حقيقة الصلاة في شئ حتى يراعى فيه القيام. واما التفصيل المتقدم فيدفعه ان كون ما بين المشرق والمغرب قبلة تنزيل مختص بمورده وهو الجاهل الذي لا يميز جهة الكعبة، واما غيره ممن يميزها ويشخصها كما هو محل الكلام فلا ريب ان قبلته هي الكعبة. فلا مناص له من استقبالها والتواسعة المزبورة غير شاملة لمثله جزما. فظهر ان الاقوى مراعاة الاستقبال والانتقال إلى الصلاة جالسا كما ذكر في المتن. (1): - قد عرفت ان للمصلي باعتبار العجز والتمكن حالات فيصلي قائما ان تمكن، وإلا فجالسا، وإلا فمضطجعا، وإلا فمستلقيا، ويختلف الحكم باختلاف هذه الاحوال كما مر تفصيلا

[ 270 ]

هذا فيما إذا كان تمام الصلاة على حالة واحدة. واما إذا كانت ملفقة من حالتين، فقد يكون قادرا، ثمن يطرأه العجز في الاثناء باحدى مراتبه، وقد يكون الامر بالعكس فتتجدد القدرة بعد ما كان عاجزا، وهذه المسألة ناظرة إلى الصورة الاولى كما ان المسألة الآتية تنظر إلى الثانية. فنقول: العجز الطارئ في الاثناء قد يكون مستمرا إلى آخر الوقت، وقد يزول قبل خروجه، اما في المستمر فلا ريب في انتقال الوظيفة إلى المرتبة النازلة، فلو عجز عن القيام انتقل إلى الجلوس أو إلى الاضطجاع وهكذا. وهذا مما لا خلاف فيه منا. نعم خالف فيه بعض العامة فحكم بالاستيناف، إذ لم تعهد الصلاة الملفقة من الوظيفتين. (ويدفعه) ان ذلك هو مقتضى اطلاق ادلة البدلية الشامل للعجز الطارئ، فكما ان اطلاق الادلة الاولية كقوله (ع): " إذا قوى فليقم: يعم تمام الصلاة وابعاضها، فكذا اطلاق ادلة الابدال. فالتلفيق هو مقتضى الجمع بين الاطلاقين، ولا ضير في الالتزام به بعد مساعدة الدليل فلا وجه للاستيناف، بل ليس له ذلك وان قلنا بجواز ابطال الصلاة اختيارا لاستلزامه التفويت الاختياري المحرم عقلا بالاضافة إلى الجزء الذى اتى به حسب الوظيفة الاختيارية قبل طرو العجز، إذ مع الابطال والاعادة ينتقل لا محالة إلى الوظيفة الاضطرارية في تمام الصلاة، فيلزم التعجين الاختياري بالاضافة إلى ذلك الجزء بخلاف ما لو اتمها كذلك كما لا يخفى. ثم انه يلزمه ترك القراءة أو الذكر في حال الانتقال إلى ان

[ 271 ]

[ (مسألة 26). لو تجددت القدرة على القيام في الاثناء انتقل إليه (1)، وكذا لو تجدد للمضطجع القدرة. ] يستقر كما افاده في المتن، إذ مضافا إلى منافاته لشرطية الاستقرار لدى القدرة عليه لادليل على مشروعية القراءة عند الهوي فان محلها المقرر لها بحسب الادلة إنما هو حال القيام، أو الجلوس، أو الاضطجاع، وليس الهوي شيئا منها. ودعوى: ان الهوي اقرب إلى القيام فكانت القراءة عنده اولى منها حال الجلوس اجتهاد في مقابل النص كما لا يخفى. هذا كله مع استمرار العجز. واما لو ارتفع اثناء الوقت فظاهر اطلاق المشهور هو الاجتزاء أيضا، فلا حاجة إلى الاعادة، حيث لم يفصلوا في الحكم بالصحة بين الصورتين، إلا انه لا يمكن الاخذ بهذا الاطلاق، بل لابد من حمل كلامهم على ارادة الصورة الاولى إذ لاوجه للصحة في الثانية لما عرفت فيما سبق من ان العجز المسوغ للانتقال إلى البدل إنما هو العجز عن طبيعي الفريضة الاختيارية الذي هو المأمور به، لا خصوص فرد منها، وإنما يتحقق العجز عن طبيعي مع استيعاب العذر لتمام الوقت، وإلا فمع الارتفاع في الاثناء تكون الطبيعة مقدورة فلا بحال للانتقال إلى البدل فزوال العذر في الاثناء يكشف عن عدم كون الفرد الاضطراري المأتي به مصداقا للمأمور به فلابد من رفع اليد عنه واستيناف الصلاة كما هو مقتضى القاعدة في امثال المقام مما لم يرد فيه دليل على كفاية العجز حين العمل كما في موارد التقية. (1): - قد عرفت ان هذا عكس المسألة السابقة، وتفصيل

[ 272 ]

[ على الجلوس، أو للمستلقي القدرة على الاضطجاع، ويترك القراءة أو الذكر في حال الانتقال. (مسألة 27): إذا تجددت القدرة بعد القراءة قبل الركوع قام للركوع، وليس عليه اعادة القراءة وكذا لو تجددت في اثناء القراءة لا يجب استئنافها؟، ولو تجددت بعد الركوع فان كان بعد تمام الذكر انتصب للارتفاع منه وان كان قبل تمامه ارتفع منحنيا إلى حد الركوع القيامي، ولا يجوز له الانتصاب ثم الركوع، ولو تجددت بعد رفع الرأس من الركوع لا يجب عليه القيام للسجود لكون انتصابه الجلوسي بدلا عن الانتصاب القيامي ويجزئ عنه لكن الاحوط القيام للسجود عنه. الكلام في المقام على نحو يتضح به حال المسالة الآتية أيضا انه تارة يفرض الكلام في ضيق الوقت بحيث لا يسع للاستيناف، واخرى في سعته. اما في الضيق فالصحيح ما افاده في المتن من الاجتزاء بما صدر منه من البدل والانتقال في بقية العمل إلى الوظيفة الاختيارية من دون حاجة إلى اعادة ما سبق، لانه أتى به حسب الوظيفة الفعلية وادلة البدلية كما تعم مجموع العمل تشمل ابعاضها ايضا كما مر والمفروض استيعاب العذر لتمام الوقت لعدم التمكن من الاستيناف وتداركها بتمامها بعد فرض الضيق، فتكون الصلاة ملفقة من

[ 273 ]

الوظيفتين الاختيارية والاضطرارية، ومقتضى اطلاق الادلة صحتها كما مر، ويجب الكف عن القراءة والذكر في حال الانتقال بعد فرض التمكن من الاتيان بالواجب الاصلي الاختياري. وهذا كله واضح لا سترة عليه، غير ان هناك فروعا نبه عليها في المسألة الآتية ينبغي التعرض لها. منها: انه لو تجددت القدرة قبل الركوع سواء أكان أثناء القراءة ام بعدها وجب عليه القيام رعاية للركوع الاختياري المتقوم بالانحناء عن القيام ولا يجب عليه اعادة القراءة، كما لا يجب استينافها لو كان التجدد اثناءها لما عرفت من صحتها بعد صحتها بعد الاتيان بها حسب الوظيفة الفعلية، وعدم التمكن من التدارك لمكان الضيق وهذا ظاهر. ومنها: انه لو تجددت القدرة بعد الدخول في الركوع، فصل الماتن (قده) حينئذ بين ما إذا كان ذلك بعد تمام الذكر فيجب الانتصاب للارتفاع منه تحصيلا للقيام بعد الركوع، وبين ما إذا كان قبل الاتمام سواء لم يأت بالذكر اصلا أو لم يستكمله فيجب حينئذ ان يرتفع منحنيا إلى حد الركوع القيامي كي يأتي بالذكر الواجب فيه، ولا يجوز له الانتصاب ثم الركوع كي لا تلزم زيادة الركوع. اقول: اما ما ذكره (قده) من الانتصاب في الصورة الاولى فلا دليل عليه لان الواجب انما هو رفع الرأس عن الركوع إلى حد الانتصاب المناسب للركوع، فان كان الواجب هو الركوع عن قيام كان اللازم الانتصاب القيامي، وإن كان عن جلوس لزم

[ 274 ]

الانتصاب الجلوسي، وليس الانتصاب القيامي واجبا حتى في الركوع الجلوسي بالضرورة، كما لا يجدي الانتصاب الجلوسي في الركوع القيامي، ولذا لو انتقل عن هيئة الركوع إلى الجلوس منتصبا من دون تخلل القيام لم يأت بالواجب، ولا يمكن تداركه ايضا للاخلال بالاتصال. وبالجملة: الواجب من القيام بعد الركوع الانتصاب عن كل ركوع بحسبه على ما تقتضيه الوظيفة الفعلية من الركوع القيامي أو الجلوسي. وحيث ان المفروض صحة ما صدر عنه من الركوع الجلوسي فلا يجب في القيام المعتبر بعده الا الانتصاب الجلوسي على ما عرفت. فلا وجه للقيام اصلا. واما ما ذكره في الصورة الثانية من انه يرتفع محنيا ويقوم متقوسا إلى حد الركوع القيامى فهو أيضا لا يمكن المساعدة عليه لما تقدم غير مرة من تقوم الركوع بالانحناء عن قيام، ولذا قلنا بدخل القيام المتصل بالركوع في حقيقة الركوع، فان مجرد هذه الهيئة غير المسبوقة بالقيام ليست من حقيقة الركوع في شئ، وانما هي على صورة الركوع وشكله. وعليه فالارتفاع متقوسا لا ينفع، إذ لا يتحقق معه الركوع القيامي، كما ان الانتصاب والاتيان بالركوع القيامي غير جائز لاستلزامه زيادة الركوع كما صرح به (قدس سره)، فلا مناص له من اتمام الذكر في نفس هذا الركوع الجلوسي المفروض صحته ثم الانتصاب عنه جالسا كما مر آنفا ثما اتمام الصلاة حسب الوظيفة الاختيارية. ومنها: انه لو تجددت القدرة بعد رفع الرأس من الركوع،

[ 275 ]

ذكر في المتن انه لا يجب عليه القيام للسجود لكون انتصابه الجلوسي بدلا عن الانتصاب القيامي. وهذا هو الصحيح كما عرفت وجهه آنفا من ان الانتصاب عن كل ركوع بحسبه، والمفروض ان وظيفته هي الركوع الجلوسي. نعم الاحوط القيام للسجود عنه كما اشار إليه في المتن لاحتمال دخل ذلك في السجود لاكونه من توابع الركوع وسيجئ مزيد توضيح له في محله ان شاء الله تعالى. هذا كله في فرض الضيق. واما في السعة فمقتضى اطلاق كلماتهم الحكم بالصحة هنا أيضا فيتم صلاته حسب الوظيفة الاختيارية ويجتزي بها، وكأنهم اعتمدوا في ذلك على استفادة الاطلاق من ادلة البدلية، فالجزء الاضطراري مجز سواء أتمكن من الاستيناف لسعة الوقت ام لا. لكنك عرفت النقاش في ثبوت هذا الاطلاق فلا نعيد، ولذا لم نقل بأجزاء الا وامر الاضطرارية عن الواقعية، وان قلنا بجواز البدار لذوي الاعذار. فالتحقيق: في المقام ان يقال إن من تجددت له القدرة اثناء الصلاة إما أن يتمكن من التدارك من دون حاجة إلى الاعادة أو لا فالاول كما لو كبر قائما وهو قادر ثم طرا العجز فجلس وقرا، ثم تجددت القدرة فقام قبل الركوع، فان هذه الصلاة لا نقص فيها إلا من حيث وقوع القراءة حال الجلوس فيتداركها ويعيدها قائما، ولا يلزم منه إلا زيادة القراءة والجلوس، وهي زيادة غير مبطلة لكونه معذورا فيها فيشملها حديث لا تعاد. وأما الثاني: أعني ما يتوقف التدارك على الاعادة فان كان ذلك من جهة استلزام التدارك زيادة الركن وجبت كما لو تجددت

[ 276 ]

[ (مسألة 28): لو ركع قائما ثم عجز عن القيام (1) فان كان بعد تمام الذكر جلس منتصبا ثم سجد، وان كان قبل الذكر هوى متقوسا إلى حد الركوع الجلوسي ثم اتى بالذكر. ] القدرة بعد الركوع فان الوظيفة حينئذ الاتيان بالركوع القيامي، فان اتى به لزم زيادة الركوع لتكرره، وان اقتصر على ما اتى به لزم الاخلال بالوظيفة الفعلية. فلا مناص من الاعادة. واما إذا كان ذلك من جهة الاخلال بالقيام غير الركني كما لو طرا العجز وهو في الركوع القيامي فجلس سواء سجد أم لا، ثم تجددت القدرة فانه قد اخل بالقيام الواجب بعد الركوع، وهو وان لم يكن ركنا إلا انه لا يسعه التدارك، لان الواجب هو القيام المتصل بالركوع أعني رفع الرأس عنه منتصبا لا مطلق القيام. وهذا لا يمكن تحصيله فعلا إلا باعادة الركوع المستلزم لزيادة الركن. فمقتضى القاعدة حينئذ هو الاعادة، إلا ان مقتضى حديث لا تعاد عدمها لعدم كون القيام من الخمسة المستثناة، فلا جل ذلك يحكم بالصحة. وسقوط اعتبار القيام بعد الركوع في هذا الحال عملا بالحديث المزبور. (1): - فصل (قده) حينئذ بين ما إذا كان ذلك بعد تمام الذكر فيجلس منتصبا ثم يسجد تحصيلا للانتصاب الجلوسي الذي هو بدل عن الانتصاب القيامي الواجب بعد الركوع وبين ما كان قبله فيهوى متقوسا إلى حد الركوع الجلوسي ثم يأتي بالذكر. وفي كلا الشقين ما لا يخفى.

[ 277 ]

[ (مسألة 29) يجب الاستقرار حال القراءة والتسبيحات (1) ] اما الاول: فلما عرفت قريبا من ان القيام بعد الركوع ليس واجبا مستقلا بنفسه، وانما اللازم رفع الرأس عن الركوع إلى ان يبلغ حد الانتصاب، فان كانت الوظيفة الركوع القيامي وجب الانتصاب قائما، وان كانت الركوع الجلوسي وجب الانتصاب جالسا، فلا يجب بعد أي ركوع إلا الانتصاب المناسب له، فان تمكن منه وإلا سقط بالعجز. وحيث ان وظيفته في مفروض الكلام الركوع القيامي وهو عاجز عن رفع الرأس عنه إلى حد الانتصاب القيامي فيسقط وجوبه لا محالة بالتعذر، ولا دليل على بدليلة الانتصاب الجلوسي عن الانتصاب القيامي، لما عرفت من عدم وجوب ذاك القيام مستقلا وإنما الواجب رفع الرأس عن الركوع، والانتصاب عن كل ركوع بحسبه وقد سقط الانتصاب القيامي بالتعذر، والانتصاب الجلوسي لا يجب إلا عن الركوع الجلوسي الذي لامورد له في المقام. فالاقوى عدم الحاجة إلى الجلوس منتصبا، بل يهوي إلى السجود ويتم صلاته. واما الثاني: فلان اصل الركوع قد أتى به على الفرض، ولم يبق عليه إلا الذكر الواجب حاله غير الدخيل في حقيقة الركوع قطعا وهو ساقط بالتعذر، واما الهوي متقوسا إلى حد الركوع الجلوسي فان كان ذلك ركوعا آخر فيلزم زيادة الركن، وإلا فهو عبث لا فائدة فيه. فالاقوى عدم الحاجة إليه، وسقوط الذكر لتعذر محله كما عرفت. (1): - تقدم التعرض لذلك في بعض المباحث السابقة واشرنا

[ 278 ]

[ وحال ذكر الركوع والسجود، بل في جميع افعال الصلاة واذكارها، بل في حال القنوت والاذكار المستحبة، كتكبيرة الركوعت والسجود، نعم لو كبر بقصد الذكر المطلق في حال عدم الاستقرار لا باس به، وكذا لو سبح أو هلل، فلو كبر بقصد تكبير الركوع في حال الهوي له، أو للسجود كذلك، أوفي حال النهوض يشكل صحته، فالاولى لمن يكبر كذلك ان يقصد الذكر المطلق نعم محل قوله (بحول الله وقوته) حال النهوض للقيام. ] إلى مستند الحكم في وجوب الاستقرار بكلا معنييه اعني ما يقابل المشي وهو موثقة السكوني الآمرة بالكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم إلى الموضح الذي يريد ثم يقرأ (1)، وما يقابل الاضطراب من قوله (ع) " وليتمكن في الاقامة كما يتمكن في الصلاة " الظاهر في مفروغية اعتبار التمكن والاطمئنان فيها، ومن الاجماع الذي هو العمدة في المقام كما سبق. وهذا: لااشكال فيه كما لا خلاف بالنسبة إلى القراءة والاذكار الواجبة في القيام والقعود، والركوع والسجود وإنما الكلام في اعتباره في الاذكار المستحبة. فعن السيد الطباطبائي (قده) في ارجوزته دعوى الاجماع على اعتباره فيها أيضا، مفسرأ اعتباره فيها بالوجوب الشرطي الذي لا ينافي الاستحباب، وادعاه صاحب الجواهر أيضا مستشهدا بمقالة السيد (قده) ولم تنقل دعواه عن غير هما،


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب القراءة ح 1.

[ 279 ]

والاعتماد في تحققه على هذا المقدار مشكل جدا سيما وكلمات قدماء الاصحاب خالية عن التعرض لذلك رأسا، إذ قد أهملوا التنبيه على هذا الشرط في مباحث القنوت وساير الاذكار المستحبة، واقتصروا فيه على الواجب منها فحسب، وليس لمعقد الاجماع اطلاق يعم المستحبات كما لا يخفى. بل لو فرضنا وجوده بل التصريح بالاطلاق وان الاستقرار شرط في تمام اجزاء الصلاة مطلقا - مع انه لم يوجد قطعا - لم صح الاعتماد عليه في انسحاب الحكم إلى المستحبات، لما عرفت فيما سبق من انا لا نعقل فرض الجزء الاستحبابي للمنافاة الظاهرة بين الجزئية والاستحباب، فما هية الصلاة لاتتألف إلا من الاجزاء الواجبة وهي ليست اسما إلا لها. واما المستحبات فهي ليست إلا امورا عبادية ظرفها الصلاة وليست منها في شئ واطلاق الجزء عليها مبني على ضرب من المسامحة. وعليه فاطلاق القول باعتبار الاستقرار في الصلاة لايراد به إلا الاذكار الواجبة دون المستحبة فالاقوى عدم اعتبار الاستقرار فيها. نعم: لا يجوز له الاتيان بتكبيرة الركوع أو السجود حال الهوي اليهما، إلا ان يقصد بها مطلق الذكر لا لاعتبار الاستقرار فيها وان رتبه عليه في المتن، بل لان هذه الاذكار يختص محلها المقرر لها شرعا بما قبل الدخول في الركوع أو السجود، اعني حال الانتصاب فالاتيان بها في حال الهوي اتيان بها في غير محلها الموظف لها فتبطل بمعنى عدم مطابقتها للمأمور به، بل قد يكون حراما إذا قصد بها التشريع وحينئذ يقع الكلام في بطلان الصلاة بها، لامن اجل

[ 280 ]

[ (مسألة 30): من لا يقدر على السجود يرفع موضع سجوده إن امكنه (1) وإلا وضع ما يصح السجود عليه على جبهته كما مر. (مسألة 31): من يصلي جالسا يتخير بين انحاء الجلوس (2) نعم يستحب له أن يجلس جلوس القرفصاء وهو ان يرفع ] صدق الزيادة القادحة، لان صدق الزيادة متقوم بقصد الجزئية، وقد عرفت آنفا امتناع هذا القصد في المستحبات للتنافي بين الاستحباب والجزئية، بل من جهة التكلم بالذكر المحرم، بدعوى شمول كلام الآدمي المبطل لذلك. وسيجئ التعرض له في محله مفصلا ان شاء الله تعالى. وكيف كان: فالاولى لمن اراد الاتيان بها حال الهوي ان يقصد بها الذكر المطلق كما نبه عليه في المتن. نعم محل قوله " بحول الله وقوته " حال النهوض للقيام فلا يعتبر فيه الاستقرار كما هو ظاهر، وقد اشار إليه في المتن أيضا. (1): - فأن اعتبار المساواة بين موقف المصلي وموضع سجوده وعدم الاختلاف اكثر من مقدار اربع اصابع شرط مختص بحال التمكن، فيسقط اعتباره لدى العجز. واما وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة فقد تقدم انه على القول به يختص بالصلاة مستلقيا ولا يعم مطلق العاجز عن السجود مع انه لايتم فيه ايضا لضعف مستنده كما مر مفصلا فلا حظ. (2): - لاطلاق الامر بالجلوس في النصوص، مضافا إلى التصريح

[ 281 ]

[ فخذيه و ساقيه، وإذا اراد ان يركع ثنى رجليه، واما بين السجدتين وحال التشهد فيستحب ان يتورك. ] به في صحيحة عبد الله بن المغيرة، وصفوان وابن أبي عمير عن أصحابهم، عن أبي عبد الله (ع) في الصلاة في المحمل فقال: " صل متربعا وممدود الرجلين وكيف ما امكنك " (1) نعم يستحب له ان يجلس جلوس القرفصاء، وهو كما فسره في المتن ان يرفع فخذيه وساقيه ويجلس على اليتيه. وهذا لم يرد به نص. نعم ورد في حسنة حمران بن اعين عن احد هما (ع) قال: كان أبي إذا صلى تربع، فإذا ركع ثنى رجليه (2) بناءا على تفسير التربع بذلك كما هو المشهور وان لم يساعده كلام اللغويين. ففي المجمع تفسير التربع بان بقعد على وركيه، ويمد ركبته اليمنى إلى جانب يمينه، وقدمه إلى جانب يساره، واليسرى بالعكس، وان كان الظاهر عدم الاختصاص بهذه الكيفية، بل هي من احد معانية، بل قد ذكر في القاموس ان التربع في الجلوس خلاف جثى وأقعي الظاهر في شموله لجميع الهيئات عدا الجلوس جاثيا ومقعيا، ولعل الوجه في تفسير المشهور والحمل على ذاك المعنى كونه أنسب بمقام العبودية والخضوع لكونه اقرب إلى القيام والمثول بين يدى المولى. وقد يطلق التربع على وضع احدى القدمين على الركبة، والاخرى تحت الفخذ وهو جلوس المتكبرين الجبابرة كما


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب القيام ح 5. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب القيام ح 4.

[ 282 ]

[ (مسألة 32): يستحب في حال القيام أمور: احد هما: اسدال المنكبين، (الثاني): ارسال اليدين (الثالث): وضع الكفين على الفخذين قبال الركبتين اليمى على الايمن واليسرى على الايسر، (الرابع): ضم جميع اصابع الكفين، (الخامس): ان يكون نظره إلى موضع سجوده، (السادس): ان ينصب فقار ظهره ونحره، (السابع): ان يصف قدميه مستقبلا بهما متحاذيتين بحيث لا تزيد احداهما على الاخرى ولا تنقص عنها. (الثامن): التفرقة بينهما بثلاث اصابع مفرجات أو ازيد إلى الشبر، (التاسع): التسوية بينهما في الاعتماد، (العاشر): ان يكون مع الخضوع والخشوع كقيام العبد الذليل بين يدي المولى الجليل. ] قيل، فلا يمكن ارادته من الحسنة كما لا يخفى. وأما ما ذكره في المتن من استحباب ان يثنى رجليه حين الركوع وهو افتراش الرجلين تحت الفخذين فتشهد له الحسنة المتقدمة. واما ما ذكره من استحباب التورك حال التشهد وما بين السجدتين فلم يرد به نص بلفظه. نعم ورد مضمونه في صحيحة زرارة قال: وإذا قعدت في تشهدك فالصق ركبتيك بالارض وفرج بينهما شيئا، وليكن ظاهر قدمك اليسرى على الارض، وظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى، واليتاك على الارض، واطراف ابهامك اليمنى

[ 283 ]

على الارض (1). لكنه كما ترى مختص بحال التشهد، فلا دليل على التعدي إلى ما بين السجدتين (2)، فالاظهر فيه وكذا في جلسة الاستراحة التربع عملا باطلاق الحسنة المتقدمة فلاحظ. ثم ان الماتن تعرض لجملة من المستحبات حال القيام اكثرها مذكورها في صحيحة حماد وزرارة الواردتين في كيفية الصلاة، وبعضها لادليل عليها سوى روايات مرسلة أو ضعيفة لا يهمنا التعرض لها لسهولة الخطب في باب المستحبات، وكفاية الاتيان بها بقصد الرجاء والله العالم.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 3. (2) بل ورد ذلك في صحيحة حماد صريحا فلا حظ.

[ 284 ]

[ فصل: في القراءة يجب في صلاة الصبح والركعتين الاولتين (1) من سائر الفرائض قراءة سورة الحمد. ] (1): - لااشكال كما لا خلاف من احد من المسلمين في وجوب قراءة القرآن في ركعتي الفجر، وكذا في الركعتين الاولتين من ساير الفرائض الثلاثية والرباعية كما اشير إليه في الكتاب العزيز بقوله تعالى: " فاقرؤا ما تيسر منه " الظاهر في الواجوب بعد الاتفاق على عدم الوجوب في غيرها. كما لا خلاف ايضا في تعين تلك القراءة في سورة الحمد خاصة وقد قام عليه الاجماع والتسالم، بل ان نقله مستفيض، بل متواتر من الاصحاب، بل من ساير فرق المسلمين، إذ لم ينقل فيه خلاف معتد به، بل لعله يعد من الواضحات والضروريات التي لا يعتريها شوب الاشكال وتدل عليه ايضا سيرة المتشرعة بل المسلمين، فان المعهود منهم والمتعارف بينهم خلفا عن سلف الالتزام بقراءة فاتحة الكتاب في الصلوات. وهذه السيرة والالتزام منهم وان لم تدل بمجردها على الوجوب لجواز الالتزام والمواعظبة على بعض المستحبات في الصلاة كالتزام الخاصة وجريان سيرتهم على القنوت فيها، فان السيرة عمل

[ 285 ]

خارجي لا لسان له، إلا انها بعد ضمها بطائفة من الروايات المصوحة ببطلان الصلاة الفاقدة للقراءة وان لم يصرح فيها بخصوص الحمد تدل على الوجوب، فتلك تفسر المراد من القراءة في هذه، وهذه تكشف عن ان ما قامت عليه السيرة واجب فيعتضد احدا هما بالاخرى على ان بعضها مصرحة بالحمد وببطلان الصلاة بتركها كصحيحة محمد بن مسلم وموثقة سماعة الآتيتين. واليك بعض تلك النصوص. فمنها: صحيحة زرارة عن احد هما (ع) قال: " إن الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود والقراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا اعاد الصلاة، ومن نسي فلا شئ عليه " وعن محمد بن مسلم مثله، إلا انه قال ومن نسى القراءة فقد تمت صلاته ولا شئ عليه (1). ومنها: صحيحة علي بن جعفر في كتابة عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عمن ترك قراءة القرآن ما حاله؟ قال: إن كان متعمدا فلا صلاة له، وان كان نسي فلا بأس (2). فهذه الاخبار تدل على وجوب القراءة وهي تنصرف إلى المتعارف المعهود التي هي فاتحة الكتاب كما عرفت. وتدل عليه ايضا الاخبار المصرحة بوجوب قراءة الحمد خاصة وهي كثيرة. منها: صحيحة حماد الواردة في بيان كيفية الصلاة بضميمة


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1، 2. (2) الوسائل: باب 27 من أبواب القراءة في الصلاة ح 5.

[ 286 ]

[ سورة كاملة غيرها بعدها (1). ] قوله (ع) في الذيل: يا حماد هكذا فصل (1) الظاهر في الوجوب. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن الذي لايقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته قال: لاصلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو اخفات (2) وهي وان لم يصرح فيها بموضع القراءة لكنه معلوم من الخارج بالاجماع والضرورة والسيرة بل وصحيحة حماد كما مر. ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب، قال: فليقل استعيذ بالله من الشيطان الرجيم ان الله هو السميع العليم، ثم ليقرءها ما دلم لم يركع، فانه لا صلاة له حتى يقرأ بها في جهر أو اخفات، فانه إذا ركع اجزأه ان شاء الله تعالى (3)، ونحوها غيرها وهي كثيرة وان كان اسانيد جملة منها لا تخلو من الضعف وفيما ذكرناه كفاية. (1): - على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا كما في الجواهر، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، بل نسبته إلى المذهب وعن جملة من القدماء منهم الديلمي عدم الوجوب، وقواه من المتأخرين صاحب المدارك، وتبعه بعض من تأخر عنه وان كان القول بالوجوب بين المتأخرين اكثر واشهر، بل لعله من المتسالم


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب افعال الصلاة ح 1. (2) الوسائل: باب 27 من أبواب القراءة في الصلاة ح 4. (3) الوسائل: باب 28 من أبواب القراءة ح 2.

[ 287 ]

عليه في الاعصار المتأخرة. وكيفما كان فالمتبع هو الدليل. وقد استدل على الوجوب بطائفة من الاخبار. منها: صحيحة عبيدالله بن علي الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الاولتين إذا ما اعجلت به الحاجة أو تخوف شيئا (1) فان مفهومها ثبوت البأس وعدم جواز الاقتصار على فاتحة الكتاب عند الاختيار وعدم الاستعجال بل لابد من ضم السورة معها. ونوقش فيها بأن هذا اللسان من البيان أعني نعليق الحكم على عدم العجلة مما يناسب الاستحباب جدا كما ورد نظيره في ترك الاذان من الاخبار المتضمنة للامر بالاذان والاقامة مع جواز الاقتصار على الثانية إذا بادر امرا يخاف فوته كما في رواية ابي بصير وغيرها مما تقدمت في محلها. وفيه ان ظاهر الامر المستفاد من مفهوم الشرط هو الوجوب في كلا المقامين، وانما يرفع اليد عنه ويحمل على الاستحباب في باب الاذان لقيام الدليل الخارجي على جواز تركه كما تقدم في محله. وحيث ان ذاك الدليل مفقود في المقام فلا مناص من الاخذ بظاهر الامر. واضعف من ذلك ما عن صاحب الحدائق من دعوى ان ثبوت البأس اعم من التحريم، إذ فيه أن البأس لغة هو الشدة الناسبة للمنع، فهو ظاهر في الحرمة وعدم الجواز. كما ان عدم البأس ظاهر في الجواز ولا ينبغي التشكيك في ذلك.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القراءة من الصلاة ح 2

[ 288 ]

فالانصاف ان دلالة الصحيحة على الوجوب تامة. نعم يستفاد منها ان وجوب السورة ليس على حذو ساير الاجزاء، بل هي دونها في الاهتمام والعناية بشأنها ولذا يسقط وجوبها بمجرد الاستعجال العرفي لامر دنيوي أو اخروي، ولا يناط ذلك بالبلوغ حد الضرر أو العسر والحرج كما في ساير الواجبات، وهذا المعنى غير قابل للانكار كما تشهد به ساير الاخبار، لكنه لا ينافي اصل الوجوب ولزوم الاتيان بها عند عدم الاستعجال وان كانت مرتبته ضعيفة كما لا يخفى. ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل والنهار (1). فان التقييد بالمريض يدل على عدم جواز الاقتصار على الفاتحة في حال الصحة. واورد عليه بأن مفهوم الوصف ليس بحجة، ومن الجائز في حقه. ويندفع بما حققناه في الاصول (2) من ثبوت المفهوم له لا بالمعنى المصطلح، أعني الانتفاء عند الانتفاء، بل معنى عدم كون الطبيعي على اطلاق وسريانه موضوعا للحكم وإلا كان التقييد لغوا محضا وعليه


(1) الوسائل: باب 55 من أبواب القراءة ح 1. (2) الذي حققه - دام ظله - في الاصول حسبما ضبطناه عنه وأثبته في المحاضرات ج 5 ص 127 هو اختصاص المفهوم بالوصف المعتمد على الموصوف دون غير المعتمد كما في المقام فانه ملحق باللقب وخارج عن محل الكلام.

[ 289 ]

فتدل الصحيحة بمقتضى المفهوم على ان الموضوع لجواز الاقتصار على الفاتحة ليس هو مطلق المكلفين وان السورة واجبة على بعضهم في الجملة وهو المطلوب إذ لا ندعي وجوبها على الاطلاق، ولذا ذكرنا آنفا سقوطها لدى الاستعجال. ويؤيد ذلك - اعني عدم الوجوب على الاطلاق والسقوط في بعض الاحوال - ما في ذيل الصحيحة من جواز الاقتصار على الفاتحة ايضا للصحيح في قضاء صلاة التطوع. الخ، اي في النوافل الليلية والنهارية والمراد بالقضاء معناه اللغوي، اعني مطلق الاتيان بالشئ دون المعنى المصطلح، فان سقوط وجوب السورة عن النوافل تعم الاداء والقضاء كما هو ظاهر. ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: من غلط في سورة فليقرأ قل هو الله احد ثم يركع (1) فانها لو لم تجب لجاز له الاقتصار على السورة المغلوط فيها فيكتفي بما أتى به ويترك الباقي، ولم يكن وجه للامر بقراءة سورة اخرى الظاهر في الوجوب. ونوقش: بان تقييد السورة المعدول إليها بالتوحيد آية الاستحباب لعدم وجوبها بخصوصها قطعا فيكون المراد ان السورة الاخرى تجزي عن التي غلط فيها من غير دلالة لها على الوجوب بوجه. وفيه: ان العدول من سورة - غير التوحيد والجحد - إلى اخرى جايز مطلقا ما لم يبلغ النصف، واما إذا تجاوزه فلا يجوز إلا إلى التوحيد بمقتضى هذه الصحيحة، فغاية ما هناك تقييدها بصورة


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب القراءة ح 1.

[ 290 ]

التجاوز عن النصف فيتجه التقييد بالتوحيد حينئذ ويجب العدول إليها خاصة عملا بظاهر الامر. ومنها: صحيحة منصور بن حازم قال: قال أبو عبد الله (ع): لا تقرأ في المكتوبة باقل من سورة ولا باكثر (1) فان النهي عن الاقل ظاهر في وجوب السورة الكاملة. (وناقش) فيها صاحب المدارك سندا تارة، ودلالة اخرى اما السند فبمحمد بن عبد الحميد إذ لم يرد فيه توثيق، واما الدلالة فلان النهي قد تعلق بالتبعيض والقران وحيث قد ثبت من الخارج جواز القران فالنهى بالاضافة إليه تنزيهي لا محالة فيكون الحال كذلك في التبعيض، والالزام استعمال اللفظ الواحد في اكثر من معنى وهو غير جايز. فغاية ما هناك كراهتهما. وهذا لا يقتضى الا استحباب السورة الواحدة الكاملة لا وجوبها. والجواب: اما عن السند فبما افاده صاحب الحدائق (قده) وقد اجاد، وحاصله ان الطعن في السند غفلة نشأت عن الاقتصار على ملاحظة عبارة العلامة في الخلاصة التي هي عين عبارة النجاشي مع تقطيع بحيث لو لوحظت عبارة النجاشي لارتفعت الشبهة الناشئة عن التقطيع، فان العلامة قال هكذا، محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (ع) وكان ثقة من اصحابنا الكوفيين انتهى. وظاهر هذه العبارة رجوع التوثيق إلى الاب دون الابن، كما نبه عليه الشهيد في تعليقته، مع ان هذه العبارة بعينها مأخوذة عن النجاشي باضافة قوله بعد ذلك بلا فصل: له كتاب النوادر.. الخ فان مرجع الضمير


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 2

[ 291 ]

المجرور هو محمد اعني الابن الذي هو المقصود بالترجمة، حيث ان النجاشي لا يعنون إلا من له كتاب. وعليه فوحدة السياق تقضي بان يكون مرجع الضمير في قوله وكان ثقة هو الابن ايضا، فان التفكيك بين المرجعين خارج عن اسلوب الكلام كما لا يخفى على الاعلام. فقوله - روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (ع) - جملة معترضة. وكم لها نظير في عبارات النجاشي. وبالجملة: فتقطيع العلامة في النقل هو الذي اوقع صاحب المدارك وقبله الشهيد (قده) في الاشتباه، مع ان عبارة النجاشي كالصريحة في رجوع التوثيق إلى الابن (1) كما عرفت. فالمناقشة من حيث السند ساقطة. واما عن الدلالة فعلى فرض تسليم كراهة القران بين السورتين وعدم حرمته مع انه محل الكلام انما يتم ما ذكره بناءا على ان تكون الحرمة والكراهة، وكذا الوجوب والاستحباب معنيين مختلفين اللفظ لغة واما بناءا على ما هو التحقيق كما بيناه في الاصول من عدم (1) هكذا أفاده (دام ظله) في بحثه الشريف. ولكنه اختار في المعجم ج 9 ص 283 رجوع التوثيق إلى الاب مستظهرا ذلك من العطف بالواو في قوله " وكان ثقة الخ " إذا لا جملة تامة قبل ذلك الا جملة " روى عبد الحميد الخ " فلابد وان يكون عطفا عليها. فلا توثيق للابن، وان كان هو ايضا موثقا عنده لكونه من رجال كامل الزيارات كما صرح به في ج 16 من المعجم ص 231 غير انه (دام ظله) عدل عنه أخيرا لبنائه على اختصاص التوثيق بمشايخ ابن قولويه بلا واسطة، فبحسب النتيجة تصبح الرواية ضعيفة

[ 292 ]

استعمال صيغة النهي وكذا الامر إلا في معنى واحد، وإنما تستفاد الخصوصية من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الفعل أو الترك وعدمه. فلا مجال للاشكال اصلا، إذ النهي حينئذ لم يستعمل إلا في معنى واحد وهو طلب الترك، وقد اقترن ذلك بالترخيص في الفعل من الخارج بالاضافة إلى القران، ولم يقترن بالنسبة إلى التبعيض، فالالتزام بكراهة الاول وحرمة الثاني لا يستلزم الاستعمال في اكثر من معنى واحد بوجه. وقد يناقش في دلالة الصحيحة ايضا بان النهي عن التبعيض لا يستدعي وجوب قراءة السورة، بل غايته انه على تقدير الشروع فيها لا يجعلها ناقصة بل يتمها، كما لا يقارن بين سورتين، فهي ناظرة إلى المنع عن قراءة بعض السورة. واين هذا من وجوب الاتيان بالسورة الذي هو محل الكلام. وهي كما ترى في غاية الضعف، ضرورة انه على تقدير عدم وجوب السورة فقراءة بعضها غير محرمة قطعا، كيف وقراءة القرآن مندوب في جميع الاحوال. فلا يحتمل المنع عن قراءة البعض (1) (1) نعم: لا يحتمل المنع تحريما وانما تنزيها فلا دافع لاحتماله بعد تعلق النهي به في لسان الدليل، (وبالجملة) النهي عن الاقل كما تحتمل ان يكون كناية عن لزوم الاتيان بسورة كاملة حسبما افاده (دام ظله) كذلك يمكن ان يكون محمولا على الكراهة بالمعنى المناسب للعبادة، بل قد يعضده عطف النهي عن الاكثر المحمول عنده (دام ظله) عليها، فيكون محصل الصحيحة كراهة كل من القران والتبعيض.

[ 293 ]

بما هي كذلك إلا من جهة الاخلال بقراءة السورة الكاملة المستلزم لوجوبها، فالنهي عن التبعيض في قوة الامر بقراءة السورة الكاملة بل هو ظاهر فيه عرفا كما لا يخفى. فالانصاف ان هذه الصحيحة قوية السند ظاهرة الدلالة على الوجوب. ومنها: صحيحة زرارة الواردة في المأموم المسبوق بركعتين قال (ع) فيها: إن ادرك من الظهر، أو من العصر، أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما ادرك خلف امام في نفسه بأم الكتاب وسورة فان لم يدرك السورة تامة اجزأته ام الكتاب. الخ (1) فان الامر بقراءة السورة مع الفاتحة ظاهر في الوجوب. نعم لا نضائق من انها سيقت لدفع توهم ضمان الامام عن المأموم مطلقا حتى المسبوق وان الضمان خاص بالاولتين دون الاخيرتين، لكنه لا ينافي ورود الامر في مقام التشريع وظهوره في الوجوب كما ذكرناه. فلا وجه لدعوى وروده في مقام ابقاء مشروعية القراءة على ما هي عليه من الوجوب والاستحباب كما لا يخفى فتأمل. هذه جملة الروايات التي يمكن الاستدلال بها على الوجوب. وقد عرفت انها قوية سندا ودلالة. وهناك روايات اخرى استدل بها عليه مع انها غير صالحة للاستدلال للخدش في السند أو الدلالة على سبيل منع الخلو. فمنها: صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله (ع): إذا قمت للصلاة أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب قال نعم قلت فإذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4 .

[ 294 ]

السورة قال نعم (1). (وفيه) انها واردة في مقام بيان الوجوب الشرطي اعني جزئية البسملة للسورة كجزئيتها للفاتحة. وليست في مقام بيان وجوب السورة بعد الفاتحة، ولذا لم يصرح فيها بخصوص الفريضة مع اختصاص الحكم بها وعدم وجوبها في النافلة بلا اشكال. بل قد عرفت سقوطها عن الفريضة ايضا في موارد الاستعجال. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة. فقال: لا، لكل ركعة سورة (2). وقد رواها في الجواهر عن العلاء وهو اشتباه منه أو من النساخ فان علاء لم يرو بلا واسطة إلا عن الصادق (ع) دون الباقر إلا بواسطة محمد بن مسلم، وهذه الرواية مروية عن احدهما (ع) فكلمة عن (محمد بن مسلم) ساقطة عن القلم جزما وكيف كان فهذه ايضا قاصرة الدلالة فانها ناظرة إلى المنع عن القران وانه لم تشرع لكل ركعة إلا سورة واحدة. واما ان التشريع بنحو الوجوب أو الاستحباب فليست الرواية بصدده. ومنها: صحيحة محمد بن اسماعيل قال سألته: قلت اكون في طريق مكة فتنزل للصلاة في مواضع فيها الاعراب أيصلى المكتوبة على الارض فيقرأ ام الكتاب وحدها، أم يصلي على الراحلة فيقرأ فاتحة الكتاب والسورة؟ قال: إذا خفت فصل على الراحلة المكتوبة وغيرها، وإذا قرأت الحمد والسورة احب الي، ولا أرى بالذي


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب القراءة ح 5. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 3.

[ 295 ]

فعلت بأسا (1). تقريب الاستدلال ما حكاه في الوسائل عن بعض المحققين من انه لولا وجوب السورة لما جاز لاجله ترك الواجب من القيام وغيره، إذ الواجب لا يزاحمه المستحب، فمع دوران الامر بين ترك القيام وبين ترك السورة كما هو مفروض الخبر كان المتعين هو الثاني. دون التخيير الذي تضمنته الصحيحة، فالحكم بالتخيير لا يستقيم إلا مع وجوب السورة. وفيه: انها على خلاف المطلوب ادل، لما عرفت من ان السورة على تقدير وجوبها ليست على حد ساير الواجبات بل تسقط بادنى شئ حتى مجرد الاستعجال العرفي. فمثلها لا تصلح للمزاحمة مع القيام الذي هو ركن. أو دخيل في الركن، وكذا الاستقبال والاستقرار حيث يلزم الاخلال بكل ذلك غالبا لو صلى راكبا. وعليه فلا يمكن حمل الرواية على فرض الدوران بين الصلاة على المحمل الفاقدة للقيام وما ذكر. وبين الصلاة على الارض الفاقدة لمجرد السورة، إذ حينئذ يتعين الثاني، ولا مجال للتخيير بالضرورة. بل ان مفاد الصحيحة كما لعله الظاهر منها انك إذا خفت فصل على الراحة، وإن لم تخف فعلى الارض كل ذلك على سبيل التعيين وعلى التقديرين فالصلاة مع السورة احب الي، ولا أرى بالذي فعلته من ترك السورة باسا وهذا كله كما ترى كالصريح في الاستحباب. ومنها: رواية يحيى بن أبي عمران قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 1 .

[ 296 ]

في صلاته وحده في أم الكتاب، فلما سار إلى غير ام الكتاب من السورة تركها؟ فقال العباسي (أو العياشي) - كما في بعض النسخ - ليس بذلك بأس، فكتب بخطه يعيدها مرتين (أي كرر لفظة يعيدها مرتين) على رغم انفه يعني العباسي (1) ورواها في الكافي (2) والتهذيب والجواهر عن يحيى بن عمران لا (أبي عمران). وعلى التقديرين الرجل مجهول، والرواية ضعيفة السند. واما من حيث الدلالة فهي ظاهرة في الوجوب، إذ الامر باعادة الصلاة الكاشف عن بطلانها لا وجه له إلا الاخلال بالسورة المأمور بها من اجل فقدها لجزئها وهي البسملة، فلولا وجوب السورة لما اتجه الامر باعادة الصلاة. ونوقش فيها: بان مرجع الضمير في قوله (ع) (يعيدها) هي السورة دون الصلاة، والمراد بيان جزئية البسملة للسورة وان الفاقدة للبسملة لا تجزي عن السورة المأمور بها سواء أكان الامر وجوبيا ام استحبابيا. وفيه: ان عود الضمير إلى السورة بعيد غايته ومخالفة للظاهر جدا، فان المسئول عنه قضية خارجية استفتي عنها العباسي اولا ثم


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب القراءة ح 6. (2) الموجود في الكافي بطبعتيه (يحيى بن أبي عمران) وما في التهذيب من حذف كلمة (أبي) سقط من قلم الشيخ أو النساخ. كما فيه (دام ظله) عليه في ج 20 من المعجم ص 33، والرجل ثقة لكونه من رواه تفسير علي بن ابراهيم، إذا فالرواية معتبرة وظاهرة الدلالة. فينبغي ذكرها في عداد الطائفة السابقة.

[ 297 ]

الامام (ع) فحكم بخلافه وكل ذلك بطبيعة الحال بعد فراغ المصلي عن صلاته، لا حين الاشتغال بها كي يتجه الامر باعادة السورة خاصة، فلا يمكن التدارك بعد فرض وجود الخلل لترك البسملة عن السورة عمدا إلا باعادة الصلاة رأسا كما لا يخفى. ومنه تعرف فعف احتمال عود الضمير إلى البسملة. وبالجملة: فالدلالة ظاهرة غير ان السند ضعيف كما عرفت، فلا تصلح للاستدلال. ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله احد وانت تريد ان تقرا بغيرها فامض فيها ولا ترجع إلا ان تكون في يوم الجمعة فانك ترجع إلى الجمعة والمنافقين ممنها (1) فان الامر بالمضي ظاهر في وجوب الاتيان بالسورة. وفيه: انها في مقام بيان عدم جواز العدول من التوحيد إلى سورة اخرى في غير يوم الجمعة، لافي مقام بيا وجوب السورة، بل ان هذا الحكم ثابت حتى لو كانت مستحبة وانه لو شرع في التوحيد لا يجوز له العدول إلى غيرها، فالامر بالمضي كناية عن عدم العدول لاعن اصل الوجوب كما لا يخفى. ومنها: غير ذلك مما هو ضعيف سندا أو دلالة، فلا حاجة للتعريض إليها. والعمدة منها ما ذكر ناه اولا مما كانت قوية سندا ودلالة. وبأزائها: روايات أخرى دلت على عدم الوجوب وهي على طائفتين احد اهما: ما دلت على جواز الاقتصار عى الحمد وعدم وجوب ضم السورة معه والثانية: ما دلت على جواز التبعيض في السورة فيكفي


(1) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة ح 2.

[ 298 ]

بعضها، ولا يجب الاتيان بسورة كاملة. وهذه الطائفة بمجردها لاتدل على عدم الوجوب، لجواز القول باصل الوجوب في الجملة، وان جاز التبعيض فلا تدل على جواز ترك القراءة رأسا إلا ان يتمم الاستدلال بها بما ادعاه شيخنا الانصاري (قده) من الاجماع على عدم الفصل. وان من قال بالوجوب يرى عدم جواز التبعيض، كما ان القائل بالجواز يرى عدم الوجوب، فالقول بوجوب السورة وجواز التبعيض خرق للاجماع المركب. وحينئذ فجواز التبعيض الذي تضمنته هذه النصوص يستلزم جواز ترك السورة رأسا فيصح الاستدلال بها. اما الطائفة الاولى: فمنها صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ان فاتحة الكتاب يجوز وحدها في الفريضة. ونحوها صحيحة الحلبي عنه عليه السلام قال ان فاتحة الكتاب تجزي وحدها في الفريضة (1) هذا وربما تحمل الصحيحتان على صورة الاستعجال والضرورة جمعا بينهما وبين صحيحة اخرى للحلبي - وقد تقدمت - عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الاولتين إذا ما اعجلت به حاجة أو تخوف شيئا (2). فان النسبة بين مفهوم هذه الصحيحة وتينك الصحيحتين نسبة الخالص إلى العام، فيقيد اطلاقهما بهذه وتحملان على صورة العجلة والضرورة. وهذا كما ترى لا يمكن المساعدة عليه وان ذكره جمع من الاكابر


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القراءة ح 1، 3. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب القراءة ح 2 .

[ 299 ]

منهم المحقق الهمداني وغيره، إذ ليس هو في المقام من الجمع العرفي في شئ، ضرورة ان حمل المطلق على المقيد إنما يصح فيما إذا امكن ارادته منه وجاز صرف الاطلاق إليه، لافي مثل المقام مما يشبه الحمل على الفرد النادر، فان موارد الاستعجال والخوف (1) قليلة جدا. فكيف يمكن ارادتها من الاطلاق. وبالجملة ظاهر الصحيحتين ان الامام (ع) في مقام بيان وظيفة المصلي بحسب طبعه الاولي، لابلحاظ الطوارئ والعوارض الخارجية وإلا فبملا حظتها ربما تسقط الحمد ايضا كما في ضيق الوقت، أو عدم التمكن من التعلم ونحو ذلك. فلا وجه لقصر النظر في ذلك على السورة فقط، فهما كالصريح في جواز الاقتصار على الحمد وحده حتى في حال الاختيار. فلا مناص من حمل اليأس في مفهوم هذه الصحيحة على الكراهة، إذ الامر دائر بين رفع اليد عن ظهوره في المنع، وبين ارتكاب التقييد في الاولتين بالحمل على الضرورة والعجلة ولا ريب ان الاول اولى لوجود المحذور في الثاني وعدم كونه من الجمع العرفي كما عرفت، فاستدلال صاحب المدارك بهاتين الصحيحتين على عدم الوجوب في محله. وقد يجمع بينهما ايضا بالحمل على التقية لموافقتهما لمذهب العامة وفيه ان الترجيح بمخالفة العامة فرع استقرار المعارضة ولا تعارض


(1) إذا اضيف اليهما المريض - كما هو مورد النص - وعمم الحكم لمطلق المريض وان لم تشق عليه قراءة السورة كما سيصرح به سيدنا الاستاذ (دام ظله (في التعليق الآتي خرج الحمل المزبور عن الندرة

[ 300 ]

بعد امكان الجمع الدلالي (1) والتوفيق العرفي بالحمل على الاستحباب كما عرفت. فلا تصل النوبة إلى الحمل على التقية. وقد يقال ايضا بانهما مخالفتان للاجماع فتطرحان لعدم كونهما حجة حينئذ فلا تصلحان للمعارضة مع هذه الصحيحة. (ويدفعه) ان جمعا من القدماء وجملة من المتأخرين ذهبوا إلى عدم وجوب السورة كما مر، وستعرف. ومعه كيف يمكن دعوى الاجماع فالانصاف ان دلالة الصحيحتين على عدم الوجوب كسند هما قوية. ومنها: صحيحة محمد بن اسماعيل المتقدمة في ادلة القائلين بالوجوب (2) وقد عرفت انها على عدم الوجوب ادل وان ما حكاء صاحب الوسائل عن بعض المحققين في الدلالة على الوجوب غير صحيح، لعدم صلاحية السورة للمزاحمة مع القيام عند الدوران، بل مفاد الصحيحة انه يصلي على الراحلة مع الخوف، وإلا فعلى الارض. وعلى التقديرين فالصلاة مع السورة احب والتعبير بكلمة (احب) كالصريح في الاستحباب كما مر. واما الطائفة الثانية فهي عدة نصوص فيها المعتبرة وغيرها. (1) ضابط هذا الجمع - على ما تكرر منه (دام ظله) كون الدليلين بحيث لو اجتمعا في لسان واحد والقيا على العرف لم يبق اهله متحيرا بل جعل احد هما قرينة على التصرف في الآخر كما في قوله افعل مع قوله لا بأس بتركه، وليس المقام كذلك، فان مفاد احد الدليلين ثبوت البأس والآخر نفيه وهما متهافتان عرفا، على ان نتيجة هذا الجمع كراهة الاقتصار على الحمد لا استحباب السورة. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 1.

[ 301 ]

فمنها: صحيحة علي بن يقطين (في حديث) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن تبعيض السورة، فقال: اكره ولا بأس به في النافلة (1) دلت على جواز التبعيض، لا لظهور لفظ الكراهة في المعنى المصطلح فانه اصطلاح حادث عند الفقهاء وغير معهود في لسان الاخبار، ولم يستعمل فيها الا في المعنى اللغوي، اعني المرجوجية المطلقة الظاهرة في التحريم، لولا قيام الدليل على الجواز. بل من جهة اسناد الكراهة إلى نفسه بصيغة المتكلم ومقابلته لنفي البأس عنه في النافلة فانه ظاهر في الكراهة الشخصية وانه عليه السلام يجتنب عن ذلك لا ان الحكم كذلك في الشريعة المقدسة، وإلا لقال عليه السلام بدل اكره (لا) فانه اخصر واظهر فالعدول عنه إلى هذه الكلمة ظاهر فيما ذكرناه من ارادة الكراهة الشخصية المساوقة للمعنى الاصطلاحي الملازم للجواز كما لا يخفى. نعم لو كان التعبير هكذا (يكره) أو (مكروه) كان ظاهرا في التحريم. ومنها: مرسلة ابان بن عثمان عن احدهما (ع) قال: سألته هل تقسم السورة في ركعتين؟ قال: نعم اقسمها كيف شئت (2) والدلالة ظاهرة غير انه ضعيفة السند بالارسال. ومنها: صحيحة سعد الاشعري عن الرضا (ع) قال: سألته عن رجل قرأ في ركعة الحمد ونصف سورة هل يجزيه في الثانية ان لايقرأ الحمد ويقرأ ما بقي من السورة؟ فقال يقرأ الحمد ثم


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 4. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 5.

[ 302 ]

يقرأ ما بقي من السورة (1). ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر (ع) رجل قرأ سورة في ركعة فغلط ايدع المكان الذي غلط فيه ويمضي في قراءته أو يدع تلك السورة ويتحول منها إلى غيرها؟ فقال: كل ذلك لا بأس به وان قرأ آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع (2). ومنها: صحيحة اسماعيل بن فضل عنه قال: صلى بنا أبو عبد الله (ع) أو أبو جعفر (ع) فقرأ بفاتحة الكتاب وآخر سورة المائدة فلما سلم التفت الينا فقال: اما اني اردت ان اعلمكم (3). وقد حملها المحقق الهمداني على ارادة تعليم كيفية التقية. وهو كما ترى ساقط جدا ضرورة عدم احتياج التقية إلى التعليم بل يكتفى بمجرد البيان، وان السورة ساقطة لدى التقية، والمجوز للتبعيض على تقدير وجوب السورة الكاملة انما هو نفس التقية وواقعها لا تعليمها كما لا يخفى. فلا ينبغي الترديد في ظهور الصحيحة في ارادة تعليم الوظيفة الواقعية من جواز ترك السورة الكاملة في الصلاة وهو وان كان مرجوحا ومكروها في نفسه، إلا ان في التعليم مصحلة غالبة على هذه المنقصة تتدارك بها، بل يكون راجحا حينئذ وقد صدرت نظائر ذلك عن الائمة عليهم السلام كثيرا كما لا يخفى. ومنها: رواية سليمان بن أبي عبد الله قال: صليت خلف أبي جعفر (ع) فقرأ بفاتحة الكتاب وآي من البقرة فجاء أبي


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 6. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 7. (3) الوسائل: باب 5 من أبواب القراءة ح 1.

[ 303 ]

فسئل فقال يا بني انما صنع ذا ليفقهكم ويعلمكم (1) لكنها ضعيفة السند ويجرى فيها ما سبق آنفا من الحمل على التقية مع جوابه. ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن السورة أيصلي بها الرجل في ركعتين من الفريضة؟ قال: نعم إذا كانت ست آيات قرأ بالنصف منها في الركعة الاولى والنصف الآخر في الركعة الثانية (2) وهي وان كانت ضعيفة السند ايضا لكنها ظاهرة الدلالة على المطلوب. ومنها: رواية عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (ع) أيقرأ الرجل السورة الواحدة في الركعتين من الفريضة؟ قال: لا بأس إذا كانت اكثر من ثلاث آيات (3). وحملها على ارادة التكرر من جنس واحد بأن يأتي فردين من سورة واحدة في ركعتين خلاف الظاهر جدا، بل هو منافي للتقييد باكثر من ثلاث آيات، إذ لا يظهر وجه للتقييد على هذا التقدير كما لا يخفى، بل المراد توزيع السورة الواحدة بقراءة بعضها في الركعة الاولى، والباقي في الثانية، فهي بحسب المدلول تطابق الرواية السابقة. ومنها: صحيحة الحلبي والكناني وأبي بصير كلهم عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة ثم ينسى فيأخذ في أخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل ان يركع، قال: يركع ولا يضره (4)


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب القراءة ح 3. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب القراءة ح 2. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب القراءة ح 3. (4) الوسائل: باب 36 من أبواب القراءة ح 4.

[ 304 ]

فانها ناظرة إلى من شرع في سورة ثم في اثنائها انتقل غفلة إلى سورة أخرى إما لمشابهة بعض آيات السورتين كما قد يتفق كثيرا أو لغير ذلك، فقرأ الصدر من سورة والذيل من سورة اخرى ثم تذكر ذلك قبل الركوع، فحكمه (ع) بالركوع وانه لا يضره مع انه لم يقرأ سورة تامة يدل على جواز التبعيض، وحملها على نسيان الباقي من السورة التي بيده والانتقال إلى سورة اخرى تامة بعيد جدا، أذ ظاهرها ان الاخذ في الاخرى مستند إلى النسيان ومبني عليه كما هو مقتضى فاء التفريح (1) في قوله (فيأخذ). ويبعدة ايضا قوله: حتى يفرغ منها الظاهر بضميمة قوله (ثم يذكر) في استمرار النسيان والذهول عن الانتقال إلى الفراغ من السورة فانه لا يلائم الا مع المعني الذي ذكرناه كما لا يخفى. ومنها: صحيحة على بن جعفر قال: سألته عن الرجل يفتتح سورة فيقرأ بعضها ثم يخطئ ويأخذ في غيرها حتى يختمها ثم يعلم انه قد أخطأ هل له ان يرجع في الذي افتتح وان كان قد ركع وسجد؟ قال: ان كان لم يركع فليرجع ان احب، وان ركع فليمض (2) فانها ظاهرة في المعنى الذي قدمناه وقوله (ع) ان احب كالصريح (1) التفريح لا يقتضي اكثر من ان سبب انتقاله إلى السورة الاخرى هو نسيانه لتتمة السورة الاولى، واما ان انتقاله هذا كان مستندا إلى الاشتباه والنسيان ايضا فلا يدل عليه بوجه، بل لعل منصرف الاخذ هو الشروع من الاول دون الوسط. ومنه يظهر النظر في المبعد الذي ذكره (دام ظله). (2) الوسائل: باب 28 من أبواب القراءة ح 3.

[ 305 ]

في جواز التبعيض كما لا يخفى. هذه مجموع الروايت التي استدل بها على عدم الوجوب من كلا النوعين، اعني ما كان صريحا فيه، وما دل على جواز التبعيض المستلزم لذلك بالتقريب المتقدم. ومقتضى الجمع العرفي بينها وبين الطائفة التي ذكرناها اولا مما كان ظاهرا في الوجوب هو الحمل على الاستحباب كما هو مقتضى الصناعة في جميع الابواب من رفع اليد عن ظهور احد الدليلين بصراحة الآخر، فان الطائفة السابقة ظاهرة في الوجوب، وهذه صريحة في الجواز، فيرفع اليد عن ظهور تلك بصراحة هذه وتحمل على الاستحباب، إلا انه ربما يناقش في ذلك في خصوص المقام من وجهين: احدهما: سقوط الطائفة الثانية عن الحجية باعراض المشهور عنها فلا تصلح للمعارضة مع الطائفة الاولى الظاهرة في الوجوب. وفيه: اولآ ما ذكرناه في الاصول من منع الكبرى وان الاعراض لا يسقط الصحيح عن الحجية، كما ان العمل لاينجبر به الضعف وثانيا على تقدير التسليم فالصغرى ممنوعة، فان الاعراض إنما يورث الوهن لكشفه عن خلل في السند فلا يوثق بصدوره، ولذا قيل كلما ازداد صحة ازداد بالاعراض وهنا وبعدا. ولا ينبغي الريب في حصول الوثوق بصدور جملة من هذه الاخبار، كيف وهي من الكثرة بمكان تتجاوز حد الاستفاضة، ورواة اكثرها من اعاظم الاصحاب كزرارة، ومحمد بن مسلم واضرابهما. وقد ضبطها ارباب الحديث في مجامعهم، بل قد افتى جم غفير من اساطين الاعلام بمضمونها من القدماء والمتأخرين، كالشيخ في النهاية، والعلامة

[ 306 ]

في المنتهى، والمحقق في المعتبر، والديلمي في المراسم، وكذا ابن أبي عقيل والاسكا في وقواه في التنقيح، واختاره في المدارك والسبزواري في الذخيرة، والكفاية وصاحب المفاتيح وغيرهم نعم القول بالوجوب اكثر واشهر، ولكن القائل بالعدم ايضا كثير كما عرفت. ومعه كيف يمكن دعوى الوثوق بعدم صدور هذه الاخبار وهي بمرأى منهم ومسمع، بل ان النفس تطمئن بصدور جملة منها فضلا عن الوثوق به كما لا يخفى. والاعراض انما يوجب الوهن لو كانت الرواية واحدة أو اثنتين مما يوجب سلب الوثوق بالصدور لكشفه عن خلل في السند كما مر، لا ما إذا كانت بهذه المثابة من الكثرة. الثانية: انها موافقة لغير مذهبنا فتحمل على التقية. ويرده ما هو المقرر في محله من ان الترجيح بالجهة فرع استقرار المعارضة المتوقف على امتناع الجمع الدلالي وهو ممكن في المقام بالحمل على الاستحباب الذي به يحصل التوفيق العرفي بين الطائفتين كما هو المطرد في جميع الابواب، فلا تصل النوبة إلى الترجيح المزبور ولذا لو اغضينا النظر عن موافقة الجمهور لاحدى الطائفتين وعن ذهاب المشهور إلى الاخرى وقصرنا النظر على نفس مدلولهما فحسب لجمعنا بينهما بالحمل على الاستحباب بلا ارتياب كما هو الحال في ساير الابواب، فالانصاف ان المناقشتين ضعيفتان، ومقتضى الصناعة هو الالتزام باستحباب السورة، إلا انه مع ذلك كله ففي النفس منه شئ، والجزم به مشكل جدا لمخالفته مع الشهرة الفتوائية والاجماعات المنقولة على الوجوب كما تقدمت من اعاظم الاصحاب

[ 307 ]

[ إلا في المرض والاستعجال (1) فيجوز الاقتصار على الحمد، وإلا في ضيق الوقت، أو الخوف ونحو هما من افراد الضرورة، فيجب الاقتصار عليها وترك السورة. ] وقد عرفت قوة الاشتهار به سيما بين المتأخرين، بل كادت تبلغ الاجماع لديهم كما مر، وليس من الهين رفضها وعدم الاعتناء بها فالمسألة لا تخلو عن الاشكال، ولا نجد في المقام اجدر من التوقف والاحتياط الذي هو سبيل النجاة وحسن على كل حال والله سبحانه اعلم. (1): - بناء على وجوب السورة كما هو الاحوط على ما عرفت فلا ريب من سقوطها في موارد. منها: المأموم المسبوق إذا خاف عدم ادراك الامام في الركوع ويدل على السقوط فيه صحيحة زرارة المتقدمة في ادلة القول بالوجوب (1) وهذا لااشكال فيه كما لا خلاف، إنما الكلام في ان السقوط هل هو على وجه العزيمة أو الرخصة؟ الظاهر هو الاول بل لا ينبغي الريب فيه لمنافاة القراءة مع المتابعة الواجبة سواء أكان وجوبها شرطيا كما هو المختار أم نفسيا كما عليه الماتن، فالاتيان بها اما موجب للائم، أو مخل بشرط الجماعة وعلى التقديرين فهي ليست جزءا من الصلاة. نعم بناءا على جواز العدول إلى الفرادى في الاثناء فالسقوط رخصة فيجوز له الاتيان بها بقصد الجزئية بعد تحقق القصد المزبور المرخص فيه. وتمام الكلام في مبحث الجماعة ان شاء الله تعالى.


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4

[ 308 ]

ومنها: حال المرض ولا اشكال ايضا في السقوط فيه للتصريح به في صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة: " يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة بفاتحة الكتاب وحدها " (1)، إنما الكلام في جهتين. احداهما: ان السقوط هل هو على وجه الرخصة أو العزيمة؟ الظاهر هو الثاني فيما لو اراد الاتيان بها بقصذ الجزئية لمنافاة الجزئية مع فرض السقوط، فمع الالتزام بسقوطها حال المرض كما تضمنه الصحيح المتقدم لا يعقل أن يكون جزءا في هذا الحال، فان الجزء ما يتقوم به المأمور به ولا يسوغ تركه لانتفاء المركب يفقده، فكيف يجتمع ذلك مع الحكم بالسقوط المستلزم لجواز الترك وعليه فالاتيان بها بقصد الجزئية تشريع محرم، فيكون سقوطها على وجه العزيمة لا محالة. نعم: لو اريد بها قصد القرآن دون الجزئية، أو أتى بها بعنوان الجزء المستحب كما عبر به في كلماتهم المبني على ضرب من التوسع والمسامحة كما لا يخفى، كان السقوط حينئذ على وجه الرخصة، والوجه فيه ظاهر. الثانية: هل السقوط في هذا الحال يختص بحصول المسقة في فعلها فلا سقوط بدونها أولا؟ ظاهر جمع منهم المحقق الهمداني (قده) الاول وعلله (قده) بأن ذلك مقتضى مناسبة الحكم والموضوع. أو قول: قد يكون الامر كذلك في بادئ النظر لكن الظاهر خلافه، إذا المريض بأي مرحلة فرضناه حتى المصلي مستلقيا لا مشقة عليه غالبا في التكلم بسورة يسيرة كالتوحيد مثلا سيما مع عدم احتياجه


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القراءة ح 5.

[ 309 ]

إلى مؤونة الاسماع لعدم كون المخاطب من البشر. نعم ربما يفرض شدة المرض بمثابة يشق عليه ذلك ايضا لاقترانه بثقل في لسانه، أو استيلاء المرض شديدا بحيث يصعب عليه حتى تلك التلاوة اليسيرة لكنه فرض نادر جدا (1) لا يمكن حمل الاطلاق عليه. فالاقوى في النظر تعميم السقوط لصورتي المشقة وعدمها عملا باطلاق الدليل بعد امتناع حمله على الفرد النادر. ومن الجائز أن تكون الصحة دخيلة في ملاك الوجوب كما يقتضيه الاطلاق، لكن الاحنياط لا ينبغي تركه. ومنها: موارد الاستعجال والخوف، ويدل على السقوط فيهما صريحا صحيح الحلبي المتقدم: " لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الاولتين إذا ما اعجلت به حاجة أو تخوف شيئا " (2). والكلام: هنا من حيث كون السقوط على وجه الرخصة أو العزيمة، وان الحكم يختص بحال المشقة أم لا؟ هو الكلام فيما تقدم في المريض حرفا بحرف، فهو على وجه العزيمة مع قصد الجزئية، وعلى وجه الرخصة بقصد القرآن، كما انه يعم صورتي (1) غير خفي ان مناسبة الحكم والموضوع التي ادعاها المحقق الهمداني (قده) تكون كقرينة متصلة تستوجب الاختصاص بهذا الفرض وان قل وندر، إذ ليت شعري كيف يحتمل سقوط السورة عن المريض الذي ينفعه التكلم أو لا يضره ولا ينفعه لعدم ارتباطه به بوجه فلا مناص من ان يراد به من يشق التكلم عليه. ومن البين انه لا مانع من الحمل على الفرد النادر إذا اقتضته القرينة. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب القراءة ح 2.

[ 310 ]

المشقة وعدمها عملا باطلاق النص، إذ فرض بلوغ العجلة والخوف مثابة يشق عليه التأخير حتى بمقدار قراءة سورتين قصيرتين لا يستوجبان من الزمان اكثر من دقيقة واحدة، بل اقل فرض نادر جدا لا يمكن حمل الاطلاق عليه كما مر. ثم ان السقوط بمجرد الاستعجال العرفي وإن لم يبلغ حد المشقة لا ينافي اصل الوجوب، كما ربما يتوهم، إذ لاغرابة في ذلك بعد مساعدة الدليل، ومن الجائز ان يختص ملاك الوجوب بغير صورة العجلة، وقد وقع نظيره في القصر والاتمام فالركعتان الاخيرتان من الرباعية نسقطان لدى السفر وان كان السفر باختياره ولم تكن حاجة تدعو إليه ولا مشقة في صلاة المسافر تاما، فكما ان ملاك وجوب التمام مقيد بعدم السفر سواء أكانت هناك مشقة أم لا، فليكن ملاك وجوب السورة ايضا مقيدا بعدم العجلة من غير فرق بين المشقة وعدمها. ومنها: ضيق الوقت ولا خلاف ايضا في سقوطها به. وتفصيل الكلام انه قد يفرض الضيق بالنسبة إلى مجموع الصلاة فلا يمكنه درك تمام الصلاة في الوقت مع القراءة، واخرى يفرض بالنسبة إلى الركعة الواحدة، فلو قرأ السورة لا يدرك من الوقت حتى مقدار الركعة الواحدة. اما في الصورة الاولى: فلا محالة تقع المعارضة بين دليل الوقت وبين دليل وجوب السورة، وحيث ان الدليل الاول له اطلاق يعم حال التمكن من السورة وعدمه كقوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك. الخ وقوله (ع): إذا زالت الشمس فقد وجبت الصلاتان إلا ان هذه قبل هذه، ثم انك في سعة منهما حتى تغيب الشمس.. الخ

[ 311 ]

وليس كذلك الثاني، إذ ليس في ادلة السورة ما يتضمن اطلاقا يصح التعويل عليه. فان عمدتها مفهوم صحيحة الحلبي المتقدمة (1) ولا ريب انها ناظرة إلى المتمكن من السورة وانه في فرض التمكن تجب ان لم تكن عجلة والا فتسقط، فلا اطلاق لها لغير المتمكن كي نعم المقام، وكذا الحال في صحيحة عبد الله بن سنان ومعاوية بن عمار وغير هما فانها باجمعه ناظرة إلى صورة التمكن. وعليه فلا مناص من تقديم الدليل الاول فتسقط السورة حينئذ لعدم التمكن منها بعد وجوب مراعاة الوقت، بل إن سقوطها على وجه العزيمة ايضا فليس له الاتيان بالسورة لاستلزامه التعجين الاختياري بالنسبة إلى الوقت الاولي الذي هو محرم عقلا، ولا مجال للتمسك بدليل من ادرك في مثل ذلك كما لا يخفى. واما في الصورة الثانية: فقد يقال ان الحال ايضا كذلك، فان وجوب مراعاة الوقت الاختياري ساقط بالعجز حسب الفرض، وبما انه متمكن من ادراك الركعة فتنتقل الوظيفة إلى مراعاة الوقت الثانوي الذي هو بدل اضطراري فهو مكلف بالصلاة في الوقت بعد ملاحظة دليل التوسعة فتقع المعارضة حينئذ بين هذا الدليل وبين دليل وجوب السورة وحيث ان الثاني لااطلاق له يعم المقام كما مر بخلاف الاول فيتقدم، فيجب ادراك الركعة وان استلزم ترك السورة لقصور دليلها عن اثبات الوجوب في الفرض. وفيه: ان دليل وجوب السورة وان لم يكن له اطلاق كما ذكر إلا انه لابحال للتمسك بدليل من ادراك ايضا، فانه يشبه التمسك


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب القراءة ح 2

[ 312 ]

بالعام في الشبهة المصداقية، إذ الدليل يختص - لا محالة - بالمتمكن من ادراك الركعة، وصدقه في المقام يتوقف على عدم وجوب السورة كي لا تكون دخيلة في الركعة التامة، مع انه بعد اول الكلام، إذ من الجائز وجوبها واقعا وان كان الدليل عليه في مرحلة الاثبات قاصرا، ومع احتمال الدخل كيف يمكن التمسك باطلاق من ادرك، ومن المعلوم عدم تعرض هذا الدليل لمصداق الركعة والاجزاء المعتبرة فيها، وهل التمسك به الامن قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وبالجملة: كما لا اطلاق لدليل السورة، لااطلاق لدليل الوقت أيضا، فتوجه التكليف إليه بالصلاة في الوقت مشكوك من اصله لاحتمال سقوطها عنه والانتقال إلى القضاء، كما في فاقد الطهورين وحينئذ قد يبدو في النظر ما احتمله المحقق الهمداني من لزوم الجمع بين الاداء والقضاء عملا بالعلم الاجمالي بوجوب احدهما، لكن الاقوى تعين الاداء فيأتي بركعة خالية عن السورة في الوقت ويتم الصلاة خارجة، ولا حاجة إلى القضاء وذلك نتيجة الجمع بين امور ثلاثة. احدها: ما دل على عدم سقوط الصلاة بحال من الاجماع والضرورة وخصوص صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة من قوله (ع) " فانها لا تدع الصلاة بحال " كما مر التعرض لها غير مرة. ثانيها: ما هو المعلوم من عدم كون السورة - ولو قلنا بوجوبها - من مقومات الصلاة واركانها وعدم دخلها في حقيقتها وماهيتها فيصدق اسمها على الفاقد لها بالضرورة، بل يظهر من حديث التثليت ان

[ 313 ]

[ ولا يجوز تقديمها عليها (1). ] قوامها بالطهور والركوع والسجود فصدق الصلاة كصدق الركعة لا يتوقف على الاشتمال على السورة قطعا فيشملها دليل عدم سقوط الصلاة بحال. ونتيجة هذين الامرين ان من تمكن من الصلاة في الوقت وان كانت فاقدة السورة وجبت، وبعد ضمهما إلى الامر الثالث وهو حديث من ادرك الموجب لاتساع الوقت ينتج ما ذكرناه من وجوب الصلاة فعلا، والتكليف نحوها بايقاع ركعة وان خلت عن السورة في الوقت واتمامها خارجه واحتسابها اداءا. اما صدق الصلاة فبمقتضى الامر الثاني، واما وجوبها فيمقتضى الامر الاول، واما كونها في الوقت فللامر الثالث، لما عرفت من ان صدق الركعة لا يتوقف على الاشتمال على السورة. فلا مجال للتأمل في شمول الحديث للمقام، وليس ذلك من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية في شئ ومع ذلك فالاحتياط بضم القضاء لا ينبغي تركه. (1): - اتفق الفقهاء على وجوب تقديم الحمد على السورة، فلو خالف الترتيب عمدا بطل، وهذا مما لا خلاف فيه فتوى، إنما الكلام في مستنده. فقد استدل له بسيرة المسلمين والتابعين، بل المعصومين انفسهم (ع) فان المعهود عنهم خلفا عن سلف مراعاة الترتيب. وفيه: ان فعلهم (ع) لا يدل على الوجوب. ومنه يظهر الحال في السيرة فانها لا تكشف إلا عن اصل الجواز، وغاية ما يترتب على المواظبة والاستدامة منهم على عمل انما هو رجحانه واستحبابه دون

[ 314 ]

الوجوب، إذ كثيرا ما نرى استمرار هم واهتمامهم بالنسبة إلى الامور المستحبة كما لا يخفى. واستدل له في المستند بصحيحة محمد بن مسلم (1) المتقدمة راويا لها (يبدأ) بدل (يقرأ) لكن الموجود في الوسائل والحدائق (يقرأ) كما تقدم، والظاهر انه الصحيح (2)، ولا أقل من اختلاف النسخ وعدم الوثوق بالصحيح منها فتسقط عن الاستدلال ويظهر من الجواهر ان النسخة التي عنده كانت (يبدأ) ايضا كما في المستند لتعبيره بروايات البدءة بصيغة الجمع مع انها ليست إلا اثنتين كما ستعرف. فلولا انه (قده) يرى ان الصحيحة ثالثة لهما لم يحسن منه التعبير المزبور. وكيف كان: فالاولى الاستدلال عليه بصحيحة حماد حيث قضمنت تقديم الحمد على السورة بضميمة قوله (ع) في الذيل " يا حماد هكذا فصل " الظاهر في الوجوب. وبموثقة سماعة قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب إلى ان قال فليقرأها ما دام لم يركع فانه لا قراءة حتى يبدأ بها في جهر أو اخفات (3). وبخبر الفضل بن شاذان المشتمل على التصريح بالبدءة بالحمد (4) لكنه ضعيف السند لضعف طريق الصدوق إلى الفضل فلا يصلح إلا (1) الوسائل: باب 27 من أبواب القراءة ح 1. (2) بل الظاهر ان الصحيح ما في المستند لتطابقه مع الكافي الذي هو اضبط، لاحظ ج 1 من الفروع ص 317 الحديث 28. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب القراءة ح 2. (4) الوسائل: باب 1 من أبواب القراءة ح 3.

[ 315 ]

[ فلو قدمها عمدا بطلت الصلاة للزيادة العمدية (1) إن قرأها ثانيا، وعكس الترتيب الواجب ان لم يقرأها. ] للتأييد. والعمدة ما عرفت من صحيحة حماد والموثقة فلا اشكال في الحكم. (1): - الاخلال بالترتيب تارة يكون عن عمد، واخرى عن سهو. اما في صورة العمد فتارة يأتي بالسورة قبل الحمد بقصد الجزئية واخرى بقصد الوظيفة الشرعية، وثالثة بقصد القرآن، أو مطلق الذكر. لاريب في البطلان في الصورة الاولى للزوم الزيادة العمدية المبطلة بمجرد الشروع في السورة قاصدا بها الجزئية سواء أتداركها بعد ذلك وأتى بها بعد الحمد ثانيا أم لا، فان قوام الزيادة بالانيان بشئ بقصد الجزئية ولم يكن بجزء واقعا، وهذا العنوان صادق من اول الامر، ولا يناط ذلك بالاتيان بالوجود الثاني من الطبيعة كما يظهر من المتن وغيره، بل الحال كذلك حتى لو قلنا باستحباب السورة لعدم الفرق في صدق الزيادة بالمعنى المتقدم بين الوجوب والاستحباب، كما لو قنت في الركعة الاولى بقصد الجزئية. ولو لم يتم ما ذكرناه من صدق الزيادة من الاول وتوقف صدقها على الاتيان بالوجود الثاني كما ذكره في المتن لم يكن وجه للحكم بالبطلان في المقام، إذ المستفاد من ادلة الزيادة ان المبطل منها إنما هو احداث الزائد لااحداث صفة الزيادة لما سبق، فلا يتحقق البطلان إلا إذا اوجد الزائد متصفا من اول حدوثه بصفة الزيادة كما لو أتى بعد الانتهاء عن الجزء المأمور به بفرد ثان من الطبيعة، واما إذا ارتكب عملا اوجب انصاف السابق بالزيادة كما في المقام

[ 316 ]

فلا دليل على البطلان. ولذا لو شرع في بعض كلمات الآية وقبل استكمالها بداله في العدول لداع من الدواعي فرفع اليد عنها ثم استأنفها كما لو قال (إيا) ثم قال: إياك نعبد لا يحكم بالبطلان لانه احدث صفة الزيادة للسابق لا انه احدث الزائد. وبالجملة: فتعليل الحكم بالبطلان في المقام بلزوم الزيادة العمدية إن قرأها ثانيا وعكس الترتيب الواجب إن لم يقرأها كما فعله في المتن غير وجيه، بل الصحيح تعليله بلزوم الزيادة العمدية من اول الامر سواء قرأها بعد ذلك ام لا كما عرفت. واما الصورة الثانية: اعني ما لو قدم السورة بعنوان الاستحباب والوظيفة الشرعية دون أن يقصد بها الجزئية فادلة الزيادة العمدية غير شاملة لمثل ذلك لما عرفت من تقومها بقصد الجزئية المنفي في الفرض فلا بطلان من هذه الجهة. نعم هو تشريع محرم كما لو قنت في الركعة الاولى بقصد الوظيفة الشرعية. وهل يوجب ذلك بطلان في المقام؟ تقدم الكلام حوله سابقا وقلنا انه قد يقال به بدعوى عدم شمول ما دل على نفي البأس من قراءة القرآن في الصلاة لمثله لانصرافه إلى القراءة المحللة دون المحرمة، فيندرج ذلك تحت عمومات مبطلية التكلم في الصلاة. وفيه: ما عرفت من ان المبطل خصوص كلام الآدمي لا مطلق الكلام، والقراءة المزبورة لا تخرج بالحرمة عن القرآنية حتى تندرج في كلام الآدمي فهو قرآن محرم كقراءة سورة العزائم المحرمة على الجنب والحائض وليس من كلام الآدمي في شئ. وبالجملة: ادلة استحباب القراءة وان لم تشمل هذا الفرد إلا

[ 317 ]

[ ولو قدمها سهوا وتذكر قبل الركوع (1) اعادها بعد الحمد أو اعاد غيرها، ولا يجب عليه اعادة الحمد إذا كان قد قرأها. ] ان ادلة المبطلة الكلام ايضا غير شاملة له، والمرجع في مثله ادلة البراءة عن المانعية. فالاقوى في هذه الصورة عدم البطلان وان كان آثما فيأتي بالسورة بقصد الجزئية بعد الحمد. ومعه يحصل الترتيب. واما الصورة الثالثة: أعني ما لو قدم السورة لا بقصد الجزئية ولا الوظيفة الشرعية بل بقصد القرآن فلا وجه حينئذ للبطلان إلا إذا بنينا على حرمة القران بين السورتين، وعممناه لمثل المقام مما وقع فيه الفصل بين السورتين بالحمد، كما ربما يؤيده اطلاق قوله (ع) في صحيحة منصور المتقدمة: (ولا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة ولا باكثر) (1)، الشامل لصورتي الفصل والوصل وعممناه ايضا لاعادة السورة نفسها - لو اعيدت نفسها في المقام - إلا انك ستعرف ان شاء الله تعالى في محله ان الاقوى كراهة القران لا حرمته، واما التعميم الاول فلا يخلو عن وجه دون الثاني وتمام الكلام في محله فالاظهر عدم البطلان. (1): - تقدم الكلام في الاخلال العمدي بالترتيب، واما لو اخل به سهوا فان كان التذكر بعد الدخول في الركوع فلا شئ عليه لمضي محل القراءة المعتبر فيها الترتيب فيشملها حديث لا تعاد لعدم


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 2.

[ 318 ]

كون الترتيب من الخمسة المستثناة (1)، وهذا واضح. وان كان قبل الدخول في الركوع فقد يكون التذكر اثنا السورة واخرى بعد الفراغ منها، وثالثة بعد الدخول في الحمد سواء تذكر اثناها أم بعد الفراغ منها. اما الاول فلا اشكال في الصحة، فان ما تقدم من السورة زيادة سهوية غير مبطلة، فيأتي بالحمد وبعده بالسورة وهذا ظاهر. واما الثاني: فمقتضى القاعدة لزوم اعادة السورة بعد الحمد، فان السورة المأتي بها حيث لم تقع على وجهها لمخالفة الترتيب فهي كالعدم، وقد عرفت ان الزيادة السهوية غير مبطلة، ومقتضى اطلاق ادلة الترتيب بعد فرص بقاء المحل وجوب اعادة السورة بعد الحمد وعدم الاكتفاء بما سبق، إذ لا دليل على سقوط السورة حينئذ. إلا ان في المقام رواية ربما يظهر منها الاجتزاء بما سبق فلا يجب عليه إلا الحمد فقط، فكأن الترتيب شرط ذكري يسقط لدى السهو، وهي رواية علي بن جعفر قال: سألته عن رجل افتتح الصلاة فقرأ سورة قبل فاتحة الكتاب ثم ذكر بعد ما فرغ من السورة قال يمضي في صلاة ويقرأ فاتحة الكتاب فيما يستقبل " (2). وحملها صاحب الوسائل على من تذكر بعد الركوع، وهو كما ترى لكونه مخالفا لما لعله يقرب من صريح الرواية لقوله (ثم ذكر بعد ما فرغ من السورة) فانه كالصريح في كون التذكر قبل


(1) وان شئت فقل ان مرجع الاخلال المزبور إلى نقص السورة وزيادتها وكلاهما مشمول للحديث. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب القراءة ح 4.

[ 319 ]

الدخول في الركوع، بل قيل الشروع في الفاتحة. واجاب في الجواهر: بأن ظاهرها قراءة الفاتحة فيما يستقبل من الركعات بدلا عن هذه الركعة، وهو مخالف للاجماع، فظاهرها غير ممكن الاخذ. والتأويل لا شاهد عليه فتطرح. وفيه: مالا يخفى، فان قوله (ع) فيما يستقبل غير ظاهر في ارادة الركعات الآتية كي يخالف الاجماع، بل ظاهره ما يستقبله في الآن اللاحق للتذكر وفي نفس هذه الركعة فيمضى في صلاته، ويأتي بالفاتحة حسب ما تقتضيه الوظيفة الفعلية، لبقاء محلها ما لم يركع، فغايته سقوط رعاية الترتيب لا سقوط الفاتحة عن هذه الركعة. وقد يقال؟ انها ظاهرة في ارادة المضي في الصلاة والاتيان بالفاتحة وبعدها بالسورة حسبما تقتضيه الوظيفة من مراعاة الترتيب بينهما فلا دلالة فيها على سقوط السورة، والاجتزاء بما سبق كي تخالف القاعدة. وفيه: ان هذا ايضا خلاف الظاهر وبعيد عن سياقها جدا. فان ظاهرها الاقتصار على الحمد فحسب كما لا يخفى. فالانصاف: ان دلالة الرواية على الاجتزاء بما سبق من السورة قوية، لكن الذي يهون الخطب انها ضعيفة السند لمكان عبد الله بن الحسن، فلا يمكن الاعتماد عليها في الخروج عما تقتضيه القاعدة من لزوم اعادة السورة محافظة على الترتيب. واما الثالث: اعني ما لو كان التذكر بعد الدخول في الحمد اما اثناءها، أو بعد الفراغ منها ما لم يركع، فلا ريب في وجوب اعادة السورة لعدم وقوعها على وجهها، فيعيدها أو يأتي بسورة اخرى

[ 320 ]

وهل يجب اعادة الحمد ايضا قبلها أو يقتصر على اعادة السورة؟ قد يقال بالاول: بل ربما يستظهر ذلك من كل من عبر باستيناف القراءة وربما يعلل بان مراعاة الترتيب كما تقتضي تأخير السورة كذلك تقتضي تقديم الفاتحة وان لا يتقدمها سورة، فكما ان السورة المتقدمة باطلة فكذا الفاتحة المتأخرة، للزوم كون البدء بها وحيث ان المفروض كون الفاتحة مسبوقة بالسورة فلا يمكن الاجتزاء بها، بل لابد من اعادتهما معا فيجب استيناف الفاتحة ثم السورة بعدها. وفيه: ان المستفاد من ادلة اعتبار الترتيب ليس إلا عدم مسبوقية الفاتحة بالسورة المأمور بها، لا عدم المسبوقية بطبيعي السورة وان لم تكن مصداقا للمأمور به، وفي المقام ما هو السابق ليس بمأمور به لوقوعه سهوا، وما هو المأمور به متأخر عنه فليس تقدم مطلق السورة ولو لم تكن مصداقا للمأمور به بل مشابها له قادحا في مراعاة الترتيب ومخلا بصدق البدءة بالفاتحة. ثم لو تنازلنا وشككنا في مانعية السورة المشابهة بان احتملنا اعتبار عدم سبق طبيعي السورة فيكفي في رفع هذا الاحتمال اطلاق ادلة البدءة بالحمد وعلى فض عدم ثبوت مثل هذا الاطلاق فتكفينا اصالة البراءة عن مانعية السورة المشابهة السابقة على الحمد. هذا: ولو بنينا على ثبوت المانعية فمقتضاها بطلان الصلاة رأسا لا إعادة الفاتحة فحسب لعدم حصول التدارك بذلك، إذ مهما اعادها فهي لا محالة مسبوقة بطبيعي السورة، فلا يمكن الاتيان بفاتحة غير مسبوقة بالسورة كما هو ظاهر. ونظير المقام مالو سها فقدم الصلاة على النبي وآله على التشهد ثم

[ 321 ]

[ (مسألة 1): القراءة ليست ركنا (1) فلو تركها وتذكر بعد الدخول في الركوع صحت الصلاة وسجد سجدتي السهو مرتين مرة للحمد ومرة للسورة، وكذا إن ترك احداهما وتذكر بعد الدخول في الركوع صحت الصلاة وسجد سجدتي السهو، ولو تركهما أو احداهما وتذكر ] تذكر فانه لا ريب في عدم الحاجة إلى اعادة التشهد ثم الصلاة بل يقتصر على الاتيان بها عقيب التشهد المأتي به، والسر هو ما عرفت من انه انما يعتبر في التشهد أن لا يكون مسبوقا بالصلاة المأمور بها دون طبيعيها كي لا يصح الاجتزاء بالتشهد المأتي به. (1): - بلا خلاف ولا اشكال وان كان ظاهر بعض النصوص هو الركنية كصحيح محمد بن مسلم (1) وموثق سماعة (2) المتقدمين الدالين على انه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، إلا انه لابد من رفع اليد من ظاهرهما وحملهما على فرض تعمد الترك، وذلك الجملة من الروايات المعتبرة الدالة على ان القراءة سنة ومن نسي السنة فلا شئ عليه. كصحيح زرارة عن احداهما (ع) قال: ان الله تبارك وتعالى فرض الركوع والسجود والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا اعادة الصلاة، ومن نسي فلا شئ عليه، وصحيح علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عمن ترك قراءة القرآن ما حاله؟


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب القراءة ح 4. (2) الوسائل: باب 28 من أبواب القراءة ح 2.

[ 322 ]

[ في القنوت أو بعده قبل الوصول إلى حد الركوع (1) رجع وتدار ك، وكذا لو ترك الحمد وتذكر بعد الدخول في السورة رجع واتى بها ثم بالسورة. قال: إن كان متعمدا فلا صلاة له، وإن كان نسي فلا بأس (1) وصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) انه قال: لا تعاد الصلاة الا من خمسة: الوقت، والقبلة، والطهور، والركوع، والسجود ثم قال: القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة (2). إلى غير ذلك من الروايات التي تفسر الطائفة الاولى من الاخبار وتوجب حملها على فرض العمد. فعدم الركنية مما لااشكال فيه. وعليه فلو تركها سهوا وتذكر بعد الدخول في الركوع صحت صلاته لفوات محلها من جهة استلزام تداركها زيادة الركن وهو الركوع وهذا مما لااشكال فيه. إنما الكلام: في انه هل تجب عليه سجدتا السهو أولا؟ وعلى فرض الوجوب هل اللازم التعدد مرة للحمد واخرى للسورة كما في المتن، أو تكفي المرة الواحدة؟ سيجئ التعرض لذلك ان شاء الله تعالى في مبحث الخلل ويتبين ثمة ان السجدة ليست لكل زيادة ونقيصة، وإنما هي خاصة بمواردة مخصوصة ليس المقام منها، وان العبرة إنما هي بوحدة السهو وتعدده دون المنسي، وإلا لزم ان يكون لكل آية سجدة خاصة وهو كما ترى، وتمام الكلام هناك. (1): - لبقاء محل التدارك، بعد عدم وقوع القنوت في محله،


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب القراءة ح 1، 5. (2) الوسائل: باب 29 من أبواب القراءة ح 5.

[ 323 ]

[ (مسألة 2): لا يجوز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته من السور الطوال (1)، فان قرأة عامدا بطلت صلاته وإن لم يتمه إذا كان من نيته الاتمام حين الشروع، وأما إذا كان ساهيا فان تذكر بعد الفراغ أتم الصلاة وصحت، وإن لم يكن قد ادرك ركعة من الوقت ايضا ولا يحتاج إلى إعادة سورة اخرى، وان تذكر في الاثناء عدل إلى غير إن كان في سعة الوقت، والا تركها وركع وصحت الصلاة. ] فيشمله اطلاق ما دل على الاتيان بالقراءة عند نسيانها ما لم يركع، ومنه يظهر الحال فيما بعده. (1): - هذا مما لا خلاف فيه ولا اشكال، إلا ان هذه الحرمه ليست ذاتية ناشئة من اقتضاء الامر بالشئ (وهو ايقاع الصلاة بتمامها في الوقت) للنهي عن الضد (وهو قراءة السور الطوال) لتفسد العبادة لمكان النهي لفساد المبنى كما حقق في الاصول، وانما هي حرمة عرضية من جهة استلزامها تفويت الوقت، وايقاع بعض الصلاة خارجه وهو محرم، وإلا فمجرد قراءة السورة الطويلة ليست بنفسها محرمة. وعلى هذا يحمل ما ورد في صحيح أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (ع): " لا تقرأ في الفجر شيئا من ال حم (1)، فان ال حم لا خصوصية لها، وانما يكون النهي من جهة استتاعها وقوع الصلاة خارج الوقت. (1) الوسائل: باب 44 من أبواب القراءة ح 2.

[ 324 ]

وتوضح: ما ذكرناه موثقة عامر بن عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من قرأ شيئا من ال حم في صلاة الفجر فانه الوقت (1)، فانها تكشف عن ان النهي عن قراءة تلك السورة. إنما هو بملاك فوات الوقت من جهة قصر أمد ما بين الطلوعين وطول تلك السورة. وهل المراد بذلك وقت الفضيلة أو الاجزاء (2)؟ لا يهمنا ذلك فيما نحن بصدده من تعيين الملاك وان كان النهي على الاول تنزيهيا وعلى الثاني تحريميا. وعامر الرواي للخبر وان تضاربت فيه الروايات من حيث المدح والذم إلا أن تلك الروايات باجمعها ضعاف لا يمكن الاعتماد عليها (1) الوسائل: باب 46 من أبواب القراءة ح 1. (2) يشكل ارادة وقت الفضيلة بان قراءة سورة الدخان التي هي من الحواميم لا تستغرق اكثر من بضع دقائق مع ان وقت الفضيلة يستمر إلى ان يتجلل الصبح السماء. (وأشكل) منه ارادة وقت الاجزاء فان قراءة أطول الحواميم وهي سورة غافر لا تستغرق على أبعد التقادير اكثر من نصف ساعة مع ان ما بين الطلوعين يزيد على ذلك بكثير. أضف إلى ذلك ان في القرآن سورا كثيرة اطول من الحواميم بكثير فلما ذا خصها الامام (ع) بالذكر (والتحقيق) ان رواية عامر لا عبرة بها لضعف سندها. ولا ينفع وجود عامر في اسناد كامل الزيارات بعد ان لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة. واما صحيحة الحضرمي فهي عارية عن التعليل فلتحمل على ضرب من الكراهة والتنزيه.

[ 325 ]

والعمدة وقوعه في اسانيد كامل الزيارات فتكون الرواية موثقة كما ذكرنا. وكيفما كان: فلو خالف فقرأ السور الطوال في تلك الحال فان كان متعمدا في ذلك فالمتسالم عليه بين الاصحاب هو بطلان الصلاة وليس وجهه هو حرمة قراءة هذه السورة، والحرام لا يمكن التقرب به. إذ فيه أولا: ان هذه الحرمة ليست ذاتية بل عرضية كما عرفت فهي بنفسها صالحة للتقرب بها. وثانيا: سلمنا انها ذاتية إلا انك عرفت قريبا ان المبطل انما هو خصوص كلام الآدمي، واما غيره فلا دليل على بطلان الصلاة به، وان كان قرآنا محرما، فمجرد كون قراءة هذه السورة محرمة لا يقتضي البطلان، ولذا لو قرأها لا بعنوان الجزئية بل بعنوان مطلق القرآن ثم عدل عنها إلى سورة قصيرة ولم يقع شي ء من الصلاة خارج الوقت صحت صلاته بلا اشكال. وثالثا: سلمنا ان مطلق الكلام المحرم مبطل لا خصوص كلام الآدمي إلا ان غايته بطلان خصوص هذا الجزء لاأصل الصلاة، فلو عدل عنها إلى سورة اخرى قصيرة ان كان الوقت واسعا، أو ترك السورة رأسا من جهة ان ضيق الوقت من مسوغات تركها صحت صلاته، إذ ليس هناك ما يوجب البطلان كما لا يخفى. كما وليس الوجه هو لزوم ترك الجزء لو اقتصر على تلك السورة المفروض عدم جزئيتها لحرمتها، وتحقق القران المحرم لو قرأ سورة اخرى قصيرة. إذ فيه أولا: منع حرمة القران، بل غايته الكراهة كما سيجئ

[ 326 ]

ان شاء تعالى في محله. وثانيا: انه على فرض الحرمة فهي مختصة بما يصلح أن يكون فردا ومصدافا للمأمور به دون مثل المقام الذي لا تصلح احدى السورتين ان تكون فردا للمأمور به وجزءا للصلاة كما عرفت. بل الوجه في ذلك انها لمكان حرمتها من اجل كونها مفوتة للوقت خارجة عن حين الامر، وغير صاحلة للجزئية إذا فالاتيان بها بهذا القصد مصداق للزيادة العمدية المبطلة، فانها - كما عرفت غير مرة - متقومة بانيان شئ بقصد الجزئية (1)، ولم يكن في الواقع جزءا فيشمله قوله (ع): من زاد في صلاته متعمدا فعيله الاعادة لعدم قصور في شموله لهذا المورد. نعم لو قرأ هذا السورة لا بعنوان الجزئية بل بعنوان القرآن ثم عدل إلى سورة قصيرة، أو لم يقرأ من جهة ضيق الوقت وادراك ولو ركعة من الوقت صحت صلاته لعدم الاخلال بشئ منها كما هو واضح. ثم انه فرق في الحكم ببطلان الصلاة في فرض التعمد بين ما إذا كان قاصدا قراءة تلك السورة من اول الشروع في الصلاة، (1) قصد الجزئية في المقام يتوقف على القول بوجوب السورة، والسيد الاستاد (دام ظله) يستشكل فيه ويحتاط وجوبا كما تقدم كما وينكر الجزء الاستحبابي، فعلى مبناء (دام علاه) ليس للمصلي ان يقصد الجزئية الجزمية الجزمية بالسورة الماتية، فانه تشريع محرم ولا الرجائية لعدم احتمالها فيما يفوت به الوقت، على انها لم تكن حينئذ من الزيادة العمدية كما لا يخفى، فلا مناص من الاتيان بعنوان القرآن، ومعه لا يبقى مجال للاستدلال.

[ 327 ]

وبين ما إذا قصدها بعد الفراغ من الفاتحة، غايته انه في الفرض الاول تكون الصلاة باطلة من اول الشروع لعدم الامر بهذه الصلاة إذ الامر متعلق بالمركب من غير هذه السورة، ومع عدم الامر تكون الصلاة باطلة، فان ما هو المأمور به لم يقصد، وما قصد ليس بمأمور به. واما في الفرض الثاني فحيث انه كان عند الشروع قاصدا للامر الواقعي المتعلق بالمركب من غير هذه السورة فما لم يشرع في تلك السور كانت الصلاة صحيحة، وانما تبطل بالشروع فيها وان لم يتمها لتحقق الزيادة العمدية بمجرد ذلك كما عرفت هذا كله في فرض العمد. واما إذا كان ساهيا فقد يكون التذكر بعد الفراغ من السورة وقد يكون اثناها. اما الفرض الاول فقد ذكر الماتن (قده) انه يتم الصلاة وتصح وان لم يكن قد ادرك ركعة من الوقت أيضا. اقول: اما إذا كان قد ادرك ركعة من الوقت فضلا عما إذا ادرك جميع الوقت ولو من دون قراءة السورة في الركعة الثانية فالحكم بالصحة واضح لان السورة المقروة باعتبار كونها زيادة سهوية فغايته أن يكون وجودها كعدمها، وعدم الاتيان بسورة اخرى غير ضائر بعد فرض ضيق الوقت الذي هو من مسوغات تركها، ومقتضى ان من ادرك ركعة من الوقت فكأنما ادرك الوقت كله هو كون هذه الصلاة بمنزلة الواقعة بتمامها في الوقت، فلا خلل فيها بوجه. واما إذا لم يدرك حتى مقدار ركعة من الوقت فلا نعرف حينئذ وجها للصحة ضرورة انه في هذا الحال لا امر له حتى الاضطراري منه بالصلاة اداءا، كما انه لم يكن بعد مأمورا بالقضاء. والصلاة

[ 328 ]

الملفقة من الاداء والقضاء بان يكون بعضها بداعي الامر الادائي، وبعضها الآخر بداعي الامر القضائي لادليل عليه. فبداعي أي امر يأتي بهذه الصلاة. نعم: قد يقال كما قواه المحقق الهمداني (قده) ان الصلاة الادائية والقضائية واجبة بملاك واحد وهو الاتيان بطبيعي الصلاة سواء أكانت في الوقت أم في خارجه. غايته ان وجوب الصلاة اداءا له ملاك آخر، وهو أن يؤتى بتلك الطبيعة في الوقت، فتكون الصلاة الادائية واجبة بملاكين من باب تعدد المطلوب، ولذا يكون القضاء تابعا للاداء، فإذا لم يكن متمكنا من ايقاع تمام الصلاة في الوقت وجب عليه أن يأتي بها بنفس ذاك الامر الاولي، ففي الفرض يكون المصلي قاصدا للامر لا انه لا امر له إلا ان هذا لا يمكن المساعدة عليه بوجه فانه خلاف ظواهر الادلة جدا. فان ظاهرها وجوب الصلاة بين الحدين بامر واحد وملاك فارد، ومن باب وحدة المطلوب، ولذا قالوا ان القضاء يحتاج إلى امر جديد، وانكروا تبعيته للاداء والامر مفقود إلا بعد خروج الوقت، كما ان الامر الادائي ايضا غير متحقق فلا امر رأسا، ولذا تكون الصلاة في هذا الفرض باطلة. واما إذا كان التذكر في اثناء السورة، فان كان الوقت واسعا لتمام الصلاة مع سورة قصيرة عدل إليها تحفظا على ايقاع الصلاة الكاملة في الوقت، ولا تقدح تلك الزيادة لكونها سهوية. وان كان الوقت لا يسع لتمام الصلاة إلا مع ترك السورة رأسا تركها بالكلية لما عرفت من كون ضيق الوقت من مسوغات سقوطها. وان

[ 329 ]

[ (مسألة 3): لا يجوز قراءة احدى سور العزائم في الفرضية (1) فلو قرأها عمدا استأنف الصلاة وان لم يكن قرأ الا البعض ولو البسملة أو شيئا منها إذا كان من نيته حين الشروع الاتمام أو القراءة إلى ما بعد آية السجدة. ] كان لا يدرك من الوقت إلا ركعة واحدة مع السورة القصيرة قرأها وصحت صلاته من جهة قاعدة من ادرك، كما انها تصح إذا ادرك الركعة من غير سورة نظرا إلى سقوط السورة مع ضيق الوقت. واما إذا لم يدرك حتى ركعة واحدة من غير سورة فيجري فيه حينئذ ما مر في الفرض السابق بعينه، فانه لا وجه للحكم بالصحة حينئذ لعدم وجود الامر بالصلاة في هذا الحال لااداءا ولا قضاءا، ولا تلفيقا. وقد عرفت ان ما ذكره المحقق الهمداني (قده) من قضية الملاك، وان القضاء تابع للاداء لا يمكن المساعدة عليه بوجه في هذا الفرض لابد من الحكم بالبطلان، وان كان ظاهر اطلاق كلام الماتن هو الصحة لكنها غير صحيحة كما عرفت. (1): - على المعروف والمشهور، بل ادعى عليه الاجماع في كثير من الكلمات، بل عن غير واحد نسبته إلى فتوى علمائنا اجمع، فكأن الحكم مورد للتسالم، ولم يسند الخلاف إلا إلى الاسكافي فذكر انه يومي إلى السجود بدلا عنه ثم يسجد للتلاوة بعد الفراغ عن الصلاة. ويقع الكلام تارة فيما إذا قرأ سورة العزيمة عمدا وسجد لها، واخرى فيما إذا لم يسجد سواء أومأ إليه كما ذكره ابن الجنيد أم لا.

[ 330 ]

اما الاول: فلا اشكال في عدم جوازه، وبطلان الصلاة بذلك للزوم الزيادة العمدية في المكتوبة التي هي مبطلة بلا خلاف ولا اشكال، كما وقع التصريح بذلك في روايتين احداهما معتبرة، وهما رواية زرارة - الضعيفة بالقاسم بن عروة - وصحيحة علي ابن جعفر (1) التي رواها صاحب الوسائل عن كتابه وطريقه إلى الكتاب صحيح، فقد ورد فيها قوله (ع) ه وذلك زيادة في الفريضة " (2) فان عنوان الزيادة وان كان متقوما بقصد الجزئية كما مر غير مرة المنفى في المقام لانه يسجد للتلاوة لا للصلاة لكنه يستثنى من ذلك خصوص السجود بمقتضى هاتين الروايتين المصرحتين بانه زيادة في المكتوبة أو في الفريضة، ويلحق به الركوع بطريق اولى. فيظهر من ذلك ان خصوص الركوع والسجود يمتازان عن بقية الاجزاء بعدم ارتضاء الشارع بزيادتهما حتى الصورية منها وان لكل ركعة ركوعا وسجدتين (1) الوسائل: باب 40 من أبواب القراءة ح 1، 4. (2) هذه الجملة اثبتها صاحب الوسائل نقلا للرواية عن قرب الاسناد وكتاب علي بن جعفر، لكن العلامة المجلسي اوردها في البحار ج 85 ص 117 نقلا عن الكتابين خالية عنها، كما ان كتاب قرب الاسناد بطبعتيه الحجرية، والنجفية - خالية عنها، نعم هي موجودة فيما نقله في البحار ج 10 ص 285 عن كتاب علي بن جعفر (وبالجملة) فاشتمال كتاب علي بن جعفر على هذه الجملة - التي هي محل الاستشهاد غير ثابت بعد تعارض ما نقله العاملي والمجلسي في بعض مجلدات البحار مع ما نقله في البعض الآخر، ومعه يشكل الاستدلال بها.

[ 331 ]

لا يضاف عليها شئ ولو بعنوان آخر من سجدة الشكر أو التلاوة ونحوهما. إلا ان هناك روايات ربما يستظهر منها جواز تلاوة السورة والسجود لها في الصلاة، لكن لابد من حملها على النافلة أو على الاعادة واستيناف الصلاة جميعا بينها وبين الرواتين المتقدمتين. منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة قال يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثم يركع ويسجد (1) فانها مطلقة تحمل على النافلة بقرينة الروايتين وقيام التسالم على عدم جواز زيادة السجدة في الصلاة كما عرفت. أو على استيناف الصلاة كما يشهد به قوله (ع): ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب. فان هذا التعبير مع كونه آتيا بالفاتحة كناية عن الاعادة، ولا يقدح عدم التعرض لتكبيرة الاحرام، فقد وقع نظير ذلك في اخبار ركعة الاحتياط فأمر بالقيام وقراءة الفاتحة واهمل التكبيرة مع انها ركعة مستقلة. ومنها: موثقة سماعة قال: من قرأ " إقرء باسم ربك " فإذا ختمها وليسجد، فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب وليركع (2) وهذه أيضا يجري فيها الوجهان من الحمل على النافلة، أو الاستيناف (3). ومنها: رواية علي بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم أيركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ


(1) الوسائل: باب 37 من أبواب القراءة ح 1. (2) الوسائل: باب 37 من أبواب القراءة ح 2. (3) ولكنها مقطوعة لا تصلح للاستناد كما سيصرح، به الاستاد في المسألة السادسة.

[ 332 ]

بغيرها؟ قال: يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب. الخ (1)، وهي مروية بطريقين، في احدهما ضعف لمكان عبد الله بن الحسن والآخر الذي يرويه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر معتبر وهذه لا يجرى فيها الوجه الاول للتصريح بالفريضة، فتحمل على الاستيناف. وكيف كان: فلا اشكال في البطلان مع تعمد التلاوة وتحقق السجدة. وأما الثاني: وهو ما إذا لم يسجد سواء أومأ إليه ام لا، فالمشهور حينئذ هو البطلان ايضا ويستدل له بوجوه: الاول: ما استقربه في الجواهر بدعوى ان الامر بالسجود امر بالابطال لكونه زيادة عمدية في المكتوبة وهي مبطلة، فكيف يجتمع ذلك مع الامر بالمضي في الصلاة، وهل ذلك إلا امرا بالمتضادين. فنفس الامر بالسجود يقتضي البطلان سواء أسجد أم لا لانتفاء الامر بالاتمام معه. وهذا نظير ما إذا اوجب ارتكاب احد المفطرات على الصائم كالارتما لانقاذ الغريق أو القئ لاكل المغصوب، أو الوطي لمضي اربعة اشهر، أو غير ذلك فكما لا يجتمع الامر باتمام الصوم مع الامر بما يبطله، ولذا يحكم ببطلان الصوم بلا اشكال سواء ارتكب تلك المفطرات أم لا فكذا في المقام. وفيه: انه يمكن تصحيح الامر بالضدين بنحو الترتب كما حقق في الاصول فيؤمر اولا بالسجود للتلاوة، وعلى تقدير العصيان يؤمر باتمام الصلاة، وانما لا يجرى هذا في مورد التنظير لعدم صحة الترتب هناك، إذ يشترط في مورده أن يكون من الضدين الذين لهما ثالث بحيث يمكن امتثال الامر بالمهم وعدمه في ظرف عصيان


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب القراءة في الصلاة ح 4.

[ 333 ]

الاهم، واما الذي يدور امره بين الوجود والعدم كالنقيضين أو الضدين اللذين لا ثالث لهما فلا يعقل فيه الترتب، إذ فرض عدم احدهما مساوق لفرض وجود الآخر، ومعه لا معنى لتعلق الامر فكما لا يمكن ان يقال افعل والا فلا تفعل، أو تحرك وإلا فاسكن أو بالعكس لان وجود احدهما في ظرف عدم الآخر ضروري لا يصح تعلق التكليف به فكذا لا يمكن ان يقال في مورد التنظير كل وإلا فلا تأكل، أو يجب القئ وإلا فيحرم ويجب المضي في الصوم. نعم: نظير المقام ما إذا لم يتعلق الامر بذات المبطل، بل بعنوان الابطال، كما لو وجب السفر على الصائم لجهة من الجهات فان يؤمر اولا بابطال صومه بالسفر وعلى تقدير العصيان يؤمر بالمضي في الصوم فان السفر ليس من المفطرات، بل من شرائط وجوب الصوم فيعتبر عدمه في وجوبه وهما من الضدين الذين لهما ثالث، إذ يمكن ان لا يسافر ولا يصوم. هذا والتحقيق ان مورد التنظير حكمه حكم المقام بعينه فيجرى فيه الترتب ايضا لكون من الضدين الذين لهما الثالث كما فيما نحن فيه. وتوضيحه ان النقيضين أو الضدين اللذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون إذا لوحظا بنحو الطبيعة المطلقة لم تكن بينهما واسطة، واما إذا قيد احدهما بقيد تثبت الواسطة لا محالة وكانا مما لهما ثالث وهو الفاقد لذلك القيد، كما إذا قال تحرك وإلا فاسكن في المكان الكذائي، فانه يمكن عدمهما بالسكون في المكان الآخر. والمقام: من هذا القبيل، لان ترك القي مثلا لوحظ مقيدا بقصد التقرب لان الصوم عبادي، فالتروك المعتبرة فيه تعبدية،

[ 334 ]

فيؤمر اولا بالقي وعلى تقدير العصيان يؤمر بتركه لله، والواسطة. بينهما هو تركه لا لله فيكونان من الضدين اللذين لهما ثالث فيجري فيها الترتب. وبالجملة احد النقضين تعبدي والآخر توصلي، ومثلهما مما له ثالث كما يمكن ذلك في التوصليين إذا لوحظ احدهما مقيدا بقيد كالمثال المتقدم، وانما يكونان مما لا ثالث له إذا لوحظا مطلقين كما عرفت. فالصحيح صحة الصوم في مورد التنظير لجريان الترتب فيه كالمقام. الوجه الثاني: ان قراءة السورة معرض للوقوع في احد المحذورين فتحرم، لانه ان سجد للتلاوة فيلزمه ابطال الصلاة لمكان الاتيان بالزيادة العمدية المبطلة وهو حرام، وان لم يسجد يلزمه ترك السجود الذي هو واجب فوري. فهذه السورة محرمة لادائها إلى احد المحذورين والممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيا عقابا، والمبغوض لا يصلح لان يتقرب به، وحرمة العبادة تقتضي الفساد. وفيه اولا: انه مبني على حرمة قطع الصلاة وهي محل تأمل أو منع. وثانيا: ان معرضية السورة لما ذكر لا تستدعي اكثر من حرمتها عقلا من باب المقدمات المفوتة فرارا عن الوقوع في احد المحذورين المزبورين لا حرمتها شرعا كي تقتضي الفساد، لعدم كون مقدمة الحرام حراما. (والحاصل) ان السورة في حد ذاتها لم يتعلق بها نهي شرعا ولا تكون مبغوضة، بل هي صالحة لان يتقرب بها لعدم قصورها في حد نفسها عن ذلك، وانما العقل يستقل بتركها حذرا عن الوقوع في الحرام، فلو عصى بسوء اختياره ولم يسجد للتلاوة لم يكن مانع عن صحتها لما عرفت من عدم تصورها عن وقوعها مصداقا للواجب

[ 335 ]

وثالثا: مع التسليم فغايته بطلان السورة دون الصلاة، فله العدول عنها إلى سورة اخرى وان كان آثما وصحت صلاته. والعمدة: في المقام إنما هو الوجه الثالث وهي الروايات الناهية عن قراءة سورة العزيمة في الفريضة ولا اشكال فيها من حيث السند لصحة اسانيد بعضها وان كانت جملة اخرى منها ضعيفة انما الاشكال في الدلالة، ووجه الاشكال ان النهي في هذه الاخبار لا يحتمل ان يراد به النهي التكليفي المولوي، إذ لا يحتمل ان تكون قراءة العزيمة في الصلاة من المحرمات الالهية، والسر إن الاوامر والنواهي في باب المركبات من العبادات والمعاملات قد انقلب ظهورها الاولى من التكليف النفسي المولوي الوجوبي أو التحريمي إلى الارشاد إلى الجزئية، أو الشرطية، أو المانعية. على انه لو سلم ذلك فلا موجب للبطلان، إذ المبطل خاص بكلام الآدمي، والقراءة المزبورة لا تخرج بحرمتها عن كونها قرآنا ولا تعد من كلا الآدمي كي تكون مبطلة، بل غايته انه قرآن محرم، وقد تقدم التعرض لذلك قريبا. وكيف كان: فلا ينبغي الريب في كون النهي في المقام ارشاديا وهل هو ارشاد إلى المانعية، نظير النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، أو ارشاد إلى تقيد السورة المأمور بها بعدم كونها من سور العزائم وان هذه ليست جزء من الصلاة، بل الجزء سورة اخرى غيرها، نظير النهي عن السجود على القير الذي هو ارشاد إلى ان مثله ليس مصداقا للسجود الواجب، بل هو مقيد بغيره، أو انه ارشاد إلى معنى آخر لا هذا ولا ذاك. اما الاول: فبعيد عن سباق هذه الاخبار غايته إذ النهي لم يتعلق

[ 336 ]

بالصلاة مع هذه السورة كما في مثال ما لا يؤكل. بل بجزء منها وهي القراءة، فغايته فساد الجزء لا اصل الصلاة، فهو نظير النهي عن السجود على القير الذي يكون مقتضى القاعدة في مثله فساد السجود خاصة وجواز الاتيان بسجود آخر على غير القير لولا قيام الدليل على بطلان الصلاة بزيادة السجود عمدا. واما الثاني: فهو وان لم يكن بعيدا بحسب النظر البدوي لكن يضعفه امران: احدهما: ان مبني على الالتزام بوجوب السورة حتى يقيد اطلاق دليله بذلك، وقد عرفت انه محل مناقشة، بل منع، وإنما الوجوب كان مبنيا على الاحتياط فالجزئية غير ثابتة من اصلها فكيف تكون ارشادا إلى تقييدها فليتأمل. ثانيهما: تعليل النهي في ذيل بعض هذه الاخبار بانه زيادة في المكتوبة. فيظهر من ذلك ان سورة العزيمة في حد نفسها لا قصور في اتصافها بالوجوب ووقوعها مصداقا للمأمور به فلا يتقيد دليل وجوب السورة بعدمها لكونها واجدة لعين الملاك الذي تشتمل عليه ساير السور وانما المانع من قراءتها لزوم السجود الذي هو زيادة في الفريضة. فالصواب: ان النهي في هذه الاخبار ارشاد إلى امر خارجي وهو التحذير عن ايقاع المكلف نفسه في الورطة من دون حزازة في السورة نفسها اصلا، وهي انه بعد القراءة اما ان يسجد أولا، فعلى الاول يلزمه ابطال الصلاة لمكان الزيادة العمدية وهو نقض لغرضه من اتمام الصلاة والمضي فيها، فان المؤمن المتشاغل بالصلاة همه تفريغ الذمة بالامتثال لا الابطال، وعلى الثاني يلزمه ترك

[ 337 ]

السجود الذي هو واجب فوري، فليس النهي ارشادا لا إلى المانعية ولا الشرطية، بل ارشاد إلى ما ذكرناه. وعليه فلو عصى ولم يسجد واسترسل في صلاته صحت وان كان آثما. ثم لو بنينا على الوجه الثاني اعني الارشاد الشرطية وتقيد السورة الواجبة بعدم كونها من العزائم فغايته بطلان السورة دون الصلاة، فلو تدراكها وأتى بسورة اخرى من دون ان يسجد للتلاوة صحت صلاته بخلاف مالو قلنا بالارشاد إلى المانعية فانها تبطل حينئذ كما هو ظاهر. ثم انه ربما يستدل على جواز قراءة العزيمة في الصلاة فيسجد لها وتصح صلاته بروايتين فتحمل النهي في ساير الاخبار على الكراهة جمعا. احداهما: صحيحة علي بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم أيركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال: يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب ويركع وذلك زيادة في الفريضة ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة (1)، وقد رويت بطريقين في احد هما ضعف لمكان عبد الله بن الحسن، والآخر وهو الذي يرويه صاحب الوسائل بطريق الشيخ عن كتاب على بن جعفر معتبر لصحة الطريق. بتقريب: ان المستناد منها سؤالا وجوابا المفروغية عن جواز القراءة، وانما السؤال عن انه متى يسجد وماذا حكمه فارغا عن عدم قادحية السجدة؟ وقد اقر الامام (ع) على هذا المعهود في ذهن السائل غير انه عليه السلام نهاه عن العود المحمول على الكراهة بقرينة الصدر، وحينئذ فقوله وذلك زيادة في الفريضة اي شبيهة


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 4.

[ 338 ]

بها لا انه منها وإلا لحكم (ع) بالبطلان. وفيه: ان قوله (ع): وذلك زيادة في الفريضة كالصريح في البطلان (1)، فان مبطلية الزيادة العمدية مما لا يخفى على احد فضلا عن مثل علي بن جعفر، فلا وجه لحمله على الشبيه بالزيادة ويشهد له قوله (ع) ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب فانه لا موجب لقراءتها بعد ما قرأها اولا، فهو كناية عن البطلان واستيناف الصلاة ولا يقدح عدم التعرض لتكبيرة الاحرام إذ قد وقع نظير ذلك في اخبار ركعة الاحتياط كما اشرنا إليه سابقا. وعليه فالنهي في الذيل محمول على الارشاد بالمعنى الذي قدمناه، ولا موجب لحمله على الكراهة الثانية: روايته الاخرى قال: وسألته عن امام يقرأ السجدة فأحدث قبل أن يسجد كيف يصنع؟ قال: يقدم غيره فيسجد ويسجدون (1) هذه العبارة بمجردها مع الغض عما دل على مبطلية الزيادة لاظهور لها في البطلان فضلا عن الصراحة ولم يثبت كون المبطلية المزبورة في تلكم الاعصار من الواضحات الجلية. كيف وكتاب علي ابن جعفر المندرج في البحار وقرب الاسناد ملئ بالسؤال عن امور واضحة في هذه الاعصار بحيث لا يكاد يقع السؤال عنها الا من العوام فكيف يجعل ذلك دليلا على صراحة الصحيحة في البطلان. الا ان يقال ان خفاء المبطلية على الراوي - لو سلم - لم يكن قادحا في الاستدلال. لظهور الصحيحة في تحقق صغرى الزيادة بمقتضى الاخذ بما هو المنسبق منها من ارادة الزيادة الحقيقة دون التنزيلية، وبعد الضم إلى الكبرى المستفادة من ساير الادلة من مبطلية الزيادة العمدية وان خفيت على الراوي نفسه يتم المطلوب.

[ 339 ]

وينصرف وقد تمت صلاتهم (1) وهذه صريحة في المطلوب غير انها ضعيفة السند لمكان عبد الله بن الحسن. نعم رويت بسند آخر صحيح وهو اسناد الشيخ عن احمد بن محمد عن موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر غير ان المتن مضطرب لم يعلم انه كما ذكر أم انه هكذا، " سألته عن امام قرأ السجدة فأحدث قبل أن يسجد كيف يصنع؟ قال: يقدم غيره فيتشهد ويسجد وينصرف هو وقد تمت صلاتهم " (") فان السندين متحدان، وكذا المتن إلا يسيرا، فهما رواية واحدة، فلو كان الصادر عن المعصوم (ع) هو المتن الثاني كانت الرواية اجنبية عن المقام، إذ لم يتعرض فيها لسجود المأمومين فهي ناظرة إلى عدم وجوب السجود بمجرد السماع ولا ربط لها بمحل الكلام كما لا يخفى. نعم: هناك رواية اخرى دلت على جواز قراءة ما عدا آية السجدة وهي موثقة عمار بن أبي عبد الله (ع) في الرجل يسمع السجدة إلى ان قال وعن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم، فقال: إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرؤها، وإن احب أن يرجع فيقرأ سورة غيرها أو يدع التي فيها السجدة فيرجع إلى غيرها (3)، دلت على جواز قراءة سورة العزيمة في الصلاة، ما لم يقرأ آية السجدة، وانه مخير بين الاقتصار عليها والعدول إلى سورة اخرى، لكنه موقوف على الالتزام بجواز التبعيض في السورة وعدم


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب القراءة ح 5. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 4. (3) الوسائل: باب 40 من أبواب القراءة ح 3.

[ 340 ]

[ واما لو قرأها ساهيا (1) فان تذكر قبل بلوغ آية السجدة وجب عليه العدول إلى سورة اخرى، وان كان قد تجاوز النصف، وان تذكر بعد قراءة آية السجدة، أو بعد الاتمام فان كان قبل الركوع فالاحوط اتمامها ان كان في اثنائها وقرأ سورة غيرها بنية القربة المطلقة بعد الايماء إلى السجدة أو الاتيان بها وهو في الفريضة ثم اتمامها واعادتها من رأس، وان كان بعد الدخول في الركوع ولم يكن سجد للتلاوة فكذلك اومأ إليها أو سجد وهو في الصلاة ثم اتمها واعادها، وان كان سجد لها نسيانا ايضا فالظاهر صحة صلاته ولا شئ عليه، وكذا لو تذكر قبل الركوع مع فض الاتيان بسجود التلاوة ايضا نسيانا فانه ليس عليه اعادة الصلاة حينئذ. ] وجوب الاتيان بها كاملة. وقد عرفت فيما مر انه مورد للاشكال. هذا كله فيما إذا قرأ السورة عمدا، واما إذا قرأها سهو فستعرف حكمها في التعليق الآتي. (1): - إذا قرأ سورة العزيمة ساهيا فهناك فروض. احدها: أن يكون التذكر قبل بلوغ آية السجدة وقبل تجاوز النصف ولا اشكال في الصحة حينئذ فيعدل بها إلى سورة اخرى لبقاء محل العدول ما لم يتجاوز النصف وما أتى به الزيادة لكونها سهوية.

[ 341 ]

غير قادحة، بل تصح حتى على القول بمانعية السورة في الصلاة لاختصاصها بحال العمد، إذ مع السهو تدفع بحديث لا تعاد كما هو ظاهر. الثاني: ان يكون التذك قبل بلوغ الآية وبعد تجاوز النصف، والحكم ايضا هو الصحة، فان الزيادة السهوية غير قادحة، والاخبار المانعة عن العدول بعد تجاوز النصف منصرفة عن المقام لاختصاصها بمن كان متمكنا من اتمام السورة المتعذر فيما نحن فيه، انما الاشكال في الفرض: - الثالث: وهو ما إذا كان التذكر بعد تلاوة الآية الملازم لتجاوز النصف كما لا يخفى فان فيه وجوها: أحدها: وجوب السجدة وحيث انها زيادة في المكتوبة فتبطل، فكأن هذا الوجه هو مقتضى الجمع بين فورية السجدة ومبطلية الزيادة. وفيه: انه لا دليل على فورية السجدة بهذا المقدار بحيث لا يمهل في تأخيرها بعد الصلاة بعد عدم كونه مخلا بصدق الفورية العرفية سيما إذا كان أمد التأخر قصيرا، كما لو قرأها في الركعة الثانية من صلاة الفجر فانه لا يستوعب من الزمان إلا مقدار دقيقة، بل اقل. واما الروايات المتقدمة المتضمنة للزوم الزيادة في المكتوبة التي يستفاد منها لزوم السجدة في الصلاة فورا فموردها العمد فلا تشمل المقام كما لا يخفى (1). ثانيها: ما عن كاشف الغطاء من انه يسجد وصحت صلاته لعدم


(1) لا يخلو التفرقة في فورية السجدة بين المتعمد والساهي عن نوع من الخفاء لولا المنع فلاحظ

[ 342 ]

لزوم الزيادة، لاختصاصها بما إذا اتى بالسجدة بقصد الجزئية، والمفروض اتيانها بقصد التلاوة لا بعنوان الصلاة فلا تشملها ادلة الزيادة المبطلة. وفيه: ان هذا يشبه الاجتهاد في مقابل النص لصراحة الاخبار في مبطلية مثل هذه الزيادة، وإن كانت صورية ولم تكن منها حقيقة وقد عرفت فيما مر ان السجود والركوع يمتازان عن بقية الاجزاء في هذا الحكم عملا بتلك النصوص. هذا مضافا إلى ما عرفت آنفا من عدم الدليل على فورية السجدة حتى بهذا المقدار بحيث لا يمهل لاتمام الصلاة. ثالثها: انه يتم صلاته ويسجد للتلاوة بعد الفراغ عنها، وهذا هو مقضتى التحفظ بين اطلاق دليل وجوب السجدة بعدما عرفت من عدم الدليل على فورية اكثر من هذا المقدار، وبين دليل جواز المضي في الصلاة واتمامها، أو وجوب ذلك على الخلاف في حرمة الابطال وعدمه. فهذا الوجه هو مقتضى الجمع بين الدليلين وهو الاوجه في النظر. رابعها: ما هو المشهور من انه يومي بدلا عن السجود ويتم صلاته، واحتمال ان الايماء زيادة في المكتوبة ساقط جدا، لان مورد الاخبار المتضمنة لذلك هو السجود فلا يتعدى إلى بدله كما هو ظاهر. ويستدل للمشهور بعدة روايات وهي اربع: الاولى: موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: إن صليت مع قوم فقرأ الامام اقرء باسم ربك الذي خلق، أو شيئا

[ 343 ]

من العزائم وفرغ من قراءته ولم يسجد فأوم إيماءا. الخ (1) والاعتراض عليها بدلالتها على وجوب السجود مع سجود الامام فلا تدل على كفاية الايماء مطلقا (يندفع) بأن ظاهرها ان القوم من العامة وهم قد يسجدون وقد لا يسجدون، فلزوم السجود مع سجودهم مبني على التقية لعدم امكان التخلف عنهم، فالوظيفة الاولية هي الايماء والسجود انما هو لضرورة تقتضيه، فبدونها كما لو كان منفردا أو لم يسجد الامام لم يجب إلا الايماء. الثانية: موثقة سماعة قال: من قرأ " إقرأ باسم ربك " فإذا ختمها فليسجد، فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب ويركع. قال: وإذا ابتليت بها مع امام لا يسجد فيجزيك الايماء والركوع. الخ (2). والاعتراض السابق مع جوابه بجريان هنا ايضا. الثالثة: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن اخيه (ع) قال: سألته عن الرجل يكون في صلاة جماعة فيقرأ انسان السجدة كيف يصنع؟ قال: يومئ برأسه. الرابعة: صحيحة الاخرى قال: وسألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرأ آخر السجدة، فقال: يسجد إذا سمع شيئا من العزائم الاربع ثم يقوم فيتم صلاته، إلا أن يكون في فريضة فيومئ برأسه ايماءا (3) والاخيرتان اقوى دلالة من سابقتيهما، لسلامتهما عن الاعتراض المزبور كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب القراءة ح 1. (2) الوسائل: باب 37 من أبواب القراءة ح 2. (3) الوسائل: باب 43 من أبواب قراءة القرآن ح 4 3.

[ 344 ]

هذا: ولكن الظاهر عدم تمامية الاستدلال بشئ من هذه الاخبار لكونها اجنبية عما نحن فيه، إذا موردها السماع دون القراءة السهوية التي هي محل الكلام، ويشكل التعدي منه إلى القيام وإن كان غير بعيد. ومن هنا كان الاحوط الجمع بين الايماء وبين السجود بعد الصلاة الذى عرفت انه الاقوى لاحتمال شمول هذه الاخبار للمقام. ثم انه هل يقتصر على هذه السورة أو يجب الاتيان بسورة اخرى؟ يبتني الوجوب على كون النهي في الاخبار السابقة ارشادا إلى تقيد السورة المأمور بها بعدم كونها من العزائم، إذ حينئذ وجود هذه السورة كالعدم فلابد من الاتيان بالاخرى كي يتحقق الجزء. واما بناءا على ما عرفت من كونه ارشادا إلى الفرار عن الوقوع في احد المحذورين من دون قصور في السورة نفسها عن اتصافها بالجزئية فلا تجب الاعادة. فيقتصر عليها مع الايماء والسجود بعد الصلاة احتياطا كما عرفت من دون محذور. ثم انه لو قرأ السورة سهوا وسجد لها نسيانا ثم تذكر صحت صلاته بلا اشكال، لان زيادة السجدة الواحدة سهوا غير قادحة كما هو واضح. هذا كله فيما إذا كان التذكر قبل الركوع. وأما إذا تذكر بعد الركوع فيجري فيه جميع ما مر إلا من حيث احتمال الاتيان بسورة اخرى فانه لا مجال له في المقام لمضي محله بالدخول في الركوع. ثم ان الماتن ذكر ان الاحوط احد الامرين: إما إتمام السورة والاتيان باخرى بقصد القربة المطلقة بعد الايماء إلى السجدة، وإما الاتيان بالسجدة وهو في الفريضة، ثم اتمامها واعادتها من رأس.

[ 345 ]

[ (مسألة 4): لو لم يقرأ سورة العزيمة لكن قرأ آيتها (1) في اثنائها الصلاة عمدا بطلت صلاته، ولو قرأها نسيانا أو اسمعتها من غيره، أو سمعها فالحكم كما مر من ان الاحوط الايماء إلى السجدة أو السجدة وهو في الصلاة واتمامها واعادتها. ] وانت خبير بأن الجمع بين هذين النحوين بجعل كل منهما طريقا للاحتياط ممتنع لاختلاف المبنى فيهما، فان الاول مبني على شمول ادلة الايماء للمقام المستلزم لقادحية السجود في الاثناء، والثاني مبني على وجوب السجدة وعدم كفاية الايماء. فالجمع بينهما بجعل الاحتياط في السجود وفي تركه يشبه الجمع بين النقيضين كما لا يخفى. بل ان طريقة الاحتياط كما عرفت انما هي بالجمع بين الايماء وبين السجود بعد الصلاة وقد مر ان تأخير السجود بهذا المقدار لا ينافي فوريته، كما مر ان الايماء لا يعد من الزيادة القادحة لاختصاصها بنفس السجود ولا تعم بدله لعدم الدليل على التعميم. (1): - الحال في هذه المسألة يظهر مما مر في المسألة السابقة وإن كان الامر هنا أهون لعدم الاتيان بالآية بقصد الجزئية فلا يجزي هنا بعض الوجوه المتقدمة. وقد عرفت المختار من صحة الصلاة على تقدى القراءة، وان كان آثما في ترك السجود مع العمد. واما مع السهو فيكفي الايماء، وان كان الاحوط ضم السجود بعد الانتهاء عن الصلاة وقد مر وجه ذلك كله. وأما السماع فسيجئ البحث عنه في محله ان شاء الله تعالى،

[ 346 ]

[ (مسألة 5): - لا يجب في النوافل قراءة السورة (1). ] وستعرف انه لا يوجب السجود حتى في غير الصلاة لصحيحة عبد الله ابن سنان. واما الاستماع فيجب فيه الايماء لصحيحتي علي بن جعفر المتقدمتين الواردتين في خصوص المقام من دون حاجة إلى التعدي الذي عرفت انه محل اشكال وكلام. (1): - فيجوز فيها تبعيض السورة، بل تركها رأسا بلا خلاف ولا اشكال، بل عن جمع دعوى الاجماع عليه. أما إذا قلنا بجواز ذلك في الفريضة فهنا بطريق أولى، إذ لا تزيد هي عليها من حيث الاجزاء والشرائط كما هو ظاهر. وأما إذا قلنا بوجوب السورة الكاملة في الفرايض فيقع الكلام هنا تاة في جواز التبعيض، واخرى في جواز الترك رأسا. أما الاول فتدل عليه مضافا - إلى قصور المقتضي لاختصاص ما دل على المنع عنه بالفريضة كصحيحة منصور: " لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة ولا بأكثر " وغيرها أو انه لا اطلاق له لكونه مسوقا لبيان عدم جواز العدول من سورة إلى اخرى في غير يوم الجمعة كصحيحة الحلبي: إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله احد وانت تيد أن تقرأ بغيرها فامض فيها ولا ترجع إلا أن تكون في يوم الجمعة فانك ترجع إلى الجمعة والمنافقين منها (1)، على ان استثناء يوم الجمعة يشهد بارادة الفريضة كما لا يخفى - صحيحة علي بن يقطين قال: سألت


(1) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة ح 2.

[ 347 ]

[ وان وجبت بالنذر أو نحوه (1)، فيجوز الاقتصار على الحمد، أو مع قراءة بعض السورة. ] ابا الحسن (عليه السلام) عن تبعيض السورة فقال: اكره، ولا بأس به في النافلة (1). واما الثاني: فمضافا إلى قصور المقتضي ايضا لاختصاص دليل الوجوب بالفريضة أو المكتوبة، أو انها مقيدة بالركعتين الاولتين في قبال الثالثة أو الرابعة الظاهر في الفريضة فلا اطلاق فيها تعم النافلة فيرجع إلى اصالة البراءة عن الجزئية بناءا على ما هو الصحيح من جواز الرجوع إليها حتى في المستحبات لنفي الوجوب الشرطي تدل عليه صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: يجوز للمريض ان يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، ويجوز للصحيح في قضاء الصلاة التطوع بالليل والنهار (2)، فان القضاء هنا بمعناه اللغوي أعني مطلق الاتيان لا خصوص خارج الوقت الذي هو المعنى المصطلح كما تقدم سابقا. (1): - فان الوجوب الناشئ من قبل النذر تابع للالتزام النذري سعة وضيقا، وحيث ان متعلقة فعل النافلة على ما هي عليه من المشروعية، والمفروض ان المشروع منها هو الطبيعي الجامع بين الواجد للسورة والفاقد لها، فلا محالة يكون متعلق الوجوب هو الجامع لما عرفت من انه تابع لما التزم كما التزم.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 4. (2) الوسائل: باب 2 من أبواب القراءة ح 5.

[ 348 ]

[ نعم النوافل الني تستحب بالسورة المعينة (1) يعتبر في كونها تلك السورة، لكن في الغالب يكون تعيين السور من باب المستحب في المستحب على وجه تعدد المطلوب لا التقييد. ] ويمكن ان يستأنس لذلك بصحيحة ابن سنان المتقدمة آنفا حيث يظهر ان وجوب السورة أو سقوطها عن الفريضة أو النافلة مترتب على كونها كذلك بعنوان انها صلاة، لا بعنوان آخر من كونها متعلقا للنذر أو الاجارة، أو اطاعة السيد ونحوها من العناوين العريضة، ومن المعلوم ان النافلة لا تخرج بالنذر عن كونها صلاة نافلة فيشملها دليل السقوط. وإن أمكن الخدش في ذلك بان ظاهر الصحيحة ان موضوع السقوط هو عنوان التطوع لا النافلة، وهذا العنوان يزول بالنذر لا محالة لعدم اتصافها بالتطوع بعدئذ، ولذا تقدم في محله ان دليل المنع عن التطوع في وقت الفريضة لا يعم النافلة المنذورة لخروجها عن عنوان التطوع بعد تعلق النذر وصيرورتها فريضة، فيناقش بمثل ذلك في المقام أيضا. فالصحيح في الاستدلال هو ما عرفت. (1): - استدرك (قده) من عدم اعتبار السورة في النافلة النوافل التي قرر لها في الشريعة سور رمعينة كصلاة جعفر (ع)، والنوافل الواردة في شهر رمضان ونحوها، فيعتبر الاتيان بها بتلك السور عملا بدليل تشريعها وإلا لما وقعت تلك النافلة الخاصة، ثم ذكر اخيرا

[ 349 ]

[ (مسألة 6): يجوز قراءة العزائم في النوافل (1) وان وجبت بالعارض فيسجد بعد قراءة آيتها وهو في الصلاة ثم يتمها. ] جواز تركها أيضا، إذ الغالب فيها انها من باب المستحب في المستحب على وجه تعدد المطلوب لا التقييد كي لايشرع الاتيان بها إلا بتلك السور الخاصة. وما ذكر (قده) أخيرا وجيه لو كان هناك اطلاق زائدا على دليل التقييد، كما لو ورد الامر بصلاة جعفر (ع) مطلقا ثم ورد في دليل آخر الامر بها مقيدة بسورة معينة فانه لامانع حينئذ من الاخذ بكلا الدليلين بناءا على ما هو الصحيح من عدم حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات، فيحمل ذلك على اختلاف مراتب الفضل وتعدد المطلوب كما افاده (قده). واما إذا لم يكن في البين إلا دليل واحد مقيد فمقتضى القاعدة حينئذ عد مشروعيتها بغير تلك السورة، فان العبادة توقيفية تحتاج مشروعيتها إلى ثبوت الامر بها، ولم يحرز تعلق الامر بالجامع على الفرض، وكون الغالب في هذا الباب انه من تعدد المطلوب وإن كان مسلما ولكنه لا يجدي الا الظن الذي لااعتبار به، فلا جزم بالامر بالفاقد. نعم لا بأس بالاتيان به رجاءا. (1): - بلا خلاف، بل عن بعض دعوى الاجماع عليه، ويدل عليه قصور المقتضى للمنع فيها، فان الاخبار الناهية باجمعها مختصة بالفريضة أو المكتوبة، وليس فيها ما يتضمن الاطلاق الشامل

[ 350 ]

للنوافل، ومقتضى القاعدة حينئذ هو الجواز وعليه فلو قرأ آيتها سجد وهو في الصلاة ولا يضر بصحتها، إذ قادحية مثل هذه الزيادة مختصة بالفريضة لعدم الدليل على قدحها في غيرها. وربما يستدل للحكم بموثقة سماعة قال: من قرأ اقرء باسم ربك فإذا ختمها فليسجد إلى أن قال: ولا تقرء في الفريضة، إقرء في التطوع (1). لكن الرواية مقطوعة لم تسند إلى الامام (ع)، ومن الجائز ان يكون ذلك فتوى سماعة نفسه، وان كان يظن انه رواية عن الامام (ع) لكن الجزم به مشكل بعد الاحتمال المزبور. وقد عبر عنها المحقق الهمداني (قده) وغيره بالمضرة، لكنها ليست بمضرة ولا مسندة، بل مقطوعة كما عرفت على ما ذكره في الوسائل والحدائق، والتهذيب (2) والاستبصار (3)، فلا يصح الاعتماد عليها. والعمدة في مستند الحكم هو ما عرفت من قصور المقتضي. ثم ان الحكم كذلك حتى في النوافل الواجبة لعارض من نذر ونحوه، فيجوز فيها قراءة العزيمة لعين ما مر في المسألة السابقة من تبعية الوجوب الناشئ من قبل النذر بما التزم به الناذر، وحيث ان المنذور هي النافلة المشروعة على ما هي عليه والمفروض جواز قراءة العزيمة فيها فمتعلق الوجوب هو الجامع كما مر.


(1) الوسائل: باب 40 من أبواب القراءة ح 2. (2) ج 2 ص 292. (3) ج 1 ص 220.

[ 351 ]

[ (مسألة 7): - سور العزائم اربع (1): ألم السجدة وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم. ] (1): - بلا خلاف، بل اجماعا، ويدل عليها وعلى تعيين الاربع بما في المتن صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك ولكن تكبر حين ترفع رأسك. والعزائم اربعة: حم السجدة، وتنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك (1). واستدل ايضا برواية داود بن سرحان قال: إن العزائم اربع: اقرأ باسم ربك الذي خلق، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة (2) لكن سندها لا يخلو عن خدش، وإن عبر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات لان الصدوق يرويها عن شيخه احمد بن محمد بن يحيى (3) ولم يوثق، وقد مر غير مرة ان مجرد الكون من مشايخ الاجارة لا يكفي في التوثيق. واستدل ايضا بخبر ابي بصى: إذا قرأ بشئ من العزائم الاربع


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 1. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 7. (3) على ما في الطبعة الحديثة من الوسائل، لكن الموجود في طبعة (عين الدولة) وكذا في الخصال ط طهران ص 252 ح 124 هكذا " ابي عن سعد بن عبد الله عن احمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر. الخ " ومعه لااشكال في صحة السند

[ 352 ]

[ (مسألة 8): - البسملة جزء من كل سورة (1) فيجب قراءتها عدا سورة براءة. ]. الخ (1). وفيه مضافا إلى ضعف سندها بعلي بن ابي حمزة انها قاصرة الدلالة لعدم التعرض فيها لتعيين الاربع فلاحظ. فالعمدة في الاستدلال ما ذكرناه. (1): - هذه من المسائل الخلافية بين الخاصة والعامة، فالمتسالم عليه بين الخاصة انها جزء من كل سورة، والمشهور بين العامة انها جزء لخصوص الفاتحة دون ساير السور وعلى هذا جرت المصاحف حتى اليوم فانهم يذكرون علامة الآية بعد بسملة الفاتحة دون غيرها من بقية السور، واما البراءة فليست جزءا منها باتفاق الجميع. والذي يدل على انها جزء لكل سورة عدة اخبار عمدتها صحيحة معاوية بن عمار (2) قال: قلت لابي عبد الله (ع): إذا قمت للصلاة أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة الكتاب قال: نعم، قلت: فإذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة قال: نعم (3) فان السؤال ليس عن الجواز فانه مسلم عند الكل، بل من الضروريات، ولا عن الاستحباب لوضوحه أيضا


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب قراءة القرآن ح 2. (2) واوضح منها دلالة معتبرة يحيى بن أبي عمران، الوسائل باب 11 من أبواب القراءة في الصلاة ح 6. (3) الوسائل: باب 11 من أبواب القراءة في الصلاة ح 5.

[ 353 ]

[ (مسألة 9): الاقوى اتحاد سورة الفيل ولايلاف (1) وكذا والضحى وألم نشرح، فلا يجزئ في الصلاة إلا ] جمعها مرتبتين مع البسملة بينهما. لاسيما لمثل معاوية بن عمار فان جواز قراءة القرآن مساوق لرجحانه فلا محالة يكون عن الوجوب وقد أمضاه الامام (ع) بقوله: نعم. ومن الواضح ان الوجوب في امثال المقام يلازم الجزئية لعدم احتمال التفسية. نعم هي معارضة بجملة اخرى بل في بعضها النهي عن قراءتها كصحيحة الحلبيين (1) ولكنها محمولة على التقية كما لا يخفى. (1): - بلا خلاف بل اجماعا كما عن جماعة، بل نسب الاقرار به إلى دين الامامية كما عن الامالي، أو إلى آل محمد صلى الله عليه وآله كما عن الانتصار، أو هو قول علمائنا كما عن غير واحد. ولا يخفى ان هذا البحث إنما هو بعد الفراغ عن وجوب سورة كاملة في الفريضة واما بناءا على العدم، أو جواز التبعيض فلا اشكال في جواز التفكيك والاقتصار على احديهما. ثم انه ينبغي التكلم في جهات: الاولى: انه بناءا على تعدد السورتين فهل يجب الجمع بينهما في الصلاة، أو يجوز الاقتصار على الواحدة؟ المشهور هو الاول، وظاهر الماتن هو الثاني، حيث فرع وجوب الجمع على الاتحاد الظاهر في عدمه لو بني على التعدد. وكيف كان: فقد قال في المدارك: انه لم أقف على دليل معتبر يدل على وجوب قراءتهما معا. والذي وقفت عليه روايتان:


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب القراءة في الصلاة ح 2.

[ 354 ]

احداهما: صحيحة زيد الشجام قال: صلى بنا أبو عبد الله (ع) فقرأ الضحى وألم نشرح في ركعة (1) ولا دلالة لها على الوجوب لاجمال الفعل. الثانية: رواية مفضل بن صالح عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول لاتجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح، وألم تركيف، ولا يلاف قريش (2)، وهي مضافا إلى ضعفت سندها بمفضل نفسه، وكذا طريق العياشي إليه لارساله قاصرة الدلالة، فانه استثناء عن النهي عن القران الذي هو محرم أو مكروه على الخلاف فغايته نفي الحرمة أو الكراهة في هاتين السورتين دون الوجوب. إنتهى ملخصا وما افاده (قده) وجيه جدا بناءا على تعدد السورتين لما عرفت من حال الروايتين. واما غير هما مما ذكر في المقام فكلها ضعاف أو مراسيل لا يمكن الاعتماد على شئ منها. الجهة الثانية: في تحقيق الصغرى وان الضحى والانشراح، وكذا الفيل والايلاف هل هما سورتان أو انهما سورة واحدة؟ المعروف بل المتسالم عليه عند الاصحاب هو الثاني، وقد عرفت نقل الاجماعات المحكمية على ذلك في صدر المسألة، والمشهور بين المتأخرين هو الاول، ولعل اول من خالف في ذلك هو المحقق كما نبه عليه في الحدائق. ويقع الكلام تارة في وجود ما يدل على الاتحاد، واخرى فيما يخالفه. (1) الوسائل: باب 10 من أبواب القراءة ح 1. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب القراءة ح 5.

[ 355 ]

اما الاول: فقد استدل له بعدة روايات كلها ضعاف أو مراسيل كالفقه الرضوي، ومرسل الهداية، ومراسيل الطبرسي، وأبي العباس وأبي، والمحقق، والراوندي، وغيرها مما لا يمكن الاعتماد على شئ منها (1) فمن يرى اعتبار العدالة في الراوي كصاحب المدارك أو الوثاقة كما هو المختار ليس له التعويل على شئ من هذه الاخبار ودعوى الانجبار ممنوعة كما حقق في الاصول. فم يبق في البين عدا الاجماعات المحكية مما تقدمت وهي كما ترى بعد وضوح للمستند فالمقتضي للاتحاد قاصر لعدم دليل (2) معتبر عليه. واما الثاني: اعني ما يخالفه مما يدل على التعدد فهو ايضا ضعيف فان ما استدل به ذلك وجوه: (1) الوسائل: باب 10 من أبواب القراءة. (2) يمكن الاستدلال له بصحيحة زيد الشحام المتقدمة آنفا بتقريب ان مقتضى نصوص القران حرمته أو كراهته مطلقا، وحيث ان الامام (ع) لا يصدر منه المكروه فضلا عن الحرام، فلا مناص من حمل الجمع الصادر منه على اللزوم ولا وجه له عدا اتحاد السورتين. الا (ان يقال) ان المستكشف من فعله (ع) انما هو عدم حرمة القران ولا كراهته في خصوص المورد، وحينئذ فعلى التعدد كان ذلك تخصيصا في ادلة القران وعلى الاتحاد تخصصا، ومن المقرر في محله عدم صحة التمسك باصالة العموم لاثبات الثاني (أو يقال) بعدم المانع من صدور للكروه عنه (ع) اما تنببها على عدم الحرمة، أو ايعازا إلى جواز فعل المكروه، ولا سيما في العبادة التي يراد به فيها أقلية الثواب.

[ 356 ]

احدها: ما ذكره في المدارك من اثبات الفصل بينهما بالبسملة في المصاحف كساير السور. واجيب بان هذه الكيفية من جمع الخلفاء فلا يدل على ان النزول كان كذلك. وفيه: ان مرجع ذلك إلى دعوى التحريف (1) من ناحية الزيادة التي هي مقطوعة البطلان باتفاق المسلمين، وإنما الخلاف في التحريف من ناحية النقيصة على انا قد اثبتنا في بحث التفسير بطلان ذلك ايضا بما لا مزيد عليه فلا حظ إن شئت. فالصواب: في الجواب ان مجرد اشتمال السورة على البسملة لا يقتضي تغايرها عن غيرها، ولا يكشف عن التعدد وان كان الغالب كذلك لكنه ليس بدائمي إذ لا دليل عليه كما لا يخفى. الثاني: ما استدل به صاحب الحدائق من رواية زيد الشحام قال: صلى بنا أبو عبد الله (ع) فقرأ في الاولى والضحى، وفي الثانية ألم نشرح لك صدرك (2) وقد وصفها في الحدائق بالصحة، وذكر انها أولى بالاستدلال لصاحبي المعتبر والمدارك لو اطلعا عليها لكن عدم اطلاعهما عليها بعيد غايته، وانما لم يستدلا بها لضعف سندها كما ستعرف. وقد حملها الشيخ على النافلة وهو بعيد جدا لقوله (1) التحريف المزبور متقوم بزيادة شئ في القرآن على انه جزء منه، وليس المقام كذلك، بل انما زيدت البسملة رمزا لفواصل السور وكعلامة على استقلالها كساير العلامات أو البيانات المذكورة في اوائل السور، ولذلك لا تعجل عليها الآية فيما عدا سورة الفاتحة كما سبق. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب القراءة في الصلاة ح 3.

[ 357 ]

(صلى بنا) (1) الظاهر في الجماعة، ولا جماعة في النافلة. واجاب في الحدائق: بان غايتها الدلالة على جواز التبعيض فيكون سبيلها سبيل الاخبار الدالة عليه. وفيه: ان الكلام في هذه المسألة كما اشرنا إليه في صدر المبحث - إنما هو بعد الفراغ عن عدم جواز التبعيض والا فلا اشكال في جواز الاقتصار على احديهما. وللصحيح في الجواب: ان الرواية ضعيفة السند بالارسال، وان كان المرسل ابن أبي عمير وكون مراسيله كمسانيد غيره كلام مشهوري لا اساس له كما تعرضنا له في مطاوي هذا الشرح غير مرة فلا يمكن الاعتماد عليها، والانجبار بالعمل لانقول به. الثالث: ما استدل به في المعتبر من رواية مفضل بن صالح المتقدمة (2) المتضمنة لاستثناء الضحى وألم نشرح، وكذا الفيل ولا يلاف عن الجمع بين سورتين في ركعة واحدة، فان ظاهر الاستثناء هو الاتصال، فيدل على انهما سورتان قد استثنيا عن حكم القران. وفيه: مضافا إلى ضعف السند كما مر انه يكفى في صحة الاستثناء واتصاله كونهما متعددين بحسب الصورة، وما يعتقده الناس من تسميتهما بسورتين لمكان الفصل بينهما بالبسملة في المصاحف. والمتحصل: من جميع ما قدمناه انه لادليل على وحدة السورتين ولا على تعددهما لعدم تمامية شئ مما استدل به للطرفين، فتنتهي


(1) كلمة (بنا) موجودة في الاستبصار ج 1 ص 318، دون التهذيب ج 2 ص 72 الرقم 265. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب القراءة في الصلاة ح 5.

[ 358 ]

النوبة إلى ما يقتضيه الاصل العملي. والظاهر ان مقتضى الاصل حينئذ هو الاشتغال، وليس المقام من قبيل الاقل والاكثر الارتباطي كي يرجع فيه إلى البراءة على ما هو التحقيق من الرجوع إليها فيه. وتوضيحه: ان الضابط في ذاك الباب ما إذا كان المأمور به وما تعلق به التكليف بنفسه مجملا دائرا بين الاقل والاكثر كالسورة بالنسبة إلى الصلاة حيث لم يعلم ان مصب التكليف هي الصلاة المشتملة عليها، أو الاعم من الواجدة والفاقدة فيقال ان الجامع وهو الاقل متيقن، والزائد عليه من تقيده بالسورة يشك في تعلق التكليف به فيدفع بالبراءة. وهذا الضابط غير منطبق على المقام، إذ ليس المأمور به خصوص سورة الفيل، أو خصوص سورة والضحى كي يشك في سعة دائرة المأمور به وضيقها من جهة الترديد في جزئية لايلاف في الاول، والانشراح في الثاني، كالترديد في جزئية السورة للصلاة حتى يكون من الدوران بين الاقل والاكثر، بل المأمور به هو طبيعي السورة بالضرورة، ولا اجمال في هذا المفهوم قطعا. وانما الترديد في انطباقها على الفيل وحدها، أو الضحى كذلك، فالشك انما هو في محصل ذاك الطبيعي ومحقق العنوان المأمور به، فيعود الشك لا محالة إلى مرحلة الامتثال بعد العلم بالتكليف لا إلى أصل تعلق التكليف، ومثله مجرى للاشتغال بلا اشكال، فالاقوى وجوب الجمع بينهما في الصلاة مترتبتين كما افاده في المتن وان لم يعلم انهما سورتان ام سورة واحدة. نعم ان ما ذكرناه مبني على ما هو الاقوى من عدم حرمة القران

[ 359 ]

بين السورتين، وإلا فيندرج المقام في باب الدوران بين المحذورين، إذا بعد قراءة الفيل مثلا يدور امر الايلاف بين الوجوب لو كانتا سورة واحدة، والحرمة لو كانتا سورتين. وفي مثله يتعذر الاحتياط فاللازم على هذا المبنى اختيار سورة اخرى من اول الامر، وان كان لو قرأ الفيل يخير ضم الايلاف وعدمه كما هو مقتضى القاعدة في الدوران بين المحذورين إلا ان الاجتزاء بمثل هذه الصلاة لا يخلو عن الاشكال كما لا يخفى. والذي يهون الخطب ان المبنى فاسد كما عرفت وستعرف تفصيله ان شاء الله تعالى. الجهة الثالثة: بعدما عرفت من وجوب الجمع بين السورتين عملا بقاعدة الاشتغال فهل يجب الفصل بينهما بالبسملة كما اختاره في المتن أو يؤتى بهما موصولة؟ فيه خلاف بين الاعلام، بل ربما ينسب الثاني إلى الاكثر، بل عن التهذيب عندنا لا يفصل بينهما بالبسملة، وعن التبيان ومجمع البيان ان الاصحاب لا يفصلون بينهما بها. وكيف كان فربما يستدل للاول بثبوتها في المصاحف المعروفة عند المسلمين من صدر الاسلام. وفيه: ان الثبوت فيها لا يدل على الجزئية، ولذا ترى ان اكثر اصحاب المصاحف مع بنائهم على عدم جزئية البسملة يثبتونها في كل سورة. وربما يستدل للثاني بالفقه الرضوي وبما روي من سقوطها عن مصحف أبي بن كعب. وفيه ان الفقه الرضوي ليس بحجة، وسقوطها عن مصحف أبي لم يثبت، على انه لو ثبت فهو اجتهاد منه باعتقاد انهما سورة واحدة لا انه رواية فلا حجية فيه.

[ 360 ]

[ (مسألة 10): - الاقوى جواز قراءة سورتين (1) أو ازيد في ركعة مع الكراهة في الفريضة، والاحوط تركه، وأما في النافلة فلا كراهة. ] وعلى الجملة: فلم يثبت لدينا شئ من القولين، فتنتهي النوبة إلى الاصل العملي ومقتضاه الثبوت عملا بقاعدة الاشتغال لكونه من الشك في المحصل، لامن باب الاقل والاكثر بعين التقريب الذي قدمناه في الجهة السابقة حرفا بحرف فلا حظ. (1): - كما هو المشهور بين المتأخرين من جواز القران على كراهة خلافا لما هو المشهور بين القدماء من عدم الجواز، بل عن الصدوق انه من دين الامامية، وعن السيدانه من متفرداتهم، ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات. فقد ورد النهي عن القران في غير واحد من النصوص جملة منها معتبرة وفيها غنى وكفاية. منها: صحيحة محمد بن مسلم عن احد هما (ع) قال: سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة، فقال: لا، لكل سورة ركعة، وموثقة عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (ع) قال: لا بأس ان تجمع في النافلة من السور ما شئت (1) فان نفي البأس عن النافلة يدل بمفهوم الوصف (2) بالمعنى الذي هو حجة عندنا على ثبوته في الفريضة التي هي محل الكلام، حيث يظهر من التقبيد ان طبيعي الصلاة ليس موضوعا لجواز القران، وإلا كان القيد لغوا،


الوسائل: باب 8 من أبواب قراءة ح 1، 7. (2) تقدم ان الوصف غير المعتمد على الموصوف لا مفهوم له

[ 361 ]

فمن اثبات الجواز للنافلة يعلم عدمه في الفريضة. ومنها: رواية منصور بن حازم قال: قال أبو عبد الله (ع): لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة ولا بأكثر (1) وقد وصفها في الحدائق، ومصباح الفقيه، بالصحة، نعم حكى في الحدائق عن صاحب المدارك ان السند ضعيف، واستظهر ان نظره في الضعف إلى سيف بن عمير حيث انه واقفي (2) وان كان ثقة، وصاحب المدارك يعتبر العدالة في الراوي، ويمكن أن يكون نظره إلى ان احمد بن ادريس لا يمكنه ان يروي عن احمد بن محمد بن يحيى لاختلاف الطبقة، فاما ان الرواية مرسلة أو ان نسخة الوسائل مغلوط، والصحيح عن محمد بن احمد بن محمد بن يحيى كما يؤيده انه الراوي غالبا عن محمد بن عبد الحميد ولكنه ظهر بعد المراجعة، ان نسخة الكافي والوسائل، والتهذيب كلها عن محمد بن احمد بن محمد ابن يحيى فكلمة (محمد) ساقط عن الوسائل الطبعة الجديدة، وكذا طبع عين الدولة وكذا الاستبصار الطبعة الجديدة، فالرواية صحيحة السند بلا اشكال (3).


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 2. (2) كما عن معالم بن شهر آشوب ولكنه سهو من القلم كما افاده (دام ظله) في المعجم ج 8 ص 366. (3) بل فيه اشكال، إذ في السند (محمد بن عبد الحميد) وقد تقدم في اوائل الفصل ص 291 البحث حول وثاقته من اجل الترديد في رجوع توثيق النجاشي إلى الاب أو الابن وعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة، ولعل تضعيف صاحب المدارك ناظر إلى هذه الجهة.)

[ 362 ]

وبأزائها صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (ع)، عن القران بين السورتين في المكتوبة والنافلة قال لا بأس (1). ومقتضى الجمع العرفي بينها وبين الطائفة الاولى هو حمل النهي فيها على الكراهة كما ربما يؤيده التعبير ب‍ لا يصلح، أو يكره، أو انه افضل، أو لكل سورة حقا فاعطها حقها ونحو ذلك مما ورد في ساير الاخبار المشعرة بالكراهة (2). نعم: ربما يناقش في ذلك من وجهين: احداهما: ان اعراض الاصحاب عن هذه الصحيحة يسقطها عن الحجية لما عرفت من ان المشهور بين القدماء هو الحرمة. وفيه: مضافا إلى منع الكبرى وعدم قادحية الاعراض ان الصغرى ممنوعة إذ لم يثبت اعراضهم وطرحهم للصحيحة، بل من الجائز انهم رجحوا تلك الطائفة عليها في مقام علاج المعارضة بأشهريتها واكثريتها ونحو ذلك من ساير المرجحات. ثانيهما: - ما ذكر في الحدائق من حمل الصحيح على التقية. وفيه ما لا يخفى، فان الحمل على التقية فرع استقرار المعارضة وعدم امكان الجمع الدلالي والتوفيق العرفي، وقد عرفت امكانه بحمل النهي على الكراهة. فالاقوى ما هو المشهور بين المتأخرين من الكراهة دون الحرمة. هذا كله في الفريضة.


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب القراءة ح 9. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب القراءة.)

[ 363 ]

[ (مسألة 11): - الاقوى عدم وجوب تعيين السورة قبل الشروع فيها (1)، وان كان هو الاحوط، نعم لو عين البسملة لسورة لم تكف لغيرها، فلو عدل عنها وجب اعادة البسملة. ] واما النافلة فلا اشكال كما لا خلاف في الجواز من دون كراهة لاختصاص نصوص المنع بالفريضة، بل التصريح بالجواز في النافلة في غير واحد من الاخبار. (1): - فلا يجب تعيين البسملة لسورة خاصة، بل له أن يقرأها من غير تعيين، ثم يأتي بعدها بأي سورة شاء. نعم لو عينها لسورة لم تكف لغيرها، فلو عدل عنها وجب اعادة البسملة لعدم وقوعها جزءا للسورة المعدول إليها. وتوضيح المقام يستدعي التكلم في جهات: الجهة الاولى: لا ريب في وجوب قراءة القرآن في الصلاة والاتيان بسورة الحمد وسورة اخرى بعنوان انها من القرآن للامر بذلك بقوله تعالى: " فاقرؤا ما تيسر منه " المفسر بما ذكر، كما لا ريب في عدم تحقق ذلك إلا بالاتيان بألفاظ مماثلة للالفاظ النازلة على النبي الاكرم صلى الله عليه وآله بقصد الحكاية عنها، فبدون هذا القصد لا يصدق عنوان القرآن، بل هو قول مطابق له، ولفظ مشابه معه ولذا لو تكلم بداع آخر غير قصد الحكاية بطلت صلاته لكونه من كلام الآدمي وإن كان متحدا مع ألفاظ القرآن، كما لو اراد الاخبار عن مجئ رجل من اقصى المدينة فقال: وجاء رجل من أقصى

[ 364 ]

المدينة، أو كان عنده مسمى بيحيى وأراد امره بأخذ الكتاب فقال: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وكذا الحال في انشاد القصيدة، أو كتابه شئ فكل ذلك يتوقف على استعمال الالفاظ أو كتابتها بقصد الحكاية عما يشابهها من الالفاظ التي يروم الاتيان بها بعناوينها من القرآن أو القصيدة ونحوهما. والظاهر ان هذا مما لا اشكال فيه ولا شبهة تعتريه. الجهة الثانية: بعد ما عرفت من توقف صدق القرآن على قصد الحكاية، فهل اللازم حكاية شخص الالفاظ النازلة على النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله)، والقصد إلى خصوص الفرد المعين، أو تكفي حكاية الطبيعي الجامع وإن لم يتعلق القصد إلى حصة خاصة منها. ويترتب على ذلك انه لو قرأ الجنب بسملة العزيمة من دون قصد سورة معينة، أو كتب الجامع بين الآيات المشتركة كآية - فبأى آلاء ربكما تكذبان - أو الحمد لله رب العالمين، أو بسم الله الرحمن الرحيم، ونحوها من الآيات المتكررة في القرآن الكريم من دون أن يقصد الكاتب الحكاية عن فرد معين؟ فعلى الاول لا تحرم القراءة على الجنب في الصورة الاولى، ولا مس الكتابة على المحدث في الصورة الثانية لعدم صدق القرآن بعد عدم الحكاية عن الحصة الخاصة، وعلى الثاني يحرم لكونه من القرآن بمجرد قصد الحكاية عن الجامع وطبيعي الآية وان لم يقصد الفرد المعين. قد يقال: بالاول وعدم صدق القرآن على الجامع نظرا إلى ان النازل على النبي الاعظم صلى الله عليه وآله إنما هو نفس الحصص الخاصة، والجامع اعتبار ينتزعه العقل ولا وجود له وراء الفرد، والحكاية

[ 365 ]

عن الطبيعي لا تستلزم الحكاية عن الافراد فما هو الموجود في الخارج وهو الفرد غير مقصود بالحكاية على الفرض، وما هو المقصود غير موجود مستقلا، إذ ليس النازل إلا الفرد دون الجامع. هكذا أفيد. ولكنه كما ترى واضح البطلان، ضرورة ان الطبيعي وان لم يكن له وجود مستقل وراء فرده إلا انه لا اشكال في وجوده خارجا بوجود الفرد، وان كليهما موجودان بوجود واحد يصح اسناده واضافته إلى كل منهما حقيقة ومن دون عناية. فوجود زيد في الدار بعينه وجود للانسان ومصداق للكلي المتحصص بهذه الحصة، فيضاف ذاك الوجود إلى الفرد والى الطبيعي من نوع أو جنس قريب أو بعيد. وعليه فالنازل على الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وان كان هو الفرد المعين والحصة الخاصة إلا ان ذلك الوجود كما يضاف إلى الفرد يضاف بعينه إلى الطبيعي والجامع المتحصص بتلك الحصة، فكل منها صالح لاضافة الوجود واسناد النزول إليه، وكلاهما قرآن وان كانا موجودين بوجود واحد كما عرفت، ولا ينفك أحدهما عن الآخر بالضرورة، فقصد الجامع قصد للقرآن وحكاية له بلا اشكال. وكيف يمكن ان يقال ان تلاوة " فبأي آلاء ربكما تكذبان " بقصد طبيعي المقرو، والجامع المنزل على النبي صلى الله عليه وآله في سورة الرحمن من غير نية التعيين في خصوص الآية الاولى منها أو ما عداها ليس من القرآن وان ذلك بمثابة قراءتها من غير قصد الحكاية أصلا حيث عرفت انها لا تعد من القرآن، بل قول مشابه له ولفظ مماثل معه، فان الفق بينهما في غاية الوضوح.

[ 366 ]

الجهة الثالثة: - بعد ما عرفت من كفاية قصد الجامع في صدق القرآن وان قراءة اللفظ المشترك كالبسملة قاصدا بها الحكاية عن الجامع المنزل وان لم يقصد الشخص المعين مصداق للقرآن، فهل يجتزى بذلك في مرحلة الامتثال وتتحقق معه القراءة المأمور بها في الصلاة؟ اما بالنسبة إلى بسملة الحمد فلا ينبغي الاشكال في عدم الاجتزاء إذ المأمور به إنما هو قراءة سورة الحمد بخصوصها لا طبيعي السورة فلابد من الاتيان بها بتمام اجزائها، وواضح ان جزءها بسملتها لا مطلق البسملة فكما يعتبر الاتيان بساير آياتها بقصد انها من الفاتحة فلا يكفى قول الحمد لله رب العالمين بقصد الآية الواقعة في سورة اخرى، ولا بقصد الجامع بينهما بلا اشكال، فكذا الحال في البسملة، والظاهر ان هذا مسلم لاريب فيه، ولم يقع فيه خلاف من أحد. إنما الكلام في بسملة السورة فقد يقال بكفاية قصد الجامع فلا يعتبر التعيين نظرا إلى ان المأمور به إنما هو طبيعي السورة الجامع بين افراده، وحيث ان جزءها البسملة فلا محالة يكون الواجب منها هو الطبيعي الجامع بين البسملات، فإذا قصد هذا الكلي فقد امتثل امره، وهو صالح لان تلحق به بقية الآيات من طبيعي السورة المأمور بها، فإذا أتى بفرد منها وضمها إلى البسملة المأتي بها فقد امتثل التكليف بالسورة التامة. وقد اختار هذا القول المحقق الهمداني وقربه بعين هذا التقريب. لكنه مخدوش فان المأمور به وإن كان هو طبيعي السورة لكنه الطبيعي الصادق

[ 367 ]

على كل سورة بما لها من الاجزاء. ومن الواضح ان الجزء من كل سورة إنما هي الحصة الخاصة من البسملة والفرد المعين منها دون الطبيعي الجامع المشترك بين جميع السور فلا بد في حصول ذاك الجزء من تعلق القصد بتلك الحصة الخاصة وان كان هو مخيرا في اختيار أية حصة شاء على ما يقتضيه فرض تعلق الامر بطبيعي السورة، فلا يكفي قصد الحكاية عن القدر المشترك بين البسملات لعدم كونه مصداقا لبعض اجزاء السورة المأمور بها، كما هو الحال في ساير آيات السورة، فلو كانت مشتركة بين سورتين أو أكثر لابد من تعيين كونها من سورة خاصة. وما عن صاحب الجواهر من كفاية قصد الجامع وعدم وجوب تعيين البسملة إذ لا ينحصر التشخيص في القصد بل قد يحصل من اجل متابعة السورة المعينة ولحوقها بها فيصدق عرفا تعين البسملة لها كما ترى ضرورة ان الشئ لا ينقلب عما هو عليه، والصدق العرفي إنما هو لبنائهم على قصد التعيين من اول الامر، وإلا فالصدق مع اطلاعهم على قصد الجامع ممنوع، ولو سلم فهو مبني على ضرب من المسامحة قطعا لما عرفت من امتناع انقلاب الشئ عما وقع عليه فان البسملة الواقعة بقصد الجامع كيف تنقلب بلحوق السورة وتقع لخصوصها، وقياسه بالمركبات الخارجية كنحت الخشب الصالح لصنعه سريرا أو بابا ونحو هما مع الفارق، لعدم الحاجة إلى القصد فيها، بخلاف المقام الذي هو مركب اعتباري متقوم بالقصد. فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الاقوى وجوب تعيين البسملة المسورة قبل الشروع فيها، وعدم كفاية قصد الجامع وان كان حينئذ

[ 368 ]

[ (مسألة 12): إذا عين البسملة لسورة ثم نسيها (1) فلم يدر ما عين وجب اعادة البسملة لاي سورة اراد، ولو علم انه عينها لاحدى السورتين من الحمد والتوحيد ولم يدر انه لايتهما أعاد البسملة وقرأ احداهما، ولا يجوز ] قرآنا أيضا. نعم لا يعتبر التعيين تفصيلا، بل يكفي القصد الاجمالي كأن يقصد البسملة للسورة المعينة عند الله وان كانت مجهولة لديه، كما لو كتب سورة وضعها في يده ثم نسيها فقصد البسملة لهذه السورة. ثم انه على التقديرين اي سواء أقلنا بلزوم قصد التعيين أم لا لو عينها لسورة خاصة ثم عدل عنها لا يجوز الاكتفاء بها، بل تجب اعادة البسملة بلا اشكال كما نبه عليه في المتن، فان المأتي بها بقصد الجامع يمكن أن يقال كما قيل بكفايتها من اجل ان حكاية الجامع حكاية للفرد وان عرفت ما فيه، واما المأتي بها بقصد الفرد المعين فلا يمكن ان تكون حكايته حكاية لفرد آخر مباين معه كما هو ظاهر. ثم ان صاحب الحدائق (قده) بعد ان اختار عدم وجوب التعيين استدل له بخلو النصوص عن التعرض لذلك فيرجع إلى اصالة العدم من حديث الحجب وغيره من اخبار ادلة البراءة. وفيه: ان اعتبار التعيين انما هو من اجل دخله في صدق القراءة المأمور بها في الصلاة كما عرفت، فلو كان هناك شك فهو في الانطباق وحصول الامتثال، ومثله مجرى للاشتغال دون البراءة. (1): - بعد ما بنى (قده) على عدم وجوب تعيين البسملة وانه

[ 369 ]

[ قراءة غيرهما. (مسألة 13): إذا بسمل من غير تعيين سورة فله أن يقرأ ما شاء، ولو شك في انه عينها لسورة معينة أو لا فكذلك، لكن الاحوط في هذه الصورة اعادتها، بل الاحوط اعادتها مطلقا لما مر من الاحتياط في التعيين. (مسألة 14): لو كان بانيا من اول الصلاة أو أول الركعة أن يقرأ سورة معينة فنسي وقرأ غيرها كفى، ولم يجب اعادة السورة، وكذا لو كانت عادته سورة معينة فقرأ غيرها. (مسألة 15): إذا شك في اثناء سورة انه هل عين البسملة لها أو لغيرها وقرأها نسيانا بنى على انه لم يعين غيرها، ] لو عينها لسورة وجب اعادتها لو عدل إلى الاخرى. رتب على ذلك فروعا تعرض لها في ضمن مسائل ولنقدم الكلام فيما ذكره في المسألة الرابعة عشرة، لكونه اسهل تناولا. ثم نتكلم في بقية الفروع على وجه يتضح الحال فيها اجمع إلى نهاية المسألة الخامسة عشرة، فنقول لو كان بانيا من اول الصلاة أو اثنائها في ابتداء الركعة مثلا على قراءة سورة معينة أو كانت عادته كذلك ثم نسي فقرأ سورة اخرى ذاهلا عن عزمه الاول صحت ولم تجب اعادة السورة بلا اشكال، إذ المأمور به هو طبيعي السورة، ولا دليل على تعينها في مصداق خاص بمجرد البناء والعزم وان تجدد عزم آخر على خلافه، فلا قصور

[ 370 ]

في اتصاف الاخرى بكونها مصداقا للمأمور به بعد صدورها عن قصد وارادة وان كان ذلك مبنيا على الذهول عن الداعي الاول الذي كان بانيا عليه في افتتاح الصلاة وهذا واضح لاسترة عليه. واما بقية الفروع فيجمعها انه تارة: يعلم بانه عين البسملة لسورة خاصة، واخرى: يعلم بعدم التعيين وانه اطلق، وثالثة: يشك في الاطلاق والتعيين، ورابعة: يعلم بالتعيين اجمالا ويجهل متعلقه وانه عينها لهذه السورة ام للاخرى. اما الصورة الاولى: فهي مبحث العدول من سورة إلى اخرى وقد تعرض لها في المسألة السادسة عشرة وسيجئ البحث عنها مفصلا ان شاء الله تعالى. واما الصورة الثانية: فبناءا على مختار المتن من عدم وجوب التعيين له أن يقرا بعدها اي سورة شاء كما صرح به في المسألة الثالثة عشرة لكن عرفت ان الاقوى خلافه، فلا يجتزى بها، بل لابد من اعادة البسملة بقصد سورة معينة. واما الصورة الثالثة: اعني الدوران بين التعيين والاطلاق قبل الدخول في السورة فقد صرح في المتن انه كذلك، أي له أن يقرأ بعدها ما شاء. وهذا وجيه على مسلكه من عدم اعتبار التعيين لاصالة عدم التعيين، وليس ذلك من الاصل المثبت، ولا معارضا باصالة عدم الاطلاق. إذ ليس المراد بالاطلاق في المقام لحاظ الطبيعة السارية في افرادها المقابل للتقيد اللذين هما أمران وجوديان كل منهما مسبوق بالعدم، ويكونان متقابلين بتقابل التضاد حتى يكون الاصل في كل منهما معارضا بالآخر كما في باب الانشائيات، حيث ان المنشي لابد له من لحاظ احد الامرين كل منهما مجرى لاصالة العدم.

[ 371 ]

بل المراد به هنا الطبيعة المهملة الجامعة بين اللا بشرط المقسمى والقسمي باقسامه الثلاثة المعراة عن كل قيد ولحاظ الذي هو مدلول الالفاظ فلم يعلم انه حين الشروع في البسملة هل لاحظ التقييد فعينها لسورة معينة أو اهملها فلم يقصد إلا الطبيعة الجامعة، وحيث ان الثاني هو المتيقن المطابق للاصل لاحتياج الاول إلى مؤونة زائدة مدفوعة بالاصل فباصالة عدم التعيين السليمة عن المعارض ينتج انه قصد الطبيعة غير المتحصصة بحصة خاصة، والمفروض ان حكمه جواز القراءة المبنى غير صحيح كما عرفت. فالاقوى عدم الاكتفاء بتلك البسملة للزوم التعيين ولم يحرز، فلابد من اعادتها لسورة معينة. واما الصورة الرابعة: اعني مالو شك بعد البسملة في انه هل عينها لهذه السورة أو لسورة اخرى؟ فقد يكون الشك اثناء السورة، واخرى قبل الدخول فيها. اما الاولى: فلا اشكال في عدم الاعتناء والبناء على انه لم يعين غيرها كما نبه عليه في المسألة الخامسة عشرة عملا بقاعدة التجاوز لرجوع الشك حينئذ إلى وجود الجزء وعدمه، وانه هل بسمل لهذه السورة أو لا، ولا فرق في جريان القاعدة بين الجزء وبين جزء الجزء كما حرر في محله. واما الثاني: فله فروض ثلاثة، إذ قد يكون الترديد بين سورتين غير الجحد والتوحيد، واخرى بينهما خاصة، وثالثة بين سورة اخرى واحدى هاتين السورتين.

[ 372 ]

اما الفرض الاول: فليس له الاجتزاء بتلك البسملة، إذ لو اتى بكل من السورتين يشك في وقوع البسملة لها فلا يحصل اليقين بامتثال السورة التامة، فلابد من اعادتها والاتيان باي سورة اراد عملا بقاعدة الاشتغال وتحصيلا لليقين بالفراغ وهذا ظاهر. واما في الفرض الثاني: فليس له اعادة البسملة للعلم التفصيلي بعدم الامر بها، لانه لو اعادها لاحداهما فاما انها تكون هي التى بسمل لها أولا فقد سقط امرها بالامتثال، أو غيرها فلا امر بها لعدم جواز العدول من احديهما إلى الاخرى، كما ليس له قراءة احداهما لعدم الجزم بوقوع البسملة لها فلم يحرز الاتيان بالسورة التامة، ولا قراءة سورة اخرى غيرهما لعدم جواز العدول عنهما فلا مناص له من قراءة السورتين معا مقتصرا على البسملة السابقة قاصدا الجزئية باحداهما المعينة واقعا. ومعه يقطع بحصول السورة التامة، ولا محذور فيه. عدا توهم القران بين السورتين. وفيه مضافا إلى ان الاقوى عدم حرمته، بل غايته الكراهة كما مر ان الممنوع منه حرمة أو كراهة إنما هو صورة التمكن من اتمام السورة الواحدة والاجتزاء بها، فلا يشمل المقام الذي لا يتيسر ذلك كما عرفت. وعدا توهم لزوم الفصل بين السورة وبسملتها الموجب للاخلال بالمولاة المعتبرة بينهما. (وفيه) انه لا ضير فيه بهذا المقدار، ولا تفوت معه الموالاة العرفية، بل تجوز قراءة القرآن بين السورة وبسملتها عمدا واختيارا فضلا عن مثل المقام كما لا يخفى. ومما ذك تعرف ان ما ذكره في المتن في المسألة الثانية عشرة

[ 373 ]

في هذا الفرض من اعادة البسملة وقراءة احدى السورتين لا يمكن المساعدة عليه. واما الفرض الثالث: كما لو تردد ما عين له البسملة بين القدر والتوحيد مثلا فليس له قراءة احدى السورتين من غير اعادة البسملة لعدم احراز بسملتها وهذا واضح. كما ليس له قراءة القدر مع البسملة لها للعلم التفصيلي بعدم الامر بهذه البسملة، فان البسملة السابقة ان كانت للقدر فقد سقط امرها بالامتثال، وان كانت للتوحيد فلا يجوز العدول عنها. هذا واطلاق كلام الماتن اعني قوله في المسألة الثانية عشرة (وجب اعادة البسملة لاي سورة اراد) شامل لذلك ومقتضاه جواز قراءة القدر مع البسملة لها، وقد عرفت ما فيه. فالظاهر ان المتعين في حقه اتخاذ احد طريقين: الاول ان يعيد البسملة للتوحيد ويقرأها، إذ لا ضير فيه عدا احتمال الزيادة من جهة احتمال ان تكون البسملة السابقة لها فتكرر بسملتها، وهو غير ضائر بعد اصالة عدم الزيادة ولا اقل من الاتيان بها رجاء أو بقصد القرآنية، ولو كانت السابقة للقدر فلا تقدح لجواز العدول من غير التوحيد إليها. الثاني: ان يعيد البسملة لسورة اخرى غير التوحيد والقدر كالكوثر فيقرأ سورة الكوثر - مثلا - مع بسملتها. وهذا أيضا لا ضى فيه عدا احتمال العدول الممنوع لو كانت السابقة للتوحيد، وهو ايضا مدفوع بالاصل لاصالة عدم قراءة التوحيد، ولا تعارض باصالة عدم قراءة القدر إلا إذ لا اثر لها إلا إذا ثبت بها قراءة التوحيد والاصل لا يتكفل باثباتها لعدم حجية الاصول المثبتة.

[ 374 ]

[ (مسألة 16): يجوز العدول من سورة إلى اخرى (1) اختيارا ما لم يبلغ النصف. ] وبالجملة: جواز العدول ليس من آثار قراءة القدر كي يجري فيها الاصل بل من آثار قراءة سورة لم تكن توحيدا، كما ان عدم جواز من آثار قراءة التوحيد، وحيث ان طبيعي القراءة متيقنة وكونها توحيدا مشكوك فبعد دفعه بالاصل وضمه إلى الوجدان يحرز أن المقر وسورة غير التوحيد فيترتب عليه جواز العدول من غير اصل معارض كما هو ظاهر جدا. (1): - لا اشكال كما لا خلاف في جواز العدول من سورة إلى اخرى اختيارا في الجملة، بل هو المطابق لمقتضى القاعدة، فان المأمور به انما هو طبيعي السورة ولا دليل عن تعينه في سورة معينة بمجرد الشروع فيها (1)، واحتمال وجوب المضي والاتمام مدفوع بالاصل. وقد ذكرنا نظير ذلك في مسألة القصر والاتمام في مواطن التخيير، وقلنا إن المأمور به إنما هو الطبيعي، ولا يعتبر قصد احدى الخصوصيتين ولا يتعين فيها الطبيعي لو قصد، فلو نوى التمام


(1) هذا على المسلك المشهور من عدم جواز التبعيض، واما بناءا على الجواز كما يميل إليه سيدنا الاستاد (دام ظله) بمقتضى الصناعة حسبما تقدم فغير واضح، لتحقق الامتثال بالبعض المأتي به وسقوط الامر وامتناع الامتثال عقيب الامتثال ومعه لا موضوع للعدول، الا ان يراد به العدول الرجائي أو عن السورة الكاملة المستحبة إلى مثلها سواء أقلنا بجزئيتها للصلاة ام بظرفيتها لها

[ 375 ]

وقبل تجاوز الحد المشترك بدا له العدول إلى القصر، أو بالعكس جاز وصحت صلاته. ويقتضيه ايضا اطلاق بعض نصوص المقام كما ستعرف. فلا اشكال في الحكم. إنما الكلام في المورد الذي لا يجوز فيه العدول فانه المحتاج إلى الدليل لكونه على خلاف الاصل كما عرفت. والاقوال فيه اربعة: احدها: ما عن الصدوق وتبعه بعض من تحديد ذلك بعدم بلوغ النصف، فلا يجوز العدول إذا بلغ نصف السورة. الثاني: ما هو المشهور بين الاصحاب قديما وحديثا، بل ادعي عليه الاجماع في كثير من الكلمات من تحديده بعدم تجاوز النصف فيجوز مع بلوغ النصف، وانما يمنع إذا جاوزه واخذ في النصف الآخر. الثالث: ما هو المحكي عن كشف الغطاء من التحديد ببلوغ ثلثي السورة. الرابع: ما اختاره في الحدائق من جواز العدول مطلقا من غير تحديد بحد. اما القول الاول: فليس له مستند ظاهر، ولم ينقل عليه الاجماع نعم يوافقه الفقه الرضوي لكن الاشكال في اعتباره معلوم كما تكرر غير مرة فلا يمكن الاعتماد عليه، على انه معارض ببعض النصوص المصرح فيها بجواز العدول مع بلوغ النصف، كصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن الرجل اراد ان يقرأ سورة فقرأ غيرها هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثم يرجع إلى السورة التي

[ 376 ]

اراد؟ قال: نعم. الخ (1) فانها وان رويت بطريق ضعيف لمكان عبد الله بن الحسن، لكن صاحب الوسائل رواها ايضا عن كتاب علي بن جعفر، وطريقه إلى الكتاب المنتهي إلى طريق الشيخ إليه صحيح. وموثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ غيرها، قال: له أن يرجع ما بينه وبين أن يقرأ ثلثيها (2) فهذا القول ساقط جزما. واما القول الثاني: فان كان هناك اجماع تعبدي يطمأن أو يوثق معه بقول المعصوم (ع) فهو، وإلا فاثباته بحسب الروايات مشكل لعدم تماميتها، إذ ليس له مستند عدا مرسلة الدعائم، ورواية الشهيد في الذكرى قال في دعائم الاسلام: وروينا عن جعفر بن محمد (ع) انه قال: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة ثم رأى ان يتركها ويأخذ في غيرها فله ذلك ما لم يأخذ في نصف السورة الاخرى.. الخ (3). وفيه: مضافا إلى ضعف روايات الدعائم بالارسال بل وجهالة مؤلفة وان بالغ النوري في اعتباره (4) انها قاصرة الدلالة فانها ظاهرة في العدول عن نصف سورة إلى النصف الآخر من السورة الاخرى بحيث يكون المجموع سورة ملفقة من سورتين كما يشهد له تأنيث كلمة (الاخرى) التي هي صفة للسورة لا للنصف.


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب القراءة ح 3. (2) الوسائل: باب 36 من أبواب القراءة ح 2. (3) مستدرك الوسائل باب 51 من أبواب القراءة. (4) لاحظ المعجم ج 19 ص 206 .

[ 377 ]

وعليه فتكون اجنبية عما نحن فيه من العدول إلى سورة اخرى تامة. نعم: حكى المحقق الهمداني عن المستند ان النسخة التي عنده كانت هكذا (في نصف السورة الآخر) بتذكير الآخر كي يكون صفة للنصف، وحينئذ للاستدلال بها وجه وان كانت العبارة حينئذ لا تخلو عن الركاكة كما لا يخفى، وكان الاولى لو اريد ذلك أن يعبر هكذا، في النصف الثاني، أو في النصف الآخر، بل الظاهر ان النسخة مضافا إلى عدم الوثوق بها مغلوطة، والصحيح ما اثبتناه فتخرج عن محل الكلام كما عرفت. واما رواية الشهيد فقد حكى في الوسائل، وكذا المجلسي في البحار عن الذكرى نقلا من كتاب نوادر البزنطي، عن أبي العباس عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ في اخرى، قال: يرجع إلى التي يريد وان بلغ النصف (1) بتقريب انها ظاهرة في ان بلوغ النصف هو غاية الحد، ولذا عبر عنها بكلمة ان الوصلية لادراج الفرد الخفي وإلا لقال وان جاوز النصف. وفيه اولا: انها ضعيفة السند لعدم وضوح طريق الذكرى إلى كتاب البزنطي (2)، فتكون الرواية مرسلة، والمراد بأبي العباس هو الفضل بن عبد الملك البقباق، لان الواقع في هذه الطبقة ليس غيره فلا إشكال من اجله. هذا مع ان صاحب الحدائق ذكر ان النسخ التي وقف عليها من


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب القراءة ح 3. (2) يمكن تصحيحه بان للشهيد طريقا صحيحا إلى الشيخ الطوسي وطريق الشيخ إلى كتاب البزنطي صحيح.

[ 378 ]

الذكرى عارية عن اسناد الرواية إلى أبي عبد الله (ع) بل مروية عن أبي العباس نفسه ولم يعلم انها فتواه ام رواية عن الامام (ع) وعليه فيكون الرواية مضافا إلى الارسال مقطوعة ايضا. وثانيا: بامكان الخدشة في الدلالة، فان ما ذكر لا يتجاوز الاشعار ولا يبلغ حد الاستدلال لامكان أن يكون التعبير بقوله: " وان بلغ النصف " اشارة إلى الفرد النادر، إذ قلما يعدل المصلي عن السورة بعد بلوغ نصفها، والغائب في العدول قبل البلوغ هذا الحد كما لا يخفى. فلا يدل على ان هذا نهاية الحد الشرعي لجواز العدول. على ان هاتين الروايتين - رواية الدعائم والذكرى - تعارضهما موثقة عبيد بن زرارة المتقدمة (1) المصرحة بجواز العدول ما بينه وبين أن يقرأ ثلثي السورة. وبذلك يظهر مستند القول الثالث الذي اختاره في كشف الغطاء فانه استند فيه إلى هذه الموثقة التي هي قوية السند صريحة الدلالة ولا اشكال عليها إلا من حيث اعراض الاصحاب عنها، لان المشهور هو القول الثاني كما عرفت. فان بنينا على قادحية الاعراض سقطت عن الحجية، والا كما هو المختار فلا مانع من الاعتماد عليها. ومن ذلك تعرف قوة هذا القول. واما القول الرابع: اعني جواز العدول مطلقا الذي اختاره صاحب الحدائق، فقد استدل (قده) له باطلاق الاخبار وقدمه على التحديدات المذكورة في رواية الفقه الرضوي وغيرها التي هي حجة عنده، ولا يتم ذلك على مسلكه كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب القراءة ح 2

[ 379 ]

نعم يمكن تقريب هذا القول، بل وتقويته ببيان آخر نتيجته جواز العدول مطلقا وحمل التحديد بالنصف أو الثلثين على ضرب من الكراهة والمرجوحية على اختلاف مراتبها. وهذا البيان نتيجة الالتزام بمبنيين: أحدهما جواز التبعيض والآخر جواز القران بين السورتين اللذين عرفت فيما مضى انهما الاقوى بالنظر إلى الادلة. وعليه نقول التحديد بالثلثين الذى تضمنه موثق عبيد المتقدم لا يمكن حمله على اللزوم على وجه لا يجوز العدول بعده لان الوجه في عدم الجواز إن كان هو وجوب اتمام هذه السورة التي بيده فقد بنينا على جواز التبعيض وعدم وجوب الاتيان بسورة تامة حسب الفرض وان كان عدم جواز القران بين السورتين بدعوى شموله للزائد من السورة الواحدة وان لم تتم السورتان، كما قد يقتضيه اطلاق قوله (ع) في صحيحة منصور المتقدمة سابقا: ولا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة ولا بأكثر (1)، فقد بنينا على جواز القران، فليس لهذا التحديد وجه ظاهر ويبعد جدا حمله على التعبد المحض فتأمل. فلا مناص من حمله على ضرب من المرجوحية والكراهة، التي دونها في المرتبة مالو كان العدول قبل هذا الحد وبعد تجاوز النصف الذي تضمنته صحيحة علي بن جعفر المتقدمة. بل يمكن ان يقال بتعين الوجه الاول لعدم شمول القران الممنوع للعدول المبحوث عنه في المقام، لان اخبار الباب قد تضمنت بأجمعها التعبير ب‍ (الرجوع) وظاهره رفع اليد عن السورة التي بيده والاتيان بسورة اخرى على نحو يشبه تبديل الامتثال بالامتثال، واين هذا


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب القراءة ح 2.

[ 380 ]

من القران الذي هو عبارة عن الامتثال بكلتا السورتين وجعلهما معا مصداقا للمأمور به. فلا علاقة بين المسألتين بوجه، إذا فالوجه في المنع عن العدول بعد ما عرفت من استبعاد التعبد المحض ليس الا المنع عن التبعيض وقد بنينا على جوازه. والمتحصل من مجموع الاخبار انه إذا لم يبلغ الثلثين جاز له العدول، بمعنى رفع اليد عما بيده، وتبديل الامتثال بامتثال آخر فيعدل إلى سورة اخرى بقصد الجزئية، إذ التحديد بالنصف أو تجاوزه لم ينهض عليه دليل معتبر كما مر. واما إذا بلغ هذا الحد فالعدول بهذا المعنى غير جائز في حقه للتحديد بذلك في موثقة عبيد ابن زرارة ولا مانع من العمل بها. فليس له رفع اليد عن هذه السورة بل يجب اتمامها، لكنه ليس ذلك إلا من جهة عدم جواز التبعيض، ولا يحتمل له وجه آخر، فان بنينا على العدم فلا مناص من الاتمام، والتحديد حينئذ مبني على اللزوم، واما إذا بنينا على جواز التبعيض - كما هو الاقوى بالنظر إلى الادلة وان كان الاحوط وجوبا خلافه كما مر سابقا فله العدول بمعنى رفع اليد عن هذه السورة والاقتصار على ما قرأ، وان اراد أن يأتي بسورة اخرى فله ذلك، لكنه يأتي بها بقصد مطلق القرآن، لا بقصد الجزئية وتبديل الامتثال لما عرفت من دلالة الموثقة على المنع على ذلك، لا تصلح السورة الاخرى بعدئذ للجزئية. نعم لو اراد أن يأتي بسورة كاملة بقصد الجزئية لا محيص له من اتمام هذه السورة. وعليه فالتحديد المزبور مبني على ضرب من الكراهة والمرجوحية دون اللزوم. ونتيجة ذلك جواز العدول،

[ 381 ]

[ إلا من الجحد والتوحيد فلا يجوز العدول منهما (1) إلى غيرهما، بل من احداهما إلى الاخرى بمجرد الشروع فيها ولو بالبسملة. ] بمعنى رفع اليد عما بيده والاجتزاء بما قرأ (لا بمعنى تبديل الامتثال بالامتثال) مطلقا كما ذكره صاحب الحدائق لكن لا للوجه الذي ذكره. بل لما عرفت. وهذا القول غير بعيد لو بنينا على جواز التبعيض وإلا فالاقوى التحديد بالثلثين كما اختاره كاشف الغطاء فتأمل، ولكن الاحوط ما عليه المشهور. (1): - بلا خلاف ولا اشكال، فلا يجوز العدول عنهما بعد الشروع بالمعنى الذي قدمناه، أعني تبديل الامتثال بالامتثال فتسقط ساير السور عن صلاحية الجزئية، فان بنينا على المنع عن التبعيض وجب الاتمام، والا جاز الاقتصار على ما قرأ، ورفع اليد عن الباقي كما عرفت تفصيله فيما مر. ومستند الحكم عدة نصوص معتبر كصحيحة عمرو بن ابي نصر قال: قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يقوم في الصلاة فيريد أن يقرأ سورة فيقرأ قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، فقال يرجع من كل سورة إلا من قل هو الله احد، وقل يا أيها الكافرون، وصحيحة الحلبي قال: قلت لابي عبد الله (ع) رجل قرأ في الغداة سورة قل هو الله احد، قال: لا بأس، ومن افتتح سورة ثم بدا له ان يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا قل هو الله احد، ولا

[ 382 ]

[ نعم يجوز العدول منهما إلى الجمعة والمنافقين في خصوص يوم الجمعة (1) حيث انه يستحب في الظهر أو الجمعة منه ان يقرأ في الركعة الاولى الجمعة، وفي الثانية المنافقين فإذا نسي وقرأ غيرها حتى الجحد والتوحيد يجوز العدول اليهما ما لم يبلغ النصف. وأما إذا شرع في الجحد أو التوحيد عمدا فلا يجوز العدول اليهما ايضا على الاحوط. ] يرجع منها إلى غيرها، وكذلك قل يا ايها الكافرون (1) وغير ذلك من الاخبار كصحيحة علي بن جعفر (2)، ونحوها. ومقتضى الاطلاق فيها عدم جواز العدول حتى بالشروع في اول آية منها ولو بالبسملة، إذ يصدق قراءتها وافتتاحها بمجرد ذلك، فلا فرق في الحكم بين بلوغ النصف وعدمه. كما ان مقتضى الاطلاق ايضا عدم جواز العدول من كل منهما حتى إلى الاخرى. (1): - يقع الكلام في جهات: الاولى لا ينبغي الاشكال في جواز العدول من كل سورة حتى الجحد والتوحيد إلى الجمعة والمنافقين في خصوص يوم الجمعة في الجملة كما عليه المشهور. ويدل عليه في خصوص التوحيد عدة نصوص معتبرة كصحيحة محمد بن مسلم، في الرجل يريد أن يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب القراءة ح 1، 2. (2) الوسائل: باب 35 من أبواب القراءة ح 3.

[ 383 ]

قل هو الله احد، قال: يرجع إلى سورة الجمعة، وصحيحة الحلبي إذا افتتحت صلاتك بقل هو الله احد وانت تريد ان تقرأ بغيرها فامض فيها ولا ترجع إلا ان تكون في يوم الجمعة فانك ترجع إلى الجمعة والمنافقين منها (1) ونحوهما موثقة عبيد (2) وغيرها. واما الجحد فالحاقة بالتوحيد مبني على القول بعدم الفصل كما قيل وانه لا فرق بينهما في العدول جوازا ومنعا لكن الجزم به مشكل. والاولى: الاستدلال له بصحيحة علي بن جعفر قال: سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ؟ قال: سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون وان اخذت في غيرها وان كان قل هو الله احد فاقطعها من اولها وارجع إليها (3). اما من حيث السند فهي صحيحة كما ذكرنا، فان صاحب الوسائل وان حكاها عن قرب الاسناد بطريق ضعيف لاشتماله على عبد الله بن الحسن إلا ان صاحب الحدائق رواها عن كتاب علي بن جعفر وطريقه إليه المنتهي إلى طريق الشيخ صحيح كما اشرنا إليه غير مرة، والظاهر ان اقتصار صاحب الوسائل على الطريق الاول في المقام، وعدم التعرض للطريق الثاني غفلة منه (قده)، إذ قد ذكر السؤال والجواب الواقعين قبل هذا الحديث (4) في الباب الخامس والثلاثين من أبواب القراءة الحديث الثالث


(1) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة 1، 2. (2) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة ح 3. (3) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة ح 4. (4) لقاتل ان يقول ان تلك رواية اخرى لا ترتبط بهذه الا من حيث الاشتراك في السائل والمسئول عنه ولو صح هذا مناطا =

[ 384 ]

واشار هناك إلى الطريقين معا حيث قال ورواه علي بن جعفر في كتابه فلاحظ وكيف كان فلا شبهة في صحة السند. واما من حيث الدلالة فيمكن تقريبها من وجهين: احدهما: استظهار التعميم لجميع السور من اجل تخصيص التوحيد بالذكر بكلمة ان الوصلية الظاهرة في ادراج الفد الخفي وانه آخر الافراد التي ينتهي الامر إليها ولا يمكن الرجوع عنها الكاشف عن كونها اعظم شأنا من غيرها في حكم العدول لانها أولى بالاتمام من غيرها، فإذا جاز العدول عنها اليهما جاز عن غيرها ومنها الجحد بطريق أولى. الثاني: مع الغض عما ذكر وتسليم عدم الظهور في التعميم فلا ريب ان اطلاقها يشمل الجحد وحينئذ تكون النسبة بينها وبين ما دل على عدم جواز العدول عن الجحد إلى غيرها - كما سبق - نسبة العموم من وجه، إذ الاولى مطلقة من حيث الجحد وغيرها وخاصة بيوم الجمعة، وبما إذا كانت المعدول إليها خصوص الجمعة أو المنافقين، والثانية بعكس ذلك فيتعارضان في مادة الاجتماع، وبعد التساقط يرجع إلى الاصل المقتضي للجواز كما قدمناه في صدر المبحث، والى الاطلاقات كموثقة عبيد بن زرارة (1) وغيرها فليتأمل. وبذلك يثبت اصل الجواز. واما الاستحباب فيدل عليه اطلاق الاخبار الآمرة بقراءة الجمعة والمنافقين يوم الجمعة وانه لا ينبغي


= للاتحاد لاصبح جميع مسائل علي بن جعفر رواية واحدة. (1) الوسائل: باب 36 من أبواب القراءة ح 2 .

[ 385 ]

تركهما كصحيحة زرارة (1) وغيرها فان اطلاقها يشمل حتى من شرع في سورة اخرى وان كانت هي الجحد فلا اشكال في شمول الحكم لهما معا. الجهة الثانية: هل المراد بالصلاة المستثناة عن هذا الحكم في يوم الجمعة هي صلاة الجمعة خاصة كما اختاره صاحب الحدائق، أو باضافة الظهر إليها كما عليه المشهور، أو بزيادة العصر أيضا كما عن جامع المقاصد، أو الجميع مع صلاة الغداة كما احتمله في الجواهر وان لم يظه له قائل، أو يضاف على الكل بعد اخراج العصر صلاة العشاء من ليلة الجمعة كما عن الجعفي؟ وجوه بل اقوال، والاقوى ما عليه المشهور كما ستعرف. اما مقالة الحدائق فقد استدل عليها بان لفظ الجمعة في هذه الاخبار كصحيحة محمد بن مسلم، وموثقة عبيد، وصحيحة ابن جعفر (2) منصف إلى صلاة الجمعة. نعم في صحيحة الحلبي (3) يوم الجمعة لكن الاطلاق منزل على صلاة الجمعة بقرينة تلك الاخبار، فيحمل المطلق على المقيد، ويقتصر في جواز العدول على المتيقن، ويرجع في غيره إلى اطلاق دليل المنع، لكنه كما ترى. إذ فيه اولا: انه لا موجب لرفع اليد عن اطلاق صحيح الحلبي المخصص لعموم المنع، إذ ليس المقام من موارد حمل المطلق على المقيد لاختصاصه بالمتنافيين، وما إذا كان المطلوب في المطلق صرف الوجود، ولا تنافي بين الدليلين في المقام بعد كونهما مثبتين كما


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب القراءة ح 6. (2) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة ح 1، 3، 4. (3) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة ح 2 .

[ 386 ]

هو ظاهر، فالمحكم إذا اطلاق دليل المخصص المقدم على عموم العام. وثانيا: ان تلك الاخبار في انفسها غير صالحة للتقييد فان السائل كعلي بن جعفر متى سنح له الزمان في عصر موسى بن جعفر (ع) وغيره ان يصلي صلاة الجمعة اماما حتى يكون هو القاري كي يسأل عن حكم العدول، ولو كان مأموما فوظيفته الظهر في نفسه خلف الامام المخالف. وعلى الجملة: ارادة خصوص صلاة الجمعة من هذه الاخبار يلزمها التعرض لبيان حكم لم يتحقق في الخارج، فلابد وأن يكون المراد الاعم من صلاة الجمعة وظهرها لا خصوص الاولى، إذ لم تكن صلاة الجمعة معهودة، ولا محلا للابتلاء بالاضافة إلى اصحاب الائمة عليهم السلام حتى يتعرض لحكمها من حيث العدول في القراءة وعدمه فليتأمل. وثالثا: ان دعوى انصراف لفظ الجمعة إلى صلاتها كما ذكره " قدس سره " ممنوع، بل الظاهر انه موضوع للاعم منها ومن الظهر يوم الجمعة كما اطلق على ذلك في غير واحد من الاخبار لانهما حقيقة واحدة قد ابدلت الركعتان الاخيرتان بالخطبتين. ومن ذلك كله تعرف ان الاقوى شمول الحكم لهما كما عليه المشهور. نعم في رواية دعائم الاسلام التصريح بانه في صلاة الجمعة خاصة لكنه لا يعتمد على هذا الكتاب كما مر مرارا. واما الحاق العصر فوجهه اطلاق اليوم في صحيحة الحلبي، ولا يقدح اشتمال بقية الاخبار على الجمعة الظاهر في صلاة الجمعة وظهرها لعدم التنافي حتى يلزم حمل المطلق على المقيد. ويدفعه: ان هذا الاطلاق غير متبع، إذ ليس الوجه في ثبوت

[ 387 ]

هذا الحكم اعني جواز العدول استحباب قراءة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة وظهرها كي يسري إلى العص لثبوت الاستحباب فيه ايضا والا لزم التعدي إلى ساير الصلوات لاستحباب قراءة سورة خاصة فيها كسورة الفجر في صلاة الغداة، أو الدهر، أو هل أتيك حديث الغاشية في العشاء وغيرها من صلوات ساير الايام وهو كما ترى. بل الوجه في ذلك شدة الاهتمام وتأكد العناية بقراءتهما في صلاة الجمعة بالمعنى الاعم الشامل للظهر بحيث كاد أن يكون واجبا كما يفصح عنه التعبير بكلمة (لا ينبغي) في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل يقول: اقرء سورة الجمعة والمنافقين فان قراءتهما سنة يوم الجمعة في الغداة والظهر والعصر ولا ينبغي لك ان تقرأ بغيرهما في صلاة الظهر يعني يوم الجمعة اماما كنت أو غير امام (1). وعليه: فمناسبة الحكم والموضوع تقتضي اختصاص الحكم بصلاة للجمعة بالمعنى الاعم، ولاجل ذلك ينعرف الاطلاق في صحيحة الحلبي إليها، فان الاستحباب وان كان ثابتا في العصر ايضا كما ذكر في هذه الصحيحة إلا ان تلك العناية والاهتمام خاصة بالظهر لاختصاصها بالتعبير ب‍ (لا ينبغي) اي لا يتيسر كما عرفت. واما الحاق الغداة فوجهه اطلاق اليوم الشامل لصلاة الغداة كما مر في العصر. وقد يقال: بان المناط في العدول استحباب السورتين غير الثابت في صلاة الغداة. وفيه ان الاستحباب ثابت فيها كالعصر كما نطقت


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب القراءة ح 6.

[ 388 ]

به صحيحة زرارة المتقدمة آنفا. فالصحيح في الجواب اولا ما عرفت من انصراف الاطلاق بمناسبة الحكم والموضوع إلى صلاة الجمعة بالمعنى الاعم لشدة الاهتمام لقراءتهما فيها، وليس المدار في هذا الحكم على مطلق استحباب السورة، والا لاتجه النقض بما عرفت. وثانيا: ان شمول اطلاق اليوم لصلاة الغداة غير معلوم فان اليوم وان كان قد يطلق على ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس لكن اكثر اطلاقه خاص بما بين طلوع الشمس وغروبها، فله اطلاقان ولم يحرز اطلاقان ولم يحرز ان المراد به في المقام المعنى الاول. فالمقتضي للتعميم قاصر في نفسه كما لا يخفى. واما الحاق ليلة الجمعة فلم يظهر له وجه اصلا بعد وضوح عدم صدق اليوم على الليلة. فاتضح ان الاقوى ما عليه المشهور من اختصاص الحكم بصلاة الجمعة وظهرها. الجهة الثالثة: هل يختص الحكم بجواز العدول إلى الجمعة والمنافقين بما إذا لم يتجاوز النصف، فبعد التجاوز لا يجوز العدول اليهما كما لا يجوز إلى غير هما أو يعم الحكم صورة التجاوز ايضا؟ يقع الكلام تارة في العدول عن غير الجحد والتوحيد، واخرى في العدول عنهما. اما الاول: فقد عرفت ان التحديد بعدم النصف لم ينهض عليه دليل معتبر عدا الاجماع، وهو لو تم دليل لبي يقتصر على المتيقن منه، وهو العدول إلى غير الجمعة والمنافقين، واما فيهما

[ 389 ]

فلم يعلم بتحققه، ولو سلم قيام دليل لفظي معتبر عليه وكان له اطلاق، أو بنينا على التحديد بالثلثين كما نطق به موثق عبيد المتقدم واختاره كاشف الغطاء، وعرفت انه الاقوى، فالنسبة بين هذه الموثقة أو ذاك الدليل اللفظي لو كان، وبين ما دل على جواز العدول إلى الجمعة والمنافقين من الروايات المتقدمة عموم من وجه، إذ مقتضى اطلاق الاول المنع عن العدول بعد تجاوز النصف أو بعد بلوغ الثلثين إلى أي سورة، سواء أكانت الجمعة والمنافقين أم غيرهما ومقتضى اطلاق الثاني جواز العدول اليهما سواء أكان قبل تجاوز النصف أو الثلثين أم بعدهما فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي العدول إلى السورتين بعد تجاوز النصف أو الثلثين وبعد التساقط برجع إلى الاصل أو عموم ما دل على جواز الرجوع من كل سورة إلى غيرها، وبذلك يثبت الجواز واما الاستحباب فيكفي فيه اطلاق ما دل على انه لا ينبغي ترك الجمعة والمنافقين في يوم الجمعة كما تقدم في صحيحة زرارة الطويلة. واما الثاني: اعني العدول عن الجحد والتوحيد فالظاهر أيضا ثبوته على الاطلاق لاطلاق ما دل على جواز العدول عنهما إلى الجمعة والمنافقين من الروايات فانه يشمل النصف والثلث وغيرهما إذ لم يرد هنا تحديد، بل كان المنع ذاتيا غير مختص بحد معين، فاطلاق دليل المخصص الدال على جواز العدول منهما اليهما هو المحكم. فظهر ان الاقوى جواز العدول إلى الجمعة والمنافقين مطلقا من غير فرق بين الجحد والتوحيد وغير هما، ولا بين تجاوز النصف أو الثلثين وعدمها. نعم في رواية الفقه الرضوي التحديد بالنصف

[ 390 ]

لكنها ليست بحجة كما مر غير مرة. الجهة الرابعة: هل يختص الحكم بجواز العدول من الجحد والتوحيد وكذا من غير هما وان جاوز الثلثين إلى سورة الجمعة والمنافقين بصورة النسيان، فإذا شرع فيها عامدا لا يجوز العدول اليهما أو يعم صورة العمد أيضا؟ فيه خلاف واشكال وقد احتاط في المتن في تخصيص الحكم بالاولى. ووجه الاشكال ان الروايات المانعة عن العدول على طائفتين، فبعضها وهي الاكثر موردها الناسي كصحيحة عمرو بن أبي نصر وعلي بن جعفر وغير هما (1)، والبعض الآخر وهي صحيحة الحلبي (2) موردها العمد لقوله (ثم بداله) واما الروايات المسوعة للعدول إلى الجمعة والمنافقين فهي باجمعها مختصة بالنسيان فتخصص الطائفة الاولى من الروايات المانعة. واما الطائفة الثانية فهي سليمة عن المخصص، فيؤخذ باطلاق المنع فيها. ولكن الظاهر شمول الحكم لصورة العمد ايضا، فان الروايات المجوزة ايضا على طائفتين، إذ فيها ماله اطلاق يشمل العامد وهي صحيحة علي بن جعفر (3) فانها صحيحة السند كما مر والمذكور فيها عنوان الاخذ الشامل للعمد والنسيان فتكون هذه مقيدة لجميع الاخبار السابقة المانعة عن العدول، إذ النسبة بينها وبين مجموع تلك الاخبار نسبة الخاص إلى العام، لان مفادها عدم جواز العدول


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب القراءة. (2) الوسائل: باب 35 من أبواب القراءة ح 2. (3) الوسائل: باب 69 من أبواب القراءة ح 4.

[ 391 ]

[ (مسألة 17): الاحوط عدم العدول من الجمعة والمنافقين إلى غيرهما (1) في يوم الجمعة وان لم يبلغ النصف. (مسألة 18): يجوز العدول من سورة إلى اخرى في النوافل مطلقا (2) وان بلغ النصف. ] في العمد والنسيان إلى أي سورة، ومفاد هذه الصحيحة الجواز فيهما إلى خصوص الجمعة والمنافقين فتقيد تلك بهذه، ونتيجته ثبوت الحكم لصورتي العمد والنسيان كما ذكرنا. (1): - هذا لم يرد في شئ من النصوص غير ما عن كتاب دعائم الاسلام المصرح بعدم جواز العدول عنهما وليس بحجة، وليست هناك شهرة ينجبر بها الضعف على القول به لان المسألة خلافية، فلم يبق إلا الوجه الاستحساني، وهو ان جواز العدول عن الجحد والتوحيد اليهما مع كونه ممنوعا في نفسه يكشف عن أهميتهما بالنسبة اليهما وشدة العناية والمحافظة على قراءة تهما اكثر مما روعي في التوحيد والجحد، فإذا لم يجز العدول عنهما لم يجز في الجمعة والمنافقين بطريق اولى، إلا ان هذه الاولوية ليست بقطعية لعدم العلم بملاكات الاحكام، ومجرد الاستحسان لا يصلح أن يكون مدركا لحكم شرعي على سبيل البت والجزم. فالاقوى هو الجواز وان كان الاحتياط حسنا على كل حال. (2): - إذا استندنا في المنع عن العدول إلى الاجماع فغير خفي انه دليل لبي لااطلاق له حتى يشمل النوافل فتبقى تحت المطلقات أو اصالة الجواز.

[ 392 ]

[ (مسألة 19): يجوز مع الضرورة العدول بعد بلوغ النصف (1) حتى في الجحد والتوحيد، كما إذا نسي بعض السورة، أو خاف فوت الوقت باتمامها، أو كان هناك ] واما إذا استندنا إلى الادلة اللفظية من الروايات الضعيفة كمرسلة الذكرى، أو الفقه الرضوي المانعة عن العدول بعد تجاوز النصف أو إلى موثقة عبيد المانعة عنه بعد الثلثين فتلكم الروايات مطلقة تعم الفرائض والنوافل، ولكن الظاهر انصرافها إلى الاولى، لان العدول الذي تضمنته هذه النصوص جوازا ومنعا فيما قبل الحد وبعده معناء تبديل الامتثال بالامتثال وعدمه كما مر، وانه يجوز التبديل قبل بلوغ الحد من النصف أو الثلث، ولا يجوز بعد البلوغ. وعليه: فهي ناظرة إلى الصلاة التي تقررت فيها سورة واحدة حتى يحكم بجواز تبديلها بامتثال آخر أو بعدم الجواز وهي ليست إلا الفرائض التي لا يجوز فيها القران لقوله (ع): لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة ولا باكثر، واما النوافل فلم تكن السورة المقررة فيها ولم استحبابا محدودة بحد، ولا مقيدة بالوحدة لاختصاص القران الممنوع - حرمة أو كراهة بغيرها بل كل ما اتى به من السورة فهي الوظيفة الفعلية، لا ان الامتثال مختص بالوجود الاول حتى يكون العدول عنها من تبديل الامتثال بالامتثال، بل هو بنفسه مصداق للامتثال. فبهذه القرينة تنصرف تلك الاخبار إلى الفرائض ولا تعم النوافل فتبقى تحت اصالة الجواز، فتدبر جيدا. (1): - مرادة (قده) بالجواز المعنى الاعم المقابل للحرمة

[ 393 ]

[ مانع آخر، ومن ذلك ما لو نذر أن يقرأ سورة معينة (1) في صلاته فنسي وقرأ غيرها، فان الظاهر جواز العدول وان كان بعد بلوغ النصف، أو كان ما شرع فيه الجحد أو التوحيد. ] والمجامع للوجوب، لا المعنى الاخص المساوق للاباحة لوضوح ان العدول في الموارد التي يذكرها واجب، وليس بمباح. وكيف كان فبعدما فرغ عن حكم العدول وانه غير جائز بعد تجاوز النصف استثنى عن ذلك مورد الاضطرار والعجز بحيث لا يمكنه اتمام السورة التي شرع فيها وهو قد يكون تكوينيا كما لو نسي بعض السورة، أو تشريعيا كما لو خاف فوت الوقت باتمامها فانه يجوز العدول حينئذ ولو عن الجحد والتوحيد أو بعد تجاوز النصف أو الثلثين، بل يجب بناءا على وجوب السورة الكاملة، وذلك لقصور شمول دليل المنع لمثل المقام لاختصاصه بما إذا تمكن من اتمام السورة، حيث ان ظاهره وجوب الاتمام المختص بصورة التمكن: والمفروض عجزه عن ذلك تكوينا أو تشريعا، فيبقى العدول حينئذ تحت اصالة الجواز. وهذا ظاهر لااشكال فيه، إذ طرو العجز والعذر يكشف عن عدم تعلق الامر بهذه السورة من الاول. فلا يعد ذلك من تبديل الامتثال. (1): - عد (قده) من موارد العذر التشريعي ما لو نذر قراءة سورة معينة في صلاته ثم غفل وشرع في سورة أخرى فانه

[ 394 ]

يجوز له العدول عنها وإن كانت هي الجحد أو التوحيد، أو بعد تجاوز النصف في غير هما فيعدل عنها إلى السورة المنذورة لعدم التمكن من اتمام ما شرع لاستلزامه ترك الوفاء بالنذر الممنوع شرعا. وليعلم: ان محل الكلام ما لو تعلق النذر بالامر الوجودي وهو قراءة سورة معينة كما ذكرنا، واما إذا كان متعلقه امرا عدميا كنذر أن لايقرأ سورة اخرى غير ما عين فهو خارج عن محل الكلام لبطلان مثل هذا النذر في نفسه ولو لم يكن مزاحما بحكم آخر ضرورة اعتبار الرجحان في متعلق النذر، ولا رجحان في ترك قراءة ساير السور سيما إذا لوحظ معها مثل التوحيد التي تستحب قراءتها مطلقا، أو بعض السور كهل أتى، والاعلى، والغاشية التي يستحب قراءتها بخصوصها في بعض الايام، وفي بعض الصلوات. فمحل الكلام والذي ينظر إليه في المتن انما هو القسم الاول بلا ريب، إذ الكلام إنما هو في النذر الصحيح المنعقد في حد نفسه مع قطع النظر عن الابتلاء بالمزاحم، ولا شك في صحة نذر ان يقرأ سورة معينة في صلاته لرجحانها وان كان غيرها ارجح منها، إذ لا يعتبر في صحة النذر إلا رجحان المتعلق في نفسه، لا ان لا يكون شئ ارجح منه، ومن هنا ترى صحة نذر زيارة مسلم (ع) ليلة عرفة لرجحانها وإن كانت زيارة الحسين (ع) في هذه الليلة افضل. وقد يقال: في محل الكلام بجواز ترك السورة المنذورة وقراءة غيرها حتى اختيارا، إذ ليست فيه مخالفة للنذر فان نذر قراءتها كان مشروطا باشتغال الذمة بالسورة كما هو مقتضى تقييدها بالصلاة ومعلوم ان النذر المشروط بشرط لا يقتضي حفظ شرطه، بل له

[ 395 ]

اعدامه ليرتفع موضوع الوفاء، فله تفويت الشرط بتفريغ ذمته عن السورة الواجبة في الصلاة بقراءة سورة اخرى غير المنذورة، فلا يبقى موضوع لوجوب الوفاء. وهذا كما ترى من غرائب الكلام، ضرورة ان الشرط هو اشتغال الذمة الذي يكفي في تحققه الاشتغال آناما وقد تحقق بالشروع (1) في الصلاة جزما، فالشرط حاصل والنذر معه نافذ لفعلية المشروط بفعلية شرطه. ومعه كيف يسوغ له التفويت المؤدي إلى مخالفة النذر، وهذا نظير ما لو نذرر أن يدفع زكاته لزيد مهما اشتغلت ذمته بها، فانه لااشكال في حصول الحنث لو دفعها إلى عمرو، مع ان الموضوع حينئذ غير باق لعدم اشتغال ذمته بالزكاة بعد الدفع المزبور إلى غير ذلك من النظائر التي لاتخفى مما لا يمكن الالتزام فيها بما ذكر. والسران شرط التكليف وان لم يجب تحصيله أو التحفظ عليه لكنه لا يجوز تفويته بعد حصوله وفعلية التكليف كما هو ظاهر. ومما ذكرنا يظهر ان ما ذكره هذا القائل من التخيير بين الاتمام والعدول لو قرأ غير المنذورة نسيانا وكان مما يجوز العدول عنه كغير الجحد والتوحيد قبل بلوغ النصف لا يمكن المساعدة عليه بوجه، بل يجب عليه العدول وفاءا بالنذر لنفوذه بعد حصول شرطه. وكيفما كان: فإذا نذر قراءة سورة معينة في صلاته فشرع في اخرى نسيانا وتذكر بعد تجاوز النصف على المشهور، أو بعد تجاوز الثلثين على المختار، أو كان ما شرع فيه التوحيد أو الجحد فقد


(1) بل قبله ايضا أذ لا يناط الاشتغال بالشروع فتدبر.

[ 396 ]

ذكر الماتن (قده) انه يجوز - اي يجب - العدول حينئذ لعدم شمول دليل حرمة العدول للمقام لاختصاصه بما إذا كان قادرا على الاتمام ولا قدرة عليه شرعا بعد وجوب الوفاء بالنذر المقتضي للاتيان بالسورة المنذورة. وما افاده (قده) وجيه لو شمل دليل الوفاء لمئل المقام لكنه غير شامل، وهذا النذر باطل في نفسه كما اعترف به غير واحد من الاعلام، والوجه في ذلك ما ذكرناه في الاصول في بحث التزاحم في مسألة الترتب من ان امثال المقام وان كان داخلا في باب التزاحم فيتزاحم وجوب الوفاء بالنذر مع حرمة العدول، لكن الترجيح مع الثاني لقصور دليل النذر عن مزاحمة حكم من الاحكام لاشتراط نفوذه بان لا يكون محللا للحرام، أو محرما للحلال فلا يتغير من اجله حكم من الاحكام، ومن هنا ذكرنا ان في كل مورد وقع التزاحم بين الوفاء بالنذر وبين واجب آخر كان مشروطا بالقدرة عقلا قدم الثاني، إذ القدرة مأخوذة في الاول في لسان الدليل، فهي معتبرة فيه شرعا: والقدرة العقلية مقدمة على الشرعية الاطلاق دليلها الموجب للعجز عن الآخر. وبذلك ينكشف عدم انعقاد النذر من اول الامر فيحرم عليه العدول في المقام عملا باطلاق دليله السليم عن المزاحم. ولكن التحقيق ان ما ذكر انما يتم فيما إذا كان متعلق النذر الصلاة الشخصية. واما إذا كان متعلقه طبيعي الصلاة كما هو كذلك غالبا فلا موجب لرفع اليد عن عموم دليل الوفاء بالنذر، إذ يمكن امتثاله برفع اليد عن هذه الصلاة واعادتها مع السورة المنذورة لعدم

[ 397 ]

تعلق النذر بهذه الصلاة بخصوصها حسب الفرض. وهذا لا محذور فيه، إذ لا يصادم حكما من الاحكام عدا حرمة قطع الصلاة على القول بها لكنها لو سلمت فهي غير شاملة للمقام، إذ لادليل معتبر عليها الا الاجماع وهو دليل لبي يقتصر على المتيقن منه الذي هو غير ما نحن فيه، وما يضاهيه كما لو نذر زيارة الامير (ع) - مثلا - في ساعة معينة فنسي وشرع في الصلاة في تلك الساعة فانه لا ينبغي الاشكال في جواز القطع، بل وجوبه والوفاء بنذره لما عرفت من عدم شمول الاجماع على حرمة القطع لمثل ذلك. فالاقوى نفوذ النذر في المقام فيقطع صلاته ويعيدها مع السورة المنذورة، ولكن الاحوط - حذرا عن احتمال (1) حرمة القطع - (1) ولكنه معارض باحتمال حرمة العدول الشامل اطلاق دليلها للمقام من غير مزاحم حسب اعترافه (دام ظله) بل ان هذا الاحتمال اولى بالمراعاة بعد ان كان دليل حرمة القطع لبيا يحتمل عدم شموله للمقام رأسا، (وبالجملة) الامر دائر بين العدول، والاتمام والقطع. لاسبيل للاول لاطلاق دليل حرمته ولا الثاني لكونه مفوتا للوفاء بالنذر فيتعين الثالث، ومنه تعرف تعذر الاحتياط في المقام ولا محيص من القطع والاستيناف مع السورة المنذورة فما في بحثه الشريف تبعا لتعليقته الانيقة من حصول الاحتياط بالعدول والاعادة غير واضح كالتعبير في التعليقة بقوله (دام ظله) (والاظهر جواز القطع) الا ان يريد به الجواز بالمعنى الجمامع للوجوب، ثم انه بناءا على ما يراء (دام بقاء) من جواز القران بين السورتين يمكن التخلص باتمام السورة ثم تعقيبها بالسورة المنذورة وبذلك =

[ 398 ]

[ (مسألة 20): - يجب على للرجال الجهر بالقراءة (1) في الصبح والركعتين الاولتين من المغرب والعشاء ويجب ] ضم ما ذكرناه إلى ما افاده في المتن، فيتم صلاته بعد العدول ثم يعيدها مع السورة المنذورة. ومن جميع ما ذكرناه يظهر فساد الاحتمال الثالث الذي ذكر في المقام من رفع اليد عن كل من دليلي وجوب الوفاء بالنذر وحرمة العدول لتساقط الدليلين المتزاحمين بعد عدم ترجيح في البين، ونتيجة ذلك هو التخيير بين العدول وعدمه. إذ فيه ان النذر لو كان متعلقا بالشخص فهو في نفسه منحل لقصور دليله عن الشمول للمقام كما عرفت، فالمتعين العمل باطلاق الدليل الآخر وإن كان متعلقا بالطبيعي كما ذكرنا انه الغالب، فالمتعين الاخذ باطلاق كلا الدليلين لعدم تزاحم في البين فلا يعدل، بل يقطع ويعيدها بتلك السورة، فاحتمال التخيير ساقط على التقديرين. (1): - المشهور بين الاصحاب وجوب الجهر على الرجال في صلاة = يكون قد وفى بنذره ولم يرتكب العدول المحرم، الا ان يكون متعلق نذره في مفروض المسألة الاتيان بها مصداقا لطبيعي السورة الواجب عليه في الصلاة المنطبق - طبعا - على السورة الاولى هذا. ويمكن ان يقال بابتناء الاشكال على ان تكون حرمة العدول تكليفية كحرمة القطع، واما إذا كانت وضعية محضة - كما لعله الظاهر من اخبار الباب - بمعنى عدم صحة الصلاة بغير تلك السورة وانها المتعينة للجزئية فلا اشكال فلا حظ وتدبر.

[ 399 ]

[ الاخفات في الظهر والعصر في غير يوم الجمعة، وأما فيه فيستحب الجهر في صلاة الجمعة، بل في الظهر ايضا على الاقوى. ] الغداة وفي الركعتين الاولتين من صلاة المغرب والعشاء ووجوب الاخفات في ثالثة المغرب المغرب، وفي الركعتين الاخيرتين من كل رباعية بل عن الخلاف الاجماع عليه، ولم ينسب الخلاف إلا إلى السيد المرتضى وابن الجنيد (قدهما) فذهبا إلى استحباب الجهر وعدم وجوبه، بل صرح السيد المرتضى بتأكد الاستحباب للامر بالاعادة لو اخل به في بعض الاخبار، واختاره من المتأخرين صاحب المدارك وتبعه السبزوارة، ومال إليه بعض آخر. ومحل الكلام هو الرجال وأما النساء فسيأتي حكمها. واستدل للمشهور بوجوه كلها ضعيفة ما عدا صحيحتين لزرارة سنذكر هما. (فمنها) السيرة الجارية على مراعاة الجهر في الموارد المذكورة المتصلة بزمان المعصومين عليه السلام ولابد من التأسي بهم. وفيه: ان السيرة كفعل المعصومين عليهم السلام لا يدل على الوجوب، بل غايته الرجحان. واما دليل التأسي من قوله صلى الله عليه وآله صلوا كما رأيتموني اصلي فلم يثبت من طرقنا، مضافا إلى النقاش في الدلالة كما مر مرارا. ومنها: رواية الفضل بن شاذان الواردة في علة الجهر في بعض الصلوات من انها في اوقات مظلمة فيجهر ليعلم المار ان هناك جماعة (1) (1) الوسائل: باب 25 من أبواب القراءة ح 1.

[ 400 ]

وفيه: انها واردة في مقام حكم آخر، فلا تدل على وجوب الجهر أو استحبابه بالمعنى الاصطلاحي المبحوث عنه في المقام كما لا يخفى. ومنها: رواية يحيى بن اكثم القاضي انه سأل أبا الحسن الاول (عليه السلام) عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلوات النهار، وإنما يجهر في صلاة الليل، فقال: لان النبي صلى الله عليه وآله كان يغلس بها فقربها من الليل (1). وفيه أيضا: عدم الدلالة على الوجوب فان كونه صلى الله عليه وآله يغلس بها اعم من ذلك. ومنها: غيرها من عدة روايات لا تخلو عن الخدش في السند أو الدلالة على سبيل منع الخلو. والعمدة في المقام صحيحتان لزرارة: احد اهما عن ابي جعفر (عليه السلام) عن رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه، وأخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه، فقال: أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة، فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته، وقد رواها كل من الصدوق، والشيخ بسند صحيح عن حريز عن زرارة. والاخرى: ما رواه الشيخ ايضا بسند صحيح عن زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: قلت له رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي الجهر فيه، أو اخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه، وترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه، أو قرأ فيما لا ينبغي القراءة فيه، فقال:


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب القراءة ح 3.

[ 401 ]

أي ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شئ عليه (1) وقد دلت الاولى منطوقا والثانية مفهوم على وجوب الجهر والاخفات في الجملة. وهاتان هما العمدة في مدرك المشهور مؤيدا ببعض الاخبار مما تقدم وغيره. وبأزائهما صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: سألته عن الرجل يصلي من الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لا يجهر؟ قال: إن شاء جهر وإن شاء لم يفعل (2). وقد استدل بها صاحب المدارك على عدم الوجوب، وبها رفع اليد عن الصحيحتين المتقدمتين وحملهما على الاستحباب، وقال انهما اظهر سندا ودلالة فلا وجه لحملها على التقية، بل مقتضى الجمع العرفي بينها وبين تينك الصحيحتين الحمل على الاستحباب كما اختاره المرتضى (قده). واجاب: عنها المتأخرون باعراض الاصحاب عنها فليست بحجة في نفسها حتى تصلح للمعارضة. وهذا الجواب كما ترى لايتم على مسلكنا من عدم قادحية الاعراض، فيبغى الكلام في وجه الجمع بعد البناء على حجيتها في نفسها، وهل ذلك بالحمل على الاستحباب كما صنعه صاحب المدارك. الظاهر: لا، لتضمن الصحيحتين المتقدمتين الامر بالاعادة منطوقا ومفهوما - على وجه - وقد ذكرنا غير مرة انه ليس حكما تكليفيا وانما هو ارشاد إلى الفساد وعدم سقوط الامر الاول، فوجوب


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب القراءة ح 1، 2. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب القراءة ح 6.

[ 402 ]

الاعادة بحكم العقل وواضح انه لا معنى لاستحباب الفساد. فالصحيحتان غير قابلتين للجمل على الاستحباب، بل هما كالصريح في الوجوب. ومن ذلك تعرف ان ما ذكره في المدارك من ان صحيحة علي ابن جعفر اقوى دلالة غير واضح. بل هما متكافئتان في ميزان الدلالة فكما ان هذه صريحة في الجواز، فكذلك هما صريحتان في الوجوب كما عرفت. وأما ما ذكره (قده) من انها اقوى سندا فلم يتضح وجهه ايضا وقد اعتذر عنه في الحدائق بانه لم يلاحظ إلا طريق الشيخ وهو كما ذكره، ولم يقف على طريق الصدوق الذي هو في اعلى مراتب الصحة. وفيه: ان طريق الشيخ إلى حريز ايضا صحيح كطريق الصدوق فالانصاف انهما متكافئتان سندا ودلالة فالاقوائية ممنوعية مطلقا. فهذا الجمع ساقط. فلا بد من ملاحظة الترجيح بعد استقرار المعارضة وامتناع الجمع الدلالي. وحيث ان صحيحة علي بن جعفر موافقة للعامة لانهم لا يرون وجوب الجهر ابدا فلا مناص من حملها على التقية كما صنعة الشيخ فتطرح ويكون الترجيح مع تينك الصحيحتين المخالفتين للعامة، فيتعين العمل بهما كما عليه المشهور. واما ما ذكره في المدارك من ترجيح صحيحة علي بن جعفر لموافقتها مع الاصل والكتاب فلم يظهر وجهه. اما الاصل فهو وإن كان يقتضي الجواز لكنه لا اثر له بعد قيام الدليل على الوجوب، ومما الصحيحتان، بل الصحاح الثلاث باعتبار رواية احداهما

[ 403 ]

بطريقين كما عرفت. على ان موافقة الاصل ليست من المرجحات، فان الاصل مرجع لا مرجح كما ذكر في محله. واما الكتاب فليس فيه ما يرتبط بالمقام عدا قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا، واذ من الضروري عدم خلو القراءة عن الجهر أو الاخفات، وعدم ثبوت الواسطة بينهما حتى يؤمر بها وينهى عنهما فهذه قرينة قطيعة - مضافأ إلى الروايات الواردة في تفسير الآية المباركة - على ان المراد عدم الافراط في الجهر كالمؤذن، وعدم التفريط في الاخفات بحيث يكون مجرد تحريك الشفتين ولا يسمع حتى نفسه ما يقول. فلا دلالة في الآية على حكم الجهر والاخفات وجوبا أو جوازا، فلا ينافي ذلك وجوب الجهر في بعض الموارد إذا ثبت من الخارج. وكيف كان: فمقتضى قواعد الترجيح في المقام ليس إلا الحمل على التقية كما عرفت. نعم: ربما يناقش في دلالة الصحيحتين كما عن صاحب الذخيرة من وجهين: أحدهما ان المروي في بعض النسخ (نقص) بالصاد المهملة الدال على نقصان الثواب الملازم للاستحباب لا (نقض) كي يقتضي البطلان. ثانيهما: ان كلمة ينبغي ظاهرة في الاستحباب ولا تناسب الوجوب وكلاهما ليس بشئ. اما الاول: فيرده اولا ان الموجود في جميع كتب الروايات كما قيل (1) (نقص) بالضاد المعجمة، ولم ينقل نقص إلا عن بعض


(1) لكنه معارض بما عن منتقى الجمان ج 1 ص 409 من =

[ 404 ]

الكتب الفقهية، ولا اعتبار بالرواية ما لم تؤخذ من مصدرها من كتب الحديث. وثانيا: لو سلم فلا تضر بالدلالة إذ النقص في مقابل التمام المذكور في ذيل الصحيحة، فمعناه البطلان كما يدل عليه قوله: وعليه الاعادة. واما الثاني: ففيه اولا ان كلمة لا ينبغي ظاهرة في عدم الجواز وانه لا يتيسر كما ذكرناه مرارا، فانه الموافق لمعناه اللغوي والاستعمالات القرآنية وغيرها على ذلك كما في قوله تعالى، لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر، أي لا يتيسر لها، لا انه لا يليق. وثانيا: مع الغض عن ذلك فهذه الكلمة واقعة في كلام السائل والاستدلال انما هو بكلام الامام (ع) المصرح بان عليه الاعادة الظاهرة في البطلان. والمتحصل من جميع ما قدمناه لزوم العمل بالصحيحتين، وحمل صحيحة ابن جعفر على التقية. هذا مع تسليم دلالة هذه الصحيحة وإلا فللمناقشة فيها بحال. = انه لم ينقل ضبطها بالمعجمة وكيفما كان فقد ذكر في هامش الاستبصار ج 1 ص 313 ط نجف ان في بعض نسخ الكتاب (نقص) بالمهملة، وفي البحار ج 85 ص 77 بعد نقل صحيحة زرارة عن الصدوق قال: وفي بعض النسخ (نقص) بالمهملة، وفي بعضها بالمعجمة، وظاهر كلامه اختلاف نسخ الفقيه في ذلك. ومنه: تعرف ان (المهملة) منقولة عن بعض نسخ الكتب الحديثية ايضا ولا تختص بالفقهية كما افيد في المتن.

[ 405 ]

نظرا إلى ان الظاهر من قوله (يصلي من الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة) ان المفروض في موررد السؤال ان القراءة جهرية اما على وجه الوجوب أو الاستحباب، وعلى اي تقدير فكون القراءة جهرية أمر مفروض مفروغ عنه ومع هذا فاي معنى لقوله، هل عليه ان لا يجهر، فانه لا موقع لهذا السؤال بعد ذاك الفرض. فلا مناص من ان يكون السؤال ناظرا إلى غير القراءة من ساير الاذكار كالتشهد وذكر الركوع والسجود ونحو هما، وانه هل يجب عليه ان لا يجهر في هذه الاذكار في صلاة يجهر منها بالقراءة اولا؟ وعليه فالصحيحة اجنبية عما نحن فيه بالكلية، فلا موضوع للمعارضة كي يتصدى للعلاج فليتأمل. ويؤيد ما ذكرناه ان لعلي بن جعفر نفسه رواية اخرى سأل فيها عن حكم هذه الاذكار من حيث الجهر والاخفات فانه يقرب دعوى كون السؤال في هذه الصحيحة ايضا مسوقا لذلك، قال سألته عن الرجل هل يجهر بالتشهد والقول في الركوع والسجود، والقنوت؟ قال: إن شاء جهر وان شاء لم يجهر (1) ورواها ايضأ في الباب العشرين من أبواب القنوت الحديث الثاني، لكن بتبديل كلمة (هل) بكلمة (ان) وهو غلط. ونحوه ايضا صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الرجل هل يصلح له أن يجهر بالتشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت، فقال: ان شاء جهر وان شاء لم يجهر (2). وقد


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب الركوع ح 1. (2) الوسائل: باب 20 من أبواب القنوت ح 1.

[ 406 ]

ذكر في الجواهر هذا المتن واسنده إلى علي بن جعفر مع انه لابن يقطين، والمتن السابق لعلي بن جعفر كما ذكرناء فألحق احد المتنين بالسند الآخر وهذه غفلة منه (قده) نشأت من ذكر الخبرين متواليا في الوسائل: وكيف كان فالمطلب واحد والامر سهل. واما ما قيل في صحيحة علي بن جعفر السابقة من ان بعض النسخ (1) (هل له ان لا يجهر) لاهل عليه، فيتجه السؤال ويندفع الاشكال. (ففيه) انها مروية في جميع كتب الحديث بلفظ عليه (لاله) ولم تنقل كذلك إلا عن بعض الكتب الفقهية ولا عبرة بها، على انه لااقل من احتمال ذلك فتسقط عن الاستدلال وصلاحية المعارضة لعدم العلم بصحة النسخة. واما ما يقال من احتمال قراءة همزة أن في قوله (هل عليه أن لا يجهر) مكسوة، والمعنى هل عليه شئ إن لم يجهر بالقراءة فعجيب، اولا ان لازمه تقدير كلمة شئ والتقدير على خلاف الاصل. وثانيا ان اللازم حينئذ ذكر كلمة (لم) الجازمة بدل (لا) النافية كما لا يخفى (2). (1) وهناك نسختان اخريان (احديهما) ما في قرب الاسناد وهي (هل عليه ان يجهر) بحذف لا. (ثانيهما): ما عن بعض نسخ الاستبصار على ما في جامع الاحاديث ج 2 ص 279 وفيها (هل يجوز عليه ان لا يجهر). وبناءا عليهما فالسؤال والجواب منسجمان والمعنى واضح ولا اشكال. (2) لكنه ورد في الذكر الحكيم قوله تعالى " الا تنصروه فقد نصره الله " وقوله تعالى " الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير ".

[ 407 ]

وثالثا: أن الجواب على هذا لا يطابق السؤال، فان اللازم حينئذ ان يجيب بقوله لا، اي لا شئ عليه الذي هو مصب السؤال على الفرض، لاأن يجيب بقوله: ان شاء جهر وان شاء لم يفعل لعدم كونه متعلقا للسؤال. وكيفما كان: فالقراء المذكورة لا ينبغي احتمالها، والمتعين قراءة الهمزة مفتوحة، وهي محمولة على المعنى الذي ذكرناه فلا معارضة، ومع التسليم فهي محمولة على التقية كما عرفت. فالاقوى ما عليه المشهور من وجوب الجهر. إنما الكلام في مصداق ما يجهر فيه وانه يجب في اي صلاة من الصلوات اليومية، وفي أي مورد من الصلاة، وكذا الحال في الاخفات فان اثبات ذلك بحسب الروايات لا يخلو عن الاشكال. اما من حيث المورد فقد ورد التصريح بالقراءة في رواية محمد ابن عمران، ويحيى بن اكئم وغيرهما (1) إلا انهما لاجل ضعف السند لا تصلحان للاستدلال والانجبار لانقول به. نعم تدل عليه صحيحة زرارة الثانية وصحيحة علي بن جعفر المتقدمة، وبعض روايات باب الجمعة والجماعة كصحيحة الحلبي: إذا صليت خلف امام تأتم به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته أم لم تسمع إلا أن تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة (2)، وصحيحة علي بن يقطين (3)، وغيرهما مؤيدا بالروايات الضعاف المتقدمة فانه يظهر منها المفروعية عن ثبوت الجهر بالقراءة. وهل يختص ذلك بالركعتين الاولتين أو


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب القراءة ح 2، 3. (2) و (3) الوسائل باب 31 من أبواب الجماعة ح 1، 11.

[ 408 ]

يعم الاخيرتين لو اختار القراءة فيهما؟ سيجئ الكلام عليها عند تعرض الماتن لها في فصل مستقل ان شاء الله تعالى. واما بقية الاذكار غير القراءة فمقتضى الاصل الجواز لعدم الدليل على وجوب الجهر فيها أو الاخفات مضافا إلى التصريح بالتخيير في صحيحتي علي بز جعفر وعلي بن يقطين المتقدمتين والتسليم وإن لم يذكر فيهما، فان المذكور هو التشهد، وذكر الركوع والسجود والقنوت لكنه ملحق بها قطعا، فان الظاهر منها ان ذكر هذه الامور من باب المثال كما لا يخفى. على انه لم يقع في شئ مما ذكر خلاف ولا اشكال. هذا كله من حيث المورد. واما من حيث تعيين الصلاة فلم يرد التصريح في شئ من الاخبار. نعم: تدل عليه السيرة القطعية المتصلة إلى زمن المعصومين عليهم السلام الجارية على الجهر بالقراءة في صلاة الغداة والمغرب والعشاء، والاخفات في الظهرين، وبذلك يتعين موضوع الروايات من قوله فيها: اجهر فيما لا ينبغي، أو اخفت فيما لا ينبغي، ويفسر المراد منهما وان الصلوات كانت على نوعين: يجهر في بعض ويخفت في بعض كما هو المتعارف اليوم وليس هذا استدلالا بتلك الصحيحة لتعيين المورد، فان المورد مستفاد من السيرة التي اشير إليها في هذه الصحيحة، والحكم وهو الوجوب مستفاد منها كما مر. نعم: يستفاد وجوب الاخفات في الظهر من غير يوم الجمعة من بعض اخبار الجمعة الآتية. ويؤيد الحكم عدة روايات متضمنة لتعيين الصلوات مما اشتمل على الجهر والاخفات كرواية محمد بن عمران

[ 409 ]

(حمران)، ويحيى بن اكثم وغير هما (1) لكنها لضعف اسانيدها لا تصلح إلا للتأييد. بقي الكلام في صلاة الجمعة وظهرها. اما صلاة الجمعة فقد ادعى غير واحد من الاعلام قيام الاجماع على استحباب الاجهار في قراءتها، وتشهد له جملة من النصوص كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) في حديث في الجمعة قال: والقراءة فيها بالجهر، وصحيح عمر بن يزيد قال، ليقعد قعدة بين الخطبتين ويجهر بالقراءة، وصحيح العزرمي عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا ادركت الامام يوم الجمعة وقد سبقك بركعة فاضف إليها ركعة اخرى واجهر فيها (2) وغيرها. وظاهرها كما ترى هو الوجوب، غير انهم حملوها على الاستحباب بقرينة الاجماع المدعى في كلمات الاصحاب كما عرفت. نعم: ناقش صاحب الجواهر (قده) في قيام الاجماع على الاستحباب حيث لم يوجد تصريح بالندب في كلمات من تقدم على المحقق، فلا يبعد ان يكون مرادهم مطلق الرجحان القابل للحمل على الوجوب في قبال وجوب الاخفات في الظهر في غير يوم الجمعة. وما افاده (قده) متين جدا، فلا موجب لرفع اليد عن ظهور هذه الاخبار في الوجوب لعدم احراز قيام الاجماع على الخلاف، فالقول بالوجوب لو لم يكن اقوى فلا ريب انه احوط. واما الظهر يوم الجمعة فلا ينبغي الاشكال في استحباب الجهر


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب القراءة ح 2، 3. (2) الوسائل: باب 73 من أبواب القراءة ح 2، 4، 5.

[ 410 ]

فيها، كما لا خلاف أيضا إلا عن ابن ادريس حيث ذكر ان الاحوط الاخفات لقاعدة الاشتغال لكنه شاذ، ومستند الحكم عدة روايات كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: قال لنا صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة، واجهروا بالقراءة فقلت: انه ينكر علينا الجهر بها في السفر، فقال: اجهروا بها. وصحيحة عمران الحلبي عن الرجل يصلي الجمعة اربع ركعات، أيجهر فيها بالقراءة؟ قال: نعم، ومصحح الحلبي عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي اربعا أجهر بالقراءة؟ قال: نعم، المؤيد بخبر محمد بن مروان عن صلاة الظهر يوم الجمعة كيف نصليها في السفر؟ فقال: تصليها في السفر ركعتين والقراءة فيها جهرا (1). وظاهرها وان كان هو الوجوب (2) لكنه يرفع اليد عنه وتحمل على الاستحباب من اجل القرينة العامة التي تمسكنا بها في كثر من المقامات وهو ان الوجوب لو كان ثابتا في مثل هذه المسألة الكثيرة الدوران التي هي محل الابتلاء لجميع المكلفين في كل اسبوع لاشتهر وبان وشاع وذاع، بل كان من المسلمات الواضحات، ولم يقع فيه خلاف من احد، فكيف ذهب المشهور بل عامة الاصحاب ما عدا ابن ادريس إلى الاستحباب، بل هو المرتكز في اذهان المتشرعة وقد قامت سيرتهم وعملهم على عدم الوجوب حتى في زماننا هذا، وان كان شيخنا الاستاد (قده) يحتاط في ذلك برهة من الزمن


(1) الوسائل: باب 73 من أبواب القراءة ح 6، 1، 3، 7. (2) هذا في غير صحيحتي الحلبي اما فيهما فيمكن ان يكون السؤال عن الجواز دون الوجوب

[ 411 ]

بتكرار الصلاة تارة: وبتكرار القراءة قاصدا باحداهما الواجب الواقعي مدة اخرى. فيظهر ان عدم الوجوب كان امرا مفروغا مسلما عندهم حتى ان ابن ادريس جعل الاخفات احوط كما سمعت، فلو كان الجهر واجبا أو محتمل الوجوب لم يكن ذاك احتياطا كما لا يخفى. فان قلت: ان هذا الوجه بعينه يجري في صلاة الجمعة فكيف اخترتم فيها وجوب الجهر ولم تلتزموا بالاستحباب. قلت: كلا، ولا مجال لقياس احداهما بالاخرى، فان صلاة الجمعة لم تكن شايعة عند الشيعة، بل هي متروكة مهجورق‍ في عصر الغيبة، فلم تكن محلا للابتلاء، ومن المسائل الكثيرة الدوران الذي هو الضابط في التمسك بهذا الوجه، فتبقى ظواهر النصوص الآمرة بالجهر سليمة عن القرينة على الخلاف، بخلاف الظهر من يوم الجمعة التي يبتلى بها عامة المكلفين. فلا مناص من حمل نصوص المقام على الاستحباب كما عرفت. بل ان هناك صحيحتين ربما يستشكل من اجلهم حتى في الاستحباب لتضمنهما النهي عن الاجهار بالقراءة فتعارض النصوص السابقة. احداهما: صحيحة جميل قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الجماعة يوم الجمعة في السفر، فقال: يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر، ولا يجهر الامام فيها بالقراءة، إنما يجهر إذا كانت خطبة (1) وهذه وما بعدها هي التي اشرنا فيما سبق انه يظهر من بعض اخبار الجمعة لزوم الاخفات في الظهر من غير يوم الجمعة.


(1) الوسائل: باب 73 من أبواب القراءة ح 8.

[ 412 ]

الثانية: صحيحة بن مسلم قال: سألت عن صلاة الجمعة في السفر، فقال: تصنعون كما تصنعون في الظهر ولا يجهر الامام فيها بالقراءة وإنما يجهر إذا كانت خطبة (1). لكن الاشكال المزبور ضعيف إذ النهي فيهما واقع موقع توهم الوجوب لما عرفت من وجوب الجهر في صلاة الجمعة الواقعة فيهما بأزاء صلاة الظهر فيتخيل وجوبه في ظهر الجمعة أيضا، ولا فرق بين الامر والنهي في ذلك، فكما ان الامر الواقع عقيب توهم الحظر لا يدل على الوجوب بل غايته الجواز، فكذا النهي الواقع عقيب توهم الوجوب لا يقتضي الا الجواز ولا يدل على التحريم، فلا ينبغي الريب في ثبوت الاستحباب. ولا فرق في ذلك بين الامام والمنفرد خلافا للسيد المرتضى (قده) حيث فصل بين الامام فيجهر، والمنفرد فيخفت استنادا إلى خبر علي بن جعفر قال: سألته عن رجل صلى العيدين وحده، والجمعة هل يجهر فيهما بالقراءة؟ قال: لا يجهر إلا امام (2) لكنها ضعيفة السند لمكان عبد الله بن الحسن الواقع في الطريق، مع انها معارضة بصحيحة الحلبي المتقدمة الآمرة بالجهر مع تصريح السائل بأنه يصلي وحده. فالاقوى ثبوت الاستحباب في الامام والمنفرد، وان كان الاخفات احوط.


(1) الوسائل: باب 73 من أبواب القراءة ح 9. (2) الوسائل: باب 73 من أبواب القراءة ح 10.

[ 413 ]

[ (مسألة 21): يستحب الجهر بالبسملة في الظهرين للحمد والسورة (1). (1): - لااشكال كما لا خلاف في رجحان الجهر بالبسملة في الركعتين لاولتين من الصلوات الاخفاتية، والمشهور استحباب ذلك بل نسب إلى الاصحاب تارة والى علمائنا اخرى، وعن الخلاف دعوى الاجماع عليه، ولم ينسب الخلاف الا إلى الصدوق وابن البراح فذهبا إلى الوجوب، وكذا أبو الصلاح حيث خص الوجوب بالركعتين الاولتين، ولا يبعد ان يكون مراد من اطلق هو ذلك. وكيف كان: فقد استدل للوجوب بروايتين احداهما ما رواه في الكافي باسناده عن سليم بن قيس عن امير المؤمنين عليه السلام في خطبة طويلة قال (ع) فيها (. والزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. الخ) (1). الثانية: ما رواه الصدوق في الخصال باسناده عن الاعمش عن جعفر بن محمد (ع) قال: والاجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واجب (2). وربما يجاب بان ضعف الخبرين في نفسهما واعراض الاصحاب عنهما مانع عن الاعتماد عليهما. وفيه: ان الخدش في السند وإن كان في محله بالاضافة إلى رواية الاعمش كما لا يخفى. لكنه لا يتم في الرواية الاولى فان سليم بن قيس


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب الوضوء ح 3. (2) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة ح 5.

[ 414 ]

وان لم يوثق في كتب الرجال صريحا، لكن يمكن استفادة توثيقه من كلام البرقي حيث قال انه كان من اولياء اصحاب علي (ع) فيظهر انه كان من خواص اصحابه ومن الطبقة الراقية الغنية عن التوثيق، بل يمكن استفادته ايضا من كلام الشيخ في رجال حيث قال: وقد صحب عليا عليه السلام، إذ من المعلوم ان جميع من ذكره في باب اصحابه (ع) قد صحبه فلا يختص هذا التوصيف به فيظهر انه كان يمتاز عن غيره بشدة الملازمة به عليه السلام وكونه من خواصه وانه كان من الاولياء كما ذكره البرقي. فالمناقشة السندية في هذه الرواية غير تامة (1)، بل الظاهر انها صحيحة كما وصفها بها في الحدائق. نعم: يمكن النقاش الدلالي فيهما. اما اولا فللقرينة العامة التي تكررت منا في امثال المقام، وهو ان الوجوب لو كان ثابتا في مثل هذه المسألة الكثيرة الدوران لاشتهر وبان وشاع وذاع فكيف يمكن خفاؤه بحيث لم يفت به إلا هؤلاء الثلاثة. وثانيا ان رواية سليم بن قيس لم يظهر ان المراد بها الجهر بالبسملة في كافة الصلوات حتى الاخفاتية فانها حكاية قضية في واقعة ولا اطلاق لها كي يتمسك به، ولعل المراد الاجهار بها في خصوص (1) بل تامة إذ الراوي عن سليم في هذه الرواية هو ابراهيم ابن عثمان الذي هو من اصحاب الصادق والكاظم (ع) وفي روايته عن سليم الذي هو من اصحاب أمير المؤمنين (ع)، اشكال كما صرح (دام ظله) به في معجم الرجال ص 245 الطبعة الثانية واشرنا إليه في هامش القسم الثاني من الجزء الخامس ص 34.

[ 415 ]

الصلوات الجهرية، فان من تقدمه (ع) من الولاة تركوها من اصلها حتى فيها كما هو مذهب العامة، فامرهم بالاجهار بها لتزور البدعة. واما النقاش في دلالة رواية الاعمش فاظهر إذ الوجوب فيها بمعناه اللغوي وهو الثبوت دون المصطلح فلا تدل على اكثر من الاستحباب على انها ضعيفة السند كما عرفت. هذا: مضافا إلى معارضتهما بصحيحتين لصفوان ظاهرتين في الاستحباب، قال: صليت خلف أبي عبد الله (ع) أياما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم واخفى ما سوى ذلك (1)، وقال في صحيحة الاخرى، صليت خلف أبي عبد الله (ع) اياما فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها جهر ببسم الله الرحمن الرحيم " وكان يجهر في السورتين جميعا (2). والقاسم بن محمد الواقع في طريق الثاني المراد به الجوهري الذي هو ثقة لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات (3). وقد دلتا بوضوح على عدم وجوب الجهر بالبسملة وانه كان امرا مستحبا يلتزم به الصادق (ع) في صلاته وكان من خواصه، وإلا فلو كان واجبا لم يكن وجه للتخصيص بالذكر، فانه نظير (4) ان


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب القراءة ح 1. (2) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة ح 1. (3) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة. (4) في التنظير ما لا يخفى.

[ 416 ]

يقول صليت خلفه (ع) وكان يركع أو يسجد. ونظير هما رواية أبي حفص الصائغ (1). هذا: وربما يستدل على عدم الوجوب بصحيحة الحلبيين عن أبي عبد الله (ع) أنهما سألاه عمن يقرا بسم الله الرحمن الرحيم حين يريد قراءة فاتحة الكتاب، قال: نعم إن شاء سرا وإن شاء جهرا، فقالا أفيقرؤها مع السورة الاخرى؟ فقال: لا (2) وهي صريحة في عدم الوجوب لولا الاقتران بالذيل المشتمل على النهي عن البسملة في السورة الاخرى فانه يقرب ورودها مورد التقية فيمنع عن الاستدلال بها، والتفكيك بين الصدر والذيل مشكل كما لا يخفى. وكيف كان: فيكفي في الدلالة على الاستحباب ما عرفت، ويؤيده عدة روايات لا تخلو عن ضعف في السند أو الدلالة، كما روي في جملة من النصوص من عدة من علامات المؤمن فانه من الجائز ان يراد بها الاجهار في الصلوات الجهرية، إذ لااطلاق لها تعم الاخفاتية وكرواية الفضل بن شاذان قال: والاجهار بسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة (3)، فانها ضعيفة السند كرواية رجاء بن الضحاك عن الرضا (ع) انه كان يجهر بسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار (4). وصاحب الحدائق اشتبه عليه الامر فاسند هذا المتن إلى رواية الفضل مع انه رواية رجاء كما


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة ح 8. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب القراءة ح 2. (3) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة ح 6. (4) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة ح 7

[ 417 ]

نبه عليه معلق الحدائق. ورواية أبي حمزة قال: قال علي بن الحسين (ع) ياثمالي ان الصلاة إذا اقيمت جاء الشيطان إلى قرين الامام فيقول هل ذكر ربه؟ فان قال: نعم ذهب، وان قال لاركب على كتفيه فكان امام القوم حتى ينصرفوا قال: فقلت جعلت فداك أليس يقرؤن القرآن؟ قال: بلى ليس حيث تذهب ياثمالي إنما هو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (1) فانها ضعيفة بالارسال. ورواية هارون عن أبي عبد الله (ع) قال: قال لي كتموا بسم الله الرحمن الرحيم فنعم والله الاسماء كتموها كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل إلى منزله واجتمعت قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع به صوته فتولي قريش فرارا (2). وهذه الرواية صحيحة السند فان المسمى ب‍ (هرون) ممن له كتاب المنصرف إليه اللفظ عند الاطلاق مشترك بين عدة اشخاص كلهم من اصحاب الصادق (ع) وكلهم ثقات، فلا يهمنا التصدي للتعيين، لكنها قاصرة الدلالة لعدم التعرض فيها للصلاة الاخفاتية كي يستحب فيها بعنوانها. (وبالجملة) فهذه النصوص كلها تؤيد المطلوب. والعمدة في الاستدلال ما عرفت فلا ريب في ثبوت الاستدلال. ويقع الكلام في جهات. الجهة الاولى: مقتضى اطلاق الادلة تعميم الحكم للامام ولغيره كما عليه المشهور. وعن ابن الجنيد التخصيص بامام الجماعة استنادا


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة ح 4. (2) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة ح 2.

[ 418 ]

إلى صحيحتي صفوان المتقدمتين (1) فانهما ظاهرتان في ذلك. وفيه: ان الظاهر ان صفوان حكى ذلك عن الصادق (ع) بما انه كان يصلي لا بما انه كان امام الجماعة (2)، بل لم يعلم انعقاد الجماعة من الاول، ولعله لحق الامام (ع) وصلى خلفه في الاثناء لا انه ائتم به في افتتاح الصلاة. واستدل: ايضا برواية أبي حمزة المتقدمة. وفيه انها ضعيفة بالارسال كما عرفت. فالاقوى ثبوت الحكم للامام وللمنفرد لاطلاق الادلة. الجهة الثانية: هل يعم الحكم للركعتين الاخيرتين لو اختار فيهما القراءة كما عليه المشهور تمسكا باطلاق النصوص أو يختص بالاولتين كما اختاره الحلي وذكر ان الاخفات في الاخيرتين هو الاحوط؟ لا يخفى ان روايات الباب لم يتم شئ منها عدا صحيحتين لصفوان فان بقية الاخبار كصحيحة هرون، وخبر الاعمش، وابن شاذان ورجاء، ورواية علائم المؤمن لم تخل عن النقاش سندا ودلالة كما مر. فالعمدة هما الصحيحتان وهما قاصرتان عن الشمول للركعتين الاخيرتين فانهما حكاية فعل. ومثله لااطلاق له، بل إن الظاهر هو عدم الشمول، إذ الافضل فيهما هو التسبيح (3)، ومن البعيد جدا ان الامام (ع) يترك الافضل ويختار المفضول مداوما عليه في ايام


(1) الوسائل: باب 11 و 21 من أبواب القراءة ح 1. (2) لاسبيل لنا، بل ولا لصفوان إلى معرفة ذلك ما لم يخبر به الامام (ع) ومجرد احتمال اللحوق لا يكفي في احرازه كما لعله واضح. (3) لكنك ستعرف انه (دام ظله) يستشكل في الافضلية وان كان المشهور ذلك.

[ 419 ]

عديدة صلى فيها خلفه صفوان. بل ان الصحيحة الاخرى (1) كالصريح في الاولتين لقوله " وكان يجهر في السورتين جميعا " إذ ليست في الاخيرتين سورة. (وبالجملة) فاثبات الاستحباب من الاخبار مشكل جدا. فان بنينا على التسامح في ادلة السنن وقلنا بشموله لغتوى الفقيه ثبت الاستحباب بقاعدة التسامح لفتوى المشهور بذلك كما عرفت وإلا كما هو الصحيح فالجزم به مشكل. والذي يهون الخطب ان دليل الاخفات في الاخيرتين ايضا قاصر الشمول للبسملة، فان دليل وجرب الاخفات فيهما هو اطلاق قوله (ع) في صحيحة زرارة المتقدمة " رجل اجهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه " المتضمنة للبطلان لو كان متعمدا، والمتيقن مما لا ينبغي الاجهار فيه في الاخيرتين انما هو نفس القراءة بالسيرة القطيعة وغيرها كما سيجئ ان شاء الله تعالى. واما بسملتها فلم يعلم كونها مما لا ينبغي كيف وقد ذهب المشهور إلى استحباب الجهر فيها كما عرفت. ومعلوم ان الصحيحة لا تتكفل لحال الصغرى، ولا تعين المصداق، بل لابد من احراز ذلك من الخارج ولم يحرز، فدليل الاخفات قاصر الشمول كدليل استحباب الجهر على ما عرفت، فهو مخير بين الامرين. الجهة الثالثة: هل يعم الحكم للاخفات لعارض كالمأموم المسبوق بركعة في صلاة جهرية حيث يجب عليه اخفات القراءة لعارض الجماعة فهل يستحب له ايضا الجهر بالبسمة اولا؟ الظاهر العدم بل لايشرع للامر باخفات القراءة حينئذ بقوله (ع) يقرا في نفسه


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة ح 1.

[ 420 ]

[ (مسألة 22): إذا جهر في موضع الاخفات، أو اخفت في موضع الجهر عمدا (1) بطلت صلاته، وان كان ناسيا، أو جاهلا ولو بالحكم صحت، سواء كان الجاهل بالحكم متنبها للسؤال ولم يسأل ام لا، لكن الشرط حصول قصد القربة منه، وان كان الاحوط في هذه الصورة الاعادة. (مسألة 23): إذا تذكر الناسي أو الجاهل قبل الركوع لا يجب عليه اعادة القراءة، بل وكذا لو تذكر في اثناء القراءة، حتى لو قرأ آية لا يجب اعادتها، لكن الاحوط الاعادة، خصوصا إذا كان في الاثناء. (مسألة 24): لافرق في معذورية الجاهل بالحكم في الجهر والاخفات بين ان يكون جاهلا بوجوبهما، أو جاهلا بمحلهما، بان علم اجمالا انه يجب في بعض الصلوات ومقتضى الاطلاق وجوبه حتى في البسملة فانها جزء ن السورة وما دل على استحباب الجهر بالبسملة مورده الصلاة الاخفاتية بالذات كالظهرين، فالنعدي منها إلى الاخفات العرضي يحتاج إلى دليل مفقود في المقام، فاطلاق دليل الخفت هو المحكم فلم يثبت مشروعية الجهر حينئذ فضلا عن استحبابه لما عرفت من قصور الدليل. (1): - اما البطلان في صورة العمد فقد ظهر وجهه مما مر،

[ 421 ]

[ الجهر، وفي بعضها الاخفات، إلا انه اشتبه عليه ان الصبح مثلا جهرية والظهر اخفاتية بل تحيل العكس أو كان جاهلا بمعنى الجهر والاخفات فالاقوى معذوريته في الصورتين، كما ان الاقوى معذوريته إذا كان جاهلا بأن المأموم يجب عليه الاخفات عند وجوب القراءة عليه وان كانت الصلاة جهرية فجهر، لكن الاحوط فيه وفي الصورتين الاولتين الاعادة. ] واما الصحة في فرض النسيان أو الجهل فلا اشكال فيها كما لا خلاف فتوى ونصا لقوله (ع) في صحيحة زرارة المتقدمة وان كان ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته. وفي ثبوت العقاب وانه على مخالفة الواقع أو شئ آخر كلام طويل الذيل تعرضنا له في الاصول. والمتيقن من الجاهل هو الجاهل المركب غير الملتفت إلى جهله رأسا، وكذا الجال بالحكم عن قصور وعذر وان كان ملتفتا كمن كان نظره أو نظر مقلده هو الجهر في مورد مثلا ثم انكشف الخلاف، ويلحقه الجاهل المقصر غير الملتفت الذي لم يتنبه للسؤال كما هو الغالب في العوام، إذ يصدق في حقه انه لا يدري. ودعوى التخصيص بالقاصر لم يظهر وجهه. واما شموله للمقصر المتردد وان تمشى منه قصد القربة كأن أتى به رجاءا ليسأل عن الحكم بعدئذ ثم انكشف الخلاف فمشكل جدا بل الظاهر العدم، لان المنسبق من النص الجاهل الذي يعتقد

[ 422 ]

فراغ ذمته ويأتي به كما يأتي به غير ه، بحيث يرى ان هذا موجب للتفريغ عن عهدة التكليف المشغول به الذمة من دون ان يحتاج إلى الاعادة، واما المتردد فلا يرى ذلك، بل وظيفته الاعادة بحكم العقل. ثم ان الماتن ذكر بمناسبة المقام فروعا، ونتكلم في جهات يظهر منها حال تلك الفروع وغيرها مما لم تذكر في المتن. الجهة الاولى: في بيان موضوع الحكم، هل الحكم بالصحة عند الجهل والنسيان خاص بالرجال أو يعم النساء؟. أما بالنسبة إلى السهو والنسيان والجهل القصورة فلا اشكال في الصحة لحديث لا تعاد بناءا على ما هو الصحيح من شمول الحديث للجاهل القاصر من دون حاجة إلى شمول هذه الاخبار. إنما الكلام في الجاهل المقصر غير المعذور الذي لا يشمله الحديث، ولا ينبغي الشك أيضا في شمول هذه النصوص لها، فان ذكر الرجل في الصحيح من باب المثال فيثبت الحكم في غيره بقاعدة الاشتراك الثابته بالاجماع الافيما ثبت من الخارج اختصاص الحكم بأحدهما كما هو الحال في غير المقام فان كثيرا من الاحكام مستفاد من اخبار قد ذكر فيها الرجل ومع ذلك يتعدى إلى النساء بلا اشكال فكذا في المقام. الجهة الثانية: في بيان مورد الحكم، هل يختص بالركعتين الاولتين أو يعم الاخيرتين؟ اما في غير الجاهل المقصر فلا اشكال في الصحة لحديث لا تعاد كما عرفت، واما فيه فالظاهر ايضا ذلك لاطلاق النص، فانه يصدق انه اجهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه وهو لا يدري ولا وجه لدعوى الانصراف إلى الركعتين الاولتين كما لا يخفى. كما ان مقتضى الاطلاق شمول الحكم للاخفات الواجب لعارض

[ 423 ]

كالمأموم المسبوق بركعة في صلاة جهرية لعين ما ذكر، خلافا لجماعة حيث ذهبوا إلى انصراف الاطلاق إلى الجهر والاخفات الذاتيين، وان المنسبق من النص الصلاة الجهرية في طبعها وبحسب ذاتها فلا يشمل العارض. ولم يظهر وجهه فان موضوع الحكم عام وضابطه يشمل المقام، وهو أنه أجهر فيما ينبغي فيه الاخفات وهو لا يدري سواءا كان الابتغاء لامر ذاتي أو عارضي فان الصلاة لها صنفان وهذا الصنف مما لا ينبغي فيه الاخفات فعلا وان كانت في ذاتها جهرية. (وبالجملة) فهذا الاخفات راجع إلى الصلاة ومن شرائطها وان كان لامر عارضي. نعم لو وجب الاخفات لامر آخر ولجهة خارجية غير مرتبطة بالصلاة بحيث لا يعد من شرائطها لاذاتا ولا عرضا بل كان حكما مستقلا في نفسه كما لو وجب الخفت خوفا من العدو لئلا يسمع صوته فيقع في المهلكة، أو كان المصلي امراة وعندها اجنبي وقلنا: ان صوتها عورة والاسماع حرام ولا نقول به فمثله غير مشمول للصحيحة لانصرافها إلى الجهر والاخفات المربوطين بالصلاة والمعدودين من شرائطها بحيث لو اخل بهما بطلت الصلاة لفقد شرطها، لاما إذا اعتبرا في انفسهما. وعليه فبما ان هذه القراءة تقع مصداقا للحرام لاتحاد الجهر مع القراءة نفسها فهي واقعة على صفة المبغوضية ولا يمكن التقرب بها، فلا بد من اعادتها مع بقاء محل التدارك كما لا يخفى. الجهة الثالثة: في بيان خصوصيات الجهل والنسيان. اما النسيان فالظاهر انه اعم من نسيان الحكم وموضوعه لاطلاق النص وان ابيت إلا عن انصراف النص إلى الثاني فيكفي اندارج الاول في قوله (ع)

[ 424 ]

لا يدري فان ناسي الحكم جاهل فعلا وإن كان منشأ جهله هو النسيان. واما الجهل فالمتيقن منه الجاهل المركب الغافل بالمرة، وكذا الجاهل بالحكم عن قصور وعذر وان كان ملتفتا كمن كان نظره أو نطر مقلده الجهر في مورد ثم انكشف الخلاف، بل ان هذا كالنسيان مشمول لحديث لا تعاد بناءا على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمثل هذا الجهل، ويلحقه المقصر إذا كان غافلا حين العمل كاكثر العوام، إذا يصدق في حقه انه لا يدري، فلا وجه لدعوى انصراف النص عنه. وأما الجاهل المقصر المتردد المتمكن من الفحص والسؤال مع تمشي قصد القربة منه، كما لو اتى به بقصد الرجاء فقد ذكروا انه أيضا مشمول لاطلاق النص لكنه مشكل جدا كما تقدم لانصرافه إلى من يصلي كما يصلي غيره معتقدا فراغ ذمته عن عهدة التكليف ويرى صحة عمله من دون حاجة إلى الاعادة وفي المقام ليس كذلك فان قاعدة الاشتغال تقضي بالاعادة وإن لم ينكشف الخلاف. وقد قلنا بمثل هذا في حديث لا تعاد ومنعنا عن شموله للمتردد الذي لا يعتقد عدم الاعادة لاختصاصه بمن يرى عدمها والاجتزاء به في مقام الامتثال كما لا يخفى. وأولى بالاشكال أو مثله ما لو كان جهله في التطبيق لا في اصل الحكم، كما لو علم اجمالا بوجوب الجهر في صلاة الصبح أو الظهر فتخيل ان مورده الظهر فصلاها جهرا فانه لا يعتقد صحة ما صدر منه ولا يراه مجزيا لقضاء العقل بلزوم الاعادة عملا الاجمالي وقاعدة الاشتغال، وقد عرفت ان النص منصرف عن مثل ذلك فلا

[ 425 ]

يشمل الجهل بالتطبيق فتدبر جيدا. نعم: لو كان جاهلا بمعنى الجهر والاخفات فأتى ببعض مراتب الاخفات زاعما انه جهر أو بالعكس فالظاهر الصحة لصدق انه لا يدري. هذا كله فيما إذا كان الالتفات بعد الفراغ من الصلاة، أو بعد الدخول في الركوع بحيث جاوز محل التدارك، واما إذا كان قبله فسيأتي الكلام عليه. الجهة الرابعة: إذا أخل بالجهر أو الاخفات وتذكر اثناء القراءة أو قبل الدخول في الركوع، فهو هو محكوم بالصحة أيضا ويشمله النص، المشهور ذلك للاطلاق، (وقد يقال) بانصراف النص عنه لظهور قوله (ع): " ولا شئ عليه وقد تمت صلاته " فيما إذا مضى وتجاوز المحل بحيث لا يمكن التدارك إلا باعادة الصلاة، وان الاعادة غير واجبة في صورة عدم العمد، وفي المقام لا حاجة إلى الاعادة بعد التمكن من تدارك القراءة على ما هي عليها لعدم تجاوز المحل، فالنص لا يشمل هذا الفرض ومقتضى القاعدة وجوب التدارك. لكن الظاهر الصحة وعدم الحاجة إلى الاعادة. اما بناءا على القول بوجوب الجهر أو الاخفات في الصلاة مستقلا غايته ان ظرفهما القراءة من دون ان يكونا شرطا في صحتها ومعتبرا فيها فظاهر لعدم امكان التدارك. إذ القراءة قد وقعت على صفة الصحة لعدم خلل فيها في نفسها على الفرض فقد تحقق الجزء وسقط امره، فلو اعادها فليست هي من اجزاء الصلاة، ومحل الجهر أو الاخفات هي القراءة الواجبة في الصلاة المعدودة من اجزائها، فلا سبيل للتدارك بعدئذ لمضي المحل كما هو واضح.

[ 426 ]

لكن الظاهر فساد المبنى وانهما معتبر ان في القراءة شرطا لا مستقلا بل ان الحال كذلك في كل ما هو معتبر في الصلاة، فان الجميع معتبر على وجه الشرطية كما هو مقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الاجزاء والشرائط، فالقراءة الواجبة المعدودة من الاجزاء هي المسبوقة بالتكبير والملحوقة بالركوع والمقارنة للجهر أو الاخفات، وكذا الستر والاستقبال ونحو هما، فالفاقدة لشئ منها لا تكون جزءا فان فرض الارتباطية تلازم الشرطية وتنافي الاستقلالية كما لا يخفى. وعليه: فالقراءة الفاقدة للجهر مثلا المعتبر فيها ليست بجزء فوجود ما كالعدم، فمحل التدارك باق ما لم يركع، ومقتضى القاعدة لزوم التدارك، فلو قلنا بشمول النص له وان الجهر والاخفات شرط واقعي معتبر في القراءة لزمه الاعادة لبقاء المحل. لكن الاقوى مع ذلك الصحة لقصورر المقتضي في دليل الاشتراط عن الشمول لذلك فان الدليل منحصر في صحيحة زرارة كما تقدم وهي لاتدل على اكثر من اعتبار الجهر والاخفات بالنسبة إلى خصوص العالم العامد وقوله (ع): فان فعل ذلك ناسيا. الخ بيان للشرطية الاولى، فالمدار في وجوب الاعادة على العمد، وحيث لاتعمد في مفروض الكلام فلا مقتضي للاعادة، إذ لم ينهض دليل يقضي بوجوب الجهر أو الاخفات على الاطلاق كي يكون شرطا واقعيا حتى تجب الاعادة والتدارك مع بقاء المحل، فمقتضي الوجوب قاصر في حد نفسه، والوجوب خاص بالعالم العامد، وغيره لا وجوب عليه ولو شك فيه يدفع بالاصل. على انه يمكن ان يقال ان الصحيحة بنفسها تدل على عدم وجوب

[ 427 ]

[ (مسألة 25): لا يجب الجهر على النساء في الصلاة الجهرية (1) بل يتخيرن بينه وبين الاخفات مع عدم سماع الاجنبي وأما معه فالاحوط اخفا تهن. ] التدارك في المقام لاطلاق قوله (ع): ولا شئ عليه، اي لااعادة الصلاة ولا تدارك القراءة. فالاقوى الصحة سواء أكان التذكر بعد الفراغ عن الصلاة أم بعد الدخول في الركوع، أم قبله اثناء القراءة أو بعدها كما عليه المشهور. ومن جميع ما ذكرناه في الجهات المتقدمة يظهر حال الفروع المذكورة في المتن إلى نهاية المسألة الرابعة والعشرين فلا حظ. (1): - بلا خلاف بل اجماعا كما عن غير واحد. ويدل عليه اولا قصور المقتضي لتقييد موضوع الحكم بالرجال في صحيحتي زرارة المتقدمتين اللتين هما المدرك الوحيد في المسألة، والتعدي يحتاج إلى دليل الاشتراك في التكليف ومستنده الاجماع القائم على اتحاد هما في الاحكام، إلا ما خرج بالدليل الثابت في كثير من المقامات، ولم يقم اجماع في المقام كيف والاجماع قائم على العدم كما عرفت. وثانيا: السيرة القطعية القائمة على عدم الوجوب المتصلة بزمن المعصومين عليهم السلام. مع أن المسألة كثيرة الدوران ومحل الابتلاء، ولو كان الوجوب ثابتا كالرجال لاشتهر وبان، فالسيرة القولية والعملية كاشفة عن عدم الوجوب وهي بنفسها دليل مستقل. وربما يستدل للحكم بخبر علي بن جعفر قال: وسألته عن النساء

[ 428 ]

هل عليهن الجهر بالقراءة في الفريضة؟ قال: لا. الخ (1) لكنه ضعيف السند من اجل عبد الله بن الحسن فليس بمعتمد ودعوى الانجبار ممنوعة كبرى، بل وكذا صغرى للقطع بعدم استناد الاصحاب إلى هذا الخبر، فان البناء وكذا السيرة على عدم وجوب الجهر عليهن كان ثابتا في الازمنة السالفة حتى قبل صدور هذه الرواية، وقبل ان يخلق علي بن جعفر. وربما يستدل ايضا بان صوت المرأة عورة فمن اجله سقط عنها الجهر. وفيه اولا: انه لا دليل عليه، بل ان السيرة العملية منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى زماننا هذا قائم على الاستماع والتكلم معهن واسماعهن الرجال فلم ينهض دليل على ان صوتها عورة كي يحرم السماع أو الاسماع. وثانيا: ان اللازم مع التسليم اختصاص الحكم بما إذا سمع صوتها الاجنبي، فمع عدمه وجب الجهر عليهن لفقد المانع حينئذ بعد شمول دليل الجهر لهن كما هو المفروض، مع انه لم يقل به احد، بل هي مخيرة فيه على التقديرين اجماعا. وثالثا: ان لازم ذلك حرمة الجهر عليهن لحرمة الاسماع لاعدم الوجوب، ولا قائل بالحرمة، بل الفتوى على سقوط الجهر وعدم الوجوب. ومما يدل على عدم حرمة الجهر عليهن ويكشف (2) ايضا عن (1) الوسائل: باب 31 من أبواب القراءة ح 3. (2) هذا الكشف غير واضح، لابتنائه على انعقاد الاطلاق من حيث شمول الاسماع للاجنبي وهو قابل للمنع، لعدم كونه (ع) بصدد البيان من هذه الجهة بل بصدد بيان إسماع المأمومين لاغير، بل يكفينا مجرد الشك في ذلك كما لا يخفى.

[ 429 ]

عدم كون صوتها عورة صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير؟ فقال: بقدر ما تسمع، ونحوها صحيحة علي بن جعفر التي هي بعين هذا المتن إلا في قوله (فقال) العاري عن الفاء في هذه الصحيحة (1) فان السائل قد فرض رفع الصوت الملازم للجهر وسأل عن حده، والامام (ع) امضى اصل الجهر وحدده بان تسمع الغير، أو بأن تكون القراءة مسموعة، كما هو ظاهر قوله (تسمع) سواء قرء مبنيا للمفعول (تسمع) أو للفاعل من باب الافعال (تسمع). واما ما عن الحدائق من احتمال قراءة (تسمع) اي تسمع نفسها الملازم للاخفات فلا تدل على جواز الجهر فساقط لبعده جدا لما عرفت من فرض رفع الصوت الملازم للجهر والسؤال عن حده وقد امضاه الامام (ع) وحدده بما عرفت ولو كان المراد ما ذكره كان اللازم ان يجيب (ع) بقوله لاترفع لا ان يحدد الرفع بما ذكر. وبالجملة: فالمستفاد من النصوص جواز الجهر لهن. وربما يقال بوجوبه عليها إذا كانت اماما لرواية علي بن جعفر المتقدمة: " هل عليهن الجهر بالقراءة في الفريضة؟ قال: لا، إلا ان تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها (2) فان ظاهر كلمة (على) الوجوب. وفيه: مضافا إلى ضعف السند بعبدالله بن الحسن كما مر ان


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب القراءة ح 1، 2. (2) الوسائل: باب 31 من أبواب القراءة ح 3.

[ 430 ]

[ وأما في الاخفاتية فيجب عليهن الاخفات كالرجال (1) ويعذرن فيما يعذرون (2). ] الاسماع غير واجب حتى على الرجل فضلا عن المرأة فسياقها سياق ما دل على استحباب الاسماع وانه يستحب للامام ان يسمع من خلفه، فلا ظهور لها في الوجوب. فتحصل: ان المرأة تتخير بين الجهر والاخفات في الصلوات الجهرية مطلقا اماما كانت أم منفردة من غير فرق بين سماع الاجنبي وعدمه فالاحتياط المذكور في المتن غير لازم. (1): - كما هو المشهور، وخالف فيه الاردبيلي وبعض من تبعه فذهب إلى التخيير كما في الجهرية مستندا إلى تقييد موضوع الحكم في صحيحة زرارة التي هي المدرك لوجوب الخفت بالرجل، فلا دليل في المرأة والمرجع الاصل. وفيه: ما لا يخفى فان ذكر الرجل فيها كما في غيرها من الاخبار التي يستفاد منها احكام الشكوك والموانع والسهو في الركعات بل وغيرها من الابواب المتفرقة في الفقه إنما هو من باب المثال وبعنوان انه مكلف ومصل لا بما انه رجل فيتعدى إلى المرأة بقاعدة الاشتراك في التكليف إلا فيما ثبت الاختصاص بدليل خارجي الثابتة بالاجماع ولا ينتقض بما قدمناه من انكار ذلك في الصلاة الجهرية لقيام الاجماع هناك على الخلاف غير المتحقق في المقام. (2): - لقاعدة الاشتراك كما تقدم توضيحه في الجهة الاولى من المسألة السابقة فلاحظ.

[ 431 ]

[ (مسألة 26): مناط الجهر والاخفات ظهور جوهر الصوت (1) وعدمه فيتحقق الاخفات بعدم ظهور جوهره وان يسمعه من بجانبه قريبا وبعيدا. ] (1): - ذكر جمع ان المناط في الجهر أن يسمع غيره، وفي الاخفات أو ادنى الاخفات أن يسمع نفسه. وهذا مضافا إلى انه لا دليل عليه قابل للتصديق، إذ الظاهر عدم تحقفه في الخارج للملازمة بين سماع النفس واسماع الغير، ولو بان يضع الغير اذنه على فم القارئ، ففرض الخفت على حد يصل الصوت إلى اذن القارئ ولا يصل إلى اذن غيره بوجه حتى يتحقق سماع النفس دون سماع الغير مجرد فرض لا واقع له، ولو بدلوا هذا التعريف بان الجهر ما يسمعه البعيد، والاخفات ما لا يسمع القريب أيضا إلا همسا كما هو مضمون مرسلة علي بن ابراهيم في تفسيره قال: وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: الاجهار ان ترفع صوتك تسمعه من بعد عنك، والاخفات ان لا تسمع من معك إلا يسيرا (1) لكان له وجه (2) لمعقوليته في نفسه، وان كان هذا أيضا لا دليل عليه لضعف المرسلة.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب القراءة ح 7. (2) بل لا وجه له لورود المرسلة تفسير الجهر والاخفات المنهين؟ في الآية الشريفة، ولا ترتبط بالمعنى المبحوث عنه منهما في المقام كما يظهر بملاحظة نص عبارة التفسير وهي هكذا =

[ 432 ]

ومن هنا: ذكر جماعة آخرون ومنهم الماتن ان مناط الجهر والاخفات ظهور الصوت وعدمه. وهذا ايضا لا دليل عليه. على ان لازمه ان يكون الصوت الشبيه بالمبحوح اخفاتا لعدم ظهور جوهر الصوت معه مع انه لا يمكن الالتزام به. فالظاهر ايكال تحديدهما إلى الصدق العرفي، فان الاجهار هو الاعلان، ويقابله الاخفات، والمتبع فيه نظر العرف، فكلما صدق عليه عرفا انه جهر أو انه اخفات ترتب عليه الحكم. والظاهر: ان الصوت الشبيه بالمبحوح ليس من الاخفات في نظر العرف، فان تم هذا الاستظهار فهو، وإلا فماذا يقتضيه الاصل العملي؟ ذكر المحقق الهمداني (قده): ان مقتضى القاعدة حينئذ هو الاشتغال. لانا مأمورون بالجهر أو الاخفات، ونشك في الصدق على هذا الفرد فاللازم تركه، واختيار غيره تحصيلا للفراغ عن عهدة التكليف المقطوع. وذك بعضهم: ان المرجع البراءة، إذ ليس الشك في المصداق كي يكون من الشك في المكلف به، بل هو من الشك في التكليف للترديد في سعة المفهوم وضيقه، وان مفهوم الاخفات هل اعتبرت فيه خصوصية بحيث لا تنطبق على المبحوح أولا. ومن المعلوم ان


= روى ايضا عن أبي جعفر الباقر (ع) في قوله تعالى (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قال الاجهار ان ترفع صوتك تسمعه من بعد عنك والاخفات ان لا تسمع من معك لا سرا (يسيرا) ج 2 ص 30 ولعل منشأ الغفلة الاقتصار على ملاحظة الوسائل حيث حذف الآية الكريمة عن متن الحديث.

[ 433 ]

[ (مسألة 27): المناط في صدق القراءة قرآنا كان أو ذكرا، أو دعاءا ما مر (1) في تكبيرة الاحرام من ان يكو بحيث يسمعه نفسه تحقيقا أو تقديرا، بأن كان أصم أو كان هناك مانع من سماعه ولا يكفى سماع الغير الذي هو اقرب إليه من سمعه. ] المرجع في الشبهة المفهومية اصالة البراءة للعلم بالجامع، والشك في الخصوصية الزائدة والاصل عدمها. ولا يخفى ان هذا متين بحسب الكبرى. وقد ذكرنا نظائره كثيرا فيما مر كالصعيد ونحوه. إلا انه لا يمكن الالتزام به في خصوص المقام للعلم الاجمالي باعتبار عدمه. اما في مفهوم الجهر أو في مفهوم الاخفات لعدم الواسطة بين الامرين فانا مكلفون بالجهر في صلاة الغداة وبالاخفات في صلاة الظهر مثلا ونعلم اجمالا بتقيد أحد التكليفين بعدم وقوع القراءة على صفة المبحوح واصالة عدم التقييد في كل منهما معارض بالآخر، فلا مناص من ترك هذا النوع من القراءة راسا رعاية لتنجيز العلم الاجمالي واختيار غيره تحصيلا للقطع بالفراغ عن عهدة التكليف المعلوم. (1): - قد مر بعض الكلام في مبحث التكبير. وتوضيح المقام يستدعي التكلم (تارة) في كفاية سماع الغير في صدق القراءة وان لم يسمعه نفسه كما لو كان الغير اقرب إليه من سمعه وعدم الكفاية بل لابد من سماع نفسه ولو تقديرا، كما كان أصم أو كان هناك

[ 434 ]

مانع خارجي عن السماع (واخرى) في انه على تقدير الكفاية فهل يجزي ذلك في امتثال الامر بالقراءة في الصلاة أو لا؟ فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: فعلى تقدير تسليم الفرض وتحققه خارجا - مع انه محل تأمل بل منع، وإذا بعد تحقق الصوت وتموج الهواء فهو يسمع لا محالة كما يسمعه غيره ولا نعقل التفكيك - فلا ينبغي الريب في صدق الكلام والقراءة عليه، ولذا لو تكلم بمثل ذلك وكان من كلام الآدمي بطلت صلاته بلا اشكال، إذ لم يعتبر في مفهوم الكلام ولا في مصداق اسماع النفس وهذا ظاهر. وأما الجهة الثانية: فالظاهر - كما عليه المشهور - عدم الاجتزاء بمثل ذلك في الصلاة وان صدق عليه عنوان القراءة للنصوص الكثيرة الناهية عن ذلك التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: لا يكتب من القراءة والدعاء إلا ما اسمع نفسه، وموثقة سماعة قال: سألته عن قول الله عزوجل: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها؟ قال: المخافتة ما دون سمعك، والجهر أن ترفع صوتك شديدا (1) ونحوهما غيرهما فلاحظ. نعم: بأزائها صحيحة علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل يصلح له ان يقرأ في صلاته ويحرك لسانه بالقراءة في لهوانه من غير أن يسمع نفسه؟ قال: لا بأس ان لا يحرك لسانه يتوهم توهما (2) فانها صريحة في عدم اعتبار سماع النفس، بل الاكتفاء بمجرد التوهم وحديث النفس، لكنها مخالفة للكتاب والسنة، إذ مرجعها


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب القراءة ح 1، 2. (2) الوسائل: باب 33 من أبواب القراءة ح 5.

[ 435 ]

[ (مسأله 28): لا يجوز من الجهر ماكان مفرطا خارجا عن المعتاد (1) كالصياح، فان فعل فالظاهر البطلان. (مسألة 29): من لا يكون حافظا للحمد والسورة يجوز ان يقرأ في المصحف (2)، بل يجوز ذلك للقادر الحافظ ايضا على الاقوى. إلى عدم اعتبار القراءة في الصلاة فيخالفها قوله تعالى: " فاقرؤا ما تيسر منه " وكذا الاخبار الكثيرة الآمرة بقراءة الفاتحة في الصلاة أو هي مع سورة اخرى فلابد من طرحها أو رد عملها إلى اهله. وعن الشيخ حملها على من يصلي خلف من لا يقتدي به، وهو وان كان بعيدا في نفسه جدا لظهور الصحيحة في حال الاختيار دون التقية والاضطرار، إلا انه لا بأس به (1) حذرا عن طرحها رأسا. (1): - بلا خلاف فيه للاخبار الكثيرة الناهية عن ذلك الواردة في تفسير الآية المباركة: " ولا تجهر بصلاتك " كموثقة سماعة وصحيحة عبد الله بن سنان وغير هما (2) وهذا مما لااشكال فيه، وحيث ان ظاهر النهي الارشاد إلى المانعية فالظاهر البطلان كما افيد في المتن. (2): - اما مع العجز فلا اشكال في الجواز حتى مع التمكن من الايتمام لاطلاق الادلة كما هو ظاهر، بل لا خلاف فيه وعليه الاجماع


(1) وقد دل بعض النصوص على جواز ذلك في هذه الحالة، لاحظ الوسائل باب 33 من أبواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: باب 33 من أبواب القراة ح 2، 3.

[ 436 ]

في كثير من الكلمات، إنما الكلام في جواز ذلك مع القدرة والتمكن من القراءة عن ظهر القلب كما يتفق كثيرا ان المصلي ربما يحب أن يقرأ سورة طويله لا يحفظها مع تمكنه من قراءة طبيعي السورة عن ظهر القلب. فعن غير واحد هو الجواز ايضا لاطلاق الادلة، وذهب جمع آخرون إلى المنع ويستدل له بوجوه: الاول: دعوى الانصراف. وفيه ما لا يخفى بل هو ممنوع جدا فان القراءة من المصحف ايضا مصداق للقراءة، ولذا قرأ الخطيب خطبة من كتاب نهج البلاغة، أو رواية من كتاب الوسائل، أو قصيدة مكتوبة يتحقق في الجميع عنوان القراءة، ويصدق الامتثال لو كان مأمورا بشئ مما ذكر، إذ لا يعتبر في مفهومها ظهر القلب بلا اشكال. الثاني: التأسي بالنبي والمعصومين عليهم السلام إذ لم يعهد عنهم القراة في الصلاة من المصحف. (وفيه) مضافا إلى ضعف دليل التأسي وان فعلهم لا يكشف عن الوجوب كما مر غير مرة انهم عليهم السلام حافظون للقرآن ومستغنون عن القراءة في المصحف فلا يقاس بهم غيرهم. الثالث: قاعدة الاشتغال للشك في الامتثال لو قرأ عن المصحف، والاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ كذلك ولا يحصل الا بالقراءة عن ظهر القلب. وفيه: مضافا إلى انه لا مجال للتمسك بالاصل بعد اطلاق الدليل ان مقتضاه البراءة للشك في حدوث تكليف زائد كما هو الشأن في موارد الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطي.

[ 437 ]

الرابع: خبر ان جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل والمرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه ويقرأ ويصلي، قال: لا يعتد بتلك الصلاة (1). (وفيه) ان الدلالة وان كانت تامة لكنه ضعيف السند بعبد الله بن الحسن، وليست في المقام شهرة على المنع حتى يدعى انجباره بالعمل لو سلم كبرى الانجبار، فلا يمكن الاستدلال به. الخامس: ان القراءة من المصحف مكروه اجماعا، ولا شئ من المكروه بواجب لتضاد الاحكام بأسرها. ويرده اولا: ان المكروه انما هو النظر في المصحف لكونه شاغلا ومانعا عن حضور القلب في الصلاة لانفس القراءة وان استلزمته، فاختلف مورد الوجوب عن الكراهة ولم يردا على محل واحد. وثانيا: لو سلم كراهة القراءة نفسها فلا ينافي ذلك اتصافها بوقوعها مصداقا للواجب لعدم تعلق الوجوب بشخص تلك القراءة حتى تتحقق المنافاة، بل الواجب طبيعي القراءة الجامع بين كونها في المصحف أو عن ظهر القلب ولا مانع من انطباق الطبيعي على الفرد المكروه، إذ كل مكروه فهو مرخص فيه غايته ان يكون فردا مرجوحا وثوابه اقل من غيره كما هو الحال في ساير العبادات المكروهة. فلا منافاة بين وجوب الطبيعي وكراهة الفرد، وإنما التنافي بينه وبين حرمته، إذ مقتضى اطلاق الاول الترخيص في التطبيق حتى على هذا الفرد، ومقتضى الثاني عدمه فلا مناص في مثله عن الالتزام بالتخصيص، وان دائرة المأمور به مقيدة بعدم


(1) الوسائل: باب 41 من أبواب القراءة ح 2

[ 438 ]

انطباقها على هذا الفرد، وهذا بخلاف المكروه لما عرفت من اشتماله على الترخيص فلا ينافي الاطلاق. السادس: خبر عبد الله بن أوفى ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله فقال اني لااستطيع أن احفظ شيئا من القرآن فماذا اصنع؟ فقال صلى الله عليه وآله له: قل سبحان الله والحمد لله، فلو جازت القراءة من المصحف لامره بذلك. ولا يخفى، ان هذا من اردء انحاء الاستدلال، إذ فيه اولا: ان الرواية عامية ولم ترد عن طرقنا فهي ضعيفة السند. وثانيا: ان موردها ليست القراءة في الصلاة التي هي محل الكلام، بل قراءة مطلق القرآن، فهي اجنبية عما نحن فيه. وثالثا: ان مورده صورة الاضطرار ويجوز فيها القراءة في المصحف اجماعا. ورابعا: أن سياقها يشهد ان السائل عامي محض لايستطيع القراءة في المصحف فلا يمكن امره بذلك، فلا يقاس عليه من يتمكن الذي هو محل الكلام. وقد ظهر من جميع ما ذكرنا ان الاقوى هو جواز القراءة في المصحف حتى مع الاختيار لاطلاق ادلة القراءة وعدم نهوض ما يوجب التقييد. هذا: وربما يستدل للجواز برواية الحسن بن زياد الصيقل قال: قلت لابي عبد الله (ع) ما تقول في الرجل يصلي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه؟ فقال: لا بأس بذلك (1) لكنها ضعيفة السند وان عبر عنها بالمصححة في بعض الكلمات، فان


(1) الوسائل: باب 41 من أبواب القراءة ح 1

[ 439 ]

[ كما يجوز له اتباع من يلقنه آية فآية (1) لكن الاحوط اعتبار عدم القدرة على الحفظ وعلى الائتمام. (مسألة 30): إذا كان في لسانه آفة لا يمكنه التلفظ (2) يقرأ في نفسه ولو توهما والاحوط تحريك لسانه بما يتوهمه. ] الحسن بن زياد الصيقل لم يوثق. نعم ورد في اسانيد كامل الزيارات الحسن بن زياد ولم يعلم ان المراد به الصيقل (1)، بل الظاهر ان المراد به الضبي مولى بني ضبة المعبر عنه بالطائي ايضا فانه المعروف الذي له كتاب دون الصيقل، ولا اقل من الشك فلم يثبت توثيقه، فلا يمكن الاعتماد عليها حتى يجمع بينها وبين خبر علي بن جعفر المتقدم - في الوجه الرابع - بالحمل على الكراهة كما قيل لضعفها معا كما عرفت. (1): - كما مر في التكبير فان القدرة المعتبرة في التكليف انما هي القدرة الحاصلة في ظرف العمل ولو تدريجا، ولا يعتبر فعلية القدرة على المجموع قبل الشروع فيجوز متابعة الملقن وان تمكن من الحفظ والائتمام. (2): - إذا كان المصلي قادرا على القراءة الصحيحة فلا كلام واما إذا كان عاجزا ففروضه ثلاثة، إذ قد يكون عاجزا عن القراءة الصحيحة فيأتي بها ملحونة كما في الفأفاء والتمتام ونحو هما


(1) ولكن الرجل على التقديرين لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا يشمله التوثيق

[ 440 ]

ممن لا يتمكن من تأدية الحروف عن مخارجها كأن يبدل الراء ياءا أو كان اعجميا غريبا عن اللغة العربية فيبدل الضاد زاء مثلا ولا يستطيع ان يتعلم، وقد يكون عاجزا عن القراءة رأسا، وهذا تارة: يكون لمانع ذاتي كما في الاخرس، واخرى لمانع عرضي كمن به آفة في لسانه. اما القسم الاول: فلا شك ان وظيفته الاتيان بما يتمكن من القراة وما يتيسر له فان هذه هي قراءة، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وتدل عليه موثقة السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: قال النبي صلى الله عليه وآله إن الرجل الاعجمي من أمتي ليقرأ القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيته (1) وقد بنينا اخيرا على العمل بروايات السكوني واعتبارها لانه موثق بتوثيق الشيخ وان كان عاميا، والنوفلي الراوي عنه موجود في اسانيد كامل الزيارات وتفسير القمي. وتؤيده معتبرة مسعدة بن صدقة قال سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول: انك قد ترى من المحرم (2) من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما اشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم، والمحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح (3) وهل يجب عليه الايتمام مع التمكن منه؟ الظاهر لا، لان وظيفته ذلك، وهي منه بمنزلة القراءة الصحيحة من الفصيح فيشمله اطلاق قوله (ع) في صحيح زرارة


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب قراءة القرآن ح 4. (2) يقال اعرابي محرم: جاف لم يخالط الحضر (اقرب الموارد). (3) الوسائل: باب 59 من أبواب القراءة ح 1.

[ 441 ]

" الصلاة فريضة وليس الاجتماع بمفروض من الصلوات كلها ولكنها سنة " (1 ح). واما القسم الثاني: وهو العاجز رأسا لمانع ذاتي كالاخرس، فالمشهور كما في المتن انه يحرك لسانه ويشير بيده على حذو تفهيم ساير مقاصده، بل ان هذا في الجملة مما لااشكال فيه ولا خلاف وتدل عليه موثقة السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبع (2)، وتؤيده معتبرة مسعدة بن صدقة المتقدمة. إنما الكلام: في انه بشير إلى أي شئ فان المعاني لا يلزم قصدها أو التوجه إليها حتى في المختار فان كثيرا من الناس بل اكثرهم يصلون ولا يدرون ما يقولون، أو لا يلتفتون، فقصد المعنى غير معتبر قطعا حتى تجب الاشارة إليه. واما الالفاظ: فقد يقال بامتناع اشارة الاخرس إليها إذ هو لكونه اصم (لملازمة الخرس للصم) لم يسمع الالفاظ منذ عمره وطيلة حياته فكيف يشير إليها وهو لا يعرفها بالنسبة إلى الالفاظ كالا عمى بالنسبة إلى الالوان. لكن الظاهر: انه يشير إلى اللفظ، إذ هو يعلم ولو اجمالا انه يخرج من الناس نوع صوت في مقام تفهيم مقاصدهم لما يراه من تحريك اللسان والشفتين وساير الملابسات كما يخرج عن نفسه أيضا وان كان من نفسه مهملا فيشير إلى تلك الاصوات والالفاظ عند


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: باب 59 من أبواب القراءة ح 1.

[ 442 ]

القراءة كما في غيرها فتدبر جيدا. واما آلة الاشارة ففي المتن كغيره من ساير كلمات القوم انها اليد والمذكور في النص الاصبع، والظاهر انهما متلازمان ومآلهما واحد فان الاصبع جزء من اليد فلو اشار به يصدق انه اشار بيده كالعكس فلا فرق بين الامرين. ومما ذكرنا: تعرف عدم وجوب الايتمام عليه، لان هذه هي قراءته وهي منه بمنزلة الصحيح من الفصيح مضافا إلى اطلاق النص المعين للوظيفة الفعلية. واما القسم الثالث: وهو العاجز عن القراءة لمانع عارضي كمن في لسانه آفة، فقد ذكر في المتن تبعا لجمع انه يقرأ في نفسه ولو توهما مثل حديث النفس، وهذا بخصوصه لم يرد في شئ من الاخبار، لكن صاحب الجواهر (قده) استدل له تارة بصحيحة علي بن جعفر المتقدمة: " سألته عن الرجل هل يصلح له أن يقرأ في صلاته ويحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير ان يسمع نفسه قال لا بأس ان لا يحرك لسانه يتوهم توهما (1). وقد اسلفنا الكلام حولها وانه لابد من رد علمها إلى اهله حيث ان ظاهرها المختار وهو على خلاف الكتاب والسنة وتقدم ما عن الشيخ من حملها على الايتمام خلف المخالف، وعرفت ان هذا وان كان بعيدا جدا، لكنه لا بأس به حذرا على الطرح. وعلى كل حال فهي اجنبية عن محل الكلام كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب القراءة ح 5

[ 443 ]

واخرى: بخبره الآخر المروي عن قرب الاسناد (1) لكنه مضافا إلى ضعف سنده بعبد الله بن الحسن أجنبي عن المقام ايضا ولا شاهد على حمله عليه. وثالثة: بمرسل محمد بن أبي حمزة قال: يجزيك من القراءة معهم مثل حديث النفس (2) لكنها مضافا إلى ضعفها بالارسال كالصريح في الايتمام خلف المخالف لقوله (ع) (معهم)، فهي أيضا اجنبية عن المقام. وعلى الجملة: فليس في البين نص يعتمد عليه. وحينئذ فان قلنا بان الاخرس بمفهومه شامل لمحل الكلام وانه عبارة عن مطلق من لم يتمكن من التكلم وان كان لجهة عارضية فيشمله حكمه لكونه من مصاديقه حينئذ، وإلا كما لعله الاقوى لانصرانه إلى المانع الذاتي كالعمى، فكما ان الاعمى لا يصدق على من لا يبصر فعلا لعارض موقت مع قبوله للعلاج، فكذا الاخرس فانه ينصرف عمن طرا عارض موقت على لسانه يزول بالعلاج - فالظاهر ايضا كذلك، فانه وان خرج عنه موضوعا لكنه داخل حكما، إذ مناسبة الحكم والموضوع تقضي بان الخرس لا خصوصية له وانما اخذ في لسان الدليل باعتبار انه لا يتمكن من التكلم فهو الموضوع في الحقيقة والاخرس من احد مصاديقه فيعم الحكم لمثل المقام ايضا. فالاقوى ان وظيفته هي وظيفة الاخرس، لكن الاحوط ان يضم معها ما في المتن من القراءة في النفس ولو توهما فيحرك لسانه بما يتوهمه لذهاب جماعة إليه.


(1) الوسائل: باب 52 من أبواب القراءة ح 4. (2) الوسائل: باب 52 من أبواب القراءة ح 3.

[ 444 ]

[ (مسألة 31): الاخرس يحرك لسانه ويشير بيده (1) إلى الفاظ القراءة بقدرها. (مسألة 32): من لا يحسن القراءة يجب عليه التعلم (2) وان كان متمكنا من الايتمام، وكذا يجب تعلم سائر اجزاء ] (1): - قد ظهر حالها مما مر فلا حظ. (2): - إن قلنا بان التعلم واجب نفسي كما اختاره المحقق الاردبيلي (قدس سره) اخذا بظواهر بعض النصوص كقوله طلب العلم فريضة ونحوه فلا اشكال في الوجوب. واما إذا انكرنا ذلك وبنينا على ان الوجوب طريقي تحفظا على الاحكام الواقعية كما هو الصحيح، ويشهد له ما ورد من ان العبد يؤتى به يوم القيامة فيقال هلا عملت؟ فيقول: ما عملت، فيقال هلا تعلمت؟. الخ (1) فلا دليل على وجوب التعلم في المقام حتى مع التمكن من الائتمام فانه ايضا طريق يوصل إلى الوافع والمفروض ان التعلم لا خصوصية له عدا الايصال وعدم الاخلال بالواقع، فمع الامن منه لا يجب التعلم ومن هنا ذكرنا وذكر الماتن ايضا في اوائل الكتاب في مبحث التقليد ان من يعلم انه لا يبتلي بمسائل الشك لا يجب عليه تعلم احكامه.


(1) ورد هذا المضمون في رواية معتبرة أخرجها في البحار ج 2 ص 29 عن أمالي المفيد وفي ص 180 عن قبس المصباح، واوردها في تفسير البرهان ج 1 ص 340 عن أمالي الشيخ الطوسي.

[ 445 ]

[ الصلاة، فان ضاق الوقت مع كونه قادرا على التعلم (3) فالاحوط الائتمام إن تمكن منه. ] (1): - تفصيل الكلام في المقام قد يفرض ان المكلف عاجز عن التعلم فلا يقدر عليه لقصور فيه اما ذاتا أو عرضا كضيق الوقت أو لانه اسلم في مكان لا يجد من يعلمه من بيداء أو محبس ونحو هما وقد يفرض قدرته عليه غير انه فرط وقصر في التعلم إلى ان ضاق الوقت فاصبح عاجزا بسوء اختياره. اما العاجز القاصر فلا شك في سقوط القراءة عنه فانه تكليف بما لا يطاق، وان الوظيفة حينئذ تنتقل إلى البدل وسيأتي الكلام عليه. وهل يجب عليه الائتمام حينئذ إن تمكن منه لا ينبغي الاشكال في العدم، والظاهر انه لا قائل به أيضا، ووجهه ظاهر، اما بناءا على ان الائتمام مسقط للقراءة كما هو الصحيح لا انه عدل للواجب التخييري فالامر واضح، لانه غير مأمور بالقراءة رأسا لمكان العجز فلا تكليف بها حتى يحتاج إلى المسقط، ولزوم الاتيان بالمسقط في حد نفسه لا دليل عليه. واما على المبنى الآخر فكذلك اخذا باطلاق ادلة البدلية كما ستعرف قريبا ان شاء الله تعالى من ان الوظيفة حينئذ تنتقل إلى التكبير والتسبيح أو الاتيان بالميسور، أو قراءة غير الفاتحة من سور القرآن فان مقتضى الاطلاق في تلك الادلة عدم الفرق بين صورتي التمكن من الائتمام وعدمه، ومن البين ان عدل الايتمام هو مطلق الفرادى

[ 446 ]

الاعم من المشتملة على القراءة أو على بدلها لا خصوص الاولى. مضافا إلى اطلاق قوله (ع): الصلاة فريضة وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها ولكنها سنة (1) فان مقتضاء استحباب الجماعة مطلقا خرج عنه ما ثبت وجوبها فيه كالجمعة فيبقى الباقي ومنه المقام تحت الاطلاق. ومع الفض عن الاطلاقين المزبورين فاحتمال وجوب الجماعة أو اشتراطها منفي باصالة البراءة كما لا يخفى فتحصل ان الائتمام غير واجب حتى على القول بالوجوب التخييري. واما العاجز المقصر الذي ترك التعلم مع قدرته عليه عالما عامدا حتى ضاق الوقت فالكلام فيه يقع في مقامين: احد هما ما إذا لم يتمكن من الائتمام، وثانيهما مع التمكن منه. اما المقام الاول: فقد ذهب بعضهم إلى سقوط الاداء حينئذ وتعين القضاء، إذ الواجب هي الصلاة عن قراءة صحيحة وكان متمكنا منها وضيعها على نفسه بتقصيره في التعلم بسوء اختياره، ولا دليل على الانتقال إلى البدل لاختصاص ادلة البدلية بالعاجز القاصر وانصرافها عن المقصر، كما لادليل على الاجتزاء بالناقص بقاعدة الميسور لعدم تماميتها، فلا مناص عن الالتزام بسقوط الصلاة والانتقال إلى القضاء. وذكر المحقق الهمداني (قده) (في بعض موارد الاضطرار) ان القاعدة تقتضي ذلك اي سقوط الاداء في كافة التفويتاب الاختيارية فلو أراق الماء عمدا فقد فوت على نفسه الصلاة الاختيارية ولا دليل في مثله على الانتقال إلى التيمم لانصراف دليل البدل إلى العجز


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 447 ]

القهري لا الاختياري العمدي، نعم مقتضى دليل عدم سقوط الصلاة بحال لزوم الانتقال إلى البدل وبذلك يخرج عن مقتضى القاعدة غير انه قد تردد في شمول هذا الدليل لمثل المقام من جهة التشكيك في مفاده لاحتمال ان يراد بالحالة الحالات الطارئة على المكلف بحسب طبعه من مرض أو سفر ونحو هما دون حال العصيان، فمن الجايز ان لا يشمل حال التفويت الاختياري. ومن هنا ذكر ان الاحوط في امثال المقام الجمع بين الاداء والقضاء عملا بالعلم الاجمالي. وهذا: القول اعني سقوط الاداء وجيه لولا قيام الدليل على عدم سقوط الصلاة بحال، فانه وان لم يرد بلفظه في دليل معتبر لكن مضمونه مستفاد مما ورد في اخبار المستحاضة كقوله (ع) في صحيحة زرارة " ولا تدع الصلاة بحال " لقطع بعدم خصوصية للمستحاضة في هذا الحكم، ولا ينبغي الريب في شمول الحال لمثل المقام فانه من جملة الاحوال، والتشكيك المزبور لم نعرف له وجها صحيحا فلا مانع من التمسك بالاطلاق بعد صدق اسم الصلاة على الفاقد للقراءة لعدم تقومها باكثر من الركوع والسجود والطهور، فالمتعين هو الاداء فقط دون القضاء، إذ لا ينتهي الامر إليه بعد تعين الوظيفة في الوقت المانع من صدق الفوت الذي هو موضوع القضاء ودون الجمع، إذ لا تصل النوبة إلى العلم الاجمالي كما هو ظاهر. واما المقام الثاني: فهل يجب الايتمام مع التمكن منه؟ يقع الكلام تارة في الوجوب التكليفي وأخرى في الوجوب الوضعي. اما الاول: فقد احتاط فيه في المتن وان لم يصرح بالتكليفي وقد جزم (قده) به في اوائل احكام الجماعة حيث ذكر انها مستحبة

[ 448 ]

لكنها تجب في موارد وعد المقام فيها. وربما يقال: بعدم الوجوب استنادا إلى اصالة البراءة بناءا على ان الانتمام مسقط كما هو الصحيح لا انه عدل للواجب التخييري، فان الامر بالقراءة ساقط ولو بالتعذر المستند إلى التقصير، وايجاب المسقط يحتاج إلى الدليل وحيث لادليل فيدفع باصالة البراءة، ويقتصر على المقدار الممكن. وربما يستدل عليه ايضا بصحيحة عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (ع): ان الله فرض من الصلاة الركوع والسجود ألا ترى لو ان رجلا دخل في الاسلام لا يحسن ان يقرا القرآن اجزأه ان يكبر ويسبح ويصلي (1) حيث ان مقتضى اطلاقها ان غير المتمكن من القراءة يجزيه التسبيح وان كان متمكنا من الايتمام، فيظهر من القراءة ليست من المقومات وإنما المقوم للصلاة الركوع والسجود كما صرح بهما في صدر الصحيحة وكذا الطهور كما يظهر من بعض الاخبار. والجواب: اما عن الصحيحة فبأن القراءة وان لم تكن مقومة لكنها من اجزاء الصلاة وواجبة مع التمكن بلا اشكال لقوله (ع) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، والمفروض في المقام التمكن من تعلمها فتجب لا محالة غير ان المكلف فوتها على نفسه بتقصيره وسوء اختياره فكيف تشمله هذه الصحيحة التي موردها العاجز القاصر الذي لا يقدر على التعلم كما هو ظاهر قوله (ع): لو ان رجلا دخل في الاسلام. الخ حيث ان المنسبق منه ان عدم احسانه للقراءة لكونه


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1

[ 449 ]

جديد عهد بالاسلام فمنصرفه العجز القصوري الذي هو اجنبي عن محل الكلام. واما عن الاصل ففيه: ان البراءة غير جارية في المقام، إذ موردها الشك في التكليف، ولاشك انه كان مكلفا بالصلاة مع القراءة لفرض قدرته على التعلم، فهو مستحق للعقاب على تفويته الاختياري جزما نعم في وسعه دفع العقاب بالائتمام إذ لم يفت عنه حينئذ شئ فلا جرم يستقل به العقل فرارا عن العقاب المقطوع استحقاقه لا المحتمل لما عرفت من انه كان قادرا ولم يتعلم بسوء اختياره إلى ان ضاق الوقت فهو يعاقب لا محالة على تركه للمرتبة الراقية والصلاة الاختيارية (وعلى الجملة) فالايتمام وان لم يكن واجبا في نفسه شرعا بعد فرض كونه مسقطا لا عدلا للواجب التخييري كما هو مبنى الكلام الا ان العقل يستقل بوجوبه دفعا للعقاب المقطوع، ومعه كيف يسوغ تركه رأسا استنادا إلى اصالة البرائة. فتحصل ان وجوب الايتمام تكليفا مما لا ينبغي الارتياب فيه. واما الثاني: فالظاهر عدمه، لاصالة البراءة عن تقيدها به فانه قيد زائد يشك في اعتباره في المأمور به فيدفع بالاصل بناءا على ما هو الصحيح من الرجوع إلى البراءة في الاقل والاكثر الارتباطي، فلو لم يأتم صحت صلاته وان كان آثما، ومن الواضح عدم المنافاة بين الوجوب تكليفا وعدمه وضعا، فالمقام نظير ما لو نذر ان يأتي بالفريضة جماعة، فلو حنث وصلى منفردا صحت صلاته وان كان؟؟.

[ 450 ]

[ (مسألة 33). من لا يقدر إلا على الملحون أو تبديل بعض الحروف ولا يستطيع أن يتعلم اجزأه ذلك ولا يجب عليه الائتمام، وان كان احوط، وكذا الاخرس لا يجب على هالائتمام (1). (مسألة 34): القادر على التعلم إذا ضاق وقته (2) قرأ من الفاتحة ما تعلم، وقرأ من سائر القرآن عوض البقية والاحوط مع ذلك تكرار ما يعلمه بقدر البقبة، وإذا لم يعلم منها شيئا قرأ من سائر القرآن بعدد آيات الفاتحة بمقدار حروفها. ] (1): - تقدم الكلام في هذه المسألة مستقصى فلا حاجة إلى الاعادة فلا حظ. (2): - المشهور ان من لم يتعلم القراءة إلى ان ضاق الوقت سواء أكان قادرا على التعلم فقصر أم كان قاصرا قرأ من الفاتحة ما تيسر، فان عجز عنها بأن لم يتعلم شيئا منها قرأ من ساير القرآن فان عجز عن ذلك أيضا كبر وسبع. وظاهر المحقق في الشرايع الغاء الترتيب وانه بعد العجز عن الفاتحة يتخير بين قراءة ساير القرآن وبين التسبيح. وهذا - مضافا إلى انه لا قائل به عدا ما ينقل عن الشيخ في موضع من المبسوط فهو قول شاذ لا يعبأ به - لا دليل عليه، بل الدليل قائم على خلافه كما ستعرف. هذا وقد استدل على المشهور من اعتبار الترتيب المزبور بوجود كلها

[ 451 ]

ضعيفة ما عدا صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (1) حيث انيط فيها إجزاء التكبير والتسبيح بالعجز عن قراءة القرآن لاعن خصوص الفاتحة، فالانتقال إلى الذكر متفرع على العجز عن طبيعي القراءة ولازم ذلك هو الترتيب والطولية فيسقط التخيير. ويؤيدها قوله تعالى: فاقرأوا ما تيسر منه، وما في خبر الفضل ابن شاذان عن الرضا (ع) من ان العلة في قراءة القرآن في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا، والعلة في اختصاص الفاتحة بالوجوب لاشتمالها على جوامع الكلم (2) حيث يظهر منه تعدد المطلوب، فإذا فات المطلوب الارقى بقي المطلوب الادنى بحاله فوجب قراءة غير الفاتحة من ساير القرآن مهما امكن رعاية لادنى المطلوبين، لكن العمدة ما ذكرناه من الصحيحة، إذا في هذين الوجهين ما لا يخفى وسنشير إليه فلا يصلحان إلا للتأييد. هذا: إذا لم يتمكن من الفاتحة اصلا، واما إذا تمكن من بعضها فان كان المقدور هو معظم الفاتحة فلم يرد النقص الا على مقدار يسير منها كربعها، بل وثلثها بحيث صدق على الباقي عنوان الفاتحة، فلا اشكال في وجوب الاتيان به ووجهه ظاهر واما إذا كان الفائت مقدارا معتنى به كالنصف أو الثلثين بحيث لم يصدق على المقدور عنوان الفاتحة فقد استدل على وجوب قراءة حينئذ بوجوه ضعيفة كقاعدة الميسور، وما لا يدرك، وقوله صلى الله عليه وآله: إذا امرتكم بشئ فانوا منه ما استطعتم، والاستحباب والكل كما ترى.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القراءة ح 3. (2) الوسائل: باب 3 من أبواب القراءة ح 1.

[ 452 ]

والعمدة: الاستدلال عليه باحد وجهين: احد هما تسالم الاصحاب واتفاقهم على ذلك بحيث لم ينقل الخلاف عن احد. ثانيهما: صحيحة ابن سنان المتقدمة بضميمة العلم الخارجي بتقدم الفاتحة على غيرها من ساير القرآن في الصلاة، فان مقتضى الصحيحة ان التسبيح إنما يجزي بعد العجز عن طبيعي القرآن غير المتحقق في المقام بعد تمكنه من بعض الفاتحة، فان مصداق للقرآن كما هو ظاهر، فلا تصل النوبة إلى التسبيح، وحيث انا نقطع من الخارج ان الفاتحة مقدمة على بقية سور القرآن في القراءة المعتبرة في الصلاة ولذا تتقدم على ما عداها لدى الاختيار، فلا نحتمل تقدم غيرها أو التخيير بينها وبين الفاتحة - ولو بعضها - في المقام. فالصحيحة بضميمة هذا العلم الخارجي تنتج وجوب الاتيان بالفاتحة بالمقدار الممكن. وهل يجب التعويض حينئذ عن الباقي؟ فيه خلاف نسب إلى المشهور الوجوب واستدل عليه بامور: احدها: قاعدة الاستغال، إذ لاجزم بفراغ الذمة عن عهدة التكليف المقطوع إلا بالتعويض. والجواب: عنه ظاهر، فانه من موارد الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطي، والصحيح انه مجرى البراءة دون الاشتغال. ثانيها: قوله تعالى: فاقرأوا ما تيسر منه، وظاهر الامر الوجوب وفيه اولا ان الآية المباركة غير ناظرة إلى حال الصلاة، بل هي مطلقة، ومعلوم ان الامر حينئذ محمول على الاستحباب. وثانيا: على تقدير كونها ناظرة إلى الصلاة ومختصة بها فليس المراد كل ما تيسر والا وجب بالمقدار الذي يمكنه وان كان سورة

[ 453 ]

البقرة مع انه غير واجب قطعا، بل المراد طبيعي ما يتيسر الصادق على المقدار الممكن من القراءة، فلا موجب للتعويض. ثالثها: قوله (ع): لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، فان ظاهره نفي حقيقة الصلاة عن الفاقدة للفاتحة المستلزم للبطلان خرجنا عنه ما اشتملت على الفاتحة الناقصة المعوضة بالاجماع، فيبقى غيره تحت عموم النفي. ولعل هذه أحسن الوجوه. والجواب: ان الاستدلال مبني على ان تكون الرواية بصدد الاخبار عن الدخل في الحقيقة وليس كذلك، بل هي ارشاد إلى الجزئية ولو بضميمة العلم الخارجي بعدم دخل الفاتحة في حقيقة الصلاة وانها لا تسقط بحال وان المقوم لها ليس إلا الركوع والسجود والطهور حسبما ثبت بالنص. وعليه: فالجملة المزبورة في قوة الامر بالفاتحة المختص بحال التمكن جزما فيسقط لدى العجز لا محالة، فالامر بالتعويض يحتاج إلى الدليل والاصل البراءة. (وبالجملة) غاية ما يثبت بهذه الرواية جزئية الفاتحة، واما وجوب البدل فكلا. رابعها: خبر الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) انه قال: أمر الناس بالقرآن في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا إلى أن قال وإنما بدئ بالحمد دون ساير السور لانه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد (1) الدال على وجوب كل من قراءة القرآن ومن خصوص سورة الحمد من باب تعدد المطلوب، فإذا تعذر المطلوب الارقى لزم التحفظ


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القراءة ح 3

[ 454 ]

على المطلوب الادنى، فيجب التعويض محافظة على ادنى المطلوبين بعد تعذر الآخر. وفيه: مضافا إلى ضعف السند كما لا يخفى قصور الدلالة بداهة ان المراد من قراءة القرآن - الذي هو المطلوب الادنى - الطبيعي الصادق على المقدار الميسور من الفاتحة فالمصلحة القائمة بقراءة القرآن من عدم كونه مهجورا حاصلة، والقائمة بالفاتحة ساقطة بالعجز، والتبديل عن المقدار الفائت يحتاج إلى الدليل والاصل البراءة. فتحصل من جميع ما مر ان ما ذكره بعضهم من عدم وجو التعويض هو الاظهر وان كان مراعاته أحوط. ثم على تقدير الوجوب فهل يتعين ان يكون العوض من ساير القرآن غير الفاتحة إذ لا اثر للتكرار فان الشئ الواحد لا يكون اصلا وبدلا فلا يجمع بينهما، أو يتعين ان يكون منها فيكرر ما يعلمه حتى يستكمل مقدار الفاتحة لكونه اقرب إلى المتعذر من غيره لاشتراكهما في كونهما من أجزاء الفاتحة؟ قيل بكل منهما، وكلاهما ليس بشئ، إذ مستند هما وجه اعتباري لا يصلح لان يكون مدركا لحكم شرعي، وأي مانع من ان يكون الشئ الواحد باعتبار وجوده الاول اصلا وبلحاظ الوجود الثاني بدلا، والاقربية المزبورة لم يقم دليل على وجوب مراعاتها. فالتعيين لا دليل عليه ولعله برعاية هذين الوجهين جمع الماتن بينهما وجعل ذلك أحوط. نعم: لا يبعد ان يكون الجمع واجبا لو كان المستند في اصل وجوب التعويض قاعدة الاشتغال، فان هذا الاستدلال كما يقتضي اصل التعويض يقتضي وجوب الجمع في المقام بملاك واحد، إذ لا

[ 455 ]

[ وان لم يعلم شيئا من القرآن سبح وكبر (1) وذكر بقدرها والاحوط الاتيان بالتسبيحات الاربعة بقدرها. ] يحصل الجزم بالفراغ الا بذلك لاحتمال وجوب كل منهما كما مر كما ان الحال كذلك لو كان المستند قوله (ع) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، إذ المتيقن خروجه عن عموم النفي صورة الجمع فيبقى ما عداها تحت العموم المقتضي للبطلان بالتقريب المتقدم لعدم العلم بالخروج لو اقتصر على واحد منهما، ومن هنا كان الجمع احوط، وان كان الاقوى عدم وجوب التعويض من اصله كما عرفت. ثم على تقدير الوجوب فهل يعتبر أن يكون البدل من الفاتحة أو من غيرها - مساويا للمقدار الفائت في الحروف والآيات والكلمات أولا؟ يجرى فيه الكلام المتقدم آنفا بعينه فان المستند لو كان قاعدة الاشتغال أو قوله (ع): لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب فاللازم الاحتياط فلابد من رعاية كل ذلك مما يحتمل دخله في الواجب، نعم مالا يحتمل كعدد الحروف الساكنة أو المتحركة وعدد الفتح والضم والكسر ونحوها مما يقطع بعدم اعتبارها لا يلزم رعايتها ولو احتمل اعتبار هذه ايضا وجب الاحتياط فيه. (1): - إذا لم يتمكن من قراءة القرآن اصلا لا الفاتحة ولا غيرها فما هي الوظيفة حينئذ؟ نسب إلى المشهور انه يسبح الله ويهلله ويكبره، وزاد بعضهم التحميد، واكتفى بعضهم بمطلق الذكر كما عن الشهيد في اللمعة، وذكر بعضهم انه يأتي بالتسبيحات الاربع الواجبة في الركعتين الاخيرتين على هيئتها الخاصة، وكل

[ 456 ]

ذلك مما لادليل عليه. فان الوارد في المقام فبويان احد هما تضمن التكبير والتهليل والتحميد والآخر تضمن التسبيحات الاربع بزيادة قوله: ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو مع اضافة (العلي العظيم) ومعلوم أن سند النبويين قاصر ولم يعمل بمضمونهما الاصحاب حتى ينجبر الضعف بالعمل لو سلم كبرى الانجبار، فان التسبيح يلتزم به المشهور والنبوي الاول خال عنه، كما ان الزيادة التي يشتمل عليها النبوي الآخر لا يلتزمون بها. وبالجملة: فلم نعرفت مستندا صحيحا لهذه الاقوال، إذا لا مناص من الرجوع إلى صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، والمذكور فيها قوله (ع) - اجزأه ان يكبر ويسبح ويصلي. الخ، والمستفاد من الصحيحة ان الركن المقوم للصلاة إنما هو الركوع والسجود، واما القراءة فهي واجبة في حق المتمكن، واما العاجز فيجزيه ان يكبر ويسبح ويصلي. ولا يبعد أن يكون قوله (ع) ويصلي بمعنى يركع، اي يمضي في صلاته، وإلا فهو من الاول داخل في صلاة. فعلى هذا الواجب بدلا عن القراءة إنما هو التسبيح فقط، واما التكبير المذكور قبله فهي تكبيرة الاحرام، فما ذكره المحقق الاردبيلي من نفي البعد عن كون التكبير المزبور تكبيرة الصلاة لا ان يكون مع التسبيح بدلا عن القراءة وجه حسن جدا، بل هو الظاهر من الصحيحة كما عرفت. فالظاهر: الاجتزاء بالتسبيح فقط وان كان الاولى والاحوط الاتيان بالتسبيحات الاربع جمعا بين الاقوال وتحصيلا للقطع بالموافقة.

[ 457 ]

[ ويجب تعلم السورة ايضا ولكن الظاهر عدم وجوب البدل (1) لها في ضيق الوقت وان كان احوط. (مسألة 35): لا يجوز اخذ الاجرة على تعليم الحمد والسورة (2)، بل وكذا على تعليم ساير الاجزاء الواجبة من الصلاة، والظاهر جواز اخذها على تعليم المستحبات. ] (1): - لاريب في وجوب تعلم السورة كالفاتحة بملاك واحد غير ان التعويض غير واجب في الثاني، فلو لم يتعلم السورة قعورا أو تقصيرا سقطت واجتزا بالفاتحة على التفصيل المتقدم، لعدم الدليل على وجوب التعويض هنا والاصل البراءة، بل يمكن اقامة الدليل على العدم. فان الستفاد من صحيحة ابن سنان المتقدمة ان الانتقال إلى البدل إنما هو لدى العجز عن طبيعي القراءة، فمع التمكن منه لا تصل النوبة إلى التسبيح بدلا عن السورة، كما انه مع العجز عنه يجزي التسبيح بدلا عن القراءة الواجبة لا انه يأتي بمقدار بدلا عن الفاتحة، ومقدارا آخر بدلا عن السورة، فان هذا يحتاج إلى مؤونة يدفعها الاطلاق والاصل كما لا يخفى. (2): - لا ينبغي الشك في ان التعليم كالتعلم واجب في مثل المقام لما دل على وجوب تبليع احكام الشريعة المقدسة وبثها ونشرها كما يرشد إليه قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة. الخ حيث دلت الآية المباركة على وجوب التعليم للعالم كوجوب التعلم للجاهل

[ 458 ]

وهل يجوز اخذ الاجرة عليه اولا؟. تكلمنا حول هذه المسألة ونظائرها في بحث المكاسب المحرمة (1) وقلنا ان المشهور وان نسب إليهم عدم جواز اخذ الاجرة على الواجباب، بل عمم المنع بعضهم إلى الواجبات الكفائية الاما خرج بالدليل لكنه لا يمكن المساعدة عليه، إذ الوجوب بما هو لا يقتضي إلا لزوم الاتيان بالعمل تكليفا. وهذا بمجرده لا يكون مانعا عن الايجار والا لمنع حتى في التوصليات لعدم التنافي بين الامرين، فان الوجوب بنفسه لا يقتضي سقوط العمل عن المالية أو سلب سلطنة العامل عليه، أو خروجه عن ملكه كيلا يتمكن من تمليكه للغير حتى يتنافى مع اخذ الاجرة عليه، فكما ان الواجب يمكن وقوعه شرطا في ضمن عقد لازم فكذا يمكن ايجاره، غايته انه يجب حينئذ لملاكين وبوجوبين، وجوبه لنفسه، ووجوبه من قبل الامر الاستيجاري، أو الامر بالوفاء بالشرط، فهذا الامر مما يؤكد الوجوب ويعضده لا انه ينافيه ويعارضه. وبالجملة: حيثية الوجوب في نفسها لا ينافي الايجار، فان الاول باب التكليف، والثاني باب الوضع، فالحيثيتان متغايرتان، وكل منهما لا يأبى عن الآخر، فما افيد من ان الوجوب سالب للمالية أو ان المكلف بعد تعلق الوجوب بالعمل لا يكون مسلطا عليه لخروجه عن ملكه وصيرورته ملكا لله تعالى غير سديد ضرورة: ان العمل لا يكون ملكا له تعالى تلك الملكية المصطلحة


(1) لمزيد التفصيل يلاحظ ما ضبطناه عنه (دام ظله) في كتاب الاجارة ص 373

[ 459 ]

وانما ملكيته تعالى ليس إلا بمعنى الوجوب التكليفي المحض غير المنافي لوقوعه موردا للاجارة، فهو باق على ملك العامل وتحت حيطته وسلطنته فله ايجاره، كما ان للمستأجر اجباره لو امتنع لامن باب الامر بالمعروف، بل من باب الوفاء بالعقد والمطالبة بالحق. كما ان حيثية العبادية بما هي ايضا لا تنافيه، ولذا التزموا بجواز الاستيجار في المستحبات حتى العبادية ولو كانت مانعة لعم المنع للواجبات والمستحبات بملاك واحد مشترك بينهما كمالايخفى. ودعوى منافاة الايجار للخلوص المعتبر في العبادة إذ العمل حينئذ يؤتى لله تعالى ولداعي اخذ الاجرة (كما ترى) ضرورة ان الاجرة يستحقها المؤجر بمجرد عقد الايجار سواء أتى بالعمل أم لا، فلا داعي للعبادة إلا نفس الامر الاول المتعلق بها المتأكد بالامر الثاني الناشئ من قبل الاجارة، واما الاجرة فهي مملوكة بنفس العقد كما عرفت من دون توقف على الامتثال والوفاء. فحيث ان شيئا من الوجوب والعبادية لا ينافي الايجار فاجتماعهما في مورد ايضا لا ينافيه. وبذلك كله يظهر ان الاقوى جواز اخذ الاجرة على الواجب وان كان عباديا سواء أكان عينيا أم كفائيا كما في المقام. نعم: لابد وان يكون هناك نفع عائد للمستأجر واثر مترتب عليه فبدونه يبطل لكونه من اكل المال بالباطل كما في غير الواجبات، مثل ما لو استأجر زيدا ان ينام في بيته نفسه فان المستأجر لا ينتفع من مثل ذلك ويعد اخذ الاجرة حينئذ من الاكل بالباطل، إلا ان المنع في هذه الصورة لم ينشأ من قبل الوجوب بل لجهة اخرى مشتركة بين الواجب وغيره. فلو كان الواجب أو العبادة، أو الواجب العبادي

[ 460 ]

[ (مسألة 36): يجب الترتيب بين آيات الحمد والسورة وبين كلماتها وحروفها (1). ] من هذا القبيل بطلت الاجارة لهذه الجهة لا لجهة الوجوب أو العبادية إذ الكلام في الاجارة الصحيحة في نفسها، وإذا لم يكن من هذا القبيل صح مطلقا. نعم: ربما لا يصح في بعض الموارد كما إذا علمنا من الخارج بناء العمل على المجانية لكونه موردا لحق الناس وانه مما يستحقونه على العامل ولو كفاية كما لا يبعد دعواه في تجهيزات الميت كغسله وكفنه ودفنه والصلاة عليه لقيام ارتكاز المتشرعة على انه حق للميت على المسلمين مجانا وان الله تعالى أو جبه كذلك. ومن جميع ما ذكرناه تعرف ان الاقوى جواز اخذ الاجرة على تعليم القراءة وغيرها من اجزاء الصلاة الواجبة والمستحبة فلا بأس بامرار المعاش والارتزاق من هذه الناحية وان كان الاحوط تركه، حذرا عن مخالفة المشهور. (1): - اما الترتيب بين نفس الحمد والسورة بتقديم الاول على الثاني فقد تقدم الكلام فيه سابقا فلا حظ. واما بين الآيات والكلمات والحروف فلا اشكال فيه كما لا خلاف فان مفهوم الحمد أو السورة يتقوم بتلك الآيات على النهج الخاص والترتيب المقرر بينها بمالها من الاجزاء، فمع الاخلال لا يصدق عنوان السورة التي هي متعلق التكليف، فلم يتحقق المأمور به فيحكم بالبطلان وان تداركه بالتكرار مراعيا للترتيب من جهة

[ 461 ]

[ وكذا الموالاة (1)، فلو اخل بشئ من ذلك عمدا بطلت ] الزيادة العمدية المبطلة، ضرورة انها تتحقق بنفس القراءة الاولى على خلاف الترتيب لانه اتى بها بقصد الجزئية حسب الفرض نعم لو قصد بذلك مطلق القرآن دون الجزئية لم يكن به بأس لعدم كونه من الزيادة القادحة حينئذ. (1) بلا خلاف فيه ولا اشكال لتقوم مفهوم الكلمة أو الآية بذلك من جهة اعتبار الوحدة الاتصالية العرفية بين الاجزاء بحيث لو تخلل الفصل الطويل بسكوت ونحوه الماحي للصورة أو للهيئة الكلامية خرجت الكلمة أو الآية عن حقيقتها، فلو قال: ما، وبعد مدة قال: له، وبعد مدة اخرى قال لم يعد ذلك مصداقا لكلمة مالك بل يعد غلطا في العرف واللغة، ويكون خارجا عن العربية، وكذا لو قال: مالك وبعد فصل طويل قال: يوم وبعد فصل كذلك قال: الدين لم يكن ذلك مصداقا للآية المباركة، بل كان خارجا عن قانون المحاورة وعن الكلام العربي، وكذا الحال بين الآيات بعضها مع بعض، فصدق عنوان السورة أو الآية أو الكلمة موقوف على مراعاة تلك الهيئة الاتصالية الملحوظة بين اجزائها بحيث لو اخل خرج عن الكلام العربي، بل ربما عد غلطا كما عرفت. ومن المعلوم ان الواجب انما هو قراءة القرآن على النهج العربي الصحيح. ولاجل ذلك اعتبرنا الموالاة بين الايجاب والقبول، وبين فصول الاذان والاقامة ونحو هما مما اعتبرت فيه الهيئة الاتصالية العرفية. وعلى الجملة: فالموالاة بهذا المقدار معتبر جزما، واما الزائد

[ 462 ]

[ صلاته (1). ] عليه فلا دليل على اعتباره، والظاهر ان المشهور ايضا لا يعتبرون اكثر من ذلك. (1): - فيما إذا كان بانيا على الاخلال من اول الامر، والوجه في البطلان حينئذ ظاهر وذلك لاجل الزيادة العمدية المبطلة مضافا إلى صدق كلام الآدمي لخروج مورد الاخلال عن القرآن، والذكر والدعاء، فيستوجب البطلان من ناحيتين ولا ينفعه التدارك بتكرار القراءة بعد حصول ما يبطل معه الصلاة، فما في بعض الكلمات من بطلان القراءة بذلك في غير محله، بل الظاهر بطلان الصلاة كما عرفت. نعم: إذا لم يكن بانيا عليه من الاول بل بدا له ذلك في الاثناء كما لو اخذه السعال أو العطاس أو انقطع النفس اثناء الآية أو الكلمة بحيث تخلل الفصل المخل فالظاهر الصحة لو تدارك، بل لا ينبغي الاشكال فيها لعدم تحقق الزيادة المبطلة حينئذ لما مر غير مرة من ان المستفاد من قوله (ع): من زاد في صلاته فعليه الاعادة (1) ان المبطل هو احداث الزائد من اول الامر لااحداث صفة الزيادة لما تقدمه كما في المقام، فانه بعد التكرار والتدارك يتصف السابق بصفة الزيادة من دون أن يكون متصفا بها حين حدوثه. فمثل هذا غى مشمول لتلك الادلة. ومن هنا ذكرنا: ان جواز العدول من سورة إلى اخرى، أو


(1) الوسائل: باب 19 من أبواب الخلل ح 2

[ 463 ]

[ (مسألة 37): لو اخل بشئ من الكلمات أو الحروف (1) أو بدل حرفا بحرف حتى الضاد بالظاء أو العكس بطلت وكذا لو اخل بحركة بناء، أو اعراب، أو مد واجب أو تشديد، أو سكون لازم، وكذا لو اخرج حرفا من غير مخرجه بحيث يخرج عن صدوق ذلك الحرف في عرف العرب. من الحمد إلى التسبيحات الاربع في الركعتين الاخيرتين مطابق للقاعدة من دون حاجة إلى دليل خاص، فان ذلك هو مقتضى التخيير المفروض في المقام إذ لا دليل على تعين الواجب فيما اختاره اولا ما لم يفرغ عنه، كما ان الزيادة العمدية غير متحققه في امثال المقام لما عرفت آنفا. (1): - اما الاخلال في المواد بتغيير كلمة أو تبديل حرف ولو بما يقاربه في المخرج كالضاد بالضاء أو بالعكس - بناءا على تعدد الحرفين وتغاير المخرجين فلا اشكال في البطلان مع العمد للزوم الزيادة المبطلة، مضافا إلى كونه من كلام الآدمي بعد عدم كونه من القرآن ولا الذكر، ولا الدعاء. واما مع السهو فتبطل الكلمة خاصة فتصح القراءة مع التدارك كما هو ظاهر. واما الاخلال في الهيئات فان كان بتغيير في ترتيب الحروف بتقديم وتأخير كتغيير الحمد بالمدح وان اتحد المعنى فحاله كالتغيير في للواد الذي مر حكمه من البطلان مع العمد وبطلان خصوص الكلمة مع

[ 464 ]

السهو فانه من مصاديق ذلك كما لا يخفى. ويلحق بذلك التغيير في حركات الكلمة من اولها أو وسطها أو آخرها إذا كانت مبنية ونعبر عنها بالحركات اللازمة فانه ايضا تعيير في القرآن فلا يكون منه ويجرى فيه ما مر من بطلان الصلاة مع العمد، وبطلان الكلمة مع السهو. واما التغيير في الحركات غير اللازمة كالاعراب فان عد غلطا في كلاب العرب كقوله الحمد بالكسر فهو أيضا ملحق بما سبق لكونه مغايرا للكلام النازل على النبي صلى الله عليه وآله ولابد من قراءة القرآن قراءة صحيحة كما نزلت، فيجري فيه ايضا ما مر من بطلان الصلاة أو الكلمة مع العمد أو السهو. إنما الكلام: فيما إذا لم يكن غلطا ولا مغيرا للمعنى وهذا كما في الصفة ككلمة الرب في قوله: الحمد لله رب العالمين، وكلمة مالك في مالك يوم الدين، حيث قالوا بجواز الوجوه الثلاثة في اعرابها الجر تبعا للموصوف كما هو الشايع الذايع، والنصب بتقدير كلمة اعني، والرفع خبرا لمبتدأ محذوف، فهل يجوز في الصلاة اختيار كل ذلك، أو يتعين الاول كما هو المتعارف فلا يتغير عما هو عليه. ربما يقال بالجواز نظرا إلى ان اللازم هو الاتيان بقراءة صحيحة وهي متحققة في كل ذلك، لكن الظاهر البطلان لانا مأمورون بقراءة القرآن كما انزل وكما يقرأه الناس للنصوص الدالة على ذلك كما سيجئ، لا بكل كلام عربي صحيح فصيح، فليس كل صحيح مجزيا بل اللازم قراءة القرآن على الوجه النازل، فلا يجوز التغيير عما هو عليه وان لم بخرج بذلك عن الصحة، وإلا لجاز التغيير

[ 465 ]

[ (مسألة 38): يجب حذف همزة الوصل في الدرج (1) مثل همزة (الله) و (الرحمن) و (الرحيم) و (اهدنا) ونحو ذلك، فلو اثبتها بطلت، وكذا يجب اثبات همزة القطع كهمزة (انعمت) فلو حذفها حين الوصل بطلت. ] والتبديل في المواد ايضا مع التحفظ على المعنى، كأن يقول بدل قوله تعالى: يس والقرآن الحكيم انك لمن المرسلين هكذا يس والكتاب الحكيم انك لمن النبيين وهو كما ترى. وعلى الجملة: فلا يجوز التخطي عن القراء ات المتعارفة لافي المواد ولا في الهيئات سواء صحت بحسب اللغة والقواعد العربية ام لا. ومما قدمنا: يظهر الحال في التشديد فلا يجوز تغييره والاخلال به فلو قال بدل انا انزلناه، اننا انزلناه بالتفكيك بطل لكونه على خلاف القرآن المنزل، بل ربما يعد من الغلط في كلام العرب كما لا يخفى. واما المد الواجب وكذا تغيير الحروف عن مخارجها فسيجئ الكلام عليها. (1): - كما نص عليه علماء الادب من غير خلاف، فلا يجوز الاظهار فانه يعد من الغلط في كلام العرب إلا في ضرورة الشعر، كما ان همزة القطع لابد من اظهارها على ما صرحوا به ايضا، فلو ادرجها كان من الاخلال بالحروف الذي مر حكمه من بطلان الصلاة مع العمد والقراءة مع السهو.

[ 466 ]

[ (مسألة 39): الاحوط ترك الوقف بالحركة والوصل بالسكون (1). (مسألة 40): يجب ان يعلم حركة آخر الكلمة إذا اراد ان يقرأها بالوصل بما بعدها (2) مثلا إذا اراد ان لا يقف على (العالمين) ويصلها بقول (الرحمن الرحيم) يجب ان يعلم ان النون مفتوح وهكذا. نعم إذا كان يقف على كل آية لا يجب عليه ان يعلم حركة آخر الكلمة. ] (1): - الظاهر انه دليل على اعتبار شئ منهما بعدما رأينا الخطباء والفصحاء من ادباء العرب لا يلتزمون بذلك في محاوراتهم فلا يعد ذلك عيبا في الكلام، ولا لحنا أو خروجا عن قانون اللغة أو القواعد العربية. نعم ربما يعد ذلك نقصا في مقام الخطابة، أو نظم الشعر، إلا ان اعتباره في صحة الكلام العربي بمثابة يورث الاخلال به اللحن ممنوع، ولو شك فيه فمقتضى الاصل البراءة عن مانعية كل منهما. وقد تقدم في بحث الاذان جواز الوصل بالسكون كما هو المتعارف، فلا يقاس المقام بهمزتي الوصل والقطع كما لا يخفى إلا ان الاحوط والاولى مع ذلك تركهما. (2): - احرازا للصحة، وحذرا عن الوقوع في الغلط المتحمل كما هو الشأن في وجوب التعلم كلية، نعم لا يجب التعلم لو اراد الوقف لعدم كونه واجبا نفسيا، بل طريق لاحراز الصحيح، فلا حاجة إليه بعد التمكن من الطريق الآخر.

[ 467 ]

[ (مسألة 41): لا يجب ان يعرف مخارج الحروف (1) على طبق ما ذكره علماء التجويد، بل يكفي اخراجها منها وان لم يلتفت إليها، بل لا يلزم اخراج الحرف من تلك المخارج، بل المدار صدق التلفظ بذلك الحرف وان خرج من غير المخرج الذي عينوه مثلا إذا نطق بالضاد أو الظاء على القاعدة لكن لا بما ذكروه من وجوب جعل طرف اللسان من الجانب الايمن أو الايسر على الاضراس العليا صح، فالمناط الصدق في عرف العرب، وهكذا في سائر الحروف، فما ذكره علماء التجويد مبني على الغالب. ] (1): - غير خفي ان اكثر العرب لا يعرفون المخارج على ماهي عليه مما ذكره علماء التجويد، بل لا يعرفها إلا اقل القليل منهم وإنما يتكلمون على رسلهم وبمقتضى طبعهم، وكذا الحال عند غير العرب، غايته ان المخارج عند العرب اكثر، ومنه يظهر ان العبرة في اداء الحرف تميزه عما عداء بحيث لا يلتبس بالآخر. فالمناط الصدق عند العرب. واما ما ذكره علماء التجويد من المخارج المعينة فان توقف اداء الحرف على رعايتها فلا كلام، واما إذا تمكن المتكلم من اداء نفس الحرف عن ذاك المخرج المعين وعن غيره من دون اي تغيير فيه كما قد يتفق (1) فلا دليل حينئذ على لزوم رعاية


(1) والاستشكال في إمكان الفرض بل دعوى استحالته عادة كما عن المحقق النائيني (قده) وغيره، لعله في غير محله لقضاه =

[ 468 ]

[ (مسألة 42): المد الواجب هو فيما إذا كان بعد احد حروف المد (1) وهي الواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها، والالف المفتوح ما قبلها همزة مثل جاء، وسوء، وجئ، أو كان بعد احدها سكون لازم خصوصا إذا كان مدغما في حرف آخر مثل الضالين. ] تلك المخارج بخصوصها. فالمدار على صدق التلفظ بذلك الحرف سواء خرج عن المخرج الذي عينوه ام لا. (1): - مراده (قده) بذلك اجتماع حرف المد والهمزة الساكنة في كلمة واحدة المعبر عنه بالمد المتصل كالا مثلة المذكورة في المتن، واما الواقع في كلمتين المسمى بالمد المنفصل فغير واجب، وكلامه (قده) غير ناظر إليه بشهادة الامثلة المزبورة. وكيف كان: فالظاهر عدم الوجوب حتى في المتصل لعدم الدليل عليه. نعم المد بمقدار يظهر حرف الالف أو الواو، أو الياء الواقعة قبل الهمزة مما لابد منه فالاخلال به بحيث يقول (جأ) بدل جاء، أو (سؤ) بدل (سوء)، أو (جئ) بدل (جئ) قادح قطعا فانه من الاخلال بالحرف الذي تقدم حكمه من بطلان الصلاة مع العمد، وبطلان القراءة مع السهو. واما الزائد على هذا المقدار


= الوجدان باداء الحروف بعينها وإفصاحها عما يقارب المخارج الستة عشر - ايضا - التي ذكرها علماء التجويد وغير هم وان اختلف مرتبة الافصاح بمقدار لا يقدح في الصدق العرفي بوجه فلاحظ .

[ 469 ]

[ (مسألة 43): إذا مد في مقام وجوبه أو في غيره ازيد من المتعارف لا يبطل الا إذا خرجت الكلمة عن كونها تلك الكلمة. (مسألة 44): يكفي في المد مقدار ألفين واكمله إلى اربع ألفات، ولا يضر الزائد ما لم يخرج الكلمة عن الصدق. ] حتى قيل ان اقله الفان، واكثره اربعة فالظاهر عدم وجوبه لفقد دليل معتبر عليه، وإنما هو تزيين للكلام في مقام القاء الخطب ونحوها. واما في غيره كمقام المحاورة والتكلم العادي فليس تزيينا بل ولا متعارفا في كلام العرب. فهل ترى ان المولى إذا اعطى نقدا لعبده ليقسمه بين المستحقين يقول له: (اعطه للفقراء) بالمد، وهكذا في ساير موارد المد، ليس الامر كذلك جزما، بل هو على خلاف قانون المحاورة. وكيف كان: فصحة القراءة غير متوقفة على ذلك بلا اشكال، وانما اللازم اظهار الحرف فقط، فلا يجب المد اكثر من ذلك، ولو شك فالمرجع هو البراءة. واما إذا باكثر من المقدار المتعارف، أو مد في غير مورده فان خرجت الكلمة بذلك عن كونها تلك الكلمة كان من الاخلال بالكلمة الذي تقدم حكمه من بطلان الصلاة، أو القراءة في صورتي العمد والسهو، وإلا فلا ضير فيه كما نبه (قده) عليه في المسألة الآتية. ومن جميع ما تلوناه عليك يظهر الحال في جملة من الفروغ الآتية فلا حاجة إلى التعرض لها.

[ 470 ]

[ (مسألة 45): إذا حصل فصل بين حروف كلمة واحدة اختيارا أو اضطرارا بحيث خرجت عن الصدق بطلت ومع العمد ابطلت. (مسألة 46): إذا اعرب آخر الكلمة بقصد الوصل بما بعده فانقطع نفسه فحصل الوقف بالحركة فالاحوط اعادتها، وان لم يكن الفصل كثيرا اكتفى بها (مسألة 47): إذا انقطع نفسه في مثل الصراط المستقيم (1) بعد الوصل بالالف واللام وحذف الالف هل يجب اعادة الالف واللام بأن يقول المستقيم أو يكفي قوله مستقيم؟ الاحوط الاول، واحوط منه اعادة الصراط ايضا، وكذا إذا صار مدخول الالف واللام غلطا كأن صار مستقيم غلطا فإذا اراد ان يعيده فالاحوط ان يعيد الالف واللام ايضا بأن يقول المستقيم، ولا يكتفي بقوله مستقيم وكذا إذا لم يصح المضاف إليه فالاحوط اعادة المضاف فاذالم يصح لفظ المغضوب فالاحوط ان يعيد لفظ (غير) ايضا. ] (1): - قد عرفت اعتبار الموالاة بين الآيات والكلمات والحروف وانها في الاخيرة اضيق مما قبلها، وهي أيضا اضيق من سابقتها، فتختلف دائرتها سعة وضيقا باختلاف الموارد. وعليه فحيث ان لام التعريف يعد جزءا من الكلمة فإذا انقطع النفس عليه في مثل

[ 471 ]

[ (مسألة 48): الادغام في مثل مد ورد (1) مما اجتمع ] (المستقيم) فهل يجب حينئذ اداء الكلمة مع اعادة اداة التعريف أو مع اعادة المضاف وهو الصراط ايضا، أو مع اعادة الفعل وهو اهدانا؟ وجوه. اما الاول: فلا ينبغي الشك فيه وإلا لزم الفصل بين اجزاء الكلمة لما عرفت من ان لام التعريف يعد جزءا منها فتفوت معها الموالاة المعتبرة بين اجزاء الكلمة الواحدة كما مر، إلا ان يكون الفصل يسيرا جدا بحيث لم يخل بالهيئة الاتصالية المعتبرة في الكلمة، وكذا الحال لو صار مدخول اللام غلطا فالازم اعادة اللام ايضا لما عرفت. والاحوط في الصورتين اعادة المضاف ايضا فيقول الصراط المستقيم إذ المضاف والمضاف إليه كالصفة والموصوف ايضا في حكم الكلمة الواحدة لما بينهما من شدة الارتباط، فالاخلال قادح لالكونه من الفصل بالاجنبي لعدم كون الكلمة المعادة اجنبية، بل لاحتمال الاخلال بالهيئة الاتصالية كما عرفت، ولذا كان التكرار احوط. واحوط منه اعادة الفعل ايضا فيقول، اهدنا الصراط المستقيم لما ذكر من احتمال اعتبار الاتصال بين الفعل ومتعلقانه، ومما ذكرناه من اعتبار الاتصال بين المضاف والمضاف إليه يظهر انه إذا لم يصح لفظ (المغضوب) فوقع غلطا فالاحوط اعادة لفظ (غير) أيضا ويقصد به كما في غيره مما سبق من موارد الاعادة - الجامع بين الجزئية والقرآنية. (1): - لاشك في وجوب الادغام فيما إذا اجتمع حرفان

[ 472 ]

[ في كلمة واحدة مثلان واجب سواء كانا متحركين كالمذكورين، أو ساكنين كمصدرهما. (مسألة 49): الاحوط الادغام إذا كان بعد النون الساكنة (1) أو التنوين احد حروف (يرملون) مع الغنة فيما عدا اللام والراء، ولا معها فيهما، لكن الاقوى عدم وجوبه. ] متماثلان في كلمة واحدة سواء أكانا متحركين كمد ورد، أو ساكنين كمصدر هما لاعتبار ذلك في صحة الكلمة ووقوعها عربية، فالتفكيك على خلاف قواعد اللغة لا يصار إليه إلا لدى الضرورة كما قيل - الحمدلله العلي الاجلل - وكيف كان فهو في حال الاختيار غير جائز بلا اشكال كما نص عليه علماء الادب، واما الادغام في كلمتين فسيأتي في المسألة الآتية. (1): - صرح علماء التجويد بوجوب الادغام فيما إذا تعقب التنوين أو النون الساكنة احد حروف (يرملون) مع رعاية الغنة فيما عدا اللام والراء، ونسب الوجوب إلى الرضي (قده) ايضا لكن الظاهر انه لم يثبت الاعتبار بمئابة يستوجب الاخلال به الغلطية أو الخروج عن قواعد اللغة وقانون المحاورة، وانما هو من محسنات الكلام. وعلى تقدير الشك واحتمال الدخل في صحة القراءة فالمرجع اصالة البراءة كما في غيره من موارد الاقل والاكثر. وما يقال: بل قيل من ان المقام من الدوران بين التعيين والتخيير

[ 473 ]

[ (مسألة 50): الاحوط القراءة باحدى القراءات السبعة (1) وان كان الاقوى عدم وجوبها، بل يكفي القراءة على النهج العربي، وان كانت مخالفة لهم في حركة بنية أو اعراب. ] الذي يتعين فيه الاشتغال قد تكرر الجواب عنه في نظائر المقام مرارا من ان باب الدوران بين التعيين والتخيير هو بعينه باب الدوران بين الاقل والاكثر ولا فرق بينهما إلا من حيث التعبير. فالمرجع ليس إلا البراءة كما عرفت. وعليه: فالاقوى عدم وجوب الادغام وان كان الاحوط رعايته. (1): - فصلنا الكلام حول القراءات في مبحث التفسير. ومجمله انه لاشك ان القراء السبعة المعروفين الذين اولهم نافع وآخر هم الكسائي متأخرون عن زمن النبي صلى الله عليه وآله ولم يدركه واحد منهم، وان كان قبلهم قراء آخرون ادركوه صلى الله عليه وآله كابن مسعود وابن عباس وأبي وغيرهم. أما هؤلاء فكانوا معاصرين للصادق (ع) وادرك بعضهم الباق (ع) أيضا وبقى بعض آخر منه إلى ما بعد الصادق (ع) آخرهم الكسائي الذي مات سنة 190 تقريبا. وعليه: فلا ينبغي الريب في عدم كون هذه القراءات متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله، بل ولا مسندة إليه حتى بالخبر الواحد، ولم يدع ذلك احد منهم، ولا نسب قراءته إليه صلى الله عليه وآله لا بطريق مسند ولا مرسل وإنما هو اجتهاد منهم، أو من اساتيد هم ورأي ارتأوه، بل ان هذه القراءات لم يثبت تواترها حتى من نفس هؤلاء القراء وانما

[ 474 ]

اسند إليهم باخبار آحاد بتوسيط تلاميذهم، على ان بعض هؤلاء التلاميذ معروفون بالفسق والكذب كحفص الراوي لقراءة عاصم على ما صرح به في ترجمته (1). وعلى الجملة: فلم تثبت هذه القراءات ثبوتا قطعيا عن نفس القراء فضلا عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وإنما حكيت عنهم بطريق الآحاد. هذا وحيث قد جرت القراءة الخارجية على طبق هذه القراءات السبع لكونها معروفة مشهورة ظن بعض الجهلاء انها المعني بقوله صلى الله عليه وآله على ما روى عنه - ان القرآن نزل على سبعة أحرف وهذا كما ترى غلط فاحش، فان اصل الرواية لم تثبت وانما رويت من طريق العامة، بل هي منحوله مجعولة كما نص الصادق (ع) على تكذيبها بقوله (ع): كذبوا اعداء الله نزل على حرف واحد من عند الواحد. وعلى تقدير الصحة فلها معنى آخر، إذ لا يحتمل تطبيقها على هذه القراءات السبع المستحدثة المتأخر اصحابها عن عصر النبي صلى الله عليه وآله كما عرفت. وعليه: فلا خصوصية ولا امتياز لهذه السبع من بين القراءات جزما. اذأ مقتضى القاعدة الاولية بعد ورود الامر بقراءة الفاتحة وبسورة بعدها هو الاخذ بالمقدارر المتيقن الذي لا اختلاف فيه. وما تضمن الاختلاف يكرر القراءة فيقرأ مرة مثلا ملك واخرى مالك، ويختار من السورة المأمور بها ما اتفقت فيه القراءات، ولو اختار مورد الخلاف يكرر عملا بقاعدة الاشتغال وخروجا عن عهدة التكليف المعلوم فيقصد باحدهما لا بعينه القرآن، وبالآخر الذكر المطلق.


(1) لاحظ تفسير البيان ص 96.

[ 475 ]

نعم: وردت في المقام عدة روايات تضمنت الامر بالقراءة كما يقرؤها الناس، فيظهر منها الاجتزاء بكل قراءة متعارفة بين الناس ولا شك انها غير محصورة في السبع، وقد عدها بعضهم إلى اربع عشرة وصنف في ذلك كتابا وانهاما بعض آخر إلى سبعين وان كانت جملة منها شاذة لا محالة. وبذلك يخرج عن مقتضى القاعدة المتقدمة لو تمت هذه النصوص فلا بد من التعرض إليها. فمنها: ما ذكره الطبرسي في مجمع البيان مرسلا عن الشيخ الطوسي قال روى عنهم عليهم السلام جواز القراءة بما اختلف القراء فيه (1) وهي كما ترى مرسلة من جهتين، ولعل المراد احدى الروايات الآتية. ومنها: رواية سفيان بن السمط قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن ترتيل القرآن فقال اقرأوا كما علمتم (2) وهي ايضا ضعيفة بسهل وبسفيان نفسه. ومنها: ما رواه الكليني عن عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض اصحابه عن أبي الحسن (ع) قال: قلت له جعلت فداك انا نسمع الآيات من القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن ان نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأتم؟ فقال لا، اقرأوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم (3) وهي ضعيفة ايضا بسهل وبالارسال. ومنها: وهي العمدة ما رواه الكليني بسنده عن سالم أبي سلمة


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 74 من أبواب القراءة في الصلاة حديث 5، 3، 2

[ 476 ]

(كما في الوسائل) قال: قرأ رجل على أبي عبد الله (ع) وانا استمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله (ع) كف عن هذه القراءة اقرء كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله على حده واخرج المصحف الذي كتبه علي (ع) (الخ) (1). وهي: كما ترى ظاهرة الدلالة، انما الكلام في سندها فان الموجود في الوسائل عن سالم أبي سلمة - كما قدمناه - الذي هو سالم بن مكرم وهو ثقة على الاظهر، وان نسب العلامة إلى الشيخ انه ضعفه في مورد لكنه لايتم، بل هو من الخطأ في التطبيق كما تعرضنا له في المعجم. والمذكور في الوافي والحدائق هكذا - سالم ابن سلمة بتبديل الاب بالابن وهو مجهول. والموجود في الطبعة الحديثة من الكافي في باب النوادر من القرآن - سالم بن أبي سلمة بالجمع بين الاب والابن وفي جامع الرواة ايضا كذلك وهو ضعيف قد ضعفه النجاشي والشيخ، إذا يتردد الراوي الاخير بين الثقة والمجهول والضعيف فتسقط الرواية عن الاستدلال (2). فقد ظهر من جميع ما مرانه ليست عندنا رواية يعتمد عليها في الحكم بالاجتزاء بكل قراءة متعارفة حتى يخرج بذلك عن مقتضى


(1) الوسائل: باب 74 من أبواب القراءة في الصلاة ح 1. (2) ولكنه (دام ظله) رجح في المعجم ج 8 ص 25 - 24 نسخة صاحب الوسائل ووقوع التحريف في غيرها وبذلك تصبح الرواية معتبرة.

[ 477 ]

القاعدة الاولية. لكنه: مع ذلك كله لا ينبغي الشك في الاجتزاء لجريان السيرة القطعية من اصحاب الائمة عليهم السلام على ذلك فان اختلاف القراءآت امر شايع ذايع بل كان متحققا بعد عصر النبي صلى الله عليه وآله كقراءة أبي وابن عباس وابن مسعود وغير هم وقد صنف في ذلك كتب كالمصاحف للسجستاني وغيره، وقد احرق عثمان جميع المصاحف سوى مصحف واحد حذرا عن الاختلاف ومعذلك تحقق الاختلاف بعد ذلك كثيرا حتى اشتهرت القراءات السبع وغيرها في عصر الائمة وكانت على اختلافها بمرأى ومسمع منهم (ع). فلو كانت هناك قراءة معينة تجب رعايتها بالخصوص لاشتهر وبان وكان من الواضحات وكان ينقله بطبيعة الحال كابر عن كابر وراو عن راو وليس كذلك بالضرورة فيظهر جواز القراءة بكل منها كما عليه العامة والا لبينوه (ع) ونقل الينا بطريق التواتر. كيف ولم يرد منهم تعيين حتى بخبر واحد. نعم: ان هناك رواية واحدة قد يظهر منها التعيين وهي رواية داود بن فرقد، والمعلى بن خنيس جميعا قالا: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: ان كان ابن مسعود لايقرأ على قراءتنا فهو ضال، ثم قال اما نحن فنقرؤه على قراءة أبي (1). واحتمل ضعيفا أن تكون العبارة هكذا - على قراءة أبي - يعني الباقر (ع).


(1) الوسائل: باب 74 من أبواب القراءة ح 4 .

[ 478 ]

وكيف كان: فهي محمولة على ارادة مورد خاص (1) كانت القراءة فيه شاذة، أو مغيرة للمعنى لما عرفت من أن التعيين لو كان ثابتا لنقل بالتواتر وكان من الواضحات، كيف وقد ادعى الاجماع على جواز القراءة بكل قراءة متعارفة متداولة، على ان متن الخبر لا يخلو عن شئ، فان الانسب ان يقال ان كان ابن مسعود لم يقرء الخ دون - لايقرء - لظهور الثاني في زمان الحال (2) وان ابن مسعود حي حاضر مع ان زمانه متقدم عليه (ع) بكثير. وقد تحصل من جميع ما قدمناه ان الاقوى جواز القراءة بكل ما قام التعارف الخارجي عليه. وكان مشهورا متداولا بين الناس كي لا تحصل التفرقة بين المسلمين، ولا شك ان المشهور غير منحصر (1) ولكن يبعده ملاحظة متن الحديث بتمامة فانه كما في الكافي ج 2 ص 643 هكذا: - " عبد الله بن فرقد والمعلى بن خنيس قالا كنا عند أبي عبد الله (ع) ومعنا ربيعة الرأي فذكرنا فضل القرآن فقال أبو عبد الله (ع) ان كان ابن مسعود لايقرأ على قرائتنا فهو ضال فقال ربيعة ضال؟ فقال نعم ضال ثم قال أبو عبد الله (ع) اما نحن فنقرأ على قرائة ابي ". فان قول أبي عبد الله (ع) (ان كان ابن مسعود.. الخ بعد تذاكر القوم في فضل القرآن بشكل عام لا ينسجم مع كون نظره (ع) إلى مورد خاص كما لا يخفى. (2) بل في الماضي كالاول والدال عليه هو (كان) تعالى: انه كان لا يؤمن بالله العظيم " الحاقة 32 وقال تعالى " أولو كان آبائهم لا يعلمون شيئا " المائدة 104.

[ 479 ]

[ (مسألة 51): يجب ادغام اللام مع الالف واللام (1) في اربعة عشر حرفا وهي التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاء، والسين، والشين، والصاد والضاد، والطاء، والظاء، واللام، والنون واظهارها في بقية الحروف فتقول في الله، والرحمن، والرحيم، والصراط، والضالين، مثلا بالادغام، وفي الحمد، والعالمين، والمستقيم، ونحوها بالاظهار. ] في السبع المعهودة، فلا خصوصية ولا امتياز لها من بين القراءات ابدا فكل معروف يجزي وان كان من غير السبع، فالعبرة بما يقرأه الناس وان كان الاختلاف من جهة اختلاف البلدان كالبصرة والكوفة ونحوهما. (1): - إذا دخل حرف التعريف على احد الحروف الشمسية ادغم فيها وهي اربعة عشر: التاء والثاء من أوائل حروف التهجي واللام والنون من آخرها، والدال وما بعدها إلى الظاء، وإذا دخل على ما عداها من بقية الحروف وهي المسماة بالحروف القمرية وجب الاظهار فتقول مثلا: الصراط والضالين بالادغام، والحمد والعالمين بالاظهار والمستند فيه دخل ذلك في صحة اللفظ العربي كما تشهد به الاستعمالات الدارجة بينهم بحيث لو ابدل فادغم في مورد الاظهار أو بالعكس عد لحنأ في الكلام وكان من الاغلاط كما لا يخفى فليتأمل.

[ 480 ]

[ (مسألة 52): الاحوط الادغام في مثل (اذهب بكتابي) (ويدرككم) مما اجتمع المثلان في كلمتين مع كون الاول ساكنا لكن الاقوى عدم وجوبه (1)، (مسألة 53): لا يجب ما ذكره علماء التجويد من المحسنات (2) كالامالة، والاشباع، والتفخيم، والترقيق، ونحو ذلك، بل والادغام غير ما ذكرنا وان كان متابعتهم احسن. (مسألة 54): ينبغي مراعاة ما ذكروه من اظهار التنوين. والنون الساكنة، إذا كان بعدهما احد حروف الحلق وقلبهما فيما إذا كان بعدهما حرف الباء، وادغامهما إذا كان بعدهما احد حروف يرملون، واخفاؤهما إذا كان ] (1): - لعدم ثبوت وجوب الادغام في مثل المقام بمثابة يوجب الاخلال به اللحن في كلام العرب. (2): - فان ما ذكروه من القواعد التجويدية كالامالة والاشباع والتفخيم، والترقى كلها من محسنات الكلام وليست دخيلة في الصحة وكذا ما ذكروه من الحالات الاربع للتنوين أو النون الساكنة، من الاظهار فيما إذا وقع بعدهما احد حروف الحلق، وهي الهمزة، والهاء، والحاء، والعين، والغين. والقلب فيما إذا وقع بعدهما حرف الباء، والادغام فيما إذا كان الواقع احد حروف يرملون مع مراعاة الغنة فيما عدا اللام والراء، والاخفات لو كان الواقع بقية الحروف، فان هذه كلها من محسنات الكلام الفصيح فلا

[ 481 ]

[ بعدهما بقية الحروف، لكن لا يجب شئ من ذلك حتى الادغام في يرملون كما مر. (مسألة 55) ينبغي ان يميز بين الكلمات، ولا يقرأ بحيث يتولد بين الكلمتين كلمة مهملة كما إذا قرأ الحمد لله. بحيث يتولد لفظ دلل أو تولد من لله ب لفظ هرب وهكذا في مالك يوم الدين تولد (كيو) وهكذا في بقية الكلمات وهذا معنى ما يقولون ان في الحمد سبع كلمات مهملات وهي: دلل، وهرب، وكيو، وكنع، وكنس وتع، وبع. (مسألة 56): إذا لم يقف على احد في قل هو الله احد ] تجب مراعاتها بعد اداء الكلمة صحيحة وان كان الاحسن ذلك (1). ومنه يظهر الحال في المسألة الآتية.


(1) هذا على اطلاقه بحيث يتناول الادغام الكبير - وهو ادراج المتحرك بعد الاسكان في التحرك متماثلين أو متقاربين في كلمة " كسلككم ". وخلقكم، أو كلمتين كيعلم ما بين ايديهم، ومن زحزح عن النار - مشكل بن ممنوع كما نبه عليه جملة من اعلام المحققين ومنهم سيدنا الاستاد (دام ظله) في المسألة 279 من المسائل المنتخبة حيث قال: ان بعضا منها لا يخلو عن اشكال كالادغام في كلمتي سلككم وخلقكم بادغام الكاف أو القاف في الكاف

[ 482 ]

ووصله بالله الصمد يجوز ان يقول احد الله الصمد بحذف التنوين من احد، وان يقول احدن الله الصمد بان يكسر نون التنوين (1) وعليه ينبغي ان يرفق اللام من الله، واما على الاول فينبغي تفخيمه كما هو القاعدة الكلية من تفخيمه إذا كان قبله مفتوحا أو مضموما وترقيقه إذا كان مكسورا. (مسألة 57): يجوز قراءة مالك وملك يوم الدين ويجوز في الصراط بالصاد والسين بأن يقول السراط المستقيم وسراط الذين. ] (1): - اما الوجه الثاني فلا اشكال في صحته وانه على القاعدة فيكس النون من اجل التقاء الساكنين كما هو ظاهر. واما الوجه الاول: فصحته لا تخلو من اشكال بعد مخالفته للقاعدة المقتضية للزوم اظهار التنوين فحذفه لا دليل عليه، وان نسب الطبرسي إلى أبي عمرو الذي هو احد القراء انه قرأ كذلك لكنه لم يثبت، فلم يحرز انه من القراءة المتعارفة. ومعه يشكل الحكم بالاجزاء. نعم ربما يسقط لدى الضرورة كما في الشعر، وكذا يسقط عن العلم الواقع بعده لفظ الابن فيقال علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بحذف التنوين لثقله حينئذ. واما فيما عدا ذلك فالسقوط على خلاف القاعدة. وعليه فالاحوط لزوما اختيارا الوجه الثاني فقط.

[ 483 ]

[ (مسألة 58): يجوز في كفوا احد اربعة وجوه (1) كفؤا بضم الفاء والهمزة، وكفؤا بسكون الفاء والهمزة وكفوا بضم الفاء والواو، وكفوا بسكون الفاء وبالواو وان كان الاحوط ترك الاخيرة. (مسألة 59) إذا لم يدر اعراب كلمة أو بنائها (2) أو بعض حروفها انه الصاد مثلا، أو السين، أو نحو ذلك يجب عليه ان يتعلم، ولا يجوز له ان يكررها بالوجهين لان الغلط من الوجهين محلق بكلام الآدميين. ]


(1): - الوجوه الثلاثة الاول اعني كفؤا بالهمزة مع ضم الفاء وسكونه، وكفوا مع ضم الفاء كل منها قد ثبتت قراءتها بل هي معروفة متداولة فلا ريب في اجزائها، واما الوجه الاخير اعني مع الواو وسكون الفاء فهو وان نسب إلى بعضهم لكنه لم يثبت، فالاحوط تركه كما ذكره في المتن. (2): - حكم (قده) حينئذ بوجوب التعلم وعدم جواز تكرار الكلمة بالوجهين لان الغلط من احدهما ملحق بكلام الآدميين وموجب للبطلان. وهذا الذي افاده (قده) إنما يتم فيما إذا كان الوجه الآخر غلطا في كلام العرب، واما إذا كانت الكلمة صحيحة على التقديرين غير انه لم يعلم ان القرآن المنزل اي منهما كاعراب الرحمن الرحيم حيث يجوز في الصفة وجوه ثلاثة باعتبارات مختلفة، وكل منها صحيح في لغة العرب، لكنه لم يدر ان المنزل على النبي الاكرم صلى الله عليه وآله

[ 484 ]

[ (مسألة 60): إذا اعتقد كون الكلمة على الوجه الكذائي (1) من حيث الاعراب أو البناء، أو مخرج الحرف فصلى مدة على تلك الكيفية، ثم تبين له كونه غلطا فالاحوط الاعادة أو القضاء، وإن كان الاقوى عدم الوجوب. ] اي منها فلا مانع حينئذ ان يقصد باحد الوجهين أو الوجوه ما هو القرآن وبما عداه ذكر الله (1). فما افاده في المتن لايتم على اطلاقه. (1): - حكم (قده) بعدم وجوب الاعادة ولا القضاء فيمن اعتقد صحة كلمة وصلى مدة على تلك الكيفية ثم تبين لحنها وان كان ذلك احوط. وما ذكره (قده) هو الصحيح عملا بحديث لا تعاد بناءا على ما هو الاقوى من عدم اختصاصه بالناسي وشموله للجاهل القاصر الذي يرى صحة عمله ولا يحتمل الخلاف. نعم إذا كان مقصرا وان اعتقد الصحة أو كان ملتفتا مترددا ومع ذلك صلى فالاظهر البطلان حينئذ لعدم شمول الحديث لمثل ذلك. وسيجئ تمام الكلام في مبحث الخلل ان شاء الله تعالى.


(1) هذا انما يستقيم فيما إذا كان ما عداء مصداقا لذكر الله وليس كل القرآن كذلك كما لا يخفى

[ 485 ]

[ فصل في الركعات الاخيرة في الركعة الثالثة من المغرب والاخيرتين من الظهرين والعشاء يتخير (1) بين قراءة الحمد أو التسبيحات الاربعة. ] (1): - على المعروف والمشهور بين الاصحاب، بل قد ادعي الاجماع عليه في الجملة في كثير من الكلمات وان كان هناك خلاف فيما هو الافضل منهما. وذكر شيخنا الانصاري (قده) ان مورد الاجماع على التخيير انما هو المنفرد، واما في الجماعة فليس اجماع. وكيفما كان فيقع الكلام في المنفرد تارة وفي الامام اخرى، وفي المأموم ثالثة. وقبل التعرض لذلك ينبغي التنبيه على امر وهو انه قد ورد في التوقيع الذي رواه الطبرسي في الاحتجاج ما يظهر منه تعين الحمد مطلقا. روى الحميري عن صاحب الزمان (ع) انه كتب إليه يسأله عن الركعتين الاخيرتين قد كثرت فيهما الروايات فبعض يرى ان قراءة الحمد وحدها افضل، وبعض يرى ان التسبيح فيهما افضل فالفضل لايهما لنستعمله؟ فأجاب (ع) قد نسخت قراءة ام الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذى نسخ التسبيح قول العالم (ع) كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج الا للعليل أو من يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه (1)، لكنها كما ترى لا تصلح للاعتماد عليها.


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 14

[ 486 ]

اما اولا: فلمخالفتها للاخبار الكثيرة المتظافرة الآمرة بالتسبيح وفي بعضها انه افضل من القراءة، وقد جرت سيرة المتشرعة على ذلك، فهي مما يقطع ببطلانها فلا تكون حجة. وثانيا: انها ضعيفة السند في نفسها لمكان الارسال، فان الطبرسي يرويها مرسلة. وثالثا: ان متنها غير قابل للتصديق فان قول العالم (ع) كل صلاة لا قراءة الخ لا يدل إلا على اعتبار القراءة في المحل المقرر لها اعني الركعتين الاولتين، ومثل هذا كيف يكون ناسخا للتسبيح المقرر في محل آخر، وإلا فليكن ناسخا للتشهد ايضا، فاعتبار القراءة في محل لا يصادم اعتبار التسبيح في محل آخر حتى يكون ناسخا له، إذ لكل منهما محل مستقل واحدهما اجنبي عن الآخر، فالرواية ساقطة بكل معنى الكلمة. وكيف كان: فقد عرفت ان الكلام يقع في موارد ثلاثة: المورد الاول: في المنفرد وهو المتيقن من مورد الاجماع على التخيير، وقد جرت السيرة عليه من غير نكير، ويستدل له بجملة من الاخبار. منها: رواية علي بن حنظلة عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الركعتين الاخيرتين ما اصنع فيهما؟ فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وان شئت فاذكر الله فهو سواء، قال: فاي ذلك افضل؟ فقال: هما والله سواء إن شئت سبحت، وإن شئت قرأت (1)


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 3.

[ 487 ]

لكنها ضعيفة السند فان علي بن حنظلة لم يوثق (1). إلا ان يدعى ان في السند الحسن بن علي بن فضال وقد ورد في حق بني فضال بالاخذ بما رووا وطرح ما رأوا كما ادعاه شيخنا الانصاري (قدس سره). لكن الرواية لم تثبت في نفسها لضعف سندها. وعلى تقدير الثبوت فلا تدل على اكثر من توثيق بني فضال وعدم سقوطهم بالانحراف عن الوثاقة لا ان رواياتهم تقبل حتى لو رووا عن فاسق أو ضعيف أو مجهول بحيث يكونون اعظم شأنا من زرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما بل ومنهم انفسهم حال الاستقامة. أو يدعى ان في السند عبد الله بن بكير وهو من اصحاب الاجماع وفيه ايضا ما لا يخفى لعين المناقشة المتقدمة فان اصحاب الاجماع يصدقون فيما يقولون فهم موثوقون في انفسهم لا ان رواياتهم تقبل حتى عن ضعيف أو مجهول كما اشرنا إليه مرارا. فهذه الرواية ساقطة والاولى الاستدلال بالروايات الآتية. ومنها: صحيحة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الركعتين الاخيرتين من الظهر، قال: تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك. وان شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء (2) وهي صحيحة السند ظاهرة الدلالة، غير انها خاصة بالظهر فيتعدى إلى غيرها بعدم القول بالفصل. والعمدة: في المقام صحيحتان احداهما صحيحة معاوية بن عمار


(1) سيأتي في ذيل المسألة الثانية توثيقه وان خلت عنه كتب الرجاليين لرواية معتبرة دالة عليه. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 1

[ 488 ]

قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن القراءة خلف الامام في الركعتين الاخيرتين، فقال: الامام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبح، فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما وإن شئت فسبح. والاخرى: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا كنت اماما فاقرأ في الركعتين الاخيرتين بفاتحة الكتاب، وان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل (1) ومورد الاستدلال ذيل الصحيحتين كما هو ظاهر. المورد الثاني: في الامام وقد تضمتت جملة من الاخبار الامر بقراءة الفاتحة كصحيحتي معاوية ومنصور المتقدمتين وظاهر الامر الوجوب، غير انها حملت على التقية لموافقتها العامة حيث ينسب إليهم تعينها في الركعات مطلقا. ويمكن أن يقال ان الامر المزبور وان كان ظاهرا في الوجوب لكنه يحمل (2) على الاستحباب أو الجواز (على الخلاف كما سيجئ) بقرينة صحيحة سالم بن أبي خديجة (3) الذي هو سالم بن مكرم الجمال عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا كنت امام قوم فعليك ان تقرأ في الركعتين الاولتين وعلى الذين خلفك ان يقولوا " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر " وهم قيام، فإذا كان في الركعتين الاخيرتين


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة 2 وباب 51 ح 11. (2) لكنه سيأتي في مطاوى المسألة الثانية تعذر هذا الجمع واستقرار التعارض والحكم بالتساقط. (3) سيأتي في التعليق الآتي زيادة كلمة (ابن) وان الصحيح سالم أبي خديجة

[ 489 ]

فعلى الذين خلفك أن يقرأوا فاتحة الكتاب، وعلى الامام أن يسبح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين (1). قوله عليه السلام: وعلى الذين خلفك أن يقرأوا. الخ لابد من حمله على صورة عدم السماع، وإلا وجب الانصات، أو على الصلاة الاخفاتية، والضمير في قوله (ع) فإذا كان. الخ عائد إلى الايتمام ولذا حكم (ع) بوجوب القراءة على المأمومين حينئذ لانها اول ركعتهم. ومحل الاستشهاد قوله (ع) وعلى الامام أن يسبح. الخ وبذلك يرفع اليد عن ظهور الامر بالقراة في الاخبار المتقدمة في الوجوب ويحمل على الجواز أو الاستحباب كما عرفت، واما ان أيهما فسيجئ الكلام حوله إن شاء الله تعالى. فظهر ان الامام حاله كالمنفرد في ثبوت التخيير. المورد الثالث: في المأموم ويقع الكلام في الصلاة الاخفاتية تارة، وفي الجهرية اخرى. اما الاخفاتية: فالظاهر ايضا هو التخيير لصحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: إن كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرء خلفه في الاولتين، وقال يجزيك التسبيح في الاخيرتين، قلت: اي شئ تقول انت؟ قال: اقرأ فاتحة الكتاب (1). فان قوله (ع) " يجزي " يدل على التخيير وجواز الاتيان بكل منهما، ولعل اختياره (ع) للفاتحة لافضليتها أو لوجه آخر. واما في الجهرية: فمقتضى بعض الاخبار تعين التسبيح إذ لم ترد


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 2

[ 490 ]

رواية تدل على جواز القراءة بالنسبة إليه إلا المطلقات المقيدة بهذه الاخبار فهي المحكم، وقد ورد ذلك أعني الامر بالتسبيح في صحيحتين: احداهما: صحيحة سالم بن أبي خديجة المتقدمة آنفا، فان قوله (ع) (مثل ما يسبح القوم في الاخيرتين) يظهر منه ان التسبيح في الاخيرتين كان متعينا للمأموم ولذا شبه الامام به. الثانية: التي هي اوضح دلالة صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة ايضا المتعرضة لحكم الامام والمأموم والمنفرد قال عليه السلام فيها (ومن خلفه يسبح) (1) وظاهر الامر الوجوب التعييني، وحيث لا معارض لذلك تعين الاخذ به. نعم هي مطلقة من حيث الجهر والاخفات فتقيد بصحيحة ابن سنان الدالة على جواز القراءة في الاخفاتية كما تقدم، فتحمل على الجهرية إذ لادليل على جواز القراءة فيها كما عرفت. فإذا مقتضى القاعدة تعين التسبيح على المأموم في الجهرية عملا بهاتين الصحيحتين ولا سيما الثانية، فان كان هناك اجماع على ثبوت التخيير فيه ايضا فهو، وإلا فيتعين التسبيح في حقه ومن هنا كان الاحوط لزوما اختيار التسبيح بالنسبة إليه. هذا كله: حكم الركعتين الاخيرتين بالعنوان الاولي وقد عرفت انه التخيير إلا في بعض الصور، وهل الحكم كذلك حتى لو نسي القراءة في الركعتين الاولتين، أو تتبدل الوظيفة إليها حينئذ فتجب القراءة معينا عند نسيانها في الاولتين؟ المشهور هو الاول. ونسب إلى الشيخ في الخلاف الثاني كي


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 2.

[ 491 ]

لا تخلو الصلاة عن القراءة وان صرح في المبسوط بالتخير وقد نسبه إليه جمع منهم الشهيد في الذكرى لكن نوقش في النسبة بان عبارة الخلاف المحكية عنه لاتدل على اكثر من الاحتياط من جهة رواية الحسين بن حماد الآتية دون الفتوى، وقد مال إلى هذا القول صاحب الحدائق مدعيا دلالة الصحيحة عليه غير انه توقف فيه اخيرا إذ لم يجد قائلا به صريحا، وناقش في عبارة الخلاف بما عرفت. وكيف كان: فلا بد من النظر إلى الاخبار، ولا شك ان مقتضى الاطلاقات هو بقاء التخيير كما عليه المشهور فان ثبت التخصيص وإلا فالاطلاق هو المحكم، وقد استدل للوجوب بوجوه: احدها: النبوي " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " وبمضمونه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن الذي لايقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته، قال: لاصلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو اخفات. الخ (1) حيث ان ظاهرها نفي حقيقة الصلاة عن الفاقدة للفاتحة، فلو نسيها في الاولتين لا مناص من الاتيان في الاخيرتين كي لا تخلو الصلاة عنها. وفيه اولا: انها منصرفة إلى العامد كما لا يخفى. وثانيا لو سلم الاطلاق ودلالتها على الاعتبار في حقيقة الصلاة مطلقا فغاية ما يستفاد منها اعتبار الفاتحة في المحل المعين المعهود المقرر له شرعا اعني الركعتين الاولتين. فلو كنا نحن والصحيحة مع قطع النظر عن حديث لا تعاد لحكمنا بالبطلان لدى الاخلال بها ولو سهوا في محلها الموظف لها، غير ان مقتضى الحديث الحاكم عليها هو الصحة.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب القراءة ح 1

[ 492 ]

واما لزوم الاتيان بها في محل آخر كالركعتين الاخيرتين فهو محتاج إلى الدليل، وهذه الصحيحة لا تتكفل باثباته. وعلى الجملة: عند النسيان إما ان يحكم بالبطلان مع قطع النظر عن حديث لا تعاد، ومع قطع النظر عما ذكرنا اولا من الانصراف إلى العامد، أو يحكم بالصحة بملاحظة الحديث، أو الانصراف المزبور، فالامر دائر بينهما ولا ثالث. واما احتمال التدارك في محل آخر بحيث لو استمر النسيان إلى ما بعد الركعتين الاخيرتين فتذكر في ركوع الرابعة أو سجودها أو التشهد الاخير وجب التدارك كي لا تخلو الصلاة من الفاتحة فيحتاج إلى دليل آخر، وهذه الصحيحة قاصرة عن عهدة اثباته إذ لا تقتضي اكثر من الاعتبار في المحل المعهود كما عرفت. الثاني: ما استدل به في الحدائق من صحيحة زرارة المروية في الفقيه عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له رجل نسي القراءة في الاولتين فذكرها في الاخيرتين، فقال: يقضى القراءة والتكبير والتسبيح الذي فاته في الاولتين ولا شئ عليه (1). هكذا ذكرت في الوسائل. وصاحب الحدائق (قده) نقلها بزيادة كلمة (في الاخيرتين) في آخر الخبر قبل قوله ولا شئ عليه وقال المتأخرين نقلها عارية عن هذا اللفظ (والظاهر ان مراده صاحب الوسائل كما عرفت فحملها على القضاء بعد التسليم والفراغ من الصلاة، لكن المنقول عن كتب الاخبار ما اثبتناه من الاشتمال على هذه الكلمة. وعليه


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب القراءة ح 6

[ 493 ]

فهي صريحة الدلالة على هذا القول من تعين الفاتحة في الركعتين الاخيرتين، وكأن من ذكر انه لم يجد دليلا على هذا القول لم يلتفت إلى هذه الصحيحة. انتهى ملخصا. وفيه اولا: انه لم يثبت اشتمال الصحيحة على تلك الزيادة، بل قد قيل ان النسخ المصححة للفقيه كلها خالية عنها. ولعل النسخة المشتملة عليها الموجودة عند صاحب الحدائق لم تكن مصححة. وعليه فظاهر الصحيحة وجوب القضاء خارج الصلاة (1) كما حملها عليه صاحب الوسائل لا في الاخيرتين، وحيث لا يحتمل الوجوب، بل ولا قائل به فيحمل الامر على الاستحباب جزما للقطع بصحة الصلاة وانه لا شئ عليه. فتكون الصحيحة أجنبية عن محل الكلام رأسا. وثانيا: لو سلم اشتمال الصحيحة على تلك الزيادة وان النسخ المصححة كذلك فغاية ما يستفاد منها وجوب القضاء في الاخيرتين زائدا على الوظيفة المقررة فيهما من التخيير، لا ان الوظيفة تتبدل من التخيير إلى القضاء كي تتعين الفاتحة مقتصرا عليها فانها لاتدل على ذلك بوجه. وحيث لا يحتمل وجوب القضاء زائدا على الوظيفة المقررة فلا مناص من الحمل على الاستحباب فظهر ان الصحيحة قاصرة الدلالة، لا ان الشهيد لم يلتفت إليها سواء أكانت مشتملة (1) لعل ظاهر الامر بالقضاء في جواب السؤال عمن تذكر وهو في الركعتين الاخيرتين هو وجوبه في زمان التذكر إذ لو اريد ما بعد الصلاة لقيد به كما قيد به في نصوص قضاء الاجزاءة المنسية ومنه تعرف ان دعوى انصراف القضاء في لسان الاخبار إلى ما بعد الصلاة غير واضحة.

[ 494 ]

على تلك الزيادة أم لا. الثالث: رواية الحسين بن حماد عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له أسهو عن القراءة في الركعة الاولى، قال: اقرأ في الثانية قلت اسهو في الثانية، قال: اقرأ في الثالثة، قلت اسهو في صلاتي كلها، قال: إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك (1). وهذه: هي العمدة فيما استند إليه الشيخ في الخلاف من تعين القراءة على ما نسب إليه، واستدل بها في الحدائق ايضا قائلا ان ظاهر الامر الايجاب عينا (والانصاف) انها من حيث الدلالة تامة فان قوله (ع) اقرأ في الثالثة ظاهر في ان تمام الوظيفة في هذه الحالة هي القراءة معينا. والايراد عليها بمعارضتها بروايات التخيير كما قيل ساقط جدا لانها مطلقه، وهذه مقيدة، ولا ريب ان ظهور المخصص مقدم على ظهور العام. وإنما الكلام في سندها فان الحسين بن حماد مهمل لم يوثق في كتب الرجال، واما عبد الكريم، الواقع في السند فهو ثقة كما نص عليه النجاشي وان صرح الشيخ بانه واقفي خبيث، فان العبرة بوثاقة الراوى لاعدالته فالمناقشة السندية انما هي من اجل الحسين فحسب. هذا: وعلى تقدير صحة الرواية فهي معارضة بروايتين يستظهر منهما عدم الوجوب. احداهما: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الاولتين فيذكر في


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب القراءة ح 3

[ 495 ]

الركعتين الاخيرتين انه لم يقرء، قال: أتم الركوع والسجود؟ قلت نعم، قال: أني اكره ان اجعل آخر صلاتي اولها (1). فان المراد بكراهة جعل آخر الصلاة اولها ان كان كراهة قراءة الحمد فهي صريحة في المطلوب من عدم الوجوب بل وافضلية التسبيح حتى للساهي كما احتمله جماعة، وان كان المراد ما استظهره في الحدائق من كرامة قراءة الحمد والسورة معا حيث انها التي يترتب عليها قلب الصلاة فهي ظاهرة في المطلوب وان لم تكن بتلك الصراحة حيث يظهر من ذكر ذلك في مقام البيان ان الوظيفة في فرض النسيان هي التخيير ايضا، وان السهو لم يترتب عليه شئ وإلا وجب التنبيه عليه. وبالجملة: ظهورها في عدم ترتب اثر على السهو غير قابل للانكار والابقى السؤال بلا جواب كما لا يخفى. فهي كالصريح في عدم لزوم تدارك الحمد، وبقاء الحكم السابق اعني التخيير لولا السهو على ما هو عليه، وكأنه عليه السلام اشار بذلك إلى رد العامة حيث يوجبون قراءة الحمد. الثانية: موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: إن نسي أن يقرأ في الاول والثانية أجزأه تسبيح الركوع والسجود (2). والمتحصل من جميع ما قدمناه ان ما ذكره المشهور من التخيير في الركعتين الاخيرتين حتى لمن نسي القراءة في الاولتين هو الصحيح.


(1) الوسائل باب 30 من أبواب القراءة ح 1. (2) الوسائل: باب 29 من أبواب القراءة ح 3.

[ 496 ]

[ وهي " سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله اكبر " والاقوى اجزاء المرة، والاحوط الثلاث (1). ] (1): - قد وقع الخلاف في تعيين التسبيح الذي هو طرف التخيير على اقوال: أحدها: ان صورته هكذا " سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله اكبر " يكررها ثلاثا فيكون المجموع اثنى عشر تسبيحا كما هو المتعارف، نسب ذلك إلى الشيخ في النهاية والاقتصاد، والى ابن أبي عقيل حيث ذكر انه يقولها اي التسبيحات الاربعة سبعا أو خمسا وادناها ثلاث. وقد استدل له بامور: منها الفقه الرضوي حيث صرح فيه بذلك وفيه: ما تقدم مرارا من انه لم يثبت كونه رواية فضلا عن ان يكون معتبرا. ومنها: رواية رجاء بن أبي الضحاك انه صحب الرضا (ع) من المدينة إلى مرو فكان يسبح في الاخر اوين يقول " سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله اكبر " ثلاث مرات ثم يركع (1). وفيه: مضافا إلى ضعف السند. والى انه حكاية فعل مجمل العنوان فلا يدل على الوجوب، بل غايته المشروعية أو الرجحان ولعل اختياره (ع) لذلك لكونه افضل الافراد أو احدها، انها لم تثبت بهذا المتن: فقد ذكر المجلسي على ما حكى عنه صاحب الحدائق ان النسخ المصححة القديمة من العيون غير مشتملة على التكبير،


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 8

[ 497 ]

فيكون المجموع المجموع تسع تسبيحات الذي هو احد الاقوال في المسألة كما سيجئ. على انه يكفي مجرد الاحتمال الناشئ من اختلاف النسخ لعدم الوثوق حينئذ بما هو الصادر عن المعصوم عليه السلام. ومنها: وهو العمدة ما رواه ابن ادريس في اول السرائر نقلا عن كتاب حريز عن زرارة عن أبي جعفر (ع) انه قال: لاتقرأن في الركعتين الاخيرتين من الاربع ركعات المفروضات شيئا اماما كنت أو غير امام، قال: قلت فما اقول فيها؟ قال إذا كنت اماما أو وحدك فقل: " سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله اكبر " ثلاث مرات ثم تكبر وتركع (1). وهي صريحة في المدعى. إلا ان الشأن في سندها اولا ومتنها ثانيا. اما السند فقد ذكرنا غير مرة ان طريق ابن ادريس إلى كتاب حريز غير معلوم ولعل الكتاب الواصل إليه لم يكن هو كتابه اما كلا أو بعضا، وعدم عمله باخبار الآحاد لا يجدي، إذ لعله اعتمد على قرينة تفيد القطع له ولا تفيد لغيره. واما المتن فلم يثبت كونه كذلك كيف وقد رواها ابن ادريس نفسه في آخر السرائر فيما استطرفه من كتاب حريز بعين السند والمتن غير انه لم يتذكر فيه التكبير، بل قد ذكر المجلسي في البحار على ما حكاه عنه في الحدائق ان النسخ المتعددة التي رأيناها متفقة على ذلك. وعليه فلم يعلم ان الصحيح هو ما ذكره ابن ادريس في اول السرائر ام ما اثبته في آخره. ومن هنا احتمل بعض ومنهم المجلسي ان تكونا روايتين قد رواهما زرارة على الوجهين، وكذا


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 2

[ 498 ]

حريز عنه في كتابه فاثبتهما ابن ادريس في الموضعين، وان كان بعيدا غاينه كما لا يخفى. وكيف كان: فلا يخلو إما انهما روايتان، أوهما رواية واحدة دائرة بين الزيادة والنقيصة. فعلى الثاني يدور الامر بين الحجة واللا حجة، إذ الصادر ليس إلا احدهما، وبما انه غير معلوم لاشتباهه بالآخر فلا يمكن الحكم بصحة المشتمل على التكبير لعدم الوثوق بصدوره فيسقط عن الاستدلال. وعلى الاول: فمع بعده في نفسه كما عرفت سيما من مثل زرارة إذ بعد أن سأل حكم المسألة عن الامام (ع) كيف يسأله مرة اخرى فغاية ما هناك انهما روايتان تضمنت احداهما الامر بالتكبير، والاخرى عدم الامر الظاهر بمقتضى الاطلاق في جواز تركه لكونه مسوقا في مقام البيان وتعيين تمام الوظيفة، ولا شك ان مقتضى الجمع العرفي بينهما هو الحمل على الاستحباب وان الواجب هي التسبيحات التسع، والثلاث الزائدة في الرواية الاخرى مستحبة هذا ومما يؤيد زيادة كلمة التكبير في الرواية وانها سهو من قلم النساخ من جهة انس الذهن الناشئ من المعهودية الخارجية، ان الصدوق رواها بعينها بطريق صحيح عن زرارة عن أبي جعفر (ع) من دون ذكر التكبير مصرحا بالتسع بحيث لا يحتمل معه النقص حيث قال: ". فقل سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثم تكبر وتركع " (1) فتحصل ان هذا


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 1

[ 499 ]

القول ساقط لعدم الدليل عليه. القول الثاني: انها عشر تسبيحات فيقول هكذا: " سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله " ثلاث مرات ثم يقول: الله اكبر فيكون المجموع عشرا. نسب ذلك إلى السيد المرتضى والشيخ في الجمل والمبسوط، وابن ادريس وسلار، وابن البراج، ومال إليه في الحدائق معترفا كغيره من جملة من الاصحاب بعدم الوقوف على رواية تدل عليه، غير انه (قده) تصدى لاثباته بضم بعض الاخبار إلى بعض. هذا: ويمكن ان يستدل لهذا القول بصحيحة زرارة على رواية الصدوق المتقدمة آنفا بناءا على حمل التكبير في قوله (ع) ثم تكبر وتركع على ما هو من متمم التسبيح الواجب في الركعتين الاخيرتين لاعلى تكبير الركوع. لكنه كما ترى بعيد جدا، فان ظاهرها ان تمام الواجب إنما هو التسع وان تكبير الركوع، ولذا عطفه على سابقه بكلمة ثم الظاهر في الانفصال، والا كان الاحرى ان يقال تكمله تسع تسبيحات وتكبر ثم تركع، أو تكمله عشر تسبيحات ثم تكبر وتركع. وكيف كان: فلا ينبغي الريب في ضعف هذا القول ايضا. وصاحب الحدائق قد استند في التسع إلى هذه الصحيحة وفي التكبير المتمم للعشر إلى الروايات الاخر وهو ايضا لايتم كما لا يخفى. القول الثالث: انها تسع تسبيحات " سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله " يكررها ثلاث مرات نسب إلى الصدوق ووائده وأبي الصلاح. ونسب ايضا إلى حريز الراوي للتسع وهو من قدماه

[ 500 ]

الاصحاب. فيظهر ان فتواه ايضا كذلك مضافا إلى روايته. والدليل عليه هو صحيح حريز عن زرارة المتقدم آنفا الذي نقله الصدوق وقد مر ان ابن ادريس ايضا رواه كذلك في آخر السرائر نقلا عن كتاب حريز عن زرارة. وهذا القول: لا بأس به فان الرواية صحيحة صريحة، فان ثبت جواز الاكتفاء بما دونه والا فلابد من الالتزام به. القول الرابع: الاجتزاء بالتسبيحات الاربع مرة واحدة اختاره جمع كثير بل نسب ذلك إلى المشهور وتدل عليه صريحا صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر (ع) ما يجزى من القول في الركعتين الاخيرتين؟ قال: ان تقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله اكبر " وتكبر وتركع (1)، وهي واضحة الدلالة للتصريح بالاجزاء، فالزائد عليه من الاذكار فضل وندب، وبذلك ترفع اليد عن القول السابق. اعني التسع ويحكم باستحبابها، ويؤيده رواية محمد بن عمران ومحمد بن حمزة (2). وقد يستدل لذلك كما في الحدائق - بصحيحة سالم بن مكرم أبي خديجة عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا كنت امام قوم نعليك أن تقرأ في الركعتين الاولتين، وعلى الذين خلفك أن يقولوا " سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله اكبر " وهم قيام فإذا كان في الركعتين الاخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرأوا فاتحة الكتاب


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 5. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 3

[ 501 ]

وعلى الامام أن يسبح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين (1) وهذه الرواية صحيحة السند، إذ ليس في الطريق من يغمز فيه عدا الراوي الاخير، والظاهر انه سالم بن مكرم المكنى بأبي خديجة مرة وأبي سلمة اخرى، فأبو خديجة كنية له لا لابيه، فما وقع في الوسائل في المقام من قوله سالم بن أبي خديجة سهو من قلمه الشريف أو من النساخ. وقد ذكر (قده) هذه الرواية بعينها في باب 32 من الجماعة بحذف كلمة ابن فقال عن سالم أبي خديجة وكذا في التهذيب ج 3 ص 275 وهو صحيح كما عرفت. وهذا الرجل اعني سالم بن مكرم قد وثقه النجاشي وقال انه ثقة ثقة الا ان الشيخ (قده)، قد ضعفه في الفهرست صريحا وان وثقه في موضع آخر على ما حكاه العلامة - ولكن الظاهر ان تضعيف الشيخ يبتنى على تخيل اتحاده مع سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني هو سهو منه بلا شك، وقد اوضح ذلك سيدنا الاستاد (دام ظله) في المعجم ج 8 ص 27 فليلا حظ. وكيف كان: فلا ينبغي الريب في صحة السند. ومن هنا عبر عنها في الحدائق بالصحيحة (2). ولكنها قاصرة الدلالة على الاجتزاء بالمرة وان ادعاها صاحب الحدائق، ولعله باعتبار ذكر التسبيح مرة واحدة في الركعتين الاولتين وهو كما ترى، فان النظر فيها مقصور على بيان التفرقة


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 13. (2) لم اظفر على تصريح من الحدائق بذلك في المقام ولعله عبر عنها بذلك في مقام آخر فلاحظ

[ 502 ]

بين الركعتين الاولتين والاخيرتين، وان الامام يقرأ في الاولتين والمأموم يسبح، واما في الاخيرتين فهما سواء، واما ان كيفية التسبيح في الاخيرتين اي شئ فهي ساكتة عنه بالكلية، ومجرد ذكر تسبيح خاص في الاولتين لا يقتضي كونه في الاخيرتين كذلك فهذا الاستدلال ساقط والعمدة فيه صحيحة زرارة المؤيدة بالروايتين كما تقدم. القول الخامس: ما نسب إلى ابن الجنيد من كفاية ثلاث تسبيحات بان يقول: الحمد لله وسبحان الله والله اكبر، وهذا القول ايضا غير بعيد ككفاية التسبيحات الاربع، إذ قد دلت عليه صحيحة الحلبي صريحا، فقد روى الشيخ في الصحيح عنه عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا قمت في الركعتين الاخيرتين لا تقرأ فيهما، فقل الحمد لله وسبحان الله والله اكبر (1). وقد رواها في الاستبصار والتهذيب غير ان كلمة (الاخيرتين) غير مذكورة في الثاني، ولعلها سقطت من قلمه الشريف. وكيف كان فالدلالة ظاهرة سواء جعلنا قوله (ع) لاتقرا فيهما صفة للاخيرتين، أو جزاء للشرط بان تكون نهيا أو نفيا تفيده لكونها في مقام الانشاء. القول السادس: ما نسب إلى ابن أبي عقيل من كفاية التسبيح ثلاثا بان يقول: " سبحان الله سبحان الله سبحان الله " وقد استدل له برواية أبي بصى عن أبي عبد الله (ع) قال: ادنى ما يجزي من القول في الركعتين الاخيرتين ثلاث تسبيحات ان تقول: سبحان الله


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 7

[ 503 ]

سبحان الله، سبحان الله (1). وفيه: ان الدلالة وان كانت تامة لكن السند ضعيف لضعف طريق الصدوق إلى وهيب بن حفص بشيخه محمد بن علي ما جيلويه فانه لم يوثق، وبمحمد بن علي الهمداني الذي استظهر الاردبيلي في جامعه انه محمد بن علي القرشي أبوسمينه المعروف بالكذب ولكنه في غير محله بل هو محمد بن علي بن ابراهيم الهمداني وكيل الناحية وان كان ضعيفا ايضا حيث استثناه ابن الوليد من رجال نوادر الحكمة، ولاجل ذلك لا يمكن الاعتماد على رواياته. فهذا القول ساقط. نعم بناءأ على جواز الاكتفاء بمطلق الذكر وانه ليس في التسبيح شئ موقت كما هو احد الاقوال وسيجئ الكلام عليه ان شاء الله تعالى امكن الاكتفاء به حينئذ لا لخصوصية فيه بل لكونه مصداقا للذكر المطلق. والمتحصل: من جميع ما قدمناه لحد الآن جواز الاقتصار على التسبيحات التسع، بل الاكتفاء بالتسبيحات الاربع مرة واحدة، بل بالتسبيحات الثلاث لورود النص الصحيح على كل ذلك، كما تقدم في بيان القول الثالث والرابع والخامس. بل لا يبعد الاكتفاء بالتسبيح والتهليل والتكبير والدعاء لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: عشر ركعات، ركعتان من الظهر وركعتان من العصر، وركعتا الصبح، وركعتا المغرب، وركعتا العشاء الآخرة لا يجوز فيهن الوهم إلى ان قال: وهي الصلاة التي فرضها الله، وفوض إلى محمد (ص) فزاد النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة سبع ركعات هي


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 7

[ 504 ]

سنة ليس فيهن قراءة انما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء، فالوهم إنما هو فيهن. الحديث (1). وبمضمونها روايته الاخرى الوارد في المأموم المسبوق (2). كما لا يبعد الاجتزاء بأقل من ذلك، أعني التسبيح والتحميد والاستغفار لوروده في صحيحة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الركعتين الاخيرتين من الظهر، قال: تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك وان شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء (3). بل يظهر من ذيلها جواز لاكتفاء باقل من ذلك ايضا، اعني مجرد التحميد والدعاء فلا حاجة إلى التسبيح والاستغفار الامن جهة كونه مصداقا للدعاء لتعليل الاجتزاء بالفاتحة باشتمالها على التحميد والدعاء. ومن الواضح انها غير متضمنة للاستغفار، فيظهر ان العبرة بالدعاء كان استغفارا ام لا. ومن جميع ما سردناء يظهر قوة القول السابع: من التخيير بين جميع هذه الصور وجواز العمل بكل ما تضمنته النصوص الصحيحة المتقدمة المنسوب إلى ابن طاووس والمحقق في المعتبر ومال إليه جملة من المتأخرين. فان هذا القول قريب جدأ لصحة تلكم الاخبار سندا ودلالة كما عرفت، ولا تعارض بينها، غايته ان الامر في كل منها ظاهر في الوجوب التعييني فيحمل على التخيير جمعا. بقي الكلام في القول الاخير وهو.


(1) الوسائل: باب 42 نم أبواب القراءة ح 6. (2) الوسائل: باب 47 من أبواب صلاة الجماعة ح 4. (3) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 1.

[ 505 ]

القول الثامن: من الاجتزاء بمطلق الذكر وان لم يكن باحدى الصور المتقدمة في النصوص السابقة كما نسب إلى بعض ويمكن ان يستدل له بوجه: الاول: ان الاختلاف الكبير الواقع في الاخبار في تعيين الاذكار كما مر يكشف عن ان الاعتبار بمطلق الذكر وانه ليس هناك شئ موقت. فالواجب إنما هو طبيعي ذكر الله ولا خصوصية للمذكور في النصوص وانما هي امثلته وبيان بعض مصاديقه. فالمقام نظير الاخبار الواردة في باب صلاة الميت. فكما انا استفدنا من الاختلاف الكثير الواقع في كيفية تعيين الادعية ان العبرة بمطلق الدعاء وليس هناك شئ موقت، فكذا في المقام طابق النعل بالنعل. وفيه: ان القياس مع الفارق فان الامر وان كان كذلك في باب صلاة الميت لكنه ليس لاجل اختلاف الاخبار فحسب بل للتصريح في تلك الاخبار بانه ليس هناك شئ موقت. ومثل هذا التصريح لم يرد في نصوص المقام حتى يلتزم بالغاء تلك الخصوصيات الواردة فيها، إذ من الواضح ان مجرد الاختلاف وان كثر لا يقتضى ذلك بل لابد من مراعاتها غاية الامر ان الامر الوارد في كل خبر ظاهر في نفسه بمقتضى الاطلاق في الوجوب التعييني فيرفع اليد عنه، ويحمل على التخييري جمعا بينها كما تقدم، فلا يجوز له اختيار ذكر لانص فيه لعدم الدليل عليه. الثاني: رواية علي بن حنظلة وقد تقدمت قال: سألته عن الركعتين الاخيرتين ما اصنع فيهما؟، فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وان شئت فاذكر الله فهو سواء، قال ففلت فاي ذلك

[ 506 ]

افضل؟ فقال: هما والله سواء ان شئت سبحت وان شئت قرأت (1) فيظهر منها ان العبرة بمطلق ذكر الله كيفما تحقق. وفيه اولا: انها ضعيفة السند كما مر وان عبر عنها بالموثقة في كلمات بعض، فان علي بن حنظلة (2) لم يوثق وان كان اخوه عمر تقبل رواياته ويعبر عنها بالمقبولة. وثانيا: مع الغض عن السند فالدلالة قاصرة إذ غايتها انها بالاطلاق فيقيد بما ورد في ساير الاخبار من التقييد بالذكر المخصوص كما هو مقتضى صناعة الاطلاق والتقييد، بل يمكن دعوى منع انعقاد الاطلاق من اصله للتصريح في الذيل بقوله (ع) ان شئت سبحت. الخ الكاشف عن ان المراد بالذكر في الصدر خصوص التسبيح لا مطلق الذكر فتدبر جيدا. الثالث: ما ادعاه المحقق الهمداني (قده) من ان الظاهر من قوله (ع) في صحيحة زرارة المتقدمة " إنما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء. الخ " (3) هو الاجتزاء بكل واحد من هذه الامور، وان ذلك من باب التنويع. ثم قال (قده) ولو سلم عدم ظهور الصحيحة في نفسها في ذلك فلتحمل عليه بقرينة رواية علي بن حنظلة المتقدمة انتهى ملخصا. وهذه: الدعوى كما ترى لم نتحققها فان ظاهر الواو هو الجمع، فارادة التنويع كي يكون بمعنى أو خلاف الظاهر لا يصار


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 3. (2) سيجئ قريبا في اواخر المسألة الثانية توثيق ارجل فلا حظ. (3) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 6

[ 507 ]

[ والاولى اضافة الاستغفار إليها (1) ولو بأن يقول: اللهم اغفر لي. ] إليه من دون قرينة. واضعف من ذلك الاستشهاد برواية علي بن حنظلة إذ قد عرفت انها في نفسها ضعيفة سندا ودلالة فكيف يستشهد بها. فظهر ان القول بالاجتزاء بمطلق الذكر ساقط. وقد تحصل لك من جميع ما قدمناه ان الاقوى هو الاجتزاء في التسبيح بكل ما ورد في النصوص الصحيحة كما ذكره جماعة لكن الاحوط اختيار التسبيحات الاربعة مرة واحدة، واحوط من ذلك تكرارها ثلاثا، فانه مجز ومبرئ للذمة قطعا لعدم الخلاف فيه من احد كما عرفت. (1): - للامر به في صحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة قال (ع): تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك. الخ (1) المحمول على الاستحباب لخلو ساير الاخبار عنه، مضافا إلى عدم القائل بالوجوب. نعم ربما يستظهر أو يستشعر من كلام العلامة في المنتهى وجود القائل به حيث انه بعد ان سلم دلالة الصحيحة عليه قال: الاقرب عدم وجوب الاستغفار فان التعبير بالاقرب يشعر بوجود الخلاف، لكن الظاهر ان مراده (قده) الاقرب بالنظر إلى الصحيحة لافي قبال قول آخر. وكيفما كان: فالظاهر عدم الوجوب لقصور الصحيحة في نفسها عن الدلالة عليه، فان ذيلها يشهد بان الاستغفار إنما ذكر


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 1

[ 508 ]

[ ومن لا يستطيع يأتي بالممكن (1) منها، وإلا اتى بالذكر المطلق (2) ] لكونه مصداقا للدعاء لا لخصوصية فيه لقوله (ع): وان شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء فيكشف عن ان العبرة بالدعاء والاستغفار المذكور في الصدر من مصاديقه (1)، ولا يحتمل العكس لخلو الفاتحة عن الاستغفار. على انه مع التسليم فغايته وجوب الاستغفار فيما لو اكتفى بالتحميد والتسبيح المشتمل عليهما هذه الصحيحة اما لو اختار ذكرا آخر مذكورا في بقية النصوص فلماذا؟ فما ذكره الفقهاء من الاستحباب هو المتعين. (1): - وهذا هو الصحيح لالقاعدة الميسور لعدم تماميتها، بل لان المستفاد من الاخبار بمقتضى الفهم العرفي ان كلا من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير جزء مستقل، لا ان المجموع جزء واحد. وعليه فلو عجز عن البعض لم يسقط الامر بالباقي لاطلاق دليله. (2) لا يمكن المساعدة عليه لما مر من ان الاكتفاء بالذكر


(1) المفهوم من الصحيحة ان التسبيح تحميد كما ان الاستغفار دعاء وسورة الحمد مشتملة عليهما معا وغاية ما يستفاد من الذيل جواز الاتيان بكل ما يشتمل على التحميد والدعاء، لاجواز ترك الاستغفار وعدم تبديله بما يشتمل على الدعاء لو اختار المكلف التسبيح كما هو المدعى

[ 509 ]

[ وان كان قادرا على قراءة الحمد تعينت حينئذ (1). (مسألة 1): إذا نسي الحمد في الركعتين الاوليين (2) فالاحوط اختيار قراءته في الاخيرتين لكن الاقوى بقاء التخيير بينه وبين التسبيحات. (مسألة 2): الاقوى كون التسبيحات افصل من قراءة الحمد في الاخيرتين سواء كان منفردا أو اماما أو مأموما (3). ] المطلق لادليل عليه، فلا يجزي في المقام حتى لو بنى على تمامية قاعدة الميسور، إذ الاتيان بفرد آخر من الذكر غير ما هو الموجود في النصوص الصحيحة كقوله الله خالق أو رازق ونحو ذلك مباين لما هو الواجب المذكور في تلك النصوص من التسبيح والتحميد والتهليل ونحوها، لا انه ميسور لها ومن مراتبها كما لا يخفى. (1): - بلا اشكال كما هو الحال في كل واجب تخييري تعذر ما عدا الواحد من اطرافه، فان الواجب يتعين فيه عقلا، ولا تنتقل الوظيفة إلى البدل الواقع في طوله. (2): - تقدم الكلام في هذه المسألة مفصلا، وظهر حالها بما لا مزيد عليه، فلا حاجة إلى الاعادة. (3): - كما نسب ذلك إلى جمع كثير من الاصحاب، وقيل بافضلية القراءة اما لخصوص الامام أو مطلقا، وقبل بالتساوي وعدم ترجيح في البين، وحيث ان منشأ الخلاف الاخبار الواردة في

[ 510 ]

المقام فلابد من التعرض إليها. فنقول: مقتضى طائفة كثيرة من النصوص واغلبها صحيح أو موثق افضلية التسبيح. وقد تقدم التعرض لها ونشير إليها اجمالا وهي: صحيحة زرارة التي رواها الصدوق (1) وصحيحة الاخرى (2) وبمضمونهما صحيحتان أخريان له (3). وصحيحة الحلبي (4) " إذا قمت في الركعتين الاخيرتين لا تقرأ فيهما فقل: الحمد لله وسبحان الله والله اكبر، سواء أكان قوله (ع) (لا تقرأ فيهما) صفة للاخيرتين ام جزاءا للشرط، وان كان الاول اظهر، والجزاء هو قوله فقل. الخ، وان كان الانسب دخول الفاء على هذه الجملة كما لا يخفى. وكيف كان: فالنهي عن القراءة أو نفيها وان كان ظاهرا في عدم المشروعية لكنه محمول على المرجوحية بقرينة الاخبار الاخر كما مر فينتج افضلية التسبيح. وصحيحة محمد بن قيس (5) فان التعبير: - (كان) يدل على الاستمرار الكاشف عن افضلية التسبيح، وظاهرها الاطلاق لانه (ع)


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 1. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 6. (3) الوسائل: باب 1 من أبواب الخلل ح 1 وباب 47 من أبواب جماعة ح 4. (4) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 7. (5) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 9

[ 511 ]

كان يصلي اماما ومأموما ومنفردا. هذه جملة الروايات المعتبرة الدالة على افضلية التسبيح مطلقا. ويؤيدها روايات اخر، وان كانت اسانيدها لا تخلو عن الخدش كرواية رجاء بن الضحاك (1)، ورواية محمد بن عمران (2) المصرحة بافضلية التسبيح وغيرهما مما لا يخفى على المراجع. وبازائها طائفة اخرى من الاخبار تقتضي افضلية الحمد مطلقا وهي روايتان: احداهما رواية محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (ع) أيهما افضل القراءة في الركعتين الاخيرتين أو التسبيح فقال: القراءة افضل (3) لكنها ضعيفة السند بمحمد بن الحسن بن علان ومحمد بن حكيم فانهما لم يوثقا. الثانية: رواية الطبرسي في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (ع) انه كتب إليه يسأله عن الركعتين الاخيرتين إلى أن قال فأجاب (ع) قد نسخت قراءة ام الكتاب في هانين الركعتين التسبيح والذي نسخ التسبيح قول العالم (ع) كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج. الخ (4)، وقد تقدم التعرض لها في اول الفصل، وعرفت انها ضعيفة السند بالارسال اولا، ومشوشة المتن ثانيا. ولو تمت لكانت حاكمة على جميع اخبار الباب. فظهر انه: ليست هناك رواية يعتمد عليها تقتضي افضلية الحمد


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 8. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 3. (3) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 10. (4) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 14

[ 512 ]

مطلقا حتى تعارض الطائفة السابقة من الاخبار المقتضية لافضلية التسبيح مطلقا. فهذا القول ساقط. يبقى الكلام: في التفصيل الذي قيل به بين الامام وغيره. ويقع الكلام تارة: في المنفرد، واخرى: في الامام، وثالثة: في المأموم. اما المنفرد فلم يرد في شئ من النصوص ما تضمن الامر بالفاتحة خاصة بالنسبة إليه عدا رواية جميل بن دراج ". ويقرأ الرجل فيهما إذا صلى وحده بفاتحة الكتاب " (1) لكنها ضعيفة السند بعلي؟ السندي فانه لم يوثق الا من نصر بن صباح ولا عبرة به لعدم ثبوت وثاقته في نفسه. ومن هنا لا يبعد القول بافضلية التسبيح بالاضافة إليه كما نبه عليه سيدنا الاستاد (دام ظله) في تعليقته الشريفة عملا بالنصوص المتقدمة، وان كان هذا ايضا لا يخلو عن شئ كما ستعرف. واما الامام: فمقتضى النصوص المتقدمة افضلية التسبيح له؟ قد يظهر من صحيحة سالم أبي خديجة (2) تعينه كما لا يخفى. لكن بازائها صحيحتان تضمنتا الامر بالفاتحة خاصة، وهما صحيحة معاوية بن عمار " عن القراءة خلف الامام في الركعتين الاخيرتين، فقال: الامام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبح، فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما وان شئت (3) وصحيحة منصور


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 4. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 13. (3) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 2

[ 513 ]

ابن حازم " إذا كنت اماما فاقرأ في الركعتين الاخيرتين بفاتحة الكتاب وان كنت وحدك فيسعك فعلت اولم تفعل (1). وقد جمع المحقق الهمداني (قده) بينهما بالالتزام بالتخصيص وان خصوص الامام تتعين عليه الفاتحة فتحمل النصوص السابقة على غير الامام وهو كما ترى، فان في بعض تلك النصوص التصريح بالتسبيح في خصوص الامام كصحيحة سالم أبي خديجة المتقدمة آنفا فتقع المعارضة لا محالة، ولا سبيل للتخصيص، بل ان مقتضى الجمع العرفي بينهما هو الحمل على التخيير لظهور كل منهما في التعيين فيرفع اليد عن خصوصية التعينية ويحمل على التخيير. ومنه: نعرف انه لا مجال لحمل الصحيحتين على التقية كما ارتكبه صاحب الحدائق، إذ الحمل المزبور فرع تعذر الجمع العرفي وقد عرفت امكانه بما ذكرناه. ونتيجة ذلك هو الحكم بالتخيير من دون ترجيح لاحدهما على الآخر. هذا والتحقيق عدم امكان الحمل على التقية في نفسه، فان الامر بالقراءة في الصحيحتين ظاهر في الوجوب، فاما ان يراد به الوجوب التعييني أو التخييري لاسبيل للثاني للتصريح في ذيلهما بثبوت التخيير للمنفرد ايضا، فلم يبق فرق بينه وبين الامام. ومن الواضح ان التفصيل قاطع للشركة كما لاسبيل للاول ايضا إذ لم يقل به احد حتى من العامة، فان مذهبهم افضلية القراءة في الاخيرتين لا تعينها فكيف يحمل على التقية. ودعوى حمل الامر على الستحباب، ثم الحمل على التقية كما


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 11

[ 514 ]

ترى إذ لا مقتضى لحمل اللفظ على خلاف ظاهره ثم الحمل على التقية ومما ذكرنا تعرف ان ما قدمناه من الجمع العرفي ايضا ساقط لما عرفت من تعذر الحمل على التخيير، فلا مناص من الالتزام باستقرار المعارضة بينهما وبين صحيحة سالم أبي خديجة المتقدمة الصريحة في تعين التسبيح للامام فيتساقطان لا محالة، والمرجع بعدئذ اطلاق صحيحة عبيد بن زرارة (1) القاضية بالتخيير والمساواة بين القراءة والتسبيح من دون ترجيح. فان قلت: قد ورد النهي عن القراءة في بعض النصوص المحمول على الكراهة جمعا، ولازمه افضلية التسبيح فكيف يلتزم بالتخيير. قلت: النهي عن القراءة لم يرد إلا في صحيحتين: احداهما صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: ان كنت خلف امام فلا تقرأن شيئا في الاولتين، وانصف لقراءته، ولا تقرأ شيئا في الاخيرتين، فان الله عزوجل يقول للمؤمنين: وإذا قرئ القرآن يعني في الفريضة خلف الامام فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون، فالاخيرتان تبعا للاولتين (2) وهي كما ترى ظاهرة في المنع عن القراءة في الصلوات الجهرية، ولا معارض لها في موردها فلو كنا نحن وهذه الصحيحة لحكمنا بعدم جواز القراءة في الاخيرتين للمأموم في الصلاة الجهرية، إذ لا مقتضي لحمل النهي على خلاف ظاهره بعد سلامته عن المعارض في مورده، غير ان المشهور لم يلتزموا بذلك. ومن هنا كان الاحوط وجوبا اختيار التسبيح بالنسبة إليه، كما


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 1. (2) الوسائل: باب 31 من أبواب الجماعة ح 3)

[ 515 ]

نبه عليه سيدنا الاستاد (دام ظله) في التعليقة. الثانية: صحيحته الاخرى عنه عليه السلام انه قال: لاتقرأن في الركعتين الاخيرتين من الاربع الركعات المفروضات شيئا اماما كنت أو غير امام. الخ (1) لكن هذا النهي باعتبار تأكيده بالنون المثقلة وتنكير لفظ الشئ غير قابل للحمل على الكراهة كما لا يخفى ومقتضى الجماع بينها وبين ساير الاخبار المرخصة للقراءة هو ارادة النهي عن القراءة بعنوان الوظيفة المقررة في الركعتين الاخيرتين فلا يجوز الاتيان بها فيهما بهذا العنوان، اي بعنوان الوظيفة الاصلية. والواجب الاولي على حد الاتيان بها في الاولتين كما تفعله العامة كذلك فلا ينافي ذلك جواز الاتيان بها فيهما بعنوان انها مصداق للتسبيح، وباعتبار اشتمالها على التحميد والدعاء كما صرح بذلك في صحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة. وملخص الكلام في المقام ان المستفاد من الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض ان الوظيفة الاولية في الركعتين الاخيرتين اللتين هما مما سنه النبي صلى الله عليه وآله ويدخلهما الوهم انما هو التسبيح فقط في مقابل الركعتين الاولتين اللتين هما من فرض الله ولا يدخلهما الوهم، فان الوظيفة فيهما القراءة فحسب، وقد جعل هذا الفرق امتيازا لما فرضه الله عما سنه النبي صلى الله عليه وآله كما اشير إلى ذلك في بعض النصوص فالقراءة بعنوانها الاولي غير مشروعة في الاخيرتين، بل المقرر انما هو التسبيح كما تشهد بذلك الصحاح الثلاث لزرارة المصرحة بانه


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 1

[ 516 ]

ليس فيهن قراءة (1). فلو كنا نحن وهذه النصوص لحكمنا بعدم مشروعية القراءة في الاخيرتين مطلقا، إلا انه يظهر من صحيحة عبيد ب‍ زرارة المتقدمة جواز القراءة فيهما ايضا لا بعنوانها الاولي بل لمكان اشتمالها على التحميد والدعاء فتكون ايضا فردا من افراد التسبيح، فهي والتسبيحات المقررة على حد سواء، والمكلف مخير عقلا بين الامرين لان المأمور به هو جامع التسبيح وطبيعيه، وبما ان القراءة من افراده بمقتضى هذه الصحيحة فيكون التخيير بينهما عقليا، فهذه الصحيحة حاكمة على جميع اخبار الباب ومثبتة للتساوي بين الامرين من غير ترجيح في البين. وقد عرفت ان الامر بالقراءة للامام في صحيحتي معاوية ومنصور معارض بالامر بالتسبيح في صحيحة سالم أبي خديجة، وبعد التساقط يرجع إلى اطلاق هذه الصحيحة المثبتة للتخيير على الاطلاق من غير فرق بين الامام والمأموم والمنفرد، إلا قسما خاصا من المأموم كما تقدم لورود النص الخاص فيه السليم عن المعارض. ويدل على ما ذكرناه من التخيير مطلقا مضافا إلى صحيحة عبيد موثقة علي بن حنظلة (2) بل هي اصرح منها لتضمنها الحلف على التساوي بين القراءة والتسبيح، ونحن وان ناقشنا فيما سبق في سند هذه الرواية، بل حكمنا بضعفها من جهة عدم ثبوت وثاقة علي بن حنظلة، ولا اخيه عمر في كتب الرجال، وان تلقى الاصحاب روايات الثاني بالقبول واسموها مقبولة عمر بن حنظلة.


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 6. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 3 .

[ 517 ]

لكن الظاهر وثاقة الرجل علي بن حنظلة فان ما تقدم من التضعيف كان مبنيا على الغفلة عما ورد في شأنه من رواية صحيحة تدل على وثاقته بل ما فوقها، وهي ما رواه في بصائر الدرجات (1) بسند صحيح عن عبد الاعلى بن اعين قال دخلت انا وعلي بن حنظلة على الصادق (ع) فسأله علي بن حنظلة فاجابه فقال كان كذا وكذا فاجابه فيها حتى اجابه باربعة وجوه، فالتفت الي قد احكمناه فسمع الصادق (ع) فقال: لا تقل هكذا يا ابا الحسن فانك رجل ورع " من الاشياء اشياء وسيعة. الخ، فان أبا الحسن كنية علي بن حنظلة وقد وصفه الامام بالورع الذي هو فوق العدالة فضلا عن الوثاقة. فلا ينبغي التشكيك في وثاقة الرجل. وعليه فروايته في المقام موثقة ولولا وقوع عبد الله بن بكير والحسن بن علي بن فضال في السند لعبرنا عنها بالصحيحة لكنها موثقة من اجلهما، ومقتضاها كصحيحة عبيد هو التخيير والتساوي بين الامرين مطلقا كما عرفت. ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في المأموم فان الروايات فيه ايضا متعارضة كالامام. فيظهر من بعضها ان الوظيفة هي التسبيح كرواية سالم أبي خديجة (2) حيث قال (ع): وعلى الامام ان يسبح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين. فان ظاهرها ان كون وظيفة المأمومين هي التسبيح امر مسلم بحيث شبه به تسبيح الامام.


(1) ص 328 وقد اشار - دام ظله - إلى ذلك في المعجم ج 11 ص 423. (2) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 13

[ 518 ]

[ (مسألو 3): يجوز ان يقرأ في احدى الاخيرتين الحمد وفي الاخرى التسبيحات، فلا يلزم اتحادهما في ذلك (1). ] ويظهر من بعضها ان الوظيفة انما هي القراءة كصحيحة عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: ان كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الاولتين، وقال: يجزيك التسبيح في الاخيرتين قلت: اي شئ تقول انت؟ قال: اقرأ فاتحة الكتاب (1). فان التعبير بالاجزاء يكشف عن ان الوظيفة الاولية انما هي القراءة وان اجزاء عنها التسبيح ولا سيما بملاحظة قوله (ع) في الذيل اقرأ فاتحة الكتاب فيعارض مضمونها الصحيحة الاولى وبعد التساقط يرجع إلى اطلاق صحيحة عبيد وموثقة علي بن حنظلة الدال على التخيير بين الامرين والتساوي بينهما كما عرفت. والمتحصل: من جميع ما قدمناه انه لم تثبت افضلية شئ من التسبيح أو القراءة، بل الاقوى هو التخيير والمساواة بينهما من غير فرق بين الامام والمنفرد ما عدا صورة واحدة وهي المأموم في الصلوات الجهرية، فان الاحوط وجوبا اختياره التسبيح حينئذ كما عرفت وجهه. (1): - لاطلاق نصوص التخيير فان الموضوع فيها كل واحدة


(1) الوسائل: باب 51 من أبواب القراءة ح 12.

[ 519 ]

[ (مسألة 4). يجب فيهما الاخفات سواء قرأ الحمد أو التسبيحات (1). ] من الاخيرتين لا مجموعهما. (1): - على المشهور المعروف، بل عليه دعوى الاجماع، وذهب بعض منهم صاحب الحدائق إلى التخيير، ولا يخفى انه لم يرد في شئ من الاخبار التعرض لحكم الاخيرتين من حيث الجهر أو الاخفات وانما هي مسوقة لبيان حكم الاولتين أو ساير الاذكار من ذكر الركوع والسجود والتشهد ونحوها. ومع ذلك فالاقوى ما عليه المشهور للسيرة القائمة من الائمة عليهم السلام واصحابهم، بل النبي صلى الله عليه وآله وكذا المتشرعة متصلة بهم على مراعاة الاخفات في الاخيرتين، بحيث لم ينقل الجهر عن احدهم، وهذه السيرة بمجردها وان لم تدل على الوجوب لامكان قيامها معلى امر راجح كالقنوت الذي تلتزم به الخاصة مع استحبابها، بل غايتها عدم وجوب الجهر وان الاخفات مشروع اباحة أو ندبا لكنها تحقق صغرى لكبري تضمنتها صحيحة زرارة من عدم جواز الاجهار متعمدا في كل ما لا ينبغي الاجهار فيه قال: (ع) في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار واخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه فقال: اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة (1) فبضم الصغرى الثانية بالسيرة وهي ان الاجهار في الاخيرتين مما لا ينبغي إلى الكبرى المستفادة من الصحيحة وهي البطلان في صورة العمد ينتج المطلوب.


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب القراءة ح 1

[ 520 ]

فان المراد بكلمة ينبغي في هذه الصحيحة ليس هو الوجوب ولا الاستحباب قطعا لوضوح الحكم على التقديرين، وهو ان الاخلال بالجهر مع وجوبه يقتضي البطلان، ومع استحبابه لا يقتضي، فلا حاجة إلى السؤال، بل المراد به في المقام ما هو اللائق بحال الصلاة والمناسب لها بحسب التداول والتعارف الخارجي، وحيث ان الوظيفة المقررة في الاخيرتين من التسبيح أو القراءة مما يليق بها الاخفات كما كشفت عنه السيرة والتداول الخارجي على ما عرفت فكان هو مما ينبغي، والاجهار فيها مما لا ينبغي فتشملها الصحيحة حينئذ من ان الاجهار في مثله موجب للاعادة. نعم في الصحيحة الاخرى لزرارة تخصيص الحكم بالقراءة فلا تعم التسبيح لو اختاره في الاخيرتين (1) لكن المستند هي الصحيحة الاولى المطلقة، إذ لا تنافي بين المثبتين حتى تراعى صناعة الاطلاق والتقييد كما لا يخفى. وربما يستدل للحكم بصحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أيقرأ فيهما الحمد وهو امام يقتدى به؟ فقال: ان قرأن فلا بأس، وإن سكت فلا بأس (2) بناءا على ارادة الاخفات من الصمت، إذ لاصمت للامام في شئ من الركعات اجماعا وارادة الاخيرتين من الركعتين، فان توصيفهما بذلك يكشف عن معهودية الحكم كذلك وان الخفت فيهما شئ مسلم مفروغ عنه. لكنه كما ترى فان المراد بالركعتين الاولتان قطعا بشهادة الجواب


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب القراة ء ح 2. (2) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 13

[ 521 ]

[ نعم إذا قرأ يستحب الجهر بالبسملة على الاقوى (1) وان كان الاخفات فيها ايضا احوط. ] بتخيير المأموم بين القراءة والسكوت، إذ لا سكوت في الاخيرتين لعدم تحمل الامام هنالك بالضرورة، وانما مورده الاولتان اللتان يتحمل فيهما الامام. فالصحيحة ناظرة إلى حكم الاولتين من الصلوات الاخفانية، فتكون اجنبية عما نحن فيه بالكلية. ويؤيد ما ذكرناه: ان لابن يقطين صحيحة اخرى بعين هذا السند عن أبي الحسن (ع) وقد سأله عن حكم الاولتين في الصلوات الجهرية (1)، فسأله (ع) عن حكم المأموم في الركعتين الاولتين تارة في الجهرية واخرى في الاخفاتية فأجاب (ع) فيهما بالتخيير بين القراءة والسكوت. فالعمدة في الاستدلال ما عرفت. واما بقية الوجوه المذكورة في المقام فكلها ساقطة لا ينبغي الالتفات إليها. (1): - يقع الكلام تارة في جواز الجهر بالبسملة، واخرى في استحبابه على تقدير الجواز اما اصل الجواز فالمشهور ذلك، وخالف فيه ابن ادريس فذهب إلى المنع. واستدل له تارة: بانه مقتضى الاحتياط إذ لا يحتمل وجوب الجهر. وفيه: ان المورد من موارد الاقل والاكثر، والمختار فيه البراءة دون الاشتغال. واخرى: بان ذلك هو مقتضى اطلاق ما دل على وجوب الاخفات في الاخيرتين فانه يشمل الفاتحة بأجزائها لو اختار القراءة؟ ولا


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب صلاة الجماعة ح 11

[ 522 ]

شك ان البسملة جزء لها. فالقائل بالتقييد وجواز الجهر فيها لابد له من اقامة الدليل وإلا فالاطلاق حجة عليه. ولعله من اجل ذلك ذكر في المتن ان الاخفات احوط. والجواب: ان هذا انما يتم لو كان الاخفات في الاخيرتين مستفادا من دليل لفظي فيتجه حينئذ التمسك باطلاقه لكنك عرفت ان المستند فيه إنما هي السيرة والتعارف الخارجي المحققه لصغرى مالا ينبغي الاجهار فيه بضميمة صحيحة زرارة بالتقريب المتقدم، وحيث ان السيرة دليل لبي فلا اطلاق لها كي يتمسك به، بل لا يحتمل الاطلاق بعد ذهاب المشهور إلى جواز الجهر في البسملة بل استحبابه كما عرفت، ولم يثبت ان سيرة الائمة عليهم السلام واصحابهم كانت على الاخفات فيها لخلو الاخبار الاماشذ عن التعرض لاختيار هم عليهم السلام القراءة في الاخيرتين فضلا عن بيان الاخفات في بسملتها فدعوى قيام السيرة منهم أو من غير هم على الخفت فيها ساقطة جدا سيما بعد كون الغالب اختيار التسبيح في الاخيرتين. وبالجملة: فالقائل بالجواز يكفيه عدم الدليل على المنع، ولا يحتاج إلى اقامة الدليل على الجواز بعد كونه مطابقا للاصل كما عرفت. واما الاستحباب فالمشهور ايضا ذلك الا ان اثباته بحسب الدليل مشكل، فان ما استدل به جملة من النصوص قد تقدمت الاشارة إليها في المسألة الحادية والعشرين من الفصل السابق، وهي قاصرة سندا ودلالة من اجل انصرافها إلى القراءة في الركعتين الاولتين ولا تعم الاخيرتين.

[ 523 ]

[ (مسألة 5): إذا جهر عمدا بطلت صلاته (1)، وأما إذا جهر جهلا أو نسيانا صحت، ولا يجب الاعادة وان تذكر قبل الركوع. (مسألة 6): إذا كان عازما من اول الصلاة على قراءة الحمد يجوز له أن يعدل عنه إلى التسبيحات، وكذا العكس (2)، بل يجوز العدول في اثناء أحدهما إلى الآخر وان كان الاحوط عدمه. ] نعم: قد يظهر من موثقة هرون (1) استحباب الجهر بالبسملة مطلقا لكنه لا يختص بحال الصلاة، فاثبات الاستحباب بهذا العنوان مشكل الا ان يستند فيه بقاعدة التسامع بناءا على شمولها لفتوى المشهور لكن القاعدة لم تثبت، وعلى تقدير ثبوتها فالمبنى ضعيف كما مر غيره مرة، فالاولى لمن اراد الجهر بها بهذا العنوان ان يقصد الرجاء وإلا فالاحوط الاخفات. (1): - مر الكلام حوله مفصلا في المسألة الثانية والعشرين من الفصل السابق فلاحظ. (2): - إذ لادليل على تعين الواجب التخييري فيما عزم على اختياره من أحد الطرفين بمجرد القصد، فيبقى اطلاق دليل التخيير بحاله، بل الحال كذلك حتى لو شرع في احدهما ثم بداله في الاثناء العدول إلى الآخر، فان مقتضى القاعدة حينئذ جوازه


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب القراءة في الصلاة ح 2

[ 524 ]

[ (مسألة 7): لو قصد الحمد فسبق لسانه إلى التسبيحات فالاحوط عدم الاجتزاء به (1)، وكذا العكس. نعم لو فعل ذلك غافلا من غير قصد إلى احدهما (1) فالاقوى الاجتزاء به، وان كان من عادته خلافه. ] ايضا، ومن هنا ذكرنا فيما سبق ان العدول من سورة إلى اخرى على طبق القاعدة الاما خرج بالنص كالعدول من الجحد أو التوحيد أو فيما بعد تجاوز النصف أو الثلثين على تفصيل تقدم في محله، وذلك لان المأمور به هو الطبيعي الجامع وما لم يسقط امره بالفراغ عما اختاره من الفرد له رفع اليد عنه واختيار الفرد الآخر إذ لا يترتب عليه محذور عدا توهم الزيادة المبطلة، وقد اشرنا غير مرة إلى ان ادلة الزيادة قاصرة الشمول لامثال المقام لانصرافها إلى ما لو اوجد الزائد من اول الامر لاما لو احدث صفة الزيادة لما وقع سابقا كما فيما نحن فيه فالاقوى هو الجواز وان كان الاحوط تركه كما في المتن حذرا عن هذه الشبهة. (1): - بل الاقوى ذلك لفقد القصد مع السبق، ولا بد في تحقق العبادة من القصد والاختيار (وبالجملة) سبق اللسان مساوق للسهو ولذا لا يوجب البطلان لو وقع مثله في كلام الآدمي فهو مقابل للعمد فينتفي معه القصد المعتبر في صحة العبادة. (2): - فسرت العبارة بانتفاء القصد السابق على احدهما مع صدور ما وقع منه عن قصد، بأن يكون حين الشروع في الصلاة

[ 525 ]

[ (مسألة 8): إذا قرأ الحمد بتخيل انه في إحدى الاولتين (1) فذكر انه في إحدى الاخيرتين فالظاهر الاجتزاء ] غافلا عن وظيفة الاخيرتين، فلم يكن قاصدا وقتئذ لا للتسبيح ولا القراءة، لكنه في ظرف العمل قصد وامتثل (لكنه كما ترى) فان حكم هذا قد ظهر من المسألة السابقة بالاولوية القطعية حيث ذكر هناك انه لو كان عازما أول الصلاة على احدهما جاز له العدول إلى الآخر فإذا جاز ذلك مع قصد الخلاف من أول الامر فالجواز مع انتفاء القصد من أصله لمكان العفلة؟ بطريق أولى. فالتعرض له هنا مستقلا يصبح لغوا مستدركا. فالظاهر أن مراده (قده) بذلك على ما يقتضيه ظاهر العبارة أيضا ما لو صدر منه احدهما من غير قصد إليه بخصوصه مع تعلق القصد بالطبيعي الجامع فخصوصية الصادر مغفول عنها فلا قصد إليها لكن الطبيعي المأمور به مقصود كما يتفق ذلك كثيرا ونظيره اختيار السورة فان المصلي بعد الانتهاء من الفاتحة ربما يشرع في سورة من غير قصد إليها بخصوصها لاجل غفلته عنها وإنما يقصد طبيعي السورة المأمور بها. والاقوى حينئذ الصحة وان كان من عادته خلافه كما افاده في المتن لوضوح ان الخصوصية غير مأمور بها فلا مقتضي لقصدها وانما الواجب هو الطبيعي وقد قصده حسب الفرض فلم يلزم منه الاخلال فيما تتقوم به العبادة. (1): اما إذا قرأ الحمد بتخيل انه في احدى الاولتين فذكر انه في احدى الاخيرتين فلا ينبغي الشك في الصحة فان المأمور به حينئذ

[ 526 ]

[ به، ولا يلزم الاعادة، أو قراءة التسبيحات وان كان قبل الركوع، كما ان الظاهر ان العكس كذلك، فإذا قرأ الحمد بتخيل انه في إحدى الاخيرتين ثم تبين انه في إحدى الاوليين لا يجب عليه الاعادة. ] وإن كان هو الطبيعي الجامع بين الحمد والتسبيح لا خصوص احدهما إلا أن تعلق القصد بخصوص الحمد بزعم انه في احدى الاولتين لا ينفك عن تعلق القصد بالطبيعي المأمور به، فان الفرد يتضمن الطبيعي وزيادة، فقصده ملازم لقصده لا محالة، فلا قصور في ناحية العبادة بوجه. ومن هنا ترى ان كثيرا من العوام يأتون بالتسبيح في الاخيرتين قاصدا خصوصية غافلا عن ان الواجب هو الطبيعي بينه وبين الحمد، أو يقرؤون التوحيد بعد الفاتحة بزعم انه بخصوصه واجب لا طبيعي السورة، ولم يستشكل احد في صحة صلاتهم، وسره ما عرفت من ان قصد الفرد لا ينفك عن قصد الجامع. فلا خلل في تحقق المأمور به بوجه. واما عكس ذلك أعني ما لو قرأ الحمد بتخيل انه في احدى الاخيرتين فبان انه في احدى الاولتين، فربما يتوهم عدم الاجتزاء به حينئذ بدعوى انه لم يقصد بالحمد حسب زعمه الا الطبيعي واما خصوصية الحمد الواقع في الاولتين فغير مقصودة ولابد من تعلق القصد بهذه الخصوصية كما هو شأن الوظيفة المقررة في الاولتين فيلزم الخلل في العبادة إذ ما هو الواجب غير مقصود، وما هو المقصود غير واجب.

[ 527 ]

[ نعم لو قرأ التسبيحات ثم تذكر قبل الركوع انه في احدى الاولتين (1) يجب عليه قراءة الحمد وسجود السهو بعد الصلاة، لزيادة التسبيحات. ] ولكنه: ليس بشئ ضرورة ان الواجب إنما هو ذات الحمد وقد حصل، ولا يعتبر قصد خصوصية كونه واقعا في احدى الاولتين فان هذا القصد غير دخيل في موضوع الامر قطعا. ومن هنا ترى انه لو ركع أو سجد بتخيل انه في الاولى فقصد بهما هذا العنوان الخاص ثم بان انه في الثانية مثلا اجزأ عنه بلا اشكال، لعدم مدخلية لقصد الاولية والثانوية في حصول الواجب بلا ريب. (1): - حكم (قده) بوجوب قراءة الحمد وبسجود السهو بعد الصلاة لزيادة التسبيحات، أما الاخير فهو مبني على القول بوجوب سجدة السهو لكل زيادة ونقيصة لكنه لم يثبت، وانما الثابت وجوبها في موارد خاصة ليس المقام منها كما سيجئ التعرض له في محله إن شاء الله تعال. واما الاول فوجه ظاهر لعدم الاتيان بوظيفة الاولتين والمحل باق على الفرض لكون التذكر قبل الركوع فلا مناص من تداركها، فهو على طبق القاعدة مضافا إلى ورود النص الخاص في ناسي القراءة المتضمن لوجوب التدارك ما لم يركع، كموثق سماعة " عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب إلى ان قال! ليقرأها مادام لم يركع. " (1).


(1) الوسائل: باب 28 من أبواب القراءة ح 2

[ 528 ]

[ (مسألة 9): لو نسي القراءة والتسبيحات وتذكر بعد الوصول إلى حد الركوع (1) صحت صلاته وعليه سجدتا السهو للنقيصة، ولو تذكر قبل ذلك وجب الرجوع. (مسألة 10): لو شك في قراءة تهما بعد الهوي للركوع لم يعتن (2) وان كان قبل الوصول إلى حده وكذا لو ] (1): - حكم (قده) حينئذ بصحة الصلاة وبوجوب سجدتي السهو للنقيصة، اما سجدة السهو فقد مر الكلام عليها آنفا، واما الصحة فهي على طبق القاعدة من أجل حديث لا تعاد، بعد ان لم تكن القراءة من الخمسة المستثناة، مضافا إلى النصوص الخاصة التي منها صحيحة منصو قال قلت لابي عبد الله (ع): اني صليت المكتوبة فنسيت ان اقرأ في صلاتي كلها فقال: أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ قلت: بلى. قال: قدتمت صلاتك إذا كان ناسيا (1). هذا كله إذا كان التذكر بعد الوصول إلى حد الركوع، واما لو تذكر قبل ذلك سواء أكان في حال الهوي أم قبله وجب الرجوع وتدارك القراءة بلا اشكال كما ذكره في المتن، لما عرفت في المسألة السابقة من كونه مطابقا للقاعدة، مضافا إلى النص الخاص الوارد فيه كما عرفت بالنسبة إلى القراءة. (2): - هذا مبني على كفاية الدخول في المقدمات في جريان


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب القراءة ح 2

[ 529 ]

[ دخل في الاستغفار (1). ] قاعدة التجاوز، وعدم اعتبار الدخول في نفس الجزه المترتب على المشكوك، فيكفي الدخول في الهوي أو النهوض اللذين هما مقدمة للركوع وللقيام لو شك في تحقق الجزء السابق لكنه لم يثبت، بل الاقوى عدم الكفاية كما تعرضنا له عند البحث عن القاعدة مستقلا وفي بعض المباحث السابقة وسيأتي الكلام عليه في بحث الخلل ان شاء الله تعالى. (1): - هذا أيضا مبني على كفاية الدخول في الجزء الاستحبابي في جريان قاعدة التجاوز، وعدم اختصاصه بالجزء الوجوبي، وبما ان الاستغفار من الاجزاء المستحبة فالدخول فيه كاف في الحكم بعدم الاعتناء. وفى اولا: ان المبنى غير تام فانالا نعقل الجزء الاستحبابي لمنافاة الجزئية مع الاستحباب، فان مقتضى الاول الدخل في الماهية. ومقتضى الثاني عدم الدخل، فهو في نفسه لاتعقل له كي يبحث عن كفاية الدخول فيه وعدمها، بل ان ما يسمى بالجزء المستحب كالقنوت فهو في الحقيقة مستحب ظرفه الواجب لا انه من الجزء المترتب. وثانيا: على تقدير التسليم وتصور الكبرى فالاستغفار ليس من هذا القبيل، إذ هو لم يرد في شئ من الاخبار إلا في صحيحة عبيد المتقدمة (1) وقد عرفت فيما مر ان المراد به بقرينة الذيل هو الدعاء، والاستغفار من مصاديقه، فالمأمور به هو مطلق الدعاء


(1) الوسائل: باب 42 من أبواب القراءة ح 1

[ 530 ]

[ (مسألة 11): لا بأس بزيادة التسبيحات على الثلاث (1) إذا لم يكن بقصد الورود بل كان بقصد الذكر المطلق. (مسألة 12) إذا اتى بالتسبيحات ثلاث مرات فالاحوط ان يقصد القربة (2) ولا يقصد الوجوب ] لا خصوص الاستغفار، وحيث قد بينا فيما سبق عند التعرض لكيفية التسبيح ان المأمور به هو كل تسبيح وارد في النصوص الصحيحة التي منها هذه الصحيحة، غايته ان الوجوب حينئذ تخييري لاتعييني فلو اختار العمل بهذه الصحيحة المشتملة على الدعاء واتى بالاستغفار بهذا العنوان فهو حينئذ جزء وجوبي وان كان تخييريا لا انه جزء استحبابي، وحيث ان الظاهر من كل واحد من النصوص مراعاة الترتيب بين اجزاء التسبيح الواردة فيها، فلو كان في الاستغفار وشك في تحقق الجزء السابق جرت قاعدة التجاوز بالنسبة إليه بناءا على جريانها في جزء كما سيجئ لكنه من باب الدخول في الجزء الوجوبي دون الاستحبابي كما عرفت. (1): - فان التحديدات الواردة في التسبيح التي اقصاها اثنا عشرة تسبيحة تكون لا بشرط بالاضافة إلى الزائد عليها إذا لم يكن بقصد الورود فلا بأس بالزيادة على المقدار المقرر إذا قصد بالزائد الذكر المطلق لما دل على جواز الذكر والدعاء والقرآن في الصلاة، وان كان ما ذكرت به ربك في الصلاة فهو من الصلاة. (2): - ذكر (قده) ان مقتضى الاحتياط فيما إذا اتى بالتسبيحات ثلاثا ان لا يقصد بها الوجوب ولا الندب، بل يقصد بها القربة

[ 531 ]

[ والندب حيث انه يحتمل ان يكون الاولى واجبة والاخيرتين على وجه الاستحباب، ويحتمل أن يكون المجموع من حيث المجموع واجبا فيكون من باب التخيير بين الاتيان بالواحدة والثلاث، ويحتمل ان يكون الواجب أيا منها شاء مخيرا بين الثلاث، فحيث ان الوجوه متعددة فالاحوط الاقتصار على قصد القربة نعم لو اقتصر على المرة له ان يقصد الوجوب. ] المطلقة لما تقدم من اختلاف الاقوال في ذلك، فيحتمل ان يكون المجموع من حيث المجموع واجبا من باب التخيير بين الواحدة والثلاث، كما يحتمل ان يكون الواجب خصوص الاولى، والاخيرتان على وجه الاستحباب، كما يحتمل ان يكون الواجب أيا منها شاء مخيرا بين الثلاث، فلاجل اختلاف الوجوه وتعددها كان قضية الاحتياط الاقتصار على قصد القربة من دون تعرض للوجه من الوجوب والندب. نعم لدى الاقتصار على المرة جاز له قصد الوجوب كما هو ظاهر. هذا وقد اتضح لك من جميع ما اسلفناه ان الواجب من بين الثلاث انما هو طبيعي التسبيح الصادق على الوجود الاول فان الانطباق قهري. والاجزاء عقلي، فلا سبيل إلى اختيار المكلف في التطبيق كما لاسبيل إلى التخيير بين الواحدة والثلاث لامتناع التخيير عفلا بين الاقل والاكثر في الوجودات المستقلة، وما إذا كان للاقل

[ 532 ]

وجود منحاز بحياله في مقابل الاكثر كما في امثال المقام. وعليه: فلا مناص من اتصاف التسبيحة الاولى بالوجوب، والاخيرتين بالاستحباب، فله قصد الوجوب بالاولى سواء اقتصر عليها فكانت مرة، لم اتى بها ثلاث مرات.

[ 533 ]

[ " فصل في مستحبات القراءة " وهي امور (1) (الاول): الاستعاذة قبل الشروع في القراءة في الركعة الاولى (2) بأن يقول: " اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو يقول: " اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " وينبعي ان يكون بالاخفات. ] (1) ذكر (قده) في هذا الفصل جملة من المستحبات ونحن نتعرض للبعض منها لوضوح الباقي. (2): - كما هو المشهور المعروف، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه ولم ينسب الخلاف الا إلى الشيخ أبي علي بن الشيخ الطوسي من القول بالوجوب، وعلى تقدير صدق النسبة فهو قول شاذ منفرد به محجوج عليه بالاجماع قبله وبعده على خلافه. وكأنه استند فيه إلى الامر بها في صحيحة الحلبي الظاهر في الوجوب (1). وفيه اولا: ان الامر الواقع فيها غير ظاهر في الوجوب في حد نفسه لاقترانه بجملة من المستحبات كرفع الكف وبسطها والاتيان


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب تكبيرة الاحرام ح 1

[ 534 ]

[ (الثاني): الجهر بالبسملة في الاخفاتية وكذا في الركعتين الاخيرتين (1) ان قرأ الحمد، بل وكذا في القراءة خلف الامام حتى في الجهرية، وأما في الجهرية فيجب الاجهار بها على الامام والمنفرد. ] بتكبيرات الافتتاح والادعية في خلالها وغير ذلك مما يشهد بمقتضى اتحاد السياق بارادة الاستحباب من الامر في الجميع بمثابة يورث القطع بعد ارادة الوجوب من هذا الامر كما لا يخفى. وثانيا: مع الغض عن هذه القرائن الداخلية فالقرينة الخارجية تشهد بعدم ارادة الوجوب، فان المسألة كثيرة الدوران ومحل الابتلاء لكل مكلف في كل يوم، فلو كانت الاستعاذة واجبة لكانت ظاهرة واضحة ولم يقع فيه الخلاف، كيف والمشهور ذهبوا إلى عدم الوجوب بل لم ينسب القول بالوجوب الا إلى ابن الشيخ كما عرفت، فهو محمول على الاستحباب قطعا. (هذا) مضافا إلى ما يظهر من بعض النصوص من عدم الوجوب كخير فرات بن احنف، ومرسل الصدوق (1) لكنها لضعف أسانيدها لا تصلح الا للتأييد. والمعمدة ما عرفت من قصور المقتضي للوجوب. (1): - اما في الجهرية فلا اشكال في وجوب الجهر بالبسملة بهد ما عرفت من جزئيتها لكل سورة كما تقدم، وأما فيما عداها فقد ذكر في المتن استحباب الجهر بالبسملة في مواضع ثلاثة: في


(1) الوسائل: باب 58 من أبواب القراءة ح 1، 2.

[ 535 ]

الاولتين من الاخفاتية اماما كان أو منفردا ولا يتصور في المأموم لسقوط القراءة عنه وفي الركعتين الاخيرتين ان اختار الحمد، وفيما إذا وجب الاخفات لعارض الائتمام كالمأموم المسبوق حتى في الجهرية. اما الاولان فقد تقدم حكمهما، وعرفت ثبوت الاستحباب في الاولتين للنصوص الكثيرة الدالة عليه، كما عرفت الاشكال في ثبوته في الاخيرتين بعنوان انها من الصلاة لعدم دليل يعتمد عليه عدا فتوى المشهور بناءا على قاعدة التسامح كما مر مستقصى فلا حظ. واما الاخير اعني المأموم المسبوق فلم يتقدم حكمه، والظاهر عدم مشروعية الجهر بالنسبة إليه حتى في الجهرية، فضلا عن الاستحباب للامر باخفات القراءة في محل الكلام وانه يقرأها في نفسه في صحيحة زرارة الواردة في المأموم المسبوق، قال.. إن ادرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما ادرك خلف الامام في نفسه بأم الكتاب وسورة. الخ (1). ومقتضى الاطلاق وجوب الاخفات في جميع اجزاء القراءة التي منها البسملة. ولا معارض لهذا الامر في المقام لا خصوصا كما هو ظاهر، ولا عموما لانصراف اطلاقات الجهر بالبسملة إلى الركعتين الاولتين كما عرفت سابقا. إذا فالاحوط وجوبا لو لم يكن اقوى مراعاة الاخفات في المقام فالقول بالجواز مشكل جدا فضلا عن الاستحباب.


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب الجماعة ح 4.

[ 536 ]

[ (الثالث): الترتيل اي التأني في القراءة وتبيين الحروف على وجه يتمكن السامع من عدها. (الرابع): تحسين الصوت بلا غناء. (الخامس): الوقف على فواصل الآيات. (السادس): ملاحظة معاني ما يقرأ والاتعاظ بها. (السابع) ان يسأل الله عند آية النعمة أو النقمة ما يناسب كلا منها. (الثامن): السكتة بين الحمد والسورة، وكذا بعد الفراغ منها بينها وبين القنوت أو تكبير الركوع. (التاسع): ان يقول بعد قراءة سورة التوحيد (كذلك الله ربي) مرة، أو مرتين، أو ثلاث، أو (كذلك الله ربنا) وان يقول بعد فراغ الامام من قراءة الحمد إذا كان مأموما (الحمدلله رب العالمين) بل وكذا بعد فراغ نفسه ان كان منفردا. (العاشر): قراءة بعض السور المخصوصة في بعض الصلوات كقراءة عم يتساءلون، وهل اتى، وهل اتاك، ولا اقسم، واشباهها في صلاة الصبح، وقراءة سبح اسم، والشمس ونحوهما في الظهر، والعشاء، وقراءة إذا جاء نصر الله والهاكم التكاثر في العصر والمغرب، وقراءة سورة الجمعة في الركعة الاولى، والمنافقين في الثانية في الظهر والعصر من يوم الجمعة، وكذا في صبح يوم الجمعة، أو يقرأ

[ 537 ]

فيها في الاولى الجمعة، والتوحيد في الثانية، وكذا في العشاء في ليلة الجمعة يقرأ في الاولى الجمعة، وفي الثانية المنافقين، وفي مغربها الجمعة في الاولى، والتوحيد في الثانية، ويستحب في كل صلاة قراءة انا انزلناه في الاولى والتوحيد في الثانية، بل لو عدل عن غيرهما اليهما لما فيهما من الفضل اعطي اجر السورة التي عدل عنها مضافا إلى اجر هما، بل ورد انه لاتزكو صلاة الا بهما، ويستحب في الصلاة الصبح من الاثنين والخميس سورة هل اتى في الاولى، وهل اتاك في الثانية. (مسألة 1): يكره ترك سورة التوحيد في جميع الفرائض الخمسة. (2) مسألة 2): يكره قراءة التوحيد بنفس واحد، وكذا قراءة الحمد والسورة بنفس واحد. (مسألة 3): يكره ان يقرأ سورة واحدة في الركعتين إلا سورة التوحيد. (مسألة 4): يجوز تكرار الآية في الفريضة وغيرها والبكاء ففي الخبر (كان علي بن الحسين (ع) إذا قرأ مالك يوم الدين يكررها حتى يكاد ان يموت) و (في آخر عن موسى بن جعفر (ع) عن الرجل يصلي له ان يقرأ

[ 538 ]

في الفريضة فتمر الآية فيها التخويف فيبكي ويردد الآية قال (ع) يردد القرآن ما شاء وان جاءه البكاء فلا بأس. (مسألة 5): يستحب اعادة الجمعة أو الظهر في يوم الجمعة إذا صلاهما فقرأ غير الجمعة والمنافقين، أو نقل النية إلى النفل إذا كان في الاثناء، واتمام ركعتين ثم استثناف الفرض بالسورتين. (مسألة 6): يجوز قراءة المعوذتين في الصلاة، وهما من القرآن. (مسألة 7): الحمد سبع آيات والتوحيد اربع آيات (1). ] (1): - اما الاول فلا اشكال فيه كما لا خلاف. واما الثاني فقيل ان آياته اربع، بل ان هذا هو المعروف عند العامة بناءا على مسلكهم من عدم عد البسملة جزءا من السورة، وقيل انها ثلاث بناءا على ان لم يلد ولم يولد إلى آخر السورة آية واحدة. والصحيح ان آياته خمس بناءا على ما هو المعروف عند معظم الامامية وهو الصواب كما تقدم من ان البسملة جزء من كل سورة، وأن لم يلد ولم يولد. إلى احد آيتان. ثم انه لا يترتب هناك اثر مهم على تحقيق عدد الآيات لوجوب الاتيان بسورة كاملة على كل حال. عدا ما يقال من ظهور الاثر في صلاة الآيات لو اراد تقطيع السورة، وتقسيط الآيات على الركعات، فانه إنما يصح لو كانت

[ 539 ]

[ (مسألة 8): الاقوى جواز قصد انشاء الخطاب بقوله إياك نعبد (1) واياك نستعين إذا قصد القرآنية ايضا بأن يكون قاصدا للخطاب بالقرآن، بل وكذا في ساير الآيات فيجوز انشاء الحمد بقوله: الحمد لله رب العالمين وانشاء المدح في الرحمن الرحيم، وانشاء طلب الهداية في ] اهدنا الصراط المستقيم ولا ينافي قصد القرآنية مع ذلك. الآيات خمسا كي ياتي قبل كل ركوع بآية تامة، لاشتمال كل ركعة على خمسة ركوعات. لكنا سنذكر في محله ان شاء الله تعالى عدم لزوم الاتيان بآية تامة لكل ركوع لعدم الدليل عليه. وانما اللازم قراءة بعض السورة سواء أكانت آية كاملة أم لا. وعليه فيجوز التقطيع في سورة التوحيد مطلقا كانت الآيات خمسا ام قل نعم ربما يظهر اثر غير مهم بالنسبة إلى الجنب والحائض حيث يكره لهما قراءة اكثر من سبع آيات، فيختلف الحال حينئذ في مقدار آيات التوحيد لو اراد احتسابها من السبع. (1): - قد يقال بعدم جواز الجمع بين قصد الانشاء، وقصد القرآنية، فلا يجوز انشاء الخطاب بقوله إياك نعبد وإياك نستعين ولا انشاء الحمد بقوله الحمد لله رب العالمين، ولا انشاء الدعاء وطلب الهداية في قوله: اهدنا الصراط المستقيم وهكذا للزوم استعمال اللفظ المشترك في معنيين. فان قصد القرآنية يتقوم باستعمال اللفظ في شخص الالفاظ التي

[ 540 ]

نزل بها الروح الامين على قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وآله، إذ القرآن عبارة عن ذاك الفرد المعين النازل فقصده لا يتحقق الا بالاستعمال في شخص ذاك الفرد من اللفظ، فهو من باب استعمال اللفظ في اللفظ كما في قولك زيد في ضرب زيد فاعل فان المستعمل فيه لكمة زيد الاول هو لفظ زيد الواقع بعد ضرب، ولم يستعمل في معناه والا فهو باعتباره مبتدأ لافاعل وقصد الانشاء بها يتقوم بالاستعمال في نفس المعنى كما لا يخفى، فيلزم الجمع بين استعمال اللفظ في المعنى واللفظ وهو ما عرفت من استعمال المشترك في معنيين. ويندفع: بأن قصد القرآنية خارج عن باب الاستعمال رأسا، وانما هو حكاية عن الطبيعي بايجاد الفرد الممائل لما هو النازل. وتوضيحه: ان قوام القرآن وما يترتب عليه من الفصاحة والبلاغة والاعجاز كغيره من قصيدة أو شعر أو نثر إنما هو بطبيعي تلك الالفاظ المترتبة على هيئة معينة وشكل خاص. واما شخص الفرد النازل أو الصادر من الشاعر أو الخطيب فلا دخالة له في صدق هذا العنوان بالضرورة. نعم النازل أو الصادر انما هو الفرد والشخص الخاص لامتناع وجود الطبيعي في الخارج إلا في ضمن فرد معين، إلا ان المناط بالطبيعي الموجود في ضمنه. واما خصوصية الفرد الذي يوجد وينصرم فلا دخل لها في صدق القرآن أو الشعر ونحوهما قطعا، فلا مقتضى لاستعمال اللفظ فيه. وعليه: فقصد ذاك العنوان في مقام التلفظ مرجعه إلى الحكاية عن ذاك الطبيعي بايجاد فرد آخر مشابه للفرد الاول الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وآله، أو صدر عن الشاعر أو المتلكم، فكما ان

[ 541 ]

قراءة شعر المتنبي أو قصيدة امرء القيس عبارة عن ايجاد فرد من تلك الالفاظ المنسقة على النهج الخاص الممائل لما صدر منه بقصد الحكاية عن الطبيعي فكذا في القرآن. ونظير المقام ما لو سألك احد عن العصفور مثلا وانه اي شئ ولم يره طيلة عمره فأخذت عصفورا بيدك وأريته وقلت هذا العصفور فانك قصدت بذلك اراءة الطبيعي الذي وضع له هذا اللفظ باراءة هذا الفرد، فقد حكيت عن الطبيعي باراءة المصداق، لاأن لفظ العصفور موضوع لفرد معين وقد اريته باراءة هذا الفرد. وعلى الجملة: فلا نعقل لقصد القرآنية معنى آخر وراء هذا وليس ذلك من استعمال اللفظ في اللفظ لعدم خصوصية فيه، وانما هو حكاية عن الطبيعي بايجاد الفرد المماثل كما عرفت هذا. ومن المعلوم ان الحكاية عن ذاك الطبيعي بالاضافة إلى قصد المعنى من خبر أو انشاء تكون لا بشرط سواء فسرنا الانشاء بايجاد المعنى باللفظ كما عليه القوم، أو بمعنى آخر إذ لم تتقيد بعدمه بالضرورة فإذا اقترنت الحكاية المزبورة بقصد المعنى كان هناك استعمال للفظ في معناه زائدا على الحكاية وإلا فهي حكاية صرفة وليست من الاستعمال في شئ. وعليه فلا مانع من اداء المقاصد بالحكاية عن القرآن كغيره من شعر ونحوه سواء أكانت خبرية كما لو اردت الاخبار عن مجئ رجل من أقصى البلد فقلت جاء رجل من أقصى المدينة، ام كانت انشائية كما لو اردت انشاء الحمد أو الخطاب بقولك، الحمد لله رب العالمين أو إياك نعبد وهكذا.

[ 542 ]

[ (مسألة 9): قد مرانه يجب كون القراءة وسائر الاذكار حال الاستقرار (1)، فلو اراد حال القراءة التقدم أو التأخر قليلا، أو الحركة إلى احد الجانبين، أوان ينحني لاخذ شئ من الارض، أو نحو ذلك يجب ان يسكت حال الحركة وبعد الاستقرار يشرع في قراءته لكن مثل تحريك اليد أو اصابع الرجلين لا يضر، وان كان الاولى بل الاحوط تركه ايضا. ] فظهر لك بما سردناه بوضوح ان الجمع بين الامرين ليس من ضم استعمالين في استعمال واحد، كي يلزم استعمال اللفظ المشترك في معنيين، وانما هو استعمال واحد في المعنى فقط، مقترنا بالحكاية عن الطبيعي بايجاد الفرد المماثل التى هي خارجة عن باب الاستعمال رأسا كما عرفت بما لا مزيد عليه. على ان بطلان الاستعمال المزبور وان كان هو المشهور الا ان الحق جوازه كما بيناه في الاصول هذا. ويؤيد: ما ذكرناه ان قصد العاني يعد من كمال القراءة، وقد أمرنا بتلاوة القرآن عن تدبر وخشوع وتضرع وخضوع وحضور للقلب المستلزم لذلك لا محالة، والا فمجرد الالفاظ العارية عن قصد تلك المعاني. أو المشتملة على مجرد التصور والخطور لا يخرج عن مجرد لقلقة اللسان المنافي لكمال قراءة القرآن. (1): - بمعنى السكون في مقابل الحركة والمشي، وقد عرفت

[ 543 ]

[ (مسألة 10): - إذا سمع اسم النبي صلى الله عليه وآله في اثناء القراءة يجوز بل يستحب ان يصلي عليه (1)، ولا ينافي الموالاة (2) كما في ساير مواضع الصلاة، كما انه إذا سلم عليه من يجب رد سلامه يجب ولا ينافي. ] ان المستند فيه موثقة السكوني (1) الآمرة بالكف عن القراءة لو اراد التقدم أو التأخر قليلا كالخطوة مثلا، أو الانحناء لاخذ شئ من الارض، فالوا جب عليه حينئذ الامساك عن القراءة، وبعد الاستقرار يسترسل فيها من حيث أمسك كما تضمنته الموثقة. واما الاستقرار بمعنى الاطمئنان في مقابل الاضطراب فقد عرفت ان العمدة في مستنده الاجماع، وحيث انه دليل لبي يقتصر على المتيقن منه. وعليه فلا يضر مثل تحريك اليد أو اصابع الرجلين حال القراءة أو الاشارة بتحريك الرأس خفضا أو رفعا في مقام الجواب بلا أو نعم مثلا لعدم اطلاق للاجماع يعم امثال ذلك كما هو ظاهر. (1): - لعموم صحيح زرارة " وصل على النبي صلى الله عليه وآله كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك الخ " (2). (2): - اي المعتبرة بين الآيات، واما المعتبرة بين الكلمات المترابطة من الآية الواحدة فربما تفوت بذلك ولا سيما مع التكرار مرات عديدة ولابد حينئذ من تداركها.


(1) الوسائل: باب 34 من أبواب القراءة ح 1. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب الاذان والاقامة ح 1

[ 544 ]

[ (مسألة 11): - إذا تحرك حال القراءة قهرا بحيث خرج عن الاستقرار (1) فالاحوط اعادة ما قرأة في تلك الحالة. (مسألة 12): - إذا شك في صحة قراءة آية أو كلمة (2) يجب اعادتها إذا لم يتجاوز ويجوز بقصد الاحتياط مع التجاوز، ولا بأس بتكرارها مع تكرار الشك ما لم يكن عن وسوسة. ] (1): - احتاط (قده) حينئذ باعادة ما قرأة في تلك الحالة، وكأنه استنادا إلى اطلاق ما دل على اعتبار الاستقرار حالها الشامل لصورتي الاختيار والاضطرار. وفيه: ان الدليل المزبور لو كان لفظيا اتجه ما افيد لكنك عرفت انه لبي وهو الاجماع على اعتبار الاطمئنان في القراءة والمتيقن منه حال الاختيار فلم ينهض دليل على اعتباره حال الاضطرار ومع الشك فالمرجع اصالة البراءة كما هو الشأن في باب الاقل والاكثر الارتباطي فالاقوى عدم وجوب الاعادة حينئذ وان كانت احوط. (2): - قد ذكرنا في محله عند التكلم حول قاعدة الفراغ والتجاوز انه إذا شك في شئ فالمشكوك فيه اما أن يكون اصل وجود الشئ واخرى صحته بعد العلم بوجوده، وعلى التقديرين لاريب في عدم الاعتناء مع التجاوز عنه للنصوص الخاصة المعتبرة الحاكمة على الاستصحاب. غير ان صدق التجاوز يختلف في الموردين، فعلى الاول: يراد به

[ 545 ]

التجاوز عن محله، لاعن نفس المشكوك للشك في اصل تحققه حسب الفرض فكيف تحرز التجاوز عنه، ومن الواضح ان التجاوز عن المحل لا يكاد يتحقق إلا بالدخول في الجزء المترتب عليه، ومن هنا يعتبر الدخول في الغير في جريان قاعد ة التجاوز كما نطقت به الصحيحة " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غير فشكك ليس بشئ " (1). واما على الثاني. فيراد به التجاوز عن نفس الشئ المتحقق بمجرد الفراغ عنه ومن هنا حكمنا بعدم اعتبار الدخول في الغير في جريان قاعدة الفراغ لعدم المقتضي للاعتبار بعد صدق التجاوز بدون ذلك كما عرفت واليه يشير ما في بعض نصوص الباب من قوله: كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (2). وعلى الجملة: إذا كان المشكوك اصل الوجود فهو مورد لقاعدة التجاوز، وإذا كان صحته فهو مورد لقاعدة الفراغ، ويعتبر فيهما التجاوز عن المشكوك الا ان صدقه في الاول يتوقف على الدخول في الغير دون الثاني. ثم ان قاعدة الفراغ لا يختص جريانها بما بعد الفراغ عن مجموع العمل المركب، بل يجري في الاثناء ايضا كقاعدة التجاوز لاطلاق الادلة، فلو شك في الاثناء في وجود الجزء السابق أو في صحته جرت القاعدتان وحكم بعدم الاعتناء. انما الكلام في انه هل يختص بالاجزاء المستقلة كالقراءة والركوع والسجود ونحوها، أو يعم اجزاء الاجزاء كأبعاض القراءة من الفاتحة والسورة، وما


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 1. (2) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 3

[ 546 ]

تشتملان عليه من الآيات والكلمات. اختار شيخنا الاستاذ (قده) الاول نظرا إلى انها المذكورة في صحيحة زرارة المتقدمة (1) فيقتصر عليها إذ لادليل على التعدي. لكن الظاهر ان المذكورات من باب المثال حيث اكثر زرارة في السؤال، فسأله أولا عمن شك في الاذان وهو في الاقامة، ثم عن الشك في التكبير، ثم القراءة، ثم الركوع، ثم السجود، فأراد الامام (ع) قطع أسئلته فأعطاه ضابطة كلية فقال (ع) في ذيلها كما تقدم " يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ ": وهذا باطلاقه يعم جميع موارد الشك حتى في جزء الجزء كما لا يخفى، فيشمل ما لو شك في الفاتحة وهو في السورة بل لو شك في آية وهو في آية أخرى، كما ان الصحيحة الاخرى المتقدمة المتعرضة لقاعدة الفراغ تعم باطلاقها ذلك أيضا. إذا فلا اختصاص للقاعدتين بالاجزاء الاصلية المستقلة، بل تعم غيرها. نعم الظاهر انه لامسرح لهما بالاضافة إلى الكلمات فضلا عن الحروف، فلو شك عند قوله نستعين انه هل اتى بكلمة إياك أولا أو أنه اتى بها صحيحة أو لالزمه الاعتناء، فان اطلاق النصر وان لم يأب عن الشمول له كما عرفت. إلا ان الفهم العرفي لا يساعد عليه، فان الجملة أو الآية المؤلفة من عدة كلمات يعد في نظرهم موجودا واحدا فالشك فيها شك في اثناء شئ واحد لابعد التجاوز أو الفراغ، وإن كان بحسب التدقيق كذلك لكن العرف لا يساعد عليه. واوضح حالا ما لو شك في حروف الكلمة الواحدة كهمزة


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 1

[ 547 ]

[ ومعه يشكل الصحة إذا اعاد (1). ] (إياك) عند التلفظ بالكاف فان عدم المساعدة حينئذ أظهر. ومن جميع ما ذكرناه يظهر ان ما افاده في المتن من التعميم عند الشك في الصحة - للكلمة لا يمكن المساعدة عليه كما ان قوله (إذا لم يتجاوز) المعلق عليه وجوب الاعادة يفسر على مسلكنا بعدم الفراغ لابعدم الدخول في الغير لما عرفت من عدم اعتباره في جريان قاعدة الفراغ التي هي المفروض في هذه المسألة، لكون الشك في الصحة لافي الوجود وإن كان الظاهر من مسلكه الثاني لاعتباره الدخول في الغير حتى في جريان قاعدة الفراغ كما يظهر من حكمه في نظائر المقام. (1): - لاريب في جواز الاعادة بقصد الاحتياط مع التجاوز فان العمل وان كان معه محكوما بالصحة ظاهرا لكن الاحتياط لادراك الواقع حسن على كل حال، بل لا بأس بنكرارها مع تكرر الشك ما لم يكن عن وسوسة، للنهي عن العمل على مقتضى الوسواس المحرم عند المشهور. وهل يحكم بالبطلان لو ارتكب الحرام؟ استشكل فيه في المتن لكن الاقوى الصحة كما مرغير مرة من ان القراءة المحرمة لا تخرج بذلك عن كونها قرآنا، غايته انه قرآن محرم فلا تندرج في كلام الآدمي كي يستوجب البطلان. والحاصل: ان الاستشكال في الصحة اما من اجل صدق الزيادة العمدية المبطلة وهو منفي بعد فرض الاتيان بقصد الرجاء والاحتياط

[ 548 ]

[ (مسألة 13): - في ضيق الوقت يجب الاقتصار على المرة في التسبيحات الاربعة. (مسألة 14): - يجوز في (إياك نعبد وإياك نستعين) القراة باشباع كسر الهمزة وبلا اشباعه. (مسألة 15): - إذا شك في حركة كلمة أو مخرج حروفها لا يجوز ان يقرأ بالوجهين مع فرض العلم ببطلان أحدهما، بل مع الشك أيضا كما مر، لكن لو اختار احد الوجهين مع البناء على اعادة الصلاة لو كان باطلا لا بأس به. (مسألة 16): الاحوط فيما يجب قراءته جهرا ان يحافظ على الاجهار في جميع الكلمات حتى اواخر الآيات بل جميع حروفها (1)، وان كان لا يبعد اغتفار الاخفات في الكلمة الاخيرة من الآية فضلا عن حرف آخرها (2). ] دون الجزئية والا لحكم بالبطلان حتى في غير الوسواس وان كان من جهة الحرمة فهي بمجردها لا تقضي البطلان ما لم ينطبق عليها كلام الآدمي، والقرآن أو الذكر أو الدعاء بحرمتها لا تندرج في ذلك، بل هي بعد قرآن غايته انه قرآن محرم. (1): - لاطلاق دليل الجهر الشامل لجميع اجزاء القراءة. (2): - لكنه غير واضح، فان المستند فيه إما دعوى صدق

[ 549 ]

الجهر عرفا لو إنصف معظم الاجزاء به فلا يضر الاخفات في الكلمة الواحدة. ويردها ان الصدق المزبور مبني على المساهلة والمسامحة قطعا، ولا دليل على حجية الصدق العرفي المبني على ذلك بعد وضوح المفهوم الذي تعلق به الامر، على انه لو سلم فلا وجه للتخصيص بآخر الآية، بل يعم الاول والوسط لصدق الجهر بالمعظم في الجميع. وإما دعوى قيام التعارف الخارجي على ان المتكلم أو الخطيب يخفت غالبا عند اداء الكلمة الاخيرة والامر بالجهر بالقراءة منصرف إلى ما هو المتعارف في كيفية الاجهار. (وهذه الدعوى) وان لم تكن بعيدة في الجملة إلا ان كون التعارف بمثابة يوجب الانصراف بحيث تتقيد به اطلاقات الجهر مشكل بل ممنوع، وإلا جرى مثله في القراءة الاخفاتية، فان التعارف أيضا قائم على عدم قدح الجهر في الكلمة الواحدة من الكلام الاخفاتي، وهل يمكن الالتزام باغتفار الجهر حتي في كلمة واحدة من القراءة الاخفاتية؟ فالاقوى عدم الاغتفار مطلقا والله سبحانه اعلم. هذا ما اردنا ايراده في هذا الجزء، ويتلوه الجزء الرابع مبتدءا ب‍ (فصل: - في الركوع) والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، وكان الفراغ في السلخ من شهر رجب المرجب سنة ألف وثلاثماتة وثمانين من الهجرة النبوية صلى الله عليه وآله في جوار القبة العلوية (ع) في النجف الاشرف، وقد حرره بيمناه الداترة مرتضى بن علي محمد البروجردي اصلا والنجفي مولدا ومسكنا ومدفنا ان شاء الله تعالى. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية