الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 9

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 9


[ 1 ]

التنقيح في شرح العروة الوثقى

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (25) التنقيح في شرح العروة الوثقى تقرير البحث اية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي دام ظله العالي للمحقق حجة الاسلام والمسلمين الميرزا على الغروى التبريزي دامت بركاته الجزء التاسع 1409 ه‍.

[ 4 ]

التاريخ: صفر المظفر 1414.

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. وبعد فهذا هو الجزء التاسع من كتابنا " التنقيح " في شرح العروة الوثقى وقد وفقنا الله للشروع في طبعه ونسأله تعالى ان يوفقنا لاتمامه واكمال بقية اجزائه فانه خبر موفق ومعين. شوال المكرم 1409.

[ 7 ]

" فصل: في الصلاة على الميت " [ يجب الصلاة على كل مسلم (1). ] " فصل: في الصلاة على الميت " (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: " الجهة الاولى ": المعروف بين الاصحاب وجوب الصلاة على كل مسلم من غير فرق بين العادل والفاسق حتى المرتكب للكبائر بل القاتل نفسه عمدا، كما لا فرق بين المؤمن والمخالف، لكن نسب الخلاف في ذلك إلى جملة من المتقدمين حيث قصروا الحكم على المؤمن دون المخالف، وقواه كاشف اللثام وذكر في المدارك انه غير بعيد. (وفيه): إن المناقشة في وجوب الصلاة على المخالفين إن كان مستندة إلى عدم إسلامهم والى كونهم كفرة - كما ذهب إليه بعضهم ورأى ان معاملة الاسلام معهم انما هو من باب التقية إلى أن يظهر القائم (عجل) وإلا فانهم محكومون بالكفر حقيقة. ففيه انا ذكرنا في محله أن الاسلام لا يعتبر فيه الايمان وانما تترتب احكام الاسلام على مجرد إظهار الشهادتين وبذلك حقنت الدماء

[ 8 ]

[ من غير فرق بين العادل والفاسق والشهيد وغيرهم حتى المرتكب للكبائر بل ولو قتل نفسه عمدا. ] وجرت المواريث وجاز النكاح فلا فرق بين المؤمن والمخالف من هذه الجهة. على أنهم لو كانوا كفرة فلماذا وجب تغسيلهم فان الكافر لا يغسل ولا يكفن وحاله حال الحيوانات، فاما أن نلتزم بوجوب الصلاة في حقهم لاسلامهم أو نلتزم بعدم وجوب التغسيل للمخالفين لكفرهم. وان كانت المناقشة مستندة إلى عدم دليل صالح للاستدلال به وللتمسك باطلاقه بالاضافة إلى المخالفين - كما ربما يلوح من كلمات بعضهم -. ففيه: ان هناك جملة كثيرة من المطلقات تدلنا على أن كل ميت تجب الصلاة عليه من دون تقييده بالمؤمن ولا بالمسلم ومقتضى إطلاقها وجوبها حتى على الكافر، وانما الخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل. وهذه الاخبار فيها المعتبرة والضعيفة ولا يبعد بلوغها مرتبة التواتر وان كانت المعتبرة منها كثيرة في نفسها. والغرض ان الدليل لا ينحصر في روايتين احداهما معتبرة والاخرى ضعيفة لنحتاج إلى دعوى انجبار ضعفها بعملهم - كما ذكره المحقق الهمداني (قده) وغيره - واليك جملة من الاخبار: " منها ": موثقة أبي مريم الانصاري عن الصادق (ع): أنه قال: " الشهيد إذا كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلي عليه، وإن لم يكن به رمق كفن في أثوابه " (1).


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التكفين ح 1.

[ 9 ]

والوجه في كونها موثقة أن في طريق الصدوق إلى أبي مريم: ابان بن عثمان وهو موثق، وقد دلتنا على أن غير الشهيد أي - الذي كان به رمق - تجب عليه الصلاة والتغسيل والتكفين والتحنيط وانما خرج الشهيد عنه. ولا نحتمل أن يكون للموت في المعركة دخل في ثبوت الحكم بان يكون وجوب الصلاة أو الدفن أو الكفن مختصا بالمقتول في المعركة غير شهيد. و " منها ": صحيحة أبان بن تغلب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يقتل في سبيل الله أيغسل ويكفن ويحنط؟ قال: " يدفن كما هو في ثيابه إلا أن يكون به رمق، فان كان به رمق ثم مات فانه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه... " (1). بعين التقريب المتقدم لدلالتها على ان غير الشهيد لابد من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه. و " منها ": صحيحة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (ع) عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال: " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن " (2). فان طريق الصدوق إلى علي بن جعفر صحيح وقد دلت على أن مطلق الميت يجب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه مؤمنا كان أو مخالفا. و " منها ": صحيحة الفضيل بن عثمان الاعور عن الصادق عن أبيه عليهما السلام في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة ووسطه


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب غسل الميت ح 7. (2) الوسائل: ج 2 باب 38 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 10 ]

وصدره ويداه في قبيلة والباقي منه في قبيلة؟ قال: ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه " (1). وقد قدمنا أن الموجود في السند وان كان هو الفضل بن عثمان ولكن ذكر في طريق الصدوق إلى الرجل الفضيل بن عثمان والامر سهل ولعله قد يعبر عنه بهذا تارة واخرى بذاك. و " منها ": صحيحة خالد بن ماد القلانسي عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن رجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال: " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن فإذا كان الميت نصفين صلي على النصف الذي فيه قلبه " (2). " ومنها ": موثقة طلحة بن زيد عن أبى عبد الله (ع) انه قال: " لا يصلى على عضو رجل أو يد أو رأس منفردا فإذا كان البدن فصل عليه وان كان ناقصا من الرأس واليد والرجل " (3). ولا اشكال في سندها إلا من جهة طلحة بن زيد حيث ذكروا انه ضعيف إلا أن الشيخ ذكر أن كتابه معتمد عليه بين الاصحاب وهو توثيق للرجل، ومنه يظهر أن ضعفه انما كان في عقيدته وايمانه لا في وثاقته ورواياته. و " منها ": موثقته الاخرى عن ابي عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) قال: صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله " (4) وقد عرفت وثاقة الرجل فلا اشكال في سندها.


(1) (2) (3) الوسائل: ج 2 باب 38 من أبواب صلاة الجنازة ح 4، 5، 7. (4) الوسائل: ج 2 باب 37 من أبواب صلاة الجنازة ح 2.

[ 11 ]

و " منها ": صحيحة أو حسنة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: " إذا قتل قتيل فلم يوجد إلا لحم بلا عظم لم يصل عليه، وإن وجد عظم بلا لحم فصل عليه " (1) صلاة الجنائز. ومما استدلوا به على وجوب الصلاة على المؤمن والمخالف: رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " صلوا على المرجوم من أمتي وعلى القاتل نفسه لا تدعوا أحدا من أمتي بلا صلاة " (2). والغرض من التعرض لهذه الرواية ان صاحب الوسائل رواها عن محمد بن سعيد عن غزوان السكوني، والشيخ في التهذيب عن محمد بن سعيد عن غزوان عن السكوني. وذكر الاردبيلي " قده " في جامع الرواة أن كلا النسختين غلط والصحيح محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني وذلك بقرينة أن محمد بن سعيد بن غزوان كثيرا ما يروي عن السكوني - على أنه ليس من المعنونين بالسكوني من يسمى بغزوان. وما ذكره " قده " هو الصحيح لان الشيخ رواها في الاستبصار عن محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني وكأن الاردبيلي لم يراجع الاستبصار وإلا لاستشهد به على ما استنبطه، نعم الرواية ضعيفة بمحمد بن سعيد. ومنها: غير ذلك من الاخبار المعتبرة التي لا يبعد تواترها، وبهذا يظهر صحة ما ذهب إليه المشهور من عدم الفرق في وجوب


(1) الوسائل: ج 2 باب 38 من أبواب الصلاة الجنازة ح 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 37 من أبواب صلاة الجنازة ح 2.

[ 12 ]

الصلاة على الميت بين الموافق والمخالف. " الجهة الثانية ": هل يجب تحنيط الشهيد أو لا يجب تحنيطه كما لا يجب تغسيله ولا تكفينه؟ قد يبدو من تعرض الفقهاء لحكم الشهيد في بابي التغسيل والتكفين ومن استثنائهم اياه عن وجوبهما وعدم تعرضهم له في باب التحنيط وعدم استثناءهم اياه عن وجوبه: أن الشهيد يجب تحنيطه. إلا أن الامر ليس كذلك فان الشهيد لا يجب تحنيطه كما لا يجب تغسيله وتكفينه، وذلك لما استفدناه من الاخبار الواردة في الشهيد من أن التحنيط يلازم التكفين فمتى وجب التكفين وجب التحنيط وحيث ان الشهيد لا يجب تكفينه فلا يجب تحنيطه أيضا. ففي موثقة أبي مريم الانصاري: " الشهيد إذا كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلي عليه وان لم يكن به رمق كفن في أثوابه ". حيث دلت على أن التحنيط انما هو فيما إذا وجب تكفين الميت كما إذا لم يكن شهيدا أو قد أدركه المسلمون وبه رمق وأما إذا وجب أن يدفن بثيابه ولم يجب تكفينه لم يجب تحنيطه أيضا. بل صرح في صحيحة زرارة (1) أو حسنته بأن الشهيد لا يحنط حيث ورد فيها: قلت له: كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه قال: نعم في ثيابه بدمائه ولا يحنط ولا يغسل ويدفن كما هو. نعم إذا جرد الشهيد عن ثيابه ووجب أن يكفن نلتزم فيه بوجوب التحنيط للمطلقات الآمرة به فان موضوع عدم وجوب التحنيط هو الذي يدفن بثيابه فإذا جردت ثياب الشهيد ولم يدفن بثيابه انتفى


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب غسل الميت ح 8.

[ 13 ]

موضوع عدم الوجوب ووجب تحنيطه للمطلقات. " الجهة الثالثة ": ورد في بعض الاخبار ما ظاهره أن الشهيد لا تجب الصلاة عليه كما لا يجب له التغسيل والتكفين والتحنيط. وهي رواية عمار (1): إن عليا عليه السلام لم يغسل عمار بن ياسر ولا هاشم بن عتبة المرقان ودفنهما في ثيابهما ولم يصل عليهما. وأولها صاحب الوسائل (قده) بأن عليا (ع) لم يصل عليهما ولعله كان صلى عليهما غيره فلا دلالة لها على عدم وجوب الصلاة على الشهيد. وذكر بعضهم انها من مفتريات العامة على علي عليه السلام لانه كيف تترك الصلاة عليهما مع أنها واجبة على الشهيد؟! والانصاف ان ظاهر الرواية يدل على عدم وجوب الصلاة على الشهيد لبعد أن تكون واردة لبيان القصة ولمجرد التاريخ فحسب وأن عليها لم يصل عليهما. إلا انها ضعيفة سندا وان رويت بعدة طرق إلا أن جميعها في سندها مسعدة بن صدقة (2) وهو ضعيف فلا يمكن الاعتماد عليها. بل قد ورد في بعض الاخبار أن الشهيد يصلى عليه وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى على حمزة، فليراجع. " الجهة الرابعة ": روى صاحب الوسائل في الباب الثالث عشر من صلاة الجماعة عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (ع) قال:


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب غسل الميت ح 4. (2) مسعدة بن صدقة ثقة لوجوده في كامل الزيارات وتعرض له في المعجم ج 18 ص 160.

[ 14 ]

" الاغلف لا يؤم القوم وان كان أقرأهم لانه ضيع من السنة أعظمها ولا تقبل له شهادة ولا يصلى عليه إلا أن يكون ترك ذلك خوفا على نفسه ". ومقتضى ظاهرها عدم وجوب الصلاة على الاغلف، إلا أن الرواية ضعيفة السند بالحسين بن علوان وغيره فلا يمكن الاعتماد عليها في قبال المطلقات الدالة على وجوب صلاة الاموات على كل مسلم. " الجهة الخامسة ": روى في الوسائل في كتاب الاشربة المحرمة (1) روايتين تدلان بظاهرهما على ان شارب الخمر لا يصلى عليه. " احداهما ": ما عن أبي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا أصلي على غريق خمر ". وثانيتهما موثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يكون مسلما عارفا إلا انه يشرب المسكر هذا النبيذ، فقال: يا عمار ان مات فلا تصل عليه. ولا دلالة في شئ منهما على عدم جواز الصلاة على شارب الخمر. أما الرواية الاولى: فلان الوارد فيها " غريق خمر " بفتح الغين وكسرها لانهما بمعنى واحد، غاية الامر: ان الماء إذا احاط به فمات فيقال له غريق بالفتح وان لم يمت فهو غريق بالكسر. وهذا لا يصح اطلاقه إلا على من كان مدمن الخمرة ومستمرا على شربها على الدوام بحيث صح ان يقال انه غريق في الخمر وهذا غير شارب الخمر كما لا يخفى. على انها لا تدل إلا على أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يصلي


(1) الوسائل: باب 11 من أبواب الاشربة المحرمة.

[ 15 ]

[ ولا تجوز على الكافر (1) بأقسامه حتى المرتد فطريا ] عليه ولعله لاجل مبغوضيته عند الله، ولم تدل على نهي الناس عن الصلاة عليه. مضافا إلى انها ضعيفة السند بمحرز فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه. واما الرواية الثانية: فهي من حيث السند موثقة لان طريق الشيخ إلى عمار صحيح. إلا ان دلالتها قاصرة لان نهي شخص عن المباشرة والتصدي للواجب الكفائي لا يدل على سقوطه عن ذمة الجميع ولعله انما اراد أن لا يقوم عمار بذلك الواجب الكفائي لما فيه من الحزازة. على انا لو سلمنا دلالتها عليه فهي معارضة بما هو أقوى منها دلالة وسندا وهو صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد الله (ع) قال: قلت له: شارب الخمر والزاني والسارق يصلى عليهم إذا ماتوا؟ فقال: نعم (1). فانها صريحة في الجواز وصحيحة السند، غاية الامر أن نحمل الموثقة على الكراهة جمعا بين الروايتين. هذا تمام الكلام في الجهات التي ينبغي التعرض لها في المقام. الكافر لا يصلى عليه. (1) لقوله تعالى " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم


(1) الوسائل: ج 2 باب 37 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 16 ]

[ أو مليا مات بلا توبة (1). ] على قبره " (1). وموثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن النصراني يكون في السفر وهو مع المسلمين فيموت؟ قال: " لا يغسله مسلم ولا كرامة ولا يدفنه ولا يقوم على قبره وان كان اباه " (2). وهي وان كانت واردة في النصراني إلا أنها تدل على ثبوت الحكم في غيره من فرق الكفار كالمجوسي واليهودي والملحد والمشرك وغيرها بالاولوية لان النصراني أقل خبثا وكفرا من غيره فإذا ثبت الحكم في حقه ثبت في غيره بالاولوية. والمرتد داخل في اقسام الكفار ومشمول لهذا الحكم - هذا كله. مضافا إلى السيرة القطعية الجارية على عدم اقامة الصلاة على الكفار مطلقا نصرانيا كان أو غيره. (1) ظاهر ذلك أنه راجع إلى المرتد عن ملة وانه إذا تاب قبل أن يموت يصلى عليه وتجري عليه بقية أحكام المسلمين، وهذا بخلاف المرتد عن فطرة فانه تاب ام لم يتب لا يصلى عليه. و (فيه): انا قدمنا ان الفطري كالملي تقبل توبته ويعامل معه معاملة المسلمين ولا ينافي هذا وجوب قتله وبينونة زوجته وانتقال أموال إلى ورثته فهو ميت تعبدا ولا تقبل توبته من هذه الجهات، ونقبل في غيرها.


(1) التوبة 9: 84. (2) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب غسل الميت ح 1

[ 17 ]

[ ولا تجب على اظفال المسلمين إلا إذا بلغوا ست سنين (1). ] وبهذا صرح الماتن في التكلم على مطهرية الاسلام وقبول توبته وعدمه، ومعه لاوجه لهذا التقييد إلا أن نرجعه إلى المرتد بكلا قسميه وانه لو تاب قبل موته صلي عليه. لا تجب الصلاة على اطفال المسلمين: (1) هذا هو المعروف والمشهور بل ادعي عليه الاجماع، وعن ابن الجنيد وجوب الصلاة على المستهل من الاطفال أي على كل طفل ولد حيا وهذا موافق للعامة لانهم ملتزمون به. وعن ابن ابي عقيل عدم وجوبها إلا إذا بلغ واليه مال في الوافي حيث ذكر أن الصلاة انما تجب على الميت الطفل فيما إذا كان الطفل وجبت عليه الصلاة في حياته وتستحب إذا كانت الصلاة مستحبة عليه - كما إذا عقل الصلاة وكان له ست سنين - ولا تشرع إذا لم تكن الصلاة مشروعة عليه - كما إذا كان الطفل أقل من ست سنين - هذه هي أقوال المسألة. ويدل على القول المعروف صحيحة زرارة و عبد الله الحلبي عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل عن الصلاة على الصبي متى يصلى عليه؟ قال: " إذا عقل الصلاة " قلت: متى تجب الصلاة عليه؟ فقال: " إذا

[ 18 ]

كان ابن ست سنين والصيام إذا أطاقه " (1). فان قوله " إذا عقل الصلاة " وان كان لا يدل على التحديد بحسب الزمان وانما يدل على التحديد بما إذا عقل الصلاة، إلا ان قوله في الجواب عن الزمان الذي تجب الصلاة عليه " إذا كان ابن ست سنين " يدلنا على ان عقل الصلاة انما يبدء بست سنين إذ لا معنى للامر عليه بالصلاة وهو لا يعقل الصلاة. نعم مقتضى إطلاق تلك الجملة " إذا عقل الصلاة " أن الطفل إذا عقل الصلاة وهو ابن خمس سنين لابد من الصلاة على جنازته. فان النسبة بينهما عموم من وجه إذ قد يكون الطفل ذكيا يعقل الصلاة قبل الست وقد يكون غبيا لا يعقلها بعد السبع وقد يعقلها ابن ست سنين. إلا أنه لابد من تقييدها بما إذا كان له ست سنين بمقتضى الصحيحة الثانية له الواردة في موت ابن لابي جعفر (ع) حيث ورد فيها: " أما انه لم يكن يصلى على مثل هذا وكان ابن ثلاث سنين كان علي (ع) يأمر به فيدفن ولا يصلى عليه ولكن الناس صنعوا شيئا فنحن نصنع مثله " قال: قلت: فمتى تجب عليه الصلاة فقال: " إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين " (2). فان قوله: " وكان ابن ست سنين " اما عطف تفسير وبيان للجملة السابقة عليه إذا قلنا إن عقل الصلاة لا يتحقق إلا في ست سنين، وأما تقييد لاطلاقها - إذا عقل الصلاة حيث يمكن تحققه


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب صلاة الجنازة ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب صلاة الجنازة ح 3.

[ 19 ]

قبل الست وفي الست - فنقيده بما إذا كان عقلها وهو ابن ست سنين لا قبلها، كما انه بذلك نقيد اطلاق الصحيحة الاولى. واحتمال أن قوله في الصحيحة الثانية (فمتى تجب الصلاة عليه) معناه: متى تجب على نفس الصبي الصلاة وليس معناه السؤال عن الزمان الذي تجب فيه الصلاة على جنازته. ساقط لان كلمة الفاء في قوله (فمتى) كالصريح في أن السؤال انما هو عن الزمان الذي تجب فيه الصلاة على جنازته وذلك لانه (عليه السلام) قبل ذلك نفى وجوبها على الطفل الذي له ثلاث سنين فسأله الراوي تفريعا على ذلك - عن الزمان الذي تجب فيه الصلاة على جنازة الطفل فأجاب (ع): " إذا عقل... ". وهناك صحيحة ثالثة رواها محمد بن مسلم: في الصبي متى يصلى عليه؟ قال: " إذا عقل الصلاة " قلت: متى يعقل الصلاة وتجب عليه؟ قال: لست سنين (1). وكذا في الحدائق. وعليه فهي صريحة في ما ادعاه المشهور في المقام وتدل على أن عقل الصلاة يلازم ست سنين. إلا أنها في الوسائل والتهذيب رويت من دون لفظة (عليه) هكذا: (متى يصلى قال: إذا عقل...) وعليه فالصحيحة خارجة عن محل الكلام والظاهر أن الاشتباه من صاحب (الحدائق) (قده) فان التهذيب والوسائل خاليان عن لفظة (عليه) بل لو كانت الرواية كما ينقلها في الحدائق لوجب أن يذكرها صاحب الوسائل في باب الصلاة على الموتى الاطفال ولم يكن


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب اعداد الفرائض ح 2.

[ 20 ]

مناسبا نقلها في باب استحباب أمر الصبيان بالصلاة. وكيف كان: فالصحيحة غير صريحة في مدعى المشهور إلا أنها مع ذلك تدل على الملازمة بين عقل الصبي وست سنين. ويمكن ان يقيد بها الصحيحة المتقدمة. كما انه بذلك يظهر المراد مما ورد في صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: سألته عن الصبي أيصلى عليه إذا مات وهو ابن خمس سنين قال: " إذا عقل الصلاة فصل عليه " (1). فان معناها - على ما ذكرناه - أن الصلاة على الطفل الميت انما تجب إذا عقل الصلاة بان يتم له ست سنين وحيث ان الطفل الذي له خمس سنين لم يعقل الصلاة فلا تجب الصلاة على جنازته - هذا كله فيما سلكه المشهور. وأما ما ذهب إليه ابن الجنيد فتدل عليه جملة من الاخبار (2) المعتبرة الدالة على الامر بالصلاة على الطفل إذا تولد حيا. إلا أنها معارضة بالاخبار المتقدمة الدالة على انها انما تجب فيما إذا بلغ ست سنين وما ورد في أن الصلاة لا تجب على الطفل وانما صنعه الامام (ع) مراعاة لما صنعه الناس أو كراهية أن يقولوا ان الشيعة أو بني هاشم لا يصلون على أطفالهم. وإلا فان النبي صلى الله عليه وآله لم يصل على ولده حين مات وعلي (ع) لم يكن صلى على الطفل، فما ذهب إليه ابن الجنيد مما لا دليل عليه. فان الاخبار الدالة على ما ذهب إليه لابد من حملها على الاستحباب


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب صلاة الجنازة ح 4. (3) راجع الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب صلاة الجنازة.

[ 21 ]

جمعا بينها وبين ما تقدم من الاخبار الدالة على أن وجوب الصلاة على الطفل منوط بما إذا عقل الصلاة حال حياته. أو أن تحمل على التقية لدلالة جملة من الاخبار المشار إليها على أن الامام (ع) صلى على ولده تقية ولئلا يقول الناس أنهم لا يصلون على أطفالهم (1). نعم في الرواية قدامة بن زائدة قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على ابنه إبراهيم فكبر عليه خمسا " (2). وهي معارضة لما دل على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يصل على ولده (3) وما تقدم من أن عليا (ع) لم يكن يصلي على الطفل الذي لم يبلغ ست سنين (4). وتوقف في الحدائق في التوفيق بينهما نظرا إلى أن الرواية لا يمكن حملها على التقية لاشتمالها على أن النبي صلى الله عليه وآله كبر عليه خمسا والعامة لا تقول به. إلا أن الصحيح عدم صلاحيتها لمعارضة الاخبار الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يصل على ولده وأن عليا (عليه السلام) لم


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب الصلاة الجنازة ح 3 وباب 15 منه ح 1، 4، 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب صلاة الجنازة ح 6. (3) الوسائل: ج 2 باب 15 من ابواب صلاة الجنازة ح 2. (4) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب صلاة الجنازة ح 3 وباب 15 منه ح 1.

[ 22 ]

يصل على الطفل. وذلك لضعفها بقدامة بن زائدة. فهل الاخبار الدالة على أن الطفل إذا ولد حيا نجب الصلاة على جنازته محمولة على الاستحباب أو على التقية؟ ذهب في الحدائق إلى الثاني نظرا إلى أن ما دل على انه (ع) انما صلى على ولده لئلا يقول الناس انهم لا يصلون على أطفالهم صريحة في التقية، إلا أن الظاهر انها محمولة على الاستحباب ولا ينافي ذلك صدور الصلاة عنه تقية لان غاية ما هناك أن تكون الصلاة على التولد حيا مستحبة بالعنوان الثانوي لانه - كما ذكره المحقق الهمداني (قده) - لا مانع من أن يكون شئ محكوما بحكم بعنوانه الاولي ويكون محكوما بحكم آخر بملاحظة العنوان الثانوي. ومعه لا مانع من أن تكون الصلاة على الطفل مستحبة ويكون الداعي إلى تشريع هذا الحكم وجعله ملاحظة ما يصنعه الناس لثلا تشنع على الشيعة بأنهم لا يصلون على اطفالهم. هذا كله فيما ذهب إليه ابن الجنيد. ما ذهب إليه ابن أبي عقيل: واما ما ذهب إليه ابن أبي عقيل ومال إليه الكاشاني (قدهما) من عدم وجوب الصلاة على الطفل قبل بلوغ فلم يقم دليل عليه. وليس مستنده رواية هشام التي ورد فيها: " انما يجب أن يصلى

[ 23 ]

على من وجبت عليه الصلاة والحدود ولا يصلى على من لم تجب عليه الصلاة ولا الحدود " (1). لان في سندها حسين الحرسوسي أو (الجرجوسي) كما في الوسائل أو الحسين المرجوس كما في التهذيب وهو مهمل لم يتعرضوا لحاله في الرجال فالرواية غير قابلة للاعتماد عليها، وانما مستنده رواية عمار عن أبي عبد الله (ع): سئل عن المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلى عليه؟ قال: " لا انما الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليهما القلم " (2) وقوله: " إذا جرى.. " اما توضيح للرجل والمرأة وتفسير لهما، واما بمعنى أن لا يكونا مجنونين والثاني غير محتمل لوجوب صلاة الميت على المجنون ايضا. وقد عبر عنهما في الحدائق بالموثقة والامر كما افاده بناءا على نسخة التهذيب وكذلك في الوافي لانها رويت فيهما عن محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسين عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار وطريق الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى صحيح كما أن الرواة موثقون. ولكنها في الوسائل المطبوع قديما وحديثا مروية عن (احمد عن محمد بن يحيى) وعليه تكون الرواية ضعيفة لان طريق الشيخ إلى (احمد بن محمد بن يحيى) ضعيف كما انه هو بنفسه غير موثق. والمظنون هو ما في نسخة التهذيب لكنه مجرد ظن لا اعتبار به لتردد النسخة بين الامرين ومعه لا يمكن الاعتماد على الرواية بوجه. تتمة: ذكرنا ان رواية عمار قد نقلت في الطبعة الاخيرة وطبعة


(1) راجع الوسائل: باب 14 من أبواب صلاة الجنائز ح 5. (2) راجع الوسائل: باب 15 من أبواب صلاة الجنائز ح 3.

[ 24 ]

عين الدولة عن الوسائل عن (أحمد بن محمد بن يحيى) عن احمد ابن الحسن وفي التهذيب والوافي عن (محمد بن احمد بن يحيى) وبنينا على أن النسخة متعددة فلا يمكن الحكم باعتبار الرواية. إلا انه بعد المراجعة إلى ترجمة رجال السند ظهر أن الصحيح هو ما في التهذيب والوافي دون ما في الوسائل وذلك لان (احمد بن محمد بن يحيى) لا يمكنه الرواية عن (احمد بن الحسن بن علي) وذلك لان الحسن توفي سنة مائتين وستين وروى ابن أبي الجيد عن أحمد بن محمد بن يحيى في سنة خمسة وخمسين وثلاث مأة، والفاضل بين التاريخين خمسة وتسعين سنة ولابد أن يكون أحمد حينما يروي عن ابن أبي الجيد قابلا للرواية عنه ولنفرض ان عمره وحينئذ خمسة عشر سنة فإذا اضيف ذلك إلى خمسة وتسعين يكون المجموع مأة وعشر سنوات ولازمه أن يكون احمد بن محمد بن يحيى من المعمرين. وهذا ليس معروفا في ترجمته فلا يمكن أن يروي عن أحمد بن الحسن بن علي فالنسخة مغلوطة، والصحيح ما في الوافي والتهذيب. ويؤيده ما حكي عن نسختين من الوسائل المطبوعة وبعض النسخ الخطية منها من موافقتها لما في التهذيب والوافي، وعليه فالرواية موثقة، وتكون نسخة الوسائل في طبع عين الدولة والطبعة الاخيرة مغلوطة، هذا كله بحسب السند. واما بحسب الدلالة فايضا للمناقشة فيها مجال لان ظاهر السؤال فيها هو السؤال عن اصل جواز الصلاة على المولود ومشروعيتها. والامام (ع) اجابه بقوله (لا) حيث نفى مشروعية الصلاة على

[ 25 ]

الطفل قبل البلوغ، وقوله (انما الصلاة على الرجل والمرأة) شاهد عليه لانه لم يقل (انما يجب أو يستحب عليهما) وانما أثبت عليهما اصل الصلاة ودل على نفيه عن غيرهما، وعليه فيعارض هذه الموثقة جميع الاخبار المتقدمة البالغة حد التواتر والدالة على مشروعية الصلاة على الطفل قبل البلوغ وجوبا أو استحبابا، ولا وجه لحمل الرواية على نفي الوجوب بعد ظهورها في نفي الجواز والمشروعية ومعه لابد من رد علم الرواية على أهلها. فما ذهب إليه ابن ابي عقيل ومال إليه المحدث الكاشاني وزعمه جمعا بين الاخبار وان الصلاة إذا كانت واجبة على الطفل تجب وإذا كانت مستحبة استحبت وإذا لم تشرع - كما هو قبل بلوغه ست سنين - لم تشرع، مما لا اساس له، وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح. ما حكي عن العلامة (قده): واما ما حكى عن العلامة (قده) من حمل الموثقة على بلوغ ست سنين بدعوى أن الصبي حينئذ يجري عليه القلم وكذلك الصبية لانه أعم من قلم الوجوب والاستحباب والصبي والصبية تستحب الصلاة عليهما عند بلوغهما ست سنين. ففيه: انه ليس جمعا بين الروايات فان المذكور في صدر الموثقة أن الصلاة انما تجب على الرجل والمرأة، ولا يصدق هذان العنوانان على من بلغ ست سنين فطرح الرواية أولى من حملها على ما ذكره (قدس سره).

[ 26 ]

[ نعم تستحب على من كان عمره أقل من ست سنين وان كان مات حين تولده بشرط أن يتولد حيا وان تولد ميتا فلا تستحب أيضا (1). ويلحق بالمسلم في وجوب الصلاة عليه من وجد ميتا في بلاد المسلمين، وكذا لقيط دار الاسلام بل دار الكفر إذا وجد فيها مسلم يحتمل كونه منه (2). ] فالمتحصل أن الرواية موثقة سندا وغير قابلة للتصديق دلالة لكونها معارضة مع أخبار بلغت حد التواتر فلا بد من رد علمها إلى أهلها. لا يصلى على المولود ميتا: (1) لصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " لا يصلى على المنفوس وهو المولود الذي لم يستهل ولم يصح ولم يورث من الدية ولا من غيرها، وإذا استهل فصل عليه وورثه " (1) حيث دلت على الملازمة بين توارثه ووجوب الصلاة عليه فلا تشرع الصلاة على المولود الذي لم يستهل. (2) والوجه في ذلك أن التقابل بين الاسلام والكفر تقابل العدم والملكة فيعتبر في الكفر الاتصاف بعدم الاسلام وليس مطلق عدم


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 14 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 27 ]

[ (مسألة 1): يشترط في صحة الصلاة أن يكون المصلي مؤمنا (1) وأن يكون مأذونا من الولي على التفصيل الذي ] الاسلام وعدم الاعتقاد بالله والنبوة والمعاد كفرا نظير البصر والعمى وليس التقابل بينهما تقابل السلب والايجاب ليحكم بكفر من لم يتصف بالاسلام وان لم يتصف بالكفر فمن لم يتصف بالكفر وليس فيه اعتقاد بالمبادئ الكافرة وان لم يكن مسلما لكن لا يصدق عليه الكافر أيضا، ومع الشك في الاتصاف بعدم الاسلام يجري استصحاب عدم الاتصاف به لانه أمر وجودي مسبوق بالعدم فيحكم بعدم كونه كافرا فيشمله اطلاق ما دل على وجوب تغسيل الموتى والصلاة عليهم وانما خرج عن اطلاقه الكافر والمفروض عدم كونه كافرا بالاستصحاب كما تقدم في التغسيل وغيره. اشتراط الايمان في المصلي: (1) للاخبار الدالة على عدم مقبولية عمل غير المؤمن (1) فانها كما تدل على عدم كفاية عمل المخالف في مقام الامتثال، كذلك تقتضي عدم كفايته في الاجزاء فلا يجزي عمله عن المكلفين، وفي بعضها ان الله سبحانه شانع أو يشنع عمل المخالف أي يبغضه فلا يقع مقبولا امتثالا واجزاءا.


(1) راجع الوسائل: الجزء 1 باب 29 من أبواب مقدمة العبادات وغيرها.

[ 28 ]

[ مر سابقا فلا تصح من غير اذنه (1) جماعة كانت أو فرادى. (مسألة 2): الاقوى صحة صلاة الصبي المميز لكن في إجزائها عن المكلفين البالغين اشكال (2). (مسألة 3): يشترط أن تكون بعد الغسل والتكفين (3) ] (1) تقدم تفصيل الكلام في الاستجازة من الولي في باب الولاية في بحوث غسل الاموات فراجع. الاستشكال في اجزاء صلاة الصبي: (2) تقدم منه (قده) تقريب كفاية عمل الصبي المميز واجزائه إذا وقع صحيحا إلا أنه استشكل في المقام في اجزائه وهذا هو الصحيح لما قدمناه من أن ما دل على مشروعية عبادات الصبي لا يدل على كونها مجزئة عن المكلفين بل مقتضى اطلاق الدليل وجوبها عليهم أتى بها الصبي أم لم يأت بها، وعلى تقدير عدم الاطلاق في البين فمقتضى قاعدة الاشتغال عدم جواز الاكتفاء بعمل الصبي. لزوم كون الصلاة بعد التكفين: (3) أما كون التكفين بعد الغسل فقد تقدم الكلام فيه في بحث

[ 29 ]

التكفين وذكرنا أن التغسيل مقدم على التكفين. واما كون الصلاة بعد التكفين وقبل الدفن فلان الاخبار الواردة في الشهيد من انه إذا ادركه المسلمون وبه رمق غسل وكفن وصلي عليه ويدفن " (1) وهكذا ما ورد في اكيل السبع ونحوه من أنه " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن " (2) وان لم تكن لها دلالة على كون الصلاة مترتبة على الكفن وترتب الدفن على الصلاة لانه انما عطف بالواو وهي لا تدل على الترتيب. إلا أن الامام (ع) في تلك الاخبار كان في مقام البيان وقد ذكر في جميعها الكفن عقيب الغسل، والصلاة عقيب الكفن وذكر الدفن في الاخير وهذا يدلنا على كونها امورا مترتبة إذ لولاه لذكر الصلاة مثلا متقدمة على الكفن في بعضها، هذا. على أنا استفدنا من الاخبار أن الدفن آخر ما يجب من الافعال في التجهيز - كما يأتي بيانه - كما انا استفدنا أن الكفن متاخر عن الدفن وأنه قبل الصلاة، ونتيجة ذلك العلم بأن الصلاة انما هي بعد الكفن وقبل الدفن فلا تجوز الصلاة بعد الدفن الا في مورد نسيانها قبل الدفن. ويدل على ذلك ارتكاز تقدم الصلاة على الدفن وعقيب التكفين في اذهان المتشرعة لما ورد في موثقة عمار بن موسى قال: قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر وهم عرلة


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 14 من أبواب غسل الميت. (2) راجع الوسائل: الجزء 2 باب 38 من أبواب صلاة الجنازة ح 1 و 5.

[ 30 ]

وليس عليهم إلا إزار كيف يصلون عليه وهو عريان وليس معهم فضل ثوب يكفنونه (به)؟ قال: " يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته فيستر عورته باللبن وبالحجر ثم يصلى عليه ثم يدفن " قلت: فلا يصلى عليه إذا دفن؟ فقال: " لا يصلى على الميت بعدما يدفن ولا يصلى عليه حتى نوارى عورته " (1). فانها مضافا إلى دلالتها على كون الصلاة قبل الدفن تدلنا على أن الصلاة بعد التكفين أمر مرتكز عند المتشرعة والامام عليه السلام قررهم على هذا الارتكاز. إذ لولا ذلك لم يكن وجه للسؤال عن كيفية الصلاة على الميت في الرواية بوجه فان الصلاة عليه كالصلاة على غيره من الاموات ولا ميز بينه وبين غيره إلا في أنه غير مكفن فسألوا عن انه كيف يصلى عليه وهو غير مكفن. و (احتمال) أن يكون السؤال من جهة كونه مكشوف العورة فيقع نظرهم إليه ومن ثمة سألوا عن كيفية الصلاة عليه. (مندفع): بانه يمكن أن يصلى عليه مع غض البصر وعدم النظر إلى عورته أو بجعل لبن عليها خارج القبر فلا يكون هذا منشأ للسؤال. ثم إن مما ينبغي التنبيه عليه أن الرواية نقلها الشيخ مرتين فتارة: باسناده عن ابن أبي نصر البزنطي عن هارون بن مسلم واخرى: عن البزنطي عن مروان بن مسلم وكذلك في الوسائل، والرجلان كلاهما موثقان إلا ان واقع الامر أن المروي عنه هو مروان بن مسلم


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 36 من أبواب الصلاة الجنازة ح 1.

[ 31 ]

[ فلا تجزئ قبلهما (1) ولو في اثناء التكفين عمدا كان أو جهلا أو سهوا. ] لا هارون وذلك. أولا: لبعد أن ينقل البزنطي رواية واحدة بعين الفاظها من شخصين. وثانيا: إن هارونا من أصحاب العسكري (ع) والبزنطي من أصحاب الرضا (ع) فكيف يمكنه الرواية عن هارون؟ فيتعين أن يكون المروي عنه هو مروان. ومما يشهد على ما ذكرناه ان هارون لم يذكر كونه روايا عن البزنطي إلا أن ابن فضال يروي عن البزنطي من دون شبهة وابن فضال ومروان في طبقة واحدة لان الفاصل بين موتيهما بضع شهور - أي اقل من سنة - فيمكن أن يروي مروان عن البزنطي أيضا. ويؤكده أن الكليني رواها باسناده عن مروان لا هارون. والذي يسهل الخطب ان الرواية بهذا الطريق - صح أم لم يصح يغنينها عنها روايتها بطريق الصدوق حيث رواها باسنادها عن عمار ابن موسي من دون توسط هارون أو مروان، وطريقه إلى عمار معتبر عدم اجزاء الصلاة قبل التكفين: (1) تقدم أن الصلاة يعتبر وقوعها عقيب التكفين فلو فرضنا أنه

[ 32 ]

قدم الصلاة على التكفين جهلا أو نسيانا أو أتى بها في اثناء التكفين فهل تجب اعادتها بعد التكفين أو لا تجب بل يكفي ما أتى به جهلا أو نسيانا. الصحيح وجوب الاعادة بعد التكفين. وذلك أما في صورة الجهل سواء كان في الشبهات الموضوعية أو الحكمية فلان الحكم الواقعي في موارد الجهل باق بحاله وما أتى به انما كان مأمورا به بالامر الظاهري وقد تقدم مرارا أن الاحكام الظاهرية غير مجزئة عن الاحكام الواقعية فلابد من اعادة الصلاة بعد التكفين. واما حديث " لا تعاد " فهو مختص بصلاة ذات ركوع وذات سجود ولا تأتي فيما لا ركوع ولا سجود فيه وأما في موارد النسيان فقد يقال بعدم وجوب الاعادة بعد التكفين نظرا إلى أن التكليف يرتفع في موارد النسيان واقعا لاستحالة تكليف الناسي والغافل حين نسيانه وبعدما ارتفع عنه الامر بالصلاة واقعا حال نسيانه يحتاج عوده بعد الارتفاع وبعد التكفين إلى دليل عليه بل مقتضى حديث رفع النسيان عدم وجوب الاعادة في المقام. ويرد عليه: أن الناسي وان لم يمكن تكليفه حال نسيانه إلا أنه في المقام لا يقتضي رفع الحكم الواقعي لنحتاج في عوده إلى دليل وذلك لان ما تعلق به التكليف لم يتعلق النسيان به وما تعلق به النسيان لم يتعلق التكليف به. والسر في ذلك: ان المكلف به هو الطبيعي الجامع بين الافراد الطولية والعرضية بين التكفين والدفن وهذا مما لم يتعلق به النسيان

[ 33 ]

ليتوجه المكلف إلى وجوبه وانما تعلق النسيان بالفرد، وما أتى به قبل التكفين والفرد لم يتعلق به التكليف بوجه، ومعه إذا التفت بعد التكفين إلى أنه قد صلى قبله فمقتضى إطلاق مادل على وجوب الصلاة على الميت بعد التكفين يقتضي وجوب الاعادة لا محالة. وهذا نظير ما لو غفل المكلف عن وجوب صلاة الظهر في ساعة فانه لا يمكن أن يقال التكليف بصلاة الظهر قد أرتفع عن المكلف بنسيانه وبعد تلك الساعة لو التفت لم تجب عليه الصلاة إذ لا دليل على عود التكليف بعد الارتفاع. ولا وجه له سوى أن ما تعلق به النسيان ليس إلا فردا من أفراد الصلاة وهو ليس بمتعلق التكليف ليرتفع بنسيانه وانما المتعلق هو الجامع بين أفرادها الطولية والعرضية وهو مما لم يتعلق النسيان به. ومن هنا قلنا ان مقتضى القاعدة الاولية وجوب الاعادة عند نسيان جزء أو شرط من الصلاة لان ما تعلق به النسيان غير مأمور به والمأمور به هو الطبيعي الجامع بين افرادها الطولية والعرضية بين المبدء والمنتهى كالزوال والمغرب مثلا فإذا التفت إلى الحال بعد ذلك الفرد وجبت عليه الاعادة والاتيان بالطبيعي المأمور به بجميع ما يعتبر فيه من القيود والاجزاء. نعم لا نلتزم في تلك الموارد بوجوب الاعادة بمقتضى حديث " لا تعاد " وان كانت القاعدة الاولية مقتضية للاعادة، ومعه لا نحتاج في المقام إلى إقامة الدليل على عود التكليف بصلاة الميت بعد الارتفاع لان التكليف باق بحاله ولم يرتفع ليحتاج إلى العود.

[ 34 ]

[ نعم لو تعذر الغسل والتيمم أو التكفين أو كلاهما لا تسقط الصلاة (1). فان كان مستور العورة فيصلى عليه (2) ] عدم سقوط الصلاة بتعذر ما قبلها (1) وذلك لعدم كون الصلاة مقيدة بالغسل والتكفين حتى في حال الاضطرار وانما هي مقيدة بهما عند الاختيار ولا يستفاد ذلك من شئ حتى ما ورد في الشهيد وأكيل السبع (1) ونحوهما من انهما يغسلان ويكفنان ويصلى عليهما فيدفنان. لان الامر بالصلاة بعد التغسيل والتكفين انما هو عند التمكن من الغسل والكفن، وأما عند عدم التمكن منهما وسقوط الامر بهما فالامر باق بحاله. ويدلنا على ذلك نفس الموثقة المتقدمة حيث دلت على وجوب الصلاة على الميت وان لم يجب تكفينه لعدم التمكن منه كما يجب دفنه وذلك للقطع بأن بدن الميت لا يجوز أن يبقي في الخارج لتأكله السباع ولا يدفن لانه لا كفن له أو لم يمكن تكفينه فتدلنا على أن كل واحد من تلك الامور واجب مستقبل في نفسه وانما يتقيد بسابقه فيما إذا كان السابق ممكنا لا عند تعذره. ما هو الوظيفة عند تعذر التكفين (2) إذا فرضنا أن الميت لم يمكن تكفينه لعدم التمكن من الكفن


(1) تقدمت في مسألة 3 - فليراجع.

[ 35 ]

[ وإلا يوضع في القبر فيغطى عورته بشئ من التراب أو غيره ويصلى عليه، ووضعه في القبر على نحو وضعه خارجه للصلاة (1) ثم بعد الصلاة يوضع على كيفية الدفن. ] فان كان مستور العورة في نفسه فيصلى عليه خارج القبر كالصلاة على غيره من الاموات. واما إذا كان مكشوف العورة فمقتضى الموثقة المتقدمة (1) انه يجب وضعه في الحفيرة وستر عورته بلبن وتراب ويصلى عليه وهو في قبره. وهل يجوز أن يستر عورته باللبن والتراب خارج الحفيرة ويصلى عليه فيما إذا كان مكشوف العورة في نفسه؟ ذهب بعضهم إلى الجواز والصحيح عدمه وذلك لاختصاص النص بما إذا وضع الحفيرة وكأنه نوع تجليل الميت لئلا يكون بدنه خارج القبر عاريا حال الصلاة عليه. (1) بمعنى انه تجب مراعاة شروط الصلاة في حقه لاطلاق ادلتها لكونه مستلقيا ورجلاه إلى الشمال ونحوهما، ولا نظر للموثقة إلى عدم وجوبها حينئذ وانما نظرها إلى أن الميت يستر عورته بشئ ويصلى عليه في قبره.


(1) تقدمت في اواخر المسألة الثالثة.

[ 36 ]

[ (مسألة 4): إذا لم يمكن الدفن لا يسقط سائر الواجبات (1) من الغسل والتكفين والصلاة. والحاصل كلما يتعذر يسقط وكلما يمكن يثبت فلو وجد في الفلاة ميت ولم يمكن غسله ولا تكفينه ولا دفنه يصلى عليه ويخلى وان امكن دفنه يدفن. ] عدم سقوط سائر الواجبات بتعذر الدفن (1) قد عرفت فيما سبق أن الصلاة متأخرة عن الكفن، وأما بالاضافة إلى الدفن فلا شبهة في انه لا تجوز بعد الدفن لموثقة عمار المتقدمة المصرحة بأن الصلاة غير جائزة بعد الدفن وفي بعض الاخبار انه لو كان جائزا جاز في حق النبي صلى الله عليه وآله (1). ثم انه إذا لم يمكن الدفن لعذر فهل تجب الصلاة والتكفين أو لا يجب؟. ذكر الماتن (قده) انها تجب ولا تسقط سائر الواجبات وذلك لان الدفن يجب وقوعه بعد الصلاة والتكفين للتسالم وللاخبار المشتملة على ذكر الدفن عقيبها وان لم يذكر مترتبا حتى في الموثقة المتقدمة حيث دلت على أن " الميت لا يصلى عليه بعد ما يدفن " فالدفن هو


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 36 من أبواب صلاة الجنازة ح 2.

[ 37 ]

[ (مسألة 5): يجوز أن يصلي على الميت أشخاص متعددون فرادى في زمان واحد (1) وكذا يجوز تعدد الجماعة وينوي كل منهم الوجوب ما لم يفرغ منها أحد، وإلا نوى بالبقية الاستحباب، ولكن لا يلزم قصد الوجوب والاستحباب، بل يكفي قصد القربة مطلقا. ] الذي يقع بعد الصلاة. وأما ان الصلاة مشروطة بأن تقع قبل الدفن ليترتب عليه عدم وجوبها إذا لم يقع الدفن بعدها فهو مما لا يمكن استفادته من الاخبار، وعليه فكل واحد من التجهيزات واجب مستقل في نفسه لا يسقط (أحدها) بتعذر الآخر لاطلاق ادلته بلا حاجة في ايجاب المقدور منها إلى التشبث بقاعدة الميسور. هل يصلي اشخاص متعددون على الميت؟ (1) بنى الماتن (قده) على الجواز لوجوب الصلاة على كل واحد من المكلفين كفاية قبل اتيان احد منهم واتمامها وينوي كل منهم الوجوب ما لم يفرغ منها احد. وتفصيل الكلام في ذلك ان للمسألة صورا ثلاثة: " الاولى " ما إذا علم الثاني - فرادى أو جماعة - أن الاول لا يتم صلاته قبل اتمامه بل هذا يتمها قبل ان يتم الاول.

[ 38 ]

[ (مسألة 6): قد مر - سابقا - أنه إذا وجد بعض الميت (1) ] ولا اشكال في هذه الصورة في أن الثاني يجوز أن ينوي الوجوب لبقاء الوجوب الكفائي وعدم سقوطه قبل اتمامه الصلاة لانه يتمها قبل أن يتمها الاول وانما السقوط يستند إلى فعل الثاني فله ان ينوي الوجوب من الابتداء. " الثانية ": ما إذا علم الثاني أن الاول يتم صلاته قبل أن يتمها هو، أو علم أن ثالثا يشرع في الصلاة ويتمها قبله. ولا يجوز له حينئذ أن ينوي الوجوب من الابتداء لان الواجب الكفائي يسقط عن وجوبه في اثناء صلاته فلا تقع الاجزاء البعدية على صفة الوجوب وحيث ان الواجب ارتباطي فمع عدم كون بعض الاجزاء واجبا لا يمكنه نية الوجوب من الابتداء. " الثالثة ": ما إذا شك في أن الاول يتمها قبله أو أنه يتمها قبل الاول. ويجوز فيها ان يأتي بها بنية الوجوب لاستصحاب عدم تحقق المسقط قبل فراغه من الصلاة، ومما بيناه يظهر أن ما أفاده الماتن من نية كل منهم الوجوب ما لم يفرغ منها أحد وإلا نوى بالبقية الاستحباب مما لا يمكن المساعدة عليه. إذا وجد بعض الميت: (1) قد اسلفنا أن الصلاة على اعضاء الميت غير واجبة إلا أن

[ 39 ]

[ فان كان مشتملا على الصدر أو كان الصدر وحده بل أو كان بعض الصدر المشتمل على القلب أو كان عظم الصدر بلا لحم وجب الصلاة عليه وإلا فلا. نعم الاحوط الصلاة على العضو التام من الميت وان كان عظما كاليد والرجل ونحوهما وان كان الاقوى خلافه وعلى هذا فان وجد عضوا تاما وصلى عليه ثم وجد آخر فالظاهر الاحتياط بالصلاة عليه (1) أيضا إن كان غير الصدر أو بعضه مع القلب وإلا وجب. (مسألة 7): يجب أن تكون الصلاة قبل الدفن (2). يكون صدرا مشتملا على القلب على تفصيل قد تقدم. ] (1) إذا بنينا على وجوب الصلاة على كل عضو تام فتوى أو احتياطا لابد من إعادتها إذا صلى على عضو أو اعضاء ثم وجد آخر لانه موضوع جديد. نعم إذا كانت هناك اعضاء مجتمعة كفت الصلاة عليها مرة واحدة، وأما إذا صلى ثم وجد عضوا آخر فلا مناص من اعادة الصلاة عليه إن فتوى ففتوى وان احتياطا فاحتياطا. الصلاة يعتبر ان تكون قبل الدفن: (3) لما تقدم من موثقة عمار وغيرها مما دل على أن الميت

[ 40 ]

[ (مسألة 8): إذا تعدد الاولياء في مرتبة واحدة وجب الاستئذان من الجميع على الاحوط (1) ويجوز لكل منهم الصلاة من غير الاستئذان من الآخرين (2). ] يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن على التقريب المتقدم ولكن لا بمعنى أن الصلاة يشترط فيها كونها قبل الدفن بحيث لو لم يمكن الدفن في مورد لم تجب الصلاة على الميت بل بمعنى أن الصلاة لا يجوز تأخيرها عن الدفن كما مر. إذا تعدد الاولياء: (1) أما اصل ثبوت الولاية فقد تكلمنا فيه مفصلا في بحث الاولياء في فروع غسل الميت وقد تقدم منه (قده) هناك الفتوى بوجوب الاستئذان من الجميع عند التعدد. وفي للقام ذكره على نحو الاحتياط وهما كلامان متهافتان. والاستئذان من الجميع هو الصحيح لما دل على أن اولاهم بميراثه اولاهم بالصلاة عليه، ومن الظاهر أن الولدين - مثلا - كلاهما اولى بميراثه فالولاية ثانية للمجموع لا لكل واحد واحد فلا مناص من الاستئذان من كليهما. (2) ذكره " قده " أنه يجوز - إذا تعدد الاولياء - لكل منهم أن يصلي على الميت بدون استيذان من الآخر.

[ 41 ]

[ بل يجوز أن يقتدى بكل واحد منهم مع فرض اهليتهم جماعة (1). ] ولعل نظره (قده) من ذلك إلى أن ما دل على أن الولي متقدم على غيره كقوله (اولاهم بميراثه اولاهم بالصلاة عليه) (1) ناظر إلى غير الولي وأن الولي مقدم واولى من غير الولي واولى بالصلاة عليه. واما بالاضافة إلى نفس الاولياء فلا نظر له بوجه فلا يدل على أن أيا منهم مقدم على غيره وأيا منهم متأخر، نظير قوله تعالى " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (2) حيث انه ينظر إلى غير أولي الارحام ويدل على انهم يرثون من الميت دون غيرهم، وأما أن أيا منهم يرث أو لا يرث فلا يستفاد منها بوجه. إذن لم يستفد من ادلة الولاية تقدم بعض الاولياء على بعض آخر وتوقف صلاة بعضهم على اذن الآخر. و (فيه): ما تقدم من أن الولاية قد ثبتت للمجموع فلا بد اما أن يصلي للمجموع على الميت أو يصلي واحد باذن المجموع فأحد الاولياء لا يمكنه الصلاة على الميت بدون استئذان المجموع الباقي. (1) إذا بنينا على جواز صلاة كل واحد من الاولياء بدون استئذان الآخرين فهل يصلح لثالث اجنبي أن يقتدي به أو لا يصح؟ ذكر (قده) جوازه وهو الصحيح وذلك لان اقتداء الاجنبي له


(1) راجع الوسائل: الجزء 2 باب 23 من أبواب صلاة الجنازة. (2) الانفال: 8: 75.

[ 42 ]

[ (مسألة 9:) إذا كان الولي امرأة يجوز لها المباشرة (1). ] مؤكد للولاية لا انه مزاحم ومعارض لها وذلك لان صلاة الميت حينئذ ليست صلاة مستقلة حتى يتوهم كونها معارضة لولاية الولي وانما هي صلاة تبعية متابعة لصلاة الولي التي بنينا على جوازها من دون استيذان الآخرين فلا وجه لعدم جوازها. إذا كانت المرأة وليا: (1) لانه مقتضى اطلاقات الاخبار الدالة على أن الميت يغسل ويكفن ويصلى عليه فيدفن فلا تشترط المماثلة إلا في التغسيل مضافا إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قلت: المرأة تؤم النساء؟ قال: " لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد اولى منها ".. " (1). ومقتضى الشرطية في الصحيحة انه إذا كان هناك من هو أولى منها لا يجوز لها الصلاة على الميت وهو كذلك إذ لا يجوز الصلاة لغير الولي مع وجود الولي، اللهم إلا أن يأذن الولي لها. وعدم جواز صلاتها على الميت حتى مع الاذن منه مما لا يمكن استفادته من الصحيحة فكما ان الرجل يمكنه الصلاة على المرأة كذلك المرأة يمكنها أن تصلي على الرجل.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 25 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 43 ]

[ من غير فرق بين أن يكون الميت رجلا أو امرأة ويجوز لها الاذن للغير كالرجل من غير فرق. (مسألة 10): إذا اوصى الميت بأن يصلي عليه شخص معين فالظاهر وجوب اذن الولي له (1) والاحوط له الاستئذان من الولي ولا يسقط اعتبار اذنه لسبب الوصية وان قلنا بنفوذها ووجوب العمل بها. ] إذا عين الميت من يصلى عليه (1) يقع الكلام في هذه المسألة من جهات: " الاولى ": في أصل نفوذ الوصية: وقد تقدم في مبحث اولياء الميت أن الميت اولى بنفسه من غيره وانما جعل الولي وليا مراعاة لحق الميت فلا مانع من وصيته في تلك الامور. فلا يتوهم انما من وظائف الاحياء ولا تنفذ الوصية فيما هو راجع إلى غيره لما عرفت من كونها حقوقا راجعة إلى الميت، والميت اولى بنفسه من غيره. " الثانية ": هل يمكن الولي منع الموصى له بالصلاة على الميت عن ذلك؟ الصحيح: لا، لانه من فروع نفوذ الوصية فانها مع نفوذها لا يمكن لغيره المنع عنها لعدم جواز تبديل الوصية وتغييرها " فمن

[ 44 ]

بدله بعدما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه ". " الثالثة ": هل يجب على من اوصى الميت إليه أن يستأذن من الولي؟ الصحيح عدم الوجوب لان الاستئذان من الولي انما هو فيما يجوز أن يتصدى له الولي في نفسه أو يرخص لغيره، واماما لا يجوز له التصدي له فلا موجب للاستئذان منه في ذلك، نعم لا بأس بالاستئذان منه احتياطا. ثم انه قد يتوهم التنافي بين قول الماتن " والاحوط له الاستئذان من الولي " وبين قوله المتصل به " ولا يسقط اعتبار اذنه بسبب الوصية " فان الاول احتياط ومعناه انه يمكن أن لا يجب الاستئذان من الولي كما اخترناه، والثاني فتوى بوجوب الاستئذان منه وهما لا يجتمعان. ولكنه مندفع بأنا إن قرأناه " ولا يسقط " بالرفع يكون قوله " الاحوط.. " قرينة على أن المراد عدم السقوط احتياطا لا فتوى وإن قرأناه بالنصب بتقدير (أن): وأن لا يسقط، عطفا على الاستئذان فالامر ظاهر لان معناه أن الاحوط أن لا يسقط اعتبار اذنه، فلا مناقضة في الكلام.

[ 45 ]

[ (مسألة 11): يستحب اتيان الصلاة جماعة (1) ] استحباب صلاة الميت جماعة: (1) كما يجوز اتيانها فرادى وذلك للاطلاقات ولان الجماعة لو كانت معتبرة في صلاة الميت كصلاة الجمعة ونحوها لانتشر ذلك وذاع لكثرة الابتلاء بها مع انه لم نقف على قائل بوجوبها. وأما الدليل على مشروعية الجماعة فيها فهو سيرة الائمة والمتشرعة حيث كانوا يصلون على الاموات جماعة وما ورد في غير واحد من الاخبار (1) من أن المأموم إذا ادرك الامام بعد التكبيرة الاولى فعل كذا وكذا. وهل الجماعة مستحبة في صلاة الميت أو انها كالصلاة فرادى؟ لم نقف على رواية تدلنا على استحبابها في المقام ويمكن الاستدلال على استحبابها مضافا إلى الاجماع المدعى على مشروعيتها - بالارتكاز لان الجماعة بعد ما كانت مشروعة فهي مستحبة بالارتكاز عند المتشرعة. نعم: لا يمكن الاستدلال على استحبابها في صلاة الجنائز بما ورد (2) من استحباب الصلاة جماعة وانها كأربعة وعشرين صلاة منفردة أو خمسة وعشرين وفي بعضها انها تعادل ثواب اربعة وعشرين


(1) راجع الوسائل: الجزء 2 باب 17 من أبواب صلاة الجنازة. (2) راجع الوسائل: الجزء 5 باب 1 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 46 ]

[ والاحوط بل الاظهر اعتبار اجتماع شرائط الامامة فيه (1) من البلوغ والعقل والايمان والعدالة ] صلاة فرادى وهي أيضا صلاة واحدة فيكون ثوابها معادلا لثواب أربعة وعشرين صلاة فرادى. وانما لا يمكن الاستدلال بها في المقام لانها وردت في الجماعة في الصلاة ولا صلاة إلا بطهور، وصلاة الميت ليست بصلاة حقيقية لعدم اعتبار الطهور والركوع والسجود فيها. ما يعتبر في صلاة الميت للامام: (1) لا ينبغي الشبهة في اعتبار الايمان في الامام في صلاة الجنائز لان عمل المخالف باطل وغير مقبول ولا معنى للائتمام في العمل الباطل بوجه وان لم يتعرض الماتن (قده) له. واما بقية الشرائط المذكورة فظاهر كلام السيد بحر العلوم في منظومته عدم اعتبار شئ منها في امام صلاة الميت سوى الايمان. إلا ان الصحيح اعتبار البلوغ والعقل وطهارة المولد. أما اعتبار العقل وطهارة المولد فلما ورد من أن خمسا لا يؤمون الناس على كل حال: المجنون وولد الزنا... " (1)، وكأن الثاني لخسته وعدم قابليته للامامة، والائتمام مطلق لا يختص بالامامة في الفرائض والصلوات.


(1) الوسائل: الجزء 5 باب 15 من أبواب صلاة الجماعة ح 3.

[ 47 ]

[ وكونه رجلا للرجال وأن لا يكون ولد زنا. بل الاحوط اجتماع شرائط الجماعة أيضا من عدم الحائل وعدم علو مكان الامام وعدم كونه جالسا مع قيام المأمومين وعدم البعد بين المأمومين والامام وبعضهم مع بعض. ] وأما البلوغ فلان الصبي إن بنينا على عدم مشروعية عباداته فواضح أن الائتمام في العمل الباطل مما لا معنى له. واما إذا بنينا على مشروعيتها - كما هو الصحيح - فأيضا لا يجوز الائتمام به لعدم مشروعية الجماعة في غير الفرائض إلا في موارد خاصة كصلاة الاستسقاء والعيدين بناءا على عدم وجوبها ونحوهما. وصلاة الصبي على الميت نافلة وليست بواجبة وفريضة فلا يجوز الائتمام. بالصبي في صلاة الميت. وأما العدالة فلا تعتبر في امام صلاة الجنائز وذلك لاطلاق ما دل على وجوب صلاة الجنائز وعدم قيام الدليل على اعتبارها في المقام. واما النواهي الواردة (1) عن الصلاة خلف من لا يوثق بدينه فهي جميعها مختصة بالجماعة في الصلاة وقد تقدم أن صلاة الميت ليست بصلاة حقيقة فعدم اشتراط العدالة في صلاة الجنائز من باب التخصص لا التخصيص فيما دل على اعتبار العدالة في الامام. ومن هذا يظهر عدم اعتبار بقية الشرائط المعتبرة في نفس صلاة الجماعة من عدم الحائل وعدم علو الامام عن مكان المأموم زائدا على


(1) راجع الوسائل: الجزء 5 باب 10 و 11 و 12 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 48 ]

[ (مسألة 12): لا يتحمل الامام في الصلاة على الميت شيئا عن المأمومين (1). (مسألة 13): يجوز في الجماعة أن يقصد الامام وكل واحد من المأمومين الوجوب (2) لعدم سقوطه ما لم يتم واحد منهم. ] شبر واحد وعدم كون الفصل بين الامام والمأموم وبعض المأمومين مع بعض آخر زائدا على المقدار المذكور في فروع صلاة الجماعة (وهو متر واحد) لاختصاصها بالجماعة في الصلاة، وصلاة الميت ليست بصلاة حقيقية. (1) لوضوح أن التحمل انما هو في قراءة الفاتحة والسورة وهما مختصتان بالصلاة وغير مطلوبتين في صلاة الجنائز ولم يقم دليل على التحمل في غيرهما. (2) لما تقدم من وجوب صلاة الجنائز على كل واحد كفاية ولا يسقط إلا بعد إتمامها، ومعه يجوز قصد الوجوب لكل واحد من الامام والمأموم إذا علم بأنه يتمها قبل صاحبه أو شك في ذلك. ولا يجوز له قصد الوجوب إذا علم بأن الاخر سيتمها قبله على التفصيل المتقدم في المسألة الخامسة.

[ 49 ]

[ (مسألة 14): يجوز أن تؤم المرأة جماعة النساء (1) ولاولى بل الاحوط ان تقوم في صفهن ولا تتقدم عليهن. ] امامة المرأة للنساء في صلاة الميت: (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين: " الجهة الاولى ": في اصل مشروعية امامة المرأة للنساء، وهذا مما لا ينبغي الشبهة فيه لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع): قلت: المرأة تؤم النساء؟ قال (ع): لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهن في الصف معهن فتكبر ويكبرن " (1)، وهي مروية بعدة طرق منها ما هو صحيح من غير كلام وهو الذي رواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد عبد الرحمن بن أبي نجران عن حريز عن زرارة. ومنه: ما هو صحيح على الاظهر وهو الذي رواه محمد بن علي ابن الحسين باسناده عن زرارة لان في طريق الصدوق إليه ابن عبيد وقد بينا وثاقته وان ذهب جماعة إلى ضعفه فالطريق صحيح على مختارنا. ومنها: ما هو ضعيف وهو ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن مسعود العياشي. وهناك روايات اخرى غير هذه الصحيحة لكنها ضعاف وقد تقدم أن دلالتها على المدعى مما لا ينبغي الشبهة فيه لدلالتها على جواز امامة المرأة وهو المسؤول عنه فيها، لا تعيينها لينافيه قوله (ع): " إذا لم يكن أحد اولى منها ".


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 25 من أبواب صلاة الجماعة ح 1.

[ 50 ]

" الجهة الثانية " في كيفية إمامتها، وأنها هل تجب أن تقف المرأة الامام في وسطهن وفي صفهن بحيث لو تقدمتهن بطلت جماعتها، أو أنه يجوز أن تتقدم عليهن، كما في الرجال - وانما يستحب أن تقف في صفهن أو يكره تقدمها عليهن؟ ذكروا أن المعروف هو الاخير وان تقدمها عليهن مكروه أو يستحب لها الوقوف في صفهن لا أنه لازم في جماعتها بل قيل انه لم يعثر على قائل بالخلاف تصريحا. وذلك حملا للامر الوارد في الصحيحة على الاستحباب أو النهي عن تقدمها عليهن - كما في بعض الاخبار - (1) على الكراهة. والكلام يقع في وجه ذلك وانه لماذا حملوا الامر في الصحيحة على الاستصحاب أو النهي عن تقدمها عليهن على الكراهة؟ وقد ذكر المحقق الهمداني (قده) في وجه ذلك أمرين: - " أحدهما " ما حاصله: ان الامر بالوقوف في صفهن انما ورد في مورد توم الحظر لتخيل أن تلك الجماعة كجماعة الرجال لابد من وقوف الامام فيها متقدما على المأمومين، والامر الوارد عند توهم الحظر لا يدل على الوجوب كما ان النهي عن تقدمها عليهن ورد في مقام توهم الوجوب وهو ظاهر في غير الحرمة. وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه: " إما أولا " لان السؤال في الصحيحة انما هو عن اصل مشروعية امامة المرأة وعدمها وهي انما وردت لبيان مشروعيتها وانما تعرضت لكيفيتها تفضلا منه وامتنانا، ومعه لا مجال للقول بأن الامر بالوقوف


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 25 من أبواب صلاة الجماعة ح 2 و 3.

[ 51 ]

في صفهن ورد في مقام توهم الحظر لانه لم يسأل عن كيفية الصلاة أصلا ليتوهم الحظر أو الوجوب. بل ليس هناك إلا الجهل بالمشروعية وكيفية امامتها فلا ملزم لصرف ظاهر الامر والنهي بحملهما على الاستحباب والكراهة. و " ثانيا ": أنا ذكرنا مرارا أن تلك الاوامر والنواهي ليست ظاهرة في النفسية والمولوية لتحمل على الجواز في مورد توهم الحظر وانما هي ظاهرة في الارشاد إلى الشرطية والمانعية. وعليه فالصحيحة تدل على شرطية وقوف المرأة في صف النساء فتبطل جماعتها بالاخلال بها، و " ثالثا " لو سلمنا كونها أوامر نفسية وانها واردة في مورد نوهم الحظر فغاية ما يترتب عليه دلالتها على الجواز ولا يكاد يستفاد منها الاستحباب والكراهة بوجه فيحتاج في اثباتهما إلى دلالة دليل آخر وهو مفقود. و " ثانيهما " ان الصحيحة محمولة على الكراهة في صدورها حيث نفت مشروعية امامة المرأة في غير صلاة الاموات مع العلم خارجا بجواز امامتها في سائر الفرائض فصدرها محمول على الكراهة وقوله (ع): " تقوم وسطهن " ناظر إلى كيفية امامتها في صلاة الاموات وانها لا تغاير كيفيتها المعتبرة في الفرائض وحيث أن تقدمها على المأمومات في الفرائض ليس بواجب فليكن الحال في جماعتها في صلاة الاموات أيضا كذلك بمعنى ان تقدمها عليهن ليس بواجب ويرد على هذا الوجه: أن الصحيحة بصدرها نفت مشروعية الجماعة في الفرائض بالاضافة إلى المرأة ومعه كيف يمكن أن يقال:

[ 52 ]

ان قوله (ع) بعد ذلك " تقوم وسطهن في الصف معهن " ناظر إلى أن الجماعة في سائر الفرائض ليست مغايرة بحسب الكيفية مع الجماعة في صلاة الميت. بل ظاهره أن الامام (ع) بصدد بيان ما هو الشرط في الجماعة المشروعة منها وهي الجماعة في صلاة الاموات فحسب. ويرد عليه ثانيا: أنا لو فرضنا انه ناظر إلى ما أفاده فننقل الكلام إلى امامتها في باقي الفرائض فنقول: إن مقتضى الامر بالوقوف في صفهن أو النهي عن تقدمها عليهن شرطية ذلك في صحة جماعتها مطلقا فما الدليل على استحباب ذلك أو كراهة تقدمها عليهن في سائر الفرائض. فالمتحصل: أن مقتضى الصحيحة أن وقوفها في صف النساء شرط في صحة الجماعة ولا دليل على استحبابه أو كراهة التقدم. و (دعوى): ان الدليل على ذلك هو الاجماع والتسالم على عدم الوجوب في امامة المرأة. (مندفعة): بأن تحصيل الاجماع في هذه المسألة في غاية الصعوبة ولا سيما بملاحظة ما حكي عن الفاضل الهندي في " كشف اللشام " من نقل القول بالوجوب عن كثير. بقي في المقام المطلقات الدالة على لزوم تقدم الامام على المأمومين في الجماعة ولا اشكال في شمولها للمقام. وقد ذكر المحقق الهمداني (قده) ان بالقرينتين المتقدمتين تتقدم المطلقات على ما دل على خلافها في صلاة الاموات. و (فيه): ان المطلق كيف يتقدم على المقيد بل الامر معكوس ولا مناص من تقييد المطلقات بتلك الصحيحة وحاصله ان الجماعة

[ 53 ]

[ (مسألة 15): يجوز صلاة العراة على الميت فرادى وجماعة (1) ومع الجماعة يقوم الامام في الصف كما في جماعة النساء فلا يتقدم ولا يتبرز ويجب عليهم ستر العورة ولو بأيديهم وإذا لم يمكن يصلون جلوسا. ] في الاموات تمتاز عن بقية الجماعات في كونها مشروطة بعدم تقدم الامام على المأمومات. صلاة العراة على الميت: (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: " الاولى ": في مشروعية صلاة العراة على الميت. وهذه مما لا شبهة فيها لعدم اشتراط صلاة الميت بالتستر لما تقدم من أن الشرائط المعتبرة في الفرائض غير معتبرة في صلاة الاموات بوجه. وثانيا: انا لو سلمنا أن ستر العورة معتبر في صلاة الاموات أيضا كغيرها فلا شبهة في اختصاص اعتباره في الفرائض بصورة التمكن منه فيسقط اعتباره لدى العجز عنه ولا يزيد الفرع على الاصل، وصلاة الاموات كذلك لا يعتبر فيها التستر عند العجز عنه كما في العراة.

[ 54 ]

ما هو الوظيفة عند الا من من النظر؟ " الثانية ": إذا أمن العراة من الناظر المحترم بأن يكونوا جميعا فاقدي البصر أو كائنين في الظلمة أو غضوا من أبصارهم عما سواهم أو تستروا بأيديهم أو نحو ذلك جاز لهم أن يصلوا على الميت جماعة كما يجوز لهم الصلاة فرادى واما إذا لم يأمنوا من الناظر المحترم بوجه من الوجوه فلا يمكن الحكم بمشروعية الجماعة في حقهم مطلقا حتى مع الجلوس - كما في المتن - وذلك لمنافاة الجماعة مع القيام المعتبر في صلاة الميت - كما يأتي عن قريب والجماعة المنافية للشرط الواجب لا دليل على مشروعيتها بوجه، وقد تقدم انه لا اطلاق في الادلة الدالة على مشروعية الجماعة في صلاة الاموات ليصح التمسك باطلاقه في المقام وانما استفدنا مشروعيتها مما ورد في الاحكام - كما تقدم - بل لا بد في هذه الصورة من الصلاة على الميت فرادى. إذا لم يمكن الصلاة فرادى أيضا: " الجهة الثالثة ": إذا لم يمكن الصلاة على الميت فرادى أيضا

[ 55 ]

مع التستر لعدم الامن من الناظر المحترم تقع المزاحمة بين ما دل على اعتبار القيام في صلاة الاموات وبين ما دل على اعتبار التستر. وحيث أن وجوب التستر أقوى من شرطية القيام في الصلاة فلا مناص من الحكم بسقوط شرطية القيام حينئذ ووجوب الصلاة جالسا. وحينئذ لا يفرق بين الفرادى والجماعة لان الجماعة حينئذ لا تنافي الشرط الواجب لان سقوط شرطيته مستند إلى التزاحم لا إلى الجماعة فيصلون فرادى أو جماعة من جلوس. فما أفاده الماتن " قده " من انه إذا لم يمكن التستر صلوا عن جلوس لا يمكن المساعدة على اطلاقه بل لابد من التفصيل بما قدمناه. لزوم تقدم الامام على المأمومين: " الجهة الرابعة ": إن في صورة مشروعية الجماعة لا بد من أن يتقدم الامام على المأمومين حسب المطلقات الدالة على ذلك و (دعوى): إنه حينئذ يقف في صف المأمومين مثل إمامة المرأة للنساء. (مندفعة): بأنه قول من غير دليل يدل عليه إذ لا يوجد عليه اي دليل حتى رواية ضعيفة وإنما ورد ذلك في إمامة المرأة فقط كما تقدم.

[ 56 ]

[ (مسألة 16): في الجماعة من غير النساء والعراة الاولى أن يتقدم الامام ويكون المأموم خلفه (1) بل يكره وقوفهم إلى جنبه ولو كان المأموم واحدا. ] أولوية كون المأمومون خلف الامام: (1) بعد ما ثبتت مشروعية الجماعة في صلاة الاموات فكيفيتها مثل كيفية الجماعة في باقي الصلوات لان كلتيهما جماعة فلو كان بينهما مغايرة في الكيفية لوجب التنبيه عليه ويدلنا على ذلك ما ورد في امامة المرأة في صلاة الميت حيث دل على انها تقف في صفهن ولا تتقدم عليهن (1). فكأنه دل على أنها تمتاز عن بقية الجماعات بذلك، وعليه فحيث انهم ذكروا أن الافضل فيما إذا كان المأموم واحدا أن يقف عن يمين الامام لا عن خلفه لما ورد في الاخبار (2) من التأخر بمقدار قليل تحقيقا للجماعة أو انه يكره أن يقف خلفه فلابد في المقام من الالتزام بذلك إذا كان المأموم واحدا فيكره له الوقوف خلفه أو يستحب له الوقوف عن يمينه،


(1) تقدم في ص 49 مسألة 14. (2) الوسائل: ج 2 باب 28 من ابواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 57 ]

[ (مسألة 17): إذا اقتدت المرأة بالرجل يستحب أن تقف خلفه (1) وإذا كان هناك صفوف الرجل وقفت خلفهم، وإذا كانت حائضا بين النساء وقفت في صف ] بل على ما ذكرناه في فروع صلاة الجماعة من لزوم الوقوف عن اليمين عند وحدة المأموم وعدم كفاية الوقوف خلفه لا يشرع له الوقوف خلف الامام في صلاة الجنائز إذا كان واحدا. ولم يرد في المقام ما يدلنا على امتياز الجماعة في صلاة الاموات بقيام المأموم الواحد خلف الامام سوى رواية اليسع بن عبد الله (1) - على رواية الكليني - وقاسم بن عبد الله - على طريق الشيخ -. وان كان يظهر من الوسائل أن الرواية على كلا الطريقين من اليسع. نعم الرواية واحدة في المضمون وبقية السند وانما يختلفان في اليسع وقاسم وهي بكلا طريقيهما ضعيفة لعدم توثيق الرجلين، ومعه تبقى الاطلاقات الدالة على أن المأموم إذا كان واحدا يقف عن يمين الامام بحالها، ومشمولة للمقام. يستحب للمرأة الوقوف خلف الرجل: (1) لما تقدم مكررا من اتحاد الجماعة في صلاة الاموات مع الجماعة في باقي الفرائض بعد مشروعيتها.


(1) اليسع بن عبد الله على طريق الشيخ (ره) ايضا نعم في التهذيب: القاسم.

[ 58 ]

[ وحدها (1). (مسألة 18): يجوز في صلاة الميت العدول من إمام إلى امام في الاثناء (2). ] (1) أما أصل جواز صلاتها على الميت فلاجل عدم اشتراطها فالطهارة الحدثية والخبثية. وأما وقوفها صفا وحدها وعدم وقوفها معهن في صفهن فلاجل جملة من الاخبار (1) الدالة على ذلك وفيها صحيحة وموثقة وغيرها. العدول من امام إلى امام: (2) لم نقف على مستند له في ذلك فانه بعد ما شرع في الجماعة فتحتاج مشروعية دخوله في جماعة ثانية إلى دليل والاصل عدم مشروعيتها وذلك لان مشروعية الجماعة وكفايتها على خلاف القاعدة فتحتاج إلى دليل والدليل انما دل على مشروعيتها في الجماعات المتعارفة. وأما الجماعة في نصف الصلاة بامام ثم في نصفها الآخر بامام آخر فهو مما لا دليل على مشروعية. وليست هذه من الكيفيات لتكون الجماعة في المقام تابعة للجماعة في غيرها وانما هي حكم آخر غير كيفية الجماعة لابد فيه من دليل، نعم يجوز هذا في الفرائض إذا حدث بالامام حدث وفي المقام لم


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب صلاة الجنازة.

[ 59 ]

[ ويجوز قطعها ايضا إختيارا (1). ] تثبت مشروعيته فلا يمكن الاجتزاء بها. اللهم إلا إذا كانت واجدة للشرائط لتقع انفرادا لما يأتي من جواز قطع تلك الصلاة. جواز قطع صلاة الميت: (1) بلا فرق في ذلك بين هذه الصلاة وباقي الصلوات والعبادات فان الفرد المأتي به لم يتعلق به تكليف ليكون واجبا ويحرم قطعه بناءا على حرمة قطع المأمور به وإنما هو فرد الواجب وله أن يرفع اليد عنه ويأتي بفرد آخر غيره كما هو الحال في جميع الواجبات الموسعة، نعم لا يجوز رفع اليد عنه في المضيق لاستلزامه تفويت الواجب كما في الصلاة آخر الوقت ونحوها، كما لا يجوز القطع بعد الشروع في الحج وان كان فاسدا وقد ذكروا عدم جواز القطع في الصلاة أيضا لقوله تعالى " ولا تبطلوا أعمالكم " (1) إلا أن في دلالته على المدعى ما لا يخفى على الفطن. لانه انما يدل على ان العمل بعد ما تحقق صحيحا في الخارج لا يجوز قلبه باطلا بالاحباط نظير قوله تعالى " ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " (2) ولا يستفاد منها حرمة رفع اليد عن العمل قبل


(1) محمد 47: 33. (2) البقرة 2: 264.

[ 60 ]

[ كما يجوز العدول عن الجماعة إلى الانفراد (1) لكن ] تحققه في الخارج - على انه يستلزم تخصيص الاكثر وهو مستهجن وكيف كان فلا مانع من القطع في المقام، وأما ما ورد من ان اولها التكبيرة وآخرها التسليمة (1) حيث ذكروا أنها تدل على أن الكلام يحرم بعد التكبيرة ولا يحل إلا بعد التسليمة فهو على تقدير دلالته على ذلك بختص بالصلوات ذات الركوع والسجود بقرينة ذكر التسليمة فيه ولا يشمل ما يسمى صلاة تسامحا مثل المقام فله أن يقطع صلاته ليشرع فيها من الاتبداء أو لئلا يصلي أصلا. العدول عن الجماعة إلى الانفراد: (1) لان حومة رفع اليد عن الجماعة بعد الشروع فيها تكليف لا نعلم بتوجهه الينا، ومقتضى البراءة عدمه فجواز العدول على طبق القاعدة وهذا لا يختص بالمقام بل يجوز في سائر الجماعات ايضا. نعم إذا كان بانيا على العدول من الابتداء لم يجز هذا في المقام وغيره لان العدول انما جاز، وثبتت مشروعيته في الجماعة المشروعة ومرجع هذا البناء من الابتداء إلى أنه يريد الجماعة والائتمام في ركعة أو في تكبيرة مثلا.


(1) راجع الوسائل: ج 4 باب 1 من أبواب التكبير وباب 1 من أبواب التسليم.

[ 61 ]

[ بشرط أن لا يكون بعيدا عن الجنازة بما يضر (1) ولا يكون بينه وبينها حائل ولا يخرج عن المحاذاة لها، (مسألة 19): إذا كبر قبل الامام في التكبير الاول له أن ينفرد وله أن يقطع (2) ويجدده مع الامام، وإذا كبر قبله فيما عدى الاول له ان ينوي ] والجماعة في غير الصلاة التامة لم تثبت مشروعيتها ليجوز فيها العدول. (1) بأن يكون جامعا للشرائط من القرب والمحاذاة مع الميت ونحوهما وإلا فلا تصح صلاته منفردة ليجوز له العدول من الجماعة إلى الانفراد. إذا كبر قبل الامام: (2) إذا كان هذا في التكبيرة الاولى دار امره بين ان يتمها منفردة وبين أن يقطع ويرفع يده عنها ثم يشرع جماعة أو فرادى، ولا يمكن تتميمها جماعة إذا لا جماعة حينئذ. لانه لا معنى للجماعة مع عدم كون الامام مصليا والمفروض ان المأموم كبر والامام لم يدخل في الصلاة فهو منفرد، والعدول من الانفراد إلى الجماعة يحتاج إلى دليل يدل على مشروعيته ولا دليل عليه في المقام فليس له أن يصبر إلى ان يلحق الامام فيتابعه في التكبير الثاني.

[ 62 ]

[ الانفراد وان يصبر حتى يكبر الامام فيقرأ معه الدعاء (1) لكن الاحوط إعادة التكبير بعدما كبر الامام لانه لا يبعد اشتراط تأخر المأموم عن الامام في كل تكبيرة أو مقارنته معه وبطلان الجماعة مع التقدم وان لم تبطل الصلاة. ] وقياس ذلك بالعدول من جماعة إلى جماعة مما لم يظهر لنا وجهه فان المسألتين من واديين واحداهما غير الاخرى حيث ان هناك جماعة باقية بحالها وانما الاختلاف في شخص الامام وأما في المقام فلا جماعة ابتداءا ليجوز له العدول إلى الجماعة وانما كانت صلاته فرادى لعدم دخول الامام في الصلاة فالمقايسة في غير محلها. لو كبر قبل الامام فيما عدى الاول: (1) قد يكون تكبيره فيما عدى الاول قبل الامام ناشئا عن سهو وقد يكون مستندا إلى العمد والاختيار. أما إذا كبر قبله سهوا فالصحيح عدم بطلان صلاته بل ولا جماعته بذلك لعدم الدليل على كونه موجبا للبطلان والاصل عدم بطلانها به فوجوده كالعدم لا يترتب عليه أثر. ويؤيده أن المأموم لو ركع قبل الامام سهوا لم تبطل بذلك صلاته ولا جماعته بل وجوده كالعدم فيرفع رأسه ثم يركع مع الامام فإذا لم يكن الركوع الذي أتى به سهوا موجبا لبطلان الصلاة والجماعة فلا

[ 63 ]

تكون التكبيرة المأتي بها سهوا مبطلة للصلاة: والجماعة بطريق أولى. وأما إذا كبر قبله عمدا فالصحيح أنه ينفرد بذلك عن الجماعة وترتفع جماعته وذلك لما دلت عليه الادلة الواردة في المقام من أن صلاة الميت تشتمل على خمس تكبيرات. فلو فرضنا في المقام عدم بطلان جماعته ووجب أن يكبر مع الامام بعد ذلك كانت تكبيراته ستة، وعدم احتساب التكبيرة المأتي بها عمدا من التكبيرات يحتاج إلى دليل لعدم قصورها عن كونها فردا للمأمور به وحصول الامتثال بها قهري فلا وجه لعدم سقوط الامر به وأما ما رواه الحميري عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه (ع) عن الرجل يصلي له أن يكبر قبل الامام؟ قال (ع): " لا يكبر إلا مع الامام فان كبر قبله أعاد التكبير " (1) وقد أوردها في صلاة الجنائز وذكر صاحب الوسائل " قده " ان الظاهر أن علي بن جعفر أوردها في صلاة الجنائز. فلا يمكن الاستدلال بها لضعف سندها ودلالتها: أما في سندها فالضعف لوجود عبد الله بن الحسن فيها وهو وإن كان شريفا بحسب النسب إلا أنا لم نعثر له على توثيق في الرجال فلا يمكننا الاعتماد على روايته. وأما بحسب الدلالة فلقوله: عن الرجل يصلي... فانها واردة في الصلاة وليست صلاة الاموات صلاة حقيقة إذ لا صلاة إلا بطهور ولا يعتبر الطهور في صلاة الاموات فهي غير شاملة لصلاة الاموات. وأما إيراد علي بن جعفر أو الحميري للرواية في صلاة الجنائز


(1) الوسائل: ج 2 باب 16 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 64 ]

[ (مسألة 20): إذا حضر الشخص في اثناء صلاة الامام له أن يدخل في الجماعة (1) فيكبر بعد تكبير الامام الثاني أو الثالث مثلا ويجعله أول صلاته وأول تكبيراته فيأتي بعده بالشهادتين. ] فهو مبني على استنباطه بمعنى أنه اجتهد منه ولو بتوهم شمولها للمقام بحسب الاطلاق. الحضور في اثناء صلاة الامام: (1) للبحث في المسألة جهات: " الاولى ": لا اشكال في أن الجماعة في صلاة الاموات غير مشروطة بحضورها من الابتداء بل لو حضرها المكلف بعد تكبير الامام الثاني أو الثالث أيضا جاز له الدخول فيها وذلك لعدة روايات فيها الصحاح (1) وغيرها.


(1) يأتي التعرض لها في المسألة.

[ 65 ]

" الثانية ": في محل الدخول: هل لابد من أن يصبر حتى يكبر الامام فيدخل معه في الصلاة أو يجوز له الدخول فيها والامام مشغول بالدعاء؟ الصحيح هو الثاني وقد يقال: إن المدرك فيه الاجماع ولا يستفاد ذلك من النصوص. وفيه: ان صحيحة العيص لا مانع من الاستدلال بها في المقام بل هي صريحة في ذلك قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة قال (ع): " يتم ما بقي " (1). لدلالتها على جواز الدخول في الجماعة فيما إذا ادرك الامام بعد التكبيرة الرابعة وقبل الخامسة فلو فرضنا أن دخوله في الجماعة مشروط بتكبير الامام لم يمكنه الدخول فيها في مفروض الرواية لانه بعد التكبيرة الخامسة لا تبقى جماعة ولا صلاة ليدخل فيها المأموم فهي كالصريح في جواز دخول المأموم فيها عند قراءة الامام. " الثالثة ": هل يقتصر المصلي حينئذ بما ادركه مع الامام أو يجب عليه قضاء ما فاته بعد اتمام الامام؟


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 17 من أبواب صلاة الجنازة 2.

[ 66 ]

ورد في جملة كثيرة من الاخبار أنه يقضي ما فاته بعد الصلاة كصحيحة العيص المتقدمة وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " إذا ادرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من الصلاة عن الميت فليقض ما بقي متتابعا " (1). وورد في رواية اسحاق بن عمار الموثقة سندا لاشتماله على غياث ابن كلوب وهو ممن وثقه الشيخ في العدة حيث روى عن أبيه (ع) أن عليا (ع) كان يقول: " لا يقضى ما سبق من تكبير الجنائز " (2). وظاهرها نفي مشروعية القضاء ولاجل تعارضهما يرفع اليد عن ظاهر الثانية بصراحة الطائفة الاولى ويجمع بينهما بحمل الثانية على نفي القضاء وجوبا وحمل الاولى على انها تقضى جوازا أو استحبابا. وأما لو ناقشنا في هذا الجمع نظرا إلى أن كلتيهما واردتان في القضاء وقد اثبته احداهما ونفته الاخرى فلا يمكن الجمع بينهما بما ذكر فلا مناص من الاخذ بالطائفة الاولى وحمل الثانية على التقية لموافقتها لما ذهب إليه ابن عمر. " الرابعة ": بناءا على وجوب القضاء أو جوازه فهل يقضي ما فاته من الادعية والتكبيرات معا أو يقضي التكبيرات فقط؟ مقتضى النصوص الواردة في المقام انه يقضي التكبيرات دون


(1) و (2) الوسائل: الجزء 2 باب 17 من أبواب صلاة الجنازة ح 1 و 6.

[ 67 ]

[ وهكذا على الترتيب بعد كل تكبيرة من الامام يكبر ويأتي بوظيفته من الدعاء، وإذا فرغ الامام يأتي بالبقية فرادى وان كان مخففا، وان لم يمهلوه أتى ببقية التكبيرات ولاءا من غير دعاء. ويجوز اتمامها خلف الجنازة ان امكن الاستقبال وسائر الشرائط. ] الادعية لما تقدم في صحيحة الحلبي من قوله (ع): " إذا ادرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقي متتابعا " لظهورها في ارادة قضاء ما بقي من التكبيرات. مضافا إلى قوله " متتابعا " الظاهر فيما ذكرناه، إذ مع الادعية لا تقع التكبيرات متتابعة وقد صرح بالباقي من التكبيرات في بعضها. ولا ينافي ذلك ما ورد في صحيحة علي بن جعفر (ع) من أنه يتم ما بقي من التكبيرات مخففة ويبادر إلى رفع الجنازة (1) لان ظاهر التخفيف في التكبيرات ارادة التكبيرات من دون الادعية وإلا فلا معنى للتخفيف في نفس التكبيرة. " الجهة الخامسة ": إذا لم يتمكن المصلي من اتمام التكبيرات بعد فراغ الامام لرفع الجنازة وعدم امهاله، فهل له أن يقضي التكبيرات خلف الجنازة ماشيا؟


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 17 من أبواب صلاة الجنازة ح 7.

[ 68 ]

ورد في روايتين (احداهما): مرسل القلانسي: أن الرجل يدرك مع الامام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين فقال (ع): " يتم التكبير وهو يمشي معها فان لم يدرك التكبير كبر عند القبر فان كان ادركهم وقد دفن كبر على القبر " (1). و (ثانيتهما) رواية عمر بن شمر (2) وهي قريبة من الاولى، إلا انهما ضعيفتان بعمر بن شمر وبارسال الاولى فلا يمكن الحكم بوجوب ذلك أو استحبابه إلا بناءا على التسامح في أدلة السنن.


(1) و (2) الوسائل: الجزء 2 باب 7 من أبواب صلاة الجنازة ح 5 و 4.

[ 69 ]

[ " فصل: في كيفية صلاة الميت " وهي أن يأتي بخمس تكبيرات (1) ] " فصل في كيفية صلاة الميت " (1) لا اشكال في أن صلاة الميت عندنا انما هي بخمس تكبيرات وقد دلت على ذلك جملة من الروايات فيها الصحاح وغيرها، كصحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (ع): " التكبير على الميت خمس تكبيرات " وغيرها (1). وفي بعضها ان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي بأربع تكبيرات تارة وبخمس اخرى " (2). وورد شرح ذلك في بعض الاخبار الآخر بمضمون أن كل تكبيرة رمز إلى اصل ومبدأ من المبادئ الاسلامية من الصوم والصلاة والزكاة والحج والولاية ولاجله كان يصلي باربع تكبيرات على المنافقين المنكرين للولاية وبخمس تكبيرات على المؤمنين (3). هذا كله في رواياتنا.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة ح 6. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة ح 1 وغيرها. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة ح 16 و 17 و 18.

[ 70 ]

وأما روايات العامة فقد اختلفت في ذلك ففي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي بست أو سبع تكبيرات (1) وفي بعضها الآخر أن عمر جمع أصحابه واستقر رأيه على أن يصلي على الميت باربع تكبيرات (2) وكأنه لولايته على الاسلام والمسلمين. وكيف كان: فكونها خمس تكبيرات مما لا اشكال فيه عندنا فلو نقص منها تكبيرة بطلت لانتفاء المركب بانتفاء بعض اجزائه ولا يشملها حديث " لا تعاد " لاختصاصه بصلاة ذات ركوع وسجود وطهور. واما إذا زاد عليها فان كان سهوا فلا يكون موجبا لبطلانها لانها زيادة بعد انتهاء العمل، والزيادة بعد العمل لا توجب البطلان. واما إذا كانت الزيادة عمدية فالصحيح انها ايضا لا توجب البطلان لكونها زيادة بعد العمل لانتهاء الصلاة بعد الخمس، اللهم إلا أن يرجع يرجع إلى التشريع في اصل العمل بأن يبني من الابتداء على انها ست تكبيرات فيأتي بها بهذا البناء والتشريع وإلا فلو بنى على أن يأتي بالزائد بعد الخمس فهو لا يوجب بطلانها. الزيادة في التكبير: وهل تستحب الزيادة في التكبير إذا كان الميت من اهل الفضل والسداد؟ ربما يقال بالجواز وقد نسب ذلك إلى جماعة إلا أن الصحيح عدم جواز الزيادة ولو بعنوان الجزء الاستحبابي بأن يكون


(1) راجع شرح صحيح مسلم للنووي بهامش ارشاد الساري ج 4 ص 284 ووبدائع الصنائع ج 1 ص 312: وفي الاخيران الروايات اختلفت في فعل رسول الله صلى الله عليه وآله فروى عنه الخمس والسبع والستع ونحو من ذلك. (2) راجع نفس المصدر.

[ 71 ]

جزءا ومعتبرا في التشخص لا في اصل العمل. وذلك لان ما استدل به على الجواز ضعيف اما سندا واما دلالة لكونه مبتلى بالمعارض أو لغيره من الوجوه واما من كلتا الجهتين واليك نصها. " منها ": صحيحة زرارة أو حسنته عن أبي جعفر (ع) في حديث: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على حمزة سبعين صلاة وكبر عليه سبعين تكبيرة " (1). والمراد بسبعين صلاة ليس هو سبعين صلاة الميت بل المراد بها الدعاء إذ لا يعقل سبعون صلاة مع التكبير بسبعين تكبيرة لان في كل صلاة يعتبر خمس تكبيرات ومضروب الخمس في سبعين ثلاثمائة وخمسون تكبيرة فلا يمكن سبعون صلاة بهذا المقدار من التكبيرات ولا دلالة لها على جواز التكبير سبعين مرة وذلك لان المراد بالرواية ليس هو أن النبي صلى الله عليه وآله كبر سبعين مرة في صلاة واحدة. بل انه صلى الله عليه وآله صلى على حمزة بخمس تكبيرات ثم بعدها جاءوا بشهيد ثان ولم ترفع جنازة حمزة وصلى عليه بخمس أيضا ثم جاءوا بثالث وجنازة حمزة لم ترفع وهكذا إلى أن اصاب حمزة سبعين تكبيرة كما ورد في رواية عيون اخبار الرضا (ع) فراجع (2). ونظيره ما صنعه علي (ع) في صلاته على سهل بن حنيف حيث ورد في رواية أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: " كبر رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة سبعين تكبيرة وكبر علي (ع) عندكم على سهل بن حنيف خمسا وعشرين تكبيرة قال: كبر خمسا خمسا كلما ادركه الناس


(1) و (2) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 3 و 7.

[ 72 ]

قالوا: يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبر عليه خمسا حتى انتهى إلى قبره خمس مرات " (1). والجزم بذلك أو احتمال ارادته من الرواية يمنع عن الاستدلال بها على استحباب الزيادة في التكبير. و " منها ": ما عن امالي الصدوق عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله صلى على فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع) صلاة لم يصل على أحد قبلها مثل تلك الصلاة ثم كبر عليها أربعين تكبيرة فقال له عمار: لم كبرت عليها أربعين تكبيرة يا رسول الله؟ قال: نعم يا عمار التفت عن يميني فنظرت إلى أربعين صفا من الملائكة فكبرت لكل صف تكبيرة (2). وهي ضعيفة السند بأبي الحسن العبدي لانه مهمل وفي السند جعفر بن محمد بن سرور وهو ايضا لم يوثق وان كان من مشايخ الصدوق (ره). وعباية بن ربعي وان كان يمكن الاعتماد عليه لانه ورد في حقه انه من خواص أصحاب أمير المؤمنين (ع) وهو موجب للاعتماد عليه وابن عباس مختلف فيه كما هو معروف والسند مذكور في باب: 26 من أبواب التكفين فليراجع. و " منها ": رواية الحسن بن زيد قال: كبر علي بن أبي طالب (عليه السلام) على سهل بن حنيف سبع تكبيرات وكان بدريا


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 5. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 8.

[ 73 ]

وقال: " لو كبرت عليه سبعين لكان أهلا (1). وهي ضعيفة السند باحمد بن عبد الله العلوي وعلي بن الحسن الحسيني وحسن بن زيد، ومعارضة بصحيحة أو حسنة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: " كبر أمير المؤمنين (ع) على سهل ابن حنيف وكان بدريا خمس تكبيرات " (2). و " منها " رواية جابر قال: سألت أبا جعفر (ع) عن التكبير على الجنازة هل فيه شئ موقت؟ فقال: " لا " كبر رسول الله صلى الله عليه وآله أحد عشر وتسعا وسبعا وخمسا وستا وأربعا (3). وهي ضعيفة بعمر بن شمر ومعارضة بما دل على وجوب التكبير بخمس و " منها ": رواية عقبة عن جعفر قال: سئل جعفر (ع) عن التكبير على الجنائز فقال: " ذلك إلى أهل الميت ما شاءوا كبروا... " (4). وهي ضعيفة السند بعقبة. و " منها ": رواية أبي حمزة عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل: ان آدم لما مات.... وقد كان يكبر على اهل بدر تسعا وسبعا " (5). وهي ضعيفة بمحمد بن الفضيل ومعارضة بما دل على انه (ع) صلى على سهل بن حنيف بخمس وانه كان بدريا. و " منها ": رواية علي بن موسى بن طاوس عن عيسى بن المستفاد


(1) و (2) الوسائل: الجزء 4 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 12 و 1. (3) و (4) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 17 و 18. (5) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 4.

[ 74 ]

عن أبي الحسن موسى بن جعفر... ثم قال: " يا علي كن أنت وفاطمة والحسن والحسين وكبروا خمسا وسبعين تكبيرة وكبر خمسا وانصرف " (1). وهي ضعيف السند بعيسى بن المستفاد وبمجهولية طريق ابن طاوس إليه لان بينهما وسائط، وباحتمال ان يكون ذلك من مختصات النبي صلى الله عليه وآله. و " منها ": رواية سعد بن هبة الله الراوندي في قصص الانبياء عن أبي حمزة عن علي بن الحسين (ع) في حديث وفاة آدم (ع) قال: فخرج هبة الله وصلى عليه وكبر عليه خمسا وسبعين تكبيرة: سبعين لآدم وخمسة لاولاده (3). وهي ضعيفة لمجهولية طريقه إلى ابن بابويه، ولو صحت فانما كانت مختصة بتلك الشريعة ولا يمكن اسراؤها إلى شريعتنا، وهي معارضة بما دل على أنه كبر عليه ثلاثين تكبيرة وأن السنة فينا خمس تكبيرات كما ورد في رواية أخرى لابي حمزة. و " منها ": رواية فضيل بن يسار عن أبي جعفر (ع) وهي بمضمون سابقتها (3).


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 11. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 14. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 15.

[ 75 ]

[ يأتي بالشهادتين بعد الاولى والصلاة علي النبي صلى الله عليه وآله بعد الثانية والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة والدعاء للميت بعد الرابعة ثم يكبر الخامسة وينصرف (1) ] ما ذكره المحقق في شرايعه: (1) ذكر المحقق في شرائعه أن الواجب في الصلاة على الميت انما هو التكبير خمسا ولا يجب الدعاء بعدها وفي اثنائها وانما هو أمر مستحب، ولا نعرف له موافقا في ذلك لا من اصحابنا ولا من العامة وهو متفرد في ذلك. وذهب صاحب الحدائق إلى أن الواجب هو اصل الدعاء لا على الكيفية المتعارفة بين المسلمين ونسبه إلى جماعة والى ابن الجنيد. والقول الثالث هو المعروف و المشهور بل ادعي عليه الاجماع وهو وجوب الدعاء على الكيفية المتعارفة اليوم - اعني وجوب الشهادتين بعد التكبيرة الاولى والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وآله بعد الثانية والدعاء للمؤمنين بعد الثالثة والدعاء للميت بعد الرابعة. أما ما ذهب إليه المحقق (قده) فقد استدل له بوجوه: " منها ": اصالة البراءة عن وجوب الدعاء لانه شك في التكليف الزائد فينفي بالبراءة. و " منها ": اطلاق الاخبار الدالة على أن صلاة الميت خمس

[ 76 ]

تكبيرات وأن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صلى بخمس علم أن الميت مؤمن وإذا صلى باربع علم انه منافق، حيث انها مطلقة لم تقيد التكبيرات فيها بالدعاء فادا شككنا في وجوبه فندفعه بالاطلاق. و " منها " ان الاخبار الآمرة بالدعاء مختلفة ولا توجد اثنان منها - ضعيفتين أو معتبرتين - متحدتين في المدلول فلو كان الدعاء واجبا كالتكبير لم تختلف الاخبار في المفاد وهذا آية الاستحباب. ويرد عليها: أما اصالة البراءة فان المورد وان كان في نفسه مجرى لها لانه من الشك في التكليف إلا انها متوقفة على الشك ولا شك عندنا في وجوب الدعاء للاخبار الدالة عليه كما سيتضح. واما الاطلاق ففيه ان الاخبار الواردة في المقام انما هي ناظرة إلى بيان أن الواجب من التكبيرات هو خمس في قبال العامة التي تقول بان الواجب منها اربع تكبيرات، وليس لها نظر إلى انها هل يعتبر معها دعاء أم لا يعتبر فلا اطلاق في الاخبار حتى يتمسك به. هذا على أنا لو سلمنا اطلاقها لم يمكن الاستدلال بها كالسابق - البراءة - لانه انما يمكن التمسك به عند الشك ولا شك لنا في طرو المقيد لها للاخبار الدالة على التقييد ومع المقيد لا مجال للتمسك بالاطلاق. واما اختلاف الروايات فهو وان كان كذلك إلا أنه انما يدل على أن الدعاء الوارد في هذه الرواية ليس بواجب معينا وكذا الدعاء الوارد في الرواية الاخرى للمعارضة واما انه ليس بواجب اصلا فلا. بل لابد من الالتزام بوجوب الدعاء مخيرا، أو أن الواجب هو الجامع المنطبق على كل واحد من الادعية الواردة وذلك لما ذكرناه

[ 77 ]

من أن للامر ظهورين: ظهور في الوجوب وظهور في التعيين. فإذا جاءنا دليلان على وجوب شيئين وعلمنا أن كليهما غير واجب وانما الواجب احدهما فلا مناص من رفع اليد عن ظهور الدليلين في التعيين والالتزام بوجوب احدهما مخيرا. ما يدل على وجوب الدعاء في صلاة الجنائز: ويؤيد ما ذكرناه من وجوب اصل الدعاء في صلاة الميت: رواية أبي بصير: كنت عند أبي عبد الله (ع) جالسا فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنازة فقال (ع): " خمس تكبيرات " ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنازة فقال (ع): " اربع صلوات " فقال الاول: جعلت فداك سألتك فقلت خمسا وسألك هذا فقلت اربعا فقال (ع): " انك سألتني عن التكبير وسألني هذا عن الصلاة ثم قال (ع): " انها خمس تكبيرات بينهن اربع صلوات " (1). وهي صريحة في أن صلاة الميت يعتبر فيها الدعاء زائدا على التكبيرات الخمسة. ورواية الفضل عن الرضا (ع): " انما امروا بالصلاة على الميت ليشفعوا له وليدعو له بالمغفرة " (2) حيث دلت على اعتبار الدعاء فيها.


الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب صلاة الجماعة ح 12. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة ح 21.

[ 78 ]

كما يدل على ما ذكرناه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم ومعمر بن يحيى واسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال: " ليس في الصلاة على الميت ولا دعاء موقت تدعو بما بدا لك " (1) وذلك لما ذكرناه في مفهوم الوصف من أن له مفهوما غير المفهوم المدعى للقيود بمعنى انه إذا ورد " اكرم الرجل العالم " لم يدل ذلك على أن الرجل العادل غير واجب الاكرام إذ لا يستفاد منه العلية المنحصرة بل يمكن أن يدلنا دليل ثان على ان العدالة علة اخرى للاكرام. إلا انه يدل على أن للعالمية مدخلية في ترتب الحكم على موضوعه وأن وجوب الاكرام لم يترتب على طبيعي الرجل بل لعلى الحصة الخاصة منه وهو المقيد بالعلم وإلا لكان اخذه في لسان الدليل لغوا محضا. وعلى هذا يتبين أن نفي الوجوب في الصحيحة انما ترتب على الدعاء الموقت أي المعين واما اصل الدعاء فلم ينف وجوبه فيها فيستفاد منه أن اصل الدعاء واجب في صلاة الاموات لا محالة. ويدل على وجوب الدعاء في صلاة الاموات لا محالة. ويدل على وجوب الدعاء في صلاة الميت أيضا موثقة يونس الدالة على انها تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل (2) فدلت على وجوب الدعاء زائدة على التكبير نعم: استفدنا من الاخبار الواردة في المقام أن الجمع بين التسبيح والتحميد والتهليل ليس بواجب بل يكفي بعضها.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب من أبواب صلاة الجنازة ح 1. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 7 من أبواب صلاة الجنازة ح 2.

[ 79 ]

ويدل على ذلك أيضا ما ورد من الدعاء (1) على الميت إذا كان منافقا وللميت إذا كان مؤمنا غير منافق لدلالته على وجوب الدعاء في صلاة الميت بتلك الكيفية - اعني الدعاء عليه إذا كان منافقا والدعاء له إذا لم يكن منافقا -. هذا كله. على أن الدعاء لو لم يكن معتبرا في صلاة الاموات لم يصح اطلاق الصلاة عليها ولو مجازا لان التكبير ليسر بصلاة اصلا، كما انه لا يصح اضافتها إلى الميت إذ مجرد التكبير لا معنى لاضافته إلى الميت أو غيره فلا يصح القول " الصلاة على الميت " إلا أن يشتمل على الدعاء للميت فالدعاء له مقوم للصلاة عليه، فما ذهب إليه المحقق مم لا وجه له. ما ذهب إليه المشهور في المسألة: واما ذهب إليه المشهور من اعتبار الدعاء على الكفية المتعارفة الدارجة الليوم فهو مما لم يرد فيه رواية سوى رواية أم سلمة والدة محمد بن مهاجر قالت: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت كبر وتشهد ثم كبر وصلى على الانبياء ودعا ثم كبر ودعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة ودعا للميت ثم كبر الخامسة وانصرف (2) إلا انها غير مقابلة للاستدلال بها من وجوه:


(1) راجع الوسائل: الجزء 2 باب 2 و 4 من أبواب صلاة الجنازة. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 80 ]

" الاول ": انها انما وردت لبيان أن التكبير الواجب في صلاة الميت خمس لا اربع لان ام سلمت ابتلت بأمرأة من المنافقات في طريق مكة واستشكلت عليها بانكم تخالفون المسلمين في جميع الامور حق الصلاة على الميت فانها اربع تكبيرات والشيعة تصلي بخمس وام سلمة حكمت ذلك إلى الصادق (ع) وهو في مقام رد تلك الدعوى استشهد بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وفعله فلا نظر لها إلى أن الدعاء واجب فيها على تلك الكيفية. " الثاني ": انها حكاية فعل والفعل لا يدل على الوجوب. " الثالث ": انها مخالفة لما عليه المشهور ولا تنطبق عليه وذلك لاشتمالها على انه بعد التكبيرة الاولى " تشهد " اي شهد بوحدانية الله سبحانه ولا دلالة لها على انه شهد الشهادتين كما يعتبره المشهور فاشتملت على انه صلى الله عليه وآله بعد التكبيرة الثانية صلى على الانبياء ودعا مع أن المشهور يقولون بلزوم الصلاة على خصوص نبينا صلى الله عليه وآله من دون دعاء أو صلاة على الانبياء ليشمل نبينا ضمنا. نعم: اشتملت الرواية على الصلاة على محمد وآله (صلعم) على مرسلة الصدوق الا أنها ايضا ضعيفة بالارسال " الرابع ": انها ضعيفة سندا لعدم ثبوت وثاقة ام سلمة وان كانت مؤمنة، وتعبير الجواهر عنها بصحيحة محمد بن مهاجر لا دلالة فيه على صحة الرواية سندا لانه لم يقل صحيحة أم سلمة وانما قال: صحيحة محمد بن مهاجر ومعناه أن الرواية إلى محمد بن مهاجر صحيحة وثبت شرعا انه قد اخبر عن أمه، وساكت عن صحتها بالاضافة إلى أمه

[ 81 ]

تفصيل الكلام في القول الثاني: يبقى القول الثاني - وهو وجوب الدعاء في صلاة الميت لكن لا على الكيفية المتداولة اليوم - فتفصيل الكلام فيه. ان الاخبار الواردة في الدعاء فيها مختلفة باختلاف الادعية الواردة فيها كيفا، وكما ولابد فيها من الالتزام بأحد أمرين: " أحدهما ": أن يلتزم بالتخبير بين الادعية الواردة في الروايات وانه إذا دعا بواحد مما ورد فيها اجزأه. وهذا هو الذي تقتضيه القاعدة الاولية لانه إذا ورد دليلان ودل كل واحد منهما على وجوب شئ وعلمنا خارجا بعدم وجوبهما معا فلا مناص من الالتزام بوجوب احدهما على نحو التخيير إلا أنه في خصوص المقام غير ممكن لما ورد في صحيحة جماعة من الاعاظم كزرارة ومحمد بن مسلم (1) انه ليس في صلاة الميت دعاء مؤقت. والقول بوجوب واحد مما ورد في الاخبار على نحو التخيير التزام بوجوب دعاء معين ومحدود، والصحيحة صرحت بانه ليس فيها دعاء موقت ومحدد بل يدعو بما بدا له. و " ثانيهما ": وهو المتعين أن يؤخذ بالقدر المشترك بين الاخبار الواردة - اعني ما اشتملت عليه الاخبار كلها - واما الزائد عليه فيدفع وجوبه بالروايات الفاقدة له. والمقدار المشترك الذي تشتمل عليه الاخبار كلها هو الصلاة على


(1) تقدمت قريبا.

[ 82 ]

النبي والدعاء للميت وحسب مع مراعاة الترتيب بينهما بتقديم الاول على الثاني ولو بأن يصلي على النبي بعد التكبيرة الاولى ويدعو للميت بعد الرابعة، والزائد عليهما مدفوع بالاخبار الفاقدة له. واما تطبيق الاخبار على ذلك فهو يتوقف على التعرض لكل واحد من الاخبار على حدة. ففي صحيحة أو حسنة زرارة عن أبي عبد الله (ع) في الصلاة على الميت قال: تكبر ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وآله ثم تقول: " اللهم عبدك ابن عبدك ابن امتك لا أعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه (حسناته) وان كان مسيئا فاغفر له.... " ثم تكبر الثانية وتقول: " اللهم ان كان زاكيا فزكه وان كان خاطئا فاغفر له " ثم تكبر الثالثة وتقول " لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده " ثم تكبر الرابعة وتقول: " اللهم اكتبه عندك في عليين واخلف على عقبه.... " ثم كبر الخامسة وانصرف (1). وهذه الصحيحة قد اشتملت على أمور ثلاثة: الصلاة على النبي والدعاء للميت والدعاء لنفس المصلي، والاولان هما القدر المشترك بين الاخبار كما سيتضح، والثالث أمر زائدا يدفع وجوبه ببقية الاخبار الفاقدة له. وأما صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبد الله (ع) قال: " تكبر ثم تشهد ثم تقول: انا لله وانا إليه راجعون، الحمد لله رب العالمين رب الموت والحياة صل على محمد واهل بيته جزى الله عنا محمدا خير الجزاء بما صنع بأمته وبما بلغ من رسالات ربه " ثم تقول:


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 2.

[ 83 ]

" اللهم عبدك.... " ثم تكبر الثانية وتقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات " (1). فهي قد اشتملت على الشهادة وعلى الصلاة على النبي وعلى الدعاء للميت، والاخيران يؤخذ بهما لاشتراك الاخبار فيهما والتشهد سواء حملناه على الشهادتين أو على خصوص الشهادة بالوحدانية يدفع وجوبه ببقية الاخبار الفاقدة له كصحيح زرارة المتقدم. و " منها ": صحيحة أبي ولاد قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير على الميت؟ فقال: خمس تقول في اولهن: " اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له اللهم صل على محمد وآل محمد ثم تقول: " اللهم إن هذا المسجى.... " (2) وهي قد اشتملت على الشهادة بالوحدانية والصلاة على النبي وآله والدعاء للميت وحالها حال سابقتها. و " منها " موثقة سماعة - في حديث -: قال: سألته عن الصلاة على الميت فقال: خمس تكبيرات تقول إذا كبرت: " اشهد أن لا اله إلا الله.... " (3) وهذه الموثقة اشتملت على جميع ما اعتبره المشهور في صلاة الميت ولكن لا على تلك الكيفية المعروفة إلا أن الصلاة على محمد وآل محمد والدعاء للميت لابد من اخذهما لكونهما من القدر المشترك بين جميع الاخبار، والزائد عليهما من الشهادتين والدعاء للمؤمنين يدفع وجوبه ببقية الاخبار الفاقدة لهما. هذا كله في الاخبار المعتبرة. (1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 3. (2) و (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 5 و 6.

[ 84 ]

[ فيجزئ أن يقول بعد نية القربة وتعيين الميت - ولو إجمالا -: " الله اكبر اشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، الله اكبر، اللهم صل على محمد وآله محمد، الله اكبر، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الله اكبر اللهم اغفر لهذا الميت، الله اكبر ". ] وأما الاخبار الضعاف فربما يحتمل من رواية اسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربه عن أبي عبد الله (ع) في الصلاة على الجنائز تقول: " اللهم انت خلقت هذه النفس وأنت امتها تعلم سرها وعلانيتها اتيناك شافعين فيها شفعاء اللهم ولها ما تولت واحشرها مع من احبت " (1) عدم وجوب الصلاة على النبي فيها. غير انه يندفع بضعف سند الرواية لوجود احمد بن عبد الرحيم (الرحمن) أبي الصخر فانه مهمل في الرجال، وبعدم دلالة الرواية على عدم وجوب الصلاة على النبي لانها انما تدل على وجوب الدعاء المذكور فيها ولا تدل على عدم وجوب غيره حيث قال: (تقول) ويدل على ذلك عدم اشتمالها على وجوب التكبيرات الخمسة فلا حظ. وأما رواية كليب الاسدي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير على الميت؟ فقال بيده خمسا، قلت: كيف اقول إذا صليت عليه؟ قال: تقول " اللهم عبدك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 4.

[ 85 ]

[ والاولى ان يقول بعد التكبيرة الاولى: " اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا صمدا فردا حيا قيوما دائما أبدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. واشهد أن محمدا عبده ورسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " وبعد الثانية " اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد افضل ما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد وصل على جميع الانبياء والمرسلين " وبعد الثالثة: " اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات تابع اللهم بيننا وبينهم بالخيرات إنك على كل شئ تقدير " وبعد الرابعة: " اللهم إن هذا المسجى قدامنا عبدك وابن عبدك وابن عبدك وابن امتك نزل بك وأنت خير منزول به اللهم انك قبضت روحه اليك وقد احتاج إلى رحمتك وانت غني عن عذابه اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت اعلم به منا. اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته واغفر لنا وله اللهم احشره مع من يتولاه ويحبه وأبعده ممن يتبرأ منه ويبغضه اللهم الحقه بنبيك وعرف بينه وبينه وارحمنا إذا توفيتنا يا اله العالمين اللهم اكتبه عندك في اعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين واجعله من رفقاء محمد وآله الطاهرين وارحمه وايانا برحمتك يا ارحم الراحمين ". والاولى أن يقول بعد الفراغ من الصلاة " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " وان كان الميت ]

[ 86 ]

[ امرأة يقول بدل قوله " هذا المسجى... " إلى آخره " هذه المسجاة ندامنا أمتك وابنة عبدك وابن امتك " وأتى بسائر الضمائر مؤنثا. ] عذابه.... " (1). فهي وان كانت تدل على عدم وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله إلا انها ضعيفة السند بكليب الاسدي لعدم توثيقه - نعم ورد في رواية أبي اسامة السؤال منه (ع) عن أن كليبا إذا جاءه خير عنكم سلم فمدحه (ع) بتسليمه لاخبارهم الواصلة إليه. إلا انها لا تدل على أن ذلك هو كليب الاسدي الراوي لهذه الرواية (2)، نعم روى هو ما يفيد مدحه عنه (ع) إلا أن الراوي لها انما هو كليب الاسدي نفسه فلا يمكن الاعتماد على روايته. وفي رواية علي بن سويد عن الرضا (ع) قال: في الصلاة على الجنائز " تقرأ في الاولى: بأم الكتاب وفي الثانية تصلي على النبي وآله وتدعو في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات وتدعو في الرابعة لميتك والخامسة تنصرف بها " (3). وهي ضعيفة بحمزة بن بزيع عم محمد بن اسماعيل بن بزيع. وفي رواية اسماعيل بن همام عن أبي الحسن (ع) قال: قال أبو عبد الله (ع): صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على جنازة... (4)


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 7. (2) وقد جعل ذلك موكدا في معجم الرجال ج 14 ص 625 بعدما وثق الرجل بوجوده في اسناد كامل الزيارات (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 8. (4) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 9. وقد وقع ابراهيم بن مهزيار في اسانيد كامل الزيارات ولا جله وثقه ذلك - دام ظله - في المعجم فراجع.

[ 87 ]

وهي ضعيفة السند بابراهيم بن مهزيار لانه محل الكلام. وفي رواية يونس عن أبي عبد الله (ع): قال: قال: الصلاة على الجنائز... (1) وهي ضعيفة بالحسين بن أحمد، وفي نسخة الوسائل (الحسن بن احمد المنقري عن يونس) وهو غلط لان الموجود في الرجال (الحسين بن أحمد المنقري) لا الحسن (2). فالمتحصل إلى هنا أن الواجب في الصلاة على الميت غير التكبيرات أمران: (أحدهما): الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله: و (ثانيهما): الدعاء للميت. والاولى: - كما أشرنا إليه في التعليقة - أن يجمع بين الادعية بعد كل تكبيرة لما ورد في موثقة سماعة من الامر بالشهادتين والصلاة على محمد وآله والدعاء للمؤمنين والدعاء للميت، وقال: فان قطع عليك التكبيرة الثانية - أي قطعها الامام بأن كبر قبله - فلا يضرك تقول: اللهم هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك... " (3) إلى آخر الحديث. ثم ان المستفاد مما دل على التتابع في التكبيرات إذا رفعت الجنازة من محلها: أن التتابع والتعاقب بين التكبيرات ليس جائزا عند ابقاء الجنازة في محلها، وعليه فلا يجوز الاتصال والتعاقب بينها في الصلاة على الميت بل لابد من الفصل بينها بالصلاة على الميت


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 10. (2) ووقوع الرجل في اسناد تفسير علي بن ابراهيم غير موجب للحكم بوثاقته بعد كونه معارضا بتضعيف النجاشي فلا حظ. (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 6.

[ 88 ]

[ وان كان الميت مستضعفا يقول بعد التكبيرة الرابعة: " اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ". ] بعد واحدة منها والدعاء للميت بعد الاخرى والتسبيح والتهليل والتحميد بعد الاخريين حسبما بستفاد من موثقة يونس (1) الدالة على أن صلاة الميت تكبير وتسبيح وتهليل وتحميد وعلى الجملة لابد من الاتيان بشئ من ذلك بعد كل تكبيرة هذا كله في الصلاة على المؤمن ويبقى الكلام في الصلاة على المستضعف ومن لم يعلم مذهبه والمخالف. الصلاة على المستضعفين: اما المستضعف - وهو الذي لا يعاند الاسلام والحق وانما لم يلتزم به لقصور فيه بحيث لو بين له الحق لقبله، وهذا يتفق كثيرا في العجزة والنساء وعامة القاصرين - فالصحيح أن الصلاة عليه انما هي بخمس تكبيرات وذلك لاطلاق ما دل على ان صلاة الميت خمس تكبيرات (2)، ولا نعرف من


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب صلاة الجنازة ح 2. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة.

[ 89 ]

يصرح بذلك من الاصحاب ولا من صرح بخلافه، نعم قد يتوهم أن ما رواه اسماعيل بن سعد الاشعري عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن الصلاة على الميت فقال: " أما المؤمن فخمس تكبيرات وأما المنافق فأربع ولا سلام فيها " (1)، يدل على أن التكبيرات الخمسة منحصرة بالصلاة على المؤمن ولما لم يكن المستضعف بمؤمن فلا تجب خمس تكبيرات في الصلاة عليه. ويندفع بأن الرواية لا دلالة لها على ذلك لان المؤمن في الرواية مقابل المنافق لا مقابل المستضعف فكما انه ليس بمؤمن كذلك ليس بمنافق فالرواية غير شاملة لحكمه فتبقى الاطلاقات شاملة له من دون مزاحم. على انها ضعيفة السند لان طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى قد ذكر مقسطا ولم يعلم أن هذه الرواية من الجملة التي رواها بطريقه الصحيح أو من الجملة التي رواها عنه بطريق غير صحيح لاشتماله على أحمد بن محمد بن يحيى فالرواية غير صحيحة وان عبر عنها في الحدائق بالصحيحة ولعله من جهة وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى عنده وعليه لا خدشة في صحة طريق الشيخ إلى الرجل. نعم ورد في جملة روايات معتبرة (2) أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 و 9 من أبواب صلاة الجنازة ح 5 و 1. وقد تبدل راي الاستاد في طريق الشيخ إلى روايات احمد بن محمد بن عيسى والتزم بصحة الطريق من وجه آخر راجع المعجم ج 2 ترجمة احمد بن محمد بن عيسى. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة ح 1 و 18 و 25.

[ 90 ]

صلى على ميت بأربع تكبيرات انهم الميت بالنفاق وإذا صلى على ميت بخمس عرف انه مؤمن وظاهرها ان الخمس تختص بالمؤمن، إلا إن الصحيح عدم دلالتها على ذلك لان المؤمن فيها في قبال المنافق وهي تدل على أن الاربع تكبيرات من مختصات المنافق ولم يعلم دلالتها على أن الخمس من مختصات المؤمن لينفى وجوبه عن المستضعف، هذا. بل لولا التسالم على أن المخالف يصلى عليه بأربع تكبيرات أمكننا المناقشة في أصل هذا الحكم، وذلك لان المنافق الذي كان يصلي عليه النبي صلى الله عليه وآله بأربع هو الذي لم يكن مسلما باطنا وانما كان يظهر الاسلام كذبا لقوله تعالى: " والله يشهد ان المنافقين لكاذبون " (1) وقوله تعالى: " وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤن " (2). واين هذا من المنافق في عصر الائمة وفي ألسنة الاخبار إذا المنافق فيهما بمعنى المسلم المنكر للولاية. ولكن الموجود في كلماتهم أن المنافق بمعنى المنكر للولاية يصلى عليه بأربع تكبيرات مستدلا عليه بروايتين: " احداهما " ما رواه الصدوق عن الحسين بن النضر قال: قال الرضا (ع): ما العلة في التكبير على الميت خمس تكبيرات؟ قال: رووا انها اشتقت من خمس صلوات فقال: هذا ظاهر الحديث فأما في وجه آخر فان الله فرض على العباد خمس فرائض: الصلاة


(1) المنافقون 63: 1. (2) البقرة: 2: 14.

[ 91 ]

والزكاة والصوم والولاية فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة واحدة فمن قبل الولاية كبر خمسا ومن لم يقبل الولاية كبر أربعا فمن أجل ذلك تكبرون خمسا ومن خالفكم يكبر أربعا (1). و " ثانيهما ": ما رواه أبو بصير قال: قلت لابي عبد الله (ع): لاي علة (شئ) تكبر على الميت خمس تكبيرات ويكبر مخالفونا بأربع تكبيرات؟ قال: لان الدعائم التي بني عليها الاسلام خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية لنا أهل البيت فجعل الله للميت من كل دعامة تكبيرة وانكم أقررتم بالخمس كلها وأقر مخالفوكم بأربع وانكروا واحدة، فمن ذلك يكبرون على موتاهم أربع تكبيرات وتكبيرون خمسا " (2). فان المصرح به في الروايتين أن المخالف يكبر في صلاته بأربع تكبيرات والمؤمن بخمس تكبيرات. والجواب عن هذا الاستدلال: ان الروايتين دلتا على حكم المصلي - وانه لو كان مؤمنا فيكبر خمس تكبيرات ولو كان مخالفا فأربع - ولا تدل على حكم الميت ولا تتعرض له وانه إذا كان مؤمنا أو مخالفا يصلى عليه باية كيفية. على أن سند الروايتين ضعيف: أما الاولى: فلتردد الحسين بن النضر بين شخصين كلاهما غير موثق وان سها المامقاني (قده) ولم يتعرض للحسين بن النضر أصلا. وأما الثانية: فلوجود " علي بن أحمد " الذي هو شيخ الصدوق،


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة ح 16. (2) الرسائل: ج 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة ح 17.

[ 92 ]

و " محمد بن أبي عبد الله " نعم لو كان هو في أول السند لحكمنا بوثاقته لانه حينئذ " محمد بن محمد " الموثق دون ما إذا كان في وسطه - كما في المقام " و " موسى بن عمران " و " الحسن بن يزيد " الذي هو النوفلي، نعم " علي بن ابي حمزة البطائني " موثق وان كان خبيثا قد أكل أموال الامام (ع) (1). فالمتحصل أن المستضعف يصلى عليه بخمس تكبيرات. وأما الدعاء في الصلاة على المستضعف فقد أطبقت الاخبار - وهي بين صحيحة موثقة - على أن في الصلاة على المستضعف يدعى للمؤمنين لا للميت (2). وبهذا تفترق الصلاة على الميت المؤمن من الصلاة على المستضعف ففي الاولي يصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو للميت، وفي الثانية يصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو للمؤمنين. الصلاة على المخالفين: وأما الصلاة على المخالف: فقد ذهب صاحب الحدائق " قده " إلى عدم وجوب الصلاة عليه كالكافر ونسبه إلى بعضهم وهذا يبتني على


(1) هذا كله ما افاده (دام ظله) لدى البحث غير انه عدل عن ذلك اخيرا فبنى على ضعف البطائني ووثاقة محمد بن ابي عبد الله النوفلي وابن عمران ويظهر الوجه في ذلك كله بالمراجعة إلى معجم الرجال عند التعرض لترجمتهم. (2) راجع الباب 3 من ابواب صلاة الجنائز من الوسائل.

[ 93 ]

مسلكه من كفر المخالفين وانما أمرنا بالمعاشرة معهم تقية. وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه لما قدمنا في محله من ان المخالف مسلم محكوم بالطهارة ويترتب على المسلم من الآثار التي منها وجوب الصلاة عليه بخمس تكبيرات. والظاهر من كلمات الاكثرين وجوب خمس تكبيرات في الصلاة عليه وهذا الظهور في كلام العلامة في قواعدة قوي بل كاد يكون صريحا حيث أنه بعد ما بين أن صلاة الميت خمس تكبيرات قال " وتقول بعد الاولى كذا وبعد الثانية كذا... وتقول بعد الرابعة كذا إن كان مؤمنا، وكذا إن كان مخالفا، ثم تكبر الخامسة فتنصرف. بل صرح به الصدوق في هدايته بل ادعى عليه الاجماع في كلمات بعضهم ولكن ذهب المحقق " قده " إلى وجوب أربع تكبيرات في الصلاة على المخالف ولعل هذا هو المشهور فيما بين من تأخر عنه وذهب بعضهم إلى التخيير بين التكبير عليه بأربع أو بخمس. والصحيح من هذه الاقوال هو الاول الموافق لظاهر اطلاق الاكثرين وذلك للمطلقات الدالة على أن الصلاة على الميت خمس تكبيرات كالصحيحة (1) الواردة في صلاة هبة الله بن آدم على أبيه آدم (ع). حيث ورد في ذيلها ان الصلاة بخمس تكبيرات سنة جارية في ولد آدم إلى يوم القيامة وتخصيص المخالف يحتاج إلى دليل مخصص ولا دليل عليه إلا امران كلاهما لا يمكن المساعدة عليهما. " أحدهما " الاخبار الواردة (2) في أن الصلاة على المؤمن


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة.

[ 94 ]

خمس تكبيرات وعلى المنافق أربع - وهي وان كان بعضها صحيحا ومعتبرا إلا أنا قدمنا عدم دلالتها على وجوب الاربع في المخالف لان المنافق غير المخالف فان المنافق هو المضمر للكفر والمظهر للاسلام كذبا، والمخالف مسلم وغير مضمر للكفر إلا انه لا يعتقد بالولاية وأين أحدهما من الآخر؟ و " ثانيهما ": ما رواه الشيخ عن ابن عيسى وقد اشتملت على أن المؤمن يصلى عليه بخمس والمنافق بأربع (1). وهي ظاهرة في المدعى لو خليت وفي نفسه لكونها صادرة عن الامام الرضا (ع) والمنافق في عصره في مقابل المؤمن المعتقد بالولاية وظاهره المخالف. إلا انها ايضا غير صالحة للاستدلالل بها لانها بملاحظة ما في قبالها من الروايات المتقدمة التي قلنا ان المراد بالمنافق فيها غير المخالف جزما لابد من حملها على غير المخالف ويعضده الشهرة المنعقدة بين الاصحاب على العمل بالمطلقات المتقدمة وعدم الفرق في ذلك بين الشيعة والمخالفين. على انا قد ناقشنا في سندها لان طربق الشيخ إلى " ابن عيسى " قد ذكر متبعضا ولا يدرى أن ما يرويه من الاخبار التي رواها عنه بطريقه الصحيح أو مما رواه عنه بطريقه الضعيف. فالمتحصل ان الصلاة على المخالف كالصلاة على المؤمن من حيث وجوب التكبير خمسا.


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب صلاة الجنازة ح 5. وتقدم اعتبار طريق الشيخ إلى جميع روايات ابن عيسى فلا حظ.

[ 95 ]

حكم الصلاة على المخالف من حيت الدعاء: واما من حيث الدعاء فيختلفان حيث يدعى على الميت المخالف ويدعى له في المؤمن وذلك لان المخالف - غير المستضعف الذي قدمنا حكمه - إما معاند أو جاهل مقصر وكلاهما عدو الله. وقد ورد في صحيحة الحلبي (1) الامر بالدعاء على الميت إذا كان عدو الله والمخالف لو لم يكن مبغضا لاهل البيت (ع) إلا أنه بالاخرة يبغض عدو عدو أهل البيت فهو عدو الله فتشمله الصحيحة كما عرفت. على أنه ورد الدعاء على الميت إذا كان جاحدا للحق ولا اشكال في صدق هذا العنوان على المخالف إذ لا يعتبر في الجحد إلا انكار الحق - علم به أم لم يعلم - ولان الدعاء للميت مختص بالمؤمن لما ورد في الميت الذي لا يعلم مذهبه من نعليق الدعاء له على كونه مؤمنا بقوله " اللهم ان كان مؤمنا فكذا " فلو لم يكن الدعاء للميت مخصوصا بالمؤمن لم يكن لهذا التعليق وجه فالمخالف لا يجوز الدعاء له (2).


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب صلاة الجنازة ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من ابواب صلاة الجنازة ح 1، 4.

[ 96 ]

الصلاة على المنافق: وأما الصلاة على المنافق - وهو الذي لا يعتقد بالاسلام واقعا إلا انه يلتزم به ظاهرا ولا يبرز مخالفته لقواعده وأحكامه بحسب العمل وقد كان كثيرا في زمان النبي صلى الله عليه وآله فلا ينبغي الشبهة في أن الصلاة عليه بأربع تكبيرات لجملة من الصحاح وغيرها وأما إطلاق كلمات الاصحاب كالصدوق وابن زهرة حيث ذكروا ان الصلاة على الميت خمس تكبيرات وتقول بعد التكبيرة الاولى كذا... وبعد الرابعة تدعو للميت ان كان مؤمنا وتدعو عليه ان كان منافقا وتكبر الخامسة وتنصرف فلا يحتمل ارادتهم من المنافق هذا المعنى بل المراد به في كلماتهم هو المنافق بمعنى المخالف الذي قدمنا حكمه. وذلك لرجود الاخبار المعتبرة على أن المنافق يصلى عليه بأربع تكبيرات، الصلاة على من لم يعرف حله: وأما من لا يعرف مذهبه وحاله فالظاهر وجوب التكبير عليه بخمس وذلك للاطلاقات وللاصل حيث انها دلت على ان الصلاة على الميت

[ 97 ]

[ وان كان مجهول الحال يقول: " اللهم إن كان يجب الخير ] خمس تكبيرات ولم يخرج عنها سوى المنافق ولا يدرى ان مجهول الحال منافق ومقتضى الاصل عدم كونه منافقا فيجب التكبير عليه بخمس. وأما من حيث الدعاء فيختلف عن المؤمن في أن الدعاء له لابد أن يكون معلقا بأن يدعى له على تقدير كونه مؤمنا وذلك لما ورد من أن الميت المجهول حاله يدعى له معلقا كقوله " اللهم ان كان مؤمنا فكذا، وان كان مخالفا فكذا. وأما الدعاء للمؤمنين فمقتضى جملة من الروايات وان كان انه يدعو للمؤمنين في الصلاة على من لا يعرف حاله، إلا أن مقتضى صحيحة الحلبي (1) التي فصلت بين المستضعف ومن لا يعرف حاله - وانه يدعى في الصلاة عليه للمؤمن دون من لا يعرف حاله - عدم جواز الدعاء المخصوص بالمؤمنين في الصلاة على الميت الذي لا يعرف حاله. فقد تحصل أن الواجب في التكبير هو الخمس مطلقا إلا في المنافق، نعم تختلف الادعية باختلاف الميت من كونه مؤمنا أو مستضعفا أو غير ذلك.


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 98 ]

[ وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه " وان كان طفلا (1) يقول: " اللهم اجعله لابويه ولنا سلفا وفرطا وأجرا ". إذا كان الميت طفلا: (1) بقي الكلام في الصلاة على الطفل، وهل يجب فيها الدعاء أم لا؟ لا إشكال في أن الاوامر الواردة بالدعاء للميت لا تشمل الصبي لانها تضمنت الدعاء وطلب المغفرة له والتجاوز عن معاصيه وسيأته والطفل ليس عنده سيئات ولا معاصي لكونه غير مكلف بشئ. والصحيح أن يدعى في الصلاة على الطفل بما يدعى به في المستضعف من الدعاء للمؤمنين وقد تقدم أن الدعاء مقوم لصلاة الميت ولا صلاة من دونه. نعم: ورد في رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي (ع) في الصلاة على الطفل انه كان يقول: " اللهم اجعله لابويه ولنا سلفا وفرطا وأجرا " (1)، إلا انها ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد عليها من جهة المنبة بن عبد الله لعدم توثيقة في الرجال هذا. ولكن التأمل يقضي بصحتها وذلك لان المنبه بن عبد الله وان لم يوثق صريحا في الرجال إلا أن النجاشي ذكر أنه صحيح الحديث


الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 99 ]

وهذا توثيق منه له بل فوقه ولا يقاس هذا بمثل قول الصدوق في اوائل " من لا يحضره الفقيه ": " أن ما اورده في كتابي حجة بيني وبين ربي " فانه فرق بين أن يقال: الرواية صحيحة كما في قول الصدوق وبين أن يقال: الراوي صحيح للحديث، فان الاول يحتمل الاجتهاد أي بأن تكون الرواية صحيحة في نظره وهذا بخلاف الثاني فان كون راو صحيح الحديث انما يكون فيما إذا كان ثقة في اخباره. ثم إن معنى الرواية الصحيحة عندهم هو كونها حجة شرعية وليس بمعنى كون الراوي فيها عدلا اماميا فانه اصطلاح حديث نشا عند تقسيم الرواية، وعليه فالمنبه بن عبد الله لا بأس بروايته. واما الحسين بن علوان الواقع في سند الرواية فقد ذكره الشيخ والنجاشي وله كتاب فانهما لا يذكران من الرواة إلا من له كتاب. فما في رجال النجاشي من أن الحسين بن علوان ليس له كتاب فهو من غلط النسخة والصحيح هو الحسن، فانه لو لم يكون له كتاب لم يورده النجاشي في كتابه - على انه صرح بعد فصل غير طويل أن للحسين كتابا مختلط رواياته ثم ان النجاشي ذكر عند ترجمته أن الحسين بن علوان عامي وأخوه الحسن ثقة. ووقع الكلام بينهم في أن " ثقة " خبر لقوله " واخوه " أو يرجع إلى الحسين بن علوان المترجم أو انها مجملة؟ وظاهر العبارة هو الاول. إلا أنه وثقه ابن عقدة حيث قال " واخوه الحسن اوثق منه " فانه افعل التفضيل فيدل على أن الحسين ثقة أيضا غاية الامر ان

[ 100 ]

[ (مسألة 1): لا يجوز اقل من خمسة تكبيرات إلا للتقية أو كون الميت منافقا (1) وان نقص سهوا بطلت ووجب الاعادة إذا فاتت الموالاة وإلا اتمها. (مسألة 2): لا يلزم الاقتصار في الادعية بين التكبيرات على المأثور (2) بل يجوز كل دعاء بشرط اشتمال الاول ] الحسن اوثق فلا إشكال في سند الرواية من هذه الجهة أيضا. واما عمرو بن خالد فقد وثقه ابن فضال وحيث أن بني فضال موثقون فنعتمد على توثيقاتهم. وأما زيد بن علي بن الحسين فهو من الجلالة بمكان فلا مناقشة في الرواية بحسب السند. إلا انها قاصرة الدلالة على المراد لاشتمالها على حكاية فعل الامام (ع) ولا دلالة فيه على الوجوب. (1) لانه مقتضى القاعدة فتبطل بترك شئ مما يعتبر فيها ولا يمكن تصحيحها بقاعدة " لا تعاد " لاختصاصها بصلاة ذات ركوع وسجود فلابد من إعادتها إلا أن لا تفوت الموالاة فيتمها حينئذ بالاتيان بالتكبيرة الخامسة مثلا. (2) لما تقدم من انه ليس في صلاة الميت دعاء مؤقت فيجوز له أن يدعو بما شاء. نعم لابد من التحفظ على الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله والدعاء للميت على مسلكنا وعلى الامور المعتبرة عند الماتن إلا ان له أن يأتي بهما بأي كيفية اراد، إذ لا دعاء موقت في صلاة الميت.

[ 101 ]

[ على الشهادتين والثاني على الصلاة على محمد وآله والثالث على الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالغفران وفي الرابع على الدعاء الميت، ويجوز قراءة آيات القرآن والادعية الاخر ما دامت صورة الصلاة محفوظة. (مسألة 3): يجب العربية في الادعية بالقدر الواجب (1) وفيما زاد عليه يجوز الدعاء بالفارسية ونحوها. (مسألة 4): ليس في الميت أذان ولا اقامة (2) ولا قراءة الفاتحة (3). ] (1) لان الاخبار (1) المشتملة على الادعية وان كانت مختلفة إلا أنها بأجمعها مشتركة في كون الادعية بالعربية فالعربية معتبرة في صلاة الميت. نعم هذا في المقدار الواجب وأما الزائد عليه فهو مخير بين الدعاء بالعربية وغيرها من الالفاظ لانه على كل حال تهليل وتسبيح وتكبير. (2) لاختصاصهما بالفرائض ولا تجوزان في غيرها من الصلوات فضلا عما نحن فيه الذي هو ليس بصلاة. (3) لعدم اشتمال الاخبار لها فيجوز الاتيان بها بعنوان القرآن لا بعنوان القراءة المعتبرة في الصلاة، نعم وردت القراءة في صلاة الميت في روايتين ضعيفتين. احداهما ما عن الشيخ بسنده عن ابن عيسى وقد تقدم ضعف


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 2 وغيره من ابواب صلاة الجنازة.

[ 102 ]

[ ولا ركوع والسجود (1) والقنوت (2) والتشهد (3) ] هذا السند (1). وثانيهما: ما رواه عن عبد الله بن ميمون وهو عن جعفر بن محمد بن عبد الله (2) - كذا في الوسائل والصحيح عبيد الله - وهو لم يوثق في الرجال. على انا لو اغمضنا عن سندها فهي وسابقها لاجل كونهما في مقابل الاخبار الواردة في الصلاة الجنائز وهي ساكتة عن بيان وجوب الفاتحة فيها مع كونها بصدد البيان لابد من حملها على التقية ونحوها ولا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بوجوب قراءة الفاتحة في صلاة الاموات بوجه. (1) وقد صرح بذلك في بعض الروايات وأنه لا سجود ولا ركوع فيها وانها ليست إلا تهليل أو تكبير أو تحميد. (2) لعدم وروده في شئ من الروايات، نعم لا بأس برفع اليدين للدعاء، وانما لا يجوز الاتيان به بعنوان القنوت المعتبر في الصلاة. (3) الظاهر المطمأن به ان الماتن " قده " أراد التشهد في الصلاة - اعني الجلوس بالكيفية المعتبرة في الصلاة - وهو غير معتبر في صلاة الاموات إذ لا دليل عليه لعدم وروده في الاخبار.


(1) تقدمت الرواية كما قدمنا وضعفها بحمزة بن بزيع. (2) الوسائل: ج 2 باب 7 من ابواب صلاة الجنازة ح 4. وجعفر بن محمد بن عبد الله القمي موجود في اسناد كامل الزيارات فالسند معتبر على ذلك.

[ 103 ]

[ والسلام (1) ولا التكبيرات الافتتاحية وادعيتها، وان أتى بشئ من ذلك بعنوان التشريع كان بدعة وحراما. ] وأما أصل التشهد فهو معتبر فيها على ما يراه الماتن كما تقدم. (1) لا يعتبر فيها السلام لعدم وروده في الاخبار. نعم ورد في بعض الموثقات كموثقتي سماعة وعمار " وإذا فرغت سلمت عن يمينك " (1) و " تسلم " (2) إلا أنها محمولة على التقية لموافقتها العامة أو محمولة على السلام المستحب عند التوديع كما حمله عليه صاحب الوسائل " قده ". وناقش صاحب الوافي في حملها على التقية نظرا إلى انهما اشتملتا على الامر بالتكبيرات الخمسة وهو على خلاف التقية لان العامة انما يرون صلاة الميت أربع تكبيرات ومعه كيف يمكن حملهما على التقية. وفيه: ان العامة بأجمعهم لو يكونوا ملتزمين بكونها أربع تكبيرات في تلكم العصور بل كان فيهم من يلتزم بالتخيير بين الاربع والخمس نظرا لما رواه من أن النبي صلى الله عليه وآله كان قد يصلي باربع وأخرى بخمس تكبيرات (3). نعم صار القول بالاربع مشهورا ومتسالما عليه بينهم بعد حصر المذاهب في الاربعة اذن فلا تكون الرواية الآمرة بخمس تكبيرات منافية للتقية لاحتمال إختياره (ع) الخمس عملا بالتخيير. هذا على أنه يمكن تكون الرواية الواحدة ببعض جملاتها موافقة للعامة


(1) (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ج 6 و 11. (3) تقدم نقله قريبا فليراجع.

[ 104 ]

[ (مسألة 5): إذا لم يعلم أن الميت رجل أو امرأة يجوز أن يأتي بالضمائر مذكرة بلحاظ الشخص والنعش والبدن وأن يأتي بها مؤنثة بلحاظ الجثة والجنازة بل مع المعلومية أيضا يجوز ذلك (1) ولو أتى بالضمائر على الخلاف جهلا ] وببعضها الاخرى مخالفة لهم فيعامل مع الاولى معاملة الموافق للعامة دون الثانية. هذا ومما ينبغي الاشارة إليه انا ذكرنا سابقا أن التكبيرات الخمسة مقومة لصلاة الميت إلا أنه إذا زاد عليها سهوا فلا ينبغي الاشكال في عدم بطلانها بذلك إذ لا دليل على أن الزيادة مانعة عن الصلاة. وما ورد (1) من أن من زاد في صلاته استقبل صلاته استقبالا فهو مختص بالصلوات ذات الركوع والسجود. ومن هنا يظهر أنه لو زاد على الخمس عمدا لا تبطل صلاته أيضا لعدم الدليل عليه. نعم إذا نوى الزيادة من الابتداء وقصد الاتيان بصلاة ذات ست تكبيرات بطلت إذ لا أمر بصلاة ذات ست تكبيرات فلا تحقق منه نية الصلاة، وأما إذا قصده في الاثناء - ولا سيما بعد الخامسة - فلا ينبغي الشبهة حينئذ في صحة الصلاة. (1) باعتبار الجسد والجثة.


(1) راجع الوسائل ج 5 باب 19 من أبواب الخلل في الصلاة.

[ 105 ]

[ أو نسيانا (1) لا باللحاظين المذكورين فالظاهر عدم بطلان الصلاة. (مسألة 6): إذا شك في التكبيرات بين الاقل والاكثر بنى على الاقل (2). ] إذا لم يعلم أن الميت رجل: (1) كما إذا كان عالما بأنه رجل أو امرأة إلا انه نسى فلا مانع من أن يحكم بتخييره وذلك لانه إذا أرجع الضمير المؤنث إلى المذكر فهو من الاشتباه في التطبيق كما إذا قال يا عمرو بدلا من قوله يا زيد عند الخطأ فانه لا يعد غلطا حينئذ، والخطأ في التطبيق غير مانع عن الصحة. إذا شك في الدعاء: (2) لم يتعرض للشك في الدعاء وحاصله انه إذا شك في الدعاء الثاني كالدعاء للميت انه أتى بالدعاء السابق عليه في التكبيرة المتقدمة أم لم يأت به؟ لا مانع من الحكم بصحة الصلاة والاتيان بالدعاء بقاعدة التجاوز

[ 106 ]

[ نعم لو كان مشغولا بالدعاء بعد الثانية أو بعد الثالثة فشك في إتيان الاولى في الاول أو الثانية في الثاني بنى على الاتيان وان كان الاحتياط أولى. ] لعدم اختصاصها بباب الصلاة وان أمر عليه شيخنا الاستاذ " قده " وذكر أن عدم جريانها في الطهارات الثلاثة من باب التخصص لا التخصيص لاختصاص القاعدة بالصلاة، الا انا ذكرنا عدم اختصاص ادلتها بباب الصلاة فلا مانع من التمسك بها عند الشك في الاتيان بالدعاء. الشك في التكبيرات: وأما الشك في التكبيرات فقد ذكر الماتن " قده " انه يبنى على الاقل بالاستصحاب إلا انه إذا كان مشغولا بالدعاء بعد الثانية أو بعد الثالثة فشك في اتيان التكبيرات الاولى في الاول أو الثانية في الثاني لا مانع من البناء على الاتيان بها لقاعدة التجاوز وان كان الاحتياط أولى. إلا ان اجراء قاعدة التجاوز في المقام مبني على أن يكون للادعية محل مقرر شرعي ليصدق التجاوز عند التجاوز عنه، وعلى تقدير القول بالمحل تجري القاعدة في التكبيرة الاولى إذا شك فيها بعد الدخول في الدعاء عقبيها فلا حاجة إلى التقييد المذكور في المتن: " نعم لو كان مشغولا بالدعاء بعد الثانية ". هذا ولكن الصحيح أن الادعية ليس لها محل مقرر شرعا فلو رأى

[ 107 ]

[ (مسألة 7): يجوز أن يقرأ الادعية في الكتاب (1) خصوصا إذا لم يكن حافظا لها. ] نفسه يصلي على النبي صلى الله عليه وآله ليس له البناء على تحقق التكبيرة الثانية لعدم كون محلها بعد التكبيرة الثانية بل يجوز الاتيان بالصلاة على على اللنبي وآله بعد الاولى أيضا وهكذا. (1) لعدم اشتراط كونها مقروءة عن ظهر القلب وهو ظاهر.

[ 108 ]

[ " فصل: في شرائط صلاة الميت " وهي أمور: - (الاول): أن يوضع الميت مستلقيا. (الثاني): أن يكون رأسه إلى يمين المصلي ورجله إلى يساره (1). ] " فصل: في شرائط صلاة الميت " (1) ويدل على هذين الشرطين موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) في حديث أنه سئل عمن صلى عليه فلما سلم الامام فإذا الميت مقلوب رجلاه إلى موضع رأسه قال: يسوى وتعاد الصلاة على وان كان قد حمل ما لم يدفن فان دفن فقد مضت الصلاة عليه ولا يصلى عليه وهو مدفون (1). أما دلالتها على اعتبار كون رأس الميت إلى يمين المصلي ورجلاه إلى يساره فهي ظاهرة. وأما دلالتها على اعتبار كون الميت مستلقيا فلانه الوضع المتعارف


(1) الوسائل: ج 2 باب 19 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 109 ]

[ (الثالث): أن يكون المصلي خلفه محاذيا له لا أن يكون في أحد طرفيه إلا إذا طال صف المأمومين. (الرابع): أن يكون الميت حاضرا فلا تصح على الغائب وان كان حاضرا في البلد (1). المعهود عند وضع رأس الميت إلى اليمين ورجليه إلى اليسار. على أنه يمكن الاستدلال عليه بما ورد (1) في الصلاة على العاري من وضعه على قبره وستر عورته بلبن ونحوه فانه لو جاز جعل الميت على وجهه بأن يكون ظاهرا عند المشاهدة والرؤية لم يحتج إلى ستر عورته باللبن والتراب بل جسده كان يستر عورته وأما دبره فيستره الاليتان. وكذا لو جاز جعله على يمينه أو يساره في قبره فلا ترى معه عورته ومن ذلك يستكشف اعتبار كون الميت على قفاه هذا. مضافا إلى ان المسألة مورد التسالم بين الاصحاب. اعتبار حضور الميت: (1) ويدل عليه وعلى ما تقدمه - بالاضافة إلى ان المسألة متسالم عليها عندهم - ما ورد في صحيحة أبي ولاد من قوله في الدعاء: " اللهم إن هذا المسجى قدامنا عبدك " (2) فيعلم منه ان الميت لابد


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 36 من أبواب صلاة الجنازة. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب صلاة الجنازة ح 5.

[ 110 ]

[ (الخامس): أن لا يكون بينهما حائل - كستر أو جدار - (1) ولا يضر كون الميت في التابوت ونحوه. (السادس): أن لا يكون بينهما بعد مفرد على وجه ] من كونه قدام الامام ولابد من كونه حاضرا. وكذا يستفاد هذا مما ورد في كيفية وضع الميت إذا تعدد وكان البعض رجلا والبعض امرأة حيث ان المرأة توضع محاذية لركبتي الميت الرجل فيدل ذلك على انه لا يجوز أن يجعل على خلف المصلي كما تراه العامة وكذلك تدل على ان الميت لا بد أن يكون حاضرا. وأما ما ورد (1) من أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على النجاشي عندما سمع بموته وارتفعت الجبال وسطحت الارض حتى رآه النبي فهي ضعيفة السند لا يمكن الاستدلال بها. على انها معارضة بما ورد عن زرارة أو محمد بن مسلم من ان النبي صلى الله عليه وآله لم يصل على النجاشي بل دعا له (2). ويستفاد أيضا اعتبار ذلك مما ورد من أن عليا (ع) كان يدخل عشرة عشرة للصلاة على النبي (2) فانه لو جازت الصلاة على الميت من بعيد لم يحتج إلى ذلك بل جاز لكل أحد أن يصلي على النبي ولو في بيته أو غيره من المواضع. (1) بحيث يمنع عن صدق الحضور عنده دون مثل التابوت والساتر ونحوهما إذ معه يصدق أن الميت حاضر عنده.


(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من ابواب صلاة الجنازة ح 10. (2) الوسائل: ج 2 باب 18 من ابواب صلاة الجنازة ح 5.

[ 111 ]

[ لا يصدق الوقوف عنده إلا في المأموم مع اتصال الصفوف. (السابع): أن يكون أحدهما أعلى من الآخر علوا مفرطا (1). (الثامن): استقبال المصلي (2) القبلة. ] (1) علوا لا يصدق معه الكون عنده، وأما المقدار غير المانع عن صدقه كشبر أو شبرين فلا يضرها. اعتبار استقبال المصلى القبلة: (2) هذه المسألة متسالم عليها بنى الاصحاب وتدل عليه صحيحة داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري الواردة في المصلوب وكيفية الصلاة عليه ".... إن كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الايمن وان كان قفاء إلى القبلة فقم على منكبه الايسر فان ما بين المشرق والمغرب قبلة وان كان منكبه الايسر إلى القبلة فقم على منكبه الايمن وان كان منكبه الايمن إلى القبلة فقم على منكبه الايسر وكيف كان منحرفا فلا تزائلن مناكبه وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب ولا تستقبله ولا تستدبره البتة (2) حيث دلت على أن الاستقبال معتبر في الصلاة على الاموات وحيث انه


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من ابواب صلاة الجنازة ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 35 من ابواب صلاة الجنازة ح 1،

[ 112 ]

غير ممكن في مفروض الحديث اتسعت القبلة بالاضافة وكان ما بين المشرق والمغرب قبلة. والوجه في عدم التمكن من الاستقبال فيها أن المكلف وان كان يتمكن من الاستقبال عقلا كما إذا قام خلف المصلوب الذي وجهه إلى القبلة إلا انه غير متمكن مه شرعا لاعتبار أن يكون الامام مستقبلا لمنكب المصلوب ومعه لا يتمكن من الاستقبال شرعا. و (دعوى): أن الرواية أعرض عنها الاصحاب لعدم ذكر هم لها في مصنفاتهم في كيفية الصلاة على المصلوب. (مندفعة): بأن مضمون الرواية وهو اتساع جهة القبلة عند عدم التمكن من القبلة واجزاء ما بين المشرق والمغرب معا لم يعرض عنه الاصحاب وانما لم يتعرضوا له لانهم أعرضوا عنه. ويدل عليه ايضا ما رواه الحلبي قال: سألته عن الرجل والمرأة يصلى عليهما؟ قال " يكون الرجل بين يدي المرأة مما يلي القبلة فيكون رأس المرأة عند وركي الرجل مما يلي يساره ويكون رأسها ايضا مما يلي يسار الامام ورأس الرجل مما يلي يمين الامام " (1) حيث دللت على اعتبار القبلة في الصلاة على الميت. ونظيرها رواية اخرى وهي ما رواه عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال قلت: ارايت ان من فاتني تكبيرة أو اكثر قال تقضي ما فاتك. قلت: استقبل القبلة؟ قال: بلى وانت تتبع الجنازة (2).


(1) الوسائل ج 2 باب 32 من أبواب صلاة الجنائز ح 7. (2) الوسائل: ج 3 باب 17 من أبواب صلاة الجنائز ح 4.

[ 113 ]

[ (التاسع): أن يكون قائما (1). ] اعتبار القيام في المصلي: (1) وهذا الشرط متسالم عليه بينهم ايضا، وتدل عليه الصحيحة المتقدمة (1) الدالة على انه يقوم قبال المنكب الايمن أو الايسر فيستفاد منها اعتبار القيام في الصلاة على الميت. ثم إن هذا الشرط كسابقه يختصان بحال التمكن لانه القدر المتيقن من التسالم ولم تدلنا الاخبار إلا على اعتباره فيمن يتمكن منهما، وعليه فلو صلى على ميت قاعدا أو إلى غير القبلة لعجز ثم تجددت له القدرة على الصلاة قائما أو مستقبلا، أو وجد شخص يتمكن من الشرطين أو أنه كان هناك شخصان احدهما متمكن من القيام والاستقبال دون الآخر فلو صلى العاجز فصلاته جائزة أولا؟ وعلى تقدير صحتها هل تجزي عن الصلاة التامة أو لا تجزي؟ وهذان فرعان يتعرض لهما الماتن في الفروع الآتية إلا انا نتعرض لهما في المقام. اما إذا كان هناك شخصان احدهما عاجز عن القيام والاستقبال والآخر متمكن منهما فالصحيح عدم جوازها للفاقد لان التكليف انما يترتب على الطبيعي الجامع بين الافراد لا على خصوص العاجز


في الامر الثامن.

[ 114 ]

[ (العاشر): تعيين الميت على وجه يرفع الابهام (1) ولو بأن ينوي الميت الحاضر أو ما عينه الامام. ] أو غيره فصلاة العاجز غير مأمور بها في نفسها. ثم لو أتى بها العاجز فاقدة للقيام أو الاستقبال وجاءا لا دليل على كونها مجزئة وموجبة لسقوط التكليف عن القادر عليهما لعدم كونها مصداقا للمأمور به بل لابد من اتيان المكلف القادر عليهما بمالها من شروط. واما الفرع الثاني فقد ذكر المحقق الهمداني أنه بعد تجدد القدرة له أو حضور شخص قادر على الاستقبال والقيام إذا شك في وجوب الاعادة وعدمه فهو شك في التكليف ندفعه بالبراءة. إلا أن الصحيح خلافه - وفاقا للماتن (قده) - حيث ذهب إلى وجوب اعادة الصلاة حينئذ، وذلك لقاعدة الاشتغال لانه بتجدد القدرة أو بحضور شخص قادر يستكشف عدم كون المأتي به مأمورا به من الابتداء. اذن مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم اعادتها. اعتبار تعيين الميت والقربة واباحة المكان: (1) لان من مقومات صلاة الميت الدعاء للميت ولا معنى لدعاء المردد لان المردد لا وجود له ليدعى له فلا مناص من تعيين الميت ولو بأن ينوي الميت الحاضر أو ما عينه الامام.

[ 115 ]

[ (الحادي عشر): قصد القربة (1). (الثاني عشر): اباحة المكان (2). (الثالث عشر): الموالاة بين التكبيرات والادعية على وجه لا تمحو صورة الصلاة (3). ] (1) لانها من العبادات وهي تحتاج إلى قصد القربة والاضافة إلى الله سبحانه نحو اضافة. (2) هذا لم يقم عليه دليل لان حرمة التصرف تمنع عن صحة العبادة فيما إذا كانتا متحدتين ولا اتحاد بينهما في المقام لان صلاة الميت ليست إلا جملة من التكبيرات والاذكار. والتكلم في المكان المغصوب لا يعد تصرفا فيه كما لا يخفى وهكذا الامر في الصلوات المفروضة فيما إذا كان السجدة واقعة على محل مباح. نعم لو كانت السجدة على ارض مغصوبة بطلت إذ اخذ في مفهوم السجدة الاعتماد على الارض، ومع حرمته لا تقع السجدة مصداقا للمأمور به. اعتبار الموالاة والاستقرار. (3) انما تعتبر الموالاة لتعد الاشياء المتشتتة شيئا واحدا لدى العرف للتتابع فلا يجزي ما إذا كبر ثم اشتغل بشئ كالمطالعة ثم كبر ثانية بعد مدة.

[ 116 ]

[ (الرابع عشر): الاستقرار (1) بمعنى عدم الاضطراب على وجه لا يصدق معه القيام بل الاحوط كونه بمعنى ما يعتبر في قيام الصلوات الاخر. (الخامس عشر): أن تكون الصلاة بعد التغسيل والتكفين والحنوط كما مر سابقا (2). (السادس عشر): أن يكون مستور العورة إن تعذر الكفن (3) ولو بنحو حجر أو لبنة (السابع عشر): إذن الولي. (مسألة 1): لا يعتبر في صلاة الميت الطهارة من الحدث والخبث واباحة اللباس وستر العورة (4) وان كان. ] (1) قسم الاستقرار إلى قسمين: أحدهما: الاستقرار في مقابل الاضطراب كالطفرة على وجه لا يصدق عليه القيام وهذا لا يجزي في الصلاة. وثانيهما: الاستقرار بمعنى ما يعتبر في قيام الصلوات المفروضة وذكر أن اعتباره في المقام احوط، إلا أن الصحيح عدم اعتباره في المقام لان دليله في الفرائض هو الاجماع وهو مختص بها. (2) وتقدم وجهه. (3) تقدم أيضا وجهه. (4) إذ لم يقم على اعتبارها دليل وانما اعتبرت في الصلاة الحقيقية كما التزم بذلك بحر العلوم (قده) في منظومته في غير حلية المكان.

[ 117 ]

[ الاحوط اعتبار جميع شرائط الصلاة حتى صفات السائر من عدم كونه حريرا أو ذهبا أو من اجزاء ما لا يؤكل لحمه، وكذا الاحوط مراعاة ترك الموانع للصلاة كالتكلم والضحك والالتفات عن القبلة. (مسألة 2): إذا لم يتمكن من الصلاة قائما اصلا يجوز أن يصلي جالسا (1) وإذا دار الامر بين القيام بلا استقرار والجلوس مع الاستقرار يقدم القيام (2) وإذا دار بين الصلاة ماشيا أو جالسا يقدم الجلوس (3) إن خيف على الميت من الفساد مثلا، وإلا فالاحوط الجمع. ] (1) لما تقدم من ان اعتباره يختص بحال الاختيار ويسقط عند التعذر إذ لا دلالة في دليله على اعتباره مطلقا مضافا إلى القطع بأن الميت لا يدفن بلا صلاة لاجل تعذر القيام أو الاستقبال في المصلي. (2) لان الاستقرار انما اعتبرناه في الصلوات الحقيقة بالاجماع وفي صلاة الميت نقول بالاستقرار احتياطا إلحاقا لها بالصلوات الحقيقية وإلا فلا دليل على اعتباره في المقام كما انه في الصلوات الحقيقية مختص بما إذا لم يكن مزاحما بشرط أو جزء آخر، ومع استلزامه ترك شئ منهما لا يشمله الاجماع. (3) تقديم الجلوس يبتني على القول بالاخذ بما يحتمل تعينه عند دوران الامر بين التعيين والتخيير فان الجلوس محتمل التعيين لانه التزم به بعضهم.

[ 118 ]

[ (مسألة 3): إذا لم يمكن الاستقبال اصلا سقط (2) وان اشتبه صلى إلى اربع جهات (2) إذا إذا خيف عليه الفساد فيتخير، وان كان بعض الجهات مظنونا صلى إليه وان كان الاحوط الاربع. ] لكن ذكرنا في محله أن مقتضى القاعدة هو التخيير لجريان البراءة عن تعيين ما يحتمل تعينه. وفي المقام يتخير بين الامرين - بين الصلاة جالسا والميت قدامه وبين الصلاة ماشيا وهو قائم من غير أن يكون الميت قدامه. لان مقتضى اطلاق ما دل على اعتبار القيام هو أن القيام معتبر سواء تمكن من الوقوف أم لم يتمكن، كما أن ما دل على اعتبار وقوف المصلي خلف الميت محاذيا له انه معتبر مطلقا سواء تمكن من القيام أم لم يتمكن فيتساقطان وينتج التخيير المذكور. (1) لما تقدم من اختصاص شرطيته بحال التمكن. (2) يقع الكلام في هذه المسألة من جهتين: " الجهة الاولى ": ما إذا كانت بعض الجهات مظنون القبلة. ولا ينبعي الاشكال في تعين الجهة المظنونة حينئذ لان ما دل على اعتبار الظن بالقبلة - وهو صحيحة زرارة: يجزي التحري أبدا إذا لم يعلم اين وجه القبلة (1) غير مختص بالصلاة الحقيقية بل يعم صلاة الميت والذبح وغيرهما مما يشترط فيه استقبال القبلة.


(1) الوسائل: ج 3 باب 6 من أبواب القبلة ح 1.

[ 119 ]

" الجهة الثانية " ما إذا لم يكن بعض الجهات مظنون القبلة وقد افتى الماتن (قده) حينئذ أنه يصلي إلى اربع والوجه في ذلك امور. منها: العلم الاجمالي. ومنها: رواية الخراش عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت جعلت فداك ان هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا اطبقت السماء علينا أو اظلمت فلم نعرف السماء كنا وانتم سواء في الاجتهاد فقال: " ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصل لاربع وجوه، (1) ومنها المرسلتان: روي: المتحير يصلي إلى اربع جوانب (2) وروي فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أن يصلي إلى اربع جوانب (3). ولا يتم شئ من الوجوه: وذلك لان المرسلتين لضعفهما لا يمكن الاعتماد عليهما، ورواية خراش ضعيفة السند بخراش ومن قبله. مضافا إلى ضعف دلالتها فانها تقتضي ان المكلف إذا تحرى واجتهد لا يعمل بظنه بل يصلي إلى اربع جهات مع أنا نلتزم بوجوبها إلى ما ظن كونه قبلة حينئذ من دون أن نوجب الصلاة إلى اربع جهات. واما العلم الاجمالي فهو وان كان يقتضي الاحتياط إلا أن الصلاة إلى اربع جهات غير لازمة وذلك لان الدائرة الفلكية إذا قسمت إلى ثلاث قطع اشتملت كل قطعة منها على ما بين المشرق والمغرب والصلاة إلى ما بينهما عند عدم التمكن من القبلة كاف في الصلاة هذا كله حسبما تقتضيه القاعدة.


(1) الوسائل: ج 3 باب 8 من أبواب القبلة ح 5. (2) و (3) الوسائل: ج 3 باب 8 من أبواب القبلة ح 4 و 1.

[ 120 ]

[ (مسألة 4): إذا كان الميت في مكان مغصوب والمصلي في مكان مباح صحت صلاته (1). (مسألة 5): إذا صلى على ميتين بصلاة واحدة وكان مأذونا من ولي أحدهما دون الآخر اجزأ بالنسبة إلى المأذون فيه دون الآخر (2). (مسألة 6): إذا تبين بعد الصلاة أن الميت كان مكبوبا ] وإلا فمقتضى صحيحة زرارة الثانية (1) الدالة على أن المتحير يكتفي بالصلاة إلى جهة واحدة: كفاية الصلالة مرة واحدة، ولا يحتمل أن يكون المتحير في الصحيحة تصحيف المتحري لقوله بعد ذلك: " أبدا أين ما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة " فان المتحري انما يتوجه إلى ما ظن كونه قبلة ولا يصدق في حقه: اين ما توجه ثم لو قلنا بوجوب الصلاة إلى اربع جهات إلا انه لم يتمكن منها ولو خوفا على الجنازة من الفساد فيكفيه الصلاة إلى جهة واحدة من غير ريب. (1) لان الاباحة على تقدير اعتبارها في صلاة الميت انما هي شرط معتبر في صلاة المصلي ومكانه لئلا تقع صلاته باطلة، واما كون الميت في محل مغصوب فلا يضر بصحة صلاته. (2) هذا منه (قده) مبني على اعتبار إذن الولي في الصلاة على الميت وقد تقدم منا تفصيل الكلام في ذلك في بحث الاولياء في غسل الاموات.


(1) الوسائل ج 3 باب 8 من أبواب القبلة ح 2.

[ 121 ]

[ وجب الاعادة بعد جعله مستلقيا على قفاه (1). (مسألة 7): إذا لم يصل على الميت حتى دفن يصلى على قبره (2) وكذا إذا تبين بعد الدفن بطلان الصلاة من جهة من الجهات. ] (1) لعدم كون الصلاة حينئذ واجدة للشرائط فتبطل وتجب اعادتها واجدة لما يعتبر فيها. لو لم يصل على الميت حتى دفن: (2) الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين: " احداهما ": إن من لم يدرك الصلاة على الميت حتى دفن - يعني صلي عليه قبل - الدفن ولكنه لم يصل عليه بشخصه فلا محالة تكون صلاته على قبره مستحبة في حقه على تقدير الجواز. فهل يجوز له الصلاة على قبره أو يستحب أو يكره؟ يأتي الكلام عليه في الفروع المقبلة ان شاء الله. و " ثانيهما ": إذا دفن الميت ولم يصل عليه أو صلي عليه بصلاة فاسدة فهل تجب الصلاة على قبره أو لا تجب؟ ذهب المحقق والعلامة وصاحب المدارك إلى عدم الوجوب والصحيح وجوب الصلاة على قبره وذلك لان مقتضى الاطلاقات وجوب الصلاة على كل ميت وانما قيدناه بان يكون قبل الدفن عند

[ 122 ]

التمكن واللاختيار. وتوضيحه إن مقتضيى صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال: " لا بأس أن يصلي الرجل على الميت بعد الدفن " (1): جواز الصلاة على الميت بعد الدفن ومشروعيتها، وإذا جازت وجبت بمقتضى المطلقات الآمرة بالصلاة. ويؤيده رواية مالك مولى الحكم عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا فاتتك الصلاة على الميت حتى يدفن لا بأس بالصلاة عليه وقد دفن " (2) والوجه في جعلها مؤيدة عدم توثيق مالك مولى الحكم. ونظيرها رواية أخرى (3) إلا أنه قد يتوهم انها معارضة بجملة من الاخبار وهو الذي دعى المحقق والعلامة وصاحب المدارك أن يذهبوا إلى عدم الوجوب. " منها " ما رواه محمد بن مسلم أو زرارة قال: " الصلاة على الميت بعدما يدفن انما هو الدعاء، قال: قلت: فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله؟ فقال، لا، بل انما دعا له (4)، وهذه الرواية - على تقدير حجيتها - شارحة لصحيحة هشام المتقدمة إلا انها صعيفة السند بنوح بن شعيب الظاهر كونه الخراساني بقرينة رواية ابن هاشم عنه - على أن دلالتها قاصرة على المدعى لان ظاهرها ارادة الصلاة بعد الدفن فيما إذا صلي على الميت قبل الدفن بقرينة قضية النجاشي فانه كان قد صلي عليه قبل دفنه واراد


(1) و (2) و (3) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب صلا الجنازة حديث 1 و 2 و 3. (4) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب صلاة الجنازة ح 5.

[ 123 ]

النبي صلى الله عليه وآله أن يصلي عليه بعد دفنه، وهذا خارج عما نحن فيه لان كلامنا فيما إذا لم يصل على الميت قبل دفنه (كذا ذكر أولا ثم افاد). ان الرواية لا تعارض الصحيحة وانما تدل على جواز الدعاء على الميت بعدما دفن والصلاة في الصحيحة انما هي بمعناها لا بمعنى الدعاء لعدم احتمال حرمة الدعاء للميت بعدما دفن حتى ينفى عنه البأس بعدما دفن فهي كالصريحة في ارادة المتعارفة على الميت ولا يمكن حملها على الدعاء فلا معارضة بينهما. و " منها ": ما رواه جعفر بن عيسى قال: قدم أبو عبد الله (ع) مكة فسألني عن عبد الله بن أعين فقلت: مات قال: مات؟ قلت: نعم قالل: فانطلق بنا إلى قبره حتى نصلي عليه، قلت: نعم فقال: لا ولكن نصلي عليه ههنا فرفع يده يدعو واجتهد في الدعاء وترحم عليه " (1). وهي كالرواية السابقة ضعيفة سندا بالحسين بن موسى دلالة لعين ما تقدم في السابقة فان عبد الله بن أعين قد صلي عليه ودفن لا محالة، و " منها ": رواية يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (ع) عن أبيه قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبني عليه أو يتكى عليه (2). وفيه: مضافا إلى ضعف سندها بزياد بن مروان - قصور دلالتها على المدعى فان الظاهر ارادة الصلاة على القبر وجعله صلى لا الصلاة


(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب صلاة الجنازة ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب صلاة الجنازة ح 6.

[ 124 ]

على الميت بعد دفنه، وهو مكروه لا محالة. و " منها ": ما رواه محمد بن أسلم عن رجل من اهل الجزيرة قال: قلت للرضا (ع): يصلى على المدفون بعد ما يدفن؟ قال: لا، لو جاز لاحد لجاز لرسول الله صلى الله عليه وآله قال: " بل لا يصلى على المدفون بعدما يدفن ولا على العريان " (1). ولكنها ضعيفة السند من جهات فلا حظ. و " منها ": موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: في حديث - " ولا يصلى عليه وهو مدفون " (2). وهذه الرواية معتبرة من حيث السند إلا أن دلالتها على المدعى قاصرة وذلك لورودها في ذيل الرواية المتقدمة الواردة في الصلاة على الميت المقلوب وأنه إذا صلي عليه وهو مقلوب تعاد الصلاة عليه وان كان قد حمل ودفن فقد مضت الصلاة عليه وهو مدفون - أي بعدما صلي عليه قبل دفنه - وهذا اجنبي عما نحن فيه من الصلاة على الميت بعد دفنه بلا صلاة عليه قبل ذلك، وانما نشأ توهم المعارضة منها من تقطيع صاحب الوسائل حيث روى الجملة الاخيرة في المقام وروى تمامها في بابه (3)، ويستفاد منها ان المقلوب إذا صلي عليه وكان مقلوبا ثم دفن لا تجب اعادة الصلاة عليه ثانيا. و " منها " موثقة عمار بن موسى قال: قلت لابي عبد الله (ع)


(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب صلاة الجنازة ح 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب صلاة الجنازة ح 7. (3) الوسائل: ج 2 باب 19 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 125 ]

ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر وهم عراة وليس عليهم إلا إزار كيف يصلون عليه وهو عريان؟ وليس معهم فضل ثوب يكفنونه (به) قال: " يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته فيستر عورته باللبن وبالحجر ثم يصلى عليه ثم يدفن " قلت: فلا يصلى عليه إذا دفن؟ فقال: " لا يصلى على الميت بعدما يدفن ولا يصلى عليه وهو عريان " (1). ولا اشكال فيما من حيث السند إلا انها قاصرة الدلالة على المدعى لانها ناظرة إلى بيان الشرطية وأن الصلاة يشترط وقوعها بعد الغسل والكفن وقبل الدفن، ولا نظر لها إلى انه إذا دفن من غير صلاة لا يصلى عليه وهو في قبره؟ فلا دلالة في شئ من هذه الروايات على خلاف صحيحة هشام ولا معارض لها. ثم لو تنازلنا عن ذلك وفرضناهما متعارضين فنرجع إلى ما تقتضيه المطلقات الدالة على وجوب الصلاة على كل ميت ومنه من دفن من دون الصلاة عليه فانه كغيره من الاموات لا يحتمل استثناؤه عن حكمه. ثم إن مقتضى اطلاق كلام الماتن (قده) في المقام وتصريحه فيما يأتي من الفروع: ان بطلان الصلاة إذا استند إلى إنقلاب الميت وكون رجليه موضع رأسه وبالعكس يوجب الصلاة على قبره ايضا. و (فيه): إن مقتضى الموثقة المتقدمة الواردة في الصلاة على الميت المقلوب انه انما تجب إعادتها فيما إذا لم يدفن واما إذا دفن


(1) الوسائل: ج 2 باب 36 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 126 ]

فلا تجب الصلاة عليه بعد دفنه فما صلي عليه اجزأة ولو كان مقلوبا على الفرض وكأنه شرط ذكري فهذه الفرد من الصلاة الفاسدة مستثنى عن بقية الصلوات الفاسدة. ثم إن صاحب الجواهر " قده " ذكر أن من لم يصل عليه قبل أن يدفن وجبت الصلاة عليه بعد دفنه وفي قبره بلا فرق في ذلك بين اتسناد ذلك إلى النسيان والغفلة أو إلى العمد. و (فيه): ان مقتضى ما دل على ان الصلاة قبل الدفن والامر بها قبله هو اشتراط الدفن بكونه واقعا بعد الصلاة على الميت لكون تلك الاوامر إرشادية فإذا لم يصل عليه عمدا فدفن فهو دفن غير مأمور به فلا بد من أن ينبش الميت ويصلى عليه ثم يدفن. وعلى الجملة: إن الاحتمالات في المسألة ثلاثة: " أحدها ": أن يخرج الميت من قبره ويصلى عليه وهو خارج القبر لعدم جواز الصلاة عليه وهو مدفون. وهذا مجرد احتمال لم يلتزم به أحد فهو ساقط. و " ثانيها ": ما ذهب إليه المحقق في المعتبر ونسب إلى العلامة في بعض كتبه. و " ثالها ": ما ذهب إليه المشهور من وجوب الصلاة عليه وهو في قبره لعدم الدليل على جواز إخراجه من القبر. وهذا هو الصحيح للصحيحة المتقدمة ومن هنا ذكر صاحب الجواهر " قده " أن المسألة لا شبهة فيها وهو كما افاده، هذا كله في الجهة الثانية. وأما الجهة الاولى فحيث لم يدلنا دليل على استحباب الصلاة على الميت ثانيا بعد ما صلي عليه ودفن فلا يجوز الاتيان بها ثانيا بعنوان

[ 127 ]

[ (مسألة 8): إذا صلى على القبر ثم خرج الميت من قبره بوجه من الوجوه فالاحوط إعادة الصلاة عليه (1). ] الامر والاستحباب، نعم لا بأس بالاتيان بها رجاءا لذهاب الاصحاب إلى جوازها وان قيل انها اقل ثوابا وانها مكروهة. إذا خرج الميت من قبره: (1) إذا بنينا على أن الصلاة على الميت انما تجب خارج القبر لعدم جواز الصلاة عليه وهو في قبره أو سقوط الصلاة حينئذ ثم خرج الميت من قبره بوجه من الوجوه فلا اشكال في وجوب الصلاة عليه لانه ميت لم يصل عليه وهو خارج القبر. واما إذا بنينا على وجوب الصلاة عليه وهو في قبره - كما هو المشهور المنصور - فهل تجب الصلاة عليه ثانيا إذا خرج عن قبره بوجه من الوجوه أو لا تجب؟. تبتني هذه المسألة على أن جواز الصلاة عليه وهو في قبره هل هو حكم واقعي اضطراري أو هم حكم ظاهري وأن الميت ما دام في قبره تجوز الصلاة عليه وهو في قبره وبالاستصحاب أو بالاعتقاد أثبتنا أنه لا يخرج عن قبره وصلينا عليه. بناءا على الاول لا تجب الصلاة عليه ثانيا لاجزاء الاتيان بالمأمور وبه الاضطراري عن الواقعي لانه مأمور به واقعا ولا يصلى عليه مرتين. وبناءا على الثاني يجب اعادتها لعدم كون الحكم الظاهري أو

[ 128 ]

[ (مسألة 9): يجوز التيمم لصلاة الجنازة وان تمكن من الماء (1). ] الخيالي مجزءا عن الحكم الواقعي. والظاهر من قوله (ع) في الصحيحة (): " لا بأس من أن يصلى على الميت وهو في قبره " هو الجواز الواقعي لما قدمناه من أن مقتضى الجمع بينها وبين ما دل على ان الصلاة يشترط كونها قبل الدفن إذا كان مشروعا - كما إذا كان قبل الصلاة نسيانا أو غفلة لا عمدا - جازت الصلاة على الميت وهو في قبره. ومعه إذا مخرج عن قبره بسبب من الاسباب لا تجب الصلاة عليه ثانيا إذا لا يصلى على ميت مرتين فتكون هذه الصورة مقيدة بما دل على اشتراط كون الصلاة قبل الدفن. نعم لا بأس باعادة الصلاة حينئذ احتياطا كما ورد في المتن مشروعية التيمم لصلاة الجنازة: (1) قدمنا أن صلاة الجنازة ليست بصلاة ذات ركوع وسجود ومن ثم لا يشترط فيها الطهارة من الحدث الاكبر فضلا عن الحدث الاصغر ويجوز للجنب والحائض أن يصليا على الميت الا أن كونها مع الطهارة أحب.


(1) وهي صحيحة هشام المتقدمة.

[ 129 ]

[ وان كان الاحوط الاقتصار على صورة عدم التمكن من الوضوء أو الغسل أو صورة خوف فوت الصلاة منه. ] وقد ورد في النص (1): أن من خاف فوت صلاة الجنازة له أن يتيمم بدلا عن الغسل أو الوضوء كما أن من كان معذورا ولا يتمكن من الماء يجوز له التيمم بدلا عنهما لانه طهارة في حقه والصلاة مع الطهارة أحب. وأما من لا يخاف فوت الصلاة ولا أنه غير متمكن من الماء فلم يثبت استحباب التيمم في حقه، نعم لا بأس بالتيمم رجاء. (وقد يتوهم) أن مضمرة سماعة قال: سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال: يضرب بيديه على حائط اللبن فليتيمم به (2) تدل على استحباب التيمم لصلاة الجنائز وان لم يخف فوت الصلاة أو لم يكن معذورا من الماء حيث لم تقيد التيمم بشئ من ذلك. و (يدفعه): ان الجنازة في المضمرة فرضت كونها مارة لا واقفة وسؤاله بعد ذلك بقوله: كيف يصنع؟ يدلنا على أنه يخاف فوت الصلاة عليها والا لم يكن وجه لسؤاله هذا، فانه يصنع كما يصنع بقية الناس.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 21 من ابواب صلاة الجنازة ح 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 21 من ابواب صلاة الجنازة ح 5.

[ 130 ]

[ (مسألة 10): الاحوط ترك التكلم في اثناء الصلاة على الميت (1) وان كان لا يبعد عدم البطلان به. (مسألة 11): مع وجود من يقدر على الصلاة قائما في إجزاء صلاة العاجز عن القيام جالسا اشكال (2) بل صحتها أيضا محل اشكال. ] التكلم في اثناء صلاة الجنازة: (1) لم يقم دليل على أن التكلم مبطل للصلاة على الميت لانها ليست صلاة ذات ركوع وسجود. نعم يشترط أن لا يكون التكلم على نحو يقطع الهيئة الاتصالية للصلاة إذ لكل مركب هيئة فإذا كان التكلم قاطعا لهيئتها فلا محالة توجب البطلان، وان كان الاحوط ترك التكلم في اثناءها مطلقا. الصلاة على الجنازة قاعدا: (2) قد قدمنا الكلام في هذه المسألة في شرطية قيام المصلي على الميت وذكرنا الوجه فيه وهو ان المكلف به هو الطبيعي دون الفرد ومع وجود فرد يتمكن من القيام أو الاستقبال أو غيرهما من

[ 131 ]

[ مسألة 12): إذا صلى عليه العاجز عن القيام جالسا باعتقاد عدم وجود من يتمكن من القيام ثم تبين وجوده فالظاهر وجوب الاعادة (1). بل وكذا إذا لم يكن موجودا من الاول لكن وجد بعد الفراغ من الصلاة. وكذا إذا عجز القادر القائم في اثناء الصلاة فتممها جالسا فانها لا تجزئ عن القادر، فيجب عليه الاتيان بها قائما. (مسألة 13): إذا شك في أن غيره صلى عليه أم لا بنى على عدمها (2) وان علم بها وشك في صحتها وعدمها حمل على الصحة (3) وان كان من صلى عليه فاسقا نعم لو علم بفسادها وجب الاعادة (4) وان كان المصلي معتقدا للصحة وقاطعا لها. (مسألة 14): إذا صلى أحد عليه معتقدا بصحتها


الشرائط المعتبرة في الواجب لا تكون صلاة العاجز مجزءة. وأيضا الاعتقاد والتخيل لا يوجبان الاجزاء فمع وجود من يتمكن من الصلاة التامة لا يمكن الاكتفاء بصلاة الفرد العاجز كما هو ظاهر. (1) ظهر حكم هذه المسألة مما قدمناه فلا حاجة إلى اعادته. (2) للاستصحاب، أو بنى على وجوبها لقاعدة الاشتغال. (3) لاصالة الصحة الجارية عليها السيرة القطعية المستمرة. (4) كما يأتي إن شاء الله.

[ 132 ]

[ بحسب تقليده أو اجتهاده لا يجب على من يعتقد فسادها بحسب تقليده أو اجتهاده (1): نعم لو علم علما قطعيا ببطلانها وجب عليه اتيانها وان كان المصلي أيضا قاطعا بصحتها. إذا صلى على الميت معتقدا صحتها: (1) قد يرى الآخر بطلان تلك الصلاة على الميت الصادرة من المصلي بالعلم الوجداني ولا اشكال حينئذ في وجوبها عليه ثانيا لعلمه بالتكليف وعدم سقوطه عن ذمته بعمل المصلي. وقد يرى بطلانها باجتهاد أو تقليد - كما لو صلى عليها وتكلم المصلي في اثناءها لاعتقاده عدم كون التكلم مبطلا لها، والآخر يعتقد كونه مبطلا لها باجتهاد أو تقليد فهل يجوز له الاجتزاء بتلك الصلاة؟ وهذه المسألة وان عنونت في المقام إلا انها سارية في كل واجب كفائي يأتي به الفاعل صحيحا في نظره وهو باطل عند الاخر بحسب اجتهاده أو تقليده. وكذلك الحال في غير الواجب كما لو طهر المسجد بماء قليل ملاقي النجس باعتقاد أن القليل كالكثير لا ينفعل بالملاقاة أو انه غسل الميت بذاك الماء أو ذبح ذبيحة بآلة غير حديدية كالصفر والنحاس باعتقاد أن الحديد لا خصوصية له مع أن الآخر يرى نجاسة القليل

[ 133 ]

[ (مسألة 15): المصلوب بحكم الشرع لا يصلى عليه قبل الانزال بل يصلى عليه بعد ثلاثة ايام بعدما ينزل، وكذا إذا لم يكن بحكم الشرع (1) لكن يجب إنزاله فورا والصلاة عليه، ولو لم يمكن إنزاله يصلى عليه وهو مصلوب مع مراعاة الشرائط بقدر الامكان. ] بالملاقاة أو اشتراط الذبح الشرعي بآلة الحديد وهكذا. والصحيح: عدم جواز الاجتزاء بفعل الغير حينئذ وذلك لان التكليف قد تنجز في حقه بعلمه وعمل العامل لا يسقط الامر عنه لبطلان عمل الغير عنده أو عند مجتهده، ولعدم دلالة الدليل على كفايته إذا كان صحيحا عنده فلا بد من اعادة الصلاة على الميت في المقام، كما ولابد من غسل المسجد أو الميت ثانيا والاجتناب عن الذبيحة في المثال. حكم المصلوب بحكم الشرع: (1) ما أفاده (قده) في المصلوب الذي لم يصلب بحكم الشرع متين فانه لا بد من انزاله فورا ثم الصلاة عليه لو امكن وإلا صلي عليه وهو مصلوب كما ورد (1) في حق زيد " رحمه الله ". واما المصلوب بحكم الشرع فما افاده من انزاله بعد ثلاثة أيام


(1) الوسائل: ج 2 باب 35 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 134 ]

والصلاة عليه وان كان مشهورا إلا انه لا يمكن المساعدة عليه لان الاخبار الواردة فيه ضعيفة الاسناد، ونقل صاحب الوسائل (قده) في ابواب حد المحارب ثلاث روايات تدل على ذلك، الاولى: قال أبو عبد الله (ع): " ان أمير المؤمنين (ع) صلب رجلا بالحيرة ثلاثة ايام ثم انزله في اليوم الرابع فصلى عليه ودفنه " (1). وهي ضعيفة بالنوفلي. والثانية: ان رسول الله قال: " لا تدعوا المصلوب بعد ثلاثة ايام حتى ينزل ويدفن " (2). وهي ايضا ضعيفة بالنوفلي الموجود في طرقها. والثالثة: ما رواه الصدوق مرسلا قال الصادق (ع): المصلوب ينزل عن الخشبة بعد ثلاثة أيام... (3) وهي ضعيفة لارسالها. ونقل في الوسائل في باب التاسع والاربعين من ابواب الاحتضار رواية رابعة عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:. لا تقربوا للصلوب بعد ثلاثة ايام حتى ينزل ويدفن " (4).


(1) الوسائل: ج 18 باب 5 من أبواب حد المحارب ح 1. (2) الوسائل: ج 18 باب 5 من أبواب حد المحارب ح 2. تبدل رأيه - دام ظله - فبنى على وثاقة النوفلي راجع المعجم ليظهر لك الحال. (3) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب حد المحارب ح 3. (4) الوسائل: ج 2 باب 49 من أبواب الاحتضار ح 1 تبدل -

[ 135 ]

[ (مسألة 16): يجوز تكرار الصلاة على الميت (1) سواء اتحد المصلي أو تعدد، لكنه مكروه. ] وهي أيضا ضعيفة السند بموسى بن عيسى الذي لم يوثق وبمحمد ابن ميسر الضعيف أو المردد بين الثقة والضعيف. إذن لا يجوز تأخير انزال الجنازة عن الخشبة لانه هتك للمؤمن وهو حرام وانما يجوز بمقادر دلالة الدليل هو صلبه والغرض منه الموت فإذا تحقق الغرض وجب انزاله والصلاة عليه ودفنه. اعادة الصلاة على الميت: (1) الاخبار الواردة في جواز تكرار الصلاة على قسمين: القسم الاول: هو حكاية فعل النبي صلى الله عليه وآله أو الوصي (ع) وأنه صلى على حمزة سبعين صلاة وكبر عليه سبعين تكبيرة (1) - أي اربع عشرة صلاة - وكبر أمير المؤمنين (ع) على سهل بن حنيف وكان بدريا خمسا وعشرين تكبيرة (2) - أي خمس صلوات -. ولا يمكن الاستدلال بها على جواز تكرار الصلاة في غير موردها


- رأيه (دام ظله) فبنى على وثاقة محمد بن ميسر على ما افاد في المعجم ج 17 ص 328 فالضعف من جهة موسى بن عيسى فقط. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 136 ]

لان الفعل انما يدل على المشروعية في مورده ولا سيما بملاحظة التعليل بأنه كان بدريا. وكذا ما ورد من أن النبي صلى الله عليه وآله صلى عليه جماعة كثيرة فلا حظ (1) إذ لعلل ذلك من الخصوصيات للبدريين أو للنبي صلى الله عليه وآله. القسم الثاني: هو اخبار تدل على جواز التكرار إلا انها ضعيفة الاسناد لا يمكن الاعتماد عليها في شئ. واليك تلكم الاخبار: (منها): ما عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) قال: " الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وان كان قد صلي عليه " (2) و (منها): ما عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الجنازة لم ادركها حتى بلغت القبر اصلي عليها؟ قال: " إن ادركتها قبل أن تدفن فان شئت فصل عليها " (3). وهاتان الروايتان ضعيفتان لان في طريق الشيخ إلى علي بن الحسن ابن فضال: ابن الزبير وهو ضعيف. و (منها): ما رواه في الوسائل عن عمرو بن شمر عن أبي عبد الله (ع) في حديث: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج على جنازة امرأة من بني النجار فصلى عليها فوجد الحفرة لم يمكنوا فوضعوا


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 2 و 9 و 0 و 11. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 19. (3) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 20. والحديثان معتبران فان طريق النجاشي (ره) يصحح طريق الشيخ إلى علي بن فضال كما افاده في اصل الكبرى في المعجم ج 1، ذيل المقدمة الرابعة من المدخل.

[ 137 ]

الجنازة فلم يجئ قوم (أقوام) إلا قال لهم: صلوا عليها " (1). وهي ضعيفة بعمرو بن شمر لعدم توثيقه بل قيل: انه كان وضاعا. على أن الرواية الاسناد على أبي عبد الله (ع) لم نعثر عليها والموجود في الاستبصار بهذا السند انما هو عن أبي جعفر (ع) لا عن أبي عبد الله (ع) كما انها رويت في احكام الميت من التهذيب عن عمرو بن شمر لا بهذا الاسناد ولعله سهو من القلم. هذا على أن هناك عدة من الروايات المعتبرة دلت على نفي المشروعية. منها: موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن عن أبيه عليهما السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ منها جاء قوم لم يكونوا ادركوها فكلموا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعيد الصلاة عليها فقال: " قد قضت الصلاة عليها ولكن ادعوا له " (2). فان الحسين بن علوان موثق كما وررد في ترجمة اخيه الحسن حيث ذكروا انه اوثق من اخيه فدل على وثاقة الحسين. ومنها: موثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم فقالوا: فاتتنا الصلاة عليها فقال: " إن الجنازة لا يصلى عليها مرتين ادعوا لها وقولوا خيرا " (3). ومع ذلك فقد ذكر المحقق الهمداني (قده): ان الطائفة الدالة على نفي الجواز ضعيفة السند، ومقتضى الجمع بينهما وبين


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 22. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 13 و 24. (3) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب صلاة الجنازة ح 23.

[ 138 ]

[ الا إذا كان الميت من اهل العلم والشرف والتقوى (1). (مسألة 17): يجب أن يكون الصلاة قبل الدفن (2). فلا يجوز التأخير إلى ما بعده. نعم لو دفن قبل الصلاة عصيانا أو نسيانا أو لعذر آخر أو تبين كونها فاسدة ولو ] ما دل على الجواز هو الحكم بجواز التكرار على كراهة. ولكنك عرفت أن الامر بالعكس والطائفة الدالة على الجواز ضعيفة السند ومعه لا يمكن الحكم بالجواز. بل الامر كذلك حتى لو بنينا على أن الطائفة المانعة ضعيفة أيضا وذلك لان المشروعية على خلاف القاعدة وتحتاج إلى دليل حيث ان العبادات توقيفية فهي محتاجة إلى المجوز. إذن فان تم اجماع هناك على المشروعية فهو وإلا فلا يجوز التكرار بمقتضى الاخبار والقاعدة. نعم لما كان المشهور هو الجواز لا بأس بالتكرار رجاءا. (1) كما يستفاد من فعل علي (ع) وتكراره الصلاة على سهل ابن حنيف البدري. الصلاة محلها قبل الدفن: (2) تقدمت هذه المسألة وذكرنا أن الميت إذا دفن من دون صلاة نسيانا واشتباها صلي على قبره، وزاد " قده " هنا التسوية

[ 139 ]

[ لكونه حال الصلاة عليه مقلوبا لا يجوز نبشه لاجل الصلاة بل يصلى على قبره مراعيا للشرائط من الاستقبال وغيره وان كان بعد يوم وليلة (1) بل وأزيد أيضا، إلا أن يكون بعد ما تلاشى ولم يصدق عليه الشخص الميت فحينئذ يسقط الوجوب، وإذا برز بعد الصلاة عليه بنبش أو غير فالاحوط اعادة الصلاة عليه. ] في وجوب الصلاة على قبره بين العصيان والنسيان. وهو ممنوع لا شتراط وقوع الدفن بعد الصلاة فالدفن عمدا قبلها كلا دفن وهو دفن غير مشروع فلابد معه من النبش والصلاة عليه ثم الدفن. ولا ينافي ذلك حرمة النبش لانها ثبتت بالاجماع وتختص بما إذا كان الدفن مشروعا وإلا فلو دفن من غير غسل لا اشكال في جواز النبش لتغسيله ثم دفنه. كما انه زاد قوله: ولو لكونه حال الصلاة عليه مقلوبا - لما قدمناه من انه إذا انكشف بعد الدفن ان الميت كان مقلوبا لا تجب الصلاة عليه ثانيا للموثقة المتقدمة (1) (1) ذكره بعضهم. وعن بعض: ثلاثة أيام، إلا أن شيئا من ذلك لا دليل عليه بل المدار على صدق الصلاة على الميت فإذا كان الجسد باقيا ولم يكن متلاشيا وجبت الصلاة عليه، وإذا تلاشى


(1) الوسائل: ج 2 باب 19 من أبواب صلاة الجنازة ح 1.

[ 140 ]

[ (مسألة 18): الميت المصلى عليه قبل الدفن يجوز الصلاة على قبره أيضا (1) ما لم يمض أزيد من يوم وليلة ] وانعدم فلا تجب. (1) إن قلنا بعد جواز تكرار الصلاة على الميت قبل الدفن كما بنينا عليه فلا اشكال في عدم جواز الصلاة ثانيا وثالثا إلى يوم وليلة بعد الدفن لانها إذا لم تجز قبل الدفن فعدم بعد الدفن بطريق اولى. وان قلنا بجواز تكرارها قبل الدفن فالظاهر أن تكررها بعد الدفن ليس بجائز وذلك لان الصحيحة (1) الدالة على أنه لا بأس بالصلاة على الميت وهو في قبره غاية ما تدل عليه أن الصلاة لا يشترط كونها واقعة قبل الدفن بل تجوز بعده أيضا. كما أن: الرواية (2) الاخرى الدالة على انه لا يجوز الصلاة على الميت وهو في قبره تدل على الاشتراط وأن الصلاة لابد أن تقع قبل الدفن. ولم يفرض في الصحيحة ان الميت قد صلي عليه فلا يستفاد منها ان الميت الذي صلي عليه مرة يجوز أن يصلى عليه بعد دفنه أيضا. وحيث ان العبادات توقيفية فلا مناص من التماس دليل يدل على الجواز وهو مفقود.


(1) تقدمت في المسألة 7. (2) تقدم جميع روايات المانعة في المسألة 7.

[ 141 ]

[ وإذا مضى أزيد من ذلك فالاحوط الترك (1). (مسألة 19): يجوز الصلاة على الميت في جميع الاوقات بلا كراهة حتى في الاوقات التي يكره النافلة فيها عند المشهور (2) من غير فرق بين أن يكون الصلاة على الميت واجبة أو مستحبة. ] والذي يؤيد ما ذكرناه: قضية النبي صلى الله عليه وآله لانه لو جازت الصلاة مكررة على الميت بعد دفنه لجاز هذا في حق النبي صلى الله عليه وآله ولم يؤخر دفنه ثلاثة أيام ليصلى عليه المسلمون عشرة عشرة قبل دفنه. هذا. ثم لو تنازلنا عن ذلك وسلمنا جواز التكرار بعد الدفن فلا دليل على التقييد يوم وليلة بل لازم ذلك جاز تكرارها ما دام الميت لم يتلاش ولو بعد سنين متمادية وهذا أمر مستنكر عادة. (1) إذا أتى بها بعنوان المشروعية، وان أتى بها رجاءا فلا بأس ولا اشكال. لا تحديد لصلاة الجنازة من حيث الاوقات: (2) لانها ليست بصلاة ذات ركوع وسجود وانما هي دعاء ولا وقعت معين للدعاء ولا يكره في شئ من الاوقات، هذا بحسب القاعدة، وأما بحسب الاخبار فقد ورد ذلك في جملة من الروايات.

[ 142 ]

منها: ما عن عبد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: " لا بأس بالصلاة على الجنازة حين تغيب الشمس وحين تطلع. انما هو استغفار " (1). ومنها: ما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: يصلى على الجنازة في كل ساعة إنها ليست بصلاة ركوع وسجود وإنما يكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود لانها تغرب بين قرني شيطان وتطلع بين قرني شيطان " (2). وهما روايتان معتبرتان ويأتي إن شاء الله في مبحث الصلاة معنى قوله (ع) " تغرب بين قرني شيطان وتطلع... ". ومنها: موثقة الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد عن ابان عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) هل يمنعك شئ من هذه الساعات عن الصلاة على الجنائز؟ فقال: لا (3). ومنها: ما رواه الصدوق في العيون والعلل باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) قال: انما جوزنا الصلاة على الميت قبل المغرب... " (4). نعم ورد في رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " تكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس وحين تطلع " (5).


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب صلاة الجنازة ح 1 و 2 و 3 و 4. (5) الوسائل ج 2 باب 20 من أبواب صلاة الجنازة ح 5، والقاسم بن محمد الجوهري موجود في اسناد كامل الزيارات ولا جله عدل " دام ظله " عماد افاده في المقام وبنى على وثاقة الرجل.

[ 143 ]

[ (مسألة 20): يستحب المبادرة إلى الصلاة على الميت وان كان في وقت فضيلة الفريضة (1)، ولكن لا يبعد ترجيح تقديم وقت الفضيلة مع ضيقه. وحملها الشيخ على التقية وحملها بعض على الكراهة وأقلية الثواب إلا أنها ضعيفة السند بوجود " القاسم بن محمد الجوهري " في طريقها فلا تعارض الاخبار المعتبرة المتقدمة، ولا نحتاج إلى حملها على التقية أو الكراهية أو نحوهما. استحباب المبادرة إلى صلاة الجنازة: (1) ورد في هذه المسألة روايات: " منها ": ما رواه هارون بن حمزة عن ابي عبد الله (ع) قال: " إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فابدا بها قبل الصلاة على الميت إلا أن يكون الميت مبطونا أو نفساء أو نحو ذلك " (1) أي يخاف عليه من الفساد بوجه ما، وهي ضعيفة بيزيد بن اسحاق شعر اللهم إلا، أن نعتمد على توثيق العلامة ونحن لا نعتمد عليه (2).


(1) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب صلاة الجنازة ح 1. (2) عدل (دام ظله) عن ذلك وبنى على وثاقة الرجل لوجوده في اسناد كامل الزيارات.

[ 144 ]

و " منها: ما عن جابر قال: قلت لابي الحسن (جعفر) (عليه السلام): إذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فأيهما أبدا؟ فقال: " عجل الميت إلى قبره إلا أن تخاف أن تفوت وقت الفريضة ولا تنظر بالصلاة على الجنازة طلوع الشمس ولا غروبها " (1) وهي ضعيفة السند بعمرو بن شمر. و " منها " ما عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن صلاة الجنائز إذا احمرت الشمس (أي عند الغروب لبقاء الحمرة حينئذ) اتصلح أو لا؟ قال لا صلاة في وقت صلاة وقال: إذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنائز (2). وهي ضعيفة السند من جهة عدم اعتمادنا على طريق الشيخ إلى احمد بن محمد بن عيسى كما تقدم غير مرة أو من جهة عبد الله بن الحسن في طريقها الثاني. وهي تدل على أن صلاة الميت متأخرة عن فريضة الوقت، ومن هنا يظهر أن ما ذكره في المتن من انه " لا يبعد ترجيح تقديم وقت الفضيلة مع ضيقه " مما لا دليل عليه، والوجه في عدم الاعتماد على طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى هو أن طريق الشيخ إلى نوادر أحمد بن محمد بن عيسى وان كان صحيحا إلا انه ذكر في المشيخة طرقه إلى أحمد بن محمد بن عيسى متقسطة حيث قال: ومن جملة ما رويته عن أحمد بن محمد بن عيسى بهذا السند ".


(1) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب صلاة الجنازة ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب صلاة الجنازة ح 3.

[ 145 ]

وهو طريق صحيح ثم قال: " ومن جملة ما ذكرته من أحمد بن محمد ابن عيسى ما رويته بهذا الاسناد عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد " ومراده بهذا الاسناد ما ذكره قبل ذلك بلا فصل: " وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن علي بن محبوب فقد اخبرني به الحسين بن عبيد الله (يعني الغضائري) عن احمد بن محمد بن يحيى العطار عن ابيه محمد بن يحيى عن محمد بن علي ابن محبوب ". وحيث انه طريق ضعيف لعدم توثيق أحمد بن محمد بن يحيى وان كان من الاجلاء ومن ثمة نعامل معه معاملة الضعيف فلا يمكننا الاعتماد على ما برويه الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى لاحتمال أن يكون ما يرويه عن الرجل هو ما رواه عنه بطريقه الضعيف. إلا أنا راجعنا الفهرست فوجدنا أن للشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب طرقا ثلاثة: " أحدها ": ما قدمنا نقله عن المشيخة بعينه وهو ضعيف. و " ثانيهما ": ما ذكره بقوله: " واخبرنا بها أي إلى جميع كتبه ورواياته - أيضا جماعة عن أبي المفضل عن ابن بطة عنه " وهذا ايضا ضعيف بأبي المفضل. و " ثالثها ": ما ذكره بقوله: " واخبرنا بها أيضا جماعة عن محمد بن علي بن الحسين عن ابيه ومحمد بن الحسن عن أحمد بن ادريس عنه " وهذا طريق صحيح وبهذا نبني على صحة طريق الشيخ إلى كل من (محمد بن علي بن محبوب) و (احمد بن محمد بن عيسى) ونحكم بصحة الرواية في المقام كما عبر عنها بالصحيحة صاحب

[ 146 ]

الحدائق وغيره، وهي تدل على أن صلاة الميت انما هي متأخرة عن فريضة الوقت - هذا كله في مزاحمة صلاة الميت مع فضيلة الوقت. وأما إذا زاحمت النافلة فذكر الماتن (قده) أولوية تقديمها على النافلة. لكنه ان أراد من النافلة النوافل المبتدئة فلا اشكال في انها نافلة مستحبة وصلاة الميت فريضة واجبة فتقدم عليها لان الفريضة تتقدم على النافلة. وان أراد منها النوافل المرتبة اليومية فلا وجه للحكم بتقديم صلاة الميت عليها لانها متقدمة على الفرائض وقد ورد انما جعل الذراع والذراعين لمكان النافلة وقد بينا أن الفريضة تتقدم على صلاة الميت ومعه تكون النافلة المقدمة على الفريضة مقدمة على صلاة الميت ايضا. وأما تقديمها على قضاء الفريضة فقد ذكر الماتن (قده) اولوية تقديمها على القضاء ولا وجه لها. لان كلا منهما فريضة واجبة لا وجه لاولوية تقديم احداهما على الاخرى وكلامنا في سعة الوقت طبعا من كلا الصلاتين. بل يمكن القول بتقدم القضاء على صلاة الميت لان القضاء في سعة الوقت يتقدم على فريضة الوقت وهي متقدمة على صلاة الميت والمتقدم على المتقدم على شئ متقدم على ذلك الشئ. وأما إذا زاحمت صلاة الميت مع الفريضة فهذه على وجوه ثلاثة: " الاول ": أن يضيق وقت صلاة الميت دون الفريضة لحرارة الهواء أو للخوف من العدو أو لغيره ذلك من الوجوه ولا اشكال في

[ 147 ]

[ كما أن الاولى تقديمها على النافلة وعلى قضاء الفريضة ويجب تقديمها على الفريضة فضلا عن النافلة في سعة الوقت إذا خيف على الميت من الفساد. ويجب تأخيرها عن الفريضة مع ضيق وقتها وعدم الخوف على الميت، وإذا خيف عليه مع ضيق وقت الفريضة تقديم الفريضة ويصلى عليه بعد الدفن، وإذا خيف عليه من تأخير الدفن مع ضيق وقت الفريضة يقدم الدفن وتقضي الفريضة وان أمكن أن يصلي الفريضة مومئا صلى، ولكن لا يترك القضاء أيضا ] تقدم صلاة الميت على الفريضة حينئذ. " الثاني ": أن يضيق وقت الفريضة دون صلاة الميت، ولا اشكال في تقدم الفريضة على صلاة الميت حينئذ. " الثالث ": ما إذا كان الضيق من الناحيتين لان الجنازة لو تأخرت تلاشت مثلا والفريضة لو تأخرت ذهب وقتها، وفي هذه الصورة قد يفرض التزاحم بين الفريضة وصلاة الميت دون الدفن لا مكانه في أي وقت اريد الدفن، أو أن غيره يدفن وهو يشتغل بالفريضة - واخرى يفرض التزاحم بين الفريضة والدفن: أما الفرض الاول: فان تمكن من ادراك ركعة واحدة من الفريضة في وقتها قدم صلاة الميت فان من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت كله وأما إذا لم يتمكن من ذلك فيقع التزاجم بين الصلاة على الميت والاجزاء الاختيارية من الصلاة دون الاجزاء الاضطرارية منها بان يؤمئ للركوع والسجود ويترك السورة وهكذا. فيتعين تقديم الصلاة على الميت ويكتفى بالاجزاء الاضطرارية من

[ 148 ]

الصلاة لانه مضطر إلى ترك الركوع والسجود والى الايماء لهما من جهة عدم امكان التأخير في صلاة الميت. نعم ذكر الماتن (قده) انه يقضي الصلاة خارج الوقت ولكنه أمر لا ملزم له وان كان احوط وهذا فيما إذا كانت المزاحمة بين اصل صلاة الميت وبين الفريضة. واما إذا كانت المزاحمة بين الفريضة وبين الصلاة على الميت قبل دفنه - لا اصلها - فالمزاحمة حينئذ انما هي بين الاجزاء الاختيارية من الصلاة وبين شرط صلاة الميت وهو أن يكون قبل الدفن ومعه لا يمكن الحكم بتقديم صلاة الميت وشرطها على الفريضة بل الاجزاء الاختيارية من الفريضة مقدمة على شرط صلاة الميت لا هميتها لانها عماد للدين ومعه يتعين الصلاة على قبره بعد دفنه. واما إذا فرضنا أن ذلك غير ممكن أيضا، إما أن يصلي على الميت وإما أن يأتي بالفريضة فلا مناص من تقديم الفريضة ودفن الميت ثم الصلاة على قبره فان فريضة الصلاة من اركان الدين ومما بنى عليه الاسلام وهي عماد الدين فلا يتقدم عليها مثل صلاة الميت هذا كله إذا كان التزاحم بين صلاة الميت وصلاة الفريضة. وأما الفرض الثاني: وهو التزاحم بين الفريضة والدفن لان الجنازة لو تأخرت اكلتها السباع أو سرقت أو غرقت أو احرقت أو نحو ذلك، والفريضة لو تأخرت انقضى وقتها، فيأتي فيه ما تقدم في الفرض الاول. اي انه إن تمكن من ادراك ركعة واحدة من الفريضة في وقتها وجب تقديم الدفن لان من ادرك من الصلاة ركعة فقد ادرك الصلاة.

[ 149 ]

[ (مسألة 21): لا يجوز - على الاحوط - اتيان صلاة الميت في اثناء الفريضة (1) وان لم تكن ماحية لصورتها، وإذا لم يتمكن من ذلك فيقع التزاحم بين الدفن وبين الاجزاء الاختيارية من الصلاة فتنتقل النوبة إلى الاكتفاء بالاجزاء الاضطرارية من الصلاة مع تقديم الدفن. وإذا لم يتمكن من ذلك فقد ذكر الماتن (قده) أن الدفن يقدم على صلاة الفريضة فيأتي بها قضاءا. وهذا لا يمكن المساعدة عليه على نحو الاطلاق لانه انما يصح فيها إذا كان الميت من الاكابر والاعاظم من اهل الدين بحيث لو سرقت جنازته مثلا ولم يدفن انهتك الدين وكان هتكا على الاسلام فيتقدم الدفن على الصلاة لاهميته. واما الاشخاص العاديون الذين لا يلزم هتك الدين من عدم دفنهم فلا يمكن تقديمه على الصلاة مع انها مما بني عليه الاسلام ومن اركان الدين، ومن ثمة كتبنا في التعليقة: " في اطلاقه اشكال بل منع ". اتيان صلاة الجنازة في اثناء الفريضة: (1) لا اشكال في عدم الجواز إذا كانت ماحية لصورة الفريضة لانه وان لم يكن منصوصا إلا ان للصلاة صورة وهيئة خاصة بالارتكاز

[ 150 ]

[ كما إذا اقتصر على التكبيرات واقل الواجبات من الادعية في حال القنوت مثلا. (مسألة 22): إذا كان هناك ميتان يجوز أن يصلي على كل واحد منهما منفردا (1). ] وإذا كان الاتيان بصلاة الميت ماحيا لها فلا يجوز الاتيان بها نظير الفصل الطويل بين اجزائها. واما إذا لم تكن ماحية لصورة الفريضة - كما إذا أتى بالتكبيرات سريعا واقتصر على اقل الواجب من الدعاء - فلا مانع من الاتيان بها في اثناء الفريضة ولا دليل على عدم جواز الاتيان بها في اثناء الفريضة كما أن الفريضة لا مانع من الاتيان بصلاة الميت في اثناءها لانها ليست إلا دعاءا وتهليلا وتسبيحا نظير الاتيان بصلاة الآيات في اثناء الفريضة وبالعكس. إذا تعددت الجنازة: (1) قد وردت النصوص (1) في ذلك واعتبر الترتيب بين الجنائز في بعضها وأن جنازة الرجل تتقدم على جنازة المرأة وانها توضع في مقابل إلية الرجل وهكذا على نحو الدرج ويقوم المصلي في وسطها.


(1) الوسائل: ج 2 باب 32 من أبواب صلاة الجنازة.

[ 151 ]

[ ويجوز التشريك بينهما في الصلاة فيصلي صلاة واحدة عليهما وان كانا مختلفين في الوجوب والاستحباب، وبعد التكبير الرابع يأتي بضمير التثنية. هذا إذا لم يخف عليهما أو على احدهما من الفساد، وإلا وجب التشريك أو تقديم من يخاف فساده. (مسألة 23): إذا حضر في اثناء الصلاة على الميت ميت آخر يتخير المصلي بين وجوه (1): (الاول): أن ] إلا أن صحيحة هشام بن سالم دلت على عدم اعتبار الترتب بينهما بوجه " لا بأس أن يقدم الرجل وتؤخر المرأة ويؤخر الرجل وتقدم المرأة " (1). إذا تواردت جنازة في اثناء الصلاة على جنازة: (1) ذكر الماتن (قده) فيه وجوها: " الاول ": أن يتم الصلاة على الاولى ثم يستأنفها للثانية، وهذا على طبق القاعدة إذ لا ملزم للقطع والتشريك فيتمها ثم يصلي للجنازة الثانية. " الثاني ": أن يقطع صلاته على الاولى ويستأنفها لهما معا من


(1) الوسائل: ج 2 باب 32 من أبواب صلاة الجنازة ح 6.

[ 152 ]

[ يتم الصلاة على الاول ثم يأتي بالصلاة على الثاني. (الثاني): قطع الصلاة واستئنافها بنحو التشريك، (الثالث):: التشريك في التكبيرات الباقية واتيان الدعاء لكل منهما بما يخصه والاتيان ببقية الصلاة للثاني بعد تمام صلاة الاول. الابتداء لعدم الدليل على حرمة قطعها فلو قلنا بها فانما هي في صلاة ذات ركوع وسجود فله قطعها واستئناف صلاة الميت لهما معا أو لكل منهما منفردا ولو بتقديم الثانية على الاولى. " الثالث ": أن يشرك الثانية مع الاولى في التكبيرات الباقية مع مراعاة الدعاء لكل منهما في التكبيرات فإذا تمت الخامسة يأتي ببقية التكبيرات للثانية. وهذا هو الذي يستفاد من النص الوارد في المقام وهو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (ع) قال: سألته عن قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو اثنتين ووضعت معها اخرى كيف يصنعون؟ قالوا: إن شاؤا تركوا الاولى حتى يفرغوا من التكبير على الاخيرة وان شاءوا رفعوا الاولى واتموا ما بقي على الاخيرة كل ذلك لا بأس به " (1) وذكر في الوسائل انه استدل بها جماعة على التخيير بين قطع الصلاة على الاولى واستئنافها عليهما وبين اكمال الصلاة على الاولى وإفراد الثانية بصلاة ثانية.


(1) الوسائل: ج 2 باب 34 من أبواب صلاة الجنازة ح 1

[ 153 ]

[ مثلا إذا حضر قبل التكبير الثالث يكبر ويأتي بوظيفة صلاة الاول وهي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات وبالشهادتين لصلاة الميت الثاني، وبعد التكبير الرابع يأتي بالدعاء للميت الاول وبالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله للميت الثاني، وبعد الخامسة تتم صلاة الاول ويأتي للثاني بوظيفة التكبير الثالث وهكذا يتم بقية صلاته، ويتخير في تقديم وظيفة الميت الاول أو الثاني بعد كل تكبير مشترك، هذا مع عدم الخوف على واحد منهما (1) وأما إذا خيف على الاول يتعين الوجه الاول، وإذا خيف على الثاني يتعين الوجه ] وهذا - كما ذكره الشهيد - أمر لا يمكن استفادته من الصحيحة كما هو ظاهر، واحتمل في الوسائل أن يراد من التكبير هنا مجموع التكبير على الجنازتين - أي التكبيرات العشرة - بمعنى انهم يتمون الاولى ويستأنفون صلاة الاخرى ويتخيرون في رفع الاولى وتركها. وفيه: ان الامام (ع) عبر بقوله " واتموا " ولم يقل " واستأنفوا " وهذا يدل على ارادة ما ذكرناه من التشريك في التكبيرات الباقية مع مراعاة الدعاء لكل منهما بحسب التكبيرات ثم بعد الخامسة لهم أن يرفعوا الجنازة الاولى ولهم ان يبقوها حتى تنتهي تكبيرات الجنازة الثانية. (1) والوجه فيما افاده واضح لا يحتاج إلى البيان.

[ 154 ]

[ الثاني أو تقديم الصلاة على الثاني بعد القطع، وإذا خيف عليهما معا (1). (1) وتوضيحه: ان التشريك قد يوجب طول الزمان بالاضافة إلى الميتين كما إذا وضعت الجنازة الثانية قبل التكبيرة الثانية فانه حينئذ لو شركهما من الثانية إلى آخر التكبيرات لاستلزم هذا أن يأتي بست ادعية: الثلاثة الباقية والثلاثة للميت الثاني يأتي بهما مع الثلاثة له، وهذا بخلاف ما لو قطعها وصلى لهما فانه يستلزم خمسة ادعية بعد التكبيرات واحدة لما قطعه واربعة لما استأنفه من الصلاة ومع الدعاء الاول بعد التكبيرة الاولى تصير الادعية سبعة، وكذلك الحال بالاضافة إلى الميت الثاني ومعه يتعين القطع دون التشريك. وقد يكون القطع موجبا لطول الزمان دون التشريك وهذا كما إذا وضعت الجنازة الثانية بعد الدعاء الثاني فانه لو اراد القطع للزم أن تتأخر الجنازة الاولى بمقدار ست ادعية: الاربعة المستأنفة والدعاء ان المتقدمان، وهذا بخلاف ما لو شركهما فانه بالاضافة إلى كل من الميتين يستلزم التاخر بمقدار ستة ادعية وحينئذ يتعين القطع. وقد يكون التشريك اقل زمانا بالاضافة إلى احدهما والقطع بالاضافة إلى الآخر - كما إذا وضعت الجنازة الثانية بعد الدعاء الثالث فان القطع اقل زمانا بالاضافة إلى الميت الثاني فانه يستلزم التأخير بمقدار اربعة ادعية ولكنه بالاضافة إلى الميت الاول يوجب التأخير بمقدار سبعة ادعية: الاربعة المستأنفة والثلاثة المتقدمة والتشريك

[ 155 ]

[ يلاحظ قلة الزمان في القطع والتشريك اليهما إن امكن، وإلا فالاحوط عدم القطع (1). ] اقل زمانا بالاضافة إلى الميت الاول لاستلزامه التأخر بمقدار خمسة ادعية. (1) لعل نظره (قده) إلى الترجيح بالاسبقية في الزمان فان القطع موجب للتأخر في الجنازة الاولى والاسبقية في الزمان وان كنا نلتزم بكونها مرجحة، إلا أن موردها: ما إذا كانت الاسبقية في الامتثال. كما إذا وجب عليه صوم هذا اليوم واليوم الثاني ولم يقدر على كليهما فانه لو صام هذا اليوم عجز عجزا وجدانيا عن الصوم في اليوم الثاني فلا يمكن تكليفه به فيسقط، وأما لو اراد صوم اليوم الثاني وترك الصوم في هذا اليوم فهو ترك مستند إلى العمد والاختيار وهو حرام، ومن هنا كان الصوم الاسبق في الزمان متعينا في حقه. وهذا بخلاف المقام اعني ما إذا كان احدهما اسبق في الوجوب على الآخر كما إذا مات الاول قبل الثاني أو كان اسبق بحسب الارادة فان الاسبقية لا تكون مرجحة حينئذ بل يتخير المكلف حينئذ بين الامرين فله أن يقطع ويستأنف الصلاة لهما، وله أن يشركهما في الصلاة.

[ 156 ]

[ " فصل: في آداب الصلاة على الميت " وهي أمور: " الاول ": أن يكون المصلي على طهارة من الوضوء أو الغسل أو التيمم، وقد مر جواز التيمم مع وجدان الماء أيضا إن خاف فوت الصلاة لو اراد الوضوء بل مطلقا. " الثاني ": أن يقف الامام والمنفرد عند وسط الرجل بل مطلق الذكر، وعند صدر المرأة بل مطلق الانثى. ويتخير في الحنثى. ولو شرك بين الذكر والانثى في الصلاة جعل وسط الرجل في قبال صدر المرأة ليدرك الاستحباب بالنسبة إلى كل منهما. " الثالث ": أن يكون المصلي حافيا، بل يكره الصلاة بالحذاء دون مثل الخف والجورب. " الرابع ": رفع اليدين عند التكبير الاول بل عند الجميع على الاقوى. " الخامس ": أن يقف قريبا من الجنازة بحيث لو هبت الريح وصل ثوبه إليها. " السادس ": أن يرفع الامام صوته بالتكبيرات بل

[ 157 ]

الادعية أيضا وأن يسر المأموم " السابع ": اختيار المواضع المعتاد للصلاة التي هي مظان الاجتماع وكثرة المصلين. " الثامن ": أن لا توقع في المساجد فانه مكروه عدا مسجد الحرام. " التاسع ": أن تكون بالجماعة وان كان يكفي المنفرد ولو امرأة. " العاشر ": أن يقف المأموم خلف الامام وان كان واحدا بخلاف اليومية حيث يستحب وقوفه إن كان واحدا إلى جنبه. " الحادي عشر ": الاجتهاد في الدعاء للميت والمؤمنين. " الثاني عشر ": أن يقول قبل الصلاة: " الصلاة " ثلاث مرات. " الثالث عشر ": أن تقف الحائض إذا كانت مع الجماعة في صف وحدها. " الرابع عشر ": رفع اليدين عند الدعاء على الميت بعد التكبير الرابع على قول بعض العلماء لكنه مشكل إن كان بقصد الخصوصية والورود. (مسألة 1): إذا اجتمعت جنازات فالاولى الصلاة

[ 158 ]

على كل واحد منفردا، وان اراد التشريك فهو على وجهين: (الاول): أن يوضع الجميع قدام المصلي مع المحاذاة، والاولى مع اجتماع الرجل والمرأة جعل الرجل أقرب إلى المصلي حرا كان أو عبدا، كما انه لو اجتمع الحر والعبد جعل الحر أقرب إليه. ولو اجتمع الطفل مع المرأة جعل الطفل أقرب إليه إذا كان ابن ست سنين وكان حرا ولو كانوا متساوين في الصفات لا بأس بالترجيح بالفضيلة ونحوها من الصفات الدينية. ومع التساوي فالقرعة. وكل هذا على الاولوية لا الوجوب فيجوز بأي وجه اتفق. (الثاني): أن يجعل الجميع صفا واحدا ويقوم المصلي وسط الصف، بأن يجعل رأس كل عند إلية الآخر شبه الدرجع ويراعي في الدعاء لهم بعد التكبير الرابع تثنية الضمير أو جمعه وتذكيره وتأنيثه ويجوز التذكير في الجميع بلحاظ لفظ الميت كما انه يجوز التأنيث بلحاظ الجنازة.

[ 159 ]

[ " فصل في الدفن " يجب كفاية دفن الميت بمعنى مواراته في الارض بحيث يؤمن على جسده من السباع ومن ايذاء ريحه للناس (1) ] " فصل في الدفن " (1) الكلام في ذلك يقع من جهات: وجوب الدفن: " الاولى " في وجوبه: ولا اشكال في وجوب الدفن شرعا ويكفي فيه التسالم من المسلمين قاطبة وعدم نقل الخلاف في المسألة مضافا إلى ما ورد في الشهيد من انه إذا ادركه المسلمون وبه رمق غسل وكفن ثم صلي عليه فيدفن.. (1) وما ورد في السقط من انه إذا كان تاما غسل وكفن ودفن (2) وما ورد في الاعضاء


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب غسل الميت. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 160 ]

الموجودة من بدن الميت من أنها تغسل وتكفن وثم يصلى عليها فتدفن (1) إلى غير ذلك من الاخبار. مقدار الحفر: " الثانية " في مقدار الحفر: الدفن والاقبار الواردان في الاخبار بمعنى واحد والمراد منهما مواراة الميت على وجه الاطلاق فانه إذا حفر بمقدار شبر وجعل عليه التراب بهذا المقدار أو بمقدار شبرين وان كان يستر جسد الميت إلا أنه ستر ومواراة من جهة النظر فقط وليس سترا ومواراة من جهة انتشار رائحته واكل السباع اياه. والظاهر من الدفن والاقبار هو المواراة المطلقة من جميع الجهات وهذا لا يتحقق إلا بحفر الارض مقدار متر أو مترين على اختلاف الاراضي فما ذكره صاحب الجواهر (قده) من أنه لا دليل على لزوم الحفر بذلك المقدار بل اللازم هو مطلق المواراة الصادق على ما إذا كان الحفر بمقدار شبر واحد - مما لا يمكن المساعدة عليه. فان المعتبر هو المواراة المطلقة لا مطلق المواراة فقد أخذ في مفهومها الحفر بمقدار يستر بدن الميت من حيث النظر وانتشار الرائحة واكل السبع وهذا لا يحصل إلا بحفر مقدار متر أو مترين ونحو ذلك.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 38 من أبواب صلاة الجنازة.

[ 161 ]

[ ولا يجوز وضعه في بناء أو في تابوت - ولو من حجر - بحيث يؤمن من الامرين مع القدرة على الدفن تحت الارض نعم مع عدم الامكان لا بأس بهما. والاقوى كفاية مجرد المواراة في الارض بحيث يؤمن من الامرين من جهة عدم وجود السباع أو عدم وجود الانسان هناك، لكن الاحوط كون الحفيرة على الوجه المذكور وان كان الامن حاصلا بدونه. ] ما يراد بالدفن: " الثالثة ": الظاهر من الدفن والاقبار هو الدفن في باطن الارض بان يكون الجسد تحت الارض ولا يصدق شئ منهما بجعل الميت في بناء فوق الارض ولو مع فرض العلم ببقائه إلى الابد وعدم صيرورته خرابا أو بثقب الحجر العظيم وجعل الميت فيه وسده وان كانت نتيجته هي نتيجة الاقبار. بل لابد أن يحفر له حفيرة في الارض ويكون تحت الارض ايضا، اللهم إلا أن تكون الارض صلبة لا يمكن حفرها فانه لابد من جعله في بناء أو نحو ذلك مما يستر بدنه. وهذا لا لقاعدة الميسور - لعدم تماميتها - بل للعم الخارجي بأن الشارع لا يرضى بهتك المؤمن واهانته بجعله عرضة لاكل السباع

[ 162 ]

اياه أو انتشار رائحته فان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا. مطلوبية المواراة الفعلية: " الجهة الرابعة ": هل المعتبر هي المواراة الفعلية أو الشأنية بحيث لو فرضنا موردا لا يوجد فيه انسان ليتأذى من رائحة الميت ولا سبع ليخرجه من قبره ويفترسه فيكفي ستر جسد الميت بمقدار شبر واحد؟ الصحيح اعتبار المواراة الفعلية وهي تختلف باختلاف الاماكن ففي الاماكن التي يوجد فيها الانسان والسبع لا تتحقق المواراة الفعلية إلا بحفر الارض مقدار متر أو مترين ونحوهما وفيما لا يوجد فيه شئ منهما يكفي الحفر بمقدار شبر فانه مواراة فعلية بالاضافة إلى ذلك المكان حقيقة. وبعبارة اخرى: لابد أن تكون المواراة حقيقية لا فرضية بأن يقال: اللازم هو دفنه على نحو لو وجد انسان أو سبع كان بدن الميت مستورا من جميع الجهات، والمواراة بمقدار شبر في الاماكن التي لا يوجد فيها انسان أو سبع مواراة حقيقية وان كان الاحوط أن يحفر بمقدار متر أو مترين.

[ 163 ]

[ (مسألة 1:) يجب كون الدفن مستقبل القبلة (1) على جنبه الايمن (2). ] اشتراط استقبال القبلة: () وليس مستنده التسالم ولا روايتا الدعائم (1) والرضوي (2) بل مستنده صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (كان البراء بن المعرور الانصاري بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وآله بمكة وانه حضره الموت وكان رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس فأوصى البراء أن يجعل وجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى القبلة... فنزل به الكتاب وجرت به السنة (3)، لدلالتها على ان الشارع المقدس أمضى تلك الوصية وصار معمولا بها بين المسلمين. اعتبار كونه على الجنب الايمن: (2) استدل عليه بالتسالم وروايتي الدعائم والفقه الرضوي (4) ولكن الصحيح أن يستدل عليه بصحيحة محمد بن عيسى اليقطيني عن يعقوب بن يقطين قال:


(1) و (2) و (4) المستدرك: ج 1 باب 51 من أبواب الدفن ح 1 و 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 61 من أبواب الدفن ح 1.

[ 164 ]

[ بحيث يكون رأسه إلى المغرب ورجليه إلى المشرق (1) ] سألت ابا الحسن الرضا (ع) عن الميت كيف يوضع على المغتسل موجها وجهه نحو القبلة أو يوضع على يمينه ووجهه نحو القبلة؟ قال: " يوضع كيف تيسر فإذا طهر وضع كما يوضع في قبره " (1). فهي تدل على أن للوضع في القبر كيفية خاصة وإلا فلا معنى لقوله " كما يوضع في قبره " وبما أن السيرة الخارجية جرت على دفنه ووضعه في القبر على جانبه الايمن ولم يرد في الاخبار ردع عنها فنعلم ان الكيفية المعتبرة شرعا في الدفن هي تلكم الكيفية الدارجة عند المتدينين. الاشتباه في كلام الماتن: (1) في عبارة الماتن " قده " هنا وفي بحث صلاة الجنائز اشتباه ظاهر فان ما أفاده انما يتم إذا كانت القبلة في طرف الجنوب - كما في بلادنا ونحوها - إلا أن القبلة لا يلزم ان تكون في طرف الجنوب دائما. بل قد تكون في طرف الشمال فلا بد أن يكون رأس الميت إلى المشرق ورجله إلى المغرب، وقد تكون في المشرق فلا بد أن يكون رأسه إلى الجنوب ورجلاه إلى الشمال، وقد تكون القبلة في طرف المغرب ورجلاه إلى الشمال، وقد تكون القبلة في طرف المغرب فتعكس هيئة الدفن.


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب غسل الميت ح 2.

[ 165 ]

[ وكذا في الجسد بلا رأس بل في الرس بلا جسد (1) بل في الصدر وحده، بل في كل جزء يمكن فيه ذلك، (مسألة 2): إذا مات ميت في السفينة (2) فان أمكن ] وهذا وان كان تصويره في سائر البلاد يحتاج إلى التأمل اليسير إلا أنه في مكة نفسها بمكان من الوضوح لان البيت - زاده الله شرفا - قد احيط بالبلد فقد يدفن الميت في طرف الجنوب وأخرى في طرف الشمال وثالثة في طرف المشرق ورابعة في طرف المغرب. (1) يعني: ما ذكرناه من وجوب دفن الميت على يمينه مستقبل القبلة يأتي في أعضاء الميت أيضا - والامر كما أفاده لما استفدناه من الصحيحة المتقدمة من أن للدفن هيئة خاصة بلا فرق في ذلك بين دفن الميت التام ودفن الاعضاء. إذا مات في السفينة: (2) الكلام في هذه المسألة يقع في جهات: " الاولى ": ان الاستقبال المعتبر في دفن الميت هل يعتبر في القاء الميت في البحر؟ الصحيح عدم اعتبار الاستقبال حينئذ لان الصحيحة انما دلت على اعتباره في الدفن، والالقاء في البحر ليس بدفن وانما هو بدل عنه ولم يقم دليل على اعتبار الاستقبال في البدل أيضا.

[ 166 ]

[ التأخير ليدفن في الارض بلا عسر وجب ذلك، وان لم يمكن لخوف فساده أو لمنع مانع يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه ويوضع في خابية ويوكأ رأسها ويلقى في البحر مستقبل القبلة على الاحوط وان كان الاقوى عدم وجوب الاستقبال. أو يثقل الميت بحجر أو نحوه بوضعه في رجله ويلقى في البحر كذلك. والاحوط مع الامكان اختيار الوجه الاول. وكذا إذا خيف على الميت من نبش العدو قبره وتمثيله. ] نعم الوجه الاعتباري يساعد الاشتراط في البدل أيضا، إلا انه غير قابل للاعتماد عليه. تعيين الوظيفة في المسألة: " الثانية ": هل المكلف مخير بين جعل الميت في خابية وسد رأسها والقائها في البحر وبين تثقيل الميت بحجر أو نحوه والقائه فيه فيما إذا مات في السفينة لعدم امكان الاقبار فيها لانها ليست بأرض أو أن المتعين هو الاول فحسب؟ الذي دلت عليه صحيحة أيوب بن الحر قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات وهو في السفينة في البحر كيف يصنع

[ 167 ]

به؟ قال: " يوضع في خابية ويوكأ رأسها وتطرح في الماء " (1) تعين الاول فقط لانها ظاهرة في ذلك ولا موجب لرفع اليد عن ظهورها بوجه. نعم المشهور بينهم هو التخيير ولا مستند لهم سوى الجمع بين الصحيحة وبين الاخبار الآمرة بتثقيل الميت وإلقائه في الماء. " منها ": رواية أبي البختري وهب بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (ع): " إذا مات الميت في البحر غسل وكفن وحنط ثم يصلى عليه ثم يوثق في رجليه حجر ويرمى به في الماء " (2). وقد رواها الصدوق بعينها مرسلة كما رواها الحميري عن السندي ابن محمد عن أبي البختري. وهي بجميع طرقها ضعيفة السند لوجود وهب بن وهب الذي قيل في حقه انه اكذب اهل البرية. و " منها ": مرسلة أبان عن رجل عن ابي عبد الله (ع) أنه قال: في الرجل يموت مع القوم في البحر فقال: " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويثقل ويرمى في البحر " (3) وهي مرسلة ويحتمل ان يكون المراد بالرجل فيها هو وهب بن وهب الراوي للرواية السابقة. و " منها ": مرفوعة سهل بن زياد رفعه عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا مات الرجل في السفينة ولم يقدر على الشط "، قال:


(1) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الدفن ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الدفن ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الدفن ح 3.

[ 168 ]

" يكفن ويحنط في ثوب (ويصلى عليه) ويلقى في الماء " (1). و " منها ": ما في الفقه الرضوي " وان مات في سفينة فاغسله وكفنه وثقل رجليه وألقه في البحر " (2) وهي لم يثبت كونها رواية فضلا عن كونها معتبرة. ومعه لا وجه للاستدلال بها على ما ذهب إليه المشهور لضعفها وعدم صلاحيتها لمعارضة الصحيحة المتقدمة الدالة على تعين وضع الميت في خابية والقائه في البحر. وقد علل المحقق الهمداني (قده) الاستدلال بتلكم الروايات بأنها مستفيضة الرواية. (وفيه): ان الرواية المستفيضة هي التي توجب اقل مراتب الاطمئنان بصدور ها عن المعصوم (ع)، ومع انحصار الرواية في ثلاثة أو اربعة وكلها ضعاف كيف تكون الرواية مستفيضة وموجبة للاطمئنان بصدورها. نعم: إذا لم توجد خابية ولم يتمكن المكلف منها يتعين تثقيل الميت بحجر أو حديد والقاءه في البحر. وهذا لا يستند إلى تلكم الروايات الضعيفة بل لانه مقتضى القاعدة للعلم الخارجي بأن الشارع لا يرضى باهانة المؤمن أو اكله الحيوانات، فهو اقل مراتب الستر والحفظ حينئذ، وعليه فيكون التثقيل في طول الوضع في الخابية لا انه في عرضه كما هو المشهور.


(1) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الدفن ح 4. (2) المستدرك: ج 1 باب 37 من أبواب الدفن ح 1.

[ 169 ]

الوجوب في المسألة مشروط بالعجز عن الدفن: " الجهة الثالثة ": في أن وجوب الوضع في الخابية بالكيفية المتقدمة هل يختص بما إذا لم يمكن دفنه في الارض كالشاطئ، أو يعمه وما إذا كان الدفن في الارض ممكنا للمكلفين؟ نسب إلى المفيد في المقنعة والى المحقق في المعتبر الجواز اخذا باطلاق الصحيحة، وهذه النسبة - على تقدير صحتها وامكان استفادتها من كلامهما (قدهما) - لا يمكن المساعدة عليها. وهذا لا لاجل انصراف الصحيحة إلى صورة العجز وعدم التمكن من الدفن - كما قيل - بل لان في نفس الصحيحة قرينة على الاختصاص، وهي قوله " كيف يصنع به ". فانها ظاهرة في عدم إمكان إيصاله إلى الارض ودفنه وإلا فمع امكانه لا وجه لقوله في السؤال " كيف يصنع به؟ " فانه نظير السؤال عن ان الميت إذا مات في بيته كيف يصنع به فانه يصنع به كما يصنع بسائر الموتى. وعليه اي بناءا على الاختصاص لا يجوز الالقاء في البحر إذا امكن دفنه في الارض أو في شاطئ البحر ولو بعد تأخير ساعة أو يوم مع الامن من طرو الفساد على الميت حينئذ.

[ 170 ]

إذا لم يمكن الدفن فيمن مات في البر: " الجهة الرابعة ": إذا مات الميت في غير السفينة والارض ولم يمكن دفنه في الارض لمنع الحكومة أو منع ظالم آخر أو لصلابة الارض أو نحو ذلك فهل يجب القاؤه في البحر حينئذ، أو أن ذلك يختص بمن مات في البحر والسفينة. الصحيح وجوب ذلك لانه الذي تقتضيه القاعدة لان حرمة الميت موتا كحرمته حيا ولا يرضى الشارع بأهانته أو بأحراقة أو باكل السباع اياه، والميسور من التحفظ عليه حينئذ هو القاؤه في البحر وان كان موته في خارج البحر. ويؤيده ما ورد في حق زيد (ع) في رواية سليمان بن خالد قال: سألني أبو عبد الله فقال: ما دعاكم إلى الموضع الذي وضعتم فيه عمي زيدا - إلى أن قال: - كم إلى الفرات من الموضع الذي وضعتموه فيه؟ فقلت: قذفة حجر، فقال: سبحان الله أفلا كنتم أو قرتموه حديدا وقذفتموه في الفرات وكان افضل؟ (1). وهي ضعيفة بابي المستهل لتردده بين الممدوح والضعيف، والمراد بيحيى الحلبي هو يحيى بن عمران الثقة.


(1) الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب الدفن ح 1.

[ 171 ]

[ (مسألة 3): إذا ماتت كافرة كتابية أو غير كتابية ومات في بطنها ولد من مسلم (1) - بنكاح أو شبهة أو ] وفي مرسلة ابن أبي عمير عن رجل ذكره عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد الله (ع): كيف صنعتم بعمي زيد؟ قلت: انهم كانوا يحرسونه فلما شف الناس اخذنا جثته وقذفناه في حرف - أي في طرف - على شاطئ الفرات فللما اصبحوا جائت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه فقال: " ألا أو قرتموه حديدا أو القيتموه في الفرات صلى الله علليه ولعن الله قاتله " (1) ويحتمل اتحاد الروايتين وكون الاختلاف لفظيا فقط. إذا مات في البحر وامكن دفنه في الارض: " الجهة الخامسة ": إذا مات الميت في البحر إلا انه امكن دفنه في الارض ولو بتأخير ساعة أو اكثر إذا لم يخف على الميت بطرو الفساد عليه لا يجوز القاؤه في البحر وقد علم ذلك مما اسلفناه فلا حظ. إذا مات في بطن الكافرة الميتة ولد مسلم: (1) كما إذا كان للمسلم أمة كافرة فاستولدها ثم ماتت الامة


(1) الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب الدفن ح 2.

[ 172 ]

[ ملك يمين - تدفن مستدبرة للقبلة على جانبها الايسر على وجه يكون الولد في بطنها مستقبلا والاحوط العمل بذلك في مطلق الجنين ولو لم تلج الروح فيه بل لا يخلو عن قوة. ] والولد في بطنها فلا وجه لاحتمال وجوب اخراج الولد عن بطن أمه ليغسل ويكفن ويدفن إذ لا دليل على وجوب الاخراج من بطن الام. واما الغسل والكفن فهما واجبان في المولود الخارجي وليسا واجبين في الولد اللذي لم يتولد وانما منعوا عن دفن الولد بسبب دفن أمه نظرا إلى الاجماع على عدم جواز دفن الكافر أو الكافرة في مقابر المسلمين ولكن هذا الاجماع - على تقدير تحققه - يمكن التخلص عنه بدفنها والولد في بطنها في غير مقابر المسلمين والكفار بأن تدفن في موضع ثالث غيرهما. على أن الوجه في هذا التسالم هو احترام المسلمين بأن لا يدفن في مقابرهم من هو محكوم بالكفر، ولا ينافي هذا دفن الكافرة بتبع الولد المحكوم بالاسلام فانها كالوعاء له نظير التابوت. بل هذا مؤيد لاحترام المسلم حيث انه يدفن كافر بتبع المسلم احتراما له ويؤيد ذلك رواية أحمد بن اشيم عن يونس قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون له الجارية اليهودية والنصرانية فيواقعها فتحمل ثم يدعوها إلى أن تسلم فتأبى عليه فدنى ولادتها فماتت

[ 173 ]

[ (مسألة 4): لا يعتبر في الدفن قصد القربة بل يكفي دفن الصبي إذا علم أنه أتى به بشرائطه ولو علم انه ما قصد القربة (1). ] وهي تطلق والولد في بطنها ومات الولد أيدفن معها على النصرانية أو يخرج منها ويدفن على فطرة الاسلام؟ فكتب (ع): " يدفن معها " (1) وعن المحقق في المعبر أن الرواية ضعيفة السند باحمد بن اشيم لانه قد ضعفه الشيخ والنجاشى (قدهما) فلا يمكن الاعتماد عليها هذا. والرواية وان كانت ضعيفة السند الا أن المنشأ في ضعفها أن " احمد بن اشيم " مهمل في الرجال ولم يتعرضوا لحاله فهو مجهول الحال لا يصح الاعتماد على روايته. وأما ما أفاده " قده " من أن المنشأ هو تضعيف الشيخ والنجاشي (قدهما) اياه فالظاهر أنه من سهو القلم لانه لا يوجد للرجل ذكر في كتب الرجال قبل المحقق (قده) ولم يتعرض الشيخ والنجاشي لحاله وضعفه، وانما ذكره من ذكره بعد المحقق (قده) أخذا منه، فالمتحصل أن الرواية غير صالحة للاستلال بها وانما تصلح للتأييد كما ذكرناه. عدم اعتبار قصد القربة في الدفن: (1) قدمنا في الحنوط أن كون الواجب توصليا معناه عدم اعتبار


(1) الوسائل: ج 2 باب 39 من أبواب الدفن ح 2.

[ 174 ]

[ (مسألة 5): إذا خيف على الميت من اخراج السبع اياه وجب إحكام القبر بما يوجب حفظه من القير والآجر ونحو ذلك (1). كما أن في السفينة إذا أريد إلقاؤه في ] قصد القربة في امتثاله وهذا أمر غير سقوط الواجب بفعل الآخر. فان الواجب التوصلى ليس بحيث يسقط بفعل الغير - كما مثلنا بجواب السلام، فانه توصلي لا يعتبر في سقوطه قصد الامتثال إلا أنه لا يسقط برد غير الذي سلم عليه بل لابد من رده بنفسه على من سلم عليه. بل قد يكون الواجب تعبديا ولكنه يسقط بفعل الغير كما في قضاء العبادات عن الميت فانه واجب على الولد الاكبر أو الولي، إلا أن الغير إذا قضى عنه سقط عن ذمة الميت. فالسقوط بفعل الغير أمر محتاج إلى الدليل ولا يلازم التوصلية بوجه، ومن هنا قلنا: ان الصبي إذا حنط الميت لم يسقط ذلك عن المكلفين، نعم لا يبعد أن يقال في الدفن بالسقوط نظرا إلى أن الغرض من دفن الميت ستره ومواراته فانه إذا حصل ذلك - ولو بزلزال أو فعل صبي أو مجنون - لم يجب ثانيا على المكلفين أن ينبشوا قبره ويخرجوه ثم يدفنونه فانه الدفن بمعنى المواراة كما مر. إذا خيف من اخراج الميت من قبره: (1) ظهر الوجه في ذلك مما قدمناه في معنى المواراة وذكرنا أن

[ 175 ]

[ البحر لابد من إختيار مكان مأمون من بلع حيوانات البحر إياه بمجرد الالقاء (3). (مسألة 6): مؤنة الالقاء في البحر - من الحجر أو الحديد الذي يثقل به أو الخابية التي يوضع فيها - تخرج ] الواجب هو المواراة المطلقة لا مطلق المواراة، وهذا لا يحصل في المكان الذي يخاف فيه من اخراج السبع اياه إلا باحكام القبر بما يوجب حفظه من الجص والآجر والقير ونحو ذلك. (2) هذا مبني على العلم الخارجي بأن الغرض من إلقاء الميت في البحر انما هو حفظه بالمقدار المتيسر منه على ما قدمناه، وهذا الغرض ينافيه الالقاء في محل يبتلعه فيه الحيوان بمجرد الالقاء فورا. ويمكن استفادة ذلك مما رواه الصدوق (1) باسناده عن الفضل ابن شاذان إلا انها ضعيفة لضعف طريق الصدوق إلى الفضل وانما تصلح للتأييد. بل لا يبعد استفادته من الصحيحة (2) الآمرة بجعل الميت في خابية وسدها ثم إلقاءها في البحر لان الفرض من ذلك ليس إلا التحفظ على الميت من ابتلاع الحيوانات اياه، فيلزم مراعاة ذلك بالمقذار المتيسر منه، وقد تقدم أن جعله في الخابية وهو المتيعن على الاقوى والاحوط


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الدفن ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الدفن ح 1.

[ 176 ]

[ من أصل التركة (2) وكذا في الآخر والقير والساروج في موضع الحاجة إليها. (مسألة 7): يشترط في الدفن أيضا إذن الولي (1) كالصلاة وغيرها. (مسألة 8): إذا اشتبهت القبلة يعمل بالظن (2) ومع عدمه أيضا يسقط وجوب الاستقبال إن لم يمكن تحصيل العلم ولو بالتأخير على وجه لا يضر بالميت ولا بالمباشرين. ] مؤونة الالقاء في البحر من اصل التركة: (1) وقد قدمنا في مباحث التكفين أن الكفن وسائر المؤن تخرج من أصل التركة، وكذلك الخابية وغيرها مما يحتاج إليه في دفن الميت أو بدله - القاءه في البحر -. (2) قدمنا أن اذن الولي غير معتبر في الدفن ونحوه، وانما لا تجوز مزاحمته فراجع مبحث الاولياء في غسل الميت. إذا اشتبهت القبلة: (3) لان صحيحة (1) زرارة الدالة على اجزاء التحري ابدا إذا


(1) الوسائل: ج 3 باب 6 من أبواب القبلة ح 1.

[ 177 ]

[ (مسألة 9): الاحوط إجزاء أحكام المسلم (1) على الطفل المتولد من الزنا من الطرفين إذا كانا مسلمين أو ] لم يعلم أين وجه القبلة لا تختص بالصلاة بل تدل على حجية الظن بالقبلة في جميع ما يشترط فيه القبلة كما في الدفن والذبح والصلاة وغيرها، والمراد بالتحري هو الاخذ بالارجح والاولى وهو الظن عند اشتباه القبلة. نعم هذا انما هو فيما إذا لم يمكن تحصيل العلم بالقبلة ولو بالتأخير إذا لم يضر بالميت وإلا وجب التأخير ولم يكف الظن بالقبلة في شئ مما يعتبر فيه القبلة لانه انما يكفي فيما إذا استوعب الجهل تمام الوقت ولا يكفي الاشتباه والجهل وقتا ما أبدا. حكم الطفل المتولد من الزنا: (1) إذ لم يرد في النصوص أن ولد الزنا ليس بولد، وانما ورد (1) نفي التوارث وعدم إرثه وحسب كما ورد (2) ذلك في القاتل وهو تخصيص في أدلة الارث ولا يدل على نفي الولدية بوجه. إذن فهو ولد للمسلم ولا بد من دفنه، فان الولد لغة هو من تكون


(1) راجع الوسائل: ج 17 باب 87 من أبواب ميراث ولد الملاعنة. (2) راجع الوسائل: ج 17 من أبواب موانع الارث.

[ 178 ]

[ كان أحدهما مسلما. وأما إذا كان الزنا من احد الطرفين وكان الطرف الآخر مسلما فلا اشكال في جريان أحكام المسلم عليه. (مسألة 10): لا يجوز دفن المسلم في مقبرة الكافر (1). ] من ماء رجل أو امرأة، وهذا متحقق في المقام كما ان الولد عرفا كذلك وحيث لم يرد في الشرع نفي الولدية عن ولد الزنا فهو ولد لغة وعرفا وشرعا. بل لا مناص من أن يكون ولد الزنا ولدا حقيقة فان البنت المتولدة من الزنا لا يجوز للزاني أن يتزوج بها ولا يفتي به أحد، كما ان الود من الزنا لا يجوز له الزواج بأمه فولد الزنا ولد حقيقة وبما أنه ولد لمسلم فيجب دفنه. نعم إذا اشتبه الامر ولم يعلم أن الولد مستند إلى الزنا أو إلى الفراش يحكم بلحوقه بالفراش وليس بالزنا - وهذا امر آخر لان كلامنا انما هو فيما علم استناد الولد إلى الزنا. الاماكن التي لا يجوز فيها دفن المسلم: (1) لانه توهين للمسلم، وفي العكس الامر كذلك لان الكافر رجس ودفن الرجس في مقابر المسلمين وهن لهم - واحترام المؤمن ميتا كحرمته حيا.

[ 179 ]

[ كما لا يجوز العكس أيضا. نعم إذا اشتبه المسلم والكافر يجوز دفنهما في مقبرة المسلمين وإذا دفن أحدهما في مقبرة الآخرين يجوز النبش أما الكافر فلعدم الحرمة له وأما المسلم فلان مقتضى احترامه عدم كونه مع الكفار (1). (مسألة 11): لا يجوز دفن المسلم في مثل المزبلة والبالوعة ونحوهما (2) مما هو هتك لحرمته. (مسألة 12): لا يجوز الدفن في المكان المغصوب (3). وكذا في الاراضي الموقوفة لغير الدفن فلا يجوز الدفن في المساجد والمدارس ونحوهما (4). ] (1) بمعنى ان النبش انما حرم لاجل احترام المسلم، ونبش قبر المسلم لاجل رفع التوهين عنه احترام له لا أنه توهين له. (2) وكذا غير ذلك من الاماكن التي تعد توهينا للمسلم لما تقدم من أن حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا. (3) والوجه في ذلك ظاهر لانه تصرف في مال الغير من دون اذنه وهو حرام. (4) كالحسينيات، والوجه فيما افاده في مثل المدارس والحسينيات وغيرهما من الاراضي والموقوفة لغير الدفن. أن الوقف تمليك للكلي أو الجهة كالوقف على العلماء أو السادات أو الفقراء فانه تمليك للكلي وكالوقف لاجل صرفه في جهة خاصة كسبيل الله أو جهة أخرى وهو تمليك للجهة، غاية الامر أن الملكية ليست طلقة.

[ 180 ]

ومن الظاهر أن الدفن في ملك الغير طلقا كان أو غير طلق ليس سائغا لان الوقوف حسبما يوقفها اهلها، وحيث أن الواقف لم يوقفه للدفن فيكون الدفن فيه كالدفن في الارض المغصوبة وهو حرام. واما المساجد فقد ذكرنا في بحث المكاسب أن الوقف في المساجد تحرير لرقبة الارض نظير التحرير للعبد فكما أن العبد يحرر من العبودية كذلك الارض إذا جعلت مسجدا لاجل عبادة الله تكون محررة وحرة عن المملوكية ولعله إليه اشار سبحانه بقوله " أن المساجد لله " بناءا على أن المراد بالمساجد فيها هو الاماكن المجعولة مسجدا لا مساجد الانسان من الجبهة وغيرها. ولابد فيه من مراعاة الجهة التي لاجلها حررت الارض وهي جهة العبادة لله سبحانه فلا يجوز التصرف في المساجد في غير تلكم الجهة مثل الدفن. نعم: قامت السيرة على جواز التصرف في المساجد بما لا يكون مزاحما للعبادة كالجلوس والنوم فيها وان كان مكروها وبما ان الدفن فيها لم يقم دليل على جواز فلابد من الحكم بعدم جوازه. بل يمكن أن يقال: ان الدفن في المساجد مزاحم للعبادة فيها لان الصلاة على القبر مكروهة وجعل المسجد مدفنا يوجب منقصة فيه وهي تنافي العبادة التي لاجلها جعلت الارض مسجدا. كما أن الدفن إذا كثر كرهت الصلاة فيه لانها من الصلاة بين القبور وهي مكروهة. نعم لو دفن في المسجد على نحو لا يصدق عليه عنوان القبر - كما إذا دفن فيه بفرسخ من قعر الارض - لم

[ 181 ]

كما لا يجوز الدفن في قبر الغير قبل اندراس ميته (1). يكن به باس. وما يقال من أن المساجد مساجد من تخوم الارض إلى عنان السماء فهو مما لم يثبت بدليل. نعم: ورد ذلك (1) في الكعبة وأنها كذلك من تخوم الارض إلى عنان السماء إلا انه ضعيف فهذا المعنى لم يثبت بدليل معتبر في البيت الحرام فضلا عن المساجد. (1) سيتضح الوجه في ذلك في ضمن المسألة الآتية فلا حظ. كراهة حمل الميتين: المعروف بينهم كراهة حمل الميتين: الرجل والمرأة على سرير واحد وقد استدل عليه بالمرسلة الناهية عن ذلك إلا أن الرواية مما لم يثبت لها اصل. على أن الرواية لو كانت موجودة لا يمكن الاعتماد عليها لارسالها. نعم: ورد في صحيحة محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إلى أبي محمد (ع): ايجوز أن يجعل الميتين على جنازة واحدة في موضع الحاجة وقلة الناس، وان كان الميتان رجلا وامرأة يحملان على سرير واحد ويصلى عليهما؟ فوقع (ع): " لا يحمل الرجل مع المرأة على سرير واحد " (2) وهي من حيث الدلالة والسند


(1) الوسائل: ج 3 باب 18 من أبواب القبلة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 42 أبواب الدفن ح 1.

[ 182 ]

ظاهرة لا اشكال فيها. دفن الميتين في قبر واحد: وأما دفن الميتين في قبر واحد فقد استدلوا على كراهته بتلك الرواية لان حمل الميتين على سرير واحد إذا كان مكروها لدى الشارع مع كون المدة - مدة الاجتماع والاقتران - قليلة فيكون دفنهما في محل واحد مكروها بطريق أولى لان المدة فيه طويلة. و (فيه) ان الرواية اخص من المدعى لاختصاصها: بما إذا كان أحد الميتين رجلا والآخر امرأة فلا يستفاد منها الكراهة فيما إذا كان الميتان كلاهما رجل أو كلاهما امرأة. على أن حملهما في السرير الواحد يستلزم - عادة - اتصال أحدهما بالآخر بل كون أحدهما فوق الآخر، وفيه من الحزازة ما لا يخفى. وهذا بخلاف ما إذا دفنا في قبر واحد لعدم اتصال أحدهما بالآخر ولا كوه فوق الآخر بل يجعل أحدهما بجنب الآخر ويفصل بينهما بالتراب. هذا كله فيما إذا دفناهما مرة واحدة. واما إذا كان احدهما مدفونا سابقا واريد دفن الآخر منه بعد ذلك فقد قالوا بحرمته واستدلوا عليه بوجوه: " منها ": إن ذلك يستلزم نبش القبر وهو حرام. واورد عليه في المدارك وغيره بأن النبش لازم اعم، وكلامنا انما هو في جواز الدفن في القبر بما هو كذلك لا من جهة استلزامه النبش كما إذا انفتح القبر بزلزال ونحوه أو جاز نبشه كما إذا ظهر

[ 183 ]

أن الميت دفن من دون غسل - مثلا فهذا الوجه لا يرجع إلى محصل - على أن صاحب الذخيرة ناقش في شمول الاجماع القائم على حرمة النبش للمقام لانه دليل لبي ويقتصر فيه على المقدار المتيقن - وهو غير صورة النبش لاجل دفن ميت آخر. و " منها ": ان الميت احق بالقبر بدفنه فيه فالدفن الثاني تصرف فيما هو حق الغير وهو غير جائز. و (فيه): انه لم يقم دليل على أن القبر حق للميت وانما الثابت جواز دفنه فيه وكونه قبرا له، واما أنه حقه بحث يمنع عن جواز دفن الغير عنده فهو محتاج إلى الدليل. و " منها ": ما رواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن الاصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (ع) " من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن (من) الاسلام " (1)، لدلالتها على أن جعل القبر قبرا الذي هو معنى " جدد " محرم وخروج من الاسلام. و (فيه): ان الرواية غير قابلة للاستدلال بها سندا ودلالة: أما سندا فلان طريق الشيخ إلى احمد بن عيسى وان كان صحيحا كما مر إلا أن محمد بن سنان ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه. على أن السند يحتوي على أبي الجارود وهو زياد بن المنذر رئيس الفرقة الجارودية الذي عبر عنه الباقر عليه السلام بسرحوب وسرحوب اسم شيطان اعمى يسكن البحر وأبو الجارود كان اعمى أيضا وقد ذكر الكشي انه كان مكفوفا اعمى اعمى القلب وقد ورد


(1) الوسائل: ج 2 باب 43 من أبواب الدفن ح 1.

[ 184 ]

أنه كذاب ملعون فلا يمكن الاعتماد على روايته (1). واما من حيث الدلالة فلانه لم يثبت أن لفظ الرواية هل هو " جدد " أو " حدد " بمعنى جعل القبر كقبور العامة محددا - أي مع التسنيم كما ورد في رواية سعد بن عبد الله (2)، وعن المفيد (قدس سره) انه " خدد " أي نبش، أو أنه " حدث " أي جعل القبر قبرا، ومع عدم ثبوت أن لفظة الرواية أي شئ هي؟ لا يمكن الاستدلال بها بوجه. على أن الحكم الوارد في الرواية - اعني الخروج عن الاسلام - لا يناسب شيئا من هذه المعاني لعدم احتمال أن يكون تجديد القبر أو غير من المعاني المتقدمة موجبا للخروج عن الاسلام - أي كونه معصية بمثابة الكفر. ولا يبعد ان يقال: ان معنى " جدد " احدث قبرا زائدا على القبور بان يكون كناية عن قتل شخص وايجاد قبر له بسببه زائدا على القبور فان قتل النفس المحترمة من المعاصي المغلظة وهو يناسب الحكم بالخروج من الاسلام الوارد في الرواية.


(1) وقد عدل عن ذلك (دام فضله) وبنى على وثاقة الرجل فليراجع المعجم ج 7 ص 325. (2) الوسائل: ج 2 باب 43 من أبواب الدفن ح 1.

[ 185 ]

[ (مسألة 13): يجب دفن الاجزاء المبانة من الميت حتى الشعر والسن والظفر (1) وأما السن والظفر من الحي فلا يجب دفنهما وان كان معهما شئ يسير من اللحم: نعم يستحب حفظهما حتى يدفنا معه كما يظهر من وصية مولانا الباقر - عليهما السلام - وعن أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي - صلوات الله عليه وآله - أمر بدفن اربعة: الشعر والسن والظفر والدم، وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله: أنه أمر بدفن سبعة اشياء: الاربعة المذكورة والحيض والمشيمة والعلقة. ] الاجزاء المبانة من الميت تدفن معه. (1) لا ينبغي الاشكال في عدم وجوب دفن الشعر والظفر والسن ونحوهما مما لا تحله الحياة إذا كانت منفصلة عن الحي، ويدل على ذلك: - مضافا إلى عدم قيام الدليل على الوجوب - السيرة المستمرة الجارية على عدم دفن الشعر المنفصل عن الحي عند الحلق والتنوير ونحوهما. وقد ورد في بعض الاخبار (1) أن شعر النبي صلى الله عليه وآله كان مجزوزا مدة، نعم ورد الامر بدفن السن والظفر من الحي معه في


(1) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب آداب الحمام ح 7. وفيه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يختضب وهذا شعره عندنا.

[ 186 ]

جملة من الاخبار رواها في الوسائل في الباب السابع والسبعين من آداب الحمام، إلا انها ضعيفة السند، ومن اجل ذلك يبتني الحكم باستحباب الدفن فيهما على التسامح في ادلة السنن. وأما الشعر، والسن ونحوهما من الميت فالمعروف بينهم وجوب دفنها وعن الذخيرة، انه مما لم يعلم فيه خلاف، وعن التذكرة: دعوى الاجماع عليه وان كان يحتمل أن يكون الاجماع راجعا إلى استحباب جعله في الكفن لا إلى وجوب دفنه، والدليل على ذلك - بعد الاجماع لو تم اجماع مع عدم احتمال كون الاجماع تعبديا في المسألة - احد امرين -: " احدهما ": استصحاب كونه واجب الدفن قبل أن ينفصل عن الميت. و " فيه ": مضافا إلى انه من الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكمية وقد بينا مرارا عدم جريانه في الاحكام. أن الاستصحاب غير جار في المقام لان كونه واجب الدفن قبل الانفصال انما هو من جهة وجوب دفن الميت - بما له من التوابع - وكون الشعر ونحوه من توابعه فإذا انفصل فلا يعد تابعا للميت فلا يجري فيه الاستصحاب، بل يتوقف الحكم بوجوب الدفن فيه إلى دليل. و " ثانيهما ": مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (ع) " وقال لا يمس عن الميت شعر ولا ظفر وان اسقط منه شئ فاجعله في كفنه " (1) وهي ضعيفة بارسالها. و (دعوى): أن ابن أبي عمير لا يرسل إلا عن ثقة.


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 187 ]

[ (مسألة 14): إذا مات شخص في البئر ولم يمكن اخراجه يجب أن يسد ويجعل قبرا له (1). (مسألة 15): إذا مات الجنين في بطن الحامل وخيف عليها من بقائه وجب التوصل إلى اخراجه بالارفق فالارفق (2) ] (مندفعة) بما تقدم مرارا من أنا علمنا أن ابن أبي عمير قد روى عن الضعيف في موارد - على أن هذه الدعوى اجتهاد من الشيخ (قده) حيث ذكر أنه علم من حال صفوان وابن أبي عمير انهما لا يرويان ولا يرسلان إلا عن ثقة وهذا اجتهاد منه " قدس الله نفسه " وقد علم هو بذلك باجتهاده لا انهما اخبرا بذلك ونظيرها موثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله (ع) ومنها " لا يمس منه شئ اغسله وادفنه (1) وهي ايضا غير قابلة للاستدلال بها على هذا المدعى. لانه مبني على أن يكون الضمير في قوله (ع): (واغسله وادفنه) راجعا إلى الظفر أو الشعر وهو ممنوع لانه راجع إلى الميت وأن الواجب دفنه وغسله لا قص ظفره وشعره. (1) لانه امر ميسور، وأما مقدماته من التغسيل والتحنيط والتكفين فتسقط للتعذر، ومعه لابد من الصلاة على قبره. إذا مات الجنين في بطن الحامل: (2) هذه المسألة على طبق القاعدة لان المرأة واجبة الحفظ لوجوب


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب غسل الميت ح 3.

[ 188 ]

[ ولو بتقطيعه قطعة قطعة، ويجب أن يكون المباشر النساء أو زوجها ومع عدمهما فالمحارم من الرجال، فان تعذر فالاجانب حفظا لنفسها المحترمة. ] حفظ النفس المحترمة فلا مناص من اخراج الولد من بطنها ولا يحتاج في ذلك إلى النص. نعم: إن الذي يتصدى لذلك لابد أن يكون هو الزوج أو النساء أو محارمها، ولا يجب ذلك على الزوج وان كان متمكنا من اخراج الولد. وذلك لجواز مباشرة النساء للتوليد وذلك لجريان السيرة على تصدي النساء والقوابل لولادة المرأة ونحوها وان كان فيه النظر إلى العورة أو لمسها لكنه مستثنى عما دل على حرمتهما. وعلى تقدير عدم الزوج والنساء فيتصدى الاخراج محارمها وان استلزم الاخراج النظر إلى العورة أو لمسها. وعلى تقدير عدم المحارم يتصدى له الاجنبي - كل ذلك لوجوب حفظ النفس المحترمة كما مر. وقد يستدل على ذلك برواية وهب بن وهب حيث ورد فيها: " في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها؟ قال: " لا بأس بأن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه " (1). بل قد يؤخذ باطلاق الرجل في الرواية ويستدل به على جواز


(1) الوسائل: ج 2 باب 46 من أبواب الاحتضار ح 3.

[ 189 ]

[ ولو ماتت الحامل وكان الجنين حيا وجب اخراجه ولو بشق بطنها (1). ] مباشرة الاجنبي للاخراج ولو مع التمكن من الزوج أو النساء أو المحارم. و (فيه): ان الرواية ضعيفة السند بوهب بن وهب وهو الذي عبر عنه باكذب اهل البرية - على انها ليست بصدد البيان من حيث تصدي الرجال الاجانب للاخراج وانما تعرضت للرجل لانه المتمكن من اخراج الولد قطعة قطعة على الاغلب، إذا ماتت الحمل والجنين حي: (1) هذه المسألة - كسابقتها - على طبق القاعدة وذلك لوجوب حفظ النفس المحترمة من التلف ولا يحتاج فيها - أيضا - إلى النص ومع ذلك قد وردت فيها جملة من الروايات، " منها ": مرسلة ابن أبي عمير عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المرأة تموت ويتحرم الولد في بطنها ايشق بطنها ويخرج الولد؟ قال: فقال: " نعم ويخاط بطنها " (1). " ومنها ": ما عن علي بن يقطين قال: سألت العبد الصالح (ع) عن المرأة تموت وولدها في بطنها؟ قال: شق (يشق) بطنها ويخرج ولدها (2).


(1) و (2) المرويات في باب 6 من أبواب الاحتضار من الوسائل حديث: 1 و 2.

[ 190 ]

[ فيشق جنبها الايسر (1) ويخرج الطفل ثم يخاط (2) وتدفن ] و " منها ": رواية وهب بن وهب المتقدمة حيث ورد في صدرها إذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد يتحرك يشق بطنها ويخرج الولد (1) وغير ذلك من الروايات التي اوردها في الوسائل. كيفية اخراج الجنين: (1) الاخبار الآمرة بالشق مطلقة ولا مقيد للشق بالجانب الايسر ولا دليل عليه سوى الفقه الرضوي (2) حيث صرح به فيه، إلا أنه لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها. وكون الولد في الجانب الايسر بحسب القواعد الطبية - لو صح ذلك - أمر تكويني لا ربط له بالحكم الشرعي فلا مانع من شق جبينها الايمن مثلا حسب اطلاق الروايات وان كان الشق من الجانب الايسر أحوط. (2) لم يرد الامر بالخياطة إلا في مرسلة ابن أبي عمير المتقدمة وهي لارسالها غير قابلة للاعتماد عليها، نعم يمكن القول بوجوبه لانه مقدمة لتغسيل المرأة إذ مع شق بطنها لا يمكن تغسيلها.


(1) الروايات في باب 46 من أبواب الاحتضار من الوسائل ج 3. (2) راجع المستدرك ج 1 ب 35 من أبواب الاحتضار ح 1.

[ 191 ]

[ ولا فرق في ذلك بين رجاء حياة الطفل بعد الاخراج وعدمه (1). ولو خيف مع حياتهما على كل منهما انتظر حتى يقضي (2). ] وعليه لو فرضنا عدم وجوب التغسيل في حقها لفقدان الماء مثلا أو لغير ذلك من الوجوه لا تجب خياطة موضع الشق وان كانت الخياطة احوط. (1) نسب الاشتراط بصورة رجاء الحياة في الطفل بعد اخراجه إلى أبي حنيفة ولكن الصحيح عدم الاشتراط لاطلاق الروايات ولان حفظ النفس المحترمة واجب على نحو الاطلاق بلا فرق بين قصر حياته وطولها فان كل حي تنقضي حياته، غاية الامر تكون حياة بعضهم اطول من حياة الآخر. لو خيف على حياتهما: (2) بأن علم أن كليهما لا يبقيان على قيد الحياة بل يموت احدهما لا محالة إلا أنه لو اخرج الولد خيف عليه من الموت ولو لم يخرج الولد خيف على أمه، فلا يمكن ترجيح احدى النفسين المحترمتين على الاخرى فلابد من انتظار امر الله سبحانه فإذا مات احدهما وجب التحفظ على الآخر. هذا بالاضافة إلى الثالث الذي يريد اخراج الولد.

[ 192 ]

وأما الام فهل يجوز لها أن تقتل ولدها في بطنها تحفظا على حياتها أو لا يجوز؟ التحقيق ان المقام يدخل تحت كبرى التزاحم لوجوب حفظ النفس المحترمة على الام فيجب عليها أن تتحفظ على نفسها كما يجب عليها أن تحفظ ولدها وحيث لا تتمكن الام من امتثال كلا الامرين فيدخل بذلك تحت كبرى المتزاحمين وبما ان التحفظ على ولدها وصبرها لموتها امر عسري حرجي في حقها فيرتفع الامر بالتحفظ على حياة ولدها وبذلك لا يبعد أن يقال بجواز قتلها ولدها تحفظا على حياتها غاية الامران امتثال هذا الواجب يتوقف على مقدمة محرمة وهي قتلها لولدها فالمقام من التزاحم بين وجوب ذيها وحرمة المقدمة فيتقدم الوجوب في ذي المقدمة على الحرمة في المقدمة كما هو الحال في جملة من المقامات وهذه المسألة لم أر من تعرض لها في الرسائل العملية فضلا عن الكتب الاستدلالية. استدراك: تقدم انه لو خيف مع حياتهما على كل منهما انتظر حتى يقضي وذلك لان تركه ترجيح لاحدهما على الآخر مع حرمة كل منهما لكونهما مسلمين أو مومنين فلا يجوز لثالث أن يتحفظ على احدهما باتلاف الآخر. لان المقدمة إذا كانت محرمة لم يمكن تقديم الوجوب في ذي

[ 193 ]

المقدمة على الحرمة في المقدمة فلان حفظ النفس الواجب في أحدهما يتوقف على المقدمة المحرمة وهي اتلاف الآخر وهذا ليس بجائز إلا فيما إذا كان الوجوب في ذي المقدمة من الاهمية بمرتبة أزال الحرمة عن المقدمة الحرام كما هو كذلك في توقف انقاذ النفس المحترمة على التصرف في أرض الغير من دون اذنه. وأما في أمثال المقام مما لم يثبت الاهمية في ذي المقدمة لتساوي الحكمين أو عدم كون الوجوب أهم كما إذا توقف حفظ المال المحترم على إتلاف مال محترم آخر فلا مرخص في ارتكاب المقدمة المحرمة لاجل امتثال الامر بذي المقدمة، بل لابد من انتظار قضاء الله سبحانه وأن الام تموت حتى يتحفظ على الولد باخراجه من بطنها أو أن الولد يموت حتى يتحفظ على الام باخراجه كما تقدم - هذا كله بالاضافة إلى الثالث وأما وظيفة الام في نفسها وانه هل يجوز لها أن تقتل ولدها تحفظا على حياتها أو لا يجوز لها ذلك؟ الظاهر أنه لا مانع للام من التحفظ على حياتها بأن تقتل ولدها، والسر في ذلك ما ذكرناه في محله من أن الضرر إذا توجه إلى أحد شخصين لا يجب على أحدهما تحمل الضرر حتى لا يتضرر الآخر لان التحمل عسر وحرج فلا يكون مأمورا به، وفي المقام لا يجب على الام أن تتحمل الضرر بأن تصبر حتى تموت تحفظا على حياة ولدها لانه عسر فلا يجب ذلك على الام ولعله من فروع قاعدة " دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة " فلا بأس في أن تتحفظ الام على حياتها ولو بقتل ولدها. هذا كله في الاستدراك.

[ 194 ]

" فصل " " في المستحبات قبل الدفن وحينه وبعده " وهي أمور: (الاول): أن يكون عمق القبر إلى الترقوة أو إلى قامة ويحتمل كراهة الازيد (الثاني): أن يجعل له لحد مما يلي القبلة في الارض الصلبة بأن يحفر بقدر بدن الميت في الطول والعرض، وبمقدار ما يمكن جلوس الميت فيه في العمق ويشق في الارض الرخوة وسط القبر شبه النهر فيوضع فيه الميت ويسقف عليه. (الثالث): ان يدفن في المقبرة القريبة - على ما ذكره بعض العلماء - الا أن يكون في البعيدة مزية بأن كانت مقبرة للصلحاء أو كان الزائرون هناك أزيد. (الرابع): أن توضع الجنازة دون القبر بذراعين أو ثلاثة أو أزيد من ذلك، ثم ينقل قليلا ويوضع ثم ينقل

[ 195 ]

[ قليلا ويوضع ثم ينقل في الثالثة مترسلا ليأخذ الميت اهبته بل يكره ان يدخل في القبر دفعة فان للقبر أهوالا عظيمة. (الخامس): ان كان الميت رجلا يوضع في الدفعة الاخيرة بحيث يكون رأسه عندما بلي رجلي الميت في القبر ثم يدخل في القبر طولا من طرف رأسه أي يدخل رأسه أولا وان كان امرأة توضع في طرف القبلة ثم تدخل عرضا. (السادس): أن يغطى القبر بثوب عند إدخال المرأة. (السابع): أن يسل من نعشه سلا فيرسل إلى القبر برفق. (الثامن): الدعاء عند السل من النعش بأن يقول: " بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم إلى رحمتك لا إلى عذابك اللهم افسح له في قبره ولقنه حجته وثبته باللقول الثابت وقنا واياه عذاب القبر " وعند معاينة القبر: " اللهم إجعله روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار " وعند الوضع في القبر يقول: " اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك نزل بك وانت خير منزول به " وبعد الوضع فيه يقول: " اللهم جاف الارض عن جنبيه وصاعد عمله ولقد منك رضوانا " وعند وضعه في اللحد يقول: ]

[ 196 ]

[ " بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله " ثم يقرأ فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذتين وقل هو الله أحد ويقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وما دام مشتغلا بالتشريج يقول: " اللهم صل وحدته وآنس وحشته وآمن روعته وأسكنه من رحمتك تغنيه بها عن رحمة من سواك فانما رحتمك للظالمين " وعند الخروج من القبر يقول: " انا الله وانا إليه راجعون اللهم ارفع درجته في عليين واخلف على عقبه في الغابرين وعندك نحتسبه يا رب العالمين " وعند إهالة التراب عليه يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم جاف الارض عن جنبيه واصعد اليك بروحه ولقه منك رضوانا واسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك " وأيضا يقول: إيمانا بك وتصديقا ببعثك، هذا ما وعندنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا وتسليما ". (التاسع): أن تحل عقد الكفن بعد الوضع في القبر ويبدأ من طرف الرأس. (العاشر): أن يحسر عن وجهه ويجعل خده على الارض ويعمل له وسادة من تراب. (الحادي عشر): أن يسند ظهره بلبنة أو مدرة لئلا ]

[ 197 ]

[ يستلقي على قفاه. (الثاني عشر): جعل مقدار لبنة من تربة الحسين (عليه السلام) تلقاء وجهه بحيث لا تصل إليها النجاسة بعد الانفجار. (الثالث عشر): تلقينه بعد الوضع في اللحد قبل الستر باللبن بأن يضرب بيده على منكبه الايمن ويضع يده اليسرى على منكبه الايسر بقوة ويدني فمه من أذنه ويحركه تحريكا شديدا ثم يقول: " يا فلان بن فلان اسمع وافهم " ثلاث مرات " الله ربك ومحمد نبيك والاسلام دينك والقرآن كتابك وعلي امامك والحسن امامك... (إلى آخر الائمة عليهم السلام) أفهمت يا فلان ". ويعيد عليه هذا التلقين ثلاث مرات ثم يقول، " ثبتك الله بالقول الثابت هداك الله إلى صراط مستقيم عرف الله بينك وبين أوليائك في مستقر من رحمته اللهم جاف الارض عن جنبيه واصعد بروحه اليك ولقه منك برهانا اللهم عفوك عفوك ". واجمع كلمة في التلقين أن يقول: " اسمع افهم يا فلان ابن فلان " ثلاث مرات ذاكرا اسمه واسم ابيه ثم يقول: " هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن ]

[ 198 ]

[ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وسيد النبيين وخاتم المرسلين وان عليا أمير المؤمنين وسيد الوصيين وامام افترض الله طاعته على العالمين وأن الحسن والحسين بن علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد ابن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والقائم الحجة المهدي صلوات الله عليهم أئمة المؤمنين وحجج الله على الخلق اجمعين وائمتك ائمة هدى بك ابرار. يا فلان بن فلان إذا اتاك الملكان المقربان رسولين من عند الله تبارك وتعالى وسألاك عن ربك وعن نبيك وعن دينك وعن كتابك وعن قبلتك وعن ائمتك فلا تحف ولا تحزن وقل في جوابهما " الله ربي ومحمد صلى الله عليه وآله نبيي والاسلام ديني والقرآن كتابي والكعبة قبلتي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمامي والحسن بن علي المجتبي إمامي والحسين بن علي الشهيد بكربلاء امامي وعلي زين العابدين إمامي ومحمد الباقر امامي وجعفر الصادق امامي وموسى الكاظم إمامي وعلي الرضا إمامي ومحمد الجواد إمامي وعلي الهادي إمامي والحسن العسكري إمامي والحجة المنتظر إمامي، هؤلاء صلوات الله عليهم اجمعين أئمتي ]

[ 199 ]

[ وسادتي وقادتي وشفعائي بهم أتولى ومن اعدائهم أتبرأ في الدنيا والآخرة. ثم اعلم يا فلان بن فلان ان الله تبارك وتعالى نعم الرب وان محمدا صلى الله عليه وآله نعم الرسول وأن علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين الائمة الاثني عشر نعم الائمة وان ما جاء به مححمد صلى الله عليه وآله حق وان الموت حق وسؤال منكر ونكير في القبر حق والبعث حق والنشور حق والصراط حق والميزان حق وتطاير الكتب حق وان الجنة حق والنار حق وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور " ثم يقول: " أفهمت يا فلان " وفي الحديث انه يقول: " فهمت " ثم يقول: " ثبتك الله بالقول الثابت وهداك الله إلى صراط مستقيم عرف الله بينك وبين أوليائك في مستقر من رحمته " ثم يقول: " اللهم جاف الارض عن جنبيه واصعد بروحه اليك ولقه منك برهانا اللهم عفوك عفوك " والاولى أن يلقن بما ذكر من العربي وبلسان الميت ايضا إن كان غير عربي. (الرابع عشر): أن يسد اللحد باللبن لحفظ الميت من وقوع التراب عليه والاولى الابتداء من طرف رأسه وإن ]

[ 200 ]

أحكمت اللبن بالطين كان أحسن. (الخامس عشر): أن يخرج المباشر من طرف الرجلين فانه باب القبر. (السادس عشر): أن يكون من يضعه في القبر على طهارة مكشوف الرأس نازعا عمامته ورداءه ونعليه بل وخفيه إلا لضرورة. (السابع عشر): أن يهيل غير ذي الرحم - ممن حضر - التراب عليه بظهر الكف قائلا: " انا لله وانا إليه راجعون " على ما مر. (الثامن عشر): أن يكون المباشر لوضع المرأة في القبر من محارمها أو زوجها ومع عدمهم فأرحامها وإلا فالاجانب. ولا يبعد أن يكون الاولى بالنسبة إلى الرجل الاجانب. (التاسع عشر): رفع القبر عن الارض بمقدار أربع أصابع مضمومة أو مفرجة. (العشرون): تربيع القبر بمعنى كونه ذا اربع زوايا قائمة، وتسطيحه، ويكره تسنيمه بل تركه أحوط. (الحادي والعشرون): أن يجعل على القبر علامة، (الثاني والعشرون) أن يرش عليه الماء. والاولى أن

[ 201 ]

يستقبل القبلة ويبتدئ بالرش من عند الرأس إلى الرجل ثم يدور به على القبر حتى يرجع إلى الرأس ثم يرش على الوسط ما يفضل من الماء ولا يبعد إستحباب الرش إلى أربعين يوما أو أربعين شهرا. (الثالث والعشرون): ان يضع الحاضرون بعد الرش أصابعهم على القبر بحيث يبقى أثرها والاولى أن يكون مستقبل القبلة ومن طرف رأس الميت واستحباب الوضع المذكور آكد بالنسبة إلى من لم يصل على الميت وإذا كان الميت هاشميا فالاولى أن يكون الوضع على وجه يكون أثر الاصابع أزيد بأن يزيد في غمز اليد. ويستحب أن يقول حيث الوضع: " بسم الله ختمتك من الشيطان أن يدخلك " وأيضا يستحب أن يقرأ مستقبلا للقبلة سبع مرات: إنا أنزلناه، وان يستغفر له ويقول: " اللهم جاف الارض عن جنبيه واصعد اليك روحه ولقد منك رضوانا واسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك ". أو يقول: " اللهم ارحم غربته وصل وحدته وآنس وحشته وآمن روعته وأفض عليه من رحمتك واسكن إليه من برد عفوك وسعة غفرانك ورحمتك ما يستغني بها عن

[ 202 ]

رحمة من سواك واحشره مع من كان يتولاه ". ولا يختص هذه الكيفية بهذه الحالة بل يستحب عند زيارة كل مؤمن قراءة انا انزلناه سبع مرات وطلب المغفرة وقراءة الدعاء المذكور. (الرابع والعشرون): ان يلقنه الولي أو من يأذن له تلقينا آخر بعد تمام الدفن ورجوع الحاضرين بصوت عال بنحو ما ذكر فان هذا التلقين يوجب عدم سؤال النكيرين منه. فالتلقين يستحب في ثلاثة مواضع: حال الاحتضار وبعد الوضع في القبر وبعد الدفن ورجوع الحاضرين. وبعضهم ذكر استحبابه بعد التكفين أيضا. ويستحب الاستقبال حال التلقين وينبغي في التلقين بعد الدفن وضع الفم عند الرأس وقبض القبر بالكفين. (الخامس والعشرون): أن يكتب اسم الميت على القبر أو على لوح أو حجر وينصب عند رأسه. (السادس والعشرون): أن يجعل في فمه فص عقيق مكتوب عليه: " لا إلا إلا الله ربي، محمد نبيى، علي والحسن والحسين... (إلى آخر الائمة) أئمتي ". (السابع والعشرون): أن يوضع على قبره شئ من الحصى - على ما ذكره بعضهم - والاولى كونها حمرا.

[ 203 ]

(الثامن والعشرون): تعزية المصاب وتسليته قبل الدفن وبعده والثاني أفضل والمرجع فيها إلى العرف ويكفي في ثوابها رؤية المصاب اياه، ولا حد لزمانها ولو أدت إلى تجديد حزن قد نسي كان تركها أولى. ويجوز الجلوس للتعزية ولا حد له أيضا، وحده بعضهم بيومين أو ثلاثة وبعضهم على ان الازيد من يوم مكروه ولكن إن كان الجلوس بقصد قراءة القرآن والدعاء لا يبعد رجحانه. (التاسع والعشرون): إرسال الطعام إلى أهل الميت ثلاثة أيام ويكره الاكل عندهم وفي خبر: انه عمل اهل الجاهلية: (الثلاثون): شهادة أربعين أو خمسين من المؤمنين للميت بخير بأن يقولوا: " اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا ". (الواحد والثلاثون): البكاء على المؤمن. (الثاني والثلاثون): أن يسلي صاحب المصيبة نفسه بتذكر موت النبي صلى الله عليه وآله فاه أعظم المصائب. (الثالث والثلاثون): الصبر على المصيبة والاحتساب والتأسي بالانبياء والاوصياء والصلحاء خصوصا في موت

[ 204 ]

الاولاد. (الرابع والثلاثون): قول " انا لله وانا إليه راجعون ". كلما تذكر. (الخامس والثلاثون): زيارة قبور المؤمنين والسلام عليهم يقول: " السلام عليكم يا أهل الديار... الخ ". وقراءة القرآن وطلب الرحمة والمغفرة للهم ويتأكد في يوم الاثنين والخمسين خصوصا عصره وصبيحة السبت للرجال والنساء بشرط عدم الجزع والصبر. ويستحب أن يقول: " السلام على أهل الديار من المؤمنين رحم الله المتقدمين منكم والمتأخرين وإنا إن شاء الله بكم لا حقون ". ويستحب للزائر أن يضع يده على القبر وأن يكون مستقبلا وأن يقرأ " إنا أنزلناه " سبع مرات. ويستحب أيضا قراءة الحمد والمعوذتين وآية الكرسي كل منها ثلاث مرات والاولى أن يكون جالسا مستقبل القبلة ويجوز قائما. ويستحب أيضا قراءة " يس ". ويستحب ايضا أن يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم السلام على أهل لا إلا الا الله من اهل لا إله الا الله يا أهل لا

[ 205 ]

إله إلا الله كيف وجدتم قول لا إله الا الله من لا إله الا الله يا لا إله الا الله بحق لا إله إلا الله اغفر لمن قال: لا إله إلا الله واحشرنا في زمرة من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله على ولي الله "، (السادس والثلاثون): طلب الحاجة عند قبر الوالدين (السابع والثلاثون): إحكام بناء القبر. (الثامن والثلاثون): دفن الاقارب متقاربين. (التاسع والثلاثون): التحميد والاسترجاع وسؤال الخلف عند موت الولد. (الاربعون) صلاة الهدية ليلة الدفن وهي - على رواية - ركعتان يقرأ في الاولى: الحمد وآية الكرسي وفي الثانية: الحمد والقدر عشر مرات ويقول بعد الصلاة: " اللهم صل على محمد وآل محمد وابعث ثوابها إلى قبر فلان ". وفي رواية اخرى: في الركعة الاولى: الحمد وقل هو الله أحد مرتين وفي الثانية: الحمد والتكاثر عشر مرات وان أتى بالكيفيتين اولى. وتكفي صلاة واحدة من شخص واحد واتيان اربعين اولى لكن لا بقصد الورود والخصوصية، كما انه يجوز التعدد من شخص واحد بقصد إهداء الثواب وأحوط

[ 206 ]

قراءة آية الكرسي إلى " هم فيها خالدون ". والظاهر أن وقته تمام الليل وان كان الاولى أوله بعد العشاء، ولو أتى بغير الكيفية المذكورة سهوا اعاد ولو كان بترك آية من " انا انزلناه " وآية من آية الكرسي، ولو نسي من أخذ الاجرة عليها فتركها أو ترك شيئا منها وجب عليه ردها إلى صاحبها، وان لم يعرفه تصدق بها عن صاحبها وان علم برضاه أتى بالصلاة في وقت آخر واهدى ثوابها إلى الميت لا بقصد الورود. (مسألة 1): إذا نقل الميت إلى مكان آخر كالعتبات أو اخر الدفن إلى مدة فصلاة ليلة الدفن تؤخر إلى ليلة الدفن. (مسألة 2): لا فرق في استحباب التعزية لاهل المصيبة بين الرجال والنساء حتى الشابات منهن متحرزا عما تكون به الفتنة، ولا بأس بتعزية اهل الذمة مع الاحتراز عن الدعاء لهم بالاجر إلا مع مصلحة تقتضي ذلك، (مسألة 3): يستحب الوصية بمال لطعام مأتمه بعد موته.

[ 207 ]

" فصل: في مكروهات الدفن ". وهي أيضا أمور: (الاول): دفن ميتين في قبر واحد (1) بل قيل بحرمته مطلقا وقيل: بحرمته مع كون احدهما امرأة اجنبية والاقوى الجواز مطلقا مع الكراهة. نعم الاحوط الترك إلا لضرورة، ومعها فالاقوى جعل حائل بينهما، كذا يكره حمل جنازة الرجل والمرأة على سرير واحد والاحوط تركه أيضا. (الثاني): فرش القبر بالساج ونحوه من الآجر والحجر إلا إذا كانت الارض ندية وأما فرض ظهر القبر بالآجر ونحوه فلا بأس به كما أن فرشه بمثل حصير وقطيفة لا بأس ] " فصل: في مكروهات الدفن " (1) تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثانية عشرة من مسائل الدفن مفصلا فلا حظ.

[ 208 ]

به وان قيل بكراهته أيضا. (الثالث): نزول الاب في قبر ولده خوفا من جزعه وفوات اجره بل إذا خيف من ذلك في سائر الارحام أيضا يكون مكروها بل قد يقال بكراهة نزول الارحام مطلقا إلا الزوج في قبر زوجته والمحرم في قبر محارمه، (الرابع): أن يهيل ذو الرحم على رحمه التراب فانه يورث قساوة القلب. (الخامس): سد القبر بتراب غير ترابه، وكذا تطيينه بغير ترابه فانه ثقل على الميت. (السادس): تجصيصه أو تطيينه لغير ضرورة، وامكان الاحكام المندوب بدونه والقدر المتيقن من الكراهة إنما هو بالنسبة إلى باطن القبر لا ظاهره وإن قيل بالاطلاق. (السابع): تجديد القبر بعد إندارسه إلا قبور الانبياء والاوصياء والصلحاء والعلماء (الثامن): تسنيمه بل الاحوط تركه (1). كراهة تسنيم القبر: (1) لا إشكال في أن تربيع القبر وتسطيحه مستحب في الشريعة،

[ 209 ]

المقدسة لورود الامر به في جملة من الروايات (1)، كما أن تسنيم القبر مكروه لانه شعار اهل الخلاف. وقد وقع الكلام في حرمته واستدل عليها بالنهي عن التسنيم في الفقه الرضوي (2) إلا أنه لا يمكن الاعتماد كما تقدم غير مرة. وبرواية أبي الجارود عن الاصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " من حدد قبرا.. " (3) بناءا على أن النخسة الصحيحة " حدد " أي جعل القبر محددا وعلى وجه التسنيم، لكن تقدم أن سند الرواية ضعيف لورود الذم في أبي الجارود فقد ورد أنه كذاب وأنه كافر. كما أن متنها لم يثبت لتردده بين احتمالات ونسخ متعددة. واستدل عليها بالاخبار الآمرة بتربيع القبر لانه إذا وجب حرم خلافه وهو التنسيم: " منها " روأية السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرا إلا سويته ولا كلبا إلا قتلته " (4)،


(1) ويذكر مصاردها عند ذكرها. (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 38 من أبواب احكام الدفن ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 43 من أبواب الدفن ح 1 واستظهر الاستاد في رجاله وثاقة أبي الجارود زياد بن المندر فلاولى الاشكال في السند من جهة محمد بن سنان. (4) المروية في الوسائل: ج 2 باب 43 من أبواب الدفن ح 2.

[ 210 ]

[ (التاسع): البناء عليه عدا قبور من ذكر. والظاهر عدم كراهة الدفن تحت البناء والسقف. ] أي جعلت القبر على غير صورة التسنيم والتحديد لكن الرواية ضعيفة (1) لان في سندها النوفلي عن السكوني فلا يمكن الاستدلال بها على الحرمة بل غاية الامر أن يستدل بها على الكراهة بناءا على التسامح في أدلة السنن. و " منها ": رواية جابر بن يزيد عن أبي جعفر (ع) قال: " ما على احدكم إذا دفن ميته وسوي عليه وانصرف عن قبره أن يتخلف عند قبره ثم يقول... (2). أي لماذا لا يتخلف احد ارحام الميت عند قبره ليلقنه الشهادتين حيث جعلت تسوية القبر مفروغا عنها عند الامر بالتخلف عند قبر الميت. و (فيه): ان الرواية ضعيفة السند بعمرو بن شمر وغيره. كما أن دلالتها على المدعى قاصرة لان المراد بالتسوية فيها هو اتمام الدفن والقبر لا التسوية في مقابل التسنيم بل التسوية بهذا المعنى تستعمل اليوم ايضا فتقول للطعام المطبوخ أنه مستوي اي تام الطبخ. و " منها " صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) في حديث. قال: " وإذا حثي عليه التراب وسوي قبره فضع كفك على قبره. " (3)


(1) رجع سيدنا الاستاد عن ذلك فيما بعد. (2) المروية في الوسائل: ج 2 باب 35 من أبواب الدفن ح 2. (3) المروية في الوسائل: ج 2 باب 33 من أبواب الدفن ح 1.

[ 211 ]

[ (العاشر): إتخاذ المقبرة مسجدا إلا مقبرة الانبياء والائمة (ع) والعلماء. (الحادي عشر): المقام على القبور إلا الانبياء (ع) والائمة (ع). (الثاني عشر): الجلوس على القبر. (الثالث عشر): البول والغائط في المقابر. (الرابع عشر): الضحك في المقابر. ] وهي وان كانت معتبرة سندا إلا انها قاصرة الدلالة على المدعى لان التسوية بمعنى الاتمام لا بمعنى التربيع لعدم مناسبته مع حث التراب عليه. و " منها " رواية محمد بن مسلم قال: سألت احدهما عليهما السلام عن الميت فقال: " تسله من قبل الرجلين وتلزق القبر بالارض إلا قدر اربع اصابع مفرجات تربع قبره " (1). وهي ضعيفة السند بسهل بن زياد على طريق الكليني وعلى أن متنها ليس ثابتا إذ نقلت الرواية (وترفع قبره) بدلا عن (تربع قبره) إلى غير ذلك من الروايات (2) والمتحصل التسنيم لا دليل على حرمته وان كان الاحوط تركه - كما في المتن -.


(1) المروية في الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب الدفن ح 2. (2) راجع الوسائل ج 2 باب 22 من أبواب الدفن ح 5 وباب 31 منها ح 9 و 12 وغيرها من الموارد.

[ 212 ]

[ (الخامس عشر): الدفن في الدور. (السادس عشر): تنجيس القبور وتكثيفها بما يوجب هتك حرمة الميت. (السابع عشر) المشي على القبر من غير ضرورة. (الثامن عشر): الاتكاء على القبر. (التاسع عشر): إنزال الميت في القبر بغتة من غير أن توضع الجنازة قريبا منه ثم ترفع وتوضع في دفعات. كما مر. (العشرون): رفع القبر عن الارض أزيد من اربع اصابع مفرجات. (الحادي والعشرون): نقل الميت من بلد موته إلى بلد آخر (1) إلا إلى المشاهد المشرفة والاماكن المقدسة ] جواز نقل الميت إلى بلد آخر: (1) الكلام في هذه المسألة انما هو في جواز نقل الميت في نفسه مع قطع النظر عما قد يستلزمه من النبش أو فساد الميت وتعفنه، والكلام يقع في جهات:

[ 213 ]

" الجهة الاولى ": ان نقل الميت بما هو نقل إلى الاماكن المتبركة أو غير المتبركة أمر سائغ وقد ادعى الاجماع على جواز على كراهة جماعة كالمحقق والعلامة والشهيد والمحقق الكركي. وهذا الاجماع إن تم فهو وإلا فمقتضى القاعدة جواز النقل من دون كراهة وذلك للاطلاقات حيث أن ما دل على وجوب الدفن لم يقيد ببلد الموت ومكانه. وقد استدل على الكراهة - بعد الاجماع المتقدم - برواية الدعائم عن علي (ع) أنه رفع إليه أن رجلا مات بالرستاق فحملوه إلى الكوفة فانهكهم عقوبة وقال: ادفنوا الاجساد في مصارعها ولا تفعلوا فعل اليهود تنقل موتاهم إلى بيت المقدس... الخ " (1). و (فيه): ان روايات (دعائم الاسلام) ضعيفة لارسالها فلا يمكن الاعتماد عليها في الكراهة إلا بناءا على التسامح في ادلة السنن والمكروهات. واستدل بالاخبار الآمرة بالتعجيل في تجهيز الميت ودفنه وانه لو مات أول النهار استحب أن يدفن قبل الزوال لتكون قيلولته في قبره - وقد عقد في الوسائل لذلك بابا نقل فيه عدة روايات (2).


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 13 من أبواب الدفن ح 15. (2) الوسائل: ج 2 باب 47 من أبواب الاحتضار.

[ 214 ]

[ والمواضع المحترمة كالنقل من عرفات إلى مكة والنقل إلى النجف فان الدفن فيه يدفع عذاب القبر وسؤال الملكين والى كربلاء والكاظمية وسائر قبور الائمة بل إلى مقابر العلماء والصلحاء، بل لا يبعد استحباب النقل من بعض المشاهد إلى آخر لبعض المرجحات الشرعية. ] والوجه في الاستدلال بها أن استحباب التعجيل في الدفن يستلزم كراهة النقل لان فيه تأخيرا في الدفن ولكن الروايات المذكورة باجمعها ضعيفة السند فلا يثبت بها استحباب التعجيل فضلا عن كراهة النقل والتأخير. نعم: يمكن الاستدلال على استحباب التعجيل بقوله تعالى " واستبقوا الخيرات " (1) وقوله تعالى " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم " (2) حيث دلتا على استحباب التعجيل والمسارعة في كل ما هو مأمور به شرعا. إلا أن استحباب التعجيل في الدفن لا يقتضي كراهة النقل فان التأخير موجب لعدم العمل بالاستحباب لا أنه ارتكاب للمكروه. على أن النقل لا يلازم التأخير بل قد يكون الدفن موجبا لترك المسارعة والتعجيل في الدفن بخلاف النقل كما إذا كان الهواء باردا غايته أو حارا غايته بحيث لا يمكن الحفر إلا في مدة طويلة أو لم


(1) البقرة 2: 148. (2) آل عمران 3: 133.

[ 215 ]

يكن هناك آلة الحفر موجودة ولكن يمكن النقل إلى بلد ثان بالوسائط المستحدثة السريعة ودفنه في زمان قريب. فالمتحصل انه لم تثبت كراهة في النقل بوجه فهو أمر سائغ من دون كراهة وهذا الحكم لا يفرق فيه بين النقل إلى الاماكن القريبة والبعيدة كما هو ظاهر. " الجهة الثانية ": النقل إلى الاماكن المتبركة كالمشاهد الشرفة وغيرها من الاماكن التي يتقرب بالدفن فيها إلى الله سبحانه جائز بل مستحب كالنقل إلى بيوت النبي صلى الله عليه وآله كمعصومة عليها السلام وغيرها من قبور الائمة وبناتهم، أو النقل إلى قبر عالم من العلماء أو سيد من السادات للتوسل بهم والاستشفاع بقبورهم بل عن المحقق في المعتبر أنه مذهب علمائنا خاصة، وعليه عمل الاصحاب من زمن الائمة (ع) إلى الآن وهو مشهور بينهم لا يتناكرونه، ولا كراهة فيه بوجه. لان المدرك في الكراهة إن كان هو الاجماع المدعى فلا اجماع في النقل إلى الاماكن المتبركة. وان كان المدرك هو استحباب المساعرة إلى الخيرات فالنقل إلى المشاهد المشرفة وما بحكمها هي عين المسارعة إلى الخيرات لانه توسل واستشفاع بهم عليهم السلام. نعم: لو تمت رواية الدعائم من حيث السند لدلت على مبغوضية

[ 216 ]

النقل ولو إلى الاماكن المتبركة لدلالتها على ذم نقل الموتى إلى اللبيت المقدس كما عرفت إلا انها مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها. ويؤيد ما ذكرناه: رواية علي بن سليمان قال: كتبت أسأله عن الميت يموت بعرفات يدفن بعرفات أو ينقل إلى الحرم فأيهما افضل فكتب: " يحمل إلى الحرم ويدفن فهو افضل " (1). والمروي عن ارشاد الديلمي وفرحة الغري من قضية اليماني الحامل لجنازة أبيه فقال له علي (ع): لم لا دفنته في ارضكم؟ قال اوصى بذلك فقال له: ادفن فقام فدفنه في الغري (2) فانه يدل على التقرير منه (ع) لذلك. والمتحصل ان نقل الميت إلى المشاهد المشرفة وما بحكمها لا كراهة فيه سواء اوصى الميت بذلك أم لم يوص به - هذا. وعن الشهيد (قده): التفصيل بين الشهيد فلا بد أن يدفن في مصرعه وبين غيره فلا مانع من نقله إلى غير بلد الموت. وهذا التفصيل لم يظهر له مستند في الاخبار، وهو (قده) اعتمد في ذلك على رواية الدعائم المتقدمة وقد عرفت ضعفها لارسالها فلا فرق بين الشهيد وغيره فان نقل الميت إلى المشاهد المشرفة للتوسل بهم (ع) والاستشفاع والتبرك راجح كما تقدم.


(1) الوسائل: ج 9 باب 45 من مقدمات الطواف ح 2. (2) مستدرك الوسائل: ج 1 ج باب 13 من أبواب احكام الدفن ح 7.

[ 217 ]

" الجهة الثالثة " فيما إذا استلزم نقل الميت تغيرا فيه - وهذا على قسمين وصورتين: " الصورة الاولى " ان يكون التغير مستندا إلى اختيار المكلف كتقطيع الميت. " الصورة الثانية " ما إذا لم يستند التغير إلى اختياره بل تغير الميت وانتن لحرارة الهواء أو طول المدة ونحوهما. أما الصورة الاولى: فلا نعرف من يفتي بجواز النقل المستلزم للتغير الصادر عن الاختيار من الاصحاب سوى الشيخ الكبير حيث نسب إليه القول بجواز النقل وان استلزم التقطيع وجعل الميت إربا، واستدل على ذلك بوجوه، منها: اصالة الاباحة لعدم العلم بحرمة النقل المستلزم لتقطيع الميت والاصل اباحته. ومنها: إطلاقات كلمات الاصحاب حيث ذكروا أن النقل من بلد الموت إلى غيره جائز على كراهة ما لم يستلزم التقطيع إلا إلى المشاهد المشرفة حيث لم يقيدوا ذلك بما إذا لم يستلزم التقطيع الاختياري. ومنها: اطلاق ما دل على جواز النقل كرواية اليماني المتقدمة على أن الميت في تلك المدة ينقل فيها من اليمن إلى الغري يتغير عادة فبذلك لابد من الحكم بجواز التقطيع للنقل إلى المشاهد المشرفة. وهذا مما لا يعد هتكا للميت بل هو كرامة له فان الاحياء قد

[ 218 ]

[ والظاهر عدم الفرق في جواز النقل بين كونه قبل الدفن أو بعده. ومن قال بحرمة الثاني فمراده ما إذا استلزم النبش وإلا فلو فرض خروج الميت عن قبره بعد دفنه بسبب من سبع أو ظالم أو صبي أو نحو ذلك لا مانع من جواز نقله إلى المشاهد مثلا. ] تقطع بعض اعضائهم لاجل مصلحة تقتضي التقطيع من دون أن يعد ذلك هتكا له، هذا ولا يمكن المساعدة على شئ من ذلك: أما قضية الاصل فلان تقطيع الميت في نفسه محرم بل فيه الدية وفي قطع الرأس دية كاملة ومعه كيف بمكن دعوى أن الاصل اباحة التقطيع لدى النقل بل هو أمر محرم. واما اطلاق كلمات الاصحاب ففيه: أن استثناء المشاهد المشرفة انما يرجع إلى افتائهم بكراهة النقل بمعنى ان النقل مكروه إلا إذا كان النقل إلى المشاهد المشرفة لا أنه استثناء من حرمة النقل المستلزم للتقطيع الاختياري. وأما اطلاق ادلة النقل فليس لنا دليل يعتمد عليه في النقل يكون مطلقا بالاضافة إلى استلزامه التقطيع الاختياري وانما قلنا بجواز النقل لعدم قيام الدليل على حرمته كما تقدم، ورجحانه في النقل إلى المشاهد من جهة أنه توسل واستشفاع بهم (عليهم السلام) ورواية اليماني ضعيفة كما عرفت. على أن النقل لو كان له دليل معتمد عليه لم يمكن التمسك

[ 219 ]

باطلاقه بالاضافة إلى النقل المستلزم للتقطيع الاختياري وذلك لان الدليل انما ينظر إلى اثبات الجواز أو الرجحان للنقل بعنوانه لا من جهة العناوين الاخرى كاستلزامه التقطيع المحرم. نظير ما دل على استحباب اكل الرمان حيث لا يمكن التمسك باطلاقه لاثبات استحباب اكله وان كان الرمان مال الغير من دون إذنه فانه يدل على استحباب اكل الرمان بعنوانه الاولي لا بعنوان كونه مغصوبا محرما. وأما دعوي أن التقطيع للنقل إلى المشاهد المشرفة لا يعد هتكا بل هو كرامة له، فتندفع بأن الهتك امر عرفي ولا ينبغي التردد في أن تقطيع بدن الميت يعد عند العرف هتكا للميت ولا يقاس ذلك بتقطيع بعض الاعضاء حال الحياة، والفارق هو النظر العرفي كما بيناه. فالمتحصل أن النقل إذا كان مسلزما للتغير في الميت بفعل المكلف واختياره محكوم بحرمته. وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان النقل يستلزم التغير في الميت لكن لا بفعل المكلف بل لحرارة الهواء أو لطول المدة ونحوهما فقد ذكر الماتن (قده) أن النقل جائز حينئذ ما لم تنتشر رائحته على نحو يوجب اذية المسلمين. وذهب صاحب الجواهر إلى حرمته واستدل عليها بوجوه: (الاول): ان ذلك هتك للميت وهتك لحرمته وان لم تنتشر رائحته في الخارج. ويدفعه: ان ابقاء الميت مدة ينتن في تلك المدة انما يعد هتكا إذا لم يقصد به النقل إلى مكان يناسبه وإلا فهو كرامة للميت واحترام

[ 220 ]

[ ثم لا يبعد جواز النقل إلى المشاهد المشرفة وان استلزم فساد الميت إذا لم يوجب اذية المسلمين فان من تمسك بهم فاز، ومن اتاهم فقد نجا، ومن لجأ إليهم أمن، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله تعالى، والمتوسل بهم غير خائب صلوات الله عليهم اجمعين. ] له لدى العرف فيختلف ذلك باختلاف ما يقصد من النقل عرفا فإذا كان المقصود به هو الدفن في الامكنة الشريفة له فلا يعد عرفا هتكا بل هو نوع احترام وتجليل له. ولا سيما إذا لم تظهر رائحته إلى الخارج فان الميت ينتن لا محالة: اما تحت الارض أو فوقها. (الثاني): ان الحكمة في الامر بدفن الميت انما هي عدم انتشار رائحته خارج القبر فالنقل المستلزم لانتشار رائحته مناف للحكمة الداعية إلى الامر به وهو امر غير جائز. والجواب عنه: ان الحكمة في الامر بالدفن وان كانت تلك، إلا أن الكلام في تلك الحكمة هل هي علة تامة لوجوب الدفن أو انها حكمة من الحكم النوعية التي تدعو إلى جعل الوجوب؟! ولا ينبغي توهم كونها العلة التامة لوجوب الدفن وإلا لزم الالتزام بعدم وجوب الدفن فيما إذا امكن ابقاء الميت في الخارج على نحو لا يطرأ عليه النتن والفساد - كما في زماننا هذا بل في الازمنة المتقدمة أيضا حيث كانوا يحفظون الميت بالدواء من غير أن يفسد أو ينتن.

[ 221 ]

وكذا فيما إذا كانت الارض على وجه لا تمنع على انتشار رائحة الميت بدفنه مع أن الدفن واجب في كلتا الصورتين من غير نكير. وهذا يدلنا على أن عدم انتشار الرائحة حكمة نوعية داعية إلى جعل وجوب الدفن وبما أنه مطلق حيث يم يقيد بما إذا انتشرت رائحة الميت وتغير أم لم تنتشر ولم يتغير فلابد من الالتزام بوجوب الدفن في كلتا الصورتين. (الثالث): إن تأخير الدفن عن الغسل والصلاة والتجهيز إذا كان مستلزما لطرو الفساد على الميت امر غير جائز فانه لابد حينئذ من تقديم الدفن من غير غسل ثم يصلى على قبره. فادا لم يجز التأخير المستلزم لطرو الفساد بالاضافة إلى الواجب كالغسل والصلاة فلا يجوز تأخيره بالاضافة إلى الامر المستحب وهو النقل إلى المشاهد المشرفة بطريق اولى. والجواب عن ذلك: إن عدم جواز تأخير الدفن في مفروض المسألة امر لم يرد في نصل ولم يقم عليه اجماع تعبدي وانما افتى به جماعة. نعم: لا اشكال في جواز الدفن قبل التغسيل والصلاة عليه حينئذ واما حرمة تأخيره فلا، فإذا لم يعد ابقاؤه وتأخيره المستلزم لطرو الفساد عليه اهانة في حقه - كما لا يعد - فلا يمكننا الحكم بحرمة النقل. نعم: قد يتوهم أن ما دل عيل الامر بالدفن عام زماني ويدل على وجوب الدفن في كل آن ومن ثمة لو خرج الميت عن قبره بسبب من الاسباب وجب دفنه ثانيا وانما خرجنا عن عمومه بمقدار التغسيل والصلاة عليه ونحوهما واما بالاضافة إلى النقل فلا فمقتضى

[ 222 ]

العموم أو الاطلاق الزماني في دليل الدفن عدم جواز النقل حينئذ، (وفيه): ان هذا الوجه لم تم لاستلزم الحكم بوجوب الدفن وعدم جواز تأخيره حتى فيما نقطع بعدم طرو الفساد على الميت لو بقي ساعة أو ساعتين لبرودة الهواء كما يستلزم عدم جواز النقل إلى المشاهد المشرفة حتى إذا لم يستلزم طرو الفساد عليه، مع انه مما لا يمكن الالتزام به - وهذا الوجه أيضا ساقط. وسره: أن ما دل على وجوب الدفن كقوله (ع): " يغسل ويكفن ثم يصلى عليه فيدفن " ليس له إطلاق زماني بوجه وانما يدل على وجوب الدفن كوجوب غيره من الامور اللازمة في التجهيز. وعليه فالصحيح ما أفاده الماتن (قده) من جواز النقل بل رجحانه إلى المشاهد المشرفة وان كان ذلك مستلزما لطرو الفساد على الميت لا باختيار المكلف. " الكلام في جواز النقل بعد النبش ": قد يقع الكلام في حرمة النبش وجواز بما هو نقل وتحويل للميت من قبر إلى قبر (كما إذا اخرجه السيل أو الزلزال أو نبش قبره عصيانا ونحو ذلك -. واخرى: من حيث كون النقل ذا مقدمة محرمة وهي النبش، وفي الحقيقة يقع الكلام في حرمة النبش لنقل الميت وعدم حرمته. الصورة الاولى: - إذا كان النقل والتحويل من قبر إلى قبر آخر

[ 223 ]

أو إلى بلد آخر اهانة للميت وهتكا له فلا اشكال في حرمة نقله لان حرمة المؤمن ميتا كرحمته حيا. واما إذا لم يعد هتكا له فهو كالنقل قبل الدفن فان قلنا بجوازه - كما هو الصحيح - فهو أيضا جائز، وان منعنا عنه فهو أيضا ممنوع وحيث ذكرنا أن نقل الموتى امر جائز بل راجح إذا كان النقل إلى المشاهد المشرفة فلا مناص من الحكم بجوازه أيضا في المقام إذا كان النقل لمصلحة الميت، بل وكذلك الحال فيما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة وكان النقل وعدمه متساويين وان كان ظاهر كلام ابن الجنيد اختصاص الجواز بما إذا كان النقل مصلحة للميت. ثم إن الظاهر جواز التحويل من دون كراهة وان ذهب ابن حمزة إلى كراهته وذلك لعدم دلالة الدليل على كراهة النقل بعد النبش. نعم لو تم ما تقدم من دعوى وجوب الدفن على نحو العموم الازماني وأن الخارج عنه هو زمان التغسيل والتكفين والصلاة دون غيره لم يجز النقل إلى قبر آخر أو بلد آخر لاستلزامه البطء والتأخير بخلاف اقباره في قبره الاول. إلا أنا قدمنا أنه لا دليل يدل على وجوب الدفن بنحو العموم الازماني وانما الدليل يدل على وجوب الدفن وحسب ونحن - أيضا - ندفن الميت ثانيا، ولا تقييد فيه بأن يكون في قبره السابق أو في قبر غيره، هذا كله في النقل بعد النبش بما هو نقل. الصورة الثانية: - هي النقل المحرم مقدمته وهي النبش، فان كان النقل بنبشه موجبا للاهانة على الميت أو لم يكن صلاحا للميت

[ 224 ]

فلا ينبغي الاشكال في حرمته لحرمة النبش حينئذ. وإما إذا لم تعد اهانة للميت وكان صلاحا له - كما إذا نبش لكي ينقل إلى الاعتاب المقدسة والمتبركة - فالمشهور بينهم عدم الجواز واختاره صاحب الجواهر (قده) بل عن السرائر: انه بدعة وحرام، لكن ذهب جملة من المحققين إلى الجواز كالحقق والشهيد الثانيين وهذا هو الاظهر. وذلك لان المستند في المنع إن كان هو الاجماع على حرمة النبش إلا في صور مستثناة وليس منها المقام فتبقى تحت اطلاق معقد الاجماع - كما عن صاحب الجواهر - ففيه: ان الاجماع على حرمة النبش ليس اجماعا تعبديا ولو في غير المقام وانما هو من اجل كون النبش وكشف الميت بعد تغيره ونتن رائحته اهانة له وليس من جهة الاجماع التعبدي - على انه لا يمكن دعوى الاجماع في المقام مع ذهاب المحقق والشهيد الثانيين إلى الجواز. وان كان المستند أن النبش لاجل النقل توهين للميت وهتك له. ففيه: ان النبش لاجل النقل إلى المشاهد المشرفة أو المكان المناسب للميت تعظيم له واكرام له ولا يعد ذلك توهينا بوجه. و (دعوى): أن ذلك بدعة محرمة - كما عن السرائر - (غير مسموعة): لان غاية ما هناك عدم وقوع النقل بعد النبش في عصرهم (ع) لا أنه كان بدعة ومتى كان ذلك محرما ليكون بدعة؟ وأما العموم الازماني في ادلة وجوب الدفن فهو غير ثابت كما تقدم فالظاهر أن النبش لاجل النقل إلى الاماكن المتبركة أو المناسبة للميت

[ 225 ]

امر جائز لا محذور فيه. ثم إن ذلك لا يفرق فيه بين ايصاء الميت به وعدمه لانا إن قلنا بالجواز لم يكن فرق فيه بين صورتي الوصية وعدمها، وان قلنا بالحرمة فالامر ايضا كذلك لان الوصية انما تكون نافذة في الامور المباحة ضرورة أن الوصية لا تقلب الحرمة إلى الجواز. فما ربما يظهر من الماتن (قده) من اختصاص الجواز بما إذا اوصى الميت بذلك - وسيأتي في استثنائه الثاني عشر من حرمة النبش - مما لا وجه له. نعم: يمكن أن يقال: إن المقتضي لحرمة النبش قاصر في صورة الوصية لان مدركها الاجماع وهو دليل لبي يقتصر فيه على المورد المتيقن وهو غير صورة الوصية بالنقل، واما مع الوصية به فلم ينعقد اجماع على حرمته، والظاهر أن نظر الماتن (قده) إلى ذلك، بقي الكلام فيما إذا اوصى الميت بأن لا يدفن مدة ويبقى وديعة وأمانة ويدفن بعد ذلك في الاماكن المتبركة أو غيرها فهل هذه الوصية نافذة أم لا؟ ذهب بعضهم إلى ذلك كشيخنا الاستاذ (قده) في تعليقته على المتن، لكن الظاهر عده نفوذها لانها وصية على خلاف ظاهر الامور الواردة في الدفن لان ظاهرها هو وجوب الدفن المتعارف بعد الغسل والتكفين والصلاة فبقاؤه مدة من دون دفن امر غير جائز، والوصية لا تقلب الحرمة إلى الجواز فالدفن ثم النبش والنقل أولى واحوط من الايصاء بجعله وديعة ونقله بعد ذلك.

[ 226 ]

[ (مسألة 1): يجوز البكاء على الميت (1) ولو كان مع الصوت بل قد يكون راجحا كما إذا كان مسكنا للحزن وحرقة القلب بشرط أن لا يكون منافيا للرضا بقضاء الله. ولا فرق بين الرحم وغيره بل قد مر استحباب البكاء على المؤمن، بل يستفاد من بعض الاخبار جواز البكاء على الاليف الضال، والخبر الذي ينقل من أن الميت يعذب ببكاء اهله ضعيف مناف لقوله تعالى " ولا تزر ] جواز البكاء على الميت: (1) والوجه في ذلك امور: " الاول ": الاصل فان كل ما لم يقم دليل على حرمته في الشريعة المقدسة فهو محكوم بالحلية ولم يدلنا دليل على حرمة البكاء على الميت. " الثاني ": السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين (ع) ولم يردعوا عنها بوجه فلو كان البكاء على الميت محرما لانتشرت حرمته ووصلت الينا متواترة لكثرة الابتلاء بالاموات والبكاء عليهم، " الثالث ": الاخبار الواردة (1) في أن النبي صلى الله عليه وآله بكى على ابراهيم وقال " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب "


(1) الوسائل: ج 3 باب 87 من أبواب الدفن.

[ 227 ]

[ وازرة وزر اخرى " واما البكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر فجائز ما لم يكن مقرونا بعدم الرضا بقضاء الله، نعم يوجب حبط الاجر ولا يبعد كراهته. ] وبكي صلى الله عليه وآله أيضا على جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة، وكذلك بكت الصديقة عليها السلام على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى ابيها - صلوات الله عليه وآله - وبكى علي بن الحسين (ع) على شهداء الطف مدة مديدة بل عدت الصديقة الطاهرة وزين العابدين عليهما السلام من البكائين الخمسة لكثرة بكائهما، بل ورد الامر بالبكاء عند وجدان الوجد على الميت في رواية الصيقل فراجع (1)، نعم: ورد في حسنة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) " كل الجزع والبكاء مكروه ما سوى الجزع والبكاء لقتل الحسين (ع) (2). إلا أنه في مقابل السيرة والاخبار لابد من تأويل الكراهة فيها يحملها على كون البكاء مكروها عرفيا لعدم مناسبته مع الوقار والعظمة والمنزلة ومن ثمة لم ير بعض الاعاظم (قده) باكيا على ولده المقتول لدى الناس وقالوا: انه كان يبكي عليه في الخلوات في داره لا أنه مكروه شرعي. أو يحمل على أن مجموع الجزع والبكاء مكروه فان الجزع غير مرغوب فيه شرعا إلا على أبي عبد الله الحسين (ع).


(1) الحديث 2 من الباب المتقدم ذكره. الوسائل: ج 2 باب 87 من أبواب الدفن ح 9.

[ 228 ]

[ (مسألة 2): يجوز النوح على الميت بالنظم والنثر (1) ما لم يتضمن الكذب ] وقد روت العامة - كما في صحيحي البخاري ومسلم - (1) النهي عن البكاء على الميت لان الميت يعذب ببكاء أهله. وهي مضافا إلى ضعف سندها ليست قابلة للتصديق ولابد من ضربها على الجدار لمخالفتها صريح الكتاب قال تعالى " ولا تزروا وازرة اخرى " (2) فانه بعيد عن العدل الالهي أن يعذب الميت ببكاء شخص آخر وفعل غير الميت وان ارتكب اعظم المحرمات، أو تؤول الرواية بأن الميت يتأذى عند بكاء اهله كما كان يتأذى ببكائهم حال حياته لا أنه يعذب من قبل الله سبحانه.. اذن فالبكاء على الميت سائغ من دون كراهة. جواز النوح على الميت: (1) للاصل والسيرة كما تقدم في المسألة السابقة، ولان النياحة لو كانت محرمة لوصلت الينا حرمتها بالتواتر، بل ورد أن فاطمة الزهراء سلام الله عليها ناحت على ابيها صلى الله عليه وآله (3) واوصى الباقر


(1) راجع البخاري ج 1 ص 195 وصحيح مسلم ج 1 ص 344. (2) الانعام: 6: 164. (3) الوسائل: ج 2 باب 71 من أبواب الدفن ح 4.

[ 229 ]

الصادق عليهما السلام بأن يقيم عليه النياحة منى عشر سنوات (1). نعم: ورد في بعض الاخبار (2) كراهة أن تشارط النائحة اجرتها من الابتداء وورد الامر بأن تقبل ما يعطى لها بعد العمل وهو امر آخر. وما دل عليه ضعيف السند واستحبابه يبتني على التسامح في ادلة السنن، بل ورد في بعضها جواز اخذ الاجرة على نياحتها فلو كانت النياحة محرمة لم يجز أن تأخذ عليها الاجرة بوجه. نعم: ذهب أبو حمزة والشيخ (قدهما) إلى حرمة النياحة وادعى الشيخ الاجماع عليها في مبسوطه، إلا أن هذه الدعوى غير قابلة التصديق منه (قده) حيث ان جواز النياحة مما يلتزم به المشهور فكيف يقوم معه الاجماع على حرمتها. ولعله اراد بالنياحة: النياحة المرسومة عند العرب ولا اشكال في حرمتها لاشتمالها على الكذب حيث كانوا يصفون الميت بأوصاف غير واجد لها في حياته ككونه شجاعا أو كريما سخيا مع انه جبان أو بخيل وهو كذب حرام. نعم: ورد النهي عن النياحة في جملة من الاخبار (3). ففي رواية جابر عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له ما الجزع قال: " اشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي ومن اقام النواحة فقد ترك الصبر واخذ في


(1) الوسائل: ج 12 باب 17 من أبواب ما يكتب به ح 1. (2) راجع باب المتقدم ذكره. (3) راجع الوسائل: ج 2 باب 83 من أبواب الدفن ح 1.

[ 230 ]

[ وما لم يكن مشتملا على الويل والثبور (1) لكن يكره في الليل، ويجوز اخذ الاجرة عليه إذا لم يكن بالباطل لكن الاولى أن لا يشترط أولا. ] غير طريقه ". إلا انها ضعيفة السند بأبي جميلة (مفضل بن عمر) على طريق وبه وبسهل بن زياد على طريق آخر. وفي مرسلة الصدوق قال: من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وآله الموجزة التي لم يسبق إليها: " النياحة من عمل الجاهلية ". وهي مضافا إلى ضعف سندها قابلة الحمل على ارادة النياحة الباطلة المرسومة عند العرب بمناسبة قوله " من عمل الجاهلية " اي بحسب مناسبة الحكم والموضوع إلى غير ذلك من الاخبار الضعاف فراجع (1). فتحصل أن النياحة الصحيحة امر جائز ولم تثبت كراهتها فضلا عن حرمتها ما لم يشتمل على الكذب ونحوه فما عنون بن الباب في الوسائل من كراهة النياحة ليس صحيحا فان الكراهة كالحرمة حكم شرعي يحتاج إلى دليل ولا دليل عليها، (1) ذكروا أن الدعاء بالويل والثبور محرم منهي عنه لجملة من الاخبار - كما عن مشكاة الانوار نقلا عن كتاب المحاسن عن الصادق (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " ولا يعصينك في معروف " المعروف أن لا يشققن جيبا ولا يلطمن وجها ولا يدعون ويلا


(1) وراجع الرواية الخامسة من هذا الباب.

[ 231 ]

[ (مسألة 3): لا يجوز اللطم والخدش (1) ] بالويل " (1). وما ورد في وصية النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة (ع): " إذا أنا مت فلا تخمشي علي وجها... ولا تنادي بالويل... " (2). وقوله صلى الله عليه وآله لها حين قتل جعفر بن أبي طالب " لا تدعي بذل ولا ثكل... " (3). بل ورد اللعن على الداعية بالويل والثبور في بعض الروايات كما عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور (4). إلا ان تلك الاخبار لضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها والحكم بحرمة الدعاء بالويل والثبور بل هو أمر جائز ما لم يكن مستندا إلى عدم الرضا بقضاء الله سبحانه لانه أمر محرم. عدم جواز اللطم والخدش. (1) وهذا كسابقه وان ورد النهي عنه في بعض الاخبار، ولعن


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 71 من أبواب احكام الدفن ح 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 83 من أبواب الدفن ح 5. (3) الوسائل: ج 2 باب 83 من أبواب الدفن ح 4. (4) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 71 من أبواب احكام الدفن ح 13.

[ 232 ]

[ وجز الشعر (1) ] الخامشة وجهها في رواية ابي أمامة. وعن دعائم الاسلام عن جعفر ابن محمد أنه أوصى عندما احتضر فقال: لا يلطمن علي خدا ولا يشققن علي جيبا فما من امرأة تشق جيبها الا صدع لها في جهنم صدع كلما زادت زيدت (1). إلا أن الاخبار لضعف اسنادها لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالحرمة بوجه. حكم جز الشعر: (1) ورد النهي عن ذلك في رواية خالد بن سدير (2) وقد اثبت فيها الكفارة على جز الشعر ونتفه أيضا، إلا أن خالدا هذا ضعيف لعدم توثيقه بل ذكر الشيخ حسين آل عصفور أن الصدوق ذكر أن كتاب خالد بن سدير موضوع منه أو من غيره ومعه لا يمكن الحكم بحرمة الجز فضلا عن اثبات الكفارة فيه.


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 72 من أبواب احكام الدفن ح 2. (2) الوسائل: ج 15 باب 31 من أبواب الكفارات ح 1. وقد استبعد سيدنا الاستاد موضوعية كتابه راجع ترجمة خالد بن سدير (الجزء 7 من المعجم).

[ 233 ]

[ بل والصراخ الخارج عن حد الاعتدال (1) على الاحوط ] حكم الصراخ العالي: (1) ورد في خبر الحسن الصيقل عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: " لا ينبغي الصياح على الميت ولا شق الثياب " (1) وأورد على الاستدلال به أن كللمة " لا ينبغي " ظاهرة في الكراهة أو في استحباب الترك لا في الحرمة. ولكن قدمنا نحن أن الكلمة ظاهرة في الحرمة لان معنى " لا ينبغي ": لا يتيسر ولا يتمكن، على ما استشهدنا عليه باستعمالها بهذا المعنى في موارد في الكتاب وان لم ير استعمالها بصيغة الماضي وانما يستعمل المضارع فقط، ومعنى عدم التيسر شرعا ليس هو إلا الحرمة فلا محذور في الاستدلال بالرواية من هذه الجهة. نعم لا مجال للاستدلال بها من جهة ضعف سندها بالحسن الصيقل.


(1) الوسائل: ج 2 باب 84 من أبواب الدفن ح 2، وفيه امرأة الحسن الصيقل وفي السند سهل بن زياد ايضا.

[ 234 ]

[ وكذا لا يجوز شق الثوب على غير الاب والاخ (1) والاحوط تركه فيهما أيضا. ] حكم شق الثوب: (2) وعن الحلبي: حرمة الشق مطلقا، وعن بعض جوازه للنساء دون الرجال وعن ثالث: جوازه في الاقارب من أب وأم وأخ وأخت ونحوها دون غيرهم. والمعروف عدم جوازه إلا في مورد بن: أحدهما: شق الولد على أبيه. وثانيهما: شق الاخ على أخيه. وقد استدل على الحرمة " أولا ": بأن الشق إظهار للسخط على قضاء الله سبحانه ومناف للرضا به فيحرم. و (فيه): ان بين الشق والسخط عموما خصوصا من وجه فانه قد لا يشق ثوبه على الميت لكونه ثميناه ومحبوبا لديه إلا أنه ساخط لقضائه جدا، وقد يشق ثوبه مع الرضا بقضاء الله سبحانه، وقد يجتمعان وكلامنا في حرمة الشق في نفسه. و " ثانيا ": بان ذلك تضييع للمال وهو تبذير محرم. و (فيه): انه إذا كان له غرض عقلائي في شق ثوبه لم يعد من التبذير المحرم فان الانسان قد يريد اظهار تأثره في موت اقربائه أو صديقه، وإظهار ذلك قد يكون بضرب اليد على اليد واخرى بشق الجيب فلا محذور فيه من هذه الجهة.

[ 235 ]

و " ثالثا ": بالاخبار الناهية عن ذلك وقد تقدم بعضها كرواية امرأة الحسن الصيقل إلا أنها ضعيفة السند كما تقدم، والعمدة منها على ما صرح به المحقق الهمداني " قده " حيث قال: أوثقها في النفس ما حكي عن المبسوط حيث ان الشيخ (قده) ذكر فيه: ان شق الجيب محرم إلا في موت الاب للابن وفي موت الاخ للاخ وبه رواية، وقد أخذ المتأخرون ذلك عن الشيخ وجعلوه مرسلة له واستدلوا بها في كتبهم. إلا أنه لم يعلم أن الشيخ أراد بذلك غير الاخبار المتقدمة الدالة على النهي عن شق الثياب، هذا من حيث اثبات الحرمة. واما استثناؤه فمن المطمأن به أنه اراد من ذلك ما ورد في الامام العسكري (ع) من انه شق جيبه في موت أبيه سلام الله عليهما واعترض عليه بأنه فعل لم ير من إمام من الائمة (ع) فأجابه بقوله يا أحمق مالك وذاك قد شق موسى على هارون. فدلتنا هذه الاخبار على جواز شق الولد على والده لانه أمر صنعه العسكري عليه السلام كما دلتنا على جوازه للاخ في موت أخيه لانه (ع) استشهد بفعل موسى في موت أخيه هارون. و (فيه): ان هذه الروايات (1) المجوزة والمانعة ضعيفة السند ولا يمكن الاعتماد عليها. نعم استثنى الاصحاب من حرمة تلك الامور، الاتيان بها في حق الائمة والحسين عليهم السلام مستندين فيه إلى ما فعلته الفاطميات على الحسين بن علي بن لطم الخد وشق الجيب - كما ورد في رواية


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 84 من أبواب الدفن.

[ 236 ]

[ (مسألة 4): في جز المرأة شعرها في المصيبة كفارة شهر رمضان وفي نتفه كفارة اليمين وكذا في خدشها وجهها (1). (مسألة 5): في شق الرجل ثوبه في موت زوجته أو ولده كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ] خالد بن سدير. وهذا لا يمكن المساعدة عليه لانها على تقدير حرمتها مطلقة والرواية الدالة على صدورها من الفاطميات ضعيفة السند ولا يمكن الاعتماد عليها. والذي يسهل الخطب انها افعال لم تثبت حرمتها مطلقا، اذن لا مانع شرعا من الاتيان بها في مصائب الائمة الطاهرين عليهم السلام وغير الائمة. جز المرأة شعرها: (1) كذا ذكره المشهور ولكنه لم يرد بذلك رواية ولو كانت ضعيفة السند وانما ورد ذلك في خبر خالد بن سدير (1) إلا انه أثبت


(1) الوسائل: ج 15 باب 31 من أبواب الكفارات ح 1.

[ 237 ]

[ (مسألة 6): يحرم نبش قبر المؤمن (1) وان كان طفلا أو مجنونا. ] الكفارة مع إدماء الوجه المخدوش لا مطلقا، والمشهور أعرف بما قالوا. حرمة نبش قبر المؤمن: (1) قد استدل على حرمة النبش بوجوه: " الاول ": الاجماع - كما عن جماعة - وعن بعضهم دعوى اجماع المسلمين عليه وكونه معروفا لدى المتشرعة قديما وحديثا. و (فيه): ان الاجماع المدعى ليس اجماعا تعبديا وإنما هو مدركي ولو احتمالا، فلا بد من ملاحظة ذلك المدرك ولا موقع للاجماع حينئذ. " الثاني ": ان النبش مثلة بالميت وهتك له وحرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا، و (فيه): ان النسبة بين النبش المدعى حرمته وبين الهتك عموم من وجه فان النبش لا يعد هتكا في جملة من الموارد - كما سيتضع - وعلى هذا الوجه تكون جملة من الموارد المستثناة خارجة عن حرمة النبش خروجا تخصيصا لا تخصيصيا، وهذا كما إذا دفن في أرض مغصوبة فلا يكون نبشه حينئذ

[ 238 ]

[ إلا مع العلم باندراسه وصيرورته ترابا (1) ولا يكفي ] موجبا للهتك من الابتداء فلم يكن النبش متصفا بالحرمة ليكون استثناؤه تخصيصا بل هو خروج تخصصي وكذا ادا دفن في ارض لا تناسب الميت ونبش ليدفن في أرض تناسبه أو لينقل إلى العتبات المقدسة ليدفن فيها. " الثالث " ما ذكره بعض الاعاظم من أن الدفن كما يجب حدوثا كذلك يجب بحسب البقاء لعدم احتمال أن يكون الواجب مجرد دفنه آنا ما ثم يجوز إبقاؤه من غير دفن بل الواجب انما هو ستره وإقباره مطلقا حدوثا وبقاءا. و (فيه): إن الامر وان كان كذلك إلا أن ذلك لا ينافي جواز النبش لان المدعي لس هو إخراج الميت عن القبر وإبقائه من غير دفن وإنما ينبش ليدفن ثانيا، فالدفن حدوثا وبقاءا، متحقق وانما ينبش ويخرج من قبره آنا أو ساعة مثلا. نعم لو تمت الدعوى المتقدمة من أن أدلة الدفن لها عموم أزماني يقتضي وجوب الدفن في كل آن آن كان نبشه واخراج الميت من قبره ولو آناما محرما لانه مخالف للدفن الواجب في كل آن، إلا أنا قدمنا أنا لم نجد في أدلة الدفن ما يكون له عموم أزماني بوجه لانها انما تدل على وجوب الدفن وحسب من دون دلالة على العموم الازماني. وعليه فالمدار في حرمة النبش على صدق الهتك والتوهين، وفي أي مورد لم يلزم من نبشه هتك جاز النبش لا محالة. (1) لعدم كون النبش حينئذ من نبش قبر المؤمن إذ لا مؤمن وانما

[ 239 ]

[ الظن به (1) وان بقي عظما فان كان صلبا ففي جواز نبشه إشكال (2) وأما مع كونه مجرد صورة بحيث يصير ترابا بادني حركة فالظاهر جوازه (3) نعم لا يجوز نبش قبور الشهداء والعلماء والصلحاء واولاد الائمة (عليهم السلام) ولو بعد الاندراس (4) وان طالت المدة سيما ] هو تراب نعم كان مؤمن فيه سابقا ولا يلزم من النبش هتك بوجه بل قد يكون موضع واحد قبرا لاشخاص كثيرين لاندراس الاول ودفن الثاني فيه بعد ذلك وكذا الثالث بعد اندراس الثاني، وقد ورد: أن كل قطعة من قطعات الارض بدن انسان - أي الاعم من المسلم والكافر وقد اندرس وصار ترابا (1) وانما يجوز إذا ثبت الاندراس بالعلم الوجداني أو البينة الشرعية، وليس الظن بحجة شرعا. (2) والوجه في الاشكال صدق عنوان المؤمن عليه العدم اندراسه ولعدم تلاشي عظامه، (3) لانه صورة البدن وإلا فهو في الحقيقة تراب ولا يصدق على، نبشه نبش قبر المؤمن. عدم جواز النبش في قبور الشهداء وامثالهم: (4) لصدق الهتك على نبشها ولو بعد الاندراس - وان لم يكن

[ 240 ]

[ المتخذ منها مزارا أو مستجارا، والظاهر توقف صدق النبش على بروز جسد الميت فلو اخرج بعض تراب القبر وحفر من دون أن يظهر جسده لا يكون من النبش المحرم والاولى الاناطة بالعرف وهتك الحرمة. وكذا لا يصدق النبش إذا كان الميت في سرداب وفتح بابه لوضع ميت آخر خصوصا إذا لم يظهر جسد الميت، وكذا إذا كان الميت موضوعا على وجه الارض وبني عليه بناءا - لعدم امكان الدفن أو باعتقاد جوازه أو عصيانا - فان اخراجه لا يكون من النبش، وكذا إذا كان في تابوت من صخرة أو نحوها. (مسألة 7): يستثنى من حرمة النبش موارد: (الاول): إذا دفن في المكان المغصوب عدوانا أو جهلا أو نسيانا. ] ميت - لان المدار في حرمة النبش على صدق الهتك ولا دليل على حرمته في نفسه، وقد لا يحرم النبش وان ظهر به الميت كما إذا فتح باب السردات لجعل ميت آخر فيه فظهر جسد الميت الموجود فيه فانه نبش غير محرم لعدم الهتك على المؤمن - هذا كله إذا علمنا بالاندراس وعدمه واما إذا شككنا في الاندراس فهل يجوز النبش حينئذ؟ الصحيح عدم جوازه وهذا لا للاستصحاب التعبدي بأن يقال

[ 241 ]

[ فان يجب نبشه مع عدم رضا المالك ببقائه (1). ] كان الميت ولم يندر سابقا والاصل انه الآن كذلك وذلك لعدم ترتب الاثر الشرعي على الاندراس أو عدمه في نفسه وانما الاثر لما يلازمه عادة من استلزام النبش الهتك وعدمه بل لتحقق موضوع الحرمة بالوجدان كما إذا علمنا بعدم الاندراس وذلك لان الهتك كما يصدق عند العلم بالاندراس كذلك يتحقق عرفا عند الاحتمال فان النبش مع احتمال عدم اندراسه هتك عرفا فيحرم النبش. الموارد المستثناة عن حرمة النبش: (1) لعدم كون الدفن حينئذ دفنا مأمورا به شرعا لان الواجب انما هو الدفن في الارض المباحة فإذا دفن في الارض المغصوبة وجب إخراجه منها لحرمة إبقائه فيها مع عدم رضا المالك به ولا يتحقق الهتك باخراجه، وليس المقام من موارد تزاحم حق الميت والمالك إذ لا حق للميت لعدم كون الدفن دفنا مأمورا به. ومقتضى حق المالك اخراجه من ارضه حينئذ. وهل يجب على المالك قبول القيمة إذا بذلت له؟ الصحيح عدم الوجوب لانه لا يجب عليه ايجاد الموضوع وهو الدفن المأمور به بأن يرضى بدفنه في أرضه ليكون الدفن مأمورا به ويحرم نبشه لكونه هتكا حينئذ، ومع عدم كون الدفن مأمورا به

[ 242 ]

يجوز للمالك أن لا يرضى ببقاء الميت في أرضه ولا يقبل الثمن لانه مقتضى كون الناس مسلطين على أموالهم، هذا إذا كان هناك موضع ثان صالح لدفن الميت فيه، وأما إذا انحصرت الارض المدفون فيها بدون رضا المالك به فلا يجوز نبشه واخراجه منها لغير المالك لانه انما كان جائزا في الصورة الاولى مقدمة للدفن الواجب، ومع انحصار الارض بتلك الارض وعدم وجود مدفن آخر قابل له لا يجب الدفن لعدم كونه مقدورا ومع عدم وجوبه لا موجب للنبش فالنبش على غير المالك محرم. وأما المالك فهو من موارد تزاحم حق الميت وحق المالك: أما المالك فلاجل كونه مسلطا على ماله ولا يجوز التصرف فيه إلا باذنه وأما الميت فلاجل وجوب دفنه وعدم رضا الشارع ببقائه من غير دفن لتنهتك حرمته وتأكله السباع وتخرج رائحته نتنه فلو أخرج من قبره بقي بلا دفن لانحصار الارض بتلك الارض. والصحيح عدم جواز النبش للمالك أيضا لما أشرنا إليه من أن الشارع لا يرضى ببقاء الميت بلا دفن لتأكله السباع أو ينتن وتهتك حرمته. ويكفي في ذلك إطلاقات أدلة الدفن لانه واجب على المكلفين الذين منهم المالك فلا يجوز له النبش لانه خلاف الدفن الواجب عليه. ولا يقاس هذا بالكفن الذي قلنا نعدم وجوب بذله على المؤمنين إذا لم يكن للميت مال يشترى به الكفن إذ الواجب على المكلفين انما هو الكفن لا الكفن فإذا لم يوجد كفن يدفن عاريا فان الدفن عاريا لا يوجب الهتك عليه إذ لا يبقى الكفن إلا اياما معدودة. وهذا بخلاف الدفن في مفروض الكلام فانه واجب وموجب لبذل

[ 243 ]

الارض لانحصار المدفن بها فانه لو أخرجه من أرضه لبقي الميت بلا دفن وأكلته السباع وانتشرت رائحته ونتنه وأوجب ذلك هتكه وهو حرام، وأما حديث " لا ضرر " فهو غير جار في المقام حتى يترتب عليه جواز إخراج الميت من أرضه كما لو أدخله الجائر في ملكه من دون إختياره حيا فان المالك يجوز له إخراجه من أرضه حينئذ فليكن الامر بعد موته كذلك، والوجه في عدم جريانه: " أولا " إن ذلك لا يوجب ضررا على المالك إما لبذل ثمن الارض له إذا كان هتاك باذن له، وإما لانه لا يوجب نقصا في أرضه إذ لا منافاة بين أن يدفن الميت في أرضه وبين جواز الانتفاع بأرضه كما كان ينتفع بها قبل الدفن. و " ثانيا " ان قاعدة " لا ضرر " إنما شرعت للامتنان فإذا لزم من جريانها في مورد خلاف الامتنال على غيره فلا مقتضي لجريانها والامر في المقام كذلك لانها لو جرت في حق المالك لتضرره ببقاء الميت في أرضه لاوجب ذلك خلاف الامتنان على الميت لاستلزامه بقاء الميت بلا دفن لتأكله السباع وتهتك حرمته وهو أيضا من افراد المسلمين. وعلى هذا لا يجوز للمالك اخراج الميت من ارضه هذا بحسب البقاء، ومنه يظهر الحال في الحدوث كما لو لم يكن من الابتداء أرض صالحة للدفن سوى تلك الارض ولو باجبار الظالم حلى دفنه فيها وعدم ترخيصه الدفن في غيرها فانه يجب أن يدفن ابتداء وحدوثا في تلك الارض لعين ما تقدم. ثم إن ما ذكرناه من جواز النبش إذا دفن في أرض الغير من دون

[ 244 ]

رضاه لا يختص بما إذا كانت الارض ملكا للغير بل يأتي فيما إذا كانت منفعتها ملكا للغير كما لو كانت الارض مستأجرة لاحد ولم يرض المستأجر بدفن الميت فيها فان الدفن فيها تصرف في المنفعة من دون رضا مالكها - هذا كله فيما إذا كان الدفن محرما حدوثا. وأما إذا كان الدفن محرما بقاءا إلا انه بحسب الحدوث كان جائزا فهل يجوز النبش حينئذ أو لا يجوز؟ فيه كلام، وتوضيح ذلك أن في المسألة صورا: الصور المتصورة في المسألة: " الاولى ": ما إذا دفن الميت في أرض الغير غفلة واشتباها أو نسيانا أو جهلا بالغصبية وبعد ذلك التفت إلى أنها ملك الغير وهو غير راض بالدفن فيها. مال صاحب الجواهر " قده " في هذه الصورة إلى أن حكم البقاء حكم الحدوث وحيث أنه كان سائغا فهو سائغ بقاءا فلا يجوز نبشه حينئذ ولكنه احتاط بدفع القيمة للمالك وارضائه بالدفن وكأنه للجمع بين الحقين. ولكن الصحيح هو جواز النبش حينئذ لان الدفن كان بحسب الواقع محرما لانه في ملك الغير من غير رضاه، والحرمة الواقعية لا تنقلب عما هي عليه بالجهل والاشتباه، غاية الامر أن لا يعاقب الدافن لانه معذور بسبب الجهل أو الغفلة. وهذا أمر آخر أجنبي عن بقاء الميت في أرض الغير وحيث أن الدفن لم يكن مأمورا به واقعا فلا مانع من

[ 245 ]

النبش مقدمة للدفن الواجب وهو الدفن في الارض المباحة، هذا كله في صورة الجهل بالغصبية. وأما إذا نسي الغصبية فدفن الميت فيها فلا يأتي فيه ما ذكرناه عنه الجهل بالغصبية لان الجهل لا يرفع الحرمة الواقعية كما مر، والنسيان موجب لسقوط الحرمة واقعا وكون الدفن مباحا واقعا ومعه يقع مصداقا للمأمور به فيسقط به الامر بالدفن فلا يبقى مقتض ومسوغ لا باحة النبش لانا انما أجزنا النبش مقدمة للدفن المأمور به فيما إذا كان غير مأمور به، وفي المقام حيث كان الدفن مصداقا للمأمور به فلا مرخص في النبش بوجه، نعم هذا إذا كان ناسي الغصبية غير الغاصب للارض فلو كان الغاصب هو الناسي فنسيانه غير رافع للحرمة الواقعية لانه من الامتناع بالاختيار، والحرمة حينئذ هي الحرمة السابقة على النسيان حيث حرم عليه جميع التصرفات فيما عصبه إلى آخر تصرفاته، والامتناع بالاخيار لا ينافي الاختيار وهذا بخلاف ما إذا كان الناسي شخصا غير الغاصب. وكيف كان: فرق واضح بين الجهل والنسيان على ما فصلناه عند التكلم على التوضوء من الماء المغصوب حيث قلنا انه محرم واقعا عند الجهل بالغصبية والوضوء باطل لا محالة، وأما عند النسيان فهو أمر محلل واقعا لسقوط الحرمة عنه واقعا وكونه مصداقا للمأمور به وقابلا للتقرب به فان مجرد المبغوضية الواقعية لا تمنع من التقرب به بعد ترخيص الشارع فيه واقعا. ثم ان هذا كله بالاضافة إلى غير مالك الارض من سائر المكلفين وذلك لسقوط الواجب الكفائي بالدفن في الارض المغصوبة نسيانا فلا

[ 246 ]

مرخص لهم في نبشه ودفنه في موضع مباح، وأما بالاضافة إلى نفس المالك فلا يبعد جواز النبش حتى إذا دفن الميت في أرضه نسيانا وذلك لانه من تزاحم الحقين حيث ان نبشه يوجب هتكه - فرضا - فحق حرمة الميت يقتضي عدم جواز النبش مع ان تركه وابقاءه في قبره ينافي حق المالك لتضرره بذلك لدخول النقص على أرضه ولو لاجل كونه موجبا للخوف من القبر والميت. ونحن لو لم نرجح الحق الراجع إلى الحي ولم نناقش في أن النبش لاجل كون الارض مغصوبة ليست هتكا له فالحقات متساويان ويتساقطان ويبقى عموم تسلط الناس على أموالهم بحاله وهو يقتضي جواز اخراج الميت من قبره ودفنه في أرض اخرى مباحة، وبهذا ظهر أن الميت كما يجوز نبشه عند دفنه في الارض المغصوبة عمدا وعلما بالغصبية كذلك يجوز نبشه إذا دفن فيها جهلا أو نسيانا إلا أن ذلك بملاكين فانه عند العلم أو الجهل بالغصبية بملاك عدم كون الدفن مأمورا به واقعا فينبش مقدمة للدفن المأمور به ولا يفرق فيه بين المالك وغيره. وأما عند النسيان فبملاك تزاحم الحقين وعموم " الناس مسلطون على اموالهم " ومن تمة بختص الجواز بالمالك دون غيره من المكلفين لكون الدفن مأمورا به واقعا وموجبا لسقوط الواجب الكفائي عنهم. " الصورة الثانية ": ما إذا كان الدفن في أرض الغير جائزا ظاهرا وواقعا بحسب الحدوث لعدم تمكن المالك من اظهار عدم الرضا حينئذ شرعا لكنه أظهر عدم الرضا بدفن الميت في أرضه بحسب البقاء كما لو استأجر أحد أرضا لخصوص دفن الاموات فيها أو لعموم

[ 247 ]

التصرفات التى يشاؤها ومنها دفن الميت فيها فدفن ميتا في هذه الارض لجوازه بالاجارة إلا أن المالك بعد انقضاء الاجارة اظهر عدم رضائه بدفنه فيها. والصحيح في هذه الصورة عدم جواز النبش لا للمالك ولا لغيره ذلك لانا انما جوزنا النبش لعدم كون الدفن مأمورا به فينبش مقدمة للدفن الواجب، وفي مفروضنا حيث أن الدفن سائغ ومصداق للمأمور به وقد سقط به الامر بالدفن فلا مقتضي ولا مسوغ لنبش القبر حينئذ. و (دعوى): ان ذلك موجب لتضرر المالك، (مندفعه): بانه هو الذي أقدم على هذا الضرر حيث آجر أرضه للدفن خاصة أو لما يعمه. و (قد يقال): في هذه الصورة ان اجارة الارض للدفن أو لما يعمه يقتضي بحسب الارتكاز جواز الدفن فيها بقاءا أيضا وهو من الشرط في ضمن العقد ارتكازا. وهذه الدعوى ليست بعيدة فيما إذا علم المؤجر والمستأجر بما ذكرناه من عدم جواز النبش لا للمالك ولا لغيره حينئذ وكانا ملتفتين إليه، وأما إذا كانا جاهلين أو غافلين عنه فلا، إذ لا اشتراط حينئذ بوجه، والشرط الارتكازي الذي يثبت مطلقا ولو مع غفلة المتبايعين انما هو الشرط الذي يكون ثابتا عند العقلاء كما في خبار الغبن فانه ثابت للمتعاقدين ولو مع غفلتهما، وفي امثال المقام حيث ثبت الشرط شرعا لا عند العقلاء فلا يثبت إلا مع الالتفات. " الصورة الثالثة ": ما إذا جاز الدفن في أرض الغير باذن من المالك إلا أنه ندم بعد الدفن وأظهر عدم رضاه بحسب البقاء.

[ 248 ]

ذكر المحقق الهمداني (قده) أن النبش محرم حينئذ لانه مناف لحق الميت حيث ثبت له حق الدفن في تلك الارض باجازة المالك فاخراجه منها بعد ذلك ينافي حق الميت، وذكر أن من هذا القبيل ما إذا اجاز له في غرس شجر له في ارضه أو لان يصلي في داره، وبعد الغرس والدخول في الصلاة اظهر عدم رضاه ببقاء شجره أو صلاته فيها فانه لا يجب القلع وقطع الصلاة حينئذ لثبوت الحق لهما في الغرس والصلاة باجازة المالك فاظهاره عدم الرضا بذلك ينافي ذلك الحق، وذكر (قده) أن عدم الجواز في المقام اظهر من المثالين المذكورين في كلامه،. و (فيه): انه لم يقم دليل على ثبوت حق للميت أو للغارس والمصلي باجازة المالك وانما هو اباحة محضة وحيث انها ليست بلازمة فله الرجوع فيما اباحه لغيره فلا يكون اخراج الميت أو قلع الشجرة أو قطع الصلاة منافيا للحق. وقد تقدم في كلام صاحب الجواهر (قده) أن حكم الدفن بحسب البقاء هو حكمه بحسب الحدوث وحيث انه كان سائغا ابتداءا وبحسب الحدوث فيكون سائغا بقاءا أيضا وقد تقدم أنه لا ملازمة بين الامرين بوجه. نعم: في خصوص الدفن الامر كما افاده فلا يجوز النبش في مفروض المسألة لكن لا لما ذكراه بل لما قدمناه من أن جواز النبش انما هو فيما إذا كان الدفن محرما وغير مأمور به فيجوز النبش مقدمة لايجاد الدفن الواجب، وحيث ان الدفن - في مفروض المسألة - كان سائغا ومصداقا للمأمور به وقد سقط به الامر بالدفن فلا مسوغ

[ 249 ]

[ وكذا إذا كان كفنه مغصوبا (1) أو دفن معه مال مغصوب بل لو دفن معه ماله المنتقل بعد موته إلى الوارث (2) فيجوز نبشه لاخراجه (3). ] حينئذ للنبش لا للمالك ولا لغيره. وإلا فلا حق للميت ولا للمصلي ولا للغارس بوجه، ولا مانع من قلع الشجرة فيما إذا لم يرض المالك بها بقاءا، وكذلك لا مانع من قطع الصلاة لعدم حرمته حينئذ، إذ الدليل على حرمته هو الاجماع وهو لا يشمل ما إذا لم يرض المالك باتمام الصلاة. (1) فان الكفن حينئذ محرم وليس كفنا مأمورا به فكأن الميت دفن من دون كفن فينبش مقدمة للكفن المأمور به إلى آخر ما ذكرناه في الدفن في الارض المغصوبة. (2) لانه مال الوارث وحكمه حكم مال غيره من الملاك. جواز النبش لاخراج المال: (3) والسر في ذلك: أنه من تزاحم الحقين حق الميت لفرض أن النبش هتك في حقه وحق المالك لان ترك النبش موجب لتضرره وذهاب ماله، ونحن لو لم نرجح حق الحي ولم نناقش في أن النبش لاخذ المال لا يصدق عليه الهتك عرفا فالحقان متساويان، فيتساقطان ويبقى عموم (الناس مسلطون على اموالهم) بحاله وهو يقتضي جواز

[ 250 ]

النبش - كما تقدم في مسألة الدفن في الارض المغصوبة وهذا مما لا ينبغي التأمل فيه. وانما الكلام في ان النبش جائز في مطلق المال المدفون مع الميت ولو كان قليلا وفي مطلق الميت ولو كان قبر معصوم (ع) أو من يأتي تلوه من العلماء العظماء ونحوهم، أو يختص بالمال المعتد به لدى العقلاء وبغير المعصوم وشبهه؟ الصحيح: هو الثاني فان المال القليل لا يحتمل جواز النبش له وهتك الميت لاجل اخراج فلس ونحوه مما لا يعتد به العقلاء فحق الميت اقوى من حق المالك بلا كلام. كما أن القبر إذا كان قبر معصوم لم يجز نبشه ولو لاجل مال معتد به لدى العقلاء لانه هتك في حقه. نعم: ورد في رواية المغيرة بن شعبة أنه دفن مع النبي صلى الله عليه وآله خاتمه ثم نبش قبره صلى الله عليه وآله واخرج الخاتم وانه كان يفتخر بذلك لانه آخر من عهد عهدا بالنبي صلى الله عليه وآله (1). إلا أن الرواية ضعيفة السند وهي مكذوبة ومروية من طرق العامة وراويها المغيرة من اعداء أمير المؤمنين (ع) فلا يمكن الاعتداد بها إذ حكي أنه لم يكن حاضرا عند دفن النبي صلى الله عليه وآله -. على أن ظاهرها أنه دفن خاتمه معه صلى الله عليه وآله عمدا، والدفن العمدي لا نرخص فيه النبش حتى في غير النبي صلى الله عليه وآله لانه الذي اقدم على تضرره بدفنه مع الميت فكيف بقبر النبي صلى الله عليه وآله؟!


(1) راجع السيرة الحلبية ج 3 ص 403 والمهذب ج 1 ص 138.

[ 251 ]

[ نعم لو اوصى بدفن دعاء أو قرآن أو خاتم معه لا يجوز نبشه لاخراجه (1) بل لو ظهر بوجه من الوجوه لا يجوز اخذه (2) كما لا يجوز عدم العمل بوصيته من الاول. (الثاني): إذا كان مدفونا بلا غسل أو بلا كفن أو تبين بطلان غسله أو كون كفنه على غير الوجه الشرعي - كما إذا كان من جلد الميتة أو غير المأكول أو حريرا - (3). فيجوز نبشه لتدارك ذلك ما لم يكن موجبا لهتكه، وأما ] (1) إذا كانت الوصية نافذة. (2) بل تجب اعادته معه عملا بالوصية النافذة. إذا دفن بلا غسل ونحوه: (3) والجامع أن يدفن الميت بلا غسل أو بلا كفن صحيح مأمور به شرعا إما لعدم الغسل أو الكفن اصلا أو لكون غسله أو كفنه على الوجه الباطل كما إذا غسله من غير الخليطين أو كفنه بالحرير ونحو ذلك فان الدفن في هذه الصور دفن باطل وغير مأمور به شرعا فلا مانع من النبش مقدمة للدفن الصحيح بأن يغسل أو يكفن صحيحا ثم يدفن فان النبش حينئذ لا يعد هتكا للميت كما هو حال النبش لو كان لغرض صحيح عند العقلاء.

[ 252 ]

[ إذا دفن بالتيمم (1) لفقد الماء فوجد الماء بعد دفنه أو كفن بالحرير لتعذر غيره ففي جواز نبشه اشكال (2) ] (1) بأن يكون الميت قد غسل أو كفن غسلا أو كفنا عذريا بان يغسل بالماء القراح بدلا عن الخليطين لتعذرهما أو يمم الميت بدلا عن الغسل لفقد الماء أو كفن بالحرير لتعذر القطن وغيره ثم بعد الدفن تمكن من الغسل والكفن الاختياريين. (2) ولكنه (قده) يظهر منه في المسألة العاشرة من كيفية الغسل الميت: عدم جواز النبش حالئذ حيث ذكر انه إذا ارتفع العذر عن الغسل أو عن خلط الخليطين أو احدهما بعد التيمم أو بعد الغسل بالقراح قبل الدفن تجب الاعادة وكذا بعد الدفن إذا اتفق خروجه على الاحوط حيث قيد الجواز أو الوجوب بما إذا خرج الميت من قبره بسيل أو زلزال ونحوهما. وظاهره عدم جواز النبش لاجل الغسل أو الكفن في مفروض المسألة بالاختيار، ولكن الصحيح - كما قدمناه - هو التفصيل بين ما إذا كان التمكن من الغسل أو الكفن الختياريين قبل مضي المدة التي يمكن تأخير الدفن إليها وبين ما إذا كان التمكن منهما بعد مضي المدة، مثلا: لو امكن تأخير الدفن إلى اربع وعشرين ساعة لمساعدة الهواء وعدم طرو الفساد عليه وقد غسل أو كفن بالغسل أو الكفن العذري ودفن ثم طرأ التمكن من الغسل والكفن الاختياريين قبل مضي اربعة وعشرين ساعة فيكشف ذلك عن كون الغسل والكفن العذريين غير مأمور بهما شرعا بالامر الاضطراري وانما كانا مأمورا بهما

[ 253 ]

[ وأما إذا دفن بلا صلاة أو تبين بطلانها فلا يجوز النبش لاجلها (1) بل يصلى على قبره ومثل ترك الغسل في جواز النبش ما لو وضع في القبر على غير القبلة ولو جهلا أو نسيانا. ] بالامر الخيالي أو الظاهري لو استند إلى استصحاب بقاء العذر أو قامت البينة على بقائه ولا يجزي شئ منهما عن المأمور به الواقعي ومعه لابد من الحكم بوجوب النبش مقدمة للغسل أو الكفن المأمور به. وأما إذا طرأ التمكن بعد مضي تلك المدة فلا يجوز النبش لان الغسل والكفن حينئذ كانا مأمورا بهما بالامر الواقعي الاضطراري وهو مجز عن الواجب الواقعي المتعذر ولو كانا مع العلم بطرو التمكن من الاختياريين بعد تلك المدة فانه لا يجوز تأخير الدفن عن تلك المدة حينئذ، ويجب تجهيزه بالغسل أو الكفن الاضطراريين فالدفن كالغسل والكفن مأمور به وصحيح ومعه لا مسوغ للنبش بوجه، وهذا التفصيل هو الصحيح، النبش لاجل الصلاة: (1) قدمنا أن ترك الصلاة على الميت قبل الدفن إذا كان مستندا إلى العصيان والتعمد فلابد من النبش والصلاة عليه، وإذا كان مستندا إلى الجهل أو النسيان فلابد من الصلاة على قبره ولا يجوز النبش حينئذ للنص الدال عليه.

[ 254 ]

[ (الثالث): إذا توقف اثبات حق من الحقوق على رؤية جسده (1). (الرابع) لدفن بعض اجزائه المبانة منه معه (2) لكن الاولى دفنه معه على وجه لا يظهر جسده. ] النبش لا ثبات الحق: (1) ليست المسألة منصوصة وانما الوجه في جواز النبش هو تزاحم الحقين - حق الميت فان من حق المؤمن أن لا يهان ولا يهتك، وحق الحي في حقن دمه أو حفظ ماله ونحوهما - ولو قلنا بان النبش هتك ولم نرجح حق الحي على حق الميت فهما متساويان فيتساقطان، ونرجع إلى ما دل على وجوب حفظ النفس المحترمة أو المال المحترم وهكذا. النبش لدفن بعض اجزاء الميت معه (2) لم نعثر على ما يدل على وجوب دفن الاجزاء المبانة من الميت معه وانما دلت الاخبار على وجوب دفنها وحسب واما دفنها مع الميت فلا، بل بعض الاجزاء كالشعر والظفر والسن لا دليل على وجوب دفنها اصلا. اذن لا مسوغ للنبش بل الاولى أن يحفر

[ 255 ]

[ (الخامس): إذا دفن في مقبرة لا يناسبه (1) كما إذا دفن في مقبرة الكفار أو دفن معه كافر أو دفن في مزبلة أو بالوعة أو نحو ذلك من الامكنة الموجبة لهتك حرمته، (السادس): لنقله إلى المشاهد المشرفة (2) والاماكن المعظمة على الاقوى وان لم يوص بذلك، وان كان الاحوط الترك مع عدم الوصية. ] القبر بمقدار ويدفن الجزء المبان من الميت فيه من دون أن ينبش ويظهر جسد الميت. النبش لعدم مناسبة المكان للميت: (1) تقدم الكلام في النبش لاجل ما هو صلاح الميت، ويظهر الوجه في المسألة مما ذكرناه هناك لان النبش انما يحرم لئلا تهتك حرمة الميت ولا هتك في نبشه لاجل دفنه في مكان يناسبه بل هو تجليل وتعظيم له فيجوز نبشه لذلك كما يجوز نبشه لنقله إلى المشاهد المشرفة نعم بين الامرين فرق وهو أن جواز النبش لنقله إلى المشاهد من جهة أنه لمصلحة الميت وتعظيمه، وفي المقام جواز النبش لرفع الهتك والتوهين عن الميت. (2) وقد تقدم واوضحنا أن النبش لقنله إلى العتبان المشرفة مما لا شبهة في جوازه بل رجحانه وان لم يوص الميت به.

[ 256 ]

[ (السابع): إذا كان موضوعا في تابوت ودفن كذلك (1) فانه لا يصدق عليه النبش حيث لا يظهر جسده والاولى مع ارادة النقل إلى المشاهد اختيار هذه الكيفية فانه خال عن الاشكال أو اقل اشكالا (الثامن): إذا دفن بغير إذن الولي (2). (التاسع): إذا اوصى بدفنه في مكان معين وخولف عصيانا أو جهلا أو نسيانا، (العاشر): إذا دعت ضرورة إلى النبش أو عارضه أمر راجح اهم، ] (1) لعدم النبش وظهور جسد الميت حينئذ. إذا دفن بغير اذن الولي: (2) بناءا على اشتراط إذن الولي في الدفن والكفن ونحوهما من التجهيزات لكنا اسلفنا في محله انه لا دليل على هذا الاشتراط وانما الثابت عدم وجواز مزاحمة الولي فيما اراد فعله من التجهيز واما كون إذنه شرطا فلا دليل عليه. اذن لا موجب ولا مرخص للنبش حينئذ لان الدفن وقع على الوجه المأمور به.

[ 257 ]

[ (الحادي عشر): إذا خيف عليه من سبع أو سيل أو عدو. (الثاني عشر): إذا اوصى بنبشه ونقله بعد مدة إلى الاماكن المشرفة (1) بل يمكن أن يقال بجوازه في كل مورد يكون هناك رجحان شرعي من جهة من الجهات ولم يكن موجبا لهتك حرمته أو لاذية الناس وذلك لعدم وجود دليل واضح على حرمة النبش إلا الاجماع وهو أمر لبي والقدر المتيقن منه غير هذه الموارد لكن مع ذلك لا يخلو عن اشكال. ] (1) هذه المسألة مستدركة لانه قد ذكر (قده) سابقا أن النبش لاجل النقل جائز في نفسه وان لم يوص به الميت، وعليه فيجوز النبش للنقل إذا كان اوصى بدفنه في مشهد مقدس بعد نقله إليه بطريق اولى، ولكن للمحقق النائيني (قده) تعليقة على المتن في هذه المسألة يستشكل فيها في نفوذ الوصية بالنبش والنقل، وهذا منه (قده) عجيب لانه امضى ما ذكره الماتن (قده) سابقا من أن الاقوى جواز النبش للنقل إلى المشاهد المشرفة ومع جوازه كيف يتوجه الاشكال في نفوذ الوصية به؟ نعم: لو قلنا بان النبش للنقل بدعة محرمة كما ذكره الحلي في سرائره لم تصح الوصية به لانها لا تكون مشرعة بوجه ولا تقلب الحرام إلى الجواز، ولعل في تعليقته (قده) سقطا والله العالم بالحال. ]

[ 258 ]

[ (مسألة 8): يجوز تخريب آثار القبور التي علم اندراس ميتها (1). ] تخريب آثار القبور: (1) تعرض (قده) لحكم تخريب آثار القبور بمناسبة التكلم في نبشها، وتفصيل الكلام في ذلك، ان القبور التي علم اندراس ميتها إذا لم يعد التخريب هتكا للميت وكان ملكا للمخرب بارث أو بغيره فلا ينبغي الاشكال في جواز تخريبها لان للمالك حق التصرف في ملكه ما يشاء ولا موجب لحرمة التخريب حينئذ. كما أن الامر كذلك فيما إذا كانت الارض موقوفة للمسلمين واراد المسلم تخريب آثار القبور الواقعة فيها لكي يدفن فيها ميتا لان المفروض عدم كون التخريب هتكا للميت، والارض وقف لجميع المسلمين ولهم أن ينتفعوا منها انحاء الانتفاعات التي منها دفن موتاهم، والمفروض أن الميت المدفون فيها قد اندرس فليس هو قبرا للمؤمن فعلا ليحمر نبشه ودفن الآخر فيه وانما كان قبرا لمؤمن سابقا، وكذلك الحال فيما إذا كانت الارض مباحة وانحصرت الارض بها. بل وكذلك فيما إذا لم يكن حاجة إلى تلك الارض لوجود ارض اخرى قابلة للدفن فيها لعين ما عرفت. وان كان الماتن احتاط في هذه الصورة وحكم بعدم التخريب مع

[ 259 ]

[ ما عدا ما ذكر من قبور العلماء والصلحاء واولاد الائمة (ع) (1) سيما إذا كانت في المقبرة الموقوفة للمسلمين مع حاجتهم، وكذا في الاراضي المباحة ولكن الاحوط عدم التخريب مع عدم الحاجة خصوصا في المباحة وغير الموقوفة (مسألة 9): إذا لم يعلم أنه قبر مؤمن أو كافر (2) فالاحوط عدم نبشه مع عدم العلم باندراسه أو كونه في مقبرة الكفار. ] عدم الحاجة نظرا إلى احتمال ثبوت حق للميت في تلك الارض حينئذ ويكون التخريب منافيا لحقه. و (فيه): ان هذا الاحتمال مما لا موجب له إذ لا دليل على أن للميت حقا في الارض المدفون فيها بوجه. فالمتحصل أنه لا مانع من تخريب آثار القبور في جميع تلك الصور مع الاندراس وعدم كونه هتكا للميت، كما أنه لا إشكال في حرمته إذا عد هتكا له كما في تخريب قبور ابناء الائمة (ع) والعلماء الصالحين وغيرهم، (1) لانه هتك، وحرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا. إذا تردد القبر بين قبر المؤمن والكافر: (2) إذا شك في أن القبر هل هو قبر مؤمن ليحرم نبشه، أو

[ 260 ]

[ (مسألة 10): إذا دفن الميت في ملك الغير بغير رضاه لا يجب عليه الرضا ببقائه (1) ولو كان بالعوض، وان كان الدفن بغير العدوان من جهل أو نسيان فله أن ] أنه للكافر ليجوز نبشه فهل يجوز النبش حينئذ تمسكا باصالة البراءة نظير ما إذا شككنا في ذلك في الغسل والكفن والصلاة حيث ذكرنا أن الاحكام المذكورة انما ترتبت على مطلق الميت وانما خرج عنه عنوان الكافر، والاسلام والكفر من قبيل الاعدام والملكات وهما امران وجوديان إذ الكفر عبارة عن الاتصاف بعدم الاسلام لا أنه عدم الاسلام وحسب، فإذا شككنا في كفر الميت نستصحب عدم اتصافه بعدم الاسلام باستصحاب العدم الازلي، وبه نبني على أن الميت ممن يجب تغسيله وتكفينه، أو أن المقام مغاير للغسل والكفن والصلاة فمن لم يحرز ايمانه لم يحرم نبش قبره؟ الصحيح هو الاخير لان حرمة نبش القبر ثبتت بالاجماع وقد تقدم ان مدركه هو حرمة الاهانة والهتك، وموضوع تلك الحرمة هو المؤمن ومن شك في ايمانه يستصحب عدم اتصافه بالايمان، وبذلك يجوز هتكه ونبش قبره، ومعه لا وجه لما افاده الماتن (قده) من الاحتياط. (1) لما تقدم من انه لا يجب عليه ايجاد الموضوع أي الدفن المأمور به برضائه بالبقاء ليحرم نبشه.

[ 261 ]

[ يطالب بالنبش أو يباشره (1) وكذا إذا دفن مال للغير مع الميت. لكن الاولى بل الاحوط قبول العوض أو الاعراض. (مسألة 11): إذا أذن في دفن ميت في ملكه لا يجوز له أن يرجع في إذنه (2) بعد الدفن سواء كان مع العوض أو بدونه لانه المقدم على ذلك فيشمله دليل حرمة النبش وهذا بخلاف ما إذا اذن في الصلاة في داره فانه يجوز له الرجوع في اثناء الصلاة ويجب على المصلي قطعها في سعة الوقت فان حرمة القطع إنما هي بالنسبة إلى المصلي فقط بخلاف حرمة النبش فانه لا فرق فيه بين المباشر وغيره. ] (1) تقدم حكم الدفن في ارض الغير جهلا أو نسيانا فلا حاجة لا عادته وكذا تقدم حكم ما إذا دفن مال الغير مع الميت. عدم جواز الرجوع عن الاذن في الدفن (2) لما علله به الماتن (قده) وقد قدمناه وقدمنا الفرق بين الاذن في دفن الميت في ملكه وبين الاذن في الصلاة في داره. ففي الاول إذا اذن المالك بالدفن وكان الدفن مصداقا للمأمور به حرم على الغير نبشه، ومن جملة المحكومين بحرمة النبش نفس مالك الارض فلا يجوز له نبشه.

[ 262 ]

[ نعم له الرجوع عن إذنه بعد الوضع في القبر قبل أن يسد بالتراب، هذا إذا لم يكن الاذن في عقد لازم. وإلا فليس له الرجوع مطلقا (1). (مسألة 12): إذا خرج الميت المدفون في ملك الغير باذنه بنبش نابش أو سيل أو سبع أو نحو ذلك لا يجب عليه الرضا والاذن بدفنه ثانيا في ذلك المكان (2) بل له الرجوع عن اذنه إلا إذا كان لازما عليه بعقد لازم. (مسألة 13): إذا دفن في مكان مباح فخرج بأحد المذكورات لا يجب دفنه ثانيا في ذلك المكان (3) بل يجوز ] وهذا بخلاف حرمة قطع الفريضة فانها مختصة بالمصلي دون المالك فيجوز للمالك الرجوع عن اذنه إلا أن يكون الاذن فيه مشروطا في عقد لازم فلا يجوز له الرجوع بل يكون لازما عليه. (1) بل يكون الاذن في الدفن لازما عليه بالاشتراط في ضمن عقد لازم. (2) لانه موضوع ودفن جديد غير الدفن الذي اذن فيه فيحق له أن لا يأذن في الدفن في ملكه اصلا، اللهم إلا أن يكون الاذن فيه لازما عليه بالاشتراط في ضمن عقد لازم، ومنه يظهر عدم وجوب دفنه ثانيا في الموضع المدفون فيه أولا لانه موضوع جديد ويجوز أن يدفن في مكان آخر. (3) لما تقدم من انه موضوع جديد ولا موجب لتعين دفنه فيه

[ 263 ]

[ أن يدفن في مكان آخر. والاحوط الاستئذان من الولي في الدفن الثاني أيضا (1). نعم إذا كان عظما مجردا أو نحو ذلك لا يبعد عدم اعتبار إذنه (2) وان كان احوط مع امكان. (مسألة 14): يكره اخفاء موت انسان من اولاده واقربائه إلا إذا كان هناك جهة رجحان فيه. (مسألة 15) من الامكنة التي يستحب الدفن فيها ويجوز النقل إليها: الحرم، ومكة ارجح من سائر مواضعه وفي بعض الاخبار ان الدفن في الحرم يوجب الامن من الفزع الاكبر، وفي بعضها استحباب نقل الميت من عرفات إلى مكة المعظمة. (مسألة 16): ينبغي للمؤمن اعداد قبر لنفسه سواء كان في حال المرض أو الصحة ويرجح أن يدخل قبره ويقرأ القرآن فيه. ] ذلك المكان (1) بل المتعين ذلك بناءا على لزوم الاستئذان من الولي في الدفن فانه دفن جديد فيعتبر فيه ما يعتبر في الدفن لا محالة. (2) إذ لا ميت ليعتبر في دفنه إذن الولي وانما هي عظام مجردة ولا يصدق الميت على العظم.

[ 264 ]

[ (مسألة 17): يستحب بذل الارض لدفن المؤمن (1) كما يستحب بذل الكفن له وان كان غنيا ففي الخير: من كفن مؤمنا كان كمن ضمن كسوته إلى يوم القيامة. ] استحباب بذل الارض للدفن: (1) وذلك لما رواه في الوسائل عن فرحة الغري للسيد عبد الكريم ابن طاووس عن كتاب فضل الكوفة عن عقبة بن خالد أن عليا (ع) اشترى من الدهاقين ما بين النجف والكوفة والحيرة أو الخورنق والكوفة باربعين الف درهما وسئل عن وجهه مع أن تلك الارض غير صالحة للزراعة فقال (ع): سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول " يدفن في تلك الاراضي سبعون الف ميت كلهم يدخلون الجنة ويحشرون من غير حساب وأردت أن يكون ذلك في ملكي " (1). وهذه الرواية ضعيفة السند والدلالة: أما السند فلا رسله لان ابن طاووس يرويها عن كتاب فضل الكوفة وطريقه إليه مجهول غير معلوم. وأما الدلالة فلانها انما تدل على استحباب بذل الارض لدفن المؤمن الذي علم أنه من اهل الجنة وأما من لا يعلم أنه من اهل الجنة فلا ولعل للمؤمن المعلوم كونه من اهل الجنة خصوصية في ذلك، مضافا


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب الدفن ح 1.

[ 265 ]

(مسألة 18): يستحب المباشرة لحفر قبر المؤمن، ففي الخبر: من حفر لمؤمن قبرا كان كن بوأة بيتا موافقا إلى يوم القيامة. (مسألة 19): يستحب مباشرة غسل الميت ففي الخبر كان فيما ناجى الله به موسى (عليه السلام) ربه قال: " يا رب ما لمن غسل الموتى، فقال: اغسله من ذنوبه كما ولدته أمه ". (مسألة 20): يستحب للانسان اعداد الكفن وجعله في بيته وتكرار النظر إليه ففي حديث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " إذا أعد الرجل كفنه كان مأجورا كلما نظر إليه " وفي خبر آخر: " لم يكتب من الغافلين وكان مأجورا كلما نظر إليه ". ] إلى مناقشة اخرى في الرواية وهي ان تلك الجماعة لا يمكن أن يكونوا مدفونين في ملكه (ع) بوصف كونه ملكا له لانه يحتاج إلى مدة طويلة وهي تخرج عن ملكه (ع) وتنتقل إلى ورثته، نعم يمكن أن يكون ذلك بوصية منه (ع) بان تبقى تلك الاراضي في ملكه ويدفن فيها الاموات إلا أن نفوذ تلك الوصية يتوقف على أن يكون له (ع) من المالل ضعفاه لتكون تلك الاراضي ثلثا من امواله (ع) ومن المعلوم انه لم يكن مالكا من حطام الدنيا إلا اقل القليل. نعم يمكن

[ 266 ]

أن يكون المال الموصى به خارجا من اصل ما له برضا من الورثة. ومن الظاهر أن ورثته (ع) بالطبيعة يرضون بوصيته سلام الله عليه وكيف كان فيستقاد من تلك الرواية أن المال الموصى به يبقى على ملك المواصي ولا محذور في أن يكون الميت مالكا بوجه.

[ 267 ]

[ " فصل: في الاغسال المندوبة " وهي كثيرة وعد بعضهم سبعا واربعين وبعضهم انهاها إلى خمسين وبعضهم إلى ازيد من ستين وبعضهم إلى سبع وثمانين وبعضهم إلى مائة وهي اقسام زمانية، ومكانية، وفعليه إما للفعل الذي يريد أن يفعل أو للفعل الذي فعله والمكانية أيضا في الحقيقة فعليه لانها إما للدخول في مكان أو للكون فيه، أما الزمانية فأغسال: ] " فصل: في الاغسال المندوبة " انما نتعرض للاغسال المندوبة لاجل ما قدمناه من أن الاغسال حتى المستحبة تغني عن الوضوء فلابد من التكلم في أن أي غسل منها ثابت الاستحباب وأيا منها غير ثابت الاستحباب فلا يغني عن الوضوء وإلا فليس من دأبنا التعرض للمستحبات.

[ 268 ]

[ (احدهما): غسل الجمعة (1) ورجحانه من الضروريات وكذا تأكد استحبابه معلوم من الشرع. ] استحباب غسل الجمعة: (1) لا ينبغي الاشكال في رجحان غسل الجمعة في الشريعة المقدسة ولا خلاف فيه بين المسلمين وانما الكلام في وجوبه واستحبابه والمشهور هو استحبابه وجواز تركه وقد ادعى الشيخ عليه الاجماع في الامالى والخلاف، لكن نسب إلى الصدوق والكليني (قدهما) وجوبه، قال في الكافي " باب وجوب الغسل يوم الجمعة " (1)، وقال في الفقيه: غسل يوم الجمعة واجب على الرجال والنساء في السفر والحضر، ثم قال: وغسل يوم الجمعة سنة واجبة (2). وكذلك نسب إلى والد الصدوق. ونقل في الحدائق ذهاب الشيخ سليمان البحراني إلى الوجوب ومال إليه شيخنا البهائي (قده) وهو الذي نسب القول بالوجوب إلى والد الصدوق، وكذا مال إليه المحقق الاردبيلي (قده). وقد اجاب في الحدائق عن هذه النسبة بأن مراد الكليني والصدوق


(1) الكافي: ج 3 باب 28 ص 41. (2) الفقيه: ج 1 باب 22 غسل يوم الجمعة ودخول الحمام ص 61.

[ 269 ]

من الوجوب هو الثبوت لا الوجوب بالمعنى المصطلح وهو ما لا يجوز تركه، وانما عبرا بالوجوب تبعا لما ورد في الاخبار من " ان غسل الجمعة واجب ". والوجه في هذا الاختلاف هو اختلاف الاخبار حيث دلت جملة من الاخبار المعتبرة سندا على وجوبه ولابد لنا من التكلم في مقامين: " أحدهما ": في الاخبار الواردة في غسل الجمعة في نفسها مع قطع النظر عن القرينة الخارجية. " ثانيهما ": في الاخبار الواردة في غسل الجمعة مع النظر إلى القرينة الخارجية. " المقام الاول ": والحق فيه مع القائلين بوجوب غسل الجمعة فقد ورد ما يفيد الوجوب في غير واحد من الاخبار المعتبرة والمستفيضة الموجبة للاطمئنان بل للقطع بصدور بعضها من المعصومين عليهم السلام منها: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال: " الغسل يوم الجمعة على الرجال والنساء في الحضر، وعلى الرجال في السفر وليس على النساء في السفر " (1) ومنها: صحيحة ابن المغيرة المروية باسناد الشيخ عن أحمد بن محمد ابن عيسى عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن السغل يوم الجمعة؟ فقال: " واجب على كل ذكر أو انثى عبد أو حر " (2)، ومنها: صحيحة زرارة أو حسنته... وقال: الغسل واجب يوم الجمعة (3).


(1) و (2) و (3) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة حديث: 1 و 3 و 5.

[ 270 ]

ومنها: موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن غسل الجمعة فقال: " واجب في السفر والحضر " (1) إلى غير ذلك من الاخبار الدالة على الوجوب اما تصريحا بالوجوب أو اطلاقا. كما اشتملت على الامر به كما في صحيحة محمد الحلبي (2) وصحيحة محمد بن مسلم (3). وفي قبال ذلك جملة من الاخبار استدل بها على الاستحباب منها: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (ع) عن السغل في الجمعة والاضحى والفطر قال: " سنة وليس بفريضة " (4) وقد استدل بها على الاستحباب من وجهين: " احدهما ": تصريحها بان الغسل في الجمعة سنة وامر مستحب وليس من الواجبات. " ثانيهما ": انها عدت غسل الجمعة مع غسل الفطر والاضحى غير الواجبين فتدل على انه مستحب غير واجب أيضا، وبهذين الوجهين تبني علي استحباب غسل الجمعة ونستكشف أن المراد بالوجوب الوارد في الاخبار المتقدمة هو الثبوت وأن المراد من الامر به أو من قوله " عليه الغسل " هو الاستحباب. لكن يرد على الوجه الاول: أن السنة في الصحيحة انما هو في


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنة. (3) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنة. (4) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنة ح 9.

[ 271 ]

قبال الفريضة لا في قبال الواجب، ومعنى السنة المقابلة للفريضة انها مما واجبها النبي صلى الله عليه وآله والفريضة ما اوجبها الله في كتابه. ومن هنا ورد أن الركوع والسجود فريضة وأن التشهد والقراءة سنة، ومنه ما دل على أن غسل الميت أو مسه سنة وغسل الجنابة فريضة فلا دلالة لها على الاستحباب بوجه. ويرد على الوجه الثاني اشكال ظاهر وهو أن عد غسل الجمعة مع الغسلين المستحبين لا يدل على استحبابه إذ يمكن أن يذكر الواجب والمستحب معا. و (منها): ما عن سعد عن أحمد بن محمد عن القاسم عن علي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن غسل العيدين أواجب هو؟ قال: هو سنة، قلت: فالجمعة؟ قال: هو سنة (1). ولا اشكال في دلالتها على استحبابه حيث صرحت بكونه مسنونة وهي في قبال الواجب فتدل على جواز تركه. إلا أنها ضعيفة السند لان الظاهر أن القاسم الواقع في سندها في القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد مولى المنصور الضعيف كما أن الظاهر أن عليا الواقع في آخر السند هو علي بن أبي حمزة البطائني المتهم الكذاب على ما ذكره ابن فضال (2).


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 12. (2) بل الظاهر ان القاسم في الرواية هو قاسم بن محمد الجوهري الراوي عن علي بن حمزة البطائني فهو وان وثقناه سابقا لوجوده في اسناد كامل الزيارات مطابقا لمسلك السيد الاستاد " دام ظله " ولكن

[ 272 ]

و (منها) ما رواه الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن الاول (ع) كيف صار غسل الجمعة واجبا؟ فقال: " ان الله أتم صلاة الفريضة بصلاة النافلة وأتم صيام الفريضة بصيام النافلة وأتم وضوء النافلة (الفريضة) بغسل يوم الجمعة، ماكان في ذلك من سهو أو تقصير (أو نسيان) أو نقصان (1). حيث دلت على أن غسل الجمعة مستحب بقرينة أن اتمام الفريضة في الجملات السابقة انما كان بالامر المستحب فيستفاد منها أن المراد بكونه واجبا هو كونه ثابت الاستحباب في الشريعة المقدسة. و (فيه): انا لو سلمنا دلالتها على الاستحباب فلا يمكن الاعتماد عليها لضعف اسنادها بالحسين بن خالد لعدم توثيقه في الرجال. و (منها): ما نقله في البحار عن كتاب جمال الاسبوع لابن طاووس في حديث رواه فيه بسنده عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي (ع) في وصيته:


- لابد من الانتباه إلى أمر وهو ان نظره الشريف - دام ظله - قد تغير وخص التوثيق العام المذكور في مقدمة الكتاب بمشايخ ابن قولويه رحمه الله تعالى دون بقية الرواة الموجودين في السند وعلى هذا فلا يكون القاسم داخلا في هذا التوثيق - وهكذا لابد من تصحيح ما وقع منا من التوثيقات لسائر الاشخاص في التعاليق السابقة وتطبيقها على المبني الجديد. (1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 7. وقد بنى على وثاقة الحسين بن خالد في المعجم ج 5 ص 185 فلا حظ.

[ 273 ]

[ والاخبار في الحث على كثيرة وفي بعضها أنه يكون طهارة له من جمعة إلى جمعة (1)، وفي آخر " غسل يوم الجمعة طهور وكفارة لما بينهما من الذنوب من الجمعة إلى الجمعة " (2). وفي جملة منها التعبير بالوجوب ففي الخبر: انه واجب على كل ذكر أو انثى من حار أو عبد (3)، وفي آخر عن غسل يوم الجمعة فقال (ع): " واجب على كل ذكر وانثى من حر أو عبد " (4) وفي ثالث: " الغسل واجب يوم الجمعة " (5) وفي رابع قال الراوي: " كيف صار غسل الجمعة واجبا؟ " فقال (ع): " إن الله أتم صلاة الفريضة بصلاة النافلة.... إلى أن قال: وأتم وضوء النافلة بغسل يوم الجمعة " (6) وفي خامس " لا يتركه إلا فاسق " (7) وفي سادس: " عمن نسيه حتى صلتي قال (ع) ]


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الاغسال المسنونه ح 2. (2) الوسائل ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 14. (3) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 4. (4) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 6 و 2. (5) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. (6) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 7. (7) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 4 من أبواب الاغسال المسنونة ح 2.

[ 274 ]

[ إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة وان مضى الوقت فقد جازت صلاته " (1) إلى غير ذلك ولذا ذهب جماعة إلى وجوبه منهم الكليني والصدوق وشيخنا البهائي على ما نقل عنهم. لكن الاقوى استحبابه، والوجوب في الاخبار منزل على تأكد الاستحباب وفيها قرائن كثيرة على إرادة هذا المعنى فلا ينبغي الاشكال في عدم وجوبه وان كان الاحوط عدم تركه. ] " يا علي.... فاغتسل في كل جمعة ولو انك تشتري الماء بقوت يومك وتطوبه فانه ليس شئ من التطوع باعظم منه " (2). ودلالتها على المدعى قاصرة لان التطوع بمعنى ما يؤتى به بالتطوع والاختيار وهذا لا ينافي الوجوب - على أن سندها ضعيف بأبي البختري وهب بن وهب فانه قيل في حقه اكذب البرية. فالمتحصل أن مقتضى الاخبار الواردة في نفسها هو الوجوب. المقام الثاني: في قيام القرينة الخارجية على الاستحباب وهي أن غسل الجمعة أمر محل ابتلاء الرجال والنساء في كل جمعة لو كان واجبا عليهم لانتشر وجوبه وذاع ووصل الينا بوضوح ولم يشتهر بين الاصحاب استحبابه ولما امكن دعوى الاجماع على عدم وجوبه - كما عن الشيخ (قده) وهذا دليل قطعي على عدم كونه واجبا شرعا.


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الاغسال المسنونة ج 1. (2) مستدرك الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الاغسال المسنونة ح 9.

[ 275 ]

وقد ذكرنا مثل ذلك في الاقامة لان الاخبار الواردة فيها لا قصور في دلالتها على الوجوب لكنا مع ذلك بيننا على استحبابها لعين ما ذكرناه من القرينة لان وجوبها لا يلائم اشتهار الفتوى باستحبابها مع كثرة الابتلاء بها في كل يوم خمس مرات فلو كانت واجبة لانتشر وجوبها وذاع ولم تكن موردا لدعوى الشهرة أو الاجماع على خلافه، وعلى الجملة ان غسل الجمعة لا يقصر عن صلاة الكسوفين التي اشتهر وجوبها وذاع مع قلة الابتلاء بها بل قد لا يتفق في بعض السنين وكيف يخفى وجوب غسل الجمعة مع كثرة الابتلاء به في كل اسبوع؟! وقد تقدم ان الشيخ ادعى الاجماع على عدم وجوبه ولم يعلم من المتقدمين قائل بوجوبه وسبق ان الكليني والصدوق ووالده (قدس الله اسرارهم) لم يعلم ذهابهم إلى الوجوب لما مر. ثم انه على تقدير القول بالوجوب فهل انه واجب نفسي أو أنه واجب غيري مقدمة لصلاة الظهر أو الجمعة؟. لا يحتمل الوجوب النفسي فيه لانه ليس لنا من الاغسال ما يكون واجبا نفسيا ولم يحتمل ذلك إلا في غسل الجنابة على قول ضعيف تقدم في محله، وأما الوجوب الغيري فيدفعه صحيح ابن أبي نصر عن الرضا (ع) قال: كان أبي يغتسل للجمعة عند الرواح (1)، فان الظاهر من الرواح هو وقت العصر كما في قوله تعالى " غدوها شهر ورواحها شهر " (2) فدلت على أن موسى بن جعفر (ع) كان يغتسل يوم الجمعة عصرا أي بعد الصلاة فلو كان الغسل واجبا


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 22. (2) سباء 34: 12.

[ 276 ]

غيريا مقدمة للصلاة لم يكن يؤخرها إلى العصر فتدل الصحيحة على عدم كونه واجبا غيريا، واحتمال كونه واجبا نفسيا قد عرفت بعده جدا. و (دعوى): ان الرواح بمعنى الرواح إلى الصلاة. (مندفعة): أولا: بان موسى عليه السلام قضى أكثر عمره الشريف في السجون ولم يتمكن من الذهاب إلى الصلاة مدة مديدة يصدق معها قوله - كان أبي...) فانه ظاهر في الاستمرار. وثانيا: ان الصحيحة اشتملت على لفظة (عند) وظاهرها ان اغتساله (ع) كان مقارنا للرواح لا أنه قبله، ومقارنة الاغتسال للذهاب إلى الصلاة مما لا معنى له إلا أن يراد بالرواح زمان العصر. وموثقة أبي بصير التي رواها الصدوق عنه باسناده إليه: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو متعمدا فقال: " ان كان ناسيا فقد تمت صلاته وان كان متعمدا فليستغفر الله ولا يعد " (1) بالتقريب الآتي في الرواية الآتية. ولا اشكال في سندها غير أن في طريق الصدوق إلى أبي بصير: علي ابن أبي حمزة البطائني وهو ممن صرح الشيخ (قده) في العدة بوثاقته. وما ذكره ابن فضال من أنه كذاب متهم لا يعلم رجوعه إليه لاحتمال رجوعه إلى ابنه فليراجع. ويؤيده: ما رواه محمد بن سهل عن أبيه قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يدع غسل الجمعة ناسيا أو غير ذلك قال: ان كان ناسيا فقد تمت صلاته


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الاغسال المسنونة ح 2. وقد رجع السيد الاستاد (دام ظله) عن ذلك والتزم بضعف. ابن أبي حمزة في المعجم ج 11 ص 241.

[ 277 ]

[ (مسألة 1): وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر الثاني (1) ] وان كان متعمدا فالغسل احب الي فان هو فعل فليستغفر الله لا يعود " (1). وذلك لان الغسل لو كان واجبا غيريا مقدمة للصلاة لكانت الصلاة عند نسيانه - ولا اقل عند تعمد تركه - باطلة فمن حكمه (ع) بصحتها نستكشف عدم كونه مقدمة للصلاة، غاية الامر انه مستحب مؤكده والوجه في جعلها (مؤيدة) أن محمد بن سهل لم يوثق في الرجال نعم ورد في موثقة عمار الساباطي انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلى قال: " إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة وان مضى الوقت فقد جازت صلاته " (2). وهي وان كانت موثقة إلا أنها لابد من حملها على الاستحباب بقرينة ما دل على عدم كونه واجبا غيريا. مبدأ وقت غسل الجمعة: (1) لا ينبغي الاشكال في عدم جواز الاتيان بغسل الجمعة قبل الفجر لان العبادات توقيفية ولا يجوز الاتيان بها في غير وقتها، وهل يجوز الاتيان به بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس؟ قد يقال بجوازه


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1.

[ 278 ]

يستدل عليه بان ما بين الطلوعين من اليوم فيجوز الاتيان حينئذ بما يجوز الاتيان به بعد طلوع الشمس. و (فيه): ان ما بين الطلوعين لم يعلم كونه من اليوم فانهم يقسمون الزمان إلى ليل ونهار ويعبرون عما بين طلوع الشمس وغروبها بالنهار وعن غيره بالليل أي الزمان الذي تكون الشمس فيه تحت الارض، كما يعبرون عن منتصف النهار بالزوال وهو منتصف ما بين طلوع الشمس وغروبها، وكذلك الحال في منتصف الليل فيعبرون عنه بزوال الليل وعليه فيكون ما بين الطلوعين من الليل. نعم: دلتنا غير واحد من الاخبار المعتبرة على أن ما بين الطلوعين ملحق بالنهار ففي صحيحة أو حسنة زرارة والفضيل قالا: قلنا له: أيجزي إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة؟ فقال: نعم (1) ورواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا عن كتاب حريز بن عبد الله بن الفضيل وزرارة عن أبي جعفر (ع) مثله، ورواه الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه وعن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن حماد ابن عيسى مثله، ونظيرها ما رواه ابن بكير عن أبيه ومحمد بن الوليد عن ابن بكير (2) فليراجع.


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الاغسال المسنونة ح 2 و 4.

[ 279 ]

[ إلى الزوال (1) وبعده إلى آخر يوم السبت قضاءا ] منتهى وقت غسل الجمعة: (1) وقع الكلام في منتهي زمان الغسل يوم الجمعة فقال بعضهم بأن آخر وقته هو الزوال، ذهب إليه المحقق في المعتبر واستدل عليه بجملة من الاخبار: " منها ": صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع) " لا تدع الغسل يوم الجمعة فانه سنة وشم الطيب والبس صالح ثيابك وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت فقم... ". روى في الوسائل تمامها في أبواب صلاة الجمعة وصدرها في الباب السابع من أبواب الاغسال المسنونة، حيث اشتملت على قوله (عليه السلام): " وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال وهو كناية عن عدم كوه بعد الزوال سواء كان قبله أم مقارنا للزوال، وانما بين خصوص الغسل قبله دون المقارن للغلبة فان الغالب أن يغتسل قبل الزوال أو بعده، وأما الاغسال بنحو يكون آخره مقارنا للزوال فهو نادر بعيد. وكيف كان: فتدل على انه بعد الزوال قضاء لا محالة، و (فيه): ان الظاهر من الصحيحة ان أمره (ع) بذلك انما هو من جهة كونه مقدمة للامور التي ذكرها بعده كقوله: فإذا

[ 280 ]

زالت فقم... ". ولا اشكال في افضلية قرب الزوال، وليست الصحيحة بصدد بيان أن الغسل بعد الزوال قضاء على انا لو سلمنا انها بصدد بيان أن الغسل لابد أن يكون قبل الزوال لا تكون الصحيحة مقيدة للاطلاقات الواردة في الغسل لان التقييد انما يبتني على أن يكون غسل الجمعة واجبا، واما بناءا على انه مستحب كما تقدم فلا مقتضي لتقييد المطلقات بها على ما هو القانون في المطلق والمقيد في المستحبات فان المطلق في المستحبات يبقى على حاله واستحبابه ويكون المقيد افضل الافراد. و " منها ": ما رواه سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (ع) في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في أول النهار قال: يقضيه آخر النهار فان لم يجد فليقضه من يوم السبت " (1) والاستدلال بها من جهتين: " الاولى " تعبيره (عليه السلام) بالقضاء في قوله " يقضيه آخر النهار ". " الثانية ": اقتران الغسل بعد الزوال بالغسل يوم السبت فكما انه قضاء بلا كلام فليكن الامر كذلك بعد زوال يوم الجمعة. و (فيه): ان الرواية لو تمت بحسب السند لا تتم بحسب الدلالة وذلك لان القضاء في لغة العرب بمعنى الاتيان بالشئ وليس بالمعنى المصطلح عليه، نعم علمنا خارجا ان الغسل يوم السبت قضاء اصطلاحا


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3. والذي يظهر من السيد الاستاد - دام ظله - في المعجم ج 4 ص 80 ان جعفر بن عثمان منصرف إلى الرواسي الثقة فيبقى اشكال الدلالة فقط.

[ 281 ]

لا أن القضاء في الرواية بهذا المعنى بل معناه انه إذا لم يأت به قبل الزوال يأتي به بعد الزوال وإلا فيقضيه يوم السبت. على أن الرواية ضعيفة سندا وان عبر عنها في الحدائق بالموثقة والظاهر أنه من جهة بنائه على ان الراوي جعفر بن عثمان الرواسي الثقة إلا انه مما لا قرينة عليه لانه مردد بين الموثق والضعيف. ويحتمل أن يكون توثيقه الرواية من جهة أن الراوي عنه هو ابن أبي عمير نظرا إلى أنه لا يروي إلا عن ثقة وفيه ما قدمناه مرارا من انه ونظراءه قد رووا عن غير الثقة أيضا فلا يتم ما ذكروه من الكلية. و " منها ": موثقة عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل فانه الغسل يوم الجمعة قال: " يغتسل ما بينه وبين الليل فان فاته اغستل يوم السبت " (1) وتقريب الاستدلال بها أن مفروض السؤال من ابن بكير لابد أن يكون هو فوت الغسل عنه قبل الزوال وإلا فلا معنى لقوله (ع): " يغتسل ما بينه وبين الليل " ومعه تدل الموثقة على المدعى وذلك لان السائل اعتقد أن الرجل حيث لم يأت بالغسل قبل الزوال فقد فاته الغسل، والفوت انما يتحقق بانقضاء وقت العمل والامام (ع) لم يردعه عن هذا الاعتقاد بل امره عليه وافاده بانه لو فاته قبل الزوال فليأت به بعده وان فاته ففي يوم السبت. و (فيه): ان مفروض سؤاله في الموثقة وان كان لابد أن يكون هو عدم الاتيان به قبل الزوال - كما ذكر - إلا أنه لا دلالة في الموثقة على الامضاء وعدم الردع بل هي دالة على الردع عنه فكأنه ذكر (ع)


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الاغسال المسنونة ح 4.

[ 282 ]

[ لكن الاولى والاحوط فيما بعد الزوال إلى الغروب من يوم الجمعة أن ينوي القربة من غير تعرض للاداء والقضاء ] انه إذا لم يأت بالغسل قبل الزوال لم يفته الغسل المأمور به بل يأتي به بينه وبين الليل وإلا ففي يوم السبت، وليس في كلامه (ع) أنه يكون فائتا حينئذ. ويمكن أن يقال. ان التعبير بالفوت في كلام السائل انما يريد به فوت الفرد الراجح من الطبيعة المأمور بها، وهذا المقدار يكفي في صحة التعبير بالفوت وان لم تفت الطبيعة المأمور بها حينئذ. وعليه فالصحيح أن وقت غسل الجمعة يمتد إلى الغروب دون الزوال وان كان الاحوط بل الافضل أن يؤتى به قبل الزوال كما سيأتي. ونسب إلى الشيخ (قده) ان غسل الجمعة يكون قضاءا باتمام صلاة الجمعة وهذا أمر لم يقم عليه دليل ولم يرد في شئ من الروايات لا في معتبرها ولا في ضعيفها. ويحتمل أن يريد به ذهاب وقت الفرد الافضل منه وهو ما يؤتى به قبل الصلاة إذ باتمامها ينتهي وقته ويكون قضاءا. ثمرة النزاع في محل الكلام: وهل هناك ثمرة في النزاع في ان الغسل بعد الزوال يوم الجمعة أداء أو قضاء؟ أو لا تظهر له ثمرة عملية بوجه؟ قد يقال: تظهر

[ 283 ]

[ كما أن الاولى مع تركه إلى الغروب أن يأتي به بعنوان القضاء في نهار السبت لا في ليله. ] الثمرة في القصد لانه على الاول لابد من قصد الاداء إذا أتى به بعد الزوال كما لابد من قصد القضاء على الثاني. و (فيه): ان ذلك لا يكون ثمرة بوجه لان الامتثال لا يتوقف على قصد الاداء والقضاء لانه عبارة عن الاتيان بالعمل مضافا إلى المولى دون اعتبار قصد الاداء والقضاء فيه. نعم: هذا انما يلزم إذا كان عليه واجبان وتوجه إليه أمران: أحدهما الامر بالاداء، والثاني الامر بالقضاء كما لو فاتته صلاة الظهر أو الفجر من اليوم السابق فانه بعد الظهر أو الفجر يكلف بواجبين ولا يحصل الامتثال لاحدهما إلا بقصد الاداء أو القضاء. واما إذا كان عليه أمر واحد فلا يلزم في امتثاله قصد شئ من الاداء أو القضاء فان الاتيان بقصد امتثال الامر الفعلي كاف في الامتثال. وقد يقال: بأن للنزاع ثمرتين أخرين: " احداهما ": ان من خاف أو احرز اعواز الماء يوم الجمعة قبل الزوال يجوز له تقديم غسل الجمعة والاتيان به يوم الخميس. كما انه لو خاف أو احرز اعوازه يوم السبت لم يجز له تقديمه يوم الخميس لانه خارج عن وقت المأمور به. وأما اعوازه بعد الزوال فهو انما يسوغ التقديم يوم الخميس إذا كان الغسل فيه اداءا فان حكمه حكم قبل الزوال، وان كان الغسل فيه

[ 284 ]

قضاءا فحكمه حكم الاعواز يوم السبت فلا مسوغ لتقديمه يوم الخميس فالثمرة هي مشروعية التقديم على القول بامتداد وقت الغسل إلى الغروب وعدم مشروعيته بناءا على كون الوت إلى الزوال. و (فيه): أن ما دل على جواز التقديم يوم الخميس قد اشتمل على الاعواز في الغد والغد يصدق على ما قبل الزوال كما يصدق على ما بعده على حد سواء فالاعواز في كلا الوقتين مسوغ للتقديم كان الغسل بعد الزوال أداء أم كان قضاء. على أن ما دل (ع) على جواز التقديم مع الاعواز قبل الزوال أو بعده ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه. " ثانيهما " انه إذا خاف أو اعتقد الاعواز يوم الجمعة وقدم الغسل يوم الخميس ثم وجد الماء يوم الجمعة قبل الزوال لزم عليه اعادة الغسل لان ما اعتقده أو احتمله لم يكن مطابقا للواقع وهو متمكن من الغسل يوم الجمعة، كما انه لو وجده يوم السبت لم تلزم عليه الاعادة لانه من الوجدان خارج الوقت وبما انه لم يكن متمكنا من الماء في ظرف العمل جاز له تقديمه من دون لزوم الاعادة عليه. واما لو وجده بعد الزوال فلزوم الاعادة عليه وعدمه يبتني على ان الغسل بعد الزوال اداء ليلحق بما قبل الزوال وحيث لم يكن معتقدة واحتماله مطابقا للواقع وكان متمكنا من الماء في ظرف العمل لزمت عليه الاعادة، أو انه قضاء ليلحق بالسبت في كونه من التمكن بعد الوقت ولا تلزم عليه الاعادة. و (يدفعه): ان لزوم الاعادة عند وجدان الماء يوم الجمعة


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 9 من أبواب الاغسال المسنونة.

[ 285 ]

ليس مدلول رواية ولو ضعيفة وانما الوجه فيه هو الاطلاقات الآمرة بالغسل لانها لم تتقيد بالغسل يوم الخميس وعدمه بل مقتضاها لزوم الاتيان به يوم الجمعة مع التمكن من الماء وبما انه لم يأت به يوم الجمعة وهو متمكن من الماء لابد من أن يأتي به عملا بالاطلاق. وهذا الاطلاق كما يقتضي الاعادة فيما لو وجد الماء قبل الزوال كذلك يقتضي الاعادة على تقدير وجدان الماء بعد الزوال لانه يوم الجمعة والماء موجود وهو لم يغتسل. فمقتضى الاطلاق هو الاعادة سواء كان الاتيان به حينئذ اداءا أو قضاءا بل بالاطلاق يثبت أن الغسل بعد الزوال اداء أيضا. وعلى أي حال لا ثمرة عملية للنزاع في انه اداء بعد الزوال أو أنه قضاء وان كان الصحيح أن وقت غسل الجمعة ممتد إلى الغروب وان كان الاتيان به قبل الزوال ارجح وهو افضل الافراد وذلك لصحيحة زرارة المتقدمة (1) المشتملة على امره بكون الغسل قبل الزوال المحمولة على الاستحباب كما تقدم. ثم ان ما ذكرناه من امتداد الوقت إلى الغروب لا فرق فيه بين ترك الغسل قبل الزوال نسيانا وبين تركه عمدا، إذ لا دليل على التقييد بالزوال فالمطلقات هي المحكمة مضافا إلى موثقة عمار الساباطي المتقدمة (2). الدالة على أن من ترك الغسل قبل الزوال نسيانا لا شئ عليه ومن تركه متعمدا أعاده لانها دلت على صحة الاتيان به بعد الزوال وان تركه قبل الزوال عمدا.


(1) تقدمت في صدر المسألة. (2) تقدمت في صدر المسألة.

[ 286 ]

ثم إن المشهور أن الغسل كلما قرب من الزوال كان أفضل، فالافضل ما كان مقارنا مع الزوال وما كان بعيدا عنه بنصف ساعة فهو اقل منه ثوابا وهكذا إلا ان ذلك لم يرد في شئ من الروايات سوى الفقه الرضوي (1) وقد قدمنا مرارا انه لا يمكن الاعتماد عليه لعدم ثبوت كونه رواية فضلا عن اعتبارها، اللهم بناءا على التسامح في ادلة السنن وشموله لما لم يعلم كونه رواية أيضا، فالثابت ان الغسل قبل الزوال افضل. قضاء غسل الجمعة يوم السبت: بقي الكلام في قضائه يوم السبت: ولا ينبغي الاشكال في مشروعيته وجواز قضائه يوم السبت وهو متسالم عليه بين الاصحاب كما يقتضيه غير واحد من النصوص، والكلام في قضائه يقع من جهات: " الاولى " ان قضاء غسل الجمعة الثابت مشروعيته نهار السبت هل يشرع في ليلة السبت أو لا يشرع لعدم الدليل على مشروعيته؟ مقتضى الجمود على ظاهر النصوص عدم مشروعيته ليلة السبت لاختصاصها (2) بيومه لكن المشهور بينهم هو الجواز والمشروعية ليلا وقد استدل عليه بوجوه:


(1) المستدرك: ج 1 باب 7 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الاغسال المسنونة.

[ 287 ]

ادلة المشروعية ليلا: (الاول): ان المشهور ذهبو إلى استحبابه ومقتضى قاعدة التسامح في المستحبات كفاية فتوى المشهور في الحكم بالمشروعية والاستحباب. و (فيه): ان ذلك يبتني على أمرين. أحدهما: دلالة اخبار " من بلغ " على ان العمل الواصل فيه الثواب مستحب في الشريعة المقدسة. وثانيهما: شمول الوصول والبلوغ لفتوى الفقيه، وكلا الامرين قابل للمناقشة على ما قدمناه في محله. (الثاني): استصحباب المشروعية للقطع بها يوم الجمعة فلو شككنا في بقائها وارتفاعها ليلة السبت فنستصحب بقاءها، ويرد عليه: أولا: انه من استصحاب الحكم الالهي الكلي ونحن نمنع جريانه فيه، وثانيا: انه من قبيل الاستصحاب الجاري في القسم الثالث من الكلي لان المشروعية الثابتة يوم الجمعة انما كانت ثابتة في ضمن الاداء وهي قد ارتفعت قطعا ونشك في انه هل وجد فرد آخر من المشروعية وهي المشروعية قضاء وعدمه مقارنا لارتفاع الفرد الاول وهو ممالا يلتزم به القائل بجريان الاستصحاب في الاحكام. (الثالث): إن الفيد الوارد في الاخبار (1) - أعني يوم السبت - قد ورد مورد الغالب فان الغالب هو الاغتسال في النهار


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الاغسال المسنونة.

[ 288 ]

دون الليل، والقيد الوارد مورد الغالب لا مفهوم له ليقيد به الاطلاق فلا موجب لاختصاص الحكم بالمشروعية على يوم السبت بل هي ثابتة في ليله أيضا. و (فيه): أولا: منع الغلبة لان غلبة الاغتسال في اليوم انما هي فيما إذا كان الهواء باردا ولا سيما إذا لم يكن المكان مما تعارف فيه الحمامات الدارجة، واما إذا كان الهواء حارا أو كان المكان مما تعارف فيه الحمامات المتعارفة فلا غلبة في الاغتسال في النهار بل النهار كالليل. ولعل الامر بالعكس والاغتسال في الليل اكثر من الاغتسال في النهار. وثانيا: ان ورود القيد مورد الغالب انما لا يوجب التقييد في الاطلاق فيما إذا كان هناك دليل مطلق وورد في قباله دليل مقيد وكان القيد غالبيا فهو لا يوجب التقييد في الاطلاق. وليس الامر في المقام كذلك إذ لا دليل مطلق دل على جواز القضاء مطلقا ليلا ونهارا ليدعى ان الاخبار الواردة في جواز القضاء يوم السبت لا تستلزم تقييد ذلك المطلق بل ليس عندنا إلا تلك الاخبار المقيدة، اذن لا دليل لنا على مشروعية القضاء ليلا وهو كاف في عدم المشروعية، و (دعوى): ان القضاء إذا كان ثابتا في نهار السبت فيثبت في ليله بطريق أولى لقربه من الجمعة. (مندفعة): بأن العبادات الشرعية توقيفية وهي تحتاج في مشروعيتها إلى دليل بدل عليها ومجرد الاولوية الاستحسانية لا يكفي في ثبوت المشروعية كما هو واضح.

[ 289 ]

(الرابع): موثقة (1) ابن بكير المتقدمة الدالة على أن من فاته غسل الجمعة يأتي به فيما بينه وبين الليل وإلا ففي يوم السبت وهي تدل على مشروعية قضاء الغسل ليلة السبت. على ما استدل به صاحب الجواهر (قده) وذكر في تقريبة ان السائل فرض فوت الغسل في مجموع نهار الجمعة ومعه لا معنى لقوله (عليه السلام): يأتي به فيما بينه وبين الليل - أي فيما بين النهار الذي فاته الغسل فيه وبين الليل إذ لا فاصل بين اليوم والليل فلا مناص من تقدير كلمة الآخر قبر الليل فيصير معنى الموثقة: انه يأتي به فيما بين النهار الذي فاته الغسل فيه وبين آخر الليل فتدل على مشروعية القضاء في ليلة السبت أيضا و " يدفعه ": أولا: ما قدمناه من أن الظاهر من الموثقة ان السؤال هو عن فوت الغسل في الوقت المتعارف فيه الغسل وهو ما قبل الزوال، وعليه فمعنى قوله (ع): " فيما بينه وبين الليل " أي " فيما بين الشخص والليل " اي من الزوال إلى الليل، فلا دلالة فيها على مشروعية القضاء في الليل. وثانيا: لو فرضنا المعنى كما افاده (قده): فما الموجب للاغلاق في كلام الامام (ع) اعني قوله " فيما بينه وبين الليل " بل كان اللازم أن يقول " يأتي به ليلا " فلا وجه له إلا ما قدمناه من أن السؤال انما هو عن فوت الغسل قبل الزوال فالحديث لا دلالة فيه على مشروعية القضاء ليلة السبت بوجه. نعم لا بأس بالانيان به رجاءا لانه لم يقم دليل على عدم مشروعيته


(1) الوسائل ج 2 باب 10 من أبواب الاغسال المسنونة ح 4.

[ 290 ]

ليلا، وانما لا نفتي بالمشروعية لعدم الدليل عليها فلا بأس معه من الاتيان به رجاءا. " الجهة الثانية ": الظاهر جواز القضاء إلى غروب يوم السبت وليس وقته محددا بالزوال، ولعله مما لا اشكال فيه فوقت القضاء ممتد إلى الغروب. " الجهة الثالثة ": ان مشروعية القضاء يوم السبت هل نختص بمن ترك الغسل يوم الجمعة نسيانا أو لو لعذر من الاعذار فلا يشرع لمن تركه يوم الجمعة متعمدا، أو لا يختص به ولا يفرق في مشروعيته بين من تركه عمدا أو تركه نسيانا أو لغيره من الاعذار؟ نسب إلى الصدوق (قده) الاختصاص وقد يستدل عليه بمرسلة الهداية (كما في الحدائق والجواهر) والفقه الرضوي (1) ويرد على الاستدلال بهما أن الاولى ضعيفة بارسالها والثانية لم تثبت كونها رواية فضلا عن ان تكون معتبرة. على ان المرسلة انما دلت على انه يقضيه يوم السبت إذا نسيه يوم الجمعة، واما انه إذا تركه عمدا فلا يجوز له القضاء فهو مما لا يستفاد من المرسلة. على أن لازم الاستدلال بهما اختصاص الحكم بمن تركه نسيانا وحسب مع أن الصدوق عممه إلى سائر الاعذار ايضا. والصحيح ان الصدوق انما اعتمد في ذلك على رواية سماعة


(1) المستدرك: ج 1 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. وفيه: فان فاتك الغسل يوم الجمعة قضيت يوم السبت الخ.

[ 291 ]

المتقدمة حيث ورد فيها " فان لم يجد فليقضه من يوم السبت " (1) فقد اخذت في موضوع جواز القضاء يوم السبت عدم التمكن من الغسل يوم الجمعة وكون تركه مستندا إلى العذر وعدم التمكن منه فمن تركه لا لعذر ليس له ان يقضيه يوم السبت لان الغسل وان كان مستحبا ولا يقيد المطلق في المستحبات بالمقيد بل يحمل على أفضل الافراد مع بقاء المطلق على اطلاقه. إلا ان ذلك انما هو إذا كانا موجبين أو سالبين، واما إذا كان احدهما ايجابا والآخر سلبا فلا مناص من التقييد، والمقام من هذا القبيل لان للموثقة مفهوما وهو عدم جواز القضاء لمن ترك الغسل لا لعذر، ومع المفهوم تكون الموثقة سالبة والاطلاقات موجبة فيختلفان في السلب والايجاب ولابد من التقييد معه أي تقييد مادل على جواز القضاء يوم السبت لمن ترك الغسل يوم الجمعة مطلقا بهذا الموثقة. فينتج اختصاص مشروعية القضاء بمن ترك الغسل يوم الجمعة لعذر لا ما إذا كان الترك عن نعمد. هذا. (وفيه): ان الرواية لا مفهوم لها فكأنه (ع) ذكر أن من ترك الغسل قبل الزوال إذا كان واجدا للماء أتى به بعد الزوال لفرض انه قاصد للامتثال وانه إذا لم يجد الماء أتى به يوم السبت واما إذا تركه معتمدا فلا نظر للموثقة إلى حكمه وانه اي شئ وظيفته، فلا دلالة لها على المفوم.


(2) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3. وتقدم الكلام في سند الرواية فلا حظ.

[ 292 ]

[ وآخر وقت قضائه غروب يوم السبت، واحتمل بعضهم جواز قضائه إلى آخر الاسبوع، لكنه مشكل نعم لا بأس به لا بقصد الورود بل برجاء المطلوبية لعدم الدليل عليه إلا الرضوي الغير المعلوم كونه منه (ع). ] وحيث أن موثقة ابن بكير المتقدمة (1) دلت على جواز القضاء يوم السبت عند فوته يوم الجمعة والفوت أعم من أن يستند إلى الاضطرار والعذر أو إلى العمد كما في فوت الفريضة الواجب قضاؤها فلا فرق في مشروعية القضاء يوم السبت بين تارك الغسل يوم الجمعة عن عذر واضطرار وبين تركه عن عمد واختيار. وهذه المسألة وان لم تكن محتاجة إلى التدقيق والتأمل بهذا المقدار إلا أن التدقيق لاجل ما اشرناه إليه من اغناء كل غسل عن الوضوء وحيث ثبت استحباب قضائه يوم السبت أو جوازه في حق من تركه يوم الجمعة متعمدا فيغني عن الوضوء بناءا على ما قدمناه. " الجهة الرابعة ": إذا لم يقضه المكلف يوم السبت هل يشرع له القضاء في سائر ايام الاسبوع أو لا دليل على مشروعيته في سائر الايام؟ مقتضى موثقة ذريح عن أبي عبد الله (ع) في الرجل هل يقضي غسل الجمعة؟ قال " لا " (2)، عدم المشروعية في القضاء مطلقا وقد خرجنا عنها في قضائه يوم السبت ويبقى غيره تحت عموم عدم المشروعية، ولا دليل على مشروعية قضائه بعد السبت سوى ما ورد في الفقه


(1) تقدمت في صدر المسألة (2) الوسائل: ج 2 باب 10 من الاغسال المسنونة ح 5.

[ 293 ]

[ (مسألة 2): يجوز تقديم غسل الجمعة يوم الخميس (1). الرضوي (1) وان له أن يأتي به في سائر ايام الاسبوع، الا انه لم يثبت كونه رواية فضلا عن كونها معتبرة. مشروعية تقديم غسل الجمعة عنها: (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: " الجهة الاولى ": في أصل مشروعية التقديم عند خوف اعواز الماء أو عدم جوازه يوم الجمعة. المشهور عندهم مشروعيته، وعن بعضهم انه مما لا خلاف فيه، وعن الحدائق انه لم ينقل فيه خلاف من أحد. فان كانت المسألة اتفاقية كما ادعي وحصل لنا القطع بقوله (ع) من اتفاقهم فهو وإلا فللمناقشة في أصل مشروعية التقديم مجال، وذلك لان ما استدل به على ذلك أمور ثلاثة. " الاول ": الفقه الرضوي: وان كنت مسافرا وتخاف عدم الماء يوم الجمعة فاغتسل يوم الخميس (2)، وهذا لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها.


(1) المستدرك: ج 1 باب 6 من الاغسال المسنونة ح 1. (2) المستدرك: ج 1 باب 5 من الاغسال المسنونة ح 1.

[ 294 ]

[ بل ليلة الجمعة إذا خاف إعواز الماء يومها. ] " الثاني ": مرسلة محمد بن الحسين عن أبي عبد الله (ع) قال لاصحابه: " انكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء فاغتسلوا اليوم لغد فاغتسلنا ليوم الجمعة " (1). وهي مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها، " الثالث ": ما رواه المشائخ الثلاثة عن الحسن بن موسى بن جعفر أو الحسين بن موسى بن جعفر عليهما السلام عن أمه وأم أحمد بن موسى قالتا: كنا مع أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) في البادية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس: اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة فان الماء غدا بها قليل، قالتا: فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة (2). وهي ضعيفة أيضا لانها إن كانت مروية عن الحسن بن موسى كما عن الفقيه فهو مجهول وان كانت مروية عن الحسين بن موسى كما عن التهذيب والكافي فهو مهمل - على أن حال أمهما غير معلوم ولم تثبت وثاقتها ولا وثاقة أم أحمد فالاستدلال بتلك الاخبار غير ممكن. اللهم إلا على أحد أمرين: احدهما: انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على طبقها، وثانيهما: ان يقال بأن اخبار من بلغ تدل على استحباب العمل الذي بلغ فيه الثواب. ولم يثبت شئ من الامرين. أما الاول: فقد ذكرناه في محله ان عمل المشهور على طبق الرواية. لا يوجب انجبار ضعفها إذ نحتمل وقوفهم على قرينة تدل على صحتها


(1) الوسائل: ج 2 باب 9 من الاغسال المسنونة ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 9 من الاغسال المسنونة ح 2.

[ 295 ]

من دون ان تصل الينا. وأما الثاني: فلما حققناه في محله من ان اخبار من بلغ واردة للارشاد إلى ما استقل به العقل من أن الانقياد واتيان العمل برجاء المحبوبية حسن ويترتب عليه الثواب ولا دلالة لها على استحباب العمل شرعا، وعليه لا تثبت مشروعية تقديم الغسل يوم الخميس نعم لا بأس بالاتيان به يوم الخميس رجاءا عند خوف الاعواز أو احرازه يوم الجمعة. " الجهة الثانية " على تقدير ثبوت مشروعية التقديم يوم الخميس هل يشرع تقديمه ليلة الجمعة عند خوف الاعواز أو احرازه يوم الجمعة أو تختص المشروعية بيوم الخميس؟ مقتضى الجمود على ظاهر النصوص هو الاختصاص فكأن اليوم بيوم لا اليوم بليل، لكن المعروف جواز تقديمه ليلة الجمعة بل ادعي عليه الاجماع في كلمات بعضهم. واستدل عليه بوجوه: (الاول): الاولوية فان الليل اقرب إلى الجمعة من نهار الخميس فإذا ثبتت المشروعية يوم الخميس ثبتت ليلة الجمعة بالاولوية. و (فيه): ان العبادات امور توقيفية تحتاج مشروعيتها إلى دليل، والاولوية الظنية مما لا اعتبار بها فلا يثبت بها الحكم الشرعي. (الثاني): استصحاب المشروعية المتيقنة يوم الخميس وهذا يبتني على امرين: احدهما القول بجريانه في الاحكام الكلية. وثانيهما: ان يكون اليوم الوارد في الروايتين لمجرد الظرفية ولم يكن قيدا دخيلا في ثبوت الحكم الشرعي، وكلا الامرين مورد

[ 296 ]

المناقشة: لعدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية، ولان ظاهر اليوم في الروايتين انه قيد في ترتب الحكم الشرعي لا انه أتي به لمجرد الظرفية ومعه لا مجرى للاستصحاب في المقام. (الثالث): التعليل الوارد في الروايتين المتقدمتين حيث علل الحكم بالتقديم يوم الخميس بقلة الماء يوم الجمعة فإذا كان هذا هو العلة فيه فيتعدى إلى الليل ايضا إذا خيف أو احرز قلة الماء يوم الجمعة، وهذا الاستدلال غريب لان القلة وان كانت في قلة الماء واعوازه إلا انه ليس مطلقا بل في خصوص يوم الجمعة وإلا جاز التعدي إلى التقديم في سائر ايام الاسبوع أيضا كالاربعاء والثلاثاء وغيرهم إذا خيث أو احرزت القلة يوم الجمعة وهو مما لا قائل به. فالصحيح: هو اختصاص المشروعية بيوم الخميس فاليوم باليوم. " الجهة الثالثة ": في موضوع الحكم بجواز التقديم يوم الخميس هل هو خوف الاعواز يوم الجمعة أو احرازه؟ المعروف: ان الموضوع المسوغ للتقديم هو خوف الاعواز وهو اما بمعنى الظن بالقلة أو احتمالها العقلائي كما في غير المقام. وهذا مما لا دليل عليه سوى الفقه الرضوي المشتمل على قوله: وان كنت مسافرا وتخاف عدم الماء يوم الجمعة (1). وقد تقدم عدم ثبوت كونه رواية فضلا عن اعتبارها، ومدرك المشهور هو احدى الروايتين المتقدمتين (2) وقد ورد فيهما اعواز الماء.


(1) و (2) تقدمتا في صدر المسألة.

[ 297 ]

[ أما تقديمه ليلة الخميس فمشكل، نعم لا بأس به مع عدم قصد الورود لكن احتمل بعضهم جواز تقديمه حتى من اول الاسبوع أيضا ولا دليل عليه. ] ففي المرسلة " انكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء ". وفي رواية ابن موسى (ع): " فان الماء غدا بها قليل " فالحكم مترتب على واقع القلة أو الانعدام فلابد من احرازه بالعلم الوجداني أو التعبدي كما هو الحال في الروايتين لاخبار الامام (ع) فيهما بالقلة أو الاعواز وهو موجب للجزم واليقين. " الجهة الرابعة ": هل يختص جواز التقديم بما إذا خيف أو احرز القلة في السفر أو يعمه والحضر أيضا؟ الصحيح: هو التعميم لان الروايتين وان كانتا واردتين في السفر إلا أن المورد لا يخصص، والموضوع فيهما هو الاعواز بلا فرق في ذلك بين السفر والحضر. " الجهة الخامسة ": موضوع الحكم بجواز التقديم يوم الخميس هو اعواز الماء يوم الجمعة: هل يجوز تقديم الغسل في يوم الاربعاء أو غيره من ايام الاسبوع إذا تحقق الموضوع بان خاف الاعواز أو احرزه؟ الصحيح: عدم المشروعية في غير يوم الخميس وهو المطابق للقاعدة لان العبادات توقيفية ولم يرد الترخيص في تقديمه إلا يوم الخميس لنخرج عنها بهذا المقدار فقط واما في سائر الايام فلا تقديم لعدم

[ 298 ]

[ وإذا قدمه يوم الخميس ثم تمكن منه يوم الجمعة يستحب اعادته وإن تركه يستحب قضاؤه يوم السبت، واما إذا لم يتمكن من ادائه يوم الجمعة فلا يستحب قضاؤه، وإذا دار الامر بين التقديم والقضاء فالاولى اختيار الاول. ] الدليل على الجواز. وأما ما يتوهم من أن العلة في جواز التقديم يوم الخميس هو الاعواز أو خوفه يوم الجمعة فإذا تحققت العلة في غير يوم الخميس جاز التقديم فيه أيضا. ففيه: ان العلة هي خوف الاعواز أو احرازه يوم الخميس لا مطلق الخوف أو الاحراز فلا دليل على مشروعية التقديم في غير الخميس. نعم لا بأس بالاتيان رجاءا لعدم القطع بعدم المشروعية واقعا " الجهة السادسة ": فيما لو تمكن من الماء يوم الجمعة بعدان خاف الاعواز أو احرزه يوم الخميس فقدم الغسل هل تستحب الاعادة أم لا؟ المعروف هو استحباب الاعادة والصحيح ابتناء المسألة على أن الخوف الاحراز هل هما طريقان إلى الاعواز يوم الجمعة أو أنهما موضوعان للحكم بجواز التقديم. وعلى الثاني: لا مجال لاستحباب الاعادة فانه قد اتى بغسل الجمعة مقدما لتحقق موضوعه وهو الخوف أو الاحراز ومعه لا تشمله الاطلاقات الدالة على استحباب غسل الجمعة بل تكون الادلة الدالة على جواز التقديم مع الخوف أو الاحراز حاكمة على تلك الاطلاقات

[ 299 ]

[ (مسألة 3): يستحب أن يقول حين الاغتسال: " اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني ] لدلالتها على توسعة زمان الامتثال وتحقق المأمور به بالغسل يوم الخميس ولا استحباب للغسل بعد الغسل. واما على الاول: فحيث انكشف خطأ الطريقين وتمكن المكلف من الماء يوم الجمعة فلا محالة تشمله الاطلاقات لعدم امتثاله على الفرض، وما أتى به انما كان مأمورا به خيالا أو ظاهرا ولا يجزي شئ منهما عن المأمور به الواقعي فالاطلاقات تدل على استحباب الاعادة فإذا أتى به يوم الجمعة فهو وإلا استحب له القضاء يوم السبت لانه لم يأت به يوم الجمعة وفاته ذلك، وما أتى به يوم الخميس لم يكن مأمورا به خيالا أو ظاهرا. وهذا بخلاف ما إذا كان الخوف أو الاحراز موضوعين لجواز التقديم فانه إذا قدم الغسل يوم الخميس فقد أتى بغسل الجمعة لتوسعة وقته حينئذ ومعه لا يشرع القضاء في حقه لانه انما ثبت على من فاته الغسل يوم الجمعة والمفروض ان المكلف لم يفته غسل يوم الجمعة بل أتى به مقدما. " الجهة السابعة ": إذا دار امره بين التقديم يوم الخميس لخوف الاعواز أو لاحرازه وبين ترك التقديم والقضاء يوم السبت فالاولى اختيار التقديم والقضاء يوم السبت فالاولى اختيار التقديم وذلك لانه اداء موسع ولا اشكال في ان الاداء اولى من القضاء.

[ 300 ]

[ من التوابين واجعلني من المتطهرين ". (مسألة 4): لا فرق في استحباب غسل الجمعة بين الرجل والمرأة والحاضر والمسافر (1) والحر والعبد ومن يصلي الجمعة ومن يصلي الظهر بل الاقوى استحبابه للصبي المميز، نعم يشترط في العبد إذن المولى إذا كان ] التسوية في الاستحباب بين اقسام المكلفين: (1) الامر كما افاده ولا فرق في استحبابه بين اقسام المكلفين لاطلاق الادلة نعم علمنا ان تأكده في حق الرجال أقوى منه في حق النساء لما ورد (1) من أنهن قد رخصن في تركه وفي بعضها (2) انه رخص لهن في تركه في السفر دون الحضر.


(1) ما وجدناه في الروايات المعتبرة نعم ورد في الخصال في رواية ضعيفة، انه " ويجوز لها (النساء) تركه في الحضر " المستدرك ج 1 باب 2 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1 و 2 و 17.

[ 301 ]

[ منافيا لحقه (1) بل الاحوط مطلقا وبالنسبة إلى الرجال آكد بل في بعض الاخبار رخصة تركه للنساء (مسألة 5): يستفاد من بعض الاخبار كراهة تركه بل في بعضها الامر باستغفار التارك، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في مقام التوبيخ لشخص: " والله لانت اعجز من تارك الغسل يوم الجمعة فانه لا يزال في طهر إلى الجمعة الاخرى ". ] اشتراط اذن المولى: (1) ذكر الماتن (قده) ان العبد يشترط فيه اذن المولى إذا كان اغتساله منافيا المولى وامره ثم ترقى واحتاط في اعتبار الاستئذان من المولى مطلقا حتى إذا لم يكن منافيا لحقه. والاحتياط استحبابا حسن في نفسه الا أن الاحتياط الوجوبي مما لا وجه له، لوجود المطلقات النافية لاعتبار الاستئذان من المولى في استحباب الغسل في حق العبد وهذا إذا لم يكن منافيا لحقه بمكان من الوضوح، وكذلك الحال فيما إذا كان منافيا لحقه لانه من تزاحم الحقين وقد ذكرنا في محله أن الترتب في المتزاحمين على طبق القاعدة فإذا عصى مولاه وخالف امره فلا مانع من صحة اغتساله.

[ 302 ]

[ (مسألة 6): إذا كان خوف فوت الغسل يوم الجمعة لا لا عواز الماء بل لامر آخر - كعدم التمكن من استعماله أو لفقد عوض الماء مع وجوده - فلا يبعد جواز تقديمه أيضا يوم الخميس (1) وان كان الاولى عدم قصد الخصوصية والورود بل الاتيان به برجاء المطلوبية. (مسألة 7): إذا شرع في الغسل يوم الخميس من جهة خوف اعواز الماء يوم الجمعة فتبين في الاثناء وجوده ] (1) هل يجوز التقديم إذا خيف أو احرز عدم التمكن من الغسل يوم الجمعة لاجل مانع غير اعواز الماء وقلته مثل خوف البرد في الهواء أو كان متمكنا من الماء الحار يوم الخميس وعاجز من الماء الحار في الجمعة مع وجدان الماء البارد؟ قد يقال: ان اعواز الماء ذكر في الروايتين (1) من باب المثال والغرض عدم التمكن من الغسل يوم الجمعة ولو مانع آخر، لكن مقتضى ظاهر النصوص هو الاختصاص بما إذا خيف أو احرز قلة الماء فلا دليل على المشروعية في غير ذلك نعم لا بأس بتقديم الغسل حينئذ رجاءا.


(1) تقدمتا في مسألة 2.

[ 303 ]

[ وتمكنه منه يومها بطل غسله (1)، ولا يجوز اتمامه بهذا العنوان والعدول منه إلى غسل آخر مستحب إلا إذا كان من الاول قاصدا للامرين، (مسألة 8): الاولى إتيانه قريبا من الزوال وان كان يجزئ من طلوع الفجر إليه كما مر. (مسألة 9): ذكر بعض العلماء ان في القضاء كلما كان أقرب إلى وقت الاداء كان أفضل فاتيانه في صبيحة السبت أولى من اتيانه عند الزوال منه أو بعده، وكذا ] إذا شرع في التقديم فتبين وجود الماء يوم الجمعة: (1) إذا شرع في الغسل يوم الخميس لاعواز الماء في الجمعة وانكشف في اثناء غسله وجود الماء وتمكنه منه يوم الجمعة بطل غسله لانكشاف عدم كونه مأمورا به واقعا وانما كان مأمورا به بالامر الخيالي أو الظاهري فلا يجوز أن يتمه كما لا يجوز له أن يعدل إلى غسل مستحب آخر لعدم دلالة الدليل على جواز العدول حينئذ. نعم حيث ثبت في محله جواز التداخل في الاغسال فلا مانع من أن يأتي بغسل واحد للجمعة وللزيارة وللعيد مثلا، ومعه لو انكشف التمكن من الماء يوم الجمعة فيبطل غسله بالاضافة إلى غسل الجمعة وله اتمامه بنية الزيارة والعيد ونحوهما فهو غسل مشروع مستحب.

[ 304 ]

[ في التقديم فعصر يوم الخميس أولى من صبحه وهكذا. ولا يخلو عن وجه وان لم يكن واضحا، وأما أفضلية ما بعد الزوال من يوم الجمعة من يوم السبت فلا اشكال فيه وان قلنا بكونه قضاءا كما هو الاقوى. (مسألة 10): إذا نذر غسل الجمعة وجب عليه (1). ومع تركه عمدا تجب الكفارة (2) والاحوط قضاؤه يوم السبت، وكذا إذا تركه سهوا أو لعدم التمكن منه (3). ] إذا نذر غسل الجمعة (1) كما في غيره من الامور الراجحة شرعا. (2) وهي كفارة شهر رمضان لحنث نذره، (3) ولا يبعد أن يقال بعدم انعقاد النذر فيما إذا انكشف عدم تمكن الناذر من المنذور في وقته إذ يشترط القدرة على المنذور في النذر لوضوح انه لا معنى للالتزام بعمل خارج عن القدرة فإذا لم يقدر عليه في ظرفه كشف ذلك عن عدم صحة النذر به

[ 305 ]

[ فان الاحوط قضاؤه (1) واما الكفارة فلا تجب إلا مع التعمد. ] عدم وجوب القضاء عند المخالفة: (1) والظاهر عدم وجوب القضاء عند تعمد تركه فضلا عما لو تركه سهوا أو لعدم التمكن منه وذلك لان القضاء اما ان يكون بالامر الجديد - كما هو الصحيح - واما انه تابع للاداء. فان قلنا بأنه بالامر الجديد فهو يحتاج في وجوبه إلى أمر جديد وهو انما ورد في الصلاة والصيام وفي بعض الموارد الاخر المنصوصة كما إذا نذر الصوم فطرا عليه مالا يتمكن معه من اتمامه كما لو سافر أو حاضت أو نفست ونحو ذلك، وليس لنا في المقام أمر جديد بقضاء غسل الجمعة إذا نذره ثم تركه عمدا أو نسيانا أو لغيرهما. وأما إذا قلنا بان القضاء تابع للاداء فمعنى ذلك أن هناك أمرين ومطلوبين قد تعلق أحدهما بطبيعي الفعل وتعلق ثانيهما بالمقيد أي بالاتيان به في وقت خاص أعنى التقييد بدليل منفصل، وحينئذ إذا لم يأت به في الوقت الخاص وفاته امتثال أحد الامرين فالامر الآخر المتعلق بالطبيعي باق بحاله لابد من امتثاله والاتيان بالعمل في غير وقته. وهذا وان كان ممكنا في الافعال الواجبة بالعنوان الاولي إلا أنه

[ 306 ]

[ (مسألة 11): إذا اغتسل بتخيل يوم الخميس بعنوان التقديم أو بتخيل يوم السبت بعنوان القضاء فتبين كونه يوم الجمعة فلا يبعد الصحة خصوصا إذا قصد الامر الواقعي وكان الاشتباه في التطبيق (1). ] لا يأتي في الواجب بالنذر والعنوان الثانوي لانه تابع لنذر الناذر ولا اشكال في أن الناذر انما ينذر اتيان الغسل يوم الجمعة وهو فعل واحد ولا يخطر بباله انحلال نذره إلى أمرين. بل لو فرضنا انه نذر مع الانحلال اي نذر طبيعي الغسل ونذر اتيانه في يوم الجمعة ثم تركه يوم الجمعة ولم يأت به يوم السبت ولا في غيره وجبت كفارتان احداهما لتركه الواجب يوم الجمعة وهو أحد المنذورين وثانيتهما لتركه طبيعي الغسل، مع ان في ترك مثل نذر غسل الجمعة ليست إلا كفارة واحدة. فالمتحصل: أن القضاء غير واجب في المقام لعدم الدليل وانما يجب في الصلاة والصيام وبعض الموارد الاخر كما قدمناه نعم الاحوط القضاء لان احتمال الوجوب واقعا موجود بالوجدان إذا اغتسل بتخيل يوم الخميس. (1) تعرض (قده) في هذه المسألة لعدة فروع: (الاول): ما إذا تخيل أن اليوم الجمعة فاغتسل لها ثم ظهر أن

[ 307 ]

اليوم يوم الثلاثاء ولكن كان عليه أحد الاغسال من الجنابة أو مس الميت فهل يصح غسله حينئذ ويقع عن الجنابة أو مس الميت أو يقع باطلا؟ والصحيح في ذلك هو الحكم بالبطلان لانه من صغريات الكبرى المعروفة: " ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ". وتوضيحه: ان المستفاد من الروايات ان الاغسال طبائع وحقائق مختلفة كما ان اسبابها مختلفة وليست كالوضوء الذي هو أمر واحد والاختلاف انما هو في أسبابه من بول أو نوم أو نحوهما حتى يكون الاتيان به بقصد أنه مسبب عن البول مثلا كافيا وان كان في الواقع مستندا إلى سبب آخر لانه حقيقة واحدة ولا اختلاف في حقيقته. بل الاغسال متعددة بحسب الاسباب والمسببات، غاية الامر اختلافها بالعنوان لا بالذات نظير اختلاف صلاتي الظهر والعصر لانهما وان كانتا حقيقة واحدة بالذات لتركب كل منهما من ركعات أربعة وقراءة وغير ذلك إلا أنهما يختلفان بالعنوان - أي عنوان صلاة الظهر والعصر لقوله (ع) إلا أن هذه قبل هذه (1) وفي مثله إذا أتى بالعمل بعنوان الظهر مثلا ثم ظهر أنه قد أتى به سابقا لم يقع ذلك عصرا لان ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصده والامر في المقام كذلك لان ما قصده من غسل الجمعة لم يقع لانه يوم الثلاثاء على الفرض وما وقع من غسل الجنابة أو مس الميت لم يقصده على الفرض فيقع باطلا فان الاغسال حقيقة واحدة بالذات وهي إيصال الماء إلى البدن لكنها مختلفة بالعنوان ومعه لابد


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت ح.

[ 308 ]

[ وكذا إذا اغتسل بقصد يوم الجمعة فتبين كونه يوم الخميس مع خوف الاعواز أو يوم السبت. وأما لو قصد غسلا آخر غير غسل الجمعة أو قصد الجمعة فتبين كونه مأمورا لغسل آخر ففي الصحة اشكال إلا إذا قصد الامر الفعلي الواقعي وكان الاشتباه في التطبيق. ] من قصدها تفصيلا أو اجمالا. أما لو قصد واحدا منها فقط دون أن يقصد الباقي لا اجمالا وانكشف خلافه وقع باطلا لا محالة. نعم لو أتى بالغسل بقصد الامر الفعلي واعتقد انه متعلق بغسل الجمعة مثلا وقع غسلا هذا عما هو في ذمته من الجنابة أو مس الميت ونحوهما ولا يضره الخطأ في التطبيق بعد قصده الامر الفعلي على ما هو عليه في الواقع لانه قد قصد بقية الاغسال إجمالا وهو كاف في الامتثال. (الثاني): ما لو اغتسل باعتقاد أن اليوم جمعة فتبين أنه يوم الخميس مع قلة الماء غذا واعوازه، والصحيح هو الحكم بصحة الغسل حينئذ لانه قصد بغسله ذلك غسل الجمعة غاية الامر انه تخيل ان اليوم جمعة وكان في الواقع يوم الخميس والغسل المأتي به بعنوان غسل الجمعة في يوم الخميس هو بعينه غسل الجمعة وانما يختلف وقته وهو غير مضر. نظير ما إذا أتى بالعمل باعتقاد أن الزمان هو بعد ساعة من

[ 309 ]

الزوال وتبين انه بعد الزوال بساعتين. (الثالث): ما لو اغتسل غسل الجمعة مقدما باعتقاد أن اليوم الخميس مع قلة الماء غدا فتبين أن اليوم الجمعة، والغسل في هذه الصورة صحيح لعين ما قدمناه في سابقتها لان الغسل المأتي به بعنوان الجمعة هو غسل الجمعة حقيقة غاية الامر انه كان معتقدا أن ظرفه مقدم ولم يكن اعتقادا مطابقا للواقع ومثله غير مضر بصحة الغسل بعد الاتيان به بعنوان غسل الجمعة. (الرابع): ما لو اغتسل غسل الجمعة قضاءا باعتقاد أن اليوم يوم السبت فظهر ان اليوم جمعة. والصحيح هو الحكم بصحة الغسل حينئذ لان الاداء والقضاء وان كانا ماهيتين متغايرتين ولا يتحقق الامتثال إلا بقصد أحدهما، ومن ثمة لو دخل في الفريضة الفعلية وكان عليه قضاء يجوز له العدول إلى القضاء أو يجب عليه إذا قلنا بوجوب تقديم القضاء وهذا يدل على التغاير أيضا إلا أن ذلك كله فيما إذا كان عليه أمران أحدهما الامر بالاداء والآخر الامر بالقضاء فعليه واجبان ولابد من قصد أحدهما في مقام الامتثال. وأما إذا لم يكن عليه إلا أمر واحد فتخييل المكلف ان الوقت باق فقصد به الاداء أو تخيل انقضاء الوقت فقصد به القضاء ثم انكشف له أن الوقت قد خرج أو انه باق فلا يضر ذلك بصحة الامتثال لقصده الامر الفعلي وان تخيل أن ظرفه ظرف أداء أو قضاء ولعله ظاهر

[ 310 ]

[ (مسألة 12): غسل الجمعة لا ينقض بشئ من الحدث الاصغر والاكبر (1) إذ المقصود ايجاده يوم الجمعة وقد حصل. ] المراد بالانتقاض في كلام الماتن (1) ليس المراد ما يعطيه ظاهر العبارة من انه لو أحدث بعد الغسل بالحدث الاصغر أو الاكبر لم ينتقض غسله بل طهارته باقية بحالها فيترتب عليه جميع آثار الطهارة فيجوز له مس كتابة القرآن مثلا وغيره من الآثار. وذلك لان الغسل ينتقض بالحدث لا محالة فلا يجوز له مس الكتابة بعد الحدث بوجه نظير الاغسال الفعلية كغسل الزيارة فانه لو أحدث بعده بطل غسله لا محالة لاعتبار المقارنة بين الغسل والزيارة وكونها صادرة عن طهارة وغسل. بل المراد من العبارة هو ما صرح به بعد ذلك بقوله: " إذ المقصود ايجاده يوم الجمعة وقد حصل " ومعناه ان هذا الغسل من الاغسال الزمانية فإذا اتى به فقد حصل الامتثال فلا تستحب الاعادة بعد البول أو غيره من الاحداث، لا انه يبقى بعد الحدث أيضا ففي العبارة تشويش كما لا يخفى.

[ 311 ]

[ مسألة 13): الاقوى صحة غسل الجمعة من الجنب والحائض (1) بل لا يبعد إجزاؤه عن غسل الجنابة بل عن غسل الحيض إذا كان بعد إنقطاع الدم. ] صحة غسل الجمعة من الحائض ونحوها: (1) لما تقدم من أنه مستحب على جميع أقسام المكلفين - على وجه الاطلاق - اي سواء كانوا في سفر أو حضر وسواء كان المكلف جنبا أو متطهرا حائضا أم غيرها، وذلك للاطلاق. بل غسل الجمعة يغني عن غسل الجنابة على ما في الاخبار حيث ورد أنه إذا صام وبعد ذلك علم انه كان جنبا قال (ع) ما مضمونه: انه إن كان قد اغتسل للجمعة أجزأه ذلك عن الجنابة (1)، كما ورد أن " من اجتمع عليه حقوق اجزأه حق واحد " (2)، وبهذا يظهر انه يجزي عن غسل الحيض أيضا كما يجزي عن غسل الجنابة.


(1) راجع الوسائل: ج 7 باب 30 من أبواب من يصح منه الصوم. (2) الوسائل: ج 2 باب 31 من الاغسال المسنونة ح 1 وذكره في ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة بسند صحيح وفيه: غسل الحيض منصوص.

[ 312 ]

[ (مسألة 14): إذا لم يقدر على الغسل لفقد الماء أو غيره يصح التيمم ويجزئ (1). نعم لو تمكن من الغسل قبل خروج الوقت فالاحوط الاغتسال لادراك المستحب (2). ] مشروعية التيمم في المقام: (1) لانه على طبق القاعدة لما قلنا من أن التراب بدل عن الطهارة الماتية عند التعذر من دون حاجة في ذلك إلى الرواية حتى نحتاج إلى الاستدلال عليه بالفقه الرضوي (1) الذي لم يثبت كونه رواية فضلا عن أن تكون معتبرة. (2) وذلك لما ذكرناه مرارا من أن المعتبر في العجز والفقدان انما هو الفقدان في مجموع الوقت والعجز عن الطبيعة لا عن بعض أفرادها فإذا تمكن من الماء قبل خروج الوقت كشف ذلك عن عدم كونه مأمورا بالتيمم لكونه مأمورا بالغسل وان قامت البينة الشرعية على عدم وجدان الماء إلى آخر الوقت أو كان قاطعا بذلك أو مستصحبا فقدانه إلى آخر الوقت لما تقدم من ان الحكم الظاهري أو التخيلي لا يجزي عن الحكم الواقعي.


(1) راجع المستدرك: ج 1 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 1 لعل نظر السيد الاستاذ " دام ظله " إلى هذه الرواية وفيه كلام.

[ 313 ]

[ (الثاني): من الاغسال الزمانية: أغسال ليالي شهر رمضان، يستحب الغسل في ليالي الافراد من شهر رمضان (1) وتمام ليالي العشر الاخيرة (2) ويستحب في ] (1) لم نقف في ذلك على نص، وانما ذكره ابن طاووس وقال: يستحب الغسل على مقتضى الرواية التي تضمنت أن كل ليلة مفردة من جميع الشهر يستحب فيها الغسل (1). وعليه فمدرك الحكم باستحباب الغسل في ليالي الافراد رواية مرسلة ادعاها ابن طاووس ولم تصل الينا تلك الرواية وهو (قده) وقف على تلك الرواية ولا ندري في أي مورد ومصدر وقف عليها والله سبحانه أعلم فهذا الغسل لم يثبت استحبابه. (2) كما ورد في مرسلة علي بن عبد الواحد النهدي حيث روى ابن طاووس باسناده إلى محمد بن ابي عمير من كتاب علي بن عبد الواحد النهدي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغتسل في شهر رمضان في العشر الاواخر في كل ليلة (2). ورواه أيضا من كتاب الاغسال لاحمد بن محمد بن عياش الجوهري وهما ضعيفتان بالارسال وبعدم وضوح حال السند فيما رواه من كتاب الاغسال فهذا غير ثابت الاستحباب أيضا.


(1) راجع الحدائق. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من الاغسال المسنونة ح 10 و 6 وفي الاخير إذا دخل العشرين من شهر رمضان، الحديث.

[ 314 ]

[ ليلة الثالث والعشرين غسل آخر في آخر الليل (1). ] (1) كما ورد في رواية بريد قال: رأيته اغتسل في ليلة ثلاث وعشرين مرتين مرة أول الليل ومرة من آخر الليل (1). لكنها ضعيفة السند من جهات لعدم صحة طريق الشيخ إلى ابراهيم بن مهزيار وعدم وثاقة بريد وغير ذلك مما يقف عليه المتتبع فهذا الغسل - كسابقيه - غير ثابت الاستحباب. كما أن غسل ليلة النصف منه غير ثابت الاستحباب لعدم دلالة الدليل عليه وانما ورد في كلام ابن طاوس (قده) قال: ذكره جماعة من أصحابنا الماضين وعلله بعضهم بأنها ليلة مباركة والغسل لعله لشرف تلك الليلة. إلا انه وجه اعتباري لا يثبت به الاستحباب، نعم ورد في مرسلة المفيد (2) في المقنعة على ما نقله السيد ابن طاووس إلا انها مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها. وكذلك غسل ليلة الخمس والعشرين والسبع والعشرين والتسع والعشرين لم يثبت استحبابها لانها - على ما ذكر ابن طاوس - وردت فيما رواه علي بن عبد الواحد في كتابه باسناه إلى عيسى بن راشد والى حنان بن سدير (3).


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من الاغسال المسنونة ح 1. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 14 من الاغسال المسنونة ح 1 و 9 والاول ايضا صريح في استحباب الغسل في ليلة النصف لكنه مرسل. (3) الوسائل: ج 2 باب 14 من الاغسال المسنونة ح 12، 13.

[ 315 ]

[ وأيضا يستحب الغسل في اليوم الاول منه (1) فعلى هذا الاغسال المستحبة فيه اثنان وعشرون. ] إلا أنهما ضعيفتان لعدم العلم بحال طريقه إلى علي بن عبد الواحد واسناد صاحب الكتاب إلى من يروي عنه كابن راشد وابن سدير (1) دلت عليه موثقة سماعة حيث ورد فيها: " وغسل أول ليلة من شهر رمضان مستحب " (1) إلا أنها كما ترى تشتمل على استحبابه في اول ليلة منه لا في اليوم الاول منه. والذي ثبت استحبابه من أغسال شهر رمضان خمسة أغسال: غسل ليلة تسع عشرة، واحدى وعشرين، وثلاثة وعشرين، وقد دلت عليها صحيح محمد بن مسلم (2) وصحيح سليمان بن خالد (3) وصحيح محمد بن مسلم الآخر عن أحدهما - ع - قال: " الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وهي ليلة التقى الجمعان، وليلة تسع عشرة وفيها يكتب الوفد وفد السنة (وفد الله) وليلة احدى وعشرين وهي الليلة التي أصيب فيها أوصياء الانبياء وفيها رفع عيسى بن مرين وقبض موسى (ع) وليلة ثلاثة وعشرين يرجى فيها ليلة القدر... (4) وغسل ليلة سبع عشرة من شهر


(1) الوسائل ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 5. (3) الوسائل: ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 2. باب ولابد من مراجعة طريق ابن طاووس إلى كتاب عبد الواحد. (4) الوسائل: ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 11.

[ 316 ]

[ وقيل باستحباب الغسل في جميع لياليه حتى ليالي الازواج وعليه بصير اثنان وثلاثون ولكن لا دليل عليه، لكن الاتيان لاحتمال المطلوبية في ليالي الازواج من العشرين الاولين لا بأس به. والآكد منها: ليالي القدر، وليلة النصف، وليلة سبعة عشر، والخمس وعشرين، والسبع وعشرين. والتسع وعشرين منه. ] رمضان لصحيح محمد بن مسلم المتقدم، وغسل الليلة الاولى منه لموثقة سماعة المتقدمة (1) واما غير هذه الليالي فلم يثبت استحبابه لما تقدم. تبقى ليلة أربعة وعشرين: ففي الوسائل بعد ما روى عن الصدوق عن أبي جعفر (ع) " الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبعة عشر من شهر رمضان، وليلة تسعة عشر، وليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين.. الخ ". وقال: وفي الخصال عن أبيه... عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) مثله وزاد: " وغسل الميت " ثم قال: وقال عبد الرحمن ابن ابي عبد الله قال: لي أبو عبد الله (ع): " اغتسل في ليلة أربعة وعشرين، وما عليك ان تعمل في الليلتين جميعا " (2). فان كان ضمير " ثم قال " راجعا إلى " محمد بن مسلم " وكان تتمة للرواية السابقة التي رواها عن الخصال فهي رواية صحيحة ومعه


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 3. (3) الوسائل: ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 5.

[ 317 ]

[ (مسألة 15): يستحب أن يكون الغسل في الليلة الاولى واليوم الاول من شهر رمضان في الماء الجاري، كما انه يستحب أن يصب على رأسه قبل الغسل أو بعده ثلاثين كفا من الماء ليأمن من حكة البدن. ولكن لا دخل لهذا العمل بالغسل بل هو مستحب مستقل. (مسألة 16): وقت غسل الليالي تمام الليل وان كان الاولى إتيانها أول الليل، بل الاولى إتيانها قبل الغروب أو مقارنا له ليكون على غسل من أول الليل إلى آخره. نعم لا يبعد في ليالي العشر الاخير رجحان اتيانها بين المغرب والعشاء لما نقل من فعل النبي صلى الله عليه وآله وقد مر أن الغسل الثاني في ليلة الثالثة والعشرين في آخره. ] لابد من الالتزام باستحباب الغسل ليلة أربعة وعشرين من شهر رمضان، وإذا كان مرجع الضمير هو الصدوق في الخصال فهي رواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها وحيث أن الامر مجمل مردد بين الامرين فلا يمكن الاستدلال بها. وفي جامع الاحاديث (1) للسيد البروجردي " قده " نقل الرواية عن حريز بالسند المذكور في الوسائل ومعه لابد من الالتزام بالاستحباب لصحة الرواية بحسب السند، وعلى كل حال للابد من مراجعة


(1) راجع جامع الاحاديث: ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة الحديث 16.

[ 318 ]

[ (مسألة 17) إذا ترك الغسل الاول في الليلة الثالثة والعشرين في أول الليل لا يبعد كفاية الغسل الثاني عنه. والاولى أن يأتي بهما آخر الليل برجاء المطلوبية خصوصا مع الفصل لبينهما ويجوز إتيان غسل واحد بعنوان التداخل وقصد الامرين. (مسألة 18): لا تنقض هذه الاغسال أيضا بالحدث الاكبر والاصغر كما في غسل الجمعة. (الثالث): غسل يومي العيدين: الفطر والاضحى (1) وهو من السنن المؤكدة حتى أنه ورد في بعض الاخبار ] الخصال ليظهر حال السند. وقد راجعنا الخصال وظهر ان الصحيح كما ذكره السيد البروجردي (قده) لانه بعد ما نقل عن حريز انه قال: قال محمد بن مسلم إلى آخر الرواية قالى: ثم قال: قال عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن أبي عبد الله (ع): " اغتسل في ليلة أربعة وعشرين... الخ ". وهو ظاهر في رجوع الضمير إلى حريز ثم بعد ذلك قال الصدوق ... رجع الحديث إلى محمد بن مسلم. وعلى الجملة: لابد من الالتزام باستحباب الغسل في ليلة أربعة وعشرين من شهر رمضان أيضا، وهو يغني عن الوضوء على المختار. (1) لا اشكال في استحباب غسل العيدين وتدل عليه موثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع) قال: " وغسل يوم الفطر وغسل يوم الاضحى

[ 319 ]

[ أنه لو نسي غسل يوم العيد حتى صلى إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة وان مضى الوقت فقد جازت صلاته وفي خبر آخر عن غسل الاضحى فقال - عليه السلام -: " واجب إلا بمنى " وهو منزل على تأكد الاستحباب لصراحة جملة من الاخبار في عدم وجوبه. ] سنة لا أحب تركها " (1) وغيرها من الاخبار. وأما ما ورد فيما رواه علي بن يقطين قال: سألت ابا الحسن (ع) عن الغسل في الجمعة والاضحى والفطر قال: " سنة وليس بفريضة " (2) فلا دلالة فيه على الاستحباب لان السنة فيها قبال الفريضة بمعنى ما أوجبه الله في كتابه فيكون مدلولها ان هذه الاغسال واجبة أوجبها النبي صلى الله عليه وآله نعم بقرينة الموثقة المتقدمة الدالة على أنه سنة لا يحب تركها لابد من التصرف في صحيحة ابن يقطين بحمل السنة على المستحب. وأما رواية القاسم بن الوليد قال: سألته عن غسل الاضحى؟ فقال: " واجب إلا بمنى " (3) فهي ضعيفة السند بالقاسم بن الوليد. ولا دلالة فيها على الوجوب بل بقرينة الموثقة لابد من حمل الوجوب فيها على معنى الثبوت الذي يجامع الاستحباب.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3 وأكثر اخبار الباب والباب 15 منها. (2) الوسائل: ج 2 باب 16 من الاغسال المسنونة ح 1 (3) الوسائل: ج 2 باب 16 من الاغسال المسنونة ح 4.

[ 320 ]

[ ووقته بعد الفجر (1). ] مبدء هذا الغسل: (1) كما ورد في الفقه الرضوي (1) ورواية قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): قال: سألته هل يجزيه أن يغتسل بعد طلوع الفجر؟ هل يجزيه ذلك من غسل العيدين؟ قال: " إن اغتسل يوم الفطر والاضحى قبل الفجر لم يجزه وان اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه (2). إلا انها غير قابلتين للاعتماد عليهما: أما الاولى فظاهر، وأما الثانية فلوجود عبد الله بن الحسن في سندها وهو غير موثق على ما ذكرناه مرارا. نعم لا إشكال في عدم صحة الغسل قبل طلوع الفجر إذ لم يدل دليل على مشروعيته ليلة العيدين كما ان المعروف بينهم جوازه بعد طلوع الفجر. والاولى الاستدلال عليه بأن الاخبار الواردة في غسل العيدين مشتملة على لفظة اليوم وهو في قبال الليل فتدل على مشروعيته في


(1) المستدرك: ج 1 باب 11 من الاغسال المسنونة ح 1، وفي ذيله: ما يدل على اجزاء الغسل بعد زوال الليل ايضا. (2) الوسائل: ج 2 باب 17 من الاغسال المسنونة ح 1.

[ 321 ]

[ إلى الزوال (1) ويحتمل إلى الغروب والاولى عدم نية الورود إذا أتى به بعد الزوال، كما أن الاولى إتيانه قبل صلاة العيد لتكون مع الغسل ويستحب في غسل عيد الفطر ] يومها دون ليلتهما، نعم يرد على الاستدلال المذكور: ان اليوم يصدق بعد طلوع الشمس ولا يصدق على ما بين الطلوعين لانه اما ملحق بالليل وإما انه خارج عن اليوم والليل فلا يكون ذلك مدركا لما ذهب إليه المعروف من جوازه بعد طلوع الفجر. والصحيح ان يستدل على مشروعيته فيما بين الطلوعين بصحيحة زرارة (1) المشتملة على أن المكلف لو اغتسل بعد طلوع الفجر للجمعة وعرفة والزيارة والنحر أجزأه ذلك وانه إذا اجتمعت عليه حقوق كثيرة واغتسل غسلا واحدا أجزأه عن الجميع فانها مصرحة بكفاية الغسل بعد طلوع الفجر فان غسل النحر هو غسل يوم الاضحى وحيث أنه لا تفصيل بين عيدي الاضحى والفطر فيحكم بذلك على أن مبدأ الغسل في العيدين هو طلوع الفجر. منتهى زمان الغسل: (1) وقع الكلام في منتهى زمان الغسل وانه هل يمتد إلى الغروب أو


(1) الوسائل: ج 2 باب 31 من الاغسال المسنونة ح 1، وتقدم عن الجزء الاول ايضا.

[ 322 ]

[ أن يكون في نهر، ومع عدمه أن يباشر بنفسه الاستقاء بتخشع، وان يغتسل تحت الظلال أو تحت حائط ويبالغ في التستر وأن يقول عند إرادته: " اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك واتباع سنة نبيك "، ثم يقول: " بسم الله " ويغتسل ويقول بعد الغسل: " اللهم اجعله كفارة لذنوبي وطهورا لديني اللهم اذهب عنى الدنس " والاولى إعمال الآداب في غسل يوم الاضحى أيضا، لكن لا بقصد الورود لاختصاص النص بالفطر. ] إلى الزوال أو ينتهي وقته بانتهاء الصلاة؟. ذهب إلى كل واحد قائل، وقد استدل للاخير بموثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتى يصلي؟ قال: " إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة وأن مضى الوقت فقد جازت صلاته " (1). و (فيه): انها انما دلت على أنه لو لم يغتسل فصلى والوقت قد مضى صحت صلاته وجازت، ولا دلالة فيها على انه لا يعيد غسله. على أن الرواية لابد من حملها على استحباب كون الغسل قبل الصلاة للا أن وقته ينقضي بانقضاء الصلاة لان اخباره مطلقة تعم من يصلي العيدين ومن لا يصليهما فكيف يكون وقت غسلهما منقضيا بانتهاء الصلاة.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 3.

[ 323 ]

[ وكذا يستحب الغسل في ليلة الفطر (1) ووقته من أولها إلى الفجر، والاولى إتيانه اول الليل وفي بعض الاخبار: " إذا غربت الشمس فاغتسل " والاولى إتيانه ليلة الاضحى أيضا لا بقصد الورود، لاختصاص النص بليلة الفطر. ] وقد ذهب صاحب الجواهر (قده) إلى امتداد وقت الغسل إلى الزوال ولا ينتهي بانقضاء الصلاة واستدل عليه بصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: " الغسل من الجنابة ويوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الاضحى ويوم عرفة عند زوال الشمس... " (1) لدلالتها على أن وقت الغسل في الموارد المذكورة في الصحيحة انما هو عند الزوال وحيث أن الصلاة قبل الزوال فتدل على أن وقت غسل العيدين لا ينقضي بانقضاء الصلاة بل يمتد إلى الزوال. ويرد عليه: ان قوله (ع) " عند زوال الشمس " قيد لخصوص غسل يوم عرفة ولا يرجع إلى جميع الاغسال المتقدمة إذ منها غسل الجنابة وليس وقته محدودا إلى الزوال فالصحيح ان وقت غسل العيدين ممتد إلى الغروب لا طلاق الروايات الواردة في استحباب الغسل يومهما واليوم يطلق على ما بين طلوع الشمس وغروبها. (1) ورد الامر به في رواية القاسم بن يحيى عن جده الحسن ابن راشد قال: قلت لابي عبد الله (ع) ان الناس يقولون: ان المغفرة تنزل على من صام شهر رمضان ليلة القدر فقال: يا حسن


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من الاغسال المسنونة ح 10.

[ 324 ]

[ (الرابع): غسل يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة ووقته تمام اليوم (1). ] ان القاريجار يعطى اجرته عند فراغه وذلك ليلة العيد قلت: جعلت فداك فما ينبغي لنا أن نعمل فيها؟ فقال: " إذا غربت الشمس فاغتسل " (1). والرواية ضعيفة أيضا لوجود القاسم بن يحيى وجده الحسن لعدم توثيقهما. اذن يبتني الحكم باستحباب الغسل في ليلة الفطر على التسامح في ادلة السنن وهو مما لا نقول به. (1) على ما دلت عليه الاخبار المعتبرة منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: " الغسل في سبعة عشر موطنا... ويوم التروية... " (2). ومنها: صحيحته الاخرى عن أبي جعفر (ع) المروية في الخصال (3). ومنها: غير ذلك من الاخبار، ومقتضى اطلاق تلك الصحاح هو ثبوت الاستحباب في كل جزء جزء من اجزاء يوم التروية من دون اختصاصه بوقت دون وقت.


(1) الوسائل: ج 2 باب 15 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. والحسن بن راشد موجود في اسناد تفسير القمي (ره). (2) و (3) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة حديث 11 و 5 و 4.

[ 325 ]

[ (الخامس): غسل يوم عرفة (1) وهو أيضا ممتد إلى الغروب، والاولى عند الزوال منه، ولا فرق فيه بين من كان في عرفات أو سائر البلدان (السادس): غسل أيام من رجب (2) وهي أوله ووسطه وآخره. ] (1) وقد استفاضت الاخبار به ومنها الصحيحتان (1) المتقدمتان وغيرهما من الاخبار ومقتضى اطلاقها عدم اختصاصه بجزء معين من يوم عرفة وثبوته في كل جزء من اجزائه. لكن المنسوب إلى والد الصدوق - علي بن بابويه (قده) - اختصاصه بما قبل زوال الشمس، ولعله لصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة التي ورد فيها " الغسل من الجنابة... ويوم عرفة عند زوال الشمس... " (2). إلا أن المستحبات لما لم يلتزم فيها بالتقييد بل يبقى المطلق فيها على اطلاقه ويحمل المقيد على افضل افراده فلا موجب لتخصيص الاستحباب بما قبل الزوال في محل الكلام. (2) بل عد الغسل في النصف من رجب من المندوب بلا خاف وعن بعضهم: ان الشهرة في كادت تكون اجماعا بين الاصحاب، وعن العلامة والصيمري أن به رواية أيضا، وعن ابن طاووس في الاقبال


(1) وهما الصحيحتان لمحمد بن مسلم وغيرهما من اخبار الباب. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 10.

[ 326 ]

[ ويوم السابع والعشرين منه (1) وهو يوم المبعث. ووقتها من الفجر إلى الغررب، وعن الكفعمي والمجلسي استحبابه في ليلة المبعث أيضا ولا بأس لا بقصد الورود. ] وجدنا في كتب العبادات عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " من ادرك شهر رجب فاغتسل في اوله ووسطه وآخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " (1). إلا أن شيئا من ذلك لا يصلح لاستدلال به على الاستحباب: اما دعوى الشهرة وعدم الخلاف فلعدم كونهما حجة قابلة للاستدلال بهما حتى لو كان المدعى هو الاجماع وذلك لعدم كونه اجماعا تعبديا كاشفا عن قول المعصوم (ع) فضلا عما لو كانت الدعوى عدم الخلاف لانه غير دعوى الاجماع. واما الرواية المدعاة فلم تصل الينا حتى نشاهدها ونرى سندها معتبرا أو غير معتبر فلا يمكن الاعتماد على مثله بوجه. وأما ما رواه ابن طاووس فهي كالرواية المدعاة في المقام غير معلومة الحال من حيث السند ولعلها رواية نبوية ضعيفة. (1) والامر فيه كغسل نصفه وأوله وآخره حيث لم ترد رواية معتبرة تدل على استحبابه نعم ادعي عدم الخلاف فيه بل عن الغنية: الاجماع عليه، ويظهر من العلامة والصيمري نسبته إلى


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من ابواب الاغسال المسنونة ح 1، وقد رواها الراوندي في كتابه النوادر وروى في لب اللباب مضمونها ولكن الاشكال في سندهما ايضا المستدرك ج 1 باب 16 من ابواب الاغسال المسنونة ح 1 و 2.

[ 327 ]

[ (السابع): غسل يوم الغدير (1) والاولى إتيانه قبل الزوال منه. ] الرواية، وقد اتضح الجواب عنها فلا نعيد. ويأتي في التعليقة الآتية استدلال آخر على استحباب الغسل يوم المبعث والجواب عنه ان شاء الله. (1) على المعروف بين الاصحاب بل ادعي عليه الاجماع جم منهم (قدس الله اسرارهم) وستدلوا عليه بما في الفقه الرضوي (1). وبرواية علي بن الحسين (الحسن) العبدي قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا.... ومن صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة.... عدلت عند الله مأة الف حجة ومأة الف عمرة (2) ". وبما نقله ابن طاووس في الاقبال قال عن كتاب محمد بن علي الطرازي قال: روينا باسنادنا إلى عبد الله بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم عن أبي الحسن المثنى عن الصادق (ع) في حديث طويل ذكر فيه فضل يوم الغدير، إلى أن قال: فإذا كان صبيحة ذلك اليوم وجب الغسل في صدر نهاره (3). إلا أنها ضعيفة لعدم معلومية حال طريق الطرازي إلى الحميري


(1) المستدرك: ج 1 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. (3) المستدرك: ج 1 باب 20 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. وفيه: أبو الحسن الليثي.

[ 328 ]

ولغيره من الجهات، واما دعوى الاجماع والشهرة فقد عرفت عدم كونها حجة قابلة للاستدلال بهما واما الفقه الرضوي فحاله معلوم مما أسلفناه مرارا ولا نعيد. واما الرواية فهي ضعيفة بعلي بن الحسين أو الحسن العبدي حيث ذكروا أنهما شخص واحد يعبر عنه يابن الحسين تارة وابن الحسن اخرى وعلى أي حال سواء كانا متحدين أو متعددين لم تثبت وثاقتهما. على انها ضعيفة لوجود " محمد بن موسى الهمداني " في سندها. وهو - كما نقله في الجواهر - ممن لا يعتمد عليه محمد بن الحسن ابن الوليد شيخ الصدوق وكذا الصدوق الذي تبع في ذلك شيخه وقال: كلما لم يصححه هذا الشيخ ولم يحكم بصحته فهو عندنا متروك غير صحيح. اذن فاستحباب الغسل يوم الغدير غير ثابت. نعم قد يستدل على استحبابه في الغدير والمبعث بانهما من الاعياد والغسل مستحب في كل عيد لما روي عنه - ص - انه قال في جمعة من الجمع: " هذا اليوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا فيه (1) ". ويندفع بكون الرواية نبوية عامية لا يمكن الاستدلال بها على شئ.


(1) تعرض لها المحقق الهمداني تبعا لشيخنا الانصاري وهو نقلها عن المنتهى فلا حظ. ويمكن الاستدلال ايضا بما رواه في تحف العقول عن امير المؤمنين (عليه السلام).. غسل الاعياد طهور لمن طلب الحوائج واتباع للسنة ورواه في البحار أيضا عن السيد بن الباقي، ولكن الاشكال من جهة السند موجود - راجع المستدرك: ج 1 باب 10 من أبواب الاغسال المسنونة. حديث 2 و 3.

[ 329 ]

(الثامن): يوم المباهلة (1) وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة على الاقوى، وان قيل: انه يوم الحادي والعشرون وقيل: هو يوم الخامس والعشرين وقيل: انه السابع والعشرين منه، ولا بأس بالغسل في هذه الايام لا بقصد الورود. (1) كما هو المشهور بين الاصحاب وقد استدل عليه بما عن إقبال السيد ابن طاووس بسنده إلى ابن ابي قرة باسناده إلى علي بن محمد القمي رفعه قال: " إذا أردت ذلك فابدا بصوم ذلك اليوم شكرا واغتسل وألبس انظف ثيابك (1). ويدفعه: أن الرواية ضعيفة السند لعدم معلومية حال اسناد ابن ابي قرة إلى علي بن محمد القمي ولكونها مرفوعة. وبرواية الشيخ في المصباح عن محمد بن صدقة العنبري عن أبي ابراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام قال: يوم المباهلة يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة تصلي في ذلك اليوم ما أردت، ثم قال: وتقول وانت على غسل.. (2) ". وهي ضعيفة السند فلا يمكن الاستدلال بهما على استحباب الغسل حينئذ اللهم إلا بناءا على التسامح في أدلة السنن وهو مما لا نقول به. واستدل عليه بموثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع): "...


(1) المستدرك: ج 1 باب 39 من أبواب بقية الصلوات المندوبة ح 1. (2) الوسائل: ج 5 باب 47 من أبواب بقية الصلوات المندوبة ح 2.

[ 330 ]

[ (التاسع): يوم النصف من شعبان (1). (العاشر): يوم المولود: وهو السابع عشر من ربيع الاول (2). ] وغسل المباهلة واجب (1) " وهي وان كانت موثقة بحسب السند إلا أنها أجنبيه عن المدعى لانها إنما تدل على أن لنفس المباهلة غسلا ولا تدل على أن الغسل ليوم المباهلة، وقد ورد في بعض الاخبار الامر بالمباهلة والاغتسال لاجلها. إذن لا دليل على استحباب الغسل ليوم المباهلة. ثم ان في كون المباهلة أي يوم؟ خلاف بينهم (قدهم)، وانما ورد كونها اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة في رواية المصباح المتقدمة التي عرفت ضعفها. (1) وقد ورد في رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): قال: صوموا شعبان واغتسلوا ليلة النصف منه ذلك تخفيف من ربكم (2). ولكنها ضعيفة السند لوجود أحمد بن هلال والحسين بن أحمد وهو مهمل والظاهر انه الحسن بن أحمد لانه الذي تعرضوا له في الرجال دون الحسين إلا انه مجهول الحال ايضا. ولا يخفي ان الرواية راجعة إلى ليلة النصف، والماتن متعرض لغسل يوم النصف. (2) لم ترد في ذلك رواية بالخصوص نعم بناءا على استحباب


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1.

[ 331 ]

[ (الحادي عشر): يوم النيروز (1). (الثاني عشر): يوم التاسع من ربيع الاول (2). (الثالث عشر): يوم دهو الارض وهو الخامس والعشرين من ذي القعدة (3). (الرابع عشر): كل ليلة من ليالي الجمعة - على ] الغسل في كل عيد لا مانع عن الالتزام به في السابع عشر من ربيع الاول لانه أيضا عيد المسلمين الا انك عرفت ان ما يستفاد منه ذلك خبر ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه. (1) في الوسائل عن محمد بن الحسن في المصباح عن المعلى بن خنيس عن الصادق (ع) في اليوم النيروز قال: " إذا كان يوم النيروز فاغتسل والبس انظف ثيابك (1) " وهي مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها إلا بناءا على التسامح في ادلة السنن ولا نقول به. (2) لم يرد في ذلك رواية (2) ولعل الوجه فيه انه عيد للمؤمنين وقد تقدم استحباب الغسل لكل عيد، (وفيه): ما تقدم من ان مستنده خبر عامي - على أن كون سبب هذا العيد اتفق في هذا اليوم وان كان معروفا عند العوام إلا أن التأريخ أثبت وقوعه في السادس والعشرين من ذي الحجة فليلاحظ. (3) وهذا كسابقة مما لا مستند له.


(1) الوسائل: ج 2 باب 24 من باب الاغسال المسنونة ح 1، (2) راجع المستدرك: ج 2 باب 22 من أبواب الاغسال المسنونة ح 4.

[ 332 ]

[ ما قيل (1) بل في كل زمان شريف (2) على ما قاله بعضهم ولا بأس بهما لا بقصد الورود. ] (1) أي زائدا على غسل الجمعة الذي تقدم فيه الكلام في جواز تقديمه ليلة الجمعة وعدم جوازه. (2) استدل على ذلك بقوله تعالى " ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (2) " ولا اشكال في أن الغسل تطهر. و (وفيه): ان الغسل عبادة والعبادات توقيفية يحتاج فيها إلى دلالة الدليل ولم يدلنا دليل على ان الغسل في كل زمان شريف أو في كل زمان أراده المكلف فهو عبادة وتطهر. وان قلنا ان الطهارة هي نفس الافعال بالاعتبار الشرعي لا أنها مسببة عنها، نعم ثبت هذا الاعتبار في الوضوء ولم يثبت في الغسل في كل زمان. واستدل بما ورد عن محمد بن الحسن عن أبيه عن جده علي بن مهزيار عن حنان بن سدير عن أبي جعفر (ع) من انه دخل عليه فراتكم في كل يوم؟ قال: لا، قال: في كل اسبوع؟ قال: لا، قال: في كل شهر؟ قال: لا، قال: في كل سنة؟ قال: لا، قال (عليه السلام): أنت محروم من كل خير (2).


(1) البقرة: 2: 222. (2) المستدرك: ج 1 باب 22 من أبواب الاغسال المسنونة ح 5. وهذه الرواية من جهة محمد بن الحسن لا اشكال فيه فانه من مشايخ ابن قولوية (قدس سره) ويبقى الاشكال من جهة ابيه الحسن بن علي.

[ 333 ]

وهذه الرواية رواها في جامع الاحاديث عن مستدرك المحدث النوري " قده " وهي مطابقة لما في المستدرك بمعنى أن ابن قولويه رواها عن محمد بن الحسن عن أبيه عن جده علي بن مهزيار. وقد ناقشنا في هذا السند بأن الظاهر واتحاد الطبقة يقتضيان " 1 " أن يكون محمد بن الحسن هذا هو ابن الوليد وابوه الحسن لم تثبت وثاقته. واحتملنا أن يكون " علي بن مهزيار " جده من طرف أمه، ولكنها في كامل الزيارات لابن قولويه ليس سندها كذلك بل سندها هكذا " محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه عن جده ". وعليه فهو - أي محمد بن الحسن - غير ابن الوليد وهو وابوه لم تثبت وثاقتهما. ثم لا اشكال في دلالتها على محبوبية الغسل في كل يوم لا في كل زمان شريف أو كل زمان أراده المكلف، إلا أن ضعف سندها - كما ذكرنا - مانع عن الاعتماد عليها.


(1) وحاصل المناقشة ان الظاهر أن محمد بن الحسن الواقع في سندها هو ابن الوليد وابوه الحسن لم تثبت وثاقته وان امكن ان يكون علي بن مهزيار جدا له من طرف أمه ثم ان الراوي لها هو حنان بن سدير وهو - على ما صرح به الكشي - لم يدرك أبا جعفر (عليه السلام) وانما ادرك الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام فكيف يروي عنه (ع) وعليه ففي السند واسطة لم تذكر وبه تصير الرواية مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليه بوجه.

[ 334 ]

[ (مسألة 19): لا قضاء للاغسال الزمانية إذ جاز وقتها (1) كما لا تتقدم على زمانها (2) مع خوف عدم التمكن منها في وقتها إلا غسل الجمعة كما مر لكن عن المفيد استحباب قضاء غسل يوم عرفة في الاضحى وعن الشهيد استحباب ] الاغسال الزمانية لا قضالها: (1) لان القضاء بأمر جديد ولم يرد أمر بالقضاء للاغسال إلا في غسل الجمعة كما مر، نعم بناءا على أنه تابع للاداء والفوت يشرع القضاء في كل شئ موقت مضى وقته وفات. إلا انه بناءا على ذلك لا فرق بين المستحبات والواجبات فلا بد من الالتزام بوجوب القضاء في كل واجب فاتت وقته وهو مما لا يلتزمون به على انه أمر غير ثابت لان الظاهر من الامر بالشئ الموقت هو وجوب ذلك الشئ الخاص وان المطلوب فيه شئ واحد، لا أنه أمران أحدهما نفس العمل والطبيعة والآخر ايقاعه في وقت خاص ومعه يكون القضاء بأمر جديد ولم يرد أمر بالقضاء في شئ من الاغسال سوى غسل الجمعة كما تقدم. (2) لعدم الدليل على مشروعية التقديم وانما ورد ذلك في غسل الجمعة وتقدم حاله.

[ 335 ]

[ قضائها اجمع، وكذا تقديمها مع خوف عدم التمكن منها في وقتها، ووجه الامرين غير واضح لكن لا بأس بهما لا بقصد الورود. (مسألة 20): ربما قيل بكون الغسل مستحبا نفسيا فيشرع الاتيان به في كل زمان من غير نظر إلى سبب أو غاية (1) ووجهه غير واضح، ولا بأس به لا بقصد الورود. ]


(1) ظهر الحال فيه مما قدمناه قبل صفحتين وعرفت الجواب عما استدل به من الوجهين.

[ 336 ]

[ (فصل: في الاغسال المكانية) أي الذي يستحب عند إرادة الدخول في مكان (1) وهي الغسل الدخول حرمة مكة (2) ] " فصل: في الاغسال المكانية " (1) قد قسموا الاغسال إلى زمانية ومكانية وفعلية، إلا أن الصحيح أنه ليس من الاغسال ما يكون مستحبا في مكان حتى يصح توصيفه بالغسل المكاني بل ما يسمى بذلك من الاغسال هي اغسال فعلية أي تكون مستحبة لاجل الفعل الذي يقع في مكان. وهذا كغسل دخول حرم مكة أو الدخول فيها أو في مسجدها وغيرها من الاغسال، فانها مستحبة لاجل الفعل الذي يريد أن يفعله وهو الدخول في مكة أو في حرمها أو مسجدها أو كعبتها لا أن إستحبابه لاجل المكان. (2) وتدل عليه موثقة سماعة: " وغسل دخول الحرم يستحب أن لا تدخله إلا بغسل (1) ".


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3.

[ 337 ]

[ والدخول فيها (1) ولدخول مسجدها (2) ] وصحيحة محمد بن مسلم المروية عن الخصال: " وإذا دخلت الحرمين " (1) وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: " ان الغسل في أربعة عشر مواطنا: ودخول الحرم " (2). وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) " وإذا دخلت الحرمين... " (3) وغيرها من الروايات. (1) كما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان: " وعند دخول مكة والمدينة " (4) وصحيحة معاوية بن عمار: " وحين تدخل مكة والمدينة (5). (2) لم ترد رواية في ذلك وان حكي عن الشيخ وصاحب الغنية الاجماع على استحباب الغسل لدخول المسجد الحرام، ولعل مرادهما ما إذا دخله لاجل أن يدخل الكعبة وأما لو أراد الدخول في المسجد وحسب لملاقاة أحد أو للخروج من الباب الاخرى أو نحو ذلك فلا


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 7. (3) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 11 وغيرها من روايات الباب. (4) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 10. (5) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1.

[ 338 ]

[ وكعبتها (1) ولدخول حرم المدينة (2) وللدخول فيها (3) ولدخول مسجد النبي صلى الله عليه وآله (4) وكذا للدخول في سائر ] دليل على استحباب الغسل له (1). (1) لصحيحة معاوية بن عمار: " وحين تدخل الكعبة " (2) وموثقة سماعة: " وغسل دخول البيت واجب " (3) وصحيحة ابن سنان " ودخول الكعبة " (4) وغيرها من الاخبار. (2) لصحيحة محمد بن مسلم المروية عن الخصال: " وإذا دخلت الحرمين " (5). (3) كما في جملة من الاخبار المتقدمة في غسل دخول مكة (6) (4) لرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) "... وإذا اردت دخول مسجد الرسول صلى الله عليه وآله... " (7) ولكنها


(1) يمكن الاستدلال برواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) وإذا اردت دخوله البيت الحرام... ". ولكن في السند القاسم بن عروة، الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 12 كما انه يظهر من الفقه الرضوي، المستدرك: ج 1 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. (3) الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3. (4) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 7. (5) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 5. (6) كما في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة وغيرها من احاديث الباب. (7) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 12.

[ 339 ]

[ المشاهد المشرفة (1) للائمة عليهم السلام. ووقتها قبل الدخول عند ارادته (2) ولا يبعد استحبابها بعد الدخول للكون فيها إذا لم يغتسل قبله (3) كما لا يبعد كفاية غسل واحد في أول اليوم أو أول الليل للدخول إلى آخره (4) ] ضعيفة بالقاسم بن عروة وان كان عبد الحميد الواقع في سندها موثقا بقرينة رواية القاسم بن عروة عنه وروايته عن محمد بن مسلم، فالاستدلال بها يبتني على التسامح في ادلة السنن ولا نقول به. (1) ولعله لانها من بيوت النبي صلى الله عليه وآله كما في بعض الادعية: " اللهم اني وقفت بباب من أبواب بيوت نبيك ". و (فيه): انها لو ثبت كونها بيت النبي صلى الله عليه وآله فلم يدلنا دليل على استحباب الغسل الدخول في بيوت النبي صلى الله عليه وآله وانما وردت الرواية بالغسل للدخول في مسجده صلى الله عليه وآله وقد عرفت ضعفها. (2) إذ لو كان وقتها بعد الدخول فيها لم يصدق أنه اغتسل لدخول الحرم أو الكعبة أو غيرهما. (3) الاخبار الواردة انما دلت على استحباب الغسل عند الدخول فيها ولا دليل على استحبابه لمن دخلها للكون فيها. (4) مقتضى ما ورد في جملة من الاخبار من قوله " وحين تدخل " (1) وقوله " وإذا دخلت " (2) و " عند دخول مكة والمدينة " (3):


(1) كما في صحيحة معاوية بن عمار ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 4. (3) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المستحبة ح 10.

[ 340 ]

[ بل لا يبعد عدم الحاجة إلى التكرار مع التكرار، كما انه لا يبعد جواز التداخل أيضا فيما لو اراد دخول الحرم ومكة والمسجد والكعبة (1) في ذلك اليوم فيغتسل غسلا واحدا للجميع، وكذا بالنسبة إلى المدينة وحرمها ومسجدها ] استحباب الغسل مقارنا لدخول تلك المواضع إلا أنه ورد في بعض آخر: " ويوم تدخل البيت " (1) وغسل " دخول الكعبة ودخول المدينة " (2) وهي تقتضي جواز الغسل اول اليوم للدخول في آخره لان المستحبات لا يجري فيها قانون الاطلاق والتقييد فتحمل المقيدات على صورة ترك الغسل إلى زمان الدخول. بل يجوز أن يغتسل في اليوم للدخول في الليل لان الاخبار وان اشتملت على اليوم إلا انه محمول على الغلبة إذ قد يكون الدخول في الليل وهو ظاهر. نعم: يشترط أن لا يفصل بين الغسل والدخول شئ من الاحداث والنواقض لانها ليست من الاغسال الزمانية وانما هي اغسال فعلية - كما تقدم بيانه - فلابد أن يقع الفعل في غسل، وهذا لا يتحقق فيما إذا تخلل بينهما شئ من النواقض. (1) لصحيحة زرارة (3) الدالة على أنه إذا اجمتعت عليك


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3 و 6 و 7 وغيرها. (3) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1.

[ 341 ]

[ (مسألة 1): حكي عن بعض العلماء استحباب الغسل ] عند إرادة الدخول في كل مكان شريف ووجهه غير واضح ولا بأس به لا بقصد الورود. حقوق اجزأك عنها غسل واحد، وأنه إذا اغتسل بعد الفجر للجنابة والجمعة وغيرهما اجزأة.

[ 342 ]

[ (فصل: في الاغسال الفعلية) وقد مر أنها قسمان: (القسم الاول): ما يكون مستحبا لاجل الفعل الذي يريد أن يفعله، وهي اغسال: (أحدها): للاحرام (1) وعن بعض العلماء وجوبه. ] (فصل: في الاغسال الفعلية) (1) لا شبهة في مشروعية الغسل للاحرام وذلك لورود الامر به في جملة من الاخبار ففي موثقة سماعة " وغسل المحرم واجب " (1) وصحيحة محمد بن مسلم المروية عن الخصال: " ويوم تحريم (2) وصحيحة ابن سنان: " وغسل الاحرام " (3) إلى غيرها من الرويات وانما الكلام في انه واجب أو مستحب. ذهب بعضهم إلى وجوبه ويؤيده اشتمال الاخبار على الامر به


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبوب الاغسال المسنونة ح 5. (3) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 7 و 8 و 10 و 11 و 12

[ 343 ]

[ (الثاني): للطواف (1) سواء كان طواف الحج أو العمرة أو طواف النساء بل للطواف المندوب أيضا. ] من دون اقترانها بالمرخص بل صرحت بعضها بالوجوب إلا ان الصحيح عدم وجوبه وذلك لامرين: " أحدهما: انه لو كان واجبا لذاع واشتهر وجوبها لكثرة الابتلاء به في المكلفين لكثرة الحاج، كيف؟ وقد نقل الاجماع على استحباب وعدم وجوبه. و " ثانيهما ": انه لو وجب الغسل للاحرام لكان وجوبه شرطيا لا محالة لعدم احتمال كونه واجبا نفسيا كيف ولم يثبت ذلك في غسل الجنابة والحيض ونحوهما فما ظنك بغسل الاحرام؟ وقد دلت الصحيحة (1) على أن من اغتسل للاحرام فنام ثم اراد الاحرام لا تجب عليه اعادة غسله. وهي وان كانت معارضة بما دل (2) على لزوم اعادة الغسل حينئذ إلا أن مقتضى الجمع بينهما حمل الامر بالاعادة على الاستحباب. اذن فالصحيحة تدلنا على أن غسل الاحرام ليس بواجب نفسي ولا شرطي (1) وهو الزيارة لان زيادة البيت طوافه وقد ورد في موثقة سماعة (3) الامر بغسل الزيارة حيث قال فيها: " وغسل الزيارة واجب "


(1) راجع الوسائل: ج 9 باب 10 من أبواب الاحرام ح 3. (2) راجع نفس الباب المتقدم ح 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3.

[ 344 ]

[ (الثالث): للوقوف بعرفات. (الرابع): للوقوف بالمشعر. (الخامس): للذبح والنحر (1)، (السادس): للحلق (2) وعن بعضهم استحبابه لرمي الجمار أيضا. (السابع): لزيارة أحد المعصومين من قريب أو بعيد (3). ] وكذلك صحيحة معاوية بن عمار حيث اشتملت على الامر بالغسل يوم تزور البيت (1) وغيرها من الروايات، ومقتضى الاطلاق فيها عدم الفرق في استحباب الغسل بين كون الطواف واجبا أو مندوبا وسواء كان الطواف طواف الحج أو العمرة أو طواف النساء. (1) لصحيحة زرارة: " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر اجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة " (2). (2) لما مر في صحيحة زرارة. (3) استدل عليه بعضهم باطلاق الامر بغسل الزيارة في الاخبار فانها تشمل زيارة الائمة عليهم السلام أيضا. و (فيه): ان ملاحظة الجملات المتقدمة على هذه الجملة وملاحظة الجملات المتأخرة عنها تدلنا بوضوح على أن المراد زيارة


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1 وكثير من اخبار الباب. (2) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1.

[ 345 ]

[ (الثامن): لرؤية أحد الائمة (ع) في المنام كما نقل عن موسى بن جعفر (ع) أنه إذا اراد ذلك يغتسل ثلاث ليال ويناجيهم فيراهم في المنام. (التاسع): لصلاة الحاجة بل لطلب الحاجة مطلقا. (العاشر): لصلاة الاستخارة (1) بل للاستخارة مطلقا ولو من غير صلاة. (الحادي عشر): لعمل الاستفتاح المعروف بعمل أم داود. (الثاني عشر): لاخذ تربة قبر الحسين (ع). (الثالث عشر): لارادة السفر خصوصا لزيارة الحسين (ع). (الرابع عشر): لصلاة الاستسقاء (2) بل له مطلقا. ] البيت وطوافه وأن الرواية بصدد بيان وظيفة الحاج فلا تشمل زيارة غير البيت الحرام من قبور الائمة (ع). (1) لموثقة سماعة: " وغسل الاستخارة مستحب " (1) وغيرها. (2) لموثقة سماعة: " وغسل الاستسقاء واجب ".


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3 وباب 21 ح 1. (2) وكذلك المستدرك: ج 1 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1 و 2.

[ 346 ]

[ (الخامس عشر): للتوبة من الكفر الاصلي أو الارتدادي بل من الفسق بل من الصغيرة أيضا - على وجه - (السادس عشر): للتظلم والاشتكاء إلى الله من ظلم ظالم ففي الحديث عن الصادق (ع) ما مضمونه: إذا ظلمك أحد فلا تدع عليه فان المظلوم قد يصير ظالما بالدعاء على من ظلمه، لكن اغتسل وصل ركعتين تحت السماء ثم قال: " اللهم إن فلان بن فلان ظلمني وليس لي أحد اصول به عليه غيرك فاستوف لي ظلامتي الساعة الساعة بالاسم الذي إذا سألك به المضطر اجبته فكشفت ما به من ضر، ومكنت له في الارض وجعلته خليفتك على خلقك فاسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تستوفي ظلامتي الساعة الساعة " فسترى ما تحب. (السابع عشر): للامن من الخوف من ظالم فيغتسل ويصلي ركعتين ويحسر عن ركبتيه ويجعلهما قريبا من مصلاه ويقول مأة مرة: " يا حي يا قيوم يا حي لا إله إلا أنت برحمتك استغيث فصل على محمد وآل محمد واغثني الساعة الساعة " ثم يقول: " اسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تلطف بي وأن تغلب لي وأن تمكر لي وأن تخدع لي وأن تكفيني مؤونة فلان بن فلان بلا مؤونة " وهذا

[ 347 ]

دعاء النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد. (الثامن عشر): لدفع النازلة يصوم الثالث عشر والرابع عشر، والخامس عشر وعند الزوال من الاخير يغتسل. (التاسع عشر): للمباهلة مع من يدعي باطلا (1). (العشرون): لتحصيل النشاط للعبادة أو لخصوص صلاة الليل فعن فلاح السائل: أن أمير المؤمنين (ع) كان يغتسل في الليالي الباردة لاجل تحصيل النشاط لصلاة الليل. (الحادي والعشرون): لصلاة الشكر (الثاني والعشرون) لتغسيل الميت ولتكفينه. (الثالث والعشرون): للحجامة على ما قيل ولكن قيل إنه لا دليل عليه ولعله مصحف الجمعة، (الرابع والعشرون): لارادة العود إلى الجماع لما نقل عن الرسالة الذهبية: أن الجماع بعد الجماع بدون الفصل بالغسل يوجب جنون الولد. لكن يحتمل ان يكون المراد غسل الجنابة بل هو الظاهر. (الخامس والعشرون): الغسل لكل عمل يتقرب به ] (1) لموثقة سماعة: " وغسل المباهلة واجب " وقد مر أن الظاهر ارادة الغسل لنفس المباهلة لا غسل يوم المباهلة.. " (1).


(1) قدمنا المصدر فلا حظ.

[ 348 ]

[ إلى الله كما حكي عن ابن الجنيد، ووجهه غير معلوم وإن كان الاتيان به لا بقصد الورود لا بأس به. (القسم الثاني): ما يكون مستحبا لاجل الفعل الذي فعله وهي أيضا أغسال: (أحدها): غسل التوبة (1) على ما ذكره بعضهم من أنه من جهة المعاصي التي ارتكبها أو بناءا على أنه بعد الندم الذي هو حقيقة التوبة، لكن الظاهر أنه من القسم الاول كما ذكر هناك، وهذا هو الظاهر من الاخبار ومن كلمات العلماء. ويمكن أن يقال انه ذو جهتين فمن حيث انه بعد المعاصي وبعد الندم يكون من القسم الثاني ومن حيث ان تمام التوبة بالاستغفار يكون من القسم الاول. وخبر مسعدة بن زياد في خصوص استماع الغناء في الكنيف وقول الامام (ع) له في آخر الخبر: " قم فاغتسل فصل ما بدا لك " يمكن توجيهه بكل من الوجهين. والاظهر أنه لسرعة قبول التوبة أو لكمالها. ]


(1) لصحيحة مسعدة بن زياد حيث ورد فيها: " قم فاغتسل وصل ما بدا لك " (1)،

(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1.

[ 349 ]

[ (الثاني): الغسل لقتل الوزغ. ويحتمل أن يكون للشكر على توفيقه حيث انه حيوان خبيث والاخبار في ذمه من الطرفين كثيرة ففي النبوي: " اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة " وفي آخر " من قتله فكأنما قتل شيطانا ". ويحتمل أن يكون لاجل حدوث قذارة من المباشرة لقتله. (الثالث): غسل المولود (1) وعن الصدوق وابن حمزة (رحمهما الله) وجوبه، لكنه ضعيف. ووقته من حين الولادة حينا عرفيا فالتأخير إلى يومين أو ثلاثة لا يضر، وقد يقال إلى سبعة ايام، وربما قيل ببقائه إلى آخر العمر. والاولى على تقدير التأخير عن الحين العرفي الاتيان به برجاء المطلوبية. (الرابع): الغسل لرؤية المصلوب وذكروا ان استحبابه مشروط بأمرين: (أحدهما): أن يمشي إليه لينظر إليه متعمدا فلو اتفق نظره أو كان مجبورا لا يستحب. (الثاني): أن يكون بعد ثلاثة ايام إذا كان مصلوبا بحق لا قبلها بخلاف ما إذا كان مصلوبا بظلم فانه يستحب معه ]


(1) لموثقة سماعة: " وغسل المولود واجب " المتقدمة.

[ 350 ]

[ مطلقا ولو كان في اليومين الاولين: لكن الدليل على الشرط الثاني غير معلوم إلا دعوى الانصراف وهي محل منع نعم الشرط الاول ظاهر الخبر وهو: " من قصد إلى مصلوب فنظر إليه وجب عليه الغسل عقوبة " وظاهره أن من مشى إليه لغرض صحيح - كأداء الشهادة أو تحملها - لا يثبت في حقه الغسل. (الخامس): غسل من فرط في صلاة الكسوفين مع احتراق القرص (1) أي تركها عمدا، فانه يستحب أن يغتسل ويقضيها. وحكم بعضهم بوجوبه والاقوى عدم الوجوب وان كان الاحوط عدم تركه، والظاهر أنه مستحب نفسي بعد التفريط المذكور ولكن يحتمل أن يكون لاجل القضاء كما هو مذهب جماعة، فالاولى الاتيان به بقصد القربة لا بملاحظة غاية أو سبب. وإذا لم يكن الترك عن تفريط أو لم يكن القرص محترقا لا يكون مستحبا وان قيل باستحبابه مع التعمد مطلقا، وقيل باستحبابه مع ] (1) لصحيحة محمد بن مسلم المروية عن الخصال: " وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاستيقظت ولم تصل فعليك أن تغتسل وتقضي الصلاة " (1).


الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 5.

[ 351 ]

[ احتراق القرص مطلقا. (السادس): غسل المرأة إذا تطيبت لغير زوجها ففي الخبر: " ايما امرأة تطيبت لغير زوجها لم تقبل منها صلاة حتى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها " واحتمال ] وصحيحته الاخرى " وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل " (1). وقد يقال باختصاص الغسل بما إذا ترك صلاة الكسوف متعمدا ووجوبه حينئذ، مستندا في ذلك إلى ما رواه حريز عمن اخبره عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلي فليغتسل من غد وليقض الصلاة، وان لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه الا القضاء بغير غسل " (2) إلا ان الرواية ضعيفة بالارسال - على أن صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة مطلقة وغير مقيدة بما إذا فاتت صلاة الكسوف في وقتها فتعم ما إذا لم يصل والوقت باق وهي اداء، وما إذا خرج الوقت وصارت الصلاة قضاءا. وفي كلتا الصورتين إذا احترق القرص كله يستحب الاغتسال كانت الصلاة قضاء أم لا، تعمد في تركها أم لم يتعمد واما احتمال الوجوب فيندفع بما قدمناه مرارا من أن المسائل العامة البلوى لو كانت واجبة لانتشرت وبانت، فنفس عدم الشهرة دليل عدم الوجوب.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة ح 11. (2) الوسائل: ج 2 باب 25 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1.

[ 352 ]

[ كون المراد غسل الطيب من بدنها - كما عن صاحب الحدائق - بعيد، ولا داعي إليه. (السابع): غسل من شرب مسكرا فنام، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ما مضمونه: " ما من أحد نام على سكر إلا وصار عروسا للشيطان إلى الفجر فعليه أن يغتسل غسل الجنابة ". (الثامن) غسل من مس ميتا بعد غسله (1). (مسألة 1): حكي عن المفيد استحباب الغسل لمن صب عليه ماء مظنون النجاسة ولا وجه له. وربما يعد من الاغسال المسنونة غسل المجنون إذا أفاق ودليله غير معلوم وربما يقال: انه من جهة احتمال جنابته حال جنونه لكن على هذا يكون من غسل الجنابة الاحتياطية فلا وجه لعدها منها. كما لا وجه لعد اعادة الغسل لذوي الاعذار المغتسلين حال العذر غسلا ناقصا مثل الجبيرة، وكذا عد غسل من رأى الجنابة في الثوب المشترك احتياطا فان هذه ليست من الاغسال المسنونة. ]


(1) لموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) قال: يغتسل الذي غسل الميت وكل من مس ميتا فعليه الغسل وان كان الميت

[ 353 ]

[ (مسألة 2): وقت الاغسال المكانية - كما مر سابقا - قبل الدخول فيها أو بعده لارادة البقاء على وجه (1) ويكفي الغسل في أول اليوم ليومه، وفي اول الليل لليلته بل لا يخلو كفاية غسل الليل للنهار وبالعكس من قوة وان كان دون الاول في الفضل، وكذا القسم الاول من الاغسال الفعلية وقتها قبل الفعل على الوجه المذكور. وأما القسم الثاني منها فوقتها بعد تحقق الفعل إلى آخر العمر وان كان الظاهر اعتبار إتيانها فورا ففورا. (مسألة 3): ينتقض الاغسال الفعلية من القسم الاول والمكانية بالحدث الاصغر من أي سبب كان حتى من النوم على الاقوى، ويحتمل عدم انتقاضها بها مع استحباب اعادتها كما عليه بعضهم لكن الظاهر ما ذكرنا. قد غسل " (1) المحمولة على الاستحباب جمعا بينها وبين ما دل على عدم وجوب الغسل بالمس بعد تغسيل الميت. هذا كله في الموارد التي يستحب الغسل فيها شرعا، وأما غيرها من الموارد المذكورة في المتن فلم يثبت استحباب الغسل فيها شرعا إلا بناءا على التسامح في ادلة السنن وهو مما لا نقول به. (2) قدمنا الكلام في ذلك ولا نعيد.


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 3.

[ 354 ]

[ (مسألة 4): الاغسال المستحبة لا تفكي عن الوضوء (1) فلو كان محدثا يجب أن يتوضأ للصلاة ونحوها قبلها أو بعدها، والافضل قبلها، ويجوز إتيانه في اثناءها إذا جئ بها ترتيبا. (مسألة 5): إذا كان عليه اغسال متعددة زمانية أو مكانية أو فعلية أو مختلفة يكفي غسل واحد عن الجميع إذا نواها جميعا (2). ] كفاية الاغسال المستحبة عن الوضوء: (1) بل تغني عن الوضوء على ما قدمناه في محله استنادا إلى قوله (عليه السلام): " أي وضوء أنقى من الغسل " (1) وغيره من الاخبار المعتبرة فليراجع بحث غسل الجنابة. (2) لصحيحة زرارة المتقدمة " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر اجزأك غسلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة فإذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد " (2).


(1) الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة ح 4. (2) الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة وج 2 باب 31 من أبواب الاغسال المسنونة.

[ 355 ]

[ بل لا يبعد كون التداخل قهريا لكن يشترط في الكفاية القهرية أن يكون ما قصده معلوم المطلوبية، لا ما كان يؤتى به بعنوان احتمال المطلوبية لعدم معلومية كونه غسلا صحيحا حتى يكون مجزئا عما هو معلوم المطلوبية. (مسألة 6): نقل عن جماعة - والمحقق والعلامة والشهيد والمجلسي - رحمهم الله - استحباب الغسل نفسا ولو لم يكن هناك غاية مستحبة أو مكان أو زمان (1) ونظرهم في ذلك إلى مثل قوله تعالى: " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " وقوله (ع) " إن استطعت أن تكون بالليل والنهار على طهارة فافعل " وقوله (ع) " أي وضوء اطهر من الغسل " وأي وضوء انقى من الغسل " ومثل ما ورد من استحباب الغسل بماء الفرات من دون ذكر سبب أو غاية إلى غير ذلك. لكن اثبات المطلب بمثلها مشكل. ] بل كفاية غسل الجمعة عن غسل الجنابة لناسي غسل منصوصة وان لم ينو غسل الجنابة. (1) قدمنا الكلام عن ذلك عن قريب.

[ 356 ]

[ (مسألة 7): يقوم التيمم مقام الغسل (1) في جميع ما ذكر عند عدم التمكن منه. ] التيمم يقوم مقام الغسل عند العجز: (1) لاطلاق ما دل على أن التراب أحد الطهورين. ثم انه إذا أنكرنا كفاية اللغسل عن الوضوء فلا اشكال في أن التيمم بدلا عن الغسل لا يكفي عن الوضوء. واما إذا قلنا بالاغناء - كما هو الصحيح - فهل يقوم التيمم مقام الغسل الاستحبابي في اغنائه عن الوضوء أو لا يقوم؟ الصحيح هو الثاني لان أدلة البدلية انما يستفاد منها بدلية التيمم مقام الغسل في الطهور واما في غيره من الآثار المترتبة على الغسل - كاغنائه عن الوضوء - فلا يستفاد منها، فهو يتوقف على دلالة الدليل ولا دليل عليه.

[ 357 ]

[ " فصل: في التيمم " ويسوغه العجز عن استعمال الماء. وهو يتحقق بأمور: ] " فصل: في التيمم " لا شبهة ولا خلاف في مشروعية التيمم في الشريعة المقدسة ويسوغه عدم وجدان الماء على ما دلت عليه الآية المباركة " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... وان كنتم جنبا فاطهروا... وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فيتمموا صعيدا طيبا " (1). فان التفصيل قاطع للشركة فهي بتفصيلها بين الواجد للماء وغيره دلت على وجوب التيمم على من لم يجد ماءا، والوجدان في اللغة بمعنى الادراك والاصابة والظفر. إلا أن المراد به في الآية المباركة ليس هو عدم الادراك والاصابة حقيقة وعقلا بل أعم منه ومن العجز عن استعماله شرعا كما لو كان الماء الموجود مغصوبا. ويدل عليه قوله تعالى " إذا قمتم... فاغسلوا وجوهكم... " فان الامر بغسل الوجه لا يمكن إلا مع التمكن من استعمال الماء عقلا وشرعا.


(1) المائدة - 6.

[ 358 ]

وقوله تعالى " وان كنتم مرضى أو على سفر... " فان المسافر - ولا سيما في الازمنة القديمة وفي الصحارى والقفار - وان كان قد لا يجد الماء حقيقة إلا أن المريض غالبا متمكن من الماء حقيقة وعقلا إلا أنه عاجز عن استعماله لكونه مضرا به. فالمتخلص: ان المراد من عدم وجدان الماء في الآية الكريمة هو عدم التمكن من الاستعمال عقلا أو شرعا. ثم انه لو كنا نحن وهذه الاية المباركة لخصصنا مشروعية التيمم بموارد عدم التمكن من استعماله عقلا أو شرعا كما مر، إلا أن أدلة نفي الضرر والحرج دلتنا على ان مشروعية التيمم عامة لما إذا تمكن المكلف من استعمال الماء عقلا وشرعا بأن كان الماء مباحا له إلا أن استعمال حرجي وعسري في حقه فلابد من التيمم حينئذ. وهذا في الحقيقة تخصيص في أدلة الوضوء والغسل لان أدلة نفي الضرر والحرج حاكمة على أدلة وجوب الوضوء أو الغسل وقد أوضحنا في محله أن الحكومة هي التخصيص واقعا غاية الامر انها نفي للحكم عن موضوعه بلسان نفي الموضوع وعدم تحققه. فما ذكره في المتن من أن التيمم يسوغه العجز عن استعمال الماء لعله ناظر إلى أصل مشروعية التيمم بالجعل الاولي وإلا فبالنظر إلى العنوان الثانوي لا تختص مشروعيته بالعجز بل تثبت عند الضرر والحرج ايضا. هذا

[ 359 ]

المناقشة في دلالة الاية: ثم ان الآية المباركة وقعت موردا للكلام والاشكال وذلك لان المذكور فيها أمور أربعة: وهي المرض والسفر والمجئ من الغائط ولمس النساء وقد عطف بعضها على البعض الآخر بحرف " أو ". وظاهره أن المرض والسفر مثل الاخيرين سببان مستقلان لوجوب التيمم عند عدم وجدان الماء، مع أنهما ليسا كذلك وانما يوجبان التيمم فيما إذا كان معهما شئ من الحدث الاصغر أو الاكبر أعني الاخيرين وإلا فمجرد المرض أو السفر لا يوجب الحدث والتيمم بوجه. وقد ذكر الالوسي في تفسيره وكذا الزمخشري في الكشاف أن الآية من الآيات المعضلة والمشكلة لما عرفت من كونها على خلاف فتوى الفقهاء وقد يجاب عن ذلك: بأن " أو " في الآية المباركة بمعنى الواو فترتفع المناقشة إذ لا تكون الآية ظاهرة في سببية المرض والسفر للتيمم. وانما تدل على أن التيمم مشروع عند تحقق الامور المذكور فيها. و (فيه): ان (أو) لا تستعمل بمعنى الواو وحمله عليها خلاف الظاهر لا يمكن المصير إليه. وذكر الشيخ محمد عبده وتلميذه في تفسير الآية المباركة في سورة المائدة وأشار إليه في سورة النساء: ان الآية ليس فيها اي إعضال وإشكال بل لابد من الالتزام بظاهرها وهو كون المرض والسفر بنفسهما يوجبان التيمم كما أن الحدث الاكبر والاصغر يوجبان التيمم

[ 360 ]

ولا مانع من أن يكون المشقة النوعية في الوضوء والغسل في حق المريض والمسافر موجبة لتبدل حكمهما إلى التيمم كما أوجبت المشقة النوعية تبدل حكم المسافر حيث تبدل حكمه إلى القصر في الصلاة والصيام مع أنهما أهم من الوضوء والغسل فإذا جاز التبدل في الاهم لاجل المشقة النوعية جاز التبدل في غير الاهم بالاولوية. وظني أني رأيت سابقا في بعض الكتب أن ابا حنيفة التزم بذلك إلا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه كما سيظهر وجهه. وذكر صاحب الجواهر " قده ": ان الآية المباركة ليست موردا للاشكال لان قوله تعالى " وان كنتم مرضى أو على سفر " من متممات صدرها وهو قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا... " فانه بمعنى إذا قمتم من النوم إلى الصلاة كما في الرواية المفسرة لها فمفروض الآية هو المحدث بالاصغر - بالنوم - وأنه على قسمين: واجد للماء ووظيفته أن يتوضأ إن لم يكن جنبا بالاحتلام أو يغتسل إن كان جنبا. وغير واجد الماء كالمريض والمسافر ووظيفته أن يتيمم - أي الذي لو كان واجدا للماء يتوضأ أو يغتسل وهو المحدث، بالحدث الاصغر أعني بالنوم - ثم تعرض للمحدث بالبول والغائط والمحدث بملامسة النساء وليس المريض والمسافر جملة مستقلة لترد عليها المناقشة. وما أفاده " قده " وان كان صحيحا الا أنه إنما يتم في سورة المائدة لا في سورة النساء لان قوله تعالى " وان كنتم مرضى " إلى قوله " فيتمموا صعيدا طيبا " مذكور فيها بعينه من دون أن يكون لها صدر مثل صدر سورة المائدة فتبقى المناقشة فيها بحالها.

[ 361 ]

ما ينبغي ان يقال في المقام: والذي ينبغي أن يقال: وهو ظاهر الآية المباركة: ان المناقشة المذكورة تبتني على أن يكون قوله تعالى " فلم تجدوا ماءا " راجعا إلى الجملة الاخيرة أعني قوله تعالى " أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ". وأما إذا أرجعناه إلى جميع الامور الاربعة - المذكورة في الآية - كما هو الظاهر لمكان العطف بأو الدال على أن كل واحد من الامور الاربعة إذا اقترن به عدم وجدان الماء أوجب التيمم وليس هو كالعطف بالواو ليكون موردا للنزاع المعروف من أن القيد يرجع إلى الجملة الاخيرة أو جميع الجمل فلا مناقشة بوجه. لان معنى الآية حينئذ: " وان كنتم مرضى ولم تجدوا ماء فيتمموا صعيدا طيبا. وان كنتم على سفر ولم تجدوا ماءا فيتمموا صعيدا طيبا - وهكذا " وحيث ان الامر بالتيمم لا يمكن توجه إلا إلى المحدث مثل الامر بالوضوء في صدر الآية لانه هو مورد الوضوء بعينه إذا وجد الماء فيستفاد منها أن المريض المحدث إذا لم يجد الماء يتيمم وهكذا المسافر المحدث، وانما تعرضت الآية للمريض والمسافر لا غلبية عدم الوجدان فيهما. نعم: يبقى حينئذ سؤال: وهو انه إذا كان المراد من الآية هو المريض المحدث إذا لم يجد الماء أو المسافر المحدث إذا لم يجد الماء فما معنى قوله تعالى بعد ذلك " أو جاء أحد منكم من الغائط " أي

[ 362 ]

كان محدثا ببول أو بغائط، فانه كالتكرار حينئذ؟ والجواب عنه: إن ذكره " أو جاء أحد منكم من الغائط " انما هو للدلالة على أن مشروعية التيمم عند فقدان الماء لا تختص بالمريض والمسافر بل تعم الحاضر كذلك إذا كان محدثا بالاصغر أو الاكبر ولا سيما بملاحظة قوله " منكم " أي من المحدثين، فهو لتسوية الحكم بين المريض والمسافر وبين الصحيح والحاضر. اذن لا موقع لما ذكره الشيخ عبده وتلميذه ولا ظهور للآية فيما ذكراه، وليس المرض والسفر بنفسهما يوجبان التيمم. واما قصر الصلاة والصيام في حق المسافر فهو قد ثبت بدليله ولا يمكن تعديته إلى المقام لانه قياس ظاهر. ثم لو تنزلنا عن ذلك فالآية مجملة لا ظهور لها في كون المرض أو السفر موجبا للتيمم بنفسهما لتساوي الاحتمالين فلا تكون منافية لما دل على عدم وجوب التيمم إلا مع الحدث وعدم كون المرض أو السفر موجبا له في نفسه. اعادة فيها توضيح: ذكرنا أن الآية المباركة وقعت موردا للكلام نظرا إلى عطف كل من الامور الاربعة المذكورة فيها ب‍ " أو " الظاهرة في سببية المرض والسفر في نفسها للتيمم ومن هنا ذكر بعضهم أن الآية من المعضلات. وقد اجاب عن ذلك جملة من فقهاء العامة والخاصة بأن " أو "

[ 363 ]

في الآية بمعنى الواو وأن المعنى " انكم إذا كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ولم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبعا ". وبذلك دفعوا المناقشة وقد عرفت الجواب عما ذكروا وذكر في تفسير المنار أن الآية ليست من المعضلات في شئ وانما الاعضال في فتاوى الفقهاء وذكر في وجه ذلك ما توضيحه: انه لا اشكال ولا خلاف بين المسلمين في ان السفر والمرض ليسا من نواقض الطهارة فالمتطهر لو تمرض أو سافر لا تنتقض طهارته من دون كلام. وليس في الآية ما يدل على انتقاض الطهارة بالمرض أو السفر فلابد من أن يكون مورد الآية المباركة ما إذا كانا محدثين ومعه تدل الآية على أن المريض المحدث أو المسافر يتيمم مطلقا وجد الماء أم لم يجد. كما أن من جاء من الغائط أو لامس النساء ولم يجد ماءا يتيمم، ولا مانع من ان يكون السفر أو المرض موجبا لتخفيف الوظيفة بايجاب التيمم دون الوضوء أو الغسل كما أوجب السفر تخفيف الوظيفة بالاضافة إلى الصوم والصلاة لوجوب القصر فيهما على المسافر. فظاهر الآية المباركة لا اعضال فيه وانما الاعضال في فتاوى الفقهاء حيث ذهبوا إلى عدم وجوب التيمم على المريض والمسافر مطلقا بل فيما إذا لم يجد الماء. وهذا الذي ذكره مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لما قدمناه عن صاحب الجواهر " قده " من أن قوله تعالى " وان كنتم مرضى أو على سفر " من متممات صدر الآية وهو قوله تعالى " يا ايها الذين

[ 364 ]

آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا... " حيث ان المراد من القيام هو القيام من النوم كما في تفسير الآية فيكون معنى الآية: ان من كان محدثا بحدث النوم وكان متمكنا من الماء يتوضأ إن لم يكن جنبا - أي محتلما - وان كان جنبا تطهر. وإذا لم يكن ذلك المحدث بالنوم واجدا للماء يتيمم، لما عرفت من أن قيد " فلم تجدوا ماء " راجع إلى جميع الامور الاربعة المتقدمة وهو في قبال المحدث بحدث البول والغائط في قوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء " فتصح المقابلة ولا تبقى أية مناقشة في الآية الكريمة - هذا كله في آية سورة المائدة - وأما آية سورة النساء فهي وان لم تكن مسبوقة بالصدر إلا أن الامر فيها كما ذكرناه وذلك لما قدمناه من أن الغرض والسفر ليسا من النواقض في شئ فلابد أن يكون مورد الآية هو المريض المحدث أو المسافر المحدث وأنه إذا كان فاقدا للماء يتيمم لرجوع القيد إلى كل واحد من الامور الاربعة. فتحصل: أن المريض والمسافر باطلاقهما لا يجب عليهما التيمم بل فيما إذا كانا فاقدين للماء. نعم للمدعي أن يسأل عن وجه تخصيص المريض والمسافر بالذكر لانه على ذلك لا يختص الحكم بهما بل يعم كل من كان فاقدا للماء مريضا كان أم صحيحا مسافرا كان أم حاضرا. والجواب عنه: ان ذكرهما في الآية من باب غلبة فقدان الماء بالمعنى التقدم فيهما لا أن لهما خصوصية في الحكم فلا مقتضي لابقاء المريض والمسافر على اطلاقهما، والحكم بأنهما إذا كانا محدثين يتيممان

[ 365 ]

مطلقا ولو كانا واجدين للماء. وأما ما استشهد به أخيرا ففيه: ان السفر وان كان موجبا لتخفيف الحكم في حق المسافر، بالاضافة إلى الصوم والصلاة إلا أنه إنما ثبت بالدليل ولا يأتي ذلك في المقام لانه قياس. وعلى الجملة: ما ذكره صاحب النار من إبقاء الطائفتين على إطلاقهما في الحكم بوجوب التيمم مما لا مقتضي له، كما أن ما ادعاه من الظهور غير ثابت بل الظاهر رجوع القيد إلى كل واحد من الاربعة المذكورة في الآية المباركة. هذا. ثم لو تنازلنا عن ذلك ولم يكن القيد ظاهرا في الرجوع إلى الامور الاربعة بأجمعها فلا أقل من الاجمال لعدم العلم بانه راجع إلى جميع الامور الاربعة أو إلى خصوص الاخيرين ومعه لا يثبت للآية ظهور في الاطلاق ليتمسك به صاحب النار - أعني كون الآية مطلقة من حيث المريض والمسافر وانهما كانا واجدين للماء أو فاقدين له محكومين بالتيمم. وذلك لاقترانهما بما يصلح للقرينية، ومع الاجمال يبقى إطلاق صدر الآية في أن الواجد للماء يتوضأ إن لم يكن جنبا كان مريضا أو مسافرا أم لم يكن على حاله، وهو يقتضي الحكم بوجوب الغسل أو الوضوء عند كون المريض أو المسافر واجدا للماء وكذلك الاخبار ومما يدل على ما ذكرناه أن صاحب المنار إن أراد أن المريض والمسافر يتعين عليهما التيمم وان كانا واجدين للماء، فيدفعه: انه على خلاف ما ثبت بالضرورة من الاسلام فان النبي - وأصحابه والائمة عليهم السلام قد سافروا كثيرا ولم ينقل أحد أنهم تيمموا

[ 366 ]

[ (أحدها): عدم وجدان الماء (1) ] عند كونهم واجدين للماء، وان اراد بذلك أن التيمم مرخص فيه لهما لا أنه متعين عليهما نظير الترخيص في الصوم والصلاة على المسافر عندهم، (ففيه): ان ذلك يستلزم إستعمال اللفظ الواحد في اكثر من معنى واحد حيث ان الامر بالتيمم بالاضافة إلى الاخيرين - من جاء من الغائط أو لامس النساء - استعمل في التعيين، وبالاضافة إلى الاولين - المريض والمسافر - في الترخيص. وهو اما غير معقول أو خلاف الظاهر على ما أوضحناه في الاصول وذكرنا ان الوجوب والاستحباب خارجان عن مدلول الامر وأن معناه واحد وهو شئ آخر وانما يستفاد الوجوب من حكم العقل عند عدم اقترانه بالمرخص في الترك ومعه لا يمكن ارادة المعنيين منه لكونه مستحيلا أو مخالفا للظاهر. من محققات العجز عدم وجدان الماء: (1) هذا هو القدر المتيقن من الآية المباركة فيجب التيمم حينئذ من دون خلاف بين المسلمين كافة على ما يظهر من كتاب " الفقه على المذاهب الاربعة " وان كان نسب إلى أبي حنيفة سقوط الصلاة عن المكلف عند فقدانه الماء حقيقة إلا أنه على خلاف ما في " الفقه "

[ 367 ]

[ بقدر الكفاية للغسل أو الوضوء في سفر كان أو حضر. ووجدان المقدار الغير الكافي كعدمه. ] من دعوى التسالم على وجوب التيمم حينئذ حتى من أبي حنيفة ولم يعلم أن منشأ النسبة إليه أي شئ؟ وكذلك الحال فيما إذا وجد الماء ولم يكن كافيا لوضوئه أو غسله وهذا على قسمين: إذ قد يكون الماء الموجود بقدر لا يصدق عليه الميسور من الماء المعسور للوضوء أو للغسل لانه قليل من كثير كما لو كان يكفي لغسل الوجه وحسب، ولا شبهة حينئذ في وجوب التيمم لانه فاقد للماء، ويمكن الاستدلال عليه بما ورد في الاخبار المعتبرة (1) من أن الجنب إذا كان له من الماء ما يكفي لوضوئه ولا يكفي لغسله يتيمم لان الماء الكافي للوضوء بالاضافة إلى الغسل قليل من كثير لا يصدق عليه الميسور منه لانه انما يكفي لخصوص رأسه وليس ميسورا من المعسور. واخرى: يكون الماء الموجود بقدر يصدق عليه الميسور من الماء المعسور، وهذا مورد للتيمم أيضا لعدم تمامية قاعدة الميسور أولا، ولدلالة نفس الآية ثانيا وذلك لان المذكور في الآية: أن من قام إلى الصلاة وجب عليه أن يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ورجليه، ثم قال تعالى في ذيلها " فلم تجدوا ماءا فتيمموا.. " أي إذا لم تجدوا الماء الكافي لما ذكر من الغسلتين والمسحتبن فان المستفاد منها عرفا (بقرينة المقابلة) هو وجوب التيمم على المكلف حينئذ


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 24 من أبواب التيمم.

[ 368 ]

[ ويجب الفحص عنه (1). ] حق لو بيننا على تمامية قاعدة الميسور. نعم لا مجال في هذه الصورة للاستدلال بالاخبار الواردة في أن الجنب إذا لم يكن عنده من الماء ما يكفي لغسله بل كان عنده ما يكفي لوضوئه يتيمم لانها - كما عرفت - واردة في صورة ما إذا لم يصدق على الماء الموجود انه ميسور من المعسور ولا تشمل الصورة الثانية - أي صدق الميسور - بوجه وهذا هو القاعدة الكلية المطردة التي نستدل بها في جملة من المسائل الآتية اعني وجوب التيمم على كل من لم يتمكن من الوضوء أو الغسل التام، اللهم إلا أن يقوم دليل على كفاية الناقص منهما - كما في الجبائر لدلالة الدليل على أن الغسل أو المسح على الجبيرة يكفي في الوضوء والاغتسال وان لم يغسل البشرة أو يمسح عليها - وإلا فمقتضى القاعدة هو التيمم. وجوب الفحص عن الماء (1) ذكروا أن طلب الماء والفحص عنه واجب في وجوب التيمم واستدل عليه بوجوه: (الاول): الاجماع على لزوم الفحص، ويظهر من كتاب " الفقه على المذاهب الاربعة " انه أمر متسالم عليه عند الجمهور وان اختلفوا في مقدار الفحص والطلب.

[ 369 ]

وهذا الاجماع - كيفية الاجماعات - ليس اجماعا تعبديا لاحتمال استنادهم في ذلك إلى بقية الوجوه الآتية في المسألة، ولعله لاجل الخدشة في الاجماع وبقية الوجوه الآتية نسب إلى الاردبيلي (قده) انه انكر وجوب الفحص والطلب. (الثاني): ان الآية المباركة تدل على وجوب الفحص في وجوب التيمم وذلك لان قوله تعالى " فلم تجدوا ماءا " قضية سالبة وظاهرها انها سالبة مع وجود الموضوع لا انها سالبة بانتفاء موضوعها، والوجدان وعدمه موضوعهما الطلب فيقال: طلبت الضالة فوجدتها أو لم اجدها فمعنى الآية على ذلك " وان كنتم مرضى... وطلبتم فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ". والجواب عنه: ان الوجدان في الآية المباركة كما مر بمعنى السعة والتمكن من الاستعمال فيقال: فلان ذو جدة أي ذو سعة وتمكن فيصير معنى الآية: انكم إذا كنتم قادرين ومتمكنين من الماء فتوضأوا واغتسلوا وان لم تكونوا قادرين ومتمكنين فتيمموا. وليس الموضوع في القدرة والتمكن هو الطلب والفحص. وعلى الجملة: ليس الوجدان في الآية بمعنى الوجدان في قولنا: طلبت الضالة فوجدتها بل بمعنى التمكن والسعة كما عرفت. (الثالث): الاخبار الآمرة بالطلب اما مطلقا واما مقيدا بأن يكون بمقدار غلوة سهم أو سهمين وسيأتي الكلام على تلكم الاخبار (1) قريبا ان شاء الله. (الرابع): وهو العمدة - إن الطلب والفحص انما يجبان


(1) تأتي في التكلم في الاخبار المتبدل بها على وجوب الفحص.

[ 370 ]

بقاعدة الاشتغال، وتقريب اصالة الاشتغال بتوضيح منا: ان المكلف بعد دخول الوقت يعلم بوجوب الصلاة وبوجوب الطهارة لاجلها، كما يعلم أن الطهارة المعتبرة في حق بعض المكلفين هي الطهارة المائية وفي بعضه آخر هي الطهارة الترابية وحيث لا يعلم بانه متمكن من الماء أو عاجز عنه فلا يعلم بانه مكلف بالطهارة المائية أو الترابية مع علمه اجمالا بوجوب احداهما عليه ومعه لو لم يفحص عن الماء ويتيمم لكان امتثاله امتثالا احتمالا لا محالة لاحتمال أن يكون متمكنا من الماء واقعا وحيث يبقى معه احتمالا بقاء التكليف وعدم حصول الامتثال فالعقل يلزمه بالفحص والطلب ليظهر الحال ويكون امتثاله قطعيا. و (دعوى): ان وجوب الوضوء حينئذ مشكوك فيه فتقتضي البراءة عدم وجوبه. (مندفعة): بانها معارضة باصالة البراءة عن وجوب التيمم كما هو الحال في بقية موارد العلم الاجمالي بل لا مورد للبراءة ولو مع قطع النظر عن العلم الاجمالي والمعارضة، وذلك لانها لا تثبت العجز عن الماء الذي هو موضوع وجوب التيمم فلا تجري لعدم ترتب اثر عليها. هذا. وقد يقال: بعدم جريان البراءة في المقام - لا لاجل العلم الاجمالي ولا لعدم ترتب اثر شرعي عليها بل لامر آخر - لان المورد من موارد الشك في القدرة على الامتثال وقد اوضحنا في الاصول عدم جريان البراءة في موار الشك في القدرة. و (فيه): ان كبرى عدم جريان البراءة عند الشك في القدرة وان كان صحيحا إلا انها لا تنطبق على المقام وذلك لان الامر بالوضوء

[ 371 ]

وان كان مشروطا بالقدرة عقلا لا محالة لاستحالة التكليف بما لا يطلق إلا انها مأخوذة فيه شرعا أيضا لان القادر من الماء ومن استعماله مأمور بالوضوء وغير القادر مأمور بالتيمم. فالقدرة دخيلة في ملاك الوضوء وايجابه، ومع الشك في القدرة يشك في تمامية ملاكه ومع الشك في وجود الملاك لا مانع من الرجوع إلى البراءة بوجه حيث ان عدم جريانها عند الشك في القدرة ليس لاجل نصر وارد فيه وانما هو من جهة أن تفويت الملاك الملزم قبيح عند العقل وهو والعصيان على حد سواء. فإذا علم المكلف بتوجه تكليف في مورد وكونه ذا ملاك كما في موارد كون القدرة ماخوذة في الواجب عقلا فقط ولكنه يشك في قدرته على امتثاله لو لم يفحص عن قدرته واجري البراءة احتمل أن يكون قد فوت الملاك الملزم باختياره، ولا دافع لهذا الاحتمال إلا الفحص ليظهر أن تفويته مستند إلى عجزه وعدم قدرته عليه. وهذا بخلاف المقام إذ لا علم للمكلف بتمامية الملاك الملزم في الوضوء ليكون شكه في القدرة موردا لقاعدة الاشتغال ويجب عليه الفحص عن قدرته إذ القدرة دخيلة في ملاك الوضوء ووجوبه ومع الشك فيها يشك في تمامية الملاك وعدمه، ومع الشك في تمامية الملاك لا محذور في الرجوع إلى البراءة بوجه فلا مانع عنها إلا العلم الاجمالي وما ذكرناه. هذا والجواب عن هذا الوجه أن المورد وان كان من موارد العلم الاجمالي كما مر إلا أنه منحل لا محالة.

[ 372 ]

والسر فيه: ان وجود الماء والتمكن من استعماله امران حادثان وليسا من الامور الازلية فمع الشك فيهما يستصحب عدم وجوده أو عدم تمكنه من استعماله ويبقى الشك في وجوب الوضوء عليه بدويا لا يعتبر فيه الفحص. والاستصحاب يعين وظيفته ويبين أن اللازم عليه هو التيمم. وقد يقال بان الاستصحاب غاية ما يترتب عليه هو العجز وعدم التمكن من استعمال الماء وأما احتمال الوجود والتمكن فهو باق بحاله ولم يرتفع لعدم افادة الاستصحاب اليقين بالعدم. ولا دافع لهذا الاحتمال فان البراءة غير جارية من جهة العلم الاجمالي ولم يؤخذ الوجدان في موضوع وجوب الوضوء لينفى بالاستصحاب وانما أخذ عدمه في موضوع وجوب التيمم. والجواب عنه: ان الآية وان لم يؤخذ في الفاظها الوجدان موضوعا لوجوب الوضوء إلا أنه مأخوذ فيها بحسب الواقع لا محالة، وهذا لان التفصيل قاطع للشركة وقد فصل سبحانه في الآية المباركة بين الواجد والفاقد حيث امر بالتيمم عند الفقدان ومنه يظهر أن غيره - هو الواجد - موضوع لوجوب الوضوء. لان فاقد الماء إذا كان محكوما بوجوب التيمم عليه فلا يخلو اما ان يكون الموضوع لوجوب الوضوء هو الاعم من الفاقد والواجد أو يكون هو الواجد أو يكون هو الفاقد، لا سبيل إلى الاول للعلم بأن المحكوم بالتيمم شخص والمحكوم بالوضوء شخص آخر وليس شخص واحد محكوما بهما معا. كما لا سبيل إلى الاخير لانه محكوم بوجوب التيمم عليه فيتعين أن

[ 373 ]

يكون الموضوع للحكم بوجوب الوضوء هو واجد الماء. فإذا شككنا في وجدان الماء وعدمه فنستصحب عدمه، وبه ننفي احتمال وجوب الوضوء، اللهم إلا أن يكون مسبوقا بالوجدان والتمكن من استعمال الماء فانه حينئذ لابد أن يستصحب التمكن والوجدان ويتعين عليه الوضوء لا محالة. كما انه إذا لم يجز شئ من الاستصحابين أو تساقطا بالمعارضة كما إذا كان المكلف مسبوقا بحالتين متضادتين بأن كان متمكنا من الماء في زمان وعاجزا عنه في زمان آخر واشتبه عليه المتقدم بالمتأخر فان الاستصحابين اما أن لا يجريان اصلا - كما عليه صاحب الكفاية (قده) واما أن يجريان ويتساقطان بالمعارضة فيتعين عليه الفحص والطلب بمقتضى العلم الاجمالي واصالة الاشتغال لان الامتثال من دونه امتثال احتمالي يحتمل معه العقاب ولا يندفع إلا بالفحص والطلب ليقطع بأن الواجب عليه أي شئ من الطهارة المائية أو الترابية. ثم إنه لو كان له ماء طرا عليه العجز عن استعماله إما لاراقته أو لمانع من الموانع واحتمل أن يكون له ماء آخر يتمكن من استعماله فهل يجري استصحاب التمكن من جامع المائين أو استصحاب وجود الجامع بينهما؟ الصحيح عدمه لانه مبني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من اقسام الاستصحاب الكلي. وقد بينا في الاصول عدم جريانه لان الفرد المعلوم الحدوث قد ارتفع قطعا، والفرد الآخر مشكوك الحدوث من الابتداء والاصل عدمه. وحيث ان القدرة على الماء الاول غير القدرة على الماء الثاني،

[ 374 ]

والقدرة الاولى قد تبدلت بالعجز قطعا والثانية مشكوكة الحدوث من الابتداء والاصل عدم حدوثها - هذا كله في هذه الوجوه. بقي الكلام في الاخبار المستدل بها على وجوب الفحص والظاهر انها مما لا يمكن الاستدلال بها على المدعى. وذلك: اما للمناقشة في دلالتها أو لضعف سندها على سبيل منع الخلو وهي الاخبار الواردة في المسافر الدالة ل على انه يطلب الماء ويصلي بعده بالتيمم على تقدير عدم الظفر بالماء. " منها ": صحيحة أو حسنة زرارة عن أحدهما (ع) قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل " (1)، وهذه الرواية رواها الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابي عمير عن ابن أذينة عن زرارة، ورواها الشيخ باسناده إلى الكليني في موضعين. وهي مما لا اشكال فيها سندا، إلا أن دلالتها مورد للمناقشة وذلك لان مدلولها ان المسافر يجب أن يطلب الماء من أول الوقت إلى آخره وهو مقطوع الخلاف ولم يلتزم فقيه بوجوبه كيف ولازمه وقوف المسافر عن سفره وعن بقية أشغاله لوجوب الفحص عليه في مجموع الوقت. وعليه لابد من حملها على إرادة تأخير الصلاة إلى آخر الوقت وعدم جواز البدار عليه وانه يسافر ويلا حظ الطريق اثناء سيره ليعلم ان الماء موجود ويصلي في آخر الوقت.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب التيمم ح 1. وذكر الشيخ السند الاخر في باب 14، ح 3.

[ 375 ]

هذا وقد روى الشيخ في موضع ثالث (1) هذه الرواية بطريق آخر وهو عين الطريق السابق بأبدال " ابن اذينة " ب‍ " ابن بكير " عن " زرارة " عن " أحدهما (ع) " ونقل عين الالفاظ المذكورة بابدال " فليطلب " ب‍ " فليمسك عن الصلاة " وهي على ذلك صريحة فيما ذكرناه ومع ذلك يتردد اللفظ بينهما فكيف يمكن للمدعي أن يستدل بها على وجوب الطلب؟ لانها رواية واحدة ولا يحتمل تعددها بواسطة ابن اذينة تارة وابن بكير أخرى مع اتحاد السند والالفاظ في غير الموردين نعم لما كان في سند الرواية " قاسم بن عروة " وهو ضعيف فلا تكون الرواية معارضة للصحيحة، فاللفظ الصحيح هو " فليطلب ". اذن فالعمدة في الاشكال هي الجهة الاولى أعني عدم وجوب الطلب في مجموع الوقت كما ذكرناه. و " منها " ما رواه النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي (عليهم السلام) انه قال: " يطلب الماء في السفر ان كانت الحزونة فغلوة، وان كانت سهولة فغلوتين لا يطلب اكثر من ذلك " (2). وهى من حيث الدلالة ظاهرة لكن سندها ضعيف فان السكوني وان كان ثقة إلا أن النوفلي لم تثبت وثاقته فيبتني الاستدلال بها على


(1) يراجع ص 54، 55، 57 من التهذيب. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من ابواب التيمم، ح 2، هذه الرواية موثقة، فان النوفلي وان لم يوثق خصوصا ولكنه داخل في التوثيق العام الواقع في كلام علي بن ابراهيم في مقدمة تفسيره لوقوعه في اسناد التفسير.

[ 376 ]

انجبار ضعفها بعمل المشهور وهو مما لا نقول به اذن لم يثبت وجوب الطلب بتلك الاخبار. بل قد ورد في بعض الاخبار عدم وجوب الطلب حينئذ وهي ما رواه علي بن سالم عن ابي عبد الله (ع) قال قلت: له: أيتيمم... فقال له داود الرقي: أفأطلب الماء يمينا وشمالا؟ فقال: " لا يطلب الماء يمينا وشمالا ولا في بئر إن وجدته على الطريق فتوضأ منه (به) وان لم تجده فأمض " (1). وهي من حيث الدلالة على عدم وجوب الفحص صريحة وانما الكلام في سندها لان " علي بن سالم " مردد بين علي بن ابي حمزة البطائني وبين علي بن سالم الكوفي على ما ذكره الشيخ في رجاله فان قلنا بان ابن البطائني ضعيف فالرواية ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها وان بنينا على وثاقته - كما هو الصحيح وان كان واقفيا بل من عمدهم كما ذكره النجاشي - فقد يقال بضعف الرواية أيضا لتردد الراوي بين الموثق والمجهول. الا ان الصحيح - على هذا - أن الرواية معتبرة لانه مع التردد لابد من حمل الراوي على من هو معروف وله رواية لانصراف اللفظ إليه لاحمله على المجهول الذي لم يعلم له رواية ولو في مورد واحد كما هو الحال في المقام حيث ذكروا أن " علي بن سالم الكوفي " مجهول وليس له رواية حتى في مورد.


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب التيمم، ح 3. قد رجع السيد الاستاذ - دام ظله - عن ذلك وحكم بضمف الرجل راجع معجم الحديث ج 11 ترجمة علي بن ابي حمزة.

[ 377 ]

وهذا بخلاف البطائني فانه كثير الرواية، وقد ذكرناه في بعض المواضع أن اللفظ والاسم إذا دار بين شخصين أحدهما معروف كثير الرواية والآخر مجهول - كما يتفق هذا كثيرا - إذ من البعيد جدا أن يكون اسم الراوي مختصا به ولم يكن له سمي أصلا - لابد من حمله على المعروف لانه الذي ينصرف إليه اللفظ. وعليه فهي رواية معتبرة وقد دلت على عدم وجوب الفحص والطلب عن الماء مطلقا ولا وجه لحملها على صورة الخوف من اللص أو السبع بقرينة ما ورد في رواية داود الرقي قال: قلت لابي عبد الله (ع) اكون في السفر فتحضر الصلاة وليس معي ماء ويقال: ان الماء قريب منا فأطلب الماء وأنا في وقت يمينا وشمالا؟ قال: " لا تطلب الماء ولكن تيمم فاني أخاف عليك التخلف عن اصحابك فتضل ويأكلك السبع " (1). وفي رواية يعقوب بن سالم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك قال: " لا آمره أن يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع " (2)، وذلك لانهما ضعيفتان من حيث السند كما ان موردهما صورة العلم بوجود الماء - كما صرح به في الثانية وكذا في الاولى حيث قال فيها: " ويقال ان الماء قريب منا " اي يقول أهل الاطلاع والمعرفة بالطريق - وهذا خارج عن محل الكلام فالرواية دالة على عدم وجوب الطلب مطلقا مع الخوف وعدمه. وعلى يتقوى ما ذكره المحقق الاردبيلي (قده) من عدم


(1) (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب التيمم ح 1 و 2.

[ 378 ]

وجوب الفحص والطلب عن الماء إلا أن وجوبه لما كان معروفا بين الاصحاب بل ادعي عليه التسالم والاتفاق فلا ينبغي ترك الاحتياط بالفحص، وعلى الجملة وجوب الطلب مبني على الاحتياط. بقي في المقام جهات من الكلام: " الجهة الاولى ": ان الطلب - بناءا على وجوبه - فهل وجوبه نفسي بحيث لو ترك التيمم والصلاة عوقب بعقابين لتركه الفحص وتركه الصلاة مع تيمم أو أنه وجوب شرطي بحيث لو تيمم من دون فحص رجاءا أو تمشى منه قصد القربة لنسيانه وجوب الفحص وكان فاقدا للماء في الحقيقة بطل تيممه لفقدانه الشرط، أو أنه وجوب ارشادي إلى حكم العقل أو انه وجوب طريقي؟. أما وجوبه النفسي فهو وان كان ظاهر الامر واطلاقه لما بيناه في محله من ان مقتضى الاطلاق هو الوجوب النفسي وغيره يحتاج إلى قرينة وبيان. إلا أنه يندفع بوجود القرينة على خلافه وهي قوله " فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل " فانه ظاهر في أن الامر بالطلب والفحص ليس من أجل محبوبيته في نفسه بل من جهة كونه مقدمة للتيمم والصلاة فلا يكون الطلب واجبا نفسيا حينئذ.

[ 379 ]

واما احتمال الوجوب الشرطي - وهو الذي اختاره صاحب الجواهر (قده) - فهو أيضا مندفع بمخالفته لظاهر الآية والاخبار فان ظاهرهما أن التيمم وظيفة من لم يكن واجدا للماء والمفروض ان المكلف كذلك واقعا غاية الامر انه لم يكن عالما به فلا يقع تيممه باطلا ولا يكون الفحص شرطا فيه. وأما احتمال الوجوب الارشادي والطريقي فهما مبنيان على أن الاصل العملي في المسألة مع قطع النظر عن الادلة الاجتهادية يقتضي وجوب الطلب أو يقتضي عدمه. فان قلنا: بان الاصل الجاري هو اصل الاشتغال لاجل العلم الاجمالي وهو يقتضي لزوم الفحص والطلب - كما قدمناه - فلا محالة يكون الامر بالطلب في الاخبار ارشادا إلى ما حكم به العقل لان المدار في الارشادية أن يكون وجود الامر وعدمه على حد سواء ولا يترتب على وجوده اثر، والامر في المقام كذلك لان الفحص واجب على ذلك مطلقا كانت هناك رواية وامر أم لم يكن. واما لو قلنا بأن الاصل يقتضي عدم وجوب الفحص لان مقتضى الاستصحاب عدم وجدان الماء أو عدم وجوده فلابد أن يكون الامر به في الاخبار طريقيا فان المدار في الطريقية هو أن يكون الانشاء بداعي تنجيز الواقع على تقدير وجوده. كما في اخبار الاحتياط بناءا على تماميتها ووجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية فان الامر بالاحتياط يستكشف به أن الحكم الواقعي على تقدير كون المشتبه محرما واقعا منجز على المكلف - أي يعاقب المكلف على مخالفته.

[ 380 ]

[ إلى اليأس (1) إذا كان في الحضر. ] وفي المقام نستكشف من الامر بالطلب أن وجود الماء واقعا موجب للوضوء على المكلف وأن الامر به منجز في حقه بحيث لو تيمم وكان الماء موجودا في الواقع لعوقب على مخالفته الامر بالتوضي وهذا هو المتعين من بين المتحملات، وعليه يكون حال الامر بالطلب حال الامر بالاحتياط في الشبهات التحريمية والاستظهار على المستحاضة ليظهر انها من أي اقسامها؟ في كونه طريقيا لان الامر فيهما قد انشأ بداعي تنجيز الواقع على تقدير وجوده، " الجهة الثانية ": (1) من الجهات التي يتكلم عنها في المقام وهي في مقدار الفحص على تقدير القول بوجوبه فنقول: أما غير المسافر فمقتضى اصالة الاشتغال هو لزوم الفحص إلى أن يحصل الاطمئنان بعدم الماء واقعا إذ مع احتماله يستقل العقل بالفحص عنه حتى يظهر الحال، وهذا هو المعبر عنه باليأس عن الماء - أي يفحص حتى لا يبقى له رجاء فيه وييأس من وجوده -. وأما المسافر فلو عملنا بما سلكه المشهور من أن الرواية الضعيفة ينجير ضعفها بعمل المشهور على طبقها فرواية النوفلي عن السكوني

[ 381 ]

[ وفي البرية يكفي الطلب غلوة سهم في الحزنة ولو لاجل الاشجار (1) وغلوة سهمين في السهلة في الجوانب الاربعة ] تدلنا على أن المسافر لا يفحص زائدة على غلوة سهم في الارض الحزنة وعلى غلوتين في الارض السهلة بل يفحص بهذا المقدار ويكتفي به - حصل له اليأس أم لم يحصل -. واما إذا لم نقل بذلك - كما هو الحق - فالمسافر كالحاضر لابد أن يفحص بمقدار يحصل له الاطمئنان واليأس من الماء لان وجود الرواية حينئذ كالعدم. ثم إن المسافر في الرواية مقابل من في البلد لا الحاضر. بمعنى أن المسافر لو كان من البلد كان حاله حال الحاضر في لزوم الفحص بمقدار حصول الاطمئنان بالعدم وان كان يجب عليه القصر في الصلاة لعدم اقامته وعدم كون البلد بلده، وانما يجب الفحص بمقدار غلوة أو غلوتين فيما إذا كان في البر. وذلك لاختصاص الرواية الدالة على المقدارين بالبر والارض الحزنة والسهلة. ثم إن الطلب المحدد بقدر حصول اليأس أو الغلوة أو الغلوتين انما هو واجب فيما إذا لم يكن في الطلب بهذا المقدار مانع من لص أو سبع ولو احتمالا، وإلا فلا يجب الفحص معه في المسافر وغيره. (1) وفيه: ان الحزنة - على ما في اللغة - بمعنى الارض الغليظة والوعرة في اصلها لاشتمالها على الخفض والرفع الموجبين لصعوبة السير فيها والفحص، واما الارض الغليظة لمانع خارج عن الارض

[ 382 ]

كالاشجار أو الماء - في غير المقام - فلا يصدق عليها الحزنة ويشكل فيها الاكتفاء بمقدار غلوة، " الجهة الثالثة ". ان الظاهر من الرواية اعتبار الغلوة أو الغلوتين بحسب الامتداد بان يكون مقدار الفحص من موضع المسافر امتداد غلوة أو غلوتين فلا يحسب من ذلك الفحص في المواضع المنخفضة أو الفحص يمينا وشمالا، والاعتداد ببلوغ المقدار من موضع المسافر غلوة أو غلوتين امتدادا لا بكون المجموع بمقدار غلوة أو غلوتين. فما نسب إلى بعضهم من كفاية بلوغ المجموع بمقدار الغلوة أو الغلوتين خلاف الظاهر ولا يمكن المصير إليه. كما ان الظاهر - بناءا على أن الفحص واجب باصالة الاشتغال والرواية تنفي وجوب الفحص زائدة على الغلوة أو الغلوتين - لزوم الفحص بالمقدار المذكور في كل نقطة يحتمل وجود الماء فيها فلو فحص من الجهات الاربعة على نحو حدثت منه زوايا قوائم لم يكف ذلك في الفحص المعتبر بل لابد من الفحص فيما بل كل جهتين من الجهات الاربعة وفي جميع الجهات المحتمل فيها وجود الماء زائدا عن الاربعة إذ مع احتمال الماء في جهة ونقطة يجب عليه الفحص فيها بأصالة الاشتغال لانه لو تيمم من دون أن يفحص عنها في تلك الجهة كان ذلك امتثالا احتماليا وهو مما لا يكفى به مع التمكن من الامتثال الجزمي.

[ 383 ]

[ بشرط احتمال وجود الماء في الجميع، ومع العلم بعدمه في بعضها يسقط فيه ومع العلم بعدمه في الجميع يسقط في الجميع. ] فما نسب إلى بعضهم من كفاية الفحص يمينا وشمالا أو بزيادة القدام مما لا وجه له، ولعل من اكتفى بالفحص عن الماء في الجوانب الاربعة ينظر إلى أن الماء امر قابل للرؤية والمشاهدة من بعيد فلو فحص في كل واحد من الجوانب الاربعة غلوة سهم أو غلوتين - وهي اربعمائة ذراع كما قيل - لشاهد الماء فيما بين الجانبين منها على تقدير وجوده فمع عدم رؤيته فيما بين كل جانبين منها يقطع أو يطمأن بعدمه، إلا فاللازم هو الفحص في جميع الجوانب والنقاط التي يحتمل فيها وجود الماء كما إذا لم يمكنه مشاهدة ما بين الجانبين لمانع من اشجار وغيرها. وكذلك الحال فيما إذا قلنا ان الاصل الجاري هو استصحاب عدم الوجود أو الوجدان، والرواية مانعة عن جريانه بمقدار الغلوة أو الغلوتين فانه مع وجود الماء في نقطة من النقاط يجب عليه الوضوء واقعا كما هو مقتضى الآية والرواية لان الامر بالفحص طريقي - كما قدمناه - بلا فرق في ذلك بين كون الماء في الجوانب الاربعة أو غيرها من النقاط والجهات.

[ 384 ]

[ كما أنه لو علم وجوده فوق المقدار وجب طلبه مع بقاء الوقت. ] " الجهة الرابعة ": إن الفحص انما يجب مع احتمال وجود الماء في ذلك المقدار لوضوح أن الامر بالفحص ليس امرا تعبديا وانما هو لاجل استكشاف الحال ليظهر أن الماء موجود أو غير موجود. فلو علم المكلف بعدم الماء في جهة لم يجب الفحص عليه عن تلك الجهة وانما يفحص في غيرها من الجهات كما لو علم عدمه في جهتين أو ثلاث جهات فحص في غيرها ولو علم بعدمه في مجموع الجوانب والنقاط سقط عنه الفحص مطلقا بلا فرق في ذلك بين الحاضر والمسافر كان مدرك وجوب الفحص اصالة الاشتغال أو الاخبار. كما أنه لو علم بوجوده في الزائد عن الغلوة أو الغلوتين وجب المسير إليه وذلك لان مورد الرواية المحدودة لمقدار الفحص بالغلوة والغلوتين انما هو صورة احتمال الماء. واما صورة العلم به وجودا وعدم فهي خارجة عن موردها فلو علم بوجوده في الزائد عن ذلك المقدار شمله اطلاق الآية والاخبار لانه واجد الماء ومتمكن من استعماله وهو مأمور بالوضوء. نعم: ذكر بعضهم أنه يعتبر في ذلك أن يكون الماء بحسب القرب على نحو يصدق على المكلف انه واجد الماء عرفا فلو كان الماء

[ 385 ]

في البعد بمقدار لا يصدق عليه انه واجد للماء عرفا وجب عليه التيمم لانه فاقد له لدى العرف. و (فيه): ان المدار في وجوب التيمم والوضوء وان كان على صدق الواجد للماء أو الفاقد له عرفا إلا أن القرب والبعد أجنبيان عن ذلك بالمرة لان النسبة بين صدق الواجد والفاقد والقرب والبعد عموم من وجه. فقد يكون الماء قريبا من المكلف لكن لا يصدق عليه الواجد لعدم تمكنه من الاستعمال، وقد يكون الماء بعيدا عنه بمقدار السفر الشرعي أو الزائد عليه لكن يصدق عليه الواجد لتمكنه من استعماله بالمصير إليه بواسطة السيارة أو الطائرة ومعه يجب عليه الوضوء. فالبعد والقرب ليسا دخيلين في ذلك بل المدار على التمكن من الاستعمال وعدمه ما دام لم يمنع عنه مانع من احتمال السبع أو اللص أو كونه ضرريا أو حرجيا عليه أو خروج الوقت على تقدير الذهاب إليه فانه في هذه الصور لا يجب عليه الوضوء والسير إلى الماء بل يتعين التيمم في حقه لا محالة. نعم الظن بوجود الماء لا عبرة به لعدم اعتبار الظن شرعا كما لا عبرة باحتماله في الازيد من الغلوة أو الغلوتين لان الرواية دلتنا على عدم وجوب الفحص في الزائد عنه وان كان مقتضى أصالة الاشتغال هو الوجوب. هذا بناءا على أن الرواية دلت على عدم وجوب الفحص في الزائد عنه، وكذلك الحال فيما إذا كانت الرواية واردة لبيان عدم جريان استصحاب عدم الوجدان أو الوجود لانها - على ذلك - انما تدل على

[ 386 ]

[ وليس الظن به كالعلم في وجوب الازيد وان كان الاحوط خصوصا إذا كان بحد الاطمئنان (1) بل لا يترك في هذه الصورة فيطلب إلى أن يزول ظنه ولا عبرة بالاحتمال ] في الازيد. عدم جريانه بمقدار غلوة أو غلوتين لا في الزائد عن ذلك المقدار وهذا ظاهر. الاطمئنان كالعلم: (1) هل الاطمئنان ملحق بالعلم فيما ذكرناه أو لا يترتب أثر عليه؟. الصحيح هو الاول لان الاطمئنان أمر يعتمد عليه العقلاء ولم يرد في شئ من النصوص ردع عن العمل به ولا يحتمل أن تكون الادلة ل الناهية عن العمل بالظن رادعة عنه لانه، لا يطلب الظن على الاطمئنان لدى العرف قطعا، نعم الظن لا يعتمد عليه لانه ليس له اثر يترتب عليه مثل الشك كما انه بمعنى الشك لغة.

[ 387 ]

الارض المختلفة الجهات: ثم ان ما ذكرناه من وجوب الفحص على المسافر غلوة أو غلوتين انما هو فيما إذا كانت حزنة أو سهلة، واما إذا كانت حزنة من جهة وسهلة من جهة اخرى فلا مناص من أن يفرق بينهما ويرتب على الحزنة منها حكمها، وعلى السهلة منها حكمها لان الحكم يتبع موضوعه ولعله ظاهر. وانما الكلام فيما إذا كانت الجهات الواحدة مختلفة بان كان بعضها سهلة وبعضها حزنة، وهذا الامر يأتي التعرض له في كلام الماتن بعدئذ، لكن المناسب: أن يتكلم عنه في المقام فنقول: الارض المتحدة الجهة: أن السهلة من الارض إذا كانت يسيرة جدا أو الحزنة منها كانت يسيرة فهي في الصورة الاولى حزنة وفي الثانية سهلة إذ قلما توجد جهة أو ارض سهلة باجمعها أو حزنة كلها، بل كل منهما يشتمل على شئ قليل من غيرها، واما إذا كانت الجهة الواحدة نصفها حزنة ونصفها سهلة فهل هي بحكم السهلة أو الحزنة؟ التحقيق خروجها عن منصرف الرواية لعدم كونها سهلة ولا حزنة وانما هي مركبة منهما فهي خارجة عن كلا القسمين ولا يحكم عليها

[ 388 ]

بحكم الحزنة ولا بحكم السهلة بل يحكم عليها بحكم آخر هو: انا ان قلنا بأن الاصل في المسألة هو استصحاب عدم الوجود أو التمكن الذي مقتضاه عدم وجوب الفحص عن الماء، والرواية وردت لبيان سقوط الاستصحاب وللدلالة على أن الحكم الواقعي على تقدير وجوده منجز في حقه ويستحق المكلف العقاب على مخالفته فلابد في الخروج عن مقتضى الاستصحاب من الاكتفاء بالمقدار المتيقن وهو الفحص غلوة واحدة لانه واجب على تقدير كون الارض حزنة فضلا عن كونها سهلة. واما الغلوة الثانية وما زاد فليس وجوب الفحص فيها معلوما بل هو مشكوك فيه لعدم شمول الرواية للمركبة من الحزنة والسهلة فلا يعلم سقوط الاستصحاب فيها بل هو المحكم فيما زاد على الغلوة الواحدة ومقتضاه عدم وجوب الفحص زائدا على الغلوة الواحدة فيلحقها حكم الارض الحزنة. وأما إذا قلنا ان الاصل الجاري في المسألة هو أصالة الاشتغال وهي تقتضي وجوب الفحص إلى أن يحصل اليقين بوجود الماء أو عدمه، والرواية وردت للدلالة على عدم وجوب الفحص زائدا على الغلوة والغلوتين فينعكس الامر وتلحق المركبة بالارض السهلة وذلك للعلم بعدم وجوب الفحص في الزائد على الغلوتين والعلم بوجوبه بمقدار غلوة واحدة، واما الغلوة الثانية فالفحص فيها مشكوك في وجوبه لعدم شمول الرواية لها فلم يعلم خروجها عن مقتضى اصالة الاشتغال فهي المحكمة في الغلوة الثانية ومقتضاها وجوب الفحص في الثانية أيضا.

[ 389 ]

إذا شككنا في مقدار الغلوة: ومن هذا يظهر حكم فرع آخر وهو ما إذا شككنا في مقدار الغلوة لاجل عدم تعارف رمي السهم في زماننا هذا ليعلم أن مقدار من الشخص المعتاد والقوس المعتاد أي شئ؟ وان قيل انها اربعمائة ذراع بذراع اليد فإذا شككنا انها أربعمائة ذراع أو ثلاثمائة ذراع مثلا. فإذا قلنا بأن الاصل في المسألة هو الاستصحاب والرواية دالة على سقوطه في الغلوة والغلوتين ففي المقدار الاقل وهو ثلاثمائة ذراع نعلم بسقوط الاستصحاب فيه وفي الزائد عنه نشك في سقوطه لعدم العلم بدخوله في الغلوة فالاستصحاب فيه هو الحكم ومقتضاه عدم وجوب الفحص في المقدار المشكوك فيه. وإذا قلنا بأن الاصل في المسألة هو أصالة الاشتغال والرواية وردت لبيان عدم وجوب الفحص في الزائد عن الغلوة والغلوتين ينعكس الامر لان عدم وجوبه بعد اربعمائة ذراع معلوم لا ريب فيه. ووجوبه إلى ثلاثمائة ذراع معلوم ولكن وجوبه منها إلى اربعمائة ذراع مشكوك فيه ولم يعلم خروجه عن اصالة الاشتغال المقتضية لوجوب الفحص وهي المحكمة في ذلك المقدار حينئذ.

[ 390 ]

[ (مسألة 1): إذا شهد عدلان بعدم الماء في جميع الجوانب أو بعضها سقط وجوب الطلب (1) فيها أو فيه وان كان الاحوط عدم الاكتفاء. وفي الاكتفاء بالعدل الواحد إشكال فلا يترك الاحتياط بالطلب. (مسألة 2): الظاهر وجوب الطلب في الازيد من المقدارين إذا شهد عدلان بوجوده في الازيد (2) ولا يترك الاحتياط في شهادة عدل واحد به. ] موارد سقوط وجوب الطلب: (1) لان حال البينة حال العلم الوجداني بعدم الماء في جانب أو جميع الجوانب، فكما أن الرواية لا تشمل مورد العلم بالعدم كذلك لا تشمل مورد العلم التعبدي بالعدم فان الاحتمال مع قيام البينة (على عدم الماء) موجود بالوجدان الا أنه ملغي عند الشارع المقدس بل الحال كذلك فيما إذا شهد به عدل واحد. بل لا تعتبر العدالة في المخبر ايضا لكفاية الوثاقة في حجية الخبر في الاحكام والموضوعات على ما أوضحناه في الاصول من جريان السيرة العقلائية على الاعتماد والاخذ بخبر الثقة. (2) ظهر الحال مما بيناه في المسألة السابقة حيث ذكرنا ان

[ 391 ]

[ (مسألة 3): الظاهر كفاية الاستنابة في الطلب (1) وعدم وجوب المباشرة. ] الاحتمال وان كان موجودا مع البينة إلا أنه ملغى بحكم الشارع لانها فرد من العلم تعبدا. وقد مر انه مع العلم بوجود الماء في الزائد على غلوة أو غلوتين يجب المسير إليه لصدق انه واجد الماء فتشمله الآية والاخبار ولا تشمله الرواية المتقدمة التي موردها صورة إحتمال الماء لا العلم به وجودا أو عدما مادام لم يمنع عنه مانع من خوف أو ضرر أو حرج، وكذلك الحال في خبر العدل الواحد بل والثقة أيضا. الاستنابة كافية في الطلب: (1) الظاهر ان التكلم في ذلك ساقط من اصله، والوجه في ذلك ان الاستنابة الواقعة في مورد الكلام انما هي الاستنابة في الواجبات النفسية والشرطية ومن هنا استشكلنا في كفاية الاستنابة في مثل الصلاة على الميت أو تغسيله وقلنا ان الامر فيهما متوجه إلى كافة المكلفين فكفاية فعل غير المكلف البالغ يحتاج إلى دليل. وكذلك الحال في الواجبات الشرطية والغيرية كالوضوء فان المأمور بغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه انما هو المكلف المريد للصلاة فكفايته من غير محتاجة إلى الدليل.

[ 392 ]

[ بل لا يبعد كفاية نائب واحد عن جماعة (1) ولا يلزم كونه عدلا بعد كونه أمينا موثقا. (مسألة 4): إذا احتمل وجود الماء في رحله أو في منزله أو في القافلة وجب الفحص حتى يتيقن بالعدم أو ] وأما الواجب الارشادي والطريقي - كما في المقام لان الامر بالفحص ارشادي على تقدير أن يكون الاصل في المسألة أصالة الاشتغال وطريقي على تقدير أن يكون الاصل فيها هو الاستصحاب. فلا يأتي البحث عن جواز الاستنابة وعدمه لان الفحص مقدمة على كلا التقديرين لتحصيل العلم بالحال وان المكلف مأمور بالتيمم أو الوضوء وعليه فكفاية الفحص الصادر عن الغير في حق ذلك المكلف تبتني على المسألة المتقدمة من أن خبر العدل أو الثقة حجة عند الاخبار بوجود الماء أو عدمه أو ليس بحجة. وعلى الاول يكفي فحص الغير في حقه سواء استنابه أم لم يستنبه لحجية اخباره عن وجود الماء أو عدمه، وعلى الثاني لا يكفي فحصه عن الماء بالاضافة إلى الغير - استنابه أم لم يستنبه - لانه لا حجية في قوله وإخباره فمن أين يثبت ان الماء موجود أو ليس بموجود (1) قد ظهر مما بيناه آنفا أن ترقيه (قده) هذا في غير محله لانه على القول بحجية إخبار الثقة والعدل الواحد فخبره عن الماء حجة على الواحد وعلى الكثيرين على حد سواء وكان المكلف بالفحص شخصا واحدا أو اكثر.

[ 393 ]

[ يحصل اليأس (1) منه فكفاية المقدارين خاص بالبرية. (مسألة 5): إذا طلب قبل دخول وقت الصلاة ولم يجد ففي كفايته بعد دخول الوقت مع إحتمال العثور عليه لو أعاده اشكال فلا يترك الاحتياط بالاعادة (2). ] (1) كالحاضر لان النص (1) المحدد لقدر الفحص بغلوة أو غلوتين مختص بالمسافر في البر فلا يشمله في غير البر كما تقدم. إذا طلب الماء قبل الوقت: (2) بناءا على وجوب الطلب فهل لابد من الطلب بعد دخول الوقت بحيث لو طلبه قبل الدخول ولم يجد الماء لا يكفيه ذلك الفحص بعد دخول الوقت أو انه يكفيه في الطلب الواجب ولا تجب عليه الاعادة؟ وقد يقال: بان الواجب هو الطلب بعد دخول الوقت فلا يكفي الطلب قبله. واخرى يستدل على كفايته قبل دخول الوقت بأن وجوبه توصلي فلو أتى به قبل الوقت سقط به الوجوب، وفي كلا الوجهين ما لا يخفى: أما أولهما: فلان وجوب الطلب بعد دخول الوقت لا يوجب عدم سقوطه إذا تحقق قبل الدخول ولا تلازم بينهما.


(1) تقدم النص في الاخبار المستدل بها على وجوب الفحص.

[ 394 ]

وأما ثانيهما: فلان معنى التوصلية سقوط الواجب فيما إذا لم يؤت به بداعي القربة وأما انه يسقط لو أتى به في غير وقته فهو يحتاج إلى دليل. فالذي ينبغي أن يقال في المقام: هو أن حسنة زرارة (1) المشتملة على الامر بالطلب في مجموع الوقت أجنبية عن الدلالة على وجوب الطلب لما قدمنا من عدم وجوب الطلب في مجموع الوقت قطعا وانها محمولة على إرادة الفحص في اثناء السير والسفر إلى آخر الوقت وعدم جواز البدار إلى التيمم فلا يمكن الاستدلال بها على ما نحن فيه. واما رواية السكوني فلا اشعار فيها بلزوم كون الطلب بعد الوقت فضلا عن الدلالة عليه بل انما وردت للدلالة على عدم وجوب الفحص في الزائد عن الغلوة والغلوتين بناء على ان الاصل في المسألة هو الاشتغال. أو للدلالة على عدم جريان الاستصحاب في الغلوة والغلوتين - أي على اعتبار الفحص في جريان الاستصحاب في خصوص المقام وان كانت الشبهة موضوعية كاعتباره في الشبهات الحكمية وعلى كلا التقديرين لو فحص قبل الوقت كفى ذلك في الفحص اللازم ولم تجب اعادته بعد الوقت لعدم الدليل على لزوم كونه بعد الوقت اللهم إلا أن يحتمل وجوده في محل لم يفحص عنه سابقا كما إذا احتمل جريان الماء في النهر الذي كان يابسا عند الفحص السابق. وبعبارة اخرى: إذا تجدد احتمال وجود الماء زائدا عما كان يحتمله سابقا وجب الفحص عنه لعدم تحققه بالاضافة إليه على كلا التقديرين في الرواية وهذا بخلاف المواضع التي فحص عنها سابقا


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب التيمم ح 1.

[ 395 ]

[ وأما مع انتقاله عن ذلك المكان فلا اشكال في وجوبه مع الاحتمال المذكور (1). (مسألة 6): إذا طلب بعد دخول الوقت لصلاة فلم يجد يكفي لغيرها من الصلوات فلا يجب الاعادة عند كل صلاة إن لم يحتمل العثور مع الاعادة (2) وإلا فالاحوط الاعادة. ] ولم يتجدد احتماله فيها بعد الوقت. إذا انتقل من مكان الفحص: (1) مما تقدم يظهر وجه ما افاده (قده) هنا، وذلك لانه إذا انتقل إلى مكان آخر فهو موضوع لم يفحص عن الماء فيه وهو غير الموضوع والمكان السابق الذي قد فحص عن الماء فيه فيجب عليه الفحص عنه في المكان السابق الذي انتقل إليه على كلا الاحتمالين في الرواية. الطلب بعد دخول الوقت. (2) ظهر مما ذكرناه أيضا حكم الفرع المذكور وذلك لتحقق ما هو المعتبر في التيمم على كلا التقديرين في الرواية، بل الامر

[ 396 ]

[ (مسألة 7): المناط في السهم والرمي والقوس والهواء والرامي: هو المتعارف المعتدل (1) الوسط في القوة والضعف. ] كذلك فيما إذا بقي في ذلك المكان مدة كثيرة اللهم إلا أن يتجدد احتماله زائدا عما فحص عنه سابقا ولا تجب اعادته عند كل صلاة. المناط في السهم والرمي: (1) لانصرف الرواية عن الافراد النادرة كمن كان سهمه أو قوسه قويين أو كانت يده قوية بحيث يرمي النبل زائدا عن المتعارف فلا تشتمل إلا الفرد المتعارف كما افاده الماتن. إلا انا ذكرنا مرارا أن المتعارف في امثال تلك الامور لا انضباط له وهو مختلف في نفسه كما اشرنا إليه في بحث الكر وقلنا ان جعل المدار على المتوسط منه أو الاقل أو الاكثر، وقد بينا في بحث الكر أن المدار على اقل شبر من المتعارفين. والوجه في ذلك هو العلم بعدم اختلاف الكر أو مقدار الفحص اللازم باختلاف المتعارفين بان يجب على أحدا الفحص بمقدار وعلى الاخر زائدا عنه وعلى ثالث ناقصا عنه لان حكم الله سبحانه واحد في حق الجميع. ولا تتحقق الوحدة إلا إذا بنينا على جعل الدار اقل المتعارف في الشبر وفي مقدار رمي النبل. ولاجل الاختلاف في المتعارف وقع الخلاف في أن الغلوة أي

[ 397 ]

[ (مسألة 8): يسقط وجوب الطلب في ضيق الوقت (1). ] مقدار فحددها بعضهم بانها ثلاثمأة ذراع بذراع اليد إلى اربعمائة ذراع، وذكر بعض آخر أن الفرسخ خمس وعشرون غلوة فالغلوة واحد من خمس وعشرين جزءا من الفرسخ وعليه تبلغ الغلوة خمسمأة ذراع إلا قليلا لان الفرسخ اثنى عشر الفا من الاذرع المتعارفة وهو خمس وعشرون غلوة فالغلوة الواحدة تبلغ خمسمأة ذراع إلا قليلا، وقد بينا سابقا أنه بناءا على أن الاصل في المسألة هو اصالة الاشتغال لابد من الاخذ في وجوب الفحص بالمقدار المتيقن وهو الاكثر - أي خمسمأة ذراع - وفيما زاد عليه يرجع إلى الرواية الدالة على عدم وجوب الفحص في الزائد عن الغلوة، واما بناءا على أن الاصل في المسألة هو استصحاب عدم الوجود أو عدم التمكن فينعكس الحال ويؤخذ فيما دلت عليه الرواية من وجوب الفحص بالمقدار المتيقن وهو ثلاثمأة ذراع وفي الزائد عنها يرجع إلى الاستصحاب لعدم العلم بسقوطه فيما زاد عن ثلاثمأة ذراع. عند الضيق يسقط وجوب الطلب: (1) وهذا مما لاإشكال فيه إلا أن المستند في ذلك ليس هو حسنة زرارة (1) الدالة على الامر بالطلب في مجموع الوقت وإذا لم يجده وخاف فوت الوقت تيمم وصلى.


(1) تقدمت في المسألة الخامسة.

[ 398 ]

[ (مسألة 9): إذا ترك الطلب حتى ضاق الوقت عصى لكن الاقوى صحة صلاته حينئذ (1) ] وذلك لاختصاصها بما إذا خاف فوت الوقت بعد الفحص والطلب وهو خارج عما نحن فيه - اعني ما إذا خاف فوت الوقت من الابتداء وقبل الطلب والفحص - كما انه وليس ما دل على وجوب التيمم من دون فحص إذا خاف اللص أو السبع لعدم دلالته على مشروعية التيمم من دون فحص إذا خاف فوت الوقت من الابتداء. بل الوجه فيه: هو قطعنا بكون المكلف مأمورا بالصلاة وبعدم سقوطها عنه حال فقدانه الماء هو وغيره متمكن من استعماله وجدانا - ولو على تقدير وجود الماء واقعا - لخوف ضيق الوقت فيشمله اطللاق الآية والاخبار والواردة في أن فاقد الماء يتيمم ويصلي. إذا ترك الطلب حتى ضاق الوقت: (1) في هذه المسألة امران: (أحداهما): انه إذا ترك الطلب حتى ضاق الوقت عصى. و (ثانيهما): انه مع عصيانه تصح منه الصلاة. أما الامر الاول فالحكم بعصيان المكلف بتركه الفحص على نحو الاطلاق يبتني على ما اخترناه من أن الامر بالفحص أمر طريقي

[ 399 ]

يعني انه واجب بوجوب شرعي ظاهري انشأ بداعي تنجيز الواقع وانه المانع من جريان الاستصحاب في المقام، فان المكلف على هذا مأمور بالفحص ظاهرا عللى نحو الاطلاق فلو خالفه عد ذلك منه عصيانا ومخالفة لذلك الامر الظاهري ولا فرق في كون المخالفة عصيانا بين المخالفة للحكم الواقعي والمخالفة للحكم الظاهري. واما إذا بنينا على أن الاصل الجاري في المسألة هو الاشتغال والامر بالفحص امر ارشادي فلا يكون ترك الفحص عصيانا مطلقا بل فيما إذا كان بحث لو فحص وجد الماء واقعا، وأما لو كان في الواقع على نحو لم يكن واجدا للماء حتى لو فحص فلا عصيان في البين لعدم كونه واجدا للماء واقعا نعم هي مخالفة للعقل مطلقا لاستقلاله - بناءا على هذا - على لزوم الفحص مطلقا إلا أن مخالفته عند عدم كونه واجدا للماء - تجر والتجري مقابل العصيان لا أنه عصيان وأما الامر الثاني فان قلنا بصحة التيمم فيما لو علم أنه لو طلب لعثر فلابد من الالتزام بالصحة فيما إذا لم يعلم بذلك بل لو احتمله بطريق أولى. واما لو لم نقل بالصحة في صورة العلم بالعثور على تقدير الطلب فهل يحكم بصحة التيمم عند احتماله العثور على تقدير الطلب أم لا؟ الصحيح هو صحة التيمم في هذه الصورة وذلك لما قدمناه من أن الاصل الجاري في المقام هو استصحاب عدم وجود الماء أو عدم وجدانه وهو يقتضي عدم وجوب الفحص وصحة التيمم من غير فحص وانما خرجنا عنه من جهة الامر بالفحص في الاخبار فإذا سقط الامر به

[ 400 ]

بالعصيان لم يكن مانع من الاستصحاب وبه يثبت أن المكلف مامور بالتيمم فيقع منه صحيحا وان لم يفحص. واما في صورة العلم بالعثور عند طلبه فمقتضى القاعدة الاولية بطلان التيمم وسقوط الصلالة في حق المكلف لان التيمم على ما يستفاد من الآية وحسنة زرارة وغيرهما وظيفة الفاقد للماء بالطبع لا من كان واجدا له بطبعه وانما عجز نفسه عنه باختياره باهراقه أو تنجيس بدنه ليحتاج إلى تطهيره ولا يبقى له ماء يتوضأ أو غيره من الاسباب. وهذا ظاهر بالمراجعة إلى نظائره لدى العرف فلو أمر المولى عبده بطبخ طعام لو قدر عليه وبشئ آخر لو عجز عنه وكان قادرا على الطبخ لكنه عجز نفسه باختياره ليدخل في الامر بالشئ الآخر لم يكن معذورا لدى العرف. وفي مفروض الكلام لما كان المكلف متمكنا من الماء بفحصه ولم يفحص باختياره حتى ضاق الوقت وعجز عنه فيدخل في صدر الآية الآمر بالوضوء والغسل عند الوجدان ولا يشمله الامر بالتيمم لانه وظيفة الفاقد بالطبع لا بالاختيار، إلا أن العلم الخارجي الحاصل من الاجماع وحسنة ثانية لزرارة في المستحاضة اشتملت على قوله صلى الله عليه وآله للمستحاضة " لا تدعي الصلاة بحال " (1) يمنع عن الحكم بسقوط الصلاة بل لابد من الحكم بوجوب الصلاة مع التيمم لفقدانه الماء حينئذ. نعم الاحوط في صورتي العثور أو العلم به على تقدير الطلب هو القضاء خارج الوقت لاحتمال أن يكون الواجب في حقه


الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 401 ]

[ وان علم أنه لو طلب لعثر، لكن الاحوط القضاء خصوصا في الفرض المذكور. (مسألة 10): إذا ترك الطلب في سعة الوقت وصلتي بطلت صلاته (1) وان تبين عدم وجود الماء. نعم: لو حصل منه قصد القربة مع تبين عدم الماء فالاقوى صحتها (2). ] هو الصلاة مع الوضوء أو الغسل وقد فوتها على نفسه فيقضيها خارج الوقت إلا انه احتياط استحبابي لكونه آتيا بالمأمور به في حقه ظاهرا، (1) البطلان في كلامه هو البطلان الظاهري وهو كما أفاده " قده " لان العقل لا يكتفي بالتيمم بلا فحص لانه امتثال إحتمالي فعمله باطل ظاهرا. إذا طلب ولم يجد الماء وتبين وجوده بعد الصلاة: (2) كما إذا أتى به برجاء المطلوبية وذلك لان المعتبر في العبادة أمران: أحدهما: أن يكون مأمورا بها وهو موجود في المقام لان المفروض انه فاقد للماء واقعا ووظيفة الفاقد التيمم وهو منه مأمور به. وثانيهما: إضافته إلى المولى نحو إضافة وهي متحققة أيضا على الفرض لانه أتى به برجاء كونه مأمورا به في حقه وهو كاف في

[ 402 ]

[ (مسألة 11): إذا طلب الماء بمقتضى وظيفته فلم يجد فتيمم وصلى ثم تبين وجوده في محل الطلب - من الغلوة أو الغلوتين أو الرجل أو القافلة - صحت صلاته ولا يجب القضاء أو الاعادة (1). ] صحة الاضافة إلى الله سبحانه. (1) وذلك لان المكلف قد أتى بها هو الواجب في حقه وهو التيمم بعد الفحص عن الماء والمدار على عدم التمكن من الماء لا على عدم وجوده فان وجود الماء واقعا لا أثر له في المقام وانما الموضوع للامر بالتيمم من لم يتمكن من الماء وهذا متحقق في المقام أيضا - ومع الاتيان بما هو الوظيفة في حقه لا وجه لوجوب القضاء عليه إذا تبين وجود الملاء في محل الطلب - هذا كله بحسب القضاء. واما الاعادة فمقتضى كلام الماتن (قده) عدم وجوبها بل قد يدعى أنه من صغريات مسألة من صلى بتيمم صحيح لا تجب عليه الاعادة حسبما دلت عليها النصوص الكثيرة. ولعله لما قدمناه من أن المعتبر انما هو عدم التمكن من الماء لا عدم وجوده والمفروض ان المكلف قد طلب الماء ولم يجده فلم يكن متمكنا من استعماله فيلزمه حينئذ التيمم وقد أتى به فلا موجب للاعادة إذا انكشف وجود الماء واقعا لانه أتى بما هو الوظيفة في حقه. وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لا لان المدار على عدم وجود الماء فان المعتبر في وجوب التيمم انما هو عدم التمكن من استعماله لا عدم وجوده كما تقدم الكلام فيه بل لان المستفاد من

[ 403 ]

[ (مسألة 12): إذا اعتقد ضيق الوقت عن الطلب فتركه وتيمم وصلى ثم تبين سعة الوقت لا يبعد صحة صلاته وان كان الاحوط الاعادة (1). صحيحة زرارة المتقدمة والآية المباركة (1) هو أن المعتبر في الامر بالتيمم انما هو العجز عن استعمال الماء في مجموع الوقت - أي عدم التمكن من الصلاة مع الطهارة المائية - وحيث ان المأمور به من الصلاة هو الطبيعي فلا مناص من أن يلاحظ التمكن من الماء وعدمه بالنسبة إلى الطبيعي الواقع بين الحدين فلا يعتنى بعدم التمكن من الاستعمال في زمان ما. وعليه إذا عجز عن الماء في زمان فتيمم وصلى ثم وجد الماء كشف ذلك عن عدم كونه مأمورا بالتيمم واقعا فلابد من أن يعيد صلاته مع الطهارة المائية وقد قدمنا أن المكلف لابد من أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فلو أتى بها قبل ذلك ثم عثر على الماء وجبت الاعادة عليه في الوقت لانه لم يأت بما هو الواجب عليه في حقه. إذا اعتقد ضيق الوقت فتبين خلافه: (1) لم يستبعد الماتن (قده) الحكم بصحة صلاته في مفروض المسألة إلا انه حكم بعدئذ بوجوب الاعادة أو القضاء فيما إذا ترك


(1) تقدمتا في المسألة الخامسة.

[ 404 ]

الطلب باعتقاد عدم الماء فتبين وجوده، والذي يمكن أن يكون وجها لذلك أحد أمرين: " أحدهما " صحيحة زرارة المتقدمة (1) الدالة على أن المكلف إذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت. نظرا إلى أنها دلت على وجوب الصلاة مع التيمم عند خوف فوات الوقت وأن الخوف له موضوعية في الحكم بوجوب الصلاة مع التيمم والخوف يحتمل معه الخلاف بأن لا يكون الوقت فائتا بل موسعا. ومعه تدلنا الرواية على وجوبها مع التيمم عند اعتقاد ضيق الوقت بطريق أولى لانه مع هذا الاعتقاد لا يحتمل بقاء الوقت وسعته وهو محتمل مع الخوف وعليه لا يجب على المكلف الاعادة ولا القضاء عند انكشاف سعة الوقت. وذلك لا طلاق الامر بالصلاة مع التيمم عند الخوف من الفوات الوقت. و " ثانيهما ": أن يقال ان المكلف عند اعتقاده ضيق الوقت عن الطلب يكون محكوما من قبل العقل بالصلاة مع التيمم لوجوب الخروج عن عهدة الامر بالصلاة وبما انه فاقد الماء فيلزمه العقل بالاتيان بها مع التيمم. ومعه يكون عاجزا عن الماء وطلبه لعدم امكان اجتماع الامر بالصلاة مع التيمم مع الامر بالطللب وقد تقدم سقوط الطلب عند العجز عنه لانه طريق إلى الصلاة مع الوضوء. ومع العجز عن الطلب يسقط الامر بالطلب ويرد على الوجه الاول: أن الصحيحة انما تدل على أن المكلف


(1) تقدمت في المسألة الخامسة:.

[ 405 ]

إذا خاف فوت الوقت صلى في آخر الوقت متيمما وصلاته حينئذ مأمور بها فلابد من النظر فيها إلى أن الخوف هل هو موضوع للحكم بوجوب الصلاة مع التيمم أو أنه طريق إلى ضيق الوقت ليصح التعدي عن موردها - على الاول - إلى ما نحن فيه. والصحيح أن الخوف قد أخذ طريقا إلى ضيق الوقت واقعا وليس له موضوعية في الحكم بوجوب الصلاة مع الطهارة الترابية وذلك بقرينتين. احداهما: قوله " خاف أن يفوته الوقت " (1) فان ظاهره وقت الصلاة فدلت هذه الجملة على أن فوت الوقت الواقعي هو الموجب للحكم بوجوب الصلاة مع التيمم والفوت طريق إليه. وثانيهما: قوله " وليصل في آخر الوقت " (2) فان المراد بالوقت فيها هو الوقت المذكور قبله - اعني وقت الصلاة لا وقت الخوف كما لا يخفي - وهذا يدلنا أيضا على أن المقدار على نفس الوقت، والخوف طريق إليه ولا موضوعية لا في الحكم ليمكننا التعدي إلى ما نحن فيه. وعلى الجملة: ان مفروض الصحيحة ما إذا صلى آخر الوقت ولا يتصور معه إنكشاف سعة الوقت بعد الصلاة - في الوقت - وإلا لم يكن صلى آخر الوقت بل قبله وهو قبر ما نحن فيه - اعني ما إذا اعتقد ضيق الوقت ثم انكشف سعته - فدلت الصحيحة على أن من خاف فوت الوقت وصلى آخر الوقت لم يجب عليه القضاء. فلو صلى من غير طلب باعتقاد الضيق ثم انكشف سعة الوقت


(1) و (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 14 من أبواب التيمم ح 3 وقد ذكرت جزء منها في باب 1 ح 1 من الجزء.

[ 406 ]

لابد من الحكم بوجوب الاعادة عليه في الوقت فلا دلالة للصحيحة على صحة الصلاة عند انكشاف سعة الوقت ليتكلم في أن الخوف مأخوذ فيها موضوعا أو طريقا إلى الضيق ليمكننا - على الثاني - التعدي عن موردها إلى المقام - اي صورة اعتقاد الضيق - بالاولوية. ويرد على الوجه الثاني: أن العجز عن الطلب وان كان يوجب سقوطه كما مر، والعجز العقلي كالتعجير الشرعي إلا أن الكلام في المقام ليس من هذا القبيل انما هو خيال العجز وصورته. وأما بحسب الواقع فلا معجز في البين لانه انما عجز باعتقاد ضيق الوقت من دون أن يكون ضيق واقعا ومع انكشاف السعة لابد من الاعادة نعم لو انكشف ذلك بعد الوقت لم يجب عليه القضاء لانه أتى بما هو وظيفته وقت الصلاة، وترك الطلب حسب اعتقاده هذا كله في صورة اعتقاده الضيق. وأما إذا اعتقد عدم الماء وترك الطلب لاجله ثم تبين وجوده فوجوب الاعادة أولى واظهر من الصورة السابقة إذ لا نص في تلك الصورة ولا هناك معجز عقلي أو شرعي من الطلب لان اعتقاد عدم الماء لا يلزمه بالصلاة مع التيمم. بل هو مرخص له في أن يصلي مع التيمم أو ينتظر آخر الوقت ويصلي مع الماء بعد الانكشاف. نعم إذا كان الانكشاف بعد انقضاء الوقت لم يجب عليه القضاء لعدم تمكنه من الطلب في الوقت حسب اعتقاده عدم الماء، وهو مأمور حينئذ بالصلاة مع الطهارة الترابية وقد أتى بما هو وظيفته فلا قضاء عليه.

[ 407 ]

[ أو القضاء (1) بل لا يترك الاحتياط بالاعادة. وأما إذا ترك الطلب باعتقاد عدم الماء فتبين وجوده وأنه لو طلب لعثر فالظاهر وجوب الاعادة أو القضاء. ] الاحتياط بالاعادة أو القضاء: (1) إن أراد بهذه العبارة أن المكلف إذا اعتقد عدم الماء فتيمم وصلى ثم انكشف وجوده في الوقت وجبت الاعادة عليه كما عرفت فان تواني وفاته الوقت وجب أن يقضيها خارج الوقت فهو أمر صحيح لكونه مكلفا بالاعادة في الوقت وحيث لم يأت بها في وقتها وجب أن يقضيها خارج الوقت. إلا أن هذا خلاف ظاهر العبارة. وان أراد بها أن الانكشاف إذا كان خارج الوقت وانه يقضيها حينئذ - كما ظاهر العبارة - فيدفعه: ما أشرنا إليه من أن المكلف في مفروض الكلام لم يكن مكلفا بالوضوء في وقت الصلاة لعدم تمكنه منه حسب إعتقاده عدم الماء فانه مع هذا الاعتقاد لا يكون مستوليا على الماء ومتمكنا من استعماله. لان الافعال الاختيارية انما تتبع الصور الذهنية ولا تتبع الواقع ونفس الامر، ومن هنا قد يموت الانسان عطشا والماء في رحله

[ 408 ]

[ (مسألة 13): لا يجوز اراقة الماء الكافي للوضوء أو الغسل بعد دخول الوقت إذا علم بعدم وجدان ماء آخر (1) ولو كان على وضوء على يجوز له ابطاله إذا علم بعدم وجود الماء. ] لعدم علمه بالحال، ومن هذا شأنه مكلف بالتيمم دون الوضوء ومع عدم كونه مأمورا بالوضوء في الوقت لا موجب للقضاء عليه إذا كان الانكشاف بعد الوقت. عدم جواز اراقة الماء عند العلم بعدم الوجدان: (1) والامر كما أفاده " قده " والوجه فيه: أن المراد بالفقدان وعدم وجدان الماء في الآية المباركة الذي هو موضوع الحكم بوجوب التيمم هو الفقدان بالطبع لا الفقدان بالاختيار. فان الظاهر المستفاد من الآية المباركة وغيرها من الجمل المشتملة على الامر بالشئ وعلى الامر بشئ آخر على تقدير العجز عن الاول والاضطرار إلى تركه: أن الفعل الثاني بدل إضطراري لا أنه بدل إختياري بحيث يتمكن المكلف من الابتداء بين الاتيان بالاول وبين تعجيز نفسه عنه والاتيان بالثاني. بل الثاني لا ينتقل إليه إلا فيما إذا كان الاول غير مقدور بطبعه فإذا عجز نفسه عنه بالاختيار لم يشمله الامر بالفعل الثاني لكونه مختصا بما إذا كان الاول غير ممكن بالطبع، وعليه فليس للمكلف

[ 409 ]

بعد دخول الوقت أن يهرق الماء أو ينقض طهارته ليدخل بذلك تحت فاقد الماء فيتيمم ويصلي. بل مقتضى الجمود على ظاهر الآية سقوط الصلاة عن المكلف حينئذ لانه غير متمكن من الوضوء على الفرض ولا أمر بالتيمم في حقه لانه فاقد بالاختيار لا بالطبع فهو كفاقد الطهورين تسقط عنه الصلاة، إلا أن الاجماع القطعي وما ورد (1) في المستحاضة من أنها لا تدع الصلاة بحال يمنعنا عن ذلك ويدلنا على أن الصلاة لا تسقط في أي صورة، وانما تصل النوبة إلى المرتبة النازلة من المرتبة المعسورة ولا جله نحكم في المقام بوجوب الصلاة مع التيمم في مفروض الكلام وان عصى باراقة الماء أو بنقض الطهارة:. وهذا الذي ذكرناه - من أن التيمم انما يجب عند الفقدان بالطبع - لا ينافي ما دل على أن الصلاة مع التيمم تامة الملاك وواجدة لجميع ما تشتمل عليه الصلاة مع الوضوء من الملاك كقوله (ع) " رب الصعيد والماء واحد " (2)، والوجه في عدم التنافي: أن الصلاة مع التيمم انما تكون واجدة للملاك التام فيما إذا كان المكلف فاقدا للماء بالطبع لا فيما إذا كان فاقدا بالاختيار.


(1) تقدمت في المسألة العاشرة. (2) الوسائل: ج 1 باب 3 من أبواب التيمم ح 1 و 2 فانهما بهذا المضمون.

[ 410 ]

[ بل الاحوط عدم الاراقة وعدم الابطال قبل الوقت أيضا مع العلم بعدم وجدانه بعد الوقت (1). هل يجب القضاء في محل الكلام: ثم انه هل يجب القضاء على المكلف - في مفروض المسألة - بأن يصلي مع التيمم في الوقت ويقضيها مع الوضوء خارج الوقت؟ قد يقال بذلك نظرا إلى أن المكلف لم يأت بما هو الواجب عليه في وقته ولكن الصحيح عدم وجوب القضاء. وذلك لانه انما يجب فيما إذا فات الواجب المكلف في ظرفه. وهذا مفقود في المقام لان المفروض أن المكلف أتى بأصل الصلاة ولم تفته الصلاة بأصلها وانما الاخلال واقع في شرطها ونظيره ما إذا عجز نفسه عن القيام في الصلاة بالاختيار فصلى قاعدا فانه وان عصى لكن صلاته صحيحة ولا يجب عليه القضاء لاتيانه باصل الصلاة. نعم الاحوط القضاء كما ذكره الماتن (قده). اراقة الماء قبل الوقت: (1) هل يجوز اراقة الماء وابطال الطهارة قبل الوقت إذا علم تمكنه من الطهارة بعد الوقت أو لا يجوز؟

[ 411 ]

مقتضى الاصل هو الجواز، إلا انا ذكرنا في بحث المقدمات المفوتة أن مخالفة التكليف كما تعد عصيانا ومخالفة للمولى وهو قبيح موجب لاستحقاق العقاب كذلك هي تفويت للغرض الملرم وهو قبيح كالعصيان، وعليه ففي موارد احراز الملاك لا يجوز تعجيز المولى عن الامر بما فيه الملاك الملزم باراقة الماء وتعجيز النفس عن الوضوء أو الغسل. إلا أن ذلك في مورد العلم بوجود الملاك الملزم وهو غير محرز في المقام لان الطريق إلى استكشاف الملاك هو الامر، ولا أمر بالصلاة مع الوضوء في حق المكلف في المقام لانه من التكليف بما لا يطاق لانه قد عجز نفسه عن الوضوء فلا يمكن الامر به. وليس الامر بالصلاة مع الوضوء من الواجب المعلق ليكون وجوبها فعليا ولو قبل وقتها ويكون الواجب متأخرا وذلك لانه وأن كان ممكنا لكنه خلاف ظاهر الدليل ولا اشكال في أن ما دل على وجوب الصلاة بعد الزوال ظاهره الوجوب بعد تحقق شرطه لا أن وجوبها فعلي والتأخر في شرطها. فلا أمر حتى نستكشف الملاك منه، ومعه تتوقف دعوى وجود الملاك الملزم على علم الغيب. بل يمكن ان يقال: ان قوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا... " (1) وقوله (ع) " إذا زالت الشمس فقد وجبت الصلاة والطهور " (2) يدلان على أنه لا ملاك فيهما قبل الوقت.


(1) سورة المائدة: 5: 6. (2) الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت.

[ 412 ]

[ ولو عصى فأراق أو ابطل يصح تيممه وصلاته وان كان الاحوط القضاء، (مسألة 14): يسقط وجوب الطلب إذا خاف على نفسه أو ماله من لص أو سبع أو نحو ذلك كالتأخر عن القافلة، وكذا إذا كان فيه حرج أو مشقة لا تتحمل (1). (مسألة 15): إذا كانت الارض في بعض الجوانب حزنة وفي بعضها سهلة يلحق كلا حكمه من الغلوة أو الغلوتين (2). (الثاني): عدم الوصلة إلى الماء الموجود (3) لعجز ] اذن لا يجب حفظ القدرة بالتحفظ على الماء أو الطهور قبل دخول وقتها. (1) تقدم الكلام عليه فلا نعيد. (1) قدمنا الكلام فيه مفصلا ولا حاجة إلى اعادته. (2) إما لمانع تكويني لهرم أو لوجوده في مكان مقفل لا يقدر على فتحه، واما لمانع شرعي كما إذا خيف في المكان من سبع أو لص أو نحوهما لان تعريض النفس إلى الهلاك غير واجب بل غير جائز. وقد تقدم أن قوله تعالى " فلم تجدوا ماء " يعني عدم التمكن من استعمال الماء لا بمعنى عدم وجود الماء بقرينة قوله تعالى " وان كنتم مرضى " في الآية الكريمة والمريض غالبا لا يتمكن من استعمال الماء مع وجوده عنده، لا أنه يفقد الماء، إذن مع عدم الوصلة إلى الماء يجب عليه التيمم.

[ 413 ]

[ من كبر أو خوف من سبع أو لص أو لكونه في بئر مع عدم ما يستقى به من الدلو والحبل وعدم امكان اخراجه بوجه آخر ولو بادخال ثوب واخراجه بعد جذبه الماء وعصره (1). (مسألة 16): إذا توقف تحصيل الماء على شراء الدلو أو الحبل أو نحوهما أو استيجارهما أو على شراء الماء أو اقتراضه وجب (2). ] (1) يأتي التعرض لحكم ذلك قريبا إن شاء الله تعالى. إذا توقف تحصيل الماء على بذل المال: (2) إذا توقف تحصيل الماء على شرائه وجب الشراء لانه وصلة إلى الماء بأمر مقدور للمكلف ومع التمكن من شرائه يكون المكلف واجدا ومتمكنا من الماء. ولو فرضنا أن المالك لا يبيعه إلا بأضعاف قيمته فهل يجب شراؤه باضعافها كما إذا كانت قيمته درهما وطلب المالك الف درهم؟ مقتضى قاعدة " لا ضرر " عدم الوجوب لانه ضرر مالي لم يجعل في الشريعة المقدسة، لكن مقتضى صحيحة صفوان وغيرها وجوب الشراء ولو باضعاف قيمة الماء وقد ذكر (ع) في الصحيحة أنه قد ابتلي به وأن ما يشتريه من الماء شئ كثير (1).


(1) الوسائل: ج 2 باب 26 من أبواب التيمم.

[ 414 ]

بمعنى أن المكلف يتخيل أنه بذل مالا كثيرا بازاء شئ قليل لكنه في الواقع دفع مالا كثيرا بازاء مال كثير، وهذا النصوص مخصصة للقاعدة في موردها وهو شراء الماء للوضوء. ونتعدى عنه بتنقيح المناط إلى شراء الدلو وغيره من الآلات ايضا لان الدلو ونحوه وان كان يتخيل انه شئ زهيد فلا يقابل بالمال الكثير لكن الصحيحة دلتنا على أنه شئ كثير لانه بتنقيح المناط يستفاد أن ما يبذل بازائه المال إذا كان وصلة إلى الوضوء المأمور به شئ كثير وان كان غير الماء، نعم لا يمكننا التعدي إلى ما إذا كان له مال كثير لو ذهب لتحصيل الماء أخذه اللص أو ذهب هدرا فلا يجب عليه الذهاب لتحصيله لاستلزامه الضرر عليه وليس في مقابلة شئ ليقال انه كثير. وكذا الحال فيما إذا كان له عباءة أو ثوب يسوى قيمة معتدا بها لا يمكنه الحصول على الماء إلا بشقه وجعله دلوا فانه ضرر مالي ليس واجبا على المكلفين ولا تشمله الصحيحة لانه ليس من الشراء في شئ. ولو فرضنا أنه متمكن من الشراء ولو باضعاف قيمته إلا انه مديون لشخص لا يتمكن من أداء دينه علما أو ظنا على تقدير شرائه الماء لم يجب عليه الشراء لانه إتلاف لحق الدائن، وهو حرام والصحيحة انما دلت على أن المال المبذول بازاء ماء الوضوء لا يذهب هدرا فانه شئ كثيرا أيضا، ولا دلالة لها على جواز إتلاف حقوق الناس.

[ 415 ]

[ ولو باضعاف العوض ما لم يضر بحاله (1) وأما إذا كان مضرا بحاله فلا، كما أنه لو امكنه اقتراض نفس الماء أو عوضه مع ا لعلم أو الظن بعدم إمكان الوفاء لم يجب ذلك (2). ] إذا كان شراء الماء حرجيا: (1) أي ما دام لم يكن بذل المال الكثير بازاء ماء الوضوء حرجيا في حقه كما لو كان متمكنا من بذل أضعاف قيمة الماء إلا انه لو بذله لم يتمكن من اعاشة نفسه وعياله فلا يمكنه ادارتهم فيقع في العسر والخرج وهما منفيان في الشريعة المقدسة. وهذا هو مراد الفقهاء بقولهم " ما لم يضر بحاله " بعد العلم بأن الشراء ضرر مالي على كل حال إلا أنه إذا كان زائدة على الضرر المالي حرجا عليه لا يجب شراؤه عليه. ولا فرق في الحرج بين الفعلي منه والاستقبالي كما لو كان عنده مال ليس موردا لحاجاته فعلا لكنه سيحتاج إليه في الشتاء مثلا فانه لا يجب عليه بذله لشراء الماء لوقوعه في الحرج مستقبلا في الشتاء، (2) لان الاقتراض وان لم يشترط فيه التمكن من الاداء إلا انه بعد الاقتراض مطالب بالاداء فلو لم يؤد حق الدائن وصرفه في شراء ماء الوضوء عد هذا إذهابا واتلافا لحق الناس وهو غير جائز.

[ 416 ]

[ (مسألة 17): لو امكنه حقر البئر بلا حرج (1) وجب كما انه لو وهبه غيره بلا منة ولا ذلة وجب القبول (2). (الثالث): الخوف من استعماله على نفسه (3) ] (1) كما يتفق في بعض القرى والبلدان وذلك لان الماء موجود تحت الارض وهو متمكن من الوصول إليه فيجب الحفر لصدق تمكنه من الماء. (2) بل يجب الاستيهاب لانه مثل قبول الهبة وصلة إلى الماء وهو متمكن منها فيجبان نعم لو كان فيهما - قبول الهبة أو الاستيهاب - منة وصعوبة عليه لا يجبان لانه عسر في حقه. الثالث من مسوغات التيمم: (3) ويدل على ذلك: قوله تعالى " وان كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا " (1) لما قدمناه من أن المسافر قد يكون فاقدا للماء حقيقة وواقعا إلا أن المريض غالبا ما يكون واجدا للماء حقيقة لكنه لا يتمكن من استعماله، فالمراد من عدم الوجدان هو عدم التمكن من استعماله لكونه موجبا لشدة المرض أو بطئه أو صعوبة علاجه أو غير ذلك من


(1) سورة النساء: 4: 43.

[ 417 ]

الامور علما أو احتمالا إذ لو كان استعماله لا يؤثر في اللاحق وجب أن يتوضأ لعدم كونه مضرا في حقه، اذن المدار في وجوب التيمم هو احتمال كون الماء مضرا وموجبا لشدة المرض أو لغيرها، ولا فرق بين سبق المرض وعدمه فالمدار على احتمال الضرر. ويدل على الاخبار الواردة في المجذوم والكسير والقريح (1) الدالة على انهم يتيممون إذ لا وجه له سوى احتمالهم كون الماء مؤثرا في الجذام أو الكسر أو القرحة (في اللاحق) وفي بعض الاخبار (2) أنه لو خاف على نفسه البرد تيمم فتدلنا هذه الاخبار على الانتقال إلى التيمم عند احتمال الضرر بلا فرق بين سبق المرض ولحوقه. كما يمكن الاستدلال عليه بادلة نفي الحرج لان إلزام المكلف بالوضوء أو الغسل مع احتمال كونه مضرا بحاله كما لو استلزم العمى فيما لو توضأ أو اغتسل من بعينه الرمد موجب للعسر والحرج وهما منفيان في الشريعة المقدسة. نعم لا مجال للاستدلال عليه بحديث " لا ضرر " (3) بل الاستدلال به من عجائب الكلام وذلك لانه لا علم بالضرر في موارد الخوف وكلامنا في مسوغية الخوف نعم الضرر محتمل عند الخوف وليس بمعلوم ومع عدم احراز الضرر كيف يتمسك بحديث " لا ضرر " فانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف العام ولا


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب التيمم. (2) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب التيمم ح 7 و 1. (3) راجع الوسائل: ج 12 باب 17 من أبواب الخيار.

[ 418 ]

[ أو عضو من اعضائه بتلف أو عيب أو حدوث مرض أو شدته أو طول مدته أو بطء برئه أو صعوبة علاجه أو نحو ذلك مما يعسر تحمله عادة، بل لو خاف من الشين (1) الذي يكون تحمله شاقا (2) تيمم، والمراد به: ما يعلو البشرة من الخشونة المشوهة للخلقة أو الموجبة لتشقق الجلد وخروج الدم، ويكفي الظن بالمذكورات أو الاحتمال الموجب للخوف (3) سواء حصل له من نفسه أو من قول ] يقول به احد. وانما يرى جوازه من ذهب إليه في الشبهة المصداقية من طرف المخصص. بل مقتضى الاستصحاب عدم تحقق الضرر، نعم لا بأس باستدلال المحقق الهمداني (قده) في المقام بما دل على نفي العسر والحرج كما تقدم. (1) وهو المعبر عنه بالسوداء ونحوه. (2) حرجيا اما من جهة التطهير والوضوء أو لاجل كونه في الوجه واليدين وتشويه الخلقة فيما يظهر للناس مما يصعب تحمله وهو امر حرجي. واما إذا لم يكن تحمله حرجيا كما لو كان على بدنه فيما لا يراه الناس ولا يحتاج إلى تطهيره في اليوم خمس أو ثلاث مرات فلا ينتقل الامر إلى التيمم لانه ليس مرضا وهو متمكن من استعمال الماء بلا موجب للخوف من ضرر الماء فلا يشمله شئ من الادلة. (3) اعني الاحتمال العقلائي.

[ 419 ]

[ طبيب أو غيره وان كان فاسقا أو كافرا (1) ولا يكفي الاحتمال المجرد (2) عن الخوف، كما انه لا يكفي الضرر اليسير الذي لا يعتني به العقلاء (3) وإذا امكن علاج المذكورات بتسخين الماء وجب ولم ينتقل إلى التيمم (4) (مسألة 18): إذا تحمل الضرر وتوضأ أو اغتسل (5) ] (1) إذا لا تعتبر العدالة في الطبيب وغيره بل المدار على حصول الخوف من قوله. (2) إذ مع عدم الخوف لا يندرج الاحتمال المجرد تحت شئ من الادلة المتقدمة. (3) كما إذا استلزم الوضوء الاستبراد دقيقة وأحدة مع ارتفاعه بعدها، وذلك لعدم كونه ضررا عند العقلاء فلا يشمله شئ من الادلة المتقدمة، (4) لان الواجب هو الوضوء بطبيعي الماء، والمدار على التمكن من استعمال الطبيعي والمفروض تحققه في المقام فانه بتسخين الماء يتمكن من الوضوء والغسل ومعه لا ينتقل الامر إلى التيمم. (5) ذكرنا أنه بعد فرض وجود الماء والتمكن من استعماله إذا احتمل الضرر في الوضوء أو الاغتسال ساغ له التيمم بدلا عنهما، والضرر قد يكون في مقدمة الغسل أو الوضوء من دون أن يكون في نفسهما ضرر، وقد يكون الضرر في نفسهما. أما الصورة الاولى: فلو تحمل الضرر وارتكب المقدمة ولا

[ 420 ]

[ فان كان الضرر في المقدمات - من تحصيل الماء ونحوه - وجب الوضوء أو الغسل وصح، وان كان في استعمال الماء في احدهما بطل. ] ينبغي الشبهة في أن وظيفته الغسل أو الوضوء حينئذ لانه وان كان مأمورا بالتيمم قبل ارتكابه المقدمة لانه فاقد الماء بالمعنى المتقدم إلا أنه إذا تحمل الضرر في المقدمة ينقلب واجدا للماء لفرض عدم كونهما ضررين في نفسهما فهو من تبدل الموضوع ولا شبهة في صحة الغسل والوضوء حينئذ. وما الصورة الثانية - فقد صرح الماتن (قده) ببطلان الوضوء أو الغسل حينئذ وهو مبني على ما هو المعروف عندهم من أن الاضرار بالنفس محرم بل ذكر شيخنا الانصاري (قده) في البحث على قاعدة " لا ضرر " ان الاضرار بالنفس محرم شرعا وعقلا. ولما كان الوضوء أو الغسل ضرريين فهما مبغوضان للشارع والمبغوض لا يمكن أن يقع محبوبا ومقربا فيبطلان. إلا انا ذكرنا عند البحث عن قاعدة " لا ضرر ": أن المحرم انما هو الاضرار بالغير وأما الاضرار بالنفس فلم يقم على حرمته دليل فلا مانع من اكل الطعام الذي يجب المرض يوما أو يومين أو اكثر، اللهم إلا أن يكون الاضرار بالنفس مما نقطع بعدم رضا الشارع به كقتل النفس أو قطع الاعضاء أو نحوهما. وعليه فلو تحمل الضرر وتوضأ أو اغتسل فحكمه حكم الفرع

[ 421 ]

[ وأما إذا لم يكن استعمال الماء مضرا بل كان موجبا للحرج والمشقة - كتحمل ألم البرد أو الشين مثلا - فلا تبعد الصحة (1) ] الآتي - وهو ما إذا كان الوضوء أو الغسل حرجيا وتحمل الحرج فتوضأ أو اغتسل - نعم بناءا على أن الاضرار بالنفس محرم لا ينبغي التأمل في بطلانهما ولكن مع ذلك قد يقال بصحتهما حينئذ بدعوى أن نفس الوضوء أو الاغتسال ليس ضررا وانما هي غسل أو مسح وانما الضرر يترتب عليها فهما مقدمتان للضرر وقد بينا في محله أن مقدمة الحرام ليست محرمة حتى لو قلنا بوجوب مقدمة الواجب، ومع عدم حرمتها لا وجه لبطلانهما ولكنها تندفع بان الغسل أو الوضوء ليسا من المقدمة والضرر ذو المقدمة بل ترتبه عليهما من باب ترتب الافعال التوليدية على ما تتولد منه كالقتل المترتب على فري الاوداج وذلك لعدم كونها فعلين إختياريين يتوقف أحدهما على الآخر بل هما عنوانان يترتبان على فعل واحد فعل يترتب على أحدهما يترتب على الآخر. إذن فالغسلتان والمسحتان محكومتان بالحرمة لحرمة عنوانهما وهو الضرر، وهذا بخلاف المقدمة وذيها لانهما فعلان ومعنونان لا عنوانا لمعنون واحد، إذا تحمل الحرج والمشقة: (1) لان تحمل الحرج ليس من المحرمات وان كان تيممه صحيحا

[ 422 ]

[ وان كان يجوز معه التيمم لان نفي الحرج من باب الرخصة لا العزيمة. ولكن الاحوط ترك الاستعمال وعدم الاكتفاء به على فرضه فيتيمم أيضا. ] أيضا فهو في الحقيقة مخير بين الوضوء أو الاغتسال وبين التيمم. وكذلك تحمل الضرر - بناءا على اباحته كما مر. هذا ولكن المحقق النائيني " قده " ذهب إلى بطلانهما نظرا إلى أن الحكم بصحة وضوته وغسله حينئذ كالجميع بين المتناقضين لان موضوع وجوب الغسل أو الوضوء واجد الماء كما أن موضوع وجوب التيمم هو فاقده فالحكم بجوازهما في حقه يؤول إلى انه واجد الماء فلذا يصح غسله ووضوئه وانه فاقد الماء ولذا يصح تيممه، وهذا ما ذكرناه من لزوم الجمع بين المتناقضين إذ كيف يمكن أن يقال في وقت واحد: انه واجد الماء وفاقده. و (يدفعه): ان موضوع وجوب الغسل أو الوضوء وان كان واجد الماء بمعنى التمكن من استعماله، كما ان موضوع وجوب التيمم هو الفاقد له إلا أنه لا يلزم الجمع بين المتناقضين في الحكم بصحة كل من التيمم والوضوء والغسل حينئذ. وذلك لان المكلف في موارد الحرج وموارد الضرر المباح واجد للماء حقيقة وهو متمكن من استعماله بحيث لو كنا نحن والآية المباركة لحكمنا بوجوب الوضوء والغسل عليه إلا أن الشارع رفع عن المكلف الاحكام الضررية والحرجية امتنانا وأدلة نفي الحرج والضرر حاكمة على أدلة وجوب الوضوء أو الاغتسال للواجد.

[ 423 ]

والحكومة هي التخصيص بلسان نفي الموضوع فكأنه فرضه فاقدا للماء لا أنه فاقد له حقيقة لان نفي الحرج والضرر إمتنان لا يجعل المكلف فاقدا له حقيقة فهو حال كونه واجدا للماء مرخوص له بالتيمم أيضا إرفاقا وإمتنانا لا أنه واجد وفاقد للماء معا، وليس في هذا جمع بين المتناقضين ولا فيه شائبته. نعم انما تلزم هذه المناقشة إذا كان الواجد في جميع الموارد محكوما بوجوب الوضوء عليه والفاقد في جميع الموارد محكوما بوجوب التيمم عليه من غير تخلف وقد عرفت أن الامر ليس كذلك بل المكلف مع كونه واجدا للماء يمكن أن يكون مرخوصا بالتيمم امتنانا. والذي يكشف عما ذكرناه أن ذلك لو استلزم الجمع بين المتناقضين للزم الالتزام به في جميع موارد التخصيص من أول الفقه إلى آخره لانه في تلك الموارد يوجد حكمان، مع انه لا يلتزم به متفقه فضلا عن الفقيه إذ ليس هناك إلا موضوع واحد كان محكوما بحكم ثم حكم عليه بحكم ثان. فالمتحصل: ان كون المكلف مخيرا بين الغسل أو الوضوء وبين التيمم أمر ممكن لا إستحالة فيه ولا مانع من أن يكون مأمورا بالطهارة الاعم من المائية والترابية. وعلى الجملة: ان الحكم بجواز التيمم في حقه ليس لاجل فقدانه الماء بل لاجل الامتنان وإلا فهو واجد للماء حقيقة. نعم يقع الكلام في الدليل على ذلك فانه في موارد الضرر المباح والحرج مأمور بالتيمم وهو منه صحيح من دون كلام، وانما الكلام في صحة الغسل أو الوضوء الصادر منه فانه بعدما رفع الشارع الامر

[ 424 ]

بهما كيف يقعان صحيحين مع توقف صحة العبادة على وجود الامر بها، ويظهر من الماتن أن الوجه في الصحة هو ان الشارع انما رفع الالزام عن الغسل أو الوضوء وأما أصل المحبوبية والطلب فهو باق بحاله لاقتضاء الامتنان رفع الالزام والكلفة فقط لا رفع الجواز وأصل الطلب (لانه على خلاف الامتنان) فان رفع الضرر رخصة لا عزيمة، ومعه يقعان صحيحين لكونهما مأمورا بهما على الفرض. و (فيه): ان ما هو مجعول للشارع ليس إلا جعل الفعل على ذمة المكلف وان شئت قلت: المجعول هو إعتبار الذمة مشغولة بعمل مع الابراز وأما الالزام فهو من ناحية العقل المستقل بوجوب الطاعة على العبيد والتحرك بتحريك المولى ما دام لم يقارنه ترخيص من قبله. فإذا رفع الشارع مجعوله - وهو اعتبار الفعل على ذمة المكلف - فلا يبقى في البين شئ ويحتاج إثبات اصل المطلوبية والامر إلى دليل، وليس مجعول الشارع امرا مركبا من الطلب والالزام ليتوهم بقاء الاول بعد ارتفاع الثاني في مورد. هذا وقد يستدل على صحة الغسل والوضوء حينئذ بان دليلى نفي (1) الضرر والحرج انما ينفي الالزام دون الملاك ومعه يتصف الوضوء والغسل بالصحة وذلك لان الادلة الدالة على وجوب الغسل والوضوء لها دلالتان: مطابقية وهي كونهما مأمورا بهما، والتزامية، وهي كونهما ذا ملاك لان الاحكام الشرعية عند العدلية تابعة لما في متعلقاتها من الملاك فإذا علمنا بسقوط الدلالة المطابقية عن الحجية بادلة نفي الضرر


(1) تقدمت في المسألة المتقدمة.

[ 425 ]

والحرج لدلالتهما على نفي الوجوب وعدم الالزام بهما فتبقى الدلالة الالتزامية بحالها وحجيتها وهي تدل على كون الفعل ذا ملاك، وقد بينا في بعض المباحث المتقدمة ان العقل لا يفرق بين الامر والملاك ويرى المخالفة لكل منهما عصيانا وتمردا كما أن إطاعتهما لازمة، وعليه فبالملاك نحكم بصحة كل من الوضوء والغسل في مفروض الكلام. و (فيه): ما بيناه في مباحث التعادل والترجيح من أن الدلالة الالتزام كما تتبع الدلالة المطابقية حدوثا وثبوتا كذلك تتبعها حجية ولا تنفك عنها في الحجة، وقد مثلنا لذلك بأمثله منها ما إذا قامت البينة على ملاقاة شئ من النجاسات للماء أو على كون مال ملكا لزيد فمدلولها المطابقي هو الملاقاة وملكية المال لزيد ومدلولها الالتزامي نجاسة الماء وعدم ملكية المال لعمرو، فلو سقطت البينة عن الحجية في مدلولها المطابقي للعلم بعدم الملاقاة أو لاعتراف زيد بنفي المال عن ملكه فلا يمكننا الحكم بنجاسة الماء أو عدم كون المال ملكا لعمرو بدعوى ثبوتهما بالدلالة الالتزامية اذن ليس لنا في المقام أن نحكم بصحة الغسل أو الوضوء بالملاك وان ادعاه جملة من الاعلام. لكنه - مع هذا - فالصحيح ما افادا الماتن (قده) وذلك بوجه آخر: وهو ان ادلة نفي الحرج والضرر انما وردت للامتنان فيختصان بالاحكام الالزامية وحسب لانه في رفعها امتنان على الامة، ولا يشملان الاحكام الترخيصية من المستحبات ونحوها إذ المكلف بطبعه

[ 426 ]

[ (مسألة 19): إذا تيمم باعتقاد الضرر أو خوفه ] مرخص في تركها فلا يكون في رفعه عن المكلف منة فإذا كانت زيارة الحسين عليه الصلاة والسلام حرجية في وقت ما أو كانت ضررية فلا يشملها دليل لا ضرر أو لاحرج حينئذ. إذا عرفت ذلك فنقول: " ان للطهارات الثلاثة حيثيتين: " احداهما ": كونها قيدا للواجبات المشروطة بالطهارة وهي مورد الالزام من هذه الجهة لكونها شرطا في الواجب فلا مانع من الحكم بسقوطها عن القيدية بأدلة نفي الضرر والحرج عند كونها ضررية أو حرجية لانه في رفعها منة على العباد فيحكم ببركتها بعدم تقيد الواجب بها، و " ثانيهما ": كونها مستحبات نفسية وهي من هذه الجهة لا تشملها ادلة نفي الضرر والحرج لما تقدم من عدم شمولهما الاحكام الترخيصية، اذن فهي على استحبابها في موارد الضرر والحرج فان أتى المكلف بها وقعت مستحبة، ومع استحبابها يحكم على المكلف بالطهارة فلو صلى معها وقت صلاته صحيحة لكونها واجدة لشرط الطهور. وعليه فما افاده الماتن (قده) هو الصحيح ونتيجته كون المكلف مخيرا بين الطهارة المائية والترابية في تلكم الموارد للوجه الذي بيناه لا لما يظهر من الماتن.

[ 427 ]

[ فتبين عدمه صح تيممه وصلاته (1) ] إذا تيمم باعتقاد الضرر: (1) الصور المتعقلة في المقام اربع. وذلك لان المكلف عند خوف الضرر أو اعتقاده اما أن لا يعمل على طبق وظيفته الفعلية - كما لو اعتقد أو خاف الضرر من الغسل أو الوضوء وكانت وظيفته التيمم لكنه لم يعمل على طبق وظيفته الفعلية فاغتسل أو توضأ - أو أنه لم يحتمل ولم يعتقد الضرر فيهما ووجب عليه الغسل أو الوضوء لكنه لم يعمل على طبق وظيفته الفعلية فتيمم ثم انكشف الخلاف وانه لا ضرر في الغسل والوضوء أو فيهما الضرر. - واما أن يعمل على طبق وظيفته الفعلية - كما إذا اعتقد أن في الغسل أو الوضوء ضررا عليه أو خاف منهما فتيمم ثم انكشف عدم الضرر فيهما، أو اعتقد أن لا ضرر فيهما ولم يخف من استعمال الماء فاغتسل أو توضأ ثم انكشف وجود الضرر فيهما وأن اللازم عليه هو التيمم - أما إذا لم يعمل على طبق وظيفته الفعلية فلا ينبغي الاشكال في بطلان عمله ولزوم الاعادة عليه - سواء انكشف الخلاف أم لم ينكشف. فأما إذا لم ينكشف الخلاف فلوضوح انه بحسب مرحلة الامتثال لم يأت بما هو اللازم في حقه فلا يمكنه الاكتفاء بما أتى به.

[ 428 ]

[ نعم لو تبين قبل الدخول في الصلاة وجب الوضوء أو الغسل وإذا توضأ أو اغتسل باعتقاد عدم الضرر ثم تبين وجوده صح لكن الاحوط مراعاة الاحتياط في الصورتين وأما إذا توضأ أو اغتسل مع اعتقاد الضرر أو خوفه لم يصح وان تبين عدمه. كما أنه إذا تيمم مع اعتقاد عدم الضرر لم يصح وان تبين وجوده. ] واما إذا انكشف الخلاف وظهر أن ما أتى به على خلاف وظيفته الفعلية هو المطابق للواقع فلانه - مع اعتقاد أن ما يأتي به خلاف الواجب في حقه - لا يتأتى منه قصد القربة فيقع ما أتى به باطلا لا يمكن الاجتزاء به. واما إذا عمل على طبق وظيفته الفعلية فله صورتان: - لانه عندما يعتقد التضرر من الطهارة المائية أو يخاف من استعمال الماء فيتيمم ثم ينكشف عدم الضرر في استعمال الماء وأن وظيفته الوضوء أو الغسل قد يكون انكشاف عدم الضرر بعد الصلاة وقد يكون قبل الدخول في الصلاة، وقد فصل الماتن بينهما فحكم في الصورة الاولى بصحة تيممه وصلاته وحكم في الصورة الثانية بوجوب الوضوء أو الاغتسال عليه. أما الصورة الاولى - فالظاهر أن الماتن اعتمد في حكمه بصحة التيمم فيها على أن الخوف موضوع لجواز التيمم لا أنه طريق إليه، والمدار على احتمال الضرر لا على الضرر الواقعي. كما قدمناه وقلنا ان المريض غالبا يحتمل الضرر في استعماله

[ 429 ]

الماء ببطء مرضه أو صعوبة علاجه ونحوهما - والقطع بالضرر نادر جدا اذن فهو عند خوفه من الضرر باستعمال الماء يجب عليه التيمم واقعا وقد أتى بما هو الواجب في حقه فلا وجه للحكم ببطلانه ووجوب الاعادة عليه، هذا إذا خاف الضرر. واما لو اعتقد تضرره بالماء فحكمه كذلك بطريق أولى إذ لا يحتمل مع الاعتقاد انتفاء الضرر اصلا بخلاف الخوف من الضرر فلو ثبت الحكم المذكور على الخوف ثبت مع اعتقاد الضرر بطريق اولى. (ويندفع): بأنا لو سلمنا ما ذكره من ان الخوف موضوع للحكم: بجواز التيمم ولليس طريقا إلى الضرر، ولم نقل إنه خلاف المتفاهم العرفي من مثل قوله: " يخاف على نفسه من البرد " (1) لان الظاهر من الخوف وغيره من الاوصاف النفسانية هو الطريقية كما في الظن بل اليقين كما في قوله تعالى " حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " (2) - مع ذلك أيضا لا يمكننا المساعدة على ما افاده حتى فيما إذا كان اعتقاده أو خوفه مطابقا للواقع بان كان استعمال الماء مضرا بحاله واقعا وذلك لان الموضوع للحكم بجواز التيمم انما هو الخوف المستوعب للوقت لا الخوف ساعة حتى لو كان مضرا واقعا في تلك الساعة فلا نلتزم بصحته فضلا عما إذا لم يكن مضرا واقعا. وأما الصورة الثانية - اعني ما إذا انكشف الخلاف وعدم الضرر قبل الصلاة - فقد جزم الماتن (قده) فيها ببطلان التيمم وهو الصحيح.


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب التيمم ح 7 و 8. (2) سورة البقرة: 2: 187.

[ 430 ]

وليس الوجه في ذلك ما قد يتوهم من أن القدر المتيقن من ادلة مسوغية الخوف للتيمم ما إذا كان هو موضوع المشروعية - وهو التيمم - باقيا، واما إذا ارتفع لانكشاف عدم الضرر فلابد من الرجوع إلى عموم أو اطلاق ما دل على وجوب الوضوء أو الغسل. وذلك لان مادل على مسوغية الخوف للتيمم مثل قوله " لو يخاف على نفسه من البرد لا يغتسل ويتيمم " أو قوله تعالى " وان كنتم مرضى " (1) بالتقريب المتقدم حيث قلنا ان المريض - غالبا - يحتمل الضرر في استعمال الماء لا أنه يقطع بالضرر، ليس فيه اي اجمال حتى يؤخذ بالقدر المتيقن منه بل هو مطلق يعم ما إذا بقي الخوف وما إذ ارتفع تمسكا باطلاقه. بل الامر كذلك حتى مع قطع النظر عن هذا الاطلاق لان الخوف المتأخر الباقي لا يؤثر في مسوغية الخوف الحادث السابق ولا يكون ارتفاعه موجبا لسقوط ما سبق من الخوف عن الوضوعية والمسبوقية، ومع الشك يرجع إلى اطلاق ادلة الخوف لا إلى إطلاق ادلة وجوب الوضوء أو الغسل. بل الوجه فيما افاده الماتن (قده): ما دل على أن وجدان الماء ناقض للتيمم كناقضية الحدث للطهارة المائية وحيث انه انكشف الخلاف وتبين أنه متمكن من إستعمال الماء فقد صار واجدا للماء وهو ناقض للتيمم - هذا كله في احدى صورتي عمل المكلف بوظيفته الفعلية. والصورة الاخرى - وهي ما إذا اعتقد عدم الضرر في استعمال الماء فتوضأ أو اغتسل ثم انكشف ضرره في حقه ولزوم التيمم عليه -


(1) النساء: 4: 43.

[ 431 ]

وقد ذهب المأتن (قده) فيها إلى صحة وضوئه أو غسله وعدم وجوب التيمم عليه - وهذا هو الصحيح. وذلك لان الضرر الواقعي إذا لم يبلغ مرتبة الحرمة كالحرج، وقلنا في المسألة السابقة بتخيير المكلف بين الوضوء أو الغسل وبين التيمم خلافا للمحقق النائيني (قده) لا يكون هنا نقض لوضوئه أو غسله. وتوضيحه: ان قاعدتي نفي الضرر والحرج ان قلنا بانهما تختصان بالاحكام الالزامية دون أن تشمل الاحكام الترخيصية والاستحباب النفسي للوضوء وغيره من الطهارات الثلاثة حتى فيما علمنا بالضرر فضلا عما إذا احتملناه - كما في المقام - فلا اشكال. وكذلك الحال فيما لو لم نقل بالاختصاص ولم نقل بالتخيير في المسألة السابقة وذلك لان دليل نفي الضرر والحرج انما وردا للامتنان على الامة ولا امتنان في شمولهما للمقام لان الحكم ببطلان الغسل أو الوضوء السابق واعادة الطهور بالتيمم ليس فيه امتنان على العباد اذن لا وجه للحكم بالبطلان ووجوب التيمم حينئذ. واما إذا بلغ الضرر مرتبة الحرمة فقد يقال بالبطلان نظرا إلى حرمة الوضوء حينئذ حرمة واقعية والامر المحرم المبغوض للمولى لا يمكن أن يقع مصداقا للواجب فيبطل ولا يبتني هذا على جواز اجتماع الامر والنهي أو امتناعه لان القائل بالجواز لا يلتزم بالصحة في أمثال المقام مما لا يكون هناك معنونان وعنوانان اجتمعا في مورد واحد - إتفاقا -. بل المعنون شئ واحد له حكمان فان افعال الغسل والوضوء حين

[ 432 ]

التضرر محرمة لان المحرم وان كان هو عنوان الضرر إلا انه لما كان أمرا توليديا من الوضوء والغسل كان نفس الوضوء والغسل بذاتهما محرمين كما انهما بذاتهما واجبين فليس هناك معنونان. وفي مثله لابد من الالتزام بالبطلان كما التزمنا به في صورة الوضوء بالماء المغصوب جهلا بالغصبية لان المحرم لا يمكن صيرورته مصداقا للواجب. هذا. ويمكن الجواب عن ذلك بما ذكرناه في مبحث الوضوء من انه لو توضأ بالماء المغصوب ناسيا لغصبيته وقع وضوئه صحيحا لان النسيان يرفع الحرمة واقعا لعدم امكان تكليف الناسي ومع عدم الحرمة لا يمكن إستكشاف المبغوضية فيقع الوضوء صحيحا ومتعلقا للوجوب لا محالة. وهذا غير الجهل بالغصبية إذ مع الجهل لا ترتفع الحرمة الواقعية ومع بقاء الحرمة لا يمكن الحكم بصحة الوضوء لانه لا يمكن أن يكون الحرام مصداقا للواجب. ومقامنا هذا من قبيل النسيان لا الجهل لان المدار في سقوط الحكم الواقعي وعدم امكان التكليف الواقعي عدم قابلية الحكم للبعث أو الانزجار فان الحكم انما هو لاجل أن ينبعث المكلف عن بعثه وينزجر عن زجره. وهذا لا يتصور في النسيان أو اعتقاد الخلاف كما في المقام لانه اعتقد عدم الضرر فتوضأ أو اغتسل، ومعه لا يمكنه الانبعاث والانزجار بنهي الشارع عن ارتكاب الضرر أو الامر بتركه فإذا سقطت الحرمة واقعا فلا وجه لبطلان الوضوء أو الغسل بل الصحيح أن يحكم بصحتهما.

[ 433 ]

[ (مسألة 20): إذا أجنب عمدا مع العلم بكون استعمال الماء مضرا وجب التيمم وصح عمله، لكن لما ذكر بعض العلماء وجوب الغسل في الصورة المفروضة وإن كان مضرا (1): ] الاجناب عمدا مع العلم بضررية الماء (1) نسب ذلك إلى الشيخ والصدوق والمفيد (قدهم) واختاره في الوسائل وعقد بابا عنونه بباب وجوب تحمل المشقة الشديدة في الغسل لمن تعمد الجنابة (1) وذهب إليه غيرهم. وكأن ذلك من جهة أن تجويز التيمم في حق من احتمل الضرر من باب الارفاق والامتنان، ولا ارفاق بمن أجنب نفسه متعمدا. إلا أن المعروف عندهم عدم الفرق بين من أجنب نفسه متعمدا وبين من أجنب من دون تعمد فان كلا منهما إذا احتمل الضرر في غسله ينتقل إلى التيمم. ومنشأ الاختلاق بينهم وهو الاختلاف الانظار فيما يستفاد من الاخبار. فقد ورد في مرفوعة علي بن أحمد عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة قال: إن كان أجنب هو فليغتسل وان كان احتلم فليتيمم (2).


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 17 من ابواب التيمم. (2) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب التيمم ح 1 و 2.

[ 434 ]

وفي مرفوعة ابراهيم بن هاشم قال: إن أجنب فعليه أن يغتسل على ما كان منه وان احتلم يتيمم (1). وهاتان الروايتان كالصريح في المدعى إلا أنهما ضعيفتان من حيث السند فلا يمكن الاعتماد عليهما. ولا يمكن دعوى انجبارهما بعمل الاصحاب كالصحيحة أو الموثقة في الاعتبار لما تقدم من أن المعروف بينهم عدم الفرق بين متعمد الجنابة وبين المجنب لا عن اختياره. وفي صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل عن رجل كان في ارض باردة فتخوف إن هو اغتسل أن يصيبه عنة (مشقة) من الغسل كيف يصنع؟ قال: " يغتسل وان أصابه ما أصابه " قال: " وذكر انه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة وهو في مكان بارد وكانت ليلة شديدة الريح باردة فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني فقالوا: إنا نخاف عليك فقلت لهم: ليس بد فحملوني ووضعوني على خشبات ثم صبوا الماء فغسلوني " (2). وفي صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة ولا يجد الماء وعسى ان يكون الماء جامدا فقال: " يغتسل على ما كان " حدثه رجل أنه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد فقال (ع): " اغتسل على ما كان فانه لابد من الغسل " وذكر أبو عبد الله (ع): " انه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل " (3). وهاتان الروايتان صحيحتان من حيث السند إلا أن دلالتهما قاصرة


(1) الوسائل: ج 2 باب 17 من ابواب التيمم ح 2. (2) و (3) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب التيمم ح 3 و 4.

[ 435 ]

فانه لم يذكر فيهما أن الجنابة كانت اختيارية بل هما مطلقتان فيحتمل أن يكون وجوب الاغتسال على من أصابته الجنابة - مطلقا - مع المشقة فيه حكما مختصا به ولم تكن المشقة موجبة لارتفاع وجوب الغسل عنه. نعم ذكر صاحب الوسائل (قده): ان ذيل الروايتين قرينة على اختصاص الجنابة بالعمد لما ورد في الرواية الصحيحة من أن الامام (ع) لا يحتلم، فتكون الجنابة في الصحيحتين يراد منها الجنابة العمدية. و (فيه): انا لو سلمنا أن الامام (ع) لا يحتلم مع أن الاحتلام ليس نقصا على الانسان حتى يتنزه عنه بل هو أمر عادي طبيعي للانسان ومع ذلك لا يمكن المساعدة عليه لانه (ع) ذكر الحكم في صدر الصحيحتين على نحو الكبرى الكلية ثم طبقها على نفسه فليست الصحيحة واردة في خصوص المتعمد. والمرفوعتان المتقدمتان لا يقبلان أن تكونا قرينة على الاختصاص لضعفهما والصحيحتان مطلقتان. والنسبة بينهما وبين الآية المباركة والاخبار (1) الواردة في أن الوظيفة عند إحتمال الضرر تنتقل إلى التيمم هي التباين لانهما يدلان على أن وظيفة المجنب على الاطلاق عند احتمالل الضرر هو التيمم، والصحيحتان تدلان على ان وظيفته الغسل، والترجيع مع الاخبار المتقدمة لموافقتهما الشهرة وكونهما على وفق الكتاب وإطلاقه. فالمتحصل: أن الاجناب سواء كان عمديا أم غير عمدي حكمه


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب التيمم.

[ 436 ]

التيمم عند احتمال الضرر كما ذهب المشهور إليه - هذا كله في صورة كون الضرر المحتمل غير الموت. واما إذا كان المحتمل على تقدير الاغتسال هو الموت فلا يحتمل أن يكون مشمولا للحكم السابق على تقدير القول به وذلك: أولا: لقصور المقتضي لان الصحيحتين وردتا فيمن يخاف العنت أي المشقة في الاغتسال أو فيمن احتمل أن يمرض شهرا، ولم تكونا واردتين فيمن يحتمل الموت. وثانيا: لو اغمضنا عن ذلك وقلنا باطلاق الصحيحتين وأن مراده (عليه السلام) من قوله: " أصابه ما اصابه " يعم العنت وغيره فالنسبة بينهما وبين ما دل على أن الوظيفة عند احتمال الموت هو التيمم أعني صحيحة عبد الله بن سنان: سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيخاف على نفسه التلف ان اغتسلل فقال (ع): " يتيمم... " (1) عموم من وجه. لعموم الصحيحة للجنابة العمدية وغيرها مع اختصاصها باحتمال الموت، وعمومية الصحيحتين من حيث احتمال الضرر الاعم من الموت وغيره على الفرض مع اختصاصهما بالجنابة العمدية فيتعارضان فيمن أجنب نفسه بالاختيار واحتمل الموت إذا اغتسل، ولابد من الرجوع معه إلى عموم ما دل على حرمة القاء النفس في الهلكة وعدم جواز التسبيب، ومعه يكون المكلف عاجزا عن الماء فتنتقل وظيفته إلى التيمم. والجمع بين الصحيحة وبين الصحيحتين المتقدمتين بحملها على ما


(1) الوسائل: ح 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 2.

[ 437 ]

[ فالاولى الجمع بينه وبين التيمم (1) بل الاولى مع ذلك ] إذا احتمل ضررا غير التلف جمع تبرعي نظير الجمع بين ما دل على أن ثمن العذرة سحت وما دل على أن ثمن العذرة (1) لا بأس به بحمل المانعة على عذرة الانسان والمرخصة على عذرة الحيوان غيره. والذي يؤكد ما ذكرناه: قيام السيرة على إتيان الاهل مع عدم التمكن من الماء لمرض أو سفر لا يوجد فيه الماء أو لغير ذلك فلو كانت الوظيفة هي الغسل عند احتمال الضرر لشاع هذا الحكم وانتشر مع انه لم ينقل عن الائمة (ع) ولا عن اصحابهم في رواية فضلا عن كونها معتبرة. الاحتياط بالجمع بين الغسل والتيمم: (1) هذا منه (قده) احتياط لكنه انما يتم فيما إذا كان الضرر المحتمل مما يعلم بعدم رضاء الشارع به أو قلنا بعدم حرمة الاضرار بالنفس كما تقدم نقله عن شيخنا الانصاري (قده) وإلا فمع حرمته لا معنى للاحتياط بالاتيان بالمحرم فليس المورد حينئذ من موارد الاحتياط.


(1) الوسائل: ج 12 باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1، 2، 3.

[ 438 ]

اعادة الغسل والصلاة بعد زوال العذر (1). ] الاحتياط باعادة الغسل والصلاة: (1) هذا الاحتياط مثل سابقه في غير محله، وذلك لان وظيفة المكلف في مفروض المسألة لا تخلو: اما أن تكون هي الاغتسال أو هي التيمم. أما على الاول: فعدم الحاجة إلى اعادة الغسل والصلاة ظاهرة لان المكلف قد اغتسل وصلى على الفرض فما الموجب لاعادتهما ثانيا؟ وهذا واضح. واما على الثاني: فلانه قد أتى بما هو وظيفته من التيمم والصلاة وقد دل غير واحد من الاخبار على أن الصلاة المأتي بها بالطهارة الترابية لا تعاد بعد وجدان الماء (1). ولا يمكن أن يكون الوجه في هذا الاحتياط صحيحة عبد الله بن سنان انه سأل ابا عبد الله (ع) عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيخاف على نفسه التلف إن اغتسل فقال: " يتيمم ويصلي فإذا أمن من البرد اغتسل واعاد الصلاة " (2) كما قيل. والوجه في ذلك أن الصحيحة خارجة عما نحن فيه لان قوله


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التيمم. (2) تقدمت في المسألة المتقدمة.

[ 439 ]

[ (مسألة 21): لا يجوز للمتطهر بعد دخول الوقت إبطال وضوئه بالحدث الاصغر إذا لم يتمكن من الوضوء بعده كما مر (1). (تصيبه الجنابة) اما ظاهر في الجنابة غير العمدية واما انها نعم الاجناب العمدي وغير العمدي. ومقتضى الاعتماد على هذه الصحيحة أن يحتاط الماتن في كل من اصابته الجنابة (إختيارية كانت أم غير اختيارية - بالجمع بين الوظيفتين فيما إذا احتمل الضرر في غسله لا في خصوص من أجنب عمدا مع العلم بالضرر في الاغتسال. مع أن الماتن احتاط في خصوص الجنابة العمدية. ويمكن حمل الصحيحة على ما إذا حصل الامن من البرد في الوقت فانه يبطل تيممه حينئذ بصيرورته واجدا للماء ويجب عليه اعادة الغسل والصلاة، وحملها على هذا أولى من حملها على ما إذا حصل الامن بعد الوقت لانها حينئذ تصير مطروحة لمعارضتها مع الاخبار المشار إليها الواردة في أن من صلى مع التيمم لا يعيدها فيما إذا وجد الماء. (1) وقد تقدمت هذه المسألة فلا نعيدها.

[ 440 ]

[ لكن يجوز له الجماع مع عدم إمكان الغسل (1) والفارق وجود النص في الجماع، ومع ذلك الاحوط تركه أيضا. ] المستثنى من الكلية المقتدمة: (1) استثني من الكبرى الكلية المتقدمة خصوص من أراد أن يجامع أهله وذلك للنص فروى في الوسائل عن الشيخ (قده) عن اسحاق بن عمار بطريق فيه علي بن السندي قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون مع أهله في السفر فلا يجد الماء يأتي أهله؟ فقال: ما أحب أن يفعل ذلك إلا ان يكون شبقا أو يخاف على نفسه " (1). وهي وان كانت من حيث السند ضعيفة لان فيه علي بن السندي أو السري وهو ضعيف نعم احتمل ان يكون علي بن اسماعيل بن السندي وقد وثقه ابن الصباح ولكنه بنفسه لم يوثق فلا يمكن الاعتماد على رواية الرجل. إلا أن هذه الرواية نقلها الكليني والشيخ (قدهما) بسند صحيح مع اضافة نقلها في الوسائل فلا تأمل فيها من حيث السند. وأما من حيث الدلالة فهي ظاهرة حيث دلت باطلاقها - وترك الاستفصال فيها عن أن يكون للمكلف ماء كاف لوضوئه أو لم يكن


(1) الوسائل: ج 2 باب 27 من ابواب التيمم ح 1.

[ 441 ]

[ (الرابع): الحرج في تحصيل الماء (1) أو في إستعماله وان لم يكن ضرر أو خوفه. ] له ماء كاف لوضوئه - على أنه يمكنه أن يجامع أهله مطلقا سواء كان له ماء يكفيه لوضوئه وان لم يكن كافيا لغسله أو لم يكن له ماء أصلا حتى يجب عليه التيمم بدلا عن الوضوء. إذا كان تحصيل الماء حرجيا: (1) ولو كان لبرودة الهواء أو غير ها مما يوجب المشقة والحرج، وهذا وان لم يرد فيه نص ظاهر إلا أنه يستفاد مما دل على ان المكلف متى لم تجب عليه الطهارة المائية وجبت عليه الطهارة الترابية كموثقة سماعة قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته قال: " يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فان الله عزوجل جعلهما طهورا: الماء والصعيد " (1). لدلالتها على ان المكلف إذا لم يجب عليه الوضوء لابد من أن يتيمم، وما ورد في الاغتسال من البئر من قوله (ع) " ولا تفسد على القوم مائهم فان رب الصعيد والماء واحد " (2). وغيرهما من الاخبار.


(1) الوسائل: ج 2 باب 25 من ابواب التيمم ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من ابواب التيمم ح 2 و 1.

[ 442 ]

[ (الخامس): الخوف من استعمال الماء (1) على نفسه أو أولاده وعياله أو بعض متعلقيه أو صديقه فعلا أو بعد ذلك من التلف بالعطش أو حدوث مرض بل أو حرج أو مشقة لا تتحمل. ] وحيث ان مقتضى أدلة نفي الحرج عدم وجوب الوضوء على المكلف في مفروض المقام فتجب عليه الطهارة الترابية لما عرفت. على أن ذلك يمكن استفادته من الادلة الاولية وان لم تكن رواية في البين وذلك لدلالة الادلة على أنه " لا صلاة إلا بطهور " وان الطهارة معتبرة في الصلاة فإذا فرضنا ان الطهارة المائية ليست واجبة على المكلف لدليل نفي الحرج أو غيره يتعين عليه اما الصلاة بلا طهور أو الصلاة بالتراب وحيث لا سبيل إلى الاول لان الصلاة لا تترك بحال فيجب أن يصلي مع التيمم لا محالة لانحصار الطهور بالماء والصعيد فإذا لم يجب الاول يتعين وجوب الثاني، مع أن دلالة الاخبار واضحة كما عرفت. الخوف من استعمال الماء: (1) الفرق بين هذا المسوغ والمسوغ الثالث - الخوف من استعمال الماء على نفسه أو عضو من أعضائه بتلف أو عيب... - وهو أن الضرر أو الحرج في المسوغ الثالث يترتب على استعمال الماء بالتوضي

[ 443 ]

والاغتسال به، وفي المسوغ الخامس يترتب الضرر على عطشه أو عطش من يهمه أمره، هذا العطش مسبب من عدم استبقائه الماء ومن استعمال في الوضوء أو الغسل ولا ضرر في استعمال الماء في الوضوء والغسل ولا حرج أصلا. ولا فرق في المسوغ الخامس بين الخوف من استعمال الماء على عطش نفسه أو أولاده أو غيرهم فعلا أو يخاف عليهم بعد ذلك. والدليل على مسوغية للتيمم: مطابقته للقاعدة العامة ودلالة النصوص عليه: أما من حيث القاعدة فلان ما يحتمله من التلف بالعطش أو حدوث المرض أو غيرهما إن كان راجعا إلى نفسه فتشمله قاعدتي نفي الضرر والحرج لانه ضرر أن حرج يترتب على الوضوء أو الغسل لا مباشرة بل مع الواسطة ولا فرق في شمولها للضرر مع الواسطة وله مباشرة وبلا واسطة. وأما إذا كان الضرر أو الحرج راجعا إلى غيره ممن يهمه أمره ويقع في حرج ومشقة بسبب ما يناله من عدم استبقاء الماء كولده وزوجته ونحوهما فمقتضى قاعدة نفي الحرج عدم وجوب الوضوء أو الغسل لان فيهما مشقة وحرجا عليه. وهذا لا يختص بالولد والزوجة ونحوهما بل يعم الضيف الوارد عليه فيما إذا احتمل عطشه في الاثناء على تقدير استعماله الماء في طهوره فان بقاء ضيفه عطشانا صعب وشاق عليه فعدم وجوب الطهارة المائية في امثال هذه الموارد على طبق القاعدة. وأما إذا كان ما يحتمله من الضرر والعطش راجعا إلى غيره بان

[ 444 ]

احتمل تلفه عطشا إذا صرف هو ماءه في طهوره فأنه في مثل ذلك يتزاحم الامر بالصلاة مع الطهارة المائية مع الامر بحفظ النفس المحترمة وحيث أن الامر الاول مشروط بالقدرة شرعا وبالتمكن من استعمال الماء، والامر الثاني غير مشروط فيتقدم وجوب حفظ النفس على وجوب الطهارة المائية لانه معجز مولوي عن الطهارة المائية والممتنع شرعا مثل الممتنع عقلا فلا يجب عليه الوضوء والغسل بالماء. وان شئت قلت: ان الامر بالصلاة مع الطهارة المائية له بدل والامر بحفظ النفس المحترمة ليس له بدل عند تزاحم مثلهما يتقدم ما ليس له بدل على ماله البدل فيجب التيمم وكذلك إذا خاف التلف على نفسه. واما في غير هذا المورد كما لو كان ما يحتمله من الضرر المسبب من العطش الراجع إلى الغير لا يبلغ حد التلف بل كان وضوء المكلف أو اغتساله به موجبا لوقوع بعض من في القافلة مثلا في المشقة والحرج فلا يجوز له ترك الطهارة المائية والانتقال إلى التيمم هذا كله على ما تقتضيه القاعدة: وأما بحسب النصوص في مطابقة للقاعدة أيضا، فمنها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) أنه قال. في رجل أصابته جنابة في السفر وليس معه إلا ماء قليل ويخاف إن هو إغتسل أن يعطش قال: " ان خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة وليتيمم بالصعيد فان الصعيد أحب الي " (1). وهي من حيث السند صحيحة على طريق الشيخ وحسنة على طريق.


(1) الوسائل: ج 2 باب 25 من ابواب التيمم ح 1.

[ 445 ]

الكليني، ومن حيث الدلالة ظاهرة لكنها مختصة بما إذا احتمل وخاف العطش على نفسه. ومنها: رواية محمد الحلبي قال: قلت لابي عبد الله (ع): الجنب يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش أيغتسل به أو يتيمم؟ فقال: " بل يتيمم وكذلك إذا أراد الوضوء " (1) وهي من حيث الدلالة كسابقتها ومن حيث السند ضعيفة بمحمد بن سنان وان عبر عنها في " الحدائق " بالصحيحة. ومنها: رواية ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يجنب ومعه من الماء قدر ما يكفيه لشربه أيتيمم أو يتوضأ به؟ قال: " يتيمم أفضل، ألا ترى انه انما جعل عليه نصف الطهور " (2). وهي كسابقتها دلالة وسندا لوقوع " معلى بن محمد " في سندها وهو لم يوثق ولم يمدح فهي ضعيفة لا صحيحة ولا حسنة ولا موثقة وان وصفها في الحدائق بالحسنة ولكن لم يظهر لنا وجهه. ومنها: موثقة سماعة المتقدمة: قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته؟ قال: " يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فان الله عزوجل جعلهما طهورا: الماء والصعيد " (3).


(1) الوسائل: ج 2 باب 25 من ابواب التيمم ح 2. ولهذه الرواية طريق آخر صحيح وليس فيه محمد بن سنان فراجعه. (2) الوسائل: ج 2 باب 25 من أبواب التيمم ح 4. (3) الوسائل: ج 2 باب 25 من ابواب التيمم ح 3.

[ 446 ]

وهي موثقة سندا وتامة دلالة من دون إختصاصها بما إذا خاف العطش على نفسه بل يعم جميع الموارد المذكورة في المتن وذلك لعدم تقييد خوف قلة الماء بما إذا كان على نفسه أو ولده أو من يهمه أمره أو حيوانه أو صديقه أو غيره فيشمل كل مورد يخاف قلة الماء فيه. وقد يورد على الاستدلال بها بكونها ليس مطلقة وبصدد البيان والا لشملت ما إذا خاف قلة الماء لتنظيف بدنه وغسل ثيابه وظروفه مع أنه لا يحتمل في هذه الموارد الانتقال إلى التيمم. و (يدفعه): ان قوله " ومعه من الماء... " معناه انه يستصحب معه الماء في سفره والماء معه، ولم تجر العادة في اسفار العصور المتقدمة التي كانوا يسافرون فيها على الابل والفرس والحمير على حمل الماء لغسل ظروفهم وتنظيف أبدانهم بل يستصحبون الماء لضروراتهم من الشرب والوضوء ونحوهما، فالموثقة لا تشمل إلا ما هو المعتاد المتعارف في حملهم الماء عند الاسفار. هذا على انا لو سلمنا شمول الموثقة لحمل الماء لاجل تنظيف ابدانهم وظروفهم ونحو ذلك فتخرج عن إطلاقها بالمقدار الذي نقطع بعدم مسوغيته للتيمم ويبقى غير المقطوع به مشمولا لاطلاق الموثقة، فالمتحصل تطابق النصوص مع القاعدة.

[ 447 ]

الاقسام المتصورة في المسألة: وحاصل ما أفاده الماتن (قده) أن الاقسام في المقام الثلاثة: الاول: ان تكون النفس التي يحتمل طرو العطش لها ويسبب صرف الماء في الطهور تلفها نفس واجبة الحفظ على المكلف لكونها محترمة ويحرم قتلها وإتلافها ولا ينبغي الاشكال في وجوب استبقاء الماء لتلك النفس المحترمة وحفظها وانتقال وظيفته إلى التيمم. الثاني: أن تكون النفس التي يخاف العطش عليها غير واجبة الحفظ. وهذه النفس قد تكون محترمة مثل الذمي الذي هو محترم النفس حيث لا يجوز قتله لكنه لا دليل على وجوب حفظ نفسه من التلف نعم حفظ نفسه جائز شرعا، ومثل الحيوان المملوك حيث لا يجوز اتلافه من دون اذن المالك بل مع اذنه إذا كان الاتلاف على غير الوجه الشرعي في الذبح إلا أنه لا يجب حفظه وانما هو جائز شرعا. وقد لا تكون النفس محترمة كالذئب والكلب غير العقور والخنزير إذا لم يكن في معرض الاضرار بالمسلمين فانها أنفس لا يجب التحفظ عليها كما لا يحرم قتلها، وفي هذه الصورة حكم بالتخيير بين التيمم لجواز أن يصرف في حفظ هذه الانفس لجوازه شرعا على الفرض بل قد يكون راجحا لقوله (ع): " لكل كبد حرى أجر " (1) ومعه


(1) راجع الوسائل: ج 6 باب 49 من الصدقات وكذلك المستدرك ج 1 باب 45 من الصدقات ففيهما: مضمون الرواية موجودة.

[ 448 ]

[ ولا يعتبر العلم بذلك بل ولا الظن بل يكفي احتمال يوجب الخوف حتى إذا كان موهوما فانه قد يحصل الخوف مع الوهم إذا كان المطلب عظيما فيتيمم حينئذ. وكذا إذا خاف على دوابه أو على نفس محترمة وان لم تكن مرتبطة به. وأما الخوف على غير المحترمة كالحربي والمرتد الفطري ومن وجب قتله في الشرع فلا يسوغ التيمم. كما أن غير المحترم الذي لا يجب قتله بل يجوز كالكلب العقور والخنزير والذئب ونحوها لا يوجبه وان كان الظاهر حوازه. ] يكون غير واجد الماء فيسوغ له التيمم، وبين الوضوء أو الغسل بالماء لانه لا يجب عليه ابقاء تلك النفوس ولا يجب عليه حفظها فيصدق عليه واجد الماء. الثالث: أن تكون النفس محرمة الحفظ مثل الكافر الحربي والمرتد الفطري والزاني بالمحرم واللائط وامثالهم ممن حكم الشرع عليهم بالقتل ومثل الكلب العقور المؤذي، للمسلمين ونحوه فان حفظ هذه النفوس محرم شرعا لكونها محكومة بالقتل. وفي هذا القسم حكم الماتن بوجوب الوضوء أو الغسل على المكلف ولم يسوغ له التيمم لغرض استبقاء الماء لحفظ هذه النفوس من العطش لكونها نفوسا لا يجوز حفظها من الموت والتلف. هذا خلاصة ما أفاده الماتن في المقام. ولكن مما ذكرناه في الكبري المتقدمة تظهر الخدشة فيما أفاده (قده)

[ 449 ]

[ ففي بعض صور خوف العطش يجب حفظ الماء وعدم استعماله كخوف تلف النفس أو الغير ممن يجب حفظه وكخوف حدوث مرض ونحوه، وفي بعضها يجوز حفظه ولا يجب مثل تلف النفس المحترمة التي لا يجب حفظها وإن كان لا يجوز قتلها أيضا، وفي بعضها يحرم حفظه بل يجب إستعماله في الوضوء أو الغسل كما في النفوس التي يجب إتلافها، ففي الصورة الثالثة لا يجوز التيمم، وفي الثانية يجوز ويجوز الوضوء أو الغسل أيضا، وفي الاولى يجب ولا يجوز الوضوء أو الغسل. ] في المقام. وتوضيحه: ان ما أفاده في القسم الاول مما لا شبهة فيه لان حفظ النفس المحترمة واجب شرعا ولا بدل له فيتقدم على وجوب الصلاة مع الطهارة المائية التي لها بدل وهو الصلاة مع التيمم حيث يكون حفظ النفس معجزا مولويا للمكلف عن استعمال الماء ومع عدم التمكن من استعمال الماء شرعا أو عقلا ينتقل الامر إلى التيمم. واما ما ذكره في القسم الثاني والثالث فلا يمكن المساعدة عليه: أما القسم الثاني الذي حكم فيه بالتخيير بين الطهارة المائية والترابية فلان الجواز الطبعي لا ينافي الوجوب الفعلي لعارض كالتزاحم فان سقي الماء للذمي أو الدابة المملوكة أو الذئب مثلا وإن كان

[ 450 ]

سائغا في نفسه وطبعه لكنه لما كان مزاحما لوجوب الوضوء فعلا لتحقق شرطه وهو التمكن من استعمال الماء شرعا وعقلا: أما عقلا فواضح وأما شرعا فلجواز صرف الماء في وضوئه وغسله وان كان صرفه في سقي الذمي أو الدابة جائزا في نفسه فلا يجوز التيمم وترك الطهارة المائية لسقي الماء للذمي ونحوه. وكذلك الحال إذا قلنا باستحباب السقي في بعض الموارد لقوله (عليه السلام) " لكل كبد حرى أجر " (1) لان الاستحباب لا يزاحم الوجوب ومع التمكن من استعمال الماء عقلا وشرعا لا يسوغ له التيمم بل تجب الطهارة المائية، اللهم إلا أن يدخل تحت الكبرى المتقدمة بأن يكون تلف النفس المذكورة ضررا عليه أو حرجيا في حقه لانه ممن يهمه أمره كما لو كان الذمي خادمه وسائق سيارته ونحو ذلك فان الوضوء أو الغسل لا يجب عليه حينئذ ووظيفته التيمم. واما القسم الثالث: فلو ضوح أن كون النفس محكومة بالقتل لا ينافي جواز سقيها الماء إذ ليس من المحرمات اعطاء الماء للكافر فطريا ليشربه ولا سيما بعد توبته. وخصوصا إذا قلنا بقبولها منه وصيرورته كواحد من المسلمين وان وجب قتله لعدم منافاة قبول توبته مع وجوب قتله لانه لا يجعله محرم السقي بل يجوز سقيه أو يستحب، وحكم قتله انما هو صلاحية الحاكم الشرعي ولا يجوز قتله لكل أحد. وعليه لا يتعين الوضوء أو الغسل لما ذكره بل يتعين لما ذكرناه.


(1) تقدمت قريبا.

[ 451 ]

[ (مسألة 22): إذا كان معه ماء طاهر يكفي لطهارته وماء نجس بقدر حاجته إلى شربه لا يكفي في عدم الانتقال إلى التيمم (1) لان وجود الماء النجس حيث أنه يحرم ] من أنه متمكن من استعمال الماء عقلا وشرعا فلابد من الطهارة المائية وان كان السقي جائزا في طبعه اللهم إلا أن يكون تلكم النفوس ممن يهم المكلف امرها ويقع في الضيق والحرج من تلفها كما تقدم. اذن فالصحيح ما قدمناه من أن العطش المسبب للتلف أو الضرر أو الحرج ان كان محتمل الطرو على نفس المكلف فلا إشكال في تعين التيمم أو جوازه، وان كان محتمل الطرو على غيره فان كان هو التلف يتعين التيمم ايضا وان كان هو الضرر أو الحرج وكان ممن يهمه امره ويقع من ضرره أو حرجه في عسر وحرج يجوز التيمم وان لم يكن يهمه امره كذلك فلا يجوز التيمم كما مر. إذا كان له ماءآن طاهر ونجس: (1) لما اشار إليه (قده) من عدم جواز شرب الماء النجس، وحرمته فعلية وان كان الشرب امرا متأخرا والممنوع الشرعي كالممنوع العقلي فلا يجوز استبقاء النجس لشربه. بل يتعين عليه أن يحفظ الماء الطاهر لرفع عطشه وتنتقل وظيفته إلى التيمم.

[ 452 ]

[ شربه كالعدم فيجب التيمم وحفظ الماء الطاهر لشربه. نعم لو كان الخوف على دابته لا على نفسه يجب عليه الوضوء أو الغسل (1) وصرف الماء النجس في حفظ دابته. بل وكذا إذا خاف على طفل من العطش (2) فانه لا دليل على حرمة اشرابه الماء المتنجس. وأما لو فرض شرب الطفل بنفسه فالامر اسهل (3) فيستعمل الماء الطاهر في الوضوء مثلا ويحفظ الماء النجس ليشربه الطفل. بل يمكن أن يقال: إذا خاف على رفيقه أيضا يجوز التوضؤ وابقاء الماء النجس لشربه (4) فانه لا دليل على وجوب رفع اضطرار الغير من شرب النجس، نعم لو كان رفقيه ] (1) لما بيناه في محله من جواز سقي الماء النجس لغير المكلفين من الحيوان والاطفال، ومعه يستبقي الماء الطاهر له وهو واجد للماء الطاهر فيجب عليه الوضوء أو الاغتسال. (2) لما تقدم في التعليق السابق. (3) لانه ليس من اشراب الماء النجس له ليحتمل حرمته ومنعه عنه ليس واجبا من غير اشكال. (4) لما اشار إليه من أن رفع الاضرار عن الغير لا دليل على وجوبه، وهو بعد صرف المكلف الماء الطاهر في وضوئه أو غسله مضطر إلى شرب الماء النجس وهو جائز للمضطر. لانه ما من شئ حرمه الله سبحانه إلا وقد احله في مورد الضرورة.

[ 453 ]

[ عطشانا فعلا لا يجوز اعطاؤه الماء النجس (1) ليشرب مع وجود الماء الطاهر. ] (1) ولا نرى أي مانع عن الجواز، إلا أن يتوهم أن ذلك محرم لانه اعانة على الاثم حيث ان شرب النجس مبغوض للشارع فصرفه الماء الطاهر في الطهور مع اعطائه الماء النجس اعانة على الاثم وهي حرام، إلا انه مورد المناقشة كبرى وصغرى. عدم حرمة الاعانة على الاثم: أما بحسب الكبرى: فلانه لا دليل على حرمة الاعانة على الاثم والمستفاد من قوله تعالى " ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " (1) والاخبار الواردة (2) في حرمة كون الانسان من اعوان الظلمة امران. احدهما: حرمة التعاون على الاثم بأن يصدر الاثم من شخصين فصاعدا على نحو الاجتماع والشركة كما لو قتل اثنان أو جماعة شخصا. وثانيهما: حرمة كون الانسان من اعوان الظلمة بأن يسجل اسمه في ديوانهم وأما مثل إعطاء العصا لمن يضرب شخصا عدوانا فهو ليس من التعاون على الاثم ولا أنه موجب لكونه من اعوان الظلمة بل هو اعانة على الاثم ولا دليل على حرمتها لان التعاون


(1) سورة (2) راجع الوسائل: ج 12 باب 22 و 43 و 44 من أبواب ما يكتسب به.

[ 454 ]

غير الاعانة والكون من اعوان الظلمة غير اعانة الظالم، والنسبة بينهما عموم من وجه كما هو ظاهر. واما بحسب الصغرى: فالرفيق قد يكون عالما بنجاسة الماء وقد يكون جاهلا بها. وعلى الاول: إذا منع المكلف عن شرب رفيقه ماءه الطاهر ولو لمانع شرعي لوجوب الوضوء أو الغسل عليه بقي الرفيق مضطرا إلى شرب النجس وهو جائز في حقه لما تقدم من انه ما من شئ حرمه الله سبحانه إلا وقد احله في مورد الضرروة فلا يصدر منه إثما ليكون إعطاء الماء النجس له اعانة على الاثم. وعلى الثاني: فالامر اظهر لانه زائدا على كون مضطرا إلى شرب الماء النجس هو جاهل بنجاسته حسب الفرض وهو يصدر منه مباحا فلا اثم ليكون الاعطاء اعانة له على الاثم، وعليه لا موجب لحرمة الاعطاء له. وأما حرمة التسبيب إلى الحرام فهي وان كانت كذلك - اي ان التسبيب محرم لما استفدناه من الاخبار الآمرة بوجوب اعلام المشتري بالنجاسة وقلنا: كما يحرم صدور الحرام من المكلف مباشرة يحرم صدوره منه بالتسبيب بل قلنا ان ذلك مستفاد من نفس النهي والمنع والتحريم عرفا ولو مع الغض عن الروايات - إلا انها تختص بما إذا كان الفعل الصادر بالتسبيب محرما وليس الامر في المقام كذلك لان شرب الماء النجس يصدر من الرفيق مباحا لجهله بنجاسته واضطراره إلى شربه. اذن لا مانع من اعطاء الماء النجس للرفيق كي يشربه ولو مع

[ 455 ]

[ كما أنه لو باشر الشرب بنفسه لا يجب منعه (1) (السادس): إذا عارض إستعمال الماء في الوضوء أو الغسل واجب أهم كما إذا كان بدنه أو ثوبه نجسا ولم يكن وجود الماء الطاهر. ] عدم وجوب المنع عن شرب الماء النجس: (1) هذا الحكم - على ما سلكناه من جواز اعطاء الماء النجس للرفيق - بمكان من الوضوح لانه إذا جاز اعطاؤه له لكونه مباحا له لا يجب منعه لو باشر شربه فان المباح لا يجب المنع عنه. لكن يشكل ذلك - على ما ذكره الماتن (قده) من عدم جواز اعطائه له لحرمته ولكونه صادرا عنه على وجه غير مباح - فانه إذا صدر عنه محرما وجب منعه عنه لوجوب النهي عن المنكر. والذي أظنه قويا: ان لفظة (لا) في قوله: " لا يجب منعه " زائدة وهي من اشتباه النساخ، والقرينة عليه قوله " كما أنه لو باشر بنفسه " فانه يقتضي موافقة اللاحق للسابق عليه ومعناه: انه كما لا يجوز اعطاؤه للرفيق يجب منعه عنه، لا أنه لا يجب منعه والا لوجب أن يقول: " لكن لو باشر لا يجب منعه أو نعم لم... " وغيرهما مما يدل على الاستدراك أو الرجوع ومغايره حكم اللاحق مع حكم سابقه.

[ 456 ]

[ عنده من الماء إلا بقدر أحدا الامرين من رفع الحدث، أو الخبث ففي هذه الصورة يجب إستعماله في رفع الخبث ويتيمم لان الوضوء له بدل وهو التيمم، بخلاف رفع الخبث (1). ] إذا زاحم استعمال الماء في الطهارة واجب اهم (1) الظاهر أن ذلك من المسلمات عندهم وانه إذا دار الامر بين واجب أهم لانه لا بدل له وواجب آخر له بدل يقدم الاول على ما له البدل فان تم هذا وكان اجماعيا فهو وإلا فللمناقشة فيه مجال. والظاهر ان المسألة غير اجماعية فانهم لم يعللوها بكونها تعبدية بل بان الطهارة الحدثية - الوضوء والغسل - له بدل. والكلام في ذلك يقع في مقامين: أحدهما: في كبرى المسألة. وثانيهما: في صغراها: المقام الاول: بحسب الكبرى: فلا ينبغي التأمل في أن الواجب إذا زاحمه وجب آخر وكان أحدهما أهم من الآخر قدم الاهم منهما وهو معجز مولوي وموجب لسلب قدرة المكلف عن غيره - المهم - كما ذكرناه في مثل مزاحمة الامر بازالة النجاسة عن المسجد والامر بالصلاة.

[ 457 ]

ثم إذا كان الواجبان المتزاحمان أحدهما مما له البدل والآخر مما لا بدل له هل يكون ما لا بدل له اهم مما له البدل ليتقدم عليه أو أن الواجب الذي لا بدل له لا يوجب أهميته وتقدمه على مزاحمه؟ وتفصيل الكلام في المقام: أن الواجب قد يزاحمه واجب آخر له أبدال عرضية كخصال الكفارة إذا فرضنا أن واجبا يزاحمه إطعام ستين مسكينا مثلا، وفي مثله لابد من الاتيان بكلا الواجبين لخروجهما عن التزاحم حقيقة. حيث أن الامر فيما له ابدال عرضية قد تعلق بالجامع بينها لا بكل واحد من الخصال بخصوصه على ما شرحناه في " الواجب التخييري " مفصلا، ولا تزاحم بين الواجب والجامع بين الابدال. انما المزاحمة بينه وبين خصوص إطعام ستين مسكينا على الفرض إذ ليس الاطعام مأمورا به، كما لا مزاحمة بينه وبين صيام شهرين متتابعين وهذا ظاهر. ونظيره ما إذا كان لاحدهما أفراد طولية وكان الواجب مزاحما لفرد منها دون فرد - كما في إزالة النجاسة عن المسجد في سعة الوقت للصلاة ووجوب صلاة الآيات والوقت يسعها والفريضة وغيرهما من الامثلة. فهذا خارج عن التزاحم حقيقة أيضا لان الواجب انما يزاحم فردا من الفريضة والفرد ليس مأمورا به وانما تعلق الامر بالطبيعي وهو لا يزاحم الواجب فيجب في مثله الاتيان بكليهما. ومثله ما إذا زاحم مع الصلاة تماما في مواضع التخبير فانه مزاحم لفرد من الواجبين والتخييرين لا مع المأمور به الجامع

[ 458 ]

بين القصر والتمام ومعه يجب الصلاة قصرا مع الاتيان بالواجب الآخر لعدم التزاحم بينهما. وقد يكون الواجب مزاحما لواجب آخر له بدل طولي كالتيمم بالنسبة إلى الوضوء وهل كون احدهما مما لا بدل له يوجب أهميته عما له البدل ليتقدم عليه؟ قد يقال: بان ما لا بدل له لا يلزم أن يكون أهم، بل قد يكون ما له البدل الطولي كالوضوء أهم من مزاحمه، غاية الامر إذا لم يتمكن المكلف من الطهارة المائية انتقل إلى البدل وأما مع تمكنه منها - كما في المقام - فلا موجب للانتقال إلى البدل بوجه. هذا. والذي ينبغي أن يقال: ان الواجب إذا لم يكن له بدل يتقدم على الواجب الآخر الذي له بدل، وذلك لانا نستكشف من جعل البدل لمثل الوضوء أو الغسل أن إيجابه ليس إيجابا مطلقا وانما تعلق الامر به مشروطا بالقدرة عليه شرعا. لانا ذكرنا أن المراد من عدم الوجدان في الآية المباركة انما عدم العذر المطلق فالامر بالوضوء مشروط بأن لا يكون هناك أي عذر عند المكلف في تركه، وإلا انتقل الامر إلى بدله وهو التيمم. وحيث أن الواجب الذي لا بدل له مطلق وغير مشروط بالقدرة الشرعية فلا مناص من أن يتقدم على ما له البدل فانه حينئذ معجز مولوي وعذر شرعي موجب لسلب قدرة المكلف على الوضوء فينتقل معه إلى التيمم. هذا كله بحسب كبرى المسألة. المقام الثاني بحسب الصغرى: اي تطبيقها على الطهارة الحدثية

[ 459 ]

والخبثية. وللمناقشة فيما ذكروه مجال واسع وذلك لان الامر بالطهارة الخبثية ليس أمرا نفسيا وليست الطهارتان واجبتين نفسيتين ليلاحظ التزاحم بينهما. بل وجوبهما وجوب ضمني شرطي، فمعنى وجوب الوضوء أو الغسل هو أن الشارع أمر بالصلاة عن طهارة مائية كما أن معنى الامر بازالة الخبث عن الثوب والبدن هو أن الشارع أوجب الصلاة مع طهارة البدن والثياب. اذن فالتزاحم بين الامر بالصلاة مع الطهارة المائية وبين الامر بالصلاة مع الطهارة الخبثية. ولكل واحد منهما بدل، فالصلاة مع التيمم بدل الصلاة عن طهارة مائية، والصلاة عاريا أو في البدن أو الثوب المتنجس - كما هو المختار - هي بدل عن الصلاة مع طهارة البدن والثوب من الخبث اذن لا وجه للحكم بتقدم أحهما على الآخر بل المكلف يتخير بينهما. هذا. عدم معقولية التزاحم في غير النفسيين: والتحقيق أن أمثال الوضوء أو الغسل والطهارة من الخبث خارجة عن باب التزاحم بالكلية وذلك لان التزاحم انما يقع بين التكليفين النفسيين إذا لم يتمكن المكلف من امتثالهما معا، وأما التكليف الواحد إذا دار الامر فيه بين ترك جزء أو جزء آخر أو بين شرط

[ 460 ]

أو شرط آخر فهو خارج عن باب التزاحم لان مقتضى القاعدة في مثله سقوط التكليف رأسا لعدم تمكن المكلف من شرط الواجب أو جزئه. إلا أنا في الصلاة لما علمنا انها لا تسقط بحال علمنا أن الشارع قد جعل امره بالصلاة في حق المكلف: اما مقيدا بالطهارة الحدثية المائية واما مقيدا بالطهارة الخبثية ولا يمكنه جعلها مقيدة بكلتيهما فالمجعول هو احدهما في حقه فيدخل المقام وامثاله في باب التعارض. وحيث ان مقتضى اطلاق شرطية الوضوء أن الصلاة يعتبر فيها الوضوء مطلقا - تمكن المكلف من الطهارة الخبثية أم لم يتمكن - ومقتضى اطلاق شرطية الطهارة الخبثية اعتبارها مطلقا - تمكن المكلف من الوضوء أو الغسل أم لم يتمكن - ولا يمكن الاخذ بكلا الاطلاقين لعجز المكلف عن امتثالهما على الفرض، فيسقط الاطلاقان وتدفع شرطية خصوص كل واحد منهما بالبراءة فينتج حينئذ التخيير بين الامرين. ولكن الشهرة والاجماع المدعى في كلام جماعة قد قاما على تقديم الطهارة الخبثية - على ما سبق - ومعه فالاحوط أن يختار الطهارة الخبثية مع التيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل، كما أن الاحوط أن يقدم صرف الماء في ازالة النجاسة على التيمم ثم يتيمم بعده. هذا وقد يستدل على تقديم الطهارة الخبثية - والمستدل هو صاحب الجواهر (قده) برواية أبي عبيدة (الحذاء) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر وهي في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلاة؟ قال (ع):

[ 461 ]

" إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم وتصلي " (1) بتقريب انها دلت على تقديم الطهارة الخبثية مطلقا حتى فيما إذا كانت متمكنة من الوضوء، وقال في الجواهر: " لتقديمه ازالة النجاسة فيه على الوضوء لوجوبه عليها لولاها ". وقد اورد على الاستدلال المذكور بوجهين: " احدهما ": ان الحائض ليست مكلفة بالوضوء مع الاغتسال أو انه محل اشكال ومع عدم وجوب الوضوء عليها لا دوران في حقها بين الوضوء وبين الطهارة الخبثية فلا تنطبق الرواية على المقام. و (يدفعه): ان الاغتسال من الحيض والجنابة وان كان يغني عن الوضوء إلا أن التيمم بدلا عن الغسل لم يتم دليل على كفايته عن الوضوء، والمفروض في مورد الرواية أن الحائض تتيمم ولا تغتسل. إذن يدور امرها بين الوضوء والطهارة الخبيثة وقد قدم الامام (ع) الطهارة الخبثية على الحدثية فلا مناقشة في الاستدلال بها من هذه الجهة. " ثانيهما ": ان ظاهر الرواية أن المرتكز في ذهن السائل أن الماء لو كان يكفي لغسلها لوجب عليها الاغتسال وتقديم الطهارة الحدثية: اعني غسل فرجها، لقول السائل " وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها " والامام (ع) لم يردعه عن هذا الارتكاز وهو امضاء منه له: إذن الرواية على خلاف المطلوب اذل. و (يرده): ان صحة الغسل مشروطة بطهارة بدنها وازالة النجاسة عنه فغسل فرجها لازم ومعتبر في اغتسالها من الحيض ومعه


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من ابواب الحيض ح 1.

[ 462 ]

لا ارتكاز لكون الغسل واجبا عليها دون غسل فرجها لتدل الرواية على أن الطهارة الحدثية متقدمة على الطهارة الخبثية بل غسل فرجها لازم على تقدير كفاية الماء لغسلها أيضا، فلا مناقشة في الرواية من هذه الجهة أيضا. نعم: يرد على الاستدلال بها امران: " أحدهما ": ضعف سندها بسهل بن زياد، وان كان أبو عبيدة فيها موثقا لانه الحذاء لا المدائني بقرينة رواية ابن رئاب عنه لانه الذي يروي الاصل لابي عبيدة الحذاء و " ثانيهما " ان محل الكلام انما هو صورة دوران الامر بين التيمم والوضوء على أن يكون كل واحد منهما كافيا في الطهارة في نفسه، وليس مورد الرواية كذلك إذ لابد للحائض من الوضوء حتى لو تيممت، ولا يكفيها الوضوء وحده إذا لم تتيمم فلا يدور امرها بين الوضوء والتيمم بل يجب على الحائض الوضوء والتيمم


وهو غير محل الكلام. فلو كانت الرواية صحيحة السند أو معتبرة لا يمكننا التعدي عن موردها إلى ما لو دار امر المكلف بين التيمم والوضوء. وكيف كان لا يمكن الاستدلال بالرواية في المقام. نعم: الاحوط أن يختار الطهارة الخبثية ويتيمم لانه الموافق للشهرة والاجماع المدعى في المسألة.

[ 463 ]

[ مع أنه منصوص في بعض صوره. والاولى أن يرفع الخبث اولا ثم يتيمم ليتحقق كونه فاقدا للماء حال التيمم. وإذا توضأ أو اغتسل حينئذ بطل (1) لانه مأمور بالتيمم ولا امر بالوضوء أو الغسل. ] المأمور بالتيمم إذا اتى بالطهارة المائية بطلت: (1) إذا بنينا على ما ذكرناه من التخيير فلا اشكال في صحة وضوئه وغسله، واما لو بنينا على لزوم تقديم الطهارة الخبيثة على الحدثية ومع ذلك توضأ المكلف أو اغتسل وقدم الطهارة الحدثية فهل يحكم بصحتهما أو بطلانهما؟ ذهب الماتن إلى بطلانهما نظرا إلى انه لا أمر بهما حينئذ فيقعان باطلين. وربما يقال بصحة الوضوء والغسل حينئذ بالترتب وانه وان كان مأمورا بالتيمم إبتداءا إلا أنه لما عصاه ولم يصرف الماء في تحصيل الطهارة الخبثية فهو واجد الماء ومأمور بالوضوء أو الغسل فيصح منه إذ لا موجب لرفع اليد عن أمره مطلقا وانما يرفع اليد عن أمره إذا صرف الماء في الطهارة الخبثية. وقد تصحح طهارته المائية بالملاك لان الوضوء أو الغسل انما سقط الامر به لعدم تمكن المكلف منهما مع نجاسة بدنه وثيابه لكنه

[ 464 ]

[ نعم لو لم يكن عنده ما يتيمم به أيضا يتعين صرفه في ] مشتمل على الملاك وباق على المحبوبية، ومعه لا مانع من الحكم بصحته في مفروض الكلام. و (يدفعهما): ان الترتب يحتاج إلى دليل وهو انما قام عليه إذا كان هناك تكليفان نفسيان أحدهما أهم من الآخر فان إطلاق المهم لا مناص من رفع اليد عنه بمقدار الضرورة وارتفاع الامر بالضدين - وهو ما لو أراد إمتثال التكليف بالاهم - وأما لو عصاه فهو قادر من الاتيان به فالاطلاق يقتضي وجوبه، والمحذور منحصر في الامر بهما عرضا لا طولا وهو واضح. واما إذا فرضنا التكليف واحدا وفرضنا جعله مقيدا بقيد كالطهارة الخبثية وعصى المكلف ذلك المقيد فلا يسعنا الحكم بانه عند عصيان القيد مقيد بقيد آخر لانه أمر يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه بل مقتضى وقوعه مع القيد الآخر من دون أمر هو الفساد فلا يجري الترتب في المقام، وأما الملاك فانما يمكن استكشافه من الامر ومع سقوطه تحتاج دعوى الملاك إلى علم الغيب بوجوده، هذا. ويمكن تصحيح الطهارة المائية حينئذ بما قدمناه من انها مستحبات نفسية وقد رفعنا إليه عن استحبابها النفسي عند صرف الماء في إزالة النجاسة عن الثوب والبدن لان الامر به معجز مولوي عن الماء. وأما لو عصاه فهو واجد للماء حقيقة والوضوء باق على استحبابه النفسي فيمكنه الاتيان به بأمره النفسي ويقع صحيحا.

[ 465 ]

[ رفع الحدث (1) لان الامر يدور بين الصلاة مع نجاسة البدن أو الثوب أو مع الحدث وفقد الطهورين فمراعاة رفع الحدث أهم. مع أن الاقوى بطلان صلاة فاقد الطهورين فلا ينفعه رفع الخبث حينئذ. (مسألة 23): إذا كان معه ما يكفيه لوضوئه أو غسل بعض مواضع النجس من بدنه أو ثوبه بحيث لو تيمم أيضا ] (1) أما بناءا على سقوط الصلاة عن فاقط الطهرين فلوضوح أن الامر بتطهير الثوب أو البدن انما هو لاجل الصلاة ومع عدم وجوبها - لفقدانه الطهورين بصرفه الماء في تطهير ثوبه وبدنه - لا يجب عليه تطهيرهما. وأما بناءا على عدم سقوطها عن فاقد الطهورين فلدوران الامر بين صرفه الماء في تطهيرهما مع الصلاة محدثا لانه فاقد الطهورين فيصلي من دون تيمم ووضوء وبين صرفه في الوضوء والصلاة مع نجاسة الثوب أو البدن. والثاني هو المتعين لان تقديم ما لا بدل له - على مسلكهم - إنما هو في فرض بقاء الموضوع - وهو الصلاة مع الطهور - وأما لو كان تقديمه مستلزما لفوات الموضوع فلا إجماع ولا شهرة في تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية، وبعبارة أخرى: ادلة تقديم الطهارة الخبثية قاصرة الشمول لمثل المقام الذي ينتفي فيه الموضوع على تقدير تقديم الطهارة الخبثية.

[ 466 ]

[ يلزم الصلاة مع النجاسة ففي تقديم رفع الخبث حينئذ على رفع الحدث اشكال بل لا يبعد تقديم الثاني (1). ] (1) هناك فرعان: " أحدهما ": ما إذا كانت النجاسة متعددة لكن في خصوص الثوب أو خصوص البدن ودار أمره بين صرف الماء في الوضوء والصلاة عاريا أو مع الثوب أو البدن المتنجس بنجاسة متعددة وبين صرف الماء في ازالة بعض النجاسات ويصلي متيمما مع بعض النجاسات في ثوبه أو بدنه. و " ثانيهما ": ما إذا كانت النجاسة المتعددة في ثوبه وبدنه معا بأن كانت احداهما في ثوبه والاخرى في بدنه ودار امره بين الطهارة الحدثية والخبثية كما في الفرع السابق. أما الفرع الاول: فان بنينا على أن المانع عن الصلاة انما هو طبيعي النجاسة وليست المانعية انحلالية ليكون كل فرد منها مانعا مستقلا بل المانع هو الطبيعي ولا فرق فيه بين قله افراده وكثرتها، وكذا في نظائرها كما نعية ما لا يؤكل لحمه بان قلنا: إن المانع هي الطبيعي منه ولا اعتبار بافراده قلت أو كثرت، تعين تقديم الوضوء على ازالة بعض النجاسات - كما استقر به الماتن (قده) - وذلك لانه لو صرفه في ازالة بعضها لم يرتفع المانع عن الصلاة بل هو باق بحاله لوجود بعضها الآخر على الفرض ومع وجود الطبيعي لا اثر لارتفاع بعض افراد فتلزمه الصلاة مع الحدث والخبث.

[ 467 ]

[ نعم لو كان بدنه وثوبه كلاهما نجسا وكان معه من الماء ما يكفي لاحد الامور من الوضوء أو تطهير البدن أو الثوب ربما يقال بتقديم تطهير البدن والتيمم ثم الصلاة مع نجاسة الثوب أو عريانا على اختلاف القولين ولا يخلو ما ذكره من وجه. ] وهذا بخلاف ما لو صرف الماء في الوضوء فيصلي مع الطهارة من الحدث وان كان ثوبه أو بدنه متنجسا بنجاسة متعددة إلا أن مجموعها مانع واحد إذ لا اعتبار بتعدد الافراد. إلا أن الكلام في صحة هذا المبني لان المستفاد من امثال تلكم التكاليف هو الانحلال بلا فرق بين التكاليف النفسية والضمنية. مثلا: إذا نهى المولى عن شرب الخمر استفيد منه عرفا أن كل فرد من افراد الخمر ممنوع عن شربه بحيث لو اضطر إلى شرب فرد منها لم يجز له شرب فرد ثان منها لان كل فرد منها ممنوع منه بالاستقلال. وكذا لو امر بالصلاة مع طهارة الثوب أو البدن فيستفاد منه عرفا ان كل فرد من النجس مانع عن الصلاة ومن هنا ذكر الفقهاء انه لابد من تقليل النجس في الصلاة فالمانعية انحلالية لا انها مترتبة على الطبيعي، والصحيح حينئذ أن يقال: إن احدى النجاستين مما لابد من ارتكابها في الصلاة سواء صرف الماء في الوضوء أو في ازالة النجاسة فاحدى النجاستين مورد الاضطرار، اذن يدور الامر بين صرف الماء في الطهارة الحدثية أو في ازالة النجاسة الزائدة وهي عين المسألة

[ 468 ]

السابقة وعلى ما ذكروه لابد من تقديم الطهارة الخبثية التي لا بدل لها، وعلى ما ذكرنا يتخير بين الامرين واحتطنا باختيار الطهارة الخبثية للشهرة المحققة والاجماع المدعى. وأما الفرع الثاني: فلا يأتي فيه ما احتملناه في سابقه من كون المانعية مترتبة على الطبيعي دون الافراد وذلك لان الثوب والبدن موضوعان متغايران ونجاسة كل منهما مانع مستقل لا أن المانع هو الطبيعي، وفيه حينئذ لحاظان. أحدهما: لحاظ الدوران بين صرف الماء في الطهارة الحدثية والصلاة مع النجاسة الزائدة في ثوبه أو بدنه وبين صرفه في النجاسة الزائدة والصلاة مع التيمم ويأتي فيه ما قدمناه من التخيير أو تقديم الطهارة الخبثية على الحدثية. وثانيهما: لحاظ الدوران بين تطهير الثوب؟؟ وتطهير البدن وأن ايهما مقدم على الآخر فان بنينا على أن المقام من صغريات التزاحم فلا مناص من تقديم تطهير البدن على الثوب لانه معلوم الاهمية أو انه محتملها دون العكس. وأما بناءا على ما هو الصحيح من أن المورد من المتعارضين فلا وجه لتقديم احدهما على الآخر وذلك لان مقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف لعدم تمكن المكلف من شرطه إلا أنا علمنا أن الامر بالصلاة لا يسقط بحال وانها واجبة اما مشروطة بطهارة الثوب أو بطهارة البدن، واعتبار خصوصية كل واحد منهما تدفع بالاصل - البراءة - فينتج التخيير بين تطهير البدن أو الثوب.

[ 469 ]

[ (مسألة 24): إذا دار أمره بين ترك الصلاة في الوقت أو شرب الماء النجس - كما إذا كان معه ما يكفي لوضوئه من الماء الطاهر وكان معه ماء نجس بمقدار حاجته لشربه ومع ذلك لم يكن معه ما يتيمم به بحيث لو شرب الماء الطاهر بقي فاقد الطهورين - ففي تقديم ايهما إشكال (1). ] الدوران بين الترك في الوقت أو شرب النجس: (1) بل قدم بعضهم ترك الصلاة في الوقت لئلا يشرب الماء النجس وهو - كالاستشكال في ذلك - عجيب، فان المورد من موارد التزاحم ولابد فيه من ملاحظة الاهم واختياره على تقدير الوجود، والتخيير على تقدير التساوي. والظاهر أنه لا اشكال في اهمية الصلاة في وقتها على ترك شرب النجس، كيف؟ وهي عماد الدين وهي الفارق بين المسلم والكافر وغير ذلك مما ورد في حق الصلاة (1) ومع اهميتها لا وجه للتوقف في الحكم بلزوم الصلاة في وقتها وان استلزم شرب الماء النجس ولا سيما انه ليس من الكبائر التي اوعد الله عليها النار في كتابه العزيز.


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 6 و 11 وغيرهما من أبواب اعداد الفرائض.

[ 470 ]

[ (مسألة 25): إذا كان معه ما يمكن تحصيل أحد الامرين من ماء الوضوء أو الساتر لا يبعد ترجيح الساتر (1) والانتقال إلى التيمم لكن لا يخلو عن اشكال، والاولى صرفه في تحصيل الساتر أولا ليتحقق كونه فاقد الماء ثم يتيمم. ] الدوران بين تحصيل الماء أو الساتر: (1) هذه المسألة من فروع الكبرى المتقدمة - ما إذا دار الامر فيه بين لا بدل له وما له البدل وانه يقدم الاول لاهميته - حيث ان الساتر لا بدل له لخلاف الطهارة المائية ولهذا يتقدم الساتر وينتقل الامر إلى التيمم. وقد ظهرت المناقشة في ذلك مما سردناه سابقا حيث قلنا ان تلك الموارد خارجة عن باب التزاحم وداخلة في كبرى التعارض لان التزاحم انما يقع بين التكليفين النفسيين دون ما إذا كان التكليف واحدا ودار الامر فيه بين شرط وشرط آخر. ومقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف رأسا لعدم التمكن من شرطه لكنا علمنا أن الصلاة لا تسقط بحال فيتعارض ما دل على شرطية كل من الوضوء والساتر ولا يمكن التحفظ على كليهما وينفى احتمال شرطية خصوص احدهما باصل البراءة والنتيجة حينئذ هي التخيير، هذا

[ 471 ]

[ وإذا دار الامر بين تحصيل الماء أو القبلة ففي تقديم ايهما اشكال (1). ] على أنا لو سلمنا كونهما متزاحمين فليس احدهما مما لا بدل له دون الآخر بل كلاهما مما له البدل وذلك لان الطهارة المائية والتستر واجبان ضمنيان ولا وجه لملاحظتهما في نفسهما بل لابد من ملاحظة الواجب النفسي الذي اعتبر ذلك الشرط قيدا له - وهو الصلاة - ولا اشكال في أن الصلاة مع الطهارة المائية والصلاة مع السالر؟؟ لهما بدل وهو الصلاة مع الطهارة الترابية والصلاة عاريا. اذن لا تنطبق الكبرى المتقدمة على المقام ولو مع البناء على انه من التزاحم لا التعارض بل الحكم فيه هو التخيير. نعم: الاحوط ما ذكره الماتن (قده) من تحصيل الساتر أولا ليتحقق كونه فاقد الماء ثم يتيمم ويصلي. الدوران بين تحصيل الماء أو القبلة: (1) الظاهر أن المسألة لا اشكال فيها لانها - كما تقدم - من باب التعارض دون التزاحم لاختصاصه بالتكليفين النفسيين وليس المقام كذلك لوحدة التكليف ودوران الامر بين شرط وشرط آخر واطلاق كل من دليلي الشرطين يتساقطان وتنفى شرطية خصوص كل واحد منهما بالبرائة والنتيجة هي التخيير، هذا.

[ 472 ]

على انهما لو كانا من المتزاحمين لا يدخلان تحت كبرى دوران الامر بين مالا بدل له وما له البدل وذلك لان القبلة - على المختار - وان كانت هي نفس الكعبة المشرفة إلا انه - بالاضافة إلى من لا يتمكن من التوجه إليها - متسعة وهي ما بين المشرق والمغرب وليست القبلة بمعنى التوجه إلى نفسه الكعبة مثل الطهور مما ينتفي بانتفائه الصلاة. وان ورد " لا صلاة إلا إلى القبلة " (1) إلا أنه محمول على صلاة المختار المتمكن من التوجه إليها جمعا بينه وبين ما دل على صحة الصلاة إلى غير القبلة عند العجز عنها. كما أن التيمم بدل الطهارة المائية. اذن لكل من الصلاة مع الطهارة المائية والصلاة مع التوجه إلى نفس الكعبة بدل فان البدلية لابد من أن تلاحظ بالاضافة إلى الصلاة التي هي الواجب النفسي دون شرطها، اذن فالصحيح ما ذكرناه من أن المقام من المتعارضين والحكم فيه هو التخيير. وهذا سار في كل مورد دار الامر فيه بين شرط وشرط آخر. نعم على تقدير كونه من باب التزاحم لا يبعد أن تكون القبلة مرجحة على الطهارة المائية لما ورد من أنه " لاصلاة إلا إلى القبلة " ولم يرد " لا صلاة إلا مع الطهارة المائية ".


(1) الوسائل: ج 3 باب 2 و 10 من أبواب القبلة ح 9 و 2 وغيرهما من الموارد.

[ 473 ]

[ (السابع): ضيق الوقت عن استعمال الماء (1) بحيث لزم من الوضوء أو الغسل خروج وقت الصلاة ولو كان لوقوع جزء منها خارج الوقت. ] السابع من مسوغات التيمم: (1) المسألة متسالم عليها بين الاصحاب بل ظاهر العلامة في المنتهى انها اجماعية لانه نسب القول بالعدم إلى بعض العامة وتفصيل الكلام فيها يقع في مسائل ثلاث: " المسألة الاولى ": ما إذا فرضنا أن الطهارة المائية تقتضي وقوع الصلاة بتمامها خارج الوقت فهل يجب على المكلف أن يتيمم ليوقع الصلاة في وقتها أو أنه فاقد الطهورين فهو لا يكلف بالصلاة؟ المعروف بل المتسالم عليه بينهم هو وجوب التيمم لكن نسب الخلاف في المسألة صريحا إلى الشيخ حسين آل عصفور حيث ذهب إلى أن المكلف فاقد الطهورين ولا يجب عليه الوضوء لاستلزامه تأخير الفريضة عن وقتها كما لا يجب عليه التيمم لكونه واجد الماء والتيمم مشروع لفاقده. ويمكن اسناد الخلاف في المقام إلى صاحب المدارك والشرائع وكشف اللثام وجامع المقاصد (قدهم) وغيرهم لانهم في المسألة المعروفة " وهي ما إذا كان الماء موجودا عنده إلا أنه اخل باستعماله

[ 474 ]

واخر الصلاة إلى أن ضاق الوقت عن الطهارة المائية والاداء " ذهبوا إلى عدم مشروعية التيمم لضيق الوقت. وعلله في المدارك بما يشمل المقام حيث ذكر بعدما عنون المسألة " إن فيها قولين: اظهرهما الاول - يعني يتطهر ويقضي - وهو خيرة المصنف في المعتبر لان الصلاة واجب مشروط بالطهارة، والتيمم انما يسوغ مع العجز عن استعمال الماء. والحال ان المكلف واجد للماء متمكن من استعماله غاية الامران الوقت لا يتسع لذلك ولم يثبت كون ذلك مسوغا للتيمم ". وتعليله هذا كما ترى شامل لمسألتنا أيضا، ثم يمكن المناقشة في ذلك بان ظاهر المدارك اعتبار كون المكلف فاقدا للماء في طبعه في مشروعيته التيمم وليس الامر كذلك في المسألة المعروفة لانه واجد للماء طبعا وانما صار فاقدا له بتأخير صلاته اختيارا، وهذا يخالف مسألتنا التي نبحث عنها لان المكلف فاقد للماء في طبعه لا باختياره فالمخالف الصريح هو الشيخ حسين آل عصفور فقط. والصحيح في مسألتنا هو وجوب التيمم لاجل ضيق الوقت وذلك لدلالة الآية الكريمة (1) والروايات (2) عليه حيث ان المستفاد منهما بحسب الفهم العرفي أن المراد من عدم الوجدان هو عدم التمكن من استعمال الماء في الوضوء والغسل لا عدم التمكن منه مطلقا وبالاضافة إلى جميع الامور، وان مدلولها: أن من تمكن من الوضوء يتوضا ومن تمكن من


(1) سورة المائدة: 5: 6. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 و 2 وغيرهما من أبواب التيمم.

[ 475 ]

الغسل يغتسل ومن لم يتمكن منهما يتيمم وان كان متمكنا من استعمال الماء في مثل الشرب وتنظيف ثوبه أو بدنه ونحوهما وذلك لوضوح أن المكلف إذا كان متمكنا من شرب الماء واستعماله في التنظيف وشبهه لترخيص المالك اياه في ذلك، ولم يتمكن من صرف الماء في الغسل أو الوضوء شرع له التيمم بدلا عنهما. وذلك لصدق أنه فاقد الماء اي بالاضافة إلى الوضوء والغسل، وحيث ان المكلف - في مفروض المسألة - لا يتمكن من استعمال الماء في الوضوء أو الاغتسال ولو لاجل ضيق الوقت جاز له التيمم ووجب عليه الصلاة مع الطهارة الترابية، اذن لا نحتاج في استفادة حكم المسألة إلى القرائن الخارجية وانما نستفيده من نفس الآية والاخبار، نعم لو أغمضنا عن ذلك وفرضنا أن المكلف لا يصدق عليه - في المقام - أنه فاقد الماء دخل المقام في كبرى فاقد الطهورين فلا يجب عليه الوضوء لاستلزامه تفويت الفريضة ولا يجب التيمم لانه واجد الماء. إلا انه مع ذلك لابد من الالتزام بوجوب التيمم وذلك لانا قد علمنا ببركة الاجماع القطعي وما ورد في المستحاضة من انها لا تدع الصلاة بحال (1): أن الصلاة واجبة على كل مكلف، كما استفدنا ببركة ما دل على أنه " لا صلاة إلا بطهور " (2) أن الصلاة يعتبر فيها الطهارة. وعلمنا ببركة أدلة البدلية أن طهور من لا يتمكن


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5. (2) الوسائل: ج 1 باب 14 من أبواب الجنابة ح 2 وغيره من الموارد.

[ 476 ]

[ وربما يقال: ان المناط عدم ادراك ركعة منها في الوقت فلو دار الامر بين التيمم وادراك تمام الوقت أو الوضوء وادراك ركعة أو ازيد قدم الثاني لان من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت. لكن الاقوى ما ذكرنا، والقاعدة مختصة بما إذا لم يبق من الوقت فعلا إلا مقدار ركعة فلا تشمل ما إذا بقي بمقدار تمام الصلاة ويؤخرها إلى أن يبقى مقدار ركعة، فالمسألة من باب الدوران بين مراعة الوقت ومراعة الطهارة المائية، والاول اهم. ] من الماء هو التراب، وبهذه الادلة الثلاثة نجزم بأن المكلف مأمور بالصلاة في المقام وطهارته هي التراب فيجب عليه الصلاة مع الطهارة الترابية. " المسألة الثانية ": ما إذا كانت الطهارة المائية مستلزمة لوقوع الصلاة خارج الوقت إلا بمقدار ركعة أو اكثر فهل تجب الطهارة المائية والصلاة في الوقت ركعة واتمامها خارج الوقت، أو أن اللازم هو الطهارة الترابية واتيان الصلاة بتمامها في الوقت؟ ذكروا أن الامر في المسألة يدور بين مراعة الوقت ومراعة الطهارة المائية وذلك لما دل على أن " من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة " (1) وهو من باب التزاحم ويقدم فيه معلوم الاهمية أو محتملها على الآخر،


(1) الوسائل: ج 3 باب 30 من أبواب المواقيت ح 4 وغيره من المضمون

[ 477 ]

ومن المعلوم أن الوقت معتبر في تمام اجزاء الصلاة فمع استلزام الطهارة المائية خروج جزء من اجزائها خارج الوقت لا يجوز تحصيلها بل ينتقل إلى التيمم لكن الاحوط القضاء مع ذلك، خصوصا إذا استلزم وقوع جزء من الركعة خارج الوقت. ] وحيث علمنا أن مراعاة الوقت أهم فيقدم فيتيمم ويأتي بالصلاة بتمامها في الوقت. ولكن الماتن " قده " إحتاط مع هذا بالقضاء خارج الوقت خصوصا إذا كان الواقع خارج الوقت شئ قليل لعدم إحراز أو إحتمال الاهمية حينئذ في الوقت. و (فيه): ما ذكرناه سابقا من أن التزاحم انما يتصور بين التكليفين النفسيين دون التكليف الواحد إذا دار الامر فيه بين شرط وشرط آخر أو بين جزء وجزء آخر فهو خارج عن باب التزاحم رأسا، ومقتضى القاعدة فيه هو السقوط لعدم لعدم إمكان امتثال التكليف الواحد المتعلق بالجميع على الفرض ويحتاج اثبات الامر بالفاقد لجزئه أو شرطه إلى دليل وهو موجود في باب الصلاة فانها لا تسقط بحال. اذن مقتضى ما دل على إعتبار الوقت: أن الصلاة في حق المكلف مشروطة بالوقت، كما أن مقتضى ما دل على إعتبار الطهارة المائية: اشتراط الصلاة بها، فيتعارضان ويتساقطان فيتخير المكلف بين مراعاة القبلة أو الطهور بالماء. هذا

[ 478 ]

ولكن التعارض مبني ما دل على أن (من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة) (1) يشمل المقام إذ بعد هذا التنزيل يقع التعارض بين الدليلين لان مقتضى هذا التنزيل: أن المكلف لابد أن يصلي مع الوضوء لانه وان كان لا يدرك من الصلاة حينئذ إلا ركعة واحدة إلا أن من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة. كما أن مقتضى أدلة اعتبار الوقت هو الانتقال إلى التيمم ويتعارضان. الا أن التعارض غير صحيح، لان بعض أدلة " من أدرك... " وان كان طريقه صحيحا - حيث وردت فيه جملة روايات كلها ضعاف سوى رواية واحدة وردت في صلاة الغداة (2) لكنا نقطع بعدم الفرق بين الغداة وباقي الفرائض - إلا أن موضوعها: من لم يتمكن من الاتيان بطبيعي الصلاة بتمامها في الوقت لوضوح أنها لا تدل على جواز تأخير الصلاة إختيارا إلى أن يبقى من الوقت مقدار ركعة واحدة. ومن الظاهر أن الدليل لا يحرز موضوعه وهو غير المتمكن من الصلاة بتمامها في الوقت في المقام ولا نظر له إلى إتيانه، ومقتضى أدلة بدلية التراب أن المكلف متمكن من إتيان الصلاة بتمامها في وقتها فلا يكون المكلف مشمولا لقاعدة " من أدرك. " ولا تقع المعارضة بين الدليلين بل لابد للمكلف من أن يتيمم ويصلي. وهذا من غير فرق في ذلك بين أن يكون ما يقع خارج الوقت بمقدار ركعة أو أكثر أو أقل لانه متمكن من إيقاع الصلاة بتمامها


(1) تقدمت قريبا، (2) الوسائل: ج 3 باب 30 من أبواب المواقيت ح 1 وغيره ضعاف.

[ 479 ]

في الوقت إذا تيمم - وهو بدل الوضوء - فلا يسوغ له أن يتوضأ لتقع ركعة من صلاته أو أقل منها خارج الوقت لما مر من أن قاعدة " من أدرك. " لا تشمل المقام. " المسألة الثالثة " - ما إذا كان بعض أجزاء الصلاة واقعا خارج الوقت على كل حال، إلا أنه لو توضأ كان الواقع خارج الوقت اكثر مما لو تيمم، كما لو فرضنا أن الركعة الرابعة لابد أن تقع خارج الوقت على كل حال إلا أنه لو توضأ وقعت الركعة الثالثة معها خارج الوقت ايضا ولو تيمم لا يقع من الصلاة خارج الوقت إلا الركعة الرابعة فهل لابد من التيمم أو أنه يتوضأ على خلاف المسألتين السابقتين؟ لم يتعرض الماتن " قده " لهذه المسألة، وهي تختلف باختلاف المسلكين: فان بنينا على أن امثال هذه المسألة داخلة في باب التزاحم فلابد اما أن نلتزم بوجوب الوضوء أو التخيير بينه وبين التيمم. وذلك لوقوع التزاحم حينئذ بين الطهارة المائية والوقت لانه لو تحفظ على الطهارة المائية وقعت الركعة الثالثة خارج الوقت ولو تحفظ على الوقت في تلكم الركعة لم يتمكن من الطهارة المائية ولابد معه من ملاحظة الاهم في البين، ولا ينبغي الارتياب في أن الوقت أهم من الطهارة المائية حسبما تفيده النصوص ويشهد به القطع الخارجي. إلا أن ذلك انما هو في مجموع الصلاة فانه لو دار الامر بين أن يتوضأ ويصلي خارج الوقت وبين أن يصلي في الوقت بتيمم يقدم التيمم على الوضوء تحفظا على الوقت، وأما أهمية الوقت في بعض أجزاء الصلاة مثل الركعة الثالثة

[ 480 ]

[ (مسألة 26): إذا كان واجدا للماء واخر الصلاة عمدا إلى أن ضاق الوقت عصى، ولكن يجب عليه التيمم ] في مثالنا المتقدم بعد فرض أن بعضها لابد أن يقع خارج الوقت فلم يثبت بدليل، كما أنه لا نحتمل فيه الاهمية، إذن لابد من الحكم بالتخيير بين الامرين أو تقديم الطهارة المائية لو قلنا بأهميتها. ولو بنينا على ما سلكناه من أن أمثال المقام خارج عن باب التزاحم وداخل في باب التعارض فمقتضى القاعدة هو سقوط الامر بالصلاة رأسا لعدم تمكن المكلف من شرطها وهو إيقاعها بتمامها في الوقت لفرض أن بعضها لابد من وقوعه خارج الوقت. إلا أن الاخبار الواردة في أن " من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة " (1) تدلنا على أن الصلاة ليست ساقطة عن المكلف في مفروض الكلام وانه متمكن من الوقت لتمكنه من ايقاع ركعة واحدة في وقتها مع الطهارة المائية لان من ادرك ركعة فقد ادرك الصلاة. ولا فرق فيها حسب اطلاقها بين أن يكون الواقع خارج الوقت ركعة أو اقل أو اكثر لان المدار على ادراك ركعة واحدة في الوقت. وعليه يتعين الوضوء على والصلاة وان وقع خارج الوقت حينئذ اكثر من ركعة واكثر مما يقع في خارج الوقت لو تيمم.


(1) تقدمت قريبا.

[ 481 ]

[ والصلاة (1) ولا يلزم القضاء وإن كان الاحوط احتياطا شديدا. ] الواجد إذا أخر الصلاة إلى ان ضاق الوقت: (1) هذه هي المسألة المعروفة التي تقدمت الاشارة إلى انها محل الكلام عند الاصحاب والمعروف فيها بينهم هو ما ذهب إليه الماتن (قده). إلا أن جماعة مثل المحقق في المعتبر وكاشف اللثام وجامع المقاصد والمدارك ذهبوا إلى وجوب القضاء خارج الوقت مع الطهارة المائية ولا تشرع له اللصلاة في الوقت مع التيمم. ومعللين ذلك بأن المكلف واجد للماء، وهذا هو الموافق للفهم العرفي والمستفاد من آية التيمم واخباره. وذلك لان المستفاد منهما أن التيمم وظيفة من كان فاقد الماء بالاضافة إلى طبيعي الصلاة - أي بما لها من الافراد العرضية والطولية. لوضح أن من كان فاقدا للماء بالاضافة إلى الصلاة في السرداب مع كونه واجدا له بالنسبة إلى الصلاة في ساحة الدار لا يشرع التيمم في حقه، وكذا من كان فاقدا للماء في اول الوقت لكونه مسافرا أو معذورا بعذر آخر مع أنه واجد للماء ومتمكن منه آخر الوقت لا يشرع التيمم في حقه، فان المسوغ انما هو الفقدان بالنسبة إلى طبيعي الصلاة لا افرادها.

[ 482 ]

وحيث ان المكلف في المقام واجد للماء بالاضافة إلى الطبيعي لان مفروض الكلام ما إذا كان واجدا للماء في اول الوقت فلا يشرع له التيمم بمجرد كونه فاقدا له بالاضافة إلى الفرد الذي يريد الاتيان به آخر الوقت لانه انما صار فاقد له بالاختيار. وصاحب المدارك (قده) لا يرى الفقدان بالاختيار مسوغا للتيمم بل المسوغ عنده انما هو الفقدان الطبيعي ومن كان فاقدا للماء بطبيعى الحال للا من عجز نفسه عن الماء وادرجها في الفاقد بالاختيار كما هو الحال في المقام، وهذا هو الموافق للارتكاز العرفي في امثال المقام فإذا امر المولى عبده بطبخ الطعام مع الماء، وعلى تقدير عدم التمكن منه أو العجز عنه امره بشراء الخبز مثلا، ثم العبد اراق الماء باختياره ليندرج في موضوع وجوب شراء الخبز فان الفهم العرفي يقتضي عدم كفاية هذا العجز والفقدان في وجوب شراء الخبز في حقه، وهذا هو الحال فيما إذا كان الوقت واسعا أيضا لعدم اختصاصه بضيق الوقت فلو اراق الماء أو صرفه في شئ آخر أول الوقت مع عدم تمكنه منه إلى آخر الوقت فلا يسوغ له التيمم بمقتضى ما يستفاد من الآية المباركة والاخبار وما هو المرتكز فيما لو كان الحكم معلقا على عنوان اضطراري كعدم التمكن وعدم القدره وعدم التيسر ونحوها فلا يشمل الحكم من عجز نفسه بالاختيار كما قدمناه في مسألة ما إذا كان متمكنا من الماء فأراقه، ومن ثمة احتاط الماتن هنا احتياطا شديدا، هذا إلا أن مقتضى ما استفدناه من الاجماع القطعي وما هو المرتكز

[ 483 ]

[ (مسألة 27): إذا شك في ضيق الوقت وسعته بنى على البقاء وتوضأ أو اغتسل (1). ] في الاذهان وما دلت عليه الصحيحة الواردة في المستحاضة من انها لا تدع الصلاة بحال (1): أن الصلاة وظيفة كل مكلف في كل حال - ومنهم المكلف في مفروض المسألة أعني من عجز نفسه عن الماء بالاختيار فتجب عليه الصلاة قطعا وقد علمنا أن لا صلاة إلا بطهور وهو في حقه منحصر بالتراب. وهذا يدلنا على أن وظيفة المكلف في امثال المقام هو الصلاة في الوقت بالتيمم ولا حاجة معه إلى القضاء ولا إلى الاحتياط. نعم: لا إشكال في أنه عصى ربه باختياره وتأخيره - كما قدمناه في مسألة من اراق الماء باختياره - إلا أن عصيانه لا يمنع من انتقال وظيفته إلى التيمم والمسوغ له هو القاعدة الارتكازية كما ذكرناه. إذا شك في ضيق الوقت: (1) في المسألة صورتان: " الاولى ": أن يعلم بأن صلاته مع الطهارة المائية نستوعب من الوقت خمسة دقائق - مثلا - ويشك في أن الباقي من الوقت خمس دقائق أو اقل أو اكثر.


(1) تقدمت في المسألة السابقة.

[ 484 ]

[ وأما إذا علم ضيقه وشك في كفايته لتحصيل الطهارة والصلاة وعدمها وخاف الفوت إذا حصلها فلا يبعد الانتقال إلى التيمم. والفرق بين الصورتين: أن في الاولى يحتمل سعة الوقت وفي الثانية يعلم ضيقه فيصدق خوف الفوت فيها دون الاولى. والحاصل إن المجوز للانتقال إلى التيمم خوف الفوت الصادق في الصورة الثانية دون الاولى. ] وفي هذه الصورة من الشك في سعة الوقت وضيقه اجرى الماتن - (قده) استصحاب بقاء الوقت للشك في سعته وضيقه فانه كما يجري الاستصحاب في الامور السابقة يجري في الامور المستقبلة وبه يحرز بقاء الوقت كما لو احرزناه بالعلم الوجداني. " الثانية " أن يعلم بالمقدار الباقي من الوقت وأنه خمس دقائق مثلا، ويشك في وقت صلاته مع الطهارة المائية وانه يستلزم خمس دقائق أو اكثر. وفي هذه الصورة بنى الماتن على عدم جريان الاستصحاب في الوقت لانه معلوم المقدار - يعلم ببقاء خمس دقائق من العصر وتغيب الشمس بعدها - فليس هناك مورد ومجرى للاستصحاب وبما انه يخاف فوت الفريضة في وقتها فيجوز له أن يتيمم ويصلي. هذا. وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في موردين: " الاول ": في جريان الاستصحاب في كلتا الصورتين وعدمه. " الثاني ": في حكم المسالة بلحاظ القرينة الخارجية.

[ 485 ]

أما المورد الاول: فالصحيح أن المسألتين كلتا هما مورد للاستصحاب. أما المسألة الاولى: اعني ما إذا شك في سعة الوقت وضيقه مع العلم بمقدار الوقت الذي يستوعبه عمله - أي الشك في عمود الزمان. فلان المستفاد من الادلة الواردة في الاوقات: أن اللازم أمران أحدهما: ايجاد الصلاة، والآخر: أن لا يكون الوقت المضروب غاية منقضيا بأن يصلي الظهر والوقت باق ولا يعتبر في الفريضة شئ آخر زائدا على ذلك. والمكلف في مفروض المسألة احرز أحد الجزئين بالوجدان لا يجاده الصلاة واحرز الجزء الآخر بالتعبد والاستصحاب لاقتضائه بقاء الوقت وعدم انقضائه. وبضم الوجدان إلى الاصل يثبت أنه اوجد الظهر مثلا والوقت باق نظير ما إذا كان عالما ببقاء الوقت وقد عرفت انه لا يعتبر في الصلاة شئ زائدا على ذلك ليتوهم أن الاستصحاب اصل مثبت بالاضافة إليه. وأما المسألة الثانية - اعني ما إذا كان الزمان بحسب العمود معلوما لا شك فيه كما لو علم أن الباقي من الوقت خمسة دقائق، إلا انه لا يدري الوقت الذي يستدعيه عمله مع الطهارة المائية لعل هو خمس دقائق أو اكثر؟ - فلان الاستصحاب وان كان لا يجري بحسب عمود الزمان لمعلوميته إلا أنه يجري بلحاظ الحادث الاخر وهو انقضاء الصلاة مع الطهارة المائية قبله وعدمه لانه مشكوك بهذا اللحاظ ولا مانع من أن يكون شئ في انه معلوما ومشكوكا فيه بالاضافة إلى شئ آخر

[ 486 ]

كما نبهنا عليه في بعض تنبيهات الاستصحاب عند التعرض لمسألة " ما إذا مات المورث واسلم الوارث وشككنا في المتقدم منهما والمتأخر ". وفي المقام يشك في ذلك الزمان المعلوم مقداره هل ينقضي قبل اتمام المكلف صلاته بطهارة مائية أم لا؟ ومقتضى الاستصحاب بقاؤه وعدم انقضائه قبل اتمام الصلاة. إذن من حيث جريان الاستصحاب لا فرق بين المسألتين. وأما المورد الثاني: - فمقتضى صحيحة الحلبي الواردة في الاوقات - في حديث: قال: سألته عن رجل نسي الاولى والعصر جميعا ثم ذكر ذلك عند غروب الشمس؟ فقال: " ان كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصل الظهر ثم يصلي العصر وان هو خاف أن تفوته فليبدء بالعصر ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا، ولكن يصلي العصر فيما قد بقي من وقتها ثم ليصل الاولى بعد ذلك على أثرها " (1) أن خوف الفوت طريق إلى ضيق الوقت وانه موجب لسقوط الاستصحاب لانه لو لم يكن طريقا معتبرا شرعا ومانعا عن جريان الاستصحاب لكان مقتضى إستصحاب بقاء الوقت عند خوف الفوت: وجوب البدء بصلاة الظهر قبل العصر مراعاة للترتيب كما لو كان عالما ببقاء الوقت فلا وجه لامره (ع) بالابتداء بالعصر إلا سقوط الاستصحاب عند خوف الفوت. وكذلك الحال في حسنة زرارة بعلي بن ابراهيم بن هاشم الواردة في طلب المسافر الماء عن أحدهما (ع) قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوفت فليتيمم وليصل (2).


(1) الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت ح 18. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب التيمم ح 1.

[ 487 ]

[ (مسألة 28): إذا لم يكن عنده الماء وضاق الوقت عن تحصيله - مع قدرته عليه - بحيث استلزم خروج الوقت ولو في بعض اجزاء الصلاة انتقل أيضا إلى التيمم، وهذه ] لانه لو لم يكن خوف الفوت طريقا إلى ضيق الوقت ومانعا عن جريان الاستصحاب لم يكن موجب لتيممه بل وظيفته أن يتوضأ ويصلي، اذن خوف الفوت طريق شرعي إلى ضيق الوقت ومانع عن جريان الاستصحاب، وهذا متحقق في كلتا المسألتين: أما الثانية فلوضوح أنه يخاف فوت الوقت إذا توضأ أو اغتسل لاحتمال أن يكون وقت عمله مع الطهارة المائية زائدا على خمس دقائق في المثال. وأما الاولى فكذلك أيضا لانه بالوجدان يحتمل أن يكون الوقت خارجا قبل اتمام صلاته لو اشتغل بالطهارة المائية فالخوف متحقق في كلتا المسألتين بالوجدان، إذ لا فرق فيه بين أن يكون منشأه الشك في سعة الزمان وضيقه وبين أن هو الشك في أن عمله مع الطهارة المائية يستوعب أي مقدار من الوقت؟ فانه على كلا التقديرين يخاف فوت الوقت على تقدير اشتغاله بالطهارة المائية، ومعه ينتقل أمره إلى التيمم في كلتا المسألتين فلا فرق فيهما من حيث جريان الاستصحاب فيهما في نفسه وبين كونهما موردا للتيمم كما عرفت.

[ 488 ]

[ الصورة اقل اشكالا من الصورة السابقة (1) وهي: ضيقه عن استعمال مع وجوده لصدق عدم الوجدان في هذه الصورة، بخلاف السابقة، بل يمكن أن يقال بعدم الاشكال أصلا فلا حاجة إلى الاحتياط بالقضاء هنا. ] إذا ضاق عليه الوقت ولم يكن عنده الماء: (1) بل الصحيح أن هذه الصورة مع الصورة السابقة متساويتان وليس هناك مزية لاحداهما على الاخرى وذلك لما قدمناه من أن المراد بالفقدان في الآية المباركة انما هو فقدان الماء بالاضافة إلى طبيعي الصلاة فان من لم يجد الماء في أول الزوال وكان متمكنا منه بعد ساعة لا يجوز له التيمم. كما أن المراد من الفقدان ليس هو الفقدان الحقيقي بل المراد منه هو عدم التمكن من استعمال الماء في الوضوء أو الغسل بقرينة ذكر المرضى في الآية الكريمة فانه واجد للماء غالبا ولكن لا يتمكن من استعماله فالمراد منه هو عدم التمكن من استعمال الماء في الوضوء أو الغسل وان كان واجدا الماء. وعليه المكلف - في كلتا المسألتين - فاقد للماء بمعنى عدم تمكنه من استعماله في الوضوء والغسل للصلاة لضيق الوقت وهو في الحقيقة واجد للماء في كلتيهما:

[ 489 ]

أما في المسألة الاولى: فواضح لفرض وجدانه الماء، وأما في المسألة الثانية: فلانه متمكن من تحصيل الماء والمسير إليه والغسل والتوضي به، إلا أن الوقت لا يسعهما مع صلاته فهما من حيث التمكن من الماء ومن حيث العجز عن استعماله في الغسل أو الوضوء للصلاة من جهة ضيق الوقت سيان. نعم المسألة الثانية منصوصة حيث ورد في رواية حسين العامري عمن سأله عن رجل أجنب فلم يقدر على الماء وحضرت الصلاة فتيمم بالصعيد ثم مر بالماء ولم يغتسل وانتظر ماء آخر وراء ذلك فدخل وقت الصلاة الاخرى ولم ينته إلى الماء وخاف فوت الصلاة قال: " يتيمم ويصلي، فان تيممه الاول إنتقض حيث مر بالماء ولم يغتسل " (1) حيث استفيد منها أمران: " أحدهما ": إن وجدان الماء ناقض للتيمم، وبهذه المناسبة روى في الوسائل الرواية في باب انتقاض التيمم بوجدان الماء. و " ثانيهما ": انه إذا تمكن من تحصيل الماء وخاف فوت الصلاة لضيق الوقت على تقدير الطهارة المائية جاز له التيمم، إلا أن وجود النص وعدمه سيان بعد كون الحكم في المسألتين مطابقا للقاعدة وصدق الفقدان بمعناه المتقدم، على أن النص ضعيف من جهات: (الاولى): كونها مروية عن حسين العامري وهو ممن يوثق في الرجال. و (الثانية): كونها مرسلة لان الحسين رواها عمن سأله ولا يعلم انه من هو؟


(1) الوسائل: ج 2 باب 19 من أبواب التيمم ح 2،

[ 490 ]

[ (مسألة 29): من كانت وظيفته التيمم (1) من جهة ضيق الوفت عن استعمال الماء إذا خالف وتوضأ أو اغتسل بطل. ] و (الثالثة): كونها مضمرة ونحن وان كنا نعمل بالمضمرات لكنه فيما إذا كان المضمر من أجلاه الرواة واكابرهم لا في مثل المقام إذا من المحتمل أن يكون سؤال متوجها إلى غير الامام (ع) مثل رؤساء المذاهب الباطلة أو أحد العلماء أو نحوهما. المأمور بالتيمم إذا خالف وظيفته: (1) للمسألة صور ثلاث: وذلك لان المكلف الآتي بالوضوء أو الغسل مع كونه مأمورا بالتيمم قد يكون عالما بضيق الوقت وبانه مأمور بالتيمم وخالف، وقد يكون جاهلا بالحال، ثم الجاهل قد يأتي بهما بقصد الوضوء أو الغسل للصلاة وقد يأتي بهما بقصد غير الصلاة من الغايات كقراءة المصحف أو دخول المسجد أو دخول المسجد أو لغاية استحبابهما النفسي، فهذه صور ثلاث: " الصورة الاولى ": ما إذا كان المكلف عالما بالحال، فان أتى بهما لاجل استحبابهما

[ 491 ]

[ لانه ليس مأمورا بالوضوء لاجل تلك الصلاة، هذا إذا قصد الوضوء لاجل تلك الصلاة، واما إذا توضأ بقصد غاية اخرى من غاياته أو بقصد الكون على الطهارة صح على ما هو الاقوى من أن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده. ] النفسي أو لسائر الغايات المترتبة عليهما ولا ينبغي الاشكال في صحتهما حيث أتى بهما قاصدا التقرب بهما وهما مأمور بهما واقعا، وقد ذكرنا في محله أنا لا نلتزم بكون الامر بالشئ مقتضيا للنهي عن ضده بل كلا الضدين يقعان مأمورا بهما على وجه الترتب. وان أتى بهما بقصد الصلاة فان قصد التشريع بعمله - أي مع علمه بعدم الامر بهما من قبل الامر بالصلاة أتى بهما بانيا على كونهما مأمورا بهما من قبل الصلاة - فلا تأمر في بطلانهما لحرمة التشريع ولا يمكن أن يقع المحرم عبادة ومحبوبا. ولو لم يقصد بهما التشريع - كما لو نوى بهما المقدمية لطبيعي الصلاة ولو قضاء ولم يقصد كونهما مأمورا بهما بالامر الفعلي - فلا مانع من الحكم بصحتهما في هذه الصورة لكونه مأمورا بهما ولو لاجل القضاء. إلا أن هذا أمر نادر جدا، لان من يأتي بالوضوء أو الغسل من جهة المقدمية للصلاة يقصد بطهارته كونها مأمورا بها بالفعل.

[ 492 ]

[ ولو كان جاهلا بالضيق وأن وظيفته التيمم فتوضأ فالظاهر أنه كذلك فيصح إن كان قاصدا لاحدى الغايات الاخر، ويبطل إن قصد الامر المتوجه إليه من قبل تلك الصلاة. ] " الصورة الثانية ": ما إذا كان المكلف جاهلا بالحال وأتى بهما لا بقصد الصلاة ولا ينبغي الارتياب في صحتهما لانهما مأمور بهما من جهة استحبابهما النفسي أو المقدمية لسائر الغايات وقد قصد بهما التقرب فيقعان صحيحين لا محالة، اللهم إلا أن يقال بان الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده وأن النهي الواقعي يقتضي فساد العبادة وان كان مجهولا للمكلف على ما قويناه في محله، فانه يقتضي الحكم بفساد الغسل أو الوضوء في مفروض الكلام، وذلك لانه مأمور بالتيمم وهو يقتضي النهي عن الغسل أو الوضوء والمحرم والمنهي عنه لا يقع عبادة لانه مبغوض، إلا أنا لا نلتزم بكون الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، بل كلا الضدين مأمور بهما على وجه الترتب كما حققناه في محله، " الصورة الثالثة ": ما إذا كان المكلف جاهلا بالضيق وقد أتى بالوضوء أو الغسل

[ 493 ]

بقصد المقدمية للصلاة، وقد ذكر الماتن (قده) انهما محكومان بالبطلان لان ما قصده من المقدمية للصلاة لا واقع له، وما له واقع من المحبوبية النفسيه أو المقدمية لسائر الغايات ليس مقصودا له، ولكن الصحيح صحة الغسل والوضوء في هذه الصورة أيضا لان المطلوب في العبادات أمران الاتيان بذات العمل، واضافته إلى الله سبحانه نحو اضافة، وكلا الامرين واقع ومتحقق في المقام. غاية الامر أنه تخيل أن الاضافة والمقربية من جهة انهما مقدمتان للصلاة واخطأ في هذا الخيال فان اضافتهما ومقربيتهما انما هي من جهة المحبوبية الذاتية أو سائر الغايات وهو خطأ في التطبيق وتخلف في الداعي وهو لا يوجب البطلان، نعم: لو قلنا بما التزم به الماتن (قده) في مبحث الوضوء من أن الوضوء والغسل امران قابلان للتقيد، وأتى بهما المكلف بقيد كونهما مقدمة للصلاة لابد من الحكم ببطلانهما إذ لا واقع لما أتى به لعدم كونهما مقيدين بذاك القيد. إلا أن ذكرنا أن الوضوء والغسل طبيعة واحدة وشئ فارد لا يقبل التقييد وانما يمكن فيهما تخلف الداعي والخطأ في التطبيق ومعه لابد من الحكم بصحتهما. فتحصل: أن الغسل أو الوضوء محكومان بالصحة على جمع التقادير المذكورة سوى ما وقع على وجه التشريع. إلى هنا نختم الكلام في هذا الجزء حامدين مصلين ونشرع الجزء العاشر من المسألة (30) التيمم لاجل الضيق مع وجدان الماء... ان شاء الله

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية