الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الصلاة - السيد الخوئي ج 1

كتاب الصلاة

السيد الخوئي ج 1


[ 1 ]

كتاب الصلاة التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي دام ظله العالي تأليف الميرزا علي التبريزي الغروي الجزء الاول

[ 2 ]

الكتاب: التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى دام ظله المؤلف: العلامة الميرزا على الغروى التبريزي الناشر: دار الهادى للمطبوعات قم الطبعة: الثالثة ذي حجة 1410 هجري الكمية: 2000 نسخة المطبعة: صدر قم توزيع: دار الانصاريان قم

[ 5 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصلاة (مقدمة في فضل الصلاة اليومية وأنها افصل الاعمال الدينية) إعلم ان الصلا احب الاعمال إلى الله تعالى، وهي آخر وصايا الانبياء عليهم السلام وهي عمود الدين إذا قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها، وهي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم فان صحت نظر في عمله، وان لم تصح لم ينظر في بقية عمله، ومثلها كمثل النهر الجاري، فكما أن من اغتسل فيه في كل يوم خمس مرات لم يبق في بدنه شئ من الدرن، كذلك كلما صلى صلاة كفر ما بينهما من الذنوب، وليس ما بين المسلم وبين أن يكفر الا أن يترك الصلاة، وإذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأول شئ يسأل عنه الصلاة فإذا جاء بها تامة والازخ في النار، وفي الصحيح قال مولانا الصادق عليه السلام: (ما أعلم شيئا بعد المعرفة افضل من هذه الصلاة ألا ترى إلى العبد الصالح عيسى بن مريم عليه السلام قال: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) وروى الشيخ في حديث عنه ع قال: (وصلاة فريضة تعدل عند الله ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبلات) وقد استفاضت الروايات في الحث على المحافظة عليها في أوائل الاوقات، وأن من استخف ]

[ 6 ]

[ بها كان في حكم التارك لها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ليس منى من استخف بصلاته) وقال: (لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته) وقال: (لا تضيعوا صلاتكم فان من ضيع صلاته حشر مع قارون وهامان وكان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين) وورد: (بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام فصلى فلم يتم ركوعه ولا سجوده فقال ع: نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني) وعن ابي بصير قال: دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد الله - ع - فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجبا فتح عينيه ثم قال اجمعوا كل من بيني وبينه قرابة، قالت فما تركنا أحدا الا جمعناه فنظر إليهم ثم قال: (ان شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة) وبالجملة ما ورد من النصوص في فضلها أكثر من أن يحصى. ولله در صاحب الدرة حيث قال: تنهى عن المنكر والفحشاء * أقصر فهذا منتهى الثناء ]

[ 7 ]

[ فصل في أعداد الفرائض ونوافلها الصلوات الواجبة ستة (1) اليومية (2) ] بسم الله الرحمن الرحيم فصل في أعداد الفرائض ونوافلها (1) ذكروا للصلوات الفرائض اقساما عديدة واختلفت كلماتهم في تعدادها، فعدها بعضهم سبعة وبعض آخر تسعة إلى غير ذلك مما ذكروه في المقام إلا أنه من الاختلاف في التعبير فان بعضهم ادرج بعضها في بعض ولم يدرجه الآخر كذلك، فان صلاة الجمعة مثلا ادرجها بعضهم في الصلوات اليومية وجعلها بعضهم فريضة مستقلة، وإلا فاعدادها في الشريعة المقدسة معلوم لا اختلاف فيما هو الواجب منها إلا في بعض الجهات والخصوصيات كما سيظهر. ثم إن المراد بالفرائض في المقام هو ما اوجبه الله سبحانه في قبال النافلة بلا فرق في ذلك بين أن يوجبه الله سبحانه في كتابه أو بينه بلسان نبيه ص واوصيائه الطاهرين، لا ما انزله في كتابه فقط وإلا فصلاة الاموات وغيرها من اقسام الصلوات غير مذكورة في الكتاب العزيز وهو ظاهر. (2) وهي التي نتكلم عنها في المقام وسيوافيك الكلام فيها مفصلا إن شاء الله.

[ 8 ]

[ ومنها الجمعة (1) والآيات (2) والطواف الواجب (3) والملتزم بنذر، أو عهد، أو يمين، أو اجارة (4)، ] (1) وقد ادرجها في الصلوات اليومية وستقف على مباحثها قبل الشروع في الكلام على الفرائض اليومية خلافا لسائر المؤلفين من الفقهاء (قدس الله اسرارهم) لانهم انما يتكلمون عنها بعد البحث عن الفرائض اليومية فلا حظ. (2) والآيات بين ما نص عليها في النصوص باسمائها وعناوينها كالزلزلة والخسوف والكسوف وما ذكر في الروايات بعنوان الآية ولم ينص بعنوانه بالخصوص، نعم ذكر بعضها من باب المثال كالريح السوداء ونحوها من الآيات السماوية وكيف كان فلا اشكال في وجوبها ويأتي عليها الكلام في محلها إن شاء الله. (3) إذ لا يعتبر الصلاة في الطواف المندوب لزوما وانما تجب في الواجب منه، ومن هنا ورد في بعض الاخبار المنع عن الطواف بالبيت على غير وضوء معللا بان فيه صلاة. (* 1) (4) أو بشرط في ضمن عقد، والوجه في وجوب ما التزمه الانسان على نفسه بشئ من تلك الامور هو الادلة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر أو العهد أو اليمين، ووجوب الوفاء بالعقد أو الشرط لقوله عز من قائل: اوفوا بالعقود (* 2) وقوله ع المؤمنون عند شروطهم (* 3) على


(* 1) كما في صحيحة جميل المروية في ب 38 من ابواب الطواف من الوسائل. (* 2) المائدة: 5: 1، (* 3) المروية في ب 20 من ابواب المهور من الوسائل بعنوان: المؤمنون وفي ب 40 من المهور وب 6 من ابواب الخيار بعنوان: المسلمون أو فان المسلمين. فلاحظ

[ 9 ]

[ وصلاة الوالدين (1) على الولد الاكبر، وصلاة الاموات (2) ] التفصيل المذكور في محله ومن هنا لا يقع الكلام في هذه الصلوات الواجبة بهذه الاسباب بعناوينها، لانها إنما تجب بعنوان الوفاء بالعقد أو النذر وعدليه أو الشرط، وقد عرفت الادلة على وجوب الوفاء بها اجمالا آنفا ولبيان تفاصيلها محل آخر. (1) ذكر الماتن هنا وفي بحث صلاة القضاء ان من جملة الصلوات الواجبة قضاء الصلوات الفائتة عن الوالدين لوجوب قضائها على الولد الاكبر، ويأتي منا أن ما ورد في النص إنما هو القضاء عن الوالد فقط وأما الوالدة فلم يدلنا دليل على وجوب القضاء عنها على ما يأتي في محله إن شاء الله. (2) قد اسبقنا الكلام عليها في كتاب الطهارة فليراجع. ومن جملة الصلوات الواجبة صلاة العيدين على ما نطقت به الآية المباركة: فصل لربك وانحر (* 1) بناء على المراد بها صلاة العيدين كما ذكره (* 2) بعضهم بقرينة الامر بالنحر بعد الصلاة وقوله: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى (* 3) المفسر بصلاة العيدين أيضا، ويأتي في محله أن صلاة العيدين إنما تجب في زمان الحضور وانها من مناصب الامام ووظائفه فلا تجب في عصر الغيبة ونتكلم عليها عند تعرض الماتن لها إن شاء الله.


(* 1) الكوثر: 108: 2. (* 2) في الصافي عن تفسير العامة - كما حكاه المحقق الهمداني (قده) - أن المراد بالصلاة صلاة العيدين وبالنحر نحر الهدي والاضحية. (* 3) الاعلى: 87: 14 و 15.

[ 10 ]

[ أما اليومية فخمس فرائض (1) ] (1) وقد نص عليها في الآيات الكريمة وقال عز من قائل: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) وقد فسرت في جملة من الروايات (* 2) ومنها صحيحة زرارة (* 3) باربع صلوات ثنتين منها بين دلوك الشمس وغروبها وصلاتين بين غروبها ومنتصف الليل. ثم قال سبحانه: وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (* 4) وفسرتها صحيحة زرارة وغيرها بصلاة الفجر. وقال أيضا: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل (* 5) وقد فسرت في صحيحة زرارة بأن طرفي النهار: المغرب والغداة، وزلفا من الليل صلاة العشاء الآخرة. وقال أيضا: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (* 6) ووردت في صحيحة زرارة ان صلاة الوسطى هي صلاة الظهر وقال وفي بعض القراءة انها صلاة العصر، إلى غير ذلك من الآيات الشريفة الواردة في المقام. وقد اشتملت جملة من الآيات المباركة كالروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام على الاهتمام العظيم بالصلوات المفروضة الخمس وشدة العناية بها وكفى في ذلك مثل قوله ص ما بين المسلم وبين ان يكفر


(* 1 و * 4) الاسراء: 17: 78. (* 2) راجع ب 10 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 3) المروية في ب 2 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 5) هود: 11: 114. (* 6) البقرة: 2: 238.

[ 11 ]

أن يترك الصلاة (الا ترك الصلاة) (* 1) وقوله ع في الجواب عن أن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم واحب ذلك إلى الله عزوجل ما هو؟: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة.. (* 2) وقوله ع صلاة الفريضة أفضل من عشرين حجة (* 3) وما ورد من أن الصلاة عمود الدين (* 4) وقوله ص مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الاطناب والاوتاد والغشاء، وإذا تكسر العمود لم ينفع طنب، ولا وتد، ولا غشاء (* 5) والاخبار الواردة في أن الاسلام بني على خمس وعد منها الصلاة (* 6) وما دل على أن الصلاة لا تترك بحال (* 7) إلى غير ذلك من الروايات المعتبرة المتجاوزة حد التواتر والاحصاء. ثم انه يدخل في الفرائض صلاة القضاء عن المصلي نفسه إذا فاتته في وقتها لعذر أو لغيره، لانها عين الفريضة اليومية وإنما وقعت خارج الوقت فلا فرق بينهما إلا بحسب المحل والزمان.


(* 1) المروية في ب 11 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2 و * 3) المرويتان في ب 10 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 4) المروية في ب 6 و 8 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 5) المروية في ب 8 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 6) المروية في ب 1 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 7) هذا مضمون متصيد من صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة بقوله عليه السلام فيها: ولا تدع الصلاة على حال فان النبي - ص - قال: الصلاة عماد دينكم لوضوح ان المستحاضة لا خصوصية لها في هذا الحكم وقد رواها في ب 1 من أبواب الاستحاضة من الوسائل.

[ 12 ]

كما يدخل فيها صلاة الاحتياط الواجبة في بعض الشكوك كما في الشك بين الثلاث والاربع أو الاثنتين والاربع بعد إكمال السجدتين، أو الشك بين الثنتين والثلاث مثلا بعد الاكمال أو غير ذلك من الشكوك - بناء على أنها جزء من الصلاة كما هو الظاهر عندنا، وإن كانت متأخرة عنها زمانا وبحسب المحل ويؤتى بها بعد الفراغ كالسجدة المنسية، لا أنها صلاة مستقلة يتدارك بها النقص الواقع في الفريضة لانها على ذلك عين الفريضة حقيقة، ويقع الكلام في هاتين الصلاتين في محلهما ان شاء الله فالكلام في المقام إنما يقع في الصلوات اليومية الادائية، ولم يقع في اعدادها وكيفياتها ووجوبها على كل مكلف خلاف بين المسلمين إلا في صلاة الظهر خاصة حيث وقع الكلام في أنها واجبة مطلقا حتى يوم الجمعة أو أن الواجب فيها صلاة الجمعة متعينة أو على نحو التخيير بينها وبين فريضة الظهر. فصلاة الظهر إنما تجب في غير يوم الجمعة؟ القول في صلاة الجمعة وهذه هي المسألة التي وقعت معركة الآراء منذ عهد بعيد، وحيث ان الماتن (قده) قد اهمل فيها الكلام ولم يتعرض لصلاة الجمعة اصلا فنرى من المناسب جدا أن نتعرض لها أولا ثم نعقبها بالكلام على الصلوات اليومية إن شاء الله فنقول ومن الله نستعين.

[ 13 ]

الاقوال في المسألة الاقوال في المسألة ثلاثة: (أحدها): أن المتعين يوم الجمعة صلاة الظهر وصلاة الجمعة غير مشروعة في عصر الغيبة فلا تجزي عن الظهر. (ثانيها): أن الواجب يوم الجمعة صلاة الجمعة تعيينا. (ثالثها): أن المكلف يتخير يوم الجمعة بين الظهر والجمعة. وهذا الاختلاف منهم (قدس الله أسرارهم) إنما هو بعد تسالمهم على وجوب صلاة الجمعة ومشروعيتها في الجملة اعني عصر الحضور فيما إذا أقامها الامام ع أو من نصبه لذلك خاصة. بل ان وجوبها بهذا المعنى أعني وجوبها اجمالا من ضروريات الدين ولم يخالف فيها أحد من المسلمين، إلا انهم بعد اتفاقهم على وجوبها التعييني مع الامام ع أو من نصبه لذلك اختلفوا في انها عند عدم حضور الامام ع أو المنصوب الخاص من قبله هل تبقى على وجوبها التعييني كما في عصر الحضور، أو يشترط في وجوبها ومشروعيتها حضوره ع أو منصوبه الخاص لذلك. فلا تكون مشروعة في عصر الغيبة بل المتعين حينئذ صلاة الظهر يوم الجمعة أو ان المنتفي في عصر الغيبة هو الوجوب التعييني فقط دون مشروعيتها؟ ونتيجة ذلك هو القول بالوجوب التخييري عند عدم حضوره ع أو المنصوب الخاص من قبله. المشهور عند فقهائنا (قدهم) عدم وجوب الجمعة تعيينا بل ذكروا انه مما لا خلاف فيه عند القدماء. بل الظاهر من كلماتهم عدم مشروعية

[ 14 ]

الجمعة في عصر الغيبة، لاشتراطهم في مشروعيتها حضوره ع أو من نصبه لذلك مدعين عليه الاجماع في كلماتهم كثيرا، والقول بذلك هو المحكي عن الشيخ في الخلاف، وابن زهرة في الغنية، والمحقق في المعتبر، والعلامة في التحرير والمنتهى والتذكرة، والشهيد في الذكرى، والمحقق الثاني في جامع المقاصد، وغيرهم في غيرها. وعن الشهيد الثاني ذهابة إلى القول الثاني في رسالته التي وضعها في هذه المسألة، وقد اختاره صاحب المدارك (قده) وتبعهما على ذلك جماعة من المتأخرين. نعم حكي عن الشهيد أيضا القول بالتخيير في المسألة على خلاف ما ذكره في رسالته. واستظهر صاحب الجواهر (طاب رمسه) أن الشهيد (قده) كتب تلك الرسالة حال صغره وأبان شبابه، وعلله بقوله: لما فيها من الجرأة التي ليست من عادته على أساطين المذهب، وكفلاء أيتام آل محمد (عليهم السلام) وحفاظ الشريعة، ولما فيها من الاضطراب والحشو الكبير، ولمخالفتها لما في باقي كتبه من الوجوب التخييري ونسأل الله أن يتجاوز له عما وقع فيها وعما ترتب عليها من ضلال جماعة من الناس.. انتهى. هذا والصحيح من تلك الاقوال هو القول الثالث اعني الوجوب التخييري الذي ذهب إليه الشهيد الثاني (قده) في باقي كتبه غير الرسالة على ما نسبه إليه صاحب الجواهر (قده) في كلامه المتقدم نقله. ومرجعه إلى أن حضوره ع أو من نصبه لاقامة الجمعة ليس بشرط في مشروعيتها، وانما يشترط في وجوبها إذا قلنا في المقام دعويان:

[ 15 ]

الدعوى الاولى: ان صلاة الجمعة ليست واجبة تعيينية عند عدم حضور الامام عليه السلام أو من نصبه لذلك. الدعوى الثانية: أن حضوره عليه السلام أو المنصوب الخاص من قبله شرط لوجوبها لا لمشروعيتها فهي مشروعة في عصر الغيبة ومجزئة عن الظهر ونتيجة هذا هو الوجوب التخييري لا محالة. (أما الدعوى الاولى): فلابد لنا في اثباتها وتدعيمها من التعرض للادلة المستدل بها على وجوب صلاة الجمعة تعيينا فذا اثبتنا بطلانها ظهر بطلان القول بالوجوب التعييني لا محالة لانه أمر يحتاج إلى دليل، والمفروض عدم استقامته فنقول: استدل القائل بالوجوب التعييني في المسألة بوجوه من الكتاب والسنة. الاستدلال بالكتاب أما الكتاب فبقوله عز من قائل. يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون (* 1).


(* 1) الجمعة 62: 9.

[ 16 ]

فانها دلت على وجوب السعي إلى ذكر الله سبحانه عندما ينادى للصلاة يوم الجمعة بقول الموذن: حى على الصلاة، أو بغيره وليس ذكر الله يوم الجمعة بحيث يجب السعي إلى يوم الجمعة إلا صلاة الجمعة، فان المنصرف من الآية المباركة بعد تخصيص الحكم بيوم الجمعة دون سائر الايام ارادة صلاة الجمعة من ذكر الله، لا مطلق الصلاة وقد قررنا، في محله ظهور الامر في الوجوب التعييني ما لم يثبت غيره بدليل. نعم لا خصوصية للاوامر القرآنية في الظهور في الوجوب كما ذكره صاحب الحدائق (قده) حيث قال: ولا سيما الاوامر الكتابية، إذ لا نعرف لها خصوصية في ذلك. فكيف كان فيثبت بالآية المباركة وجوب صلاة الجمعة تعيينا على كل مكلف في كل زمان لانه خطاب عام يشمل الافراد والازمنة حتى يقوم دليل على خلافها. والجواب عن ذلك أن الآية المباركة لا دلالة لها على الوجوب التعييني بوجه وذلك (أما اولا): فلانها قضية شرطية وقد علق فيها وجوب السعي إلى الصلاة على النداء إليها فقال عز من قائل إذا نودي للصلاة.. ومعنى ذلك أنه متى ما تحققت اقامة الجمعة في الخارج في نفسها ونودي إليها وجب السعي نحوها، وأما أن النداء إليها واقامتها واجبان مطلقا على كل مكلف كما هو المدعى فلا يستفاد منها أبدا. بل مقتضى المفهوم المستفاد من الجملة الشرطية عدم وجوب صلاة الجمعة إذا لم يناد إليها ولم يتحقق اقامتها ويدل على ذلك قوله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (* 1)


(* 1) الجمعة: 62: 11.

[ 17 ]

فان المستفاد من تلك الآية أن السعي نحو الصلاة انما يطلب حالكونه ص قائما للصلاة أو للخطبة أي حالما اقيمت الصلاة في نفسها وانعقدت خارجا وأن السعي حالئذ مرغوب فيه للشارع، وتركهم لها وهو ص قائم لها واشتغالهم باللهو والتجارة مذموم لدى الله سبحانه، فلا ذم على تركهم لها إذا لم يكن ص قائما بها ومعه كيف يمكن أن يستفاد منها أن اقامتها واجبة في نفسها. و (أما ثانيا): فلان السعي بمعنى السير السريع والاسراع في المشي كالعدو والركض فالآية تدلنا على وجوب السرعة عند الاذان والنداء للصلاة يوم الجمعة، ومقتضى المناسبة بين الحكم وموضوعه أن المراد بالذكر فيها هو الخطبة التي كان يلقيها رسول الله ص قبل الصلاة موعظة وارشادا للناس وتخويفا لهم من عذاب الله سبحانه، لا أن المراد به هو الصلاة نفسها. والوجه في هذه المناسبة أن صلاة الجمعة غير مترتبة على النداء، لوضوح أن بينه وبينها فاصلا وهو الخطبة وأن وقت صلاة الجمعة يمتد إلى زمان الركوع، فلا يجب الاسراع إليها إلا إذا بلغ الامام الركوع، وخاف المكلف أن لا يدركه وهو راكع، بحيث لو ادركه وهو كذلك اي راكع لاجزأه من غير كلام. فارادة الصلاة من الذكر لا يلائم تفريع السعي على النداء في الآية المباركة، لما عرفت من أن الاسراع إليها غير واجب عند النداء ويجوز التأخير عن الحضور إلى أن يركع الامام، ولاجل ذلك لا يمكننا ارادة الصلاة من الذكر المأمور بالسعي إليه. وبه يستكشف أن المراد به الخطبة، والامر بالاسراع في المشي عند

[ 18 ]

النداء انما هو لاجل سماع الخطبة، لما فيها من الموعظة والارشاد، بقرينة ما قدمناه من ان الحضور للخطبة غير واجب من غير خلاف وبهذه القرينة يحمل الامر بالاسراع في الآية المباركة على الاستحباب فلا دلالة له على الوجوب. ويدلنا على ذلك قوله عز من قائل. ذلكم خير لكم. فان الخير للتفصيل لا انه في مقابل الشر فلا يستعمل إلا فيما إذا كان كلا الطرفين حسنا في نفسه غير أن احدهما احسن من الآخر، فمعنى الآية أن التجارة وان كانت ذات منفعة ماليه وقد يترتب عليها فعل محبوب اخروى إلا أن السعي إلى ذكر الله وما عند الله من الجزاء الدائم، والثواب الباقي خير من تلك المنفعة المالية ومن اللهو والالتذاذ النفسي الذي يطرءه الفناء ويتعقبه الزوال بعد قليل. ويشهد على ان لفظة الخير مستعملة للتفضيل لا في مقابل الشر تتبع موارد استعمالاتها في القرآن الكريم لانك إذا لا حظتها رأيت بوضوح انها كثيرا ما يستعمل بمعنى الافضل والاحسن عند اشتمال كلا الطرفين على الحسن في نفسه، ولا سيما إذا كانت مستعملة مع الاضافة كخير الرازقين أو خير الراحمين، أو مع كلمة (من) كما في قوله عز من قائل: وللآخرة خير لك من الاولى (* 1) لبداهة أن كلا من الحياتين ذات خير ومنفعة غير أن الآخرة احسن لبقائها ودوامها. فإذا كان الخير بهذا المعنى في الآية المباركة لم تكن فيها أية دلالة على وجوب صلاة الجمعة تعيينا فان هذا التعبير لسان الاستحباب لانه المناسب له دون الوجوب لانه لو كان امرا حتميا وواجبا على المكلفين لكان من المناسب


(* 1) الضحى: 93: 4.

[ 19 ]

بل اللازم أن يحذرهم عن تركها ويرتب عليه الذم والعذاب أو غير ذلك مما يدلهم على وجوبها، لا أن يكتفي بقوله: ذلكم خير لكم. نعم قد يستعمل الخير في موارد الوجوب كما في قوله تعالى: وأن تصوموا خير لكم (* 1) ولكن ذلك انما ثبت من الخارج بالدليل، وإلا فكلمة خير في نفسها في اللغة العربية وما يراد فيها من سائر اللغات ظاهرة في الاستحباب كما ذكرناه. وعلى الجملة ان الآية لا دلالة لها على الوجوب وانما يدلنا الامر فيها بالسير السريع على الحث والترغيب لسماع الخطبة لا شتمالها على المواعظ والارشاد هذا على أنا لو تنازلنا عن ذلك وسلمنا أن المراد بالذكر في الآية المباركة هو الصلاة كان الامر بالسعي ايضا محمولا على الاستحباب، لما اشرنا إليه، ويأتي من امتداد وقت الحضور والاشتراك في صلاة الجمعة إلى زمان الركوع بحيث لو ادركها والامام راكع كفى في صحتها، فلا يجب السعي إلى صلاة الجمعة بمجرد النداء، ولا قائل بوجوب السعي في نفسه، وانما القائل يدعي وجوب الحضور للصلاة، وقد عرفت انه موسع إلى زمان الركوع والاسراع غير واجب فيه، فلا مناص من حمل الامر بالسعي إليها على الاستحباب. ويرشدنا إليه ذيل السورة المباركة ايضا: قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين. بالتقريب المتقدم آنفا ولا نعيده. وبقوله عز من قائل: حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى (* 2) بدعوى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة الجمعة يوم الجمعة وصلاة


(* 1) البقرة: 2: 184. (* 2) البقرة: 2: 238.

[ 20 ]

الظهر في غيرها. وقد امرنا الله سبحانه بالمحافظة عليها زائدا على وجوب المحافظة مطلق الصلوات. وهذا الاستدلال عجيب ومن هنا لم يتصد المحقق الهمداني (قده) للجواب عنه ولم يعتني به وانما اكتفى بقوله وفي الاستدلال بهما ما لا يخفى والحق معه، لان الصلاة الوسطى قد فسرت في رواياتنا بصلاة الظهر وفي بعض القراءات بصلاة العصر (* 1) وحملت على التقية كما في الوسائل (* 2) إذا يدور امرها بين ان يراد منها الظهر أو العصر، ولم يرد تفسيرها بصلاة الجمعة في شئ من الروايات. نعم روى الطبرسي في مجمع البيان عن علي ع ان صلاة الوسطى صلاة الجمعة يوم الجمعة وصلاة الظهر في سائر الامام (* 3) الا انها غير قابلة للاعتماد عليها لارسالها فلا دليل على تفسيرها بصلاة الجمعة بوجه. على أنه لا يسعنا الاستدلال بها على لزوم صلاة الجمعة ووجوب اقامتها وان فسرناها بصلاة الجمعة، لان الامر بالمحافظة على شئ انما يصح بعد وجوبه في نفسه إذا يكون الامر بالمحافظة ارشادا إلى لزوم الاتيان بصلاة الجمعة واهميتها حيث ذكرت بالخصوص بعد ذكر سائر الصلوات والاوامر الارشادية لا دلالة لها على الوجوب فضلا عن سعته وضيقه كما هو الحال في اوامر الطاعة، فان الوجوب أو الاستحباب في الاوامر


(* 1) كما في صحيحة زرارة المروية في ب 2 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2) اشار إليه في ذيل ب 5 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 3) المروية في ب 5 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 21 ]

الارشادية انما يستفادان من الخارج ويتبعان ادلتهما فكما أن الاية المباركة غير ناظرة إلى الاجزاء والشرائط وسائر الكيفيات المعتبرة في صلاة الجمعة من العدد والحرية والذكورية وغيرها من دون خلاف كذلك لا تعرض لها لكونها واجبة في أي عصر وان وجوبها يختص بزمان الحضور أو يعم عصر الغيبة ايضا فلا يمكن استكشاف شئ من ذلك من الآية المباركة بوجه، وعلى الجملة لم يدلنا دليل على ان الوسطى هي صلاة الجمعة، وعلى تقدير التنازل لا دلالة للآية على وجوبها وانه يختص بزمان الحضور أو يعم عصر الغيبة؟ هذا كله في الاستدلال بالكتاب. الاستدلال بالسنة: وأما السنة فقد استدلوا بطوائف من الاخبار، وهي الكثرة بمكان ومتجاوزة عن حد الاستفاضة بلا ريب وقد انهاها بعضهم إلى مائتي حديث فقال: فالذي يدل على الوجوب بصريحه من الصحاح والحسان والموثقات وغيرها اربعون حديثا، والذي يدل بظاهره على الوجوب خمسون حديثا، والذي يدل على المشروعية في الجملة اعم من أن يكون عينيا أو تخييريا تسعون حديثا، والذي يدل بعمومه على وجوب الجمعة وفضلها عشرون حديثا. ولا يبعد دعوى تواترها بل لا شبهة في تواترها الاجمالي للقطع بصدور بعضها من المعصوم ع وعدم مخالفة جميعها للواقع، وبهذا نستغتي عن التكلم على اسنادها بحيث لو تمت دلالتها على هذا المدعى ولم يكن هناك ما يمنع عن هذا الظهور لم يكن اي مناص من الالتزام بوجوب

[ 22 ]

صلاة الجمعة تعيينا. بل الامر كذلك حتى لو انكرنا تواترها لكفاية ما فيها من الاخبار الصحيحة والموثقة فلا مجال للتشكيك فيها بحسب السند. واليك نبذة من الاخبار: (منها) صحيحة زرارة عن أبي جعفر ع قال: إنما فرض الله عزوجل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها الله عزو جل في جماعة وهي الجمعة ووضعها عن تسعة: عن الصغير، والكبير، والمجنون، والمسافر، والعبد، والمرأة، والمريض، والاعمى، ومن كان على رأس فرسخين (* 1). ولا كلام في سندها واما دلالتها على وجوب الجمعة تعيينا فقد نوقش فيها بانها ناظرة إلى بيان الصلوات الواجبة من الجمعة إلى الجمعة، وان عددها يبلغ خمسا وثلاثين صلاة، ولم ترد لبيان الشروط وسائر الكيفيات المعتبرة فيها، ولا نظر لها إلى انها واجبة في اي عصر؟ وانها مشروطة بوجود الامام، أو المنصوب الخاص من قبله؟ وأن الامام تعتبر فيه العدالة؟ وأن عددهم لابد أن يكون خمسة أو سبعة فما فوق؟ أو غير ذلك من القيود والشروط، ومعه لا يمكننا التمسك باطلاقها، لاثبات وجوب صلاة الجمعة مطلقا حتى في عصر الغيبة، ودفع كلما يشك في اعتباره فيها من القيود. فالصحيحة انما سيقت لبيان أن صلاة الجمعة واجبة في الجملة، وحالها حال ما إذا دل دليل على أن الغسل يجب في سبعة موارد مثلا فكما انه غير ناطر بالطبع إلى بيان الكيفية المعتبرة في غسل الجنابة أو غيرها وانها تتحقق باي شئ ولا يمكن التمسك باطلاقه لدفع ما يشك في اعتباره فيه من القيود فكذلك الحال في هذه الصحيحة، وقد تقدم أن


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 23 ]

وجوب صلاة الجمعة في الجملة من الضروريات التي لا تقبل المناقشة والصحيحة وردت لبيان هذا الامر الضروري الذي لا خلاف فيه. والذي يوضح ما ذكرناه هو أنا لو شككنا في اعتبار شئ في غير الجمعة من الصلوات كما إذا شككنا أن السورة جزء في صلاة الظهر أو العصر أو غيرهما لا يمكننا ان نتمسك في دفعه باطلاق هذا الحديث بدعوى أن قوله ع انما فرض الله عزوجل على الناس.. مطلق، وهذا لا وجه له سوى ما قدمناه من انها غير واردة لبيان القيود وسائر الكيفيات المعتبرة في الفرائض فلا اطلاق لها من هذه الجهة فإذا شككنا في أن حضور الامام ع شرط في وجوب صلاة الجمعة لم يمكننا التمسك باطلاق هذه الصحيحة لدفع شرطيته كذا نوقش في دلالتها. والتحقيق أن المناقشة غير واردة على دلالتها والوجه فيه أن الشك قد يرجع إلى اجزاء المأمور به وشرائطه ولا ينبغي التردد في أن الصحيحة غير ناظرة إلى القيود والكيفيات المعتبرة في الصلاة فلا يمكن دفع ما يشك في اعتباره فيها باطلاق الصحيحة كما تقدم. وقد يرجع الشك إلى اصل الوجوب والتكليف وأنهما يعمان جميع المكلفين في كل عصر أو يخصان طائفة دون اخرى؟ اعني من عنده الامام أو المنصوب من قبله، فلا وجوب لمن لم يدركه ع ولم يكن عنده منصوب خاص من قبله. وهذا الشك يندفع بالعموم الوارد في الصحيحة وهو قوله ع انما فرض الله على الناس.. فان الناس جمع محلى باللام وهو من اداة العموم، وبعمومها يثبت أن وجوب صلاة الجمعة كغيرها من الصلوات الواجبة في الحديث يعم كل مكلف في كل حين، بلا فرق في ذلك بين

[ 24 ]

عصري الغيبة والحضور، وليس هذا الاستدلال كما ترى باطلاق الصحيحة ليرد أنه يتوقف على ان يكون المتكلم في مقام البيان وليست الصحيحة بصدد البيان من تلك الجهة فدلالة الصحيحة مما لا ينبغي الاشكال فيه. ويشهد لما ذكرناه، زائدا على انه المستفاد من العموم انه ع لم يستثن في الصحيحة ممن كلف بصلاة الجمعة إلا الطوائف التسع، ولم يعد ع منهم من ليس عنده الامام ع أو المنصوب الخاص من قبله، فلو كان هناك شرط آخر للوجوب ككون المكلف في عصر الحضور للزم ان ينبه عليه ويستثنى من لم يكن واجدا له ومعه يزيد عدد المستثنين في الصحيحة عن التسع. وأصرح من هذه الصحيحة ما ورد في صحيحة اخرى لزرارة كما يأتي قريبا من قوله ع وذلك سنة إلى يوم القيامة (* 1) لانها صريحة في أن وجوب الجمعة غير مختص بعصر دون عصر، بل تجب على كل مكلف في كل حين وهذا موكد لما ذكرناه من دلالة الصحيحة على وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة. و (منها) صحيحة ابي بصير ومحمد بن مسلم جميعا عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ان الله عزو جل فرض في كل سبعة ايام خمسا وثلاثين صلاة منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة: المريض، والمملوك والمسافر والمرأة، والصبي (* 2) وسندها صحيح، ودلالتها بالعموم الوضعي على وجوب الجمعة لكل مسلم اماما كان أو مأموما أوضح من سابقتها: و (منها): صحيحة ثانية لزرارة عن ابي جعفر الباقر ع


(* 1) المروية في ب 4 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 25 ]

قال: صلاة الجمعة فريضة والاجتماع إليها فريضة مع الا مام فان ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق (* 1). و (منها): صحيحة ابي بصير ومحمد بن مسلم قالا: سمعنا أبا جعفر محمد بن علي ع يقول: من ترك الجمعة ثلاثا متواليات بغير علية طبع الله على قلبه (* 2) وهو من اوصاف المنافقين وكناية عن كون ذلك موجبا للعصيان. وسندها صحيح فان محمد بن عيسى بن عبيد وان كان قد استثناه الصدوق عن رجال نوادر الحكمة تبعا لشيخه ابن الوليد الا انه ممن وثقه النجاشي وابن نوح وقال ان اصحابنا يقولون: من مثل ابي جعفر محمد بن عيس؟ فالسند صحيح. مضافا إلى أن الشيخ قد نقل هذه الرواية في تهذيبه باختلاف يسير في الفاظها (* 3) وسند صحيح وليس فيه محمد بن عيسى بن عبيد كما هو ظاهر. و (منها): صحيحة ثالثة لزرارة قال: قال أبو جعفر ع: الجمعة واجبة على من إن صلى الغداة في اهله ادرك الجمعة وكان رسول الله ص انما يصلى العصر في وقت الظهر في سائر الايام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول الله ص رجعوا إلى رحالهم قبل الليل وذلك سنة إلى يوم القيامة (* 4). (منها): غير ذلك من النصوص وقد قدمنا انها تامة السند والدلالة في نفسها.


(* 1 و * 2 و * 3) المرويات في ب 1 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 4) المروية في باب 4 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 26 ]

الجواب عن الروايات: ومع هذا كله لا يسعنا الحكم بوجوب الجمعة تعيينا، ولا مناص من حمل الاخبار الظاهرة في ذلك على الوجوب التخييري، لان دلالتها على وجوب صلاة الجمعة وان كانت تامة كما مر وذكرنا انها دلالة لفظية وبالعموم إلا أن كونه وجوبا تعيينيا غير مستند إلى اللفظ وانما يثبت بالاطلاق ومقدمات الحكمة باعتبار أن لفظ الواجب أو الفريضة واشباههما انما يكون ظاهرا في التعييني فيما إذ اطلق، ولم يقيد بما يدل على عدل آخر له، فان التخييري هو المحتاج إلى مؤنة البيان ولو بمثل. إذا لم يأت بعدله، فإذا كان الحال كما عرفت فلا مناص من رفع اليد عن اطلاق الروايات الواردة في المقام وحمله على التخييري لوجوه صالحة للقرينية والمانعية عن الاخذ بظواهرها اعني الوجوب التعييني. الوجوه الصالحة للمانعية: (منها): أن صلاة الجمعة لو كانت واجبة تعيينية لشاع ذلك وذاع ولكان من المسلمات الواضحات نظير غيرها من الفرائض اليومية فان حال صلاة الجمعة وقتئذ حال الفرائض اليومية بعينها ولم يكن لانكار وجوبها سبيل ولم يكد يخفى على احد من المسلمين فضلا عن العلماء المحققين والباحثين، لوضوح انها من المسائل عامة البلوى، ولا نصوص فيها كثيرة متضافرة بل لا تبعد دعوى تواترها كما مر، ومعه كيف ساغ لفقهائنا

[ 27 ]

الاعلام (قدس الله اسرارهم) ان ينكروا وجوبها بل قد عرفت تسالم الفقهاء الاقدمين على عدمه ولم ينقل القول بالوجوب التعييني من احد منهم في المسألة على اختلاف ارائهم في مشروعيتها في عصر الغيبة وعدمها. فان المحكي عن الشيخ (قد) جوازها وعن ابن أدريس وسلار حرمتها وعدم مشروعيتها كما اختاره بعض المتأخرين. أفلم تصل إليهم ما وصلت بايدينا من الاخبار المتقدمة على كثرتها؟! ولا سيما من روى لنا هذه كالشيخ وغيره ممن لا يحتمل غفلته وعدم عثوره عليها كيف وهي بمرئى ومسمع منهم (قدس الله اسرارهم) وقد ملاوا كتبهم وطواميرهم من تلك الاحاديث، ومع هذا يدعى الشيخ (قده) الاجماع على عدم وجوب الجمعة تعيينا كما ادعاه غيره كصاحب الغنية وابن ادريس وغيرهم فهل تراها غائبة عن انظارهم أو تحتمل انهم افتوا بجواز ترك فريضة من فرائض الله سبحانه على جلالتهم وعظمتهم؟! ومع هذا التسالم كيف يمكننا الاخذ بظاهر الاخبار واطلاقها. بل يدلنا هذا على عدم كون الجمعة واجبة تععيينية إذا لا مناص من حمل تلك النصوص على الوجوب التخييري وافضل الفردين. (منها): أن صلاة الجمعة لو كانت واجبة تعيينية فلماذا جرت سيرة اصحابهم ع على عدم اقامتها في زمانهم على جلالتهم في الفقه والحديث فهل يحتمل ان يكونوا متجاهرين بالفسق لتركهم واجبا تعيينيا في حقهم وفريضة من فرائض الله سبحانه؟! فكيف أهملوا ما وجب في الشريعة المقدسة ولم يعتنوا بالاخبار التي رووها بانفسهم عن ائمتهم ع ولم يعملوا على طبقها؟! والذي يدلنا على جريان سيرتهم على ترك الجمعة مضافا إلى انه

[ 28 ]

لم ينقل الينا اقامتهم لصلاة الجمعة في تلك الاعصار فانهم لو كانوا اقاموها لنقل الينا لا محالة وظهر وبان نفس الروايات الواردة عنهم ع. فهذه صحيحة زرارة قال: حثنا أبو عبد الله ع على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: لا، إنما عنيت عندكم (* 1). وموثقة عبد الملك ابن أعين وهو أخو زرارة عن أبي جعفر ع قال: قال: مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة يعني صلاة الجمعة (* 2). فان الرواية الاولى صريحة في أن زرارة على جلالته لم يكن يصلي صلاة الجمعة فلو كانت واجبة تعيينية كيف امكن ان يخفى على مثله؟ فلو كان عالما بها وغير مخفية عليه فكيف يحتمل أن يكون تاركا فريضة من فرائض الله سبحانه جهرا مع ما ورد في شانه وشأن نظراءه من المدح والثناء من انهم امناء الله على حلاله وحرامه، وانه لولاهم لانقطعت اثار النبوة، وانهم السابقون الينا في الدنيا والآخرة إلى غير ذلك مما ورد في حقهم (* 3) فمن جريان سيرته على عدم اقامتها وهو الراوي لجملة من الاخبار الظاهرة في الوجوب نستكشف كشفا قطعيا أن صلاة الجمعة ليست واجبة تعيينية. على أن الحث والترغيب انما يناسبان الامور المستحبة، واما الواجبات فلا مجال فيها لهما بوجه بل اللازم فيها التوبيخ على تركها والتحذير على مخالفتها بالوعيد، فهذا اللسان لسان الاستحباب دون الوجوب. كما أن الظاهر من الموثقة أن عبد الملك على ما هو عليه من الجاه


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 5 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 3) راجع ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 29 ]

والمقام لم يصل صلاة الجمعة طيلة حياته ولو مرة واحدة حتى صار بحيث وبخه الامام ع بقوله: مثلك يهلك، ولم يصل فريضة فرضها الله. فهاتان الروايتان المعتبرتان دلتا على ان اصحاب الائمة ع جرت سيرتهم على ترك صلاة الجمعة إلى أن وبخهم ع أو حثهم عليها. واحتمال ان اصحابهم ع كانوا ياتون بصلاة الجمعة مع العامة تقية وأن الحث والترغيب منهم ع انما هما على اتيانهم بها صحيحة مطابقة لما هو المأمور به الاولى في حقهم ساقط من اساسه. لانهم كما كانوا لا يأتون بها عارية عن التقية كذلك كانوا لا يأتون بها تقية لعدم تأتي التقية في مثلها فان الجماعة باطلة معهم فكيف تكون مجزئة عما هو الواجب التعييني في حقهم اعني صلاة الجمعة بناء على وجوبها كذلك فالجماعة معهم باطلة نعم ورد الامر بالاشتراك في جماعاتهم في الصلوات اليومية مشروطا بان يأتي بصلاته في نفسه بان يقتدى بهم في الظاهر ويأتي بالقراءة في نفسه فهي جماعة صورية وليست جماعة حقيقية فيجوز الاتيان بالفرائض اليومية بهذه الكيفية معهم جماعة بخلاف صلاة الجمعة لانها ركعتان والفريضة اربع ركعات فاحداهما غير الاخرى لا محالة. فلو اراد أن يصلي معهم بحسب الصورة للزم ان يتم صلاته اربع ركعات بان ينوي صلاة الظهر لبطلان الجمعة معهم كما عرفت وهي مخالفة لصلاة الظهر في عدد الركعات فلا يسلم في التشهد بعد الركعتين بل يقوم ويضيف عليهما ركعتين اخريين ويخيل عليهم انه يأتي بصلاة اخرى ذات ركعتين، أو انه يصلي الظهر اولا في داره أو غيرها ثم يقتدى بهم في صلاة الجمعة صورة كما اشير إليه في بعض الروايات (* 1).


(* 1) موثقة حمران عن ابي عبد الله - ع - في حديث قال: في كتاب =

[ 30 ]

وكيف كان فقد استفدنا من الروايات الواردة ان سيرة اصحاب الائمة ع كانت جارية على ترك الجمعة ولا يرضى القائل بالوجوب باحتمال ان اصحابهم ع على كثرتهم وجلالتهم كانوا تاركين لواجب اهم بل متجاهرين بالفسق وترك فريضة من فرائض الله سبحانه، وهذا دليل قطعي على أن صلاة الجمعة ليست بواجبة تعيينية. و (منها): الاخبار الواردة في عدم وجوب الحضور لصلاة الجمعة على من كان بعيدا عنها بازيد من فرسخين وقد عد هذا من جملة المستثنيات في بعض الصحاح المتقدمة كما في صحيحة زرارة المتقدمة (* 1) وصحيحة محمد ابن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ع عن الجمعة فقال: تجب على كل من على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شئ (* 2). والوجه في دلالتها على عدم وجوب الجمعة تعيينا أن الحضور لها إذا لم يكن واجبا على النائي بازيد من فرسخين وبنينا على ان صلاة الجمعة واجبة تعيينية لوجبت اقامتها على من كان بعيدا عنها بازيد من فرسخين في محله. لان مفروضنا وجوبها على كل مكلف تعيينا، وامام الجماعة يوجد


= علي - ع - إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين اخريين، قلت فاكون قد صليت اربعا لنفسي لم اقتد به؟ فقال: نعم. وما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قلت لابي جعفر - ع - كيف تصنع يوم الجمعة؟ فقال: كيف تصنع انت؟ قلت اصلي في منزلي ثم اخرج فاصلي معهم قال: كذلك اصنع انا. المرويتان في ب 29 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 1) المتقدمة في ص 22. (* 2) المروية في ب 4 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 31 ]

في كل قرية ومكان من بلاد المسلمين أللهم الا ان يحمل الاخبار على سكنة الجبال ومن يعيش في القلل على سبيل الانفراد وهو من الندرة بمكان إذا فباي موجب تسقط صلاة الجمعة عن النائي بازيد من فرسخين فالحكم بسقوطها عنه بقوله ع فليس عليه شئ يدلنا على عدم وجوبها تعيينا لا محالة. و (منها): الروايات الواردة في أن كل جماعة ومنهم أهل القرى إذا كان فيهم من يخطب لهم لصلاة الجمعة وجبت عليهم صلاة الجمعة، وإلا يصلون ظهرا أربع ركعات، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما ع قال: سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال: نعم (و) يصلون أربعا إذا لم يكن من يخطب (* 1). ومعتبرة الفضل بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله ع يقول: إذا كان قوم (القوم) في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمس نفر، وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين (* 2). وموثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله ع عن الصلاة يوم الجمعة فقال: أما مع الامام فركعتان وأما من يصلي وحده فهي اربع ركعات بمنزلة الظهر، يعني إذا كان امام يخطب، فان لم يكن امام يخطب فهي اربع ركعات وان صلوا جماعة (* 3). وتقريب الاستدلال بتلك الروايات أن المراد فيها بمن يخطب لابد أن يكون من يخطب لهم بالفعل لا من من شأنه أن يخطب، وان


(* 1 و * 2) المرويتان في ب 3 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 5 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 32 ]

لم يتمكن من الخطبة فعلا، وذلك لان الظاهر المتبادر من قوله ع من يخطب هو الفعلية فحمله على ارادة من يخطبهم شأنا وقوة بمعني من له. قابلية ذلك خلاف الظاهر جدا. على أن ذلك فرض نادر لا يمكن حمل الاخبار عليه، لوضوح أن في الاماكن المسكونة من البلاد والقرى يوجد امام يصلي بأهلها جماعة بل لا يوجد قرية لا يكون لهم فيها امام يقيم الجماعة إلا نادرا، والامام الذي يتمكن من قراءة فاتحة الكتاب واقامة الجماعة يتمكن من الخطبة في صلاة الجمعة قطعا لان الفاتحة تجزء في الخطبة، ويكفي في الوعظ والارشاد أن يقول: يا أيها الناس اتقوا الله أو نحوه فاقل الواجب المجزء من التحميد والثناء وقراءة السورة أمر مقدور لكل امام يقيم الجماعة، ولا يعتبر في صلاة الجمعة خطبة طويلة حتى يتوقف القائها على الكمال والمهارة في فن الخطابة. وعلى الجملة أن في اهل القرى يوجد من يخطب لهم شأنا وقوة ولا توجد قرية لا يوجد فيها من يخطبهم كذلك ومعه لا يبقى أي معنى لتعليق وجوب صلاة الجمعة على وجود من يخطب، ووجوب صلاة الظهر على صورة عدم وجدانه، فلا مناص من حمل الروايات على ارادة من يخطب لصلاة الجمعة فعلا. إذا فالاخبار واضحة الدلالة على أن صلاة الجمعة غير واجبة الاقامة في نفسها، وإنما يؤمر بها على تقدير وجود من أقامها في الخارج بارادته، وخطب لهم أي أقدم على اقامتها وتهيأ للاتيان بها فان الواجب حينئذ هو صلاة الجمعة، وان لم يكن هناك من اقدم على اقامتها بالفعل فالواجب صلاة الظهر. وأين هذا من وجوب صلاة الجمعة تعيينا، لانها لو كانت كذلك

[ 33 ]

لوجب الاقدام على اقامتها والمباشرة لخطبتها بحيث لو لم يقمها الامام بالفعل ولم يخطب لهم ارتكب معصية بتركه فريضة تعيينية في حقه وبذلك يحكم بفسقه وسقوطه عن العدالة نظير ما لو ترك بعض الفرائض اليومية متعمدا ومع الحكم بفسقه كيف يجوز أن يصلي بهم اربع ركعات ظهرا كما لعله ظاهر الروايات لعدم جواز الائتمام به وقتئذ هذا. بل يمكن ان يقال ان الاستدلال بتلك الروايات غير متوقف على حملها على ارادة من يخطب لهم بالفعل فلو حملناها على ارادة من يخطب لهم شانا ايضا امكننا الاستدلال بها على عدم وجوب الجمعة تعيينا لانها لو كانت واجبة كذلك لوجب تعلم الخطبة على اهل القرى كفاية ليتمكنوا منها شأنا وقوة ويقتدروا على القائها في الجمعة الآتية ويكون ترك تعلمها محرما، فان المقدمات التي يكون تركها موديا إلى ترك الواجب وتعذره في ظرفه واجبة التحصيل لا محالة، ومعه يكون ترك التعلم واهماله مستلزما لفسق الامام وبه يخرج عن قابلية الامامة في الجماعة، ولا معنى للائتمام به حالئذ كما هو ظاهر الروايات. هذا تمام الكلام في الاخبار المستدل بها على وجوب الجمعة تعيينا، والادلة القائمة على خلافها والموجبة لحملها على الوجوب التخييري. نبذة اخرى من الروايات: بقى الكلام في نبذة اخرى من الروايات التي استدلوا بها ايضا على هذا المدعى، ولا يتأتي في بعضها الحمل على الوجوب التخييري كما توهم:

[ 34 ]

(منها): صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر ع على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لاقل من خمسة من المسلمين احدهم الامام، فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمهم بعضهم وخطبهم (* 1). وغيرها من الروايات الواردة في أن صلاة الجمعة يشترط في وجوبها حضور سبعة من المسلمين. نظرا إلى دلالتها على أن السبعة إذا اجتمعت في اي زمان وجبت صلاة الجمعة وتدلنا باطلاقها على عدم الفرق في ذلك بين عصري الغيبة والحضور. الجواب عن تلك الروايات: ويرد الاستدلال بها انها اجنبية الدلالة على هذا المدعى فان قوله عليه السلام تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين إما ان يكون واردا لبيان شرط الصحة، واما أن يكون ناظرا إلى بيان شرط الوجوب. أما على الاول فالرواية ساكتة عن بيان وجوب صلاة الجمعة فضلا عن بيان انه تعييني أو تخييري، لان مفروضنا انها ناظرة إلى بيان ما يشترط في صحتها وانها تتوقف على وجود سبعة نفر من المسلمين بحيث لو كانا اقل منها لم تصح فالرواية اجنبية عما نحن بصدده. نعم هذا الاحتمال على خلاف ما هو الظاهر من السؤال في الرواية، لان الراوي انما سأله عن أن الجمعة على من تجب؟ ولم يسأله عن انها تصح من أي شخص أو في اي وقت.


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 35 ]

مضافا إلى انها على هذا التقدير معارضة بما دل على أن شرط صحتها حضور خمسة من المسلمين، وانه لا جمعة إذا كانوا اقل من خمسة (* 1) وكيف كان فالرواية على هذا التقدير اجنبية عما نحن بصدده اعني اثبات انها واجبة تعيينية أو تخييرية بالكلية. وأما على الثاني بان تكون مسوقة لبيان شرط الوجوب فايضا لادلالة لها على أن صلاة الجمعة واجبة تعيينية بل هي على خلاف المطلوب ادل والوجه فيه أن الحكم بوجوب صلاة الجمعة على سبعة نفر انما هو في حق غير المسافرين، لوضوح أن المسافر لا تجب عليه الجمعة يقينا. نعم سيوافيك انها جائزة في حقه بل مستحبة وأما الوجوب فلا فيختص الوجوب بالحاضرين. وعلى ذلك لا معنى لتعليق الوجوب على وجود سبعة من المسلمين، لان وجود السبعة متحقق في اي بلدة وقرية، وهل يوجد مكان مسكون للمسلمين ولا يوجد فيه سبعة نفر؟! ولا سيما إذا لا حظنا حوله إلى ما دون اربعة فراسخ من جوانبه الاربع لئلا يبلغ حد السفر الشرعي أو إلى فرسخين من الجوانب الاربعة بناء على عدم وجوبها على النائي عنها بازيد من فرسخين كما هو كذلك فما معنى التعليق بوجودهم وبذلك يصبح التعليق فيها لغوا ظاهرا. وحمله على من يعيش في الجبال ويقطن البراري والقلل على سبيل الانفراد والانعزال أو على اهل الرياضة والرهبان وغيرهم ممن يعيش منعزلا عن المجتمع غير صحيح. لانه امر نادر التحقق. بل هو فرض الخروج عن موضوع الوجوب والصحة لعدم صحة الجمعة وعدم وجوبها الا مع الجماعة ولا تنعقد منفردة فكيف يحمل التقييد في الروايات على الاحتراز عن امثالهم؟


(* 1) راجع ب 2 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 36 ]

إذا لا مناص من ان يراد من الروايات التعليق على اجتماع السبعة من المسلمين لا على اصل وجودهم فمعنى الروايات على ذلك أن السبعة متى ما اجتمعت في الخارج وتحقق اجتماعهم في نفسه لاجل صلاة الجمعة وجبت اقامتها على ما صرح به في الصحيحة حيث قال: فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا امهم بعضهم وخطبهم. والتقييد فيها باجتماع السبعة والتعليق على انضمام بعضهم ببعض وتحقق الهيئة الاتصالية انما هو للاحتراز عما إذا كانوا متفرقين وغير مجتمعين لاجلها فتدلنا الصحيحة على أن اقامة الجمعة والاجتماع لا جلها غير مأمور بهما في نفسهما فلا وجوب قبل الاجتماع ولا يجب تحصيله نعم إذا تحقق اجتماعهم واقامتهم لها في نفسه وجبت على غيرهم ايضا اقامتها. ثم إن ظاهرها وان كان هو وجوب صلاة الجمعة تعيينا على كل مكلف بعد تحقق اجتماع السبعة في الخارج غير أن القرائن التي قدمناها على كونها واجبة تخييرية وعدم كونها واجبة تعيينيا الا فيما إذا كان هناك من يخطبهم بالفعل تدلنا على حمل تلك الروايات ايضا على الوجوب التخييري. فحاصل الروايات بعد ضم بعضها ببعض ان اجتماع السبعة متى ما تحقق في نفسه للصلاة بأن أقدم بعضهم لاداء الخطبة وتصدى لها بالفعل وجبت اقامتها على المسلمين لا محالة وإلا فلا وهو معنى الوجوب التخييري كما تقدم. و (منها): صحيحة منصور عن أبي عبد الله ع في حديث قال: الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة، والمملوك والمسافر، والمريض، والصبي (* 1). بدعوى دلالتها على أن الناس غير معذورين في ترك الجمعة، ولا


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 37 ]

يستقيم هذا إلا إذا كانت واجبة تعيينية إذ لو كانت واجبة تخييرية فللناس أن يختاروا العدل الآخر ويتركوا صلاة الجمعة فلماذا لا يعذرون في ترك احد عدلي التخييري مع اتيانهم بالعدل الآخر؟ فالصحيحة كالصريح في الوجوب التعييني وآبية عن الحمل على الوجوب التخييري بتاتا ويدفعه: أن المراد بالصحيحة ليس أنهم غير معذورين في ترك اقامة الجمعة وأصلها. بل المراد انهم غير معذورين في ترك الحضور لها والسعي نحوها بعدما تحققت اقامتها وصارت منعقدة في الخارج. ويشهد لذلك استثناء المسافر وكذا من كان على رأس فرسخين، أو الزائد عن الفرسخين على اختلاف الاخبار بحسب اللسان لان المسافر لم يستثن عن أصل وجوب الجمعة ومشروعيتها فانها مشروعة في حقه بل هي أفضل من ان يختار صلاة الظهر. بل في موثقة سماعة عن الصادة ع انه قال: أيما مسافر صلى الجمعة رغبة فيها وحبا لها أعطاه الله عزوجل أجر ماءة جمعة للمقيم (* 1). لانها تدل على أن الجمعة من المسافر أعظم وأكثر ثوابا من الجمعة التي يقيمها الحاضر. ولعل المشهور ايضا استحبابها للمسافر فهو انما استثنى عن وجوب السعي والحضور لها بعد اقامتها فلو اقيمت الجمعة في بلد لم يجب على المسافر ان يحضرها. وكذلك استثناء من كان على رأس فرسخين أو الزائد عليهما كما في بعض الاخبار المتقدمة، لانه أيضا استثناء عن وجوب الحضور فلا يجب على النائي عن الجمعة بأزيد من فرسخين أو بفرسخين أن يحضرها فليس هذا استثناء عن أصل مشروعيتها واقامتها فان حاله في ذلك


(* 1) المروية في ب 19 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 38 ]

حال من في البلد بعينه. بل لو لا ما ذكرناه لم يكن معنى محصل للبعد فرسخين أو كونه على رأسهما لانه بعيد عن أي شئ؟ فهل يراد به البعد عن الوجوب وهو أمر لا معنى له؟ فلا مناص من أن يراد به العبد عن مقام الجمعة والمكان الذي اقيمت الجمعة فيه ومعنى ذلك انه مستثنى عن حضور الجمعة المنعقدة في مكان. وقد قدمنا في الاستدلال بما دل على استثناء من كان على رأس فرسخين أن صلاة الجمعة لو كانت واجبة تعيينية لوجبت اقامتها على من كان على رأس فرسخين أو الزائد عليهما ايضا كغيره، لعدم الفرق في الوجوب التعييني بين القريب والبعيد، فهذه الاخبار ناظرة إلى الاستثناء عن وجوب الحضور لها بعد اقامتها في الخارج للتسهيل والارفاق لهم كيلا يتعبوا انفسهم بالخروج عن مساكنهم إلى مكان تقام فيه الجمعة. وكذلك الحال في الاستثناء عند نزول المطر كما في صحيحة عبد الرحمان ابن ابي عبد الله عن ابي عبد الله ع انه قال: لا بأس أن تدع الجمعة في المطر (* 1) لانه ايضا يرجع إلى الاستثناء عن وجوب الحضور لها بعد اقامتها ارفاقا من الشارع كي لا يتبلل المكلف بمجيئه إلى محل الجمعة حالئذ. والا فلو كانت واجبة تعيينية لكان من البعيد جدا سقوطها بنزول المطر وشبهه من الطواري فان حالها حينئذ حال بقية الفرائض - كصلاة الفجر وهل تحتمل سقوطها لحدوث البرودة أو الحرارة أو نزول المطر ونحوها؟! وكذا الحال في استثناء المرأة، والمملوك في تلك الصحيحة، لانه كاستثناء المسافر يرجع إلى الاستثناء عن وجوب الحضور لصلاة الجمعة بعد


(* 1) المروية في ب 23 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 39 ]

اقامتها، لا إلى اصل مشروعيتها لانها مشروعة في حقهما كما في المسافر. وتدل على ذلك رواية حفص بن غياث وقد ورد فيها: أن الله عزوجل فرض (اي صلاة الجمعة) على جميع المؤمنين والمؤمنات ورخص للمرأة، والعبد، والمسافر أن لا يأتوها، فلما حضروا سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الاول (* 1). الا انها غير صالحة للحجية ومن هنا نجعلها مؤيدة للمدعى. إذا فالصحيحة لا دلالة لها على وجوب الجمعة تعيينا. نعم تدلنا - حسبما قدمناه من القرائن الداخلية والخارجية - على وجوب الحضور لها فيما إذا انعقدت واقيمت في الخارج، ولا يعذر في ترك الحضور لها إلا المسافر والمرأة، والمملوك والمريض والصبي، فالمتحصل مما سردناه انه يجب الحضور لصلاة الجمعة بعدما انعقدت في الخارج ولا يجب عقدها في نفسها. ومما تلوناه عليك في الجواب عن تلك الصحيحة يظهر الجواب عن الروايات الواردة في أن من ترك صلاة الجمعة ثلاثا متوالية من دون علة طبع الله على قلبه (* 2) أو انه منافق (* 3) لانه قد اتضح بالصحيحة المتقدمة أن المراد بترك صلاة الجمعة ترك الحضور لها بعد انعقادها واقامتها في الخارج ولا اشكال في ان تارك الحضور لها بعد الانعقاد عاص وممن طبع الله على قلبه أو منافق ولا يراد بتركها ترك اصل الاقامة وعقد الجمعة.


(* 1) المروية في ب 18 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في ب 1 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 3) كما في صحيحتي زرارة المرويتين في ب 1 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 40 ]

إذا صلاة الجمعة واجبة بالوجوب التخييري حسب الاخبار والقرائن المتقدمتين، ولا دليل على كونها واجبة تعيينية بوجه هذا كله في اصل عقدها واقامتها. هل يجب الحضور لصلاة الجمعة فيما إذا اقيمت في الخارج؟ واما إذا اقيمت في الخارج بما لها من الشروط فهل يجب الحضور لها أو لا؟ مقتضى بعض الاخبار المتقدمة هو الوجوب التعييني حينئذ، إلا أن القائلين بوجوب الجمعة ومنكرية لما لم يفرقوا بين اقامتها وحضورها بعد الانعقاد لم يسعنا الحكم بوجوب الحضور لها تعيينا بعد الانعقاد، إلا انه لو لم يكن أقوى فلا أقل من أنه أحوط، فمقتضى الاحتياط الوجوبي هو الحضور. هذا تمام الكلام في الدعوى الاولى. (أما الدعوى الثانية): أعني اثبات أصل المشروعية في عصر الغيبة قبال القائل بحرمتها وانكار مشروعيتها - بتاتا - وأن حضوره - ع - شرط للوجوب لا للمشروعية فقد اتضح الكلام فيه مما سردناه في اثبات الدعوى الاولى اجمالا وتفصيل الكلام فيها يتوقف على التعرض لما استدل به على عدم المشروعية وتزييفه فنقول: قد ذهب جماعة إلى عدم مشروعية صلاة الجمعة في عصر الغيبة

[ 41 ]

وحرمتها ونسب ذلك إلى صريح ابن ادريس وسلار، وظاهر المرتضى وغيرهم بدعوى أن مشروعتيها يتوقف على حضور الامام عليه السلام أو من نصبه لاقامتها بالخصوص لانها من شئونه ومن المناصب المختصة به، وحيث لا يمكننا التشرف بحضوره (ع) ولا اذن لاحد في اقامتها بالخصوص فلا تكون مشروعة. وهؤلاء المنكرون ان كان نظرهم إلى انها ليست بواجبة تعيينية كما قدمناه وقلنا ان الوجوب التخييري هو المعروف بينهم فهذا صحيح، ولكنه لا يحتاج إلى دليل يثبته بل يكفي في صحته عدم دلالة الدليل على كونها واجبة تعيينية لانه المحتاج إلى المثبت والبرهان لا نفيه وانكاره وهذا ظاهر وان كان نظرهم إلى نفي المشروعية اساسا بالمعنى الاعم من الوجوب التعييني والتخييري عند عدم حضوره (ع) وعدم منصوب خاص من قبله فهو امر مخالف لاطلاق الادلة المتقدمة من الكتاب والسنة، لما عرفت من دلالتها على وجوب الجمعة من غير تقييده بحضور الامام أو من نصبه، والتقييد يحتاج إلى دليل يدل عليه وقد استدلوا عليه بوجوه: ادلة عدم مشروعية الجمعة في عصر الغيبة (منها): دعوى الاجماع على عدم المشروعية من دون حضوره (ع) أو وجود منصوب من قبله. وتندفع: بان المسألة ليست باجماعية يقينا، كيف وقد عرفت ان المشهور هو الوجوب التخييري في مفروض الكلام اعني فرض عدم حضوره عليه السلام وعدم منصوب خاص من قبله، فلا اجماع على عدم المشروعية

[ 42 ]

ولا انه المشهور بين الاصحاب. نعم ذهب إليه جمع كما مر، كما ذهب المشهور إلى التخيير، فلو كان هناك اجماع تعبدي فانما هو على نفي الوجوب التعييني لاعلى نفي المشروعية فالاجماع عليه مقطوع العدم فلاحظ. و (منها): دعوى أن السيرة من لدن عصر النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء من بعده وكذلك عصر الائمة عليهم السلام جرت على تعيين من يقيم الجمعة كتعيين من يتصدى للقضاء والمرافعات فكانوا ينصبون اشخاصا معينين لاقامة الجمعات أو التصدى للمرافعات ولم يكن يقيم الجمعة أو يتصدى للقضاء الا من نصب لاجلهما بالخصوص، ولم يكن يقيمها كل من كان يريد الجمعة، ومقتضى هذه السيرة عدم مشروعيتها عند عدم حضوره (ع) وعدم منصوب من قبله بالخصوص. وهذه الدعوى من الغرائب وذلك لانه لا طريق لنا إلى استكشاف حال صلاة الجمعة في عصر النبي صلى الله عليه وآله فلا ندري أن الجمعة هل كانت تقام في سائر المدن والقرى أو كانت اقامتها خاصة ببلده صلى الله عليه وآله ثم على تقدير الاقامة في جميع الاماكن في عصره صلى الله عليه وآله فهل كان يقيمها المنصوبون لاقامتها بالخصوص من قبله صلى الله عليه وآله أو أن اقامتها لم تكن مختصة لشخص دون شخص بل كان يقيمها كل من له أهلية الاقامة من دون حاجة إلى إذن ونصب؟ لم يصل شئ من ذلك إلينا بنقل تاريخ أو رواية فليس عندنا أي طريق إلى استكشاف ذلك في عصره صلى الله عليه وآله. وأما عصر الائمة عليهم السلام فلم يدلنا دليل على انهم نصبوا شخصا معينا لاقامة الجمعة ولو في مورد واحد. نعم ثبت منهم (ع) الترخيص

[ 43 ]

في اقامتها للعموم من دون تخصيصه بشخص دون شخص فدونك الاخبار المتقدمة المتضمنة لوجوب الجمعة على اهل القرى إذا كان لهم من يخطب على اختلاف السنتها ومع هذا كيف يمكننا استكشاف ان سيرتهم كانت جارية على النصب لاقامة الجمعة بالخصوص؟! وأما عصر علي عليه افضل السلام فلا ينبغي التردد في انه سلام الله عليه كان ينصب القضاة ويعين الولاة على المدن والامصار، وأن هؤلاء الولاة والقضاء المعينين المنصوبين لتلك المناصب من قبله (ع) هم الذين كانوا يقيمون الجمعات كما يتصدون للمرافعات الا أن ذلك ليس من جهة ان اقامة الجمعة كانت تحتاج إلى النصب بالخصوص بل من جهة ان اقامتها من مستتبعات مقامهم، حيث أن العادة كانت جارية على ان يكون الوالي أو القاضي هو المقيم لصلاة الجمعة لاهميتها فكان للوالي شئون متعددة بحسب المتعارف في تلك الازمنة ومنها اقامة الجمعات. واين هذا مما نحن بصدده فان المدعى لزوم النصب لخصوص اقامة الجمعة، لا النصب للقضاوة أو الولاية أو غيرهما من الجهات العامة، ولم يثبت انه (ع) كان ينصب اشخاصا معينين لاقامتها بالخصوص كما كان يعينهم للقضاء والولاية. و (منها): أن وجوب الجمعة عند عدم حضوره أو المنصوب الخاص من قبله مثار الفتنة والخلاف، ولا يكاد يظن بالشارع الحكيم أن يامر بما يثير الفتنة والجدال. بيان ذلك: ان الجمعة لابد وان يقيمها شخص واحد في كل مكان ولا يشرع فيها التعدد في محل واحد وكيف يحمل الشارع من في ذلك المحل كافة على الايتمام بواحد غير معين ويوكل تعيينة إلى اراداتهم،

[ 44 ]

فانه لا يكاد يتفق ارآءهم على شخص واحد. على ان جل الناس يأبى عن الاقتدا، بمن يراه مثله أو دونه في الاهلية للامامة. وأضف إلى ذلك ان كل شخص أو الاغلب - على الاقل - يريد أن يكون هو المتصدي لهذا الامر المهم، أو يقيمها من اتصل به من الاقارب والاولاد فان حب الرئاسة جبلي للبشر، أو إذا فرضنا انه لا يريد ذلك بنفسه فقد يريده اهل محلته وأعوانه، بل هذا هو الاغلب في العوام فانه من المحسوس ان اهل كل محلة يريدون ان يكون الامام لجماعتهم هو المقيم لصلاة الجمعة في البلد، وبهذا تتحقق الفتنة وينشاء النزاع والخلاف بل قد يؤدي إلى الضرب أو القتل، وقد شاهدنا ان اقامة الجمعة في الكاظمية ادت إلى قتل جمع لا يقل عددهم عن خمسة أو اربعة فما هذا شانه لا يصلح أن يأمر به الحكيم. فلا ينحسم مادة الجدال والنزاع إلا ان ينصب الشارع احدا لاقامتها بالخصوص فانه بذلك ترتفع الخصومة ولا يبقى لها مجال والنتيجة ان الجمعة لا تكون مشروعة من دون نصب. ويدفعه: أن هذه المناقشة إنما تصح فيما إذا قلنا ان صلاة الجمعة واجبة تعيينية. وأما إذا قلنا انها واجبة تخييرية - كما هو المدعى - فلا يمكن أن يكون في ذلك أي اثارة للفتنة، والقاء للخلاف لبداهة أن المسلمين إذا رأوا أن اقامة الجمعة - اي اختيار هذا العدل من الواجب التخييري - أدى إلى التشاجر والنزاع تركوا اقامتها واخذوا بالعدل الآخر فوجوبها كذلك لا يترتب عليه أي محذور فهذه الشبهة لو تمت - في نفسها - فانما يجدى لنفي

[ 45 ]

التعيينية ولا تنفى اصل المشروعية أبدا. بل يمكن أن يقال: ان الامر بصلاة الجمعة لا يكون مثارا للفتنة ابدا حتى على القول بالوجوب التعييني في المسألة والوجه في ذلك: أن من تصدى لاقامة الجمعة وامامتها اما ان يكون ممن توفرت فيه شروط الاقامة وتحققت فيه اهليتها لدى المكلف بصلاة الجمعة وإما ان لا يكون كذلك عنده: فعلى الاول لا مناص لغيره من أن يأتم به في صلاة الجمعة ولا نرى اي مانع من أن يكون هو المتصدي لا مامتها حينئذ وإن رأى المأموم نفسه ارقى من الامام وأصلح منه للتصدي بالامامة لانه ليس في هذا الائتمام سوى مجاهدة النفس والتخاضع، واطلاق النفس عن الانانية والكبرياء وهو امر محبوب للشارع وقد حثنا على التجنب عن الكبر واختيار التواضع والمقام من مصاديقه وموارده. وقد كنا نشاهد أن الزاهد الفقيد الشيخ علي القمي طاب رمسه يأتم به من هو اقدم وأرقى منه في الفضل والكمال فما هو المانع من أن يتصدى مثله للامامة على غيره، ويصلي الناس خلفه؟! وأما على الثاني فلا تكون الجماعة مشروعة خلفه ليكون ذلك مثارا للفتنة والخلاف فلا جمعة حتى يجب حضورها ولا فرق في ذلك بين ما سلكناه من عدم وجوب الجمعة الا بعد الانعقاد وما سلكه غيرنا من وجوب اقامتها ابتداء لانه لم ينعقد جمعة صحيحة حتى يجب حضورها، ولا يجب عقدها حينئذ لسقوطه وعدم مشروعية الزائد على جمعة واحدة في مكان واحد على تفصيل موكول إلى محله، والمتحصل أن ايجاب الجمعة غير مستلزم لشئ من ايثار الفتنة والخلاف.

[ 46 ]

نعم لو كنا جوزنا اقامتها لكل شخص - كما عليه العامة - أدى ذلك إلى التشاجر والنزاع لما مر من أن كل شخص يريد أن يكون هو المتصدي لهذا المقام، أو من يرجع إليه من أقربائه، ولا اقل ممن يقيم الجماعة في محلته كما تقدم إلا انا لا نقول به فدعوى عدم المشروعية في عصر الغيبة امر لا اساس له: و (منها): أن صلاة الجمعة لو قلنا بوجوبها وكانت مشروعة في عصر الغيبة للزم الحكم بوجوبها على من بعد عن الجمعة فرسخين - أو كان نائيا عنها بازيد من فرسخين على اختلاف الاخبار كما مر - فلا بد أن يقيمها في محله، مع أن غير واحد من الروايات المتقدمة دل على استثنائه وليس المراد بهم هو المسافرون، لاستلزامه التكرار في الروايات: بل المراد به هم القاطنون في القرى وغيرها من الاماكن البعيدة من الجمعة فرسخين فمن ذلك نستكشف عدم مشروعيتها من دون الامام أو منصوبه الخاص، لانه لاوجه لهذا الاستثناء الا عدم حضور الامام أو نائبه عندهم. والجواب عن ذلك ما اسبقناه من أن الاستثناء في الروايات إنما هو عن وجوب الحضور لها لا عن اصل الوجوب والمشروعية كيف وقد ورد الامر في الاخبار باقامتها على أهل القرى إذا كان لهم امام يخطب: نعم لا يجب عليهم الحضور للجمعة المنعقدة في البلد إذا ابتعدوا عنها فرسخين. و (منها): ما رواه الصدوق (قده) باسناده عن الفضل بن شاذان في العلل والعيون عن الرضا (ع) قال انما صارت صلاة الجمعة إذا كان مع الامام ركعتين، وإذا كان بغير امام ركعتين وركعتين، لان الناس يتخطون إلى الجمعة من بعد فاحب الله عزوجل أن يخفف عنهم لموضع

[ 47 ]

التعب الذي صاروا إليه، ولان الامام يحبسهم للخطبة وهم منتظرون للصلاة ومن انتظر الصلاة فهو في الصلاة في حكم التمام، ولان الصلاة مع الامام أتم واكمل، لعلمه، وفقهه، وفضله، وعدله، ولان الجمعة عيد وصلاة العيد ركعتان، ولم تقصر لمكان الخطبتين (* 1). وقال انما جعلت الخطبة يوم الجمعة، لان الجمعة مشهد عام، فاراد أن يكون للامير - كما عن العلل - أو للامام - كماعن العيون - سبب إلى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم من المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليهم من الافاق (و) من الاهوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة، ولا يكون الصابر في الصلاة منفصلا وليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة، وانما جعلت خطبتين ليكون واحدة للثناء على الله، والتمجيد، والتقديس لله عزوجل، والاخرى للحوائج والاعذار والانذار والدعاء لما يريد ان يعلمهم من امره ونهيه ما فيه الصلاح والفساد (* 2) فان قوله (ع) لان الصلاة مع الامام أتم واكمل لعلمه وفقهه وفضله وعدله. وقوله: ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق ومن الاهوال التي لهم فيها المضرة، والمنفعة.. وليس بفاعل غيره من يؤم الناس في غير يوم الجمعة. يدلان على أن الامام في صلاة الجمعة، لا مناص من أن يكون فقيها وفاضلا وعالما وعادلا ومسيطرا على العوالم، والآفاق حتى يخبر الناس عن الاهوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة، ويأمرهم بما فيه الصلاح وينهاهم عما يفسدهم.


(* 1) المروية في ب 6 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 25 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 48 ]

فالعدالة المجردة - الكافية في امام لجماعة - غير كافية في اقامة صلاة الجمعة إذا تدلنا الرواية على اشتراط حضور الامام أو من نصبه بالخصوص في وجوب الجمعة ومشروعيتها، لان تلك الخصال لا تتحقق إلا فيه (ع) أو في منصوبه الخاص فلا يكتفى فيها بمجرد وجود امام صالح للجماعة، كيف وقد صرحت بان الامام في صلاة الجمعة غير الامام في غير يوم الجمعة، حيث قال: وليس فاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة والجواب عنها أن هذه الرواية وغيرها مما رواه الصدوق (قده) عن الفضل بن شاذان غير قابلة للاعتماد عليها، لان في طريقة إليه عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، وعلى بن محمد بن قتيبة، ولم يدلنا دليل على وثاقتهما. نعم قد ترضى الصدوق على شيخه: عبد الواحد بن محمد بن عبدوس إلا أن مجرد الترضى منه (قده) لشخص لا يدل على وثاقته، فالرواية قاصرة بحسب السند. كما أنها قاصرة الدلالة على هذا المدعى، وذلك لانا وان لم نشترط في وجوب الجمعة ومشروعيتها حضور الامام (ع) أو من نصبه لاجلها إلا انه لا مناص من أن يكون الامام فيها ممن يصلح لموعظة الناس وترغيبهم وترهيبهم، فانها مشهد عام ويحضرها كل من كان في البلد وضواحيه إلى اربعة فراسخ من جوانبه الاربعة اعني ستة عشر فرسخا بضرب الاربعة في اربعة. أو إلى فرسخين من الجوانب الاربعة اعني ثمانية فراسخ بضرب الاثنين في الاربعة، نظرا إلى استثناء من بعد عن الجمعة فرسخين عن وجوبها أو عن وجوب الحضور لها وان لم يبلغ حد السفر الشرعي، إذا يجتمع فيها خلق كثير.

[ 49 ]

والامام في مثل هذا المجتمع لابد وان يكون - بالطبيعة - متمكنا من موعظتهم وترغيبهم وتحذيرهم، ولا يتمكن من ذلك الا المتصف بالاخلاق الفاضلة من العلم والعدالة وسائر الكمالات المعنوية. كما لا بد وان يكون بصيرا متطلعا على الاوضاع السالفة والحاضرة ومسيطرا على الامور، فكون امام الجمعة كذلك أمر يقتضيه طبع الحال في مثل ذاك المجتمع العظيم، لا أن الامام يجب أن يكون كذلك شرعا لعدم دلالة الرواية عليه، لانها انما وردت لبيان الحكمة في تشريع صلاة الجمعة وللحكاية عن الجمعات المنعقدة في الخارج. وذكر صاحب الوسائل (قده) ان جملة (وليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس.) غير موجودة في العيون. إلا انها سواء كانت فيه ام لم تكن لا دلالة لها على هذا الاشتراط كما عرفت فلا يستفاد منها غير ان الجمعة بما انها مشهد عظيم كان الامام فيها - بالطبيعة - غير الائمة في سائر الجماعات المتعارفة، لا ان كونه كذلك معتبر فيه شرعا. و (منها): موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال: أما مع الامام فركعتان وأما لمن صلى وحده فهي اربع ركعات وان صلوا جماعة (* 1). لانها دلت - بمقتضى المقابلة - على أن صلاة الجمعة مشروطة بحضور الامام وأنه يغاير الامام في صلاة الجماعة حيث قال: وان صلوا جماعة وإلا فالمفروض انهم متمكنون من الجماعة. بل قد ذكر المحقق الهمداني (قده) انها كالنص في أن امام الجمعة الذي هو شرط في وجوب الركعتين ليس مطلق من يصلي بالناس جماعة.


(* 1) المروية في ب 6 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 50 ]

والجواب عن ذلك أن هذه الرواية قد رواها الصدوق (قده) إلى قوله: فهي اربع ركعات، من دون اشتمالها على الذيل أعني قوله: وان صلوا جماعة (* 1) ورواها الكليني (قده) بعين هذا السند مفسرة ومشروحة فان روايته قد فسرت الامام بامام يخطب فروى عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال: أما مع الامام فركعتان وأما من يصلي وحده فهي اربع ركعات بمنزلة الظهر يعني إذا كان امام يخطب، فان لم يكن امام يخطب فهي اربع ركعات وإن صلوا جماعة (* 2) فالرواية هي الرواية بعينها ولكن مشروحة وموضحة، ولا يحتمل تعددها بوجه وقد شرحت المراد من تلك الرواية ومعها لا دلالة لها على اعتبار حضور الامام (ع) أو منصوبه الخاص في وجوب الجمعة كما ترى هذا بناء على أن التفسير في الرواية من الامام (ع). وأما إذا كان من سماعة فالامر ايضا كذلك، لان غير واحد من الروايات قد دلتنا على أن وجوب الجمعة مشروط بوجود امام يخطب ويتمكن من الخطبة، وهذه الروايات كالشارحة لهذه الموثقة فلا دلالة لها على المدعى و (منها): جملة من الاخبار الواردة في أن الجمعة والحكومة والحدود لهم عليهم السلام وإليك بعضها: (منها): الخبر المروي عن دعائم الاسلام عن علي (ع) أنه قال لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلا للامام أو من يقيمه الامام (* 3)


(* 1) المروية في ب 6 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 5 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 3) دعائم الاسلام الجزء 1 ص 183 طبعة دار المعارف إلى قوله الا بامام واضيف إليه في الهامش: أو لمن يقيمه الامام.

[ 51 ]

و (منها): ما روي عن الاشعثيات: من أن الجمعة والحكومة لامام المسلمين (* 1) و (منها): ما رواه الفاضل ابن عصفور عنهم (ع) من ان الجمعة لنا والجماعة لشيعتنا (* 2). و (منها): غير ذلك مما دل على أن الجمعة لهم عليهم السلام. ويرده أن تلك الروايات ضعيفة السند - كلية - لارسالها فلا يمكننا الاعتماد عليها في قبال المطلقات المتقدمة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب الجمعة من غير تقييده بحضور الامام أو المنصوب من قبله بل قد عرفت دلالة بعضها على اذنهم (ع) في اقامتها لكل من يحسن الخطبة ويتمكن من الامامة. على انا لو اغمضنا عن اسانيدها فلا دلالة لها على خلاف ما قدمناه في المسألة، لان كون الجمعة لهم بمعنى أنهم أحق باقامتها من غيرهم، ولا يسع لغيرهم أن يزاحمهم في ذلك، ومن هنا لو كان (ع) حاضرا لكان أحق بها من غيره بلا ريب، وانما نرى جوازها من دونه لانهم (ع) أذنوا في ذلك على نحو العموم، والجواز للغير مستندا إلى إذنهم غير مناف لكونهم أحق بها من غيرهم بوجه. لانها نظير الحكومة فكما أنها تختص بهم (ع) ويجوز لغيرهم التصدي


(* 1) لم نعثر فيها على هذا الحديث نعم ورد فيها: ان عليا (ع) قال: لا يصلح - يصح - الحكم ولا الحدود، ولا الجمعة الا بامام ونحوه مما يدل على هذا المضمون راجع ص 42. (* 2) الفرحة الانسية للشيخ حسين آل عصفور ص 139.

[ 52 ]

لها باذنهم في ذلك كما في مقبولة عمر بن حنظلة (1) الدالة على جواز التحاكم إلى علماء الشيعة فكذلك الحال في امامة الجمعة. فهل يتوهم أحد عدم جواز تصدى غيرهم (ع) للحكومة بدعوى اختصاصها لهم عليهم السلام؟! لاننا ايضا نسلم الاختصاص غير انا ندعي أن امامة الغير إذا كان مستندا إلى إذنهم في ذلك - ولو على نحو العموم - لم يكن منافيا للاختصاص. وبهذا يظهر الجواب عما ورد في الصحيفة السجادية (ع) في دعاء يوم الجمعة وثاني العيدين من قوله (ع): أللهم ان هذا المقام مقام لخلفائك واصفيائك ومواضع امنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها وان المقدر لذلك إلى أن قال: حتى عاد صفوتك وخلفائك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا وكتابك منبوذا.. وعجل الفرج والروح والنصرة والتمكين والتأييد لهم (* 2) وقد استدلوا به ايضا على الاختصاص. وقد عرفت أنا نسلم اختصاص الجمعة لهم (ع) بلا ريب إلا أنهم (ع) بانفسهم رخصوا في اقامتها لكل من استجمع شرائط الامامة ترخيصا عاما كما مر وهذا غير مناف للاختصاص بهم بوجه. و (منها): الاخبار الواردة في أن الجمعة إذا صادفت عيدا من فطر أو اضحى فللامام أن ياذن لمن حضرها من الاماكن النائية بالرجوع إذا شاءوا ذلك، حيث استظهروا منها أن الجمعة حق يخصهم (ع) ولذا كان لهم ان يأذنوا في ترك الحضور لها واسقاط حقهم بذلك، وإلا فلو


(* 1) المروية في ب 9 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. (* 2) دعائه (ع) في الاضحى والجمعة رقم 48.

[ 53 ]

كانت صلاة الجمعة فريضة تعيينية كبقية الفرائض لم يكن أي مسوغ في ترخيصهم في تركها، لانه ليس إلا ترخيصا في ترك فريضة تعيينية، كما لو رخصوا في ترك فريضة المغرب أو غيرها وهي عدة روايات: (منها): صحيحة الحلبي أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الفطر والاضحى، إذا اجتمعا في يوم الجمعة فقال: اجتمعا في زمان على (ع) فقال: من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت ومن قعد فلا يضره، وليصل الظهر، وخطب خطبتين جمع فيهما خطبة العيد وخطبة الجمعة (* 1). وهذه الرواية وإن كانت صحيحة بحسب السند، لصحة اسناد الصدوق إلى الحلبي، إلا أنها قاصرة الدلالة على هذا المدعى لعدم اشتمالها على أن الامام (ع) أذن للنائين عن البلد في ترك الحضور للجمعة، وانما اشتملت على بيان حكم شرعي عام نظير غيره من الاحكام التي جعلها الشارع في الشريعة المقدسة على نحو القضية الحقيقية وهو أن الجمعة متى ما صادفت عيدا من فطر أو اضحى جاز لمن كان متنحيا عن البلد أن يترك الحضور للجمعة وأين هذا من اذنه (ع) في تركها اذنا خاصا مسقطا لحقه؟ حتى يقال انها من حقوقهم (ع). و (منها): ما رواه سلمة عن ابي عبد الله (ع) قال: اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين (ع) فخطب الناس فقال: هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل، ومن لم يفعل فان له رخصة يعني من كان متنحيا (* 2). وهي ايضا قاصرة الدلالة على المدعى، لان الظاهر من قوله (ع)


(1) (2) المرويتان في ب 15 من ابواب صلاة العيد من الوسائل.

[ 54 ]

فأن له رخصة، أن مرخص في ترك الجمعة ترخيصا شرعيا ومن باب انه حكم كلي مجعول في الشريعة المقدسة - كما مر - لا انه اذن شخصي في ترك الحضور للجمعة واسقاط لحقه. وقد تبدو فيها المناقشة بحسب السند من جهتين: من جهة الحسين بن محمد، ومن جهة معلى بن محمد، لتردد الاول بين الثقة وغيرها وعدم توثيق الثاني في الرجال. وتندفع الجهة الاولى: بان الظاهر انه الحسين بن محمد بن عامر بن عمران الثقة، بقرينة انه شيخ الكليني وابن قولويه، وانه الراوي لكتاب معلى بن محمد. وأما الجهة الثانية فالظاهر انه لا مدفع لها الا ما سلكناه من أن الرواة الواقعين في اسانيد كامل الزيارات كلهم ثقات وقد وثقهم ابن قولويه في اول كتابه، والرجل وان لم يوثق في كتب الرجال الا أنه ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات فلاحظ. و (منها): ما رواه اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه أن علي بن أبى طالب (ع) كان يقول: إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فانه ينبغي للامام أن يقول للناس في خطبته الاولى: أنه قد اجتمع لكم عيدان فانا اصليهما جميعا فمن كان مكانه قاصيا فاحب أن يصرف عن الآخر فقد اذنت له (* 1). وهذه الرواية وان كان قد اشتملت على انه (ع) اذن للقاصي مكانه في الرجوع الا أن الظاهر منها ايضا انه ليس اذنا شخصيا منه (ع) بل انما اذن له بما انه مبين للحرام والحلال وغيرها من الاحكام الكلية الالهية


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب صلاة العيد من الوسائل.

[ 55 ]

لا انه اذن بصفة انه امام فحسب، وهو نظير ما يقوله المجتهد لمن استفتاه: اذنت لك في أن تفعل كذا - مثلا - لان ظاهره انه بيان للحكم الكلي لا انه اذن شخصي فلاحظ. إذا فليس الاذن في الرواية اذنا شخصيا - كما توهم - ولا دلالة لها على أن الاذن لخصوصية الامامة لا لانهم مبينوا الحلال والحرام ليكشف عن الحق وكون الجمعة مختصة بهم (ع)، ومن هنا لم يرد ولا في رواية واحدة انهم عليهم السلام قد اذنوا في ترك الجمعة لشخص في غير صورة اجتماعها مع العيد مع ان الامر لو كان كما توهم لصدر الاذن منهم (ع) لبعض اصحابهم أو لغيرهم واسقطوا حقهم في ذلك ولو في مورد واحد. هذا على أن الرواية ضعيفة السند، لان الكليني (قده) رواها عن محمد بن احمد بن يحيى. ومحمد بن احمد هذا - كما في الوسائل - انما اخذ هذا الحديث من كتاب محمد بن حمزة بن اليسع الذي رواه محمد بن الفضيل ولم يسمعه منه بنفسه ومحمد بن حمزة هذا لم يظهر أنه من هو؟ فهل هو أبو طاهر بن حمزة بن اليسع الثقة حتى يعتمد على روايته أو غيره؟ على أن محمد بن الفضيل الذي روى عنه محمد بن حمزة بن اليسع ايضا ضعيف أو مردد بين الثقة وغيرها. فالى هنا تحصل أنه لا وجه للقول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا، ولا للقول بعدم مشروعيتها في عصر الغيبة بل امر بين الامرين وهو الوجوب التخييري كما تقدم. هذا كله بحسب الادلة الاجتهادية واللفظية.

[ 56 ]

مقتضى الاصل ثم إنا إذا لم نتمكن من استفادة حكم الجمعة من الادلة اللفظية الواردة في المقام فلم يقم عندنا دليل على وجوبها الاعم من التعييني والتخييري، ولا على حرمتها ووصلت النوبة إلى الشك ومقتضى الاصل في المسألة فهل يقتضي الاصل وجوبها تعيينا، أو تخييرا، أو أنه يقتضي الحرمة وعدم المشروعية؟ فقد نفرض انا نشك في مشروعية صلاة الجمعة وفي كل من وجوبها التعييني والتخييري، لان المفروض عدم استفادة شئ من ذلك عن الدليل والمرجع في هذه الصورة هو اطلاقات الفوق في المسألة إذا اعترفنا بالاطلاق في الاخبار الواردة في أن الواجب في كل يوم سبعة عشر ركعة وخمس فرائض وهي روايات متضافرة بل متواترة اجمالية (* 1)، فعلى تقدير كونها مطلقة - كما هي كذلك - لا مناص من ان نتشبث باطلاقها ومقتضاه عدم مشروعية الجمعة رأسا، وأن الواجب هي صلاة الظهر يوم الجمعة، والا لم يكن الواجب سبعة عشر ركعة. وقد نفرض الشك في كل من المشروعية والوجوب الاعم من التعييني والتخييري كما في الصورة السابقة مع البناء على عدم الاصلاق في الاخبار المتقدمة من هذه الجهة فهل مقتضى الاصل حينئذ هو الوجوب التعييني أو التخييري، أو لا هذا ولا ذاك بل مقتضاه عدم المشروعية رأسا؟ هذا له صور:


(1) راجع ب 2 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 57 ]

صور الشك في المسألة (الاولى): ما إذا شككنا في ان الجمعة هل هي في عصر الغيبة واجبة بالوجوب التعييني أو انها واجبة تخييرية؟ بان نقطع بمشروعيتها ووجوبها ونتردد بين قسمي الوجوب. وبما أن امر صلاة الجمعة في هذه الصورة يدور بين التعيين والتخيير فلا مناص من الرجوع إلى البراءة عن اعتبار الخصوصية والتعيين، وذلك لما قررناه في جريان البراءة العقلية والنقلية عند دوران الامر بين التعيين والتخيير، وقلنا ان مقتضى كلتا البراءتين عدم اعتبار الخصوصية والتعيين فيما يحتمل تعينه للعلم بالجامع والشك في اعتبار الخصوصية الزائدة كخصوصية التعيينية في المقام ونتيجة ذلك هو الوجوب التخييري لا محالة. (الثانية): أن نحتمل عدم مشروعية الجمعة في عصر الغيبة لاحتمال اختصاصها بزمان الحضور كما نحتمل مشروعيتها وكونها واجبة تخييرية فقط بان نقطع بعدم كونها واجبة تعيينية بل هي اما غير مشروعة واما انها واجبة تخييرية ومعنى ذلك انا نشك في أن صلاة الظهر - يوم الجمعة - واجبة تعيينية - كما إذا لم تكن صلاة الجمعة مشروعة - أو انها تخييرية - كما إذا كانت الجمعة مشروعة وواجبة تخييرية -. والمرجع في هذه الصورة ايضا هي البراءة عن تعين الظهر وخصوصيتها ونتيجته الوجوب التخييري كما مر. (الثالثة): أن نشك في أن الواجب التعييني يوم الجمعة هل هي صلاة الظهر أو الجمعة؟ وهذا الشك قد يقترن باحتمال الوجوب التخييري

[ 58 ]

في الجمعة، وقد لا يقترن به للقطع بعدم كون الجمعة واجبة تخييرية، بل يدور أمرها بين الحرمة والتعيين، ومعناه انا نشك في أن المتعين يوم الجمعة هي صلاة الظهر أو الجمعة. فعلى التقدير الاول ايضا لا بد من الرجوع إلى البراءة عن احتمال التعين والخصوصية في كل من صلاتي الظهر والجمعة، وتصبح النتيجة وجوبا تخييريا لا محالة. وعلى التقدير الثاني لا مناص من الاحتياط للعلم الاجمالي بوجوب احدى الصلاتين تعيينا وهو يقتضي الجمع بين الصلاتين. هذا كله فيما إذا لم يثبت أن صلاة الجمعة كانت قبل عصر الغيبة واجبة تعيينية وإلا فعلى المشهور من جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية يستصحب وجوبها التعييني في عصر الغيبة. نعم على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الاحكام لا بد من الرجوع إلى ما يقتضية غيره من الاصول في المسألة وقد عرفت تفصيله هذا تمام الكلام في صلاة الجمعة. وأما غير الجمعة من الصلوات الواجبة فسيتعرض لها الماتن في الكتاب من الصلوات اليومية، وصلاة الآيات، والصلاة عن الوالدين وغيرها سوى صلاة الطواف، لانها انما يقع البحث عنها في كتاب الحج ان شاء الله كما أن صلاة الاموات تعرضنا لها في كتاب الطهارة، واشرنا سابقا إلى أن الملتزم بها بنذر وشبهه لا يتكلم عنها مستقلا، وأن الدليل على وجوبها هو ما دل على وجوب الوفاء بالنذر، أو العهد أو الشرط، أو الاجارة والكلام الآن في الصلوات اليومية.

[ 59 ]

[ الظهر اربع ركعات (1) والعصر كذلك، والمغرب ثلاث ركعات والعشاء أربع ركعات، والصبح ركعتان، وتسقط في السفر من الرباعيات ركعتان، كما أن صلاة الجمعة ايضا ركعتان. وأما النوافل (2) فكثيرة آكدها الرواتب اليومية، وهي في غير يوم الجمعة اربع وثلاثون ركعة: ثمان ركعات قبل الظهر، ] الصلوات اليومية (1) إن كون اليومية خمس صلوات واعداد ركعاتها - قصرا وتماما - ككون صلاة الفجر ركعتين، والظهر، والعصر والعشاء أربع ركعات - في الحضر - وركعتين - في السفر - بسقوط الركعتين من الرباعيات، وكون المغرب ثلاث ركعات، مما قامت عليه ضرورة الدين الحنيف، ولم يخالف فيها أحد من المسلمين، وقد وردت في اعدادها وفي الاهتمام بشأنها وعظم منزلتها من بين الواجبات روايات كثيرة، وقد اقامها النبي صلى الله عليه وآله على النحو المتقدم برهة من الزمان بمرئى ومشهد من الناس وبذلك قد اصبحت من الامور الظاهرة الواضحة عند المسلمين. وهي سبعة عشر ركعة، لان صلاة الفجر ركعتان، وكل من الظهر والعصر والعشاء اربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات. اعداد النوافل في غير يوم الجمعة (2) النوافل اليومية ضعف الفريضة فهي اربع وثلاثون ركعة: ركعتان

[ 60 ]

لصلاة الفجر، وثمان ركعات للظهر، وثمان ركعات للعصر، واربع ركعات للمغرب، وثمان ركعات نافلة الليل وركعتان للشفع وركعة واحدة للوتر، فهذه ثلاث وثلاثون ركعة، وركعتان للعشاء تحسبان ركعة واحدة. وإنما شرعت لتكميل عدد النوافل حتى تصير ضعف الفريضة وتسمى بالوتيرة وهي مصغرة الوتر، سميت بذلك لانها تقع بدلا عن الوتر إذا فاتت المكلف، وقد دلت على ذلك وعلى الاهتمام بشأنها روايات كثيرة حتى كادت ان تلحق بالفرائض ففي صحيحة زرارة عن ابي جفعر (ع) من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر (* 1) ونظيرها غيرها من الروايات. والمعروف بينهم (قدس الله اسرارهم) على ما نطقت به الروايات ايضا أن الفرائض والنوافل اليومية خمسون ركعة أو واحدة وخمسون وهذا لا بمعني أن عددها محل الخلاف والكلام فانه لا اشكال عندهم في أن الفرائض سبعة عشر ركعة، والنوافل ثلاثة وثلاثون ركعة وهذا امر متسالم عليه بين اصحابنا. وانما للتردد بين الخمسين، والواحدة والخمسين من جهة أن النوافل كما مر ضعف الفريضة، وهذا يقتضى ان تكون النوافل اربعة وثلاثين ركعة، ولكن الامر ليس كذلك بل هي ثلاثة وثلاثون ركعة كما عرفت فلاجل ذلك اضيفت الوتيرة على النوافل ليستكمل بها النقص ويبلغ عدد النوافل ضعف الفريضة. إذا فالعدد الاصلي للنوافل ثلاثة وثلاثون بحيث لو انضمت إلى الفرائض بلغ مجموعهما الخمسين، وعددها العارضي المسبب عن استكمال ضعف الفرائض اربعة وثلاثون بحيث إذا انضمت إلى الفرائض لبلغ مجموعهما واحدة وخمسين


(* 1) المروية في ب 29 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 61 ]

فالتردد في التعبير ناظر إلى الخمسين الذي هو العدد الاصلي للنوافل وإلى الواحدة والخمسين الذي هو العدد المضاف إلى النوافل للتكميل. وكيف كان فقد دلت الاخبار المتضافرة على أن نافلة الفجر ركعتان قبل فريضته، وثمان للظهر قبلها، وثمان للعصر كذلك، واربع ركعات للمغرب بعدها وركعتان من جلوس للعشاء الآخرة بعدها وتسمى بالوتيرة (* 1) وينبغي التنبيه على امور: (الأول): ان في بعض النصوص التعبير عن نافلة العصر بانها ثمان قبل العصر، وفي بعضها بست ركعات بعد الظهر، وركعتان قبل العصر (* 2) وفى بعضها: أربعا بعد الظهر، واربعا قبل العصر (* 3) وهذا من الاختلاف في التعبير، والمقصود من الكل واحد. (الثاني): جاء في بعض النصوص ان النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يصلي الوتيرة (* 4) أو أنه كان يأوي إلى فراشه بعد العشاء الاخرة (* 5). وسره ما اشرنا إليه آنفا من أن الوتيرة على ما دلت عليه رواياتها انما هي بدل عن الوتر إذا فات المكلف، فلعل الوجه في تركه صلى الله عليه وآله الوتيرة هو ما استكشفناه من الخارج من أن صلاة الليل كانت واجبة في حقه صلى الله عليه وآله وانه كان على علم - باذن الله سبحانه - من حياته - تلك الليلة - ومماته فكان يعلم انها تفوته أو لا تفوته، ولاجل ذلك لم يكن يصلي الوتيرة فلا دلالة لها على عدم استحبابها، أو عدم مشروعيتها.


(* 1) (* 2) (* 3) (* 4) (* 5) المرويات في ب 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 62 ]

[ وثمان ركعات قبل العصر، واربع ركعات بعد المغرب وركعتان بعد العشاء من جلوس تعدان بركعة، ويجوز فيهما القيام (1) بل هو الافضل، وان كان الجلوس احوط، وتسمى بالوتيرة، وركعتان قبل صلاة الفجر، واحدى عشر ركعة صلاة الليل وهي ثمان ركعات، والشفع ركعتان، والوتر ركعة واحدة. ] وبما ذكرناه صرح في بعض الروايات الواردة في المقام (* 1) غير انا لم نستدل به لضعف سنده ونجعله مؤيدا للمدعى. (الثالث): ان في بعض الاخبار الواردة في المقام أن مجموع الفرائض والنوافل اربع واربعون ركعة باسقاط اربع ركعات عن ثمان العصر وركعتين عن اربع المغرب، وفي بعضها انها ستة واربعون باسقاط اربع ركعات عن ثمان العصر (* 2). الا انها محمولة على التقية - كما قيل - أو تحمل على أن اربعا واربعين منها أهم بحيث قد إطلق المعصية على تركها في صحيحة زرارة (* 3) والاربع أو الست الباقية لا تبلغ من الاهمية تلك المرتبة، لا أن النوافل اقل من اربع وثلاثين ويأتي - قريبا - ان شاء الله أن هناك نافلة اخرى ذات ركعتين وهي غير الواحدة والخمسين فانتظر، وكيف كان فالنوافل اربع وثلاثون ركعة عن قيام أو يجوز عن جلوس ايضا على ما يأتي عليه الكلام ان شاء الله الوتيرة يعتبر فيها الجلوس (1) ذهب جماعة إلى أن حال الوتيرة حال سائر النوافل فيجوز الاتيان


(* 1) راجع ب 29 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 14 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 63 ]

بها جالسا كما يجوز من قيام، بل القيام فيها افضل، والصحيح عدم مشرو عية القيام في الوتيرة وان الجلوس معتبر في حقيقتها، وذلك لعدم تمامية ما استدل به على جواز القيام أو افضليته في الوتيرة. وقد استدل عليه بصحيحة حارث ابن المغيرة قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: صلاة النهار ست عشرة ركعة: ثمان إذا زالت الشمس و.. وركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصليهما وهو قاعد، وأنا اصليهما وأنا قائم.. (* 1) وموثقة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس. وركعتان بعد العشاء الآخرة يقرء فيهما مأة آية قائما أو قاعدا والقيام افضل (* 2). فان الباقر (ع) انما صلى الوتيرة جالسا لصعوبة القيام في حقه لكبر سنه الشريف، وعظم جثته المقدسة على ما صرح به في بعض الروايات (* 3) وحيث لم يكن أبو عبد الله سلام الله عليه بدينا - كابيه عليه السلام - صلاها قائما وقد صرحت الموثقة بان القيام فيها افضل. وهذا لا يمكن المساعدة عليه لان في روايات الوتيرة ورد التقييد بكونها عن جلوس، بل ورد في بعضها ان الرضا (ع) كان يصليها جالسا (* 4) ولم يكن سلام الله بدينا حتى يتوهم أن جلوسه في الوتيرة


(* 1) و (* 2) و (* 4) المرويات في ب 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 3) حنان بن سدير عن ابيه قال: قلت لابي جعفر (ع) اتصلي النوافل وانت قاعد؟ فقال: ما اصليها إلا وانا قاعد منذ حملت هذا اللحم وما بلغت هذا السن. المروية في ب 4 من ابواب القيام من الوسائل.

[ 64 ]

تستند إلى صعوبة القيام في حقه، فلو كان القيام فيها افضل كما أدعي لم يكن لما فعله (ع) وجه صحيح. نافلة ذات ركعتين غير الوتيرة والذي يظهر من ملاحظة الاخبار الواردة في المقام أن بعد العشاء الاخرة يستحب اربع ركعات وصلاتان نافلتان، والتي يكون القيام فيها افضل من الجلوس ركعتان غير ركعتي الوتيرة، وهما اللتان يقرء فيهما ماءة آية وهما غير الوتيرة المقيدة بكونها عن جلوس وتدلنا على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تصل اقل من اربع واربعين ركعة) قال: ورأيته يصلي بعد العتمة أربع ركعات (* 1). وموثقة سليمان بن خالد المتقدمة عن ابي عبد الله (ع) قال: صلاة النافلة ثمان ركعات. وركعتان بعد العشاء الاخرة يقرء فيهما مأة آية قائما أو قاعدا، والقيام افضل، ولا تعدهما من الخمسين (* 2) وهي مصرحة بان الركعتين اللتين يكون القيام فيهما افضل غير النوافل اليومية اعني خمسين أو واحدة وخمسين ركعة وان هاتين الركعتين لا تعدان منها. فلا بد معه من الحكم باعتبار الجلوس في الوتيرة لتحسبان ركعة واحدة حتى يكون عدد النوافل ضعف الفرائض فلو اتى بها عن قيام لزاد عدد النوافل عن ضعف الفرائض بركعة واحدة، وهذا هو الذي تقتضيه الاخبار


(* 1) المروية في ب 14 اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2) المروية في ب 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 65 ]

المقيدة بكونها عن جلوس. فان ما يكون فيه القيام افضل ركعتان غير الوتيرة ويستحب فيهما قراءة مأة آية، وصحيحة الحجال صريحة فيما ادعيناه قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يصلي ركعتين بعد العشاء يقرء فيهما بماة آية ولا يحتسب بهما وركعتين وهو جالس يقرء فيهما بقل هو الله أحد، وقل يا ايها الكافرون فان استيقظ من الليل صلي صلاة الليل والوتر، وان لم يستيقظ حتى يطلع الفجر صلى ركعتين (ركعتين) فصارت سبعا (وصارت شفعا) واحتسب بالركعتين الليلتين (اللتين ظ) صلاهما بعد العشاء وترا (* 1). فالحكم باعتبار الجلوس في الوتيرة ما لا مناص عنه. وبما سردناه يظهر أن ما افادة المحقق الهمداني (قده) في ذيل صحيحة عبد الله بن سنان من ان الاربع ركعات التى رآها منه بعد العتمة لم يعرف وجهها فلعلها صلاة جعفر ونحوها مما لا وجه له، لما عرفت من أن هناك ركعتين غير ركعتي الوتيرة وهما اللتان يستحب فيهما القيام وقراءة ماءة آية. والمظنون بل المطمئن به ان من حكم بافضلية القيام في الوتيرة لم يشاهد هذه الصحيحة، وإلا لما حكم بافضلية القيام فيها كما لا يخفى. وعلى الجملة ان النوافل اليومية اربع وثلاثون ركعة فتكون مع الفرائض خمسين أو واحدة وخمسين ركعة فانها ضعف الفريضة، والوتيرة انما شرعت لتكميل العدد وصيرورة النوافل ضعف الفريضة أو للبدلية عن الوتر على تقدير ان يفوت المكلف، والترتيب في الاتيان بالنوافل ما تقدم ولا نعيد، هذا كله في غير يوم الجمعة.


(* 1) المروية في ب 44 من المواقيت وب 21 من ابواب بقية الصلوات المندوبة من الوسائل.

[ 66 ]

[ واما في يوم الجمعة (1) فيزاد على الست عشرة اربع ركعات، فعدد الفرائض سبع عشرة ركعة، وعدد النوافل ضعفها بعد عد الوتيرة بركعة، وعدد مجموع الفرائض والنوافل احدى وخمسون هذا، ] اعداد النوافل يوم الجمعة (1) عدد النوافل يوم الجمعة والترتيب بينها غير العدد والترتيب المعتبرين في النوافل في غير يوم الجمعة: ففي بعض الروايات أن النافلة يوم الجمعة عشرون ركعة وفي بعضها الآخر اثنتان وعشرون ركعة (* 1) كما أن الترتيب فيها غير الترتيب في بقية الايام وقد اختلفت فيه الاخبار والصحيح جواز العلم بجميع الكيفيات الواردة في الروايات وذلك لصحتها واعتبارها: ففي ما رواه سعد بن سعد الاشعري عن ابي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن الصلاة يوم الجمعة كم ركعة هي قبل الزوال؟ قال: ست ركعات بكرة، وست بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة، وست ركعات بعد ذلك ثماني عشرة ركعة، وركعتان بعد الزوال فهذه عشرون ركعة، وركعتان بعد العصر فهذه اثنتان وعشرون ركعة (* 2). وفيما رواه محمد بن أبي نصر عن ابى الحسن (ع) أن التطوع يوم


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 11 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 67 ]

الجمعة ست ركعات في صدر النهار، وست ركعات قبل الزوال، وركعتان إذا زالت، وست ركعات بعد الجمعة فذلك عشرون ركعة سوى الفريضة (* 1) وورد في رواية ثالثة ترتيب آخر غير الترتيبين المتقدمين (* 2) ولا بأس بالعمل بجميع تلك الكيفيات الواردة كما مر. ثم ان الغرض من تلك الزيادة، واختلاف الترتيب في الاتيان بالنوافل هو الافصاح عن تعظيم يوم الجمعة وجلالة شأنه، والتفرقة بينه وبين سائر الايام كما اشير إليه في بعض الاخبار (* 3). ولاجل هذا الامتياز اهتم فيه بالاتيان بالفريضة اول وقتها، وورد في بعض الروايات: إذا كنت شاكا في الزوال فصل الركعتين فإذا استيقنت الزوال فصل الفريضة (* 4) كما ورد أن وقت صلاة العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظهر من سائر الايام (* 5) وقد اوجب هذا الاهتمام بشأن الفريضة يوم الجمعة التغيير في الترتيب المقرر في النوافل في غير يوم الجمعة فقدم بعضها وأخر بعضها الآخر يوم الجمعة. ثم إن المستفاد من تلك النصوص هو الحث والترغيب في الاتيان بالنوافل يوم الجمعة على الترتيب المتقدم دون الالزام به، ويشهد لذلك ورود لفظة (ان شئت) أو (ان شاء في بعض رواياتها (* 6). وعن الصدوقين (قدهما) ان يوم الجمعة كسائر الايام ولا فارق


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 6) المرويات في ب من ابواب 1 صلاة الجمعة من الوسائل. (* 4) المروية في باب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 5) راجع ب 9 و 8 و 5 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 68 ]

ويسقط في السفر نوافل الظهرين (1). ] بينهما بوجه، وفيه أن الفارق هو النصوص الصحيحة كما مر. نعم ما ذكراه لا بأس به إذا أرادا به عدم الفرق بينهما على نحو الالزام. سقوط نافلة الظهرين في السفر (1) لا شبهة ولا خلاف في عدم سقوط نافلتي الفجر والمغرب وبقائهما على استحبابهما في السفر كما في الحضر بل وفي بعض النصوص النهى عن ترك نافلة المغرب في السفر، حيث قال (ع): لا تدعهن في حضر ولا سفر (* 1) بل لا يحتاج استحبابهما في السفر إلى دليل بالخصوص وذلك لانه مقتضى الاطلاقات الواردة في استحبابهما، لعدم ورود التقييد عليها بعدم السفر، كما ورد في نافلتي الظهر والعصر، وكذلك الحال في نافلة الليل لا طلاق أدلتها، وعدم تقييد استحبابها بعدم السفر مضافا إلى الاخبار الواردة في عدم سقوطها في السفر (* 2). وأما نافلتا الظهر والعصر فالظاهر انه لا خلاف في سقوطهما في السفر بل ادعي الاجماع عليه في كلمات بعضهم، وعن المدارك نسبته إلى مذهب الاصحاب، ويدلنا على ذلك جملة من الروايات:


(* 1) المروية في ب 21 و 24 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2) راجع ب 25 وغيره من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 69 ]

[ والوتيرة على الاقوى (1). ] ففي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع): لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئا نهارا (* 1) وفيما رواه أبو يحيى الحناط: يا بني لوصلحت النافلة في السفر تمت الفريضة (* 2) إلى غير ذلك من النصوص الواردة في سقوط نافلة الظهرين سقوطا الزاميا تخفيفا للمسافر وتسهيلا عليه ولعل هذا مما لا كلام فيه وانما الكلام في سقوط الوتيرة في السفر وعدمه واليه اشار الماتن بقوله: والوتيرة على الاقوى. هل تسقط الوتيرة في السفر؟ (1) المشهور بين اصحابنا كما في كلام صاحب الحدائق وغيره سقوط الوتيرة في السفر، وعن ابن ادريس دعوى الاجماع عليه، وذهب جماعة إلى بقاء استحبابها في السفر، واليه مال الشيخ (قده) واستدل على عدم السقوط بما رواه الصدوق (قده) باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) (في حديث) قال: وانما صارت العتمة مقصورة، وليس تترك ركعتاها (ركعتيها) لان الركعتين ليستا من الخمسين، وانما هي زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع (* 3). وتقريب الاستدلال بها أن الرواية قد دلت على أن المنع عن الصلاة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 21 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 3) المروية في ب 29 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 70 ]

قبل الركعتين المقصورتين أو بعدهما في السفر انما يختص بالنوافل المقررة للفرائض المقصورة، وليست الوتيرة نافلة للعشاء حتى تشملها الرواية ويحكم بسقوطها نظرا إلى أن العشاء من الفرائض المقصورة في السفر بل انما هي صلاة مستقلة مندوبة، والعلة في تشريعها تكميل العدد ليكون عدد النوافل ضعف الفريضة إذا فالرواية غير شاملة للوتيرة فهي باقية على استحبابها في السفر كما في الحضر. ومن هنا يظهر ان الركعتين اللتين قلنا باستحبابهما على استقلالهما - بعد العشاء الآخرة - ايضا غير ساقطتين لانهما ليستا بنافلة للفريضة المقصورة حتى يحكم بسقوطهما. ثم ان في سند الرواية على بن محمد بن القتيبة ويعرف بالقتيبي، و عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، أو عبد الواحد ابن عبدوس، لانه قد ينسب إلى جده وقد ينسب إلى ابيه، وكلاهما محل الاعتماد، لان الاول ممن اعتمد عليه أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال على ما حكاه النجاشي (قده) - وهو من مشايخه - وقد صحح العلامة حديثه في ترجمة يونس بن عبد الرحمن. بل نقل في الحدائق عن العلامة في المختلف انه - عندما ذكر حديث الافطار على محرم، وان الواجب فيه كفارة واحدة أو ثلاث - لم يذكر التوقف في صحة الحديث الا من حيث عبد الواحد بن عبدوس وقال: انه كان ثقة والحديث صحيح. وهذا يدل على توثيقه لعلي بن محمد ابن قتيبة. والثاني من مشايخ الصدوق (قده) وقد روى عنه في عدة موارد منها طريقه إلى الفضل بن شاذان، وقد ترضى عليه في بعضها على ما حكاه الوحيد في تعليقته على الرجال الكبير.

[ 71 ]

وقد ناقش صاحب المدارك (قده) في ذلك بعدم توثيق الرجلين ومعه لا يمكن الاعتماد على روايتهما وان كانا من المشايخ. واجاب عنه في الحدائق بانه لا حاجة إلى التوثيق الصريح بعد كونهما من المشايخ وموردا لاعتماد مثل الكشي، لان اعتماد المشايخ المتقدمين على النقل واخذ الروايات عنهم والتتلمذ عندهم يزيد على قول النجاشي واضرابه: فلان ثقة. والمحقق الهمداني (قده) قد قرر ذلك بتقريب آخر فليراجع. ولا يخفي عدم تمامية شئ من ذلك: أما تصحيح العلامة (قده) فلما ظهر لنا بعد التتبع في كلماته من انه (قده) كان يصحح رواية كل شيعي لم يرد فيه قدح وهذا يظهر منه (قده في موردين: (أحدهما): ترجمة احمد اسماعيل بن سمكة حيث ذكر في ترجمته ما هذا لفظه: ولم ينص علماؤنا عليه بتعديل ولم يرد فيه جرح فالاقوى قبول روايته مع سلامتها من المعارض. و (ثانيهما): ترجمة ابراهيم بن هاشم وقال في ترجمته: لم اقف لاحد من اصحابنا على قول في القدح فيه، ولا على تعديله بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة والارجح قبول قوله. كما أنه لا يعتمد على رواية غير الشيعي وان كان موثقا. بل يذكره في قسم غير الموثقين وقد صرح بذلك في جملة من الموارد: (ومنها): ابراهيم بن ابي سمال، حيث ذكر انه واقفى لا اعتمد على روايته وقال النجاشي انه ثقة. و (منها): ابراهيم بن سماك وقيل ابن ابي سماك حيث قال: قال

[ 72 ]

النجاشي انه ثقة واقفي فلا اعتمد حينئذ على روايته وهذا اظهر من سابقه لانه قد رتب عدم اعتماده على روايته على كونه واقفيا مع ان النجاشي وثقه. و (منها): اسحاق بن عمار بن حيان قال: كان شيخا من اصحابنا ثقة روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام وكان فطحيا قال الشيخ الا انه ثقة، واصله معتمد عليه، وكذا قال النجاشي، والاولى عندي التوقف فيما ينفرد به. و (منها): غير ذلك من الموارد. نعم فيمن ادعي الاجماع على قبول روايته يعمل برواياته من جهة الاجماع، وان لم يكن شيعيا، والحاصل انه (قده) يرى اصالة العدالة ويرى ان الشرط المعتبر في الراوي هو العدالة دون الوثوق، ومن هنا يصحح رواية كل شيعي لم يظهر منه فسق، ولا يعتمد على رواية غير الشيعي وان كان ثقة وثقه الشيخ أو النجاشي أو هو نفسه (قده). وقد نقل الميرزا والسيد التفريشي عن فخر المحققين (قده) في ترجمة ابان بن عثمان انه قال: سألت والدي عن ابان بن عثمان، فقال: الاقرب عدم قبول روايته لقوله تعالى: ان جائكم فاسق بنباء فتبينوا. ولا فسق اعظم من عدم الايمان. وحيث أن الرجلين في محل الكلام شيعيان ولم يظهر منهما فسق فروايتهما مصححة عند العلامة (قده) وعلى مسلكه ومثل هذا التصحيح كيف يفيد غيره ممن يعتبرون الوثاقة في الراوي ولا يكتفون باصالة العدالة حيث لا يجدون أي توثيق لهما في الرجال. هذا كله في تصحيح العلامة السند الذي فيه على بن محمد بن قتيبة. وأما توثيقه لعبد الواحد بن عبدوس، فالظاهر ان توثيقاته كتصحيحاته

[ 73 ]

مما لا يمكن الاعتماد عليه، لانه قدس الله اسراره على عظم منزلته وجلالته لا يحتمل - عادة - ان يكون ثوثيقه كقوله: فلان ثقة شهادة حسية منه (قدس سره) بأن يكون قد سمع وثاقة من يوثقه ممن رآه وهو ممن سمعها وهكذا إلى ان ينتهي إلى عصر الراوي الذي يوثقه وذلك لطول الفصل بينه وبين من يوثقه من الرواة وتخلل برهة بين عصريهما بحيت لا يحتمل معهما الشهادة الحسية بوجه. فانه بعد عصر الشيخ (قده) إلى مدة مديدة كان العلماء يتبعون آراءه وأقواله حتى سموهم المقلدة على ما ذكره الشهيد الثاني في درايته فلا يحتمل معه - عادة - أن يكون العلامة قد سمع توثيق راو عن زيد وهو عن عمرو وهكذا إلى أن ينتهي إلى عصره فتوثيقاته شهادة حدسية ومستندة ولى اجتهاده، ومن الظاهر أن اجتهاد أي فقيه يكون حجة على فقيه آخر. ومن هنا يتضح الحال في توثيقات معاصريه أو المتأخرين عنه ممن حاله حاله كابن طاووس والمجلسي قدس الله اسرارهم، لانها شهادات حدسية، وإلا فمن البديهي ان توثيق العلامة (قده) لا يقصر عن توثيق اهل الرجال كالنجاشي، والشيخ واضرابهما، فالمتحصل أن توثيقات العلامة كتصحيحاته غير قابلة للاعتماد، والرجلان مجهولان. وأما ترضى الصدوق (قده) وترحمه ففيه ان أئمتنا عليهم السلام قد كانوا يترحمون لشيعتهم أو لزوار قبر الحسين (ع) كقولهم: رحم الله شيعتنا - مثلا - أو نحوه (* 1) مع أن فيهم من هو محكوم بفسقه أو بعدم


(* 1) راجع ب 37 من ابواب المزار من الوسائل والى ص 6 من مزار البحار.

[ 74 ]

وثاقته جزما، فان الترحم والترضي محلهما صدور أي عمل حسن أو صفة مستحسنة من صاحبها، ومن الظاهر ان التشيع من احسن الكمالات والخيرات الموجبة لهما. وترحم الصدوق لا يزيد على ترحمهم عليهم السلام. نعم ظهر لنا من تتبع حالاته انه لا يترضى ولا يترحم على غير الشيعة فالذي يثبت بترضيه انما هو تشيع ابن عبدوس واما الوثاقة التي هي المعتبرة في الراوي فلا. وأما كونهما من مشايخ الاجازة لمثل الصدوق والكشي فهو ايضا كسابقيه وذلك لان الصدوق (قده) كان ينقل الحديث عمن سمعه واخذه منه سواء أكان شيعيا ام لم يكن، وموثقا كان أو غيره. بل ان من مشايخ اجازته من هو ناصب زنديق كما في الضبي عليه لعائن الله، حيث ذكر (قدس سره) انه لم ير انصب منه وبلغ من نصبه انه كان يقول: أللهم صل على محمد فردا، ويمتنع من الصلاة على آله (* 1). فترى انه مع نصبه وزندقته قد روى عنه الصدوق (قده) وهو من مشايخه ومعه كيف يكون مجرد الشيخوخة له أو لغيره كافية في التوثيق ولم يصرح هو نفسه ولا الكشي بانه لا يروى الا عن ثقة، كما صنعه النجاشي (قده). على أن ظاهر النجاشي ان الكشي لم يظهر منه اعتماد على ابن القتيبة غير نقل الرواية عنه في كتابه، وقد بينا ان مجرد الشيخوخة لا دلالة له على الوثاقة، إذا الرواية ضعيفة فلا يمكن الاستدلال بها على استحباب الوتيرة في السفر، بل مقتضى الاطلاقات الدالة على سقوط النافلة عن كل صلاة يجب التقصير فيها في السفر سقوط الوتيرة ايضا في السفر.


(* 1) عيون اخبار الرضا ص 381 من الطبعة القديمة سنة 1317.

[ 75 ]

واستدل المحقق الهمداني (قده) على عدم سقوط الوتيرة في السفر بصحيحة الحلبي أو حسنته قال: سألت أبا عبد الله (ع) هل قبل العشاء الآخرة وبعدها شئ؟ قال: لا غير أني أصلي بعدها ركعتين ولست أحسبهما من صلاة الليل (* 1) نظرا إلى دلالتها على ان الركعتين بعد العشاء مستحبتان في نفسيهما وليستا نافلة لها لتسقطا في السفر: و (يرده): أن الظاهر ان المراد فيها بالركعتين هو الركعتان اللتان توتى بهما عن قيام وهما اللتان قدمنا انهما مستحبتان مستقلتان زائدة على النوافل المرتبة، وذلك بقرينة قوله (ع) ولست احسبهما من صلاة الليل فان ما قد يتوهم كونه من صلاة اللليل انما هو تلك الصلاة التي يؤتى بها قائما دون الوتيرة التي تصلى جالسا فانها لم تيوهم احد كونها من صلاة الليل بوجه. ويؤكذ ما ذكرناه أن السائل في الصحيحة هو الحلبي وهو الراوي لجملة من الروايات فكيف يخفى عليه مثل ذلك ويسأل الامام (ع) عن أن بعد صلاة العشاء شئ؟ فلا مناص من حملها على ما ذكرناه، أو يقال ان مراده من قوله: هل بعد العشاء الاخرة شئ؟ انه هل هناك شئ من النوافل يعادل الخمسين في الفضيلة اولا؟ وأيضا استدل (قده) على السقوط بجملة من الاخبار المشتملة على أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتبين الا بوتر (منها): صحيحة زرارة (* 2) وفي ذيل بعضها: قلت: تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟


(* 1) المروية في ب 27 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل (* 2) المروية في ب 29 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 76 ]

قال: نعم انهما بركعة.. (* 1) وتقريب الاستدلال بها أن تلك الروايات دلت على أن الوتيرة غير ساقطة في وقت ابدا، لا الاتيان بها ينبعث عن الايمان بالمبدء والمعاد وهذا كما ترى لا اختصاص له بوقت دون وقت فمقتضى اطلاق هذه الروايات عدم سقوطها في السفر كما في الحضر. وحيث ان ما دل على سقوط النوافل المقررة للفرائض المقصورة في السفر يشمل الوتيرة ايضا باطلاقها وهو الدليل على سقوطها لانه لم يرد فيه رواية خاصة فلا محالة تقع المعارضة بينها وبين هذه الروايات، والنسبة بينهما عموم من وجه، إذا يتساقط الاطلاقان فيرجع إلى ما دل على اصل مشروعية الوتيرة، فانه بلا معارض، ومقتضاه الحكم بعدم سقوط الوتيرة في السفر. ويرد على هذا الاستدلال: (أولا): أن الاخبار المذكورة انما وردت في الوتر لا في الوتيرة، والاخبار في الاهتمام بشأن صلاة الليل والوتر والحث نحوهما كثيرة فلتكن منها هذه الروايات، فان معنى البيتوتة انهاء الليل إلى طلوع الفجر، فمعني هذه الروايات أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يطلع عليه الفجر الا بوتر. وأضف على ذلك أن الركعتين المستحبتين بعد العشاء لم تسم بالوتيرة في شئ من الروايات فضلا عن الوتر، وانما الفقهاء سموها بالوتيرة فلا يمكننا الاستدلال بها على استحباب الركعتين في نفسهما فضلا عن عدم سقوطها في السفر. نعم ورد في رواية ابي بصير السؤال عما اريد بالوتر فقال: قلت: تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم. كما قدمناه آنفا وهي صريحة


(* 1) المروية في ب 29 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 77 ]

الدلالة على المدعى، ومن هنا جعلها صاحب الحدائق كغيره شارحة لاجمال تلك الروايات، الا انها ضعيفة السند، وغير قابلة للاستدلال بها بوجه، فان في سندها عدة مجاهيل بالمعنى الاعم من المهمل. نعم الحسين بن يزيد الواقع في سندها هو النوفلي ولعلنا نتكلم عليه في موضع يناسبه ان شاء الله. و (ثانيا): لو سلمنا أن المراد بالوتر - في تلك الاخبار - هو الوتيرة لا يمكننا الاستدلال بها ايضا في المقام لامكان أن يقال ان الاخبار المتقدمة الدالة على انه لا شئ قبل الركعتين ولا بعدها مؤيدة بما دل على ان النافلة لو صلحت في السفر تمت الفريضة حاكمة على تلك الروايات، فان مشروعية النافلة على نحو الاطلاق في الاخبار المستدل بها - على المشروعية - مفروغ عنها لا محالة، وهذه الروايات النافية للمشروعية قبل الركعتين وبعدهما ناظرة إلى تلك النوافل، وتدل على انه لا نافلة مشروعة قبل الصلاة المقصورة ولا بعدها تتقدم عليها بالحكومة. وقد يستدل على ذلك برواية رجاء بن ابي الضحاك عن الرضا (ع) المشتملة على احكام كثيرة مفتي بها عند الفقهاء كما قيل ومنها انه (ع) كان يصلي الوتيرة في السفر. وفيه: انه إن اريد بتلك الرواية ما رواه في الوسائل عن عيون الاخبار فمن الواضح عدم دلالتها على هذا المدعى لو لم نقل بدلالتها على السقوط لعدم اشتمالها على تلك الجملة واليك متنها وسندها: محمد بن علي بن الحسين في (عيون الاخبار) عن تميم بن عبد الله بن تميم (أو تيم كما عن بعض النسخ) القرشي عن ابيه عن احمد بن علي الانصاري عن رجاء بن ابي الضحاك عن الرضا (ع) انه كان في السفر يصلي فرائضه ركعتين ركعتين إلا المغرب فانه كان يصليها ثلاثا، ولا يدع

[ 78 ]

نافلتها، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر في سفر ولا حضر وكان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئا (* 1) وهي كما ترى غير متعرضة للوتيرة، وانما اشتملت على الوتر: بل يمكن ان يقال: ان عدم تعرضها لثبوت الوتيرة وعدم سقوطها في السفر وهي بصدد بيان ما يسقط في السفر من النوافل وما لا يسقط يدلنا على سقوطها فيه أيضا والا لاشير فيها إلى انه (ع) كان ياتي بها ايضا في السفر كما اشير إلى ذلك في صلاة الليل وغيرها من النوافل المذكورة في الرواية: وان اريد بها رواية اخرى مروية عن العيون فلا عين ولا اثر لتلك الرواية كما اعترف بذلك صاحب الجواهر (قده) قائلا وأما خبر ابن ابي الضحاك فلم اجد ذلك فيه فيما حضرني من نسخة العيون. بل الموجود خلافه. ومع هذا كله يمكن أن يقال بعدم سقوط الوتيرة في السفر وهذا بوجهين: (أحدهما): أن الوتيرة لم تثبت كونها نافلة للعشاء ليقال ان نافلة الصلوات المقصورة ساقطة في السفر، بل هي صلاة مستحبة، وانما شرعت للبدلية عن الوتر على تقدير عدم التوفق لاتيانها في وقتها. وتدلنا على ذلك صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول (في حديث)... منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد بركعة مكان الوتر... (2) وعليه فلا تشملها الاخبار المتقدمة الدالة على انه لا شئ قبل الركعتين


(1) المروية في ب 21 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (2) المروية في ب 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 79 ]

ولا بعدهما، ولعل عدم كونهما نافلة للعشاء هو السبب فيما ورد في جملة من الصحاح من أن الفرائض ونوافلها خمسون ركعة. و (ثانيهما): صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: سألته عن الصلاة تطوعا في السفر قال: لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئا نهارا (1): فان السؤال فيها انما هو عن مطلق التطوع في السفر، وهو باطلاقه يشمل الصلوات المندوبة الليلية والنهارية ولكنه (ع) عند الجواب حض نهيه بالصلاة التطوعية النهارية، وقد بينا في محله أن القيود ذات مفهوم وان لم يكن كمفهوم الشرط مما يدل على الانتفاء عند الانتفاء بل انما يدل على أن الحكم غير مترتب على الطبيعي المطلق وانما يترتب على حصة خاصة منها فحسب، وإلا اصبح التقييد بها لغوا ظاهرا وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. إذا تدلنا الصحيحة على اختصاص النهي بالنوافل النهارية فلا نهي عن النوافل الليلية. ويوكد ذلك أن الركعتين في الليل ليستا الا صلاة واحدة وهي العشاء الآخرة دون صلاتي المغرب والفجر، لوضوح انه لا تقصير فيهما فكان الصحيحة ناظرة إلى خصوص ركعتي العشاء وتبين انهما ليستا بموردين للنهي عن التطوع قبلهما ولا بعدهما وعلى الجملة ان بهذين الوجهين لا يبعد الحكم بعدم سقوط الوتيرة في السفر، وان كان الاحوط اتيانها رجاء لذهاب جمع إلى سقوطها كما مر.


(1) المروية في ب 21 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 80 ]

[ (مسألة): يجب الاتيان بالنوافل ركعتين ركعتين (1) ] النوافل يؤتى بها ركعتين ركعتين (1) المعروف بين الاصحاب أن النوافل كلها يوتى بها ركعتين ركعتين ولا تشرع الاتيان بها ركعة ركعة بان يسلم في كل ركعة ويأتى بها مفصولة كما لا يشرع الاتيان بها زائدة على الركعتين كثلات ركعات أو اربع متصلات الا في الوتر) وصلاة الاعرابي. وادعي الاجماع على ذلك في كلام الشيخ وابن ادريس (قدهما) وخالف فيه المحقق الاردبيلي (قده) وذهب إلى جواز الاتيان بالنوافل ركعة ركعة أو زائدة على الركعتين موصولة كثلاث ركعات أو اربع، واستدل للمشهور بالاجماع كما عرفت. وفيه أن الاجماع التعبدي غير محقق في محل الكلام والمظنون بل المطمئن به أن القائلين بذلك انما استندوا في ذلك إلى الروايات فالاجماع مدركي ولا بد من ملاحظة الروايات وقتئذ. وبرواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يصلي النافلة أيصلح له أن يصلي اربع ركعات لا يسلم بينهن؟ قال: لا إلا أن يسلم بين كل ركعتين (* 1). ونوقش في الاستدلال بها تارة من حيت السند، لان فيه عبد الله ابن الحسن وهو مجهول لم يوثق في كلام المترجمين له نعم انما نعلم ان جده علي بن جعفر فحسب وهذا لا يكفي في توثيقه.


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 81 ]

ومن حيث الدلالة اخرى نظرا إلى انها انما دلت على المنع عن الاتيان بالنوافل زائدة على ركعتين ركعتين وليست فيها اية دلالة على عدم جواز الاتيان بها ركعة ركعة. أما المناقشة من حيث السند فهي كما سمعت لما مر غير مرة من أن عبد الله بن الحسن الواقع في سند بعض روايات الحميري والاشعثيات لم يوثق في الرجال، فلا يمكن الاعتماد على رواياته. واما المناقشة في دلالتها فيمكن الجواب عنها بان السؤال في الرواية وان كان خاصا بجواز الاتيان بالنافلة زائده على ركعتين ركعتين الا انه عليه السلام أجاب أولا بقوله: لا اي لا يجوز، ثم اتى بجواب آخر يعم الاتيان بها زائدة عنهما والاتيان بها ركعة ركعة، لانه قال: إلا أن يسلم... فان إلا كلمة استثنائية فهناك شئ يكون لها مستثنى منه لا محالة، ولا يصح جعل المستثنى منه النافلة اربع ركعات: لوضوح انه لا معنى لاستثناء فرد عن فرد، فان النافلة اربع ركعات فرد، والنافلة ركعتين فرد آخر، ولا معنى لاستثناء احدهما عن الآخر كما هو واضح. فلا مناص من ان يجعل المستثنى منه هو النافلة على اطلاقها وكليتها الشاملة لجميع كيفياتها من كونها مفصولة وركعة ركعة أو زائدة على ركعتين، أو ركعتين ركعتين فتدلنا الرواية علي انها غير صحيحة بمالها من الكيفيات والاقسام إلا أن يوتى بها ركعتين ركعتين. إذا فالرواية كما تدل على عدم جواز الاتيان بالنافلة زائدة على ركعتين ركعتين كذلك تدلنا على عدم جواز الاتيان بها ركعة ركعة فلا مناقشة في دلالتها بوجه وان كان سندها ضعيفا.

[ 82 ]

واستدل له ايضا برواية الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) قال: الصلاة ركعتان ركعتان فلذلك جعل الاذان مثنى مثنى. (* 1) ولكنها ايضا ضعفية السند والدلالة: أما ضعف سندها فلما عرفت من أن في طريق الصدوق إلى الفضل ابن شاذان على بن محمد بن قتيبة و عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، ولم يرد توثيق في حقهما. وأما من حيث الدلالة فلعدم كونها واردة في النوافل، وانما هي ناظرة إلى اصل تشريع الفرائض، وانها قد شرعت ركعتين ركعتين، والقرينة على ذلك قوله (ع) فلذلك جعل الاذان مثنى مثنى، لان الاذان انما يستحب في الفرائض لا في النوافل ولا معنى للقول بان النافلة ركعتين ركعتين، ولذا جعل الاذان في الفرائض مثنى مثنى، وانما يناسب الفريضة فكأنه قد جعل لكل ركعة من الفرائض فصل من الاذان. واستدل ايضا بما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا عن كتاب حريز بن عبد الله عن ابي بصير قال: قال أبو جعفر (ع) في حديث، وافصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم (* 2) وقد نوقش فيها سندا ودلالة: أما بحسب السند فلما قيل من انها مرسلة لان الحلي (قده) انما رواها عن كتاب حريز، ولم يذكر طريقة إليه والفاصلة بين الحلي وحريز كثيرة وسنين متمادية لا يستهان بها، إذا ففي البين واسطة ولم يعلم انها أي شخص فالرواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 15 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 83 ]

ويمكن الجواب عن ذلك بان الحلي (قده) ممن لا يعمل بالخبر الواحد فمثله إذا روى عن كتاب فنستكشف بتلك القرينة ان هذا الكتاب قد وصل إليه بالتواتر أو بالرواية المحفوفة بالقرائن القطعية، لانه لو كان وصله بالخبر الواحد لم يكن عمل به حسب مسلكه، ومن هنا يعبر الفقهاء عن الروايات التي نقلها (قده) في آخر السرائر عن ارباب الكتب بالصحاح والامر كما ذكروه. وأما بحسب الدلالة فلاجل أنها أخص من المدعى لدلالتها على النهي عن الاتيان بالنوافل زائدة على ركعتين ركعتين ولم تدل على المنع عن الاتيان بها ركعة ركعة. وهذه المناقشة في محلها إذا فما ذهب إليه المشهور في المسألة لا سبيل إلى اثباته بدليل. بل يمكن اقامة الدليل على بطلانه، وذلك لانه من المتسالم عليه عند الاصحاب (قدس الله اسرارهم) وهو الصحيح ايضا على ما بيناه في محله أن المطلق - في باب المستحبات - غير محمول على المقيد، وانما التقييد خاص بالاحكام الالزامية، إذا فلو كان هناك مطلق يقتضي جواز الاتيان بالنوافل كيفما اتفقت على ما يراه المحقق الاردبيلي (قده) لم يكن تقييده بما استدلوا به على عدم جواز الاتيان بها اقل من ركعتين أو بازيد منهما موصولة - على تقدير تماميته في نفسه - بل لابد من ان يحمل على الافضلية والكمال. فعلى ذلك لا بد من النظر إلى الروايات ليرى انه هل هناك ما يدلنا باطلاقه على استحباب النوافل كيفما اتفقت أولا؟ والانصاف انه لا يوجد من الروايات دليل مطلق يدلنا على مشروعيتها

[ 84 ]

كيفما اتفقت، والاخبار المشتملة على أن النافلة لصلاة الظهر ثمان ركعات وللعصر ثمان ركعات، وللمغرب اربع، وللفجر ركعتان، وثمان ركعات نافلة الليل (* 1) وان كانت غير مقيدة بكيفية معنية. إلا انها لما لم تكن بصدد بيان الكيفيات والامور المعتبرة في الصلاة من القراءة أو السجدة أو وحدتها وتعددها، وانما احالت بيانها إلى ادلتها فلا جرم لم يمكن التمسك باطلاقها، إذ لا اطلاق لها من هذه الجهة، ولم ترد لبيانها. وانما وردت لبيان عدد الركعات المعتبرة في الصلاة فقط ونظرها إلى الصلوات المتعارفة والمتداولة لدى الناس. وإذا لم يكن اطلاق يتمسك به في المقام انتهت النوبة - لا محالة - إلى الاصل العملي في المسألة. وانه هل يقتضي مشروعية الزيادة من الركعتين أو الاقل منهما أو لا يقتضي؟ فقد يقال: ان الاصل في المقام هو الاشتغال كما ذهب إليه في الحدائق بدعوى أن العبادات امور توقيفية يتوقف مشروعيتها إلى دليل، وحيث لا دليل على مشروعية الاتيان بها زائدة على ركعتين ركعتين أو الاقل منهما كما إذا أتى بها ركعة ركعة فلا يجوز الاتيان بها الا ركعتين ركعتين وعلى الجملة ان الخروج عما علمنا به من توقيفية العبادات تحتاج إلى مومن ودليل. وقد يقال ان الاصل في مقامنا هو البراءة، لان الشك في جزئية الركعة الثانية أو في مانعية الركعة الثالثة أو الرابعة أو في مانعية التسليم والتشهد فالمقام من صغريات دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين


(* 1) هذا مضمون جملة من الاخبار المروية في ب 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 85 ]

وهو مجرى البراءة فينتفى جزئية ما يحتمل جزئيته أو مانعية ما يحتمل مانعيته بالبراءة. ذكر ذلك المحقق الهمداني (قده) وافاد ما حاصله: ان الشك في الجزئية والمانعية اعني دوران الامر بين الاقل والاكثر شئ، والشك في أصل مشروعية اعلم شئ آخر، فان البراءة تجرى في الصورة الاولى عن اعتبار المشكوك فيه للعلم بالمشروعية والشك في الجزيئة أو المانعية فيدفع بالبراءة. وهذا بخلاف الصورة الثانية اعني الشك في اصل المشروعية كصلاة الغدير (* 1) التي وردت في رواية ضعيفة انها اثنتي عشرة ركعة بتسليمة واحدة - لان اصل المشروعية إذا كانت غير معلومة لم تجر فيها البراءة بوجه بل مقتضى اصالة عدم المشروعية عدم مشروعية العمل كما لا يخفى هذا. وقد يناقش في جريان البراءة في محل الكلام بوجهين: (أحدهما): أن محل الكلام ليس من موارد البراءة العقلية ولا الشرعية. أما العقلية فلوضوح أن المستحب مما لا يحتمل العقاب في مخالفته حتى نتمسك بذيل حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان بدعوى أن جزئية المشكوك فيه أو مانعيته لم يرد فيه بيان فمقتضى تلك القاعدة جواز تركه ومخالفته. وأما الشرعية فلان البراءة الشرعية حكم امتناني فلا تجري إلا إذا كان جريانها موجبا للامتنان، ولا نتصور اية كلفة في وضع المستحب ليكون رفعه موجبا للامتنان.


(* 1) الاقبال لابن طاووس ص 661 - 662.

[ 86 ]

و (ثانيهما): ان رفع الجزئية للركعة الثانية بالبراءة وكذلك رفع المانعية عن الثالثة أو الرابعة مما لا أثر له، لان مشروعية النافلة اقل من ركعتين والامر بها من اللوازم العقلية لعدم جزئية الركعة الثانية، كما أن مشروعية الزائدة على الركعتين من اللوازم العقلية لعدم مانعية الركعة الثالثة أو الرابعة فلا تثبت مشروعية الاقل منهما أو الزائدة عليهما بالبراءة بوجه، ومن هنا يظهر ان التمسك - في المقام - بالاستصحاب ايضا غير صحيح. بان يقال: ان الجزئية أو المانعية من الامور المستحدثة المسبوقة بالعدم، ومقتضى اصالة عدم مانعية التشهد والتسليم أو عدم جزئية الركعة الثانية جواز الاتيان بالنافلة ركعة ركعة أو ثلاث ركعات أو اربع. والوجه في فساده ما ذكرناه من أن اصالة عدم المانعية أو الجزئية لا تكون مثبتة لمشروعية النافلة الاقل من ركعتين أو الزائد عليهما، لان الامر بالزائد عن الركعتين أو الاقل منهما من اللوازم العقلية للمستصحب فلا يثبت باستصحابه هكذا يقال. والصحيح على ما بيناه في محله ان يقال: ان في موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر في الواجبات والمستحبات لا مجال للرجوع إلى استصحاب عدم جزئية الاكثر أو عدم شرطيته وهذا لا لانه غير مثبت لمشروعية الاقل - كما سيتضح - بل لانه معارض باستصحاب عدم جزئية الاقل أو عدم الامر به - دائما - والسر في ذلك ان الشك في تلك المورد انما هو في ان الامر بالاقل وهو الركعة الاولى - مثلا - الذي علمنا بجعله في الشريعة المقدسة هل جعل مقيدا بالاكثر اعني الركعة الثانية - في محل الكلام - أو مطلقا من دون

[ 87 ]

تقييده به، ولا ثالث لاستحالة الاهمال في مقام الثبوت فلا مناص اما ان يجعل على نحو الاطلاق أو التقييد كما عرفت. ومن الظاهر ان جعل ايجابه أو استحبابه - سواء أكان على نحو التقييد أو على نحو الاطلاق - امر حادث مسبوق بالعدم إذا فاستصحاب عدم جعله مقيدا معارض باستصحاب عدم جعله على نحو الاطلاق، وان شئت قلت: ان كلا من الاطلاق والتقييد امر حادث مسبوق بالعدم فنفي احدهما بالاستصحاب يعارضه نفي الآخر به فلا مجال للتمسك باستصحاب العدم في موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر ابدا: تفصيل في جريان البراءة في المستحبات وأما التمسك بالبراءة في المستحبات ففيه تفصيل وكلام على ما بيناه في التكلم على حديث الرفع، وذلك لان الشك (تارة) في اصل استحباب العمل ومشروعيته عبادة كان أو غيرها وذلك كما في صلاة الغدير للشك في استحبابها ومشروعيتها في نفسها و (اخرى)): يشك في جزئية شئ للعمل أو شرطيته بعد الفراغ من مشروعيته في نفسه. أما الصورة الاولى: فلا مجال فيها للتمسك بالبراءة ابدا. أما البراءة العقلية فعدم جريانها في المستحبات مما لا يحتاج إلى مزيد بيان كما اشرنا إليه في تقريب المناقشة فلاحظ. وأما البراءة الشرعية فأن قوله صلى الله عليه وآله رفع عن امتى تسعة... (* 1) وغيره من ادلتها لا يدل على رفع ما شك فيه رفعا واقعيا ابدا، ومن


(1) قدمنا شطرا مما يرجع إلى سند هذه الرواية في الجزء الثالث من كتاب الطهارة ص 345 ومع هذا الا يخلو سندها عن مناقشة وسنشير إليها في مورد يناسبه ان شاء الله.

[ 88 ]

هنا يستحب الاحتياط بالاتيان بما يحتمل وجوبه أو استحبابه، فلو كان ما يشك فيه مرفوعا واقعا لم يكن للاحتياط وحسنه أو استحبابه مجال. فالرفع المدلول عليه في موارد جريان البراءة رفع ظاهري، ومعنى ذلك ان للشارع في موارد الشك ان يضع وجوب الاحتياط، لبقاء المشكوك فيه بحاله واقعا فيوجب الشارع الاحتياط على المكلفين تحفظا على الواقع المشكوك فيه وهذا معنى ايجاب الاحتياط ووضعه في مقام الظاهر ومرحلة الشك في الحكم الواقعي، وقد دلتنا ادلة البراءة على رفع ذلك وان ايجاب الاحتياط الذي عرفت ان للشارع وضعه في مرحلة الظاهر مرفوع عن المكلفين وبها يثبت الترخيص في ترك التحفظ والاحتياط وهذا في الواجبات من الوضوح بمكان. وأما المستحبات فلا يتاتى فيها ذلك بوجه. لان وضع الاحتياط - على سبيل الوجوب - عند الشك فيما يستحب في نفسها امر غير معقول لانه لا معنى لكون العمل وما يتحفظ لاجله امرا مستحبا في نفسه ويكون التحفظ عليه عند الشك فيه واجبا لزوما فلا مناص من ان يكون وضع الاحتياط عندئذ على سبيل الاستحباب - دون الوجوب - بان يستحب الاحتياط عند الشك في المستحب، وهذا امر معلوم عندنا لحسن الاحتياط واستحبابه - شرعا - على ما دلت عليه النصوص إذا فلانشك في الوضع الظاهري حتى نرفعه بالبراءة. فالمتحصل أن الاحتياط الاستحبابي لا تجري فيه البراءة الشرعية وما تجرى فيه البراءة من الاحتياط الوجوبي لا معنى محصل له في المستحبات هذا كله في الصورة الاولى والمستحبات الاستقلالية. وأما الصورة الثانية والمستحبات الضمنية من الجزئية أو الشرطية

[ 89 ]

فالظاهر أنه لا مانع من التمسك فيها بالبراءة وذلك لان العمل وان كان مستحبا في نفسه إلا أن استحبابه غير مناف للايجاب والالزام الشرطيين لوضوح أن صلاة النافلة - مثلا - مستحبة في نفسها، ولكن الطهارة شرط معتبرة فيها لزوما، لعدم جواز الاتيان بالنافلة مع الحدث أو مع فقد جزء أو شرط آخر من شرائطها، فلا مانع من أن يكون المكلف مختارا في الاتيان بعمل وعدمه. ويجب عليه - إذا اتى به - أن يأتي به مع اجزائه وشرائطه. وعلى ذلك إذا شككنا في جزئية شئ للمستحب فهو مورد لايجاب الاحتياط الشرطي في مرحلة الظاهر، ولا مانع من التمسك بالبراءة في رفعه واثبات الترخيص في ترك التحفظ والاحتياط عند الشك في التقييد. وهذا الاصل غير معارض بشئ. وأما المعارضة المتقدمة - حيث ذكرنا أن اصالة عدم جعل الحكم على نحو التقييد معارضة باصالة عدم جعله على سبيل الاطلاق - فلا تتأتى في البراءة، لاختصاصها بالاستصحاب. والسر فيه: ان اجراء البراءة عن الاطلاق امر لا محصل له، لوضوح انه لا امتنان في رفعه، لانه رفع للسعة عن المكلف بخلاف رفعع التقييد عنه، لانه رفع للكلفة، فان في التقييد ضيقا لا محالة بلا فرق في ذلك بين الواجباب والمستحبات، فاجراء البراءة عن التقييد غير معارض باجرائها عن الاطلاق في كليهما. ودعوى: ان البراءة انما جعلت للامتنان، ولا امتنان في رفع الامر المستحب، لان اختياره بيد المكلف، وله أن يفعل كما له ان لا يفعله، وما هذا شأنه لا يكون امتنان في رفعه تبتني على اساس، لوضوح أن الامتنان لا اختصاص له برفع التقييد في الالزاميات، فان رفعه في المستحبات

[ 90 ]

ايضا توسعة، فقد ترى ان المكلف يأتي بعمل غير واجب لولا تقيده بقيد ولا يأتي به إذا كان متقيدا به. فهذه زيارة الحسين عليه آلاف التحية والثناء يأتي بها المكف غير مرة في كل يوم إذا لم يكن مقيدة بالاغتسال في اوقات الزيارة وايامها - للازدحام -، ولا يأتي بها كذلك إذا كانت مقيدة به، وعلى الجملة ان التقييد تضييق على المكلف، وفي رفعة امتنان مطلقا سواء أكان المقيد من الامور الالزامية أو غيرها. وأما المناقشة في جريان البراءة في المقام بان نفي الجزئية أو المانعية غير مثبت للامر بالركعة الواحدة أو الزائدة على الركعتين فلا يقتضي مشروعيتهما في الشريعة المقدسة، فان العبادات توقيفية وتحتاج مشروعيتها إلى دليل أللهم إلا على القول بالاصل المثبت. فهي ايضا واهية وذلك، لان مفروض كلامنا هو العلم الوجداني بتعلق الامر بالطبيعي لا محالة، وانما نشك في انه هل على سبيل الاطلاق أو التقييد، فإذا رفعنا احتمال التقييد - رفعا ظاهريا - فبضم الوجدان إلى الاصل نثبت أن الطبيعي مأمور به مطلقا وغير مقيد بما يحتمل التقييد به، أما كون الطبيعي مأمورا به فبالوجدان. واما عدم كونه مقيدا فبالاصل وبذلك تثبت مشروعية النافلة الزائدة على الركعتين أو الاقل منهما هذا. على أن هذه المناقشة لا اختصاص لها بالمقام، لانها - بعينها - واردة على جريان البراءة عند دوران الامر بين الاقل والاكثر في الواجبات، لان البراءة عن الاكثر لا تثبت الامر بالاقل إذا لا امتياز للمستحبات عن الواجبات - من تلك الناحية - ولا موجب لتخصيص المستحبات بهذه المناقشة دون الواجبات، والجواب عنها هو الجواب في كلا المقامين.

[ 91 ]

والمتحصل ان جريان البراءة في المستحبات مما لا محذور فيه ولا يرد عليه شئ من تلك المناقشات. ومع هذا كله لا يمكننا الحكم بحواز الاتيان بالنافلة ركعة ركعة أو زائدة على الركعتين من غير فصل بالتسليمة في كل ركعتين. والوجه فيه أن اجراء البراءة عن جزئية الركعة الثانية أو مانعية التشهد والتسليم وان كان في نفسه مما لا محذور فيه إلا أن ذلك خلاف ما هو المرتكز في اذهان المتشرعة، لان المرتكز في أذهانهم حتى النساء والصبيان المميزين بل المعدود عندهم من الواضحات أن النافلة ركعتين ركعتين. ولعل السر في هذا الارتكاز أن الصلاة حتى في الفرائض ركعتان - في اصلها - وانما زيد عليهما في جملة من الفرائض في السنة فالزيادة من النبي صلى الله عليه وآله لا انها كذلك في اصلها. وهذا هو الذي وصلهم جيلا بعد جيل وخلفا عن سلف فالناقص أو الزائد على الركعتين من غير فصل في النوافل معدود عندهم من الغرائب وقد نقل سيدنا الاستاذ - ادام الله اظلاله - انه كان في ليلة من ليالي الغدير يصلي صلاة الغدير - وهي التي قدمنا انها اثنتى عشرة ركعة بتسليمة واحدة - فدخل عليه بعض رجال العلم ولما رآه استغرب عمله ولم يقتنع حتى سأله عن صلاته هذه فاجابه بانه صلاة الغدير! فلا بد معه من الاتيان بالنوافل ركعتين الا فيما خرج عن ذلك بدليل كما في مفردة الوتر، وصلاة الاعرابي ونحوهما، وذلك لان الزيادة على خلاف الاصل ففي كل مورد ثبتت فيه مشروعية الاقل من الركعتين أو الزائدة عليهما فهو وإلا فالاصل عدم مشروعيتهما. ولا مجال حينئذ للرجوع إلى البراءة لان البراءة انما يرجع إليها لدى

[ 92 ]

[ إلا الوتر فانها ركعة (1). ] الشك كما إذا شككنا في شرطية الركعة الثانية أو مانعية الثالثة، ولا شك لنا في المقام للعلم الحاصل من الارتكاز بعدم مشروعية الزائد على الركعتين والناقص عنهما. صلاة الوتر ركعة واحدة (1) المعروف بين الاصحاب (قدهم) لزوم الاتيان بصلاة الوتر مفصولة عن الشفع، وذهب بعضهم إلى التخيير في الاتيان بها مفصولة أو متصلة، ونطقت الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام بان صلاة الوتر ثلاث ركعات، وهي ركعتا الشفع، ومفردة الوتر، واختلفت في انها ثلاث ركعات مفصولات أو متصلات على طوائف ثلاث: (الاولى): ما دل على انها ثلاث ركعات بان يصلي منها ركعتان فيفصل بالتسليمة ثم يؤتى بالركعة الثالثة مفصولة كما دلت على جواز الفصل بينهما بقضاء الحاجة أو بالاكل أو الشرب أو الحدث، بل في بعضها جوازه حتى بالنكاح وهي عدة روايات فيها الصحيحة وغيرها (* 1) (الثانية): ما دل على انها ثلاث ركعات متصلات اي بتسليمة واحدة كصلاة المغرب وهي رواية كردويه الهمداني (الحمداني) قال: سألت العبد الصالح (ع) عن الوتر فقال: صله (* 2) الا انها ضعيفة بكردويه لعدم توثيقه، فهذا الطائفة ساقطة والامر يدور بين الطائفة الاولى والثالثة.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 15 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل .

[ 93 ]

(الثالثة): ما دل على أن المكلف بالخيار له أن يفصل بين الشفع والوتر بالتسليمة بعد الركعتين، وله أن يأتي بها متصلات، وهي صحيحتان: (احداهما): ما رواه يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التسليم في ركعتي الوتر فقال: ان شئت سلمت، وان شئت لم تسلم (* 1). (ثانيتهما): ما رواه معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله (ع) في ركعتي الوتر فقال: ان شئت سلمت وان شئت لم تسلم (* 2). ومقتضاهما جواز الاتيان بركعتات الوتر متصلة ومفصولة، وكون المكلف مخيرا بينهما، ولا نرى مانعا من الالتزام بمضمونهما، وان كان لم يعمل المشهور على طبقهما، بل ذهبوا إلى لزوم اتيانها مفصولة. نعم لا مناص من القول بان الفصل افضل، لان الطائفة الاولى كما تقدمت دلت على الامر بالاتيان بثلاث الوتر مفصولة، وهذه الطائفة دلتنا على الترخيص في الاتيان بها متصلة أو منفصلة، حيث ورد فيها: إن شئت سلمت، وان شئت لم تسلم. ومقتضى الجمع بين هاتين الطائفتين بعد سقوط الطائفة الثانية ان الفصل افضل حملا للامر به على الافضلية بقرينة التصريح بجواز كل من الفصل والوصل في الطائفة الثالثة. وصاحب المدارك ايضا قوى ذلك فلاحظ.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 15 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 94 ]

[ ويستحب في جميعها القنوت (1) حتى الشفع على الاقوى في الركعة الثانية وكذا يستحب في مفردة الوتر. ] استحباب القنوت في النوافل حتى الشفع (1) المشهور عند اصحابنا (قدس اسرارهم) استحباب القنوت في الصلاة فريضة كانت ام نافلة حتي الشفع في الركعة الثانية، كما ذكره الماتن (قده) وعن شيخنا البهائي وصاحبي المدارك والذخيرة (قدهم) أن القنوت انما هو في صلاة الوتر، ولا قنوت في الشفع، واستدل على ذلك بصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) القنوت في المغرب في الركعة الثانية، وفي العشاء، والغداة مثل ذلك، وفي الوتر في الركعة الثالثة (* 1). لدلالتها على ان تشريع القنوت منحصر بالمواضع المذكورة في متنها فتدلنا على عدم مشروعيته في صلاة الشفع، كعدم مشروعيته في الركعة الاولى من المغرب وغيرها من الصلوات. وقد ذكروا ان بهذه الصحيحة يقيد أو يخصص ما ورد من أن القنوت في كل ركعتين في التطوع أو الفريضة (* 2) أو في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع (* 3) أو القنوت في كل الصلوات (* 4) إلى غير ذلك من العمومات والمطلقات الواردتين في استحباب القنوت في الركعة الثانية من كل صلاة فريضة أو نافلة، لانها اما مطلقة فتقيد بتلك الصحيحة أو عامة فتخصص بها لا محالة.


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 3 من ابواب القنوت من الوسائل. (* 2) و (* 4) المرويتان في ب 2 من ابواب القنوت من الوسائل.

[ 95 ]

والصحيح ما ذهب إليه المشهور، وافتى به الماتن (قده) من استحباب القنوت حتى في ركعتي الشفع. وذلك لان الاخبار الواردة في القنوت على طوائف مختلفة: ففي بعضها أن القنوت انما هو في الصلوات التي يجهر بها - دون الاخفاتية - وذلك كموثقة سماعة قال: سألته عن القنوت في اي صلاة هو؟ فقال: كل شئ يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت، والقنوت قبل الركوع وبعد القراءة (* 1) وفي بعضها: أما مالا يشك فيه فما جهر فيه القراءة (* 2) وفي جملة منها: أن القنوت في كل صلاة كما في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع (* 3) وفي موثقة محمد بن مسلم أن القنوت في كل ركعتين في التطوع أو الفريضة (* 4) وفي بعضها: أن القنوت في الجمعة والعشاء والعتمة، والوتر، والغداة (* 5) أو في المغرب والعشاء والغداة والوتر كما في صحيحة عبد الله ابن سنان المتقدمة (* 6) إلى غير ذلك من الروايات. ومقتضى الجمع بينهما حمل ما دل على أن القنوت فيما يجهر فيه من الصلوات أو في الجمعة والعشاء.. على اختلاف مراتب الفضل وأن القنوت فيها افضل من غيرها، أو حملها على التقية، لان العامة أما غير


(* 1) و (* 3) و (* 6) المرويات في ب 3 من ابواب القنوت من الوسائل. (* 2) و (* 4) و (* 5) المرويات في ب 2 من ابواب القنوت من الوسائل.

[ 96 ]

ملتزمين بالقنوت اصلا في غير صلاة الغداة (* 1)، لما روى من طرقنا ان عثمان قنت في صلاة الفجر (* 2) واما انهم غير ملتزمين به في الصلوات الاخفاتية، إذا يكون ما دل على أن القنوت في الصلوات الجهرية موافقة للتقية فتحمل عليها. والذي يدلنا على ذلك موثقة ابي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن القنوت؟ فقال: فيما يجهر فيه بالقراءة قال: فقلت له إني سألت أباك عن ذلك فقال: في الخمس كلها. فقال: رحم الله ابي ان اصحاب ابي اتوة فسألوه فاخبرهم بالحق، ثم اتوني شكاكا فافتيتهم بالتقية (* 3). وهي صريحة الدلالة على أن الاخبار الواردة في أن القنوت في الصلوات الجهرية انما صدرت تقية، ومن تلك الاخبار صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة وذلك، لان قوله (ع) فيها: في المغرب.. وفي العشاء والغداة والوتر خبر لقوله (ع) القنوت في المغرب وفي العشاء وفي الغداة والوتر. وليس قيدا للمبتداء اي القنوت ليكون الخبر هو قوله في الركعة الثانية أو في الركعة الثالثة وذلك بقرينة الاخبار الدالة على أن القنوت انما


(* 1) وفي المغنى لابن قدامة ج 2 ص 156 لايقنت في غير الصبح من الفرائض وقال أبو الخطاب يقنت في الفجر والمغرب لانهما صلاة جهر في طرفي النهار وقيل يقنت في صلاة الجهر كلها وقال في ص 152 نص احمد على ان القنوت بعد الركوع وهو المروي عن ابي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن قلابة وابي المتوكل وايوب السجستاني وبه قال: الشافعي ولم ير احمد الباس في القنوت قبل الركوع. (* 2) المروية في ب 2 من ابواب القنوت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 1 من ابواب القنوت من الوسائل.

[ 97 ]

هو في الصلوات الجهرية، فتكون هذه الصحيحة كتلك الروايات مسوقة لبيان ان الصلوات التي فيها قنوت منحصرة بالصلوات الجهرية مع بيان مواضع القنوت فيها، لا انها مسوقة لبيان حصر مواضع القنوت في الصلوات - الاعم من الجهرية والاخفاتية - بالركعة الثانية أو الثالثة. وذلك: لوضوح انها لو كانت بصدد بيان ذلك لامكن بيانه بعبارة أخرى الخص وافيد كقوله: القنوت في الركعتين، وفي صلاة الوتر في الثالثة، من دون حاجة إلى الاطناب في الكلام، فلا وجه لهذه الاطالة سوى ارادة بيان ان الصلوات التي فيها قنوت منحصرة بالصلوات الجهرية دون الاخفاتية، ولنعتبر هذه قرينة داخلية، وهناك قرينة أخرى خارجية وهي الاخبار الواردة في أن القنوت انما هو فيما يجهر به، وإذا انضمت احدى القرينتين إلى الاخرى لامكننا حمل الصحيحة بهما على التقية أو على بيان أن كون القنوت - في تلك الصلوات - في المواضع المذكورة أفضل من غيرها. إذا مقتضى العمومات والاطلاقات الدالتين على جواز القنوت بعد كل ركعتين في التطوع والفريضة، أو على جوازه في كل صلاة هو الحكم باستحبابه في صلاة الشفع ايضا كما ذكره الماتن (قده). ثم ان صاحب الحدائق (قده) ذكر وجها ثانيا في الاستدلال على عدم مشروعية القنوت في صلاة الشفع وهو انه ورد في جملة من الاخبار الكثيرة الدعاء في قنوت الوتر وانهم (ع) كانوا يدعون فيه بكذا وكذا والوتر انما يطلق في الروايات على الركعات الثلاث ولم يوجد فيها ما اطلق فيه الوتر على الركعة الواحدة الا رواية رجاء بن أبي الضحاك. فلو كان فيها قنوتان احدهما للشفع وثانيهما للركعة الثالثة للزم تقييد

[ 98 ]

تلك الادعية بالقنوت الثاني لا محالة لاختصاصها بقنوت الركعة الثالثة، ولم يحسن معه هذا الاطلاق في تلك الروايات الواردة في استحباب الدعاء في قنوت الوتر، فهذا يدلنا على انه لا قنوت في الركعات الثلاث الا في الركعة الثالثة فقط أعني الوتر. وهذا منه (قده) على ما هو عليه من التضلع والاحاطة بالاخبار غريب، فكأنه (قده) لم يقف على الروايات التي قد اطلق فيها الوتر على خصوص الركعة المفصولة حتى ادعى صريحا عدم وروده الا في رواية رجاء بن ابي الضحاك وقد ورد ذلك في جملة من الروايات واليك بعضها: (منها): رواية عيون الاخبار عن الرضا (ع) في كتابه إلى مأمون قال: والصلاة الفريضة الظهر اربع ركعات.. وثمان ركعات في السحر والشفع، والوتر ثلاث ركعات تسلم بعد الركعتين.. (* 1) و (منها): رواية رجاء بن ابي الضحاك وفيها ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع.. فإذا سلم قام وصلى ركعة الوتر. (* 2) و (منها): رواية الخصال وفيها: والشفع ركعتان، والوتر ركعة. (* 3) و (منها): رواية الفقه الرضوي وفيها: وتقرأ في ركعتي الشفع. وفي الوتر: قل هو الله أحد (* 4) و (منها): ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره عند قوله عز من


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 13 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 4) فقه الرضا ص 13.

[ 99 ]

قائل: والشفع والوتر وليال عشر الآية، الشفع ركعتان والوتر ركعة (* 1) إلى غير ذلك من الروايات التي تعرض لها صاحب الجواهر (قده) هذا بحسب الروايات. وكذلك الحال في كلمات الفقهاء (قدس الله اسرارهم) فانهم يطلقون الوتر على الركعة المفصولة كما لا يخفى على من راجعها حيث ان قدمائنا ليس لهم اصطلاح حديث ولم يضعوا اللفظ بازاء معنى جديد، بل لا يبعد أن يكون اطلاق الوتر على الثلاث مماشاة منهم للعامة كما سيظهر. إذا للوتر اطلاقان: اطلاق للركعات الثلاث، واطلاق آخر لخصوص الركعة الثالثة ولا يبعد ان يكون اطلاقه منصرفا إلى خصوص الركعة الثالثة بل الامر كذلك واقعا ومن ثمة ورد أن ركعتي الوتيرة جالسا بدل عن الوتر إذا فات المكلف، إذ لو أريد به الركعات الثلاث للزم أن يكون ركعتان عن جلوس بدلا عن ثلاث ركعات عن قيام! وهذا كما ترى. ولا يبعد ان يكون اطلاقهم للوتر على الثلاث مماشاة منهم عليهم السلام مع العامة، لانهم يرون الاتصال - كما عن بعضهم - أو التخيير بينه وبين الانفصال - كما عن بعضهم الآخر - (2) والا فالمراد به اينما اطلق هو


(* 1) تفسير علي بن ابراهيم سورة الفجر. (* 2) في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 157 اختار أبو عبد الله ان يفصل ركعة الوتر عما قبلها، وقال الوتر بثلاث لم يسلم فيهن لم يضيق عليه عندي ويعجبني ان يسلم في الركعتين، وممن يفصل بين الركعتين والركعة ابن عمر، وهو مذهب معاذ القاري، ومالك والشافعي واسحاق وقال أبو حنيفة لا يفصل بسلام وقال الاوزاعي ان فصل فحسن وان لم يفصل فحسن وفي طرح التتريب لزين الدين العراقي ج 3 ص 78 منع أبو حنيفة =

[ 100 ]

الركعة الثالثة المفصولة فعلى ذلك لا يكون اطلاق ما ورد من الادعية في قنوت الوتر دليلا على عدم استحباب القنوت في الشفع لانه منصرف إلى قنوت الركعة الثالثة أو محمول عليه من غير حاجة إلى التقييد به. وان شئت قلت: لا اطلاق في تلك الادلة ليحتاج إلى تقييده - كما ادعاه - لان اطلاق الوتر منصرف إلى الركعة الثالثة، وما ورد من الادعية في قنوت الوتر يختص بقنوتها، فلا مجال لدعوى انه لو كان هناك قنوت آخر لزم التقييد بالقنوت الثاني، لما عرفت من عدم ثبوت اطلاق الوتر على الركعات الثلاث - حقيقة -، وانصرافه إلى الثالثة المفصولة هذا. ثم انه قد حكي عن المعتبر وجملة من اصحابنا استحباب قنوت ثان في صلاة الوتر ومحله بعد رفع الرأس من ركوعها كما ان القنوت الاول محله قبل الركوع واستدل عليه: بما رواه الكليني (قده) عن علي بن محمد - وهو شيخه - عن سهل عن احمد بن عبد العزيز عمن رواه عن ابي الحسن (ع) انه كان إذا رفع رأسه في آخر ركعة من الوتر قال: هذا مقام من حسناته نعمة منك وسيئاته بعمله (* 1).


= من الوتر بركعة واحدة، ومذهب مالك والشافعي واحمد، والجمهور جواز الوتر بركعة فردة، وقال الثوري اعجب إلى الثلاث، واباحت طائفة الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع واحدى عشر. (* 1) هذه الجملة موجودة في الحدائق دون الكافي والخبر فيه هكذا علي بن محمد بن سهل عن أحمد بن عبد العزيز قال حدثني بعض اصحابنا قال: كان أبو الحسن الاول (ع) إذا رفع رأسه من آخر ركعة من الوتر قال: هذا مقام من حسناته نعمة منك وشكره ضعيف وذنبه عظيم =

[ 101 ]

ويدفعه: ان صلاة الوتر لم يثبت لها قنوت ثان وهذه الرواية مخدوشة السند والدلالة. اما بحسب السند فلان علي بن محمد الذي هو شيخ الكليني (قده) لم يعلم انه علي بن محمد بن عبد الله القمي، أو انه علي بن محمد بن بندار وكلاهما شيخ له، واحتمل بعضهم اتحادهما وعلى أي تقدير الرواية ضعيفة لعدم ثبوت وثاقتهما، ومجرد الشيخوخة للكليني لا يكتفى بها في الاعتماد، كما ان سهل بن زياد فيه كلام وقد ضعفه بعضهم، واحمد بن عبد العزيز الجوهري مجهول، وقيل انه احمد بن عبد العزيز الذي وثقه ابن ابي الحديد في شرح النهج واثنى عليه. الا ان من البعيد رواية سهل بن زياد عن ابن عبد العزيز الذي تعرض له ابن ابي الحديد، على أن توثيقه غير كاف في التوثيق. وعلى تقدير الاغماض عن جميع ذلك فهي مرسلة، والمراسيل غير قابلة للاعتماد عليها ابدا. وأما بحسب الدلالة فلوضوح أن الدعاء غير القنوت المصطلح عليه بين المتشرعة اعني رفع اليدين حذاء الوجه على الكيفية الدارجة اليوم، والرواية غير مشتملة عيله، وانما دلت على مجرد الدعاء وهو خارج عن محل الكلام فان الذي تمتاز به الشيعة عن أهل الخلاف في الفرائض والنوافل


= وليس له الا رفقك (دفعك) ورحمتك فانك قلت في كتابك المنزل على نبيك المرسل صلى الله عليه وآله كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالاسحار هم يستغفرون طال هجوعي وقل قيامي وهذا السحر وانا استغفرك لذنبي استغفار من لم يجد لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. ثم يخر ساجدا صلوات الله عليه، الكافي: الجزء 3 ص 325 من الطبع الحديث

[ 102 ]

[ (مسألة 2) الاقوى استحباب الغفيلة (1) وهي ركعتان بين المغرب والعشاء، ولكنها ليست من الرواتب يقرأ فيها في الركعة الاولى بعد الحمد: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين). وفي الثانية بعد الحمد: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين). ] انما هو القنوت على الكيفية المتعارفة وإلا فهم غير مخالفين لنا في مجرد الدعاء سواء أكان قبل الركوع أم بعده لانه امر حسن مطلقا هذا: واضف إلى ذلك انها معارضة بما دل على أن أبا عبد الله (ع) لم يكن يعرف قنوتا الا قبل الركوع (* 1) وعلى الجملة لم يثبت تعدد القنوت في صلاة الوتر بدليل، والصحيح أن قنوتها واحد ومحله قبل الركوع. صلاة الغفيلة (1) روى الصدوق (قده) في جلمة من كتبه عن رسول الله صلى الله عليه وآله


(* 1) صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: ما اعرف قنوتا الا قبل الركوع. المروية في ب 3 من ابواب القنوت من الوسائل.

[ 103 ]

انه قال: تنفلوا في ساعة الغفلة ولو بركعتين خفيفتين فانهما تورثان دار الكرامة. قال وفي خبر آخر: دار السلام وهي الجنة، وساعة الغفلة، بين المغرب والعشاء الآخرة (* 1). والوجه في تسمية ما بين صلاتي المغرب والعشاء بساعة الغفلة ان دينهم - في عصر النبي صلى الله عليه وآله جرى على اتيانهم بصلاة المغرب عند المغرب ثم الايواء إلى بيوتهم ومنازلهم، وإذا مضت برهة من الزمان كانوا يعودون إلى المسجد لا قامة صلاة العشاء فكانوا فيما بين الصلاتين - على الاغلب - مشغولين بالاكل أو الشرب أو بغيرهما من أعمالهم ومن ثمة سميت تلك الساعة بساعة الغفلة. والمراد بالخفة - في قوله صلى الله عليه وآله ولو بركعتين خفيفتين - هو الاكتقاء فيهما بقراءة الفاتحة وحدها كما في بعض الروايات (* 2) ثم ان هذه الروايات وان كان بعضها معتبرا بحسب السند الا انه لا يمكننا حملها على ارادة ركعتين اخريين مغايرتين لنافلة المغرب. بل نحملها على التأكيد لنافلته، لانهما مطلقتان، والركعتان الخفيفتان اقلهما ومن هنا عبر بقوله (ولو) اشارة إلى جواز الاكتفاء فيهما بالمرتبة النازلة وهما منطبقتان على نوافل المغرب، ولا يمكننا حملهما على غيرها للنهي عن


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب بقية الصلوات المندوبة من الوسائل. (* 2) ابن طاووس في كتاب فلاح السائل بعد ما نقل رواية الصدوق (قدس سره) زاد: قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله وما معنى خفيفتين وقال تقرأ فيهما الحمد وحدها ص 248 والبحار ج 18 ص 545

[ 104 ]

التطوع في وقت الفريضة (* 1) ولما مر من انهم عليهم السلام انما كانوا يصلون بعد المغرب اربع ركعات لا زائدة عليها إذا لم تثبت صلاة الغفيلة واستحبابها بالخصوص. نعم روى الشيخ في مصباحه عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) انه قال: من صلى بين العشائين ركعتين يقرء في الاولى الحمد وذا النون إذ ذهب مغاضبا إلى قوله: وكذلك ننجي المؤمنين، وفي الثانية الحمد وقوله: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو إلى آخر الآية. فإذا فرغ من القراءة رفع يديه وقال: أللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا انت ان تصلي على محمد وآل محمد وان تفعل بي كذا وكذا، أللهم أنت ولي نعمتي والقادر على طلبتي تعلم حاجتي فأسألك بحق محمد وآله لما قضيتها لي وسأل الله حاجته اعطاه الله ما سأل (2) وهي تدلنا على استحباب صلاة الغفيلة بالخصوص غير انها ايضا مرسلة لا يمكننا الاعتماد عليها ابدا، لان الشيخ (قده) رواها عن هشام بن سالم ولم يذكر طريقه إليه. وقد يتوهم: انها مسندة باسناد صحيح نظرا إلى أن احد طريقي الشيخ إلى اصل هشام بن سالم وكتابه صحيح في الفهرست. ويدفعه: ان طريق الشيخ إلى اصل هشام وكتابه وان كان صحيحا وقابلا للاعتماد عليه إلا انه لم يعلم أن هذه الرواية التي رواها في المصباح كانت موجودة في اصل هشام وكتابه وانه رواها عن احدهما حتى يقال: ان طريقه إليه صحيح. بل ولم يظهر انه رواها مسندة ولم يصل الينا سندها أو رواها مرسلة من الابتداء،


(* 1) راجع ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 20 من أبواب بقية الصلوات المندوبة من الوسائل.

[ 105 ]

نعم لو كان نقل هذه الرواية في تهذيبه أو استبصاره لحكمنا بانها كانت موجودة في أصل هشام أو كتابه لانه (قده) ذكر في المشيخة انه يروى فيهما عن أصل المبدو به في السند. واما في غيرهما فلا مثبت لذلك هذا. ثم ان هذه الرواية قد رواها ابن طاووس في كتاب فلاح السائل بطريقه عن هشام بن سالم، الا انها ايضا غير قابلة للاعتماد عليها، لان في سندها محمد بن الحسين الاشتري وهو غير معنون في كلماتهم، وعباد ابن يعقوب وهو لم يوثق في كتب الرجال. نعم لا نناقش في السند من جهته لانه ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات والظاهر على ما يستفاد من ديباجته ان مؤلفه - وهو ابن قولويه - قد وثقهم جميعا هذا. مضافا إلى ان في سند الكتاب - على ما في فلاح السائل نفسه - احمد بن محمد بن سليمان الرازي ويروى عنه علي بن محمد بن يوسف، حيث قال: حدثنا علي بن محمد بن يوسف عن أحمد بن محمد بن سليمان الرازي. والموجود في البحار: أن علي بن يوسف روى عن أحمد بن سليمان الزراري عن ابي جعفر الحسنى محمد بن الحسين الاشتري عن عباد بن يعقوب عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم. (* 1) وما في فلاح السائل اشتباه جزما والصحيح الزراري، إذ لا وجود لاحمد بن سليمان الرازي في الرواة. ثم ان من روى عنه ابن طاووس ان كان هو علي بن محمد بن يوسف - كما في فلاح السائل - فهو وان كان ثقة وقد وثقه النجاشي،


(* 1) البحار ج 18 ص 544.

[ 106 ]

وروى عنه بواسطة، إلا أن الرواية مرسلة وقتئذ، لان ابن طاووس ليس من اهل طبقة الزراري ومن روى عنه، لانه مات سنة ثمان وثلاثين وثلاثماءة ومات ابن طاووس سنة الاربع والستين وستماءة، ومع الفصل بين عصريهما بما يقرب من ثلاثماءة سنة كيف يعقل ان يروى ابن طاووس عمن روى عن الزراري إذا ففي البين واسطة لا محالة وحيث لم يذكر في السند فالرواية مرسلة لا يمكننا الاعتماد عليها ابدا. نعم ان من المحتمل ان يكون علي بن محمد بن يوسف شيخا لابن طاووس وقد روى عنه من غير واسطة، الا انه على ذلك يتعين ان تكون رواية هذا الشيخ عن الزراري مع الواسطة لطول الفصل كما عرفت. وإذا كان من روى عنه ابن طاووس علي بن يوسف - كما في البحار - فالرواية أيضا مرسلة لا يمكننا الاستدلال بها بوجه، لان علي بن يوسف وان عنونه الشيخ منتجب الدين - في فهرسته - وذكر انه فقيه صالح، الا انه إذا كان يروى عن الزراري من دون واسطة فلا مناص من أن يكون بينه وبين ابن طاووس واسطة لطول الفصل كما عرفت، وإذا كان شيخا لابن طاووس فلا محالة يروى عن الزراري مع الواسطة فالمتحصل إلى هنا ان صلاة الغفيلة لم تثبت بعنوانها - في رواية معتبرة - فلا مخرج لها عما دل على المنع عن التطوع في وقت الفريضة. واما الروايات الآمرة بركعتين ولو خفيفتين بين صلاتي المغرب والعشاء - فبعضها وان كان معتبرا من حيث السند الا انه لم يثبت كونهما مغايرتين لنافلة المغرب كما تقدم هذا. ثم انا لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على أن الرواية الواردة في استحباب الغفيلة - بعنوانها - وبتلك الكيفية والخصوصية معتبرة بحسب السند فهل

[ 107 ]

يمكننا الاستدلال بها على استحباب ركعتين أخريين زائدتين على اربع ركعات النوافل بين صلاتي المغرب والعشاء؟ وهل يمكننا الخروج بها عما دل على النهي عن التطوع في وقت الفريضة وعما دل على انهم انما كانوا يصلون بعد المغرب اربع ركعات؟ أو لابد من حملها علي التأكيد واتحادهما مع الاربع النوافل كما صنعناه في الاخبار الآمرة بركعتين ولو خفيفتين بين صلاتي المغرب والعشاء؟ الصحيح أن يفصل بين ما إذا اتى بصلاة الغفيلة قبل الاربع، وما إذا اتى بها بعدها. لانه إذا اتى بها قبل نافلة المغرب ولو بتلك الكيفية الخاصة حصل بها امتثال امر النافلة، لان الاربع المستحبة بعد صلاة المغرب مطلقة، وصلاة الغفيلة ركعتان مقيدتان بالكيفية المتعينة، ومن الظاهر أن المطلق يتحقق في ضمن المقيد، بمعنى أن مقتضى اطلاق المتعلق في نافلة المغرب وعدم تقيده بكيفية خاصة هو احتساب الركعتين - أعني صلاة الغفيلة - بكيفياتها من النافلة. وبعد امتثال الامر بالغفيلة يسقط الامر بالنافلة ايضا إذا فالاتيان بها - في الحقيقة - امتثال لكل من الامر بالغفيلة، والامر بالنافلة، وهذا بخلاف ما إذا أتى بها بعد النافلة لانه بعد الاتيان بها وسقوط امرها بالامتثال يبقى الامر بالغفيلة اعني الركعتين بالكيفية الخاصة بحاله، لوضوح ان الامر المتعلق بالمقيد لا يسقط بالاتيان بفرد من أفراد المطلق غير المشتمل على القيد. بل مقتضى اطلاقه مطلوبيتها ولو بعد الاتيان بنافلة المغرب فلا موجب لسقوطها بل هو يستدعي الاتيان بركعتين أخريين بالكيفية الخاصة ومعه يبلغ عدد الركعات المستحبة بعد المغرب إلى ست هذا.

[ 108 ]

[ ويستحب أيضا بين المغرب والعشاء صلاة الوصية (1) وهي ايضا ركعتان يقرأ في اولاهما - بعد الحمد - ثلاث عشرة مرة سورة إذا زلزلت الارض. وفي الثانية - بعد الحمد - سورة التوحيد خمس عشرة مرة. ] ولكن الاتيان بها حينئذ خلاف الاحتياط، لانه من التطوع في وقت الفريضة والنهي عنه وان حملناه على الكراهة، إلا أن الامر بالغفيلة لما لم يثبت بدليل لم يسعنا الخروج فيها عن النهي ابدا. نعم لو كانت الرواية تامة بحسب السند لجعلناها مخصصة للنهي عن التطوع في وقت الفريضة، والتزمنا باستحباب الغفيلة بالتخصيص ولكنها ضعيفة كما مر، إذا الاولى ان يؤتى بها متقدمة على النافلة ومدرجة فيها بان يؤتى بنافلة المغرب بصورة الغفيلة وخصوصياتها ليكون المجموع اربع ركعات ويمتثل بها كل من الامر بالنافلة والامر بالغفيلة، لانها تحتسب وقتئذ امتثالا لامرهما على تقدير ثبوت الغفيلة واقعا وامتثالا لامر النافلة على تقدير عدم ثبوتها. صلاة الوصية (1) قد اتضح الحال في صلاة الوصية مما سردناه في صلاة الغفيلة لان مدركها هو ما رواه الشيخ في المصباح عن الصادق (ع) عن ابيه عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: أوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرء في الاولى: الحمد وإذا زلزلت الارض ثلاث عشرة مرة وفي الثانية الحمد

[ 109 ]

[ (مسألة 3) الظاهر أن الصلاة الوسطى التي تتأكد المحافظة عليها هي الظهر (1) فلو نذر أن يأتي بالصلاة الوسطى في المسجد أو في أول وقتها - مثلا - أتى بالظهر. ] مرة وقل هو الله أحد خمس عشر مرة: (* 1) وهي مرسلة، والكلام فيها هو الكلام في صلاة الغفيلة، وانها على تقدير ثبوتها إذا أتى بها قبل النافلة احتسبت منها وسقط بها الامر بالنافلة أيضا، وإذا اتي بها متأخرة عنها لم يحتسب من النافلة، وحيث لم تثبت ثبوتا شرعيا كما عرفت فلا مخرج لها عما دل على النهي عن التطوع في وقت الفريضة إذا فالاتيان بها بعد النافلة خلاف الاحتياط والاولى الاتيان بها - كالغفيلة - قبل النافلة لتكون مجمعا لامتثال الامر بكل من النافلة وصلاة الوصية فتقع امتثالا لكليهما على تقدير ثبوتها واقعا - وامتثالا لامر النافلة - على تقدير عدم ثبوتها كذلك -. الصلاة الوسطى وتعيينها (1) ليس هناك أي اثر شرعي يترتب على تعيين المراد بالصلاة الوسطى وانه صلاة الظهر أو غيرها، لان الفرائض اليومية - باجمعها - واجبة الاتيان على المكلفين، وان كان بعضها أهم واكد عن بعضها الآخر. نعم تظهر الثمرة في النذر إذا نذر ان يعطي لمن ياتي بالصلاة الوسطى كذا، ولم يرد بها صلاة معينة، والا اتبع قصده لا محالة، فانه وقتئذ


(* 1) المروية في ب 17 من ابواب بقية الصلوات المندوبة من الوسائل.

[ 110 ]

ان أريد بها صلاة الظهر فله أن يعطيه لمن أتى بصلاة الظهر، وان أريد بها صلاة العصر فيعطيه لمن يصلي العصر وهكذا. وكيف كان فلا أثر مهم للبحث عن ذلك فليس الا بحثا علميا فحسب. والمعروف بين أصحابنا (قدهم) بل المتسالم عليه بينهم أن المراد بها صلاة الظهر في غير يوم الجمعة، وأما يوم الجمعة فبالطبع تنطبق على صلاة الجمعة وبذلك نطقت جملة من الروايات وهي كثيرة فيها الصحاح وغيرها: (فمنها): صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) (في حديث) قال: وقال تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة الظهر، وهي اول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي وسط النهار ووسط صلاتين بالنهار: صلاة الغداة وصلاة العصر.. (* 1) (منها): صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: صلاة الوسطى صلاة الظهر وهي اول صلاة انزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله (* 2) وغيرهما من الروايات. وعن السيد المرتضى (قده) انها صلاة العصر مدعيا عليه اجماع الشيعة. وبه نطقت رواية الفقه الرضوي وقد ورد فيه: قال العالم: الصلاة


(* 1) المروية في ب 2 و 5 من ابواب الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2) المروية في ب 5 من ابواب الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 111 ]

الوسطى العصر (* 1) وورد في ذيل صحيحة زرارة المتقدمة: وفي بعض القراءة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين. وروى في الفقية في باب علة وجوب خمس صلوات في خمسة مواقيت في حديث نفر من اليهود جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل فكان مما سأله انه قال: اخبرني عن الله عزوجل لاي شئ فرض هذه الخمس الصلوات في خمس مواقيت على امتك في ساعات الليل والنهار؟ فقال: النبي صلى الله عليه وآله ان الشمس. إلى أن قال: وأما صلاة العصر فهي الساعة التي اكل فيها آدم من الشجرة فأخرجه الله عزوجل من الجنة فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، أوصاني ان احفظها من بين الصلوات. (* 2) والظاهر انه صلى الله عليه وآله يشير بذلك إلى قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى. إلا أن شيئا من ذلك لا يمكن المساعدة عليه: أما دعوى اجماع الشيعة من السيد (قده) فلانها من الغرائب نظير دعواه الاجماع في جلمة من الموارد التي لا قائل فيها من الشيعة فضلا عن اجماعهم، ومقامنا من تلك الموارد، لانه لم يعلم قائل بذلك من اصحابنا غير السيد (قده) فضلا عن ان تكون المسألة اجماعية. واما صحيحة زرارة وما ورد في ذيلها فالظاهر من ملاحظة صدر الصحيحة وذيلها ان هذا الكلام من الامام نفسه، دون الراوي وان احتمله بعضهم، الا انه بعد ما صرح (ع) في صدرها بان الوسطى


(* 1) البحار ج 18 ص 27 (* 2) المروية في ب 2 من أبواب الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 112 ]

هي صلاة الظهر لا تبقى تبقى لذيلها أية دلالة على انها صلاة العصر، وإلا كان صدرها مناقضا لذيلها، والظاهر ان مراده (ع) ببعض القراءة قراءة. مثل ابن مسعود وغيره من قراء العامة، لا ان الواقع كذلك، لانه (ع) قد بين الواقع في صدر الصحيحة كما هو ظاهر. وأضف إلى ذلك ان الصحيحة وان نقلها الكليني (قده) في الكافي كما نقلناها آنفا، الا ان الشيخ في التهذيب رواها مشتملة على لفظة (واو) فهي هكذا: وفي بعض القراء: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر (* 1) إذا تدلنا على ان صلاة العصر ايضا مورد للاهتمام، والمحافظة، لا ان الوسطى هي العصر، لان العطف ظاهر في التعدد. وأما رواية الصدوق (قده) ففي سندها عدة من المجاهيل فليلاحظ. واما رواية الفقه الرضوي فقد مر غير مرة انه لم يثبت كونها رواية فضلا عن اعتبارها. إذا فلا دليل هناك يعارض الصحاح والاخبار المعتبرة الدالة على أن صلاة الوسطى هي صلاة الظهر. نعم المعروف عند العامة على ما في المغنى لابن قدامة الحنبلي (* 2) ان الوسطى هي صلاة العصر، ولعله إلى ذلك اشار الامام (ع) في ذيل الصحيحة المتقدمة بقوله: وفي بعض القراءة. وقد فسرت الوسطى بصلاة المغرب وبصلاة الغداة والعشاء وقيل انها احدى الفرائض على سبيل الواجب التخييري، الا أن شيئا من ذلك لا يمكن تتميمه بدليل، والصحيح ما عليه


(* 1) التهذيب ج 1 ص 204 من الطبع القديم. (* 2) المغنى ج 1 ص 378

[ 113 ]

[ (مسألة 4) النوافل المرتبة وغيرها يجوز اتيانها جالسا (1) ولو في حال الاختيار، والاولى حينئذ عد كل ركعتين بركعة فيأتي بنافلة الظهر - مثلا - ست عشرة ركعة، وهكذا في نافلة العصر، وعلى هذا يأتي بالوتر مرتين كل مرة ركعة. ] المشهور من انها صلاة الظهر والله العالم بحقيقة الحال. (1) جواز الاتيان بالنوافل جالسا حتى مع التمكن والاختيار من المسائل المتسالم عليها عند الاصحاب وقد نطقت بجوازه عدة من الروايات: (منها): ما رواه الصدوق (قده) باسناده عن سهل بن اليسع أنه سأل أبا الحسن الاول (ع) عن الرجل يصلي النافلة قاعدا وليست به علة في سفر أو حضر فقال: لا بأس به (* 1). و (منها): صحيحة حماد بن عثمان عن ابي الحسن (ع) قال: سألته عن الرجل يصلي وهو جالس فقال: إذا اردت أن تصلي وانت جالس ويكتب لك بصلاة القائم فاقرء وانت جالس فإذا كنت في آخر السورة فقم فاتممها واركع فتلك تحسب لك بصلاة القائم (* 2) إلى غير ذلك من الروايات، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك بين صورتي التمكن فيها من القيام وعدمه وقد خالف في ذلك ابن ادريس فخص الجواز بالوتيرة ومنعه في غيرها ولكنه محجوج عليه بالروايات لعدم اختصاصها بنافلة دون نافلة. نعم ورد في جملة من الرويات احتساب ركعتين جالسا بركعة واحدة من قيام، فلو اراد ان يصلي نافلة الظهر - مثلا - عن جلوس صلى ست


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب القيام من الوسائل. (* 2) المروية في ب 9 من ابواب القيام من الوسائل.

[ 114 ]

[ فصل في اوقات اليومية ونوافلها وقت الظهرين ما بين الزوال والمغرب (1). ] عشرة ركعة وهكذا. وقد روى محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل يكسل أو يضعف فيصلي التطوع جالسا قال: يضعف ركعتين بركعة (* 1) وفي صحيحة علي بن جعفر عن اخيه (ع) قال: سألته عن المريض إذا كان لا يستطيع القيام كيف يصلي؟ قال: يصلي النافلة وهو جالس ويحسب كل ركعتين بركعة. وأما الفريضة فيحتسب كل ركعة بركعة وهو جالس إذا كان لا يستطيع القيام (* 2) إلى غير ذلك من النصوص وهي ايضا مورد للاعتماد ولا مانع من العمل على طبقها. فصل في اوقات اليومية ونوافلها وقت الظهرين (1) يقع الكلام في هذه المسألة (تارة) من حيث المبدء و (اخرى) من حيث المنتهى.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 5 من ابواب القيام من الوسائل.

[ 115 ]

الكلام في وقتي الظهرين من حيث المبدء لا خلاف ولا كلام بل من المتسالم عليه عند المسلمين والمعدود من ضروريات الدين الحنيف ان مبدء وقتي الظهرين اول الزوال، ويدل عليه قوله عز من قائل: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) فان الدلوك - على ما في كلام جمع من اهل اللغة - زوال الشمس وميلها عن كبد السماء نحو المغرب: وقد يفسر باصفرار الشمس وهو حين دنوها من الغروب. إلا انه بهذا المعنى غير مراد من الآية المباركة يقينا لوضوح ان اصفرارها لم يوقت لاية صلاة في الشريعة المقدسة. ويدل على ما ذكرناه صحيحة زرارة المتقدمة (* 2) حيث قال فيها: دلوكها زوالها. وورد ايضا في رواية الحلبي عن ابي عبد الله (ع) حيث قال: دلوك الشمس زوالها (* 3) مضافا إلى عدة من الروايات المتظافرة الواردة في انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الضهر والعصر (* 4) وفى بعضها: إذا زالت الشمس دخل الوقتان: الظهر والعصر. وفي بعضها الآخر: فقد دخل وقت الصلاتين. وفي ثالث: فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعا، الا أن هذه قبل هذه ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس. إلى غير ذلك من الاخبار


(* 1) الاسراء: 17: 78 (* 2) في ص 110. (* 3) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 4) المرويات في ب 4 من ابواب المواقيت عن الوسائل.

[ 116 ]

الكثيرة المشتملة على الصحاح وغيرها، ولا يبعد دعوى تواترها. وكيف كان فلا ينبغي التردد في أن مبدء وقت الظهرين هو الزوال وقد عرفت ان المسألة متسالم عليها بين المسلمين نعم عن ابن عباس، والحسن، والشعبي أن المسافر يجوز ان يقدم صلاته على الزوال، الا انه شاذ لا يعبأ به ومحجوج عليه بالسنة والكتاب. ثم ان بازاء تلك الروايات جملة من الاخبار الواردة عنهم (ع) وهي ايضا كثيرة مشتملة على الصحاح، وقد دلت على أن وقت صلاتي الظهرين ما إذا بلغ الفئ قدما أو قدمين، وفي بعضها: قدمان أو اربعة اقدام، وفي ثالث: إذا بلغ الفئ ذراعين، إلى غير ذلك من الروايات (* 1). نعم الذراع والذراعان ينطبقان على القدمين واربعة اقدام، لان الذراع شبران، وكل قدم شبر واحد - تقريبا - وكيف كان فهذه الطائفة تعارض الطائفة المتقدمة لدلالتها على ان وقتي الظهرين بعد زوال بقدم وقدمين، أو بقدمين واربعة اقدام، لا ان وقتيهما هو الزوال. إذا لابد لنا من التكلم في مقامين: (احدهما): في المعارضة بين الطائفتين وعلاجها. (ثانيهما): في رفع التنافي الواقع بين روايات الطائفة الثانية في نفسها، لاختلافها في التحديد بالقدم والقدمين، والقدمين واربعة اقدام. أما المقام الاول: فقد عرفت أن الطائفتين متعارضتان، الا ان تعارضهما يرتفع بما ورد في بعض الاخبار من ان القدم والقدمين وكذلك القدمين واربعة اقدام ليس بوقت اصلي للصلاتين بل هو توقيت عارضي انما طرأ


(* 1) المرويات في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 117 ]

لعلة، وتلك العلة وقوع نافلتي الظهرين في وقت الفريضة فلاجل ان لا تقعا في وقتها وتندرجا في كبرى التطوع في وقت الفريضة المشتمل على الحزازة والمنقصة - للاخبار الناهية عنه - اخر وقتاهما إلى القدم والقدمين، أو القدمين واربعة اقدام. وما دل على ذلك عدة روايات: (منها): صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن وقت الظهر فقال: ذراع من اول الشمس. إلى أن قال: اتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت: لم جعل ذلك؟ قال: لمكان النافلة، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع، فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة، وإذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة (* 1) و (منها): الاخبار الواردة في أن الشمس إذا زالت فقد دخل وقت الصلاتين وجاز للمكلف ان يأتي بالفريضتين في اول الزوال ولا يحبسه عن ذلك الا سبحته يطيلها أو يقصرها ولعلها اصرح ما يدلنا على هذا المدعى. وهي عدة روايات. (فمنها: صحيحة محمد بن احمد بن يحيى قال: كتب بعض اصحابنا إلى ابى الحسن (ع) روي عن آبائك القدم والقدمين (* 2)، والاربع،


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) كذا ورد في الرواية، والقاعدة تقتضي ان تكون الرواية بالرفع بان تكون هكذا: القدم والقدمان. والقامة والقامتان، والذراع والذراعان، ولعل كونها كذلك من جهة الحكاية وكونها منصوبة أو مجرورة فيما نقل إلى الرواة ولو لاجل الاضافة كقدر القدمين وهكذا.

[ 118 ]

والقامة والقامتين، وظل مثلك، والذراع والذراعين فكتب (ع) لا القدم ولا القدمين، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين وبين يديها سبحة وهي ثماني ركعات فان شئت طولت، وان شئت قصرت. ثم صل الظهر فإذا فرغت كان بين الظهر والعصر سبحة، وهي ثمان ركعات ان شئت طولت، وان شئت قصرت، ثم صل العصر (* 1). و (منها): موثقة ذريح المحاربي عن ابي عبد الله (ع) قال: سأل أبا عبد الله (ع) ناس وانا حاضر فقال: إذا زالت الشمس فهو وقت لا يحبسك منه الا سبحتك تطيلها أو تقصرها الحديث (* 2): و (منها): صحيحة منصور بن حازم الآتية. وهذه الاخبار تدلنا على أن مبدء وقت الظهرين هو الزوال بحيث لو اتى المكلف بهما بعد تحققه فقد صلاهما في وقتهما غير أن لهما وقتا آخر عرضيا لمكان النافلة وعدم اندراجها في التطوع في وقت الفريضة، وامتداده وسعته انما هو بمقدار ما يستلزمه الاتيان بالنافلة، لا أن وقتيهما بعد القدم والقدمين أو الذراع والذراعين، بل المدار على اتمام النافلة بلغ الفيئ قدما أو قدمين أو لم يبلغهما. وبهذا صرحت رواية اسماعيل الجعفي عن ابي جعفر (ع) حيث ورد في ذيلها: وانما جعل الذراع والذراعان لئلا يكون تطوع في وقت فريضة (* 3) إلا أنها انما تصلح مؤيدة للمدعى وغير قابلة للاستدلال بها لضعف سندها. ويدل على ما ذكرناه ويوكده صحيحة اسماعيل بن عبد الخالق الآتية فلاحظ.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 119 ]

وعلى ما ذكرناه يترتب أن في موارد سقوط النافلة كما في السفر لا مانع من أن يأتي المكلف بالفريضة في اول الزوال، إذ لا نافلة وقتئذ ولا تطوع في وقت الفريضة حتى يؤخر وقت الفريضة وكذلك الحال فيما إذا كان اليوم جمعة لان النافلة فيها تتقدم على الزوال وبذلك نطقت صحيحة اسماعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن وقت الظهر، فقال: بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في يوم الجمعة أو في السفر فان وقتها حين تزول (* 1) وكذا الحال فيما إذا اتى بالنافلة وفرغ عنها قبل بلوغ الفيئ قدما أو قدمين، فان له أن يصلي الفريضة حينئذ فان وقتها - وهو الزوال - قد دخل، والعلة التي لاجلها اخر وقتها قد زالت. وتدل عليه صحيحة منصور بن حازم وغيره قالوا: كنا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع فقال أبو عبد الله (ع) ألا أن أنبئكم بابين من هذا؟ إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، إلا أن بين يديها سبحة (أي نافلة) وذلك اليك ان شئت طولت، وان شئت قصرت (* 2) ونظيرها غيرها من الروايات. وبما ذكرنا يظهر ان من لا يريد أن يأتي بالنافلة له أن يصلي الفريضة في اول الزوال، إذ لا موجب حينئذ لتأخيرها قدما أو قدمين. ثم ان بما ذكرناه يرتفع التنافي بين الطائفتين بدلالة احداهما على أن وقتي الظهرين - بالذات - هو الزوال، ودلالة الثانية على أن وقتيهما لمن يصلي النافلة بعد القدم والقدمين، أو القدمين واربعة اقدام. ولا مسوغ


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 120 ]

لابقاء الثانية على ظهورها حتى نرفع به اليد عن ظهور الطائفة الاولى الموافقة للكتاب، بل لا مناص من الجمع بينهما بما عرفت للاخبار المتقدمة الشاهدة للجمع كما سردناه. أما المقام الثاني أعني التنافي في الطائفة الثانية بين مادل على أن وقتي الظهرين ما إذا بلغ الفيئ قدما أو قدمين، وما دل على تحديده بما إذا بلغ الفيئ قدمين واربعة اقدام، فلا بد في رفعه من حمل الاخبار الدالة على القدم والقدمين على الافضلية بان يكون اتمام النوافل إلى القدم والقدمين افضل من اتمامها بعدهما وهكذا إلى ان تبلغ الفيئ قدمين واربعة اقدام فانه كلما كان اقرب إلى الزوال كان افضل، وحمل ما دل على قدمين واربعة اقدام على بيان منتهى وقت الفضيلة للتنفل. يترتب عليه انه لو لم يأت بنافلة الظهر - مثلا - إلى ان بلغ الفيئ قدما فله ان يأتي بها إلى أن يصير الظل قدمين، وأما لو أخرها عن ذلك فليس له إلا أن يبدء بالفريضة. ويدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة عن ابي جعفر (ع) قال: أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت لم؟ قال: لمكان الفريضة، لك ان تتنفل من زوال الشمس إلى ان تبلغ ذراعا فإذا بلغت ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة (* 1)، والوجه في هذا الحمل ان التسرع في الاتيان بالنافلة وتخفيفها من التسابق إلى الخيرات والمبادرة إلى المغفرة والثواب، فان الاتيان بالفريضة في اول وقتها محبوب لدى الله سبحانه، وقد حث عليه في جملة من الروايات (* 2)، وفى بعضها ان اول الوقت رضوان الله (* 3).


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 3 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 121 ]

ومن هنا ورد الامر بالتخفيف في النافلة أو بما يلازمه في جلمة من الروايات: (منها): صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع) إعلم ان اول الوقت ابدا افضل فعجل الخير ما استطعت.. (* 1) و (منها): صحيحته الثانية قال: قلت لابي جعفر (ع) اصلحك الله وقت كل صلاة اول الوقت افضل، أو وسطه أو آخره؟ قال: اوله ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ان الله عزوجل يحب من الخير ما يعجل (* 2) و (منها): رواية ابي بصير قال: ذكر أبو عبد الله (ع) اول الوقت وفضله فقلت: كيف اصنع بالثماني ركعات؟ فقال: خفف ما استطعت (* 3) إلى غير ذلك من الروايات. وتدل على ما ذكرناه موثقة ذريح المحاربي عن ابي عبد الله (ع) قال: سأل أبا عبد الله (ع) اناس وانا حاضر إلى ان قال: فقال بعض القوم: انا نصلي الاولى إذا كانت على قدمين، والعصر على اربعة اقدام فقال أبو عبد الله (ع): النصف من ذلك أحب الي (* 4) هذا كله فيما دل على القدم والقدمين أو القدمين واربعة اقدام. بقى الكلام في الاخبار الدالة على أن وقتي الظهرين ما إذا بلغ قدر الظل قامة أو قامتين. وهي ايضا عدة روايات تنافي بظاهرها ما قدمناه من أن وقتي الظهرين من اول الزوال، والذي يمكن أن يقال في رفع التنافي بينهما ان من تلك


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 3 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 4) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 122 ]

الروايات ما ظاهره ان القامة والقامتين منتهى وقتي الظهرين لا أنهما مبدأهما، وعليه فهي خارجة عن محل الكلام ولا تعارض بينها وبين ما قدمناه من ان مبدء الوقتين اول الزوال وتفصيل الكلام في ذلك وان القامة والقامتين وقت الفضيلة ويجوز الاتيان بالفريضتين بعدهما أولا؟ يأتي بعد ذلك ان شاء الله. و (منها): ما ظاهره أن القامة مبدء وقت الظهر كما ان القامتين مبدء فريضة العصر، بحيث لو صلى الظهر بعد الزوال هنيئة فقد صلاها قبل وقتها المضروب لها وهذا. كموثقة زرارة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني، فلما ان كان بعد ذلك قال لعمر بن سعيد بن هلال: ان زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أخبره فخرجت (كما في الوسائل أو حرجت كما نقل عن بعض نسخ الاستبصار وهو الصحيح) من ذلك فاقرءه مني السلام وقل له: إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر، وإذا كان ظلك مثليك فصل العصر (* 1) ونظيرها رواية اخرى فلاحظ. وهي ايضا غير منافية لما قدمناه لدلالتها على ان وقتي الظهرين بعد بلوغ الظل قامة أو قامتين في القيظ خاصة - وهو صميم الصيف واشتداد الحر - لانه المسؤول عن حكمه وهو من الامر في مورد توهم المنع، لان السائل احتمل ان يكون وقت فضيلة الظهر في القيظ - كما في غير القيظ - اول الزوال بحيث لو اخرها عنه فاته وقت الفضيلة، واجابه (ع) بان وقت الفضيلة عند اشتداد الحر موسع يمتد إلى القامة والقامتين، وذلك حتى تنكسر صولة الحرارة، ويصلي من يصلي مع الاقبال التام وحضور القلب ونظير هذه الرواية ما ورد في بعض الروايات من قوله صلى الله عليه وآله ابردوا (* 2)


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل

[ 123 ]

اي صلوا في وقت بارد لمكان أنه اقرب إلى الاقبال بالقلب والتوجه إلى الرب سبحانه. ومن الظاهر أن الامر في تلك الموارد لا يفيد الا الجواز والترخيص، وهذا مما لا مانع من الالتزام به ولو من جهة التحفظ على الاقبال بالقلب لانه امر راجح، ولا ينافي ما قدمناه من أن مبدء الوقت اول الزوال وانه لا عبرة بالقامة والقامتين أو غيرهما، والتأخير إلى القدم والقدمين لاجل النافلة حتى لا تندرج في كبرى التطوع في وقت الفريضة. نعم ورد في بعض الروايات ان اول وقت العصر قامة وآخر وقتها قامتان، وان الصيف والشتاء في ذلك سواء، كما في رواية محمد بن حكيم قال: سمعت العبد الصالح (ع) وهو يقول: ان اول وقت الظهر زوال الشمس، وآخر وقتها قامة من الزوال، واول وقت العصر قامة وآخر وقتها قامتان قلت: في الشتاء والصيف سواء؟ قال: نعم (* 1). وهي منافية لما ذكرناه من أن مبدء وقت الظهرين هو الزوال على الترتيب المقرر بينهما. وقد يقال: الرواية غير منافية لذلك نظرا إلى أن المراد بالقامة فيها هو الذراع كما ورد في رواية على بن حنظلة قال: قال لي أبو عبد الله (ع): القامة والقامتان: الذراع والذراعان في كتاب علي عليه السلام (* 2). ويدفعه: ان كون القامة ذراعا في كتاب علي (ع) اجنبي عن القامة في كلام العبد الصالح (ع) ولم يثبت ان القامة اينما اطلقت يراد بها الذراع، والصحيح ان يجاب عن الرواية بانها ضعيفة السند لعدم توثيق محمد بن حكيم الواقع فيه، ومع عدم حجيتها - في نفسها - كيف تكون معارضة مع


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من ابواب المواقيت عن الوسائل.

[ 124 ]

الاخبار الكثيرة المتقدمة الدالة على ان مبدء وقتي الظهرين هو الزوال إلا ان هذه قبل هذه. ولا مقتضي لرفع اليد عنها بالرواية الضعيفة فلا مناص من طرحها وان ابيت عن طرحها فلا مانع ممن ان تحمل القامة فيها على الذراع ولو للرواية المتقدمة الدالة على ان القامة في كتاب علي (ع) هو الذراع وان كان بعيدا في نفسه. بقي في المقام امران (الاول): ان الفئ بمقدار القدم والقدمين أو الذراع والذراعين أو القامة والقامتين امر يختلف باختلاف ذي الظل من حيث الطول والقصر، فلو كان الشاخص طويلا كان الفئ فيه ايضا طويلا وإذا انعكس ينعكس، ومعنى ذلك ان صيرورة الظل قدما في الشاخص الطوال اسرع من صيرورته كذلك في القصار، ومن هنا وقع ذلك موردا للسؤال في بعض الروايات واجاب (ع) عن ذلك في رواية اسماعيل الجعفي بان جدار مسجد الرسول صلى الله عليه وآله كان بمقدار القامة يومئذ (* 1). والمراد بالقامة قامة الانسان المتعارف، ومعه يكون المراد بالقدم سبع القامة، لان القامة المتعارفة سبعة اقدام، وعلى ذلك فالتحديد انما هو بامر عام لا يكاد يختلف باختلاف الشواخص في الطول والقصر، فان المدار على أن يكون فيئ كل شاخص بمقدار سبعه وهو وقت صلاتي الظهرين بالمعني الذي عرفت.


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 125 ]

فحدوث الظل في مثل المنائر والماذن بمقدار سبعهما كحدوث الظل في الشواخص القصار كالذي بمقدار متر واحد - مثلا - بمقدار سبعها فانهما من حيث الوقت سواء، ولا يتحقق احدهما قبل الآخر في شئ من الموارد. (الثاني): ان التحديد بصيرورة الظل من كل شئ سبعه في الاماكن التي ينعدم فيها الظل وقت الزوال بالكلية أمر ظاهر لا غموض فيه، كما إذا كانت الشمس مسامتة للشاخص في تلك الاماكن فان الظل بعدما انعدم - كلية - إذا حدث ورجع نحو المشرق قدما أو قدمين فهو وقت صلاة الظهر أو العصر، والظل انما يسمى فيئا بهذا الاعتبار، لانه من فاء اي رجع وعاد. الا انه قليل غايته، لان في اغلب البلاد كالعراق، وايران، وباكستان وما ضاهاها من البلاد الشمالية البعيدة عن خط الاستواء باكثر من الميل الاعظم للشمس وهو ثلاثة وعشرون درجة - المتحقق في نهاية الربيع والخريف - لا ينعدم فيها الظل وقت الزوال، بل يبقى موجودا إلى الشمال، كما انه لا ينعدم في البلاد الجنوبية بل يبقى موجودا إلى الجنوب ويختلف طول الظل وقصره في تلك البلاد باختلافها في البعد عن خط الاستواء فقد يكون الباقي من الظل عند الزوال اطول من الشاخص كما إذا كان بعد المكان اكثر من الميل الاعظم. وكيف كان ففي تلك البلاد لا يخلو التحديد بصيرورة الظل من كل شئ سبعه عن غموض، فانه ما معنى بلوغ الظل فيها قدما أو قدمين أو قامة؟ لانه موجود من الاول. فليس معنى صيرورة الظل كذا مقدارا حدوثه بهذا المقدار بعد الانعدام بل المراد به في تلك الاماكن ان يكون ميل الظل عن الجهة التي هو فيها

[ 126 ]

وقت الزوال - كالشمال - في البلاد الشمالية إلى الشرق مقدار قدم أو ذراع ونحوهما، حيث ان في تلك الاماكن يميل الظل نحو المشرق موربا فإذا بلغ ميله قدما أو ذراعا فهو وقت الصلاتين بالمعنى الذي عرفته. هذا كله في مبدء الوقت. الكلام في وقتي الظهرين من حيث المنتهى المعروف عند الاصحاب (قدس الله اسرارهم) امتداد وقتيهما إلى الغروب وان الوقت من اوله إلى نهايته مشترك فيه بين صلاتي الظهر والعصر الا أن هذه قبل هذه. ويدل عليه قوله عز من قائل: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) لدلالته على ان مابين الدلوك والغسق اعني زوال الشمس ومنتصف الليل المجعولين مبدءا ومنتهى في الآية المباركة صالح للاتيان فيه بجميع الصلوات المفروضات سوى فريضة واحدة وهي صلاة الفجر، لانه سبحانه قد عين وقتها بالفجر حيث قال: وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهود (* 2) فلو كنا نحن واطلاق الآية المباركة لقلنا ان مبدء اوقات الفرائض الاربع كلها هو الزوال كما ان منتهاها غسق الليل، بحيث لو اتى الملكف بأية صلاة منها في اي جزء من اجزاء ذلك الوقت الواقع بين المبدء والمنتهى فقد اتى بها في وقتها، بلا فرق في ذلك بين اول الوقت وآخره. إلا انا علمنا من الاخبار المعتبرة الواردة في المقام عدم جواز تأخير الظهرين عن الغروب كما علمنا عدم جواز تقديم العشاءين عليه فيبقى اطلاق


(* 1) و (* 2) الاسراء: 17: 78.

[ 127 ]

الآية المباركة في غير ذلك بحاله، ومقتضاه ما ذهب إليه المشهور من جواز الاتيان بالظهرين من اول الزوال إلى الغروب، وجواز الاتيان بالعشاءين من الغروب إلى منتصف الليل. ويدل على ذلك صريحا صحيحة الحلبي في حديث قال: سألته عن رجل نسي الاولى والعصر جميعا، ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس، فقال: ان كان في وقت لا يخاف فوت احداهما فليصل الظهر ثم يصل العصر، وان هو خاف أن تفوته فليبدء بالعصر، ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا ولكن يصلي العصر فيما قد بقي من وقتها، ثم ليصلي الاولى بعد ذلك على اثرها (* 1) وايضا يدل على ذلك الاخبار الواردة في انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعا الا ان هذه قبل هذه، ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس (* 2) وهذه الرواية وان وقع في جملة من اسانيدها القاسم بن عروة وهو ضعيف لعدم توثيقه في كتب الرجال إلا أن الصدوق (قده) رواها بطريق آخر صحيح، حيث رواها باسناده عن عبيد بن زرارة وليس في طريقه إليه من يخدش فيه سوى حكم بن مسكين الثقفي، حيث ناقش فيه بعضهم بعدم توثيقه الا انه لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات لا مناص من الحكم بوثاقته، لان مؤلفه - وهو ابن قولويه - ذكر في اول كتابه هذا انه لا يروي عن الشذوذ بل يروي جميع روايات ذلك الكتاب عن الثقات وهذا يكفي في توثيق الرجل. وايضا يستفاد ذلك مما ورد في ان لكل من الصلاتين وقتين (* 3) إلى غير


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 3 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 128 ]

ذلك من الروايات، وهذا لعله مما لا شبهة ولا خلاف فيه. هل الوقت الاول وقت فضيلة؟ وقع الكلام في أن الوقت الاول وقت فضيلة والاخر وقت اجزاء، أو ان الاول وقت اختياري والثاني اضطراري فلا يجوز تأخيرها إلى الوقت الثاني اختيارا لانه عصيان وارتكاب للحرام. نعم إذا صلى في الوقت الثاني ايضا كانت اداء لانها واقعة في وقتها؟ مقتضى ما قدمناه من الآية المباركة والروايات ان الوقت الثاني وقت اجزاء لا انه وقت اضطراري فيجوز تأخير الصلاة إلى الوقت الثاني عمدا واختيارا من غير عذر، لا انه امر غير جائز إلا للمعذور والمضطر فالمقتضي لما ذكرناه تام لا قصور فيه. إذا لابد من ملاحظة أن له مانع أو لا مانع عنه؟ فقد يقال: المقتضى لجواز الاتيان بالصلاتين في الوقت الثاني وان كان تاما كما عرفت الا ان هناك مانعا عن ذلك وهو الاخبار التى ذكرها صاحب الحدائق (قده) واستدل بها على أن الوقت الثاني وقت اضطراري. ويرده ان ما استدل به من الروايات في المقام مخدوشة - باجمعها - لانها اما ضعيفة الدلالة أو السند. وتفصيل الكلام في ذلك أن جماعة من القدماء والمتأخرين ذهبوا إلى أن الوقت الاول للمختار، والثاني للمضطرين وذوي الاعذار، خلافا لما هو المشهور بين المتأخرين من أن الوقت الاول وقت فضيلة والثاني وقت اجزاء، وممن خالفهم في المقام صاحب الحدائق (قده) حيث ذهب إلى

[ 129 ]

أن الوقت الثاني وقت اضطراري واصر على وجوب اقامة الظهرين في الوقتين الاوليين وعدم جواز تأخيرهما إلى الوقتين الثانيين وان كان لو صلى فيهما وقعت الصلاة اداء أيضا، واستدل عليه بجملة من الروايات: (منها): صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: لكل صلاة وقتان، واول الوقت افضله، وليس لاحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا إلا في عذر من غير علة، (* 1) وتقريب الاستدلال بها أن الصحيحة دلتنا على أن لكل صلاة وقتين ولكل من الوقتين اول وآخر واولهما افضلهما وليس للمكلف ان يجعل الوقت الثاني وقتا للصلاة الا من علة تقتضيه، والمتحصل من ذلك ان قوله عليه السلام واول الوقت افضله بمعنى أن اول الوقت الاول افضل من آخر الوقت الاول. وكذلك الحال في الوقت الثاني - الذي يدعى انه وقت اضطراري - فان اوله افضل من آخره، وليس للمكلف ان يؤخرها إلى الوقت الآخر أي ليس له ان يؤخرها إلى الوقت الثاني - لا آخر الوقت الاول - إلا من علة فالواجب على المختار أن يأتي بها في الوقت الاول - الاعم من أوله وآخره -. ويدفعه: أن الرواية وان كانت معتبرة بحسب السند إلا أنها على خلاف المطلوب ادل وذلك لان المراد من قوله (ع) وأول الوقت افضل - حسبما يتفاهم منه عرفا - أن الوقت الاول - باوله وآخره - افضل، لا أن اول الوقت الاول افضل وذلك للجزم بعدم افضلية الصلاة في اول الوقت الاول عن آخره، لما تقدم من أن أول الوقت الاول وقت التنفل،


(* 1) المروية في ب 3 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 130 ]

ولاجله اخرت الفريضة عن اول الزوال بمقدار الاتيان بالنافلة فلا افضلية للفريضة في وقت النافلة إذا المراد أن الوقت الاول افضل ولو كان في آخره، والمراد بالوقت هو الجنس دون خصوص الوقت الاول فالمستفاد من الصحيحة أن الوقت الاول - من اوله إلى آخره - وقت فضيلة، والثاني وقت اجزاء فدعوى ان الاول وقت اختياري، والثاني اضطراري مما لا شاهد له. ويؤكد ما ذكرناه بل يدل عليه أن هذه الصحيحة رواها الشيخ بعينها عن عبد الله بن سنان هكذا: اول الوقتين افضلهما (* 1) فاما ان الاختلاف من اختلاف النسخ أو ان الرواية رواها عبد الله بن سنان بلفظين. و (منها): ما رواه الصدوق مرسلا عن الصادق (ع): اوله رضوان الله وآخره عفو الله، والعفو لا يكون الا عن ذنب (* 2). وفيه ان الرواية مرسلة لا يمكننا الاستدلال بها على شئ، على أن المظنون - قويا - أن جملة (والعفو لا يكون الا عن ذنب) اضافة من الصدوق واجتهاد منه (قده) لا انها من كلام الامام (ع). ويؤيده ان مضمون هذه الرواية ورد في الفقه الرضوي من دون اشتماله على هذا الذيل حيث قال: (اعلم ان لكل صلاة وقتين اول وآخر فاول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله (* 3) وروايات الصدوق (قده) كثيرة التطابق مع روايات الفقه الرضوي بل قد ينقلها بالفاظها. فمع عدم ثبوت الذيل للمرسلة لا تبقى لها أية دلالة على المدعى،


(* 1) المروية في ب 3 و 26 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) الفقه الرضوي ص 2.

[ 131 ]

وانما ظاهرها أن ثواب الآتي بالفريضة في اول وقتها واجره الرضوان الموصوف في كلام الله سبحانه بالاكبر في قوله عز من قائل: ورضوان من الله اكبر (* 1) كما أن اجر الآتي بها في آخر الوقت ان تمحى سيئاته، لا العفو عن تأخيره الصلاة عن اول وقتها إذا فالمرسلة - كسابقتها - على خلاف المطلوب ادل. و (منها): ما رواه الشيخ في تهذيبه عن ربعي عن ابي عبد الله (ع) قال: إنا لنقدم ونؤخر، وليس كما يقال: من اخطأ وقت الصلاة فقد هلك، وانما الرخصة للناسي، والمريض، والمدنف، والمسافر، والنايم في تأخيرها (* 2) وذكر في الحدائق أن هذه المعدودات في الرواية انما خرجت مخرج التمثيل دون الحصر، بمعنى ان الخارج عن كبرى: من اخطأ وقت الصلاة فقد هلك مطلق المعذور، لا خصوص المذكورات في الرواية. والاستدلال بها على ما يرومه (قده) يبتني على أن يكون قوله. من اخطاء. اول كلام ابتدأه (ع) ولا يكون مقولا لقوله: وليس كما يقال.. وهذا ممنوع - بتاتا - لان الظاهر ان قوله: من اخطاء. مقول لقوله: وليس كما يقال، بمعنى ان هذا الكلام الذي يقال اعني من اخطاء. ليس كما يقال وليس امرا صحيحا بل نحن ايضا نقدم الصلاة ونؤخرها. وإلا فلم يذكر مقول لقوله: وليس كما يقال وهو خلاف الظاهر جدا. أضف إلى ذلك انها ضعيفة السند، لان فيه اسماعيل بن سهل وقد


(* 1) التوبة: 9: 72. (* 2) المروية في ب 7 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 132 ]

ذكر النجاشي انه ممن ضعفه اصحابنا. و (منها): ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: لكل صلاة وقتان واول الوقتين أفضلهما، ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء، ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا ولكنه وقت من شغل أو نسي، أو سهى، أو نام ووقت المغرب حين الشمس إلى ان تشتبك النجوم، وليس لاحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا الا من عذر أو من علة (* 1). وهذه الرواية وان كانت صحيحة السند إلا أنها قاصرة الدلالة على المدعى وذلك لان قوله: لا ينبغي - حسبما قدمناه في محله - وان كان ظاهرا في التحريم لانه بمعنى لا يتيسر ولا يمكن تكوينا أو تشريعا على ما استظهرناه من موارد استعمالاته في الآيات والروايات إلا أن في الرواية قرينة على انه بمعنى الكراهة والامر غير المناسب لا انه بمعنى الحرام، والقرينة قوله عليه السلام في صدرها: واول الوقتين افضلهما، لدلالته على أن الاول والثاني مشتركان في مقدار من الفضل غير أن الاول افضل، فلو كان تأخير الصلاة إلى الوقت الثاني محرما لم يعقل ان يكون فيه أي فضل، وبهذه القرينة يظهر ان (لا ينبغي) بمعنى لا يناسب لا انه بمعني التحريم. وقد يقال: ان الصحيحة ليست لها أية دلالة على حرمة تأخير الصلاة إلى الوقت الثاني حتى مع قطع النظر عن صدرها، لانها انما دلت على النهي عن أن يجعل آخر الوقتين وقتا ومعنى ذلك ان النهي انما هو عن جعل ذلك عادة مستمرة واتخاذه طريقة على خلاف السنة النبوية، ولا شبهة في أن تأخير الصلاة إلى الوقت الثاني بهذا العنوان حرام، لانه اعراض


(* 1) المروية في ب 3 و 26 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 133 ]

عن السنة وتهاون فيما رغب إليه في الشريعة وهذا خارج عن محل الكلام فان الكلام في التأخير لابداع التهاون والاعراض بل بسائر الدواعي الباعثة إليه. وهذا الكلام - في نفسه - وان كان قابلا للمناقشة، إلا انه تأييدا لما ادعيناه من عدم دلالة الصحيحة على حرمة التأخير امرلا بأس به. و (منها): ما رواه الشيخ ايضا عن ابراهيم الكرخي قال: سألت أبا الحسن موسى (ع) متى يدخل وقت الظهر؟ قال: إذا زالت الشمس فقلت: متى يخرج وقتها؟ فقال: من بعد ما يمضي من زوالها اربعة اقدام ان وقت الظهر ضيق ليس كغيره، قلت: فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال: إن آخر وقت الظهر هو اول وقت العصر، فقلت: فمتى يخرج وقت العصر؟ فقال: وقت العصر إلى أن تغرب الشمس، وذلك من علة وهو تضييع، فقلت له: لو أن رجلا صلى الظهر بعدما يمضى من زوال الشمس اربعة اقدام أكان عندك غير مؤد لها؟ فقال ان كان تعمد ذلك ليخالف السنة والوقت لم يقبل منه، ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد وقت للصلاة المفروضات أو قاتا، وحد لها حدودا في سنته للناس فمن رغب عن سنة من سننه الموجبات كان مثل من رغب عن فرائض الله تعالى (* 1). والجواب عن اللاستدلال بهذه الرواية: (اولا): انها ضعيفة السند بابراهيم الكرخي لعدم توثيقه. و (ثانيا): انها انما تدل على حرمة تأخير الصلاة إلى الوقت الثاني من جهة الاعراض عن السنة وعدم الاهتمام بها، أو لاظهار الرغبة عنها ولا دلالة لها على حرمته إذا لم يكن بهذا العنوان كما لعله ظاهره، إذ


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 134 ]

الكلام في التأخير لا في الاعراض عما سنه الشارع وعدم الاهتمام به فالرواية قاصرة الدلالة على المدعي. و (منها): ما رواه في الكافي عن داود بن فرقد قال: قلت لابي عبد الله (ع) قوله تعالى: ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. قال: كتابا ثابتا، وليس ان عجلت قليلا أو اخرت قليلا بالذى يضرك ما لم تضيع تلك الاضاعة، فان الله عزوجل يقول: لقوم اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (* 1) وقد جعل التعجيل والتأخير راجعين إلى الوقت الاول، والاضاعة بمعنى التأخير عن وقت الفضيلة - إلى الوقت الثاني - من دون عذر. وهذا لا يمكن المساعدة عليه، لانه دعوى لا مثبت لها، فان التعجيل والتأخير سواء ارجعناهما إلى الوقت الاول أو الثاني لم يدلنا دليل على أن الاضاعة بمعنى تأخير الصلاة عن وقت الفضيلة إلى الوقت الثاني لانه امر يحتاج إلى قرينة في الرواية، ولا قرينة عليه، انما الرواية تدلنا على انه عليه السلام اشار بالاضاعة إلى اضاعة خاصة ولعلها كانت معهودة بينه وبين السائل حيث قال: ما لم يضيع تلك الاضاعة: وأما أن تلك الاضاعة أي شئ فلا قرينة على تعيينه، والعلم الخارجي يقتضي ان يراد بها احد أمرين على سبيل منع الخلو: (احمدهما): عدم الاتيان بالصلاة في وقتها اصلا سواء أتى بها في خارج الوقت قضاء ام لم يأت بها. (ثانيهما): جعل الاتيان بها في الوقت الثاني عادة مستمرة، واتخاذه


(* 1) المروية في ب 7 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 135 ]

طريقة دائمية على خلاف السنة اعراضا عما رغب إليه في الشريعة المقدسة واظهارا لعدم الاعتناء والاهتمام بالسنة النبوية ولا ثالث، ولا شبهة في أن كل واحد من الامرين تضييع للصلاة، وهما على خلاف ما وقته الله سبحانه واين هذا مما نحن فيه؟ وكيف كان فلا دلالة للرواية على مدعاه. بل على ما ذكره من ارجاع التعجيل والتأخير إلى الوقت الاول تدلنا الرواية على جواز الاتيان بالفريضة في الوقت الثاني صريحا لقوله (ع) ليس ان عجلت قليلا أو اخرت قليلا بالذي يضرك هذا. ثم ان هذه الرواية صحيحة، ولم يظهر لنا الوجه في عدم توصيفها بالصحة في كلامه مع أن عادته على مراجعة السند والتحفظ على المصطلح عليه من عناوينه. و (منها): ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بصير في الموثق قال: قال أبو عبد الله (ع) ان الموتور اهله وماله من ضيع صلاة العصر، قلت وما الموتور؟ قال: لا يكون له اهل ولا مال في الجنة، قلت: وما تضييعها قال: يدعها حتى تصفر أو تغيب (* 1) وروى الصدوق (قده) ايضا مثله مع زيادة في صدره عن ابي جعفر (ع) وهكذا البرقي في المحاسن (* 2). وهذه الرواية رواها في الوسائل بلفظة (واو) هكذا حتى تصفر وتغيب لا بلفظة (أو) كما في الحدائق، والظاهر ان النسخ مختلفة وان الصحيح نسخة (واو) لوضوح أن الاصفرار يتحقق - دائما - قبل الغروب فما معنى الترديد بينهما؟.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 9 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 136 ]

على أن الظاهر ان ما تضمنته الرواية حكم من يريد الاتيان بالوظيفة غير انه يدعها حتى تصفر الشمس أو تغيب، ومن البعيد جدا ان يكون المتصدي للاتيان باظيفة مقيدا بالاتيان بها بعد الغروب، بحيث لا ياتي بصلاته لو لم تغب كيف فانه على خلاف المذهب والمقصد. إذا المراد بالرواية تأخير الصلاة إلى زمان اصفرار الشمس، وذكر الغيبوبة بعده انما هو لاجل التأكيد والمبالغة واطلقت الغيبوبة على الاصفرار بعلاقة المشارفة، فكان من صلى عند الاصفرار صلى بعد الغروب، فقد دلت الرواية على أن من يدع صلاة عصره ويصليها عند الاصفرار فهو الموتور اهله وماله، هذا كله في مدلول الحديث. والجواب عن ذلك: أن الرواية ليست لها دلالة على عدم جواز تأخير الصلاة عن الوقت الاول اختيارا بل لها الدلالة على الجواز، وذلك لانها قد فرضت الآتي بصلاة العصر عند الاصفرار من اهل الجنة، وغاية الامر انه موتور الاهل والمال فلا مسكن ولا اهل ولا مال له في الجنة وانما يكون ضيفا وكلا في الجنة على اهلها فيوم عند هذا ويوم عند ذلك، لا انه عصى واستحق بذلك النار والعقاب وارتكب امرا محرما. نعم ان كون الانسان في الجنة - على سعتها ووفور نعمها وقصورها - فاقد المسكن والمال وكلا على اهلها لمنقصة عظيمة واستخفاف كبير بشأنه وانما يستحقهما بتأخيره الصلاة إلى زمان الاصفرار، وكيف كان فلا دلالة للرواية على مدعاه. و (منها): موارد من كتاب فقه الرضا (ع) (* 1) الا انا في غني عن نقلها والتعرض لها لما اشرنا إليه غير مرة من انه لم يثبت كونه


(* 1) فقه الرضا (ع) ص 2.

[ 137 ]

رواية فضلا عن ان تكون معتبرة. و (منها): صحيحة ابان بن تغلب قال: كنت صليت خلف ابى عبد الله (ع) بالمزدلفة، فلما انصرف التفت إلي فقال: يا أبان الصلوات الخمس المفروضات من اقام حدودهن وحافظ على مواقيتهن لقى الله يوم القيامة وله عنده عهد بدخله به الجنة، ومن لم يقم حدودهن، ولم يحافظ على مواقيتهن لقى الله ولا عهد له، ان شاء عذبه، وإن شاء غفر له. (* 1) وهذه الرواية رواها الصدوق (قده) بطريق صحيح، ورواها الكليني بطريقين صحيحين، فان محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس وان وقع في احدهما، إلا أن الظاهر أن الرجل ممن لا بأس به. والجواب عن ذلك ان هذه الرواية نظير ما دل على أن اول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله، وقد بينا ان معنى الرواية ان من اتى بالصلوات المفروضات في اول وقتها فقد استحق بذلك الرضوان ومن اتى بها اواخر اوقاتها لم يستحق الا ان يغفر الله ذنوبه. وهذه الرواية ايضا كذلك ومقتضاها أن من صلاها في اوقات الفضيلة فقد وعده الله أن يدخله الجنة بذلك ومن صلاها في غير تلك الاوقات فليس له وعد من الله سبحانه بل له ان يدخله الجنة كما أن له ان لا يدخلها لاختصاص وعده سبحانه بمن اتى بها في اوقات الفضيلة فلا دلالة لها على المدعى: و (منها): موثقة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (ع) قال اتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله بمواقيت الصلاة فاتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر، ثم أتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر، ثم اتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب، ثم اتاه حين سقط الشفق


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 138 ]

فأمره فصلى العشاء، ثم اتاه حين طلع الفجر فأمره فصلى الصبح، ثم اتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر ثم اتاه حين زاد في الظل قامتان فأمره فصلى العصر ثم أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب، ثم اتاه حين ذهب ثلث الليل فأمره فصلى العشاء ثم اتاه حين نور الصبح فأمره فصلى الصبح ثم قال: ما بينهما وقت (* 1) فان قوله (ع) ما بينهما وقت. يدلنا على أن وقت صلاة الظهر انما هو من اول الزوال إلى أن يزيد الظل قامة، كما أن وقت صلاة العصر بعد الزوال من حين زيادة الظل قامة إلى قامتين. وأما الزائد عليه فليس وقتا للصلاة. ويندفع: بان وقت الفريضة لو كان منحصرا بما بين الحدين الواقعين في تقريب الاستدلال بالرواية فكيف صلى النبي صلى الله عليه وآله الظهر - في المرة الثانية - بعد ما زاد الظل قامة وصلى العصر بعد ما زاد قامتين كما هو صريح الرواية لانها دلت على انه صلى الله عليه وآله - في المرة الاولى - صلى الظهر بعد الزوال، وفي المرة الثانية صلاها بعد ما زاد الظل قامة، كما انه صلى العصر - في المرة الاولى - بعد ما زاد الظل قامة، وفي الثانية بعد ما زاد قامتين إذا فالمستفاد من الرواية ومن فعله صلى الله عليه وآله جواز الاتيان بهما بعد القامة والقامتين، كما يجوز الاتيان بهما قبل القامة والقامتين من غير اشكال، ومعه لا بد من أن يقال: ان ما بينهما وقت بمعنى انه افضل الوقتين، لا أن اقامة الصلاتين واجبة بينهما متعينا حتى يحرم تأخيرهما عنهما. وان شئت قلت: ان الوقت في الرواية لم يقيد بكونه وقت الوجوب وانما دلت على ان ما بينهما وقت فليكن هذا وقت الفضيلة كما ذكرناه،


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 139 ]

فانها كلما قربت من الزوال كانت افضل، وكذلك الحال في صلاة العصر لان الاتيان بها بعد صلاة الظهر وقبل القامة افضل، لانه تعجيل إلى الخير مع أن الرواية قد حددت وقتها بما بين القامة والقامتين، ولكن التقديم افضل ومما يؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات من أن النبي صلى الله عليه وآله اتاه جبرئيل وذكر مثل ما نقلناه الا انه قال بدل القامة والقامتين: ذراع وذراعين، وفي ثالث: قدمين واربعة اقدام (* 1) لان المشهور وان ذكروا أن وقت الفضيلة هو المثل والمثلان ولم يلتزموا بالذراع والذراعين، أو القدمين واربعة اقدام الا انهما تدلان على أن الاوقات المذكورة اوقات الفضيلة دون الاجزاء حسب اختلاف مراتبها، لانها كلما قربت من الزوال كانت افضل. وانما لم نستدل - على ما ذكرنا - بهاتين الروايتين وجعلناهما مؤيدتين لضعفهما بحسب السند. و (منها): صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا صليت في السفر شيئا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك (* 2) وذلك لقضاء الضرورة بعدم جواز الاتيان بالفرائض في غير اوقاتها المعينة بلا فرق في ذلك بين الحضر والسفر فليس المراد فيها بالوقت في مثل صلاتي الظهرين ما بين دلوك الشمس وغروبها بل المراد به هو الوقت الاول اعني وقت الفضيلة الذي يجب الاتيان فيه بالفريضة عند الاختيار، ولا يجوز تأخيرها عن ذلك الوقت الا لذوي الاعذار والاضطرار كالمريض ونحوه، والسفر ايضا من جملة الاعذار المسوغة للتأخير ومن هنا دلت الصحيحة على عدم الضرر في الاتيان بالصلاة - في السفر - في غير الوقت الاول


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 1 و 13 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 140 ]

وتدلنا - بمفهومها - على ان الاتيان بالفرائض في غير الوقت الاول اعني الوقف الثاني يضر في غير السفر هذا. وفيه: ان الوارد في الصحيحة نكرة في سياق الاثبات أعني قوله عليه السلام شيئا من الصلوات، فلا دلالة لها على العموم بان تدلنا على أن أية صلاة من الصلوات المفروضات اتيت بها - في السفر - في غير اوقاتها المعينة لم يكن مضرا في حقك، وانما تدلنا على أن بعض الصلوات كذلك وليكن هو النوافل، لجواز الاتيان - ببعضها - في غير اوقاتها في السفر دون الحضر. على أن مدلول الرواية ان الضرر في غير حال السفر يستند إلى الاتيان بالصلاة في غير أوقاتها ولم يسند فيها الضرر إلى تأخيرها عن وقتها ولم يقل عليه السلام إذا اخرت في السفر شيئا من الصلوات فلا يضرك وانما قال: إذا صليت في السفر شيئا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك. وبين التعبيرين فرق كثر، لوضوح ان الاتيان بالصلاة في غير وقتها قد يتحقق بتأخيرها عن وقتها، وقد يتحقق بتقديمها على وقتها، وهذا لا ينطبق الا على النوافل، لوضوح ان الفرائض لا يجوز تقديمها على اوقاتها في شئ من الموارد. وهذا بخلاف النوافل لان منها ما يجوز تقديمه على وقته في السفر دون الحضر فان صلاة الليل يجوز الاتيان بها قبل انتصافه للمسافر اختيارا هذا. واضف إلى ذلك انا لو سلمنا ان الرواية مصرحة بأن تأخير الفرائض عن الوقت الاول غير مضر في السفر ايضا لم تكن لها اية دلالة على أن تأخير الفرائض عن اوقاتها الأول يضر في غير حال السفر، وذلك لانها

[ 141 ]

مما لا مفهوم له، حيث أن مفهومها: إذا لم تصل - في السفر - شيئا من الصلوات في غير وقتها فهو يضرك. ومن الظاهر ان ذلك من السالبة بانتفاء موضوعها، إذ مع عدم الاتيان بالصلاة لا موضوع حتى يوتى به في غير وقته أو في وقته، ويكون مضرا أو غير مضر، فلا مفهوم للقضية الشرطية أو ان مفهومها سالبة بانتفاء موضوعها. نعم قدمنا غير مرة أن تقييد الموضوع بقيد في الكلام يدلنا على ان الحكم في القضية غير مترتب على الطبيعي المطلق وانما يترتب على حصة خاصة من الطبيعي وهو المقيد بذلك القيد المذكور في الكلام، لانه لولا ذلك لاصبح التقييد به لغوا ظاهرا. إذا فالتقييد بالسفر في الرواية يدلنا على أن له خصوصية في الحكم بعدم الضرر في مفروض الرواية الا ان هذا لا يكفي في دلالة الرواية على المدعى فانه يكفي في تلك الخصوصية والمدخلية الالتزام بوجود الحزازة والمنقصة في الاتيان بالصلاة في غير اوقاتها - اعني وقت الفضيلة - في الحضر، وانتفائهما في الاتيان بها في غير اوقاتها حال السفر لان التأخير فيه غير موجب للحزازة وهذا يدل على افضلية الوقت الاول ولا يدل على تعينه. و (منها): ما رواه في الكافي والتهذيب عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام (في حديث) أن الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة، تقول: حفظتني حفظك الله، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة، تقول: ضيعتني ضيعك الله (* 1).


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 142 ]

والرواية - على نسخة الوسائل والكافي - مشتملة على لفظة (اول) فهي هكذا: إذا ارتفعت في اول وقتها. وعلى نسخة التهذيب كما نقلناه عن الحدائق غير مشتملة عليها، والرواية واحدة متنا وسندا وبما ان الكافي اضبط فالمظنون بل المطمئن به هو اشتمال الرواية على تلك اللفظة. ثم انها على ما في الوسائل والكافي غير قابلة للاستدلال بها على ما ذهب إليه صاحب الحدائق (قده) لوضوح عدم وجوب الاتيان بالصلاة في اول وقتها، فان اوله كآخره ووسطه، ولا قائل بوجوب ايقاعها في اول الوقت الاول ولا يلتزم به حتى صاحب الحدائق (قده) سواء في ذلك بين كون الوقت الاول وقتا اختياريا ام وقت فضيلة، وعليه لابد من حمل الرواية على معنى آخر كما سيأتي. نعم هي على رواية التهذيب قابلة للاستدلال بها على ما ذهب إليه إلا أن للمناقشة في دلالتها مجالا واسعا، وذلك لاشتمالها على التقييد بغير الحدود، حيث قال: وإذا ارتفت في غير وقتها بغير حدودها. فان معنى الرواية حينئذ - بناء على تسليم أن المراد فيها بالوقت هو الوقت الاول - ان من صلاها في غير الوقت الاول - من غير ان يبالي بحدودها ويعتني باوصافها ويهتم بشأنها رجعت سوداء مظلمة، وهذا كما ترى خارج عن محل الكلام، لان الكلام انما هو في الاتيان بها في غير الوقت الاول مع مراعاة حدودها وشرائطها ومع الاهتمام التام بشأنها لا مضيعا لحدودها كما هو مفروض الرواية. و (منها): ما نقله عن كتاب المجالس للصدوق معبرا عنها بالموثقة وهي متحدة المضمون مع الرواية المتقدمة قال ومن تلك الاخبار ما رواه الصدوق في كتاب المجالس - في الموثق - عن عمار الساباطي عن

[ 143 ]

ابي عبد الله عليه السلام قال: من صلى الصلوات المفروضات في اول وقتها فاقام حدودها رفعها الملك إلى السماء بيضاء نقية وهي تهتف به حفظك الله كما حفظتني فاستودعك الله كما استودعتني ملكا كريما، ومن صلاها بعد وقتها من غير علة، فلم يقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة وهي تهتف به ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني ولا رعاك الله كما لم ترعني.. (* 1). وقد ظهر مما قدمناه في الرواية المتقدمة عدم دلالتها على ما ادعاه صاحب الحدائق (قده) فلا نعيد واما سندها فهي ليست بموثقة كما وصفها لان الصدوق يرويها عن شيخه حسن بن ابراهيم بن تاتانة (ناتانة) ولم يوثقه اهل الرجال نعم ذكروا انه شيخ الصدوق الا ان مجرد الشيخوخة لا يكفي في التوثيق بل قدمنا ان من مشايخه من هو ناصب عنيد فكيف يمكن الاعتماد على مجرد الشيخوخة له، ولم يلتزم (قده) بعدم الرواية الا عن الثقات كما التزم به النجاشي (قده) والعجب من صاحب الحدائق (قدس سره) انه كيف وصفها بالموثقة وهو من اهل فن الحديث! و (منها): ما رواه أبو علي في المجالس وغيره في غيره ونحوه في نهج البلاغة فيما كتب امير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن ابي بكر: ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها ولا تعجل بها قبله - لفراغ - ولا تؤخرها عنه - لشغل - فان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن اوقات الصلاة فقال: اتاني جبرئيل فاراني وقت الظهر (الصلاة) حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن، ثم أراني وقت العصر، وكان ظل كل شئ مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء الاخرة حين


(* 1) المروية في ب 3 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 144 ]

غاب الشفق ثم صلى الصبح فاغلس بها والنجوم مشتبكة. فصل لهذه الاوقات والزم السنة المعروفة والطريق الواضح.. (* 1) وهي مضافا إلى ضعف سندها، لاشتماله على عدة من المجاهيل (* 2) قاصرة الدلالة على المدعى بل لا يمكن الالتزام بمضمونها وذلك لانها دلت على أن وقت صلاة الظهر اول الزوال - اعني ما إذا كانت الشمس على الحاجب الايمن - وقد قدمنا ان وقت فضليتها يمتد إلى القدم والقدمين لا انه حين الزوال على ما دلت عليه الاخبار الكثيرة بل المتواترة فهي مخالفة للسنة المتواترة، كما انها قد اشتملت على مالا يلتزم به فقيه حتى صاحب الحدائق نفسه لدلالتها على ان أول وقت العصر ما إذا بلغ ظل كل شئ مثله، وقد مر ان وقت العصر ما إذا بلغ الفئ قدمين. على ان الظاهر من قوله عليه السلام ولا تؤخرها عنه لشغل في مقابل قوله عليه السلام ولا تعجل بها قبله لفراغ ان متعلق النهي هو تأخير الصلاة عن وقتها والاتيان بها خارج الوقت لشغل كما ان متعلقه في الجملة المقابلة هو الاتيان بها قبل الوقت ودخوله للفراغ فلا دلالة لها على عدم جواز تأخيرها عن الوقت الاول لشغل كما هو المدعى فالرواية انما دلت على الحث والتحريص إلى الاتيان بالصلاة في اول وقتها لفضله واستحبابه ولا دلالة لها على وجوب ذلك وتعينه. بقيت في المقام روايتان لم يستدل بهما صاحب الحدائق في محل الكلام وانما ذكرهما عند التكلم على منتهى وقت الظهر:


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) والسند مذكور في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 145 ]

(إحداهما): حسنة معمر بن يحيى (* 1) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الحائض تطهر عند العصر تصلي الاولى؟ قال: لا، انما تصلى الصلاة التي تطهر عندها (* 2) و (ثانيتهما): موثقة محمد بن مسلم عن احدهما عليه السلام قال: قلت: المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر، قال: تصلي العصر وحدها فان ضيعت فعليها صلاتان (* 3) وقد يستدل بهما على ما ذهب إليه صاحب الحدائق (قده) من ان الوقت الاول وقت اختياري لا يجوز التأخير عنه ويدعى ان دلالتهما على ذلك ظاهرة نظرا إلى دلالتهما على أن المرأة ليس لها ان تصلي الظهر فيما إذا ترى الطهر عند العصر أو تطهر عند الظهر واشتغلت بشأنها حتى دخل وقت العصر، وانما يجب ان يأتي بصلاة العصر لانقضاء وقت صلاة الظهر في الصورتين. ويدفعه: ان الروايتين لا مناص من حملهما على التقية لمعارضتهما في موردهما بصحيحة عبد الله بن سنان الصريحة في أن المرأة إذا طهرت قبل الغروب أتت بكلتا الصلاتين، حيث روى عن ابى عبد الله (ع) قال: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر.. (* 4) على انا سواء قلنا بان الوقت الاول وقت اختياري والثاني اضطراري أم قلنا ان الثاني وقت اجزاء والاول وقت فضيلة لم تكن أية مناقشة في أن المرأة في مورد الروايتين مكلفة بصلاة الظهر، لانه من موارد الاضطرار بمعنى


(* 1) كذا في الحدائق والتهذيب والموجود في الوسائل والكافي معمر ابن عمر كما ان الوارد فيها عند العصر لا بعد العصر كما في الحدائق. (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 49 من ابواب الحيض من الوسائل.

[ 146 ]

[ ويختص الظهر بأوله (1) مقدار ادائها بحسب حاله، ويختص العصر بآخره كذلك ] أن المرأة انما تؤخر صلاتها إلى الوقت الثاني اضطرارا لمكان حيضها وهو من الاعذار المسوغة للتأخير إلى آخر الوقت فإذا طهرت - بعد دخول وقت العصر - لم يكن أي موجب لسقوط الظهر عنها وقتئذ فالروايتان مخالفتان للاخبار المتقدمة الدالة على جواز تأخير الصلاة عن الوقت الاول مع العلة والعذر فالى هنا تحل ان الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من أن الوقت الاول وقت فضيلة والثاني وقت اجزاء وان وقتيهما يمتدان إلى الغروب وان كان الاتيان بهما في الوقت الاول افضل. الوقتان الاختصاصيان للظهرين (1) بعد التسالم والاجماع ودلالة الكتاب والسنة بل وقيام الضرورة على أن صلاتي الظهرين لابد من ان تعقا فيما بين الدلوك والغروب وقع الكلام في أن هذا الوقت - من مبدءه إلى منتهاه - هل هو اشتراكي بين الصلاتين بمعنى ان كل جزء من اجزائه صالح لكل واحدة منهما أو أن لكل منهما وقتا اختصاصيا لا يصلح لشريكتها فيختص الظهر من اوله بمقدار ادائها ما يختص العصر من اخره كذلك؟ المعروف عندهم هو القول بالاختصاص مع الاتفاق والتسالم على أن الاتيان - متعمدا - بصلاة العصر مقدما على الظهر موجب لبطلانها، لاشتراط الترتيب بين الصلاتين.

[ 147 ]

فان أرادوا من الوقت الاختصاصي هذا الذي أشرنا إليه من اعتبار كون العصر مترتبة على صلاة الظهر بحيث لو أتى بها قبلها متعمدا بطلت فهو أمر صحيح ويدل عليه ما تقدم من الاخبار المشتملة على قوله (ع) الا ان هذه قبل هذه (* 1) وغيرها من الروايات الدالة على لزوم كون العصر مترتبة على صلاة الظهر (* 2) وان ارادوا بذلك ان لكل من الصلاتين وقتا اختصاصيا لا يصلح إلا لها ولا يصح الاتيان فيه بغيرها ولو في غير حال التعمد بحيث لو أتى بالعصر أول الزوال - مثلا - نسيانا أو اشتباها بطلت فكأنه أتى بها قبل الزوال فهو مما لم تقم عليه دليل. بل الاخبار الكثيرة المتقدمة الناطقة بانه إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان، أو وقت الصلاتين أو الظهر والعصر جميعا. ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس (* 3) قد دلتنا على ان ما بين المبدء والمنتهى وقت اشتراكي للصلاتين ولا اختصاص لهما بوقت دون وقت. وقد نسب هذا القول إلى الصدوق وانه ذهب إلى ان الوقت من مبدئه إلى منتهاه مشترك فيه بين الصلاتين الا ان هذه قبل هذه، بمعنى ان كل جزء من الوقت صالح لكل من الفريضتين مع الالتزام بينهما بالترتيب، وتبعه عليه جماعة. وذكر صاحب المدارك عند الاستدلال على القول بالاختصاص: انه لا معنى لوقت الفريضة الا ما جاز ايقاعها فيه ولو على بعض الوجوه - كالنسيان والغفلة وما شابههما - ولا ريب في ان ايقاع العصر عند الزوال على سبيل العمد ممتنع، لما دل على اعتبار الترتيب بينهما كما مر


(* 1) و (* 3) راجع ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) راجع ب 63 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 148 ]

كما أن الاتيان بها عند الزوال نسيانا كذلك على الاظهر، لانه من الاتيان بغير المأمور به بدلا عن المأمور به ومن البين ان اجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه في المقام. فحيث لا دليل على الصحة فيحكم ببطلان الصلاة فإذا امتنع وقوع العصر عند الزوال انتفى كون ذلك وقتا لها وهذا معنى ان اول الزوال وقت اختصاصي لصلاة الظهر، لعدم صحة وقوع العصر فيه بوجه من الوجوه. وهذا الكلام منه (قده) عجيب، لان البطلان مع التعمد وإن كان كما افاده الا أنه مستند إلى اعتبار الترتيب بينهما مع العمد والالتفات ومن الظاهر ان البطلان من جهة الاخلال بالترتيب المعتبر بينهما لا يستتبع الحكم بالاختصاص وعدم قابلية الوقت لصلاة العصر، لانه امر يحتاج إلى إلى دليل ولم يقم أي دليل على الاختصاص، ومعه لا وجه للحكم ببطلان صلاة العصر عند الزوال إذا أتى بها كذلك نسيانا أو اشتباها وذلك لحديث لا تعاد، لوضوح أن الترتيب المعتبر بينهما ليس من المستثنيات فمع النسيان لا مناص من الحكم بصحة الصلاة لقيام الدليل عليها حينئذ كما عرفت. على أن الاتيان بصلاة العصر في اول الوقت غير منحصر بالصورتين أعني صورتي العمد والنسيان، بل هناك صورة ثالثة وهي ما إذا أتى بصلاة الظهر قبل الزوال معتقدا دخول الوقت بعد الفحص عنه أو اعتمادا على اخبار من يوثق به من المؤذنين بحيث لم يقع من الظهر في وقتها غير شئ يسير كمقدار ربع الركعة أو نصفها تم أتى بالعصر بعد الزوال - بمقدار التشهد مثلا - فان الظهر صحيحة حينئذ لوقوعها في وقتها ولو بمقدار قليل وكذلك صلاة العصر، بناء على عدم قيام الدليل على اختصاص اول

[ 149 ]

الوقت لصلاة الظهر بمقدار اربع ركعات، فما استدل به للاختصاص غير صحيح. واستدل العلامة (قده) على الاختصاص بما حاصله: ان القول بالاشتراك وعدم الالتزام بالاختصاص يستلزم احد الباطلين أعني خرق الاجماع أو التكليف بما لا يطاق وذلك لان المكلف بعد الزوال إذا كان مكلفا بكلتا الصلاتين معا اعني ثماني ركعات دفعة واحدة، لزم التكليف بما لا يطاق، وذلك لعدم قدرة المكلف حينئذ إلا من احدى الصلاتين، وان كان مكلفا بخصوص صلاة العصر دون الظهر أو باحداهما لا على التعيين لزم خرق الاجماع لعدم الخلاف في أن صلاة الظهر متعلقة للتكليف حينئذ بخصوصها. وهذا الاستدلال منه (قده) كالاستدلال المتقدم عن صاحب المدارك عجيب، وذلك لانه لا اشكال ولا ريب في أن صلاة الظهر هي المتعلقة للتكليف بعد الزوال مع التوجه والالتفات بحيث لا يجوز تقديم العصر عليها متعمدا الا انه خارج عن محل الكلام فان المدعى ان المكلف لو نسيها وأتى بالعصر أو قدم الظهر على الزوال معتقدا دخول الوقت فصلى العصر في اول الزوال صحت صلاة عصره وان كانت واقعة في اول الزوال. إذا الكلام انما هو في صورة النسيان أو عدم التكليف بصلاة الظهر - اول الزوال - للاتيان بها قبله على الوجه المتقدم ومن الظاهر ان الحكم بصحتها عند النسيان بحديث لا تعاد وكذا الحكم بها في الصورة الثانية لا يستتبع التكليف بما لا يطاق ولا ان فيه خرقا للاجماع فلا يمكن الاستدلال بشئ من هذين الوجهين على الاختصاص. بقي الكلام في الاستدلال على ذلك بالاخبار. ويقع الكلام في ذلك (تارة) من حيث المبدء واول الوقت و (اخرى)

[ 150 ]

من حيث المنتهى وآخر الوقت. اما بحسب أول الوقت فقد استدل عليه بما رواه داود بن فرقد - عن بعض اصحابنا - عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضى مقدار ما يصلى المصلي اربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلى المصلي اربع ركعات فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر، وبقي وقت العصر حتى تغيب الشمس (* 1) ولا اشكال في دلالتها على المدعى الا انها ضعيفة السند لارسالها فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه و (دعوى): انها منجبرة بعمل الاصحاب على طبقها (مندفعة). بما مر غير مرة من المناقشة فيها كبرى وصغرى، لان عملهم على طبق رواية ضعيفة غير موجب لانجبارها ولانا لا نعلم باستنادهم إلى تلك المرسلة فيما ذهبوا إليه. ولعلهم اعتمدوا في ذلك على اشتراط ترتب العصر على الظهر وقد مر انه أمر آخر. وقد يصحح الرواية بانها وان كانت مرسلة الا ان في سندها الحسن ابن علي بن فضال وقد أمرنا بالاخذ بروايات بني فضال لما ورد: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا (* 2) ومن جملة رواياتهم هذه المرسلة فلا مناص من العلم على طبقها. ويدفعه: أن هذه الدعوى وان صدرت عن شيخنا الانصاري (قده) في اوائل كتاب الصلاة الا انها من غرائب الكلام وذلك لان بني فضال ليسوا باعظم مقاما من رواتنا الاعاظم والاجلاء كزرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما من أكابر الفقهاء وعدول الرواة وقد مر غير مرة انا لا نعتمد على رواياتهم فيما إذا كانت مجهولة أو ضعيفة أو مرسلة فما ظنك بهؤلاء!


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 151 ]

فانهم مهما بلغوا من الوثاقة والعظمة لا يبلغون من هو في ادنى مراتب العدالة فضلا عن كبراء العدول وفقهاء الرواة. ومما يزيد في الوضوح: ان بني فضال قبل انحرافهم عن الصواب كانوا لا تقبل منهم رواياتهم فيما إذا كانت مرسلة أو ضعيفة ونحوهما فكيف بما بعد انحرافهم؟ ولا يحتمل ان يكونوا - بعد الانحراف - باعظم مقاما وأرقى منزلة عن انفسهم - قبل الانحراف - وهل بالانحراف ازدادت وثاقتهم وجلالتهم حتى بلغوا مرتبة لا يمكننا رد رواياتهم ولو كان في اسنادها مجهول أو ضعيف أو كانت الرواية مرسلة؟. إذا فمعنى الأمر بالاخذ برواياتهم ان انحرافهم غير مضر بوثاقتهم وانه لا يمنع عن العمل برواياتهم حال استقامتهم لا أن أية رواية رواها هؤلاء فهي رواية معتبرة لا مناص من الاخذ بها ولو كانت عن ضعيف أو مجهول أو كانت مرسلة هذا. على أن دعوى: اننا مأمورون بقبول رواياتهم دعوى غير ثابتة: لان مستندها هو ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة بسنده عن أبي الحسين بن تمام عن عبد الله الكوفي - خادم الحسين بن روح - عن الحسين بن روح وكيل الناحية المقدسة حين سئل عن كتب الشلمغاني قال: أقول في كتبهم ما قاله العسكري (ع) حين سئل عن كتب بني فضال من قوله (ع) خذوا ما رووا وذروا ما رأوا (* 1) وهذه الرواية قد دلت على أن روايات بني فضال معتبرة لوثاقتهم إلا أنها ضعيفة لجهالة حال ابي الحسين بن تمام و عبد الله الكوفي فلا يمكننا الاعتماد عليها ابدا فلم يثبت ان هذا الكلام قد صدر عن ابن روح حتى يقال انه ينقله عن العسكري (ع) فما هو المشتهر من الامر بالاخذ برواياتهم


(* 1) كتاب الغيبة ص 254.

[ 152 ]

كلام مشهوري لا اساس له إذا الرواية ضعيفة وغير قابلة للاعتماد عليها في شئ. على انها مع الغض عن ذلك معارضة بالروايات الكثيرة المتقدمة الدالة على انه إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان أو وقت الظهر والعصر جميعا (* 1) لانه لا معنى لهذه الروايات الا نفي الاختصاص وبيان ان الوقت اشتراكي بين الصلاتين. نعم يمكن ان يقال: ان المراد من رواية داود بن فرقد ليس هو أن وقت صلاة العصر ما إذا مضى من الزوال مقدار يمكن ان يصلي فيه المصلي اربع ركعات - وان لم يصل بالفعل - بل الظاهر من الرواية أن المراد بها أن وقت صلاة العصر ما إذا صلى المكلف - بالفعل - أربع ركعات، وهو عبارة أخرى عن الترتيب المقرر بينهما حيث أن صلاة العصر انما تقع صحيحة فيما إذا أتى المكلف بصلاة الظهر قبلها. وأما ما قدمناه من صحتها فيما إذا أتى بصلاة الظهر قبل الزوال معتقدا دخول الوقت ثم أتى بصلاة العصر اول الزوال، أو أتى بصلاة العصر قبل صلاة الظهر نسيانا فهو من الفروض النادرة دون المتعارفة. والوجه في ذلك: أن هذه الرواية انما وردت في قبال الاخبار المتقدمة الكثيرة الدالة على ان الشمس إذا زالت فقد دخل الوقتان أو وقت صلاة الظهر والعصر جميعا وقد ذكرنا انه لا معنى لقوله جميعا أو فقد دخل الوقتان إلا ان الوقت اشتراكي بينهما من مبدئه إلى منتهاه، ومعه لا يمكن حمل الرواية على ارادة المعنى الاول والا تحققت المعارضة بينهما وكانت الرواية مخالفة لتلك الاخبار الكثيرة، بل يراد منها المعنى الثاني اعني مضي مقدار صلى فيه المكلف - بالفعل - أربع ركعات، لانه معنى


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 153 ]

قوله (ع) الا أن هذه قبل هذه. وقد يقال: ان حمل الرواية على ارادة المعنى الثاني وان كان هو الظاهر من الرواية ولو بلحاظ الاخبار المتقدمة الا أن ملاحظة ذيلها تقضي بخلافه، حيث ورد في ذيلها: فإذا مضى ذلك - أي مقدار ما يصلي فيه المصلى أربع ركعات - فقد دخل وقت الظهر والعصر. فان معنى ذلك ان صلاة الظهر لم يؤت بها في الخارج بعد لوضوح انه لا معنى لدخول الوقت بالاضافة إلى من صلى اربع ركعات الظهر، فلو كان المراد منها مضي مقدار صلى فيه المكلف بالفعل اربع ركعات كان من اللازم ان يقال: فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت العصر فلا مجال معه إلا من حمل الرواية على ارادة مضي زمان يمكن ان يصلى فيه اربع ركعات. ويندفع: بان حمل الرواية على ذلك المعنى غير ممكن في نفسه، وذلك لانه لا يخلو اما أن يراد بالمقدار الذي يمكن ان يصلي فيه المصلي اربع ركعات، المقدار الذي يصلى فيه اربع ركعات على الوجه المتعارف ولنفرضه ثمان دقائق - مثلا - واما ان يراد به المقدار الذي يصلي فيه المصلى اربع ركعات بحسبه وهو أمر يختلف باختلاف آحاد المصلين من حيث كونه بطئ القراءة أو سريعها، أو كونه متطهرا قبل الزوال وعدمه، ومن حيث اشتمال الصلاة على المستحبات وعدمه. فعلى الاول لو صلى احد صلاة الظهر مستعجلا وفرغ منها قبل ثمان دقائق - مثلا - لم يجز له الاتيان بصلاة العصر لعدم دخول وقتها على الفرض وهذا خلاف الضرورة والاجماع وخلاف الاخبار الدالة على انه إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان، أو وقت الظهر والعصر جميعا الا ان هذه قبل هذه (* 1) فهذا لا يمكن الالتزام به


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 154 ]

وأما التقدير الثاني فهو مضافا إلى بعده في نفسه، لان لازمه ان يختلف وقت العصر باختلاف المصلين فيكون غير داخل بالنسبة إلى مكلف وداخلا بالاضافة إلى مكلف آخر وهو بعيد. ومضافا إلى انه على خلاف الاشتراك في التكليف، لان مقتضاه ان تكون صلاة العصر أو غيرها جائزة لكل ملكف أو غير جائزة كذلك لا ان تختلف باختلافهم. يأتي فيه نظير الترديد المتقدم، لانه لا يخلو اما ان يراد بصلاة كل شخص صلاته المتعارفة اعني المشتملة على الاجزاء الواجبة وجملة من المندوبات والمقدمات والمقارنات والتعقيبات والاذكار وغيرها مما هو امر متعارف في الصلاة. واما ان يراد بها الصلاة المشتملة على خصوص الاجزاء الواجبة باسرع زمان يمكن الصلاة فيه اعني اقل الواجب. فعلى الاول لو أتى المكلف بصلاة الظهر - مستعجلا - وفرغ منها قبل زمان يمكن الاتيان فيه بصلاة مشتملة على الاجزاء الواجبة والمستحبة اعني الصلاة المتعارفة لم يجز له الاتيان بصلاة العصر لعدم دخول وقتها وهذا خلاف الادلة المتقدمة فلا يمكن الالتزام به. والثاني خلاف ظاهر الرواية، لان ظاهرها أن صلاة العصر انما يدخل وقتها فيما إذا مضى من الزوال مقدار يصلى فيه اربع ركعات على الكيفية المتعارفة، لا مقدار الصلاة المشتملة على خصوص الاجزاء الواجبة. على أن هذا أمر قليل الاتفاق ومن الافراد النادرة بل لعله لا يتفق في الخارج اصلا، إذا لا مناص من حمل الرواية على ارادة المقدار الذي يصلي فيه المصلي أربع ركعات - بالفعل - كما قدمناه. هذا وقد يستدل على القول بالاختصاص بما ورد في بعض الاخبار

[ 155 ]

المتقدمة من قوله (ع) الا ان هذه قبل هذه (* 1) بدعوى ان معناه ان وقت هذه قبل وقت هذه، وهو معنى الاختصاص. ويدفعه: ان تلك الروايات مصرحة بان بالزوال يدخل الوقتان أو وقت الظهر والعصر جميعا، لا ان بالزوال يدخل وقت الظهر ويدخل وقت العصر بعده. نعم يعتبر الترتيب بينهما واليه أشار بقوله: الا أن هذه قبل هذه اي نفس هذه الصلاة قبل تلك الصلاة لا ان وقتها قبل وقتها هذا كله من حيث المبدء واول الوقت. منتهى وقتي الظهرين وأما من حيث المنتهى وآخر الوقت فقد قالوا ان آخر الوقت بمقدار اربع ركعات يختص بصلاة العصر. فان ارادوا من ذلك أن من اخر الصلاتين إلى أن بقي من الوقت مقدار اربع ركعات يجب ان يصلي فيه العصر دون الظهر فهو كلام صحيح كما يأتي عليه الكلام ان شاء الله. وان ارادوا بذلك بيان ان آخر الوقت اختصاصي بصلاة العصر وغير صالح لوقوع الظهر فيه ابدا بحيث لو فرضنا أن المكلف لم يكن مأمورا بصلاة العصر، لاتيانه بها نسيانا أو باعتقاد انه اتى بصلاة الظهر قبلها ثم انكشف خلافه، لم يجز له الاتيان فيه بصلاة الظهر لفواتها وخروج وقتها بل لو صلاها وجب أن ياتي بها قضاء وان لم تغرب الشمس بعد فلم يقم عليه دليل يثبته، فان مقتضى حديث لا تعاد ان الترتيب المعتبر


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 156 ]

بينهما ذكري فمع الغفلة والنسيان لا بد من الحكم بصحة الصلاتين، وان كانت الظهر واقعة بعد العصر. نعم دلت صحيحة زرارة على أن المكلف إذ اتى بالعصر قبل صلاة الظهر - نسيانا - ثم تذكرها جعلها ظهرا ثم اتى بصلاة العصر، لانها اربع مكان اربع (* 1) الا انها امر آخر فان الكلام في المقام انما هو فيما تقتضيه القاعدة في نفسها وأما ان النص الوارد على خلافها هل لابد من الاخذ به أولا؟ فسياتي عليه الكلام بعد ذلك ان شاء الله. والمتحصل ان الوقت الاختصاصي للعصر بالمعنى المتقدم دعوى لا اساس لها. ورواية داود بن فرقد غير صالحة للاستدلال بها للمناقشات المتقدمة ولا نعيد. وقد يستدل عليه برواية الحلبي (في حديث) قال: سألته عن رجل نسي الاولى والعصر جميعا ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس فقال: ان كان في وقت لا يخاف فوت احداهما فليصل الظهر ثم يصل العصر، ان هو خاف أن تفوته فليبدء بالعصر، ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا ولكن يصلي العصر فيما قد بقى من وقتها، ثم ليصلي الاولى بعد ذلك على اثرها (* 2) ودلالتها على المدعى مما لا اشكال فيه غير انها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها بوجه، وما في كلمات بعضهم من التعبير عنها بالصحيحة مما لا وجه له وذلك لان الشيخ (قده) روى هذه الرواية باسناده عن الحسين ابن سعيد عن ابن سنان عن ابن مسكان عن الحلبي، وابن سنان هذا


(* 1) المروية في ب 63 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 157 ]

هو محمد بن سنان الضعيف لا عبد الله بن سنان، لانه الذي يروي عنه الحسين بن سعيد وهو يروى عن ابن مسكان - غالبا - دون عبد الله بن سنان فالمظنون بل المطمأن به بحكم الغلبة ان ابن سنان الواقع في السند هو محمد بن سنان. ولا اقل من الشك والاحتمال ومعه كيف يمكن الحكم بصحة الرواية فلا دليل على أن آخر الوقت بمقدار اربع ركعات اختصاصي للعصر. بقي الكالام في الوقت الاختصاصي بالمعني الآخر وهو اشتراط كون العصر واقعة عقيب الظهر ومتأخرة عنها عند العلم والالتفات بحيث لو عكس وقدم العصر على الظهر بطلت، وانه إذ تركهما متعمدا إلى أن بقي من الوقت مقدار اربع ركعات تعين الاتيان بصلاة العصر فيه. وهذا يدل عليه الاخبار المتقدمة الدالة على انه إذ زالت الشمس فقد دخل الوقتان أو وقت الظهر والعصر جميعا الا ان هذه قبل هذه (* 1). لدلالتها على ان كل جزء من اجزاء الوقت المحدود بما بين الدلوك والغروب وان كان قابلا لكل واحدة من الصلاتين وصاللاحا للاتيان فيه باية منهما شاءه الملكلف إلا أن صلاة العصر يشترط فيها ان تقع عقيب الظهر وبعدها فلو وقعت قبلها بطلت نعم هذا مع العمد والالتفات. وأما لو قدمها على الظهر نسيانا حكم بصحتها لحديث لا تعاد، إذ الترتيب المعتبر بين الصلاتين ليس من الخمسة المستثناة في الحديث، وكذلك الحال فيما لو صلى الظهر قبل الزوال معتقدا دخول الوقت بحيث لم يقع منها في الوقت غير شئ يسير واتى بالعصر اول الزوال، فان الصلاتين محكومتان بالصحة حينئذ هذا من ناحية المبدء واول الوقت.


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 158 ]

وأما من حيث المنتهى وآخره فلان المكلف عند تركه الصلاتين كلتيهما إلى ان بقي من الوقت مقدار اربع ركعات لم يعقل بقاء الامر بثمان ركعات في حقه لعدم سعة الوقت للصلاتين فالامر بهما معا في حقه من التكليف بما لا يطاق إذا لا يخلو اما ان يكون المكلف مأمورا بصلاة العصر فقط، ويسقط الامر بصلاة الظهر في حقه، أو يكون مأمورا بصلاة الظهر فحسب وأما ان يسقط عنه الامر بكل واحدة من الصلاتين، ويحدث هناك امر جديد بالتخيير بينهما إذ لا يحتمل في حقه سقوط الامر بالصلاة رأسا، لانه خلاف الضرورة والاجماع. الصورتان الاخيرتان مضافا إلى أنهما خلاف المتسالم عليه عند الاصحاب (قدهم) لعدم ذهابهم إلى وجوب الظهر حينئذ - متعينا - ولا مخيرا، مما لا يمكن الالتزام به في نفسه، وذلك للاخبار المتقدمة الدالة على انه إذ زالت الشمس فقد دخل الوقتان، أو وقت الظهر والعصر جميعا، إلا أن هذه قبل هذه ثم انت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس (* 1). لدلالتها على أن الوظيفة المقررة في مفروض الكلام انما هي الاتيان بصلاة العصر فحسب لاشتمالها على ان الوقت مشترك فيه بين الصلاتين بعد الزوال، والمكلف في وقت من ثمان ركعات إلى أن تغرب الشمس، فإذا ضاق الوقت ولم يسع لثمان ركعات سقط الامر بالاربع الاولى لا محالة وكان الوقت مختصا بالاربع الثانية، لقوله ان هذه قبل هذه. وعلى الجملة ان الوقت وإن كان ممتدا إلى الغروب والشريكة لا تزاحم الشريكة، لصلاحية كل جزء من اجزاء الوقت لكل واحدة من الصلاتين الا انه إذا اخرهما متعمدا إلى أن بقي من الوقت مقدار اربع ركعات اختص


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 159 ]

[ وما بين المغرب ونصف الليل وقت المغرب (1) ] الوقت بصلاة العصر، لعدم معقولية الامر بثمان ركعات، وظهور الرواية في ان الصلاتين منبسطتان على مجموع الوقت الا ان هذه قبل هذه، ومعه يختص الوقت بالاربع الثانية - بالطبع - لانه مقتضى الانبساط والتقسيط وتدل على ذلك الاخبار الواردة في الحائض وانها تصلي العصر وحدها إذا طهرت عند العصر، أو عند الظهر إلا انها اشتغلت بشأنها حتى دخل وقت العصر (* 1) نعم إذا لم يكن مأمورا بصلاة العصر، كما إذا أتى بها قبل صلاة الظهر - نسيانا أو باعتقاده الاتيان بصلاة الظهر قبلها - لم يكن أي مانع من الاتيان بصلاة الظهر حينئذ. وقت صلاة المغرب (1) لا ينبغي الخلاف في دخول وقت صلاة المغرب بالغروب - الاعم من غيبوبة الشمس وذهاب الحمرة المشرقية على ما يأتي تحقيقه - وتدل عليه عدة من الروايات: (منها): صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان: الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان: المغرب والعشاء الاخرة (* 2). و (منها): غير ذلك من الروايات. والكلام في الوقت الاختصاصي لصلاة المغرب من اوله بمقدار ثلاث


(* 1) راجع ب 49 من ابواب الحيض من الوسائل. (* 2) المروية في ب 17 و 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 160 ]

ركعات ولصلاة العشاء من آخره بمقدار اربع ركعات هو الكلام في الظهرين ويأتي تفصيله عند تعرض الماتن له ان شاء الله. وكيف كان فلا كلام في وقتها من حيث المبدء، وانما الكلام في انه هل يمتد إلى نصف الليل كما هو المعروف بينهم أو إلى طلوع الفجر كما عن بعض علمائنا أو في خصوص الحائض والناسي ونحوهما أو في الاعذار مطلقا وان حرم التأخير عن النصف، وعن المحقق امتداده إلى طلوع الفجر للمضطر وذكر صاحب الحدائق ان الظاهر أن اول من ذهب صريحا إلى امتداد وقت العشائين إلى طلوع الفجر للمضطر هو المحقق في المعتبر، وتبعه صاحب المدارك وشيده وتبعه في هذا القول جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم - غالبا - وعن الشيخ في الخلاف وابن البراج ان آخر وقت المغرب غيبوبة الشفق - بلا فرق في ذلك بين الحاضر والمسافر والمختار والمعذور -، وعن المفيد وابن بابويه امتداد وقتها إلى ربع الليل - في حق المسافر - وعن ابي الصلاح وابن حمزة القول بذلك مع الاضطرار. والصحيح ما ذهب إليه المشهور من امتداد وقت المغرب إلى نصف الليل ويدل على ذلك الاية المباركة اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل. (* 1) بضميمة ما ورد في تفسيرها (* 2) لدلالتها على ان الصلوات الاربع - غير فريضة الفجر - تدخل اوقاتها بالدلوك ويمتد إلى غسق الليل المفسر بمنتصفه - كما هو كذلك لغة - الا انا علمنا بالاخبار الواردة في المقام عدم جواز تأخير الظهرين عن المغرب، كما علمنا بعدم


(* 1) الاسراء: 17: 78 (* 2) راجع ب 2 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 161 ]

جواز تقديم العشاءين على الغروب إذا فالآية المباركة والرواية المفسرة لها دلتا على امتداد وقتي العشاءين إلى منتصف الليل. ويؤيدها ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل الا ان هذه قبل هذه (* 1) فعلى ذلك لو وردت رواية تامة الدلالة والسند ودلتنا على أن وقت المغرب يمتد إلى ذهاب الشفق أو غيره من التحديدات المذكورة في المقام لم يكن أي مناص من ان نحملها على الافضلية كما صنعنا ذلك في الاخبار الواردة في تحديد وقتي الظهرين بمقدار القدم والقدمين، أو بصيرورة الظل من كل شئ مثله أو مثليه فيقال في المقام ان الاتيان بالفريضة إلى هذا الحد افضل، لا ان الوقت يخرج بذلك فتندرج في الفوائت أو ان التأخير عنه حرام وان لم يخرج بذلك الوقت. إذ الآية المباركة بضميمة الاخبار المتقدمة صريحة الدلالة على قول المشهور وهي انما وردت خطابا للنبي صلى الله عليه وآله لبيان الوظيفة المقررة على جميع المسلمين لمكان اشتراكهم في التكليف فلا يمكن حملها علي بيان وظيفة المعذورين والمضطرين، كيف وظاهرها توقيت الطبيعة الصلاتية بالاضافة إلى طبيعي المكلفين فلا مسوغ لحملها على بيان الحكم بالاضافة إلى طائفة دون أخرى. ويدل على ما ذكرناه ما تقدم من الاخبار الدالة على أن لكل صلاة وقتين أولهما افضلهما (* 2).


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 و 26 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 162 ]

وما دل على أنهم (ع) كانوا يقدمون صلاتهم ويؤخرونها وليس الامر كما يقال: من ان من اخر صلاته فقد هلك وانما الرخصة للناسي والمريض والمدنف والمسافر والنايم في تأخيرها (* 1) على ما بيناه في تفسيرها فراجع وايضا يدل عليه جملة من الاخبار الواردة في المقام وفي بعضها انهم (ع) كانوا يرخصون في تأخير الصلاة بأدنى عذر في ذلك إما بعملهم (ع) كما يأتي في بعض الروايات، واما ببيانهم كما في صحيحة عمر ابن يزيد (* 2) الآتية وغيرها. واما ما ذهب إليه ابن البراج والشيخ في الخلاف من امتداد وقت المغرب إلى ذهاب الشفق، فقد استدل عليه بصحيحة زرارة والفضيل قالا، قال أبو جعفر (ع) ان لكل صلاة وقتين غير المغرب فان وقتها واحد، ووقتها وجوبها، ووقت فوتها سقوط الشفق (* 3). والاستدلال بها من جهتين: (الجهة الاولى): صدرها وهو قوله: فان وقتها واحد. بدعوى ان هذه الجملة تدلنا على أن لصلاة المغرب وقتا واحدا، وهو وقت وجوبها وليست كبقية الصلوات التي لها وقتان: اختياري واضطراري، فإذا كان لها وقت واحد، فلا يجوز تأخيرها عن وقتها أعني وقت وجوبها فيجب الاتيان بها عند المغرب فتأخيرها عن ذهاب الشفق أمر غير سائغ. ويرده انه لا نظر في قوله (ع) ان لكل صلاة وقتين غير المغرب فان وقتها واحد إلى بيان منتهى وقت المغرب وانه ينتهى إلى ذهاب الشفق


(* 1) المروية في ب 7 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 19 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 18 من ابواب المواقيت من الوسائل وهناك رواية اخرى عنه ايضا بمضمونها.

[ 163 ]

أو غيره، وانما نظره إلى مبدئه وبيان ان لغير صلاة المغرب من الصلوات وقتين لكونها مسبوقة بالسبحة والنافلة فإذا دخل وقتها أتى اولا بالنوافل ثم بالفريضة من ظهر أو عصر أو عشاء أو فجر. وكون هذه الصلوات مسبوقة بالنافلة من الوضوح بمكان: أما فريضتا الظهرين وفريضة الفجر فلان نوافلها متقدمة على انفسها كما تقدم، وأما صلاة العشاء فلان وقتها وان كان يدخل بالغروب إلا أن الافضل أن تؤخر بعد صلاة المغرب بمقدار اربع ركعات نافلة المغرب. وتدلنا عليه ما قدمناه من موثقة معاوية المشتملة على نزول جبرئيل على النبي الاكرم صلى الله عليه وآله بوقتين في يومين في كل من الفرائض غير فريضة المغرب كاول الزوال وحين ما زاد الظل قامة وقوله. ما بينهما وقت (* 1) فانها تدلنا بوضوح علي ان لكل فريضة وقتين وان الاتيان بها في الوقت الثاني - بالطبع - افضل لكونها مسبوقة بالنوافل، وهذا بخلاف فريضة المغرب لانه لا سبحة متقدمة عليها حتى يؤتى بها اولا ثم يؤتى بالفريضة ومن هنا لم يجعل لها الا وقت واحد ولم ينزل جبرئيل فيها بوقتين فلا وقت للمغرب الا وقت وجوبها. ويؤيده رواية اديم الحر قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ان جبرئيل أمر رسول الله بالصلاة كلها فجعل لكل صلاة وقتين إلا المغرب فانه جعل لها وقتا واحدا (* 2) وكيف كان الصحيحة لا نظر لها إلى بيان منتهى وقت المغرب وانما وردت لبيان مبدئه كما ذكرناه ونظير ذلك صلاة الجمعة حيث ورد


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 18 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 164 ]

ان وقتها حين تزول (* 1) وذلك لعدم كونها مسبوقة بالنافلة بعد الزوال وما ذكرناه هو المتعين في تفسير الصحيحة واما غير ذلك مما ذكروه في تفسيها فلا يمكن المساعدة على شئ منها بوجه. ((الجهة الثانية): ذيل الصحيحة وهو قوله: ووقت فوتها سقوط الشفق، لانه صريح في عدم امتداد وقت المغرب إلى انتصاف الليل أو ربعه بل انما ينتهي بسقوط الشفق. وهذا ايضا لا يمكن المساعدة عليه وذلك لما ورد في جملة من الروايات من أن صلاة المغرب يجوز تأخيرها إلى ثلث الليل أو ربعه ولو بالاضافة إلى المسافر وهذا كموثقة عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام وقت المغرب في السفر إلى ثلث الليل (* 2) بل مقتضى ما نطقت به النصوص المتعددة - علي ما يأتي نقلها - جواز تأخيرها عن السقوط مطلقا ولو في غير حال السفر والمرض ومعه لا مجال للقول بان صلاة المغرب مطلقا ينتهي بذهاب الشفق هذا. مضافا إلى أن ذلك خلاف ظاهر الآية المباركة: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 3) لان اطلاقها يقتضى جواز تأخير المغرب عن سقوط الشفق حتى مع الاختيار لان الغسق كما تقدم بمعنى نصف الليل، إذا بمقتضى تلك الروايات واطلاق الآية المباركة لابد من حمل قوله (ع) ووقت فوتها سقوط الشفق على أن الافضل ان يؤتى بها إلى زمان السقوط وان لا يؤخر عنه، لا ان بذلك يخرج وقتها بالكلية.


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 19 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) الاسراء: 17: 78

[ 165 ]

ومما استدل به على ذلك صحيحة بكر بن محمد عن ابى عبد الله (ع) انه سأله سائل عن وقت المغرب فقال: ان الله يقول في كتابه لابراهيم: فلما جن عليه الليل رأي كوكبا قال: هذا ربي وهذا اول الوقت وآخر ذلك غيبوبة الشفق.. (* 1) ورواية اسماعيل بن جابر عن ابي عبد الله (ع) قال: سأتله عن وقت المغرب قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق (* 2) إلى غير ذلك من الروايات. وصاحب الحدائق (قدة) نقل الرواية الاخيرة وعبر عنها بالموثقة ولعله قصر نظره إلى السند المذكور في التهذيب وهو كما افاده ولم يلاحظ طريق الشيخ (قده) إلى الحسن بن محمد بن سماعة الذي رواها الشيخ عنه فان له إلى الحسن بن محمد طريقان وقع في احدها الحسين بن سفيان البزوفرى المكنى بابى عبد الله وفي ثانيهما أبو طالب الانباري وكلاهما ضعيف لان الاول غير معنون في كتب الرجال والثاني ضعفه الشيخ وفيه كلام طويل نعم إذا كان المراد بالحسين بن سفيان الواقع في احد طريقي الشيخ إلى الرجل هو الحسين بن علي بن سفيان - كما هو كذلك - لم يكن مجال للمناقشة في سند الرواية، لانه ممن وثقه النجاشي (قده) صريحا إذا التعبير عنها بالموثقة في محله. والجواب عن الاستدلال بهاتين الروايتين انه قد دلت عدة روايات وفيها الصحيحة وغيرها على أن صلاة المغرب يجوز تأخيرها عن الشفق بالاختيار وان لم يكن هناك شئ من الاعذار المسوغة للتأخير كالسفر والمرض ونحوهما كما ستوافيك ان شاء الله ومعها لابد من حمل الروايتين على الافضلية.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 166 ]

وأما القولان الاخران اعني ما ذهب إليه المفيد وابن بابويه، وما حكى عن ابي الصلاح وابن حمزة، فان كان مراد المفيد وابن بابويه أن الوقت يمتد إلى ذهاب الشفق بالاضافة إلى الحاضر خاصة ويمتد إلى ربع الليل للمسافر كذلك، واراد أبو الصلاح وابن حمزة ان الوقت ينتهي إلى ذهاب الشفق بالاضافة إلى المختار وإلى ربع الليل بالنسبة إلى المعذور فهما ساقطان لا محالة. والوجه فيه ان الاخبار المستدل بها على القول الاول والاخبار المستدل بها على القول الثاني متعارضتان فيتساقطان ولا يمكن الاعتماد على شئ منها. وان ارادوا من السفر التمثيل لمطلق الاعذار ومن العذر ما يعم السفر فالقولان يرجعان إلى قول واحد وتدل عليه كلتا الطائفتين. ويردهما وقتئذ ما تقدم من الاخبار الدالة على بقاء الوقت للمسافر إلى ثلث الليل، والفرق بين الثلث والربع من الوضوح بمكان، فلا مناص إذا من حمل ما دل على ما ذهبوا إليه على الافضلية بل قدمنا أن التحديد بامثال ذلك ينافي اطلاق الآية المباركة، لانه يقتضي امتداد الوقت إلى نصف الليل لانه معنى الغسق كما مر. وقد أشرنا آنفا ان جملة من الروايات التي فيها الصحاح وغيرها دلتنا على جواز تأخير المغرب عن سقوط الشمس اختيارا ولو في غير السفر والمرض واليك شطر منها: (منها): صحيحة عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (ع) اكون مع هولاء وانصرف من عندهم عند المغرب فامر بالمساجد فاقيمت الصلاة فان انا نزلت اصلي معهم لم استمكن (اتمكن) من الاذان والاقامة وافتتاح الصلاة فقال: ايت منزلك وانزع ثيابك وان اردت أن تتوضأ

[ 167 ]

فتوضأ وصل فانك في وقت إلى ربع الليل (* 1). وهي صريحة الدلالة على جواز تأخير المغرب إلى ربع الليل لحاجة ما ولو كانت هي التمكن من الاذان والاقامة أو الاستقرار، والمراد فيها بالتوضوء هو التنظيف، أو الوضوء التجديدي، لا وضوء الصلاة، لوضوح انه لا بد منه في الصلاة وليس موكولا إلى ارادة المكلف كما في الرواية. ثم ان الرواية صحيحة السند وقد يقال ان في سندها القاسم بن محمد الجوهرى وهو وان لم يضعف في كتب الرجال الا انه لم يوثق فيها ايضا. ويرده: أن الامر وان كان كما ذكر الا انه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات وقد مر غير مرة ان مؤلفه - وهو ابن قولويه - قد وثق الرواة الواقعين في سلسلة اسانيد هذا الكتاب وهذا يكفي في توثيقه وباقي رجال السند ممن لا اشكال في اعتبار رواياتهم. (ومنها): صحيحة اسماعيل بن همام قال: رأيت الرضا (ع) وكنا عنده لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم، ثم قال فصلى بنا على باب دار بن ابي محمود (* 2) وهي ايضا صريحة الدلالة على جواز تأخير المغرب عن سقوط الشفق بالاختيار، لانه (ع) لم يصلها حتى ظهرت النجوم ولا اشكال في دلالة فعله (ع) على الجواز، فان فرضه (ع) وجميع من معه من جلسائه معذورين في التأخير بعيد غايته. نعم تأخير الصلاة عن أول وقتها لابد ان يكون لشئ من المرجحات لان الافضل ان يؤتى بها أول الوقت كما مر ويكفي في المرجح الدلالة على جواز التأخير عن سقوط الشفق.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 19 من ابواب المواقيت

[ 168 ]

و (منها): موثقة عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز أن تؤخر ساعة؟ قال: لا بأس ان كان صائما افطر ثم صلى وان كانت له حاجة قضاها ثم صلى (* 1) وهي كسابقتها في الدلالة على جواز التأخير وقد دلت على جوازه إلى ساعة ولو لحاجة عرفية - غير ضرورية - بل مقتضى اطلاق قوله (ع) وان كانت له حاجة قضاها ثم صلى. جواز تأخيرها بأزيد من ذلك لوضوح ان الحوائج مختلفة فقد تطول وتحتاج إلى صرف مدة تزيد على الساعة والساعتين، وان كان الاتيان بها قبل سقوط الشفق افضل، لوضوح أن تأخيرها لو كان محرما لم يسوغ (ع) في ارتكاب المحرم لاجل غاية عرفية مباحة. و (منها): صحيحة أخرى لعمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام اكون في جانب المصر فتحضر المغرب وانا اريد المنزل فان اخرت الصلاة حتى اصلي في المنزل كان امكن لي، وادركني المساء أفأصلي في بعض المساجد؟ فقال: صل في منزلك (* 2) وهي دلت على جواز تأخير الصلاة إلى أن يصلي في المنزل وان كان ذلك بعد غيبوبة الشفق. و (منها): صحيحة داود الصرمي قال: كنت عند ابي الحسن الثالث (ع) يوما فجلس يحدث حتى غابت الشمس ثم دعا بشمع وهو جالس يتحدث فلما خرجت من البيت نظرت فقد غاب الشفق قبل ان يصلي المغرب ثم دعا بالماء فتوضأ وصلى (* 3).


و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 19 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 169 ]

وهي ايضا تدلنا على جواز تأخير المغرب عن غيبوبة الشفق بالاختيار ولو لاجل التحدت عن الاحكام والاثار وسندها صحيح فان داود الصرمي - كالجوهري - وان لم يرد توثيقة في كتب الرجال الا انه ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات فلا بد من الحكم بوثاقته. ومع تلك الاخبار المعتبرة المصرحة بجواز التأخير عن غيبوبة الشفق لا بد من حمل الاخبار المتقدمة على ان الاتيان بصلاة المغرب قبل سقوط الشفق افضل، أللهم الا ان يكون هناك مرجح للتأخير كبيان جواز التأخير شرعا أو التحدث عن الاحكام الالهية والمعارف الدينية، أو لغير ذلك من المرجحات. فذلكة الكلام ان صلاة المغرب يجوز أن توخر إلى ربع الليل بالاختيار من دون علة ولا اضطرار: بل يجوز تأخيرها إلى نصف الليل لدلالة الاية المباركة أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) بضميمة ما ورد في تفسيرها لان غسق الليل بمعنى شدة ظلمته. وهي انما تتحقق في منتصفه وذلك فان تنور الكرة الارضية واستضاءتها انما هي بالاشعة الشمسية، وظلمة الليل بالاضافة إلى اي شخص أو مكان انما تشتد بزيادة ابتعاد الشمس عنه، ونهاية ابتعادها انما هو في منتصف الليل، لانه الوقت الذي ينتهي إليه بلوغ الشمس نصف الدائرة النهارية عن تحت الارض في مقابل بلوغها نصف الدائرة عن فوق الارض.


(* 1) الاسراء: 17: 78.

[ 170 ]

فكما انه الوقت الذي ينتهي إليه اقترابها من المصلي في كل بلد - بحسبه - كذلك ابتعادها عن المصلي انما هو فيما إذا بلغت نصف الدائرة عن تحت الارض، إذا غسق الليل منتصفه. وهذا هو الذي نطقت به الاخبار المفسرة للاية المباركة، لدلالتها على ان غسق الليل منتصفه وان من الدلوك إلى الغروب صلاتين. ومن المغرب إلى نصف الليل صلاتين اخريين فلاحظ. ويدل على ما ذكرناه ما تقدم من قوله (ع) انا لنقدم ونؤخر، وليس كما يقال: من اخطاء وقت الصلاة فقد هلك انما الرخصة للناسي، والمدنف، والمسافر، والنايم في تأخيرها (* 1) لانه كما ترى يقتضي جواز تأخير الصلاة من دون علة ولا اضطرار. وما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال سمعته يقول: لكل صلاة وقتان واول الوقت افضله، أو اول الوقتين افضلهما (* 2). فان بها نحكم على أن لصلاة المغرب ايضا وقتين واولهما افضلهما ولا ينافي ذلك ما تقدم في صحيحة زرارة والفضيل عن أبي جعفر (ع) من ان لكل صلاة وقتين غير المغرب فان وقتها واحد ووقتها وجوبها ووقت فوتها سقوط الشفق (* 3) وما ورد في موثقة معاوية بن وهب من أن جبرئيل اتى النبي صلى الله عليه وآله


(* 1) المروية في ب 7 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 و 26 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 18 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 171 ]

بوقتين لكل صلاة غير صلاة المغرب فانه نزل فيها بوقت واحد (* 1). لما مر من ان الاخبار الدالة على ذلك ناظرة إلى بيان مبدء الوقت لصلاة المغرب وقد دلت على ان لها وقتا واحدا من حيث المبدء ولا نظر لها إلى منتهاه فهي من حيث المنتهى كغيرها من الصلوات ولها ايضا وقتان اولهما افضلهما. ويؤيده مرسلة داود بن فرقد المتقدمة: إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات. (* 2). فانها صريحة الدلالة على ما ذكرناه وان كانت مرسلة. وحيث ان ما قدمناه من الادلة على امتداد وقت المغرب إلى نصف الليل كالصريحة في هذا المدعى لانه من البعيد حمل الآية المباركة وما ورد في تفسيرها على ارادة خصوص حالة المرض والسفر وغيرهما من الاعذار فيها نرفع اليد عن المفهوم المستفاد من الاخبار الواردة في تحديد وقت المغرب بربع الليل أو ثلثه أو سقوط الشفق فان مقتضى مفهوم الغاية فيها عدم جواز تأخيرها عن سقوط الشفق أو ربع الليل أو غيرهما مما ورد في الاخبار. الا أن بما ذكرناه من الادلة المتقدمة لا مناص من ان نحملها على أن الاتيان بها إلى تلك الحدود والازمان افضل من تأخيرها عنها إلى نصف الليل، فما ذهب إليه صاحب الحدائق من أن آخر وقت


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 17 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 172 ]

[ والعشاء (1) ] المغرب سقوط الشفق للمختار، وان ما بعده إلى ربع الليل وقت اضطراري ومنه إلى نصف الليل وقت اضطراري آخر مما لا يمكن المساعدة عليه. لعدم امكان استفادته من الاخبار الواردة في المقام، بل الصحيح ان وقت صلاة المغرب يمتد إلى نصف الليل ولو مع العمد والاختيار، والوقت الاول وقت الفضيلة ودونه في الفضل الاتيان بها بعد سقوط الشفق ودونه الاتيان بها بعد ربع الليل هذا كله بالاضافة إلى صلاة المغرب. وقت فريضة العشاء الكلام فيها تارة من حيث المبدء وأخرى من حيث المتهى: مبدء وقت العشاء (1) المعروف ان مبدء وقت العشاء انما هو الغروب مترتبة على صلاة المغرب بالمعنى المتقدم وذهب جمع من المتقدمين كالشيخين وابن ابي عقيل وسلار إلى أن مبدءه سقوط الشفق وهو احد قولي المرتضى على ما ذكره بعضهم وما ذهب إليه المعروف هو الصحيح. وذلك للآية المباركة: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) بضميمة ما ورد في تفسيرها على التقريب المتقدم في الكلام على مبدء فريضة


(* 1) الاسراء: 17: 78.

[ 173 ]

المغرب فراجع، وفيما رواه ضحاك بن زيد (يزيد) عن ابي عبد الله (ع) ان الله افترض أربع صلوات اول وقتها زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان اول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس الا ان هذه قبل هذه ومنها صلاتان اول وقتها من غروب الشمس إلى انتصاف الليل الا ان هذه قبل هذه (* 1) وتدل على ذلك جملة من الروايات: (منها): ما ورد في أن صلاتي المغرب والعشاء يدخل وقتا هما بغروب الشمس كصحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان: الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان: المغرب والعشاء الآخرة. (* 2) و (منها): موثقة زرارة عن ابي عبد الله (ع) قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس المغرب والعشاء الآخرة قبل الشفق من غير علة في جماعة، وانما فعل ذلك ليتسع الوقت على امته (* 3) و (منها): موثقته الاخرى قال: سألت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام عن الرجل يصلي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق فقالا: لا بأس به (* 4). و (منها): موثقة عبيد الله وعمران ابني على الحلبيين قالا: كنا نختصم في الطريق في الصلاة صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق وكان منا من يضيق بذلك صدره فدخلنا على ابي عبد الله (ع) فسألناه عن


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 و 17 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 22 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 174 ]

صلاة العشاء الاخرة قبل سقوط الشفق فقال: لا بأس بذلك. قلنا وأي شئ الشفق؟ فقال: الحمرة (* 1) ويؤيده رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله ع) قال: إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين إلا أن هذه قبل هذه (* 2). وبهذه الروايات المعتبرة لابد من أن نرفع اليد عما دل على أن سقوط الشفق هو مبدء الوقت لصلاة العشاء ونحمله على الافضلية وذلك كصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) متى تجب العتمة؟ قال إذا غاب الشفق. (* 3) وغيرها، ونلتزم بان الاتيان بها بعد سقوط الشفق افضل من تقديمها عليه. منتهى وقت العشاء المعروف بين الاصحاب (قدس الله اسرارهم) أن العشاء الاخرة يمتد وقتها إلى نصف الليل، وعن الشيخ المفيد والجمل والخلاف والاقتصاد ان آخرة ثلث الليل، وقد يجعل ثلث الليل منتهى الوقت للمختار ونصف الليل للمضطر وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح. وذلك لقوله عز من قائل: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 4) بضميمة ما ورد في تفسيرها لدلالته على ان بعد المغرب إلى


(* 1) المروية في ب 22 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 17 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 23 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 4) الاسراء: 17: 78

[ 175 ]

نصف الليل وقت لصلاتين وهما صلاتا المغرب والعشاء كصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (ع) عما فرض الله عزوجل من الصلاة فقال: خمس صلوات في الليل والنهار، فقلت: هل سماهن الله وبينهن في كتابه قال: نعم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ودلوكها زوالها، وفيما بين دلوك الشمس إلى غسسق الليل اربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن وغسق الليل هو انتصافه (* 1) وغيرها مما يدلنا - بمجموعه - على ذلك. وتدل عليه ايضا عدة روايات: (منها): صحيحة بكر بن محمد عن ابي عبد الله (ع) أنه سأله سائل عن وقت المغرب فقال: ان الله يقول في كتابه لابراهيم: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال: هذا ربي، وهذا أول الوقت وآخر ذلك غيبوبة الشفق، وأول وقت العشاء الاخرة ذهاب الحمرة، وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل (* 2). و (منها): موثقة ابي بصير عن ابي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لولا اني اخاف ان اشق على امتى لاخرت العشاء إلى ثلث الليل، وانت في رخصة إلى نصف الليل، وهو غسق الليل فإذا مضى الغسق نادى ملكان من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه (* 3).


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2) المروية في ب 16 و 17 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 21 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 176 ]

وهي موثقة لما مر من أن للشيخ إلى حسن بن محمد بن سماعة طريقان احدهما صحيح فلاحظ. و (منها): موثقة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: العتمة إلى ثلث الليل أو إلى نصف الليل وذلك التضييع (* 1). و (منها): رواية عبيد الله بن زرارة عن أبي عبد الله (ع): قال: إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل الا أن هذه قبل هذه وإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين الا ان هذه قبل هذه (* 2). و (منها): غير ذلك من الروايات. ومقتضى تلك الروايات ان وقت صلاة العشاء تنتهي إلى نصف الليل مطلقا، فان اراد القائلون بانه ينتهي إلى ثلث الليل - كما عن الشيخ المفيد وغيره - ان وقت فريضة العشاء ينقضي بعد الثلث وتكون الفريضة واقعة في غير وقتها فالآية المباركة والاخبار المتقدمة حجتان على خلافه. وان أرادوا به ان وقت العشاء ينتهي إلى ثلث الليل بالاضافة إلى المختار وإلى نصفه بالاضافة إلى المضطر وذوى الاعذار كما استظهره صاحب الحدائق من سياق الروايات وحكى القول به عن التهذيب والاستبصار والمبسوط والوسيله بدعوى انه جمع بين النصوص. فيرده انه وان كان اقرب من القول الاول الا انه خلاف ظاهر الآية المباركة لانها كما اشرنا إليه سابقا انما وردت خطابا للنبي صلى الله عليه وآله وبيانا للتشريع على قاطبة المكلفين وللدلالة على ما هو وظيفتهم في انفسهم


(* 1) المروية في ب 17 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 177 ]

لا بلحاظ الحالات الطارءة والعناوين الثانوية فظاهرها انه حكم صورة الاختيار دون الاضطرار فالتفصيل بين حالتي الاختيار والاضطرار مناف لظاهر الآية المباركة واطلاقها. كما انه على خلاف اطلاق الاخبار المتقدمة فهذا التفصيل ايضا ساقط. وورد في الفقه الرضوي (ووقت العشاء الآخرة الفراغ من المغرب ثم إلى ربع الليل وقد رخص للعليل والمسافر فيهما إلى انتصاف الليل وللمضطر إلى قبل طلوع الفجر) (* 1) وقد مر غير مرة انه لم يثبت كونه رواية فضلا عن ان يكون رواية معتبرة فلا يمكننا الاعتماد عليه في مقابل الاية المباركة والاخبار المتقدمة، ومعه لا مناص من حمل الاخبار الواردة في أن آخر وقت العشاء الآخرة ثلث الليل على الافضلية والاستحباب للجمع بينها وبين الآية والاخبار المتقدمة وهي عدة روايات غير خالية عن المناقشة في اسنادها عدا روايتين: (احداهما): موثقة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (ع) قال: اتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله بمواقيت الصلاة.. ثم اتاه حين سقط الشفق فأمره فصلى العشاء. ثم اتاه حين ذهب ثلث الليل فأمره فصلى العشاء. ثم قال ما بينهما وقت (* 2) لدلالتها على أن وقت صلاة العشاء انما هو بين سقوط الشفق وثلث الليل وقد قدمنا انها موثقة وللشيخ إلى حسن بن محمد بن سماعة طريق معتبر كما مر. و (ثانيتهما): صحيحة معاوية بن عمار في رواية: ان وقت العشاء


(* 1) فقه الرضا ص 7 (* 2) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل

[ 178 ]

الاخرة إلى ثلث الليل (* 1). ومقتضى الجمع بينهما وبين الاخبار المتقدمة حملهما على أن الافضل في صلاة العشاء ان يؤتى بها إلى ثلث الليل هذا بل في الموثقة دلالة على ان النبي صلى الله عليه وآله صلى العشاء الاخرة بعد ثلث الليل لا قبله، لانه ورد فيها: ثم اتاه حين ذهب ثلث الليل فأمره فصلى.. فان ظاهره انه صلى بعد ما ذهب من الليل ثلثه، وكيف كان فلا مناص من حمل تلك الاخبار على افضلية تقديم العشاء على الثلث. ومما يدلنا على هذا الجمع ويصلح شاهدا له موثقة الحلبي المتقدمة آنفا (* 2) حيث عد فيها تأخير العشاء عن الثلث تضييعا لها فتدلنا على أن الافضل الارجح ان يؤتى بها قبل الثلث فان تضييع مثلها مما بني عليه الاسلام وعد من فرائض الله سبحانه مرجوح لا محالة. بقي شئ وهو انه ورد في جملة من الرويات: انه لولا أن اشق على امتي لاخرتها - يعني العتمة - إلى ثلث الليل. (منها): موثقة ذريح عن ابي عبد الله (ع) في حديث ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لو لا أني أكره أن اشق على امتي لاخرتها يعني العتمة إلى ثلث الليل.


(* 1) المروية في ب 21 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المتقدمة في ص 176. (* 3) المروية في ب 17 من ابواب المواقيت من الوسائل. ثم ان هذه الرواية نقلها في الحدائق ج 6 ص 194 مشتملة على نصف الليل ولكن الظاهر انه ثلث الليل كما في الوسائل ولو بقرينة بقية الروايات.

[ 179 ]

و (منها): موثقة ابي بصير عن ابي جعفر (ابي عبد الله) عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا اني اخاف ان اشق على امتي لاخرت العشاء إلى ثلث الليل (* 1) و (منها): موثقته الاخرى عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا نوم الصبي وغلبة (علة) الضعيف لاخرت العتمة إلى ثلث الليل (* 2). و (منها): غير ذلك من الروايات. ومقتضى هذه الروايات أن الافضل الاولى أن تؤخر العشاء إلى ثلث الليل لانه من المصلحة والفضل بمرتبة كان يريد النبي صلى الله عليه وآله ان يشرعه لولا كونه موجبا للمشقة على امته فكيف يجتمع هذا مع ما ذكرناه من ان الافضل تقديم العشاء الاخرة عن الثلث جمعا بين الطائفتين المتقدمتين. والجواب عن ذلك ان غاية ما تقتضيه الاخبار المتقدمة ان المقتضي للتأخير إلى الثلث موجود في صلاة العشاء كي ينتظم به توزيع الفرائض على مجموع الاوقات الخمسة الليلية والنهارية ليقع كل فريضة في وقت منفصل عن وقت فريضة أخرى ولكنها لم تؤخر لمانع وهو خوف استلزامه المشقة على الامة فان قوله صلى الله عليه وآله لاخرت العتمة، ليس بمعنى اخرتها - عملا - لوضوح ان تأخيره صلاة نفسه إلى الثلث لا يستتبع أية مشقة على امته، وانا معناه اخرتها بالامر به، إلا انه لم يأمر بالتأخير لابتلائه بالمانع فلم يصر الامر بالتأخير فعليا لاجله، ولكنه - مراعاة لتلك المصلحة - أمر بالاتيان بها مقدمة على الثلث وهو الافضل كما مر. وعلى الجملة ان هذه الروايات غير منافية لحمل الاخبار المتقدمة على


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 21 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 180 ]

[ ويختص المغرب باوله بمقدار ادائه (1) والعشاء باخره كذلك ] افضلية التقديم على الثلث لانها بصدد بيان وجود المقتضي للتأخير لا التأخير الفعلي كما شرحناه. الوقت الاختصاصي للعشائين (1) المعروف بين الاصحاب (قدهم) أن اول الوقت اختصاصي لفريضة المغرب بمقدار ادائها كما ان اخره اختصاصي لفريضة العشاء كذلك وهذا بما له من المعنى المراد عندهم من انه لو اتى بصلاة المغرب في آخر الوقت وقعت باطلة بل وفي خارج وقتها حتى فيما إذا اتى بصلاة العشاء متقدمة عليها للنسيان أو باعتقاد الاتيان بصلاة المغرب قبلها اعني غير صورة التعمد مما لا يمكن تتميمه بدليل. فان مدركه ينحصر برواية داود بن فرقد المتقدمة وهي ضعيفة السند كما مر. وقد قدمنا في صلاتي الظهرين ان كل جزء من الوقت الواقع فيما بين المبدء والمنتهى مشترك فيه بين الصلاتين وصالح للاتيان فيه باية منهما شاءها المكلف، والترتيب المعتبر بينهما ساقط في الفرضين، والصلاة محكومة بالصحة لحديث لا تعاد على ما قدمنا تفصيله في الظهرين فلا حظ. نعم الوقت الاختصاصي بمعني لزوم كون صلاة العشاء مترتبة على صلاة المغرب فيما إذا لم يؤت بها متقدمة على المغرب نسيانا أو لاعتقاد الاتيان بالمغرب قبلها - اعني صورة العمد والالتفات - وكذلك كون آخر الوقت مختصا بصلاة العشاء فيما إذا لم يقدمها على المغرب لعذر دعوى صحيحة.

[ 181 ]

ويدل عليه قوله فيما رواه عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين الا أن هذه قبل هذه (* 1) وقد قدمنا في الكلام على الترتيب المعتبر بين الظهرين أن هذه الجملة هي التي تدلنا على اعتبار الترتيب بين الفريضتين اعني الوقت الاختصاصي بالمعنى الصحيح، وكما انها واردة في صلاتي الظهرين واردة في العشاءين ايضا بناء على تمامية الرواية واعتبارها كما يأتي تفصيله. ومعنى قوله دخل وقت الصلاتين الا أن هذه قبل هذه. ان ما بين المغرب وانتصاف الليل وقت لسبع ركعات مع لزوم تأخير الاربع منها عن الثلاث فلا مناص من ان يؤتى بالفريضة ذات ثلاث ركعات اولا ثم بالاربع ركعات فمن لم يأت بالعشاء قبل ذلك - لعذر - لم يتمكن من الاتيان بها الا بعد الاتيان بصلاة المغرب قبلها كما انه إذا لم يصلهما حتى ضاق وقتهما ولم يبق منه الا مقدار اربع ركعات وجب الاتيان فيه بالعشاء لدلالة الرواية على أن الصلاتين منبسطتان على مجموع الوقت غير أن هذه قبل هذه فإذا ضاق ولم يسع الا للعشاء اختص الوقت بها - لا محالة - لانه مقتضى الانبساط والتقسيط. وملاحظة ان الثلاث متقدمة على الاربع لان مقتضاهما اختصاص الوقت حينئذ بالاربع الباقية - بالطبع - فالوقت الاختصاصي بهذا المعنى صحيح وهو المستفاد من الجملة المتقدمة. هذا كله بناء على تمامية الرواية والغض عن سندها. وأما مع النظر إلى سندها فلا مناص من الحكم بسقوطها عن الاعتبار وتفصيل الكلام في ذلك: ان جملة (الا أن هذه قبل هذه) في صلاتي المغرب والعشاء قد وردت


(* 1) المروية في ب 17 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 182 ]

في روايات ثلاث: (الاولى): ما رواه اسماعيل بن مهران: قال: كتبت إلى الرضا عليه السلام: ذكر اصحابنا انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة، إلا ان هذه قبل هذه في السفر والحضر وان وقت المغرب إلى ربع الليل. فكتب: كذلك الوقت غير أن وقت المغرب ضيق (* 1) (الثانية): ما رواه القاسم بن عروة عن عبيد بن زرارة وهو قد روي بطريقين: (احدهما): ما رواه الكليني (قده) باسناده عن القاسم بن عروة عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين الا أن هذه قبل هذه (* 2) و (ثانيهما): ما رواه الشيخ بطريقه عن القاسم بن عروة عن عبيد الله بن زرارة عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل الا أن هذه قبل هذه.. (* 3) (الثالثة): ما رواه ضحاك بن زيد (يزيد) عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (ع) في قوله تعالى: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل قال: ان الله افترض اربع صلوات اول وقتها زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان اول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل الا ان هذه قبل هذه (* 4).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 17 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 4) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 183 ]

وهي باجمعها ضعيفة السند: أما الرواية الاولى فلاشتمال سندها على سهل بن زياد وهو ضعيف، وأما الثانية - بكلا الطريقين - فمن جهة القاسم بن عروة، لانه وان ورد توثيقه في الرسالة الصاغانية، الا انه لا يمكن الاعتماد على تلك الرسالة في التوثيق، وان كانت منسوبة إلى المفيد (قده) وذلك لان المفيد (قده) وان كانت له رسالة بهذا الاسم - على ما ضبطوه - الا انه لم يثبت ان هذه الرسالة المطبوعة هي الرسالة الصاغانية للمفيد (قده) إذا لا يمكننا الاعتماد على الرجل ورواياته. وأما الرواية الثالثة فلعدم توثيق ضحاك بن زيد (يزيد) وبهذا يظهر ان الرواية غير صالحة للاستدلال بها على اعتبار الترتيب بين المغرب والعشاء. والذي يمكن ان يستدل به على ذلك امران: (احدهما): ما دل على انه إذ غابت الشمس فقد دخل الوقتان: المغرب والعشاء، كما في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) (* 1) لوضوح انه لا معنى لدخول وقتين متعددين بعد المغرب إلا بأن يكون احدهما بعد الآخر، وحيث انا لا نحتمل ان تكون صلاة العشاء قبل صلاة المغرب فتدلنا الصحيحة على اعتبار ان يكون صلاة العشاء واقعة بعد صلاة المغرب وهذا معنى الترتيب كما لا يخفي. و (ثانيهما): ما دل على لزوم العدول من صلاة العشاء إلى صلاة المغرب فيما إذا شرع فيها نسيانا - مثلا - وتذكر في اثنائها انه لم يصل المغرب قبلها وكذلك ما دل على لزوم الاتيان بصلاة العشاء بعد صلاة المغرب في القضاء كما في صحيحة زرارة (* 2) وغيرها من الاخبار الواردة


(* 1) المروية في ب 4 و 17 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 63 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 184 ]

[ هذا للمختار، وأما المضطر لنوم أو نسيان أو حيض أو نحو ذلك من احوال الاضطرار فيمتد وقتهما إلى طلوع الفجر (1) ويختص العشاء من اخره بمقدار ادائها دون المغرب من اوله - أي ما بعد نصف الليل -. والاقوى: العامد في التأخير إلى نصف الليل ايضا كذلك - أي يمتد وقته إلى الفجر - وإن كان آثما بالتأخير، لكن الاحوط ان لا ينوي الاداء والقضاء، بل الاولى ذلك في المضطر أيضا. ] في المقام (* 1) وذلك لوضوح انه لو لا لزوم كون صلاة العشاء واقعة بعد المغرب واعتبار الترتيب بينهما لم يكن اي موجب للامر بالعدول منها إلى المغرب ولا للاتيان بها مترتبة على صلاة المغرب قضاء. ففى صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع).. فان كنت قد صليت العشاء الآخرة ونسبت المغرب فقم فصل المغرب وان كنت ذكرتها وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلم ثم قم فصل العشاء الاخرة. وايضا ورد في ذيلها.. وان كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدء بهما قبل ان تصلي الغداة ابدء بالمغرب ثم بالعشاء.. ونظيرها غيرها من الروايات فلاحظ. منتهى الوقت للمضطر (1) ان ما ذكرناه إلى هنا من أن وقت العشاءين ينتهي إلى نصف الليل


(* 1) راجع ب 62 و 63 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 185 ]

انما هو بالاضافة إلى المتمكن المختار وأما من لم يتمكن من اتيانهما إلى نصف الليل لعذر كنسيان أو مرض أو نوم ونحوها فهل يمتد وقتاهما إلى طلوع الفجر - في حقه - بحيث لو صلاهما بعد النصف وقعتا اداءيتين أو ان منتهى وقتيهما هو الانتصاف بلا فرق في ذلك بين المعذور وغيره فلو اتي بهما المكلف بعد منتصف الليل وقعتا قضاء لا محالة؟ فعلى الاول يجب الاتيان بهما بعد الانتصاف لانهما ادائيتان وقتئذ، وعلى الثاني لا يجب الاتيان بهما قبل طلوع الفجر، لانهما قضائيتان، والقضاء موسع وان كان الاتيان بهما مستحبا حالئذ، لانه من المبادرة إلى المغفرة والتسابق إلى الخير. ذكر الماتن ان وقتيهما يمتدان - بالاضافة إلى المضطر أو المعذور - إلى طلوع الفجر بل تعدى إلى العامد وقال: والاقوى ان العامد في التأخير إلى نصف الليل ايضا كذلك وان كان آثما بالتأخير. أما الاثم فهو مما لا اشكال فيه ولا خلاف لان ظاهر الآية المباركة: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) هو التحديد والتوقيت كما هو صريح الصحيحة المفسرة لها حيث ورد فيها ما مضمونه: خمس صلوات ان الله وقتهن وبينهن. (* 2) فان التوقيت بمعنى بيان المبدء والمنتهى فلو كان التأخير عنه جائزا مع الاختيار لكان التحديد والتوقيت لغوا ظاهرا فالتأخير عمدا محرم وموجب للاثم بلا كلام. وانما الكلام في امتداد وقتي العشاءين إلى طلوع الفجر للمعذور بل العامد ايضا وعدمه ويقع الكلام في ذلك في المعذور (تارة) وفي العامد (اخرى):


(* 1) الاسراء: 17: 78. (* 2) المروية في ب 2 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 186 ]

أما المعذور في التأخير فلا ينبغي الاشكال في امتداد وقتي الصلاتين في حقه إلى طلوع الفجر وذلك لصحيحة ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: ان نام رجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء أو نسي فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، وان خشي ان تفوته احداهما فليبدء بالعشاء الآخرة. (* 1) وهي صريحة الدلالة على امتداد وقتي العشاءين بالاضافة إلى النائم والناسي ونحوهما إلى طلوع الفجر وقوله فليبدء بالعشاء الاخرة فيما إذا خشي فوات احداهما. ناظر إلى أن آخر الوقت يختص بصلاة العشاء بمقدار ادائها - بالمعنى المتقدم - ولكن اول الوقت بعد الانتصاف لا اختصاص له بصلاة المغرب وهو ظاهر. ثم ان الرواية صحيحة فما في بعض الكلمات من التعبير عنها بالموثقة مما لا وجه له. ثم ان في المقام روايات ثلاث وردت في الحائض ودلت على امتداد الوقت في حقها إلى آخر الليل: (الاولى): رواية ابي الصباح الكناني عن ابى عبد الله (ع) قال إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء وان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر والعصر (* 2) (الثانية): رواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر وان طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء (* 3) (الثالثة): رواية داود الزجاجي عن ابي جعفر (ع) قال: إذا


(* 1) المروية في ب 62 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 49 من ابواب الحيض من الوسائل.

[ 187 ]

كانت المرأة حائضا فطهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وان طهرت من آخر الليل صلت المغرب والعشاء الآخرة (* 1) ولكنها ضعيفة السند باجمعها، لان الشيخ (قده) انما رواها بطريقه إلى علي بن الحسن بن فضال، وقد مر غير مرة ان طريقه إليه ضعيف مضافا إلى أن الرواية الاخيرة في سندها داود الزجاجي وهو ايضا ضعيف لعدم توثيقه في الرجال إذا فتلك الروايات غير صالحة للاستدلال بها في المقام وانما هي مؤيدة للمدعى فالتعبير عن الرواية الثانية بالصحيحة كما في بعض الكلمات مما لا وجه له. ثم ان الوارد في صحيحة ابي بصير هو النائم والناسي فهل يختص الحكم بهما أو يعم كل معذور في التأخير ومنه الحائض إذا طهرت بعد الانتصاف؟ الظاهر هو التعميم لا مقتضى الفهم العرفي ان النائم والناسي لا خصوصية لهما في ذلك ولا يكاد يشك - العرف - في انهما انما ذكرا من باب المثال إذا يعم الحكم كل معذور في التأخير. وأما العامد فما استدل به على امتداد وقتي الصلاتين في حقه إلى طلوع الفجر أمران: (أحدهما): صحيحة ابي بصير المتقدمة بدعوى ان الحكم فيها يعم كل من اخر صلاتيه عن النصف فان المذكور في الصحيحة وان كان هو النائم والناسي دون العامد الا انه لا دلالة لها على نفي الحكم عن غيرهما فليست الصحيحة مانعة عن ثبوته في غيرهما. ويدفعه: ان ظاهر الصحيحة هو اختصاص الحكم بمثل النائم والناسي وغيرهما من ذوي الاعذار في التأخير فدعوى شمولها للعامد خلاف ظاهر


(* 1) المروية في ب 49 من ابواب الحيض من الوسائل.

[ 188 ]

الصحيحة، كما انها خلاف ظاهر الاية المباركة والاخبار الواردة في تفسيرها لظهور الاية وصراحة الصحيحة المفسرة لها في التوقيت والتحديد وهما لا يتلائمان مع امتداد الوقت إلى طلوع الفجر لصيرورة التوقيت حينئذ لغوا ظاهرا كما مر. و (ثانيتهما): رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (ع) قال: لا تفوت الصلاة من اراد الصلاة لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (* 1) والظاهر ان الماتن استند فيما ذكره إلى هذه الرواية بدعوى اطلاقها وشمولها للعامد وغيره. ويدفعه: ان الرواية ضعيفة السند بعلي بن يعقوب الهاشمي لعدم توثيقه فلا يمكن الاعتماد عليها في مقابل الاية والروايات الظاهرتين في التوقيت وعدم جواز التأخير عن نصف الليل. هذا ثم لو اغمضنا عن سند الرواية وفرضناها معتبرة لتعين حملها على صورة العذر جمعا بينها وبين الآية والاخبار المتقدمتين. ويؤيد ذلك أن الصدوق (قده) روى هذه الرواية مرسلة وزاد في آخرها: وذلك للمضطر والعليل والناسي (* 2) لصراحتها في ان الحكم الوارد في الرواية يختص بالمعذور ولا يأتي في العامد. ويؤيده ايضا الاخبار المتقدمة الواردة في الحائض لان ظاهرها اختصاص الحكم لها أو للاعم منها ومن غيرها من المعذورين فلا يعم غيرهم.


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 189 ]

[ وما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس وقت الصبح (1) ] وقت فريضة الفجر من حيث المبدء (1) لا خلاف بين المسلمين - قاطبة - في أن مبدء فريضة الصبح طلوع الفجر - على الخلاف في انه يتحقق باي شي - كما يأتي عليه الكلام عند تعرض الماتن له، وبهذا نطق الكتاب العزيز وقال عز من قائل: وقرآن الفجر ان قران الفجر كان مشهودا (* 1) ودلت عليه الصحيحة المفسرة للاية المباركة كما تقدمت (* 2) وغيرها من الروايات. وقت فريضة الفجر من حيث المنتهى المعروف عند الاصحاب (قدس الله اسرارهم) ان فريضة الفجر لها وقت واحد يمتد إلى طلوع الشمس بلا فرق في ذلك بين المختار وغيره بل ادعى عليه الاجماع في كلمات بعضهم، وعن ابن ابي عقيل وابن حمزة والشيخ في المبسوط والخلاف ان ذلك انما هو بالاضافة إلى المضطر ونحوه وأما المختار فينتهي وقتها - بالاضافة إليه - إلى طلوع الحمرة المشرقية، إذا فلصلاة الفجر ايضا وقتان، واليه مال صاحب الحدائق (قده) الا أن القائل بتعدد الوقت لفريضة الفجر قليل بخلاف الوقتين للظهرين وغيرهما لكثرة القائل بهما كما مر هذا. وقد يستدل للمشهور برواية زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (* 3) وهي ظاهرة الدلالة على


(* 1) الاسراء: 17: 78. (* 2) في ص 185 وغيره. (* 3) المروية في ب 26 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 190 ]

ما ذهب إليه المشهور، لاطلاقها، الا انها ضعيفة السند بموسى بن بكر لعدم توثيقه وبرواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (ع) قال: لا تفوت الصلاة من اراد الصلاة لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (* 1) وهي ايضا كسابقتها، والوجه في ضعف سندها ما قدمناه من ان علي بن يعقوب الهاشمي لم يوثق في كتب الرجال ومن الغريب ان صاحب المدارك (قده) مع ما عليه من التدقيق في اسانيد الروايات وعدم اعتماده على الاخبار الضعاف اعتمد على هذه الرواية في المقام وعبر عنها بالموثقة وهذا منه (قده) غريب، وياتي ما هو الصحيح في الاستدلال على ما ذهب إليه المشهور في المسألة فانتظر. وأما ما ذهب إليه ابن ابي عقيل وابن حمزة والشيخ في بعض كتبه فقد استدل عليه بجملة من الروايات: (منها): صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: وقت الفجر حين ينشق الفجر إلى ان يتجلل الصبح السماء، ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا ولكنه وقت لمن شغل أو نسي أو نام (* 2) وفي سندها ابراهيم بن هاشم وقد بنينا على وثاقته فالسند صحيح لا غبار عليه، كما ان دلالتها ايضا واضحة فقد دلت على أن غير المعذور من المكلفين ليس له ان يؤخر فريضة الفجر عن الوقت المذكور في الصحيحة اعني تجلل الصبح السماء اي ظهوره ومنوريته السماء، لما مر غير مرة من أن لا ينبغي بمعني لا يتيسر ولا يجوز.


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 26 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 191 ]

و (منها): رواية يزيد بن خليفة عن ابي عبد الله (ع) قال: وقت الفجر حين يبدو حتى يضئ (* 1) وهي ايضا بحسب الدلالة ظاهرة، الا انها ضعيفة السند لعدم توثيق يزيد بن خليفة. و (منها): موثقة عمار عن ابي عبد الله (ع) في الرجل إذا غلبته عينه أو عاقه امر أن يصلي المكتوبة من الفجر ما بين ان يطلع الفجر إلى ان تطلع الشمس. (* 2) وهذه الموثقة قد يستدل بها على ما ذهب إليه الشيخ وغيره من ان لفريضة الفجر وقتان أو لهما للمختار وهو غير مذكور في الرواية وثانيهما للمضطر كمن غلبته عينه فانه يمتد إلى طلوع الشمس، وقد يستدل بها على ما ذهب إليه المعروف وهذا هو الصحيح. لا ن قوله (ع) أو عاقه امر معناه أن اي امر من الامور العادية والاختيارية إذا زاحم اتيان صلاة الفجر جاز للمكلف ان يؤخرها إلى طلوع الشمس لا جله، ولا اختصاص في ذلك بالاضطرار فالاستدلال بها على قول المعروف اولى واظهر من ان يستدل بها على قول الشيخ وغيره. و (منها): صحيحة ابي بصير قال: سألت ابا عبد الله (ع) فقلت متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر؟ فقال: إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر قلت: أفلسنا في وقت إلى ان يطلع شعاع الشمس؟ قال: هيهات اين يذهب بك؟ تلك صلاة الصبيان (* 3).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 26 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 27 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 192 ]

وهذه الصحيحة ايضا قد يستدل بها على أن منتهى وقت صلاة الفجر طلوع الحمرة وكون الفجر كالقبطية البيضاء لدلالتها على ان امتداده إلى. طلوع الشمس انما هو بالاضافة إلى الصبيان غير المكلفين بالصلاة، واما بالنسبة إلى المكلفين بها فآخر وقتها صيرورة الفجر كالقبطية البيضاء. وقد يستدل بها على مسلك المشهور من امتداد وقتها إلى طلوع الشمس إلا أن تأخيرها عن طلوع الحمرة مرجوح فانه عد فيها من فعل الصبيان وبهذا المضمون ما رواه الشيخ (قده) عن ابي بصير المكفوف قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الصائم متى يحرم عليه الطعام؟ فقال: إذا كان الفجر كالقبطية البيضاء قلت فمتى تحل الصلاة؟ فقال: إذا كان كذلك، فقلت: ألست في وقت من تلك الساعة إلى ان تطلع الشمس؟ فقال: لا إنما نعدها صلاة الصبيان، ثم قال: انه لم يكن يحمد الرجل أن يصلي في المسجد ثم يرجع فينبه اهله وصبيانه (* 1) وهي في الكراهة اظهر من سابقتها فالاستدلال بها على مسلك المشهور أولى من الاستدلال بها على قول الشيخ وموافقيه. و (منها): صحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: لكل صلاة وقتان، واول الوقتين افضلهما، وقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى ان يتجلل الصبح السماء ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا ولكنه وقت من شغل أو نسي أو سهي أو نام، ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى ان تشتبك النجوم، وليس لاحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا الا من عذر أو علة (* 2)


(* 1) المروية في ب 28 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 26 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 193 ]

وهي مصرحة بان منتهى الوقت في صلاة الفجر للمختار تجلل الصبح السماء ومنوريته وان تأخرها عن هذا الوقت غير سائغ الا عن عذر وعلة كنوم ونسيان ونحوهما وذلك لقوله: وليس لاحد.. وكذلك قوله ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا. لما مر من ان (لا ينبغي) بمعنى لا يتيسر ولا يجوز هذا. والصحيح ان الصحيحة تدلنا على ما ذهب إليه المشهور في المسألة من امتداد وقت الفجر إلى طلوع الشمس من دون فرق في ذلك بين المختار وغيره، ولا دلالة لها على ما ذهب إليه الشيخ وموافقوه. والوجه فيه ما بيناه عند التكلم على وقت صلاة المغرب من أن الصحيحة وان كانت ظاهرة في أن لصلاة الفجر وقتين: اختياري واضطراري، إلا أن صدرها اعني قوله: لكل صلاة وقتان واول الوقتين افضلهما قرينة على ان لها وقتا واحدا غير ان التقديم افضل، لانه يدل على أن المراد بقوله (ع) لا ينبغي هو الكراهة دون الحرمة. وأما قوله وليس لاحد. فمعناه أن جعل الوقت اخرهما على الدوام والاستمرار مع التعمد امر غير سائغ، واما أن الصلاة في آخرهما من باب الصدقة والانفاق غير جائزة فلا يكاد يستفاد منه ابدا إذا هذه الصحيحة هي المستند لما ذهب إليه المشهور في المسألة من امتداد وقت فريضة الفجر إلى طلوع الشمس وان كان الافضل ان يؤتى بها في الوقت الاول. وبها تحمل الاخبار المتقدمة على أن الوقت الاول افضل لا انه وقت اختياري، والوقت الثاني للمضطر أو مطلق ذوي الاعذار هذا. ثم ان ما ذكره ابن ابي عقيل وابن حمزة والشيخ من أن آخر الوقت للمختار طلوع الحمرة المشرقية لم يرد في اية أو رواية وانما ورد في بعض

[ 194 ]

الروايات (تجلل الصبح السماء) اي منوريته واضاءته، والتحديد بذلك اقوى شاهد على أن الوقت الاول اعني ما قبل طلوع الحمرة وقت فضيلة، لا ان التقديم عليه واجب للمختار. و (سره): أن تجلل الصبح السماء ليس من الامور الواضحة التي لا تقبل الاختلاف لانه امر غير مضبوط، ولا يفرق فيه بين دقيقة ودقيقتين بل اكثر فان السماء في جميع تلك الازمنة منور، وفي جميعها يصدق تجلل الصبح السماء فلو كان هذا منتهى وقت الفريضة لم يكن مضبوطا وغير قابل للاختلاف، واللازم في الواجبات التحديد بمثل نصف الليل أو نصف النهار أو طلوع الشمس أو غروبها، أو غير ذلك من الامور الواضحة التي يعرفها الجميع أو اغلب الناس ولا يقع فيها الاختلاف لانضباطها. وحيث ان تجلل الصبح السماء ليس من الامور المضبوطة فيدلنا التحديد به على أن المقام ليس بمورد للاهتمام ولا يضر فيه الاختلاف بدقيقة أو دقيقتين أو اكثر، ومعنى ذلك انه تحديد لوقت الفضيلة دون الوجوب ثم ان الصحيح في التعبير عن آخر وقت الفضيلة ان يقتصر على ما ورد في الاخبار من (تجلل الصبح السماء) والتعبير عنه بطلوع الحمرة المشرقية كما في كلام الفقهاء (قدس الله اسرارهم) في غير محله. لعدم وروده في الروايات. نعم وردت الحمرة في صحيحة على بن يقطين، حيث وقعت فيها في كلام السائل قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة، ولم يركع ركعتي الفجر (اي نافلته) أيركعهما أو يؤخرهما؟ قال: يؤخرهما (* 1) الا أنها اجنبية عما نحن بصدده ولا دلالة لها على أن منتهى وقت


(* 1) المروية في ب 51 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 195 ]

[ ووقت الجمعة من الزوال إلى أن يصير الظل مثل الشاخص (1) فان اخرها عن ذلك مضى وقته ووجب عليه الاتيان بالظهر ] الفضيلة ظهور الحمرة وهذا ظاهر، نعم تدلنا الصحيحة على ما ذهب إليه المشهور في المسألة من عدم كون طلوع الحمرة منتهى وقت صلاة الفجر. لدلالتها على أن السائل قد علم - بحسب الارتكاز - ان ركعتي النافلة يجوز تقديمهما على فريضة الفجر قبل ظهور الحمرة ومن هنا سأل الامام (ع) عن جواز تقديمها عليها بعد ظهور الحمرة، وعليه فنقول: إذا فرضنا انه لم يبق إلى ظهور الحمرة الا مقدار ركعتين فان مقتضى هذا الارتكاز جواز تقديم النافلة على الفريضة، فلو قدمها حينئذ وقعت الفريضة بعد ظهور الحمرة، فالصحيحة تدلنا على جواز تأخير صلاة الفجر عن الحمرة وعدم كون ظهورها منتهى وقت صلاة الفجر كما هو المدعى. وكيف كان فلم يرد في شئ من النصوص ان منتهى وقت فضيلة الفجر ظهور الحمرة المشرقية، غير انهم (قدس الله اسرارهم) اعرف بمقالتهم. وقت فريضة الجمعة (1) نسب إلى ابن زهرة وابي الصلاح أن وقت فريضة الجمعة مضيق - تضييقا حقيقيا - بمعنى أن وقتها بمقدار الاتيان بها من الزوال باضافة الاذان والخطبتين، فإذا اذن - بعد الزوال - وخطب الخطبتين وصلى الجمعة فقد انقضى وقتها، بل عن الغنية دعوى الاجماع عليه. وفي قباله ما ذهب إليه ابن ادريس واختاره الشهيد في الدروس والبيان

[ 196 ]

من امتداد وقت الجمعة بامتداد وقت الظهر، إذا ففريضة الجمعة من الواجبات الموسعة دون المضيقة. وعن الجعفي ان وقتها ساعة من الزوال فإذا مضت من الزوال ساعة انقضى وقتها. وقد يقال: ان وقت الجمعة من الزوال إلى ان يصير الظل الحادث قدمين، ذهب إليه المجلسيان واختاره صاحب الحدائق (قده). والمشهور في المسألة ان وقت الجمعة من الزوال إلى ان يصير ظل كل شئ مثله بل عن العلامة دعوى الاجماع عليه في المنتهى، هذه هي اقوال المسألة. وقد ذكروا ان ما ذهب إليه المشهور في المسألة مما لا اشعار به في شئ من النصوص فضلا عن ان تدل عليه. وأما ما ذهب إليه أبو الصلاح وابن زهرة فقد استدل عليه بجملة من الروايات: (منها): صحيحة ربعي وفضيل بن يسار عن ابي جعفر (ع) قال: ان من الاشياء اشياء موسعة واشياء مضيقه فالصلاة مما وسع فيه تقدم مرة وتؤخر اخرى، والجمعة مما ضيق فيها، فان وقتها يوم الجمعة ساعة تزول ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها (* 1) و (منها): صحيحة زرارة قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: ان من الامور امورا مضيقة وامورا موسعة، وان الوقت وقتان، والصلاة مما فيه السعة فربما عجل رسول الله صلى الله عليه وآله وربما أخر، إلا صلاة الجمعة فان صلاة الجمعة من الامر المضيق انما لها وقت واحد حين تزول ووقت


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 197 ]

العصر يوم الجمعة، وقت الظهر في سائر الايام (* 1) و (منها): صحيحة ابن مسكان (ابن سنان) عن ابي عبد الله (ع) قال: وقت صلاة الجمعة عند الزوال ووقت العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظهر في غير يوم الجمعة ويستحب التكبير بها (* 2) والمراد بابن سنان على تقدير ان يكون هو الراوي في السند هو عبد الله بن سنان بقرينة رواية النضر عنه. و (منها): صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) انه قال: وقت الجمعة زوال الشمس. (* 3) و (منها): ما رواه محمد بن ابى عمر (عمير) قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال: نزل بها جبرئيل مضيقة إذا زالت الشمس فصلها. (* 4) و (منها): موثقة سماعة قال: قال: وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس (* 5) و (منها): غير ذلك من الروايات: والتحقيق عدم امكان الاستدلال بتلك الاخبار على التضيق الذي التزم به أبو الصلاح وابن زهرة (قدهما) وذلك لانه ان اريد بالتضييق فيها التضيق - حقيقة - بان يقال ان وقت الجمعة هو الاول التحقيقي من الزوال كما هو ظاهر الروايات فهو امر غير متيسر للاكثرين، لعدم تيسر العلم لهم بان هذا الآن هو الآن الاول من الزوال نعم هذا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله بمكان من السهولة لان جبرئيل كان يخبره بالزوال.


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويات في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 198 ]

وقد ورد في صحيحة عبد الله بن سنان انه صلى الله عليه وآله كان يخطب في الظل الاول فيقول جبرئيل: يا محمد قد زالت الشمس فانزل فصل (* 1) وأما بالاضافة إلى الاشخاص المتعارفين فلا يكاد يتحقق لهم العلم بالان الاول منه، بل الصلاة بحسب العادة إما أن تقع قبل الآن الاول من الزوال أو بعده بدقيقة أو دقيقتين أو اكثر ومعه يكون جعل الحكم لغوا لا محالة لاستحالة امتثاله. نعم يمكن الامساك والصيام من الآن الاول من طلوع الفجر لامكان امساك الصائم قبل الفجر بزمان مقدمة للعلم بوقوع الامساك من الآن الاول من الطلوع إلا انه غير ممكن في امثال المقام، لعدم امكان الاتيان بصلاة الجمعة - مثلا - قبل الزوال تحصيلا للعلم بوقوعها في الان الاول منه هذا. بل ورد في بعض الروايات الترخيص في الاتيان بفريضة الجمعة بعد الزوال بزمان يسير، وعدم وجوب الاتيان بها في الآن الاول منه وذلك كما في صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة - آنفا - حيث ورد فيها: ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي الجمعة حين تزول قدر شراك ويخطب في الظل الاول، فيقول جبرئيل يا محمد قد زالت الشمس فانزل فصل. وما رواه محمد بن ابي عمر (عمير) حيث ورد في ذيلها: قال: قلت: إذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صليتها، فقال: أبو عبد الله (ع) أما أنا فإذا زالت الشمس لم ابدء بشئ قبل المكتوبة (* 2) لدلالتها على أن الاتيان بالنافلة قبل الفريضة - بعد الزوال - امر جائز غير انه مرجوح ولاجله لم يكن (ع) ببدء بشئ - بعد الزوال - قبل المكتوبة فارادة التضييق بالمعنى الدقي الحقيقي مما لا مجال له.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل .

[ 199 ]

وان اريد به الضيق العرفي المسامحي المجتمع مع التأخير عن اول الزوال بدقيقة أو دقيقتين أو نحوهما فهو وان كان امرا قابل الارادة - في نفسه - إلا انه خلاف ظاهر الروايات، لان ظاهرها الضيق الدقي الحقيقي كما لعله المشاهد في مثل قوله (ع) فان صلاة الجمعة من الامر المضيق انما لها وقت واحد حين تزول، أو قوله (ع) ساعة تزول أي حينه، إذا لا يمكننا حمل الاخبار على الضيق العرفي، كما لا يمكن حملها على الضيق الدقي فلا مناص وقتئذ من ان يقال: ان تلك النصوص محمولة على ان الاتيان بصلاة الجمعة في الحين الدقى من الزوال افضل لا أنه امر واجب لعدم الدليل عليه ولا مانع من أن يكون مبدء وقتها اول الزوال ويكون الاتيان بها حالئذ مستحبا لا واجبا. وأما التعبير بالضيق في صلاة الجمعة فيما تقدم من الروايات فانما هو للدلالة على أن الجمعة ليست كغيرها من الفرائض كصلاة الظهر في غير يوم الجمعة، حيث انها موسعة والمكلف يتمكن من أن يؤخرها عن الزوال بمقدار الاتيان بالنافلة بان يؤتى بالنافلة اولا ثم بالفريضة بل هو الافضل كما مر فصلاة الظهر موسعة بمعنى انها قد تؤخر بالاتيان بنافلتها قبلها وقد يقدم بالاتيان بها عند الزوال من دون الاتيان بنافلتها. وهذا بخلاف صلاة الجمعة لانها مضيقة وليست موسعة بالمعنى الذي عرفت وذلك لانه لا نافلة لها بعد الزوال لتوخر الجمعة من الزوال تارة بالاتيان بنافلتها وتقدم اخرى بالاتيان بها عند الزوال من دون نافلتها، وانما وقتها حين الزوال وساعته. نعم صلاة الظهر يوم الجمعة ايضا كصلاة الجمعة لكراهة النافلة لها بعد الزوال وعلى الجملة ان الضيق في الجمعة باعتبار السعة في غيرها، لا انه بمعني لزوم كونها واقعة في الاول التحقيقي من الزوال.

[ 200 ]

ويوكد ما ذكرناه أن المستفاد من الاخبار الواردة في المقام ان الضيق يوم الجمعة غير مختص بصلاة الجمعة لانه ورد في صلاة الظهر يوم الجمعة ايضا كما ورد في مطلق الفريضة - يومها - الجامعة بين فريضتي الظهر والجمعة: أما ما ورد في خصوص صلاة الظهر فهو كموثقة سماعة قال: قال: وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس (* 1) وصحيحة ربعي بن عبد الله عن ابي عبد الله (ع) قال: وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس (* 2) ورواه سماعة ايضا فهي بهذا الطريق موثقة وبطريق الربعي صحيحة. وأما ما ورد في الصلاة الجامعة بين الفريضتين فهو كصحيحة عبد الله ابن سنان قال: قال أبو عبد الله (ع) إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدء بالمكتوبة (* 3) وما رواه محمد بن ابي عمر (عمير) حيث ورد فيها: فقال أبو عبد الله (ع) أما أنا فإذا زالت الشمس لم ابدء بشئ قبل المكتوبة (* 4) وصحيحة حريز قال: سمعته يقول: أما انا إذا زالت الشمس يوم الجمعة بدأت بالفريضة واخرت الركعتين إذا لم اكن صليتهما (* 5) ورواية عبد الرحمان بن عجلان قال: قال: أبو جعفر (ع) إذا كنت شاكا في الزوال فصل الركعتين، فإذ استيقنت الزوال فصل الفريضة (* 6) وغيرها من الروايات. إذا فالمستفاد من الروايات ان مطلق الفريضة يوم الجمعة مضيق.


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) و (* 6) المرويات في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 201 ]

بل بقرينة أن أبا عبد الله - ع - وابن ابي عمير - على تقدير ان يكون هو الراوي - لم يكونا يقيمان صلاة الجمعة تكون الاخبار المتقدمة واردة في خصوص صلاة الظهر ومن الظاهر أن وقت صلاة الظهر في غير يوم الجمعة ليس مغايرا لوقتها في يوم الجمعة، فمعنى ان وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس ان صلاة الظهر ليست بمسبوقة بالنافلة يوم الجمعة، فالمراد بالضيق ان الجمعة غير مسبوقة بالنافلة وان الافضل أن يؤتى بها في الاول التحقيقي من الزوال. ثم ان صحيحة ربعي أو موثقة سماعة قد وقع في سندها محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان وهو في موارد وقوعه في اول السند عن الكليني (قدس سره)) محل الكلام والخلاف لتردده بين الموثق والضعيف، ولم يعلم انه النيسابوري أو البرمكي، وقال بعضهم: انه ابن بزيع. ويبعده اختلاف طبقة الكليني وابن بزيع فان الفصل بينهما كثير، ولا يمكن - عادة - روايته عنه من دون واسطة. الا اننا في غنى عن التكلم في تمييزه، لانه بهذه الكيفية الواقعة في سند الرواية وقع في اسانيد كامل الزيارات وروى فيه الكليني عن محمد ابن اسماعيل عن الفضل، وبذلك يحكم بوثاقته سواء أكان هو ابن بزيع أو البرمكي أو غيرهما. هذا كله فيما ذهب إليه أبو الصلاح وابن زهرة. وأما ما ذهب إليه الجعفي من أن وقت صلاة الجمعة ساعة من الزوال فالمستند له أمران: (أحدهما): مرسلة الصدوق (قده) قال: قال أبو جعفر - ع - اول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى ان تمضي ساعة فحافظ عليها، فان رسول الله - ص - قال: لا يسأل الله عبد فيها خيرا إلا اعطاه (* 1)


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 202 ]

و (ثانيهما): ما رواه الشيخ (قده) في المصباح مسندا إلى حريز عن زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: اول وقت الجمعة. إلى آخر ما نقلناه في المرسلة (* 1). والظاهر انهما رواية واحدة لاتحادهما في الفاظهما، والاستدلال بها على ما ذهب إليه الجعفي غير صحيح وهذا لا لانها مرسلة نظرا إلى ان ما نقله الصدوق ارساله من الظهور بمكان. واما ما ذكره الشيخ (قده) فلعدم ذكر سنده إلى حريز. وذلك، لانه دعوى ساقطة لصحة طريق الشيخ إلى حريز، وللشيخ إليه عدة طرق ذكرها في فهرسته، ولا اختصاص لها بكتاب دون كتاب لانه نقل طرقه إلى جميع كتب حريز ورواياته. نعم ما ذكره من الطرق في المشيخة مختصة بالاخبار التي رواها في التهذيبين على ما بينه هو (قده) حيث قال: فما ذكرناه في هذا الكتاب عن فلان فقد اخبرنا به.. ومعه يمكن ان يقال ان هذه الرواية بما انها غير مذكورة في الكتابين فلم يعلم ان الشيخ رواها عن حريز باي طريق، ولا يتاتى ذلك في طرقه التي ذكرها في فهرسته. بل الوجه فيما ذكرناه عدم دلالة الرواية على ما ذهب إليه الجعفي في المقام، لان الساعة - لغة - ليست بمعناها المصطلح عليه عندنا اعني ستين دقيقة وجزءا من اربع وعشرين جزءا من الليل والنهار، بل هي بهذا المعنى مما لا عين له ولا اثر في اللغة وانما تستعمل الساعة بمعنيين: (أحدهما): مطلق الوقت و (ثانيهما): القطعة من الزمان فيقال: جلست عندك ساعة أي جزء ومقدارا من الزمان قل عن ستين دقيقة ام كثر والمعنى الاول هو المناسب للمقام فمعنى ان وقت الجمعة ساعة تزول الشمس: ان وقتها


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 203 ]

هو وقت زوال الشمس فلا دلالة للرواية على أن وقتها من اول الزوال إلى أن يمضي ستون دقيقة هذا. على أنا لو سلمنا ان الساعة بمعني الجزء القليل من الوقت وان معنى ساعة تزول الشمس هو الزمان الاول من زوالها ايضا لم تكن للرواية دلالة على هذا المدعى وذلك لان ظاهر الرواية ان التحديد فيها تحديد من حيث اول الوقتين، لما تقدم من ان لكل صلاة وقتين اولهما افضلهما، فالرواية بصدد بيان المبدء والمنتهى لهذا الوقت الا فضل، لا انها بصدد بيان آخر وقت الجمعة اعني وقت اجزائها بحيث لو تأخرت عنه سقطت عن المكلف ووجبت عليه صلاة الظهر. والذي يؤكد ما ذكرناه اعني كون الرواية ناظرة إلى بيان وقت الفضيلة دون الاجزاء قوله في ذيلها: يحافظ عليها فان رسول الله - ص - قال: لا يسأل الله عزوجل فيها عبد خيرا الا اعطاه الله. لانه يدلنا على ان تلك الساعة وقت الفضيلة بمرتبة تستجاب فيها الدعاء، لا انها وقت اجزاء لعدم الملازمة بين وقت اجزاء الجمعة واستجابة الدعاء وهذا ظاهر. وأما ما ذهب إليه المجلسيان وصاحب الحدائق (قده) من امتداد وقت الجمعة من اول الزوال إلى قدمين من الظل فلا مستند له سوى أحد امرين: (أحدهما): ما ورد في جملة من الاخبار المتقدمة من أن وقت صلاة العصر يوم الجمعة وقت الظهر من سائر الايام (* 1) وحيث قدمنا أن وقت الظهر في غير يوم الجمعة هو ما إذا بلغ الفيئ ذراعا أي قدمين لمكان النافلة كما مر وصلاة الجمعة متقدمة على صلاة العصر فيعلم بالملازمة


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 204 ]

ان الجمعة لابد من ان تقع قبل بلوغ الفيى ذراعا، لانه وقت صلاة العصر، ومعه ينتهي وقت الجمعة لا محالة. ويندفع بان الامر وان كان كما ذكر وان وقت صلاة العصر يوم الجمعة هو وقت صلاة الظهر من سائر الايام إلا أن ظاهر الروايات عدم اختصاص ذلك بمن تجب صلاة الجمعة في حقه فان الحكم بان وقت صلاة العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظهر من سائر الايام مطلق يعم جميع افراد المكلفين سواء اكان مامورا بصلاة الجمعة ام كان مسافرا وممن لا يجب عليه حضورها أو لم تجتمع فيه شرايطها أو يرى عدم وجوب الجمعة تعيينا وانما هي واجبة تخييرية عنده. وبهذه القرينة تكون الروايات ظاهرة الورود لبيان أن صلاة العصر ليست بمسبوقة بالنافلة - يوم الجمعة - لان وقتها انما اخر إلى بلوغ الفيئ اربعة أقدام - في غير يوم الجمعة - لمكان النافلة وصلاة الظهر قبلها، وحيث لا نافلة يوم الجمعة قبلهما فلا موجب لتأخير العصر إلى ذلك الوقت إذا فيكون وقتها بعد صلاة الفريضة يوم الجمعة سواء أكانت هي الجمعة أو الظهر وهذا هو الذي لا يختص بمن وجبت عليه صلاة الجمعة، لما مر من ان وقت صلاة العصر يوم الجمعة بعد بلوغ الفيئ ذراعا بالاضافة إلى الجميع. والنتيجة ان الاخبار لا دلالة لها على هذا المدعى إذ ليست مسوقة إلا لبيان سقوط النافلة يوم الجمعة. و (ثانيهما): أن الروايات الواردة في المقام حيث لم تدلنا على منتهى وقت صلاة الجمعة فمنتهى وقتها مشكوك فيه عندنا والقدر المتيقن منه انما هو بلوغ الفيئ قدمين وفي الزائد عليه نشك في أن الواجب هل هو صلاة الجمعة أو الظهر، لانه من موارد

[ 205 ]

دوران الامر بين الرجوع إلى عموم العام واستصحاب حكم المخصص لان مقتضى العمومات أو المطلقات ان كل مكلف تجب عليه خمس صلوات في كل يوم ومنها صلاة الظهر وانما خرجنا عن ذلك يوم الجمعة لعدم وجوب الظهر فيه، لما دل على ان صلاة الجمعة قائمة مقام صلاة الظهر، والمتيقن منها كونها كذلك إلى بلوغ الظل قدمين، وأما الزائد على ذلك فلا علم لنا بالخروج فلا ندري أن وظيفة المكلف صلاة الظهر حينئذ عملا بالمطلقات أو العمومات، أو ان الوظيفة صلاة الجمعة استصحابا لحكم المخصص إلى الغروب، ومقتضى العموم أو الاطلاق حينئذ ان الوظيفة صلاة الظهر بعد مضي الوقت المتيقن، والنتيجة ان منتهى وقت صلاة الجمعة بلوغ الفيئ قدمين أي ذراعا. ويندفع: بان هذا الوجه اضعف من سابقه، لان دوران الامر بين الرجوع إلى عموم العام واستصحاب حكم المخصص انما هو فيما إذا لم يكن لدليل التخصيص اطلاق، لوضوح ان معه لا تصل النوبة إلى شئ من الاحتمالين، واطلاق ما دل على وجوب صلاة الجمعة غير قاصر الشمول لما بعد بلوغ الفيئ ذراعا، لان مقتضى اطلاقه استمرار وجوب الجمعة إلى غروب الشمس كما هو مقتضى كونها قائمة مقام الظهر وكون الخطبتين فيها مقام الركعتين، فكما أن وقت صلاة الظهر يمتد إلى الغروب فكذلك وقت صلاة الجمعة. وبهذا البيان يظهر ان ما ذهب إليه ابن ادريس واختاره الشهيد في البيان والدروس من امتداد وقت صلاة الجمعة إلى الغروب هو الاوفق بالمطلقات بل هو المتعين مع قطع النظر عما نبينه لما مر من عدم تمامية ما ذهب إليه المشهور في المسألة كما ان ما ذهب إليه الجعفي والمجلسيان لا

[ 206 ]

يمكن تتميمهما بدليل ومعه يتعين التمسك باطلاق ما دل على وجوب الجمعة وهو يقتضي امتداد وقتها إلى الغروب. نعم ان هناك امرين: (أحدهما): التسالم من الاصحاب (قدس الله اسرارهم) على أن وقت صلاة الجمعة ينتهي بصيرورة الظل من كل شئ مثله وهو من التسالم القطعي الذي لا خلاف فيه، بحيث ان العلامة ادعى عليه الاجماع كما عرفت ولم يعتن بمخالفة مثل ابى الصلاح وابن زهرة أو ابن ادريس والشهيد وغيرهم وهذا التسالم هو الذي يردعنا من التمسك بالمطلقات والحكم بامتداد وقت الجمعة إلى الغروب. و (ثانيهما): انه لم يسمع ولم ينقل عن النبي الاكرم - ص - ولا عن احد من اوصيائه المعصومين - ع - بل ولا عن احد من ملازميهم واصحابهم انه صلى الجمعة بعد بلوغ الظل من كل شئ مثله، فلو ان وقت الجمعة لم يكن محدودا بذلك لصدر فعلها من احدهم - ع - أو ممن يلازمهم ويصحبهم لا محالة بعد بلوغ الظل إلى المثل، ولو كان صدر منهم ذلك لنقل الينا يقينا ولو في مورد واحد فمن عدم صدوره عنه - ع - وعدم نقله الينا نستكشف ان وقت الجمعة ينتهي بصيرورة الظل من كل شئ مثله. وبهذا كله ينجلي ان ما سلكه المشهور في المسألة هو المتعين للقبول، وان لم يرد في شئ من رواياتنا، ومع هذين الوجهين لا يبقى للتمسك بالاطلاق مجال فلا يتم ما ذهب إليه ابن ادريس والشهيد (قدهما) ايضا.

[ 207 ]

[ ووقت فضيلة الظهر (1) من الزوال إلى بلوغ الظل الحادث بعد الانعدام، أو بعد الانتهاء مثل الشاخص ووقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين على المشهور. لكن لا يبعد أن يكون من الزوال إليهما ] اوقات الفضيلة: (1) بعد الفراغ عن بيان وقت الاجزاء لصلاتي الظهرين، وأن مبدءه زوال الشمس ومنتهاه غروبها، وان كل جزء من اجزاء الوقت الواقع بينهما مشترك فيه بين الصلاتين على تفصيل قد تقدم يقع الكلام في وقت فضيلتهما، والكلام في ذلك أيضا قد يقع من حيث المبدء واخرى من حيث المنتهى: مبدء وقت الفضيلة للظهرين: المعروف بين الاصحاب (قدس الله اسرارهم) أن مبدء وقت الفضيلة لصلاة الظهر هو الزوال إلى بلوغ الظل الحادث أو الفيئ الموجود - حين الزوال - مثل الشاخص وهو المراد بالمثل في كلماتهم، كما أن مبدء وقت الفضيلة لصلاة العصر بلوغ الظل من مثل الشاخص إلى مثليه، فلو صلى الظهر بعد بلوغه المثل أو العصر بعد بلوغه المثلين لم يقع في وقت فضيلتها، وان كانت واقعة في وقت اجزائها. ولم يستبعد الماتن أن يكون مبدء وقت الفضيلة لصلاة العصر أيضا

[ 208 ]

هو الزوال ويمتد إلى المثلين هذا. والاخبار الواردة في المقام على طوائف ثلاث: (الاولى): ما دل على أن مبدء وقت الفضيلة لصلاة الظهر بلوغ الظل قدما بعد الزوال، ولصلاة العصر قدمين وهي جملة من الاخبار: (منها): صحيحة اسماعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن وقت الظهر. فقال: بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك. إلا في يوم الجمعة أو في السفر، فان وقتها حين تزول (* 1) و (منها): موثقة سعيد الاعرج عن ابي عبد الله - ع - قال: سألته عن وقت الظهر أهو إذا زالت الشمس؟ فقال: بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في السفر أو يوم الجمعة فان وقتها إذا زالت (* 2) ودلالتهما على أن وقت الفضيلة لصلاة الظهر بلوغ الظل قدما واضحة وانما استثني الجمعة والسفر لسقوط النافلة في السفر وتقدمها على الزوال يوم الجمعة ومعه يكون وقت الفضيلة اول الزوال لا محالة. و (منها): موثقة ذريح المحاربي عن ابي عبد الله - ع - قال: سأل أبا عبد الله اناس وانا حاضر.. فقال بعض القوم: انا نصلي الاولى إذا كانت على قدمين، والعصر على اربعة اقدام، فقال: أبو عبد الله - ع - النصف من ذلك أحب إلي (* 3)، والنصف منهما هو القدم والقدمان. (الطائفة الثانية): ما دلت على أن وقت الفضيلة لصلاة الظهر ما إذا بلغ الظل قدمين، ولصلاة العصر ما إذا بلغ اربعة اقدام، وقد يعبر عنهما بالذراع والذراعين، والاخبار في ذلك كثيرة ولا يبعد دعوى تواترها اجمالا مضافا إلى اشتمالها على جملة من الصحاح والاخبار المعتبرة: (منها): صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 209 ]

العجلي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: وقت الظهر بعد الزوال قدمان، ووقت العصر بعد ذلك قدمان (* 1) وهي من حيث السند في نهاية الاعتبار، ومن حيث الدلالة واضحة. وقد يقال: انها انما تدل على أن القدمين - في صلاة الظهر - واربعة اقدام - لصلاة العصر - انما هما منتهى وقت فضيلتهما لا أنهما مبدأه بمعنى أن القدمين من اولهما إلى اخرهما ظرف لصلاة الظهر، واربعة اقدام ظرف لصلاة العصر، كما يقال: وقت صفلاة الصبح بين الطلوعين أو ظهور الحمرة، أو أن وقت العشاء ذهاب الحمرة المشرقية، إلى غير ذلك من التعابير الظاهرة في أن الوقت - باوله إلى آخره - هو ما ورد في الكلام وانه كذلك ظرف للعمل، إذا فالمستفاد من الصحيحة ان القدمين واربعة اقدام منتهى وقت الفضيلة لا أنهما مبدأه. ويرده: أن هذه الدعوى خلاف ظاهر الصحيحة فان ظاهرها ان الحدين مبدءا وقت الفضيلة لا انهما منتهاه. على ان الصحيحة رواها الشيخ (قده) مذيلة بقوله - ع - وهذا اول وقت إلى أن تمضي اربعة اقدام للعصر. وهذا كالصريح في أن اربعة اقدام انما هي مبدء وقت الفضيلة إلى أن تمضي عنها اربعة اقدام لا انها منتهى الوقت. و (منها): صحيحة زرارة عن ابي جعفر - ع - قال: سألته عن وقت الظهر فقال: ذراع من زوال الشمس، ووقت العصر ذراعان (ع) من وقت الظهر فذاك اربعة اقدام من زوال الشمس، ثم قال: ان حائط مسجد رسول الله - ص - كان قامة، وكان إذا مضى منه ذراع صلى


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 210 ]

الظهر، وإذا مضى منه ذراعان صلى العصر. (* 1) وهي أصرح من سابقتها، فان صدرها اعني قوله - ع - ذراع من زوال الشمس وان كان يحتمل ان يكون بيانا لمنتهى وقت الفضيلة، الا أن ذيلها وهو قوله إذا مضى منه ذراع صلى الظهر، وإذا مضى منه ذراعان صلى العصر صريح في أن الذراع والذراعين مبدء وقت الفضيلة لا منتهاه و (منها): صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله - ع - في حديث قال: كان حائط مسجد رسول الله - ص - قبل ان يظلل قامة وكان إذا كان الفيئ ذراعا وهو قدر مربض عنز صلى الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر (* 2) وهي من حيث الدلالة واضحة، كما انها من حيث السند صحيحة. نعم لها طريقان (أحدهما) ضعيف بسهل بن زياد ولكن الآخر صحيح. و (منها): صحيحة اسماعيل الجعفي عن ابي جعفر - ع - قال: كان رسول الله - ص - إذا كان فيئ الجدار ذراعا صلى الظهر، وإذا كان ذراعين صلى العصر، قال: قلت ان الجدار يختلف بعضها قصير وبعضها طويل. فقال: كان جدار مسجد رسول الله - ص - يومئذ قامة (* 3) وهي ايضا صريحة الدلالة على أن مبدء وقت الفضيلة بلوغ الفيئ ذراعا أو ذراعين، لمكان قوله - ع - إذا كان فيئ الجدار ذراعا صلى الظهر.. كما انها تامة من حيث السند، لان اسماعيل الجعفي الواقع في السند وان كان مرددا بين اسماعيل بن جابر الجعفي، واسماعيل بن عبد الخالق


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 211 ]

الجعفي، واسماعيل بن عبد الرحمان الجعفي، الا أن كلهم ثقات. نعم اسماعيل بن جابر الجعفي - بهذا العنوان - لم يوثق في كلماتهم وتعرض له النجاشي ولم يوثقه، الا أن الشيخ وثقه في رجاله لانه (قده) ذكر اسماعيل بن جابر الخثعمي ووثقه، وهذا هو الجعفي والنسخة مغلوطة - اطمئنانا - إذ لا وجود لاسماعيل بن جابر الخثعمي في الرواة فهو مصحف الجعفي كما ذكرناه. ويشهد لذلك ان العلامة تعرض لاسماعيل بن جابر وذكر فيه العبارة التي قدمناها عن الشيخ في ترجمة اسماعيل بن جابر الخثعمي، فان الظاهر ان العلامة ياخذ عبائره عن الشيخ أو النجاشي - غالبا - فما ذكره عبارة الشيخ والموجود فيه الجعفي لا الخثعمي. وايضا يشهد لما ذكرناه أن الموجود في رجال القهبائي؟ المطبوع اخيرا هو إسماعيل بن جابر الجعفي ناقلا له عن الشيخ في رجاله بدل الخثعمي، وهذا واشباهه مما يفيد الاطمئنان بان نسخة رجال الشيخ مغلوطة، وان الخثعمي مصحف الجعفي وهو ثقة كما ذكرناه. و (منها): غير ذلك من الروايات. (والطائفة الثالثة): ما استدل به على ما ذهب إليه المشهور من أن وقت الفضيلة للظهر بلوغ الظل مثل الشاخص ولصلاة العصر بلوغه مثليه وهي ايضا عدة روايات: (منها): رواية يزيد بن خليفة قال: قلت لابي عبد الله - ع - ان عمر بن حنظلة اتانا عنك بوقت، فقال: أبو عبد الله - ع - إذا لا يكذب علينا، قلت: ذكر أنك قلت: إن أول صلاة افترضها الله على نبيه الظهر وهو قول الله عزوجل: أقم الصلاة لدلوك الشمس،

[ 212 ]

فإذا زالت الشمس لم يمنعك الا سبحتك، ثم لا تزال في وقت إلى أن يصير الظل قامة وهو آخر الوقت، فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر، فلم تزل في وقت العصر حتى يصير الظل قامتين، وذلك المساء قال: صدق (* 1). وهي من حيث الدلالة ظاهرة فان الظاهر من القامة فيها قامة الانسان والشاخص واحتمال ان يراد منها الذراع كما ادعاه صاحب الحدائق (قده) في غير هذه الرواية نظرا إلى ما ورد من أن القامة في كتاب علي - ع - هو الذراع (* 2) وما دل على تفسير القامة بالذراع حيث ورد فيه: كم القامة؟ فقال: ذراع (* 3) وغيره من الروايات مما لا مجال له. وذلك لان قوله - ع - في ذيل الرواية. وذلك المساء. لا يدع مجالا لهذا الاحتمال، لوضوح عدم دخول المساء بصيرورة الظل ذراعا أو ذراعين، وانما يتحقق بصيرورته مثل الشاخص أو مثليه، مضافا إلى ما اشرنا إليه سابقا من ان ما دل على أن القامة في كتاب علي - ع - هو الذراع ضعيف وكذلك ما دل على تفسير القامة بالذراع فلاحظ. فالرواية من حيث الدلالة غير قابلة للمناقشة. نعم هي من حيث السند ضعيفة، لعدم توثيق يزيد بن خليفة فالرواية غير قابلة للاستدلال بها على شئ. و (منها): رواية محمد بن حكيم قال: سمعت العبد الصالح - ع - وهو يقول: ان اول وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال، واول وقت العصر قامة وآخر وقتها قامتان، قلت: في الشتاء


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 213 ]

والصيف سواء؟ قال: نعم (* 1) وهي ايضا صريحة الدلالة على مسلك المشهور، ودعوى ان القامة فيها بمعنى الذراع ساقطة كما عرفت، الا انها ضعيفة السند لعدم توثيق محمد بن حكيم. (منها): صحيحة احمد بن عمر عن ابي الحسن - ع - قال: سألته عن وقت الظهر والعصر، فقال: وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين (* 2) وهي صحيحة من حيث السند، إلا انها غير تامة من حيث الدلالة وذلك لعدم امكان ارادة ان وقت الفضيلة أو الوقت الاول انما هو بعد القامة إلى قامة ونصف إلى قامتين، لانه مما لا قائل به، فلا مناص من ان تكون ناظرة إلى بيان منتهى وقت الفضيلة أو الوقت الاول، وانه ينتهي إلى قامة ونصف من الزوال إلى قامتين حسب اختلافهما في الفضيلة وبذلك تسقط الصحيحة عن الدلالة على ما ذهب إليه المشهور من أن وقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين. و (منها): صحيحة احمد بن محمد يعني ابن ابي نصر البزنطي قال سألته عن وقت صلاة الظهر والعصر فكتب قامة للظهر وقامة للعصر (* 3) وهي ايضا صحيحة من حيث النسد. وأما دلالتها على ما ذهب إليه المشهور في المسألة فتبتني على ان تكون الصحيحة ناظرة إلى بيان المبدء والمنتهى لوقت الفضيلة، بان يراد منها أن مبدء وقت الفضيلة لصلاة الظهر اول الزوال ومنتهاه قامة، واول وقت الفضيلة لصلاة العصر بعد القامة الاولى إلى القامة الثانية. الا أن من البعيد كون الصحيحة ناظرة إلى ذلك لبعد


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 214 ]

ان يكون مثل بن أبي نصر البزنطي جاهلا باول وقت الفضيلة وغير عالم بمبدئه، والظاهر ان سئواله انما هو عن منتهى الوقتين مع العلم بمبدئهما حسبما ارتكز في ذهنه من انه من اول الزوال ولعله لاجل مفروغية ذلك عنده لم يتعرض في الصحيحة - لا في سئوالها ولا في جوابها - إلى اول وقتي الفضيلة ومبدئهما فكأنه قد صرح بان اول الوقت هو الزوال ومنتهى الوقت لصلاة الظهر قامة، ولصلاة العصر قامتان. إذا لا يمكن الاستدلال بها على مسلك المشهور في المسألة، لانهم ذهبوا إلى أن وقت الفضيلة لصلاة العصر انما هو إلى قامتين بعد القامة الاولى من الزوال، والصحيحة تدل على أن وقت فضيلتها من اول الزوال إلى قامتين ولا دلالة لها على أن مبدءه هو القامة دون الزوال. و (منها): موثقة زرارة قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبنى، فلما أن كان بعد ذلك قال لعمر ابن سعيد بن هلال: ان زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم اخبره فخرجت (فحرجت) من ذلك فاقرءه مني السلام وقل له: إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر، وإذا كان ظلك مثليك فصل العصر (* 1) وهي من حيث السند موثقة ومشتملة على المثل والمثلين ايضا، إلا انها كسابقتها لا يمكن ان يستدل بها على مسلك المشهور، لانها انما تدل على أن مبدء وقت الفضيلة للظهر بلوغ الظل مثل الشاخص، ولصلاة العصر بلوغه المثلين ولم تدل على أن مبدءه لصلاة الظهر هو الزوال، ولصلاة العصر بلوغه المثل كما هو المشهور عندهم لذهابهم إلى أن بلوغ الظل مثل الشاخص منتهى وقت الفضيلة لصلاة الظهر، كما أن بلوغه المثلين آخر وقت الفضيلة


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 215 ]

للعصر، لا أنهما مبدأه، إذا لابد من حمل الموثقة على معنى آخر قد ورد في بعض الروايات وهو التوسعة في الوقت لمراعاة التبريد عند اشتداد الحرارة، حيث أن تأخير الصلاتين عن المثل والمثلين تضييع - كما تقدم في بعض الروايات - وقد استثني منه القيظ فان التأخير فيه عن المثل والمثلين موسع فيه لغاية التبريد، فلا يمكن العمل بها الا في موردها الذي هو القيظ. و (منها): رواية المجالس وقد ورد فيها: أتاني جبرئيل - ع - فاراني وقت الظهر (الصلاة) حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن، ثم اراني وقت العصر وكان ظل كل شئ مثله (* 1) وهي ايضا مشتملة على المثل غير انها ضعيفة السند لا شتماله على عدة من المجاهيل فلا يمكننا الاعتماد عليها في الاسستدلال. إذا لم تبق في المقام اية رواية يستدل بها على مسلك المشهور غير رواية واحدة وهي موثقة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله - ع - قال: اتى جبرئيل رسول الله - ص - بمواقيت الصلاة فاتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر، ثم اتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر.. ثم أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر، ثم أتاه حين زاد في الظل قامتان فأمره فصلى العصر. ثم قال ما بينهما وقت (* 2) لدلالتها على أن ما بين الزوال وصيرورة الظل قامة أي مثل الشاخص وقت لصلاة الظهر كما أن ما بين القامة والقامتين وقت للعصر، وهذا هو الذي ادعاه المشهور في المسألة.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 216 ]

و (دعوى): أن الموثقة معارضة بما ورد في نزول جبرئيل - ع - على النبي - ص - إلى آخر ما تقدم في الموثقة بتبديل القامة والقامتين بالذراع والذراعين أو القدم والقدمين كما روايتي معاوية بن ميسرة ومفضل ابن عمر (* 1) إذا تتساقطان بالمعارضة. (مندفعة): بان هاتين الروايتين ضعيفتان، لعدم توثيق معاوية بن ميسرة ومفضل بن عمر فلا تصلحان للمعارضة مع الموثقة وهي المدرك الوحيد للمشهور ولا مستند لما ذهبوا إليه الا هذه الموثقة وهي من حيث الدلالة والسند ظاهرة، ومع هذا كله لا يمكن الاستدلال بها على مسلكهم بوجه. وذلك لما تقدم من ان هناك جملة كثيرة من الروايات قد دلت بصراحتها على أن وقت الفضيلة للظهرين هو القدم والقدمان أو أن للظهر قدمين وللعصر اربعة اقدام اعني الذراع والذراعين وقد اشرنا إلى أن تلك الروايات من الكثرة بمكان لا يستبعد دعوى تواترها الاجمالي الموجب للقطع بصدور بعضها عنهم عليهم السلام، مضافا إلى أن جملة منها صحاح ومعتبرة في نفسها وهي معارضة للموثقة الدالة على أن وقت الفضيلة لصلاة الظهر من الزوال إلى بلوغ الظل مثل الشاخص، وللعصر من المثل إلى المثلين، وحيث انها اخبار متواترة ومن الروايات الظاهرة الواضحة وقطعية الصدور عنهم - ع - فلا محالة تكون الموثقة من الروايات الشاذة النادرة والمخالفة للسنة القطعية والاخبار المشهورة الواضحة فلا مناص من طرحها لعدم حجيتها في نفسها، على انها موافقة للعامة لما نسب إليهم من ان اول وقت العصر بعد المثل، ومعه لابد من الاخذ بتلك الاخبار الكثيرة


(* 1) المروية في ب 10 من المواقيت من الوسائل.

[ 217 ]

لانها مخالفة للعامة. وعلى الجملة ان الموثقة إما انها ليست بحجة في نفسها، لانها على خلاف السنة القطعية. واما انها مرجوحة والترجيح مع الاخبار الدالة على القدم والقدمين أو القدمين وأربعة أقدام، لكونها مخالفة للعامة، ثم ان ابيت عن طرح الموثقة فلا مانع من ان تحمل القامة فيها على الذراع لما رواه علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (ع) قال: قال له أبو بصير: كم القامة؟ فقال: ذراع، ان قامة رحل رسول الله صلى الله عليه وآله كانت ذراعا (* 1) ولما ورد من أن القامة في كتاب على (ع) هو الذراع (* 2) حيث دلتا على ان المراد بالقامة هو الذراع وهما وان كانتا ضعيفتين والحمل بعيد في نفسه، الا انا لو لم نطرح الموثقة لا بأس بحملها عليه جمعا بين الطائفتين فان المعارضة بينهما تنتفى بذلك وتكونان متحدتي الدلالة على الذراع والذراعين. والمتحصل إلى هنا ان ما ذهب إليه المشهور في المقام مما لا دليل عليه بل أول وقت الفضيلة هو القدم والقدمان أو القدمان وأربعة أقدام حسب اختلافهما في الفضيلة. بقي الكلام في شئ وهو التنافي المترائى بين الاخبار المتقدمة لان جملة منها دلت على التحديد بالقدم والقدمين وجملة أخرى حددت بالقدمين واربعة أقدام أي بالذراع والذراعين فهما متعارضتان، ولا مناص في الجمع بينهما من حمل


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 218 ]

ذلك على بيان مراتب الفضيلة بان يقال: الافضل تقديم نافلة الظهر عن القدم ليقع صلاة الظهر في وقت بلوغ الفيئ قدما - لا قبله - وهو الفرد الاكمل من الصلاة، وإذا أخرت النافلة عن القدم صلى الفريضة إلى القدمين والذراع وهكذا إلى أن ينتهي وقت الفضيلة فانه أيضا راجح غير ان التقديم مهما امكن أرجح، كما ان النافلة أيضا مستحبة إلى ان يبلغ الفيئ ذراعا فانه للمكلف ان يتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع وإذا بلغ الفيئ ذراعا ترك النافلة وبدء بالفريضة كما في جملة من الاخبار (* 1) وكذلك الحال في فريضة العصر ونافلته بالاضافة إلى القدمين واربعة اقدام فالاتيان بها عند القدمين أرجح من تأخيرها إلى أربعة اقدام فكلما كانت أقرب إلى الذراع كانت أفضل إلى ان ينتهي وقت الفضيلة. ويدلنا على هذا الجمع الاخبار الآمرة بالتعجيل في الاتيان بالنوافل ما استطاع منه (* 2) المكلف حيث يستفاد منها ان الاتيان بالنوافل مع الاسراع أمر مرغوب فيه في الشريعة المقدسة لتقع الفريضة في أقرب وقت من الزوال لانه من المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير الذي هو الفريضة، واصرح منها موثقة ذريح المحاربي المتقدمة حيث صرح فيها الامام (ع) بأن النصف من ذلك أحب إلي (* 3) فانها أوضح رواية دلتنا على هذا الجمع لان معنى ان النصف من ذلك أحب إليه ان الاتيان بالفريضة الاولى إذا بلغ الفئ قدمين، والاتيان بها إذا بلغ قدما كلاهما محبوب وراجح الا ان الثاني أحب إليه وافضل وبهذا ترتفع المعارضة المترائي بين الطائفتين المتقدمتين.


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 و 15 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 219 ]

نعم هناك شئ وهو أن في جملة من الاخبار من الواردة في المقام أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي الظهر على الذراع (* 1) وظاهرها انه صلى الله عليه وآله كان مستمرا على ذلك وملتزما به لقوله (ع) في موثقة الحلبي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي الظهر على ذراع. فان لفظة (كان يصلي) ظاهرة في الاستمرار، فلو كان الامر كما ذكرناه من ان الافضل اتيان صلاة الظهر على القدم - وهو نصف الذراع - لم يكن لاستمراره صلى الله عليه وآله والتزامه بالاتيان بها على الذراع وجه، إذا فهذه الروايات منافية للجمع بين الاخبار بما قدمناه من حملها على اختلاف مراتب الفضيلة. ولجواب عن ذلك: أن فعله صلى الله عليه وآله واستمراره عليه انما هو من جهة التوسعة على امته حتى يجتمع الناس لصلاة الجماعة فان اجتماعهم لا قامتها وحضورهم لها عند بلوغ الفيئ قدما كان موجبا للمشقة فمراعاة لتك الجهة وكون الصلاة جماعة اهم عنده من الاتيان بالصلاة عند بلوغ الفيئ قدما أو قدمين استمر صلوات الله عليه على الصلاة عند الذراع. وبعبارة أخرى هناك مصلحتان: (إحداهما): قائمة بالاتيان بالفريضة عند بلوغ الفيئ قدما أو قدمين لانها افضل و (ثانيتهما): قائمة بالصلاة جماعة من غير ان تستلزم أي مشقة على الناس. وهاتان


(* 1) لاحظ موثقة زرارة والحلبي وغيرهما. المرويات في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 220 ]

المصلحتان متزاحمتان وترجيحه صلى الله عليه وآله الثانية على الاولى لاهميتها لا يدل على عدم افضلية الاتيان بالصلاة على القدم، لانه من الاستباق إلى الخير والمبادرة إلى المغفرة، ومن هنا قال (ع) في موثقة ذريح أنه أحب إليه. وان شئت قلت: لا مانع من أن تكون هناك مصلحتان من جهة الوقت وهي تقتضي افضلية الاتيان بالصلاة على القدم، ومن جهة الجماعة والتوسعة على الامة، وهي تقتضي افضلية الاتيان بها على قدمين، فان ترجيح الثانية على الاولى لاهميتها لا يدل على أن تأخيرها عن القدم أفضل من جهة الوقت، فلا دلالة لتلك الاخبار على أفضلية التأخير من تلك الناحية، وانما تدل على أن تأخيرها إلى الذراع افضل من الجهة الثانية أعني التوسعة على الامة واقامة الجماعة، وان كان التقديم إلى القدم افضل من جهة الوقت. بل ان مقتضى جملة من الروايات الواردة في المقام أن الافضلية من حيث المبدء ليست بمحدودة بحد وان الافضل الاتيان بصلاتي الظهرين من حين الزوال، وذلك لدلالتها على أن الشمس إذا زالت فقد دخل وقت الصلاتين، وأن تأخيرهما إلى القدم والقدمين انما هو لمكان النافلة، لا انه لاجل خصوصية في ذلك الزمان استدعت افضلية ايقاع الصلاة فيه من ايقاعها قبله. كيف وقد عرفت أن تقديمها على القدم من الاستباق إلى الخير والمبادرة إلى المغفرة فلا ينبغي التردد في انه افضل وقد ورد في صحيحة محمد بن أحمد بن يحيى: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين وبين يديها سبحة وهي ثماني ركعات، فان شئت طولت، وان شئت قصرت (* 1)


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 221 ]

وفي موثقة ذريح المحاربي: إذا زالت الشمس فهو وقت لا يحبسك منه الا سبحتك تطيلها أو تقصرها (* 1) إلى غير ذلك من الروايات. إذا تدلنا هذه الرويات على أن الافضلية في التأخير انما هي بالاضافة إلى المتنفل، فان الافضل حينئذ ان يوتى بالفريضة عند الفراغ عن النافلة طالت أم قصرت واليه اشير في صحيحة محمد بن احمد بن يحيى المتقدمة آنفا بقوله: لا القدم ولا القدمين إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين وبين يديها سبحة. وأما إذا فرضنا ان المكلف لا يريد التنفل فالافضل في حقه الاتيان بالفريضة في أول الزوال لانه ليست هناك حالة منتظرة إلى القدم والقدمين نظير المسافر أو يوم الجمعة فان الصلاتين في الموردين يؤتى بهما عند الزوال إذ لا نافلة للمسافر، كما لا نافلة يوم الجمعة بعد الزوال. فالصحيح - على هذا - أن يقال: ان الافضل الاتيان بالفريضة بعد الفراغ عن التنفل سواء أكان ذلك بعد بلوغ الفيئ قدما أم أكثر إلى يبلغ الذراع، فانه إذا لم يتنفل إلى ذلك الوقت بدأ الفريضة وترك النافلة، واما بالاضافة إلى من لا ينتفل بعد الزوال فالافضل في حقه أن يأتي بالفريضة بعد الزوال. وبهذا يظهر ان ما ذكره الماتن (قده) من انه لا يبعد ان يكون مبدء وقت الفضيلة لصلاة العصر أيضا من أول الزوال هو الصحيح. هذا كله في مبدء وقت الفضيلة.


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 222 ]

منتهى وقت الفضيلة للظهرين المعروف عند الفقهاء (قدس الله أسرارهم) ان منتهى وقت الفضيلة لصلاة الظهر بلوغ الظل الحادث أو الباقي مثل الشاخص وللعصر بلوغه المثلين وهذا هو الصحيح وتدل عليه عدة من الروايات: (منها): موثقة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) قال: أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله بمواقيت الصلاة فأتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر ثم أتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر. ثم أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر، ثم أتاه حين زاد في الظل قامتان فأمره فصلى العصر. ثم قال: ما بينهما وقت (* 1) فان هذه الموثقة وان كانت مطروحة من حيث دلالتها على مبدء وقت الفضيلة، لمخالفتها السنة القطعية كما عرفت، الا انها من حيث دلالتها على منتهى وقت الفضيلة مما لا مانع من الاستدلال به وقد دلت على أن منتهى وقت الفضيلة لصلاة الظهر قامة ومثل، لصلاة العصر قامتان ومثلان. و (منها): صحيحة أحمد بن عمر عن أبي الحسن (ع) قال: سألته عن وقت الظهر والعصر فقال: وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين (* 2) وهي كسابقتها لا يمكن أن يستدل بها على مبدء الوقت الا أن دلالتها على منتهى وقت الفضيلة وانه المثل للظهر والمثلان أو المثل ونصفه للعصر مما


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 223 ]

لا يقبل المناقشة. و (منها): صحيحة احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: سألته عن وقت صلاة الظهر والعصر فكتب قامة للظهر وقامة للعصر (* 1) فان احتمال كونها ناظرة إلى بيان كل من المبدء والمنتهى بعيد كما مر فيتعين ان تكون ناظرة إلى بيان المنتهى فحسب، وبالجملة ان في الصحيحة احتمالين، وهذا الاحتمال هو الصحيح، وقد دلت على أن منتهى الوقت للظهر قامة، وللعصر قامتان أي قامة بعد قامة. ويؤيد ما ذكرناه ما ورد في رواية يزيد بن خليفة المتقدمة (* 2) بعد التحديد بالقامة والقامتين من قوله: وذلك المساء لدلالته على أن وقت العصر يمتد إلى قامتين يصدق معهما المساء، إذا لا يحتمل فيها ارادة الذراع من القامة. وقد يتوهم أن منتهى وقت الفضيلة لصلاة العصر ثمانية أقدام أي قامة وسبع قامة ويستدل عليه بصحيحة الفضلاء أعني الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم وبريد عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انهما قالا: وقت الظهر بعد الزوال قدمان، ووقت العصر بعد ذلك قدمان، وهذا أول وقت إلى أن يمضي أربعة أقدام للعصر (* 3) وقد قدمنا انها من الاخبار الدالة على الذراع والذراعين. وقد يحتمل ورودها للدلالة على أن منتهى وقت العصر ثمانية اقدام أي قامة وسبع قامة، لان القامة المتعارفة تقدر بسبعة اشبار التي هي سبعة أقدام لتساوي الشبر مع القدم، وتقريب دلالتها على ذلك: انها دلت على أن وقت صلاة الظهر بعد الزوال قدمان ووقت العصر بعد ذلك قدمان وهذه أربعة أقدام ثم قال:


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) في ص 211 - 212.

[ 224 ]

وهذا أول وقت إلى أن تمضي أربعة أقدام للعصر إذا يكون وقت العصر ممتدا إلى ثمانية أقدام. وذلك بدعوى أن المشار إليه بقوله: وهذا أول وقت. هو أربعة. أقدام، بمعنى أن أربعة أقدام أول وقت العصر فيمتد إلى أربعة أقدام بعد ذلك، ومعه يكون منتهى وقت العصر ثمانية أقدام أي قامة وسبع قامة. والصحيحة - على تقدير ظهورها في ذلك - غير منافية للاخبار المتقدمة الدالة على أن منتهى وقت العصر قامتان، لانها لابد من أن تحمل على الافضلية كما تقدم. وانما الكلام في دلالتها على ذلك، والصحيح أن المشار إليه بقوله: هذا أول وقت. هو القدمان، ومعناه أن القدمين أول وقت لصلاة الظهر إلى أن تمضي أربعة أقدام - أي ذراعان - من الزوال حتى يدخل وقت العصر ويدلنا على ذلك قوله: أن تمضي أربعة أقدام للعصر، لان الظاهر منه أن مضي الاربعة مقدمة لدخول وقت العصر لا انها وقت لصلاة العصر كما هو الحال فيما إذا كان المشار إليه هو أربعة أقدام. فكم فرق واضح بين أن يقال: أن يمضي أربعة أقدام العصر وان يقال أن تمضي أربعة أقدام للعصر لظهور الجملة الثانية في أن مضي الاربعة مقدمة لدخول وقت العصر لا أنها وقته. إذا يكون ذكر تلك الجملة موكدا للجملة السابقة: ووقت العصر قدمان، والنتيجة أن هذه الصحيحة متحدة الدلالة مع الاخبار الواردة في التحديد بالذراع والذراعين المحمولة على الافضلية. و المتحصل إلى هنا أن وقت الفضيلة لصلاة الظهر ينتهي إلى المثل والقامة، وللعصر إلى مثلين، والمراد بصيرورة الظل مثل الشاخص أو مثليه

[ 225 ]

[ ووقت فضيلة المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق (1) أي الحمرة المغربية، ووقت فضلية العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل، فيكون لها وقتا اجزاء: قبل ذهاب الشفق، وبعد الثلث إلى النصف. ] هو صيرورة الظل الحادث بعد الانعدام مثل الشاخص أو مثليه أو ميله إلى المشرق - موربا - بمقدار الشاخص أو مثليه، لا وجود مطلق الظل كذلك لما مر من أن في بعض البلاد يكون الظل بمقدار الشاخص أو مثليه عند الزوال لاختلاف البلاد في عرضها. هذا كله في وقت فضيلة الظهرين. وقت الفضيلة للعشاءين (1) الاخبار الواردة في المقام متفقة الدلالة على أن وقت فضيلة المغرب هو الغروب، ومنتهاه ذهاب الشفق أي الحمرة المغربية، وأما ان الغروب هل يتحقق بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس فهو أمر آخر يأتي تحقيقه قريبا ان شاء الله. نعم يمتد في حق المسافر إلى ربع الليل أو ثلثه، كما انها متفقة الدلالة على أن وقت الفضيلة لصلاة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل كما في جملة من الروايات. ومما دل على ذلك موثقة ذريح عن أبي عبد الله (ع) قال: أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله فاعلمه مواقيت الصلاة فقال: صل الفجر حين ينشق الفجر، وصل الاولى إذا زالت الشمس، وصل العصر بعيدها، وصل المغرب إذا سقط القرص، وصل العتمة إذا غاب الشفق، ثم أتاه

[ 226 ]

من الغد فقال: أسفر بالفجر فأسفر ثم اخر الظهر حين كان الوقت الذي صلى فيه العصر وصلى العصر بعيدها، وصلى المغرب قبل سقوط الشفق، وصلى العتمة حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت الحديث (* 1). حيث دلت على أن أول وقت المغرب - في اليوم الاول - حين سقوط الشمس و - في اليوم الثاني - قبل سقوط الشفق ثم قال: ما بينهما وقت وايضا دلت على أن أول الوقت للعشاء - في اليوم الاول - انما هو بعد غياب الشفق و - في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: ما بينهما وقت. ورواية زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس فإذا زالت قدر نصف اصبع صلى ثماني ركعات، فإذا فاء الفيئ ذراعا صلى الظهر ثم صلى بعد الظهر ركعتين. وصلى المغرب حتى (* 2) تغيب الشمس فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء وآخر وقت المغرب اياب الشفق فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء وآخر وقت العشاء ثلث الليل. (* 3) وهي واضحة الدلاله على المدعى ولكن في سندها موسى بن بكر وهو لم يوثق في كتب الرجال. نعم روى الكشي روايتين في مدحه ولكنهما ايضا غير قابلتين للاستدلال بهما، لانتهاء سنديهما إلى نفس الرجل فتحصل أن للعشاء وقت فضيلة وهو من بعد ذهاب الشفق إلى ثلث الليل ووقتا اجزاء (أحدهما) قبل ذهاب الشفق و (ثانيهما): بعد ثلث الليل.


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) الصحيح: حين تغيب كما في الحدائق ج 6 ص 196.

[ 227 ]

[ ووقت فضيلة الصبح من طلوع الفجر إلى حدوث الحمرة في المشرق (1) ] وقت الفضيلة لفريضة الفجر (1) ما ذكره الماتن (قده) هو المشهور بين الاصحاب (قدس الله أسرارهم) وقد جمعوا بذلك بين الروايات وقالوا: ان ذلك وقت الفضيلة ومنه إلى طلوع الشمس وقت اجزاء، أو أن الاول وقت اختياري والثاني لذوي الاعذار والاضطرار، غير أن التعبير بحدوث الحمرة في المشرق لم نعثر عليه في شئ من الروايات كما مر عند بيان أوقات الفرائض فان الوارد في النصوص عدة عناوين وليس منها حدوث الحمرة أو ظهورها: (فمنها): عنوان الاسفار كما في موثقة ذريح الواردة في نزول جبرئيل على النبي الاكرم صلى الله عليه وآله واعلامه بالوقت حيث قال: اسفر بالفجر فاسفر (* 1): و (منها): عنوان التنوير كما في موثقة معاوية بن وهب المتقدمة حيث قال: ثم اتاه حين نور الصبح فأمره فصلى الصبح (* 2) والتنوير والاسفار بمعنى واحد فالموثقتان متحدتا المفاد. و (منها): عنوان الاضاءة كما ورد في رواية يزيد بن خليفه عن أبي عبد الله (ع) قال: وقت الفجر حين يبدو حتى يضئ (* 3) والمراد


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 10 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 26 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 228 ]

بالاضاءة فيها اضاءة السماء من جميع الجوانب والاطراف وهو المساوق للتنوير والاسفار، وهو آخر وقت الفضيلة، لا الاضاءة من ناحية واحدة أعني ناحية المشرق فقط كما تتحقق بعد طلوع الفجر بزمان قليل، لانه أول وقت الفضيلة على ما ورد في رواية زرارة المتقدمة الضعيفة بموسى ابن بكر: حيث ورد فيها فإذا طلع الفجر واضاء صلى الغداة، حيث ذكر الاضاءة بعد طلوع الفجر وهو الاضاءة من جانب المشرق بعد طلوع الفجر وهو أول وقت الفضيلة. وعلى الجملة ان هاتين الروايتين وان ورد فيهما عنوان الاضاءة الا انها جعلت في رواية زرارة أول وقت الفضيلة وفي رواية يزيد بن خليفة آخر وقتها. و (منها): عنوان تجلل الصبح السماء وهذا ورد في صحيحتين: (إحداهما): صحيحة الحلبي - على ما بيناه من وثاقة ابراهيم بن هاشم - عن أبي عبد الله (ع) قال: وقت الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء. (* 1) و (ثانيتهما): صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) وقد ورد فيها أيضا: وقت الفجر.. (* 2) ومعناه صيرورة الكون متجليا وظاهرا بحيث يرى فيه الموجودات ويتميز بوضوح والظاهر أن المراد من جميع تلك العناوين شئ واحد معبرا عنه بالتنوير تارة والاسفار أخرى والاضاءة ثالثة وتجلل الصبح السماء رابعة، وهي خالية عن عنوان ظهور الحمرة في المشرق كما ترى. ولعلهم انما عبروا بذلك بدعوى الملازمة بين تلك العناوين المتقدمة وظهور الحمرة في المشرق ولكن الصحيح عدم التلازم بين الامرين، فان


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 26 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 229 ]

الحمرة تبدو متأخرة عن تجلل الصبح السماء كما يأتي قريبا ان شاء الله. نعم ورد في صحيحة علي بن يقطين ظهور الحمرة في كلام السائل قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخرهما؟ قال: يؤخرهما (* 1). ولكنه كما ترى لم يؤخذ في وقت فريضة الفجر ولا في نافلتها، وانما ورد في كلام السائل. نعم لا يخلو ذلك عن الاشعار بان السائل قد ارتكز في ذهنه ان تقدم النافلة على الفريضة انما هو فيما إذا أتى بها قبل ظهور الحمرة والامام (ع) قرره على هذا الارتكاز فلو تم هذا الاشعار وثبت تقريره (ع) له لدلت الصحيحة على جواز الاتيان بالنافلة قبل فريضة الفجر إلى ظهور الحمرة، ومعنى ذلك جواز التنفل والتطوع في وقت فضيلة الفريضة، وجواز تقديمها عليها عند المزاحمة، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، لان المستفاد من الروايات الواردة في الظهرين ونافلتهما عدم جواز التنفل - بالنوافل المرتبة - في وقت الفريضة وقد ورد في بعضها: أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت: لم جعل ذلك؟ قال: لمكان النافلة ولك ان تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة. (* 2) وفي بعضها لمكان الفريضة بدل النافلة، والمعنى واحد فانها تدلنا على عدم مشروعية النافلة في وقت فضيلة الفريضة - مع التزاحم - لانها انما اخرت لئلا تقع النافلة في وقت الفريضة، فلا امر بالنافلة عند المزاحمة مع الفريضة، وكيف كان فالصحيحة اجنبية عن تحديد وقت فضيلة الفريضة ونافلتها - بالكلية -.


(* 1) المروية في ب 51 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 230 ]

نعم لا تخلو عن الاشعار بل الدلالة على أن ظهور الحمرة انما هو بعد الاسفار والتنوير وانهما متغائران، حيث ورد فيها: حتى يسفر وتظهر الحمرة، لان ارادة البيان والتفسير من العطف بعيد، فلا مناص من أن يكون العطف من عطف الخاص على العام، فان الاسفرار عام وظهور الحمرة خاص، وانما يتحقق بعده، ومعه لا وجه لتعبيرهم عن منتهى وقت الفضيلة لصلاة الفجر بظهور الحمرة في كلماتهم. نعم ورد في الفقه الرضوي: اول وقت الفجر اعتراض الفجر في أفق المشرق وهو بياض كبياض النهار، وآخر وقت الفجر أن تبدو الحمرة في أفق المغرب، وقد رخص للعليل، والمسافر، والمضطر إلى قبل طلوع الشمس (* 1) وفي دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليهما السلام: أول وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في أفق المشرق، وآخر وقتها ان يحمر أفق المغرب، وذلك قبل أن يبدو قرن الشمس من أفق المشرق بشئ. (* 2) ومقتضاهما أن آخر وقت الفضيلة أو الوقت الاختياري ظهور الحمرة في ناحية المغرب وهذا خلاف ما ادعاه المشهور في المقام من تحديد وقت الفضيلة بظهور الحمرة في المشرق، مضافا إلى أن الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن ان تكون معتبرة، وروايات الدعائم مرسلات فلا اعتداد بها كما مر غير مرة، والمتحصل ان عنوان ظهور الحمرة في المشرق لم يرد في شئ من الروايات.


(* 1) الفقه الرضوي ص 2 (* 2) المروية في ب 20 من ابواب المواقيت من المستدرك.

[ 231 ]

[ (مسألة) يعرف الزوال بحدوث (1) ظل الشاخص المنصوب معتدلا في ارض مسطحة بعد انعدامه كما في البلدان التي تمر الشمس على سمت الرأس كمكة في بعض الاوقات، أو زيادته بعد انتهاء نقصانه كما في غالب البلدان، ومكة في غالب الاوقات. ] طرق معرفة الزوال (1) نطقت الآية المباركة: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل. (* 1) بوجوب اقامة الصلاة عند الدلوك ودلت الاخبار الكثيرة البالغة حد التواتر على وجوب صلاتي الظهرين عند الزوال وورد في بعضها: إذا زالت الشمس دخل الوقتان: الظهر والعصر، أو دخل وقت الظهر والعصر أو غيرهما مما ورد في الرويات (* 2) إذا لابد لنا من معرفة دلوك الشمس وزوالها وما هو بمعناهما من العناوين الواردة في النصوص كزاغت الشمس (* 3) حتى نتمكن من اقامة الظهرين في وقتيهما فنقول: الزوال هو ميل الشمس إلى جهة المغرب من المشرق وانحدارها بعد ارتفاعها ووصولها غاية علوها وارتفاعها اعني تجاوزها عن دائرة نصف النهار، فان الشمس متى ما طلعت وخرجت عن تحت الارض من المشرق اخذت


(* 1) الاسراء: 17: 78. (* 2) راجع ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) كما في صحيحة احمد بن عمر الحلال المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 232 ]

في الارتفاع فتعلو شيئا فشيئا حتى تبلغ غاية ارتفاعها ثم تأخذ في النزول والانحدار إلى ناحية المغرب حتى تدخل تحت الارض والافق كصعود الجبل فان من يصعد الجبل يأخذ في الارتفاع عليه شيئا فشيئا حتى يبلغ قمته وهي غاية الارتفاع منه ثم بعد ذلك يأخذ في النزول والانحدار. ثم ان زوال الشمس ليس كطلوعها وغروبها من الامور المحسوسة القابلة للرؤية والمشاهدة إذا لم يكن هناك حاجب من النظر من الجبال والاطلال وغيرهما من الحواجب، فان الناظر - لولا الحاجب، ليرى طلوع الشمس ويشاهد غروبها بوضوح، وليس هكذا زوالها وانحدارها بعد بلوغها نهاية علوها، لعدم امكان مشاهدته بالنظر واحساسه بالبصر، ومن هنا وجب تعيين علامة معرفة للزوال وطريق يهتدي به إلى تحققه وقد ذكروا لمعرفتة طرقا: الطريق الاول (1) قد ورد في النصوص استكشاف الزوال بحدوث ظل الشاخص بعد انعدامه، أو بزيادته بعد نقصانه، وهذا طريق حقيقي يتعرف به الزوال وليس مجرد امر تعبدي ورد في الروايات، فان الشمس متى ما طلعت ووقعت على اي جسم مرتفع عن سطح الارض حدث له ظل طويل إلى طرف المغرب. فإذا فرضنا ان الجسم عمود منصوب على الارض حدث له ظل طويل بمقدار يدركه البصر نحو المغرب، وكلما اخذت الشمس في الصعود والارتفاع اخذ الظل في النقصان والزوال إلى ان تبلغ الشمس دائرة نصف النهار، وهي غاية صعودها وارتفاعها، فان الظل

[ 233 ]

وقتئذ ينعدم - كلية - فيما إذا كانت الشمس مسامتة للشاخص والعمود أي على قمته، وإذا اخذت الشمس بالنزول والانحدار حدث له ظل إلى ناحية المشرق، وكلما ازدادت الشمس في الانحدار أخذ الظل بالازدياد إذا يكون حدوث الظل إلى طرف المشرق بعد الانعدام امارة قطعية على الزوال وكاشفا يقينيا عن تجاوز الشمس عن دائرة نصف النهر، لاستكشاف العلة من معلولها، هذا فيما إذا كانت الشمس مسامتة للعمود والشاخص. وأما إذا لم تكن مسامتة له فلا يكون ظل العمود منعدما عند الزوال بل يبقى له ظل إلى ناحية الشمال إذا كان العمود في تلك الناحية كما هو الحال في اكثر البلاد، فانها واقعة في جهة الشمال - غالبا - والبلاد الجنوبية قليلة، وفي تلك البلاد إذا زالت الشمس أخذ الظل الموجود في الازدياد إلى جانب الشرق - بعد انتهاء نقصانه - وبأخذه في الازدياد يستكشف الزوال استكشافا قطعيا كما مر لانه امارة قطعية على تجاوز الشمس عن دائرة نصف النهار. وتوضيح ما ذكرناه ان الكرة تنقسم إلى أربعة أرباع وذلك بفرض خطين يمر أحدهما على نقطتي المشرق والمغرب ويسمى بخط الاستواء وهو ينصف الكرة جهتين: شمالية وجنوبية، ويمر ثانيهما على نقطتي الشمال والجنوب ويسمى بدائرة نصف النهار وهي ايضا تنصف الكرة جهتين: شرقية وغربية ومن تقاطع هذين الخطين الموهومين تنقسم الكرة أربعة أرباع لا محالة، والبلاد - على الاغلب - واقعة في طرف الشمال، والواقعة منها في طرف الجنوب

[ 234 ]

قليلة كما تقدم. ثم ان الشمس إذا طلعت من اية نقطة من المشرق غربت في النقطة المقابلة لها من المغرب، وإذا طلعت - في أيام الربيع اخذت في الميل إلى طرف الشمال من خط الاستواء - طلوعا وغروبا - ولا تزال تبتعد عنه فتبتعد حتى تصل إلى البعد الاعظم وهو - على ما ضبطوه - ثلاثة وعشرون درجة، ثم تأخذ في العودة والرجوع - وذلك في أيام الصيف - ولا تزال في الاقتراب إلى خط الاستواء فتقترب حتى تصل إليه فيكون مدة ابتعادها عن خط الاستواء ووصولها إلى البعد الاعظم ثم رجوعها عنه إليه ستة أشهر وهي ثلاثة أشهر الربيع وثلاثة أشهر الصيف. كما انها - في أيام الخريف - إذا طلعت اخذت في الابتعاد عن خط الاستواء إلى طرف الجنوب ولا تزال تبتعد حتى تصل البعد الاعظم وهو ثلاثة أشهر الخريف ثم تأخذ في العودة والرجوع ولا تزال في الاقتراب منه حتى تصل إليه وهو ثلاثة أشهر الشتاء. ولا يفرق في تكون الفصول الاربعة والابتعاد عن خط الاستواء إلى الشمال والجنوب ثم الرجوع إليه بين القول بان الارض ثابتة والشمس متحركة، والقول بأن الارض متحركة والشمس ثابتة فإذا عرفت ذلك ظهر لك أن المكان المنصوب فيه الشاخص والعمود إذا كان بعده عن خط الاستواء أزيد من البعد الاعظم بان يكون اكثر من ثلاثة وعشرين درجة لم تكن الشمس مساممتة له في شئ من أيام السنة فلا ينعدم فيه الظل بوقت، بل يبقى منه شئ - دائما - إلى ناحية الشمال في البلدان الشمالية عند الزوال فإذا زالت أخذ الظل في الازدياد نحو المشرق ففي تلك الاماكن لا يكون حدوث بعد الانعدام، وانما يكون زيادة بعد النقصان.

[ 235 ]

وإذا كان المكان مساويا في البعد عن خط الاستواء مع البعد الاعظم للشمس بان يبعد عنه ثلاثة وعشرين درجة انعدم فيه الظل يوما واحدا في أيام السنة وذلك عند وصول الشمس إلى البعد الاعظم لكونها مسامتة حينئذ لتلك البلاد، فالظل فيها وقتئذ عند الزوال ظل حادث بعد الانعدام. وإذا كان المكان المنصوب فيه الشاخص واقعا في شئ من المدارات الشمسية ومسيرها من خط الاستواء إلى البعد الاعظم أو رجوعها عنه انعدم الظل فيه مرتين في أيام السنة فيوم عند مرور الشمس عنه إلى البعد الاعظم ويوم آخر عند رجوعها عنه إلى خط الاستواء، ولا فرق في ذلك بين ميلها إلى طرف الشمال وميلها إلى الجنوب. بمعنى انه لا فرق في ذلك بين البلاد الشمالية - كما هي الاكثر - والبلاد الجنوبية، غير أن الظل في البلاد الشمالية يبقى عند الزوال مستطيلا إلى الشمال إلى أن تصل الشمس عند صعودها على قمة رؤوس اهلها وتكون مسامتة لهم فينعدم الظل حينئذ وقت الزوال - بالكلية - فإذا تجاوزت عن قمة رؤوسهم حدث للشاخص ظل جنوبي ويبقى كذلك عند الزوال إلى أن تصل الشمس عند رجوعها من الميل الاعظم على قمة رؤوس أهلها وينعدم حينئذ ايضا - كلية -. وأما البلاد الجنوبية فالامر فيها بالعكس بمعنى أن الظل الباقي من الشاخص عند الزوال يبقى إلى الجنوب حتى تصل الشمس عند مرورها إلى البعد الاعظم على قمة رؤوس أهلها فينعدم - كلية - فإذا تجاوزت عن مسامتتهم حدث للشاخص ظل شمالي ولا ينعدم بالكلية عند الزوال بل يبقى منه شئ إلى الشمال حتى تصل الشمس عند رجوعها على مسامتتهم وقمة رؤوسهم فينعدم الظل ايضا بالكلية عند الزوال.

[ 236 ]

[ ويعرف ايضا بميل الشمس إلى الحاجب الايمن (1) لمن واجه نقطة الجنوب (2) ] الطريق الثاني (1) بأن يستقبل نقطة الجنوب بما بين الحاجبين كما إذا واجه نقطة الجنوب بجبهته فانه إذا مالت الشمس إلى الحاجب الايمن فقد تحقق الزوال وذلك لان مواجهة نقطة الجنوب تستلزم المسامتة للخط الموهوم الذي فرضناه مارا على قطبي الشمالي والجنوبي أعني دائرة نصف النهار فإذا كانت الشمس بين العينين والحاجبين فهي على دائرة نصف النهار، فإذا مالت إلى الحاجب الايمن فقد زالت ومالت عن دائرة نصف النهار. (2) ما ذكره (قده) من مواجهة نقطة الجنوب هو الصحيح لا ما ذكره المحقق (قده) من مواجهة القبلة حيث قال: لم يستقبل القبلة. وذلك لان الزوال قد يتحقق متقدما على ميل الشمس إلى الحاجب الايمن لمن استقبل القبلة وذلك كما في العراق وغيره من البلاد التي تكون فيها القبلة منحرفة عن الجنوب إلى المغرب لوضوح أن ميل الشمس عن دائرة نصف النهار في تلك الاماكن انما هو قبل ميلها عن الحاجب الايمن لمن استقبل القبلة لمكان انحرافها عن الجنوب إلى المغرب، وقد يتحقق متأخرا عن ميلها إلى الحاجب الايمن كما في لبنان وما ضاحاها من البلاد التي تكون فيها القبلة منحرفة عن الجنوب إلى المشرق، لان ميل الشمس عن الحاجب الايمن فيها انما هو قبل أن تميل عن دائرة نصف النهار وقبل الزوال لمن استقبل القبلة.

[ 237 ]

[ وهذا التحديد تقريبي (1) كما لا يخفى. ويعرف ايضا بالدائرة الهندية (2) وهي اضبط وامتن. ] وأما البلدان التي تكون فيها القبلة نقطة المشرق نفسها - كالجدة وضواحيها - أو نقطة المغرب كذلك كالبلاد المحاذية للجدة مما وقعت بعد مكة المكرمة فلا يكاد يكون ذلك أمارة على الزوال فيها ابدا إذ كيف يكون ميل الشمس فيها إلى الحاجب الايمن لمن استقبل القبلة علامة للزوال؟! (1) وذلك لان مواجهة نقطة الجنوب مواجهة دقيقة بحيث لو خرج من جبهته المواجهة خط مستقيم إلى تلك النقطة لوصل إليها من دون انحراف بوجه لعله مما لا تحقق له، فالمحاذاة لنقطة الجنوب تقريبية لا محالة، كما أن ميل الشمس عن وسط الحاجبين إلى الحاجب الايمن - في حينه وأوله أمر غير قابل للادراك بالحواس، وانما يعلم بعد تحققه ومضي زمان. إذا فهو تحديد تقريبي يستكشف به تحقق الزوال. الطريق الثالث (2) وبها يستكشف ميل الشمس وتجاوزها عن دائرة نصف النهار استكشافا قطعيا، وطريقة ترسيمها على ما ذكره جماعة من الاصحاب (قدهم) ان يسوى موضع من الارض تسوية دقيقة لا يبقى فيه أي انخفاض أو ارتفاع، ثم يدار عليه دائرة وسيعة أو ضيقة، نعم كلما كانت الدائرة اوسع كانت المعرفة اسهل، وينصب على مركزها شاخص محدد الرأس - نصبا مستقيما - سواء أكان مخروطيا أيضا أم لم يكن، وان ذكر بعضهم

[ 238 ]

اعتبار كونه كذلك، الا انه مما لا ملزم له، وانما اللازم أن يكون محدد الرأس، كما لا يعتبر أن يكون طوله بمقدار ربع قطر الدائرة - كما ذكروه - بل المعتبر أن يكون طوله بمقدار لا يدخل ظله في الدائرة قبيل الزوال، للزوم أن يكون ظل الشاخص محاطا بالدائرة في القرب منه. ثم إذا طلعت الشمس حدث لذلك الشاخص ظل إلى طرف المغرب لا محالة وكلما ارتفعت الشمس نقص من الظل فلا بد وقتئذ من ان يترصد حتى إذا نقص ووصل إلى محيط الدائرة واراد الدخول فيه علم عليه علامة ثم يرصد بعد الزوال حتى إذا وصل طرف الظل إلى محيط الدائرة - لانه كلما مالت الشمس إلى الغروب زاد ظل الشاخص - فإذا وصل إلى محيط الدائرة وأراد الخروج عنه علم أيضا عليه علامة، ثم يوصل ما بين العلامتين بخط مستقيم، وينصف ذلك الخط، ويوصل ما بين مركز الدائرة، ومنتصف الخط بخط آخر وهو خط نصف النهار، وإذا وقع ظل المقياس على هذا الخط كشف ذلك عن أن الشمس في وسط السماء فإذا مال رأس الظل إلى طرف المشرق كشف كشفا قطعيا عن زوالها وتجاوزها عن دائرة نصف النهار، وهي من الامارات والعلائم القطعية وليست تقريبية، ولا مختصة بوقت دون وقت على ما تشهد به التجربة. وعلى هذا الخط بنى شيخنا البهائي (قده) حائطي الصحن المقدس العلوي أعني حائطي المشرق والمغرب، فمتى انعدم الظل من الحائط الشرقي وحدث من الحائط الغربي استكشف منه زوال الشمس وتجاوزها عن دائرة نصف النهار، على ما جربناه مرارا، بلا فرق في ذلك بين فصول السنة.

[ 239 ]

[ ويعرف المغرب بذهاب الحمرة المشرقية (1) عن سمت الرأس، والاحوط زوالها من تمام ربع الفلك من طرف المشرق. ] ما يعرف به الغروب (1) مقتضى الآية المباركة: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل: ان كل جزء من أجزاء الوقت الممتد من الدلو ك إلى الغسق صاخ لوقوع الصلاة فيه، ودلتنا الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام على أن صلاتين من الفرائض الخمس قبل الغروب وصلاتين منها بعده إذا فمقتضى الآية والروايات أن الغروب منتهى وقتي الظهرين ومبدء وقتى العشاءين. ثم إن معنى الغروب أمر ظاهر لدى العرف فانه في مقابل الطلوع فكما انه بمعنى ظهور قرص الشمس عن المشرق وخروجها عن تحت الافق بحيث لو لم يكن هناك حاجب من جبل أو سحاب أو غيرهما لا مكن رؤيتها ومشاهدتها فكذلك الغروب بمقتضى المقابلة - بمعنى خفاء القرص واستتاره تحت الافق، بحيث لا يمكن مشاهدتها ولا تقع عليها الرؤية وان لم يكن هناك أي حاجب من الحواجب، أو مانع آخر ككروية الارض المانعة عن وقوع الابصار على القرص ومشاهدته بعد سقوطه ودخوله تحت الافق، إذا لا اجمال في الغروب حتى يحتاج إلى الشرح والتفسير. إلا أن هناك جملة من الروايات قد استدلوا بها على أن الغروب بمعنى ذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس إلى المغرب، ومن هنا وقع الكلام في أن المراد بالغروب أي شئ؟ وفي المسألة قولان.

[ 240 ]

(أحدهما): أن الغروب في مقابل الطلوع بمعنى سقوط القرص واستتاره تحت الافق، كما ان معنى الطلوع خروج الشمس عن تحت الافق وطريق استكشافه هو استتار القرص عن الانظار وهذا قال به العامة - قاطبة - ونسب من أصحابنا إلى الشيخ في مبسوطه، والصدوق في العلل والفقيه، والسيد المرتضى وغيره، واختاره المحقق في الشرايع ومال إليه صاحب المدارك (قده) بل ظاهره كلام المحقق ان هذا هو المشهور بين الاصحاب فانه نقل القول الثاني في المسألة ووصفه بالاشهرية. و (ثانيهما): أنه بمعنى ذهاب الحمرة المشرقية، وتجاوزها عن قمة الرأس إلى المغرب، فان به ينكشف انحدار الشمس عن الافق الحقيقي وهذا هو الاشهر بين الاصحاب (قدهم). وهناك احتمال أو قول ثالث وهو كون المغرب بمعنى ذهاب الحمرة من مجموع ناحية المشرق اعني زوالها عن تمام ربع الفلك وهذا هو الذي جعله الماتن أحوط ولم نعثر على قائل به، وعليه فلا يكفي - في تحقق الغروب - ذهابها عن قمة الرأس فحسب، لانه - على ما جربناه - يتحقق قبل ذهاب الحمرة عن تمام ناحية الشرق، إذا لابد في تحقق الغروب من مضي زمان بعد ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس حتى تزول الحمرة عن تمام ناحية المشرق. كما انه على القول الاول يتحقق الغروب بمجرد استتار الشمس تحت الافق الحسي، وعلى القول الاشهر لابد من الانتظار ومضي زمان بعد الاستتار لان ذهاب الحمرة عن قمة الرأس انما يتحقق بعد سقوط القرص بدقائق كما لا يخفى على من لاحظه وجربه. ثم ان منشاء اختلاف الاقوال هو اختلاف الاخبار الواردة في المقام فلا مناص من الرجوع إلى الروايات المستدل بها على تلك الاقوال وملاحظة

[ 241 ]

انها هل تدل على شئ منها؟ وان المعين على تقدير الدلالة هو الاخذ بها أو لابد من الاخذ بما دل على خلافها من الاخبار المعارضة لها؟ فمما استدل به على أن الغروب هو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس ما رواه الكليني باسانيد متعددة عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الارض و غربها (* 1) فقد دلت على أن الغروب هو غيبوبة الشمس، وهي انما تتحقق بزوال الحمرة عن ناحية الشرق وقمة الرأس. ويدفعه: أن الرواية لا دلالة لها على القول الاشهر لدلالتها على أن غيبوبة الحمرة من المشرق تكشف عن غيبوبة الشمس عن شرق الارض وغربها، فان المراد بالمشرق هو النقطة التي تطلع منها الشمس فحسب - لا ناحية المشرق - في مقابل المغرب وهو النقطة التي تدخل فيها الشمس تحت الافق، فالمشرق بمعنى محل الشروق كما أن المغرب بمعنى محل الغروب ويؤيده التعبير عن المشرق بمطلع الشمس في بعض الروايات (* 2). وحيث أن المشرق مطل على المغرب لانه مقتضى كروية الارض وقد وقع التصريح به في رواية علي بن أحمد بن اشيم الآتية فيدل ارتفاع الحمرة عن نقطة المشرق على دخول الشمس تحت الافق، إذا ليست في الرواية دلالة على أن ذهاب الحمرة عن قمة الرأس أو عن تمام ناحية الشرق كاشف عن الغروب، وانما تدل على أن ارتفاع الحمرة من خصوص النقطة التي خرجت منها الشمس عند الطلوع - لاذهابها عن قمة الرأس


(* 1) المروية في ب 16 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) راجع ب 16 من الحديث 10 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 242 ]

أو عن تمام ناحية الشرق - دليل على غيبوبتها تحت الافق، كما يجاب بهذا عن جملة من الروايات الواردة في أن سقوط القرص عن الانظار هو الغروب واستدل بها على هذا القول. مضافا إلى أن الرواية ضعيفة السند بالقاسم بن عروة لعدم توثيقة، فالرواية ضعيفة السند والدلالة. وتفصيل الكلام في ضعف دلالتها: أن الرواية وان لم نناقش في دلالتها بان الجزاء فيها ليس بمعلول لشرطها وانما هما أمران متلازمان وذلك لان الجمل الشرطية لا يعتبر أن يكون جزاءها معلولا لشرطها لكفاية كونهما معلولين لعلة ثالثة، فان المعتبر فيها هو التلازم بين الشرط والجزاء سواء كان ذلك من جهة العلية والمعلولية أم من جهة كونهما معلولي علة ثالثة، والرواية تدلنا على أن غيبوبة الحمرة من المشرق ملازمة لغيبوبتها عن شرق الارض وغربها، ولا تنفك احداهما عن الاخرى، فلا مناقشة فيها من هذه الجهة. الا انها مورد المناقشة بما قدمناه وحاصله: أن الارض كروية، ونقطتي المشرق والمغرب متقابلتان ومقتضى الكروية والتقابل وجود الحمرة في المشرق عند ظهور القرص وعدم استتاره تحت الافق من المغرب كما ان مقتضاهما ارتفاع الحمرة من المشرق عند دخول القرص تحت الافق من المغرب، وحيث أن دخول القرص تحت الافق هو المدار في الحكم بوجوب الصلاة وجواز الافطار وغيرهما من الاحكام المترتبة على الغروب ومشاهدة غروب الشمس ودخولها تحت الافق في القوس النهاري أمر غير متيسر للمكلفين، لعدم خلو الارض عن الجبال والاطلال أو غيرهما من الحواجب جعل سلام الله عليه غيبوبة الحمرة عن المشرق امارة كاشفة عن الغروب الواقعي ودخول القرص تحت الافق، فلا دلالة للرواية على أن

[ 243 ]

ذهاب الحمرة عن ناحية المشرق وتجاوزها عن قمة الرأس هو الغروب. وبما سردناه ينكشف أن الرواية انما تدل على أن الغروب هو استتار القرص تحت الافق، لا ذهاب الحمرة المشرقية المتحقق بعد استتار القرص بعشر دقائق أو اثنتا عشر دقيقة، ولا انه ذهاب الحمرة عن تمام ربع الفلك اعني المشرق كله المتحقق بعد استتار القرص بربع الساعة ظاهرا - على ما جربناه مرارا -. و (منها): ما رواه علي بن أحمد بن اشيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول. وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة عن المشرق وتدري كيف ذلك؟ قلت: لا قال: لان المشرق مطل على المغرب هكذا ورفع يمينه فوق يساره، فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا (* 1). والاستدلال بها على القول الاشهر يتوقف على ان يراد بالمشرق ناحيته وجهته دون النقطة التي منها تطلع الشمس كما في الرواية المتقدمة، لدلالتها حينئذ على أن ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس أو ناحية المشرق كلها كاشف عن غيبوبة القرص التي هي المغرب. وقد عرفت في تلك الرواية انها انما تدل على أن ارتفاع الحمرة من مطلع الشمس ومحل خروجها دليل قطعي على سقوط القرص ودخوله تحت الافق لانه مقتضى تقابل نقطتي المشرق والمغرب، وكروية الارض على ما أسلفناه آنفا. بل هي في الدلالة على ذلك اصرح من سابقتها لانه (ع) أشار فيها إلى كروية الارض بقوله ان المشرق مطل على المغرب وقد رسمه ترسيما خارجيا تفهيما للسائل، ومقتضى ذلك انه إذا غابت الشمس


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 244 ]

عن الحس وارتفعت الحمرة من نقطة الطلوع كما لعله المحسوس خارجا، فان غيبوبة الشمس تتعقبها الظلمة التدريجية، وأول ما يظلم بعد الغيبوبة هو مطلع الشمس المقابل لنقطة المغرب ثم تزول الحمرة عن بقية المواضع شيئا فشيئا حتى تزول عن ناحية المشرق كله وهو ربع الفلك ونصف القوس النهاري فلا دلالة لها على أن الغروب هو ذهاب الحمرة عن ناحية المشرق وتجاوزها عن قمة الرأس هذا كله بحسب الدلالة. وأما بحسب السند فهي ايضا ضعيفة وهذا لا لعدم توثيق علي بن احمد بن أشيم في كتب الرجال، لانه وقع في اسناد كامل الزيارات وهو يكفي في توثيقه. بل لانها مرسلة والمراسيل غير قابلة للاستدلال بها على شئ. و (منها): ما رواه ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع) قال: وقت سقوط القرص ووجوب الافطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص (* 1). وهي أصرح رواية فيما استدل به على القول الاشهر غير أنها ضعيفة السند بسهل بن زياد (أولا) وبالارسال (ثانيا) ودعوى ان مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده. مندفعة: بما ذكرناه مرارا من أن مراسيله كمراسيل غيره غير قابلة للاعتماد عليها. على انه يمكن ان يقال: انها ليست مرسلة لابن أبي عمير وانما هي مرسلة الراوي الذي نقلها عن ابن أبي عمير ولم يذكر الراوي الاخير، وذلك لمكان قوله: عمن ذكره. فانه يدل على أن ابن أبي عمير قد ذكر


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 245 ]

الراوي عند روايته وانما لم يذكره غيره ممن روى عن ابن أبي عمير - نسيانا - أو لداع آخر من الدواعي. كما انها ضعيفة الدلالة على هذا المدعى، لان مدلولها غير مطابق لما هو المشاهد بالوجدان، فان من نظر إلى المشرق عند الغروب رأى أن الحمرة قد ارتفعت من ناحيته ثم زالت وحدثت حمرة أخرى في ناحية المغرب، إذا فالحمرة المشرقية تنعدم عند الغروب وتحدث حمرة أخرى، لا ان تلك الحمرة باقية سارية تتعدى من المشرق إلى المغرب كما هو صريح الرواية، حيث قال: فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب. وما ذكرناه أمر ظاهر لاخفاء فيه، فهذه الحمرة وذلك المشرق والمغرب فليلاحظ اللاحظ ان الحمرة المشرقية هل تعلو وتتعدى عن قمة الرأس إلى ناحية المغرب كما هو الحال في الزوال، حيث ذكرنا ان الشمس إذا طلعت لا تزال تعلو وترتفع حتى تصل دائرة نصف النهار، فإذا تجاوزت عنها فقد تحقق زوالها. أو ان الحمرة المشرقية تعلو وتزول بالكلية وتحدث حمرة أخرى في ناحية المغرب؟! فالرواية مخالفة لما هو المشاهد بالوجدان وغير قابلة للتصديق في مدلوها. هذا على انه إن أريد بالسقوط في قوله (ع) على تقدير صدق الحديث: فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص. سقوطه عن الانظار ودخولها تحت الافق الحسي. فعلى ما جربناه مرارا لا ترتب بين الامرين أبدا، وذلك لان سقوط القرص واستتاره تحت الافق انما يتحقق قبل ذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس فان ذهابها انما هو بعد استتار القرص بعشر دقائق أو اثنتا عشر دقيقة، كما أن ذهاب الحمرة عن ناحية المشرق كلية انما يتحقق

[ 246 ]

بعد تجاوزها عن قمة الرأس بدقائق فانه يتحقق بعد استتار القرص بربع الساعة كما مر. وان اريد بالسقوط معنى آخر كسقوطه عن الافق الحقيقي ودخوله تحت الارض فهو أمر مبهم لا طريق لنا إلى مشاهدته ولم يدلنا عليه شئ من الكتاب والسنة. و (منها): ما رواه ابان بن تغلب قال: قلت لابي عبد الله (ع) أي ساعة كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب (* 1). وذلك لدلالتها على أن بين مغيب الشمس إلى وقت صلاة المغرب فاصل زماني وانه صلى الله عليه وآله كان يوتر بهذا المقدار من الوقت إلى طلوع الفجر: إذا تدلنا الرواية على أن مجرد غروب الشمس واستتارها ليس بوقت لصلاة المغرب. بل انما وقتها متأخر عن الاستتار، وليس وقتها المتأخر عنه غير تجاوز الحمرة عن قمة الرأس. و (يرده): (أولا): أن الرواية ضعيفة السند باسماعيل بن أبي سارة لعدم توثيقه. و (ثانيا): انها ضعيفة الدلالة على المدعى، لانه (ع) لم يقل: على مثل مغيب الشمس إلى وقت صلاة المغرب ليدل على أن مغيب الشمس ووقت الصلاة بينهما فاصل زماني، والثاني متأخر عن الاول. بل قال: إلى صلاة المغرب. فلا تدل على أن وقت صلاة المغرب متأخر عن استتار القرص وانما تدل على أن نفس صلاة المغرب أي الاتيان بها كان متأخرا عن الاستتار وانه صلى الله عليه وآله لم يكن يأتي بها عند استتار القرص، والفصل بين المغرب والاتيان بصلاة المغرب لعله من الامور العادية المتعارفة،


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 247 ]

ولا سيما في الجماعات لعدم تحققها - على الاغلب - بعد المغرب إلا بعد الانتظار والاذان والاقامة، فبين صلاة المغرب واستتار القرص فاصل ما لا محالة وقد دلتنا الرواية على انه صلى الله عليه وآله كان يوتر بمثل هذا المقدار من الوقت إلى طلوع الفجر، أي كان يصلي الوتر في آخر وقتها فليست فيها أية دلالة على أن صلاة المغرب متأخرة عن استتار القرص لو لم تدل على خلافه. و (منها): صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد الله (ع) انه سأله سائل عن وقت المغرب فقال: ان الله يقول في كتابه لابراهيم: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال: هذا ربي، وهذا أول الوقت.. (* 1) وقد دلت على أن المغرب إنما يتحقق برؤية الكوكب للملازمة بين دخول الليل ورؤيته فكلما دخل الليل كان الكوكب مرئيا لا محالة ومتى ما لم ير كشف عن عدم دخول الليل، ومن هنا استشهد (ع) بقوله عز من قائل: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا، لانه لا يرى الكوكب إلا بعد دخول الليل ولا تتحقق الرؤية عند سقوط الشمس واستتار قرصها وانما يتحقق بعد تجاوز الحمرة عن قمة الرأس إلى طرف المغرب، فرؤية الكوكب ملازمة لذهاب الحمرة فالرواية تدل على أن المغرب انما يتحقق بذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس. ويرده: أن الانجم ولا سيما الكواكب المنيرة اعني كبارها قد ترى قبل ذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس بزمان علي ما جربناه مرارا ولا تتوقف رؤية كوكب أو كوكبين أو كثر على تجاوز الحمرة ومن لم يصدق فليجرب، إذا ليست للرواية دلالة على القول الاشهر بل هي دالة


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 248 ]

على عكسه اعني ما ذهب إليه المشهور من تحقق المغرب بسقوط القرص، لدلالتها على دخول الوقت برؤية الكوكب المتحققة قبل تجاوز الحمرة عن قمة الرأس. و (منها): ما رواه الشيخ باسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني ناحية المشرق فقد غابت الشمس من شرق الارض وغربها (* 1) وقد قدمنا هذه الرواية عن بريد بن معاوية بطريق الكليني (قده) والفرق بينهما في أن الوارد في هذه الرواية: يعني ناحية المشرق، وفي السابقة: يعني من المشرق. وقد عرفت أن الاستدلال بها يتوقف على ان يراد بناحية المشرق تمام ربع الفلك، وان الحمرة إذا زالت عن ناحيته بالكلية وتجاوزت عن قمة الرأس فقد تحقق المغرب. وأسلفنا أن هذا لا يمكن تتميمه بدليل، بل المراد فيها بالمشرق انما هو في مقابل المغرب اعني نقطة طلوع الشمس عن تحت الافق وقد مر ان في بعض الروايات عبر بالمطلع بدل المشرق. وقد دلت الرواية على أن ارتفاع الحمرة عن تلك النقطة دليل على استتار القرص تحت الافق على ما هو مقتضى تقابل نقطتي المشرق والمغرب، وكروية الارض: إذا الرواية انما تدل على ما ذهب إليه المشهور في المسألة ولا دلالة لها على القول الاشهر، لدلالتها على أن المغرب يتحقق بالاستتار المنكشف بارتفاع الحمرة عن نقطة المشرق. على أن القائلين بالقول الاشهر الملتزمين باعتبار تجاوز الحمرة عن قمة الرأس لا يعتبرون ذهاب الحمرة عن تمام ربع الفلك لعدم التلازم بين تجاوزها عن قمة الرأس وذهابها عن تمام ربع الفلك، لان مع التجاوز


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل

[ 249 ]

عن قمة الرأس ايضا تبقى الحمرة في السماء، ولعلها تشاهد في الجنوب الشرقي بوضوح على ما جربناه فليلاحظ. فالرواية على تقدير تسليم دلالتها والغض عما اسلفناه آنفا انما تدل على الاحتمال أو القول الثالث الذي لم نعثر على قائل به ولا دلالة لها على القول الاشهر كما عرفت هذا كله. مضافا إلى انها ضعيفة السند بالقاسم بن عروة كما تقدم. و (منها): ما رواه محمد بن علي قال: صحبت الرضا (ع) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا اقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد (* 1) فان الفحمة انما تقبل بتجاوز الحمرة عن قمة الرأس. ويدفعه: (أولا): انها ضعيفة السند لعدم توثيق محمد بن علي. و (ثانيا): ان فعله (ع) لا دلالة له على ان استتار القرص ليس بوقت لصلاة المغرب، لاحتمال انه كان يصلي بعد تحقق وقتها لاستحبابه، لا ستحباب المس بالمغرب قليلا كما يأتي ان شاء الله. و (ثالثا): ان الفحمة انما تقبل بالاستتار كما ان البياضة عند الفجر انما تقبل بطلوع القرص عن تحت الافق، فان من لاحظ الافق - عند الطلوع - ليرى أن البياضة كأنها تتطلع وتتصاعد من بئر أو مكان عميق ثم ترتفع شيئا فشيئا وكذلك الحال عند الغروب، فان الشمس بمجرد دخولها تحت الافق يشاهد أن الفحمة اخذت بالارتفاع فتتصاعد متدرجا ولا ملازمة بين اقبال الفحمة وزوال الحمرة المشرقية و تجاوزها عن قمة الرأس، لانها انما تقبل من النقطة التي تطلع منها الشمس لا من ناحية المشرق كله، فالرواية على قول المشهور ادل منها على القول الاشهر.


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 250 ]

و (منها): ما رواه شهاب بن عبد ربه قال: قال أبو عبد الله (ع) يا شهاب اني احب إذا صليت المغرب ان ارى في السماء كوكبا (* 1). وحيث أن رؤية الكوكب ملازمة لذهاب الحمرة المشرقية تدلنا الرواية على أن وقت صلاة المغرب هو ذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس. ويدفعه: (أولا): انها ضعيفة السند بمحمد بن حكيم. و (ثانيا): انها قاصرة الدلالة على القول الاشهر، لاشتمالها على أن التأخير إلى أن يرى الكوكب في السماء امر محبوب له (ع) لا انه امر لازم حتمي فلا دلالة للرواية على القول الاشهر لو لم تدل على خلافه. (منها): ما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) قال: انما امرت أبا الخطاب أن يصلي المغرب حين زالت الحمرة من مطلع الشمس فجعل هو الحمرة التي من قبل المغرب وكان يصلي حين يغيب الشفق (* 2). فقد دلت على امره (ع) الرجل بصلاة المغرب عند زوال الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس ولكنه خالفه وصلى عند ذهاب الحمرة المغربية. و (يرده): أنها ضعيفة السند بعلي بن يعقوب (أولا) وغير دالة على القول الاشهر (ثانيا) والوجه في ذلك أن الرواية مشتملة على لفظة (مطلع الشمس) فمضمونها على ذلك انه (ع) امره بالصلاة عند الاستتار وارتفاع الحمرة عن مطلع الشمس ونقطة خروجها - لا عن الشرق كله - إذا فهي على قول المشهور أدل من القول الاشهر. و (منها): ما رواه الشيخ باسناده عن بريد بن معاوية عن أحدهما (ع) قال: إذا غابت الحمرة من المشرق فقد غابت الشمس من


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 251 ]

شرق الارض وغربها (* 1). وقد قدمنا نقل الرواية مرتين فتارة بطريق الكليني، واخرى بطريق الشيخ (قده) ولا فرق بينهما وبين هذه الرواية الا في أنهما مسندة إلى ابي جعفر (ع) وهي اسندت إلى احدهما صلى الله عليه وآله كما انهما مشتملتان على قوله (ع) من هذا الجانب ثم فسر بالمشرق أو بناحية المشرق، وهي مشتملة على لفظة المشرق من الابتداء. كما قدمنا الفارق بين المروية بطريق الكليني، والمروية بطريق الشيخ فلاحظ، والجواب عنها هو الجواب فراجع. و (منها): ما رواه محمد بن شريح عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن وقت المغرب فقال: إذا تغيرت الحمرة في الافق، وذهبت الصفرة، وقبل ان تشتبك النجوم (* 2). فان تغير الحمرة انما هو فيما إذا زالت وتجاوزت عن قمة الرأس. وفيه: أنها ضعيفة السند بعلي بن الحارث - لجهالته - وبكار بن بكر - لعدم توثيقه - كما انها قاصرة الدلالة على القول الاشهر وذلك لان تغير الحمرة انما يتحقق عند دخول الشمس تحت الافق وهو زمان ذهاب الصفرة في قبال اشتباك النجوم وذهاب الشفق الذي جعله أبو الخطاب وقتا من تلقاء نفسه، فهذه الرواية ايضا على قول المشهور أدل من القول الاشهر. و (منها): موثقة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (ع) قال: قال لي: مسوا بالمغرب قليلا، فان الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا (* 3) وقد دلت على وجوب التأخير عن المغرب وهو يلازم ذهاب الحمرة


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 252 ]

المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس لان به يتحقق المأمور به أعني المس بالمغرب قليلا. و (يرده): أن المدار في طلوع الشمس وغروبها انما هو على الطلوع والغروب عند كل شخص وبلده وقد قامت على ذلك ضرورة الفقة، فان الارض كروية، ومدارات الشمس والبلدان مختلفتان فعند غروبها في بلد لا يمكن ان يتحقق الغروب في كل بلد وصقع بل تختلف في ذلك الاماكن والبلدان فقد يكون غروبا في مكان ويكون في مكان آخر قبل المغرب بساعة وفي مكان ثالث قبل المغرب بساعتين وفي رابع مضت من الليل ساعة وهكذا كما ان الامر كذلك في الطلوع و (بعبارة مختصرة) أن في الاربع والعشرين ساعة - بجميع اناتها - طلوع في مكان وغروب في مكان آخر، لان ذلك مقتضى كروية الارض، والمدار فيهما على طلوع كل بلد وغروبه، سواء أكان في محل آخر غروب أو طلوع ام لم يكن ومن هنا ورد في بعض الروايات: وانما عليك مشرقك ومغربك. فإذا عرفت ذلك فنقول: لا معنى لقوله (ع) فان الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا، ولا مناص الا من حملها على صورة توافق البلدين في الافق، وغيبوبة الشمس عن النظر في بلدهم قبل الغروب لمكان جبل أو نحوه مما يقتضي استتار القرص عن ذلك البلد والا فلا معنى لهذا التعليل كما عرفت. إذا ليست في الرواية دلالة على وجوب التأخير إلى تجاوز الحمرة عن قمة الرأس، وانما الامر بتأخير الصلاة عن الغروب من اجل الاحتياط، لاحتمال عدم الغروب في الواقع واستناد الاستتار إلى جبل أو طلل ونحوهما


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 253 ]

لا أن الغروب هو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس. على أن امره (ع) بالمس بالمغرب استحبابي بلا ريب - ولو مع قطع النظر عما عرفت - لانه امر بالمس شيئا ما ولم يأمر بالمس إلى أن يتجاوز الحمرة عن قمة الرأس، والمس شيئا ما يتحقق بالانتظار إلى رؤية الكوكب المتحققة قبل تجاوز الحمرة عن قمة الرأس، وحيث أن بعض الاخبار المتقدمة دل على جواز الدخول في الصلاة عند رؤية الكوكب فيها نحمل الامر بالمس في هذه الرواية على الندب، لما تقدم من أن رؤية الكواكب انما هي قبل تجاوز الحمرة المشرقية عن قمة الرأس وبعد استتار القرص، فإذا لم يثبت أن المغرب هو تجاوز الحمرة فلا مناص من ان يكون المغرب هو استتار القرص لعدم الواسطة بينهما، والاحتمال أو القول الثالث لم يثبت بدليل فيكون الامر بالتأخير عنه محمولا على الاستحباب لا محالة. على انه احتياط في الوقت - كما مر - ولا مانع من الحكم برجحانه ايضا من هذه الناحية مضافا إلى انه امر متعارف لجريان العادة على الصلاة بعد المغرب بشئ، إذ لا يصلى الفريضة اول سقوط الشمس - غالبا - فالامر به لا يكون دليلا على أن المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس. و (منها): رواية عبد الله بن وضاح قال: كتبت إلى العبد الصالح (ع) يتوارى القرص، ويقبل الليل، ثم يزيد الليل ارتفاعا وتستتر عنا الشمس، ويرتفع فوق الجبل حمرة، ويؤذن عندنا المؤذنون أفاصلي حينئذ، وافطر ان كنت صائما؟ أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل، فكتب إلي: أرى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة

[ 254 ]

وتأخذ بالحائطة لدينك (* 1) وقد دلت على عدم جواز الصلاة والافطار بمجرد توارى القرص وعلى لزوم الانتظار حتى تذهب الحمرة وانما علله (ع) بالاحتياط وقال: ارى لك الخ، ولم يصرح بعدم جواز الصلاة والافطار بمجرد استتار الشمس لمراعاة التقية لان استتار القرص هو المغرب عند العامة وعليه يرتبون اثار المغرب من جواز الصلاة والافطار وغيرهما. و (يرده): أن الرواية قاصرة الدلالة على القول الاشهر وذلك لانه لا وجه لحمل قوله (ع) ارى لك ان تنتظر الخ حتى تذهب الحمرة على التعلل بالاحتياط تقية ليكون ذلك من الاحتياط في الشبهة الحكمية بان يجعل المغرب عبارة عن ذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس من باب الاحتياط. وذلك لانه محمول على الاحتياط في الشبهة الموضوعية، فان مجرد استتار القرص عن الانظار لا يستلزم الاطمئنان بدخول الوقت والمغرب، لما فرضه من بقاء الحمرة فوق الجبل، لانها مظنة عدم دخول الشمس تحت الافق وانما تسترت بوجود الجبال والاطلال، ومع هذا الاحتمال يتحقق المورد للاحتياط، ولكنه من الاحتياط في الشبهة الموضوعية وهو يقتضي الانتظار والتأخير إلى أن تذهب الحمرة. إذا فالامر بالاحتياط غير مستند إلى التقية والرواية صادرة لبيان الحكم الواقعي من جهة الشبهة الموضوعية ومع امكان حمل الاحتياط على ذلك من غير تقية لا مقتضي للحمل على التقية إذا فلا دلالة للرواية على ان المغرب يتحقق بذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس هذا كله بحسب الدلالة.


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت عن الوسائل.

[ 255 ]

وأما بحسب السند: فقد يقال: بضعفها، لان في سندها سليمان بن داود المنقري وهو وان وثقه النجاشي (قده) الا ان توثيقه معارض بتضعيف ابن الغضائري حيث ضعفه صريحا فلا دليل على وثاقته. والصحيح أن الرواية موثقة وتوثيق النجاشي غير معارض بشئ لان تضعيفات ابن الغضائري كتوثيقاته وان كانت معتبرة لا محالة لانها لا تقصر عن توثيقات مثل النجاشي والشيخ واضرابهما غير أن الكتاب الدارج اليوم بايدينا المنسوب إليه الذي هو المستند في نقل تضعيفاته وتوثيقاته لم يثبت انه له إذا فتوثيق النجاشي مما لا معارض له. و (منها): معتبرة جارود قال: قال لي أبو عبد الله (ع) يا جارود ينصحون فلا يقبلون وإذا سمعوا بشئ نادوا به أو حدثوا بشئ اذاعوه قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلا فتركوها حتى اشتبك النجوم فانا الان اصليها إذا سقط القرص (* 1) وقد دلت على وجوب التأخير في صلاة المغرب وعدم اقامتها بمجرد الاستتار والتأخير عن سقوط القرص قليلا ملازم لذهاب الحمرة عن قمة الرأس. وانما التجاء (ع) إلى الصلاة عند سقوط القرص من باب التقية، لانهم اذاعوا ما حدثهم به. و (يرده): أن الرواية بحسب السند وان كانت معتبرة الا انها قاصرة الدلالة على القول الاشهر وذلك لما قدمناه من ان الامر بالمس بالمغرب محمول على الندب والافضلية، لانه (ع) لم يوجب التأخير إلى تجاوز الحمرة بل امر بالمس قليلا على التقريب المتقدم فهو سلام الله عليه انما حدثهم وامرهم بالفرد الافضل ولكنهم اذاعوه ومن هنا التجأ (ع)


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت عن الوسائل.

[ 256 ]

إلى ترك الفرد الافضل والاتيان بالمفضول تقية لا انه (ع) صلى قبل الوقت من باب التقية ولم يأت بالفريضة في وقتها. بل يمكن ان يقال: إن. اختياره (ع) للفرد المرجوح ايضا لم يكن مستندا إلى التقية بل لمصلحة اخرى كالدلالة على جواز ذلك، فان ارتكاب امر مرجوح - في نفسه - لبعض المصالح والوجوه مما لا مانع عنه. هذه هي الروايات المستدل بها على القول الاشهر واعتبار تجاوز الحمرة المشرقية عن قمة الرأس وقد ظهر انها اما ضعيفة السند أو قاصرة الدلالة على سببل منع الخلو فان جملة منها ضعيفة من جهتين. وقد يستدل على هذا القول بان كون المغرب هو تجاوز الحمرة عن قمة الرأس امر ظاهر شايع به تمتاز الشيعة عن غيرهم فهو إذا مما يعد شعارا للشيعة ورمزا إلى التشيع بحيث لو صلى مصلي عند سقوط القرص اتهم بعدم التشيع لا محالة وهكذا كان الامر في عصرهم (ع) ومن هنا ورد في رواية الربيع بن سليمان وابان بن ارقم وغيرهم ما لفظه: اقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الاخضر إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس (لانه يبقى عند استتار القرص) فوجدنا في انفسنا (اي غضبنا) فجعل يصلي ونحن ندعوا عليه حتى صلى ركعة ونحن ندعوا عليه ونقول: هذا شباب من شباب اهل المدينة، فلما اتيناه إذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمد (ع) فنزلنا فصلينا معه وقد فاتتنا ركعة فلما قضينا الصلاة قمنا إليه فقلنا: جعلنا فداك: هذه الساعة تصلي؟! فقال: إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت (* 1) فمن هذا يستكشف ان عدم دخول الوقت قبل ذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس كان مقررا عند الشيعة ومن شعارهم. نعم الرواية لا يمكن


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 257 ]

الاستدلال بها على أن المغرب هو سقوط القرص لضعفها حيث أن في سندها عدة مجاهيل. والجواب عن هذا الاستدلال: ان كون وقت المغرب ذهاب الحمرة شعارا للشيعة ورمزا إلى التشيع وان كان صحيحا وقد كان كما ادعي، الا انه لم يقم دليل على ان كلما كان كذلك فهو امر واجب فان كون شئ شعارا للشيعة اعم من الندب والوجوب فمن جملة شعارهم ومختصاتهم القنوت في الركعة الثانية قبل الركوع، لانه رمز إلى التشيع وتركه موجب للاتهام غير انه امر مندوب بلا كلام فغاية ما يستفاد من ذلك أن تأخير صلاة المغرب عن استتار القرص امر مرغوب فيه عند الشيعة وأما الوجوب فلا كما لا يخفى. ومعه لا مناص من الالتزام بما هو المشهور عندهم من أن المغرب سقوط القرص واستتاره اعني دخول الشمس تحت الافق وهذا هو الذي اختاره جماعة من المحققين ومنهم المحقق وصاحب المدارك وغيرهما وتدل عليه جملة من الاخبار المعتبرة التي فيها الصحيحة والموثقة. واما ما دل عليه من الاخبار الضعاف فكثيرة. فمن جملة الاخبار المعتبرة صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها (* 1). و (منها): صحيحة زرارة أو حسنته قال: قال أبو جعفر (ع) وقت المغرب إذا غاب القرص، فان رأيت بعد ذلك وقد صليت اعدت الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام ان كنت اصبت منه شيئا (* 2)


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 258 ]

و (منها): صحيحته الاخرى عن ابي جعفر (ع) قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان: الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان: المغرب والعشاء الاخرة (* 1). و (منها): موثقة اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن ابي عبد الله (ع) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي المغرب حين تغيب الشمس حيث تغيب حاجبها (* 2) وقوله (ع) حيث تغيب حاجبها من جهة أن الشمس في آخر اللحظات من الغروب تبدو كالحاجب فإذا غاب حاجبها فقد سقط القرص ودخل وقت صلاة المغرب. ثم ان معنى ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي المغرب حين تغيب الشمس انه صلى الله عليه وآله كان يصليها على النحو المتعارف من الاتيان بالمقدمات والاذان والاقامة بعد دخول الوقت لا انه صلى الله عليه وآله كان يقدم هذه الامور كلها على الوقت حتى يصلي المغرب حين تغيب، فما ذكره صاحب الوسائل من حمل الرواية على النسخ مما لا وجه له. و (منها): موثقة اسماعيل بن جابر عن ابي عبد الله صلى الله عليه وآله قال: سألته عن وقت المغرب قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق (* 3). و (منها): صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال: قلت لابي عبد الله (ع) ان معي شبه الكرش المنشور فأوخر صلاة المغرب حتى عند غيبوبة الشفق، ثم اصليهما جميعا يكون ذلك ارفق بي؟ فقال: إذا غاب القرص فصل المغرب فانما انت ومالك لله: (* 4)


(* 1) المروية في ب 17 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 4) المروية في ب 18 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 259 ]

و (منها): موثقة سماعة بن مهران قال: قلت لابي عبد الله (ع) في المغرب انا ربما صلينا ونحن نخاف ان تكون الشمس خلف الجبل أو قد سترنا منها الجبل قال: فقال: ليس عليك صعود الجبل (* 1). فهذه الرواية وان وقع في سندها احمد بن هلال، والرجل على ما هو المعروف عندهم غير مقبول الحديث وممن لا يعتمد على رواياته بل قدمنا عن شيخنا الانصاري (قده) استظهار ان الرجل ممن لا دين له ومن هنا بنينا على عدم الاعتداد برواياته (* 2) الا ان الرواية موثقة قلنا بوثاقة الرجل ام لم نقل لان الصدوق (قده) قد رواها عن سماعة وطريقه إليه موثق وليس فيه الا عثمان بن عيسى وقد عده الكشي من اصحاب الاجماع على انه ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات فالرواية موثقة. بل الظاهر ان احمد بن هلال ايضا موثق وقابل للاعتماد على رواياته على ما بيناه في محله وان ما ذكروه في حقه مما لا اساس له وعلى تقدير صحته وتماميته غير مناف لوثاقته. وتقريب الاستدلال بها أن الخوف من عدم غيبوبة القرص حقيقة وكونها خلف الجبل اعني الشك في انها غربت ام لم تغرب انما يتصور فيما إذا كان المغرب بمعنى استتار القرص وسقوطها، لانها حينئذ إذا غابت عن الحس والنظر وكان في البين جبل أو طلل ونحوهما فقد يحتمل انها استترت خلف الجبل ولم تغب عن الافق وان شرع المكلف في صلاة المغرب. واما إذا كان المغرب بمعنى تجاوز الحمرة عن قمة الرأس إلى المغرب فبعد تحقق ذلك في الخارج - كما هو مقتضى الدخول في الصلاة -


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) الجزء الاول من كتاب الطهارة ص 308.

[ 260 ]

لابد من ان نجزم بتحقق الغروب، سواء أكان بهذا المعنى ام بمعنى سقوط القرص واستتاره فما معنى الشك فيه ليجيب (ع) بانه ليس عليك صعود الجبل. وعلى الجملة ان الغروب بهذا المعنى مما لا يتصور الشك فيه بعد الدخول في الصلاة. فان الحمرة إذا لم تكن متجاوزة عن قمة الرأس فلا مناص من الجزم بعدم تحقق الغروب وإذا كانت قد تجاوزت عنها فلابد من الجزم بتحققه ومع الشك في ذلك لابد من الفحص عن تجاوز الحمرة وعدمه، لا الصعود على الجبل. وهذا بخلاف ما إذا كان الغروب بمعنى سقوط القرص واستتاره فان المكلف إذا غابت الشمس عن نظره قد يشرع في صلاته معتقدا غروبها وقد يحتمل انها استترت خلف الجبل ولم تغب ويريد الصعود على الجبل لاستكشاف انها غابت أو استترت خلف الجبل فيصح نهيه (ع) عن ذلك وقتئذ هذا. وقد حملها بعضهم على التقية واستوجهه صاحب الحدائق (قده) ولعله لان الرواية مخالفة للقواعد، حيث أن مع الشك في الغروب لا مسوغ للافطار أو الدخول في الصلاة لمكان الاستصحاب ولذا ذكر في الحدائق أن الرواية غير منطبقة على شئ من القولين في الغروب. ويمكن الجواب عنه بان من الجائز ان تكون هناك أمارة معتبرة على الغروب بحيث يكون تحققها ملازما - في الواقع - لتحقق الغروب ودخول الشمس تحت الافق وذلك كاستتار القرص عن الانظار في البلد، ولنفرض السائل عالما بتلك الامارة وقد دخل في الصلاة اعتمادا عليها مع الغفلة عن التلازم بين تلك الامارة والغروب الحقيقي ولذا شك في الغروب بعدما دخل في الصلاة ونهاه (ع) عن الصعود على الجبل اكتفاء بتلك الامارة الملازمة مع الغروب إذا لا مقتضي لحمل الرواية على التقية، لانطباقها

[ 261 ]

على القول المشهور من ان الغروب هو غيبوبة الشمس عن الافق كما عرفت وهناك رواية اخرى غير قابلة للاستدلال بها في المقام وهي ما رواه ابو اسامة أو غيره قال: صعدت مرة جبل ابي قبيس والناس يصلون المغرب، فرأيت الشمس لم تغب انما توارت خلف الجبل عن الناس، فلقيت ابا عبد الله (ع) فاخبرته بذلك فقال لي: ولم فعلت ذلك؟! بئس ما صنعت، انما تصليها إذا لم ترها خلف جبل غابت أو غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها، وانما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس ان يبحثوا (* 1) فان مقتضى هذه الرواية تحقق الغروب بمجرد غيبوبة القرص عن النظر سواء غابت عن الافق ام لم تغب بمعنى أن على كل مكلف مشرقه ومغربه فإذا غابت عن مغربه تحقق الغروب بالاضافة إليه وان لم تغب عن الافق بل ولو مع العلم بعد غيبوبتها عن الافق وكونها موجودة وراء الجبل وهذا مما لا قائل به، فهذه الرواية مخالفة لجميع الاخبار المتقدمة الدالة على أن الغروب هو غيبوبة القرص عن الافق، وما دل على أن الغروب ذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس. والذي يسهل الخطب انها ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد عليها في نفسها وان لم تكن معارضة بشئ وذلك فان الرواية لها طريقان: (أحدهما) طريق الشيخ وهي بهذا الطريق مرسلة لان الراوي فيها أبو اسامة أو غيره و (ثانيهما): طريق الصدوق حيث رواها باسناده إلى ابي اسامة زيد الشحام، الا أن في طريقه إليه أبو جميلة مفضل بن صالح وهو غير موثق. ثم ان هناك جملة اخرى من الروايات تدلنا ايضا على ما ذهب إليه


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 262 ]

المشهور في المسألة الا انها ضعيفة السند وغير صالحة الا لجعلها مؤيدة للمدعى وهي روايات كثيرة اليك بعضها: (منها): مرسلة الصدوق قال: قال أبو جعفر (ع) وقت المغرب إذا غاب القرص (* 1). و (منها): ما رواه جابر عن ابي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا غاب القرص افطر الصائم ودخل وقت الصلاة (* 2) و (منها): مرسلة علي بن الحكم عمن حدثه عن احدهما (ع) انه سئل عن وقت المغرب فقال: إذا غاب كرسيها قلت وما كرسيها؟ قال: قرصها، فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت إليه فلم تره (* 3). و (منها): غير ذلك من الروايات. ثم ان الاخبار المتقدمة صحيحها وموثقها قد دلتنا على أن وقت صلاة المغرب والافطار انما هو سقوط القرص من دون حاجة إلى التأخير حتى تذهب الحمرة وهي كما مر اخبار كثيرة بل يمكن دعوى تواترها - اجمالا - فهي على تقدير تواترها قطعية ومما لا اشكال فيه، وعلى تقدير عدم كونها متواترة اخبار معتبرة صحيحة أو موثقة. وأما ما استدل به على أن الغروب يتحقق بتجاوز الحمرة عن قمة الرأس فقد تقدم انها إما ضعيفة الدلالة أو السند على سببل منع الخلو لاشتمال جملة منها على الضعف من جهتين. على ان جملة منها ظاهرة في ارادة غيبوبة القرص وهي المشتملة على ارتفاع الحمرة عن مطلع الشمس أو عن المشرق حيث تقدم ان ارتفاع الحمرة عن نقطة طلوع الشمس وخروجها يلازم دخول القرص تحت الافق.


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 263 ]

وما اشتمل منها على قوله: من هذا الجانب مجمل المراد لعدم ظهوره في ارادة مطلع الشمس ونقطة خروجها أو في مطلق ناحية المشرق. أجل ان مرسلة ابن ابي عمير صريحة الدلالة على ارادة تجاوز الحمرة عن قمة الرأس، الا انها - كما عرفت - غير قابلة للاعتماد عليها لارسالها ولا يصغى إلى دعوى ان مراسيل ابن ابي عمير كمسانيده، على ان مدلولها غير مطابق للوجدان كما مر، وعلى فرض تسليم تماميتها من جميع الجهات لا يمكننا الاعتماد عليها ايضا في مقابل الاخبار المتقدمة الكثيرة البالغة حد التواتر. بقى الكلام في جهات: الجهة الاولى: ذكر صاحب الوسائل (قده) بعد نقل الاخبار الدالة على القول الاشهر ان المتعين هو العمل بما تقدم في هذه الاحاديث واستدل عليه بوجوه (منها): انه أقرب إلى الاحتياط للدين في الصلاة والصوم. وعليه فالاخبار المتقدمة الدالة على قول المشهور مخالفة للاحتياط فلا مناص من تركها، الا أن الامر ليس كما ذكره. و (السر فيه): انا قد استفدنا من قوله سبحانه: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) وما ورد في تفسير الغسق بمنتصف الليل ان


(* 1) الاسراء: 17: 78.

[ 264 ]

كل آن من الانات المتخللة بين دلوك الشمس ومنتصف الليل صالح للاتيان فيه بشئ من الصلوات الاربع، ودلتنا الاخبار المعتبرة على أن وقتي الظهرين قبل المغرب، ووقتي العشاءين بعد المغرب: فان بنينا على أن المغرب عبارة عن تجاوز الحمرة عن قمة الرأس لم يجز الاتيان بالعشاءين بعد استتار القرص وقبل تجاوز الحمرة، كما لا يجوز الاتيان بالظهرين حينئذ بلا كلام، ومعنى ذلك أن هذا المقدار من الوقت اعني ما بين سقوط القرص وذهاب الحمرة ليس بصالح لشئ من الصلوات الاربع - نظير ما بين طلوع الشمس والزوال لعدم كونه وقتا لشئ من الفرائض - وهذا خلاف ما نطقت به الآية المباركة. على أن الظاهر عدم الخلاف في أن اول وقت المغرب هو آخر وقتي الظهرين بل هو المصرح به في كلام غير واحد - على ما ببالى - ولازم ذلك جواز تأخير الظهرين إلى ذهاب الحمرة وما بعد سقوط القرص وهذا مما لا يمكن الالتزام به وكيف يمكن حينئذ التعبير عنهما وتوصيفهما بالظهرين كيف ولا معنى لكون الصلاة صلاة ظهر أو عصر مع دخول الليل لدى العرف وغيبوبة الشمس واستتارها كما هو مفروض الكلام. نعم حكى سيدنا الاستاذ - ادام الله اظلاله - انه قد شاهد من حملة العلم من كان يؤخرهما إلى ما بعد سقوط القرص اعتمادا في ذلك على القول الاشهر وفتواهم بان المغرب هو ذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس إذا فجعل المغرب تجاوز الحمرة عن قمة الرأس ليس من الاحتياط في شئ بل هو على خلاف الاحتياط لاستلزامه جواز تأخير الظهرين إلى ما بعد سقوط القرص. نعم لا اشكال في أن الاتيان بالمغرب بعد تجاوز الحمرة احتياط من حيث العمل كما أن تقديم الظهرين عن استتار القرص

[ 265 ]

احتياط عملي. الجهة الثانية: انا وان ذكرنا أن القول بتحقق المغرب باستتار القرص هو المشهور عند الاصحاب (قدهم) والقول بانه يتحقق بتجاوز الحمرة عن قمة الرأس اشهر، الا انا لو حملنا لفظة المشرق الواقعة في كلامهم على ما حملناها عليه في الاخبار المتقدمة اعني مطلع الشمس ونقطة خروجها، لما ذكرنا من انه الظاهر منها في مقابل الغروب لانقلب الامر في المقام ولصار القول الاشهر قولا نادرا في المسألة. وذلك: لان المصرح منهم بتجاوز الحمرة عن قمة الرأس قليل، وانما يعبرون - غالبا - بذهاب الحمرة عن المشرق وهو قابل الحمل والانطباق على ارتفاع الحمرة عن نقطة الطلوع الملازم لغيبوبة القرص تحت الافق، وهو الموافق لقول المشهور كما عرفت، ومعه يكون القول الاشهر اعني اعتبار تجاوز الحمرة عن قمة الرأس قولا نادرا في المسألة والله العالم بحقيقة الحال. الجهة الثالثة: إذا كان معنى الغروب هو استتار القرص ودخول الشمس تحت الافق فلا شبهة ولا كلام في أن طلوع الشمس - في مقابل الغروب بالمعنى المذكور - هو صيرورتها فوق الافق كما هو المعروف في معنى الطلوع بمعنى أن دخول

[ 266 ]

الشمس تحت الافق اعني القوس الليلي هو الغروب وكونها خارجة عن الافق وداخلة في القوس النهاري هو الطلوع وهذا ظاهر. وإن قلنا ان المغرب بمعنى ذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس فهل يعتبر ذلك في الطلوع ايضا فلا بد من الالتزام بوجوب تقديم صلاة الفجر على طلوع الشمس عن الافق اعني الطلوع الحسي بمقدار تأخر زوال الحمرة عن استتار القرص تحت الافق كعشر دقائق - تقريبا - بدعوى ان الشمس طالعة، حينئذ وان كنا لا نشاهدها كما كان هو الحال في الغروب لوجود الشمس - قبل ذهاب الحمرة المشرقية - فوق الافق وان لم تكن مرئية، فعلى ذلك يتحقق طلوع الشمس قبل خروجها عن تحت الافق بعشر دقائق - تقريبا - أو أن طلوع الشمس بمعني ظهورها الحسي فوق الافق سواء قلنا بذلك في غروبها ام لم نقل؟ قد يقال بذلك - كما عن بعضهم - نظرا إلى التقابل بين الغروب والطلوع وفيه: انه امر ظاهر الفساد، لوضوح ان مفهوم الطلوع امر معلوم ومبين لدى العرف فتراهم يقولون: طلعت الشمس أو انها لم تطلع من دون توقف في فهم المراد منه وهو ظهور الشمس ظهورا حسيا عن الافق، كما أن مفهوم الغروب عندهم كذلك، لانه بمعنى استتار الشمس ودخولها تحت الافق وعدم رؤيتها من دون حاجب من الجبال والاطلال ونحوهما. وانما نقول باعتبار تجاوز الحمرة عن قمة الرأس - على القول به - للاخبار الدالة على عدم جواز الصلاة والافطار قبل تجاوز الحمرة عن قمة الرأس كما هو مضمون مرسلة ابن ابي عمير المتقدمة فالالتزام بان الغروب لا يتحقق الا بعد تجاوز الحمرة عن قمة الرأس لا يستلزم الالتزام بما يقابله

[ 267 ]

[ ويعرف (1) نصف الليل بالنجوم الطالعة أول الغروب إذا مالت عن دائرة نصف النهار إلى طرف المغرب وعلى هذا فيكون المناط نصف ما بين غروب الشمس وطلوعها، لكنه لا يخلو عن اشكال. لاحتمال أن يكون نصف ما بين الغروب وطلوع الفجر - كما عليه جماعة -. والاحوط مراعاة الاحتياط هنا في صلاة الليل التي أول وقتها بعد نصف الليل ] في طلوع الشمس ابدا. بل الطلوع بمعنى خروج الشمس عن تحت الافق الحسي كما هو معناه الظاهر لدى العرف قلنا بذلك في ناحية الغروب ايضا أم لم نقل. ما يعرف به انتصاف الليل (1) وقع الكلام في أن منتصف الليل الذي هو منتهى وقتي العشاءين هل هو بمعنى منتصف ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر أو أنه بمعنى المنتصف مما بين غروب الشمس وطلوعها؟ والتفاوت بينهما بمقدار ثلاثة أرباع الساعة - تقريبا - فان ما بين الطلوعين - على وجه التقريب - ساعة ونصف فيكون نصفه ثلاثة أرباع الساعة كما عرفت. المعروف بين الاصحاب (قدهم) هو الاول، ولم ينسب القول الثاني إلا إلى جماعة قليلين، ولكن هذا هو الصحيح والوجه في ذلك أن الله سبحانه قد أمرنا باقامة الصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل،

[ 268 ]

والغسق - بحسب اللغة - اما بمعنى ظلمة أول الليل، أو بمعنى شدة ظلمة الليل وغايتها، ومقتضى الاخبار الواردة في تفسير الغسق ارادة المعنى الثاني في المقام، حيث فسر في الاخبار بنصف الليل: ففي صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد الله (ع) أنه سأله سائل عن وقت المغرب فقال: ان الله يقول في كتابه لابراهيم: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال: هذا ربي، وهذا أول الوقت، وآخر ذلك غيبوبة الشفق، وأول وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة، وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل (* 1). وفي صحيحة زرارة: فما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن الله وبينهن، ووقتهن، وغسق الليل هو انتصافه (* 2) ونحوهما غيرهما من الروايات. ثم ان اشتداد الظلمة ونهايتها انما هو في النصف فيما بين غروب الشمس وطلوعها. و (سره): أن اضاءة أية نقطة من الكرة الارضية وتنورها انما تستندان إلى الشمس لا محالة فكلما قربت الشمس من نقطة من الارض أخذت تلك النقطة بالاستضاءة والتنور حتى يطلع الفجر فتصير تلك النقطة مضيئة ومتنورة بمقدار ضئيل، ثم تزداد تنورها واستضاءتها إلى أن تطلع الشمس وتخرج عن تحت الافق، فتأخذ بالاشتداد شيئا فشيئا إلى أن تبلغ دائرة نصف النهار وهو نهاية ضياءها وتنورها، لانه نهاية اقتراب الشمس من الارض، فان الشمس بعد ما بلغت إلى تلك الدائرة تأخذ في الابتعاد وبه


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 2 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 269 ]

تضعف استضاءة تلك النقطة وينقص تنورها حتى تغرب الشمس وتظلم تلك النقطة بمقدار قليل وكلما أخذت الشمس في الابتعاد عنها أخذت الظلمة فيها بالاشتداد إلى أن تصل الشمس مقابل دائرة نصف النهار من تحت الارض ولنعبر عنه بدائرة منتصف الليل وهذه نهاية الظلمة في تلك النقطة، لانه غاية ابتعاد الشمس عنها ثم بعد ذلك أيضا تأخذ في التنور والاضاءة كلما قربت الشمس منها شيئا فشيئا إلى أن يطلع الفجر كما مر. فالمراد بالغسق شدة الظلام، والمرتبة الشديدة من الظلمة انما هي فيما إذا وصلت الشمس مقابل دائرة نصف النهار وهو الذي يسمى بمنتصف الليل فهو إذا عبارة عن منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها هذا. على أن ذلك هو المتفاهم العرفي من هذه اللفظة أعني منتصف الليل عند إطلاقها، لانهم يرون النصف من النهار هو الساعة الثانية عشرة منه ومقتضى المقابلة بين الليل والنهار أن يكون النصف من الليل أيضا هو الساعة الثانية عشرة من الليل، وتلك الساعة منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها، لوضوح أن اليوم لدى العرف انما هو من الطلوع إلى الغروب. فمقتضى التقابل بينهما والمتفاهم العرفي من النصف هو أن الليل من الغروب إلى الطلوع وأن منتصفه هو ما بين غروب الشمس وطلوعها، بمعنى أن الساعة التي هي منتصف النهار عندهم أعني الساعة الثانية عشرة هي التي نعتبرها منتصف الليل، فالساعة الثانية عشرة المتوسطة بين الطلوع والغروب تسمى منتصف النهار، كما أن الساعة الثانية عشرة المتوسطة بين الغروب والطلوع تسمى بمنتصف الليل. ويؤيد ذلك روايتان. (إحداهما): رواية عمر بن حنظلة أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام

[ 270 ]

فقال له: زوال الشمس نعرفه بالنهار، فكيف لنا بالليل؟ فقال: لليل زوال كزوال الشمس، قال: فبأي شئ نعرفه، قال: بالنجوم إذا انحدرت (* 1) وهذا بيان تقريبي للانتصاف، ولابد من أن يراد بالنجوم المنحدرة - بعد نهاية ارتفاعها - النجوم التي تطلع في أول الليل وعند الغروب لانها إذا أخذت بالانحدار بعد صعودها وارتفاعها دل ذلك على انتصاف الليل لا محالة، كما يدل انحدار الشمس في النهار بعد ارتفاعها على انتصاف النهار وتحقق الزوال. وأما النجوم الطالعة قبل الغروب وهي الكائنة فوق الافق - عند المغرب - بامتار - أو أقل من ذلك أو أكثر فلا يكون انحدارها قرينة على الانتصاف، لانها انما تنحدر قبل الانتصاف بزمان وكذلك النجوم الطالعة بعد المغرب، لان انحدارها انما يكون بعد الانتصاف فلا يكون انحدارها قرينة على الانتصاف. كما انه لا بد من أن يراد بالنجوم النجوم التي تدور في مدارات الشمس حيث أن لها دوائر مختلفة ومن هنا قد يكون الليل أقصر من النهار فيكون الليل عشر ساعات - مثلا - والنهار أربعة عشر ساعة، وقد يكون النهار أقصر من الليل، وانما يتساويان من حيث الدائرة في أول الخريف والربيع على ما قدمنا الاشارة إليه. فإذا كانت النجوم موافقة مع الشمس في مداراتها بأن يكون سيرها أيضا عشر ساعات أو أربعة عشر ساعة - مثلا - كان انحدارها كانحدار الشمس علامة للزوال والانتصاف. واما إذا اختلفتا فكان مدار الشمس وسيرها أربعة عشر ساعة في


(* 1) المروية في ب 55 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 271 ]

الليل - مثلا - وكان سير النجم أو النجوم ومداراتها أقل من ذلك فلا تكون في ذلك أية دلالة على الانتصاف، لانها انما تنحدر قبل الانتصاف بزمان، إذا فهذه العلامة علامة تقريبية للانتصاف أعني منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها هذا على أن الرواية ضعيفة السند بعمر بن حنظلة لعدم توثيقه في الرجال. (وثانيتهما): رواية أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: دلوك الشمس زوالها، وغسق الليل بمنزلة الزوال من النهار (* 1). وهي أيضا ضعفية السند باحمد بن عبد الله القروي وجهالة طريق السرائر إلى كتاب محمد بن علي بن محبوب وغير صالحة للاستدلال بها بوجه ومن هنا جعلنا الروايتين مؤيدتين للمدعى. هذا كله فيما يرجع إلى ما اخترناه من استمرار الليل إلى طلوع الشمس، وعدم انقضائه بطلوع الفجر وأن نصف الليل هو منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها. وأما القول الآخر في المسألة وهو الذي ذهب إليه جماعة من الاعلام كما نقله الماتن (قده) أعني القول بانقضاء الليل عند طلوع الفجر الصادق وكون المراد بالنصف نصف ما بين الغروب وطلوع الفجر فمستنده أحد أمرين: (أحدهما): ان يدعى أن الليل انما هو من الغروب إلى طلوع الفجر وأن النهار من طلوع الفجر إلى الغروب ولعل هذا القول هو المشهور عند الاصحاب (قدهم) على ما ذكره صاحب الجواهر (قده) حيث قال: لكن لا ينبغي أن يستريب عارف بلسان الشرع والعرف واللغة ان المنساق من اطلاق اليوم والنهار والليل في الصوم والصلاة ومواقيت الحج والقسم بين الزوجات وأيام الاعتكاف وجميع الابواب أن المراد بالاولين


(* 1) المروية في ب 55 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 272 ]

من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب ومنه إلى طلوعه بالثالث كما قد نص عليه غير واحد من الفقهاء والمفسرين واللغويين فيما حكى عن بعضهم. و (ثانيها): دعوى أن النهار إنما هو من طلوع الشمس إلى غروبها كما أن الليل من الغروب إلى طلوع الفجر، وأما الزمان المتخلل بين الطلوعين فهو زمان خاص مستقل بحياله لا أنه من النهار ولا أنه من الليل. وسيتضح أنه لم يقم على هذا القول دليل، كما أن القائل به قليل. وأما الدليل على هاتين الدعويين فقد إستدل على إثبات الدعوى الثانية وعدم كون الزمان المتخلل بين الطلوعين من الليل ولا من النهار بروايتين: (إحداهما): رواية أبي هاشم الخادم قال: قلت لابي الحسن الماضي (ع) لم جعلت صلاة الفريضة والسنة خمسين ركعة لا يزاد فيها ولا ينقص منها؟ قال لان ساعات الليل إثنتا عشرة ساعة وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة، وساعات النهار إثنتا عشرة ساعة فجعل الله لكل ساعة ركعتين، وما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق غسق فجعل للغسق ركعة (* 1) وقد دلت على أن ما بين الطلوعين ساعة مستقلة في قبال الساعات الليلية والنهارية ويرده: أن هذه الرواية رواها الصدوق (قده) بطريقه عن أبي هاشم وطريقه إليه ضعيف كما أن أبا هاشم الخادم أيضا ضعيف. على أنها تدل على أن ما بين المغرب وسقوط الشفق أيضا ساعة مستقلة في مقابل الساعات الليلية والنهارية، وهذا مما لم يقل به أحد. و (ثانيتهما): رواية أبان الثقفي - كما في الجواهر - وعمر بن أبان الثقفي - كما في المستدرك ولعله الصحيح - قال: سأل النصراني الشامي الباقر - ع - عن ساعة ما هي من الليل ولا هي من النهار أي ساعة هي؟ قال:


(* 1) المروية في ب 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 273 ]

أبو جعفر - ع - ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. قال النصراني: إذا لم يكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي ساعات هي؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: من ساعات الجنة وفيها يفيق مرضانا، فقال النصراني: أصبت (* 1) إلا أنها أيضا ضعيفة السند وغيره صالحة للاستدلال بها على شئ. وأما الدعوى الاولى: أعني القول بأن ما بين الطلوعين من النهار فقد استدل عليها برواية يحيى بن أكثم القاضي أنه سأل أبا الحسن الاول عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلوات النهار؟ وإنما يجهر في صلاة الليل فقال: لان النبي - ص - كان يغلس بها فقربها من الليل (* 2) ورواه في العلل بسنده عن موسى عن أخيه عن علي بن محمد عليه السلام أنه أجاب في مسائل يحيى بن أكثم وذكر مثله. فانها تدل على أن صلاة الفجر من الصلوات النهارية دون الليلية، لانه - ع - قد أمضى ما ذكره السائل من أن صلاة الفجر من الصلوات النهارية ولم يردعه عن معتقده إذا فطلوع الفجر أول النهار، وينقضي به الليل فيكون المراد بمنتصف الليل نصف ما بين الغروب وطلوع الفجر. وفيه: أن الرواية ضعيفة السند، لان الصدوق (قده) رواها عن يحيى بن أكثم ولم يذكر طريقه إليه، على أن يحيى بن أكثم بنفسه ضعيف، كما أن طريقه في العلل كذلك لجهالة موسى وأخيه، إذا لم يثبت أن الامام - ع - أقر السائل على ما اعتقده من أن صلاة الفجر من الصلوات النهارية.


(* 1) المروية في ب 49 من ابواب المواقيت من المستدرك. (* 2) المروية في ب 25 من أبواب القراءة من الوسائل.

[ 274 ]

وأيضا استدل عليها بالاخبار الواردة في أن الافضل - في صلاة الفجر - الغلس بها وإتيانها عند طلوع الفجر أول ما يبدو قبل أن يستعرض كما كان يصنعه الصادق - ع - ويقول: إن ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند طلوع الفجر فانا أحب أن تشهد ملائكة الليل والنهار صلاتي (* 1). وورد في بعضها: أن العبد إذا صلى صلاة الصبح مع طلوع الفجر شهدتها ملائكة الليل والنهار وأثبت له صلاته مرتين: تثبتها ملائكة الليل وملائكة النهار (2) فانها تدل على أن ما بين الطلوعين من النهار، وأن صلاة الفجر من الصلوات النهارية والا فكيف تشهدها ملائكة النهار وتثبتها للمصلي؟!. وفيه: أن من البعيد جدا بل يمتنع عادة الاتيان بصلاة الغداة حين طلوع الفجر ومقارنا له أي في الآن الاول منه لاختصاص العلم بأن الآن هو الآن الاول من الطلوع بالمعصومين - عليهم السلام - وعدم تيسره لغيرهم. على أن الصلاة تتوقف على مقدمات ولا سيما فيما إذا كانت جماعة، ولا أقل من أن يؤذن ويقام لها - إذا كان متطهرا قبل الطلوع - وهي تستلزم تأخر صلاة الفجر عن الآن الاول منه إذا فكيف تشهدها ملائكة الليل، ولو مع الالتزام بان ما بين الطلوعين من النهار. فلا مناص معه من أن تتقدم ملائكة النهار وإما أن تتأخر ملائكة الليل حتى تشهدها الطائفتان من الملك، فكما أن كون صلاة الغداة صلاة نهارية تستلزم تأخر ملائكة الليل كذلك كونها من الصلوات الليلية تستلزم تقدم ملائكة النهار، وكما يحتمل تأخر ملائكة الليل يحتمل تقدم ملائكة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 28 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 275 ]

النهار إذا لا مناص من ارتكاب التأويل في الرواية فلا دلالة لها حينئذ على أنها من الصلوات النهارية أو الليلية. وأيضا استدل عليها بجملة من الآيات المباركة، ليست في شئ منها دلالة على هذا المدعى. بل قوله عز من قائل: أقم الصلاة طرفي النهار.. (* 1) يدلنا على أن صلاة الغداة من الصلوات الليلية وان ما بين الطلوعين من الليل، وذلك لان طرفي النهار قد فسر بالمغرب والغداة، ودلت الاية المباركة على ان الغداة طرف النهار، ولا وجه لهذا التعبير إذا كانت الغداة من النهار، لانها حينئذ من النهار لا انها طرف النهار. (ودعوى): أن الطرف قد يطلق ويراد به مبدء الشئ ومنتهاه من الداخل دون الخارج والمقام من هذا القبيل: (مندفعة): بان الطرف وان كان قد يطلق على المبدء والمنتهى والطرف الداخلي والخارجي غير أن أحد الطرفين - في الآية المباركة - هو المغرب على ما دلت عليه صحيحة زرارة (* 2) ولا شبهة في انه طرف خارجي فبمقتضى المقابلة لابد من أن يكون الطرف الآخر - الذي هو الغداة - أيضا طرفا خارجيا عن النهار، فتدلنا الآية المباركة على أن الغداة كالمغرب خارجة عن النهار. ويدلنا على ذلك أيضا ما دل على تسمية الزوال نصف النهار كصحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها قوله (ع): دلوك الشمس زوالها. وقال تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وهي صلاة الظهر وهي


(* 1) هود: 11: 114. (* 2) المروية في ب 2 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 276 ]

أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي وسط النهار (* 1) وتقريب الاستدلال بها أن من الظاهر أن نصف النهار يحسب من طلوع الشمس لا من طلوع الفجر والا لم يكن الزوال نصف النهار بل كان الزوال متأخرا عن نصف النهار بثلاثة أرباع الساعة، فتدل الصحيحة على أن مبدء النهار انما هو طلوع الشمس، وما بين الطلوعين محسوب من الليل. نعم ورد في الصحيحة بعد ذلك: ووسط صلاتين بالنهار: صلاة الغداة وصلاة العصر، يعني أن صلاة الظهر انما تقع بين صلاتين نهاريتين إحداهما صلاة الغداة. وهذا لا تخلو عن اجمال وغموض لان كون صلاة الغداة صلاة نهارية يدل على ان النهار انما هو من الفجر دون طلوع الشمس وان ما بين الطلوعين من النهار. وهذا ينافيه التصريح بان الدلوك هو الزوال وان وقت صلاة الظهر وسط النهار، لما عرفت من أن كون الزوال وسط النهار ونصفه أي اتحادهما وتقارنهما يدل على أن مبدء النهار انما هو طلوع الشمس دون الفجر والا لتقدم النصف على الزوال. إذا ففي الصحيحة تناقض ظاهر فلابد من ارتكاب التأويل فيها بوجه. بان يقال: ان صلاة الغداة انما اطلقت عليها صلاة النهار نظرا إلى امتداد وقتها إلى طلوع الشمس واشرافه عليه وجواز الاتيان بها قبل الطلوع بزمان قليل وان لم يكن من الصلوات النهارية حقيقة. ومما دل على تسمية الزوال نصف النهار ما ورد في الصائم المسافر من أنه يفطر إذا كان خروجه قبل الزوال ونصف النهار، وإذا كان خروجه بعد الزوال فليتم يومه. ففي صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 277 ]

[ ويعرف طلوع الفجر باعتراض البياض الحادث في الافق (1) المتصاعد في السماء، الذي يشابه ذنب السرطان، ويسمى الفجر ] وهو صائم قال: فقال: ان خرج من قبل ان ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم وان خرج بعد الزوال فليتم يومه (* 1) ورواها الصدوق باسناده عن الحلبي كما رواها الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب. وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم.. (* 2). وقد اطلق فيها نصف النهار على الزوال وهذا يدلنا على أن اليوم ابتداءه أول طلوع الشمس دون طلوع الفجر وان ما بين الطلوعين من الليل على التقريب المتقدم فلاحظ هذا. على ان المصطلح عليه عند علماء الهيئة والمنجمين اطلاق اليوم على ما بين طلوع الشمس وغروبها وهذا أمر دارج شايع في اصطلاحهم حيث يطلقون اليوم ويريدون به ما بين طلوع الشمس إلى الغروب إذا فلا مناص من ان يراد بمنتصف الليل منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها. ما يعرف به طلوع الفجر (1) المعروف بين الاصحاب " قدهم " بل لم يعرف الخلاف عندهم في أن طلوع الفجر الذي جعل مبدء لوجوب الامساك وصلاة الفجر هو


(* 1) و (* 2) المرويتان في باب 5 من أبواب من يصح منه الصوم من الوسائل.

[ 278 ]

[ الكاذب، وانتشاره على الافق، وصيرورته كالقبطية البيضاء وكنهر سوراء بحيث كلما زدته نظرا اصدقك بزيادة حسنه، وبعبارة أخرى انتشار البياض على الافق بعد كونه متصاعدا في السماء. ] البياض المعترض (* 1) وربما شبه ببياض نهر سوراء. وعن شيخنا البهائي (قده) في هامش كتابه " حبل المتين " والكاشاني في الوافي نباض نهر سوراء بالنون ثم الباء الموحدة والضاد المعجمة في آخره، بل الوافي نقل الرواية عن الكافي والتهذيب والفقيه مشتملة على (نباض سورى) وجعل البياض احتمالا في القراءة، حيث قال: وربما قرء بالموحدة ثم الياء المثناة من تحت، وكيف كان النباض من نبض الماء بمعنى سال وجرى ولعل المراد منه هو اعتراض البياض في الافق. وفي بعض الروايات الواردة في المقام أن وقت الغداة إذا أعترض الفجر فاضاء حسنا، وأما الفجر الذي يشبه ذنب السرحان (اي الذئب) فذاك الفجر الكاذب، والفجر الصادق هو المعترض كالقباطي (* 2) والفجر الكاذب هو الذي يظهر اولا قريب الصبح مستطيلا مستدقا صاعدا كالعمود وهو معنى قوله (ع) في رواية علي بن مهزيار (* 3) ليس هو الابيض صعدا. وانما شبه بذنب السرحان في بعض الروايات لدقته واستطالته وهو يظهر مستطيلا نحو الافق وينفصل عنه ثم تتعقبه الظلمة بعد ذلك، وإنما يسمى الكاذب لعدم دلالته وصدقه عن الصبح وتعقب الظلمة اياه بعد ظهوره. وعلى الجملة المدار في الفجر على البياض المعترض في الافق وهو


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 27 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 279 ]

الذي يأخذ عرضا وطولا وتنبسط في عرض الافق كنصف دائرة ولا اعتبار بالبياض الممتد المعبر عنه بالفجر الكاذب والى هذا ذهب العامة أيضا على ما في كتاب الفقه على المذاهب الاربعة (* 1) إذا المسألة متفق عليها بين الفريقين. وقد ورد في المقام جملة من الروايات واليك شطرها: " منها ": رواية علي بن مهزيار قال: كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني (ع) معي جعلت فداك قد أختلف موالوك (مواليك) في صلاة الفجر فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الاول المستطيل في السماء ومنهم من يصلي إذا اعترض في اسفل الافق واستبان، ولست أعرف أفضل الوقتين فأصلي فيه، فأن رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين وتحده لي، وكيف اصنع مع القمر، والفجر لا يتبين (تبين) معه حتى يحمر ويصبح، وكيف اصنع مع الغيم وما حد ذلك في السفر والحضر فعلت ان شاء الله فكتب (ع) بخطه وقراءته: الفجر يرحمك الله هو الخيط الابيض المعترض وليس هو الابيض صعدا. (* 2). ورواها الشيخ " قده " باسناده عن الحصين (ابن أبي الحصين) قال كتبت إلى أبي جعفر (ع) وذكر مثله، فهي مروية بطريقين إلا ان كليهما ضعيف اما طريق الكليني فلان فيه سهل بن زياد وهو ضعيف وأما طريق الشيخ فبالحصين (بن أبي الحصين) لعدم توثيقه. " ومنها ": مرسلة الصدوق قال: وروي أن وقت الغداة إذا اعترض الفجر فاضاء حسنا، وأما الفجر الذي يشبه ذنب السرحان فذاك الفجر الكاذب، والفجر الصادق هو المعترض كالقباطي (* 3).


(* 1) ج 1 ص 134 من الطبعة الخامسة. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 27 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 280 ]

والقباطي بفتح القاف وتخفيف الموحدة قبل الالف وتشديد الباء بعد الطاء المهملة ثياب بيض رقيقة تجلب من مصر واحدها قبطي، وهذه الرواية أيضا ضعيفة لارسالها، ولعل مراد الصدوق " قده " بقوله: وروي انما هو صحيحة زرارة الآتية الحاكية لفعل النبي صلى الله عليه وآله أو غيرها من الروايات الواردة في المقام، فلا تكون إذا رواية أخرى في قبالها. و " منها ": رواية هشام بن الهذيل عن أبي الحسن الماضي (ع) قال، سألته عن وقت صلاة الفجر فقال: حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سوراء (* 1). وهي أيضا ضعيفة السند بهشام بن الهذيل، والمتحصل ان الاخبار - إلى هنا - وان كانت ظاهرة الدلالة على المدعى الا أنها ساقطة عن الاعتبار لضعف اسنادها. و " منها ": صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي ركعتي الصبح وهي الفجر إذا اعترض الفجر وأضاء حسنا (2). وهذه الصحيحة مع الاخبار المتقدمة متعاكستان، لانها ضعيفة السند وظاهرة الدلالة كما تقدم وهذه الرواية صحيحة السند وقاصرة الدلالة على المدعى، إذ لا دلالة لها على عدم جواز الاتيان بصلاة الفجر قبل اعتراض الفجر واضاءته، وأما استمراره صلى الله عليه وآله على الاتيان بها عند اعتراض الفجر على ما يستفاد من لفظة " كان " فمن الجائز أن يكون مستندا إلى سبب آخر، ولا يستند إلى عدم جواز الاتيان بها قبل ذلك الوقت فدلالة الرواية قاصرة.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 27 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 281 ]

نعم هناك روايتان صالحتان للاستدلال بهما على ما ذهب إليه المعروف في المسألة لتماميتها من حيث الدلالة والسند. " إحداهما ": ما رواه الصدوق " قده " باسناده عن علي بن عطية عن أبي عبد الله (ع) انه قال الصبح " الفجر " هو الذي إذا رأيته كان معترضا كانه بياض نهر سوراء (* 1). وقد يناقش في سندها بان علي بن عطية الراوى لها وان كان ثقة وثقة النجاشي في ترجمة أخيه الحسن الا أن في طريق الصدوق إليه على ابن حسان وهو مردد بين الواسطي الثقة، والهاشمي الضعيف وقد قال النجاشي في حقه: علي بن حسان الكبير الهاشمي.. ضعيف جدا ذكره بعض اصحابنا في الغلاة فاسد الاعتقاد له كتاب تفسير الباطن تخليط كله وعن ابن فضال انه كذاب وقال العلامة: ان له كتابا سماه كتاب تفسير الباطن لا يتعلق من الاسلام بسبب هذا. والصحيح أن طريق الصدوق إلى الرجل صحيح، إذ الظاهر ان على بن حسان الواقع فيه هو الواسطي الثقة، لان الصدوق " قده " روى في الفقيه عن علي بن حسان عن علي بن عطية، وليس هذا الا الواسطي فان الهاشمي لا يروي الا عن عمه عبد الرحمن بن كثير، ولم يعلم له أية رواية عن علي بن عطية أو غيره. على أن الرواية رواها كل من الكليني والشيخ " قدهما " بطريق صحيح أو حسن - باعتبار ابراهيم بن هاشم - إذا فالرواية غير قابلة للمناقشة من حيث السند، كما انها تامة الدلالة على ما ذهب إليه المشهور في المسألة من تحقق طلوع الفجر بأعتراض البياض في الافق.


(* 1) المروية في ب 27 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 282 ]

و " ثانيتهما ": صحيحة ليث المرادي قال: سألت ابا عبد الله (ع) فقلت: متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر؟ قال: إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر قلت: أفلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاع الشمس؟ قال: هيهات اين يذهب بك؟ تلك صلاة الصبيان (* 1)، وهي أيضا ظاهرة الدلالة وصحيحة السند. نعم نقل في الحدائق عن صاحب المنتقى المناقشة في سند الرواية بأن الشيخ قد رواها - بعينها - عن ابي بصير وقيده بالمكفوف وقيده الصدوق بليث المرادي - كما نقلناه - ورواها الكليني عن ابن بصير وأطلقه، ولم يبين انه المكفوف الضعيف أو المرادي الثقة، وحيث أن الراوي احدهما وهو مردد بين الثقة والضعيف - لاختلاف المشايخ الثلاثة في تعبيراتهم - فلا يمكننا الاستدلال بها بوجه إذ لا يبقى معه أي وثوق بصحة الرواية وكون الراوي هو المرادي. وقد رجح في الحدائق ان يكون أبو بصير هذا هو المرادي نظرا إلى ما إشتهر في كلام المحدثين من تعيين ابي بصير وتفسيره بليث المرادي إذا كان الراوي عنه عاصم بن حميد أو عبد الله بن مسكان لغلبة روايتهما عنه هذا ولكننا في غنى عن ذلك لما بيناه في محله من وثاقة المكفوف كالمرادي إذا فلا توقف في الرواية بوجه على أن الشيخ " قده " رواها بطريقه عن علي بن ابراهيم كما صرح به في الوسائل في ذيل صحيحة على ابن عطية التي رواها بعد هذه الرواية، فهي كالرواية المتقدمة صحيحة السند وواضحة الدلالة على أن الفجر هو البياض المعترض في الافق. على أن المسألة اتفاقية كما قدمناه.


(* 1) المروية في ب 27 من ابواب المواقيت عن الوسائل.

[ 283 ]

بقي الكلام في شئ وهو أن الآية المباركة أعني قوله تعالى: كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر (* 1) دلت على أخذ التبين في موضوع الحكم بوجوب الكف والامساك، وظاهر ذلك أن للتبين موضوعية في تحقق الفجر فما دام لم يتبين ولم ير البياض المنبسط في الافق في ناحية المشرق لم يحكم بحرمة الاكل والشرب في نهار شهر رمضان ولا بجواز الاتيان بصلاة الفجر، فلا أثر لمجرد تحقق البياض في الافق بل الاثر مترتب على تبينه. وبعبارة أخرى أن الاثر إنما يترتب على البياض المنتشر المتبين في نفسه لولا المانع الخارجي. نعم إن عدم الرؤية والتبين إذا استند إلى وجود غيم في السماء أو إلى عمى في البصر أو نحو ذلك من موانع الرؤية لم يمنع ذلك عن الحكم بوجوب الامساك وجواز الدخول في صلاة الفجر لتحقق الفجر في الواقع وهو متبين في نفسه من غير قصور لان القصور في الرائي دون المرئي على الفرض، وهذا لعله مما لا شبهة فيه. وإنما الكلام فيما إذا استند عدم رؤية البياض المنتشر إلى ضوء القمر فهل يحكم وقتئذ بطلوع الفجر إذا اقتضته الموازين العلمية ويترتب عليه الحكم بجواز الصلاة ووجوب الامساك أو لا يترتب عليه شئ من ذلك لعدم تحقق الطلوع وعدم تبين البياض المنتشر في الافق وقد ذكرنا أن


(* 1) البقرة: 2: 187.

[ 284 ]

للتبين موضوعية في تحقق الطلوع وما هو موضوع للاثر؟. ذكر المحقق الهمداني " قده " أن المعتبر انما هو اعتراض الفجر وتبينه في الافق - بالفعل - فلا يكفي التقدير مع القمر لو أثر في تأخر تبين البياض المعترض في الافق، فإذا كان البياض المنتشر غير متبين - بالفعل - ولكنه يتبين لولا ضوء القمر لم يترتب عليه الحكم بوجوب الامساك أو جواز الدخول في الصلاة لعدم تحقق البياض - في نفسه - لمكان ضوء القمر المانع عن تحققه، وإنما يظهر البياض ويتحقق فيما إذا ضعف ضوء القمر وقاهره ضوء الفجر. والتحقيق أن ضوء القمر كالغيم والعمى المانعين عن رؤية البياض فإذا كان مقتضى الموازين العلمية تبين البياض المنتشر في الافق - لولا ضوء القمر أو الغيم ونحوهما - كفى هذا في الحكم بتحقق الفجر وترتب عليه آثاره ولا يقاس التقدير في محل الكلام بالتقدير في التغير الموجب لنجاسة الماء حيث ذكرنا في تلك المسألة أن الحكم بالنجاسة إنما يترتب على الماء المتغير فلا يترتب عليه أحكامه ما لم يتحقق التغير ولم يكن فعليا في الخارج ومن الظاهر أنه لا فعلية مع التقدير، ومع عدم فعلية الموضوع لا تترتب عليه أحكامه. وهذا بخلاف المقام لان الاثر انما يترتب على البياض المنتشر في الافق والمفروض أنه قد تحقق - في نفسه - وواقعا غير ان ضوء القمر منع عن رؤيته ومشاهدته لغلبته، كما أن الغيم يمنع عن رؤيته، ويظهر ذلك عند خسوف القمر لتبين البياض حينئذ ورؤيته على وجه الظهور إذا فالموضوع فعلي في المقام وليس تقديريا بوجه وبعبارة أخرى التقدير في الرؤية لا المرئي لوضوح أن حال القمر حال القوة الكهربائية - في عصرنا - فكما أنها إذا

[ 285 ]

[ " مسألة " المراد باختصاص أول الوقت (1) بالظهر وآخره بالعصر وهكذا في المغرب والعشاء عدم صحة الشريكة في ذلك الوقت مع عدم اداء صاحبته، فلا مانع من اتيان غير الشريكة فيه، كما إذا أتى بقضاء الصبح أو غيره من الفوائت في أول الزوال، أو في آخر الوقت. ] كانت غالبة منعت عن مشاهدة البياض المنتشر في الافق فكذلك الحال في القمر فلاحظ. الوقت الاختصاصي (1) قد أسلفنا تفصيل الكلام في هذه المسألة - قريبا - وبينا أن المراد باختصاص أول الوقت بالظهر وآخره بالعصر وكذا في المغرب والعشاء انما هو عدم صحة الشريكة فيه عند عدم الاتيان بصاحبة الوقت - معتمدا - وليس المراد به أن الوقت غير صالح إلا لصاحبته، ومن هنا لو أتى بصلاة الظهر قبل الوقت معتقدا دخوله ودخل الوقت في أثنائها ولو بحيث لم يقع منها في الوقت إلا ركعة واحدة أو تشهد وتسليمة ونحوهما وقلنا بصحة الصلاة وقتئذ - على كلام سيوافيك في محله ان شاء الله - جاز الاتيان فيه بصلاه العصر، مع أنه بعد أول الوقت، وكذلك الحال في آخر الوقت فيما إذا أتى بصلاة العصر قبل صلاة الظهر نسيانا أو باعتقاد الاتيان بها قبلها ثم انكشف خلافه فانه يجوز أن يأتي بصلاة الظهر وقتئذ وهو في آخر الوقت، كما يجوز الاتيان بغير الشريكة من الصلوات في الاوقات الاختصاصية كقضاء الفجر أو غيره من الفوائت.

[ 286 ]

[ كذا لا مانع من اتيان الشريكة إذا أدى صاحبة الوقت فلو صلى الظهر قبل الزوال بظن دخول الوقت فدخل الوقت في اثنائها، ولو قبل السلام حيث أن صلاته صحيحة (1) لا مانع من اتيان العصر أول الزوال. وكذا إذا قدم العصر على الظهر سهوا، وبقي من الوقت مقدار أربع ركعات، لا مانع من اتيان الظهر في ذلك الوقت ولا يكون قضاء، وان كان الاحوط عدم التعرض للاداء والقضاء، بل عدم التعرض لكون ما يأتي به ظهرا أو عصرا لاحتمال احتساب العصر المقدم ظهرا وكون هذه الصلاة عصرا. " مسألة 3 " يجب تأخير العصر عن الظهر، والعشاء عن المغرب فلو قدم إحداهما على سابقتها عمدا بطلت (2) سواء كان في الوقت المختص أو المشترك، ولو قدم سهوا (3) فالمشهور على انه إن كان في الوقت المختص بطلت وان كان في الوقت ] (1) على كلام في ذلك يأتي تفصيله عند التكلم على أحكام الاوقات إن شاء الله. (2) لانه مقتضى الترتيب المعتبر بينهما وقوله (ع) الا ان هذه قبل هذه. على تفصيل قد تقدم. (3) وتفصيل الكلام في هذه المسألة أن الاتيان باللاحقة قبل السابقة في الصلاتين المترتبتين من غير تعمد قد يكون في الوقت المختص بالسابقة وأخرى في الوقت المشترك بينهما، وعلى كلا التقديرين قد يكون التذكر بعد الفراغ عن اللاحقة وأخرى في اثنائها، وعلى الثاني قد يكون محل العدول عنها إلى السابقة باقيا وقد لا يكون.

[ 287 ]

[ المشترك فان كان التذكر بعد الفراغ صحت، وان كان في الاثناء عدل بنيته إلى السابقة إذا بقي محل العدول، وإلا - كما إذا دخل في ركوع الركعة الرابعة من العشاء - بطلت، وان كان الاحوط الاتمام والاعادة بعد الاتيان بالمغرب. وعندي فيما ذكروه إشكال، بل الاظهر في العصر المقدم على الظهر سهوا صحتها واحتسابها ظهرا ان كان التذكر بعد الفراغ لقوله (ع) انما هي أربع مكان أربع في النص الصحيح ولكن الاحوط الاتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمة من دون تعيين انها ظهر أو عصر وان كان في الاثناء عدل، من غير فرق في الصورتين بين كونه في الوقت المشترك أو المختص. وكذا في العشاء ان كان بعد الفراغ صحت، وان كان في الاثناء عدل مع بقاء محل العدول - على ما ذكروه - لكن من غير فرق بين الوقت المختص والمشترك أيضا. ] فهناك صور ومسائل: الاولى: ما إذا أتى باللاحقة في الوقت المشترك قبل السابقة وكان التذكر بعد الفراغ عنها كما إذا أتى بصلاة العشاء قبل المغرب وبعد الفراغ عنها تذكر عدم اتيانه بالمغرب قبل العشاء فهل يحكم بصحة اللاحقة حينئذ أولا؟ المعروف بين الاصحاب (قدهم) صحة اللاحقة وقتئذ وذلك لاخبار الخاصة الواردة في ذلك (* 1) ولحديت لا تعاد إذ لم يعد الاخلال بالترتيب فيه من


(* 1) المروية في ب 63 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 288 ]

جملة المستثنيات، ومعه لا حاجة في الحكم بصحة اللاحقة إلى الروايات الواردة في المقام. ثم ان في خصوص صلاتي الظهرين نزاعا آخر وهو أن ما أتى به المكلف من اللاحقة هل تحتسب عصرا ويجب ان يؤتى بعدها بصلاة الظهر أو لابد من أن يعدل بنيتها إلى السابقة ويجعلها ظهرا، ثم يأتي بصلاة العصر بعد ذلك؟ المشهور ان ما يأتي به يحتسب عصرا لا محالة. وهو الذي يقتضيه حديث لا تعاد، لانه انما أتى بها بنية العصر وقد حكمنا بصحتها بمقتضى الحديث فلا مقتضي لوقوعها ظهرا ابدا، فالقول بانه يعدل بنيته إلى الظهر ولو بعد الصلاة ثم يأتي بصلاة العصر شاذ غير قابل للاعتناء به نعم هناك صحيحتان تدلان على أن ما اتى به من اللاحقة تقع ظهرا ثم يصلي العصر بعدها. " إحداهما ": صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع). وقال: إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر فانما هي أربع مكان اربع.. (* 1). و " ثانيتهما ": صحيحة الحلبي المضمرة قال: سألته عن رجل نسي أن يصلي الاولى حتى صلى العصر قال: فليجعل صلاته التى صلى الاولى ثم ليستأنف العصر (* 2). فان مقتضى هاتين الصحيحتين وجوب العدول بعد العصر إلى صلاة الظهر معينة ثم الاتيان بصلاة العصر والشهرة على خلافهما كما عرفت إذا يبتنى هذه المسألة على كبرى أن اعراض المشهور عن رواية صحيحة إذا كانت بمرئي ومسمع منهم يوجب وهنها وسقوطها عن الحجية، إذ لو لم


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 63 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 289 ]

تكن فيها مناقشة في شئ من الجهات لم يكن وجه لاعراضهم عن الرواية مع فرض صحتها وتماميتها أو ان اعراضهم عن رواية غير مؤثر في وهنها ولا يوجب سقوطها عن الحجية والاعتبار، كما أن عملهم على طبق رواية ضعيفة ليس بجابر لضعفها؟ فعلى الاول تسقط الصحيحتان عن الحجية ولا مناص من الرجوع حينئذ إلى ما تقتضيه القاعدة. فقد عرفت أن مقتضى قاعدة لا تعاد احتساب ما اتى به من اللاحقة عصرا - كما اتى به - والاتيان بصلاة الظهر بعدها كما انه على الثاني لابد من العمل على طبق الصحيحتين والعدول بعد صلاة العصر إلى الظهر بنيته ثم الاتيان بصلاة العصر. وهذا هو الاقوى عندنا لما بيناه في محله من أن أعراض المشهور عن رواية صحيحة غير موجب لوهنها وسقوطها عن الحجية كما أن عملهم على طبق رواية ضعيفة غير جابر لضعفها هذا غير ان الاحتياط يقتضي العدول بعد العصر إلى صلاة الظهر بنيته والاتيان بعدها باربع ركعات بقصد ما في الذمة الاعم من الظهر والعصر من غير أن ينوي احداهما هذا كله في الظهرين. وأما إذا أتى بالعشاء قبل المغرب - من غير عمد - فلا خلاف في انها تقع عشاء ولابد من ان يأتي بالمغرب بعدها وذلك لما تقدم من انه مقتضى حديث لا تعاد. الصورة الثانية: ما إذا تذكر في اثناء اللاحقة - في الوقت المشترك - ولم يفت بعد محل العدول عنها إلى السابقة، كما إذا تذكر قبل التسليمة في صلاة العصر

[ 290 ]

أو في الركعة الثالثة في صلاة العشاء. والمعروف في هذه الصورة لزوم العدول إلى السابقة واتمام ما بيده ظهرا أو مغربا ثم الاتيان باللاحقة من عصر أو عشاء. وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها: وقال: إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر. وان ذكرت انك لم تصل الاولى وانت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الاولى ثم صل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر. وان كنت ذكرتها - أي المغرب - وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلم ثم قم فصل العشاء الآخرة.. (* 1). ومقتضى الصحيحة كما عرفت عدم الفرق في ذلك بين صلاتي الظهرين والعشاءين ولكن ورد في رواية الحسن بن زياد الصيقل التفصيل بين ما إذا تذكر وهو في أثناء صلاة العصر وما إذا تذكر وهو في أثناء العشاء قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل نسي الاولى حتي صلى ركعتين من العصر قال فليجعلها الاولى وليستأنف العصر، قلت فانه نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثم ذكر قال: فليتم صلاته ثم ليقض بعد المغرب قال: قلت له: جعلت فداك قلت حين نسي الظهر ثم ذكر وهو في العصر يجعلها الاولى ثم يستأنف وقلت لهذا يتم صلاته بعد المغرب؟! فقال: ليس هذا مثل هذا، ان العصر ليس بعدها صلاة والعشاء بعدها صلاة (* 2). وهي كما ترى قد فصلت بين صلاتي الظهرين والعشاءين بوجوب العدول إلى الظهر في الاوليين ووجوب اتمام ما بيده عشاء في الثانيتين معللا


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 63 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 291 ]

في ذيلها بان العصر ليست بعدها صلاة - لكراهة الصلاة بينها وبين المغرب - والعشاء بعدها صلاة - وهي الوتيرة وصلاة الليل - فلو اتم ما بيده عصرا للزم ان يأتي بعدها بصلاة الظهر وقد فرضنا أن العصر ليست بعدها صلاة وأما العشاء فلا مانع من ان يتم ما بيده عشاء ثم يأتي بالمغرب، لانه لا مانع من الصلاة بعد العشاء. الا انها غير قابلة للاعتماد عليها في نفسها لتكون معارضة لصحيحة زرارة وغيرها مما دل على لزوم العدول إلى السابقة مطلقا وذلك لعدم توثيق حسن بن زياد الصيقل ويحتمل - بعيدا - حمل الرواية على الوقت الاختصاصي في العشاء دون العصر كما صنعه في الوسائل بان يقال: ان صلاة العشاء لما كانت في آخر وقتها وكان الوقت مضيقا ومختصا لها لزم اتمام ما بيده عشاء بخلاف العصر لعدم كونها واقعة في آخر وقتها وعدم كون الوقت اختصاصيا لها. وهذا وان امكن الاستشهاد عليه بقوله: ثم ليقض بعد المغرب: لدلالته على خروج وقت المغرب وصيرورتها قضاء بالمعنى المصلح عليه - لا بمعنى مجرد الاتيان بالعمل كما لعله الشايع في الاخبار - إذ معه يكون الوقت اختصاصيا للعشاء لا محالة. الا انه حمل بعيد، إذ لو كان الامر كما ذكر لكان الاولى ان يعلل الامام - ع - بذلك ويقول: ان ما ذكرته في العشاء مستند إلى تضيق وقتها وأن صلاة العصر ايضا لو كانت مضيقة جرى فيها ذلك. هذا كله فيما إذا كان محل العدول باقيا.

[ 292 ]

الصورة الثالثة: ما إذا تذكر في اثناء اللاحقة - في الوقت المشترك - مع عدم التمكن من العدول لتجاوزه عن محله، كما إذا تذكر عدم اتيانه بالمغرب بعد ما دخل في ركوع الركعة الرابعة. فهل يجب اتمامها عشاء والاتيان بالمغرب بعدها أو لابد من الحكم ببطلان ما بيده ثم استينافها مترتبة على صلاة المغرب؟ المشهور - كما في المتن - هو البطلان وذهب شيخنا الاستاذ " قده " إلى صحة ما اتى به في مفروض الكلام وانه لابد من ان يتمها ويأتي بالمغرب بعدها وتبعه بعض من تأخر عنه بدعوى ان حديث لا تعاد غير قاصر الشمول للمقام اعني ما إذا كان التذكر في اثناء العمل لعدم اختصاص جريان الحديث بما بعد العمل بل كما يجرى بعده كذلك يجري في اثنائه، حيث ان الامر يدور حينئذ بين بطلان ما اتى به واعادته ثانيا أو الحكم بصحته فهو مورد لحديث لا تعاد ومع جريانه في اثناء العمل يحكم بصحة ما اتى به من العشاء وعدم لزوم اعادته، لان الحديث دل على عدم وجوب اعادة الصلاة الا من خمس وليس منها الاخلال بالترتيب سهوا واشتباها. والصحيح ما ذهب إليه المشهور في المسألة لان حديث لا تعاد وان كان غير قاصر الشمول لما إذا كان التذكر في اثناء العمل، لعدم اختصاص جريانه بما إذا تذكر بعد العمل فإذا تذكر نقصان جزء أو شرط معتبر فيما تقدمه من العمل وهو في اثنائه، كما إذا تذكر في أثناء صلاته عدم تستر عورته في الركعة الاولى - مثلا - مع كونه متسترا حال ذكره جرى فيه الحديث، لانه ايضا مورد للاعادة ومن الواضح عدم اختصاص الاعادة

[ 293 ]

بما بعد العمل وقد ورد في الاخبار: من تكلم في صلاته متعمدا فعليه اعادة الصلاة (1). وعلى الجملة ان حديث لا تعاد يجري في كل عمل متقدم ناقص سواء أكان تمام العمل أو بعضه كما في المثال فانه من احد موارد الاعادة، لصدور الركعة ناقصة والحديث قد دل على عدم وجوب الاعادة من خمس وليس منها الاخلال بالتستر إلا ان للمقام خصوصية تقتضي الحكم بعدم جريان الحديث عند التذكر في اثناء الصلاة وتلك الخصوصية ان مقتضى ما دل على اعتبار الترتيب بين الصلاتين أن كل جزء من اجزاء صلاة المغرب - مثلا - يعتبر ان يقع قبل كل جزء من اجزاء صلاة العشاء فهما مترتبتان في جميع اجزائهما واشتراط الترتيب وان كان ذكريا ومختصا بصورة العمد والالتفات، الا ان لازم ذلك ان مع التوجه والالتفات لابد من ان يقدم اجزاء صلاة المغرب - بتمامها - على اجزاء العشاء ويؤخر اجزاء العشاء - بتمامها - عن صلاة المغرب. فإذا فرضنا انه اتى بالعشاء قبل المغرب عن غير عمد والتفت - وهو في الركعة الرابعة - إلى انه لم يأت بالمغرب قبلها وتمسكنا فيه بالحديث وحكمنا لاجله بصحة ما اتى به من الاجزاء والركعات الثلاث المتقدمة من العشاء فهل الحديث يقتضي جواز الاتيان بالركعة الرابعة ناقصة مع التعمد والاختيار وفاقدة لشرطية الترتيب المعتبر بينهما مع التوجه والالتفات؟! كما هو مقتضى الحكم بصحة العشاء حينئذ، فان لازمه أن يؤتي بالركعة الرابعة قبل المغرب متعمدا كيف فان القاعدة انما هي لتصحيح الاعمال المتقدمة الصادرة فاقدة لبعض الامور المعتبرة في صحتها ولا تكون مشرعة


(* 1) راجع ب 25 من ابواب قواطع الصلاة من الوسائل.

[ 294 ]

للاتيان بالعمل الناقص بعد التذكر والالتفات. وان شئت قلت: ان حديث لا تعاد انما يدلنا على الاجتزاء بالماتي به الناقص - عن غير عمد - ولا يدلنا على وجوب الاتيان بالعمل الناقص مع التعمد وهذا ظاهر. ونظير ذلك ما لو تذكر - وهو في اثناء الصلاة - عدم ستر العورة من الركعة المتقدمة فهل جريان القاعدة بالاضافة إلى الاجزاء المتقدمة يشرع الاتيان بالاجزاء التالية فاقدة لشرطها اعني التستر مع فرض تمكنه من التستر وتحصيل الساتر في صلاته؟! وهذا هو السر في الحكم ببطلان الصلاة في هذه الصورة، والاتيان بها مترتبة. نعم إذا تمكن المكلف - في مورد - من تحصيل الشرط أو الجزء المنسيين عند التذكر اي بالاضافة إلى الاجزاء التالية جاز التمسك فيه بالقاعدة وان كان التذكر في اثناء الصلاة. الصورة الرابعة ما إذا أتى باللاحقة - في الوقت المختص بالسابقة - وكان التذكر بعد الفراغ منها، كما إذا أتى بصلاة العصر في الآن الاول من الزوال معتقدا الاتيان بصلاة الظهر قبلها أو مع الغفلة عنها - بالكلية - أو أتى بركعة من صلاة العشاء قبل دخول الوقت والمغرب وثلاث ركعات منها بعده بحيث وقعت العشاء في الوقت المختص بصلاة المغرب ولا مناص في هذه الصورة من الحكم بالبطلان على مسلك المشهور في الوقت الاختصاصي لانه كما عرفت بمعنى عدم صلاحية الوقت لغير صاحبة الوقت فصلاة العصر

[ 295 ]

أو العشاء قد وقعتا في غير الوقت الصالح لهما فتبطلان، لان الاخلال بالوقت موجب للبطلان والاعادة. وأما على ما بيناه في معنى الاختصاص من أن متقضى قوله (ع) إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين أو دخل الوقتان أو غيرهما مما يؤدي هذا المعنى أن وقت كل من الصلاتين يدخل بالزوال والغروب وان ما بين المبدء والمنتهى صالح لكل من الصلاتين إلا أن هذه قبل هذه، لا أن الوقت خاص بالسابقة ولم يدخل وقت الصلاة الثانية، وإلا فلا معنى لقوله (ع) دخل الوقتان أو دخل وقت الصلاتين. وعلى الجملة ان معنى الاختصاص في الوقت ان الشريكة لا تزاحم صاحبة الوقت مع التعمد والالتفات وهو معنى شرطية الترتيب بينهما كما مر وحيث ان يخص حال العمد والالتفات فلا يكون الاخلال به سهوا مستتبعا للبطلان كما في المقام. إذا حال الوقت الاختصاصي حال الوقت المشترك من هذه الناحية فان مقتضى حديث لا تعاد هو الحكم بصحة ما أتى به من العصر أو العشاء ومعه يجب الاتيان بالسابقة من الظهر أو المغرب بعد ذلك كما أن مقتضى صحيحتي زرارة والحلبي ان يجعلها الاولى - ولو بعد العمل - ويأتي بصلاة العصر كما تقدم وكيف كان فما أتى به من الصلاة يقع صحيحة وهي اما أن تقع عصرا أو ظهرا على الخلاف. الصورة الخامسة ما إذا أتى باللاحقة - في الوقت المختص بالسابقة - وتذكر في اثناء

[ 296 ]

العمل كما إذا التفت بعد ما صلى ركعتين - مثلا - فبناء على المشهور في الوقت الاختصاصي لا مناص من الحكم ببطلان الصلاة كما في الصورة المتقدمة، لوقوع ركعتين منها في غير الوقت الصالح لها، والاخلال بالوقت يقتضي البطلان وان لم يستند إلى العمد فلا يشمله حديث لا تعاد. كما لا يشملها ما دل على العدول منها إلى السابقة، لاختصاص رواياته بما إذا كانت الصلاة صحيحة في نفسها أي من غير ناحية الترتيب المعتبر بينهما فلا يشمل ما إذا كانت فاقدة لغير الترتيب من الاجزاء والشرائط المعتبرتين فيها كما إذا لم تكن واجدة للطهور ونحوه لوضوح أن العدول لا اقتصاء له للبناء على صحة ما أتى به من سائر الجهات وحيث أن الصلاة في محل الكلام فاقدة لشرطية الوقت لوقوعها في غير الوقت الصالح لها فلا يشملها روايات العدول من تلك الناحية. وأما على ما بيناه في معنى الاختصاص من عدم جواز مزاحمة الشريكة لصاحبة الوقت مع العمد والالتفات وكون الوقت صالحا لكل منهما فلا مانع من الحكم بصحة ما بيده - لحديث لا تعاد أو الروايات - والاخلال بالترتيب غير مضر لوقوعه سهوا واشتباها فيحكم بصحتها ويتمها ظهرا وكذلك في المغرب - إذا أمكنه العدول - ويأتي بالشريكة من عصر أو عشاء بعدها هذا. ولكن المحقق " قده " في الشرايع مع ذهابه إلى الوقت الاختصاصي بماله من المعنى المشهور عندهم قد التزم بالصحة في محل الكلام حيث فصل بين صورتي وقوع اللاحقة في الوقت المختص بالسابقة ووقوعها في الوقت المشترك فيما إذا تذكر بعد الفراغ فحكم بالبطلان في الوقت الاختصاصي وبالصحة في الوقت المشترك ولكنه حكم بالصحة عند التذكر

[ 297 ]

في اثناء الصلاة مطلقا ومقتضى اطلاق كلامه عدم الفرق في ذلك بين صورتي وقوع اللاحقة في الوقت المشترك أو في الوقت الاختصاصي. وما افاده " قده " هو الحق الصراح والسر فيه أن اطلاق ادلة العدول إلى السابقة فيما إذا شرع في اللاحقة وتذكر في اثنائها إنه لم يأت بالصلاة المتقدمة عليها غير قاصر الشمول للمقام ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في وجوب العدول إلى السابقة واتمامها ثم الاتيان بالصلاة الثانية بين وقوع اللاحقة في الوقت المشترك ووقوعها في الوقت المختص بالسابقة. و " دعوى ": أن اخبار العدول مختصة بما إذا كانت الصلاة صحيحة - في نفسها - اي من غير ناحية فقد الترتيب المعتبر بين الصلاتين، والصلاة باطلة في محل الكلام لوقوعها في غير الوقت الصالح لها كما تقدم. " مندفعة ": بانه فرق ظاهر بين ان يكون ما بيد المكلف من الصلاة باطلة على كلا تقديري اتمامها وعدمه اي على كلا تقديري العدول عنها إلى السابقة واتمامها ظهرا أو مغربا وعدم العدول عنها واتمامها عصرا أو عشاء وبين ما إذا كانت الصلاة صحيحة على تقدير العدول عنها إلى السابقة واتمامها ظهرا أو مغربا، وباطلة على تقدير عدم العدول عنها لانها في الصورة الاولى محكومة بالفساد والبطلان سواء اتمها - خارجا - ظهرا أو مغربا ام عصرا أو عشاء وذلك لفقدها شيئا مما يعتبر فيها من الاجزاء والشرائط كما إذا شرع في العصر وتذكر - في اثنائها - عدم اتيانه بالظهر قبلها وهو فاقد للطهور أو للتستر أو لغيرهما من الامور المعتبرة فيها شرطا أو شطرا. وهذا بخلاف الصورة الثانية حيث لا خلل فيها في صلاته الا من جهة الترتيب والوقت، والترتيب شرط ذكري فلا يضر الاخلال به من غير عمد، والوقت قد حصل بالعدول مما بيده إلى الظهر فكأنه حينئذ اتى بصلاة

[ 298 ]

[ وعلى ما ذكرنا تظهر فائدة الاختصاص فيما إذا مضى من أول الوقت مقدار أربع ركعات فحاضت المرأة فان اللازم حينئذ قضاء خصوص الظهر (1). ] الظهر من الابتداء فانه مقتضى روايات العدول. إذا فلا قصور في شمولها للمقام ولا مناص معه من الحكم بصحة العدول عما بيده إلى السابقة، وعلى الجملة ان عدم جواز العدول اما ان يستند إلى فوات محله ومضيه كما إذا تذكر - بعدما دخل في ركوع الركعة الرابعة - عدم اتيانه بصلاة المغرب قبل ما بيده، واما ان يستند إلى فقدان شرط أو جزء، وشئ منهما غير متحقق في المقام، لان الشرائط والاجزاء - باسرهما - موجودتان حيث أن وقت صلاة العصر وان لم يدخل على الفرض فلا يصح اتمامها عصرا بوجه، إلا أن الظهر قد دخل وقتها فإذا عدلنا منها إلى الظهر فلا محالة تقع في وقتها. ثم ان هذا الكلام وان كان يجري - بعينه - فيما إذا تذكر بعد الفراغ عن اللاحقة، إلا أن ما دل على العدول وقتئذ من الاخبار ساقطة عن الحجية عنده " قده " لاعراض المشهور عنها كما تقدم ومن هنا لم يحكم فيها ايضا بالصحة. (1) لانه بناء على القول بالوقت الاختصاصي بالمعنى المتقدم المعروف لا يجب على المرأة إلا قضاء صلاة الظهر فحسب لطرو الحيض قبل ان يدخل الوقت الصالح لصلاة العصر فلم تكن مأمورة بها لتقضيها بعد ارتفاع عذرها، وانما كانت مأمورة بصلاة الظهر فحسب. وأما بناء على ما ذكرناه في معنى الاختصاص من أن الوقت لكلتا الصلاتين انما يدخل بالزوال غير أن هذه قبل هذه إلى اخر ما قدمنا تفصيله

[ 299 ]

[ وكذا إذا طهرت من الحيض ولم يبق من الوقت الا مقدار أربع ركعات فان اللازم حينئذ اتيان العصر فقط (1). ] فايضا الامر كما افيد وذلك لان وقت صلاة العصر وان دخل وهي طاهرة إلا ان صلاة العصر مترتبة على الظهر اي متقيدة بان تقع بعدها، والمفروض أن المرأة غير متمكنة من صلاة العصر المتقيدة بذلك لفرض مفاجأة الحيض وطروه فيما إذا مضى من اول الوقت مقدار اربع ركعات. وهذا بخلاف صلاة الظهر، لانها مطلقة ولم تتقيد بوقوع صلاة العصر بعدها، إذا لم تكن الحائض مكلفة بصلاة العصر من الابتداء وانما كانت مكلفة بصلاة الظهر فحسب فلا يجب في حقها الا قضائها فقط هذا ويمكن الاستدلال عليه بوجه آخر وهو ان المرأة في مفروض المسألة لا يحتمل ان تكون مأمورة بكلتا الصلاتين معا أعني صلاتي الظهر والعصر لاستلزامه التكليف بما لا يطاق، لضيق الوقت وعدم سعته لهما، كما لا يحتمل عدم كونها مأمورة بشئ من الصلاتين لوضوح ان سقوط التكليف عنها - بالكلية - خلاف الضرورة والاجماع فيدور أمرها بين ان تكون مخيرة في الاتيان باية منهما شاءت أو تتعين عليها خصوص احداهما من الظهر أو العصر، وحيث ان التخيير بين الصلاتين كتعين خصوص العصر خلاف ما دل على اعتبار الترتيب بينهما والاختصاص بالمعنى الذي قدمناه فستكشف من ذلك ان المتعين في حقها خصوص صلاة الظهر. (1) وذلك أما بناء على القول بالوقت الاختصاصي بالمعنى المتقدم المعروف فلاجل مضي وقت صلاة الظهر فلا يجب في حقها إلا صلاة العصر. وأما على ما حققناه في معنى الاختصاص فلان ما بين المبدء والمنتهى - على ذلك - وان كان صالحا لكل واحدة من الصلاتين، الا انا قدمنا

[ 300 ]

ان ما بين المبدء والمنتهى وقت لثمان ركعات فإذا مضى الوقت بحيث لم يبق منه إلا مقدار أربع ركعات فقد انقضى وقت اربع ركعات من الثمانية وبقي وقت الاربع الثانية كما هو مقتضى التقسيط والانبساط على ما أسلفناه فلاحظ إذا لا يجب على المرأة إلا الاربع المتأخرة دون المتقدمة. ويمكن الاستدلال عليه أيضا بما قدمناه في المسألة المتقدمة، فان كونها مكلفة بكلتا الصلاتين معا غير محتمل لاستلزامه التكليف بما لا يطاق كما أن عدم وجوب شئ منهما في حقها وسقوط التكليف عنها - بالكلية - كذلك لانه على خلاف الضرورة والاجماع والتخيير بينهما ركعتين خصوص الظهر في حقها مناف لما دل على اعتبار الترتيب والاختصاص بالمعنى الذي قدمناه فبهذا يستكشف ان المتعين في حقها خصوص العصر فقط. ثم ان ما ذكرناه في المسألة مضافا إلى انه على طبق القاعدة قد وردت فيها عدة روايات ودلت على أن الواجب على المرأة في الصورة الاولى قضاء خصوص الظهر وفى الصورة الثانية قضاء خصوص العصر فليراجع (* 1). ثم ان بما سردناه في المقام يظهر الحال في جملة من الفروع كما إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون ولم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات فلاحظ. وهل يجب في تلك الصورة قضاء صلاة الظهر أو المغرب؟ الصحيح عدم وجوب قضائهما لان وجوبه اما أن يكون لاجل تفويت المكلف به واما ان؟ يستند إلى تفويت الملاك. أما المكلف به فالمفروض عدم التكليف بشئ في المقام لان مفروض كلامنا انما هو المجنون أو غير البالغ أو الحائض، ولا تكليف لهم بصلاة الظهر أو المغرب وهو ظاهر، وأما الملاك


(* 1) راجع ب 48 و 49 من أبواب الحيض من الوسائل.

[ 301 ]

وكذا إذا بلغ الصبي ولم يبق الا مقدار أربع ركعات، فان الواجب عليه خصوص العصر فقط وأما إذا فرضنا عدم زيادة الوقت المشترك عن أربع ركعات فلا يختص باحداهما (1) بل يمكن أن يقال بالتخيير بينهما، كما إذا أفاق المجنون الادواري في الوقت المشترك مقدار أربع ركعات، أو بلغ الصبي في الوقت المشترك ثم جن أو مات بعد مضي مقدار أربع ركعات ونحو ذلك. ] فهو أيضا كذلك لما دل على ان الفوات المستند إلى عدم البلوغ أو الحيض أو الجنون مما لا يوجب القضاء وبه يستكشف انه لا ملاك ولا مقتضي للتكليف في تلك الموارد. وحيث ان الفوات في المقام مستند إلى أحد تلك الامور فالمقتضي للوجوب قاصر في نفسه فلا يجب على الصبي قضاء صلاة الظهر أو المغرب فيما إذا بلغ ولم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات وكذلك الحال في الكافر فيما إذا أسلم أو المجنون إذا أفاق. هذا تمام الكلام في الوقت الاختصاصي. وأما إذا فرضنا ذلك في الوقت المشترك كما إذا أفاق المجنون بعد مضي مقدار أربع ركعات من الزوال وبعدما أدرك من الوقت مقدار اربع ركعات جن أو مات، أو بلغت المرأة وقتئذ وبعدما مضى من الوقت مقدار أربع ركعات حاضت، أو بلغ الصبي ثم لما أدرك من الوقت المشترك مقدار أربع ركعات مات أو جن فقد أشار إليه الماتن بقوله: واما إذا فرضنا عدم زيادة الوقت المشترك. (1) فهل الواجب حينئذ خصوص صلاة الظهر أو ان المتعين هو

[ 302 ]

العصر أو أن المكلف يتخير بينهما؟ قد يقال: ان الواجب خصوص العصر لاندراج الوقت حينئذ في الوقت الاختصاصي لصلاة العصر فان مفروضنا ان المكلف لا يتمكن الا من أربع ركعات ولا يسع الوقت لكلتا الصلاتين فهو آخر وقت يتمكن فيه من الصلاة وقد مر ان آخر الوقت بمقدار أربع ركعات وقت اختصاصي للعصر وهذا نظير ما إذا ضاق الوقت ولم يبق منه الا مقدار أربع ركعات. وحاصل هذه الدعوى مقايسة المقام لما إذا لم يبق من الوقت الا مقدار أربع ركعات حقيقة فكما ان المتعين وقتئذ هو العصر فكذلك الحال فيما إذا لم يتمكن الا من أربع ركعات لانه آخر وقت يتمكن فيه من الصلاة لصيرورة المكلف بعده مجنونا أو ميتا أو نحوهما. وقد يقال بالتخيير بدعوى أن الوقت انما هو بمقدار أربع ركعات ولا يتمكن المكلف من الاتيان فيه بكلتا الصلاتين فلا محالة تقع المزاحمة فيه بينهما لاشتراك الوقت بين الصلاتين، ومع التزاحم وعدم الترجيح يتخير المكلف بينهما، إذ لم يقم دليل على الاختصاص حينئذ. والى ذلك ذهب الماتن " قده ". ويرد على دعوى تعين العصر أن القياس في غير محله لانا انما قلنا باختصاص آخر الوقت لصلاة العصر عند الضيق حقيقة من جهة اشتراك الوقت بين الصلاتين لما أشرنا إليه غير مرة من أن ما بين المبدء والمنتهى وقت لثمان ركعات فإذا ضاق ولم يبق منه إلا بمقدار أربع ركعات اختص بصلاة العصر لا محالة لذهاب وقت الاربع الاولى على البيان المتقدم. وهذا كما ترى لا يتأتى في المقام، لان مفروضنا عدم تضيق الوقت - حقيقة - وعدم ذهاب وقت الاربع الاولى، وانما المكلف لا يتمكن

[ 303 ]

[ (مسألة 4) إذا بقى مقدار خمس ركعات إلى الغروب قدم الظهر (1) ] إلا من أربع ركعات في الوقت المشترك بين الصلاتين ومعه لا وجه لتعين العصر بوجه. وأما دعوى التخيير بين الصلاتين من جهة التزاحم فتندفع بانه لا مزاحمة في المقام لان التزاحم انما يتحقق فيما إذا كان هناك عملان صحيحان في نفسهما وكان كل منهما مقدورا للمكلف ولم يتمكن من كليهما بمعنى أن أحدهما لا بعينه غير ميسور في حقه ومعه يحكم بالتخيير بينهما إذا لم يكن مرجح لاحدهما على الآخر. والامر في المقام ليس كذلك لان المكلف متمكن من احدى الصلاتين معينة وغير متمكن من الاخرى كذلك - أي معينة - حيث ان صلاة الظهر واجبة مطلقا ولا يشترط في صحتها التعقب بصلاة العصر، ولكن صلاة العصر متقيدة بأن تكون واقعة بعد صلاة الظهر لقوله إلا أن هذه قبل هذه. وغيره مما دل على اعتبار الترتيب بينهما، ومن الواضح ان المكلف غير متمكن من العصر المتقيدة بذلك كما انه يتمكن من الظهر لاطلاقها، إذا تتعين صلاة الظهر في حقه ولا وجه معه للتخيير. ولا يجب حينئذ قضاء العصر لاستناد فوتها إلى الجنون أو الموت أو غيرهما مما لا يوجب القضاء. (1) الوجه في ذلك ان مقدار أربع ركعات من آخر الوقت وان كان يختص بصلاة العصر بالمعنى المتقدم ومقتضى ذلك وقوع مقدار من الظهر أعني غير الركعة الاولى منها في الوقت المختص بالعصر وفي خارج وقتها. وكذا وقوع مقدار من العصر المأتي بها - بعدها - خارج الوقت الا ان قاعدة من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الصلاة تقتضي صحتهما.

[ 304 ]

[ وإذا بقي اربع ركعات أو اقل قدم العصر (1) وفي السفر إذا بقى ثلاث ركعات قدم الظهر (2) وإذا بقي ركعتان قدم العصر (3) وإذا بقي إلى نصف الليل خمس ركعات قدم المغرب (4) وإذا بقي أربع أو أقل قدم العشاء (5) وفي السفر إذا بقي أربع ركعات ] (1) أما إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات فلانه الوقت المختص بصلاة العصر بالمعنى المتقدم، واما إذا بقي اقل منه فلاجل انه أيضا من الوقت الاختصاصي للعصر غير ان مقدارا منها حينئذ يقع خارج الوقت ولكن قاعدة من أدرك تقتضي صحتها وكأنها بتمامها وقعت في الوقت ثم بعد ذلك تقضي صلاة الظهر لفواتها على الفرض. (2) لان ركعة من الظهر وان كانت تقع حينئذ في الوقت الاختصاصي بالعصر بالمعنى الذي عرفت الا ان قاعدة من أدرك تقتضي صحتها وكأنها قد وقعت في الوقت - بتمامها -. ومن ذلك يظهر الحال في صلاة العصر أيضا ولا نعيد. (3) لانقضاء وقت الظهر واختصاص الباقي بصلاة العصر فلابد من أن يقضي صلاة الظهر بعدها في خارج الوقت. (4) لان ركعتين من المغرب وان كانتا واقعتين في الوقت الاختصاصي بالعشاء إلا انها تصحح بقاعدة من أدرك فكأنها - بتمامها - قد وقعت في وقتها، كما أن العشاء تقع ركعتان منها خارج الوقت وتصحح بقاعدة من أدرك كما تقدم في الظهرين فلاحظ. (5) لانقضاء وقت المغرب واختصاص الباقي بصلاة العشاء، ولا يضر حينئذ وقوع بعضها في خارج الوقت لقاعدة من أدرك كما مر وبعد ما أتى بصلاة العشاء تقضي المغرب خارج الوقت.

[ 305 ]

[ قدم المغرب (1) وإذا بقي أقل قدم العشاء (2) ] (1) فان صلاة المغرب وان كانت تقع ركعة منها وقتئذ في الوقت المختص بصلاة العشاء الا أن ذلك غير مضر لصحتها لقاعدة من أدرك، ومنه يظهر الحال في صلاة العشاء، لان درك ركعة منها في وقتها يستلزم الحكم بصحتها ووقوعها في وقتها. (2) كما إذا بقي مقدار ثلاث ركعات لانه لو قدم المغرب حينئذ وقعت ركعة منها في الوقت المشترك وركعتان في الوقت المختص بصلاة العشاء وهي يمكن ان تصحح بقاعدة من أدرك إلا أن لازم ذلك وقوع العشاء بتمامها في خارج الوقت ومعه يكون تقديم المغرب مفوتا للعشاء، وهذا بخلاف مالو قدمنا العشاء لانها ركعتان ويبقى بعدها من الوقت ركعة واحدة ولا مانع من أن يؤتى فيه بصلاة المغرب فان ركعة منها تقع في الوقت ويصحح بقاعدة من أدرك، إذا يبقى هناك سؤال وهو أن المكلف إذا قدم العشاء على صلاة المغرب بقي من الوقت ركعة واحدة لا محالة وهو من الوقت الاختصاصي بالعشاء فكيف يمكنه الاتيان فيه بصلاة المغرب والا لوقعت في خارج الوقت لا محالة. كما انه إذا قدم المغرب على العشاء وقعت العشاء في خارج الوقت فما وجه تقديم المغرب على العشاء فانهما في لزوم وقوع الصلاة المتأخرة خارج الوقت سواء؟ والجواب عن ذلك: انا إذا قدمنا العشاء على صلاة المغرب فقد نبني على أن المغرب حينئذ اداء نظرا إلى أن الوقت الاختصاصي انما هو بمعنى أن الصلاة المتأخرة اعني العشاء لا يجوز أن تزاحم بالمتقدمة، فإذا فرضنا أن المتأخرة تقدمت نسيانا واشتباها أو لموجب آخر كما في المقام - على ما سيجيئ

[ 306 ]

توضيحه - فلا مانع من الاتيان بالصلاة المتقدمة في ذلك الوقت، فانها تقع أداء وقتئذ. وقد نبني على انها قضاء نظرا إلى مضي وقتها واختصاص الوقت بصلاة العشاء بالمعنى الثابت المشهور. فعلى الاول أعني القول بان صلاة المغرب اداء يدور أمر المكلف بين أن يأتي بصلاة المغرب مقدما لتقع العشاء بتمامها في خارج الوقت أو يقدم العشاء ويؤخر صلاة المغرب ليدرك ركعة من الوقت - حقيقة - والباقي بقاعدة من أدرك - تعبدا -. ولا ينبغي الشبهة في أن اللازم وقتئذ هو تقديم صلاة العشاء دون المغرب وذلك لانا قد استفدنا مما دل على أن الصلاة لا تسقط بحال أن الوقت مقدم على سائر الشرائط والاجزاء كالترتيب - في المقام - فلو لم يخالف الترتيب في محل الكلام ولم يأت بالعشاء مقدما لوقعت - أي العشاء - في الخارج الوقت قضاء، وقد ذكرنا ان ما دل على أن الصلاة لا تسقط بحال يدلنا على عدم جواز ذلك فلاجل هذا تسقط شرطية الترتيب بينهما ويتعين تقديم العشاء على المغرب لئلا تقع - بتمامها - خارج الوقت. وأما على الثاني اعني ما إذا قلنا ان المغرب قضاء فقد يتوهم انه لا موجب وقتئذ لتقديم العشاء على صلاة المغرب لان تقديمها عليها وان كان يستلزم وقوع المغرب قضاء وفي خارج وقتها إلا أن عكسه أعني تقديم المغرب عليها ايضا يستلزم وقوع العشاء قضاء وفي خارج وقتها، ومعه لا موجب لتقديم إحداهما على الاخرى بوجه. والصحيح انه بناء على هذا المسلك أعني كون المغرب قضاء أيضا لابد من تقديم صلاة العشاء وذلك لانه لو قدم العشاء على صلاة المغرب

[ 307 ]

وقعت العشاء بتمامها في الوقت. وأما لو انعكس الامر بأن قدمت المغرب على صلاة العشاء لوقعت ركعة منها في الوقت وركعتان خارج الوقت أعني الوقت المختص بصلاة العشاء. إذا يدور الامر بين اتيان العشاء بتمامها في وقتها واتيان ركعة واحدة من المغرب في وقتها. ولا ينبغي الاشكال في أن الاول هو المتعين. وأما دعوى أن المغرب أيضا تقع في مفروض الكلام في وقتها بالتمسك بقاعدة من أدرك فلا يدور الامر بين الاتيان بالعشاء في وقتها والاتيان بركعة من المغرب في الوقت وركعتين خارج الوقت. فتتدفع: بان القاعدة وان كانت تقتضي الحكم بوقوع المغرب في وقتها ابتداء، الا أن الامر - معها - يدور بين الاتيان بصلاة تامة اختيارية - في وقتها - والاتيان بصلاة عذرية اضطرارية كذلك أعني ما ثبت كونه في الوقت بقاعدة من أدرك. ولا كلام في أن المتعين هو الاول إذا لابد من تقديم العشاء على صلاة المغرب على كلا المسلكين المتقدمين كما ذكره الماتن " قده " ولا يتوقف الحكم بتقديمها على القول بانها أداء أو قضاء. نعم الحكم بوجوب المبادرة إلى صلاة المغرب بعد العشاء يختص بما إذا قلنا ان المغرب اداء حينئذ كما هو مسلكه " قده " لوضوح انها لو كانت قضاء لم تجب المبادرة إلى القضاء هذا وقد يورد على الماتن بان الجزم بوجوب المبادرة إلى الغرب لا يجتمع مع التردد في أن المغرب اداء أو قضاء حيث ذكر: أن الاحوط عدم نية الاداء والقضاء. فانه من الجمع بين المتنافيين. وهذه المناقشة من الغرائب وذلك لان الماتن " قده " حكم - أولا - بوجوب المبادرة وانها ادائية حكما ظاهريا ومعه يكون الاحتياط في كلامه

[ 308 ]

استحبابيا لا محالة، ولا تمانع بين الفتوى بالحكم الظاهري استنادا إلى ما هو الظاهر من الادلة الاجتهادية - والاحتياط الاستحبابي بداعي ادراك الواقع أبدا فترى الفقهاء " قدهم " يقولون - مثلا -: الظاهر ان الشئ الفلاني طاهر والاحوط الاجتناب، ولا نرى في ذلك أي تناف وتهافت. ثم ان في المسألة قولا آخر ذكره بعض المعلقين على المتن في تعليقته وهو وجوب الاتيان بركعة من المغرب ثم الشروع في صلاة العشاء واتمامها ثم الاتيان بالركعتين الباقيتين من المغرب، وهذا من الصلاة في الصلاة وهي جائزة على مسلكه " قده ". ويرده " أولا ": أن الصلاة في الصلاة انما ثبتت مشروعيتها في صلاة الآيات فحسب، ولم يقم دليل عليها في غيرها ومقتضى القاعدة عدم الجواز لاستلزامها زيادة الركوع وغيره من الاركان والاتيان - في اثنائها - بالتسليمة التي هي مخرجة عن الصلاة وكل ذلك مما يوجب الفساد. و " ثانيا ": ان الاتيان بصلاة العشاء في اثناء المغرب غير محصل للمراد أعني ترتب العشاء على صلاة المغرب، وذلك لان الظاهر من الادلة هو اعتبار تقدم المغرب بمالها من الاجزاء والشرائط على صلاة العشاء فالاجتزاء بالتقدم في بعض اجزائها دون بعض يحتاج إلى دليل ولم يثبت بدليل فالصحيح ما ذكره الماتن " قده " من لزوم تقديم العشاء على المغرب وكونها ادائية تجب المبادرة نحوها.

[ 309 ]

[ ويجب المبادرة إلى المغرب بعد تقديم العشاء إذا بقي بعدها ركعة أو أزيد، والظاهر أنها حينئذ اداء وان كان الاحوط عدم نية الاداء والقضاء. (مسألة 5) لا يجوز العدول من السابقة إلى اللاحقة (1) ويجوز العكس، فلو دخل في الصلاة بنية الظهر ثم تبين له في الاثناء، انه صلاها، لا يجوز له العدول إلى العصر، بل يقطع ويشرع في العصر، بخلاف ما إذا تخيل انه صلى الظهر فدخل في العصر، ثم تذكر انه ما صلى الظهر فانه يعدل إليها. ] حكم العدول من احدى الترتبتين إلى الاخرى (1) قد اسلفنا ان صلاة العصر يشترط ان تكون مترتبة على صلاة الظهر، كما أن صلاة العشاء لابد أن تكون مترتبة على المغرب ونتيجة ذلك ان المكلف إذا أتى بالعصر متقدمة على الظهر أو قدم العشاء على المغرب مع التعمد والالتفات بطلت صلاته. وأما إذا دخل في الصلاة بنية الظهر أو المغرب ثم تذكر انه أتى بالظهر أو المغرب قبلها فهل يجوز ان يعدل بها إلى صلاة العصر أو العشاء؟ أو انه إذا دخل في العصر أو العشاء نسيانا وغفلة، ثم تذكر انه لم يصل الظهر أو المغرب ولم يتجاوز عن محل العدول فهل يسوغ ان يعدل إلى السابقة أو لابد من الحكم ببطلان ما بيده من الصلاة؟ وهاتان مسألتان:

[ 310 ]

العدول من السابقة إلى اللاحقة أما المسألة الاولى فلا يجوز العدول فيها إلى اللاحقة من عصر أو عشاء والسر في ذلك أن الظهرين وكذلك العشاءين صلاتان متغائرتان وطبيعتان مختلفتان تمتازان بقصد الظهرية والعصرية وان اشبهتا صورة واشتملت كل منهما على أربع ركعات وغيرها من الامور المعتبرة فيهما غير أن هذه قبل هذه، ولولا ذلك لم يكن لقوله (ع) الا أن هذه قبل هذه (* 1) أو قوله إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر. (* 2) أو قوله: أربع مكان أربع (* 3) ونحوها مما هو كالصريح في التعدد والتغائر معنى صحيح. فإذا كانتا متغائرتين احتاج جواز العدول من السابقة إلى اللاحقة إلى دليل حيث ان العدول بمعنى قلب الفعل الواقع بعنوان صلاة الظهر - مثلا - وجعله عصرا أو بالعكس، وقلب الامر الواقع عما وقع عليه يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه في المقام إذا لابد من الحكم بفساد ما بيده من الصلاة. العدول من اللاحقة إلى السابقة أما المسألة الثانية أعني ما إذا دخل في صلاة العصر أو العشاء نسيانا - مثلا - ثم تذكر انه لم يأت بالسابقة فمقتضى القاعدة أيضا عدم جواز العدول إلى السابقة، إلا أنه ورد النص - في هذه الصورة - على جواز


(* 1) راجع ب 4 من أبواب المواقيت من الوسائل (* 2) و (* 3) راجع ب 63 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 311 ]

[ (مسألة 6) إذا كان مسافرا وقد بقي من الوقت أربع ركعات فدخل في الظهر بنية القصر، ثم بدا له الاقامة فنوى الاقامة بطلت صلاته (1) ولا يجوز له العدول إلى العصر فيقطعما ويصلي العصر. وإذا كان في الفرض ناويا للاقامة فشرع بنية العصر لوجوب تقديمها حينئذ ثم بداله فعزم على عدم الاقامة، فالظاهر انه يعدل بها إلى الظهر قصرا (2). ] العدول مما بيده إلى السابقة (* 1) ولاجله لابد من العدول إلى السابقة واتمامها ظهرا أو مغربا ثم الاتيان بصلاة العصر أو العشاء. (1) والوجه في بطلان صلاته ما قدمناه من أن العدول من السابقة إلى اللاحقة لم يقم عليه دليل، وحيث ان المسافر مكلف بالقصر وقد كان الوقت يسع لاربع ركعات أعني الظهرين المقصورتين ولذلك دخل في الصلاة بنية الظهر، ثم بدا له فقصد الاقامة وتبدلت وظيفته إلى التمام ووجبت عليه ثمان ركعات ولا يسعها الوقت وانما يسع لاربع ركعات - على الفرض - فهو وقت اختصاصي لصلاة العصر والوظيفة هي العصر، ولا تصح منه الظهر حنيئذ، ولا يمكنه العدول منها إلى العصر لما عرفت من أن العدول من السابقة إلى اللاحقة على خلاف القاعدة ولم يدل عليه دليل فلا مناص معه من الحكم ببطلان ما بيده فهذه المسألة من فروع المسألة المتقدمة كما هو ظاهر. (2) الوجه فيما افاده ان الناوي للاقامة لما كانت وظيفته التمام ولم يسع الوقت الا لاربع ركعات تعينت العصر في حقه لاختصاص الوقت بها وعدم صحة الظهر حينئذ فإذا دخل فيها بنية العصر ثم بداله في الاقامة وعزم


(* 1) راجع 63 من ابواب المواقيت من الوسائل

[ 312 ]

على عدمها تبدلت وظيفته إلى القصر في كلتا صلاتيه وهما اربع ركعات والوقت يسعهما ومعه يتعين الاتيان بصلاة الظهر أولا ثم العصر مراعاة للترتيب المعتبر بينهما وقد تقدم أن متقضى النص جواز العدول من اللاحقة إلى السابقة فيعدل عما بيده إلى صلاة الظهر ثم يأتي بصلاة العصر بعدها هذا. إلا أن ما أفاده " قده " لا يمكن المساعدة عليه لان المورد ليس من موارد العدول كما أشرنا إليه في التعليقة، وقلنا ان وجهه يظهر بالتأمل وذلك لان العدول مورده على ما يستفاد من صحيحة زرارة وغيرها ما إذا كان المكلف مأمورا - واقعا - بصلاتين مترتبتين أي متقدمة احداهما على الاخرى، الا انه قدم اللاحقة على السابقة نسيانا - مثلا - بحيث لو كان أتى بالسابقة وقتئذ من الابتداء لوقعت صحيحة وفي موردها. وبعبارة أخرى ان مورد العدول هو مااذا كان المكلف مأمورا بالصلاة السابقة - واقعا - غير انه قدم اللاحقة لنسيان أو اعتقاد انه أتى بالسابقة قبل ذلك ثم التفت في اثناء ما بيده إلى انه لم يأت بالسابقة قبل ذلك وهذا غير متحقق في المقام. فان المسافر قد نوى الاقامة وكانت وظيفته - بحسب الواقع - تقديم اللاحقة على السابقة والاتيان بصلاة العصر بحيث لو أتى بصلاة الظهر فيه لم تقع صحيحة لاختصاص الوقت بالعصر وعدم سعته لكلتا الصلاتين وثمان ركعات نعم إن بنية العدول عن قصد الاقامة في اثناء الصلاة تبدلت وظيفته إلى الاتيان بالسابقة قبل اللاحقة، وهذا من الانقلاب في الموضوع وتبدل المقيم مسافرا، والنص كما عرفت يختص بما إذا كان المكلف مأمورا واقعا بتقديم السابقة على اللاحقة. وأما من كان مكلفا بتقديم اللاحقة على السابقة ثم انقلب إلى موضوع

[ 313 ]

[ (مسألة 7) يستحب التفريق بين الصلاتين المشتركتين في الوقت (1) كالظهرين والعشاءين ويكفي مسماه ] آخر، ووجب عليه تقديم الظهر على العصر بينة العدول عن قصد الاقامة فغير مشمول للصحيحة بوجه، إذا لابد من الحكم ببطلان ما بيده ووجوب الاتيان بصلاة الظهر ركعتين ثم الاتيان بصلاة العصر، هذا إذا كان الوقت بمقدار أربع ركعات. وأما إذا كان بمقدار ثلاث ركعات فايضا الامر كذلك فيأتي بالظهر ثم بالعصر وذلك لان الظهر حينئذ قد وقعت في وقتها وهكذا العصر حسبما تقتضيه قاعدة من أدرك لوقوع ركعة منها في وقتها فكأنها وقعت في الوقت بتمامها. وأما إذا بقي من الوقت مقدار ركعتين فهو وقت اختصاصي لصلاة العصر لا يصح فيه غيرها وهذا ظاهر. التفريق بين الصلاتين (1) يقع الكلام في هذه المسألة تارة في الجمع بين الصلاتين - المشتركتين - في الوقت وان لم تكونا متصلتين واخرى في الاتصال بينهما وان وقع كل منهما في وقته. والاول كما إذا أخر صلاة المغرب عن ذهاب الشفق حتى دخل وقت فضيلة العشاء فصلى المغرب وبعد فصل صلى العشاء الآخرة. أو قدم صلاة العشاء على ذهاب الشفق فصلى المغرب ثم أتى بالعشاء بعد فصل زماني بينهما وهكذا وهذا من الجمع بين الصلاتين في وقت الفضيلة لاحداهما.

[ 314 ]

والثاني كما إذا صلى المغرب في آخر وقت الفضيلة حتى ذهب الشفق باتمامها ثم صلى العشاء في أول وقت فضيلتها متصلة بالمغرب وهكذا، وليس هذا من الجمع بين الصلاتين في وقت الفضيلة لاحداهما فان كلا منهما قد وقع في وقته وانما ذلك جمع تكويني خارجي بين الصلاتين. أما الجمع بين الصلاتين في الوقت فلا ينبغي التردد في مرجوحيته، لان تأخير صلاة المغرب عن ذهاب الشفق ووقت فضيلتها مرجوح في الشريعة المقدسة، والافضل أن يؤتى بها قبل ذهابه، كما أن الاتيان بصلاة العشاء قبل ذهاب الشفق كذلك، لان الافضل هو الاتيان بها بعد ذهاب الشفق على ما مر في محله، إذا الجمع بين العشاء والمغرب في وقت الفضيلة لصلاة المغرب أو لصلاة العشاء مما لا ريب في مرجوحيته وان لم تكونا متصلتين في الخارج. وأما في الظهرين فقد قدمنا أن الاخبار الواردة في وقت فضيلتهما مختلفة: فمنها ما دل على مرجوحية تأخير صلاة الظهر عن القدم ومنها ما دل على مرجوحية تأخيرها عن القدمين ومنها ما دل على مرجوحية التأخير عن المثل. وأما صلاة العصر فقد عرفت ان الراجح أن يؤتى بها بعد الفراغ عن فريضة الظهر ونافلتها، لانه ليس بعد صلاة الظهر الا سبحتك ولا يتوقف الرجحان فيها على أن تؤخر عن القدم والقدمين أو المثل، إذ لا عبرة بالقدم ولا القدمين ولا الذراع ولا الذراعين، وانما المدار على الفراغ عن صلاة الظهر ونافلة العصر للمسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير فالنتيجة مرجوحية الجمع بين الظهرين في وقت فضيلة العصر. واما الجمع بينهما في وقت فضيلة الظهر بمعنى القدم أو القدمين أو المثل - فلا مرجوحية فيه بوجه.

[ 315 ]

وأما الجمع بين الصلاتين بالاتصال فالمنسوب إلى الشهرة استحباب التفرقة بينهما وقد اختاره الماتن أيضا. وهل يكتفى في مسمى التفرقة بمجرد فعل النافلة؟ ذكره " قده " أن له وجها غير انه لا يخلو عن اشكال. والصحيح ان الشهرة المدعاة في المسألة ليس لها أساس وان استحباب التفرقة بين الصلاتين مما لا مثبت له فان الاخبار المستدل بها على ذلك - باجمعها - قابلة للمناقشة من حيث الدلالة أو السند على وجه منع الخلو لان في بعضها قد اجتمع الضعف من كلتا الجهتين. " فمنها ": ما رواه الشيخ الشهيد في الذكرى عن كتاب عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في السفر يجمع بين المغرب والعشاء والظهر والعصر، انما يفعل ذلك إذا كان مستعجلا قال وقال: (ع) وتفريقهما أفضل (* 1). ولولا اشتمال الرواية على صلاتي الظهرين امكن حملها على استحباب التفرقة بين الصلاتين ومرجوحية الجمع بينهما في الوقت - لا من حيث الاتصال - الا انها مشتملة عليهما، ومن الظاهر أن نافلتيهما ساقطتان في السفر، ولا مانع من الجمع بينهما في الوقت بترك الاتيان بالنافلة بينهما والاتيان بصلاة الظهر أول الزوال ثم بصلاة العصر، لانه لا نافلة في السفر فلا مناص من حمل الفضيلة والمرجوحية على الاتصال بين الصلاتين وعدمه فلا مناقشة في الرواية من حيث الدلالة على استحباب التفرقة بين الصلاتين من حيث الاتصال. وانما الكلام فيها من حيث السند لان الشهيد " قده " رواها عن كتاب


(* 1) المروية في ب 31 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 316 ]

عبد الله بن سنان ولا علم لنا بطريقه إلى كتابه فلا يمكننا الاعتماد عليها أبدا مضافا إلى الاطمئنان الخارجي بان ذلك الكتاب المشتمل على تلك الرواية لا وجود له في الخارج، كيف وانه لم يصل إلى الكليني ولا إلى الشيخ ولا الصدوق ولا إلى غيرهم ممن تقدمهم والا لاشتهر عندهم ونقلوا عنه الرواية في كتبهم لا محالة فمن أين وصل إلى الشهيد " قده "؟! و " منها ": موثقة زرارة قال: قلت لابي عبد الله (ع) أصوم فلا أقيل حتى تزول الشمس فإذا زالت الشمس صليت نوافلي، ثم صليت الظهر، ثم صليت نوافلي صليت العصر ثم نمت وذلك قبل أن يصلي الناس فقال: يا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت ولكن اكره لك إن تتخذه وقتا دائما (* 1). وهذه الرواية لا بأس بها من حيث السند فان عبد الله بن يحيى الكاهلي ممدوح بل موثق لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات، كما انها من حيث الدلالة أحسن رواية في الدلالة على استحباب التفرقة بين الصلاتين وعدم كفاية الفصل بينهما بالنافلة غير انها معارضة بعدة من الروايات المعتبرة الدالة على عدم مرجوحية الاتيان بصلاة العصر بعد الظهر أبدا وانه لا يمنعه عنها إلا سبحته فإذا تنفل للعصر لم يكن أية مرجوحية فيها بوجه. وقد قدمنا غير مرة ان التحديد بالقدم أو القدمين، أو بالقدمين وأربعة أقدام أو المثل والمثلين انما هو لاجل النافلة، ولولاها لكان تقديم العصر والاتيان بها بعد الظهر هو الافضل، ومن هنا يؤتى بها بعد الفريضة الاولى يوم الجمعة أو السفر إذ لا نافلة قبلهما حينئذ، وقد ورد أن وقت


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 317 ]

صلاة العصر يوم الجمعة هو وقت صلاة الظهر من سائر الايام فراجع (* 1). على انه يمكن المناقشة في دلالتها على استحباب الفصل والتفريق بانها انما اشتملت على بيان حكم شخصي لزرارة - نفسه - لانه لم يقل: اني اكره ذلك بل قال: لكن أكره لك وظاهره ان الكراهة تختص بزرارة فحسب وذلك لئلا يعابه الناس بعدم حضوره لصلاة الجماعة فانه لو كان اتخذ ذلك وقتا لنفسه لم يكن يحضر جماعتهم عصرا لا محالة - وقد كانوا يؤخرون صلاتهم - وحيث انه كان يعد من صحابته (ع) وشديد الاتصال به سلام الله عليه كان من الجائز ان يستتبع ذلك المؤاخدة والمعاتبة حتى بالاضافة إلى ساحته المقدسة ومن هنا نهاه عن ذلك نهى كراهة فلا دلالة للرواية على كراهته مطلقا وبالاضافة إلى الجميع. على تقدير كونها واردة لبيان الحكم الكلي الشرعي دون الشخصي فهي انما دلت على مرجوحية الجمع بين الصلاتين فيما إذا اتخذه المكلف وقتا أبدا ولا تدل على مرجوحيته مطلقا، والعمدة أنها معارضة مع الاخبار الواردة في عدم مرجوحية الجمع بينهما بعد الاتيان بصلاة الظهر ونافلتها كما مر. و " منها ": رواية معاوية - أو معبد - بن ميسرة قال: قلت لابي عبد الله (ع) إذا زالت الشمس في طول النهار للرجل أن يصلي الظهر والعصر؟ قال: نعم وما أحب أن يفعل ذلك كل يوم (* 2). وهي ضعيفة السند والدلالة فاما من حيث السند فباحمد بن بشير ومعاوية


(* 1) راجع ب 4 من ابواب المواقيت وب 8 و 9 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 2) المرواية في ب 4 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 318 ]

ابن ميسرة لعدم توثيقهما في الرجال هذا إذا كانت النسخة (معاوية) وأما لو كانت (معبد) فهو غير مذكور في الرجال أصلا. وأما من حيث الدلالة فلاجل أن ظاهرها - ولو بقرينة الاخبار المتقدمة الواردة في أفضلية الاتيان بصلاة العصر بعد صلاة الظهر وسبحة العصر من باب المسارعة نحو المغفرة واستباق الخيرات - ارادة الاتيان بالصلاتين في أول الوقت من دون النافلة، حيث قال: للرجل ان يصلي الظهر والعصر؟ والاتيان بالعصر والالتزام بترك التنفل لها في أول الوقت أبدا مرجوح كما مر أللهم الا ان يستند إلى سبب يقتضي ذلك في بعض الاوقات. و " منها ": رواية عبد الله بن سنان قال: شهدت صلاة المغرب ليلة مطيرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فحين كان قريبا من الشفق نادوا وأقاموا الصلاة فصلوا المغرب، ثم أمهلوا الناس حتى صلوا ركعتين، ثم قام المنادي في مكانه في المسجد فاقام الصلاة فصلوا العشاء ثم انصرف الناس إلى منازلهم فسألت أبا عبد الله (ع) عن ذلك فقال: نعم قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله عمل بهذا (* 1). وقد دلتنا هذه الرواية على أن الجمع بين الصلاتين كان عند المتشرعة من الغرابة والمرجوحية بمكان تعجب منه عبد الله بن سنان حتى احتمل حرمته ولاجله عرض للامام (ع) ما شاهده من عمل الناس وجمعهم بينهما، واقره سلام الله عليه على هذا الارتكاز ولم يردعه عن ذلك وانما نبه على جوازه بقوله: ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان عمل بهذا، فإذا جمعنا بين تجويزه (ع) وارتكاز المرجوحية استنتجنا منه الكراهة لا محالة.


(* 1) المروية في ب 31 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 319 ]

ويدفعه. ان الرواية ضعيفة السند بسهل بن زياد لانه وان وقع في اسانيد كامل الزيارات الا انه ممن ضعفه الشيخ النجاشي " قدهما " ومع تعارض التوثيق بالتضعيف في حقه لا يمكننا الحكم بوثاقته، كما انها ضعيفة الدلالة على المدعى وذلك لان الظاهر ان الاستغراب من عبد الله ابن سنان انما هو من جهة جمعهم بين صلاتي المغرب والعشاء بتأخير الاولى وتقديم الثانية على ذهاب الحمرة المشرقية أعني الجمع بينهما في منتهى وقت فريضة المغرب وهذا لا شبهة في مرجوحيته لمرجوحية تأخير المغرب إلى آخر وقتها كما أن تقديم العشاء على ذهاب الحمرة كذلك، وليس الوجه في استغرابه الجمع بينهما بالاتصال التكويني الخارجي كما هو محل الكلام، و " منها ": رواية صفوان الجمال قال: صلى بنا أبو عبد الله (ع) الظهر والعصر عندما زالت الشمس باذان واقامتين وقال: اني على حاجة فتنفلوا (* 1). وقد دلت على مرجوحية الجمع بينهما عند الاختيار وانه (ع) انما جمعها لحاجة. ويدفعه: ان هذه الرواية كسابقتها ضعيفة السند بوليد بن ابان ويحيى ابن أبي زكريا والفضيل بن محمد وضعيفة الدلالة، لان الظاهر منها ارادة الجمع بين الصلاتين باتيان العصر قبل الاتيان بنافلتها فمرجوحية ذلك انما تستند إلى ترك نافلة العصر قبلها ومن هنا أمرهم بالتنفل بعد الصلاتين ولا شبهة في مرجوحيته لا لاجل استحباب تأخير العصر إلى قدمين أو أربعة أقدام ونحوهما لما مر من انه لافضيلة في ذلك بوجه بل لاجل ترك التنفل قبل صلاة العصر، أللهم الا في السفر وعند الحاجة على ما دلت عليه


(* 1) المروية في ب 31 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 320 ]

الروايات إذا فلا دلالة لها على مرجوحية مجرد الجمع الاتصالي الخارجي بينهما. و " منها ": صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان في سفر أو عجلت به حاجة يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء الآخرة قال: وقال أبو عبد الله (ع) لا بأس ان يعجل العشاء الاخرة في السفر قبل أن يغيب الشفق (* 1). وهي من حيث السند صحيحة ومن حيث الدلالة قاصرة لعدم دلالتها على كراهة الجمع الاتصالي بين الصلاتين بل هي كالصريح في الجمع بينهما في الوقت بتأخير احداهما وتقديم الاخرى عن وقت فضيلتها كاتيان العشاء قبل غيبوبة الشفق، ولا كلام في انه أمر مرجوح الا في السفر وعند الحاجة المستعجلة. وقد يستدل للجواز من دون كراهة بجملة أخرى من الروايات المشتملة على الصحاح وغيرها وهي التي عنون لها بابا في الوسائل واسماه باب جواز الجمع بين الصلاتين لغير عذر (* 2). ودلتنا هذه الروايات على أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الصلاتين من غير علة ولا سبب معللا بانه يريد التوسعة على امته: " منها ": صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر باذان واقامتين (* 3). و " منها ": غير ذلك من الروايات، ولكنها اجنبية عن محل الكلام وباجمعها كالصريح في ارادة الجمع بين الصلاتين في وقت احداهما وغير ناظرة إلى الجمع الاتصالي الخارجي بينهما.


(* 1) المروية في ب 31 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) و (* 3) راجع ب 32 من ابواب المواقيت من الوسائل؟؟.

[ 321 ]

[ وفي الاكتفاء به بمجرد فعل النافلة وجه إلا انه لا يخلو عن اشكال (1) ] ثم لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على ظهورها في الجمع الاتصالي بين الصلاتين فغاية ما يستفاد منها هو الجواز بالمعنى الاعم غير المنافي للكراهة لدلالتها على انه صلى الله عليه وآله انما جمع بينهما كذلك للتوسعة على امته والدلالة على جوازه وهذا كما ترى يجتمع مع الكراهة، والمتحصل إلى هنا انه لم يدلنا أي دليل على المنع عن الجمع بين الصلاتين جمعا تكوينيا خارجيا أعني مجرد الاتصال بينهما وان كان استحباب التفرقة بين الصلاتين هو المشهور عند الاصحاب (قدهم) الا انه كما تقدم مما لا أساس له، وانما الكراهة في الجمع بينهما في الوقت بمعنى اتيان صلاة في وقت الفضيلة لصلاة أخرى كما مر. (1) إذا بنينا على ما هو المعروف عند الاصحاب (قدس الله أسرارهم) من استحباب التفرقة وكراهة الجمع الاتصالي بين الصلاتين فهل ترتفع الكراهة أو تحصل التفرقة المستحبة بالاتيان بينهما بشئ من الصلوات التطوعية والنوافل؟ كما إذا صلى بينهما ركعتين مستحبتين. قد يقال بالكفاية ويستدل عليه بروايتين: " إحداهما ": ما رواه محمد بن حكيم عن أبى الحسن (ع) قال: سمعته يقول: إذا جمعت بين صلاتين فلا تطوع بينهما (* 1) و " ثانيتهما ": روايته الثانية قال: سمعت أبا الحسن (ع) يقول: الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع (* 2).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 33 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 322 ]

والظاهر أنهما رواية واحدة ورواتهما إلى حماد بن عثمان متحدة وانما اختلفت بعده، وعلى أي تقدير لا يصلح الروايتان للاستدلال بهما على الحكم، لضعفهما من حيث السند، لعدم توثيق محمد بن حكيم. نعم روى الكشي انه كان من أصحاب الكلام وجيد المناظرة والتكلم وان أبا الحسن (ع) كان يرضى كلامه ومناظراته، إلا أن هذا لا يستلزم الوثاقة والتوثيق. وايضا الرواية ضعيفة بمحمد بن موسى لضعفه وبعلي بن عيسى إذا كان هو الراوي - للرواية لجهالته حيث لم يعرف انه أي شخص. نعم إذا كانت النسخة " محمد بن عيسى " فهو محمد بن عيسى بن عبيد وهو ممن لا بأس به. هذا كله في أحد السندين. وأما السند الآخر فهو أيضا ضعيف بمحمد بن حكيم وسلمة بن الخطاب لانه وان وقع في أسانيد كامل الزيارات إلا أن النجاشي ضعفه وكذلك ابن الغضائري، ومع التعارض لا يبقى للحكم بالوثاقة مجال. مضافا إلى المناقشة في دلالتهما على كفاية الفصل بالتطوع في ارتفاع الكراهة، وذلك لان الظاهر من الروايتين انهما ناظرتان إلى موارد سقوط النافلة والامر بالجمع بين الصلاتين ولو على وجه الاستحباب وذلك كما في السفر والافاضة من عرفات ليلة المزدلفة، فان المفيض يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء إذا تدلنا الروايتان على عدم مشروعية التطوع في تلك الموارد إذ لو صلحت فيها النافلة لم يتحقق الجمع بين الصلاتين وكانت كل منهما مستحبة في وقت فضيلتها، فلا معنى للامر بالجمع وقتئذ. نظير ما في بعض الروايات الواردة في النافلة في السقر من قوله (ع) بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة (* 1) ففي موارد الامر بالجمع


(* 1) المروية في ب 21 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 323 ]

[ (مسألة 8) قد عرفت أن للعشاء وقت فضيلة (1) وهو من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل، ووقتا اجزاء من الطرفين (2) وذكروا أن العصر أيضا كذلك فله وقت فضيلة وهو من المثل إلى المثلين، ووقتا اجزاء من الطرفين (3) لكن قد عرفت نفي البعد في كون ابتداء وقت فضيلته هو الزوال. نعم الاحوط في إدراك الفضيلة الصبر إلى المثل (4) } بين الصلاتين لا مشروعية للنافلة والتطوع - بمقتضى الروايتين - كما أن في موارد ثبوت النافلة ومشروعيتها لا يتحقق الجمع بين الصلاتين كما في غير السفر والافاضة من عرفات. وأما أن في موارد كراهة الجمع بين الصلاتين واستحباب التنفل بينهما يحصل التفرقة بالنافلة بينهما وبها ترتفع الكراهة فهو أمر آخر لا دلالة للروايتين عليه. (1) على ما تقدم فيه الكلام مفصلا. (2) الاول بعد صلاة المغرب إلى ذهاب الشفق بان يقدم العشاء على ذهابه، والثاني بعد ثلث الليل إلى نصف الليل. (3) " أحدهما ": قبل بلوغ الظل مثل الشاخص - بان يصلي العصر بعد صلاة الظهر وقبل أن يبلغ الظل مثل الشاخص " وثانيهما ": بعد تجاوز الظل عن المثلين إلى الغروب. (4) لا احتياط في الصبر إلى المثل أبدا، لان الافضل الاتيان بصلاة العصر بعد صلاة الظهر ونافلة العصر من دون انتظار وان كان قبل المثل أو الذراعين، لما تقدم من الاخبار المعتبرة الآمرة بالتخفيف في النافلة ما استطعت، والاستعجال إلى الاتيان بالفريضة، لانه من التعجيل إلى الخير وان أول الوقت أفضل فان مقتضى تلك الروايات ان الافضل ان يؤتى

[ 324 ]

بصلاة العصر بعد الفراغ عن الظهر، وان كان قبل بلوغ الظل المثل على الترتيب الذي قدمناه من أن الافضل أن يؤتى بصلاة العصر بعد القدم وصلاة الظهر كما عرفت، ثم الاتيان بها بعد قدمين، ففي موثقة ذريح المحاربي عن أبي عبد الله (ع) قال: سأل أبا عبد الله اناس وأنا حاضر فقال بعض القوم أنا نصلي الاولى إذا كانت على قدمين، والعصر على أربعة أقدام فقال أبو عبد الله (ع) النصف من ذلك أحب إلي (* 1). ثم المثلين بل قد ورد في بعض الروايات أن آخر وقت التنفل هو الذراع والذراعان ففي موثقة زرارة قال: سمعت أبا جعفر (ع).. إذا دخل وقت الذراع والذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة (* 2) ونظيرها غيرها من الروايات. وأما الاخبار الآمرة بالتعجيل في الاتيان بالفريضة والتخفيف في النافلة وأن أول الوقت أفضل فهي ايضا كثيرة واليك بعضها: " فمنها ": صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع) إعلم أن أول الوقت ابدا افضل فعجل الخير ما استطعت، وأحب الاعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وان قل (* 3). و " منها ": صحيحة معاوية بن عمار أو ابن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لكل صلاة وقتان وأول الوقت افضلهما (* 4). و " منها ": صحيحة زرارة ايضا قال: قلت لابي جعفر (ع) أصلحك الله وقت كل صلاة أول الوقت افضل أو وسطه أو آخره؟ قال: أوله، ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ان الله عزوجل يحب من


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 3 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 325 ]

[ (مسألة 9) يستحب التعجيل في الصلاة (1) في وقت الفضيلة وفي وقت الاجزاء، بل كلما هو اقرب إلى الاول ] الخير ما يعجل (* 1). فمع دلالة الروايات على أن أول الوقت والتعجيل إلى الخير افضل كيف يكون الاحتياط في درك الفضيلة الصبر إلى المثل؟! بل في موثقة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: العصر على ذراعين فمن تركها حتى تصير على ستة أقدام فذلك المضيع (* 2). ومعه كيف يصح القول بان الاحتياط في التأخير إلى المثل، فهل الاحتياط في التضييع؟! إذا الافضل ما ذكرناه من أن يؤتى بالعصر بعد صلاة الظهر ونافلة العصر من دون فصل وانتظار. استحباب التعجيل في الصلاة (1) لما تقدم من الروايات الآمرة بالتعجيل، لعدم الفرق فيها بين وقتي الفضيلة والاجزاء، فانه من التعجيل إلى الخير وقد عقد في الوسائل بابا لذلك واورد فيه جملة من الاخبار المتقدمة وغيرها " منها ": موثقة ذريح عن أبي عبد الله (ع) قال: قال جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله في حديث: افضل الوقت أوله (* 3) و " منها ": غير ذلك من الروايات.


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 3 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 9 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 326 ]

[ يكون أفضل، إلا إذا كان هناك معارض كانتظار الجماعة (1) أو نحوه. ] (1) قد استثنوا من استحباب التعجيل والاتيان بالفريضة في أول وقتها موارد تأتي في المسألة الثالثة عشرة من الفصل الآتي ان شاء الله وانما تعرض الماتن في المقام لمورد واحد وهو انتظار الجماعة، واستدل عليه بما رواه صاحب الوسائل في باب الجماعة عن جميل بن صالح انه سأل الصادق عليه السلام أيهما أفضل؟ أيصلي الرجل لنفسه في أول الوقت أو يؤخر قليلا، ويصلي بأهل مسجده. إذا كان امامهم؟ قال يؤخر ويصلي بأهل مسجده إذا كان هو الامام (* 1). إلا انها قابلة للاستدلال بها من جهتين: " إحداهما ": ضعف سندها، لان الصدوق " قده " انما رواها باسناده عن جميل بن صالح، وطريقه إليه مجهول لم يذكره في المشيخة. و " ثانيتهما ": أنها ضعيفة الدلالة على المدعى، لانها انما دلت على استحباب التأخير لامام الجماعة، ولعل الوجه فيه أن في تأخيره الصلاة ايصال خير للجمع الكثير وهو اولى وارجح من استجلابه الخير لنفسه بالاتيان بصلاته أول الوقت منفردا ولا يأتي ذلك في المأموم وهو ظاهر، فالتعدي عنه إلى المأموم يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه فلا يمكننا الاعتماد عليها في الحكم بتأخير المأموم صلاته، مع ما ورد من الاخبار الكثيرة الواردة في استحباب التعجيل إلى الخير والاتيان بالصلاة في أول وقتها. بل بهذه الرواية - على تقدير ثبوتها - نقيد ما دل على استحباب التأخير لانتظار الجماعة - لو كان - مع ان قانون الاطلاق والتقييد غير جار في


(* 1) المروية في ب 9 و 74 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

[ 327 ]

المستحبات - والوجه فيه أن قوله (ع) إذا كان هو الامام. جملة شرطية تدلنا بمفهومها على اختصاص الحكم بما إذا كان المصلي اماما فحسب فلا يؤخرها فيما إذا لم يكن كذلك، كما في المأمومين - إذا الصحيح أن يفصل في المقام بين ما إذا كان تأخير الصلاة في وقت فضيلتها بأن يؤخر صلاته - فرادي - عن أول وقت الفضيلة - قليلا - ويصلي في اثنائه أو آخره - جماعة - وما إذا كان التأخير عن وقت الفضيلة انتظارا للجماعة، فان في الصورة الاولى لا ينبغي الاشكال في استحباب التأخير بوجه من دون حاجة في ذلك إلى أي رواية، لانه مما جرت عليه السيرة القطعية المستمرة من زمانهم (ع) بل من عصر النبي الاكرم صلى الله عليه وآله إلى زماننا فان سيرتهم جارية على التأخير عن أول وقت الفضيلة - قليلا - لاجل الجماعة. فان المأمومين ينتظرون امامهم والامام يريد المشي إلى محل الصلاة والمسجد فيتأخرون عن أول الوقت لا محالة بل النبي صلى الله عليه وآله ايضا كان يؤخر صلاته - قليلا - عن أول وقت الفضيلة من جهة المشي إلى المسجد أو اجتماع الناس أو لغير ذلك من الاسباب. والاخبار الواردة في الحث على التعجيل والاتيان بالصلاة في أول وقتها لا يدل على الاهتمام باقامتها أول وقت الفضيلة باكثر من إهتمام الشارع بصلاة الجماعة. نعم تدلنا على محبوبية التعجيل إلى الصلاة، ويستكشف بالسيرة ان فضيلة الجماعة أقوى وأرجح عند الشارع عن محبوبية التعجيل إلى الصلاة في أول وقتها، كيف وقد ورد في بعض الروايات أن المصلين جماعة إذا زاد عددهم على العشرة فلو صارت بحار السموات والارض كلها مدادا والاشجار اقلاما والثقلان مع الملائكة كتابا لم يقدروا ان يكتبوا

[ 328 ]

ثواب ركعة واحدة. (* 1) وعد تارك الجماعة في بعض الروايات فاسقا أو ما يقرب من ذلك (* 2) واين هذا الثواب والمحبوبية من محبوبية الاتيان بالصلاة أول وقت فضيلتها؟! ومما ذكرناه في المقام يظهر الحال فيما إذا أخر صلاته - فرادي - عن أول وقت الاجزاء - قليلا - ويصلي بعد ذلك - جماعة - والوجه فيه ظاهر مما سردناه آنفا ولا نطيل باعادته. وأما الصورة الثانية فلم يدلنا دليل على استحباب التأخير فيها بوجه بل السيرة قائمة على خلافه، لانهم لا يؤخرون صلاتهم وفرائضهم إلى خروج وقت الفضيلة بل انما كانوا يقيمونها عند الزوال إذا لم تكن جماعة في وقت الفضيلة بل مقتضى الاخبار المتقدمة الآمرة بالتعجيل في الاتيان بها والمشتملة على أن أول الوقت أفضل هو الحكم بافضلية التعجيل وترك التأخير إلى أن يخرج وقت الفضيلة. كما أن الاهتمام الكثير في الروايات على الاتيان بها في وقتها ينافي التأخير عن وقت الفضيلة بخلاف التأخير عن أوله إلى وسطه أو آخره كما في الصورة الاولى. وعلى الجملة أن الاخبار المشتملة على الحث والترغيب إلى صلاة الجماعة وان كانت مزاحمة مع الروايات الدالة على أفضلية التعجيل والاتيان بها في أول وقتها، إلا أن الترجيح مع الطائفة الثانية، والاهتمام بشأن الجماعة وفضيلتها لا تقاوم الاهتمام بالصلاة في وقت فضيلتها، لانه قد بلغ


(* 1) راجع ب 1 من ابواب صلاة الجماعة من المستدرك. (* 2) راجع ب 11 من أبواب صلاة الجماعة 41 من ابواب الشهادات من الوسائل.

[ 329 ]

[ (مسألة 10) يستحب الغلس بصلاة الصبح (1) أي الاتيان بها قبل الاسفار في حال الظلمة. ] الاهتمام والحث عليه في الاخبار مرتبة استفاد جمع منها حرمة التأخير عن وقت الفضيلة، وكونه موجبا للعصيان، وجعلوا الوقت الثاني وقتا اضطراريا لا يجوز التأخير إليه مع الاختيار، بل قد عد التأخير إلى ستة أقدام تضييعا في بعض النصوص المتقدمة (* 1) فهذه الصورة مع الصورة الاولى متعاكستان في الرجحان. ومراعاة وقت الفضيلة أهم والصلاة فرادي في ذلك الوقت أفضل من التأخير والاتيان بها مع الجماعة. استحباب الغلس بصلاة الفجر (1) لا لما ورد من أن النبي صلى الله عليه وآله كان يغلس بصلاة الفجر كما في رواية يحيى بن اكثم القاضي انه سأل أبا الحسن الاول (ع) عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلوات النهار؟ وانما يجهر في صلاة الليل فقال: لان النبي صلى الله عليه وآله كان يغلس بها فقربها من الليل (* 2). وذلك لانها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها على شئ. بل لموثقة اسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله (ع) اخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر قال: مع طلوع الفجر ان الله تعالى يقول: ان قرآن الفجر كان مشهودا يعني صلاة الفجر. (* 3).


(* 1) في ص 325. (* 2) المروية في ب 25 من أبواب القراءة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 28 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 330 ]

ولا كلام في دلالتها على المدعى كما أنها تامة بحسب السند. نعم ربما يقال: ان اسحاق بن عمار فطحي المذهب، فبناء على اعتبار العدالة في حجية الرواية كما هو مسلك صاحب المدارك " قده " لا يمكن الاعتماد على روايته، وقد يقال - كما عن تعليقة جامع الرواة - ان اسحاق ابن عمار لم يكن هو ولا ابوه ولا اخوته فطحي المذهب، لان الفطحى هو اسحاق بن عمار الساباطي دون الصيرفي لانه من الثقاة الاجلاء وغير فطحي بوجه. والصحيح ان اسحاق بن عمار الصيرفي والساباطي متحدان وانهما رجل واحد قد يعبر عنه بشغله وأخرى بمكانه وبلدته، ويدلنا على ذلك ان النجاشي " قده " تعرض لاسحاق بن عمار الصيرفي ووثقه وذكر انه روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، ولم يتعرض للساباطي بوجه وتعرض الشيخ في فهرسته لاسحاق بن عمار الساباطي وقال: له اصل وكان فطحيا، الا انه ثقة واصله معتمد عليه، ولم يتعرض للصيرفي. وقد تعرض في رجاله لاسحاق بن عمار الصيرفي تارة في أصحاب الصادق (ع) مقيدا بالصيرفي وأخرى في أصحاب الكاظم (ع) من دون تقييده بشئ، وقال اسحاق بن عمار ثقة له كتاب. فلو انهما كانا متعددين لم يكن وجه لعدم تعرض النجاشي للساباطي مع انه متأخر عن الشيخ في التأليف وهو ناظر إليه، وقد عرفت ان الشيخ ذكره في فهرسته، كما انه لم يكن وجه لعدم تعرض الشيخ للصيرفي في فهرسته مع ما عرفت من تصريحه بأن له كتابا - في رجاله - فانه قد أعد فهرسته لذكر المصنفين وأرباب الكتب فمن عدم تعرض كل منهما لمن تعرض له الآخر يستكشف انهما شخص واحد، غير انه قد ينسب إلى شغله فيعبر

[ 331 ]

[ (مسألة 11) كل صلاة ادرك من وقتها في آخره مقدار ركعة فهو اداء ويجب الاتيان به (1) فان من ادرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت، لكن لا يجوز التعمد في التأخير إلى ذلك. ] عنه بالصيرفي وقد ينسب إلى مسكنه وبلدته فيعبر عنه بالساباطي، وقد عرفت انه موثق وان كان فحطي المذهب إذا فالرواية موثقة، ولا مناقشة في سندها. نعم هذا بحسب طريق الصدوق في ثواب الاعمال، حيث رواها عن محمد بن الحسن عن الصفار عن الحسن بن موسى الخشاب عن عبد الله ابن جبلة عن غياث بن كلوب عن اسحاق بن عمار، وأما على طريق الكليني والشيخ (قدهما) فهي ضعيفة السند بعبد الرحمان بن سالم الواقع فيه وكذلك على طريق الصدوق في العلل، على أن في طريق الكليني - زائدا على ما قدمناه - سهل بن زياد وهو ايضا ضعيف هذا. ويمكن الاستدلال على ذلك أيضا بالمطلقات المتقدمة الدالة على أن أول الوقت أفضل وانه تعجيل إلى الخير وأمر محبوب لله سبحانه. قاعدة من أدرك (1) الظاهر انه لا خلاف ولا كلام في وجوب درك الركعة الواحدة من الصلاة - في مفروض المسألة - في وقتها إذ لا مسوغ لتفويتها بتوهم ان الوقت قد انقضى وان له ان يصليها بعد خروج وقت الصلاة. فوجوب الاتيان بالركعة الواحدة في وقتها امر متسالم عليه فيما بينهم.

[ 332 ]

نعم وقع الخلاف في أن الصلاة اداء وقتئذ أو قضاء أو انها ملفقة منهما فبمقدار ركعة واحدة اداء والباقي قضاء الا انها على تقدير كونها قضاء أيضا يجب الاتيان بركعة واحدة منها في وقتها بمعنى انه واجب مضيق وان قلنا ان القضاء - في سائر الموارد - موسع. وكيف كان أصل وجوب الاتيان بالركعة الواحدة مورد التسالم والاتفاق وانما الكلام في مدرك ذلك. وقد وردت في المقام خمس روايات (* 1): ثنتان منها نبويتان مرسلتان رواهما الشهيد " قده " في الذكرى قال: روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (* 2) وقال: وعنه صلى الله عليه وآله من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الشمس (* 3) وهما غير قابلتين للاستدلال بهما بوجه. " وثالثتها ": رواية الاصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين (ع) من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة (* 4) وهي ايضا ضعيفة السند بأبي جميلة المفضل بن صالح. ثم ان لاصبغ بن نباتة رواية واحدة في المقام وهي التي قدمنا نقلها فما في بعض الكلمات من أن له روايتين مما لا أساس له. " رابعتها ": رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته، وان طلعت الشمس قبل أن يصلي ركعة فليقطع الصلاة ولا يصلي


(* 1) وهناك نبوية أخرى مرسلة رواها الشيخ في الخلاف: من أدرك ركعة من.. فقد أدرك الصلاة ج 1 ص 80 (طبعة دار المعارف الاسلامية). (* 1) و (* 2) و (* 4) المرويات في ب 30 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 333 ]

حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها (* 1). وهي أيضا غير قابلة للاستدلال بها في المقام لضعفها بعلي بن خالد. " خامسها ": هي هذه الرواية بعينها بطريق الشيخ إلى سعد بن عبد الله. عن عمار بن موسى بن أبي عبد الله (ع) (في حديث) قال: فان صلى ركعة من الغدة تم طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته (* 2). وهي من حيث السند موثقة ومن حيث الدلالة غير قابلة للمناقشة نعم قد يورد على الاستدلال بها بوجهين: " أحدهما ": ان هذه الرواية مختصة بصلاة الغداة ولم يقم دليل على التعدي عنها إلى بقية الصلوات. نعم ورد في صلاة العصر أيضا رواية وهي النبوية المتقدمة الا إنها ايضا ضعيفة كما مر. ويدفعه " أولا ": انه لا قائل بالفصل بين صلاة الغداة وغيرها من الفرائض فإذا ثبت الحكم في الغداة ثبت في غيرها بعدم القول بالفصل للقطع بعدم خصوصية في ذلك لصلاة الغداة. و " ثانيا ": ان الحكم إذا ثبت في الغداة ثبت في غيرها بالاولوية العرفية والوجه فيه: أن الصلاة بعد طلوع الشمس لما كانت مرجوحة وموردا للنهي كراهة فقد توهم - في محل الكلام - عدم جواز الاتيان بركعة من صلاة الغداة في وقتها لاستلزامه الاتيان بالبقية بعد طلوع الشمس واتمامها حينئذ متعلق للنهي لكراهة الصلاة بعد طلوع الشمس إذا فصلاة الفجر هي التى يتوهم لزوم ايتانها خارج الوقت في محل الكلام دون بقية الفرائض لاختصاص الشبهة المذكورة بالغداة وكراهة الصلاة بعد


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 30 من أبواب المواقيت من الوسائل وروى صدرها في الباب السادس والعشرين فلاحظ.

[ 334 ]

الطلوع ومن هنا تصدى سلام الله عليه للجواب عن هذه الشبهة بالامر باتمام الغداة والاشارة إلى ان طلوع الشمس - وقتئذ - غير موجب للنهي والحزازة حيث قال: فليتم الصلاة وقد جازت صلاته، فالتخصيص بصلاة الغداة لعله من هذه الجهة ويتعدى من ذلك - بحسب الفهم العرفي - إلى بقية الصلوات مما لا منع عن اتمامها بعد خروج وقتها لان وقوع ركعة من صلاة الفجر في وقتها إذا كفى في ادراك الوقت بتمامه - مع ان اتمامها مورد لاحتمال النهي والكراهة - كفى فيما لا يحتمل المنع من اتمامها بالاولوية العرفية، لما عرفت من أن الوجه في تخصيص صلاة الغداة بالذكر في الرواية هو ما قدمناه لا أن لها خصوصية في ذلك. و " ثانيهما ": أن هذه الرواية غير مشتملة على لفظة " أدرك " كما وردت في جملة من الاخبار الضعاف ليصح ان يقال انها شاملة لكلتا صورتي العلم بعدم امكان درك الزائد عن الركعة الواحدة في الوقت وعدم العلم به، فان ادراك الركعة انما يتحقق فيما إذا ترك المكلف الصلاة إلى أن لم يبق من الوقت الا ركعة واحدة سواء أكان عالما بذلك أم لم يكن بل الرواية مشتملة على أن من صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته. وظاهرها صورة عدم العلم بتضيق الوقت وعدم سعته الا لركعة واحدة، وانما دخل فيها المكلف باعتقاد السعة فطلعت الشمس في اثنائها بعد ركعة من الصلاة فلا تشمل صورة العلم بالضيق من الابتداء فما الدليل على كفاية درك الركعة الواحدة حينئذ؟ والجواب عن ذلك أن الرواية قد اشتملت على جملة شرطية أعني قوله. فان صلى. وتكفلت لبيان الحكم الشرعي على نحو القضية الحقيقية وانه على تقدير تحقق الموضوع المذكور في الرواية يترتب عليه الحكم بالاتمام

[ 335 ]

والصحة، وحيث أنها مطلقة ولم يقيد الحكم فيها بما إذا اعتقد المكلف سعة الوقت في مفروض المسألة فيتمسك باطلاقها وبه يحكم بكفاية وقوع الركعة الواحدة في وقتها ولو مع العلم بتضيق الوقت وعدم سعته الا بمقدار ركعة واحدة من الابتداء لصدق انه صلى ركعة ثم طلعت الشمس. وليست الرواية واردة لبيان حكم شخصي على نحو القضية الخارجية كما إذا كان هناك من يصلي صلاة الغداة - بالفعل - وطلعت الشمس وهو في اثنائها وسأل سائل عن حكمه، ليتوهم ان حكمه (ع) حينئذ لا يعم صورة العلم بعدم سعة الوقت من الابتداء. وكيف كان فمقتضى اطلاق الرواية عدم الفرق في الحكم بصحة الصلاة واتمامها بين من علم بتضيق الوقت من الابتداء ومن اعتقد سعته فدخل في الصلاة ثم طلعت الشمس وهو في اثنائها. ثم ان مقتضى الرواية ان الصلاة بتمامها ادائية لقوله (ع) فليتم الصلاة وقد جازت صلاته. فان صلاته انما كانت ادائية ومأمورا بها في ظرفها ووقتها وقد حكم (ع) بأن تلك الصلاة الادائية المأمور بها في حقه قد جازت بما أتى به من العمل إذا فاحتمال انها قضاء أو ملفقة من الاداء والقضاء مما لا موجب له. بقي الكلام في شئ وهو أن المكلف قد يكون مأمورا بالصلاة مع الطهارة المائية من الوضوء أو الغسل ويضيق الوقت عليه ولا يبقى منه الا مقدار ركعة واحدة ولكنه يتمكن من الاتيان بها مع الطهارة المائية كما إذا كان توضأ أو اغتسل

[ 336 ]

قبل ذلك ولا ينبغي الشبهة حينئذ في وجوب الاتيان بتلك الركعة مع الطهارة المائية - في وقتها - وبه تتم صلاته على ما دلت عليه الموثقة فيكون الاتيان بالركعة الواحدة في وقتها - مع الاتيان بغيرها من الركعات في خارجه بمنزلة الاتيان باربع ركعات - مثلا - في وقتها. وقد يكون مأمورا بها مع الطهارة الترابية لضيق الوقت عن الصلاة مع الطهارة المائية وفي هذه الصورة إذا كان الوقت بمقدار يسع الصلاة كلها مع التيمم فقد تقدم في مبحث التيمم انه لابد من أن يتيمم ويصلي لانه فاقد للماء بالاضافة إلى صلاته وان فرضنا انه واجد له بالاضافة إلى سائر الجهات وليس له ان يحصل الطهارة المائية ليأتي بها ركعة واحدة في وقتها على ما قدمناه في محله وقلنا ان المستفاد من قوله عز من قائل: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) لزوم ايقاع الصلاة بتمام ركعاتها في الوقت، ومقتضى الاخبار الواردة أن المكلف إذا تمكن من الاتيان بها مع الطهارة المائية وجب الاتيان بها مع الغسل أو الوضوء والا فمع الطهارة الترابية، لانه المستفاد من قوله عز من قائل: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (* 2) وحيث انه غير واجد للماء بالاضافة إلى صلاته وجبت عليه الصلاة مع الطهارة الترابية وان كان واجدا له بالاضافة إلى غير الصلاة وهذا لعله مما لا إشكال فيه. وانما الكلام فيما إذا لم يسع الوقت إلا بمقدار ركعة واحدة وكانت وظيفة المكلف هي الصلاة مع الطهارة المائية لتمكنه من الوضوء أو الاغتسال إلا أنه أخر صلاته إلى أن ضاق عليه الوقت ولم يبق منه الا مقدار ركعة


(* 1) الاسراء: 17: 78. (* 2) النساء: 4: 43 والمائدة: 5: 6.

[ 337 ]

واحدة مع التيمم. فهل يجب أن يتيمم وقتئذ ليدرك ركعة واحدة من الوقت وتتم بذلك صلاته؟ أو لا يشرع التيمم في حقه، ولا تشمله الموثقة المتقدمة لانها انما تدل على أن من أتى بما هو الوظيفة المقررة في حقه من الصلاة وادرك ركعة واحدة منها في وقتها فقد جازت صلاته. فظاهر قوله (ع) جازت صلاته ارادة الصلاة التي هي الوظيفة المقررة في حقه - من الصلاة مع الطهارة المائية أو الترابية - وأما أن الوظيفة المقررة من الصلاة أي شئ وهل هي الصلاة مع التيمم أو الوضوء؟ فلا يكاد يستفاد من الموثقة بوجه كما لا تعرض لها إلى أن التيمم مشروع لادراك الركعة الواحدة من الصلاة في وقتها أو غير مشروع لوضوح انها غير ناظرة إلى تشريع التيمم وقتئذ وكيف كان فالموثقة غير شاملة لمفروض الكلام. قد يقال: ان هذه المسألة تبتني على ملاحظة أن التنزيل في قوله (ع) فليتم الصلاة وقد جازت صلاته هل هو بلحاظ الوقت؟ وأن الزمان الذي يسع ركعة واحدة من الوقت بمنزلة الوقت الذي يسع اربع ركعات - مثلا - أو انه راجع إلى الصلاة والركعة ومعناه ان الركعة الواحدة - في الوقت - كاربع ركعات في وقتها. فان بنينا على الاول شملت الموثقة لما هو محل الكلام، لان مرجعه إلى التوسعة في الوقت فالتمكن من الركعة الواحدة في وقتها كالتمكن من أربع ركعات في وقتها. وقد تقدم أن المكلف إذا لم يتمكن من الطهارة المائية وكان الوقت يسع مقدار اربع ركعات وجب عليه الاتيان بصلاته مع الطهارة الترابية لمكان فقده الماء من ناحية الصلاة وان كان واجدا له من سائر الجهات فتشمله الموثقة، لانه أتى بالركعة الواحدة حسبما تقتضيه وظيفته.

[ 338 ]

وأما إذا بنينا على الثاني وان ادراك الركعة الواحدة كادراك تمام الصلاة في الوقت فلا تكون الموثقة شاملة للمقام لعدم ورودها لتشريع التيمم لادراك الركعة الواحدة من الصلاة في وقتها وانما وردت للدلالة على أن الاتيان بركعة واحدة على الوجه المشروع الذي تقتضيه الوظيفة المقررة موجب للحكم بتمامية الصلاة. فشمول دليل التنزيل اعني الموثقة لادراك الركعة الواحدة يتوقف على مشروعية التيمم لاجله - إذ لا صلاة الا بطهور فلو لم يشرع التيمم حينئذ لكانت الصلاة فاقدة للطهارة - ومشروعية التيمم لاجل درك الركعة الواحدة يتوقف على شمول الموثقة لادرك الركعة الواحدة مع التيمم - لوضوح انه لو لم يشمله الموثقة لم يكن وجه لمشروعية التيمم في المقام حيث ان المكلف كان متمكنا من الطهارة المائية وكانت وظيفته الوضوء أو الاغتسال ومعه لا موجب لمشروعية التيمم في حقه. نعم ان دليل التنزيل إذا شمل المقام وقلنا ان ادراك الركعة الواحدة منزل منزلة درك تمام الصلاة امكن أن يقال انه فاقد للماء فيتيمم وهذا دور ظاهر. والظاهر ان في محل الكلام لابد من الاتيان بالركعة الواحدة مع التيمم حتى بناء على أن التنزيل بلحاظ أن الركعة الواحدة بمنزلة تمام الصلاة وذلك لان التنزيل وان فرضنا انه بلحاظ الصلاة دون الوقت الا انه على الاغلب تتبدل وظيفة المكلف في منتهى الوقت عن الطهارة المائية إلى الترابية واذ المكلف وان كان مأمورا بالطهارة المائية وواجدا للماء في أول الوقت أو وسطه غير انه إذا أخر صلاته إلى آخر وقتها لعصيان أو نسيان ونحوهما إلى أن بقي من الوقت أربع ركعات مع التيمم ولم يتمكن من غيره انقلبت وظيفته من الصلاة بالطهارة المائية إلى الصلاة مع الطهارة الترابية لما تقدم من أن ضيق الوقت من مسوغات التيمم، إذ المكلف فاقد

[ 339 ]

الماء حينئذ بالاضافة إلى الصلاة وان كان واجدا له بالاضافة إلى سائر الجهات. وعلى ذلك إذا أخر صلاته لعصيان أو نسيان أو غيرهما إلى أن ضاق عليه الوقت بحيث لم يبق منه إلا مقدار ركعة واحدة أيضا كانت وظيفته الصلاة مع التيمم وهذا لانها الوظيفة المقررة في حقه سابقا لما عرفت من انه عندما أخر صلاته إلى أن لم يبق من الوقت إلا أربع ركعات انقلبت وظيفته من الطهارة المائية إلى الترابية. فإذا كان هذا هو الحال عندما بقي من الوقت خمس دقائق - مثلا - دقيقة للتيمم وأربع دقائق للصلاة كانت الوظيفة ايضا ذلك فيما إذا أخر صلاته إلى أن لم يبق من الوقت الا مقدار ركعة واحدة فيجب في حقه الاتيان بالركعة الواحدة مع التيمم في الوقت، لانها الوظيفة الثابتة على ذمته قبل ذلك فتبقى بعد الحدوث، وهذا مقتضى قوله (ع) في الموثقة فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته. ودعوى: ان الموثقة غير شاملة له لتوقفها على مشروعية التيمم وقتئذ. مندفعة: بأن مشروعيته قد ثبتت عند تضييق الوقت وعدم بقائه إلا بمقدار أربع ركعات وهو حال تبدل الوظيفة إلى الطهارة الترابية كما عرفت فما يتوقف عليه شمول الموثقة أعني مشروعية التيمم قد ثبتت سابقا كما انها متحققة بالفعل أيضا فلا مانع من شمول الموثقة للمقام. على أنه يمكن ان يستدل على وجوب الاتيان بالركعة الواحدة مع التيمم بما دل على أن الصلاة لا تسقط بحال. فان من جملة حالات المكلف ما إذا أخر صلاته إلى أن لم يبق من الوقت الا مقدار ركعة واحدة، وقد مر أن الصلاة متقومة بالطهور والركوع والسجود

[ 340 ]

فإذا تيمم للركعة الواحدة وأتى بها فقد تحققت حقيقة الصلاة لاشتمال ما أتى به على الاركان الثلاثة وصدق انه صلى في الوقت ركعة ثم طلعت الشمس، فالظاهر وجوب الاتيان بالركعة الواحدة في وقتها مع التيمم من دون حاجة إلى القضاء لتمكن المكلف من المقومات الثلاثة وقيام الركعة الواحدة مقام تمام الصلاة، وان كان الاحوط قضائها مع الطهارة المائية خارج الوقت. وهناك شئ وهو أن الصلاة في مفروض المسألة هل تكون ادائية أو أنها قضائية أو ملفقة منهما؟ لا يكاد يترتب على تحقيق ذلك والتكلم في انها ادائية أو قضائية أية ثمرة عملية إلا في نية الاداء والقضاء لان اللازم بناء على انها ادائية - بالكلية - أو في مقدار ركعة واحدة أن يؤتى بها بنية الاداء بالكلية أو في مقدار ركعة واحدة كما ان اللازم ان يؤتى بها بنية القضاء بناء على انها قضائية. نعم إذا بنينا على عدم اعتبار نية الاداء والقضاء - الا فيما إذا كان ما في ذمة المكلف مشتركا بينهما كما إذا وجهت صلاتان في حقه إحداهما أدائية والاخرى قضائية، لانه لا تتميز احداهما عن الاخرى في مقام الاتيان بهما الا بالنية وأما إذا كان ما في الذمة صلاة واحدة ادائية أو قضائية فلا حاجة إلى نية شئ منهما لوضوح أن الواجب وقتئذ نية الامر وقصد امتثاله فحسب - لم تترتب ثمرة على التكلم في ان الصلاة في محل الكلام ادائية

[ 341 ]

[ (مسألة 1) وقت نافلة الظهر من الزوال إلى الذراع (1) والعصر سبعي الشاخص وأربعة أسباعه، بل إلى آخر وقت اجزاء الفريضتين على الاقوى، وان كان الاولى بعد الذراع تقديم الظهر وبعد الذراعين تقديم العصر والاتيان بالنافلتين بعد الفريضتين، فالحد ان الاولان للافضلية، ومع ذلك الاحوط بعد الذراع والذراعين عدم التعرض لبنية الاداء والقضاء في النافلتين. ] أو قضائية بوجه وان استظهرنا من الموثقة كونها ادائية لمكان قوله (ع) فليتم الصلاة وقد جازت صلاته. فان الصلاة المتصلة بالضمير الراجع إلى المصلي المذكور في الموثقة انما هي الصلاة المأمور بها في الوقت وهي ادائية كما ترى. فصل في أوقات الرواتب وقت نافلة الظهرين (1) الاقوال في المسألة ثلاثة: " أحدها ": ولعله الاشهر أو المشهور عند الاصحاب " قدهم " أن وقت نافلة الظهر من الزوال إلى الذراع كما أن وقت نافلة العصر إلى الذراعين ولابد بعد الذراع والذراعين من ترك النافلة والبدءة بالفريضة و " ثانيهما ": ما اختاره الماتن وقواه من امتداد وقت النافلة بامتداد وقت الاجزاء للفريضة اعني امتداده إلى الغروب

[ 342 ]

و " ثالثها ": وهو القول الوسط بين القولين المتقدمين أن وقت نافلة الظهر من الزوال إلى المثل ووقت نافلة العصر إلى المثلين واليه ذهب الشيخ في خلافه والمحقق في المعتبر والعلامة في بعض كتبه والشهيد والمحقق الثانيان في الروض والروضة وغيرهم من المحققين. والصحيح من تلك الاقوال هو القول المنسوب على الاشهر " تارة " والى المشهور " أخرى " وقد استدل عليه بجملة من الروايات المعتبرة: " منها ": صحيحة زرارة حيث ورد في ذيلها: أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت: لم جعل ذلك؟ قال: لمكان النافلة، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع، فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت؟ بالفريضة وتركت النافلة.. (* 1). و " منها ": عدة من الروايات وهي موثقات باجمعها لوقوع حسن ابن محمد بن سماعة في طريقها (* 2). و " منها ": موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) (في حديث). فان مضى قدمان قبل أن يصلي ركعة بدأ بالاولى ولم يصل الزوال إلا بعد ذلك وللرجل أن يصلي من نوافل الاولى (العصر) بين الاولى إلى أن تمضي أربعة أقدام فان مضت الاربعة أقدام ولم يصل من النوافل شيئا فلا يصلي النوافل. (* 3). و " منها ": غير ذلك من الروايات ظاهرة الدلالة، بل الصريحة في المدعى. واستدل للقول الوسط بصحيحة زرارة المتقدمة آنفا حيث ورد في صدرها: ان حائط مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله كان قامة وكان إذا مضى


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 40 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 343 ]

منه ذراع صلى الظهر وإذا مضى منه ذراعان صلى العصر. (* 1) بدعوى أن المراد بالقامة هو الذراع كما في جملة من النصوص فيحمل الذراع في الصحيحة وغيرها من الروايات على المثل كما يحمل الذراعان على المثلين فتصير الاخبار المتقدمة - حينئذ - دليلا على القول الوسط دون القول الاول المتقدم المنسوب إلى المشهور. ويرده " أولا ": انه لم يثبت أن المراد بالذراع متى ما أطلق هو القامة والمثل، كما لم يثبت أن المراد بالقامة متى ما اطلقت هو الذراع. و " ثانيا ": ان حمل الذراع في الصحيحة على القامة والمثل خلاف الظاهر بلا ريب بل لعل الصحيحة صريحة بخلافه، والوجه فيه ان الذراع وان كان مطلقا في صدر الرواية، ولدعوى أن المراد به المثل والقامة مجال - وإن كانت بعيدة وخلاف الظاهر - كما عرفت إلا أن قوله (ع) ان حائط مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله كان قامة وكان إذا مضى منه ذراع صلى الظهر. كالصريح في أن المراد بالذراع ليس هو القامة والمثل، حيث أن قوله " مضى منه " ظاهر بل صريح في التبعيض بمعني أن الذراع بعض مقدار الحائط لا انه نفسه فيكون الذراع في مقابل القامة، لا أنه بمعناها كما لا يخفى. و " ثالثا ": لو أغمضنا عن ذلك فقوله في ذيل الصحيحة: فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة. أصرح من سابقه ولا يقبل الحمل على القامة والمثل ابدا، لانه كالصريح في أن المراد بالذراع فيه هو الذراع بالمعنى المتعارف دون المثل والقامة، حيث جعل (ع) الشاخص نفس المكلف وشخصه وجعل المدار على الفيئ الحاصل


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 344 ]

منه حيث قال: إذا بلغ فيئك ذراعا، إذا فالذراع في مقابل القامة والمثل لا انه بمعناهما فلا يصح حمله عليهما ابدا فهذا الاستدلال ساقط. وعن الشهيد في روض الجنان الاستدلال على ذلك بأن المنقول من فعل النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) بل وكذا غيرهم من السلف فعل النافلة متصلة بالفريضة ولم يكونوا يصلون النافلة في وقت - كالذراع والذراعين - والفريضة في وقت آخر - كالمثل والمثلين -. وحيث انا علمنا من الخارج أن وقت الفريضة هو المثل والمثلان فلا مناص من أن يحدد النافلة أيضا بذلك تحفظا على التواصل بين فعل النافلة والفريضة، ففعلهم (ع) حجة قاطعة على اتساع الوقت إلى أن يبلغ الظل مثلك أو مثليك. ويدفعه: " أولا ": أنه لم يثبت كونهم (ع) آتين بالنافلة متصلة بالفريضة ولم يقم على ذلك أي دليل، ومن المحتمل انه صلى الله عليه وآله كان يصلي النافلة في داره - عند الذراع أو الذراعين - ويخرج إلى الفريضة بعد ذلك - عند المثل أو المثلين - ولم نحرز انهم كانوا يواصلون النوافل بالفرائض لانه ليس بأمر واضح في نفسه ولم يوضح من قبل المستدل باقامة الدليل عليه. و " ثانيا ": ان ما ادعي في المقام من امتداد وقت النافلة إلى المثل والمثلين خلاف ما ورد التصريح به في عدة من الروايات ومنها صحيحة زرارة المتقدمة حتى على تقدير تسليم انه صلى الله عليه وآله كان يوصل النافلة بالفريضة وذلك للتصريح في تلك الروايات بانه صلى الله عليه وآله كان يصلي الظهر عند بلوغ الفيئ ذراعا والعصر عند بلوغه ذراعين، وقد ورد في تلك الصحيحة ما هذا لفظه. وكان إذا مضى منه ذراع صلى الظهر، وإذا مضى منه ذراعان صلى العصر فلابد - على تقدير تسليم دعوى الاتصال - أن نحدد وقت

[ 345 ]

النافلة بالذراع والذراعين لانهما وقت اتيانه صلى الله عليه وآله بالفريضة دون المثل والمثلين. نعم لو ثبت ان النبي صلى الله عليه وآله كان يصليهما عند المثل والمثلين فهب انا كنا نلتزم بامتداد وقت النافلة اليهما، الا ان الثابت خلافه، إذا فمن أين نثبت امتداد الوقت إلى المثل والمثلين؟ وقد يستدل على ذلك بالاطلاقات. وما توهم اطلاقها من الروايات على طائفتين: " إحداهما ": الاخبار الواردة في أن نافلة الظهر ثمان ركعات قبلها ونافلة العصر أيضا ثمان ركعات قبلها، أو انها أربع ركعات بعد الظهر واربع ركعات قبل العصر على اختلاف السنتها (* 1)، فانها مطلقة ولم تقيد فيها النافلة بالذراع والذراعين، ومقتضى اطلاقاتها جواز الاتيان بها إلى المثل والمثلين. و " ثانيتهما ": الروايات الدالة على ان النافلة لا وقت معين لها وانما هي ثمان ركعات امرها بيد المكلف ان شاء طولها وان شاء قصرها وانه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ولا يمنعك عنهما إلا سبحتك، ففيما روى منصور بن حازم وحارث بن المغيرة وغيرهما قالوا: كنا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع فقال أبو عبد الله (ع) الا انبئكم بابين من هذا. إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، الا أن بين يديها سبحة وذلك اليك ان شئت طولت وان شئت قصرت (* 2) ونظيرها غيرها من الروايات.


(* 1) راجع ب 13 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2) المروية في ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 346 ]

ومقتضى عدم التقييد فيها بالذراع والذراعين جواز الاتيان بالنوافل إلى المثل والمثلين. وهذا الاستدلال ضعيف غايته وذلك: " أما أولا ": فلان المطلقات المذكورة ليست بصدد بيان وقت النافلة: أما الطائفة الاولى: فلاجل أنها انما وردت لبيان أعداد الصلوات من الفرائض والنوافل وان مجموعهما يبلغ خمسين أو إحدى وخمسين ركعة فثمان للظهر قبلها، وثمان للعصر كذلك، واربع للمغرب وهكذا. وأما أن أوقات النوافل تمتد إلى أي زمان فليست المطلقات بصدد بيانه. نعم تدلنا هذه الروايات على أن النوافل لابد من ان تقع قبل الفريضة أو بعدها لانها من جهة قبلية النوافل أو بعديتها عن الفرائض بصدد البيان. وأما الطائفة الثانية: فلاجل أنها إنما وردت لبيان وقت الفريضة وان وقتها غير محدد بشئ بعد تحقق الزوال الا بالسبحة سواء أطالت أم قصرت ولم ترد لبيان وقت النوافل بوجه. و " أما ثانيا ": فلانها لو كانت مطلقة من تلك الجهة وكانت ناظرة إلى بيان وقت النافلة لدلت على القول الثاني أعني امتداد وقت النافلة إلى الغروب وذلك لمكان اطلاقها فان متقضاه عدم تقييد النافلة بالمثل والمثلين وامتداد وقتها بامتداد وقت الاجزاء للفريضة فبأي وجه يمكننا تقييدها بالمثل والمثلين كما ادعي. و " أما ثالثا ": فلانا لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على اطلاقها فلا مناص من ان نرفع اليد عن اطلاقها ونقيدها بما ورد في جملة من الروايات من تحديد وقت النافلة بالذراع والذراعين كما في صحيحة زرارة وغيرها حملا

[ 347 ]

للمطلق على المقيد فلا يسعنا حينئذ دعوى دلالتها على امتداد وقت النافلة إلى المثل والمثلين ابدا فهذا القول أيضا ضعيف. ثم إن بما سردناه يظهر بطلان القول الثاني أيضا اعني ما ذهب إليه الماتن من امتداد وقت النافلة إلى الغروب حيث استدلوا عليه باطلاق الروايات بالتقريب المتقدم في الاستدلال على امتداد وقت النافلة إلى المثل والمثلين والجواب عنه هو الجواب من عدم كونها بصدد البيان من تلك الناحية تم على تقدير تسليم اطلاقها وكونها ناظرة إلى ذلك فلا مناص من تقييدها بالصحيحة المتقدمة وغيرها مما دل على تحديد وقت النافلة بالذراع والذراعين إذا فالصحيح هو القول الاشهر أو المشهور. تنبيه: إن قانون حمل المطلق على المقيد وان لم يجر في المستحبات غير أن ذلك فيما إذا ورد أمر آخر بالمقيد. وأما إذا أمر بالمطلق ونهي عن حصة خاصة من حصصه أعني المقيد - كما في محل الكلام للمنع عن التنفل بعد الذراع والذراعين مع الامر بالفريضة بعدهما حيث قال (ع) وإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال تركت النافلة وبدأت بالفريضة - فلا مناص من تقييد المطلق بالمقيد - على ما بيناه في محله - لعدم اجتماع الامر بالمطلق مع النهي عن المقيد. ومما دلنا - صريحا - على لزوم التقييد في المطلقات وأن لنوافل الظهرين وقتا معينا وهو الذراع والذراعان موثقة اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال: أتدري لم جعل الذراع

[ 348 ]

والذراعان؟ قال: قلت لم؟ قال: لمكان الفريضة لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه (* 1). فانها دلت - بصراحتها - على أن لنوافل الظهرين وقتا معينا وهو الذراع والذراعان وان وقتها يخرج بعدهما ويدخل وقت الفريضة واليه أشار بقوله (ع) لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه ومعه لا مناص من أن تجعل هذه الرواية وغيرها مما دل على ذلك مقيدة للمطلقات المتقدمة كما قدمناه والرواية موثقة. فان اسماعيل الجعفي على ما بيناه سابقا ثقة كما ان الميثمي هو يعقوب بن شعيب الثقة سنبين الوجه في ذلك في آخر هذا الجزء من الكتاب إن شاء الله. وقد يستدل على هذا القول بما ورد من ان النافلة هدية وانها متى ما أتي بها قبلت سواء قدمتها أو أخرتها (* 2) لانها تدل على جواز الاتيان بالنوافل إلى آخر وقت الفريضة. ويرد الاستدلال بها أن هذه الروايات كما تدلنا على جواز تأخير النافلة كذلك تدلنا على جواز تقديمها عن الزوال، ولازم الاستدلال بها في المقام هو الالتزام بأن النوافل ليس لها وقت مقرر في الشريعة المقدسة وانه موسع على نحو يجوز الاتيان بها قبل الزوال وهذا مما لا يمكن الالتزام به، فالاستدلال بها على التوسعة في أوقات النوافل مما لا مجال له. نعم تدلنا هذه الرواية على جواز الاتيان بالنوافل قبل الوقت المقرر لها وبعده لانها هدية وهو أمر آخر غير التوسعة في أوقاتها كما لا يخفى.


(* 1) المروية في ب 8 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 37 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 349 ]

[ (مسألة 2) المشهور عدم جواز تقديم نافلتي الظهر والعصر (1) في غير يوم الجمعة على الزوال وان علم بعدم التمكن من اتيانهما بعده، لكن الاقوق جوازه فيهما خصوصا في الصورة المذكورة. ] (1) بعد ما عرفت من أن لنوافل الظهرين أوقاتا معينة يقع الكلام في انها هل يجوز أن يؤخر عن أوقاتها أو تقدم عنها أو لا يجوز؟ أما بالاضافة إلى تأخيرها عن أوقاتها فلا ينبغي التردد في جوازه وذلك للاخبار الدالة على جواز قضاء النوافل النهارية بالليل أو الليلية بالنهار (* 1) وأن به فسرت الآية المباركة: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (* 2). فيستفاد من تلك الروايات ان قضاء النوافل كقضاء الفرائض مشروع في الشريعة المقدسة غير ان القضاء واجب في الفرائض، ومندوب في النوافل ثم ان غرضنا انما هو اثبات المشروعية وجواز الاتيان بالنوافل بعد أوقاتها - في الجملة - وأما جوازه ومشروعيته حتى قبل الاتيان بصلاة العصر أو عدمهما لانه من التطوع في وقت الفريضة - ولا كلام في عدم مشروعيته في الصيام، لعدم صحة الصوم المندوب ممن عليه صوم واجب وهو في الصلاة مورد الكلام - فهو أمر آخر سنتكلم عليه في محله ان شاء الله. وأما بالاضافة إلى تقديمها عن وقتها أعني الزوال كما هو محل الكلام فالمشهور عدم جوازه وذهب الشيخ " قده " إلى جواز تقديمها لمن علم من حاله أنه سيشتغل بما يمنعه من الاتيان بها في أوقاتها ومال جمع من متأخر


(* 1) راجع ب 57 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) الفرقان: 25: 62.

[ 350 ]

المتأخرين إلى جواز تقديمها مطلقا ومنشأ الخلاف في المسالة هو اختلاف الاخبار الواردة في المقام، وقد دلت جملة من الروايات على أن صلاة التطوع بمنزلة الهدية ان شئت قدمتها وان شئت أخرتها، وأكثر الروايات وان كانت ضعيفة السند (* 1) الا انها مشتملة على بعض الصحاح أيضا. " منها ": صحيحة محمد بن عذافر أو حسنته - باعتبار ابراهيم بن هاشم - قال: قال أبو عبد الله (ع) صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى ما أتى بها قبلت فقدم منها ما شئت وأخر منها ما شئت (* 2). و " منها ": صحيحة اسماعيل بن جابر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام اني اشتغل، قال: قال: فاصنع كما تصنع، صل ست ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها من صلاة العصر يعني ارتفاع الضحى الاكبر واعتد بها من الزوال (* 3). و " منها ": غير ذلك من الروايات. ولكن الاصحاب " قدهم " ما عدى جماعة لم يلتزموا بالعمل بمضمونها في تقديم النوافل على الزوال وهذا هو الصحيح وذلك للاطمئنان بعدم بقاء الاخبار الدالة على جواز تقديم النوافل على اطلاقها لتقيدها بما إذا اشتغل المكلف بما يمنعه من الاتيان بالنافلة في وقتها ويدلنا على ذلك قوله (ع)


(* 1) كرواية القاسم بن الوليد الغساني عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له جعلت فداك صلاة النهار صلاة النوافل في كم هي؟ قال ست عشرة ركعة في أي ساعات النهار شئت أن تصليها صليتها. ومرسلة علي بن الحكم وفيها: إن شئت في أوله وإن شئت في وسطه وان شئت في آخره. المروية في ب 37 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 37 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 351 ]

في الصحيحة المقدمة: فاصنع كما تصنع. حيث أن الظاهر انه جزاء للجملة الشرطية المطوية في الكلام لمكان " فاء " ومعناه انك إذا كنت كما وصفت مشتغلا بما يمنعك عن النافلة في وقتها فاصنع كما تصنع، فتدلنا بمفهومها على عدم جواز التقديم لمن لم يكن له اشتغال بما يمنعه عن الاتيان بها في وقتها. ويؤيد ذلك رواية يزيد (بريد) بن ضمرة الليثي عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الرجل يشتغل عن الزوال أيعجل من أول النهار؟ قال: نعم إذا علم أنه يشتغل فيعجلها في صدر النهار كلها (* 1). وهي وان كانت صريحة في المدعى الا أنها ضعيفة السند لجهالة ابن ضمرة فلا تصلح الا للتائيد بها. كما يؤكده ما علمناه خارجا من أن النبي صلى الله عليه وآله والوصي (ع) لم يكونا يصليان شيئا من الصلاة قبل الزوال فلو كان تقديم النوافل على الزوال أمرا سائغا لصدر ذلك منهما ولو مرة واحدة، وهذا مضافا إلى انه المعهود منهما عليهما السلام لدى الناس يستفاد من بعض الروايات أيضا: " منها: ما رواه عمر بن أذينة عن عدة انهم سمعوا أبا جعفر (ع) يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس، ولا من الليل بعد ما صلى العشاء الآخرة حتى ينتصف الليل (* 2). وهي واضحة الدلالة على المدعى كما انها صحيحة من حيث السند أو حسنة باعتبار ابراهيم بن هاشم حيث أن ضمير عنه في الوسائل عائد إليه،


(* 1) المروية في ب 37 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 36 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 352 ]

[ (مسألة 3) نافلة يوم الجمعة عشرون ركعة (1) والاولى تفريقها بأن يأتي ستا عند انبساط الشمس، وستا عند ارتفاعها وستا قبل الزوال، وركعتين عنده. ] وتأخير هذه الرواية عن رواية محمد بن يحيى في الوسائل انما صدر من باب الاشتباه واللازم ذكرها متقدمة عليها كما لا يخفى فراجع الوسائل (* 1) والكافي (* 2) حتي يتضح الحال. و " منها ": ما رواه زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سمعته يقول كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس، فإذا زال النهار قدر نصف اصبع صلى ثماني ركعات (* 3). وهذه الرواية في سندها موسى بن بكر وهو لم يوثق، ومقتضى هذه الروايات عدم جواز تقديم النافلة عن وقتها الا بالاضافة إلى من علم اشتغاله بشغل يمنعه عن الاتيان بها في وقتها، فانه لا مانع له من تقديمها على وقتها حسبما دلت عليه الرواية المتقدمة. وقت نافلة يوم الجمعة (1) ما قدمناه في التعليقة المتقدمة انما هو بالاضافة إلى نوافل الظهرين في غير يوم الجمعة وأما بالاضافة إلى نوافل يوم الجمعة فقد تقدم الكلام عليها في الجملة وأشرنا إلى أن الاخبار الواردة فيها مختلفة، فان في بعضها


(* 1) و (* 3) ب 36 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) الجزء الثالث ص 289 من الطبع الحديث.

[ 353 ]

[ (مسألة 4) وقت نافلة المغرب من حين الفراغ من الفريضة إلى زوال الحمرة المغربية (1). ] أن المكلف يصلي ست عشرة ركعة قبل العصر (* 1) وفي بعضها الآخر: انه يصلي ست ركعات قبل الزوال وركعتين عند الزوال وثماني ركعات بعد الفريضة (* 2) وفي ثالث: ست ركعات عند ارتفاع النهار وست ركعات قبل نصف النهار، وركعتين إذا زالت الشمس قبل فريضة الجمعة وست ركعات بعد الجمعة (* 3) إلى غير ذلك من الانحاء الواردة في الروايات. ونتيجة اختلاف الروايات أن المكلف يتخير بين تقديم النوافل على الوقت - يوم الجمعة - وتأخيرها عنه، وقد ورد في بعضها ان المراد بالركعتين عند الزوال هو الاتيان بهما في وقت يترقب فيه الزوال أعني الشك في تحققه وأما مع العلم بتحققه فلابد من الاتيان بالفريضة دون الركعتين. وقت نافلة المغرب (1) لا كلام ولا خلاف في أن نافلة المغرب مبدءها بعد فريضته، وانما الكلام فيها بحسب المنتهى، والمشهور أن منتهى وقتها زوال الحمرة المغربية، ودخول وقت الفضيلة لصلاة العشاء، بل ادعي عليه الاجماع في كلمات بعضهم، وعن الشهيد في الذكرى والدروس امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة إلى أن يتضيق وقت العشاء، لانها تابعة لها كالوتيرة، وان كان الافضل المبادرة إليها، واليه مال صاحب المدارك واستجوده كاشف اللثام.


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 11 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

[ 354 ]

والوجه في هذا الاختلاف عدم ورود نص في المقام كما ورد في نافلة الظهرين كقوله (ع) أو تدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت لم؟ قال لمكان الفريضة، لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه (* 1) ومن هنا قوى هؤلاء امتداد وقتها إلى أن يتضيق وقت الفريضة. وقد استدل للمشهور - كما في الجواهر - بوجوه: " الاول ": أن المعهود من النبي صلى الله عليه وآله انه كان يصلي نافلة المغرب بعد الاتيان بالفريضة، ثم لا يصلي شيئا حتى يسقط الشفق، فإذا سقط صلى العشاء الآخرة. و " يرده ": أن فعله صلى الله عليه وآله لو سلمنا ثبوته - لا يدلنا بوجه على أن الاتيان بنافلة المغرب بعد زوال الحمرة المغربية قضاء ولعله صلى الله عليه وآله انما كان يأتي بها بعد فريضة المغرب، لانه أفضل أو أحد أفراد المستحب هذا إن أريد من معهودية فعله صلى الله عليه وآله اتيانه بها قبل زوال الحمرة. وأما لو أريد بها انه صلى الله عليه وآله كان إذا لم يأت بالنافلة قبل زوال الحمرة لم يكن يأت بها الا قضاء فهو دعوى لا طريق لنا إلى اثباتها - بوجه -. " الثاني ": أن المنساق والمنصرف إليه من الاخبار الواردة في الاتيان بأربع ركعات بعد صلاة المغرب انما هو اتيانها بعد المغرب وقبل زوال الحمرة المغربية. وفيه: انه لا شاهد لدعوى الانصراف بعد وجود المطلقات واهتمام الشارع بالاتيان باربع ركعات المغرب إذ لا موجب معها لانصراف الاخبار إلى كون النافلة واقعة قبل زوال الحمرة بل مقتضى الاطلاق مع الاهتمام


(* 1) المروية في ب 8 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 355 ]

الكثير بها بقوله (ع) لا يدعهن في سفر ولا حضر (* 1) جواز الاتيان بها حتى بعد زوال الحمرة، فلو أخر صلاة المغرب إلى آخر وقت الفضيلة لم يكن أي مانع من الاتيان بنافلتها بعدها. " الثالث ": أن وقت المغرب مضيق وانه يخرج بذهاب الحمرة على ما نص عليه في جملة من الروايات فإذا كانت فريضة الوقت مضيقة فنافلتها أولى بأن تكون كذلك فهي كالفريضة يخرج وقتها بذهاب الحمرة. وفيه: أن المراد بانها مضيقة الوقت ليس هو الضيق الحقيقي وخروج وقتها بذهاب الحمرة المغربية جزما، لان فوات صلاة المغرب وانقضاء وقتها بذلك مما لم يلتزم به هو (قده) ولا يمكننا الالتزام به فلا مناص من حمل الضيق فيها على الضيق التنزيلي وبالعناية باعتبار أن الاتيان بها في أول وقتها أفضل، وخروج وقت الفضيلة بذهاب الحمرة. والاتيان بها بعد خروج وقت الفضيلة كالعدم، وكأنها ليست بصلاة المغرب لمرجوحيتها بالنسبة إلى الصلاة قبل ذهاب الحمرة، ولا مانع من الالتزام بذلك في وقت النافلة أيضا بأن يقال: ان الافضل أن يؤتى بها قبل ذهاب الحمرة المغربية وان الاتيان بها بعده مرجوح، لا انها موقتة بذلك وتكون قضاء بعد ذهاب الحمرة. على انه أي تلازم بين الضيق في وقت الفريضة، والضيق في وقت النافلة، لانه من المحتمل ان تكون الفريضة مضيقة لاهميتها ولا يكون التطوع كذلك لاطلاق أدلته، وعدم كونه موردا للاهتمام، فللمكلف أن يأتي به قبل زوال الحمرة وبعدها. هذا كله فيما إذا حملنا الضيق على الضيق من جهة آخر الوقت.


(* 1) راجع ب 24 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 356 ]

وأما على ما بيناه من أن معنى كونها مضيقة انها مضيقة من جهة أول الوقت، بمعنى انها ليست بمسبوقة بالنافلة بخلاف بقية الفرائض، لانها موسعة من تلك الجهة ومسبوقة بالنافلة فلابد من الاتيان بالمغرب عند دخول وقتها من غير انتظار وتأخير للنافلة، فلا يمكن الاستدلال بكون المغرب مضيقة الوقت على أن نافلتها موقتة بذهاب الحمرة وانها تكون قضاء بعده أبدا وهذا ظاهر. وقد استدل المحقق على ذلك في المعتبر بالاخبار الواردة في النهي عن التطوع في وقت الفريضة، فان الاتيان بنافلة المغرب بعد ذهاب الحمرة كذلك لانه وقت فضيلة العشاء. نعم لا مانع من أن تتقدم على ذهاب الحمرة، لانه وان كان أيضا كذلك بمعنى انه وقت فريضة العشاء لدخول وقتها من أول الغرب. فتكون النافلة حينئذ من التطوع في وقت الفريضة. إلا أن الروايات الواردة في أفضلية تأخير العشاء عن ذهاب الحمرة ومرجوحية تقديمها على ذهابها تدلنا على جواز التطوع قبل ذهاب الحمرة المغربية، وذلك لان تلك الروايات الآمرة بتأخير العشاء تدلنا على انه ليس هناك أمر فعلى متعلق باتيانها قبل ذهاب الحمرة وان كان يجوز الاتيان بها حينئذ كما عرفت، ولا مانع معه من الامر بالتطوع بوجه. وهذا بخلاف ما بعد ذهاب الحمرة لوجود الامر الفعلي باتيان الفريضة - وقتئذ - ومعه كيف يصح الامر بالاتيان بنافلتها لانه من التطوع في وقت الفريضة. وفيه: ان ما ذكره (قده) وان كان احسن ما استدل به في المقام إلا انه انما يتم فيما لو قلنا بحرمة التطوع في وقت الفريضة. وأما بناء على

[ 357 ]

جوازه ومرجوحيته فلا، فان الاتيان بالنافلة جائز ومرجوح - على ذلك - والمرجوحية أمر وكونها موقتة بذهاب الحمرة أمر آخر. بل لا يتم الاستدلال بها حتى على القول بحرمة التطوع في وقت الفريضة أو بناء على أن النهي وان كان تنزيهيا - على الفرض - إلا أنه كالتحريمي مقيد لاطلاقات النافلة، وذلك لان الكلام انما هو في أن النافلة - في نفسها وطبعها - هل ينتهي وقتها بذهاب الحمرة المغربية أو انه يمتد إلى آخر وقت الفريضة؟ وأما عدم جواز تأخيرها عن ذهاب الحمرة بالعنوان الثانوي والعرضي ككونها من التطوع في وقت الفريضة ومزاحمة لها فهو خارج عن محل الكلام لوضوح ان المنع عنها بالعنوان الثانوي أمر آخر لا ربط له بالمقام وتظهر الثمرة فيما لو استحب تأخير الفريضة عن أول وقتها كما في انتظار الجماعة أو اتمام الاذان ونحوهما، لانه أمر راجح ومأمور به فإذا فرضنا أن الفصل بين ذهاب الحمرة وانعقاد الجماعة بمقدار يتمكن فيه المكلف من الاتيان بالنافلة - لان وقت الفريضة - في الجماعة - انما هو قول المقيم " قد قامت الصلاة " جاز على ما ذكرناه الاتيان فيه بالنافلة أداء لعدم خروج وقتها بذهاب الحمرة، حتى بناء على حرمة التطوع في وقت الفريضة فالمتحصل انه لا مانع من التطوع قبل قول المقيم " قد قامت الصلاة " فلا ملازمة بين ذهاب الحمرة والتطوع في وقت الفريضة، فإذا فرضنا أن المكلف لا يأتي بالفريضة لمانع جاز الاتيان حينئذ بالنافلة. فالانصاف أن الاخبار المانعة عن التطوع في وقت الفريضة غير مستلزمة للتقييد في المطلقات. وقد يستدل عليه بالاخبار الواردة في أن المفيض من عرفات إذا صلى

[ 358 ]

المغرب بالمزدلفة يؤخر النافلة إلى ما بعد العشاء (* 1). فان الامر بتأخير النافلة يدلنا على انقضاء وقت نافلة المغرب بعد صلاة العشاء أي بعد ذهاب الحمرة ودخول وقت الفضيلة للعشاء، وإلا لم يكن معنى لتأخير النافلة إلى ما بعد العشاء لانها بعد فريضة العشاء أيضا واقعة في وقتها. وفيه: ان الاخبار المستدل بها لا دلالة لها على أن نافلة المغرب موقتة بذهاب الحمرة بحيث لو أخرت عن ذلك كانت قضاء ولعل الامر بتأخيرها إلى ما بعد العشاء مستند إلى النهي عن التطوع في وقت الفريضة، فان الغالب وصول الحاج إلى المزدلفة بعد ذهاب الحمرة المغربية حيث أن المسافة بين المزدلفة وعرفات فرسخان وطي تلك المسافة بعد الغروب، والوصول إلى المزدلفة قبل ذهاب الحمرة أمر غير متيسر - غالبا - ومن المعلوم ان بذهاب الحمرة يدخل وقت الفضيلة لصلاة العشاء، فتكون النافلة حينئذ من التطوع في وقت الفريضة. والذي يدلنا على ذلك صريحا صحيحة ابان بن تغلب قال: صليت خلف أبي عبد الله (ع) المغرب بالمزدلفة فقام فصلى المغرب ثم صلى العشاء الآخرة ولم يركع فيما بينهما، ثم صليت خلفه بعد ذلك سنة فلما صلى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات (* 2). لانها كالصريح في عدم فوات النافلة بذهاب الحمرة، نعم لابد من حمل ذلك منه (ع) على ما إذا منعه عن الاتيان بالفريضة وقتئذ مانع كانتظار الجماعة ونحوه، للنهي عن التطوع في وقت الفريضة، والمتحصل أن ما ذهب إليه المشهور في المسألة من توقيت نافلة المغرب بما قبل ذهاب الحمرة


(* 1) و (* 2) راجع ب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر من الوسائل.

[ 359 ]

[ (مسألة 5) وقت نافلة العشاء وهي الوتيرة يمتد بامتداد وقتها (1). ] المغربية مما لم يقم عليه دليل والمتبع هو المطلقات المقتضية لامتداد وقتها إلى آخر وقت الفريضة، كما ذهب إليه الشهيد وكاشف اللثام وصاحب المدارك وغيرهم (قدس الله أسرارهم). وقت نافلة العشاء (1) لا شبهة في أن مبدء وقت الوتيرة انما هو الفراغ عن فريضة العشاء على ما نطقت به الروايات الواردة في نافلتها فقد دلت على انها ركعتان بعد العشاء الآخرة (* 1) وفي بعضها: ركعتان بعد العتمة جالسا تعدان بركعة وهو قائم أو ركعتان بعد العشاء من قعود تعدان بركعة من قيام (* 2) إلى غير ذلك من الروايات. وإنما الكلام في وقتها بحسب المنتهى وانه هل يمتد بامتداد وقت الفريضة أعني طلوع الفجر أو منتصف الليل على الخلاف في منتهى وقت العشاء؟. المعروف امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة، إلا أنه لم يدل عليه نص صريح. نعم يمكن أن يستدل عليه بالاخبار الواردة في أن من يؤمن بالله واليوم الآخر لا يبيتن إلا بوتر (* 3) وقد فسر الوتر في نفس تلك


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 13 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 3) راجع ب 29 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 360 ]

الروايات بالركعتين اللتين يؤتى بهما بعد العشاء الآخرة، فان المستفاد منها أن آخر وقت الوتيرة صدق البيتوتة، فمتى صدق انه بات فقد انقضى وقتهما، والغالب في البيتوتة وقوعها قبل الانتصاف، لان الناس - على الاغلب - انما يبدءون بالمنام قبل الانتصاف، والروايات الواردة في المقام وإن كانت مطلقة وغير مقيدة بكون البيتوتة بعد الانتصاف أو قبله إلا أنها غير قابلة الحمل على البيتوتة بعد الانتصاف لانها قليلة نادرة ولا يمكن حمل المطلق على الفرد النادر بل لابد من حملها على ما هو الغالب من البيتوتة قبل الانتصاف، بحيث لو ترك الوتيرة ونام قبل الانتصاف ثم استيقظ في منتصف الليل أو بعده صدق انه قد بات من غير وتر. فحيث تصدق البيتوتة بالانتصاف فتدلنا الروايات المذكورة على أن آخر وقت الوتيرة هو انتصاف الليل وغسقه. ومما يشهد على ما ذكرناه من صدق البيتوتة وتحققها قبل الانتصاف ما دل على أن زائر بيت الله الحرام يجب عليه البيتوتة في منى إلى نصف الليل (* 1) لدلالته على أن المكلف إذا بقي في منى إلى انتصاف الليل كفى ذلك في صدق البيتوتة في حقه. ويدلنا على ذلك أيضا ما دل من الروايات (* 2) على أن الوتيرة بدل الوتر وان تشريع هذه الصلاة انما هو لاجل أن المكلف قد لا يستيقظ من نومه لصلاة الليل فتفوته صلاة الوتر ومعه تقع الوتيرة بدلا عنها فمن أتى


(* 1) راجع ب 1 من أبواب العود إلى منى ورمي الجمار والمبيت والنقر من الوسائل. (* 2) راجع ب 29 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها وب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 361 ]

[ والاولى كونها عقيبها من غير فصل معتد به (1) وإذا أراد ] بها فكأنما أتى بصلاة الوتر في وقتها ومن هنا سميت بالوتيرة. ومن الظاهر أن وقت صلاة الليل بعد الانتصاف إذ لا تشرع قبله اللهم إلا لعذر كالسفر وغيره مما يأتي عليه الكلام في محله ان شاء الله - والمتعين وقتئذ هو الوتر أعني المبدل عنه دون البدل الذي هو الوتيرة لوضوح ان مع التمكن من الاتيان بنفسها لا تصل النوبة إلى بدلها وبهذا يتضح ظرف البدل وأن وقته ما قبل الانتصاف كما أن وقت المبدل منه بعد الانتصاف فالمتحصل ان وقت البدل والوتيرة يمتد إلى نصف الليل. (1) ذكر صاحب الجواهر " قده " انه قد يقال بالبعدية العرفية بمعنى ان الوتيرة يعتبر الاتيان بها يعد العشاء الاخرة بما لا يخرج عن مسمى البعدية العرفية، فلا يجوز - مثلا - الاتيان بالوتيرة قريبا من نصف الليل أو طلوع الفجر مع الاتيان بالعشاء في أول وقتها هذا. ولا يخفى أن إعتبار البعدية العرفية لم يقم عليه دليل، لان ما ذكره " قده " وان أمكن الاستدلال عليه بما ورد في بعض الروايات كقوله (ع) لا، غير اني أصلي بعدها ركعتين (* 1) أو قوله: فإذا صليت صليت ركعتين وأنا جالس (* 2) أو غيرهما من الروايات الواردة في المقام، إلا أن المستفاد مما ورد في استحبابها ودل على أن المؤمن لا يبيت إلا بوتر. كما تقدم عدم اعتبار الوصل في استحبابها، وإنما الغرض أن لا يبيت المكلف إلا بوتر بأن يصلي الوتيرة فينام، ويصدق أنه نام عن وتر، وبات عنه وقد عرفت أن البيتوتة تتحقق إلى الانتصاف فلا يعتبر


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 27 و 29 من أبواب إعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل.

[ 362 ]

[ فعل بعض الصلوات الموظفة في بعض الليالي بعد العشاء جعل الوتيرة خاتمتها (1). ] الوصل بين الوتيرة والعشاء. (1) هذا وان ذكره جماعة من أصحابنا وقالوا انه إذا كانت هناك نوافل متعددة - كما في ليالي شهر رمضان - جعل الوتيرة خاتمتها، إلا أن رجحانه لم يثبت بدليل. وما ورد في رواية زرارة. وليكن آخر صلاتك وتر ليلتك (* 1) أجنبي عن الوتيرة، فان المراد فيها بالوتر ليس هو الوتيرة، بل الظاهر منه ولا سيما بملاحظة إضافته إلى ليلته وتر صلاة الليل فان وتر الليل هي وتر صلاته، ومعناه انه يأتي بالوتر آخر الصلوات. وقد يوجه ذلك: بأن المنساق من الاخبار الواردة في أن من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر (* 2) أن الوتيرة انما يؤتى بها قبل الاواء إلى الفراش للمنام إذا محل إتيانها قبل المنام فبالطبيعة تكون الوتيرة آخر الصلوات إذ لو صلى بعدها صلاة غيرها لم يكن آتيا بالوتيرة قبل المنام. ويندفع: بأن قوله (ع) فلا يبيتن إلا بوتر كقوله لا صلاة إلا بطهور (* 3) إنما يدل على أن البيتوتة لابد وان تكون مسبوقة بالوتيرة، وأما كونها متصلة بالنوم فلا يكاد يستفاد منه أبدا، فالاتصال مما لم يقم عليه دليل، ومع ذلك الاولى - ولو لاجل فتوى الاكابر والاعلام - أن يجعل المكلف الوتيرة خاتمة نوافله.


(* 1) المروية في ب 42 من ابواب بقية الصلوات المندوبة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 29 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 3) المروية في ب 1 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 363 ]

[ (مسالة 6) وقت نافلة الصبح بين الفجر الاول وطلوع الحمرة المشرقية (1) ] وقت نافله الفجر (1) وقع الخلاف في وقت ركعتي الفجر من حيث المبدء والمنتهى فذهب جمع من الاصحاب إلى أن مبدء وقتهما بعد طلوع الفجر، ومنهم السيد والشيخ والمحقق والعلامة " قدهم " وقيل بل نسب إلى المشهور أن أول وقتهما بعد الفراغ عن صلاة الليل والوتر. كما أن متهى وقتهما ظهور الحمرة المشرقية على ما هو المشهور بين الاصحاب " قدس الله اسرارهم " وعن الشيخ وابن الجنيد امتداده إلى طلوع الفجر الثاني واختاره صاحب الحدائق " قده " أيضا فالكلام في المسألة " تارة " من حيث المبدء و " أخرى ": من حيث المنتهى. مبدء وقت الركعتين لا ينبغي الاشكال في جواز الاتيان بركعتي الفجر قبل طلوع الفجر بدسهما في صلاة الليل وذلك للامر به في صحيحة البزنطي قال: سألت الرضا (ع) عن ركعتي الفجر فقال: احشوا بهما صلاة الليل (* 1) وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) بعد بيان أن ركعتي الفجر قبل الفجر انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل. (* 2).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 364 ]

كما لا ينبغي التأمل في جواز الاتيان بهما بعد طلوع الفجر أو قبل ظهور الحمرة وذلك أيضا للنصوص " منها ": صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة، ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخرهما؟ قال: يؤخرهما (* 3). حيث دلت دلالة ظاهرة على أن جواز الاتيان بالركعتين قبل ظهور الحمرة والاسفرار وبعد طلوع الفجر كان من المرتكز في ذهن السائل وأمرا مفروغا عنه عنده، ومن هنا سأله (ع) عن جواز الاتيان بهما بعد ظهور الحمرة والاسفرار، حيث. قال: أيركعهما أو يؤخرهما؟ فأمره الامام (ع) بتأخيرهما عن صلاة الفجر، إذا فهاتان الصورتان مما لا اشكال فيه. وسيأتي تفصيل الكلام فيهما عند تعرض الماتن لهما ان شاء الله. وانما وقع الكلام والاشكال في جواز اتيانهما قبل طوع الفجر من غير دس بان يقتصر على فعلهما مستقلتين قبل الفجر ولا يأتي بصلاة الليل أصلا أو يأتي بهما مع الفصل عنها بكثير. ظاهر كلمات المحددين للوقت بطلوع الفجر عدم جواز الاتيان بهما حينئذ. لانه من الصلاة قبل الوقت وانما خرجنا عن ذلك في صورة الدس بالدليل كصحيحة البزنطي المتقدمة ونحوها. الا أن بعضهم قد صرح بالجواز ومنهم صاحب الوسائل " قده ". والذي ينبغي أن يقال انه لم يقم أي دليل على مشروعية الاتيان بركعتي الفجر قبل طلوعه مع الفصل الكثير بينهما وبين صلاة الليل، ولا يكاد يمكن استفادتها من النصوص، فان الصلاة المأتي بها بعد منتصف الليل أو حينه كيف تسمى نافلة الفجر؟! فان توصيفها بصلاة الليل - حينئذ -


(* 1) المروية في ب 51 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 365 ]

انسب وأولى من توصيفها بنافلة الفجر، فمع تعلق الامر بها بعنوان ركعتي الفجر كيف يسوغ للمتكلف أن يأتي بهما قبل الفجر بزمان. فلو كان مبدء وقتهما هو انتصاف الليل أو أوله لم يناسبه التسمية بنافلة الفجر أبدا. فهذه التسمية كافية للدلالة على أن نافلة الفجر لابد أن تكون واقعة بعد طلوع الفجر أو معه أو قبله بقليل فالاتيان بها قبل الفجر بزمان مما لا دليل على جوازه. ويؤيده رواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن أول وقت ركعتي الفجر فقال: سدس الليل الباقي (* 1) فان سدس الليل الباقي انما ينطبق على ما بين الطلوعين ومقدار قليل مما يقرب من طلوع الفجر بناء على ما بيناه من أن الليل إسم لما بين غروب الشمس وطلوعها، إذا لا دليل على جواز الاتيان بنافلة الصبح قبل طلوع الفجر بزمان طويل. ثم ان الرواية وان كانت ضعيفة السند بمحمد بن حمزة بن بيض، إلا أنها صالحة للتأييد كما أشرنا إليه. وأما الاتيان بركعتي الفجر قبل طلوعه بزمان قريب فالظاهر جوازه للامر به في جملة من النصوص: " منها ": صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن ركعتي قبل الفجر أو بعد الفجر فقال: قبل الفجر انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل، أتريد أن تقائس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوع؟! إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدء بالفريضة (* 2). و " منها ": صحيحته الاخرى قال: قلت لابي جعفر (ع) الركعتان


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 366 ]

اللتان قبل الغداة أين موضعهما؟ فقال: قبل طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة (* 1). و " منها ": غير ذلك من الروايات. وهاتان الصحيحتان صريحتا الدلالة على أن وقت جواز الاتيان بالركعتين انما هو قبل الفجر. بل تدلان على أفضليتهما حينئذ لاندراجهما بعد الفجر في التطوع في وقت الفريضة. وبازائهما صحيحتان قد اشملتا على الامر باتيانهما بعد طلوع الفجر: " إحداهما ": صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام - صلهما بعد ما يطلع الفجر (* 2). و " ثانيتهما ": صحيحة يعقوب بن سالم البزاز قال: قال أبو عبد الله عليه السلام صلهما بعد الفجر واقرء فيهما في الاولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية قل هو الله أحد (* 3). إلا ان هاتين الصحيحتين لا تعارضان الصحيحتين المتقدمتين: " أما أولا ": فلان مرجع الضمير في قوله (ع) صلهما غير مذكور في الصحيحتين، ولا انه معلوم بالقرينة، إذا فليس في الصحيحتين، ولا في غيرهما ما يدلنا على أن المراد بهما ركعتا الفجر، كما لم يقم دليل على ذلك خارجا فليس هناك إلا فهم الشيخ (قده) وغيره من أرباب الكتب، حيث فهموا منهما ذلك، واوردوهما في باب النافلة، إذا فمن المحتمل أن يكون المراد بهما نفس فريضة الفجر دون نافلتها، وبهذا ترتفع المعارضة بينهما وبين الصحيحتين المتقدمتين.


(* 1) المروية في ب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 51 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 367 ]

و " أما ثانيا ": فلانا لو سلمنا أن ضمير التثنية يرجع إلى ركعتي الفجر - دون الفريضة - أيضا لا تنافي بينهما وبين الصحيحتين المتقدمتين وذلك لان صحيحة زرارة صريحة الدلالة على أن الاتيان بركعتي الفجر قبل الفجر أفضل، حيث قال: إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة. فتدلنا - بالصراحة - على أن نافله الفجر قبل الفجر افضل، كما ان الافضل - بعد الفجر - هو الاتيان بالفريضة، وبصراحة هذه الطائفة تحمل الصحيحتان الاخيرتان على الرخصة، وجواز الاتيان بهما بعد الفجر، لعدم صراحتهما في وجوب ذلك وتعينه، وغاية الامر ظهورهما في أن الاتيان بالركعتين بعد الفجر هو المحبوب للشارع، ولا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور بصراحة الصحيحة المتقدمة في أن التقديم على الفجر أفضل. ثم لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على أن الطائفة الثانية غير قابلة الحمل على الرخصة والجواز بدعوى أن الطائفتين متكافئتان وان كلتيهما صريحة أو ظاهرة في مدلولهما، لا أن الاولى صريحة دون الثانية حتى يجعل الصريحة قرينة على التصرف في ظهور الظاهرة منهما. فلا محالة تقع المعارضة بينهما، لدلالة الاولى على أن تقديمهما على الفجر أفضل ودلالة الثانية على أفضلية تأخيرهما عن الفجر، ولابد معها من الرجوع إلى قواعد باب التعارض، وحيث أن الطائفة الاولى مخالفة للعامة والثانية موافقة لهم، لذهابهم إلى الاتيان بهما بعد طلوع الفجر (* 1)


(* 1) ففي الام للشافعي ج 1 ص 127 إذا طلع الفجر صلى ركعتين. وفي الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 277 المالكية: النوافل التابعة للفرائض رواتب وغير رواتب: اما الرواتب فصلاة الفجر إلى طلوع الشمس ومحلها قبل صلاة الصبح. وفي المغني ج 2 ص 125 السنن الرواتب مع الفرائض.. ركعتان =

[ 368 ]

فلا مناص من الاخذ بها وحمل الثانية على التقية. ويؤيد ذلك: رواية أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله (ع) متى أصلي ركعتي الفجر؟ قال: فقال لي: بعد طلوع الفجر، قلت له: ان أبا جعفر (ع) أمرني أن أصليهما قبل طلوع الفجر فقال: يا أبا محمد ان الشيعة أتوا أبي مسترشدين فافتاهم بمر الحق، وأتوني شكاكا فافتيتهم بالتقية (* 1). لانها صريحة الدلالة على أن ما أفتي به أبو جعفر الباقر (ع) هو الحكم الواقعي الصادر من الشارع وان ما أمر به الصادق عليه السلام من الاتيان بهما بعد طلوع الفجر قد صدر من باب التقية، والصحيحتان المتقدمتان المشتملتان على الامر باتيانهما قبل طلوع الفجر كلتاهما من الباقر (ع). وحيث انها ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة (البطائني) الواقع في سندها، لان ظاهر كلام الشيخ في العدة وان كان وثاقته، إلا انا استظهرنا ضعفه - في محله - وقلنا انه لا أصل لوثاقته ومن هنا جعلناها مؤيدة للمدعى. ومما يدل على ما ذكرناه من جواز تأخير الركعتين عن طلوع الفجر وافضلية تقديمهما عليه جملة من الصحاح المشتملة على الامر باتيانهما قبل الفجر أو بعده أو معه فليلاحظ (* 2). إلا أن هذه الصحاح لا إطلاق لها من حيث القبلية ليصح الاستدلال به على جواز اتيانهما قبل الفجر ولو مع الفصل الطويل كما إذا أتى بهما أول


= قبل الفجر، يعني صلاة الصبح. وفي بدايع الصنايع للكاساني الحنفي ج 1 ص 284 وقت سنن المكتوبات وقت المكتوبات لانها تابعة لها وهي ركعتان قبل الفجر.. (* 1) المروية في ب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 52 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 369 ]

الليل أو في منتصفه، وذلك لما قد عرفت من أن إضافة الركعتين إلى الفجر لابد من أن تكون محفوظة ولا يمكن التحفظ عليها الا مع الاتيان بهما بعد الفجر أو قبله بزمان قليل كما مر هذا كله من حيث المبدأ. منتهى الوقت لنافلة الفجر: المشهور بين الاصحاب (قدس الله اسرارهم) أن منتهى وقت الركعتين انما هو ظهور الحمرة المشرقية، لصحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخرهما؟ قال: يؤخرهما (* 1). لدلالتها على أن نافلة الفجر ينقضي وقتها بظهور الحمرة فإذا لم يكن أتى بها قبل ذلك أتى بها بعد الاتيان بفريضة الفجر إذا لا يمتد وقتها إلى طلوع الشمس، وما ذهبوا إليه هو الصحيح. وذلك لان الركعتين مضافتان إلى الفجر ومقتضى ما قدمناه عند التكلم على مبدء وقتهما من لزوم التحفظ على هذه الاضافة عدم جواز الاتيان بهما الا بعيد الفجر، كما انه لو قدمهما على طلوع الفجر وجب الاتيان بهما قبيله، والا فلو أتى بهما بعد الفجر أو قبله بزمان طويل لم يصدق انهما ركعتا الفجر. وظاهر اضافة النافلة أو الفريضة إلى زمان ان ظرفهما إنما هو ذلك الزمان وانه يعتبر وقوعهما فيه، فمعنى صوم شهر رمضان هو الصوم الواقع في ذلك الشهر، فإذا قلنا: ركعتا الفجر فالظاهر منه اعتبار وقوعهما مقارنتين مع


(* 1) المروية في ب 51 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 370 ]

الفجر أو بعده أو قبله بقليل، بحيث يصدق - بالنظر العرفي - وقوعهما فيه ولو من جهة القرب الزماني، فبهذا يظهر انه لا دليل على مشروعية نافلة الفجر الا بعيدة أو قبيله فلا مقتضي لمشروعيتها بعد الفجر مع الفصل الطويل. نعم قد استفدنا من الصحيحة المتقدمة امتداد وقتهما إلى ظهور الحمرة وبهذا المقدار لابد من الخروج عما يقتضيه الدليل المتقدم من اعتبار وقوع النافلة لدى الفجر أو قبله أو بعده بقليل، وأما امتداده زائدا على ذلك كامتداده إلى طلوع الشمس فلا مقتضي لمشروعيته. بل يمكن استفادة ذلك من نفس الصحيحة، وذلك لان قوله (ع) يؤخرهما. بمنزلة النهي عن إتيانهما قبل الفريضة حيث ان ظاهر كلام السائل هو السؤال عن أن الامر المتعلق بالركعتين هل هو باق بحاله - بعد ظهور الحمرة - أو انه قد انقطع وتعلق الامر بالفريضة. وقد أجابه (ع) بقوله: يؤخرهما، ومعناه أن الامر الاول المتعلق بهما قد انقطع بظهور الحمرة وإن استمراره انما كان إلى هذا الحد فحسب فلا يؤتى بهما بعده، فإذا كانت هناك رواية مطلقة دلت على مشروعية النافلة ولو إلى طلوع الشمس ونحوه لم يكن أي مناص من أن نقيدها بتلك الصحيحة كما هو ظاهر. وعلى الجملة ان عدم مشروعية الركعتين بعد ظهور الحمرة مستند إلى أمرين: " أحدهما ": قصور المقتضي للمشروعية و " ثانيهما ": الصحيحة المتقدمة بالتقريب المتقدم، فما التزم به المشهور هو الصحيح فلا مناص من الالتزام بعد مشروعية النافلة بعد ظهور الحمرة وقبل الاتيان بالفريضة وإن لم يكن هناك أية رواية. ثم ان في المقام رواية أخرى قد يتوهم انها تنافي صحيحة علي بن

[ 371 ]

يقطين المتقدمة وهي صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يقوم وقد نور بالغداة قال: فليصل السجدتين اللتين قبل الغداة ثم ليصل الغداة (* 1). نظرا إلى دلالتها على امتداد وقت ركعتي الفجر إلى حين تنور الغداة وعدم انقضائه بذلك فتنافي الصحيحة المتقدمة الدالة على انقضاء وقتهما عند ظهور الحمرة المشرقية. وبعبارة أخرى ان هذه الصحيحة قد دلت على الامر باتيان النافلة ثم الفريضة - بعد تنور الغداة - وصحيحة علي بن يقطين دلت على الامر بترك النافلة والاتيان بالفريضة فتتعارضان. والصحيح انه لا تعاند بين الصحيحتين لان التنور والتجلل غير ملازمين لظهور الحمرة، فقد يكون الصبح متنورا قبل ظهور الحمرة، بل الظهور متأخر عن التنور فهو أعم من ظهور الحمرة إذا فلا مناص من ان نقيد اطلاق تلك الصحيحة بصحيحة علي بن يقطين المشتملة على النهي عن الاتيان بالنافلة عند ظهور الحمرة المشرقية، لانهما وقتئذ من باب المطلق والمقيد فلا تنافي بينهما بوجه. هذا كله من حيث الدلالة. وأما من جهة السند فقد وقع في سندها القاسم محمد بن والظاهر انه الجوهري وهو وان لم يوثق في كتب الرجال على ما مر غير مرة إلا انه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات، ومعه يحكم بوثاقته، فلا مناقشة فيها من جهة السند. وأما ما رواه اسحاق بن عمار عمن أخبره عنه (ع): صل الركعتين ما بينك وبين أن يكون الضوء حذاء رأسك فان كان بعد ذلك فابدأ بالفجر (* 2).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 51 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 372 ]

فهي وان دلت على امتداد وقت النافلة إلى أن يكون الضوء حذاء رأسه بأن يتنور السماء ويضيئ العالم كله فتكون معارضة للرواية المتقدمة لانها - عند تنور الغداة - اشتملت على الامر بالنافلة ثم بالفريضة وهذه الرواية قد دلت على أن الامر بالنافلة انما هو فيما بينه وبين أن يكون الضوء حذاء رأسه فتنور الغداة واضاءة العالم هما الغاية للامر النافلة ومن هنا امره (ع) بالفريضة بعد ذلك فهما متنافيتان إلا انها ضعيفة وغير صالحة للمعارضة من جهتين: لارسالها، ولان في سندها محمد بن سنان وهو كما مر غير مرة لم تثبت وثاقته. وهناك رواية رابعة وهي صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الركعتين قبل الفجر قال: تركعهما حين تنزل " تترك " الغداة انهما قبل الغداة (* 1). وقد نقل متنها بوجوه: " تركعهما حين تنزل الغداة "، " تركعهما حين تترك الغداة "، " تتركهما حين تترك الغداة "، " تركعهما حين تنور الغداة "، و " تركعهما حين تركع الغداة " إلى غير ذلك من النسخ. وهي على نسخة " تركعهما حين تركع الغداة " أو " تتركهما حين تترك الغداة " تدلنا على استمرار وقت النافلة باستمرار وقت الفريضة أعني طلوع الشمس لدلالتها على اتحاد وقتيهما وأن وقت الاتيان بالفريضة هو وقت الاتيان بالنافلة، كما ان وقت ترك النافلة هو وقت ترك الفريضة. وأما على نسخة " تركعهما حين تنزل الغداة " أو تركعهما حين تترك الغداة " أو غيرهما من النسخ فلا دلالة لها على استمرار وقت النافلة إلى طلوع الشمس، لانها - على الاولى - انما دلت على انه بعدما ما نزلت الغداة


(* 1) المروية في ب 51 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 373 ]

ليس لك أن تصلي النافلة، كما انها - على الثانية - تدل على انه ما دام لم يشتغل بالغداة - انتظارا للجماعة - أو غير ذلك من الوجوه جاز له الاتيان بالنافلة، وليس له الاتيان بها بعد الاشتغال بالفريضة. وأما أن وقت النافلة يستمر إلى طلوع الشمس فليست لها أية دلالة عليه. وكيف كان فلا يمكن الاستدلال بالرواية على امتداد وقت النافلة إلى آخر وقت الفريضة، وإن مال إليه الشهيد " قده " وذلك لاختلاف نسخ الرواية وعدم العلم بما هو الصادر عنه عليه السلام فما ذهب إليه المشهور في المسألة من امتداد وقت ركعتي الفجر إلى ظهور الحمرة هو الصحيح. بقي شئ وهو أن متقضى ما ذهب إليه المشهور - في المسألة - ودلالة صحيحة علي بن يقطين المتقدمة أن النافلة يجوز أن تزاحم فريضة الفجر وذلك لان وقت فضيلة الفريضة انما ينقضي بظهور الحمرة، فإذا فرضنا انه لم يبق إلى ظهورها إلا مقدار ركعتين بحيث لو أتى فيه بالنافلة وقعت الفريضة في غير وقت الفضيلة فمقتضى ما ذهب إليه المشهور في المسألة من امتداد وقت النافلة إلى ظهور الحمرة جواز الاتيان بالنافلة وقتئذ وإن زاحمت الفريضة. ومقتضى الصحيحة أيضا ذلك، لان علي بن يقطين انما سأل الامام عمن لم يصل الغداة حتى أسفر وظهرت الحمرة ودلنا من جهة تقريره عليه السلام على جواز الاتيان بالنافلة قبل الاسفار وظهور الحمرة.

[ 374 ]

[ ويجوز دسها في صلاة الليل قبل الفجر، ولو عند النصف (1) ] فإذا بادر المكلف إلى النافلة، ولم يبق إلى ظهور الحمرة إلا مقدار ركعتين فلازم الحكم بجوازها ان تقع الفريضة في غير وقت الفضيلة وهو معنى تزاحم الفريضة بالنافلة. إلا أن الالتزام بجواز ذلك مما لا محذور فيه وأي مانع من الحكم بما دلت عليه الرواية الواردة عن الائمة عليهم السلام وان أوجب ذلك الاستيحاش لبعضهم غير أنا نتبع رواياتهم عليهم السلام ومع دلالة الصحيحة على ذلك لا مناص من الالتزام بجوازه، مضافا إلى انه موافق لفتوى المشهور كما عرفت. دس نافلة الفجر في صلاة الليل (1) ذكرنا أن ركعتي الفجر يجوز تقديمهما على الفجر بدسهما في صلاة الليل فهل يسوغ ذلك فيما إذا أتى بنافلة الليل أول الانتصاف؟ متقضى القاعدة هو الجواز، وأن صلاة الليل متى ما وقعت صحيحة جاز دسهما فيها، لان ذلك مقتضى اطلاق صحيحة البزنطي قال: سألت الرضا (ع) عن ركعتي الفجر، فقال: احشوا بهما صلاة الليل (* 1). وما دل على أن ركعتي الفجر من صلاة الليل كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر فقال: قبل الفجر انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل (* 2). ومما يدلنا على جواز ذلك بالصراحة موثقة زرارة عن أبي جعفر (ع)


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 50 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 375 ]

[ بل ولو قبله (1) ] قال: انما على أحدكم إذا انتصف الليل ان يقوم فيصلي صلاته جملة واحدة ثلاث عشر ركعة، ثم ان شاء جلس فدعا، وان شاء نام، وان شاء ذهب حيث شاء (* 1). وهي صريحة الدلالة على المدعى وموثقة بابن بكير، فجواز الاتيان بنافلة الفجر عند الانتصاف بالدس في صلاة الليل مما لا اشكال فيه. (* 1) إذا قدم صلاة الليل على الانتصاف لعذر من الاعذار المسوغة للتقديم عليه من سفر أو شباب مانع من الانتباه بعد الانتصاف أو مرض سالب للتمكن منها في وقتها فهل يجوز أن يؤتى معها بركعتي الفجر بدسهما في صلاة الليل أو ان جواز الدس يختص بما إذا أتى بصلاة الليل بعد الانتصاف؟ مقتضى إطلاق الروايات هو الجواز، فان الامر في صحيحة البزنطي المتقدمة انما تعلق بحشو صلاة الليل بهما ومقتضى إطلاقها ان صلاة الليل متى ما وقعت صحيحة جاز حشوها بهما. بل مقتضى الحكومة فيما دل على انهما من صلاة الليل اشتراكهما معها في جميع الاحكام المترتبة على صلاة الليل التي منها جواز تقديمها على الانتصاف. وقد يستدل على ذلك برواية أبي جرير بن ادريس عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: صل صلاة الليل في السفر من أول الليل في المحمل الوتر وركعتي الفجر (* 2). لصراحتها في المدعى، إلا انها لضعف سندها غير صالحة للاستدلال


(* 1) المروية في ب 35 من أبواب التعقيب من الوسائل. (* 2) المروية في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 376 ]

[ إذا قدم صلاة الليل عليه إلا أن الافضل إعادتها في وقتها (1) (مسألة 7) إذا صلى نافلة الفجر في وقتها أو قبله ونام بعدها يستحب اعادتها (2). بها فان الرواية وان أسندها في الوسائل إلى أبي حريز بن ادريس، إلا ان الصحيح أبو حريز بن ادريس وهو كنية زكريا بن ادريس القمي، والوجه فيه: ان الصدوق " قده " في المشيخة لم يذكر طريقه إلى أبي حريز بن ادريس وانما تعرض لبيان طريقه إلى ابي جرير بن ادريس فما في بعض الكلمات من ضبطه (ابي حريز) مستند إلى ما في الوسائل وهو غلط يقينا. ثم ان أبا جرير بن ادريس القمي لم يوثق في الرجال فالسند مما لا يمكن الاعتماد عليه، مضافا إلى أن في طريق الصدوق إلى الرجل محمد بن علي ماجيلويه وهو أيضا لم تثبت وثاقته. نعم ان اكتفينا في التوثيق بمجرد الشيخوخة لمثل الصدوق " قده " من الاكابر لكان الرجل محكوما له بالوثاقة - لا محالة - لانه شيخ الصدوق، الا أن الشيخوخة غير كافية في الحكم بالوثاقة على ما مر منا غير مرة، فالاستدلال بهذه الرواية مما لا محل له ولكن المطلقات - كما أشرنا إليه - كافية باثبات الجواز ولا حاجة معها إلى الاستدلال بغيرها. (1) لم يقم على اطلاق كلامه أي دليل وليس في المسألة غير فتوى المشهور باستحباب الاعادة مطلقا. وأما النص فلم يدل إلا على استحباب الاعادة في خصوص ما إذا قدمها على وقتها ونام بعده، ثم انتبه قبل طلوع الفجر أو عنده وأما مطلقا فلا، وما دل عليه روايتان سيوافيك نقلهما في التعليقة الآتية فليلاحظ. (2) تقدم في التعليقة السابقة عدم دلالة الدليل على استحباب الاعادة

[ 377 ]

[ (مسألة 8) وقت نافلة الليل (1) ما بين نصفه والفجر الثاني ] مطلقا وان النص انما دل على استحباب الاعادة فيما إذا قدمها على وقتها بشرطين وقيدين: " أحدهما ": ان ينام بعد الاتيان بها. " وثانيهما ": ان ينتبه قبل الفجر أو عنده. وأما إذا نام ولم يستيقظ الا بعد الفجر أو لم ينم أصلا فلا دليل على استحباب اعادتها بوجه وقد دلت على ذلك صحيحة حماد بن عثمان قال: قال لي أبو عبد الله (ع): ربما صليتهما وعلى ليل فان قمت ولم يطلع الفجر أعدتهما (* 1). وموثقة زرارة قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: اني لاصلي صلاة صلاة الليل وافرغ من صلاتي وأصلي الركعتين فأنام ما شاء الله قبل ان يطلع الفجر، فان استيقظت عند الفجر اعدتهما (* 2). وهاتان الروايتان تدلان على استحباب اعادة الركعتين فيما إذا قدمهما المكلف على وقتهما بالشرطين المتقدمين. وأما انهما إذا قدمتا على الوقت يستحب اعادتهما مطلقا - كما صنعه الماتن - فلم يدل عليه دليل. وقت نافلة الليل (1) يقع الكلام في ذلك تارة من حيث المبدء وأخرى من حيث المنتهى.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 51 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 378 ]

مبدء وقت صلاة الليل المعروف أن أول وقتها انما هو انتصاف الليل وزن؟؟ به يدخل وقتها ويمتد إلى طلوع الفجر، وعن بعضهم ان مبدء وقتها أول الليل، ويجوز الاتيان بها من أول دخوله إلى طلوع الفجر. وما يمكن ان يستدل به على ما ذهب إليه المشهور وجوه: " منها ": الاجماع على أن أول وقتها هو الانتصاف فلا يجوز تقديمها عليه بالاختيار إلا فيما ورد النص فيه على الجواز. وفيه: انه ان اريد بالاجماع المدعى في المقام ان صلاة الليل تجوز ويشرع الاتيان بها بعد الانتصاف فهو أمر ظاهر ومما لا اشكال فيه ولا خلاف، ولا نحتاج في اثبات جوازها بعد الانتصاف إلى التشبث بالاجماع أو بغيره فان المسألة من الضروريات التي ليست فيها شبهة ولا خلاف. وان اريد به لازم ذلك وهو عدم مشروعيتها قبل الانتصاف فلا يمكننا الاستدلال عليه بهذا الاجماع المدعى لعدم العلم بأن نظرهم في اجماعهم هذا إلى اثبات اللازم المذكور وجهة النفي وعدم الجواز، إذ الظاهر انهم في مقام بيان الشرعية أو الافضلية بعد الانتصاف، وأما كون اجماعهم من جهة الدلالة الالتزامية وعدم المشروعية قبله فما لا ظن لنا به فضلا عن ان يكون مقطوعا به، بل الظن حاصل بعدمه، ولا اقل من الشك فيه فهذا الاستدلال ساقط. و " منها ": مرسلة الصدوق " قده " قال: قال أبو جعفر (ع)

[ 379 ]

وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل إلى آخره (* 1) وهي وان كانت صريحة في المدعى غير انها مرسلة وغير صالحة للاستدلال بها بوجه. و " منها ": الاخبار الواردة في ان النبي صلى الله عليه وآله والوصي (ع) لم يكونا يصليان صلاة الليل قبل الانتصاف (* 2). ويدفعه: ان هذه الروايات ليس فيها غير حكاية فعل النبي والوصي عليهما السلام وليست في شئ منها دلالة على التوقيت المدعى، لانه من المحتمل ان يكون التزامهما بعدم الاتيان بصلاة الليل قبل الانتصاف مستندا إلى أفضليتها بعد الانتصاف لا إلى عدم مشروعيتها وحرمتها قبله. ونظير هذا كثير - مثلا - لم يعهد ولم يحك عن أحد من المعصومين عليهم السلام انه كان يصلي الظهرين - مثلا - قبل المغرب بساعة لالتزامهم بالاتيان بالفرائض أول أوقاتها فهل يدلنا ذلك على عدم مشروعيتها قبل المغرب بساعة؟!. و " منها ": الروايات الكثيرة الدالة على جواز تقديم صلاة الليل على الانتصاف لمثل المسافر أو الشاب أو خائف الجنابة أو البرد ونحوها من الاعذار المسوغة للتقديم (* 3). فان صلاة الليل إذا كانت سائغة حتى قبل الانتصاف، ولم تكن موقتة بما بعده فأي معنى لتجويز تقديمها على الانتصاف بالاضافة إلى الاشخاص المتقدمين وما وجه تخصصهم بذلك؟ لانهم - وقتئذ - كغيرهم يجوز ان يقدموها على الانتصاف بالاختيار فمنه يستكشف انها موقتة


(* 1) المروية في ب 43 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) راجع ب 43 و 36 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 380 ]

بما بعد الانتصاف ولا يجوز تقديمها عليه بالاختيار، وانما يجوز ذلك للمعذورين فحسب. وعلى الجملة ان هذه الروايات تدلنا على أن جواز التقديم انما يستند إلى العذر وإلا لكان جائزا ولو من دون عذر وهذا خلاف الظاهر فلا يمكن الالتزام به. ويرده: ان من الجائز أن يكون الاتيان بصلاة الليل جائزا - في نفسه - ومرجوحا عند الاختيار قبل الانتصاف، ولا تكون مرجوحة لدى العذر، فعدم الترخيص قبل الانتصاف مع الاختيار مستند إلى المانع والمزاحم وهو الحزازة الموجودة فيه. وهذا المزاحم مرتفع مع العذر ومن هنا رخصوا في الاتيان بها حينئذ. و " منها ": ما رواه محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتى يمضي لذلك العشر والخمس عشرة فيصلي أول الليل أحب إليك أم يقضي؟ قال لا: بل يقضي أحب إلي اني اكره ان يتخذ ذلك خلقا وكان زرارة يقول: كيف تقضى صلاة - أي يؤتى بها لا القضاء المصطلح عليه - لم يدخل وقتها وانما وقتها بعد نصف الليل (* 1). وهي كما ترى مصرحة بالمدعى وأن وقت صلاة الليل بعد الانتصاف. وفيه: ان محل الاستشهاد في الرواية انما هو ذيلها وهو قول زرارة دون الامام (ع) ولم يعلم انه ينقله عنه عليه السلام ولعله قد اجتهد في ذلك ولا اعتداد باجتهاده، على أن في سند الرواية محمد بن سنان وهو ضعيف لم تثبت وثاقته. إذا فلم يتم شئ مما استدل به على هذا المدعى.


(* 1) المروية في ب 45 من أبواب المواقيت عن الوسائل.

[ 381 ]

والصحيح ان يستدل عليه بأمرين: " أحدهما ": موثقة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: انما على احدكم إذا انتصف الليل ان يقوم فيصلي صلاته جملة واحدة ثلاث عشر ركعة.. (* 1). فانها من حيث السند موثقة بابن بكير ومن حيث الدلالة ظاهرة - وان لم ار من استدل بها في المقام - وحيث قال: انما على احدكم إذا انتصف الليل ان يقوم فيصلي. فقد قيد (ع) الصلاة المأمور بها بانتصاف الليل ومفهومها انه ليس لاحد ان يقوم فيصلي. فيما إذا لم ينتصف الليل. و " ثانيهما ": الروايات الدالة على أن قضاء صلاة الليل بعد الفجر افضل من تقديمها على الانتصاف والاتيان بها اول الليل (* 2). وتقريب الاستدلال بها أن صلاة الليل إذا لم تكن موقتة بما بعد الانتصاف - كما إذا كان وقتها من اول الليل لم يكن اي معنى لافضلية القضا بعد الفجر من الاتيان بها اول الليل وقيل الانتصاف، فان مفروضنا أن المكلف يتمكن من الاتيان بها قبل الانتصاف ومع التمكن من الاتيان بها في وقتها كيف يكون الاتيان بها بعد خروج وقتها اعني قضائها بعد الفجر افضل من الاتيان بها في وقتها فان معني ذلك ان القضاء افضل وارجح من الاداء وهذا ينافي التوقيت وتشريع الوقت لها كما لا يخفي، إذ لو كان القضاء افضل من الاتيان بها في وقتها فلماذا وقتها به؟!. فتدلنا هذه الروايات على أن وقتها انما هو بعد الانتصاف الا ان من


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب التعقيب من الوسائل. (* 2) راجع ب 45 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 382 ]

لم يتمكن من الاتيان بها في وقتها كان قضائها بعد طلوع الفجر افضل من تقديمها على الانتصاف هذا. وقد استدل للقول بجواز الاتيان بها من أول الليل إلى طلوع الفجر ايضا بوجوه: " منها ": المطلقات الدالة على استحباب صلاة الليل والمشتملة على انها ثمان ركعات أو احد عشرة أو ثلاث عشرة ركعة في الليل (* 1). فان الليل مطلق فيشمل اوله واخره ووسطه لان كلها ليل. ولعل منها قوله عز من قائل: يا ايها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه. (* 2) لان مقتضى اطلاقها عدم الفرق في قيام الليل المأمور به بين ما بعد الانتصاف وما قبله. وسيتضح الجواب عن ذلك بما يأتي في أجوبة الادلة الاتية ان شاء الله. و " منها ": الاخبار الدالة على جواز تقديم صلاة الليل على الانتصاف عند خوف الجنابة أو غيرها من الاعذار المسوغة لتقديمها على الانتصاف (* 3). وذلك بتقريب أن صلاة الليل لو كانت موقتة في الشريعة المقدسة بما بعد الانتصاف ولم يكن وقتها من اول الليل لم يكن معنى صحيح للترخيص في الاتيان بها قبل دخول وقتها بالاضافة إلى من يتمكن من الاتيان بها في الوقت المقرر لها مع الطهارة الترابية، أو فاقدة لمثل الاستقرار - الذي هو شرط الكمال في النافلة لا شرط الصحة - وهكذا، فهذه الاخبار تدلنا على أن الامر مبني على التوسعة في وقتها، فيجوز الاتيان بها من اول الليل، لا أن التوسعة ناشئة من الضرورة.


(* 1) راجع ب 25 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل. (* 2) المزمل: 73: 1، 2، 3. (* 3) المروية في ب 44 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 383 ]

وهذا الكلام وان صدر عن المحقق الهمداني " قده " إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه، لان تلك الروايات مخصصة للادلة الدالة على أن وقتها بعد الانتصاف، فنلتزم بان وقتها بالاضافة إلى من خاف من الجنابة - مثلا - انما هو من اول الليل تخصيصا كما عرفت، وهذا لسنا بصدد انكاره، وانما الكلام في أنها في نفسها موقتة بما بعد الانتصاف أو يجوز الاتيان بها من اول الليل مع الاختيار. ولم تدلنا الاخبار المستدل بها على أن وقتها من اول الليل بالاضافة إلى جميع المكلفين. " منها ": رواية الحسين بن بلال قال: كتبت إليه في وقت صلاة الليل فكتب: عند زوال الليل وهو نصفه افضل، فان فات فاوله وآخره جائز (* 1). وهي - كما ترى - مصرحة بان الاتيان بها بعد الانتصاف افضل، لا انها موقتة به. وفيه ان الرواية وان كانت ظاهرة الدلالة ومعتبرة من حيث السند إلى ابراهيم بن مهزيار، لان الاظهر وثاقته وهذا لا للوجوه المستدل بها على وثاقته، لعدم تماميتها باسرها - على ما اشرنا إليه في محله - بل لانه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات، الا أنها ضعيفة السند بالحسين بن علي بن بلال لعدم توثيقه في كتب الرجال. و " منها " موثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوله إلى آخره الا أن أفضل ذلك بعد انتصاف الليل (* 2). وهي من حيث السند موثقة ومن ناحية الدلالة تامة. و " منها ": حسنة أو صحيحة محمد بن عيسى قال: كتبت إليه أسئله


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 384 ]

يا سيدي: روي عن جدك أنه قال: لا بأس بأن يصلي الرجل صلاة الليل في أول الليل فكتب: في أي وقت صلى فهو جائز ان شاء الله (* 1). وهي معتبرة من حيث السند لانها أما حسنة نظرا إلى أن محمد بن عيسى والد أحمد بن محمد لم يوثق - صريحا - وانما قالوا في حقه انه كان شيخ القمين ووجه الاشاعرة، وهو انما يدل على حسنه لا على وثاقته فحيث أنه مدح فيدرج الرجل في الحسان، وإما صحيحة باعتبار أن محمد ابن عيسى ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات. وقد رواها الشيخ باسناده عن محمد بن علي بن محمد بن محبوب وله إليه طرق بعضها صحيح وهو الذي رواه بواسطة الصدوق " قده ". والظاهر ان المسؤل في الرواية هو الرضا (ع) لان محمد بن عيسى وان كان قد يروي عن الجواد (ع) الا أن الاكثر روايته عن الرضا (ع) ولا يبعد أن يكون نظر الراوي في قوله: روي عن جدك إلى موثقة سماعة المتقدمة عن أبي عبد الله (ع) فانه جد الرضا (ع). وكيف كان فالرواية من حيث السند معتبرة ومن جهة الدلالة ظاهرة إذا تكون هذه الرواية وسابقتها معارضتين للموثقة وغيرها مما دل على أن صلاة الليل موقتة بما بعد الانتصاف وحينئذ فلا مناص من حمل الطائفة الثانية على الافضلية هذا. والصحيح انه لا تعارض بين الطائفتين لان دلالة الموثقة والصحيحة على جواز صلاة الليل من أوله ليست على وجه الصراحة والتنصيص أو العموم والظهور الوضعي وانما دلالتهما بالاطلاق لعدم تقيدهما بكون المكلف معذورا أو غير معذور وليستا واردتين فيمن لا عذر له في التقديم على


(* 1) المروية في ب 44 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 385 ]

الانتصاف، إذا متقضى القاعدة تقييدهما بالموثقة وغيرها مما دل على أن المبدء بعد الانتصاف فتحمل الموثقة والصحيحة على صورة المعذورية في التقديم. كما أن المطلقات المتقدمة المستدل بها على دخول وقتها من أول الليل أيضا تتقيد بذلك بناء على انها واردة في مقام البيان من تلك الجهة. منتهى وقت صلاة الليل المشهور بل المتسالم عليه بينهم هو امتداد وقت صلاة الليل إلى طلوع الفجر الصادق، ونسب إلى السيد المرتضى " قده " انتهاءه بطلوع الفجر الاول المعبر عنه بالفجر الكاذب. فان أراد بذلك أن الافضل أن يؤتى بثمان ركعات الليل أو هي مع الشفع قبل طلوع الفجر الاول، لما دل على استحباب الاتيان بالوتر - وهو اسم لخصوص الوتر أوله وللشفع - بين الفجرين (* 1) فلا بأس به، وليس هذا مخالفة للقول بامتداد وقتها إلى طلوع الفجر وهو ظاهر. وان اراد به أن وقت صلاة الليل ينقضي بالفجر الاول وهو منتهاه فلم يدل على ما ذهب إليه دليل، بل الدليل دل على خلافه، وهو الاخبار الواردة في أن خاف مفاجأة الصبح وطلوعه يعجل في صلاته ويكتفي بقرائة الحمد أو يبدء بالوتر كما رواه اسماعيل بن جابر أو عبد الله بن سنان وصحيحة محمد بن مسلم وغيرهما من الروايات الآتية فان خوف مفاجأة الصبح وطلوعه انما يتحقق قبيل الفجر الصادق بعد الفجر الكاذب، وإلا


(* 1) المروية ب 54 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 386 ]

فلو كان ذلك قبل طلوع الفجر الاول لم يكن وجه للبدءة بالوتر، لان الافضل ايقاع صلاة الوتر بعد الفجر الاول وقبل طلوع الفجر الصادق، فلا موجب للامر باتيانها قبل الفجر الاول وهذا ظاهر. ويدل على ما ذهب إليه المشهور من انقضاء وقتها بطلوع الفجر، وعدم امتداده إلى طلوع الشمس ان الصلاة مضافة إلى الليل، ولا ليل بعد الفجر ليصدق انها صلاة الليل وليس ما بين الطلوعين من الليل، بل انه من النهار أوامر متوسط بينهما إذا لا مناص من الالتزام بانتهاء وقتها بطلوع الفجر، لانه منتهى الليل على الفرض. وهذا بناء على ما ذهب إليه جماعة، ولعله المشهور من أن الليل اسم لما بين غروب الشمس وطلوع الفجر بمكان من الوضوح بل انتهاء وقت صلاة الليل بطلوع الفجر - على ذلك - لا يحتاج إلى اقامة الدليل عليه. نعم على ما بيناه من أن الليل اسم لما بين غروب الشمس وطلوعها، وأن مسيرة الشمس تنقسم إلى قوس الليل وقوس النهار، وان ما بين الغروب والطلوع قوس الليل يحتاج الحكم بانتهاء وقت صلاة الليل بطلوع الفجر إلى دليل لبقاء الليل إلى طلوع الشمس على الفرض. ويدلنا على ما ذهبوا إليه مضافا إلى ان المسألة متسالم عليها عندهم، ولم ينقل عن أحدهم القول بامتداد وقتها إلى طلوع الشمس ما دل على ان صلاة الليل ينقضي وقتها بطلوع الفجر وتصير قضاء وهو عدة روايات: عمدتها صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا الحسن الاول (ع) عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس فقال: نعم، وبعد العصر إلى الليل فهو من سر آل محمد المخزون (* 1).


(* 1) المروية في ب 56 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 387 ]

لدلالتها على ان المرتكز في ذهن المتشرعة ومنهم الراوي في الصحيحة أن وقت صلاة الليل ينقضي بطلوع الفجر ويصير قضاء بعده والامام (ع) قرره على هذا الارتكاز بقوله: نعم، وحيث ان مخالفي الشيعة لا يجوزون قضائها كذلك ذكر (ع) أن ذلك من سر آل محمد المخزون. ثم ان سند الرواية تام لا قدح فيه لما مر غير مرة من ان الاظهر وثاقة ابراهيم بن هاشم، وقد وقع في اسانيد كامل الزيارات وهو المراد بابراهيم الواقع في السند فانه الذي يروي عنه محمد بن احمد بن يحيى ويروي هو عن محمد بن عمرو الزيات. والموجود في الوسائل محمد بن عمر الزيات وهو غلط جزما، لان الذي يروي عن جميل بن دراج ويروي عنه ابراهيم بن هاشم انما هو محمد ابن عمرو الزيات الثقة دون محمد بن عمر الزيات فلاحظ. كما ان دلالتها على المدعى ظاهرة وذلك لان صلاة الليل لو كان وقتها ممتدا إلى طلوع الشمس لم يكن معنى محصل لكونها قضاء بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ويؤكده صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يقوم من آخر الليل وهو يخشى ان يفجأه الصبح يبدء بالوتر أو يصلي الصلاة على وجهها حتى يكون الوتر آخر ذلك؟! قال: بل يبدء بالوتر وقال: انا كنت فاعلا ذلك (* 1). فان الوقت لو كان ممتدا إلى طلوع الشمس لم يكن لترك صلاة الليل بالاقتصار على الوتر وجه صحيح. فحكمه (ع) بذلك يدلنا على انتهاء الوقت بطلوع الفجر.


(* 1) الروية في ب 46 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 388 ]

[ والافضل اتيانها في وقت السحر وهو الثلث الاخير من الليل وافضله القريب من الفجر (1) ] أيضا تدل عليه صحيحة معاوية بن وهب قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول أما يرضى احدكم ان يقوم قبل الصبح ويوتر ويصلي ركعتي الفجر ويكتب له بصلاة الليل (* 1). لعين؟ ما قدمناه في الصحيحة المتقدمة. فان الوقت لو كان ممتدا إلى طلوع الشمس لم يكن للاقتصار بالوتر وترك صلاة الليل وجه صحيح. ويؤيده: ما ورد من أن من خاف مفاجأة الصبح يعجل في صلاته ويكتفي بقراءة الحمد وهو ما رواه اسماعيل بن جابر أو عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد الله (ع) اني أقوم آخر الليل وأخاف الصبح قال. اقرأ الحمد واعجل واعجل (* 2). لوضوح ان مع امتداد الوقت إلى طلوع الشمس لا مقتضي للاقتصار بالحمد والتعجيل، إذا فالصحيح ان وقت صلاة الليل ينتهي بطلوع الفجر. (1) بمعني ان القريب من السحر افضل الافضل قالوا ان صلاة الليل كلما قربت من الفجر كانت افضل، واورد عليه بان الحكم على عمومه وكليته لم يرد في شيئ من النصص وعلى ما صرح به غير واحد من الاصحاب، وانما ورد في الروايات ان الاتيان بها في الثلث الاخير أفضل أو في السحر كما دل عليه قوله عز من قائل: وبالاسحارهم يستغفرون (* 3) وقوله: والمستغفرين بالاسحار (* 4)،


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 46 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) الذاريات: 51: 18. (* 4) سورة آل عمران: 3: 17.

[ 389 ]

والامر كما ذكر والوارد في الاخبار إنما هو عنوان السحر والثلث الاخير ومعه لابد من النظر إلى ما هو الفارق بينهما. وقد فسر السحر بقبيل الصبح أو آخر الليل أو السدس الاخير من الليل - على ما في كلام غير واحد - ونسب إلى اهل اللغة ايضا والمظنون - قويا - ان الثلث الباقي والسحر امر واحد، لانه كما عرفت قد فسر بالسدس الاخير فينطبق عليه قبيل الصبح وآخر الليل - لا محالة - وهو الوقت الافضل والمراد بالثلث الباقي الوارد في الروايات هو هذا الوقت بعينه. والوجه في اختلاف التعبير بالسدس أو الثلث هو الخلاف في ان ان الليل هل يستمر إلى طلوع الشمس أو انه ينتهي بطلوع الفجر وما بين الطلوعين خارج عن الليل، حيث ان ما بين الطلوعين سبع الليل - على وجه التقريب - فبناء على أنه من الليل يكون الوقت الافضل هو الثلث الاخير وهو مجموع السدس الباقي إلى الفجر وما بين الطلوعين الذي هو السبع التقريبي كما مر، والسدس والسبع يبلغان الثلث - تقريبا -. وأما بناء على أن ما بين الطلوعين خارج عن الليل فلا مناص من ان يكون الافضل هو السدس الباقي إلى الفجر، إذا المراد بالثلث الوارد في الروايات هو السدس الاخير بضميمة ما بين الطلوعين، كما ان المراد بالسحر هو السدس الاخير فالعنوانان متحدان. ففي صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري: سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن ساعات الوتر قال: أحبها؟ الي الفجر الاول وعن افضل ساعات الليل قال: الثلث الباقي (* 1). وقد عرفت ان مجموع السدس الاخير - المعبر عنه بالسحر وما بين


(* 1) المروية في ب 54 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 390 ]

الطلوعين ثلث الليل على وجه التقريب هذا. والذي يسهل الخطب ان عنوان السحر المفسر - في كلامهم - بالسدس الاخير لم يرد في رواية معتبرة، وإنما وردت في عدة روايات رواها الصدوق " قده " (* 1) في العيون والعلل والخصال باسناد ضعاف غير قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال. إذا الثابت عنوان الثلث على ما ورد في صحيحة إسماعيل بن سعد الاشعري المتقدمة وهي وان لم تكن مصرحة بان الاتيان بصلاة الليل في الثلث الباقي أفضل فان الوارد فيها هو السؤال عن أفضل ساعات الليل فقال (ع) الثلث الباقي. وأما أن الاتيان بصلاة الليل فيه أفضل فلم يرد به التصريح بوجه. غير انه يستفاد منها ذلك بقرينة السؤال عن ساعة الوتر قبل ذلك لانه قرينة ظاهرة على ان المراد بالسؤال عن أفضل ساعات الليل هو السؤال عن أفضلها للصلاة، فتدلنا هذه الصحيحة على أن أفضل أوقات صلاة الليل هو الثلث الباقي من الليل. وقد ورد في جملة من الروايات تحديد وقت صلاة الليل بآخر الليل: " منها ": موثقة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال. وثمان ركعات من آخر الليل. (* 2). وفي سندها عثمان بن عيسى وهو وان كان من الواقفية بل وشيخها ووجهها واحد الوكلاء المستبدين بمال الامام موسى بن جعفر عليهما السلام وهو ممن استفاد من أمواله (ع) واخذه حبها إلى ان آل امره إلى الوقف


(* 1) و (* 2) راجع ب 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل

[ 391 ]

وعدم الاذعان بامامة الرضا (ع) إلا ان الكشي نقل - قولا - انه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه وقد جعله - بعضهم - مكان فضالة بن ايوب، وهذا يدلنا على وثاقته. على انه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات وثبتت وثاقته بتوثيق ابن قولويه فالرواية موثقة. و " منها ": موثقة ابن بكير قال: قال أبو عبد الله (ع): ما كان بحمد (بجهد) الرجل ان يقوم من آخر الليل فيصلي صلاته ضربة واحدة ثم ينام ويذهب (* 1). و " منها ": ما رواه مرازم عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: متى أصلي صلاة الليل؟ قال: صلها في آخر الليل (* 2). ولا بأس بسندها، لان على بن الحكم الواقع فيه الظاهر وثاقته، والمراد بهارون هو هارون بن خارجة الثقة على ما يطمأن به بحسب الطبقة. و " منها ": غير ذلك من الروايات الواردة في المقام وانما لا نتعرض لكل واحد منها على حدة لضعف أسانيدها. فان أريد من آخر الليل في تلك الروايات ما ينطبق على الثلث الاخير فهو ولا تنافي حينئذ بين الطائفتين. وان أريد به آخر وقتها المنطبق على مثل الساعة أو نصف الساعة قبيل الفجر بحيث يقترن الفراغ من صلاة الليل بطلوع الفجر - كما لعله القريب - فهو إذا اخص من الثلث ولابد معه من حمل هذه الطائفة على الافضلية بمعنى أن وقت صلاة الليل انما يبدء من النصف والافضل التأخير


(* 1) المروية في ب 53 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 54 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 392 ]

إلى الثلث، والافضل منه التأخير إلى آخر الليل. ويمكن أن يقال: ان الثلث الاخير وآخر الليل متساويان وهما من حيث الفضيلة على حد سواء، وانما يختلفان باختلاف المكلفين، فان بعضهم يطيل في صلاته ويأتي بها بمالها من المستحبات فمن يروم ذلك فلا مناص له من ان يقوم من الثلث الاخير أو النصف. ويقصرها بعض آخر ويقتصر في الاتيان بنافلة الليل بالمقدار الاقل، ومثله لا يقوم إلا في آخر الليل، فيختلف أوقات الفضيلة باختلاف عادات المكلفين. تنبيهان: " الاول ": انا ذكرنا أن عنوان السحر لم يرد في رواية معتبرة، وانما ورد عنوان الثلث أو السدس الاخير كما عرفت، وقد عثرنا بعد ذلك على وروده في بعض الروايات وهو صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التطوع بالليل والنهار، فقال: الذي يستحب أن لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس، وبعد الظهر ركعتان، وقبل العصر ركعتان وبعد المغرب ركعتان وقبل العتمة ركعتان ومن (في) السحر ثمان ركعات، ثم يوتر والوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثم ركعتان قبل صلاة الفجر، وأحب صلاة الليل إليهم آخر الليل (* 1). وسندها صحيح وشعيب الواقع فيه هو العقرقوفي الثقة بقرينة رواية حماد بن عيسى عنه وهي كما ترى مشتملة على السحر. والظاهر أن المراد بالسحر في تلك الصحيحة وغيرها من الروايات


(* 1) المروية في ب 14 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل

[ 393 ]

المشتملة عليه وكذا في كلمات الفقهاء (قدس الله أسرارهم) هو السدس الاخير مما بين المغرب وطلوع الفجر، أو الثلث الاخير مما بين المغرب وطلوع الشمس، إذا يكون آخر الليل اخص من السحر على ما بيناه عند التكلم على الجمع بين ما دل على التحديد بالثلث الباقي أو السدس وما دل على التحديد بآخر الليل. والذي يدلنا على ذلك صحيحة أبي بصير المتقدمة، حيث جمع فيها الامام (ع) بين عنوان السحر وآخر الليل فقال: ومن (في) السحر ثمان ركعات ثم يوتر والوتر ثلاث ركعات مفصولة، واحب صلاة الليل إليهم آخر الليل. وهي قرينة ظاهرة على أن آخر الليل أخص من السحر. فالصحيح ما ذكرناه من أن وقت صلاة الليل يبدء من النصف والتأخير إلى الثلث (والسدس) أفضل وأفضل من ذلك الاتيان بها آخر الليل. " الثاني ": دلت عدة روايات على أن النبي صلى الله عليه وآله كان يأتي بصلاة الليل متبعضة ففي صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبد الله (ع) قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا صلى العشاء الآخرة أمر بوضوئه وسواكه فوضع عند رأسه مخمرا فرقد ما شاء الله، ثم يقوم فيستاك ويتوضأ ويصلي أربع ركعات، ثم يرقد ثم يقوم فيستاك ويتوضأ ويصلي أربع ركعات، ثم يرقد حتى إذا كان في وجه الصبح قام فأوتر ثم صلى الركعتين ثم قال: لقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وآله اسوة حسنة: قلت: متى كان يقوم قال: بعد ثلث الليل (* 1). رواها الكليني " قده " ثم قال: وفي حديث آخر: بعد نصف الليل (* 2) فيستفاد منها ان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يصلي آخر الليل، وانما كان يفرق في صلاته وان عادته قد جرت على القيام بعد ثلث الليل أو


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 53 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 394 ]

[ (مسألة 9) يجوز للمسافر وللشاب الذي يصعب عليه نافلة الليل في وقتها تقديمها على النصف (1) وكذا كل ذي عذر ] نصفه، إذا يقع الكلام في ان الافضل إذا كان هو الاتيان بها في الثلث الاخير أو في آخر الليل كما عرفت فلماذا جرت عادة النبي صلى الله عليه وآله على الاتيان بها متبعضة بعد ذهاب الثلث الاول أو النصف على ما دلت عليه الصحيحة المتقدمة وما وجه الجمع بينهما؟ قد يتوهم في الجواب عن ذلك ان ما تضمنته الصحيحة المتقدمة انما هو من الامور المختصة بالنبي صلى الله عليه وآله وخصائصه فان صلاة الليل كانت واجبة في حقه ولا مانع من ان يكون الاتيان بها متبعضة بعد ذهاب الثلث أو النصف من خصائصه. ويدفعه: ان ذلك خلاف ما ورد التصريح به في ذيل الصحيحة حيث قال: لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة. فانه يدل على أن متابعته في ذلك مأمور بها على المكلفين فأي اختصاص في ذلك للنبي صلى الله عليه وآله؟ والصحيح كما ذكره بعضهم ان يقال: ان الاتيان بصلاة الليل جملة واحدة غير الاتيان بها متبعضة ومعه يمكن الجمع بين الطائفتين بأن الوقت الافضل للاتيان بها جملة واحدة هو الثلث الاخير وآخر الليل، كما ان الافضل للاتيان بها متفرقة هو الاتيان بها بعد الثلث الاول أو النصف وهذا جمع حسن. فالمتحصل ان وقت الفضيلة لصلاة الليل - جملة واحدة - هو الثلث الاخير، والافضل منه آخر الليل، أو انهما متساويان وانما يختلفان باختلاف الملكفين في الاطالة والتقصير. (1) المعروف بين الاصحاب (قدهم) جواز تقديم الصلاة الليل على

[ 395 ]

[ كالشيخ وخائف البرد أو الاحتلام، والمريض، وينبغي لهم نية التعجيل لا الاداء. ] الانتصاف والاتيان بها في أوله للمسافر الذي يمنعه جد السير، والشباب الذي تمنعه رطوبة دماغه عن الانتباه في وقتها، والخائف من حدوث الجنابة المانعة عن الاتيان بها بعد الانتصاف وغيرهم ممن نتكلم عنهم في المقام، بل عن الخلاف الاجماع عليه وعن الحلي المنع عن جواز تقديمها مطلقا ولم بظهر له وجه صحيح. لانه " قده " وان كان لا يعتمد على الخبر الواحد، إلا ان الروايات الواردة في المقام مستفيضة ومتضافرة ولا وجه معها للحكم بعدم الجواز مطلقا. ثم ان هذا القول هو المنسوب إلى زرارة ايضا وقد نقله عنه محمد ابن مسلم حيث قال: وكان زرارة يقول: كيف تقضى صلاة (أي يؤتى بها) لم يدخل وقتها، وانما وقتها بعد نصف الليل (* 1). ومن البعيد ان يقول زرارة بمثل ذلك من تلقاء نفسه وبهذا بظن انه قد تلقى ذلك من المعصوم (ع) هذا، ولكن النسبة إلى زرارة غير ثابتة لضعف الرواية الحاكية لقوله، فان في سندها محمد بن سنان وهو ممن لم تثبت وثاقته. على انها لو كانت معتبرة ايضا لم تدلنا على أن زرارة استنكر جواز تقديم صلاة الليل على الانتصاف حتى في مثل المسافر ونحوه من المعذورين في تقديمها، وذلك لان الظاهر انه انما أنكره بالاضافة إلى من لم يكن معذورا في ذلك سوي انه ليلة واحدة أو ليالي متعددة لم يستيقظ لوقتها، ولم يظهر انه منع عن جواز التقديم في المسافر واشباهه.


(* 1) المروية في ب 45 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 396 ]

وعن ابن أبي عقيل عدم جواز التقديم بالاضافة إلى غير المسافر، وربما يظهر من الصدوق " قده " موافقته في ذلك حيث قال: كلما روي من الاطلاق في صلاة الليل من أول الليل فانما هو في السفر، لان المفسر من الاخبار يحكم على المجمل. فان ظاهره ان الرخصة مختصة بالمسافر، ومعنى كلامه ان الروايات الواردة في جواز تقديمها على الانتصاف محمولة على ما ورد في جوازه في السفر. وفيه: ان السفر موضوع على حدة وغيره موضوع آخر، ولا موجب لحمل الاخبار الواردة في أحدهما على الآخر ابدا، وكيف كان فقد ذكروا ان المسافر يجوز ان يقدم صلاة الليل على الانتصاف وعطفوا عليه المريض وخائف الجنابة وغيرهم ممن ذكروه في كلماتهم من دون تفصيل بينهم ولكن الظاهر هو التفصيل، ولابد لتوضيح الكلام في ذلك من التكلم على كل واحد واحد من العناوين المتقدمة لنرى أن الجواز ثابت في أي قسم. القول في المسافر ان من العناوين الواردة في كلماتهم عنوان المسافر وجواز التقديم بالاضافة إليه مما لا شبهة فيه، ولم يناقش في ذلك سوى الحلي " قده " وقد قدمنا الجواب عنه، فالمسألة مما لا اشكال فيها، وقد دلت على جوازه للمسافر جملة من الروايات فيها صحاح وموثقة وعدة ضعاف واليك بعضها. " منها ": صحيحة ليث المرادي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في الصيف في الليالي القصار صلاة الليل في أول الليل، فقال: نعم، نعم

[ 397 ]

ما رأيت ونعم ما صنعت، يعني في السفر (* 1). و " منها ": صحيحة الحلبي التي رواها الصدوق باسناده - وهو صحيح - عن أبي عبد الله (ع) قال: ان خشيت ان لا تقوم في آخر الليل، أو كانت بك علة أو اصابك برد فصل واوتر في أول الليل في السفر (* 2) ورواها الشيخ باسناده عن احمد بن محمد عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي. و " منها ": صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران (في حديث) قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الصلاة بالليل في السفر في أول الليل فقال: إذا خفت الفوت في آخره (* 3). و " منها ": صحيحة محمد بن حمران عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن صلاة الليل أصليها أول الليل؟ قال: نعم اني لافعل ذلك، فإذا اعجلني الجمال صليتها في المحمل (* 4). والسفر في هذه الصحيحة وان لم يذكر - صريحا - فتكون حينئذ مطلقة لا محالة، إلا أن ذيلها قرينة على أن المراد منها خصوص حال السفر وما ورد فيها انما هو حكم السفر. و " منها ": موثقة سماعة بن مهران انه سأل أبا الحسن الاول (ع) عن وقت صلاة الليل في السفر فقال: من حين تصلي العتمة إلى ان ينفجر الصبح (* 5). و " منها ": ما رواه الشهيد في الذكرى نقلا من كتاب محمد بن


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويات في ب 44 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 398 ]

أبي قرة باسناده عن ابراهيم بن سيابة قال: كتب بعض أهل بيتي إلى أبي محمد (ع) في صلاة المسافر أول الليل صلاة الليل، فكتب: فضل صلاة المسافر من أول الليل كفضل صلاة المقيم في الحضر من آخر الليل (* 1). ومقتضى هذه الرواية ان صلاة الليل من المسافر قبل الانتصاف كصلاة الليل من غير المسافر بعد الانتصاف بل في وقت فضيلتها، إلا انها ضعيفة السند من جهات: لجهالة طريق محمد بن أبي قرة إلى ابراهيم بن سيابة وجهالة طريق الشهيد إلى كتاب الرجل، إذ لم يعلم انه وصله بأية واسطة وجهالة كل من محمد بن أبي قرة وابراهيم بن سيابة في انفسهما فالرواية ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها بوجه، إلا انها كغيرها من الروايات الضعاف الواردة في المقام مؤيدة للمدعى. وكيف كان فجواز التقديم بالاضافة إلى المسافر مما لا كلام فيه في الجملة وانما الكلام في أمرين. " أحدهما ": أن هذا الترخيص الثابت للمسافر هل هو مطلق وغير مقيد بما إذا خاف الفوات في آخر وقتها أو كانت صعبة عليه بعد الانتصاف لمرض أو برد ونحوهما كما هو مقتضى اطلاق بعض الروايات فلا مانع للمسافر من ان يقدمها ولو مع العلم بعدم فواتها في وقتها أو انه مقيد بذلك؟ و " ثانيهما ": أن الصلاة متقدمة على الانتصاف من المسافر اداء أو انها من باب التقديم والتعجيل وصلاة في غير الوقت المقرر لها كالقضاء غاية الامر ان القضاء صلاة بعد الوقت، والتقديم صلاة قبل الوقت فلا مناص من أن ينوي التقديم بها؟ وهذا نظير تقديم نافلتي الظهرين على الزوال


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 399 ]

يوم الجمعة. (أما الامر الاول): فمقتضى الاطلاق في جملة من الروايات المتقدمة ان الترخيص الثابت للمسافر غير مقيد بشئ وأن له ان يقدمها على الانتصاف وان لم يخف الفوت ولمتكن صعبة عليه بعد الانتصاف إلا أن في اثنتين منها ورد التقييد بصورة الفوات أو الخوف من الصعوبة في الاتيان بها بعد الانتصاف. " إحداهما ": صحيحة الحلبي حيث ورد فيها: ان خشيت ان لا تقوم في آخر الليل أو كانت بك علة أو اصابك برد فصل واوتر في أول الليل في السفر (* 1). و " ثانيتهما ": صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران وفيها: إذا خفت الفوت في اخره (* 2) كما مر. وحيث انهما قضيتان شرطيتان فمقتضى مفهومهما عدم جواز الاتيان بها في السفر قبل الانتصاف إذا لم يخف الفوت في آخره، ولم يكن به علة أو اصابه برد ولم يخش ان لا يقوم، والصحيحة الثانية أظهر دلالة من الاولى لان التقييد فيها من الامام (ع) بعد السؤال عن الصلاة في أول الليل في السفر فتدل على ان له عناية بهذا القيد. وحمل المطلق على المقيد وان لم يجر في المستحبات الا أنه فيما إذا كانا مثبتين كالامر بقراءة القرآن والامر بقراءته متطهرا، لعدم التنافي بينهما. وأما إذا كان أحدهما نفيا بصورة النهي عن بعض افراد المطلق وحصصه لم يكن بد من التقييد به لعدم اجتماع الامر بالمطلق مع النهي عن بعض حصصه بلا فرق في ذلك بين النهي الابتدائي المستفاد من الدلالة المطابقية والنهي


(* 1) و (* 2) المتقدمتان في ص 397.

[ 400 ]

المستفاد من المفهوم والدلالة الالتزامية - كما في المقام - إذا الاتيان بها قبل الانتصاف غير سائغ للمسافر على وجه الاطلاق وانما يجوز عند خوف الفوت أو الصعوبة بعد الانتصاف. (وأما الامر الثاني): فقد ذكر الماتن " قده " انه ينبغي لهم نية التعجيل بها دون الاداء كما هو المستفاد من بعض الروايات الواردة في المقام ومقضى موثقة سماعة أن وقت صلاة الليل للمسافر انما هو حين تصلى العتمة حيث أنه سأل أبا الحسن الاول (ع) عن وقت صلاة الليل في السفر فقال: من حين تصلى العتمة إلى أن ينفجر الصبح (* 1) فهي تدلنا على أن ذلك من باب التوسعة في الوقت وانه في حق المسافر يدخل من أول الليل بعد العتمة، وحيث أنها صريحة الدلالة على ذلك فلابد للمسافر من أن ينوي الاداء دون التقديم والتعجيل هذا كله في المسافر. وأما غير المسافر فقد مر أن ابن أبي عقيل والصدوق ذهبا إلى عدم جواز التقديم بالاضافة إلى غير المسافر، وقد أشرنا إلى دفعه وضعفه والصحيح في المقام أن يقال: ان غير المسافر على أقسام: صلاة الليل في الليالي القصار " فمنها ": من يصلي صلاة الليل في الليالي القصار وقد دلت صحيحة ليث المرادي على أنه يجوز أن يقدمها المكلف على الانتصاف قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في الصيف في الليالي القصار صلاة الليل في أول الليل فقال: نعم، نعم ما رأيت ونعم ما صنعت.. (* 2).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 44 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 401 ]

وهي من حيث السند صحيحة فان طريق الصدوق إلى عبد الله بن مسكان صحيح، كما أن دلالتها على المدعى واضحة. نعم ورد في ذيلها بعد قوله: نعم ما صنعت. يعني في السفر، وبعد القطع بأنه ليس من كلام الامام (ع) لانه لو كان منه (ع) لكان اللازم أن يقول: أعني السفر. لا يعني السفر - كما في الرواية - وقع الكلام في أنه من كلام المرادي وأنه كما نقل بقية الرواية كذلك نقل ذلك من الامام (ع) فيكون الحكم حينئذ مقيدا بالسفر لا محالة، أو أنه من كلام الصدوق " قده " لانه قد يشرح الرواية أو بعض الفاظها ويتخيل أنه جزء من الرواية، فهو إذا اجتهاد من الصدوق، وقد فسرها حسب نظره واعتقاده، حيث ذهب إلى اختصاص الحكم بالسفر. وهذا الاحتمال هو المطمئن به على ما يظهر من دأب الصدوق " قده " وبما أن الرواية مطلقة وقتئذ فلابد من الاخذ باطلاقها ثم على تقدير عدم ثبوت ذلك وتردد الجملة بين أن تكون من المرادي أو الصدوق فلا مناص من الحكم باجمال الرواية وليتمسك حينئذ بما رواه الشيخ " قده " حيث روى باسناده عن صفوان عن ابن مسكان عن ليث مثله (* 1) وهي متحدة مع الرواية السابقة من دون أن تشتمل على التقييد بالسفر. والظاهر ان أن المراد بصفوان هو صفوان بن يحيى الثقة، لانه الراوي عن ابن مسكان وطريق الشيخ إليه صحيح دون صفوان بن مهران الجمال بل وكذلك الحال فيما لو أريد به الجمال أيضا، لان الظاهر ان طريق الشيخ إليه أيضا صحيح فانه وإن وقع فيه ابن أبي جيد وهو لم يوثق - صريحا - في كتب الرجال - الا أنه أيضا محكوم بالوثاقة، لانه من مشايخ النجاشي وقد


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 402 ]

قدمنا أنه " قده " وثق كل من روى عنه من مشايخه. وأيضا يمكن الاستدلال على المدعى بما رواه الشيخ " قده " باسناده عن عبد الله بن مسكان (* 1) رواها في الوسائل بعد رواية ليث المرادي من دون واسطة صفوان، لانها أيضا غير مشتملة على التقييد بالسفر، ودلالتها على المدعى ظاهرة، وسندها صحيح، لصحة طريق الشيخ " قده " إلى ابن مسكان. وذكر الاردبيلي " قده " في جامع الرواة أن طريق الشيخ إلى ابن مسكان ضعيف في المشيخة وصحيح في الفهرست. والظاهر أن ذلك من سهو القلم، لان الشيخ " قده " لم يذكر طريقه إلى ابن مسكان في المشيخة أصلا حتى يقال أنه ضعيف أو صحيح، وكيف كان فالسند صحيح كما ذكرناه. ثم ان الظاهر الوسائل أن الصدوق " قده " روى تلك الرواية مرتين فمع التقييد بالسفر " تارة " وبلا تقييد به " أخرى " وذلك لانه بعد ما نقل الرواية عن الشيخ باسناده عن صفوان عن ابن مسكان عن ليث من دون تقييدها " يعني في السفر " قال: ورواه الصدوق باسناده عن عبد الله ابن مسكان مثله. أي من دون تقييد به كما أنه نقلها عنه عن ابن مسكان عن ليث مع التقييد به - على ما قدمنا نقله آنفا - مع أن الصدوق لم ينقل الرواية مطلقة وانما وراها مرة واحدة مقيدة بالسفر كما تقدم.


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 403 ]

بقي هنا شئ وهو أن جواز التقديم أو التوسعة بالاضافة إلى المصلي في الليالي القصار هل هو مطلق أو مقيد بماذا خاف الفوات أو بما إذا صعب عليه القيام في آخر الليل؟ مقتضى الاخبار الواردة في المقام هو الاطلاق، لعدم التقييد فيها بذلك، الا أن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع أو القرينة العرفية هو اختصاص الحكم بماذا خاف الفوات على تقدير تأخيرها إلى وقتها أو صعب عليه القيام في وقتها، وذلك لانه مقتضى كون الليل قصيرا، والا فاية خصوصية لطول الليل وقصره، فلا خصوصية للقصر غير كونه موجبا لاحد الامرين المذكورين ثم ان الظاهر أن الجواز في المقام أيضا من باب التوسعة في الوقت لا التقديم والتعجيل، وذلك لانه مقتضى قوله: نعم ما رأيت ونعم ما صنعت ولم يرد في المقام أن القصاء أفضل ليقال أنه يدل على أن الجواز من باب التقديم دون التوسعة، إذا لابد من الاخذ بتلك الصحيحة والالتزام بالتخصيص في الوقت في الليالي القصار، وان الوقت فيها متسع ومن أول الليل. خائف الجنابة و " منها ": خائف الجنابة بعد الانتصاف، ومقتضى صحيحة ليث المتقدمة أيضا جواز التقديم في حقه، قال: وسألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو البرد فيعجل صلاة الليل والوتر في أول الليل؟ قال: نعم (* 1)


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 404 ]

وتدل عليه أيضا صحيحة يعقوب بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو البرد، أيعجل صلاة الليل والوتر في أول الليل قال: نعم؟ (* 1). وهما من حيث السند صحيحتان (أما الاولى): فظاهرة و (أما الثانية): فلان علي بن رباط الواقع في سندها الظاهر أنه علي بن حسن بن رباط الثقة الذي هو من أصحاب الرضا (ع) لانه المعروف، لا على بن رباط الضعيف الذي هو من أصحاب الباقر أو الصادق (ع) ولا مانع من اطلاق علي بن رباط وارادة علي بن حسن بن رباط لانه اطلاق دارج. ويؤيده ما عن بعض نسخ الفهرست من أن الشيخ لما عنون على بن حسن بن رباط وعد كتبه قال في منتهى طريقه إليه: عن علي بن رباط فمنه يظهر أن علي بن رباط هو علي بن حسن بن رباط. وأما من حيث الدلالة فقد دلتا على أن من خاف طرو الجنابة وعدم التمكن من الصلاة مع الطهارة المائية واضطراره إلى التيمم يدور امره بين ان يدرك الوقت وفضيلته ولكن تفوته الطهارة المائية وبين ان يقدمها على وقتها تحصيلا للطهارة المائية ولكن تفوته فضيلة الوقت فهو مخير بينهما وله ان يقدمها على الانتصاف. وهل الجواز في حقه من باب التوسعة في الوقت وهي اداء أو من باب التعجيل والتقديم؟ كما ورد في الصحيحتين حيث قال: فيعجل أو أيعجل صلاة الليل. والصحيح انه كسابقة والجواز فيه أيضا من باب التوسعة في وقت الصلاة.


(* 1) المروية في ب 44 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 405 ]

والوجه في ذلك ان الجواز لو كان من جهة التعجيل والتقديم دون التوسعة لم يكن أي مسوغ لجواز التقديم عند خوف عدم التمكن من الماء فان التراب بمنزلة الماء، فإذا لم يتمكن تيمم وصلى، فرفع اليد عن شرطية الوقت - مع انه من اركان الصلاة - بمجرد احتمال عدم التمكن من الماء في وقتها مما لا مسوغ ولا موجب له حتى مع العلم بطرو الجنابة فضلا عن احتمالها ومع التزاحم بين شرطية الوقت والطهارة المائية يتقدم الوقت بلا ريب. وعلى الجملة ان تفويت الوقت والركن لاجل درك الطهارة المائية مع التمكن من بدلها وهو الطهارة الترابية مما لا يمكن الالتزام به فهذه القرينة تدلنا على ان الجواز بالاضافة إلى خائف الجنابة من باب التوسعة في الوقت دون التقديم وان صلاة الليل في حقه يدخل وقتها من أول الليل. فهذه الموارد الثلاثة المتقدمة كلها من باب التوسعة، وإنما يجوز فيها التقديم مقيدا بما إذا خيف فوات النافلة على تقدير التأخير إلى وقتها أو صعب القيام إليها في وقتها، لا مطلقا. المريض: و " منها ": المريض ولم يدلنا أي دليل على جواز تقديمه صلاة الليل على الانتصاف، وانما ورد جوازه في رواية الصدوق " قده " عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) في حديث قال: انما جاز للمسافر والمريض ان يصليا صلاة الليل في أول الليل لاشتغاله وضعفه وليحرز صلاته فيستريح المريض في وقت راحته، وليشتغل المسافر باشتغاله وارتحاله وسفره (* 1).


(* 1) المروية في ب 44 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 406 ]

إلا انها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها على شئ. الشيخ: و " منها ": الشيخ ورد ذلك في صحيحة ابان بن تغلب قال: خرجت مع أبي عبد الله (ع) فيما بين مكة والمدينة فكان يقول: أما أنتم فشباب تؤخرون. وأما أنا فشيخ اعجل، فكان يصلي صلاة الليل أول الليل (* 1). وفي سندها محمد بن يعقوب عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان وقد وقع الكلام في تعيين محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه الكليني وهو يروي عن الفضل. وانه النيسابوري أو البرمكي أو ابن بزيع وذكروا في تمييزه وجوها غير انا في غنى عن ذلك. فان هذا السند بعينه أعني محمد بن يعقوب عن محمد بن اسماعيل عن الفضل قد وقع في أسانيد كامل الزيارات وبذلك يحكم بوثاقة السند سواء أكان محمد هذا هو النيسابوري أو البرمكي أو غيرهما فلا مناقشة في الرواية من حيث السند هذا. وقد يقال: ان ذلك إنما يتم ويصحح به السند فيما إذا تردد محمد هذا بين محمد بن اسماعيل بن بزيع الثقة، والنيسابوري الذي لم يرد في حقه قدح ولا مدح أي لم يوثق ولم يضعف. واما إذا تردد بينهما وبين البرمكي فوقوعه في أسانيد كامل الزيارات لا يكاد ان يؤثر في الحكم بوثاقته لتعارض التوثيق فيه مع التضعيف، حيث ان البرمكي وان وثقه النجاشي وكذلك


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 407 ]

ابن قولويه - بناء على انه المراد ممن وقع في السند - إلا ان ابن الغضائري ضعفه - صريحا - ومع التعارض لا يمكن الحكم بوثاقته. وحيث ان الامر في السند يدور بين الثلاثة - كما عرفت - فلا ندري انه النيسابوري لئلا يكون توثيق ابن قولويه معارضا فيه بالتضعيف أو انه البرمكي ليعارض توثيقه وكذلك توثيق النجاشي في حقه مع التضعيف المتقدم عن ابن الغضائري إذا وقوعه في اسانيد كامل الزيارات لا يكاد يفيد التوثيق في حقه للتردد كما عرفت. و " يرده ". أن التضعيف المنسوب إلى ابن الغضائري لم يثبت بدليل لانه " قدس سره " وان كان من اجلاء اصحابنا المحققين وممن يعتمد على توثيقاته وتصحيحاته كالنجاشي والشيخ وغيرهما غير ان الكتاب الذي ينقل عنه تضعيفاته وتوثيقاته لم يثبت أنه له بوجه إذا فتوثيق ابن قولويه للبرمكي - على تقدير أن يكون هو الواقع في السند - سليم عن المعارض وبذلك يكون وقوع السند في أسانيد كامل الزيارات دليلا على وثاقته سواء كان هو النيسابوري أو البرمكي أو غيرهما. على ان الظاهر أنه النيسابوري دون البرمكي لانه تلميذ الفضل بن شاذان وقد تصدى لترجمته وبيان حالاته ولان الكليني " قده " لا يروي عن البرمكي من دون واسطة بل بواسطة أو بواسطتين وبهاتين القرينتين يثبت انه النيسابوري دون البرمكي فلا مناقشة في الرواية بحسب السند. وانما المناقشة في دلالتها على جواز التقديم في محل الكلام وذلك لانها انما وردت في السفر وقد قدمنا ان السفر بما هو السفر وان لم يكن مسوغا للتقديم الا ان السفر المقيد بخوف الفوت أو عند صعوبة القيام للصلاة بعد الانتصاف مسوغ لتقديمها عن الانتصاف فليكن من الاسباب الموجبة

[ 408 ]

لصعوبة القيام في السفر شيخوخته (ع) فلا يستفاد من الرواية ان الشيخوخة مسوغة للتقديم ولو في غير حال السفر. الجارية التي تضعف عن القضاء و " منها ": الجارية التي يغلبها النوم وتضعف عن القضاء ولو لاجل اشتغالها بالامور البيتية " وتدل عليه صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) على رواية الكليني والشيخ " قدهما " حيث زادا: قلت: فان من نسائنا ابكارا، الجارية تحب الخير وأهله وتحرص على الصلاة فيغلبها النوم حتى ربما قضت وربما ضعفت عن قضائه وهي تقوى عليه أول الليل فرخص لهن في الصلاة اول الليل إذا ضعفن وضيعن القضاء (* 1). وهل الجواز في حقها من باب التوسعة في الوقت فصلاتها اداء أو انه من باب التعجيل والتقديم؟ الصحيح انه من باب التعجيل دون التوسعة لانه (ع) اولا بين ان القضاء بالنهار افضل ثم رخص لهن في التقديم ومع اتساع الوقت في حقها لا معنى لكون القضاء افضل. من خشي فوات النافلة في وقتها و " منها ": من خشي فوات النافلة في وقتها اما لضعف في بدنه أو لصعوبة الاتيان بها في حقه بعد الانتصاف أو لغير ذلك من الاسباب لما


(* 1) المروية في ب 45 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 409 ]

رواه أبو بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: إذا خشيت ان لا تقوم آخر الليل أو كانت بك علة أو اصابك برد فصل صلاتك واوتر من أول الليل (* 1). ولا بأس بها من حيث السند فلو تمت من حيث الدلالة لدلت على ان من خشي ان لا تقوم آخر الليل وكذلك المريض ونحوه يجوز ان يقدم النافلة على الانتصاف، فان كلمة (علة) مطلقة فتشمل المريض ونحوه. إلا ان الظاهر عدم امكان الاستدلال بها على المدعى وذلك: " أما أولا " فلان هذه الرواية رواها الصدوق أيضا بعين الفاظها عن الحلبي عن أبي عبد الله (ع) بتبديل " إذا " بلفظة " ان " متقيدة بالسفر، حيث روى عن أبي عبد الله (ع) انه قال: ان خشيت ان لا تقوم في آخر الليل أو كانت بك علة أو أصابك برد فصل واوتر في اول الليل في السفر (* 2). ومن البعيد جدا أن تصدر الرواية من الصادق (ع) مرتين: مطلقة تارة ومقيدة بالسفر أخرى، فالظاهر انهما رواية واحدة رواها أبو بصير مطلقة، والحلبي مقيدة بالسفر، ولم يعلم أن الصادر أيهما، ومعه لا تثبت الرواية المطلقة كي نستدل بها على تقديم النافلة لمن خشي الفوات في غير السفر. (وأما الثانية): فلانا لو سلمنا انهما روايتان إحداهما مطلقة والاخرى مقيدة بالسفر، إلا أن التقييد به يكشف عن ان ذلك الحكم لم يثبت لمطلق من خشي فوات النافلة، وإلا أصبح التقييد بالسفر لغوا ظاهرا. وذلك لما قررناه في مبحث المفاهيم من أن القيد وان لم يكن له مفهوم كالشرط ليدل على انتفاء الحكم عن غير المقيد وحصره فيه لان الوصف


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 410 ]

والقيد لا ينافيان ثبوت الحكم للمقيد بقيد آخر أيضا، إلا انه يدل على عدم ترتب الحكم على الطبيعي المطلق وبه نستكشف ان لهذا القيد دخلا في ذلك الحكم إذ لولا كونه كذلك لصار التقييد به لغوا ومما لا أثر له وان كان يمكن ثبوت الحكم لغير هذا المقيد مما قيد بقيد آخر أيضا. إذا فلا معنى للحكم بجواز تقديم النافلة لمن خشي فواتها، أو كانت به علة مطلقا سواء أكان في السفر أو في غيره والحكم أيضا بجوازه لمن خشى فواتها أو كانت به علة مقيدا بالسفر، لما مر من أن الحكم إذا كان مترتبا على الطبيعة المطلقة كان التقييد بالسفر في الرواية الاخرى لغوا لا أثر له، ومعه لا بد من الالتزام بتقييد المطلق بالمقيد. وليس هذا من حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات، ليقال: ان قانون الاطلاق والتقييد غير جار في الاحكام غير الالزامية. وذلك لانه انما لا يجري في غير الاحكام الالزامية فيما إذا ترتب الحكم على متعلقه من دون تقييده بشئ، كالامر بقراءة القرأن مطلقة، ثم ورد الامر بها مقيدة بقيد كالامر بقراءة مع الطهارة أو في ليلة كذا أو شهر كذا، فان في مثله لا يحمل المطلق على المقيد الا في الاحكام الالزامية. وذلك لان معنى اطلاق المتعلق ان المكلف يجوز أن يأتي بذلك المتعلق غير مقيد بذلك القيد، ومعنى التقييد انه لابد من الاتيان به مقيدا به فهما أمران متنافيان وغير قابلين للاجتماع فيحمل المطلق على المقيد لا محالة. وهذا بخلاف المستحب، لانه لا الزام فيه على الاتيان بالمقيد ليكون ذلك منافيا للترخيص في الاتيان به من غير تقييد به، ومعه لا موجب لحمل المطلق على المقيد، لانتفاء التنافي بينهما، بل لابد من حمل المقيد على أفضل الافراد وأما إذا دل الدليل على ثبوت حكم مطلق، ثم ورد هذا الحكم مقيدا

[ 411 ]

بقيد - في دليل آخر - كما في محل الكلام بان لم يكن التقييد راجعا إلى المتعلق بل إلى الحكم نفسه، فلا مناص من حمل المطلق على المقيد، والا لزم اللغوية في تقييد الحكم به كما تقدم بلا فرق في ذلك بين الواجب والمستحب هذا ثم على تقدير التنازل على ذلك وعدم حمل المطلق على المقيد فهل يكون الجواز من باب التوسعة في الوقت أو من باب التعجيل والتقديم؟ لا يمكن أن يستفاد من هذه الرواية غير جواز الاتيان بصلاة الليل في أوله عند خشية الفوات أو صعوبة القيام في آخر الليل ونحوهما، وأما أن ذلك من باب التوسعة في الوقت فلا. فهو إذا من باب الترخيص في التقديم والتعجيل وذلك: لما دل على أن من لم يتمكن من الاتيان بصلاة الليل بعد الانتصاف يقضيها بالنهار وانه أفضل، لوضوح أن الوقت لو كان موسعا في تلك الموارد لم يكن أي معنى لكون القضاء أفضل، فان معنى ذلك أن تفويت النافلة في وقتها مع الاتيان بها خارج الوقت أفضل من الاتيان بها في وقتها وهذا كما ترى! ومن جملة ما دل على ذلك صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: قلت له: ان رجلا من مواليك من صلحائهم شكى الي ما يلقى من النوم وقال: أني أريد القيام بالليل (للصلاة) فيغلبني النوم حتى اصبح فربما قضيت صلاتي الشهر المتتابع والشهرين اصبر على ثقله فقال: قرة عين والله، قرة عين والله ولم يرخص في النوافل (الصلاة) أو الليل وقال. القضاء بالنهار أفضل (* 1) ومنها " غير ذلك من الروايات. نعم يمكن الاستدلال بهذه الروايات على جواز التقديم في محل الكلام


(* 1) المروية في ب 45 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 412 ]

لان معنى أفضلية القضاء عند دوران الامر بينه وبين تقديم النافلة أن تقديمها أمر سائغ غير أن القضاء أفضل، الا أنه من باب التقديم دون التوسعة في الوقت. والمتحصل أن هذه الموارد وان ذكرها المشهور على نسق واحد، الا أن الصحيح هو التفصيل، فان الجواز في الموارد الثلاثة المتقدمة من باب التوسعة وليس فيها القضاء أفضل. وأما في غيرها فهو من باب التعجيل والتقديم والقضاء فيه أفضل. بقي شئ وهو أنا سواء قلنا في تلك الموارد بالتوسعة في الوقت أو بجواز التعجيل فهل يجوز الاتيان بصلاة الليل من أول الليل أو أن مبدء وقتها حينئذ بعد الاتيان بالعتمة؟ مقتضى اطلاق الروايات الواردة في المقام جواز الاتيان بها من أول الليل كما في صحيحتي الحلبي وليث المرادي المتقدمتين حيث ورد فيهما في أول الليل، وفي بعضها: فصل صلاتك واوتر من أول الليل كما مر. الا أن ذلك يبتنى على مسألة التطوع في وقت الفريضة، فان بنينا على حرمته - حملا للنهي فيها على الحرمة والمبغوضية - لزم الاتيان بصلاة الليل متأخرة على فريضة العشاء، لان الاتيان بها قبل الاتيان بصلاتي المغرب والعشاء من التطوع في وقت الفريضة وهو حرام، وإذا بنينا على جوازه حملا للنهي على الكراهة جاز الاتيان بها قبلهما، وان كان الارجح تأخيرها عن فريضة العشاء. وذهب المحقق الهمداني " قده " إلى أن أول وقتها بعد العتمة مطلقا واستدل عليه بموثقة سماعة بن مهران أنه سأل أبا الحسن الاول (ع) عن وقت صلاة الليل في السفر فقال: من حين تصلي العتمة إلى ان ينفجر

[ 413 ]

الصبح (* 1) وحمل الاطلاقات أيضا على ذلك بدعوى ان المنساق إلى الذهن من الفتاوى والنصوص حتى من مثل قوله (ع) صل صلاة الليل في السفر من أول الليل انما هو ارادة فعلها بعد اداء الفريضة، وعلى تقدير ظهورها في الاطلاق لوجب صرفها إلى ذلك جمعا بينها وبين الموثقة التي قدمنا نقلها وفيه: ان العتمة يختلف وقت الاتيان بها باختلاف المكلفين، فانهم قد يأتون بها بعد نصف ساعة من الليل كما في الجماعات وقد يأتون بها بعد ساعة أو ساعتين أو ثلاث أو أربع وهكذا. بل قد لا يأتي بها المكلف نسيانا أو عصيانا ونحو ذلك، ولازم التحديد بما بعد العتمة اختلاف وقت صلاة الليل باختلاف وقت الاتيان بالعتمة، وان لا يدخل وقتها ولا يجوز الاتيان بها عند ما تركت العتمة للعصيان أو للنسيان وهو مما لا يمكن الالتزام به، فلا مناص إذا من حمل الموثقة على بيان ما هو الوقت الافضل اعني ما بعد العتمة لئلا يندرج في كبرى التطوع في وقت الفريضة. وبعبارة أخرى ان الغرض من قوله (ع) من حين تصلي العتمة هو أن لا يؤتى بها في وقت المغرب والعشاء حتى تندرج في كبرى التطوع في وقت الفريضة، لا أن الموثقة ناظرة إلى تحديد الوقت بذلك فلم يرد بها عدم الجواز قبلها، وانما أريد بها بيان أن المكلف يصلي العتمة أولا لكونها فريضة ثم يأتي بالتطوع وهو أمر طبيعي للمكلف الملتفت لانه يشتغل - بطبعه - باداء الفريضة أولا ثم بعد ذلك يصلي ما شاءه من النوافل والله العالم بحقيقة الحال.


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 414 ]

هذا إذا قرء: من حين تصلي العتمة مبنيا للمعلوم وخطابا لسماعة. وأما لو قرء مبنيا للمجهول فالامر اوضح لان المراد بحين تصلى العتمة انما هو الوقت المضروب لها في الشريعة المقدسة أي من أول الليل لا الاوقات التي تصلى فيها العتمة في الخارج، لانها مختلفة - كما تقدم - ولا معنى للتحديد بما لا انضباط له في نفسه، إذا الموثقة غير منافية للمطلقات الدالة على أن وقتها من أول الليل. نعم في رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يتخوف ان لا يقوم من الليل أيصلي صلاة الليل إذا انصرف من العشاء الآخرة؟ وهل يجزيه ذلك أم عليه قضاء؟ قال: لا صلاة حتى يذهب الثلث الاول من الليل والقضاء بالنهار أفضل من تلك الساعة (* 1). ومقتضى هذه الرواية عدم جواز صلاة الليل قبل الثلث الاول من الليل. بل ظاهر قوله: لا صلاة انما هو نفي حقيقة الصلاة فتدل على فسادها. إذا لا مسوغ للاتيان بها من أول الليل وان كانت بعد العتمة أللهم الا ان يقال: ان الغالب هو الاتيان بصلاة العشاء إلى الثلث الاول إذا فهو وقت العتمة وقوله: لا صلاة حتى يذهب الثلث الاول معناه انه لا صلاة حتى تصلي العتمة ولا دلالة له على نفي الحقيقة بعد الاتيان بالعتمة. و " يرده ": ان الرواية ضعيفة السند بعبدالله بن الحسن، لعدم ثبوت وثاقته، كما انها قابلة للمناقشة من حيث الدلالة وذلك لتوقفها على ان يكون المراد بقوله: من تلك الساعة. هو ما بعد مضي الثلث، فان دلالتها على المدعى اعني عدم جواز تقديمها على الثلث الاول حينئذ دعوى


(* 1) المروية في ب 45 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 415 ]

لا بأس بها. حيث ان ظاهرها نفي حقيقة الصلاة حتى يذهب الثلث الاول فتدل على أن الصلاة الواقعة قبل ذهاب الثلث الاول ليست بصلاة حقيقة وانها فاسدة لا أثر لها فيستفاد من ذلك أن مبدء صلاة الليل انما هو بعد ذهاب الثلث الاول من الليل وانها انما تسوغ بعد ذهابه ولكن القضاء أفضل. وأما إذا اريد من تلك الساعة، اول الليل إلى الثلث أي لا صلاة في الثلث الاول من الليل، والقضاء بالنهار أفضل فتدل الرواية على جواز الاتيان بها قبل الثلث أيضا وذلك لمكان قوله: والقضاء بالنهار أفضل، لانه يدل على ان الاتيان بها - في تلك الساعة - أي أول الليل إلى الثلث أيضا امر مشروع بل راجح غير ان القضاء أفضل وأرجح، لا ان تقديمها على الثلث غير مشروع، والنفي في قوله (ع) لا صلاة.. يكون محمولا على نفي الكمال دون الحقيقة. والرواية وقتئذ مفصلة في التقديم بين تقديمها على الثلث الاول فان القضاء أفضل منها كما مر وتقديمها على الانتصاف بعد الثلث الاول فلا أفضلية للقضاء عنها وقتئذ. إذا ليست الرواية مخالفة للمطلقات الدالة على جواز الاتيان بها من أول الليل فلا مقيد للمطلقات ويجوز الاتيان بها في موارد التقديم من أول الليل، اللهم إلا أن نقول بعدم جواز التطوع في وقت الفريضة، لانها حينئذ لابد من ان تؤخر عن فريضتي المغرب والعشاء.

[ 416 ]

الاتيان بصلاة الليل بعد طلوع الفجر ذكرنا ان صلاة الليل ينتهي وقتها بطلوع الفجر واستبانة الضياء وهذا يستفاد من عدة من الروايات: " منها ": ما ورد في ان من خشي طلوع الفجر عجل في صلاته (* 1). و " منها " ما دلى على النهي عن الوتر بعد طلوع الفجر (* 2). فان صلاة الوتر إذا لم تكن مأمورا بها بعد الفجر وهي أهم أجزاء صلاة الليل - لم يكن غيرها بمأمور به بالاولوية. و " منها ": الاخبار الواردة في قضائها بالنهار وبعد طلوع الفجر (* 3) ومنها صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا الحسن الاول (ع) عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس فقال: نعم وبعد العصر إلى الليل فهو من سر آل محمد المخزون (* 4) وقد مر أن في الوسائل رواها عن محمد بن عمر الزيات وهو غلط والصحيح محمد بن عمرو الزيات الثقة وقد فرض فيها جميل أن صلاة الليل ينتهي وقتها بطلوع الفجر وقد أقره الامام (ع) على ذلك. وسأله عن القضاء بعد فريضة الفجر إلى طلوع الشمس نظرا إلى ذهاب العامة إلى المنع عن الصلاة في خمسة أوقات ومنها بعد الفجر إلى طلوع الشمس واجابه (ع) بانه أمر جائز وانه من سر آل محمد المخزون. وتدلنا هذه الروايات على أن صلاة الليل ينقضي وقتها بطلوع الفجر


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 46 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 45 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 4) المروية في ب 56 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 417 ]

ولازم ذلك ان تكون صلاة الليل قضاء بعد طلوع الفجر واستبانته إذا فالافضل هو البدءة بالفريضة بعد طلوعه لان الاتيان بالنافلة - قضاء - في وقت الفريضة مرجوح يقينا، وهل يحرم أو لا؟ فيه كلام. وأما المرجوحية فهي مما لا شبهة فيه، فان صاحبة الوقت أولى به من غيرها فمن أراد صلاة الليل أتى بها بعد فريضة الفجر وصاحبة الوقت. إلا ان هناك جملة من الروايات قد دلت على أن صلاة الليل والوتر وركعتي الفجر يجوز ان تقضى قبل فريضة الفجر إلى ان يتضيق وقتها. " فمنها ": صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن صلاة الليل والوتر بعد طلوع الفجر فقال: صلها بعد الفجر حتى يكون في وقت تصلي الغداة في آخر وقتها، ولا تعمد ذلك في كل ليلة، وقال اوتر أيضا بعد فراغك منها (* 1). و " منها ": صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري (في حديث) قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الوتر بعد الصبح قال: نعم قد كان أبي ربما أوتر بعد ما انفجر الصبح (* 2). و " منها ": غير ذلك من الروايات، إلا انها معارضة بما دل على عدم الجواز. كصحيحة اسماعيل بن جابر قال: قلت لابي عبد الله (ع) اوتر بعدما يطلع الفجر؟ قال: لا (* 3). وصحيحة سعد بن سعد عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن الرجل يكون في بيته وهو يصلي وهو يرى أن عليه ليلا ثم يدخل عليه الآخر


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 48 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 46 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 418 ]

من الباب فقال: قد اصبحت. هل يصلي الوتر أم لا أو يعيد شيئا من صلاته؟ قال: يعيد إن صلاها مصبحا (* 1). لدلالتها على ان صلاة الوتر يخرج وقتها بطلوع الفجر وأن الوظيفة المقررة بعد طلوعه هي البدءة بالفريضة، وانما يؤتى بصلاة الليل قضاء بعد الاتيان بالفريضة حتى ان المكلف لو صلى صلاة الليل قبل الفريضة لاعتقاده بقاء الليل ولم يكن الامر كما اعتقده واقعا قضاها بعد الاتيان بفريضة الفجر. وسند الرواية صحيح سواء أكان المراد من أحمد بن محمد الواقع فيه هو أحمد بن محمد بن خالد البرقي أو أحمد بن محمد بن عيسى لصحة طريق الشيخ إلى كليهما على ما بيناه في محله. وهاتان الطائفتان متعارضتان وتعارضهما بالاطلاق ومن هنا وقع الكلام في أن مقتضى الجمع بينهما أي شئ؟ فهل يجوز الاتيان بصلاة الليل بعد الفجر أو لا يجوز؟ والصحيح في الجمع بينهما حمل الطائفة المجوزة على ما إذا انتبه من النوم بعد طلوع الفجر فان له ان يصليها حينئذ إلى أن يتضيق وقت الفريضة وحمل المانعة على ما إذا انتبه قبل طلوعه، لان الوقت حينئذ ان كان متسعا يتمكن من الاتيان فيه بصلاة الليل أتى بها بالتمام والا اقتصر على الوتر، ولا يجوز له الاتيان بصلاة الليل بعد طلوع الفجر. والوجه في هذا الجمع وجود الطائفة الثالثة من الروايات حيث وردت في أن من قعد عن النوم بعد طلوع الفجر يجوز أن يأتي بصلاة الليل بعد الفجر " فمنها ": صحيحة سليمان بن خالد قال: قالي أبو عبد الله (ع) وربما


(* 1) المروية في ب 46 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 419 ]

قمت وقد طلع الفجر فاصلي صلاة الليل والوتر والركعتين قبل الفجر، ثم أصلي الفجر قال: قلت: أفعل أناذا؟ قال: نعم ولا يكون منك عادة (* 1). و " منها ": ما رواه عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (ع) أقوم وقد طلع الفجر فان أنا بدأت بالفجر صليتها في أول وقتها، وان بدأت بصلاة الليل والوتر صليت الفجر في وقت هؤلاء فقال: أبدء بصلاة الليل والوتر ولا تجعل ذلك عادة (* 2) و " منها ": غير ذلك من الروايات وهذه الطائفة تقيد الطائفة المانعة الدالة على عدم جواز الاتيان بصلاة الليل بعد الفجر مطلقا فيختص النهي والمنع بغير من قام من النوم بعد الفجر، وبذلك تنقلب النسبة بين الطائفة المانعة والمجوزة لبقاء المجوزة على ما هي عليه من الاطلاق وتقييد المانعة بغير من قام وانتبه بعد الفجر. وبعبارة وضحى ان النسبة بين الطائفتين المتعارضتين بالاطلاق هي التبائن (أولا) والنسبة بين الطائفة الثالثة والمانعة هي العموم المطلق فإذا خصصناها بتلك الطائفة أختصت - لا محالة - بغير من قام وانتبه من النوم بعد طلوع الفجر وبذلك تكون أخص من الطائفة المجوزة مطلقا ولا مناص وقتئذ من أن تخصصها بالطائفة المانعة وهذا من انقلاب النسبة من التبائن إلى العموم المطلق. والنتيجة ان المجوزة تكون خاصة بمن انتبه بعد طلوع الفجر، ولا مانع من أن ينتقل بنافلة الليل بعد الطلوع بخلاف ماذا انتبه قبل طلوع الفجر على ما تقدم هذا كله فيما يرجع إلى نافلة الليل. ثم ان ما قدمناه فيها من التعارض والتفصيل يأتي - بعينه - في صلاة الوتر، إذ قد وردت فيها أيضا طائفتان متعارضتان ودلت احداهما على


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 48 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 420 ]

على جواز الاتيان بها بعد الفجر مطلقا، ودلت الاخرى على المنع عن الاتيان بها بعد الفجر كذلك. وترتفع المعارضة بينهما بما ذكرناه عن حمل المانعة على صورة الانتباه من النوم قبل الفجر لورود الطائفة الثالثة المتقدمة لدلالتها على جواز الاتيان بصلاة الليل والوتر لمن قام وانتبه بعد الفجر، وبذلك تنقلب النسبة بين المتعارضين من التبائن إلى العموم المطلق فليلاحظ فهذان الموردان من موارد انقلاب النسبة كما مر هذا. وقد يقال: ان الطائفة الثالثة التى جعلتموها شاهد جمع بين المتعارضين بنفسها مبتلاة بالمعارض في موردها وهو من قام بعد طلوع الفجر حيث ورد فيما رواه المفضل بن عمر أنه قال: قلت لابي عبد الله (ع) أقوم وانا أشك في الفجر فقال: صل على شكك فإذا طلع الفجر فاوتر وصل الركعتين وإذا انت قمت وقد طلع الفجر فابدء بالفريضة ولا تصل غيرها فإذا فرغت فاقض، ما فاتك. (* 1). وهي كما ترى دلت على ان من انتبه بعد طلوع الفجر يبدأ بالفريضة ولا يصلي صلاة الليل ولا غيرها فتعارض الطائفة الثالثة لا محالة. ويندفع: بان الرواية ضعيفة السند وغير قابلة للمعارضة بوجه وهذا لا لعلي بن الحكم الواقع في سندها بدعوى: ان المعروف من المسمين بهذا الاسم اشخاص ثلاثة وثق واحد منهم دون الآخرين فهو مردد بين الثقة وغيرها وذلك لما يوافيك في محله من اتحاد المسمين به وانه شخص واحد موثق. بل لمفضل بن عمر الواقع في سندها، لانه وان وثقه الشيخ المفيد " قده " حيث ذكر أن من شيوخ أصحاب أبي عبد الله (ع) وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء والصالحين رحمهم الله المفضل بن عمر الجعفي. الا ان النجاشي وابن


(* 1) المروية في ب 48 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 421 ]

الغضائري قد ضعفاه ومع تعارض التوثيق بالتضعيف لا يمكننا الاعتماد عليه أبدا على أنه يمكن أن يقال: أن النجاشي حسبما وقفنا عليه أضبط من المفيد " قده " فانه قد يرى منه بعض المناقضات ولم نر من النجاشي " قده " مثله - مثلا - ذكر المفيد طاب رمسه في محكى كلامه في الارشاد في باب النص على الرضا (ع)، ماهذا نصه: ممن روى النص على الرضا (ع) بالامامة من أبيه والاشارة منه بذلك من خاصته وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته داود بن كثير الرقي و.. ومحمد بن سنان. وهذا كما ترى توثيق صريح منه " قده " لمحمد بن سنان، الا أنه ناقضه في موضع من محكي رسالته التي صنفها في كمال شهر رمضان ونقصانه. حيث قال: بعد نقل رواية دالة على أن شهر رمضان لا ينقص أبدا ما هذه عبارته: وهذا حديث شاذ نادر غير معتمد عليه في طريقه محمد ابن سنان وهو مطعون فيه لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه ومن كان هذا سبيله لا يعتمد عليه في الدين. وهذا صريح في تضعيف الرجل وهما كلامان متناقضان، ولم ير من النجاشي " قده " المناقضة في الكلام فبهذا يرجح تضعيف النجاشي " قده " في المقام مع معاضدته بتضعيف شيخه أعني ابن الغضائري، لانه أيضا ثقة ومن مشايخ النجاشي " قدهما " إذا الرواية غير قابلة للاستدلال بها على شئ هذا على أن دلالتها أيضا قابلة للمناقشة، لاحتمال ان يكون المراد فيها بالقيام هو القيام من الجلوس إلى الصلاة أو إلى شئ من مقدماتها دون القيام من النوم، وان كانت ارادته أيضا محتملة كما في قوله عز من قائل

[ 422 ]

إذا قمتم إلى الصلاة.. (* 1) المفسر بالقيام من النوم. إذا فالقيام فيها أعم والرواية مطلقة لوضوح ان دلالتها حينئذ على القيام من النوم بالاطلاق فتندرج في الطائفة الدالة على المنع عن الاتيان بصلاة الليل بعد طلوع الفجر مطلقا سواء قام من النوم أم قام إلى الصلاة أو الوضوء أو غيرهما فرأى أن الفجر قد طلع. ومعه نقيدها بالاخبار الواردة في جوازها بالاضافة إلى من انتبه وقام من النوم بعد طلوع الفجر هذا. الا أن الانصاف أن دلالتها غير قابلة للمناقشة من هذه الجهة وذلك لان القيام فيها بعينه القيام الوارد في سائر الروايات الواردة في جواز الاتيان بصلاة الليل إذا قام بعد طلوع الفجر، ولا شبهة في أن الظاهر منه هو القيام من النوم إذا لا يرد على الرواية الا كونها ضعيفة السند كما مر وفي صحيحة عبد الله بن سنان: أن من قام بعد طلوع الفجر يبدأ بالوتر ثم يصلي الركعتين أي الفريضة ثم يأتي بركعات الليل قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا قمت وقد طلع الفجر فابدء بالوتر، ثم صل الركعتين ثم صل الركعات إذا اصبحت (* 2). والمراد فيها بالاصباح ليس هو طلوع الفجر يقينا، لان مفروض الرواية انه قام بعد طلوع الفجر، فلا معنى لقوله (ع) ثم صل الركعات إذا اصبحت بل المراد به هو الاصباح العرفي أعني تنور السماء واستضاءتها أو طلوع الشمس. وكيف كان فهي مخالفة لما قدمناه من جواز الاتيان بصلاة الليل


(* 1) المائدة: 5: 6. (* 2) المروية في ب 46 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 423 ]

[ (مسألة 10) إذا دار الامر بين تقديم صلاة الليل على وقتها أو قضائها فالارجح القضاء (1). ] والوتر قبل الفريضة بالاضافة إلى من قام بعد الفجر ولكن الرواية وان كانت واردة في محل الكلام أعني من انتبه بعد الفجر، إلا انها غير منافية لما قدمناه، وانما غايتها الدلالة على ان من انتبه بعد الفجر يتخير بين الاتيان بصلاة الليل بتمامها قبل الفريضة - ما لم يتضيق وقتها -، والاكتفاء بالوتر والركعتين قبلها والاتيان بركعات الليل بعدها، كما ان من انتبه قبل الفجر يأتي بصلاة الليل والوتر مخففة - ان امكنه - وإلا فيأتي بالشفع والوتر وبذلك يكتب له صلاة الليل. وعلى الجملة الجمع بحمل المانعة على من قام قبل طلوع الفجر والمرخصة على صورة الانتباه بعد الطلوع مما لا مناقشة فيه ولم ار من تعرض للجمع بين الطائفتين بهذه الكيفية من الاصحاب غير صاحب الوسائل " قده " حيث عنوان الباب بباب استحباب صلاة الليل والوتر مخففة قبل صلاة الصبح لمن انتبه بعد الفجر ما لم يتضيق الوقت وكراهة اعتياده، والمظنون - قويا - انه " قده " التفت إلى التعارض بين الروايات فجمع بينهما بتلك الاخبار كما مر. (1) ظهر الحال في تلك المسألة مما سردناه في التعليقة المتقدمة وقلنا ان الجواز انما يثبت في جملة من الموارد المتقدمة بالنصوص الواردة فيها بالخصوص، ولم يدلنا أي دليل على أن القضاء فيها أفضل من تقديم النافلة على الانتصاف، ومن هنا قلنا ان ذلك من باب التوسعة في الوقت لا من باب التعجيل والتقديم. نعم ورد في بعضها ان القضاء أفضل ومن ثمة ذكرنا ان الجواز فيه

[ 424 ]

[ (مسألة 11) إذا قدمها ثم انتبه في وقتها ليس عليه الاعادة (1). (مسألة 12) إذا طلع الفجر وقد صلى من صلاة الليل أربع ركعات أو أزيد أتمها (2). ] من باب التقديم والتعجيل دون التوسعة، ولا شبهة في ان القضاء فيه أفضل للروايات المصرحة بذلك فمنها صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة عن أبي عبد الله عليه السلام حيث ورد في آخرها: القضاء بالنهار أفضل (* 1). (1) سواء أكان جواز تقديمها من باب التوسعة في وقتها أم من باب التعجيل والتقديم على الوقت فان المستفاد من الروايات ان الاتيان بها قبل الانتصاف امتثال للامر بها وان ما أتى به مصداق للمأمور به اما للتوسعة في وقتها أو للتوسعة في مرحلة الامتثال وتجويز الاتيان بالمأمور به في غير الوقت المقرر له - كالقضاء - ومع حصول المأمور به وتحقق الامتثال لا مقتضي للاتيان بها ثانيا لسقوط الامر المتعلق بها وعدم بقائه حتى يؤمر بالاعادة ثانيا. (2) ما أفاده " قده " من اتمام صلاة الليل إذا صلى أربع ركعات ثم طلع الفجر وان كان هو المعروف بين الاصحاب " قدهم " بل ادعى عليه الاجماع في كلماتهم إلا أن الشهرة والاجماع المدعى لا يصلح شئ منهما للاستدلال به في المقام، لعدم اعتبار الشهرة والاجماع، لانه من الاجماع المنقول الذي لا نلتزم بحجيته. بل الامر كذلك حتى على تقدير ان يكون الاجماع المدعى محصلا للاطمئنان أو الظن ولا اقل من احتمال ان المجمعين استندوا في ذلك إلى


(* 1) المروية في ب 45 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 425 ]

الرواية الواردة في المقام ومعه يكون الاجماع مدركيا وساقطا عن الاعتبار لا محالة وان لم تكن الرواية قابلة للاعتماد عليها في نفسها لالتزام الغالب على التسامح في أدلة السنن التي منها المقام، فان الباب باب المستحب. وما يمكن أن يستندوا إليه في المسألة أمران: " أحدهما ": ما رواه أبو جعفر ألا حول محمد بن النعمان قال: قال أبو عبد الله (ع) إذا كنت انت صليت اربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فاتم الصلاة طلع أم لم يطلع (* 1). و " ثانيهما ": الفقه الرضوي حيث ورد فيه: ان كنت صليت من صلاة الليل أربع ركعات إلى آخر الرواية المتقدمة (* 2). أما الرواية الاولى فهي وان كانت واضحة الدلالة على المدعى إلا انها ضعيفة السند بأبي الفضل النحوي الراوي عن الاحول لانه مجهول. بل ولم يظهر اسمه وانما عنونوه بالكنية فحسب، نعم بقية رجال السند حتى علي ابن الحكم مورد للاعتبار بناء على ما هو الصحيح من اتحاد الانباري وغيره من المسمين بعلي بن الحكم. على انها مبتلاه بالمعارض وان كان هو أيضا مثلها ضعيف السند وهو ما رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن يعقوب البزاز قال: قلت له: أقوم قبل طلوع الفجر بقليل فأصلي أربع ركعات، ثم اتخوف ان ينفجر الفجر أبدء بالوتر أو اتم الركعات فقال: لا بل اوتر وأخر الركعات حتى تقضيها في صدر النهار (* 3) ومحمد بن سنان ويعقوب البزاز ضعيفان.


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 47 من ابواب المواقيت من الوسائل (* 2) المروية في ب 38 من ابواب المواقيت من المستدرك

[ 426 ]

[ مخففة (1) ] وأما الفقه الرضوي فقد مر غير مرة انه لم يثبت كونه رواية فضلا عن ان يكون موردا للاعتبار، إذا فالحكم بالاستحباب في المسألة يبتنى على القول بالتسامح في أدلة السنن، فانه بناء على تلك القاعدة لا مانع من الحكم بالاستحباب، والتفصيل بين ما إذا صلى اربع ركعات ثم طلع الفجر وغيره فيتم صلاته في الصورة الاولى دون الثانية كما ذكره الماتن " قده ". وحيث انا لا نقول بتلك القاعدة وذكرنا أن الروايات المستدل بها عليها غير وافية في اثباتها، وانما تدل على ان الاتيان بالعمل برجاء الثواب ومن باب الانقياد أمر حسن وأما الاستحباب فلا. فلا يمكننا الحكم باستحباب اتمام النافلة في محل الكلام. على ان نافلة الليل - وقتئذ - من التطوع في وقت الفريضة وهو لو لم نقل بحرمته ومبغوضيته فلا كلام في انه مرجوح في الشريعة المقدسة إذا يحتاج رفع اليد عن كونها مرجوحة إلى دليل وقد عرفت ان ما استدل به عليه لا ينهض دليلا على الجواز والتخصيص في مقابلة ما دل على المنع عن التطوع في وقت الفريضة. وفي مثل ذلك لا اثر للتسامح في أدلة المستحبات فانه غير رافع للمرجوحية وان كان لا بأس به من حيث الجواز، وكيف كان لم يقم دليل على عدم المرجوحية في المقام سواء تلبس بأربع ركعات من النافلة ام لم يتلبس بها. (1) لم يقم على ذلك أي شاهد من الرواية المتقدمة، لانها انما تدل على استحباب اتمام صلاة الليل على النحو المتعارف وكما كان يأتي بها قبل طلوع الفجر، وأما الاتيان بها مخففة فلا يكاد يستفاد منها ابدا، فالتخفيف

[ 427 ]

[ وان لم يتلبس بها قدم ركعتي الفجر ثم فريضته (1) وقضاها، ولو اشتغل بها اتم ما في يده ثم أتى بركعتي الفجر وفريضته (2) وقضى البقية بعد ذلك. ] يحتاج إلى دليل، ولعل اعتباره من جهة مناسبة الحكم والموضوع حيث ان التطوع في وقت الفريضة محرم أو مرجوح، فإذا اثبتنا جوازه بتلك الرواية تخصيصا فيما دل على النهي عن التطوع في وقت الفريضة فالمناسب والاولى ان يؤتى بها مخففة حتى لا تتحقق مزاحمة الفريضة بكثير. (1) ظهر الحال في ذلك مما سردناه في المسألة المتقدمة فلاحظ. (2) وهذا لا لما دل على أن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت حتى يلزمه التفصيل في المسألة بين ما إذا أتى منها بركعة وقد طلع الفجر فيحكم بصحتها واتمامها ما إذا طلع الفجر قبل الاتيان منها بركعة حتى يحكم ببطلانها أو مرجوحيتها ويرفع اليد عما أتى به ويأتي بركعتي الفجر من الابتداء، لان العمدة في ذلك موثقة عمار وهي انما وردت في صلاة الغداة وانما تعدينا عنها إلى سائر الفرائض للعلم الخارجي بعدم الفرق بين الغداة وغيرها من الفرائض اليومية. واما التعدي عنها إلى كل صلاة حتى النافلة فهو يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. بل الوجه فيما ذكره الماتن " قده " هو ان أدلة المنع عن الاتيان بصلاة الليل بعد الفجر منصرفة عن اتمامها وذلك لان العمدة في ذلك هي الروايات المانعة عن الاتيان بصلاة الوتر بعد طلوع الفجر، واشرنا سابقا إلى ان صلاة الوتر - التي هي أهم اجزاء صلاة الليل - إذا لم تكن مأمورا بها بعد الفجر لم يكن غير الوتر بمأمور به بالاولوية. وهذه الروايات منصرفة إلى الشروع في الوتر وايجادها اعني البدءة بها بعد طلوع الفجر وغير شاملة لما لو شرع فيها قبل طلوعه وبعد ما اشتغل

[ 428 ]

[ (مسألة 13) قد مر ان الافضل في كل صلاة تعجيلها (1) فنقول: يستثنى (2) من ذلك موارد: ] بها طلع في اثنائها وإذا لم تشمل الاخبار المانعة لصلاة الوتر بحسب البقاء شملتها المطلقات الواردة في استحباب صلاة الليل والوتر لعدم مزاحمتها بشئ. وبعبارة أخرى ان دليل المنع إذا لم يشمل المقام اعني ما إذا طلع الفجر والمكلف في اثناء الصلاة كان اطلاق الامر بصلاة الليل والوتر بحاله، والظاهر ان ما ذكرناه من قصور دليل المنع هو المستند للماتن " قده " وإلا فلم يرد على ما افاده " قده " أي دليل بالخصوص. (1) وقد مر الوجه في ذلك عند تعرض الماتن للمسألة فلاحظ. الموارد المستثناة (2) الحري أن يقال: ان الموارد المستثناة عن أفضلية التقديم والتعجيل قسمان: " أحداهما ": ما كان الاستثناء فيه من باب التخصيص بحيث لو صلى أول الوقت بان أتى بالفريضة مقدما فقد أتى بها في غير الوقت الافضل فهو من الموارد المستثناة عن أفضلية التقديم حقيقة. و " ثانيهما ": ما كان الاستثناء فيه من باب المزاحمة بحيث لو صلى أول الوقت أتى بها في الوقت الافضل إلا أنه ترك بذلك مستحبا آخر أهم وأفضل من الاتيان بها في وقت فضيلتها، فهذا من باب التزاحم دون الاستثناء حقيقة بمعنى ان التأخير فيه انما هو لمراعاة أمر آخر أهم، لا لاجل

[ 429 ]

أن الاتيان بالفريضة مقدما ليس بمطلوب في نفسه بل لان رعاية الجهة الثانية أولى من رعاية تلك الجهة، فالصلاة في أول وقتها أيضا أفضل في نفسها وانما استحب تأخيرها من جهة المزاحم الاقوى كما عرفت، ولو مع قطع النظر عما دل على استحباب التأخير حينئذ إذا فالانسب ذكر كل من القسمين على حدة: فمن القسم الاول أفضلية التأخير للمتيمم فيما إذا احتمل ارتفاع عذره إلى منتهى الوقت بناء على جواز البدار حينئذ كما بنى عليه الماتن " قده " فان التأخير في حقه أفضل، بحيث لو صلى في أول الوقت أتى بها في غير الوقت الافضل. ومن القسم الثاني أفضلية تأخير الظهرين لمن أراد الاتيان بنافلتهما، لانها مستندة إلى أن تقديمها مزاحم للنوافل وهي أهم من التعجيل بهما، واتيانهما في أول الوقت لا لانهما لو أتى بهما في أول الوقت وقعتا في غير الوقت الافضل وذلك لان الاتيان بهما في أول الوقت أفضل مطلقا غير ان تقديمهما مبتلى بالمزاحم الاقوى، فمراعاة للمزاحم استحب تأخيرها عن أول الوقت، وهذا هو الذي يستفاد من قوله (ع) أو تدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قال: لا. قال (ع) لمكان النافلة. هكذا ينبغي تحرير الاقسام المذكورة في المقام وبيان ان الاستثناء في أي قسم حقيقي وفي أي قسم من باب المزاحمة

[ 430 ]

[ " الاول ": الظهر والعصر لمن اراد الاتيان بنافلتهما (1) وكذا الفجر إذا لم يقدم نافلتها قبل دخول الوقت. " الثاني ": مطلق الحاضرة لمن عليه فائتة (2) واراد اتيانها ] الاول: الظهر والعصر (1) لما مر في محله من ان الافضل في الظهرين في موارد تشرع فيها النافلة كما في غير السفر هو الاتيان بهما بعد النافلة، لما دل على تحديد وقتهما بالذراع والذراعين أو المثل والمثلين على اختلاف الروايات في ذلك، فإذا فرضنا أن المكلف لا يريد التنفل لعذر - كالسفر - أو لغير عذر وبالاختيار فالافضل أن يأتي بالظهرين أيضا في أول الوقت لما تقدم في محله من ان الذراع والذراعين وغيرهما مما ورد في تحديد وقت النافلة مما لا خصوصية له لان التأخير عن أول الوقت انما هو لمكان النافلة على ما صرح به في بعض الروايات، ودل بعضها على مرغوبية التخفيف في النافلة أيضا. فإذا لم تشرع النافلة أو ان المكلف لم يأت بها بالاختيار أو أتى بها متقدمة على الزوال كما في يوم الجمعة فمقتضى اطلاق الروايات المتقدمة التي استفدنا منها اهتمام الشارع بأول الوقت أفضلية الاتيان بهما في أول الزوال أيضا كما مر. الثاني: الحاضرة لمن عليه الفائتة (2) وقع الكلام في أن من عليه الفائتة هل يستحب أن يقدمها على

[ 431 ]

الحاضرة أو أن الافضل ان يؤتى بالحاضرة اول وقتها ثم بالفائتة، فعن بعضهم استحبابه وذهب جماعة إلى لزومه، وانه لا يجوز الاتيان بالفريضة الحاضرة لمن عليه فائتة. وهل القضاء على المواسعة أو المضايقة؟ بمعنى ان من شرائط الحاضرة ان لا يكون على المكلف صلاة فائتة أو انها ليست بمشروط بذلك. بل تقع الحاضرة صحيحة ولو مع اشتغال الذمة بالقضاء يأتي عليه الكلام في محله ان شاء الله، وانما نتكلم في المقام بعد الفراغ عن ان القضاء موسع. فيقع الكلام في أن الافضل ان يقدم الفائتة على الحاضرة أو ان الامر بالعكس؟ مقتضى ما ورد في جملة من الروايات أن الافضل تقديم الفائتة على الحاضرة ما لم يتضيق وقتها كما ذكره الماتن " قده ". " منها ": صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) (في حديث) قال إذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف ان يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت وهذه أحق بوقتها فليصلها، وإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى (* 1) وبازائها أيضا عدة روايات دلت على أن الافضل تقديم الحاضرة على الفائتة: " فمنها ": صحيحة إبن مسكان عن أبي عبد الله (ع) قال: ان نام رجل أو نسي أو يصلي المغرب والعشاء الآخرة فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، وان خاف أن تفوته احداهما فليبدء بالعشاء الآخرة. وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس (* 2).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 62 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 432 ]

و " منها ": صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: ان نام رجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء أو نسي فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، وان خشي ان تفوته احداهما فليبدء بالعشاء الآخرة، وان استيقظ بعد الفجر فليبدء، فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة. (* 1). وهاتان الصحيحتان قد دلنا على لزوم تقديم الحاضرة - وهي صلاة الفجر - على الفائتة أعني صلاتي المغرب والعشاء. وقد يقال: ان الصحيحتين معارضتان للطائفة المتقدمة، لانهما يشتملان على الامر بتقديم الحاضرة على الفائتة، والطائفة المتقدمة اشتملت على الامر بعكسه. ولكن الظاهر انه لا معارضة بينهما وذلك: " أما أولا ": فلانا لو كنا وهاتين الصحيحتين لخصصنا بهما الطائفة المتقدمة، لان تلك الطائفة اعني صحيحة زرارة المتقدمة مطلقة، وقد دلت باطلاقها على أن كل فريضة فائتة متقدمة على الحاضرة، وهاتان الصحيحتان واردتان في خصوص فريضة الفجر وقد دلتا على أن صلاة الفجر بخصوصها متقدمة على فائتة المغرب والعشاء ومقتضي القاعدة ان نلتزم بالتخصيص في صحيحة زرارة واستثناء فريضة الفجر من عمومها أو اطلاقها فلا معارضة بينهما. و " أما ثانيا ": فلان هناك صحيحة أخرى لزرارة قد فصلت بين صورة خوف ذهاب الوقت فدلت على لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة حينئذ وصورة عدم الخوف من ذهابه فدلت حينئذ على لزوم تقديم الفائتة على


(* 1) المروية في ب 62 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 433 ]

[ (الثالث): في المتيمم مع احتمال زوال العذر (1) أو رجائه ] الحاضرة، حيث صرحت بقوله (ع) وان كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدء بهما قبل أن تصلي الغداة ابدء بالمغرب ثم العشاء، فان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدأت بهما فأبدأ بالمغرب ثم صل الغداة ثم صل العشاء، وان خشيت ان تفوتك الغداة ان بدءت بالمغرب فصل الغداة ثم صل المغرب والعشاء ابدء بأولهما (* 1). ومع ملاحظة هذا التفصيل لا تصل النوبة إلى التخصيص فضلا عن المعارضة، إذ معه تحمل الصحيحتان على صورة خوف ذهاب الوقت بقرينة هذه الصحيحة، لانها أخص فلاجلها تختص الصحيحتان بما إذا خيف ذهاب الوقت. وبذلك ترتفع المنافاة بين الطائفتين ويتم ما ذكره الماتن " قده " من أن الافضل ان يبدء بالفائتة ما لم يتضيق وقت الحاضرة، ومع الضيق تتقدم الحاضرة على الفائتة، لان صاحبة الوقت أولى به من غيرها. الثالث: المتيمم؟؟ مع احتمال زوال العذر (1) أشرنا إلى أن ذلك يبتني على القول بجواز البدار - في المقام - كما بني عليه الماتن " قده " ولكنا بنينا - في محله - على عدم جوازه وانه لابد من ان ينتظر المكلف حينئذ إلى آخر الوقت فان تمكن من الماء توضأ أو اغتسل والا تيمم وصلى لانه ان فاته الماء فلن تفوته الارض والتراب إذا فالانتظار والتأخير أمران لازمان في محل الكلام لا أنهما مستحبان وقد قدمنا


(* 1) المروية في ب 63 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 434 ]

[ واما في غيره من الاعذار فالاقوى وجوب التأخير (1) وعدم جواز البدار. ] الكلام في ذلك مفصلا في بحث التيمم فليراجع. (1) فصل الماتن " قده " بين المتيمم وسائر ذوي الاعذار حيث حكم بجواز البدار والتقديم في الاول ومنعهما في غيره وأوجب التأخير والانتظار إلى آخر وقت الفريضة. ولعل الوجه في تفصيله ان العذر المسوغ للصلاة العذرية هو الذي يستوعب الوقت كله نظرا إلى أن المأمور به هو الطبيعي الواقع فيما بين المبدء والمنتهى، فإذا تمكن المكلف من الصلاة الاختيارية في أي جزء من أجزاء ذلك الوقت فلا يكون مضطرا إلى الصلاة العذرية أي الفاقدة لشئ من الاجزاء والشرائط الاختياريتين، ومن المعلوم ان الصلاة العذرية غير مشروعة إلا مع العجز عن الصلاة التامة الاختيارية في مجموع الوقت المضروب لها. وحيث ان المكلف لم يحرز عجزه عن الصلاة التامة إلى منتهى الوقت لم يجز له البدار بالاتيان بالصلاة العذرية في أول وقتها، لاحتمال ارتفاع العذر قبل انقضاء الوقت وانتهائه، ومجرد العذر في بعض الوقت غير مسوغ للاكتفاء بالصلاة العذرية. وأما البدار في حق المتيمم فالحكم بجوازه مستند إلى النص هذا. وقد تكلمنا على النص الوارد في ذلك - في محله - وأما ما قدمناه من الوجه لعدم مشروعية البدار لسائر ذوي الاعذار فهو وان كان كما سردناه بحسب الحكم الواقعي إلا ان الامر حسبما يقتضيه الحكم الظاهري ليس كما أفيد والوجه فيه: ان المكلف إذا كان واجد للعذر في أول وقت الصلاة، واحتمل

[ 435 ]

[ " الرابع " لمدافعة الاخبثين (1) ونحوهما، فيؤخر لدفعهما ] بقاءه إلى آخره كارتفاعه لم يكن أي مانع من التمسك باستصحاب بقاء العذر إلى منتهى وقت الصلاة - بناء على جريان الاستصحاب في الامور الاستقبالية - كما هو الصحيح وبه يحرز ان العذر مستوعب للوقت كله. وهو كالعلم الوجداني ببقاء العذر كذلك فيشرع له البدار والاتيان بالصلاة العذرية في أول الوقت. ثم إذا لم ينكشف له الخلاف واستمر العذر إلى منتهى الوقت فهو وإذا ارتفع العذر قبل ذلك وجبت عليه الاعادة لعدم اجزاء الاحكام الظاهرية عن الاحكام الواقعية. والامر الواقعي باق بعد بحاله فلا مناص من امتثاله على ما حررناه في محله، وكيف كان فلا مانع عن الحكم بمشروعية البدار - في هذا القسم - بالاستصحاب. وبهذا يظهر ان الحق في المسألة عكس ما ذكره الماتن، وان الصحيح بالنسبة إلى المتيمم عدم جواز البدار، وجوازه بالاضافة إلى سائر ذوي الاعذار، وان كان ذلك حكما ظاهريا تجب معه الاعادة علي تقدير انكشاف الخلاف وارتفاع العذر قبل خروج الوقت وانقضائه. الرابع: مدافعة الاخبثين (1) جواز التأخير في هذا القسم من باب التخصيص - حقيقة - بمعنى أن المكلف لو صلى مع المدافعة ولم يؤخر الصلاة لدفع الاخبثين لوقعت صلاته مرجوحة وفي غير الوقت الافضل، ويدل عليه صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) قال: لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة وهو بمنزلة

[ 436 ]

من هو في ثوبه (* 1). ومقتضى هذه الصحيحة - لولا ما دل على الجواز مع مدافعة الاخبثين - عدم جواز الصلاة وبطلانها في حالة المدافعة، لدلالتها على نفي الصلاة عن الحاقن وظاهره نفي الحقيقة وقد دلت على انها كالصلاة الواقعة في الثوب المشتمل على البول أو العذرة، غير انا علمنا بالقرينة الخارجية وما دل على صحة تلك الصلاة ان المراد به نفي الكمال دون نفي الصحة والحقيقة، إذا تدلنا الصحيحة على أن الافضل أن تؤخر الصلاة عند مدافعة الاخبثين لدفعهما ثم ان الرواية في الوسائل: لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة. وفي التهذيب أيضا بهذه العبارة، وكذلك في محاسن البرقي ولكنه لم يتكرر فيه كلمة " ولا " والعبارة: لا صلاة لحاقن وحاقنة. وعليه فلابد في التعدي إلى الحاقب أعني حابس الغائط والحاقه بالحاقن أي حابس البول من دعوى عدم الفصل والقطع بوحدة الملاك، وإلا فالرواية مختصة بحابس البول فحسب، ولم يرد الحاقب في شئ مما يعتمد عليه من رواياتنا. واحتمل المحدث الكاشاني " قده " وقوع التصحيف في الرواية بتبديل كلمة " حاقب " بالحاقنة، حيث روى الرواية هكذا: لا صلاة لحاقن ولا لحاقب، ثم فسر الحاقن بحابس البول، والحاقب بحابس الغائط وقال قال في النهاية: فيه: لا أرى لحاقب ولا لحاقن، الحاقب الذي احتاج إلى الخلا فلم يبرز فانحصر غايطه، ومنه الحديث: نهى عن صلاة الحاقب والحاقن قال: الحاقن هو الذي حبس بوله كالحاقب للغائط، ومنه الحديث لا يصلين احدكم وهو حاقن، وفي رواية وهو حقن حتى يتخفف ثم قال فما يوجد في نسخ التهذيب: لا صلاة لحاقن ولا حاقنة بالنون فيهما جميعا


(* 1) المروية في ب 8 من أبواب قواطع الصلاة من الوسائل.

[ 437 ]

فلعله تصحيف (* 1). فالرواية - على ما ذكره - مشتملة على كل من حابسي الغائط والبول ولكنك خبير بان ما يمكن الاعتماد عليه من الاخبار المروية بطرقنا غير مشتمل على الحاقب بل نسخ التهذيب - قاطبة - والمحاسن وغيره مشتملة على الحاقن والحاقنة. نعم ورد ذلك أعني حابس البول بلفظ الحاقب وغيره في جملة من الروايات المروية بطرقنا (* 2) غير انها ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد عليها أبدا. نعم نقل في الحدائق عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) انه قال: لا صلاة لحاقن ولا حاقب (* 3). الا انك قد عرفت ان نسخ التهذيب وغيرها خالية عن الحاقب وانما رواياتنا مشتملة على الحاقن والحاقنة دون الحاقب، إذا فلا مناص في التعدي إلى حابس الغائط، والحاقه بحابس البول من دعوى عدم الفصل والقطع بالملاك كما مر. ثم إن الضمير في قوله: من هو في ثوبه. يرجع إلى النجس - من بول أو غائط - المدلول عليهما بالحاقب والحاقن - على فرض اشتمال الرواية على الكلمتين، ولكن في المحاسن ان في بعض النسخ من هو في نومه.


(* 1) المجلد الثاني م 5 ص 131 (* 2) راجع ب 8 من ابواب القواطع من الوسائل. (* 3) الحدائق ج 6 ص 328 من الطبع الجديد ولكنه " قده " تعرض لتلك الرواية في ج 9 ص 61 مصرحا بأن الموجود في التهذيب والمحاسن وغيرهما ما قدمناه من انه لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة. فليلاحظ.

[ 438 ]

أي كأنه يصلي وهو نائم (* 1). وهذا هو الموافق للاعتبار فان من شغل نفسه بالمدافعة لم يتمكن من التوجه والاقبال بصلاته فكأنما يصلي وهو نائم مسلوب التوجه إلى صلاته وحركاته. ثم ان في المقام رواية أخرى وهي ما رواه أبو بكر الحضرمي عن أبيه عن أبي عبد الله (ع) قال: لا تصل وانت تجد شيئا من الاخبثين (* 2) ولا بأس بسندها إلى الحضرمي فان علي بن الحكم في السند ثقة على ما مر غير مرة وكذلك أبو بكر الحضرمي لانه ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات، وانما الكلام في والده وانه من هو؟ لان المراد بأبي بكر الحضرمي ان كان هو محمد بن شريح فانه قد يطلق عليه - كما قيل - فهو وان كان ممن وثقه ابن قولويه لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات غير أن والده وهو شريح لم يظهر انه من هو ولم يوثق في الرجال وان أريد به عبد الله بن محمد دون محمد بن شريح نظرا إلى انه يكنى بأبي عبد الله دون أبي بكر فهو وان كان ثقة في نفسه لما مر، إلا انه لم يثبت ان والد عبد الله بن محمد الحضرمي هو محمد بن شريح الحضرمي بناء على ان محمد بن شريح المكنى بأبي عبد الله أيضا موثق للاعتماد على توثيق النجاشي، لانه من الجائز ان يكون والده محمدا آخر غير محمد بن شريح الحضرمي، إذا لا يمكننا اثبات وثاقة والد أبي بكر الحضرمي فتكون الرواية بذلك ساقطة عن الاعتبار.


(* 1) المحاسن ج 1 ص 83 (* 2) المروية في ب 8 من ابواب القواطع من الوسائل.

[ 439 ]

[ " الخامس ": إذا لم يكن له اقبال فيؤخر إلى حصوله (1) " السادس ": لانتظار الجماعة (2) إذا لم يفض إلى الافراط في التأخير. ] الخامس: إذا لم يكن له اقبال (1) وذلك لجملة من الروايات " منها ": صحيحة عمر بن يزيد قال قلت لابي عبد الله (ع) اكون في جانب المصر فتحضر المغرب وأنا أريد المنزل فان أخرت الصلاة حتى اصلي في المنزل كان أمكن لي، وأدركني المساء أفأصلي في بعض المساجد؟ فقال: صل في منزلك (* 1). فقد دلت على أن الصلاة في المنزل مع التمكين والاقبال إلى الصلاة متقدمة على الصلاة في أول الوقت من غير تمكين واقبال لان روح العبادة هي التوجه والاقبال، فإذا دار الامر بين الصلاة في أول الوقت مشوش البال، والصلاة متأخرة مع التوجه والاقبال كان الثاني مقدما على الاول حسبما تقتضيه الصحيحة. السادس: انتظار الجماعة (2) ذكر " قده " ان التأخير انتظارا للجماعة أفضل وقيده بما إذا لم يفض إلى الافراط في التأخير. وقد قدمنا الكلام عليه في المسألة التاسعة من مسائل الفصل السابق، وانما نعيده تبعا للماتن وللاشارة إلى ما لم نذكره


(* 1) المروية في ب 19 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 440 ]

هناك فنقول: ان هذا المورد من موارد التزاحم دون التخصيص وان رعاية الجماعة أولى من رعاية الصلاة في أول وقت الفضيلة. وقد استدل عليه بما رواه جميل بن صالح أنه سأل أبا عبد الله (ع) أيهما أفضل؟ يصلي الرجل لنفسه في أول الوقت أو يؤخرها قليلا ويصلي بأهل مسجده إذا كان امامهم؟ قال: يؤخر ويصلي بأهل مسجده إذا كان الامام (* 1). وقد عنون صاحب الوسائل باب استحباب الجماعة ولو في آخر الوقت مرتين فمرة في أوائل أبواب صلاة الجماعة (* 2) وأخرى في أواخرها (* 3) وكانه قد نسي ما ذكره " أولا " حتى عقده " ثانيا " وإن أضاف عليه بعض الامور. وكيف كان فقد استدل بها على استحباب تأخير الفريضة لانتظار الجماعة وأفضليته عن الصلاة في أول الوقت. " ويرده ": أن الرواية وان دلت على أفضلية التأخير للجماعة، الا أنها مشتملة على قيدين في موردها: " أحدهما ": أن تكون الصلاة في المسجد و " ثانيهما ": أن يكون المقدم أو المؤخر لها هو الامام فالتعدي عن موردها إلى التأخير للجماعة في غير المسجد أو لغير الامام كالمأمومين يحتاج إلى دليل، والمدعى أفضلية التأخير لدرك الجماعة مطلقا لا في خصوص المقيد بالقيدين. على أن الرواية ضعيفة السند، فان جميل بن صالح وان وقع في أسانيد كامل الزيارات وهذا يكفي في وثاقته إذ لا معارض له، الا أن الصدوق


(* 1) و (* 2) و (* 3) راجع ب 9 و 74 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

[ 441 ]

لم يذكر طريقه إليه في المشيخة فهو مجهول الطريق ولا ندري انه رواها عنه باية واسطة، إذا فلا يمكننا الاستدلال بها حتى في موردها أعني المقيد بالقيدين وهو الامام الذي يدور أمره بين أن يصلي أول الوقت من دون الجماعة أو يؤخرها عنه إلى المسجد حتى يصلي جماعة. فالصحيح أن يقال: إن محل الكلام من أحد موارد التزاحم ولابد فيه من الرجوع إلى قواعد باب المزاحمة فلا مناص إذا من أن نفصل بين ما إذا أخر صلاته - لدرك الجماعة - من أول وقت الفضيلة إلى وسطه أو آخره فيصلي في آخر وقت الفضيلة أو وسطه مع الجماعة. وما إذا أخرها - لدرك الجماعة - عن وقت فضيلتها إلى وقت إجزائها فيصلي في غير وقت الفضيلة مع الجماعة. فنلتزم بافضلية التأخير في الصورة الاولى دون الثانية وذلك لان الصلاة جماعة وان كانت مستحبة أكيدة وقد حث عليها في النصوص وفي بعض الصحاح أن الصلاة جماعة أفضل من الصلاة فرادى بخمس وعشرين صلاة (* 1) وفي بعض الروايات أن فضلها على الصلاة فرادى أربع وعشرين (* 2) وفي صحيحة عبد الله بن سنان أن الصلاة جماعة تفضل على كل صلاة الفرد (الفذ) باربعة وعشرين درجة تكون خمسة وعشرين صلاة (* 3). وهذا هو وجه الجمع بين الطائفتين المتقدمتين لدلالتها على أن الجماعة أفضل من الفردى أربعة وعشرين درجة وصلاة فانها أيضا صلاة واحدة فيكون المجموع خمسة وعشرين. وكيف كان ففضيلة الجماعة أمر غير خفي وهي من الامور الضرورية


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 1 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

[ 442 ]

والواضحة، إلا انها مهما بلغت من الفضل والثواب لا تكاد تبلغ في الاهتمام إلى الصلاة في وقت الفضيلة وقد ورد الامر الاكيد بالاتيان بها في وقت فضيلتها حتى ان التأخير عنه عد تضييعا في بعض الروايات (* 1) فكأنها صلاة عذرية وليست بصلاة حقيقة، فان الوقت الذي نزل به الجبرئيل على النبي الاكرم صلى الله عليه وآله انما هو وقت الفضيلة فالصلاة في غيره تضييع لها في الحقيقة وفي حكم العدم وان كانت موجبة للاجزاء في مقام الامتثال. وهل يمكن ان يقال: تضييع الصلاة أفضل لمكان فضل الجماعة؟ بل وفي جملة من الروايات لما سألوهم (ع) عن وقت صلاتي الظهرين اجابوا بانه الذراع والذراعان أو المثل والمثلان على اختلاف الاخبار الواردة في تحديد وقت الفضيلة (* 2) ومعنى ذلك ان وقت الفضيلة عد وقتا مضروبا للصلاة، ومن الظاهر أن تأخير الفريضة عن الوقت المضروب لها في الشريعة المقدسة مما لا فضيلة له. وعلى الجملة ان فضل الجماعة وان كان مما لا خلاف فيه، إلا انه مع التحفظ على اصل الصلاة لا مع تضييعها كما لا يخفى. نعم حكي سيدنا الاستاذ (ادام الله اظلاله) عن الحجة الورع الميرزا محمد تقي الشيرازي " طاب رمسه " انه كان يؤخر صلاته ويصليها جماعة قبل المغرب بساعة. وكيف كان فالظاهر ان في هذه الصورة يتقدم الوقت على الجماعة ولا يكون التأخير أفضل فان أهمية الوقت مانعة عن ذلك كما مر. ولعله إلى ذلك ينظر الماتن " قده " في قوله: إذا لم يفض إلى الافراط في التأخير أي عن وقت الفضيلة إلى خارجه.


(* 1) راجع ب 9 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) راجع ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 443 ]

نعم إذا أخر الفريضة عن أول وقت الفضيلة إلى وسطه أو آخره - لا إلى الخارج عنه - لادراك فضيلة الجماعة وهو الصورة الاولى من محل الكلام لم يكن - وقئتذ - مانع من الحكم بافضلية التأخير والانتظار لان فيه جمعا بين الفضيلتين اعني افضلية الوقت وفضل الجماعة، وذلك لان عد التأخير تضييعا للصلاة والاهتمام الاكيد؟ بالاتيان بها في وقت الفضيلة انما هو بالاضافة إلى مجموع وقت الفضيلة الاعم من أوله ووسطه وآخره لا بالاضافة إلى خصوص أوله، وان كان أول الوقت أفضل غير ان فضيلة الجماعة أهم واكد. بمعنى أن أهمية الاتيان بها فورا ففورا وان كانت ثابتة وهو أمر حسن ومن الاستباق نحو الخير والمبادرة إلى رحمة الله وتعجيل للمغفرة وكل ذلك من العناوين المستحسنة، إلا انه في قبال الجماعة التي قدمنا انها افضل من الفردى خمسا وعشرين درجة مما لا أهمية له. ومما يؤكد مما ذكرناه مضافا إلى انه جمع بين الفضيلتين ان السيرة القطعية المستمرة من زماننا هذا إلى زمان النبي صلى الله عليه وآله وأوصيائه (ع) جارية على تأخير الفريضة على أول وقت الفضيلة إلى وسطه أو آخره لانتظار الجماعة، لوضوح ان النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يصلي بمجرد الزوال بل كان ينتظر حضور الجماعة للصلاة وكذلك المؤمنون لم يكونوا يصلون بمجرد دخول الوقت وسماع الاذان، بل كانوا ينتظرون الامام. وكذلك الحال في زماننا لانهم - في بيوتهم - لا يصلون بمجرد الزوال تعجيلا للخير ومبادرة نحو المغفرة بل يخرجون إلى المساجد والجماعات وإذا أبطأ الامام مقدارا قليلا - كما لعله المتعارف في أئمة الجماعات - لم يبادروا إلى الصلاة بالانفراد، بل انهم ينتظرونه - على ما هو المتعارف - لدرك

[ 444 ]

[ وكذا لتحصيل كمال آخر كحضور المسجد (1) ] فضيلة الجماعة، إذا فما قدمناه من التفصيل في محله. ثم ان مقتضى السيرة عدم الفرق في أفضلية التأخير عن أول الوقت انتظارا للجماعة بين الامام والمأموم ما لم يخرج وقت الفضيلة. (1) كما إذا دار امره بين ان يصلي في أول الوقت - في بيته - مثلا أو يؤخر صلاته عن أول وقتها ويأتي بها في المسجد وهذا أيضا من موارد التزاحم لعدم امكان الجمع فيه بين المصلحتين أعني مصلحة أول الوقت ومصلحة ايقاع الصلاة في المسجد. واستدل على افضلية التأخير حينئذ بما دل على أن الصلاة في المسجد منفردا أفضل من الصلاة في غير المسجد جماعة وهو ما رواه الشيخ في المجالس عن زريق - أو رزيق حسب اختلاف نسختي النجاشي والشيخ - قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من صلى في بيته جماعة رغبة عن المسجد فلا صلاة له ولا لمن صلى معه الا عن علة تمنع من المسجد (* 1) لدلالته على أن الصلاة في المسجد أفضل من الصلاة في وقت الفضيلة. ويدفعه: أن الرواية ضعيفة السند والدلالة: أما بحسب السند فلان زريقا أو رزيقا لم يوثق في كتب الرجال. نعم طريق صاحب الوسائل إلى كتاب المجالس للشيخ مما لا خدشة فيه، لانه وان اشتمل على محمد بن خالد الطيالسي على ما في آخر الوسائل عند تعرضه لاسانيده وطرقه إلا انه من رجال كامل الزيارات ووقوعه في اسانيده كاف في توثيقه، لوثاقة رواته بتوثيق ابن قولويه أللهم الا أن يكون معارضا بالتضعيف.


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب أحكام المساجد من الوسائل.

[ 445 ]

وأما بحسب الدلالة فلان المستفاد من ظاهر الرواية ان الصلاة في البيت اعراضا من المسجد والرغبة عنه ليست بصلاة كما هو الرسم عند بعض المتصوفة فان منهم من لا يدخل المسجد متعللا بأن عليا (ع) قد استشهد في المسجد. وانه لفرط حبه وعلاقته له عليه السلام لا يتمكن من الدخول في مكان وقعت شهادته (ع) في مثله ولا يسعه ان ينظر إليه؟! فلا تشمل الرواية لمن صلى في بيته من دون أي اعراض عن المسجد بل انما اختار الصلاة فيه على المسجد لشغل شغله أو حرارة أو برودة تمنعه عن الصلاة فيه أو غير ذلك من الدواعي، فالرواية غير صالحة للاستدلال بها بوجه. إذا لا مناص في المسألة من ان نفصل بالتفصيل المتقدم في مسألة أفضلية التأخير لدرك الجماعة، فإذا أخر صلاته عن اول وقت الفضيلة إلى وسطه أو آخره لاجل درك فضيلة المسجد فلا شبهة في أن التأخير هو الافضل، لان فيه جمعا بين الفضيلتين، ولان المقام من موارد التزاحم وفضيلة الصلاة في المسجد أقوى وأهم من فضيلة الصلاة في أول وقت الفضيلة. وإذا أخرها عن تمام وقت الفضيلة وأتي بها في خارجه لدرك فضيلة المسجد فلا أفضلية للتأخير في مثله. بل الافضل أن يؤتى بها في وقت الفضيلة ولا يؤخر الصلاة عن وقت فضيلتها لان فضيلة الاتيان بالفريضة في وقت فضيلتها أهم من فضيلة الصلاة في المسجد، لما تقدم من أن تأخير الصلاة إلى الخارج عن وقت الفضيلة عد من التضيع في الرواية فيكون تأخير الصلاة حينئذ والاتيان بها في المسجد تضييعا لها ولا فضيلة للتضييع

[ 446 ]

[ أو كثرة المقتدين (1) أو نحو ذلك. " السابع ": تأخير الفجر عند مزاحمة صلاة الليل إذا صلى منها اربع ركعات (1). ] (1) انما يتم ما افاده " قده " مع التفصيل المتقدم فيما إذا ثبت أن فضيلة الجماعة تتزايد المقتدين بان تكون فضيلة الجماعة عند بلوغ عددهم ماءة - مثلا - أكثر وأزيد منها فيما إذا بلغ خمسين وهكذا، لان تأخير الصلاة حينئذ إلى آخر وقت الفضيلة أو وسطه لاجل درك فضيلة الكثرة والتزايد أفضل من الاتيان بها في أول وقت الفضيلة لان فيه جميعا بين الفضيلتين، وان فضيلة الكثرة أهم وأقوى من فضيلة الاتيان بها في أول وقت الفضيلة. نعم لا أفضلية في تأخير الصلاة عن وقت فضيلتها بالكلية، والاتيان بها في خارجه، لاجل درك فضيلة الكثرة في الجماعة. بل الافضل أن يؤتي بها في وقت فضيلتها، لان تلك الفضيلة أهم من فضيلة الكثرة هذا الا أن تزايد الفضيلة بتزايد المقتدين لم تثبت بدليل، ولم يرد في شئ من النصوص القابلة للاستدلال بها - وان كان الالتزام به موافقا للذوق - والروايات التي أوردها صاحب الوسائل في المقام راجعة إلى فضيلة أصل الجماعة ولا دلالة لها على تزايدها بتزايد المتقدمين فليراجع. السابع: مزاحمة صلاة الليل (2) وقد قدمنا الكلام على هذه المسألة وذكرنا ان اتمام صلاة الليل فيما إذا طلع الفجر وقد صلى منها أربع ركعات لم يثبت استحبابه بدليل وان ما استدل به عليه ضعيف وغير صالح لان يرفع به اليد عما دل على

[ 447 ]

[ " الثامن ": المسافر المستعجل. ] النهي عن التطوع في وقت الفريضة ويلتزم بالتخصيص فيما دل على أفضلية الاتيان بالفريضة في أول وقتها، فكيف يمكن أن يقال بأن تأخير الفجر عن اتمام صلاة الليل أفضل فيما إذا صلى منها أربع ركعات وقد أسلفنا أن الثابت هو استحباب تأخير الفجر عن صلاة الليل فيمن قعد عن نومه بعد الفجر لما تقدم من أنه المستفاد من الجمع بين الروايات الواردة في المسألة. إذا فالاولى أن يبدل استحباب تأخير الفجر - فيما ذكره الماتن - باستحباب تأخير الفجر عن صلاة الليل فيما إذا قعد عن النوم بعد الفجر الثامن: المسافر المستعجل (1) واستدل على ذلك بجملة من الروايات الواردة في أن وقت صلاة المغرب في السفر إلى ثلث الليل أو ربعه أو حتى يغيب الشفق أو إلى خمسة أميال أو ستة من بعد غروب الشمس (* 1) حسب اختلاف الاخبار الواردة في المسألة ولاجلها التزموا بالتخصيص فيما دل على أفضلية الاتيان بالصلاة أول الوقت. الا أن هذه الروايات - باجمعها - واردة في صلاة المغرب والتعدي إلى مطلق الصلاة - كما صنعه الماتن - يحتاج إلى دليل. على أنها أجنبية عما نحن بصدده من التخصيص فيما دل على أفضلية الاتيان بالفرائض أول الوقت بالاضافة إلى المسافر المستعجل، وذلك لعدم


(* 1) راجع ب 19 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 448 ]

[ " التاسع ": المربية للصبي تؤخر الظهرين (1) لتجمعما مع العشاءين بغسل واحد لثوبها. ] كونها مقيدة بالمستعجل، وانما ورد فيها عنوان السفر، والظاهر من مثل قوله (ع) وانت في وقت من المغرب في السفر إلى.. وقوله: وقت المغرب في السفر. انها انما وردت للدلالة على التوسعة في وقت الفضيلة في صلاة المغرب، وبيان أن وقتها غير مضيق بظهور الشفق - كما هو كذلك في حق الحاضر - لامتدادها إلى ربع الليل أو ثلثه أو غير ذلك مما قدمناه نقله. ولم ترد للدلالة على جواز التأخير عن وقت الفضيلة، واين التوسعة من التخصيص في حق المسافر، لانه مع التوسعة إذا صلى المسافر في أول وقتها أو بعد ذهاب الشفق أو في ربع الليل ونحوه فقد صلى في وقت فضيلتها، لا انه صلى في خارجه فليس في هذا أي تخصيص بوجه. بل الافضل للمسافر وغيره هو التقديم والاتيان بالفريضة في وقت فضيلتها، غاية الامر ان وقت الفضيلة للمسافر اوسع منه للحاضر. إذا فهذه الروايات تخصيص فيما دل على أن وقت فضيلة المغرب مضيق وانه ينتهي بذهاب الشفق، لا انها مخصصة فيما دل على الاتيان بالصلاة في وقت الفضيلة أفضل. التاسع: المربية للصبي (1) ذكرنا في التكلم على احكام النجاسات ان استثناء ثوب المربية للصبي من التخصيص فيما دل على اعتبار الطهارة في ثوب المصلي، واستندوا

[ 449 ]

في ذلك إلى رواية أبي حفص عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن امرأة ليس لها الا قميص واحد ولها مولود، فيبول عليه كيف يصنع؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرة (* 1). لدلالتها على أن الواجب على المربية انما هو غسل قميصها كل يوم مرة واحدة، وان تنجسه غير مضر لصحة صلاتها، فلو تمت بحسب السند لكانت مخصصة فيما دل على اعتبار الطهارة في ثوب المربية في الصلاة، فلها ان تغسله قبل صلاة الصبح أو غيرها حتى تقع صلاة واحدة من صلواتها مع الطهارة. ولكن الافضل ان تغسله بعد الزوال حتى تتمكن من الاتيان بصلاتين مع الطهارة بأن تصلي الظهرين بعد الزوال أو تأتي بصلاة الظهر في آخر وقت الفضيلة وصلاة العصر في أول وقت الفضيلة - بناء على أن وقت فضيلة العصر هو الذراعان أو المثلان ونحوهما لا انه الزوال كما مر - وافضل من ذلك ان تغسله في آخر النهار حتى تقع اربع صلوات مع الطهارة الخبثية بان تصلي الظهرين في آخر النهار. وتأتي بالعشاءين في اول وقتهما هذا. وقد اسلفنا ان الرواية ضعيفة السند، لان محمد بن احمد بن يحيى رواها عن محمد بن يحيى المعاذي (المعاذلي) وهو ممن استثناه ابن الوليد عن رجال محمد بن احمد بن يحيى. وتبعه تليمذه الصدوق وابو العباس بن نوح، والظاهر ان النجاشي والشيخ " قدهما " قد امضيا هذا الاستثناءه إذا الرواية غير قابلة للاستدلال بها فلا يمكن ان يخصص الادلة الدالة على اشتراط الطهارة في ثوب المصلي بهذه الرواية. فلا مناص من ان يكون المدرك في المسألة قاعدة لا حرج، ولا مناص


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 450 ]

للمربية من أن تغسل قميصها بمقدار لا يبلغ الحرج فإذا كان غسله - زائدا على مرة واحدة في كل يوم - حرجيا في حقها اقتصرت على الغسل بمقدار يلزم الحرج من الزائد عنه فيجب عليها الجمع بين الصلاتين، لعدم استلزامه الحرج في حقها. فتغسل قميصها مرة واحدة وتجمع بين صلاتين، لان دليل نفي الحرج لا يستلزم جواز ايقاع الصلاة في الثوب النجس مع التمكن من تطهيره، وعلى الجملة ان دليل نفي الحرج انما يقتضي ارتفاع التكليف بمقدار يلزم منه الحرج. وأما في الزائد عليه فدليل شرطية الطهارة بحاله وحيث ان وقت الفضيلة محدود للصلاتين فيكون التأخير هو الافضل في حقها بأن تؤخر صلاة الظهر إلى آخر وقت الفضيلة وتقدم العصر إلى أول وقتها، وبهذا يتحقق الجمع بين الفضيلتين في حقها. وهذا حكم على طبق القاعدة وان شئت قلت: لا موجب لان يرفع اليد عن دليل شرطية الطهارة في ثوب المصلي إلا بمقدار الضرورة والحرج وقد عرفت انهما يرتفعان بالجمع بين الصلاتين، ففي غير صورة الجمع يبقى دليل شرطية الطهارة بحاله فبهذا يظهر ان الجمع واجب في حقها لا انه أفضل. إذا يقع الكلام في أن المربية متى تجمع بينهما فهل تجمع بينهما في أول الوقت أو وسطه أو آخره؟ فنقول: الافضل ان تجمع بينهما بتأخير الظهر إلى آخر وقت الفضيلة وتقديم العصر إلى أول وقت الفضيلة، ليكون جمعا بين فضيلة الوقت لكلتا الصلاتين مع التحفظ على شرطية الطهارة، إذا يكون الحكم بافضلية التأخير في حقها على طبق القاعدة.

[ 451 ]

[ " العاشر ": المستحاضة الكبرى (1) تؤخر الظهر والمغرب إلى آخر وقت فضيلتهما لتجمع بين الاولى والعصر وبين الثانية والعشاء بغسل واحد. ] وقد ظهر بما سردناه أن المربية إذا تمكنت من الاتيان بأربع صلوات مع التحفظ على شرطية الطهارة بالجمع بينها وجب الجمع بينها في حقها وذلك بأن تأتي بالظهرين في آخر الوقت والعشاءين في اوله حتى تقع الصلوات الاربع كلها مع الطهارة الخبثية. نعم لو فرضنا أن الرواية المتقدمة معتبرة بحسب السند ولو بدعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور على طبقها لم يكن لاستثناء المربية عن أفضلية التعجيل مجال، لان مقتضى اطلاق الرواية ان المربية بغسل قميصها مرة واحدة تتمكن من أن تصلي الظهرين في وقت فضيلتهما كغيرها من المكلفين وكذلك العشاءين، ولا دليل على ان الافضل هو التأخير في حقها، والجمع بين الظهرين والعشاءين، وان كان الجمع هو الاولى، ولو لفتوى الجماعة بأنه أفضل. العاشر: المستحاضة الكبرى (1) للروايات المشتملة على انها تؤخر هذه وتعجل هذه، وتغتسل وتصلي الظهرين مع الطهارة (* 1) والظاهر ان ذلك ليس من التخصيص فيما دل على أفضلية الاتيان بالفريضة في وقت فضيلتهما، لان المستحاضة الكبرى تتمكن من الاغتسال لكل صلاة وتأتي بها في وقت فضيلتها، فإذا اغتسلت


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب المستحاضة من الوسائل.

[ 452 ]

وصلت الظهر في أول وقتها فقد أتت بما هو أفضل، لا أن صلاتها أول الوقت غير افضل. نعم لابد لها حينئذ من ان تغتسل غسلا آخر لصلاة العصر إذا ارادت الاتيان بها أيضا في أول وقت الفضيلة بناء على ان وقت فضيلتها هو الذراعان والمثلان، إلا أن الشارع لما رخص لها في الاكتفاء بالغسل الواحد لكل صلاتين - ارفاقا وتسهيلا في أمرها - جاز لها الجمع بينهما بالغسل الواحد بان تؤخر الظهر إلى آخر وقت الفضيلة وتقدم العصر إلى أوله وتأتي بهما بالغسل مرة واحدة. وبعبارة أخرى الجمع بين الصلاتين للاكتفاء بالغسل مرة واحدة ليس بواجب في حقها. بل يجوز أن تأتي بكل من الصلاتين في أول وقت فضيلتها وان كان يجب عليها حينئذ غسل آخر للصلاة الثانية، إذا ليس هذا من التخصيص في أدلة أفضلية الصلاة في أول وقتها ووقت فضيلتها بالاضافة إلى المستحاضة الكبرى - كما توهم -. بل الافضلية باقية بحالها وليست الاخبار بصدد التخصيص من تلك الناحية، وانما هي بصدد بيان الطريقة السهلة للمستحاضة وكيفية الجمع لها بين كل صلاتين بالغسل الواحد حتى لا تحتاج إلى الاغتسال خمس مرات لانها لو لم تجمع بينهما بتقديم احداهما وتأخير الاخرى لزم ان تغتسل لكل صلاة مرة واحدة. ولا يخلو الاغتسال خمس مرات عن صعوبة وتعسر. أللهم إلا أن يراد بالتخصيص التسهيل والارفاق وتجويز الشارع الاكتفاء بالغسل مرة واحدة في حقها. لا التخصيص في أفضلية الاتيان بالصلاة في أول الوقت، وكيف كان فلا تخصيص في حق المستحاضة وانما الثابت في حقها هو الترخيص كما مر.

[ 453 ]

وتوضيح ما ذكرناه من ان المستحاضة لو لم تجمع بين كل صلاتين بالغسل الواحد وجب عليها الغسل خمس مرات. أما بالاضافة إلى صلاتي المغرب والعشاء فلاجل ان الافضل في العشاء الاتيان بها بعد ذهاب الشفق، فإذا فرضنا ان المستحاضة أخرت المغرب إلى آخر وقت فضيلتها وقدمت العشاء إلى اول وقت فضيلتها جاز لها ان تكتفي بالغسل واحد لهما مع الاتيان بهما في وقت فضيلتهما، ولم يعلم أن ذلك من التخصيص فيما دل على أفضلية الاتيان بصلاة المغرب في أول وقتها بحيث لو أتت بها أول وقتها وأتت بالعشاء أيضا في وقت فضيلتها لكانتا أيضا واقعتين في وقت فضيلتهما غير ان اللازم على المستحاضة - حالئذ - غسلان احدهما لصلاة المغرب وثانيهما للعشاء للفصل الزماني بينهما. وأما بالنسبة إلى الظهرين فقد ورد في صحيحة معاوية بن عمار - بناء على صحة ما يرويه الكليني عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان كما هي غير بعيدة، بل الظاهر ان محمد بن اسماعيل هذا هو النيسابوري تلميذ الفضل بن شاذان الثقة -: اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه (* 1). وفي صحيحة اسماعيل بن عبد الخالق ان المستحاضة تؤخر الظهر إلى آخر وقتها ثم تغتسل، ثم تصلي الظهر والعصر (* 2) وهي وان وقع في سندها محمد بن خالد الطيالسي وهو لم يوثق في الرجال إلا انه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات وحيث انا قدمنا عند التكلم على أوقات الفضيلة ان الظهرين وقت فضيلتهما من حين الزوال وانهما مما لا يمنع عنه بعد زوال الشمس الا السبحة - كما ورد في بعض الروايات - وقع الكلام في انه ما معنى ان المستحاضة تقدم العصر وتؤخر ظهرها؟ فنقول: ان فيه احتمالين:


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 1 من ابواب المستحاضة من الوسائل.

[ 454 ]

" أحدهما ": ان يراد بالتقديم والتأخير ان المستحاضة تشرع بالمقدمات ثم تغتسل ثم تأتي بصلاة الظهر كما تأتي بنوافلها بعد الزوال. فانها حينئذ قد أخرتها عن الزوال، كما ان معنى تقديمها العصر ان تغتسل وتأتي بها بعد صلاة الظهر من غير فصل بالنوافل، وإلا لوجب عليها غسل آخر للعصر أيضا، وبذلك تقع الصلاتان متعاقبتين بغسل واحد فالروايتان انما وردتا لبيان طريقة جمع سهلة للمستحاضة في الاقتصار على غسل واحد في كل صلاتين لئلا يجب عليها غسل واحد لكل صلاة، لا انها إذا أتت بصلاة الظهر في وقت فضيلتها وصلت العصر بعد نوافلها أيضا في وقت فضيلتها وقعت صلاتها في غير الوقت الافضل. بل انها تقع في الوقت الافضل كما مر غير انها حينئذ مكلفة بالاتيان بغسل مستقل لكل صلاة فلا يستفاد من الروايتين التخصيص في أدلة الافضلية بوجه. " وثانيهما ": أيضا ذلك باضافة حمل (الواو) على معنى (أو) بأن يراد بقوله (ع) تؤخر هذه وتعجل هذه أو ما هو بمضمونه ان المستحاضة قد تؤخر هذه وقد تعجل هذه فيكون (الواو) بمعنى (أو) بارادة الجمع بينهما في موردين وزمانين لا الجمع في مورد واحد. والنتيجة أيضا ما ذكرناه من تسهيل الامر على المستحاضة لئلا يجب عليها الغسل المستقل لكل صلاة. بل لها ان تؤخر هذه فتكتفي بالغسل الواحد كما أن لها ان تعجل هذه أيضا تقتصر بالغسل مرة واحدة، وعلى الجملة ان الاخبار الواردة في المستحاضة غير مخصصة لما دل على أفضلية الصلاة في أول وقتها وأوقات فضيلتها وانما هي بصدد تسهيل الطريقة على المستحاضة.

[ 455 ]

[ " الحادي عشر ": العشاء تؤخر إلى وقت فضيلتها (1) وهو بعد ذهاب الشفق. بل الاولى تأخير العصر (2) إلى المثل وان كان ابتداء وقت فضيلتها من الزوال. ] الحادي عشر: تأخير العشاء إلى ذهاب الشفق (1) للروايات المعتبرة التي قدمنا نقلها عند التكلم على وقت العشاء الآخرة لدلالتها على أن الافضل هو اتيان العشاء الآخرة بعد ذهاب الشفق وهذا من التخصيص فيما دل على أفضلية الاتيان بالصلاة في أول وقتها كما لا يخفى. (2) قد أسلفنا في التكلم على أوقات الفضيلة والفرائض أن مبدء وقت الفضيلة لصلاة العصر أيضا هو الزوال وحملنا الاخبار الواردة في تحديد وقتي الظهرين بالذراع والذراعين أو القدم والقدمين أو المثل والمثلين على امتداد وقت الفضيلة ومراتبها، وقلنا ان الافضل تأخير صلاة العصر إلى القدمين والظهر إلى القدم والافضل بعده تأخير العصر إلى الذراعين والظهر إلى الذراع ثم الافضل بعده المثل لصلاة الظهر والمثلان للعصر. وذكرنا أن الافضل من الجميع الاتيان بالظهرين بعد الفراغ عن نافلتيهما من دون انتظار للقدم والقدمين ولا الذراع والذراعين ولا غيره من التحديدات الواردة في الروايات.

[ 456 ]

[ " الثاني عشر ": المغرب والعشاء لمن افاض من عرفات إلى المشعر (1) فانه يؤخرهما ولو إلى ربع الليل. بل ولو إلى ثلثه. ] الثاني عشر: التأخير إلى المشعر للمفيض (1) وهذا أيضا من موارد التخصيص للنهي فيه عن الاتيان بصلاة المغرب في أول وقتها وتدل عليه جملة من الروايات: " منها ": صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبد الله (ع) قال: قال: لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا فصل بها المغرب والعشاء الاخرة باذان واقامتين (* 1). و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا (يعني المشعر) وان ذهب ثلث الليل (* 2). و " منها ": موثقة سماعة. لا تصلهما حتى تنتهي إلى جمع وان مضى من الليل ما مضى (* 3). ومقتضى تلك الموثقة ان فضيلة التأخير غير موقتة بشئ من ثلث الليل وغيره لقوله. وان مضى. فيشمل التأخير بأزيد من الثلث أيضا ما لم يصل إلى النصف وانقضاء وقت الصلاة حتى يأتي المشعر الذي يجتمع فيه الحاج فيصلي حينئذ، ولعله لذلك سمي ب‍ " جمع " أي محل اجتماع الناس.


(* 1) المروية في ب 6 من ابواب الوقوف بالمشعر الحرام من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 5 من ابواب الوقوف بالمشعر الحرام من الوسائل.

[ 457 ]

[ " الثالث عشر ": من خشي الحر يؤخر الظهر إلى المثل ليبرد بها (1). ] ثم ان في مقابل تلك الاخبار ما دل على جواز الاتيان بهما قبل الوصول إلى المشعر أيضا، ونتيجة الجمع بين النهي والتجويز هي أفضلية تأخيرهما إلى المشعر. الثالث عشر: خشية الحر (1) ورد في الابراد روايتان: " إحداهما ": مروية بطرقنا وهي ما رواه الصدوق باسناده عن معاوية ابن وهب عن أبي عبد الله (ع) انه قال: كان المؤذن يأتي النبي صلى الله عليه وآله في الحر في صلاة الظهر فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله أبرد أبرد (* 1). ولا دلالة لهذه الرواية على أفضلية تأخير الصلاة فضلا عن ان تدل على أفضلية التأخير إلى المثل كما ذهب إليه الماتن " قده " وانما هي تدلنا على انه صلى الله عليه وآله أمر المؤذن بالاسراع في أذانه كما انه بنفسه كان يسرع في صلاته. فلا دلالة لها على المدعى وانما الصدوق " قده " فسر قوله: ابرد، ابرد. بالتعجيل اخذا له من البريد الذي يستعجل - بحسب الطبع - في الوصول إلى المقصد ويسرع، دون التبريد فالاستدلال بها غير تام. و " ثانيتهما ": مروية بطرق العامة وهي ما رواه في العلل عن أبي هريرة (شيخ المضيرة) قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة، فان الحر من قيح جهنم (* 2).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 458 ]

[ " الرابع عشر ": صلاة المعرب في حق من تتوق نفسه إلى الافطار (1). ] هذه الرواية أيضا لا يمكن الاستدلال بها لعدم كونها من طرقنا ولم يستند الماتن وغيره ممن ذهب إلى أفضلية التأخير في المقام إلى هاتين الروايتين وان عبر المصنف بلفظهما أي الابراد قال: ليبرد بها، وانما مستندهم في ذلك موثقة زرارة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن وقت صلاة الظهر في القيظ (شدة الحر) فلم يجبني فلما أن كان بعد ذلك قال لعمر بن سعيد بن هلال: ان زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم اخبره فحرجت من ذلك فاقرءه مني السلام وقل له: إذا كان ظلك مثلك فصل الظاهر وان كان ظلك مثليك فصل العصر (* 1). وهي من حيث السند موثقة ومن جهة الدلالة ظاهرة، ولاجلها نلتزم بالتخصيص وأن الافضل التأخير في القيظ إلى المثل والمثلين. الرابع عشر: التأتق إلى الافطار (1) وتدل عليه صحيحة عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (ع) اكون في جانب المصر فتحضر المغرب وأنا أريد المنزل فان أخرت الصلاة حتى أصلي في المنزل كان امكن لي، وأدركني المساء أفأصلي في بعض المساجد؟ فقال: صل في منزلك (2) ونظيرها غيرها فليراجع. لدلالتها على الامر بتأخير الصلاة عن أول وقتها إلى المسكن والبيت


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 19 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 459 ]

وليس هذا إلا لانها امكن له في البيت من غيره فيصلي مع الاقبال والتوجه اللذين هما روح العبادة لله سبحانه، والصلاة من دونهما مجرد لقلقة اللسان فلو لم يتمكن من الصلاة كذلك في أول وقتها ولو لاجل ان نفسه تائقة إلى الافطار - لان الاشتياق إلى غير الصلاة يسلب التوجه والاقبال - كان الاتيان بها في غير وقت الفضيلة أفضل وارجح، لاشتمالها وقتئذ على ما هو روح العبادة والصلاة. نعم أفضلية التأخير - في محل الكلام - لم ترد في رواية بالخصوص إلا ما ذكره المفيد (ره) من انه روي: ان كنت ممن تنازعك نفسك للافطار وتشغلك شهوتك عن الصلاة فابدء بالافطار ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة. وأضاف قائلا: غير ان ذلك مشروط بأن لا يشتغل بالافطار قبل الصلاة إلى ان يخرج وقت الصلاة (* 1). ولكنها رواية مرسلة، والظاهر انها من المنقول بالمعني، وذيلها من كلام المفيد " قده " لا انه جزء من الرواية - كما قيل - ومراده بخروج وقت الصلاة ليس هو خروج وقت الاجزاء للصلاة، لان من الواضح ان الافطار بمقدار يخرج وقت الصلاة وتندرج فريضة المغرب في القضاء مما لا مسوغ له. على أنه امر لا تحقق له - عادة - لان افطار الصائم لا يطول إلى هذا المقدار ابدا. فالمراد به خروج وقت الفضيلة وكيف كان فلا ينبغي الكلام في أن تأخير صلاة المغرب افضل - في محل الكلام - الا انه ليس باستثناء جديد لاندراجه في كبرى التأخير تحصيلا للاقبال في الصلاة.


(* 1) المروية في ب 7 من ابواب آداب الصائم من الوسائل.

[ 460 ]

[ أو ينتظره احد (1). (مسألة 14) يستحب التعجيل في قضاء الفرائض (2) وتقديمها على الحواضر، وكذا يستحب التعجيل في قضاء النوافل (3) إذا فاتت في أوقاتها الموظفة. والافضل قضاء الليلية في الليل والنهارية في النهار. ] (1) لصحيحة الحلبي التي رواها المشايخ الثلاثة وان كانت الرواية - حقيقة - من الكليني والصدوق وانما الشيخ يروي عن الكليني، عن ابي عبد الله (ع) قال: فقال: ان كان معه قوم يخشى ان يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، وان كان غير ذلك فليصل ثم ليفطر (* 1). استحباب التعجيل في القضاء (2) تكلمنا على ذلك فيما سبق وذكرنا ان المسألة محل الخلاف فيما بينهم وان بعضهم قد ذهب إلى الوجوب والتزم بالمضايقة في قضاء الفرائض الا ان الصحيح عدم الوجوب وان القضاء واجب موسع، وإن استحب التعجيل في قضاء الفرائض وتدل عليه صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها فقال: يقضيها إذا ذكرها في اي ساعة ذكرها من ليل أو نهار (* 2). فان ظاهرها وان كان هو الوجوب الا انها تحمل على الافضلية على القول بالمواسعة. (3) إن كان غرض الماتن من ذلك ان النوافل الفائتة في الليل يستحب


(1) المروية في ب 7 من ابواب اداب الصائم من الوسائل. (2) راجع ب 57 و 63 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 461 ]

التعجيل في الاتيان بقضائها في نهاره، كما ان النوافل الفائتة بالنهار يستحب التعجيل في الاتيان بقضائها في الليلة الآتية المتصلة بذلك النهار، فلا يؤخرها إلى زمان آخر، ولا يفصل بينهما فهو وان وردت فيه عدة روايات غير انها ضعيفة السند: " فمنها ": ما رواه عنبسة العابد قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن اراد أن يذكر أو اراد شكورا. قال: قضاء صلاة الليل بالنهار، وصلاة النهار بالليل (* 1). فلا يمكن الاستدلال بها على ما ادعاه " قده " بوجه مضافا إلى انها معارضة بجملة اخرى من الروايات المشتملة على الامر بقضاء ما فات عن المكلف من صلاة النهار بالنهار وصلاة الليل بالليل: " منها ": صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله (ع) اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار، وما فاتك من صلاة الليل بالليل قلت: اقضي وترين في ليلة؟ قال: نعم اقض وترا ابدا (* 2). و " منها ": ما رواه اسماعيل الجعفي قال: قال أبو جعفر (ع) افضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل وصلاة النهار بالنهار. قلت: ويكون وتران في ليلة؟ قال: لا. قلت: ولم تأمرني ان اوتر وترين في ليلة؟ فقال: احدهما قضاء (* 3). و " منها ": غير ذلك من الروايات الواردة في المقام. وان كان غرضه " قده " بيان أن التعجيل في قضاء النوافل بالاتيان بما فات عن المكلف في اية ليلة في الليلة التي تاتي بعدها امر مستحب


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 57 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 462 ]

[ (مسألة 15) يجب تأخير الصلاة عن اول وقتها (1) لذوي الاعذار مع رجاء زوالها. أو احتماله في آخر الوقت ما عدا التيمم كما مر هنا وفي بابه. ] والتأخير إلى سائر الليالي مرجوح لا فضل فيه. فيدفعه: ان استحباب التعجيل بذلك لم يثبت بدليل، اللهم الا من جهة الامر بالمسارعة والاستباق إلى ما هو محبوب لله سبحانه، وبالاخص في الصلاة التي هي افضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم واحبه إلى الله عزوجل. موارد وجوب التأخر: (1) لما فرغ عن بيان الموارد المستثناة عن افضلية تقديم الصلاة على نحو الجواز والاستحباب شرع في بيان الموارد المستثناة عنها على سبيل الوجوب فمن تلك الموارد ذوو الاعذار مع رجاء الزوال أو احتمال ارتفاع العذر إلى آخر وقت الصلاة. وقد فصل " قده " في ذلك بين المتيمم وغيره حيث جوز البدار، والاتيان بالصلاة في اول الوقت للمتيمم واوجب التأخير على غيره من ذوي الاعذار وقد قدمنا تفصيل الكلام في ذلك - قريبا - وكذا في بحث التيمم وقلنا ان الصحيح هو العكس وان البدار غير جائز للمتيمم ويجب عليه تأخير الصلاة إلى آخر وقتها جسما يستفاد من الروايات الواردة في المسألة، ويجوز لسائر ذوي الاعذار، إذ لا نص ولا رواية تدلنا على المنع عن البدار في حقهم. غير ان هذا الجواز جواز ظاهري بحيث لو انكشف له الخلاف إلى

[ 463 ]

[ وكذا يجب (1) التأخير لتحصيل المقدمات غير الحاصلة كالطهارة والستر وغيرهما. وكذا لتعلم اجزاء الصلاة وشرائطها (2). ] آخر الوقت، كما إذا ارتفع عذره قبل انقضاء الوقت وجبت عليه الاعادة لانه يكشف عن عدم كونه معذورا فيما اتى به من الصلاة العذرية، لاشتراط ان يكون العذر المسوغ للاكتفاء بها مستوعبا للوقت كله، وإذا لم ينكشف خلافه حكم بصحة صلاته ظاهرا. (1) وليس هذا الوجوب وجوبا شرعيا بوجه كيف ولا يمكن أن يتصف التأخير بالوجوب - في محل الكلام - لعدم تمكن المكلف من التقديم لان المأمور به - وهو الصلاة مع الطهارة الحدثية أو الخبثية - مثلا أو الصلاة مع غيرها من الشرائط غير مقدور له اول الوقت ومع عدم القدرة على تقديم الصلاة والاتيان بها في اول وقتها لا يكون تأخيرها مقدورا بوجه لان نسبة القدرة إلى طرفي التقديم والتأخير على حد سواء. وإذا لم يكن التأخير ميسورا في حقه لم يتعلق به تكليف - لا محالة - لاعتبار القدرة على متعلقة في مقام الامتثال، إذا فالتأخير مستند إلى عدم القدرة على التقديم وهو واجب عقلي من جهة حكم العقل بلزوم الامتثال ولا يتحقق الا مع الاتيان بالمقدمات وهو موقوف على مضي مقدار من الزمان لا انه امر واجب شرعي. (2) قد يكون التعلم دخيلا في القدرة على الواجب بحيث لولاه لم يتمكن المكلف من الاتيان به بوجه وذلك كما في تعلم ذات القراءة والتشهد وغيرهما من الاذكار الواجبة في الصلاة - دون شرطيتها أو جزئيتها - لوضوح ان الجاهل بتلك الامور لا يتمكن من الصلاة المشتملة على القراءة

[ 464 ]

ونحوها وهذا ظاهر. وان كان قد يتمكن من كل واحدة واحدة من كلماتها المفردة كلفظة الحمد أو لله أو الرب غير انه عاجز عن الهيئة التركيبية ولا يتمكن منها الا بعد التعلم نظير الجاهل بقصيدة من قصائد امرء القيس - مثلا - فانه لا يتمكن من قراءتها وان كان قد يعلم الفاظها وكلماتها المجردة. وقد يكون التعلم دخيلا في الامتثال اي احرازه لا في اصل الاتيان بالمأمور به كما إذا كان جاهلا باعتبار القراءة في الصلاة - لا بذاتها - فهو متمكن من قراءة الحمد غير انه لا يدري بوجوبها في الصلاة. أو جهل بان الصلاة يجب فيها القصر أو التمام مع التمكن من كل منهما في نفسه، فان المكلف حينئذ يتمكن من الاتيان بالمأمور به في نفسه - الا أنه لا يدري انه مأمور به اولا، فلو اتى به - وهو جاهل - لم يحرز انه امتثل الامر المتوجه إليه ام لم يمتثله فهاتان صورتان: (أما الصورة الاولى): فتندرج في الفرع المتقدم أعني ما إذا لم يتمكن المكلف من الاتيان بالمأمور به في اول الوقت لتحصيل المقدمات الوجودية غير الحاصلة، وقد تقدم أن وجوب التأخير حالئذ لا يمكن ان يكون شرعيا بوجه وانما هو وجوب عقلي كما مر. (وأما الصورة الثانية): فان بنينا على ان العبادة يعتبر فيها الجزم بالنية وجب عليه تأخير الصلاة حتى يتعلم المأمور به ويأتي به بعده، والا لم يتمكن من الاتيان به جازما بالنية، وقد بنينا على عدم صحة العبادة من دونه، وان كان يتمكن من الاتيان بما هو المأمور به في نفسه. وان بنينا على أن المعتبر في العبادة والواجب انما هو الاتيان بها بذاتها مضافة إلى الله سبحانه لتكون قريبة سواء أكان جازما بالنية ام لم يكن

[ 465 ]

[ بل وكذا لتعلم احكام الطوارئ من الشك والسهو (1) ونحوهما مع غلبة الاتفاق بل قد يقال مطلقا، لكن لا وجه له. ] - كما هو الصحيح - على ما قررناه في محله فلا يجب عليه تأخير الصلاة. حتى يتعلم المأمور به ويتمكن من الاتيان به جازما بالنية بل له ان يحتاط في عمله ويأتي به برجاء ادراك الواقع لمشروعيته في نفسه وان استلزم التكرار في العمل على ما بيناه في الكلام على مسائل الاجتهاد والتقليد، وإذا ظهر بعد العمل انه جزء أو شرط للمأمور به فهو وقد اتى به وان ظهر انه غير معتبر في المأمور به فهو من القرآن أو الذكر غير المضرين بالصلاة وإذا لم يتمكن من الاحتياط - وقتئذ - أو لم يكن بانيا على العمل بالاحتياط فله أن يأتي باحد طرفي الاحتمال بقصد السؤال عن حكمه بعد العمل فان كان مطابقا للواقع فهو والا اتى بما هو الواجب ثانيا، إذا فلا نرى وجها صحيحا لوجوب التأخير ايضا في هذه الصورة من جهة التعلم سواء امكن الاحتياط واراده المكلف ام لا وسواء كان الاحتياط مستلزما للتكرار ام لم يكن. (1) ذكرنا في الكلام على مسائل الاجتهاد والتقليد ان مسائل الشك والسهو يبتني وجوب تعلمها على القول بحرمة قطع الصلاة فانها الاساس في المسألة، وقد ادعوا عليها الاجماع في كلماتهم، لانه مع حرمة القطع اختيارا لو علم المكلف بابتلائه بمسألة الشك والسهو أو لم يعلم به ولكنه كان في معرض الابتلاء بها، لانه امر غالبي يجب ان يتعلم حكمها فانه لو تركه وطرءه الشك وهو في اثناء الصلاة لم يجز له القطع والاستيناف من الابتداء، لانه قطع عمدي وهو حرام. ولم يجز له البناء على احد طرفي الشك والمضي عليه، لاحتمال بطلان

[ 466 ]

الصلاة به فهو قطع احتمالي للصلاة، وقطعها على هذا التقدير وارتكابه المحرم ينتهي إلى ترك التعلم، وكلما كان الوقوع في المعصية الواقعية منتهيا إلى ترك التعلم كان موجبا للعقاب ومن هنا يجب تعلم المسائل الراجعة إلى السهو والشك، لفوات الواجب وتركه وإذا انتهى ترك التعلم إلى ترك الواجب اوجب استحقاق العقاب كما مر. وأما لو قلنا بجواز قطع الصلاة فللمكلف - عند طرو الشك والسهو - ان يقطع صلاته ويستأنفها من الابتداء ولا يجب عليه أن يوخر صلاته حتى يتعلم مسائل الشك والسهو، حتى مع العلم بالابتلاء بهما فضلا عن الشك فيه، أو كان الابتلاء بهما أمرا غالبيا لجواز قطع الصلاة والشروع فيها ثانيا من الابتداء فضلا عما إذا لم يكن كذلك، بان لم يكن المكلف في معرض الابتلاء بهما هذا. وقد ذكرنا في محله ان حرمة القطع لم تثبت بدليل قابل للاعتماد عليه، والاجماع غير ثابت بوجه. ثم لو سلمنا حرمة القطع وبنينا على وجوب تعلم المسائل الراجعة إلى الشك والسهو، لاجل ان لا يقع في المحرم الواقعي وهو ابطال الصلاة لم يكن اي فرق في ذلك بين موارد العلم أو الاطمئنان بالابتلاء وموارد احتماله، ولا بين ما إذا كانت المسألة غالبة الاتفاق، وما إذا لم يكن، كالشك بين الركعة الثانية والسادسة فيما إذا احتمل المكلف الابتلاء به احتمالا عقلائيا فان في جميع تلك الموارد يجب تعلم المسألة، لان تركه يؤدي إلى ترك الواجب الواقعي، فان مع احتمال الابتلاء لا يؤمن من العقاب وان كانت المسألة نادرة الاتفاق. وقد ذكرنا في محله ان ترك التعلم إذا أدى إلى ترك الواجب الواقعي

[ 467 ]

[ وإذا دخل في الصلاة مع عدم تعلمها بطلت (1) إذا كان متزلزلا، وان لم يتفق. وأما مع عدم التزلزل بحيث تحقق منه قصد الصلاة. وقصد امتثال أمر الله، فالاقوى الصحة. ] كان موجبا لاستحقاق العقاب عليه حسبما استفدناه من قوله (ع) يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: اكنت عالما؟ فان قال: نعم، قال الله: أفلا عملت بما علمت؟ وان قال: كنت جاهلا قال له افلا تعلمت حتى تعمل؟ (* 1): سواء أكان الابتلاء بها موردا للعلم والاطمينان أم كان موردا للشك والتردد، وسواء أكانت المسألة غالبة الوقوع ام لم تكن لفرض وجود الاحتمال العقلائي. و " دعوى ": ان مقتضى الاستصحاب عند احتمال الابتلاء بالمسألة هو البناء على عدم الابتلاء بها وعدم طرو الشك والسهو في اثناء الصلاة فان به يكون المكلف محرزا - بحكم الشارع - لعدم الابتلاء بالمسألة فلا يجب عليه ان يتعلم حكمها، ولا اقل من البراءة عن وجوب التعلم حينئذ. " مندفعة ": بأن الاستصحاب وان كان جاريا في نفسه غير انه محكوم باطلاق الدليل الاجتهادي الدال على وجوب تعلم الاحكام الشرعية لان مقتضى اطلاقه ان ارتكاب المحرم الواقعي المستند إلى ترك التعلم سبب لاستحقاق العقاب عليه، علم المكلف بابتلائه أم احتمله فما صنعه الماتن من التفصيل بين ما إذا كانت المسألة غالبة الاتفاق، وما إذا لم يكن كذلك مما لا وجه له. (1) قد ظهر مما سردناه في المسألة المتقدمة عدم بطلان الصلاة في


(* 1) راجع البحار ج 2 ص 29 وص 180 من الطبع الحديث وتفسير البرهان ج 1 ص 560 من الطبعة الحديثة.

[ 468 ]

مفروض المسألة حتى إذا قلنا بحرمة قطع الصلاة فيما إذا أتى بها برجاء انها المأمور به أو رجاء عدم الابتلاء بالشك والسهو في صلاته. وذلك لانه أتى حينئذ بذات العبادة وأضافها إلى الله سبحانه فتمت - بذلك - صلاته ولم يطرأ عليه الشك والسهو على الفرض، إذا فما أتى به مطابق للمأمور به واقعا فلا موجب معه للبطلان حتى فيما إذا كان محتملا للابتلاء وغير جازم بعدمه وهو نظير مالو دخل في الصلاة جازما بالعدم إلا أن الابتلاء به طرأ عليه في أثنائها، كما يأتي التعرض إليه. ويحتمل ان يراد ببطلان الصلاه في مفروض المسألة بطلانها ظاهرا، لانه مع الشك في الابتلاء وعدم تعلم احكام الشك والسهو لا يكون المكلف جازما بصحة ما أتى به من الصلاة، لاحتمال عدم مطابقة المأتي به للواقع وكون المأمور به غير المأتي به فلا يجتزء به العقل في مقام الامتثال بحسب الظاهر. لا انها باطلة - واقعا - ولو مع عدم طرو الابتلاء بالشك في صلاته ومطابقة المأتي به للواقع. ويؤيد هذا الاحتمال، بل يدل عليه قوله: وأما مع عدم التزلزل بحيث تحقق منه قصد الصلاة وقصد امتثال أمر الله فالاقوى الصحة. نعم إذا اتفق شك أو سهو لا يعلم حكمه بطلت صلاته لكن له ان يبني على أحد الوجهين أو الوجوه بقصد السؤال بعد الفراغ والاعادة إذا خالف الواقع. والوجه في التأييد بل الدلالة ان الصلاة إذا كانت باطلة في مفروض الكلام على ما أفتى به جازما بقوله: بطلت صلاته فما معنى قوله: له ان يبنى على أحد الوجهين..؟ لانه لا يجتمع مع قوله: بطلت. لوضوح ان الحكم بالبطلان جزما، وبالصحة إذا بنى على

[ 469 ]

[ نعم إذا اتفق شك أو سهو لا يعلم حكمه بطلت صلاته لكن له أن يبني على أحد الوجهين أو الوجوه بقصد السؤال بعد الفراغ والاعادة إذا خالف الواقع. وأيضا يجب التأخير إذا زاحمها واجب آخر (2) مضيق كازالة النجاسة عن المسجد أو اداء الدين المطالب به مع القدرة على ادائه، أو حفظ النفس المحترمة. أو نحو ذلك. وإذا خالف واشتغل بالصلاة عصى في ترك ذلك الواجب لكن صلاته صحيحة على الاقوى وان كان الاحوط الاعادة. ] أحد الوجهين أو الوجوه أمران لا يجتمعان. أللهم إلا ان يراد بالبطلان البطلان الظاهري وعدم اجتزاء العقل به في مرحلة الامتثال إلا أن يبني على أحد الوجهين أو الوجوه بقصد السؤال عن حكمها بعد العمل، كما ان هذا هو المراد بالبطلان فيما ذكره في الكلام على مسائل الاجتهاد والتقليد من ان عمل تارك طريقي الاجتهاد والتقليد والاحتياط باطل. ثم ذكر ان الجاهل إذا تمشى منه قصد القربة وانكشفت مطابقته للواقع حكم بصحة عمله فلاحظ. (2) على ما سيجيئ فيه الكلام عليه ان شاء الله.

[ 470 ]

[ (مسألة 16) يجوز الاتيان بالنافلة (1) ولو المبتدأة في وقت الفريضة ما لم تتضيق. ] التطوع في وقت الفريضة (1) اختلفت كلماتهم في جواز التطوع في وقت الفريضة فعن الشيخين والعلامة في بعض كتبه وكثير من القدماء والمتأخرين القول بالمنع وعدم جواز التطوع ممن عليه الفريضة الادائية أو القضائية. كما لا يجوز الصوم المندوب ممن عليه صوم واجب أداء أو قضاء من غير كلام، فلتكن الصلاة كالصوم من تلك الجهة، بل عن المحقق التصريح بعدم الجواز - في المعتبر - واسناده إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وذكر في الشرايع انه يصلى النوافل ما لم يدخل وقت فريضة، وكذا قضاءها، ومن ذلك ايضا يظهر ان المحقق يرى المنع عن الاتيان بالنافلة بعد دخول وقت الفريضة. وذهب جماعة ومنهم الشهيدان " قدهما " إلى الجواز، بل عن الدروس انه الاشهر، وهذا يدلنا على أن القول بالجواز اكثر من القول بالمنع، ولعل مراده بذلك ان القول بالجواز هو الاشهر عند المتأخرين، لئلا ينافي ذلك ما قدمنا نقله عن المحقق من ان المنع كالمتسالم عليه فيما بينهم أو على الاقل - انه امر معروف والقائل به كثير وكيف كان: القائل بكل من القولين كثير وجملة معتد بها شخصا وعددا، ومنشاء الخلاف في المسألة هو الاختلاف فيما يستفاد من الروايات الواردة في المسألة.

[ 471 ]

اقول في جواز التطوع لمن عليه فريضة ادائية: والكلام في ذلك يقع من جهة المقتضي لعدم الجواز " تارة ". أعني الاخبار الدالة على المنع، ومن جهة المانع " أخرى " وهو الاخبار الدالة على الجواز. أما المقتضي للقول بعدم الجواز فهي عدة روايات اكثرها صحاح زرارة: " منها ": صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قبل الفجر انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل، أتريد أن تقائس لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوع إذا دخل عليك وقت الفريضة، فابدأ بالفريضة (* 1) وقد اشتملت على الامر بالاتيان بالفريضة بعد دخول الوقت فتدل على النهي عن التطوع في وقت الفريضة. و " يرده ": أن الرواية وان كانت تامة من حيث السند، الا أن الاستدلال بها على عدم الجواز غير صحيح، لانها انما وردت في ركعتي الفجر، ودلت على لزوم البدءة بالفريضة، وعدم جواز الاتيان بالركعتين بعد طلوعه. وحيث أنا قدمنا أن ركعتي الفجر يجوز الاتيان بهما بعد الفجر وقبل الفريضة على ما دلت عليه جملة من الروايات المعتبرة فلا مناص من أن تحمل المنع فيها على المرجوحية وان الاتيان بالفريضة بعد طلوع الفجر أفضل لا أن النافلة غير مشروعة بعد الطلوع وقبل الفريضة. إذا فلا دلالة لها على المنع عن التنفل بعد وجوب الفريضة في نفس


(* 1) المروية في ب 50 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 472 ]

موردها فضلا عن أن يستدل بها على عدم جواز التطوع في وقت الفريضة في سائر الموارد. ثم إن قوله (ع) أتريد أن تقائس. لا يبعد أن يكون ناظرا إلى تعليم زرارة كيفية الجدل والمناظرة مع المخالفين الملتزمين بافضلية النافلة قبل فريضة الفجر (* 1) لان بذلك يمكن أن يورد عليهم النقض بالصوم المندوب ويستدل عليهم بالقياس جريا على مسلكهم وللاخذ بمعتقدهم من صحة القياس. لا أنه (ع) بصدد الاستدلال به لانه (ع) لا يحتاج إلى اقامة الدليل والاستدلال بأمر واضح البطلان في الشريعة المقدسة، وهل يتم الاستدلال بالباطل؟!. و " منها ": صحيحة أخرى له عن أبي جعفر (ع) أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها قال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها. ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها (* 2) وهي وان وردت في القضاء الا أنها تدل على عدم جواز التطوع لمن عليه فريضة ادائية بطريق أولى وسندها أيضا صحيح. و " منها ": ما رواه الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة (* 3). ولا ينبغي الاشكال في دلالتها على عدم مشروعية النافلة بعد دخول وقت المكتوبة، الا أن سندها ضعيف، لان الشهيد " قده " وان ذكر أنها مروية بسند صحيح، الا أنها لم توجد في كتب الحديث ولم يصل الينا سندها


(* 1) كما اشرنا إليه في ص 367 (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 61 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 473 ]

ولعله صحيح حسب اجتهاده ونظره بحيث لو وصل الينا لناقشنا في صحته، إذا فهي بحكم المرسلة فلا يمكننا الاعتماد عليها أبدا. و " منها ": ما رواه الشهيد الثاني في الروض عن زرارة - في الصحيح - قال: قلت لابي جعفر (ع) أصلي نافلة وعلي فريضة أو في وقت فريضة؟ قال: لا إنه لا تصلى النافلة في وقت فريضة، أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك أن تتطوع حتى تقضيه؟ قال: قلت: لا، قال: فكذلك الصلاة، قال: فقايسني وما كان يقايسني (* 1) ذكر صاحب الحدائق " قده " إن هذه الرواية رواها الشهيد الثاني " قده " في الروض وأخذ عنه المتأخرون وشيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين والسيد السند في المدارك ولم أقف عليها بعد التتبع في كتاب الوافي الذي جمع فيه الكتب الاربعة ولا في كتاب الوسائل الذي زاد فيه على ما في الكتب الاربعة، والظاهر أن كل من تأخر عن الشهيد الثاني انما أخذها عنه. وفي تعليقته أن الوافي أخرجها عن الحبل المتين في باب كراهة التطوع في وقت الفريضة. وما ذكره " قده " عجيب لان هذه الرواية بعينها والفاظها موجودة في الذكرى في المسألة الثانية من الفصل الرابع من المواقيت، فالرواية مأخوذة عن الشهيد الاول وهي مرسلته دون الشهيد الثاني " قده ". ويرد على الاستدلال بها ما أوردناه على الاستدلال بالرواية السابقة لانه لم يصل الينا طريقها فهي في حكم المرسلة وإن وصفها هو " قده " بالصحة ولعلها صحيحة حسب نظره واجتهاده. و " منها ": موثقة زياد بن أبي غياث عن أبي عبد الله (ع) قال:


(1) الروض ص 184.

[ 474 ]

سمعته يقول: إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا يضرك ان تترك ما قبلها من النافلة (* 1). ولا بأس بسندها وان عبر عنها بالرواية في الحدائق ولم يصفها بالموثقة ولعله من جهة زياد بن أبي عتاب لعدم توثيقه في كلماتهم. وقد أسندها في الوسائل إلى زياد أبي عتاب وهو أيضا كسابقه، والصحيح زياد بن أبي غياث وقد ترجمه النجاشي والشيخ وأضاف النجاشي " قده " أنه ثقة سليم وله كتاب. وذكرا ان الراوي عنه هو ثابت ابن شريح، وهنا أيضا كذلك، كما ان من يروى عن ثابت بن شريح هو عبيس بن هشام - وهو مصغر عباس ذكر كذلك تخفيفا - والامر في المقام ايضا كذلك. على أن الموجود في التهذيب ايضا كما ذكرناه. نعم كتب فوقه زياد ابن ابي عتاب - نقلا عن بعض النسخ. ولكن في الاستبصار زياد بن ابي غياث من دون اشتماله على نقل نسخة اخرى فوقه، وبهذا وذاك يطمأن ان الصحيح زياد بن ابي غياث. فما في الحدائق والوسائل والمنسوب إلى بعض نسخي التهذيب والفهرست كله محرف ومما لا صحة فيه، وقد عرفت ان زياد بن ابي غياث ممن وثقه النجاشي فلا مناقشة فيها من حيث السند. وانما الكلام فيهما من حيث الدلالة على المدعى، وليست فيها أية دلالة على عدم مشروعية النافلة قبل الفريضة وفي وقتها وذلك لاشتمالها على ان ترك النافلة غير مضر بالفريضة وهذا يدلنا على مشروعية النافلة في وقت الفريضة غير ان تركها غير مضر بالفريضة. و " منها ": صحيحة نجية - بالتشديد أو بدونه - أو بخية أو نجهة


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 475 ]

بفتح النون والجيم والباء المفردة كما في هامش نقد الرجال - قال: قلت لابي جعفر - ع - تدركني الصلاة فابدء بالنافلة؟ قال: فقال: لا، ابدء بالمكتوبة واقض النافلة (* 1). وهي من حيث السند تامة وقد رواها الشيخ عن معاوية بن عمار عن نجية، وطريقه إليه صحيح والنجية وان لم يوثق في الرجال الا ان الكشي روى عن حمدويه انه نقل عن محمد بن عيسى ان بخية بن الحرث شيخ صادق كوفي صديق علي بن يقطين، وهذا يكفي في الاعتماد عليه (* 2). ومن جهة الدلالة ايضا قاصرة لدلالتها - كالسابقة - على مشروعية التنفل قبل الاتيان بالفريضة وفي وقتها، إذ لولا مشروعيته وقتئذ لم يكن معنى للامر بقضاء النافلة، إذ القضاء انما يعقل فيما إذا كانت النافلة مشروعة وموقتة بما قبل الفريضة حتى ينقضي وقتها بالاتيان بالفريضة وتقضى بعده، وإلا لجاز الاتيان بها في كل وقت ولم يكن معنى للقضاء إذا لا دلالة للرواية على المدعى. وبهذا يتضح اختصاص الرواية بالنوافل المرتبة، لوضوح انه لا وقت معين لغيرها فلا يتصور لها القضاء بخلاف المرتبة كما لا يخفى وعليه فلا مناص من حملها على ما إذا انقضى الوقت المحدد للنافلة كالذراع والذراعين ومن هنا امر (ع) بقضائها في الرواية.


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) وقد رواها الشيخ " قده " ايضا عن الطاطري الا ان طريقه إليه ضعيف، وظاهر الوسائل ان الشيخ " قده " روى هذه الرواية وكذا الرواية التالية لها عن الحسن بن محمد بن سماعة، وليس الامر كذلك فليراجع التهذيب ج 2 ص 167 من الطبعة الحديثة.

[ 476 ]

و " منها ": ما رواه محمد بن ادريس في (آخر السرائر) نقلا عن كتاب حريز بن عبد الله عن زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: لا تصل من النافلة شيئا في وقت الفريضة، فانه لا تقضى نافلة في وقت فريضة، فإذا دخل وقت فريضة فابدء بالفريضة (* 1) ويأتي الكلام فيها من حيث الدلالة. وأما سندها فقد يقال: ان هذه الرواية كالرواية المتقدمة التي رواها الشهيد " قده " عن زرارة، فكما ان سندها لم يصل الينا ولاجله حكمنا بضعفها والحقناها بالمراسيل فليكن الحال في هذه الرواية ايضا كذلك لعدم علمنا بطريق السرائر إلى كتاب حريز، ومن الظاهر ان الحلي " قده " لم يروها عن كتابه من دون واسطة للفصل الكثير بين عصريهما، حيث ان حريزا من اصحاب الباقر (ع) أو هو مع الصادق (ع) وابن ادريس متأخر عن الشيخ " قده " فكيف يمكنه النقل عن حريز وكتابه من دون واسطة وبهذا تسقط الرواية عن الاعتبار. والصحيح ان كل رواية رواها الحلي " قده " في مستطرفات السرائر عن كتب الرواة ككتاب حريز واضرابه مما لا مانع من الاعتماد عليه وذلك لانه " قده " لا يعتمد على الخبر الواحد، وانما يعمل بالمتواترات أو ما قامت القرينة القطعية على صحته. إذا يدلنا نقله على ان كتاب حريز قد وصل إليه بطريق قطعي قابل للاعتماد عليه. وبعبارة اخرى يدعي الحلي " قده " القطع بكون الرواية موجودة في كتاب حريز، وبهذا تكون الرواية قريبة من الحس فتشملها الادلة القائمة


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 477 ]

على حجية الخبر الواحد، وتكون الرواية معتبرة في حقنا (* 1). ولا يقاسن ذلك بما نقله الشهيد " قده " عن زرارة، لانه يعمل بالآحاد وليس ممن لا يعمل الا بالرواية القطعية، ومعه لابد من ان يصل الينا سنده لنلاحظ صحته وسقمه، وحيث لم يصل الينا فتكون الرواية ملحقة بالمراسيل لا محالة. فالمتحصل إلى هنا ان الروايات المتقدمة لم يتم شئ منها غير صحيحة زرارة الثانية وصحيحة حريز المروية في آخر السرائر ولكن الاستدلال بهما ايضا قابل للمناقشة: أما الصحيحة زرارة فيرد عليها: " أولا ": ان موردها القضاء، والمدعى عدم مشروعية النافلة ممن عليه الفريضة الاعم من الادائية أو القضائية فالاستدلال بها غير تام، لانها


(* 1) وقد عدل " ادام الله اظلاله " عن ذلك اخيرا وبنى على عدم الاعتبار بما رواها الحلي " قده " عن كتب الرواة نظرا إلى جهالة طرقه إلى اربابها وكونها مقطوعة الوجود في كتاب حريز - مثلا - عند الحلي " قده " لا يوجب اتصافها بالحجية عندنا لاحتمال أن يستند في ذلك إلى حدسه واجتهاده، نعم لا مناص من الالتزام بالحجية والاعتبار في خصوص ما رواه عن كتاب محمد بن علي بن محبوب لانه صرح بان ذاك الكتاب قد وصل إليه بخط شيخنا ابي جعفر الطوسي " قده " وبما ان العهد بينه وبين الشيخ قريب وهو " قده " من المشاهير ومن كبار علمائنا المعروفين " قدس الله اسرارهم " بل هو شيخ الطائفة - حقا - كان خطه ايضا معروفا ومشهورا لدى الناس إذ ليس هو من المجاهيل أو الاشخاص العاديين الذين لا يعرف خطهم وكتابتهم وبذلك يكون الكتاب موردا للوثوق والاطمئنان لانه بخط الشيخ وطريقه إلى محمد بن علي بن محبوب ايضا صحيح على ما ذكره في الفهرست.

[ 478 ]

اخص من المدعى بل لو خصصنا محل الكلام بالتطوع ممن عليه الفريضة الادائية فحسب - كما اشرنا إليه - لكانت الصحيحة اجنبية عن المقام بالكلية. و " دعوى ": شمولها الاداء ايضا يحتاج إلى القطع بالملازمة بين الاداء والقضاء وانى للمستدل باثباتها، ولا سيما على القول بالمضايقة، فان القضاء حينئذ مضيق يجب الاتيان به متى ما ذكره المكلف وهذا بخلاف الاداء، لانه موسع فيما بين المبدء والمنتهى، فليكن هذا حكما مختصا بالقضاء. فلا نرى مانعا من الالتزام به بوجه ولا سيما على القول بالمضايقة. و " ثانيا ": ان قوله (ع) ولا يتطوع بركعة حتى تقضى الفريضة كلها. ليست جملة مشتملة على حكم جديد كما يوهمه ظاهر نقل الوسائل. حتى يستدل بها على عدم جواز التطوع في وقت الفريضة مطلقا بل انما هي متفرعة على ما قبلها، وانما نشاء هذا التوهم من تقطيع الصحيحة وعدم نقل الجملة المتقدمة عليها كما هو دأب صاحب الوسائل. ومع ملاحظة الجملة السابقة يظهر بوضوح أن قوله (ع) ولا يتطوع. متفرعة على ما قبلها، وغير قابلة للاستدلال بها على عدم المشروعية في المقام. وذلك لانه (ع) بعد قوله: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار، قال: فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت وهذه أحق بوقتها فليصلها فإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى، ولا يتطوع بركعة حتى يقضى الفريضة كلها (* 1). فترى انه (ع) بعدما بين ان الصلاة القضائية متى ما ذكرها المكلف


(* 1) راجع ب 2 من ابواب قضاء الصلوات من الوسائل.

[ 479 ]

في أي ساعة من ليل أو نهار اتى بها فرع عليه بلفظة " فاء " وانه إذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاتته من الصلاة فليقضها، أللهم إلا ان يخاف فوت وقت الحاضرة، فان الحاضرة، احق بوقتها، فليصل الحاضرة حينئذ ثم الفائتة. فبعد بيان حكم الفريضة الحاضرة مع الفائتة عطف عليها النافلة وتعرض لحكمها مع الفريضة الفائتة وذكر انها متقدمة على النافلة مطلقا خيف فوات وقتها ام لم يخف، إذ ليس هناك اي محذور في تفويت النافلة، ولو من دون مزاحم فضلا عما إذا كان لها مزاحم اقوى وهو الفريضة الفائتة، كما هو لازم القول بالمضايقة فقوله (ع) فإذا دخل.. تفريع على ما قدمه أولا من المضايقة في القضاء وقوله ولا يتطوع عطف على هذا التفريع. ومن هنا يظهر ان قوله: ولا يتطوع.. ليس بحكم جديد، وانما هو حكم متفرع على المضايقة في القضاء وكونه بحيث متى ما ذكره المكلف اتى به. والمعنى - على ذلك - أن القضاء يتقدم على فريضة الوقت مع السعة ومع خوف فوات الوقت يتقدم الاداء على القضاء. وأما النافلة مع القضاء فحيث لا تزاحم بينهما فيتقدم على النافلة - دائما - إذا لا يمكننا الاستدلال بهذه الصحيحة في المقام لانها اخص من المدعى. ثم انا ان قلنا بالمضايقة في القضاء وانه لابد من الاتيان بها متى ما ذكرها في اي ساعة من ليل أو نهار، حملنا الامر في الصحيحة على الوجوب - لا محالة - فتدلنا على ان الفائتة يجب ان تتقدم على الحاضرة، إذ لا يرضى الشارع بتأخيرها عنها - عند السعة - لاهميتها. كما ان النهي عن التطوع في وقت الفريضة يحمل على النهي التحريمي

[ 480 ]

فتدلنا على حرمة تقديم النافلة على الفائتة مطلقا خيف فوات وقتها ام لم يخف. وهو نهي عرضي، لان تقديم النافلة يستلزم فوات المصلحة في تقديم القضاء، والشارع لا يرضى بتفويتها لاهميتها، وليس نهبا ذاتيا ابتدائيا حينئذ. وأما إذا بنينا على المواسعة، وعدم وجوب الفوز في القضاء، فلا مناص من حمل الامر في الصحيحة على الفضل واستحباب تقديم الفائتة على الحاضرة عند السعة فليس الامر فيها وجوبيا بوجه ومعه يكون النهي عن التطوع قبل الفريضة محمولا على الكراهة والتنزيه دون الحرمة وعدم المشروعية لانه لازم القوم بالمواسعة. وهو ايضا نهي عرضي مسبب من استلزام تقديم النافلة للتأخير في القضاء. والتعجيل في الاتيان به امر مرغوب فيه كما عرفت وليس نهبا ذاتيا عن النافلة، إذا لا دلالة للصحيحة على عدم مشروعية النافلة ممن عليه الفريضة ولم يقم دليل على ان مشروعيتها متوقفة على عدم اشتغال الذمة بالقضاء. ثم ان الوارد في الرواية: وقت هذه الصلاة. وهل المراد به فوت وقت الفريضة - بالتمام - أو وقت الفضيلة وان خوف فواته هو المسوغ للاتيان بالاداء قبل القضاء فهو كلام آخر وربما يتضح مما سنورده في المقام. وأما صحيحة حريز بن عبد الله فلان من القريب ان يراد بالوقت - فيها - وقت الفضيلة المقرر للفرائض في الروايات، لا أن المراد به وقت يمكن، ويجوز الاتيان فيه بالفريضة. وبعبارة أخرى ليس المراد به وقت الاجزاء بل وقت الفضيلة، وذلك لان القدر المتيقن من النوافل في تلك الصحيحة وغيرها من الروايات الناهية انما هو النوافل المرتبة، ولا شبهة ولا كلام في جواز الاتيان بها أول الوقت

[ 481 ]

ويدل عليه غير واحد من الروايات، وفي بعضها: أو تدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت: لمكان النافلة أو لمكان الفريضة (* 1). وقد علل في بعضها بأنه لاجل أن لا يؤخذ من وقت هذه فيدخل في وقت هذه (* 2). وهذه الروايات وان كان بعضها ضعيفا - بحسب السند - الا أن في المعتبر منها غنى وكفاية، فيستفاد منها جواز التطوع ومشروعيته بعد دخول وقت الفريضة وقبل الاتيان بها، وان السر في الافضلية في تأخير الفريضة عن الزوال بالمقدار المبين في الاخبار هو أن لا يقع التطوع في وقت الفريضة الافضل. بل قد صرح به في بعضها، كما في رواية العلل. حيث ورد فيها: حتى لا يكون تطوع في وقت مكتوبة (* 3). وبهذا يظهر أن الروايات الناهية انما هي بصدد النهي عن التنفل في وقت الفريضة الافضل، ولا يعم وقت إجزائها كاول الزوال، والمغرب والفجر، فلا يمكننا الاستدلال بها في المقام لكونها أخص من المدعى وهو عدم مشروعية التنفل لمن عليه فريضة حاضرة ولو بدخول وقت اجزائها - كما هو محل الكلام -. ومن جملة الاخبار المستدل بها على ذلك ما رواه أبو بكر الحضرمي عن جعفر بن محمد (ع) قال: إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوع (* 4) ولا تناقش فيها بحسب السند لان أبا بكر الحضرمي وان لم يوثق في الرجال، الا أنه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات فلا قصور فيها من حيث السند، الا أنها قاصرة الدلالة على المدعى لما بيناه من أن ظاهر النواهي


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 482 ]

الواردة عن التطوع انما هو النهي عن التنفل في وقت الفرائض الافضل لا الاعم منه ومن وقت اجزائها فان القدر المتيقن من التنفل والتطوع - كما مر - انما هي المرتبة وهما مما نقطع بجواز الاتيان بها بعد دخول وقت الفريضة وقبل الاتيان بها. إذا لايتم الاستدلال بها في المقام لمكان انها أخص من المدعى. و " منها ": موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: قال لي رجل من أهل المدينة: يا أبا جعفر مالي لا أراك تتطوع بين الاذان والاقامة كما يصنع الناس؟ فقلت: إنا إذا أردنا أن نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة، فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع (* 1) وهي تامة من حيث السند وقاصر من جهة الدلالة. أما من حيث السند فلان الشيخ " قده " رواها بطريقين: فتارة عن الطاطري الذي هو شيخ الحسن بن محمد بن سماعة، وأخرى عن الحسن محمد بن ابن سماعة ولا بأس بطريق الشيخ إلى الحسن بن محمد، كما أن باقي رجال السند مورد للاعتبار. وأما من حيث الدلالة: فلانها بالدلالة على الجواز أولى من الدلالة على المنع، لانها تدل على أنه (ع) انما كان لا يتطوع بين الاذان والاقامة فتدلنا على المنع عنه بينهما، وأما قبل الاذان والاقامة فلا. وبعبارة أخرى ان ما لم يكن يأت به الامام (ع) انما هو خصوص التطوع بينهما - كما كان يصنع الناس - لا مطلقا ولو بعد دخول الوقت وقبل الاذان والاقامة. فالرواية تدل على الجواز قبل الاذان بل وفي حينه. ثم إن التطوع بين الاذان والاقامة هل هو أمر غير جائز؟ أو مرجوح


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 483 ]

فهو أمر آخر لعلنا نتكلم عليه في مورده وفي بعض الروايات ان حد الوقت الذي منع عن التطوع فيه هو ما إذا أخذ المقيم في الاقامة (* 1). وكيف كان فلا يستفاد من ذلك ولا من الموثقة عدم مشروعية التطوع في وقت الاجزاء للفريضة أبدا والاخبار الناهية انما تدل على المنع عن التنفل في وقت الفضيلة للفريضة لا مطلقا إذا فهي اخص من المدعى فلم يدلنا أية رواية تامة السند والدلالة على المنع وانما ورد النهي عن التطوع فيما بين الاذان والاقامة أو بعد الذراع أو الذراعين أعني وقت فضيلة الفريضة وهو أخص من المدعى كما مر. وهل النهي في ذلك نهي تحريمي يأتي عليه الكلام ان شاء الله. فالمقتضي للمنع عن التطوع في وقت الفريضة قاصر من الابتداء. فذلكة الكلام: سردنا الاخبار المستدل بها على ما نسب إلى المشهور بل الاشهر من عدم جواز التنفل في وقت الفريضة إلا ما دل عليه الدليل وخرج عن هذا العموم بالخصوص، وقد عرفت أنها على طائفتين: طائفة وردت في القضاء ودلت على أن من عليه القضاء يأتي به ما لم يتضيق وقت الفريضة ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها. وطائفة وردت في الصلوات الادائية أما الطائفة الواردة في القضاء فقد عرفت عدم شمولها للمقام وانها خارجة عن محل الكلام أو أخص منه كما مر.


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 484 ]

وأما الطائفة الواردة في الاداء بعد دخول وقت الفريضة فقد تقدم أن المتيقن من مواردها بل مورد جملة منها هو المنع عن الاتيان بالنوافل المرتبة قبل اداء الفريضة، والمراد به هو وقت الفضيلة كالذراع والذراعين - في الظهرين - دون الاعم منه ومن وقت اجزائها. ويؤكده بل يدل عليه ما ورد في بعضها من علة تشريع الذراع والذراعين من أنه لمكان النافلة أو الفريضة أو لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه - على اختلاف مضمونها - وهذه الروايات وان كان بعضها ضعيفا الا أن في المعتبر منها غنى وكفاية، فان المستفاد من مجموعها أن الوقت الممنوع عن التنفل فيه انما هو وقت الفضيلة فحسب، والسبب فيه هو اهتمام الشارع بالفريضة فيه. وعليه فلا دليل على النهي عن التطوع في وقت الفريضة مطلقا، فلو دخل وقت الظهر وأراد المكلف أن يتطوع بغير الرواتب قبل الذراع والذراعين جاز من غير منع بحسب الروايات، فلو التزمنا بالمنع عن التنفل في وقت الفريضة - فرضا - لم يسعنا المساعدة على فتوى المشهور بوجه، لاختصاص النهي بالوقت الافضل ولا يعم مطلق وقت الفريضة. فلا مانع من التنفل بغير الراتبة في وقت تجوز فيه الراتبة وليس هناك أي اطلاق أو عموم دل على المنع عن التنفل بمجرد دخول وقت الفريضة حتى يتوهم أن الراتبة انما خرجت عنه بالتقييد أو التخصيص فتبقى النوافل المبتدأة تحت اطلاق المنع أو عمومه فلا يجوز الاتيان بها في الوقت الصالح للفريضة أعني وقت اجزائها فان القرائن تقتضي اختصاص المنع بالوقت الافضل فلا دلالة لتلك الاخبار على ما ذهب إليه المشهور فان الدليل أخص إذا الرواتب قبل دخول وقت الفضيلة لم تكن داخلة تحت دليل المنع لتخرج عنه بالتخصيص،

[ 485 ]

أللهم الا أن تثبت الرواية الواردة في كلام الفقهاء " قدهم " من قوله صلى الله عليه وآله لا صلاة لمن عليه صلاة. لانها مطلقة وقد دلت على أن من اشتغلت ذمته بصلاة لم تشرع منه أية صلاة غير التي في ذمته نافلة مترتبة كانت أو مبتدأة، وانما خرجنا عن اطلاقها في المترتبة كنوافل الظهرين والمغرب - لانها قبل صلاة العشاء - ونافلة الفجر ويبقى غيرها من النوافل المبتدأة تحت الرواية واطلاقها. الا أن هذه الرواية مرسلة نبوية رواها الشيخ المفيد، ولم تثبت بطريق معتمد عليه وغير موجودة في جوامع الاخبار وكتب الحديث. هذا تمام الكلام في المقتضي. وأما الكلام في المانع: فالانصاف أن المنع عن التنفل بعد دخول وقت الفضيلة أيضا مما لا سبيل إليه وهذا لا لعدم المتقضي لما عرف من أن المقتضى لعدم مشروعية التنفل بعد دخول وقت الفضيلة تام في نفسه، ولا سيما بملاحظة النهي عن الاتيان بالنافلة بعد الذراع والذراعين، أو الامر بتركها كما في صحيحة زرارة من قوله (ع) فإذا بلغ فيئك ذراعا من من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة، وإذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة (* 1) لكفاية تلك الروايات في الدلالة على عدم مشروعية التنفل في وقت الفضيلة، والتخصيص في أدلة النوافل المبتدأة والمرتبة. بل الوجه في ذلك ورود جملة من الروايات الدالة - صريحا - على جواز التنفل وقتئذ، ومقتضى الجمع بينها وبين ما دل على عدم المشروعية حمل الاخبار الناهية على الكراهة والمرجوحية أعني اقلية الثواب لوضوح أن


(* 1) المروية في ب 8 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 486 ]

الفريضة أهم وأولى بالمراعاة من النافلة. بل يمكن ان يقال: الكراهة أيضا غير ثابتة وان النهي في الروايات المانعة انما ورد للارشاد إلى ما هو الافضل بعد دخول وقت الفضيلة فالنهي عن التنفل غير مستند إلى المرجوحية الذاتية في النافلة ولو من جهة أقلية ثوابها بن مستند إلى ان التنفل وقتئذ مفوت للمصلحة في وقت الفضيلة وهي اهم من مصلحة التطوع. وبعبارة أخرى: ان النهي عن النافلة ليس بنهي ذاتي عنها بوجه وانما هو نهي ارشادي عرضي مستند إلى أهمية المصلحة في وقت الفضيلة واقوائيتها بالاضافة إلى المصلحة في التنفل، فلو اتى بالتطوع حينئذ فقد أتى بصلاة راجحة في نفسها وادركت مصلحتها غير انه فاتته صلاة أخرى هي أرجح من النافلة وهي الصلاة في وقت الفضيلة لا انه أتى بعمل مرجوح في نفسه. وما دل على جواز التنفل في وقت الفضيلة عدة روايات: " منها ": موثقة سماعة قال: سألته (سألت أبا عبد الله - ع -) عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى أهله أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة، وإن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة وهو حق الله ثم ليتطوع ما شاء الا هو (الامر) موسع أن يصلي الانسان في أول دخول وقت الفريضة النوافل، الا أن يخاف فوت الصلاة (هذه اللفظة ساقطة في نسخة الوسائل) الفضل إذا صلى الانسان وحده أن يبدء بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أول الوقت للفريضة، وليس بمحظور عليه ان

[ 487 ]

يصلي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت (* 1). والمراد فيها بالوقت ليس هو وقت الاجزاء - يقينا - وانما المراد به وقت الفضيلة فان من يريد الدخول في المسجد لصلاة الجماعة لم تجر العادة على أن يدخله في أواخر الوقت قريبا من الغروب أو انتصاف الليل أو طلوع الشمس لانه أمر غير معهود لدى الناس، وانما يدخله من يروم الجماعة في أول وقت الفرائض، فلو خاف فانما يخاف فوت وقت الفضيلة لا فوت وقت الاجزاء. وكيف كان فقد دلتنا هذه الموثقة على التفصيل في التنفل قبل الفريضة، وانه ان كان الوقت حسنا ولا يخاف فوت وقت الفضيلة فليتنفل وإلا فليأتي بالفريضة. وقد صرحت في قوله: الامر موسع. على ان النوافل غير محددة من حيث الوقت بشئ، بل الامر فيها موسع فيشرع التنفل من حين دخول وقت الاجزاء للفرائض وللمكلف ان يتنفل من أول الوقت إلى آخره. وقد يناقش في الرواية بأن قوله: الا هو (الامر) موسع. يجوز أن يكون من كلام الكليني " قده " وانه اجتهاده ونظره لا انه جزء من الرواية حتى يصح الاستدلال بها على المدعى. ويؤيد ذلك بل يدل عليه أن الصدوق " قده " ايضا روى تلك الرواية بعينها والفاظها ولم ينقل ذلك الذيل. ويدفعه: ان هذا الاحتمال عجيب: " أما أولا ": فلانه ينافيه مقام الكليني " قده " وجلالته، فانه لا يزيد ولا ينقص شيئا في الروايات، وكيف يدرج فيها نظره واجتهاده


(* 1) المروية في ب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 488 ]

من دون ان ينصب قرينة عليه بقوله: قلت وامثاله، أفليست هذه خيانة واضحة في الرواية وتصرفا فيها من دون نصب قرينة عليه؟! وهذا واشباهه مما لا يناسب ورعه وامانته في نقل الروايات، وعدم نقل الصدوق للزيادة ليست فيه اية دلالة على عدم كونها جزء من الرواية لانه نقلها بطريقه ورواها الكليني بطريق آخر يشتمل على تلك الزيادة، وهذا امر كثير الاتفاق في الاخبار فليلاحظ، فهذا الاحتمال غير قابل للاعتناء به في نفسه. و " أما ثانيا " فلان الشيخ " قده " روى هذه الرواية عن محمد بن يحيى الذي هو شيخ الكليني " قده " وقد رواها عنه - بعينها - الا في خصوصيات يسيرة، مشتملة علي تلك الزيادة، وهذا يدلنا على ان الزيادة ليست من الكليني " قده " لوجودها فيما رواه شيخه قبل ان ينقلها الكليني فإذا هي جزء من الرواية فليلاحظ. وهذه الموثقة دلت على جواز التنفل في اول اوقات الفرائض وصرحت بانه لا تحديد للنوافل من حيث الوقت. بل الامر فيها موسع وللمكلف ان يصليها من اول الوقت إلى آخره، كما دلت على أن الافضل أن يؤتى بالفريضة اول وقتها، ليكون فضل اول الوقت للفريضة. وخروج بعض الفرائض عن ذلك مستند إلى دلالة الدليل عليه. ومع ذلك ناقش فيها صاحب الحدائق " قده " وفسرها بما لا يلائم عبارة الرواية قال: الامر موسع أن يصلي الانسان في اول دخول وقت الفريضة اي اول دخول وقت الاجزاء كالزوال في الظهرين - بناء على ان وقت فضيلتهما بعد الذراع أو الذراعين ونحوهما - الا أن يخاف فوت الفريضة فيترك النافلة، ولكن الفضل إذا صلى الانسان وحده ان يبدء

[ 489 ]

بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل اول الوقت للفريضة، وليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من اول الوقت إلى قريب من آخر الوقت اي الوقت الذي يدخل بعده وقت الفضيلة للفريضة. وبتفسيره - هذا - قد شوش معنى الرواية مع انها واضحة الدلالة على ما قررناه، فان الوقت الذي ذكر في قوله: الامر موسع ان يصلي الانسان في اول دخول وقت الفريضة، الا ان يخاف فوت الفريضة هو الوقت المتكرر بعد ذلك في قوله: أن يبدء بالفريضة إذا دخل وقتها، فانه هو هو بعينه، فلا يمكن ان يراد بذلك معنى آخر. بان يقال: الامر موسع أن يصلي الانسان الفريضة في اول دخول وقت الفريضة إلا أن يخاف فوت وقت الفضيلة بل الرواية كالصريح في أن النافلة غير موقتة بوقت كالذراع والذراعين ونحوهما، وان الامر موسع وللمكلف أن يأتي بها اول الوقت إلى آخره الا ان يخاف فوت الفريضة أي فوت فضيلة الفريضة. ثم ان ما ذكرناه حكم يعم الفرائض كلها كصلاة المغرب والعشاء والفجر، بمعنى أن الافضل عند دخول وقت أي فريضة ان يبدأ تلك الفريضة. نعم دلتنا الروايات الواردة في خصوص الظهرين على أن الافضل أن يؤتي بالنوافل ثم بالفريضتين بعد الذراع والذراعين على التفضيل المتقدم في محله غير انه حكم آخر قد ثبت بالدليل، فالموثقة واضحة الدلالة على ما بيناه فإذا ضمت هذه الموثقة بالروايات المتقدمة ولاحظناهما معا دلت على المرجوحية في التنفل في وقت الفريضة أو لا تدل على المرجوحية أيضا لان النهي فيها عرضي ومن باب الارشاد إلى الاخذ بما هو أولى بالمراعاة من النافلة وهو مصلحة وقت الفضيلة. ثم إن في كلام صاحب الحدائق " قدة " أن هذا الجمع ليس بجمع

[ 490 ]

عرفي بين الطائفتين، لان الامر حقيقة في الوجوب ومجاز في غيره، كما أن النهي حقيقة في التحريم ومجاز في غيره، فلا يمكن حملهما على غيرهما. وهذا لا يرجع إلى أساس صحيح، لان الامر وان كان حقيقة في الوجوب والنهي حقيقة في التحريم الا أنه إذا قام دليل خارجي على جواز النافلة ومشروعيتها في وقت الفريضة لم يكن أي مناص من أن نرفع اليد عن هذا الظهور بالنص وحمل النهي - لاجله - على المرجوحية أو الارشاد وهذا من الجمع العرفي المقبول. و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله (ع) إذا دخل وقت الفريضة أتنفل أو أبدأ بالفريضة؟ قال: إن الفضل أن تبدأ بالفريضة، وانما أخرت الظهر ذراعا من عند الزوال لاجل صلاة الاوابين (* 1). وقد صرحت بأن كلا من التنفل والاتيان بالفريضة بعد دخول وقتها أمر سائغ غير أن البدء بالفريضة فيه فضل وزيادة عن الاتيان بالنافلة، وبهذا اعطت الصحيحة قاعدة كلية وضابطا عاما في جميع النوافل والفرائض ودلت على أن الفضل انما هو في البدء بالفريضة - أول الوقت - بلا فرق في ذلك بين الفرائض وهو حق الله كما مر في الموثقة، وانما خرجنا عنها في الظهرين، وقلنا إن الفضل فيهما انما هو بعد الذراع والذراعين بدليله ومقتضى ذيل الصحيحة أعني قوله: وانما أخرت الظهر.. أن صلاة الظهر كغيرها واجدة لمقتضى الاتيان بها في أول الوقت الا أنها أخرت ذراعا لمكان النافلة، فالمقتضي للتقديم فيها موجود - كغيرها - ومن باب التخصيص ومراعاة ما هو الاهم من الفريضة في أول وقتها أعني


(* 1) المروية في ب 36 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 491 ]

صلاة الاوابين أخرت ذراعا. فلو دار الامر بين الاتيان بصلاة الظهر أول الوقت، والتطوع بغير النوافل المرتبة كان البدء بصلاة الظهر هو الافضل لانه لا يمنع المكلف عنها الا سبحته كما في بعض الروايات (* 1). وبهذه الصحيحة والموثقة المتقدمة لابد ان يحمل الامر في قوله (ع) وإذا بلغ فيئك ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة (* 2) أو النهي عن التطوع في وقت الفريضة كما في الاخبار المتقدمة على ما أشرنا إليه من الارشاد إلى أن البدء بالفريضة ذو فضل ورجحان أو على ان التنفل مفوت للفضل الموجود في الفريضة، وان النهي عن التنفل عرضي وانما نشأ عن الاهتمام بفضيلة أول الوقت لصراحتها في مشروعية التنفل بعد دخول وقت الصلاة. ولكن صاحب الحدائق " قده " لم يرتض بما ذكرناه وفسر الفضل بما يرجع إلى المشروعية وقال: ان النافلة هنا لا فضل فيها لخروج وقتها ومتى كانت لافضل فيها فلا يشرع الاتيان بها لانها عبادة، فإذا انتفى الفضل فيها دل على عدم صحتها، وعليه فقوله (ع) ان الفضل ان تبدأ. يرجع إلى أن الفريضة في اول الوقت لها فضل فهي مشروعة، والنافلة لا فضل لها فلا تكون مشروعة. وهذا منه " قده " غريب ويأباه تضلعه في الاحاديث واستطلاعه على اللغة العربية، حيث أن الفضل - لغة - بمعنى الزيادة، ومعنى ذلك ان كلا من الفريضة والنافلة يشتركان في الجواز والمشروعية غير أن الفريضة تزيد على النافلة بكثرة الفضيلة والثواب، لا أن احداهما واجدة للمشروعية والاخرى


(* 1) راجع ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) راجع ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 492 ]

فاقدة لها كما لا يخفى ومن هنا قالوا ان كلمة " الفاضل " لا تطلق على الذات المقدسة، إذ ليست له - جلت عظمته - جهة زيادة واضافة وانما صفاته عين ذاته وليست امورا زائدة على الذات. ومما يؤكد ما ذكرناه - من أن الوقت صالح للاتيان فيه بكل من النوافل والفرائض، وانما النهى عن التطوع بعد دخول وقت الفريضة مستند إلى المزاحمة مع الفضيلة الكائنة في الصلاة في وقت فضيلتها فهو نهي عرضي وغير مستند إلى المنقصة والمرجوحية في ذاتها - ما ورد من الترخيص في التنفل بعد دخول وقت الفريضة لمن تنتظر الجماعة بعد دخول وقت الفضيلة كموثقة اسحاق بن عمار قال: قلت: اصلى في وقت فريضة نافلة قال: نعم في اول الوقت إذا كنت مع امام تقتدي به، فإذا كنت وحدك فابدء بالمكتوبة (* 1). وقد فصلت بين المنفرد والمصلي جماعة ودلت على أن الوقت يصلح لكل من الفريضة والنافلة وانها ليست كالصوم المندوب ممن عليه صوم واجب لاشتراط بفراغ الذمة عن فريضة الصوم بخلاف النافلة، وانما امر بتقديم الفريضة عليها في وقتها للتزاحم بينهما، واقوائية المصلحة في الاتيان بالفريضة اول الوقت. فالباب باب التزاحم فإذا اخرت الفريضة في مورد بسبب يقتضيه كالامر بانتظار الجماعة بقي الوقت فارغا عن المزاحم للنافلة، ومعه لا مانع من التنفل اول وقت الفريضة، فالموثقة تدل على مشروعية التنفل حينئذ، ويستفاد منها ان النهي عنه مع التزاحم عرضي وارشاد إلى الاخذ بما هو الافضل. إذا النافلة مفضولة لا انها ذات منقصة ومرجوحية كما في


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 493 ]

الصلاة في الحمام. وبهذا يظهر ان الرواية ترك النافلة إنما هي بالاضافة إلى الفريضة. وأما بالاضافة إلى سائر النوافل فلا مفضولية ولا مرجوحية لها في اول الوقت ابدا ولو بمعنى اقلية الثواب لما تقدم من انها ليست كالصلاة في الحمام ونحوها ذات منقصة ومرجوحية في نفسها، وانما هي مفضولة بالاضافة إلى الفريضة فحسب. ثم إنا انما جعلنا الموثقة موكدة للمدعى ولم نستدل بها في المقام من جهة احتمال ان يكون الحكم الوارد فيها خاصة للمصلي جماعة بان يكون الوقت موسعا بالاضافة إليه ويكون مضيقا بالاضافة إلى من يصلي منفردا بان لا يتمكن من التنفل في وقت الفريضة فانه امر يحتمل بالوجدان، وان كان الظاهر المستفاد منها حسب الفهم العرفي ما ذكرناه من اشتراك الوقت وصلاحيته للنافلة والفريضة وانما قدمت الفريضة للتزاحم والافضلية، لا لعدم مشروعية التنفل أو حزازته ومنقصته، ومن هنا قلنا انه إذا ارتفع المزاحم في مورد لم يكن أي مانع من الاتيان فيه بالنافلة. وورد في صحيحة عمر بن يزيد أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرواية التي يروون انه لا يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال: إذا اخذ المقيم في الاقامة فقال له: إن الناس يختلفون في الاقامة فقال. المقيم الذي يصلى معه (* 1). وهذه الصحيحة حاكمة على جميع الاخبار المتقدمة الناهية عن التطوع في وقت الفريضة، لانها فسرت الوقت الممنوع عن التطوع فيه بأنه الوقت الذي اخذ المقيم في الاقامة، وأما قبله فلا.


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 494 ]

[ ولمن عليه فائتة (1) على الاقوى ] نعم هذا انما هو بالاضافة إلى المصلي جماعة - لاختصاص الصحيحة به - وأما المنفرد فتقديم الفريضة هو الافضل في حقه لاطلاق الروايات المتقدمة بل إن منها ما هو صريحة الدلالة على أن الافضل لمن يصلي منفردا هو البدء بالفريضة وبها تحمل المطلقات المتقدمة على المصلي بالانفراد كما أنها خاصة لمن صلى جماعة، جواز التطوع لمن عليه قضاء فريضة: (1) يقع الكلام في ذلك أيضا تارة في المقتضي للمنع وأخرى في المانع. أما المقام الاول فالمعروف على ما في كلام صاحب الحدائق " قده " هو المنع ولكن المنسوب إلى الاكثر في كلام بعضهم هو الجواز وكيف كان فقد ذهب جماعة إلى المنع وعدم المشروعية كالعلامة واكثر المتأخرين وممن قال به صاحب الحدائق " قده " كما هو الحال في الصوم المستحب لعدم مشروعيته ممن عليه صوم واجب، واستدل على عدم المشروعية بوجوه: " منها ": قوله (ع) لا صلاة لمن عليه صلاة. لان مقتضى اطلاقه أن كل صلاة غير الصلاة الثابتة على ذمة المكلف ليست بصلاة، نافلة كانت أم فريضة حاضرة، أللهم الا أن يتضيق وقتها، لانها جائزة حينئذ وقد خرجت بالدليل، والا فالفريضة ايضا ليست بصلاة عند السعة، وظاهر نفى الصلاة انما هو نفي الحقيقة وعدم المشروعية فحمله على نفي الكمال الظاهر لا يصار إليه الا بدليل وقرينة.

[ 495 ]

كما في قوله (ع) لا صلاة لجار المسجد إلا في مسجده (* 1) لان ظاهره وان كان نفي الحقيقة الصلاتية. ولكن جمعا بينه وبين ما دل على الجواز والمشروعية، لا مناص من حمله على نفي الكمال. وحيث لم تقم قرينة على ذلك في المقام فلا يمكننا المساعدة على ما ذكره بعضهم من حمل النفي على نفي الكمال هذا. ولكنك عرفت في المسألة المتقدمة أن هذه الرواية مرسلة نبوية ولم تثبت من طرقنا، وانما رواها الشيخ المفيد مرسلا (* 2) ولا ندري أنه رواها باي طريق، فالرواية غير قابلة للاستدلال بها بوجه. و " منها ": ما استدل به صاحب الحدائق " قده " من الروايات الدالة على أن الحاضرة مترتبة على الفائتة بدعوى ان فراغ الذمة عن القضاء معتبر في صحة الصلوات الادائية اللهم الا أن يتضيق وقتها بحيث لو ذكرها وهو في اثناء الحاضرة عدل بها إلى الفائتة، وان الفائتة إذا كانت متقدمة على الحاضرة لكانت نوافل الحاضرة ايضا مترتبة على الفائتة بطريق اولى، فان النوافل المرتبة من توابع الفريضة وملحقاتها. واولى من النوافل المرتبة غيرها من النوافل المبتدأة، لان الرواتب أهم من المبتدأة عند الشارع، فإذا كانت هي مترتبة على الفوائت فغيرها أولى بذلك. وهذا الاستدلال منه " قده " عجيب، لانه زئدا على انه من القياس الباطل في نفسه ولا اولوية للنوافل كما سيتضح قياس مع الفارق لان تقدم


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب احكام المساجد من الوسائل. (2) رواها في الرسالة السهوية عن النبي - ص - ب 46 من ابواب المواقيت من المستدرك.

[ 496 ]

الفائتة على الحاضرة واعتبار فراغ الذمة عنها في صحة الحاضرة - على القول به - انما يستند إلى ما دل على اعتبار الترتب والاشتراط بين الفريضتين كالترتب المعتبر بين العصر والظهر أو العشاء والمغرب. فإذا التزمنا بالترتب بين الفريضتين اعني الفائتة والحاضرة لم يكن ذلك مستلزما للالتزام بترتب نوافل الحاضرة ايضا على الفائتة، لانها صلاة مستقلة اخرى لم يدلنا اي دليل على اعتبار الترتب والاشتراط فيها كما لم يقم اي دليل على ان كلما اعتبر في الفريضة فهو معتبر في نوافلها، وأن كلما اشترط في النوافل المرتبة يشترط في النوافل المبتدأة ايضا. ومما يفصح عما ذكرناه ان النوافل مبتنية على السهولة، فلذا لا يعتبر فيها الاستقبال والطمأنينة، والاستقرار فتصح مع المشي إذا كبر مستقبل القبلة، ولا يصح ذلك في الفريضة، فليكن عدم اعتبار الترتب واشتراط تقدم الفائتة عليها ايضا كذلك. نعم لو كان الوجه في اعتبار الترتب بين الفائتة والحاضرة هو التزاحم بينهما واولوية الاولى واهميتها بالنسبة إلى الثانية لكان القول بالترتب بينهما مستلزما للقول به بين الفائتة والنوافل المرتبة بالاولوية لعين الملاك المتقدم اعني التزاحم واقوائية الفائتة عن النوافل بالاولوية. الا انه غير مستند إلى ذلك. بل تابع لدلالة الدليل عليه كما في ترتب العصر على الظهر، ولا ملازمة بين اعتبار شئ وشرطيته في الفريضة واعتباره وشرطيته في النافلة، إذ لم يدل عليها دليل. فترتب الحاضرة على الفائتة إذا لم يقتض ترتب النوافل المرتبة على الفائتة لم يقتض ترتب المبتدأة ايضا على الفائتة، لانها صلاة مستقلة اخرى لم يقم دليل على اعتبار الترتب - على الفائتة - في صحتها.

[ 497 ]

ولعمري ان الاستناد في الاستدلال على الاحكام الشرعية التوقيفية إلى ما يشبه الاقيسة والاستحسانات الظنية مع وجود الفارق وعدم تماميتها في نفسهما ممن دأبه ان لا يعتمد على غير الكتاب والسنة عجيب، كيف فانه " قده " ممن لا يرتضي الاستدلال بمثل التسالم والاجماع، ومع ذلك استدل على حكم المسألة بما تقدم فليلاحظ. " منها ": ان القضاء واجب مضيق فلابد من الاتيان به فورا ففورا فلا يجوز التنفل ممن عليه القضاء لاستلزامه التأخير في تفريغ الذمة عن القضاء ولا يسوغ فيه التأخير والاهمال لفوريته. وهذا الاستدلال أيضا غير تام وذلك: " أما أولا ": فلان القضاء على ما يوافيك في محله موسع ولا نلتزم فيه بالمضايقة. " وأما ثانيا ": فلان المضايقة - على تقدير القول بها - لا يراد منها وجوب القضاء على نحو التضييق التحقيقي المنافي للاشتغال بغيره من الامور إلا بمقدار ترتفع به الضرورة من اكل أو شرب أو نوم ونحوها، وذلك للقطع بخلافه، وانما المراد به هو الضيق العرفي اعني عدم التواني والتساهل في الاتيان به فله أن يؤخره حيث شاء ما لم يؤد اليهما لدى العرف، بحيث لو اشتغل بغيره صدق عليه التساهل والتواني. ولا مانع للمكلف من أن يشتغل بالامور المباحة من المشي والتكلم ونحوهما من الافعال المباحة فضلا عن المستحب كالزيارة وقراءة القرآن والنافلة والدعاء ونحوها ما لم يؤد إلى التساهل في القضاء عرفا فالضيق التحيقي المنافي للاشتغال بمثل الكلام والاكل مما لا سبيل إلى الالتزام به. " وأما ثالثا ": فلانا لو التزمنا بالضيق في الفوائت وقلنا بالضيق

[ 498 ]

التحقيقي العقلي المنافي للاشتغال بالنافلة ونحوها لم يترتب على ذلك عدم مشروعية النافلة ابدا فليكن المقام من باب التزاحم فإذا عصى الامر بالفورية في القضاء جاز له التنفل ويحكم بصحته بالترتب، وان كان قد عصى بتأخير القضاء لا أن النافلة باطلة وبين الامرين بون بعيد فلا موجب للحكم بعدم مشروعيتها بوجه. " وأما رابعا ": فلانا لو لم نلتزم بصحة النافلة بالترتب فلا نتردد في أن المكلف قد يجب عليه تأخير القضاء، كما إذا كان فاقدا للماء أو لغيره من الشرائط المعتبرة في الصلاة كالقيام وهو عاجز عنه بالفعل مع العلم بان العذر سيرتفع بعد يوم أو يومين أو في آخر الوقت من هذا اليوم فانه يجب ان يؤخره إلى زمان التمكن من الماء أو القيام أو غيرهما من الامور اللازمة في الصلاة للعلم بتمكنه من الفرد الكامل بالتأخير فلا مسوغ له في الاكتفاء بالفرد الناقص بوجه. إذا فلماذا لا تصح منه النافلة وقتئذ؟ لانها ليست منافية للفورية في القضاء لما فرضناه من وجوب التأخير عليه فلا مناص من ان نلتزم بصحتها وان كان بصدق ان عليه فائتة. وعلى الجملة ان التزاحم مع الفائتة غير مستلزم لبطلان النافلة كما عرفت. وأما توهم ان النافلة يشترط في صحتها عدم اشتغال الذمة بالقضاء. فيندفع: بان الشرطية لا يستفاد من فورية القضاء بوجه، والاستدلال في هذا الوجه انما هو بالتزاحم لا بالاشتراط وبين الامرين بون بعيد. و " منها ": صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أيصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال: يصلي حين يستيقظ، قلت: يوتر

[ 499 ]

أو يصلي الركعتين؟ قال: بل يبدء بالفريضة (* 1). وهي من حيث السند صحيحة ومن ناحية الدلالة تامة، وقد دلت على المنع عن التطوع ممن عليه القضاء وموردها ايضا هو القضاء. ولكنها معارضة في نفس المورد بموثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس فقال: يصلي ركعتين، ثم يصلي الغداة (* 2). ومورد الروايتين واحد والسؤال فيهما من سؤال عن مطلب فارد فهما متعارضتان، ولا يمكن معه الالتزام بعدم جواز التنفل ممن عليه القضاء. وأما ما عن الشيخ " قده " من حمل الموثقة على صورة انتظار الجماعة أعني من يريد أن يصلي بقوم وينتظر اجتماعهم فتكون الصحيحة مختصة بمن يصلي بالانفراد فهو خال عن الشاهد والدليل. على أن الموثقة انما وردت في مورد خاص وهو فريضة الفجر ونافلته والتعدي عنها إلى غيرها من الفرائض وسائر النوافل المرتبة امر يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه فمع قطع النظر عن انها معارضة في موردها، ولو لاجل الجمع المحكي عن الشيخ " قده " لا يمكن الاستدلال بها على الجواز ولو في صورة انتظار الجماعة مطلقا لانها أخص كما مر. نعم انما يتم الحمل على إنتظار الجماعة في الاخبار الواردة في أن النبي صلى الله عليه وآله رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ الا بعدما طلعت الشمس وركع ركعتين ثم قام فصلى بهم الصبح (* 3).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 61 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 61 من ابواب المواقيت من الوسائل و 46 من المستدرك

[ 500 ]

وقد استدل بها بعضهم على جواز التنفل لمن عليه القضاء مطلقا، الا انها لو تمت وصدقناها في مداليلها محمولة على صورة انتظار الجماعة حيث ورد في بعضها. ثم قام فصلى بهم الصبح (* 1). ولكن هذه الروايات لا يسعنا ان نصدقها في مضامينها وان كان بعضها صحيحا من حيث السند، ولم يظهر لنا الوجه في صدورها عنهم عليهم السلام لمخالفتها أصول المذهب ودلالتها على القدح في مقامه وعصمته صلى الله عليه وآله كيف وهو أرقي من ان يغلبه النوم ويمنعه عن القيام بما أمره به ربه. نعم على فرض تصديقها لم يكن أي مناص من أن تحملها على الجماعة بان يقال: انه صلى الله عليه وآله انتظارا لاجتماعهم ركع ركعتين ثم قام وأتى بالفريضة القضائية فتأخيره القضاء مستند إلى انتظار الجماعة فقد أشير إلى انه صلى الله عليه وآله صلى بهم جماعة في بعضها كما مر. وربما وجهها بعضهم بأن تلك الروايات غير منافية لمقام النبي صلى الله عليه وآله وعصمته لجواز ان يقال: ان غلبة النوم واستيلائه على النبي صلى الله عليه وآله انما كانت بمشيئة الله وارادته مراعاة للمصلحة النوعية العامة وهي التوسعة والتسهيل على أمته لانه صلى الله عليه وآله إذا كان بحيث يغلبه النوم وتفوت به فريضته لم تكن غلبته وفوتها عن سائر المكلفين موجبا للمعاتبة والتشنيع والذم، ولا سيما إذا صدر عن الاعاظم والوجهاء وذوي المقامات العالية لدى الناس. - مثلا - إذا غلب النوم على احد الحكام والقضاة أو فاتت الفريضة عن أحد مراجع الفتوى - كثر الله أمثالهم - لم يكن ذلك موجبا لتعييره بملاحظة انه أمر ابتلى به النبي صلى الله عليه وآله فكيف بغيره ممن لا عصمة له. وهذا بخلاف ما إذا لم يبتل به النبي صلى الله عليه وآله لان صدوره من غيره


(1) المروية في ب 61 من ابواب المواقيت من الوسائل و 46 من المستدرك

[ 501 ]

يستتبع اعلامة؟ والسقوط عن الانظار لا محالة. وهذا الوجه وان كان قريبا في نفسه ولا مانع من الالتزام بتحققه عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله إذا اقتضت المصلحة العامة مثله، إلا ان في تلك الروايات قرينة على ان غلبة النون لم يكن من الله سبحانه لاجل المصلحة وانما كانت مستندة إلى الشيطان حيث ورد في بعضها ان النبي صلى الله عليه وآله قال: نمتم بوادي الشيطان (* 1) وفي بعضها الآخر انه قال: قوموا فحولوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة (* 2) وفي ثالث: تنحوا من هذا الوادي الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة فانكم نمتم بوادي الشيطان (* 3) فان الغلبة إذا كانت بمشيئة الله سبحانه للمصلحة فما معنى قوله صلى الله عليه وآله نمتم بوادي الشيطان أو: فحولوا عن مكانكم الذي اصابكم فيه الغفلة. كما أن فيها قرينة أخرى على أن غلبة النوم لم تكن ناشئة عن المصلحة النوعية، لان المستفاد منها انه صلى الله عليه وآله تأثر بغلبة النوم وفوات الفريضة عنه حتى كره المقام في ذلك المكان، فلو كانت الغلبة بمشيئة الله رعاية للمصلحة لم يكن لتأثره صلى الله عليه وآله بها وجه ابدا، وكيف كان فلا مساغ للاستدلال على الجواز مطلقا بتلك الروايات. ومن الغريب في المقام ما صدر عن بعضهم من أنه وان لم يجز قبول تلك الروايات في الدلالة على نومه صلى الله عليه وآله عن الصلاة الا أن التحقيق وجوب قبولها في الدلالة على جواز التنفل لمن عليه فريضة.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 61 من ابواب المواقيت من الوسائل و 44 من المستدرك. (* 3) المروية في ب 46 من ابواب المواقيت من المستدرك.

[ 502 ]

والوجه في الغرابة ان الاستدلال بهذه الروايات على جواز التنفل ممن عليه قضاء، انما هو دلالتها على صدور التنفل عن النبي صلى الله عليه وآله مع وجوب القضاء عليه، فإذا انكرنا هذه الدلالة ونفينا وجوب القضاء في حقه فكيف تدلنا على جواز التنفل ممن عليه القضاء؟! وقد ذكرناه غير مرة ان الدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية حدوثا وحجية، فإذا رفضنا المدلول المطابقي للروايات، لانه مخالف للمذهب ومناف لعصمته صلى الله عليه وآله فكيف يمكن الاخذ بمدلولها الالتزامي؟ و " منها ": الرواية المنسوبة إلى الشهيد الثاني " قده " وهي التي ذكرنا انها مرسلة الشهيد الاول وقد رواها في الذكرى واخذ عنه الشهيد الثاني في الروض وهي ما رواه عن زرارة - بسند صحيح - قال: قلت لابي جعفر عليه السلام أصلي نافلة وعلى فريضة أوفى وقت فريضة؟ قال: لا انه لا يصلى نافلة في وقت فريضة أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك أن تتطوع حتى تقضيه؟ قال: قلت لا:، قال: فكذلك الصلاة (* 1). حيث دلت بصدرها على عدم جواز التطوع في وقت الفريضة الحاضرة كما دلت بذيلها على المنع عن التطوع لمن عليه صلاة فائتة، حيث قال: فكذلك الصلاة. إذا فالحكم عام للصلوات القضائية أيضا. وفيه ما قدمناه في المسألة السابقة من أن الشهيد " قده " وان وصفها بالصحة والاعتبار وقال: روى زرارة بسند صحيح، الا ان من المحتمل القريب ان يكون ذلك اجتهادا منه " قده " وهي بالاضافة الينا مرسلة، لعدم وصول سندها الينا لتلاحظ انه صحيح أو سقيم. ولا اعتداد باجتهاده " قده " في حقنا. ومن هنا لا نلتزم بحجية الاخبار المدونة في الكافي - بأسرها - مع أن


(* 1) الروض ص 184

[ 503 ]

مؤلفه قد وصفها بالاعتبار والحجية، ولا وجه له سوى أن حجيتها انما هي بنظره واجتهاده، ولا اعتداد بهما في حقنا بوجه. وكيف كان فالرواية ضعيفة وغير قابلة للاستدلال بها أبدا. على انا لو سلمنا صحتها ولو لان الشهيد " قده " وصفها بالصحة وان توصيف مثله يكفي في الصحة والاعتبار، كما ذكره صاحب الحدائق " قده " حيث قال: بعد نقل الرواية عن الشهيد الثاني في الروض والسيد في المدارك والبهائي في الحبل المتين: ولم اقف عليها بعد التتبع في كتاب الوافي الذي جمع فيه الكتب الاربعة ولا كتاب الوسائل. ولكن كفى بالناقلين حجة. وقال: بعد نقل الرواية الآتية: وهذه الرواية لم نقف عليها إلا في كتاب الذكرى وكفى به ناقلا. فهي معارضة بما رواه هو " قده " بنفسه عن زرارة ووصفها ايضا بالصحة عن ابي جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدء بالمكتوبة قال: فقدمت الكوفة فاخبرت الحكم بن عتيبة (أو عيينة) واصحابه فقبلوا ذلك منى، فلما كان في القابل لقيت أبا جعفر (ع) فحدثني ان رسول الله صلى الله عليه وآله عرس - نزل في السفر للاستراحة - في بعض اسفاره وقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا فنام بلال وناموا حتى طلعت الشمس فقال: يا بلال: ما ارقدك؟ فقال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي اخذ بانفاسكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله قوموا فحولوا عن مكانكم الذي اصابكم فيه الغفلة وقال: يا بلال اذن فاذن فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله ركعتي الفجر، وأمر اصحابه فصلوا ركعتي الفجر ثم قام فصلى بهم الصبح وقال: من نسي شيئا من الصلاة فليصلها

[ 504 ]

إذا ذكرها، فان الله عزوجل يقول: واقم الصلاة لذكري. قال زرارة فحملت الحديث إلى الحكم واصحابه فقالوا: نقضت حديثك الاول، فقدمت على ابي جعفر (ع) فاخبرته بما قال القوم، فقال: يا زرارة ألا اخبرتهم انه قد فات الوقتان جميعا وإن ذلك كان قضاء من رسول الله - ص - (* 1). ومعناه ان ما حدثتك به أولا: إذا دخل وقت صلاة مكتوبة. انما كان راجعا إلى الاداء، وما حدثتك به ثانيا من قضية تعريس النبي صلى الله عليه وآله راجع إلى القضاء وانه صلى الله عليه وآله قضى كلا من النافلة والفريضة. فتدلنا هذه الرواية على التفصيل بين الحاضرة والفائتة وان التطوع في وقت الفريضة الحاضرة غير جائز، ولكنه ممن عليه فريضة فائتة امر سائغ ومن هنا تطوع النبي صلى الله عليه وآله مع انه كان عليه قضاء صلاة الفجر. إذا فهذه الرواية معارضة مع الرواية المتقدمة الدالة على المنع عن التطوع لمن عليه فائتة وكلتاهما من زرارة فعلى تقدير صحتهما وتماميتهما متعارضتان ولا مناص من حمل المانعة على الكراهة أو الارشاد إلى اختيار ما هو الافضل والاهم لان المقام من باب التزاحم. و " منها ": وهو احسن الوجوه المستدل بها في المقام صحيحة زرارة المتقدمة عن ابي جعفر (ع) انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها قال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة (إلى ان قال) ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها (* 2). لانها وردت في التطوع ممن عليه القضاء وقد صرحت بالنهي عنه وسندها ايضا صحيح. والجواب عنها أنا اشرنا في المسألة السابقة إلى أن الصحيحة لا دلالة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 61 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 505 ]

لها على اللزوم فانه (ع) بعد قوله: في اي ساعة ذكرها من ليل أو نهار قال: فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت وهذه أحق بوقتها فليصلها، فإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى، ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها (* 1). فان قوله فإذا دخل. تفريع على ما افاده أولا من أن القضاء واجب مضيق يتقدم على الاداء مع سعة الوقت لا انه حكم جديد، وقوله ولا يتطوع عطف على هذا التفريع، فيدلنا ذلك على أن القضاء لما كان واجبا مضيقا لم يجز التطوع حتى تقضى الفريضة كلها. ومعنى ذلك أن النافلة والفائتة متزاحمتان وبما أن الفائتة أولى وأهم كانت متقدمة على النافلة مطلقا، وكذلك تتقدم على الحاضرة ما لم يتخوف فوتها، ولا يكاد يستفاد منها أن النافلة مترتبة على القضاء وان شرط صحتها ان لا تكون الذمة مشتغلة بالفائتة فلا تكون مشروعة قبلها حتى في المواضع التي لا يكون الامر فيها فعليا بالفائتة - كما إذا كان المكلف معذورا عن القيام وغير واجد لتمام الشرائط وقتئذ مع علمه بحصولها في الازمنة الآتية فهو بحيث لا يتمكن من الفائتة وان لم يأت بالنافلة. بل وكذلك الحال فيما إذا كان الامر بها فعليا في حقه بناء على ما هو الصحيح من امكان الترتب على ما قررناه في محله. ثم لو سلمنا دلالة الصحيحة على عدم مشروعية التطوع ممن عليه الفائتة عارضتها الموثقة والصحيحة المتقدمتان الدالتان على جواز التنفل في وقت الحاضرة غير ان البدء بالفريضة في أول الوقت افضل، لا انه امر متعين كي لا تكون النافلة بمشروعة. فإذا كانت النافلة مشروعة ممن عليه الفريضة الحاضرة لكانت مشروعة


(* 1) راجع ب 2 من ابواب قضاء الصلوات من الوسائل.

[ 506 ]

ممن عليه الفائتة بالاولوية، لانه لا قائل بجوار النافلة لمن عليه الحاضرة وبعدم جوازها ممن عليه الفائتة بخلاف العكس، لوجود القائل بعدم الجواز ممن عليه الحاضرة وجوازها لمن عليه الفائتة مستدلا على ذلك برواية زرارة المتقدمة عن الشهيد " قده " المشتملة على حكاية تعريس النبي صلى الله عليه وآله لدلالتها على التفصيل بين الحاضرة والفائتة، حيث رخصت في التطوع لمن عليه الفائتة، ودلت على المنع عنه بالاضافة إلى من عليه الفريضة الحاضرة. فلو تمكنا من اثبات جواز النافلة لمن عليه الحاضرة بهاتين الروايتين تثبتت مشروعيتها لمن عليه الفائتة بطريق اولى، وبما ذكرناه لا مناص من ان نرفع اليد عن ظهور الصحيحة في الشرطية وعدم مشروعية النافلة لمن عليه الفائتة، ويتعين معه حملها على الكراهة أو الارشاد إلى ما هو الافضل. ويؤيد ما ذكرناه روايتان: " إحداهما ": موثقة أبي بصير المتقدمة عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس فقال: يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة (* 1). وقد ذكرنا انها صريحة الدلالة على جواز التنفل لمن عليه الفائتة، غير أنا انما جعلناها مؤيدة ولم نستدل بها على المدعى لان موردها قضاء صلاة الفجر، ومن المحتمل ان تكون لها خصوصية اقتضت بها جواز التنفل إي خرجت لاجلها عن عدم جواز التنفل على من عليه الفائتة تخصيصا بخلاف الفائتة في سائر الفرائض. و " ثانيتهما ": ما رواه علي بن موسى بن طاووس في (كتاب غياث سلطان الورى) عن حريز عن زرارة عن ابي جعفر؟ قال: قلت له:


(* 1) المروية في ب 61 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 507 ]

[ والاحوط الترك (1) بمعنى تقديم الفريضة وقضائها ] رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف ان يدركه الصبح، ولم يصح صلاة ليلته تلك قال: يؤخر القضاء ويصلي صلاة ليلته تلك (* 1). لصراحتها في مشروعية التطوع والاتيان بصلاة الليل لمن عليه الفائتة فيما إذا خاف فوات وقت النافلة، وهذا يدلنا على أن تلك الموارد من باب التزاحم، ومع احتمال فوات النافلة يكون التطوع بها أهم فيتقدم على الفائتة لابتنائها على المواسعة بخلاف ما إذا كانت النافلة موسعة بحسب الوقت، لانه لا اهمية للتطوع بها على نحو يتقدم على القضاء لا أن النافلة يشترط في صحتها ومشروعيتها عدم كون الذمة مشتغلة بالفائتة. وانما جعلناها مؤيدة لعدم علمنا بان ابن طاووس رواها عن حريز باية واسطة وان طريقه إليه صحيح أو سقيم فهي مرسلة بالاضافة الينا وان كان السند صحيحا من حريز. هذا تمام كلامنا في المقتضي للمنع عن التطوع عند اشتغال الذمة بالفائتة وقد ظهر بما سردناه، أن المقتضي لعدم الجواز غير تام لعدم تمامية الوجوه المستدل بها عليه وابتلاء التام منها بالمعارض ومنه يظهر الكلام ايضا في المانع ولا يحتاج إلى اعادته. (1) قد اسلفنا أن المسألة خلافية بينهم، والاحتياط مع الاختلاف حسن الا أن الاحتياط انما يقتضي الترك فيما إذا احتملت الحرمة الذاتية في التطوع في وقت الفريضة الادائية أو القضائية، لانا وان قلنا بجوازها حينئذ ظاهرا الا ان تركها للاحتياط مما لا مانع عنه، لئلا يقع المكلف في الحرمة الذاتية الواقعية على تقدير ان النافلة محرمة واقعا. ولكن الحرمة الذاتية غير محتملة - بتاتا - لان الحرمة لو سلمنا ثبوتها


(* 1) المروية في ب 61 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 508 ]

[ (مسألة 17) إذا نذر النافلة لا مانع من اتيانها في وقت الفريضة (1) ولو على القول بالمنع. هذا إذا اطلق نذره. وأما إذا قيده بوقت الفريضة فاشكال على القول بالمنع، وإن أمكن القول بالصحة، لان المانع انما هو وصف النفل، وبالنذر يخرج عن هذا الوصف، ويرتفع المانع، ولا يرد أن متعلق النذر لابد ان يكون راجحا، وعلى القول بالمنع لا رجحان فيه فلا ينعقد نذره، وذلك لان الصلاة من حيث هي راجحة ومرجوحيتها مقيدة بقيد يرتفع بنفس النذر، ولا يعتبر في متعلق النذر الرجحان قبله، ومع قطع النظر عنه حتى يقال بعدم تحققه في المقام. ] فانما هي بمعنى عدم المشروعية وعدم الامر بالتطوع، لانه ظاهر قوله (ع) بدأت بالفريضة وتركت النافلة، أو قوله لا صلاة لمن عليه صلاة، أو لا تطوع في وقت فريضة ونحوها لا انها محرمة ذاتية نظير حرمة الغيبة وقتل النفس المحترمة ونحوهما. إذا مقتضى الاحتياط هو الاتيان بها ولكن - رجاء - لانها حينئذ إذا كانت مستحبة في الواقع فقد أتى بها المكلف وادرك فضيلتها، وإذا لم تكن كذلك فلا يترتب على الاتيان بها اي محذور لعدم حرمتها الذاتية وعدم ارتكابه التشريع القبيح وانما اتى بها رجاء فهي غير مضرة على كل حال. نذر النافلة: (1) فصل الماتن " قده " في نذر النافلة بين صورتي اطلاق النذر وتقييده بوقت الفريضة وتفصيل الكلام في المسألة ان لنذر النافلة صورا.

[ 509 ]

صور نذر النافلة: (الصورة الاولى): أن ينذر الاتيان بالنافلة كصلاة جعفر (ع) مثلا نذرا مطلقا من دون أن يقيده بوقت الفريضة، ولا ينبغي الاشكال في صحة نذر النافلة كذلك، لانها راجحة في ذاتها وغير مشتملة على المرجوحية بوجه، وانما المرجوحية في الخصوصية وهي الاتيان بها في وقت الفريضة. وأما مطلق النافلة وذاتها فلا مرجوحية فيها أبدا. والنذر انما يتعلق بالطبيعة المطلقة دون الحصة المرجوحة منها على الفرض. لما مر غير مرة من أن الاطلاق بمعنى رفض القيود والنافلة غير المقيدة بالاتيان بها في وقت الفريضة اعني الطبيعي الجامع ذات راجحة وهي المتعلقة للنذر فهو نذر صحيح لتمكن المكلف من الاتيان بما تعلق به النذر عقلا وشرعا، قبل تعلق النذر به وبعده للقدرة على تحصيل مقدمته بالاتيان بالفريضة قبل الاتيان بالمتعلق حتى لا يحتمل حرمته. وبعد ما انعقد نذر النافلة وحكمنا بصحته لا يكن اي مانع من الاتيان بها في وقت الفريضة، لانها وقتئذ من الفريضة قبل الفريضة، وليست من باب النافلة قبل الفريضة، وان كان وجوبها عرضيا مستندا إلى النذر أو الشرط في ضمن العقد ونحوهما فلا يفرق معه بين الاتيان بها قبل الفريضة وبعدها.

[ 510 ]

وعلى الجملة ليست الصلاة حالئذ نفلا وتطوعا، فان التطوع بمعنى ما يأتي به المكلف بطوعه ورغبته، وليست الصلاة كذلك في مفروض الصورة، وانما هي واجبة ولا مناص للمكلف من اتيانها ولو على رغم انفه لا بطوعه ورغبته كما إذا لم يكن على وفق ميله. نعم إذا اريد بالتطوع، ما كان تطوعا في نفسه ولو مع قطع النظر عن النذر المتعلق به لم يكن الحكم بصحة التطوع بتعلق النذر به لمرجوحيته بل وحرمته. الا أن ذلك مما لا يمكن استفادته من النصوص، لان ظاهر الروايات المتقدمة انما هو النهي عما هو تطوع بالفعل، لا ما كان كذلك سابقا وان كان فريضة - بالفعل -. و " دعوى " ان الجامع بين الراجح وغير الراجح امر غير راجح لا محالة كما في كلام بعضهم. كلام صوري لا اساس له، لان الذات الصلاتية التي هي المتعلقة للنذر وهي الجامع بين الراجح وغيره، راجحة ومرغوب فيها في الشريعة المقدسة، إذا يصح نذرها وبه تكون النافلة فريضة عرضية، والمرجوحية الكائنة في الخصوصية التطوعية القائمة بعنوان التطوع لا موضوع لها لتبدل التطوع بالفريضة فلا موضوع للحكم بالمرجوحية ولا متعلق للنهي، وان كان - لولا النذر - امرا مرجوجا أو واجب الترك. (الصورة النافية): أن ينذر النافلة مقيدة بالاتيان بها في وقت معين وزمان خاص، الا انه يتمكن من الاتيان بها في ذلك الزمان من دون ان تكون ذمته

[ 511 ]

مشغولة بشئ من الفرائض الحاضرة أو الفائتة بان يتمكن من الاتيان بما في ذمته من الفرائض قبل ذلك الزمان، كما إذا انذر صلاة جعفر (ع) مقيدة بالاتيان بها يوم الجمعة أو ساعة كذا وهو يتمكن من ان يفرغ ذمته إلى يوم الجمعة أو الساعة المعينة ويأتي بالنافلة بعد ذلك. وقد اتضح حكم هذه الصورة مما سردناه في الصورة المتقدمة، لما عرفت من أن النافلة مشروعة راجحة، كما انها مقدورة للمكلف عقلا وشرعا، فلا مانع من أن يتعلق بها النذر، فإذا انعقد نذرها وحكم بصحته جاز الاتيان بها حتى فيما إذا لم يفرغ ذمته عما اشتغلت به من الفرائض الحاضرة أو الفائتة قبلها. لانها وقتئذ من الفريضة قبل الفريضة وخارجة عن التطوع قبل الفريضة وان كان بحيث لو لم يتعلق بها نذره لم يجز له الاتيان بها وقتئذ لكونها من النافلة قبل الفريضة. (الصورة الثانية) أن ينذر النافلة مقيدة بالاتيان بها في وقت الفريضة وقبلها، كما إذا نذر الاتيان بصلاة جعفر - مثلا - بمجرد الغروب وهل ينعقد النذر المتعلق بها كذلك أو لا ينعقد؟ فيه قولان معروفان، والمسألة محل الكلام، والخلاف فيها شديد بخلاف الصورة المتقدمة فان الخلاف فيها ضعيف. وقد ذهب إلى كل من القولين فريق فمنهم من رجح بطلان النذر في الصورة وعدم انعقاده ومنهم المحقق الهمداني (طاب رمسه) وذلك نظرا إلى ان متعلق النذر - فيها - أمر غير مشروع بل مبغوض ومنهي عنه،

[ 512 ]

ويعتبر في صحة النذر أن يكون متعلقه مشروعا وراجحا في نفسه، ومن الظاهر أن غير المشروع لا ينقلب مشروعا بنذره، كما أن غير الراجح لا ينقلب راجحا لاجله. ومنهم من يرى صحة النذر وانعقاده ومنهم الماتن حيث التزم بصحته وذكر في وجهها: أن متعلق النذر وان كان يعتبر أن يكون امرا راجحا غير أن الصلاة راجحة - في ذاتها - والمرجوحية انما حدثت من جهة الخصوصية والتقييد بكونها واقعة قبل الفريضة، وكون المتعلق راجحا قبل تعلق النذر به لم يدلنا دليل على اعتباره، فان صيرورته امرا راجحا ولو بنفس تعلق النذر به ايضا كافية في صحته. وحيث ان الصلاة راجحة بالنذر فلا محالة ينعقد نذرها ويحكم بوجوب الوفاء به. وهذا الكلام بظاهره غير قابل للتصديق به فان المتعلق إذا كان قبل تعلق النذر به امرا غير راجح في نفسه فمن أين نحرز الرجحان فيه بتعلق النذر به؟! والمستفاد من الروايات ان النذر لابد من أن يتعلق بما هو طاعة لله سبحانه وما فيه رضى الله وما هو محبوب له فيعتبر في متعلقه ان يكون امرا قابلا للاضافة إلى الله سبحانه. فإذا كان المتعلق غير راجح في نفسه فمن اين يمكننا استكشاف انه صار كذلك بتعلق النذر به. بل مقتضي اطلاق سبب المرجوحية قبل تعلق النذر به - اعني دليلها وهو ما دل على المنع عن التطوع قبل الفريضة - انه باق على مرجوحيته بعد تعلق النذر به ايضا. ولا نريد بهذا الكلام انكار اتصاف المتعلق بالرجحان بتعلق النذر به، كيف فانه امر ممكن في نفسه غير أن وقوعه يحتاج إلى دليل يدل عليه كما وقع في نذر الاحرام قبل الميقات والصوم في السفر، وذلك لدلالة

[ 513 ]

الروايات على صحة نذرهما (* 1) وصيرورتهما راجحين بتعلق النذر بهما مع انهما في نفسيهما وقبل ان يتعلق النذر بهما مما لا رجحان فيه، ولو لا النص الوارد فيهما كان اطلاق دليل المرجوحية - الشامل لما بعد تعلق النذر بهما وقبله - هو المحكم لا محالة، ولا مخرج عنه، إذ المفروض عدم دلالة دليل على وجوب الوفاء بهذا النذر حتى يقال: ان بذلك خرجنا عن اطلاق دليل المنع، وحيث لم يدل في المقام دليل على صحة النذر ووجوب الوفاء بما تعلق بالتطوع من النذر كان اطلاق دليل المرجوحية هو المحكم حتى بعد تعلق النذر به. والتحقيق ان الماتن يريد بكلامه هذا امرا آخر وهو الذي اشار إليه في ضمن كلامه، والقصور انما هو في العبارة والتأدية وهو أن الصلاة في ذاتها ونفسها امر راجح لانها ليست الا تهليلا وتكبيرا وقراءة وركوعا وسجودا ودعاء وتشهدا وخضوعا لله سبحانه وكل ذلك امور راجحة في الشريعة المقدسة وقد ورد انها خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر (* 2) والمرجوحية انما تتقوم بعنوان التنفل والتطوع قبل الفريضة اعني الخصوصية ومن الظاهر ان التطوع هو الاتيان بما لا الزام فيه وانما يأتي به المكلف بطوعه ورغبته لعدم فرضه عليه بل هو زيادة عمل اختيارية. وعليه لا مانع من نذر ذات الصلاة لكونها راجحة في نفسها وهذا هو المقصود من نذر التطوع والتنفل ومعناه نذر الصلاة التي لولا نذرها


(* 1) راجع ب 13 من ابواب المواقيت في الحج وب 11 من ابواب من يصح منه الصوم وغيره من الوسائل. (* 2) راجع ب 42 من ابواب احكام المساجد من الوسائل واللفظ فيها: اقل واكثر.

[ 514 ]

لكانت نفلا وتطوعا وامرا غير لازم الاتيان به إذ لو اريد بنذر التطوع نذر صلاة متصفة بالنفل والتطوع حتى بلحاظ كونها منذورة لم يصح نذرها لعدم التمكن من الاتيان بصلاة كذلك اي نفل حتى بلحاظ النذر المتعلق بها ولو في غير المقام، لانقلاب التطوع إلى الفرض بنذرها. فإذا كان متعلق النذر هو الصلاة بذاتها - لا مقيد بكونها نفلا حتى بعد تعلق النذر بها - فلا شبهة في انها عبادة مشروعة ونفل راجح يصح نذرها، فإذا انعقد وصح وشملها ما دل على وجوب الوفاء به خرجت عن كونها تطوعا ونفلا قبل الفريضة، وهذا خروج تكويني وغير مستند إلى التشريع كما ترى. وبذلك ترتفع المرجوحية، لانها انما ثبتت بعنوان التنفل والتطوع فيرتفع بارتفاع موضوعها وانقلاب النافلة فريضة فهي من الفريضة قبل الفريضة لا من النافلة قبلها. فمراده " قده " من كفاية الرجحان في المتعلق ولو بلحاظ تعلق النذر به ان بالنذر ينقلب الوضوع عن كونه نافلة قبل الفريضة ويتبدل العنوان الذي تقوم به المرجوحية تبدلا تكوينيا وبه تزول الخصوصية المستتبعة للحرمة أو الحزازة فتندرج النافلة في عنوان الفريضة قبل الفريضة، ولا كلام في انها راجحة لا مرجوحية فيها ابدا. لا أن مراده ان النذر مولد للرجحان. ثم ان بما ذكرناه في شرح كلام المصنف يندفع النقض عليه بان الحسن والرجحان الناشئين من تعلق النذر بشئ إذا كانا كافيين في الرجحان المعتبر في متعلق النذر ووجوب الوفاء به لصح نذر المحرمات الشرعية باسرها ووجب - بذلك - الوفاء بالنذر المتعلق بها، لجواز دعوى أن بالنذر

[ 515 ]

اتصفت المحرمات بالرجحان ووجب الاتيان بها وفاء بنذرها، وهذا مما لا يمكن الالتزام به لاعتبار الحسن والرجحان في المتعلق في ذاته. والوجه في الاندفاع ان الصلاة ذات رجحان في ذاتها اي مع قطع النظر عن تعلق النذر بها وقبله وليس هناك اي مانع من انعقاد نذرها وصحته غير اتصافها بخصوصية التطوع والتنفل، وهذه الخصوصية تزول بالنذر المتعلق بها زوالا تكوينيا حقيقيا لا تخصيصا وتشريعا، وهذا بخلاف سائر المحرمات أعني المحرمات الذاتية، لانها في نفسها اي قبل تعلق النذر بها فاقدة للرجحان بل مرجوحة ومبغوضة ومعهما كيف يصح نذرها ويحكم بوجوب الاتيان وفاء لنذرها. وبعبارة اخرى ان رجحان الصلاة وحسنها ثابتان لها - في نفسها - قبل تعلق النذر بها وبعده - لا انهما يتجددان بالنذر نعم يتعلق النذر بها يرتفع المانع عن صحة نذرها، وهو كونه نفلا وتطوعا في وقت الفريضة، لما عرفت من ان هذه الخصوصية ترتفع به حقيقة فيتصف بالوجوب بخلاف المحرمات لكونها فاقدة للرجحان في ذاتها والنذر غير مولد للرجحان وان كان يوهمه ظاهر عبارة الماتن. كما ان دعوى ان متعلق النذر في المقام اعني ذات الصلاة المقيدة بكونها واقعة قبل الفريضة غير مقدورة للمكلف، لانها تطوع في وقت الفريضة، ولا يصح نذر الامر الخارج عن الاختيار. مندفعة: بانها وان لم تكن مقدورة له قبل تعلق النذر بها إلا انها مقدورة له حين العمل، وبعد النذر، وقد ذكرنا في مبحث اقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده ان القدرة وان كانت معتبرة في التكاليف الا أن اللازم إنما هو القدرة في ظرف العمل والامتثال ولا اعتبار بالقدرة في

[ 516 ]

ظرف الامر والوجوب، فلو فرضنا ان المكلف عاجز حال الخطاب وحصلت له القدرة بنفس التكليف والايجاب كفى ذلك في صحة التكليف والخطاب، وحيث ان القدرة في مقام العمل متحققة في المقام فتكفي في الحكم بالصحة وان كانت ناشئة من النذر المتعلق بها. فما افاده الماتن من صحة النذر في تلك الصورة هو الصحيح وانما القصور في التعبير، حيث أن ظاهره ان الرجحان ينشأ من النذر وهو فاسد كما مر. والصحيح ان يقال ان القدرة نشأت من النذر وانها كافية في صحة النذر، فلو بدل الرجحان - في كلامه - بالقدرة وقال: ولا يعتبر في متعلق النذر القدرة عليه قبل تعلقه، اي مع قطع النظر عن تعلق النذر به، لكفاية القدرة عليه بعد النذر وفي مقام العمل لكان احسن ولم ترد عليه المناقشة بوجه. ايضاح: ان النواهي المتعلقة بالتطوع في وقت الفريضة، كما في قوله (ع) حتى لا يكون تطوع في وقت مكتوبة (* 1) أو فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع (* 2) وغيرهما من الاخبار المشتملة على ذلك أو بالنافلة في وقت الفريضة كما في قوله (ع) وإذا بلغ فيئك ذراعا تركت النافلة وبدأت بالفريضة (* 3) ونحوها لا تخلو من احد احتمالات ثلاثة: وذلك لانه إما ان يراد منها النهي عن ذات الصلاة المتصفة بالتطوع


(* 1) و (2) المرويتان في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 517 ]

والنافلة قبل الفريضة، بان يكون عنوان التطوع أو النافلة في موضوع الحكم فيها مأخوذين على وجه المعرفية إلى ذات الصلاة من دون ان تكون لهما أية دخالة في ترتب الحكم على موضوعه ومعه بما ان ذات الصلاة المعنونة بالتطوع قبل الفريضة مبغوضة ومشتملة على الحزازه والمنقصة - في نفسها - بمعنى انها محرمة ذاتية كصومي العيدين - بناء على القول بحرمتها الذاتية وان كانت بعيدة - أو انها فاسدة وغير راجحة - على الاقل - ومن هنا نهي عنها في الشريعة المقدسة نهيا تشريعيا كما في الصلاة قبل الوقت فالنهي عنها مستند إلى قصور المقتضي، أو انه مستند إلى وجود المانع. لم يصح أن يتعلق بها النذر، لاعتبار ان يكون ما تعلق به النذر أمرا مشروعا وراجحا في نفسه، وقد فرضنا ان المتعلق في محل الكلام أمر غير مشروع، ومما لا رجحان له، وظاهر أن غير الراجح لا ينقلب راجحا بالنذر، بل مقتضى اطلاق دليل المرجوحية عدم صحة النذر، إذا فنذر تلك الصلاة غير منعقد لا محالة. إلا ان هذا الاحتمال خلاف ظاهر الاخبار المتقدمة، لان النهي فيها كما عرفت انما تعلق بعنوان التطوع أو النافلة فتدلنا على أن ما هو المبغوض أو غير المحبوب انما هو هذان العنوانان دون ذات الصلاة، لعدم تعلق النهي بذاتها وحمل عنواني التطوع والنافلة على المعرفية المحضة بأن لا يكون لهما أية مدخلية في الحكم الوارد في الاخبار خلاف الظاهر ولا مساغ للالتزام به. وإما ان يراد منها النهي عن التطوع بعنوان انه تنفل وتطوع - بالفعل - بأن يكون المتعلق للنهي والحرمة الذاتية أو عدم المشروعية هو عنوان النافلة والتطوع دون ذات الصلاة. وهذا الاحتمال غير معقول في نفسه، لان التطوع والنافلة بما هما

[ 518 ]

كذلك أمران راجحان ومحبوبان في الشريعة المقدسة، ولا معنى لان يكونا مبغوضين ومحرمين فان المستحب لا يكون محرما، فلا يعقل ان يكون ما صدق عليه التطوع حقيقة مبغوضا أو محرما فهذا الاحتمال ساقط من أساسه. وكأن عدم معقولية هذا الاحتمال دعى بعضهم إلى الالتزام بالاحتمال السابق وحمل عنواني التطوع والنافلة على المعرفية، والقول بأن النهي انما تعلق بذات الصلاة. وهو يندفع: مضافا إلى ما تقدم من انه على خلاف ظاهر الاخبار الناهية، بأن هناك احتمالا ثالثا وهو أمر معقول في نفسه وعلى وفق ظواهر الروايات، فلا اضطرار إلى الالتزام بالاحتمال السابق عند استحالة الاحتمال المتقدم. وهذا الاحتمال هو ان يراد بالنواهي الواردة في الاخبار النهي عن العمل الذي يأتي به المكلف في الخارج بعنوان التطوع والنافلة أعني ما قصد به التطوع واعتقد انه نافلة، لا النهي عن التطوع الواقعي وهذا أمر ممكن إذ لا مانع من ان يتعلق النهي بما يريد أن يأتي به المكلف في الخارج بعنوان النافلة واعتقاد التطوع وقصده. بل هذا هو الظاهر من النواهي في الاخبار كقوله (ع) لا تطوع أو لا تطوع (* 1) ونحوهما وبهذا النهي يستكشف عدم تعلق الامر بالتطوع في وقت الفريضة. إذا المنقصة والحزازة أو المبغوضية والحرمة قائمة بهذا العمل المأتى به بعنوان النافلة واعتقاد التطوع سواء أكان النهي ذاتيا أم تشريعيا كما هو الظاهر، وأما ذات الصلاة فليس فيها أية حزازة أو مبغوضية، بل هو


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 519 ]

[ (مسألة 18) النافلة تنقسم إلى مرتبة وغيرها: و (الاولى) هي النوافل اليومية التي مر بيان اوقاتها (الثانية): إما ذات السبب كصلاة الزيارة والاستخارة والصلوات المستحبة في الايام والليالي المخصوصة وأما غير ذات السبب، وتسمى بالمبتدأه. لا اشكال في عدم كراهة المرتبة في اوقاتها وان كان بعد صلاة العصر أو الصبح، وكذا لا اشكال في عدم كراهة قضائها في وقت من الاوقات، وكذا في الصلوات ذوات الاسباب. وأما النوافل المبتدأة التي لم يرد فيها نص بالخصوص وإنما يستحب الاتيان بها لان الصلاة خير موضوع وقربان كل تقي، ومعراج المؤمن فذكر جماعة انه يكره الشروع فيها في ] خير موضوع كما عرفت فلا مانع من انعقاد نذرها لرجحان متعلقة وكونه مقدورا للمكلف عقلا وشرعا. وإذا انعقد النذر المتعلق بها وجبت الصلاة لا محالة لوجوب الوفاء بالنذر، وإذا وجبت خرجت عن التعنون بعنوان النافلة والتطوع قبل الفريضة خروجا تكوينيا لا تشريعيا ومن باب التخصيص فتندرج في عنوان الفريضة قبل الفريضة فان التطوع هو ما يأتي به المكلف بطوعه ورغبته وأما ما يأتي به بالزام الشارع وامره وان لم يكن حسب رغبته كما في المقام فلا يسمى تطوعا أبدا. وقد مر ان النذر انما يتعلق بالصلاة التي لولا نذرها كانت نافلة وتطوعا ولا يتعلق بالصلاة المتصفة بالنفل والتطوع حتى بعد كونها متعلقة للنذر لما عرفت ودعوى انها امر غير مقدور له ايضا مندفعة بما مر.

[ 520 ]

[ خمسة اوقات: (1) " أحدها ": بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. " الثاني ": بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. " الثالث " عند طلوع الشمس حتى تنبسط. " الرابع ": عند قيام الشمس حتى تزول. " الخامس " عند غروب الشمس اي قبيل الغروب. ] الاوقات التي تكره فيها الصلاة: (1) ذكر جماعة بل نسب إلى المشهور كراهة الصلاة في خمسة موارد ومرجع التحديد والتوقيت في اثنين منها إلى الفعل الخارجي بمعنى أن الكراهة فيهما بعد فعل وفي الثلاثة الباقية إلى الزمان اي تكره الصلاة فيها في الوقت نفسه: أما الاولان فهما الصلاة بعد صلاة الفجر إلى الطلوع، وبعد صلاة العصر إلى الغروب، وقد خص بعضهم الكراهة بالنوافل المبتدءة وعممها بعضهم إلى مطلق النوافل حتى الرواتب وذات السبب وقضاء الرواتب والمتبع هو الدليل. وحيت ان التوقيت في هذين القسمين راجع إلى الفعل اعني وقوع الصلاة بعد الصلاة فيختلف امتداد زمان الكراهة باختلاف زمان الاتيان بصلاتي الصبح والعصر لامتداد وقتيهما من الفجر إلى طلوع الشمس ومن الزوال إلى الغروب فقد يأتي بهما المكلف في أول الوقت فيطول بذلك استمرار زمان الكراهة بعدهما إلى طلوع الشمس أو غروبها وقد يأتي بهما

[ 521 ]

في الوسط فيقل بذلك زمان استمرار الكراهة عن الصورة الاولى لا محالة وهكذا. وأما الثلاثة الباقية: فهي الصلاة عند طلوع الشمس حتى تنبسط وعند قيام الشمس حتى تزول، وعند غروب الشمس حتى تغرب، وان شئت قلت: تكره الصلاة قبيل الطلوع حتى تطلع وعند قبيل الزوال حتى تزول وعند الغروب حتى تغرب، والكلام في المقام يقع من جهتين. الجهة الاولى: في التحديد الراجع إلى الفعل أعني القسمين الاولين، ومستند القول بالكراهة فيهما عدة روايات: عمدتها ثنتان: " الاولى: ما رواه محمد الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ان الشمس تطلع بين قرني الشيطان، وتغرب بين قرني الشيطان، وقال: لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب (* 1). و " ثانيتهما ": ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس (* 2). وقد عبر عن أولهما بالموثقة في كلام الحدائق وتبعه بعض من تأخر عنه الا الروايتين ضعيفتان وذلك لان رجال السند فيهما من علي بن الحسن الطاطري إلى الآخر وان كانوا ثقات، ومحمد بن أبي حمزة الظاهر وثاقته، الا ان الشيخ " قده " رواهما باسناده عن الطاطري وطريقه إليه ضعيف، لان فيه علي بن محمد بن الزبير القرشي وقد ذكرنا عند التعرض لطريق الشيخ إلى


(* 1) و (* 2) المرويتان في 38 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 522 ]

علي بن الحسن بن فضال ان فيه علي بن محمد بن الزبير وهو ممن لم تثبت وثاقته. على أن في طريق الشيخ إليه احمد بن عمر بن كيسة أو كيسية النهدي ابا الملك، وليس له ذكر في الرجال فالروايتان غير معتبرتين في نفسيهما والمقتضي للحكم بالكراهة قاصر في نفسه، فلا حاجة معه إلى التكلم على المانع والمعارض. ومما استدل به على الكراهة ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي عن علي بن سلمان عن محمد بن عبد الله بن زرارة عن محمد بن الفضيل عن ابي الحسن (ع) في حديث انه صلى المغرب ليلة فوق سطح من السطوح فقيل له: ان فلانا كان يفتي عن آبائك عليهم السلام انه لا بأس بالصلاة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وبعد العصر إلى ان تغيب الشمس فقال: كذب - لعنه الله - على ابي أو قال على آبائي (* 1). وقد مر ان الاخبار التي رواها صاحب السرائر من ارباب الكتب حجة معتبرة لدلالة نقله على ان ذلك الكتاب قد وصله متواترا أو بالخبر المحفوف بالقرينة القطعية لانه لا يعمل بالآحاد. وفيه: ان الامر وان كان كما ذكر (* 2) الا ان البزنطي روى هذه الرواية عن علي بن سلمان وهو ممن لم يترجم في الرجال ولا علم لنا بوثاقته نعم الظاهر أن محمد بن عبد الله بن زرارة ثقة وان ضعفه بعضهم هذا حسبما نقله صاحب الوسائل " قده " وقد نقلها في الحدائق بتغيير يسير في


(* 1) المروية في ب 38 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) وقد عرفت الكلام فيه في ص 477 فراجع

[ 523 ]

متنها وغير مضر للاستدلال بها وتغيير في سندها، حيث رواها عن مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي عن علي بن سليمان عن محمد بن عبد الله بن زرارة عن محمد بن الفضيل البصري، ولكن علي بن سليمان أيضا مجهول وكذا محمد بن الفضيل البصري، وكيف كان فالسند ضعيف. و " دعوى: ان رواية البزنطي عن علي بن سليمان أو سليمان تكفي في الشهادة على وثاقته واعتباره، كما ادعاها الوحيد " قده " في التعليقة حيث ذكر ان رواية الجليل عن شخص امارة الجلالة والقوة وكذلك رواية الاجلاء عنه أو رواية الثقة أو الجليل عن اشياخه. " مندفعة ": بما مر غير مرة من أن المعروفين بالفقه والحديث كثيرا ما يروون عن غير الثقات هذا. على أن للمناقشة في دلالة الرواية ايضا مجالا وذلك لان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ان يراد بالصلاة بعد طلوع الفجر. فريضة الفجر، فكأنه صلى الله عليه وآله كان قد صلى الفريضة في اول الوقت فسئل عن ان فلانا روى عن ابائك ان صلاة الفجر والعصر لا بأس بان يوتى بهما من اول الوقت إلى طلوع الشمس أو غروبها وأن الاتيان بهما في اول الوقتين مورد الترخيص وهو والاتيان بهما في آخر الوقتين سواء اجابه (ع) بقوله: كذب. لانهم سلام الله عليهم قد اهتموا بالفرائض في اوائل اوقاتها وحثوا الشيعة عليه وقالوا ان صلاة الفجر فيما يقرب من الطلوع من صلاة الصبيان وان صلاة العصر بعد وقت الفضيلة تضييع، ولم يقولوا بالترخيص والتسوية بين مبدء الوقت ومنتهاه بحيث تقع الصلاة قبيل الطلوع أو الغروب. ويؤكد ذلك ان السؤال في الرواية انما هو عن الصلاة بعد طلوع الفجر لا عن الصلاة بعد صلاة الفجر، فالرواية اجنبية عما نحن بصدده

[ 524 ]

من كراهة الصلاة بعد صلاة الفجر والعصر إلى الطلوع والغروب. ومن جملتها مكاتبة علي بن بلال قال: كتبت إليه في قضاء النافلة من الفجر إلى طلوع الشمس ومن بعد العصر إلى ان تغيب الشمس فكتب: لا يجوز ذلك الا للمقتضي فاما لغيره فلا (* 1). وهذه الرواية واردة في قضاء النافلة فلا تعم غيره، وهذا بخلاف الروايات المتقدمة فانها كانت مطلقة شاملة للنوافل المبتدأة والرواتب والقضاء. وقد يقال: ان الرواية ضعيفة السند وذلك، لان المسمى بعلي بن بلال - في الرجال - شخصان: " أحدهما ": علي بن بلال بن ابي معاوية وهو ثقة ومن مشايخ المفيد وابن عبدون الذي هو شيخ النجاشي والشيخ قدهما و " ثانيهما " علي بن بلال البغدادي وقد عده الشيخ " تارة " من اصحاب الجواد (ع) و " اخرى " من اصحاب الهادي (ع) واشتبه الامر علي ابن داود في رجاله حيث وثق علي بن بلال هذا وترك التوثيق في سابقه، مع ان النجاشي انما وثق الاول دون الثاني، وله من هذه الاشتباهات كثير من الرجال. ومقتضى ملاحظة الطبقات ان علي بن بلال الواقع في السند هو البغدادي دون ابن معاوية وثقه النجاشي لرواية محمد بن عيسى عنه لانه من اصحاب الهادي (ع) فلا يمكن ان يراد به من هو من مشايخ المفيد وابن عبدون. والصحيح أن الرواية معتبرة من حيث السند، لان الشيخ " قده " وثق الرجل بعدما عنونه في اصحاب الجواد (ع) إذا فعلي بن بلال الذي هو من مشايخ المفيد وابن الحاشر ثقة لان النجاشي " قده " وثقه. وعلي


(* 1) المروية في ب 38 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 525 ]

ابن بلال البغدادي - الذي هو من اصحاب الجواد (ع) وهو المراد به في السند لما مر من ان محمد بن عيسى لا يحتمل روايته عمن هو من مشايخ المفيد وابن الحاشر - ثقة وثقه الشيخ " قده " فسند الرواية مما لا بأس به. الا انها مع ذلك غير صالحة للاستدلال بها في المقام لانها مجملة الدلالة، إذ لم يظهر أن المراد بالمقتضي اي شئ. فانه ان اريد به قاضي الفريضة أو غيرها من الصلوات اعني من يأتي بالقضاء ففيه: أن الكلام في الرواية انما هو في خصوص القاضي، ومعه ما معنى قوله: لا يجوز ذلك الا للمقتضي؟ وهل وقع فيها السؤال عن غير القاضي ايضا ليجاب بان ذلك لا يجوز الا للمتقضي؟ إذا يصبح ذكر ذلك لغوا لا محالة. على ان اطلاق المقتضي على القاضي لعله من الاغلاط، إذ لم ير اطلاقه عليه في شئ من الاستعمالات العربية الصحيحة وان اريد به السبب والموجب بمعنى ان الاتيان بالصلاة في الموردين لا يجوز الا إذا كان هناك سبب كما في النوافل ذات السبب ولا يجوز من غير مقتض وسبب كما في النوافل المبتدأة فهو وان كان امرا ممكنا في نفسه ولا بأس بارادته في الرواية. إلا ان اللازم وقتئذ ان يقال: ولا يجوز ذلك الا لمقتض أو بمقتض، لا كما في الرواية الا للمقتضي، فان الالف واللام حينئذ في غير محلهما، ولم يسبق ذكر أو ما يشار إليه في الرواية ليشار إليه بالالف واللام، فهو نظير قولنا: لا يصح الامر الفلاني الا لسبب وموجب أو بسبب فانه لا يصح ان يقال الا للسبب والموجب وهذا ظاهر. والحاصل ان الاستدلال بالرواية على الكراهة في غير القضاء، والجواز فيه يتوقف على أن يراد بالمقتضي قاضي الصلاة، وقد عرفت انه اطلاق

[ 526 ]

غير صحيح بل لغو كما مر، كما ان الاستدلال بها على الكراهة في غير ذوات الاسباب يتوقف على ارادة الموجب والسبب من المقتضي وقد عرفت فساده فالرواية مشوشة الدلالة والمراد، ولعل فيها تحريفا والمراد شئ آخر. إذا الكراهة الراجعة إلى التحديد بالفعل غير ثابتة في نفسها، لعدم المقتضي، فان الاخبار المستدل بها على الكراهة في هذين القسمين اما ضعيفة السند أو الدلالة ولا تصل النوبة معه إلى التكلم في المانع أعني معارضاتها من الروايات نعم بناء على قاعدة التسامح في ادلة السنن وتعميمها إلى الكراهة ايضا لا مانع من الحكم بالكراهة في المقام، الا انا لم نقل بها في المستحبات فضلا عن ان نلتزم بها في المكروهات. ثم انا لو اغمضنا عن المناقشة في الاخبار المتقدمة بحسب السند والدلالة وبنينا على تماميتها من كلتا الجهتين فهل نلتزم بالكراهة في مطلق النوافل الاعم من المبتدأة وذات السبب والقضاء أو انها تختص بالمبتدأة دون غيرها كما إذا زار أحد المشاهد المشرفة بعد صلاتي العصر أو الفجر واراد ان يصلي لاجلها، أو انه طاف بالبيت طواف نافلة واراد ان يصلي صلاة الطواف، وكذا إذا اراد ان يأتي بنافلة الفجر بعد فريضته لا قبلها وهكذا. القدر المتيقن من الروايات المتقدمة هو النوافل المبتدأة فعلى تقدير تسليم تمامية الاخبار المتقدمة لابد من الالتزام بالكراهة في النوافل المبتدأة إلى ان تغيب الشمس أو تطلع. وأما ذوات الاسباب فقد ذهب جماعة ومنهم الماتن " قده " إلى استثنائها عما دلت عليه الاخبار المتقدمة اعني كراهة الصلاة بعد صلاتي الفجر والعصر، غير أن هذا الاستثناء لم نجد ما يدل عليه من الروايات الواردة في المقام.

[ 527 ]

فان الاخبار المتقدمة - بناء على تماميتها - شاملة لجميع النوافل المبتدأة وذوات الاسباب، لان نسبتها إلى ما دل على استحباب النوافل مطلقا نسبة العموم المطلق. بل هي حاكمة على ادلة الصلوات المستحبة، لدلالتها على نفي الصلاتية في الوقتين، حيث ورد في الروايتين الاوليتين: لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس. ولا صلاة بعد العصر حتى يصلي المغرب فتكون الاخبار المتقدمة متقدمة على ادلة الصلوات المندوبة بحكومتها ونفيها حقيقة الصلاة في الموردين. فذوات الاسباب كغيرها مندرجة تحت الروايات المتقدمة - بناء على تماميتها - وعلى الجملة فلا فرق بين المبتدأة وذوات الاسباب فان قلنا بالكراهة قلنا بها في كلتيهما، وان لم نقل بها فلا تقول بها في كلتيهما. وأما قضاء الفرائض فهو وان كان خارجا عن محل الكلام، فان البحث انما هو في النوافل وقضائها ومن هنا لم يتعرض له الماتن " قده " في المقام. غير ان الدليل على الكراهة بعد الفريضتين مطلق، فعلى تقدير تماميته يدل على نفي الحقيقة الصلاتية مطلقا لانه مقتضى كلمة " لا " فتشمل قضاء الفرائض أيضا. ومقتضى جملة من الروايات (* 1) استثناءه عن كراهة الصلاة بعد الصلاتين - بناء على القول بها - وقد دلتنا تلك الروايات على أن للمكلف أن يأتي بما في ذمته من الصلوات الفائتة قضاء في أية ساعة أرادها من ليل أو نهار وانه أمر غير موقت بوقت كصلاتي الميت والكسوف فلاحظ. وأما قضاء النوافل فهو أيضا خارج عما دل على كراهة التنفل بعد


(* 1) المروية في ب 39 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 528 ]

فريضتي الفجر والعصر وذلك لجملة من الاخبار الآمرة بالقضاء متى ما أراد المكلف والمستفاد منها عدم الكراهة وهي روايات كثيرة، إلا أن منها ما هو مورد المناقشة سندا ودلالة وهي اكثرها ومنها ما هو تام من كلتا الجهتين. أما الروايات الضعيفة بحسب السند أو الدلالة فهي كثيرة نذكر بعضها: " فمنها ": صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) انه قال: أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أديتها، وصلاة ركعتي طواف الفريضة وصلاة الكسوف والصلاة على الميت، هذه يصليهن الرجل في الساعات كلها (* 1). فان مقتضى عمومها أعني قوله كل ساعة جواز الاتيان بالنافلة في أية ساعة أرادها المكلف ولو بعد صلاتي العصر أو الفجر إلى غروب الشمس أو طلوعها. وفيه. ان الرواية وان كانت تامة بحسب السند، إلا انها قاصرة الدلالة على المدعى، وذلك لان جملة من الصلوات الفرائض موقتة بأوقات كالفرائض الخمس، وصلاة الجمعة - على القول بوجوبها - وجملة من الفرائض غير موقتة بوقت. والظاهر ان الصحيحة بصدد بيان الفرائض التي لا توقيت لها في الشريعة المقدسة، وهي قضاء الصلوات الفائتة، وركعتا طواف الفريضة وصلاتا الميت والكسوف وليست بصدد بيان ان ما فاتت عن المكلف من الصلوات المستحبة أو غيرها يجوز ان يؤتى بها بعد صلاتي العصر والفجر إلى المغرب وطلوع الشمس.


(* 1) المروية في ب 39 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 529 ]

فعلى القول بتمامية الروايات المتقدمة لابد من الالتزام بالكراهة في قضاء النوافل لدلالة مثل رواية الحلبي المتقدمة على انه لا صلاة بعد صلاتي العصر والفجر، فان ظاهره نفي الحقيقة الصلاتية، ادائية كانت أم قضائية نافلة كانت أم فريضة. و " منها ": ما رواه عبد الله بن عون الشامي عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) في قضاء صلاة الليل والوتر تفوت الرجل أيقضيها بعد صلاة الفجر وبعد العصر، فقال: لا بأس بذلك (* 1). وهي صريحة الدلالة على الجواز وعدم الكراهة فعلى تقدير تماميتها تكون مخصصة لما دل على نفي الصلاة بعد الفريضتين ولكنها غير تامة من حيث السند، لعدم توثيق عبد الله بن عون الشامي. و " منها ": ما رواه سليمان بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قضاء الصلاة بعد العصر قال: انما هي النوافل فاقضها متى ما شئت (* 2). وهي كسابقتها من حيث الدلالة وضعيفة من حيث السند بسليمان بن هارون لجهالته. و " منها ": ما رواه محمد بن يحيى بن حبيب (كما في الحدائق) محمد بن يحيى بن (عن) حبيب (كما في الوسائل) قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (ع) تكون علي الصلوات النافلة متى أقضيها؟ فكتب عليه السلام في أي ساعة شئت من ليل أو نهار (* 3). وهي أيضا غير قابلة للمناقشة من حيث الدلالة، الا انها ضعيفة السند بمحمد بن يحيى بن حبيب أو عن حبيب لجهالته ولم يظهر انه من هو


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات ب 39 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 530 ]

و " منها ": غير ذلك من الروايات. وأما الروايات المعتبرة فهي أيضا عدة روايات: " منها ": موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى أهله أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال: ان كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة وان كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدء بالفريضة وهو حق الله ثم ليتطوع ما شاء. (* 1). وقد قدمنا الكلام على هذه الموثقة وقلنا ان ظاهرها هو ال‍ سؤال عن حكم دخول المسجد بعدما صلى أهله في أوائل الوقت أي بعيده، لانه المعهود المتعارف من الدخول في المسجد للصلاة، لا أن المراد دخول المسجد في أواخر الوقت، وكيف كان فقد دلت على الترخيص في الاتيان بالنافلة بعد الفريضة إذ خاف فوت وقت الفضيلة، وإذا لم يخف فواته صلى النافلة أولا ثم أتى بالفريضة ثم ليتطوع ما شاء. وحيث ان الموثقة مطلقة بمقتضى عدم استفصاله (ع) عن ان الفريضة اية فريضة فتشمل الظهرين والفجر فيجوز الاتيان بالنافلة بعد صلاة الفجر أو العصر قضاء، فان النافلة المأتي بها بعد الفريضة اداء ان قلنا ببقاء وقتها بعد الاتيان بالفريضة كما في نافلة الفجر، لامتداد وقتها إلى حين تنور السماء وتجلله وقضاء ان قلنا بانقضاء وقتها بعد الاتيان بالفريضة. و " منها ": صحيحة نجية قال: قلت لابي جعفر (ع) تدركني الصلاة فابدء بالنافلة؟ قال: فقال لا، ابدء بالمكتوبة واقض النافلة (* 2).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 35 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 531 ]

فان الظاهر من قوله: واقض النافلة قضائها بعد الاتيان بالفريضة لا في وقت آخر وذلك لانه مقتضى البدءة بالفريضة فان معناها ان يؤتى بعد الفريضة بشئ آخر وإلا فلو اكتفى بالفريضة ولم يأت شيئا آخر متأخرا عنها لم تصدق البدءة بالفريضة ابدا بل هو مجرد اتيان بالفريضة لا انه بدءة بهما كما لا يخفى. وهي ايضا تدلنا على الترخيص في الاتيان بالنافلة بعد الفريضة. و " منها ": صحيحة حسان بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قضاء النوافل، قال: ما بين طلوع الشمس إلى غروبها (* 1) وحسان هذا أخو صفوان وقد ذكر النجاشي انه ثقة ثقة اصح من صفوان واوجه وله كتاب فقد رجحه على صفوان - على جلالته - فالرواية صحيحة السند. وقد دلتنا على الترخيص في قضاء النوافل فيما بين طلوع الشمس وغروبها ومقتضى ذلك جواز التنفل حتى بعد صلاة العصر إلى الغروب، وان لم يصرح به الامام (ع). و " منها ": صحيحة الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (ع) قال: اقض صلاة النهار اي ساعة شئت من ليل أو نهار كل ذلك سواء (* 2). ولا خفاء في دلالتها على المدعى لصراحتها في ان الاجزاء الليلية والنهارية بالنسبة إلى الاتيان بالنافلة على حد سواء، فلا مانع من التنفل بعد صلاتي العصر والفجر، كما لا ينبغي التأمل في سندها فان الحسين بن ابي العلاء وان كان لم يوثق صريحا في كلماتهم الا أن الصحيح وثاقته وذلك بوجهين: " أحدهما ": انه ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات، ويكفي ذلك في توثيقه.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 39 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 532 ]

و " ثانيهما ": ان النجاشي " قده " ذكر عند التعرض لترجمته ما هذا لفظه: واخواه: علي و عبد الحميد. روى الجميع عن أبي عبد الله عليه السلام وكان الحسين أوجههم له كتب. وقال في ترجمة عبد الحميد ابن أبي العلاء: ثقة. إذا فقوله: أوجههم يدلنا بالدلالة الالتزامية على ان الحسين أيضا ثقة، فان ظاهر قوله: اوجههم انه أوجههم من جهة الرواية. و " منها ": صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا الحسن الاول عليه السلام عن قضاء صلاة الليل بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس قال: نعم وبعد العصر إلى الليل فهو من سر آل محمد المخزون (* 1). وانما عد قضاء صلاة الليل في الموردين من سر آل محمد صلى الله عليه وآله المخزون من جهة استنكار العامة التنفل بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وكذلك بعد صلاة العصر إلى الغروب (* 2) وهي صريحة الدلالة ومن حيث السند صحيحة أو حسنة، والمراد بابراهيم الواقع فيه بقرينة رواية محمد بن احمد بن يحيى عنه، وروايته عن محمد بن عمرو الزيات هو ابن هاشم الثقة أو الحسن. والصحيح ان من يروي عنه ابراهيم بن هاشم هو عمرو الزيات لا عمر كما في نسخة الوسائل وغيرها والظاهر انه تحريف فانه الراوي عن جميل ابن دراج وهو الذي يروى عنه ابن هاشم. و " منها ": موثقة ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (ع)


(* 1) المروية في ب 39 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) كما يأتي في ص 538.

[ 533 ]

يقول: صلاة النهار يجوز قضائها أي ساعة شئت من ليل أو نهار (* 1). وهي إما ظاهرة في النوافل أو مطلقة تشمل النوافل وغيرها. فبهذه الروايات التي سردناه في المقام تستثنى قضاء النوافل بعد صلاتي الفجر والعصر عما دل على الكراهة - بناء على القول بها -. وأما النوافل المرتبة أداء فهي أيضا خارجة عما دل على الكراهة بألاولوية، على ما دلت عليه موثقة سماعة المتقدمة - بالصراحة -. هذا كله في الكراهة بعد فعل الصلاتين. الجهة الثانية: في الكراهة في الاوقات الثلاثة وقد تقدم ان الكراهة هي المنسوبة إلى المشهور بين الاصحاب " قدهم " بل ادعى عليها الاجماع في كلماتهم واستدل عليها بعدة من الروايات: " منها ": صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: يصلى على الجنازة في كل ساعة انها ليست بصلاة ركوع ولا سجود وانما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود لانها تغرب بين قرني شيطان وتطلع بين قرني شيطان (* 2). وفي بعض الروايات ان الناس إذا سجدوا عند طلوع الشمس قال إبليس لشياطينه: ان بني آدم يصلون لي (* 3) ومقتضى اطلاق الصحيحة كراهة الصلاة - في الوقتين - مطلقا نافلة كانت أم فريضة أدائية كانت أم قضائية.


(* 1) المروية في ب 39 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 20 من ابواب صلاة الجنازة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 38 من ابواب المواقيت في الوسائل.

[ 534 ]

و " منها ": صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: لا صلاة نصف النهار الا يوم الجمعة (* 1). وهي أيضا مطلقة، وتدلنا باطلاقها على كراهة الصلاة عند الزوال مطلقا من غير فرق بين اقسامها لانه مقتضى نفي حقيقة الصلاة. وهذه الصحيحة إذا ضممناها إلى الصحيحة المتقدمة لدلتا على كراهة الصلاة في الاوقات الثلاثة. ويرد على الاستدلال بصحيحة عبد الله بن سنان انها كما يحتمل ان يراد بها كراهة الصلاة ونفي كمالها عند الزوال في غير يوم الجمعة لتدل على مدعى المشهور حينئذ يحتمل ان يراد بها عدم مشروعية الظهرين عند الزوال لمسبوقيتهما بالنافلة في غير يوم الجمعة. نعم لا نافلة قبل الفريضة يوم الجمعة بعد الزوال وتشرع الفريضة حينئذ عند انتصاف النهار وتحقق الزوال. بل الظاهر منها ارادة عدم المشروعية بقرينة الروايات الدالة على أن وقت صلاة الظهر بعدم القدم والذراع (* 2) والمراد بالصلاة في الصحيحة هي الفريضة أعني صلاتي اليوم والليلة وبهذا المعنى وردت في الكتاب العزيز حيث قسمها سبحانه إلى صلاة الليل وصلاة النهار وقال: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقران الفجر.. (* 3) لانه يدلنا على انبساط الفرائض على الاوقات الواقعة بين الدلوك والغسق.


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 8 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) الاسراء: 17: 78.

[ 535 ]

وحيث انا حملنا الصحيحة على ارادة عدم المشروعية في أول الزوال فلا محالة تكون الصحيحة مخصصة للآية المباركة فنخرج عنها بهذه الصحيحة في أول الزوال كما انها بذلك تكون كسائر الروايات الدالة على أن وقتي العصرين انما هما بعد القدم والقدمين، أو الذراع والذراعين لا انهما يدخلان بالزوال. وقد ذكرنا انها محمولة على مراتب الفضيلة بقرينة الاخبار الدالة على جواز الاتيان بهما من حين الزوال إذا فلا دلالة للصحيحة على كراهة مطلق الصلاة عند الزوال، وعلى الجملة ان الصحيحة اما انها ظاهرة فيما ادعيناه أو انهما تحتمله، وعلى كلا التقديرين لا مجال للاستدلال بهما على المدعى. ويؤيد ما ذكرناه ما رواه أبو بصير قال: قال أبو عبد الله (ع) ان فاتك شئ من تطوع الليل والنهار فاقضه عند زوال الشمس، وبعد الظهر عند العصر وبعد المغرب. (* 1). وهي معتبرة من حيث السند والحسن الواقع في سندها هو الحسن بن سعيد الاهوازي الثقة اخو الحسين بن سعيد وذلك بقرينة الرواية المتقدمة عليها، حيث صرح به في سندها أو انه حسن بن فضال وكيف كان فالسند معتبر كما عرفت. كما انها من حيث الدلالة ايضا تامة لدلالتها على جواز قضاء التطوع عند الزوال فتدلنا على صلاحية الوقت للصلاة، وان المراد من نفيها عند الزوال في الصحيحة المتقدمة هو نفي الفضيلة والكمال دون الحقيقة والمشروعية وان الافضل في الظهرين تأخيرهما عن الزوال في غير يوم الجمعة، لمكان النافلة، بخلاف يوم الجمعة، إذ لا نافلة قبلها فهي مؤيدة لما ذكرناه في


(* 1) المروية في ب 57 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 536 ]

الصحيحة المتقدمة وعدم كراهة الصلاة في الاوقات الثلاثة. وأما صحيحة محمد بن مسلم فيتوجه على الاستدلال بها انها غير قابلة التصديق بمدلولها - في نفسها - لاشتمالها على أن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان، وهذا انما يمكن الاذعان به فيما إذا كان لطلوع الشمس وغروبها وقت معين ومعه امكن أن يقال: ان الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان. وليس الامر كذلك فان الشمس في كل آن من الاربع والعشرين ساعة في طلوع وغروب، كما انها في كل آن منها في زوال وذلك لكروية الارض فهي تطلع في آن في مكان وبالاضافة إلى جماعة. وفي آن آخر تطلع في مكان آخر وبالاضافة إلى جماعة اخرين، كما انها دائما في زوال وغروب. ومعه ما معنى ان الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان؟! فهو تعليل بامر غير معقول في نفسه وهو اشبه بمفتعلات المخالفين، لاستنكارهم الصلاة في الاوقات الثلاثة معللا له بهذا الوجه العليل (* 1) فلا مناص من حمل الصحيحة


(* 1) وبذلك عللت الكراهة عند غروب الشمس وطلوعها في جملة من روايات العامة اخرجها مسلم في صحيحه ج 1 ص 229 من طبعة دار الكتب العربية والنسائي في سننه ج 1 ص 97 من طبعة مصر، وابو عوانة في مسنده ج 1 ص 386 وابن ماجة في سننه ج 1 ص 377 وابن حجر في مجمع الفوائد ج 2 ص 225 وفي طرح التثريب في شرح التقريب لزين الدين عبد الرحيم العراقي ج 2 ص 195 بعد ذكر حديث طلوع الشمس وغروبها قال: اختلفوا في معناه فقيل المراد مقارنة الشيطان للشمس عند طلوعها وغروبها، وقيل المراد قوة وسوسة الشيطان للعبد وتسويله له فلا يسجد والها في هذه الاوقات، وقيل وقوف الشيطان للشمس عند -

[ 537 ]


= طلوعها فيقابلها بين قرني رأسه فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، وقال القاضي عياض: المراد من قرني الشيطان على الحقيقة كما ذهب إليه الداودي وعند غروبها يريد السجود لله تعالى فيأتي شيطان فيصده فتغرب بين قرني رأسه وهكذا عند الطلوع، وقال الخطابي: قرنه عبارة عن مقارنته لها، وقيل المراد التمثيل بذوات القرون فكما انها تدافع عما يريدها بقرونها كذلك الشيطان يدافع عن وقتها بما يزينه للانسان. وقال في ج 2 ص 182: وقتان منها عند طلوع الشمس وعند الغروب مجمع عليه في الجملة قال ابن البر: لا اعلم خلافا بين المتقدمين والمتأخرين ان صلاة التطوع والنوافل كلها عند طلوع الشمس وعند غروبها غير جائز شئ منها، وقال النووي اجمعت الامة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذين الوقتين، ووقت ثالث ورد النهي عنه وهو حالة استواء الشمس في كبد السماء حتى تزول. وبه قال الشافعي واحمد وابو حنيفة وسفيان الثوري و عبد الله بن المبارك والحسن بن حي واهل الظاهر والجمهور وهو رواية عن عمر بن الخطاب ورواية عن مالك والمشهور عنه عدم كراهة الصلاة في هذه الحالة، وحكى ابن بطال عن الليث عدم الكراهة أيضا، ورخص فيه الحسن وطاووس والاوزاعي، وعند عطاء بن أبي رياح كراهة الصلاة في نصف النهار في الصيف لا في الشتاء وأجاز مكحول الصلاة نصف النهار للمسافر، واستثنى الشافعية من المنع يوم الجمعة وبه قال أبو يوسف وهو رواية عن الاوزاعي وأهل الشام. وفي المغني لابن قدامة ممن قال بعدم الكراهة عند الاستواء في يوم الجمعة اسحاق بن راهويه وسعيد بن عبد العزيز والحسن وطاووس والاوزاعي، وذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن واحمد بن حنبل وأصحابه إلى عدم الفرق في الكراهة يوم الجمعة وغيره.

[ 538 ]

وما هو بمضمونها على التقية، فلا مجال للاستدلال بها بوجه. على انا لو صدقنا الرواية في مدلولها لم يكن تعليلها هذا بمانع عن الصلاة في وقتي الطلوع والغروب، لانها وقتئذ من أحسن ما يرغم به أنف الشيطان فلا موجب لتركها. ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما رواه الصدوق " قده " عن أبي الحسين محمد بن جعفر الاسدي من انه ورد عليه فيما ورد (عليه) من جواب مسائله عن محمد بن عثمان العمري (قدس الله روحه): وأما ما سألت عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فلان كان كما يقول الناس - أي المخالفون ظاهرا - ان الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان فما أرغم أنف الشيطان بشئ أفضل من الصلاة فصلها وارغم انف الشيطان (* 1). وقد رجحها الصدوق " قده " على الرواية الناهية عن الصلاة في الاوقات الثلاثة ونقلها عن مشايخه الاربعة عن أبي الحسين. وقوله (ع)


= وفي ص 185 قال: صح النهي عن الصلاة في حالتين أخريين وهما بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وبه قال مالك الشافعي وأحمد والجمهور وهو مذهب الحنيفة إلا انه عندهم أخف من الصورة المتقدمة وذهب آخرون إلى عدم كراهة الصلاة في هاتين الصورتين ومال ابن المنذر، وذهب محمد بن جرير الطبري إلى التحريم في حالتي الطلوع والغروب والكراهة فيما بعد الصبح والعصر وقال ابن عبد البر: ذهب آخرون إلى انه لا يجوز بعد الصبح ويجوز بعد العصر، وابن عمر كره الصلاة بعد الصبح وجوزها بعد العصر إلى الاصفرار، وزاد المالكية في أوقات الكراهة وقتا آخر وهو بعد صلاة الجمعة حتى ينصرف الناس وهم مطالبون بالدليل. (* 1) المروية في ب 38 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 539 ]

فلان كان كما يقول الناس. كالصريح في ان القضية المدعاة كاذبة لا أصل لها وإن ما ورد منها في رواياتنا انما ورد تقية، كما دلت على ان مجرد طلوع الشمس وغروبها بين قرني شيطان لا ينافي الصلاة عندهما بل هو مقتض للصلاة، لانها موجبة لارغام أنف الشيطان. ثم ان هذه الرواية وان لم تكن صحيحة - على الاصطلاح - لعدم توثيق كل واحد من مشايخة الذين قد أطبقوا على نقل الرواية، الا أن رواية كل من مشايخه الاربعة الرواية التي رواها الآخر تستتبع تعاضد بعضها ببعض وقد رواها في اكمال الدين واتمام النعمة عن محمد بن احمد السنائي وعلي بن أحمد بن محمد الدقاق، والحسين بن ابراهيم المؤدب، وعلي بن عبد الله الوراق، ورجحها على الرواية الناهية. ومن البعيد جدا ان تكون رواياتهم مخالفة للواقع بأجمعها بأن يكذب جميعهم. ثم انا لو لم نصدق كون الرواية قابلة للاعتماد عليها فلا اقل من انها مؤيدة للمدعى. ثم ان صحيحة محمد بن مسلم تعارضها الاخبار المتعددة الدالة على أن القضاء أمر موسع يأتي به المكلف عندما يتذكره من ليل أو نهار كما مر. وذلك لان التعليل في الصحيحة بالاضافة إلى الصلوات المشتملة على السجود والخشوع غير قابل التخصيص بالقضاء بل انه لو تم اقتضى النهي عن كل صلاة عند طلوع الشمس وغروبها حتى القضاء وهو مما لا يلتزم به الفقهاء (قدهم) فتكون الصحيحة معارضة لتلك الروايات لا محالة. وأيضا يعارضها في موردها صحيحة حماد بن عثمان، للامر فيها بالقضاء عند طلوع الشمس وعند غروبها حيث انه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل فاته شئ من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها قال:

[ 540 ]

فليصل حين يذكر (* 1) للامر فيها بالصلاة حين يذكرها المكلف ولو عند طلوع الشمس أو عند غروبها، فكيف تجتمع الامر مع النهي والمبغوضية. ومثلها رواية نعمان الرازي (* 2) إلا انها ضعيفة السند لعدم توثيق الرازي في الرجال، ورواها الشيخ " قده " باسناده إلى الطاطري، وطريقه إليه ضعيف، كما مر. وكيف كان فعلى تقدير تصديق الصحيحة في مدلولها فهي معارضة بتلك الروايات ولا مجال معه للاستدلال بها على الكراهة، بل نطمئن بذلك على صدورها عنهم عليهم السلام تقية. ومما استدل به على الكراهة في الاوقات الثلاثة ما رواه الصدوق " قده " باسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال: ونهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها (* 3). وهي بحسب الدلالة صريحة في المدعى غير انها ضعيفة السند بشعيب ابن واقد، ولم نعثر له برواية غير وقوعه في طريق الصدوق، ورواها في الحدائق عن الصدوق باسناده عن الحسين بن يزيد. وفيه ايهام، حيث ان ظاهره ان الصدوق رواها عن الحسين بن يزيد ابتداء وبلا واسطة، وحيث ان طريقه إلى الرجل معتمد عليه عند بعضهم فتكون الرواية صحيحة عند ذلك البعض. مع ان الامر ليس كما يوهمه ظاهر نقل الحدائق، وانما الرواية مروية باسناده عن شعيب والحسين بن يزيد في طريقها لا انه رواها عنه


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 39 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 38 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 541 ]

بلا واسطة، وقد عرفت أن شعيب بن واقد ممن لم تثبت وثاقته. و " منها ": ما رواه الصدوق " قده " مرسلا بقوله: ونهى عن الصلاة.. (* 1) ولكنها ليست رواية أخرى غير السابقة عليها كما لا يخفى. و " منها ": ما رواه هو " قده " أيضا في العلل عن سليمان بن جعفر الجعفري قال: سمعت الرضا (ع) يقول: لا ينبغي لاحد أن يصلي إذا طلعت الشمس، لانها تطلع بقرني شيطان، فإذا ارتفعت وصفت فارقها فتستحب الصلاة ذلك الوقت والقضاء، وغير ذلك. فإذا انتصفت النهار قارنها فلا ينبغي لاحد أن يصلي في ذلك الوقت، لان ابواب السماء قد غلقت فإذا زالت الشمس وهبت الريح فارقها (* 2)، ووصف صاحب الحدائق " قده " سند الرواية بالقوة وقال: روى الصدوق في كتاب العلل بسند قوي عن سليمان بن جعفر الجعفري. وليس الامر كما ذكره فان في سندها محمد بن علي ماجيلويه ولم تثبت وثاقته فلا يمكن الاستدلال بها على الكراهة في مقابل الاخبار المتقدمة الدالة على الجواز هذا بحسب السند. وأما بحسب الدلالة فيرد عليها ما أوردناه على صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، وقلنا انا لا نتعقل التعليل الوارد في الرواية لان الشمس - دائما - في طلوع وغروب، ولا معنى لان يكون طلوعها وغروبها بقرني شيطان والظاهر انها من مفتعلات المخالفين. والمتحصل إلى هنا أن الكراهة في الاوقات الثلاثة لم تثبت بدليل لا في الاداء ولا في القضاء ولا في الرواتب من النوافل ولا في غيرها لقصور


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 38 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 542 ]

[ وأما إذا شرع فيها قبل ذلك فدخل أحد هذه الاوقات وهو فيها فلا يكره اتمامها (1) وعندي في ثبوت الكراهة في المذكورات إشكال. ] المقتضي، ولا اعتماد على الاجماع المدعى في المقام فما ذكره الماتن " قده " من ان كراهة الصلاة في الاوقات الثلاثة محل اشكال هو الصحيح وان كانت الكراهة مشهورة عندهم. نعم ورد في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) الامر بتأخير الصلاة عن طلوع الشمس حتى تنبسط شعاعها، حيث قال: ان نام رجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء أو نسي فان استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما، وان خشي ان تفوته إحداهما فليبدء بالعشاء الآخرة، وان استيقظ بعد الفجر فليبدء فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس، فان خاف ان تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصل المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ثم ليصلها (* 1). ولا مناص من حملها على التقية لمعارضتها مع صحيحة حماد المتقدمة الآمرة بالقضاء عند الطلوع المؤيدة برواية نعمان الرازي، وحيث أن هذه الصحيحة موافقة للعامة لذهابهم إلى مرجوحية الصلاة في تلك الاوقات الثلاثة فلا مناص من حملها على التقية. (1) لا كلام فيما أفاده " قده " بناء على عدم تمامية الكراهة في الاوقات الثلاثة كما مر: وأما بناء على ثبوتها فالصحيح أن الشروع والاتمام سواء وذلك للتعليل في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بأن الشمس تطلع


(* 1) المروية في ب 62 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 543 ]

وتغرب في قرني شيطان فهو وقت غير مناسب للخضوع والسجود، وظاهر ان هذه العلة والملاك لا يفرق فيهما بين الشروع والاتمام فان الحدوث والبقاء في تلك العلة سواء. كما ان صحيحة عبد الله بن سنان نفت الصلاة عند الزوال في جميع الايام إلا يوم الجمعة وهو بمعنى الكمال ولا يفرق فيه بين الصورتين فما أفاده الماتن تبعا لبعض من تقدمه من عدم كراهة الاتمام في مفروض المسألة غير متين. والحمد لله رب العالمين

[ 544 ]

استدراكات 1 لقلنا في ص 53 رواية عن سلمة وحكمنا باعتبارها نظرا إلى أن معلى بن محمد الواقع في سندها ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات فيكون موثقا بتوثيق ابن قولويه، ولا يقدح في ذلك ما ذكره النجاشي في ترجمته من أن معلى بن محمد البصري مضطرب الحديث والمذهب، لان معنى الاضطراب في الحديث أن رواياته مختلفة فمنها ما لا يمكن الاخذ بمدلوله، ومنها، ما لا مانع من ان يعتمد عليه لا أن اضطرابه في نقله وحكايته فلا ينافى ذلك وثاقته حتى يعارض به توثيق ابن قولويه ويحكم بضعف الرواية. 2 جاء في ص 61 ان رسل الله صلى الله عليه وآله كان يأوى إلى فراشه بعد العشاء الآخرة. ورمزنا إلى موضع الرواية في التعليقة الا انها لم تكن مشتملة على لفظة " آوى إلى فراشه " وقد وردت الرواية بتلك اللفظة في الباب 14 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها الحديث 6 وفى الباب 43 من ابواب المواقيت الحديث 1 و 4 من الوسائل فليراجع. 3 نقلنا في ص 123 رواية عن على بن حنظلة ولم نشر إلى اعتبار سندها وضعفه، ولكنها ضعيفة السند مطلقا سواء أقلنا بوثاقة على بن حنظلة ام لم نقل وذلك لان الشيخ " قده " رواها باسناده عن الطاطرى وطريقه إليه ضعيف على ما مر غير مرة. نعم له رواية ثانية رواها ايضا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال (ع) في كتاب على (ع) القامة ذراع والقامتان الذراعان (ب 8 مواقيت من الوسائل) والحكم بضعف هذه الرواية يتوقف على القول بعدم وثاقة على بن حنظلة وحيث أنا بنينا في محله على وثاقته لما ورد في صحيحة محمد بن الحسن الصفار المروية في بصائر الدرجات من

[ 545 ]

قوله (ع) مخاطبا لعلي بن حنظلة: انك رجل ورع. على ما يوافيك في محله ان شاء الله فلا مناص من الحكم باعتبار الرواية كما لا يخفى. 4 جاء في ص 144 أن وقت العصر ما إذا بلغ الفئ قدمين. وتوضيح المراد منه أن صلاة العصر يجوز الاتيان بها قبل بلوغ الظل المثل حتى عند صاحب الحدائق وغيره ممن ذهب إلى أن الوقت الاول وقت اختياري والثانى اضطرارى لانه لا مناقشة من احد في جواز الاتيان بها قبل ذلك وأن الوقت الاول للعصر لا يتوقف دخوله على بلوغ الظل المثل، فانه يدخل قبله بكثير كما إذا بلغ قدمين بل ذكرنا تبعا للماتن وغيره ان الوقت الاول لها اعني وقت فضيلتها انما يدخل بالزوال كصلاة الظهر، لا أن بلوغ الظل المثل هو الوقت الاول لصلاة العصر كما هو ظاهر الرواية حتى لا يجوز الاتيان بها قبل بلوغ الظل إليه. 5 نقلنا روايتين في ص 145 مما استدل به صاحب الحدائق " قده " وعبرنا عنهما بما عبر به هو (قده). حيث عبر عن احدهما بالحسنة وعن الاخرى بالموثقة، غير انهما ضعيفتان وفاتنا هناك التنبيه عليه وذلك أما ما عبر عنه بالحسنة فلتردد الرواى - كما اشرنا إليه في التعليقة - بين معمر بن يحيى الثقة ومعمر بن عمر الذي لم يوثق. واما ما عبر عنه بالموثقة فلان الشيخ (قده) رواها باسناده عن علي بن الحسن بن فضال وطريقه إليه ضعيف كما يأتي منا التصريح بذلك في ص 187 فيلاحظ، وملاحظة التعارض بينهما وبين ما رواه عبد الله ابن سنان انما هي بعد الغض عن السند في كلتا المتعارضتين. 6 - لقلنا في ص 255 رواية عن جارود ووصفناها بالاعتبار نظرا إلى أن للسند وان كان يحتمل اشتماله على اسماعيل بن ابي سماك، الا انه

[ 546 ]

ايضا موثق لما حكاه غير واحد من ان النجاشي قد وثقه، ومعه تكون الرواية معتبرة وموثقة لا محالة. وبعد ما راجعنا كلام النجاشي ظهر أن توثيقه غير راجع إلى الرجل بل انما يرجع إلى اخيه ابراهيم بن ابي سماك. واليك نص ما ذكره سيدنا الاستاذ (ادام الله اظلاله) في رجاله عند الكلام على ترجمته: اختلفت الانظار في استفادة توثيقه من كلامه - اي النجاشي - وممن استفاد التوثيق العلامة في القسم الثاني. والصحيح انه لا يستفاد التوثيق من كلام النجاشي بل هو خاص بابراهيم. إذا فالرجل ممن لا توثيق له وحيث يحتمل اشتمال السند له فلا يمكننا الحكم باعتبار الرواية: 7 - جاء في ص 348 أن الميثمي هو يعقوب بن شعيب، والوجه في ذلك ان الميثمي وان كان كثيرا ما يطلق على احمد بن الحسن، بل هو فيه اشهر من اطلاقه على يعقوب بن شعيب، ولاسيما فيما إذا روى عن ابان، حيث أن يعقوب بن شعيب لا توجد له رواية عنه في الجوامع الاربع غير هذه الرواية، بل الامر بعكس ذلك لانه يروي عن يعقوب بن شعيب وهذا بخلاف احمد بن الحسن، فانه روى عن ابان في غير مورد إلا أن في خصوص المقام لا يبعد حمل الميثمي على يعقوب بن شعيب لنكتة تقتضيه وهي أن الرجل ممن له كتاب، وان راوي كتابه هو الحسن بن محمد بن سماعة، وحيث انه الراوي عن الميثمي يسهل الخطب ان تحقيق الكلام في منه هو يعقوب بن شعيب، والذي يسهل الخطب ان تحقيق الكلام في ذلك وتعين ان المراد به ايهما مجرد بحث رجالي وتدقيق اردنا التنبيه عليه في المقام، والا فلا اثر عملي لتعيينه لوثاقه كل من احمد بن الحسن ويعقوب بن شعيب فليلاحظ. 8 - جاء في ص 461 أن الاخبار الواردة في الامر بقضاء الصلوات الفائتة عن المكلف في الليل بالنهار وقضاء ما فاتته في النهار بالليل ضعيفة

[ 547 ]

السند. غير ان منها مالا بأس سنده كما نقلناه في المتن عن عنبسة العابد إذا ينحصر الجواب عن الاستدلال بالخبار المتقدمة بما ذكرناه من كونها معارضة بما دل على الامر بقضاء ما فات عن المكلف من الصلوات النهارية بالنهار ومن الصلوات الليلية بالليل. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية