الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 10

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 10


[ 1 ]

التنقيح في شرح العروة الوثقى

[ 2 ]

كتاب الطهارة الجزء العاشر التاريخ: ربيع المولود 1414 ه‍. الطبعة: الثانية

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (29) التنقيح في شرح العروة الوثقى تقرير البحث آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي للمحقق حجة الاسلام والمسلمين الميرزا علي الغروي التبريزي دامت بركاته الجزء العاشر 1411 ه‍.

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. وبعد فهذا هو الجزء العاشر من كتابنا " التنقيح " في شرح العروة الوثقى وقد وفقنا الله للشروع في طبعه ونسأله تعالى ان يوفقنا لاتمامه فانه خير موفق ومعين محرم الحرام 1411

[ 6 ]

(مسألة 30): التيمم لاجل الضيق مع وجدان الماء لا يبيح إلا لصلاة التى ضاق وقتها (1) فلا ينفع لصلاة اخرى غير تلك الصلاة ولو صار فاقدا للماء حينها. ما يستباح بالتيمم لاجل الضيق: (1) إذا لم يتمكن المكلف من الصلاة مع الطهارة المائية في وقتها لضيق الوقت مع وجدانه الماء خارجا لا إشكال في ان وظيفته الصلاة مع الطهارة الترابية لان الصلاة فريضة على كل مكلف ولا تسقط بحال وهى مشروطة بالطهارة وحيث ان الطهارة المائية غير متيسرة لاجل ضيق الوقت فلا مناص من الاتيان بها مع التيمم، وهذا لا تردد فيه. كما انه لا خلاف في أن هذا التيمم لا يباح به غير الصلاة التى ضاق وقتها وقد تيمم لاجل اتيانها اداءا ولا يسوغ الدخول به في سائر الصلوات وغير الصلوات مما يشترط فيه الطهارة إذا امكنه أن يأتي بها مع الطهارة المائية لان المفروض أن المكلف واجد للماء بالنسبة إليها وهو مأمور بالوضوء أو الغسل لها دون التيمم إلا بالاضافة إلى الصلاة التى ضاق وقتها. وانما الكلام فيما لو تيمم لصلاة كالعصر لضيق وقتها وكان حينذاك متمكنا من الوضوء لصلاة المغرب التى بعد العصر إلا أنه

[ 7 ]

بل لو فقد الماء في اثناء الصلاة الاولى أيضا لا تكفى لصلاة اخرى بل لابد من تجديد التيمم لها وإن كان يحتمل الكفاية في هذه الصورة. صار فاقدا للماء بالاضافة إلى صلاة المغرب اثناء صلاة العصر المأتى بها مع التيمم أو صار فاقدا للماء وقت صلاة المغرب أو كان واجدا للماء بعد العصر لكنه عجز عنه بعد ذلك وفى وقتها. فهل يجوز الاكتفاء فيها بذاك التيمم الذى أتى به لصلاة العصر أو لابد من تجديد التيمم بالاضافة إلى غير صلاة العصر من الصلوات التى عجز عن الطهارة المائية لها بعد تمكنه منها حال شروعه في العصر؟ ذهب الماتن (قده) إلى عدم جواز الاتيان بغير العصر من الصلوات بالتيمم الذى أتى به لصلاة العصر وان احتمل الكفاية في صورة ما إذا طرأه العجز عن الماء اثناء صلاة العصر. والصحيح أن التيمم المأتى به لاجل الضيق لا يباح به غير الفريضة التى ضاق وقتها ولابد من تيمم آخر لاستباحة غيرها من الصلوات سواء طرأ عليه العجز عن الماء بعد العصر أو في اثناء صلاتها. وتوضيحه: إنا ذكرنا سابقا ان التيمم وضيفة من لم يتمكن من استعمال الماء خارجا سواء كان عجزه من الماء مستندا إلى فقدانه حقيقة - كما قد يتفق في الاسفار والبرارى - أو مستندا إلى عدم قدرته على الاستعمال ولو مع وجدانه الماء - كما يتفق كثيرا في المريض - وقد قلنا: ان المراد من الآية الكريمة " فلم تجدوا ماء " (1)


(1) المائدة: 5: 6.

[ 8 ]

انما هو عدم التمكن من استعمال الماء خارجا لا فقدان الماء حقيقة بقرينة قوله تعالى " وان كنتم مرضى ". ولا فرق في عدم التمكن من استعماله بين العجز حقيقة وتكوينا عن الاستعمال وبين عدم التمكن من الاستعمال شرعا وتعبدا كما لو كان الماء موجودا عنده وهو مغصوب أو مستلزم للتهلكة مثلا، وعند العجز عن استعمال الماء في الغسل أو الوضوء تكوينا أو تشريعا ينتقل الامر إلى التيمم. هذا وقد يجوز التيمم في حق المكلف لا من اجل عجزه عن الماء وفقدانه بل من جهة ترخيص الشارع في ترك الطهارة المائية وهو يستلزم جواز التيمم وذلك في موردين: " أحدهما ": في موارد كون الوضوء أو الغسل حرجيا حيث أن الاقدام على الامر العسير سائغ في الشريعة المقدسة إلا ان الشارع - امتنانا - رخص المكلف في تركه. ففى مثله لو ترك المكلف الوضوء لترخيص الشارع فيه لا مناص من جواز التيمم في حقه لان الصلاة لا تسقط بحال وهى مشروطة بالطهور، مع ان المكلف متمكن من استعمال الماء في الغسل أو الوضوء تكوينا وتشريعا. " ثانيهما ": موارد التزاحم كما إذا زاحم الغسل أو الوضوء واجب اهم مثل حفظ النفس المحترمة وقد صرف المكلف الماء فيما هو الاهم فانه يجوز التيمم في حقه بعد ذلك لانه مكلف بالصلاة ولا صلاة إلا بطهور. والوجه في جواز التيمم وعدم وجوبه حينئذ هو أن الامر بالشئ

[ 9 ]

لا يقتضي النهي عن ضده فالامر بصرف الماء في الواجب الاهم لا يقتضى النهي عن الوضوء وحيث انه امر محبوب في نفسه - أي هو مستحب نفسي - فيجوز للمكلف الاتيان به وترك التيمم لانه واجد الماء وان كان عصى بمخالفة الامر بصرف الماء في الواجب الاهم فالتيمم جائز في هذه الصورة وليس بمتعين مع كون المكلف واجدا للماء. تصحيح الوضوء في موضع التيمم بالترتب: بل ويمكن القول بوجوب الوضوء فضلا عن جوازه وذلك مبنى على ما هو الصحيح من إمكان الترتيب فهو مكلف بالواجب الاهم وصرف الماء فيه وعلى تقدير المخالفة يجب المهم عليه وهو صرف الماء في الوضوء أو الغسل، وكيف كان يسوغ للمكلف التيمم في حقه في هذين الموردين مع كونه واجد الماء ومتمكنا من استعماله عقلا وشرعا. إذا عرفت هذا فنقول: المكلف - كما قدمناه - مأمور بالتيمم لاجل الصلاة التي فرضنا ضيق وقتها كالعصر وهو متمكن من استعمال الماء في الوضوء بالاضافة إلى الصلاة التي بعد العصر عقلا وشرعا. أما عقلا فلاجل وجدان الماء وقدرته على استعماله حسب المفروض فله أن يتوضأ تهيؤا لايقاع صلاة المغرب مثلا في أول وقتها. كما أنه متمكن شرعا وذلك لما تقدم من أن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده وحيث أن الوضوء مستحب نفسا فيجوز للمكلف أن

[ 10 ]

أن يترك العمل بأمر التيمم ويأتي بالوضوء بلا مانع من إيجابه بالترتيب. وكيف كان: فالمكلف متمكن من استعمال الماء في الوضوء بالنسبة إلى الصلاة الواقعة بعد العصر وانما لا يأتي به لكونه مزاحما للتيمم الواجب لصلاة العصر، فالتيمم بالاضافة إلى ما يتمكن فيه من استعمال الماء ليس سائغا وانما يسوغ لصلاة العصر فقط لضيق وقتها. والامر بالتيمم لاجلها لا يجعله فاقدا وغير متمكن من استعمال الماء لاجل غيرها من الصلوات بل هو متمكن منه عقلا وشرعا كما مر، لا يتوضأ لها لاجل كونه مزاحما للتيمم الواجب لصلاة العصر لا لكونه فاقدا للماء ولا يتمكن من استعماله، إذن لا يسوغ به غير الصلاة التي ضاق وقتها بلا فرق في ذلك بين طرو العجز عن استعمال الماء عليه لاجل غير صلاة العصر من الصلوات بعد العصر وبين طرو العجز عنه في اثناء صلاة العصر. لان المكلف - بالاضافة إلى كلتا الحالتين - متمكن من استعمال الماء قبل العصر في ظروف تيممه لصلاة العصر وليس له مسوغ في التيمم لغيرها لتمكنه من استعماله لغير العصر حسب الفرض فلو طرأ العجز عن استعماله بعد التمكن منه فهو موضوع جديد ذو حكم جديد فيجب عليه التيمم ثانيا لتحقيق موضوعه. وبتقريب آخر: إن المستفاد من الآية المباركة والروايات أن التيمم وظيفة من لم يتمكن من استعمال الماء بعد دخول وقت الصلاة لان المراد بالقيام إليها في قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة " هو القيام للاتيان بها وهو لا يسوغ إلا بعد دخول وقتها، وكذلك الحال في الوضوء فلا مسوغ للتيمم قبل دخول الوقت ولو مع العلم بعد التمكن

[ 11 ]

من الماء بعد دخول وقتها. ومن ثمة جاز ترك الوضوء أو الاغتسال قبل الوقت لمن علم بعدم تمكنه منهما بعد دخوله، بل جاز إراقة الماء قبل دخول وقت الصلاة لعدم كونه مأمورا بشئ من الطهارتين قبل الوقت، وجواز التيمم للفاقد والوضوء للواجد بعده إذن لا يكفي التيمم المأتي به لاجل فريضة للفريضة التي لم يدخل وقتها بعد. نعم علمنا بمقتضى الروايات (1) أن المتيمم لصلاة يجوز له أن يأتي بصلاة آخر في وقتها بذلك التيمم إذا كان موضوع التيمم باقيا بحاله كمن تيمم للظهرين لكونه مريضا ولم ينتقض تيممه بشئ وقد دخل وقت العشائين فلا يجب عليه التيمم ثانيا لصلاتهما إذا بقي مريضا. وأما لو تيمم لصلاة العصر وهو متمكن من الوضوء لغيرها ثم بعد ذلك تبدل التمكن بالعجز فلا دليل على كفاية ذاك التيمم عن التيمم لصلاة المغرب بل كفاية التيمم بالاضافة إلى العصر ليس منصوصا ومن هنا ذهب جمع إلى أنه غير مأمور بالوضوء لضيق الوقت ولا بالتيمم لكونه واجدا للماء فهو فاقد الطهورين يجب ان يقضي صلاته بعد الوقت وانما التزمنا بكفاية لما تقدم من الوجه. ومن هذا يظهر عدم الفرق بين طرو العجز بعد العصر في مثالنا ويين طروه في اثنائها وان كان يظهر من الماتن وجود الفرق بينهما، وذلك لان المدار على الوجدان والفقدان عند التيمم لصلاة العصر فمن كان واجدا للماء لغير العصر حينئذ لم يكف تيممه هذا للعجز اللاحق المتجدد.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب التيمم

[ 12 ]

(مسألة 31): لا يستباح بالتيمم لاجل المضيق غير تلك الصلاة من الغايات الاخر حتى في حال الصلاة فلا يجوز له مس كتابة القرآن (1) ولو في حال الصلاة (2) وكذا لا يجوز له قراءة العزائم إن كان بدلا عن الغسل، فصحته واستباحته مقصورة على خصوص تلك الصلاة. ولم يظهر لنا وجه التفرقة، وأما لو كان واجدا للماء بعد العصر وطرأ العجز بعد ذلك فلا شبهة في انتقاض تيممه السابق ووجوب تيمم ثان لكون وجدان الماء من نواقض التيمم. ما يستباح بالتيمم: (1) لعين ما قدمناه في السابقة لان المكلف يتمكن من استعمال الماء لسائر الغايات وانما لا يتمكن من الماء بالاضافة إلى العصر في مثالنا فلا يكفى تيممه هذا لغيرها. (2) لسعة وقت المس أو غيره، فله أن يتم صلاته ثم يتوضأ للمس الواجب أو المستحب، اللهم إلا أن يضيق وقت المس الواجب كما لو وقع المصحف في مكان يعد بقاؤه فيه هتكا على المصحف فيكفى له التيمم المأتى به لصلاة العصر لاجل ضيق الوقت.

[ 13 ]

(مسألة 32): يشترط في الانتقال إلى التيمم ضيق الوقت عن واجبات الصلاة فقط فلو كان كافيا لها دون المستحبات وجب الوضوء (1) والاقتصار عليها بل لو لم يكف لقراءة السورة تركها وتوضأ لسقوط وجوبها في ضيق الوقت (2). (مسألة 33): في جواز التيمم لضيق الوقت عن المستحبات المؤقتة إشكال (3) فلو ضاق وقت صلاة الليل مع وجود الماء والتمكن من استعماله يشكل الانتقال إلى التيمم. (1) لتمكنه من الواجب مع الطهارة المائية فلا مسوغ للتيمم حينئذ. (2) للاخبار (1) الدالة على عدم وجوب السورة عند الاستعجال ولو لاجل الامور الدنيوية فضلا عن الاخروية بل قد ورد في بعض النصوص (2) عدم وجوب السورة مطلقا وحملت على صورة الاستعجال جمعا بينها وبين الاخبار الدالة على الوجوب. التيمم للمستحبات المؤقتة: (3) منشأ الاشكال: ان المسوغ للتيمم انما هو عدم التمكن من


(1) يراجع الوسائل: ج الثاني باب 2 من أبواب القراءة ح 2، 4، 6. (2) يراجع الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب القراءة ح 1، 3.

[ 14 ]

استعمال الماء في الغسل أو الوضوء عقلا أو شرعا وليس المكلف في موارد ضيق الوقت عاجزا عن استعماله عقلا وهو ظاهر وكذلك شرعا لعدم كون الاستعمال محرما بوجه. إلا أن الموقت في الواجبات لما كان موردا لالزام الشارع بأتيانها في وقتها وهى مشروطة بالطهارة ولا يسع الوقت للطهارة المائية وجب الاتيان بها مع الطهارة الترابية وإلا فالمكلف واجد للماء عقلا وشرعا وإنما شرع له التيمم من جهة الالزام الشرعي المتوجه إلى المكلف في الاتيان بالموقت المشروط بالطهارة. وحيث ان المستحب كصلاة الليل ليس موردا للالزام والمكلف غير مجبور على العمل وهو في سعة منه شرعا وواجد للماء عقلا وشرعا لا يجوز له التيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل فضيق الوقت غير مسوغ له في المستحبات. هذا. ويمكن ان يقال: انه لا فرق في مسوغية الضيق للتيمم بين الواجب والمستحب ولا مدخلية للالزام الشرعي باتيان العمل وعدمه في جواز الاكتفاء بالطهارة الترابية، ووجهه: إنا ذكرنا ان المراد من عدم التمكن من الماء عقلا أو شرعا هو عدم التمكن منه بالاضافة إلى الصلاة أو غيرها مما هو مشروط بالطهارة وان كان المكلف متمكنا منه بالاضافة إلى غيرها. ومن هنا أجزنا التيمم عند ضيق الوقت في الواجبات مع كون المكلف واجدا للماء ومتمكنا من استعماله عقلا وهو ظاهر وشرعا لعدم حرمة التصرف في الماء لكنه كان لو توضأ أو اغتسل لم يتمكن من اتيان الموقت في وقته وحيث انه فاقد للماء بالاضافة إلى

[ 15 ]

(مسألة 34) إذا توضأ باعتقاد سعة الوقت فبان ضيقه فقد مر أنه إذا كان وضوءه بقصد الامر المتوجه الصلاة الواجبة ساغ له التيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل. والفقدان الاضافي كما يتحقق في الواجبات كذا يتحقق في المستحبات لان المكلف يتمكن من استعمال الماء عقلا وشرعا إلا أنه لو تصدى لتحصيل الطهارة المائية لم يتمكن من اتيان صلاة الليل في وقتها فهو فاقد للماء بالاضافة إلى الفعل المستحب وهو مثل الفقدان بالاضافة إلى الفعل الواجب مسوغ للتيمم، وكون المكلف ملزما بالاتيان بالفعل وعدمه اجنبي عن صدق الفقدان الاضافي. بل يمكن الاستدلال على ذلك بالآية المباركة فان قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة.. " مطلق يشمل الواجبة والمستحبة لدلالته على ان المدار في وجوب التيمم على عدم التمكن من الماء عند القيام إلى مطلق الصلاة. ولا يفرق فيما ذكرنا بين ان يكون المستحب مما يجوز قضاؤه أو لم يشرع فيه القضاء لان الذى يقوم للصلاة المستحبة يصدق عليه انه لم يجد الماء وانه فاقده بالاضافة إلى الفعل المستحب اداء وان كان واجدا للماء ومتمكنا من استعماله بالاضافة إلى قضائه فمشروعية قضاء الفعل المستحب وعدمها ليسا دخيلين في المدعى.

[ 16 ]

إليه من قبيل تلك الصلاة بطل لعدم الامر به (1) وإذا أتى به بقصد آية أخرى أو الكون على الطهارة صح وكذا إذا قصد المجموع من الغايات التى يكون مأمورا بالوضوء فعلا لاجلها. وأما لو تيمم باعتقاد الضيق فبان سعته بعد الصلاة فالظاهر وجوب إعادتها (2) وان تبين قبل الشروع فيها التوضوء باعتقاد سعة الوقت فبان الضيق: (1) قد قدمنا في المباحث السابقة ان الوضوء ليس من الموارد القابلة للتقييد لانه أمر جزئي ولا معنى للتقييد فيه وانما تلك الموارد من قبيل التخلف في الدواعي والوضوء فيها محكوم بالصحة مطلقا لانه مستحب نفسي وواقع على وجه الصحة. حتى فيما إذا كان الوقت ضيقا واقعا لان أمر المكلف بالتيمم حينئذ لا يوجب النهى عن الوضوء فلو توضأ عند ضيق الوقت واقعا حكم بصحته وجاز له ان يرتب عليه آثار الطهارة الصحيحة فضلا عما إذا توهم الضيق ولم يكن الوقت ضيقا واقعا. التيمم باعتقاد الضيق فبان السعة: (1) للمسألة صور ثلاثة:

[ 17 ]

وكان الوقت واسعا توضأ وجوبا، وان لم يكن واسعا فعلا بعد ماكان واسعا أولا وجب اعادة التيمم. " الاولى ": أن ينكشف بعد الصلاة مع الطهارة الترابية سعة الوقت للصلاة مع الطهارة المائية. " الثانية ": أن تنكشف السعة بعد التيمم وقبل الصلاة أو بعدها ان الوقت كان واسعا للصلاة مع الطهارة المائية عند التيمم ولكنه عند الانكشاف لا يسع الوقت إلا للصلاة بتيمم. اما " الصورة الاولى ": فالصحيح فيها بطلان التيمم والصلاة ولزوم اعادتها بطهارة مائية، وذلك لما قدمناه من ان المسوغ للتيمم عند ضيق الوقت واقعا هو كون المكلف لا يتمكن من استعمال الماء بالاضافة إلى الصلاة وان كان متمكنا منه بالاضافة إلى غيرها ومن هنا قلنا ان التيمم لضيق الوقت لا يشرع به باقي الغايات المتقيدة بالطهارة. وهذا غير متحقق عند تخيل الضيق مع السعة واقعا لان المكلف متمكن من استعمال الماء حينئذ حتى بالاضافة إلى الصلاة فلا مسوغ للتيمم في حقه، وتخيل الضيق ليس من مسوغاته لانه مجرد خيال. وبعبارة أخرى: ان المصحح للتيمم انما هو الامر بالصلاة مع الطهارة الترابية ولا أمر بها في مفروض الكلام، والامر الخيالي ليس مسوغا للتيمم كما مر. ولا فرق فيما ذكرناه بين القول بجواز البدار لذوى الاعذار والقول بعدمه وذلك لان القول بجوازه انما هو فيما إذا كان المكلف معذورا في ترك الطهارة المائية وكان عذره مستوعبا للوقت وليس الامر

[ 18 ]

كذلك في المقام لانه لا عذر للمكلف حسب الفرض، وتوهم الضيق ليس بعذر شرعي فلا يصح منه التيمم ليجوز له البدار أو لا يجوز. واما " الصورة الثانية ": فلا ينبغى التردد في بطلان التيمم حينئذ حتى لو بنينا على صحة التيمم في الصورة السابقة بناءا على أن تخيل الضيق مسوغ للتيمم، وذلك لان وجدان الماء من اسباب انتقاض التيمم. واما " الصورة الثالثة ": ولابد من الحكم يبطلان التيمم فيها لعدم جوازه في حق المكلف واقعا لان المدار في الانتقال إلى التيمم انما هو عدم التمكن من استعمال الماء في مجموع الوقت والمفروض ان المكلف كان يتمكن من استعماله حين التيمم فهو تيمم وقع بلا مسوغ حتى بناءا على جواز البدار لانه انما هو فيمن كان معذورا واستمر عنده إلى آخر الوقت. وليس الامر كذلك في المقام لان المصصح للتيمم حينئذ انما هو الامر بالصلاة وإلا فهو واجد للماء عقلا وشرعا بل لو توضأ حكمنا بصحته كما مر، لكنه لما كان مكلفا بالصلاة ولا صلاة إلا بطهور وهو غير متمكن من الماء لصلاته ساغ له الصلاة مع التيمم فالمسوغ هو الامر بالصلاة مع التيمم ولا أمر بالصلاة مع التيمم في مفروض الكلام فكيف يمكن الحكم بصحته؟. وأما بعد الانكشاف فحيث أنه لا يتمكن من استعمال الماء حينئذ بالاضافة إلى الصلاة ساغ له التيمم والصلاة، فما أفاد الماتن " قده " من أن المكلف في تلك الصورة يعيد تيممه هو الصحيح.

[ 19 ]

(الثامن): عدم إمكان ض استعمال الماء لمانع شرعى (1) كما إذا كان الماء في آنية الذهب أو الفضة. وكان الظرف منحصرا فيها بحيث لا يتمكن من تفريغه في ظرف آخر (2). الثامن من المسوغات التيمم: (1) وأن كان استعماله ممكنا عقلا، وقد قدمنا أن المراد بالوجدان في الآية الكريمة هو التمكن من استعماله عقلا وشرعا وذلك بقرينة " وأن كنتم مرضى "، ومع عدم التمكن من احدى الجهتين ينتقل أمره إلى التيمم. أما عند عدم التمكن عقلا فهو ظاهر. وأما عند عدم التمكن شرعا فلان نهى الشارع عن التصرف والاستعمال معجز مولوى عن استعماله، فهو كما إذا لم يكن متمكنا منه عقلا، وقد بين الماتن لذلك صغريين: " إحداهما ": ما إذا كان الماء في آنية الذهب والفضة. و " ثانيتهما ": ما إذا حرم استعمال الآنية لغصبها أو لجهة أخرى محرمة لاستعمالها (2) بل وكذلك الحال فيما إذا لم ينحصر الظرف في آنيتهما، إلا أن الظرف كان بحيث عد أخذ الماء منه وتفريغه في ظرف آخر

[ 20 ]

أو كان في اناء مغصوب كذلك (1) فانه ينتقل إلى التيمم وكذا إذا كان محرم الاستعمال من جهة أخرى. (مسألة 35): إذا كان جنبا ولم يكن عنده ماء وكان موجودا في المسجد فان أمكنه أخذ الماء بالمرور وجب (2) إستعمالا له. وهذا كما لو كان الماء في حب من الذهب أو الفضة فان استعمال الماء حينئذ انما هو بتفريغ الماء الموجود فيه في ظرف آخر لان إستعماله بالاخذ منه من دون واسطة وتفريغ في ظرف آخر أمر غير متعارف وهو تظير السماور - على ما ذكرنا في محله - فان استعماله انما هو بتفريغ الماء الموجود فيه في ظرف آخر من القورى أو الفنجان. (1) الظاهر أن كلمة " كذلك " صدرت منه (قده) إشتباها وذلك للفرق الواضح بين الاناء المغصوب والاناء من النقدين فان انائهما على تقدير عدم إنحصار الظرف فيه وعدم كون التفريغ منه في إناء آخر استعمالا له عرفا لا مانع من الوضوء أو الغسل بمائهما بتفريغ مائهما في ظرف آخر لانه استعمال مباح. وهذا بخلاف الآنية المغصوبة فان الوضوء أو الاغتسال من الماء الموجود فيها ولو بتفريغ مائها في ظرف ثان وعدم عده استعمالا للمغصوب. فهو ليس جائزا لانه تصرف في مال الغير وهو حرام. (2) بناءا على ما اختاره في بحوث أحكام الجنابة من أن الجنب يجوز له أخذ الشئ من المساجد لا بناءا على ما اخترناه من حرمته.

[ 21 ]

ولم ينتقل إلى التيمم وان لم يكن له آنية لاخذ الماء أو كان عنده ولم يكن أخذ الماء إلا بالمكث (1) فان امكنه الاغتسال فيه بالمرور وجب ذلك. وان لم يمكن ذلك أيضا أو كان الماء في أحد المسجدين - أي المسجد الحرام أو مسجد النبي صلى الله عليه وآله - فالظاهر وجوب التيمم لاجل الدخول في المسجد وأخذ الماء أو الاغتسال فيه، وهذا التيمم انما يبيح خصوص هذا الفعل (2) أي: الدخول والاخذ أو الدخول والاغتسال، ولا يرد الاشكال بأنه يلزم من صحته بطلانه حيث انه يلزم منه كونه واجدا للماء فيبطل كما لا يخفى. (1) أو كان متمكنا من الاخذ حال المرور، إلا أنا بنينا على حرمة أخذ الجنب من المسجد شيئا. مناقشة ودفع: (2) إشارة إلى دفع ما ربما يورد على ما ذكره من أن التيمم انما يسوغ للفاقد فلو تيمم للدخول وكان بسببه واجدا للماء فلا محالة يبطل تيممه فيلزم من صحة التيمم بطلانه. وتقريب دفعه: انا قدمنا أن المسوغ للتيمم انما هو عدم التمكن

[ 22 ]

من استعمال الماء بالاضافة إلى الغاية المقصودة وان كان المكلف متمكنا من استعماله بالاضافة إلى سائر الغايات. ومن هنا جوزنا التيمم لضيق الوقت مع أن المكلف حينئذ متمكن من الاستعمال عقلا وشرعا لاجل بقية الغايات إلا انه لم يكن متمكنا منه بالاضافة إلى الصلاة. ولذا قلنا ان التيمم لضيق الوقت لا يستباح به سوى الصلاة التى ضاق وقتها دون سائر الغايات لعدم تضيقها. وعليه ففى المقام لما كان المكلف لا يتمكن من استعمال الماء بالاضافة إلى الدخول ساغ التيمم في حقه لاجله وان كان متمكنا من استعماله لاجل سائر الامور، والحاصل ان الجواز كان ثابتا قبل التيمم فهو لا يبيح إلا الدخول ولا مانع من صحته لانه فاقد بالاضافة إلى الدخول وان كان واجدا بالاضافة إلى الصلاة وغيرها. وأما بالنسبة إلى الاغتسال فهو قد كان واجدا للماء قبل التيمم وبعده لا أنه صار واجدا له بعد التيمم لان الوجدان - على ما فسرناه - يعنى التمكن من استعمال الماء والمكلف متمكن وقادر على الاغتسال واستعمال الماء له بواسطة التمكن على مقدمته التى هي الدخول بالتيمم والمقدور مع الواسطة مقدور. وانما المقدمة لها المدخلية في تحقق المقدمة ووجوده لا في القدرة عليه - على ما بيناه في بحث مقدمة الواجب - لان المكلف قادر على ذيها حتى قبل الاتيان بمقدمته، نعم لولا المقدمة لم يكن ذوها موجودا لا ان المكلف لم يكن قادرا عليه لانه مقدور مع الواسطة وهو مقدور قبل الاتيان بالمقدمة وبعده.

[ 23 ]

ومقامنا من هذا القبيل لان المكلف متمكن من الاغتسال قبل التيمم والدخول، وبعدهما لقدرته على مقدمته، نعم لولا التيمم والدخول لم يتحقق الاغتسال لا أن المكلف لم يكن متمكنا منه. اذن لا محذور في التيمم لاجل الدخول ولا يستباح به سواه. فلا يرد الاشكال عليه بأن صحة التيمم تستلزم صدق الواجد عليه ومعه يبطل لانه فاقد للماء بالنسبة إلى الدخول وليس بواجد له إلا بعد تحقق الدخول، نعم هو واجد للماء بالاضافة إلى غيره وهو لا يضر بصحة التيمم بالاضافة إلى الدخول هذا. ولكن الصحيح - على ما بيناه في أحكام الجنابة - عدم صحة التيمم للدخول وذلك لان التيمم انما يسوغ لاجل وجوب الاغتسال من الجنابة إذ لولا وجوب الاغتسال منها لم يجز للمكلف الدخول في المسجد ولا التيمم لاجله فجواز التيمم موقوف على وجوب الاغتسال فلو توقف وجوب الاغتسال على جواز التيمم والدخول كما هو المفروض لدار. اذن فالصحيح انه فاقد للماء على وجه الاطلاق ووظيفته التيمم فلو تيمم ساغت له الغايات المترتبة على التيمم مطلقا كجواز المس وغيره دون الدخول لا انه فاقد بالنسبة إلى خصوص الدخول ولا يباح له بالتيمم إلا الدخول.

[ 24 ]

" استدراك ": ذكرنا أن الجنب إذا لم يتمكن من الاغتسال وكان الماء موجودا في المسجد - بناءا على حرمة أخذ الجنب منه شيئا - مع عدم تمكنه من الاغتسال حال المرور أو فرضنا الكلام في المسجدين أو نحو ذلك من التقادير المذكورة في المتن لا يجوز له أن يتيمم للدخول لاستلزامه الدور حيث ان جواز دخوله بالتيمم متوقف على وجوب الاغتسال من الجنابة فلو توقف وجوب الاغتسال عليه على جواز الدخول لدار. بل المكلف فاقد للماء لان مقدمة اغتساله محرمة - وهى دخوله المسجد جنبا - والممنوع شرعا كالممتنع عقلا ولاجله يسوغ له ان يتيمم ويباح له بتيممه الغايات المترتبة على التيمم شرعا كجواز مس كتابة القرآن والصلاة ونحوهما. هذا. وقد يقال: انه بناءا على ما ذكرتم يجوز له الدخول في المسجدين أو في المساجد لانه كسائر الغايات المترتبة على تيمم فاقد الماء. ويندفع هذا: بانه لا يعقل أن يجوز له الدخول بهذا التيمم وذلك لان المسوغ لتيممه انما هو حرمة دخوله وعدم تمكنه من الاغتسال بدونه فكيف يعقل أن تسقط حرمة الدخول المسببة لجواز التيمم بالتيمم. وبعبارة أخرى: أن المكلف لما لم يجز له الدخول في المساجد

[ 25 ]

(مسألة 36): لا يجوز التيمم مع التمكن من استعمال الماء إلا في موضعين: احدهما: لصلاة الجنازة، فيجوز مع التمكن من الوضوء أو الغسل على المشهور مطلقا (1) والاغتسال جاز التيمم في حقه فإذا تيمم للصلاة به فلو كان هذا التيمم سببا في جواز دخوله فيها لاوجب هذا وجوب الاغتسال في حقه لتمكنه منه حينئذ وعدم جواز الصلاة في حقه الا بالاغتسال فيلزم من جواز التيمم للصلاة بطلان تيممه وعدم صحة الصلاة به، وهو أمر غير معقول. فالمتحصل: أن المكلف غير متمكن من الماء فيتيمم لاجل الغايات المترتبة عليه ولا يسوغ له الدخول في المسجد ليجب عليه الاغتسال. وإن شئت قلت: إذا تيمم للصلاة - في المسألة المتقدمة - لم يجز له الدخول في المسجد لاخذ الماء لانه إذا جاز ذلك لم تصح صلاته لانه واجد للماء فتبطل تيممه فلا يجوز له الدخول، فالامر دائر بين ان يباح به خصوص الدخول وقد عرفت انه غير معقول، وأن يباح به غير الدخول وهو الصحيح. المستثنى الاول: (1) لا دليل على ذلك بوجه لان مصححة الحلبي: " سئل أبو

[ 26 ]

لكن القدر المتيقن صورة خوف فوت الصلاة منه لو أراد أن يتوضأ أو يغتسل. نعم لما كان الحكم استحبابيا يجوز أن يتيمم مع عدم خوف الفوت أيضا، لكن برجاء المطلوبية لا بقصد الورود والمشروعية. عبد الله (ع) عن الرجل تدركه الجنازة وهو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة قال (ع): " يتيمم ويصلى " (1) موردها صورة خوف الفوت لا مطلقا حتى مع العلم بعدم فوت الصلاة عنه إذا ذهب ليتوضأ. وموثقة سماعة: " سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال (ع): يضرب بيده حائط اللبن فليتيمم " (2) منصرفها صورة الفوت. لان المراد " كيف يصنع؟ " ان كان هو انه غير متوضئ ولا يخاف من فوت الصلاة على تقدير التوضي لم يكن لسؤاله هذا مجال لانه لابد أن يتوضأ ولا معنى لسؤاله " كيف يصنع؟ "، فالظاهر أن تحيره وسؤاله هذا ناظر إلى أنه لو توضأ لفاتته الصلاة فماذا يصنع؟ فأجابه (ع): " يضرب بيده. " نعم مرسلة حريز عمن أخبره عن أبى عبد الله (ع) قال: الطامث تصلي على الجنازة لانه ليس فيها ركوع ولا سجود، والجنب


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب صلاة الجنازة ح 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 21 أبواب صلاة الجنازة ح 5.

[ 27 ]

الثاني: للنوم، فانه يجوز أن يتيمم مع امكان الوضوء أو الغسل على المشهور أيضا مطلقا (1) وخص بعضهم بخصوص الوضوء ولكن القدر المتيقن من هذا ايضا يتيمم ويصلي على الجنازة " (1) مطلقة وغير مقيدة بصورة خوف الفوت إلا أنها - لارسالها - غير قابلة للاعتماد عليها في الفتوى بوجه. نعم لما كانت صلاة الجنازة غير مشروطة بالطهارة لان الحائض يجوز لها الصلاة على الجنازة لم يكن بأس بالاتيان بالتيمم لها رجاءا حتى في صورة خوف الفوت. المستثنى الثاني: لا دليل على جواز التيمم للنوم مع تمكن المكلف من الماء والاغتسال ومدركهم رواية مرسلة رواها الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) " من تطهر ثم آوى إلى فراشه كمسجده فان ذكر أنه ليس على وضوء فتيمم من دثاره كائنا ما كان لم يزل في صلاة ما ذكر الله (2).


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 ابواب صلاة الجنازة ح 2. (2) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب الوضوء ح 2 ورواها البرقي ايضا في المحاسن عن حفص بن غياث، والظاهر انها مرسلة لروايته عنه بواسطة ابيه واما بلا واسطة فلم تثبت

[ 28 ]

صورة خاصة وهي: ما إذا آوى إلى فراشه فتذكر أنه ليس على وضوء فيتيمم من دثاره، لا أن يتيمم قبل دخوله في فراشه متعمدا مع إمكان الوضوء. نعم هنا أيضا لا بأس به لا بعنوان الورود، بل برجاء المطلوبية حيث ان الحكم استحبابي. وذكر بعضهم موضعا ثالثا: وهو ما لو احتلم في أحد المسجدين فانه يجب أن يتيمم للخروج وان أمكنه الغسل، لكنه مشكل، بل المدار على أقلية زمان التيمم أو زمان الغسل أو زمان الخروج حيث أن الكون في المسجدين جنبا حرام. فلا بد من اختيار ما هو أقل زمانا من الامور الثلاثة (1) وهي - مضافا إلى إرسالها - مختصة بناسي الحدث، كما تختص بالحدث الاصغر فلا بأس بالعمل على طبقها في موردها - وهو ناسي الحدث الاصغر - بناءا على التسامح في أدلة السنن والتعدي عن موردها إلى غير الناسي كالعامد والى غير المحدث بالاصغر أي الاكبر مما لا دليل عليه فالحديث بناءا على تمامية القاعدة يعمل به في مورده بالتيمم من دثاره. (1) لآن الحد الاقل مما لابد من المكث فيهما، وانما الكلام في الزائد عليه فما كان زمانه اكثر لم يجز للمكلف اختياره لاستلزامه المكث الزائد وهو حرام.

[ 29 ]

فإذا كان التيمم أقل من زمان الغسل يدخل تحت ما ذكرنا من مسوغات التيمم من ان من موارده ما إذا كان هناك مانع شرعي من استعمال الماء فان زيادة الكون في المسجدين جنبا مانع شرعي من استعمال الماء. (مسألة 37): إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفيه لوضوئه أو غسله وأمكن تتميمه بخلط شئ من الماء المضاف الذي لا يخرجه عن الاطلاق لا يبعد وجوبه (1) وبعد الخلط يجب الوضوء أو الغسل وان قلنا بعدم وجوب الخلط لصدق وجدان الماء حينئذ. خلط المطلق بالمضاف: (1) قد يقع الكلام في هذه المسألة بالاضافة إلى من خلط الماء المضاف المذكور بالماء المطلق، ولا ينبغي الاشكال حينئذ في وجوب التوضئ أو الاغتسال لتمكنه من استعمال الماء المطلق في وضوئه أو غسله واخرى يقع الكلام بالنسبة إلى من لم يخلط أحدهما بالآخر وانه هل يجب عليه خلطهما، أو أن وظيفته التيمم؟. قد يقال: بعدم وجوب الخلط عليه لانه بالفعل غير متمكن من الماء المطلق ليتوضأ أو يغتسل وهو الموضوع لوجوب التيمم، نعم

[ 30 ]

هو مقتدر على ايجاد الماء المطلق إلا انه ليس واجبا على المكلف لان الحكم - الامر بالوضوء أو الغسل قد ترتب على الواجد كما ترتب وجوب الحج على واجد الزاد والراحلة. وكما لا يجب على المكلف ايجاد الموضوع لوجوب الحج بتحصيل الزاد والراحلة - أي الاستطاعة - كذلك الحال في المقام لا يجب على المكلف تحصيل الوجدان. ويمكن ان يقال: بالفرق بين الحج والطهور فان وجوب الحج مترتب على من عنده الزاد والراحلة ولا يجب على المكلف ايجادهما وتحصيلهما. وفى المقام حكم الطهور مترتب على الوجدان والفقدان، ومعنى الوجدان هو التمكن من الماء، والمكلف حسب الفرض متمكن من الماء والخلط ومعه لا ينتقل أمره إلى التيمم لعدم كونه فاقدا للماء فما افاده الماتن (قده) من أنه لا يبعد وجوبه هو الصحيح.

[ 31 ]

" فصل: في بيان ما يصح التيمم به " يجوز التيمم على مطلق وجه الارض على الاقوى (1). " فصل: في بيان ما يصح التيمم به " (1) المعروف بينهم جواز التيمم على مطلق وجه الارض كما اختاره الماتن (قده) فيشترك التيمم مع السجود في جواز كونهما على مطلق وجه الارض وان كانت السجدة أعم من التيمم لجوازها على نبات الارض والقرطاس دون التيمم. لكن ذهب جماعة إلى التفصيل بين حال الاختيار والاضطرار فخصوا التيمم بالتراب عند التمكن والاختيار وجواز التيمم بغيره من الحجر والرمل ونحوهما عند الاضطرار وعدم التمكن من التراب. وفصل جماعة آخرون بين الحجر وغيره فذهبوا إلى تعيين التيمم بغير الحجر من تراب أو رمل عند التمكن، وعلى تقدير العجز عنهما اجازوا التيمم بالحجر. وهذا التفصيل الآخر مدركه ما سيأتي في محله من انه هل يعتبر في التيمم ان يكون فيما يتيمم به شئ يعلق باليد، اذن لا بد من

[ 32 ]

اختيار التراب أو الرمل ونحوهما مما فيه علوق وحيث ان اعتبار العلوق مشروط بالتمكن منه فإذا لم يتمكن منه يجوز التيمم بالحجر لانه جسم متصلب لا علوق فيه. وهذا تفصيل متين على تقدير اعتبار العلوق كما يأتي في محله. واما التفصيل الاول فهو مما لا دليل عليه وذلك لانا ان استفدنا من الآية المباركة والروايات ان التيمم لابد ان يكون بالارض ترابا كان أو حجرا أو غيرهما فلا بد من الالتزام بجواز التيمم بمطلق وجه الارض كما عليه المشهور -. وان استفدنا منهما ان التيمم مختص بالتراب الخالص بأن فسرنا الصعيد به - فلا بد من الالتزام بعدم جوازه بالحجر والرمل ونحوهما، نعم ورد الامر بالتيمم بالثوب (1) المغبر أو لبد (2) السرج وأما في الحجر والرمل فلا أمر. إذن لا موقع للتفصيل بين الاختيار والاضطرار، وتخصيص ما يتيمم به بالتراب على الاول دون الثاني بل العمدة هو القولان الاولان في تفسير الصعيد وانه هل هو مطلق وجه الارض أو هو التراب بحيث لولاه كان المكلف فاقد الطهورين بلا فرق في ذلك بين الاختيار والاضطرار. إذا عرفت ذلك فنقول: الكلام في ذلك يقع في مقامين: " المقام الاول ": فيما يقتضيه الاصل العملي فيما لو لم نستفد أحد الوجهين من الادلة وشككنا في جواز التيمم بغير التراب. فنقول: حيث ان التكليف بالجامع بين التراب وغيره معلوم


(1) (2) الوسائل: ج 2 ب 2 من ابواب التيمم.

[ 33 ]

ونشك في أنه هل هو مقيد بخصوص التراب أم لا؟ فهو شك بين المطلق والمقيد ولا تجرى البراءة في الاطلاق لانه خلاف الامتنان بخلاف التقييد لان فيه كلفة زائدة ونفيه موافق للامتنان فتجري البراءة عن التقييد بالتراب لا محالة - على ما بيناه غير مرة من انه كلما دار الامر بين الاقل والاكثر تجري البراءة عن الاكثر - هذا. وقد يتوهم أن المقام من موارد الاشتغال للعلم بتوجه الامر بالصلاة مع الطهور ونشك في ان محصلها هو التيمم بالتراب خاصة أو بالاعم منه ومن الحجر والرمل من وجه الارض ولما كان الشك في المحصل فلا مناص من الاحتياط والاتيان بالتيمم بخصوص التراب. و (يدفعه): ما ذكرناه غير مرة من أن الطهور المعتبر في الصلاة فيما دل على انه " لا صلاة إلا بطهور " (1) معناه نفس الماء والتراب كما ان الوضوء اسم لنفس العمل الخارجي إلا أنه اسم لما يتحصل ويتحقق من تلك الافعال الخارجية فمعنى قوله " لا صلاة إلا بطهور " أي: لا صلاة إلا مع استعمال الماء أو التراب. وحيث أن الامر في التراب يدور بين الاقل والاكثر، والاقل معلوم الاعتبار والشك في اعتبار الزائد عليه فندفعه بالبراءة لا محال فهو شك في المكلف به لا في المحصل كما ذكرناه في الشك فيما يعتبر في الوضوء والغسل فلاحظ. " المقام الثاني ": فيما يستفاد من الادلة اللفظية. فنقول: استدل السيد المرتضى على ما اختاره من اختصاص ما يتيمم به بالتراب، بما حكي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " جعلت


(1) الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب الوضوء ح 1 و 6.

[ 34 ]

لي الارض مسجدا وترابها طهورا " (1). نظرا إلى ان الطهور لو كان أعم من التراب وغيره لكان تقييد الطهور بالتراب لغوا ظاهرا. ويدفعه: ان هذه اللفظة (وترابها) لم يثبت صدورها عنه صلى الله عليه وآله في الحديث نعم رواه في جامع احاديث الشيعة (2) عن بعض نسخ الفقيه ولم تثبت صحة تلك النسخة، مضافا إلى ارساله. بل في الحدائق ما مضمونه ان تلك اللفظة انما توجد في كلمات الفقهاء واما الروايات فهى خالية عنها - وقد روى واحدة من رواياته عن نفس الفقيه -. وفي الوسائل نقل اربع روايات (3) اولاها من الكافي وثانيها من الفقيه واثنتان من الخصال وجميعها خالية عن هذه الزيادة. وكذلك روي هذا الحديث عن الخصال والعلل ألا أن في سنده ضعفا ولا سيما أن فيه أبا البخترى - وهو وهب بن وهب - الذي قيل في حقه أنه أكذب أهل البرية، نعم في جامع الاحاديث انه روى هذا عن العلل عن حفص بن البختري وهو لا بأس به لكن بقية السند ضعيف فليلاحظ (4). وكذلك نقل هذا الحديث عن غوالي اللئالي عن فخر المحققين (5)


(1) الوسائل ج 2 باب 7 من أبواب التيمم ج 2 و 3 و 4. (2) جامع الاحاديث ج 1 باب 9 من ابواب التيمم ج 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 7 من ابواب التيمم ج 1. (4) لاحظ ج 4 من الباب المتقدم عن جامع الاحاديث. ح (5) المصدر المتقدم ج 9.

[ 35 ]

وهو مرسل، وعن أمالى ابن الشيخ: ".. وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا اينما كنت اتيمم من تربتها وأصلي عليها " (1). وهذه الرواية لا بأس بحل سندها إلا أن فيه " محمد بن علي بن رياح " أو " ابن رياح " وهو ضعيف - على أن دلالتها قابلة للمناقشة لان الطهور فيه قد حمل على نفس الارض كما ان المسجدية قد حملت عليها. وأما قوله " أينما كنت اتيمم من تربتها " فالظاهر ان المراد من تربتها مطلق وجه الارض وذلك بقرينة أن الصلاة لا يعتبر فيها أن تقع على خصوص تربة الارض، بل هنا قرينة جلية على أن المراد من تربتها اما مطلق وجه الارض أو أن التربة ذكرت من جهة اغلبية التربة. وتلك القرينة هي قوله " أينما كنت " ومن المعلوم أن في مثل الفلوات والصحارى لا يوجد في اكثرها تربة بل هي رمل فما معنى قوله " واصلي عليها اينما كنت " فالظاهر أن مراده صلى الله عليه وآله من " تربتها " مطلق وجه الارض وهي التي كان يصلي عليها أينما كان ولا ينتقل من مكانه وكذلك كان يتيمم به. ثم ان هذه الروايات المتعددة المنقولة والفاقدة لكلمة " ترابها "


(1) المصدر المتقدم: ج 2 الظاهر ان الصحيح علي بن محمد ابن رباح كما في نسخة المستدرك وهو ثقة ولكن في جامع الاحاديث رواه عن ابيه ولم يرد توثيق في ابيه فليلاحظ

[ 36 ]

بعضها معتبر من حيث السند وهو الذي في المستدرك (1) عن أمالي ابن الشيخ إلا أن في سنده ابن ابان. لكن رواه في جامع الاحاديث وصرح بالحسن أو بالحسين بن ابان وهو معتبر وعلى هذا يطمأن أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله هو قوله: " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " من دون كلمة " وتربتها أو وتربتها "، هذا كله في الوجه الاول مما استدل به على اختصاص ما يتيمم به بالتراب. ومما استدل به على ذلك ايضا: قوله تعالى " فتيمموا صعيدا طيبا " (2) فان الصعيد بمعنى التراب على ما فسره به جملة من اللغويين كالجوهري وابن فارس في المجمل وعن أبي عبيدة انه هو التراب الخالص. و (يدفعه): ان تفسير الصعيد بالتراب لم يتحقق لان المحكي عن الاكثرين أن الصعيد بمعنى مطلق وجه الارض كما يراد به هذا المعنى في غير الآية الكريمة المذكورة مثل قوله تعالى " فتصبح صعيدا زلقا (3). ومثل قوله صلى الله عليه وآله: " ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد " (4) أي ارض واحدة - بل عن الزجاج


(1) المستدك: ج 1 باب 5 من أبواب التيمم ح 4. ولكن الحسن بن ابان والحسين بن الحسن بن ابان غير مذكورين بتوثيق. (2) المائدة: 5: 6. (3) الكهف: 18: 40. (4) معالم الزلفى: باب 23 في صفة المحشر ص 145.

[ 37 ]

أنه قال: لا اعلم خلافا بين أهل اللغة في أن الصعيد وجه الارض، إذن لا يمكننا تفسير الصعيد في آية التيمم بشئ من المحتملين بل يصبح اللفظ مجملا لان التفسير إذا كان مختلفا فيه لا يمكن الاعتماد على شئ من الاقوال ولا يطمأن به هذا. وقد يقال: بان الآية المباركة وان كانت مجملة في نفسها إلا انها قد فسرت في بعض الاخبار بأن الصعيد أعالي الارض، فقد ورد في الفقه الرضوي (1) ومعاني الاخبار (2) للصدوق أن الصعيد هو الموضع المرتفع عن الارض، فتكون الآية دليلا على عدم اختصاص ما يتيمم به بالتراب. إلا أنه أيضا مما لا يمكن المساعدة عليه لان تفسير الصعيد بهذا المعنى وان كان يقتضيه المناسبة بين الحكم وموضوعه لان الصعيد لعله مأخوذ من الصعود بحسب مفهومه الوضعي وهو بمعنى الارتفاع والموضع المرتفع الذي ينحدر عنه الماء طبعا يكون طيبا لانه لا تطؤه الاقدام ولا تمشي عليه الارجل فمعنى الآية إقصدوا مكانا عاليا لا تطأه الاقدام وهو طاهر. إلا ان تفسيره بذلك قد ورد في الفقه الرضوي وهو لم يثبت كونه رواية فضلا عن كونها معتبرة كما ورد في معاني الاخبار مرسلا ولا يمكن الاعتماد عليه بوجه وان كان صاحب الحدائق " قده " قد اعتمد عليها في تفسير الآية الكريمة. اذن لا يمكننا تفسير الصعيد في الآية بالتراب ولا بمطلق وجه الارض فتصبح مجملة.


(1) المستدرك: ج 1 باب 5 من أبواب التيمم ح 2. (2) حكي ذلك عن تفسير الصافى سورة النساء الآية 46 فليراجع.

[ 38 ]

الاخبار الدالة على اختصاص الصعيد بالتراب: (الوجه الثالث): مما استدل به على الاختصاص هو جملة من الروايات منها: صحيحة جميل بن دراج ومحمد بن حمران أنهما سألا أبا عبد الله (ع) عن امام قوم اصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلى بهم؟ فقال: (لا ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم فان الله عزوجل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1). حيث خص بالتراب لا بمطلق وجه الارض. وهذه الرواية رويت بطرق عديدة. منها: طريق الصدوق وهو صحيح. ومنها: ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابى عمير عنهما لكن ترك لفظ " بعضهم ". ومنها: ما رواه الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابي عمير مثله لكن ترك قوله " كما جعل الماء طهورا ". ولم يرتض شيخنا المحقق الهمداني " قده " الاستدلال بها وادعى تصورها عن التأييد فضلا عن أن يستدل بها، لكن لم يذكر الوجه في القصور. وما أفاده هو الصحيح لان هذه الصحيحة إنما وردت لبيان أن


(1) الوسائل: ج 2 باب 24 من أبواب التيمم ح 2.

[ 39 ]

الجنب يسوغ له ان يتيمم أو يتوضأ ويصلى اماما لان الطهارة الترابية كالطهارة المائية وقد أثبت الطهور للتراب في هذه الصحيحة وليس في ذلك دلالة على انحصار الطهور به بل هو مصداق من مصاديقه وهو نظير قولنا: الطهارة الترابية كالطهارة المائية فهل نريد بذلك خصوص التيمم بالتراب أو بكل ما يصح التيمم به، اذن لا يمكن الاستدلال بها على تخصيص ما يتيمم به بالتراب. وبعبارة اخرى: فأن الصحيحة بحسب السؤال ناظرة إلى انه هل يجوز للجنب أن يؤم غيره من المتطهرين إذا تيمم أو توضأ؟ والجواب ناظر إلى أن الطهارة الترابية كالمائية ولا دلالة لها على حصر التيمم بالتراب. وتعبيرها " جعل التراب طهورا " مثل تعبيرنا اليوم " الطهارة الترابية " إذ لا نظر لنا في هذا التعبير إلى انحصار التيمم بالتراب بل التعبير بذلك ناظر أو ناشئ من كثرة التراب، وعليه فالتعبير عادى لا إشعار فيه بالحصر فضلا عن الدلالة. " ومنها " صحيحة رفاعة عن أبى عبد الله (ع) قال: إذا كانت الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه فان ذلك توسيع من الله عزوجل " قال: " فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شئ مغبر وان كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس ان يتيمم منه " (1). نظرا إلى قوله " ليس فيها تراب " فانه لم يفرض في الانتقال إلى أجف موضع إنعدام غير التراب من أجزاء الارض فلو كان يسوغ التيمم بمطلق وجه الارض للزم فرض عدم غير التراب.


(1) الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب التيمم ح 4.

[ 40 ]

و (فيه): انها فرضت الارض كلها مبتلة إذ الامام (ع) ناظر فيها إلى الجفاف والرطوبة ومن ثمة ذكر ابتداءا أن الارض كلها مبتلة ولم يقل: التراب مبتل، فمعنى " ليس فيها تراب " أي ليس فيها شئ جاف أعم من التراب وغيره مما يصح التيمم به وانما ذكر التراب لاغلبيته وأكثريته فلا دلالة لها على الحصر. ومعه يكون معنى قوله " ليس فيها تراب " أي شئ يصح التيمم به في مقابل الماء الذى يصح التوضوء به وليس في ذكر التراب نظر إلى الحصر وعدم صحة التيمم بغير التراب. و " منها " صحيحة بن المغيرة قال ان كانت الارض مبتلة وليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم من غباره أو شئ مغبر وان كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس ان يتيمم به (1). وهى كسابقتها في عدم الدلالة على الحصر لانها ناظرة إلى الجفاف والرطوبة إلى آخر ما ذكرناه في سابقتها - على أنها مقطوعة لعدم النقل فيها عن الامام (ع) وانما هو فتوى من ابن المغيرة ولا يمكن الاعتماد عليها. و " منها " رواية علي بن مطر عن بعض أصحابنا قال: سألت الرضا (ع) عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين؟ قال: نعم صعيد طيب وماء طهور (2). (وفيه): - مضافا إلى ارسالها وضعفها بعلي بن مطر لانه لم يوثق في نفسه - لا دلالة فيها على الحصر لان السائل فرض ان الارض


(1) الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب التيمم ح 10. (2) الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب التيمم ح 6.

[ 41 ]

ليس فيها غير التراب وان الارض منحصرة بالطين من جهة المطر أو غيره، فجواز التيمم بالطين عند عدم التراب لا يدل على عدم جواز التيمم بسائر أجزاء الارض. و " منها " رواية معاوية بن ميسرة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل في السفر لا يجد الماء تيمم فصلى ثم أتى الماء وعليه شئ من الوقت أيمضي على صلاته أم يتوضأ ويعيد الصلاة؟ قال " يمضي على صلاته فان رب الماء هو رب التراب " (1). وهذه الرواية من حيث الدلالة لا بأس بها لانها تدل على انحصار ما يتيمم به بالتراب كأنه مفروغ عنه عنده لان السائل لم يذكر أنه تيمم بأى شئ، وقد ذكر الامام (ع) ان التراب طهور ولم يقل: ان رب الماء هو رب الارض فهو مشعر بانحصار الطهور في التيمم بالتراب. و (يدفعه): ان الرواية ضعيفة السند بابن ميسرة وهو ابن شريح القاضي. هذا. ومن جملة ما استدل به القائل باختصاص ما يتيمم به بالتراب هو صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر (ع) ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين، وذكر الحديث إلى أن قال: قال أبو جعفر (ع) ثم فصل بالكلام، فقال " وامسحوا برؤسكم " فعرفنا حين قال: " برؤسكم " أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء - إلى ان قال: - ثم قال: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم) فلما ان وضع الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا، لانه قال:


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 13.

[ 42 ]

" بوجوهكم " ثم وصل بها " وايديكم منه " أي من ذلك التيمم، لانه علم ان ذلك أجمع لم يجر على الوجه لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف لا يعلق ببعضها ثم قال: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) والحرج الضيق " (1). وذلك بتقريب ان الصحيحة دلت على أن التيمم يعتبر فيه المسح بدلا عن بعض الغسل المعتبر في الوضوء وانما قال " وايديكم منه " للدلالة على ان المسح بالتراب بدلا عن الغسل بالماء لا يتحقق في الوجه بتمامه إذ العلوق من الارض والتراب انما يختص ببعض الكف ولا يعلق بجميعها فعند المسح بالكف الذى علق التراب ببعضها لا يتحقق مسح الوجه بالتراب إلا بمقدار العلوق الموجود في اليد. اذن تدلنا الصحيحة على أن ما يتيمم به لا بد ان يكون فيه العلوق أي ما يعلق باليد عند ضرب اليدين عليه وهذا لا يتحقق إلا في التيمم بالتراب لان الحجر أو الرمل لا يعلق منهما شئ باليد التى ضربت عليها هذا. ويرد على الاستدلال بهذه الصحيحة: " أولا ": أن الصحيحة لا دلالة لها على اعتبار العلوق في التيمم لان المراد بقوله تعالى " وأيديكم منه " أي من ذلك التيمم إن كان هو التبعيض ومرجع الضمير هو التراب بمعنى أن المسح في التيمم لابد ان يكون كالغسل في الوضوء فكما ان أعضاءه تغسل بالماء كذا تمسح اليدان والوجه عند التيمم بالتراب الذى علق ببعض الكف عند ضرب اليدين عليه فالعرض من قوله تعالى " وايديكم منه " هو


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من ابواب التيمم ح 1.

[ 43 ]

التبعيض لان مسح الوجه واليدين بالتراب لا يتحقق في التيمم بتمام الكف فانها عند ضربها على التراب لا يعلق التراب بجميعها بل ببعضها كما هو المشاهد خارجا فيكون المسح ببعض التراب - العالق بالكف - فهذا المعنى غير معتبر في التيمم قطعا ويدلنا عليه الاخبار (1) الواردة في النفض لان نفض اليدين بعد الضرب لا يبقي على الكف شيئا من التراب حتى يكون المسح بالتراب وانما المعتبر فيه هو المسح بالكفين لا بالتراب. وان أريد من مرجع الضمير في قوله تعالى " وايديكم منه " أثر التراب نظرا إلى أنه تراب أيضا وهو لا يزول بالنفض فهو وان كان كما أفيد إلا أنه خلاف ما نطقت به الصحيحة لان الاثر والغبار يعلق بتمام الكف عند ضربها على التراب لا أنه يعلق ببعضها وهي صريحة في أن العلوق يختص ببعض الكف ولا يوجد في تمامها، اذن لا يمكن أن يراد منه شئ من المحتملين وما يراد منه ألله أعلم به. ولعل المراد بالصحيحة: أن كلمة " من " نشوية للدلالة على الابتداء وأن المسح في التيمم لا يمكن أن يكون مثل الغسل في الوضوء لانه في الوضوء تغسل الاعضاء بتمامها بالماء وليست أعضاء التيمم تمسح بالتراب بل لابد في التيمم من مسح الاعضاء باليدين مبدوءا بالتراب فهو مسح نشأ وابتداء بالتراب لا أن المسح ببعض التراب. اذن لا دلالة للصحيحة على أن التيمم يعتبر فيه العلوق بل تدل على أنه يعتبر فيه المسح الذي منشأه الارض علق منها شئ باليدين أم لم يعلق بهما. هذا كله الايراد الاول على الاستدلال بالصحيحة


(1) راجع الوسائل. ج 2 ب 29 من ابواب التيمم.

[ 44 ]

على الاختصاص. " وثانيا " لو تنازلنا عن ذلك وقلنا بدلالة الصحيحة على اعتبار العلوق فلا وجه لدعوى تخصيص العلوق بالتراب فان الوجدان أقوى شاهد على انه عند ضرب اليدين على الرمل والحجر يعلق شئ منهما باليدين وهو الغبار النازل عليهما بالريح والعج. واليدان تتأثران بهما عند ضربهما عليهما فلا اختصاص للعلوق بالتراب، اللهم إلا ان يغسل الحجر أو ينزل المطر عليه فلا يكون فيه حينئذ علوق. و " ثالثا ": لو أغمضنا عن ذلك ايضا لا ينبغي الشبهة في أن الحجر لو كسرناه وطحناه لعلق منه شئ باليدين فليست الاحجار والرمال مما لا علوق فيها، ولا يمكن ان يستفاد من الصحيحة اختصاص ما يتيمم به بالتراب وعدم جوازه بالحجر ونحوه فان العلوق فيه متحقق. فالمتحصل ان الصحيحة لا دلالة فيها على اختصاص ما يتيمم به بالتراب فيجوز التيمم بما يصدق عليه الارض من تراب وحجر ورمل ومدر وغيرها. ويؤكد ما ذكرناه: رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي (عليه السلام) انه سئل عن التيمم بالجص فقال: نعم، فقيل: بالنورة؟ فقال: نعم فقيل: بالرماد فقال لا: " لانه ليس يخرج من الارض انما يخرج من الشجر " (1). حيث دلت على ان الجص والنورة مما يصح التيمم به، وظاهرها


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من ابواب التيمم ح 1.

[ 45 ]

أن المراد بها هو الجص والنورة المطبوخان، وبقرينة المقابلة استفيد منها أنهما من الارض. ومعها تدل الرواية على جواز التيمم بالاجزاء الارضية من التراب وغيره. وهذه الرواية وان عبر عنها صاحب الحدائق (قده) بالحسنة حيث قال بعد نقله الرواية في (ص 300 ج: 4) وهذا السكوني ضعيف لكن روايته حسنة، إلا أن الصحيح ضعف الرواية من جهتين. " احدهما ": من جهة " احمد بن محمد بن يحيى " الواقع في سندها لانه لم يوثق وقد نبهنا عليه مرارا فلا يمكن الاعتماد على روايته وان كان كثير الرواية جدا ومما ينبغى التنبيه عليه في المقام أن مشايخ النجاشي كلهم موثقون بتوثيقه حيث صرح في مورد (1) بأن الرجل لم يكن موردا للاعتماد فتركت الرواية عنه فدل هذا التصريح على أن كل من يروي عنه النجاشي من دون واسطة فهو موثق عنده وموثوق برواياته، وقد وجدنا في كتابة روايته عن " احمد بن محمد بن يحيى " ومقتضى ذلك هو الحكم بوثاقته كبقية مشايخه إلا أنه بالتدقيق ظهر أن النجاشي (قدس سره) لم يدرك زمن " أحمد بن محمد بن يحيى " وانه ينقل عنه مع الواسطة في مأة وخمسين موردا على ما عثرنا عليه وفي الغالب يكون الواسطة بينهما هو " ابن شاذان " أعني " محمد بن على بن شاذان " و " أحمد بن شاذان " وبه ظهر أن النسخة مغلوطة جزما


(1) راجع قول النجاشي في ترجمة: أحمد بن محمد بن عبد الله ابن الحسن بن عباس الجوهري، وكذلك في ترجمة محمد بن عبد الله أبي المفضل الشيباني وغيرهما.

[ 46 ]

وأنه ليس الرجل من مشايخ النجاشي فهو ضعيف لعدم توثيقه. و " ثانيهما ": إشتمال سند الرواية على " أحمد بن الحسين " لانه المعروف ب‍ " دندان " الذى يروي عن " فضالة " ويروي عنه " محمد بن علي بن محبوب " وهو غير موثق، هذا بناءا على نسخة الوافي والوسائل. وقد نقل في جامع الرواة سند الرواية هكذا: " محمد بن علي ابن محبوب عن أحمد عن الحسين عن فضالة " وأحمد هذا قد يكون أحمد بن محمد بن عيسى أو يكون أحمد بن محمد بن خالد ولا يحتمل غيرهما بقرينة نقل ابن محبوب عنه، وعلى كل فهو معتمد عليه، كما أن الحسين هو ابن سعيد بقرينة روايته عن فضالة، فالسند على هذا صحيح من هذه الجهة ومن كان يعتمد على " أحمد بن محمد ابن يحيى العطار " لا بد أن يعتمد على هذه الرواية لاعتبارها. لعل كون (ابن يحيى) موردا للاعتبار عند صاحب الحدائق (قده) أوجب عدها حسنة إلا أنه لا يمكن الاعتماد على تلك النسخة لعدم العلم بصحتها، وبالاخص ان الوسائل والوافي نقلا ها كما بيناه، ومعه لا يمكن الاعتماد على الرواية بوجه (1).


(1) ويمكن تصحيح سند الرواية من الجهتين - أما الاولى فبأن للشيخ (قده) طريق صحيح إلى جميع كتب وروايات محمد بن علي بن محبوب غير طريقه بها بواسطة أحمد بن محمد بن يحيى. وأما الثانية فلما هو مذكور في المعجم ج 2 ص 110 عند ذكر هذه الرواية في اختلاف النسخ: بأنه لا يبعد وقوع التحريف فيه والصحيح: أحمد عن الحسين عن فضالة بقرينة سائر الروايات.

[ 47 ]

سواء كان ترابا أو رملا أو حجرا أو مدرا أو غير ذلك وان كان حجر الجص والنورة قبل الاحراق. الاخبار الدالة على جواز التيمم بمطلق وجه الارض: ثم انه بأزاء هذه الروايات روايات عديدة معتبرة تدل على جواز التيمم بمطلق وجه الارض، واليك بعضها: " منها ": صحيحة الحلبي: انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو قال: " ليس عليه أن يدخل الركية لان رب الماء هو رب الارض فليتيمم " (1) ورواه البرقي أيضا. و " منها ": ما عن الحسين بن أبي العلا قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو، قال: ليس عليه أن ينزل الركية إن رب الماء هو رب الارض فليتيمم (2). و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: " إذا لم تجد ماءا وأردت التيمم فأخر التيمم إلى آخر الوقت فان فاتك الماء لم تفتك الارض " (3). و " منها " موثقة ابن بكير عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: رجل أم قوما وهو جنب وقد تيمم وهم على طهور قال:


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التيمم ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التيمم ح 3. (3) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب التيمم ح 1.

[ 48 ]

وأما بعده فلا يجوز على الاقوى (1) كما أن الاقوى عدم الجواز بالطين المطبوخ كالزخرف والآجر وان كان مسحوقا مثل التراب. لا بأس فإذا تيمم الرجل فليكن ذلك في آخر الوقت فان فاته الماء فلن تفوته الارض (1). و " منها ": موثقته الاخرى المروية في الوسائل بعد موثقته المتقدمة (2) وهى تدلنا على أن المطهر عند فقدان الماء مطلق وجه الارض لا انه خصوص التراب حتى يكون المكلف عند عدم تمكنه من التراب فاقد الطهورين، ومع ذلك ينبغي مراعاة الاحتياط واختيار التراب للتيمم به. هذا تمام الكلام في عدم إختصاص التيمم بالتراب وجوازه بمطلق وجه الارض حتى مع الاختيار. التسوية بين الطين المطبوخ وغيره: (1) لا فرق في جواز التيمم على حجر الجص والنورة والطين بين قبل الاحراق والطبخ وبعدهما وذلك لانها من أجزاء الارض. وقد قدمنا أن الصحيح جواز التيمم بمطلق وجه الارض ومن المعلوم


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب التيمم ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب التيمم ح 4.

[ 49 ]

ان الطبخ لا يخرج الشئ عن حقيقته ولا يقتضي تبديله واستحالته وهذا كما في اللحم حيث ان المشوي منه - الكباب - وغيره لحم ايضا ولا يخرج بطبخه عن كونه لحما. وليس هذا مثل احراق الشجر وجعله رمادا لانه حقيقة أخرى غير حقيقة الشجرية. هذا. وقد يستدل على جواز التيمم بحجر الجص والنورة قبل الطبخ وبعده برواية السكوني المتقدمة في التعليقة السابقة المصرحة بجواز التيمم بالجص والنورة وقد تقدم ان ظاهرها هو الجص والنورة بعد طبخهما. و (يدفعه): ان الرواية ضعيفة السند من جهتين - وقد تقدمتا - ولا يمكن الاعتماد عليها أبدا. ويستدل أخرى بالاستصحاب الموضوعي بتقريب ان الجص والنورة لا إشكال في كونهما من الاجزاء الارضية قبل احراقهما وطبخهما فلو شككنا في بقائهما على الحقيقة الارضية المعلومة سابقا وخروجهما عن الارضية بالاحراق فمقتضى الاستصحاب لزوم الحكم ببقائهما على أرضيتهما وعدم خروجهما عن كونهما ارضا بالطبخ. و (يرد عليه): ان الشبهة حينئذ مفهومية لان الشك في سعة مفهوم الارض وضيقه وليست الشبهات المفهومية موردا للاستصحاب الموضوعي ولا الحكمي: أما الاستصحاب الموضوعي فلان الاستصحاب متقوم باليقين السابق والشك اللاحق ولا يقين ولا شك كذلك في مورد الشبهة المفهومية، مثلا في المقام كون الجص أو النورة غير محترق ولا مطبوخ سابقا

[ 50 ]

معلوم لنا بالوجدان وصيرورتهما مطبوخين معلوم لنا بالوجدان أيضا وليس لنا شك في شئ إذ لم ينقلب فيهما شئ موجود معدوما ولا انعدم عنهما شئ موجود غير الطبخ المقطوع سابقا ولاحقا ومعه لا معنى لاجراء الاستصحاب في مثلهما. وانما شكنا في صدق اسم الارض عليهما وأن مفهومه موسع يشملهما بعد الطبخ أو مضيق لا يشملهما بعد الطبخ، وبعبارة اخرى: الشك في المفهوم الوضعي ولا سبيل للاستصحاب في تعينه. وأما الاستصحاب الحكمي فعدم جريانه في موارد الشبهة المفهومية لا لما قد يقال من ان جواز التيمم بهما بعد طبخهما تكليفا مما لا شبهة فيه لعدم حرمة التيمم شرعا بهما. وأما من حيث الوضع والحكم بترتب الطهارة على التيمم بهما فهو وان كان مشكوكا فيه إلا أنه من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول بجريانه وذلك لان مرجعه إلى أن المكلف لو كان قد تيمم بهما قبل طبخهما لكانت الطهارة تترتب عليه والآن كما كان. وذلك لان الطهارة ليست مترتبه على الوضوء أو التيمم وانما هي نفس الوضوء والغسل والتيمم، ثم ان الطهور انما ترتب على ذات الارض كما انه ترتب على ذات الماء - على ما دلت عليه الآية والاخبار - وليس هذا صفة للتيمم لانه طهارة لا أنه طهور. إذن لا مانع من استصحاب بقاء الجص والنورة على صفتهما الثابتة عليهما قبل طبخهما لانهما كانا من الارض وطهورا قبل طبخهما قطعا فلو شككنا في زوال تلك الصفة عنهما بالطبخ وعدمه نستصحب بقاءهما على الطهورية.

[ 51 ]

بل عدم جريان الاستصحاب في الشبهة المفهومية من جهة أن الشك في بقاء الموضوع مانع عن جريان الاستصحاب الحكمي لا محالة وفى المقام المفروض أن الجص لا ندري هل هو ارض كي يكون طهورا أو انه خرج عن كونه أرضا لئلا يكون طهورا؟ ومعه لا يبقى مجال للاستصحاب الحكمي بوجه فلا بد من الرجوع إلى سائر الاصول الموجودة في المقام. وهل الاصل الجارى حينئذ هو البراءة أو الاشتغال؟ يختلف هذا باختلاف المسالك. فإذا قلنا بأن الطهارة أمر بسيط ويترتب على الغسل أو الوضوء أو التيمم لابد من التمسك بقاعدة الاشتغال لان الشك في محصل المأمور به البسيط. وإذا قلنا بأن الطهارة هي عين الوضوء وأخويه - الذي هو الصحيح - فالاصل الجاري هو البراءة لان الامر بالتيمم بجامع الجص المطبوخ وغير المطبوخ - مثلا - معلوم لا شك معه، والشك في توجه التكليف الزائد عن الجامع وهو عدم كونه مطبوخا، وحيث ان الشك دائر بين الاطلاق والتقييد فيدفع احتمال التقييد بالبراءة على ما هو المقرر عند دوران الامر بين الاقل والاكثر. هذا كله فيما لو انتهت النوبة إلى الاصل العملي لاجل الشك، لكنا أشرنا إلى ان المسألة ليست مشكوكة لان الطبخ لا يخرج الشئ عن حقيقته جزما فالجص قبل الطبخ من الارض وكذا بعد طبخه من الارض وهكذا الامر في النورة والطين المطبوخ خزفا أو آجرا ودعوى القطع بذلك غير مجازف بها قطعا.

[ 52 ]

ويدل على ما ذكرنا أمران: " أحدهما " صحيحة الحسن بن محبوب عن أبي الحسن (ع) أنه سأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إليه بخطه: " ان الماء والنار قد طهراه " (1). لانها تدلنا على أن الجص لا يخرج عن كونه أرضا ومما يصح السجود عليه بطبخه وانما سأله عن حكمه من جهة تنجيسه بالنجاسة العرضية حيث يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى واجابه (ع) بأنه قد طهره الماء والنار وارتفعت نجاسته العرضية. وبعبارة أخرى: جهة السؤال عن جواز السجدة عليه بعد طبخه بالعذرة ونحوها ليست هي خروجه عن كونه أرضا بالطبخ بل كان السائل بحسب الارتكاز عالما بأنه باق على أرضيته ولم يخرج بطبخه عن كونه أرضا إلا أنه سأله عن جواز السجدة عليه من جهة تنجسه وقد قرره الامام (ع) على هذا الارتكاز ولم يقل له أن الجص خرج عن حقيقة الارضية بطبخه بل أقره وأمضاه وبين له أن نجاسته ترتفع بالماء والنار فإذا جاز السجود على الجص بعد طبخه جاز التيمم عليه أيضا بعد طبخه كما يأتي بيانه. و " ثانيهما ": أن الجص أو الطين المتنجسين لا يجوز السجود عليهما بعد طبخهما حتى عند القائلين بعدم جواز التيمم عليهما بعد طبخهما، مع أن لازم كون الطبخ موجبا للتبدل في الحقيقة والاستحالة هو الحكم بطهارتهما بعد الطبخ وجواز السجود عليهما لان الاستحالة من المطهرات.


(1) الوسائل: ج 2 باب 81 من أبواب النجاسات ح 1.

[ 53 ]

ولا يجوز على المعادن كالملح والزرنيخ والذهب والفضة والعقيق ونحوهما مما يخرج عن اسم الارض (1). وهذا أقوى دليل على أن الطبخ لا يخرج الشئ عن حقيقته ولا يوجب التبدل في الاشياء كما بيناه في مثال اللحم، اذن يجوز السجود على المذكورات قبل طبخها وكذلك يجوز بعده وإذا جاز السجود عليها جاز التيمم عليها، وهذا الحكم لا للملازمة بين الامرين حتى يشكل بأن السجدة تجوز على النبات مع انه لا يجوز التيمم عليه، بل لاجل أن جواز السجدة عليها بعد الطبخ يكشف عن بقائها على كونها أرضا فإذا كانت أرضا جاز التيمم عليها كما مر. عدم جواز التيمم على ما خرج عن عنوان الارض: (1) لا اشكال في كبرى ما أفاده (قده) اي عدم جواز التيمم بما هو خارج عن اسم الارض وان كان متكونا فيها - لما تقدم من أن التيمم لابد من وقوعه على الاجزاء الارضية. وانما الكلام في بعض الموارد التي ذكرها (قده) فان الذهب والفضة وامثالها وان كان خارجا عن الاجزاء الارضية ولا يصدق عليها عنوان الحجر أو غيره من الاجزاء الارضية إلا أن مثل العقيق والفيروز وغيرهما ليس كذلك. لان المعدن وان كان يصدق عليها من دون ريب فيقال: معدن الفيروزج أو معدن الملح أو غيرهما، إلا أن المعدن لم يترتب عليه

[ 54 ]

الحكم بعدم جواز التيمم أو السجود عليه في شئ من الادلة بل الحكم مترتب على الارض واجزائها. والظاهر أن العقيق والفيروزج وغيرهما من الاحجار الكريمة من الارض وهي قسم من الاحجار الارضية غالية القيمة اما لكونها ذات (الوان) معينة أو لكونها ذوات دوام واستحكام أو لامر آخر لم نفهمه لحد الآن ولم نفهم لماذا كانت قيمة الفيروزج اغلى من غيره مما هو بلون الفيروزج أو بغيره من الالوان وعلى كل فهي من الاحجار ومن الاجزاء الارضية. وقد قيل: ان بعض الاراضي أرض عقيق بمعنى ان الاحجار الصغار فيها حجر العقيق اشبه بأرض النجف حيث انها ذات در فانه يوجد فيها احجار هي در. وكيف كان: فالظاهر أن العقيق والفيروزج ونظائرهما من الاحجار والاجزاء الارضية ولا مانع من التيمم أو السجود عليها. ولو شككنا في صدق الارض عليها فان بنينا على أن الطهارة المأمور بها أمر بسيط يحققها الوضوء والغسل والتيمم فلابد من الرجوع إلى اصالة الاشتغال للعلم بالمأمور به والشك في محصله. وان بنينا على ما هو الصحيح من أن الطهارة اسم لنفس الافعال من الوضوء واخويه فلابد من الرجوع إلى اصل البراءة لان الامر بالتيمم بجامع العقيق وغيره مما هو معلوم الارضية معلوم، ونشك في اعتبار الزائد عليه - وهو عدم كونه عقيقا أو فيروزجا مثلا - فهو من دوران الامر بين الاطلاق والتقييد اي بين الاقل والاكثر وهو مجرى اصل البراءة فندفع به التقييد المحتمل.

[ 55 ]

ومع فقد ما ذكر من وجه الارض يتيمم بغبار الثوب أو اللبد أو عرف الدابة ونحوها مما فيه غبار (1) ومن هنا يظهر أن الحكم بعدم التيمم على مثل العقيق والفيروزج مبني على الاحتياط. جواز التيمم بالغبار: (1) للاخبار الدالة على ذلك وهى متغيرة، واليك بعضها: " صحيحة زرارة ": قال: قلت لابي جعفر (ع) ارض المواقف - وهو المحارب مع عدوه - إن لم يكن على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول؟ قال (ع): " يتيمم من لبده أو سرجه أو معرفة دابته فان فيها غبارا ويصلي " (1) و " صحيحة رفاعة ": عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا كانت " الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر اجف موضع تجده فتيمم منه فان ذلك توسيع من الله عزوجل، قال: فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شئ مغبر.. " (2)، وغيرهما من الاخبار المعتبرة.


(1): الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب التيمم ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب التيمم ح 4.

[ 56 ]

إن لم يمكن جمعه ترابا بالنفض وإلا وجب ودخل في القسم الاول (1) والاحوط اختيار ما غباره اكثر (2) ومع فقد الغبار يتيمم بالطين إن لم يمكن تجفيفه (3) وإلا وجب ودخل في القسم الاول. (1) لانه متمكن من التيمم بالتراب حيث ان الغبار هو الاجزاء الصغار التي جمعت فكانت ترابا، وهو كالبخار الذى هو غير الماء لكنه لو جمع في مكانا صار ماءا، ومع التمكن من التراب لا يجوز التيمم بالغبار. (2) وهو احتياط في محله لكنه ليس بواحب وذلك لان ما غباره اكثر قد تكون كثرته بمقدار يصدق عليه التراب ولا اشكال في انه متمكن من التراب حينئذ، ولابد من ان يتيمم به. وقد لا يبلغ تلك المرتبة إلا ان غبار احدهما اكثر من غيره ولا دليل على تقديم ما غباره اكثر لان مقتضى الاخبار عدم الفرق بين ما يكون غباره اقل وما يكون الغبار فيه اكثر لدلالتها على لزوم التيمم بما فيه الغبار كان غباره اكثر من غيره أم لم يمكن. جواز التيمم بالطين: (3) للنصوص المعتبرة الدالة على ذلك مثل صحيحة رفاعة المتقدمة حيث ورد في ذيلها " وان كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس ان

[ 57 ]

فما يتيمم به له مراتب ثلاث: " الاولى ": الارض مطلقا غير المعادن. " الثانية " الغبار. " الثالة ": الطين. يتيمم منه. وصحيحتي زرارة " وان كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم منه، إذا كنت في حال... " (1) وغيرهما، وهذا مما لا اشكال فيه. وأنما الكلام في أن الطين في طول الغبار أو انه في عرضه. (قد يقال) بأنهما في عرض واحد استنادا إلى ما رواه زرارة عن أحدهما (ع) قال: قلت: رجل دخل الاجمة ليس فيها ماء وفيه طين ما يصنع؟ قال: يتيمم فانه الصعيد. قلت: فانه راكب ولا يمكنه النزول من خوف وليس هو على وضوء قال: " إن خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوات الوقت فليتيمم يضرب بيده على اللبد أو البرذعة ويتيمم ويصلي " (2). نظرا إلى أنه (ع) جوز التيمم بالطين إذا قدر على النزول وإلا فبالغبار ولا تقدم للغبار على الطين. (وفيه): ان الرواية ضعيفة السند بأحمد بن هلال وقد وردت طعون كثيرة فيه مع أن الاخبار الدالة على أنه يتيمم بالغبار أولا، وإلا فبالطين كثيرة معتبرة وهي مما اشتهر بين الاصحاب، والرواية من الشاذ الذى لا يعبأ به في قبال الاخبار المشهورة. وهذا.


(1) الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب التيمم ح 2 و 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 9 من ابواب التيمم ح 5.

[ 58 ]

على أنها بحسب الدلالة قابلة للمناقشة أيضا، لاحتمال انها تبين حكم شخصين بأن يسأل عن شخص دخل الاجمة ولا يقدر إلا على الطين ثم يسأله عن حكم من دخلها وهو متمكن من الغبار للتيمم وأحد الحكمين لمن دخل الاجمة وليس عنده إلا الطين والحكمة التيمم به، وثانيهما لمن دخل الاجمة وهو متمكن من التيمم بالغبار وحكمه ان يتيمم بالغبار. وليس هذا حكم شخص واحد دخل الاجمة لتتوهم دلالة الرواية على عدم تقديم التيمم بالغبار على التيمم بالطين. والمتحصل: ان المكلف الفاقد للماء يجب عليه أن يتيمم بالتراب أو بغيره من الاجزاء الارضية فان لم يتمكن منها يتيمم بالغبار الذي هو ليس بتراب بل هو أجزاء صغار منه. فان لم يتمكن منه يتيمم بالطين - هذا كله بحسب التعبد والنصوص ولولاها لقدمنا الطين على الغبار لانه صعيد - كما مر في بعض الاخبار (1) - بخلاف الغبار فانه ليس بتراب. بل لولاها لقلنا بجواز التيمم به حتى من التمكن من التراب لكونه صعيدا، ولا فرق بينهما إلا بالرطوبة والجفاف وليس ذلك بفارق بمقتضى إطلاق مادل على ان التراب ولارض طهور، اللهم إلا بناءا على اعتبار العلوق في التيمم فلا يجوز التيمم بالطين مع التمكن من التراب إذ لا علوق في الطين لانه لا يعلق اثره باليد عند ضربها عليه الذى هو معنى العلوق بل يتعلق هو بنفسه على اليد لا اثره وعلوقه.


(1) كالرواية المتقدمة.

[ 59 ]

وقد تحصل إلى هنا ان المكلف مع تمكنه من الارض يتيمم بها ولو كانت رطبة يختار أجف موضع فيتيمم به، وإلا فيتيمم بالغبار وإلا فبالطين لو أمكن. إذا لم يوجد غبار ولا طين: وأما إذا لم يوجد الطين فماذا يصنع المكلف هل يكون فاقد الطهورين أو انه يتيمم بالثلج ان كان، يقع الكلام في ذلك في مقامين: " المقام الاول ": - إذا لم يتمكن المكلف من الماء هل يجب أن يتوضأ أو يغتسل بالثلج إذا تمكن منه أو لا يجب بل ينتقل امره إلى التيمم؟ والمراد بالثلج هو الماء المنجمد في الهواء المعبر عنه في الفارسية (برف وتكرك) لا الثلوج المتكونة على الارض. " المقام الثاني ": بعد البناء على عدم وجوب الوضوء أو الغسل بالثلج وانتقال الامر إلى التيمم هل يصح التيمم بالثلج أو لابد في صحته من وقوعه على الارض؟ أما المقام الاول: فقد يقال بوجوب التوضي أو الاغتسال بالثلوج فيما إذا لم يتمكن من الماء ويستدل عليه بجملة من الاخبار. " منها ": ما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلا الثلج قال: يغتسل بالثلج أو ماء النهر (1).


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من ابواب التيمم ح 1.

[ 60 ]

ويتوجه على الاستدلال بها انها ضعيفة السند لوقوع على بن اسماعيل في سلسلة السند لانه السندي أو السري وهو غير موثق نعم وثقه ابن الصباح الكناني (1) إلا أنه غير موثق أيضا فلا يمكن الاعتماد على توثيقه. على انها قابلة للمناقشة من حيث الدلالة أيضا لان مفروض كلام السائل أنه ليس عند المكلف إلا الثلج وقال (ع) في جوابه: " انه يغتسل بالثلج أو ماء النهر " فمنه يظهر ان الماء كان موجودا في مفروض الكلام لكنه كان باردا كالثلج. فلعل المراد به انه أما ان يغتسل بالثلج أو بماء النهر وكلاهما على حد سواء بمعنى انه يذيب الثلج فيغتسل، أو أنه يغتسل بماء النهر لا أنه يدلك بدنه بالثلج لانه عبر بالاغتسال الذى لا يصدق على الدلك إذ قد أخذ في الاغتسال جريان الماء على المغسول فكأنه (عليه السلام) قال: اما ان يذيب الثلج فيغتسل أو يدخل النهر ويغتسل من مائه وان كان باردا، فهي أجنبية عما نحن بصدده من الاستدلال على وجوب الغسل أو الوضوء بالثلج عند عدم التمكن من الماء.. و " منها ": ما عن معاوية بن شريح قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده فقال: يصيبنا الدمق والثلج ونريد ان نتوضأ ولا نجد إلا ماءا جامدا فكيف أتوضأ؟ أدلك به جلدى؟


(1) بل وثقه نصر بن الصباح ولقبه بالسندي وناقش في كلا الامرين السيد الاستاذ " دام بقاءه " راجع المعجم ج 11 ترجمة علي بن اسماعيل السندي.

[ 61 ]

قال نعم (1). وهي من حيث الدلالة ظاهرة إلا انها ضعيفة السند لوجود معاوية ابن شريح فيه وهو ضعيف والظاهر اتحاده مع معاوية بن ميسرة وان ذهب الاردبيلي إلى تعددهما - وعلى كل سواء اتحد ام تعدد لم تثبت وثاقتهما. و " منها ": ما رواه على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجا وصعيدا ايهما افضل؟ أيتيمم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال: الثلج إذا بل رأسه وجده أفضل فان لم يقدر على ان يغتسل به فاليتيمم " (2). وهي ضعيفة السند لوجود " محمد بن أحمد العلوي " فيه وهو غير موثق في الرجال - على أن مدلولها خارج عن محل الكلام لانه (عليه السلام) أجاب بأن الثلج إذا بل رأسه فهو أفضل وذلك لان بل الجسد هو ادنى مراتب الاغتسال فإذا تمكن المكلف منه بوجه ولو بحرارة بدنه فهو متمكن من الوضوء والاغتسال بالماء لا انه اغتسال أو وضوء بالثلج. و " منها " رواية ثانية لعلي بن جعفر عن أخيه (ع) قال:


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من ابواب التيمم ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب التيمم ح 3 واستظهر السيد الاستاذ في المعجم حسن الرجل مضافا إلى كونه مذكورا في اسناد التفسير: راجع ج 15 ص 62 من الكتاب ترجمة: محمد ابن احمد العلوي.

[ 62 ]

سألته عن رجل يصيبه الجنابة فلا يقدر على الماء فيصيبه المطر هل يجزيه ذلك أم يتيمم؟ قال: إن غسله أجزأه وإلا عليه التيمم قال: قلت: ايهما افضل؟ أيتيمم أم يمسح بالثلج وجهه وجسده ورأسه؟ قال: الثلج إن بل رأسه وجسده افضل.. (1) وهي من حيث الدلالة عين سابقتها. ومن حيث السند ضعيفة لان في سندها عبد الله بن الحسن وهو غير موثق. فالمتحصل ان الاخبار المستدل بها على وجوب الوضوء أو الاغتسال بالثلج بمعنى الدلك به كلها ضعيفة السند وقابلة للمناقشة في دلالة اكثرها. وأما المقام الثاني: فمقتضى القاعدة المستفادة من الكتاب والسنة عدم جواز التيمم بالثلج لان الطهور منحصر بالماء والتراب - بمعنى الارض - وليس الثلج من الارض ولا انه ماء. لكن قد يقال بجواز التيمم عليه. ويستدل عليه بصحيحة محمد بن مسلم أو حسنته بابراهيم بن هاشم عن أبي عبد الله (ع) قال: سألت عن رجل اجنب في سفر ولم يجد إلا الثلج أو ماءا جامدا فقال: " هو بمنزلة الضرورة يتيمم " (2). و (فيه) ان الرواية تدل على ان المكلف - في مفروض السؤال - فاقد للماء ويجوز له ان يتيمم وليست فيها أية دلالة على انه يتيمم بالثلج أو الماء الجامد بل يتيمم بما يتيمم به شرعا، وقوله " ولم يجد إلا الثلج أو ماء جامد " ليس انه بمعنى انه لا يجد ما يتيمم به أيضا بل


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب التيمم ح 4. (2) الوسائل ج 2 باب 9 من أبواب التيمم ح 9.

[ 63 ]

لا لم يجد ما يتوضأ أو يغتسل به فلا دلالة في الصحيحة على ذلك المدعي. وروى صاحب الوسائل في الباب الثامن والعشرين من أبواب التيمم رواية عن المقنع للصدوق قال (في المقنع): وروي إن اجنبت في أرض فلم تجد إلا ماءا جامدا ولم تخلص إلى الصعيد فصلي بالتمسح ثم لا تعد إلى الارض التي توبق فيها دينك. وذكر المعلق في الهامش: قلت: رواه البرقي أيضا في المحاسن في ص 372 عن أبيه عن أبى عمير عن حماد بن عثمان عن عبيد الله ابن على الحلبي نحوه. وهذا السند كما ترى صحيح وهو يوهم وجود رواية صحيحة تدل على لزوم التمسح بالماء الجامد فيما إذا لم يجد المكلف سوى الماء الجامد ولم يخلص إلى الصعيد فلا بد من اتباعها وان كانت رواية المقنع مرسلة. إلا ان الامر ليس كما توهمه التعليقة إذ لم توجد رواية أخرى دالة على لزوم التمسح بالماء الجامد وانما الرواية هي ما قدمناه من الصحيحة أو الحسنة عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: سألت عن رجل أجنب في سفر ولم يجد إلا الثلج أو ماءا جامدا فقال: " هو بمنزلة الضرورة يتيمم ولا أرى أن يعود إلى هذه الارض التي توبق فيها دينك. فان البرقي روى هذه الرواية في المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عبيد الله بن على الحلبي عن أبي عبد الله فراجع الباب التاسع من أبواب التيمم من الوسائل والاشتباه من المعلق. كذا أفاده أولا، ثم ذكر دام ظله: انه عند المراجعة إلى المحاسن

[ 64 ]

ظهر ان الاشتباه من صاحب الوسائل دون المعلق لان صحيحة محمد ابن مسلم المتقدمة التي ذكر بعدها صاحب الوسائل أن البرقي روى مثله بالسند السابق لا يتطابق مع ما هو الموجود في المحاسن إلا في النهي عن العود إلى هذه الارض التي توبق دينه فقول صاحب الوسائل (روي في المحاسن مثله) إشتباه. بل رواية المحاسن مثل رواية المقنع مع اختلاف يسير بينهما في الالفاظ - على ما اشار إليه المعلق - اذن فهي صحيحة السند ولا يمكن المناقشة في سندها. إلا ان دلالتها تبقى قابلة للمناقشة وذلك لان قوله " فصل بالمسح " - لا فصلى بالمسح كما في المقنع - لا دلالة له على ارادة التوضي أو الاغتسال بالماء الجامد تمسحا، كما لا دلالة له على ارادة التيمم بالماء الجامد لان ذلك وان كان قد يستفاد منه إرادة التوضي أو الاغتسال بالماء الجامد تمسحا بحسب الميزان البحثي إلا انه بحسب الرواية فلا، لان المراد به - ولو بحسب الاحتمال - هو التيمم دون الوضوء أو الاغتسال حيث ان المأمور به - على مادلت عليه الآية المباركة - ينقسم إلى أقسام ثلاثة: " أحدها " غسل محض وهو الغسل بالضم. " ثانيها " ملفق من الغسل والمسح وهو الوضوء. " ثالثها ": مسح محض وهو التيمم، واليه اشارت الآية المباركة قال عز من قائل: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين " (1).


(1) سورة المائدة: 5: 6.

[ 65 ]

وهذا كما ترى ملفق من الغسل والمسح، ثم قال: " وان كنتم جنبا فاطهروا " اي اغتسلوا - على ما يستفاد من قوله تعالى في آية النهي عن قرب الصلاة سكرانا أو جنبا.. " حتى تغتسلوا " (1) فظهر ان الغسل بالضم هو غسل محض، ثم قال تعالى: " فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا " أي اقصدوا " وامسحوا بوجوهكم وايديكم منه " (2) من دون لفظة " منه " فعلم منه ان التيمم مسح محض. والظاهر ان قوله (ع) في الرواية " فصل بالمسح " إشارة إلى ذلك أي - فصل بالتيمم - أو لا أقل انه محتمل. ثم انه لم يبين أن ما يتيمم به هو الماء الجامد بل أمر بالتيمم وحسب فيكون المتيمم به موكولا إلى بيان الشرع، والمشروع حينما لم يجد المكلف ماءا ولا صعيدا هو ان يتيمم بغبار الثوب أو نحوه فلا دلالة في الرواية على هذا المدعى فان الطهور منحصر بالماء والصعيد. هذا. ثم انا لو قلنا بتمامية الاخبار المتقدمة فيه وتمت دلالتها على ان المكلف حينئذ يتوضأ أو يغتسل بالثلج لوقعت المعارضة بينها وبين هذه الرواية لدلالتها على وجوب التيمم بالثلج حينئذ فإذا تساقطا - لاجل المعارضة - يرجع إلى الكتاب العزيز وهو قد دل على ان الطهارة انما تحصل بالماء أو الصعيد فلا يسوغ التيمم بالثلج.


(1) سورة النساء: 4: 43. (2) وهو ذيل الآية المباركة المتقدمة في سورة المائدة.

[ 66 ]

ومع فقد الجميع يكون فاقد الطهورين (1) والاقوى فيه سقوط الاداء. وظيفة فاقد الطهورين: (1) إذا بنينا في المسألة المتقدمة على عدم جواز الوضوء أو الاغتسال أو التيمم بالثلج أو بنينا على جوازه إلا أن المكلف لم يجد شيئا يتوضأ أو يغتسل أو يتيمم به فاقد الطهورين، والمحتملات فيه اربعة: " الاول ": أنه مكلف بالاداء فيصلي من غير طهارة، ويقضيها مع طهارة خارج الوقت. " الثاني ": أنه مكلف بالاداء ويصلي من دون طهارة، ولا قضاء عليه. " الثالث ": انه غير مكلف بالاداء لكن يجب عليه القضاء خارج الوقت. " الرابع ": انه غير مكلف بالاداء ولا بالقضاء. هذه محتملات المسألة ولعل لكل واحد منها قائلا، ويقع الكلام في مقامين: " احدهما ": من حيث الاداء وأن فاقد الطهورين مكلف أو ليس مكلفا بالاداء.

[ 67 ]

" ثانيهما ": من حيث القضاء وانه مكلف أو ليس مكلفا به. " المقام الاول ": فالظاهر أن فاقد الطهورين غير مكلف بالاداء لان الصلاة حسبما دلتنا عليه الروايات ثلاثة اثلاث: ثلث الطهور وانه لا صلاة إلا بطهور (1) فإذا لم يتمكن المكلف من الطهور سقط عنه الامر بالصلاة لعدم قدرته عليها. وأما ما هو المشتهر من أن الصلاة لا تسقط بحال فهو بهذا اللفظ ليس مدلولا لدليل إلا أن مضمونه ورد في بعض روايات المستحاضة فقد ورد عنهم (ع) ولا تدعى الصلاة على حال فان النبي صلى الله عليه وآله قال: الصلاة عماد دينكم " (2) وحيث ان الصلاة عماد الدين فلا يمكن تركها بحال فهي واجبة في جميع صور الاستحاضة من القليلة والمتوسطة والكثيرة، وكيف كان فهو تام بحسب المضمون. إلا أنه لا يقتضي وجوب الاداء على فاقد الطهورين لانه دل على أن الصلاة لا تسقط بحال وهو لا يعقل ان يتكفل لاثبات موضوعه ويدل على ان ما أتى به فاقد الطهورين فهو صلاة. وبما ان ثلث صلاة الطهور ولا صلاة إلا بطهور فيستكشف منه أن ما يأتي به فاقد الطهورين ليس صلاة لتجب عليه ولا تسقط عنه ومما ذكرنا قد ظهر أن التمسك في المقام بالمطلقات الدالة على وجوب الصلاة كقوله تعالى " ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوفا " (3) وقوله (ع): " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5. (3) النساء: 4: 103.

[ 68 ]

الصلاتين إلا ان هذه " (1) وغيرهما من المطلقات ليس في محله وذلك لعدم كون الصادر من فاقد الطهورين صلاة ليجب اداؤها بل هو غير متمكن منها فيسقط وجوبها اداء. كما انه ظهر مما ذكرناه الحال والفرق بين ما ورد من انه " لا صلاة إلا بطهور " وبين ما ورد من انه " لا صلاة إلا إلى القبلة " (2) و " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (3) ونحوهما حيث لا تخرج الصلاة عن كونها صلاة بافتقادها الفاتحة أو القبلة وتسقط عن كونها صلاة عند عدم الطهور، والوجه فيه ظاهر. وهو الادلة الخارجية الدالة على صحة الصلاة الفاقدة للفاتحة أو القبلة لو في بعض الموارد كالناسي كحديث " لا تعاد " (4) وغيره فان ضم ذلك إلى ما دل على انه " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " أو ".. إلى القبلة " كانت النتيجة أن اعتبار فاتحة الكتاب أو الاستقبال في الصلاة مختص بحالة التمكن والاختيار ولا يعتبران في الصلاة عند النسيان أو الاضطرار. وهذا بخلاف الطهور إذ لم يدلنا دليل على أن الصلاة صحيحة من دون طهور، إذن فمقتضى إطلاق قوله (ع) " لا صلاة إلا بطهور " عدم الفرق بين الاختيار وعدمه والتمكن وعدمه.


(1) الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت وغيره. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 2 و 10 و 11 من أبواب القبلة. (3) راجع الوسائل: ج 3 باب 1 من أبواب القراءة وغيرها. (4) راجع الوسائل: ج 1 باب 2 من أبواب الوضوء ح 8 وغيرها من الموارد.

[ 69 ]

ووجوب القضاء وان كان الاحوط الاداء أيضا. وإذا وجد فاقد الطهورين ثلجا أو جمدا قال بعض العلماء بوجوب مسحه على أعضاء الوضوء أو الغسل وان لم يجر ومع عدم امكانه حكم بوجوب التيمم بهما، ومراعاة هذا القول احوط فالاقوى لفاقد الطهورين كفاية القضاء والاحوط ضم الاداء أيضا، واحوط من ذلك مع وجود الثلج المسح به أيضا. وعليه لما كان فاقد الطهورين غير متمكن من الصلاة مع الطهور فهي ساقطة في حقه ولا يكلف بالاداء، وأما قاعدة الميسور فهي - على تقدير تماميتها في نفسها ولم تتم - لا يمكن اجراؤها في المقام بدعوى: ان الصلاة الفاقدة للطهور ميسور لمعسورها. وذلك لان الصلاة من غير طهارة تباين الصلاة عن طهارة لا أن احدهما ميسور للآخر، فالمتحصل ان فاقد الطهورين غير مكلف بالاداء. " المقام الثاني ": في وجوب القضاء. قد يقال: بوجوب القضاء على فاقد الطهورين تمسكا باطلاق مادل على قضاء الصلوات الفائتة فانه يشمل المقام أيضا. واجيب عنه: بأن الفوت غير محرز في المقام لانه انما يصدق فيما لو كانت صلاة فاقد الطهورين مشتملة على الملاك والمكلف قد فوته كما في النائم ونحوه، وإذا لم يكن لها ملاك في نفسها كما في صلاة الحائض والنفساء والصبي فلا يكون ترك الاتيان بها محققا للفوات.

[ 70 ]

ومن المحتمل أن لا يكون لصلاة فاقد الطهورين ملاك أصلا فلا تشمله اطلاقات ادلة القضاء. واجيب عن هذا الجواب: بأن وجود الملاك يستكشف من الامر بالصلاة لانه كاشف قطعي عنه، والعجز عن تحصيل الطهورين يوجب سقوط الامر والتكليف ولا يوجب سقوط الصلاة عن كونها واجدة للملاك فيكون تركها - ولو من جهة فقدان الطهورين - محققا للفوت فيجب عليه قضاؤها. ويرد على ذلك: ان الملاك ليس لنا إليه سبيل إلا وجود الامر والتكليف، ومع سقوطهما لا كاشف عن الملاك ولا علم لنا بوجوده فمن أين تحرز أن صلاة فاقد الطهورين مشتملة على الملاك ولعلها كصلاة الحائض والنفساء والصبي مما لا ملاك فيها. والذي يمكن أن يقال: ان فاقد الطهورين مأمور بالقضاء وذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها قال: " يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار " (1) وذلك بتقريبين. " أحدهما ": أن قوله " أو نسي صلوات " ذكر تمهيدا لبيان مطلق ترك الصلاة وليس لخصوص تركها لنسيانها موضوعية في حكمه بوجوب القضاء لانا نقطع بأن ترك الصلاة متعمدا عصيانا أيضا مورد للقضاء فلو كان للنسيان خصوصية فقد ترك ذكر ما لا إشكال في وجوب قضائه فهو إنما ذكر تمهيدا لبيان أن مطلق ترك الصلاة يوجب القضاء وكأنه جعل عدم الترك عمدا وعصيانا مفروغا عنه في حق المكلف


(1) الوسائل: ج 5 باب 1 من أبواب قضاء الصلوات ح 1.

[ 71 ]

هذا كله إذا لم يمكن اذابة الثلج أو مسحه على وجه يجري وإلا تعين الوضوء أو الغسل ولا يجوز معه التيمم أيضا (1). المسلم إذ كيف يعصي الله ولا يأتي بفريضة متعمدا فاقتصر على ذكر الشق المحتمل وقوعه في حقه وهو النسيان فتدلنا الصحيحة على وجوب القضاء في كل مورد ترك فيه الصلاة عمدا أو نسيانا أو لغيرهما من الاسباب وأن الصلاة ذات ملاك مطلقا إلا في موارد خاصة علمنا بعدم وجوب القضاء فيها كالحائض. " ثانيهما ": إن مقتضى اطلاق الصحيحة ان من صلى بلا طهور وجب عليه القضاء بلا فرق في ذلك بين تمكنه من الطهور وبين عدم تمكنه فتدلنا الصحيحة على أن فاقد الطهورين لو صلى من دون طهارة لوجب عليه قضاؤها. فلو وجب القضاء فيما لو صلى فاقد الطهورين من دون طهور لوجب عليه القضاء فيما لو لم يصل بطريق أولى إذ لا يحتمل أن يكون ترك الصلاة موجبا لسقوط القضاء بخلاف الاتيان بها. نعم الاحوط أن يضم الاداء أيضا، فيأتي بالصلاة في الوقت من دون طهور ثم يقضيها خارج الوقت إذا حصل على طهور. إذا امكنه اذابة الثلج: (1) لما تقدم من أن الوجدان - في الآية الكريمة - بمعنى التمكن من الاستعمال ومع التمكن من اذابة الثلج يكون المكلف

[ 72 ]

(مسألة 1): وإن كان الاقوى - كما عرفت - جواز التيمم بمطلق وجه الارض إلا أن الاحوط مع وجود التراب عدم التعدي عنه (1) من غير فرق فيه بين اقسامه من الابيض والاسود والاصفر والاحمر، كما لا فرق في الحجر والمدر أيضا بين اقسامهما، ومع فقد التراب الاحوط الرمل ثم المدر ثم الحجر (2). متمكنا من استعمال الماء فيجب عليه الوضوء أو الاغتسال. وهذه المسألة مع المسألة المتقدمة - السابعة والثلاثين - من واد واحد ووجوب الاذابة هنا والمزج هناك كلاهما مستند إلى كون المكلف متمكنا معهما من الماء فالحكم هنا بوجوب الوضوء أو الغسل بعد اذابة الثلج لاجلهما دون وجوب المزج هناك أو بالعكس كما عن بعضهم مما لم يظهر لنا وجهه. (1) وهو احتياط مستحب في محله ولو لاجل الخلاف ووجود القائل بعدم جواز التيمم بغيره عند الاختيار. تقدم غير الحجر على الحجر: (2) أما وجه تقدم غير الحجر على الحجر احتياطا فهو وجود الخلاف والقول بعدم جواز التيمم بالحجر مع التمكن من غيره. وأما وجه تقدم الرمل على المدر فلم يظهر لنا بعد.

[ 73 ]

(مسألة 2): لا يجوز في حال الاختيار التيمم على الجص المطبوخ والآجر الخزف (1) والرماد وان كان من الارض (2) لكن في حال الضرورة - بمعنى: عدم وجدان التراب والمدر والحجر - الاحوط الجمع (3) بين و (دعوى): ان الرمل اقرب إلى التراب من المدر، (ممنوعة) لان الرمل اقرب إليه من جهة كونه اجزاءا صغارا شبيهة بالتراب والمدر اقرب إليه من جهة أنه هو التراب المجتمع فلا اقربية لاحدهما على الآخر في البين، فالصحيح لمن اراد الاحتياط أن يجمع في التيمم بينهما. (1) بل قد عرفت ان التحقيق هو الجواز. (2) كما إذا حصل الرماد من احتراق التراب أو الاحجار - كما في بعض الجبال التي تخرج من قللها النار ولاجل شدة حرارتها تحرق الاحجار فرمادها حينئذ من الحجر أو من التراب وهما من الارض - كما انه قد يكون الرماد حاصلا من غير الارض - كما لو حصل من حرق الحطب والحشيش أو اللحم أو الصوف أو غيرهما من النبات أو الحيوان. منشأ الاحتياط في المسألة: (3) منشأ احتياطه هذا هو احتمال ان يكون الجص المطبوخ مثلا من الارض ولا يكون طبخه موجبا لخروجه عن حقيقته كما بيناه.

[ 74 ]

التيمم بأحد المذكورات ما عدا رماد الحطب ونحوه (1) وبالمرتبة المتأخرة من الغبار أو الطين، ومع عدم الغبار والطين الاحوط التيمم بأحد المذكورات والصلاة ثم اعادتها أو قضاؤها. (مسألة 3): يجوز التيمم حال الاختيار على الحائط ومعه يجمع في تيممه بين الجص المطبوخ والمرتبة الاخيرة من غبار أو طين عند عدم الغبار. ومع انعدام الجميع يجمع بين الصلاة بالتيمم على الجص المطبوخ في الوقت وبين اعادتها أو قضائها خارج الوقت. (1) لانه - على ما تقدم في بعض (1) الاخبار - لا يخرج عن الارض بل يخرج من الشجر والنبات وهو مما لا يجوز التيمم به وهذا بخلاف الرماد الحاصل من الارض - كما في الامثلة السابقة - لان حاله حال الجص المطبوخ. وكما ان الجص قبل طبخه من الارض وبعد طبخه مورد للخلاف ويحتمل المصنف كونه من الارض ولا يخرجه الطبخ عن حقيقته كذلك الحال في التراب المحترق رمادا أو الحجر المحترق رمادا فانهما من الارض قبل الاحتراق والطبخ، وبعدهما يقعان محل الخلاف مع احتمال المصنف ان لا يكون الطبخ لهما مخرجا لهما عن حقيقتهما الارضية فهما مورد الاحتياط.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب التيمم ح 1.

[ 75 ]

المبنى بالطين واللبن والآجر إذا طلى بالطين (1). (مسألة 4): يجوز التيمم بطين الرأس (2) وان جواز التيمم على الحائط: (1) لانه على طبق القاعدة لان جعل التراب عاليا وحائطا لا يخرجه عن حقيقته وكونه من الارض. نعم لا مجال - - في المقام للاستدلال على صحة التيمم على الحائط بموثقة سماعة قال: سألته عن رجل مر على جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال: " يضرب بيديه على حائط اللبن فاليتيمم " (1). وذلك لان التيمم مع التمكن من الماء ليس بمشروع في نفسه وانما قلنا بمشروعيته في مورد الرواية - وهو صورة خوف الفوت على تقدير التوضؤ - للتعبد. فكما ان اصل مشروعيته خاص بمورد الرواية فليكن جواز التيمم على الحائط ايضا مختصا بمورد الرواية ولا يمكننا التعدي عنه إلى غيره. (2) لاطلاق ما دل على جواز التيمم بالارض وان كانت افراد التراب أو الحجر مختلفة من حيث االقيمة فبعضها ثمين مثل طين الارض المطلوب لبرودته، وطين الرأس المطلوب لرقته، وهكذا الحال في الاحجار.


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب صلاة الجنازة ح 5.

[ 76 ]

لم يستحق، وكذا بحجر الرحى وحجر النار وحجر السن ونحو ذلك لعدم كونها من المعادن (1) الخارجة عن صدق الارض وكذا يجوز التيمم بطين الارمني. (مسألة 5): يجوز التيمم على الارض السبخة إذا صدق كونها ارضا بأن لم يكن علاها الملح (2). (مسألة 6): إذا تيمم بالطين فلصق بيده يجب ازالته أولا ثم المسح بها (3) وفي جواز ازالته بالغسل إشكال. (1) بل ولو كان من المعادن كما سبق. (2) لان الملح خارج عن الارض ولا يطلق عليه اسمها، وهذا بخلاف ما إذا كانت سبخة من دون أن يعلوها الملح فانها ارض حقيقة ويصدق عليها اسمها. وجوب ازالة ما لصق باليد من الطين لدى التيمم: (3) في هذا الفرع مسألتان: " إحداهما ": ان الطين إذا لصق بيد المتيمم عند ما يتمم به هل تجب ازالته أو لا تجب؟ والصحيح عدم الوجوب لاطلاق ما دل على جواز التيمم من الطين أو به. و (دعوى) ان الطين اللاصق باليد عند التيمم به يمنع عن

[ 77 ]

(مسألة 7): لا يجوز التيمم على التراب الممزوج مسح الوجه باليد أو مسح أحدهما بالاخرى لوجود الحائل بينهما وهو الطين اللاصق بيده - " مندفعة ": بان المانع عن تحقق المسح باليد إنما هو فيما إذا كان الحائل من غير الطين دون ما إذا كان هو الطين أو التراب عند التيمم به فان حيلولته ليست مانعة عن صحة مسح الوجه باليدين أو مسح احدهما بالاخرى، هذا بناءا على استحباب نفض اليدين من اثر التراب أو غيره مما يتيمم به وعدم وجوبه. وإلا فلا مناص من القول بوجوب ازالة ما في اليد من الطين لانها مقتضى وجوب النفض حينئذ. " ثانيتهما ": أن الطين اللاصق باليد عند التيمم به هل تجوز ازالته بالغسل أو لا تجوز؟ يبتني عدم جواز ازالته بالغسل على اشتراط العلوق في التيمم بأن يكون في اليد شئ من آثار الارض فانه يزول بالغسل بالماء ومع زواله لا يصح التيمم بناءا على اعتبار العلوق، واما بناءا على ما هو الصحيح من عدم اعتبار العلوق في التيمم فلا مانع من ازالة ما لصق باليد من الطين عند التيمم به.

[ 78 ]

بغيره من التبن أو الرماد أو نحو ذلك (1) وكذا على الطين الممزوج بالتبن فيشترط فيما يتيمم به عدم كونه مخلوطا بما لا يجوز التيمم به إلا إذا كان ذلك الغير مستهلكا. عدم جواز التيمم على التراب الممزوج بغيره: (1) لاعتبار كون ما يتيمم به ترابا أو طينا وهو غير صادق على التراب أو الطين عند امتزاجهما بغيرهما من التبن أو الرماد، اللهم إلا يكون الخليط مستهلكا فيهما لصدق التيمم بالتراب أو بالطين حينئذ - على أن الغلبة تقتضي ذلك إذا قلما ينفك التراب أو الطين عن المزج بالتبن أو الرماد أو غيرهما مما لا يجوز التيمم به. تفصيل في المسألة وتفصيل الكلام في هذا المقام أن للمسألة صورا. وذلك لان غير التراب الممزوج به: قد يكون مستهلكا في التراب كالملح والرماد القليلين الممتزجين بالتراب وهذ لا اشكال في جواز التيمم به لانه تراب ويصدق عليه عنوان الصعيد حقيقة. وقد يكون الغير الممتزج بالتراب كثيرا يستهلك التراب فيه

[ 79 ]

كالتراب القليل الممتزج بالملح - مثلا - وهذا لا شبهة في عدم جواز التيمم به لانه ملح لدى العرف ولا يصدق عليه الصعيد. وثالثة: لا يستهلك احدهما في الآخر بل يتركب منهما شئ ثالث نظير ما ذكرناه في الماء الممتزج بغيره وهذا ايضا لا يجوز التيمم به لانه وان لم يكن ملحا - مثلا - إلا انه ليس بتراب ايضا فهو امر ثالث لا يطلق عليه الصعيد. هذا كله فيما إذا عد المجموع موجودا واحدا كما مثل. واما لوعد موجودين كما في التبن أو الحشيش الملقى على وجه الارض فان اعتبرنا استيعاب الكف لما يتيمم به كما هو الظاهر لم يصح التيمم به لان التبن - مثلا - مانع عن الاستيعاب وهو ظاهر. وإذا لم نعتبر فيها الاستيعاب صح التيمم بالتراب الممتزج بشئ من التبن ونحوه هذا. وقد يقال في هذه الصورة بصحة التيمم ولو بناءا على اعتبار الاستيعاب في الكف لما يتيمم به نظرا إلى غلبة امتزاج التراب بشئ من امثال التبن والحشيش ونحوهما فلو كان الخلوص منها ايضا معتبرا في صحة التيمم بالصعيد لوجب عليه التنبيه والبيان وحيث لم يرد بيان على اعتبار خلوص التراب من امثالها فلا مانع من التيمم بالتراب الممتزج بذلك. ويدفعه: ان غلبة الامتزاج بمثل التبن انما هي في الامصار والقرى واين تلك الغلبة في البوادي ومطلق وجه الارض فهذه وادي السلام غيرها من البوادي إلى الحجاز ولا توجد فيها تلك الغلبة ولا تبن يمتزج بالتراب فيها الا نادرا.

[ 80 ]

(مسألة 8): إذا لم يكن عنده إلا الثلج أو الجمد وأمكن إذابته وجب كما مر (1) كما انه إذا لم يكن إلا الطين وامكنه تجفيفه وجب. (مسألة 9): إذا لم يكن عنده ما يتيمم به وجب تحصيله ولو بالشراء (2) أو نحوه. وعليه ما افاده الماتن - (قده) من عدم جواز التيمم على التراب الممزوج بغيره. إذا تمكن من ايجاد الماء: (1) لتمكن المكلف من الطهارة المائية حينئذ، كما ان الحال كذلك فيما إذا امكنه ايجاد الماء وخلقه فانه مع القدرة على ايجاده لا تصل النوبة إلى التيمم، وكذلك الحال فيما إذا كان متمكنا من تحصيل المرتبة العالية من الطهارة الترابية كما لو تمكن من تجفيف الطين مثلا ثم التيمم بالتراب لانه مع القدرة على مرتبة لا تصل النوبة إلى المرتبة النازلة من التيمم. هل يجب تحصيل ما يتيمم به بالشراء: (1) لم يرد في هذه المسألة نص بالخصوص وانما ورد النص (1)


(1) الوسائل: ج 2 باب 24 من أبواب التيمم ح 1، وفيه: وما يسوؤني (يسرني) بذلك مال كثير.

[ 81 ]

في الوضوء وأنه يشتري الماء للتوضي به ولو بأضعاف قيمته وان استلزم ضررا ماليا كما لو طلب مالكه ثمنا لماءه اضعاف قيمته ما لم يستلزم العسر والحرج وهو مختص بالوضوء ولا يمكننا التعدي عنه إلى التيمم. اللهم إلا أن يتشبث بعموم التعليل - وهو قوله: وما يشتري به مال كثير - لدلالته على لزوم بذل المال لتحصيل الطهارة وان كان اضعاف قيمته لان ما يشتريه في الحقيقة - أي ما يحصل به الطهارة - اكثر مالية مما يبذله من المال ولا يفرق في هذا بين الطهارة المائية والترابية أو نقول: ان ذلك مما يقتضيه عموم التنزيل الدال على قيام التيمم مقام الوضوء وتنزيل الطهارة الترابية منزلة الطهارة المائية في جميع الآثار والاحكام إذ كما يجب تحصيل الماء ولو بالشراء في الوضوء كذلك يجب تحصيل التراب ولو بالشراء في التيمم. ويرد على التمسك " بما ورد في ذيل الرواية وما يشتري به مال كثير ". انه مختص بمورده ومن هنا لم يتعد الفقهاء إلى الطهارة الخبيثة إذ لم يوجبوا شراء المال لتنظيف الثوب أو البدن فلو دل على ذلك العموم لوجب القول به في الطهارة الخبيثة ايضا وان كان الماء بأضعاف قيمته فالدليل مختص بمورده وهو الماء. كما يرد على الاستدلال بعموم ادلة التنزيل إنما يختص بالطهور فقط بمعنى ان التيمم أو التراب يكفي في الطهارة عند العجز عن الماء ولا دلالة لها على اشتراكهما مع الماء في جميع الاحكام والآثار. اذن لا نص على وجوب تحصيل ما يتيمم به ولو بالشراء.

[ 82 ]

(مسألة 10): إذا كان وظيفته التيمم بالغبار يقدم ما غباره ازيد كما مر (1) لكن الصحيح هو ذلك وليس هذا الا للاولوية القطعية بيانه: ان النصوص دلتنا على وجوب بذل المال بازاء الماء فيما إذا استلزم ترك البذل فوات الطهارة المائية وان تمكن المكلف من الصلاة بالطهارة الترابية - أي المرتبة النازلة من الطهارة - وهذا يدلنا على وجوب الشراء وبذل الماء بازاء التراب أو غيره مما يتيمم به بالاولوية لان ترك البذل حينئذ يستلزم فوات اصل الصلاة فلو وجب البذل أو الشراء عند استلزام تركهما الصلاة مع الوضوء مع التمكن من اصلهما وجب الشراء والبذل عند استلزام تركهما اصل الصلاة بالاولوية القطعية كما في المقام لانه لو لم يشتر التراب مثلا دخل في موضوع فاقد الطهورين وتسقط عنه الصلاة لعدم تمكنه من الطهارة. تقديم ما غباره ازيد: (1) إن اراد بقوله هذا وجوب تقديم ما غباره ازيد فهو تناقض ظاهر لان ما تقدم منه انما هو الاحتياط بتقديم ما غباره ازيد لا الفتوى بالوجوب ولا تجتمع الفتوى مع الاحتياط. وان اراد بذلك بيان كيفية التقديم وان ما غباره ازيد يقدم على الكيفية المتقدمة - أي الاحتياط - فهو صحيح هذا امر لا بعد

[ 83 ]

(مسألة 11): يجوز التيمم اختيارا على الارض الندية والتراب الندي (1) وإن كان الاحوط مع وجود اليابسة تقديمها. (مسألة 12): إذا تيمم بما يعتقد جواز التيمم به في ارادته من المتن. التيمم بالارض الندية: (1) لاطلاق ما دل على جواز التيمم بالارض والتراب (1) لعدم تقييدهما باليبوسة والجفاف، نعم ورد في صحيحة رفاعة: " فانظر اجف موضع تجده فتيمم منه ". إلا أن الصحيحة اجنبية عما نحن فيه لان موردها ما إذا لم يوجد التراب ولا الرمل وكانت الارض مبتلة وكلها طين ففي مثلها امره بالتيمم من اجف موضع يجده ولا بأس بالعمل بالصحيحة في موردها - أي عند انحصار ما يتيمم به بالطين - واما مع وجود التراب واختلافه باليبوسة والنداوة فمقتضى الاطلاق جواز التيمم بما اراده وان كانت الارض ندية.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب التيمم.

[ 84 ]

فبان خلافه بطل (1) وإن صلى به بطلت ووجبت الاعادة أو القضاء. وكذا لو اعتقد أنه من المرتبة المتقدمة فبان أنه من المتأخرة مع كون المتقدمة وظيفته. (مسألة 13): المناط في الطين الذي من المرتبة الثالثة كونه على وجه يلصق باليد (2) ولذا عبر بعضهم عنه بالوحل فمع عدم لصوقه يكون من المرتبة الاولى ظاهرا وان كان الاحوط تقديم اليابس والندي عليه. إذا اعتقد جوزه التيمم بشئ وانكشف الخلاف: (1) لعدم الدليل على اجزاء التيمم بما يعتقد جواز التيمم به إذا لم يكن كذلك واقعا كما لو اعتقد ان ما تيمم به رمل فبان ملحا. وكذلك الحال فيما إذا اعتقد أنه من المرتبة المتقدمة فبان أنه من المرتبة المتأخرة فيما إذا كانت وظيفته التيمم بالمرتبة المتقدمة. تحديد مراتب الطين: (2) لا دليل على هذا التحديد بل المدار على الصدق العرفي فمتى صدق أنه طين لم يجز التيمم به مع وجود التراب، وهذا يختلف باختلاف الموارد.

[ 85 ]

فقد يصدق التراب مع البلل والرطوبة كما في التراب الموضوع في السراديب المبتل برطوبتها فانه تراب لدى العرف لا يصدق عليه الطين وان كان رطبا مبتلا. وقد لا يصدق الطين مع لصوقه باليد أيضا كما لو كثر ماؤه وبلغ حد (الدوغ) فانه ليس طينا لدى العرف فليس المدار في الطين على لصوقه باليد، بل المدار على الصدق العرفي كما مر. ثم انه إذا علم انه تراب أو طين فهو، واما إذا شك في ذلك. فان كانت الشبهة موضوعية كما إذا لم يظهر انه تجاوز حد الطين وبلغ مرتبة " الدوغ " أو لم يتجاوز أو انه تجاوزت نداوة التراب وبلغ مرتبة الطين عرفا أو لم يبلغ فلا مناص من الرجوع إلى استصحاب الحالة السابقة والعمل على طبقها لكونه مسبوقا بالطينية أو بالحالة الترابية ونحوهما ويترتب عليهما آثارهما. واما إذا كانت الشبهة حكمية - أي مفهومية - فلا مجال للاستصحاب على مسلكنا بل لا بد من الرجوع إلى سائر الاصول والقوعد الجارية في المقام. ومقتضى العلم الاجمالي هو وجوب الجمع بين التيمم بما يشك في كونه ترابا أو طينا والصلاة في الوقت وبين التيمم بما هو معلوم الترابية أو الطينية والصلاة خارج الوقت أو التوضؤ والصلاة إذا لم تكن وظيفته التيمم. وذلك لان ما يشك في كونه ترابا من جهة وصوله المرتبة الطينية أو في الطين من جهة تجاوزه عن حده إن كان ترابا أو طينا ووظيفته التيمم به - وجب عليه التيمم به والصلاة في وقتها اداءا وان لم

[ 86 ]

يكن مما وظيفته التيمم به فهو فاقد الطهورين وقد بينا أن وظيفته الصلاة خارج الوقت متوضئا أو متيمما على الوجه الصحيح. ومقتضى العلم الاجمالي هو الجمع بين الاداء والقضاء على النحو الذي عرفت - هذا فيما إذا لم يكن عنده ما هو معلوم الترابية أو الطينية. واما مع وجود التراب أو الطين المعلوم كونه كذلك فمقتضى القاعدة ان يتيمم به ويأتي بالصلاة في وقتها أداءا.

[ 87 ]

" فصل " يشترط فيما يتيمم به أن يكون طاهرا (1) فلو كان " فصل " اشتراط الطهارة فيما يتيمم به: (1) كالماء في الوضوء ويدل على ذلك - مضافا إلى التسالم والاجماع - قوله تعالى " صعيدا طيبا " (1) فان الطيب بمعنى الطاهر والنظيف شرعا للقطع بعدم اعتبار النظافة العرفية فيما يتيمم به لوضوح ان التراب إذا لم يكن نظيفا لدى العرف لوساخته جاز التيمم به شرعا بلا كلام. وما دل على ان الارض أو التراب أحد الطهورين جعلت لي مسجدا وطهورا (2) فان الطهور يعني ما هو طاهر في نفسه ومطهر لغيره، ومعه لابد من كون ما يتيمم به طاهرا في نفسه.


(1) سورة المائدة: 5: 9. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب التيمم وغيره.

[ 88 ]

نجسا بطل وان كان جاهلا بنجاسته أو ناسيا (1) وان لم يكن عنده من المرتبة المتقدمة إلا النجس ينتقل إلى اللاحقة وإن لم يكن من اللاحقة أيضا إلا النجس كان فاقدا الطهورين ويلحقه حكمه، ويشترط أيضا عدم خلطه بما لا يجوز التيمم به كما مر. نعم: هذا فيما إذا كان ما يتيمم به ارضا أو ترابا. واما في الغبار الموجود في الثوب النجس فمقتضى اطلاق ما دل على جواز التيمم بالمغير (1) عدم اعتبار النظافة الشرعية في الثوب إذ لم يقم على اعتبارها فيه دليل وان كان الغبار كالعارض على الثوب لاختصاص الدليل بالارض والتراب. وان كان الاحتياط بالتيمم به والصلاة في الوقت مع التيمم بالطاهر والصلاة خارج الوقت أو الوضوء واتيانها خارج الوقت حسنا وفي محله إذا لم يكن عنده مغير طاهر وإلا يتيمم به ويصلي في وقتها أداءا. (1) لعدم صحة التيمم بالنجس واقعا.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب التيمم.

[ 89 ]

ويشترط أيضا اباحته واباحة مكانه (1) والفضاء الذى يتيمم فيه (2) ومكان المتيمم (3) فيبطل مع غصبية أحد هذه مع العلم والعمد. نعم لا يبطل مع الجهل والنسيان (4). اشتراط الاباحة فيما يتيمم به وفي مكانه والفضاء: (1) لانه مع حرمة ما يتيمم به ومبغوضيته يكون التيمم به مبغوضا محرما والحرام لا يمكن ان يقع مصداقا للواجب. وكذلك الحال فيما إذا كان مكانه محرما لان التيمم بالضرب على المتيمم به تصرف فيه ومع حرمته لا يقع مصداقا للتيمم المأمور به. (2) لان التيمم يعتبر فيه الضرب وهو تصرف في الفضاء ولا يكفي فيه مجرد وضع اليد على ما يتيمم به كما لا يخفى. (3) لا دليل على إباحة مكان المتيمم بعد اباحة نفس ما يتيمم به ومكان التيمم وفضائه لانه امر خارج عن التيمم ولا يسري حرمته إلى المأمور به بوجه. إذا جهل الغصبية أو نسيها: (4) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: " أحدهما ": في صورة الجهل بغصبية احدى هذه المذكورات. " ثانيهما ": في صورة نسيان الحرمة أو الغصبية في المذكورات.

[ 90 ]

المقام الاول: وقد اشبعنا الكلام فيه في مباحث الوضوء وقلنا ان المشهور هو صحة الوضوء بالماء المغصوب عند الجهل به إلا أن الصحيح عدم الفرق في بطلان الوضوء من الماء المغصوب بين العلم والجهل به وذلك لان الوجه في البطلان عند العلم به ليس هو كون التصرف موجبا لاستحقاق العقاب عليه حتى يتوهم صحته فيما إذا لم يكن التصرف فيه موجبا لاستحقاق العقاب للجهل بحرمته أو غصبيته. بل الوجه في بطلانه أنه تصرف مبغوض لدى الشارع والمبغوض لا يقع مصداقا للواجب. ومن الظاهر أن الجهل لا يوجب سقوط الحرمة الواقعية ونما هو مسوغ للتصرف ظاهرا لانه عذر حال الجهل ومع بقاء الحرمة الواقعية والمبغوضية الواقعية كيف يكون العمل مصداقا للواجب والمأمور به. وبعبارة اخرى: ليس امثال تلك الصورة من موارد اجتماع الامر والنهي ليحكم بصحتها عند الجهل بالحرمة لصدوره على وجه غير مستحق العقاب. بل هي من موارد النهي عن العبادة وحيث انها مبغوضة واقعا عند الجهل بحرمتها فلا مناص من الحكم ببطلانها ولو مع الجهل بالحال لان المبغوض والمحرم لا يقع مصداقا للمأمور به، والتخصيص واقعي. نعم: ادعوا الاجماع على صحة الوضوء مع الجهل بالغصبية وقد اجبنا عنه في محله بان الاجماع المذكور ليس تعبديا وانما هو مستند إلى الوجه العقلي وهو تخيل ان البطلان لدى العلم بالحرمة انما هو لاجل صدور العمل مستحقا للعقاب عليه وقد عرفت بطلانه.

[ 91 ]

(مسألة 1): إذا كان التراب أو نحوه في آنية الذهب أو الفضة فتيمم به مع العلم والعمد بطل (1) لانه يعد المقام الثاني: وهو صورة النسيان: ويفرق فيها بين كون الناسي نفس الغاصب وبين كونه غيره. فإذا كان الناسي غير الغاصب كما لو غصب غاصب دارا فتيمم شخص آخر بترابها ناسيا كون الدار مغصوبة فنلتزم فيه بالصحة كما قد التزمنا بها في الوضوء لان النسيان موجب لرفع الحرمة وسقوطها واقعا. لعدم امكان نهيه وتوجيه التكليف إليه، فيصدر العمل من الناسي غير محرم ولا مبغوض، ومعه لا مانع من أن يقع مصداقا للمأمور به ومقربا من المولى. واما إذا كان الناسي نفس الغاصب فالحرمة وان كانت ساقطة حينئذ لعدم امكان توجيه الخطاب نحو الناسي إلا انه عمل يعاقب على فعله فانه وان لم يمكن نهيه عنه إلا ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. وحيث انه مستند إلى سوء اختياره لانه غصبه ولم يرده إلى مالكه فوقع فيما وقع فيه فيحكم ببطلان وضوئه وتيممه. ومن هنا يظهر الاشكال فيما ذكره الماتن (قده) من التسوية بين صورتي الجهل والنسيان، وحكمه بالصحة في الناسي مطلقا. إذا كان ما يتيمم به في آنية الذهب والفضة: (1) بعد البناء على حرمة التصرف في آنيتهما ولو بالتيمم بما

[ 92 ]

استعمالا لهما عرفا. (مسألة 2): إذا كان عنده ترابان مثلا احدهما نجس يتيمم بهما (1) كما انه إذا اشتبه التراب بغيره يتيمم بهما وأما إذا اشتبه المباح بالمغصوب اجتنب عنهما (2). فيهما من التراب تندرج المسألة في الفرع المتقدم ويأتي فيها ما قدمناه هناك فيحكم بالبطلان في صورتي العلم والجهل، ويفرق في صورة النسيان بين كونه لا بسوء الاختيار كما لو كانت الآنية لغيره فيتيمم هو بما فيها من التراب نسيانا (فيحكم بصحته) وبين كونه بسوء الاختيار كما لو اشتراها للاستعمال واستعملها في التيمم نسيانا فيحكم ببطلانه. (1) وان كان احد التيممين باطلا، ولا ينتقل معه إلى المرتبة اللاحقة بوجه لوجود التراب الطاهر وتمكنه من التيمم به على الفرض. اشتباه التراب المباح بالمغصوب: (2) الصحيح في هذه المسألة أن كل واحد من الترابين من موارد دوران الامر بين المحذورين لانه ان كان مغصوبا فهو يحرم التصرف فيه لتمكن المكلف من تركه ومعه تتنجز الحرمة في حقه. كما انه إذا كان هو المباح فهو يجب التيمم به لتمكن المكلف من التيمم بالتراب المباح غاية الامر انه لا يتمكن من احراز انه التيمم الواجب أو الحرام.

[ 93 ]

إلا أنه يتمكن من التيمم بكل منهما فيقطع بامتثال الواجب كما يقطع بارتكاب الحرام وحيث أن المخالفة القطعية غير جائزة ولا يتمكن المكلف من الموافقة القطعية كما لا يتمكن من المخالفة القطعية فينتقل الامر إلى الموافقة والمخالفة الاحتماليتين. اذن لابد من الحكم بتخيير المكلف بين التيمم بهذا التراب أو بذاك لانه موافقة للتكليف الوجوبي احتمالا ومخالفة للتكليف التحريمي إحتمالا. ومن هذا يظهر ما في كلام الماتن (قده) من جعل المكلف فاقد الطهورين عند فقد المرتبة اللاحقة، وتنظير المقام بما إذا انحصر المغصوب في المعين. حيث ظهر ان المكلف واجد للطهور ومتمكن من استعماله واقعا غير انه ليس قادر على التمييز فليست وظيفته وظيفة فاقد الطهورين. كما أن المقام مغاير لصورة انحصار المغصوب في المعين لان المكلف في تلك الصورة ليس قادرا على التيمم كما انه غير متمكن من الوضوء أو الغسل فيدخل في موضوع فاقد الطهورين. اذن لا يمكن قياس المقام بصورة انحصار ما يتيمم به في المغصوب المعين بوجه بتخيل ان العلم الاجمالي بالغصبية مثل العلم التفصيلي بهما. وذلك لما عرفت من تمكن المكلف من كلا التكليفين - التحريمي والوجوبي - غير انه ليس قادرا على التمييز، فالمقام من دوران الامر بين المحذورين ووظيفة المكلف هو التخيير فيختار أحد الترابين ويتيمم به. وتوضيح ما ذكرناه في المقام.

[ 94 ]

ومع الانحصار انتقل إلى المرتبة اللاحقة، ومع فقدها يكون فاقد الطهورين كما إذا انحصر في المغصوب المعين. هو ان قوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم... " (1) والاخبار (2) الواردة في التيمم الدالة على انه إذا وجد ترابا يتيمم به أو طينا يتيمم به - يدل على أن الوضوء والتيمم اعتبر فيهما الوجدان اي وجدان الماء والتراب ونحوه. والوجدان بمعنى (يافتن) قد اخذ في مفهومه الاحراز ومعه لابد من ان يكون المكلف المأمور بالوضوء أو بالتيمم محرزا بأنه قد توضأ بالماء أو تيمم بالتراب الحائز للشروط من الاباحة والطهارة ونحوهما. فإذا فرضنا ان احد المائين مغصوب أو احد الترابين مغصوب والمرتبة الثانية من التيمم ميسورة لم يتمكن المكلف من احراز أنه توضأ أو تيمم بالماء أو التراب المباح لان احراز الامتثال يتوقف على الوضوء بكلا المائين أو التيمم بكلا الترابين وهو غير سائغ لاستلزامه المخالفة القطعية لحرمة الغصب فالامتثال القطعي والاحرازي غير ممكن. والموافقة الاحتمالية بالوضوء أو التيمم بأحدهما غير مفيدة لاعتبار احراز الوضوء بالماء أو التيمم بالتراب ولا يجوز ذلك بالوضوء بأحد المائين أو بالتيمم بأحد الترابين لاحتمال أن يكون ما امتثل به هو المغصوب.


(1) سورة المائدة: 5: 6. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 7 و 9 من ابواب التيمم.

[ 95 ]

ومجرد المصادقة الواقعية وكون ما امتثل به مباحا ليس كافيا في احراز الامتثال ومعه ينتقل الامر إلى المرتبة الثانية من التيمم أو إلى الثالثة وهو التيمم بالطين ونحوه، ولا دليل على كفاية الامتثال الاحتمالي حينئذ لتمكنه من المرتبة الثانية واعتبار الاحراز في مفهوم الوجدان هذا. على أن المورد ليس من موارد التنزيل إلى الموافقة الاحتمالية وذلك لاستصحاب عدم التوضي بالماء المباح أو عدم التيمم بالتراب المباح ومعه لا مناص من الانتقال إلى المرتبة الثانية وان كان المكلف عالما بوجود الماء المباح أو التراب المباح في البين إلا انه لعدم تمكنه من الاحراز يصدق انه ليس واجدا لهما لما تقدم من اعتبار الاحراز في مفهوم الوجدان فلا مناص من الانتقال إلى المرتبة المتأخرة كما مر. وأما إذا لم تكن هناك مرتبة اخيرة للتيمم أو فرضنا العلم الاجمالي في المرتبة الاخيرة فلا يأتي حينئذ ما قدمناه من اعتبار الاحراز في الامتثال والتوضوء بالماء المباح أو التيمم بالتراب المباح. بل المورد مورد التمسك باطلاقات وجوب الصلاة وانها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (1) وانها المائزة بين الكفار والمسلمين (2) وقوله (ع) " إذا زالت الشمس فقد وجبت الصلاتان " (3) وغير ذلك من المطلقات فان مقتضاها وجوب الصلاة وهي مشروطة بالطهور وحيث لا يمكن امتثال الامر بصلاة المشروطة بالطهور امتثالا جزميا


(1) سورة النساء: 4: 103. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها. (3) الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت.

[ 96 ]

لاستلزامه المخالفة القطعية فالعقل يستقل بالتنزل إلى الامتثال الاحتمالي والغاء استصحاب عدم الوضوء بالماء المباح أو عدم التيمم بالتراب المباح. وذلك لدوران الامر بين المحذورين لان المكلف حيث يتمكن من الطهور بالمباح يتنجز في حقه الامر بالصلاة مع الماء أو التراب وبما انه متمكن من امتثال النهي عن الغضب يتنجز في حقه تحريم الغصب. والاول يقتضي الوضوء أو التيمم بكلا الطرفين تحصيلا للعلم بالفراغ. والثاني: يقتضي التجنب عن كليهما تحصيلا للعلم بامتثال النهي عن الغصب وحيث ان كلا من الطرفين يحتمل فيه الوجوب والحرمة ولا يمكن الاحتياط فهو من دوران الامر بين المحذورين والوظيفة حينئذ لدى العقل هي التخيير والتنزل إلى الامتثال الاحتمالي. فان مقتضى قاعدة الاشتغال هو وجوب الامتثال القطعي وحيث انه امر غير ممكن في المقام يتنزل إلى الامتثال الاحتمالي كما قدمناه هذا. (وقد يقال): ان المورد من موارد العلم الاجمالي لان ذلك الطرف الذي يتوضأ أو يتيمم به إن كان مباحا وجب عليه الاتيان بالصلاة في وقتها مع الماء أو التراب، وان كان مغصوبا وجب عليه القضاء خارج الوقت لكونه فاقد الطهورين حينئذ. ومقتضى العلم الاجمالي لزوم الجمع بين الامرين فلا بد من أن يتوضأ أو يتيمم بواحد منهما ويصلي في الوقت ثم يقضي صلاته خارج الوقت مع الماء المباح أو التراب المباح. (ويدفعه): ان العلم الاجمالي انما يتنجز فيما إذا جرت الاصول في اطرافه وتساقطت بالمعارضة وليس الامر في المقام كذلك

[ 97 ]

(مسألة 3): إذا كان عنده ماء وتراب وعلم بغصبية أحدهما لا يجوز الوضوء ولا التيمم (1) ومع الانحصار يكون فاقد الطهورين. وذلك لانه في الوقت لابد من الوضوء أو التيمم بأحد المائين أو الترابين - اي الموافقة الاحتمالية - بمقتضى قاعدة الاشتغال. واما القضاء فحيث نشك في موضوعه وهو الفوت فنرجع إلى البراءة عنه لان القضاء بامر جديد. وعليه فالصحيح ما ذكرناه من تخيير المكلف بين التيمم بأحد الترابين أو الوضوء بأحد المائين لانه من دوران الامر بين المحذورين. العلم الاجمالي بغصبية الماء أو التراب: (1) ظهر حكم هذه المسألة مما بيناه في المسألة المتقدمة. وتفصيله: أنه إذا علم بغصبية ما عنده من الماء أو التراب لم يجز له التصرف في شئ منهما إذا كان عنده ماء أو تراب آخر للعلم الاجمالي بحرمة التصرف في احدهما. واما إذا انحصر الماء أو التراب بهما فقد ذكر الماتن ان المكلف يكون فاقد الطهورين حينئذ. إلا أن الصحيح أن يقال: ان التراب الواقع طرفا للعلم الاجمالي بالغصبية اما ان يكون له اثر آخر غير جواز التيمم به لانه في مكان مرتفع أو منخفض - مثلا - لا يجوز السجود عليه أو أن المالك لا يرضى

[ 98 ]

إلا بالتيمم به، أو يكون له اثر آخر غير جواز التيمم به كجواز السجود عليه؟. أما إذا لم يمكن له اثر آخر فالعلم الاجمالي بالغصبية لا يكون منجزا لجريان اصالة الحل في الماء من دون معارض لان جريانها في التراب متوقف على عدم جريانها في الماء حيث انها لو جرت في الماء لم تصل النوبة إلى جواز التيمم بالتراب لان المكلف واجد للماء حينئذ ولعله ظاهر. واما إذا كان له اثر آخر - كما مر - فالعلم الاجمالي منجز والاصل في طرفيه متعارض وليس له التصرف فيهما لاستلزامه المخالفة القطعية لحرمة الغصب، اذن لا تمكنه الموافقة القطعية بأن يتوضأ بالماء ويتيمم بالتراب حتى يقطع بطهارته الصحيحة لانها - كما عرفت - مستلزمة للمخالفة القطعية. اذن لابد له من أن يكتفي بالامتثال الاحتمالي لقدرته على الاتيان بالطهارة الصحيحة إلا انه لا يميز انها الوضوء بالماء أو التيمم بالتراب. فالتكليف بالصلاة مع الطهارة منجز في حقه وهو يقتضي الامتثال اليقيني إلا أنه لما لم يكن ممكنا له فيتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي لانه الذي يتمكن المكلف منه وحسب، اذن يتخير بين الوضوء بالماء أو التيمم بالتراب (كما في المسألة السابقة). لدوران الامر بين المحذورين في كل منهما لان الماء ان كان مباحا فالوضوء واجب وان كان مغصوبا فهو حرام، وهكذا الحال في التراب فالمكلف مخير بينهما.

[ 99 ]

وأما لو علم نجاسة أحدهما (1) إلا أن في المقام خصوصية زائدة على المسألة السابقة وهي أن التيمم في مرتبة متأخرة عن الوضوء فإذا تخير المكلف بين الوضوء والتيمم وجاز له الوضوء لم يجز في حقه التيمم لانه واجد الماء، وهذا بخلاف المسألة السابقة - أي العلم بغصبية احد المائين أو احد الترابين - إذا علم بنجاسة احدهما (1) ذكر (قده) أنه مع الانحصار يجب الجمع بين الوضوء والتيمم وما افاده هو الصحيح للعلم الاجمالي بنجاسة الماء أو التراب والعلم الاجمالي بوجوب الوضوء أو التيمم. وحيث أن للتراب اثرا آخر غير جواز التيمم به فأصالة الطهارة في كل من الماء والتراب معارضة بمثلها ومقتضى ذلك وجوب الجمع بين الوضوء والتيمم. إلا أنه لابد من تقديم التيمم على الوضوء بالماء بناءا على ما سيجئ من ذهاب جمع إلى اعتبار طهارة الكفين والوجه في التيمم. وذلك لانه لو قدم الوضوء لعلم ببطلان تيممه على كل حال لانه ان كان الماء هو النجس فوضوئه باطل وهو مأمور بالتيمم والتراب طاهر إلا ان تيممه باطل لتنجس اعضائه. وان كان الماء طاهرا فهو مكلف بالوضوء دون التيمم على أن

[ 100 ]

أو كون احدهما مضافا (1) يجب عليه مع الانحصار الجمع بين الوضوء والتيمم وصحت صلاته. التراب نجس وعلى كلا التقديرين يقطع ببطلان تيممه. فلابد من ان يقدم التيمم ويذهب اثر التراب كله من وجهه ويديه ثم يتوضأ فيقطع بكونه على طهور حينئذ اما بالتراب ان كان هو الطاهر وأما بالماء ان كان الطاهر هو الماء ولا يضره العلم الاجمالي بنجاسة احدهما لان ملاقي اطراف الشبهة غير محكوم بالنجاسة فتصح صلاته. إذا علم بمضافية احدهما: (1) كما إذا علم بانه اما ان يكون الماء ماء رمان أو أن التراب تراب حنطة مثلا فلابد من الجمع بين الوضوء والتيمم بلا فرق في ذلك بين أن يكون للتراب اثر آخر غير جواز التيمم به أم لم يكن. وهذا بخلاف صورة العلم الاجمالي بنجاسة احدهما لانه مع عدم كون التراب ذا اثر آخر غير جواز التيمم لا يكون العلم الاجمالي منجزا لجريان اصالة الطهارة في الماء من غير معارض. وهذا بخلاف صورة العلم الاجمالي بالاضافة إذ ليس هناك أي اصل ينفي اضافة الماء أو التراب فالعلم الاجمالي حينئذ منجز على كل حال.

[ 101 ]

(مسألة 4): التراب المشكوك كونه نجسا يجوز التيمم به (1) إلا مع كون حالته السابقة النجاسة (2). (مسألة 5): لا يجوز التيمم بما يشك في كونه ترابا وغيره مما لا يتيمم به (3) كما مر. (1) لاصالة الطهارة أو لاستصحابها. (2) أو كان مشكوكا حتى من جهة الحالة السابقة إلا أن اصالة الطهارة لم تجر فيه لكونه طرفا للعلم الاجمالي فمراد الماتن (قده) ما إذا لم تجر فيه اصالة تقتضي طهارته إما لان حالته السابقة هي النجاسة أو لانه طرف للعلم الاجمالي فينحصر المقصود بما إذا كان مشكوكا بالشك البدوي من دون أن يكون حالته السابقة هي النجاسة. التيمم بما يشك في كونه ترابا أو غيره: (3) قد يفرض الكلام فيما إذا كانت الشبهة مفهومية واخرى فيما إذا كانت موضوعية. اما إذا شك من جهة الشبهة المفهومية فمقتضى القاعدة - على ما فصلناه سابقا - جواز الاكتفاء بما يشك في كونه ترابا. وذلك للعلم بتعلق التكليف بالجامع بينه وبين التراب وانما الشك في توجه التكليف بالامر الزائد عن الجامع وهو خصوصية الترابية فالتكليف مردد بين المطلق والمقيد فيؤخذ بالمطلق ويدفع احتمال الخصوصية والتقييد بالبراءة فينتج جواز الاكتفاء بما يشك في كونه

[ 102 ]

ترابا من جهة الشبهة المفهومية. هذا فيما إذا كان هناك فرد آخر معلوم الترابية. واما إذا كان منحصرا بالمشكوك فيه فهل ينتقل امره إلى المرتبة اللاحقة ولو نظرا إلى انه ليس هناك فرد آخر غير المشكوك فيه ليعلم تعلق التكليف بالجامع بينهما ويشك في الخصوصية الزائدة لتدفع بالبراءة ويؤخذ بالتكليف بالجامع أو أنه يكتفي بالتيمم المشكوك فيه؟ الصحيح هو الثاني وذلك لان موضوع الحكم بالانتقال إلى المرتبة المتأخرة هو غير الواجد للمرتبة الاولى، والمشكوك ترابيته إذا حكمنا بكفاية التيمم أو السجود عليه وعدم الحاجة إلى التراب عند عدم الانحصار بالمشكوك فيه يكفي عند الانحصار به أيضا. ومع وجوده لا ينتقل إلى المرتبة اللاحقة إذ لا يصدق حينئذ عدم وجدان ما يكفي في المرتبة الاولى لان المشكوك فيه مما يكفي في المرتبة الاولى بحيث لم يكن معه احتياج إلى التيمم بالتراب فلا يصدق مع وجوده أن المكلف غير واجد لما يكفيه في المرتبة الاولى فلا ينتقل الامر إلى المرتبة اللاحقة بوجه هذا. الا ان الشبهة المفهومية غير مرادة للماتن (قده) في المقام وانما غرضه الشبهة الموضوعية كما يأتي بيانها. واما إذا كانت الشبهة موضوعية كما إذا شك في ان الموجود تراب أم رماد فان كانت هناك مرتبة لاحقة لم يجز للمكلف أن يكتفي بما يشك في كونه ترابا وذلك لان من شرط صحة التيمم أن يقع على التراب في المرتبة السابقة. ومقتضى العلم بهذا التكليف الخروج عن عهدته بالامتثال القطعي

[ 103 ]

فينتقل إلى المرتبة اللاحقة إن كانت، وإلا فالاحوط الجمع بين التيمم به والصلاة ثم القضاء خارج الوقت أيضا. ومع الشك في الترابية حيث لا يحرز صحة التيمم لا يمكن للمكلف أن يقتنع بالتيمم به ولما قدمناه من ان التكليف بالوضوء والتيمم قد أخذ فيه الوجدان - أي وجدان الماء أو وجدان التراب أو الغبار أو الطين على الترتيب -. والوجدان قد أخذ في مفهومه الاحراز وهذا انما يتحقق فيما إذا امكنه احراز ان ما تيمم به تراب ولا يتحقق مع الشك كما في المقام. على أنا لو سلمنا ان الحكم مترتب على وجود التراب لا على وجدانه كفانا - في المقام - استصحاب عدم وجود التراب على نحو مفاد كان التامة. وأما لو بنينا على ان الموضوع للحكم هو وجود التراب على نحو مفاد كان الناقصة كما هو الظاهر من الاخبار - أي أن يكون هناك شئ متصف بالترابية - فلا مناص من الرجوع إلى استصحاب عدم انصاف الموجود بالترابية على نحو استصحاب العدم الازلي فإذا لم يكن الموجود متصف بالترابية انتقل الامر إلى المرتبة اللاحقة لا محالة. وأما لو لم تكن هناك مرتبة لاحقة فهل يجب عليه أن يتيمم بما يشك في ترابيته أو انه مأمور بالصلاة خارج الوقت قضاءا لانه فاقد الطهورين، أو أنه يجب الجمع بين الصلاة بالتيمم بالمشكوك فيه في الوقت وبين الصلاة خارج الوقت قضاءا؟.

[ 104 ]

ذكر الماتن (قده) أن الاحوط هو الجمع نظرا إلى العلم الاجمالي بأن الموجود أما انه تراب أو غبار أو طين فالواجب عليه أن يصلي في الوقت بالتيمم به أو أنه شئ غيرها فهو فاقد الطهورين والواجب عليه هو الصلاة خارج الوقت قضاءا. وما افاده (قده) من الاحتياط أمر لا اشكال في حسنه إلا أن الظاهر عدم لزومه ووجوبه لما قدمناه من استصحاب عدم وجود التراب أو استصحاب عدم اتصاف الموجود بالترابية، وبهذا يثبت انه فاقد الطهورين ولابد ان يصلي خارج الوقت قضاءا وحسب. و (دعوى): ان مقتضى قاعدة الاشتغال وحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالامتثال اليقيني إن أمكن، وإلا فبالامتثال الاحتمالي هو الاتيان بالصلاة بالتيمم بالمشكوك فيه في الوقت مع القضاء خارج الوقت. (مندفعه): بان حكم العقل بالتنزل إلى الامتثال الاحتمالي انما هو فيما إذا كان التكليف متنجزا على المكلف حينئذ كما إذا علم بغصبية احد المائين أو الترابين كما مر، لان كل واحد منهما إما ان يكون مباحا فالتطهير به واجب أو يكون مغصوبا فالتصرف فيه حرام. وبما انه متمكن من كل منهما في نفسه فكل واحد من التكليفين متنجز في حقه وبما انه ليس متمكنا من الامتثال اليقيني يتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي كما بيناه. وهذا بخلاف المقام لان التكليف بالتيمم بالمشكوك فيه ليس محرزا في نفسه لاحتمال عدم كونه ترابا أو غبارا

[ 105 ]

(مسألة 6): المحبوس في مكان مغصوب يجوز أن يتيمم فيه (1) على اشكال، لان هذا المقدار لا يعد تصرفا زائدا. أو طينا وكونه فاقد الطهورين الذي تجب الصلاة عليه في خارج الوقت. ومقتضى استصحاب عدم وجود التراب أو عدم اتصاف الموجود بالترابية انه فاقد الطهورين فلا يجب عليه التيمم بالمشكوك فيه في الوقت بل تجب الصلاة عليه خارج الوقت قضاءا. المحبوس في المكان المغصوب: (1) قد بينا ان حلية ما يتيمم به من الشرائط المعتبرة في صحته ومقتضى ذلك بطلان التيمم في المكان المغصوب. إلا انه محكوم بصحته لاجل الاضطرار، إذ التصرف في المغصوب وان كان محرما إلا انه ما من شئ حرمه الله إلا وقد احله عند الضرورة. هذا من جهة ان كون التيمم في المكان المغصوب استيلاء على مال الغير وهو غصب محرم في نفسه وانما جاز له للاضطرار إليه لانه مضطر إلى الاستيلاء على مال الغير وكذلك مضطر التصرف في الهواء بضرب اليدين. فلا يرد انه بالحبس يسوغ له التصرف المضطر إليه لا الزائد عليه كالتيمم فانه لا تصرف في التيمم إلا من حيث الاستيلاء على مال

[ 106 ]

الغير والتصرف في فضائه والكون فيه وهذا مورد للاضطرار فيباح في حقه. وليس من جهة مس الارض باليدين وذلك لعدم حرمته بوجه اما لان التصرف المنهي عنه في المغصوب منصرف لدى العرف عن مثل مس اليد للارض. ومن هنا لم يستشكل احد في الاتكاء والاعتماد على حائط الغير أو ضرب اليد عليه. واما لان المقتضي للحرمة قاصر الشمول لمثله وذلك لان التوقيع الذي يشتمل على عنوان التصرف - اعني قوله (ع): لا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره.. " (1) ضعيف فانه مروي في الاحتجاج الذي رواياته مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها وانما المعتبر هو الرواية المشتملة على قوله (ع) " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه " (2). ومعنى عدم حلية المال: أن الاستيلاء عليه عدوانا محرم وهو غير شامل لمثل ضرب اليد أو الاتكاء على المغصوب، فما افاده في التيمم في المكان المغصوب بالاضافة إلى المحبوس فيه مما لا غبار عليه.


(1) الوسائل: ج 6 باب 3 من ابواب الانفال ح 6. ورواية الصدوق (ره) ايضا وفي اكمال الدين مسنده ولكن مشايخه الذين روى عنهم هذه الرواية لم يوثقوا (2) الوسائل: ج 19 باب 1 من أبواب القصاص ح 3.

[ 107 ]

بل لو توضأ بالماء الذي فيه وكان مما لا قيمة له يمكن أن يقال بجواره (1) والاشكال فيه اشد. التوضوء بالماء في المكان المغصوب إذا لم يكن له قيمة: (1) الحكم بصحة الوضوء من الماء الموجود في المكان المغصوب إذا لم تكن له قيمة في نهاية الاشكال بل الظاهر عدم صحته. وذلك لان التوضي منه اتلاف له على كل حال ولا يمكن فرض التوضي منه من دون أن يكون موجبا لاتلافه. واتلافه استيلاء على مال الغير - إن كان له قيمة - أو في ملك الغير - ان لم يكن له قيمة - وهو غصب محرم. ولا تختص حرمته بما إذا كان المغصوب مالا بل المستفاد من الرواية أن الاستيلاء على ما يرجع إلى الغير محرم بدون اذنه سواء أكان المغصوب مالا أو ملكا أو لم يكن هذا ولا ذاك بل كان متعلقا لحق الاختصاص، ومن ثمة لم يجز للغير أن يتصرف في حيوان غيره إذا مات لانه تعد وعدوان على الغير. بل حرمته لا تحتاج إلى الرواية لكفاية السيرة العقلائية في اثبات الحرمة فانها قامت على عد التصرف والاستيلاء على مال الغير أو ملكه أو متعلق حقه غصبا وتعديا وعدوانا على الغير.

[ 108 ]

والاحوط الجمع فيه بين الوضوء والتيمم والصلاة ثم اعادتها أو قضاؤها بعد ذلك (1). (مسألة 7): إذا لم يكن عنده من التراب أو غيره مما يتيمم به ما يكفي لكفيه معا يكرر الضرب حتى يتحقق الضرب بتمام الكفين عليه (2). فالوضوء من الماء في مفروض المسألة في غاية الاشكال بل الاظهر بطلانه. (1) هذا الاحتياط مما لا سبيل إليه لان التصرف في الماء إن جاز وساغ ولو في مرحلة الظاهر فلا تصل النوبة إلى التيمم، وان لم يجز التصرف فيه بالوضوء تعين التيمم ولا سبيل إلى الوضوء فالجمع بينهما مما لا وجه له. إذا لم يكن تراب يكفي لكفيه معا: (2) إذ لا دليل على اعتبار ضرب اليدين معا عند عدم التمكن منه بل مقتضى اطلاق الآية الكريمة " فتيمموا صعيدا وامسحوا بوجوهكم وايديكم منه " (1) والاخبار (2) الآمرة بضرب اليدين على الارض أو غيرها: عدم اعتبار كون ضرب اليدين معا لان ضرب اليدين اعم من ان يكون معا أو متعاقبين، وكذلك الآية الكريمة (1) سورة النساء: 4: 43. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 و 12 من أبواب التيمم.

[ 109 ]

فانها دلت على اعتبار كون المسح منه ولا تدل على ان يكون الضرب معا. هذا وقد يقال: إن اعتبار المعية انما يستفاد من الاخبار الآمرة بضرب اليدين في التيمم لان الغالب المتعارف منه هو ضربهما معا وهي سبقت لبيان المتعارف من الضرب. و (فيه): انه لا غلبة ولا تعارف في ضرب اليدين معا بالاضافة إلى ازمنة صدور تلك الاخبار، بل مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين ضربهما معا أو متعاقبا. واخرى: يستدل على اعتبار المعية بالاجماع عليها، وهو على تقدير تحققه يقتصر فيه على القدر المتيقن لانه دليل لبي والمتيقن صورة التمكن منه فلا يشمل صورة عدم التمكن من الضرب معا كما هو الحال في مفروض الكلام. وثالثة: يستدل بالاخبار (1) البيانية الواردة في كيفية التيمم حيث دلت على ضرب الكفين معا على الارض فانه لو كان على نحو التعاقب لاحتاج إلى البيان ولم يبين فيها كون الضرب متدرجا. وهذا الاستدلال وان كان صحيحا إلا أنه يختص أيضا بصورة التمكن لان الامام والمبين له كلاهما - في تلك الاخبار - متمكن منه. هذا على ان تلك الاخبار مشتملة على حكاية فعل، والفعل ليس له لسان حتى يدل على اعتبار ذلك على نحو الاطلاق، والمقدار المتيقن منه هو صورة التمكن منه لا محالة.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم.

[ 110 ]

وإن لم يمكن يكتفي بما يمكن ويأتي بالمرتبة المتأخرة أيضا إن كانت ويصلي وان لم تكن به ويحتاط بالاعادة أو القضاء أيضا (1). وبهذه الاخبار نقيد اطلاق الآية والاخبار المتقدمة وينتج ذلك اعتبار المعية عند التمكن منها وعدم اعتبارها عند عدم التمكن منها كما هو الحال في المقام ومعه لا حاجة إلى الاستدلال على كفاية الضرب متعاقبا بقاعدة الميسور ليرد عليه انها غير ثابتة الاعتبار. هذا كله في عدم اعتبار ضرب اليدين معا. وكذلك الحال فيما إذا لم يتمكن إلا من ضربهما على الارض بكيفية اخرى بأن وقع نصف كل يد على التراب لا تمامها، أو تمكن من تكرار الضرب اربع مرات بأن ضرب كل واحدة من اليدين مرتين مرة بهذا النصف منها واخرى بنصفها الآخر. فان مقتضى اطلاقات الضرب كفاية ذلك كله، اللهم إلا أن يكون متمكنا من ضربهما معا فيعتبر حينئذ ضربهما بمقتضى الاخبار البيانية، واما في صورة عدم التمكن فالاطلاقات محكمة نعم لو كان التراب قليلا جدا بحيث احتاج ضرب مجموع الكف على الارض إلى التعدد كثيرا كما لو كان التراب بمقدار فلس واحد فلا تشمله اطلاقات الضرب. الاحتياط في كلام الماتن: (1) ما ذكره من الاحتياط في الاكتفاء بما يمكن والاتيان

[ 111 ]

(مسألة 8): يستحب أن يكون على ما يتيمم به غبار يعلق باليد (1) ويستحب أيضا نفضها بعد الضرب. بالمرتبة المتأخرة، وكذا في الاتيان بما يمكن والاعادة أو القضاء في محله، وهو مبني على قاعدة الميسور لانه يحتمل أن يكون الاتيان بما يمكنه واجبا بتلك القاعدة كما يحتمل الانتقال إلى المرتبة المتأخرة لعدم كونه واجدا للمرتبة السابقة. وكذا يحتمل وجوب الاتيان بما يمكنه بمقتضى قاعدة الميسور كما يحتمل وجوب الاعادة أو القضاء لعدم تمامية القاعدة حسبما اوضحناه في محله. اعتبار العلوق وعدمه: (1) هنا مسألتان قد اختلطتا: " الاولى ": انه لا اشكال ولا خلاف في أن التيمم لا يعتبر فيه المسح على الوجه واليدين بالتراب وانما يعتبر فيه المسح باليد. وهذه المسألة اتفاقية ومما لا شبهة فيها، ومما يؤذن باتفاق اصحابنا ما عن العلامة في المنتهى من أنه لا يجب استعمال التراب في الاعضاء الممسوحة على ما ذكره علماؤنا ثم حكى الخلاف فيه عن الشافعي وأحمد، وهذا ظاهر. " الثانية ": انه هل يعتبر في التيمم أن يكون بما يعلق منه شئ باليد بأن يكون المسح بالاثر الباقي من التراب ونحوه في اليد

[ 112 ]

بعد القطع بعدم اعتبار كون المسح بالتراب، أو لا يعتبر؟. المشهور عدم اعتبار العلوق، وعن جماعة كصاحب الحدائق والبهائي وولده: اعتبار العلوق في التيمم. وقد استدل على ذلك بأن الآية والاخبار الآمرة بالتيمم وان كانت مطلقة إلا انها منزلة على الغالب، والغالب في التيمم هو العلوق حتى فيما إذا كان التيمم بالحجر أو الرمل لانه على الاغلب يعلق الغبار منه باليد. اللهم إلا ان يكون التراب أو الرمل رطبا مع النداوة كما في ايام الشتاء واوقات نزول الامطار عليه أو كان الهواء باردا على نحو لم يكن عليها غبار وهو نادر جدا، اذن تدلنا الآية والاخبار على اعتبار العلوق في التيمم. و (يدفعا): ان الغالب - وان كان كذلك - إلا أنه لا وجه لحمل المطلق على الفرد الغالب بل مقتضى ظهور الآية والاخبار واطلاقهما ان المعتبر انما هو المسح على الوجه واليدين ومجرد التيمم بالصعيد الطيب سواء أكان فيه علوق أم لم يكن فهذا الوجه ليس بتمام. على أنا لو قطعنا النظر عن اطلاق الدليل يكفينا الاصل للشك في ان الصلاة هل يشترط فيها التيمم بما فيه العلوق أو لا يشترط فيها إلا التيمم على وجه الاطلاق؟. ومقتضى اصالة البراءة عدم اشتراط الصلاة بالتيمم بما فيه العلوق لان المورد من موارد التمسك بالبراءة دون الاشتغال. إلا أن التمسك بالاطلاق أو الاصل انما ينفع فيما إذا لم يقم هناك دليل على الاشتراط وإلا وجب تقييد المطلقات به ورفع اليد

[ 113 ]

عن البراءة، فلابد من ملاحظة ما استدل به على اشتراط العلوق، وقد استدل عليه بوجوه: الوجوه المستدل بها على اعتبار العلوق: " الوجه الاول ": قوله تعالى: فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه " (1) بضميمة صحيحة زرارة (2) المشتملة على قوله (ع) " لان الله علم ان العلوق لا يكون في جميع الكف وانما يعلق ببعضها " فعبر بكلمة " من " التبعيضية لتدل على ان التيمم يكفي فيه المسح ببعض التراب ولا يعتبر فيه المسح بالكف المشتملة على التراب كلها. و " فيه ": ما قدمناه من أن التراب اسم جنس يصدق على القليل والكثير ولا يصح ان يقال: ان ما في الكف بعض التراب بل هو تراب لصدته عليه من دون عناية فلا حاجة إلى جعل " من " تبعيضية فمعنى الصحيحة امر آخر وهو أن المسح في التيمم لابد أن يكون منشأه التراب والارض فلفظة " من " بيانية ونشوية لا تبعيضية فلا دلالة في الصحيحة ولا في الآية المباركة على اعتبار كون التيمم بما فيه العلوق. ومن هنا يظهر الجواب عما اشتمل على الامر بالمسح من الارض


(1) سورة المائدة: 5: 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب التيمم ح 1. والقول المذكور ليس نصه بل مفاده.

[ 114 ]

كما في صحيحتي (1) الحلبي وابن سنان فلا نطيل. وبعبارة اخرى: ذكرنا أن التيمم لا يعتبر فيه أن يكون المسح بالتراب، وعليه لا معنى لجعل " من " تبعيضية لتدل على اعتبار كون المسح ببعض التراب بل هي للبيان والنشوء من دون أن تدل على اعتبار العلوق. " الوجه الثاني ": الاخبار (2) الواردة في أن التراب طهور كالماء لدلالتها على ان التراب كالماء في لابدية المسح به اي كما انه لابد في الماء ان يكون المسح به كذلك لابد في التراب والتيمم أن يكون المسح باثر التراب الذي علق باليد. و " يرد عليه ": ان المسح بالتراب مباشرة بمعنى تمريغ الجسد في التراب - كما في الماء - مقطوع العدم كما مر، لعدم كون المسح بالتراب. فيدور الامر بين أن يراد به المسح باليد التي ضربت على التراب ومسته وهذا هو المراد أو يراد به المسح باثر التراب الذي علق باليد وهو وان لم يقم اجماع على خلافه كما في المسح بنفس التراب إلا انه مجرد دعوى تحتاج إلى الدليل والبرهان ولم يقم عليه دليل. " الوجه الثالث ": الاخبار (3) الآمرة بالنفض بعد الضرب لدلالتها على ان التيمم لابد ان واقعا على ما يعلق منه شئ باليد ليزال عينه بالنفض بعد الضرب ويمسح بأثره.


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 4 و 7. (1) راجع الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب التيمم. (3) راجع الوسائل: ج 2 باب 29 من أبواب التيمم.

[ 115 ]

وقد اجيب عن ذلك تارة بان الاخبار المذكورة انما دلت على النفض على تقدير أن يكون له موضوع في الخارج بأن يقع التيمم اتفاقا على ما يعلق منه شئ باليد على تقدير تحقق موضوعه. بمعنى ان المتبادر من الامر بالنفض ارادته على تقدير حصول العلوق، وحينئذ لابد من النفض ولم تدل على لزوم النفض مطلقا على جميع التقادير حتى يستفاد منها اعتبار كون ما يتيمم به مما يعلق منه شئ باليد. و " يدفعه ": ان الامر بالنفض فيها متوجه إلى عامة المكلفين ولا اختصاص فيها يجمع دون جمع أو شخص دون شخص. إذن لابد أن يكون التيمم واقعا على ما يعلق منه شئ باليد ليتحقق موضوع النفض ولتزال العين بالنفض ويبقى اثره ليتمسح به. وثانية: يورد على هذا الاستدلال بانه اخص من المدعي لان التيمم قد يكون بالحجر أو الرمل ولا يعلق منهما شئ على اليد ليصح الامر بالنفض بأن يعلق منهما شئ باليد فيصح الامر بازالته والتمسح باثره. بل لو لصق منهما شئ باليد مثل الاجزاء الصغار من الرمل يزول بالنفض بالمرة ولا يبقى منه شئ بعد النفض ليكون المسح باثره. و " يدفعه ": ما اشرنا إليه من ان الغالب في جميع ما يصح التيمم به هو العلوق إذ لا اقل من أن يكون على الحجر غبار يعلق باليد أو الاجزاء الصغار من الرمل فتزال عينه بالنفض ويتمسح باثره، والتيمم بما لا علوق فيه اصلا مثل التيمم بالتراب أو الرمل الرطبين نادر كما عرفت.

[ 116 ]

وثالثة: يورد عليه بأن الاخبار الآمرة بالنفض محمولة على الاستحباب بمعنى ان النفض غير معتبر في التيمم لزوما بل هو أمر مستحب وللمكلف ان يختار في التيمم بما فيه علوق لينفض يده بعد الضرب. ومع الاستحباب لا يمكن الاستدلال بها على اعتبار العلوق لانه مع الاستحباب يحق للمكلف ان يختار ما لا علوق فيه فلا يتحقق معه موضوع للنفض اصلا. و " دعوى: ان النفض وان كان مستحبا في نفسه " إلا أن الامر به يدل على أن المتيمم به لابد ان يكون مما فيه قابلية العلوق وايجاد هذا المستحب وان كان نفض اليدين بعد التيمم به مستحبا. " مندفعه ": بانه مجرد دعوى لا مثبت لها، إذ لا دلالة للامر بالنفض المستحب على ان يكون المتيمم به مما فيه العلوق دائما. وهذا الجواب متين في نفسه إلا أن الكلام في وجه حمل الاخبار المعتبرة الآمرة به على الاستحباب وذلك لانه لا وجه له سوى الشهرة القائمة على عدم اعتبار العلوق في التيمم ومع عدمه لا يبقى موضوع للنفض ومن ثم حملوا الاوامر الواردة بالنفض أو الاخبار البيانية المشتملة على أنه (ع) نفض يديه (1) على الاستحباب. وهذا أمر لا يصلح لرفع اليد بسببه عن ظواهر الاخبار المذكورة اذن لا مناص من حملها على الوجوب لان مقتضاها وجوب النفض ومعه لا يعتنى بالاخبار المطلقة غير المشتملة على النفض لوجوب تقييدها بالمقيدات الآمرة بالنفض.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 29 من أبواب التيمم.

[ 117 ]

ومعه تدلنا الاخبار الآمرة به على اعتبار العلوق في التيمم. نعم: اعتبار العلوق فيه مختص بحال التمكن منه فإذا لم يتمكن من التيمم بما فيه علوق لعدم وجوده يسقط اعتباره لا محالة ويكتفى بما ليس فيه علوق كالحجر ونحوه. ويدلنا عليه ما ورد في الاخبار المشتملة على الامر بالنفض من الامر بالتيمم على اجف (1) موضع يجده فتدلنا هذه الاخبار على أن التيمم بما فيه علوق كالتراب مختص بحال التمكن دون ما إذا لم يتمكن منه فانه يجوز حينئذ أن يتيمم بالمكان الرطب أيضا ومن هنا اكتفى القائل باعتبار العلوق بالتيمم بالحجر ونحوه عند عدم التمكن من التراب. هذا ويمكن أن يورد على ما ذكرناه في المقام: بانكم قد التزمتم في الاقامة وامثالها مما ورد الامر بها في غير واحد من الاخبار المعتبرة بالاستحباب نظرا إلى ان ذهاب الاصحاب فيها إلى الاستحباب قرينة واضحة على عدم ارادة الوجوب من الاخبار الآمرة بها حيث انها من المسائل عامة البلوى. ولو كانت واجبة لبان وجوبها واشتهر فتكون الشهرة على خلاف الوجوب في مثلها اقوى دليل على الاستحباب وعدم الوجوب. وعليه لابد في المقام من الالتزام بذلك لما تقدم من أن الشهرة على خلاف الوجوب وحيث انها من المسائل عامة البلوى فلا مناص من حمل الاخبار الآمرة بالنفض على الاستحباب لانه لو كان واجبا لبان واشتهر كما ذكرتم ذلك في غير واحد من المقامات ومعه لا يمكن


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب التيمم.

[ 118 ]

الاستدلال بتلك الاخبار على اعتبار العلوق. ويندفع هذا بأن ما ذكرناه في الاقامة انما هو لكون الاصحاب باجمعهم ذاهبين إلى استحبابها ومصرحين بعدم وجوبها وفي مثل ذلك لما كانت المسألة عامة البلوى وكثيرة الابتلاء فلو كانت واجبة لم يكن يخفى على احد فكيف بتصريحاتهم بعدم الوجوب؟ واين هذا من النفض الذي اشتهر فيه عدم الوجوب ابتداءا من عصر المحقق ومن بعده، ولا تصريح في كلمات المتقدمين عليه بالاستحباب بل كلماتهم ظاهرة في ارادة الوجوب من دون نصب قرينة على الاستحباب. فهذا كتاب المقنع والهداية والمقنعة للمفيد وشرحها للطوسي والمراسم لسلار والغنية لابن زهرة كلهم ذكروا اعتبار النفض في كيفية التيمم من دون أن يصرحوا أو يشيروا إلى ارادة الاستحباب منه بل الحلبي في اشارة السبق صرح بالوجوب، نعم ذهب ابن حمزة من القدماء إلى الاستحباب. فليس عدم الوجوب مشهورا بين المتقدمين، نعم ذكر الشيخ (قده) اعتبار النفض في التيمم ومسح كل واحدة من اليدين بالاخرى واعترض عليه المحقق وصاحب المدارك (قدهما) بانه لا دليل على اعتبار مسح اليدين بعد النفض وهو كما افاده. واحتمل صاحب الجواهر (قده) انه اراد بذلك كون النفض بمسح احداهما بالاخرى وهذا غير بعيد بل قريب. والمتلخص ان الاستحباب في المسألة ليس بحيث يمكن اسناده إلى جميع الاصحاب نعم ادعى العلامة في التذكرة اجماعهم على عدم

[ 119 ]

(مسألة 9): يستحب ان يكون ما يتيمم به من ربى الارض وعواليها لبعدها عن النجاسة. الوجوب إلا انه اجماع منقول وهو مما لا يعتمد عليه في نفسه ولا سيما في مثل المقام الذي عرفت عدم تصريح القدماء به بل ظاهر كلماتهم هو الجواب. والعجب انهم مع ذلك نسبوا القول بالاستحباب إلى الاصحاب ولا ادري كيف صح لصاحب المدارك (قده) دعوى: لا اجد في الاستحباب خلافا بين الاصحاب. اذن لا يمكن قياس مقامنا بالاقامة وما ذكرناه من الاحتياط في المسألة في محله بل القول بوجوبه لا يخلو عن قوة. كيفية النفض: بقي الكلام في كيفية النفض: لم يرد في شئ من الروايات كيفية النفض المعتبر في التيمم فكيفيته موكولة إلى العرف وما هو المعتاد في النفض لديهم هو المعتبر في التيمم شرعا وهو عندهم يتحقق بتحريك اليدين وبضرب احداهما على الاخرى. نعم: ورد في موثوقة زرارة (1) حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه ضرب بيديه على الارض ثم ضرب احداهما على الاخرى..


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 9.

[ 120 ]

(مسألة 10): يكره التيمم بالارض السبخة إذا لم يكن يعلوها الملح وإلا فلا يجوز، وكذا يكره بالرمل، وكذا بمهابط الارض، وكذا بتراب يوطأ وبتراب الطريق (1). إلا انها لا تدل على الكيفية المعتبرة في النفض فان مضمونها أنه صلى الله عليه وآله نفض يديه وان النفض يتحقق بضرب احدى اليدين على الاخرى واما انه بأية كيفية فلا يكاد يستفاد من الموثقة بوجه. (1) ما ذكره (قده) من المستحبات والمكروهات مبتن على قاعدة التسامح فانه لم يدلنا دليل معتبر على استحباب أو كراهتها.

[ 121 ]

" فصل: في كيفية التيمم " ويجب فيه أمور: - الاول: ضرب باطن اليدين معا دفعة على الارض، فلا يكفي الوضع بدون الضرب (1). " فصل: في كيفية التيمم " (1) تعرض (قده) للكيفية المعتبرة في التيمم وذكر انه يعتبر فيها امور: " منها ": ضرب اليدين على الارض وعدم كفاية وضعهما عليها وهذا حمل للمطلقات على مقيداتها حيث ورد في بعض (1) الاخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله عند تعليمه التيمم لعمار وضع يديه الارض، وفي آخر - وهو صحيصة زرارة (2) إن أبا جعفر (ع) وضع كفيه على الارض. وورد في جملة كثيرة من الاخبار (3) الامر بالضرب وانهم


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 2 و 4 و 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 9. (3) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 1 و 3 و 6 و 7.

[ 122 ]

(عليهم السلام) ضربوا بكفيهم على الارض، ومن الظاهر أن الوضع أعم من أن يتحقق بشدة فيسمى أو يكون بخفة حتى لا يصدق عليه الضرب ولم يؤخذ في مفهوم الوضع اللين مثلا. وذكرنا ان في احكام الحائض انه يحرم عليها وضع شئ في المساجد ولا اشكال في عدم اختصاص الحرمة بما إذا وضعت في المسجد شيئا بلين بل لو وضعته بشدة فيحرم أيضا. اذن تكون النسبة بين الطائفتين هي الاطلاق والتقييد فإذا قيدنا المطلقات صارت النتيجة أن المعتبر في التيمم هو الوضع بشدة اعني الضرب فلا يكفي فيه الوضع بلين نعم: القدر المتيقن من هذا الحمل والتقييد انما هو صورة الاختيار واما عند الاضطرار فالمطلقات محكمة ويكفي فيه الوضع بلين على ما يأتي بيانه. و " منها ": كون الضرب باليدين فلا يكفي الضرب باليد الواحدة، ويدل عليه الاخبار (1) الواردة في المقام حيث صرحت باعتبار كون الضرب باليدين. نعم: ورد في جملة من الاخبار ضرب اليد على الارض إلا انها مقترنة بقرينة دالة على أن المراد باليد هو الجنس الشامل لليد الواحدة والثنتين مثل ما عن الكاهلي قال: سألته عن التيمم قال: " فضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه ثم مسح كفيه احداهما على ظهر الاخرى " (2) وهي مشتملة على ارجاع الضمير المثنى إلى اليد حيث


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 1.

[ 123 ]

قال: " فمسح بها " وهو قرينة على أن المراد باليد هو الجنس الشامل لكلتا اليدين. ومثل موثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر (ع) عن التيمم فضرب بيده على الارض ثم رفعه فنفضها ثم مسح بها جبينه وكفيه مرة واحدة " (1) وهي معتبرة من حيث السند. إلا أن قوله " ثم مسح بها جبينه وكفيه " قرينة على ارادة الجنس الشامل لكلتا اليدين لان اليد الواحدة لا يمكن مسح كلتا الكفين بها بل الممكن مسح منهما بالاخرى، على انها رويت بطريق آخر صحيح مشتمل على قوله " ثم مسح بهما جبهته " وقد يقال ان من هذه الروايات موثقة زرارة الثانية عن أبى جعفر (ع) قال: " اتى عمار بن ياسر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله صلى الله عليه وآله انى اجنبت الليلة... إلى أن قال: " فضرب بيده على الارض ثم ضرب احدهما على الاخرى ثم مسح بجبينه ثم مسح كفيه كل واحدة على الاخرى.. " (2) إلا أنها في الوسائل طبعة عين الدولة وفي الطبعة الجديدة " فضرب بيده على الارض " فليلاحظ. نعم: ورد فيما رواه أبو أيوب الخزاز عن أبى عبد الله (ع) قال: سألته عن التيمم؟ فقال: " إن عمارا اصابته جنابة... إلى إن قال: فوضع يده على المسح - أي على ما يتمسح به - ثم *


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 9.

[ 124 ]

رفعها تمسح وجهه ثم مسح فوق الكف قليلا (1). إلا أن الظاهر انها ناظرة إلى عدم اعتبار الاستيعاب في المسح وليست ناظرة إلى اعتبار كونه الضرب بباطن اليدين. ومقتضى اطلاق الاخبار كفاية الضرب بكل من ظهر الكف وبطنها لان الكف واليد يعمان ظاهرهما وباطنهما إلا أن الاخبار البيانية الواردة في بيان كيفية التيمم تدل على أن المعتبر هو الضرب بالباطن لانه المتعارف المرسوم في ضرب اليد على الارض أو غيرها فلو كان المراد خصوص الظاهر منها أو الاعم لاحتاج إلى البينة والبيان لكونه امرا غير متعارف ومما لا يستفاد من ضرب اليد لدى العرف وحيث أنه لم يبين ارادة الظهر فيها فلا مناص من حمل الاخبار على ارادة الباطن وحسب، نعم هذا يختص بحال الاختبار، وأما عند الاضطراب فالمطلقات هي المحكمة لان المقيد هو الاخبار البيانية وبما انها حكاية فعل لا اطلاق لها فيكفي فيها بالقدر المتيقن وهو حال الاختبار. و " منها ": أن يكون الضرب بهما دفعة واحدة فلا يكفي الضرب مطلقا متعاقبا كان أو معا وقد خرجنا عن اطلاق الاخبار بالاخبار البيانية الدالة على اعتبار ضرب اليدين معا. إلا انها لما كانت مشتملة على حكاية فعل ولا اطلاق في الفعل *


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 2.

[ 125 ]

ولا الضرب باحدهما ولا بهما على التعاقب ولا الضرب بظاهرهما حال الاختبار نعم حال الاضطرار يكفي الوضع ومع تعذر ضرب احدهما يضعها ويضرب بالاخرى، ومع تعذر الباطن فيهما أو في احدهما ينتقل إلى الظاهر فيهما أو في احدهما. يكتفي في التقيد بها على المقدار المتيقن منها - وهو حال الاختبار - ويكتفي عند الاضطرار بالضرب ولو متعاقبا. فذلكة البحث: فتحصل - إلى هنا - أن التيمم يعتبر فيه امور: الاول: أن يكون الضرب لا بالوضع الثاني: أن يكون الضرب باليدين لا باحدهما. الثالث: أن يكون الضرب بباطن اليدين لا بظاهرهما الرابع: أن يكون ضرب اليدين دفعة واحدة لا على نحو التعاقب. وقد اوضحنا الوجه في اعتبار هذه الامور حال الاختبار، ومع التمكن منها لو أخل بها يبطل تيممه فلا يكفي في حال الاختبار وضع اليدين بدلا عن ضربهما ولا الضرب باليد الواحدة بدلا عن الضرب باليدين ولا بالظاهر منهما بدلا عن باطنهما ولا التعاقب بدلا عن الدفعة.

[ 126 ]

واما إذا لم يتمكن من هذه الامور فهل يجب عليه التيمم بما يتيسر في حقه فإذا لم يتمكن من الضرب باليدين ضرب احدهما ووضع الاخرى، ولو لم يتمكن من الضرب بباطنهما اكتفى بظاهرهما ولو لم يمكنه الضرب دفعة اكتفى بالتعاقب، ولو لم يتمكن من هذه الامور جميعا دخل في موضوع فاقد الطهورين؟ الصحيح هو الاول وليس الوجه في ذلك قاعدة الميسور لعدم تماميتها - على ما تقدم غير مرة - ولا الاجماع المتوهم في المقام لانه لا يزيد على الاجماع التقديرى حيث أن جملة من الفقهاء اكتفوا في التيمم بالوضع حتى في حال الاختبار وليس لنا علم بانها لو كانوا قائلين باعتبار الضرب عند الاختبار لجوزوا التيمم بالوضع عند التعذر فهو اجماع تقديري لا اعتبار به. ولعله إلى ذلك ينظر ما في الجواهر من التعبير بكلمة " ولعل " عندما قال: لعله اجماعي أي اجماع احتمالي لا أنه فعلي منجز. بل الوجه في ذلك: أن الامر بالضرب وما دل على اعتبار كونه باليدين وان كان مطلقا وهو يعم صورة التمكن والتعذر لان ظاهر تلكم الاوامر هو الارشاد إلى الشرطية، كما ان ظاهر النهي في امثال المقام هو الارشاد إلى المانعية ولا مانع من ان تكون الشرطية مطلقة ولازمة ان غير المتمكن من الضرب أو من كونه باليدين ليس مأمورا بالصلاة لتعذرها في حقه. الا ان مقتضى ما دل على ان الصلاة لا تسقط بحال من الاجماع والصحيحة الواردة في حق المستحاضة من قوله: " لا تدعي بالصلاة

[ 127 ]

بحال " (1) يدلنا على انه مكلف بالصلاة حتى عند عدم تمكنه من الضرب أو من كونه باليدين. وحيث انها مشروطة بالطهور إذ " لا صلاة إلا بطهور " وهو اسم لنفس الماء والصعيد لان الطهور - كالسحور والفطور بمعنى ما يتسحر به أو ما يفطر به وما به الطهارة هو الماء والصعيد. علمنا أن المكلف في المقام لا بد من أن يصلي ويستعمل الصعيد أيضا، لا أنه غير مأمور بالصلاة والتيمم. اذن تقع المعارضة بين ما دل على اعتبار الضرب وكونه باليدين مطلقا ولو عند تعذرهما وما دل على وجوب الصلاة مع استعمال الصعيد حينئذ. فان مقتضى الاول سقوط الصلاة والتيمم عن المكلف، ومقتضى الثاني وجوبهما في حقه فإذا تساقطا رجعنا إلى اطلاق الكتاب الدال على أن المتغير في التيمم هو المسح الناشئ من الارض أو المسح بالتراب حينئذ قال: " فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا... " (2) بلا فرق في ذلك بين أن يكون ذلك بالوضع أو بالضرب وبين أن يكون بكلتا اليدين أو بأحدهما هذا لو تمكن من الضرب باحدى اليدين والوضع بالاخرى ثم أنه لو كان متمكنا من الضرب باحدى اليدين ووضع الاخرى


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من ابواب الاستحاضة ح 5. (2) سورة النساء: 4: الآية 43 وسورة المائدة 5: 6 ح.

[ 128 ]

ذكر الماتن (قده) انه يتعين في حقه ولا ينبغي الشبهة في أنه احوط إلا أنه عند عدم تمكنه من الضرب بهما يتخير بين أن يضعهما على الارض وبين أن يضرب باحدهما ويضع الاخرى. وذلك لان مقتضى اطلاق الامر بالضرب وكونه باليدين هو اعتبار الضرب بهما عند التمكن منه. واما إذا لم يتمكن من ذلك فقد عرفت أن المرجع هو اطلاق الكتاب وهو يدل على لزوم استعمال الصعيد بالمسح الناشئ من الارض أو التراب من دون فرق في ذلك بين الوضع والضرب فيتخير المكلف بين وضع يديه على الارض عند العجز عن ضربهما معا وبين أن يضع احدهما ويضرب بالاخرى. نعم: الاحوط هو الاخير لانه مجزء بلا خلاف، بخلاف وضع اليدين حينئذ لعدم كفايته عند الماتن وجماعة هذا بل يمكن أن يقال: ان مقتضى الارتكاز الشرعي هو ذلك لان المرتكز في اذهان المتشرعة انه عند عدم التمكن من شئ يجب الاتيان بما يتمكن منه ولا ترفع اليد عن التكلف إلا بالمقدار المتعذر فاعتبار الضرب باحدى اليدين والوضع بالاخرى مبنى على الاحتياط. العجز من الضرب بباطن احدى اليدين: ثم انه لم يتمكن من الضرب بباطن احدى اليدين أتى فيه

[ 129 ]

ما قدمناه في التمكن من الضرب باحدهما فان مقتضى الدليل هو اعتبار كونه بباطنهما عند التمكن منه. واما عند العجز عنه فمقتضى اطلاق الآية عدم الفرق بين الضرب بظاهرهما معا فهو مخير بين الامرين وان كان الضرب بباطن احدهما وظاهر الاخرى هو الاحوط. هذا كله با لاضافة إلى اعتبار الضرب وكونه باليدين الذين ورد فيهما دليل لفظي مطلق. وأما بالاضافة إلى اعتبار كون الضرب بباطن اليدين وكونه دفعة واحدة لا بالتعاقب الذين استفدنا اعتبارهما من الاخبار البيانية لانهم كانوا متمكنين من الضرب بالباطن والدفعي فلو كان التيمم يتحقق بضرب ظاهر الكفين أو بالتعاقب لوجب التنبيه عليهما في الاخبار لانه على خلاف المتعارف. فالوجه في اختصاص ذلك بحال الاختبار وعدم اعتبار كون الضرب بالباطن أو دفعة عند العجز وتعذرهما: هو أن الاخبار البيانية اشتملت على حكاية فعل وهو مما لا لسان له فلا مناص من الاكتفاء فيه بالقدر المتيقن وهو حال الاختبار. واما عند العجز والتعذر فمقتضى اطلاق الآية المباركة هو الاكتفاء بمطلق استعمال التراب والمسح سواء كان الضرب بالباطن أو بالظاهر، وسواء كان بالتعاقب أو دفعة. فالرجوع إلى اطلاق الكتاب فيما استفدنا اعتباره من الاخبار البيانية انما هو من الابتداء من دون أن يحتاج إلى التعارض وسقوط المتعارضين لنرجع إلى اطلاق الكتاب بعد ذلك - كما استفدنا

[ 130 ]

اعتباره من الادلة اللفظية مثل الضرب وكونه باليدين. وحاصل ما ذكرناه في المقام بتقريب ملخص هو أن ما استفدناه منه أن الصلاة لا تسقط بحال من الاجماع وصحيحة زرارة (1)، له حكومة على الادلة الدالة على اعتبار شئ في الصلاة حتى في التعذر وعدم التمكن منهما، إلا أن مادل على أن الصلاة لا تسقط بحال يقيد اطلاقهما بحال الاختبار لدلالته على وجوب الصلاة حتى في صورة عدم التمكن من القيام والسجود. نعم: لا حكومة له بالاضافة إلى ما هو مقوم للصلاة بحيث لو انتفى انتفت الصلاة مثل الطهور لما دل على انه لاصلاة إلا بطهور (2) وأن الطهور ثلث الصلاة (3) وذلك لانه لا موضوع عند انتفاء الطهور ليحكم بوجوبه بدليل لا تسقط الصلاة بحال حيث أنه ليس بصلاة. ومن هنا قلنا ان الاجماع والصحيحة الدالة على انها لا تسقط بحال غير شاملين فاقد الطهورين إذ لا صلاة بدون الطهور ليقال بوجوبها من دونه. نعم: لو لم يدلنا دليل على أن الصلاة متقومة بالطهور بأن كان مأخوذا في المأمور به لا في الحقيقة والمعنى لكان للدليلين من الاجماع والصحيحة حكومة عليه أيضا. إذا عرفت ذلك. فنقول: إن من جملة حالات المكلف ما إذا لم يتمكن من الصلاة *


(1) تقدمت في نفس المسألة. (2) و (3) راجع الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب الوضوة.

[ 131 ]

ونجاسة الباطن لا تعد عذرا فلا ينتقل معها إلى الظاهر (1). الثاني: مسح الجبهة بتمامها والجبينين بهما من قصاص الشعر إلى الطرف الانف الاعلى والى الحاجبين والاحوط بالتيمم بالضرب أو يضرب اليدين أو بكلتهما لكونه اقطع ذا يد واحدة فمقتضى ما دل على اعتبار الضرب في التيمم أو كونه باليدين أن غير المتمكن منه ليس مأمورا بالصلاة لا طلاق ما دل على اعتبار ذلك في التيمم، ولمل كان غير المتمكن ليس بقادر على التيمم والطهور فهو غير مكلف بالصلاة. إلا أن ما دل على أن الصلاة لا تسقط بحال من الاجماع والصحيحة يشمل المقام لانه من جملة الحالات فيقتضي ذلك وجوب الصلاة بالتيمم الفاقد للضرب أو لضرب اليدين أو لكونه بكلا اليدين كما في الاقطع. وبهذا الدليل نبني على كفاية الوضع بدلا عن الضرب، وبوضع احداهما وضرب الاخرى بدلا عن الضرب باليدين، وباليد الواحدة عن الاثنتين كما في الاقطع عند التمكن من الضرب أو الضرب باليدين أو بكليهما، وكذا في غير المقام مما يمر عليك. (1) لما يأتي من عدم الدليل على اعتبار الطهارة في الكف أصلا. وعلى تقدير القول باعتبارها فان غاية ما يمكن الالتزام به هو اعتبارها في حال الاختبار لا مطلقا. لا تكون نجاسة الباطن عذرا يوجب الانتقال إلى الظاهر من الكفين.

[ 132 ]

مسحهما أيضا (1). اعتبار مسح الجبهة والجبينين: (1) اختلفت كلمات الفقهاء وتعبيراتهم عن المحل الممسوح من الوجه. فالمشهور عبروا بوجوب مسح الجبهة من قصاص الشعر إلى طرف الانف الاعلى. وعن السيدين وكثير من القدماء التعبير بمسح الوجه من القصاص إلى طرف الانف. وعن جامع المقاصد وغيره التعبير بمسح الجبهة والجبينين. وعن بعضهم التعبير بمسح الجبهة والجبينين والحاجبين. وعن علي بن بابويه التعبير: بمسح الوجه وظاهره ارادة الاستيعاب. هذا والظاهر أن المسألة ذات قولين: " احدهما ": اعتبار مسح الجبهة من قصاص الشعر إلى طرف الانف. و " ثانيهما ": اعتبار مسح الوجه بتمامه كما لعله الذى اشار إليه المحقق في شرائعه فانه بعد ما ذكر الوجه الاول اشار إلى الثاني فقط بقوله: قيل باستيعاب مسح الوجه. والوجوه الآخر متحدة وانما الاختلاف في التعبير. وكيف كان: فالمتبع هو الاخبار الواردة في المقام وهنا عناوين أربعة (الوجه والجبهة والجبينان والجبين): أما الوجه فهو واقع في

[ 133 ]

كثير من الاخبار: منها صحيحة الكاهلي حيث ورد فيها " فمسح بهما وجهه " (1) ومنها حسنة أبي أيوب الخزاز وقد ورد فيها " ثم رفعها فمسح وجهه " (2) وغير ذلك من الاخبار. وأما عنوان الجبهة فلم يرد إلا في رواية الشيخ عن المفيد باسناده إلى ابن بكير عن زرارة قال: " سألت أبا جعفر (ع) عن التيمم فضرب بيده على الارض ثم رفعها فنفضها ثم مسح بهما جبهته.. " (3) إلا أن هذه الرواية بعينها قد رواها في الكافي باسناده إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن ابن بكير عن زرارة قال: " سألت أبا جعفر (ع) عن التيمم.. إلى أن قال: ثم مسح بها جبينه وكفيه مرة واحدة. ومن البعيد جدا بل غير محتمل عادة أن تكون هناك روايتان رواها ابن بكير عن زرارة وقد وقع في احداهما عنوان الجبهة وفي الاخرى عنوان الجبين، اذن لا يعلم أن اللفظ الوارد عن الامام هو الجبين أو الجبهة فتصبح الرواية مجملة من هذه الجهة. على أن رواية الشيخ ضعيفة السند باحمد بن محمد بن يحيى العطار بخلاف رواية الكليني التى لها طريقان واحدهما معتبر وهي الحجة شرعا والوارد فيها هو الجبهة ويؤيد صحة نسخة الكليني ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر عن البزنطي عن ابن بكير عن زرارة عن أبى جعفر (ع) قال:


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 2. وراجع ح 4 و 5 و 7. (3) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 3.

[ 134 ]

أتى عمار بن ياسر... إلى أن قال: " مسح بجبينه... " (1) لانها مروية عن البزنطي - هذا. وقد ورد في الفقه الرضوي ما هو بمعنى الجبهة حيث ورد فيه: ثم تمسح بهما وجهك موضع السجود (2) فان موضع السجود هو الجبهة، وهذا مبني على ما نقله في المستدرك، لكن المنقول عن الفقه الرضوي في جامع الاحاديث (3) مغاير له، ونصه: ثم تمسح بهما وجهك من حد الحاجبين إلى الذقن، وروي ان موضع السجود من مقام الشعر.. فانه على هذا يكون قوله: روي ان موضع السجود مطلبا آخر ولا يكون تفسيرا للوجه كما هو كذلك على نقل المستدرك ولعل الاختلاف من جهة نسخ الكتاب. إلا أن الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها. نعم: نقل الوافي (4) عن كل من الشيخ والكليني هذه الرواية بعنوان الجبهة وهو محمول على الاشتباه وعدم توجهه إلى الاختلاف أو مستند إلى اختلاف نسخ الكافي وكيف كان لم يثبت ورود لفظ الجبهة في الرواية. وأما الجبينان: فقد ورد في رواية عمرو بن أبي المقدام عن أبي عبد الله (ع) انه " وصف التيمم فضرب بيده على الارض


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 9. (2) المستدرك: ج 1 باب 9 من أبواب التيمم ح 1. (3) جامع الاحاديث ج 1 باب 10 من أبواب التيمم ح 24. (4) الوافي: ج 1 ص 88 من أبواب التيمم.

[ 135 ]

ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح على جبينه وكفيه مرة واحدة " (1). نعم: ورد ذلك في صحيح زرارة (2) عن أبى جعفر (ع) الواردة في قضية عمار بن ياسر وقد اشتملت على عنوان الجبينين - على نسخة -، وورد لفظ الجبينين في الفقه الرضوي على ما في جامع الاحاديث دون المستدرك. وأما الجبين: فقد ورد في صحيحة زرارة (3) المتقدمة عن طريق الكافي وما رواها الصدوق على نسخة وما رواه ابن ادريس (4) في آخر السرائر ايضا، ولم يثبت ان الوارد في رواية زرارة ايهما هذا ما ورد في الاخبار، واما ما عن ابن بابويه من اعتبار مسح الوجه بتمامه فهو مقطوع الخلاف بوجهين: " أحدهما ": صحيحة زرارة في تفسير قوله تعالى " وامسحوا برؤوسكم " (5) حيث صرحت بان المسح ليس كالغسل ليجب في تمام الوجه حيث قال: اثبت بعض الغسل مسحا لانه قال " بوجوهكم " أي: ولم يقل " وجوهكم " والباء للتبعيض كما هو الحال في قوله تعالى " وامسحوا برؤوسكم ". اذن نستفيد من هذه الصحيحة أن المسح لا يجب في جميع الوجه. " ثانيهما " ان الاخبار المتقدمة المشتملة على الجبينين أو الجبين اخبار معتبرة ومن المستهجن جدا ان يعبر الامام (ع) عن تمام


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم ح 6. (2) الوسائل ج 2 باب 11 من ابواب التيمم ح 8. (3) و (4) تقدمتا في الباب 11، الحديث 3 و 9. (5) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب التيمم ح 1.

[ 136 ]

الوجه بالجبين أو الجبينين لانه مثل اطلاق الانف وارادة تمام الوجه وهو تعبير غير مألوف فلو كان الواجب مسح تمام الوجه لما عبر عنه في الاخبار المذكورة بالجبين أو الجبينين، فالقول بوجوب المسح لتمام الوجه ساقط قطعا. وقد تحصل من استعراض الالفاظ الواردة في الاخبار أن الثابت هو لفظ الوجه والجبين أو الجبينين، ولا يمكن تقييد الاخبار المشتملة على الوجه بما اشتمل على الجبين أو الجبينين، وذلك لعدم صحة اطلاق الجبين بمعناه الجنسي الشامل للواحد والاثنين وارادة الوجه. وذلك لان الوجه انما يطلق عليه الوجه لانه مما يواجه به الانسان والجبين الواحد ليس مما يواجه به فاطلاق الجبين وارادة الوجه كاطلاق الاذن وارادة الوجه ليس صحيحا لعدم كونها مما يواجه به - هذا على ان الاخبار قد اشتملت على انهم مسحوا وجوههم بالايدي والاكف أو امروا بذلك ولا يمكن مسح الجبين الواحد بالكف لان الجبين اسم لموضع خاص وهو لا يمسح عند مسح الوجه - بتمامه - نعم يمكن مسحه ثانيا إلا أن المسح المأمور به في الاخبار هو المسحة الواحدة والمسح مرة واحدة، والجبين في مسح الوجه مرة لا يقع ممسوحا بوجه. وأما الجبينان فهما وان امكن مسحهما بالكفين عند المسح مرة واحدة إلا انهما لا يطلق عليهما الوجه أيضا لعدم كونهما مما يواجه به الانسان فاحتمال تقييد الاخبار المشتملة على الوجه أو الجبينين ساقط. والذي ينبغي ان يقال في المقام: ان الاخبار الواردة في مسح الجبين أو الجبينين انما وردت لبيان حد الوجه الذي يجب مسحه

[ 137 ]

عرضا لان الوجه لا يجب مسحه بحسب الطول بالتمام لصحيحة زرارة (1) الدالة على أن المقدار الذي كان يجب غسله في الوضوء ليس بلازم المسح في التيمم وانما اللازم في مسح التيمم هو مسح بعض الوجه، هذا بحسب الطول. وأما بحسب العرض فتدلنا روايات الجبين والجبينين على أن الوجه الواجب غسله بحسب العرض في الوضوء يجب أن يمسح في التيمم، وبهذا يظهر أن المقدار الممسوح في التيمم هو الجبينان والمقدار المتوسط بينهما أيضا إذ لولاه لم يصدق الوجه. ولكي يصدق الوجه تحقيقا لابد من ادخال ما بين الجبينين في الممسوح، اذن عملنا بكل من الطائفتين ويكون المقدار الممسوح هو الوجه والجبينان. وهل يدخل الحاجبان في الممسوح أو لا؟ مقتضى سكوت الاخبار الواردة في مقام البيان عن التعرض للحاجبين: عدم لزوم مسحهما وكفاية المسح للجبينين وما بينهما لما تقدم من كفاية المسح ببعض الوجه طولا، وان كان الاحوط مسح الحاجبين أيضا. نعم: لا ينفك مسح الحاجبين عادة عن مسح الجبينين وما بينهما باليدين إلا انهما خارجان عن المقدار الممسوح شرعا. وتظهر الثمرة فيما لو كان حاجب على الحاجبين بحيث لم يمكن مسحهما فان التيمم حينئذ بمسح الجبينين وما بينهما كاف في صحته واما بناءا على دخولهما في الممسوح فلا بد من رفع الحاجب عن الحاجبين للزوم مسحهما حينئذ - هذا كله في الممسوح.


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب التيمم ح 1.

[ 138 ]

ويعتبر كون المسح بمجموع الكفين على المجموع فلا يكفي المسح ببعض كل من اليدين، ولا مسح بعض الجبهة والجبينين، نعم يجزئ التوزيع فلا يجب المسح بكل من اليدين على تمام اجزاء الممسوح. وأما الماسح: فالصحيح لزوم المسح بجميع الكفين واليدين بحكم المناسبة والاطلاق. أما المناسبة: فلاجل الامر الوارد في الاخبار (1) بضرب الكفين أو اليدين في الارض والمراد منهما جميع الكفين لان ضربهما على الارض يقتضي الاستيعاب، وهذه المناسبة تقتضي أن يكون المراد بالماسح جميع الكفين فان الكفين اللتين يجب ضربهما على الارض في التيمم هما اللتان يجب المسح بهما على الوجه والجبينين. وأما الاطلاق: فلان قوله (ع) " فضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه " كما في صحيح الكاهلي (1) أو قوله (ع): " ثم مسح بها جبينه " كما في صحيح زرارة (2) وغيرهما من الاخبار مطلق، ومقتضى الاطلاق المسح بمطلق اليد والكف لا ببعضها. نعم: لا يلزم ان يمسح بكل من اجزاء الماسح جزء من الممسوح وذلك لان سعة مجموع الكفين المنضمتين اكثر من سعة الجبينين وما بينهما فيقع بعض اجزاء الكفين خارجا عن الممسوح لا محالة، كما لا يكفي المسح ببعض الكفين كما لو مسح جبينيه بنصف كل كف من


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم.

[ 139 ]

الثالث: مسح تمام ظاهر الكف اليمنى بباطن اليسرى ثم مسح تمام ظاهر اليسرى بباطن اليمنى من الزند إلى كفيه بل لابد أن يكون المسح بحيث يصدق عليه عرفا أنه مسح بالكفين على الجبينين وما بينهما، وهذا يصدق بمسحهما بجميع كفيه وان كان مقدار من الكفين خارجا عن الممسوح فالمدار على الصدق العرفي لا التدقيق في مسح الجبينين بالكفين مع اعتبار الاستيعاب في الماسح كما مر. هذا وقد يقال بكفاية المسح ببعض الكف وذلك لما ورد في صحيحة زرارة التي رواها الصدوق في الفقيه أنه (ع) مسح جبينه (جبينيه) باصابعه (1). ولكن الظاهر أن الصحيحة لاتدل على خلاف ما يستفاد من غيرها من الاخبار المتقدمة بل هي تدل أيضا على ارادة المسح بتمام الكف. وذلك لان الظاهر من الاصابع هو الاصابع الخمسة اعني مجموعها وحيث أن الخنصر - وهي الاصبع الاولى - وقعت أسفل من الاصابع الاخرى فلازم المسح بجميع الاصابع هو المسح بمجموع الكف فانه لو وقع المسح بالاصابع الاربعة لم يكن المسح بمجموع الاصابع. اذن فالصحيحة كغيرها تدلنا على اعتبار الاستيعاب في الماسح، نعم في الممسوح لا يعتبر إلا الاستيعاب العرفي لا الدقي.


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 8.

[ 140 ]

اطراف الاصابع (1). المقدار الذي يمسح من اليدين: (1) المعروف بين الاصحاب أن المقدار المعتبر مسحه من اليدين في التيمم هو الزند إلى اطراف الاصابع فهي ي قبال ذلك أقوال: منها: ما نسب إلى علي بن بابويه وابنه في المجالس من لزوم مسح اليدين من المرفقين إلى رؤوس الاصابع وكأنه لا فرق بين الوضوء والتيمم إلا في المسح على الرأس والرجلين، وإلا فأي عضو يجب غسله في الوضوء يجب المسح عليه في التيمم. ومنها: ما اختاره الصدوق في الفقيه في التيمم بدلا عن الجنابة من وجوب المسح من فوق الزند والكف قليلا إلى رؤوس الاصابع. و " منها ": ما نسبة في الحدائق إلى ابن ادريس انه نقل عن بعض الاصحاب القول بوجوب المسح على اليدين من اصول الاصابع إلى رؤوسها - اعني موضع القطع في السرقة - هذا وقد استدل لما ذهب إليه. ما استدل به لما ذهب إليه ابن بابويه: وقد استدل لما ذهب إليه ان علي بن بابويه وابنه في المجالس بجملة من الروايات: منها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (ع)

[ 141 ]

عن التيمم فضرب بكفيه الارض ثم مسح بهما وجهه ثم ضرب بشماله الارض فمسح بها مرفقه إلى اطراف الاصابع واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها.. (1). ومنها: صحيحة ليث المرادي عن ابي عبد الله (ع) في التيمم قال: تضرب بكفيك على الارض مرتين ثم تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك (2). ومنها: موثقة سماعة قال سألته كيف التيمم؟ فوضع يده على الارض فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين (3). كما استدل لما ذهب إليه الصدوق بصحيحتي أبي الخزاز وداود بن النعمان الواردتين في قضية عمار حيث ورد فيهما أنه (ع) مسح فوق الكف قليلا (4). وما نسبه ابن ادريس إلى بعض اصحابنا يدل عليه ما رواه حماد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن أبي عبد الله (ع) انه سأل عن التيمم فتلا هذه الآية: " والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما " وقال: " فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق " قال: فامسح على كفيك من حيث موضع القطع، وقال: " وما كان ربك نسيا " (5).


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من ابواب التيمم ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 12 من ابواب التيمم ح 4. (3) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب التيمم ح 3. (4) الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم ح 2 و 4. (5) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب التيمم ح 2.

[ 142 ]

ما يدل على مذهب المشهور: والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المقام ويدل عليه أمران: " إحداهما ": جميع الاخبار (1) الواردة في كيفية التيمم المشتملة على انهم مسحوا كفيهم أو أمروا بمسح الكفين، وتقريب الاستدلال بها من وجهين: " احدهما ": إن اليد وان كان لها اطلاقات متعددة فقد تطلق بمعنى اصول الاصابع إلى اطرافها كما في آية السرقة. واخرى: تطلق على الزند إلى اطراف الاصابع كما في آية التيمم على ما يأتي بيانه. وثالثة: على المرفق إلى اطراف الاصابع كما في آية الوضوء. ورابعة: على المنكب إلى رؤوس الاصابع كما هو الشائع. إلا أن الكف ليست كذلك، وانما لها معنى واحد وهو الزند إلى اطراف الاصابع فتدلنا الاخبار المذكورة على انهم مسحوا من الزند إلى رؤوس الاصابع أو انهم أمروا بمسح ذلك. " الوجه الثاني " إن بعض تلك الاخبار اشتملت على انهم مسحوا بالكف اليمنى على اليسرى وفي باليسرى على اليمنى أو باحداهما على الاخرى، ومن الظاهر أن المسح لا يكون إلا بالكف بالمعنى المتقدم ولا يكون بالذراع فانه أمر غير معقود. * (هامس) * (1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم 2.

[ 143 ]

حتى ان الصدوق ووالده لا يرون المسح بالذراع فإذا كان الماسح هو الكف وما دون الزند كان الممسوح أيضا كذلك لان الكف في كل من الماسح والمسوح بمعنى واحد. الثاني: مما استدل به على مسلك المشهور هو جملة من الاخبار المعتبرة. " منها ": صحيحتا أبي ايوب الخزاز وداود بن النعمان (1) المتقدمتان لدلالتهما على أن الذراعين ليسا بلازمي المسح كما يراه علي بن بابويه وابنه في المجالس فانه (ع) مسح يديه وفوق الكف قليلا، ولم يمسح ذراعيه. واظهر منهما صحيحة زرارة قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول وذكر التيمم وما صنع عمار فوضع ابو جعفر (ع) كفيه على الارض ثم مسح وجهه وكفيه ولم يمسح الذراعين بشئ (2) لصراحتها في خلاف ما ذهب إليه ابن بابويه في المجالس وما اختاره الصدوق في الفقيه. المناقشة فيما استدل به على مذهب ابن بابويه: ثم ان ما استدل به على مذهب ابن بابويه لا يمكن الاعتماد عليه في مقابل تلك الاخبار الدالة على مسلك المشهور، وأنما الكلام في انه يحمل على الاستحباب أو لابد من حمله على التقية.


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم ح 2 و 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم ح 5.

[ 144 ]

وقد تكلمنا فيما سبق على نظائر المقام ولعله اشرنا إليه في اخبار البئر وقلنا ان التردد بين الحمل على الاستحباب أو على التقية انما هو فيما إذا اشتملت الطائفتان على الحكم المولوي فانه إذا قدمنا احداهما امكن التردد في اخراهما بين الامرين حينئذ فيجمع بينهما بالجمع العرفي ويحمل الآخر على الاستحباب بان يجعل احدهما قرينة على ارادة الترخيص من الآخر. ومعه يكون دليلا على الاستحباب وهو جمع عرفي. واما إذا لم يكن شئ من الطائفتين مشتملا على الحكم المولوي مثل المقام حيث ان السؤال في الطائفتين انما هو عن كيفية التيمم وليسا مشتملتين على الحكم المولوي. فهما متعارضتان بالتباين لان احدى الكيفيتين تغاير الكيفية الاخرى كما هو واضح ولا معنى لحمل احداهما على الاستحباب ولا يكون ذلك من الجمع العرفي في شئ. اذن لابد من الرجوع إلى المرجحات، وما دل على مسلك المشهور موافق للكتاب ومخالف للعامة، والطائفة الاخرى مخالفة للكتاب وموافقة للعامة. ومع هذين المرجحين لابد من الاخذ بما دل على مسلك المشهور وان كان مرتبة الترجيح بمخالفة العامة، متأخرة عن الترجيح بموافقة الكتاب. ثم ان كون الطائفة الثانية موافقة للعامة ظاهر لذهابهم إلى لزوم المسح من المرفقين إلى اطراف الاصابع. وأما مخالفتها الكتاب فلان الآية المبارك دلت على لزوم المسح في التيمم بالوجوه والايدى حيث قال عز من قائل: (فامسحوا بوجوهكم

[ 145 ]

وايديكم) (1) بعطف ايديكم على وجوهكم وقرائته مجرورا كما في وجوهكم إذ لو كان معطوفا على مجموع الجار والمجرور للزم قرائة منصوبا (وايديكم) بالفتح. وكما ان لفظة الباء الجارة في (بوجوهكم) دلتنا على ارادة بعض الوجه وعدم لزوم مسح تمام الوجه في التيمم، كذلك تدلنا على ارادة البعض في (ايديكم) فنستفيد منها أن اليد اللازم غسلها في الوضوء لا يعتبر مسحها بتمامها في التيمم بل يكفي مسح بعضها، فما دل على لزوم مسح جميع اليد من المرفقين إلى الاصابع يكون على خلاف الآية المباركة. هذا كله فيما ذهب إليه على بن بابويه وابنه في المجالس ما ذهب إليه الصدوق (ره): واما ما ذهب إليه الصدوق في الفقيه من اعتبر المسح فوق الكف بقليل مستدلا عليه بالصحيحتين المتقدمتين فلا يمكن المساعدة عليه لانهما انما اشتملتا على حكاية فعل، والفعل لا لسان له ليدل على انه على وجه الوجوب بل لابد من ان يكون على وجه المقدمة العلمية لدلالة ما قدمناه من الاخبار على كفاية المسح من الزند إلى اطراف الاصابع، وتظهر الثمرة فيما إذا كان فوق الزند حاجب عن المسح فانه يمنع عن صحة التيمم على مسلك الصدوق ولا يضر على مسلك المشهور كما اوضحناه في مسح الحاجبين.


(1) سورة النساء 4: 43.

[ 146 ]

ما نسب إلى بعض الاصحاب: واما ما نسبه ابن ادريس إلى بعض الاصحاب ففيه أنه لا ملازمة بين كون اليد في آية السرقة بمعنى اصول الاصابع إلى اطرافها وبين أن تكون الكف في المقام بهذا المعنى - على أن المقتضي له قاصر في نفسه لان المرسلة لا يمكن الاعتماد عليها في نفسها لتقع المعارضة بينها وبين ما استدللنا به على مسلك المشهور. بقي الكلام في أن مسح الزند إلى اطراف الاصابع هل يعتبر أن يكون بباطن الكف أو يجوز أن يكون بظاهرها، كما أن الممسوح من الزند إلى اطراف الاصابع هل هو ظاهره أم يجوز أن يمسح على الباطن. والصحيح هو اعتبار أن يكون الماسح باطن الكف لاظاهرها، كما أن الممسوح يعتبر أن يكون ظاهر الكف لا باطنها. وذلك للاخبار البيانية الواردة في كيفية التيمم حيث اشتملت على أن امروا أو انهم مسحوا كل واحدة من الكفين على الاخرى وهذ يدلنا على أن المسح انما يعتبر أن يكون بباطن الكف كما أن الممسوح يلزم أن يكون ظاهرها لانه المتعارف في المسح. فلو كان الماسح ظاهر الكف والممسوح باطنها لاوضح ذلك في الاخبار لوجوب التنبيه على كل ما لم تجر العادة عليه، نظير ما بيناه في مسح الوجه حيث قلنا أن مسحه يعتبر أن يكون بباطن الكف

[ 147 ]

ويجب من باب المقدمة ادخال شئ من الاطراف، وليس ما بين الاصابع من الظاهر (1) فلا يجب مسحها إذ المراد به ما يماسه ظاهر بشرة الماسح بل الظاهر عدم اعتبار التعميق والتدقيق فيه، بل المناط صدق مسح التمام عرفا. لا بظاهرها لعين ما ذكرناه في المقام. ويدلنا على اعتبار كون الممسوح ظاهر الكف صريحا حسنة الكاهلي حيث ورد فيها أنه (ع) ضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه ثم مسح كفيه احداهما على ظهر الاخرى (1). مابين الاصابع ليس من الظاهر. (1) أما المقدار المتصل من الاصابع بالاخرى مما بين الاصابع عند ضمها فلا اشكال في عدم وجوب مسحه لانه من الباطن ولا يجب مسح الباطن كما مر. وأما المقدار الظاهر المشاهد منه مما بين الاصابع الذي لم يتصل بالاصبع الاخرى فلانه ليس من الظاهر ولا من الباطن ولانه مما لا يقع عليه المسح عادة عند المسح باليد الاخرى فلو كان مسح ذلك المقدار لازما أيضا وهو على خلاف ما يقتضيه طبع المسح للزم التنبيه عليه في الاخبار مع أنه لم يرد ذلك في شئ من الروايات.


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 1.

[ 148 ]

وأما شرائطه: فهي أيضا أمور: (الاول): النية مقارنة لضرب اليدين (1) على الوجه الذي مر في الوضوء. الكلام في شرائط التيمم: الاول مما يعتبر في التيمم: النية. (1) يقع الكلام في المسألة في مقامين: " الاول ": في اصل اعتبار النية في التيمم. و " الثاني " في مبدئها وأن النية تعتبر فيها المقارنة مع الضرب أو المقارنة مع مسح الوجه. المقام الاول: لا ينبغي الشبهة في أن التيمم كالوضوء والغسل تعتبر فيه النية وليس هذا لاجل أن التيمم بدل عن الوضوء، وحيث انه مما تعتبر فيه فلابد أن تكون معتبرة في بدله أيضا. وذلك لعدم التلازم بين كون المبدل منه معتبرا فيه النية وكون بدله كذلك ولم يقم عليه دليل شرعي أو برهان عقلي بل قد وقع خلافة في الصوم فان بدله لمن لا يتمكن منه اطعام ثلاثة اشخاص أو مساكين من دون أن تعتبر النية في الاطعام. بل لاجل أن التيمم طهور، والطهور جزء من الصلاة تنزيلا

[ 149 ]

لما ورد من أن الصلاة ثلاثة اثلاث، ثلث الطهور (1)، وبما أن الصلاة تعتبر فيها النية جزما كذلك الحال في ما هو جزؤها تنزيلا. المقام الثاني: قد يقال: أن النية تعتبر مقارنة لمسح الوجه لانه اول التيمم، وضرب اليدين شرط فيه ويدل عليه ما رواه زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: قلت: رجل دخل الاجمة.. إلى ان قال: إن خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوات الوقت فليتيم يضرب بيده على اللبد أو البرذعة ويتيمم ويصلي (2). فان التيمم قد تكرر فيها حيث قال: (فليتيممم يضرب بيده على اللبد أو البرذعة ويتيمم ويصلى). وظاهره أن المراد به هو ما اريد من التيمم في الامر به بقوله (فليتيمم) ومنه يظهر أن التيمم انما يتحقق بعد ضرب اليد على ما يصح التيمم به ولا يتحقق من حين الضرب. والانصاف ان الرواية لا تخلو عن الدلالة ولا اقل من الاشعار بان التيمم انما هو بعد ضرب اليد على ما يتيمم به وهو مسح الوجه. إلا انها ضعيفة السند باحمد بن هلال الذي نسب إليه النصب تارة والغلو اخرى وقد استظهر شيخنا الانصاري (قده) من ذلك أن الرجل لم يكن له دين اصلا لان البعد بين المذهبين كبعد المشرقين فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه. اذن يقع الكلام في أن كون التيمم يبدأ من الضرب بأي دليل؟ ويمكن الاستدلال عليه بالاخبار البيانية الواردة لتعليم التيمم


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 1 من ابواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 2 باب 9 من ابواب التيمم ح 5.

[ 150 ]

وكيفيته فانهم في ذلك المقام بعد سؤالهم عن التيمم ضربوا ايديهم على الارض ومسحوا بها وجوههم وايديهم كقوله في حسنة الكاهلي (سألته عن التيمم فضرب بيده.. الخ) (1). فان الظاهر منه أن التيمم يبدأ ويشرع من الضرب وهكذا غير ها من الاخبار البيانية. بل لو ناقشنا في دلالة تلك الاخبار على المدعى تكفينا صحيحة اسماعيل بن همام الكندي عن الرضا (ع) (وأحمد بن محمد في سندها هو ابن عيسى) قال: (التيمم ضربة الوجه وضربة الكفين) (2). حيث حملت الضربة على التيمم وهي تدلنا على أن الضربة أو الوضع داخل في التيمم وهي اول التيمم. اذن لابد أن تكون نية التيمم مقارنة للضربة. وتظهر الثمرة فيما لو بدا له في التيمم بعد ضرب يده على الارض فانه - على ما ذكره ذلك القائل - ينوي التيمم مقارنا لمسح وجهه وهو صحيح، وأما بناءا على ما ذكرناه فلابد من أن يضرب يده على الارض ثانيا وينوي مقارنا للضرب. وأما الآية المباركة وهي قوله عز من قائل " فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه " (3) فقالوا: انها لا دلالة لها على أن التيمم يبدأ من الضرب لعدم اشتمالها عليه بل هي مشتملة على الامر بالمسح.


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب التيمم ح 3. (3) سورة المائدة: 5: 6.

[ 151 ]

ويدفعه: أن الآية وان لم تدل على الضرب من التيمم إلا أنها لاتدل على خلافة بل يستفاد منها كون الضرب من التيمم بقرينة قوله تعالى (منه) أي من التراب أو الارض فان معناه هو الامر بالمسح بما ينشأ من الارض بضرب اليد أو بوضعها عليها فيكون الضرب أو الوضع داخلا في التيمم لا محالة. هذا وقد يقال: إن اشتراط اباحة التراب في التيمم يقتضي أن يكون الضرب داخلا في التيمم فان حمله على التكليف المحض بعيد. ويدفعه: ان الصلاة مشروطة بالطهور وهو بمعنى الماء والتراب ويعتبر أن يكون استعمالهما استعمالا جائزا شرعا بلا فرق في ذلك بين أن يكون ضرب اليد على التراب في التيمم جزءا أو شرطا. وذلك لان ذات القيد وان كان خارجا إلا أن التقييد به جزء للمأمور به حينئذ ولا يمكن أن يكون قيد المأمور به مبغوضا لان المبغوض لا يمكن أن يكون مقربا فلا دلالة ولا اشعار في اشتراط اباحة التراب في التيمم على كون الضرب داخلا في التيمم. استدراك: ذكرنا أنه وقع الكلام في ان الضرب جزء للتيمم أو انه مقدمة له وابتداؤه مسح الوجه، وقد استظهرنا من الاخبار البيانية أن الضرب جزء لا انه مقدمة، واستشهدنا عليه أيضا بما ورد في صحيحة اسماعيل بن همام الكندي عن الرضا (ع) قال: " التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " لانها حملت الضربة على نفس التيمم وقلنا

[ 152 ]

انها تدلنا على أن الضرب جزء منه. ولا نريد بذلك بيان أن التيمم ضربة فقط، كيف وليست الضربة تيمما بلا ريب؟ وانما المقصود أن الضرب بانضمام بقية الامور المعتبرة فيه من مسح الوجه والكفين والنية تيمم، فجعل التيمم على الضرب من اجل أن المركب عين اجزائه هذا. وقد يعارض ذلك بما ورد في موثقة سماعة في رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال: يضرب بيديه على حائط اللبن فليتيمم به (1). حيث دلت على أن ضرب اليدين على الارض خارج عن التيمم ومقدمة له، والتيمم انما يتحقق بعده. إلا ان الصحيح عدم دلالة الموثقة على ذلك لانها ناظرة إلى اعتبار الضرب في التيمم وانه يكفي الضرب على الحائط وانما قال (يضرب.. فليتيمم به) باعتبار ما قدمناه من انه إذا ضرب يديه على الارض لا يكون هذا الضرب تيمما قطعا بل الضرب بضميمة غيره مما يعتبر فيه يكون تيمما فكأنه (ع) قال: يضرب بيده ويأتي ببقية الامور فيتحقق به التيمم. واطلاق (فليتيمم) بعد الشروع فيه بالضرب اطلاق عادي صحيح وهو نظير مالو قلنا بانه يكبر ويصلي فان معناه انه بعدما كبر يأتي ببقية اجزاء الصلاة ايضا، ويكون ما اتى به صلاته لا أن التكبير خارج عن الصلاة وهذا ظاهر. اذن لا تكون الموثقة معارضة للصحيحة المتقدمة فتبقى دلالتها على أن الضرب جزء من التيمم سليمة عن المعارض.


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من ابواب صلاة الجنائز ح 5.

[ 153 ]

ولا يعتبر فيها قصد رفع الحدث (1) بل ولا الاستباحة. (الثاني): المباشر حال الاختبار (2). عدم اعتبار قصد الرفع في التيمم: (1) يأتي التكلم على أن التيمم هل هو كالوضوء رافع للحدث كما هو مقتضى مادل على أن رب الماء والصعيد واحد (1)، أو أنه مبيح للدخول معه في الصلاة تخصيصا لما دل على انه (لا صلاة إلا بطهور) (2) فيجوز في حق المتيمم؟ إلا انه لا يعتبر في صحته قصد شئ من ذلك لان ذلك كله حكم من الاحكام المترتبة على التيمم وليس هو إلا ضربة ومسحة فإذا أتى بهما ناويا به القربة فقد تحقق المأمور به وحصل الامتثال سواء أكان التيمم رافعا كما هو الصحيح الموافق لما دل على أن رب الماء والصعيد واحد أم كان مبيحا لعدم اعتبار نية الاحكام المترتبة على التيمم في صحته. الثاني مما يعتبر في التيمم: (2) وذلك لانه يقتضيه الاخبار البيانية الواردة في كيفية التيمم


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب من ابواب التيمم 23، تجد مضمونها فيه. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 1 من ابواب الوضوء.

[ 154 ]

حيث دلت على انهم ضربوا ايديهم على الارض ومسحوا بها وجوههم وايديهم فقد تصدوا له بالمباشرة. ثم لو ناقشنا في ذلك نظرا إلى أن الاخبار المذكورة انما وردت لبيان الكيفية المعتبرة في التيمم لا لبيان من يصدر منه التيمم فلا دلالة لها على اعتبار المباشرة كفانا في الاستدلال على ذلك اطلاقات الامر بالمسح في الآية المباركة وفي الاخبار الآمرة بضرب اليدين على الارض والمسح بهما على الوجه واليدين. وذلك لان مقتضى اطلاقهما ان المكلف لابد أن يصدر منه ضرب اليدين والمسح - سواء صدر ذلك من غيره أم لم يصدر - على أنا لو شككنا في ذلك ولم يمكننا استفادة اعتبار المباشرة من الآية والاخبار فمقتضى قاعدة الاشتغال عدم سقوط التكليف باالتيمم عن المكلف إذا يممه غيره لانه مكلف بالتيمم قطعا فلو شك في سقوطه بتصدي الغير لتيممه فقاعدة الاشتغال تقتضي البراءة اليقينية الحاصلة بالتصدي للتيمم بالمباشرة. نعم: شرطية المباشرة تختص بحالة الاختيار ولا يعتبر في صحة التيمم عند العجز وعدم التمكن، والوجه في ذلك احد أمرين: " احدهما ": ما قدمناه من أن ما دل على ان الصلاة لا تسقط بحال (1) ذو حكومة على جميع ادلة الاجزاء والشرائط في الصلاة ومن جملة الشرائط في الصلاة هو الطهور. وقد دلتنا الآية والاخبار على ان المباشرة معتبرة في الطهور، ومع العجز عن المباشرة فمقتضى اطلاق الشرطية سقوط الامر بالصلاة


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 من ابواب الاستحاضة ح 15.

[ 155 ]

عن المكلف إلا أن ما دل على أن الصلاة لا تسقط بحال يدلنا على أن المكلف مأمور بالصلاة حينئذ ولا صلاة إلا بطهور. ومقتضى ذلك سقوط قيد المباشرة في التيمم ويستكشف ان اشتراط المباشرة مختص بحال التمكن والاختيار وبهذا الدليل سنستدل على جملة من الفروع الآتية إن شاء الله تعالى. و " ثانيهما ": رواية ابن أبي عمير عن محمد بن مسكين وغيره عن أبي عبد الله (ع) قال: قيل له: إن فلانا اصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات فقال: قتلوه ألا سألوا؟ ألا يمموه؟ إن شفاء العي السؤال " (1). فانها تدلنا على ان العاجز عن التيمم ييممه غيره فالمباشرة ساقطة عند العجز. إلا أن الكلام في سندها لانها إلى ابن أبي عمير حسنة وهو يروي عن محمد بن مسكين وهذا ضعيف. هذا بناءا على نسخة الكافي والوسائل في طبعته الاخيرة إلا أن الموجود في التهذيب والوافي والوسائل في طبعة الامير البهادري (سكين) بدل (مسكين) وهو موثق ". وذكر الاردبيلي في جامع الرواة أن نسخة الكافي مغلوطة على الظاهر والصحيح (سكين) لان من يروي عنه ابن أبي عمير وهو محمد بن سكين لا مسكين حتى أن الموارد التي نقل فيها أن ابن أبي عمبر روى فيها عن ابن مسكين كلها مروية عن ابن سكين أيضا. وفي الحدائق نقلها عن الكافي عن (محمد بن سكين) لا (مسكين)


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من ابواب التيمم ح 1.

[ 156 ]

(الثالث): الموالاة (1). ولو كان نقلها عن نسخة الكافي (1) لكان هذا شهادة على كون نسخة الكافي (محمد بن مسكين) غلطا. وبهذا كله يطمأن ان الصحيح هو (ابن سكين) لا (ابن مسكين) فان القرائن المذكورة تفيد اطمئنان النفس بصحة نسخة التهذيب والوافي والوسائل بطبعته السابقة. والعجب ان الطبعة الاخيرة من الوسائل مع انها مبنية على التصحيح لم تصحح في المقام ولا اشير إلى أن (مسكين) نسخة، فالرواية معتبرة وقابلة للاعتماد عليها. الثالث مما يعتبر في التيمم: (1) لم يرد اعتبار الموالاة في دليل لفظي في المقام، والاجماع المدعى في المقام منقول لا يمكن الاعتماد عليه، نعم مقتضى الارتكاز المتشرعي ان للعبادات المركبة هيئة وصورة بحيث لو لم يؤت باجزائها متوالية بأن تخلل بينها فصل طويل ولم يصدق عليها أنه عمل واحد بطلت، فلو أتى بجزء منها في وقت ثم يجزئه الآخر في وقت آخر بعد فصل طويل لم يصدق أن ما أتى به صلاة أو وضوء أو تيمم أو غيرها. وبهذا اعتبرنا التوالي في الصلاة وإلا لم يقم دليل لفظي على اعتبارها بين اجزائها فان مقتضى الارتكاز انه لو كبر وقرأ الفاتحة


(1) في النسخة الحديثة من الكافي " سكين " كما ذكره في المعجم أيضا.

[ 157 ]

وان كان بدلا عن الغسل (1) والمناط فيها عدم الفصل المخل بهيئته عرفا بحيث تمحو صورته. ثم اشتغل بفعل آخر، وبعد مدة ضم اليهما الركوع، وبعد فصل اتى بالسجود بطلت صلاته ولم يصدق على عمله الصلاة. واعتبار التوالي في اجزاء الجزء الواحد اوضح، كما لو قرأ بعض الفاتحة ثم بعد مدة قرأ النصف الاخر، واعتبار الموالاة بين اجزاء الكلمة الواحدة اوضح واظهر، كما لو قال " ما " وبعد فصل قال " لك يوم الدين " فانه لا يطلقون عليه عنوان الفاتحة. وعلى هذا تعتبر الموالاة في اجزاء التيمم كبقية العبادات. نعم علمنا في الغسل من الخارج عدم اعتبار الموالاة في اجزائه، وهو امر آخر مستند إلى دليله. (1) وهل يفرق في اعتبار الموالاة في اجزاء التيمم بين التيمم الذى هو بدل عن الغسل وبين التيمم البديل عن الوضوء، بان يقال بعدم اعتبارها في الاول دون الثاني لان مبدله في الاول - وهو الغسل - لا يعتبر فيه الموالاة. الصحيح عدم الفرق في اعتبارها بين أن يكون بديلا عن الغسل أو بديلا عن الوضوء لان اشتراط الموالاة فيه ليس مستندا إلى اشتراطها في مبدله ليفرق فيه بين ما هو بدل عن الغسل وما هو بدل عن الوضوء، وانما اعتبارها من جهة الارتكاز المقتضي لاعتبارها بين اجزاء العبادات المركبة بحيث لو وقع بينها فصل طويل بنحو لا تعد الاجزاء عملا واحدا بطلت، فلا فرق في اعتبارها بين اقسام التيمم.

[ 158 ]

(الرابع): الترتيب على الوجه المذكور (1). الرابع مما يعتبر في التيمم: (1) اما اعتبار أن يكون مسح الوجه بعد الضرب فهو مما لا اشكال فيه وتقتضيه الايد المباركة والاخبار الواردة في المقام، فلو مسح وجهه ثم ضربهما على الارض لم يكف ذلك لقوله تعالى " فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه " (1) فلابد أن يكون المسح بالتراب. وكذلك تقتضيه الروايات (2) بل قد عبر في بعضها بكلمة " ثم " الدالة على الترتيب. و (دعوى): ان التيمم فعل تدريجي ولابد في الفعل التدريجي من ترتيب على كل حال، ووقوع بعضه بعد لا يدل على اعتبار الترتيب بين اجزائه. (مندفعة): بانها قد وردت لبيان الكيفية المعتبرة في التيمم، وما صدر عنهم (عليهم الصلاة والسلام) في المقام ظاهره انه معتبر في صحة التيمم وقد حكى ذلك في بعضها عن النبي صلى الله عليه وآله (3) وعبر فيه بكلمة " ثم " أيضا فلا موقع لانكار دلالتها على الترتيب، وهذا ظاهر.


(1) سورة المائدة: 5: 6. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب التيمم. (3) الباب المتقدم الحديث 2 و 4 و 8 و 9.

[ 159 ]

واما اعتبار الترتيب بين اليدين ومسح اليمنى قبل اليسرى فلم يدل عليه دليل لان الاخبار البيانية كلها مشتملة على انهم مسحوا كفيهم احداهما على الاخرى واما انه يعتبر الترتيب في مسح اليدين فهو مما لم يدل عليه شئ من تلك الاخبار. نعم: ورد في صحيحة محمد بن مسلم (1) التصريح بالترتيب في مسح اليدين وان التيمم كالوضوء إلا في مسح الرأس والرجلين إلا انها محمولة على التقية كما قدمناه. وورد في موثقة زرارة المروية عن السرائر عن نوادر البزنطي انه مسح اليسرى على اليمنى واليمنى على اليسرى إلا انه خال عن الدلالة على الترتيب وانما اشتمل على أنه مسح كل من اليدين بالاخرى. ومن الواضح أنه امر تدريجي لابد من أن يقدم بيان احدهما على الآخر فلا يستفاد منه اعتبار الترتيب في مسح اليدين. وورد ذلك أيضا في الفقه الرضوي (2) بعنوان (اروي) وقد سبق غير مرة انه لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها. وأما دعوى الاجماع على اعتبار الترتيب بينهما فهي مندفعة بانه اجماع منقول لا يمكننا الاعتماد عليه - على أن كلمات القدماء غير مشتملة على هذا الترتيب فقد عبر الصدوق في المقنع والهداية بما ورد في الروايات من أنه يضرب بيديه الارض ثم يمسح بهما وجهه ويديه، من دون أن يتعرض لبيان الترتيب بين اليدين، وكذلك سلار - نعم اعتبره بعضهم - ومعه لا يمكن دعوى الاجماع في هذه المسألة.


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من ابواب التيمم ح 5. (2) المستدرك: ج 1 باب 9 من ابواب التيمم ح 1.

[ 160 ]

(الخامس): الابتداء بالاعلى ومنه إلى الاسفل في الجبهة واليدين (1). الخامس من الشروط: (1) هذا هو المعروف بين الاصحاب وقد استدل عليه تارة بأن التيمم بدل عن الوضوء فكما يبدء بالوضوء من الاعلى إلى الاسفل فكذلك الحال في بدله يجب البدء من الاعلى إلى الاسفل. ويدفعه: عدم الدليل على ان جميع الاحكام المترتبة على المبدل لابد من أن تترتب وتجري على البدل لان المبدل شئ، والبدل شئ آخر. على انه لو تم فانما يتم في التيمم الذي هو بدل عن الوضوء ولا يجري فيما هو بدل عن الغسل إذ لا يعتبر فيه البدء من الاعلى إلى الاسفل. واخرى: بالاخبار البيانية الدالة على انهم (ع) مسحوا بايديهم على وجوههم وايديهم فان مقتضى عدم تعرضهم لجواز النكس في المسح هو اعتبار كون المسح من الاعلى إلى الاسفل لانه المتعارف في المسح دون النكس فلو جاز غيره أو وجب للزم عليهم (ع) التنبيه والدلالة عليه. نظير ما استدللنا به على اعتبار كون المسح بباطن الماسح على ظاهر الممسوح.

[ 161 ]

وقد اجيب عن ذلك بأن الاخبار البيانية انما اشتملت على حكاية فعل صدر من الامام ولا دلالة له على الوجوب لان الفعل لابد أن يقع على احد الوجهين لا محالة. ومن هنا لو مسح من الاعلى إلى الاسفل ثم بين ذلك غير واجب ويجوز النكس في المسح لم يكن فعله معارضا لقوله. ولا وجه له سوى ان الفعل لا يدل على الوجوب فلا يمكننا استفادة الوجوب من مسحهم (ع) في الاخبار البيانية بناءا على صحة التقريب المتقدم في دلالته على الوجوب. و (فيه): ان الفعل انما لا يدل على الوجوب فيما إذا لم يصدر في مقام البيان والجواب عن وجوبه كما إذا ورد أن الامام تيمم أو توضأ قائما أو قاعدا. فان ذلك لا يدل على اعتبار القيام أو القعود في شئ منهما كما افيد، إذ الوضوء لابد أن يقع منه اما قائما واما قاعدا لا محالة. وأما لو سئلوا عن كيفية شئ كالتيمم في المقام وانهم (ع) عملوا عملا في الجواب عن السؤال فيدل لا محالة على اعتبار ما فعلوا في ذلك الشئ المسؤول عنه، كيف؟ وهم في مقام البيان والجواب عن الكيفية المعتبرة في التيمم. وأما ما قيل من أنه لو صرح بعد المسح من الاعلى إلى الاسفل بأنه ليس واجبا فلا يكون تعارضا بين قوله وفعله (ع). فهو من الغرابة بمكان وذلك لان الاستفادة من الفعل انما هي بالدلالة. وهي لا تكون اقوى من الصراحة إذ مع التصريح بخلاف الظهور لا يبقى للفعل دلالة على الوجوب.

[ 162 ]

والتصريح بيان لعدم ارادة الظاهر منه، وكذلك الحال في المطلق الذي ظاهره الشمول والسريان فانه لو صرح بعدم ارادة السريان منه لم يكن بينهما مناقضة اصلا لانه قرينة وتصريح بعدم ارادة الظاهر منه. بل وكذلك الحال فيما لو صرح بشئ وصرح أيضا بما اراده منه لم يكن بينهما مناقضة إذا عد قرينة على المراد. فالصحيح في الجواب ان يقال: إن مسح الوجه واليدين يتصور على وجوه: فقد يمسحان من الاعلى إلى الاسفل، واخرى: من الاسفل إلى الاعلى، وثالثة: من اليمين إلى اليسار ورابعة: من اليسار إلى اليمين. وليس المسح من الاعلى إلى الاسفل امرا عاديا دون غيره ليجب بيان غيره على تقدير عدم وجوب المسح من الاعلى إلى الاسفل. اذن لا دلالة للاخبار البيانية على اعتبار المسح من الاعلى إلى الاسفل. وقد يستدل على ذلك بما ورد في الفقه الرضوي من أنه يمسح من منبت الشعر إلى طرف الانف (1). و (فيه): إنه لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها - على انه انما يدل على اعتبار البدء من الاعلى إلى الاسفل في الوجه ولا تعرض له إلى اعتبار ذلك في اليدين، ومعه نحتاج في تتميم ذلك إلى التمسك بالاجماع. وهو لو تم لاستدللنا به على اعتباره من الابتداء من دون احتياج


(1) المستدرك: ج 1 باب 1 من ابواب التيمم ح 1، فيه مقام الشعر بدل منبت الشعر.

[ 163 ]

(السادس): عدم الحائل بين الماسح والممسوح (1). (السابع) طهارة الماسح والممسوح حال الاختيار (2). إلى الفقه الرضوي وهو غير تام، نعم المشهور ذلك كما مر، اذن اعتبار ذلك في التيمم مبني على الاحتياط لذهاب المشهور إليه من دون امكان تتميمه بدليل. السادس من الشروط: لان المسح عبارة عن مس الماسح ومروره على الممسوح، ومع وجود الحائل لاتتحقق المماسة التي هي المحققة للمسح. ومن هنا يظهر أن عد ذلك من الشرائط مبني على التسامح لانه محقق الموضوع والمسح لا أنه شئ زائد على حقيقته وهو شرط في صحته بل لولاه لم يتحقق المسح والموضوع اصلا، فاطلاق الشرط عليه مبني على ضرب من التسامح، وهو نظير ما إذا قيل: يشترط في الوضوء غسلتان ومسحتان وهذا ظاهر السابع من الشروط: (2) قد يستدل على اعتبارها في التيمم بأنها معتبرة في الوضوء. و (فيه): اولا: انه لا ملازمة بين المقامين.

[ 164 ]

(مسألة 1): إذا بقي من الممسوح ما لم يمسح عليه - ولو كان جزءا يسيرا - بطل (1) عمدا كان أو كان سهوا أو جهلا. لكن قد مر أنه لا يلزم المداقة والتعميق. وثانيا: قد بينا في محله أن طهارة المحل في الوضوء لا دليل على اعتبارها إلا من جهة تنجس الماء به بناءا على تنجيس المتنجس فلا بد أن يكون الماء والتراب طاهرين لانهما طهور. والطهور هو الذي يكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره فاعتبار طهارة المحل في الوضوء مبتنية على أن المتنجس ينجس كما هو المعروف بحيث لو لم يكن المحل موجبا لنجاسة الماء لم يكن عندنا دليل على اعتبار الطهارة في المحل. وحيث أن المفروض في المقام طهارة التراب وعدم تنجسه بنجاسة الماسح أو الممسوح فلا دليل على اعتبار الطهارة فيهما، ثم بعدما تيمم ان كان متمكنا من تطهيرهما يطهرهما وإلا يصلي مع نجاستهما لعدم تمكنه من تطهيرهما. إذا بقي في الممسوح ما لم يمسح عليه: (1) لانه مقتضى ما قدمناه من اعتبار الاستيعاب في المسح، ومع الاخلال به لابد من الحكم ببطلانه، نعم قد لا تعتبر المداقة

[ 165 ]

(مسألة 2): إذا كان في محل المسح لحم زائد يجب مسحه أيضا (1) وإذا كانت يد زائدة فالحكم فيها كما مر في الوضوء (2). العقيلة في الاستيعاب فان ما بين الاصابع في كل من الماسح والممسوح - لا يقع ماسحا ولا ممسوحا، ومعه يحكم بصحة التيمم فانه لا يعتبر أن يكون كل جزء من الماسح يمس كل جزء من الممسوح كما مر - بل اللازم هو الاستيعاب العرفي على ما تقدم بيانه. إذا كان في المحل لحم زائد: (1) لانه من توابع اليد أو الوجه عرفا، ونظيره الاصبع الزائدة في بعض الايدى فانه يجب مسحه لكونه معدودا من توابع اليد. (2) ذكر في بحث الوضوء انه إن كانت له يد زائدة دون المرفق وجب غسلها كاللحم الزائد، وان كانت فوقه فان علم زيادتها لا يجب غسلها ويكفيه غسل اليد الاصلية وان لم يعلم الزائدة من الاصلية وجب غسلهما. والوجه فيما افاده: ان اليد الزائدة لو كانت دون المرفق فلابد من غسلها لكونها من توابع اليد، وما دون المرفق إلى الاصابع لابد من غسله في الوضوء. وان كانت فوقه فان كانت اصلية بان تكون كالاخرى موردا

[ 166 ]

للاستعمال في الحوائج وجب غسلها لما دل على وجوب غسل اليد في الوضوء. وان كانت زائدة فلا يجب لان الواجب غسل اليد لا الشئ الزائد عليها، وإذا لم يعلم الاصلية من الزائدة وجب غسلهما من باب المقدمة العلمية. وفي المقام إذا كانت اليد الزائدة فوق الزند فحكمها حكم الزائدة في الوضوء فان كانت اصلية يجب مسحها لما دل على وجوب مسح اليد من الزند إلى اطراف الاصابع، وان كانت زائدة فلا يجب لعدم وجوب مسح العضو الزائد. وعند الاشتباه يجب مسحهما من باب المقدمة العلمية. وإذا كانت اليد الزائدة دون الزند فيمكن التفرقة بين التيمم والوضوء فان الوجه في وجوب غسل الزائدة عند كونها دون المرفق هو ما دل على وجوب غسل ما دون المرفق إلى اطراف الاصابع. وفي بعض الاخبار أنه (ع) لم يدع شيئا إلا وغسله (1)، ومقتضاه وجوب غسل الزائدة في الوضوء لانه شئ دون المرفق. وأما في التيمم فليس لنا دليل يدل على وجوب مسح ما دون الزند إلى اطراف الاصابع وانما دل الدليل على وجوب مسح الكف واليد الزائدة ليست بكف حتى يجب مسحها وانما هي شئ زائد لا وجه لمسحها.


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من ابواب الوضوء ح 3.

[ 167 ]

(مسألة 3): إذا كان على محل المسح شعر يكفي المسح عليه (1) وان كان في الجبهة بأن يكون منبته فيها. وأما إذا كان واقعا عليها من الرأس فيجب رفعه لانه من الحائل. (مسألة 4): إذا كان على الماسح أو الممسوح جبيرة يكفي المسح بها أو عليها (2). حكم الشعر على محل المسح: (1) لانه من توابع الوجه واليدين وأنه مقتضى السكوت عنه في الاخبار البيانية حيث ان الغالب بل لا توجد يد أو جبهة لم يثبت عليها شعر إلا نادرا، ومعه لو كان الشعر النابت عليهما مانعا عن صحة التيمم لبين في الاخبار ووجب التنبيه عليه. نعم: لو كان وقع عليهما شعر آخر غير ما هو النابت عليهما كما لو وقع شعر الرأس على الجبهة لزم رفعه ليتحقق موضوع المسح لانه حائل بين الماسح والممسوح. وأما الشعر النابت على الموضعين فلا مانع من ايقاع المسح عليه كالبشرة. حكم الجبيرة على الماسح أو الممسوح: (2) هذا هو المعروف بين الاصحاب بل ادعي عليه الاتفاق في

[ 168 ]

كلماتهم إلا انه لا يمكن الاستدلال على ذلك بالاجماع لعدم تماميته ولا بقاعدة الميسور لانها - كما مر مرارا - مما لا يمكن الاعتماد عليها. واما رواية عبد الاعلى آل سام قال: قلت لابي عبد الله (ع) " عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله عزوجل قال الله تعالى " ما جعل عليكم في الدين من حرج " امسح عليه " (1) فهي غير صالحة للاستدلال بها سندا ودلالة. أما من حيث السند فلان عبد الاعلى لم تثبت وثاقته. واما من حيث الدلالة فلاجل أن نفي الحرج انما ينفي وجوب مسح البشرة ولا يقتضي وجوب المسح على المرارة ومعنى قوله (ع) " يعرف هذا واشباهه من كتاب الله ": أن نفي وجوب غسل البشرة أو مسحها أو غيرهما من الاحكام الحرجية يستفاد من كتاب الله لا أنه يثبت وجوب شئ آخر. نعم: هناك روايتان رواهما صاحب الوسائل في احكام الجبائر من دون اختصاصهما بالغسل أو الوضوء. " احداهما ": رواية كليب الاسدي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنح بالصلاة؟ قال: " إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل " (1)، ولا بأس بدلالتها على المدعى لان قوله (ع) " ان كان يتخوف على نفسه " يعم ما إذا كان خوفه من جهة مسحه على البشرة بحيث لو مسحها


(1) الوسائل: ج 1 باب 39 من ابواب الوضوء ح 5. (2) الوسائل: ج 1 باب 39 من ابواب الوضوء ح 8.

[ 169 ]

ورفع جبيرته تضرر به وقد حكم (ع) بلزوم المسح على الجبيرة حينئذ، إلا انها ضعيفة من حيث السند لان كليبا الاسدي لم يوثق في الرجال. و " ثانيتهما ": حسنة الوشاء قال: سألت أبا الحسن (يعني الرضا عليه السلام كما صرح به الصدوق) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أيجزيه أن يمسح على طلي الدواء؟ فقال: " نعم يجزيه أن يمسح عليه " (1)، وهي من حيث السند حسنة بالوشاء. إلا أن الصدوق (قده) رواها بعين هذا السند عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن الدواء يكون على يد الرجل أيجزيه أن يمسح في الوضوء على الدواء المطلي عليه؟ فقال: " نعم يمسح عليه ويجزيه " (2). وهي - كما ترى - مقيدة بالمسح في الوضوء ولا تعم المسح في التيمم. ومن البعيد أن تكون هاتان روايتين رواهما كل من سعد بن عبد الله واحمد بن محمد بن عيسى والحسن بن علي الوشاء، ومنه يظهر أن رواية الشيخ سقطت منها كلمة " في الوضوء " ومعه لا يمكن الاستدلال بهما على المدعى. نعم: لا بأس بالاستدلال على ذلك بالاخبار الواردة في الكسير المجنب أو الذي به قرح أو جراحة وتصيبه الجنابة، حيث دلت على انه لا يغتسل ويتيمم. حيث ان الكسر والقرح غالبا يكون على الرأس والجبهة واليدين


(1) الوسائل: ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء ح 9. (2) الوسائل: ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء ح 10.

[ 170 ]

(مسألة 5) إذا خالف الترتيب بطل (1) وان كان لجهل أو نسيان. ولا اقل من انه متعارف عادة لو لم يمكن غالبيا وقد أمر الامام (ع) في مثله بالتيمم من دون أن يأمر برفع الجبائر عن الكسير ونحوه. ثم لو لم تتم دلالة الاخبار على ذلك يكفينا في ذلك ما قدمناه من أن ما دل على أن الصلاة لا تسقط بحال (1) حاكم على ادلة الاجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة ومقدماتها من الوضوء والغسل والتيمم. فانه يوجب اختصاص تلك الاجزاء والشرائط بحال الاختيار لانه دل على أن المكلف عند عدم التمكن من تلك والشرائط والاجزاء مأمور بالصلاة وحيث انها مشروطة بالطهور فلابد أن يأتي بالطهور بالمقدار الذي يتمكن منه نعم: لا حكومة له على اشتراط الطهور في الصلاة وليس هذا من جهة التخصيص بل لانه مع فقد الطهور لا يتحقق موضوع للصلاة وفي المقام لما لم يتمكن المكلف من المسح في التيمم على نفس البشرة أو لم يتمكن من المسح بها وجب عليه أن يتيمم بالمسح على الجبيرة أو بالمسح بالجبيرة. (1) لانه مقتضى ما قدمناه من اعتبار الترتيب في مسح الوجه واليدين.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من ابواب الاستحاضة ح 5

[ 171 ]

(مسألة 6): يجوز الاستنابة عند عدم امكان المباشرة (1) فيضرب النائب بيد المنوب عنه ويمسح بها وجهه ويديه (2) جواز الاستنابة عند العجز عن المباشرة: (1) لما مر من أن اعتبار المباشرة يختص بحال الاختيار. (2) لا أن النائب يضرب بيدى نفسه على الارض ليمسح بهما وجه المنوب عنه ويديه لان التيمم فعل نفس العاجز فلابد من صدوره عنه. مضافا صحيحة ابن سكين المتقدمة (1) الدالة على أن المجدور ونحوه ييممه غيره فان معنى " يمموه ": ايجاد التيمم فيه واحداثه به، اذن لابد أن يكون المنوب عنه هو الذي يقع فيه التيمم ويحدث به كما هو مقتضى الاطلاق. وهذا لا يتحقق إلا بضرب النائب يدي المنوب عنه على الارض لا بضرب النائب يدي نفسه فان التيمم حينئذ لا يتحقق في المنوب عنه لانه متقوم بضرب اليد ومسحها وقد استفدنا من الصحيحة لزوم حدوثه في العاجز. نعم: لما لم يمكنه احداثه بالمباشرة ساغ له أن يحدثه بواسطة النائب. ومن هنا يظهر الفرق بين التيمم والوضوء والغسل لان التيمم - كما مر - ضرب ومسح وهما لا يتحققان إلا بيد المتيمم المحدث إذ لو صدرا بيد الغير لم يتحقق التيمم في المنوب عنه.


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب التيمم ح 1.

[ 172 ]

وان لم يمكن الضرب بيده فيضرب بيده نفسه (1). هذا بخلاف الغسل أو الوضوء لان اللازم فيهما غسل البشرة ولا يعتبر فيه كونه بيد المنوب عنه بل لو كان بيد النائب يصدق إيضا ان المنوب عنه قد توضأ أو اغتسل إلا في مسح الرأس والرجلين فانه انما يتقوم بيد المنوب عنه نفسه كالضرب والمسح في التيمم. إذا لم يمكن الضرب بيده: (1) لما تقدم من ان قوله (ع) " لا تدعي الصلاة بحال " (1) حاكم على جميع ادلة الاجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة أو مقدماتها وهو يوجب اختصاصها بحال الاختيار. وحيث ان العاجز مكلف بالصلاة ولا صلاة إلا بطهور وهو غير متمكن من الماء يتعين عليه الصلاة بالتراب. وحيث ان المقدار المتمكن منه للعاجز من التيمم وقوع المسح على وجهه ويديه بالتراب من دون تمكنه من ضرب يديه على الارض أو وضعهما عليها وجب على النائب أن يضرب بيدي نفسه على الارض ويمسح بهما وجه العاجز ويديه.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 173 ]

(مسألة 7): إذا كان باطن اليدين نجسا وجب تطهيره إن امكن (1) وإلا سقط اعتبار طهارته ولا ينتقل إلى الظاهر إلا إذا كانت نجاسته مسرية إلى ما يتيمم به ولم يمكن تجفيفه. إذا كان باطن اليدين نجسا: (1) تقدمت هذه المسألة سابقا إلا أنه (قده) زاد عليها في المقام أن النجاسة إذا لم يمكن ازالتها وكانت مسرية لا يمكن تجفيفها انتقل الامر إلى ظاهر اليدين. وتوضيح القول في ذلك: انا قدمنا ان الطهور الذي تتوقف الصلاة عليه بمعنى الماء والتراب وهو مما لابد أن يكون ظاهرا لانه بمعنى ما يتطهر به. وعليه ان قلنا بكفاية كون التراب طاهرا في نفسه قبل ضرب اليد عليه وان كان يتنجس التراب بالضرب عليه لانه يصدق عليه انه صعيد طيب قد قصدناه كما هو معنى قوله تعالى " فتيمموا صعيدا طيبا " (1) فلا موجب للانتقال إلى ظاهر اليدين بل يجب عليه أن يضرب بباطن يديه على الارض وان كان التراب يتنجس بضرب اليدين عليه.


(1) سورة النساء 43 والمائدة: 5: 6.

[ 174 ]

(مسألة 8): الاقطع باحدى اليدين يكتفي يضرب الاخرى ومسح الجبهة بها (1) ثم مسح ظهرها بالارض. والاحوط الاستنابة لليد المقطوعة فيضرب بيده الموجودة مع يد واحدة للنائب ويمسح بها جبهته. ويمسح النائب ظهر يده الموجودة. والاحوط مسح ظهرها على الارض أيضا. وأما لو قلنا بلزوم كونه طاهرا حتى بعد الضرب عليه وبما انه يتنجس بمجرد ضرب اليد عليه فلابد من الانتقال إلى ظاهر اليدين لما تقدم من ان اعتبار الضرب بالباطن مختص بحال الاختيار والتمكن. ومقتضى الاحتياط هو الجمع بين التيمم بضرب الباطن على الارض وضرب الظاهر عليه لانه مقتضى العلم الاجمالي باعتبار الطهارة في التراب المتيمم به إما مطلقا وإما قبل وقوع الضرب عليه، بل لو كان التراب منحصرا بواحد لابد من تقديم الضرب بظاهر اليدين على الضرب بباطنهما لانه لو عكس تنجس التراب ولم ينفع التيمم به حينئذ بضرب الظاهر عليه. وظيفة الاقطع باحدى اليدين: (1) والوجه فيما ذكره: انا قد استفدنا من الآية المباركة والاخبار ان التيمم يعتبر فيه مسح الوجه واليدين من الارض لا بالارض. فإذا فرضنا ان المكلف اقطع باحدى اليدين فهو وان كان

[ 175 ]

يمكنه مسح الوجه والجبهة من الارض لانه يضرب بيده الموجودة على الارض فيمسح بها وجهه إذ يشمله قوله تعالى " وامسحوا بوجوهكم وايديكم ". فانه وان كان جمعا وخطابا للجميع إلا أنه من باب مقابلة الجمع بالجمع أي يمسح كل مكلف وجه نفسه ويده إذ ليس له وجوه وايدي وهذا كما ترى شامل لمقطوع اليد الواحدة أيضا. إلا أن الاقطع لا يتمكن من مسح اليدين من الارض لانه انما يمكن لواجد اليدين فيضرب بها على الارض ويمسح بكل منهما على الاخرى ومع فرض انعدام احداهما لا يمكنه مسحها من الارض وانما يمكنه مسح احداهما بالارض بأن يمسح يده الموجودة على الارض. وكذلك يحتمل ان يتعين عليه التيمم بالذراع من اليد المقطوعة بأن يضربها على الارض ويمسح بها وعليها، بان يقوم الذراع مقام الكف فانه لا يحتمل ان يكون غيره من الاعضاء مقدما عليه، فلا تصل النوبة إلى الاستنابة. كما لم يحتملوا ذلك في الوضوء حيث اكتفوا في الاقطع بغسل اليد الموجودة. كما يحتمل الانتقال إلى الاستنابة في اليد المقطوعة بالغاء قيد المباشرة. اذن يدور الامر بين الغاء اعتبار كون المسح من الارض ليكتفي بمسح اليد الموجودة على الارض على نحو قد عرفت مع وجوب التيمم بذراع اليد المقطوعة وبين الغاء قيد المباشرة لينتقل الامر إلى الاستنابة. ومقتضى العلم الاجمالي هو الجمع بين الامرين بان يضرب اليد

[ 176 ]

وأما اقطع اليدين (1) فيمسح بجبهته على الارض، والاحوط مع الامكان الجمع بينه وبين ضرب ذراعيه والمسح بهما وعليهما. الموجودة على الارض ويمسح ظهرها على الارض ويستنيب شخصا ليضرب احدى يديه مع يديه مع يده الموجودة على الارض ويمسح بهما وجهه ويديه كما في المتن ويتيمم بذراع اليد المقطوعة مع اليد الموجودة. وظيفة أقطع اليدين: (1) وأما في أقطع اليدين فحينئذ لا تشمله الآية المباركة إذ لا يد له ليمسح بها وجهه ويديه كما لا يحتمل فيه الاستنابة قطعا لان معناها أن يتيمم غيره بدلا عنه وهذا مما لا معنى له. بل يتعين في حقه أن يضرب ذراعيه على الارض ويمسح بهما وعليهما، وذلك لعدم احتمال تقدم غيرهما من الاعضاء عليهما في التيمم، ويمسح بجبهته أيضا على الارض لاحتمال سقوط اعتبار أن يكون المسح من الارض ولزوم كون المسح بالارض في العضو الموجود. والوجه فيما ذكرناه: ان المكلف في الصورتين لا يحتمل سقوط الصلاة عنه وعدم كونه مأمورا بها طيلة حياته لانه اقطع اليدين، ومع العلم بوجوبها في حقه مع اشتراطها بالطهور فمقتضى الجمع بين ما دلت عليه الآية المباركة والاخبار من اعتبار قيد المباشرة وكون المسح من الارض لا بالارض هو ما قدمناه في الاحتياط.

[ 177 ]

(مسألة 9): إذا كان على الباطن نجاسة لها جرم يعد حائلا (1) ولم يمكن إزالتها فالاحوط الجمع بين الضرب به والمسح به والضرب بالظاهر والمسح به (2). (مسألة 10): الخاتم حائل فيجب نزعه حال التيمم (3) (مسألة 11): لا يجب تعيين المبدل منه مع اتحاد ما ثم ان ما ذكرناه في الاستدلال في فرعي الاقطع لا يتوقف على ما دل على ان الصلاة لا تسقط بحال (1)، وذلك لقيام الضرورة والقطع بأن الاقطع مأمور بالصلاة وليس هو بحيث لا تجب عليه الصلاة طيلة حياته. (1) أو غيرها مما يكون حائلا مثل القير. إذا كان مع العضو نجاسة لها جرم: (2) لان مقتضى الادلة هو اعتبار كون المسح بالباطن واعتبار الاستيعاب فيه، والجمع بينهما غير ممكن في المقام، فيدور الامر بين سقوط اعتبار الاستيعاب فيضرب بباطن يده المشتملة على الحائل وسقوط اعتبار الباطن ليضرب بظاهر يده، ومقتضى العلم الاجمالي أن يجمع بينهما كما ذكره في المتن. (3) وهو من الظهور بمكان، وانما تعرض (قده) له تنبيها للعوام.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 178 ]

عليه (1) وأما مع التعدد كالحائض والنفساء (2) فيجب تعيينه (3) ولو بالاجمال. (1) لان المفروض أن الواجب في حقه (متعين) فالتيمم لا يقع إلا بدلا عنه بلا حاجة إلى التعيين. اعتبار تعيين المبدل منه: (2) لعدم التداخل في التيمم وان ثبت ذلك في الغسل، وكذا المستحاضة التي يجب عليها (الغسل والوضوء). (3) فان الواجب حقائق متعددة مختلفة ولا تعيين لما يأتي بدلا عنه - عند عدم قصد التعيين - لا واقعا ولا ظاهرا فيبطل ولابد معه من الاعادة. وتوضيحه: أنه عند عدم تعيين المبدل منه لا يمكن أن يقع التيمم بدلا عن الجميع لعدم التداخل فيه كما عرفت، ولا يقع بدلا عن بعض دون بعض لانه من دون ترجيح وتعيين فيقع باطلا لا محالة. وقد يختلف أثر المبدل منه كما لو وجب عليه غسل الجنابة ووجب عليه الوضوء لسبب من اسبابه فلو تيمم بدلا عن الوضوء لم يجز له ما يجوز لغير الجنب من دخول المساجد ومس القرآن وغيرهما. وهذا بخلاف ما لو تيمم بدلا عن الغسل وكيف كان فمع التعدد لابد من تعيين المبدل منه ولو اجمالا كما لو قصد ما وجب عليه أولا.

[ 179 ]

(مسألة 12): مع اتحاد الغاية لا يجب تعيينها (1). ومع التعدد يجوز قصد الجميع، ويجوز قصد ما في الذمة (2) كما يجوز قصد واحدة منها فيجزئ عن الجميع. (1) لانها متعينة واقعا. كفاية قصد ما في الذمة: (2) قد يقال: ما معنى قصد ما في الذمة في مقابل قصد غاية معينة من الغايات وقصد الجميع، لان المكلف اما أن يقصد جميع غاياته وإما أن يقصد بعضا معينا فأي معنى لما في الذمة غيرهما ليقصده المكلف في مقام الامتثال؟ والجواب: ان المراد بقصد ما في الذمة هو قصد الجامع بين الغايات مع الغاء الخصوصيات الفردية فقد لا يدري المكلف بأنه يأتي بأية غاية من غاياته. اذن يصح ان يقال انه قد يقصد غاية معينة واخرى يقصد الجميع وثالثة يقصد الجامع بينها من دون قصد شئ من خصوصياتها وعلى جميع التقادير يحكم عليه بالطهارة ولو فيما إذا قصد غاية معينة ومعه يسوغ له الدخول في كل عمل مشروط بالطهارة لانه متطهر على الفرض.

[ 180 ]

(مسألة 13): إذا قصد غاية فتبين عدمها بطل (1) وإن تبين غيرها صح له إذا كان الاشتباه في التطبيق (2) وبطل إن كان على وجه التقييد (3). لو قصد غاية فتبين عدمها: (1) كما إذا تيمم لصلاة الظهر وانكشف كونه قبل الوقت بطل، أو انكشف أنه صلاها وليس هناك أية غاية أخرى من غاياته، والوجه في بطلانه هو عدم المشرع له. (2) بأن يقصد به الامر الفعلي، غاية الامر انه كان يتخيل أنه من جهة غاية كذا وانكشف ان الغاية كانت شيئا ثانيا غير ما كان يتخيله. (3) قد سبق القول في هذه المسألة، وقلنا: إن عبادية الطهارات الثلاثة لم تنشأ من امرها الغيري وانما نشأت من محبوبيتها بذاتها وكونها مستحبا نفسيا، فإذا أتى بها مضافة إلى الله سبحانه نحو إضافة صحت. سواء كان قد اتى بها بقصد كونها مقدمة لغاية معينة - على نحو التقييد بأن كان بحيث لو علم بعدم تلك الغاية لم يأت بها - أو أتى بها على وجه التقييد، فقصد التقييد وعدمه لا أثر له في المقام وامثاله بل لابد من الحكم بالصحة في كلتا الصورتين.

[ 181 ]

(مسألة 14): إذا اعتقد كونه محدثا بالاصغر فقصد البدلية عن الوضوء فتبين كونه محدثا بالاكبر فان كان على وجه التقييد بطل (1) وان كان من باب الاشتباه في التطبيق أو قصد ما في الذمة صح. وكذا إذا اعتقد كونه جنبا فبان عدمه وأنه ماس للميت مثلا (2). إذا نوى البدلية عن الاصغر فانكشف انه الاكبر: (1) لان ما قصده من الغاية لم يكن، وما هو موجود لم يقصد ومعه لابد من الحكم ببطلانه، وهذا بخلاف ما لو أتى به بقصد أمره الفعلي متخيلا إنه محدث بالاصغر فبان كونه محدثا بالاكبر. وهذا نظير ما إذا أتى بصلاة أربع ركعات قاصدا بها الظهر فبان أنه قد صلاها فان المأتي به حينئذ لا يقع عصرا بل يحكم ببطلانه بخلاف ما إذا أتى بها بقصد ما في الذمة أو بقصد أمرها الفعلي متخيلا أنه الامر بالظهر فبان أنه مأمورا بالعصر فانه يقع عصرا لا محالة، فالتفصيل بين صورة التقييد وبين قصد الامر الفعلي صحيح حينئذ. (2) يأتي تفصيل الكلام في ذلك في المسألة (26) من مسائل أحكام التيمم ان شاء الله تعالى فراجعه.

[ 182 ]

(مسألة 15): في مسح الجبهة واليدين يجب إمرار الماسح على الممسوح (1) فلا يكفي جر الممسوح تحت الماسح، نعم لا تضر الحركة اليسيرة في الممسوح إذا صدق كونه ممسوحا. عدم كفاية جر الممسوح تحت الماسح: (1) اعتمد في ذلك على الاخبار البيانية وغيرها مما دل على أنهم مسحوا بأيديهم وجوههم وأيديهم، وقد ذكرنا في مبحث الوضوء أن للمسح في لغة العرب معتيين: " أحدهما ": إزالة الاثر ويعبر عن آلة الازالة بالماسح فإذا كانت اليد قذرة فازيلت بمنديل أو بالحائط يقال انه مسح يده بالحائط أو بالمنديل، ومعناه ان ما دخلته " الباء " قد أزال الاثر عن اليد مثلا. ولا يفرق في هذا بين إمرار الماسح على الممسوح وبين إمرار الممسوح وجره من تحت الماسح فان المنديل ماسح على كل حال، سواء أوقفنا اليد وأمررنا المنديل عليه أم أمررنا اليد على المنديل. وقد احتملنا هناك أن يكون قوله سبحانه " وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم " من هذا القبيل أي يكون الرأس آلة وموجبا لزوال الرطوبة الموجودة في الاصابع وقد دلت الاخبار على انه لا بد أن

[ 183 ]

(مسألة 16): إذا رفع يده في أثناء المسح ثم وضعها بلا فصل وأتم فالظاهر كفايته (1) وان كان الاحوط الاعادة. تكون فيها رطوبة تمسح بالرأس والرجل. ولا يفرق في هذا - كما تقدم - بين أن يمر الماسح على الممسوح أو العكس وانما قلنا في الوضوء باعتبار مرور اليد على الرأس والرجلين لاجل الروايات. و " ثانيهما ": المسح: وهو إمرار اليد، ومنه قولهم " مسحت يدي على رأس اليتيم " وفي هذا يعتبر مرور الماسح على الممسوح لانه بمعنى الامرار فلو أوقفنا اليد وإمررنا رأس اليتيم عليها انعكس الامر فكأن الماسح الرأس لا اليد. وفي المقام الامر كذلك لان الامر بالمسح في التيمم ليس لاجل ازالة الاثر من اليد لا سيما لو قلنا بوجوب النفض فانه لا يبقى معه شئ من التراب ليزال بالمسح فيتعين أن يكون المسح في المقام بمعنى الامرار ومعه لابد من إمرار اليد على الوجه والكفين ولا يكفي جر الممسوح من تحت الماسح. كفاية رفع اليد في اثناء المسح ثم الوضع: (1) وذلك لاطلاقات الاخبار (1) ومسحهم (ع) في الاخبار (2)


(1) راجع الوسائل: باب 21 من التيمم ح 7 وباب 12 منه ح 2 وغيرهما. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من التيمم.

[ 184 ]

(مسألة 17): إذا لم يعلم أنه محدث بالاصغر أو الاكبر يكفيه تيمم واحد بقصد ما في الذمة (1). (مسألة 18): المشهور على أنه يكفي فيما هو بدل عن الوضوء ضربة واحدة للوجه واليدين، ويجب التعدد فيما هو بدل عن الغسل. والاقوى كفاية الواحدة فيما هو بدل عن الغسل أيضا وان كان الاحوط ما ذكره، وأحوط منه التعدد في بدل الوضوء أيضا (2). البيانية وان كان متصلا إلا أن فعلهم ذلك لا يدل على الوجوب لا سيما بملاحظة عدم الاهتمام ببيان اعتبار الاتصال في الاخبار ولو بالحكاية عن أنهم مسحوا من غير فصل. (1) لما تقدم من انه يكفي في التعيين تعيين المبدل عنه بالاجمال كقصد ما في الذمة ولو مع العلم بأنه محدث بالاصغر أو الاكبر فضلا عما إذا لم يعلم به. كفاية الضربة الواحدة مطلقا: (2) الظاهر أن الاقوال في المسألة أربعة: " الاول ": التفصيل بين التيمم البدل عن الوضوء وبين الذي هو بدل عن الغسل فيكفي في الاول ضربة واحدة للوجه واليدين،

[ 185 ]

وفي الثاني: تعتبر ضربتان: ضربة قبل مسح الوجه وأخرى قبل مسح اليدين بعد مسح الوجه، ذهب إليه المحقق والشيخ في مبسوطه ونهايته والمفيد في المقنعة وجمع آخرون بل نسب إلى اكثر المتأخرين. " الثاني ": كفاية الضربة الواحدة مطلقا سواء كان التيمم بدلا عن الغسل أم كان بدلا عن الوضوء، وقد ذهب إليه جمع كالمرتضى وابن الجنيد وابن أبي عقيل وجمع من متأخري المتأخرين. " الثالث ": اعتبار الضربتين في التيمم مطلقا وهو منسوب إلى جماعة من المتقدمين. " الرابع ": ما نسب إلى علي بن بابويه من اعتبار ضربات ثلاث في التيمم بلا فرق بين ما هو بدل عن الوضوء وما هو بدل عن الغسل. أما القول الاخير فقد استدل عليه بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن التيمم فضرب بكفيه الارض ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بشماله الارض فمسح بها مرفقه إلى اطراف الاصابع واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها ثم ضرب الارض ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه.. " (1). حيث دلت على ان التيمم ثلاث ضربات. و (فيه): ما قدمناه من أنها محمولة على التقية إذ لا يجب في التيمم المسح من المرفق كما مر - على أنها مخالفة لجميع الاخبار الواردة في التيمم لدلالتها على انه ضربة أو ضربتان فهي رواية شاذة ومخالفة للسنة القطعية فلا مناص من طرحها فهذا القول ساقط.


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب التيمم ح 5.

[ 186 ]

وأما القول الاول الذي ذهب إليه المحقق الطوسي وغيرهما من التفصيل بين التيمم البدل عن الغسل وما هو بدل عن الوضوء فهو مما لا يمكن الالتزام به أيضا حيث لا دليل عليه، وان استدل عليه الشيخ الطوسي " قده " بما حاصله: أن الاخبار على طائفتين: " احداهما ": تدل على ان التيمم ضربة واحدة، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين ما هو بدل عن الغسل وما هو بدل عن الوضوء. و " ثانيتهما ": تدل على انه ضربتان ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين البدل عن الغسل والبدل عن الوضوء، إلا أنا نأخذ بالقدر المتيقن من كل منهما ونرفع به اليد عن ظاهر الاخرى. وحيث ان القدر المتيقن من الطائفة الثانية هو اعتبار الضربتين فيما هو بدل عن الغسل إذ لا يحتمل ان تكون الضربتان معتبرتين فيما هو بدل عن الوضوء دون الغسل فنأخذ به ونرفع اليد لاجله عن إطلاق الطائفة الدالة على انه ضربة واحدة بحملها على ما هو بدل عن الوضوء. كما ان القدر المتيقن من الطائفة الاولى اعتبار الضربة الواحدة فيما هو بدل عن الوضوء لانا لا نحتمل عكسه فنأخذ به ونرفع اليد عن اطلاق الطائفة الثانية بحملها على ما هو بدل عن الغسل. وقد صنع الشيخ " قده " نظير ذلك في الجمع بين ما دل على ان ثمن العذرة سحت (1) وبين ما دل على انه لا بأس ببيع *


(1) الوسائل: ج 12 باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1.

[ 187 ]

العذرة (1) بحمل الاولى على عذرة الانسان وحمل الثانية على عذرة غيره بعين البيان المتقدم. ولا يمكن الاعتماد على ما ذكره بوجه، وذلك: اما أولا: فلان وجود القدر المتيقن من الخارج لا يقلب الرواية عن ظاهرها، وعليه فهما متعارضان لابد من علاجهما، وحمل احداهما على ما هو بدل عن الغسل والاخرى على ما هو بدل عن الوضوء ليس بجمع عرفي بينهما. وأما ثانيا: فلان في المقام روايتين تدلان على أن التيمم في كل من الغسل والوضوء على ترتيب واحد احداهما: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له: كيف التيمم قال: " هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة: تضرب بيديك مرتين.. " (2). فان معناها ان التيمم قسم واحد للوضوء والغسل، وفي كليهما تضرب بيديك. و (دعوى): ان معنى الرواية هو أن التيمم ضرب واحد للوضوء، وأما الغسل فلابد فيه من ضرب اليد على الارض مرتين. (مندفعة): بأنه خلاف الظاهر جدا لان " تضرب.. " لا يمكن حمله على الغسل وثالثتهما: موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن التيمم عن الوضوء والجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟ فقال: نعم (3) -


(1) الوسائل: ج 12 باب 40 من أبواب ما يكسب به ح 2، 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 12 من ابواب التيمم ح 4. (3) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب التيمم ح 6.

[ 188 ]

وهي أصرح من سابقتها، وهما تدلان على بطلان التفصيل بين التيمم البدل عن الوضوء وما هو بدل عن الغسل. وثالثا: لان التفصيل بذلك لا يمكن الالتزام به في نفسه لان الاخبار البيانية الدالة على أن التيمم ضربة واحدة قد ورد اكثرها في قضية عمار (1) وهو انما كان مأمورا بالغسل من الجنابة - على ما صرح به في الاخبار - ومعه كيف يمكن حملها على التيمم البدل عن الوضوء. (وقد يقال): ان الجمع بين الطائفتين بما ذكره الشيخ (قده) انما هو للشاهد الذي نقله العلامة عن الشيخ من انه روي عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " ان التيمم من الوضوء مرة واحدة ومن الجنابة مرتان " (2)، وهي شاهدة الجمع بين الطائفتين. (ويندفع): بأن الرواية ليس لها وجود، ولعل اول من تنبه له صاحب المنتقى وقد ذكر انه اجتهاد من الشيخ وأن العلامة ظن من عبارته انه رواية حيث ان الشيخ بعد ما نقل الاخبار وما استدل به على التفصيل المذكور بما ذكرناه من الجمع بين الطائفتين قال: " على انا اوردنا خبرين مفسرين لهذه الاخبار احدهما عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (ع) والآخر عن ابن أبي أذينة عن مسلم عن أبي عبد الله (ع) أن التيمم من الوضوء مرة واحدة ومن الجنابة مرتان ". وقوله " اوردنا " كالصريح في انه يشير إلى الاخبار التي نقلها


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم. (2) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب التيمم ح 8.

[ 189 ]

قبل ذلك وليس في الاخبار ما يدل على التفصيل المذكور فقوله: " ان التيمم من الوضوء مرة واحدة... " نتيجة ما فهمه عن نقل الاخبار والجمع بينها. على انا لو سلمنا وجود تلك الرواية فهي تدل على تفصيل آخر لم يقل به احد من الاصحاب حيث انها تدل على ان التيمم بدلا عن الوضوء مرة واحدة وعن الغسل مرتان أي يجب في التيمم البدل عن الوضوء مرة وفي البدل عن الغسل تيممان، ولم يقل بهذا فقيه. وانما التزموا بوحدة التيمم في كليهما، واختلفوا في اعتبار الضربة الواحدة فيه أو اعتبار الضربتين أو اعتبار التفصيل فهذا القول الاول الذي يتضمن التفصيل المشهور مما لا يمكن الاعتماد عليه. اذن يدور الامر بين القول بكفاية الضربة الواحدة مطلقا - فيما هو بدل عن الوضوء والغسل - وبين القول بلزوم تعدد الضربة مطلقا. والصحيح هو الاول وهو الاجتزاء بالضربة الواحدة مطلقا وذلك لان ما استدل به على اعتبار تعدد الضربة قاصر عن اثبات ذلك المدعى في نفسه - على انه لو تم في الدلالة عليه لا يقاوم معارضة الادلة الدالة على كفاية الضربة الواحدة، والكلام يقع في مقامين: " المقام الاول ": في قصور الاخبار المستدل بها على التعدد عن اثبات مدعى القائلين بالتعدد وذلك لانه من تلك الاخبار صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن التيمم فقال: " مرتين مرتين للوجه واليدين " (1). فان قوله (ع) " مرتين مرتين " لا يمكن حمله على كونه


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب التيمم ح 1.

[ 190 ]

صادرا عنه بان تدل على اعتبار الضرب في التيمم اربع مرات لانه مما لم يقل به احد من اصحابنا فلا مناص من حمله على أن لفظة " مرتين " الثانية من الراوي بان يقال: مراده انه (ع) قال مرتين: التيمم مرتين للوجه واليدين. ولاجل الدلالة على أنه قال كذلك مرتين اضاف الراوي كلمة " مرتين " ثانية. فتدلنا الصحيحة على اعتبار التعدد في التيمم إلا أنه لا دلالة لها على ان المراد هو التعدد على الكيفية التي يدعيها القائل به بأن يعتبر في التيمم ضربة قبل مسح الوجه وضربة أخرى قبل مسح اليدين بعد مسح الوجه. لان مقتضى اطلاقها جواز ايقاع الضربتين قبل مسح الوجه فلا دلالة لها بوجه على لزوم كون احدى الضربتين قبل مسح الوجه والاخرى بعده قبل مسح اليدين. و " منها ": صحيحة اسماعيل بن همام الكندي عن الرضا (ع) قال: " التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " (1)، وهي اصرح رواية يمكن الاستدلال بها على التعدد. إلا أنها أيضا كسابقتها في قصور الدلالة على مراد المدعي للتعدد إذ لا دلالة لها على ان احدى الضربتين تقع قبل مسح الوجه، والثانية تقع قبل مسح اليدين بعد مسح الوجه لاحتمال ارادة وقوعهما قبل مسح الوجه بل مقتضى اطلاقها ذلك. كما ان مقتضى بعض الاخبار الواردة في التعدد أن تكون الضربتان قبل مسح الوجه وذلك كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع)


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب التيمم ح 3.

[ 191 ]

قال: قلت له: كيف التيمم قال: " وضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه ومرة لليدين " (1) لدلالتها على ان الضربتين لابد أن تقعا قبل مسح الوجه لمكان لفظة " ثم ". وصحيحة ليث المرادي عن أبي عبد الله (ع) في التيمم قال: " تضرب بكفيك على الارض مرتين ثم تنفضهما وتمسح بها وجهك وذراعيك "، وذلك لمكان لفظة " ثم " أيضا. اذن ليس هناك رواية تدل على مدعى القائل بالتعدد إلا صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (3) التي حملناها على التقية حيث صرحت باعتبار ضربات ثلاثة في التيمم: واحدة للوجه وثانية لليد اليمنى وثالثة لليد اليسرى ولا يمكن الاعتماد على ما مر - هذا كله في المقام الاول. " المقام الثاني ": في أن الاخبار المستدل بها على اعتبار التعدد بناءا على دلالتها على هذا المدعى، لا تقاوم الاخبار الدالة على كفاية الضربة الواحدة في التيمم وانها لابد أن تعمل على الاستحباب - وان لم يكن قائل باستحباب التعدد قبل مسح الوجه أيضا. والسر في ذلك: أن الاخبار البيانية على كثرتها لم يذكر فيها انهم (عليهم السلام) ضربوا كفيهم على الارض مرتين وحيث انها في مقام البيان فيستكشف منها أن المعتبر في التيمم هو الضربة


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب التيمم ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب التيمم ح 2. (3) تقدمت في المسألة 18 عند نقل الاستدلال على القول الآخر.

[ 192 ]

الواحدة دون الضربتين، فلو كانوا (ع) ضربوا مرتين لنقلته الرواة الينا كما نقلت الينا الاخبار البيانية. و (دعوى): انها انما وردت لبيان الماسح والممسوح وانه لا يلزم مسح تمام البدن بدلا عن غسله. (مندفعة): بأن جملة منها وردت في قضية عمار لبيان ما يعتبر في التيمم وتعليمه اياه فكيف يمكن أن يدعى انها ليست في مقام البيان، حيث ان عمارا لم يكن يعلم بكيفية التيمم فلو لم يكن صلى الله عليه وآله بصدد بيان كيفيته وما يعتبر فيه لم يكن هذا مفيدا في حقه وكان حاله بعده كحاله قبله. فلا يمكن دعوى انها ليست بصدد البيان بل قد ورد في مقام تعليمه وبيان انه لا يجب التمرغ في التراب ما هو كالصريح في عدم اعتبار التعدد في التيمم. وهذه صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم لعمار في سفر له: يا عمار بلغنا انك اجنبت فكيف صنعت؟ قال: تمرغت يارسول الله في التراب، قال: فقال له: كذلك يتمرغ الحمار، افلا صنعت كذا، ثم اهوى بيديه إلى الارض فوضعهما على الصعيد ثم مسح جبينه (جبينيه) بأصابعه وكفيه احداهما بالاخرى ثم لم يعد ذلك " (1). فان قوله " لم يعد ذلك " كالصريح في انه ضرب يديه على الارض مرة واحدة من دون اعادتها - هذا وقد ذكر صاحب الجواهر (قده) ان قوله (ع) " ثم لم يعد


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التيمم ح 8.

[ 193 ]

ذلك " يحتمل فيه امران: " احدهما ": ما قدمناه من أنه (ع) ضرب يديه على الارض مرة واحدة من دون ان يكررها ويعيدها. و " ثانيهما ": انه " لم يعد، أي لم يتجاوز المسح ولم يمسح زائدا على جنبيه وكفيه. وعليه فالرواية تصبح مجملة، ولعله اخذ ذلك من المحدث الكاشاني حيث ذكر هذين الاحتمالين بعد نقل الصحيحة، هذا ولكن الظاهر هو الاول وذلك لوجود لفظة " ثم " لانه لو كان بمعنى لم يتجاوز ولم يعد كان ذلك متصلا بمسحه أي لم يتجاوز في مسحه فلا معنى فيه للتأخير المدلول عليه بلفظة " ثم " فوجودها موجب لظهور الرواية في أنه " لم يعد " اي لم يكرر الضرب. ثم لو فرضنا ان الرواية كانت صريحة في الثاني - أي لم يعد ولم يتجاوز - لم يكن مناص أيضا من حمله على انه لم يتجاوز في ضرب اليدين أيضا لمكان لفظة " ثم " وانه بعدما مسح كفيه لم يعد الضرب فالرواية كالصريحة فيما ذكرناه. اذن لابد من الالتزام بكفاية الضربة الواحدة في التيمم على الاطلاق وحمل ما دل على التعدد على الاستحباب أو التقية. نعم: الاحوط ان يكرر الضرب مرتين - كما في الاخبار - واحوط منه أن يتيمم مرتين: بالضربة الواحدة يتيمم مرة، ويتيمم اخرى بضربتين قبل مسح الوجه، كما يحصل الاحتياط بما ذكره الماتن من أنه يضرب يديه مرة واحدة ويمسح وجهه ويديه ثم يضرب مرة اخرى ويمسح بها يديه.

[ 194 ]

والاولى ان يضرب بيديه ويمسح بهما جبهته ويديه ثم يضرب مرة اخرى ويمسح بها يديه. وربما يقال: غاية الاحتياط أن يضرب مع ذلك مرة اخرى يده اليسرى ويمسح بها ظهر اليمنى ويمسح بها ظهر اليسرى. (مسألة 19): إذا شك في بعض اجزاء التيمم بعد الفراغ منه لم يعتن به (1) الشك بعد الفراغ عن التيمم: (1) فيما إذا لم يكن شكه في الاتيان بالجزء الاخير كما لو شك في انه أتى بجزء من اجزاء التيمم أو كان واجدا لشرط من شرائطه فيبني على صحة تيممه لما دل على انه " كلما مضى من صلاتك وطهورك فامضه كما هو ". وأما إذا شك في الاتيان بالجزء الاخير من التيمم - أي مسح يده اليسرى - فهو ليس بمورد لقاعدة الفراغ لعدم احراز الفراغ عنه لاحتمال أنه بعد في اثنائه لم يأت بالجزء الاخير. (ودعوى): أن الفراغ المعتبر في القاعدة هو الفراغ البنائي بان يبني المكلف على انه فرغ من عمله. مما لا شاهد عليه في شئ من الروايات، بل يعتبر في جريان القاعدة المضي والفراغ حقيقة ولا يتحقق هذا مع الشك في الاتيان بالجزء الاخير، نعم لو شك في ذلك بعد فوات الموالاة لا بأس بالتمسك

[ 195 ]

وبنى على الصحة، وكذا إذا شك في شرط في شروطه. وإذا شك في اثنائه قبل الفراغ في جزء أو شرط (1): فان كان بعد تجاوز محله بنى على الصحة، وان كان قبله أتى به وما بعده من غير فرق بين أن يكون بدلا عن الوضوء أو الغسل. بقاعدة الفراغ لمضي محل التيمم حينئذ، إذ يصح أن يقال: أنه مما قد مضى وتجاوز عن محله. وكذلك الحال فيما إذا شك فيه بعد دخوله في شئ آخر مترتب على التيمم فانه يحرز به التجاوز عن المحل فتجري فيه القاعدة، فالمحقق للفراغ والتجاوز احد أمرين: الاول: فوات الموالاة. الثاني: الدخول في شئ آخر مترتب على التيمم. الشك في اثناء التيمم: (1) فان لم يتجاوز عن محله ولم يدخل في الجزء الآخر أتى بما يشك في الاتيان به، لعدم جريان القاعدة فيه بوجه، وأما إذا تجاوز عن محل المشكوك ودخل في جزء آخر فهل تجري فيه قاعدة التجاوز ويحكم بعدم الاعتناء بشكه أو لا تجري؟ فيه كلام قد تعرضنا له في محله وقلنا: انه قد يمنع عن جريان القاعدة في الطهارات الثلاث نظرا إلى أن الطهارة امرا واحد بسيط

[ 196 ]

لكن الاحوط الاعتناء به مطلقا وإن جاز محله، أو كان بعد الفراغ ما لم يتم عن مكانه أو لم ينتقل إلى حالة اخرى على ما مر في الوضوء خصوصا فيما بدل عنه. لا معنى للشك في اثنائه والتجاوز عن بعض اجزائه لانه اما موجود واما معدوم ولا تركب فيه وانما الشك في محصلها وسببها فلابد من الاعتناء بالشك في اثناء تلكم الافعال المحصلة للطهارة، وعليه فلا تجري القاعدة بطبعها في شئ من الطهارات الثلاث من دون حاجة إلى التخصيص في ادلتها. واجبنا عن ذلك: ان الوضوء والغسل والتيمم اسم لنفس تلكم الافعال وهي مركبة قد يشك في الاتيان بجزء منها بعد الدخول في جزء آخر منها فلا مانع من جريان القاعدة فيها في طبعها، ومن هنا اجريناها في الغسل عند الشك في اثنائه، وانما لا نلتزم بجريانها في الشك في اثناء الوضوء للتخصيص من جهة الاخبار (1) الدالة عليه، لا لانه ليس بمورد للقاعدة. وعليه فلو شك في اثناء التيمم في جزء منه بعد الدخول في جزء آخر جرت فيه القاعدة وبها يحكم بصحة التيمم من دون فرق في ذلك بين أن يكون التيمم بدلا عن الوضوء أو بدلا عن الغسل وذلك لان التيمم عبادة في نفسه وهو امر قابل للشك في اثنائه فتجري فيه القاعدة. إذ لم يقم دليل على تخصيصها إلا في الوضوء، ولا دليل على


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء.

[ 197 ]

(مسألة 20) إذا علم بعد الفراغ ترك جزء يكفيه العود إليه والاتيان به وبما بعده في عدم فوت الموالاة، ومع فوتها وجب الاستئناف (1) وان تذكر بعد الصلاة وجب اعادتها أو قضاؤها (2) وكذا إذا ترك شرطا مطلقا ما عدا الاباحة في الماء أو التراب (3) فلا تجب إلا مع العلم والعمد كما مر أن حكم البدل هو حكم مبدله، فبما أن الوضوء لا تجري فيه القاعدة فلا تجري في التيمم أيضا، نعم الاحوط الاعتناء بالشك في اثنائه ولا سيما فيما هو بدل عن الوضوء. (1) للاخلال بالهيئة الاتصالية المعتبرة في العبادات المركبة. لو علم ترك جزء بعد الفراغ: (2) للعلم بفوات الطهور، ولا صلاة إلا بطهور، وحينئذ يقطع المكلف ببطلانها. (3) نظرا إلى أن الاباحة شرط ذكري، ومع عدم العلم والعمد يسوغ التصرف في الماء أو التراب وان كانا للغير فيصح وضوئه وغسله وتيممه. و (فيه): ان ذلك وان كان مشهورا عندهم حيث جعلوا المقام من موارد اجتماع الامر والنهي، وذكروا أنه مع سقوط النهي للجهل أو لغيره لا مانع من الاتيان بالمجمع ووقوعه صحيحا لانه مأمور به وقد ارتفع عنه المانع والمزاحم الذي هو النهي.

[ 198 ]

إلا انا ذكرنا في مبحث الوضوء والغسل ان الاباحة شرط واقعي أيضا لان الحرمة وان لم تكن متنجزة في موارد الجهل على المكلف إلا انها موجودة واقعا وهو امر مبغوض، والحرمة الواقعية كافية في تخصيص دليل الوجوب لان الحرام لا يعقل كونه مصداقا للمأمور به. فالمقام من موارد النهي عن العبادة لاتحاد متعلق الامر والنهي فيه وليس من موارد اجتماع الامر والنهي التي يكون المأمور به فيها مغايرا للمنهي عنه إلا أن المكلف لا يتمكن من امتثالهما، والفرق بين المقامين ظاهرا. فإذا ظهر ان الماء أو التراب لم يكن حلالا بطل تيممه ووضوئه ووجب عليه اعادة صلاته أو قضاؤها. نعم: إذا كان ناسيا للغصبية صح وضوئه وغسله وتيممه لان النسيان يرفع الحرمة والمبغوضية الواقعية ولكون العمل مع النسيان صادرا على وجه مباح، وما يأتي به مع النسيان يقع مصداقا للمأمور به من غير نقص، إلا أن يكون الناسي هو الغاصب بعينه لانه وإن كانت الحرمة مرتفعة أيضا إلا أنه يصدر العمل منه مبغوضا ويعاقب عليه لان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

[ 199 ]

فصل في احكام التيمم (مسألة 1): لا يجوز التيمم للصلاة قبل دخول وقتها (1) وان كان بعنوان التهيؤ. " فصل: في احكام التيمم " (1) هذا هو المعروف عند الاصحاب، وتفصيل الكلام فيه. انه قد يقع الكلام فيمن وجب عليه الغسل أو الوضوء قبل الوقت بسبب ونحو من الانحاء من الالتزام بالواجب المعلق أو غيره - على ما اسلفناه في بحوث مقدمة الواجب والمقدمات المفوتة - وذلك كالغسل ليلة شهر رمضان قبل الفجر لئلا يبقى على الجنابة عند طلوع الفجر فحيث أنه لا يتمكن من الطهارة المائية جاز في حقه التيمم وان كان قبل الوقت لعين ما دل على وجوب الطهارة المائية في حقه اما بالالتزام بالواجب المعلق أو بغيره من الوجوه وليس كلام المشهور في أن التيمم لا يجوز قبل الوقت ناظرا إلى تلك الصورة - اعني ما إذا وجبت عليه الطهارة قبل الوقت - ومن هذه الكبرى ما إذا كان عند المكلف ماء يفي بغسله أو

[ 200 ]

وضوئه قبل الوقت إلا انه لو لم يتوضأ أو يغتسل قبل الوقت واراق الماء لم يتمكن من الطهارة المائية ولا الترابية بعد الوقت فانه في هذه الصورة يجب عليه التوضؤ أو الاغتسال قبل الوقت. أو لو كان على طهارة وجب عليه ابقاؤها وحرم عليه نقضها بالحدث قبل الوقت لانه لو لم يأت بهما قبل الوقت لفوت الملاك الموجود في الصلاة بالاختيار لانه لا صلاة إلا بطهور، وتفويت الملاك قبيح عند العقل لقبح عصيان التكليف المحكم. نعم: لو كان على نحو لفوت الماء قبل الوقت لم يتمكن من الوضوء أو الغسل بعد الوقت ولكنه يتمكن من الطهارة الترابية لم يجب عليه الوضوء أو الاغتسال قبل الوقت لانه كما أنه لو كان على طهارة جاز له ان ينقضها بالحدث قبل الوقت لانه متمكن من تحصيل الملاك الملزم في الصلاة بالتيمم لانه كالماء وقائم مقامه، فهذه المسألة أيضا من صغريات تلك الكبرى. وكيف كان: لا اشكال في وجوب التيمم إذا كانت الطهارة واجبة على المكلف قبل الوقت اللهم إلا ان تقول ان التيمم مبيح للصلاة لا انه رافع للحدث فلا يجب التيمم على المكلف في المثال على هذا المبنى لانه لا يرفع حدثه كي يكون متطهرا بسببه ويدرك الفجر متطهرا. بل يبقى على حدث التيمم وانما يباح له الدخول في الصلاة ولا دليل على انه يباح بالتيمم الصوم أيضا فهو فاقد الطهارة حينئذ ومضطر في بقائه على الجنابة عند الفجر فلا تجب عليه الكفارة لاضطراره. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بانه رافع للحدث فانه واجب على المكلف

[ 201 ]

حينئذ لانه مأمور بالطهارة وترك البقاء على الجنابة عند طلوع الفجر فانه لو بقي عليها بالاختيار لوجبت عليه كما هو محرر في محله فيجب عليه أن يرفع حدثه بالتيمم لعجزه عن الماء ولعله إلى ذلك ينظر المانعون عن مشروعية التيمم قبل دخول الوقت حتى في مفروض المثال. بل يمكن ان يقال: ان التيمم بناءا على انه رافع للحدث لا يكون مشروعا في المقام أيضا لانه ليس برافع للجنابة بل المتيمم جنب حقيقة وانما يرتفع بالتيمم حدثه ومن هنا يجب عليه الاغتسال بعد تمكنه من الماء، والدليل دل على ان البقاء على الجنابة موجب لبطلان الصوم أو للكفارة، والمتيمم جنب فهو - على كلا القولين - مضطر إلى البقاء على الجنابة فلا تجب الكفارة عليه ولا يشرع في حقه التيمم أيضا. إلا ان الصحيح انه - على القول بكونه رافعا - لا شبهة في مشروعية التيمم قبل الوقت في الصورة المذكورة وذلك لان ظاهر الادلة أن الجنابة بما انها حدث لا يجوز البقاء عليه وهي بهذا الوصف مانع عن الدخول في الصلاة أو غيرها، لا يوصف كونها جنابة، فإذا ارتفعت الجنابة بما انها حدث صح صومه وجاز له كلما هو جائز للمتطهر وغير المحدث، والمفروض ان المكلف محدث فيجب عليه التيمم قبل الوقت لئلا يبقى على الحدث عند الفجر بالاختيار، وإلا لوجبت عليه الكفارة وبطل صومه كما يأتي تفصيل هذا البحث عند التكلم في أن التيمم رافع أو مبيح. واخرى: يقع الكلام فيما إذا لم تجب الطهارة قبل الوقت عليه

[ 202 ]

نعم لو تيمم بقصد اخرى واجبة أو مندوبة يجوز الصلاة به بعد دخول وقتها، كأن يتيمم لصلاة القضاء أو للنافلة إذا كان وظيفته التيمم. وهو بحيث يحتمل تمكنه من الماء بعد دخول الوقت وقبل ان ينقضي وفي هذه الصورة إن قلنا بعدم جواز التيمم اول الوقت لمن احتمل تمكنه من الماء إلى آخر الوقت فلا مناص من الالتزام بعدم جوازه قبل الوقت بطريق اولى. وان قلنا بجوازه اول الوقت ولو مع احتمال طرو التمكن من الماء آخر الوقت أو فرضنا الكلام فيمن علم بعدم تمكنه إلى آخر الوقت فهل يجوز له التيمم قبل دخول الوقت أو لا يجوز؟ قد يقال بالجواز بدعوى أنه حينئذ مقتضى القاعدة فالقول بعدم جوازه يحتاج إلى دليل. والتحقيق عدم مشروعية التيمم قبل الوقت، إذ ليست هناك قاعدة تقتضي الجواز لتحتاج في الخروج عنها إلى اقامة الدليل عليه. وسره: انا قد استفدنا من الآية المباركة والاخبار أن التيمم انما يسوغ في ضرف الحاجة إليه لاجل الصلاة أو سائر الغايات لانه معنى قوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة.. " (1) فانه إذا احتاج إلى الطهارة ولم تمكنه الطهارة المائية فيقوم التيمم مقامها فان رب الماء ورب الصعيد واحد، واما قبل دخول الوقت في مفروض الكلام فلا حاجة للمكلف إلى الطهارة بوجه حتى تقوم الطهارة الترابية مقام


(1) سورة المائدة: الآية: 5.

[ 203 ]

مقام الطهارة المائية ويسوغ التيمم. وهذا الوجه وان كان جاريا في الغسل والوضوء أيضا لقوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة.. " (1) أو قوله تعالى " حتى تغتسلوا " (2) وكذا دلت عليه الاخبار، إلا ان الوضوء والغسل عبادتان ومستحبان في ذاتهما فلا مانع من الاتيان بهما بداعي محبوبيتهما حتى قبل الوقت بل التزم بعضهم بالوجوب النفسي في غسل الجنابة كما تقدم في فروعه. وتوضيحه: انه لا اشكال في استحباب الغسل وكونه عبادة في نفسه غير موقتة - بل هناك قول بوجوبه النفسي كما قدمناه - وعليه لا فرق في محبوبيته واستحبابه قبل الوقت وبعده فللمكلف أن يأتي به قبل الوقت أيضا. وأما الوضوء فهو إن كان مثل الغسل عبادة غير موقتة في نفسه - كما استظهرناه في محله وقلنا ان محبوبيته غير موقتة - فهو كالغسل يجوز الاتيان به قبل الوقت أيضا. وأما لو لم يثبت ما ذكرناه وكانت محبوبيته متوقفة على دخول وقت الصلاة فلا مانع من الاتيان به قبل الوقت تهيؤا للصلاة في اول وقتها وتدل عليه السيرة المتشرعية حيث جرت سيرتهم على التهيؤ والوضوء قبل الوقت للتمكن من اقامة الجماعة في اول الوقت. وهذه السيرة لم تقم في التيمم بأن يتيمموا للتهيؤ للصلاة، من هنا لم يجز الاتيان بالتيمم قبل الوقت بوجه. نعم: لو أتى بالتيمم قبل الوقت لغاية من غاياته المشروعة له


(1) سورة المائدة: 5: 6. (2) سورة النساء 4: 43.

[ 204 ]

(مسألة 2): إذا تيمم بعد دخول وقت فريضة أو كالتيمم لصلاة القضاء في الموارد التي يجوز فيها التيمم للقضاء دون ما لا يجوز كما يأتي تفصيله في محله، فلو تيمم ثم دخل وقت الصلاة لم يجب عليه ان يتيمم ثانيا لاجل فريضة الوقت فانه متطهر ولا يجب التيمم على المتطهر، بل له الشروع في الفريضة بتيممه السابق الذي وقع صحيحا حسب الفرض. ثم ان التيمم كالوضوء والغسل في كونه عبادة مستحبة في ذاتها، ومن هنا قلنا ان عبادية الطهارات الثلاث ومحبوبيتها ناشئة من استحبابها الذاتي ولم تنشأ من الامر الغيري المتعلق بها على القول بالوجوب الغيري فضلا عما لو لم نلتزم به. إلا ان الكلام في تعيين ظرف استحبابة النفسي وهل يستحب في في كل وقت؟ وقد دلتنا الاخبار (1) والآية المباركة (2) على ان محبوبيته واستحبابه الذاتي بعد الوقت لا قبله، وهذا لا يبتني على القول بالواجب المعلق، وسواء قلنا به أم لم نقل به فلا يمكننا الحكم بجواز التيمم قبل الوقت لان القول بالواجب المعلق لا يقتضي أن يكون ظرف الاستحباب في التيمم قبل الوقت، فما ذهب إليه المشهور من عدم مشروعيته قبل الوقت هو الصحيح.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 - 19 - 21 - 22 وغيرها من أبواب التيمم. (2) تقدمت في ص 203.

[ 205 ]

نافلة يجوز اتيان الصلوات التي يدخل وقتها بعد دخوله (1) ما لم يحدث أو يجد ماءا، فلو تيمم لصلاة الصبح يجوز أن يصلي به الظهر، وكذا إذا تيمم لغاية اخرى غير الصلاة التيمم لصلاة بعد وقتها يسوغ الاتيان بغيرها ايضا بعد وقتها. (1) ولا يجب عليه أن يتيمم لكل واحدة من الصلوات تيمما على حدة بل يكفي تيممه مرة واحدة لجميع الغايات المترتبة عليه ما لم يحدث أو يجد الماء لانهما ناقضان للتيمم. والوجه في ذلك ما اشرنا إليه من أن المكلف بعدما صار متطهرا بتيمم مشروع لا يجب عليه تحصيل الطهارة ثانيا لان التيمم وظيفة غير المتطهر وهو متطهر فله أن يأتي بتيممه باقي الصلوات التي دخل وقتها. وكذلك بالاضافة إلى ما لم يأت وقته فانه لا يجب عليه أن يتيمم لاجله لانه تطهر حسب الفرض. هذا مضافا إلى التسالم بين الاصحاب على ذلك وادعي عليه الاجماع والاتفاق، وتدل عليه جملة من الروايات الصحيحة، كصحيحة زرارة: قال: قلت لابي جعفر (ع) يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها؟ فقال: نعم، ما لم يحدث أو يصب ماء " (1).


(1) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب التيمم ح 1.

[ 206 ]

وصحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل لا يجد الماء يتيمم لكل صلاة؟ فقال: " لا، هو بمنزلة الماء " (1) ودلالتها على المدعى اظهر من سابقتها لاختصاص الاول بعدم وجوب تجديد التيمم لصلوات الليل والنهار، ودلالة الاخيرة على عدم وجوب تجديده لكل صلاة يومية كانت أو غيرها فريضة أو نافلة. وقد ورد في بعض الاخبار (2) ان الصعيد يكفيك عشر سنين وان فسرناها سابقا بمعنى آخر. وبازاء هذه الاخبار صحيحة أبي همام عن الرضا (ع) قال: " يتيمم لكل صلاة حتى يوجد الماء " (3) فان ظاهرها ان كل واحدة من الصلوات يحتاج إلى التيمم ولا يكفي التيمم الواحد لاكثر من صلاة واحدة. و (فيه): ان الصحيحة ليست بصدد بيان من يجب عليه التيمم ومن لا يجب في حقه ذلك، وانما هي بصدد بيان ان التيمم كالوضوء يجوز أن يؤتى به أي صلاة يريدها المكلف من فريضة أو نافلة اداءا أو قضاءا حتى يوجد الماء. واما انه واجب لاي شخص ومشروع في حق أي مكلف فليست الرواية بصدد بيانه. نعم: رواية السكوني ظاهرة الدلالة على عدم جواز الاتيان بالتيمم الواحد زائدا على صلاة واحدة ونافلتها، حيث روى عن


(1) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب التيمم ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب التيمم ح 7. (3) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب التيمم ح 4.

[ 207 ]

(مسألة 3): الاقوى جواز التيمم في سعة الوقت (1) جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: " لا يتمتع بالتيمم إلا صلاة واحدة ونافلتها " (1). إلا انها ضعيفة السند بمحمد بن سعيد بن غزوان لانه لم يوثق وعليه لا يمكن الحكم بوجوب تجديد التيمم لكل صلاة إلا انه امر لا مانع من الالتزام باستحبابه بناءا على التسامح في ادلة السنن. فالمتحصل: أن ما ادعي عليه الاجماع من كفاية التيمم الواحد لجميع الغايات المترتبة على الطهارة مما دخل وقته وما لم يدخل من دون حاجة إلى تكراره لكل صلاة وغاية هو الصحيح. صور البدار واحكامها: (1) شرع (قده) في بيان حكم البدار، وصوره ثلاثة: " الاولى ": ما إذا علم المكلف بانه يتمكن من استعمال الماء قبل انقضاء الوقت وان كان عاجزا عنه بالفعل. " الثانية ": ما إذا احتمل طرو التمكن له في الاثناء إلى آخر الوقت وان كان يحتمل عدمه وبقاء عجزه أيضا. " الثالثة ": ما إذا علم ببقاء عذره إلى آخر الوقت وعدم ارتفاعه في الاثناء.


(1) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب التيمم ح 6.

[ 208 ]

وإن احتمل ارتفاع العذر في آخره بل أو ظن به. نعم مع العلم بالارتفاع يجب الصبر، لكن الاحوط التأخير إلى آخر الوقت مع احتمال الرفع وان كان موهوما. نعم مع العلم بعدمه وبقاء العذر لا اشكال في جواز التقديم. " الصورة الاولى " المعروف والمشهور فيها عدم جواز البدار ووجوب التأخير إلى أن يتمكن من الماء. وقد يقال بجوازه حينئذ تمسكا بعموم ادلة (1) بدلية التراب عن الماء فان رب الصعيد ورب الماء واحد، وبما ان المكلف لا يتمكن من الماء بالفعل يسوغ له ان يتيمم ويصلي ثم إذا وجد الماء لم تجب عليه اعادتها لما يأتي من الاخبار الدالة على ان من صلى بالتيمم لا تجب عليه اعادتها إذا وجد الماء في الوقت. إلا أن ذلك ضعيف غايته لانا اسلفنا ان الفقدان المسوغ للتيمم هو الفقدان بالاضافة إلى المأمور به، والمأمور به هو الطبيعي الجامع بين الافراد العرضية والطولية الواقعة بين المبدأ والمنتهى والخصوصيات الفردية خارجة عما تعلق به الامر.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب التيمم وباب 14 ح 13 و 15 و 17.

[ 209 ]

ومن الظاهر أن المكلف متمكن من الماء بالنسبة إلى الطبيعي لعلمه بأنه متمكن من استعماله قبل انقصاء وقته، نعم هو فاقد للماء بالنسبة إلى بعض الافراد كالفرد الذي يريد أن يأتي به في اول الوقت. إلا ان الفقدان بالنسبة إلى الافراد وغير المأمور به غير مسوغ للتيمم بوجه وإلا فلو كان في السرداب مثلا جاز له ان يتيمم ويصلي لانه بالنسبة إلى الفرد الواقع في السرداب فاقد للماء وان واجدا له بالنسبة إلى غيره. ومما يدل على ما ذكرناه: الاخبار (1) الآمرة بطلب الماء فان الفقدان بالنسبة إلى فرد ما إذا كان كافيا لم يجب الطلب في جواز التيمم بل جاز التيمم من دون طلب أيضا فهذا الوجه ساقط ولا يجوز البدار في هذه الصورة بوجه. " الصورة الثانية ": والمعروف فيها بين المتقدمين أو بينهم وبين المتأخرين هو عدم الجواز إلا انه قد يلتزم بجوزه تمسكا بعموم أدلة البدلية وبعد ما وجد الماء لا تجب الاعادة لاطلاق ما دل على أن من صلى بتيمم لا تجب عليه الاعادة فيما إذا وجد الماء في اثناء الوقت. لكن الجواب عنه قد ظهر مما ذكرناه في الصورة الاولى لان أدلة


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب التيمم.

[ 210 ]

البدلية انما تدل على مشروعية التيمم لمن لم يتمكن من استعمال الماء بالاضافة إلى المأمور به وهو الطبيعي الجامع بين الافراد الواقعة بين المبدء والمنتهى. هذا مشكوك الانطباق في المقام، لاحتمال أن يكون المكلف متمكنا من استعمال الماء إلى آخر الوقت كما يحتمل عدمه فهو شبهة مصداقية للعمومات ولا يمكن التمسك بها في الشبهة المصداقية. نعم يمكن إحراز بقاء عذره وعدم تمكنه من الماء إلى آخر الوقت بالاستصحاب إلا انه حكم ظاهري لو تمكن من الماء بعده ينكشف عدم مطابقته للواقع وعدم كونه مأمورا بالتيمم من الابتداء فتجب عليه الاعادة لا محالة، فالتمسك باطلاق دليل البدلية في غير محله. وعلى الجملة: إذا احتمل المكلف وجدان الماء إلى آخر الوقت فهل يشرع له التيمم أول الوقت أو يجب عليه التأخير؟ المعروف هو عدم جواز البدار كما سبق بل ادعي عليه الاجماع في كلماتهم، وذهب جماعة إلى جواز البدار. وقد يفصل في المسألة بين صورة رجاء الوجدان فلا يجوز البدار وبين صورة اليأس أو الاطمئنان بعدم وجدان الماء إلى آخر الوقت فيجوز البدار. ومنشأ الاختلاف بينهم هو اختلاف الاخبار وذلك لانه ورد في جملة من الروايات (1) - وفيها الصحاح - في ان المكلف إذا تيمم فصلى ثم وجد الماء في الوقت لم يعد صلاته، وفي بعضها عبر بالاجزاء


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم.

[ 211 ]

وانه قد أجزأته صلاته التي صلى. وهذه الاخبار وان كانت مبتلاة بالمعارض حيث ورد في قبالها أنه يتوضأ أو يغتسل ويعيد صلاته. ولكن يمكن الجمع بينهما بحمل ما دل على عدم الاجزاء ووجوب الاعادة على الاستحباب إذ الطائفة الاولى صريحة في الاجزاء وإذا ورد في قبالها الامر بالاعادة فلا يبعد حمل الامر على الاستحباب لانه مقتضى الجمع العرفي بين ما دل على الاجزاء وما دل على الامر بالاعادة. وعلى أي حال تدلنا كلتا الطائفتين على مشروعية التيمم في أول الوقت قطعا لدلالتها على أن الصلاة المأتي بها بذلك التيمم اما مشروطة بعدم وجدان الماء بعدها إلى آخر الوقت أو هي صحيحة وغير مشروطة بذلك، فتيممه في اول الوقت صحيح ومشروع وليس من المحرمات الالهية ولا سيما بملاحظة قوله (ع) في بعضها " أما أنا فكنت فاعلا " (1) لدلالته على انه (ع) كان يتيمم في أول الوقت. وهذا هو المقصود في مشروعية التيمم أول الوقت عند احتمال وجدانه الماء قبل انقضاء الوقت أو عند اليأس عنه، واما ان الصلاة المأتية بالتيمم صحيحة وغير مشروطة بعدم الوجدان إلى انقضاء الوقت أو هي مشروطة به فهو بحث آخر نتكلم فيه ان شاء الله تعالى. فمقتضى هذه الاخبار جواز البدار في مفروض الكلام. وقد ورد في جملة اخرى من الروايات المعتبرة ان المكلف يجب أن يؤخر تيممه إلى آخر الوقت فانه إذا فاته الماء لم يفته التراب (2)


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 10. (2) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب التيمم وفيها: الارض بدل التراب.

[ 212 ]

فتحصل: انه إما عالم ببقاء العذر إلى آخر الوقت، أو عالم بارتفاعه قبل الآخر أو محتمل للامرين، فيجوز المبادرة مع العلم بالبقاء، ويجب التأخير مع العلم بالارتفاع ومع الاحتمال الاقوى جواز المبادرة خصوصا مع الظن بالارتفاع. ومقتضاها عدم جواز البدار حينئذ، وهي معارضة مع الطائفة المتقدمة ولا بد من العلاج بينهما فنقول: أن الطائفة الاولى: إنما دلت على جواز التيمم في أول الوقت بالالتزام وإلا فهي ناظرة إلى بيان ان الصلاة المأتي بها بالتيمم مشروطة بعدم وجدان الماء إلى آخر الوقت أو هي غير مشروطة به فلا إطلاق لها بالاضافة إلى جواز التيمم في أول الوقت. نعم يستفاد منها جوازه ومشروعيته في الجملة لا مطلقا لعدم كون الاخبار بصدد البيان من تلك الناحية، بل تدل على صحة الصلاة أو عدمها في فرض الاتيان بالتيمم الصحيح واما انه في اي مورد يكون صحيحا ومشروعا فهي ساكتة عن بيانه. وبعبارة اخرى: انها فرضت التيمم صحيحا ودلت على أنه متى ما صلى بالتيمم الصحيح ثم وجد ماء اعادها. وأما الطائفة الثانية: فهي قد سيقت للدلالة على وجوب تأخير التيمم وحيث ان هذه الطائفة ظاهرة في ما إذا احتمل وجدان الماء بعد ذلك بعد انقضاء الوقت لاشتمالها على انه ان كان فاته الماء

[ 213 ]

فلن تفوته الارض فتكون مختصة بصورة احتمال اصابة الماء وعدمها. ومنها: صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة عن احداهما (ع) قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت " (1). وهي التي قدمنا ان لها طرقا بعضها صحيح وفيه " فليطلب " وفي غير المعتبر منها " فليمسك " ولا بد من الاخذ بما هو معتبر " فليطلب " وهي كما ترى ظاهرة في صورة احتمال الوجدان وإلا لا معنى للطلب والفحص. وعليه فتحمل هذه الطائفة على صورة احتمال وجدان الماء إلى آخر الوقت والطائفة الاولى على صورة اليأس عن وجدان الماء إلى آخر الوقت. و (دعوى): ان صورة الاطمئنان واليأس عن وجدان الماء قبل انقضاء الوقت ثم وجدانه ليكون القطع على خلاف الواقع فرد نادر ولا يمكن حمل المطلق على الفرد النادر. (مندفعة): بأن الصورة المذكورة وان كانت نادرة وليس هذا كالقطع بعدم التمكن من الاستعمال إلى انتهاء الوقت لانه يوجد كثيرا كما في المريض والكسير ونحوهما ممن يقطع بعدم برئه إلى أسبوع أو أقل أو أكثر، وأما القطع بعدم وجدان الماء ثم وجدانه بعدها كما هو محمل الطائفة الاولى فهو نادر وأقل وجودا من صور الاحتمال. إلا انا ذكرنا ان الطائفة الاولى ليست مطلقة من هذه الجهة ليكون هذا حملا للمطلق على الفرد النادر بل انما استفيد منها ان التيمم في أول الوقت مشروع في الجملة، وليكن هذا هو صورة القطع


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 3.

[ 214 ]

بعدم الوجدان ثم والوجدان بعده، ومعه لا بأس بهذا الحمل جمعا بين الطائفتين. هذا. على انا لو سلمنا اطلاق الطائفة الاولى حتى من هذه الجهة وانها بصدد بيان ان التيمم مشروع في أول الوقت مطلقا لم يكن فيما ذكرناه من الحمل بأس أيضا وذلك لان النسبة بينهما وبين الطائفة الثانية عموم مطلق لدلالة الثانية على عدم مشروعيته عند احتمال وجدان الماء إلى آخر الوقت. وبه يظهر أن مورد الطائفة الاولى هي صورة القطع بعدم الوجدان ثم وجدان الماء بعد ذلك فهي مطلقة قليلة الافراد ولا مانع من كون المطلق نادر الافراد أو قليلها كما لو ورد أن ذا الرأسين حكمته كذا وكذا مع انه لا يوجد إلا نادرا، وهذا غير حمل المطلق على الفرد النادر المستهجن. على ان موردها ليس بنادر كما ادعي بل لها موردان. " احدهما ": ما إذا قطع بعدم الوجدان ثم وجدانه قبل انقضائه الوقت. و " ثانيهما " ما إذا خاف فوت الوقت فتيمم وصلى ثم انكشف بقاء الوقت لان الاخبار الدالة على أنه لا يعيد صلاته أو يعيدها شاملة لهذه الصورة أيضا. حيث أنا لو قلنا بوجوب تأخير التيمم لا يراد منه التأخير العقلي على نحو يكون " ميمم " السلام عليكم مقارنا للغروب بل المراد هو ان تكون الصلاة في آخر الوقت عرفا مثلا: إذا أخر التيمم بحيث خاف فوات الوقت فتيمم وصلى ثم ظهر أن الوقت باق بمقدار ربع ساعة مثلا صح تيممه بمقتضى

[ 215 ]

الاخبار المتقدمة لانه آخر تيممه عرفا. فيتبين أن للطائفة الاولى موردين. " احدهما ": صورة القطع بعدم الوجدان ثم وجدانه. و " ثانيهما ": صورة اعتقاد الفوت أو خوفه وظهور بقاء الوقت فلا يكون حمل الاخبار عليهما من الحمل على الفرد النادر المستهجن. والمتحصل من ذلك هو التفصيل في الصورة المذكورة بين احتمال وجدان الماء قبل انقضاء الوقت وبين القطع بعدم وجدانه ثم يجد الماء بأن يقال بالجواز في الثاني وبعدم الجواز في الاول، لما قدمناه من أن الطائفة الاولى ليست بصدد البيان من جهة التيمم وانما تدل على صحة الصلاة الواقعة بالتيمم المفروض صحته أو عدمه، واما ان التيمم صحيح في أي صورة فلا تعرض لها في تلكم الاخبار فلتحمل على صورة القطع واليأس من وجدان الماء. والطائفة الثانية تحمل على صورة رجاء الوجدان كما هو موردها. هذا وقد يقال: انما يتم هذا في غير صحيحة الحلبي واما هي فلا مجال لانكار اطلاقها من جهة التيمم حيث روى علي الحلبي انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل إذا اجنب ولم يجد الماء قال: يتيمم بالصعيد فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة (1) لانها بصدد بيان انه يتيمم حينئذ وبعدما وجد الماء يغتسل ولكن لا يعيد صلاته فلا مانع من التمسك باطلاقها فلا مجال لحملها على صورة القطع أو اليأس عن وجدان الماء. و (فيه): إن الاستدلال بالصحيحة ليس في محله وذلك من جهتين: " احداهما " ان المفروض فيها ان المكلف لم يجد الماء فتيمم


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 1.

[ 216 ]

وهذا انما يكون فيما إذا قطع بعدم وجدان الماء أو اليأس عن وجدانه حتى انقضاء الوقت، وإلا فعدم الوجدان في ساعة أو بالنسبة إلى فرد ليس مصححا للتيمم بوجه. لما سبق وعرفت من أن المسوغ للتيمم عدم وجدان الماء بالنسبة إلى الطبيعي المأمور به وهو الجامع بين المبدأ والمنتهى لا الافراد والا جاز التيمم في حق كل شخص لصدق عدم وجدان الماء بالنسبة إلى الفرد الذي يريد أن يوقعه في الدار أو السرداب ولا ماء عنده هناك. و " ثانيهما ": لم يفرض في الرواية انه وجد الماء في اثناء الوقت بل دلت على انه إذا وجد الماء اغتسل ولم يعد صلاته فلتحمل على صورة وجدانه بعد الوقت كما لو أخر تيممه وصلى في آخر الوقت ثم وجد الماء بعد الوقت ولا اشكال في ان مثله لا تجب عليه الاعادة أي القضاء كما اشتملت عليه الاخبار الدالة على عدم وجوب الاعادة فيما إذا وجد الماء بعد الوقت. إذن ما ذكرناه في االجمع بين الروايتين هو الصحيح. وقد يقال: ان الاخبار الواردة في أن من صلى بتيمم لم يعد صلاته إذا وجد الماء في اثناء الوقت لا يعارضها شئ لتحمل على صورة القطع بعدم وجدان الماء كما صنعتم لان الطائفة الثانية الدالة على انه يؤخر التيمم إلى آخر الوقت لا تشمل إلا على الارشاد. وذلك لانه لا اشكال في أن الصلاة مع الطهارة المائية افضل منها مع الطهارة الترابية وقد ارشدت هذه الاخبار إلى ذلك بقوله (ع) " فان فاتك الماء فلن تفوتك الارض " (1).


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب التيمم.

[ 217 ]

ومعناه أنه يؤخر تيممه إلى آخر الوقت حتى لو وجد الماء في الاثناء يصلي مع الطهارة المائية فلا يفوته افضل الافراد ولو لم يجد الماء فيصلي مع التيمم وهي كالصلاة معه في اول الوقت فلا تفوته شئ من الفضيلة. بخلاف مالو صلى بتيمم في أول الوقت لانه لا يتمكن من الصلاة مع الطهارة المائية بعد ذلك فتفوته الفضيلة، فهذه الاخبار وردت ارشادا فلا تعارض للطائفة الاولى الدالة على جواز الاتيان بالتيمم في أول الوقت. ويرد على ذلك: " اولا ": إن حمل الامر على الارشاد خلاف الظاهر في نفسه. و " ثانيا ": ان التيمم في اول الوقت والصلاة لدرك مصلحته امر مستحب وهو افضل من الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت كما يستفاد ذلك من قوله (ع) " أما انا فكنت فاعلا إني كنت اتوضأ واعيد " (1) وقد دلت الطائفة الاولى على انه لو صلى بتيمم ثم وجد الماء لم يعد صلاته وان قلنا باستحباب الاعادة أيضا جمعا بين الاخبار. إذن لا معنى للارشاد في المقام لعدم فضيلة تأخير الصلاة عن اول وقتها وايقاعها آخر الوقت لترشد الاخبار إليه فانما يتم الارشاد لو كانت الصلاة في آخر الوقت ارجح وقد عرفت خلافه. و " ثالثا ": لا تنحصر الاخبار بما اشتمل منها على التعليل بقوله " فان فاته الماء فلن يفوته الصعيد " بل نتمسك بغير المشتمل


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم.

[ 218 ]

مثل حسنة زرارة المتقدمة " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل آخر الوقت " (1) واين الارشاد في هذه المعتبرة؟! هذا وربما يقال: ان الجمع بين الطائفتين المتقدمتين بحمل الاولى على صورة اليأس والقطع بعدم وجدان الماء، وحمل الثانية على صورة الرجاء والاحتمال، انما يتم مع قطع النظر عن رواية محمد بن حمران عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: رجل تيمم ثم دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى الماء حين تدخل في الصلاة قال: " يمضي في الصلاة واعلم انه ليس ينبغي لاحد ان يتيمم إلا في آخر الوقت " (2). لدلالتها على استحباب ايقاع التيمم في آخر الوقت لقوله (ع) " ليس ينبغي " الذي بمعنى لا يناسب، ومعه تكون الرواية شاهدة جمع بين الطائفتين المتقدمتين ويحمل ما دل على تأخير التيمم إلى آخر الوقت على الاستحباب. ويدفعه: إن الرواية غير قابلة الاعتماد عليها لان " محمد بن حمران " (3) مردد بين " ابن اعين " الذي له كتاب يروي عن الصادق عليه السلام وهو لم يوثق، وبين " ابن النهدي " الذي له كتاب أيضا يروي عن الصادق عليه السلام وهو موثق، ولكل منهما رواة ولم يظهر


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 3. (3) استظهر السيد الاستاذ دام بقاءه في ج 16 ص 50 ان محمد بن حمران الوارد في الروايات هو النهدي الثقة.

[ 219 ]

(مسألة 4): إذا تيمم لصلاة سابقة وصلى ولم ينتقض تيممه حتى دخل وقت صلاة اخرى يجوز الاتيان بها في اول وقتها وان احتمل زوال العذر في آخر الوقت (1) على المختار، بل وعلى القول بوجوب التأخير في الصلاة الاولى عند بعضهم لكن الاحوط التأخير في الصلاة الثانية أن " محمد بن سماعة " يروي عن ايهما؟ على ان دلالتها على الاستحباب قابلة للمناقشة لانا ذكرنا ان معنى " لا ينبغي ": لا يتمكن ولا يتيسر مثل قوله تعالى " لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر " (1) وغيره من موارد استعمالاته، وليس هو بمعنى " لا يناسب ". ومن الظاهر أن المراد منها عدم التمكن أو التيسر التشريعي لا التكويني فهو يدل على الحرمة وعدم الجواز، ولا اقل من دلالته على عدم الرجحان الجامع بين الحرمة والكراهة كما ذكره صاحب الحدائق (قده) فلا يتم الاستدلال بها على استحباب التأخير بوجه. المتيمم لصلاة سابقة هل تجوز له البدار إلى صلاة اخرى بعد دخول وقتها (1) ما ذكرناه واخترناه من التفصيل بين الآيس والقاطع بعدم


(1) سورة يس: 36: 40.

[ 220 ]

أيضا وان لم يكن مثل الاحتياط السابق، بل امره سهل نعم لو علم بزوال العذر وجب التأخير كما في الصلاة السابقة وجدان الماء حتى ينقضي الوقت فيجوز له الصلاة بتيمم في اول الوقت وبين المحتمل الذي يرجو وجدان الماء قبل انتهاء الوقت فلا يجوز البدار إلى التيمم والصلاة اول الوقت، انما هو بالاضافة إلى المحدث الذي يريد ان يتيمم ويصلي بعد دخول الوقت. وهل يسري الحكم بعدم جواز البدار إلى المكلف الذي تيمم قبل الوقت بتيمم صحيح لغاية من غاياته كما لو تيمم لقرائة القرآن أو لصلاة الظهرين ثم دخل وقت العشائين وهو متطهر فهل له أن يصلي العشائين في اول الوقت بذاك التيمم أو يجب عليه التأخير فيكون حكمه حكم التيمم بعد الوقت لاجل الصلاة؟ ذكر المحقق الهمداني (قده) ان المنع مختص بالتيمم بعد الوقت لغاية الصلاة الحاضرة، واما لو تيمم بتيمم صحيح قبل الوقت بل بعد الوقت لغير الصلاة من غاياته فلا مانع من أن يصلي به لانه متطهر. ولعل ذلك من جهة التمسك باطلاق ما دل على أن المتيمم لو صلى ثم وجد الماء في اثناء الوقت لم يعد صلاته فاطلاقها يشمل ما إذا كان المكلف متطهرا قبل الوقت أو بعده لاجل غاية اخرى. وذكر الماتن (قده) أنه يجوز له أن يأتي بالصلاة في اول وقتها ولكن الاحوط التأخير وان لم يكن مثل الاحتياط السابق بل امره اسهل. والوجه في ذلك: ان الاخبار الآمرة بتأخير التيمم موردها المكلف

[ 221 ]

المحدث الذي يريد التيمم لاجل الصلاة وقد امر بتأخير تيممه، وهذا هو المأمور به في حقه. وأما تأخير الصلاة إلى آخر الوقت فهو امر طبيعي قهري عند تأخير التيمم لا انه بنفسه مأمور به، وعليه لا تشمل هذه الاخبار المتطهر قبل الوقت أو بعده لاجل غاية اخرى فله ان يصلي بطهارته. وكذلك الطائفة الدالة على أن من صلى بتيمم لا يعيد صلاته لانها ظاهرة الاختصاص بمن كان محدثا فتيمم بعد الوقت وصلى فلا تشمل التطهير قبل الوقت أو بعده لاجل غير الصلاة من الغايات فالمورد خارج عن كلتا الطائفتين، وبما انه متطهر وقد صلى بطهارة فيحكم بصحتها. هذا والامر وان كان كما ذكرناه فان الواجب تأخيره هو التيمم دون الصلاة، وتأخيرها طبعي لا انه مورد للامر، إلا أنه يوجد من الاخبار الدالة على أن من صلى بتيمم لم يعد صلاته ما يشمل المقام هو روايتان صحيحتان. " احداهما ": صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر (ع) فان اصاب الماء وقد صلى بتيمم وهو في وقت؟ قال: " تمت صلاته ولا اعادة عليه " (1). و " ثانيتهما ": صحيحة العيص قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يأتي الماء وهو جنب وقد صلى قال: يغتسل ولا يعيد الصلاة " (2).


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 19. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 16.

[ 222 ]

فان قوله في الصحيحة الاولى " صل بتيمم " يشمل باطلاقه ما إذا كان يتيمم قبل الوقت أو بعده لاجل غاية اخرى. وكذا قوله في الثانية: " وقد صلى " اي صلى بتيمم لوضوح ان الصلاة من دونه لا يحتاج إلى السؤال عن اعادتها فدلتا باطلاقهما على ان من صلى بتيمم قبل الوقت أو بعده لاجل غاية اخرى تمت صلاته ولا يعيدها. نعم: خرجنا عن اطلاقها بالنسبة إلى من صلى بتيمم بعد الوقت لاجل الصلاة الحاضرة إذا كان يرجو ويحتمل وجدان الماء قبل انقضاء الوقت، فيبقى غيره تحت اطلاقهما. إلا أن دلالتهما على عدم وجوب الاعادة على من صلى اول الوقت بالتيمم السابق أو اللاحق المأتي به لاجل سائر الغايات بالاطلاق لا انه موردهما. وبازائهما صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة من الطائفة التي تشمل باطلاقها المقام، حيث ورد فيها: إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فيتيمم وليصل في آخر الوقت.. " (1)، فانها شاملة للمقام من جهتين: " احداهما ": قوله " وليصل في آخر الوقت " لدلالته على أن تأخير الصلاة كتأخير التيمم مأمور به في حق المتيمم لا أن تأخيرها امر طبعي والمأمور به هو تأخير التيمم وحسب حتى لا تشمل المقام. إذ لو كان الامر كذلك لتمت الجملة بقوله " فليتيمم في آخر الوقت " أو " إذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم " ولم تكن أية


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 3.

[ 223 ]

حاجة إلى قوله " وليصل " في آخر الوقت " فيصبح ذكرها لغوا لا ثمرة فيه، فهذا يدلنا على وجوب تأخير الصلاة على التيمم سواء كان محدثا فتيمم للصلاة بعد الوقت أو كان متطهرا قبل الوقت أو تيمم بعد الوقت لكن لاجل غاية اخرى فتشمل المقام باطلاقها. " ثانيتها ": قوله في صدرها " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف.. " فانه شامل للمتطهر قبل الوقت أيضا لانه وان كان متيمما ومتطهرا على الفرض إلا أن مقتضى صدر الرواية انه مأمور بطلب الماء إلى أن يخاف فوت الوقت. اذن تقع المعارضة بين هذه الرواية وبين الروايتين المتقدمتين وحيث أن تعارضهما بالاطلاق فيتساقطان فنبقى نحن ومقتضى القاعدة والاصل الجاري في المقام وهو يقتضي جواز الاتيان بالصلاة في اول وقتها إذا كان متطهرا قبل الوقت أو بعده لاجل غاية اخرى. وليس هذا لاجل استصحاب طهارته السابقة إذ لا شك لنا في بقائه فان دخول الوقت ليس من نواقض التيمم وانما الناقض له وجدان الماء أو الحدث، بل الاستصحاب عدم وجدانه الماء حتى آخر الوقت بناءا على جريانه في الامور الاستقبالية كما هو الصحيح فانه ببركته يدخل في كبرى من يقطع بعدم وجدان الماء إلى آخر الوقت ويسوغ له أن يقدم الصلاة بتيمم. إلا أنه حكم ظاهري فلو وجد الماء اثناء الوقت بعد ذلك ينكشف كونه واجدا للماء فصلاته بالتيمم باطلة لابد من اعادتها، وهذا بخلاف المتيمم بعد الوقت لاجل الصلاة فيما إذا كان آيسا وقاطعا وجدانا بعدم الوجدان فمقتضى الاخبار عدم الاعادة في حقه

[ 224 ]

(مسألة 5): المراد بآخر الوقت الذى يجب التأخير إليه أو يكون احوط: الآخر العرفي فلا تجب المداقة فيه (1) ولا الصبر إلى زمان لا يبقى الوقت إلا بقدر الواجبات فيجوز التيمم والاتيان بالصلاة مشتملة على المستحبات أيضا (2) بل لا ينافي اتيان بعض المقدمات القريبة بعد الاتيان بالتيمم قبل الشروع في الصلاة بمعنى ابقاء الوقت بهذا المقدار. وأن ما أتى به بتيمم مجزء في حقه. ثم إن قوله (ع) " فليتيمم وليصل آخر الوقت " لا دلالة له " على أن المتيمم قبل الوقت يجب عليه أن يتيمم أيضا في آخر الوقت ولا يكتفي بتيممه السابق كما قد يتوهم. وذلك لوضوح أن الامر بتيممه في آخر الوقت من جهة الغالب حيث ان بقاء التيمم إلى آخر الوقت من غير أن ينتقض - ولاسيما إذا كان قبل الوقت بكثير - امر غير متعارف بل العادة جارية على انتقاضه وعدم بقائه من اول الصبح - مثلا - إلى آخر وقت العصر لا أن التيمم السابق لا يكتفي به بعد الوقت. (1) لانه امر حرجي بل متعذر في حق المكلف كما قدمناه. ما هو المراد بآخر الوقت: (2) فليس المراد بآخر الوقت آخره الذي لا يسع إلا الصلاة

[ 225 ]

المشتملة على الاجزاء والشرائط الواجبة بل الاخبار منصرفة إلى ارادة الصلاة العادية المتعارفة كالصلاة باذان واقامة وغيرهما من الامور المستحبة فيها. هذا ثم إن ما ذكرناه في المقام من المضائقة انما هو بالنسبة إلى من لا يجد الماء حقيقة، وأما من كان واجدا للماء ولكنه لا يتمكن من استعمال الماء شرعا فهل يجري ما ذكرناه فيه أو انه يجوز أن يأتي بالتيمم والصلاة في اول الوقت؟ هل المضائقة تعم العاجز من استعمال الماء شرعا؟ نقل في الحدائق الاجماع عن الشهيد في الروض على المضايقة ووجوب التأخير على غير المتمكن من الاستعمال شرعا، ثم اخذ في المناقشة في دعواه الاجماع حيث قال بعد نقله كلام الروض. " وفيه مالا يخفى فانه قد طعن في هذه الاجماعات في شرحه على الشرائع في غير موضع فاستسلامه هنا والاعتماد عليه مجازفة محضة " هذا. ولكن الصحيح أن ما ذكره الشهيد هو الصحيح، والاجماع المدعى ليس اجماعا تعبديا ليستشكل فيه بما ذكره في الحدائق بل الظاهر انه اجماع على القاعدة وذلك لما قدمناه من أن المستفاد من الآية المباركة بقرينة ذكر المرضى أن المراد من عدم الوجدان هو عدم التمكن من استعمال الماء، وكذلك الحال في الاخبار.

[ 226 ]

وعليه: فالاخبار المتقدمة الواردة في أن من صلى بتيمم ثم وجد الماء لم يعد صلاته، والاخبار الواردة في أن المكلف إذا لم يجد ماءا واراد التيمم لابد أن يؤخره إلى آخر الوقت، وكذا الصحيحة أو الحسنة المتقدمة (1) المشتملة على أن المسافر إذا لم يجد الماء تشمل غير التمكن من الاستعمال شرعا. فان عدم الوجدان فيها بمعنى اعم من عدم الوجدان حقيقة أو عدم التمكن من استعماله شرعا فالمريض الذي لا يتمكن من استعمال الماء شرعا لابد من أن يؤخر تيممه ويصلي في آخر الوقت سواء كان تيممه قبل الوقت ام بعده لغاية اخرى غير الصلاة كما قدمناه. هذا ثم لو فرضنا أن الاخبار المتقدمة مختصة بعدم الوجدان تكوينا إلا أن ذلك إنما يمنع عما ذكرناه فيما إذا كانت المواسعة على طبق القاعدة وخرجنا عنها في حق غير الواجد تكوينا بالاخبار المتقدمة، لكنا اسمعناك أن المضايقة على طبق القاعدة. لان التيمم انما يسوغ لمن لم يتمكن من الاتيان بالطبيعي المأمور به بالطهارة المائية، ومع فرض تمكن المكلف من الماء ولو آخر الوقت لا يجوز له التيمم والصلاة إلا ظاهرا كما قدمنا، فالمضايقة على طبق القاعدة ولو قلنا بالمواسعة في مورد فهو محتاج إلى دليل وحيث لا دليل على جواز المواسعة في غير المتمكن من الماء شرعا فمقتضى القاعدة فيه هو المضايقة كما اسلفنا. وما ذكرناه من المضايقة والمواسعة يأتي فيما لو قلنا بأنه لو دخل في الصلاة متيمما فوجد الماء في اثنائه أنه يقضي ويتم صلاته أو


(1) الوسائل ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 3.

[ 227 ]

(مسألة 6): يجوز التيمم لصلاة القضاء (1) والاتيان بها معه ولا يجب التأخير إلى زوال العذر. يقطعها فيصلي مع الماء، إذ يأتي فيه كلام القولين بمعنى أنه لا يلزم احد القولين في المقام، إذ المراد بآخر الوقت ليس هو آخره الحقيقي بل يعم ما إذا شرع فيها ثم قطع صلاته وتوضأ فصلى. يجوز التيمم لصلاة القضاء: (1) الاخبار المتقدمة (1) كلها مختصة بالاداء والاتيان بالصلاة في وقتها، ولا نص في القضاء إلا أن الكلام فيه هو عين الكلام في الاداء. وتوضيحه: ان المكلف مأمور بالقضاء كما هو مأمور بالاداء، وهو قد يعلم بارتفاع عذره قبل أن يموت فان القضاء موسع، وقد يحتمل ارتفاعه وبقائه، وثالثة يطمأن ببقائه مع يأسه من زواله. أما الصورة الاولى: - فلا اشكال في عدم جواز تيممه لاجل القضاء لان المعتبر في فقدان انما هو فقدان الماء بالنسبة إلى طبيعي المأمور به لا بالنسبة إلى فرد من افراده وهو وان كان فاقدا للماء في الزمان الذي يريد الاتيان بالقضاء فيه إلا انه غير مسوغ له بوجه لتمكنه من الاتيان بالقضاء المأمور به مع الطهارة المائية على الفرض ولو في غير هذا الزمان فلا بد من التأخير إلى زوال العذر.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 من ابواب المتقدم.

[ 228 ]

نعم مع العلم بزواله عما قريب يشكل الاتيان بها قبله وكذا يجوز للنوافل الموقتة (1) حتى في سعة وقتها بشرط وأما الصورة الثانية: وهي صورة رجاء الارتفاع فلا يمكن التمسك فيها بالعمومات الدالة على إن رب الماء ورب الصعيد واحد (1) وغيره من ادلة البدلية وذلك لان المقام شبهة مصداقية له لاحتمال ارتفاع العذر وتمكنه واقعا من الاتيان بالقضاء مع الطهارة المائية وان كان لا يعلم به. نعم: لامانع من استصحاب بقاء العذر وعدم ارتفاعه إلى آخر زمان يتمكن فيه من القضاء وبه يدخل في موضوع فاقد الماء بالنسبة إلى الطبيعي المأمور به. إلا أنه حكم ظاهري فلو تمكن من الماء بعد ذلك وجب عليه الوضوء أو الاغتسال والقضاء ولايكون ما أتى به مجزئا في حقه فلا يفيد الاستصحاب إلا بالنسبة إلى الحكم التكليفي - وهو جواز الاتيان بالقضاء مع التيمم - وحسب. وأما الصورة الثالثة: فلا شبهة فيها في جواز الاتيان بالقضاء مع التيمم لان المفروض اطمئنانه بعدم ارتفاع عذره إلى انقضاء الوقت. جواز التيمم للنوافل الموقتة: (1) ظهر الحال فيها مما ذكرناه في القضاء وتأتي فيه الصور


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 14 ح 13 و 1 و 17 وباب 23 من ابواب التيمم.

[ 229 ]

عدم العلم بزوال العذر إلى آخره. (مسألة 7): إذا اعتقد عدم سعة الوقت فتيمم وصلى ثم بان السعة (2) فعلى المختار صحت صلاته ويحتاط بالاعادة وعلى القول بوجوب التأخير تجب الاعادة. الثلاثة المتقدمة فانها مأمور بها وان كان امرها ندبيا. واما النوافل غير المؤقتة فالصحيح جواز التيمم لاجلها مطلقا لانها مأمور بها في كل وقت كالصلاة والصوم فإذا لم يتمكن من الصلاة في وقت مع الوضوء فله الاتيان بها مع التيمم سواء علم بارتفاع عذره بعد ذلك أم علم ببقائه ام لم يعلم. ثم انه لافرق فيما ذكرناه بين طول المدة وقصرها كما لو علم بارتفاع عذره بعد ساعة مثلا، نعم عدم التمكن من الماء في المقدمات القريبة للوضوء أو الغسل كالمشي إلى الماء أو تسخينه وكذا عدم التمكن منه في زمان الاغتسال لا يسوغ التيمم لعدم صدق الفقدان بسببه بل يصدق عليه التمكن من الاستعمال كما هو ظاهر. إذا اعتقد عدم السعة فتيمم وصلى ثم بان السعة: (1) فصل فيه بين القول بالمواسعة فتصح صلاته ولا يجب اعادتها وبين القول بالمضايقة فيجب اعادتها لان اعتقاد الضيق انما يسبب حكما ظاهريا بجواز الاتيان بها مع التيمم ولايكون مجزئا عن

[ 230 ]

المأمور به الواقعي الذي هو الصلاة آخر الوقت و (دعوى): ان صحيحة أو حسنة زرارة (1) المشتملة على انه " إذا خاف فوت الوقت فليتيمم وليصل " تقتضي جواز الاتيان بها مع التيمم في مفروض الكلام لاعتقاده الضيق وعدم سعة الوقت وتقتضي اجزاءها. (مدفوعة): بانها انما تدل على أن خوف الفوت من جهة ضيق الوقت مسوغ للتيمم - اعني الخوف الناشئ عن ضيق الوقت لا مطلق الخوف ولو كان مستندا إلى اعتقاد الضيق أو غيره. لان مورد الرواية هو خوف الفوت لاجل ضيق الوقت فلو خاف فوت الوقت مع أنه ضيق جاز له التيمم، وهذا غير الفوت لاجل اعتقاد الضيق فانه شئ آخر. وفي بعض الحواشي (2) وجوب الاعادة مطلقا وعلى كلا المسلكين ولم نفهم وجهه إذ ان القول بالمواسعة - أي جواز ايقاع الصلاة بالتيمم في اول الوقت - والحكم بوجوب الاعادة فيما لو أتى بها في اول وقتها وسعته مع اعتقاده الضيق لا يلتئمان لانه من احد المصاديق الواسعة بزيادة اعتقاد الضيق. ولعل وجهه تخيل أن المقام نظير ما إذا اتى بالتيمم باعتقاد ضيق الوقت من الوضوء ثم بان أن الوقت موسع للوضوء والصلاة معا فالتيمم باطل حينئذ وهذا بخلاف المقام الذي يفرض فيه المكلف


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 3. (2) كتعليقة النائيني والسيد جمال الكلپايكاني والسيد الشاهرودي " قدس الله اسرارهم ".

[ 231 ]

فاقدا للماء في نفسه فانه لو تخيل ضيق الوقت وأتى به ثم انكشف الوقت فانه على القول بالمواسعة لااشكال في صحته - هذا رجوع عما سبق ببيان ما هو محل الكلام: إعلم ان هناك مسألتين: " احداهما ": ما إذا اعتقد المكلف ضيق الوقت عن الوضوء أو الاغتسال مع وجدانه الماء من دون عذر وقد تيمم ثم بان سعة الوقت. وقد ذكرنا أن الوظيفة عند ضيق الوقت هي التيمم لان المراد من الفقدان والوجدان هو الفقدان والوجدان بالنسبة إلى الصلاة، وبما أن المكلف فاقد للماء بالنسبة إلى الصلاة حينئذ وان كان واجدا للماء بالنسبة إلى غيرها جاز له أن يتيمم ويصلي. وإن كان هناك قول بالخلاف وعدم كون ضيق الوقت مسوغا للتيمم، وفي مثله إذا اعتقد ضيق الوقت وكان الوقت موسعا لاستعمال الماء واقعا فلا يكون التيمم المأتي به مجزئا قطعا لانه ينكشف به عدم كون التيمم مأمورا به إلا خيالا وإلا فهو مأمور في الواقع بالطهارة المائية. ولا تجري في هذه المسألة: المواسعة أو المضايقة إذ لا معنى فيها للقول بجواز الاتيان بالتيمم في اول الوقت أو في آخره أو في اثنائه وهو ظاهر. " ثانيتهما ": ما إذا كان المكلف غير واجد للماء حقيقة أو لعذر وهذه هي مسألتنا وقد ذكرنا أنه لا يسوغ له البدار والاتيان بالتيمم

[ 232 ]

(مسألة 8): لا تجب اعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم الصحيح بعد زوال العذر (1) لافي الوقت ولا في خارجه مطلقا. في اول الوقت بل يجب عليه الصبر إلى آخر الوقت فان لم يجد الماء تيمم وصلى في آخره، وهذا هو المعبر عنه بالمواسعة والمضايقة. وهذه المسألة مغايرة للمسألة السابقة كما ترى، فان المكلف واجد للماء هناك بخلاف مسألتنا هذه، فإذا قلنا فيها بالمواسعة - كما هو مختار المصنف (قده) - فمعناه أن للمكلف أن يأتي بالتيمم والصلاة في اول الوقت كما يجوز له في آخره. فلا يفرق في صحته بين أن يعتقد السعة أو الضيق فانه نظير مااذا أتى بصلاة الظهر معتقدا سعة الوقت أو ضيقه فانه لا يكاد يكون فارقا في صحتها. إذن لابد من الالتزام بصحة التيمم - على القول بالمواسعة - فيما إذا أتى به معتقدا ضيق الوقت فبان سعته، نعم بناءا على ما اخترناه من القول بالمضايقة لابد من الحكم ببطلان التيمم لعدم كونه مأمورا به حينئذ وانما اعتقد المكلف كونه مأمورا به. عدم وجوب اعادة ما صلاه بالتيمم: (1) ليس المدار في المسألة على الاتيان بالصلاة مع التيمم

[ 233 ]

بل المدار على الاتيان بالصلاة الصحيحة مع التيمم وذلك لانه قد يكون التيمم صحيحا ويحكم ببطلان الصلاة المأتي بها بذاك التيمم. كما لو تيمم قبل الوقت لغاية من غاياته أو بعد الوقت لغير الصلاة من غاياته فالتيمم صحيح في الصورتين لكن لو صلى به في اول الوقت حكمنا ببطلانها كما قدمناه لوجوب التأخير إلى آخر الوقت. اذن المدار على الاتيان بالصلاة الصحيحة مع التيمم. وكان اللازم على المصنف ان يقول: إذا صلى صلاة صحيحة بتيمم لاكما صنعه في المتن. وهل تجب اعادتها بعد زوال العذر أو لا تجب؟ يقع الكلام فيه في مقامين: " احدهما ": في وجوب قضائها إذا زال العذر خارج الوقت وعدمه. " ثانيهما ": في وجوب اعادتها إذا زال العذر في الوقت وعدمه. المقام الاول: في وجوب القضاء: لا يجب قضاء ما أتى به من الصلوات الصحيحة بالتيمم إذا زال عذره بعد الوقت وذلك بالكتاب والسنة والاصل: أما الكتاب فلقوله تعالى " فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا " (1) لانه دل على تقسيم المكلفين إلى قسمين: قسم وظيفته الطهارة المائية وقسم وظيفته التيمم بالصعيد وان كانت الوظيفتان طوليتين لا عرضيتين فإذا أتى فاقد الماء بما هو وظيفته من الصلاة بالتيمم لم يكن


(1) المائدة: 5: 6 والنساء: 4: 43.

[ 234 ]

وجه لقضائها ابدا، كما أن واجد الماء لو أتى بوظيفته من الصلاة بالطهارة المائية لم يكن موجب لقضائها لانه أتى بواجبه ومن هنا قلنا بعدم جواز تفويته الماء بعد الوقت وعدم جواز ابطاله طهارته بعد دخول الوقت. وأما الاخبار فلدلالتها على عدم وجوب القضاء في محل الكلام صريحا واليك بعضها: " منها ": حسنة زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه " (1) و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل اجنب فتيمم بالصعيد وصلى ثم وجد الماء قال: " لا يعيد ان رب الماء رب الصعيد فقد فعل احد الطهورين " (2)، وهي اصرح رواية في المقام. " منها ": صحيحة يعقوب بن يقطين الآتية (3) و " منها ": ما أتى عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن أبى ذر رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله هلكت جامعت على غير ماء قال: فأمر النبي صلى الله عليه وآله بمحمل فاستترت به وبماء فاغتسلت أنا وهي، ثم قال: " يا ابا ذر يكفيك الصعيد


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 15. (3) يأتي في المقام الثاني.

[ 235 ]

عشر سنين " (1) وهي مروية بطريقتين: في احدهما: محمد بن سعيد بن غزوان وهو غير موثق. وفي ثانيهما: احمد بن محمد عن أبيه وهو ابن الحسن ابن الوليد على الظاهر، وليس هو العطار لقوله بعد ذلك " عن محمد بن يحيى " ولا معنى له لو كان الاولان هو احمد بن يحيى وابوه، واحمد بن محمد ابن الحسن بن الوليد لم تثبت وثاقته كابن العطار. نعم: في هامش الوسائل الجديدة " السند الثاني في التهذيب والاستبصار هكذا: احمد بن محمد عن أبيه عن سعد " فيحتمل أن يكون احمد هو ابن العطار (2)، والمتحصل ان القضاء ليس واجبا في المقام حسبما تدل عليه الاخبار. وأما الاصل: فلانا لو فرضنا أن الكتاب والسنة غير موجودين لم نقل بوجوب القضاء أيضا لانه بأمر جديد وموضوعه الفوت وهو غير محرز في المقام، ومع الشك فان الاصل يقتضي عدم الفوت وعدم وجوب القضاء على المكلف.


(1) الوسائل: ج 2 با ب 14 من ابواب التيمم ح 12. (2) وان " عن محمد بن يحيى " في الوسائل مصحف " محمد ابن يحيى " وعلى أي حال - فالمتردد لا يضر باعتبار السند لان للشيخ (قده) طريقا معتبرا إلى جميع كتب روايات سعد بن عبد الله راجع المعجم ج 8 ص 77.

[ 236 ]

المقام الثاني: في وجوب الاعادة: وقد تقدم الكلام فيه مفصلا وقد استظهرنا من الاخبار أن من كان راجيا زوال عذره أو وجدانه الماء قبل انقضاء الوقت وجب عليه التأخير ولو أتى به في اول الوقت ثم وجد الماء أو ارتفع عذره في اثنائه كشف ذلك عن عدم كونه مأمورا بالتيمم من الابتداء لان المدار على الفقدان بالنسبة إلى الطبيعي وهو بالنسبة إليه واجد للماء فلابد من أن يعيد تيممه وصلاته. وأما من كان آيسا أو عالما بعدم وجدانه الماء وعدم ارتفاع عذره فيجوز له البدار والاتيان بالتيمم والصلاة في اول الوقت بحيث لو وجد الماء بعد ذلك أو ارتفع عذره في اثناء الوقت لم يجب عليه اعادتها حسبما دلت عليه الاخبار المتقدمة. نعم: هناك خبران قد يقال بدلالتهما على وجوب الاعادة في الوقت فيما إذا ارتفع عذره في الاثناء: " احدهما " صحيحة يعقوب بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم فصلى فاصاب بعد صلاته ماءا أيتوضأ ويعيد صلاته أم تجوز صلاته؟ قال: " إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ واعاد فان مضى الوقت فلا اعادة عليه " (1). إلا أن الامر ليس كما يقال، فان مفروض كلامنا ما إذا أتى


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 8.

[ 237 ]

المكلف بصلاة صحيحة ثم ارتفع عذره أو وجد الماء، وهذا انما يكون في موردين: احدهما: ما إذا صلى في آخر الوقت وارتفع عذره بعد الوقت وهذا وظيفة من احتمل الوجدان إلى آخر الوقت ولا اشكال في عدم وجوب القضاء عليه كما مر. وثانيهما: من آيس أو اطمأن بعدم وجدانه الماء أو ارتفاع عذره إلى آخر الوقت فأتى بالتيمم والصلاة في اول الوقت ثم ارتفع عذره أو وجد الماء. والصحيحة مطلقة وليست واردة في وجوب الاعادة في خصوص الصورة الثانية فلتحمل بمقتضى مادل على عدم وجوب الاعادة عند اليأس على صورة مااذا لم يأت بصلاة صحيحة كما لو كان محتملا لوجدان الماء أو كان عالما به ومعه أتى بالتيمم في أول الوقت وصلى أو تحمل على الاستحباب في صورة ما إذا أتى بصلاة صحيحة ثم ارتفع عذره أو وجد الماء. هذا ولكن الصحيح حملها على الاستحباب وحسب، ولا مجال لحملها على صورة الاتيان بها مع العلم بالوجدان أو رجائه وذلك لان مفروض الصحيحة أن الرجل صلى صلاته صحيحة وانما سأل عن لزوم اعادتها وعدمه بحيث لولا وجوب الاعادة كانت صلاته تامة. وهذا بمقتضى مادل على أن التيمم والاتيان بالصلاة اول الوقت انما هو في صورة اليأس عن وجدان الماء إلى آخر الوقت لابد أن تحمل على تلك الصورة - وهي ما إذا كان آيسا من الوجدان - وحيث قلنا في تلك الصورة بعدم وجوب الاعادة بمقتضى الاخبار المذكورة

[ 238 ]

فلا مناص من حمل هذه الصحيحة على الاستحباب ولا يمكن حملها على صورة الاتيان بالصلاة فاسدة. " ثانيهما ": موثقة منصور بن حازم عن أبى عبد الله (ع) في رجل تيمم فصلى ثم اصاب الماء فقال: أما انا فكنت فاعلا، اني كنت اتوضأ واعيد " (1). وذكر صاحب الوسائل ان هذه الرواية واضحة الدلالة على الاستحباب. والامر كما افاده (قده) لقوله (ع) " أما أنا فكنت فاعلا " وهي حكاية فعل منه (ع) فهو امر كان يفعله ولا يجب على غيره بل لابد من الحمل على الاستحباب على تقدير ظهورها في الوجوب في مقابل الاخبار المتقدمة الدالة على عدم وجوب الاعادة حينئذ. وهناك رواية اخرى دالة على وجوب الاعادة أيضا. وهي صحيحة عبد الله بن سنان التي رواها الصدوق باسناده عنه واسناده إليه صحيح قال: انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيخاف على نفسه التلف إن اغتسل فقال: " يتيمم ويصلي فإذا أمن البرد اغتسل واعاد الصلاة " (2). والجواب عن ذلك: ان الصحيحة وارادة في خصوص من اصابته الجنابة وقد دلت على وجوب الاعادة عليه عند ارتفاع عذره. إلا أنا نبين في التعليقة الآتية انها معارضة بغيرها مما دل بصراحته على أن من اصابته الجنابة لا يعيد صلاته. وحيث انها نص في مدلولها. ودلالة الصحيحة هذه بالظهور فلابد


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 10. (2) الوسائل: ج 2 باب 16 من أبواب التيمم ح 1.

[ 239 ]

نعم: الاحوط - استحبابا - اعادتها في موارد: (أحدها): من تعمد الجنابة مع كونه خائفا من استعمال الماء (1) فانه يتيمم ويصلي من رفع اليد بها عن ظهورها وحملها على الاستحباب بعد تقيدها بما إذا أتى بالتيمم آيسا من ارتفاع عذره إلى آخر الوقت بمقتضى الاخبار المتقدمة. المورد الاول لاستحباب الاعادة: (1) ذهب جماعة قليلون إلى أن متعمد الجنابة لو تيمم وصلى ثم وجد الماء وارتفع عذره وجب عليه اعادة الصلاة، واستدل عليه بالصحيحة المتقدمة في التعليقة السابقة عن ابن سنان حيث دلت على أن من اصابته جنابة وتيمم لخوفه عن التلف لو اغتسل ثم ارتفع عذره وجب عليه اعادة الصلاة. وهذه الرواية وان رويت بطرق متعددة فانها مروية بطريق الكليني وطريق الشيخ الا ان الاول مرسلة والثاني مردد لانه (عن عبد الله ابن سنان أو غيره) أو هي مرسلة على روايته الاخرى عن الكليني. فالاستدلال برواية الصدوق بسنده إلى عبد الله بن سنان وهو صحيح إلا أن الصحيحة لا دلالة فيها على ان ذلك وظيفة من تعمد الجنابة لان قوله: " تصيبه الجنابة " اعم من العمدية وغير العمدية

[ 240 ]

كالاحتلام لو لم تدع ظهورها في غير العمدية لان ظاهرها أن الجنابة تصيب الشخص لا انه يحدثها فهي تدل على ان الجنب اعم من المتعمد وغيره لو ارتفع عذره وجبت عليه الاعادة. إلا أن في مقابلها عدة صحاح تنص على عدم وجوب الاعادة على الجنب المتعمد وغيره " منها ": حسنة أو صحيحة الحلبي قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: " إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليتمسح من الارض وليصل فإذا وجد ماءا فليغتسل وقد اجزاه صلاته التي صلى " (1). و " منها ": صحيحة عبد الله بن سنان بعين مضمون الصحيحة المتقدمة (2) واصرح منها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل اجنب فتيمم بالصعيد وصلى ثم وجد الماء قال: " لا يعيد إن رب الماء رب الصعيد فقد فعل احد الطهورين " (3) فان تعليلها هذا مما لا يختص بالمعتمد وغيره. و " منها ": صحيحة الحلبي أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل إذا اجنب ولم يجد الماء قال: " يتيمم بالصعيد فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة " (4). وحيث أن تلك الصحاح صريحة الدلالة على عدم وجوب الاعادة


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 7. (3) الوسائل ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 15. (4) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 1.

[ 241 ]

لكن الاحوط اعادتها بعد زوال العذر ولو في خارج الوقت (1). (الثاني): من تيمم لصلاة الجمعة (2) عند خوف فوتها لاجل الزحام ومنعه. وتلك الصحيحة المتقدمة ظاهرة في وجوب الاعادة فنرفع اليد عن ظهورها بنص تلكم الصحاح فنحمل الصحيحة على استحباب الاعادة في الوقت بعد تقييد هذه الصحاح بما إذا أتى بالتيمم آيسا من ارتفاع عذره في الوقت بمقتضى الاخبار المتقدمة. (1) لا استحباب في الاعادة خارج الوقت لصحيحة يعقوب بن يقطين ".. فان مضى الوقت فلا اعادة عليه " (1). المورد الثاني لاستحباب الاعادة: (2) وذلك لموثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (ع) انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لايستطيع الخروج عن المسجد من كثرة الناس قال: " يتيمم ويصلي معهم ويعيد إذا انصرف " (2). وموثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن رجل يكون


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 15 من ابواب التيمم ح 1.

[ 242 ]

في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة فاحدث أو ذكر أنه على غير وضوء ولا يستطيع الخروج من كثرة الزحام قال: " يتيمم ويصلي ويعيد إذا هو انصرف " (1). حملا للامر بالاعادة فيهما على الاستحباب إذ لا تجب على المكلف في كل يوم إلا خمس صلوات لا ست صلوات فتكون اعادة الظهر مستحبة لا محالة. والمراد بها اعادتها ظهرا لانه لا معنى لاعادة صلاة الجمعة في غير وقتها - هذا ولا يمكن المساعدة عليه وذلك لان الوارد في الروايتين إن كان هو صلاة الجمعة كان لما ذكروا من استحباب الاعادة في مفروض الكلام وجه بناءا على ان اقامة الجمعة واجب تعييني أو انها واجب تخييري لانه ويجب الحضور لها إذا نودي لصلاتها يوم الجمعة كما استظهرناه وقويناه لانه الموافق لما هو ظاهر الآية الكريمة. فيمكن أن يقال - على هذا -: بما أن المكلف كان مأمورا باقامة صلاة الجمعة أو بحضورها ولم يتمكن من الطهارة المائية للزحام فيتمم ويأتي بما هو وظيفته ثم يستحب له أن يعيدها ظهرا بمقتضى الامر بالاعادة في الروايتين. إلا أن المذكور فيهما ليس هو صلاة الجمعة بل المذكور فيها


(1) الوسائل: ج 2 باب 15 من أبواب التيمم ح 2. وأن المراد بأبي جعفر الواقع في سند الرواية هو احمد بن محمد بن عيسى عن ابيه محمد بن عيسى وهو وجه القميين وشيخ الاشاعرة وهذا يدل على حسنة فلا مانع من الاعتماد على روايته وان لم يوثقه إلا بعض المتأخرين كالشهيد ونحن لا نعتمد على توثيقاتهم.

[ 243 ]

" يوم الجمعة ويوم عرفة " ومن الواضح انه لاصلاة جمعة يوم عرفة فلا يمكن حمل الروايتين على ارادة صلاة الجمعة بل لابد من حملها على ارادة صلاة الجماعة. وحيث انها امر مستحب فتدل الروايتان على أن من كان في المسجد عند اقامة صلاة الجماعة ولم يمكنه الخروج لتحصيل الطهارة المائية فيجوز له أن يتيمم ويصلى جماعة تحفظا على فضيلة الوقت. إلا أنه من الظاهر انها حينئذ صورة جماعة وليست جماعة حقيقة لانه متمكن من الماء فيتحفظ على ظهور الروايتين في وجوب الاعادة لعدم اتيانه بما هو وظيفته ولكنه لما لم يجز له الاقدام على الصلاة اول وقتها عند عجزه عن الماء حينئذ أمر - سلام الله عليه - بجواز التيمم والصلاة عند اقامة الجماعة. للتحفظ على فضيلة الوقت مع ايجاب الاعادة عليه بعد ذلك فلا دلالة في الروايتين على وجوب التيمم حينئذ واستحباب الاعادة كما - ادعي، بل دلالتهما على العكس وهو استحباب التيمم ووجوب الاعادة كما اوضحناه. ويؤكد ما ذكرناه أن الظاهر أن الجماعات المنعقدة في زمان صدور الاخبار في الاماكن المفروضة لاسيما بملاحظة كثرة الناس على وجه يمنع المكلف عن الخروج انما كانت للعامة إذ لم يكن في تلك الاعصار جماعة للخاصة في المساجد المعروفة ولم يكن لهم تلك الكثرة فيكون الامر بالتيمم لاجل ادراك الجماعة - على ذلك - مبنيا على التقية ومراعاة لعدم اظهار المخالفة لهم عند اقامتهم الصلاة ومعه كيف يمكن أن يقال: ان الاعادة مستحبة؟

[ 244 ]

(الثالث): من ترك طلب الماء عمدا إلى آخر الوقت وتيمم وصلى ثم تبين وجود الماء في محل الطلب (1). (الرابع): من اراق الماء الموجود عنده مع العلم أو الظن بعدم وجوده بعد ذلك. وكذا لو كان على طهارة فأجنب مع العلم أو الظن بعدم وجود الماء. بل لو فرضنا أن الروايتين واردتان في صلاة الجمعة لم نتمكن من الحكم باستحباب الاعادة لان من يرى وجوب اقامة الجمعة أو الحضور لها انما يراه واجبا لمن يكون واجدا للشرائط ولا يلتزم بوجوب الاقامة أو الحضور على من كان بدنه أو ثوبه متنجسا ليصلى مع الثوب النجس أو عاريا أو مع البدن المتنجس. وكذا من لا يتمكن من الوضوء وهو خارج المسجد إذ لا يحتمل أن تكون اقامتها أو الحضور لها واجبا على مثله بأن يتيمم ويدخل الصلاة. وعليه فمن لم يكن متطهرا حال اقامتها لا يحكم عليه بوجوب اقامة الصلاة ليسوغ له التيمم ثم يستحب له الاعادة، فالصحيح هو التحفظ على ظاهر الروايتين أي وجوب الاعادة في موردهما واستحباب التيمم لدرك فضيلة الوقت كما مر. من تبدلت وظيفته لاجل التفويت متعمدا: (1) تعرض (قده) لجملة من الموارد التي قدمناها سابقا،

[ 245 ]

(الخامس): من أخر الصلاة متعمدا إلى أن ضاق وقته فتيمم لاجل الضيق. ويجمعها من فوت المأمور به في حقه حتى تبدلت وظيفته من الطهارة المائية إلى الترابية. منها: من أخر الصلاة متعمدا حتى ضاق وقتها بحيث لم يمكنه الوضوء أو الاغتسال. وقد قدمنا أن مقتضى القاعدة حينئذ سقوط الصلاة عنه لعدم تمكنه من الصلاة الواجبة في حقه وهي الصلاة مع الطهارة المائية إلا أنا علمنا أن المكلف لا تسقط عنه الصلاة بحال ومن ثمة وجبت عليه الصلاة مع الطهارة الترابية وإن كان عاصيا بتفويته الصلاة مع الطهارة المائية. ومنها: من أراق الماء الموجود عنده مع العلم بعدم تمكنه منه إلى آخر الوقت، أو كان على طهارة فأحدث بالجنابة أو بغيرها مع العلم بعدم تمكنه من الماء إلى آخر الوقت فيجب عليه الصلاة بطهارة ترابية أيضا. ومنها: من ترك الفحص الواجب في حقه إلى آخر الوقت فيجب عليه أيضا أن يتيمم ويصلي وان كان الماء موجودا في محل الطلب واقعا فانه في هذه الموارد لا مانع من اعادة الصلاة بعد التمكن من الماء احتياطا.

[ 246 ]

(مسألة 9): إذا تيمم لغاية من الغايات كان بحكم الطاهر مادام باقيا لم ينتقض وبقي عذره، فله أن يأتي بجميع ما يشترط فيه الطهارة (1) المتيمم لغاية بحكم الطاهر: (1) هذا هو المعروف عندهم وخالف فيه بعضهم فذهب إلى أن المتيمم ليس له الدخول في المساجد أو اجتياز المسجدين أو مس الكتاب مستدلا بقوله تعالى " ولاجنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا (1). حيث جعل الغاية لحرمة دخول المساجد أو غيره هي الاغتسال دون التيمم فلو كان التيمم غاية أيضا لجعلته الآية غاية اخرى، ومقتضى اطلاقها عدم كون الغاية غير الاغتسال. والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة. وتوضيحه. ان التيمم إن قلنا بكونه رافعا للجنابة كالاغتسال وان كان رفعه موقتا فإذا وجد الماء حكم يجنابته. وليس هذا لان وجدان الماء من اسباب الجنابة لانحصار سببها بالامرين المعروفين بل من جهة السبب السابق على التيمم وانما حكم بارتفاع جنابته موقنا مادام معذورا عن الماء. فلا وجه للمناقشة المذكورة لان التيمم كالاغتسال، إذ كما ان


(1) سورة النساء: 43 4.

[ 247 ]

الاغتسال غاية لارتفاع موضوع الجنابة وتبدله بغير الجنب نظير الغاية في قوله تعالى " حتى يبلغ اشده " (1) أي حتى يتبدل تيمه بالبلوغ فيرتفع موضوع الصغر. لان الغاية ليست غاية لارتفاع الحكم مع بقاء الموضوع بحاله بل غاية لارتفاع موضوعه، كذلك الحال في التيمم فانه موجب لارتفاع موضوع الجنابة أيضا وتبدلها بغيرها فيسوغ له دخول المساجد واجتياز المسجدين ونحوهما من الغايات المتوقفة على الطهارة وعدم الجنابة فالمناقشة المذكورة ليس في محلها. وان قلنا بكون التيمم رافعا للحدث لا للجنابة فان الجنب على قسمين: متطهر وغير متطهر والمتيمم جنب متطهر فهو غير رافع لموضوع الجنابة بل رافع للحدث فقط فيسوغ به كل غاية مترتبة على الطهارة وعدم الحدث دون الآثار المترتبة على عدم الجنابة. فللمناقشة المذكورة وجه وجيه لان دخول المساجد في الآية المباركة مترتب في حق الجنب على الاغتسال - أي على عدم تبدل موضوع الجنابة بغيرها -. وحيث ان المفروض بقاء الجنابة بحالها مع التيمم فلا يسوغ له الدخول في المساجد حتى يغتسل ويرتفع موضوع الجنابة ويتبدل بغيرها إذ المفروض ان التيمم يرفع الحدث لا الجنابة. ولعله لاجل ذلك استشكل العلامة في التيمم للصيام لان موضوع المفطر فيه هو البقاء على الجنابة وهذا لا يرتفع بالتيمم وان ارتفع به الحدث ولكن لم يرتب الحكم فيه على البقاء على الحدث ليرتفع


(1) سورة الانعام: 6: 152.

[ 248 ]

بالتيمم بل الموضوع هو البقاء على الجنابة وهي لا ترتفع بالتيمم. ومن هنا احتطنا في الصوم وقلنا ان التيمم أحوط ولم نقل انه أقوى. ولكن يدفع هذا الاحتمال ان المرتكز في اذهان المتشرعة ومقتضى مناسبة الحكم والموضوع ان المراد بالاغتسال في الآية الكريمة هو طلب تحصيل الطهارة ورفع الحدث لا الاغتسال بما هو اغتسال ولذا عبرت آية التيمم عنه بالتطهر قال عز من قائل " وان كنتم جنبا فاطهروا " (1). فجواز الدخول في المساجد كالدخول في الصلاة وغيرهما من الغايات مترتبة على طلب الطهارة أي على رفع الحدث لا على ارتفاع الجنابة بما هي جنابة. فتندفع المناقشة المذكورة فان التيمم تحصيل للطهارة ورافع للحدث كالاغتسال فتصح به كل غاية تصح مع الاغتسال فلو تيمم المجنب كفى في صحة صومه لان الموضوع فيه وان كان هو البقاء على الجنابة إلا ان رافعها هو الاغتسال بمعنى طلب الطهارة ورفع الحدث وهذا يتحقق بالتيمم أيضا. ويؤكد ما ذكرناه ان السيرة قد جرت على ترتيب تلك الغايات على التيمم لان الابتلاء بالتيمم بدلا عن غسل الجنابة من اجل المرض أو فقدان الماء أو غيرهما من المسوغات كثير في زماننا وفي الازمنة المتقدمة وهم كانوا يدخلون المساجد ويقيمون فيها الصلاة فلو كان دخول المساجد محرما على المتيمم الجنب لبان حكمه وذاع واشتهر.


(1) المائدة: 5: 6.

[ 249 ]

إلا إذا كان المسوغ للتيمم مختصا بتلك الغاية كالتيمم لضيق الوقت فقد مر انه لا يجوز له مس كتابة القران ولا قراءة العزائم ولا الدخول في المساجد وكالتيمم لصلاة الميت أو للنوم مع وجود الماء. هذا وقد ورد في بعض الاخبار (1) بل افتى به بعضهم جواز امامة الجنب المتيمم لغيره فيدلنا هذا على أن رفع الحدث بالتيمم كاف في ترتيب الآثار المترتبة على الطهارة وغير الجنب، وأنه مانع عنها بما هو حدث لا بما هي جنابة. وأما لو قلنا بأن التيمم مبيح للدخول في الصلاة فللمناقشة المتقدمة وجه قوي وذلك لان اباحة الدخول مع التيمم مختصة بالصلاة فلا يباح به الدخول في المساجد وغيره من الغايات المترتبة على الطهارة فهو تخصيص في دليل اشتراط الصلاة بالطهور فلا يباح به غير الدخول في الصلاة من الغايات. هذا ولكن الظاهر عدم تمامية هذه المناقشة على هذا الاحتمال أيضا لانه إن اريد بذلك أن التيمم ليس بطهارة اصلا فيدفعه الاخبار (2) المتطابقة على أنه طهور وأنه فعل احد الطهورين وأن رب الماء ورب الصعيد واحد. فهو طهارة بالتنزيل وان كان بحسب النتيجة تخصيصا فيما دل


(1) راجع الوسائل: ج 5 باب 17 من ابواب صلاة الجماعة. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 23 وذيل باب 14 من ابواب التيمم.

[ 250 ]

(مسألة 10): جميع غايات الوضوء والغسل غايات للتيمم أيضا فيجب لما يجب لاجله الوضوء أو الغسل، على اشتراط الصلاة بالطهور إلا أنه بحسب اللب لا بحسب منطوق الروايات. وإن اريد أنه طهارة في مورد خاص فيدفعه عموم التنزيل المستفاد من الاخبار المتقدمة وبعمومه يترتب عليه جميع الغايات المترتبة على الغسل والوضوء والتي منها دخول المساجد وغيره وقد اشرنا إلى أن ذلك هو الذي تقتضيه السيرة المتشرعية كما مر هذا كله فيما إذا لم يكن التيمم مختصا بغاية وإلا لم يجز بتيممه سائر الغايات واليه اشار بقوله " إلا إذا كان المسوغ للتيمم مختصا بتلك الغاية.. " كالتيمم للنوم مع التمكن من الماء. والتيمم لصلاة الجنازة والتيمم لمن منعه الزحام وهو داخل المسجد وان كان التيمم في مورده بدلا عن الوضوء لا عن غسل الجنابة لفرض أنه في المسجد، وكالتيمم لضيق الوقت الذي قدمنا أنه لايستباح به سوى الصلاة فانها تيممات لغايات معينة ولا يجوز بها باقي غاياتها. غايات الوضوء غايات للتيمم أيضا: (1) هذه المسألة غير المسألة المتقدمة، إذ الكلام هناك في أن التيمم لاجل غاية صحيحة هل يكفي لسائر الغايات؟ والكلام هنا في تعيين الغاية الصحيحة للتيمم فنقول:

[ 251 ]

ويندب لما يندب له احدهما فيصح بدلا عن الاغسال المندوبة والوضوءات المستحبة حتى وضوء الحائض، والوضوء التجديدي مع وجود شرط صحته من فقد الماء ونحوه. لا شبهة في جواز التيمم لاجل الصلاة وانها من الغايات الصحيحة له وذلك لقوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة.. فتيمموا صعيدا طيبا " (1) وكذا يستفاد ذلك من الاخبار بوضوح. ومقتضى اطلاق الآية والاخبار عدم الفرق في ذلك بين الصلوات الواجبة والمندوبة فيصح التيمم للنافلة بدلا عن الغسل أو الوضوء. وكذا لا ينبغي التردد في جوازه ومشروعيته لكل غاية متوقفة على الطهارة من صوم وغيره لان المستفاد من ادلة البدلية والتنزيل أن التيمم طهور عند عدم التمكن من الماء. فكل غاية مشروطة بالطهارة إذا لم يتمكن المكلف من أن يغتسل أو يتوضأ لها يجوز أن يتيمم لاجلها ومنها تيمم الحائض بعد انقطاع دمها لحلية وطيها فله أن يتيمم لاجل الصوم إذا لم يتمكن من الاغتسال له، وكذا التيمم لاجل الخروج من المسجدين فانه منصوص وان ناقشنا في النص من حيث السند فليراجع مبحث غسل الجنابة. وأما التيمم للطواف فلم يرد فيه نص ومن ثمة وقع فيه الكلام وأن التيمم هل يسوغ لاجله فيقوم مقام الغسل أو الوضوء أو لا يسوغ. ذهب بعضهم إلى الجواز ولعل ذلك لما هو المشتهر من أن الطواف


(1) سورة النساء: 43 4 والمائدة: 5: 6.

[ 252 ]

بالبيت صلاة وبمقتضى دليل التنزيل واطلاقه يترتب على الطواف جميع الآثار المترتبة على الصلاة التي منها جواز التيمم لها، إلا أن هذه الرواية لم تثبت من طرقنا نعم رواها الشيخ (قدس سره) في الخلاف (1) وذيلها " الا ان الله احل فيه النطق. ولكن رواها عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله فالرواية مرسلة وانما هي كلام مشهوري. نعم: لو كان القائل بالجواز إلى جريان السيرة على التيمم للطواف كان له وجه وجيه وذلك للقطع بوجود من هو معذور عن الماء - باختلاف اسبابه - بين الحجاج على كثرتهم في عصر النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع). لبعد أن لا يوجد فيهم من يكون معذورا عن الماء اصلا، ومعه لو لم يكن التيمم مشروعا للعاجز عن الماء للطواف وجب عليه أن يستنيب غيره في طوافه لعدم تمكنه منه لعدم كونه على طهارة وهذا امر لم تجر عليه السيرة، ولا ورد في دليل فنستكشف منه أن التيمم يقوم مقام الغسل أو الوضوء للطواف أيضا. وأما الوضوءات المستحبة التي لا تكون رافعة للحدث ولا مبيحة للدخول في الصلاة كوضوء الحائض أو الوضوء التجديدي فقد ذهب الماتن إلى أن التيمم يقوم مقامها. وقد يستدل عليه بعموم ادلة البدلية لابها تقتضي قيامه مقام الوضوء مطلقا - رافعا كان أم لا، مبيحا كان أو غيره -. إلا أن الصحيح عدم جواز التيمم بدلا عن الوضوءات غبر الرافعة أو المبيحة وذلك لانه لا دليل لنا ليدل على بدلية التيمم عن مطلق


(1) ج 1 كتاب الحج مسألة 129.

[ 253 ]

نعم لا يكون بدلا عن الوضوء التهيؤي كما مر، كما أن كونه بدلا عن الوضوء للكون على الطهارة محل اشكال نعم اتيانه برجاء المطلوبية لا مانع منه، لكن يشكل الاكتفاء به لما يشترط فيه الطهارة، أو يستحب اتيانه مع الطهارة. الوضوء، وانما المستفاد من التعليل الوارد في رواية الركية (1) وصحيحة محمد بن مسلم (2) وغيرهما (3) من أن رب الماء ورب الصعيد واحد وأن رب الماء هورب الارض ونحوهما من التغبيرات هو أن التيمم بدل عن الوضوء من حيث أنه طهور لا بما أنه وضوء وان لم يكن طهور. ويدل عليه قوله (ع) " رب الماء ورب الصعيد واحد " لانه لو كان ذلك بملاحظة الوضوء بما هو وضوء لم يكن وجه لتخصيص الصعيد بالذكر لان رب الماء ورب كل شئ واحد فلماذا لم يقل رب الماء ورب الخبز واحد؟ اذن لابد أن يكون التخصيص بالذكر لجهة جامعة بينهما وهي الطهورية بمعنى ان الله الذي امر بالطهارة بالتوضي أو الاغتسال هو الذى امر بالتيمم بالتراب لاجل تحصيلها، فكما انهما امتثال لامر المولى سبحانه، كذا التيمم امتثال لامر الله سبحانه ولا خصوصية في الطهورية لماء


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من ابواب التيمم ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 15. (3) راجع الوسائل ج 2 باب 3 و 23 وذيل باب 14 من ابواب التيمم.

[ 254 ]

ويكشف عن ذلك على وجه الصراحة: صحيحة محمد بن مسلم حيث عقب الجملة المتقدمة بقوله: " فقد فعل احد الطهورين "، اذن لا وجه لتوهم كون التيمم بدلا عن الوضوء في غير الطهور. وحيث أن الوضوءات المستحبة المذكورة ليست بطهور لعدم كونها مبيحة ولا رافعة فلا دليل على قيام التيمم مقامها، وبه يشكل الحكم بجوازه بدلا عنها وان صرح الماتن بصحته فتختص بدلية التيمم بالوضوءات الرافعة للحدث حقيقة كما إذا بنينا على أن التيمم رافع للحدث كما هو الصحيح، أو تنزيلا كما إذا قلنا بأنه مبيح لانه منزل منزلة الطهارة حينئذ. وأما الكون على الطهارة - الذي قوينا استحبابه وقلنا ان البقاء على الطهارة أمر مستحب مرغوب فيه في الشريعة المقدسة لان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين - فلا مانع من التيمم بدلا عن الوضوء المذكور لانه امر مستحب وطهارة مندوبة على ما بنينا. وأما الاغسال فلا شبهة في قيام التيمم مقام الواجب منها لانه طهور والصعيد طهور أيضا، واما الاغسال المستحبة كغسل يوم الجمعة ويوم عرفة ونحوهما فهل يقوم التيمم مقامها ويسوغ الاتيان به بدلا عنها أم لا يسوغ؟ نقول: أن هناك جهتين للاغسال المستحبة: جهة كونها امرا مستحبا في نفسه ومرغوبا فيه في الشريعة المقدسة. ولا يقوم التيمم مقامها من هذه الجهة لانه انما يقوم مقام الطهور من الوضوء والغسل على ما تقدم فهو طهور ترابي بدل عن الماء في الطهورية وأما بدليته في الاستحباب النفسي فلم تثبت بدليل.

[ 255 ]

وجهة كون هذه الاغسال مغنية عن الوضوء - على ما اسلفنا من ان الاغسال المستحبة تغني عن الوضوء بمعنى انها طهور يسوغ الدخول بها فيما هو مشروط بالطهارة والوضوء لقوله (ع) أي وضوء انقى من الغسل (1). والتحقيق عدم قيام التيمم مقام الاغسال المستحبة حتى من هذه الجهة، وسره: ان الامر الغيري - على القول به - أو تقيد الصلاة بالطهارة في الاغسال المستحبة تخييري لا تعيني بما أن للمكلف أن يتوضأ أو يأتي بغسل استحبابي حيث ان كليهما طهور ولا يتعين عليه الاتيان بالغسل المستحب تحصيلا للتقيد أو لما هو الواجب بالامر الغيري. وعليه لو تعذر علي المكلف اختيار الطهور بالغسل المستحب تعين عليه العدل الآخر وهو الوضوء. ولا تصل النوبة إلى التيمم لتمكنه من الماء فالاتيان بالتيمم بدلا عن الاغسال المستحبة محل اشكال ومنع. فالمتحصل ان الدلية - بناءا على القول بأن التيمم رافع للحدث - أو التنزيل - بناءا على انه مبيح - يختص بالوضوءات والاغسال الرافعة أو المبيحة على تفصيل قد عرفته.


(1) الوسائل: ج 1 باب 23 من أبواب الجنابة ح 4.

[ 256 ]

(مسألة 11): التيمم الذي هو بدل عن غسل الجنابة حاله كحاله في الاغناء عن الوضوء (1) التيمم البدل عن غسل الجنابة مغن عن الوضوء: (1) صور المسألة خمسة: " الاولى ": أن يجب على المكلف الوضوء وحسب، ولا بد ان يكون وضوءا واحدا إذ لا يتصور وجوب الوضوء زائدا على الواحد فان التعدد انما يتصور في منشأه من بول وغائط ونوم ونحوها، وأما الواجب فلا يكون إلا وضوءا واحدا. ولا ينبغي التردد في أن المكلف إذا لم يتمكن من الماء في هذه الصورة يجب عليه تيمم واحد بدلا عن الوضوء الواحد الواجب في حقه وهذا ظاهر. " الثانية ": ما إذا وجب على المكلف غسل واحد من دون أن يجب عليه الوضوء اصلا، وفي هذه الصورة إذا لم يتمكن المكلف من الماء ليغتسل وجب عليه أن يتيمم تيمما واحدا بدلا عن الغسل الواجب عليه ولا يجب عليه أن يتيمم ثانيا بدلا عن الوضوء. وليس هذا لان الغسل أو بدله يغني عن الوضوء بل لعدم المقتضي لوجوب الوضوء اصلا لان المفروض عدم وجوب الوضوء عليه وانما الواجب في حقه غسل واحد، وهذا كما في الجنب. ويدل علي ما ذكرناه الآية المباركة " إذا قمتم إلى الصلاة..

[ 257 ]

وان كنتم جنبا فاطهروا " (1) فان التفصيل في الآية قاطع للشركة وهي تدلنا على أن الوضوء وظيفة المحدث غير الجنب، وأما الجنب فوظيفته الاغتسال دون الوضوء ان تمكن من الماء، وإلا فوظيفته التيمم وهو غير مأمور بالوضوء اصلا. " الثالثة ": ما إذا وجب عليه وضوء وغسل واحد كما في المستحاضة المتوسطة على الصحيح، أو غير غسل الجنابة من الاغسال - على ما هو المعروف عندهم من ان الغسل غير الجنابة لا يغني عن الوضوء - فهل يجب عليه أن يتيمم بتيممين عند عدم تمكنه من الماء: تيمم بدلا عن الغسل وتيمم بدلا عن الوضوء أو يجب عليه تيمم واحد؟ لااشكال في وجوب تيممين على المكلف حينئذ لان المفروض أنه مكلف بأمرين: الوضوء والغسل فلو اغتسل لم يسقط عنه الوضوء فكيف إذا تيمم بدلا عن الغسل فلا يكفي تيممه هذا عن الوضوء الواجب في حقه قطعا فلابد من أن يأتي بتيممن. احدهما: بدل عن الغسل وثانيهما بدل عن الوضوء من غير فرق بين كون التيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل وبين أن يقال بأن التراب بدل عن الماء لان المعنى في كلا التعبيرين واحد لانه لا معنى لبدلية التراب عن الماء أو عن غيره من الاشياء لانهما امران متغايران ولا مناص من أن تكون البدلية في امر جامع بينهما وهو استعمالهما في الطهارة. ومعناه: أن استعمال التراب كاستعمال الماء كاف في تحقق


(1) سورة المائدة: 5: 6.

[ 258 ]

كما أن ما هو بدل عن سائر الاغسال يحتاج إلى الوضوء أو التيمم بدله مثلها قلا تمكن من الوضوء توضأ مع التيمم بدلها، وان لم يتمكن، تيمم تيممين: أحدهما: بدل عن الغسل والآخر عن الوضوء. المأمور به نظير ما قدمناه في معنى " إن رب الماء ورب الصعيد واحد " فانه لا معنى له سوى أن الامر واحد وبينهما جامع وهو تحصيل الطهارة التي امر الله سبحانه بها، وإلا فرب الموجودات باجمعها واحد من دون اختصاص ذلك بالصعيد اذن يكون معنى تلكم الجملة هو أن التيمم بدل عن الوضوء أو الغسل لان استعمال التراب هو التيمم كما أن استعمال الماء عبارة عن الغسل أو الوضوء. " الرابعة ": ماأذا وجب على المكلف اغسال متعددة ومنها غسل الجنابة كما لو مس الجنب ميتا أو كانت حائضا وطهرت من حيضها ووجب الاغتسال باغسال متعددة فهل يجب على المكلف حينئذ إذا لم يتمكن من الماء أن يتيمم بتيممات بعدد الاغسال الواجبة في حقه أو انه إذا تيمم تيمما واحدا كفى عن الجميع؟ مقتضى اطلاق الآية المباركة " وان كنتم جنبا فاطهروا " (1) إلى آخرها هو ان الجنب مأمور بالاغتسال مرة واحدة سواء كان محدثا بغير الجنابة من الاحداث الكبيرة أو الصغيرة ام لم يكن، فيكفي الغسل في حقه مرة واحدة فهو في الحقيقة مأمور بالغسل الواحد فلو تيمم بدلا عنه كفاه.


(1) سورة المائدة: 5: 6

[ 259 ]

وذلك بحسب اطلاق الآية والاخبار، كما أن مقتضى ما استظهرناه من الآية من أن وظيفة الجنب هي الاغتسال دون الوضوء لانه وظيفة غير المجنب: عدم وجوب التيمم عليه بدلا عن الوضوء أيضا إذ لا امر بالوضوء عليه ليجب عليه التيمم بدلا عنه فيكفى في حقه تيمم واحد لاتيممان أو اكثر. " الخامسة ": مااذا وجب اغسال متعددة غير غسل الجنابة كالحيض ومس الميت فهل الواجب عليه حينئذ أن يتيمم تيمما واحدا أو لابد أن يأتي بتيممات متعددة حسب تعدد الاغسال؟ يبتني هذا على أن التداخل عند اجتماع الاغسال المتعددة هل هو في الاسباب أو أن التداخل في المسببات؟ فان قلنا ان التداخل في الاسباب كما هو الاظهر بمعنى ان تلك الاسباب المتعددة لا يتسبب منها ألا مسبب واحد وهو الغسل الواحد وان كثرت اسبابه ومناشئة نظير تعدد الاسباب في الوضوء وكما انها لا تؤثر إلا مسببا ووضوءا واحدا، كذلك الحال في الاغسال. بحيث لو اغتسل المكلف في مفروض الكلام غسلا واحدا ناويا لبعضها المعين دون الجميع أو مع الغفلة عن ثبوت غسل آخر عليه كفى ذلك في حقه ولم يجب عليه غسل آخر بعد ذلك فلا مناص من الاكتفاء بالتيمم الواحد بدلا عن المسبب الواحد الذي على ذمته من الاغسال. وان قلنا ان كل مسبب يؤثر في مسبب واحد فهناك مسببات، لكن له الاتيان بغسل واحد ناويا عن الجميع فانه يجزي عن غيره إذا نواه لقوله (ع) " إذا اجتمعت عليك حقوق متعددة اجزاك

[ 260 ]

عنها غسل واحد " (1) بحيث لو لم ينو الجميع لغفلته عن كونه مكلفا بغسل آخر أو لقصده غسلا معينا لم يسقط عنه إلا مانواه. فلا مناص من ان يأتي بتيممات متعددة حسب تعدد الاغسال الواجبة في حقه لان التداخل على خلاف الاصل ولا يمكن الالتزام به إلا مع الدليل وهو انما دل على ذلك في الاغسال ولم يقم دليل عليه في بدله الذي هوالتيمم. كما انه لو قلنا بأن كل غسل يغني عن الوضوء - كما اخترناه - اختص ذلك بنفس الاغسال ولم يأت في بدلها الذي هو التيمم لعدم دلالة الدليل على اغناء التيمم الذي هو بدل عن الغسل عن الوضوء وحيث أنه مأمور بالوضوء أيضا مع كونه محدثا بتلك الاحداث ومن هنا لو توضأ قبل الاغتسال عنها صح وضوئه ولم يكن تشريعا محرما غاية الامر انه لو لم يأت به قبلها لكان له الاجتزاء بالاغتسال فلابد أن يأتي بتيمم آخر بدلا عن الوضوء. وهذا بخلاف الصورة الرابعة - وهي مااذا كان المكلف محدثا بالجنابة - لان مقتضى الآية المباركة أن وظيفة الجنب ليست هي الوضوء بل وظيفته الاغتسال وحيث انها مطلقة كفي في حقه غسل واحد، وكذا تيمم واحد من غير وجوب تيمم زائد عليه بدلا عن الوضوء أو غسل آخر.


(1) الوسائل: ج 1 باب 43 من ابواب الجنابة ح 1.

[ 261 ]

(مسألة 12): ينتقض التيمم بما ينتقض به الوضوء والغسل من الاحداث (1). نواقض التيمم هي نواقض الطهارة المائية: (1) ويدل عليه وجوه: " الاول ": قوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم.. فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا " (1) فانه دل على أن المحدث بحدث النوم أو غيره إذا قام إلى الصلاة لابد اما أن يتوضأ إن كان غير جنب، وأما أن يغتسل إن كان جنبا، وان لم يجد ماءا فتيمم صعيدا طيبا. وهذا يصدق على المتيمم إذا احدث ثم اراد الصلاة فهو محدث قام إلى الصلاة يجب عليه الوضوء أو الغسل أن كان واجدا للماء، والتيمم ان لم يجد. " الثاني ": كل مادل على وجوب الوضوء أو الغسل بعد صدور اسبابها كما دل على أن الرجل إذا نام أو بال فليتوضأ (2) أو انه إذا اجنب فليغتسل (3) وغير ذلك مما ورد في الاحداث


(1) سورة المائدة: 5: 6 والنساء: 4: 43. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 1 و 2 وغيرهما من ابواب نواقض الوضوء. (3) راجع الوسائل: ج 1 باب 1 وغيره من ابواب الجنابة.

[ 262 ]

لانها شاملة للمتيمم إذا صدر منه شئ من تلك الاسباب فمقتضاها وجوب الوضوء أو الغسل عليه وحيث انه لا يتمكن من الماء فيجب عليه التيمم ولا يمكنه الاكتفاء بتيممه السابق لانتقاضه بصدور الاسباب منه حسبما تقتضيه الادلة المذكورة. " الثالث ": صحيحة زرارة أو حسنته قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: " يصلي الرجل بوضوء واحد صلاة الليل والنهار كله؟ قال: " نعم ما لم يحدث " قلت: ويصلي بتيمم واحد صلاة الليل والنهار؟ قال: " نعم ما لم يحدث أو يصيب ماءا " (1). وهي مروية بطريقتين: احدهما: حسن " بابن هاشم " ان لم نقل بوثاقته. وثانيهما: مشتمل على " محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان " والظاهر انها صحيحة لان " محمد بن اسماعيل " وان كان في نفسه مرددا بين اشخاص إلا أن الظاهر انه تلميذ الفضل الثقة وهو الذي يروي عن شيخه " الفضل بن شاذان " كثيرا. وقد رواها الشيخ أيضا باسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد وهو طريق صحيح وفيه غنى وكفاية سواء صح الطريق المتقدم أم لم يصح.


(1) الوسائل: ج 2 باب 19 من ابواب التيمم ح 1.

[ 263 ]

كما أنه ينتقض بوجدان الماء (1). بوجدان الماء ينتقض التيمم: (1) وليس هذا الحكم مستندا إلى اطلاق ادلة الطهارة المائية وكونها مقدمة على استصحاب بقاء الطهارة الترابية بعد الوجدان. فان ادلة الطهارة المائية كالآية المباركة وغيرها مما دل على وجوب الوضوء أو الغسل للمتمكن من الماء مختصة بالمحدث وانه إذا قام إلى الصلاة وجب عليه أن يتوضأ أو يغتسل فلا تكاد تشمل المتيمم لانه متطهر حتى بعد وجدان الماء. وذلك لاطلاق (1) ادلة طهورية التراب لغير المتمكن من الماء لدلالتها على أن التيمم طهور وأنه احد الطهورين ومقتضى اطلاقها كونه طهورا حتى بعد وجدان الماء لعدم كونها مغياة بالوجدان. واطلاق ادلة الطهورية وارد على اطلاق ادلة الطهارة المائية لكونها موجبة لخروج المتيمم عن موضوعها وهو الحدث بالوجدان فلو كنا نحن وهذه المطلقات لقلنا ببقاء الطهارة الترابية بعد وجدان الماء وعدم انتقاضها به. لما التزمنا والتزام المشهور بذلك في المتوضي مع الجبيرة حيث ذكروا أنه لو ارتفع عذره بعد الوضوء وتمكن من الوضوء الصحيح لم ينتقض


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 23 وذيل 14 من أبواب التيمم.

[ 264 ]

وضوئه وذلك لاطلاق (1) مادل على طهورية الوضوء مع الجبيرة لذوي الاعذار فانه وارد على اطلاق مادل على وجوب الطهارة المائية لان الموضوع فيها هو المحدث. والمقام وتلك المسألة من واد واحد فان المكلف في كلا المقامين غير متمكن من الماء لانه معذور، فلا وجه لدعوى شمول اطلاق ادلة الطهارة المائية للمتيمم وكونها مقتضية لوجوب الوضوء أو الغسل في حقه وعدم جريان استصحاب بقاء الطهارة الترابية بعد الوجدان لان الاطلاق دليل اجتهادي يتقدم على الاصل. بل الوجه في ذلك هو الاخبار المتضافرة التي اكثرها صحاح وقد دلت على أن وجدان الماء ناقض للتيمم وهي على طوائف: " منها ": ما ورد في خصوص الوضوء وأن المتيمم بدلا عنه إذا وجد الماء توضأ، مثل حسنة زرارة أو صحيحته المتقدمة عن احدهما عليهما السلام قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل " (2). و " منها ": ما ورد في التيمم بدلا عن الغسل وانه إذا وجد ماءا انتقض تيممه، وذلك مثل صحيحة علي الحلبي أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل إذا اجنب ولم يجد الماء قال: " يتيمم بالصعيد فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة " (3)، ونظيرها


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 39 من ابواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 1.

[ 265 ]

صحيحة أو حسنة اخرى له (1) فليراجع. و " منها ": ما هو مطلق يعم التيمم بدلا عن الوضوء وما هو بدل عن الغسل كما في صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة: قلت: " ويصلي بتيمم واحد صلاة الليل والنهار؟ قال: نعم ما لم يحدث أو يصب ماءا.. (2). ومنها: ما هو مصرح بالاطلاق وذلك كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له: كيف التيمم؟ قال: هو ضرب واحد الوضوء للوضوء والغسل من الجنابة.. ومتى اصبت الماء فعليك الغسل إن كنت جنبا، والوضوء إن لم يكن جنبا " (3). إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة (4) الدالة على ذلك، واقتصرنا على الاخبار المتقدمة من باب المثال. ويترتب على ذلك أن المتيمم إذا وجد الماء ولم يتوضأ أو يغتسل حتى طرأ عليه العجز عن استعماله الماء ثانيا وجب عليه أن يتيمم ثانيا وليس له الاكتفاء بتيممه السابق لانتقاضه بالوجدان. وهذا - مضافا إلى انه امر على طبق القاعدة - منصوص فقد ورد في ذيل الصحيحة أو الحسنة المتقدمة عن زرارة: قلت: فان اصاب الماء ورجا أن يقدر على ماء آخر وظن أنه يقدر عليه كلما اراد فعسر ذلك عليه؟ قال: " ينتقض ذلك تيممه وعليه أن يعيد


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب التيمم ح 4 (2) الوسائل: ج 3 باب 19 من ابواب التيمم ح 1 (3) الوسائل: ج 2 باب 12 من ابواب التيمم ح 4 (4): راجع الوسائل ج 2 باب 19 و 20 و 21 وغيرهما من ابواب التيمم.

[ 266 ]

أو زوال العذر (1) ولا يجب عليه اعادة ما صلاه كما مر (2) وان زال العذر في الوقت، والاحوط الاعادة حينئذ بل والقضاء أيضا في الصور الخمسة المتقدمة. (مسألة 13): إذا وجد الماء أو زال عذره قبل الصلاة لا يصح أن يصلي به وان فقد الماء أو تجدد العذر التيمم " (1). انتقاض التيمم بزوال العذر: (1) للاخبار المتقدمة (2) الدالة على بقاء الطهارة الترابية ما لم يحدث أو يصب ماءا، فان اصابة الماء التي جعلت غاية رافعة للطهارة الترابية انما هي نقيض قوله تعالى " فلم تجدوا ماء " (3) المفسر بعدم التمكن من الاستعمال. اذن فالمراد بالاصابة هو التمكن من استعمال الماء فإذا تمكن من استعماله بارتفاع عذره بطل تيممه. (3) كما تقدم قريبا.


(1) تقدمت في الصفحة السابقة تحت رقم (4) من التعليقة. (2) تقدمت في نفس المسألة. (3) سورة المائدة: 5: 6 والنساء: 4: 43.

[ 267 ]

فيجب أن يتيمم ثانيا (1) نعم إذا لم يسع زمان الوجدان (2) (3) لبطلان تيممه السابق بالوجدان فلو طرأ عليه الفقدان بعد ذلك فهو موضوع جديد ولابد من ان يتيمم بسببه ثانيا. إذا لم يسع زمان الوجدان للطهارة: (1) لان الاصابة الواردة في الاخبار المتقدمة انما هي في مقابل قوله تعالى " فلم تجدوا ماءا " (1) وحيث ان معناه عدم التمكن من استعمال الماء عقلا أو شرعا فيكون معنى الاصابة هو التمكن من استعمال الماء عقلا وشرعا بأن يكون للماء وجود خارجي وتمكن من استعماله تكوينا بأن لا يكون مريضا لا يقدر على الحركة أو ممنوعا عنه من قبل الظالم ونحوه، وشرعا بان كان مباحا ولم يكن استعماله في الوضوء أو الغسل مزاحما بتكليف آخر. فإذا اصاب الماء ولم يكن متمكنا من استعماله تكوينا لقلة زمان الوجدان كما لو مرت عليه سيارة تحمل ماءا، أو ظفر ببئر ماء ولم يكن عنده ادوات النزح، أو لم يكن متمكنا من استعماله شرعا بأن كان مغصوبا أو في آخر الوقت بحيث لا يسع الوضوء أو الغسل ونحو ذلك، لم ينتقض تيممه لعدم تحقق الغاية الرافعة للطهارة الترابية في حقه.


(1) سورة المائدة: 5: 6 والنساء: 4: 43.

[ 268 ]

أو زوال العذر للوضوء أو الغسل بأن فقد أو زال العذر بفصل غير كاف لهما لا يبعد عدم بطلانه وعدم وجوب تجديده، لكن الاحوط التجديد مطلقا. وكذا إذا كان وجدان الماء أو زوال العذر في ضيق الوقت فانه لا يحتاج إلى الاعادة حينئذ للصلاة التي ضاق وقتها: (مسألة 14): إذا وجد الماء في اثناء الصلاة (1) فان كان قبل الركوع من الركعة الاولى بطل تيممه وصلاته وان كان بعده لم يبطل ويتم صلاته. وجدان الماء في اثناء الصلاة: (1) قد يكون الوجدان قبل الصلاة وقد يكون بعدها وثالثة يكون في اثناءها. لا اشكال في أنه إذا وجده قبل الصلاة بطل تيممه لان الوجدان ناقض له كما سبق. كما لا شبهة في انه إذا وجده بعد الصلاة صحت صلاته ولا تجب اعادتها مطلقا أو على تفصيل قد قدمناه - وهوما إذا صلى آيسا من وجدان الماء وما إذا مع احتمال اصابته، وانما يجب أن يتوضأ أو يغتسل للصلوات المقبلة.

[ 269 ]

وانما الكلام فيما إذا وجد الماء في اثناء الصلاة. والمشهور هو التفصيل بين ما إذا وجده بعد الركوع فيمضي في صلاته وهي صحيحة وما إذا وجده قبل الركوع وقبل الدخول فيه فيبطل تيممه وصلاته. وهذا هو الذي اختاره الماتن. وذهب جمع كثير بل نسب إلى المشهور: انه متى ما كبر للافتاح ودخل في الصلاة لم يجز له الرجوع فلا فرق بين وجدان الماء قبل الركوع أو بعده، وذهب ثالث إلى استحباب القطع ما لم يركع، وغير ذلك من الاقوال. ومن المتسالم عليه أن الوجدان بعد الدخول في الركوع غير مسوغ لقطعها والرجوع إلا من الشاذ النادر حيث ذهب إلى ان وجدانه قبل اتمام الركعتين موجب للقطع والرجوع. ومنشأ الاختلاف بينهم هو الاختلاف في كيفية الاستفادة من الاخبار التي منها صحيحة زرارة: (في حديث): قال: قلت لابي جعفر (ع): ان أصاب الماء وقد دخل في الصلاة قال: فلينصرف فليتوضأ ما لم يركع وان كان قد ركع فليمض في صلاته فان التيمم احد الطهورين " (1). ودلالتها على التفصيل المتقدم مما لا غبار عليه، وسندها معتبر حيث ان لها طرقا ثلاثة: " احدها ": ما رواه الشيخ عن المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن الصفار. وهو ضعيف بأحمد بن محمد بن يحيى العطار لعدم ثبوت وثاقته.


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 1. وتقدم في المسألة 8 ما له ربط في المقام من جهة سند الرواية.

[ 270 ]

و " ثانيها ": ما رواه الكليني عن محمد بن اسماعيل عن الفضل ابن شاذان وهو مورد المناقشة من جهة محمد بن اسماعيل حيث قيل بتضعيفه وإن لم يكن الامر كما قيل. و " ثالثها ": ما رواه الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز وهو حسن فالرواية صحيحة بمعنى المعتبرة الاعم من الصحيحة أو الحسنة أو الموثقة في الاصطلاح. ومن جملة الروايات: رواية عبد الله بن عاصم: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم ويقوم في الصلاة فجاء الغلام فقال: هو ذا الماء، فقال: " إن كان لم يركع فلينصرف وليتوضأ، وان كان قد ركع فليمض في صلاته " (1). ودلالتها - كسابقتها - ظاهرة، وانما الكلام في سنده. حيث أن لها طرقا ثلاثة: اولها: ما رواه الكليني عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء عن أبان بن عثمان، والحسين بن محمد هو شيخ الكليني الثقة ويروي الكليني عنه بدون واسطة، ولكن معلى بن محمد لم يوثق فالسند ضعيف لاجله. وثانيها: ما رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن القاسم ابن محمد عن أبان بن عثمان جميعا عن عبد الله بن عاصم وهو ضعيف أيضا بالقاسم بن محمد لانه الجوهري وهو ضعيف. وذكر ابن داود في رجاله ان الظاهر أن (القاسم بن محمد)


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 2، والرواية معتبرة فان معلى بن محمد واقع في تفسير القمي (ره).

[ 271 ]

الجوهري رجلان فان الشيخ ذكره في موضعين فعنونه مرة وعده من اصحاب الكاظم (ع) وقال: انه واقفي واخرى فيمن لم يرو عنهم، اذن فهو رجلان إذ لا يمكن أن يكون شخص واحد من اصحاب الكاظم (ع) وممن لم يرو عنهم. والثاني: موثق فلابد من الحكم بصحة السند في المقام لانه روى عن (أبان بن عثمان) وبواسطته ولم يرو عن الكاظم عليه السلام. و (فيه): ان الشيخ ذكره في ثلاث مواضع فتارة ذكره في اصحاب الصادق (ع) واخرى في اصحاب الكاظم (ع) وثالثة فيمن لم يرو عنهم، والظاهر أنه لا تنافي بين عد الرجل من اصحاب امام وممن لم يرو عنهم إذ المراد من عده من اصحابهم انه ممن صحبهم وادركهم لا انه روى عنهم ويمكن أن يدرك شخص اماما أو امامين انه من صحبهم أو اكثر ولا يروي عنهم من دون واسطة. نعم: في خصوص رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر الشيخ باب (من روى عنه صلى الله عليه وآله لا باب (اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله). اذن لا شهادة في عد الشيخ الرجل في موضعين على تعدده - هذا على أنا لو سلمنا تعدده فمن أين تثبت وثاقة ثانيهما فانه لم يدلنا دليل على وثاقته فالسبد ضعيف لاجله. و " منها ": ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن على بن محبوب عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن جعفر بن بشير، وهذا السند ضعيف أيضا لان اسناد الشيخ إلى محمد بن على بن محبوب وان كان صحيحا إلا أن الحسن بن الحسين اللؤلؤي لم تثبت وثاقته. وذلك لانه وان وثقه النجاشي (قده) إلا أن الشيخ ذكر في

[ 272 ]

رجاله أن ابن بابويه قد ضعفه ومستند تضعيف الصدوق اياه هو تضعيف شيخه محمد بن الحسن بن الوليد (قده) وان لم يذكره الشيخ (قده) وهو الذي ضعف الرجل وتبعه الصدوق كما هو دأبه وقد ايده شيخ النجاشي عباس بن سامان قائلا ما مضمونه: ان تضعيفه في محله. وقد تعرض لذلك النجاشي في ترجمة " محمد بن احمد بن يحيى الاشعري " حيث ذكر بعد توثيقه: أنه كان يروي عن الضعفاء كثيرا ومن ثمة استثنى ابن الوليد جملة من رواياته. وعدها النجاشي في كتابه ومن جملتها ما رواه عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي متفردا به، وهو الذي ايده شيخ النجاشي (قدهما). فاما أن يتقدم التضعيف على توثيق النجاشي لتعدد المضعف، واما أن يتعارضا، وفي النتيجة لا يثبت توثيق الرجل فلا يمكن الاعتماد على رواياته فما ذكره صاحب المدارك (قده) من أن الرواية ضعيفة السند هو الصحيح فالمعتمد هو الحسنة المتقدمة وحسب. وبازاء هاتين الروايتين: رواية محمد بن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل تيمم ثم دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة قال: " يمضي في الصلاة، واعلم انه ليس ينبغي لاحد ان يتيمم إلا في آخر الوقت " (1).


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من ابواب التيمم ح 3. أما الكلام من جهة السند فقد رجع السيد الاستاذ (دام بقائه) عن ما ذكره هنا في المعجم فبنى على انصراف محمد بن سماعة إلى -

[ 273 ]

نظرا إلى انها تدل على أن وجدان الماء حين الدخول في الصلاة غير موجب لانتقاض التيمم فلا عبرة بدخوله في الركوع وعدمه، ويقع الكلام تارة في سندها واخرى في دلالتها. الكلام في سند الرواية: أما من حيث السند فالظاهر ضعفها لتردد " محمد بن سماعة " بين (محمد بن سماعة بن مهران) الذي هو ضعيف وبين (محمد ابن سماعة بن موسى) وهو ثقة والد الحسن وابراهيم وجعفر. و (قد يقال): ان اللفظ ينصرف إلى من هو المعروف من المسمين به - كما بيناه مرارا - وحيث أن (محمد بن سماعة بن موسى) ثقة جليل فينصرف اللفظ إليه. و (فيه): ان كبرى انصراف الاسم إلى المعروف المشتهر وان كانت صحيحة إلا أن المقام ليس من صغرياتها لان كلا الرجلين مشتهر معروف، والوثاقة وعدمها أجنبيان عن الاشتهار فان الوثاقة لا تستدعي الانصراف وانما المستتبع له هو الاشتهار، هذا. بل قد يقال بانصراف (محمد بن سماعة) إلى (ابن مهران) نظرا إلى التصريح برواية البزنطي عن (محمد بن سماعة بن مهران)


(1) = ابن موسى الثقة وكذلك محمد بن حمران إلى النهدي الثقة راجع 16 ص - 152 وعلى هذا فالسند معتبر.

[ 274 ]

كثيرا كما لا يخفى على من راجع الاخبار، وهذا بخلاف (محمد ابن سماعة بن موسى) إذ لم يصرح برواية البزنطي عنه في الاسناد بل انما يوجد أنه روى عن محمد بن سماعة من دون تصريح بابن موسى - هذا ولا أقل من أن يكون (محمد بن سماعة) مرددا بين الثقة والضعيف كما ذكره صاحب الجواهر " قده " وهذا كله من جهة (ممد بن سماعة) وأما (محمد بن حمران) فقد تكمنا فيه سابقا وحاصل الكلام فيه هو أن (محمد بن حمران) مردد بين الثقة والضعيف وتوضيحه: أن الشيخ تعرض في رجاله ثلاث مرات لمحمد بن حمران، فتارة: عنون (محمد بن حمران بن أعين) وعده من أصحاب الصادق (عليه السلام). وثانية: عنونه (محمد بن حمران مولى بنى فهر) وعده أيضا من أصحاب الصادق (ع) وصرح بأن محمدا هذا غير محمد بن حمران ابن أعين. وثالثة: عنون (محمد بن حمران النهدي) وعده أيضا من أصحاب الصادق (ع) وظاهره لو لم يكن صريحه أن المسمين بمحمد بن حمران ثلاثة أنفار وجميعهم من أصحاب الصادق (عليه السلام). وتعرض لمحمد بن حمران بن أعين في فهرسته وذكر أن له كتابا وأنه يروي عنه محمد بن أبي عمير وابن أبي نجران. وتعرض النجاشي في كتابه إلى (محمد بن حمران النهدي) ووثقه وذكر أن له كتابا ويروي عنه (علي بن أسباط). ولولا تعرض الشيخ في رجاله للرجل مرتين وكل في مقابل الآخر

[ 275 ]

الذي هو كالنص في التعدد لجز منا باتحاد الرجلين وذلك لان للنهدي كتابا يروي عنه علي بن أسباط على ما صرح به النجاشي فلا وجه لعدم تعرض الشيخ له في فهرسته لان وضعه لذكر فهرست الكتب وأصحابها، ومن هذا يظن أنهما شخص واحد غاية الامر أن الشيخ عنونه باسم أبيه وعنونه النجاشي بلقبه. كما أن النجاشي لم يتعرض لابن أعين مع أن تآليفه متأخر عن الفهرست لانه ناظر في كتابه إلى الفهرست ويعترض على الشيخ وان لم يصرح باسم الكتاب وقد ترجم النجاشي للشيخ وذكر في تعداد كتبه كتاب الفهرست. ومع كون الفهرست بين يديه وتصريح الشيخ بأن له كتابا يروى عنه محمد بن أبي عمير وابن أبي نجران وهما كالمروي عنه من المعروفين المشهورين بين الرواة ولم يتعرض النجاشي لابن أعين فيظن به أن الرجل واحد يعبر عنه بابن أعين تارة ويعبر عنه بالنهدي أي بلقبه أخرى. ومن ثمة تعرض الشيخ لاحد العنوانين وتعرض النجاشي للآخر وسكت كل منهما عن الآخر، إلا أن الجزم بذلك ليس ممكنا لتصريح الشيخ بالتعدد على ما بيناه. إذن فهو متعدد وأحدها ثقة وهو النهدي والآخر لم يوثق وهو ابن أعين فيتردد (محمد بن حمران) الموجود في الرواية بين الثقة والضعيف فلا يمكن الاعتماد عليها ولا وجه لحملها على النهدي الثقة. لان الوثاقة لا توجب الانصراف، وانما الموجب له هو الاشتهار وان كان الراوي ضعيفا. وكل من الرجل والراوي عنهما معروف مشهور لو لم ندع أن ابن

[ 276 ]

أعين وراوييه - ابن ابي عمير وابن أبي نجران - أشهر وأعرف، نعم لو قلنا ان ابن ابي عمير لا يروي إلا عن ثقة وأثبتنا ذلك حكمنا باعتبار الرواية ولا يترتب اثر على تردد الراوي بين النهدي وابن أعين لاعتبار الرواية على كلا التقديرين. إلا أنا انكرنا هذا المبنى كما سبق مرارا، ومعه لا يمكننا الاعتماد على الرواية. هذا كله بالنسبة إلى محمد بن حمران هذا تمام في سند الرواية. الكلام في دلالتها: لو أغمضنا النظر عن المناقشة السندية وبنينا على أن (محمد بن سماعة) هو ابن موسى الثقة وأن (محمد بن حمران) هو النهدي الثقة فلا يمكننا الاستدلال بالرواية لعدم دلالتها على المدعى. وذلك لانها انما تدل على عدم الاعتبار بما قبل الركوع وما بعده بمقتضى اطلاقها لدلالتها على انه إذا وجد الماء وهو داخل في الصلاة مضى في صلاته سواء كان ذلك قبل الركوع أم بعده، فنقيدها بصحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة (1) الدالة على التفصيل بين ما إذا وجد الماء قبل الدخول في الركوع وما إذا وجده بعده فانه مقتضى قانون الاطلاق والتقييد. وقد يقال: بان الرواية صريحة في أن وجدان الماء قبل الركوع


الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 1.

[ 277 ]

لا يوجب انتقاض التيمم لا انها تدل عليه بالاطلاق فهما متعارضتان ولا بد معه من حمل الحسنة أو الصحيحة على الاستحباب إذا وجد الماء قبل الركوع وذلك لتصريح الراوي بأنه وجد الماء حين يدخل في الصلاة أي حين شروعه فيها. إلا أن هذا التوهم باطل لان المراد به هو كون الرجل داخلا في الصلاة ولا يراد به حال الشروع والدخول، فان معنى (حين يدخل): حين كونه داخلا في الصلاة، وذلك لئلا يناقضه قول السائل قبل هذا: (رجل تيمم ثم دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة). لانه فرض أنه دخل في الصلاة وبعد دخوله فيها، وذلك لمكان (ثم)، فمعنى (يؤتى بالماء..) أي يؤتى به حال كونه داخلا في الصلاة، فلو حمل ذلك على حال الشروع والدخول لكان مناقضا لقوله (ثم دخل في الصلاة). هذه هي إحدى الروايتين اللتين إستدل بهما على أن المتيمم إذا دخل في الصلاة ثم وجد الماء لم تنتقض طهارته سواء كان ذلك قبل الركوع أم بعده، ولاجلهما حملوا الصحيحة أو الحسنة المتقدمة الدالة على الانتقاض إذا وجد الماء قبل الركوع، على استحباب نقض

[ 278 ]

الصلاة ثم الشروع فيها مع الوضوء. و " ثانيتهما ": صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم أنهما قالا لابي جعفر (عليه السلام) في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمم وصلى ركعتين ثم أصاب الماء أينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ ثم يصلي؟ قال: " لا ولكنه يمضي في صلاته فيتمها ولا ينقضها لمكان أنه دخلها وهو على طهر بتيمم " (1). وذلك لانها وإن وردت فيمن أصاب الماء بعد الركعتين إلا أن العلة المذكورة في ذيلها تعمم الحكم لما إذا دخل في الصلاة ثم وجد الماء قبل الركوع لدلالتها على أن المدار في وجوب المضي في الصلاة انما هو الدخول فيها عن طهر بتيمم وحيث انها علة غير قابلة للتخصيص. فلابد من حمل الحسنة المتقدمة الدالة على الانتقاض فيما إذا وجد الماء قبل الركوع على الاستحباب كما قدمنا، هكذا ذكروا في وجه الاستدلال بها. ولا كلام في سند الرواية لان الصدوق رواها عن زرارة ومحمد ابن مسلم وطريقه صحيح، نعم طريق الشيخ (قده) ضعيف بأحمد ابن محمد بن الحسن بن الوليد لعدم ثبوت وثاقته. وانما الكلام في دلالتها: والظاهر أنها قابلة للتقييد أيضا لان علل الاحكام الشرعية لا تزيد على نفس الاحكام بل هي هي غاية الامر انها حكم كيروي ومرجع التعليل في الرواية ومعناه: أن من دخل


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من ابواب التيمم ح 4. وقد تقدم وجود طريق صحيح للشيخ الطوسي (قده) إلى روايات محمد بن الحسن بن الوليد من غير ولده احمد بن محمد. فراجع.

[ 279 ]

في الصلاة عن طهر بتيمم لم ينتقض صلاته بوجدان الماء بعده وهو بمثابته. ولا شتهة في أن مثله قابل للتقييد وليست العلل الشرعية كالعلل العقلية غير قابلة للتخصيص فان الدور إذا قام البرهان على استحالته لم يمكن تخصيصه بوقت دون وقت كاليل مثلا فان حكم الامثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. وأما العلل الشرعية فتخصيصها أو تقييدها بمكان من الامكان، وليعلم ان المراد من أن التعليل غير قابل للتخصيص أنه آب عنه إذا ألقى على العرف لا أن تخصيصه غير ممكن، ولا كلام في إبائه عن التقييد فلاحظ. والنقض بالتعليل الوارد في الاستصحاب غير تام إذ لا كلام في إمكانه كما مر. على أن محل الكلام فيما إذا علل حكم في مورد وورد في ذلك المورد بخصوصه ما يتوهم تخصيصه لا أن يرد حكم في مورد آخر قد يجتمعان ويخصص أحدهما. مع أنه يمكن أن يقال فيه بالتقدم بنحو الحكومة. وقد وقع نظيره كثيرا مثل التعليل الوارد في صحاح ثلاث لزرارة وردت في الاستصحاب كقوله (عليه السلام): (لانك كنت على يقين من وضوئك ولا تنقض اليقين بالشك أبدا) (1) على اختلاف ألفاظه باختلاف الصحاح.


(1) الوسائل: ج 1 باب 1 من ابواب نواقض الوضوء ح 1 وج 2 باب 41 و 44 من ابواب النجاسات ح 1.

[ 280 ]

لكن الاحوط مع سعة الوقت الاتمام والاعادة مع الوضوء مع أنا خصصناه بقاعدتي الفراغ والتجاوز فيما إذا شك بعد الصلاة أو في أثناءها. وبالجملة: أن قوله (عليه السلام): (لمكان انه دخلها وهو على طهر بتيمم) بمثابة أن يقال: من دخل في صلاته بطهر عن تيمم لم تنتقض صلاته بوجدان الماء بعده وهو حكم قابل للتقييد، ومقتضى قانون الاطلاق والتقييد هو تقييد اطلاق تلكم الصحيحة بحسنة زرارة المتقدمة الدالة على أن الداخل في الصلاة بطهر عن تيمم إذا وجد الماء قبل الركوع انتقضت طهارته وصلاته. إذن ما ذهب إليه المشهور من التفصيل بين وجدانه الماء قبل الركوع ووجد انه بعده هو الصحيح. نعم الاحتياط يقتضي اتمام الصلاة واعادتها مع الوضوء كما في المتن وذلك لورود روايتين ضعيفتين دلتا على أن وجدان الماء بعد الركوع موجب للانتقاض ولاجل الخروج عن الخلاف في المسألة. واحدى الروايتين لزرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن صلى ركعة على تيمم ثم جاء رجل ومعه قربتان من ماء قال: يقطع الصلاة ويتوضأ ثم يبني على واحدة (1) أي يشرع من حيث قطعها. ودلالتها على وجوب التوضي وانتقاض التيمم بوجدان الماء حتى بعد الركوع ظاهرة لكن السند ضعيف بعلي بن السندي.


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 5.

[ 281 ]

ولا فرق في التفصيل المذكور بين الفريضة والنافلة على الاقوى (1). وثانيهما: رواية الحسن الصيقل قال: قلت لابي عبد الله (ع): رجل تيمم ثم قام يصلي فمر به نهر وقد صلى ركعة قال: فليغتسل وليستقبل الصلاة قال: انه قد صلى صلاته كلها قال: لا يعيد " (1). ودلالتها ظاهرة كسابقتها، لكن سندها ضعيف بموسى بن سعدان الذي ضعفوه، والمثنى المردد بين الثقة والضعيف، والحسن الصيقل لعدم ثبوت وثاقته. التسوية بين النفل والفرض في الانتقاض بالوجدان (1) هل التفصيل المتقدم خاص بالفريضة وانها التي دلت الحسنة على عدم انتقاض التيمم فيها بوجدان الماء بعد الركوع، وأما النافلة فتبقى تحت المطلقات المتقدمة الدالة على أن وجدان الماء ناقض للتيمم حيث يرد تخصيصها بالنافلة، أو أن الحكم يعم النوافل؟. الصحيح شمول الحكم للنوافل فلا فرق بينها وبين الفرائض وذلك لاطلاق الحسنة المتقدمة حيث سأل فيها عن الرجل يصلي بتيمم واحد صلاة الليل والنهار وأنه لو أصاب الماء وقد دخل في الصلاة هل


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 6.

[ 282 ]

وان كان الاحتياط بالاعادة في الفريضة آكد من النافلة (1). (مسألة 15): لا يلحق بالصلاة غيرها إذا وجد الماء في أثنائها، بل تبطل مطلقا وإن كان قبل الجزء الاخير منها، فلو وجد في اثناء الطواف ولو في الشوط الاخير بطل (2). ينتقض تيممه أم لا ينتقض؟ وهو كما ترى يشمل النافلة ودعوى الانصراف إلى الفريضة لا شاهد عليها بوجه. (1) وفي جملة من النسخ: (وان كان الاحتياط في النافلة آكد) والوجه فيه ظاهر لان النافلة - مضافا إلى اشتراكها مع الفريضة في الخلاف وهو القول بعدم انتقاض التيمم بوجدان الماء حتى قبل الركوع وفي كونها مشمولة للروايتين الضعيفتين الدالتين على أن وجدانه ناقض للتيمم حتى بعد الركوع - تختص بشبهة أخرى هي شبهة اختصاص المخصص بالفرائض وبقاء النافلة تحت المطلقات الدالة على انتقاض التيمم بوجدان الماء. بطلان غير الصلاة بالوجدان في الاثناء: (2) ما ذكره (قده) هو الذي تقتضيه القاعدة لدلالة الادلة على أن التيمم ينتقض بوجدان الماء الذي مقتضاها أن المتيمم لو

[ 283 ]

وجده قبل الفراغ من العمل المشروط بالطهارة ولو بجزء بطل تيممه ووجب عليه استئنافه مع الوضوء أو الاغتسال. وأدلة عدم البطلان بوجدان الماء بعد الركوع خاصة بالصلاة ولا تأتي في الطواف ونحوه. إلا أن مقتضى الادلة (1) الواردة في الطواف وإن الطائف لو أحدث في أثنائه يفصل بين ما إذا صدر منه الحدث غير الاختياري قبل الشوط الرابع استأنف طوافه من الابتداء وبين ما لو أحدث بعده فيحصل الطهارة ويشرع من حيث قطع: هو التفصيل في المقام أيضا. لدلالة الادلة على انتقاض التيمم عند وجدان الماء وكونه محدثا بعد وجدانه، ومعه لو وجده قبل الشوط الرابع استأنف طوافه ولو وجده بعده توضأ أو اغتسل واستأنف الاشواط من حيث قطعها. ولعل الماتن (قده) انما افتى بما تقتضيه القاعدة وإلا فبالنظر إلى ما ذكرناه لا مناص من التفصيل. ثم ان محل الكلام في الطائف المتيمم الذي يجد الماء اثناء طوافه ما إذا كان متيمما بتيمم صحيح كما لو تيمم بدلا عن الغسل أو الوضوء أي لغير الطواف من الغايات كالصلاة إذا تيمم لاجلها وصلى لعدم وجدانه الماء في وقت الصلاة بعد انقضاء وقتها أراد أن يطوف فوجد الماء أثناء طوافه. لما مر من أن التيمم لغاية يباح له الدخول في جميع الغايات المترتبة عليه إلا بالتيمم لضيق الوقت لانه حينئذ فاقد للماء بالاضافة إلى الصلاة وحسب، وهو واجد للماء حال التيمم بالاضافة إلى غير


(1) الوسائل: ج 9 باب 40 من أبواب الطواف.

[ 284 ]

الصلاة فلا يسوغ له الدخول في غيرها من الغايات. وهذه الصورة هي التي قلنا انه لا يبعد التفصيل فيها بين ما إذا وجد الماء بعد التجاوز عن نصفه المتحقق باتمام الشوط الرابع ومن هنا عبروا باتمام الشوط الرابع وبالتجاوز عن نصفه فيجب عليه أن يتوضأ أو يغتسل ويتم طوافه من حيث قطع وبين ما إذا وجده قبل اتمام النصف والشوط الرابع فيجب عليه استئناف أشواطه والاتيان بها مع الطهارة المائية. وأما إذا لم يكن متيمما متيمما بتيمم صحيح كما لو تيمم للطواف ثم وجد الماء في أثنائه فلا إشكال في وجوب الاستئناف عليه من الابتداء مطلقا سواء وجده قبل النصف أم بعده. وذلك لان الطواف موسع بل غير موقت بوقت فالتيمم لاجله انما يسوغ فيما لو لم يجد الماء مطلقا واما لو انكشف عدم كونه فاقدا للماء بل كان متمكنا منه واقعا فينكشف بذلك أن التيمم لم يكن مشروعا في حقه ولم يكن طوافه بصحيح. ثم إن الدليل على ذلك عدة من الروايات وان ذكر صاحب الوسائل في هذا الباب (1) رواية واحدة مرسلة إلا انه ارشد إلى غيرها بما تقدم ويأتي، ومن جملتها ما ورد في المرأة (2) إذا فاجأها الحيض أثناء طوافها ففصل بين اتمام الشوط الرابع والتجاوز عن نصفه فحكم عليها بأن تغتسل بعد طهرها وتبدأ من حيث قطع واما إذا كان قبل النصف بطلت أشواطها فتستأنف الطواف من الابتداء بعد غسلها


(1) أي باب 40 من الجزء التاسع من أبواب الطواف. (2) راجع الباب 85 من أبواب الطواف من الوسائل.

[ 285 ]

وكذا لو وجد في أثناء صلاة الميت بمقدار غسله بعد أن يمم لفقد الماء، فيجب الغسل واعادة الصلاة (1) بل وكذا لو وجد قبل تمام الدفن. من الحيض وحيث أن روايته صحيحة وواردة في الحيض والحكم فيها على خلاف مقتضى القاعدة خصوا ذلك بالحدث غير الاختياري وقلنا في محله انه الاحوط، وقد عبر في الرواية بقوله: حاضت أو اغتسلت أو طمثت ونحوها مما يرجع إلى مفاجأة الحيض الغير الاختيارية. وحيث أن وجدان الماء أيضا ناقض للتيمم فلا يبعد إلحاقه بالاحداث غير الاختيارية لان الصحيحة وان وردة في الحيض إلا انه إذا جاز اتمام الاشواط فيه مع أن الفصل في الحيض طويل فان أقله ثلاثة أيام وقد يطول إلى عشرة أيام جاز ذلك في غيره من الاحداث بطريق أولى. وجدان الماء في أثناء صلاة الميت الميمم: (1) ما افاده (قده) وان كان صحيحا لما قدمناه من أن الامر بتيمم الميت انما هو في فرض عدم وجدان الماء إلى آخر وقت يمكن الانتظار إليه فلو وجد الماء بعد ما يمم الميت وقبل أن يدفن كشف ذلك عن عدم مشروعية تيممه.

[ 286 ]

(مسألة 16): إذا كان واجدا للماء وتيمم لعذر آخر من استعماله فزال عذره في إثناء الصلاة هل يلحق بوجدان الماء في التفصيل المذكور؟ إشكال فلا يترك الاحتياط بالاتمام والاعادة إذا كان بعد الركوع من الركعة الاولى (1). لانه كان مبنيا على تخيل عدم الماء ولا أثر للتخيل فلا بد من أن يغسل ويصلى عليه. إلا أنه أجنبي عما نحن فيه بالكلية لان الكلام في أن المصلي المتيمم هل تنتقض صلاته ويجب اعادتها إذا وجد الماء بعد الدخول فيها أو لا؟. والمصلي في المقام لم يكن متيمما إذ لا يشترط الطهور في الصلاة على الميت وانما ييمم الميت بدلا عن تغسيله، ووجوب تغسيله عند وجدان الماء عقيب التيمم أجنبي عما نحن بصدده. (يمكن أن يقال: ان الكلام في انتقاض التيمم عند وجدان الماء في المصلي بعد الدخول في الصلاة وفي الميت قبل أن يدفن وعدم الانتقاض، وحيث ان أدلة عدم الانتقاض مختصة بالصلاة فلا يمكن الحكم بعدمه في الميت). زوال العذر غير الفقدان في إثناء الصلاة: (1) إذا زال العذر - غير فقدان الماء - قبل الركوع فلا اشكال في وجوب الاعادة من الابتداء وهو ظاهر.

[ 287 ]

وأما إذا كان بعد الركوع فقد استشكل (قده) في إلحاق إرتفاع بقية الاعذار المسوغة للتيمم بوجدان الماء، ولعله من جهة أن الحكم بعدم البطلان إذا وجد الماء بعد الركوع حكم على خلاف القاعدة فانها تقتضي البطلان مطلقا، وانما خرجنا عنها في خصوص وجدان الماء بعد الركوع بالنصوص ويبقى ارتفاع بقية الاعذار مشمولا للقاعدة. ولكن الصحيح هو الالحاق وذلك: أما (أولا): لما قدمناه من أن المراد من وجدان الماء وفقدانه هو التمكن من استعماله الاعم من التمكن العقلي والشرعي وعدمه. ومن هنا قلنا أن المراد باصابة الماء في الاخبار هو التمكن من استعماله في مقابل عدم الوجدان في الآية المباركة الذي هو بمعنى عدم التمكن من استعمال الماء. وأما (ثانيا): وهو العمدة، فلاجل التعليل الوارد في الصحيحة المتقدمة لزرارة وهو قوله (ع): " لمكان انه دخلها وهو على طهر بتيمم " (1) وقد قدمنا انه حكم كبروي، ومقتضى كليته: أن كل من دخل في صلاته متطهرا بتيمم يمضي في صلاته ولا أثر لارتفاع العذر في اثنائها، نعم خرجنا عن إطلاقه فيما إذا إرتفع العذر قبل الركوع بالاخبار المتقدمة. وأما بعده فمقتضى التعليل: عدم الفرق بين وجدان الماء وارتفاع غيره من الاعذار.


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 4.

[ 288 ]

نعم لو كان زوال العذر في أثناء الصلاة في ضيق الوقت أتمها (1) وكذا لو لم يف زمان زوال العذر للوضوء بأن تجدد العذر بلا فصل فان الظاهر عدم بطلانه (2) وإن كان الاحوط الاعادة. (مسألة 17): إذا وجد الماء في اثناء الصلاة بعد الركوع ثم فقد في اثنائها أيضا أو بعد الفراغ منها بلا فصل هل يكفي ذلك التيمم لصلاة أخرى أو لا؟ فيه زوال العذر في الاثناء في ضيق الوقت: (1) إذ لاأثر لارتفاع العذر في وقت لا يسع الوضوء أو الاغتسال مع الصلاة فانه في الحقيقة معذور عن الطهارة المائية ووظيفته التيمم وهو متيمم على الفرض. إذا لم يف زمان زوال العذر للوضوء: (2) كما إذا ارتفع العذر دقيقة واحدة ثم عاد، وذلك لعين ما استدللنا به في سابقة فانه غير متمكن من الطهارة المائية على الفرض ووظيفته التيمم وهو متيمم على الفرض.

[ 289 ]

تفصيل: فاما أن يكون زمان الوجدان وافيا للوضوء أو الغسل على تقدير عدم كونه في الصلاة أولا فعلى الثاني: الظاهر عدم تقدير بطلان ذلك التيمم بالنسبة إلى الصلاة الاخرى أيضا (1). وأما على الاول: فالاحوط عدم الاكتفاء به (2) بل تجديده لها، لان القدر المعلوم من عدم بطلان التيمم إذا كان الوجدان بعد الركوع انما هو بالنسبة إلى الصلاة التي هو مشغول بها لا مطلقا. وجدان الماء في الاثناء ثم فقده في الاثناء: (1) والوجه فيه واضح: فان مفروض الكلام عدم تمكن المكلف من الطهارة المائية لعدم سعة زمان الوجدان للغسل أو الوضوء وهو في الحقيقة لم يجد ماء أو لم يرتفع عذره. وقد قدمنا أن المراد من وجدان الماء واصابته هو التمكن من استعماله هو غير متمكن منه على الفرض فوظيفته حينئذ هي التيمم لا الطهارة المائية، وبما أنه متيمم ويسوغ له اتمام الصلاة التي بيده كذلك يسوغ له الدخول في غيرها من الصلوات بذاك التيمم. (2) علله بأن مقتضى القاعدة وجوب الطهارة المائية عليه لانه واجد للماء ومتمكن من استعماله فتشمله اطلاقات أدلة وجوب الغسل أو الوضوء وانما ثبت بالدليل الخارجي جواز اتمام ما بيده من

[ 290 ]

الصلاة والمضي فيها بتلك الطهارة الترابية التي حصلها قبل الصلاة. واما أنه يجوز أن يشرع في غيرها من الصلوات فلم يقم عليه دليل ومن هنا يجب عليه تجديد الطهارة المائية لغيرها من الصلوات. وما افاده (قده) هو الصحيح فيما إذا كانت الصلاة نافلة يجوز قطعها أو كانت فريضة وقلنا بجواز قطعها. وذلك لان المكلف واجد للماء حينئذ ومتمكن من الطهارة المائية غاية الامر أنه ثبت بمقتضى الحسنة المتقدمة (1) أو غيرها جواز المضي فيما بيده من الصلاة وعدم بطلانها بوجدان الماء بعد الركوع. وأما الاضافة إلى غيرها فقد انتقض تيممه بمقتضى ما دل على ان وجدان الماء ناقض له فلا يجوز له الدخول في غيرها من الصلوات. نعم: إذا قلنا بحرمة قطع الفريضة ووجد الماء في أثناءها ثم فقده أو وجده بعدها في زمان قليل لا يسع الطهارة المائية فلا اشكال في بقاء تيممه لعدم تمكنه من الماء شرعا لحرمة قطع الفريضة على الفرض فله الدخول في غيرها من الصلوات. ولا يفرق الحال فيما ذكرناه من انتقاض التيمم بوجدان الماء في أثناء الصلاة بالاضافة إلى بقية الصلوات فيما إذا جاز قطعها بين أن يكون التيمم مبيحا للدخول في الصلاة وبين أن يكون رافعا، وعلى الثاني لا فرق بين كون التيمم طهارة حقيقية في ظرف الفقدان وبين كونه رافعا للحدث فقط مع بقاء الجنابة أو غيرها بحالها. وذلك لان الطهارة ليست من الامور الحقيقية والواقعية التي


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 1 وغيره من الاحاديث.

[ 291 ]

(مسألة 18): في جواز مس كتابة القرآن وقراءة العزائم حال الاشتغال بالصلاة التي وجد الماء فيها بعد الركوع اشكال (1) لا يختلف حالها بالاضافة إلى الاشخاص والحالات وانما هي أمر شرعي اعتباري يمكن أن تكون معتبرة بالاضافة إلى ما بيد المكلف من الصلاة وأن لا تكون معتبرة بالاضافة إلى غيره لانها تدور مدار الاعتبار. وقد تقدم في بعض الروايات (1) انه إذا وجد الماء ثم فقده وجب تحصيل الطهارة بالاضافة إلى الصلوات الآتية. كما تقدم أن التيمم لضيق الوقت انما تجوز به الصلاة التي ضاق وقتها وحسب، لا غيرها من الغايات لانه فاقد الماء بالنسبة إليها وواجد له بالاضافة إلى باقي الغايات كما مر. ترتيب آثار الطهارة حال الصلاة في محل الكلام: (1) ظهر الحال في بقية الغايات المترتبة على التيمم من بياناته في الفرع المتقدم. وذلك لان المكلف إذا وجد الماء في أثناء النافلة أو الفريضة بناءا على جواز قطعها فقد انتقض تيممه لكونه متمكنا من الماء فليس له الدخول في صلاة أخرى ولا في غيرها من الغايات المشروطة


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 19 من أبواب التيمم.

[ 292 ]

لما مر أن القدر المتيقن من بقاء التيمم وصحته انما هو بالنسبة إلى تلك الصلاة. نعم لو قلنا بصحته إلى تمام الصلاة مطلقا - كما قاله بعضهم - جاز المس وقراءة العزائم ما دام في تلك الصلاة. ومما ذكرنا ظهر الاشكال في جواز العدول من تلك الصلاة إلى الفائتة التي هي مترتبة عليها (1) لاحتمال عدم بقاء التيمم بالنسبة إليها. بالطهارة لعدم كونه واجدا للطهارة وانما يجوز له المضي فيما بيده من الصلاة وحسب. وأما إذا وجدها في اثناء الفريضة وقلنا بحرمة قطعها فتيممه باق بحاله لعدم طرو التمكن من الماء على الفرض فيجوز له الدخول في صلاة أخرى أو غيرها من غاياته. جواز العدول عن تلك الصلاة إلى الفائتة: (1) نظرا إلى أن ما ثبت بالحسنة (1) أو غيرها انما هو جواز المضي فيما بيده من الصلاة وأما العدول منها إلى غيرها فلم يثبت بدليل، ومعه يحتمل انتقاض التيمم بالنسبة إلى العدول إليها فيشمله ما دل على انتقاض التيمم بالوجدان واعتبار الطهارة المائية في الصلاة. هذا


(1) تقدمت في المسألة المتقدمة.

[ 293 ]

(مسألة 19): إذا كان وجدان الماء في اثناء الصلاة بعد الحكم الشرعي بالركوع - كما لو كان في السجود وشك في انه ركع أم لا، حيث انه محكوم بانه ركع - فهل هو والصحيح انه لا اشكال في جواز العدول. وذلك لانه مترتب على الصلاة الصحيحة وقد ثبت بمقتضى الحسنة المتقدمة صحة الصلاة التي بيده وقد رتب الشارع على صحتها جواز العدول منها إلى غيرها. فلو دخل في العصر سهوا ووجد الماء بعد الركوع ثم فقده فيجوز له العدول إلى الظهر لكونها صلاة صحيحة بيده فيجوز العدول منها إلى غيرها مما هو سابق على العصر في الترتيب. وكذلك الحال فيما لو اراد العدول إلى فائتة من صلاتها بأن يعدل من الظهر إلى الفجر لعين الدليل الذي عرفت. نعم: بناءا على ما يأتي من أن القضاء لا يجوز أن يؤتى به مع التيمم فيما لو كان هناك رجاء التمكن من الماء لا يجوز له العدول إلى الفائتة. إلا أنه لاجل عدم جواز الاتيان به مع رجاء التمكن من الماء حتى فيما إذا لم يجد الماء فعلا، وليس لاجل ما ذكره الماتن (قده) فان مفروض الكلام ما إذا جوزنا الاتيان بالفائتة مع التيمم.

[ 294 ]

كالوجدان بعد الركوع الوجداني أم لا؟ اشكال (1) فالاحتياط بالاتمام والاعادة لا يترك. (مسألة 20): الحكم بالصحة في صورة الوجدان بعد الركوع ليس منوطا بحرمة قطع الصلاة (2) فمع جواز القطع أيضا كذلك ما لم يقطع. وجدان الماء بعد الركوع التعبدي: (1) لا اشكال في المسألة فيما إذا قامت امارة شرعية على الاتيان بالركوع لانها تحكي عن الواقع. وهل الامر كذلك فيما لو اثبتناه بقاعدة التجاوز أم لا؟ الصحيح أن الامر كذلك لما بيناه في محله من أن القاعدة ناظرة إلى الواقع في ظرف الشك لقوله (ع) " بلى قد ركع " (1) وليس البناء على تحقق الركوع مجرد وظيفة فعلية. وجه الحكم بالصحة عند الوجدان: (2) لما مر من أنه مستند إلى النص، ومن هنا قلنا بجريانه


(1) الوسائل: ج 5 باب 23 من أبواب الخلل ح 1.

[ 295 ]

بل يمكن أن يقال في صورة وجوب القطع أيضا أذا عصى ولم يقطع الصحة باقية بناءا على الاقوى من عدم بطلان الصلاة مع وجوب القطع إذا تركه واتم الصلاة (1). (مسألة 21): المجنب المتيمم بدل الغسل إذا وجد في النوافل مع جواز قطعها فحرمة القطع وعدمها اجنبيان عما نحن بصدده. (1) ما أفاده " قده " في غاية الاشكال لانا وان كنا نلتزم بالترتب وانه إذا أمر المولى بالاهم وعصاه المكلف وكان للمهم إطلاق وجب عليه المهم ولا وجه لسقوطه بالمرة وانما يسقط إطلاقه وحسب، والامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده. إلا أن ذلك فيما إذا كان للمهم اطلاق يشمل صورة عصيان الامر بالاهم وليس الامر كذلك في المقام لان الامر بالمضي فيما بيده من الصلاة وان لم يكن أمرا وجوبيا إلا انه ظاهر فيما إذا كانت وظيفته الفعلية هي المضي وكان أمرا جائزا. وأين هذا مما إذا القطع واجبا عليه كما هو المفروض فان وظيفته الفعلية حينئذ هي القطع لا المضي، وبهذا تكون الحسنة منصرفة عما إذا وجب القطع على المكلف في مورد، ومع عدم كون المهم مطلقا وشاملا لصورة العصيان للاهم لا يبقى مجال للترتب.

[ 296 ]

ماءا بقدر كفاية الوضوء فقط لا يبطل تيمه (1) وأما الحائض ونحوها ممن تيمم تيممين (2) إذا وجد بقدر الوضوء بطل تيممه الذي هو بدل عنه، وإذا وجد ما يكفي للغسل ولم يمكن صرفه في الوضوء بطل تيممه الذي هو بدل عن الغسل وبقي تيممه الذي هو بدل عن الوضوء من حيث أنه حينئذ يتعين صرف ذلك الماء في الغسل فليس مأمورا بالوضوء. المجنب المتيمم إذا وجد ماء بقدر الوضوء: (1) لانه إنما يتيمم تيمما واحدا بدلا عن الغسل والوضوء إذ لا يجب الوضوء مع غسل الجنابة فلا يبطل تيممه هذا إلا إذا وجد ماء يكفي لغسله فوجدانه ما يكفي الوضوء دون الغسل لا يضر بتيممه البدل عن غسل الجنابة المغني عن الوضوء بل يبقى تيممه بحاله لعدم تمكنه معه من الغسل فلا ينتقض بمثله. المتيمم تيممين إذا وجد ما يكفى للغسل فقط: (2) والجامع غير غسل الجنابة من الاغسال الرافعة للاحداث

[ 297 ]

الكبيرة كغسل مس الميت والحيض ونحوهما. وتفصيل الكلام في هذه الاغسال: أن المكلف المأمور بشئ من تلكم الاغسال إذا تيمم بدلا عن الغسل فان قلنا بأنه كغسل الجنابة يغني عن الوضوء فلا يجب عليه إلا تيمم واحد بدلا عن الغسل والوضوء. فلو وجد ماء يكفي لوضوئه دون غسله لم ينتقض تيممه لعدم تمكنه من الغسل فتيممه بدلا عنه باق بحاله والمفروض إغناؤه عن الوضوء. وهذا في غير غسل الاستحاضة المتوسطة الذي هو لا يغني عن الوضوء من دون كلام كما تقدم غير مرة. وأما إذا قلنا بعدم اغنائه عن الوضوء فيجب عليه تيممان أحدهما بدل عن الغسل والثانى بدل عن الوضوء فلو وجد ماء يكفي لوضوئه بطل تيممه الذي هو بدل الوضوء لتمكنه من الماء بالنسبة إليه ويبقى تيممه الذي هو بدل الغسل بحاله فلو فقد الماء بعد ذلك لم يجب عليه التيمم بدلا عن الغسل وانما يجب عليه تيمم واحد بدلا عن الوضوء. وإذا فرضنا وجدانه ماء يكفي لغسله فقط ولم يمكن صرفه في الوضوء لمانع تكويني أو شرعي كعدم رضا المالك بصرفه في غير الاغتسال بطل تيممه الذي هو بدل الغسل وبقي تيممه الذي هو بدل عن الوضوء بحاله لعدم تمكنه من الماء بالنسبة إليه. فلو فقد الماء بعد ذلك لا يجب عليه إلا تيمم واحد بدل عن الغسل دون الوضوء لبقاء التيمم البدل عن الوضوء بحاله.

[ 298 ]

وإذا وجد ما يكفي لاحدهما وأمكن صرفه في كل منهما بطل كلا التيممين (1) ويحتمل عدم بطلان ما هو بدل عن الوضوء من حيث انه حينئذ يتعين صرف ذلك الماء في الغسل فليس مأمورا بالوضوء لكن الاقوى بطلانهما. المتيمم تيممين إذا وجد ماءا لاحدهما: (1) إذا وجد ذلك هل يبطل كلا التيممين أو يبطل تيممه البدل عن الغسل؟ فيه احتمالان: فقد احتمل الماتن " قده " ثانيهما ابتداء ثم قوى أولهما. والصحيح فيما فرضه الماتن " قده " من تعين صرف الماء حينئذ في الاغتسال هو الحكم ببطلان التيمم البدل عن الغسل. وذلك لان المكلف وان كان في نفسه متمكنا من صرف الماء في كل من الغسل والوضوء إلا ان الشارع عين صرفه في الغسل فالمكلف لا يتمكن من الماء إلا بالنسبة إلى الغسل فينتقض تيممه بدلا عن الغسل ويبقى تيممه بدلا عن الوضوء بحاله. فلو فقد الماء بعد ذلك لم يجب عليه إلا تيمم واحد بدلا عن الغسل فما افاده الماتن " قده " من بطلان كلا التيممين حينئذ لا نعرف له وجها محصلا. نعم يمكن المناقشة فيما فرضه من تعين صرف الماء في الاغتسال

[ 299 ]

وذلك لانه مبني على دخول المقام تحت كبرى التزاحم بأن يكون الامر بالغسل والامر بالوضوء متزاحمين حينئذ لعدم تمكن المكلف من امتثالهما معا وبما أن الغسل معلوم الاهمية أو محتملها على الاقل فيقدم على الوضوء لما سبق غير مرة من أن إحتمال الاهمية مرجح في باب التزاحم. وعلى هذا المبنى يتعين صرف الماء في الغسل ومع وجدانه ما يكفي لاحدهما ينتقض تيممه بدلا عن الغسل دون الوضوء. ولا يبقى لما قواه الماتن - على هذا المبنى - من بطلان كلا التيممين مجال. إلا انا قدمنا ان المقام وامثاله خارج عن باب التزاحم وانما هو من باب التعارض لان التزاحم انما يتصور بين تكليفين استقلالين واما بين تكليفين ضمنيين كما في الاجزاء والشرائط أو الشرط والجزء فلا معنى للتزاحم فيهما لان المكلف بعجزه عن احد الجزئين أو الشرطين يسقط عنه الامر بالمركب لتعذره فلا امر ضمني في شئ منهما. نعم: لما علمنا ان الصلاة لا تسقط بحال علمنا أن المكلف لابد له من الاتيان بها مع احد الجزئين أو الشرطين وانها واجبة عليه فالتكليف انما جعل على الصلاة مقيدة بأحدهما أو مشتملة على احدهما ولا يمكن جعله مقيدة أو مشتملة على هذا وذاك فهما متعارضان. ولاجل التعارض يسقط اطلاق دليل كل واحد منهما كما دل على وجوب الغسل عند تمكنه من الماء وما دل على وجوب الوضوء عند تمكنه منه لعدم امكان شمولهما للمقام فيسقطان. وترجع إلى مقتضى الامر العملي وهو البراءة عن خصوصية

[ 300 ]

(مسألة 22): إذا وجد جماعة متيممون ماءا مباحا لا يكفي إلا لاحدهم بطل تيممهم أجمع إذا كان في سعة الوقت وإن كان في ضيقه بقي تيمم الجميع (1). احدهما فينتج تخيير المكلف بين الامرين فيجوز للمكلف أن يصلي مع الغسل دون الوضوء ويجوز له العكس. وحيث انه متمكن من كل منهما في نفسه ولا ترجيح لاحدهما على الآخر فيبطل كلا تيممه لان بطلان احدهما من دون بطلان الآخر ترجيح من دون مرجح. وهذا وان كان موافقا في النتيجة لما افاده الماتن (قده) من تقوية بطلان كلا من التيممين إلا أنه مبني على كون المقام من باب التعارض الذي لا يكون الاهمية أو احتمالها مرجحا فيه. واما على المبنى الذي اشار إليه الماتن من فرض تعين صرف الماء في الاغتسال وجعله من باب التزاحم فلا وجه لما افاده كما عرفت. جماعة متيممون إذا وجدوا ماءا تكفى احدهم: (1) للمسألة صور: فأنه قد يفرض أن بعضهم جنب والواجب عليه الاغتسال ولا يكفي الماء للغسل، أو أن المالك لا يرضى بصرفه في الاغتسال ومعه لا وجه لبطلان تيممه البدل عن الغسل وانما يبطل تيمم من تيمم

[ 301 ]

بدلا عن الوضوء لتمكنه من الماء من دون مزاحم. وقد يفرض فيما إذا كان كل منهم متيمما بدلا عن الوضوء إلا أن الوقت ضيق لا يسع الوضوء أو لا يسع الغسل فيما إذا كانوا متيممين بدلا عن الغسل فلا ينتقض تيممهم جميعا لعدم تمكنهم من الماء. وثالثة يفرض الكلام في سعة الوقت للغسل أو الوضوء والماء واف لكل منهما أو أن المالك إذن لهم جميعا وهذا هو محل البحث في المقام. وقد ذهب الماتن إلى بطلان تيممهم أجمع ولعله لان ترجيح بعضهم على بعض من دون مرجح وكل منهم متمكن من الوضوء أو الغسل في نفسه فيبطل تيمم الجميع. التفصيل الصحيح في المسألة: ولكن الصحيح هو التفصيل في المقام بين ما إذا فرضنا أن كلا من هؤلاء لو سبق إلى الوضوء أو الغسل لم يزاحمه الآخر بوجه فيحكم حينئذ ببطلان تيمم الجميع لان كلا من تلك الجماعة اجد للماء ومتمكن من استعماله حسب الفرض والحكم ببطلان تيمم بعضهم دون بعض من غير مرجح. وبين ما إذا فرضنا أن كلا منهم لو سبق إليهما زاحمه الآخر في وذلك لان كلا منهم يريد الغسل أو الوضوء فانه في هذه الصورة

[ 302 ]

وكذا إذا كان الماء المفروض للغير وأذن للكل في استعماله وأما إن أذن للبعض دون الآخرين بطل تيمم ذلك البعض فقط، كما انه إذا كان الماء المباح كافيا للبعض دون الآخر - لكونه جنبا ولم يكن بقدر الغسل - لم يبطل تيمم ذلك البعض. (مسألة 23): المحدث الاكبر غير الجنابة إذا وجد ماءا لا يكفي إلا لواحد من الوضوء أو الغسل قدم الغسل وتيمم بدلا عن الوضوء، وان لم يكف إلا للوضوء فقط توضأ وتيمم بدل الغسل (1). إما أن يتساوى الجميع من حيث القوة والضعف بحيث لا يغلب واحد منهم الآخر فيبقى حينئذ تيمم الجميع بحاله لكشف ذلك عن عدم تمكنهم من الماء لانه مزاحم مع الآخر من دون تمكنه من الغلبة. وإما أن يكون واحد منهم غالبا على الآخر ويكون الآخر مغلوبا فينتقض حينئذ تيمم الغالب ويبقى تيمم المغلوب بحاله لان الغالب متمكن من الوضوء أو الاغتسال دون المغلوب فلا وجه لانتقاض تيممه فان مجرد وجدان الماء لا يوجب الانتقاض بل المدار على التمكن من الاستعمال. ومما ذكرناه في هذه الصورة يظهر حكم ما لوسبق بعضهم زاحمه الآخر ولكن بعضهم لو سبق لم يزاحمه الآخرون، وان يتعرض له " مد ظله ". (1) ظهر الحال في هذه المسألة مما بيناه في المسألة المتقدمة فلا نعيد.

[ 303 ]

(مسألة 24): لا يبطل التيمم الذي هو بدل عن الغسل (1) من جنابة أو غيرها بالحدث الاصغر. التيمم البدل عن الغسل لا يبطل بالاصغر: (1) إذا تيمم المحدث بحدث اكبر لعدم تمكنه من الاغتسال ثم احدث بالاصغر فهل يجب عليه أن يتوضأ كما هو الحال فيما إذا كان قد اغتسل عن الحدث الاكبر ثم احدث بالاصغر، أو يجب عليه ان يتيمم بدلا عن غسل الجنابة أو غيرها من الاحداث؟ قد اصبحت هذه المسألة محلا للكلام بين الاصحاب وقد بنوا هذه المسألة على ان التيمم رافع أو مبيح. على القول بالاباحة لابد من التيمم لانه محدث بالجنابة مثلا وقد ابيح له الدخول في الصلاة فإذا صار محدثا بالاصغر لم يجز ولم يبيح له الدخول فيها حتى يغتسل أو يتيمم. وعلى القول بالرفع فالمتيمم مثل المغتسل ليس بمحدث ولا حنب لارتفاعهما بتيممه ومن الواضح ان غير الجنب والمحدث لو احدث بالاصغر فوظيفته الوضوء دون التيمم. وقال المشهور ان التيمم مبيح ومن هنا التزموا في المقام بوجوب التيمم بعد الحدث الاصغر.

[ 304 ]

تحقيق ان التيمم رافع أم مبيح: والانصاف ان كون التيمم مبيحا أو رافعا لم ينقح في كلماتهم وذلك لان المراد من الاباحة إن كان هو أن المتيمم باق على حدثه وجنابته إلا أن ادلة التيمم مخصصة لما دل على اشتراط الطهور في الصلاة، وبها جاز للمتيمم الدخول في الصلاة من دون طهارة فهو مقطوع الفساد. وذلك لان ادلة (1) بدلية التيمم تدلنا على أن التيمم أو التراب طهور وان رب الصعيد ورب الماء واحد وان المكلف قد دخل في صلاته بطهر عن تيمم (2)، بل يمكن دعوى تواتر الاخبار على أن التيمم طهور كما ان الماء طهور. فهذا الاحتمال لا يظن القول به من احد الفضلا عن أن ينسب إلى المشهور. وأما المراد من الرفع فهو ان كان هو ان التيمم كالغسل يرفع الحدث والجنابة فلازمه أن يكون وجدان الماء الذي ينقض به التيمم من أحد اسباب الجنابة فتكون اسبابها ثلاثة. الجماع وخروج المني ووجدان الماء مع انه من البديهي ان وجدان الماء ليس سببا للجنابة أو غيرها من الاحداث وانما هو ناقض للتيمم


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 23 وذيل باب 14 من أبواب التيمم. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب التيمم ح 2.

[ 305 ]

والمكلف جنب بسببه السابق على تيممه. فلا وقع للبحث عن أن الرفع والاباحة بهذين المعنيين وليسا قابلين للبحث والكلام. الذي ينبغى التكلم عليه: والذي ينبغي أن يتكلم عنه هو أن التيمم هل هو رافع للجنابة رفعا موقتا أي في الزمان المتخلل بين التيمم ووجدان الماء أو هو غير رافع لها حتى موقتا وانما هو طهور فالجنب المتيمم باق على جنابته إلا أنه متطهر، فالجنب على قسمين: متطهر وغير متطهر. هذا امر معقول قابل لان يبحث عنه ويتكلم فيه. وذلك لان الحدث من احكام الجنابة يمكن ان يرتفع في مورد بدليل. ولان الجنابة امر عرفي امضاه الشارع وهي منتزعة من امرين: الجماع ونزول المني وعدم الاغتسال. والشخص الواجد للامرين قد يتيمم ويتطهر وقد لا يتيمم ولا يتطهر. فالجنب على قسمين: متطهر وغير متطهر وقد قال سبحانه في ذيل آية التيمم: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) (1) فهو كالصريح في أن التيمم مطهر وكذلك غيره من الاخبار المتقدمة فان المتيمم ممن خرج منه المني ولم يغتسل كما أن غير المتيمم كذلك أيضا فلا منافاة بين الجنابة والطهارة فان الرافع


(1) سورة المائدة: الآية 6: 5.

[ 306 ]

للجنابة انما هو الغسل وحسب دون التيمم. ولعله إليه اشار قوله سبحانه " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " أي لا ترتفع الجنابة إلا بالاغتسال وتبقى الجنابة عند التيمم. كما ان الجنابة امر اعتباري لا مانع من ارتفاعه في الوسط مع بقائه في الاول والاخير وهو مستند إلى سببه السابق بأن يكون المكلف جنبا باعتبار ملامسته النساء أو خروج المني. ثم يرتفع ذلك الاعتبار عند تيمم المكلف إلى زمان وجدان الماء ثم بعد وجدانه يعتبر جنبا بالسبب السابق - وهو ملامسته أو امناؤه - بمعنى انه يمكن أن يكون اعتبار الجنابة محدودا بحد وزمان ويكون قبله وبعده مستندا إلى سببه السابق. فيكون التيمم رافعا للجنابة حقيقة رفعا موقتا من دون أن يكون وجدان الماء سببا للجنابة. نعم: هذا غير معقول في الامور التكوينية والحقيقية لان المعلول إذا ارتفع احتاج حدوثه وعوده بعد ذلك إلى علة جديدة ولا يعقل أن تكون علته السابقة موجودة ويرتفع معلولها في الوسط ويعود في الاخير. وما ذكرناه في المقام له نظائر كثيرة. منها: إذا استأجر شخص دارا إلى سنة فانه يملك منفعتها بسبب عقد الاجارة إلى آخر السنة ثم آجرها في الوسط من شخص آخر فان منافعها تخرج عن ملكه في الاثناء وبعد شهرين مثلا تعود إلى ملكه بعين السبب السابق - وهو عقد الاجارة - فهو سبب للملكية في الاول والاخير مع ارتفاعها في الوسط حقيقة. فهذان الاحتمالان يقبلان البحث والنزاع، وتبتني عليهما المسألة

[ 307 ]

التي بأيدينا. وذلك لانا لو قلنا بأن التيمم رافع للجنابة حقيقة رفعا موقتا فالمكلف ليس بجنب حقيقة، وغير الجنب والمحدث لو احدث بحدث اصغر وجب عليه الوضوء وهو ظاهر، ولو قلنا بانه يبقى جنبا لكنه متطهر وجب عليه التيمم ثانيا لزوال طهارته بالحدث الاصغر وهذا ما ذهب إليه المشهور. والصحيح هو الثاني وأن وظيفة المكلف في مفروض الكلام هو التيمم دون الوضوء. وذلك: أما من حيث الاصل العملي فلانا لو قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية نستصحب بقاء جنابة المكلف بعد تيممه وذلك لكونه جنبا قبل التيمم يقينا. فلو شككنا في بقائه على جنابته بعد التيمم نستصحب جنابته فيجب عليه التيمم ثانيا إذا احدث بالاصغر، ولو لم نقل بجريان الاستصحاب فيها كما هو المختار فمقتضى العلم الاجمالي هو وجوب الجميع بين التيمم والوضوء. وذلك لانه إن كان باقيا على جنابته بعد التيمم فوظيفته التيمم ثانيا، وان كانت جنابته مرتفعة به فوظيفته الوضوء فلا مناص من أن يجمع بينهما عملا بالعلم الاجمالي. وأما من حيث الادلة الاجتهادية فمقتضى اطلاق الكتاب والسنة وجوب التيمم على المكلف في مفروض المسألة وذلك لان قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... وان كنتم جنبا

[ 308 ]

فاطهروا.. فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا " (1). يفيدنا ان المحدث بالاصغر إذا اراد الصلاة فان كان في طبعه ونفسه مكلفا بالوضوء ولم يجد ماءا تيمم ولو وجده توضأ، كما أن المكلف - بحسب طبعه ونفسه - بالغسل إن وجد ماءا اغتسل وان لم يجد ماءا تيمم ومن البديهي ان المكلف في مفروض الكلام في طبعه مكلف بالاغتسال. وحيث انه محدث بالاصغر وقد قام إلى الصلاة ولم يجد ماءا وجب أن يتيمم بمقتضى اطلاق الآية الكريمة. وكذا ما ورد في الاخبار (2) من أن المكلف المجنب إذا وجد ماءا لا يكفي لغسله وجب أن يتيمم لا ان يتوضأ فانها تدلنا على أن من كانت وظيفته الاغتسال ولم يجد ماءا وجب التيمم والمكلف مأمور بالاغتسال في المقام ولكنه لم يجد الماء فوجب عليه أن يتيمم لا محالة. وملخص الاستدلال بالكتاب: انه سبحانه عنون " لمس النساء " فقال: " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا... " وهذا العنوان كعنوان الجنابة باق بعد التيمم أيضا حيث يصدق في المقام أنه رجل لامس النساء ولم يجد ماءا فيجب أن يتيمم بعد الحدث الاصغر. بل يمكن الاستدلال في المقام بكل مادل على أن فاقد الماء من المحدث بالجنابة أو بغيرها يتيمم حيث ان اطلاقه يشمل المقام لما قررناه من أن الجنابة لا ترتفع إلا بالغسل وتبقى مع التيمم لانه


(1) سورة النساء: 4: 43 والمائدة: 5: 6. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 24 من ابواب التيمم ح 2.

[ 309 ]

فما دام عذره عن الغسل باقيا تيممه بمنزلته فان كان عنده ماءا بقدر الوضوء توضأ وإلا تيمم بدلا عنه، وإذا ارتفع عذره عن الغسل اغتسل، فان كان عن جنابة لا حاجة إلى الوضوء وإلا توضأ أيضا هذا ولكن الاحوط اعادة التيمم أيضا، فان كان عنده من الماء بقدر الوضوء تيمم بدلا عن الغسل وتوضأ، وان لم يكن تيمم مرتين مرة عن الغسل ومرة عن الوضوء. هذا إن كان غير غسل الجنابة وإلا يكفيه مع عدم الماء للوضوء تيمم واحد بقصد ما في الذمة. مطهر فقط، والجنابة امر انتزاعي كما تقدم، وحيث انه محدث ولا يجد الماء وجب عليه أن يتيمم. ويضاف إلى ذلك: الاخبار الدالة على أن المتيمم باق على جنابته وأن التيمم طهور وحسب وليس رافعا للجنابة واليك بعضها: " منها ": صحيحة جميل بن دراج قال: قلت لابي عبد الله (ع) امام قوم اصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلى بهم؟ قال: لا ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم فان الله جعل التراب طهورا " (1). و " منها ": موثقة عبد الله بن بكير قال: سألت إبا عبد الله (ع) عن رجل اجنب ثم تيمم فأمنا ونحن طهور فقال: لا بأس به (2).


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 24 من أبواب التيمم ح 2. (2) الوسائل: ج 5 باب 17 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

[ 310 ]

" ومنها " موثقته الاخرى عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: رجل أم قوما وهو جنب وقد تيمم وهم على طهور، فقال لا بأس (1). و " منها ": صحيحة ابن المغيرة التي هي مثلها (2) لانها مروية باسناد الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب وله طريق صحيح إليه وان كان له طريقان آخران إلى الرجل وهما ضعيفان بأبي المفضل وابن بطة وبأحمد ابن محمد بن يحيى. إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في ان الامامة لا يشترط فيها الاغتسال بل لو تيمم كفى في صحة صلاته. والوجه في دلالتها على المدعى: انها دلت على أن الجنب بالفعل - لا من كان جنبا سابقا لان ظاهر التوصيف هو التلبس الفعلي - يتيمم ويصلي جماعة فهو مع كونه جنبا متيمم ومتطهر حيث قال " يتيمم الجنب ويصلي بهم " أي يصلي الجنب بهم، فدلتنا على أن التيمم غير رافع للجنابة وانما هو موجب للطهارة مع بقاء المكلف على جنابته. ثم لو اغمضنا عن تلكم الروايات ففي الكتاب والسنة غنى وكفاية بالاضافة إلى ما تقدم من أن الجنابة عنوان يبقى مع التيمم كما عرفت، والمتحصل ان المكلف في مفروض المسألة يتيمم وان كان ضم الوضوء إليه احوط، هذا كله في حدث الجنابة. واما المحدث بسائر الاحداث كحدث الحيض والنفاس ومس الميت ونحوها إذا تيمم بدلا عن الغسل ثم احدث بالاصغر فلا ينبغي


(1) الوسائل: ج 5 باب 17 من أبواب صلاة الجماعة ح 2. (2) الوسائل: ج 5 باب 17 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 311 ]

الاشكال في وجوب الوضوء عليه للاطلاقات الدالة على وجوب الطهارة المائية عند الحدث. وذلك لعدم الدليل على اغناء التيمم البدل عن الغسل في غير الجنابة عن الوضوء وان قلنا بالاغناء في الاغسال فلو لم يتمكن من الماء للوضوء تيمم بدلا عن الوضوء، واما التيمم الذي اتى به بدلا عن الغسل فهل يبطل باحداثه بحدث اصغر ليجب عليه التيمم ثانيا بدلا عن الغسل، أو انه لا يبطل؟ لا يأتي فيه ما ذكرناه في حدث الجنابة لانه ليس له عنوان ينطبق على المكلف بعد تيممه إذا احدث كعنوان ملامسة النساء أو الجنابة كما قدمناه، وليس هو موردا للتمسك بالاطلاقات كما في الجنابة. إلا أن حكم التيمم بدلا عن سائر الاحداث حكم التيمم بدلا عن غسل الجنابة وذلك لان موثقة سماعة (التي رواها في الوسائل في الباب الاول من الجنابة) (1) المشتملة على جميع اسباب الغسل تدلنا على أن الغسل من تلك الاحداث كالحيض والنفاس ومس الميت والجنابة انما هو شرط لصحة الصلوات الآتية فالاغسال واجبة وجوبا شرطيا لا نفسيا وهو ظاهر ومقتضى تلك الموثقة ان المحدث بحدث من تلك الاحداث ما دام لم يغتسل لم تقع صلواته التي بعد الغسل صحيحة. فلو كنا نحن وهذه الموثقة لقلنا بسقوط الصلاة عن المحدث بحدث منها إذا لم يجد ماءا يغتسل به لعدم تمكنه من شرط الصلاة الذي هو الاغتسال قبلها، ولكن الادلة الدالة على بدلية التراب عن


(1) الحديث 2 من الجزء الاول.

[ 312 ]

الماء تدلنا على ان الفاقد للماء مأمور بالتيمم بدلا عن الغسل فنحكم بها بوجوب الصلاة عليه وصحتها إذا وقعت بعد تيممه. إلا أن تلك الادلة ليس لها اطلاق يشمل ما لو احدث المكلف بالاصغر بعد التيمم وذلك للدليل الدال على ان بدلية التراب محدودة بعدم احداثه وعدم اصابته الماء حيث قال (ما لم يحدث أو يصب ماءا) فعلمنا من ذلك ان البدلية وما دل على جواز ايقاع الصلوات النهارية والليلية بتيمم واحد انما هما إذا لم يحدث المكلف ولم يصب ماءا. واما بعد ما يحدث فاين ادلة البدلية والاطلاقات حتى نتمسك بها بعد الحدث؟ اذن لابد اما أن يغتسل حتى تصح منه الصلوات المتأخرة عنه أو يتيمم بدلا عنه إذا لم يجد ماءا فيجب عليه أن يتيمم بدلا عن الغسل ويتوضأ أو يتيمم تيمما آخرا بدلا عن الوضوء. والذي يدلنا على ذلك - مضافا إلى تقدم - صحيحة أبي همام عن الرضا (ع) قال: (يتيمم لكل صلاة حتى يوجد الماء) (1) فان مقتضاها وجوب التيمم على الفاقد لكل صلاة وقد خرجنا عنها فيما إذا لم يحدث بالحدث الاصغر بما دلنا (2) على جواز ايقاع صلوات الليل والنهار أو غيرهما بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصب ماءا. وتبقى صورة احداثه بالاصغر مشمولة للصحيحة وهي تقتضي وجوب التيمم للصلاة الآتية.


(1) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب التيمم ح 4. (2) راجع نفس الباب المتقدم.

[ 313 ]

(مسألة 25): حكم التداخل الذي مر سابقا في الاغسال يجري في التيمم أيضا (1) فلو كان هناك اسباب عديدة للغسل يكفي تيمم واحد عن الجميع، وحينئذ فان كان من جملتها الجنابة لم يحتج إلى الوضوء أو التيمم بدلا عنه وإلا وجب الوضوء أو تيمم آخر بدلا عنه. التداخل يجري في التيمم أيضا: (1) إذا فرضنا أن للمكلف اغسالا متعددة ولم يتمكن من الاغتسال فهل يجب عليه ان يتيمم تيمما واحدا بدلا عن الجميع أو يجب عليه التيمم متعددا؟ قد يقال بالتداخل في التيمم نظرا إلى انه بدل عن الغسل ومقتضى اطلاق ادلة البدلية ان يكون التيمم كالمبدل منه في جميع الاحكام والآثار التي منها التداخل كما أنه لو كان اغتسل لم يجب عليه الاغسل واحد كذلك لو أتى ببدله الذي هو التيمم. وفيه: ان مقتضى الفهم العرفي من ادلة البدلية هو ان التراب بدل عن الماء في الطهارة وحسب وانه يقوم مقامه في جواز الصلاة به لانه المستفاد مما دل على أن " رب الماء ورب الصعيد واحد " (1)


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 و 7 وذيل باب 14 من أبواب التيمم.

[ 314 ]

وقوله (ع) " ولا تدخل البئر ولا تفسد على القوم ماءهم لان رب الماء هو رب التراب " (1). إلى غير ذلك من المضامين فلا اطلاق في ادلة البدلية كي تدل على قيام التيمم مقام الماء في جميع آثاره واحكامه. والذي يدلنا على أن الاحكام المترتبة على المبدل منه لاتترتب باجمعها على بدله: انا استظهرنا من الروايات ان الغسل يغني عن الوضوء ولا نعهد فقيها التزم بذلك في التيمم البدل عن غير غسل الجنابة من الاغسال كما إذا وجب عليه غسل المس ولم يجد ماءا فتيمم فانه لم يقل أحد بعدم وجوب الوضوء عليه حينئذ. والذي يمكن أن يقال هنا: أن الاغسال - كما قدمنا - حقائق وطبائع متعددة وان كانت متحدة صورة وذلك لقوله عليه السلام " إذا اجتمعت عليك حقوق " (2). ولا اشكال في عدم تعددها من حيث الغايات فالغسل لاجل الصلاة أو الطواف أو مس كتابة القرآن أو غيرها واحد لا تعدد فيه إلا انه يتعدد من ناحية الاسباب فالغسل من الجنابة مغاير للغسل من الحيض وهما مغايران للغسل من مس الميت وهكذا. فان كان بين الاغسال الواجبة على المكلف غسل الجنابة فمقتضى اطلاق الآية المباركة وجوب تيمم واحد عليه - سواء كان عليه


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التيمم ح 2، والمذكور في الوسائل: فان رب الماء هو رب الصعيد، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم مائهم. في المضمون واحد. (2) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 1.

[ 315 ]

غسل آخر أم لم يكن - وذلك لقوله تعالى " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا " (1) على التقريب المتقدم في محله. لدلالته على أن الجنب يجب عليه التيمم إن لم يجد ماءا، ومقتضى اطلاقه عدم الفرق في ذلك بين أن يكون عليه غسل آخر أو لم يكن. وان لم يكن بينها غسل الجنابة فان قلنا بان المكلف إذا وجب عليه اغسال متعددة وأتى بواحد منها ولو مع الغفلة عن غيره وعدم قصده وقع عن الكل وسقطت عن ذمته لقوله (ع) إذا اجتمعت عليك حقوق اجزاك منها غسل واحد " (2) فلا مناص من الالتزام بالتداخل في بدله أيضا. وذلك لان معنى ذلك أن الاغسال الواجبة عليه حينئذ لا تقع مطلوبة منه في الخارج سوى غسل واحد فالمتعدد غير مطلوب في الخارج وانما الواجب الذي بقع مطلوبا في الخارج غسل واحد وهو مجزء عن غيره. ومن الواضح ان الغسل الواحد يكون بدله أيضا واحدا فلا يجب عليه إلا تيمم واحد، فان التداخل في الاغسال على طبق القاعدة حينئذ أي لم يجب عليه من الابتداء إلا غسل واحد فبدله أيضا واحد لا أن المطلوب منه في الخارج هو التعدد، والدليل الخارجي دل على التداخل في الغسل ليدعى اختصاصه بالغسل فلا يأتي في بدله. وأما لو قلنا بما ذهب إليه جماعة - ومنهم الماتن (قده) - من


(1) سورة الآية النساء: 4: 43 والمائدة: 5: 6. (2) تقدم نفس مصدر الرواية المتقدمة.

[ 316 ]

(مسألة 26): إذا تيمم بدلا عن اغسال عديدة فتبين عدم بعضها صح بالنسبة إلى الباقي (1) وأما لو قصد معينا فتبين أن الواقع غيره فصحته مبنية على أن يكون من أن التداخل والاجزاء انما هو في صورة قصد الجميع، ومع عدم قصد الجميع لا يوجب الغسل الواحد الاجزاء عن غير المقصود بالنية فيقع غيره في الخارج على صفة المطلوبية وانه معنى قوله " إذا اجتمعت عليك حقوق اجزاك عنها غسل واحد " أي فيما إذا قصد الجميع فلا وجه للتداخل في التيمم. وذلك لان المفروض ان المتعدد يقع في الخارج على صفة المطلوبية إذا لم يقصد الجميع، إلا أن الدليل قام على جواز الاكتفاء بواحد منها عند قصد الجميع فالتداخل على خلاف القاعدة ولابد من الاقتصار فيه على مورد الدليل وهو الغسل، وليس عندنا دليل على ترتب ذلك على بدله الذي هو التيمم. والذي يسهل الخطب أنا لم نلتزم بذلك في مبحث التداخل حيث قلنا: ان الاتيان بالغسل الواحد يجزي عن الجميع وان لم يقصد الجميع. (1) لانه قصد المأمور به وأتى به في الخارج، غاية الامر أنه ضم إليه غير المأمور به أيضا، وهو لا يضر بصحة المأتي به.

[ 317 ]

باب الاشتباه في التطبيق لا التقييد (1) كما مر نظائره مرارا. إذا قصد معينا فتبين ان الواقع غيره: (1) بأن يأتي بالتيمم المقيد بكونه بدلا عن الجنابة وانكشف أن ما على ذمته غسل المس لا الجنابة. وذلك نظرا إلى أن ما أتى به وقصده غير واقع وما هو الواقع غير مقصود، هذا ولكن ظهر مما بيناه في المقام وفي بحث تداخل الاغسال خروج المقام عن باب الخطأ في التطبيق لان مورده ما إذا أتى بذات المأمور به في الخارج واشتبه في خصوصياته وكيفياته وهذا كما إذا كانت الصلاة مستحبة في حقه فأتى بها بقصد وجوبها أو بالعكس فانه اشتباه في التطبيق. واما إذا كان المأتي به مغايرا لما هو المأمور به فهو من باب الخطأ في اصل المأمور به واشتباهه بغير المأمور به لا أنه خطأ في التطبيق. وهذا كما لو كان مديونا لواحد فاعطاه لغيره فانه لا يكون مجزيا بوجه لعدم كونه اتيانا للمأمور به. ومن ذلك الاداء والقضاء والنافلة والفريضة والظهر والعصر وغيرها فإذا دخل في الصلاة قاصدا بها الظهر ثم انكشف اتيانه بها قبل ذلك وان الواجب عليه هو العصر. أو انه أتى بركعتين ناويا بها نافلة الفجر ثم ظهر اتيانه بها وأن

[ 318 ]

(مسألة 27): إذا اجتمع جنب وميت ومحدث بالاصغر (1) اللازم هو اتيانه بفريضة الفجر فان صلاته لا تقع عصرا ولا فجرا في المثالين لانهما حقيقتان متباينتان لقوله (ع) " إلا أن هذه قبل هذه " (1). وكذلك الامر في النافلة والفريضة والاداء والقضاء. والامر في المقام كذلك لان الاغسال حقائق متباينة مختلفة، والتيمم بدلا عن غسل الحيض لا يقع بدلا عن غسل المس وليس هذا من باب الاشتباه في التطبيق بل من باب الخطأ والاشتباه في تخيل غير المأمور به مأمورا به وهذا ظاهر. اجتماع الجنب والميت والمحدث بالاصغر: (1) قد يقال بتقديم الجنب وتيمم المحدث بالحدث الاصغر والميت، وقد يقال بالتخيير. والكلام بقع في المقام تارة: فيما تقتضيه القاعدة عند ملاحظة النسبة بين الجنب والميت، وملاحظتها بين الميت والمحدث بالاصغر وملاحظتها بين الجنب والمحدث بالاصغر. واخرى: فيما تقتضيه النصوص الواردة في المسألة.


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت وغيره.

[ 319 ]

وكان هناك ماء لا يكفي إلا لاحدهم فان كان مملوكا لاحدهم تعين صرفه لنفسه، وكذا إن كان للغير واذن لواحد منهم. وأما إن كان مباحا أو كان للغير واذن للكل فيتعين للجنب فيغتسل وييمم الميت ويتيمم المحدث بالاصغر أيضا. " المقام الاول " إذا دار الامر بين الجنب والميت فلا يخلو الحال إما ان يكون الماء ملكا للجنب أو الميت أو يكون مقدار منه للميت أو يكون مملوكا لثالث، وعلى التقدير الاخير إما أن يرخص المالك في التصرف به للجنب خاصة أو للميت فقط أو يبيح التصرف فيه مطلقا، وإما أن يكون الماء مباحا من المباحات الاصلية الاولية. أما إذا كان الماء مملوكا للجنب فلا اشكال في تعين الغسل عليه لتمكنه من الماء في الاغتسال وقد قدمنا في محله انه لا يجب على المكلفين بذل الماء وانما الواجب عليهم العمل وحسب. وحيث انه لا ماء لتغسيل الميت به وجب عليهم ان ييمموه. وإذا كان الماء مملوكا للميت وجب تغسيل الميت به ويجب على الجنب ان يتيمم لعدم تمكنه من الماء والاغتسال. وإذا كان الماء مشتركا بينهما فان تمكن الجنب من شراء حصة الميت من وليه أو وصيه أو قيمه أو تمكن من العكس وجب لتمكنه من تحصيل الماء للغسل الواجب ووجب على الآخر أن يتيمم أو ييمم. وإذا لم يتمكن من احدهما فلا يجب الغسل على الجنب ولا

[ 320 ]

تغسيل الميت لعدم التمكن من الماء الوافي للاغتسال أو التغسيل فينتقل الامر إلى التيمم في كليهما وإذا كان الماء مملوكا لثالث فلم يأذن بالتصرف فيه لاحدهما فلا كلام في وجوب التيمم على الجنب والميت، وإذا أذن الجنب خاصة وجب عليه الاغتسال أو أذن للميت وجب تغسيله به ويتيمم الجنب. وإذا أذن للجنب أن يتصرف فيه كيف شاء أو كان الماء مباحا أوليا فيقع التزاحم حينئذ بين وجوب غسل الجنابة على المكلف وبين وجوب تغسيل الميت لانه واجب عليه أيضا وحيث لا مرجح لاحدهما على الآخر من الاهمية أو احتمالها فمقتضى القاعدة أن يكون المكلف مخيرا بين الامرين. وعين هذا البيان يأتي عند ملاحظة النسبة بين الميت والمحدث بالحدث الاصغر. وأما إذا دار الامر بين الجنب والمحدث بالحدث الاصغر فهو مثل سابقيه إلا أن المالك إذا اذن لهما في التصرف أو كان الماء مباحا أوليا لم يقع بينهما تزاحم إذ لا معنى للتزاحم بين التكليفين المتوجهين إلى المكلفين. بل يجب التسابق حينئذ فمن سبق إلى اخذه فهو له ويتمكن من الماء فيجب عليه الاغتسال أو الوضوء وأما ايثاره الآخر على نفسه فهو وان كان يظهر القول به من المحقق الهمداني (قده). إلا أنه أمر لا وجه له فانه بعد تمكنه من الماء ووجوب الوضوء عليه لا مسوغ لايثاره الآخر على نفسه وان كان الآخر جنبا ومأمورا بالاغتسال فيتيمم لا محالة.

[ 321 ]

وإذا تساووا في الاخذ لم تجب الطهارة المائية على الجنب ولا على المحدث بالحدث الاصغر لعدم تمكنهما من الماء - هذا ما تقتضيه القاعدة - " وأما المقام الثاني ": فقد استدل القائل بتقدم الجنب وتيمم الميت والمحدث بالحدث الاصغر وجوبا أو استحبابا بصحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران أنه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر (ع) عن ثلاثة نفر كانوا في سفر احدهم جنب والثاني ميت والثالث على غير وضوء وحضرت الصلاة ومعهم من الماء قدر ما يكفي احدهم من يأخذ الماء وكيف يصنعون؟ قال: " يغتسل الجنب ويدفن الميت بتيمم ويتيمم الذي هو على غير وضوء لان غسل الجنابة فريضة وغسل الميت سنة والتيمم للآخر جائز " (1). وروى محمد بن الحسن باسناده إلى الصفار عن محمد بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن رجل حدثه قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع) وذكر نحوه غير أنه قال: ويدفن الميت ولم يشتمل على لفظة " بتيمم ". وقد ذكروا ان هذه الرواية صحيحة السند ونص في المدعى. والكلام يقع في مقامين " في سند الرواية " و " في دلالتها ". " الاول ": في سند الرواية: وقد تلقى الاصحاب هذه الرواية بالصحة وعبر عنها كل من عثرنا على كلامه بالصحيحة. إلا أن للمناقشة فيها مجالا واسعا وذلك لان الصدوق رواها باسناده عن عبد الرحمن بن أبي نجران وله طريقان صحيحان إليه. احدهما: عن محمد بن الحسن عن الصفار عن أحمد بن محمد بن


(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب التيمم ح 1.

[ 322 ]

عيسى عن ابن أبي نجران. وثانيهما: عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عنه، وقد رواها عن ابن أبي نجران أنه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام، ورواها الشيخ باسناده عن الصفار الذي وقع في طريق الصدوق ونقل الرواية المتقدمة عن الصفار مع الواسطة. وللشيخ طريق صحيح إلى الصفار وهو رواها عن ابن أبي نجران انه قال: حدثني رجل قال: سألت أبا الحسن الرضا.. (ع). وحيث أنا لا نحتمل تعدد الرواية لاتحاد ألفاضهما بتمامها سوى اشتغال احداهما على لفظة (بتيمم) بعد قوله (ويدفن الميت) دون الاخرى وهذا لا يستوجب الحكم بتعدد الرواية. كما أن الراوي فيهما هو الصفار عن احمد بن محمد بن عيسى عن ابن ابي نجران - بناءا على وجود السقط في نسخة الشيخ حيث رواها باسناده عن الصفار عن محمد بن عيسى لا عن أحمد بن محمد ابن عيسى - ومن البعيد جدا أن يروي ابن أبي نجران هذه الرواية لاحمد ثم هو للصفار تارة بقوله: (سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (ع)) واخرى بقوله: (حدثني رجل أنه سأل أبا الحسن الرضا (ع)). بل من المطمأن به أنهما رواية واحدة نقلها ابن نجران للراوي عنه بكيفية واحدة مرددة في انها مسندة أو مرسلة فبهذا تسقط الرواية عن الاعتبار لا محالة. ويدل على ذلك أن الشيخ والصدوق " قدهما " صرحا أن ما يرويانه عن أرباب الكتب والمصنفات انما يرويانه عن كتبهم لا عن أصحابها

[ 323 ]

بالمشافهة فيتعين بذلك اتحاد الرواية إذ لا نحتمل أن يروي الصفار في كتابه هذه الرواية مرتين مسندة تارة ومرسلة اخرى بل الرواية واحدة رويت بكيفية واحدة لم تعلم انها هي المسندة أو المرسلة. اذن تسقط الرواية عن الاعتبار كما مر. ويؤيد ما ذكرناه: أن المذكور في الاستبصار والتهذيب وكذا في الوافي انما هو أبو الحسن (ع) فقط وانما زيد عليه الرضا (ع) في الوسائل ولعله من جهة تعدد النسخ واختلافها. وأبو الحسن إذا أطلق فهو منصرف (إلى موسى بن جعفر (ع)) وأي معنى لنقل رواية عنه مسندة ومرسلة؟!. على ان ابن ابي نجران من اجلاء الرواة وهو كثير الرواية جدا وقد عبر عنه النجاشي بقوله (ثقة ثقة) واكثر هذه الروايات انما هو بطريق عاصم الراوي لكتاب محمد بن قيس. وقد ذكروا في ترجمته أنه من اصحاب الرضا (ع) ولم يثبت دركه (موسى بن جعفر) (ع) ولم نعثر على روايته عنه عليه السلام بعد الفحص والاستقراء. نعم له رواية عن الجواد (ع) رواها في اصول الكافي ص 82 وص 88 على اختلاف الطبعتين. كما أن له رواية عن أبي الحسن (ع) (1) في الجزء الاول (2) إلا ان المراد به الرضا (ع) لانه كان من اصحابه، فعلى هذا


(1) لروايته عن أبي الحسن (ع) موارد اخرى راجع المعجم ج 1 ص 313. (2) ص 15 ح: 28.

[ 324 ]

تنحصر روايته عن (موسى بن جعفر) بهذه الرواية الواحدة مع كثرة روايته جدا. وهذا يؤكد الارسال وأن الصحيح هو نسخة الشيخ وأن المراد بأبي الحسن هو موسى بن جعفر (ع) وقد رواها عنه بواسطة وسقطت تلك الواسطة في كلام الصدوق فيحمل كلامه (قده) على هذا النحو لا محالة. هذا ويدل على اتحاد الرواية انه لا وجه لنقل الرواية مرسلة عن الامام المتأخر مع كونه راويا لها مسندة عن الامام المتقدم عليه، نعم لو كان الامر منعكسا بأن كان الارسال فيما يرويه عن الامام السابق والاسناد في الامام المتأخر لم يكن التعدد ببعيد. وكيف كان: فمن المطمئن به كونها رواية واحدة نقلت بكيفية واحدة بل وعن إمام واحد ووقع الاشتباه في الاسناد إلى الرضا (ع) من جهة التعبير بأبي الحسن الظاهر في الكاظم (ع) عند الاطلاق وحيث انها مرددة بين الارسال والاسناد لا يمكننا الاستدلال بها بوجه. على أن رواية الصدوق في نفسها مما لا يمكننا العمل على طبقها وذلك لان الماء المفروض فيها لا يمكن أن يكون ملكا للجنب وإلا فلا وجه للتوقف في تقديمه على الميت وغيره كما تقدم ولا ينبغي السؤال عنه بوجه. فلا بد من فرض الماء مشتركا بينهم ومعه كيف ساغ للمحدث بالحدث الاصغر المتمكن من الوضوء أن يعطي ماؤه للجنب ويتيمم فهل يجوز ذلك في غير مورد الرواية حتى يجوز فيه؟ لوضوح انه مأمور بالوضوء ولا يسوغ له التيمم بوجه هذا.

[ 325 ]

على أن مفروض الرواية كاد أن يلحق بالمعميات لان فرض اجتماع جنب وميت ومحدث بالاصغر في مورد واحد مع اشتراك الماء بينهم لا يزيد عن حاجة أحدهم أمر لا يكاد يتحقق في الخارج لان غسل الميت مركب من أغسال ثلاثة. فكيف يمكن فرض الماء وافيا بتلك الاغسال الثلاثة ولا يزيد عنها ولو بكف واحدة يكفي للوضوء؟ فانه لا يحتاج إلى أزيد من غرفة واحدة من الماء ففرضه على نحو الدقة بحيث لا يزيد على الاغسال بغرفة ليس له تحقق في الخارج بل هو من المعميات فدلالتها مخدوشة أيضا. هذا على أن غسالة الوضوء مما لا إشكال عندنا في طهارتها وجواز استعمالها في رفع الخبث والحدث ولا مانع من جمعها في اناء ثم يغتسل الجنب بها أو يغسل الميت بها هذا كله. على انها معارضة بصحيحة اخرى عن أبي بصير ويأتي التكلم عليها حيث دلت على عكس ما اشتملت عليه الرواية المتقدمة لانها رجحت الوضوء وأمرت الجنب بالتيمم فرواية ابن أبي نجران مما لا يسعنا الاعتماد عليها بوجه. " المقام الثاني ": في دلالة رواية ابن أبي نجران: ولم يتضح لنا معنى قوله (ع): " لان غسل الجنابة فريضة وغسل

[ 326 ]

الميت سنة والتيمم للآخر جائز " فان المراد من جواز التيمم للآخر ان كان هو المشروعية فهو كذلك في الجنب أيضا لانه يتيمم عند فقدانه الماء. ثم إن الوضوء مثل الغسل في كونه فريضة لاسنادهما إلى نص الكتاب - نعم غسل الميت سنة - إذن فما المرجح لغسل الجنابة على الوضوء؟ وعليه لا يمكن حمل ذلك على التعليل ولا بد من حمله على التعبد المحض. ذكر جملة من الروايات: ومن جملة الروايات: ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم كانوا في سفر فأصاب بعضهم جنابة وليس معهم من الماء إلا ما يكفي الجنب لغسله، يتوضأون هم هو أفضل أو يعطون الجنب فيغتسل وهم لا يتوضأون؟ فقال: " يتوضأون هم ويتيمم الجنب " (1). وهي على عكس الرواية السابقة، والظاهر أن سندها صحيح لان (وهيب بن حفص) وان كان مرددا بين الثقة والضعيف إلا أن الظاهر كونه الثقة في سند الرواية لشهادة النجاشي على أن الراوي لكتاب (وهيب بن حفص) هو (محمد بن الحسين) مثل ما في هذا السند. هذا على أن الظاهر أن (وهيب) شخص واحد لا أنه متعدد:


(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب التيمم ح 2.

[ 327 ]

أحدهما موثق وثانيهما ضعيف وذلك لان منشأ توهم التعدد أن النجاشي عنون (وهيب بن حفص الجريري) ووثقه وقال فيه: (إن له كتبا) وعد جملة منها وقال: (يرويها عنه محمد بن الحسين) فقال: (النجاشي أو النخاس ذكره سعد) أي سعد بن عبد الله الاشعري. فتوهم من هذه العبارة أن النخاس غير الجريري، وأن النجاشي قد وثق الجريري دون النخاس. ولكن الصحيح أن الامر ليس كما توهم بل مراد النجاشي من قوله (ذكره سعد) أن توصيف (وهيب بن حفص) بالنخاس مذكور في كلام سعد لا أنه شخص آخر ذكره سعد فهو رجل واحد قد يذكر موصوفا بالنخاس كما ورد في كلام سعد بن عبد الله وقد يذكر من دون توصيفه بالنخاس. ويدل على ذلك أن الشيخ ذكر في فهرسته وهيبا ووصفه بالنخاس ولم يذكر غيره. ووجه دلالته انه من البعيد غايته بل لا معنى لتعرضه إلى غير الموثق مع ترك التعرض للموثق الذي هو صاحب الكتب والمؤلفات. كما أن الشيخ لم يتعرض في رجاله إلا إلى (وهيب بن حفص الجريري) وذكر أن الراوي عنه سعد بن عبد الله ومحمد بن الحسين ولم يتعرض لغيره فلو كان هناك شخص ثان مسمى بهذا الاسم لذكره فان كتابه موضوع لذكر الرواة وعد الرجال ولا وجه لتركه. و (دعوى): ان الشيخ لعله لم يقف على (وهيب النخاس) ولذا لم يتعرض له في كتاب رجاله. (مدفوعة): بأن الشيخ بنفسه روى في التهذيب رواية عن

[ 328 ]

(وهيب) الموصوف بالنخاس فهو عالم به ولو كان شخصا ثانيا غير (وهيب) المطلق لذكره. فتحصل أن كلام الشيخ (قده) في فهرسته وفي رجاله قرينتان على وحدة الرجل فقد يطلق الاسم وقد يقيد بالنخاس. ويؤيده أن المسمى بهذا الاسم (وهيب) قليل غايته ولعله لا يتجاوز ثلاثة اشخاص فإذا قيد الاسم بابن حفص تضيق وصار اقل، ومع ملاحظة كونه في طبقة واحدة مع غيره المسمى بهذا الاسم يبعد جدا كونه متعددا فالظاهر أن الرجل واحد وهو موثق فالرواية صحيحة وقد دلت على ترجيح الوضوء وتيمم المجنب. ومن جملة الروايات: ما رواه الحسن التفليسي قال: سألت أبا الحسن (ع) عن ميت وجنب اجتمعا ومعهما ماء يكفي أحدهما ايهما يغتسل؟ قال: " إذا اجتمعت سنة وفريضة بدئ بالفرض " (1). ومفروضها وان كان أمرا متصورا وقد يتحقق خارجا لان غسل الجنابة يحتاج إلى ماء زائد ليس بمقدار ما يحتاجه الوضوء وقد لا يكون مجموع الماء وافيا لكل من غسل الجنابة وغسل الميت، إلا أن ضعف سندها لا يبقي مجالا للتكلم في دلالتها فان الحسن التفليسي لم يوثق إلا بناءا على اتحاده مع الحسن بن النضر الارمني كما احتمل ويأتي الكلام في الرواية الآتية ان شاء الله. و " منها ": ما رواه الحسين بن النضر الارمني قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت ومعهم جنب ومعهم ماء قدر ما يكفي احدهما، ايهما يبدأ


(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب التيمم ح 3.

[ 329 ]

به؟ قال: " يغتسل الجنب ويدفن الميت لان هذا فريضة وهذا سنة " (1). وهي ضعيفة سندا أيضا لان الحسين بن النضر الارمني لم يوثق، نعم قد يحتمل انه الحسن بن النضر لا الحسين وانه هو الحسن التفليسي بقرينة اتحاد الروايتين مضمونا وكون (تفليس) مركز الارامنة. وفيه: انا لو سلمنا اتحادهما لا يمكن الاعتماد على الرواية أيضا لعدم ثبوت وثاقة الحسن بن النضر الارمني، نعم ذكر الكشي أن (الحسن بن النضر) - من دون توصيفه بالارمني - كان من أجلاء أصحابنا، ومن اصحاب العسكري (ع)، لكن لم يثبت كون مقصوده هو هذا الحسن الواقع في سند الرواية لانه من أصحاب الصادق (ع) وان امكن بقاؤه حيا إلى زمن العسكري (عليه السلام) إلا أن ثبوت اتحادهما يتوقف على الدليل وهو مفقود. و " منها ": رواية محمد بن علي عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: الميت والجنب يتفقان في مكان لا يكون فيه الماء إلا بقدر ما يكتفي به أحدهما، أيهما أولى أن يجعل الماء له؟ قال: " يتيمم الجنب ويغتسل الميت بالماء " (2). وهي ضعيفة بالارسال، ومحمولة على صورة ما إذا كان لشخص ماء يريد بذله لمن يحتاج إليه فهل الاولى ان يبذله للجنب أو يبذله للميت، وقد دلت على رجحان بذله للميت. والمتحصل أن الاخبار ضعيفة ولا بد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة في المقام حسب بياننا له في المقام الاول.


(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب التيمم ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب التيمم ح 5.

[ 330 ]

(مسألة 28): إذا نذر نافلة مطلقة أو موقتة في زمان معين (1) ولم يتمكن من الوضوء في ذلك الزمان يتيمم بدلا عنه وصلى. وأما إذا نذر مطلقا لا مقيدا بزمان معين فالظاهر وجوب الصبر إلى زمان إمكان الوضوء. العجز من الماء في نذر النافلة: (1) إذا نذر صلاة نافلة هل يجوز له الاتيان بها مع التيمم أولا؟ قد تكون النافلة موقتة كما لو نذر الاتيان بنافلة الليل في ليلة كذا ولم يتمكن من الماء في تلك الليلة ولا اشكال في هذه الصورة في جواز التيمم لاجلها لان التراب بدل الماء عند العجز عنه من دون فرق في ذلك بين الفريضة والنافلة. وقد تكون النافلة غير مؤقتة أو مؤقتة بوقت وسيع كما لو نذر أن يصلي نافلة إلى شهر، وفي هذه الصورة قد يتيمم لاجل الاتيان بالنافلة لعدم تمكنه من الماء في الوقت الذي يريد الاتيان بها لمرض ونحوه كما لو تيمم بعد طلوع الشمس وقبل الزوال حيث لا غاية للتيمم حينئذ سوى الاتيان بالنافلة. ولا اشكال في بطلان التيمم وعدم جواز الاتيان بالنافلة بهذا التيمم لانه وإن كان بدلا عن الماء إلا أنه بدل عند العجز عن الطهارة

[ 331 ]

المائية لا مطلقا، والمكلف بالاضافة إلى ما تعلق به نذره وهو إتيان النافلة في ظرف شهر واحد متمكن من الماء، وهو انما لا يتمكن من الماء في هذا اليوم أو في هذا الاسبوع لا أنه عاجز عنه إلى تمام الشهر ونهايته والوجوب قد تعلق بالطبيعي الجامع. وأما بالاضافة إلى الحصة الخاصة منه - هي الفرد الذي يريد اتيانه - فهو غير متمكن من الماء إلا أنه لم يتعلق به الامر إذ المأمور به هو الطبيعي دون الحصة. التيمم لغاية هل يسوغ غيرها مع ارتفاع الفقدان فيه؟ وقد يكون المكلف متيمما لغاية مسوغة له كما لو عجز عن الطهارة المائية لصلاة الفجر فتيمم لاجلها ثم بعد ذلك اراد الاتيان بالنافلة فهل يحكم بصحتها لانه كان متطهرا على الفرض وطهارته طهارة صحيحة فلا مانع من الاتيان بطهارته كل ما هو مشروط بها ومنه النافلة المنذورة أو لا يجوز؟ قد يحتمل جواز الاتيان بالنافلة حينئذ لما عرفت من أن المكلف متطهر. إلا أن التحقيق عدمه وذلك لما اوضحناه في مسألة التيمم لضيق الوقت أن وجدان الماء وفقدانه امران اضافيان نسبيان فقد يكون

[ 332 ]

المكلف فاقدا للماء بالنسبة إلى غاية كصلاة الفريضة التي ضاق وقتها وهو واجد له بالنسبة إلى غاية اخرى كقراءة القرآن ودخول المسجد وغيرهما " أو يكون واجدا بالنسبة إلى الوضوء وفاقدا بالنسبة إلى الغسل. وعليه فالمكلف في المقام وان كان فاقدا للماء بالنسبة إلى صلاة الفجر لفرض عدم تمكنه منه في وقتها إلا أنه واجد للماء بالنسبة إلى النافلة لسعة وقتها - مثلا - وارتفاع المانع عن الماء قبل انقضاء وقتها فلا يجوز معه الاتيان بالنافلة به لما تقدم من أن عدم جواز البدار مع العلم بارتفاع العذر إلى آخر الوقت. هذا كله لو علم بارتفاع عذره قبل انقضاء وقت النافلة. وأما لو شك في ارتفاعه في آخر الوقت أو عدم ارتفاعه أو اطمأن بعدم ارتفاعه فلا شبهة في جواز البدار والاتيان بالنافلة بذاك التيمم الصحيح لان الاطمئنان حجة شرعية أو الاستصحاب البقاء وعدم ارتفاع العذر. قد تقدم أن البدار مع اليأس عن ارتفاع العذر مما لا اشكال في جوازه. إلا أنه انما يجزي فيما إذا لم يرتفع العذر إلى آخر الوقت، واما لو ارتفع بعد ذلك فلا بد من الاعادة لان الامر الظاهري - كما في صورة الشك والاعتماد على الاستصحاب - أو الامر الخيالي - كما في صورة الاطمئنان بعدم الارتفاع - لا يجزي عن الامر الواقعي.

[ 333 ]

توضيح لما ذكرناه في هذه المسألة: انا قدمنا سابقا ان المستفاد من الآية المباركة والاخبار ان مشروعية التيمم انما هي في صورة فقد الماء فالمأمور بالتيمم انما هو الفاقد، فلو كنا نحن وهذه الادلة لمنعنا عن البدار وأوجبنا الصبر والانتظار إلى آخر الوقت ليظهر انه فاقد للماء حتى يتيمم أو هو واجد حتى يتوضأ. وقد خرجنا عن ذلك بمقتضى الاخبار (1) الواردة في جواز البدار حيث جوزته على التفصيل المتقدم من دلالتها على الجواز مطلقا أو في صورة اليأس عن الوجدان على الكلام بين الاصحاب. فلو تيمم في موارد مشروعية البدار ثم بعد ذلك وجد الماء لم تجب عليه الاعادة بمقتضى الاخبار الدالة على عدم إعادة الصلاة المأتي بها مع التيمم الصحيح. إلا أن تلك الاخبار بين ظاهر وصريح في الاختصاص بالصلوات اليومية وقد اشتمل بعضها على انه إذا خاف فوت الوقت.. ومن المعلوم ان الوقت انما هو متحقق في الصلوات اليومية لا في غيرها. إذن لا دليل على جواز البدار وعدم وجوب الاعادة فيما لو أتى بالصلاة المنذورة بالتيمم بدارا لليأس عن الظفر بالماء أو لاستصحاب عدم ارتفاع العذر إلى آخر الوقت بل لا بد من الاعادة في الصورتين كما قدمناه.


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم.

[ 334 ]

(مسألة 29): لا يجوز الاستئجار لصلاة الميت ممن وظيفته التيمم (1) مع وجود من يقدر على الوضوء. ولا مجال للتشبث في جواز البدار في الصلاة المنذورة واليومية وغيرهما بالمطلقات (1) الدالة على أن رب الماء ورب الصعيد واحد وذلك لانها انما تدل على كفاية التيمم المشروع في الدخول في الصلاة أو غيرهما مما هو مشروط بالطهارة لان معناه ان الآمر بالطهارة المائية هو الذي امر بالطهارة الترابية، وقد فرضنا انها انما تجوز للنافلة ولا تكون مشروعة لواجد الماء لتكون بدلا عن الطهارة المائية فلا اطلاق لها لتشمل الواجد ايضا. وانما هي تدلنا على أن التيمم كالوضوء في موردهما، فكما أن الوضوء لازم على الواجد ولا يشرع في حق الفاقد، كذلك التيمم مشروع للفاقد ولا يشرع في حق الواجد بوجه ولا دلالة لها على البدلية في موارد عدم مشروعيته بوجه. المأمور بالتيمم هل يصح استئجار لصلاة الميت؟ (1) هذه المسألة تبتني على امرين: " احدهما ": ما قدمناه في محله من أن إمتثال الامر المتوجه إلى شخص غير معقول من الآخرين إذ لا يعقل أن يأتي المكلف بالعمل


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 و 23 وذيل 14 من أبواب التيمم.

[ 335 ]

بل لو استأجر من كان قادرا ثم عجز عنه يشكل جواز الاتيان بالعمل المستأجر عليه مع التيمم، فعليه التأخر إلى التمكن مع سعة الوقت، بل مع ضيقه أيضا يشكل كفايته فلا يترك مراعاة الاحتياط. الواجب على غيره بقصد الامتثال. وذكرنا ان الاجير في العبادات انما يمتثل الامر المتوجه إلى نفسه لا الامر المتوجه إلى المنوب عنه حيث أن تفريغ ذمة الاخ المؤمن من الديون من الامور المستحبة على المكلفين ولا سيما إذا كان من اقربائه. وهذا أمر متوجه إلى المؤمنين الذين منهم النائب لا انه متوجه إلى المنوب عنه، وإذا آجر المؤمن نفسه للعبادات الواجبة على الغير تبدل هذا الامر الاستحبابي بالوجوبي وصار تفريغ ذمة المنوب عنه واجبا عليه بعد أن كان مستحبا في حقه. وبهذا دفعنا الاشكال في الاستيجار للعبادات من أن الامر الناشئ من الاجارة امر توصلي لم يؤخذ فيه قصد القربة بوجه. وحاصل الجواب: ان العبادية انما هي مستندة إلى امر سابق على الامر الاجاري وقد كان مستحبا في نفسه وانقلب إلى الوجوب بعد الاجارة. و " ثانيهما " ما قدمناه في الصلاة عن الميت من انها واجبة على المكلفين وجوبا كفائيا فالامر متوجه إلى الطبيعي دون الاشخاص ومن هنا لو لم يتمكن احد من الطهارة المائية لعذر لم تصح منه الصلاة لان الامر متوجه إلى الطبيعي وهو متمكن من الطهارة المائية.

[ 336 ]

(مسألة 30): المجنب المتيمم إذا وجد الماء في المسجد وتوقف غسله على دخوله والمكث فيه لا يبطل تيممه يالنسبة إلى حرمة المكث وإن بطل بالنسبة إلى الغايات الاخر فلا يجوز له قراءة العزائم ولا مس كتابة القرآن. كما انه لو كان جنبا وكان الماء منحصرا في المسجد ولم يمكن اخذه إلا بالمكث وجب أن يتيمم للدخول والاخذ كما مر سابقا، ولا يستباح له بهذا التيمم إلا المكث فلا يجوز له المس وقراءة العزائم (1). نظير مالو عجز عن القيام فلا تصح منه الصلاة لوجود من يتمكن من القيام، والمأمور هو الطبيعي دون الاشخاص. نعم: إذا فرضنا انه لم يوجد هناك من يصلي مع الطهارة المائية - لا لاجل عدم كون الماء ميسورا لهم - بل لانهم لا يصلون باختيارهم ولو للعصيان صح للعاجز عن الماء أو عن القيام أن يتصدى للصلاة عن الميت. وعلى هذا نقول في المقام: إن تفريغ ذمة الميت عما اشتغلت به امر مستحب عبادي في نفسه وهو متوجه إلى طبيعي المكلفين يسقط عن ذمتهم بقيام احدهم به وقد عرفت أن هذا الامر المستحب هو الذي تعلق به الوجوب عند الاستيجار. وعليه إذا فرضنا أن احدا لا يتمكن من الوضوء لم يصح استيجاره


(1) قدمنا الكلام على هذه المسألة فليلاحظ.

[ 337 ]

(مسألة 31): قد مر سابقا أنه لو كان عنده من الماء ما يكفي لاحد الامرين من رفع الخبث عن ثوبه أو بدنه ورفع الحدث، قدم رفع الخبث وتيمم للحدث، لكن هذا إذا لم يمكن صرف الماء في الغسل أو الوضوء وجمع الغسالة في اناء نظيف لرفع الخبث، وإلا تعين ذلك وكذا الحال في مسألة اجتماع الجنب والميت والمحدث بالاصغر في سائر الدورانات (1). للصلاة عن الميت لان المأمور هو الطبيعي وهو واجد للماء وغير فاقد له لينتقل الامر إلى بدله، وخصوص الفرد ليس بمأمور على الفرض. كما انه إذا طرأ العجز عن الطهارة المائية بعد استيجاره وجب عليه تأخير الصلاة إلى زمان التمكن من الماء، بل لو لم يتمكن من التأخير لضيق الوقت أو لعلمه بعدم ارتفاع عذره إلى آخر الوقت كشف ذلك عن بطلان اجارته في المقدار الذي لم يتمكن من اتيانها مع الوضوء. كل ذلك لما عرفت من أن المأمور بالعمل هو الطبيعي وهو متمكن من الطهارة المائية فلا يصح العمل من الفرد العاجز عن بعض شرائطه اللهم إلا أن لا يوجد من الطبيعي فرد يقوم بهذا العمل فيجوز حينئذ الاستيجار من الفاقد للماء باعتبار أن الطبيعي فاقد له أو أن غيره لا يقوم بذلك العمل. (1) قدمنا الكلام على هذه المسألة أيضا كما يأتي.

[ 338 ]

(مسألة 32): إذا علم قبل الوقت أنه لو أخر التيمم إلى ما بعد دخوله لا يتمكن من تحصيل ما يتيمم به فالاحوط أن يتيمم قبل الوقت لغاية اخرى غير الصلاة في الوقت ويبقى تيممه تيممه إلى ما بعد الدخول فيصلي به، كما أن الامر كذلك بالنسبة إلى الوضوء إذا امكنه قبل الوقت وعلم بعدم تمكنه بعده فيتوضأ على الاحوط لغاية اخرى أو للكون على الطهارة (1). (1) هذه المسألة والمسألتان اللتان قبلها قد تكلمنا فيها سابقا فلا نعيد. وقد ذكرنا في المسألة الاولى انه لا يجوز التيمم لاجل المكث في المسجد في مفروض المسألة. وذكرنا في المسألة الثانية انه لا وجه لتقديم الطهارة من الخبث على الطهارة من الحدث نعم اضاف في المقام أن الحكم بتقديم رفع الخبث انما هو فيما إذا لم يمكن صرف الماء في الغسل أو الوضوء وجمع الغسالة في اناء نظيف لرفع الخبث وإلا تعين ذلك. وكذلك الحال في المسألة الثالثة التي فرضت اجتماع الجنب والميت والمحدث بالحدث الاصغر بل في سائر الدورانات والامر كما افاده.

[ 339 ]

(مسألة 33): يجب التيمم لمس كتابة القرآن إن وجب، كغ‌ا أنه يستحب إذا كان مستحبا ولكن لا يشرع إذا كان مباحا (1) نعم له أن يتيمم لغاية اخرى ثم يمسح المسح المباح. وجوب التيمم لمس كتابة القرآن: (1) قد ذكرنا غير مرة أن عبادية الطهارات الثلاثة لم تنشأ عن الامر الغيري المتعلق بها الناشئ عن الامر النفسي بما يتوقف عليها. وذلك: أما أولا: فلعدم وجوب المقدمة وعدم كونها مأمورا بها بالامر الغيري على ما فصلناه في محله. وأما ثانيا: فلانه على تقدير الالتزام بوجوب المقدمة فهو أمر توصلي لا يعتبر فيه قصد الامر والامتثال. بل العبادية في الطهارات نشأت عن الامر الاستحبابي النفسي الثابت عليها في انفسها لانها امور راجحة ومندوب إليها في الشريعة المقدسة فالعبادية مأخوذة فيها سابقا على امرها الغيري فهي عبادات جعلت مقدمة لغاياتها. فلا يفرق في استحبابها ومشروعيتها بين أن تكون غاياتها واجبة أو مستحبة أو مباحة نعم العبادية لا تتوقف على قصد الامر وحسب بل تتحقق بالاتيان بالعمل وإضافته إلى الله سبحانه نحو اضافة

[ 340 ]

وعليه إذا كانت الغاية واجبة أو مستحبة كفى في صحة الطهارات الثلاثة وعباديتها الاتيان بها بعنوان كونها مقدمة للامر الراجح - أي لاجل التوصل بها إلى امر المحبوب - فانه نحو اضافة إلى الله وموجب لان تكون عبادة مقربة إلى الله سبحانه وهذا يختص بما إذا كانت الغاية واجبة أو مستحبة ولا يتحقق فيما إذا كانت الغاية مباحة. ولعل نظر الماتن (قده) إلى ذلك وهو ما إذا أتى بالطهارات بعنوان كونها مقدمة من دون قصد غاية اخرى من غاياتها فلو كان نظره الشريف إلى ذلك صح التفصيل بين ما إذا كانت الغاية واجبة أو مستحبة وبين ما إذا كانت مباحة. وعلى هذا يمكن ان يقال بصحة الطهارات وعباديتها إذا كانت غايتها مباحة حتى إذا أتى بها بعنوان كونها مقدمة وذلك لان الاتيان بها مقدمة للمباح ليس بمعنى كونها مقدمة لذات المباح فانه في ذاته لا يتوقف على التيمم أو غيره، بل المراد الاتيان بها مقدمة للمباح بما أنه مباح. ومن الظاهر ان المس المباح انما هو المس حال الطهارة فان المس في غير حال الطهارة محرم، فيرجع الاتيان بها مقدمة للمباح بوصف كونه مباحا إلى الاتيان بها مقدمة لارتكاب غير المحرم وفرارا عن المبغوض المحرم وهو المس حال الحدث وهذا امر راجح أيضا ومقرب ونحو من الاضافة إلى الامر سبحانه وهو كاف في صحتها وعباديتها. اذن لا فرق في عبادية الطهارات بين كون غاياتها مثل المس واجبة أو مستحبة أو مباحة. هذا وقد يقال: إن اتيان الطهارات الثلاثة مقدمة للمس الواجب أو المستحب لا يوجب صحتها وكونها عبادة وذلك لانها ليست مقدمة

[ 341 ]

للمس الواجب أو المستحب أو الجائز - ونعبر عنها بالجواز بالمعنى الاعم. بل الطهارة مقدمة لجواز المس - بالمعنى الاعم - إذ لو لا كونها لم يكن المس جائزا فلو أتى بها مقدمة للمس الجائز لم تصح إذ لا مقدمية لها للمس بل لا بد من الاتيان بها لغاية اخرى من غاياتها حتى يكون متطهرا فيجوز له مس الكتاب العزيز حينئذ. (ويرده): أولا: ان المستفاد من الادلة أن للمس قسمين وحصتين: أما جائز بالمعنى الاعم أو غير جائز، والطهارة مقدمة للحصة الجائزة فتكون الطهارة قيدا للجائز ومقدمة له لا انها قيد للجواز، فلا مانع من الاتيان بالطهارة لكونها مقدمة للحصة الجائزة من المس. وثانيا: ان كون الطهارة مقدمة للجواز - دون الجائز - أمر غير معقول في نفسه لان الطهارات إذا كانت قيدا للوجوب أو المستحب أو الجواز لم يكن وجوب قبلها. وإذا لم تكن الطهارة واجبة فيجوز للمكلف تركها إذ لا يجب عليه إيجاد ما هو مقدمة للتكليف فأي داع للمكلف لاتيانه بها؟ فجعل الطهارة قيدا ومقدمة للوجوب - أي الجواز بالمعنى الاعم - يفضي إلى عدم وجوب الطهارة، ومع عدمها لا يحب المس، وهذا خلف لان المفروض أن المس واجب. و (دعوى): ان الطهارة وان لم تكن مقدمة للواجب - لانها مقدمة للوجوب - فلا تكون واجبة من تلك الناحية إلا أنها واجبة الاتيان عقلا لانها مقدمة لتحصيل الغرض الملزم في المس الواجب، وكما ان الاتيان بالمقدمة لازم لتحصيل الواجب كذلك هو لازم لتحصيل الغرض.

[ 342 ]

(مسألة 34): إذا وصل شعر الرأس إلى الجبهة فان كان زائدا على المتعارف وجب رفعه للتيمم ومسح البشرة (1). (مندفعة): بأنا إذا انكرنا وجوب المس لكون الوجوب متوقفا على الطهارات فان الطهارات مقدمة للوجوب لا الواجب، فمن اين نستكشف كونه ذا ملاك وغرض حتى يجب علينا تحصيلها. على أنا لو سلمنا أن المس ذا ملاك وغرض كفى ذلك في عبادية الطهارات إذا أتى بها توصلا إلى غرض المولى وما فيه الملاك لان الاتيان بالمقدمة بما هي مقدمة - أي للتوصل بها إلى الواجب - كما أنه كاف في عباديتها وكونها مقربة لانه نحو اضافة إلى الله سبحانه كذلك الاتيان بها مقدمة للغرض اللازم تحصيله جهة مقربة ومحسنة وهي نحو اضافة إلى الله وكافية في عبادية الطهارات. فلا حاجة إلى إتيانها بغاية أخرى كما يرومه المدعي ومعه تكون الطهارة قيدا للمس الجائز وهو ما فيه الغرض لا قيدا للجواز كما لعله ظاهر. فالمتحصل من ان الاتيان بالطهارات بداعي أمرها النفسي أو بداعي كونها مقدمة يوجب عباديتها إذا كانت الغاية واجبة أو مستحبة وكذلك الحال إذا كانت الغاية مباحة كما مر، من دون حاجة إلى اتيانها بغاية أخرى كما يروم المدعي. يجب رفع الحواجب في صحة التيمم: (1) إذا كان الشعر متدليا على الجبهة والوجه كما في النساء وبعض

[ 343 ]

وإن كان على المتعارف لا يبعد كفاية مسح ظاهره عن البشرة (1) والاحوط مسح كليهما. الرجال فيجب رفعه للتيمم، والوجه فيه هو ما قدمناه من أن التيمم يعتبر فيه مسح الجبهة - التي عبرت الاخبار (1) عنها بالوجه أو الجبين أو الجبينين على ما تقدم تفصيله وان لم يرد لفظ الجبهة في شئ منها. وقد عرفت أن الواجب صدق مسح الجبهة عرفا ومع كون الشعر زائدا على المتعارف ومتدليا على الجبينين لا يتحقق المسح المأمور به وهو ظاهر. عدم وجوب رفع الشعر المتدلي بمقدار متعارف (1) كما إذا لم يحلق رأسه عشرين يوما أو شهرا أو أقل أو اكثر. وما أفاده (قده) من كفاية مسح ظاهره حينئذ هو الصحيح. وذلك لان المراد بالوجه الواجب مسحه هو ما يواجه به الانسان ولا اشكال في أن المقدار المتعارف من الشعر الواصل إلى الجبهة مما يواجه به الانسان فيكفي مسح ظاهره عن مسح نفس البشرة. هذا على انا لو لم نتمكن من استفادة كفاية المسح على المقدار المتعارف من الشعر المتدلي على الجبهة من النصوص كفانا في ذلك


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 و 12 من أبواب التيمم.

[ 344 ]

(مسألة 35): إذا شك في وجود حاجب في بعض مواضع التيمم حاله حال الوضوء والغسل في وجوب الفحص حتى يحصل اليقين (1). أو الظن بالعدم (2). السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين (ع) لان اشتمال الجبهة على المقدار المتعارف من شعر الرأس ولا سيما في أهل البوادي والقرى الذين قد لا يحلقون رؤسهم شهرين أو شهورا هو أمر متعارف عادي فلو كان رفعه لازما لوجب التنبيه عليه في الاخبار ولم ترد فيها اشارة إلى ذلك نعم الاحوط أن يمسح كليهما كما ذكره الماتن. إذا شك في وجود الحاجب: (1) لما تقدم من أن إستصحاب عدم الحاجب لا يترتب عليه غسل البشرة أو مسحها إلا على القول بالاصل المثبت فلابد من تحصيل الحجة على عدم الحاجب حينئذ حتى يقطع بصحة طهارته. عدم كفاية الظن بالعدم: (2) تقدم في بحث الوضوء أن الظن بالعدم غير قابل للاعتماد عليه لعدم حجيته في الشريعة المقدسة فلا مناص من تحصيل الحجة الشرعية على عدمه من القطع الوجداني أو الاطمئنان الذي هو حجة عقلانية.

[ 345 ]

(مسألة 36): في الموارد التي يجب التيمم بدلا عن الغسل وعن الوضوء كالحائض والنفساء وماس الميت الاحوط تيمم ثالث بقصد الاستباحة من غير نظر إلى بدليته عن الوضوء أو الغسل بأن يكون بدلا عنهما، لاحتمال كون المطلوب تيمما واحدا من باب التداخل (1) ولو عين أحدهما في التيمم الاول وقصد بالثاني ما في الذمة أغنى عن الثالث. هل تمس الحاجة إلى التيمم الثالث في موارده؟ (1) ولا يخفى ما في هذا الاحتمال من الضعف إذ التداخل مما تدفعه اطلاقات الادلة لان المفروض انه مكلف بالوضوء وان كان لو قدم عليه الغسل قلنا باغنائه عنه إلا انه مأمور بالوضوء قبل الاغتسال بحيث لو تمكن من الماء وجب عليه الوضوء وان لم يتمكن منه في الغسل ووجب عليه التيمم بدلا عنه. فمقتضى اطلاق الادلة (1) إذا لم يتمكن من الماء وجوب التيمم عليه بدلا عن الوضوء كما انه مأمور بالاغتسال وإذا لم يتمكن من الماء فاطلاق الادلة - من الآية (3) - تقتضي وجوب


(1) راجح الوسائل: ج 3 باب 1 و 2 و 3 وغيرها من أبواب التيمم. (2) سورة المائدة الآية: 6: 5 والنساء 43: 4. (3) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 و 14 و 16 وغيرها من أبواب التيمم.

[ 346 ]

(مسألة 37): إذا كان بعض أعضائه منقوشا باسم الجلالة أو غيره من اسمائه تعالى أو آية من القرآن فالاحوط محوه (1) حذرا من وجوده على بدنه في حال الجنابة أو غيرها من الاحداث لمناط حرمة المس على المحدث. وان لم يتمكن محوه أو قلنا بعدم وجوبه فيحرم إمرار اليد عليه حال الوضوء أو الغسل، بل يجب إجراء الماء عليه من غير مس. أو الغسل ارتماسا أو لف خرقة بيده والمس بها. وإذا فرض عدم إمكان الوضوء أو الغسل إلا بمسه فيدور الامر بين سقوط حرمة المس أو سقوط وجوب المائية والانتقال إلى التيمم والظاهر سقوط حرمة المس. تيمم آخر عليه بدلا عن الغسل. فالتداخل على خلاف الاطلاق فلا موجب للتيمم الثالث إلا على وجه الاحتياط الاستحبابي. (1) تعرض (قده) في هذه المسألة إلى جهات: " الجهة الاولى ": ان من كان على بعض أعضائه نقش لفظ الجلالة أو غيرها مما يحرم مسه على المحدث وجب عليه محوه لانه وان كان لا يصدق عليه

[ 347 ]

المس الحرام لان الممامسة تستدعي تعدد الماس والممسوس وتغايرهما ومع الاتحاد كما إذا كانت اللفظة من عوارض الماس لم يصدق المس بوجه إلا أن مناط حرمة المس وملاكها - كالمعية والاقتران أو غيرهما - متحقق معه فلابد من محوها. وفيه: ان المتبع انما هو ظواهر الادلة (1) وهي انما تقتضي حرمة المس غير المتحقق في المقام ولا عبرة بالمناطات المستكشفة الظنية بوجه. " الجهة الثانية ": إن المحو إذا لم يكن ميسورا للمكلف أو قلنا بعدم وجوبه وأراد المكلف أن يغتسل أو يتوضأ حرم عليه مسها وامرار اليد عليها حالهما بل يتعين عليه أن يجري الماء عليها بالصب والارتماس أو لف خرقة بيده المس بها وغير ذلك مما لا يتحقق به المس لانه محدث ولا يجب عليه مسها. " الجهة الثالثة ": إذا لم يمكن الغسل أو الوضوء إلا بمسها فقد قسمها (قده) إلى صورتين:


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 18 من أبواب الجنابة.

[ 348 ]

" الاولى ": ما إذا كانت اللفظة علي مواضع التيمم بحيث لا مناص له من مسها اغتسل وتوضأ أو تيمم - " الثانية ": مااذا كانت اللفظة المنقوشة على غير مواضعه كما لو كانت فوق الزند بحيث لا يقع عليها المس لو تيمم. " الصورة الاولى ": ذكر الماتن (قده) فيها ان الامر لا ينتقل إلى التيمم لان الغرض منه ان لا يقع المس على اللفظة فإذا فرضنا انه واقع عليها لا محالة فلا موجب للانتقال إليه بل ذكر أن حرمة المس ساقطة حينئذ فيتعين عليه أن يتوضأ أو يغتسل وان استلزم ذلك المس. وما افاده (قده) من عدم انتقال الامر إلى التيمم وان كان صحيحا لان المقصد منه هو الفرار عن المس ومع كونه في المس مثل الوضوء فلا مسوغ له، إلا أن ما افاده من سقوط حرمة المس حينئذ وتعين الغسل أو الوضوء عليه مما لا يمكن المساعدة عليه. بل الصحيح وجوب الاستنابة حينئذ لان المباشرة في الطهارات انما هي معتبرة في حال التمكن منها لا مطلقا وحرمة المس كافية في المانعية وسلب قدرة المكلف عن المباشرة شرعا. نعم: الاحوط حينئذ هو الجمع بين الاستنابة والغسل أو الوضوء بالمباشرة بعد التسبيب لان المس فيهما متأخرا عن الطهارة التسبيبية جائز قطعا إما لان وظيفته الاستنابة وقد حصلها فهو متطهر، والمس بعدها يقع في حال الطهارة دون الحدث، واما لان وظيفته الغسل

[ 349 ]

بل ينبغي القطع به إذا كان في محل التيمم لان الامر حينئذ دائر بين ترك الصلاة وارتكاب المس ومن المعلوم أهمية وجوب الصلاة فيتوضأ أو يغتسل في الفرض الاول وان استلزم المس، لكن الاحوط مع ذلك الجبيرة أيضا بوضع شئ عليه والمسح عليه باليد المبللة، وأحوط من ذلك أن يجمع بين ما ذكر والاستنابة أيضا بأن يستنيب متطهرا يباشر غسل هذا الموضع بل وأن يتيمم مع ذلك أيضا إن لم يكن في مواضع التيمم. أو الوضوء بالمباشرة لسقوط حرمة المس حينئذ. " الصورة الثانية ": وهي مالو كان اسم الجلالة أو آيات الكتاب في غير مواضع التيمم فقد يحتمل فيها وجوب التيمم ليكون متطهرا حتى يغتسل أو يتوضأ بعد ذلك لعدم تمكنه منهما من دون تيمم لانهما يستلزمان المس المحرم فيتيمم لاجل الطهارة حيى يتمكن به منهما. وقد ذكروا نظيره في الجنب إذا كان اغتساله مستلزما للمكث في المساجد أو الاجتياز من المسجدين فيما كان الماء في المسجدين أو المساجد حيث قالوا انه يتيمم لدخول المسجد أو المكث فيه فيكون

[ 350 ]

وإذا كان ممن وظيفته التيمم وكان في بعض مواضعه وأراد الاحتياط جمع بين مسحه بنفسه والجبيرة والاستنابة لكن الاقوى - كما عرفت - كفاية مسحه وسقوط حرمة المس حينئذ. تم كتاب الطهارة متطهرا وبعد ذلك يدخل المسجدين أو يمكث في المساجد لكي يغتسل. ويدفعه: ما ذكرناه هناك من عدم جواز التيمم حينئذ لاستلزام جوازه الدور وكذلك الامر في المقام لان التيمم انما يكون مشروعا فيما إذا كان المكلف مأمورا بالغسل أو الوضوء مع المس بالمباشرة ليقال انه إذا لم يتمكن من الماء يتيمم بدلا عن الطهارة المائية فلو توقف جواز الطهارة المائية على مشروعية التيمم لدار. اذن لا يشرع له التيمم حينئذ ولا سيما مع كونه واجدا للماء في نفسه - وان لم يكن واجدا له بالنسبة اليهما - فهذا الاحتمال ساقط. ثم إن المسألة تدور بين احتمالات ثلاثة: " أحدهما ": أن تكون هذه المسألة ملحقة بتلك المسألة فنقول بانه يتيمم للصلاة لفقدانه الماء وعدم تمكنه من الطهارة المائية لاستلزامها المس الحرام كما قلنا به في تلك المسألة. " ثانيها ": ان يقال بوجوب الغسل والوضوء في حقه وسقوط الحرمة عن المس كما ذهب إليه الماتن (قده). " ثالثها ": أن تجب عليه الاستنابة فيغتسل أو يتوضأ من دون مباشرة.

[ 351 ]

ومقتضى الاحتياط في المسألة هو الجمع بين تلكم الوجوه بأن يتيمم أولا ثم يتوضأ أو يغتسل بالتسبيب ثم يغتسل أو يتوضأ بالمباشرة لانه يستلزم القطع باباحة الصلاة في حقه. لانه إما مأمور بالطهارة الترابية لعدم تمكنه من الماء لاستلزامه المس الحرام وقد أتى بالتيمم، وأما هو مأمور بالطهارة المائية مع سقوط قيد المباشرة أو بقيدها وقد أتى بهما. إلا أن الاقوى - على ما ظهر مما قدمناه - تعين الاستنابة عليه لان المباشرة انما هي معتبرة في حال التمكن منها، وكفى بحرمة المس أن تكون مانعة عن المباشرة إذ بها تكون المباشرة ممتنعة شرعا والممتنع شرعا كالممتنع عقلا فتسقط شرطية المباشرة فيجب عليه الاغتسال والتوضي بالاستنابة. وهكذا الكلام في كل مورد دار الامر فيه بين التيمم والطهارة المائية مع التسبيب. والسر فيه: ان مقتضى مادل (1) على حرمة المس على المحدث: ثبوت الحرمة على نحو الاطلاق إذ لا مخصص لها في المقام كي نلتزم بعدم حرمة المس حينئذ، ومع ثبوت الحرمة لا يتمكن المكلف من الطهارة المائية بالمباشرة، وبهذا يظهر عدم وصول النوبة إلى التيمم لتمكن المكلف من الطهارة المائية مع الاستنابة فيتعين عليه ذلك حينئذ، ولا يبقى لاحتمال وجود التيمم في حقه مجال كالمسألة المتقدمة فيما إذا كان الماء في المسجد وكان المكلف جنبا


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 13 من أبواب الوضوء وباب 18 من أبواب التيمم.

[ 352 ]

ويستلزم اغتساله المكث في المسجد. ولا يبقى لاحتمال سقوط الحرمة عن مس المحدث مجال كما ذهب إليه الماتن (قده)، هذا كله إذا كانت الاستنابة مقدورة له. وإذا لم تمكنه الاستنابة أو كانت حرجا عليه في مورد فلا شبهة في انتقال الامر إلى التيمم لان حرمة المس ثابتة على وجه الاطلاق ولا مخصص لها في المقام، ومعها تمتنع عليه الطهارة المائية بالمباشرة أو الاستنابة فينتقل أمره إلى التيمم لا محالة. هذا تمام الكلام في كتاب الطهارة ولله الحمد أولا وآخرا وصلى الله على محمد وعترته الطاهرين وقد آل الامر بنا إلى هنا يوم الاربعاء 18 شعبان - 1384 في زاوية المدرسة الخليلية الكبرى في النجف الاشرف على مشرفها آلاف التحية والثناء

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية