الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصلاة - السيد الخوئي ج 2

كتاب الصلاة

السيد الخوئي ج 2


[ 1 ]

مستند العروة الوثقى

[ 2 ]

الطبعة الاولى التاريخ: رمضان المبارك 1413

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (36) مستند العروة الوثقى محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله العالي كتاب الصلاة للعلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مرتضى البروجردي الجزء الثاني

[ 5 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم فصل في مكان المصلي والمراد به (1) ما استقر عليه ولو بوسائط وما شغله من الفضاء في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ونحوها ويشترط فيه أمور: ] (1) لا يخفى ان المكان يطلق على معنيين: أحدهما: ما يستقر عليه الشئ ويثبت فيه، ويكون كوعاء وظرف له. ثانيهما: الفضاء والفراغ الذي يشغله الانسان في قيامه وتعوده وركوعه وسجوده، ومنه قول الفلاسفة: ان الجسم الطبيعي يحتاج في وجوده إلى المكان: اي إلى حيز وفراغ يحيط به ويستوعبه والمراد به في المقام المعنى العام الجامع بين المعنيين، فان بعض الاحكام يختص بالمعنى الاول كاشتراط الاستقرار في المكان أو طهارته وبعضها يختص بالمعنى الثاني كاشتراط عدم الاتيان بالصلاة تحت سقف مشرف على الانهدام فان ذلك من شرائط الفضاء دون المقر وموقف المصلي كما لا يخفى. ومنها: ما يعم كلا المعنيين كاشتراط الاباحة المعتبرة فيما يستقر عليه المصلي ولو بوسائط وما يشغله من الفضاء والفراغ.

[ 6 ]

[ (احدها): اباحته (1)، فالصلاة في المكان المغصوب باطلة ] (1) المعروف والمشهور اعتبار الاباحة في المكان بكلا معنييه كما عرفت. بل عليه الاجماع في كثير من الكلمات، لكنه كما ترى ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم، بعد استناد اكثر المجمعين إلى دعوى اتحاد الحركات الصلاتية مع الغصب وامتناع اجتماع الامر والنهي: والتحقيق: هو التفصيل في المكان بين معنييه فتعتبر الاباحة فيه بالمعنى الاول في الجملة دون الثاني. وقد استقصينا الكلام فيه في الاصول في بحث اجتماع الامر والنهي. وملخصه: ان حقيقة الصلاة تتألف لدى التحليل من عدة من الاذكار كالقراءة ونحو ما، ومن الهيئات كالركوع والسجود والقيام وغيرها وشئ من ذلك لا يتحد مع الغصب عدا السجود من اجل أن مفهومه متقوم بوضع الجبهة على الارض. توضيح ذلك: ان الاذكار كالقراءة والتسبيحات ونحوها وان اوجبت تحركا وتموجا في الهواء فكانت تصرفا في الفضاء المغصوب بحسب الدقة العقلية إلا انها لا تعد تصرفا بالنظر إلى الصدق العرفي الذي هو المناط في تعلق الاحكام الشرعية، فلا يقال للمتكلم المزبور أو لمن نفخ في ارض الغير انه تصرف في ملك الغير بدون رضاه بحيث يكون عقاب المتكلم في الدار الغصبية اشد من عقاب الساكت باعتبار ارتكابه تصرفا آخر في الفضاء زيادة على اصل الاستيلاء فلا تتحد الاذكار الصلاتية مع الغصب بوجه. واما الهيئات الخاصة: من الركوع والسجود ونحوهما فهي أيضا لا تستوجب تصرفا في المغصوب، ضرورة أن الواجب منها إنما هو

[ 7 ]

[ سواء تعلق الغصب بعينه، أو بمنافعه (1) كما إذا كان ] نفس الهيئة وهي بمجردها لا تكون مصداقا للتصرف. نعم مقدماتها من الهوي والنهوض تصرف فيه ولكنها خارجة عن ماهية المأمور به فما هو الواجب لم يكن منهيا عنه، وما هو المنهي عنه لم يكن مصداقا للواجب، فاين الاتحاد. نعم: في خصوص السجود بما انه يعتبر فيه وضع الجبهة بل المساجد السبعة على الارض، والوضع متقوم في مفهومه بالاعتماد والقاء الثقل ولا يكفى فيه مجرد المماسة. فلا جرم يتحقق الاتحاد بالاضافة إلى هذا الجزء خاصة لكون الاعتماد المزبور مصداقا بارزا للتصرف في ملك الغير فيحرم. وبما ان الحرام لا يقع مصدقا للواجب فبطبيعة الحال تبطل الصلاة المشتملة على السجدة بهذا العلة واما الفائدة لها كالصلاة إيماء أو الصلاة على الميت، بل الواجدة إذا تجنب السجود على المغصوب كما لو تخطى قليلا فسجد على الارض المباحة أو وضع لوحة ونحوها بحيث منعت عن القاء ثقل الجهة على موضع الغصب أو سجد ولو بفرض محال في الفضاء ما بين الارض والسماء فلا مانع من الحكم بصحتها لانتفاه المحذور المزبور ولم ينو إلا الكون في المكان الذي هو امر تكويني غير معتبر في صحة الصلاة شرعا سواء أكان مغصوبا أم مباحا. ومنه تعرف وجه التفصيل بين المعنيين للمكان في اعتبار الاباحة وعدمها، كما وتعرف اختصاص البطلان في المعنى الاول للمكان بما إذا كان احد مواضع السجود مغصوبا. (1): لان المناط صدق الغصب المتقوم بالتصرف في الملك

[ 8 ]

[ مستأجرا وصلى فيه شخص من غير اذن المستأجر وان كان مأذونا من قبل المالك، أو تعلق به حق كحق الرهن (1) ] الغير من غير استيذان ممن بيده الاذن، أعني من يملك التصرف في العين فعلا سواء أكان مالكا لرقبتها ايضا أم لخصوص منافعها كالمستأجر. ومنه تعرف عدم كفاية اذن المالك، بل عدم جواز التصرف لنفس المالك ايضا من دون اذن المستأجر. (1): على المشهور من عدم جواز التصرف في العين المرهونة بدون اذن المرتهن، ويستدل لهم بامور عمدتها الاجماع والنبوي الذي استدل به غير واحد من الاصحاب من ان " الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف " (1) فانه إذا لم يجز للراهن لم يجز لغيره ايضا ولو باذنه. أقول: اما عدم جواز تصرف المرتهن بدون اذن الراهن فواضح ضرورة عدم جواز التصرف في ملك الغير من دون اذنه، ومجرد الاستيثاق لاستيفاء الدين لدى بلوغ اجله لا يسوغ التصرف ما لم ينص عليه وهذا ظاهر. واما عدم جواز تصرف الراهن من دون اذن المرتهن، فهو وان كان مشهورا بين الاصحاب إلا انه لا يمكن المساعدة على اطلاقه بل لا بد من التفصيل بين التصرفات المنافية لحق الرهانة، وغير المنافية فلا تجوز الاولى سواء أكانت اعتبارية كالوقف، حيث ان الوقفية تضاد كونها وثيقة بداهة امتناع استيفاء الدين من العين


(1) المستدرك ج 2 ص 496.

[ 9 ]

الموقوفة بعد تعذر بيعها، ام خارجية كالاتلاف التكويني بأكل ونحوه. واما الثانية: فلا بأس بها سواء أكانت اعتبارية أيضا كالبيع، أم؟ خارجية كاللبس ونحوه. فان بيع العين المرهونة وان منعه المشهور وعلله بعضهم باعتبار طلقية الملك المفقودة في مورد الرهن، إلا انا ذكرنا في بحث المكاسب ان الاقوى جوازه، نظرا إلى ان البيع لا يزيل حق المرتهن ولا يزاحمه، بل ينتقل به متعلق حقه من ملك الراهن إلى ملك المشتري وهذا لا ضير فيه سيما بعد ملاحظة جواز جعل ملك الغير رهنا باذنه ابتداء كما في استرهان العين المستعارة باجازة المعير، فإذا ساغ حدوثا ساغ بقاءا ايضا بطريق أولى (1)، غاية الامر ثبوت


(1) هذه الاولوية ادعاها المحقق الايرواني ايضا في تعليقته على المكاسب ص 190 ولكن السيد الاستاد دام ظله لم يذكرها في بحث المكاسب وكانه لم يرتض بها. ولعل الوجه فيه: ان القائل بعدم جواز البيع يرى ان العين المرهونة متعلقة لحق المرتهن بما انها مضافة إلى المالك المعين لا بما هي هي فالنقل من ملك المالك حين الرهن تصرف مناف لحق الغير ومضاد له لانه ازالة لتلك الاضافة، وعلى هذا الاساس يتجه التفكيك بين الابتداء والبقاء، فان الاول لا محذور فيه، واما الثاني فهو مستلزم للمحذور المزبور فلا يجوز الا باذن المرتهن (الا ان يقال) ان العين المرهونة متعلقة لحق المرتهن بما ان خسارتها تكون على الراهن اما لكونها ملكا له، أو لكون خسارتها الناشئة من استيفاء الدين منها تكون مضمونة عليه لمالكها معيرا كان أو مشتريا. وعليه فلا فرق بين الابتداء والبقاء كما أفيد في المتن وان لم تثبت به الاولوية.

[ 10 ]

الخيار للمشتري مع جهله بالحال لتخلف وصف الطلقية المنصرف إليه العقد لدى الاطلاق، ولا دليل على اعتبار الطلقية في صحة البيع بقول مطلق. كما التصرفات الخارجية من لبس وافتراش ونحوهما سايغ حتى من دون اذن المرتهن ما لم يشترط خلافها في متن العقد فان الاجماع المدعى على عدم الجواز حسبما سمعت دليل لبي؟ يقتصر على القدر المتيقن منه وهو التصرفات المنافية لحق الرهانة، فلا يعم غير المنافية التي هي مورد البحث. والنبوي المتقدم ضعيف السند لا يمكن التعويل عليه. نعم: للمرتهن الامتناع من تسليم العين والتصرف فيها لانها متعلق حقه (1)، إلا انه لو اخذها الراهن من دون اطلاعه باختلاس ونحوه فتصرفه سايغ لكونه صادرا من اهله وواقعا في محله. وقد نطقت بذلك صريحا صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام، في رجل رهن جاريته قوما ايحل له أن يطأها؟ قال: فقال: إن الذين ارتهنوها يحولون بينه وبينها، قلت: أرأيت إن قدر عليها خاليا؟ قال: نعم لا ارى به بأسا " ونحوها صحيحة الحلبي (2). فإذا جاز الوطى وهو من أهم التصرفات جاز غيره من ساير التصرفات غير المنافية بالاولوية القطعية، ولا موجب لرفع اليد بعد قوة الدلالة وصحة السند. وقد عرفت قصور الاجماع عن


(1) كونها متعلقة لحقه لا يسوغ الامتناع المزبور بعد عدم كون التصرف منافيا لحقه كما هو المفروض. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب احكام الرهن ح 1 و 2 ج 13 ص 133.

[ 11 ]

[ وحق غرماء الميت، وحق الميت إذا اوصى بثلثه ولم يفرز بعد ولم يخرج منه (1). ] الشمول للمقام. إذا فلا مانع للراهن من الصلاة في العين المرهونة، كما له الاذن لغيره في الصلاة فيها. (1): لا يخفى ان تعلق حق الغرماء بالمال واندراج المقام بذلك في كبرى التصرف في متعلق حق الغير مبني على القول بانتقال التركة باجمعها إلى الورثة فالمال كله مملوك للوارث، غايته انه متعلق لحق الغريم، اي له استنقاذه منه ما لم يؤده من غيره. واما على القول الآخر وهو الحق المطابق لظاهر الآيات والروايات من بقاء المقدار المقابل للدين على ملك الميت وانه لا ينتقل إلى الوارث إلا ما زاد عليه كما هو ظاهر قوله تعالى: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " وقد تضمنت بعض النصوص تقديم مصارف التجهيز اولا ثم الوصية، ثم الدين ثم الميراث. فالمقام خارج عن تلك الكبرى حينئذ لحصول الشركة بين الميت والوارث في التركة بنسبة الدين من النصف أو الثلث ونحوهما. فلا بد في تصرف الوارث أو غيره من الاستيذان من ولي الميت وهو وصيه إن كان، وإلا فالحاكم الشرعي. فيندرج المقام في الشق الاول من الفروض التي ذكرها في المتن، أعني تعلق الغصب بنفس العين فانه تصرف في ملك الغير لا في متعلق حقه، غايته انه ملك مشاع، ولا ريب في عدم الفرق بينه وبين غير المشاع في ذلك. هذا: مع ان ثبوت الحق المبني على القول الاول لا يستدعي المنع

[ 12 ]

[ وحق السبق (1) كمن سبق إلى مكان من المسجد أو غيره فغصبه منه غاصب على الاقوى ونحو ذلك، وانما تبطل ] من التصرف بمثل الصلاة ونحوها غير المزاحمة لحق الغريم، بل هو حق الرهانة الذي عرفت عدم التنافي بينه وبين مثل تلك التصرفات غير المصادمة لحق ذي الحق بل قد عرفت عدم مزاحمته للبيع فضلا عن مثل الصلاة. وبالجملة: على القول الاول الحق وان كان ثابتا لكنه لا يمنع عن مثل الصلاة لعدم المزاحمة. وعلى القول الثاني: وان كان المنع ثابتا لكنه لا لاجل تعلق الحق بل من جهة كونه تصرفا في ملك الغير. وقد عرفت ان هذا القول هو الاقوى لمساعدة النصوص عليه، ومعناه تأخر الميراث عن الدين حدوثا وبقاءا، فلا ينتقل جميع المال إلى الوارث إلا مع فقد الدين من اول الامر، أو في مرحلة البقاء اما بابراء الغريم أو اداء الدين من غير التركة. ومن جميع ما ذكرنا يظهر الحال في حق الميت إذا اوصى بثلثه فانه يجرى فيه القولان المتقدمان مع ما يتفرع عليهما على النحو الذي بيناه حرفا بحرف. وظاهر عبارة الماتن اختياره هنا القول الثاني، أعني بقاء المال الموصى به على ملك الميت، وعدم انتقاله إلى الوارث، وحصول الشركة بينهما كما يفصح عنه تعبيره (قده) بقوله: (ولم يفرز بعد) فان الافراز لا يكون الا في فرض الشركة والاشاعة كما لا يخفى. (1): لا ريب ان من سبق إلى مكان مباح يشترك فيه الكل

[ 13 ]

[ الصلاة إذا كان عالما عامدا ]. كالصحراء أو المسجد أو الحرم الشريف فهو أحق بذلك المكان ما دام جالسا فيه، بمعنى انه لا يجوز مزاحمته ودفعه عنه، ولو فعل اثم وهل يثبت له زائدا على ذلك حق متعلق بذلك المكان بحيث لو تصرف فيه بعد ارتكاب الاثم كان ذا تصرفا في متعلق حق الغير ويكون غصبا تبطل الصلاة فيه ام لا؟ المشهور هو الاول. وذهب في الجواهر تبعا للسيد العلامة الطباطبائي في منظومته إلى الثاني فانكرا الحق وحكما بجواز التصرف بعد الدفع واخلاء اليد سيما إذا كان المتصرف غير الدافع. اقول: اما في الفرض الاخير فلا ينبغي الاشكال في الجواز، فلو تعدى ظالم على السابق واخذه إلى للحاكمة مثلا سقط حقه وجاز لغيره التصرف، إذ لا يبقى المكان معطلا. واما في غير ذلك فالظاهر ايضا هو الجواز لعدم نهوض دليل يقتضي ثبوت حق له بهذه المثابة، اي يكون مانعا حتى بعد اخلاء اليد كي يحتاج التصرف فيه إلى اذن ذي الحق. وقصارى ما يمكن ان يستدل له روايتان: احداهما: رواية محمد بن اسماعيل عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له، تكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجئ آخر فيصير مكانه، فقال: (من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته) (1).


(1) الوسائل: باب 56 من أبواب احكام للمساجد ح 1.

[ 14 ]

الثانية: خبر طلحة بن زيد عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو احق به إلى الليل.. الخ (1). وهاتان الروايتان: بعد دفع ما يترائى من المنافاة بينهما من حيث التحديد بان ذلك من اجل الاختلاف في خصوصية المورد، حيث ان المسجد معد للعبادة التي لا يفرق فيها بين الليل والنهار، بخلاف السوق المعد للاتجار الذي ينتهي امده غالبا بانتهاء النهار لعدم تعارف السوق في الليل في الازمنة السابقة بل في العصر الحاضر ايضا بالنسبة إلى القرى والبلدان الصغيرة. لا يمكن الاستدلال بشئ منهما لضعف سند الاولى. فان محمد بن اسماعيل وان كان الظاهر انه ابن بزيع وهو موثق لكنها مرسلة. واما الثانية: فيمكن الخدش في سندها من جهة ان طلحة بن زيد عامي لم يوثق. نعم له كتاب معتبر لكن لم يعلم ان الرواية عن كتابه ام عنه مشافهة، إذ الراوي عنه هو الكليني ولم يلتزم بنقل الرواية عمن له اصل أو كتاب عن نفس الكتاب، كما التزم الشيخ بمثل ذلك في التهذيب، فمن الجائز روايته عن نفس الرجل لا عن كتابه وقد عرفت عدم ثبوت وثاقته. هذا. ولكن الظاهر وثاقه الرجل من جهة وقوعه في اسانيد كتاب كامل الزيارات، وقد عرفت غير مرة التوثيق العام من ابن قولويه لكل من يقع في اسانيد كتابه (2)، وحيث انه سليم عن المعارض وجب الاخذ به. فالانصاف ان الخدش من حيث السند في غير محله. الا


(1) الوسائل: باب 56 من أبواب احكام المساجد ح 2. (2) ولكنه دام ظله خصه أخيرا بمشايخ ابن قولويه بلا =

[ 15 ]

[ واما إذا كان غافلا أو جاهلا أو ناسيا فلا تبطل (1) ] ان الشأن في دلالتها فانها غير ظاهرة في اثبات الحق بالمعنى المبحوث عنه، بل المتيقن منها عدم جواز مزاحمة السابق ما دام شاغلا للمحل وقد عرفت ان هذا مسلم لا اشكال فيه، بل هو ثابت حتى ببناء العقلاء من دون حاجة إلى تعبد شرعي، بل ربما يقال ان الحق بهذا المعنى امر فطري يدركه كل احد حتى الحيوانات، فانا لو قذفنا قطعة لحم نحو رتين تسابقتا إليها وربما يتحارشان في الاستيلاء عليها لكن بعد الغلبة وتحقق الاستيلاء من احديهما تركتها الاخرى ولا تزاحمها ما دامت الاولى مسيطرة عليها، فإذا اعرضت عنها اخذتها الاخرى. وبالجملة: الحق المذكور في الرواية يدور امره بين ان يكون المراد منه مجرد عدم جواز المزاحمة وبين ان يراد زائدا على ذلك تعلق حق من السابق متعلق بالعين بحيث لا يجوز التصرف فيها بدون اذنه حتى مع عدم كونه بالفعل شاغلا للمحل، والمتيقن هو الاول، ومبنى الاستدلا هو الثاني، ولا ظهور للرواية فيه كما لا يخفى. (1): أما عدم البطلان في فرض الغفلة أو النسيان فظاهر لعدم كون التصرف في المغصوب حراما حينئذ حتى واقعا لامتناع توجيه التكليف إليه ومن هنا ذكرنا في محله ان الرفع (في حديث الرفع) بالنسبة إلى الناسي واقعي لا ظاهري، فإذا لم يكن دليل


= واسطة فلا يعم الرجل على انه عامي المذهب ومثله غير مشمول للتوثيق على كل تقدير نعم هو من رجال تفسير القمي. المعجم ج 9 ص 170.

[ 16 ]

النهي عن الغصب شاملا له وكان التصرف المزبور حلالا واقعا شمله اطلاق دليل الامر بالصلاة من دون معارض ولا مزاحم لصحة التقرب به بعد عدم كونه مبغوضا. نعم: هذا فيما إذا لم يكن صدوره منه مع حليته الواقعية متصفا بالمبغوضية الفعلية والا كما لو كان الناسي هو الغاصب. فالمتجه حينئذ البطلان (1) إذ النهي السابق الساقط بالنسيان قد اثر في اتصاف هذا التصرف بالمبغوضية، غايته سقوط الخطاب حينئذ لامتناع توجيهه نحو الناسي كما عرفت. فالمولى لا يمكنه النهي الفعلي لعدم قابلية المحل لا لعدم وجود ملاكه والا فلا ريب في عدم الفرق في تحقق الاتصاف المزبور بين وجود مثل هذا النهي وعدمه وعليه: بما ان المبغوض الفعلي لا يمكن ان يتقرب به فيمتنع شمول اطلاق الامر بالنسبة إليه. ونتيجة ذلك هو البطلان كما عرفت وهذا ظاهر. واما في فرض الجهل فان كان عن تقصير كما لو كانت الشبهة حكمية قبل الفحص أو مقرونة بالعلم الاجمالي بحيث كان الواقع منجزا عليه من دون مؤمن فلا ريب في البطلان حينئذ لالحاق مثله بالعامد، وهذا لا غبار عليه، كما لم يقع فيه خلاف من احد. انما الاشكال في الجاهل القاصر، اي فيمن كان جهله عذرا له لعدم تنجز الواقع عليه من جهة وجود المؤمن الشرعي كما في الشبهات الموضوعية البدوية أو الحكمية بعد الفحص لجريان البراءة حينئذ


(1) ينبغي تقييده بما إذا كان ذلك في السجدتين معا، فان الاخلال بالسجدة الواحدة لا ضير فيه بمقتضى حديث لا تعاد وغيره كما لا يخفى.

[ 17 ]

واتصاف الفعل بالحلية الظاهرية فهو معذور في جهله. فالمشهور ذهبوا حينئذ إلى الصحة فحكموا بجواز الصلاة في الدار الغصبية وبجواز التوضي بالماء المغصوب إذا كان عن جهل قصوري ففصلوا بين صورتي العلم والجهل مع بنائهم على الامتناع في باب اجتماع الامر والنهي، لكنه في غاية الاشكال كما تعرضنا له في الاصول، وقلنا ان التفصيل المزبور غير سديد، بل اما ان يحكم بالصحة في الصورتين أو بالبطلان كذلك. وملخص الكلام: أنهم استندوا في الحكم بالصحة مع الجهل بان الحرمة الواقعية ما لم تتنجز ولم تبلغ حد الوصول لا تمنع عن صحة التقرب وصلاحية الفعل لان يكون مشمولا لاطلاق دليل الامر إذ التمانع في المتزاحمين متقوم بالوصول، والا فمجرد الوجود الواقعي غير الواصل لا يتزاحم به التكليف الآخر. فإذا لا مانع من فعلية الامر لسلامته عن المزاحم ومعه يقع العمل صحيحا لعدم تأثير الحرمة الواقعية في المبغضوضية بعد فرض كون الجاهل معذورا. أقول: هذا إنما يستقيم لو قلنا بجواز اجتماع الامر والنهي وان التركيب بين متعلقهما انضمامي ولا يسرى الحكم من احدهما إلى الآخر حتى يندرج للمقام في باب التزاحم فيقال ان هناك حكمين على موضوعين ولا يزاحم احدهما الآخر الا لدى التنجز والوصول، فقيل وصول النهي لا تزاحم، فيكون الامر فعليا لعدم المانع عنه فيحكم بالصحة. لكن لازم ذلك الحكم بالصحة في فرض العلم وفعلية المزاحمة ايضا غايته انه يكون عاصيا بمخالفة النهي، ومطيعا بموافقة الامر، إذ بعد فرض تعدد الحكم والموضوع والالتزام بعدم السراية

[ 18 ]

في المتلازمين يكون المقام نظير النظر إلى الاجنبية حال الصلاة كما لا يخفى فتدبر جيدا. واما على القول بالامتناع وكون التركيب بينهما اتحاديا وان متعلق احدهما عين متعلق الآخر كما هو مبنى هذا القول فيخرج للمقام حينئذ عن باب المزاحمة بالكلية ويندرج في كبرى التعارض لامتناع تعلق جعلين واعتبار حكمين في مقام التشريع على موضوع واحد. وبعد تقديم جانب النهي يكون المقام من مصاديق النهي عن العبادة. ولا ريب حينئذ في البطلان من دون فرق بين صورتي العلم والجهل لوحدة المناط في كلتا الصورتين وهو امتناع كون الحرام مصداقا للواجب واستحالة التقرب بالمبغوض الواقعي، فان غاية ما يترتب على الجهل هو المعذورية وارتفاع العقاب وكون التصرف محكوما بالحلية الظاهرية وشئ من ذلك لا ينافي بقاءه على ما هو عليه من الحرمة الواقعية كما هو قضية اشتراك الاحكام بين العالمين والجاهلين وقد عرفت ان الحرام لا يعقل ان يكون مصداقا للواجب، فمثله خارج عن دائرة اطلاق الامر خروجا واقعيا، ومعه كيف يحكم بصحته المستلزمة لانطباق المأمور به عليه. وعلى الجملة: في كل مورد حكمنا بالصحة في مورد الجهل من جهة البناء على جواز الاجتماع والاندراج في باب التزاحم لزمه الحكم بها في مورد العلم ايضا. وفي كل مورد حكمنا بالبطلان في فرض العلم لاجل البناء على الامتناع وتقديم جانب النهي والادراج في باب التعارض لزمه الحكم به في فرض الجهل ايضا حرفا بحرف لوحدة المناط في كلتا الصورتين، وتمام الكلام في محله

[ 19 ]

[ نعم لا يعتبر العلم بالفساد (1)، فلو كان جاهلا بالفساد مع علمه بالحرمة والغصبية كفى في البطلان، ولا فرق بين النافلة والفريضة في ذلك على الاصح (2) ] (1): لعمد مدخلية العلم بالحكم الوضعي وهو الفساد فيما هو مناط البطلان من العلم بالحكم التكليفي وموضوعه، اعني الحرمة والغصبية على المشهور، أو مجرد المبغوضية الواقعية على ما قررناه فيحكم بالبطلان بعد تحقق المناط حتى مع الجهل بالفساد كما ظهر وجهه مما بيناه. (2): خلافا للمحقق حيث حكم بصحة النافلة في المغصوب معللا بعدم اتحاد الاجزاء الصلاتية حينئذ مع الغصب. أقول: ان اراد بها النافلة للمأتي بها على كيفية الفريضة بحيث لم يكن فرق بينهما من غير ناحية الوجوب والاستحباب. ففيه: ان مجرد الاختلاف في ناحية الحكم من حيث قوة الطلب وضعفه والترخيص في الترك وعدمه لا يستوجب فرقا فيما هو مناط البطلان فان مناطه احد امرين: اما اتحاد مصداق الطبيعة المأمور بها مع المنهي عنها في خصوص السجود من جهة اعتبار الوضع فيه المتقوم بالاعتماد على المختار أو فيه وفي غيره على المشهور أو من جهة امتناع اختلاف المتلازمين في الحكم وسراية الحكم من احدهما إلى الآخر، ولا شك في عدم الفرق في هذين الملاكين بين بلوغ الامر حد الالزام وعدمه لتضاد الاحكام باسرها. وان اراد بها النافلة غير المأتي بها على تلك الكيفية بأن تكون

[ 20 ]

[ (مسألة 1): إذا كان المكان مباحا ولكن فرش عليه فرش مغصوب فصلى على ذلك الفرش بطلت صلاته وكذا العكس (1). (مسألة 2): إذا صلى على سقف مباح وكان ما تحته من الارض مغصوبا (2)، فان كان السقف معتمدا على تلك الارض تبطل الصلاة عليه، والا فلا ]. فاقدة للركوع والسجود مع الايماء اليهما لجواز الاتيان بها كذلك اختيارا كما في حال السير فلما افاده (قدس سره) حينئذ وجه لفقد السجود على الفرض الذي كان هو المنشأ للفساد على المختار وحديث امتناع اختلاف المتلازمين في الحكم ممنوع كما بيناه في الاصول، ومجرد الايماء اليهما لا يعد تصرفا في الغصب سيما لو كان ذلك بغمض العين لا بتحريك الرأس فان الاخير لا يخلو عن شوب من الاشكال لعدم البعد في صدق التصرف حينئذ عرفا. إلا انه لو تم فلا يختص ذلك بالنافلة، بل يجري في الفريضة ايضا لو أتى بها كذلك. اي مع الايماء كما لو اضطر إلى السير المستلزم لترك الركوع والسجود اما لاجل الخوف والفرار من العدو أو من جهة ضيق الوقت، فلا تختص النافلة بما هي نافلة بهذا الحكم كي يفرق بينها وبين الفريضة. (1): لعدم الفرق في صدق التصرف في الغصب بين أن يكون ذلك مع الواسطة أو بدونها كما هو ظاهر. (2): فصل (قده) حينئذ بين ما إذا كان السقف معتمدا

[ 21 ]

على تلك الارض كما لو كانت الاسطوانات التي تحمل السقف مبنية على الارض المغصوبة وبين صورة عدم الاعتماد كما لو كانت الاسطوانات خارجة عنها فحكم بالبطلان في الاول دون الثاني اما في الفرض الاخير فلا ينبغي الاشكال في الصحة فان مجرد وجود قطعة مغصوبة من الارض مسامته للسقف من دون مساس له بها لا موجب لتوهم الحكم بالبطلان من اجلها، فان حالها حال من صلى في غرفة مباحة مثلا وفيها شئ مغصوب من كتاب ونحوه. واما في الفرض الاول فربما يقال بالصحة ايضا من جهة منع صدق التصرف في الغصب، بل غايته الانتفاع به ولا دليل على حرمة الانتفاع بمال الغير ما لم يتحقق معه التصرف لاختصاص الادلة بالثاني دون الاول، لكنه (كما ترى) فان مجرد الانتفاع وان لم يكن حراما كالاصطلاء بنار الغير أو الاستضاءة بنوره أو الاستظلال بجداره أو النظر أو الشم ونحو ذلك مما قامت السيرة القطعية على جوازها لكن المتحقق في المقام زائدا على ذلك هو عنوان التصرف ضرورة ان الاعتمدا على السقف المعتمد على المكان المغصوب تصرف في ذاك المكان لكونه اعتمادا عليه، والاعتماد في امثال المقام من اظهر انحاء التصرف غايته انه مع الواسطة لا بدونها، وقد مر قريبا عدم الفرق في صدقه بين كونه مع الواسطة أو بدونها. فالانصاف: ان منع صدق التصرف في مثل المقام مكابرة ظاهرة. وعليه: فتبطل الصلاة بلحاظ حال السجود لتقومه بالوضع والاعتماد المتحد مع الغصب، فان الاعتماد الحاصل حال السجود بعينه تصرف في المكان المغصوب الواقع تحت السقف كما عرفت. فما افيد من التفصيل في المتن هو الصحيح.

[ 22 ]

[ لكن إذا كان الفضاء الواقع فيه السقف مغصوبا أو كان الفضاء الفوقاني الذي يقع فيه بدن المصلي مغصوبا بطلت في الصورتين (1). (مسالة 3): إذا كان المكان مباحا وان عليه سقف مغصوب (2) فان ان التصرف في ذلك المكان يعد تصرفا ] (1): تعرض (قده) لفرعين احدهما ما إذا كان الفضاء الواقع فيه السقف، أي الفضاء المتخلل بين الطابق الفوقاني والطابق التحتاني مغصوبا مع اباحة نفس الطابقين. ثانيهما: مااذا كان موقف المصلي مباحا الا ان الفضاء الفوقاني الذي يشغله بدن المصلي الواقع فوق سطح الموقف مغصوب وقد حكم (قدس سره) بالبطلان في كلتا الصورتين، وكأنه لصدق التصرف في الفضاء في الاول، وللاتحاد مع الغصب في الثاني لكن الظاهر الصحة فيهما كما يعلم وجهه مما مر لمنع صدق التصرف في الاول بعد عدم الاعتماد الا على السقف المعتمد على الارض المباحة، على الفرض لا على الفضاء المغصوب، فان الاعتماد عليها لا عليه كما لا يخفى. واما الثاني: فلان المناط في بطلان الصلاة اتحادها مع الغصب في السجود خاصة كما عرفت، ولا اتحاد فيه بعد فرض اباحة سطح المكان الذي يقع عليه السجود ويعتمد عليه وان كان الفضاء الذي يشغله البدن مغصوبا. نعم بناء على التعدي من السجود إلى بقية الاجزاء الصلاتية. ودعوى الاتحاد في جميعها المبني على القول بالامتناع كان الحكم بالبطلان في محله لكنه خلاف التحقيق. (2): فصل (قده) فيمن صلى تحت سقف مغصوب أو

[ 23 ]

[ في السقف بطلت الصلاة فيه وإلا فلا، فلو صلى في قبة سقفها أو جدرانها مغصوب، وكان بحيث لا يمكنه الصلاة فيها إن لم يكن سقف أو جدار، أو كان عسرا وحرجا كما في شدة الحر وشدة البرد بطلت الصلاة، وإن لم يعد تصرفا فيه فلا، ومما ذكرنا ظهر حال الصلاة تحت الخيمة المغصوبة، فانها تبطل إذا عدت تصرفا في الخيمة، بل تبطل على هذا إذا كانت اطنابها أو مساميرها غصبا كما هو للغالب، إذا في الغالب يعد تصرفا فيها، وإلا فلا ]. خيمة مغصوبة مع اباحة نفس المكان والفضاء بين ما إذا عد ذلك تصرفا في السقف أو الخيمة عرفا كما لو كان بحيث لا يمكنه الصلاة إلا تحت السقف أو الخيمة لشدة الحر أو البرد ونحوهما مما يوجب العسر أو الحرج في ايقاع الصلاة خارج ذاك المكان فيحكم بالبطلان وإلا فالصحة وكذا الحال في اطناب الخيمة أو مساميرها لو كانت مغصوبة. ويتوجه عليه اولا: بمنع الصغرى لعدم صدق التصرف ومجرد التوقف المزبور وعدم التمكن من الصلاة الا تحته لا يحققه، بل غايته الانتفاع بالغصب كما لو لم يتمكن من صلاة إلا في ظل جدار الغير ولا دليل على حرمة الانتفاع بمال الغير بما هو انتفاع، فان المحرم بحسب الادلة ليس الا احد عناوين ثلاثة: اما اتلاف مال الغير أو الاستيلاء عليه، أو التصرف فيه، والصلاة تحت السقف لم يكن في شئ منها وإنما هو انتفاع بحت ولم يقم دليل على حرمته بما هو كما عرفت.

[ 24 ]

[ (مسألة 4): تبطل الصلاة على الدابة المغصوبة (1) بل وكذا إذا كان رحلها أو سرجها أو وطاؤها غصبا، بل ولو كان المغصوب نعلها. (مسألة 5): قد يقال ببطلان الصلاة على الارض ] وثانيا بمنع الكبرى، إذ ليس كل تصرف محرم موجب البطلان ما لم يتحد مع الصلاة ولا اتحاد معها في المقام بلحاظ حال السجود الذي هو المعيار في البطلان على المختار كما مر غير مرة، إذ المفروض اباحة المسجد والتصرف في الخيمة غير متحد معه بالضرورة. نعم بناءا على مسلك الماتن تبعا للمشهور من كفاية الاتحاد في مطلق الاجزاء دون السجود خاصة اتجه البطلان حينئذ كما لا يخفى. (1): فانها كالصلاة على الفرش المغصوب المفروش على الارض المباحة التي مر عدم الفرق بينه وبين نفس الارض في صدق التصرف في الغصب، وكذا الحال في الرجل أو السرج أو الوطاء، بل وكذا النعل إذا كان شئ منها مغصوبا كما مر من عدم الفرق في الصدق المزبور بين ما كان مع الواسطة أو بدونها. لكن هذا كله فيما إذا صلى مع السجود مع كون مسجده مغصوبا اي يكون معتمدا في سجدته على الشئ المغصوب. وأما لو صلى مؤميا أو كان مسجده بالخصوص مباحا فلا وجه للبطلان حينئذ، لما مر غير مرة من ان المدار في الفساد هو الاتحاد حالة السجود خاصة ولا عبرة ببقية الاحوال. نعم بناءا على التعميم كما هو المشهور اتجه البطلان على الاطلاق.

[ 25 ]

[ التي تحتها تراب (1) مغصوب ولو بفصل عشرين ذراعا وعدم بطلانها إذا كان شئ آخر مدفونا فيها والفرق بين الصورتين مشكل، وكذا الحكم بالبطلان، لعدم صدق التصرف في ذلك التراب أو الشئ المدفون، نعم لو توقف الاستقرار والوقوف في ذلك المكان على ذلك التراب أو غيره يصدق التصرف ويوجب البطلان ]. (1): حكى (قده) عن بعض التفصيل بين التراب المغصوب الواقع تحت الارض المباحة ولو بفصل عشرين ذراعا، وبين ما إذا كان مغصوب آخر مدفونا فيها فحكم بالبطلان في الاول دون الثاني. واعترض (قده) عليه بعدم الفرق بين الصورتين وان الحكم هو الصحة فيهما لمنع صدق التصرف إلا إذا توقف الاستقرار والوقوف في ذلك المكان على وجودهما بحيث صدق معه التصرف فيهما، فالحكم حينئذ البطلان في كلتا الصورتين. وما افاده (قده) في محله فان مجرد وجود التراب تحت الارض من دون توقف الاستقرار عليه بحيث كان وجوده كعدمه لا يحقق صدق التصرف بالاعتماد ولو مع الواسطة كما هو الحال في المدفون بعينه، فالحال فيهما كما لو كان تحت الارض خاليا عن كل منهما لفرض التساوي بين الوجود والعدم، وحصول الاستقرار في ذاك المكان على كل حال. نعم لو كان الوقوف والاستقرار منوطا به صدق معه التصرف المزبور واتجه البطلان حينئذ من دون فرق ايضا بين الصورتين.

[ 26 ]

[ (مسألة 6): إذا صلى في سفينة مغصوبة بطلت (1) وقد يقال بالبطلان إذا كان لوح منها غصبا، وهو مشكل على اطلاقه، بل يختص البطلان بما إذا توقف الانتفاع بالسفينة على ذلك اللوح ]. لكن البطلان مختص بصدق التصرف المزبور حالة السجود خاصة وإلا كما لو صلى مؤميا، أو لم يكن في سجوده معتمدا على ذاك التراب أو المدفون صحت صلاته حينئذ كما مر مرارا. (1): إذ لا فرق بينها وبين الارض المغصوبة في صدق التصرف فيجري فيها ما يجري فيها، فان قلنا هناك بالبطلان على الاطلاق للالتزام بالامتناع كما هو المشهور، قلنا به في المقام ايضا، وان خصصناه بذات السجود وحكمنا بالصحة للفاقدة له مع الايماء إليه للالتزام بالجواز وعدم حصول الاتحاد في اجزاء الصلاة ما عدا السجود كما هو المختار جرى ذلك هنا ايا كما هو ظاهر. هذا فيما إذا كانت السفينة كلها مغصوبة. وأما إذا كان لوح منها مغصوبا فقد حكى في المتن عن بعض القول بالبطلان ثم استشكل في اطلاقه وخصه بما إذا توقف الانتفاع بالسفينة على ذلك اللوح ولعله يريد صدق التصرف حينئذ وان كان خلاف ظاهر العبارة. وكيف كان: فقد ظهر مما مر الحكم بالصحة حتى في هذه الصورة إذا لم يسجد على ذاك اللوح والحكم بالبطلان لو سجد عليه ولو في غير هذه الصورة، فالعبرة به لا بصدق الانتفاع (على) انه بمجرده لا حرمة

[ 27 ]

[ (مسألة 7): ربما يقال ببطلان الصلاة على دابة خيط جرحها بخيط مغصوب (1)، وهذا ايضا مشكل. لان الخيط يعد تالفا ويشتغل ذمة الغاصب بالعوض إلا إذا امكن رد الخيط إلى مالكه مع بقاء ماليته. (مسألة 8): المحبوس في المكان المغصوب يصلي فيه قائما (2) مع الركوع والسجود إذا لم يستلزم تصرفا زائدا على الكون فيه على الوجه المتعارف كما هو الغالب وأما إذا استلزم تصرفا زائدا فيترك ذلك الزائد ويصلي بما امكن من غير استلزام ]. فيه ما لم يتحقق معه التصرف إلا ان يريد منه ذلك كما اشرنا إليه (1): اما إذا عد الخيط تالفا بحيث انتقل الضمان إلى القيمة فلا ينبغي الاشكال في الصحة لعدم بقاء للعين على الفرض، فلا موضوع للغصب كي يتحقق التصرف فيه ويبحث عن اتحاده مع الصلاة وعدمه. واما مع بقائه وإمكان الرد على ما هو عليه من المالية فالظاهر ايضا هو الصحة، إذ لا تعد الصلاة على الدابة بل ولا الكون عليها تصرفا في ذلك الخيط بل ولا انتفاعا به، إذ ليس هناك نفع يعود إلى الراكب وان انتفعت به الدابة فوجوده وعدمه بالنسبة إليه على حد سواء وليس نظير الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بنوره كما لا يخفى. (2): فانه بعد اضطراره إلى اشغال الفضاء بالمقدار المعادل لحجم بدنه

[ 28 ]

وايقاع ثقله على الارض بما يعادل وزنه وعدم اختلاف ذلك كما ولا كيفا باختلاف الطوارئ والهيئات من القيام والقعود والركوع والسجود، والاضطجاع والاستلقاء وغيرها من سائر الانحاء، بل هو في جميع تلك الحالات على حد سواء، ولم يختص اضطراره باحد تلك الاكوان كما هو المفروض فلا محالة يتخير عقلا بين الجميع لتساوي نسبة الغصب إلى الكل وعدم زيادة بعضها على بعض بشئ. ونتيجة ذلك: وجوب الاتيان بصلاة المختار المشتملة على الركوع والسجود لعدم المانع عنها بعد استكشاف العقل بمقتضى الاضطرار المتعلق بجامع الكون في المكان المغصوب الترخيص العام لجميع تلك الافعال. نعم: هذا فيما إذا لم تستلزم تلك الصلاة تصرفا زائدا على ما يقتضيه الكون في ذلك المكان. وإلا كما لو حبس في قبة بعضها مفروش واستلزم الصلاة على غير المفروش منها السجود على الفرش المغصوب انتقل حينئذ إلى الصلاة ايماء وسقطت الصلاة الاختيارية إذ السجود على الفرش تصرف زائد على ما تقتضيه طبيعة الكون في ذاك المكان الذي هو مصب الاضطرار دون التصرف في الفرش، والضرورات تقد بقدرها. وعلى الجملة: في فرض عدم استلزام الصلاة الاختيارية تصرفا زائدا على البقاء في المحبس وجبت وتعينت لما عرفت من ان الجسم لا يشغل من الفضاء اكثر من حجمه، ولا يستوجب ثقلا على الارض اكثر من وزنه، واختلاف الطواري والهيئات كيفما اتفقت لا يؤثر فرقا في شئ من هاتين الجهتين بحكم العقل الكاشف عن ان الترخيص الشرعي في البقاء في ذاك المكان بمناط الاضطرار بعينه

[ 29 ]

ترخيص في تلك الافعال واحداث تلك الهيئات بعد اذعانه بانها من لوازم الوجود ولا تعد من التصرف الزائد. فان قلت: هذا انما يستقيم بالاضافة إلى التصرف في الفضاء واما بلحاظ التصرف في الارض نفسها فكلا، بداهة ان المصلي في حال القيام لا يتصرف في نفس الارض إلا بمقدار موضع قدميه واما في حال الجلوس فيتسع التصرف بمقدار مجلسه وبطبيعة الحال يكون الاتساع حال السجود اكثر، وهذه تصرفات زائدة على ما يقتضيه طبع الكون في المكان الذي تعلق به الاضطرار. (وبعبارة اخرى) اشغال الفضاء لا يتغير عما هو عليه في شئ من الاحوال بالبرهان المتقدم. واما اشغال الارض فتغييره بذلك غير قابل للانكار قلت: التصرف في الارض الذي هو امر في قبال الاستيلاء والاتلاف كما مر لا نعقل له معنى عدا اشغال الفضاء المجاور لها الذي لا يختلف الحال فيه ولا يتغير عما هو عليه باختلاف الطوارئ والهيئات باعتراف الخصم، واما مجرد المماسة مع سطح الارض فهي وان اختلفت سعة وضيقا ولم تكن من لوازم الكون كما ذكر لكنها بما هي مماسة لا تعد تصرفا في الارض بالضرورة والالزم على المحبوس اختيار الوقوف على الجلوس مهما امكن، بل اختيار الوقوف على احدى قدميه بقدر الامكان تقليلا للمماسة، وليس كذلك قطعا كما لا قائل به اصلا. وبالجملة: المتصرف في الارض يتحقق معه امور ثلاثة: اشغال الفضاء، وكون ثقله على الارض، ومماستها ومحقق التصرف هما الاولان، والمفروض عدم تغييرهما عما هما عليه باختلاف الهيئات كما ذكر، واما الاخير فهو بمعزل عن الدخل في صدق التصرف

[ 30 ]

[ وأما المضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب فلا اشكال في صحة صلاته (1) ]. كما لا يخفى. والذي يكشف عن ذلك انه لو ركب على الدابة المغصوبة في الارض المباحة فان التصرف المحقق للغصب حينئذ إنما هو بجعل ثقله على الدابة الذي لا يختلف الحال فيه بكونه قائما عليها أو جالسا أو ساجدا أو نائما. واما المماسة فهي وان اختلفت سعة وضيقا باختلاف هذه الافعال لكنها لا تعد عرفا تصرفا زائدا على الكون عليها بحيث يكون ممنوعا عن السجود مثلا زائدا على الكون لزعم انه إحداث لمماسة زائدة. والمتحصل: من جميع ما ذكر وجوب الصلاة على المحبوس اختيارا فيما إذا لم يلزم منها تصرف زائد لاباحة السجود له حينئذ وإلا فايماء. (1): ربما يقال بعدم الفرق بين المضطر والمحبوس إذ الثاني من مصاديق الاول فلا موجب لتخصيص نفي الاشكال في الصحة بالاول بل هما واحد اشكالا ووضوحا. اقول: الفرق هو ان المحبوس لم يكن مضطرا الا إلى الكون في المكان المغصوب ولم يتعلق اضطرار من الجائر بالاضافة إلى الصلاة وحيث ان الصلاة لا تسقط بحال فهو بطبيعة الحال مضطر إلى جامع الصلاة الاعم من الاختيارية والاضطرارية وحكمه ما مر من لزوم اختيار الاولى لو لم تستلزم تصرفا زائدا والا فالثانية.

[ 31 ]

[ (مسألة 9): إذا اعتقد الغصبية وصلى فتبين الخلاف (1) فان لم يحصل منه قصد القربة بطلت، والا صحت. ] واما المضطر فمفروض كلامه (فده) انه مضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب لا مجرد البقاء فيه كما في المحبوس فكان هناك جائر اجبره على الصلاة بحيث لا يمكنه التخلف عنه. وظاهره ان متعلق الاجبار والاضطرار هي الصلاة الاختيارية ذات الركوع والسجود دون الاعم منها ومن الاضطرارية، فلو اجبره الظالم على الصلاة الاختيارية أو اقيمت هناك جماعة من قبل ابناء العامة بحيث لا يمكنه التخلف عنهم فلا اشكال حينئذ في صحة مثل هذه الصلاة وان استلزمت تصرفا زائدا في الغصب لارتفاع حرمته لدى الاضطرار حتى واقعا. ومعه لا وجه للحكم بالبطلان كما لو صلى فيه حال النسيان لانحصار المانع في الحرمة المفروض سقوطها. (1): فصل (قده) حينئذ بين ما إذا لم يحصل منه قصد القربة فتبطل من اجل فقد الشرط، أعني قصد التقرب المعتبر في تحقق العبادة وبين ما إذا حصل وتمشى منه القصد فالصحة. وما افاده (قده) هو الصحيح، إذ لا مقتضي للبطلان في الثاني بعد حصول القصد وعدم ارتكاب الغصب، فان المعتبر في صحة العبادة امران صلاحية الفعل لان يتقرب به، وحصوله بداع قربي، وكلا الركنين متحقق في المقام. اما الاول: فلان المفروض عدم غصبية المكان بحسب الواقع واعتقادها لا يغير الواقع عما هو عليه، فلا تقصر الصلاة في هذا المكان عن غيره في صلاحيتها لان يتقرب بها.

[ 32 ]

واما الثاني: فلانه المفروض، انما الشأن في كيفية تمشي قصد القربة بعد اعتقاد الغصبية والالتفات إلى الحكم والموضوع. ويمكن فرضه فيما إذا كان جاهلا بالحكم الوضعي، اعني الفساد فلم يعلم ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة وان كان عالما بالحكم التكليفي وموضوعه. وقد يقال: بالبطلان وان تمشى منه القصد وحصلت النية من جهة ان الفعل المتجرى به قبيح يستحق عليه العقاب فهو حرام بالعنوان الثانوي. وان لم يكن كذلك بعنوانه الاولي، وصدوره منه مبعوض لا محالة، ولا فرق في عدم امكان التقرب بالمبغوض، وعدم كون الحرام مصداقا للواجب بين ما كان كذلك بعنوانه الاولي أو الثانوي لوحدة المناط. وفيه: ان هذا وجيه بناءا على القول بحرمة التجري شرعا زائدا على قبحه عقلا لكنه بمعزل عن التحقيق كما فصلنا القول فيه في الاصول. وملخصه: ان تعلق القطع بالشئ لا يوجب تغييره عما هو عليه ولا يحدث فيه مصلحة أو مفسدة كي يستكشف منه الحكم الشرعي لقيام الملاكات بالموضوعات الواقعية علم بها ام جهل، والقطع طريق بحت وليس بنفسه موضوعا للحكم، فلا يقاس بمثل الهتك المتضمن للمفسدة المستتبعة للحكم الذي متى انطبق على موضوع يحدث فيه مفسدة أو يوجب قلب صلاحه إلى الفساد. نعم: ان هذا الفعل المتجرى به مضافا إلى كشفه من القبح الفاعلي وانه خبيث الباطن سئ السريرة يتصف بالقبح الفعلي بحكم العقل، فانه بنفسه مصداق الطغيان على المولى، والخروج عن زي

[ 33 ]

الرقية ومراسم العبودية وتجاسر وتعد عليه ولا يشك العقل في قبح هذه العناوين بمحققاتها بعين الملاك الذي يدركه في المعصية الحقيقية إذ لا فرق بينها وبين التجري من هذه الجهة اصلا لعدم صلوح المصادفة للواقع وعدمها التي هي امر خارج عن الاختيار لان يكون فارقا بين البابين. إلا ان هذا القبح العقلي لا يمكن ان يستكشف منه الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة حتى يثبت بها حرمة الفعل المتجري به بالعنوان الثانوي كما ادعي فان مورد القاعدة ما إذا كان الحكم العقلي واقعا في سلسلة علل الاحكام لا ما إذا كان متأخرا عن الحكم الشرعي وواقعا في طوله كما في المقام، حيث ان حكم العقل بالقبح المزبور إنما هو بعد فرض ثبوت حكم من قبل الشارع كي تكون مخالفته طغيانا عليه وخروجا عن زي الرقية كما هو الحال في المعصية الحقيقية غايته ان الحكم المفروض اعتقادي في المقام وواقعي في ذاك الباب وهو غير فارق كما لا يخفى. فكما ان حكم العقل بقبح المعصية يستحيل ان يستتبع حكما شرعيا والا لتسلسل إذ ذاك الحكم ايضا يحكم العقل بقبح عصيانه فيستتبع حكما شرعيا آخر وله أيضا معصية اخرى فيستتبع حكما آخر وهلم جرا فكذا في المقام حرفا بحرف وطابق النعل بالنعل، وتمام الكلام في محله. وعليه: فالفعل المتجرى به باق على ما كان عليه من الجواز بالمعنى الاعم (1)، ولم يكن مصداقا للحرام حتى بعنوان آخر، فلا


(1) ليت شعري بعد الاعتراف باتصاف الفعل المتجرى به بالقبح الفعلي وكونه مصداقا للطغيان المساوق للمبغوضية الفعلية كيف =

[ 34 ]

[ وأما إذا اعتقد الاباحة فتبين الغصبية فهي صحيحة من غير اشكال (1) ] مانع من امكان التقرب به واتصافه بالعبادية بعد صلوحه لها والاتيان به بداع قربي كما هو المفروض. (1): حكم (قده) حينئذ بالصحة من غير اشكال، وهو كذلك فيما إذا قطع بعدم الغصبية أو نسيها أو غفل عنها، والجامع عدم احتمال الخلاف بحيث تكون الحرمة ساقطة حينئذ حتى واقعا من جهة امتناع توجيه الخطاب إليه، كما لعله منصرف كلام الماتن أو ظاهره لمكان التعبير بالاعتقاد فان الصلاة حينئذ صحيحة بلا اشكال الا في بعض الصور وهو ما إذا كان الناسي هو الغاصب كما مر لعدم المانع عنها لانحصاره بكون التصرف حراما ولو واقعا كي يمتنع أن يكون مصداقا للواجب والمفروض عدمه كما عرفت.


= يمكن اتصافه بالعبادة وهل يكون المبغوض محبوبا والمبعد مقربا وهل المناط في امتناع اجتماع الامر والنهي الذي يبني دام ظله عليه شئ غير هذا (وعلى الجملة) ما يكون بالجمل الشايع مصداقا للطغيان وموجبا للخروج عن زي الرقية والعبودية لا بد وان يكون مبعدا ومعه لا يعقل ان يكون مقربا ومنه تعرف ان الحكم بالبطلان في المقام لا يبتني على استكشاف الحكم الشرعي ليناقش فيه بما افاده دام ظله. ودعوى ان المناط في الامتناع هو كون المبغوض الشرعي محبوبا لا مطلق المبغوض ولو عقلا، غير واضحة.

[ 35 ]

[ (مسألة 10) الاقوى صحة صلاة الجاهل بالحكم الشرعي وهي الحرمة (1) وان كان الاحوط البطلان خصوصا في الجاهل المقصر. ] واما إذا كان ملتفتا إلى الغصبية ومحتملا لها بحيث كان الخطاب الواقعي شاملا له وأمكن توجيهه إليه ولو بجعل الاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي فالاظهر حينئذ البطلان كما مر غير مرة. فان غاية ما يترتب على جهله العذري ارتفاع العقاب وإلا فالحرمة الواقعية بحالها وان ثبتت الحلية ظاهرا، ومن الواضح امتناع كون الحرام مصداقا للواجب وعدم كون المبعد مقربا (1): افتى (قده) اولا بصحة صلاة الجاهل بالحكم اعني الحرمة ثم احتاط (قده) اخيرا بالاحتياط الاستحبابي بالاعادة سيما في الجاهل المقصر. وهذا كما ترى من غرائب الكلام ضرورة ان الجاهل المقصر لا خلاف كما لا اشكال في الحاقه بالعامد لتنجز الواقع عليه بعد عدم كون جهله عذرا له، فالتصرف الصادر منه زائدا على استحقاقه العقاب عليه متصف بالحرمة الفعلية من جهة تمامية البيان وتقصيره في الفحص والسؤال كما يتفق كثيرا في بعض مسائل الارث. وقد صرح هو (قده) بنفسه بالالحاق المزبور في غير مورد من كلماته مما مر ويأتي. وعليه: فلا ريب في البطلان في الجاهل المقصر. وانما الخلاف في الجاهل القاصر الذي لتوهم الصحة فيه مجال كما عليه المشهور بدعوى انه حيث كان معذورا في ارتكابه لعدم تنجز الواقع عليه بعد وجود المؤمن الدافع لاحتمال العقاب فلا يصدر عنه بصفة المبغوضية

[ 36 ]

[ (مسألة 11): الارض المغصوبة المجهول مالكها لا يجوز التصرف فيها (1) ولو بالصلاة، ويرجع امرها إلى الحاكم الشرعي، وكذا إذا غصب آلات وادوات من الآجر ونحوه وعمر بها دارا أو غيرها ثم جهل المالك فانه لا يجوز التصرف ويجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي ]. فلا مانع من صحته ووقوعه عبادة وان ناقشنا في هذه المقالة مرارا وقلنا ان غاية ما يترتب على العذر رفع استحقاق العقاب والا فالمبغوضية والنهي الواقعي باقيان على حالهما، والحرام يمتنع ان يكون مصداقا للواجب تنجز ام لا. وكيف كان: فمورد الخلاف هو القاصر فقط، واحتياطه بالاعادة انما يتجه فيه بعد اختيار مسلك المشهور. واما المقصر فالبطلان فيه متعين اتفاقا فلا وجه لتعميم الاحتياط بالنسبة إليه كما هو ظاهر. (1): ذكر (قده) انه لا يجوز التصرف في الارض المغصوبة المجهول مالكها وكذا آلاتها وادواتها من الآجر ونحوه إذا كانت مغصوبة ولم يعرف لها مالك، وذلك لاطلاق دليل المنع عن التصرف في مال الغير من دون اذنه الشامل لصورتي معلومية المالك ومجهوليته. وذكر (قده) انه يجب الرجوع حينئذ إلى الحاكم الشرعي الذي هو ولي الغائب والاستيذان منه. اقول: وجوب الرجوع إلى الحاكم في مثل المقام مبني على ثبوت الولاية المطلقة للفقيه وهو في حيز المنع لقصور الادلة عن اثبات ذلك كما تعرضنا له في بحث المكاسب.

[ 37 ]

نعم: يجب الرجوع إليه في كل مورد كان مقتضى الاصل أو الدليل عدم جواز التصرف فيه، وقد علمنا من الخارج عدم رضاه الشارع باهماله والاعراض عنه ووجوب التصدي إليه والقيام به حسبة. وهذا هو المعبر عنه بالامور الحسبية كما لو كان مال الغير في معرض التلف من غرق أو حرق ونحوهما، وكما في اموال الايتام والقاصرين الذين لم يكن لهم قيم وولي فانه يجوز أو يجب التصرف والتصدق إليه فينقلب حينئذ مقتضى الاصل الاولي إلى الثانوي. إلا ان المتيقن منه ما إذا كان ذلك باذن الحاكم الشرعي لان الواجب القيام إليه كفاية، ومن الجائز اختصاص ذلك بالحاكم لاحتمال ثبوت الولاية المطلقة له، فيدور الامر بين الاختصاص به أو التعميم له ولغيره فيكون من باب الدوران بين التعيين والتخيير، والمتيقن من الخروج عن مقتضى الاصل الاولي إنما هو بالنسبة إلى الحاكم واما غيره فحيث لا دليل عليه فيبقى تحت الاصل ونتيجة ذلك اختصاص التصرف به أو ان يكون باذنه فلا يجوز للغير التصدي من دون الرجوع إليه. هذا: في غير مجهول المالك، واما فيه فلا حاجة للرجوع إليه (1) بعد عموم ما دل على ان المال المجهول مالكه يتصدق به عن صاحبه ويتصرف فيه الشامل باطلاقه للمقام اعني المغصوب فانه اذن من المالك الحقيقي وهو الله تعالى فيخرج عن موضوع التصرف في مال الغير بغير اذنه لتحقق الاذن كما عرفت. فلا حاجة إلى الاستيذان من


(1) وقد بنى دام ظله على ذلك في بحث المكاسب ايضا ولكنه عدل عنه في كتاب الخمس واحتاط لزوما بالاستيذان من الحاكم الشرعي لاحظ الخمس من كتابنا ص 140 - 138.

[ 38 ]

[ (مسألة 12): الدار المشتركة لا يجوز لواحد من الشركاء التصرف فيه إلا باذن الباقين (1). (مسألة 13): إذا اشترى دارا من المال غير المزكى أو غير المخمس (2) يكون بالنسبة إلى مقدار الزكاة أو الخمس فضوليا فان امضاه الحاكم ولاية على الطائفتين من الفقراء والسادات يكون لهم فيجب عليه أن يشتري هذا المقدار من الحاكم، وإذا لم يمض بطل وتكون باقية على ملك المالك الاول ]. الحاكم نعم لا ريب انه احوط. (1): لما دل على المنع من التصرف في مال الغير بغير اذنه الشامل باطلاقه للمال المشاع وغيره. (2): مفروض الكلام ما إذا اشترى الدار بعين المال الذي فيه الزكاة أو الخمس بحيث كان نفس المال طرفا للاضافة في مقام المعاملة ثمنا أو مثمنا، واما إذا اشتراها بثمن كلي في ذمته وفي مقام التسليم والوفاء اداه من ذاك المال فلا اشكال حينئذ في الصحة كما لا يخفى. ويقع الكلام تارة: في المال غير المزكى واخرى غير الخمس فهنا مقامان: اما المقام الاول: فالظاهر من نصوص الباب التي منها قوله عليه السلام: ما انبتته الارض ففيه الزكاة " ان الزكاة متعلق بنفس العين، وان اختلفوا في ان ذلك بنحو الكلي في المعين أو الاشاعة وحصول

[ 39 ]

الشركة في العين، أو الاشتراك في المالية. وعلى اي حال فظاهر الاصحاب الاتفاق عليه كما يساعده ظواهر النصوص، بل ان في بعضها التصريح بالشركة كما ورد ان الله تعالى شرك الفقراء مع الاغنياء في اموالهم فليس ذلك حقا ثابتا في الذمة كما في الدين، بل الحق ثابت في العين نفسها باحد الانحاء الثلاثة. وعليه: فلو اشترى بما فيه الزكاة شيئا، فبما ان مقدار الزكاة باق بعد على ملك الفقراء فقد اشترى المبيع بالمال المشترك بينه وبين غيره فيتوقف نفوذ البيع الذي هو فضولي بالنسبة إليه على اذنه، وبما ان المالك هو كلي الفقير دون المعين كي يعتبر اذنه إذ لم يدفع إليه بعد حتى يملكه فلا بد من الاستجازة من الحاكم الشرعي الذي هو ولي عليهم فان اجاز وامضاه صح البيع في الجميع، وانتقلت الشركة بينه وبين الفقراء من المال الزكوي إلى بدله وهو الدار مثلا، وإذا اشترى بعد ذلك بمقدار حصتهم من الحاكم صار جميع الدار ملكا له. واما إذا لم يمض الحاكم ولم يجز البيع بطل بذلك المقدار وبقي على ملك المالك الاول. هذا. ويمكنه التخلص بوجه آخر لا حاجة معه إلى الاستجازة من الحاكم وهو أن يؤدي الزكاة من مال آخر إذ لا يعتبر اداؤها من نفس العين وان كانت متعلقة بها، كما تدل عليه صريحا صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل لم يزك ابله أو شاته عامين فباعها على من اشتراها ان يزكيها لما مضى، قال: نعم تؤخذ منه زكاتها ويتبع بها البايع أو يؤدي زكاتها البائع (1) فان قوله عليه السلام أو يؤدي. الخ صريح في جواز الاداء من غير المال.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب زكاة الانعام ح 1.

[ 40 ]

وعليه: فبعد الاداء وسقوط الزكاة يملك المال باجمعه وقد وقع عليه عقد قبل ذلك فيدخل في كبرى من باع شيئا ثم ملك، والاقوى صحته وان توقف على اجازته كما تعرضنا له في محله (1). واما المقام الثاني: أعني الشراء بمال فيه فيه الخمس، أو بيع ما فيه الخمس والضابط التصرف في المال غير المخمس بجعله ثمنا أو مثمنا، أو غير البيع من ساير التصرفات الناقلة من الهبة أو غيرها لاتحاد المناط في الجميع. فالكلام يقع تارة: من حيث الحكم التكليفي، واخرى: من حيث الحكم الوضعي اعني نفوذ المعاملة في المقدار المعادل للخمس وعدمه. اما الجهة الاولى: فالظاهر الحرمة فان الخمس كالزكاة متعلق بالعين فالمقدار المعادل له ملك للغير فيشمله اطلاق ما دل على المنع من التصرف في ملك الغير الشامل للمشترك وغيره، فالبيع بنفسه اعني انشاء العقد وان لم يكن تصرفا، الا ان ما يستتبعه من التسليم الخارجي والوفاء والاداء مصداق للتصرف في مال الغير من دون اذنه فيحرم، ولا فرق بين الخمس والزكاة من هذه الجهة كما لا يخفى لعين ما ذكر. وقد وردت بذلك نصوص كثيرة وفيها المعتبرة حتى ان صاحب الوسائل عقد لعدم جواز التصرف في الخمس بابا مستقلا (2) واما الجهة الثانية: فالمشهور عدم نفوذ المعاملة ووقوعها فضوليا فيما يعادل الخمس كما ذكره في المتن فتحتاج إلى اجازة الحاكم، فان امضاها ولاية على السادات وقع لهم فيجب شراء هذا المقدار


(1) ربما يظهر من المحاضرات في الفقه الجعفري ج 2 ص 412 - 411 خلافه. (2) الوسائل: باب 3 من ابواب الانفال وما يختص بالامام.

[ 41 ]

من الحاكم وإلا بطل وبقيت الدار المشتراة بهذا المال مثلا على ملك المالك الاول في مقدار الخمس، فهو والزكاة سيان من هذه الجهة. لكن الظاهر صحة المعاملة من دون احتياج إلى مراجعة الحاكم الشرعي وذلك لمكان اخبار التحليل، وانهم عليهم السلام اباحوا لشيعتهم التصرف فيما يصل إليهم مما فيه حقوقهم عليهم السلام تفضلا عليهم وارفاقا بهم كي لا يقعوا في كلفة وضيق من حيث المناكح والمساكن والمتاجر، فانه لو كان حقهم فيه يشكل امر النكاح (1) لو جعل صداقا بل لو تزوج الامة أو اشتراها وكانت بنفسها من الغنائم ادى إلى الزنا، وكذا المسكن للزوم الغصب، وكذا الاتجار للزوم دفع المشتري الخمس زائدا على الثمن فيقعوا في ضيق وحرج ففسحوا عليهم السلام لهم المجال ووسعوا عليهم وأباحوا لشيعتهم كل ما يقع في ايديهم مما فيه الخمس. وقد نطقت بذلك جملة وافرة من النصوص وفي بعضها بعدها سأله السائل بقوله: جعلت فداك تقع في ايدينا الاموال والارباح وتجارات نعلم ان حقك فيها ثابت، قال عليه السلام: ما انصفناكم ان كلفناكم ذلك اليوم. وقد عقد لها في الوسائل بابا مستقلا (2). هذا: والمشهور خصوا مورد التحليل بمن يستحل الخمس فحملوا هذه الاخبار على ما إذا وصل المال إلى الشيعة ممن لا يعتقد بالخمس كابناء العامة دون من يعتقد به ولا يؤديه كفسقة الشيعة، ولم نعرف وجها للتخصيص بعد اطلاق الاخبار. وتمام الكلام في محله. وبالجملة: لا ريب ان الخمس كبقية الاحكام واجب على المخالفة


(1) يختص الاشكال بل البطلان بالنكاح المنقطع ولا يجري في الدائم كما لا يخفى. (2) الوسائل: باب 4 من ابواب الانفال وما يختص بالامام.

[ 42 ]

[ (مسألة 14): من مات وعليه من حقوق الناس كالمظالم أو الزكاة أو الخمس لا يجوز لورثته التصرف في تركته (1) ]. والموافق، بل الكفار ايضا بناءا على تكليفهم بالفروع كالاصول، وانه حق متعلق بالعين كما مر يتبعه اينما تحقق وان انتقل إلى الغير، ولازمه بطلان النقل بنسبته لكونه تصرفا في ملك الغير بغير اذنه، غير انهم عليهم السلام اباحوا حقهم واذنوا في هذا التصرف ولازمه انتقال الحق من العين إلى العوض لو كان له عوض، والا كما في الهبة غير المعوضة ينتقل إلى ذمة من عليه الخمس سواء أكان ممن يعتقد به أم لا، فإذا كان الموافق فضلا عن المخالف له مال فيه الخمس فاشترى به دارا فمقتضى اخبار التحليل صحة هذا البيع ونفوذه من دون حاجة إلى مراجعة الحاكم لصدور الاذن العام ممن هو المالك لامر الخمس اعني الامام عليه السلام، فيملك البايع جميع المال اعني الثمن وينتقل الخمس منه إلى بدله اعني الدار ولو نقله بلا عوض كما لو وهب المال صح وانتقل الخمس إلى الذمة. ويؤيد ما ذكرناه من انتقال الخمس إلى العوض رواية الحرث ابن حصيرة الازدي الواردة فيمن وجد كنزا فباعه بغنم حيث حكم الامام عليه السلام بتعلق الخمس بالغنم (1) والرواية وان كانت ضعيفة السند لكنها مؤيدة للمطلوب. (1) ذكر (قده) في هذه المسألة انه لا يجوز التصرف


(1) الوسائل: باب 6 من ابواب ما يجب فيه الخمس ح 1.

[ 43 ]

في تركة من مات وعليه من حقوق الناس شئ من المظالم أو الزكاة أو الخمس قبل اداء ما عليه من الحقوق، وذكر (قده) في المسألة الآتية ان من مات وعليه دين لا يجوز التصرف فيه مع الاستيعاب ومع عدمه يجوز بشرط العلم برضاء الديان أو اذنهم فيه، وكذا إذا كان بعض الورثة قاصرا أو غائبا. وغير خفي ان المسألتين من واد واحد، فان المظالم أو الزكاة ونحوهما ايضا من مصاديق الدين والكل بعد الموت متعلق بالعين. فمناط البحث مشترك في الجميع ومعه لا حاجة إلى عقد مسألتين وافراد كل منهما بالذكر. غاية الامر ان الدائن في باب الخمس والزكاة ونحوهما حيث لم يكن شخصا خاصا إذ المالك هو الجهة أعني عنوان الفقراء أو السادات كان التصرف منوطا باذن الحاكم الذي هو ولي عليهم، وفي باب الدين يكون المالك هو الغريم فيعتبر اذنه بخصوصه وهذا لا يكون فارقا في مناط البحث بين البابين كما لا يخفى. بل يلحق بها الحج فانه ايضا من مصاديق الدين وحق من الله تعالى متعلق بعد الموت بالعين يجب اخراجه منها كبقية الديون فهو ايضا داخل في محل البحث. وتفصيل الكلام: في المقام ان الاصحاب " قدس الله اسرارهم " بعد اتفاقهم على انتقال التركة إلى الورثة بمجرد الموت إذا لم يكن وصية ولا دين، وعلى انتقال ما زاد عليهما مع وجودهما أو احدهما اختلفوا في انتقالها مع الدين المستوعب وانتقال ما يقابل الدين غير المستوعب على قولين، نسب كل منهما إلى جماعة كثيرين، وليس احدهما مشهورا بالاضافة إلى الآخر احدهما: الانتقال فجميع المال ينتقل إلى الوارث بمجرد موت

[ 44 ]

المورث، غايته انه متعلق لحق الديان، وكأن مبنى هذا القول امتناع بقاء الملك بلا مالك فبعد خروجه عن ملك المورث بمجرد موته لعدم قابليته للملكية حينئذ ينتقل إلى ملك الوارث والا لزم المحذور المزبور. ثانيهما: عدم الانتقال فيبقى الكل في فرض الاستغراق وبمقدار الدين على ملك الميت، ولا يملك الورثة الا ما زاد عليه، فتحصل الشركة بينهم وبين الميت في العين فالدين مانع عن انتقال مقداره إلى الوارث. لكنه مانع بقاءا ما دام هو باقيا، فلو ارتفع كما لو ادى الوارث الدين من مال آخر أو تبرع به شخص آخر أو ابرأه الغريم بحيث فرغت ذمة الميت عن الدين انتقل المال حينئذ باجمعه إلى الوارث. ويترتب على القول الاول جواز تصرف الوارث في العين لو رضى به ذو الحق فانه تصرف في ملك نفسه، غايته متعلق لحق الغير والمفروض اذنه في ذلك فلا يشمله عموم المنع عن التصرف في ملك الغير لعدم الموضوع له. وهذا بخلاف القول الثاني فانه لا يجوز التصرف فيه وان اذن به من له الحق إذ المفروض بقاؤه على ملك الميت فهو من التصرف في ملك الغير الممنوع عنه لا من التصرف في ملكه المتعلق لحق الغير كي يعتبر اذنه كما كان كذلك على القول الاول، فلا بد من الاستيذان من المالك وهو الميت، وحيث لا يمكن يستأذن من وليه وهو الحاكم، فالعبرة باذنه لا بأذن الغريم. هذا: والظاهر من الماتن اختياره القول الاول لتجويزه التصرف في العين لو رضي به الديان الذي هو من لوازم هذا القول كما عرفت.

[ 45 ]

وحينئذ فيتوجه عليه اولا انه لا وجه لتخصيص ذلك بالدين غير المستغرق كما صنعه (قده) في المتن بل لازمه تجويز التصرف حتى في المستغرق لو رضي به الديان إذ المفروض بناءا على هذا القول الذي استظهرنا اختياره من الماتن انتقال التركة باجمعها إلى الوارث فهي ملك لهم، غايته انه متعلق لحق الغير، فلو اذن جاز التصرف لوجود المقتضي وعدم المانع، ولا مدخل للاستغراق وعدمه في ذلك كما لا يخفى. وثانيا: انه لا حاجة إلى الاذن حتى في المستغرق فضلا عن غيره فان الممنوع انما هو مزاحمة حق الغرماء التي لا تتحقق الا بتصرف يوجب اعدام الموضوع وافناء متعلق الحق كاتلافه الحقيقي أو الاعتباري مثل احرافه أو اعتاقه أو وقفه ونحوها مما لا يبقى معه مجال لاعمال الحق، واما مجرد التصرف كالصلاة واللبس ونحوهما مما لا يزاحم الحق، فلا وجه لمنعه بعد كونه تصرفا في ملك المتصرف كما ذكرنا نظير ذلك في حق الرهانة بل لم نستبعد هناك التصرف بمثل البيع ايضا فضلا عن الصلاة ونحوها فراجع ولاحظ. وعلى الجملة: بعد البناء على انتقال التركة باجمعها إلى الورثة وانه ليس في البين عدا تعلق حق الغير بها كما في العين المرهونة فاللازم رعاية للحق عدم جواز مزاحمته لا عدم جواز التصرف في متعلقه وبينهما عموم من وجه، فالتصرف غير المزاحم لا دليل على حرمته بعد عدم كونه تصرفا في ملك الغير فلا حاجة إلى الاستيذان وان استغرق الدين كما لا يخفى. ويتوجه على ما ذكرناه مما مما يترتب على القول الثاني من عدم جواز تصرف الوارث في التركة وان اذن به الغريم لكونه من التصرف

[ 46 ]

في ملك الغير، وهو الميت الذي لا يفرق فيه بين المشترك وغيره ان ذلك انما يستقيم لو كان الاشتراك الحاصل بين الوارث والميت من قبيل الاشاعة في العين بحيث يكون للميت ملك مشاع بنسبة حصته سار في التركة فيكون كل جزء منها مشتركا بينهما لا يجوز التصرف لاحدهما بدون رضا الآخر، الا ان هذا المبنى غير سديد إذ لازمه انه لو تلف بعض التركة تلفا غير مضمون على الوارث اي لم يكن مستندا إليه كتلف سماوي من حرق ونحوه يكون التالف محسوبا عليه وعلى الميت بنسبة الاشتراك كما هو الحال في كل شريكين حيث ان الربح لهما والتاوي عليهما. فلو كانت التركة الفا والدين ماءة وقد تلف منها خمسمائة فاللازم ان لا يملك الميت حينئذ الا خمسين، فلا يعطى للديان اكثر من ذلك مع انه باطل جزما ولا قائل به، فان التلف يحسب حينئذ على بقية التركة ولا ينقص عن الدين شئ اتفاقا فيكشف ذلك عن ان الشركة الحاصلة بينهما ليست بنحو الاشاعة. بل الصواب انها بنحو الكلي في المعين (1) فمقدار مائة دينار مثلا يملكه الميت من مجموع التركة لا انه شريك مع الوارث في كل جزء منها بنسبة دينه كما هو مقتضى الاشاعة ومن الواضح ان من باع صاعا من الصبرة بنحو الكلي في المعين دون الاشاعة فله التصرف في تلك الصبرة إلى ان يبقى منها مقدار ما ينطبق عليه الكلي. أعني الصاع من دون حاجة إلى الاستيذان


(1) كونه على هذا النحو انما يتجه فيما إذا كان الدين من جنس التركة ومن ثم التزم دام ظله في باب الزكاة بان الشركة فيه من قبيل الشركة في المالية لا الكلي في المعين (الا ان يقال) ان الدين حينئذ هو كلي المالية المقدرة والمتحققة في المعين الخارجي.

[ 47 ]

من المشتري كما يحتاج إليه لو باعه اياه مشاعا فانه تصرف في ملكه لا في ملك الغير. نعم بعد بلوغ ذلك الحد حيث ان الكلي ينطبق على الباقي حينئذ قهرا فيستقر فيه الحق ولا يجوز التصرف فيه. وعليه: فيجوز في المقام التصرف للوارث بمقدار يبقى معه ملك الميت من دون حاجة إلى الاستيذان لا من الغرماء ولا من الحاكم الشرعي كما لا يخفى. هذا. والاظهر من القولين المتقدمين هو الثاني منهما، اعني عدم الانتقال وبقاء مقدار الدين على ملك الميت، فانه بعد معقوليته في مقام الثبوت بداهة ان الملكية من الامور الاعتبارية ولا مانع من اعتبار العقلاء اياها حتى بالاضافة إلى الجماد فيما إذا ترتب اثر على هذا الاعتبار. ومن هنا تعتبر مالكية المسجد أو الكعبة أو الجهة ونحوها، ومنها الميت الذي لا يقصر عنها، فلا يلزم من عدم الانتقال إلى الوارث بقاء الملك بلا مالك على ان ذلك مقتضى الاستصحاب للشك في انقطاع العلاقة الملكية الابدية الثابتة حال الحياة بمجرد الموت فيما عدا المتيقن منه. ان ذلك مقتضى ظواهر الادلة في مقام الاثبات من الآيات والروايات قال تعالى: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " وظاهر، كما ترى ان مرتبة الارث متأخرة عنهما، فلا يورث الا ما زاد عليهما، ولا ينتقل إلى الوارث الا المقدار الفاضل منهما. فهذا التعبير الوارد في الآية نظير ما ورد من ان الخمس بعد المؤونة، فكما ان المؤنة لا تحسب من الخمس فكذا الدين والوصية لا يحسبان من الميراث. واما النصوص: فقد تضمن غير واحد منها الترتيب في مصرف التركة وانه يبدؤ اولا بالتجهيز من الكفن والدفن، ثم بعده الدين

[ 48 ]

[ (مسألة 15): إذا مات وعليه دين مستغرق للتركة لا يجوز للورثة ولا لغيرهم التصرف في تركته قبل اداء الدين بل وكذا في الدين الغير المستغرق إلا إذا علم رضاء الديان، بأن كان الدين قليلا والتركة كثيرة والورثة بانين على اداء الدين غير متسامحين، والا فيشكل حتى الصلاة في داره، ولا فرق في ذلك بين الورثة وغيرهم، وكذا إذا لم يكن عليه دين ولكن كان بعض الورثة قاصرا أو غائبا أو نحو ذلك (1) ]. ثم الوصية، ثم الميراث. ومفادها المطابق للآية المباركة ان موضوع الارث هو ما يتركه الميت بعد اخراج هذه الامور فلا ينتقل إلى الوارث الا ما زاد عليها، فلا منافاة بينها وبين عموم ما تركه الميت من حق أو مال فلوارثه كما لا يخفى لتخصيص العموم بهذه الادلة. (1): قد ظهر من جميع ما ذكرناه الفرق بين التصرف في حق الديان وبين التصرف في ملك القاصر أو الغائب، فان الملكية في الاول على سبيل الكلي في المعين الذي لا يحتاج التصرف معه إلى الاستيذان بخلاف الثاني، فان المال حينئذ مشترك بين جميع الورثة ومنهم القاصر أو الغائب بنحو الاشاعة، فلا يجوز التصرف من احدهم الا باذن الآخرين، لعموم المنع من التصرف في ملك الغير بغير اذنه الشامل للمشترك وغيره كما مر غير مرة. وعليه فلا بد من الاستيذان منهما. وحيث لا يمكن فيجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي الذي هو ولي عليهما.

[ 49 ]

[ (مسألة 16): لا يجوز التصرف حتى الصلاة في ملك الغير الا باذنه الصريح (1) أو الفحوى أو شاهد الحال والاول كان يقول: اذنت لك بالتصرف في داري بالصلاة فقط، أو بالصلاة وغيرها، والظاهر عدم اشتراط حصول العلم برضاه بل يكفي الظن الحاصل بالقول المزبور لان ظواهر الالفاظ معتبرة عند العقلاء والثاني: كأن يأذن في التصرف بالقيام والقعود والنوم والاكل من ماله ففي الصلاة بالاولى يكون راضيا، وهذا ايضا يكفي فيه الظن على الظاهر لانه مستند إلى ظاهر اللفظ إذا استفيد منه عرفا والا فلا بد من العلم بالرضاء، بل الاحوط اعتبار العلم مطلقا. والثالث: كأن يكون هناك قرائن وشواهد تدل على رضاه كالمضائف المفتوحة الابواب والحمامات والخانات ونحو ذلك، ولا بد في هذا القسم من حصول القطع بالرضاء لعدم استناد الاذن في هذا القسم إلى اللفظ ولا دليل على حجية الظن الغير الحاصل منه. ] (1): تفصيل الكلام يستدعي البحث في جهات: الاولى: هل المناط في جواز التصرف في ملك الغير هو مجرد الرضاء الباطني وطيب نفسه به، أو ان العبرة بابراز ذلك باذن ونحوه كما هو المعتبر في باب المعاملات بلا ارتياب. ومن هنا لا تحصل

[ 50 ]

الاجازة في العقد الفضولي إلا بابراز المالك رضاءه به وامضاء العقد بما يدل عليه من قول أو فعل، الاقوى هو الاول. ويدل عليه بعد السيرة الشرعية، بل بناء العقلاء كافة الممضى لدى الشارع بعدم الردع على جواز التصرف في مال الغير بمجرد العلم برضاه وان لم يصدر منه اذن في الخارج كما لا يخفى. قوله عليه السلام في موثقة سماعة: لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه (1) والتقييد بالاسلام لمكان الاهتمام بشأنه، والا فالحكم يعمه والكافر الذمي مع قيامه بشرائط الذمة. وكيف كان: فقد انيطت حلية المال وجواز التصرف فيه بمجرد طيب النفس سواء ابرز ذلك بمثل الاذن ام لا بمقتضى الاطلاق وتؤيدها رواية تحف العقول المشتملة على هذا المضمون وان كانت ضعيفة السند. نعم: بازائها التوقيع المروي عن الاحتجاج: لا يجوز التصرف في مال الغير الا باذنه، الظاهر في اعتبار الاذن وعدم جواز التصرف بدونه وان تحقق الطيب. لكن التوقيع لا يصلح للمعارضة مع الموثق، إذ مضافا إلى ضعف سنده كما لا يخفى لا دلالة فيه على اعتبار الاذن بغ‌ا هو كذلك، بحيث يكون لهذا العنوان مدخلية في جواز التصرف، بل المتبادر منه عرفا بمناسبة الحكم والموضوع ان اخذه بعناية الطريقية وكونه كاشفا نوعا عن الرضا الباطني الذي هو مناط الجواز، فهو مأخوذ في موضوع الدليل على سبيل الطريقية دون الموضوعية نظير التبين المعلق عليه الامساك في آية الصوم، حيث ان الموضوع لوجوب


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب مكان المصلي ح 1.

[ 51 ]

الامساك هو طلوع الفجر واقعا، والتبين طريق إليه لا انه هو الموضوع. هذا مع انه على تقدير تسليم المعارضة فحيث انها بالاطلاق والنسبة عموم من وجه حيث دل الموثق على اناطة الحل بالطيب سواء قارنه الاذن ام لا، ودل التوقيع على المنع عن التصرف مع عدم الاذن سواء كان معه طيب ام لا فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي التصرف مع الطيب من دون اذن فانه يجوز على الاول ويحرم على الثاني. وبما ان المعارضة بالاطلاق كما عرفت فيسقطان ويرجع إلى بناء العقلاء القائم على جواز التصرف بمجرد العلم بالرضا من دون مدخلية للاذن كما مر. الجهة الثانية: هل المدار في الجواز على الرضا الحاصل بالفعل أو يكفي الرضا التقديري، بمعنى ان الطيب والرضا كامن في نفس المالك قطعا الا انه غير متصف به فعلا لاجل عدم التفاته إلى الموضوع لكونه نائما أو غافلا أو غائبا فلا واسطة بينه وبين الرضا الفعلي عدا الالتفات والتوجه إلى الموضوع، الظاهر هو الثاني، إذ لو لم ندع شمول الطيب في الموثق بمناسبة الحكم والموضوع للطيب التقديري بهذا المعنى كما لا يبعد وان كانت الالفاظ في غير المقام منصرفة إلى المعاني الفعلية دون التقديرية. يكفينا في ذلك ملاحظة بناء العقلاء والسيرة الشرعية القائمة على الجواز في مثل ذلك بلا اشكال، فان الاخ يدخل دار اخيه والصديق دار صديقه أو احد اقاربه ممن يقطع برضاه مع الالتفات فيتصرف فيه كيف يشاء وهو نائم أو غافل أو غائب ولا ينتظر صدور الاذن منه والتفاته إلى الموضوع كي يتحقق منه الرضا فعلا كما هو ظاهر

[ 52 ]

نعم: الظاهر عدم كفاية الرضا التقديري بالمعنى الآخر وهو عدم تمامية مبادئ الرضا فعلا بحيث يحتاج إلى مقدمة اخرى زائدا على مجرد الالتفات كسؤال المتصرف، فلو كان المتصرف قاطعا برضاء المالك على تقدير السؤال والاستيذان ولم يقطع به بدونه لم يجز التصرف حينئذ لعدم تمامية مبادئ الرضا الفعلي ودخل الاستيذان في تحققه. فمثل هذا التقدير الذي يتخلل بين المقدر والمقدر عليه شئ آخر وراء الالتفات إلى الموضوع لا دليل على كفايته في جواز التصرف، فلا يقاس ذلك على الرضا التقديري بالمعنى الاول كما لا يخفى. ونحوه: مااذا كان في التصرف مصلحة للمالك ولم يعلم بها فلم يأذن بحيث لو كان عالما بها لاذن ورضى بالتصرف. فمثله ايضا لا يجدي لكون العلم بالصلاح من مبادي فعلية الرضا كالاستيذان في المثال المتقدم، ولا دليل على كفاية الرضاء التقديري بهذا المعنى كما عرفت. الجهة الثالثة: إذا كان تصرف واحد مصداقا لرضاء المالك وكراهته الفعليين بعنوانين فعورض احدهما بالآخر فان هذا امر ممكن في نفسه إذا كان المالك جاهلا بانطباق احد العنوانين كما لو منع عن دخول زيد في الدار لاعتقاد انه عدوه وهو في الواقع ابوه مثلا وهو راض بدخول الاب أو بالعكس بان اذن باعتقاد انه ابوه وفي الواقع عدوه وهو كاره لدخول العدو، فهل يحكم حينئذ بجواز الدخول في كلتا الصورتين فلا يلزم على الداخل في الصورة الاولى اعلام المالك بانه ابوه كي يتحقق منه الرضا الفعلي بشخصه أو يفصل بين الصورتين فيخص الجواز بالثانية دون الاولى عملا بما

[ 53 ]

صدر منه من الاذن أو المنع. الاقوى هو الاول: فان المناط في جواز التصرف هو الرضا والطيب كما تضمنه موثق سماعة على ما عرفت، ولا عبرة بالاذن عدا كونه كاشفا وطريقا إليه. وعليه: فالمالك وان لم يصدر منه في الصورة الاولى اذن بل هو كاره بالفعل حسب اعتقاده لكنه راض بالفعل ايضا بدخول ابيه، غير انه جاهل بانطباق هذا العنوان على زيد الداخل، بحيث لو علم به والتفت إلى الانطباق لرضي بدخوله وتحقق منه الطيب بالنسبة إليه. ونتيجة ذلك انه راض بدخول زيد برضاء تقديري بحيث لا يتوسط بينه وبين الرضا الفعلي عدا التفاته إلى الانطباق وقد مر أنفا انه يكفى في حلية التصرف الرضا التقديري بهذا المعنى ولا يتوقف على فعلية الرضا. ومقتضى اطلاق الموثق ان حصول الرضا فعلا أو تقديرا في الجملة اي ولو بعنوان ما كاف في جواز التصرف سواء قارنته كراهة من جهة اخرى وبعنوان آخر ام لا، وفي المقام وان اجتمع الرضا التقديري مع الكراهة الفعلية لكن الكراهة بما هي ليست موضوعا للحكم كي تقع المعارضة أو المزاحمة بين حكمها وحكم الرضا وانما الموضوع الرضا وعدمه كما تضمنه الموثق بعقده السلبي والايجابي. فالطيب موضوع لحلية التصرف كما ان عدمه موضوع للحرمة، وبما ان الموضوع هو الطيب والرضا في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية، اي بأي عنوان كان بمقتضى الاطلاق كما عرفت فيكون الموضوع للحرمة التي تكفلها الموثق بعقده السلبي هو عدم الرضا رأسا فان نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية، ومن الواضح عدم صدق هذا

[ 54 ]

الموضوع في المقام بعد تحقق الرضا في الجملة كما هو المفروض فلا تعارض. وبالجملة: العبرة بالرضا الاعم من التقديري وهو حاصل هنا، وليس المقام من الرضا التقديري بالمعنى الآخر كالجهل بكون التصرف مصلحة له الذي منعنا عن اعتباره لوضوح الفرق بينهما، فان العلم بالصلاح من مبادي تحقق الرضا كالسؤال الذي مر التمثيل به فبدونه لم يتحقق الرضا اصلا. واما في المقام فالرضا بالعنوان متحقق فعلا غايته ان المالك جاهل بالانطباق وغير ملتفت إليه، فيكون من الرضا التقديري بالمعنى الاول الذي عرفت اعتباره والحاقه بالرضا الفعلي (1). هذا: مع ان السيرة قائمة على جواز التصرف في المقام، فيدخل


(1) لا يخفى خفاء الفرق بين المثالين، إذ في صورة الجهل بالصلاح ايضا يمكن ان يقال ان المالك راض بعنوان التصرف الذي فيه صلاحه وجاهل بالانطباق كرضائه بدخول الاب في الدار مع جهله بالانطباق. فالرضا التقديري فيهما على حد سواء. وقد راجعناه دام ظله في ذلك فافاد ان عنوان ما فيه الصلاح من الجهات التعليلية الدخيلة في ملاك الحكم، فهو بوجوده العلمي من المبادى الواقعة في سلسلة علل الرضا، فلا يكون بنفسه متعلقا للرضا. وهذا بخلاف عنوان الاب أو الصديق الذي هو حيثية تقييدية ويتعلق الرضا به بنفسه بعد استكمال المبادي وعدم قصور فيها، على انه لم يعهد رضا الملاك بكل تصرف فيه الصلاح بصورة عامة، فانه قد لا يرغب فيه فلا يكون ذلك مسوغا للتصرف بحيث يرفع به اليد عن عموم سلطنة الناس على اموالهم فتدبر جيد.

[ 55 ]

الممنوع أو غير المأذون بعد كونه اباه أو اخاه أو صديقه ونحوهم ممن يقطع برضا المالك على تقدير معرفته، ولا يعد ذلك ظلما وتعديا عليه كما لا يخفى. ومما ذكرناه: يظهر الحال في الصورة الثانية فان الاذن في التصرف يكشف عن طيب نفسه ورضاه، وان كان ذلك لاعتقاد انه الصديق فيصدق معه الرضا ولو في الجملة، فيشمله عموم الموثق بل ان شمول الموثق لهذه الصورة اظهر، كما ان قيام السيرة وبناء العقلاء هنا اوضح بحيث لا يكاد يتطرقه الانكار، فان الانسان ربما يدعو جماعة لضيافته باعتقاد انهم اصدقاؤه واحباؤه، وقد يكون فيهم منافق وهو من اعدى عدوه بحيث لو علم به المالك لطرده ولم يرض بتصرفه مع انه يجوز للمنافق التصرف بلا اشكال ولا يلام عليه لدى العقلاء بعد الاذن الصريح من المالك كما هو ظاهر. الجهة الرابعة: في الكاشف عن الرضا وما يتحقق به الاذن الذي هو طريق إليه وهي امور ثلاثة كما تعرض لها في المتن. احدها: الاذن الصريح ولا ريب في كشفه نوعا عن الرضا وحجيته ببناء العقلاء كما هو الشأن في كل لفظ ظاهر في معناه، ومعه لا يعتبر العلم بالرضا، بل ولا الظن الشخصي به، بل ولا يقدح الظن بالخلاف، وانما القادح العلم به لاستقرار بناء العقلاء الذي هو المدار في حجية الظهور على الاخذ به فجميع تلك الفروض ما عدا الاخير كما قرر في الاصول. وما افيد: في المتن من كفاية الظن الحاصل بالقول ان اراد به اعتبار الظن الشخصي فهو في حين المنع كما عرفت، وان اراد به الظن النوعي والكاشفية بحسب النوع المجامع حتى مع الظن الشخصي

[ 56 ]

بالخلاف كما هو ظاهر العبارة بقرينة التعليل المذكور في الذيل فنعم الوفاق. الثاني الفحوى: وقد مثل لها في المتن بالاذن في التصرف بالقيام والقعود والنوم والاكل من ماله الدال على الاذن في الصلاة بطريق اولى. اقول: الفحوى عبارة عن استتباع دلالة اللفظ على معنى دلالته على معنى آخر بالاولوية بحيث يكون المعنى الآخر مستفادا من حاق اللفظ بطريق اولى من دون ضم قرينة خارجية. وهذا كما في قوله تعالى: ولا تقل لهما اف، فان هذا الكلام وما يرادفه من ساير اللغات لو القي على كل عارف باللغة يستفيد منه ان هذا اقل مراتب الايذاء وان النهي عنه يدل بنفسه على النهي عن ساير مراتب الايذاء من الشتم والضرب ونحوهما بطريق اولى. وهذا الضابط: كما ترى غير منطبق على المثال، ضرورة ان الاذن في القيام والقعود بما هو اذن لا يستتبع الاذن في الصلاة ولا يستلزمه فضلا عن ان يكون ذلك بالاولوية، فان الآذن قد يكون كافرا أو بدويا لا يرضى بالصلاة في محله لتشؤمه وتطيره بها كما يحكي عن بعضهم، فمجرد الاذن في ساير التصرفات لا يدل على الاذن في الصلاة إلا بعد ضم قرينة خارجية كالعلم بكون الآذن مسلما خيرا لا يعتقد بتلك الاوهام فيخرج عن كون الدلالة مستندة إلى حلق اللفظ كما هو المناط في صدق الفحوى على ما عرفت. والاولى: التمثيل بما إذا اذن المالك في اتلاف العين حقيقة كاراقة الماء أو احراق الفرش، أو هدم الدار، أو حكما كبيعها مع كون الثمن للمأذون فان الاذن في الاتلاف الحقيقي أو الحكمي بحيث يكون اختيار العين بيد المأذون يدل بنفسه على الاذن بما دونه

[ 57 ]

من ساير التصرفات من الوضوء أو الصلاة بطريق اولى. وكيف كان: فالمدار في هذا القسم على استفادة الاذن عرفا من ظاهر اللفظ وهي تتحقق في موارد، منها الفحوى كما عرفت. ومنها الملازمة العقلية بين المأذون فيه وبين شئ آخر بحيث لا يكاد يتخلف عنه لتوقفه عليه، كما لو اذن في التوضي من حوض داره مثلا فانه اذن في المشي داخل الدار إلى ان يصل إلى الحوض لتوقفه عليه عقلا فهو من اللزوم البين بالمعنى الاخص، ولا يعتبر في مثله الالتفات التفصيلي إلى الملازمة فضلا عن اذن آخر باللازم لكفاية الالتفات الارتكازي بعد ثبوت الملازمة العقلية الدائمية. نعم: لو كانت الملازمة اتفاقية كما لواذن في التوضي من الحب وكان واقعا خارج الدار فاتفق؟ نقله إلى الداخل حيث ان التوضي من الحب فعلا وان توقف على الدخول إلا انه توقف اتفاقي لم يكن كذلك حال الامر كما في المثال الاول. ففي مثله لا يكفي الاذن السابق بل لا بد من التفات المالك إلى الملازمة تفصيلا واذن جديد باللازم كما لا يخفى. ونظيره: ما لو اذن لشخص بشراء متاع له فاتفق عدم وجوده في البلد فتوقف الشراء على السفر إلى بلد آخر فان الاذن الاول لا يكون اذنا في السفر كي يكون الآمر ضامنا لمصارفه بل يحتاج إلى الالتفات إلى الملازمة واصدار اذن جديد. ومنها: الملازمات العادية التي تعد عرفا من شؤن المأذون فيه ولوازمه وان لم تكن كذلك عقلا بحيث يستفيد العرف من الاذن به الاذن بها، كما لو اذن المالك بالسكنى في داره، فان العرف يستفيد من هذا الاذن الاذن في التخلي والمنام والاكل ونحوها من اللوازم العادية وان كانت السكونة بما هي لا تتوقف على شئ من

[ 58 ]

ذلك عقلا لامكان ايقاعها خارج الدار، فنفس كون الشئ من اللوازم العادية كاف في استكشاف الرضا فيكون بمثابة الملازمة العقلية الدائمية في كفاية الالتفات الاجمالي الارتكازي إلى التلازم وعدم الافتقار إلى الالتفات التفصيلي فضلا عن الحاجة إلى اصدار اذن آخر باللازم. واما الصلاة في الدار فليست هي بنفسها من شئون نفس السكنى ولوازمه العادية بحيث يكون الاذن بها مستفادا من الاذن به عرفا كما في التخلي والمنام بل يحتاج إلى القطع بالرضا من شاهد حال ونحوه من قرينة حالية أو مقالية كما عرفت بخلاف ساير التصرفات المستفادة من نفس الاذن الاول، فانها لا تتوقف على القطع بل ولا الظن الشخصي كما لا يخفى. فتحصل: ان التمثيل الذي ذكره في المتن ليس منم مصاديق هذا القسم بشقوقه التي بيناها. الثالث: شاهد الحال بان تكون هناك قرائن وشواهد تدل على رضا المالك وطيب نفسه. وتفصيل للكلام: في المقام انه ربما يصدر عن المالك فعل يبرز عن رضاه الباطني بتصرف خاص بحيث يكون طريقا مجعولا وامارة نوعية وحكاية عملية وهذا كفتح الحمامي باب الحمام، فانه بمثابة الاذن العام لكل من يريد الاستحمام ولا شك حينئذ في صحة الاعتماد على ذاك المبرز من دون حاجة إلى تحصيل العلم بالرضا لاستقرار بناء العقلاء بمقتضى التعهد الوضعي على كشف ما في الضمير بمطلق المبرز فعلا كان ام لفظا. ومن هنا قلنا بصحة المعاطاة لعدم الفرق في ابراز الانشاء بين الفعل أو القول.

[ 59 ]

وبالجملة: فمثل هذا الفعل ملحق بالاذن اللفظي الصريح في الكشف عما في الضمير اعني الرضا بالتصرف الذي اعد اللفظ أو الفعل كاشفا عنه نوعا. واما التصرف الآخر الخارج عن نطاق هذه الكاشفية كارادة الصلاة في الحمام زائدا على الاستحمام فان عد ذلك من اللوازم العادية بحيث يستفيد العرف الاذن فيه من نفس الاذن الاول لما يرى انه من شئونه وتوابعه كما هو كذلك في المثال فهو ملحق بالقسم السابق، أعني استكشاف الاذن بمعونة الفهم العرفي من باب الملازمة العادية، فلا يعتبر معه العلم بالرضا ايضا، كما عرفت سابقا، ولعل فتح المضائف من هذا القبيل. وان لم يكن كذلك كما في فتح مجالس التعازي حيث لم يظهر منه إلا الاذن في الحضور لاستماع التعزية، وليست الصلاة من لوازمه العادية، فان كانت هناك قرائن وشواهد توجب العلم برضا المالك فلا اشكال لعدم اعتبار الاذن إلا من حيث كونه طريقا لاستكشاف الرضا، والمفروض احرازه ولو من طريق آخر. إنما الاشكال فيما إذا لم توجب تلك الشواهد اكثر من الظن فان فيه خلافا بين الاعلام، فذهب جميع كثير إلى اعتبار العلم في شاهد الحال فلا يعول عليه بدونه، واختار آخرون الاكتفاء بمطلق الظن، بل قيل بجواز الصلاة في كل موضع لا يتضرر المالك، وكان المتعارف عدم المضايقة في امثاله ما لم تكن هناك امارة على الكراهة. وصاحب الحدائق: بعد ان اسند الاكتفاء بالظن إلى المشهور ايده بما روي عنه صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " بدعوى ان المناسب لسعة الامتنان الاكتفاء بمجرد الظن.

[ 60 ]

وهذا: كما ترى ضرورة ان الرواية ليست إلا بصدد بيان الحكم الطبيعي وان كل ارض فهو صالح في نفسه لايقاع الصلاة فيه وان الله تعالى وسع على هذه الامة المرحومة ولم يضيق عليهم بالالزام بايقاعها في مكان خاص، كما كان كذلك في بعض الامم السالفة وليست في مقام بيان الحكم الفعلي كي يستفاد منه الغاء شرطية الاباحة أو الطهارة، كما يفصح عنه عطف الطهور على المسجد إذ لا اشكال في اعتبارهما في طهورية الارض، فكذا في مسجديته. هذا: واستدل في المستند على كفاية الظن بالرضا في جواز التصرف في ملك الغير مطلقا بموافقته للاصل السليم عن الدليل على خلافه. قال ما ملخصه: ان مقتضى الاصل جواز التصرف في كل شئ ما لم يعلم بكراهة المالك، ففرض الشك فضلا عن الظن بالرضا محكوم بالجواز بمقتضى الاصل، بل قد صرح (قده) في طي كلماته انه لولا قيام الاجماع على عدم جواز التصرف بمجرد الاحتمال والشك في الرضا لقلنا بالجواز حينئذ عملا بمقتضى الاصل السليم عن المعارض. واما صورة الظن الحاصل من شهادة الحال فهي باقية تحت الاصل لعدم المخرج لانحصاره في الاجماع أو الاخبار وشئ منهما لم يثبت اما الاجماع فلاختصاصه بصورة الشك ولا اجماع من الظن، كيف وقد ادعى صاحب الحدائق ان المشهور حينئذ هو الجواز كما تقدم واما الاخبار فهي ضعيفة سندا أو دلالة على سبيل منع الخلو، فان التوقيع ضعيف السند، وكذا رواية محمد بن زيد الطبري: (لا يحل مال إلا من وجه احله الله) مضافا إلى قصور الدلالة لعدم العلم بمتعلق عدم الحلية، ومن الجائز ان يراد به الاتلاف دون

[ 61 ]

مطلق التصرفات. ومنه: يظهر ضعف دلالة الموثق: " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه " لما عرفت من احتمال ان يكون المقدر خصوص التصرفات المتلفة لا مطلقها. ثم ذكر (قده): في ذيل كلامه ان هذا كله في غير الصلاة، واما هي وما يضاهيها فيجوز التصرف بمثلها لكل احد في كل مال ولا يؤثر فيه منع المالك بعد عدم تضرره بها إذ لا يمنع العقل من جواز الاستناد أو وضع اليد أو الرجل في ملك الغير فانها كالاستظلال بظل جداره والاستضاءة بنور سراجه، فهي ليست من التصرفات الممنوعة الموقوفة على اجازة الملاك، لقصور الادلة عن الشمول لها. انتهى. وفي كلامه (قده) مواقع للنظر لا تخلو عن الغرابة مع ما هو عليه من الدقة والتحقيق، بل لم نكن نترقب صدورها من مثله. اماما افاده (قده) اخيرا من انكار صدق التصرف الممنوع على الصلاة في ملك الغير بغير رضاه وانه مجرد استناد لا يمنع عنه العقل ما لم يتضرر به المالك فهو عجيب، ضرورة ان الكون في ملك الغير والاستناد والاعتماد على مملوكه من دون رضاه من اظهر مصاديق التصرف واوضح انحاء المزاحمة مع سلطان الغير الذي يستقل العقل بقبحه، وانه بمجرده ظلم وتعد عليه سواء اتضرر به ام لا لعدم كون التضرر مناطا في قبح التصرف المزبور كي يدور مداره قطعا والا لجاز الدخول والمكث بغير رضاه والاكل والشرب من مال المتصرف والمقام مدة مديدة إذا فرض عدم تضرر المالك بها وان كان كارها لها. وكل ذلك كما ترى لا يلتزم به المتفقه فضلا عن الفقيه.

[ 62 ]

نعم: الاعتماد على ملك الغير مع كون المعتمد خارجة كالاتكاء من خارج الدار على الجدار جائز بلا اشكال لقيام السيرة القطعية العملية واستقرار بناء العقلاء على جوازه. واما قياس المقام بالاستظلال والاستضاءة كما صنعه (قده) فهو مع فارق واضح بداهة انهما انتفاع بحت ولا دليل على حرمته بمجرده، واما المقام فهو من مصاديق التصرف كما عرفت. واما ما افاده (قده) من ان مقتضى الاصل جواز التصرف في مال الغير فهو من غرائب الكلام بعد استقلال العقل واتفاق ارباب الملل والنحل على قبحه ومنعه كما اعترف هو " قدس سره " به في صدر كلامه، فانه تعد وطغيان عليه وتصرف في سلطانه ولا ريب في بطلانه ما لم يثبت رضاه. فليس مقتضى الاصل هو الجواز حتى نحتاج إلى المخرج فنتطرق المناقشة فيه من حيث قصور الاخبار سندا أو دلالة، بل مقتضى الاصل هو المنع، والجواز يحتاج إلى الدليل، فبدونه يحكم بالمنع عملا باستصحاب عدم الرضا كما لا يخفى. واما ما افاده (قده) من المناقشة في دلالة الموثق باحتمال كون المتعلق خصوص الاتلاف فهو ايضا يتلو سوابقه في الضعف، فان اسناد عدم الحل إلى المال حيث لا يمكن لكونه عينا خارجية فلا مناص من كون المتعلق محذوفا وقد تقرر ان حذف المتعلق يفيد العموم، فجميع التصرفات المناسبة للمال المتلفة منها وغيرها متعلقة للمنع بمقتضى الاطلاق، بعد عدم قرينة على التعيين كما هو ظاهر. والمتحصل: من جميع ما ذكرناه ان الاقوى اعتبار القطع في شاهد الحال وما في حكمه من قيام امارة معتبرة كبينة ونحوها، واما الظن بمجرده الذي لم يقم دليل على اعتباره فهو ملحق بالشك

[ 63 ]

[ (مسألة 17): يجوز الصلاة في الاراضي المتسعة اتساعا عظيما (1) بحيث يتعذر أو يتعسر على الناس اجتنابها وان لم يكن اذن من ملاكها، بل وان كان فيهم الصغار والمجانين، بل لا يبعد ذلك وان علم كراهة الملاك، وان كان الاحوط التجنب حينئذ مع الامكان ]. (1) وقد عرفت آنفا ان الحكم في صورة الشك المنع عملا بالاستصحاب. (1): المعتمد في المسألة بعد وضوح خلوها عن النص الخاص إنما هي السيرة القطعية العملية القائمة من المتشرعة حتى المبالين بالدين على التصرف في مثل هذه الاراضي، وكذا الانهار الكبيرة بالصلاة والتوضي وغيرهما من انحاء التصرفات وان لم يعلم برضاء الملاك فيتصرفون ولا يستأذنون، ولا ريب في اتصال هذه السيرة بزمن المعصومين عليهم السلام وامضائها لديهم بعدم الردع، إذ لو كانت حادثة لنقل تاريخها كما لا يخفى. وهذا كله لا غبار عليه. إنما الكلام في انه هل يستكشف من السيرة الغاء الشارع اعتبار رضا الملاك في هذه الموارد، فيكون ذلك بمنزلة التخصيص في دليل عدم جواز التصرف في ملك الغير بغير اذنه لصدور الاذن حينئذ من المالك الحقيقي وهو الشارع، نظير التصرف في موارد حق المارة. أو ان السيرة قائمة على احراز رضا الملاك من شاهد الحال وهو اتساع الاراضي وتركها بلا حيطان أو ترك ابوابها مفتوحة من دون حاجز ومانع، فان ذلك كله كاشف نوعا عن اذنه وطيب نفسه، والا لما تركها كذلك، وقد امضى

[ 64 ]

الشارع هذه الكاشفية بعدم الردع عنها. وبعبارة اخرى: هل السيرة قاتمة على الحكم الواقعي وهو سقوط اعتبار رضا المالك حينئذ، أو الظاهري وهو احراز رضاه من تلك الشواهد؟. فعلى الاول: يجوز التصرف حتى مع العلم بكراهة المالك لعدم العبرة بكراهته ورضاه بعد صدور الاذن من المالك الحقيقي. وعلى الثاني: لا يجوز لسقوط الحكم الظاهري مع العلم بالخلاف. الظاهر: هو الثاني فان السيرة لا لسان لها كي يعرف وجهها ويستكشف انها على النحو الاول بعد ما كان المتيقن منها هو الثاني بل انا لم نعهد متدينا واحدا فضلا عن كثيرين فضلا عن البلوغ من الشيوع حد السيرة العملية يقدم على تلك التصرفات حتى بعد العلم بكراهة الملاك. فما افاده في المتن من عدم استبعاد الجواز في هذه الصورة غير ظاهر بل ممنوع. ثم ان الماتن عمم الحكم لما إذا كان فيهم الصغار والمجانين. وهذا وجيه مع الشك لاستقرار السيرة من المتشرعة على الاقتحام في تلك التصرفات من دون تفتيش وتحقيق عن حال المالك وانه صغير أو كبير، أو حال الملاك وان فيهم الصغار والمجانين ام لا، فلا يعتنون بهذا الاحتمال، بل يأخذون بظاهر الحال من كونه بالغا عاقلا. وكذا مع العلم فيما إذا كان هناك ولي اجباري من اب أو جد، إذ العبرة حينئذ باستكشاف رضا الولي فيحرز بعين ما كان يحرز به لو كان الولي هو المالك، أعني السيرة القائمة على الاعتناء بشاهد الحال من عدم بناء الجدران أو فتح البيبان الكاشف عن فسح المجال.

[ 65 ]

واطلاق السراح للمتصرفين كما مر. وقد ذكرنا في محله عدم لزوم مراعاة الغبطة في تصرفات مثل هذا الولي التي منها اذنه للغير، بل يكفي خلوها عن المفسدة ولا تلزم وجود المصلحة. (وبالجملة) العبرة برضا من كان مالكا للتصرف سواء أكان مالكا للعين ايضا أم لا. واما إذا كان له ولي اختياري كحاكم الشرع فيشكل الحال لعدم الاعتبار حينئذ بمجرد رضا الولي كي يستكشف بما ذكر، بل لا بد من مراعاة الغبطة وكون التصرف صلاحا للمولى عليه، على ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي احسن، كما ذكرنا في محله، فلا يجوز التصرف حتى مع العلم برضا الولي فضلا عن احرازه بشاهد الحال ونحوه، لعدم كون تلك التصرفات بصلاحهم وان لم تكن بفسادهم ايضا، مع انا لم نعهد ثبوت السيرة من متدين واحد فضلا عن المتدينين على الاقتحام والاقدام في التصرف في مثل هذا الحال كما لا يخفى. ومنه: يظهر الاشكال في صورة الشك في كون الولي اختياريا أو اجباريا بعد العلم بوجود القصر من الصغار أو المجانين لرجوعه إلى الشك في كفاية مجرد الرضا، ومقتضى الاصل حنيئذ عدم الجواز كما لا يخفى. ثم ان الماتن خص الحكم بصورة التعذر أو التعسر في الاجتناب فان اراد به العسر والحرج الشخصيين فلا شك ان السيرة التي هي مدرك الحكم كما عرفت اوسع من ذلك وكذا ان اراد النوعيين لعدم دوران الحكم مدار العسر والحرج كي يتبع صدقهما، بل المدار على السيرة العملية، وربما تثبت حتى مع انتفائهما، كما لو كان

[ 66 ]

[ (مسألة 18): تجوز الصلاة في بيوت من تضمنت الآية جواز الاكل فيها (1) بلا اذن مع عدم العلم بالكراهة كالاب والام والاخ والعم والخال والعمة والخالة ومن ملك الشخص مفتاح بيته والصديق، واما مع العلم بالكراهة ] خارج البلد في اوائل تلك الاراضي، فان العود إلى البلد واقامة الصلاة فيه لا عسر فيه حتى نوعا، فالتقييد المزبور في غير محله على اي تقدير. (1): اما نفس الاكل فلا اشكال في جوازه بنص الآية المباركة. واما غيره من ساير التصرفات كالصلاة والتوضي والمشي ونحوها فبالفحوى إذ لو جاز الاكل الذي هو تصرف متلف فغير المتلف بطريق اولى بل ان نفس الاذن في الاكل من بيوت هؤلاء اذن في مقدماته المتوقف عليها من الدخول والمكث والمشي ونحوها من باب الملازمة العقلية كما لا يخفى. هذا: وحيث ان الترخيص الثابت من الشارع في المقام ليس تخصيصا واقعيا في دليل المنع عن التصرف في مال الغير بغير اذنه بالضرورة، بل هو بمناط الامضاء لما يقتضيه ظاهر الحال من رضا الملاك بالاكل وما دونه من التصرفات، فيختص الحكم بما إذا لم يعلم بالكراهة فمعه لا يجوز لفقد الرضا بعد النهي الصريح، وحجية الطريق الظاهري منوطة بعدم انكشاف الخلاف، مضافا إلى الاجماع بل الضرورة على عدم الجواز حينئذ الكاشف عما ذكرناه من عدم التخصيص الواقعي والا كان جائزا كما في حق المارة.

[ 67 ]

[ فلا يجوز، بل يشكل مع ظنها ايضا (1). (مسألة 19): يجب على الغاصب الخروج من المكان المغصوب (2) ]. (1): ينبغي ان يعد هذا من غرائب كلماته (قده) فانه قد صرح في المسألة السابقة بجواز التصرف في الاراضي المتسعة حتى مع العلم بكراهة الملاك مع انه لم يكن في تلك المسألة دليل لفظي يتمسك باطلاقه وانما كان المستند السيرة العملية التي هي دليل لبي لا اطلاق لها وكان للنقاش في سعتها لصورة العلم مجال واسع وقد ناقشنا فيها على ما مر. فمع ذلك التصريح كيف ساغ له التشكيك هنا في شمول الحكم لصورة الظن بالكراهة بعد وجود دليل لفظي في المقام كعموم الكتاب، هذا مع العلم بان مراده (قده) من الظن غير المعتبر منه وإلا فالظن المعتبر ملحق بالعلم الذي نص فيه على عدم الجواز، إذ لا ريب ان مراده (قده) من العلم في قوله: " واما مع العلم بالكراهة فلا يجوز " الاعم من الوجداني والتعبدي الشامل للظنون المعتبرة. فاستشكاله (قده) في قادحية الظن غير المعتبر الذي هو في حكم الشك بعد اطلاق الآية وشموله له في غير محله جزما ودعوى الانصراف المبنية على الغلبة كما ترى. فالانصاف: شمول الحكم للظن وغيره، وانما الخارج عن عموم الآية صورة العلم بالكراهة فحسب. (2): الوجوب المذكور في المقام عقلي ارشادي بمناط استقلال العقل بلزم اختيار اخف القبيحين واقل المحذورين. حيث ان

[ 68 ]

[ وان اشتغل بالصلاة في سعة الوقت يجب قطعها (1) ]. الخروج كالدخول والمكث متصف بالمبغوضية الفعلية لكون الجميع تصرفا في ملك الغير بغير اذنه، والعقل يرشد إلى وجوب الخروج تخلصا عن الغصب وتقليلا لارتكاب القبيح، وليس هناك وجوب شرعي لا نفسي ولا مقدمي كما تعرضنا له في الاصول في بحث اجتماع الامر والنهي في حكم التوسط في الارض المغصوبة بما لا مزيد عليه فراجع ولاحظ. (1): مراده (قده) بوجوب القطع (1) عدم جواز الاجتزاء بمثل هذه الصلاة بعد التمكن من الاتيان بها تامة الاجزاء والشرائط لفرض سعة الوقت، فلو اتمها والحال هذه لم تكن مصداقا للواجب لعدم انطباقه عليها، لا ان القطع واجب في حد نفسه بحيث لو اتمها عصى، وان اعادها في المكان المباح كما لعله ظاهر. ثم ان ما افاده (قده) من وجوب القطع بالمعنى المزبور انما يتجه على مسلك المشهور القائلين بالامتناع لمكان الاتحاد بين الغصب والاكوان الصلاتية بأجزائها. وأما على المختار من جواز الاجتماع وعدم الاتحاد في شئ من اجزاء الصلاة ما عدا السجود فلا يتم على اطلاقه، بل يختص بما


(1) بل مراده عدم جواز المكث لاتمام الصلاة ووجوب القطع مقدمة للمبادرة إلى الخروج عن المغصوب الواجب عليه. فالحكم تكليفي لا وضعي، فلا موقع للتفصيل الذي رتب عليه بين المسلكين لوجوب المبادرة إلى الخروج حتى على مسلكه (دام ظله).

[ 69 ]

[ وان كان في ضيق الوقت (1) يجب الاشتغال بها حال الخروج مع الايماء للركوع والسجود، ولكن يجب عليه قضاؤها ايضا إذا لم يكن الخروج عن توبة وندم، بل الاحوط القضاء وان كان من ندم وبقصد التفريغ للمالك. ] إذا توقف الاتمام على السجود على المغصوب، فمع عدم التوقف كما لو اشتغل بالصلاة وهو في آخر نقطة من المكان المغصوب بحيث لم يكن فصل بينه وبين الارض المباحة إلا بمقدار خطوة مثلا فتمكن من السجود على المكان المباح، أو عدم وجوب السجدة بأن كانت وظيفته الصلاة ماشيا موميا إليها سواء أكان في المكان المغصوب أو المباح لاجل الفرار من عدو أو خوف لص أو سبع جاز الاتمام حينئذ لارتفاع المانع المنحصر في ناحية السجدة كما عرفت. هذا كله حكم القطع بعد الاشتغال بالصلاة. ومنه يظهر حكم الشروع والتشاغل بها وانها باطلة حينئذ على المشهور، وصحيحة على المختار مع رعاية التفصيل المتقدم. (1) حكم (قده) بوجوب الاشتغال بالصلاة حينئذ حال الخروج موميا للركوع أو السجود وبوجوب القضاء ان لم يكن خروجه عن توبة وندم، وإلا فلا يجب وان كان احوط. اما وجوب الاشتغال فلا ريب فيه بعد قيام الدليل على عدم سقوط الصلاة بحال، فيومي حينئذ للسجود للعجز عنه بعد اتحاده مع الغصب، وكذا للركوع فانه وان لم يتحد مع الغصب بناءا على المختار، لكن حيث ان الركوع حال الخروج يستوجب زيادة المكث

[ 70 ]

إذ السير حينئذ أبطأ منه حال القيام وتلك الزيادة محرمة، ويكفي في صدق العجز عن الركوع المسوغ للانتقال إلى البدل استلزامه للحرام وان لم يكن بنفسه كذلك فيسقط الركوع حينئذ وتنتقل الوظيفة إلى الايماء. واما وجوب القضاء مع عدم التوبة، فان كان المستند فيه التفويت الاختياري للصلاة الاختيارية كما قال به بعضهم، حيث انه بسوء اختياره دخل في المكان المغصوب، ففوت على نفسه صلاة المختار اعني الواقعة حال الاستقرار مع الركوع والسجود، ولذا يقال ان من سامح وفوت على نفسه الصلاة مع الطهارة المائية حتى ضاق الوقت عنها يجب الاتيان بالصلاة الاضطرارية، اي مع الطهارة الترابية، ومع ذلك يجب عليه القضاء لمكان التوفيت المزبور. ففيه: ان لازمه بطلان الفرق بين التوبة وعدمها فيجب القضاء مع التوبة والندم ايضا لعين الملاك، إذ السبب الموجب له مشترك بين الصورتين، فلا يتجه التفصيل. وان كان المستند عدم صلاحية الصلاة المأتي بها حال الخروج فيما لم يكن عن توبة وندم لوقوعها عبادة من جهة اتصافها بالمبغوضية الفعلية فلا يسقط بها الامر، بخلاف ما إذا كان الخروج عن توبة لارتفاع المبغوضية حينئذ فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فكأنه صلى في المكان المباح. ففيه: ان التفصيل وان كان وجيها حينئذ الا ان لازمه سقوط الاداء فيما إذا لم يكن الخروج عن ندم للعجز (1) عن الامتثال، بعد


(1) لا عجز بعد امكان التوبة وان لم يخترها بسوء الاختيار. ولو أورد (دام ظله) على هذا التقدير بان لازمه تقييد متعلق =

[ 71 ]

فرض الاتصاف بالمبغوضية الفعلية، فما الموجب للجمع بين وجوبي الاداء والقضاء. وبالجملة: الجمع بين هذين الامرين أعني وجوب الاداء مطلقا ووجوب القضاء في صورة عدم الندم لا يستقيم على اي تقدير، بل اما ان يختص الاداء بصورة الندم، أو يعمم القضاء لصورتي الندم وغيره. والتحقيق: وجوب الاداء وعدم وجوب القضاء على التقديرين. اما الاداء فلدليل عدم سقوط الصلاة بحال كما مر، ولا مبغوضية حينئذ في الصلاة نفسها. اما على المختار من عدم الاتحاد مع الغصب فيما عدا السجود فظاهر بعد فرض الا بماء إليه، واما على المسلك المشهور فلاستكشاف عدمها من الدليل المزبور، إذ بعد وقوع المزاحمة بين ملاكي الغصب والصلاة فترخيص الشارع في الثانية يكشف لا محالة عن رفع اليد عن مبغوضية الغصب، لامتناع ترخيصه في ارتكاب ما يشتمل عليها، فيكون ذلك بمنزلة التخصيص في دليل حرمة الغصب كما لا يخفى. واما القضاء فلانه بأمر جديد وموضوعه الفوت، وظاهره بمقتضى اطلاق الدليل فوت طبيعي الفريضة المأمور بها في مجموع الوقت، الجامع بين حصتي الاختيارية منها والاضطرارية حسب اختلاف الوظيفة الفعلية لا خصوص الاولى، إذ بعد الاتيان بالثانية عملا بما تقتضيه


= الامر بالاداء بالصلاة المأتي بها بعد الندم والتوبة لعدم صلاحية المأتي بها حال الخروج للعبادية ما لم يكن عن توبة مع ان ظاهر عبارة الماتن بل صريحه عدم الفرق في الاداء بين الندم وعدمه، لسلم عن الاشكال.

[ 72 ]

[ (مسألة 20): إذا دخل في المكان المغصوب جهلا أو نسيانا أو بتخيل الاذن (1) ثم التفت وبان الخلاف، فان كان في سعة الوقت لا يجوز له التشاغل بالصلاة، وان كان مشتغلا بها وجب القطع والخروج، وان كان في ضيق الوقت اشتغل بها حال الخروج سالكا اقرب الطرق مراعيا للاستقبال بقدر الامكان، ولا يجب قضاؤها وان كان احوط لكن هذا إذا لم يعلم برضاء المالك بالبقاء بمقدار الصلاة، والا فيصلي ثم يخرج، وكذا الحال إذا كان مأذونا من المالك في الدخول ثم ارتفع الاذن برجوعه عن اذنه أو بموته والانتقال إلى غيره. ] الوظيفة لا يصدق معه الفوت بقول مطلق الذي هو ظاهر الدليل كما عرفت. وحيث: ان المفروض صحة الصلاة الادائية وان كانت في ضمن الفرد الاضطراري فلم تفت عنه الفريضة بطبيعيها فلا موضوع للقضاء. (1): تعرض (قده) في هذه المسألة لحكم من توسط الارض المغصوبة لا بسوء الاختيار، بل عن عذر من جهل بالغصبية أو نسيان، أو اعتقاد الاذن ثم التفت وبان الخلاف. وتفصيل الكلام: انه اما ان يفرض ذلك في سعة الوقت أو في الضيق، وعلى اي تقدير لا ريب في وجوب الخروج بمجرد انكشاف الحال لارتفاع العذر بقاءا، كما هو ظاهر والكلام فعلا في حكم الصلاة نفسها.

[ 73 ]

ولا يخفى ان عد الجهل من فروض المسألة انما هو على مذاق القوم القائلين بصحة الصلاة عند الجهل العذري. واما على المختار من البطلان فالصلاة فاسدة في جميع التقادير. وكيفما كان: ففي سعة الوقت لا ينبغي الاشكال في عدم جواز التشاغل بالصلاة بعدما عرفت من ارتفاع العذر بقاءا وكون المكث حراما واتحاده مع الصلاة في جميع الاجزاء أو في السجدة خاصة على الخلاف بيننا وبين المشهور. وربما تصحح العبادة حينئذ بدعوى ان المكلف مضطر بالبقاء في الارض المغصوبة بمقدار ما يسعه الوقت للخروج، وليفرض انها خمس دقائق فالمكث بمقدار زمان الخروج وهي الدقائق الخمس حلال حتى واقعا بعد كونه مضطرا إليه، كما انه لا مبغوضية فيه بعد فرض عدم كونه بسوء الاختيار لمعذوريته في الدخول. وعليه فإذا فرض ان زمان الصلاة معادل لزمان الخروج أو اقل فكما يمكنه صرف الدقائق الخمس المرخص في البقاء بمقدارها في الخروج يمكنه صرفها في الصلاة، ثم الخروج بعد ذلك. غايته انه على الثاني يستلزم زيادة التصرف في الغصب عند خروجه، وذلك لا يضر بصحة العبادة بعد فرض عدم اتحادها مع الغصب. اقول: هذه الدعوى وان صدرت عن بعض الاساطين من مشايخنا (1) إلا انها لعلها واضحة الفساد. فان الخروج حيث انه لا مناص عنه ولم يكن للمكلف بد من التصرف بهذا المقدار سواء اتحقق في الزمان الاول أو الاخير فهو محلل لمكان الاضطرار. واما التصرف الزائد عليه والمكث بمقدار الصلاة فلم يكن مضطرا


(1) وتبعه بعض الاعاظم من تلامذته في المستمسك.

[ 74 ]

إليه كي يقع محللا. وبالجملة: التصرف المعنون بعنوان الخروج حيث انه مضطر إليه ترتفع عنه الحرمة مهما تحقق ولا مدخل للزمان الاول أو الاخير في ذلك لا ان الحرمة مرتفعة بمقدار هذا الزمان وان لم يكن التصرف الواقع فيه متصفا بعنوان الخروج كي يحكم بصحة الصلاة الواقعة فيه لعدم الاضطرار بالزمان، بل بخصوص العنوان. ولعمري ان الدعوى ناشئة عن الخلط بين هذين الامرين. هذا: كله إذا كان الالتفات قبل الشروع. واما إذا كان متشاغلا بالصلاة فالتفت في الاثناء، فقد حكم في المتن بوجوب القطع حينئذ ومراده (قده) بذلك لزوم رفع اليد عن هذه الصلاة خارجا لعدم التمكن من اتمامها صحيحة لانه ان اتمها باقيا فقد اخل بشرط الاباحة، لكون البقاء غصبا محرما، وان اتمها خارجا مؤميا فقد أخل بشرط الاستقرار بالركوع والسجود، والمفروض تمكنه من الاتيان بها تامة الاجزاء والشرائط لفرض سعة الوقت. فالصلاة والحال هذه باطلة في نفسها لا أنه يجب عليه ابطالها بالقطع كما هو ظاهر. لكن هذا لا يتم على اطلاقه، إذ ربما يتمكن من الاتمام كما لو التفت ولم يكن الفصل بينه وبين المكان المباح الا بمقدار خطوة، بحيث لا يكون الانتقال إليه مضرا بالصلاة. وكما لو كانت وظيفته الايماء على اي تقدير اي سواء أكان في المكان المغصوب أو المباح لوجوب السير عليه خوفا من السبع أو العدو بناءا على ما هو التحقيق من عدم الاتحاد الا من ناحية السجدة. هذا: كله في السعة، واما في الضيق فيجب عليه الاشتغال بالصلاة حال الخروج أو الاتمام كذلك لو التفت في الاثناء لدليل

[ 75 ]

عدم سقوط الصلاة بحال سالكا اقرب الطرق فتسقط حينئذ شرطية الاستقرار للعجز، وكذا الاستقبال لو لم يتمكن والا فيراعى بقدر الامكان، كما انه يومي للسجود لما ذكر، وكذا للركوع مع استلزامه لزيادة المكث كما هو الغالب وإلا أتى به. وبالجملة: بعد فرض وجوب الاتيان بالصلاة حينئذ لدليل عدم سقوطها بحال فكلما تمكن من الاجزاء والشرائط أتى بنفسها والا فيبدلها ان كان والا فتسقط. وهل يجب القضاء حينئذ؟ الظاهر العدم لعدم الموجب له، فان المستند فيه ان كان التفويت الاختياري للصلاة الاختيارية فغير متحقق في المقام بعد فرض كون الدخول في المكان لا بسوء الاختيار وكونه معذورا فيه، ولذا لا اشكال في عدم القضاء فيما لو كان نائما من اول الوقت فاستيقظ ولم يبق من الوقت إلا بمقدار الصلاة مع الطهارة الترابية لعدم كون فوتها عن الطهارة المائية مستندا إلى الاختيار. وان كان عدم وفاء الصلاة الادائية بالغرض لعدم صلاحية المأتي بها حال الخروج لسقوط الامر بها لاتصافها بالمبغوضية، فهو ايضا غير منطبق على المقام إذ المفروض حلية التصرف الخروجي حتى واقعا لمكان الاضطرار وعدم اتصافه بالمبغوضية الفعلية لكونه لا بسوء الاختيار فلا موجب للقضاء وان احتاط فيه في المتن، إذ لم تعرف له وجها اصلا عدا مجرد الاحتمال الثبوتي فتأمل (1). ثم ان: ما ذكرناه لحد الآن انما هو فيما إذا لم يعلم برضا المالك


(1) اشارة إلى ما ذكره في المستمسك وجها للاحتياط وعدم تماميته للفرق بين المقام والمسألة الآتية موضوعا وحكما.

[ 76 ]

[ (مسألة 21): إذا اذن المالك بالصلاة خصوصا أو عموما ثم رجع عن اذنه (1) قبل الشروع فيها وجب الخروج في سعة الوقت، وفي الضيق يصلي حال الخروج على ما مر وان كان ذلك بعد الشروع فيها فقد يقال بوجوب اتمامها مستقرا وعدم الالتفات إلى نهيه وان كان في سعة الوقت الا إذا كان موجبا لضرر عظيم على المالك لكنه مشكل، بل الاقوى وجوب القطع في السعة والتشاغل بها خارجا في الضيق خصوصا في فرض الضرر على المالك. ] بالبقاء بمقدار الصلاة من شاهد حال ونحوه، والا فالصلاة صحيحة في جميع الفروض لانتفاء الموضوع وهو الغصب فيخرج عن محل الكلام كما هو واضح. (1): قد يكون الرجوع قبل الشروع في الصلاة، وقد يكون اثناءها. وعلى التقديرين اما ان يكون ذلك في سعة الوقت أو في الضيق فالصور اربع. اما إذا كان قبل الشروع ففي سعة الوقت لا اشكال في وجوب الخروج وتعين ايقاع الصلاة تامة الاجزاء والشرائط في المكان المباح فان المكث غصب بقاء فيجب الخروج تخلصا وهو متمكن من اتيان الصلاة صحيحة بعد فرض السعة فلا مزاحمة بين التكليفين، ولم يقع فيه) خلاف من احد قبال الفرض الآتي اعني صورة الضيق الذي قيل فيه بعدم الخروج ولزوم ايقاع الصلاة في نفس المكان قارا كما ستعرف. وهذا هو مراده (قده) من قوله: (وجب الخروج في

[ 77 ]

سعة الوقت) اي ان وجوب الخروج حينئذ مما لا اشكال فيه، بخلافه في فرض الضيق فانه محل للاشكال. فتقييد وجوب الخروج بالسعة في محله ولا حاجة إلى التقدير كما قيل. واما في الضيق فالمشهور وجوب الصلاة موميا حال الخروج كما المتن وقد ظهر وجهه مما تقدم في المسألة السابقة، ولكن صاحب الجواهر مال إلى عدم الخروج فلا يعتني برجوع المالك بل يصلي في نفس المكان قارا مع الركوع والسجود، غير انه (قده) لم يجد قائلا به، بل ولا احدا احتمله. وملخص ما افاده (قده) في وجهه انه تقع المزاحمة حينئذ بين دليل حرمة الغصب ودليل الاجزاء والشرائط، اعني ما دل على وجوب الاتيان بالصلاة قارا مع الركوع والسجود لعدم قدرة المكلف على الجمع بين الامتثالين بعد فرض الضيق، فان الاول يقتضي الخروج، والثاني يقتضي البقاء ولا يتيسر الجمع، ولكن حيث ان الخطاب بالصلاة تامة الاجزاء والشرائط سابق في الوجود على النهي عن الغصب لتحقق الاول بمجرد دخول الوقت، وعروض الثاني بعد رجوع المالك عن اذنه المفروض كونه في آخر الوقت وعند ضيقه، ولا شك ان السبق الزماني من مرجحات باب التزاحم على ما هو المقرر في محله. وعليه فيتقدم دليل الاجزاء والشرائط على دليل الغصب فيلغى الثاني ولا يعتنى برجوع المالك، فيصلي صلاة المختار مقتصرا فيها على اقل الواجب مبادرا في ادائها ثم يخرج. هذا: ولكنه كما ترى واضح الضعف فان السبق الزماني انما يرجح به فيما إذا كانت القدرة معتبرة في كلا المتزاحمين شرعا، كما لو

[ 78 ]

دار الامر بين ترك الصوم في اليوم الاول من شهر رمضان أو الثاني واما إذا كانت في احدهما عقلية وفي الآخر شرعية كما في المقام حيث ان القدرة لم تعتبر في حرمة الغصب الا من جهة حكم العقل بقبح خطاب العاجز، وإلا فهي دخيلة في الملاك بخلاف الصلاة فانها معتبرة في كل من اجزائها وشرائطها شرعا، كما يكشف عنه جعل البدل لكل منها لدى العجز. فلا اعتبار حينئذ بالسبق الزماني بل الترجيح مع ما اعتبرت فيه القدرة عقلا وان كان بحسب الوجود متأخرا لكون التكليف فيه مطلقا غير معلق على شئ بخلاف الآخر فانه مشروط بالقدرة والاول بوجوده سالب للقدرة، ومانع عن فعلية التكليف لكونه معجزا عنه ورافعا لموضوعه فلا يزاحم التعليقي مع التنجيزي. وبالجملة: القدرة العقلية بنفسها من المرجحات لدى المزاحمة بينها وبين القدرة الشرعية، ولا مدخل للسبق الزماني حينئذ كما تقرر في الاصول. وعليه: فالنهي عن الغصب الحادث بعد رجوع المالك بنفسه يقتضي العجز عن كل شرط أو جزء صلاتي مناف للخروج فيسقط لاشتراطه بالقدرة كما عرفت وينتقل إلى بدله ان كان والا فيقتصر على الصلاة الفاقدة له التي هي بدل عن الواجدة لدى عدم القدرة. والذي يوضح ما ذكرناه من تقديم دليل الغصب. انا لو فرضنا ان المكلف كان قادرا على الصلاة تامة الاجزاء والشرائط فعرض ما يوجب اضطراره إلى ترك الاستقرار والسجود كالسير فرارا من العدو فرأى في طريقه مكانا مغصوبا يتمكن فيه من الصلاة تامة الاجزاء والشرائط فدار امره بين الغصب وبين الصلاة الاضطرارية

[ 79 ]

فهل يمكن الالتزام بالاول بمجرد سبق الخطاب بالصلاة الاختيارية وحدوث النهي عن الغصب متأخرا، أو لو فرضنا ان المكلف كان واجدا للماء المباح في اول الوقت فأريق فاضطر إلى التيمم وبعدئذ جاء من عنده الماء لكنه لم يرض بالتصرف فيه فدار امره بين الاخذ منه غصبا والتوضي به، وبين الطهارة الترابية، فهل يصح القول بتقديم الاول والتصرف في الماء وعدم الاعتناء بنهي المالك لمجرد سبق الخطاب بالصلاة مع الطهارة المائية، ولحوق التكليف بالنهي عن الغصب؟ لا نحتمل ان يلتزم الفقيه بشئ من ذلك، وصاحب الجواهر ايضا بنفسه لا يلتزم به قطعا. هذا كله فيما إذا كان الرجوع قبل الشروع. واما إذا كان في الاثناء ففي فرض الضيق يجري فيه ما مر آنفا حرفا بحرف وطابق النعل بالنعل لوقوع المزاحمة حينئذ بين دليل الغصب ودليل الاجزاء والشرائط غايته بقاءا لا حدوثا كما في سابقه فيتقدم الاول، ويتم صلاته حال الخروج، وعلى القول الآخر الذي مال إليه في الجواهر يتمه قارا مع الركوع والسجود ثم يخرج. انما الكلام في الصورة الرابعة: اعني الرجوع في الاثناء مع سعة الوقت، فان فيه اقوالا ثلاثة: اتمامها في نفس المكان قارا راكعا ساجدا فلا يعتني بنهي المالك. واتمامها حال الخروج موميا، وقطع الصلاة والاتيان بها في الخارج تامة الاجزاء والشرائط. والقولان الاولان: مبنيان على حرمة قطع الصلاة في هذه الحالة فمع انكارها وفساد المبنى كما هوالحق على ما ستعرف يتعين القول الاخير.

[ 80 ]

نعم: بعد البناء على الحرمة فحيث تقع المزاحمة حينئذ بين دليل الاجزاء والشرائط وبين دليل حرمة التصرف في الغصب للعجز عن الجمع بينهما في مقام الامتثال كما لا يخفى. فان قدمنا الاول من اجل الترجيح بالسبق الزماني كما مال إليه في الجواهر على ما مر تعين القول الاول، وان قدمنا الثاني لترجيح القدرة العقلية على الشرعية على ما عرفت تعين القول الثاني. هذه: مباني الاقوال، وقد اشرنا إلى ان الاقوى هو القول الاخير، لفساد مبنى القولين الاولين وهي حرمة القطع. اما اولا فلان مستند الحرمة انما هو الاجماع الذي هو دليل لبي والمتيقن منه غير المقام، بل انا نجزم بعدم تحققه في المقام بعد اختلاف الاقوال في المسألة كما عرفت. وثانيا: مع التنزل وتسليم استفادتها من دليل لفظي كقوله عليه السلام تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فهو قاصر الشمول لمثل المقام، إذ القطع إنما يحرم بعد الفراغ عن تمكن المكلف من اتمام الصلاة صحيحة لولا القطع، وإلا فهي بنفسها منبطلة منقطعة فلا معنى لتحريم قطعها، وفي المقام التمكن من الاتمام اول الكلام إذ مقتضى ملاحظة دليل الغصب بعد ضمه إلى ادلة الاجزاء والشرائط الاختيارية عدم التمكن من الاتمام، ولزوم القطع والايقاع خارج الغصب حتى يتحقق امتثال الدليلين، فهما من حيث المجموع يعارضان دليل حرمة القطع، لاقتضائهما جواز القطع واقتضائه المنع فلم يحرز التمكن من الاتمام كي يشمله الدليل المزبور. وعليه: فبعد الغائه والبناء على جواز القطع يتعين رفع اليد عن هذه الصلاة وايقاعها تامة الاجزاء والشرائط خارج الغصب لعدم

[ 81 ]

[ (مسألة 22): إذا اذن المالك في الصلاة ولكن هناك قرائن (1) تدل على عدم رضاه وان اذنه من باب الخوف أو غيره، لا يجوز ان يصلي، كما ان العكس بالعكس. (مسألة 23): إذا دار الامر بين الصلاة حال الخروج من المكان الغصبي (2) بتمامها في الوقت أو الصلاة بعد الخروج وادراك ركعة أو ازيد فالظاهر وجوب الصلاة في حال الخروج، لان مراعاة الوقت اولى من مراعاة الاستقرار والاستقبال والركوع والسجود الاختياريين ]. المزاحمة حينئذ بين دليل الغصب ودليل الاجزاء والشرائط للتمكن من امتثالهما بذلك كما هو ظاهر. نعم: لا بد من تقييد الحكم بما إذا لم يكن الفصل بينه وبين المكان المباح بمقدار خطوة ونحوها، بحيث لا يضر الانتقال إليه بصحة الصلاة كما أشرنا سابقا، والا فمعه لا يجوز القطع للتمكن من الاتمام حينئذ. ومثله مشمول للاجماع كما هو ظاهر. (1): قد ظهر حال المسألة مما قدمناه عند التكلم حول المسألة السادسة عشرة فراجع ولاحظ. (2): تقدم في مسألتي (20، 21) انه تجب الصلاة حال الخروج عند ضيق الوقت، ولم يتعرض (قده) هناك لبيان المراد من الضيق وانه هل هو عدم درك تمام الصلاة في الوقت، أو حتى بمقدار ركعة منها؟ فعقد هذه المسألة وتصدى فيها لبيان ان المراد هو الاول حيث قال انه لو دار الامر بين الصلاة حال الخروج من

[ 82 ]

المكان الغصبي بتمامها في الوقت وبين الصلاة الاختيارية بعد الخروج وادراك ركعة أو ازيد تعين الاول. وعلله (قده): باهمية الوقت، فمراعاته اولى من مراعاة الاستقرار والاستقبال والركوع والسجود الاختياريين. اقول: ما افاده (قده) مطابق لما هو المشهور بين الاعلام ومنهم شيخنا الاستاد (قده) من ادراج المقام وامثاله مما دار الامر فيه بين ترك احد جزئي الواجب أو احد شرطيه أو أحد المختلفين في باب التزاحم. ومن هنا راعوا قواعد هذا الباب واعملوا مرجحانه التي منها الترجيح بالاهمية القطعية أو الاحتمالية. لكنا ذكرنا غير مرة في مطاوى هذا الشرح وبينا في الاصول ان امثال المقام من المركبات الارتباطية اجنبية عن باب المزاحمة بالكلية وداخلة في باب التعارض لعدم انطباق ضابط الباب عليها، فان المدار فيه على وجود تكليفين مستقلين نفسيين وجوبيين أو تحريميين أو مختلفين بحيث كان لكل منهما طاعة وعصيان بحياله، وقد عجز المكلف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال كما في انقاذ الغريقين ونحوهما. واما في باب المركبات الجعلية كالصلاة فليس هناك إلا امر وحداني متعلق بالمجموع المركب من عدة اجزاء وشرائط ليس له الا امتثال واحد وعصيان فارد، كما انه ليس في البين عدا ملاك واحد قائم بالمجموع بما هو مجموع. وعليه: فالعجز عن واحد منها يستوجب سقوط الامر عن الجميع بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بينها فلو كنا نحن وذاك الامر كان مقتضى القاعدة سقوط الصلاة حينئذ رأسا لمكان العجز، إذ المركب ينتفي بانتفاء بعض الاجزاء.

[ 83 ]

لكنا علمنا من الخارج بالنص والاجماع ان الصلاة لا تسقط بحال فنستكشف به تعلق امر جديد بالمقدار الممكن من الاجزاء بعد القطع بسقوط الامر الاول كما عرفت، وحيث لم نعلم متعلق هذا الامر الحادث وانه الصلاة مع الركوع مثلا أو هي مع القيام فيما لو دار الامر بين ترك احدهما فالمجعول بنفسه مجهول للشك فيما هو الصادر بالجعل الثانوي والترديد عائد إلى مقام الجعل الذي هومن شئون التعارض لا إلى مرحلة الامتثال كما هو من خواص التزاحم فتقع المعارضة لا محالة في مقام استكشاف ذاك الحكم المجعول بين اطلاق دليل كل من الجزءين المفروض دوران الامر بينهما كالركوع والقيام في المثال وكالوقت وما ذكر من الاجزاء والشرائط في المقام فان اطلاق كل منهما يقتضي الاتيان به حتى مع العجز عن الآخر، فلا بد من مراعاة قواعد التعارض والرجوع إلى مرجحات هذا الباب، فان ثبت والا فالتخيير دون التساقط لما عرفت من قيام الدليل على عدم سقوط الصلاة بحال. فلا اعتبار بالترجيح بالاهمية القطعية فضلا عن الاحتمالية كما لا يخفى. هذا: ومع الغض وتسليم اندراج المقام في باب التزاحم فما هو الكاشف عن أهمية ملاك الوقت ولو احتمالا؟ فان دعواها قول بلا برهان مطالب بالدليل. نعم: لو دار الامر بين فوت الوقت رأسا وبين الاجزاء والشرائط الاختيارية بحيث تردد الامر بين الاداء والقضاء قدم الاول بلا اشكال لاهمية الوقت المستكشفة من دليل عدم سقوط الصلاة بحال. واما عند الدوران بين التحفظ على تمام الوقت في مجموع الصلاة وبين الاجزاء والشرائط الاختيارية مع وقوع بعض الركعات في الوقت

[ 84 ]

بحيث لم تفته كلا كما في المقام فلا كاشف حينئذ عن اهمية الوقت حتى في مثل ذلك كي يقدم الاول لعدم الدليل عليه كما عرفت. وعليه: فلا بد في تقديم الوقت من التماس دليل خراجي حتى بناءا على اندراج المقام وامثاله في باب التزاحم. هذا: وقد ذكرنا في محله قيام الدليل على التقديم فيما لودار الامر بينه وبين الطهارة المائية، بحيث لو اراد التحفظ على الوقت في تمام الركعات لم يتمكن الا من التيمم، ولو تصدى لتحصيل الطهارة المائية وقع مقدار من الصلاة خارج الوقت ولم يدرك منه إلا بمقدار ركعة أو أزيد. والدليل هو الاستفادة من نفس آية التيمم، اعني قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا.. الخ. فان المراد بالصلاة فيها هو الراد منها في قوله تعالى: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، المفسر في الاخبار بوقوع اربع صلوات ما بين الحدين، ثنتان منها وهما الظهران ما بين الزوال والغروب، وثنتان وهما العشاءان ما بينه وبين منتصف الليل. فالمراد بالصلاة بعد ملاحظة التفسير هي الفريضة المضروب لها وقت خاص المحدودة بين المبدء والمنتهى، كالظهرين المحدودين بزوال الشمس وغروبها. وقد دلت الآية المباركة على ان من يقوم لهذه الفريضة ان تمكن من الماء توضأ أو اغتسل وإلا تيمم فالشرط لتلك الصلاة هو جامع الطهارة الاعم من المائية والترابية دون الوضوء بخصوصه، غايته مع رعاية الطولية والترتب كما عرفت. ولذا ورد قوله (ع) لا صلاة إلا بطهور، ولم يرد إلا بوضوء. وعليه: فالمكلف العاجز عن الماء قادر على تحصيل شرط الصلاة

[ 85 ]

في الوقت الذي هو جامع الطهارة كما ذكر، غايته في ضمن الفرد الاضطراري وهو التيمم، فهو متمكن من التحفظ على كلا الامرين وفي وسعه رعاية كلا الشرطين، أعني الطهارة والوقت فلا معارضة ولا مزاحمة. وقصارى ما يقال: ان لكل من الشرطين الاختياريين بدلا في طوله، فكما ان التيمم بدل عن الوضوء لدى العجز، فكذا درك ركعة من الوقت بدل عن تمامه لمكان الاتساع في الوقت لدى العجز عنه المستكشف من حديث: من ادرك. فلا وجه لتقديم الاول على الثاني، بل يمكن العكس فيتوضأ وان وقع مقدار من الصلاة حينئذ خارج الوقت إذ لا ضير فيه بعد قيام الدليل على الاتساع مع الاضطرار المتحقق في المقام. ويندفع: بان الحديث خاص بما لو فات الوقت بحسب طبعه إلا مقدار ركعة فلا يشمل التعجيز الاختياري. فبعد التمكن الفعلي من درك الوقت في تمام الركعات مع التحفظ على جامع الطهارة الذي هو الشرط كما مر لا سبيل إلى تفويته اختيارا محافظة على الوضوء. والحاصل: ان الحديث لا يسوغ التعجيز، بل مفاده التوسعة على تقدير العجز. فلا يجوز التفويت اختيارا وان كان لو عصى وفوت شمله الحديث، لصدق العجز حينئذ، فلا يجوز التأخير عنه وتفويت تلك الركعة كما هو ظاهر. وبالجملة: فتقديم الوقت عند الدوران بينه وبين الطهارة المائية مما لا ينبغي الاشكال فيه لقيام الدليل عليه، وهي الاستفادة من الآية المباركة. واما عند الدوران بينه وبين غيرها من ساير الاجزاء والشرائط

[ 86 ]

الاختيارية كما في المقام فلا دليل على تقديم الوقت والانتقال إلى الابدال، فان الركوع مثلا بنفسه جزء في الصلاة وهو غير صادق على الايماء لا لغة ولا عرفا ولا شرعا. نعم على تقدير العجز فالشارع اجتزى بالايماء بدلا عنه، وليس مرجع ذلك إلى اعتبار الجامع بينهما كما كان كذلك في الطهارة على ما مر بداهة ان الطهارة بجامعها شرط في الصلاة كما يقتضيه قوله عليه السلام لا صلاة الا بطهور لا خصوص الوضوء، ولم يرد ما يقتضي جزئية الجامع المزبور، بل الوارد جزئية الركوع خاصة غير الصادق على الايماء كما عرفت. وكذا الحال في السجود والاستقبال والاستقرار هذا من ناحية. من ناحية اخرى ان اعتبار الركوع والسجود في الصلاة انما هو على سبيل الانحلال، بمعنى انه يعتبر في كل ركعة اشتمالها على الركوع والسجود لدى التمكن فلا يناط ذلك بالقدرة عليهما في تمام الركعات، بحيث لو عجز عنهما في البعض سقط الاعتبار في البعض الآخر، إذ ليس الامر كذلك بالضرورة، فليس الحال فيهما كالطهارة التي هي شرط وحداني بسيط لوحظ اعتباره في مجموع الصلاة من حيث المجموع ولا تنحل إلى شرائط عديدة مستقلة بحسب الركعات أو الآيات كما لعله ظاهر. وعليه نقول: ان المكلف بعد فرض قدرته على الاتيان بذات الركوع والسجود في الركعة الاولى كما هو المفروض فبأي مسوغ يتركهما وينتقل إلى الايماء الذي لم تشرع بدليته الا بعد العجز المفقود في تلك الركعة. والعجز عن رعايتهما في بقية الركعات مع التحفظ على الوقت لا يؤثر في سقوط الامر بهما في تلك الركعة لما عرفت آنفا من حديث الانحلال وان لكل ركعة

[ 87 ]

حكما يخصها، والعبرة بالتمكن من الركوع والسجود في كل ركعة سواء أعجز عنهما في بقية الركعات ام لا. ولم يكن الامر بالركوع والا فبالايماء مقيدا في لسان الدليل بمن يريد الفريضة الادائية اي الصلاة الواقعة بتمامها في الوقت كما كان كذلك في جانب الطهارة على ما استفدناه من الآية المباركة كما مر حتى يقال بان المعتبر في الصلاة هو الجامع بين الركوع والايماء وان الفرض ينتقل إلى الثاني رعاية للوقت في مجموع الصلاة كما قلنا بمثله في ناحية الطهارة. وحيث: ان امتثال هذا التكليف اعني الركوع والسجود في الركعة الاولى يستوجب لا محالة وقوع مقدار من الصلاة خارج الوقت فيشمله حينئذ دليل الاتساع المستفاد من حديث من ادرك، إذ ليس التأخير وقتئذ مستندا إلى المكلف كي يكون من التعجيز الاختياري المانع من شمول الحديث كما كان كذلك في ناحية الطهارة بالبيان المتقدم فلا يقاس احدهما بالآخر. وعلى هذا فلا مناص من الانتقال إلى الوقت الاضطراري والتحفظ على الجزء الاختياري بقدر الامكان. ونتيجة هذا البيان استكشاف تقديم الشارع الاجزاء الاختيارية على الوقت الاختياري. ومما يؤكده ويدل عليه ان المراد من الركعة في حديث من ادراك الوارد في صلاة الغداة ويتعدى إلى بقية الصلوات بالقطع بعدم الفرق الركعة الاختيارية ذات الركوع والسجود فانها المتبادر منها قطعا، فلو كانت رعاية الوقت الاولي اهم في نظر الشارع من رعاية الاجزاء الاختيارية لم يبق مورد لهذا الحديث بداهة ان الزمان الذي تشغله الركعة الاختيارية واف بنفسه لاربع ركعات اضطرارية فضلا عن ركعتي الغداة التي هي مورد الحديث

[ 88 ]

كما عرفت فانا لو فرضنا ان كل ركعة اختيارية تستوعب دقيقة من الزمان فيمكن الاتيان في هذه الدقيقة بتكبيرة والايماء للركوع والسجود لكل ركعة ثم التسليم لسقوط القراءة والتشهد والاذكار لدى العجز، بل يمكن الاتيان باكثر من الاربع من مثل هذه الركعات كما هو واضح، فرفض الشارع لهذه الكيفية وامره بالاتيان بركعة اختيارية في الوقت وان وقع الباقي خارجة اقوى شاهد على ما ذكرناه من تقديم الاجزاء الاولية على الوقت الاولي. اللهم الا ان يراد بالركعة في الحديث الركعة الاضطرارية الفاقدة للركوع والسجود لكنه كما ترى ينصرف عنها الحديث قطعا بل المتبادر الركعة الاختيارية كما لا يخفى. ويؤيده: ايضا صحيحة الحلبي الواردة فيمن نسي الظهرين وتذكر عند الغروب التي استدل بها لاختصاص اربع ركعات من آخر الوقت بالعصر، قال عليه السلام: فيها: ان كان في وقت لا يخاف فوت احداهما فليصل الظهر ثم يصلي العصر، وان هو خاف ان تفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا (1). فان المراد بالظهر والعصر فيها الاختياريتان بلا اشكال. وعليه: فلولا تقديم الاجزاء والشرائط الاختيارية على الوقت لدى الدوران بينهما لم يكن وجه لتخصيص اربع ركعات من آخر الوقت بالعصر ناهيا عن التأخير، معللا بفوت الجميع لامكان دركهما معا بالاتيان بالظهرين الاضطراريتين فان الزمان الذي تقع فيه اربع ركعات اختيارية واف بثمانية اضطرارية، بل ازيد كما


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب المواقيت ح 18.

[ 89 ]

[ (الثاني): من شروط المكان، كونه قارا فلا يجوز الصلاة على الدابة (1) أو الارجوحة أو في السفينة ونحوها ] ذكرنا آنفا. ثم ان التعليل الذي ذكره في المتن لحكم المسألة من تقديم الوقت لمكان الاهمية على تقدير تسليمه لا يترتب عليه ما اختاره من لزوم ايقاع الصلاة بتمامها حال الخروج كما هو ظاهر العبارة بل اللازم حينئذ التلفيق بايقاع ثلاث ركعات موميا حال الخروج وايقاع الركعة الاخيرة في المكان المباح مع الركوع والسجود، لعدم المزاحمة بين الوقت والاجزاء الاختيارية في الركعة الواحدة على الفرض، وانما المزاحمة بينه وبينها في تمام الركعات فغاية ما يقتضيه الترجيح بالاهمية تقديم الوقت بمقدار المزاحمة وحيث لا تزاحم بالاضافة إلى الركعة الاخيرة لفرض وقوعها في الوقت فلا مسوغ لترك الاجزاء والشرائط الاختيارية بالنسبة إليها. وبالجملة: فسواء اقدمنا الوقت كما يدعيه قدس سره أم لا، فحيث ان الوقت واف بمقدار ركعة اختيارية لا مناص من الاتيان بها كذلك، ولا فرق بيننا وبينه قدس سره إلا في احتساب تلك الركعة اولى الفريضة أو اخيرتها، والمختار هو الاول، فيأتي بالباقي اختيارا وان وقع خارج الوقت الاولي لوقوع الجميع حينئذ داخل الوقت التنزيلي بحديث من ادرك. وعلى مختاره من تقديم الوقت يتعين الثاني فيصلي تلفيقا كما عرفت. (1): الاستقرار المعتبر في الصلاة له اطلاقان: احدهما

[ 90 ]

[ مما يفوت معه استقرار المصلي ]. بلحاظ المصلي نفسه، المعبر عنه تارة بالطمأنينة قبال الاضطراب واخرى بالوقوف قبال المشي، وسيجئ البحث عنه في افعال الصلاة إنشاء الله تعالى: الثاني: بلحاظ المكان وان كان المصلي نفسه واقفا مطمئنا وهو المبحوث عنه في المقام، المعدود من شرائط المكان، فيبحث عن ان الحركة التبعية الحاصلة للمصلي الناشئة من عدم قرار المكان وانتقاله آنا بعد آن بحيث ليس هناك إلا التبدل في الفضاء من دون حركة للمصلي بالذات كالصلاة على وسائل النقل من الدواب والسيارات ولا سيما الطائرات، هل تكون قادحة في صحة الصلاة فيشترط فيها كون المحل قارا ثابتا؟ أو انها غير قادحة فلا يعتبر القرار؟ ولا يخفى ان محل الكلام ما إذا لم تستوجب الحركة التبعية المزبورة فوات بعض ما يعتبر في الصلاة من الاستقبال أو القيام أو الطمأنينة ونحوها والا فلا اشكال في البطلان من اجل فقد تلك الامور، وهو خارج عن محل الكلام، كما هو ظاهر. والكلام هنا يقع في موردين: احدهما في الصلاة على الدابة أو السيارة أو الطائرة ونحوها من المراكب. الثاني: في الصلاة في السفينة وانها هل تختص بخصوصية تمتاز بها عن غيرها بحيث يحكم بجواز الصلاة فيها اختيارا وان استلزم الاخلال بما يعتبر في الصلاة أو لا؟ اما الكلام: في المورد الاول فقد استدل على اشتراط الاستقرار فيه بوجوه مزيفة لا ينبغي الالتفات إليها. منها قوله صلى الله عليه وآله:

[ 91 ]

جعلت لي الارض مسجدا وطهورا، بدعوى ان المعتبر في السجود ان يكون على الارض فلا تجوز الصلاة على الدابة لاستلزامها السجود على غير الارض. وفيه: ما لا يخفى فان الرواية مسوقة لبيان عدم اختصاص الصلاة بمكان خاص من مسجد الحرام أو مطلق المساجد أو بيت المقدس كما كان كذلك في الامم السابقة وان الارض باجمعها صالحة للسجود، وليست بصدد بيان اشتراط الارضية في المسجدية لجواز السجود على قلل الاجيال بلا اشكال، وكذا الشجرة المرتفعة إذا كان اعلاها مسطحا، بحيث يمكن الصلاة عليه، وكذا السرير الثابت في المكان، وكذا الثلج كالشط المنجمد مع عدم صدق الارض على شئ منها فهي في مقام التوسعة امتنانا دون التضييق. ويؤيده عطف الطهور ايعازا إلى جواز التيمم بمطلق وجه الارض وعدم الاختصاص باعاليها، كما قد يقتضيه لفظ الصعيد، فالرواية بفقرتيها سيقت لبيان الارفاق والتسهيل وعدم التضييق في امر التيمم والصلاة لعدم اختصاصهما بمكان خاص كما هو واضح. ومنها قوله تعالى: حافظوا على الصلوات.. الخ بدعوى ان الصلاة على الدابة مع كونها معرضا للبطلان من جهة احتمال الاخلال بالاطمينان أو بالاستقبال خلاف المحافظة عليها. وفيه ان الامر بالمحافظة ارشاد إلى الاهتمام بالصلوات والمحافظة على ادائها في اوقاتها كما فسرت الآية بذلك. واما مجرد المعرضية للبطلان مع البناء على الاعادة على تقدير حصول الخلل فليس ذلك منافيا للمحافظة بوجه كما لا يخفى. نعم المعرضية مع الالتفات إليها مناف لحصول الجزم بالنية،

[ 92 ]

فان اعتبرنا الجزم يبطل الصلاة حينئذ لفقده، لا لعدم كون المكان قارا والا كما هو الاقوى للاكتفاء بقصد الرجاء كما هو محرر في محله. فلا وجه للبطلان اصلا. ومنها وهي العمدة: طائفة من الاخبار كصحيحة عبد الرحمن ابن ابي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة ويجزيه فاتحة الكتاب ويضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شئ ويومي في النافلة ايماء. وموثقة عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أيصلي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ فقال: لا، إلا من ضرورة. وموثقته الاخرى عنه (عليه السلام) قال: لا تصل شيئا من المفروض راكبا، قال النضر في حديثه إلا ان يكون مريضا (1). وقد عبر في المدارك عن الرواية الاولى من روايتي ابن سنان بالموثقة كما عبرنا واعترض عليه صاحب الحدائق بضعف السند حيث ان في الطريق احمد بن هلال وهو فاسد العقيدة مرمي بالغلو تارة وبالنصب اخرى. لكنا ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان الرجل وان كان منحرف العقيدة لكنه موثق (2) الحديث، ولا تنافي


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب القبلة ح 1 و 14 و 7. (2) اعتمد دام ظله في توثيق الرجل على تعبير النجاشي بانه (صالح الرواية) مضافا إلى وقوعه في اسناد الكامل والتفسير. ولكنه معارض بالتضعيف المستفاد من استثنائه من رجال نوادر الحكمة، ولمثل هذه المعارضة حكم دام ظله بضعف الحسن ابن الحسين اللؤلؤي (المعجم ج 4 ص 219) ولم يتضح الفرق بينه وبين المقام (الا ان يقال) بابتناء استثناء بن هلال على فساد =

[ 93 ]

بين الامرين. وقد مر تفصيل الكلام فيه مشروحا فراجع ولاحظ وكيف كان فيستدل بهذه الاخبار على ان الحركة التبعية الناشئة من سير الراحلة توجب البطلان، فلا تجزي الصلاة عليها الا لدى الضرورة من مرض ونحوه. وفيه ان الجمود على ظواهر النصوص يقضي بقادحية الصلاة على الراحلة بما هي كذلك حتى لو كانت واقفة وامكن التحفظ على الاجزاء والشرائط، كما لو صلى على بعير معقول، فيكون ذلك شرطا تعبديا في الصلاة قبال ساير الشرائط كما أفتى به العلامة في القواعد، والشهيدان وغيرهما في البعير المعقول الذي لم يتضح الفرق بينه وبين غيره. وعلى هذا فهي اجنبية عن اعتبار القرار في المكلف ولا ربط لها بالمقام. وان بنينا على ان المراد منها المنع عن الصلاة حالة السير خاصة كما قد تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع ولا سيما التعرض كما في الصحيحة لتوجيه المريض إلى القبلة وإجزائه السجود على ما يمكن والايماء في النافلة، واستثناء حال الضرورة كما في الموثقتين الكاشف عن عدم التمكن من رعاية الاجزاء والشرائط الملازم عادة لسير الدابة. ففي هذه الصورة كما لاقرار للمكان لم تراع الاجزاء والشرائط ايضا من القيام والسجود والاستقرار والاستقبال. فمن الجائز ان


= العقيدة غير المنافي لتوثيق النجاشي فلا يقاس عليه اللؤلؤي. ولكنه مجرد احتمال لا ينفع ما لم يبلغ حد الاستظهار الذي دعواه كما ترى فلا يقاوم ظهور الاستثناء في التضعيف كما لا يخفى.

[ 94 ]

يكون الوجه في البطلان هو الثاني دون الاول لما عرفت من الملازمة العادية بينهما لا سيافي مثل الدابة فان الراكب عليها عاجز عن رعاية ما ذكر الا نادرا بعلاج ونحوه، ومثله ينصرف عنه النص قطعا. والمنع عن الانصراف بدعوى استفادة الحكم من العموم الوضعي وهو وقوع النكرة في سياق النفي الشامل لجميع الافراد، ولا يصادم الانصراف إلا انعقاد الاطلاق دون العموم. (يدفعه) اولا انه لا فرق في قادحية الانصراف بين العموم والاطلاق. ومن هنا يحكم باختصاص مانعية ما لا يؤكل بالحيوان لانصرافه عن الانسان، مع ان الحكم مستفاد من العموم الوضعي، أعني لفظة (كل) الواردة في موثقة ابن بكير قال عليه السلام فيها: " فالصلاة في روثه وبوله والبانه وكل شئ منه فاسد ". وثانيا: بمنع دلالة النكرة الواقعة في سياق النفي على العموم بالوضع، بل هو بالاطلاق كما حرر في الاصول. وبالجملة فلا يكاد يستفاد من هذه الروايات اشتراط الاستقرار في المكان بما هو بحيث لو فرض التمكن من الصلاة على الدابة السائرة مراعيا للمطأنينة والقيام والركوع والسجود كانت مجرد الحركة التبعية قادحة في الصحة نعم الفرض في نفسه نادر ولا سيما في الدواب التي كانت الوسائط النقلية منحصرة فيها في الازمنة السابقة، وان كان في بعض الوسائل المستحدثة كالسكك الحديدية ولا سيما الطائرات بمكان من الامكان. وتظهر ثمرة الخلاف في مثل الدابة فيما لو كانت وظيفة المكلف الصلاة جالسا موميا لعجزه بالذات عن القيام والركوع والسجود فانه بناء على قادحية الحركة التبعية واشتراط القرار في

[ 95 ]

مكان يلزم ايقاعها على الارض، وبناء على عدم القدح كما هو الصحيح على ما عرفت يجوز ايقاعها على الدابة السائرة لعدم الاخلال بالاجزاء حينئذ والاطمئنان العرفي حاصل حال الجلوس كما لا يخفى. ثم ان مقتضى اطلاق الصحيحة المستثنية للمريض الاجتزاء بصلاة المريض على الدابة المستلزمة للاخلال بالاجزاء والشرائط عادة كما مر وان لم تكن ضرورة تقتضيه لتمكنه من الصلاة على الارض من غير مشقة، إلا أنه معارض باطلاق الموثقتين المانعتين عن ايقاع الصلاة عليها من غير ضرورة الشامل للمريض وغيره، وحيث ان النسبة عموم من وجه فيتساقطان في مدة الاجتماع وهو المريض غير المضطر، ويرجع إلى عموم ادلة الاجزاء والشرائط. ثم انه بناء على تسليم دلالة الاخبار على اشتراط القرار وقادحية الحركة التبعية بنفسها فالحكم خاص بموردها مما صدق معه الصلاة على الدابة أو على الراحلة، أو الصلاة راكبا حسب اختلاف السنتها وان كان الاخير اوسع مما سبق كما هو ظاهر فلا يعم الحكم ما إذا لم يتحقق معه الصدق المزبور وان تضمن الحركة التبعية كالصلاة على الارجوحة. لقصور المقتضي للمنع، إذ لا تصدق في مثلها الصلاة راكبا فضلا عن الصلاة على الدابة أو الراحلة. فلو فرض التمكن حينئذ من رعاية الاجزاء والشرائط وعدم الاخلال بشئ منها فمجرد الحركة بتبع الارجوحة مع المحافظة على استقرار المصلي واطمئنانه في نفسه لا يكون مانعا عن صحة الصلاة. مضافا إلى قيام الدليل على الجواز، وهي صحيحة علي بن جعفر

[ 96 ]

عن اخيه موسى عليه السلام قال فسألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي على الرف المعلق بين نخلتين؟ فقال: إن كان متسويا يقدر على الصلاة فيه فلا بأس (1) رويت بطريقين في أحدهما ضعف لمكان عبد الله بن الحسن، والعمدة الطريق الآخر الصحيح الذي رواها به الشيخ فلاحظ. فان المراد من تعليق الرف اما خصوص ما علق بالحبال، كما قد يساعده لفظ بل هو الظاهر منه كما لا يخفى، أو الاعم منه ومن المسمر بالمسامير، وعلى أي تقدير فتدل ولو بترك الاستفصال على ان المعلو بالحبال المتحرك بطبيعة الحال تجوز الصلاة عليه إذا كان الرف مستويا بحيث يتمكن من الصلاة عليه من غير اخلال بها وان الحركة التبعية الحاصلة لدى قيام المصلي وجلوسه وركوعه وسجوده غير قادحة. نعم: لو كان المراد خصوص المسمر بالمسامير كما احتمله بعضهم كانت اجنبية عن المقام لما فيه من الثبات والاستحكام فلا حركة اصلية ولا تبعية، لكنه خلاف الظاهر منها قطعا لمنافاته مع التعبير بالتعليق كما عرفت. واما الكلام في المورد الثاني: أعني الصلاة في السفينة، فالبحث عنها يقع في جهات: الاولى: لا اشكال كما لا خلاف في جواز الصلاة في السفينة لدى الاضطرار، وعدم التمكن من الخروج عنها، كما في الاسفار البعيدة، فيأتي بما يتمكن من الاجزاء والشرائط الاختيارية، وإلا فينتقل إلى ابدالها حسب ما تقتضيه الوظيفة الفعلية لعدم سقوط


(1) الواسل: باب 35 من ابواب مكان المصلي ح 1.

[ 97 ]

الصلاة بحال، فصحتها حينئذ على طبق القاعدة من دون حاجة إلى ورود النص على انه وارد كما ستعرف وهذا ظاهر لا سترة عليه. الثانية: إذا كان متمكنا من الخروج فالظاهر عدم الخلاف والاشكال ايضا في صحة الصلاة في السفينة مع التمكن من مراعاة ما يعتبر فيها من الاجزاء والشرائط الاختيارية وعدم الاخلال بشئ منها. فمجرد الحركة التبعية الحاصلة من سير السفينة غير قادحة هنا جزما، ولا يلزم الخروج إلى الساحل وايقاع الصلاة على الارض. وتدل عليه جملة من النصوص. منها صحيح (1) جميل بن دراج انه قال لابي عبد الله عليه السلام تكون السفينة قريبة من الجد (الجدد) فاخرج واصلي، قال: صل فيها، أما ترضى بصلاة نوح (ع) (2) وموثقة (3) يونس بن يعقوب انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الفرات وما هو اصغر منه من الانهار في السفينة، فقال: ان صليت فحسن وان خرجت فحسن. ونحوها: رواية المفضل بن صالح المتحدة معها متنا مع اختلاف يسير (4) وقد عبر المحقق الهمداني عن الاخيرة بالصحيحة، وعبر عنها بعض بالموثقة وكلاهما في غير محله. والصواب انها ضعيفة


(1) صحة طريق الصدوق إلى جميل بن دراج وحده من غير ضم محمد بن حمران محل تأمل عند الاستاد وان صححه أخيرا في كتاب الحج من وجه آخر. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب القبلة ح 3. (3) في سند الصدوق إليه في المشيخة الحكم بن مسكين وتوثيقه مبني على الاعتماد على رجال الكامل وقد عدل دام ظله عنه. (4) الوسائل: باب 13 من أبواب القبلة ح 5 و 11.

[ 98 ]

لتصريح (1) النجاشي بضعف الرجل اي المفضل بن صالح أبو جميلة في ترجمة جابر بن يزيد، حيث قال بعد ترجمة جابر وتوثيقه ما لفظه: " روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا منهم عمر ابن شمر ومفضل بن صالح. الخ " وتبعه غيره. وكيف كان ففيما عداها غنى وكفاية. نعم: بأزائها ما يترائى منه عدم الصحة كصحيح حماد بن عيسى قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يسئل عن الصلاة في السفينة فيقول ان استطعتم ان تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا فان لم يقدروا (هكذا في الوسائل، والصواب لم تقدروا) فصلوا قياما، فان لم تستطيعوا فصلوا قعودا وتحروا القبلة (2) رويت بطريقين كلاهما صحيح، ومضمرة علي بن ابراهيم قال: سألته عن الصلاة في السفينة، قال يصلي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة، ولا يصلي


(1) هذه العبارة غير صريحة في الضعف بل غايته عدم النقاش في التضعيف الذي نقله عن الجماعة واقصاه الظهور دون الصراحة بل يمكن الخدش فيه ايضا فان حكاية التضعيف ولا سيما في ترجمة شخص آخر من دون تعليق أو تعقيب بنفي ولا اثبات لا يكاد يكشف عن الامضاء والارتضاه. ومن ثم ترى النجاشي لم يضعف الرجل عند ترجمته فلو تم الارتضاء لكان الاولى والاجدر التعرض له عند التصدي لترجمته، كما انه حكى في ترجمة احمد بن محمد بن يحيى ان ابن الوليد استثني الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن رجال نوادر الحكمة ومعذلك وثقة بنفسه في ترجمته فلاحظ. (2) الوسائل: باب 13 من أبواب القبلة ح 14.

[ 99 ]

في السفينة وهو يقدر على الشط.. الخ (1) والعمدة هي الاولى، فان سند الاخير لا يخلو عن الخدش كما لا يخفى. ومقتضى الجمع هو حمل الطائفة الثانية على الاستحباب، أو على ما إذا لم يتمكن من استيفاء الافعال، لكن الاول كما ترى فان استحباب الخروج لا يلائم مع الترغيب في الاقتداء بصلاة نوح، وكيف يمكن حمل قوله عليه السلام: إن صليت فحسن وان خرجت فحسن، الظاهر في المساواة في الحسن على التفاضل وارجحية الخروج. فالمتعين: هو الجمع الثاني كما يشهد له نفس الصحيح من الامر بالصلاة قياما وإلا فقعودا وتحري القبلة مهما امكن فانه ظاهر في عدم التمكن من المحافظة على افعال الصلاة كما هي والاخلال ببعض ما يعتبر لا اقل من الاستقبال ولو في بعض الاحوال. الجهة الثالثة: قد عرفت عدم الخلاف في صحة الصلاة في السفينة اختيارا مع عدم الاخلال والتمكن من استيفاء الافعال وان الحركة التبعية بمجردها غير قادحة. وهل تصح فيها اختيارا حتى مع الاخلال وعدم التمكن من الاستيفاء فتكون للسفينة خصوصية بها تمتاز عن غيرها، وهي جواز الاقتصار على ما يتيسر من الافعال، وان كان متمكنا من الخروج والاتيان بصلاة كاملة. فيه خلاف بين الاعلام، فقد ذهب غير واحد من المتأخرين إلى الجواز، بل حكي عن جمع من القدماء، لكن الاقوى خلافه، بل لعله هو المشهور.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب القبلة ح 8.

[ 100 ]

ويستدل للجواز تارة بمرسلة الصدوق في الهداية وبالفقه الرضوي (1) لكن التعويل على مثلهما في اثبات الحكم المخالف لاطلاقات الادلة الاولية كما ترى، ولم تذكر المرسلة في الفقيه كي يلاحظ سندها. واخرى: باطلاق ما دل على جواز الصلاة في السفينة اختيارا الشامل لصورتي التمكن من استيفاء الافعال وعدمه كصحيحة جميل وموثقة يونس المتقدمتين وغيرهما. ويندفع اولا: بمنع الاطلاق في تلك الاخبار فانها مسوقة سؤالا وجوابا لبيان حكم الصلاة في السفينة من حيث هي وان الحركة التبعية الملازمة لها حالة السير غير قادحة. فلا بأس بالصلاة في هذا المكان، ولا نظر فيها إلى ساير ما يعتبر في الصلاة كي ينعقد الاطلاق بلحاظها (ألا ترى) انه إذا سئل عن حكم الصلاة في الحمام مثلا فاجيب بنفي الباس لم يكن للجواب اطلاق بالاضافة إلى ايقاعها عاريا اوالى غير القبلة، أو من دون طهارة، وكذا إذا اجيب بصحة الصلاة في السفينة لم يكن له اطلاق من حيث الطهارة المائية أو الترابية أو عدمهما، فهكذا في المقام لا اطلاق لهذه النصوص بالاضافة إلى استيفاء الافعال وعدمه، لكون النظر مقصورا على الحيثية التي سيق من اجلها السؤال وهي مجرد الوقوع في السفينة السائرة. وهذا واضح لا غبار عليه. وثانيا: لو سلمنا الاطلاق في تلك الاخبار فهي معارضة كما مر بما يقابلها مما تضمن المنع عن الصلاة في السفينة لدى التمكن من الخروج مثل صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة، ومقتضى الجمع بعد امتناع الحمل على الاستحباب كما عرفت حمل الطائفة الاولى


(1) مستدرك الوسائل: باب 9 من أبواب القبلة ح 5، 6.

[ 101 ]

على صورة التمكن من رعاية الاجزاء والشرائط الاختيارية، والثانية على صورة العجز لما فيها من الشواهد على ذلك كما سبق. وعليه فلا اطلاق في هذه الاخبار يعم صورة العجز عن استيفاء الافعال. وثالثا: مع الفض وتسليم امتناع الجمع بهذه الكيفية فيمكننا علاج المعارضة بوجه آخر. فنقول ان النسبة بين الطائفتين كصحيحة جميل وصحيحة حماد وان كانت هي التباين ابتداءا لكنها تنقلب إلى العموم والخصوص المطلق بعد ملاحظة موثقة يونس بن يعقوب المتقدمة. وبيانه: ان الموثقة وان نوقش في صندها من جهة الحكم بن مسكين حيث لم يوثق في كتب الرجال صريحا، لكن يكفي في توثيقه وقوعه في اسانيد كامل الزيارات (1). ومن هنا عبرنا عنها بالموثقة. هذا من حيث السند، واما الدلالة فهي في كمال الظهور في الاختصاص بالصلاة التي يتمكن فيها من استيفاء الافعال، بحيث لا فرق بينها وبين الصلاة الواقعة خارج السفينة من غير ناحية المكان على ما يقتضيه قوله: ان صليت فحسن وان خرجت فحسن، فانه كالصريح في كون المفروض التساوي بين نفس الصلاتين بالذات وعدم الفرق إلا من حيث المكان فلا يحتمل فيها الاطلاق من حيث الاستيفاء وعدمه. وعليه فبما انها اخص من صحيحة حماد كما لا يخفى فتخصص بها، فتبقى تحتها بعد التخصيص الصلاة التي لا يتمكن فيها من استيفاء الافعال، وبعئذ تنقلب النسبة بين هذه الصحيحة وصحيحة جميل من التباين إلى العموم المطلق، لكون الثانية اعم فتخصص بالاولى وتكون النتيجة اختصاص صحيحة جميل بالصلاة التي يتمكن


(1) تقدم انه دام ظله عدل منه.

[ 102 ]

فيها من الاستيفاء، فلا اطلاق لها بالاضافة إلى غيرها، كما لا تعارض. فتحصل: ان الاقوى عدم جواز الاخلال بالاجزاء والشرائط اختيارا من غير فرق بين السفينة وغيرها من ساير المراكب وانه مع التمكن من الخروج والاتيان بصلاة تامة يتعين ذلك. نعم: مع العجز عنه يأتي بما يتيسر من الافعال حسب ما تقتضيه الوظيفة الفعلية فيراعي الاستقبال لدى الشروع في الصلاة، ثم إذا دارت السفينة يراعيه في بقية الاجزاء بقدر الامكان، والا سقط الاستقبال كما نطقت به عدة من الاخبار. ففي موثق (1) يونس " استقبل القبلة ثم كبر ثم در مع السفينة حيث دارت بك " (2). وصحيح الحلبي: يستقبل القبلة ويصف رجليه فإذا دارت واستطاع ان يتوجه إلى القبلة وإلا فليصل حيث توجهت به (3). ومضمرة علي بن ابراهيم: يحول وجهه إلى القبلة ثم يصلي كيف ما دارت به (4). وفي صحيحة حماد بن عثمان: يستقبل القبلة فإذا دارت فاستطاع ان يتوجه إلى القبلة فليفعل وإلا فليصل حيث توجهت به (5). نعم: ربما يظهر من بعض الاخبار انه إذا لم يتمكن ان يدور إلى القبلة يصلي إلى صدر السفينة كما في مرسلة الهداية والفقه الرضوي المتقدمتين وكذا مرسلة الفقيه قال روي انه إذا عصفت الريح بمن في السفينة ولم يقدر على ان يدور إلى القبلة صلي إلى


(1) تقدم ما في السند. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل: باب 13 من ابواب القبلة حديث: 6 و 1 و 8 و 13.

[ 103 ]

[ نعم مع الاضطرار ولو لضيق الوقت (1) عن الخروج من السفينة مثلا لا مانع، ويجب عليه حينئذ مراعاة الاستقبال والاستقرار بقدر الامكان فيدور حيثما دارت الدابة أو السفينة، وان امكنه الاستقرار في حال القراءة والاذكار والسكوت خلالها حين الاضطرار وجب ذلك مع عدم الفصل الطويل الماحي للصورة ]. صدر السفينة (1)، لكنها لمكان الضعف وعدم الجابر والمعارضة بما سبق لا تصلح للاعتماد. (1): تقدم سابقا انه لو ضاق الوقت حال الخروج عن الدار الغصبية فدار الامر بين الصلاة مؤميا خارجا وبين ادراك ركعة اختيارية في الوقت خارج الدار قدم الثاني، وان المراد من الضيق هناك عدم التمكن من ادراك الصلاة في المكان المباح حتى بمقدار الركعة، وقد مر وجهه فلاحظ. واما في المقام: فالامر بالعكس فيصلي في السفينة وان اخل بالافعال مهما لم يتمكن من الخروج والاتيان بصلاة اختيارية تمامها في الوقت سواء اتمكن من ادراك ركعة كذلك ام لا، لاطلاق صحيحة حماد المتقدمة، فان ظاهر قوله عليه السلام: فان لم تقدروا فصلوا قياما. الخ، اي لم تقدروا من الخروج للاتيان بصلاة اختيارية كلها في الوقت سواء تمكن من ادراك الركعة ام لا، فالمراد بالضيق في المقام عدم سعة الوقت لاداء تمام الصلاة بعد الخروج.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب القبلة ح 7.

[ 104 ]

[ وإلا فهو مشكل (1). (مسألة 24): يجوز في حال الاختيار الصلاة في السفينة أو على الدابة (2) الواقفتين مع امكان مراعاة جميع الشروط من الاستقرار والاستقبال ونحوهما، بل الاقوى جوازها مع كونهما سائرتين إذا امكن مراعاة الشروط ولو بأن يسكت حين الاضطراب عن القراءة والذكر مع الشرط المتقدم ويدور إلى القبلة إذا انحرفتا عنها ولا تضر الحركة التبعية بتحركهما وان كان الاحوط القصر على حال الضيق والاضطرار ]. (1): بل لا اشكال في سقوط الاستقرار حينئذ، إذ بعد فرض استلزام مراعاته محو صورة الصلاة المساوقة لعدم تحققها خارجا يكون الامر حينئذ دائرا بين ترك الاستقرار وبين ترك الصلاة رأسا ولا شك في تقدم الاول، لعدم سقوط الصلاة بحال فلا مجال للاشكال وهذا واضح جدا. (2): بعدما عرفت بما لا مزيد عليه جواز الصلاة في السفينة أو على الدابة اختيارا حال سيرها وان الحركة التبعية بنفسها غير قادحة مع فرض استيفاء الافعال وعدم الاخلال بشئ منها، فالجواز في فرض كونهما واقفتين بطريق اولى، إذ لا يحتمل استثنائهما من بقية الامكنة، فالصلاة عليهما وعلى الارض على حد سواء كما هو ظاهر.

[ 105 ]

[ (مسألة 25): لا يجوز الصلاة على صبرة الحنطة وبيدر التبن وكومة الرمل (1) مع عدم الاستقرار، وكذا ما كان مثلها. (الثالث): أن لا يكون معرضا لعدم امكان الاتمام والتزلزل في البقاء إلى آخر الصلاة (2)، كالصلاة في الزحام المعرض لابطال صلاته، وكذا في معرض الريح أو المطر الشديد أو نحوها، فمع عدم الاطمئنان بامكان الاتمام لا يجوز الشروع فيها على الاحوط، نعم لا يضر مجرد احتمال عروض المبطل. ] (1): للاخلال بالاستقرار، اعني الاطمئنان المعتبر في القراءة والاذكار كما هو واضح. (2): هذا مبني على اعتبار الجزم بالنية في تحقق العبادة وعدم الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي مع التمكن من التفصيلي، لكنه بمعزل عن التحقيق كما فصلنا القول فيه في بحث الاجتهاد والتقليد، فان العبادة تشترك مع غيرها في كون الواجب هو ذات العمل، وانما تمتاز عنها في لزوم اضافتها إلى المولى نحو اضافة، وكما تتحقق الاضافة بالنسبة الجزمية وبالقصد التفصيلي فكذا تتحقق بقصد الرجاء وبالنسبة الاحتمالية الاجمالية كما في جميع موارد الاحتياط. ودعوى تأخر الثاني عن الاول رتبة وكونه في طوله ولدى العجز عنه لا شاهد عليها

[ 106 ]

[ (الرابع): ان لا يكون مما يحرم البقاء فيه كما بين الصفين من القتال، أو تحت السقف (1)، أو الحائط المنهدم، أو في المسبعة، أو نحو ذلك مما هو محل للخطر على النفس. (الخامس): ان لا يكون مما يحرم الوقوف والقيام والقعود عليه (1) كما إذا كتب عليه القرآن، وكذا على قبر المعصوم (ع) أو غيره ممن يكون الوقوف عليه هتكا لحرمته. ] وبالجملة: فهذا الشرط لا دليل على اعتباره. فالاقوى صحة الصلاة على تقدير اتمامها جامعة للشرائط. هذا فيما إذا كان احتمال عروض المبطل احتمالا عقلائيا كما لو صلى في مكان معرض للبطلان من جهة الزحام أو هبوب الرياح أو المطر الشديد ونحوها، واما مجرد الاحتمال العقلي فلا اشكال في عدم قدحه كما نبه عليه في المتن. (1): حرمة البقاء في الموارد المذكورة وان كانت مسلمة من باب عدم جواز القاء النفس في التهلكة، لكنها بمجردها لا تستوجب البطلان ما لم يتحد الحرام مع افعال الصلاة، وحيث لا اتحاد في المقام حتى من ناحية السجدة لفرض اباحة الارض نفسها وان حرم المكث، وان الاعتماد المقوم لها متحقق في المكان المباح. فالاقوى صحة الصلاة وإن كان آثما. (2): الحال فيه يظهر مما مر آنفا فان الوقوف على ما كتب عليه القرآن أو قبر المعصوم عليه السلام وان لم يكن ريب في حرمته

[ 107 ]

[ (السادس): ان يكون مما يمكن اداء الافعال فيه بحسب حال المصلي (1)، فلا يجوز الصلاة في بيت سقفه نازل بحيث لا يقدر فيه على الانتصاب، أو بيت يكون ضيقا لا يمكن فيه الركوع والسجود على الوجه المعتبر. نعم في الضيق والاضطرار يجوز ويجب مراعاتها بقدر الامكان، ولو دار الامر بين مكانين في أحدهما قادر على القيام (2) لكن لا يقدر على الركوع والسجود إلا مومئا ] من جهة الهتك، بل ربما يفضي بعض مراتبه إلى الكفر كما لو نشأ الوقوف المزبور عن الاستهزاء بكتاب الله أو انكار نزوله من السماء لكن الحرام غير متحد مع القيام أو القعود أو الركوع أو السجود التي هي من افعال الصلاة، فان المعتبر من هذه الافعال المأخوذة في حقيقة الصلاة هي الهيئات الخاصة الحاصلة لدى ارتكاب هذه الامور كما مر توضيحه في اوائل هذا المبحث، والهيئة بنفسها غير متحدة مع الوقوف المزبور، كما انه بنفسه غير مأخوذ في الصلاة لا جزء ولا شرطا كما لا يخفى. نعم تصح دعوى الاتحاد في السجود خاصة من جهة اعتبار الاعتماد فيه كما مر غير مرة، فالبطلان انما يتجه لو سجد على ما يحرم الاعتماد عليه دون ما إذا وقف على المكان المزبور وسجد في مكان آخر. (1): هذا لا اشكال فيه لكنه ليس شرطا قبال وجوب الافعال فلا يحسن عده من شرايط المكان كما هو ظاهر جدا. (2): احتاط (قده) في الجمع حينئذ بتكرار الصلاة في

[ 108 ]

[ وفي الآخر لا يقدر عليه ويقدر عليهما جالسا فالاحوط الجمع بتكرار الصلاة، وفي الضيق لا يبعد التخيير ]. المكانين مع سعة الوقت ولم يستبعد التخيير في الضيق، وقد تعرض (قده) لنفس الفرع في بحث القيام (مسألة 17) وحكم بعين ما حكم به في المقام. وقد كتب شيخنا الاستاد (قده) على الموردين تعليقتين متهافتتين فقدم في المقام الركوع والسجود على القيام وقدمه عليهما هناك، ونظره الشريف هنا إلى الترجيح بالاهمية، وهناك بالاسبقية، وبينهما من التنافي ما لا يخفى فلاحظ. وكيف كان فلا يمكن المساعدة على ما افاده (قده) في كلا الموردين، ولا على ما افاده الماتن من لزوم الاحتياط في السعة، بل الاقوى التخيير مطلقا. اما مقالة شيخنا الاستاذ (ره) فمبنية على ما هو المعروف من ادراج المقام وامثاله من المركبات الارتباطية التي تعذر بعض اجزائها لا على التعيين في باب التزاحم حتى نراعى قواعد هذا الباب من الترجيح بالاهمية أو الاسبقية وليس كذلك، بل هي داخلة في كبرى التعارض كما مر غير مرة، إذ لا تعقل المزاحمة إلا بين تكليفين مستقلين قد عجز المكلف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال وليس في امثال المقام إلا تكليف وحداني متعلق بالمجموع المركب من حيث المجموع، كما هو مقتضى فرض الارتباطية والانحلال إلى تكاليف عديدة ضمنية إنما هي بتحليل من العقل والا فليس في موردها الا تكليف واحد له طاعة واحدة وعصيان فارد. فإذا طرا

[ 109 ]

العجز على شئ من تلك القيود سقطت الاوامر الضمنية باجمعها بمقتضى الارتباطية الملحوظة بينها. ومرجع ذلك إلى سقوط الامر المتعلق بالمركب لا محالة ومقتضى القاعدة حينئذ سقوط الصلاة رأسا، لكناعلمنا من الخارج عدم سقوط الصلاة بحال. فنستكشف من ذلك تعلق امر جديد بالباقي بعد سقوط الامر الاول. وبما ان المجعول الثانوي مجهول لدورانه بين ان يكون هي الصلاة قائما موميا أو جالسا مع الركوع والسجود فلا محالة تقع المعارضة بين دليل القيام ودليل الركوع والسجود، فلا بد من اعمال قواعد المعارضة، ورعاية مرجحات هذا الباب، وحيث ان النسبة بينهما عموم من وجه فان كان احدهما بالوضع والآخر بالاطلاق قدم الاول، وان كانا بالاطلاق كما في المقام تساقطا ويرجع إلى الاصل العملي، وحيث ان الامر حينئذ دائر بين التعيين والتخيير في مقام الجعل إذ كما يحتمل تعين الصلاة مع القيام خاصة، أو مع الركوع والسجود خاصة كذلك يحتمل ان يكون المجعول الواقعي في هذا الظرف هو التخيير بينهما، فيرجع حينئذ إلى البراءة عن التعيين، لان المتيقن هو جامع الصلاة وكل من الخصوصيتين مشكوكة تدفع بالبراءة، فينتج التخيير، إذ لا نحتمل عدم وجوب شئ منهما بان يصلي من دون القيام ومن دون الركوع والسجود، فان الضرورات فقدر بقدرها، يجب احدهما قطعا اما تعيينا أو تخييرا، وواضح ان التعيين كلفة زائدة تدفع بالبراءة. ومن هذا البيان يظهر الجواب عن مقالة السيد الماتن (قده) من الرجوع إلى الاحتياط عملا بالعلم الاجمالي، إذ هو إنما يتم لو كان المعلوم بالاجمال منحصرا في الاحتمالين الاولين بان تعتبر الصلاة

[ 110 ]

[ (السابع): ان لا يكون متقدما على قبر معصوم ولا مساويا (1) له مع عدم الحائل المانع الرافع لسوء الادب على الاحوط، ولا يكفي في الحائل الشبابيك والصندوق الشريف وثوبه ]. مع احدى الخصوصيتين كي يكون من الدوران بين المتباينين حتى يجب الاحتياط بالتكرار. واما مع وجود احتمال ثالث وهو التخيير كما عرفت فحيث لا علم حينئذ باحدى الخصوصيتين فيؤخذ بالقدر المتيقن وهو الجامع ويدفع الزائد بالاصل. (1): يقع الكلام تارة في الصلاة مساويا لقبر المعصوم عليه السلام واخرى مقدما عليه. اما مع التساوي فالمشهور على الكراهة، وعن بعض المتأخرين المنع، ولا وجه له عدا مرسلة الحميري في الاحتجاج عن صاحب الزمان عليه السلام " لا يجوز ان يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره لان الامام لا يتقدم عليه ولا يساوي " لكنها لمكان الضعف غير صالحة للاستدلال مضافا إلى معارضتها بروايته الاخرى الآتية المصرحة بالجواز عن اليمين والشمال، على ان هناك روايات كثيرة تضمنت افضلية الصلاة عند رأس الحسين (ع) أو ابي الحسن (ع) المذكورة في كتب المزار، ومن هنا يشكل الحكم بأطلاق الكراهة إلا ان يستند إلى المرسلة المتقدمة بناءا على التسامح في ادلة السنن وجريانه في المكروهات. واما مع التقدم فالمشهور الكراهة ايضا، وعن جمع ولعل اولهم

[ 111 ]

البهائي (قده) وتبعه جمع ممن تأخر عنه المنع، ومستندهم فيه عدة اخبار. منها: ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن عبد الله الحميري قال: كتبت إلى الفقيه (ع) اسأله عن الرجل يزور قبور الائمة هل يجوز ان يسجد على القبر ام لا؟ وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم ان يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة، ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز ان يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه أم لا؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت، واما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة، بل يضع خده الايمن على القبر. واما الصلاة فانها خلفه ويجعله الامام ولا يجوز ان يصلي بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله (1). ومنها: رواية الاحتجاج المتقدمة آنفا. ومنها: رواية هشام بن سالم المروية في كامل الزيارات عن ابي عبد الله (ع) في حديث قال اتاه رجل فقال له: يابن رسول الله هل يزار والدك؟ قال نعم ويصلى عنده، وقال يصلى خلفه ولا يتقدم عليه (2). اما الرواية الاخيرة فهي ضعيفة السند بعبدالله بن عبد الرحمن الاصم فقد ضعفه النجاشي صريحا. ونحن وان اعتبرنا كل من وقع في سلسلة اسانيد كامل الزيارات، لكنه ما لم يكن معارضا بتضعيف مثل النجاشي. واما سابقتها فقد عرفت ضعفها بالارسال، فالعمدة إنما هي الرواية الاولى. والكلام فيها يقع تارة من حيث السند،


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب مكان المصلي ح 1. (2) الوسائل: باب 26 من أبواب مكان المصلي ح 7.

[ 112 ]

واخرى من ناحية الدلالة. اما السند فقد يناقش فيه من وجهين: احدهما: ان الشيخ رواها عن محمد بن احمد بن داود، وطريقه إليه غير مبين في المشيخة. وجوابه: ما ذكره الميرزا الاسترابادي في نهج المقال من عدم استقصاء الشيخ جميع طرقه في المشيخة، بل ذكر جملة منها واحال الباقي إلى الفهرست وطريقه إلى الرجل مذكور في الفهرست وهو صحيح كما نبه عليه الاردبيلي وان اشتبه في عطف المشيخة عليه، فقال: ان طريقه إليه صحيح في الفهرست والمشيخة لما عرفت من خلو الثاني عنه وكم له نظائر هذا الاشتباه، فأسند ما في الفهرست إلى المشيخة أو بالعكس، أو اليهما معا وليس إلا في احدهما. وقد ظفرنا على هذا النوع من اشتباهاته ما يقرب الاربعين موردا والعصمة لاهلها. هذا: وقد اجاب الميرزا ايضا بامكان استفادة طريقه إليه من ذكر طريقه إلى ابيه احمد بن داود، لوقوع الابن في طريق الاب. وفيه: ما لا يخفى كما تنظر هو (قده) فيه، فان غاية ذلك صحة طريقه إلى الرجل بالنسبة إلى ما يرويه من كتاب ابيه لا بالنسبة إلى كتاب نفسه الذي هو محل الكلام، لنقل الرواية عن كتاب نفسه لا عن كتاب أبيه. ثانيهما: ان الفقيه (ع) المروي عنه ظاهر في الكاظم (ع) لكونه من القابه وبعد ملاحظة تأخر طبقة الحميري عنه (ع) وعدم امكان روايته عنه بلا واسطة فلا محالة يشتمل السند على السقط

[ 113 ]

فيكون في حكم المرسل. والانصاف ان هذه المناقشة في محلها (1)، فان الرواية اما ظاهرة في ارادة الكاظم (ع) بقرينة قوله: " فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت " حيث ان استنساخ الحميري لا يستقيم لو كانت المكاتبة بينه وبين الصاحب (ع) وكان هو بنفسه صاحب التوقيع. وانما يتجه لو كان التوقيع صادرا من الكاظم عليه السلام إلى غيره فوصلت إليه فاستنسخ منه نسخة، وحيث لم يعلم ذلك الغير ففي السند سقط يلحقه بالمرسل. أولا أقل من احتمال ذلك، والترديد بين ارادة الكاظم أو الحجة عجل الله فرجه فلا جزم بالسند بعد احتمال الارسال فتسقط عن الاستدلال. هذا ومكاتبات الحميري مع الحجة عجل الله فرجه استقصوها وليست هذه منها. فلا يصغي إلى ما يقال من ان الفقيه من القاب الحجة (ع) ايضا كالكاظم. أو ان المراد معناه الوصفي لا الاسمي، مستشهدا


(1) لكنها مبنية على ان يكون (الفقيه) من الالقاب المختصة بالكاظم (ع) وليس كذلك بل يطلق على الحجة وعلى العسكري (عليهما السلام) كما صرح به في جامع الرواة، وقد اطلق على العسكري في موارد منها مكاتبة الصفار المروية في التهذيب ج 6 ص 255 ومكاتبته الاخرى المروية في ج 7 ص 222 فمن الجائز ان يكون هو المراد في المقام. واما القرينة التي من اجلها استظهر دام ظله ارادة الكاظم (عليه السلام) فمبنية على عود ضمير التكلم في قوله قرأت، نسخت إلى الحميري نفسه اما لو عاد إلى الراوي عنه اعني محمد بن احمد أو والده كما لا يبعد فلا موقع لها كما لا يخفى.

[ 114 ]

بظاهر قول الحميري كتبت مؤيدا بالتصريح بصاحب الامر (ع) في روايته الاخرى المتقدمة المروية عن الاحتجاج. فان الرواية الاخيرة ضعيفة السند فلا يعبؤ بها، والفقيه لم يعهد اطلاقه على الحجة (ع)، ولفظة كتبت انما تكشف عن ارادته (ع) لو علم ان قائلها هو الحميري، ولم يثبت لما عرفت آنفا من استظهار انه غيرء، اولا أقل من الاحتمال فكيف يستدل بها على ارادة الحجة (ع). فالاقوى ضعف سند الرواية من جهة احتمال الارسال لو لم يطمأن به كما عرفت. واما من حيث الدلالة فمحتملات الرواية ثلاثة: الاول: ان يكون المراد من قوله (ع)، ويجعله الامام تنزيل القبر منزلة الامام (ع) وفرضه كأنه هو فكما لا يتقدم عليه (ع) فكذا على قبره. وهذا كما ترى فان الجعل والفرض لا يترتب عليه اثر ولا يغير الواقع عما هو عليه، فان القبر ان لم يجز التقدم عليه لا يحتاج إلى الفرض والتنزيل، والا فمجرد الفرض لا يوجب اجراء حكم الامام (ع) عليه، فلا يكون التعبير على هذا التفسير سلسا، بل لا يخلو عن الركاكة كما لا يخفى. على ان التقدم على الامام (ع) في نفسه لا حرمة فيه ما لم يستلزم الهتك المنفى في المقام. الثاني: ان يراد من ذلك تنزيل القبر الشريف منزلة امام الجماعة فكما لا يتقدم المأموم على الامام فكذا المصلي لا يتقدم على القبر. وهذا يتلو سابقه في الركاكة وعدم السلاسة وان استقام معه التعليل، اعني قوله (ع): (لان الامام لا يتقدم) لعدم جواز التقدم على امام الجماعة، وذلك لما عرفت من ان الجعل لا يؤثر في

[ 115 ]

[ (الثامن): ان لا يكون نجسا نجاسة متعدية (1) إلى الثوب أو البدن، واما إذا لم تكن متعدية فلا مانع الا ] صيرورة القبر بمنزلة الامام كي تترتب عليه الاحكام، فان ذلك تابع لواقعه ولا مدخل للجعل والفرض في ذلك كما هو ظاهر. الثالث: وهو المتعين ان يكون الامام في قوله: ويجعله الامام بفتح الهمزة، بمعنى القدام وتكون الجملة تأكيدا لسابقتها، وهي قوله: فانها خلفه، والمراد انه يصلي خلف القبر الشريف، ويجعل القبر قدامه وامامه. وبهذا يتحفظ على سلاسة الكلام. فان مراعاة كيفية وضع القبر ونسبته إلى موقف المصلي باختياره وتابع لجعله فيمكنه جعل القبر خلفه أو قدامه أو عن يمينه أو شماله فامر (ع) بجعله قدامه معللا بان الامام (ع) لا يتقدم عليه. وحيث ان التعليل حكم تأدبي قطعا لعدم المحذور في التقدم على شخص الامام (عليه السلام) فضلا عن قبره إذ لم يعهد انه (ع) عند مشيه في الطريق كان الناس يقفون على جانبيه حتى يتعدى، ولا يمشون قدامه فهو محمول على الكراهة، فلا يتضمن الالزام والمنع. فالاقوى ما عليه المشهور من الالتزام بالكراهة دون الحرمة بناءا على التسامح في ادلة السنن وجريانه في المكروهات لما عرفت من ضعف سند الخبر كغيره مما سبق. هذا مع عدم الحائل، اما معه الواقع لسوء الادب فلا كراهة ايضا ولا يكفى فيه الشبابيك والصندوق والثوب ووجهه ظاهر. (1): من الظاهر ان مرجع ذلك إلى شرطية

[ 116 ]

[ مكان الجبهة فانه يجب طهارته وان لم تكن نجاسته متعدية لكن الاحوط طهارة ما عدا مكان الجبهة ايضا مطلقا خصوصا إذا كانت عليه عين النجاسة. (التاسع): ان لا يكون محل السجدة اعلى أو اسفل من موضع القدم (1) بازيد من اربع اصابع مضمومات على ما سيجئ في باب السجدة. (العاشر): ان لا يصلي الرجل والمرأة في مكان واحد (2)، بحيث تكون المرأة مقدمة على الرجل. ] طهارة البدن واللباس، وليس شرطا آخر معتبرا في نفس المكان نعم تعتبر الطهارة في خصوص المسجد، اعني مكان الجبهة وسيجئ البحث حوله في مبحث السجود ان شاء الله تعالى. (1): سيجئ البحث عنه مفصلا في باب السجدة عند تعرض الماتن له ان شاء الله تعالى. (2): نسب إلى غيره واحد من المتقدمين، بل إلى المشهور بينهم المنع عن صلاة الرجل والمرأة في مكان واحد مع تقدم المرأة أو كونها بحذاء الرجل. وحكي عن غير واحد من المتأخرين بل عامتهم عدا النادر كما في مصباح الفقيه القول بالجواز مع الكراهة، وعن الجعفي التفصيل بين ما إذا كان البعد بينهما اقل من عظم الذراع اي الشبر فالمنع، وان كان بقدره أو اكثر فالكراهة. وكيف كان. فلا خلاف بين الاصحاب في ارتفاع الحكم منعا

[ 117 ]

أو كراهة مع وجود الحائل أو الفصل بمقدار عشرة اذرع، ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار فانها على طوائف ثلاث. الاولى: ما تضمنت المنع مطلقا وهي عدة اخبار فيها الصحاح والموثقات. منها: صحيحة ادريس بن عبد الله القمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل. يصلي وبحياله امرأة قائمة على فراشها جنبا، فقال: إن كانت قاعدة فلا يضرك وان كانت تصلي فلا (1). وصحيحة زرارة: عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن المرأة تصلي عند الرجل، فقال لا تصلي المرأة بحيال الرجل الا ان يكون قدامها ولو بصدره (2). وموثقة عمار: عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) انه سئل عن الرجل يستقيم له ان يصلي وبين يديه امرأة تصلي، قال: ان كانت تصلي خلفه فلا بأس، وان كانت تصيب ثوبه (3). وصحيحة ابن مسلم: عن احدهما (ع) قال: سألته عن المراة تزامل الرجل في المحمل يصليان جميعا، قال: لا. ولكن يصلي الرجل فإذا فرغ صلت المرأة (4). ونحوها غيرها. الثانية: ما تضمنت الجواز مطلقا. منها: ما رواه الشيخ باسناده عن الحسن بن علي بن فضال عمن اخبره عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (ع) في الرجل


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب مكان المصلي ح 1. (2) و (3) الوساسل: باب 6 من أبواب مكان المصلي ح 2 و 4. (4) الوسائل: باب 5 من أبواب مكان المصلي ح 2.

[ 118 ]

يصلي والمرأة تصلي بحذاه، قال: لا بأس (1) وهذه الرواية كما ترى مرسلة لا يعتمد عليها ولا جابر لها بعد ما عرفت من كون المسألة خلافية بل كون المشهور بين القدماء هو المنع، مع ان كبرى الانجبار ممنوعة كما مر غيره مرة. وانما تعرضنا لها دفعا لما قد يتوهم من صحتها من جهة كونها من روايات بني فضال الذين قال العسكري (ع) في كتبهم: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا. واول من صدرت عنه هذه الدعوى على الظاهر هو شيخنا الانصاري (قده) حيث نقل في اول صحفة من مبحث الجماعة رواية مرسلة في طريقها علي بن فضال، وحكم بصحتها لما ذكر، وتبعه فيها جمع ممن تأخر عنه. وفيه اولا: ان الرواية في نفسها ضعيفة السند فانها مروية عن عبد الله الكوفي خادم الشيخ حسين بن روح، قال: سئل الشيخ يعني ابا القاسم عن كتب ابن ابي العزاقر (اي الشلمغاني) بعدما ذم وخرجت فيه اللعنة، فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملاء؟ فقال: اقول فيها ما قال أبو محمد الحسن بن علي (ع). وقد سئل عن كتب بني فضال فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملا؟ فقال (ع): خذوا منها بما رووا وذروا ما رأوا (2) و عبد الله الله الكوفي مهمل في كتب الرجال. وثانيا: مع الغض عن السند فغاية ما تقتضيه الرواية توثيق بني فضال بانفسهم وان انحراف عقيدتهم لا يضر بوثاقتهم كما كانوا عليه حال استقامتهم من الاخذ برواياتهم. ومن الظاهر ان هذا


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب مكان المصلي ح 6. (2) معجم الرجال ج 17 ص 54.

[ 119 ]

لا يقتضي تصحيح كل خبر كانوا في طريقه حتى لو رووه مرسلا عن مجهول بحيث يكونون اعظم شأنا من مثل زرارة، ومحمد بن مسلم واضرابهما من الثقات الذين لا يعمل بمراسيلهم حتى نفس بني فضال حال استقامتهم، إذ لا يحتمل ان يكون انحرافهم موجبا لارتفاع شأنهم عن حال الاستقامة حتى يقتضي الاخذ بمراسيلهم. وبالجملة: فلا ينبغي التشكيك في ضعف سند الخبر وعدم اعتباره. ومنها: صحيح جميل (1) عن أبي عبد الله (ع) انه قال: لا بأس ان تصلي المرأة بحذاء الرجل وهو يصلي، فان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي وعائشة مضطجعة بين يديه وهي حائض، وكان إذا اراد ان يسجد غمز رجليها فرفعت رجليها حتى يسجد (2). ونوقش فيه باضطراب المتن لعدم ارتباط التعليل بمورد الخبر، وعدم انطباقه عليه، إذ لا كلام في جواز صلاة الرجل وبين يديه أو بحذائه امرأة نائمة أو قائمة في غير صلاة، كما دل عليه غير واحد من الاخبار. فالاستشهاد بقصة النبي صلى الله عليه وآله مع عائشة وهي مضطجعة لا سيما وهي حائض وذكرها في مقام التعليل لجواز صلاة الرجل والمرأة بحذاء الآخر مما لا يناسبه ولا يلائمه. ومن هنا استظهر في الوافي على ما في الحدائق حصول التصحيف في الخبر وان الصواب في العبارة " انه لا بأس ان تضطجع المرأة بحذاء الرجل وهو يصلي فان النبي صلى الله عليه وآله.. الخ ". وفيه مالا يخفى فان الرواية مذكورة في جميع كتب الحديث بصورة (تصلي) كما اثبتناها دون (تضطجع) فالرواية إذا تامة


(1) المراد به جميل بنى دراج وقد تقدم الكلام في سنده. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب مكان المصلي ح 4.

[ 120 ]

سندا ودلالة. وانما الكلام في ربط التعليل بالحكم. ويمكن توجيهه بناءا على المشهور بين المتأخرين من الجواز عن كراهة بأن التقدم لو كان مانعا فانما هو من جهة وجود المرأة بين يدي الرجل من غير خصوصية لصلاتها. وحيث قد ثبت صلاة النبي صلى الله عليه وآله وعايشة بين يديه فلا مانع إذا من تقدمها عليه وان كانت تفترق حالة الصلاة عن غيرها من حيث الكراهة وعدمها بمقتضى نصوص التفصيل والجمع بين الاخبار. نعم: مفاد التعليل جواز التقدم وهو غير المحاذاة المذكورة في صدر الصحيحة، ولكن جوازه يدل على جوازها بطريق اولى. وكيفما كان: فلو سلم فغايته تشويش الصحيحة من هذه الناحية وهو غير ضائر بما هو محل الاستشهاد بعد صراحتها فيه كما لا يخفى. ومنها: صحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: انما سميت بكة لانه يبك فيها الرجال والنساء، والمرأة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن يسارك ومعك ولا بأس بذلك وانما يكره في ساير البلدان (1) بناءا على عدم الفصل بين مكة وغيرها جوازا ومنعا وان ثبت الفصل كراهة بمقتضى نفس هذه الصحيحة بعد حمل الكراهة الواردة فيها على الكراهة المصطلحة. إذا فتكون الصحيحة صريحة في الجواز وبذلك يحمل المنع في الطائفة الاولى المفصلة بين حالتي صلاة المرأة وعدمها على الكراهة، فترتفع المنافاة بينها وبين الطائفة الثانية. الطائفة الثالثة: ما تضمنت التفصيل، ففي موثقة عمار اناطة الجواز بالفصل بينهما بمقدار عشرة اذرع " عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب مكان المصلي ح 10.

[ 121 ]

انه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلي وبين يديه امرأة تصلي، قال: " لا يصلي حتى يجعل بينه وبينها اكثر من عشرة اذرع، وان كانت عن يمينه وعن يساره جعل بينه وبينها مثل ذلك، فان كانت تصلي خلفه فلا بأس.. الخ " (1). فلو كنا نحن وهذه الموثقة لاخذنا بها وحكمنا بهذا التفصيل، إلا ان هناك روايات اخرى تضمنت تحديد الفصل بمقدار شبر واحد وانه إذا كانت الفاصلة بهذا المقدار صحت الصلاة، وان كانت دونه بطلت. ومقتضى الجمع العرفي بينها وبين الموثقة الالتزام بالكراهة، فيما إذا كان الفصل عشرة اذرع فما دون، والمنع لو كان اقل من الشبر، وهذا القول وان كان شادا ولم يلتزم به إلا الجعفي كما سبق، الا ان نتيجة الجمع بين الاخبار هو ذلك ودعوى اختلاف السنة الروايات في بيان الحد ففي بعضها التحديد بموضع رحل، وفي آخر بعظم الذراع أو ما لا يتخطى، وفي ثالث بالشبر أو الذراع، وفي رابع بعشرة اذرع. وهذا الاختلاف كاشف عن اختلاف مراتب الكراهة حتى بالنسبة إلى الشبر لاتحاد السياق (مدفوعة) بان التحديد بالشبر الذي هو اقل تلك المراتب صريح في المانعية فيما دون هذا الحد من غير معارض، وفي عدم المانعية في نفس هذا الحد فما فوق فيحمل ما دل على المنع في ذلك على الكراهة حسب اختلاف مراتبها من حيث قلة الفصل وكثرته، واليك تلك الاخبار.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب مكان المصلي ح 1.

[ 122 ]

فمنها: صحيحة معاوية بن وهب (1) عن أبي عبد الله (ع) انه سأله عن الرجل والمرأة يصليان في بيت واحد، قال: إذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذاه وحدها وهو وحده ولا بأس (2). وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كان بينهما وبينه ما لا يتخطى أو قدر عظم الذراع فصاعدا فلا بأس (3). وعظم الذراع قريب من شبر. وما رواه الشيخ باسناده عن ابي بصير ليث المرادي قال: سألته عن الرجل والمرأة يصليان في بيت واحد، المرأة عن يمين الرجل ؟ قال: لا إلا أن يكون بينهما شبر أو ذراع (4) ولكن في السند الحسن الصيقل، وفيه كلام، بل هو مجهول على الاظهر. وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة وأمرأته أو ابنته تصلي بحذاه في الزاوية الاخرى، قال: لا ينبغي ذلك فان كان بينهما شبر أجزأه (5) يعني إذا كان الرجل متقدما للمرأة بشبر. هكذا رواها في التهذيب ولعل التفسير من الشيخ نفسه لا من الراوي كما يعضده خلو رواية الكافي عنه، غير انه يشكل على هذا باستبعاد كون الفاصلة بين زاويتي الحجرة بمقدار الشبر، بل امتناعه عادة. ومن هنا يتقوى ما في نسخة الكافي من روايتها بصورة (ستر) بالسين المهملة والتاء المثناة من فوق بدلا عن (شبر) فتكون الصحيحة عندئذ


في طريق الصدوق إلى معاوية بن وهب محمد بن علي ماجيلويه ولم يوثق. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل: باب 5 من أبواب مكان المصلي حديث 7 و 8 و 3 و 1.

[ 123 ]

[ أو مساوية له إلا مع الحائل (1)، أو البعد عشرة اذرع بذراع اليد على الاحوط، وان كان الاقوى كراهته إلا مع احد الامرين ]. اجنبية عن محل الكلام وناظرة إلى اعتبار الستار بين الرجل والمرأة لدى صلاتهما بحيال الآخر، ومطابقة مع ما رواه ابن ادريس باسناده عن محمد الحلبي الواردة بنفس هذا المضمون (1). وكيفما كان فكلمة (لا ينبغي) ظاهرة في الحرمة دون الكراهة المطلحة كما مر غير مرة. والعمدة هما الروايتان الاولتان، ومقتضى الجمع العرفي بينهما وبين بقية الروايات هو الالتزام بمقالة الجعفي من المنع فيما دون الشبر، والجواز عن كراهة فيه فما فوق إلى عشرة اذرع حسب اختلاف المراتب. والمتلخص من جميع ما ذكرناه ان المعتبر لدى اجتماع الرجل والمرأة للصلاة في مكان واحد تأخر المرأة وتقدم الرجل ولو بصدره فان تقدمت عليه ولم يكن فصل بمقدار شبر بطلت الصلاة، وان بلغ الشبر ولم يزد على عشرة اذرع ثبتت الكراهة، وان زاد عليها فلا كراهة: (1): ذكر في المتن امورا أربعة يرتفع بها المنع أو الكراهة: الاول: وجود الحائل ولا خلاف في زوال الحكم ومعه وان كان الفصل بينهما أقل من الشبر، سواء أكان الحائل قصيرا أم طويلا.


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب مكان المصلي ح 1.

[ 124 ]

وتقتضيه جملة من النصوص. منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة تصلي عند الرجل، قال إذا كان بينهما حاجز فلا بأس (1) وصحيحة ابن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام في حديث قال: سألت عن الرجل يصلي في مسجد حيطانه كوى كله قبلته وجانباه وامرأته تصلي حياله يراها ولا تراه قال: لا بأس (2) وخبره الآخر عنه عليه السلام المروي في قرب الاسناد (وان كان ضعيفا لمكان عبد الله بن الحسن) قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في مسجد قصير الحائط وامرأة قائمة تصلي وهو يراها وتراه، قال: ان كان بينهما حائط طويل أو قصير فلا بأس (3). ومقتضى الاطلاق في صحيح ابن مسلم عدم الفرق بين كون الحاجز ساترا، اي مانعا عن المشاهدة ام لا، كما لو كان زجاجة ونحوها. نعم مقتضى خبر الحلبي الذي رواه ابن ادريس عن نوادر البزنطي اعتبار الاول، قال: سألته عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة وابنته أو امرأته تصلي بحذائه في الزاوية الاخرى، قال: لا ينبغي ذلك الا ان يكون بينهما ستر، فان كان بينهما ستر اجزأه (4) لكن الخبر ضعيف السند من جهة المفضل، مضافا إلى ضعف طريق ابن ادريس إلى النوادر، وان كنا نعتمد عليه سابقا. الثاني: البعد عشرة اذرع فصاعدا بلا خلاف. وهذا إن قام عليه اجماع تعبدي فهو المستند وإلا فتتميمه بالدليل مشكل لحصره في خبرين: احدهما قاصر سندا وهي رواية علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل يصلي ضحى وأمامه امرأة تصلي، بينهما عشرة اذرع،


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 8 من أبواب مكان المصلي ح 2 و 1 و 4. (4) الوسائل: باب 8 من أبواب مكان المصلي ح 3.

[ 125 ]

قال: لا بأس ليمض في صلاته (1) فانه ضعيف بعبد الله بن الحسن. والآخر دلالة: وهي موثقة عمار: " لا يصلي حتى يجعل بينه وبينها اكثر من عشرة اذرع.. الخ " (2) فانها ظاهرة في لزوم كون البعد اكثر من العشرة، فلا تكفي العشرة نفسها. ودعوى ان المراد من مثل هذا التعبير العشرة فما زاد، نظير قوله تعالى فان كن نساء فوق اثنتين، حيث يراد اثنتان فما زاد بقرينة البنت الواحدة التي قوبلت مع هذه الجملة في صدر الآية، وإلا لزم عدم التعرض لحكم الثنتين وهو بعيد عن سياقها. ومن هنا لا يعفى عن الدم إذا كان بقدر الدرهم، للمنع عما زاد عليه الشامل لنفس المقدار كما صرح به في الجواهر. يدفعها: انا لم نتحققها وعهدتها على مدعيها، وارادتها من الآية لمكان القرينة كما عرفت لا يقتضي التعدي إلى مثل المقام العاري عنها، وشمول المنع لمقدار الدرهم ممنوع بل الظاهر شمول العفو له كما مر في محله. وبالجملة دعوى الظهور لامثال هذا التعبير فيما ذكر قول بلا دليل. فالاكتفاء بالعشرة مشكل جدا ما لم يقم الاجماع عليه. الثالث: تأخر المرأة مكانا بمجرد الصدق، اي الصدق العرفي فلا يكفي الدقي بان رسم خط من موقفهما فكانت المرأة متأخرة بمقدار اصبع أو اصبعين مع صدق المحاذاة العرفية. وبالجملة فمع صدق التأخر عرفا لا ينبغي الاشكال في ارتفاع الحكم لعدم انطباق العناوين المأخوذة في لسان الاخبار من كون الرجل بحيال المرأة أو بحذائها أو كونها بين يديه، أو عن يمينه


(1) و (2) الوسائل: باب 7 من أبواب مكان المصلي ح 2 و 1.

[ 126 ]

[ والمدار على الصلاة الصحيحة لولا المحاذاة أو التقدم (1) دون الفاسدة لفقد شرط أو وجود مانع ]. أو شماله. فلا موضع للمانعية أو الكراهة. ومنه يظهر الحال في الرابع وهو ما إذا اختلف المكانان من حيث العلو والانخفاض، فكان احدهما في مكان عال على وجه لا يصدق معه التقدم أو المحاذاة عرفا وان لم يبلغ الفصل عشرة اذرع. نعم إذا كان الارتفاع قليلا بحيث لم يضر بصدق التقدم أو المحاذاة العرفية شمله الحكم فإذا كان بمقدار الشبر بطل على المختار، وإلا كان مكروها. ولا يهمنا تشخيص المعيار في الصدق المزبور، فان الامر في الكراهة هين. (1): فلا اثر للصلاة الفاسدة في المنع أو الكراهة. ويستدل له تارة بان الصلاة كغيرها من الفاظ العبادات موضوعة للصحيح منه فلا تعم الفاسدة، وحيث يمتنع ارادة الصحيح فعلا من جميع الجهات بعد فرض تعلق النهي، فلا محالة يراد منها الصحيحة من غير ناحية تعلق النهي نظير قوله عليه السلام: دعى الصلاة ايام اقرائك. وفيه: ان التحقيق انها كالفاظ المعاملات اسام للجامع بين الصحيح والفاسد كما حقق في الاصول. واخرى: بالانصراف إلى الصحيحة وان كان الوضع للاعم (ويندفع) بان الانصراف يدوي لا يعبؤ به فان منشأه ان كانت الغلبة خارجا فمع تسليمها ولعل الامر بالعكس انما تنفع لو كانت الافراد الفاسدة قليلة في مقابل الصحيحة وليس كذلك بالضرورة، لا سيما

[ 127 ]

[ والاولى في الحائل كونه مانعا عن المشاهدة (1)، وان ] بعد ملاحظة صلوات اهل البوادي والقرى وجملة من النساء، وكثير من العوام غير المبالين بالاحكام، فليست هذه نادرة قبالها، بل غايته ان الافراد الصحيحة اكثر من الفاسدة. ومثله لا يوجب الانصراف، على انه لو سلم ايضا فانما يجدى لو كانت الغلبة بمثابة توجب انس الذهن بحيث لا ينسبق إليه غيرها لدى الاطلاق وليس كذلك في المقام كما لا يخفى، وان كانت كثرة الاستعمال في الصحيح فهو كما ترى، فان الاستعمال في الفاسد، وكذا في الجامع بينهما ليس بقليل قبال الاستعمال في الصحيح. فالانصاف: عدم الفرق بين الصلاة الصحيحة والفاسدة في ترتب الاثر لو لم يقم اجماع على الاختصاص بالاولى، على انه لو لكان فهو معلوم المدرك أو محتمله، فلا يكون تعبديا، فالاقوى شمول الحكم لهما، مع فرض صدق الصلاة عليه بان لا يكون الفساد من جهة فقد الاركان المقومة لصدق اسم الصلاة كالطهارة أو الركوع والسجود والا فلا اثر له لخروجه عن حقيقة الصلاة وعدم صدق اسمها عليه وكذا لو كانت مثل صلاة الميت التي ليست هي من حقيقة الصلاة في شئ. (1): لخبر الحلبي المتقدم الذي تضمن التعبير بالستر الظاهر فيما يكون مانعا عن المشاهدة لكن عرفت ضعفه مع احتمال ان تكون النسخة الشبر بالمعجمة دون الستر، فيكون خارجا عما نحن فيه. فالمتبع اطلاق صحيح ابن مسلم المتقدم وغيره من الاجتزاء بمطلق الحاجز كان ساترا ام لا.

[ 128 ]

[ كان لا يبعد كفايته مطلقا كما ان الكراهة أو الحرمة مختصة بمن شرع في الصلاة لاحقا (1) إذا كانا مختلفين في الشروع، ومع تقارنهما تعمهما. وترتفع ايضا بتأخر المرأة مكانا بمجرد الصدق، وان كان الاولى تأخرها عنه في جميع حالات الصلاة بان يكون مسجدها وراء موقفه. كما ان الظاهر ارتفاعها ايضا بكون احدهما في موضع عال على وجه لا يصدق معه التقدم أو المحاذاة، وان لم يبلغ عشرة اذرع ]. (1) كما عن غير واحد فلا تعمهما إلا مع التقارن لكن الاقوى خلافه (1) فيعم الحكم للسابق كاللاحق كما عن جمع آخرين بل المشهور على ما ادعاه بعضهم، بل في الحدائق وعن جامع المقاصد نسبته إلى اطلاق كلام الاصحاب. والوجه فيه: ان الوارد في النصوص المنع تحريما أو تنزيها على الخلاف المتقدم عن ان يصلي الرجل وبحذائه امرأة تصلي أو بالعكس، والمحتملات في كلمة (يصلي) في الموردين امور ثلاثة: فأما ان يراد بهما الشروع أو التلبس أو بالاختلاف، بان يراد منها في احدهما الشروع وفي الآخر التلبس. اما الاخير فمضافا إلى مخالفته لاتحاد السياق يلزمه قصور


(1) كما اشير إليه في تعليقته الشريفة، وخلو الطبعة الاخيرة عن ذلك مبني على الغفلة دون العدول كما صرح دام ظله بذلك.

[ 129 ]

النصوص عن التعرض لصورة الاقتران وهو كما ترى، واما الاول فلازمه الاختصاص بصورة الاقتران وهو مضافا إلى انه من حمل المطلق على الفرد النادر كما لا يخفى لا مقتضي له، ضرورة ان صيغة (المضارع) موضوعة لمطلق التلبس لا لخصوص حالة الشروع. فان قولنا زيد يخطب مثلا صادق عند تلبسه بالمبدء سواء أكان حين شروعه ام بعده ما لم يفرغ. ومنه تعرف تعين الوجه الثاني وعليه فيكون المتحصل من النصوص ان تلبس الرجل أو المرأة بالصلاة مشروط بعدم تلبس الآخر بها، فلا فرق بين صورتي التقارن والتعاقب، كما لا فرق بين السابق واللاحق لصدق العنوان المزبور، اي (ان الرجل يصلي وبحياله امرأة تصلي) في جميع التقادير لاتحاد مناط الصدق وهو مطلق التلبس في الكل من غير اختصاص بصورة دون اخرى. وان شئت فقل ان مناط المنع هو المحاذاة ونسبتها إلى السابق واللاحق والمقارن نسبة واحدة، فلا جرم تتحقق الكراهة أو المانعية بالاضافة إلى الجميع ولو بقاءا. ودعوى ان الصلاة اللاحقة كيف تؤثر في ابطال السابقة، وكيف ينبطل العمل الصحيح بفعل الغير (مدفوعة) بأنه مجرد استبعاد محض ولا ينبغي الاستيحاش منه بعد مساعدة الدليل الذي نميل معه حيث يميل. على انه يمكن دفعه من أصله بأن الموجب للبطلان هو بقاؤه في هذا المكان حيث اوجب تحقيق المحاذاة المانعة عن صحة الصلاة أو عن كمالها وعلى تقدير استناد البطلان إلى فعل الغير لعجز هذا عن النقل والتحويل بعد التلبس بالصلاة فلا ضير في الالتزام به وان

[ 130 ]

نشأ عن فعل الغير حسبما سمعت بعد الاشتراك في صدق عنوان الاجتماع في الموقف المنهي عنه. وبالجملة: سبق الانعقاد لا يمنع من طرو الفساد إذا اقتضاه الدليل، والاستبعاد المزعوم استبعاد لغير البعيد بعد ظهور الادلة فيه. فلا مناص من رفع اليد والاتيان بها في مكان آخر، هذا. وربما يستدل لاختصاص البطلان باللاحقة بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن امام كان في الظهر فقامت امراته بحياله تصلي وهي تحسب انها العصر، هل يفسد ذلك على القوم؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلت الظهر؟ قال: لا يفسد ذلك على القوم وتعيد المرأة (1)، حيث دلت على اختصاص الفساد بصلاة المرأة، وانها لا تستوجب فساد صلاة القوم السابقة عليها. اقول: اما من حيث السند فلا ينبغي الشك في الصحة فان صاحب الوسائل رواها عن الشيخ في موضعين: احدهما في مكان المصلي وهو ضعيف لضعف طريق الشيخ إلى العياشي مضافا إلى ان في السند جعفر بن محمد وهو مجهول. ثانيهما: في باب 53 من أبواب صلاة الجماعة حديث 2 والظاهر صحته لان الشيخ يرويها باسناده عن علي بن جعفر، وظاهره بقرينة ما ذكره في آخر التهذيب من ان من يبدء به السند فانما يرويه عن كتابه انه يرويها عن كتابه وطريقه إلى الكتاب صحيح. واما من ناحية الدلالة فالظاهر انها قاصرة لابتنائها على استناد فساد صلاة المرأة إلى المحاذاة، إذ لو كانت فاسدة في حد ذاتها


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب مكان المصلي ح 1.

[ 131 ]

حتى مع الغض عن هذه الجهة فمثلها لا يستوجب فساد الصلاة السابقة الا إذا قلنا انه يكفي في البطلان مجرد مسمى الصلاة عرفا ولو كانت فاسدة مع قطع النظر عن المحاذاة ومن الجائز استناد الفساد في المقام إلى احد امرين آخرين. احدهما: اختلاف فرضها مع فرض الامام حيث انها تقتدي عصرها بظهره وقد بنى بعضهم ومنهم الشيخ المفيد في المقنعة على بطلان الجماعة في هذه الصورة لاعتبار المساواة في الفريضة. وقد ذكر الشيخ الطوسي هذه الرواية في ذيل تلك الفتوى دليلا عليها ثانيهما: عدم تأخرها عن الامام لقيامها حياله، ويعتبر في صحة الجماعة تأخرها عنه. ومع تطرق هذين الاحتمالين كيف يمكن الاستشهاد بها على المدعي. وبالجملة: لم يعلم ان الامر باعادة المرأة خاصة لاجل الاجتماع المفروض بينها وبين القوم كي تدل الصحيحة على صحة السابقة، هذا اولا، وثانيا مع الغض وتسليم كونها ناظرة إلى جهة المحاذاة كما قد يعضده ضم السؤال عن صحة صلاة القوم حيث لا يحتمل فساد صلاتهم من غير هذه الناحية فالحكم بصحة صلاتهم مطلق من حيث البعد وكمية الفصل. ومن البعيد جدا ان تقف المرأة متصلة بالرجل خصوصا على ما في بعض نسخ الرواية من ذكر (فقامت امرأة) بدل (فقامت امرأته) الشامل للاجنبية إذا فلا بد من تنزيلها على ما تقتضيه طبيعة الحال من كون الفصل اكثر من الشبر فتصح صلاة القوم حينئذ لفقد المحاذاة القادحة وهذا وان استوجب صحة صلاة المرأة أيضا من هذه الناحية إلا انه يمكن ان يكون فسادها لجهة اخرى غير المحاذاة حسبما ذكرناه آنفا، بل

[ 132 ]

[ (مسألة 26): لافرق في الحكم المذكور كراهة أو حرمة بين المحارم وغيرهم والزوج والزوجة وغيرهما (1) وكونهما بالغين أو غبر بالغين (2) أو مختلفين بناءا على المختار من صحة عبادات الصبي والصبية ]. لا مناص من ذلك بمقتضى افتراض وقوفها بحيال الامام (1). وعليه فلا يمكن الاستدلال بها على اختصاص البطلان من ناحية المحاذاة بالصلاة المتأخرة، بل الاقوى ما عرفت من تعميم البطلان أو الكراهة لكلتا الصلاتين سواء اكاننا متقارنتين ام متعاقبتين. (1): لاطلاق النصوص بل التنصيص في بعضها مما اشتمل على التعبير بالزوجة أو البنت فلاحظ. (2): خلافا للمشهور من اختصاص المنع بصلاة البالغ، وهو الاقوى. فان مستند التعميم المذكور في المتن احد امرين. اما دعوى ان التعبير بالرجل والمرأة الوارد في النص كناية عن مطلق الذكر والانثى من غير خصوصية للبلوغ كما ادعي مثل ذلك في موارد: منها تحريم بنت الموطوء وامه واخته فيما لو وطأ رجل غلاما فاوقبه، حيث حكموا بعدم اختصاص الحكم بما إذا كان الواطي بالغا والموطوء صبيا، بل تنشر الحرمة حتى فيما إذا كانا بالغين أو صبيين. ويدفعها: انه لا شاهد عليها فانها دعوى غير بينة ولا مبينة وعهدتها على مدعيها بعد كونها على خلاف ظهور الكلام وعلى تقدير تسليمها


(1) لكن مقتضى ذلك بطلان جماعتها دون اصل الصلاة.

[ 133 ]

في مسألة الوطي لقرائن تقتضيه فلا نسلمها في المقام. وإما دعوى ان الاحكام المتعلقة بغير البالغين تفهم مما ثبت في حق البالغين حيث يظهر من مثل قوله عليه السلام: " مروا صبيانكم بالصلاة. الخ " (1) الاتحاد في تمام الخصوصيات وان الطبيعة هي تلك الطبيعة ما لم ينهض دليل على الخلاف. إذا فكل ما يعتبر في صلاة البالغين من الاجزاء والشرائط والموانع التي منها قادحية المحاذاة بين الرجل والمرأة في الموقف معتبر في الصلاة المطلوبة استحبابا من غير البالغين بمقتضى الاطلاق المقامي. ويدفعها ان هذه لعلها اغرب من سابقتها ضرورة ان مقتضى الاتحاد المزبور الحاق صلاة غير البالغ بالبالغ في قادحية المحاذاة ومعنى ذلك ان صلاة الرجل كما انها تبطل بمحاذاتها لصلاة المرأة وبالعكس فكذلك تبطل صلاة الصبي بمحاذاة صلاة المرأة، وكذا الصبية بمحاذاة صلاة الرجل فان هذا هو قضية اتحاد صلاة غير البالغ مع البالغ في الاحكام باعتبار الاطلاق المقامي كما ادعي. وهذا شئ لا نضايق منه. واما بطلان صلاة الرجل بمحاذاة صلاة الصبية أو صلاة المرأة بمحاذاة صلاة الصبي، أوكل من الصبي والصبية بمحاذاة صلاة الآخر فلا يكاد يقتضيه الاتحاد المزبور بوجه ضرورة ان مانعية محاذاة الصبي أو الصبية لصلاة البالغ غير ثابتة، فانها عين الدعوى واول الكلام. فكيف يتعدى إلى غير البالغ ويحكم بثبوتها لصلاة الصبي إذا فالاقوى هو الصحة في الصور الثلاث المزبورة واختصاص البطلان بما عرفت.


(1) الوسائل: باب 3 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ح 5.

[ 134 ]

[ (مسألة 27): الظاهر عدم الفرق ايضا بين النافلة والفريضة (1). (مسألة 28): الحكم المذكور مختص بحال الاختيار ففي الضيق والاضطرار لا مانع ولا كراهة (2) ]. (1): إذ مضافا إلى اصالة الاتحاد بينهما في الاحكام ما لم يثبت خلافه كما تكرر في مطاوى هذا الشرح يقتضيه الاطلاق في غير واحد من نصوص الباب فلاحظ (2): اما ارتفاع الكراهة فلاجل ان الخطاب التنزيهي مرجعه إلى الايعاز إلى وجود منقصة وحزازة في الفرد المنهي عنه تستوجب في العبادات تقليل الثواب والارشاد إلى اختيار فرد آخر افضل واكمل، اما واجد لمزايا أو عار على الاقل عن هذه النقيصة فان الطبيعة بالاضافة إلى الخصوصيات التي تكتنف بها الافراد مختلفة ومن ثم تنقسم إلى المكروهة والمستحبة والمباحة حسب اختلافها نقصا أو كمالا. ومن الواضح جدا ان الارشاد المزبور متفرع على قدرة المكلف على اختيار ما يشاء من تلك الافراد، اما لو انحصرت الطبيعة في الفرد الاول مثلا كما لو كان محبوسا في الحمام بحيث دار امره بين ترك الصلاة رأسا أو الاتيان بها في هذا المكان فلا موقع حينئذ للالتزام بمرجوحيته واتصافه بالكراهة كما لا يخفى. واما ارتفاع المانعية فلافتراض انحصار الطبيعة في الفرد المقترن بالمانع بحيث دار الامر بينتركها راسا أو الاتيان بها مقرونا به،

[ 135 ]

[ نعم إذا كان الوقت واسعا يؤخر احدهما صلاته (1) والاولى تأخير المرأة صلاتها (2) ]. وحيث ان الصلاة لا تسقط بحال لم يكن بد من اختيار الثاني كما هو الشأن في كل جزء أو شرط أو مانع اضطر إلى الاخلال به، فانه يرفع اليد عنه بمتتضى الدليل الثانوي حسبما عرفت. ثم لا يخفى ان المراد من الضيق في المقام عدم التمكن من ادراك ركعة واحدة جامعة للشرائط في الوقت، فان ذلك هو مقتضي ملاحظة التوسعة المستفادة من حديث: من ادرك حسبما تكررت الاشارة إليه في مطاوي هذا الشرح، فلو قمكن من ادراك ركعة كذلك وبنينا على المانعية أخر صلاته لادراكها. (1): وجوبا أو ندبا حذرا عن المانعية أو الكراهة حسب المبنيين في المسألة. (2): لصحيح محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصليان جميعا، قال: لا، ولكن يصلي الرجل فإذا فرغ صلت المرأة (1) المؤيدة برواية ابي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل والمرأة يصليان معا في المحمل، قال: لا، ولكن يصلي الرجل وتصلي المرأة بعده (2). ولعل في الصحيحة نوع دلالة على ما استقويناه من عدم الفرق في البطلان بالمحاذاة بين السابقة واللاحقة، إذ الظاهر انه عليه السلام


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب مكان المصلي ح 2. (2) الوسائل: باب 10 من أبواب مكان المصلي ح 2.

[ 136 ]

[ (مسألة 29): إذا كان الرجل يصلي وبحذائه أو قدامه امرأة من غير ان تكون مشغولة بالصلاة، لا كراهة ولا اشكال، وكذا العكس، فالاحتياط أو الكراهة مختص بصورة اشتغالهما بالصلاة (1). ] بصدد بيان وظيفة كل من الرجل والمرأة. ومن ثم حكم عليه السلام بعدم اقتران الصلاتين في شئ من اجزائهما فلا يكفي شروع اللاحقة بعد الشروع في السابقة، بل لا بد وان تكون بعد الفراغ منها كي يحكم حينئذ بصحة الصلاتين، والا فلا يصح شئ منهما فتدبر جيدا. وكيفما كان: فظاهرها وجوب التقديم، ولكن الوجوب التعبدي غير محتمل كما لا يخفى، وكذلك الشرطي للقطع بعدم دخله في صحة صلاة الآخر. ومن ثم لو عصى الرجل فترك صلاته رأسا أو أخرها إلى آخر الوقت صحت صلاة المرأة بلا اشكال. مضافا إلى التصريح بجواز تقديم المرأة في صحيحة ابن أبي يعفور قال. قلت لابي عبد الله عليه السلام: اصلي والمرأة إلى جنبي (جانبي) وهي تصلي، قال: قال: لا، إلا ان تقدم هي أو أنت.. الخ " (1) بعد وضوح ارادة التقدم بحسب الزمان دون المكان لمنعها عن المحاذاة في الموقف، فضلا عن التقدم، فلا جرم تحمل الصحيحة المزبورة على الاولوية. (1): بلا اشكال فيه وفي عكسه، قد دل على الاول جملة من النصوص المتقدمة التي منها قوله عليه السلام في ذيل صحيحة ابن


(1) الوسائل، باب 5 من أبواب مكان المصلي ح 5.

[ 137 ]

[ (مسألة 30): الاحوط ترك الفريضة على سطح الكعبة وفي جوفها اختيارا (1) ولا بأس بالنافلة، بل يستحب ان يصلي فيها قبال كل ركن ركعتين. وكذا لا بأس بالفريضة في حال الضرورة، وإذا صلى على سطحها فاللازم ان يكون قباله في جميع حالاته شئ من فضائها ويصلي قائما، والقول بأنه يصلي مستلقيا متوجها إلى بيت المعمور، أو يصلي مضطجعا ضعيف. ] أبي يعفور المتقدمة آنفا: ".. ولا بأس ان تصلي وهي بحذاك جالسة أو قائمة " (1). وعلى الثاني بل عليهما معا صحيحة ابن مسلم الواردة في المرأة تزامل الرجل في المحمل، وقد تقدمت قبل ذلك. (1): يقع الكلام تارة في الصلاة على سطح الكعبة، واخرى في جوفها فهنا مقامان: اما المقام الاول: فالصواب ما صنعه في المتن من الاحتياط المطلق في التجنب عنه. وذلك لا لما رواه الصدوق في حديث المناهي. " قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصلاة على ظهر الكعبة " (2) لضعف طريق الصدوق إلى شعيب بن واقد الواقع في السند مضافا إلى جهالة شعيب نفسه. ولا لما رواه الكليني باسناده عن عبد السلام بن صالح عن الرضا عليه السلام في الذي تدركه


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب مكان المصلي ح 5. (2) الوسائل: باب 19 من أبواب القبلة ح 1.

[ 138 ]

الصلاة وهو فوق الكعبة، قال: إن قام لم يكن له قبلة، ولكن يستلقي على قفاه ويفتح عينيه إلى السماء ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور " (1) لضعف سندها ايضا، مضافا إلى شذوذها بل ودعوى الاجماع على خلافها. بل لاجل خروج هذا الموقف عن منصرف النصوص الآمرة بالتوجه نحو القبلة الشريفة الواردة في الكتاب والسنة فان المنسبق من التوجه المزبور مغايرة موقف المتوجه مع ما يتوجه إليه المنوط بكونه خارج البنية المشرفة لكي يتمكن من التوجه نحوها والالتفات إليها. فلا يصدق على الواقف على سطح الكعبة انه متوجه شطر المسجد الحرام اما جزما اولا اقل انصرافا (ألا ترى) ان من كان على سطح الغرفة وقيل له توجه إليها يرى نفسه عاجزا عن الامتثال ما لم يخرج عنها ويستقبلها من مكان آخر إذا يتعين عليه الخروج من الكعبة والصلاة في موضع آخر. نعم لو اضطر إلى الصلاة على سطحها كما لو لم يتمكن من النزول وقد ضاق الوقت صلى حينئذ قائما راكعا وساجدا، فان ذلك غاية وسعه، وان كان الاولى ضم صلاة اخرى مستلقيا متجها إلى البيت المعمور رعاية للنص المزبور. واما المقام الثاني: فبالنظر إلى الاطلاقات يجري ما مر لمشاركة الجوف مع السطح في انصرافها عنه، فكما لا يتحقق التوجه إلى القبلة بحسب الصدق العرفي لمن صلى على سطحها حسبما عرفت، فكذلك لا يتحقق لدى من صلى جوفها بمناط واحد. واما بالنظر إلى الروايات فقد دل بعضها على المنع، والبعض


(1) الوسائل: باب 19 من أبواب القبلة ح 2.

[ 139 ]

الآخر على الجواز، ومقتضى الجمع العرفي الحمل على الكراهة. ففي صحيح محمد بن مسلم المروي في الكافي والتهذيب عن احدهما عليهما السلام قال: لا تصل المكتوبة في الكعبة، وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: لا تصلي المكتوبة في جوف الكعبة، فان النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل الكعبة في حج ولا عمرة، ولكنه دخلها في الفتح فتح مكة وصلى ركعتين بين العمودين ومعه اسامة بن زيد (1) وظاهرهما البطلان إلا ان بأزائهما موثق؟ بن يعقوب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: حضرت الصلاة المكتوبة وانا في الكعبة أفاصلي فيها؟ قال: صل (2). وقد حملها الشيخ على الضرورة، والاوليين على غيرها، وبذلك جميع بينهما، ولكنه كما ترى إذ مع انه جمع تبرعي عار عن الشاهد بل من الحمل على الفرد النادر، مخالف للظاهر جدا. فان المنسبق منها السؤال عن الصلاة جوف الكعبة اول الوقت، وحينما حضرت المكتوبة فهي ناظرة إلى البدار حال الاختيار فالحمل على صورة الاضطرار كالمحبوس في تمام الوقت بعيد عن سياقها غايته. فالانصاف تعين الجمع بينهما بالحمل على الكراهة. وحينئذ فان ثبتت الملازمة بين الجوف والسطح في الجواز وعدمه نظرا إلى عدم الانفكاك بين الفوق والتحت من حيثية الاستقبال كما ادعى، حكم بجواز الصلاة على السطح ايضا والا كما هو الاقوى لعدم نهوض برهان عليها، ولا مانع من التفكيك (3) بعد مساعدة الدليل، فلا


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب القبلة ح 1 و 3. (2) الوسائل: باب 17 من أبوبا القبلة ح 6. (3) لا يخفى ان الترخيص في الصلاة في جوف الكعبة لم يكن =

[ 140 ]

جرم يفترق المقام عما سبق بالمنع هناك والالتزام بالجواز هنا عن كراهة حسبما عرفت. ثم ان في المقام روايات اخرى. منها. صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة (1). فان قلنا بظهور (لا يصلح) في الكراهة كانت شاهدة للجمع الذي اخترناه، وان قلنا بظهوره في الجامع بينها وبين الحرمة كما لعله الاظهر لحقت طبعا بالنصوص المانعة وحملت على الكراهة فهي اما ظاهرة في الكراهة أو محمولة عليها. ومنها روايته الاخرى عن احدهما عليهما السلام: " تصلح الصلاة في جوف الكعبة " (2) وهي لو تمت سندا لدلت على الجواز، ولكنها لا تتم حيث ان المذكور في التهذيب (ابي جميلة) (3) بدلا عن (ابن جبلة) كما في الوسائل وهو المفضل بن صالح الضعيف جدا.


= تخصيصا في ادلة اعتبار الاستقبال، بل بيانا لتحققه في هذا المضمار وكفايته بهذا المقدار، وحيث ان الواجب استقبال الفضاء الذي حلت فيه الكعبة الشريفة دون البنية نفسها سواء اكان موقف المصلي مساويا لها في العلو والانخفاض ام لا، فمقتضاه الجواز على سطحها ايضا بمناط واحد. (1) الوسائل: باب 17 من أبواب القبلة ح 4. (2) الوسائل: باب 17 من أبواب القبلة ح 5. (3) ولكنه بقرينة الراوي والمروي عنه تحريف قطعا فان الذي يروي عنه الطاطري ويروي هو عن العلا. ليس الا عبد الله بن جبله لا أبو جميلة فما في الوسائل هو المتعين.

[ 141 ]

على انها رويت في بعض النسخ (لا تصلح) بدلا عن (تصلح)، وصاحب الوسائل وان رجح النسخة الخالية عن النفي نظرا لمطابقتها مع النسخة التي قوبلت بخط الشيخ، لكن يؤيد الاخرى وجوده في روايته الاولى كما عرفت. ومن البعيد جدا رواية المتناقضين مع اتحاد الراوي والمروي عنه. وكيفما كان فضعف سندها يغنينا عن البحث عن متنها. ومنها رواية محمد بن عبد الله بن مروان قال: رأيت يونس بمنى يسأل ابا الحسن عليه السلام عن الرجل إذا حضرته الفريضة وهو في الكعبة فلم يمكنه الخروج من الكعبة، قال: ليستلقي على قفاه ويصلي ايماءا (1). ولكنها ضعيفة السند فان احمد بن الحسين المذكور في السند مردد بين الضعيف وهو ابن سعيد بن عثمان وبين الثقة (2) ولكن طريق الشيخ إليه ضعيف. فلا يمكن التعويل عليها على كل حال.


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب القبلة ح 7. (2) على ان الراوي بنفسه مجهول الحال.

[ 142 ]

[ " فصل " في مسجد الجهبة من مكان المصلي يشترط فيه مضافا إلى طهارته ان يكون من الارض أو ما انبتته (1). ] (1): اما اشتراط الطهارة فسيجئ الكلام حوله في مبحث السجود عند تعرض الماتن له ان شاء الله تعالى. واما كونه من الارض أو ما انبتته فلا خلاف بين المسلمين في جواز السجود عليهما نعم يشترط ذلك في المسجد عند الخاصة، فلا يجوز السجود على غيرهما اجماعا، بل نسب ذلك إلى دين الامامية خلافا للعامة. والمستند بعد الاجماع عدة نصوص مستفيضة وفيها المعتبرة. منها صحيحة هشام بن الحكم انه قال لابي عبد الله عليه السلام: اخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز، قال: السجود لا يجوز إلا على الارض أو على ما انبتت الارض إلا ما اكل أو لبس فقال له: جعلت فداك ما العلة في ذلك؟ قال لان السجود خضوع لله عزوجل فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس لان ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل

[ 143 ]

[ غير المأكول والملبوس (1). ] فلا ينبغي ان يضع جبهته في سجوده على معبود ابناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها (1) ونحوها غيرها فلاحظ. (1): فلا يجوز السجود عليهما بلا خلاف بل اجماعا كما ادعاه غير واحد، ويقتضيه غير واحد من النصوص المعتبرة التي منها صحيحة هشام المتقدمة. نعم ورد في بعض النصوص جواز السجود على القطن والكتان، وبعد ملاحظة انحصار الملبوس مما انبته الارض فيهما الا نادرا يكاد يلحق بالعدم كالمتخذ من الخوص ونحوه. فلا محالة تقع المعارضة بين هذه النصوص وبين الروايات المتقدمة المانعة عن السجود على الملبوس فلا بد من العلاج. وهذه النصوص. ثلاثة: احدها خبر ياسر الخادم قال: مر بي أبو الحسن عليه السلام وانا اصلي على الطبري وقد القيت عليه شيئا اصلي عليه، فقال لي: مالك لا تسجد عليه، اليس هو من نبات الارض (2). الثانية: رواية داود الصرمي، قال: سألت ابا الحسن الثالث عليه السلام: هل يجوز السجود على القطن والكتان من غير تقية؟ فقال: جائز (3) الثالثة: رواية الصنعاني قال: كتبت إلى ابي الحسن الثالث عليه السلام اسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا


(1) الوسائل باب 1 من أبواب ما يسجد عليه ح 1. (2) و (3) الوسائل: باب 2 من أبواب ما يسجد عليه ح 5 و 6

[ 144 ]

ضرورة، فكتب الي ذلك جائز (1). لكن الرواية الاولى مضافا إلى ضعف سندها من جهة ياسر لعدم ثبوت وثاقته (2) قاصرة الدلالة لعدم وضوح المراد من الطبري وان قيل انه ثوب منسوب إلى طبرستان مأخوذ من القطن أو الكتان، لكنه لم يثبت، ولعله شبه الحصير ونحوه. والمسلم انه شئ منسوب إلى تلك البلدة. والرواية الاخيرة ضعيفة السند من جهة الصنعاني فانه مهمل. والعمدة انما هي الرواية الثانية فان الصرمي وان لم يوثن في كتب الرجال لكنه مذكور في اسانيد كامل الزيارات. فالرواية موثقة (3). وقد جمع بينها وبين الروايات المتقدمة بالحمل على الكراهة. لكنه كما ترى لا مسرح له في مثل المقام مما ورد النفى والاثبات على موضوع واحد بلسان الجواز وعدمه. وانما يتجه فيما إذا كان احد الدليلين ظاهرا في المنع، والآخر نصا في الجواز أو اظهر منه فيرفع اليد عن الظهور بنصوصية الآخر أو اظهريته، كما إذا ورد النهي عن شئ وورد الترخيص في ارتكابه، كقوله لا تفعل كذا مع قوله لا بأس في الاتيان به. واما في المقام فالدلالتان على حد سواء ظهورا أو صراحة. وقد دلت هذه الرواية على الجواز صريحا. والروايات المتقدمة على عدم الجواز كذلك، ومثلهما يعد ان متعارضين لدى العرف وليس احدهما اظهر من الآخر. فالحمل على الكراهة في مثله ليس من الجمع العرفي في شئ كما لا يخفى.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب ما يسجد عليه ح 7. (2) لكنه من رجال تفسير القمي لاحظ المعجم ج 20 ص 9. (3) حسب الرأي السابق وقد عدل دام ظله عنه اخيرا.

[ 145 ]

فالمتعين هو الرجوع إلى المرجح السندي بعد امتناع الجمع الدلالي وحيث ان تلك الروايات مضافا إلى اشهريتها واكثريتها مخالفة للعامة وهذه موافقة لهم، فلتحمل هذه على التقية لا سيما في مثل الرواية الاخيرة المشتملة في المكاتبة التي هي اقرب إلى التقية، ولا ينافيه تصريح الراوي بقوله: من غير تقية، فان فرض عدم التقية من قبل الراوي لا يؤثر في تشخيص وظيفة الامام (ع) من القاء الحكم بنحو التقية لو رأى (ع) تمامية موازينها فانه (ع) اعرف بوظيفته. ثم انه ربما يجمع بين الطائفتين بوجهين آخرين: احدهما ما عن الشيخ (قده) من حمل اخبار الجواز على الضرورة. (وفيه) ما لا يخفى، فانه مضافا إلى كونه جمعا تبرعيا لا شاهد عليه ينافيه التقييد بعدم الضرورة في نفس الاخبار كما في خبر الصنعاني المتقدم ومن البعيد جدا اعراض الامام عليه السلام عن بيان حكم عدم الضرورة الذي فرضه السائل والتعرض لحكم الضرورة. ثانيهما: حمل اخبار الجواز على مادة اللباس وهي القطن والكتان قبل الغزل والنسج واخبار المنع على ما بعدهما المتصف باللباس فعلا وبجعل الشاهد على هذا الجمع رواية تحف العقول عن الصادق (ع) في حديث قال: وكل شئ يكون غذاء الانسان في مطعمه أو مشربه أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه ولا السجود الا ما كان من نبات الارض من غير ثمر قبل ان يصير مغزولا، فإذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه الا في حال ضرورة (1). وفيه: ان الرواية ضعيفة السند بالارسال، فلا تصلح شاهدة للجمع، على ان اخبار المنع في نفسها آبية عن هذا الحمل، فان


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب ما يسجد عليها ح 11

[ 146 ]

ما اكل أو لبس استثناء عن نبات الارض فلا بد من صدق عنوان النبات عليه رعاية لاتصال الاستثناء الذي هو الظاهر منه ولا يتحقق ذلك إلا قبل معالجته بالنسج أو الطبخ، والا فبعد العلاج لا يصدق عليه نبات الارض وانما هو شئ متخذ منه مع مباينته معه فعلا فلا يكون الاستثناء متصلا، ومرجع ذلك إلى ارادة القابلية مما اكل أو لبس. فكما ان الحنطة مثلا لا يجوز السجود عليها لكونها من نبات الارض القابل للاكل وان لم يكن ماكولا فعلا، فكذا القطن فانه قابل اللبس بحسب طبعه وان لم يكن كذلك فعلا الا بالعلاج من غزل ونسج. نعم: لو ورد في دليل المنع عن السجود على الملبوس، وفي دليل آخر جواز السجود على القطن امكن الجمع المزبور بالحمل على ما قبل النسج وما بعده، لكن قرينية الاستثناء في المقام مانعة عن ذلك كما عرفت. ويؤيد ما ذكرناه التعبير عن المستثنى بما اكل أو لبس بصيغة الماضي دون المضارع الدالة على تحققه خارجا فان ما اكل قد انعدام، فلا موضوع له كي يسجد عليه فيكشف عن ان المراد ما اكله الناس خارجا أو لبسه بعد اعمال العلاج لكونه بحسب طبعه قابلا لذلك قبال ما يكون فاقدا لهذه القابلية من ساير انواع نبات الارض، فيكون مصداقه نفس القطن أو الكتان قبل اتصافهما بالملبوسية فتتحقق المعارضة لا محالة بينها وبين ما دل على الجواز فهذا الجمع ايضا يتلو سوابقه في الضعف. فلا مناص من اختيار ما ذكرناه في استقرار المعارضة بين الطائفتين ولزوم إلى المرجح السندي. وقد عرفت ان مقتضاه

[ 147 ]

[ نعم يجوز على القرطاس ايضا (1). ] حمل اخبار الجواز على التقية (1): الكلام هنا يقع من جهتين: احداهما في اصل جواز السجود على القرطاس ولو في الجملة. ثانيتهما: في جواز السجود عليه حتى إذا كان متخذا مما لا يصح السجود عليه في جنسه من قطن أو صوف أو حرير ونحوها. اما الجهة الاولى: فالظاهر عدم الخلاف في الجواز، بل عليه الاجماع في كثير من الكلمات، وتشهد له جملة من النصوص المتضمنة لقول المعصوم عليه السلام أو فعله. منها صحيحة صفوان الجمال قال: رأيت ابا عبد الله عليه السلام في المحمل يسجد على القرطاس واكثر ذلك يومي ايماءا (1). وصحيحة علي بن مهزيار قال: سأل داود بن فرقد ابا الحسن عليه السلام عن القراطيس والكواغد المكتوبة عليها هل يجوز السجود عليها ام لا؟ فكتب: يجوز (2). وصحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله عليه السلام: انه كره ان يسجد على قرطاس عليه كتابة (3). قوله (ع): (يسجد) في الصحيحة الاخيرة يمكن ان يكون بالبناء للمعلوم أو للمجهول، وعلى اي حال فهي لا تعارض ما قبلها، فان الكراهة في لسان الاخبار وان كانت اعم من المظلحة لاطلاقها على الحرام ايضا، كما ورد


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 7 من أبواب ما يسجد عليه حديث: 1 و 2 و 3.

[ 148 ]

ان عليا عليه السلام كان يكره بيع المثل بالمثل مع الزيادة (أي الربا) لكن المراد بها في المقام هي الكراهة المصطلحة بقرينة الصحيحة السابقة المصرحة بالجواز المتحد موردها مع هذه الصحيحة فغاية ما هناك ان يلتزم بالكراهة في خصوص القرطاس الذي عليه كتابة. واما الجهة الثانية: فقد تعرض لها الماتن (قده) في المسألة الثانية والعشرين الآتية لكنا نقدمها هنا للمناسبة. فنقول الاقوال في المسألة ثلاثة: جواز السجود على القرطاس مطلقا. وتقييده بالمتخذ من النبات فلا يجوز على ما اتخذ من الصوف أو الحرير. وتقييد النبات بما كان من جنس ما يصح السجود عليه كالحشيش ونحوه، فلا يجوز على ما كانت مادته القطن أو الكتان، إلا إذا قلنا بجواز السجود عليهما اختيارا، ومنشأ الخلاف الاختلاف في مدلول الاخبار وهي النصوص المتقدمة من حيث السعة والضيق والدلالة على الاطلاق وعدمها. اما صحيحة صفوان فهي قضية في واقعة وحكاية فعل مجمل العنوان. فلا دلالة فيها على الاطلاق بلا ارتياب. وأما صحيحة علي بن مهزيار فقد رواها في الوسائل بعدة طرق كلها معتبرة والجميع تنتهي إلى داود بن فرقد عن ابي الحسن موسى عليه السلام فان ابا يزيد كنية فرقد. فما نقله عن الشيخ باسناده عن داود بن يزيد سهو إما من قلم الشيخ أو النساخ، والصواب أبو يزيد كما في طريق الصدوق. كما ان كلمة (الثالث) المذكورة في طريق الصدوق عن ابي الحسن الثالث عليه السلام غلط، لان داود ابن فرقد من اصحاب الكاظم عليه السلام وروى عن الصادق (ع)

[ 149 ]

ايضا، فكيف يمكن روايته عن ابي الحسن الثالث وهو الهادي عليه السلام فذكره مستدرك والصواب (ابي الحسن) المراد به الكاظم (عليه السلام) كما نبه عليه المعلق. هذا من حيث السند. واما فقه الحديث فالكواغد المكتوبة إما عطف بيان على القراطيس، أو من عطف الخاص على العام. وعلى اي حال فهي تدل على الجواز في القرطاس الذي لم يكتب عليه. اما على الثاني فظاهر، وأما على الاول فبالتقرير تارة وبالفحوى اخرى كما لا يخفى. وكيف كان فمقتضى الاطلاق الناشئ من ترك الاستفصال عدم الفرق في القرطاس بين ما اتخذت مادته من نبات الارض أو من غيره كالصوف والحرير فضلا عن كون النبات مما يصح السجود عليه وعدمه. واما صحيحة جميل فبعد حمل الكراهة فيها على المصطلحة كما سبق فهي تدل على الجواز في القرطاس الذي ليست عليه كتابة بالفحوى ومقتضى الاطلاق شمول الحكم للقرطاس باقسامه سواء أكان (يسجد) بالبناء للمعلوم أو للمجهول وان كان الامر على الثاني اظهر هذا وربما يناقش في دلالة النصوص على الاطلاق. اما الصحيحة الاولى: فلما مر وهو في محله كما عرفت. واما الصحيحتان الاخيرتان فلانهما لم تردا في مقام بيان تشريع السجود على القرطاس حتى ينعقد الاطلاق، بل النظر فيهما مقصور على عدم مانعية الكتابة عن السجود على ما يصح السجود عليه من انواع القرطاس فليس الامام عليه السلام الا بصدد الذب عما تخيله السائل من مانعية الكتابة وانه لا فرق بين المكتوب وغير المكتوب فيما

[ 150 ]

يصح السجود عليه. واما ان مصداق ما يصح اي شئ فلم يكن عليه السلام في مقام بيانه كي يتمسك باطلاق كلامه. وعليه فلا بد من الاقتصار على المقدار المتيقن رعاية لما دل على المنع عن السجود على غير الارض ونبتها. وحينئذ فان منعنا عن السجود على القطن والكتان اختيارا اختص الحكم بالمتخذ من نبات غيرها كالحشيش ونحوه وإلا عمهما ايضا. وعلى اي حال فلا يشمل الحكم ما اتخذ من غير النبات كالصوف والحرير فضلا عن الشمول لمطلق النبت وان لم يصح السجود عليه. وفيه اولا: انه لا ينبغي الريب في خروج القرطاس عن حقيقة ما اتخذ منه كائنا ما كان واستحالته إلى حقيقة اخرى فهو بالفعل مبائن مع مادته في نظر العرف وموجود آخر في قبالها لا يصدق عليه الارض ولا نباتها وإن كانت المادة متخذه منها فلا وجه لمراعاة كونها مما يصح السجود عليه بعد تغير الصورة النوعية وتبدلها إلى حقيقة اخرى (ألا ترى) انه لو صنع من قرطاس متخذ من الحرير ثوب فانه يجوز لبسه والصلاة فيه لعدم كونه عرفا من مصاديق الحرير. على ان حمل هذه النصوص الواردة في القرطاس على المتخذ مما يصح السجود عليه حمل على الفرد النادر بعد ملاحظة المنع عن السجود على القطن والكتان كما هو الاقوى على ما عرفت، فان الغالب صنعه منهما دون مثل الحشيش ونحوه الذي هو فرد نادر، مضافا إلى لزوم اللغوية في هذه الاخبار لتعذر الاطلاع غالبا على مادة القرطاس وانها مما يصح السجود عليه ام لا إلا بالرجوع إلى اهل الخبرة ومهرة الفن غير المتيسر لاغلب الناس، مع ان من اجزائه النورة التي لا يجوز السجود عليها بعد الطبخ عند المشهور وعليه

[ 151 ]

فلا مناص من الاغضاء عن المادة وملاحظة حاله الفعلي. وحيث انه بالفعل لا يعد من الارض ولا من نبتها كما عرفت، وقد دلت الاخبار على جواز السجود عليه كما مر. فلا مناص من الالتزام بالتخصيص فيما دل على المنع عن السجود على غير الارض ونباتها، والالتزام باستثناء القرطاس عن الادلة المانعة لكونه اخص منها مطلقا وحيث لا دليل على تقييده بنوع خاص فيتمسك بالاطلاق في دليل التخصيص. وثانيا: مع الغض عما ذكر وتسليم عدم الاستحالة نقول ان النسبة بين دليل الجواز وما دل على المنع عن السجود على غير الارض ونباتها عموم (1) من وجه، لافتراق الاول في القرطاس المتخذ من مثل الحشيش ونحوه، وافتراق الثاني في غير القرطاس مما لم يكن من الارض ونبتها، ومادة الاجتماع هو القرطاس المتخذ من غير الارض ونبتها كالمتخذ من الصوف أو الحرير فيتعارضان فيها، لكن الترجيح مع الاول، اعني دليل جواز السجود على القرطاس إذ لا يلزم منه محذور عدا الالتزام بالتخصيص في الادلة المانعة عن السجود على غير الارض ونباتها بخلاف العكس، إذ يلزم من تقدم الثاني وهي الادلة المانعة المحذور وهو الغاء عنوان القرطاسية، وعدم دخله بخصوصه في ثبوت الحكم، إذ العبرة حينئذ في الجواز بكون ما يسجد عليه من الارض أو نباتها سواء أكان قرطاسا أم غيره، مع ان ظاهر النصوص ان القرطاس بعنوانه موضوعية للحكم، ولهذا الوصف العنواني مدخل في الجواز. وقد تقرر في محله ان العامين


(1) هذا مبني على ان يكون لدليل الجواز عموم أو اطلاق والمفروض ان المناقش ينكر ذلك ويرى انه (ع) لم يكن في مقام البيان لينعقد الاطلاق فلاحظ.

[ 152 ]

[ فلا يصح على ما خرج عن اسم الارض كالمعادن (1) ] من وجه إذا لزم من تقديم احدهما على الآخر محذور دون العكس قدم الثاني. ونظيره تقديم ما دل على ان كل طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله وخرئه على قوله اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه، فان النسبة بينهما وان كانت عموما من وجه الا ان الترجيح مع الاول، إذ لو قدم الثاني لزم الغاء عنوان الطيران المخالف لظهور دليل اعتباره كما لا يخفي. مع انه يلزم من تقديم الادلة المانعة محذور آخر وهو حمل دليل الجواز على الفرد النادر بل لغويته من جهة تعذر الاطلاع غالبا على مادة القرطاس وما اتخذ منه كما اشرنا اليهما آنفا. فلاحظ. وثالثا: مع الغض عن جميع ذلك وتسليم استقرار المعارضة من دون مرجح فالمرجع بعد التساقط اصالة البراءة عن تقييد المسجد بعدم كونه قرطاسا متخذا مما لا يصح السجود عليه، فان المتيقن من التقييد عدم جواز السجود على غير الارض ونبتها في غير القرطاس واما فيه فشك في اصل التكليف يدفع بالبراءة كما هو الشأن في كل ما دار الامر فيه بين الاقل والاكثر الارتباطيين، ولا مجال للرجوع إلى عموم عدم جواز السجود على غير الارض ونباتها لابتلائه بالمعارض في خصوص القرطاس كما هو ظاهر فتصل ان الاقوى جواز السجود على القرطاس مطلقا، وإن كان الاحوط عدم السجود على المتخذ من غير النبات، واحوط منه اعتبار كون النبات مما يصح السجود عليه. (1): يقع الكلام في جهات: الاولى في تأسيس الاصل وانه

[ 153 ]

[ مثل الذهب والفضة والعقيق والفيروزج والقير والزفت ونحوها ] إذا شك في جواز السجود على شئ فهل ان مقتضى الاصل العملي هو الجواز الا ان يثبت كونه مما لا يصح السجود عليه، أو ان مقتضى الاصل عدم الجواز الا ان يثبت خلافه؟ فنقول: قد تفرض الشبهة مفهومية من جهة اجمال اللفظ وتردده بين الاقل والاكثر لعدم العلم بحدود المعنى المراد من اللفظ من حيث السعة والضيق مع العلم بحال الموجود الخارجي وعدم الشك فيه نظير الترديد في مفهوم الماء وانه هل هو معنى عام ينطبق على ماء الزاج والكبريت، أو ان خصوصية اخذت فيه اوجبت ضيق المعنى بحيث لا تنطبق عليهما. واخرى: تفرض الشبهة مصداقية للجهل بما هو الموجود في الخارج مع العلم بحدود المعنى وعدم الترديد في المراد من اللفظ. اما القسم الاول: كما لو شككنا في مفهوم الارض الموضوع لوجوب السجود عليها وان ما وضع له اللفظ هل هو معنى عام بحيث يصدق على المعدن كالذهب والفضة ونحوهما أو ان المعنى ضيق لاعتبار خصوصية فيه تمنع عن الصدق عليه. والظاهر ان المرجع حينئذ اصالة البراءة عن اعتبار تلك الخصوصية لكون الشك حينئذ عائدا إلى مقام الجعل، إذ نشك في حدوث التكليف زائدا على المقدار المتيقن فان المتيقن منه وجوب السجود على الجامع بين الفرد المشكوك كالمعدن ومتيقن الارضية كالتراب، واما تقييد الواجب بخصوصية اخرى تمنع عن صدقه على المعدن فهو من اصله مشكوك للشك في دخله في مفهوم اللفظ ومسماه فيدفع التقييد

[ 154 ]

باصالة البراءة كما هو الشأن في كل واجب مردد بين الاقل والاكثر. (وان شئت فقل) ان الافراد المتيقن عدم كونها من الارض نقطع بعدم صحة السجود عليها وان الواجب قد اعتبر مقيد بعدمها واما الفرد المشكوك فلا علم بالتقييد بعدمه والاصل البراءة. وبالجملة: ما اريد من اللفظ دائر بين الاطلاق والتقييد والمعنى الوسيع والضيق لتردده بين ما لا ينطبق على المعدن مثلا وبين ما يشمله ولا علم لنا الا بالاعم اعني الجامع الصالح انطباقه عليهما لكونه الاقل المتيقن ارادته فانه الاخف مؤنة، واما الزائد عليه اعني لحاظ الخصوصية وتقيد المأمور به بما يمتنع صدقه على الفرد المشكوك وهو المعدن، فحيث انه يحتاج إلى عناية خاصة ومؤونة زائدة فتشك في تقيد الجعل به زائدا على المقدار المتيقن والاصل عدمه. وهذا هو الشأن في كل مفهوم مجمل مردد بين الاقل والاكثر، كمفهومي الفسق والغناء ونحوهما. فلا يصغى إلى ما يقال من انا علمنا بوجوب السجود على الارض ولا يحصل العلم بالفراغ إلا بالسجود على متيقن الارضية فلا يجزي على الفرد المشكوك، لان الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية عملا بقاعدة الاشتغال. إذ فيه ان المعلوم وجوبه ليس نفس المفهوم كي يشك في تحققه في الخارج، وانما المعلوم وجوب السجود على ما اريد من لفظ الارض، وحيث ان المراد منه مردد بين الاقل والاكثر فلا علم بالوجوب الا بالنسبة إلى الجامع كما عرفت. واما تقييده بما يمنع عن انطباقه على المعدن مثلا فهو تكل يف زائد يشك في حدوثه من اول الامر. فالشك راجع إلى مقام الجعل، والمرجع فيه البراءة

[ 155 ]

لا إلى مقام الامتثال كي يرجع إلى الاشتغال. واما في القسم الثاني: اعني الشبهة المصداقية كما لو شك ان الموجود الخارجي تراب مثلا ام غيره مما يقطع بعدم صحة السجود عليه فلا ريب ان المرجع حينئذ قاعدة الاشتغال لكون المفهوم وما تعلق به الوجوب مبينا على الفرض فلا شك في مقام الجعل وانما الشك في انطباقه على الموجود الخارجي، فلا بد من تحصيل القطع بالفراغ بعد العلم بالتكليف، ولا يتحقق الا بالسجود على متيقن الارضية وهذا ظاهر. الجهة الثانية: قد عرفت ان الموضوع لوجوب السجود هو عنوان الارض فكل ما صدق عليه اسم الارض جاز السجود عليه سواء أكان من المعادن ام غيرها، إذ لم يوخذ في مفهوم المعدن خروجه عن اسم الارض لا لغة ولا عرفا، كما ان عنوان المعدن لم يؤخذ موضوعا لجواز السجود ولا لعدمه في شئ من الروايات حتى الضعيفة كي يتكلم في تحقيق هذا المفهوم سعة وضيقا. وبالجملة الحكم دائر نفيا واثباتا مدار صدق اسم الارض، فمهما صدق العنوان جاز السجود عليه، وان صدق عليه اسم المعدن ايضا وإلا فلا، وقد عرفت حكم الشك آنفا. الجهة الثالثة: في تحقيق حال الامور المذكورة في المتن من امثلة المعدن وانها هل تصدق عليها اسم الارض كي يصح السجود عليها كما عرفت أو لا؟ اما الذهب والفضة فلا ارتباب في عدم صحة السجود عليهما لخروجهما عن اسم الارض ونباتها، ضرورة انهما ليسا من الارض وانما هم فلزان مخصوصان يتكونان في الارض بقدرته تعالى، وان

[ 156 ]

كانت موادهما متخذة من نفس الارض على كلام فيه، لذهاب جملة من متأخري الفلاسفة إلى كونهما بسائط بالذات مبائنة مع الارض في حقائقها وماهياتها. وكيف كان فلا ريب في عدم صدق الارض عليهما كنباتها. واما العقيق والفيروج ونحوهما من الاحجار الكريمة ففي خروجها عن اسم الارض تأمل، بل منع، إذ لا نرى فرقا بينها وبين بقية الاحجار كالحصاة ونحوها في صدق اسم الارض عليها، غايته انها تشتمل على صفات خاصة من الصفاء والجلاء واللون الخاص الموجب لرغبة العقلاء إليها، وبذل المال بازائها، وبذلك اصبحت من الاحجار الكريمة مع ان هذه الصفات ربما توجد بمثلها بل فوقها في غيرها من ساير الاحجار كبعض الحصيات الواقعة في قعر الانهار، أو كبعض انواع الزجاج، ومع ذلك لا تعد كريمة ولا يرغب فيها العقلاء. وبالجملة: اتصاف تلك الاحجار بكونها كريمة وشرائها باغلى الثمن لعلة لا نعرفها يستوجب خروجها عن صدق اسم الارض. وقد نقل ان بعض اراضي افريقيا كلها عقيق، فهل ترى فرقا بينها وبين ساير الاماكن من بقية بقاع الارض في صدق اسم الارض عليها. هذا ومع التنزل فلا اقل من الشك واحتمال صدق الارض عليها وقد عرفت في الجهة الاولى ان المرجع عند الشك في موارد الشبهة المفهومية اصالة البراءة فتقيد المسجد لعدم كونه من هذه الاحجار مشكوك يدفع بالاصل. وعليه فالاقوى خلافا للمشهور ومنهم الماتن جواز السجود علهيا وا كان الاحتياط لا ينبغي تركه، حذرا عن مخالفة المشهور

[ 157 ]

وقد يتفق ان السجود عليها مقتضى الاحتياط كما لا يخفى. واما القير والزفت والظاهر اتحادهما وعدم الفرق الا بلحاظ حالتي الميعان وعدمه، فالمايع يعبر عنه بالزفت، والجامد بالقير، وقد يطلق عليه القار كما في بعض الاخبار الآتية. فلو كنا نحن ومقتضى القاعدة مع الغض عن الاخبار الخاصة الوردة في المقام لم يكن مجال للترديد في عدم جواز السجود عليها لخروجها عن اسم الارض بالضرورة، فانها مادة سوداء تتكون داخل الارض نستخرج منها وينتفع بها بعد العلاج في طلي السفن وتعبيد الطرق ونحوها، وكذا عن نباتها وان اطلق عليها النبات في بعض الاخبار الاتبة لكنه مأول كما ستعرف. إلا ان هناك اخبارا خاصة صحيحة السند قد دلت صريحا على الجواز وبازائها ما يعارضها، فلا بد من النظر فيها وعلاجها. فنقول: روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار قال: سال المعلى بن خنيس ابا عبد الله عليه السلام وانا عنده عن السجود على القفر وعلى القير، فقال: لا بأس به (1)، ورواه الصدوق ايضا بسنده الصيح عن المعلى بن خنيس. وفي صحيحته الاخرى انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن الصلاة على القار، فقال: لا بأس به (2). وفي صحيحته الثالثة قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في السفينة إلى ان قال: يصلي على القير والقفر ويسجد عليه (3). وكون مورد الاخيرة السفينة لا قرينة فيه على ارادة حال الضرورة


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 6 من أبواب ما يسجد عليه حديث 41 و 5 و 6

[ 158 ]

كما ادعاه صاحب الوسائل لعدم الملازمة بينهما لجواز التمكن مما يصح السجود عليه حينئذ من خشبة ونحوها. وفي صحيح منصور بن حازم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: القير من نبات (1). وقد عرفت ان القير ليس من نبات الارض بالضرورة، فلا بد من التأويل والمراد انه بمنزلة النبات بنحو الحكومة في جواز السجود عليه كقوله: الفقاع خمر، فيشترك مع النبات في حكمها تعبدا. وروى الشيخ باسناده عن ابراهيم بن ميمون انه قال لابي عبد الله عليه السلام في حديث: تسجد (فاسجد) على ما في السفينة وعلى القير قال: لا بأس (2) لكن الرواية ضعيفة السند من جهة ضعف طريق الشيخ (3) إلى ابراهيم بن ميمون مضافا إلى عدم ثبوت وثاقة الرجل في نفسه. والعمدة انما هي الروايات السابقة الصحيحة سندا والصريحة دلالة. وبأزائها رواية محمد بن عمرو بن سعيد عن ابي الحسن الرضا عليه السلام قال: لا تسجد على القير ولا على القفر، ولا على الساروج (4)، لكن الرواية ضعيفة السند من جهة علي بن اسماعيل السندي الواقع في الطريق فانه لم يوثق، نعم وثقه نصر بن الصباح لكن نصرا في نفسه ضعيف فلا عبرة بتوثيقه. فهذه الرواية لا تصلح للمعارضة مع الروايات السابقة.


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب ما يسجد عليه ح 8. (2) و (4) الوسائل: باب 6 من أبواب ما يسجد عليه ح 1 و 7. (3) ولكنها مروية بطريق الصدوق ايضا وطريقه إليه صحيح لاحظ المعجم ج 1 ص 300.

[ 159 ]

وانما الصالح لها هي صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: قلت له: اسجد على الزفت يعني القير، فقال: لا، ولا على الثوب الكرسف، ولا على الصوف، ولا على شئ من الحيوان، ولا على طعام، ولا على شئ من ثمار الارض، ولا على شئ من الرياش. (1) فلا بد من العلاج. وقد جمع بينهما بحمل الطائفة السابقة على مورد الضرورة أو موارد التقية لكنه كما ترى جمع تبرعي لا شاهد عليه. وربما يجمع بحمل الرواية الاخيرة على الكراهة وهو ايضا يتلو سابقه في الضعف لما تقدم قريبا من ان هذا النوع من الجمع انما يستقيم فيما إذا اختلفت الدلالتان في الظهور قوة وضعفا فكانت احداهما ظاهرة والاخرى نصا أو اظهر فيرفع اليد عن الظهور بنصوصية الاخرى أو اظهريتها، بحيت لو اجتمعتا واقترنتا في دليل واحد لم تكونا من المتناقضين، بل كان احداهما قرينة صالحة للتصرف في الاخرى كقوله: لا تفعل كذا مع قوله: لا بأس في ارتكابه، أو قوله افعل كذا مع قوله: لا باس بتركه، حيث ان النهي أو الامر ظاهر في الحرمة أو الوجوب، ونفي البأس صريح في الجواز فيرفع اليد عن الظهور بالنص، ويحمل على الكراهة أو الاستحباب. ومن الواضح ان هذا الضابط غير منطبق على المقام، فان الروايات السابقة وان كانت صريحة في الجواز للتصريح فيها بنفي الباس لكن الرواية الاخيرة، أعني صحيحة زرارة المعارضة ايضا صريحة في عدم الجواز، فانها وان كانت بلسان النهي الظاهر في المنع الا ان قرينة وقوعه في مقام التحديد تجعله كالنص فيه بشهادة


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب ما يسجد عليه ح 1.

[ 160 ]

عطف غيره من ساير ما لا يصح السجود عليه من ثوب الكرسف والصوف وشئ من الحيوان والطعام ونحوها عليه، فذكر القير في سياقها وعده من جملة الموارد المقطوع عدم جواز السجود عليها الكاشف عن كونه (ع) في مقام التحديد قرينة واضحة على ارادة المنع من النهي، فهو صريح في عدم الجواز، وقد عرفت ان صحيحة زرارة صريحة في الجواز. فهما بمثابة التعبير ب‍ (يجوز، ولا يجوز). ولا شك ان مثلهما من المتعارضين لدى العرف، لو رود النفي والاثبات على موضوع واحد، بحيث لو جمع بينهما في دليل واحد عدا من المتناقضين لتكافؤهما في الصراحة وعدم صلاحية احدهما للتصرف في الآخر. فالحمل على الكراهة لا مسوح له في مثل المقام كما هو ظاهر. وقد يقال ان الطائفة السابقة وان كانت صحيحة السند صريحة الدلالة إلا ان اعراض المشهور عنها يسقطها عن الحجية، فان السند كلما ازداد قوة ازداد بالاعراض وهنا، فتبقى صحيحة زرارة الصريحة في المنع سليمة عن المعارض. وفيه اولا منع الكبرى لما ذكرناه في الاصول من ان الاعراض لا يستوجب الوهن ولا يسقط الخبر الصحيح عن الحجية، كما ان العمل لا ينجبر به الضعف، فالاعراض والعمل لا يؤثران في السند قوة ولا ضعفا وتمام الكلام في محله. وثانيا منع الصغرى لعدم ثبوت الاعراض، إذ من الجائز ان عدم عملهم بها من جهة ابتلائها بالمعارض وهي صحيحة زرارة وترجيحه عليها لجهة من الجهات، لا لاجل الاعراض عن السند لخلل فيه، فان الاعراض انما يوجب الوهن إذا كان الخبر في نفسه صالحا

[ 161 ]

[ وكذا ما خرج عن اسم النبات كالرماد والفحم (1) ونحوهما ولا على المأكول والملبوس كالخبز والقطن والكتان ونحوها ] للعمل لسلامته عن المعارض كما لا يخفى. فالصحيح في طريقة الجمع حمل الصحاح المتقدمة على صدورها تقية لموافقتها للعامة. فيرجح صحيح زرارة عليها بمخالفته لهم، مضافا إلى موافقته لعموم السنة وهي الاخبار المانعة عن السجود على ما عدا الارض ونباتها، حيث ان القير ليس في شئ منهما كما عرفت فيجعل العموم مرجحا ثانيا للصحيح، أو لا اقل من جعله مرجعا بعد تساقط المتعارضين. فالاقوى عدم جواز السجود على القير والزفت كما عليه المشهور بل لم ينقل الخلاف عن احد، استنادا بعد العمومات إلى صحيح زرارة بعد دفع معارضه المؤيد برواية محمد بن عمرو بن سعيد المتقدمة. (1): اما الرماد فلا شك في عدم جواز السجود عليه، فان اصله وان كان من النبات كالخشب والمادة المشتركة المعبر عنها بالهيولي وان كانت محفوظة الا انه قد استحال وتبدلت صورته النوعية، وانتقل إلى حقيقة اخرى، فهو بالفعل مبائن مع اصله ذاتا وصفة ولذا لو كان نجسا سابقا يحكم بطهارته من جهة الاستحالة، لانعدام الموضوع السابق وحدوث موضوع جديد، فلا يصدق عليه فعلا عنوان الارض ولا نبتها، فيشمله عموم المنع وهذا ظاهر جدا. واما الفحم: فهو وان كان يفترق عن الرماد في عدم تحقق الاستحالة في مورده ولذا لا يحكم بطهارة الحطب المتنجس بصيرورته فحما لعدم تغيره عما هو عليه بحسب الذات كما في الرماد، إلا

[ 162 ]

[ ويجوز السجود على جميع الاحجار إذا لم تكن من المعادن (1). ] انه مع ذلك لا يصح السجود عليه لتغير وصفه المقوم لعده من النبات في نظر العرف. وبالجملة: تغير الوصف العنواني لا يستوجب تبدلا في الصورة النوعية وانقلابا في الذات والماهية الذي هو مناط الاستحالة، ولذا لا يطهر الماء المتنجس بصيرورته ثلجا فانه ماء منجمد لا حقيقة اخرى فالذات باقية، غايته ان صفة الميعان المقومة لهذا العنوان قد تغيرت وتبدلت، ولذا ترتفع الاحكام المترتبة على العنوان بزواله كالاعتصام المترتب على الكر من الماء فان موضع الملاقاة ينفعل عند صيرورة الكر منه ثلجا لعدم صدق الماء حينئذ عنوانا وان لم ينعدم ذاتا. وعليه: فلا منافاة بين بقاء النجاسة وعدم جواز السجود عند صيرورة الحطب فحما إذ العبرة في الاول ببقاء الذات في نظر العرف وعدم التبدل إلى حقيقة اخرى، فلا يحكم بالطهارة الا عند الاستحالة وانقلاب الموضوع ذاتا وصفة، بحيث يعد موضوعا جديدا مبائنا مع اصله، وليس الفحم كذلك لبقاء ذات الحطب بحاله فانه خشب محترق. واما في الثاني فمناطه تبدل وصفه المقوم، وحيث ان الفحم لا يتصف فعلا بصفة الحطبية لا يعد من النبات وان كانت الذات باقية فلا يصح السجود عليه. (1): قد عرفت ان المدار على صدق اسم الارض والمعدنية لا تنافي الصدق المزبور

[ 163 ]

[ (مسألة 1): لا يجوز السجود في حال الاختيار على الخزف والآجر (1) والنورة والحص المطبوخين، وقبل الطبخ لا بأس به ] (1): منع (قده) عن السجود على الخزف والآجر، وكذا النورة والجص المطبوخين دون غير المطبوخ. اما الجواز في غير المطبوخ منهما فلا غبار عليه، فان ارض الجص وحجر النورة من قسم الاحجار والاراضي فلا فرق بينهما وبين غيرهما في اشتراك الجميع في صدق اسم الارض، ومجرد الانتفاع الخاص منهما المفقود في غيرهما لا يوجب سلب العنوان ولا يخرجهما عن صدق اسم الارض فيشملهما الاطلاق. وهذا ظاهر. واما هما بعد الطبخ، وكذا الخزف والآجر فالظاهر ايضا جواز السجود على الجميع، فان عروض الطبخ لا يستوجب الخروج عن صدق اسم الارض، غايته انه حجر محترق أو طين محترق قد تغير بالعلاج بعض اوصافه فهو كاللحم المطبوخ فكما ان الطبخ لا يغير حقيقة اللحم ولا يوجب سلب الاسم فكذا الطبخ العارض على هذه الامور. وبالجملة: فصدق عنوان الارضية المأخوذ موضوعا لجواز السجود على هذه الامور وصدقه على غيرها كالتراب وساير الاحجار كالصخر ونحوه على حد سواء فيشمله الاطلاق. وعليه فجواز السجود عليها على طبق القاعدة. ويدل عليه مضافا إلى ذلك صحيح الحسن بن محبوب قال: سألت

[ 164 ]

[ (مسألة 2): لا يجوز السجود على البلور والزجاجة (1) ] ابا الحسن (ع) عن الجص توقد عليه العذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب عليه السلام إلي بخطه: ان الماء والنار قد طهراه (1) فان التعليل المذكور في الجواب وان كان لا يخلو من غموض واشكال كما لا يخفى. وسنتعرض له ان شاء الله تعالى مستقصى في مبحث السجود عند التكلم عن اعتبار طهارة المسجد لانحصار المستند في هذه الصحيحة الا انها صريحة في مفروغية جواز السجود على الجص في حد نفسه، وان ذلك كان امرا مغروسا في ذهن السائل، وقد اقره الامام عليه السلام على ذلك، وانما دعته إلى السؤال شبهة النجاسة: فغايته اجمال الجواب عن هذه الشبهة وهو غير قادح في ظهورها، بل صراحتها فيما نحن بصدده من صلاحية الجص للسجود عليه في حد نفسه كما هو ظاهر. (1): لعدم كونهما من الارض ولا من نباتها، وان كانت مادتهما متخذة من الارض من رمل ونحوه، لكنها قد استحالت وتبدلت صورتها النوعية، فهما بالفعل متباينان مع الاصل خارجان عن مفهوم الارض. ويؤيد الحكم في الزجاج خبر محمد بن الحسين: ان بعض اصحابنا كتب إلى أبي الحسن الماضي عليه السلام يسأله عن الصلاة على الزجاج، قال: فلما نفذ كتابي إليه تفكرت وقلت: هو مما انبتت الارض، وما كان لي ان أسأل عنه، قال: فكتب الي لا


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب ما يسجد عليه ح 1.

[ 165 ]

تصل على الزجاج، وان حدثتك نفسك انه مما انبتت الارض ولكنه من الملح والرمل وهما ممسوخان (1). ورواه في كشف الغمة نقلا من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري في دلائل علي بن محمد العسكري عليه السلام قال: وكتب إليه محمد بن الحسن بن مصعب يسأله وذكر مثله إلا انه قال: فانه من الرمل والملح، والملح سبخ. ورواه الصدوق في العلل بسنده عن السياري مثله. ويقع الكلام في الرواية تارة من حيث السند، واخرى من ناحية الدلالة. اما السند فالظاهر انه مرسل وان عبر عنه غير واحد بالصحيح لان محمد بن الحسين يروي ان بعض الاصحاب كاتب الهادي (ع) وهو مجهول، وهذا بمجرده وان لم يكن قادحا إذا كان محمد بن الحسين بنفسه شاهد خط الامام عليه السلام فحكي كتابته وروى عن شخصه (ع) بلا واسطة وان كان المكاتب مجهولا لكنه في المقام ليس كذلك لان مرجع الضمير في قوله: " قال فكتب الي " هو بعض الاصحاب (2) فهو الذي شاهد الخط الشريف دون الراو عنه فمحمد بن الحسين لم يشهد بمقتضى حكايته الا باصل المكاتبة لا بكتابة الامام (ع) وانما يرويها عن مكاتب مجهول لا نعرفه


(1) الوسائل: باب 12 ما يسجد عليه ح 1. (2) هذا بناء على نسخة الكافي، واما في التهذيب فالعبارة هكذا (قال فكتب إليه) ج 2 ص 304 وبناء عليها فالمرجع هو محمد بن الحسين ومعه لا تكون الرواية مرسلة لكن الشأن في صحتها وحيث لم تثبت فتكون مرددة بين الارسال والاسناد فلا تصلح للاعتماد.

[ 166 ]

فيكون في حكم المرسل. نعم قد صرح باسم المكاتب في رواية كشف الغمة نقلا عن كتاب الدلائل وانه محمد بن الحسن بن مصعب كما عرفت، إلا ان طريق مؤلف كشف الغمة إلى كتاب الدلائل غير معتبر مضافا إلى ان الرجل بنفسه مجهول. واما الطريق الثالث الذي ذكره الصدوق كما مر فهو ايضا ضعيف من اجل السياري، (وبالجملة) فالرواية ضعيفة السند بطرقها. واما الدلالة: فالمراد بقوله عليه السلام: وهما ممسوخان استحالة الملح والرمل وخروجهما عن حقيقتهما اما بمجرد المزج المحقق لحدوث طبيعة ثالثة أو عند صيرورتهما زجاجا. وعلى اي حال فالزجاجة فعلا ليست من الارض وان كان بعض موادها وهو الرمل ارضا بحسب الاصل، كما انها ليست من نباتها لا قبل الاستحالة ولا بعدها، ولا ندري ماذا تخيله السائل حيث حدثته نفسه انه ما انبتت الارض. واما قوله: في رواية كشف الغمة فانه من الرمل والملح والملح سبخ فالمراد ان الملح الذي هو من اجزاء الزجاج ليس من الارض ولا النبات حيث انه سبخ وهو عبارة عما يعلو على الارض عند نزير المياه، المعبر عنه بالفارسية ب‍ (شوره) فهو وان كان يخرج من الارض عند كونها ذات نز. ولعله بهذا الاعتبار تخيل السائل انه مما انبتت الارض لكنه في الحقيقة ليس من الارض ولا نبتها فلا يجوز السجود على الزجاج المتخذ منه. وكيف كان فالرواية صريحة في المنع عن السجود فتكون مؤيدة للبطلان.

[ 167 ]

[ (مسألة 3): يجوز على الطين الارمني والمختوم (1). (مسألة 4): في جواز السجدة على العقاقير والادوية مثل لسان الثور (2) وعنب الثعلب والخبة واصل السوس واصل الهندباء اشكال، بل المنع لا يخلو عن قوه، نعم لا باس بما لا يؤكل منها شائعا ولو في حال المرض، وان كان يؤكل نادرا عند المخمصة أو مثلها. ] (1): الاول طين احمر ينتفع به، والثاني طين ابيض كان يستعمل سابقا وقد ادركناه بدل الصابون ينظف به البدن. وعلى اي حال فهما كساير اقسام الطين من مصاديق الارض، واللون الخاص أو الانتفاع المخصوص لا يخرجهما عن صدق اسم الارض. (2): استشكل بل منع (قده) عن السجود على الادوية. والعقاقير التي ذكرها في المتن وكأنه لصدق المأكول عليها ولو في حال التداوي. لكن الظاهر الجواز لعدم كون هذه الامور بنفسها من المأكول، بل ان بعضها كأصل السوس مثل الخشب غير قابل للاكل ابدا وانما ينتفع بها بصب الماء عليها وغليانه فيتأثر منها ويكتسب من مجاورتها رائحة خاصة واثرا مخصوصا فيشرب نفس الماء ويتداوى به، وتطرح تلك الاجرام بعدما صارت كالثفل كما في الشاي، فالمأكول ليس هذه الادوية بل الماء بعد اجراء العملية، فهي من مصاديق النبات غير المأكول فيعمها دليل جواز السجود عليها. وما ذكره في المتن من نفي البأس عما لا يؤكل منها شايعا ولو حال المرض وان كان ربما يؤكل نادرا كما في المخمصة والاضطرار

[ 168 ]

[ (مسألة 5): لا بأس بالسجود على مأكولات الحيوانات كالتبن والعلف (1). (مسألة): لا يجوز السجود على ورق الشاي ولا على القهوة (2) وفي جوازها على الترياك اشكال. ] ونحوهما وان كان صوابا لانصراف المأكول المأخوذ موضوعا للمنع إلى الشايع المتعارف، فلا عبرة بالشاذ النادر الذي يتفق احيانا لجهة عارضية كما لا يخفى، لكنه اجنبي عما نحن فيه وغير مرتبط بالمقام بعدما عرفت من عدم كون هذه الامور ماكولا اصلا لا شايعا ولا نادرا. (1): لانصراف قوله عليه السلام: إلا ما أكل إلى مأكول الانسان بلا اشكال خصوصا بعد ملاحظة اقترانه بما لبس. ويؤكده قوله عليه السلام في صحيحة هشام بن الحكم المتقدمة في صدر المبحث " لان ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون (1). (2): منع (قده) عن السجود على ورق الشاي والقهوة، واستشكل في الترياك. اما في القهوة فالمنع في محله فانها بنفسها بعد سحقها وصنعها بالكيفية الخاصة تؤكل اما منفردا أو مع السكر، فيصدق عليها انها نبات مأكول الموضوع لعدم جواز السجود. ومنه: تعرف ان منعه في الشاي في غير محله لافتراقه عن القهوة في عدم كونه مأكولا بنفسه، بل يهدر فيصب عليه الماء وبعد التأثر منه واكتساب اللون والرائحة الخاصة الحاصلين من المجاورة يشرب


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب ما يسجد عليه ح 1.

[ 169 ]

ويطرح الثقل كما تقدم في العقاقير والادوية من دون فرق بين الشاي الاخضر المتداول استعماله في بلاد افغان وپاكستان وفي بعض نقاط ايران وبين الاسود منه الرائج عندنا. وبالجملة: ورق الشاي لا يعد من المأكول لا بحسب استعداده في نفسه ولا باعتبار اعداد الناس لذلك. فلا يقاس بورق القهوة للفرق في كيفية الاستعمال كما عرفت. فالاقوى جواز السجود عليه ما لم يلون كثيرا بمثابة يعد اللون جرما حائلا بينه وبين الجبهة. فهو في حد نفسه لا باس بالسجود عليه. واما الترياك: فليس الوجه في استشكاله (قده) احتمال كونه من المأكول لعدم كونه منه قطعا. كيف وهو من السمومات، واكل القليل منه احيانا كحبة أو اقل لاجل التداوي لا يجعله منه، واعتياد الشاذ من افراد الناس باكله لا يوجب عده منه فان بعض الدراويش معتادون بأكل سم الفار كما قيل مع انه ليس من المأكول قطعا، كما ان بعض الناس معتادون بأكل الطين أو الجص مع انهما لا يعدان بذلك من المأكول كي لا يصح السجود عليهما بالضرورة. فليس هذا الاحتمال منشأ للاشكال. بل الوجه فيه: احتمال عدم كونه من النبات وهو المتعين، فان ما تنبته الارض إنما هو الخشخاش. واما الترياك فهو شئ يتخذ منه شبه العصير فتستخرج من الخشخاش مادة تشبه الحليب وتغلى ثم تجرى عليها عملية خاصة فتتشكل منها هذه الطبيعة التي لا يصدق عليها فعلا لا عنوان الارض ولا نباتها، وان كان اصلها متخذا من الثاني كما في بقية الامور المستحالة من احدهما. وعلى هذا فينبغي القطع بعدم جواز السجود عليه.

[ 170 ]

[ (مسألة 7): لا يجوز على الجوز واللوز (1)، نعم يجوز على قشرهما بعد الانفصال وكذا نوى المشمش والبندق والفستق. ] والمتحصل مما ذكرناه جواز السجود على ورق الشاي لكونه نباتا غير مأكول، وعدم جواز على القهوة والترياك. اما الاول فلكونه مما يؤكل، واما الثاني فلعدم كونه من الارض ولا من نبتها. (1): الوجه في المنع احد امرين: الاول: عد القشر من توابع اللب عرفا حال الاتصال فكأنهما من حيث المجموع يعدان من المأكول في نظر العرف، وان كان احدهما بمنزلة الوعاء للآخر فيصدق السجود على المأكول وان لم تلاصق الجبهة الا القشر الذي ليس منه لولا التبعية، ولذا يجوز السجود عليه حال الانفصال بلا اشكال. لكنه كما ترى ممنوع جدا. فان القشر في مثل اللوز أو الجوز موجود مستقل بحياله في مقابل اللب حتى في نظر العرف بحيث لو سئلوا عما هو المأكول من هذا المجموع لما ترددوا في ان القشر الذي ربما يكون في الصلابة اشد من الخشب ليس منه وانما المأكول اللب فقط والتبعية في الوجود لا تستدعي التبعية في صدق المأكولية ولو بضرب من المسامحة كما لا يخفى. نعم: لو سلمنا التبعية فحكمنا بالمنع حال الاتصال لا مجال له بعد الانفصال بتوهم الاستصحاب. إذ فيه بعد الغض عن عدم جريانه في الشبهات الحكمية ان الموضوع متعدد فان القشر انما كان

[ 171 ]

يمنع عن السجود عليه لكونه من مصاديق المأكول ولو تبعا على الفرض والا فهو من حيث انه قشر لم يكن موضوعا للحكم قطعا، وبعد الانفصال قد زال العنوان وارتفع الموضوع لعدم كونه حينئذ مصداقا للمأكول حتى تبعا، فاثبات الحكم بعدئذ من اسرائه من موضوع إلى موضوع آخر كما هو واضح. الثاني: التمسك باطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة قريبا: " ولا على شئ من ثمار الارض " (1) بدعوى صدق الثمر على كل من القشر واللب فيشمله اطلاق المنع وان لم يكن من المأكول. وفيه: ان لازم ذلك المنع عن القشر حتى بعد الانفصال، بل عن عدة من الثمار غير المأكولة كثمر الشوك ونحوه مع ان الاصحاب لم يلتزموا بذلك، ولا ينبغي ان يلتزموا به لتقييد موضوع المنع في غير واحد من الاخبار بالمأكول بقوله عليه السلام: الا ما اكل أو لبس. فلا بد من تقييد الثمر في هذه الصحيحة بذلك غير الصادق على القشر كما عرفت. وغاية ما هناك ان يلتزم بكون النسبة بينهما عموما من وجه لان الصحيحة دلت على المنع عن الثمر مأكولا كان ام لا، وتلك الاخبار دلت على الجواز في النبات غير المأكول ثمرا كان كالشوك وقشر الجوز واللوز، أم غير ثمر كالحشيش فيتعارضان في مادة الاجتماع وهو الثمر غير المأكول كقشر الجوز واللوز، وبعد التساقط يرجع إلى عموم ما دل على جواز السجود على الارض وما انبتته ولا ريب ان القشر من نبات الارض ومع الغض عنه والانتهاء إلى الاصل العملي فالمرجع اصالة البراءة


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب ما يسجد عليه ح 1.

[ 172 ]

[ (مسالة 8): يجوز على نخالة الحنطة والشعير وقشر الارز (1). (مسألة 9): لا بأس بالسجدة على نوى التمر وكذا على ورق الاشجار (2) وقشورها، وكذا سعف النخل. ] عن تقيد المسجد بعدم كونه من القشر المشتمل على لب الجوز أو اللوز للشك في هذا التقييد زائدا على المقدار المتيقن فيدفع بالاصل كما مر التعرض له سابقا. فتحصل ان الاقوى جواز السجود على القشر المزبور من غير فرق بين حالتي الاتصال والانفصال وان كان الاحوط تركه في الاول. ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في نوى المشمش والبندق والفستق فلاحظ. (1) هذا مشكل جدا لتعارف اكلها ولو تبعا، بل قلما يتفق خلوص دقيق الحنطة والشعير عن النخالة، وكذا الارز عن القشر، بل ان البشر كان مدة مديدة من الزمن يأكل هذه الحبوب بقشورها قبل اختراع المطاحن والمكائن، وعدم كونها مستقلة في الاكل ومقصودة بالاصل لا يقدح فان كثيرا من النباتات المأكولة لا تكاد تؤكل مستقلة، بل بعد الضم بشئ آخر من خبز ونحوه كما في اليقطين والباذنجان والفلفل ونحوها مما لا شك في عدم جواز السجود عليها. فالاقوى عدم جواز السجود على النخالة وقشر الارز لعدها من المأكول. (2): لعد الجمع من نبات الارض غير المأكول كما هو ظاهر.

[ 173 ]

[ (مسألة 10): لا باس بالسجدة على ورق العنب بعد اليبس وقبله مشكل (1). ] (1): قد عرفت ان الاخبار قد دلت على جواز السجود على الارض ونباتها الا ما اكل أو لبس. والمراد بالاستثناء ليس ما اكل أو لبس بشخصه، فانه وان امكن فرضه في الملبوس، لكنه غير ممكن في المأكول، إذ لو فرض اكل شخصه خارجا فقد انعدم فلا موضوع كي يمنع عن السجود عليه. كما ان المراد ليس ما اكل فرد من نوعه أو جنسه في الخارج للقطع بعدم مدخلية الاكل الخارجي في الحكم والا لانتقض ببعض الاثمار المستحدثة التي لم يكن منها عين ولا اثر في عصر صدور هذه الاخبار كالطماطة والبرتقال، أو لو فرض العثور على بعض الفواكه في بعض الجزر البعيدة التي يقطع بعدم وصول البشر إليها، وعدم اكل احد منها لا شخصا ولا نوعا فانه لا ريب في عدم جواز السجود عليها حتى اول زمان الاستشكاف، مع ان فردا من هذه الطبيعة لم يكن مأكولا بعد في الخارج حسب الفرض. فلا مناص من ان يكون المراد ما هو قابل للاكل في حد ذاته ويعد من مأكول الانسان، سواء أتحقق الاكل الخارجي لفرد منه أم لا. بحيث لو قسم نبات الارض إلى المأكول وغيره وسئل عن ان هذا النبات من اي القسمين لاجيب بانه من قسم المأكول. فالمراد مما اكل في هذه الاخبار ما كان قابلا وصالحا في حد نفسه للاكل سواء أتوقف ذلك على العلاج والاتيان بمقدمات من طبخ ونحوه

[ 174 ]

أم لا، لصدق القابلية على التقديرين كما لا يخفى. ويكشف عنى هذا التعميم عطف الملبوس على المأكول في هذه الاخبار، فان المأكول من النباتات وان لم يحتج بعض مصاديقها إلى العلاج كأصناف الفواكه إلا ان الملبوس منها يحتاج إليه دائما من نسج أو غزل ونحوهما. فوحدة السياق تكشف عن ان المراد ما هو الاعم من القسمين. ثم ان القابلية المزبورة التي هي الموضوع للمنع في هذه الاخبار بالبيان المتقدم بما انها من العناوين الاشتقاقية والظاهر من امثالها لزوم التلبس بالمبدء والاتصاف به فعلا دون ما كان أو سيكون فيدور الحكم نفيا واثباتا حدوثا وبقاءا مدار العنوان الاشتقاقي والوصف العنواني، فما كان بالفعل واجدا لقابلية الاكل أو اللبس ولو بمعونة العلاج كما عرفت لم يجز السجود عليه، وما كان فاقدا لها سواء اتصف بها سابقا ثم زال ام لا، وسواء يتصف بها لاحقا ام لا جاز السجود عليه. فالمنع يدور مدار التلبس بالقابلية فعلا كما هو الشأن في بقية العناوين الاشتقاقية المأخوذة موضوعا لحكم من الاحكام كعدالة زيد، وعلم عمرو، وكرية الماء وامثالها. إذا تحققت المراد من الاستثناء في هذه الاخبار. تعرف انه لا ينبغي الاشكال في عدم جواز السجود على ورق العنب حال كونه رطبا لصلاحيته حينئذ للاكل ولو بمعونة الطبخ بحيث يعد فعلا من قسم المأكولات. كما لا ينبغي الاشكال في الجواز بعد اليبس لخروجه بعدئذ عن تلك الصلاحية والاستعداد. فهو بالفعل غير قابل للاكل في حد نفسه وان كان قابلا له سابقا. وقد عرفت آنفا دوران الحكم مدار العنوان

[ 175 ]

الاشتقاقي حدوثا وبقاءا، بل الحال كذلك قبيل اليبس واواخر حالات رطوبته بحيث زالت عنه تلك الطراوة فصار خشنا جدا، فانه ايضا غير قابل للاكل فعلا لصيرورته كالحشيش لا يأكله الا الحيوان. وكذا الحال في بعض اقسام التمر الذي يخرج بعد اليبس عن قابلية الاكل ولا يعد فعلا من مأكول الانسان لصيرورته كالخشب كما تعرضوا له في بحث الزكاة، فيجوز السجود على جميع ذلك. هذا فيما إذا كان عدم القابلية من حيث المنتهى بحيث كان الشئ في نفسه قابلا للاكل فانتهى امره إلى زوال القابلية كورق العنب بعد اليبس وكالتمر كما عرفت. واما إذا كان ذلك من حيث المبدء عكس الفرض المزبور بان لم يكن في بدء امره قابلا للاكل ثم يصير كذلك كالثمرة قبل اوان اكلها التي تعرض لها الماتن في مسألة 13 الآتية. فقد منع (قده) عن السجود عليه، ولعل نظره الشريف إلى ان الممنوع ما كان قابلا للاكل ولو بالعلاج كما مر الذي لا فرق فيه بين مثل الطبخ وبين النضج بالشمس المتوقف على مرور الزمان، فالقابلية متحققة في كلتا الصورتين. وهذا كما ترى مشكل جدا بل ممنوع، فانا وان عممنا القابلية لما يحتاج إلى العلاج كما عرفت الا انه فرق واضح بين ما إذا كانت المعالجة متوقفة على مقدمات اختيارية مثل الطبخ ونحوه. وما إذا توقفت على مقدمات خارجة عن تحت الاختيار كمرور الزمان ومضي وقت يصلح فيه الثمر للنضج، فان القابلية متحققة في الاول بالفعل وان توقف الاكل الخارجي على التصدي لمقدمات بخلافه في الثاني فان القابلية لم توجد بعد ولم تتحقق لقصور في المقتضي. نعم سيصير

[ 176 ]

[ (مسألة 11): الذي يؤكل في بعض الاوقات دون بعض (1) لا يجوز السجود عليه مطلقا، وكذا إذا كان مأكولا في بعض البلدان دون بعض. ] قابلا بعد حين من دون دخل لاختيار المكلف فيه قبال ما لا يصير كذلك ابدا كالحنظل. فالتمر مثلا حينما كان بسرا وقبل ان يصير بلحا وهو المسمى عند العامة بالچمري لا يعد من المأكولات لفقده فعلا صلاحية الاكل، وإنما يستعد له فيما بعد، فالقابلية مفقودة بالفعل عن هذا النبات. واما الحنطة مثلا الموقوف اكلها على الطبخ فهي بالفعل متصفة بهذه القابلية. وقد عرفت دوران الحكم مدار هذا العنوان حدوثا وبقاء. نعم لو كان الموضوع للمنع مطلق الثمر كما يقتضيه اطلاق قوله عليه السلام في صحيح زرارة: " ولا على شئ من ثمار الارض " (1) اتجه المنع في المقام، لكن عرفت لزوم تقييده بما دل على اختصاص الموضوع بالمأكول وانه مع الغض وتسليم كون النسبة عموما من وجه فالمرجع بعد التساقط عموم ما دل على جواز السجود على مطلق الارض ونباتها، ولا اقل من الرجوع إلى اصالة البراءة عن التقيد الزائد على المقدار المعلوم كما تقدم كل ذلك قريبا فلاحظ. فما افاده الماتن من المنع عن الثمار قبل اوان اكلها وان كان احوط لكن الاظهر خلافه كما عرفت. (1): اما ما كان مأكولا في بعض البلدان دون بعض فلا ينبغي


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب ما يسجد عليه ح 1.

[ 177 ]

الاشكال في عدم جواز السجود عليه مطلقا لصدق كونه من مأكول الانسان ولو بلحاظ طائفة منهم، إذ لا يعتبر في صدق هذا العنوان كونه مأكولا لجميع البشر. فالشلغم مثلا وان تنفر منه بعض الطباع بل لم يؤكل في بعض البلاد فانه يعد من المأكول كالجراد الذي يتنفر عنه اكثر الطباع لكنه واجد لصفة المأكولية عند آخرين. فاختلاف البلدان لا يؤثر في الفرق. والسر ان الموضوع للحكم مجرد القابلية كما مر غير مرة، ويكفي في صدق هذا العنوان كونه مأكولا في بعض البلدان ويأكله بعض افراد الانسان. نعم لا يكتفى بالواحد والاثنين من الناس لانصراف النص عن مثله، بل لا يصدق معه العنوان المزبور كما لا يخفى. وبالجملة: فاختلاف البلاد لا يؤثر في المقام. نعم ربما يؤثر في بعض الاحكام كما في الشئ الذي ربما يعد من المكيل أو الموزون في بلد ويعد من المعدود في البلد الآخر، فان كل بلد يلحقه حكمه في جريان الربا وعدمه لو بيع بمثله مع الزيادة. والفارق بين المثال وما نحن فيه ان الموضوع هناك عنوان المكيل أو الموزون الظاهر في الفعلية والمفروض عدم صدقه في البلد الآخر. واما في المقام فالموضوع القابلية للاكل المتحققة بتعارفه ولو عند بعض الطوائف كما عرفت. واما ما يؤكل في بعض الاوقات دون بعض، فان اراد (قده) به مجرد الاختلاف في الزمان مع اتحاد المأكول بصفاته في الوقتين وعدم تغييره عما هو عليه بأن يؤكل في الصيف مثلا ولا يؤكل نفس ذلك الشئ في الشتاء فالمتجه لو كان له مصداق ما ذكره (قده) من المنع مطلقا لصدق القابلية للاكل التي هي الموضوع للحكم ولو

[ 178 ]

[ (مسألة 12): يجوز السجود على الاوراد غير المأكولة (1). (مسألة 13): لا يجوز السجود على الثمرة قبل اوان اكلها (2). ] بلحاظ الزمان الذي يؤكل نظير ما مر من الصدق المزبور بلحاظ بعض الافراد. وان اراد به فرض تغيير الشئ في الوقتين واختلاف صفاته بخروجه عن قابلية الاكل في الزمان المتأخر أو عروضها له، فان كان من قبيل الاول كورق العنب بعد اليبس فقد تعرض (قده) له في المسألة السابقة وتقدم حكمه، وان كان من قبيل الثاني كالثمرة قبل اوان اكلها فسيتعرض له في المسألة 13 الآتية. وقد تكلمنا حولها فيما مر. وعليه فلا وجه لاستقلال هذا العنوان بالذكر وافراده في مسألة مستقلة فانه بين ما مضى وما سيأتي. وعلى اي حال فلم يتضح المراد من هذه العبارة وهو (قده) اعرف بما اراد فتدبر جيدا. (1): ووجهه ظاهر. (2): على الاحوط، والاقوى جوازه. وقد مر الكلام حولها في ذيل المسألة العاشرة فراجع.

[ 179 ]

[ (مسألة 14): يجوز السجود على الثمار الغير المأكولة اصلا كالحنظل ونحوه (1). (مسألة 15): لا باس بالسجود على التنباك (2). (مسألة 16): لا يجوز على النبات الذي ينبت على وجه الماء (3). ] (1): قد ظهر حالها من مطاوي الابحاث السابقة فلاحظ. (2): ولعل مراده (قده) ما يعم التتن، وكيف كان فهما ليسا من الملبوس ولا المأكول بل ولا المشروب، وانما يدخن بها فلا مانع من السجود عليها. (3): لا يخفى ان مقتضى الاطلاق في بعض النصوص جواز السجود على مطلق النبات من غير تقييد بالارض، كما في صحيحة محمد ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: قال لا باس بالصلاة على البوريا والخصفة وكل نبات الا التمرة كما في التهذيب أو الا الثمرة كما في الفقيه (1). وصحيحة الحسين بن ابي العلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر ان رجلا اتى أبا جعفر عليه السلام وسأله عن السجود على البوريا والخصفة والنبات، قال: نعم (2) وهذه الرواية صحيحة السند، إذ ليس في الطريق من يتأمل فيه عدا الحسين بن ابي العلا الذي هو الحسين بن خالد مع ان توثيقه يستفاد من كلام النجاشي


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب ما يسجد عليه ح 9. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب ما يسجد عليه ح 10.

[ 180 ]

حيث صرح بان الرجل كان اوجه من اخويه علي و عبد الحميد، وظاهره إرادة التفضيل في الحديث كما لا يخفى. وقد صرح ايضا بوثاقة عبد الحميد (1)، فيظهر ان الرجل كان اوثق من اخيه، على انه مذكور في اسانيد كامل الزيارات (2). فلا ينبغي التأمل في صحة الرواية هذا. وبأزاء هاتين الصحيحتين الاخبار الكثيرة وقد تقدمت التي قيد النبات فيها بالارض وانه لا يجوز السجود إلا على الارض أو ما انبتت الارض، فيدور الامر بين رفع اليد عن الاطلاق في تلك الصحيحتين وتقييده بنبات الارض، وبين حمل القيد في هذه الاخبار على الغالب، وان المراد مطلق النبات وان نبت على وجه الماء، فتقع المعارضة بين اصالة الاطلاق واصالة ظهور القيد في القيدية، وحيث لا ترجيح لاحدهما على الآخر فيسقطان. (وبعبارة اخرى) حيث ان النسبة بين الطائفتين عموم من وجه لدلالة الاولى على جواز السجود على مطلق النبات وان لم يكن من الارض، ودلالة الثانية على عدم الجواز في غير الارض ونباتها وان نبتت على وجه الماء فيتعارضان في مادة الاجتماع، وهي النبات على وجه الماء فيجوز بمقتضى الاول، ولا يجوز بمقتضى الثاني، وبما انه لا ترجيح لاحد الاصلين اللفظيين المزبورين على الآخر فيسقط كلا


(1) ولكنه دام ظله استظهر في المعجم ج 5 ص 187 ان الذي وثقه النجاشي رجل آخر غير عهد الحميد اخي الحسين بن ابي العلاء. (2) لا عبرة به نعم قد وقع في اسناد تفسير القمي لاحظ المعجم ج 5 ص 187.

[ 181 ]

[ (مسألة 17): يجوز السجود على القبقاب والنعل المتخذ من الخشب (1) مما ليس من الملابس المتعارفة، ] الدليلين ويرجع حينئذ إلى العام الفوق ان كان ولم يكن في المقام كما لا يخفى والا فالى الاصل العملي ومقتضاه اصالة البراءة عن تقييد المسجد بعدم كونه من نبات الماء للشك في هذا التقييد زائدا على المقدار المعلوم فيدفع بالاصل كما هو الشأن في الدوران بين الاقل والاكثر. وقد تقدم نظيره عند الشك في جواز السجود على المعادن وعلى مطلق الثمار وان لم تؤكل فلاحظ. هذا ما تقتضيه القاعدة التي نتيجتها جواز السجود على ما ينبت على وجه الماء. إلا ان الذي يهون الخطب ان الامر لا ينتهي إلى المعارضة بين الطائفتين، فان النبات كما يظهر بمراجعة اللغة ويساعده العرف اسم لخصوص ما ينبت من الارض فلا اطلاق في مفهومه لغة ولا عرفا حتى يشمل النابت على وجه الماء، وانما يطلق عليه توسعا ومجازا بعلاقة المشاكلة والمشابهة، وإلا فليس هو من حقيقة النبات في شئ. وعليه فلا تعارض بين الاخبار لتطابق الكل على عدم جواز السجود على غير الارض ونباتها غير الصادق على نبات الماء. فالاقوى عدم جواز السجود عليه. (1): قد عرفت ان المراد بما اكل أو لبس ما كان فيه استعداد الاكل أو اللبس وقابليتهما بحيث يعدان منفعة خاصة للشئ أو من منافعه البارزة المتعارفة.

[ 182 ]

[ وان كان لا يخلو عن اشكال، وكذا الثوب المتخذ من الخوص. ] ومنه يظهر جواز السجود على القبقاب والنعل المتخذ من الخشب لا لعدم صدق اللبس وانه اشيه بالموطوء كما قيل، إذ لا مساغ لانكار الصدق المزبور، ولبس كل شئ بحسبه، والضابط اشتمال الشئ واحاطته على البدن ولو في الجملة كما في الخاتم. ومن هنا لا ريب في عدم جواز اتخاذ القبقاب من الذهب للرجال لصدق لبس الذهب المحرم عليهم بلا اشكال، بل لعدم كون اللبس منفعة يختص بها الخشب، ولا من منافعه البارزة بحيث يعد لدى العرف منفعة متعارفة له، وصنع القبقاب منه احيانا ولبسه ندرة لا يستوجب عد اللبس من منافعه الظاهرة كما لا يخفى. وإلا لما جاز السجود على الخشب مطلقا حتى قبل صنعه قبقابا ولبسه. (وبعبارة اخرى) قد عرفت ان الاكل واللبس الخارجيين شخصا أو نوعا ليسا موضوعا لعدم جواز السجود وان الاستثناء في قوله: إلا ما أكل أو لبس لا يراد به شئ منهما كما مر توضيحه، بل المراد ما كانت مادته قابلة لهما ولو بالعلاج بحيث يعدان على الاقل من المنافع المتعارفة سواء اتحقق الاكل أو اللبس خارجا ام لا. ولا ريب ان اللبس ليس من منافع الخشب المتعارفة وان انتفع به منه احيانا، وإلا فلو عد من منافع هذه المادة لامتنع السجود عليه مطلقا اتصفت بهيئة القبقاب وتحقق اللبس في الخارج ام لا، إذ المدار على القابلية لا الفعلية كما عرفت. وحيث ان التالي باطل جزما فالملزوم مثله

[ 183 ]

[ (مسألة 18): الاحوط ترك السجود على القنب (1). (مسألة 19): لا يجوز السجود على القطن (2)، لكن لا يجوز على خشبه وورقه. (مسألة 20) لا باس بالسود على قراب السيف والخنجر (3) إذا كان من الخشب، وان كانا ملبوسين، لعدم كونهما من الملابس المتعارفة. ] ومنه يظهر الحال في الثوب المتخذ من الخوص من قلنسوة ونحوها فانه يجري فيه الكلام المتقدم بعينه فلاحظ. (1): بل هو الاقوى، فانه نبات تصلح مادته اللبس ولو بالعلاج من غزل ونسج كما في القطن والكتان فيشمله الاستثناء في قوله: إلا ما لبس، فتصنع منه الاقمشة مما يسمى اليوم بالشعري، وكذا غيره ولا يختص به كما تصنع منه الخيوط والحبال قبل التلطيف واستخراج الخليط. والظاهر ان ما يسمى بالفنطاز متخذ من هذه المادة. وكيفما كان فلا ينبغي التوقف في عدم الجواز لكون اللبس من منافعه المتعارفة كما عرفت. (2) قد مر الكلام حول هذه المسألة في صدر المبحث، وعرفت ان الاخبار في القطن والكتان وان كانت متعارضة الا ان الاخبار المجوزة محمولة على التقية. فالاقوى عدم جواز السجود عليهما نعم لا بأس بالسجود على الخشب والورق ووجهه ظاهر. (3): الحال فيه هو الحال في القبقاب بعينه الذي عرفت

[ 184 ]

[ (مسألة 21): يجوز السجود على قشر البطيخ (1) والرقي والرمان بعد الانفصال على اشكال، ولا يجوز على قشر الخيار والتفاح ونحوهما، (مسألة 22): يجوز السجود على القرطاس (2)، وان كان متخذا من القطن أو الصوف أو الابريسم ] جواز السجود عليه، فان ذلك كله من الملابس غير المتعارفة فلا يشمله الاستثناء في قوله: الا ما اكل أو لبس كما هو واضح. (1): لا ينبغي الاشكال في الجواز في مثل قشر البطيخ والرقي والرمان بعد الانفصال، فان الحال فيها هو الحال في قشر اللوز والجوز بعده الذي عرفت جواز السجود عليه لعدم صلاحيته للاكل بل قد عرفت الجواز فيهما حتى حال الاتصال، فكذا في المقام لوحدة المناط وان لم يكن بذاك الوضوح. واحتمال التمسك بالاستصحاب بناء على المنع لما بعد الانفصال الذي لعله هو منشأ استشكال الماتن في المقام قد عرفت فساده هناك فلاحظ. واما قشر الخيار والتفاح وكذا الباذنجان فحيث انه قابل للاكل ولو بالعلاج فالمنع عنه متعين. (2): تكلمنا حول هذه المسألة في صدر المبحث مستقصى، وعرفت ان الاقوى جواز السجود على القرطاس سواء اتخذ مما يصح السجود عليه ام لا، لاطلاق النصوص. نعم لو كانت عليه كتابة لها جرم حائل متخذ مما لا يصح السجود عليه كالمداد المتخذ من الدخان ونحوه لا يجوز السجود عليه كما تعرض له في المتن.

[ 185 ]

[ والحرير وكان فيه شئ من النورة، سواء كان ابيض أو مصبوغا بلون احمر أو اصفر أو ازرق أو مكتوبا عليه، ان لم يكن مما له جرم حائل مما لا يجوز السجود عليه كالمداد المتخذ من الدخان ونحوه، وكذا لا باس بالسجود على المراوح المصبوغة من غير جرم حائل. (مسألة 23): إذا لم يكن عنده ما يصح السجود عليه من الارض (1)، أو نباتها أو القرطاس، أو كان ولم يتمكن من السجود عليه لحر أو برد أو تقية أو غيرها سجد على ثوبه القطن أو الكتان. ] (1). يقع الكلام في جهتين، احداهما في جواز الانتقال حال الاضطرار لفقد ما يصح السجود عليه، أو عدم التمكن من استعماله لحر أو برد أو تقية إلى ما لا يصح السجود عليه اختيارا ومشروعية البدل ولو في الجملة. الثانية: في ترتيب الابدال بعضها على بعض وان ايا منها يتقدم على الآخر. اما الجهة الاولى: فالظاهر ان ذلك مما لا خلاف فيه، وتقتضيه جملة من النصوص فيها الصحيح والموثق. منها رواية عيينة بياع القصب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ادخل المسجد في اليوم الشديد الحر فاكره ان اصلي على الحصى فابسط ثوبي فاسجد

[ 186 ]

عليه، قال، نعم ليس به بأس (1)، وهذا الرجل مذكور في الاستبصار بلفظ عيينه كما ذكر وفي التهذيب بلفظ عتيبة. والظاهر اتحادهما بقرينة اتحاد الراوي والمروي عنه كما استظهره في جامع الرواة وان الاختلاف من الناسخين. والمذكور في النجاشي عتبة (من دون الياء) (2) ووثقه صريحا، فان كان الرجل هو عتبة الذي وثقه النجاشي كما هو الظاهر، بل لعله المطمأن به كانت الرواية صحيحة، وإلا فالسند مخدوش لجهالة غيره. هذا من حيث السند، واما الدلالة فقد يخدش فيها بكونها اجنبية عن محل الكلام إذ الغالب في مفروض السؤال تمكن السائل من السجود تحت السقف أو وضع شئ مما يصح السجود عليه على ثوبه من تراب أو خشب ونحوهما (على) انه لو سلم العجز. فلم يفرض ضيق الوقت، بل الظاهر سعته فله التأخير إلى ان يتمكن من التحصيل ولو بتخفيف حرارا الشمس كي يتمكن من السجود على الحصى ولو قبيل الغروب، والمدار في العجز المسوغ للانتقال إلى البدل العجز المستوعب لمجموع الوقت المنفي في الفرض. ويندفع: بان الظاهر ولو بمعونة الغلبة ان مقصود السائل الدخول في مساجد العامة التي هي مواقع التقية. ولا ريب ان الاعراض عن ذاك المكان أو وضع شئ مما يصح السجود عليه على الثوب مخالف للتقية. واما التأخير إلى آونة اخرى ترتفع معها التقية فغير لازم، إذ العبرة فيها بالاضطرار حين العمل لا في مجموع الوقت كما تعرضنا له في المبحث التقية. فالرواية تنطبق على محل الكلام وتعد من ادلة المقام.


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب ما يسجد عليه ح 1. (2) يظهر من المعجم ج 11 ص 110 خلافه.

[ 187 ]

ومنها: صحيحة القاسم بن الفضيل قال: قلت للرضا عليه السلام: جعلت فداك الرجل يسجد على كمه من اذى الحر والبرد، قال: لا بأس به (1). وصحيحة احمد بن عمر قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يسجد على كم قميصه من اذى الحر والبرد أو على ردائه إذا كان تحته مسح أو غيره مما لا يسجد عليه، فقال لا بأس به (2). وصحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار قال: كتب رجل إلى ابي الحسن عليه السلام: هل يسجد الرجل على الثوب يتقي به وجهه من الحر والبرد ومن الشئ يكره السجود عليه فقال: نعم لا بأس به (3). ولا يقدح اشتمال سند الروايتين الاخيرتين على عباد بن سليمان المهمل في كتب الرجال لوجوده في اسانيد كامل الزيارات. وقد عرفت غير مرة ثبوت وثاقة من كان في طريق هذا الكتاب ما لم يكن معارضا بتضعيف مثل النجاشي ونحوه. نعم من لا يعتمد على التوثيق من هذا الطريق كانت الروايتان ضعيفتين عنده لمكان الرجل، فما في بعض الكلمات من التعبير عن الاخيرة بالصحيح من دون الاعتماد على هذا الطريق ليس على ما ينبغي. هذه هي الاخبار المعتبرة الواردة في المقام. ومقتضى الاطلاق فيها عدم الفرق في الثوب بين المتخذ من القطن أو الكتان وما اتخذ من غيرهما من صوف أو شعر ونحوهما. وقد يدعى تقييدها بالاولين استنادا إلى صحيحة منصور بن حازم عن غير واحد من اصحابنا، قال: قلت لابي جعفر (ع):


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 4 من أبواب ما يسجد عليه حديث 2 و 3 و 4.

[ 188 ]

[ وان لم يكن سجد على المعادن أو ظهر كفه (1)، والاحوط تقديم الاول. ] إنا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج أفنسجد عليه؟ قال: لا، ولكن اجعل بينك وبينه شيئا قطنا أو كتانا (1). وفيه انها ليست مما نحن فيه، إذ لم يفرض فيها استيعاب الثلج لتمام الارض بحيث لم يوجد مكان فارغ يصح السجود عليه، بل غايته ان الارض باردة وانه يكون فيها الثلج ومجرد كونه فيها لا يقتضي الاستيعاب. وعليه فيكون حاصل السؤال انا نكون في ارض بعض مواضعها ثلج فهل يجوز السجود عليه ام يجب اختيار الموضع الفارغ عنه والتصدي لتحصيله كي يقع السجود على نفس الارض؟ فأجاب عليه السلام بعدم الجواز وانه يجزيه ان يجعل بينه وبين الثلج شيئا من القطن أو الكتان. وعلى هذا فتعد الصحيحة من الاخبار الدالة على جواز السجود على القطن والكتان اختيارا التي تقدم لزوم حملها على التقية، فلتحمل هذه ايضا عليها فهي اجنبية عما نحن فيه. فيبقى الاطلاق في تلك الاخبار على حاله فليتأمل. فما صنعه في المتن من تقييد الثوب بالقطن أو الكتان في غير محله. (1): هذه هي الجهة الثانية، وقد ظهر لك مما سبق ان البدل الاضطراري الاول هو الثوب مطلقا، فهو مقدم على غيره،


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب ما يسجد عليه ح 7.

[ 189 ]

ثم إنه بعد العجز عنه فما هي الوظيفة حينئذ؟ ذكر في المتن انه يتخير بين السجود على المعادن أو على ظهر كفه، وافاد (قده) ان الاحوط تقديم الاول، وذكر بعضهم ان الاحوط تقديم الثاني. اقول: لم يرد في المقام نص خاص يتضمن السجود على المعادن بل ولا على غيرها، نعم هناك روايتان دلتا على السجود على ظهر الكف ولعلهما المستند في الاحتياط الذي ذكره البعض المزبور. احداهما: رواية ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام قال: قلت له اكون في السفر فتحضر الصلاة واخاف الرمضاء على وجهي كيف اصنع؟ قال: تسجد على بعض ثوبك، فقلت: ليس علي ثوب يمكنني ان اسجد على طرفه ولا ذيله قال: اسجد على ظهر كفك فانها احدى المساجد (1). الثانية: روايته الاخرى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك الرجل يكون في السفر فيقطع عليه الطريق فيبقى عريانا في سراويل ولا يجد ما يسجد عليه يخاف ان سجد على الرمضاء احرقت وجهه، قال: يسجد على ظهر كفه فانها احدى المساجد (2). لكن الاولى ضعيفة السند بعلي بن ابي حمزة البطائني قائد ابي بصير فانه كما ورد فيه كان كذابا متهما ملعونا. وكذا الثانية: بابراهيم بن اسحق الاحمري فانه ضعيف ولا جابر لهما لو سلم كبرى الانجبار لعدم عمل المشهور بهما. وبعد وضوح خلو المقام عن نص آخر فلا بد من ملاحظة ما تقتضيه القاعدة. فنقول: مقتضى القاعدة حينئذ وجوب السجود على كل ما يتحقق


(1) و (2) الوسائل: باب 4 من أبواب ما يسجد عليه ح 5 و 6.

[ 190 ]

معه عنوان السجود من دون مدخل لمسجد خاص. اما اصل وجوب السجود وعدم الانتقال الا الايماء فلقاعدة الميسور المعتبرة في خصوص باب الصلاة كما يكشف عنه ما دل على عدم سقوطها بحال، حيث يظهر منه وجوب الاتيان بالاجزاء والشرائط بقدر الامكان لا سيما وان السجود يعد من الاركان ومما تتألف منه ومن الركوع والطهور حقيقة الصلاة كما اشير إليه في حديث التثليث. وبما ان المفروض التمكن من الاتيان باصل السجود، وإنما المتعذر رعاية القيد المعتبر في المسجد وهو كونه من الارض أو نباتها أو الثوب كما عرفت فهو المختص بالسقوط فتبقى ذات المقيد بحالها. ومنه تعرف عدم الانتقال إلى الايماء لعدم كونه من مراتب السجود فانه ايماء إليه، والاشارة تباين المشار إليه، فهو بدل شرع لدى العجز عنه، والمفروض التمكن منه. ولا اطلاق لدليل البدلية يشمل صورة العجز عن قيده لاختصاص مورده بالمريض ونحوه ممن لا يتمكن من اصل السجود. واما عدم مدخلية مسجد خاص فلعدم الدليل بعد خلو النصوص والاصل البراءة. ونتيجة ذلك جواز السجود بعد فقد الثوب على كل شئ وان الابدال كلها في عرض واحد وعلى حد سواء من دون فرق بين المعادن ونعني بها ما لا يصح السجود عليه اختيارا كالذهب والفضة وغيرها حتى ظهر الكف. وما ذكره في المتن من الاحتياط في عدم السجود عليه مع وجود المعدن كأنه ناظر إلى انه من احد المساجد فهو مما يسجد به فلا يكون مما يسجد عليه لاستظهار المباينة بينهما فان تم ذلك فلا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن كل ما يمكن السجود

[ 191 ]

[ (مسألة 24): يشترط ان يكون ما يسجد عليه مما يمكن تمكين الجبهة عليه (1) فلا يصح على الوحل والطين والتراب الذي لا تتمكن الجبهة عليه، ومع امكان التمكين لا بأس بالسجود على الطين، ولكن ان لصق بجبهته يجب ازالته للسجدة الثانية، وكذا إذا سجد على التراب ولصق بجبهته يجب ازالته لها، ولو لم يجد إلا الطين الذي لا يمكن الاعتماد عليه سجد عليه بالوضع من غير اعتماد. ] عليه وإلا في عرضها. (1): تتضمن المسألة فروعا اربعة: الاول: انه يشترط في المسجد ان يكون مما يمكن وضع الجبهة عليه وتمكينها منه، فلا يصح على الوحل أو الطين أو التراب الذي لا تتمكن الجبهة عليه. وتدل عليه مضافا إلى عدم تحقق مفهوم السجود حينئذ لتقومه بالوضع المتوقف على الاعتماد المنفي مع عدم التمكين. فالاشتراط المزبور مطابق للقاعدة، موثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألت عن حد الطين الذي لا يسجد عليه ما هو؟ فقال إذا غرقت الجبهة ولم تثبت على الارض (1). الثاني انه لا باس بالسجود على الطين إذا امكن تمكين الجبهة وتثبيتها عليه ويدل عيه مضافا إلى اطلاقات الادلة بعد وضوح عدم خروج الطين عن مفهوم الارض فانه تراب ممزوج مع الماء، فهو


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب مكان المصلي ح 9.

[ 192 ]

ارض رطبة، فيندرج تحت اطلاق الادلة مفهوم موثقة عمار المتقدمة آنفا، إذ المفروض هنا عدم استغراق الجبهة وحصول التثبت على الارض. الثالث: لو سجد على الطين أو التراب أو التربة الحسينية على مشرفها السلام فلصق بجبهته حكم (قده) بوجوب ازالته للسجدة الثانية. وهذا هو المعروف، وكأن الوجه فيه انه بعد الالصاق لا يصدق وضع الجبهة على الارض لحيلولة الطين مثلا بينهما، وانما يصدق وضع الطين عليها دون الجبهة نفسها فانها كانت موضوعة حال الالصاق، ولا بد من احداث هذا العنوان المنفي في المقام، فانه ابقاء لما كان لا احداث للسجود. اقول: مجرد الالصاق ليس من السجود في شئ فانه متقوم بالوضع المتوقف على الاعتماد فقبل وضع الجبهة بما عليها من الطين على الارض لا سجود، وإنما هناك مجرد الالصاق بجزء من اجزاء الارض وبعد وضع المجموع على الارض أو على غيرها وان لم يصح السجود عليه يتحقق اعتماد الجبهة على الطين فيتحقق السجود حينئذ ويحدث بعد ما لم يكن. والحاصل انا لا نضائق من اعتبار الاحداث في امتثال الامر بالسجود وغيره من ساير الافعال، ولا يجزي الابقاء. ومن هنا استشكلنا في صحة الوضوء أو الغسل الترتيبي بمجرد التحريك تحت الماء كما مر في محله. لكن الاحداث متحقق في المقام من دون حاجة إلى الازالة، فكما انا لو لصقنا احد الجسمين بالآخر ووضعنا المجموع على الرف يصدق معه حدوث وضع الجسم الفوقاني على التحتاني بعد ان لم يكن موضوعا عليه، بل كان مجرد الالصاق معه، فكذا في المقام لا يصدق وضع الجبهة على الطين أو التراب أو التربة إلا

[ 193 ]

عند الاعتماد عليه والهوي إلى السجود. فلا حاجة إلى الازالة لتحقق مفهوم السجود بدونها، والا لجاز له السجود مرة أو مرات عمدا أو سهوا بعنوان الشكر أو بغيره مع تلك الحالة لعدم استلزام الزيادة في السجدة قبل الازالة لاعتبارها في تحقق مفهومه حسب الفرض، ولا يظن الالتزام به من احد. فما افاده في المتن من الوجوب مبني على الاحتياط. والاقوى عدمه (1) فتدبر جيدا. الرابع: ذكر (قده) انه إذا لم يجد الا الطين الذي لا يمكن الاعتماد عليه سجد عليه بالوضع من غير اعتماد. وهذا مشكل جدا لما عرفت آنفا من تقوم السجود بالاعتماد فمجرد الالصاق والوضع العاري عنه ليس من حقيقة السجود في شئ بل هو مبائن له ماهية، ومنه تعرف انه لا مجال للاقتصار عليه استنادا إلى قاعدة الميسور لعدم كونه من مراتبه بعد مبائنته له ذاتا فلا يعد ميسورا منه فلا مناص من الانتقال إلى الايماء المجعول بدلا لكل من كان عاجزا عن السجود. وبعبارة اخرى: بعد سقوط السجود لمكان العجز فجواز الاقتصار على الوضع من غير اعتماد يحتاج إلى الدليل، وحيث لا دليل فالمتعين هو الايماه الثابت بدليته لمن لم يتمكن من السجود. ويشهد لما ذكرناه موثق عمار المتقدم الصريح في عدم الامر بالسجود لدى عدم التمكن من تثبيت الجبهة على الارض. وموثق ابي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من كان


(1) ولكنه دام ظله عدل عن ذلك في مبحث السجود وجعل الاقوى وجوب الرفع لاحظ الجزء الرابع ص 128.

[ 194 ]

[ (مسألة 25): إذا كان في الارض ذات الطين بحيث يتلطخ به بدنه (1) وثيابه في حال الجلوس للسجود والتشهد جاز له الصلاة مومئا للسجود ولا يجب الجلوس للتشهد لكن الاحوط مع عدم الحرج الجلوس لهما وان تلطخ بدنه وثيابه، ومع الحرج ايضا إذا تحمله صحت صلاته. ] في مكان لا يقدر على الارض فليؤم ايماءا (1)، ولا يقدح اشتمال السند على احمد بن هلال لما مر في بعض المباحث السابقة من قبول رواياته، ولا ريب ان اطلاقه شامل للمقام، لصدق عدم القدرة على الارض. ومنه: تعرف ان قاعدة الميسور على تقدير تماميتها لا تعم المقام لاختصاصها بما إذا لم يعين الشارع شيئا بدلا عن المعسور وقد ثبتت بدلية الايماء عن السجود في المقام كما عرفت. فالحكم بالوضع من غير اعتماد يشبه الاجتهاد في مقابل النص. (1): يقع الكلام في جهتين: الاولى: إذا كان في ارض ذات طين بحيث لو جلس للسجود والتشهد تلطخ بدنه وثيابه، فلا اشكال في جواز الصلاة موميا إذا كان السجود حرجيا، لعموم دليل نفي الحرج الحاكم على الادلة الاولية، مضافا إلى صريح موثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته الرجل يصيبه المطر وهو لا يقدر على ان يسجد فيه من الطين، ولا يجد موضعا جافا، قال: يفتتح الصلاة فإذا ركع


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب مكان المصلي ح 2.

[ 195 ]

فليركع كما يركع إذا صلى، فإذا رفع رأسه من الركوع فليؤم بالسجود ايماءا وهو قائم يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلاة، ويتشهد وهو قائم ويسلم (1). انما الكلام في ان الحكم هل يختص بمورد الحرج، أو يعمه وما إذا لم يترتب سوى تلطخ الثياب والبدن من دون حرج في ذلك كما إذا كان متزرا وهو على الساحل والهواء حار بحيث لو سجد يمكنه التنظيف بعدئذ من غير مشقة؟ مقتضى الجمود على النص هو الاول، فان الظاهر من قول السائل: وهو في موضع لا يقدر.. الخ بعد امتناع الحمل على عدم القدرة عقلا لندرته جدا كما لا يخفى، هو عدم القدرة عرفا المساوق للحرج، فيحتاج التعدي والتعميم لما لا يستلزمه إلى دليل أو قرينة تقتضيه، (وقد يقال) ان القرينة عليه هو قوله: ولا يجد موضعا جافا، حيث ان فرض عدم وجدان موضع جاف بمقدار ما تسعه الجبهة المستلزم لكون السجود حينئذ حرجيا فرض نادر، فلا بد وان يكون الموضوع لبدلية الايماء مجرد تلطخ الثياب وتلوثها بالطين من دون فرق بين ان يكون السجود والجلوس له وللتشهد حرجيا وان لا يكون: وفيه اولا: ان السؤال عن الفرد النادر على تقدير تسليمه لا قبح فيه، وانما القبيح حمل المطلق على الفرد النادر، والمقام من قبيل الاول والفرق بين الامرين لا يكاد يخفى. وثانيا: ان مفروض السؤال اصابة المطر المستوجب لاستيعاب وجه الارض، وبطبيعة الحال لا يوجد معه مكان جاف بمقدار ما يسعه بدن المصلي حين صلاته في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده، فلا


(1) الوسائل: باب 15 من أبواب مكان المصلي ح 4.

[ 196 ]

يكون ذلك من الفرد النادر. نعم لو اريد عدم وجدان موضع جاف لخصوص المسجد وموضع الجبهة تمت الندرة حينئذ، لكن المراد ما ذكرناه كما لا يخفى. وعليه: فلا مقتضي لرفع اليد عن ظهور قوله: لا يقدر. الخ في ارادة عدم القدرة العرفية المساوقة للحرج. فالانصاف: انه لا دليل على جواز الانتقال إلى الايماء بمجرد التلطخ والثلوث، بل الحكم خاص بمورد الحرج، والمتعين في غيره السجود عملا باطلاق دليله. الجهة الثانية: لو تحمل الحرج في مورده فصلى مع السجود فهل يحكم بصحة الصلاة حينئذ؟ قد يقال بذلك كما اختاره الماتن (قده) بدعوى ان دليل نفي الحرج حيث شرع لاجل الامتنان فلا يرتفع به الا الالزام دون اصل المحبوبية لعدم المنة في رفعها. فالمقتضي لصحة العبادة موجود ومعه لا وجه لفسادها. اقول: قد تقدم نظير الفرع في كتاب الطهارة، وهو ما لو كان الوضوء أو الغسل حرجيا فتحمله وأتى بالطهارة المائية وقلنا هناك ان مقتضى القاعدة هو الحكم بالبطلان، لان دليل نفي الحرج حاكم على الادلة الاولية وموجب لتخصيص موضوعاتها بغير موارد العسر والحرج فلا امر في هذه الموارد وواضح ان الامر تكليف بسيط وحداني لا ينحل خارجا إلى طلب والزام كي يبقى الجنس بعد ارتفاع الفصل، ولا طريق لنا استكشاف الملاك من غير ناحية الامر وعليه: فبعد سقوطه ولو بدليل نفي الحرج لا دليل على وجود المقتضي لصحة العبادة كي يصح التعبد بها. نعم الدليل في خصوص

[ 197 ]

[ (مسألة 26): السجود على الارض افضل (1) من النبات والقرطاس، ولا يبعد كون التراب افضل من الحجر، وافضل من الجميع التربة الحسينية، فانها تخرق الحجب السبع وتستنير إلى الارضين السبع. ] موردي الوضوء والغسل موجود، وهو ما دل على استحبابهما النفسي غير القابل لارتفاعه بدليل نفي الحرج بعد وضوح كون الحكمة في تشريعه هو الامتنان، إذ لا منة في رفع الحكم الاستحبابي بعد كون المكلف مرخصا في تركه. فلا مانع من الاتيان بالطهارة المائية بقصد امرها النفسي وان استلزم الحرج، لاتصافها حينئذ بالعبادية. وبعبارة اخرى: للطهارة المائية حيثيتان: حيثية الاستحباب النفسي وحيثية الوجوب الشرطي، وتقيد الصلاة مثلا بها، والمرتفع بدليل الحرج انما هي الحيثية الثانية المتضمنة للالزام ووقوع المكلف في كلفة وضيق. واما الحيثية الاولى فبما انه لا الزام فيها والمكلف مخير بين الفعل والترك، فلا يرتفع بذاك الدليل لعدم منة في رفعه، فعبادية العمل محرزة، فيمكن التقرب به وان تحمل الحرج. واما غيرها ومنه المقام فحيث لم يكن في مورده الا امر واحد وقد سقط على الفرض فلم تحرز عباديته كى يحكم بصحته. فالاقوى في المقام عدم صحة الصلاة مع السجود ولزوم الانتقال إلى الايماء الثابت بدليته ادى سقوط الامر بالسجود كما مر. (1): لروايات دلت عليه وعلى افضلية التراب، وكذا افضلية التربة الحسينية على مشرفها الآف السلام والتحية، وانها تخرق

[ 198 ]

[ (مسألة 27): إذا اشتغل بالصلاة وفي اثنائها فقدما يصح السجود عليه (1) قطعها في سعة الوقت. وفي الضيق يسجد على ثوبه القطن أو الكتان أو المعادن أو ظهر الكف على الترتيب. ] الحجب السبع وتستنير إلى الارض كما لا يخفى على من لاحظها، ولا يهم التعرض لها. (1): فصل (قده) حينئذ بين السعة والضيق فيقطعها في الاول، وفي الثاني يسجد على ثوبه القطن أو الكتان أو المعادن أو ظهر الكف على الترتيب. اقول: قد عرفت ان الترتيب المزبور لا دليل عليه. وعليه. ففي الضيق - حتى عن درك ركعة واحدة مشتملة على السجود على ما يصح عليه السجود عليه ان تمكن من السجود على الثوب مطلقا، والا فيسجد على كل ما يمكن السجود عليه من دون ترتيب. واما في السعة: فالصحيح هو ما افاده من وجوب القطع من غير فرق بين قدرته فعلا على ما يصح السجود عليه لوجوده عنده في مكان آخر وبين عدم قدرته عليه الا بانتظار زمان آخر قبل خروج الوقت (وبعبارة اخرى) لا فرق في ذلك بين الافراد العرضية والطولية. والوجه في ذلك ان الواجب عليه هو الصلاة المشتملة على السجود على ما يصح السجود عليه في مجموع الوقت، والمفروض قدرته على هذه الطبيعة فلا وجه لسقوط امرها. فكل ما صدقت عليه هذه

[ 199 ]

الطبيعة يحكم بصحته والا فلا. وحيث لا يمكنه تطبيقها على هذا الفرد فلا يسعه الاجتزاء به لعدم تحقق الامتثال المنتزع من مطابقة المأتي به مع المأمور به، وعليه فالصلاة بنفسها باطله ومحكومة بالفساد، فانه في باب العبادات عبارة عن عدم انطباق المأمور به على المأتي به، كما ان الصحة عبارة عن تطابقهما. وهذا هو المراد من وجوب القطع في المقام كما لا يخفى. وربما يفصل بين الافراد العرضية والطولية فيحكم بالفساد في الاول لما ذكر. واما في الثاني فيبتني على جواز البدار لذوي الاعذار وعدمه، والمختار هو الثاني، الا ان تكون لدليل البدلية خصوصية تقتضي الجواز، ونصوص المقام من هذا القبيل لاطلاقها من حيث التمكن مما يسجد عليه فيما بعد وعدمه، بل ان بعضها كالصريح في الاول، فان حرارة الرمضاء المانعة عن السجود على الحصى انما تكون في اوائل وقت الظهر فجوز (ع) البدار إلى السجود على الثوب مع زوال العذر بعدئذ والتمكن من الفرد الطولي. ويرد عليه بعد تسليم الاطلاق في هذه الاخبار فانها مسوقة لبيان اصل مشروعية البدل ولا نظر فيها إلى التمكن بعدئذ وعدمه حتى ينعقد الاطلاق كما لا يخفى. وبعد الغض عن ان مواردها هي التقية كما عرفت التي يكتفى فيها بالمعذورية حين العمل وان ارتفع العذر بعدئذ فلا يتعدى إلى غيرها من بقية الاعذار. فبعد الغض عن كل ذلك يتوجه عليه اولا ان الاطلاق في هذه الاخبار معارض بالاطلاق في موثقة عمار قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي على الثلج، قال: لا، فان لم يقدر

[ 200 ]

[ (مسألة 28): إذا سجد على ما لا يجوز باعتقاد انه ] على الارض بسط ثوبه وصلى عليه (1)، فان تعليق الانتقال إلى الثوب على عدم القدرة على الارض بقول مطلق من غير تقييد بالعجز الفعلي يقتضي كون المعلق عليه هو عدم القدرة على سبيل الاطلاق الشامل للافراد العرضية والطولية، إذ مع التمكن من الفرد الطولي لا يصدق انه غير قادر على الارض كما لا يخفى. وموردها وان كان هو الثلج لكنه لا خصوصية له قطعا، بل الموضوع كل من لم يكن قادرا على السجود على الارض اما لاجل الثلج أو لجهة اخرى. ويؤيد الموثق خبر علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل يؤذيه حر الارض وهو في الصلاة ولا يقدر على السجود هل يصلح له ان يضع ثوبه إذا كان قطنا أو كتانا؟ قال: إذا كان مضطرا فليفعل (2) وان كان ضعيف السند لمكان عبد الله بن الحسن، فان اطلاق الاضطرار يعم الفرد الطولي كالعرضي. وثانيا: ان الاطلاق المدعى لو تم لعم وشمل الافراد العرضية كالطولية بمناط واحد فما هو الموجب لاختصاصه بالثانية. فتحصل: ان التفصيل المزبور لا وجه له، بل الصواب التفصيل بين الضيق والسعة على النهج الذي عرفت.


(1) الوسائل: باب 38 من ابواب مكان المصلي ح 2. (2) الوسائل باب 4 من أبواب ما يسجد عليه ح 9.

[ 201 ]

[ مما يجوز، فان كان بعد رفع الرأس مضى ولا شئ عليه (1). ] (1): هذا وجيه بناءا على ما هو المشهور بينهم من ان الوضع على ما يصح السجود عليه واجب حال السجود بحيث يكون السجود ظرفا للواجب على سبيل تعدد المطلوب، وذلك لقوات المحل بمجرد رفع الرأس، بعد ان كان المحل هو طبيعي السجود المنطبق على صرف الوجود المنقطع بالرفع المزبور، إذ لا سبيل حينئذ للتدارك الا باعادة الصلاة المنفية بحديث لا تعاد لاندراج الواجب المذكور في عقد المستثنى منه من الحديث. واما بناءا على ما هو الاصح من كونه قيدا فيه على نحو وحدة المطلوب بأن يكون السجود المأمور به حصة خاصة وهي المتفيدة بذلك على ما هو شأن الارتباطية الملحوظة بين اجزاء المركب من تقيد كل جزء بالمسبوقية أو الملحوقية أو المقارنة بما سبقها أو يلحقها أو يقارنها من ساير الاجزاء كما تقدم في مطاوي هذا الشرح غير مرة فلا مناص حينئذ من اعادة السجود لمكان عدم انطباق المأمور به على المأتي به. وان كان الاحوط اعادة الصلاة ايضا لاحتمال كونه من الزيادة لعمدية. هذا كله فيما إذا كانت الغلطة في سجدة واحدة واما إذا كانت في السجدتين معا فلا حاجة إلى الاعادة على مبنى الظرفية سواء أكان التذكر قبل الدخول في الركوع ام بعده لفوات المحل حسبما عرفت. واما على مسلك القيدية فقد يكون التذكر قبل الدخول في الركوع وقد يكون بعده.

[ 202 ]

[ وان كان قبله جر جبهته (1) ان امكن والا قطع الصلاة ] اما في الموضع الاول: فتارة نبني على ان المراد من السجود في عقد الاستثناء من حديث: لا تعاد هو ذات السجود، اعني ما صدق عليه السجود عرفا المتحقق بمجرد وضع الجبهة على الارض سواء اكانت مما يصح السجود عليه شرعا ام لا. واخرى نبنى على ان المراد خصوص السجود الشرعي. فعلى الاول: وهو الاظهر على ما بيناه في محله لا سبيل لاعادة السجدتين للزوم زيادة الركن، نعم لا محيص من اعادة السجدة الثانية خاصة لانكشاف فسادها مع بقاء محل التدارك وانتفاء المحذور المزبور، واما الاولى فيحكم بصحتها (1) بمقتضى حديث لا تعاد بعد امتناع تداركها واندراجها في عقد المستثنى منه. كما انه على الثاني لا محيص من اعادتهما معا لعين ما ذكر ضرورة عدم الزيادة في السجود الشرعي الذي هو المدار في تحقق الركن حسب الفرض وان كان الاحوط اعادة الصلاة بعد ذلك لاحتمال كونه من الزيادة العمدية حسبما سبق. واما في الموضع الثاني فلا مناص من اعادة الصلاة للزوم زيادة الركن لو تدارك، ونقيصته لو لم يتدارك كما لا يخفى. (1): إلى ما يصح السجود عليه لبقاء المحل. ولكنه لا يستقيم بناءا على ما هو الاصح من اعتبار الاحداث


(1) ولكنه دام ظله ناقش في ذلك في مبحث السجود لاحظ الجزء الرابع ص 161.

[ 203 ]

[ في السعة والضيق (1) اتم على ما تقدم (2) ان امكن وإلا اكتفى به. ] وايجاد السجود بعد ما لم يكن وعدم كفاية الابقاء. ويعضده: ان لازم الكفاية جواز الحر حتى في صورة الالتفات والعمد بان يسجد ابتداءا على ما يصح عامدا ثم يجر وهو كما ترى. نعم: ثبت الجر في بعض الموارد بالنص الخاص، لكنه لما كان على خلاف القاعدة لم يكن بد من الاقتصار على مورده وعدم التعدي عنه. (1): اي العجز عن ادراك ركعة واحدة جامعة للشرائط حسبما تقدم في المسألة السابقة. (2): وقد تقدم ما هو الاصح في كيفية الترتيب في المسألة الثالثة والعشرين فلاحظ.

[ 204 ]

[ فصل في الامكنة المكروهة وهي مواضع (احدها الحمام) (1) وان كان نظيفا. ] (1): على المشهور، بل ادعي عليه الاجماع في بعض الكلمات وعن ابي الصلاح الحلبي الحرمة وان تردد في فساد الصلاة. ومستند الحكم جملة من النصوص تضمنت النهي عن الصلاة في الحمام غير انها برمتها ضعيفة السند ما عدا رواية واحدة رواها الشيخ باسناده عن عبيد بن زرارة قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: الارض كلها مسجد الا بئر غائط أو مقبرة أو حمام (1) فان الطريق وان اشتمل على سليمان مولى طربال وقد وقع الكلام في اتحاده مع سليم الفراء الذي وثقه النجاشي صريحا وعدمه الا انه ثقة على التقديرين لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات (2).


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب مكان المصلي ح 4. (2) وقد اشتمل ايضا على القاسم بن محمد وهو الجوهري ولا توثيق له ايضا الا من جهة الكامل، ولكنه لا ينفع حسب رأيه الاخير دام ظله لعدم كونهما من مشايخ ابن قولويه بلا واسطه.

[ 205 ]

فلو كنا نحن وهذه المعتبرة لحكمنا بحرمة الصلاة كما يرتأيها أبو الصلاح الا ان بازائها بعض النصوص الظاهرة في الجواز كصحيحة علي بن جعفر انه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الصلاة في بيت الحمام، فقال لذا كان الموضع نظيفا فلا بأس، يعني المسلخ (1). ورواية عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في بيت الحمام قال: إذا كان موضعا نظيفا فلا بأس (2). وقد عبر عنها بالموثقة في كلمات القوم وليس كذلك فان في الطريق علي بن خالد ولم يوثق وكيفما كان فقد جمع المحقق الهمداني (قده) بينهما بحمل الاولى على الموضع غير النظيف، والاخيرتين على الموضع النظيف حسبما صرح فيهما بذلك. وفيه اولا: ان لازم ذلك الغاء عنوان الحمام وكون الاعتبار بنظافة المكان والتجنب عن كل موضع معرض للنجاسة، ولعل من ابرز مصاديقه مذابح الحيوانات التي هي اشد نجاسة من الحمام، فلا خصوصية لذكره مع ان الظاهر ان للحمام خصوصية في هذا الحكم. وثانيا: انه بناء عليه لم يبق مدرك للكراهة ضرورة ان الموضع النظيف تجوز الصلاة فيه من غير كراهة، وغيره لا يجوز فما هو مستند الكراهة (3). فالصحيح حمل الاولى على الكراهة بقرينة الاخيرتين مع الاختصاص


(1) و (3) الوسائل: باب 34 من ابواب مكان المصلي ح 1 و 2. (3) لو اراد المحقق الهمداني (قده) من الموضع غير النظيف خصوص ما تكون نجاسته غير مسرية لم يرد عليه شئ من الاشكالين كما لا يخفى

[ 206 ]

[ حتى المسلخ منه عند بعضهم (1) ] بالموارد النظيفة (1): واما غيرها فلا يجوز. فان هذا هو الاوفق في مقام الجمع بحسب النظر العرفي كما لا يخفى (1): كما عن النهاية والاردبيلي استنادا إلى شمول الحمام الوارد في النص له، ولكن المشهور انكروا ذلك نظرا إلى تفسير بيت الحمام بالمسلخ، ونفي الباس عنه في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة. وهو وجيه لو كان التفسير من الامام عليه السلام، أو من الراوي، ولكنه غير واضح لجواز كونه من الصدوق نفسه، على ما هي عادته من ابداء نظره عقيب نقل الرواية. ويعضده مضافا إلى خلو موثقة عمار " المتحدة مضمونا مع الصحيحة عن هذا التفسير ان الذي يكون معرضا للنجاسة بحيث يحتاج إلى التقييد بالنظافة انما هو المغتسل دون المسلخ، ضرورة ان شأنه شأن ساير الامكنة مما هو خال عن المعرضية. فلا يحسن التقييد بنظافة المكان الذي تضمنه النص، وهذا خير شاهد على ان المراد من الحمام داخله لا مسلخه ومنزعه، وان التفسير المزبور اجتهاد من الصدوق نفسه هذا ولا اقل من الاجمال لتطرق احتماله بلا اشكال فتسقط عن الاستدلال، ونبقى نحن واطلاق موثقة عمار


(1) ليت شعري كيف يجمع بين الحملين مع ارتفاع التعارض البدوي باحدهما، والمعروف بينهم ان الجمع بحسب المادة كالتخصيص مقدم على الجمع بحسب الهيئة كحمل النهي على الكراهة.

[ 207 ]

[ ولا بأس بالصلاة على سطحه (1). (الثاني): المزبلة. ] وصحيحة عبيد الشامل للمسلخ وغيره والمعتضد بالانسباق العرفي، حيث يطلق عليهما معا في العصر الحاضر من غير تخصيص باحدهما وقد عرفت ان مقتضى الجمع بينهما الحمل على الكراهة. فتكون النتيجة ما ذكره في النهاية من شمول الكراهة لهما معا هذا. ولكن الذي يهون الخطب عدم ثبوت كلمة (أو حمام) في متن الصحيحة فان الشيخ وان رواها في الاستبصار كذلك حسبما تقدم ولكنه (قده) رواها بعين السند والمتن في التهذيب خالية عن هذه الكلمة، فلم يعلم صدورها عن المعصوم عليه السلام. وتقديم اصالة عدم الزيادة لدى الدوران بينها وبين النقيصة نظرا إلى غلبة السقط على التصرف الزائد. مدفوع بان غايته الظن، وهو لا يغنى عن الخق شيئا. إذا فالمنع عن الصلاة في الحمام لم يثبت من اصله في رواية معتبرة كي تصل التوبة إلى الجمع بينه وبين دليل الجواز بالحمل على الكراهة. فلم يبق لدينا ما يدل على الكراهة الا الروايات الضعيفة، فان بنينا على التسامح في ادلة السنن وعممناه للمكروهات ثبتت الكراهة في المقام والا فلا، وحيث ان الاظهر هو الثاني كما بيناه في الاصول فالحكم غير ثابت من اصله. (1): كما صرح به جماعة لانصراف النص عنه فلا دليل على الكراهة بالاضافة إليه.

[ 208 ]

[ (الثالث): المكان المتخذ للكنيف ولو سطحا متخذا لذلك. (الرابع): المكان الكثيف الذي يتنفر منه الطبع. (الخامس): المكان الذي يذبح فيه الحيوانات أو ينحر. (السادس): بيت المسكر (1). (السابع): المطبخ وبيت النار. (الثامن): دور المجوس، إلا إذا رشها ثم صلى فيها بعد الجفاف. (التاسع): الارض السبخة. (العاشر): ] (1): وعن بعضهم عدم الجواز ومستند الحكم موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تصلي في بيت فيه خمر أو مسكر (1). وغير خفي ان بين العنوان الثابت في المتن والوارد في النص عموما من وجه لظهور بيت المسكر فيما اعد لصنعه أو الادخار فيه سواء أكان المسكر موجودا فيه بالفعل ام لا على العكس مما هو الظاهر من (بيت فيه مسكر) الا انه يتعدى عن مورد النصر إلى الاول لمكان التعليل الوارد في ذيله وهو قوله عليه السلام: " لان الملائكة لا تدخله " (2)، فان الملائكة إذا لم تدخل بيتا فيه خمر لا تدخل ما اعد لصنعه أو ادخار، بمناط واحد لو لم يكن اقوى. ومنه تعرف وجه الحكم بالكراهة بالرغم من ظهور النهي في التحريم، إذ التعليل المزبور يناسب الكراهة كما لا يخفى فالقول به ساقط.


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب مكان المصلي ح 1. (2) الوسائل: باب 38 من أبواب النجاسات ح 7.

[ 209 ]

[ كل ارض نزل فيها عذاب أو خسف. (الحادي عشر): اعطان الابل وان كنست ورشت (1). ] (1): يقع الكلام في تفسير الموضوع اولا ثم في بيان الحكم. اما الموضوع فالذي يظهر من اللغويين اختصاص المعاطن بمبارك. الابل حول الماء، اي المحل الذي تمكث فيه للشرب. قال في الصحاح: العطن والمعطن واحد الاعطان والمعاطن، وهي مبارك الابل عند الماء، لتشرب علا بعد نهل. وفي القاموس العطن محركة، وطن الابل ومنزلها حول الحوض لكن الذي يظهر من غير واحد انه في عرف الفقهاء اوسع من ذلك فقد صرح ابن ادريس في السرائر بعد تفسير المعطن بما ذكر بما لفظه " هذا حقيقة المعطن عند اهل اللغة، الا ان اهل الشرع لم يخصصوا بمبرك دون مبرك. إذا فلا يختص بموضع الشرب، بل يعم المبارك التي تأوى الابل إليها وتستريح دائما. وهذا هو الصحيح ويشهد له امران: احدهما: ان المنسبق من النصوص الناهية عن الصلاة في معاطن الابل ان الوجه فيه استقذار المكان لاجل تلوثه بالبول والروث. وهذا المناط يشترك فيه الموضعان، بل لعله في مواطن الاستراحة اقوى واشد من مواضع الشرب. ثانيهما: ما سيأتي في النصوص من تجويز الصلاة في اعطان الابل لدى خوف ضياع المتاع فان من الواضح ان هذا الخوف انما هو في مساكن الابل ومقرها الدائمي حيث يوضع المتاع هناك غالبا، فيكون معرضا للضياع ومقصدا اللصوص دون مواضع الشرب التي تبرك الابل

[ 210 ]

يها قليلا ثم تعود. وكيفما كان فلا ينبغي الاشكال في عموم الموضوع في اصطلاح الشرع. واما الحكم فالمشهور كراهة الصلاة فيها. وعن ابي الصلاح، وظاهر المقنعة التحريم اخذا بظاهر النهي الوارد في جملة من الروايات كصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته.. إلى ان قال: لا تصل في اعطان الابل الا ان تخاف على متاعك الضيعة فاكنسه ورشه بالماء وصل فيه. وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في اعطان الابل، قال: ان تخوفت الضيعة على متاعك فاكنسه وانضحه.. الخ ونحوهما موثقة سماعة، وصحيحة علي ابن جعفر (1). ولكن الصحيح لزوم حمله على الكراهة كما فهمه المشهور لعدم كشف النهي المزبور عن خساسة في المحل مانعة عن صحة الصلاة، والا لما ارتفعت بالكنس والرش وإنما هو من اجل استقذاره وتلوثه بالبول والروث، وحيث لا يحتمل بطلان الصلاة في المان القذر فلا جرم يحمل النهي على التنزيه باعتبار ان الصلاة عبادة ينبغي الاتيان بها في مكان نظيف. ويعضده ان المسألة عامة البلوى وكثيرة الدوران لا سيما في الازمنة السالفة فلو كان المنع ثابتا لاشتهر وبان وشاع وذاع، فكيف لم يذهب إليه الا نفر يسير ممن عرفت.


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب مكان المصلي ح 2 و 1 و 4 و 6.

[ 211 ]

[ (الثاني عشر): مرابط الخيل والبغال والحمير والبقر ومرابض الغنم (1). (الثالث عشر): على الثلج والجمد (2). (الرابع عشر): قرى النمل واوديتها وان لم يكن فيها نمل ظاهر حال الصلاة. (الخامس عشر): مجاري المياه وان ] (1): اما مرابض الحمير فلم ترد الا في مقطوعة سماعة: " قال: لا تصل في مرابط الخيل والبغال والحمير " (1) فلا يعتمد عليها بعد عدم اسنادها إلى المعصوم (ع) على ان في عثمان بن عيسى الراوي عنه كلاما، وان كان الاظهر وثاقته، بل قيل انه من اصحاب الاجماع ولكنه لم يثبت. واما مرابض البقر والغنم فقد وردت كاعطان الابل في موثقة سماعة المتقدمة (2) وقد عرفت الحال فيها. واما مرابض الخيل والبغال فقد ورد النهي عنها مطلقا في تلك الموثقة ايضا، ولكنه اما محمول على التقية لما يرتأونه من نجاسة بولهما وروثهما، أو على الكراهة من اجل استقذار المكان. على ان المسألة عامة البلوى وكثيرة الدوران فلا يحتمل في مثلها الحرمة حسبما عرفت آنفا. (2): أما السجود عليهما فقد مر سابقا عدم جوازه فانهما ماء منجمد، ولا يصح السجود على غير الارض ونبتها.


(1) الوسائل: باب 17 من أبواب مكان المصلي ح 3. (2) الوسائل:: باب 17 من أبواب مكان المصلي ح 4.

[ 212 ]

[ لم يتوقع جريانها فيها فعلا، نعم لا بأس بالصلاة على ساباط تحته نهر أو ساقية، ولا في محل الماء الواقف. ] واما الصلاة فقد ذهب المشهور إلى الكراهة استنادا إلى موثق عمار في حديث قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي على الثلج، قال: لا، فان لم يقدر على الارض بسط ثوبه وصلى عليه (1)، بل قيل انه لولا الاجماع على عدم الحرمة لقلنا بها لظهور النهي في التحريم. لكن الظاهر ان الرواية اجنبية عن المقام ولا دلالة لها على الكراهة فضلا عن الحرمة التي لا قائل بها. وانما تعرضنا لهذا الفرع دفعا لهذا التوهم. وذلك لان الظاهر ان السؤال عن الصلاة باعتبار السجود على الثلج لا مجرد ايقاع الصلاة عليه، إذ لا مقتضي لتوهم المنع في الثاني بخلاف الاول حيث ذهب العامة إلى جوازه، فالموثق سؤالا وجوابا ناظر إلى السجود دون اصل الصلاة. ويشهد لما ذكرناه قوله عليه السلام في الذيل فان لم يقدر على الارض بسط ثوبه فان الصلاة على الثوب جائزة مطلقا من دون توقف على العجز عن الارض بالضرورة بخلاف السجود عليه، فانه مشروط بفقد ما يصح السجود عليه من الارض ونباتها كما مر سابقا. وبالجملة: وزان الموثق وزان بقية الاخبار الدالة على جواز السجود على الثوب لدى العجز عن الارض. فهي اجنبية عن محل


(1) الوسائل: باب 28 من ابواب مكان المصلي ح 2.

[ 213 ]

[ (السادس عشر): الطرق وان كانت في البلاد ما لم تضر بالمارة (1). ] الكلام بالكلية. (1): على المشهور خلافا لجمع منهم الصدوق والمفيد والشيخ حيث ذهبوا إلى الحرمة ومستند الحكم روايات عديدة. منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: لا بأس ان تصلي بين الظواهر، وهي الجواد جواد الطريق، ويكره ان تصلي في الجواد (1). وصحيحة الحلبي: " سألته عن الصلاة في ظهر الطريق، فقال: لا بأس ان تصلي في الظواهر التي بين الجواد، فاما على الجواد فلا تصل فيها (2). وصحيحة محمد بن مسلم: قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في السفر فقال: لا تصل على الجادة واعتزل على جانبها (3). وظاهر هذه النصوص هو الحرمة لكنها محمولة على الكراهة، لان مناسبة الحكم والموضوع تقضي بأن النهي لم يكن لاجل منقصة ذاتية في الطريق مانعة عن صحة الصلاة وانما هو لاحد امرين على سبيل منع الخلو. اما المزاحمة للمارة أو لكونه معرضا للخطر وتوجه الضرر كما قد يؤيد الثاني ما في رواية الخصال: " ثلاثة لا يتقبل الله لهم بالحفظ،


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 19 من أبواب مكان المصلي حديث: 1 و 2 و 5.

[ 214 ]

[ والا حرمت وبطلت (1). ] رجل نزل في بيت خرب، ورجل صلى على طارقة الطريق.. الخ (1) فلو أمن المصلي من كلا الامرين لم يكن محذور في البين. إذا فالمنع مستند إلى المعرضية لاحد الامرين فيكون مناسبا للكراهة. وتعضدها موثقة الحسن بن الجهم عن ابي الحسن الرضا عليه السلام قال: كل طريق يوطأ فلا تصل عليه، قال قلت له: انه قد روي عن جدك ان الصلاة في الظواهر لا بأس بها، قال ذاك ربما سايرني عليه الرجل، قال: قلت فان خاف الرجل على متاعه؟ قال: فان خاف فليصل (2) فان من الواضح ان التحريم لا يرتفع بمصاحبة الرجل ومسايرته في الطريق. فيظهر ان النهي تنزيهي مستند إلى احد الامرين المزبورين. ومن ثم يرتفع بوجود المصاحبة الموجب لحصول الامن. اضف إلى ذلك ان المسألة عامة البلوى وكثيرة الدوران، فلو كان التحريم ثابتا لاشتهر وبان وشاع وذاع. فكيف ذهب المشهور إلى خلافه، فلا مناص من الالتزام بالكراهة. (1): ينبغي التفصيل بين الطرق الواقعة في الاراضي المتسعة الباقية على اباحتها الاصلية، فانه لا حرمة حينئذ ولا بطلان لجواز الانتفاع منها لاي احد كيفما شاء بعد ان كان الناس كلهم فيها شرعا سواءا. فكما يحق للمارة المرور عليها فكذا للمصلين الصلاة فيها ولغيرهم الانتفاع بشكل آخر من غير أحقية لاحد بالاضافة إلى غيره.


(1) و (2) الوسائل: باب 19 من أبواب مكان المصلي ح 7 و 6.

[ 215 ]

[ (السابع عشر): في مكان يكون مقابلا لنار مضرمة أو سراج (1). ] وبين الطرق الواقعة في المدن الحضارية التي تحدثها الحكومة لغرض الاستطراق بحيث يستوجب حقا عرفيا للمارة مع فرض بقائها على الاباحة الاصلية فان المزاحمة وان حرمت حينئذ كما لا يخفى، الا انها لا تستوجب البطلان بعد افتراض اباحة المكان. نعم: لو فرض ان تلك الطرق موقوفة لهذه الغاية ولم تكن من المباحات الاصلية بطلت الصلاة حينئذ ايضا، لان حكمها حكم الصلاة في الارض الغصبية التي حكمنا فيها بالبطلان من جهة اتحاد المأمور به مع النهي عنه حال السجود وامتناع التقرب بالمبغوض حسبما سبق في محله. فتحصل ان الصور ثلث: فقد يثبت الحكم التكليفي والوضعي معا وقد يثبت احدهما دون الآخر، وقد لا يثبت شئ منهما. (1): لنصوص عمدتها صحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي والسراج موضوع بين يديه في القبلة قال: لا يصلح له ان يستقبل النار (1). وموثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام، (في حديث) قال لا يصلي الرجل وفي قبلته نار أو حديد، قلت: أله ان يصلي وبين يديه مجمرة شبه؟ قال: نعم فان كان فيثها نار فلا يصلي حتى ينحيها عن قبلته، وعن الرجل يصلي وبين يديه قنديل معلق فيه نار إلا


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب مكان المصلي ح 1.

[ 216 ]

[ (الثامن عشر): في مكان يكون مقابله تمثال ذي الروح، من غير فرق بين المجسم (1) وغيره، ولو كان ناقصا نقصا لا يخرجه عن صدق الصورة والتمثال، وتزول الكراهة بالتغطية. ] انه بحياله، قال: إذا ارتفع كان اشر لا يصلي بحياله (1). وقد ذهب أبو الصلاح الحلبي إلى الحرمة اخذا بظاهر النهي الوارد في النص، ولكن الصحيح ما عليه المشهور من المصير إلى الكراهة فان الصحيحة غير ظاهرة في الحرمة، بل في الجامع بينها وبين الكراهة المصطلحة كما مر غير مرة. واما الموثقة فهي وان كانت ظاهرة فيها في بادئ الامر لكن يوهنه عطف الحديد حيث لم يفت احد بحرمة استقباله في الصلاة، كما ان التعبير بالاشدية الكاشف عن اختلاف المرتبة مما يناسب الكراهة. فهذا التعبير مع قرينة اتحاد السياق يستوجب رفع اليد عن الظهور المزبور، والحمل على الكراهة. ثم ان مقتضى اطلاق النص عدم الفرق في النار بين المضرمة وغيرها فالتقييد بها في المتن غير ظاهر الوجه. (1): لصحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر (ع) اصلي والتماثيل قدامي وانا انظر إليها، قال: لا، اطرح عليها ثوبا (2) ونحوها غيرها، ولكنها محمولة على الكراهة لعدم احتمال


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب مكان المصلي ح 2. (2) الوسائل: باب 32 من أبواب مكان المصلي ح 1.

[ 217 ]

[ (التاسع عشر): بيت فيه تمثال وان لم يكن مقابلا له (1). ] الحرمة في مسألة عامة البلوى قد ذهب المشهور إلى خلافها كما مر غير مرة. (1): لم تثبت كراهة ذلك فضلا عن الحرمة، بل قد ورد الامر بالجواز في ذيل الصحيحة المتقدمة من غير معارض لكي يحمل على الكراهة. نعم: يظهر من بعض النصوص كراهة وجود التماثيل في البيوت صلى ام لا، معللا بعدم دخول الملائكة فيها التي منها صحيحة ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ان جبرئيل (ع) قال: انا لا ندخل بيتا فيها صورة ولا كلب، يعني صوره انسان، ولا بيتا فيه تماثيل (1). إذا لا بأس بالالتزام بكراهة الصلاة فيها تجوزا من باب كراهة المكث فيها لا لخصوصية في الصلاة نفسها هذا. واما الصلاة على بساط فيه تماثيل فقد تضمنت صحيحة محمد ابن مسلم المتقدمة (2) جواز ذلك ونحوها غيرها، الا ان بأزائها ما يظهر منه خلافه وهي رواية سعد بن اسماعيل عن ابيه قال: سألت ابا الحسن الرضا عليه السلام عن المصلي والبسائط يكون عليه التماثيل أيقوم عليه فيصلي أم لا؟ فقال: والله اني لاكره، وعن رجل دخل على رجل عنده بساط عليه تمثال فقال


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب مكان المصلي ح 2. (2) الوسائل: باب 32 من أبواب مكان المصلي ح 1.

[ 218 ]

[ (العشرون): مكان قبلته حائط ينز من بالوعة يبال فيها أو كنيف (1). ] (اتجد ههنا مثالا فقال: لا تجلس عليه ولا تصل عليه (1). وهي ان تمت سندا حملت على الكراهة، ولكنه لم يتم لان سعدا لم يوثق لا هو ولا أبوه. وهناك روايات تضمنت التفصيل بين العين والعينين كرسله ابن ابي عمير عن ابي عبد الله عليه السلام في التمثال يكون في البساط فتقع عينك عليه وانت تصلي، قال: إذا كان يعين واحدة فلا باس وان له كان له عينان فلا (2). ومرفوعته قال: لا بأس بالصلاة والتصاوير تنظر إليه إذا كانت بعين واحدة (3). وما رواه الصدوق باسناده عن ليث المرادي ".. ان كان لها عين واحدة فلا باس، وان كان لها عينان وانت تصلي فلا (4). ولكنها: باجمعها ضعيفة السند. اما الاوليان فظاهر، واما الاخيرة فلجهالة طريق الصدوق إلى اليث المرادي. (1): لروايات منها ما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن ابي حمزة عن ابي الحسن الاول عليه السلام قال: إذا ظهر النز من


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب مكان المصلي ح 3. (2) و (3) و (4) الوسائل: باب 32 من أبواب مكان المصلي حديث: 6 و 13 و 8.

[ 219 ]

[ وكذا إذا كان قدامه عذرة (1). (الحادي والعشرون): إذا كان قدامه مصحف أو ] خلف الكنيف وهو في القبلة يستره بشئ (1). ومنها: مرسلة البزنطي عمن سال ابا عبد الله عليه السلام عن المسجد ينز حائط قبلته من بالوعة يبال فيها، فقال: ان كان نزه من البالوعة فلا تصل فيه وان كان نزه من غير ذلك فلا باس (2). ومنها: ما عن البحار عن كتاب الحسين بن عثمان انه قال: روي عن ابي الحسن عليه السلام قال: إذا ظهر النز اليك من خلف الحائط من كنيف في القبله سترته بشئ (3). والكل ضعيف: اما الاولى فلجهالة طريق الصدوق إلى محمد بن ابي حمزة. واما الثانية: فللارسال، واما الثالثة فلضعف طريق البحار. إذا فلا دليل على الكراهة الا من باب التسامح لو قلنا بشموله للمقام. (1): لرواية الفضيل بن يسار قال. قلت لابي عبد الله (ع) اقوم في الصلاة فارى قدامي في القبلة العذرة، قال: تنح عنها ما استطعت ولا تصل على الجواد (4) ولكنها ضعيفة بسهل بن زياد (5).


(1) و (2) الوسائل: باب 15 من أبواب مكان المصلي ح 1 و 2. (3) مصباح الفقيه ص 195. (4) الوسائل: باب 31 من أبواب مكان المصلي ح 1. (5) نعم ولكنها مروية في المحاسن بطريق صحيح لا غمز فيه.

[ 220 ]

[ كتاب مفتوح أو نقش شاغل بل كل شئ شاغل (1). (الثاني والعشرون): إذا كان قدامه انسان مواجه له (2). ] (1): يستدل له بروايتين: احداهما موثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت في الرجل يصلي وبين يديه مصحف مفتوح في قبلة قال: لا، قلت فان كان في غلاف، قال نعم (1). ثانيهما: رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل هل يصلح له ان ينظر في نقش خاتمه وهو في الصلاة كأنه يريد قراءبته أو في المصحف، أو في كتاب في القبلة قال: ذلك نقص في الصلاة وليس يقطعها (2). لكن الاولى قاصرة الدالة لجواز كون النهي من أجل بقاء القرآن معطلا وبلا قراءة، وهو نوع هتك له، ولذا جوزه عليه السلام لو كان في غلاف، وليس ذلك من جهة الحزازة في الصلاة نفسها فلا يمكن الاستدلال بها للكراهة في محل الكلام. واما الثانية: فهي ضعيفة السند بعبدالله بن الحسن. نعم لا بأس بذلك بناءا على قاعدة التسامح لو قيل بها وبشمولها للمقام. (2): لرواية علي بن جعفر قال: وسألته عن الرجل يكون في صلاته، هل يصلح ان تكون امرأة مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة؟ قال: يدرؤها عنه، فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته (3).


(1) و (2) الوسائل: باب 27 من أبواب مكان المصلي ح 1 و 2. (3) الوسائل: باب 43 من أبواب مكان المصلي ح 3.

[ 221 ]

[ (الثالث والعشرون): إذا كان مقابله باب مفتوح (1). (الرابع والعشرون): المقابر (2). ] وما في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليه السلام انه كره ان يصلي الرجل ورجل بين يديه قائم (1) وحيث ان سنديهما ضعيف كما لا يخفى، فالحكم مبني على قاعدة التسامح. (1): ذهب إليه أبو الصلاح الحلبي، ولكنه لم يظهر له اي مستند كما اعترف به غير واحد، منهم صاحب الحدائق. ومن ثم التجأ المقق في المعتبر إلى القول بانه اي أبو الصلاح احد الاعيان فلا بأس باتباع فتواه. وغرضه (قده) بذلك التمسك بقاعدة التسامح بناءا على التعدي إلى قول الفقيه. (2): نصوص المقام على طوائف ثلاث: الاولى: ما تضمن نفي الباس مطلقا كصحيحة علي بن جعفر " عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ فقال: لا بأس به " (2). وصحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ قال: لا بأس (3). الثانية: ما تضمن نفي البأس شريطة عدم اتخاذ القبر قبلة كصحيحة معمر بن خلاد عن الرضا عليه السلام قال: لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة (4). وصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: قلت له الصلاة بين القبور، قال: بين خللها


(1) المستدرك: باب 4 من أبواب مكان المصلي. (2) و (3) و (4) الوسائل باب 25 من أبواب مكان المصلي ح 1 و 2 و 3.

[ 222 ]

ولا تتخذ شيئا منها قبله.. الخ (1). الثالثة: ما تضمن المنع الا إذا كان الفصل بعشرة اذرع من كل جانب كموثقة عمار " عن الرجل يصلي بين القبور، قال: لا يجوز ذلك الا ان يجعل بينه وبين القبور إذا صلى عشرة اذرع من بين يديه، وعشرة اذرع من خلفه، وعشرة اذرع عن يمينه، وعشرة اذرع عن يساره ثم يصلي ان شاء (2). هذا والمشهور: حملوا النهي في الاخيرة على الكراهة جمعا بينها وبين نفي البأس الثابت في الاولتين على اختلاف مراتب الكراهة من حيث استقبال القبر وعدمه. ولكن صاحب الحدائق (3) خص الجواز بما عدا صورة الاستقبال فالتزم بالتحريم في هذه الصورة بعد استثناء قبور الائمة (ع) لما يرتأيه من ان ذلك هو مقتضي الجمع بين الطائفتين الاوليين حملا للمجمل على المفصل والمطلق على المقيد. وهو كما ترى إذ قلما يوجد مكان فيما بين القبور لا يكون القبر قبلة للمصلي فيلزم حمل المطلق على الفرد النادر. فلا مناص من التعميم مع تأكد الكراهة في هذه الصورة كما عرفت. الا ان يراد من اتخاذ القبر قبلة استقبالها بدلا عن الكعبة المشرفة كما قد يفعله بعض الجهلة بالنسبة إلى قبور الائمة فتتجه الحرمة في هذه الصورة. هذا مضافا إلى ان ثبوت الباس المستفاد من مفهوم الصحيحة اعم من ان يكون على سبيل الكراهة أو الحرمة. وكيفما كان فالجمع


(1) الوسائل: باب 26 من ابواب مكان المصلي ح 5. (2) الوسائل: باب 35 من ابواب مكان المصلي ح 5. (3) الحدايق ج 7 ص 226.

[ 223 ]

[ (الخامس والعشرون): على القبر (1). ] المزبور ضعيف. واضعف منه تقييد الاولين بالاخيرة لينتج اختصاص الجواز بما إذا كان البعد من كل جانب عشرة اذرع، إذ لازم ذلك ابتعاد كل قبر عن غيره عشرين ذراعا على الاقل بحيث يكون احدهما اجنبيا عن الآخر. ومن البين ان افترض ذلك في المقابر العامة والمواضع المتخذة مقبرة للموتى كوادي السلام ونحوه التي هي المنصرف من نصوص المقام من البعد والندرة بمكان فكيف يمكن حمل المطلقات على هذا الفرد النادر الذي يكاد لا يصدق على مثله عنوان الصلاة بين القبور، ومن ثم احتمل بعضهم ان يكون الاستثناء في الموثقة من قبيل المنقطع. وكيفما كان فالحمل المزبور كسابقه ابعد بكثير مما صنعه المشهور من حمل الموثقة على الكراهة كما لا يخفى. (1): من الواضح ان الموضوع لهذا الحكم هو عنوان الصلاة على القبر بوضع المساجد عليه وان كان منفردا ولم يكن معه قبر آخر ويستدل له بجملة من الاخبار. كحديث النوفلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الارض كلها مسجد إلا الحمام والقبر (1). ومرسلة عبد الله بن الفضل عن ابي عبد الله عليه السلام قال: عشرة مواضع لا يصلى فيها منها القبور (2) بناءا على ان المراد من


(1) و (2) الوسائل: باب 25 من ابواب مكان المصلي ج 7 و 6.

[ 224 ]

القبور الجنس الشامل للواحد لا الجمع كي لا يصح الاستدلال بها للمقام. ورواية يونس بن ظبيان عن ابي عبد الله عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى ان يصلى على قبره. الخ (1). ولكنها باجمعها ضعاف السند كما لا يخفى. فلا يصح الاستدلال بها ما عدا رواية واحدة وهي معتبرة عبيد ابن زرارة قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: الارض كلها مسجد الا بئر غايط أو مقبرة أو حمام (2). فان القاسم بن محمد الواقع في السند هو الجوهري، وهو كسليمان مولى طربال من رجال كامل الزيارات (3). ومقتضى الجمود على ظاهرها عدم الجواز ولم يقل به احد. ومن ثم حملها بعضهم على ان سبب المنع ارتفاع القبر عن الارض باكثر من قدر لبنة، أو كونه مما لا يصح السجود عليه ولكنه مخالف لما تقتضيه وحدة السياق من استناد المنع إلى خسة الارض وحزازته لا إلى وجود مانع خارجي. ولا يبعد القول بانها ناظرة إلى السجود على القبر وبينه وبين الصلاة عليه التي هي محل الكلام عموم من وجه. فهي اجنبية عن المدعى وخارجة عن المقام. فليتأمل، إذا فالقول بالكراهة مبني على قاعدة التسامح.


(1) الوسائل: باب 25 من ابواب مكان المصلي ح 8. (2) الوسائل: باب 1 من ابواب مكان المصلي ح 4. (3) عدل دام ظله عنه اخيرا لعدم كون الرجلين من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

[ 225 ]

[ (السادس والعشرون): إذ كان القبر في قبلته، وترتفع بالحائل (1). (السابع والعشرون): بين القبرين (2) من غير حائل (3) ويكفي حائل واحد من احد الطرفين، وإذا كان بين قبور اربعة يكفي حائلان احدهما في جهة اليمين أو اليسار والآخر في جهة الخلف أو الامام، وترتفع ايضا ببعد عشرة اذرع من كل جهة فيها قبر. ] (1): لما تقدم من صحيحتي معمر بن خلاد وزرارة وقد مر البحث حولهما. (2): هذا بعنوانه لم يرد في شئ من الاخبار، وانما الوارد فيها عنوان (بين القبور) ومقتضى الجمود على ظاهر صيغة الجمع اعتبار اكثر من القبرين، الا ان يتعدى اليهما نظرا إلى ما ذكره في الجواهر (1) من ان العبرة بالبينية من غير خصوصية للعدد وهو غير بعيد. (3): لم يرد لفظ الحائل في شئ من نصوص الباب. وانما استندوا إليه في رفع الكراهة لاجل انصراف النص مع وجوده نظرا إلى ارتفاع عنوان (البينية) مع تحقق الحائل. وعليه فلا يكفي مطلق الحاقل، بل لا بد وان يكون شيئا معتدا به كجدار ونحوه بحيث لا يصدق معه العنوان المزبور عرفا.


(1) الجواهر ج 8 ص 351.

[ 226 ]

[ (الثامن والعشرون): بيت فيه كلب غير كلب الصيد (1). (التاسع والعشرون): بيت فيه جنب (2). ] فما ذكره المحقق وغيره من كفاية حيلولة العنزة، بل عن الروض قدر لبنة أو ثوب موضوع ونحوه في غاية الاشكال. فان دعوى انصراف الاخبار عن مثل هذه الامور مما يطلق عليه الحائل توسعا غير قابلة للتصديق. واكتفاء الشارع في ارتفاع الكراهة بمثل ذلك بل بوضع العصا في بعض الموارد كمن يصلي وقدامه انسان مواجه له لا يستدعي التعدي إلى المقام بعد عرائه عن النص وكون العبرة بصدق البينونة وعدمها كما عرفت. فلا يقاس احدهما بالآخر وان عول عليه القائلون بالكفاية ظاهرا فلاحظ. (1): لمرسلة الصدوق قال: قال الصادق عليه السلام: لا يصلى في دار فيها كلب الا ان يكون كلب الصيد (1) ولكن ضعفها للارسال يمنع عن صلوحها للاستدلال. نعم: ورد في غير واحد من الاخبار ان الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، الكاشف عن خسة المكان، ولعل هذا المقدار كاف في الكراهة. (2): لما رواه البرقي في المحاسن باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله ان جبريل قال: انا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا جنب ولا تمثال يوطأ (2) ولكنها ضعيفة السند فتبتني الكراهة على قاعدة التسامح.


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب مكان المصلي ح 4. (2) الوسائل: باب 33 من أبواب مكان المصلي ح 6.

[ 227 ]

[ (الثلاثون): إذا كان قدامه حديد من اسلحة أو غيرها (1) (الواحد والثلاثون): إذا كان قدامه ورد عند بعضهم. (الثاني والثلاثون): إذا كان قدامه بيدر حنظة أو شعير. (مسألة 1): لا باس بالصلاة في البيع والكنائس وان لم ترش (2)، وان كان من غير اذن من اهلها كسائار مساجد المسلمين. ] (1): لموثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: لا يصلي الرجل وفي قبلته نار أو حديد.. الخ (1). والجمود على ظاهرها يقتضي الحرمة بل الفساد، وحيث لا قائل بذلك مع كثرة الابتلاء بالاسلحة من السيوق ونحوها لا سيما في تلك الاعصار فلا جرم تحمل على الكراهة. (2): على المشهور من الجواز من غير كراهة، ولا حاجة إلى الرش، وذهب بعضهم إلى الكراهة وارتفاعها بالرش، ومنشأ الخلاف اختلاف الاخبار. فقد دل بعضها على الجواز مطلقا كصحيحة العيص بن القاسم قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن البيع والكنائس يصلى فيها قال: نعم، وسألته هل يصلح بعضها مسجدا؟ فقال: نعم (2)


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب مكان المصلي ح 2. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب احكام المساجد ح 1.

[ 228 ]

هكذا في نسخة من التهذيب، وفي نسخة اخرى نقضها، بدل بعضها، وكذلك في رواية الكافي (1) وظاهرها بمقتضى الاطلاق عدم الحاجة إلى الرش. وبأزائها ما يظهر منه الكراهة مع الرفع بالرش وهي صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس، فقال: رش وصل (2). فان المشهور حملوا الرش فيها على الافضلية، ولكن الاقتران ببيوت المجوس المحكومة بكراهة الصلاة فيها من دون الرش في عبارة المتن بعد وضوح عدم اشتراط صحة الصلاة بالرش وان كان ظاهر النص هو الشرطية يكشف عن ان الامر به لاجل رفع الكراهة بذلك. فالنتيجة: ان هذه الصحيحة تستوجب التقييد في صحيحة العيص فيكون الجواز من غير كراهة مختصة بصورة الرش. نعم: قد يقال ان لسان بعض الاخبار آب عن هذا التقييد كرواية الحكم بن الحكم قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول وسئل عن الصلاة في البيع والكنائس فقال، صل فيها قد رأيتها ما انظفها، قلت: أيلى فيها وان كانوا يصلون فيها؟ فقال نعم، اما تقرأ القرآن: قل كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو اهدى سبيلا صل إلى القبلة وغربهم (3). وفيه: مضافا إلى ضعف السند لجهالة الحكم بن الحكم (4). ان الامر لما كان واردا موقع توهم الحظر كما يكشف عنه الذيل فلا دلالة له الا على اصل الجواز القابل لاتصافه بالكراهة إذا فلا


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب احكام المساجد ح 2. (2) و (3) الوسائل: باب 13 من أبواب مكان المصلي ح 2 و 3. (4) المراد به الحكم بن الحكم وهو ثقة لاحظ المعجم ج 6 ص 166.

[ 229 ]

[ (مسألة 2): لا بأس بالصلاة خلف قبور الائمة عليهم السلام (1)، ولا على يمينها وشمالها، وان كان الاولى الصلاة عند جهة الرأس (2) على وجه لا يساوي الامام عليه السلام (3). ] تنافي بينه وبين ما تقدم مما يظهر منه اختصاص الجواز عن غير كراهة بصورة الرش حسبما عرفت. (1): تقدم ان الممنوع في لسان الادلة ولو على سبيل الكراهة انما هو الصلاة في المقابر أو بين القبور. واما الصلاة خلف القبر فلا منع الا إذا اتخذه قبلة. ومع تسليم الكراهة فيستثنى من ذلك مراقد الائمة الطاهرين عليهم السلام. فقد نطق النص بجواز الصلاة خلف قبورهم. ففي مكاتبة الحميري ".. واما الصلاة فانها خلفه ويجعله الامام، ولا يجوز ان يصلي بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله (1). (2): للروايات المستفيضة الناطقة باستحباب الصلاة عند رأس الحسين عليه السلام وفي موثقة ابن فضال: رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام إلى ان قال: فالزق منكبه الايسر بالقبر قريبا من الاسطوانة المخلقة التي عند رأس النبي صلى الله عليه وآله فصلى ست ركعات أو ثمان ركعات.. الخ (2). (3): للنهي عن المساواة في بعض النصوص التي منها المكاتبة المتقدمة آنفا.


(1) و (2) الوسائل: باب 26 من أبواب مكان المصلي ح 1 و 4.

[ 230 ]

[ (مسألة 3): يستحب ان يجعل المصلي بين يديه سترة (1) إذا لم يكن قدامه حائط أو صف للحيلولة بينه وبين من يمر بين يديه إذا كان في معرض المرور وان علم بعدم المرور فعلا، وكذا إذا كان هناك شخص حاضر، ويكفي فيها عود أو حبل أو كومة تراب، بل يكفي الخط؟ ولا يشترط فيها الحلية والطهارة وهي نوع تعظيم وتوتير للصلاة، وفيها اشارة إلى الانقطاع عن الخلق والتوجه إلى الخالق. ] (1): استحباب جعل السترة هو المشهور بين الاجلة، لكن الذي يظهر من الادلة استحباب امرين على سبيل الاستقلال، وان كان ظاهر الكلمات الخلط بينهما. احدهما: استحباب السترة إذا كان المصلي في معرض المارة لتكون ساترا بينه وبين من يمر بين يديه. ففي صحيح علي بن جعفر انه سال اخاه موسى بن جعفر (ع) عن الرجل " يصلي وامامه حمار واقف، قال: يضع بينه وبينه قصبة أو عودا أو شيئا يقيمه بينهما ويصلي فلا بأس (1) وروى الكليني باسناده عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كان طول رحل رسول الله صلى الله عليه وآله ذراعا فإذا كان صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه (2).


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب مكان المصلي ح 1. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب مكان المصلي ح 2.

[ 231 ]

وهذا الستار عمل مستحب يعد من آداب الصلاة، لا يقدح تركه في الصحة. ففي صحيح ابي بصير يعني المرادي عن ابي عبد الله الله عليه السلام قال: لا يقطع الصلاة شئ لا كلب ولا حمار ولا امرأة، ولكن استتروا بشئ وان كان بين يديك قدر ذراع رافع من الارض فقد استترت. والفضل في هذا ان تستر بشئ وتضع بين يديك ما تتقي به من المارة، فان لم تفعل فليس به بأس، لان الذي يصلي له المصلي اقرب إليه ممن يمر بين يديه، ولكن ذلك ادب الصلاة وتوقيرها (1). وفي صحيح ابن ابي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل هل يقطع صلاته شئ مما يمر بين يديه؟ فقال لا يقطع صلاة المؤمن شئ ولكن ادرأوا ما استطعتم (2). ثانيهما: استحباب وضع المصلي شيئا بين يديه ولو كان عودا أو حبلا أو كومة تراب، بل خطا يخطه على الارض حتى مع الامن من المارة بحيث لا يبقى معه معنى للستر والحيلولة ايعازا إلى الانقطاع عن الحق والتوجه إلى الخالق، فكأنه لا يفكر إلا فيما بينه وبين ذاك الحد ولا ينظر إلى ما بين مصلاه ومسجده. وهذا في نفسه عمل مستقل ومستحب نفسي غير مرتبط بما سبق بمقتضى اطلاق النص. ففي معتبرة السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا صلى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فان لم يجد فحجرا، فان لم يجد فسهما، فان لم يجد فليخط في الارض


(1) و (2) الوسائل: باب 11 من أبواب مكان المصلي ح 10 و 9.

[ 232 ]

[ (مسألة 4): يستحب الصلاة في المساجد، وافضلها مسجد الحرام، فالصلاة فيه تعدل الف الف صلاة، ثم مسجد النبي صلى الله عليه وآله والصلاة فيه تعدل عشرة آلاف، ومسجد الكوفة وفيه تعدل الف صلاة، والمسجد الاقصى وفيه تعدل الف صلاة ايضا، ثم مسجد الجامع وفيه ] بين يديه (1). وروى الشيخ باسناده عن محمد بن اسماعيل عن الرضا (ع) في الرجل يصلي قال: يكون بين يديه كومة من تراب أو يخط بين يديه بخط (2). وفي صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجعل العنزة بين يديه إذا صلى (3) ونحوها غيرها. وقد تفطن صاحب الوسائل إلى تغاير العنوانين فمن ثم افرد لكل منهما بابا مستقلا فقال في الباب الثاني عشر من ابواب مكان المصلي (باب استحباب جعل المصلي شيئا بين يديه.. الخ). وفي الباب الحادي عشر: باب عدم بطلان الصلاة بمرور شئ.. الخ ولكن الفقهاء قد وقع الخلط بينهما في كلماتهم كما سمعت فحكموا كما في المتن باستحباب السترة لاجل المارة ولو بخط في الارض.


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب مكان المصلي ح 4. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب مكان المصلي ح 3. (3) الوسائل: باب 12 من أبواب مكان المصلي ح 1.

[ 233 ]

[ تعدل مائة، ومسجد القبيلة وفيه تعدل خمسا وعشرين، ومسجد السوق وفيه تعدل اثني عشر، ويستحب ان يجعل في بيته مسجدا اي مكانا معدا للصلاة فيه وان كان لا يجري عليه احكام المسجد، والافضل للنساء الصلاة في بيوتهن، وافضل البيوت بين المخدع اي بيت الخزانة في البيت. (مسألة 5): يستحب الصلاة في مشاهد الائمة (ع) وهي البيوت التي امر الله تعالى ان ترفع ويذكر فيها اسمه، بل هي افضل من المساجد، بل قد ورد في الخبر ان الصلاة عند علي (ع) بمأتي الف صلاة، وكذا يستحب في روضات الانبياء ومقام الاولياء والصلحاء والعلماء والعباد، بل الاحياء منهم ايضا. (مسألة 6): يستحب تفريق الصلاة في اماكن متعددة لتشهد له يوم القيامة ففي الخبر سأل الراوي ابا عبد الله (ع) يصلي الرجل نوافله في موضع أو يفرقها قال (ع) لا بل ههنا وهاهنا فانها تشهد له يوم القيامة، وعنه (ع) صلوا من المساجد في بقاع مختلفة، فان كل بقعة تشهد للمصلي عليها يوم القيامة. (مسألة 7): يكره لجار المسجد ان يصلي في غيره ]

[ 234 ]

[ لغير علة كالمطر، قال النبي صلى الله عليه وآله: لا صلاة لجار المسجد الا في مسجده. ويستحب ترك مؤاكلة من لا يحضر المسجد، وترك مشاربته ومشاورته ومناكحته ومجاورته. (مسألة 8): يستحب الصلاة في المسجد الذي لا يصلى فيه، ويكره تعطيله فعن ابي عبد الله (ع): ثلاثة يشكون إلى الله عزوجل مسجد خراب لا يصلي فيه اهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه. (مسألة 9): يستحب كثرة التردد إلى المساجد، فعن النبي صلى الله عليه وآله من مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكل خطوة خطاها حتى يرع إلى منزله عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات. (مسألة 10): يستحب بناء المسجد، وفيه اجر عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله من بنى مسجدا في الدنيا اعطاه الله بكل شبر منه مسيرة اربعين الف عام مدينة من ذهب وفضة ولؤلؤ وزبرجد، وعن الصادق (ع): من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة. (مسألة 11): الاحوط اجراء صيغة الوقف بقصد القربة في صيرورته مسجدا بأن يقول وقفته قربة إلى الله ]

[ 235 ]

[ تعالى (1) لكن الاقوى كفاية البناء بقصد كونه مسجدا مع صلاة شخص واحد فيه باذن الباني، فيجري حينئذ حكم المسجدية وان لم تجر الصيغة. ] (1): ربما توهم العبارة لزوم التلفظ بقصد القرية، ولكنه غير مراد جزما لعدم اعتبار التلفظ به في شئ من العبادات وكفاية النية المجردة اجماعا. نعم: في خصوص باب الحج ورد الامر بالتلفظ بما ينويه، المحمول على الاستحباب وهوامر آخر غير مرتبط بالمقام. وإنما المحتمل اعتباره في المقام امران: احدهما قصد التقرب ثانيتهما اجراء صيغة الوقف. فلا تكفي المعاطاة في تحققه، واليه تنظر عبارة المتن. اما الاول: فلم ينهض على اعتباره اي دليل، ومقتضى الاطلاقات عدم الاعتبار من غير فرق بين الوقف للمسجد أو غيره. نعم ترتب الثواب يتوقف عليه كما هو ظاهر. واما الثاني: فقد نسب إلى المشهور اعتبار الصيغة في صحة الوقف نظرا إلى انه يتقوم في ذاته باللزوم، كما ان الرهن ايضا متقوم به، فكما لا رجوع في العين المرهونة والا خرجت عن كونها وثيقة، فكذا لا رجوع في العين الموقوفة بضرورة الفقه ولا سيما في مثل وقف المسجد الذي هو من سنخ التحرير. وحيث ان المعاطاة لا تفيد اللزوم اجماعا بل هي اما باطلة أو جائزة على الخلاف المحرر في محله. فلا جرم لا ينعقد الوقف بها.

[ 236 ]

[ (مسألة 12): الظاهر انه يجوز ان يجعل الارض فقط مسجدا دون البناء والسطح، وكذا يجوز ان يجعل السطح فقط مسجدا، أو يجعل بعض الغرفات أو القباب أو نحو ذلك خارجا، فالحكم تابع لجعل الواقف والباني في التعميم والتخصيص (1) كما انه كذلك بالنسبة إلى عموم المسلمين أو طائفة دون اخرى (2) على الاقوى. ] ويندفع: بما حققناه في محله من أن المعاطاة عقد عرفي وهو بمثابة العقد اللفظي في افادة اللزوم بمقتضى اطلاق قوله تعالى: اوفوا بالعقود الا ما خرج بالدليل كالطلاق والنكاح. ودعوى الاجماع على عدم اللزوم موهونة بان المحصل منه غير حاصل والمنقول غير مقبول. وعليه: فلو بنى المكان بقصد كونه مسجدا ووقعت الصلاة فيه بأذن الباني التي هي بمثابة القبض تحقق الوقف المعاطاتي وشملته اطلاقات اللزوم، وجرى عليه احكام المسجد كما افاده في المتن. (1): فان عنوان المسجدية عارض على المكان المملوك الذي هو قابل للانقسام بحسب ابعاده الثلاثة، والمالك مسلط على ماله في جميع ابعاده، فله اختيار التحرير في بعض تلك الابعاد دون بعض، كما له الاختيار في الكل بمناط واحد. فالحكم إذا مطابق لمقتضى القاعدة بعد وضوح ان الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها. (2): كالعلماء أو الفقراء أو السادة كما هو الحال في ساير الاوقاف من جواز التخصيص بصنف خاص، ولكنه في غاية الاشكال

[ 237 ]

[ (مسألة 13): يستحب تعمير المسجد إذا اشرف على الخراب (1) ] والقياس مع الفارق، فان المالك في ساير الاوقاف له تمليك ما له لطائفة خاصة ولا ضير فيه. واما وقف المسجد فهو عبارة عن تحرير الارض لله وازالة الملكية من اصلها فان الاراضي وان كانت كلها له سبحانه الا انها تملك باذنه فإذا اوقفها فقد حررها وازال علاقة الملكية وارجعها إلى مالكها الاصلي وجعلها بيتا من بيوت الله، واصبح هو اجنبيا عنها، فكيف يسوغ له التخصيص بطائفة دون اخرى مع ان الجميع بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، وكلهم خلقه وعبيده وقد اشترك الكل في الاستفادة من المسجد بنسبة واحدة وبمناط واحد. فالتخصيص المزبور من غير مخصص (1) ظاهر فانه صادر من غير اهله وفي غير محله. نعم: يمكن وقف مكان مصلى لطائفة خاصة دون اخرى كساير الاوقاف مثل المدرسة ونحوها، فيكون ملكا لهم ثم لطبقة اخرى بعدهم من غير ان يباع أو يورث الا انه لا يكون مسجدا ولا تجري عليه احكامه فيجوز دخول الجنب فيه، كما يجوز تنجيسه ولكنه خارج عن محل الكلام. (1): بل قد يجب فيما إذا كان معرضا للانهدام وخوف تلف النفس المحترمة.


(1) المخصص هو ما دل على ان الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها الشامل للمساجد كما اعترف دام ظله به آنفا فتدبر جيدا.

[ 238 ]

[ وإذا لم ينفع يجوز تخريبه وتجديد بنائه (1) بل الاقوى جواز تخريبه (2) مع استحكامه لارادة توسيعه من جهة حاجة الناس. ] (1): لانه انما جعل مسجدا لغاية العبادة، فإذا سقط عن الانتفاع جاز هدمه وبناؤه تحصيلا لتلك الغاية التي اسست من اجلها. (2): والوجه فيه ان المسجد لم يكن ملكا لاحد ليحتاج التصرف فيه إلى الاستئذان منه، وانما هو معبد لله سبحانه. فلا مانع إذا من التصرف فيه بكل ما يكون الانتفاع اكثر والمعبدية اشمل. ومنه: تعرف فساد دعوى ان التغيير ولو على سبيل التوسيع تصرف في متعلق الوقف ومخالف للكيفية التي اوقفها الواقف وبنى عليها. وذلك لما عرفت من ان الواقف قد حرر المسجد واخرجه من ملكه وازال العلقة بحيث صار اجنبيا، واصبح ملكا لله تعالى لغاية العبادة. فكل تصرف يستوجب مزيد التمكين من هذه الغاية مع مسيس الحاجة سايغ بمقتضى القاعدة. مضافا إلى النص الخاص وهو صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال؟ سمعته يقول ان رسول الله صلى الله عليه وآله بنى مسجده بالسميط ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله لو امرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فزيد فيه وبناه بالسعيدة.. الخ (1).


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب احكام المساجد ح 1.

[ 239 ]

[ (فصل) في بعض احكام المسجد الاول: يحرم زخرفته اي تزيينه بالذهب (1) بل ] (1): على المشهور كما قد يظهر من الجواهر (1) حيث قال: " بل هو المشهور نقلا في كشف اللثام والكفاية ان لم يكن تحصيلا " وان ناقش فيه اخيرا بقوله " ويمكن منع حصول شهرة معتد (؟ ها) هنا " ويعضده ان الدروس نسب التحريم إلى القيل. وكيفما كان فيستدل له تارة بالاسراف، واخرى بعدم معبوديته في عصر النبي صلى الله عليه وآله، فاحداثه بعد ذلك بدعة محرمة. وكلاهما كما ترى لتقوم الاسراف بفقد الغرض العقلائي. ومن البين ان تعظيم الشعائر من اعظم الدواعي العقلائية كما هو الشاهد في المشاهد المشرفة. واما البدعة فهي متقومة بالاسناد إلى الشرع ما ليس فيه فلا بدعة من دون الاسناد، ومجرد كونه من الامور المستحدثة لا يستوجبها كيف ولو تم لعم وسرى إلى غير الذهب كالفضة للمشاركة في العلة


(1) ج 14 ص 89.

[ 240 ]

[ الاحوط ترك نقشه بالصور (1). ] مع ان الامور المستحدثة من الكثرة ما لا يخفى التي منها تزيين المساجد بالانوار الكهربائية، افهل يمكن القول بحرمتها بدعوى عدم كونها معهودة في عصر النبي صلى الله عليه وآله. فالحكم إذا مبني على الاحتياط حذرا عما لعله خلاف المشهور واما بحسب الصناعة فالاقوى الجواز. (1): ان ارييد بها تصوير ذوات الارواح فلا يختص التحريم بالمساجد على ما استوفينا البحث حول ذلك بنطاق واسع في كتاب المكاسب. وان اريد بها تصوير غيرها كالاشجار ونحوها فلم ينهض دليل على التحريم مطلقا. (نعم) ربما يستدل له في المقام برواية عمرو بن جميع قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في المساجد المصورة فقال: اكره ذلك، ولكن لا يضركم ذلك اليوم ولو قد قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك (1). ولكنها ضعيفة السند بعدة من المجاهيل كما ناقش فيه جماعة اولهم صاحب المدارك، مضافا إلى انها قاصرة الدلالة، فان الكراهة في لسان الرواية اعم من الكراهة المصطلحة والحرمة، بل ان قوله: (لا يضركم ذلك اليوم) كالصريح في عدم المنع قبل قيام الحجة على ان رواية علي بن جعفر قد دلت على الجواز. قال: " سألته عن المسجد ينقش في قبلته بجص أو اصباغ قال: لا باس به " (2). وان كانت ضعيفة السند بعبدالله بن الحسن.


(1) و (2) الوسائل: باب 15 من أبواب احكام المساجد ح 1 و 3.

[ 241 ]

[ (الثاني): لا يجوز بيعه ولا بيع آلاته وان صار خرابا ولم تبق آثار مسجديته ولا ادخاله في الملك، ولا في الطريق، ولا يخرج عن المسجدية ابدا (1). ويبقي الاحكام من حرمة تنجيسه ووجوب احترامه (1) ] والمتحصل انه لم ينهض اي دليل على تحريم زخرفة المسجد، ولا على نقشه بالصور غير ذوات الارواح. (1): والوجه في ذلك كله ما عرفت من ان عروش عنوان المسجدية يستوجب الخروج عن الملكية وفك الرقبة وتحريرها وزوال علقتها بالمرة. ومعه كيف يمكن بيعها، ولا بيع الا في ملك، ام كيف يمكن ادخالها في الملك أو في الطريق ونحو ذلك مما ينافي عنوان المسجدية التي هي باقية بطبيعتها، إذ لا مزيل لها وان ازيلت آثارها. نعم لو تعذرت الاستفادة للعبادة بالكلية وامكن بعض الانتفاعات على نحو لا يستوجب الهتك كالاستفادة للزراعة لم يكن بها بأس لعدم الدليل حينئذ على المنع. وهذا بخلاف ساير الاوقاف فانها وان لم يجز بيعها ايضا الا انها لما كانت فيها شائبة الملكية نظرا إلى ان الواقف ملكها للموقوف عليهم لا انه حررها، فلا مانع حينئذ من بيعها لدى عروض المسوغات التي منها الخراب. (1): لوضوح بقاء الاحكام يتبع بقاء الموضوع.

[ 242 ]

[ وتصرف آلاته في تعميره (1) وان لم يكن معمرا تصرف في مسجد آخر، وان لم يمكن الانتفاع بها اصلا يجوز بيعها وصرف القيمة في تعميره، أو تعمير مسجد آخر. (الثالث): يحرم تنجيسه (2) وإذا تنجس يجب ازالتها فورا وان كان في وقت الصلاة مع سعته، نعم مع ضيقه تقدم الصلاة، ولو صلى مع السعة اثم، لكن الاقوى صحة صلاته، ولو علم بالنجاسة أو تنجس في اثناء الصلاة لا يجب القطع للازالة وان كان في سعة الوقت، بل يشكل جوازه، ولا بأس بادخال النجاسة الغر المتعدية الا إذا كان موجبا للهتك كالكثيرة من العذرة اليابسة مثلا، وإذا لم يتمكن من الازالة بان احتاجت إلى معين ولم يكن سقط وجوبها، والاحوط اعلام الغير إذا لم يتمكن. ] (1): فانها وقف للمسجد فكانت ملكا له، ولا غرابة في استناد الملكية إليه بعد ان كانت من الامور الاعتبارية، فلا يجوز صرفها في غير شؤون المسجد ما دام يمكن الانتفاع بها فيه. نعم لو تعذر ذلك ايضا جاز صرفها في مسجد آخر لانه الاقرب إلى نظر الواقف ولو تعذر ذلك جاز بيعها ويصرف ثمنها حينئذ في تعمير المسجد نفسه ان امكن وإلا ففي مسجد آخر. (2): الفروع المذكورة في المقام قد تقدم البحث حولها مستوفى وبنطاق واسع في احكام النجاسات من كتاب الطهارة فراجع ولا نعيد

[ 243 ]

[ وإذا كان جنبا وتوقفت الازالة على المكث فيه فالظاهر عدم وجوب المبادرة إليها، بل يؤخرها إلى ما بعد الغسل، ويحتمل وجوب التيمم والمبادرة إلى الازالة (1). (مسألة 1): يجوز ان يتخذ الكنيف ونحوه من الامكنة التي عليها البول والعذرة ونحوهما مسجدا، بان يطم ويلقى عليها التراب (2) النظيف ولا تضر نجاسة الباطن ] (1): هذا الاحتمال لم يسبق التعرض إليه فيما تقدم وهو ضعيف جدا فان وجوب المبادرة لم يثبت بدليل لفظي لنتمسك باطلاقه وانما ثبت بالاجماع والقدر المتيقن منه غير الجنب. (2): هذا مما لا اشكال فيه وقد دلت عليه جمله من النصوص كصحيحة الحلبي (في حديث) انه قال لابي عبد الله عليه السلام: فيصلح المكان الذي كان حشا زمانا ان ينظف ويتخذ مسجدا؟ فقال: نعم إذا القي عليه من التراب ما يواريه فان ذلك بنظف ويطهره (1). وصحيحة عبد الله بن سنان (في حديث) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المكان يكون حشا زمانا فينظف ويتخذ مسجدا، فقال: الق عليه من التراب حتى يتوارى فان ذلك يظهره ان شاء الله (2) وغيرهما.


(1) و (2) الوسائل: باب 11 من أبواب احكام المساجد ح و 4.

[ 244 ]

[ في هذه الصورة، وان كان لا يجوز تنجيسه في سائر المقامات (1). لكن الاحوط (2) ازالة النجاسة اولا أو جعل المسجد خصوص المقدار الطاهر من الظاهر. ] (1): ظاهره استثناء المقام عن عموم وجوب ازالة النجاسة عن المسجد. وفيه اولا: انه سالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا نجاسة حتى تحتاج إلى التطهير لصراحة النصوص المتقدمة في حصول الطهارة هنا بالطم لا ان النجاسة باقية وغير ضائرة ليلتزم بالتخصيص في عموم وجوب التطهير. وثانيا: ان عمدة الدليل على وجوب ازالة النجاسة عن المسجد حسبما تقدم في محله انما هو الاجماع والقدر المتيقن منه تطهير المكان الذي يصلى فيه اعني ظاهر المسجد، وكذا جدرانه وحيطانه واما الباطن ولا سيما إذا كان عميقا كما لو نزت النجاسة من بالوعة الجار إلى باطن المسجد فشمول الاجماع له غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم، فالمقتضي لوجوب التطهير قاصر في حد نفسه. وثالثا: مع الغض والتسليم فالحكم مختص بالنجاسة الطارئة. واما السابقة على الاتصاف بالمسجدية كما في المقام فلعل من المطمأن به عدم شمول الاجماع له كما لا يخفى. (2): هذا الاحتياط ضعيف لما عرفت من ان ظاهر النصوص بل صريحها طهارة المحل بالطم، فلا نجاسة لكي تحتاج إلى الازالة كما ان مقتضى اطلاقها جعل المسجد مجموع الظاهر والباطن على حد ساير الاماكن فلا مجال للاحتياط الذي ذكره (قده) ثانيا

[ 245 ]

[ (الرابع): لا يجوز اخراج الحصى منه (1) وان فعل رده إلى ذلك المسجد أو مسجد آخر. ] من الاختصاص بالظاهر. (1): على المشهور وذهب جماعة إلى الكراهة. ويستدل له بوجهين: احدهما: ان الحصى جزء من الوقف فلا يجوز اخراجه لمنافاته للوقفية. وفيه: ان هذا انما يتجه فيما إذا كان المأخوذ مقدارا معتدا به بحيث يستوجب نقصا في المسجد. اما دون هذا الحد مما لا يستوجبه كحصاة أو حصاتين فلا منافاة. ومن ثم لا ينبغي الاستشكال في جواز اخراج ما يعد من شؤن الانتفاع من المسجد واللوازم العادية له، وكذا من ساير الاوقاف بل الاملاك المأذون في الدخول فيها كما لو تعلق بثيابه أو ردائه شئ من ترابها أو التصق بنعله شئ من حصاها فانه لا يجب ردها قطعا، ولم يقل به احد. فلو كان مطلق الاخراج منافيا للوقفية لزوم القول به في هذا المقدار ايضا لعدم الفرق بين المتعارف وغيره في مناط المنع كما لا يخفى. فهذا الوجه لا ينهض لاثبات الحكم، ولو نهض للزم الرد إلى خصوص المسجد المأخوذ منه لا إلى مسجد آخر. فلا وجه للتخيير بينهما كما في المتن. ثانيهما: الروايات الخاصة الواردة في المقام: فمنهل: صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا ينبغي لاحد ان يأخذ من تربة ما حول الكعبة وان اخذ من ذلك

[ 246 ]

شيئا رده (1) وربما يناقش في دلالتها بان كلمة (لا ينبغي) ظاهرة في الكراهة فيكون ذلك قرينة على حمل الامر بالرد على الاستحباب. ويندفع: بما تقدم غير مرة من انكار الظهور المزبور، بل الكلمة اما ظاهرة في الحرمة، وانها بمعنى لا يتيسر كما في قوله تعالى: لا الشمس ينبغي لها.. الخ أو غير ظاهرة لا فيها ولا في الكراهة بل في الجامع بينهما. إذا فيبقى ظهور الامر بالرد في الوجوب على حاله، بل يكون هذا الظهور قرينة على ارادة الحرمة من تلك الكلمة ومنها: صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لا بي عبد الله (ع): اني اخذت سكا من سك المقام وترابا من تراب البيت وسبع حصيات، فقال: بئس ما صنعت، اما التراب والحصى فرده (2). والمراد بالسك: المسمار، ولعل عدم الامر برده لسقوطه غالبا عن النفع بعد قلعه، فيكون زائدا في المسجد كالقمامة والكناسة. وكيفما كان فهاتان الصحيحتان تدلان بوضوح على المنع عن الاخذ وعلى وجوب الرد على تقدير الاخذ، وظاهرهما وجوب الرد إلى نفس المسجد، ولكن يظهر من صحيحة زيد الشحام التخيير بينه وبين الطرح في مسجد آخر. قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اخرج من المسجد حصاة، قال: فردها أو اطرحها في مسجد (2) فان طريق الصدوق إلى الشحام وان كان ضعيفا بابي جميلة لكن طريق الكليني معتبر. فالحكم المذكور في المتن مما لا ينبغي الاشكال فيه.


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب احكام المساجد ح 1. (2) و (3) الوسائل: باب 26 من أبواب احكام المساجد ح 2 و 3.

[ 247 ]

[ نعم لا بأس باخراج التراب الزائد المجتمع بالكنس أو نحوه (1). (الخامس): لا يجوز دفن الميت في المسجد إذا لم يكن مأمونا من التلويث (2) بل مطلقا على الاحوط. ] (1): لوضوح خروجها عن منصرف تلك النصوص وعدها من قبيل النفايا والانقاض التي ينبغي تنظيف المسجد عنها. (2): يقع الكلام تارة في حكم الدفن في نفسه مع الغض عن التلويث، واخرى بلحاظ التلويث فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: فالظاهر عدم الجواز لمنافاة الدفن مع غرض الواقف فانه انما حرر الارض وجعلها مسجدا لتكون الصلاة فيه افضل والثواب اكثر. والدفن المزبور لما كان مستلزما للصلاة على القبر أو إلى القبر وهي مكروهة كما سبق. فلا جرم يستوجب تقليل الثواب، فيكون طبعا مصادما لمقصود الواقف. وعلى الجملة التصرفات التي لا تنافي العبادة كالنوم والجلوس ونحوهما لا ضير فيها. اما المنافية كالدن ونحوه مما يستوجب حزازة ونقصا في الصلاة فيحتاج جوازها إلى الدليل لو لم يكن ثمة دليل على العدم وهو ما عرفت من عدم جواز المخالفة لغرض الواقف الا إذا اقدم بنفسه على ذلك كما لو اشترط حين الوقف دفن نفسه أو من ينتمي به في المسجد إذ لا تنافي في هذه الصورة كما هو واضح والوقوف على حسب ما يوقفها اهلها (1).


(1) مقتضى ذلك جواز اشتراط ان يكون المسجد مقبرة عامة =

[ 248 ]

[ (السادس): يستحب سبق الناس في الدخول إلى المساجد، والتأخر عنهم في الخروج منها، (السابع): يستحب الاسراج فيه، وكنسه، والابتداء، في دخوله بالرجل اليمنى، وفي الخروج باليسرى، وان يتعاهد نعله تحفظا عن تنجيسه، وان يستقبل القبلة ويدعو ويحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وان يكون على طهارة (الثامن) يستحب صلاة التحية بعد الدخول، وهي ركعتان، ويجزئ عنها الصلوات الواجبة أو المستحبة (التاسع): يستحب التطيب، ولبس الثياب الفاخرة عند التوجه إلى المسجد (العاشر): يستحب جعل المطهرة على باب ] واما الجهة الثانية: فلا ريب ان المرجع مع الشك في التلويث اصالة العدم واما مع القطع به فيبتني الحكم على ما تقدم في المسألة السابقة من جواز تنجيس باطن المسجد وعدمه. وحيث قد عرفت ان الاظهر هو الاول، فلا مانع من الدفن من هذه الجهة. والعمدة ما عرفت من عدم الجواز حتى مع الغض عن التلويث لمنافاته مع الوقفية هذا. وقد اقتصر سيدنا الاستاد دام ظله على هذا المقدار من احكام المساجد وترك التعرض للامور المستحبة جريا على عادته من اهمالها في هذا الشرح.


= للمسلمين لوحدة المناط، وهو كما ترى.

[ 249 ]

[ المسجد. (الحادي عشر): يكره تعلية جدران المساجد ورفع المنارة عن السطح، ونقشها بالصورة غير ذوات الارواح، وان يجعل لجدرانها شرفا، وان يجعل لها محاريب داخلة (الثاني عشر): يكره استطراق المساجد الا ان يصلي فيها ركعتين، وكذا القاء النخامة والنخاعة والنوم الا لضرورة، ورفع الصوت الا في الاذان ونحوه وانشاء الضالة، وحذف الحصى وقراءة الاشعار غير المواعظ ونحوها، والبيع، والشراء، والتكلم في امور الدنيا وقتل القمل، واقامة الحدود، واتخاذها محلا للقضاء والمرافعة، وسل السيف وتعليقه في القبلة، ودخول من اكل البصل والثوم ونحوهما مما له رائحة تؤذي الناس، وتمكين الاطفال والمجانين من الدخول فيها، وعمل الصنائع، وكشف العورة والسرة والفخذ والركبة، واخراج الريح. (مسألة 2): صلاة المرأة في بيتها افضل من صلاتها إلى المسجد. (مسألة 3): الافضل للرجال اتيان النوافل في المنازل والفرائض في المساجد. ]

[ 250 ]

[ فصل " في الاذان والاقامة " لا اشكال في تأكد رجحانهما (1) في الفرائض اليومية اداءا وقضاءا، جماعة وفرادى حضرا وسفرا، للرجال والنساء، وذهب بعض العلماء إلى وجوبهما، وخصه بعضهم بصلاة المغرب والصبح، وبعضهم بصلاة الجماعة وجعلهما شرطا في صحتها، وبعضهم جعلهما شرطا في حصول ثواب الجماعة، والاقوى استحباب الاذان مطلقا. ] (1): المشهور بين الاصحاب قديما وحديثا استحباب الاذان والاقامة جماعة وفرادى سفرا وحضرا للرجال والنساء اداءا وقضاءا في جميع الفرائض الخمس وان كان الاستحباب في الاقامة آكد، ويتاكدان في بعض الفرائض كالمغرب والفجر وهناك اقوال اخر شاذة. منها: ما حكي عن الشيخين، وابن البراج، وابن حمزة من وجوبهما في الجماعة خاصة، بل نسب إليهم والى ابي الصلاح القول بالوجوب الشرطي وان الجماعة بدونهما باطلة. ومنها: ما عن السيد المرتضى في الجمل من التفصيل بين الرجال

[ 251 ]

والنساء، وبين الجماعة والفرادي، وبين انواع الصلوات فحكم بوجوبهما في صلاة الغداة والمغرب والجمعة مطلقا. واما في غيرها من بقية الصلوات فيجبان على خصوص الرجال في الجماعة خاصة. واما الاقامة: بخصوصها فهي واجبة على الرجال على كل حال. فكلامه (قده) يتألف من تفاصيل ثلاثة كما عرفت. ومنها: ما عن ابن ابي عقيل من التفصيل بين الصبح والمغرب فيجبان فيهما وبين غيرهما من بقية الفرائض فلا يجب الا الاقامة. ومنها: ما عن ابن الجنيد من وجوبهما على الرجال خاصة في خصوص الصبح والمغرب والجمعة من غير فرق بين الجماعة والفرادي والحضر والسفر. هذه هي حال الاقوال البالغة بضميمة القول المشهور خمسة. والاقوى: ما عليه المشهور كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى. وقد علم مما مر ان القول بوجوب الاذان والاقامة مطلقا كما قد يترائى من عبارة المتن لم نعثر على قائله، بل الظاره انه لا قائل به. وكيف كان فيقع الكلام تارة في الاذان واخرى في الاقامة. فهنا مقامان: المقام الاول في الاذان: وقد عرفت انه لا قائل بوجوبه على سبيل الاطلاق. ويكفينا في الاستدلال على عدم وجوبه الاخبار المستفيضة الدالة على ان من صلى باذان واقامة صلى خلفه صفان من الملائكة، ومن صلى باقامة وحدها صلى خلفه صف واحد، كصحيح محمد بن مسلم قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: انك إذا اذنت واقمت صلى خلفك صفان من الملائكة، وان اقمت اقامة بغير اذان صلى خلفك

[ 252 ]

صف واحد ونحوه صحيح الحلبي وغيره من الاخبار الكثيرة المشتملة على هذا المضمون، وتحديد الصف بالسنة مختلفة الواردة في الباب الرابع من أبواب الاذان والاقامة من الوسائل. فان الحكم باقتداء صف من الملائكة خلف من يقتصر على الاقامة ويترك م الاذان اقوى شاهد على عدم وجوبه، والا فكيف يأتم الملك بصلاة فاسدة فيستفاد منها ان تركه لا يستوجب إلا فوات مرتبة عظيمة من الكمال تقتضي فقدان اقتداء صف آخر من الملك من دون استلزامه بطلان الصلاة. نعم: هناك روايات ربما يستأنس منها الوجوب، قد استدل بها القائلون به تارة في خصوص مورد الجماعة، واخرى في خصوص صلاتي الغداة والمغرب، فان هذين الموردين هما محل الاشكال في المقام لورود النصوص فيهما، واما فيما عداهما فلا ينبغي الاشكال في عدم الوجوب كما عرفت. فينبغي التعرض لهما. اما الجماعه فقد استدل لوجوب الاذان فيها بعدة اخبار. احداها: رواية ابي بصير عن احدهما عليه السلام قال: سألته أيجزي اذان واحد؟ قال: ان صليت جماعة لم يجز الا اذان واقامة (1). الثاني: موثقة عمار قال: سئل عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجئ رجل آخر فيقول له: نصلي جماعة هل يجوز ان يصليا بذلك الاذان والاقامة؟ قال: لا، ولكن يؤذن ويقيم (2). وقد رواها المشايخ الثلاثة بطرق كلها معتبرة.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) الوسائل: باب 27 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 253 ]

الثالثة: صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال يجزيك إذا خلوت في بيتك اقامة واحدة بغير اذان (1) دلت بالمفهوم على عدم الاجزاء إذا لم يصل في بيته وحده الظاهر في ارادة الجماعة. الرابعة: موثقة عبيد الله بن علي الحلبي عن ابي عبد الله (ع) انه كان إذا صلى وحده في البيت اقام اقامة ولم يؤذن (2). والتقريب ما مر. والجواب: اما عن الرواية الاخيرة فانها حكاية فعل مجمل العنوان لا دلالة فيه على الوجوب. فغايته انه عليه السلام كان إذا صلى خارج البيت جماعة كان يؤذن، واما ان ذلك كان على سبيل الوجوب أو الاستحباب فلا دلالة فيها على شئ منهما واما الرواية الاولى فهي ضعيفة السند ولا اقل بعلي بن ابي حمزة فلا يعتمد عليها. واما الرواية الثانية: فلا قائل بوجوب العمل بها حتى في موردها فان ظاهرها ان الجائي يستدعي الاقتداء خلف من اذن واقام ولا ريب في عدم وجوب اعادة الاذان حينئذ حتى من القائلين بوجوبه في الجماعة لعدم اعتبار قصد الامامة في الاذان والاقامة بالضرورة فهي محمولة على الاستحباب قطعا والعمدة: انما هي الرواية الثالثة الدالة بالمفهوم على عدم الاجتزاء بالاقامة وحدها في الجماعة، وانه لا يجزى فيها الا الاقتران بينها وبين الاذان. ويمكن الذب عنها بابتناء الاستدلال على ان يكون المراد بالمجزي


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب الاذان والاقامة ح 4. (2) الوسائل: باب 5 من أبواب الاذان والاقامة ح 6.

[ 254 ]

عنه هو الامر الوجوبي المتعلق بالاذان والاقامة، أو المتعلق بالصلاة لو أريد به الوجوب الشرطي وهو اول الكلام ومن الجائز ان يراد به الامر الاستحبابي المتعلق بهما، فيكون حاصل المعنى انه يجتزي عن ذاك الامر الاستحبابي باقامة واحدة لو صلى منفردا، فيتحقق الامتثال ويثاب عليهما ارفاقا وتسهيلا بمجرد الاقامة. واما عند الجماعة فلا يتحقق امتثال الامر الاستحبابي ولا يجزي عنه الا الاتيان بالاذان والاقامة معا، ولا دلالة في الصحيحة على تعين شئ من الاحتمالين. فلا يستفاد منها اكثر من الاستحباب. هذا ومع الغض وتسليم دلالة الاخبار المتقدمة على الوجوب فيكفي في رفع اليد عنه ما دل على عدم الوجوب في مورد الجماعة المقتضي للزوم الحمل على الاستحباب جمعا كموثقة الحسن بن زياد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا كان القوم لا ينتظرون احدا اكتفوا باقامة واحدة (1) فان القدر المتيقن من موردها الجماعة كما لا يخفى. ونحوها صحيحة علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد الله (ع) قلت: تحضر الصلاة ونحن مجتمعون في مكان واحد أتجزينا اقامة بغير اذان؟ قال عليه السلام نعم (2) ومعلوم ان موردها الجماعة. واما بالنسبة إلى صلاة الصبح والمغرب فقد استدل لوجوب الاذان ايضا بعدة اخبار. منها: صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام انه قال: ادنى ما يجزي من الاذان ان تفتح الليل باذان واقامة، وتفتتح النهار باذان واقامة، ويجزيك في ساير الصلوات اقامة بغير اذان (3).


(1) و (2): الوسائل: باب 5 من ابواب الاذان والاقامة ح 8 و 10. (3) الوسائل: باب 6 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 255 ]

وفيه: انها قاصرة عن الدلالة على الوجوب لكونها مسوقة لبيان اقل مراتب الوظيفة، وادنى ما يجزي عنها من دون تعرض لحكم تلك الوظيفة من كونها على سبيل الوجوب أو الاستحباب فان الاجزاء اعم من ذينك الامرين كما لا يخفى. فحاصل الصحيحة ان من يريد التصدي لتلك الوظيفة المقررة في الشريعة فالمرتبة الراقية ان يؤذن ويقيم لكل فريضة، ودونها في المرتبة ان يأتي بهما في صلاة الغداة والمغرب. وهذا كما ترى لا دلالة له على الوجوب بوجه. نعم: لو كان مفادها الاجزاء عن الامر الصلاتي اقتضي الوجوب وليس كذلك بل المجزي عن الاذان كما صرح به فيها دون الصلاة. ومنها: رواية الصباح بن سيابة قال: قال لي أبو عبد الله (ع): لا تدع الاذان في الصلوات كلها فان تركته فلا نتركه في المغرب والفجر فانه ليس فيهما تقصير (1). وفيه: مضافا إلى ضعف السند بابن سيابة انها قاصرة الدلالة، فان لسانها اشبه بالاستحباب كما لا يخفى. ومنها: صحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: تجزيك في الصلاة اقامة واحدة الا الغداة والمغرب (2). وهذه لا بأس بدلالتها للتصريح فيها بالاجزاء عن الصلاة لا عن الاذان. اللهم الا ان تحمل على الثاني بقرينة صحيحة زرارة المتقدمة بعد العلم بوحدة المراد منهما. وكيف كان: فتدلنا على عدم الوجوب صحيحتان: احداهما صحيحة عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (ع)


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب الاذان والاقامة ح 3 و 4.

[ 256 ]

عن الاقامة بغير الاذان في المغرب فقال: ليس به بأس، وما احب ان يعتاد (1) فانها صريحة في جواز الترك. وموردها وان كان هو المغرب لكن يتعدى إلى صلاة الفجر للقطع بعدم القول بالفصل وتساويهما في عدم التقصير المصرح به في خبر ابن سيابة المتقدم، وفي صحيحة صفوان الآتية وفي كونهما مفتتح صلوات الليل والنهار كما صرح به في صحيحة زرارة المتقدمة. الثانية: صحيحة صفوان بن مهران عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الاذان مثنى مثنى، والاقامة مثنى مثنى ولا بد في الفجر والمغرب من اذان واقامة في الحضر والسفر لانه لا يقصر فيهما في حضر ولا سفر، وتجزئك اقامة بغير اذان في الظهر والعصر والعشاء الآخرة، والاذان والاقامة في جميع الصلوات افضل (2). فان التصريح في ذيلها بافضلية الاذان والاقامة في جميع الصلوات الشامل باطلاقه حتى لصلاتي الفجر والمغرب المذكورين في الصدر اقوى شاهد على الاستحباب، ويكون ذلك قرينة على ان المراد بقوله (ولا بد في الفجر والمغرب.. الخ) اللابديه في مقام امتثال الامر الاستحبابي لا الوجوبي. ويمكن ان يستأنس للحكم ايضا بصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام انه كان إذا صلى وحده في البيت اقام اقامة ولم يؤذن (3) فان التعبير ب‍ (كان) المشعر بالاستمرار يدل على عدم التزامه عليه السلام بالاذان غالبا، وعدم مبالاته به في (بيته) حتى بالاضافة


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب الاذان والاقامة ح 6. (2) الوسائل: باب 6 من ابواب الاذان والاقامة ح 2. (3) الوسائل: باب 5 من ابواب الاذان والاقامة ح 6.

[ 257 ]

إلى المغرب والفجر بمقتضى الاطلاق. وقد تحصل من جميع ما ذكرناه ان القول بوجوب الاذان لصلاتي الغداة والمغرب استنادا إلى الروايات المتقدمة بدعوى كونها مقيدة لما ظاهره اطلاق نفي الوجوب كروايات الصف والصفين من الملك المتقدمة، وكصحيح الحلبي عن الرجل هل يجزيه في السفر والحضر اقامة ليس معها اذان؟ قال: نعم لا بأس به (1) ونحوهما مما ظاهره عدم الوجوب مطلقا (ساقط) لقصور تلك الروايات في حد نفسها سندا أو دلالة على سبيل منع الخلو كما مر. مضافا إلى معارضتها في موردها بالصحاح النافية للوجوب كما عرفت. كما ان القول بوجوبه في الجماعة ايضا ضعيف كما تقدم. فالاقوى عدم وجوب الاذان مطلقا كما عليه المشهور. المقام الثاني. في الاقامة وقد ذهب ابن ابي عقيل كما مر وجمع إلى وجوبها حتى على النساء، وخصه الشيخان والسيد وابن الجنيد بالرجال، ومال إليه الوحيد البهبهاني واختاره صاحب الحدائق واحتاط فيه السيد الماتن (قده). وقد عرفت ان المشهور هو عدم الوجوب. هذا. ولا يخفى ان القول بالوجوب بالنسبة إلى النساء ساقط جزما للتصريح بنفيه عنهن في غير واحد من النصوص بحيث لو سلم الاطلاق في بقية الاخبار وجب تقييده بها كصحيحة جميل بن دراج قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المرأة أعليها اذان واقامة؟ قال: فقال: لا (2)، وغيرها من الاخبار الكثيرة وان كانت اسانيدها


(1) الوسائل: باب 5 من ابواب الاذان والاقامة ح 3. (2) الوسائل: باب 14 من ابواب الاذان والاقامة ح 3.

[ 258 ]

مخدوشة. ولا ندري كيف افتى ابن ابي عقيل بوجوبها عليهن مع وجود هذه الاخبار، ولعله لم يعثر عليها. وكيف كان فما ينبغي ان يكون محلا للكلام انما هو الوجوب بالاضافة إلى الرجال. وقد استدل القائل بالوجوب بعدة اخبار ادعى ظهورها فيه مع سلامتها عن المعارض. فهنا دعويان: احداهما وجود المقتضي، والاخرى عدم المانع ويتوقف الوجوب على اثبات كلتيهما. اما الدعوى الاولى: فقد استدل لها كما عرفت بطوائف من الاخبار. منها: الروايات الواردة في النساء المتقدمة آنفا المتضمنة انه لا اذان ولا اقامة عليهن من صحيحة جميل وغيرها. بتقريب ان المنفي انما هو اللزوم دون المشروعية لثبوتها فيهن بالضرورة. ومن البين ان نفي اللزوم عنهن يدل بالمفهوم على ثبوته بالاضافة إلى الرجال. وفيه: انا وان بنينا على ثبوت المفهوم للوصف (1) في الجملة لكنه مذكور في الصحيحة في كلام السائل دون الامام عليه السلام فلا عبرة به وفي غيرها وان ذكر في كلام الامام عليه السلام الا انها بأجمعها ضعيفة السند كما عرفت فلا تصلح للاستدلال (مضافا) إلى ان اقتران الاقامة بالاذان وبالجماعة في جملة من هذه النصوص مع وضوح استحبابهما على الرجال يكشف بمقتضى اتحاد السياق عن ان المنفي عن النساء هي المرتبة الراقية من الاستحباب دون اللزوم وانها هي الثابتة بمقتضى المفهوم للرجال فكأن لهذه الامور مرتبتين تضمنت هذه


(1) المفهوم الثابت للوصف مختص بالمعتمد على الموصوف، دون غير المعتمد كما في المقام فانه ملحق باللقب كما نيه دام ظله عليه في الاصول

[ 259 ]

النصوص نفي المرتبة القوية عن النساء. كما قد يشهد لذلك بالاضافة إلى الاذان صحيحة ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن المرأة تؤذن للصلاة، فقال: حسن ان فعلت، وان لم تفعل اجزأها ان تكبر وان تشهد ان لا إله الا الله وان محمدا رسول الله (1). حيث يظهر من ذكر البدل وهو التكبير والشهادتان عدم تأكد الاستحباب بالاضافة إليها، ولذا كانت مخيرة بين الامرين وكأن المطلوب منها مطلق الذكر بأحد النحوين. ومنها: النصوص المتقدمة وعمدتها صحيحة عبد الله بن سنان المتضمة لاجزاء الاقامة عن الاذان إذا صلى وحده، فان التعبير بالاجزاء الكاشف عن انه ادنى ما يقتصر عليه دال على الوجوب. وفيه: ما تقدم من جواز ان يراد به الاجزاء عن الامر الاستحبابي المتعلق بهما اي بالاذان والاقامة فيما إذا صلى وحده. وان هذا المقدار يجزي في مقام اداء الوظيفة الاستحبابية ارفاقا وتسهيلا. وبالجملة: لا دلالة فيها الا على مجرد الاجزاء عن تلك الوظيفة. واما انها وجوبية أو استحبابية فلا تدل عليه بوجه. ومنها: قوله عليه السلام في موثقة عمار الواردة في المريض. " لا صلاة الا بأذان واقامة " (2) دلت على وجوب الامرين معا خرجنا في الاذان بالنصوص الخاصة فتبقى الاقامة على وجوبها. ويندفع: بأنا وان ذكرنا في محله انه إذا تعلق امر بشيئين قد ثبت الترخيص في ترك احدهما من الخارج يؤخذ بالوجوب في الآخر


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) الوسائل: باب 35 من ابواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 260 ]

نظرا إلى ان الوجوب والاستحباب مستفادان من حكم العقل ومنتزعان من الامر المقرون بالترخيص في الترك أو بعدمه فلا مانع من التفكيك بعد ان ثبت الترخيص في احدهما دون الآخر. الا ان هذه الكبرى غير منطبقة على المقام. لان الوجوب لم يكن مستفادا من الامر بالفعل أو بعدم الترك، وانما استفيد على تقدير تسليمه من اداة النفي المقرونة بالاستثناء في قوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بأذان واقامة ". وعليه فاما ان تكون الاداة لنفي الحقيقة أو لنفي الكمال أو بالتفصيل بان تكون في الاذان لنفي الكمال، وفي الاقامة لنفي الحقيقة بعد وضوح عدم احتمال العكس. اما الاخير فلا سبيل إليه، إما لعدم جواز استعمال اللفظ الواحد في اكثر من معنى. وإما لانه على تقدير جوازه فلا شبهة في انه خلاف المتفاهم العرفي. وأما الاول فهو ايضا باطل لمنافاته مع النصوص الناطقة بجواز ترك الاذان والكاشفة عن عدم الدخل في الحقيقة كما تقدم. فلا جرم يتعين الاحتمال الثاني الذي مرجعه إلى ان الصلاة من دون الاذان أو من دون الاقامة فاقدة لصفة الكمال، وكأنها لاجل قلة ثوابها تستوجب نفي الحقيقة عنها بقولنا (لا صلاة) ولو على سبيل الادعاء والتنزيل. إذا فالموثقة لان يستدل بها على استحباب الاقامة أولى من أن يستدل بها على الوجوب. ومنها: النصوص الدالة على اعتبار الطهارة والقيام وعدم التكلم في

[ 261 ]

صحة الاقامة كصحيح الحلبي: ".. ولا يقيم الا وهو على وضوء (1). وصحيح محمد بن مسلم: ".. ولا يقيم الا وهو قائم " (2). فانها لو كانت مستحبة لما اضر بها تخلف شئ من ذلك، كما لا يضر تخلفها في الاذان، إذ لا معنى للزوم رعاية قيد في عمل يجوز تركه من اصله. فالاعتبار المزبور كاشف عن اللزوم. وفيه مع ان اعتبار عدم التكلم غير واضح لمعارضة النصوص في ذلك وستعرف ان الاظهر الجواز لا سيما إذا تكلم بما يعود إلى الصلاة كتقدم امام للجماعة ونحو ذلك ان اشتراط شئ في صحة عمل لا يكشف عن وجوب ذلك العمل بوجه للفرق الواضح بين الوجوب الشرطي والوجوب النفسي. الا ترى اشتراط النوافل بجملة من شرائط الفرائض كالطهارة والاباحة والستر والاستقبال ما لم يكن ماشيا مع جواز ترك النافلة من اصلها. ومنها: النصوص الدالة على ان الاقامة من الصلاة، فان التنزيل كاشف عن الوجوب، كقول الصادق عليه السلام في رواية ابي هارون المكفوف: " يا ابن هرون الاقامة من الصلاة، فإذا اقمت فلا تتكلم ولا تؤم بيدك (3). وقوله عليه السلام في رواية يونس الشيباني: ".. إذا أقمت الصلاة فأقم مترسلا فانك في الصلاة.. الخ (4). وفيه: مضافا إلى ضعف تلك النصوص بأسرها انها قاصرة الدلالة


(1) الوسائل: باب 9 من ابواب الاذان والاقامة حديث 2. (2) الوسائل: باب 13 من ابواب الاذان والاقامة حديث 5. (3) الوسائل: باب 10 من ابواب الاذان والاقامة حديث 12. (4) الوسائل: باب 13 من ابواب الاذان والاقامة حديث 9.

[ 262 ]

إذ يخلو اما ان يراد بها انها من الصلاة حقيقة أو تنزيلا. لا سبيل إلى الاول بالضرورة لمنافاته مع النصوص المستفيضة الصريحة في ان اولها التكبيرة وآخرها التسليم. ومن ثم لا يبطلها منافيات الصلاة من الاستدبار ونحوه، فيتعين الثاني، ومن البين ان التنزيل ناظر إلى خصوص الامور المذكورة في تلك النصوص كعدم التكلم والايماء باليد المذكورين في رواية ابي هارون. فيراد ان الداخل في الاقامة بمثابة الداخل في الصلاة في انه لا ينبغي التكلم ولا الايماء باليد، فالتنزيل ناظر إلى هذا المقدار لا إلى جميع الاثار ليدل على الوجوب. ومنها: النصوص الواردة في ناسي الاذان والاقامة حتى دخل الصلاة الآمرة بقطعها لتدار كهما كصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا افتتحت الصلاة فنسيت ان تؤذن وتقيم ثم ذكرت قبل ان تركع فانصرف واذن واقم واستفتح الصلاة، وان كنت قد ركعت فأتم على صلاتك (1). وتقريب الاستدلال بها من وجهين: احدهما ان قطع الفريضة محرم نفسه، فلو كانت الاقامة مستحبة كيف ساغ ارتكاب الحرام لادراك ما لا يلزم دركه، فتجويز القطع خير دليل على الوجوب بل كونه اهم من حرمة القطع ثانيهما: ان الصحيحة ظاهرة في وجوب القطع ومقتضى استحباب الاقامة جواز تركها اختيارا، فكيف يجب قطع الفريضة لدرك ما لا يجب الاتيان به من الاول، فوجوب القطع كاشف قطعي عن وجوب الاقامة


(9) الوسائل: باب 29 من أبواب اذان والاقامة حديث 3.

[ 263 ]

وفي كلا الوجهين ما لا يخفى. اما الاول: فلابتنائه على ان يكون المقام من باب التزاحم وليس كذلك وانما هو من باب التعارض، وتخصيص دليل حرمة القطع بغير الناسي، ولا بدع إذ الحرمة لم تكن عقلية لتأبى عن التخصيص وانما هي شرعية وليس هو فيها بعزيز، وقد ثبت جواز القطع في موارد عديدة كحفظ المال ونحوه. هذا على المشهور من حرمة القطع وإلا فالامر ظاهر. واما الثاني: فلتوقفه على الالتزام بوجوب القطع ولا وجه له لمعارضة الصحيحة المتقدمة في موردها بصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل نسي الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة، قال: فليمض في صلاته فانما الاذان سنة (1) فغايته جواز القطع لدرك فضيلة الاقامة وهو لا يكشف عن الوجوب بوجه كما هو واضح. والمتحصل من جميع ما قدمناه لحد الآن ان النصوص المتقدمة بمختلف طوائفها لا يمكن الاستدلال بشئ منها على وجوب الاقامة. نعم يمكن ان يستدل له بوجهين آخرين: احدهما: ما ورد في صلاتي المغرب والغداة كموثقة سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تصل الغداة والمغرب الا بأذان واقامة، ورخص في ساير الصلوات بالاقامة والاذان افضل (2). وكذا ما ورد في مطلق الصلوات كموثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذن واقم وافصل بين


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب الاذان والاقامة حديث 5.

[ 264 ]

الاذان والاقامة بقعود أو بكلام أو بتسبيح (1) فان ظاهرهما وجوب الاذان والاقامة معا اما مطلقا أو في خصوص صلاتي المغرب والغداة بل ظاهر الثانية وجوب الفصل ايضا، وقد خرجنا في الاذان وفي الفصل بما دل على جواز الترك، فيحمل الامر فيهما على الاستحباب وتبقى الاقامة على ظاهر الوجوب، ولا مانع من التفكيك ولا يضر بوحدة السياق بناء على المختار من استفادة الوجوب والندب من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك وعدمه، وقد اقترن احدهما به دون الآخر فيعمل في كل مورد بموجبه. ثانيهما: صحيحة زرارة الواردة في القضاء عن ابي جعفر (ع) (في حديث) قال: إذا كان عليك قضاء صلوات فابدء بأولهن فاذن لها وأقم ثم صلها، ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة (2). فانه إذا وجبت الاقامة لصلاة القضاء كما هو ظاهر الصحيحة ففي الاداء بطريق اولى. ولم ار من استدل بها في المقام مع انها اولى من كل دليل واحسن من جميع الوجوه المتقدمة، فان ظهورها في الوجوب مما لا مساغ لانكاره بوجه: فليتأمل. وعليه فما ذكره غير واحد من قصور المقتضي وعدم نهوض دليل لاثبات الوجوب موهون بما سمعته من الوجهين لا سيما الاخير منهما فالمقتضي تام والدعوى الاولى ثابتة. فلا بد إذا من النظر في: الدعوى الثانية اعني وجود المانع عن الالتزام بالوجوب، وقد استدل لها بوجوه:


(1) الوسائل: باب 11 من ابواب الاذان والاقامة حديث 4. (2) الوسائل: باب 37 من ابواب الاذان والاقامة حديث 1.

[ 265 ]

احدها: النصوص الكثيرة (1) وقد تقدم بعضها المتضمنة ان من صلى مع الاذان والاقامة صلى خلفه صفان من الملائكة، ومن صلى مع الاقامة وحدها صلى خلفه صف واحد. بدعوى ان لسان هذا النوع من الاخبار هو الاستحباب، حيث يظهر منها ان اثر الاتيان بهما أو بأحدهما هو اقتداء صف من الملائكة أو صفين فغاية ما يترتب على تركهما بعد وضوح عدم وجوب الجماعة هو فقد الاقتداء المستوجب لقلة الثواب دون البطلان. كما هو شأن صلاة المنفرد حيث لا خلل فيها ما عدا كون ثوابها اقل من الجماعة، فكأنه قيل في ذيل تلك النصوص هكذا. " ومن صلى بلا اقامة لم يصل خلفه احد من الملائكة " بل قد حكي التذييل بمضمون هذه العبارة عن بعض العامة فلاجل ذلك ترفع اليد عن ظهور النصوص المتقدمة في الوجوب وتحمل على الاستحباب. ولعل هذا الوجه احسن ما استدل به لاستحباب الاقامة. ويندفع: بجواز كون اقتداء صف من الملائكة من آثار الصلاة الصحيحة التي هي معراج المؤمن، فان استطراق هذا الاحتمال مما لا مساغ لانكاره ولم يظهر من النصوص برهان على خلافه بحيث يدل على صحة الصلاة الخالية عن الاقامة لكي تصلح لرفع اليد بها عن النصوص المتقدمة، بل الذي يبدو منها ان الاقتداء في الجملة اما بصف واحد من الملائكة أو الملكين اللذين عن يمين المصلي ويساره أو مالك واحد على اختلاف السنتها دخيل في الصحة، وهو متوقف على الاقامة دون الاذان فيجب الاتيان بها. والتذييل المذكور لا يمكن التعويل عليه بعد ان لم يكن مرويا من طرقنا، بل الوارد من طرقنا الذي يؤيد ما استظهرناه ما حكاه


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب الاذان والاقامة.

[ 266 ]

الصدوق في ذيل ما رواه باسناده عن العباس بن هلال عن الرضا عليه السلام بقوله: ".. ثم قال اغتنم الصفين " (1) حيث يظهر منه انه لزوم درك الصف الواحد مفروغ عنه، والذي ينبغي اغتنامه هو الصفان، ومن ثم اكد ونبه عليه، اما الاول فوضوح لزومه يغني عن التعرض له والتنبيه عليه. وبالجملة: دعوى كون لسان الروايات لسان الاستحباب غير واضحة فانها غير بينة ولا مبينة. ثانيها: صحيحة حماد الواردة في كيفية الصلاة وبيان اجزائها (2) ولم يتعرض فيها للاقامة. وفيه: ان وجوب الاقامه على القول به اما نفسي أو غيري وعلى التقديرين لا ينبغي التعرض إليها. إذ هي على الاول عمل مستقل خارج الصلاة، والصحيحة بصدد بيان الصلاة نفسها بما لها من الاجزاء دون ما كان واجبا بغير الوجوب الصلاتي. وعلى الثاني فهي شرط كساير الشرائط من الطهارة والاستقبال ونحوهما. وقد عرفت ان الصحيحة بصدد بيان الاجزاء دون الشرائط. ثالثها: خبر ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل نسي ان يقيم الصلاة حتى انصرف أيعيد صلاته؟ قال: لا يعيدها ولا يعود لمثلها (3). فان النهي عن العود كاشف عن ارادة العمد من النسيان بداهة


(1) الوسائل: باب 4 من أبواب الاذان والاقامة حديث 4. (2) الوسائل: باب 1 من افعال الصلاة حديث 1. (3) الوسائل: باب 28 من الاذان والاقامة حديث 3.

[ 267 ]

امتناع تعلق النهي بما هو خارج عن الاختيار. وعليه فالنهي عن اعادة الصلاة الفاقدة للاقامة عامدا خير دليل على الاستحباب. وفيه أولا: ان الرواية ضعيفة السند ب‍ (علي بن السندي) فلا يمكن التعويل عليها. وثانيا إن غايتها الدلالة على نفي الوجوب الشرطي فلا حاجة إلى الاعادة دون الوجوب النفسي الذي ذهب إليه جماعة بل ربما يكون النهي عن العود مع عدم الاعادة دليلا عليه فهي تعاضد الوجوب النفسي لا انها تضاده وتعارضه. وثالثا: ان حمل النسيان على العمد بعيد غايته، بل غريب جدا والقرينة المزعومة غير مسموعة ومن الجائز ان يراد من النهي عن العود شدة المحافظة ورعاية الاهتمام كي لا يعرض النسيان. رابعها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة، قال: فليمض في صلاته فانما الاذان سنة (1). فان المراد من الاذان ما يشمل الاقامة بقرينة الصدر والتوصيف بالسنة التي هي في مقابل الوجوب يكشف عن الاستحباب. وفيه: انه مبني على تفسير السنة بما يقابل الواجب وهو غير واضح، فانها كثيرا ما تطلق على ما يقابل الفريضة، اي التي افترضها الله في كتابه، فيراد بها ما سنه النبي صلى الله عليه وآله كاطلاقها على الركعتين الاخيرتين والتشهد والقراءة مع انها واجبة. ومن الجائز ان يكون المقام من هذا القبيل. خامسها: الاجماع المركب بدعوى ان الاصحاب بين قائل باستحباب الاذان والاقامة كما هو المشهور. وبين قائل بوجوبهما معا كماعن


(1) الوسائل: باب 29 من الاذان والاقامة حديث 1.

[ 268 ]

جماعة. فالتفكيك بالمصير إلى استحباب الاول. ووجوب الثاني قول بالفصل وخرق للاجماع المركب ولم يقل به احد، واول من تمسك بهذا الاجماع في المقام العلامة في المختلف وتبعه جماعة ممن تأخر عنه. وفيه اولا: انه لم يحرز انعقاد الاجماع التعبدي على الملازمة بين الاذان والاقامة في الوجوب والاستحباب بحيث يكون كاشفا عن راى المعصوم عليه السلام، كيف وقد استند كل من اراب القولين إلى ما يستفيدونه من نصوص الباب وأخبار المقام، فهو معلوم المدرك فلا بد إذا من النظر في نفس المدرك ومن الجائز ان يستفيد ثالث ما ينتج التفكيك فيدعي دلالة بعض الاخبار على الاستحباب الاذان، والبعض الآخر على وجوب الاقامة، والاجماع دليل لبي لا بد فيه من القطع بالملازمة وعهدته على مدعيه. وثانيا: ان الصغرى ممنوعة لوجود القول بالفصل، فقد ذهب السيد المرتضى كما سبق إلى وجوب الاقامة مطلقا على الرجال دون الاذان، كما نسب إلى إبن ابي عقيل التفصيل بين الصبح والمغرب فيجبان فيهما وبين غيرهما من الفرائض فلا تجب إلا الاقامة، وكذا إلى ابن جنيد فلاحظ. وقد تحصل لحد الآن ان الوجوه المتقدمة المستدل بها لاستحباب الاقامة كلها مخدوشة ومنظور فيها. والعمدة في المقام ما يخطر بالبال من: الوجه السادس: " الذي تمسكنا به في كثير من المقامات، والمقام من احراها واظهر مصاديقها: وهو ان الاقامة من المسائل العامة البلوى والكثيرة الدوران بل يبتلي بها كل مكلف في كل يوم خمس مرات على الاقل، فلو كانت واجبة لاشتهر وبان وشاع وذاع، بل اصبح من الواضحات التي يعرفها كل أحد لما عرفت من شدة الابتلاء

[ 269 ]

[ والاحوط عدم ترك الامامة (1) للرجال في غير موارد السقوط (2) وغير حال الاستعجال والسفر وضيق الوقت (3) ]. وعموم الحاجة، فكيف لم يذهب إلى وجوبها ما عدا نفر يسير من الاصحاب وهاتيك النصوص المستدل بها الوجوب بمرأى منهم ومسمع. وهذا خير دليل على انهم لم يستفيدوا من مجموعها اكثر من الاستحباب غير انه في الاقامة آكد. إذا فالاقوى عدم الوجوب وان كان الاحتياط في الاقامة مما لا ينبغي تركه والله سبحانه أعلم. (1): وان كان الاقوى هو الجواز حسبما عرفت. (2): كما سيأتي البحث حولها عند تعرض الماتن لها. (3): لا يخفى ان الادلة المستدل بها لوجوب الاقامة اما على سبيل الفتوى أو الاحتياط الوجوبي كما صنعه في المتن لا يفرق فيها بمقتضى الاطلاق بين حال دون حال، ولا تمتاز الموارد الثلاثة المذكورة في المتن عن غيرها. اما الاستعجال فلم يرد فيه اي نص في المقام، نعم ورد في بعض الاخبار سقوط السورة لدى الاستعجال. أما الاقامة فلم ترد فيها ولا رواية ضعيفة. واما السفر فقد ورد في كثير من النصوص سقوط الاذان فيه، واما الاقامة فلم ترد في سقوطها ولا رواية واحدة. أجل ورد في بعض النصوص سقوط بعض الفصول والاكتفاء بفصل واحد عن الفصلين في حالتي السفر والعجلة، وهو بحث آخر غير سقوط اصل الاقامة الذي هو محل الكلام. وسيأتي البحث حوله عند تعرض الماتن له.

[ 270 ]

[ وهما مختصان بالفرائض اليومية (1) ]. واما الضيق فكذلك، ومقتضى القاعدة وقوع المزاحمة بين الاقامة بناء على وجوبها وبين رعاية الوقت في تمام الصلاة كما هو الحال في ساير الشرائط. فلا بد من ملاحظة ما هو الاهم منها (1). (1): على المشهور، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، بل لم ينقل الخلاف حتى من اهل الخلاف، مضافا إلى السيرة القطعية العملية المستمرة إلى زمن المعصومين، ولم ترد حتى رواية ضعيفة تشعر بالاذان والاقامة لغير الصلوات اليومية مع كثرة الابتلاء بها، فيكشف ذلك عن عدم المشروعية بل يكفي في العدم مجرد عدم الدليل بعد ان كانت العبادة توقيفية. اجل: قد يقال باستفادة ذلك اما في مطلق الصلوات أو في خصوص الصلوات الواجبة من بعض الروايات. منها: موثقة عمار الواردة في المريض: " لا بد من ان يؤذن ويقيم لانه لا صلاة إلا بأذان واقامة (2)، فان اطلاقها يشمل عامة الصلوات. وفيه: انها لم تكن بصدد بيان المشروعية ليتمسك باطلاقها، بل هي ناظرة إلى أنهما في موطن مشروعيتهما لا يفرق الحال فيها بين الصحيح والسقيم وأن ما يؤذن ويقيم له الصحيح يؤذن ويقيم له


(1) هذا وجيه لو كان الوجوب على القول به نفسيا، وأما لو كان شرطيا فلا وجه للادراج في باب المزاحمة وملاحظة مرجحاته على ما تكرر عنه دام ظله نظير ذلك في غير مورد. (2) الوسائل: باب 35 من أبواب الاذان والاقامة ح 2

[ 271 ]

المريض ايضا وإن كان شديد الوجع وان المرض لا يسقط الحكم من غير نظر إلى نفس المورد وتعيينه لينعقد الاطلاق (1)، ومنها: موثقته الاخرى عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذن وأقم وافصل بين الاذان والاقامة.. الخ (2) فانها تدل على المشروعية في مطلق الفرائض وان لم تشمل النوافل كالسابقة. ويندفع: بابتنائه على تفسير الفريضة بما يقابل المندوب، وليس كذلك، بل المراد كما مر ما يقابل السنة، اي الذي فرضه الله تعالى في كتابه. ومن المعلوم ان المفروض في الكتاب العزيز من الصلوات منحصر في اليومية، وفي صلاة العيدين المشار اليهما في قوله تعالى: (فصل لربك وانحر)، وقوله تعالى: (قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) حيث فسرت الآية الاولى بصلاة عيد الاضحى والثانية بصلاة عيد الفطر، لكن النصوص الكثيرة تضمنت نفي الاذان والاقامة عن صلاة العيدين التي منها صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: صلاة العيد ركعتان بلا اذان ولا اقامة (3). وصحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ليس يوم الفطر ولا يوم الاضحى اذان ولا اقامة (4) فيبقى تحت الموثقة من الفرائض خصوص الصلوات اليومية.


(1) لا يبعد استفادة الاطلاق من الكبرى الكلية المذكورة في التعليل الوارد في مقام التطبيق فلاحظ. (2) الوسائل: باب 11 من أبواب الاذان والاقامة ح 4. (3) و (4) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة العيد ح 7، 5.

[ 272 ]

[ واما في ساير الصلوات الواجبة (1) فيقال " الصلاة " ثلاث مرات. ] (1): أي غير اليومية من غير فرق بين العيدين وغيرهما، وبين الجماعة والفرادي وهذا الاطلاق لم يرد فيه نص. نعم ورد ذلك في خصوص صلاة العيدين، فقد روى الصدوق والشيخ باسنادهما عن اسماعيل بن جابر عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان وإقامة؟ قال: ليس فيهما أذان ولا اقامة، ولكن ينادى الصلاة ثلاث مرات. الحديث (1) والكلام يقع في سندها تارة والدلالة اخرى. اما السند: فقد عبر عنها المحقق الهمداني بخبر اسماعيل الجعفي ولكن الصحيح كما في الفقيه: اسماعيل بن جابر، فان هذا الرجل وان كان جعفيا أيضا إلا ان اسماعيل الجعفي في كلام الصدوق يراد به اسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، كما يظهر من المشيخة (2) وقد رواها الشيخ ايضا في التهذيب عن اسماعيل بن جابر، وطريقه كطريق الصدوق إليه صحيح، فان الثاني وان اشتمل على محمد بن موسى المتوكل إلا اننا اعتمدنا عليه اخيرا. انما الكلام في الرجل نفسه. فقد ذكره النجاشي وقال: اسماعيل ابن جابر روى حديث الاذان، له كتاب، وهكذا الشيخ في الفهرست ولم يوثقه اي منهما.


(1) الوسائل: باب 7 من أبواب صلاة العيد ح 1. (2) لكن يظهر من المعجم خلافه لاحظ ج 3 ص 222.

[ 273 ]

نعم ذكر في رجاله قائلا: (واسماعيل بن جابر الخثعمي الكوفي ثقة ممدوح له اصول رواها عنه صفوان بن يحيى). والظاهر بل المطمأن به انالمراد به هو اسماعيل بن جابر الآنف الذكر والتوصيف بالخثعمي سهو من قلمه الشريف (قده) أو غلط من النساخ، فابدل الجعفي بالخثعمي وانهما شخص واحد. ويدلنا على ذلك امور: احدها: ان الخثعمي لو كان شخصا آخر وله كتاب روى عنه صفوان فلماذا لم يذكره الشيخ بنفسه في فهرسته، ولا النجاشي في كتابه، مع انه ذو كتاب ومعروف بطبيعة الحال، بل ولماذا لم يذكر الشيخ اسماعيل بن جابر في رجاله مع انه ايضا له كتاب. فمن عدم تعرض كل منهما لما تعرض إليه الآخر يستكشف الاتحاد. ثانيها: انه لم يرد عن الخثعمي ولا رواية واحدة، ولو كان غير الخثعمي وله كتاب فلماذا لم يرو عنه الشيخ في كتابيه واقتصر على الرواية عن الجعفي فحسب، فلولا انهما شخص واحد لم يتضح وجه لهذا التفكيك مع فرض اشتراكهما في ان لكل منهما كتابا وهو معروف فليتأمل. نعم: ورد في كتاب الحج عن الكافي رواية عن اسماعيل الخثعمي ورواها بعينها في الوافي ولكن عن (اسماعيل بن الخثعمي). وكيفما كان فعلى تقدير صحة النسخة فهو مجهول الحال كما لا يخفى. ثالثها: ان العلامة في الخلاصة عندما عنون اسماعيل بن جابر ترجمه بعين العبارة المتقدمة عن الشيخ في رجاله حيث قال: ثقة ممدوح.. الخ فمن المطمأن به انه اخذ ما ذكره من رجال الشيخ، وكانت النسخة الموجودة عنده مشتملة على الجعفي دون الخثعمي.

[ 274 ]

ويؤكده ان نسخة الرجال التي كانت عند المولى الشيخ عناية الله على ما ذكره في مجمع الرجال كانت هو الجعفي دون الخثعمي، وكذلك الموجود في نسخة النقد للفاضل التفريشي. ومن ذلك كله يتضح ان اسماعيل بن جابر موثق لتوثيق الشيخ اياه في رجاله مضافا إلى وقوعه في اسانيد كامل الزيارات (1) فالرواية إذا معتبرة السند، واما من ناحية الدلالة، فلا شبهة في دلالتها على سقوط الاذان والاقامة واستحباب التكبير ثلاثا بدلا عنهما. وانما الكلام في امرين: احدهما: في ان ذلك هل يختص بالصلاة جماعة أو يعم الفرادى؟ الظاهر هو الاول لقوله عليه السلام: ولكنه ينادى.. الخ فان النداء انما هو لاجل اجتماع الناس واعلامهم بدلا عن الاذان. فلا دليل إذا على الاستحباب في صلاة المنفرد. ثانيهما: هل الحكم يختص بمورده، اعني صلاة العيدين أو يتعدى إلى بقية الصلوات غير اليومية كصلاة الاستسقاء والايات وغيرهما؟ مقتضى الجمود على النص هو الاول، ولكن مناسبة الحكم والموضوع تستدعي الثاني وهو الاظهر لالغاء خصوصية المورد بحسب الفهم العرفي بعد ان كانت الغاية من النداء هو الاجتماع الذي لا يختص بمورد دون مورد.


(1) ولكنه لم يكن من مشايخه بلا واسطة، فلا توثيق من هذه الناحية.

[ 275 ]

[ نعم يستحب الاذان في الاذن اليمنى من المولود والاقامة في اذنه اليسرى (1). ] (1): لمعتبرة السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ولد له مولود فليؤذن في اذنه اليمنى باذان الصلاة، وليقم في اذنه اليسرى فانها عصمة من الشيطان الرجيم (1). ومعتبرة حفص الكناسي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: مروا القابلة أو بعض من يليه ان يقيم الصلاة في اذنه اليمنى فلا يصيبه لمم ولا تابعة ابدا (2) فانه لا غمز في سند هذه الرواية إلا من ناحية معلى بن محمد حيث انه لم يوثق، بل قال ابن الغضائري ان حديثه يعرف وينكر، ولكنا لا نعتمد على تضعيفه ولا على توثيقه فانه وان كان ثقة جليل القدر الا انه لم يثبت لدينا صحة اسناد كتابه إليه. نعم: وصفه النجاشي بانه (مضطرب الحديث والمذهب) لكن هذا التعبير لا ينافي التوثيق كما مر غير مرة إذا فلم يثبت جرح للرجل ليكون معارضا مع التوثيق المستفاد من وقوعه في اسناد تفسير القمي كما ان الكناسي بنفسه ايضا من رجال التفسير وان لم يرد فيه توثيق صريح. فالنتيجة: ان الروايتين معتبرتان سندا.


(1) و (2) الوسائل: باب 35 من أبواب احكام الاولاد ح 1، 3. ج 15 ص 137.

[ 276 ]

[ يوم تولده (1) أو قبل ان تسقط سرته (2). وكذا يستحب الاذان في الفلوات عند الوحشة (3) من الغول وسحرة الجن. ] واما من حيث الدلالة فظاهرهما المنافاة لدلالة الاولى على انه يؤذن في اليمنى والثانية على انه يقيم. ومن ثم جمع بينهما بحمل الاقامة على الاذان. وفيه ان الاذان وان اطلق على الاقامة في بعض النصوص المتقدمة إلا ان العكس غير معهوده والاولى الجمع بالحمل على التخيير. (1): كما هو الظاهر من معتبرة الكناسي المتقدمة، حيث ان القابلة المأمورة بالاقامة في اذن المولود تمضي ليومها غالبا ولا تبقى إلى ان تنقطع السرة. فيكون ظرف الاستحباب هو هذا اليوم، بل لعله المنصرف من معتبرة السكوني أيضا كما لا يخفى. (2): كما في رواية ابي يحيى الرازي عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا ولد لكم المولود إلى ان قال. واذن في اذنه اليمنى واقم في اليسرى يفعل ذلك قبل ان تقطع سرته. الخ (1). ولكنها لضعف سندها من اجل جهالة كل من ابي اسماعيل وابي يحيى لا يمكن التعويل عليها. إذا يختص الاستحباب بيوم الولادة عملا بمعتبرة الكناسي. (3): قد نطقت بذلك جملة من النصوص غير انها بأجمعها ضعيفة السند، فيبتني الحكم بالاستحباب على قاعدة التسامح. نعم


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 277 ]

[ وكذا يستحب الاذان في اذن من ترك اللحم اربعين يوما، وكذا من ساء خلقه (1). والاولى ان يكون في اذنه اليمنى (2). وكذا الدابة إذا ساء خلقها (3) ]. ان ذكر الله حسن على كل حال إلا ان عنوان الاذان بخصوصه لا دليل معتبر عليه. (1): دل على الحكم فيهما صحيح هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: اللحم ينبت اللحم، ومن تركه اربعين يوما ساء خلقه فأذنوا في اذنه (1) فان الصحيحة كما دلت على الاستحباب في تارك اللحم أربعين يوما دلت عليه فيمن ساء خلقه ولو من غير جهة ترك اللحم، حيث انه عليه السلام طبق الكبرى على المورد. (2): صحيحة هشام المتقدمة خالية عن هذا التقييد. نعم ورد ذلك في رواية الواسطي (2) ولكنها ضعيفة السند، ولا بأس برعاية القيد رجاء وعلى سبيل الاولوية. (3): ففي رواية ابي حفص الابار ".. وإذا ساء خلق احدكم من انسان أو دابة فاذنوا في اذنه الاذان كله (3) ولكن ضعفها من جهة الارسال وجهالة الابار يمنع عن الاعتماد عليها الا


(1) الوسائل: باب 12 من أبواب الاطعمة المباحة ح 1. (2) الوسائل: باب 12 من أبواب الاطعمة المباحة ح 7. (3) الوسائل: باب 12 من أبواب الاطعمة المباحة ح 8.

[ 278 ]

[ ثم ان الاذان قسمان اذان الاعلام واذان الصلاة (1) ]. من باب قاعدة التسامح، وقد عبر عنها المحقق الهمداني وبعض من تأخر عنه برواية حفص، والصحيح ابي حفص. (1): يقع الكلام تارة في مشروعية كل من القسمين، واخرى في الفرق بين الاذانين فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: فلا شبهة في مشروعية اذان الصلاة وقد دلت عليه النصوص المتقدمة باسرها التي منها حديث الصف والصفين من الملائكة، وما تضمن انه لا صلاة الا باذان واقامة، بل قد عرفت ان جمعا استفادوا الوجوب منها فضلا عن المشروعية والاستحباب. فدعوى اختصاص التشريع باذان الاعلام نظرا إلى ما تقتضيه نفس التسمية بالاذان حيث انه بمعنى الاعلام لا وجه لها، إذ المستفاد من تلك النصوص استحبابه لاجل الصلاة سواء أتحقق معه الاعلام ايضا ام لا. واما مشروعيته للاعلام بدخول الوقت وان لم يرد المؤذن الصلاة فتدل عليه السيرة القطعية المتصلة بزمن النبي صلى الله عليه وآله. ويظهر من معتبرة زرارة ان النبي صلى الله عليه وآله كان له مؤذنان ابن أم مكتوم وبلال وانه صلى الله عليه وآله قال: (فإذا اذن بلال فعند ذلك فامسك) (1). وقد دلت على استحبابه نصوص كثيرة، كصحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 3.

[ 279 ]

[ ويشترط في اذان الصلاة (1) كالاقامة قصد القربة، بخلاف اذان الاعلام فانه لا يعتبر فيه، ويعتبر ان يكون اول الوقت، واما اذان الصلاة فمتصل بها وان كان في آخر الوقت. من اذن في مصر من امصار المسلمين سنة وجب له الجنة (1) ]. وعن ابي جعفر عليه السلام قال: من اذن عشر سنين محتسبا يغفر الله له مد بصره وصوته في السماء (2). وروى الشيخ باسناده عن سليمان بن جعفر عن ابيه قال: دخل رجل من اهل الشام على ابي عبد الله عليه السلام فقال له: ان اول من سيق إلى الجنة بلال، قال لم؟ قال لانه اول من اذن (3) إلى غير ذلك مما دل على استحباب اذان الاعلام في نفسه. وبالجملة فكل من النوعين سائغ يستحب في حد نفسه، وبما ان النسبة بينهما عموم من وجه فربما يتداخلان ويكون اذان واحد مجمعا للعنوانين فيقصد به الاعلام والصلاة معا كما قد يفترقان. ومقتضى اطلاق الدليل في كل من الطرفين ثبوت الاستحباب في كلتا الصورتين. (1): واما الجهة الثانية فقد ذكر في المتن الفرق بينهما من وجهين: احدهما: اعتبار قصد القربة في اذان الصلاة دون الاعلام،


(1) و (2) الوسائل: باب 2 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 و 5. (3) الوسائل: باب 2 من أبواب الاذان والاقامة ح 7.

[ 280 ]

فالاول عبادي دون الثاني. اما الاعتبار في الاول فلم ينهض عليه دليل لفظي. نعم بالاضافة إلى الاقامة يمكن الاستيناس له بالنصوص المتقدمة الناطقة بأن الاقامة من الصلاة، وان الداخل فيها بمثابة الداخل في الصلاة. بدعويان مقتضى عمنوم التنزيل ترتيب جميع الاحكام التي منها كونها عبادية. واما الاذان فالنصوص الواردة فيه عارية حتى عن مثل هذا اللسان إلا ان الصحيح مع ذلك اعتباره فيه لانه المتسالم عليه بين الفقهاء، بل المرتكز في اذهان المتشرعة فانهم يرونه بلا ريب عملا قربيا عباديا كساير اجزاء الصلاة، فلا ينبغي التأمل في ذلك. واما عدم الاعتبار في الثاني فلان الغاية من تشريعه هو الاعلام الحاصل بدون قصد التقرب ايضا. ومع الشك فالمرجع اطلاق الدليل بعد امكان التقييد به وان انكره صاحب الكفاية حسبما فصلنا البحث حوله في الاصول. ومع الغض عن الاطلاق فالمرجع الاصل العملي، اعني استصحاب عدم الجعل فانه أمر حادث مسبوق بالعدم، والمتيقن منه تعلقه بطبيعة الاذان. واما جعل التقييد بقصد القربة زائدا على ذلك لتنتزع منه الشرطية فهو مشكوك مدفوع بالاصل (1).


(1) لا يخفى ان كلا من الاطلاق والتقييد، اعني لحاظ الطبيعة بنحو بشرط شئ ولحاظها بنحو اللابشرط القسمي امر وجودي وحادث مسبوق بالعدم، واصالة عدم تعلق الجعل بكل منهما معارض بأصالة عدم تعلقه بالآخر، ومن ثم التجأ دام ظله في مبحث الاقل والاكثر إلى التمسك بأصالة البراءة عن التقييد السليمة عن =

[ 281 ]

[ وفصول الاذان ثمانية عشر (1) الله اكبر اربع مرات واشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وحي على الصلاة، وحي على الفلاح، وحي على خير العمل، والله أكبر، ولا اله إلا الله، كل واحدة مرتان ]. واما التمسك بأصالة البراءة فلا مجال له لا العقلية لعدم احتمال العقاب بعد فرض الاستحباب ولا الشرعية، إذ المرفوع فيما لا يعلمون هو ايجاب الاحتياط غير المحتمل (1) في المقام واستحبابه ثابت على كل حال، فلا معنى لرفعه. وتمام الكلام في محله. ثانيهما: اختصاص اذان الاعلام بأول الوقت، ووجهه ظاهر فانه شرع للاعلام بدخوله فلا مقتضي لاستحبابه بعد انقضائه، كما لا مقتضي له قبل دخوله الا في اذان الفجر، حيث لا يبعد جواز تقديمه على الفجر للايقاظ والتهيؤ كما سيجئ البحث عنه. واما اذان الصلاة فلاجل انه متصل بها فهو من توابعها ومقارناتها فلا جرم يمتد وقته حسب امتداد وقت الصلاة فيستحب حتى في آخر الوقت. (1): اجماعا كما ادعاه غير واحد، وقد دلت عليه طائفة من الاخبار نقتصر على المعتبرة منها.


= المعارضة بأصالة البراءة عن الاطلاق كما لا يخفى. (1) نعم ولكن الوجوب الشرطي محتمل فيمكن دفعه بأصالة البراءة الشرعية كما صرح دام ظله بذلك في الاصول لاحظ الدراسات صفحة 153.

[ 282 ]

فمنها: ما رواه الكليني باسناده عن اسماعيل الجعفي قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: الاذان والاقامة خمسة وثلاثون حرفا، فعد ذلك بيده واحدا واحدا الاذان ثمانية عشر حرفا، والاقامة سبعة عشر حرفا (1). وقد تقدم قريبا نبذ من الكلام حول اسماعيل الجعفي الذي هو مردد بين ابن جابر وابن عبد الرحمن، وابن عبد الخالق حيث انه يطلق على كل واحد من هؤلاء الثلاثة كما يظهر من مشيخة الفقيه ولم يعلم المراد منهم في المقام بعد ان كان الراوي عنه ابان بن عثمان الذي هو من اصحاب الصادق عليه السلام. نعم لو صدرت الرواية بعد زمانه عليه السلام لتعين ارادة الاول لموت الاخيرين في زمان حياته عليه السلام ولكنها وردت عن الباقر عليه السلام، فلا معين في البين. غير ان من المطمأن به ان المراد به هو الاول لما ذكره النجاشي من انه هو الذي روى حديث الاذان. وكيفيما كان: فهو معتير على كل تقدير، إذ الاول قد وثقه الشيخ في رجاله كما سبق، والاخيران بين موثوق وممدوح. فالرواية إذا معتبرة السند. واما من حيث الدلالة فهي وان كانت مجملة حيث لم يبين فيها الكيفية الا على سبيل الاشارة والاجمال وانها ثمانية عشر حرفا، الا ان السيرة العملية والتعارف الخارجي يكشفان القناع عن هذا الاجمال بعد انطباق العدد على عملهم من الاتيان بالتكبيرات اربعا وبباقي الفصول مثنى مثنى.


(1) الوسائل: باب 19 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 283 ]

ومنها: موثقة المعلي بن خنيس (1) المتضمنة لذكر الفصول الثمانية عشرة على النهج المذكور في المتن. فان الرجل وان كان فيه كلام ولكنه موثق على الاظهر. ومنها: ما رواه الشيخ باسناده عن ابي بكر الحضرمي وكليب الاسدي جميعا عن ابي عبد الله عليه السلام (2) المشتملة على الكيفية المذكورة في المتن ولا غمز في السند الا من ناحية الرجلين المزبورين وهما من رجال كامل الزيارات (3). ولكن بازائها روايات اخرى دلت على ان فصول الاذان كلها مثنى مثنى كالاقامة وهي. صحيحة صفوان الجمال قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الاذان مثنى مثنى، والاقامة مثنى مثنى (4). وصحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاذان فقال: تقول: الله اكبر الله اكبر إلى آخر الفصول كلها مثنى مثنى (5). وما رواه الشيخ باسناده عن زرارة والفضيل بن يسار عن ابي جعفر عليه السلام وقد تضمنت بيان الفصول كما ذكره (6) وقد عبر عن الاخيرة ايضا بالصحيحة وليس كذلك لاشتمال السند على ابن السندي ولم يوثق، فالعمدة ما عرفت من الصحيحتين. والجمع العرفي بين الطائفتين يستدعي حمل الطائفة الاولى على


(1) و (2) الوسائل: باب 19 من أبواب الاذان والاقامة ح 6 و 9. (3) ولكنه لا ينفع كما مر غير مرة. (4) و (5) الوسائل: باب 19 عن ابواب الاذان والاقامة ح 4 و 5. (6) الوسائل: باب 19 من أبواب الاذان والاقامة ح 8.

[ 284 ]

[ وفصول الاقامة سبعة عشر (1): الله اكبر في اولها مرتان ويزيد بعد حى على خير العمل (قد قامت الصلاة) مرتين، وينقص من لا إله إلا الله في آخرها مرة. ] الافضلية لصراحة الثانية في الاجتزاء مثنى مثنى في عامة الفصول. اما الاولى فغايتها الظهور في لزوم الاربع في التكبيرات الاول فتحمل على الندب ومن المعلوم ان مجرد قيام السيرة العملية على مضمون الاولى لا يستوجب تعينها، كيف وربما تجرى سيرتهم على ما يقطع بعدم وجوبه كالقنوت، فلا يستكشف منها ازيد من المشروعية دون اللزوم هذا. وربما يظهر من بعض النصوص زيادة الفصول عما ذكر. ففي مرسلة النهاية انها سبعة وثلاثون فصلا يضيف إلى ما ذكر التكبير مرتين في اول الاقامة (1). وفي مرسلته الاخرى انها ثمانية وثلاثون يضيف إلى ذلك لا إله الا الله مرة اخرى في آخر الاقامة (2). وفي مرسلته الثالثة انها اثنان واربعون يضيف إلى ذلك التكبير في آخر الاذان مرتين وفي آخر الاقامة مرتين (3) لكن ضعفها باجمعها بالارسال يمنع عن الاتكال عليها. إلا بناءا على قاعدة التسامح أو الاتيان بقصد الرجاء. (1): اجماعا كما ادعاه غير واحد بالسنة مختلفة، غير ان النصوص الواردة في المقام لا تشهد بذلك ما عدا موثقة اسماعيل


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 19 من أبواب الاذان والاقامة حديث: 20 و 21 و 22.

[ 285 ]

الجعفي المتقدمة المتضمنة ان الاقامة سبعة عشر حرفا بضميمة السيرة الخارجية المفسرة لذلك والمبينة ان نقصها بحرف واحد من حروف الاذان الثمانية عشر هو نتيجة نقص تهليل من الاخير بعد تبديل التكبير مرتين من اولها بقول. قد قامت الصلاة مرتين فيما قبل التكبير من آخرها. واما بقية النصوص فهي مختلفة فمنها: مادل على ان الاقامة مثنى مثنى كصحيحة صفوان المتقدمة. ومنها: صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الاذان مثنى مثنى، والاقامة واحدة واحدة. ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الاقامة مرة مرة، الا قول الله اكبر الله اكبر فانه مرتان (1). والجمع بين الاخيرتين بارتكاب التقييد بان يراد من الواحد في صحيحة معاوية ما عدا التكبير غير وجيه، إذ مضافا إلى ما يرواه العرف من التنافي بينهما لدى عرضهما عليه كما لا يخفى فتدبر جيدا ان هذا النوع من الجمع خاص بالواجبات. اما المستحبات فيحمل المقيد فيها على افضل الافراد حسبما تقرر في محله. إذا فمقتضى الصناعة في مقام الجمع بين هذه النصوص باجمعها هو الحمل على اختلاف مراتب الفضل كما ذكره جماعة. بيد ان هناك رواية واحدة تكون شاهدة للجمع بوجه آخر، وهي صحيحة ابي همام عن ابي الحسن عليه السلام قال: الاذان والاقامة مثنى مثنى، وقال: إذا اقام مثنى ولم يؤذن اجزأه في الصلاة المكتوبة، ومن اقام الصلاة واحدة واحدة ولم يؤذن لم يجزئه الا


(1) الوسائل: باب 21 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 و 3.

[ 286 ]

[ ويستحب الصلاة على محمد وآله عند ذكر اسمه (1). واما الشهادة لعلي عليه السلام بالولاية وإمرة المؤمنين ] بالاذان (1)، حيث تضمنت التفصيل بين اقتران الاقامة بالاذان فتجزى فيها واحدة واحدة، وبين الاقتصار عليها فلا بد وان تكون مثنى مثنى. وبذلك يجمع بين النصوص، وهذا الجمع هو المتعين. (1): لصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام: في حديث قال: وصل على النبي صلى الله عليه وآله كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في اذان أو غيره (2) مضافا إلى العمومات الآمرة بالصلاة عليه عند ذكره من غير فرق بين الاذان وغيره الواردة في ابواب الذكر من الوسائل. بل: ان ظاهر الامر هو الوجوب. وحيث لا معارض له فينبغي الفتوى به كما افتى به صاحب الوسائل حيث اخذه في عنوان بابه في المقام. لكن الذي يمنعنا عنه ان المسألة كثيرة الدوران جدا، بل من أعظم ما تعم به البلوى، فلو كان الوجوب ثابتا والحالة هذه لا شتهر وبان وشاع وذاع، بل كان من اوضح الواضحات، فكيف لم يفت به معظم الفقهاء ما عدا نفر يسير، بل وكيف لم تجر عليه سيرة المتشرعة الا القليل، لو لم ندع جريان سيرة اكثرهم على عدم الالتزام كما لا يخفى. فالاقوى إذا؟ عليه المشهور من الاستحباب.


(1) الوسائل: باب 20 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) الوسائل: باب 42 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 287 ]

[ فليست جزءا منهما (1) ]. (1): قال الصدوق في الفقيه ما لفظه: " والمفوضة لعنهم الله قد وضعوا اخبارا وزادوا بها في الاذان محمد وآل محمد خير البرية مرتين، وفي بعض رواياتهم بعد اشهد ان محمد رسول الله، اشهد ان عليا ولي الله مرتين، ومنهم من روى بدل ذلك اشهد ان عليا امير المؤمنين حقا مرتين، ولا شك ان عليا ولي الله وانه امير المؤمنين حقا وان محمدا وآله خير البرية ولكن ذلك ليس في اصل الاذان.. الخ " (1). وعن الشيخ في النهاية: " فاما ما روي في شواذ الاخبار من قول (ان عليا ولي الله وآل محمد خير البرية) فمما لا يعمل عليه في الاذان والاقامة، فمن عمل به كان مخطئا، ونحوه عن المبسوط ثم قال: (ولو فعله انسان لم يأثم به غير انه ليس من فضيلة الاذان ولا كمال فصوله) ونحوه ما في المنتهى وغيره من كلمات الاصحاب. هذا وربما يتمسك لاثبات الاستحباب بقاعدة التسامح نظرا إلى ما سمعته من ورود الشهادة الثالثة في شواذ الاخبار. وفيه: مضافا إلى ان القاعدة غير تامة في نفسها، إذ لا يثبت بها الا الثواب دون الاستحباب. لتكون الشهادة من فصول الاذان واجزائها المستحبة كما فصلنا البحث حوله في الاصول انه على تقدير تسليمها فهي خاصة بصورة بلوغ الثواب فحسب لا بلوغه مع بلوغ عدمه كما في المقام حيث ان الراوي وهو الشيخ والصدوق قد


(1) الوسائل: باب 19 من أبواب الاذان والاقامة ح 25.

[ 288 ]

[ ولا بأس بالتكرير في (حي على الصلاة) أو حي على ] بلغنا عنه القطع بكذب تلك الرواية وعدم الثواب على الشهادة. اضف إلى ذلك انها لو كانت جزءا من الاذان لنقل ذلك عن المعصوم (ع) ولفعله ولو مرة واحدة، مع ان الروايات الحاكية للاذان خالية عن ذلك بتاتا. نعم: قد يقال: ان رواية الاحتجاج تدل عليه بصورة العموم فقد روى الطبرسي في الاحتجاج عن القاسم بن معاوية عن الصادق عليه السلام انه إذا قال احدكم لا إله الا الله محمد رسول فليقل علي امير المؤمنين، لكنها لضعف سندها غير صالحة للاستدلال الا بناءا على قاعدة التسامح، ولا نقول بها كما عرفت. ولعل ما في البحار من كون الشهادة من الاجزاء المستحبة مستند إلى هذه الرواية، أو ما عرفته من شهادة الصدوق والشيخ وغيرهما بورود النصوص الشاذة هذا. ولكن الذي يهون الخطب اننا في غنى من ورود النص، إذ لا شبهة في رجحان الشهادة الثالثة في نفسها بعد ان كانت الولاية من متممات الرسالة ومقومات الايمان، ومن كمال الدين بمقتضى قوله تعالى: اليوم اكملت لكم دينكم بل من الخمس التي بني عليها الاسلام، ولا سيما وقد اصبحت في هذه الاعصار من أجلى أنحاء الشعار وابرز رموز التشيع وشعاير مذهب الفرقة الناجية. فهي إذا امر مرغوب فيه شرعا وراجح قطعا في الاذان وغيره، وان كان الاتيان بها فيه بقصد الجزئية بدعة باطلة وتشريعا محرما حسبما عرفت.

[ 289 ]

[ الفلاح) (1) للمبالغة في اجتماع الناس، ولكن الزائد ليس جزءا من الاذان ]. (1): ويستدل له برواية أبي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لو ان مؤذنا اعاد في الشهادة أو في حي على الصلاة أو حي على الفلاح المرتين والثلاث واكثر من ذلك إذا كان اماما يريد به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس (1). بل هي تدل على جواز التكرير في الشهادة ايضا، كل ذلك إذا لم يكن بصد الجزئية، بل لغاية اجتماع الناس على ما نطقت به الرواية، ولكنها ضعيفة السند وان عبر عنها بالموثقة في بعض الكلمات لمكان علي بن ابي حمزة الراوي عن ابي بصير فانه البطائني المعروف بالكذب كما مر غير مرة. نعم: تدل على التكرير في خصوص (حي على الفلاح) صحيحة زرارة قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام (في حديث)، إن شئت زدت على التثويب حي على الفلاح مكان الصلاة خير من النوم (2) غير ان في سندها عبد الله بن ابي نجران في الوسائل وهكذا في التهذيب وهو مجهول، ولكن الظاهر انه من غلط النسخة، وصحيحها عبد الرحمن بن ابي نجران كما ذكره صاحب الوسائل عند تعرضه لصدر هذا الحديث في الباب التاسع عشر من أبواب الاذان والاقامة حديث 2، وكذلك الشيخ في الاستبصار، والفيض في الوافي


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) الوسائل: باب 22 من أبواب االاذان والاقامة ح 2.

[ 290 ]

[ ويجوز للمرأة الاجتزاء عن الاذان بالتكبير والشهادتين (1) بل بالشهادتين (2). وعن الاقامة بالتكبير، وشهادة ان لا إله إلا الله وان مهحمدا عبده ورسوله (3). ] حيث عبر بالتميمي الذي هو لقب عبد الرحمن على ما ذكره في مقدمة كتابه ولاجله عبر عنها في الحدائق بالصحيحة وهو الصحيح. ولكن الذي يهون الخطب ان التكرار بعد عدم قصد الجزئية كما هو المفروض مطابق للقاعدة لجواز ذكر الحيعلات قبل الشروع في الاذان، وبعد الفراغ عنه للحث على الاجتماع بلا اشكال، فكذا في الاثناء بعد وضوح عدم بطلانها حتى بكلام الآدمي فضلا عن مثل ذلك، فلا حاجة إلى ورود نص بالخصوص. (1): يدل على الاجتزاء المزبور بعد الفراغ عن اصل المشروعية للنساء كما تقدم صحيح عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤذن للصلاة؟ فقال: حسن ان فعلت، وان لم تفعل اجزأها ان تكبر وأن تشهد ان لا إله الا الله وان محمدا رسول الله (1). (2): لصحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: النساء عليهن اذان؟ فقال: إذا شهدت الشهادتين فحسبها (2). (3): لصحيحة أبي مريم الانصاري قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: اقامة المرأة ان تكبر وتشهد ان لا إله الا الله


(1) و (2) الوسائل: باب 14 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 و 2.

[ 291 ]

وان محمدا عبده ورسوله (1). وابو مريم المزبور اسمه عبد الغفار بن القاسم كما في النجاشي وهو ثقة. فما في خاتمة الوسائل من ان اسمه عبد الله بن القاسم وهو مجهول سهو من قلمه الشريف أو من غلط النساخ هذا. ويظهر مما رواه الصدوق في العلل جواز الاجتزاء بالشهادتين فقط فقد روى بسنده عن زرارة بن اعين عن ابي جعفر عليه السلام قال: قلت له المرأة عليها اذان واقامة؟ فقال: ان كان سمعت اذان القبيلة فليس عليها اكثر من الشهادتين (2). وروى في الفقيه مرسلا قال: قال الصادق عليه السلام ليس على المرأة اذان ولا اقامة إذا سمعت اذان القبيلة، وتكفيها الشهادتان ولكن إذا اذنت وأقامت فهو افضل (3) ولا يبعد (4) ان تكونا رواية واحدة رواها في العلل مسندا وفي الفقيه مرسلا. وكيفماكان فالدلالة وان كانت تامة لتضمنها إجزاء الشهادتين عن الاقامة واما الاذان فهو ساقط لسماع اذان الغير وهو القبيلة من غير فرق فيه بين الرجل والمرأة كما سيجئ. لكن السند ضعيف لارسال الثانية، ولان في سند الاولى عيسى بن محمد ولم يوثق، ولعله لذلك لم يتعرض له في المتن لفقد الدليل الا بناءا على قاعدة التسامح.


(1) الوسائل: باب 14 من أبواب الاذان والاقامة ح 4. (2) و (3) الوسائل: باب 14 من أبواب الاذان والاقامة ح 8 و 5. (4) بل هو بعيد جدا بعد تعدد المروى عنه.

[ 292 ]

[ ويجوز للمسافر والمستعجل الاتيان بواحد من كل فصل منهما (1 ]). (1): اما في حال السفر فيدل على تقصير الاذان خبر بريد ابن معاوية عن ابي جعفر عليه السلام قال: الاذان يقصر في السفر كما تقصر الصلاة الاذان واحدا واحدا، والاقامة واحدة (1). ولا يبعد ان يراد من الاذان بقرينة الذيل ما يعم الاقامة. ولكنه ضعيف السند بالقاسم بن عروة فانه لم يوثق. نعم قد وثق في الرسالة الصاغانية المطبوعة المنسوبة إلى الشيخ المفيد، ولكنه لم يثبت كون هذا المطبوع له بعد اشتماله على اشياء يطمأن بعدم صدورهما منه، فانه وان كانت له رسالة بهذا الاسم الا ان انطباقها على هذا الموجود غير معلوم، فلا يسعنا الاعتماد عليه. إذا فالحكم مبني على قاعدة التسامح. ويدل على تقصير الاقامة رواية نعمان الرازي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يجزيك من الاقامة طاق طاق في السفر (2) ولكن الرازي لم تثبت وثاقته إلا بناء على ما ذكره المفيد من ان اصحاب الصادق عليه السلام كلهم ثقات وهو كما ترى. وربما يستدل له برواية بريد بن معاوية المتقدمة بناءا على ان يكون متنها ما اثبته في الحدائق (3) من قوله: " والاقامة واحدة واحدة "


(1) الوسائل: باب 21 من ابواب الاذان والاقامة ح 2. (2) الوسائل: باب 21 من أبواب الاذان والاقامة ح 5. (3) ج 7 ص 405.

[ 293 ]

[ كما يجوز ترك الاذان والاكتفاء بالاقامة (1) ]. ولكنه لم يثبت، فان الموجود في الوسائل والوافي ما عرفت من ذكر كلمة (واحدة) مرة واحدة، اي ان الاقامة في السفر والحضر بشكل واحد، فلا تقصير فيها، وانما هو في الاذان فقط مضافا إلى ما عرفت من ضعف السند. نعم: يمكن ان يستدل له ببعض المطلقات كصحيحة معاوية ابن وهب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الاذطان مثنى مثنى، والاقامة واحدة واحدة (1)، بناءا على ان القدر المتيقن منها حال السفر والعجلة. وقد حملها الشيخ على ذلك. واما في حال الاستعجال فيدل على التقصير في الاذان صحيحة ابي عبيدة الحذاء قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام يكبر واحدة واحدة في الاذان، فقلت له: لم تكبر واحدة واحدة؟ فقال: لا بأس به إذا كنت مستعجلا (2) بناء على ان المراد من التكبير ما يشمل بقية الفصول بقرينة قوله: (واحدة واحدة) إذ التكرار في الواحدة لا يكون الا بلحاظ ساير الفصول. واما التقصير في الاقامة فلم يرد فيه نص خاص الا ان يستدل له باطلاق صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة آنفا حسبما عرفت. (1): لجملة من النصوص: منها صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن الصادق عليه السلام: انه قال: يجزي في السفر اقامة بغير اذان (3).


(1) و (2) الوسائل: باب 21 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 و 4. (3) الوسائل: باب 5 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 294 ]

[ بل الاكتفاء بالاذان فقط (1) ]. وروايته الاخرى وان كانت ضعيفة السند ب‍ (علي بن السندي) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: يقصر الاذان في السفر كما تقصر الصلاة تجزى اقامة واحدة واحدة (1). وصحيحة محمد بن مسلم والفضيل بن يسار عن احدهما عليه السلام قال يجزيك اقامة في السفر (2). ويظهر من هذه النصوص اشتمال السفر على خصوصية تستوجب الاجتزاء بالاقامة والا فيجوز ذلك في الحضر ايضا كما نطقت به صحيحة الحلبي " عن الرجل هل يجزيه في السفر والحضر اقامة ليس معها اذان؟ قال: نعم لا بأس به (3). هذا كله في حال السفر. واما في حال الاستعجال فلم يرد فيه نص ما عدا رواية ابي بصير عن احدهما عليه السلام (في حديث) قال: ان كنت وحدك تبادر امرا تخاف ان يفوتك تجزيك اقامة إلا الفجر والمغرب فانه ينبغي ان تؤذن فيهما وتقيم. الخ (4). ولكنها مضافا إلى انها اخص من المدعى ضعيفة السند بعلي بن ابي حمزة. (1): هذا لم نقف على مستنده لا في المسافر ولا في المستعجل ولا في غيرهما من ساير الحالات، إذ لم ترد في ذلك ولا رواية


(1) الوسائل: باب 5 من أبواب الاذان والاقامة ح 9. (2) و (3) الوسائل: باب 5 من أبواب الاذان والاقامة ح 7 و 3. (4) الوسائل: باب 6 من أبواب الاذان والاقامة ح 7.

[ 295 ]

[ ويكره الترجيح على نحو لا يكون غناء والا فيحرم (1) وتكرار الشهادتين جهرا بعد قولهما سرا أو جهرا (2) بل لا يبعد كراهة مطلق تكرار واحد من الفصول الا للاعلام ] ضعيفة، والمنسبق من نصوص الاذان الصلاة اختصاص المشروعية بصورة الاقتران بالاقامة، واما الاتيان به منفردا ومنعزلا عنها فلا دليل على مشروعيته حينئذ حتى في الحاضر غير المستعجل. نعم: لا بأس بالاكتفاء به رجاءا كما جاء في تعليقة الاستاد دام ظله. (1): اما الحرمة لدى البلوغ حد الغناء فلا شبهة فيها في المقام. واما دون البلوغ هذا الحد فلا دليل على الكراهة عدا ما في الفقه الرضوي حيث انه بعد ذكر فصول الاذان وعددها قال: " ليس فيها ترجيع ولا ترديد (1) بناءا على تفسير بترجيح الصوت كما احتمله في البحار في قبال من فسره بتكرار التكبير والشهادتين كما ستسمع وكيفما كان فبما ان الفقه الرضوي لا نعتمد عليه فالحكم المزبور غير ثابت الا على قاعدة التسامح وشمولها للمكروهات. (2): لا شبهة في عدم جواز التكرير مطلقا إذا كان بقصد الجزئية والمشروعية فانه تشريع محرم، كما لا ينبغي الشك في الجواز إذا كان بقصد الاعلام لكونه مطابقا لمقتضى القاعدة كما تقدم، مضافا إلى خبر ابي بصير الوارد في تكرير بعض الفصول وان كان ضعيف


(1) المستدرك: باب 19 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 296 ]

[ (مسألة 1): يسقط الاذان في موارد: (احدها) اذان عصر يوم الجمعة إذا جمعت مع الجمعة أو الظهر (1) ]. السند حسبما سبق (1). واما من دون اي القصدين فقد يقال بالكراهة، بل في الحدائق 2) عن العلامة دعوى الاجماع عليها، اما لمفهوم القضية الشرطية في خبر ابي بصير المزبور أو لتفسير الترجيع المذكور في الفقه الرضوي المتقدم آنفا بذلك، ولكن التفسير لم يثبت مضافا إلى ضعف سند الخبرين. فالحكم إذا مبني على قاعدة التسامح لو قلنا بها وبانسحابها إلى المكروهات. (1): على المشهور بل عن الغنية والسرائر والمنتهى دعوى الاجماع عليه، ويستدل له بوجوه: احدها الاجماع. وفيه مضافا إلى انه منقول وليس بحجة ان دعواه موهونة، والصغرى ممنوعة، فان ابن ادريس الحاكي للاجماع خص السقوط بمن صلى الجمعة دون الظهر، ومثله ابن البراج ومال إليه في الجواهر بل عن جماعة كالمحقق الاردبيلي وصاحب المدارك والمفيد في المقنعة على ما حكاه عنه في المدارك المنع عن السقوط مطلقا، وان كانت نسخة المقنعة التي بأيدينا خالية عن ذلك، إذ الموجود فيها هكذا: (ثم قم واقم لصلاة العصر). وكيفما كان فالاجماع غير ثابت، بل غايته الشهرة الفتوائية ولا


(1) ص 289. (2) ج 7 ص 417.

[ 297 ]

اعتبار بها. ثانيها: موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن ابيه عليه السلام قال: الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة (1). ونوقش في سندها بان حفصا عامي المذهب كما عن الشيخ في العدة والكشي في رجاله. وفيه: ان ذلك لا يقدح بوثاقته التي شهد بها الشيخ في كتاب العدة حيث صرح بان الاصحاب قد عملوا برواياته، فان الظاهر من ذلك ان العمل من اجل وثاقته في نفسه لا لمجرد التعبد بذلك. فما هو المشهور من زمن صاحب المدارك من تضعيفه كأنه في غير محله. واما السند إلى حفص فهو وان كان ضعيفا في طريق الكليني ب‍ (محمد ابن الحسين) (2). ولكنه صحيح في طريق الشيخ، فلا ينبغي الخدش في السند. نعم هي قاصرة الدلالة لابتنائها على تفسير الاذان الثالث بأذان العصر اما باعتبار كونه ثالثا لاذاني الفجر والظهر، أو لكونه ثالثا للاذان لصلاة الظهر والاقامة لها. واما بناء على تفسيره بالاذان الثاني للظهر الذي قيل انه ابتدعه عثمان أو معاوية لبعد داره عن المسجد. والتعبير بالثالث لاحد الاعتبارين المزبورين ويعضده التعبير بالبدعة كما لا يخفى. فتكون الموثقة حينئذ اجنبية عن محل الكلام. ثالثها: النصوص الكثيرة الدالة على الاكتفاء باذان واقامتين لدى الجمع بين صلاتين المستفاد منها كبرى كلية. وهي سقوط الاذان


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب صلاة الجمعة ح 1 (2) الظاهر ان المراد به هو (محمد بن الحسين بن ابي الخطاب) الثقة فلاحظ.

[ 298 ]

للصلاة الثانية لدى الجمع، وقد تعرض الفقهاء لهذه الكبرى وجعلوها برأسها من المسقطات. ومن العجيب اهمال الماتن (قده) لها. وحيث لا نافلة بين الظهرين يوم الجمعة فلا جرم يجمع بين الصلاتين وبذلك يندرج المقام تحت تلك الكبرى. فمن تلك النصوص: صحيحة رهط منهم الفضيل وزرارة عن ابي جعفر عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر باذان واقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد واقامتين (1). وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر باذان واقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد واقامتين (2). وما رواه الكليني باسناده عن صفوان الجمال قال: صلى بنا أبو عبد الله عليه السلام الظهر والعصر عندما زالت الشمس باذان واقامتين وقال: اني على حاجة فتنفلوا (3). ونحوها غيرها. وفي جملة منها تعليل الحكم بارادة التخفيف عن الامة والتوسيع عليهم. وفيه: انه لم يظهر من تلك النصوص سقوط الاذان عن الاستحباب بحيث يستوجب تخصيصا في دليل مشروعيته، وانما هو لاجل التخفيف والتوسيع كما سمعته من النصوص. فمن الجائز بقاء الاستحباب على حاله، وانما لم يعمل به لان البدار والاستعجال لصلاة العصر افضل لمصلحة تقتضيه كالتسهيل على الامة، أو الحاجة المهمه التي


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب الاذن والاقامة ح 2. (2) الوسائل: باب 32 من أبواب المواقيت ح 1. (3) الوسائل: باب 31 من أبواب المواقيت ح 2.

[ 299 ]

اشير إليها في رواية صفوان، فيكون من باب تقديم الارجح على الراجح، لا من باب التخصيص فالكبرى المزبورة غير ثابتة. رابعها: استقرار سيرة النبي صلى الله عليه وآله والمعصومين عليهم السلام على ترك الاذان لصلاة العصر يوم الجمعة لدى الجمع فانه لو لم يكن ساقطا وكان مشروعا لصدر منهم ولنقل الينا بطبيعة الحال فمن الالتزام بالمطروحية يستكشف عدم المشروعية وقد اختار صاحب الجواهر هذا الوجه لكن مع الاختصاص بما إذا صلى الجمعة دون الظهر لاختصاص السيرة الجارية بذلك. وفيه: إن السيرة وان كانت مستقرة الا ان الجزم بنشوها عن عدم المشروعية غير واضح، لجواز كون الاذان مشروعا في نفسه وراجحا، ولكن الاسراع في تقديم صلاة العصر وتفريغ الذمة عنها رعاية لحال ضعفاء المأمومين حيث لا نافلة يشتغلون بها أو لغير ذلك من العناوين الراجحة الحاصلة بترك الاذان المسبوق باذان يمكن الاكتفاء به ارجح فكان الالتزام بالترك لاجل افضلية التسريع في الجمع فإذا لم يرد الاسراع واخر ولو في الجملة بقي الاذان على استحبابه. وبعبارة اخرى: الاذان للعصر راجح والاستعجال له ارجح، فمن ثم التزم به الائمة عليهم السلام فان السيرة عمل لا لسان له. واما ما يقال: من جريان سيرتهم عليهم السلام على ترك الاذان في جميع موارد الجمع بين الصلاتين حتى الاختياري منه ففيه: منعه اولا، وعلى تقدير تسليمه يجرى فيه ما عرفته آنفا. وقد تحصل من جميع ما تقدم ان ما اختاره صاحب المدارك تبعا للمحقق الاردبيلي من عدم السقوط لدى الجمع مطلقا سواء أكان في

[ 300 ]

[ واما مع التفريق فلا يسقط (1). (الثاني): اذان عصر يوم عرفة إذا جمعت مع الظهر لا مع التفريق. (الثالث): اذان العشاء في ليلة المزدلفة مع الجمع ايضا لا مع التفريق (2) ]. عصر الجمعة أم غيرها وسواء صلى صلاة الجمعة ام الظهر هو الصحيح فلا مجال معه للبحث عن انه بنحو الرخصة أو العزيمة. (1): لقصور المقتضى للسقوط إذ هو اما الاجماع، والمتيقن منه صورة الجمع ولا سيما مع تصريح جماعة كثيرة من المجمعين بذلك، أو السيرة وموردها ايضا ذلك، إذ لم تثبت مع التفريق فيرجع حينئذ إلى اطلاقات المشروعية. (2): على المشهور، بل اجماعا كما عن غير واحد، وقد دلت عليه جملة من النصوص بعضها تضمن الحكم في كلا الموردين، اعني عصر عرفة وعشاء المزدلفة، كصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: السنة في الاذان يوم عرفة ان يؤذن ويقيم للظهر ثم يصلي ثم يقوم فيقيم للعصر بغير اذان، وكذلك في المغرب والعشاء بمزدلفة المؤيدة بمرسلة الصدوق (1)، وبعضها يختص بالعشاء في المزدلفة كصحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: صلاة المغرب والعشاء يجمع بأذان واحد واقامتين، ولا تصل بينهما


(1) الوسائل: باب 36 من أبواب الاذان والامامة ح 1 و 3.

[ 301 ]

شيئا، وقال هكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله (1). وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا فصل بها المغرب والعشاء الآخرة باذان واقامتين الحديث (2). وهذا الحكم في الجملة مما لا اشكال فيه، وانما الكلام في جهات: (الاولى): لا اشكال في اختصاص الحكم في عشاء ليلة المزدلفة بمن كان فيها لاختصاص النصوص بذلك، وهل الحكم في عصر عرفة ايضا كذلك فيختص بمن كان في عرفات أو انه من احكام هذا اليوم وان لم يكن فيها؟. المشهور هو الاول، ولكنه قد يقال بالثاني نظرا إلى الاطلاق في صحيح ابن سنان إذ الموضوع فيها يوم عرفة لا من كان بعرفة، فهو من احكام الزمان لا المكان. ويندفع أولا: بأن فاعل يؤذن ويقيم في قوله: السنة في الاذان.. الخ ضمير يعود إلى غائب معهود وليس هو بمقتضى سياق الكلام الا الحاج، مإذ لو اريد به مطلق المصلي لكان الاحرى بمقتضى قانون المحاورة توجيه العبارة بصورة الخطاب لا الغياب بأن يقول عليه السلام: (تؤذن وتقيم.. الخ) بدل (يؤذن ويقيم) كما لا يخفى فإذا كان الفاعل هو الحاج اختص الحكم بمن في عرفة بطبيعة الحال. وثانيا: ان عطف عشاء المزدلفة في ذيل العبارة كاشف بمقتضى اتحاد السياق عن ان الحكمين من سنخ واحد وانهما معا من خواص المكان. فما عليه المشهور هو الاصح. (الثانية): هل الحكم بالسقوط خاص بصورة الجمع بين الظهرين


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3 و 1.

[ 302 ]

[ (الرابع): العصر والعشاء للمستحاضة التي تجمعهما مع الظهر والمغرب (1) ] أو العشاءين أو يعم صورة التفريق؟ الظاهر هو الاول، فانه المنصرف والمنسبق من نصوص المقام المعتضد بالتصريح به في مرسلة الصدوق ولا سيما وان الجمع هو الوظيفة المقررة في هذين الموردين. (الثالثة): هل السقوط في المقام رخصة أو عزيمة؟ الظاهر هو الثاني لقوله عليه السلام: في صحيحة ابن سنان: " السنة في الاذان.. الخ " الظاهر في ان خلافه مخالف للسنة المساوق للتشريع، فلا جرم يكون السقوط على سبيل العزيمة، إذ هو بمثابة الاذان لغير الصلوات اليومية الذي لم تجر عليه السنة وسيتعرض الماتن لهذه الجهة بنطاق عام بعد حين فانتظر. (الرابعة): ظاهر صحيحة منصور المتقدمة عدم مشروعية التنفل بين العشاءين، وكذا معتبرة عنبسة بن مصعب (1) لكن ظاهر صحيحة ابان بن تغلب (2) هو الجواز. ومقتضى الجمع بقاء الاستحباب والمشروعية بمرتبة ضعيفة. (1): لم يرد نص خاص في المقام وان ادعاه في الجواهر فانا لم نقف عليه، ولا يبعد ان يكون سهوا من قلمه الشريف، وانما الوارد في نصوص المستحاضة انها تجمع بين الظهرين بغسل، وبين العشاءين بغسل. إذا فالقول بالسقوط يبتني على أحد امرين:


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 4 و 5.

[ 303 ]

[ (الخامس): المسلوس (1) ]. اما دعوى انه من احكام الجمع في كافة موارده ومنه المقام كما عول عليها في الحدائق، ولكن هذه الكلية لم يتعرض إليها الماتن، وقد سبق انه لا دليل عليها. أو دعوى ان فعل الاذان للثانية موجب للتأخير ولا بد للمستحاضة من التعجيل جمودا على المقدار المتيقن من العفو عن هذا الدم فان الثابت هو المقدار الخارج في صورة العجلة دون الزائد عليه. وفيه ان المدار على الاستعجال العرفي لا الدقي. فهذا المقدار غير ضائر بصدق الجمع، إذ لا يلزمها الاقتصار على الواجبات، ولا مانع من الاتيان بنبذ من السنن المتعارفة المتعلقة بالصلاة التي من اظهرها الاذان، والا لما ساغ الاتيان بالاذان للاولى ايضا. إذا فلا دليل على السقوط في المقام والمتبع حينئذ اطلاقات المشروعية. (1): لصحيحة حريز عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال: إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم إذا كان حين الصلاة اخذ كيسا وجعل فيه قطنا ثم علقه عليه وادخل ذكره فيه ثم صلى يجمع بين صلاتين الظهر والعصر يؤخر الظهر ويعجل العصر بأذان واقامتين ويؤخر المغرب ويعجل العشاء باذان واقامتين (1). والدلالة واضحة، كما ان السند تام، وانما الكلام في ان السقوط هل هو على نحو الرخصة أو العزيمة؟. ذهب صاحب الحدائق (2) إلى الثاني مصرا عليه بدعوى ان العبادة


(1) الوسائل: باب 19 من أبواب نواقض الوضوء ح 1. (2) الحدائق ج 7 ص 383.

[ 304 ]

[ ونحوه (1) في بعض الاحوال التي يجمع بين الصلاتين، كما إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد. ] توقيفية، وبعد تقييد اطلاقات المشروعية بهذه الصحيحة لم يبق ثمة امر بالاذان، وبدونه يكون الاتيان به تشريعا محرما. فكيف يصح القول بان السقوط على سبيل الرخصة، بل هو بدعة وكل بدعة ضلالة. ويندفع: بان التقييد انما يتجه لو دلت الصحيحة على لزوم الجمع ووجوبه وليس كذلك، بل مفادها الترخيص فيه لحكمة التسهيل والتخفيف والا لما جاز التفريق بين الصلاتين بوضوءين مع جوازه بالضرورة. وبالجملة: غاية ما يستفاد من الصحيحة ان الاكتفاء بوضوء واحد خاص بما إذا لم يتخلل بينه وبين الصلاتين غير اذان واقامتين فالاذان الثاني لا يترتب عليه إلا عدم الطهورية لا عدم المشروعية. فدعواه العزيمة لا سيما مع الاصرار عليها غريبة. ومثلها في الغرابة ما اصر عليه ايضا من الالتزام بالسقوط في جمع موارد الجمع مدعيا ان ذلك من آثاره واحكامه حتى في الجمع بين الظهرين والعشاءين في عرفات ومزدلفة، فان ذلك عار عن الدليل ومجرد استحسان محض. والمعصومون عليهم السلام وان كانوا ملتزمين بذلك الا انك عرفت ان الالتزام عمل ولا لسان له. فلا يكشف عن السقوط، ومن الجائز مشروعية الاذان في نفسه وان كان الترك لغاية اخرى افضل. (1): كالمبطون والمسلوس سلس الريح، ولكن الحاقهما بالمسلوس بالبول الذي هو مورد النص يتوقف على احد امرين:

[ 305 ]

[ ويتحقق التفريق بطول الزمان بين الصلاتين (1)، لا بمجرد قراءة تسبيح الزهراء أو التعقيب والفصل القليل بل لا يحصل بمجرد فعل النافلة مع عدم طول الفصل. ] إما دعوى ان السقوط من احكام مطلق الجمع بين الصلاتين وقد عرفت ما فيها، والماتن ايضا لم يلتزم بها لعدم تعرضه إليها. أو دعوى الغاء خصوصية المورد وعهدتها على مدعيها، فانها وان كانت محتملة من النص لكنها لم تبلغ حد الظهور العرفي بحيث يمكن التعويل عليه إذا فلم يثبت السقوط فيما عدا مورد النص ممن يستمر به الحدث. (1): اختلفت كلمات الفقهاء قدس الله اسرارهم في تفسير التفريق الذي به يزول عنوان الجمع المعلق عليه سقوط الاذان في موارد الجمع على القول به وفي الظهرين والعشاءين في عرفات ومزدلفة على ما هو ظاهر النص كما تقدم. فعن جماعة منهم السيد الماتن (قده) انه عبارة عن الفصل الطويل بين الصلاتين بمثابة لا يصدق عرفا عنوان الجمع بينهما وايقاعهما في زمان واحد، فلا يصدق التفريق بمجرد التعقيب أو التسبيح ونحوهما مما يعد من توابع الصلاة الاولى، بل ولا بمجرد فعل النافلة ونحوه مما لا يستوعب الا فصلا قليلا. وعن جماعة آخرين تفسيره بفعلهما في وقتيهما في قبال الجمع الذي هو عبارة عن فعل الفريضتين معا في وقت احداهما كالاتيان بالعصر في وقت فضيلة الظهر أو بالعكس وهكذا في العشاءين.

[ 306 ]

وعن ثالث: ان العبرة بتخلل النافلة بينهما فان تنفل فقد فرق وإلا فقد جمع. وعن رابع: اعتبار الفصل الطويل عرفا مع الحاق التنفل به تعبدا، فمع تخلل النافلة يصدق التفريق للنص وان لم يتحقق الفصل المعتد به. والصحيح: هو الوجه الاول، فانه المنسبق إلى الذهن والمتبادر إلى الفهم من اللفظين (الجمع والتفريق) لدى الاطلاق كما لا يخفى. واما الوجه الثاني فيرده مضافا إلى انه خلاف الانسباق العرفي كما عرفت، ان لازمه صدق التفريق فيما لو اتى بالظهر في آخر وقت فضيلتها متصلة بالعصر في اول وقتها وهو كما ترى. واما الوجهان الاخيران فمبنيان على الاعتداد بالنصوص الدالة على حصول التفريق بالنافلة مع انها مخدوشة فانها روايات ثلاث: الاولى: ما رواه الكليني باسناده عن محمد بن حكيم قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع (1). الثانية: روايته الاخرى عن ابي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول إذا جمعت بين صلاتين فلا تطوع بينهما (2). الثالثة: موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: رأيت أبي وجدي القاسم بن محمد يجمعان مع الائمة المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يصليان بينهما شيئا (3). اما الاولى: فهي ضعيفة السند لان محمد بن موسى الواقع في الطريق مردد بين الملقب ب‍ (خوراء) الثقة وبين الهمداني الضعيف


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 33 من أبواب المواقيت ح 3 و 2 و 4.

[ 307 ]

كما ان من يروى عنه هذا الرجل مردد ايضا (حسب اختلاف النسخة) بين محمد بن عيسى الثقة وبين علي بن عيسى ولم يوثق، اضف إلى ذلك ان محمد بن حكيم بنفسه لا توثيق له (1). واما الثانية: فكذلك إذ مضافا إلى ما عرفت من ضعف الراوي بنفسه قد اشتمل السند على سلمة الخطاب وهو وان ورد في الاسناد كامل الزيارات ولكنه معارض بتضعيف النجاشي له صريحا، وكذلك العلامة وابن الغضائري، والعمدة هو الاول. واما الحسين بن يوسف فهو من رجال كامل الزيارات. وبالجملة: فالروايتان كلتاهما ضعيفتان سندا ولم يتضح وجه لتعبير صاحب الحدائق (2) عن الاولى بالموثقة. على انهما قاصرتان دلالة ايضا نظرا إلى انهما قد تضمنتا تنزيل الجمع المقرون بالتطوع منزلة التفريق وله اثران كل منهما يصلح أن يكون التنزيل بلحاظه احدهما عدم سقوط الاذان، والثاني استحبابه في نفسه حيث انه يستحب ايقاع كل صلاة في وقت فضيلتها وهو امر مرغوب فيه عند الشارع، وقد دلت النصوص الكثيرة ان النبي صلى الله عليه وآله كان يفرق بين الصلاتين فكان الناس ينصرفون إلى بيوتهم ثم يرجعون لاقامة الصلاة الثانية فدلت هذه على حصول التفريق بتخلل النافلة من دون حاجة إلى الصبر وانتظار دخول الوقت كما هو المتعارف في عصرنا بالاضافة إلى العشاءين، فيكون مفادها مفاد ما في غير واحد من الاخبار من انه إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان، ولا يمنعك الا سبحتك وهي النافلة، وقد ذكرنا في مبحث


(1) ولكنه ممدوح لاحظ المعجم ج 16 ص 39. (2) الحدائق ج 7 ص 379.

[ 308 ]

الاوقات ان التحديد بالقدم والقدمين أو الذراع والذراعين اشارة إلى ذلك. وكيفما كان: فلم يعلم ان التنزيل في الروايتين بلحاظ اي من الاثرين ولعله بلحاظ الثاني الذي هو اظهر الاثرين وابرزهما كما لا يخفى فتكونان حينئذ اجنبيتين عن محل الكلام. واما الثالثة: فهي اجنبية عن محل الكلام بالكلية، إذ ليس مفادها ما عدا انه عليه السلام هو وجده جمعا بين الصلاتين في ليلة مطيرة ولم يتنفلا بينهما واما ان التنفل هل هو قادح في الجمع أولا؟ فلا ايعاز إلى ذلك فضلا عن الدلالة فانها حكاية فعل مجمل العنوان كما لا يخفى. والمتحصل: انه لم ينهض ما يدل على ان الاتيان بالنافلة بمجرده يستوجب التفريق المنافي للجمع المحكوم بسقوط الاذان معه على القول به. والذي ينبغي ان يقال ان سقوط الاذان تارة يكون لاجل الجمع واخرى لجهات اخرى. اما الجمع: فقد عرفت ان كبرى السقوط تحت هذا العنوان لا دليل عليها وان ذهب إليها المشهور، فلا مجال للبحث عن ان تخلل النافلة قادح ام لا. واما المسلوس فقد تقدم ان سقوط الاذان فيه رخصة لا عزيمة. ومعه لا جدوى للبحث عن قدح تخلل النافلة وعدمه كما لا يخفى. وانما تظهر النتيجة فيما إذا كان السقوط على سبيل العزيمة كما في عرفات ومزدلفة حيث نطقت صحيحة ابن سنان بجريان السنة على سقوط الاذان حسبما تقدم لكن الغالب في عرفات

[ 309 ]

[ والاقوى ان السقوط في الموارد المذكورة رخصة لا عزيمة (1) وان كان الاحوط الترك، خصوصا في الثلاثة الاولى. ] سقوط النافلة، لكون الحاج مسافرا، ووضوح سقوط نوافل الظهرين في السفر. واما لو كان حاضرا فتنفل أو تنفل بين العشاءين في المزدلفة فهل يكون هذا التخلل قادحا في سقوط الاذان؟ مقتضى اطلاق صحيح ابن سنان المشار إليه هو العدم، إذ لم يؤخذ فيه عنوان الجمع كي يتوهم انثلامه بالتنفل، بل المأخوذ فيه القيام إلى الثانية بعد الاولى ولا شبهة في صدق هذا العنوان ولو تنفل ولا سيما إذا تنفل جالسا إذ النافلة تعد من توابع الاولى، فلا تقدح في صدق المبادرة إلى الثانية عرفا والقيام إليها. يبقى الكلام في ان التنفل المزبور هل هو مشروع في المزدلفة فان النصوص في ذلك متعارضة، ومقتضى قوله عليه السلام في صحيحة منصور: (ولا تصل بينهما شيئا) (1) هو العدم، لكن صريح صحيحة ابان (2) هو الجواز. ويمكن الجمع بحمل الاولى على نفي التأكيد حيث ان المقام مقام توهم تأكد الاستحباب كما لا يخفى: ومع التعارض والتساقط فالمرجع اطلاقات الامر بالتنفل بين العشاءين. (1): بل قد عرفت اختلاف الحال فيها وانه في المورد الثاني


(1) و (2) الوسائل: باب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3 و 5.

[ 310 ]

[ (مسألة 2): لا يتأكد الاذان لمن اراد اتيان فوائت في دور واحد لما عدا الصلاة الاولى (1)، فله ان يؤذن للاولى منها ويأتي بالبواقي بالاقامة وحدها لكل صلاة. ] والثالث عزيمة وفي الخامس رخصة، وفي غيرها لم يثبت السقوط من اصله فلاحظ. (1): هذا الحكم في الجملة مما لا كلام فيه وقد نطقت به جملة من النصوص كصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى الصلوات وهو جنب اليوم واليومين والثلاثة ثم ذكر بعد ذلك قال: يتطهر ويؤذن ويقيم في اولهن ثم يصلي ويقيم بعد ذلك في كل صلاة فيصلي بغير اذان حتى يقضي صلاته (1). وصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: إذا نسيت الصلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ باولهن فاذن لها واقم ثم صلها ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة (2) ونحوهما غيرهما. فاصل الحكم مما لا اشكال فيه وانما الكلام في امرين: احدهما: في انه مع الغض عن هذه النصوص فهل هناك دليل على مشروعية الاذان لصلاة القضاء، أو ان المقتضي في نفسه قاصر ويختص المشروعية بالصلوات الادائية فلا يشرع للقضاء، كما لم يشرع لجملة اخرى من الصلوات كالآيات والاموات ونحوهما.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب قضاء الصلوات ح 3. (2) الوسائل: باب 1 من أبواب قضاء الصلوات ح 4.

[ 311 ]

ثانيهما: انه بعد الفراغ عن المشروعية فهل السقوط في المقام رخصة أو انه عزيمة؟ اما الامر الاول: فقد استدل العلامة في المنتهى لمشروعية الاذان في الفوائت بروايتن: احداهما: قوله عليه السلام في صحيحة زرارة، ".. يقضي ما فاته كما فاته.. الخ " (1) فان مقتضى المماثلة التساوي بين القضاء والاداء في كافة الاحكام التي منها استحباب الاذان والاقامة. ثانيتهما: ما رواه الشيخ باسناده عن عمار عن أبي عبد الله عليه لسلام قال: سئل عن الرجل إذا اعاد الصلاة هل يعيد الاذان والاقامة؟ قال: نعم (2) بعد وضوح ان الاعادة في لسان الاخبار اعم من معناها الاصطلاحي فتشمل القضاء. واورد عليهما في المدارك على ما نقله في الحدائق (3) بضعف السند والدلالة، وقد تعجب صاحب الحدائق (قده) من تضعيف الاولى بانها اما صحيحة أو حسنة بابراهيم بن هاشم، وقد وصف صاحب المدارك رواية زرارة الآنفة الذكر قبل هذه الرواية بالصحة مع ان في سندها ايضا ابراهيم بن هشام، فكيف ضعف هذه الرواية. اقول: تعجبه (قده) في محله ولكن يظهر من تخصيص النقاش بالاولى موافقته معه في تضعيف الثانية ولا وجه له فانها وان كانت ضعيفة على مسلك صاحب المدارك، لان في الطريق جملة من الفطحية الا انهم باجمعهم ثقات، وصاحب الحدائق يعمل بالموثقات. وكيفما


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب قضاء الصلوات ح 1. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب قضاء الصلوات ح 2. (3) الحدائق: ج 7 ص 372.

[ 312 ]

كان فلا ينبغي التأمل في صحة الروايتين سندا. واما من حيث الدلالة فمناقشته (قده) في محله، فان الاولى ناظرة إلى المطابقة من حيث القصر والتمام لا إلى ساير الاحكام لتشمل الاذان والاقامة كما هو واضح. واما الثانية: فالمفروض فيها المفروغية عن مشروعية الاذان للثانية في نفسه وانما السؤال عن اجزاء الاذان للاولى عنه، واين هذا من محل الكلام حيث يكون مشروعية الاذان للفائتة غير المسبوقة بمثلها اول الكلام. وبعبارة اخرى: مورد الموثقة الاعادة في الوقت أو في خارجه بعد الوجود الاول وان الاذان السابق المشروع فعله لا يجزي عن اللاحق، بل الذي يعاد اما وجوبا أو استحبابا ولو لاجل انعقاد الجماعة يعاد بجميع متعلقاته التي منها الاذان، واين هذا من محل الكلام الذي فرض فيه عدم الاتيان بالعمل في ظرفه رأسا وإنما يؤتى به في خارج الوقت ابتداءا، فان مشروعية الاذان لمثل ذلك لا تستفاد من الموثقة بوجه. هذا وربما يستدل له باطلاق قوله عليه السلام في ذيل موثقة عمار قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: لا بد للمريض ان يؤذن إلى ان قال لانه لا صلاة الا باذان واقامة (1) حيث دلت على نفي ماهية الصلاة عن الفاقدة للاذان والاقامة حتى القضاء بمقتضى الاطلاق، غاية الامر حملها على نفي الكمال بعد تعذر ارادة الحقيقة. وهي كما ترى واردة في المريض. فما ذكره المحقق الهمداني (قده) من ورودها في الناسي كانه سهو من قلمه الشريف.


(1) الوسائل: باب 35 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 313 ]

وكيفما كان: فقد ناقش المحقق المزبور (قده) بمنع الاطلاق والا لزم تخصيص الاكثر المستهجن لخروج صلاة الآيات والاموات والنوافل ونحوها، فليس المنفي ماهية الصلاة على الاطلاق، بل قسم خاص منها وهو ما كانت مشروعية الاذان والاقامة له معهودة لدى المتشرعة، والمتيقن منها الصلوات اليومية الادائية فيشكل شمولها للقضاء. وفيه: ان الاطلاق منزل على الفرد الشايع المبتلى به لعامة الناس وهي الصلوات اليومية لندرة الابتلاء بصلاة الآيات، وخروج الاموات عن حقيقة الصلاة، وانما هي ذكر ودعاء، فلا يكون التنزيل المزبور من تخصيص الاكثر، بل كأنه عبر من الاول باليومية وعليه فلا قصور في شمول الاطلاق للاداء والقضاء لاتحاد المناط بعد كون كليهما محلا للابتلاء ومن الافراد الشايعة التي ينصرف إليها الاطلاق. وبالجملة: فلا مانع من الاستدلال باطلاق هذه الموثقة كاطلاق موثقته الاخرى عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا قمت إلى صلاة فريضة فاذن واقم (1) فان الفريضة التي هي الموضوع للحكم مطلق تشمل الاداء والقضاء. فاطلاق هاتين الموثقتين مضافا إلى النصين المتقدمين اعني صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم يقتضي مشروعية الاذان لقضاء الرواتب اليومية كادائها. واما الامر الثاني: فعن غير واحد منهم المحقق في الشرايع ان السقوط في المقام على سبيل الرخصة، بل نسب ذلك إلى


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب الاذان والاقامة ح 4.

[ 314 ]

المشهور، بل ربما يدعى الاجماع عليه، وخالفهم جماعة منهم صاحب الحدائق فذهبوا إلى انه عزيمة وهو الصواب، إذ هو المنسبق من مستند السقوط، اعني الصحيحتين المتقدمتين الدالتين عليه، فان الظاهر من قوله (ع) في صحيحة زرارة ".. ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة " ان الصلوات التالية مقيدة بالاقامة خاصة غاية الامر ان التقييد من باب الندب لا الحتم بعد البناء على عدم الوجوب في الاداء فضلا عن القضاء. إذا فلا امر بالاذان لما عدا الصلاة الاولى رأسا. ودعوى: ان الصحيحة في مقام التخفيف والتسهيل فلا تدل على ازيد من الترخيص (مدفوعة) بانه اول الكلام، بل ظاهرها انها في مقام بيان كيفية التصدي للقضاء وان النهج الذي بينه عليه السلام من اختصاص الاذان بالاولى هي الوظيفة المقررة في هذه المرحلة. لمن اراد تفريغ ذمته عن قضاء فوائته، ولا دليل على كونه عليه السلام في مقام التسهيل. واوضح منها صحيحة ابن مسلم حيث ورد فيها ".. ويقيم بعد ذلك في كل صلاة فيصلى بغير اذان حتى يقضى صلاته " فقد صرحت بتقييد الصلوات التالية بعدم اقترانها بالاذان، وظاهر التقييد انحصار الوظيفة في ذلك المساوق لكون السقوط على سبيل العزيمة وبذلك يقيد اطلاقات المشروعية بطبيعة الحال. فلا دليل إذا على مشروعية الاذان لغير الصلاة الاولى. بقي الكلام في المراد من الصلاة الاولى المشار إليها في الصحيحتين وهل المراد هو الاول فواتا لتدل على لزوم رعاية الترتيب في قضاء الفوائت أو الاول قضاء وان خالف الترتيب في الفوت؟

[ 315 ]

[ (مسألة 3): يسقط الاذان والاقامة في موارد (احدها) الداخل في الجماعة التي اذنوا لها واقاموا (1) وان لم يسمعهما. ولم يكن حاضرا حينهما وكان مسبوقا. ] المشهور هو الاول: ومن ثم التزموا بمراعاة الترتيب ولكنه غير واضح لاحتياجه إلى مزيد عناية لا شاهد عليها، بل المفهوم عنها عرفا ان الفوائت التي يتصدى لقضائها بما انها تدريجي الحصول وتقع الواحدة منها تلو الاخرى، فيؤذن القاضي ويقيم للاولى منها ويقتصر على الاقامة فيما عداها، ولو فرغ من هذا المجلس وتصدى للباقي في مجلس آخر فكذلك. وعليه: فالمراد من الاولى في قوله عليه السلام في صحيحة زرارة " فابدء باولاهن " الاولية في مجلس القضاء لا في ظرف الفوات ليعتبر الترتيب. كما ان المراد منها مقدمات الاولى لانفسها، إذ لا اذان بعد الشروع، فهي نظير قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا.. الخ فكما ان المراد هناك القيام إلى ما يشمل مقدمات الصلاة فكذلك البدءة في المقام ومن ثم فرع عليه السلام الاذان على البدءة بفاء التفريع فقال عليه السلام. (فاذن لها) ولم يفل واذن. وعلى ما ذكرنا جرت السيرة وارتكز في الاذهان من ان الاذان لكل مجلس والاقامة لكل صلاة. (1): هذه المسألة وان أهملها الاكثرون وقل المتعرضون فلم يحررها المحقق في الشرايع وغيره، بل خلت عن النص الخاص إلا انها مع ذلك مما لا شبهة فيها ولا اشكال ولعله لذلك عرضها الاهمال

[ 316 ]

ايكالا على وضوحها وجلائها، فقد استقرت عليها السيرة القطعية العملية خلفا عن سلف، وقد حكي ان النبي صلى الله عليه وآله كان يجتزي باذان بلال أو اقامة غيره وان لم يسمعهما. ويمكن استفادة الحكم من عدة من الروايات المتفرقة. منها: النصوص الواردة في المورد الثاني الناطقة بسقوط الاذان والاقامة عمن دخل المسجد، وقد فرغت الجماعة قبل تفرق الصفوف فانها تدل على السقوط بالاضافة إلى الداخل في الجماعة بطريق اولى. وكذا ما دل على السقوط فيمن ادرك الامام في التشهد الاخير قبل تسليمه (1) حيث يظهر منها ان من ادرك الجماعة فلا اذان عليه ولا اقامة. ومنها: ما دل على عدم السقوط فيمن يصلي خلف من لا يقتدى به كرواية محمد بن عذافر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اذن خلف من قرأت خلفه (2) فانها تدل بالمفهوم على السقوط لدى صحة الاقتداء. ومنها: ما سيأتي في المورد الثالث من النصوص الدالة على السقوط فيمن دخل المسجد وقد اقيمت الجماعة وان لم يدخل معهم فانها تدل على السقوط لدى الدخول بطريق اولى. ومنها: موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: سئل عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجئ رجل آخر فيقول له: نصلي جماعة، هل يجوز ان يصليا بذلك الاذان والاقامة؟


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب الجماعة ح 6. (2) الوسائل: باب 34 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 317 ]

قال: لا، ولكن يؤذن ويقيم (1). فانها تدل بوضوح على ان الاكتفاء باذان الامام واقامته امر مفروغ عنه عند السائل والمسؤول (ع) وإنما سئل عن تطبيق ذلك على ما لو اذن وقام ليصلي وحده ثم بدا له في الجماعة. وبالجملة: فالحكم في الجملة مما لا غبار عليه، وانما الكلام في امرين: احدهما: هل السقوط خاص بالمأموم كما هو ظاهر عبارة المتن أو انه يشمل الامام؟ الظاهر هو الثاني لجريان السيرة بالاضافة إلى الامام ايضا كالمأموم، لكن المتيقن منها هو الاذان، فلو حضر الامام بعد الاذان للصلاة فقد استقرت السيرة على اجتزائه به وعدم اعادته، بل قد يظهر ذلك من بعض النصوص الآتية، واما الحضور بعد الاقامة فلم يعلم جريانها على الاجتزاء بها، ولكنه يستفاد ذلك من بعض النصوص. منها: موثقة السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه عن علي عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا دخل المسجد وبلال يقيم الصلاة جلس (2) دلت بمفهومها على انه صلى الله عليه وآله إذا دخل بعد فراغ بلال من الاقامة كان لا يجلس بل يشرع في الصلاة مكتفيا باقامة بلال فيستفاد منها ان امام الجماعة إذا حضرها وقد اقيم لها يجتزي بها ولا يعيدها. ومنها: معتبرة حفص بن سالم انه سال أبا عبد الله عليه السلام إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة أيقوم الناس على ارجلهم أو يجلسون


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) الوسائل: باب 31 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 318 ]

حتى يجئ امامهم؟ قال: لا بل يقومون على ارجلهم، فان جاء امامهم والا فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدم (1). وهي كما ترى واضحة الدلالة على ان الامام إذا جاء بعد الانتهاء من الاذان والاقامة يكتفي بهما ولا يعيد، كما انها معتبرة سندا فان الصدوق رواها بطريقين كلاهما معتبر، كما انها معتبرة في طريق الشيخ ايضا غير انه (قده) كناء في التهذيب ب‍ (أبي الوليد) كما في الوسائل والموجود في مشيخة الفقيه وكذا في كتب الرجال (أبو ولاد) ولعل ما في التهذيب سهو من قلمه الشريف أو من النساخ هذا. وربما يستدل لذلك بروايات اخرى ولكنها ضعيفة اما سندا أو دلالة، ولا حاجة إلى التعرض اليهما وفيما ذكرناه كفاية. ثانيهما: ظاهر عبارة المتن اختصاص السقوط بالجماعة التي اذن واقيم لها فلا يشمل الاقتداء بامام اكتفى بسماعهما من الغير من دون سماع المأمومين، ولكن التقييد غير ظاهر، بل لو سمعهما الامام من شخص آخر ولو كان منفردا واكتفى بهما فاقام الجماعة سقطا عنه وعن المأمومين لما رواه الشيخ باسناده عن سعد عن ابي الجوزاء المنبه بن عبد الله عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن ابي جعفر عليه السلام قال: كنا معه فسمع اقامة جار له بالصلاة، فقال: قوموا فقمنا فصلينا معه بغير اذان ولا اقامة، قال: ويجزيكم اذان جار لكم (2). فان تخصيص السماع بالامام عليه السلام يكشف عن ان الراوي ومن


(1) الوسائل: باب 43 من أبواب صلاة الجماعة ح 1. (2) الوسائل: باب 30 من أبواب الاذان والاقامة ح 3.

[ 319 ]

[ بل مشروعية الاتيان بهما في هذه الصورة لا تخلو عن اشكال (1) ] معه لم يسمعوا ذلك الاذان، والا لقال فسمعنا بدل قوله (فسمع) فهي إذا واضحة الدلالة، كما انها معتبرة السند، فان أبا الجوزاء وان كان عامي المذهب ولكنه وثقه النجاشي، وكذلك الحسين بن علوان فان الظاهر ان التوثيق المذكور في عبارته يعود إليه لانه المعنون والمترجم له لا إلى اخيه الحسن الذي ذكره في ضمن ترجمته بنحو الجملة المعترضة. ومع تسليم اجمال العبارة من هذه الناحية فيكفينا ما ذكره ابن عقدة حيث قال: ان الحسن اوثق من اخيه الحسين، فانه يفهم منه اشتراكهما في الوثاقة وان كان الحسن اوثق. واما عمرو بن خالد فقد ذكر الكشي ان ابن فضال قد وثقه مضافا إلى وقوعه في اسناد كامل الزيارات، وطريق الشيخ إلى سعد معتبر فالرواية إذا موثقة. وتدل عليه ايضا معتبرة ابي مريم الانصاري قال: صلى بنا أبو جعفر عليه السلام في قميص بلا ازار ولا رداء ولا اذان ولا اقامة (إلى ان قال) فقال واني مررت بجعفر وهو يؤذن ويقيم فلم اتكلم فاجزأني ذلك (1) فان صالح بن عقبة الواقع في السند وان لم يوثق صريحا ولكنه من رجال كامل الزيارات (2) فالسند تام كما ان الدلالة واضحة. (1): فكأنه (قده) يرى ان السقوط بنحو العزيمة لا الرخصة.


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب الاذان والاقامة ح 2. (2) فيه وفيمن قبله كلام قد تكرر.

[ 320 ]

[ (الثاني): الداخل في المسجد للصلاة (1) ]. وربما يستدل له بقوله عليه السلام في رواية معاوية بن شريح المشار إليها فيما سبق ".. ليس عليه اذان ولا اقامة " (1). وفيه: مضافا إلى ضعف السند فان ابن شريح لم يوثق انها قاصرة الدلالة، إذ فرق واضح بين قولنا: (ليس عليه) وقولنا: (ليس له) والذي يدل على نفي المشروعية المساوق للعزيمة هو الثاني. اما الاول فمفاده نفي اللزوم المحمول عى نفي تأكد الاستحباب فينتج الترخيص في الترك الراجع إلى المستحب غير المؤكد. ولكن الصواب مع ذلك ان السقوط عزيمة لا لما ذكر، بل لاجل انه لو كان رخصة وساغ الاتيان خارجا لصدر عن احد المعصومين أو اصحابهم التابعين ولو مرة واحدة، ولنقل الينا بطبيعة الحال، فالالتزام البات والامتناع الاكيد منهم من اوضح الادلة على عدم المشروعية كما لا يخفى. (1): على المشهور بل في الجواهر يمكن تحصيل الاجماع عليه ويستدل له بجملة من النصوص. منها: موثقة ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يدخل المسجد وقد صلى القوم أيؤذن ويقيم؟ قال: ان كان قد دخل ولم يتفرق الصف صلى باذانم واقامتهم، وان كان تفرق الصف اذن واقام (2).


(1) الوسائل: باب 49 من أبواب صلاة الجماعة ح 6. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 321 ]

وقد ناقش صاحب اي سندها باشتراك ابي بصير بين الموثق وغيره. ويندفع بما حققه المتأخرون من انصرافه لدى الاطلاق إلى احد شخصين مشهورين: ليت المرادي، ويحيى بن القاسم كل منهما موثق. نعم ربما تطلق هذه الكنية على غير الثقة لكنه يحتاج إلى القرينة لعدم كونه معروفا ولا مشهورا. ومن ثم ينصرف اللفظ عنه عند الاطلاق. ومنها: موثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام قال: دخل رجلان المسجد وقد صلى الناس فقال لهما علي عليه السلام: إن شئتما فليؤم احدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم (1). وهاتان الموثقتان هما العمدة في المقام، وهناك روايات اخرى لا يخلو اسنادها عن ضعف أو بحث. منها: رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام انه كان يقول: إذا دخل رجل المسجد وقد صلى اهله فلا يؤذن ولا يقيمن ولا يتطوع حتى يبدأ بصلاة الفريضة ولا يخرج منه إلى غيره حتى يصلي فيه (2). فان في السند بنان بن محمد ولم يوثق (3). نعم حاول الوحيد في التعليقة لتوثيقه بانه روى عنه محمد بن احمد بن يحيى، ولم يستثن ابن الوليد روايته قال وفيه اشعار


(1) الوسائل. باب 25 من أبواب الاذان والاقامة ح 3. (2) الوسائل: باب 25 من أبواب الآذان والاقامة ح 4. (3) هو عبد الله بن محمد بن عيسى وكان ثقة عند سيدنا الاستاذ دام ظله سابقا لوقوعه في اسناد كامل الزيارات المعجم ج 10 ص 326 وإن عدل عنه أخيرا

[ 322 ]

بالاعتماد عليه بل لا يبعد الحكم بوثاقته، وقد تبعه الصدوق في ذلك، ولكنا ذكرنا غير مرة ان مجرد الاعتماد لا يكشف عن التوثيق، ولعلهما يبنيان على اصالة العدالة كالعلامة وقد ذكر الصدوق في مقدمة الفقيه انه يعتمد على كتابه مع عدم كشفه عن توثيق جميع رواته. ومنها: رواية ابي بصير فقال: سألته عن الرجل ينتهي إلى الامام حين يسلم قال: ليس عليه ان يعيد الاذان فليدخل معهم في اذانهم فان وجدهم قد تفرقوا اعاد الاذان (1). فان السند قد اشتمل على صالح بن سعيد كما في الكافي ولم يوثق أو خالد بن سعيد كما في التهذيب وقد وثقه النجاشي فاما ان يقدم نسخة الكافي لكونه اضبط، أو لا اقل من تساوي الاحتمالين فلم تثبت وثاقة الراوي. ويظهر من الوسائل (2) ان نسخ الكافي مختلفة، بل قيل ان نسخ التهذيب ايضا مختلفة. وكيفما كان فلم يثبت اعتبار الرواية بعد عدم احتمال تعددها كما لا يخفى. ومنها: رواية ابي علي قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فاتاه رجل فقال: جعلت فداك صليت في المسجد الفجر فانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح فدخل علينا رجل المسجد فاذن


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) لا يخفى ان صاحب الوسائل اسند هذه الرواية إلى الشيخ تارة باسناده عن الكليني واخرى عن علي بن ابراهيم لكن الموجود في التهذيب هو الاسناد الثاني فقط كما نبه عليه المعلق ولعله سهو من قلمه الشريف أو سقط من التهذيب.

[ 323 ]

فمنعناه ودفعناه عن ذلك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: احسنت ادفعه عن ذلك وامنعه اشد المنع. فقلت: فان دخلوا فارادوا ان يصلوا فيه جماعة قال: يقومون في ناحية المسجد ولا يبدوبهم امام (1). وقد ناقش صاحب المدارك في سندها بجهالة ابي علي. واجيب عنه بوجوه: احدها: ان الراوي عنه في طريق الصدوق هو محمد بن أبي عمير، وحيث انه لا يروي الا عن الثقة فروايته عنه توثيق له، فإذا صح طريق الصدوق صح طريق الشيخ ايضا إذ يثبت ان أبا علي الذي يروى عنه الحسين بن سعيد ثقة بتوثيق ابن ابي عمير اياه عملا. وفيه أولا: ما ذكرناه في محله من ان الكلية المدعاة من ان ابن ابي عمير لا يروي إلا عن الثقة لا اساس لها، فقد عثرنا على روايته عن غير الثقة في غير مورد. وثانيا: مع التسليم فتطبيق ابي علي الذي يروى عنه ابن أبي عمير على من يروي عنه الحسين بن سعيد لا شاهد عليه، فان الاول مقيد بالحراني، والثاني مطلق، ولعل المراد به الخزاز. بل هو الظاهر لرواية الحسين بن سعيد عنه في غير هذا المورد ولا توثيق له ثانيها: ما ذكره في الجواهر (2) تارة من انجبار الضعف بعمل الاصحاب. وفيه ما لا يخفى. واخرى: بان في طريق الصدوق ابن ابي عمير وفي طريق الشيخ الحسين بن سعيد وكلاهما من أصحاب الاجماع. ويرده مضافا إلى وضوح ان الحسين بن سعيد لم يكن نم اصحاب


(1) الوسائل: باب 65 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 (2) ج 9 ص 42

[ 324 ]

الاجماع ولعله سهو من قلمه الشريف، ما ذكرناه في محله من ان المراد من الاجماع المزبور الذي ادعاه الكشي ان هؤلاء الجماعة يصدقون فيما يدعون ويعتمد على ما يقولون لجلالة قدرهم ورفعة شأنهم فيصح ما صح عنهم بانفسهم لا عمن يروون عنه ليدل على توثيقه ايضا. وعلى تقدير ارادته فهو اجماع منقول لا يعول عليه. ثالثها: ما ذكره في الجواهر (1) ايضا من احتمال ان يكون ابو علي الحراني هو سلام بن عمرو الثقة. واورد عليه بان الموثق هو سلام بن أبي عمرة لا سلام بن عمرو على انه لم يثبت ان كنيته أبو علي. اقول: الظاهر ان الرجلين شخص واحد وانه مكنى بأبي علي. اما الاتحاد فلاجل ان الشيخ لم يتعرض في الفهرست لسلام ابن ابي عمرة وانما تعرض لسلام ابن عمرو الخراساني وذكر طريقه إليه ولم يوثقه بالعكس من النجاشي حيث انه تعرض للاول دون الثاني، وذكر طريقه إليه بعد ان وثقه. وطرق كل منهما هو بعينه الطريق الذي ذكره الآخر فمن عدم تعرض كل منهما لما تعرض إليه الآخر مع وحدة الطريق يستكشف الاتحاد وان نسخة الفهرست اما محرفة لان النجاشي اضبط أو ان ابا عمرة اسمه عمرو فذكر الشيخ اسمه، والنجاشي كنيته، والا فما هو وجه الاهمال مع التزامهما بذكر كل من له كتاب، فبعد الاتحاد يكون الرجال موثقا بتوثيق النجاشي. واما ان كنيته أبو علي فيظهر مما ورد في الجزء الاول من اصول الكافي في كتاب الحجة حيث قال: " عدة من اصحابنا عن


(1) ج 9 ص 42.

[ 325 ]

الحسين بن الحسن بن يزيد عن بدر عن ابيه قال: حدثني سلام أبو علي الخراساني.. الخ. فان من الواضح ان المراد به هو الرجل المبحوث عنه وقد كناه بأبي علي، فيعلم ان كنيته ذلك، وقد ترجمه النجاشي بعنوان الخراساني ووثقه، إذا فما احتمله في الجواهر امر قابل للتصديق، بل هو الصحيح من حيث وثاقة سلام بن عمرو وتكينته بأبي علي. لكن الشأن في تطبيقه على أبي علي الموجود في سند هذه الرواية حيث انه يلقب بالحراني، وذاك بالخراساني كما سمعته من النجاشي ولا يحتمل الاتحاد، فان حران من بلاد العرب ومنها ابن تيمية، وخراسان من بلاد ايران، فاين الحراني من الخراساني، ولعل الامر قد التبس على صاحب الجواهر لما بينهما من التقارب كتبا ولفظا هذا في طريق الصدوق. واما في طريق الشيخ فلا يحتمل ان يراد من ابي علي الذي يروي عنه الحسن بن سعيد الخراساني المزبور فانه من اصحاب الباقر عليه السلام وان ادرك الصادق ايضا كما ذكره النجاشي فكيف يروى عنه الحسين بن سعيد الذي هو من اصحاب الهادي عليه السلام. نعم روى احيانا عن بعض اصحاب الصادق، اما الذي هو من اصحاب الباقر عليه السلام فروايته عنه بعيد غايته لاختلاف الطبقة، بل المراد كما سبق هو الخزاز لرواية الحسين بن سعيد عنه في غير هذا المورد ولا توثيق له. فتحصل: ان ما احتمله في الجواهر لا يمكن المساعدة عليه، بل الصحيح جهالة الراوي كما ذكره صاحب المدارك. اجل ان: الرجل اعني ابا علي الحراني موجود في اسناد كامل

[ 326 ]

[ منفردا أو جماعة (1) ]. الزيارات فيحكم بوثاقته (1) لهذه الجهة، فتكون الروايات المعتبرة الواردة في المقام بضميمة الموثقتين المتقدمتين ثلاثا. تنبيه: قال صاحب الوسائل: في خاتمة الكتاب (2) ما لفظه: " سلام ابن ابي عمرة الخراساني ثقة روى عن ابي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام قاله النجاشي ونقله العلامة " ولكنك سمعت من النجاشي انه روى عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام، ولم يذكر احد روايته عن ابي الحسن (ع). فما ذكره (قده) من عطف (أبي الحسن) لعله سهو من قلمه الشريف. (1): كما عن جماعة من الاصحاب استنادا إلى الاطلاق في جملة من نصوص الباب واختصاص بعضها كرواية ابي بصير المتقدمة بمريد الجماعة لا يستوجب التقييد، إذ مضافا إلى ضعف سندها والى ان القيد مذكور في كلام السائل فلا مفهوم له، انهما مثبتان فلا تعارض ليرتكب التقييد. (ودعوى) انصراف المطلقات إلى مريد الجماعة لمكان الغلبة. (مدفوعة) بان الغلبة في الوجود لا تستوجب الانصراف ما لم تبلغ حد الغلبة في الاستعمال كما تقرر في محله. وهذا كله واضح. وانما الكلام في انه هل يوجد في نصوص الباب اطلاق يمكن الركون إليه؟. اما رواية ابي بصير الآنفة الذكر فهي واردة في قاصد الجماعة


(1) حسب الرأي السابق. (2) ج 20 ص 208.

[ 327 ]

[ وقد اقيمت الجماعة حال اشتغالهم (1) ولم يدخل معهم. ] لقوله: سألته عن الرجل ينتهي إلى الامام.. الخ وقد عرفت حالها. واما موثقته المتقدمة فلا يبعد ان نكون ايضا خاصة بذلك ولا اقل من عدم انعقاد الاطلاق لها، فان المنسبق من قوله: " الرجل يدخل المسجد وقد صلى القوم.. الخ " انه لولا فراغهم من الصلاة لدخل معهم فسأل عن حكم الاذان فيما لو انقضت الجماعة فلم يدركها ومثله قاصد للجماعة بطبيعة الحال. ونحوها موثقة زيد بن علي فان المستفاد من قوله عليه السلام (فليؤم احدكما صاحبه) انهما كانا مريدين للجماعة فتأخرا ولم يدركا فمن ثم امرهما بانعقادها فيما بينهما ان شاء. وقد رواها في الوسائل في باب 65 من صلاة الجماعة حديث 3 هكذا ".. وقد صلى علي بالناس.. الخ " وحينئذ فالامر أوضح لان امام الجماعة إذا كان عليا عليه السلام وهو خليفة الوقت فكل من يدخل المسجد فهو يريد الجماعة خلفه بطبيعة الحال. نعم ان رواية السكوني مطلقة ولكنها ضعيفة السند كما عرفت. والعمدة رواية ابي علي فان اطلاقها لمريد الجماعة وغيره ولو من اجل ترك الاستفصال غير قابل للانكار، وقد عرفت انها معتبرة عندنا لوقوع ابي علي في اسناد كامل الزيارات. نعم من لا يرى اعتبارها كما عن جماعة لا بد لهم من اختصاص الحكم بمريد الجماعة لفقد مستند يعول عليه في الحكم بالاطلاق حسبما عرفت. (1): مورد نصوص الباب دخول المسجد بعد انتهاء الجماعة.

[ 328 ]

[ أو بعد فراغهم مع عدم تفرق الصفوف (1) ]. وأما حال الاشتغال فلم يرد نص فيه على السقوط. وحينئذ فان بنينا على تعميمه لغير مريد الجماعة ثبت في المقام بالاولوية، لان غير المريد لو حكم عليه بالسقوط بمجرد ادراك الصفوف، فمع ادراك الجماعة نفسها بطريق اولى، وان بنينا على الاختصاص فلا مقتضي له وقد عرفت ان الاظهر هو الاول. (1): مقتضى الاطلاق في موثقة زيد بن علي عدم الفرق في السقوط بين تفرق الصفوف وعدمه إلا ان يقال انها حكاية عن قضية خارجية، ولعل الصفوف كانت باقية وغير متفرقة، فلا اطلاق لها من هذه الجهة. وكيفما كان فعلى تقدير انعقاد الاطلاق فهو مقيد بموثقة ابي بصير المصرحة بالتفصيل واناطة السقوط بعدم التفرق. وهل العبرة بتفرق الصفوف باجمعها بحيث لا تبقى هيئة للجماعة عرفا، فلو ذهب نصفهم مثلا لم يصدق التفرق لبقاء الهيئة العرفية وقيامها بالنصف الباقي، أو انه يكفي التفرق في الجملة ولو بذهاب بعضهم. ربما يشهد للثاني اطلاق موثقة ابي بصير لظهورها في ان العبرة بتفرق الصف الحاصل ولو بخروج البعض، لكن الاظهر حسبما هو المنسبق إلى الذهن في امثال المقام من الاناطة بالصدق العرفي هو الاول، كما قد تشهد به موثقة ابي علي حيث دلت على عدم حصول التفرق بخروج البعض واشتغال البعض الآخر بالتعقيب، وبها ترفع اليد عن الاطلاق المزبور.

[ 329 ]

وكيفما كان: فعلى تقدير الترديد في المراد من التفريق فاللازم الاقتصار على المقدار المتيقن من السقوط، والرجوع فيما عداه إلى اطلاقات الاذان والاقامة على ما هو الشأن في كل مخصص منفصل مجمل دائر بين الاقل والاكثر هذا. ويظهر مما ورد في كتاب زيد النرسى خلاف ما ذكرناه، فقد روى عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا ادركت الجماعة وقد انصرف القوم ووجدت الامام مكانه واهل المسجد قبل ان ينصرفوا اجزأت اذانهم واقامتهم فاستفتح الصلاة لنفسك، وإذا وافيتهم وقد انصرفوا عن صلاتهم وهم جلوس اجزأ اقامة بغير اذان وان وجدتهم وقد تفرقوا وخرج بعضهم عن المسجد فأذن واقم لنفسك (1). حيث تضمنت تقسيم مدرك الجماعة بعد الانصراف إلى حالات ثلاث: فتارة يدركها والامام جالس والقوم لم يتفرقوا، واخرى حال جلوس القوم، وثالثة بعد تفرقهم وخروج بعضهم عن المسجد. ففي الاولى لا يؤذن ولا يقيم، وفي الثانية يقيم فقط، وفي الثالثة ويؤذن ويقيم. وينبغي التكلم اولا حول سند الرواية واعتبار الكتاب، وثانيا في مدى دلالتها. اما السند فزيد النرسي لم يرد فيه توثيق صريح ولكنه من رجال كامل الزيارات، فلاجله يحكم بوثاقته (2). واما كتابه فقد رواه النجاشي عن احمد بن علي بن نوح عن


(1) مستدرك الوسائل: باب 22 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) حسب الرأي السابق وقد عدل دام ظله عنه.

[ 330 ]

الصفواني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير فالطريق إليه معتبر. كما ان الشيخ يرويه عن ابن ابي عمير، وقد ذكر عند ترجمته طريقه إلى جميع كتبه ورواياته والطريق صحيح. فما ذكره الاردبيلي من ارسال الطريق غفلة منه (قده). وذكر ابن الغضائري ان كتاب زيد النرسي من الكتب القديمة وانه روى عن ابن ابي عمير، وحيث انا لا نعتمد على كتاب ابن الغضائري فالعمدة ما سمعته من الشيخ والنجاشي. إذا فما ذكره ابن الوليد وتبعه الصدوق من ان الكتاب موضوع وضعه محمد بن موسى الهمداني مما لا ينبغي الاصغاء إليه. ومن ثم قال ابن الغضائري: " ولقد غلط أبو جعفر (اي الصدوق) في هذا القول فاني رأيت كتبهما زيد النرسي وزيد الزراد مسموعة من محمد بن ابي عمير ". ويمكن الاعتذار عن ابن الوليد بان الكتاب لم يصل إليه الا من طريق الهمداني المزبور، وحيث انه ضعيف فتخيل انه وضعه من عند نفسه، وقد وصل إلى الشيخ والنجاشي بطريق آخر معتبر كما عرفت. إلا انه لا يعذر في دعواه الجزم بالوضع وان انحصر الطريق فيه بداهة جواز صدور الصدق من الضعيف، إلا مع العلم بكذبه في ذلك وانى له ذلك. وكيفما كان فلا ينبغي الشك في اعتبار الكتاب، غير ان الذي يوقعنا في الريب ان الكتاب نادر وعزيز الوجود، ولذا لم يصل إلى ابن الوليد والصدوق بطريق معتبر كما سمعت. فهو إذا لم يكن من الكتب المشهورة المعروفة.

[ 331 ]

وعليه: فلا ندري ان ما رواه الشيخ النوري في مستدركه هل هو مأخوذ من نفس الكتاب أو من غيره، ولا سيما بعدما تداول في الاعصار المتأخرة من الاكتفاء بمجرد الاجازة في الرواية بخلاف ما كان متعارفا في العصور القديمة من قراءة الكتاب باجمعه على الاستاد، أو قراءته على من يأخذه عنه فيرويه عنه قراءة لا اجازة ليتأكد على التمامية والصيانة عن النقص أو الزيادة. إذا فغاية ما يثبت لدينا من رواية النوري عن كتاب النرسي انه قد وجد كتابا يسمى بذلك وهو مجاز في النقل. وهذا المقدار لا يجدي في المطلوب كما لا يخفى. هذا من حيث السند. واما من ناحية الدلالة فهي مضطربة المتن كما اعترف به غير واحد لعدم وضوح الفرق بين الصورتين الاوليين موضوعا بعد اشتراكهما في عدم التفرق، فكيف افترقا حكما، فحكم بسقوط الاذان والاقامة تارة، وسقوط خصوص الاول اخرى. وملخص الكلام: ان الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لاضطراب متنها وضعف سندها، فان النرسي وكتابه وان كانا معتبرين الا ان الطريق إليه مقطوع، مضافا إلى انها رواية شاذة ومعارضة بالروايات المشهورة القاضية بسقوط الاذان والاقامة معا في تلك الحالة حسبما عرفت. بقي شئ: لم يتعرض إليه في المتن وهو انه هل الجماعة المنعقدة ثانيا المجترية باذان الاولى كالاولى في سقوط الاذان عمن ورد عليهم أو لا؟. اختار المحقق الهمداني الاول فعمم الحكم لمطلق الجماعة. ولكنه غير واضح لخروج الثانية عن مورد الاخبار، فان منصرفها

[ 332 ]

[ فانهما يسقطان، لكن على وجه الرخصة لا العزيمة (1) على الاقوى، ] الجماعة المشتملة على الاذان والاقامة دون المجتزية فلا اطلاق. نعم: قد تضمن ذيل موثقة ابي علي انعقاد جماعة ثانية مجتزية لكنه لم يفرض الورود عليها. ودعوى انها لدى الاجتزاء تكون كالاولى في كون صلاتهم باذان واقامة كما ترى، إذ المتيقن من الاجتزاء سقوطهما عنهم لا ترتيب ساير الاحكام ليشمل السقوط عن الداخل عليهم. إذا فاطلاقات الاذان والاقامة هي المحكم بعد سلامتها عما يصلح للتقييد. (1): نظرا إلى انه مقتضى الجمع بين موثقتي زيد بن علي وابي علي المتقدمتين الظاهرتين في نفي المشروعية، وبين موثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام (في حديث) في الرجل ادرك الامام حين سلم، قال: عليه ان يؤذن ويقيم ويفتتح الصلاة (1) المؤيدة برواية معاوية بن شريح المتقدمة: ".. ومن ادركه وقد سلم فعليه الاذان والاقامة (2) الصريحتين في المشروعية، فترفع اليد عن ظهور الاولى بصراحة الثانية ويلتزم بكون السقوط على سبيل الرخصة كما اختاره جماعة. ولكنه كما ترى بعيد غايته ضرورة إباء لسان الموثقتين ولا سيما


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب الاذان والاقامة ح 5. (2) الوسائل: باب 49 من أبواب الجماعة ح 6.

[ 333 ]

قوله عليه السلام في الثانية: ".، احسنت ادفعه عن ذكل وامنعه اشد المنع " عن الحمل على الرخصة، فانه لم يكن من الجمع العرفي في شئ لما بين اللسانين من التدافع الظاهر بل هي كادت تكون صريحة في كون السقوط على سبيل العزيمة. وربما يجمع بينهما بحمل الثانية على ما بعد التفرق. وهو ايضا كما ترى لان ظاهر قوله عليه السلام في الموثقة: " ادرك الامام حين سلم. الخ " ادراكه مقارنا للتسليم، وهو ملازم لعدم افتراق الصفوف بطبيعة الحال فكيف تحمل على ما بعده. وهناك وجه ثالث للجمع: وهوان الطائفة الاولى مختصة بالداخل في المسجد، والثانية مطلقة من هذه الجهة فتحمل على الجماعة المنعقدة في غير المسجد، فلا تعراض بعد تعدد المورد، إذ السقوط من احكام المسجد كما ستعرف. وربما يورد عليه بان النسبة بينهما عموم من وجه فان الثانية وان كانت مطلقة من حيث المسجد وغيره ولكنها خاصة بناوي الجماعة على العكس من الطائفة الاولى، فتتعارضان في مادة الاجتماع وهي ناوي الجماعة المنعقدة في المسجد والمرجع بعد التساقط اطلاقات الاذان والاقامة. ويندفع: بان اطلاق الطائفة الاولى لغير الناوي محل تأمل، كيف ومادة الاجتماع هي القدر المتيقن من السقوط. وانما الكلام في الاطلاق وشموله لغير هذا المورد، فكيف تقع موردا للتعارض، بل قد تقدم ان موثقتي زيد بن علي وابي بصير ظاهرتان في ناوي الجماعة وعليه فتكون النسبة بين موثقة عمار وبين الطائفة الاولى نسبة المطلق إلى المقيد، فتقيد بها عملا بصناعة الاطلاق والتقييد

[ 334 ]

[ سواء صلى جماعة اماما أو مأموما أو منفردا (1) ]. فيختص مورد الموثقة بغير المسجد، وتلك الطائفة بالمسجد ويعمل بما هو ظاهرها من كون السقوط فيه على سبيل العزيمة حسبما عرفت فتحصل ان الجمع الثالث هو المتعين، وان الصحيح ما هو المشهور من كون السقوط بنحو العزيمة. (1): ربما ينسب إلى المشهور اختصاص الحكم بمن يريد اقامة الجماعة ثانيا ولكنه غير ظاهر، فان نصوص المقام على اقسام: منها: ماهي مطلقة كموثقة ابي بصير (1) حيث ان مقتضى ترك الاستفصال عدم الفرق بين كون الداخل واحدا أو أكثر ومع التعدد صلوا جماعة أو منفردين. ومنها: ما مورده الجماعة كموثقة زيد بن علي، وكان من المتعارف سابقا تصدي الامام بنفسه للاذان، حتى ان النبي صلى الله عليه وآله كان احيانا يؤذن بنفسه للصلاة. ومن ثم قال عليه السلام: ولا يؤذن.. الخ. ومنها: ما مورده الانفراد كموثقة ابي علي (2) فان قوله في الذيل: " فأن دخلوا فارادوا ان يصلوا فيه جماعة.. الخ " كاشف بمقتضى المقابلة عن اختصاص الصدر بالمنفرد. فتحصل ان المستفاد من النصوص شمول الحكم لكل من الامام والمأموم والمنفرد كما اثبته في المتن.


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب الاذان والاقامة ح 2. (2) الوسائل: باب 65 من أبواب الجماعة ح 2.

[ 335 ]

[ ويشترط في السقوط أمور: (احدها): كون صلاته وصلاة الجماعة كلتاهما ادائية، فمع كون احداهما أو كلتيهما قضائية عن النفس أو عن الغير على وجه التبرع أو الاجارة لا يجري الحكم (1). (الثاني) اشتراكهما في الوقت (2) فلو كانت السابقة عصرا وهو يريد ان يصلي المغرب لا يسقطان. ] (1): فان نصوص الباب المعتبرة ثلاثة كما تقدم، وهي موثقات ابي بصير وزيد بن علي، وابي علي، والمفهوم من الكل انسباقا أو انصرافا ان صلاتي الداخل والمدخول كلتاهما صاحبتا الوقت كما لا يخفى. فلا اطلاق لشئ منها يشمل صلاة القضاء فيرجع فيها إلى اطلاقات ادلة الاذان والاقامة بعد سلامتها عما يصلح للتقييد. (2): لعين ما تقدم من الانصراف لا سقوط مع الاختلاف فلو اقيمت الجماعة في آخر وقت العصر مثلا وقد شاهدناها في صلاة المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده)، وبعد الفراغ قبل تفرق الصفوف دخل وقت المغرب فدخل المسجد من يريد ان يصليها ليس له الاكتفاء باذان تلك الجماعة واقامتها لما عرفت من عدم الاطلاق في تلك الروايات الثلاث ليشمل صورة الاختلاف في الوقت فتبقى اطلاقات الاذان والاقامة بحالها. اضف إلى ذلك ان غاية ما يستفاد من ادلة السقوط فرض اذان المدخول اذانا للداخل، فإذا كان الاذان المزبور لا يجزي للمدخول

[ 336 ]

[ (الثالث): اتحادهما في المان عرفا (1)، فمع كون احداهما داخل المسجد والآخر على سطحه يشكل السقوط وكذا مع البعد كثيرا. ] بالاضافة إلى صلاة المغرب لعدم مشروعية الاذان قبل دخول الوقت فكيف يجزي غيره. (1): فلا سقوط مع التعدد لانصراف النصوص عنه. ولكنه انما يتجه في مثل داخل المسجد وسطحه حيث ان انشاء السطوح في المساجد لم يكن متعارفا في العصور السابقة، وانما حدثت اخيرا. ولا ريب ان المنسبق من الموثقات المتقدمة المنزلة على المتعارف في تلك الازمنة إنما هو ارض المسجد التي انعقدت فيها الجماعة، فالداخل عليها يسقط عنه الاذان والاقامة لا الداخل على سطحها، بل المحكم حينئذ اطلاقات الادلة. فاعتبار الاتحاد في المكان بهذا المعنى صحيح. واما اعتباره بمعنى عدم البعد المفرط مع فرض وحدة المسجد فغير واضح، فان عليا عليه السلام صلى في مسجد الكوفة وهو من اعظم المساجد واكبرها في عصره عليه السلام وقد امر الرجلين الداخلين كما في موثقة زيد بن علي بأن يصليا بلا اذان ولا اقامة من غير تخصيص بالمكان الذي هو صلى فيه. ومن الجائز انهما صليا في زاوية بعيدة، بل ان موثقة ابي علي صرحت بانهم يقومون في ناحية المسجد الظاهرة في كونها غير الناحية التي اقيمت الجماعة فيها وبطبيعة الحال يكون البعد كثيرا، إذا فاعتبار وحدة المكان

[ 337 ]

[ (الرابع): ان تكون صلاة الجماعة السابقة مع الاذان والاقامة فلو كانوا تاركين لا يسقطان عن الداخلين (1). وان كان تركهم من جهة اكتفائهم بالسماع من الغير (2). (الخامس): ان تكون صلاتهم صحيحة (3)، فلو كان الامام فاسقا مع علم المأمومين لا يجري الحكم، وكذا لو كان البطلان من جهة اخرى. ] بهذا المعنى لا دليل عليه. (1): لقصور الادلة عن الشمول لذلك، اما موثقة ابي بصير فلورودها في الجماعة التي اذن لها واقيم كما هو صريح قوله عليه السلام فيها: ".. صل باذانهم واقامتهم.. الخ " (1). واما موثقتا زيد بن علي وأبي علي فلعدم اطلاق فيهما يشمل الجماعة الفاقدة لهما لو لم يكن المنسبق منهما خصوص الواجدة باعتبار ما يفهم منهما من ان العلة في السقوط الاجتزاء باذان الجماعة المنتهية واقامتها كما لا يخفى. (2): لان منصرف الموثقة الجماعة المشتملة عليها دون المكتفية واما الموثقتان فقد عرفت حالهما، وباقي النصوص لا اعتبار بها. (3): فلا اثر للباطلة بأي سبب كان لوضوح خروجها عن منصرف النصوص. نعم: لا يبعد الاكتفاء فيما إذا استند البطلان إلى فقد شرط الايمان بل هو الاظهر نظرا إلى ما هو المعلوم خارجا عن عدم انعقاد


(1) الوسائل: باب 25 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 338 ]

[ (السادس): ان يكون في المسجد، فجريان الحكم في الامكنة الاخرى محل اشكال (1) وحيث ان الاقوى كون السقوط على وجه الرخصة فكل مورد شك في شمول الحكم له (2) الاحوط ان يأتي بهما، كما لو شك في صدق التفرق وعدمه أو صدق اتحاد المكان وعدمه، أو كون صلاة الجماعة ادائية أو لا، أو انهم اذنوا واقاموا لصلاتهم ام لا نعم لو شك في صحة صلاتهم حمل على الصحة. ] الجماعة للشيعة في الجوامع العامة في عصر صدور هذه النصوص، وانما كان المتصدي لها غيرهم، فيظهر من ذلك ان العبرة بجماعة المسلمين من غير اختصاص بطائفة خاصة. (1): بل الاظهر اختصاص الحكم بالمسجد لاختصاص نصوص الباب به ما عدا خبر ابي بصير الضعيف ولا عبرة به. بل قد عرفت فيما سبق ان ذلك كان مقتضى الجمع بين تلك النصوص وبين موثقة عمار الدالة على عدم السقوط فحملناها على غير المساجد وكانت نتيجة الجمع اختصاص السقوط بالمساجد. (2): اما إذا كان منشأ الشك عدم احراز صحة الصلاة فلا شبهة في البناء عليها استنادا إلى اصالة الصحة فيحكم بالسقوط وهذا واضح. واما إذا كان المنشأ غير ذلك، فان كانت الشبهة حكمية كما لو شك في ان العبرة بتفرق البعض أو الجميع فالمرجع عمومات التشريع للزوم الاقتصار في المخصص المنفصل المجمل الدائر بين الاقل والاكثر

[ 339 ]

على المقدار المتيقن والرجوع فيما عداه إلى عموم العام فيحكم بعدم السقوط. وان كانت موضوعية كالشك في حصول التفرق لظلمة ونحوها فان كان هناك اصل موضوعي يحرز به عنوان المخصص كاصالة بقاء الاجتماع وعدم عروض التفرقة حكم بالسقوط، أو يحرز به عدمه كاصالة عدم الاذان والاقامة للجماعة المنتهية حكم بعدم السقوط. وان لم يكن ثمة اصل موضوعي كما لو شك في ان الجماعة كانت لصلاة ادائية ام قضائية. فبناءا على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية كان المتبع اصالة عدم الاتصاف بكونها ادائية فينتفي اثرها وهو السقوط ويحكم بعدمه، ولا تعارض بالمثل لعدم ترتب الاثر كما لا يخفى. وبناءا على عدم الجريان كان مقتضى الاحتياط الاتيان بهما، غاية الامر بعنوان الرجاء على العزيمة، وبنية جزمية على الرخصة. ومنه: تعرف ان توهم اختصاص الاحتياط بالرخصة، وعدم جريانه على القول بالعزيمة فاسد لوضوح ان الحرمة على العزيمة تشريعية لا ذاتية، وهي منتفية لدى قصد الرجاء فان ذكر الله حسن على كل حال. وبالجملة: لا مانع من الاحتياط على كلا المبنيين، فعلى الترخيص يقصد الامر الجزمي وان لم يدر انه بمرتبته القوية لو لم يكن سقوط أو الضعيفة لو كان، نظير الاحتياط في موارد الدوران بين الوجوب والاستحباب، وعلى العزيمة لا سبيل للجزم لفرض عدم احراز الامر وانما يأتي به رجاءا وبداعي احتماله. فتحصل انه لا سقوط في شئ من موارد الشبهة الا في الشك في

[ 340 ]

[ (الثالث): من موارد سقوطهما إذا سمع الشخص اذان غيره أو اقامته (1) ]. التفرق بشبهة موضوعية، وكذا في الشك في الصحة الذي بعرفته أولا فلاحظ. (1): ويستدل له بجملة من النصوص: منها: ما ورد من ان عليا عليه السلام كان يؤذن ويقيم غيره، وكان يقيم وقد اذن غيره، وورد مثل ذلك عن الصادق عليه السلام ايضا (1). وفيه: مضافا إلى ضعف سندهما بالارسال ان الدلالة قاصرة فانهما ناظرتان إلى صلاة الجماعة، وانه لا يعتبر ان يكون المؤذن والمقيم هو الامام، بل يكتفى باذان الغير واقامته كما تقدم، وقد ورد ايضا انه ربما كان النبي صلى الله عليه وآله يأتي بهما، وربما كان بلال، فلا ربط لهما بمحل الكلام من الاجتزاء بالسماع بما هو سماع حتى إذا كان منفردا كما لا يخفى. ومنها: النصوص المتضمنة انه لا بأس ان يؤذن الغلام قبل ان يحتلم (2) بدعوى ان اطلاقها يدل على الاجتزاء حتى في حق السامع. ولكنك خبير بعدم ارتباطها ايضا بالمقام فانها بصدد بيان عدم اعتبار البلوغ في صحة الاذان من غير نظر إلى اجتزاء الغير به بوجه. ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام


(1) الوسائل: باب 31 من أبواب الاذان والاقامة ح 3 و 1. (2) الوسائل: باب 32 من أبواب الاذان والاقامة.

[ 341 ]

قال: إذا اذن مؤذن فنقص الاذان وانت تريد ان تصلي باذانه فاتم ما نقص هو من اذانه.. الحديث (1) بدعوى ظهور قوله عليه السلام (تصلي باذانه) في الاجتزاء بسماع اذان الغير. وقد استدل بها صاحب الحدائق (2) قائلا ان اكثر الاصحاب لم يستدلوا بها وكأنه متفرد في ذلك. ويندفع: بان اقصى ما تدل عليه ان الموارد التي يجتزي فيها باذان الغير لو كان فيها نقص أتمه المصلي بنفسه من غير نظر إلى تعيين تلك الموارد، بل هي مفروضة الوجود، والاجتزاء فيها امر مفروغ عنه وثابت من الخارج، ومن الجائز ان يكون المراد صلاة الجماعة فلا اطلاق لها يتمسك به لمطلق السماع حتى مع الانفراد. وبعبارة اخرى: للاذان نسبتان، نسبة إلى المؤذن ونسبة إلى السامع والظاهر من الصحيحة ان المجزي إنما هو الاذان باعتبار صدوره لا باعتبار سماعه لقوله عليه السلام: " إذا اذان مؤذن " ولم يقل إذا سمعت اذان مؤذن فلا جرم تختص باذان الجماعة حيث انه يجزي اذان الامام وان لم يسمعه المأموم وبالعكس فإذا نقص شئ من اذان احدهما أتمه الآخر، فلا ربط لها بالاجتزاء من حيث السماع الذي هو محل الكلام، ولعله لاجله لم يستدل بها الاكثرون كما سمعته من صاحب الحدائق. والعمدة في المقام روايتان: احداهما معتبرة ابي مريم الانصاري قال: صلى بنا أبو جعفر عليه السلام في قميص بلا ازار ولا رداء ولا اذان ولا اقامة إلى ان قال: فقال: واني مررت بجعفر وهو


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) ج 7 ص 430.

[ 342 ]

[ فانه يسقط عنه سقوطا على وجه الرخصة (1) بمعنى انه يجوز له ان يكتفي بما سمع. ] يؤذن ويقيم فلم اتكلم فاجزأني ذلك (1). والسند معتبر فان ابا مريم وهو عبد الغفار بن القاسم ثقة والراوي عنه وهو صالح بن عقبة من رجال كامل الزيارات (2)، كما ان الدلالة واضحة، وسيأتي ان شاء الله تعالى ان الكلام اثناء الاقامة يوجب استحباب اعادتها. ثانيتهما: موثقة عمرو بن خالد عن ابي جعفر عليه السلام قال: كنا معه فسمع اقامة جار له بالصلاة، فقال: قوموا فقمنا فصلينا معه بغير اذان ولا اقامة، قال: ويجزيكم اذان جاركم (3) وهي واضحة الدلالة وقد تقدم الكلام حول اعتبار السند فلاحظ. (1): كما اختاره جمع من المتأخرين خلافا للشيخ في المبسوط وصاحب المستند من انه على وجه العزيمة، ويستدل لهما بوجهين: احدهما: قوله عليه السلام في موثقة عمرو بن خالد: (يجزيكم اذان جاركم) بدعوى ان معنى الاجزاء سقوط الامر، فإذا سقط فلا امر بالاذان، ومعه كان الاتيان به تشريعا محرما، وهو مساوق للعزيمة. وفيه: ان معنى الاجزاء الاكتفاء لا السقوط، وقد استعمل في ذلك في جملة من الموارد مثل ما ورد من ان المسافر تجزيه الاقامة،


(1) الوسائل: باب 30 من أبواب الاذان والاقامة ح 2. (2) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا يشمله التوثيق (3) الوسائل: باب: 30 من أبواب الاذان والاقامة ح 3.

[ 343 ]

وان المرأة يجزيها ان تكبر وان تشهد ان لا إله إلا الله ونحو ذلك مما يعلم ان السقوط ترخيص محض مع بقاء الامر بحاله. نعم قد استعمل في مبحث الاجزاء بمعنى اسقاط الاعادة والقضاء ولكنه انكره غير واحد من المتأخرين، منهم صاحب الكفاية نظرا إلى ان الاسقاط المزبور من آثار الاجزاء لا نفسه، فان معناه مجرد الاكتفاء بما اتى به كما عرفت. ومن المعلوم ان الاكتفاء ظاهر في الترخيص. ثانيهما: ان مرجع الاجتزاء بالسماع إلى التخصيص في عمومات التشريع وبدلية الاذان المسموع عن الاذان الموظف وبعد خروج مورد التخصيص عن الاطلاقات الاولية لم يبق امر بالنسبة إليه، لفرض تقيد الامر بهما بغير صورة السماع، ومعه كان السقوط طبعا على وجه العزيمة. ويندفع بان تلك الاطلاقات على ضربين. احدهما: ما هو ظاهر في الوجوب كقوله: لا صلاة الا باذان واقامة. ثانيهما: ما هو ظاهر في الاستحباب كقوله: ان تركته فلا تتركه في المغرب. ونحو ذلك مما تقدم. ونصوص المقام وان لم يكن بد من الالتزام بكونها على سبيل التخصيص بالاضافة إلى القسم الاول بداهة امتناع اجتماع الوجوب ونفي حقيقة الصلاة عن الفاقدة للاذان والاقامة مع الترخيص في الترك والاجتزاء بالفاقدة لهما. الا انه بالاضافة إلى القسم الثاني لا مقتضي لارتكاب التخصيص المستلزم لسقوط الامر لجواز بقائه بالمرتبة الضعيفة فيكون الاذان مستحبا مع السماع وعدمه. غايته

[ 344 ]

[ اماما كان الآتي بهما أو مأموما أو منفردا (1). وكذا في السامع (2)، لكن بشرط ان لا يكون ناقصا وان يسمع تمام الفصول (3) ومع فرض النقصان يجوز له ان يتم ] انه في الثاني آكد ويكون الاجزاء في مورد السماع اجزاءا عن تأكد الاستحباب لا عن اصله. ومعه كان السقوط على وجه الرخصة لا العزيمة. فما اختاره في المتن هو الصحيح. (1): للاطلاق في معتبرتي ابي مريم وعمرو بن خالد المتقدمتين فان مورد الاولى وان كان هو المنفرد لاستبعاد انعقاد جماعتين احداهما للباقر والاخرى للصادق في عرض واحد، كاستبعاد اقتدائه عليه السلام بغير ابيه، الا ان قوله (ع): واني مررت بجعفر.. الخ الذي هو بمثابة التعليل من غير تقييد بحالتي الانفراد أو الجماعة يستدعي التعميم. وأوضح منها قوله عليه السلام في الثانية: (يجزيكم اذان جاركم) فان اطلاقها يشمل الامام والمأموم والمنفرد. (2): فان المعتبرتين وان وردتا في الجماعة وموردهما الامام ويتبعه المأموم فلا يشملان المنفرد ولا المأموم الذي لم يسمع امامه ولم يؤذن، الا انه يظهر من التعليل عدم الخصوصية لشخص دون آخر، وانما العبرة بسماع الاذان والاقامة وعدم التكلم فيشمل الامام والمأموم والمنفرد بمناط واحد. (3): لظهور دليل الاجتزاء بالسماع في الاذان والاقامة التامين مع سماع الفصول باجمعها. فالنقص في المسموع أو في السماع خارج

[ 345 ]

[ ما نقصه القائل (1). وكذا إذا لم يسمع التمام يجوز له ان يأتي بالبقية (2) ويكتفي به. ] عن منصرف النصوص على تأمل في الثاني ستعرفه. (1): ربما يستدل له بصحيحة ابن سنان المتقدمة. وفيه: ما عرفت من ان موردها الاجتزاء بنفس الاذان لا بسماعه فيختص بصلاة الجماعة حيث تقدم ان في الاذان نسبتين، نسبة إلى القائل والموجد، ونسبة إلى السامع، والملحوظ في الصحيحة هي النسبة الايجادية من غير نظر إلى حيثية االسماع بوجه. ومن ثم قال عليه السلام: (وانت تريد ان تصلى باذانه) ولم يقل بسماع اذانه. وهذا من مختصات صلاة الجماعة، حيث يكفي صدور الاذان من احدهم عن الباقين فيصلون باذانه وان لم يسمعوه. إذا فتتميم النقص الذي تضمنته الصحيحة ناظر إلى هذه الصورة. اما من يكتفي بمجرد السماع الذي هو محل الكلام فلا دليل فيه على جواز التتميم بل لو نقص البعض استأنف الاذان من الاصل لما عرفت من ظهور دليله في سماع الاذان الكامل دون الناقص لنسيان ونحوه. (2): قيل ان هذا يفهم من صحيح ابن سنان ايضا وقد عرفت ما فيه فلا دليل على تتميم النقص. والذي ينبغي ان يقال في المقام ان القدر المتيقن من ادلة السماع وان كان هو سماع تمام الفصول لكن الاختصاص به كما سبق عن الماتن محل اشكال، إذ لا يستفاد من المعتبرتين اكثر من مسقطية

[ 346 ]

السماع في الجملة. بل ان معتبرة ابي مريم لعلها ظاهرة في كفاية سماع البعض، لان سماع تمام فصول الاذان والاقامة حال المرور (انالله وانا إليه راجعون) فوجئت وانا اعد هذه البحوث للطبع بطخب عظيم وكارثة مدهشة، وهي ارتحال سماحة سيدنا الاستاذ (قدس سره العزيز) إلى الفردوس الاعلى فأذهلني وقع المصاب وادهشني عظم الرزية وما حل بالامة الاسلامية من ثلمة لا يسدها شئ فانا لله وانا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لقد خدم فقيدنا الراحل الاسلام والمسلمين بما يزيد على ثلاثة ارباع القرن وربى ثلة كبيرة من الفقهاء والمجتهدين، جيلا بعد جيل وطبقة بعد أخرى وفيهم من تصدى زمام الفتوى في العصر الراهن، وآثاره العلمية والعملية في غاية الكثرة ولا تحصيها هذه الوجيزة، وقد ترجم نفسه بنفسه في معجم رجاله ج 22 ص 22، وكانت ولادته في 15 رجب سنة 1317 الهجرية القمرية ووفاته في يوم السبت الثامن من شهر صفر سنة 1413 فبلغ عمره الشريف ستة وتسعين عاما، أسئل الله العلي القدير ان يتغمده برحمته الواسعة وان يلهم الامة الاسلامية والجوامع العلمية الصبر والسلوان انه سميع مجيب.

[ 347 ]

في غاية البعد، ولو كان فهو من الندرة بمكان (1)، ألا ترى انه لو قيل مررت بزيد وهو يقرأ القرآن لم ينسبق إلى الاذهان إلا سماع بعض ما يقرأ، ويعضده ما ذكره الفقهاء في باب حد الترخص من كفاية سماع بعض فصول الاذان في حصول الحد. نعم: سماع تمام الاذان حال المرور بما انه مقرون بارتفاع الصوت نوعا ما امر ممكن، اما بضميمة الاقامة كما هو مورد المعتبرة فكلا. وحيث ان ظاهرها انه عليه السلام كان مشغولا بهما حال المرور لا انه ابتدأ وشرع. والمفهوم من ذلك عرفا انه عليه السلام مر في اواسط الاذان أو اواخره ثم سمع بعض فصول الاقامة فلا جرم كان المسموع ملفقا من بعض منهما. ونتيجة ذلك كفاية سماع بعض الفصول في السقوط. والمتحصل انه لا دليل على اعتبار سماع جميع الفصول، بل يكفي سماع البعض من غير حاجة إلى التتميم. فالمقتضي لسماع التمام قاصر في حد نفسه. ومع التسليم ولزوم سماع الجميع فلا دليل على التتميم لدى سماع البعض لاختصاصه بغير المقام. نعم: بما ان السقوط على سبيل الخرصة فله ان لا يكتفي بسماع البعض ويستأنف الاذان بنفسه من اوله.


(1) هذا إذا اريد من المرور المشي السريع. اما المتعارف ولا سيما البطئ منه ولعله الانسب بحال ابي جعفر (ع) حيث يحكى انه كان بدينا ثقيل الجسم فسماع تمام الفصول حينئذ لا بعد فيه فلاحظ

[ 348 ]

[ لكن بشرط مراعاة الترتيب (1) ولو سمع احدهما لم يجزئ للآخر (2). (الرابع): إذا حكى اذان الغير أو اقامته فان له ان يكتفي بحكايتهما (3) ]. (1): لاطلاق دليله بعد وضوح عدم معارضته بنصوص المقام الساكتة عن هذه الجهة. (2): إذ لا دليل على الاجزاء، فالمتبع اطلاق دليل الآخر. (3): يقع الكلام تارة في استحباب الحكاية، واخرى في الكفاية. فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: فلا ينبغي التأمل في الاستحباب لدلالة جملة من النصوص المعتبرة عليه، معللا في بعضها بانها ذكر الله وهو حسن على كل حال. فمنها: صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول في كل شئ (1). ومنها: صحيحته الاخرى عنه عليه السلام انه قال له: يا محمد ابن مسلم لا تدعن ذكر الله عزوجل على كل حال، ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وانت على الخلاء فاذكر الله عزوجل، وقل كما يقول المؤذن (2). ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام:


(1) و (2) الوسائل: باب 45 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 و 2.

[ 349 ]

ما اقول إذا سمعت الاذان؟ قال: اذكر الله مع كل ذاكر (1) ونحوها غيرها مما دل على الاستحباب في جميع الاحوال حتى لدى التخلي، بل في بعضها انه يزيد في الرزق (2) وان كان السند مخدوشا. وكيفما كان: فلا اشكال كما لا خلاف في الاستحباب، بل عليه الاجماع في غير واحد من الكلمات. واما الجهة الثانية: اعني الكفاية والاجتزاء بالحكاية فلم يرد فيها نص حتى رواية ضعيفة فلا بد إذا من الجري على طبق القاعدة. فنقول: ان كان المحكي مجرد اللفظ من دون قصد المعنى لا تفصيلا ولا اجمالات فاستحباب مثل هذه الحكاية فضلا عن الكفاية محل تأمل بل منع ضرورة انها لا تعدو عن كونها مجرد لقلقه اللسان، ومثلها لا يكون مصداقا لذكر الله المشار إليه في تلك النصوص، فكيف يكون مشمولا لها. وان كان المحكي هو المعنى ولو على سبيل الاجمال كما لعله الغالب فيمن لم يحسن اللغة العربية حيث انهم يأتون بتلك الالفاظ ويقصدونها على ما هي عليها من المعاني، وحينئذ فتارة يقصد بها الحاكي مجرد ذكر الله، واخرى اذان الصلاة. فعلى الاول: فان بنينا على السقوط بمطلق السماع ولو بغير قصد التوصل إلى الصلاة ثم قصدها قلنا به في المقام ايضا، بيد ان السقوط حينئذ يكون بالسماع لا بالحكاية لسبقه عليها بطبيعة الحال، فيكون الاثر مستندا إلى اسبق العلل. وان بنينا على اختصاصه بالقصد المزبور كما ربما يظهر من المتن


(1) الوسائل: باب 45 من أبواب الاذان والاقامة ح 5. (2) الوسائل: باب 8 من أبواب احكام الخلوة ح 3.

[ 350 ]

[ (مسألة 4): يستحب حكاية الاذان عند سماعه (1) سواء كان اذان الاعلام أو اذان الاعظام (2) اي اذان الصلاة جماعة أو فرادى مكروها (3) كان أو مستحبا، نعم لا يستحب حكاية الاذان المحرم (4) ]. وهو الصحيح، وسيجئ البحث حوله فلا سقوط. وعلى الثاني: كفى وليس عليه الاذان مرة اخرى، الا ان التعبير حينئذ بالسقوط كما ترى، إذ المفروض انه اتى باذان تام حاو لكل ما يعتبر فيه، غير انه جعل فصول اذانه تبعا للغير ومقرونة بالحكاية عنه. ومن البين عدم اشتراط الاذان بالاستقلال وعدم متابعة الغير لاطلاق الدليل. إذا فالمتجه التفصيل على النهج الذي عرفت. (1): كما عرفت. (2): لاطلاق النصوص وكذا فيما بعده من غير فرق في الجماعة بين الامام والمأموم. (3): بمعنى قلة الثواب كما في ساير العبادات المكروهة، والمراد به موارد السقوط عن رخصة، حيث تكون مرتبة الاستحباب اضعف فيها من غيرها. (4): اي الاذان غير المشروع، كالاذان قبل دخول الوقت، أو في موارد السقوط عزيمة هذا. ولا ينبغي الاشكال في الاستحباب فيما إذا كانت الحكاية بقصد مطلق الذكر، فان ذكر الله حسن على كل حال، فيشمله قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة: (اذكر الله مع كل ذاكر)

[ 351 ]

[ والمراد بالحكاية ان يقول مثل ما قال المؤذن (1) عند السماع من غير فصل معتد به (2) وكذا يستحب حكاية الاقامة (3) ايضا. ] إذ لا قصور في شمول اطلاقه للمحكي المحرم ضرورة ان الصادر من الحاكي لم يكن إلا ذكر الله الذي هو حسن في جميع الاحوال حتى في حال صدور المعصية من الغير اما شكرا أو زجرا، فان مقتضى العبودية ان لا ينسى العبد ربه، ويذكره حيثما كان، فالاذان المحرم الصادر من الغير يكون مذكرا للحاكي. وبالجملة: فحكاية الاذان المزبور فيما عدا الحيعلات لا ينبغي الشك في رجحانه من باب الذكر المطلق. واما الحكاية بقصد الاذان بوصفه العنواني فلا دليل على استحبابه لانصراف النصوص عنه جزما، إذ لا ينبغي التأمل في ان موردها الاذان المشروع لا يغر. (1): كما اشير إليه في النصوص. (2): كما هو ظاهر المعية في صحيحة زرارة وكذا التفريع بقوله: (.. فاذكر الله) في صحيحة ابن مسلم وظهور اداة الشرط في صحيحته الاخرى في كونها شرطية زمانية، اي وقت السماع لا بعد فصل معتد به، فانه حينئذ اذان مستقل لا حكاية له فلا تشمله النصوص. (3): لا ينبغي الارتياب في الاستحباب بعنوان الذكر المطلق فيما عدا الحيعلات الذي هو حسن على كل حال كما تقدم.

[ 352 ]

[ لكن ينبغي إذا قال المقم (قد قامت الصلاة) ان يقول هو: " اللهم اقمها وادمها واجعلني من خير صالحي اهلها) (1) والاولى تبديل الحيعلات ] واما حكاية الاقامة بوصفها العنواني فلا دليل على استحبابها لاختصاص مورد النصوص بالاذان الظاهر فيما يقابل الاقامة، فانه وان يطلق احيانا على ما يشملها ولكنه بمعونة القرينة المفقودة في المقام، بل لعل فيه ما يشهد بالعدم، فان المنسبق من قوله عليه السلام في صحيحة ابن مسلم: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سمع. الخ " ان السماع لم يكن على الدوام، بل في بعض الاحيان، وانه صلى الله عليه وآله كان في الاوقات التي يسمع يحكي واما الاقامة فهي بمحضره صلى الله عليه وآله دائما. فالتعبير المزبور يتناسب مع خصوص الاذان كما لا يخفى. واوضح منها صحيحته الاخرى إذ الاقامة لا نداء فيها وانما هو من خواص الاذان حيث يستحب فيه رفع الصوت. نعم افتى جماعة من الاصحاب باستحباب الحكاية في الاقامة ولا بأس به بناءا على قاعدة التسامح وشمولها لفتوى الفقيه وكلاهما في حيز المنع. (1): هذا لا بأس به من باب الذكر المطلق، واما التوظيف فلا دليل معتبر عليه نعم ورد ذلك في مرسلة دعائم الاسلام (1) ولا مانع من الالتزام به بناءا على قاعدة التسامح.


(1) المستدرك: باب 34 من أبواب الاذان والاقامة ح 6.

[ 353 ]

[ بالحولقة (1) بان يقول (لا حول ولا قوة الا بالله). (مسألة 5): يجوز حكاية الاذان وهو في الصلاة (2) ] (1): لا دليل عليه عدا مرسل الدعائم (1) ويجري هنا ايضا ما عرفت. (2): لعدم خروج المحكي عن كونه مصداقا للذكر فيشمله قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: " كلما ذكرت الله عزوجل به والنبي فهو من الصلاة " (2) فلا بأس به من باب الذكر المطلق، واما من باب الحكاية بوصفها العنواني. فالظاهر ان الادلة قاصرة الشمول لحال الصلاة. اولا: لاجل الانصراف فان المستفاد من الادلة ان المناط في استحباب الحكاية هو انتباه الغافل والاشتغال بذكر الله الذي هو حسن على كل حال كما تضمنته تلك النصوص فلا تشمل من هو متشاغل بذكر الله ومتوجه إليه بتلبسه بالصلاة، وكيف يشمل قوله في صحيح ابن مسلم: وانت على الخلاء، وفي صحيح زرارة: ماذا اقول. الخ من هو مشغول بذكر الله. فلا ينبغي الاشكال في انصراف الاخبار عن المقام ونحوه ممن هو مشغول بالعبادة من دعاء أو قرآن ونحوهما. وثانيا: مع التسليم فهي قاصرة الشمول لخصوص الحيعلات لخروجها عن الاذكار وكونها من كلام الآدمي المبطل، فكيف يكون


(1) المستدرك باب 34 من أبواب الاذان والاقامة ح 5. (2) الوسائل: باب 4 من أبواب التسليم ح 1.

[ 354 ]

[ لكن الاقوى حينئذ تبديل الحيعلات بالحولقة (1)، (مسألة 6): يعتبر في السقوط بالسماع عدم الفصل الطويل بينه وبين الصلاة (2). (مسألة 7): الظاهر عدم الفرق بين السماع والاستماع (3) ]. مثله مشمولا لها. ودعوى: ان اطلاق الاستحباب لفصول الاذان يستوجب ارتكاب التقييد في دليل البطلان (في غاية السقوط) ضرورة ان الاستحباب لا يقاوم البطلان ليستوجب التقييد، والالساغ، بل استحب التكلم اثناء الصلاة لقضاء حاجة المؤمن أو انشاد الضالة، أو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو كما ترى. (1): قد عرفت ان الاظهر عدم جواز الحيعلات، واما التبديل المزبور فمستنده مرسلة الدعائم، ولا بأس به من باب قاعدة التسامح أو مطلق الذكر. (2): لقصور المقتضي للسقوط مع الفصل الطويل، فان معتبرة ابي مريم حكاية فعل لا اطلاق له يشمل صورة الفصل، والقدر المتيقن عدمه، وموثقة عمرو بن خالد تضمنت فاء التفريع في قوله عليه السلام: فقال: قوموا.. الخ ومع الغض فهي ايضا حكاية فعل لا اطلاق له. ويعضده ان اعتبار عدم الفصل بين الاذان والصلاة يقتضي اعتبار عدمه في السماع الذي هو بدله ايضا كما لا يخفى. (3): فان القدر المتيقن من الحكم وان كان هو صورة الاستماع

[ 355 ]

[ (مسألة 8): القدر المتيقن من الاذان الاذان المتعلق بالصلاة (1) فلو سمع الاذان الذي يقال في اذن المولود أو وراء المسافر عند خروجه (2) إلى السفر، لا يجزيه. (مسألة 9): الظاهر عدم الفرق بين اذان الرجل والمرأة (3) ]. لكن الوارد في موثقة ابن خالد عنوان السماع الذي هو اعم منه فتكون العبرة به. (1): فانه المنسبق من نصوص الباب، ويعضده ذكر الاقامة معه فيها على انها حكاية فعل لا اطلاق له ليشمل غيره كما تقدم. (2): يظهر من العبارة المفروغية عن مشروعية هذا الاذان، وهو وان اشتهر وشاع، بل استقر عليه العمل ولكنه لم يرد في الاخبار ولا في كلمات علمائنا الابرار كما نص عليه في الجواهر، ولا بأس به من باب الذكر المطلق دون التوظيف. (3): فيه اشكال بل منع لانصراف النصوص إلى اذان الرجل لا سيما ولم يعهد اذان المرأة جهرا بحيث يسمعها السامع حتى في عصرنا عصر التبرج فكيف بعصر التستر. ومع الغض فلا ينبغي التأمل في ان مورد الاخبار هو اذان الرجال. واما اذان الجار في موثقة عمرو ابن خالد فهو حكاية فعل يراد به شخص معهود لا محالة، ولم تكن العبارة هكذا (اذان الجار) لينعقد له الاطلاق، بل الوارد (جاركم) ولا اطلاق له كما عرفت.

[ 356 ]

[ الا إذا كان سماعه على الوجه المحرم أو كان اذان المرأة على الوجه المحرم (1). (مسألة 10): قد يقال يشترط في السقوط بالسماع ان يكون السامع من الاول قاصدا للصلاة، فلو لم يكن قاصدا وبعد السماع بنى على الصلاة لم يكف في السقوط، وله وجه (2) ]. (1): لوضوح انصراف النصوص عن السماع أو الاذان المحرمين ولا اقل من عدم اطلاق يشملهما. (2): وجيه إذ لا اطلاق في الادلة يعول عليه، فان العمدة كما تقدم معتبرة ابي مريم وموثقة ابن خالد وكلتاهما حكايتان عن قضيتين خارجيتين: احداهما سماع اذان الصادق عليه السلام، والاخرى سماع اذان الجار، والقدر المتيقن منهما لولا الظهور فيه قصد السامع للصلاة لا انه بدا له فيها كما لا يخفى.

[ 357 ]

[ فصل يشترط في الاذان والاقامة امور: (الاول): النية ابتداءا واستدامة (1) على نحو سائر العبادات، فلو اذن أو أقام لا بقصد القربة لم يصح، وكذا لو تركها في الاثناء ]. (1): غير خفي ان للنية معنيين: احدهما قصد العمل، ثانيهما قصد القربة. والاول: معتبر مطلقا تعبديا كان ام توصليا، لان غير المقصود غير اختياري ولا بد من الاختيار في تحقق الامتثال، غير ان شيخنا الاستاد (قده) خصه بتحقق الطبيعة في ضمن الحصة الاختيارية ولا مقتضي له، إذ المأمور به انما هو الجامع بين المقدور وغيره، والجامع مقدور وان تحقق في ضمن الحصة غير الاخيارية فالقصد إلى الجامع كاف. وتمام الكلام في الاصول. واما الثاني: فلا يعتبر في اذان الاعلام بلا كلام، إذ المقصود منه التنبيه على دخول الوقت وهو يتحصل وان كان بداعي التعليم مثلا ولا يكون منوطا بقصد القربة، مضافا إلى اصالة التوصلية بعدم عدم الدليل على التعبدية حسبما هو محرر في محله.

[ 358 ]

واما اذان الصلاة فلا ينبغي التأمل في اعتباره فيه لاستقرار ارتكاز المتشرعة على كونه من توابع الصلاة المحكومة بحكمها من هذه الجهة وان كان مقدما عليها خارجا. وهذا مركوز في اذهان عامة المتشرعة بمثابة يكشف عن كونه كذلك عند المشرع الاعظم. مضافا إلى ان ذلك هو مقتضي التنزيل في معتبرة ابي هارون المكفوف قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يابا هارون الاقامة من الصلاة (1) بعد وضوح الحاق الاذان بالاقامة من هذه الجهة، لعدم القول بالفصل، بل القطع باتحادهما في هذا الحكم وهما مشتركان في عامة الفصول بحيث لا تحتمل عبادية الاقامة دون الاذان كما لا يخفى. نعم: نوقش في سندها، تارة باشتماله على صالح بن عقبة، وقد ضعفه ابن الضغائري. وفيه: ان كتابه لم يثبت استناده إليه وان كان هو ثقة في نفسه فلا يعول على جرحه ولا تعديله. واخرى بان ابا هارون المكفوف لا توثيق له، بل قد روى الكشي ما يشكف عن تضعيفه. وفيه: ان الرواية مرسلة مضافا إلى جهالة الراوي، وقد ذكر النجاشي ان الكشي يروي عن المجاهيل. وكيفما كان فالاظهر وثاقة الرجلين لوقوعهما في اسناد كامل الزيارات (2) والسلامة عن تضعيف صالح للمعارضة حسبما عرفت


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 12. (2) ولكنهما لم يكونا من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا يشملهما التوثيق.

[ 359 ]

[ نعم لو رجع إليها واعاد ما اتى به من الفصول لا مع القربة معها، صح ولا يجب الاستيناف (1)، هذا في اذان الصلاة، واما اذان الاعلام فلا يعتبر فيه القربة كما مر. ويعتبر ايضا تعيين الصلاة التي يأتي بهما لها مع الاشتراك (2)، فلو لم يعين لم يكف، كما انه لو قصد بهما صلاة لا يكفي لاخرى، بل يعتبر الاعادة والاستيناف ] وعليه فلو اذن بدون قصد القربة لزمه الاستيناف لعدم وقوع العبادة على وجهها. (1): إذ لا مقتضي له بعد تدارك النقص ووضوح عدم كون الفصل الفاسد قاطعا للهيئة أو زيادة مبطلة بعد اطلاق الادلة. (2): كما لو كان عليه اداء وقضاء فانه لا بد له من التعيين، فلو عين لاحداهما لا يجزي للاخرى لو عدل إليها، بل يستأنف. وربما يعلل بان الامر المتعلق بهما غيري نشأ من قصد الامر النفسي المتعلق بالصلاة المقيدة بهما فتعيينه منوط بتعيين تلك الصلاة لاختلاف الامر باختلاف موضوعه، فلو عدل لم يقع مصداقا له بناءا على اختصاص الامر المقدمي بالحصة الموصلة. ويندفع: بان الامر المتعلق بهما مستحب نفسي على ما تقتضيه ظواهر النصوص لا مقدمي غيري، على انا لا نقول بوجوب المقدمة شرعا، ومع التسليم فهو توصلي لا تعبدي. وبالجملة: لا ارتباط للمقام بالمقدمة الموصلة ليبتني على القول بها.

[ 360 ]

[ (الثاني): العقل (1) والايمان (2) ]. بل الوجه فيه صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام (في حديث) قال: إذا كان عليك قضاء صلوات فابدء باولهن فاذن لها واقم ثم صلها ثم صل ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة (1). فانها واضحة الدلالة على لزوم التعيين كما لا يخفى. وتؤيدها موثقة عمار (2) الواردة في إعادة المنفرد الاذان والاقامة فيما لو بدا له في الجماعة، فان الاختلاف من حيث الجماعة والفرادي مع وحدة الصلاة لو اقتضى الاستيناف، فمع تعددها بطريق اولى. وكيفما كان فيستفاد من مجموع الاخبار ان الموضوع للاستحباب ما لو اذن أو اقام لصلاة خاصة لا مطلقا فلاحظ. (1): ربما يستدل له بالاجماع وانه العمدة في المقام، لكن الظاهر عدم الحاجة إليه فان الحكم مطابق لمقتضى القاعدة، حيث لم يتوجه امر إلى المجنون بمقتضى حديث رفع القلم ومعه يحتاج السقوط عنه بعدما افاق، أو عن سامع اذانه إلى الدليل ولا دليل. (2): قدمنا في كتاب الطهارة عند التكلم حول غسل الميت اعتبار كون المغسل مؤمنا استنادا إلى الروايات الكثيرة الدالة على ان عمل المخالف باطل عاطل لا يعتد به، وقد عقد صاحب الوسائل بابا لذلك في مقدمة العبادات، وقلنا ثمة انها هي عمدة الدليل على اعتبار الاسلام ايضا. والا فلم ينهض ما يعول عليه في اعتباره في غير


(1) الوسائل: باب 37 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) الوسائل: باب 27 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 361 ]

[ واما البلوغ فالاقوى عدم اعتباره (1) ]. ما يعتبر فيه الطهارة. ويدلنا على اعتبار الايمان في المقام مضافا إلى ما ذكر موثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الاذان هل يجوز ان يكون عن غغير عارف؟ قال: لا يستقيم الاذان ولا يجوز ان يؤذن به إلا رجل مسلم عارف، فان علم الاذان واذن به ولم يكن عارفا لم يجز اذانه ولا اقامته، ولا يقتدى به (1). فان المراد بالعارف هو المؤمن، كما تعارف اطلاقه عليه في لسان الاخبار. نعم: يجزي سماع اذان المخالف لان العبرة بالسماع والمفروض ان السامع مؤمن غايته ان يتم ما نقصه بمقتضى مذهبه اخذا باطلاق ما دل على تتميم النقص حسبما تقدم فلا ملازمة بين المسألتين. (1): يقع الكلام تارة في الاجتزاء باذان الصبي، واخرى في الاجتزاء بسماعه فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: فلا ينبغي الاشكال في الاجتزاء من غير فرق بين اذاني الاعلام والاعظام، لا لما هو الاصح من شرعية عبادات الصبي، إذ لا ملازمة بين الشرعية وبين الاجتزاء. ومن ثم استشكلنا فيه مع البناء على الشرعية في جملة من الموارد كتغسيله للميت أو صلاته عليه، فان في اجتزاء البالغين بذلك تأملا بل منعا. بل لنصوص دلت عليه في خصوص المقام قد عقد لها بابا في الوسائل:


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 362 ]

منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس ان يؤذن الغلام الذي لم يحتلم (1). فان اطلاقها يشمل الاذانين وان كانا للجماعة فيجتزي به غيره. ومنها: وهي اوضح موثقة غياث بن ابراهيم قال: لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم ان يؤم القوم وان يؤذن (2) حيث فرض فيها امامته للجماعة فيكون اذانه طبعا للصلاة. ومنها: معتبرة طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام قال: لا بأس ان يؤذن الغلام الذي لم يحتلم وان يؤم (3) فان طلحة وان كان عاميا كما ذكره الشيخ الا انه قال ما لفظه: " الا ان كتابه معتمد " وظاهر الاستثناء ان الاعتماد على الكتاب من اجل وثاقته لا لخصوصية فيه كي يختص الاعتماد بما يروي عن كتابه مضافا إلى انه من رجال كامل الزيارات (4). ومنها: موثقة سماعة بن مهران عن ابي عبد الله عليه السلام قال: يجوز صدقة الغلام وعتقه ويؤم الناس إذا كان له عشر سنين (5) فانها تدل بالاطلاق على جواز امامته حتى للبالغين، فيجوز اذانه ايضا بطبيعة الحال. ولعل التقييد بالعشر من اجل رعاية التمييز إذ لا تمييز قبله عادة.


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب الاذان والاقامة ح 1. (2) الوسائل: باب 32 من أبواب الاذان والاقامة ح 4. (3) الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجماعة ح 8. (4) ولكنه لم يكن من رجاله بلا واسطة. (5) الوسائل: باب 32 من أبواب الاذان والاقامة ح 5.

[ 363 ]

ولكن هذه النصوص معارضة من حيث الايتمام بموثقة اسحاق ابن عمار عن جعفر عن ابيه ان عليا عليه السلام كان يقول: لا بأس ان يؤذن الغلام قبل ان يحتلم، ولا يؤم حتى يحتلم، فان أم جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه (1) فتتساقط من هذه الجهة، وحيث لا اطلاق في نصوص الجماعة بالاضافة إلى الامام ليرجع إليه في الصبي بعد التساقط فلا جرم يحكم بعدم صحة الايتمام بالنسبة للبالغين وان جاز للصبي. واما بالنسبة إلى صحة اذانه والاجتزاء به فلا معارضة بينها. واما الجهة الثانية: فالاجتزاء بسماع اذان الصبي محل اشكال على حذو ما تقدم من الاستشكال في الاجتزاء بسماع اذان المرأة من عدم الاطلاق في ادلة السماع فان عمدتها روايتان وردت احداهما في سماع الباقر اذان الصادق عليه السلام، والاخرى في سماع اذان الجار، وشئ منهما لا اطلاق له يشمل المرأة ولا الصبي. اما الاولى فواضح، وكذا الثانية لانصرافها إلى الاذان الغالب المتعارف وهو كون المؤذن رجلا لا امرأة ولا صبيا لندرة اذانهما بحيث ينصرف الذهن عنهما، بل قد تقدم انها قضية في واقعة فلا اطلاق لها من اصله نعم: لا ينبغي الاشكال في الاجتزاء بحكاية اذان الصبي لوضوح ان الحاكي مؤذن حقيقة في تلك الحالة، فلا وجه لعدم الاجتزاء. هذا كله في اذان الصبي. واما اقامته فلم يرد فيها نص، والتعدي عن الاذان إليها بلا وجه. نعم: مقتضى النصوص المتقدمة الدالة على جوازو امامته الاجتزاء


(1) الوسائل: باب 32 من أبواب الاذان والاقامة ح 7.

[ 364 ]

[ خصوصا في الاذان (1)، وخصوصا في الاعلامي (2) فيجزئ اذان المميز واقامته (3) إذا سمعه أو حكاه أو فيما لو اتى بهما للجماعة. واما اجزاؤها لصلاة نفسه فلا اشكال فيه (4) ]. باقامته ايضا لشمولها باطلاقها لما إذا كان الامام هو المقيم، كما لعله الغالب بل في بعض النصوص ان النبي صلى الله عليه وآله والوصي عليه السلام كانا بنفسهما يقيمان عند الامامة وربما يقيم غيرهما، فلو لم تكن اقامته مجزية للزم التنبيه ليتداركها المأموم البالغ، الا انك عرفت ان تلك النصوص معارضة في موردها بموثقة اسحاق بن عمار المانعة عن امامته، ولا اطلاق في نصوص الجماعة يعول عليه بعد التساقط ومن ثم كان الاجتزاء باقامته فيما لو أقام للجماعة في غاية الاشكال. هذا بناء على مشروعية عباداته كما هو الاصح، واما على التمرينية فالامر اوضح. (1): لكونه موردا للنص كما سبق، وللاجماع بقسميه كما في الجواهر. (2): لاتحاد الصبي مع البالغ في تحصيل الغاية وهو الاعلام بعد عدم كونه عباديا كما عرفت. (3): قد عرفت الاشكال في الاجتزاء باقامته سماعا وجماعة لا حكاية فلاحظ. (4): فان حالهما حال بقية الاجزاء والشرائط المجزية لنفسه

[ 365 ]

[ واما الذكورية فتعتبر في اذان الاعلام (1) والاذان والاقامة لجماعة الرجال غير المحارم (2). ويجزئان لجماعة النساء (3) والمحارم على اشكال في الاخير، والاحوط عدم الاعتداد ] شرعية كانت ام تمرينية. (1): لقصور دليله عن الشمول للنساء نظرا إلى ان المطلوب في هذا الاذان رفع الصوت، بل في صحيح زرارة: كلما اشتد الصوت كان الاجر اعظم (1). وبما ان المطلوب من المرأة خفض صوتها وان لم يكن عورة فمناسبة الحكم والموضوع تقتضي انصراف النصوص إلى الرجال وعدم شمولها للنساء. (2): بل المحارم ايضا حسبما احتاط (قده) اخيرا، فلو شاركت النساء في جماعة الرجال أو كان الامام رجلا لا يجتزئ باذان المرأة ولا باقامتها، إذ لا دليل لفظي لنتمسك باطلاقه. وعمدة المستند في الاجتزاء هي السيرة المؤيدة ببعض النصوص وشمولها للمرأة حتى المحارم غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم. (3): إذ بعد البناء على مشروعية الجماعة للنساء وعدم التعرض في النصوص لكيفية خاصة ما عدا وقوف الامام وسطهن ولا تتقدمهن يعلم من ذلك مشاركتهن مع جماعة الرجال في الاحكام التي منها الاجتزاء في المقام، فإذا كان يجزي اذان الامام واقامته أو بعض المأمومين في جماعة الرجال يجزي في جماعة النساء ايضا بمناط واحد.


(1) الوسائل: باب 26 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 366 ]

[ نعم الظاهر اجزاء سماع اذانهن بشرط عدم الحرمة كما مر وكذا اقامتهن (1). الثالث: الترتيب بينهما فيقدم الاذان على الاقامة (2). ] (1): (1) لكنك عرفت في المسألة التاسعة الاستشكال فيه، بل المنع عنه لعدم اطلاق يشملهن. نعم لا ينبغي الاشكال في الاجتزاء بحكاية اذانهن لانها بنفسها اذان مستقل كما سبق. (2): يقع الكلام تارة في رعاية الترتيب بين نفس الاذان والاقامه، واخرى بين فصولهما فهنا جهتان. اما الجهة الاولى: فلا اشكال كما لا خلاف في لزوم الترتيب بينهما بل عن كشف اللثام دعوى الاجماع عليه. ويمكن الاستدلال له مضافا إلى الارتكاز القطعي بين المتشرعة والى الترتيب الذكري بينهما في لسان الادلة بتقديم الاذان على الاقامة فيها برمتها الكاشف ولو بمعونة الارتكاز المزبور عن المفروغية، بل كونه من ارسال المسلم بجملة من النصوص. منها: ما ورد في استحباب الفصل بينهما حيث تضمن روايتين تدلان على المطلوب: احداهما: صحيحة البزنطي قال: قال القعود بين الاذان والانامة في الصلوات كلها إذا لم يكن قبل الاقامة صلاة (1) فان فرض وقوع النافلة قبل الاقامة وجعلها بدلا عن القعود الفاصل بينها


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب الاذان الاقامة ح 3.

[ 367 ]

وبين الاذان يدل بوضوح على تقدمه عليها. ثانيتهما: موثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: سألته عن الرجل ينسى ان يفصل بين الاذان والاقامة بشئ حتى اخذ في الصلاة أو اقام للصلاة قال: ليس عليه شئ.. الخ (1) حيث دلت على ان الدخول في الاقامة مصداق لنسيان الفصل كالدخول في نفس الصلاة. وهذا كما ترى لا ينسجم الا مع لزوم تأخرها عن الاذان. ومنها: موثقته الاخرى انه قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل نسي من الاذان حرفا فذكره حين فرغ من الاذان والاقامة قال: يرجع إلى حرف الذي نسيه فليقله، وليقل من ذلك الحرف إلى آخره، ولا يعيد الاذان كله ولا الاقامة (2) فانه لولا تأخر محل الاقامة لم يكن وجه لقوله عليه السلام: (ولا الاقامة)، إذ مع التقدم لا مجال لتوهم الاعادة كما لا يخفى. ومنها: ولعلها اوضح من الكل صحيحة زرارة المتضمنة لتطبيق قاعدة التجاوز على الشك في الاذان بعد الدخول في الاقامة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة قال يمضي. إلى ان قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشك ليس بشئ (3) فانه لولا تأخر محل الاقامة عن الاذان لم يكن مجال للتطبيق المزبور.


(1) الوسائل: باب 1 من أبواب الاذان والاقامة ح 5. (2) الوسائل: باب 33 من أبواب الاذان والاقامة ح 4. (3) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 1.

[ 368 ]

[ وكذا بين فصول كل منهما (1) ]. (1): واما الجهة الثانية: فتدل على الاعتبار مضافا إلى الاجماع وما عرفته من الارتكاز جملة من الاخبار. منها: النصوص البيانية المتضمنة لكيفية الاذان والاقامة فان ظاهرها بعد اتحاد السنتها تحديد الفصول على النهج الخاص ووضع كل فصل في ظرفه ومحله المقرر له، المساوق للزوم رعاية الترتيب وعدم التخلف عنه فلا تسوغ مخالفته. ومنها: صحيحة زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: من سها في الاذان فقدم أو اخر اعاد على الاول الذي اخره حتى يمضي إلى آخره. ونحوها موثقة عمار: ". فان نسي حرفا من الاقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه ثم يقول من ذلك الموضع إلى آخر الاقامة (1) وهما صريحتان في المطلوب، وفي انه لو خالف الترتيب رجع وتدارك من موضع المخالفة فالحكم مما لا ينبغي الاشكال فيه. وانما الكلام في امرين: احدهما انه لو تذرك نسيان بعض الفصول بعد فوات الموالاة فهل يلزم الاستيناف أو انه يرجع إلى الفصل الذي نسيه فيأتي به وبما بعده؟ ذهب جماعة منهم السيد الماتن إلى الاول وهو الاصح نظرا إلى البطلان بفوات الموالاة العرفية فلا مناص من الاعادة. وذهب جماعة آخرون ومنهم صاحب الجواهر إلى الثاني استنادا إلى الاطلاق في


(1) الوسائل: باب 33 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 و 2.

[ 369 ]

صحيحة زرارة وموثقة عمار المتقدمتين آنفا وبذلك يرتكب التقييد في دليل اعتبار الموالاة بين الفصول. ويندفع بمنع الاطلاق لوضوح قصر النظر في الروايتين على الخلل من ناحية الترتيب فقط من غير نظر إلى ساير الشرائط فتبقى هي واطلاق ادلتها المقتضي لرعايتها حسب القواعد، فلو احدث؟ الترتيب اثناء الاقامة وقلنا فيها باعتبار الطهارة لم يكن بد من الاعادة: ولا سبيل إلى التصحيح استنادا إلى الاطلاق المزعوم. ثانيهما: لو تذكر اثناء الاقامة أو بعد الفراغ منها نسيان حرف من فصول الاذان. ففي موثقة عمار انه لا شئ عليه، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، أو سمعته يقول: ان نسي الرجل حرفا من الاذان حتى يأخذ في الاقامة فليمض في الاقامة وليس عليه شئ. الخ (1) دلت بظاهرها على سقوط المنسي عن الجزئية بالتجاوز عن المحل كمن تذكر فوت القراءة بعد الدخول في الركن. ولكن موثقته الاخرى دلت على التدارك، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل نسي من الاذان حرفا فذكره حين فرغ من الاذان والاقامة، قال: يرجع إلى الحرف الذي نسيه فليقله وليقل من ذلك الحرف إلى آخره.. الخ (2). فربما يترائى التنافي بينهما، ويجمع تارة بالحمل على عدم اهمية الاذان فتجزي الاقامة وحدها، واخرى بحمل الامر بالرجوع وتدارك الاذان على الاستحباب، ولكن الظاهر عدم التنافي لنحتاج إلى العلاج لاختلاف مورد الموثقتين، فان مورد الاولى ما لو كان التذكر اثناء


(1) و (2) الوسائل: باب 23 من أبواب الاذان والاقامة ح 3 و 4

[ 370 ]

[ فلو قدم الاقامة عمدا أو جهلا أو سهوا اعادها بعد الاذان (1) ]. الاقامة، ومورد الثانية ما لو كان بعد الفراغ عنها. ولا مانع من التفكيك بالالتزام بالسقوط في الاول دون الثاني. ولعل الوجه فيه انه يلزم من التدارك في المورد الاول اما الفصل بين فصول الاقامة بالجزء المنسي من الاذان لو اقتصر عليها أو الغاء الفصول السابقة لو استأنفها. واما في المورد الثاني فلا يلزم منه شئ من هذين المحذورين ولا غيرهما عدا ما ذكره في الجواهر من لزوم تأخير الجزء المنسي من الاذان عن الاقامة فيختل الترتيب المعتبر بينهما. ويندفع: بان غايته ارتكاب التخصيص في دليل اعتبار الترتيب الذي ليس هو بعزيز في الفقه بعد مساعدة الدليل ووضوح عدم كونه من المستقلات العقلية غير القابلة له. هذا ومما يوهن الجمعين المزبورين قوله عليه السلام في الموثقة الاولى: (فليمض في الاقامة) فان ظاهر الامر بالمضي عدم مشروعية التدارك وان وظيفته الفعلية هو ذلك. فكيف يمكن الحمل على جواز المضي فضلا عن استحباب التدارك. (1): رعاية للترتيب المعتبر بينهما. وهذا لا اشكال فيه فيما إذا كان التذكر اثناء الاقامة. واما إذا كان بعد الفراغ عنها فهل له تدارك الاذان على النهج المزبور أو انه لا سبيل إليه لتجاوز المحل وسقوط الامر؟

[ 371 ]

يظهر الثاني من المحقق الهمداني (قده). وتقريبه بتوضيح منا ان الترتيب المعتبر شرعا بين شيئين، قد يكون ملحوظا في كل من السابق واللاحق، فيعتبر التقدم في الاول كما يعتبر التأخر في الثاني وهذا كما في اجزاء الواجب الارتباطي، حيث يعتبر في الركوع مثلا تقدمه على السجود كما يعتبر فيه تأخره عن الركوع، وهكذا الحال في ساير الاجزاء المتخللة ما بين الاول والاخير، ونحوها عمرة التمتع بالاضافة إلى حجه فانهما ايضا من هذا القبيل كما لا يخفى. وقد يكون ملحوظا في اللاحق فقط دون السابق، وهذا كما في المترتبتين كالظهرين والعشاءين حيث ان صحة العصر والعشاء مشروطة بالتأخر عن الظهر والمغرب فلو تقدمتا عمدا بطلتا، وكذا سهوا لولا النص الخاص وحديث لا تعاد دون العكس فلو اقتصر على الظهر أو المغرب وترك اللاحقة راسا صحتا وان كان آثما في الترك. وقد يكون ملحوظا في السابق فقط دون اللاحق كما في نافلة الظهرين حيث يعتبر تقدمها على الفريضة لا تأخر الفريضة عنها، فلو خالف الترتيب وقدم الفريضة فقد فوت بذلك محل النافلة وامتنع تداركها، إذ بعد وقوعها صحيحة المستلزم لسقوط امرها لم يبق مجال لاعادتها لكي يأتي بالنافلة قبلها هذا. ولا شبهة ان الاذان بالقياس إلى الاقامة من القسم الاخير، حيث يعتبر فيه التقدم على الاقامة، ولا يعتبر فيها التأخر عنه، فلو قدمها فقد فات محل الاذان وامتنع التدارك حسبما عرفت. ودعوى بطلان الاقامة السابقة بالاذان اللاحق فله الاتيان بها بعده، (مدفوعة) بعدم المقتضي للبطلان بعد وقوعها صحيحة،

[ 372 ]

فان الانطباق قهري والاجزاء عقلي، والشئ لا ينقلب عما وقع عليه فكيف يوجب الاذان فسادها. الا ان يدل دليل شرعي تعبدي على اشتراط الاقامة بان لا يقع بعدها الاذان، ولا تكاد تفي الادلة باثباته. وبالجملة: فالاشكال في امثال هذه الموارد انما هو في جواز تدارك المتروك بعد الاتيان بما تأخر عنه في الرتبة، حيث ان قضية الترتيب المعتبر بينهما تعذره بفوات محله، الا إذا قلنا بجواز الاعادة للاجادة، والا فمقتضى القاعدة عدم المشروعية. اقول: ما افاده (قده) من عدم المقام من القسم الاخير وجيه لكن ما استنتجه من فوات المحل وامتناع التدارك خاص بالعملين المستقلين المتعلقين لامرين نفسيين كما مثل به من صلاة الظهرين ونافلتهما دون مثل المقام، حيث ان الاذان والاقامة لم يكونا كذلك لكي يدعى فوات مححل الاذان، بل هما معا يعدان من مقدمات الصلاة ومتعلقاتها، وما دام المصلي لم يتلبس بالصلاة فهو مأمور بالاتيان بهما بمقتضى الاطلاقات الناطقة بانه لا صلاة الا باذان واقامة الشاملة حتى لمن اتى بالاقامة وحدها فلو بدا له في الاذان واراد ان يتداركه لا قصور في شمول الاطلاقات له، غاية الامر مع اعادة الاقامة رعاية للترتيب لما عرفت من عدم كون الامر بهما نفسيا (1) ليسقط، وانما هو من اجل المقدمية للصلاة. ومن ثم لواتى بهما واخل بالموالاة المعتبرة بينهما وبين الصلاة بطلتا وكأنه لم يأت بهما، وعليه الاستيناف متى اراد الصلاة، لعدم الاتصاف


(1) تقدم في ذيل الشرط الاول من هذا الفصل ما ينافيه فلاحظ وتأمل.

[ 373 ]

[ وكذا لو خالف الترتيب فيما بين فصولهما فانه يرجع إلى موضع المخالفة ويأتي على الترتيب إلى الآخر (1) وإذا حصل الفصل الطويل المخل بالموالاة يعيد من الاول (2) من غير فرق ايضا بين العمد وغيره (3). (الرابع): الموالاة بين الفصول (4) من كل منهما، على وجه تكون صورتهما محفوظة بحسب عرف المتشرعة وكذا بين الاذان والاقامة، وبينهما وبين الصلاة فالفصل الطويل المخل بحسب عرف المتشرعة بينهما، أو بينهما وبين الصلاة، مبطل. ] بالمقدمية مع الاخلال المزبور هذا اولا. وثانيا: سلمنا ان الامر نفسي مستقل لكن الاذان المأتي به بعد الاقامة لمكان اشتماله على كلام الآدمي يستوجب استحباب اعادة الاقامة للامر بها لدى تخلل التكلم بينها وبين الصلاة في بعض النصوص كما سيجئ ان شاء الله تعالى فيستشكف من استحباب الاعادة بقاء محل الاذان وعدم فواته كما لا يخفى. (1): كما اشير إليه في صحيحة زرارة وموثقة عمار المتقدمتين. (2): كما تقدم. (3): لاعتبار الموالاة في كلتا الصورتين كما ستعرف. (4): لما هو المرتكز في الاذهان من ان كل واحد من الاقامة والاذان عمل وحداني ذو هيئة اتصالية منسجمة وتركيب خاص

[ 374 ]

[ (الخامس): الاتيان بهما على الوجه الصحيح بالعربية فلا يجزي ترجمتها ولا تبديل حرف بحرف (1). ] مرتبط بعض فصوله ببعض بنحو مخصوص بحيث يتشكل منه عنوان متميز عما عداه يعبر عنه بالاذان أو الاقامة فلو انفصم النظم وتخلل الفصل بسكوت طويل أو عمل اجنبي ماح للصورة ومزيل للعنوان بحسب عرف المتشرعة لم يقع مصداقا للمأمور به، بل كان مصداقا لمطلق الذكر. وهذا الوجه مطرد في عامة العبادات المركبة المعنونة بعنوان خاص فان العرف يفهم ان الغرض لا يتحقق والمأمور به لا يقع الا لدى الاتيان متصلة بحيث يصدق عنوان العمل العبادي، والا فليس لدينا نص يدل على اعتبار الموالاة في العبادات. مع ان الحكم متسالم عليه في المقام بين الاعلام. ومن ثم ذكروا في باب العقد لزوم وقوع القبول بعد الايجاب بلا فصل كما يعتبر الموالاة بين فصول الاذان. فيظهر من هذا التشبيه ان اعتبار الموالاة في المقام امر مسلم مفروغ عنه، ومرتكز عليه في الاذهان. ومنه: يظهر الحال في اعتبار الموالاة بين نفس الاذان والاقامة وكذا بينهما وبين الصلاة فانهما بعد ان كانا معا مرتبطين بالصلاة بمثابة يعد المجموع كعمل واحد في نظر المتشرعة، فلا مناص من رعاية الموالاة والاتصال العرفي تحقيقا للصدق المزبور. (1): فان العبادة توقيفية، ومقتضى الجمود على ظواهر

[ 375 ]

[ (السادس): دخول الوقت (1)، فلو اتى بهما قبله ولولا عن عمد لم يجتزئ بهما وان دخل الوقت في الاثناء ] النصوص ولا سيما البيانية لزوم رعاية الكيفية بالفاظها الخاصة فلا يجزي غيرها ولو بلفظ عربي مؤد لنفس المعنى فضلا عن الترجمة بلغة اخرى كما هو ظاهر لا يخفى. (1): بلا خلاف فيه بل اجماعا كما عن غير واحد من دون فرق بين اذاني الاعلام في غير الفجر والاعظام. نعم تقديم بعض الفريضة على الوقت باعتقاد الدخول قيل بجوازه كما تقدم في بحث الاوقات. واما الاذان فضلا عن الاقامة فلا قائل بالاجزاء. وكيفما كان فالحكم في اذان الاعلام واضح، إذ الغاية منم تشريعه الاعلام بدخول الوقت، فكيف يسوغ فعله قبله. واما في اذان الصلاة والاقامة فتشهد به جملة من النصوص التي منها صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا تنتظر باذانك واقامتك إلا دخول وقت الصلاة.. الخ (!). ونحوها غيرها. نعم: ربما يظهر من رواية زريق ان الصادق عليه السلام كان يؤذن يوم الجمعة قبل الزوال عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كان ربما يقدم عشرين ركعة يوم الجمعة في صدر النهار. إلى ان قال: وكان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال اذن وصلى


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 376 ]

ركعتين فما يفرغ الا مع الزوال ثم يقيم للصلاة فيصلي الظهر. الخ (1). فكأنه يظهر منها ان ليوم الجمعة خصوصية في هذا الحكم فيقدم الاذان على الزوال لتقع الفريضة أول الوقت كما تقدم النوافل عليه حسبما تقدم في مبحث الاوقات. فهي ان تمت تكون مخصصة لما دل على اعتبار دخول الوقت في الاذان. الا انها لا تتم لضعف السند فان الشيخ رواها في المجالس عن زريق وطريقه إليه ضعيف بأبي المفضل والقاسم بن اسماعيل (2) ان اريد به ما هو المذكور في كتبه. اعني التهذيبين والفهرست، وان اريد به غيره فهو مجهول، على ان زريقا نفسه مردد بين الموثق وغيره، وكلاهما له كتاب. فلا يمكن الاعتماد على الرواية مضافا إلى ان مضمونها لا قائل به، إذ لم يذهب احد إلى التخصيص المزبور. إذا فلا ينبغى الاشكال في عدم مشروعية الاذانين ولا الاقامة كلا أو بعضا قبل دخول الوقت من غير فرق بين الجمعة وغيرها.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب صلاة الجمعة ح 4. (2) هذا الطريق مذكور في الفهرست إلى كتاب زريق لاحظ المعجم ج 7 ص 186 وهذه الرواية مروية عنه بنفسه وطريقه إليه مذكور في نفس كتاب المجالس والاخبار حسبما اشار إليه صاحب الوسائل في ج 20 ص 31 32 وهو هكذا الحسين بن عبيدالله (الغضائري) عن هارون بن موسى التلعكبري عن محمد بن همام عن عبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابي العباس زريق بن الزبير الخلقاني والطريق إليه صحيح نعم هو بنفسه لا توثيق له من غير ترديد فيه فالضعف انما هو من اجله لا غير.

[ 377 ]

[ نعم لا يبعد جواز تقديم الاذان قبل الفجر للاعلام (1) ]. (1): بل ان هذا هو المشهور بينهم، بل عن المنتهى نسبته إلى فتوى علمائنا وان انكره جماعة آخرون فذهبوا إلى عمد المشروعية لكن القائل بالمنع قليل. والذي ينبغي ان يقال في المقام ان الاذان الصلاتي لا ينبغي الاشكال في عدم مشروعيته قبل الفجر لصحيحة معاوية بن وهب المتقدمة. والظاهر ان القائلين بجواز التقديم لا يعنون به ذلك، إذ لم يصرح احد منهم بالاكتفاء به عن اذان الصلاة كي يشمله مورد التقديم. واما الاذان الاعلامي فالظاهر عدم جواز تقديمه ايضا لما عرفت من ان المقصود به الاخبار عن دخول الوقت. فكيف يسوغ قبله والنصوص ايضا قد نطقت بان السنة في النداء ان يكون مع الفجر ففي صحيحة ابن سنان ". واما السنة فانه ينادى مع طلوع الفجر.. الخ وفي صحيحته الاخرى: ".. واما السنة مع الفجر " (1) حيث يظهر منهما ان المشروع من الاذان للاعلام الذي جرت عليه السنة انما هو عند طلوع الفجر، فقبله غير مشروع بهذا العنوان. نعم يجوز الاتيان حينئذ للايذان بقرب الوقت لينتفع به الجيران فيتهيؤا للعبادة كما اشير إليه في هاتين الصحيحتين. ويستفاد مشروعية هذا القسم من الاذان من نصوص أخر ايضا. ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان بلال


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب الاذان والاقامة ح 7 و 8.

[ 378 ]

يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله وابن ام مكتوم وكان اعمى يؤذن بليل ويؤذن بلال حين يطلع الفجر. وفي موثقة زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: هذا ابن ام مكتوم وهو يؤذن بليل فإذا اذن بلال فعند ذلك فامسك يعني في الصوم (1) ونحوهما غيرهما، وان لم يكن نقي السند. ويظهر منها: ان كلا المؤذنين كانا موظفين من قبله صلى الله عليه وآله احدهما للتهيؤ، والآخر للاعلام. إذا فأمره صلى الله عليه وآله بالاكل لدى اذان ابن ام مكتوم لم يكن لاجل انه رجل اعمى يؤذن من قبل نفسه، فان المؤذن الاعمى يسأل طبعا ولا يخطأ دائما وإلا لمنعه صلى الله عليه وآله كى لا يوقع الناس في الاشتباه، بل لاجل انه كان منصوبا للتهيؤ كما يكشف عنه الاستمرار المستفاد من الاخبار على وجود كلا المؤذنين لا انه كان من باب الصدفة والاتفاق. ولا ينافي ذلك ما تضمنته الصحيحتان المتقدمتان من جريان السنة على الاذان لدى طلوع الفجر لما عرفت من ان مورد السنة هو اذان الاعلام، وهذا اذان آخر شرع للتهيؤ قبل الوقت اشير إليه في نفس تينك الصحيحتين. والمتحصل ان المستفاد من تضاعيف الاخبار امتياز الفجر باذان ثالث قبل الوقت لانتفاع الجيران وتهيؤهم للعبادة، والذي يختص بالوقت وما بعده هو اذان الاعلام واذان الصلاة. بقي امران احدهما: تضمنت صحيحة عمران الحلبي تجويز


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب الاذان والاقامة ح 3 و 4.

[ 379 ]

الاذان قبل الفجر للمنفرد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاذان قبل الفجر، فقال: إذا كان في جماعة فلا، وإذا كان وحده فلا بأس (1) وهي تعارض صحيحتي ابن سنان المتقدمتين الدالتين على اطلاق المنع وحملهما على خصوص الجماعة كما ترى لقلتها وقتئذ في تلك الازمنة، والمرجع بعد التساقط اطلاق صحيحة معاوية بن وهب الدالة على اشتراط اذاني الاعلام والصلاة بدخول الوقت من غير فرق بين الجماعة والفرادي فتأمل. ولا يبعد حمل نفي البأس في صحيحة الحلبي على عدم اهمية الاذان للصلاة فرادى بخلاف الجماعة بل قيل بوجوبه لها كما تقدم. ثانيهما: روى في المستدرك عن اصل زيد النرسي عن ابي الحسن عليه السلام عن الاذان قبل الفجر، فقال عليه السلام: لا، إنما الاذان عند طظلوع الفجر اول ما يطلع، وفي روايته الاخرى عنه عليه السلام انه سمع الاذان قبل طلوع الفجر فقال شيطان، ثم سمعه عند طلوع الفجر فقال (ع): الاذان حقا (2) لكن السند ضعيف لجهالة الطريق إلى كتاب زيد كما تقدم إذا فما تضمنته النصوص المتقدمة من جواز الاذان قبل الفجر لانتفاع الجيران سليمة عن المعارض، ولعل قوله: شيطان اشارة إلى اذان المخالفين حيث يذهبون على ما قيل إلى دخول الوقت بطلوع الفجر الكاذب والاذان الثاني الذي وصفه بالحق كان مع الفجر الصادق. فلا ترتبط الرواية بما نحن فيه.


(1) الوسائل: باب 8 من أبواب الاذان والاقامة ح 6. (2) مستدرك الوسائل: باب 7 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 380 ]

[ وان كان الاحوط اعادته بعده (1). (السابع): الطهارة من الحدث في الاقامة على الاحوط بل لا يخلو عن قوة (2) ]. (1): فان اقصى ما دلت عليه النصوص المتقدمة جواز التقديم لانتفاع الجيران وهو اذان آخر غير اذان الفجر اعلاما أو صلاة. فلا وجه للاجتزاء به بعد عدم دلالة النصوص عليه بوجه. (2): المشهور بين الفقهاء استحباب الطهارة في الاذان والاقامة، وان كان في الاقامة آكد، وهكذا الحال في القيام. وذهب جماعة إلى وجوبهما في الاقامة، وفصل الماتن (قده) بينهما فاختار وجوب الطهارة فيها دون القيام. وستعرف ان التفصيل لا وجه له، والمسألتان من واد واحد. فان قلنا بوجوب الطهارة قلنا به في القيام ايضا بمناط واحد. وكيفما كان فقد وردت في المقام جملة من النصوص دلت على اعتبار الطهارة في الاقامة. فمنها: صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام انه قال: تؤذن وانت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا واينما توجهت، ولكن إذا اقمت فعلى وضوء متهيأ للصلاة (1). ومنها: صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس ان يؤذن الرجل من غير وضوء، ولا يقيم الا وهو على وضوء (2).


(1) و (2) الوسائل: باب 9 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 و 2.

[ 381 ]

ومنها: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يؤذن أو يقيم وهو على غير وضوء ايجزيه ذلك؟ قال: اما الاذان فلا بأس واما الاقامة فلا يقيم الا على وضوء. قلت: فان اقام وهو على غير وضوء أيصلي باقامته؟ قال: لا (1). ونحوها غيرها. وليس بأزائها ما يعارضها حتى رواية ضعيفة ما عدا اطلاقات الاقامة، فهل هي تقيد بهذه أو ان هذه تحمل على افضل الافراد لينتج انها من شرائط الكمال؟ المشهور كما عرفت هو الثاني فحملوا الامر بها على الافضلية أو النهي عن الاقامة بدونها على المرجوحية. والنتيجة واحدة، وهي ابقاء المطلقات على حالها قال المحقق الهمداني (قده) ما ملخصه: ان فهم المشهور هو القرينة على الحمل المزبور حيث انهم لم يفهموا من نصوص الباب الا ارادة الحكم التكليفي، أعني كراهة ترك الطهارة أو استحباب فعلها، لا الوضعي اي شرطية الطهارة أو مانعية الحدث. ولولا ذلك كان مقتضى القاعدة حمل المطلق على المقيد لكون الاوامر والنواهي في باب المركبات ارشادا إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية فعدم فهمهم الشرطية كاشف عن خصوصية في المورد وبذلك يرتكب التخصيص في تلك القاعدة. وذكر (قده) في وجه ما فهموه ان نصوص المقام على نوعين احدهما ما تضمن الامر بالطهارة والحمل على الافضلية هنا مطابق


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب الاذان والاقامة ح 8.

[ 382 ]

لمقتضى القاعدة لوضوح عدم حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات. ثانيهما: ما تضمن النهي عن الاقامة من غير طهارة، وهذا وان كان ظاهرا في الارشاد إلى اعتبار الطهارة الا انه بعد امعان النظر يرى ان فيه ايضا شائبة من الطلب، فيكون مرجع قوله عليه السلام: لا يقيم إلا على وضوء إلى قولنا اقم مع الوضوء فيرجع إلى النوع الاول. اقول: بعد وضوح عدم احتمال ارادة الحرمة الذاتية من النهي المزبور كما اعترف (قده) به في مطاوي كلماته، فلا جرم يراد به الحرمة التشريعية التي مرجعها إلى تحديد دائرة الامر في المطلقات واختصاص الاقامة المأمور بها بالمقرونة بالطهارة فغير المقترن لا امر به وبدونه لم يكن مشروعا وهو مساوق لاعتبار الشرطية المتحصلة من حمل المطلق على المقيد. فهذا هو الظاهر من النهي في المقام، ولم تكن في البين قرينة ترشدنا إلى خلاف هذا الظاهر ليؤخذ بها. فالنتيجة: ان ما ذهب إليه جمع من الاجلة من وجوب الطهارة في الاقامة هو الاوفق بالصناعة، إذ لا مناص من حمل المطلق على المقيد في النوع الثاني من النصوص المتضمنة للنهي، وان لم يكن كذلك في النوع الاول. ويؤكده: ما في ذيل صحيحة علي بن جعفر المتقدمة من قوله عليه السلام: (لا) في جواب قوله: أيصلي باقامته، فان مرجعه إلى ان الاقامة من دون طهارة في حكم العدم كما لا يخفى. هذا وجميع ما ذكرناه في اعتبار الطهارة يجري في اعتبار القيام حرفا بحرف لاشتراك نصوص الموردين في الاشتمال على النوعين المتقدمين

[ 383 ]

[ بخلاف الاذان (1). (مسألة 1): إذا شك في الاتيان بالاذان بعد الدخول في الاقامة لم يعتن به (2) وكذا لو شك في فصل من احدهما بعد الدخول في الفصل اللاحق (3) ]. وستأتي نصوص القيام في موضعه وليس في البين ما يعارضها ما عدا المطلقات التي عرفت لزوم حملها عليها فيتحدان بحسب النتيجة، وهي اعتبار القيام كالطهارة في الاقامة بمناط واحد. (1): وكذا لو شك في الاقامة بعدما دخل في الصلاة وذلك للتنصيص عليهما بالخصوص في صحيحة زرارة قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة، قال يمضي، قلت: رجل شك في الاذان والاقامة وقد كبر، قال يمضي إلى ان قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ (1) مضافا إلى قاعدة التجاوز بنطاق عام. ومنه المقام المستفادة من قيل الصحيحة وغيرها. (3): لقاعدة التجاوز الآنفة الذكر. نعم خصها المحقق النائيني (قدس سره) بالاجزاء المستقلة جمودا على الامثلة المذكورة في الصحيحة المزبورة فلا تشمل ابعاض الاجزاء كآيات الفاتحة أو فصول الاقامة


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب الخلل ح 1.

[ 384 ]

[ ولو شك قبل التجاوز اتى بما شك فيه (1) ]. إذ العبرة بالمجموع الذي هو جزء برأسه، ولا عبرة بجزء الجزء، بل المرجع فيه قاعدة الاشتغال لكونه من الشك في المحل. ويندفع: بعدم الموجب للتخصيص بعد وجود المقتضي للتعميم وهو الكبرى الكلية المذكورة في ذيل الصحيحة الكاشفة عن ان الامثلة المذكورة في الصدر انما هي من باب المثال لا سيما وانها مذكورة في كلام السائل، والعبرة باطلاق كلام الامام عليه السلام الذي لا قصور في شمول اطلاقه للجميع. وتفصيل الكلام في محله. (1): لاصالة عدم الاتيان بالمأمور به المطابقة لقاعدة الاشتغال ولقاعدة الشك في المحل المستفادة من مفهوم صحيحة زرارة المتقدمة.

[ 385 ]

[ (فصل) يستحب فيهما امور: (الاول): الاستقبال (1) ]. (1): اما في الاذان فستدل له مضافا إلى نفي الخلاف، بل حكاية الاجماع عن غير واحد بمرسلة دعائم الاسلام عن علي عليه السلام: " يستقبل المؤذن القبلة في الاذان والاقامة، فإذا قال: (حي على الصلاة حي على الفلاح) حول وجهه يمينا وشمالا " وهي لمكان ضعف السند لا تصلح الا للتأييد (1). وربما يستدل له ايضا كما في الجواهر (2) باطلاق قوله عليه السلام (خير المجالس ما استقبل فيه القبلة) (3). وفيه: مضافا إلى ضعف سندها بالارسال انها ناظرة إلى كيفية الجلوس، ولا ربط لها بالاذان من حيث هو اذان الذي هو محل الكلام. فالعمدة هو التسالم المؤيد بخبر الدعائم. وهذا المقدار كاف في اثبات الاستحباب هذا.


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 175 طبع دار المعارف بمصر. (2) ج 9 ص 93. (3) الوسائل: باب 76 من أبواب العشرة ح 3.

[ 386 ]

وربما يستفاد من بعض النصوص وجوب الاستقبال حال التشهد كصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال، سألته عن الرجل يؤذن وهو يمشي أو على ظهر دابته أو على غير طهور، فقال: نعم إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس (1) وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: يؤذن الرجل وهو على غير القبلة، قال: إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس (2) فان مقتضى مفهوم الشرط ثبوت البأس إذا لم يكن مستقبلا حال التشهد. إلا انه لا بد من حملهما على الافضلية بقرينة صحيحة زرارة المتقدمة المفصلة بين الاذان والاقامة والمصرحة في الاول بقوله (ع) (اينما توجهت) الظاهر في عدم اعتبار الاستقبال في شئ من فصول الاذان بعد وضوح امتناع حملها على ما عدا التشهد لمنافاته مع المقابلة بينه وبين الاقامة الظاهرة في ان طرف المقابلة تمام الاذان بجميع فصوله لا خصوص ما عدا التشهد وإلا كان الاحرى التقابل بين فصول الاذان انفسها لا بينه وبين الاقامة كما لا يخفى. فتكون نتيجة الجمع افضلية مراعاة الاستقبال في التشهد وآكديته من بقية الفصول. واما في الاقامة فيستدل تارة بخبر الدعائم وقد عرفت ما فيه. واخرى: بالنصوص المتضمنة لتنزيل الاقامة منزلة الصلاة، وان الداخل فيها كالداخل فيها. كرواية سليمان بن صالح عن ابي عبد الله عليه السلام ". وليتمكن


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب الاذان والاقامة ح 7. (2) الوسائل: باب 47 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 387 ]

في الاقامة كما يتمكن في الصلاة، فانه إذا اخذ في الاقامة فهو في صلاة (1) ورواية يونس الشيباني عن ابي عبد الله عليه السلام ".. إذا اقمت الصلاة فاقم مترسلا فانك في الصلاة (2) ورواية ابي هارون المكفوف قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا ابا هارون الاقامة من الصلاة فإذا اقمت فلا تتكلم ولا تؤم بيدك (3). وفيه: مضافا إلى ضعف سند الجميع ما عدا الاخير بناءا على المختار من وثاقة رجال الكامل كما تقدم (4) انها قاصرة الدلالة، إذ بعد تعذر المعنى الحقيقي ضرورة ان الصلاة اولها التكبير وآخرها التسليم فكيف تكون الاقامة جزءا من الصلاة والمقيم داخلا فيها فلا جرم يراد منها التنزيل، وحيث انه لا يكون من جميع الجهات قطعا، إذ يعتبر في الصلاة ما لا يعتبر في الاقامة بالضرورة كعدم الوقوع في الحرير والنجس وغير المأكول ونحو ذلك. فلا بد وان يراد التنزيل من بعض الجهات والمتيقن بل المنصرف منها ما هو المذكور في تلك النصوص من التمكين اي الاستقرار وعدم التكلم وعدم الايماء باليد والترسل، ولا تشمل ساير الجهات التي منها الاستقبال لتدل على استحبابه فيها. ومما يكشف عن عدم عموم التنزيل زائدا على ما عرفت جواز التكلم اثناء الاقامة وان كان مكروها، بل حتى بعدها من دون


(1) و (2) الوسائل: باب 13 من أبواب الاذان والاقامة ح 12 و 9. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 12. (4) ولكن الراوي وهو المكفوف، وكذا صالح بن عقبة لم يكونا من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا يشملهما التوثيق.

[ 388 ]

كراهة فيما يتعلق بتسوية الصفوف مع عدم جوازه اثناء الصلاة اطلاقا، فإذا لم يكن تنزيل حتى بلحاظ التكلم المذكور في الخبر الا باعتبار الاشتراك في جامع المرجوحية. فما ظنك بالاستقبال الذي لم يذكر فيه. نعم: لا باس بالاستدلال بصحيحة زرارة المتقدمة المفصلة بين الاذان والاقامة حيث ان ظاهر المقابلة الامر بالاستقبال كالقيام والطهارة في الاقامة. بل من اجل ذلك ذهب جماعة كالمفيد والسيد وصاحب الحدائق إلى الوجوب واعتبار ذلك في الاقامة. ولكنه لا وجه له إذ لا يصلح الامر المزبور لتقييد اطلاقات الاقامة لما هو المقرر في محله من عدم حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات، بل يحافظ على الاطلاق، ويحمل المقيد على افضل الافراد. وانما يتجه لو ورد نهي عنها بدونه كما كان كذلك في الطهارة والقيام حسبما تقدم ولم يرد مثل ذلك في المقام. فلا مناص من الالتزام بالاستحباب. وتؤيد عدم الوجوب رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل يفتتح الاذان والاقامة وهو على غير القبلة ثم استقبل القبلة قال: لا بأس (1) وان كانت ضعيفة السند بعبد الله بن الحسن. هذا والمحقق الهمداني (قده) نسب إليه رواية اخرى دلت على اعتبار الاستقبال في التشهد ولم نعثر عليها لا في الوسائل ولا في قرب الاسناد، ولعله سهو من قلمه الشريف.


(1) الوسائل: باب 47 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 389 ]

[ (الثاني): القيام (1) ]. (1): اما في الاذان فاستحبابه مورد للاجماع المدعى في كلمات غير واحد وتدل عليه ايضا رواية حمران قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الاذان جالسا، قال: لا يؤذن جالسا إلا راكب أو مريض، المحمولة على الاستحباب جمعا بينها وبين صحيحة زرارة " تؤذن وانت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا.. الخ " (1) لكن الرواية ضعيفة السند بمحمد بن سنان، والعمدة هو الاجماع. واما في الاقامة فقد عرفت اعتبار القيام فيها كالطهارة، ولا موجب للتفكيك الذي صنعه في المتن بعد وحدة المناط فقد تضمنت جملة من النصوص النهي عن الاقامة في غير حال القيام كصحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يؤذن الرجل وهو قاعد، قال: نعم، ولا يقيم الا وهو قائم (2). وموثقة ابي بصير: ".. ولا تقم وانت راكب أو جالس إلا من علة.. الخ (3). وغيرهما، ولا معارض لها حتى رواية ضعيفة وظاهرها كما ترى اعتبار القيام، وبذلك يقيد اطلاقات الاقامة، ولا سبيل للحمل على افضل الافراد بعد ان كان التقييد بلسان النهي على حذو ما تقدم في اعتبار الطهارة من غير فرق ما عدا اكثرية النصوص فيها التي هي غير فارقة كما هو ظاهر.


(1) الوسائل: باب 13 من أبواب الاذان والاقامة ح 11 و 1. (2) و (3) الوسائل: باب 13 من أبواب الاذان والاقامة ح 5 و 8.

[ 390 ]

[ (الثالث): الطهارة في الاذان (1). واما الاقامة فقد عرفت ان الاحوط بل لا يخلو عن قوة اعتبارها ] (1): العمدة في المقام هو التسالم والاجماع المحكي عن جماعة واما النصوص المستشهد بها لذلك كالمرسل المروي في كتب الفروع: " لا تؤذن إلا وانت طاهر " والنبوي المروي في كنز العمال: " حق وسنة ان لا يؤذن احد الا وهو طاهر " (1) وخبر الدعائم: " لا بأس ان يؤذن الرجل على غير طهر ويكون على طهر افضل " (2) فكلها ضعيفه السند لا يصح التعويل عليها. نعم: يمكن الاستيناس لذلك من النصوص المتقدمة المرخصة للاذان بلا طهارة نظرا إلى انه لما كان عبادة ومن مقدمات الصلاة بل على اعتابها كان المرتكز في الاذهان اعتبار الطهارة فيه، بل لعل العمل الخارجي كان ولا يزال مستقرا عليه، حيث ان المتعارف تحصيل الطهارة ثم التصدي للآذان والاقامة لا تخللها ببنهما. فالاعتبار المزبور مركوز في اذهان المتشرعة واعمالهم. وعليه فالنصوص المرخصة الآنفة الذكر ناظرة إلى نفي الوجوب الذي ربما يستطرق احتماله على أساس ذاك الارتكاز مع امضاء ما ارتكز من اصل الطلب وابقائه على حاله.


(1) ج 4 ص 267 الرقم 5496. (2) مستدرك الوسائل: باب 8 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 391 ]

[ فيها (1)، بل الاحوط اعتبار الاستقبال والقيام ايضا فيها، وان كان الاقوى الاستحباب. (الرابع): عدم التكلم في اثنائهما (2)، بل يكره بعد (قد قامت الصلاة) للمقيم، بل لغيره ايضا في صلاة الجماعة، الا في تقديم امام بل مطلق ما يتعلق بالصلاة كتسوية صف ونحوه، بل يستحب له اعادتها حينئذ. ] (1): وقد عرفت في الشرط السابع من الفصل السابق ان الاعتبار هو الاقوى وكذلك اعتبار القيام، وان التفكيك بينهما كما صنعه في المتن غير ظاهر فلاحظ ولا نعيد. (2): اما في الاذان فعمدة المستند هو التسالم والاجماع المدعى في كلمات بعضهم ولعله كاف في الاستحباب، والا فلا نص معتبر يصلح للاستدلال به ما عدا موثقة سماعة قال: سألته عن المؤذن أيتكلم وهو يؤذن؟ قال: لا بأس حين يفرغ من اذانه (1) الدالة على ثبوت البأس الذي اقله الكراهة قبل الفراغ والتي مقتضاها كراهة التكلم، لا استحباب تركه كما في عبارة المتن وغيره. ولكنه يتوقف على ان يكون متن الرواية كما ذكر، واما على النسخة الاخرى المشتملة على كلمة (حتى) بدل (حين) فالامر بالعكس، إذ مفادها حينئذ استمرار نفي البأس إلى نهاية الاذان وحيث ان نسخ الوسائل كالتهذيب مختلفة ولا مرجح فلا سبيل


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 6.

[ 392 ]

للاستناد إليها. واما في الاقامة فالنصوص الواردة مختلفة. فمنها: ما تضمنت المنع في الجماعة كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: إذا اقيمت الصلاة حرم الكلام على الامام واهل المسجد الا في تقديم امام (1). وموثقة سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إذا قام (اقام) المؤذن للصلاة فقد حرم الكلام الا ان يكون القوم ليس يعرف لهم امام (2). وصحيحة ابن ابي عمير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم في الاقامة قال: نعم، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة فقد حرم الكلام على اهل المسجد الا ان يكونوا قد اجتمعوا من شتى وليس لهم امام فلا باس ان يقول بعضهم ببعض (لبعض) تقدم يا فلان (3). ومنها: ما تضمنت المنع في المنفرد كمعتبرة ابي هارون المكفوف (4) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا ابا هارون الاقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلم، ولا تؤم بيدك (5). وصحيحة محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:


(1) و (2) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 1 و 5. (3) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 7. (4) لا توثيق له الا لكونه من رجال الكامل لكنه من المشايخ مع الواسطة. (5) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 12.

[ 393 ]

لا تتكلم إذا أقمت الصلاة، فانك إذا تكلمت اعدت الاقامة (1) وهذه ظاهرة في الحرمة الوضعية، كما ان الثلاثة الاول ظاهرة في الحرمة التكليفية. واما رواية المكفوف فهي صالحة لكل منهما لا يخفى. ومنها: ما تضمنت الجواز كخبر محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم في اذانه أو في اقامته، فقال: لا بأس (2). وخبر الحسن بن شهاب قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس ان يتكلم الرجل وهو يقيم الصلاة وبعدما يقيم ان شاء (3) لكن الاولى ضعيفة بمحمد بن سنان، والثانية بابن شهاب فانه لم يوثق. والعمدة صحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتكلم بعدما يقيم الصلاة، قال نعم (4). والجمع العرفي يستدعي حمل النصوص المانعة على الكراهة بقرينة المجوزة لصراحتها في الجواز، وظهور الاولى في المنع فيرفع اليد عن الظاهر بالنص كما هو الضابط المطرد في امثال المقام، غاية الامر ان الكراهة بعد قول (قد قامت الصلاة) اشد لما ورد في بعضها من تخصيص التحريم بذلك. هذا وربما يجمع بينها بوجوه اخر: منها: حمل المانعة على صلاة الجماعة، والمجوزة على المنفرد. وفيه: ان بعض النصوص المانعة واردة في خصوص المنفرد كما


(1) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 3. (2) و (3) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 8 و 10. (4) الوسائل: باب 10 من أبواب الاذان والاقامة ح 9.

[ 394 ]

عرفت فلا يتجه الجمع في مثل ذلك. ومنها: حمل المانعة على الكلام الاجنبي غير المرتبط بالصلاة، والمجوزة على المرتبط. وفيه: ان بعض المانعة كرواية المكفوف آبية عن ذلك ضرورة ان مقتضى تنزيل الاقامة منزلة الصلاة المنع عن مطلق التكلم كنفس الصلاة فالتخصيص بصنف لا ينسجم مع هذا التنزيل الذي هو بمثابة التعليل كما لا يخفى. ومنها: حمل المانعة على ما بعد " قد قامت الصلاة "، والمجوزة على ما قبلها بشهادة صحيحة ابن ابي عمير المفصلة بينهما. وفيه: ان كلتا الطائفتين آبية عن هذا الحمل. اما المجوزة فلمنافاته مع صحيحة حماد الصريحة في الجواز بعد الفصل المزبور الذي هو المراد من قوله: " بعدما يقيم الصلاة " كما لعله واضح. واما المانعة فلمنافاته مع التنزيل الوارد في رواية المكفوف كما عرفت آنفا ضرورة ان مورد التنزيل تمام الاقامة لا بعضها. ومنها: حمل المانعة على الحكم الوضعي اعني البطلان، والمجوزة على التكليفي بشهادة صحيحة محمد بن مسلم المصرحة بالاعادة. وفيه: انه اردء الوجوه وابعدها ضرورة ظهور السؤال في صحيحة حماد الواردة في المجوزة في كونه عن الصحة والفساد لا عن مجرد الجواز التكليفي فانه في غاية البعد، كما ان حمل التحريم الوارد في المانعة على الوضع بعيد غايته، بل الظاهر من قولهم عليهم السلام (حرم الكلام) ارادة الحرمة التكليفية، غايته انها تحمل على الكراهة بقرينة صحيحة حماد الصريحة في الجواز حسبما عرفت.

[ 395 ]

[ (الخامس): الاستقرار في الاقامة. (السادس): الجزم في اواخر فصولهما مع التأني في الاذان، والحدر في الاقامة على وجه لا ينافي قاعدة الوقف. (السابع): الافصاح بالالف والهاء مع لفظ الجلالة في آخر كل فصل هو فيه. (الثامن): وضع الاصبعين في الاذنين في الاذان. (التاسع): مد الصوت في الاذان ورفعه، ويستحب الرفع في الاقامة ايضا الا انه دون الاذان. (العاشر): الفصل بين الاذان والاقامة بصلاة ركعتين، أو خطوة، اوقعدة، أو سجدة، أو ذكر، أو دعاء، أو سكوت بل أو تكلم لكن في غير الغداة بل لا يبعد كراهته فيها. (مسألة 1): لو اختار السجدة يستحب ان يقول في سجوده: (رب سجدت لك خاضعا خاشعا). أو يقول ] والمتحصل من جميع ما تقدم ان ما عليه المشهور من الجمع بالحمل على الكراهة على اختلاف مراتبها قبل قول (قد قامت الصلاة) وبعده هو الصواب مع نوع تسامح في التعبير باستحباب الترك أو كراهة الفعل حسبما عرفت. ثم ان السيد الماتن (قده) تعرض لنبذ من المستحبات وهي لوضوحها لا حاجة إلى التعرض لها، والاحرى ان نطوي الكلام عنها ونصرهف في الاهم.

[ 396 ]

[ (لا إله الا انت سجدت لك خاضعا خاشعا) ولو اختار القعدة يستحب ان يقول: (اللهم اجعل قلبي بارا ورزقي دارا وعملي سارا واجعل لي عند قبر نبيك قرارا ومستقرا) ولو اختار الخطوة ان يقول: (بالله استفتح وبمحمد صلى الله عليه وآله. استنجح واتوجه، اللهم صل على على محمد وآل محمد واجعلني بهم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين). (مسألة 2): يستحب لمن سمع المؤذن يقول اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمدا رسول الله ان يقول: (وانا اشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله اكتفي بها عن كل من ابى وجحد واعين بها من اقر وشهد). (مسألة 3): يستحب في المنصوب للاذان ان يكون عدلا رفيع الصوت مبصرا بصيرا بمعرفة الاوقات، وان يكون على مرتفع منارة أو غيرها. (مسألة 4): من ترك الاذان أو الاقامة أو كليهما عمدا حتى احرم للصلاة لم يجز له قطعها لتداركهما (1) ]. (1): كما عليه غير واحد بناءا على المشهور من حرمة قطع

[ 397 ]

[ نعم: إذا كان عن نسيان جاز له القطع ما لم يركع (1) ]. الفريضة لوضوح عدم جواز ارتكاب المحرم لادراك المستحب كوضوح اختصاص النصوص الآتية بصورة النسيان وعدم شمولها للعامد. فالحكم مطابق للقاعدة. وكذا على المختار من كراهة القطع وان كان تركه احوط إذ تقع المزاحمة حينئذ بين ترك المكروه وبين درك المستحب، ولا ينبغي الشك في ان ترك القطع اهم لاحتمال حرمته الواقعية، وان ما عليه المشهور هو الصواب. فلا مناص من تقديم تركه على ما يحتمل فيه الحرمة وان تضمن الفضيلة لاستقلال العقل بتقديم ما لا يحتمل معه المفسدة على ما يحتمل وان كان مقرونا بالمثوبة. (1): على المشهور للنص الصحيح الذي بمقتضاه يخرج عما عرفته من مقتضى القاعدة وهو صحيح الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا افتتحت الصلاة فنسيت ان تؤذن وتقيم ثم ذكرت قبل ان تركع فانصرف واذن واقع واستفتح الصلاة، وان كنت قد ركعت فاتم على صلاتك (1). ولكن بازائه طوائف من الاخبار. (اولها): ما تضمن المضي في الصلاة إذا تذكر بعد الدخول فيها كصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل نسي الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة قال: فليمض في صلاته


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب الاذان والاقامة ح 3.

[ 398 ]

فانما الاذان سنة (1). وصحيحة داود بن سرحان: عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل نسي الاذان والاقامة حتى دخل في الصلاة، قال: ليس عليه شئ (2). المؤيدتين برواية زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: رجل ينسى الاذان والاقامة حتى يكبر، قال: يمضي على صلاته ولا يعيد (3) فانها غير نقية السند لاشتماله على من هو مردد حسب اختلاف النسخة بين (أبي جميلة) الذي هو المفضل بن صالح ولم يوثق وبين (ابن جبلة) الذي هو عبد الله بن جبلة الثقة ومن ثم لا تصلح الا للتأييد. وربما يجمع بينها وبين صحيح الحلبي بحملها على ما بعد الركوع. ويندفع: بأبائها عن ذلك لظهورها في ان الموضوع للمضي مجرد الدخول في الصلاة وافتتاحها، فكيف تحمل على ما بعد الركوع ولا سيما مع التعليل في بعضها بان الاذان سنة المقتضي للتعميم بين ما بعد الركوع وما قبله لاتحاد المناط، والامر في رواية زرارة اوضح كما لا يخفى لجعل المدار على مجرد التكبير، فكيف يلغى ويجعل الاعتبار بالركوع. فالصحيح ان يقال ان صحيح الحلبي ظاهر في وجوب الانصراف وهذه صريحة في جواز المضي فترفع اليد عن الظاهر بالنص ويحمل على الاستحباب.


(1) و (2) و (3) الوسائل: باب 29 من أبواب الاذان والاقامة حديث 1 و 2 و 7.

[ 399 ]

ثانيها: رواية زكريا بن آدم قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: جعلت فداك كنت في صلاتي فذكرت في الركعة الثانية وانا في القراءة اني لم اقم فكيف اصنع؟ قال: اسكت موضع قراءتك وقل: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، ثم امض في قراءتك وصلاتك، وقد تمت صلاتك (1). فقد يقال: بانها مخصصة لما دل على البطلان بكلام الآدمي، كما انها معارضة لصحيح الحلبي. وفيه: انها ضعيفة السند باسحاق بن آدم فانه مهمل، وكذا بأبي العباس فانه مجهول فلا تنهض لا للتخصيص ولا للمعارضة. ثالثها: رواية نعمان الرازي قال سمعت ابا عبد الله (ع) وسأله أبو عبيدة الحذاء عن حديث: رجل نسي ان يؤذن ويقيم حتى كبر ودخل في الصلاة، قال ان كان دخل المسجد ومن نيته ان يؤذن ويقيم فليمض في صلاته ولا ينصرف (2). فقد يقال: انها توجب تقييد صحيح الحلبي واختصاص الانصراف بما إذا لم يكن من نيته الاذان والاقامة. اما لو نواهما حينما دخل المسجد فلا انصراف بل يمضي ويكتفي بالنية عن العمل وكأنه لقولهم عليهم السلام " انما الاعمال بالنيات ". ويندفع مضافا إلى ضعف السند إذ لم يوثق الرازي بقصور الدلالة، فان دخول المسجد بعد وضوح عدم خصوصية فيه كناية عن كونه بانيا على الاذان والاقامة قبل بضع دقائق من


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب الاذان والاقامة ح 6. (2) الوسائل: باب 29 من أبواب الاذان والاقامة ح 8.

[ 400 ]

الدخول في الصلاة، ومن البين ان غالب المصلين كذلك. فالحمل على الناسي غير الناوي حمل للمطلق على الفرد النادر كما لا يخفى. رابعها: النصوص المفصلة بين ما إذا كان التذكر قبل الشروع في القراءة فينصرف وما كان بعده فيمضي. منها، رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: في الرجل ينسى الاذان والاقامة حتى يدخل في الصلاة، قال: ان كان ذكر قبل ان يقرء فليصل على النبي صلى الله عليه وآله وليقم وان كان قد قرأ فليتم صلاته (1) وفيه: انها ضعيفة السند وان عبر عنها صاحب الحدائق وغيره ممن تأخر عنه بالصحيحة لجهالة (2) طريق الشيخ إلى محمد بن اسماعيل الواقع في السند، وان كان هو ثقة في نفسه (3) وما ذكره السيد التفريشي من صحة الطريق غير واضح. نعم: طريقه إلى محمد بن اسماعيل بن بزيع صحيح لكنه غير مراد في المقام قطعا إذ هو من اصحاب الرضا عليه السلام فكيف يروي عنه من هو من مشايخ الكليني ويروي عن الفضل بن شاذان. هذا ومع الغض عن السند فيمكن الجمع بينها وبين صحيح الحلبي بالحمل على اختلاف مراتب الفضل بان يكون الانصراف فيما إذا


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب الاذان والاقامة ح 4. (2) هذه الجهالة لا تقدح بعد ان رواها في الاستبصار ج 1 ص 303 عن الكليني مباشرة مضافا إلى وجودها في الكافي ايضا. (3) لا توثيق له ما عدا وقوعه في اسناد كامل الزيارات وقد عدل (ره) عنه أخيرا.

[ 401 ]

كان التذكر قبل الركوع افضل، وأفضل منه فيما إذا كان قبل الشروع في القراءة فلا تنافي بينهما، فهي قاصرة عن المعارضة سندا ودلالة. ومنها: رواية زيد الشحام التي هي بنفس المضمون (1) وهي ايضا ضعيفة السند لضعف طريق الصدوق إلى الشحام بأبي جميلة، والكلام في الدلالة ما عرفت. ومنها: رواية الحسين بن أبي العلاء عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثم يذكر انه لم يقم قال: فان ذكر انه لم يقم قبل ان يقرأ فليسلم على النبي صلى الله عليه وآله ثم يقيم ويصلي، وان ذكر بعدما قرأ بعض السورة فليتم صلاته (2). والكلام: في الدلالة ما عرفت. واما من حيث السند فالظاهر انها معتبرة إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا الحسين بن ابي العلاء وهو مضافا إلى كونه من رجال كامل الزيارات يظهر توثيقه من عبارة النجاشي، حيث انه بعد ان ذكر ان اخويه علي و عبد الحميد قال: وكان الحسين اوجههم، وقد وثق عبد الحميد عند ترجمته، فتدل العبارة على وثاقته ايضا، بناءا على ان الذي وثقه هو اخو الحسين. هذا ومع التشكيك لاحتمال كونه رجلا آخر كما لا يبعد فلا اقل من دلالتها على كونه اوجه اخويه من جهة الرواية (3)


(1) الوسائل: باب 29 من أبواب الاذان والاقامة ح 9. (2) الوسائل: باب 29 من أبواب الاذان والاقامة ح 5. (3) استظهار الاوجهية من جهة الرواية غير بين ولا مبين وقد =

[ 402 ]

كما لا يخفى. هذا قد فسر صاحب الحدائق هذه الطائفة من الاخبار بان المراد من قوله: وليقم هو قول: قد قامت الصلاة مرتين، لا انه يقطع الصلاة لتدارك الاقامة ثم يستأنفها، واستشهد لذلك بخبر زكريا بن آدم المتقدم زاعما انه يكشف الاجمال عن هذه الاخبار وانه من حمل المجمل على المفصل. وانكر على من حملها على الانصراف والاستيناف قائلا ان ذلك بعيد غاية البعد. واستغرب منه المحقق الهمداني (قده) ذلك نظرا إلى ان مورد الخبر ما إذا كان التذكر في الركعة الثانية، ومورد هذه النصوص ما إذا كان بعد الافتتاح وقبل الشروع في القراءة، فاحدهما اجنبي عن الآخر، فكيف يستشهد به ويجعل شارحا وكاشفا للقناع، وما افاده (قده) وجيه وصحيح كما لعله ظاهر، ولعل ذلك يعد من غرائب ما صدر من صاحب الحدائق (قده). (خامسها): صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل ينسى ان يقيم الصلاة وقد افتتح الصلاة، قال: ان كان قد فرغ من صلاته فقد تمت صلاته وان لم يكن فرغ من صلاته فليعد (1). وقد جمع صاحب الوسائل بينها وبين صحيح الحلبي بحمل هذه على ما قبل الدخول في الركوع، فجعل الصحيح مقيدا لاطلاقها.


= صرح (قده سره) في المعجم بان الموثق رجل آخر ج 5 ص 187 ولم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة. (1) الوسائل: باب 28 من أبواب الاذان والاقامة ح 4.

[ 403 ]

[ منفردا كان أو غيره (1) ]. ولكنه: ما ترى لجعل المناط في الاعادة في هذه الصحيحة عدم الفراغ من الصلاة، وفي صحيح الحلبي عدم الدخول في الركوع، فلو اريد الثاني من الاول لزم التنبيه وحمله عليه بعيد عن الذهن جدا، ولم يكن من الجمع العرفي في شئ. بل الصحيح في وجه الجمع ما ذكره الشيخ في التهذيبين، وتبعه في المفاتيح من حمل الامر بالمضي في صحيح الحلبي على الجواز لصراحة هذه الصحيحة في محبوبية الاعادة ما لم يفرغ، فان حرمة قطع الفريضة على القول بها دليلها الاجماع، والقدر المتيقن منه غير المقام، بل لا اجماع في المقام بعد ذهاب الشيخ إلى جواز القطع ما لم يفرغ عملا بصحيحة ابن يقطين. نعم قد اعرض المشهور عنها ولم يعملوا بها، لكن الاعراض لا يسقط الصحيح عن الاعتبار على المسلك المختار. والمتحصل من جميع ما تقدم ان ناسي الاذان والاقامة حتى دخل الفريضة يستحب له الانصراف لتداركهما، غاية الامر ان مراتب الفضل تختلف. حسب اختلاف موارد القطع. فالافضل ما إذا كان التذكر قبل القراءة، ويليه في الفضيلة ما لو كان قبل الركوع ودونهما في الفضل ما إذا كان قبل الفراغ من الصلاة. (1): خلافا للشرايع حيث خصه بالمنفرد، ونحوه ما عن المبسوط وغيره، ولا وجه له بعد اطلاق النص والفتوى كما اعترف

[ 404 ]

[ حال الذكر لا ما إذا عزم على الترك زمانا معتدا به ثم اراد الرجوع (1)، بل وكذا. ] به غير واحد. ودعوى الانصراف إلى المنفرد عرية عن الشاهد. نعم فرض النسيان في الجماعة في غاية القلة لاختصاصه بما إذا كان الامام أو احد المأمومين موظفا بالاتيان بهما فنسي ثم تذكر في الصلاة فانه يستحب له الرجوع بمقتضى اطلاق النصوص حسبما عرفت. واما إذا دخل الامام المسجد فتخيل ان بعض المأمومين اتى بهما فعقد الجماعة ثم تبين الخلاف، أو ان المأموم دخل المسجد فرأى جماعة منعقدة فلحق بها معتقدا انهم اذنوا واقاموا، أو أو المأمومين اعتقدوا ان الامام اذن واقام فانكشف الخلاف فان شيئا من ذلك غير مشمول للنصوص، لان موردها النسيان لا تخيل السقوط للاتيان فلا يشرع في مثله الانصراف، بل يحرم على القول بحرمة قطع الفريضة. ولعل القائل بالاختصاص أو الانصراف ينظر إلى هذه الجهة لاختصاص النسيان بصورة التوظيف كما سمعت التي هي فرض نادر والغالب في الجماعة هو ما عرفت من التخيل وفي شمول النصوص له منع أو تأمل. (1): جمودا في الحكم المخالف لدليل حرمة الابطال أو كراهته على المقدار المتيقن وهو حال الذكر فلا يشمل العازم على الترك، بل ولا المتردد كما اشار إليه في الجواهر. (ولكنه كما ترى) مخالف لاطلاق النص والفتوى. ومن البين ان مجرد التيقن لا يستوجب رفع اليد

[ 405 ]

[ لو بقي على التردد كذلك، وكذا لا يرجع لو نسي احدهما (1) ]. عن الاطلاق. (1): اما في نسيان الاذان فقط فلعدم ورود الرجوع حتى في رواية ضعيفة كما لم يعلم قائل بذلك، بل عن بعضهم دعوى الاجماع على العدم، ومعه كان المتبع دليل حرمة القطع بعد سلامته عن المقيد. إذا فمن الغريب ما في الشرايع من قوله: (ولو صلى منفردا ولم يؤذن ساهيا رجع إلى الاذان..) ومن ثم احتمل في الجواهر ان يريد بالاذان ما يشمل الاقامة لمعروفية موضوع المسألة في كلمات الاجلة، بل ذكر المحقق الهمداني (قده) انه يظن حصول السقط في عبارته من سهو القلم. ولعل هذا الاحتمال اقوى كما لا يخفى. واغرب من ذلك ما ذكره في المسالك حيث قال (قده): (وكما يرجع ناسي الاذان يرجع ناسيهما بطريق اولى دون ناسي والاقامة لا غير على المشهور اقتصارا في ابطال الصلاة على موضع الوفاق). حيث يظهر منه ان الرجوع في ناسي الاذان موضع الوفاق فمن ثم الحق به ناسيهما بالاولوية، مع انك عرفت عدم العثور على قائل به، بل دعوى الاجماع على خلافه، كعدم ورود نص به ولو ضعيفا، والالحاق الذي زعمه استنادا إلى الاولوية هو بنفسه مورد للنصوص وكأنه (قده) لم يراجعها حين كتابة هذا الموضع والله العالم. واما في نسيان الاقامة خاصة فقد سمعت من المسالك نسبة عدم جواز الرجوع إلى المشهور، ولكن الظاهر هو الجواز لحسنة الحسين

[ 406 ]

[ أو نسي بعض فصولهما بل أو شرائطهما (1) على الاحوط. ] ابن أبي العلاء المتقدمة فان موضوع الحكم فيها نسيان الاقامة، ومقتضى الاطلاق ولو بمعونة ترك الاستفصال عدم الفرق بين ما إذا كان مقرونا بنسيان الاذان ايضا ام لا. نعم: يختص الرجوع فيها بما إذا كان التذكر قبل القراءة وحينئذ فان لم نعمل بصحيحة علي بن يقطين المتقدمة لاعراض المشهور عنها لم يكن بد من التفصيل بين ناسي الاقامة خاصة وبين ناسيهما معا ففي الاول يختص الرجوع بما قبل القراءة. وفي الثاني بما قبل الركوع عملا بالنص الوارد في كل منهما. وان عملنا بها كما هو الصواب كان مقتضاها جواز الرجوع في ناسي الاقامة خاصة الذي هو مورد الصحيحة في اي موضع تذكر ما لم يفرغ من الصلاة ويتعدى من موردهما إلى ناسيهما معا بمقتضى الاطلاق الناشئ من ترك الاستفصال. ونتيجة ذلك جواز الرجوع في كليهما متى تهذكر ما لم يفرغ، غايته مع الاختلاف في مراتب الفضل حسبما سبق. (1): لخروجهما عن مورد النصوص ومعه كان المتبع دليل المنع عن قطع الفريضة المقتصر في الخروج عنه على مورد قيام النص وهو نسيانهما بتمامهما لا باجزائهما أو شرائطهما وقد صرح بذلك جمع من الاكابر نعم: قال في الجواهر ما لفظه: " اللهم الا ان يقال مع فرض النساين الذي يكون بسببه الفساد يتجه التدارك لما علم من الشارع من تنزيل الفاسد منزلة العدم في كل ما كان من هذا القبيل، وهو

[ 407 ]

لا يخلو من قوة " (1). اقول: الظاهر هو التفصيل بين الاذان والاقامة فلا رجوع إذا كان المنسي بعض فصول الاذان أو شرائطه لما عرفت من عدم الدليل على الرجوع حتى مع نسيان تمام الاذان فضلا عن نسيان بعض ما يتعلق به لاختصاص مورد النصوص بنسيانهما معا أو نسيان خصوص الاقامة وعدم ورود نص قط في نسيان الاذان فقط. ومعه كان المتبع دليل حرمة القطع، فإذا لم يجز الرجوع مع نسيان تمام الاذان فمع بعضه بطريق اولى. وهكذا الحال فيما إذا كان المنسي بعض فصول الاقامة لما عرفت من عدم كونه موردا للنص بعد وضوح عدم صدق نسيان الاقامة عليه ليشمله الدليل، إذ لا يطلق عليه عرفا انه نسي الاقامة، ولا سيما إذا كان المنسي هو الفصل الاخير، بل يقال انه اتى بها غير انه نسي بعض فصولها. إذا فيبقى عموم المنع عن قطع الفريضة على حاله. نعم: يتجه ما في الجواهر فيما إذا كان المنسي بعض شرائط الاقامة كالقيام أو الطهارة لما افاده (قده) من ان الوجود الفاسد بمنزلة العدم فيصدق في مثله حقيقة انه لم يأت بالاقامة المأمور بها فتشمله نصوص الاعادة. وبالجملة فالمتجه هو التفصيل بين الاذان فلا رجوع مطلقا، وبين الاقامة مع التفصيل فيها ايضا بين نسيان الشرط فيرجع لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه فيصدق انه كان موظفا بالاقامة فنسيها وبين


(1) الجواهر ج 9 ص 71.

[ 408 ]

[ (مسأله 5): يجوز للمصلي فيما إذا جاز له ترك الاقامة تعمد الاكتفاء باحدهما (1) لكن لو بنى على ترك الاذان فاقام ثم بدا له فعله اعادها بعده (2). (مسألة 6): لونام في خلال احدهما أو جن أو اغمي عليه أو سكر ثم افاق جاز له البناء (3) ما لم تفت الموالاة (4) مراعيا لشرطية الطهارة في الاقامة (5) لكن ] نسيان الجزء فلا يرجع، إذ لا يصدق انه كان موظفا بالاقامة، بل موظفا ببعض اجزائها ونسيه، ومثله غير مشمول لنصوص ناسي الاقامة. (1): تقدم الاشكال في الاكتفاء بالاذان وحده، إذ النصوص بين ما تضمن الامر بهما أو بخصوص الاقامة، ولم نعثر على نص تضمن الامر بالاذان وحده، وحيث انه عبادة فلا يسوغ الاتيان من دون الامر الا بعنوان الرجاء. (2): رعاية للترتيب المعتبر بينهما لدى التصدي للجمع كما تقدم. (3): لعدم ثبوت قاطعية شئ من هذه الامور واحتمالها مدفوع بالاطلاقات. (4): إذ بعد البناء على اعتبارها بين الفصول كما سبق، ففواتها موجب للبطلان بطبيعة الحال. (5): لاعتبارها فيها دون الاذان كما تقدم فيلزمه تحصيلها لايقاع بقية الفصول معها، ولا يقدح تخلل الحدث بينها لعدم كونها

[ 409 ]

[ الاحوط الاعادة فيها مطلقا (1) ]. مثل الصلاة في اعتبار الطهارة في الاكوان المتخللة، وقد عرفت عدم الدليل على القاطعية. (1): اي سواء فاتت الموالاة ام لا. والوجه في هذا الاحتياط الاستحبابي امران (احدهما): خبر علي بن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن المؤذن يحدث في اذانه أو اقامته، قال: ان كان الحدث في الاذان فلا بأس، وان كان في الاقامة فليتوضأ وليقم اقامته (1) فانه ظاهر في قاطعية الحدث واعتبار الطهارة في الاكوان المتخللة، ولكنه ضعيف السند بعبد الله بن الحسن فلا يعول عليه. ثانيهما. النصوص المتقدمة الناطقة بان الاقامة من الصلاة التي يظهر منها ان حال الاقامة حال الصلاة، فكما ان الحدث قاطع لها لو وقع بين اجزائها فكذلك قاطع للاقامة لو حدث بين فصولها. هذا وقد تقدم الكلام حول هذه النصوص مستوفى، وذكرنا ما ملخصه امتناع ارادة المعنى الحقيقي من هذه النصوص ضرورة ان اول الصلاة التكبير فكيف تكون الاقامة الواقعة قبلها منها كامتناع ارادة التنزيل من تمام الجهات لاعتبار امور في الصلاة لا تعتبر في الاقامة قطعا. فلا مناص من ارادة التنزيل من بعض الجهات، وهي التي اشير إليها في تلك النصوص من التمكن وعدم التكلم ونحوها. وبالجملة: استفادة قاطعية الحدث منها مبني على عموم التنزيل ولا دليل عليه لو لم يكن مقطوع العدم.


(1) الوسائل: باب 9 من أبواب الاذان والاقامة ح 7.

[ 410 ]

[ خصوصا في النوم (1)، وكذا لو ارتد عن ملة ثم تاب (2) ] وعليه فالاحتياط المطلق في المسألة استنادا إلى ذينك الوجهين في غير محله، بل هو استحبابي لمجرد ادراك الواقع. (1): وجه الخصوصية وضوح حدثيته في قبال ما تقدمه مما يزيل العقل من الجنون والاغماء والسكر، إذ لا مستند في ناقضيتها الا الاجماع القابل للخدش، ومن ثم ناقش بعضهم فيها حسبما هو مذكور في محله بخلاف بقية النواقض من النوم والبول والغائط ونحوها. ومنه: تعرف ان ذكر النوم من باب المثال لمطلق النواقض من غير خصوصية فيه. ثم لا يخفى ان موضوع المسألة في غاية الشذوذ والندرة بمثابة يكاد يلحق بالعدم إذ كيف يمكن فرض النوم أو الجنون ونحوهم اثناء الاقامة، ثم الانتباه أو الافاقة ثم تجديد الطهارة من دون فوات الموالاة بين الفصول، ولا سيما وان الاصل عدمها لدى الشك فيها كما لا يخفى. اللهم االا ان يفرض النوم لحظات يسيرة والماء موجود عنده. وكيفما كان: فالصغرى في الاقامة نادرة وان كانت الكبرى تامة حسبما عرفت. (2): الظاهر رجوعه إلى صدر المسألة يعني انه يبني على ما مضى من اذانه لعدم الدليل على قاطعية الارتداد، ويحتمل ضعيفا رجوعه إلى الذيل، يعني انه يحتاط بالاعادة والمعنى واحد، وانما الفرق في ثبوت الاحتياط الاستحبابي على الثاني دون الاول. وكيفما

[ 411 ]

كان فيفهم من التخصيص بالملي البطلان في الفطري. والوجه فيه: ما نطقت به جملة من الآيات الشريفة من حبط اعماله السابقة التي منها ما صدر منه من الاذان والاقامة. ويعضده ما ورد من انه يقتل وتبين منه زوجته وتقسم امواله الكاشف عن انه يعتبر كالميت فإذا تاب فكأنه انسان جديد، وكل ما اتى به كأنه لم يكن. فلا مناص من الاعادة بعد التوبة. وهذا بخلاف الملي بعد التوبة فانه كمن اذنب ثم استغفر ومن البين ان الذنب اثناء الاذان أو الاقامة لا يستوجب القطع ومنه: يظهر الفرق فيما لو تحقق الارتداد بعد الفراغ منهما، فانه يعيد الفطري لمكان الحبط دون الملي. واما وجه الاحتياط الاستحبابي على الاحتمال الثاني فهو اما فتوى جمع من الاصحاب بمبطلية الكفر على الاطلاق، أو اطلاق بعض الآيات المتضمنة للحبط بالكفر الشامل لقسميه. اقول: الظاهر ان الارتداد لا يوجب البطلان مطلقا سواء أكان عن فطرة أو ملة، فان الآيات الواردة في الحبط بالكفر مقيدة باجمعها بمن استمر على كفره حتى مات بمقتضى قوله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والآخرة واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) (1) ولعل وجه الحبط في هذه الحالة ظاهر، إذ الاساس في قبول الاعمال هو الايمان فإذا مات عن كفر فجميع اعماله منفورة في جنب كفره ومرفوضة تجاه ارتداده الذي هو اعظم المعاصي وابغضها. إذا فلا


(1) سورة البقرة الآية 217.

[ 412 ]

[ (مسألة 7): لو اذن منفردا واقام ثم بداله له الامامة يستحب له اعادتهما (1) ]. موضوع للحبط بعد التوبة، وعدم الاستمرار على الكفر. ومعه لا دليل على انقطاع الاذان أو الاقامة بالارتداد حتى عن فطرة متعقبة بالتوبة. واما النصوص المتضمنة للقتل والتقسيم وبينونة الزوجة وان تاب فهي ناظرة إلى عدم قبول التوبة في ارتفاع هذه الآثار، لا عدمه على سبيل الاطلاق لتدل على حبط الاعمال كي يكون مقتضاها البطلان في المقام. كيف وهذا بعيد غاية البعد عمن رحمته سبقت غضبه ووسعت كل شئ وهو ارحم الراحمين. فإذا كان هذا هو الحال في المرتد الفطري ففي الملى بطريق اولى، إذ لا حبط في مورده اصلا. (1): لموثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: سئل عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجئ رجل آخر فيقول له: نصلي جماعة، هل يجوز ان يصليا بذلك الاذان والاقامة؟ قال: لا، ولكن يؤذن ويقيم (1) بعد وضوح حمل الامر بهما على الاستحباب. والخدش في سندها باشتماله على الفطحية مدفوع بعدم الضير فيه بعد كون العبرة في الحجية بالوثاقة.


(1) الوسائل: باب 27 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 413 ]

[ (مسألة 8): لو احدث في اثناء الاقامة اعادها بعد الطهارة (1) بخلاف الاذان (2) نعم يستحب فيه ايضا الاعادة بعد الطهارة (3) ]. كما ان الطعن عليها بمعارضتها بمعتبرة (1) ابي مريم الانصاري المتقدمة المتضمنة لاجتزاء الامام بسماع الاذان من غير المأمومين، (مردود) بان الظاهر منها ان الامام وهو الباقر عليه السلام كان مريدا للجماعة حين السماء، فيختلف موردها عما نحن فيه. إذا فالعمل بالموثق متعين. (1): الجزم بالاعادة هنا ينافي ما سبق منه في المسألة السادسة من الاحتياط الاستحبابي فيها وتجويزه البناء على الاقامة بعد تحصيل الطهارة مع التحفظ على الموالاة. ويمكن التوفيق بابتناء المقام على ما هو الغالب من تعذر البناء المزبور مع مراعاة القيدين كما اشرنا إليه هناك، فمن ثم حكم بالاعادة، فلا ينافي ما سبق من تجويز البناء على تقدير تحقق القرض ولو نادرا. (2): لعدم اعتبار الطهارة فيه وان كان مستحبا للاجماع ولبعض النصوص الضعيفة وغيرها كما سبق. (3): هذا ايضا مبني على ما عرفت آنفا من تعذر البناء غالبا فيعيد تحصيلا للطهارة المستحب رعايتها كما اشرنا إليه، فلا حاجة


(1) مر ان الاعتبار مبني على توثيق الكامل رقد عدل (قده) عنه

[ 414 ]

[ (مسألة 9): لا يجوز اخذ الاجرة على أذان الصلاة (1) ولو أتى به بقصدها بطل. ] إلى الاعادة، بل يبني على مراعاة المواالاة لو تحقق الفرض ولو نادرا. (1): على المشهور بل نسب إلى فتوى الاصحاب الا من شذ بل ادعي عليه الاجماع في بعض الكلمات، واما في اذان الاعلام فالاكثر على المنع وان ذهب جماعة إلى الجواز. ويقع الكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة، واخرى بلحاظ النصوص الخاصة الواردة في المقام فهنا جهتان: اما الجهة الاولى: فلا ينبغي الشك في عدم جواز اخذ الاجرة على اذان الصلاة المأتي به نيابة عن الغير، إذ لا دليل على مشروعية النيابة في الاذان لظهور الادلة في اعتبار المباشرة كما لا يخفى. فإذا كان العمل باطلا في نفسه لم يجز اخذ الاجرة عليه. كما لا ينبغي الشك في عدم الجواز فيما إذا اذن لنفسه لكن بقصد اخذ الاجرة دون القربة لما تقدم من انه عبادي فيبطل من دون قصدها، ولا يجوز اخذ الاجرة على العمل الباطل كما هو ظاهر. واما الكلام في اخذ الاجرة بازاء الاذان الصادر لنفسه مع قصد التقرب فيأخذ الاجرة على عمله القربي لغرض للمستأجر في ذلك، كان يريد ان يصلي بصلاته ونحوه من الاغراض الدنيوية أو الاخروية فقد يمنع عن صحته لما بينهما من توهم التضاد. ولكنا ذكرنا في بحث اخذ الاجرة على العبادات انه لا ضير فيه وان حيثية العبادية لا يصادمها الوقوع في حيز الاجارة فان للاذان

[ 415 ]

حينئذ امرين: احدهما استحبابي نفسي تعبدي فيقصد التقرب بهذا الامر. وثانيهما وجوبي توصلي ناشئ من قبل الاجارة فيأتي الاجير بذات العمل لله ويكون الباعث على هذا العمل القربي الامر الايجاري وتفريغ الذمة عما وجوب عليه بالاجارة شرعا، كما لو وجب لجهة اخرى من نذر أو حلف أو شرط في ضمن عقد وما شاكل ذلك، فان شيئا من ذلك لا ينافي العبادية. عدا ما قد يتوهم من ظهور الادلة في ان الموضوع للمشروعية هو الاذان الذي يكون مملوكا للمؤذن وتحت اختياره، والصادر من الاجير مملوك للمستأجر فلا يشمله الدليل. ولكنه كما ترى فان غاية ما يستفاد من الادلة صدور الاذان من المؤذن لنفسه مع قصد القربة، واما الزائد على ذلك بان يكون ملكا له ايضا. فالادلة قاصرة عن اثباته وعهدته على مدعيه. إذا فمقتضى القاعدة جواز اخذ الاجرة على اذان الاعظام. ومنه: يظهر الحال في اذان الاعلام، بل الامر فيه اوضح لعدم اعتبار قصد القربة فيه. واما الجهة الثانية: فقد وردت جملة من النصوص تضمنت المنع عن الاخذ، ولاجلها يخرج عن مقتضى القاعدة. منها: موثقة السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام قال: آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي ان قال: يا علي إذا صليت فصل صلاة اضعف من خلفك، ولا تتخذن مؤذنا يأخذ على اذانه اجرا (1).


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب الاذان والاقامة ح 1.

[ 416 ]

فانها معتبرة السند، إذ ليس فيه من يغمز فيه عدا النوفلي، وهو وارد في تفسير القمي وعدا السكوني وقد وثقه الشيخ في العدة. كما انها ظاهرة الدلالة لمكان النهي الظاهر في عدم الجواز. ودعوى ان الممنوع فيها هو الاتخاذ الظاهر في كونه على سبيل الدوام والاستمرار فلا يشمل الاستيجار احيانا وبنحو الموجبة الجزئية. مدفوعة: بالقطع بعدم الفرق في مناط المنع، فانه لو كان، فانما هو من اجل اعتبار المجانية في هذه العبادة، ولا يفرق في هذه العلة بين الوحدة والكثرة كما لا يخفى. اجل قد يتوهم ان اقتران هذا النهي بالامر بصلاة الاضعف المحمول على الاستحباب يستدعي بمقتضى اتحاد السياق الحمل على الكراهة. ويندفع: بعدم انطباق قرينية السياق لو سلمت على المقام ونحوه مما كان كل من الفقرتين جملة مستقلة برأسها، وانما يتجه في مثل قوله: اغتسل للجمعة والجنابة كما لا يخفى. إذا فلا مانع من التفكيك بعد مساعدة الدليل حيث ثبتت من الخارج ارادة الاستحباب من الامر، ولم تثبت ارادة الكراهة من النهي. فلا مناص من الاخذ بظاهره من التحريم. ومنها: مرسلة الصدوق قال: اتى رجل امير المؤمنين عليه السلام فقال: يا امير المؤمنين والله اني لاحبك، فقال له: ولكني ابغضك قال: ولم؟ قال لانك تبغي في الاذان كسبا، وتأخذ على تعليم القرآن اجرا (1).


(1) الوسائل: باب 38 من أبواب الاذان والاقامة ح 3.

[ 417 ]

وهذا السند وان كان ضعيفا الا ان الشيخ رواها بعينها مع فرق يسير غير ضائر بالمراد بسند معتبر عن زيد بن علي عن ابيه عن آبائه عن علي عليه السلام تعرض لها صاحب الوسائل في الباب الثلاثين من أبواب ما يكتسب به الحديث الاول ج 12 ص 114 فالسند تام. وانما الكلام في الدلالة فقد نوقش فيها بان ابتغاء الكسب يشمل الاذان بداعي الارتزاق من بيت المال الجائز بلا اشكال كارتزاق القاضي والوالي ونحوهما مما يعود إلى مصالح المسلمين، فإذا لم يعمل بها في الارتزاق لم يعمل في غيره ايضا لتضعيف دلالتها ووهنها بذلك. وفيه: انها غير شاملة للارتزاق بتاتا ضرورة انه لا يعد كسبا واتجارا لتقومه بالمبادلة والمعاوضة والمرتزق من بيت مال المسلمين لا يأخذ الرزق في مقابل عمله، وانما يبذل إليه من باب ان مصرفه حفظ مصالح المسلمين، والمؤذن كالقاضي والوالي من احد المصارف وبالجملة: لا يطلق الكاسب على المرتزق المزبور بوجه يستوجب وهنا في الدلالة إذا فلا قصور في هاتين الروايتين سندا ولا دلالة ومقتضى اطلاقهما عدم الفرق بين الاذان الصلاتي والاذان الاعلامي فلا مناص من العمل بهما والاخذ بمضمونهما من عدم جواز اخذ الاجرة، والخروج بهما عن متقضى القاعدة. ويؤيدهما خبر الدعائم عن علي عليه السلام انه قال: " من السحت اجر المؤذن " (1).


(1) مستدرك الوسائل: باب 30 من أبواب الاذان والاقامة ح 2.

[ 418 ]

[ واما اذان الاعلام فقد يقال بجواز اخذها عليه (1) لكنه مشكل (2) نعم لا بأس بالارتزاق من بيت المال (3). (مسألة 10): قد يقال ان اللحن في اذان الاعلام لا يضر (4) وهو ممنوع (5) ]. فانه كما ترى اوضح دلالة على المنع، إذ السحت هو الحرام الشديد، لكن ضعف السند بالارسال مانع عن الاستدلال. وكيفما كان فمستند الفقهاء في المسألة هو ما عرفت لا مجرد الاجماع التعبدي فلاحظ. (1): نسب ذلك إلى الشهيد في الذكرى والسيد وصاحب المدارك، والمجلسي وغيرهم. ولعله لعدم كونه عبادة فيفترق عن اذان الصلاة. (2): بل ممنوع لما عرفت من اطلاق النص. (3): بلا اشكال لانه معد لمصالح المسلمين. والمؤذن كغيره من الموظفين من ابرز المصارف العامة، وقد ادعي عليه الاجماع في كلمات غير واحد. (4): لعل الوجه فيه ان المقصود منه الاعلام وهو يحصل بالملحون ايضا. (5): إذ المقصود منه وان كان هو الاعلام وقد شرع لهذه الغاية لكنا امرنا بالاعلام من طريق الاذان لا كيفما كان ولو بالترجمة أو الاخبار صريحا بدخول الوقت أو من طريق الدافع؟ كما هو

[ 419 ]

المتداول في بعض البلاد في العصر الحاضر. ومن البين ان ظاهر الامر المتعلق بالاذان هو الاتيان به على النهج المألوف الموصوف بالعربي الصحيح كما هو الحال في اذان الصلاة فلا يتحقق الامتثال بالملحون في كلا الموردين بمناط واحد. هذا آخر ما اردنا ايراده في هذا الجزء والحمد لله رب العالمين اولا واخرا وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين ويليه الجزء الثالث مبتدئا بفصل (واجبات الصلاة) ان شاء الله تعالى. وكان الفراغ في اليوم الرابع من شهر شعبان المعظم سنة سبع وثمانين بعد الالف والثلثمائة 1387 من الهجرة النبوية في جوار القبة العلوية على مهاجرها ومشرفها آلاف الثناء والتحية. على يد محرره المفتقر إلى عفو ربه ورحمته مرتضى بن علي محمد البروجردي اصلا والنجفي مولدا ومسكنا ومدفنا ان شاء الله تعالى. أو الاخبار صريحا بدخول الوقت أو من طريق الدافع؟ كما هو

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية